######OpenITI# #META# URI: 1450ShahabYasin.HayatSabayaWaNisa.Hindawi73153790 #META# Tags: literature #META# ID: 73153790 #META# Title: حياة الصبايا والنساء #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 53609040 #META# Editor: هبة نجيب مغربي #META# TranslatorID: 31862463 :: 20926903 #META# Translator: شهاب ياسين :: سهى الشامي #META# Related_books: 1450AliceMunro.LivesOfGirlsAndWomen (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # طريق فلاتس‏ # ورثة الجسد الحي‏ # الأميرة إيدا‏ # عصر الإيمان‏ # تغيرات واحتفالات‏ # حياة الصبايا والنساء‏ # التعميد‏ # الخاتمة: المصور‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # طريق فلاتس‏ # ورثة الجسد الحي‏ # الأميرة إيدا‏ # عصر الإيمان‏ # تغيرات واحتفالات‏ # حياة الصبايا والنساء‏ # التعميد‏ # الخاتمة: المصور‏ # | حياة الصبايا والنساء # | حياة الصبايا والنساء # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # سهى الشامي # شهاب ياسين # مراجعة # هبة نجيب مغربي # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # تتمتع أليس مونرو بموهبة فذة في إماطة اللثام عن الجوانب الاستثنائية في الأمور التي ~~تبدو عادية. # مجلة «نيوزويك» # أليس مونرو واحدة من أكثر الأدباء المعاصرين بلاغة وموهبة. # صحيفة «ذا نيويورك تايمز» # نجحت أليس مونرو في تصوير الشخصيات بواقعية مذهلة وبلمسة من التعاطف جعلتها أقرب ما ~~تكون إلى الواقع. # مجلة «ذا نيويوركر» # رائعة ... تصوير جريء وطريف لحياة الفتيات ... متعة حقيقية في القراءة! # مجلة «إم إس» # إلى جيم # | طريق فلاتس # قضينا أياما على ضفاف نهر واواناش نساعد العم بيني في الصيد. كنا نصطاد له الضفادع، ~~نتتبعها ونطاردها ونتسلل خلفها على ضفة النهر الموحلة، تحت أشجار الصفصاف وفي الأغوار ~~الموحلة الملأى بأسماك ذيل الفأر ونباتات السيف التي تترك في سيقاننا العارية جروحا دقيقة ~~غير مرئية في بادئ الأمر. كانت الضفادع الكبيرة في السن تفهم جيدا أن عليها الابتعاد عن ~~طريقنا، ولكننا لم نكن نسعى خلفها هي، بل كانت الضفادع الخضراء الصغيرة النحيلة، وتلك ~~الفتية الغضة هي ما نبحث عنه. كانت باردة ولزجة، وكنا نضمها برفق في أيدينا ثم نغمسها في ~~إناء عسل ونضع الغطاء فوقها، وتظل قابعة هناك حتى يصبح العم بيني مستعدا لوضعها في ~~الصنارة. # لم يكن العم بيني عمنا حقا، أو عم أي أحد. # كان يقف قريبا في المياه البنية الضحلة حيث يحل الحصى والرمال محل القاع الموحل، وكان ~~يرتدي نفس الثياب كل يوم وأينما رأيته؛ ذلك الحذاء المطاطي ذا الرقبة، والرداء السروالي ~~(الأفرول) بلا قميص، وسترة ذات أزرار لونها أسود باهت بها فتحة عنق على شكل رقم 7، تكشف عن ~~بشرة ms001 حمراء خشنة حافتها بيضاء رقيقة، بالإضافة إلى قبعة من اللباد على رأسه بها وشاح دقيق ~~وريشتان صغيرتان اكتسبتا لونا داكنا من العرق. # مع أنه لم يكن يلتفت قط كان يعلم إذا ما وضعنا أقدامنا في الماء. ~~«أيها الأطفال، إذا كنتم ترغبون في الخوض في الوحل وإخافة الأسماك، فاذهبوا وافعلوا ذلك ~~في مكان آخر، ابتعدوا عن ضفة النهر الخاصة بي.» # ولكنها لم تكن ضفة النهر الخاصة به، بل هنا بالضبط حيث كان يصطاد عادة، كانت ملكنا نحن، ~~ولكننا لم نفكر في ذلك قط. بالنسبة له، كان النهر والدغل ومستنقع جرينوش بأكمله تقريبا ~~ملكا له؛ لأنه كان يعرفها أفضل من أي شخص آخر. وكان يزعم أنه الشخص الوحيد الذي توغل في ~~المستنقع، ولم يقم بمجرد رحلات قصيرة حول حافته، وقال إنه توجد حفرة من الرمال المتحركة ~~هناك يمكنها ابتلاع شاحنة تزن طنين كما لو كانت لقمة واحدة في وجبة الإفطار. (وفي ~~خيالي رأيتها تلمع وبها أسطوانة جافة سائلة، فقد اختلط علي الأمر مع الزئبق.) وقال أيضا ~~إنه ثمة فجوات في نهر واواناش يصل عمقها إلى عشرين قدما في منتصف الصيف، وقال إنه يمكنه ~~اصطحابنا إليها، ولكنه لم يفعل قط. # وكان مستعدا للشعور بالإهانة عند أدنى بادرة من الشك. ~~«عندما تسقطون في إحداها، سوف تصدقونني.» # كان للعم بيني شارب أسود كثيف، وعينان قاسيتان، ووجه حاد لا يخلو من بعض الرقة. ولم يكن ~~عجوزا كما توحي ثيابه العتيقة وشاربه وعاداته، بل كان ذلك النوع من الرجال الذي يصبح غريب ~~الأطوار بشدة قبل أن تنتهي سنوات مراهقته. وفي كل أقواله وتوقعاته وأحكامه، كان ثمة عاطفة ~~قوية؛ فذات مرة، كان في فناء منزلنا وعندما نظر إلى قوس قزح، بكى قائلا: «أتعلمون ما هذا؟ ~~إنه وعد الإله بأنه لن يكون ثمة طوفان آخر أبدا!» وأخذ يرتجف لشعوره بأهمية هذا الوعد كما ~~لو أنه قد قطع للتو، وكان هو شخصيا حامله. # وعندما كان ينتهي من اصطياد ما يكفيه من الأسماك (كان يلقي أسماك القاروس الأسود في البحر ~~مرة ms002 أخرى، ويحتفظ بأسماك الشوب والزعنفة الحمراء قائلا إن أسماك الزعنفة الحمراء لذيذة ~~المذاق، مع أنها مليئة بالأشواك كما تمتلئ وسادة الدبابيس بالدبابيس)، كنا نخرج جميعا من ~~مجرى النهر الهادئ ونتجه عبر الحقول نحو منزله. كنت أنا وأوين نسير حفاة الأقدام بسهولة على ~~القش، وأحيانا كان كلبنا الانطوائي ميجور يتبعنا على بعد مسافة. وبعيدا عند حافة الدغل - ~~الذي يتحول بعد ميل إلى مستنقع - يقع منزل العم بيني؛ وهو عبارة عن منزل من ألواح قديمة ~~طويلة فضية غير مطلية، حولتها حرارة الصيف إلى لون شاحب، وللمنزل ستائر خضراء داكنة متشققة ~~ومتمزقة مرخية على كل النوافذ. وكان الدغل خلفه أسود اللون، حارا، كثيف الشجيرات ذات ~~الأشواك ومليئا بالحشرات التي تحوم في دوائر. # وبين المنزل والدغل كان ثمة العديد من الحظائر التي كان يحتفظ فيها العم بيني دائما ببعض ~~الحيوانات؛ مثل نمس ذهبي شبه أليف، واثنين من حيوان المنك البري، وأنثى ثعلب أحمر قطعت ~~ساقها في مصيدة، فكانت تعرج وتعوي ليلا، وكان اسمها داتشيس. أما حيوانات الراكون، فلم يكن ~~العم بيني بحاجة لحظائر يضعها فيها؛ إذ كانت تعيش حول الفناء وفي الأشجار، وكانت أكثر وداعة ~~من القطط وتأتي إلى باب المنزل كي تحصل على الطعام، وكانت مغرمة بمضغ العلكة. وكانت ~~السناجب تأتي أيضا وتجلس بجرأة على أفاريز النوافذ، وتبحث عن الطعام في أكوام الصحف ~~الموجودة على الشرفة. # كان ثمة أيضا حظيرة منخفضة العمق من نوع ما، أو - بمعنى أدق - تجويف في التراب إلى جانب ~~حائط المنزل مثبت حوله - باستخدام مسامير - على الجوانب الثلاثة الأخرى ألواح يبلغ ارتفاعها ~~حوالي قدمين؛ إنه المكان الذي يحتفظ فيه العم بيني بالسلاحف. ففي صيف أحد الأعوام، ترك العم ~~بيني كل شيء وخرج ليصطاد السلاحف، وقال إنه سوف يبيعها لشخص أمريكي من ديترويت سوف يدفع له ~~خمسة وثلاثين سنتا لكل رطل. # قال العم بيني وهو يتدلى فوق حظيرة السلاحف: «سيصنعون منها حساء.» فعلى قدر ما كان العم ~~بيني يستمتع بترويض الحيوانات وإطعامها، كان يستمتع بمصائرها المؤلمة. ~~«حساء السلاحف!» ~~«للأمريكيين»، قالها ms003 العم بيني كما لو كان هذا يفسر الأمر، مستأنفا: «ولكنني شخصيا لم ~~أكن لأمسه.» # ولم تسفر هذه الخطة عن شيء، سواء كان ذلك لأن ذلك الأمريكي لم يظهر، أو لأنه لم يوافق على ~~المبلغ الذي حدده العم بيني، أو لأن الأمر برمته لم يكن سوى إشاعة من الأساس. وبعد بضعة ~~أسابيع، كان العم بيني لا يبدي أي تعبير إذا ذكرت السلاحف، بل يقول: «إنني لم أعد أشغل نفسي ~~بهذا الأمر.» كما لو كان يشفق عليك لكونك ما زلت منشغلا بمثل هذا الأمر القديم. # كان العم بيني يجلس على مقعده المفضل خلف باب مطبخنا مباشرة - وكان يجلس كما لو كان لا ~~وقت لديه للجلوس أو لا يرغب في إزعاج أحد، ويرحل في أسرع وقت - وكان دائما في جعبته أخبار ~~عن مغامرة تجارية، وهي دائما مغامرة غير عادية، يكسب منها أشخاص لا يسكنون بعيدا - في ~~جنوب المقاطعة أو في بلدة جرانتلي القريبة - مبالغ خرافية؛ فكانوا مثلا يربون أرانب ~~الشانشيلا، أو الببغاء الأسترالي، ويكسبون عشرة آلاف دولار في العام دون بذل أي مجهود ~~تقريبا. ولعل السبب الذي جعله يستمر في العمل لدى والدي، مع أنه لم يستمر بانتظام في أي ~~عمل آخر، هو أن والدي كان يربي الثعالب الفضية، وهو مشروع به شيء غير عادي ومحفوف بالمخاطر، ~~ويحمل أملا خفيا براقا - لا يتحقق قط - بإمكانية تحقيق ثروة. # كان ينظف السمك في شرفته، وإذا شعر برغبة في تناول الطعام كان يقلي بعض السمك على الفور ~~في مقلاة بها طبقات من الدهون العتيقة التي تطلق الكثير من الدخان، ويأكل من المقلاة ~~مباشرة. ومهما كان الجو حارا أو مشمسا بالخارج، كان يترك النور مضاء؛ مصباحا واحدا ~~يتدلى من السقف، غير أن الفوضى الجامحة التي تسيطر على المكان والتراب من شأنهما أن يبتلعا ~~أي بصيص للضوء. # وفي طريقنا أنا وأوين للعودة إلى المنزل، كنا نحاول أحيانا إحصاء الأشياء التي يملكها في ~~منزله أو حتى في مطبخه فحسب. ~~«جهازان لتحميص الخبز؛ أحدهما ذو أبواب والآخر تضع الخبز فوقه ms004 .» ~~«مقعد سيارة.» ~~«حشية فراش مطوية، وأكورديون.» # ولكننا لم نكن نستطيع إحصاء نصف الأشياء، وكنا نعلم ذلك، فما كنا نذكره كان يمكن أن يؤخذ ~~من المنزل ولن يكتشف العم بيني غيابه قط، فما هي سوى حفنة أشياء بارزة على سطح ثروة هائلة ~~من الحطام؛ كومة ضخمة مظلمة متعفنة من السجاد، والمشمع، وقطع من الأثاث، وأجزاء من آلات، ~~ومسامير، وأسلاك، وأدوات، ومعدات. كان ذلك هو المنزل الذي عاش فيه والدا العم بيني طوال ~~حياتهما الزوجية. (كنت بالكاد أتذكرهما، عجوزان ضخما الجثة شبه كفيفين يجلسان في الشرفة في ~~ضوء الشمس، ويرتديان طبقات عديدة من الثياب الداكنة المتنافرة.) وهكذا فإن جزءا من تلك ~~الأكوام عمره تقريبا خمسون عاما أو نحو ذلك من الحياة العائلية، ولكنه يشمل أيضا الأشياء ~~التي يتخلص منها الآخرون، أو أشياء كان العم بيني يطلبها من الغير ويحصل عليها، أو حتى ~~يجرها بمشقة من مقلب نفايات مدينة جوبيلي. ويقول إنه يأمل في إصلاح تلك الأشياء وجعلها ~~قابلة للاستخدام وبيعها، فلو كان يعيش في مدينة، كان سيدير متجرا ضخما للخردة ويقضي حياته ~~بين أكوام الأثاث المتسخ والأجهزة التالفة والأطباق المكسورة، وصور أقارب الآخرين التي ~~تراكم فوقها التراب. لقد كان يرى قيمة وأهمية للحطام في حد ذاته، ولكنه كان يتظاهر - أمام ~~نفسه وأمام الآخرين على حد سواء - أنه يقصد الاستفادة منه على نحو عملي. # ولكن ما كنت أفضله في منزله ولا أمل منه أبدا هو أكوام الصحف المتراكمة على الشرفة. لم ~~يكن لديه جريدة «هيرالد أدفانس» الخاصة بمدينة جوبيلي، أو جريدة المدينة التي تصل لصندوق ~~البريد لدينا بعد صدورها بيوم، ولم يكن مشتركا في «فاميلي هيرالد» أو «ذا ساترداي إيفينينج ~~بوست»، ولكن صحيفته كانت تأتي مرة في الأسبوع، وكانت سيئة الطباعة على ورق خشن وتبرز ~~العناوين الرئيسية بخط ارتفاعه ثلاث بوصات. وكانت تلك الصحيفة هي نافذته الوحيدة لمعرفة ~~أخبار العالم الخارجي؛ إذ نادرا ما كان لديه مذياع يعمل، وقد كان ذلك العالم مختلفا عن ~~ذلك الذي يقرأ والداي عنه في الصحف أو يسمعان ms005 عنه في الأخبار اليومية. فلم تكن العناوين ~~الرئيسية لها علاقة بالحرب التي كانت قد بدأت في ذلك الوقت، أو بالانتخابات، أو موجات ~~الحرارة، أو الحوادث، بل كانت كالتالي: # أب يطعم ابنتيه التوءمين للخنازير # امرأة تلد قردا بشريا # رهبان مخبولون يغتصبون عذراء على الصليب # امرأة ترسل جسم زوجها في البريد # كنت أجلس وأقرأ على حافة الشرفة المتهاوية وقدماي تداعبان نبات قرنفل الشاعر، الذي لا بد ~~أن والدة العم بيني هي التي زرعته، وأخيرا يقول العم بيني: «يمكنك أخذ تلك الصحف معك إذا ~~أردت، فقد انتهيت من قراءتها كلها.» # ولكنني كنت أعقل من أن أفعل ذلك، كنت أقرأ أسرع وأسرع كل ما يقع تحت يدي، ثم أتهادى في ~~السير تحت أشعة الشمس على الممر الذي يقود إلى منزلنا عبر الحقول. كنت مزهوة وأشعر بالإثارة ~~الشديدة من مظاهر الشر، من تقلبه وقدرته على الابتكار ومزاحه المروع، ولكنني كلما اقتربت من ~~منزلنا، كانت تلك الصورة تخبو. لماذا كان الحائط الخلفي البسيط لمنزلنا، والطوب الباهت ~~المتكسر، والرصيف الإسمنتي خارج باب المطبخ، والأحواض المثبتة بمسامير، والمضخة، وشجيرة ~~الليلك ذات الأوراق المنقطة باللون البني؛ لماذا كان كل هذا يثير الشكوك في أن هناك امرأة ~~يمكنها بالفعل إرسال جسم زوجها مغلفا بورق هدايا عيد الميلاد إلى عشيقته في كارولاينا ~~الجنوبية عن طريق البريد؟ # كان منزلنا يقع في نهاية طريق فلاتس الذي يمتد غربا من «متجر باكلز» عند أطراف المدينة. ~~كان ذلك المتجر - الخشبي المتهاوي الشديد الضيق من الأمام إلى الخلف كما لو كان صندوقا من ~~الورق المقوى يقف على جانبه، والمغطى على نحو عشوائي بلافتات معدنية ومطلية تعلن عن منتجات ~~مثل: الدقيق والشاي والشوفان المطحون والمشروبات الغازية والسجائر - علامة على انتهاء حدود ~~المدينة؛ فالأرصفة وأضواء الشوارع والأشجار الظليلة المصطفة وعربات بائعي اللبن وبائعي ~~الثلج ومسابح الطيور وأحواض الورود والشرفات ذات مقاعد الخيزران التي تشاهد منها السيدات ~~الشوارع، وكل تلك المظاهر المتحضرة اللطيفة؛ قد انتهت، فكنا نسير (أنا وأوين أثناء عودتنا ~~من المدرسة، أو أنا وأمي أثناء عودتنا من ms006 التسوق بعد ظهيرة أيام السبت) في طريق فلاتس ~~الواسع المتعرج دون أي ظلال من متجر باكلز حتى منزلنا بين الحقول المغطاة بالأعشاب الصفراء ~~بلون الهندباء البرية أو الخردل البري أو القضبان الذهبية بحسب الموسم. كانت المنازل هنا ~~على مسافات أبعد من بعضها، وتبدو عامة كما لو كانت أكثر إهمالا وفقرا وغرابة من منازل ~~المدينة، حيث يمكنك أن تجد نصف حائط مطليا، في حين لم تمس يد الطلاء النصف الآخر، والسلم ~~الخشبي متروكا قائما في مكانه، وآثار شرفة محطمة تركت مكشوفة، وباب منزل أماميا يرتفع ~~عن الأرض ثلاثة أقدام بلا درج، ونوافذ مغطاة بأوراق الصحف التي تحولت إلى اللون الأصفر ~~بدلا من الستائر. # لم يكن طريق فلاتس جزءا من المدينة، ولكنه لم يكن أيضا جزءا من الريف؛ إذ إن منحنى ~~النهر ومستنقع جرينوش يعزلانه عن بقية البلدة التي ينتمي إليها اسما، فلم تكن ثمة مزارع ~~حقيقية إلا المزرعتين الموجودتين في منزلي العم بيني وعائلة بوتر، اللتين تبلغ مساحتهما ~~خمسة عشر وعشرين فدانا على التوالي، غير أن مزرعة العم بيني كانت تمتد لتصل إلى الدغل. ~~وكان أبناء آل بوتر يربون الغنم، وكنا نحن نملك تسعة أفدنة ونربي الثعالب، ومعظم الناس هنا ~~لديهم فدان واحد أو اثنان والقليل من الماشية؛ عادة بقرة وبعض الدجاج وأحيانا شيء أكثر ~~غرابة لا يوجد في مزرعة عادية. كان لدى أبناء آل بوتر عائلة من الماعز يطلقونها كي ترعى على ~~طول الطريق. وكان ساندي ستيفنسون الأعزب يملك حمارا رماديا صغيرا - يشبه الصور ~~الإيضاحية لإحدى قصص الإنجيل - يرعى في الركن المغطى بالحصى من أحد الحقول. ولم يكن مشروع ~~والدي بالشيء الغريب ها هنا. # كان ميتش بليم وأبناء آل بوتر يعملون بتهريب الكحول في طريق فلاتس، ولكن كان لكل منهم ~~نمطه الخاص؛ فآل بوتر مرحون رغم أنهم يميلون إلى العنف عندما يثملون. وقد أوصلوني أنا وأوين ~~ذات مرة من المدرسة إلى المنزل في شاحنتهم. جلسنا في الخلف نتقاذف من جانب إلى آخر؛ لأنهم ~~ينطلقون بسرعة كبيرة ويصطدمون بمطبات كثيرة، وقد ms007 حبست والدتي أنفاسها عندما سمعت بذلك. أما ~~ميتش بليم فكان يعيش في ذلك المنزل المغطاة نوافذه بأوراق الصحف، ولم يكن يتناول المشروبات ~~الكحولية هو نفسه؛ إذ إنه أصيب بالعجز من جراء إصابته بالروماتيزم، ولم يكن يتحدث مع أحد، ~~وكانت زوجته تخرج من المنزل في أي وقت من اليوم متجهة لتفحص صندوق البريد مرتدية ثوبا ~~منزليا رثا وهي حافية القدمين. وكان منزلهما بأكمله يبدو تجسيدا لشيء شرير وغامض، حتى ~~إنني لم أكن أنظر إليه مباشرة قط، وكنت أمر من أمامه وأنا أثبت عيني على الطريق أمامي ~~مباشرة وأقاوم رغبتي القوية في الركض. # كان ثمة أحمقان آخران في الطريق؛ أحدهما يدعى فرانكي هول، وكان يعيش مع شقيقه لوي هول، ~~الذي كان يدير مشروعا لإصلاح الساعات في متجر غير مطلي ذي واجهة مختفية بجوار متجر باكلز. ~~وكان بدينا وشاحبا كما لو كان منحوتا من صابون العاج، وكان يجلس في الشمس، وإلى جوار ~~نافذة المحل القذرة تنام القطط. أما الحمقاء الثانية فهي إيرين بولوكس، ولم تكن لطيفة أو ~~بلهاء مثل فرانك، بل كانت تطارد الأطفال في الطريق، وتتدلى من بوابتها وهي تصيح وتلوح ~~بذراعيها كالديك الثمل، وهكذا كان منزلها هي الأخرى مكانا خطرا للمرور من أمامه، وكان ثمة ~~أغنية يرددها الجميع: # لا تأتي خلفي يا إيرين # وإلا فسوف أعلقك من ثدييك في شجرة التفاح البري. # كنت أردد تلك الأغنية وأنا أمر مع والدتي، ولكنني كنت أملك من الحكمة ما ~~يدفعني لأن أستبدل كلمة «كعبيك» ب «ثدييك». من أين أتت تلك الأغنية؟ حتى العم بيني كان ~~يرددها. كانت إيرين ذات شعر أشيب، لم تكن طاعنة في السن ولكنها ولدت هكذا، وكانت بشرتها ~~أيضا بيضاء اللون كريش الإوز. # كان طريق فلاتس هو آخر مكان ترغب أمي في الحياة به، وفور أن تلمس قدماها رصيف المدينة ~~ترفع رأسها شاعرة بالامتنان لظلال المدينة بعد شمس طريق فلاتس الحارقة، كان يغمرها شعور ~~بالارتياح، ويتدفق منها شعور جديد بالأهمية. كانت ترسلني إلى متجر باكلز عندما ينفد أحد ~~الأغراض من منزلنا ms008 ، ولكنها كانت تقوم بالتسوق الحقيقي في المدينة. قد يكون تشارلي باكل يقطع ~~اللحم في الغرفة الخلفية عند مرورنا، وكان بوسعنا رؤيته عبر الساتر الداكن كما لو كان ~~كيانا مختبئا جزئيا في قطعة من الفسيفساء، وكنا نحني رءوسنا ونمر سريعا آملين ألا يكون ~~قد رآنا. # كانت أمي تصحح لي عندما أقول إننا نسكن في طريق فلاتس قائلة إننا نسكن «في نهاية» طريق ~~فلاتس، كما لو كان ذلك يحدث فارقا. لكنها اكتشفت لاحقا أنها لا تنتمي لجوبيلي أيضا، ~~ولكنها كانت تتمسك بها في الوقت الراهن ويغمرها الأمل والسعادة عندما تذهب إليها، وتحاول ~~جاهدة أن تجذب انتباه الآخرين إليها؛ حيث كانت تحيي السيدات اللواتي يلتفتن بوجوه متفاجئة ~~ولكن لطيفة، وتدلف إلى متجر الأقمشة والملابس الجاهزة المظلم وتجلس على أحد المقاعد الصغيرة ~~الطويلة، وتطلب من أحدهم بأدب أن يناولها كوبا من الماء بعد رحلة السير المتربة الحارة ~~تلك. وكنت أتبعها دون إحراج مستمتعة بالصخب الذي تحدثه. # لم تكن أمي محبوبة في طريق فلاتس؛ فلم تكن تخاطب الناس بلهجة ودية كما تفعل في المدينة؛ ~~حيث كانت تتعمد المجاملة الشديدة والاستخدام الملحوظ للقواعد النحوية الصحيحة. أما زوجة ~~ميتش بليم - التي كانت تعمل يوما ما في بيت السيدة ماكويد للدعارة مع أنني لم أكن أعلم ذلك ~~وقتها - فلم تكن تخاطبها على الإطلاق. كانت أمي تنحاز لجانب الفقراء في كل مكان؛ لجانب ~~الزنوج واليهود والصينيين والنساء، ولكنها لم تكن تحتمل الإفراط في الشراب أو الانحلال ~~الجنسي أو اللغة البذيئة أو الحياة العشوائية أو الرضا بالجهل، وهكذا كان عليها أن تستبعد ~~أهل طريق فلاتس من فئة المظلومين والمحرومين، من فئة الفقراء الحقيقيين الذين ما زالت ~~تحبهم. # أما أبي، فكان مختلفا؛ فالكل يحبه، وكان يحب طريق فلاتس، مع أنه لم يكن يتناول الشراب ~~تقريبا ولم يكن يتصرف بانحلال مع النساء أو يستخدم لغة بذيئة، ومع أنه كان يؤمن بالعمل ~~ويعمل بجد طوال الوقت. كان يشعر بالراحة هنا، أما أثناء وجوده مع رجال من المدينة؛ مع أي ~~شخص يرتدي قميصا وربطة ms009 عنق للذهاب للعمل، فلم يكن يملك سوى الشعور بالتوجس وبعض الفخر ~~والقلق من الإهانة، مع ذلك الاستعداد الخاص المرهف لاستشعار التظاهر الذي يعد موهبة لدى بعض ~~أهل الريف. كان قد تربى في مزرعة في عمق البلدة (على غرار أمي، ولكنها ألقت كل ذلك وراء ~~ظهرها)، ولكنه لم يكن يشعر بحميمية الوطن هناك أيضا وسط التقاليد الصعبة، والفقر الذي لا ~~يخلو من الزهو، ورتابة حياة المزرعة. فكان طريق فلاتس يمنحه ذلك الشعور بحميمية الوطن، وكان ~~العم بيني يكفيه كصديق. # كانت أمي معتادة على وجود العم بيني؛ فكان ~~يتناول طعامه في بيتنا كل يوم عند الظهيرة ما عدا يوم الأحد، وكان يلصق العلكة الخاصة به في ~~طرف الشوكة، وفي نهاية الوجبة كان ينتزعها من على الشوكة ويرينا الرسم المنقوش بدقة على ~~العلكة الملونة بلون القصدير، حتى إنه من المؤسف إضاعة الرسم بمضغها. وكان يصب الشاي في طبق ~~فنجان الشاي وينفخ فيه، وبكسرة من الخبز على الشوكة يمسح طبقه حتى يصبح نظيفا كما لو كان ~~طبق قطة لعقته عن آخره. وكان وجوده في المطبخ ينثر مزيجا من رائحة السمك والحيوانات ذات ~~الفراء والمستنقعات، وهي رائحة لم أكن أكرهها. واتباعا لعادات أهل الريف، لم يكن العم بيني ~~يخدم نفسه قط، أو يقضي ثانية من وقته في مد يد المساعدة حتى يطلب منه ذلك ثلاث ~~مرات. # وكان يروي لنا قصصا، وهي قصص غالبا ما يحدث فيها شيء ما، تصر أمي على أنه مستحيل ~~الحدوث، وذلك كما حدث في قصة زواج ساندي ستيفنسون. # تزوج ساندي ستيفنسون امرأة بدينة من الجنوب الشرقي من خارج البلاد، وكان لديها ألفا دولار ~~في البنك وتملك سيارة من طراز بونتياك، وكانت أرملة. وبمجرد أن انتقلت للعيش مع ساندي هنا ~~في طريق فلاتس منذ حوالي اثني عشر أو خمسة عشر عاما، بدأت أمور غريبة تحدث؛ حيث أخذت ~~الأطباق تتحطم وحدها على الأرض ليلا، واندفع طبق اليخنة من على الموقد وحده ملوثا حوائط ~~المطبخ، واستيقظ ساندي ليلا وهو يشعر كما لو كانت عنزة ms010 تنطحه عبر الفراش، ولكنه عندما نظر ~~أسفل الفراش لم يجد شيئا، وتمزقت أفضل ثياب النوم لدى زوجته من أعلى إلى أسفل وعقدت في حبل ~~ستارة النافذة. وفي المساء، عندما أرادا الجلوس في هدوء والحديث معا بدأ القرع على الحائط ~~بصوت مرتفع حتى إنك لا تتمكن من سماع أفكارك. وفي النهاية، قالت الزوجة لساندي إنها تعلم من ~~يفعل ذلك، إنه زوجها الراحل، غاضب منها لأنها تزوجت بعد وفاته. وقد ميزت طريقته في القرع، ~~فتلك كانت مفاصل أصابعه. فحاولا تجاهله ولكن لا فائدة، فقررا أن يذهبا في رحلة قصيرة ~~بالسيارة ورؤية ما إذا كان ذلك سوف يثنيه عن عزمه، ولكنه صحبهما في رحلتهما، فركب فوق سطح ~~السيارة وظل يدق عليه بقبضتيه ويركله ويحدث ضوضاء ويهزه، حتى إن ساندي كان يجد صعوبة في ~~الحفاظ على السيارة على الطريق. وفي نهاية الأمر، فقد ساندي أعصابه، فتوقف على جانب الطريق ~~وطلب من المرأة تولي القيادة، وكان ينوي الترجل من السيارة والسير حتى المنزل أو إيقاف ~~أية مركبة على الطريق والركوب فيها إلى المنزل، ونصحها أن تعود إلى مدينتها وتحاول أن ~~تنساه، فانفجرت المرأة في البكاء ولكنها وافقت على أن هذا هو الحل الوحيد. # تساءلت أمي بحماس: «ولكنك لا تصدق ذلك، أليس كذلك؟» وأخذت توضح أن كل ذلك مصادفات ومحض ~~تخيلات وإيحاءات ذاتية. # فرمقها العم بيني بنظرة مشفقة حادة. ~~«اذهبي واسألي ساندي ستيفنسون. لقد رأيت الكدمات، رأيتها بنفسي.» ~~«أية كدمات؟» ~~«التي حدثت له من نطح العنزة له من تحت الفراش.» # وقال أبي متفكرا كي ينهي هذا الجدال: «ألفا دولار في البنك، عليك أن تبحث عن امرأة كهذه ~~يا بيني.» # فقال العم بيني باللهجة نفسها التي تقع بين الجد والهزل: «هذا ما سوف أفعله بالضبط، يوما ~~ما عندما أتمكن من العثور على امرأة من هذا النوع.» ~~«إن العثور على امرأة كهذه ليس بالمهمة الصعبة.» ~~«هذا ما أقوله لنفسي دائما.» ~~«ولكن السؤال هو: امرأة بدينة أم نحيفة؟ البدينات غالبا ما يكن طباخات ماهرات ولكنهن ~~قد يتناولن الكثير من ms011 الطعام، ولكن بعض النحيفات أيضا كذلك، فيصعب الجزم بذلك الأمر. ~~فأحيانا يمكنك الحصول على امرأة بدينة تتغذى على دهون جسمها وتجعلك توفر، ولكن تأكد من أن ~~لديها أسنانا سليمة، إما هذا أو أنها قد اقتلعتهم جميعا ولديها طاقم جيد من الأسنان ~~الصناعية، ويفضل إذا كانت قد أجرت عملية استئصال الزائدة الدودية والمرارة أيضا.» # فقالت أمي: «إنك تتحدث كما لو أنك ستشتري بقرة.» ولكنها لم تكن تمانع في حقيقة الأمر، فقد ~~كان لديها لحظات غير متوقعة من التسامح - فقدتها فيما بعد - يلين فيها جسدها وتهيمن عليها ~~الحركات التي تنم عن اللامبالاة وهي ترفع الأطباق عن الطاولة. فقد كانت امرأة أكثر امتلاء ~~وجمالا مما صارت عليه لاحقا. # استمر أبي قائلا برصانة: «ولكنها قد تخدعك وتخبرك بأنها قد استأصلت المرارة والزائدة ~~وهما لا يزالان في مكانهما، يفضل أن تطلب رؤية آثار الندوب.» # فأصيب العم بيني بالفواق، واحمر وجهه وضحك ضحكة صامتة وهو ينحني على طبقه. ~~••• ~~«هل يمكنك الكتابة؟» طرح العم بيني هذا السؤال علي وأنا في منزله أقرأ في الشرفة، بينما ~~كان هو يفرغ أوراق الشاي من إبريق صفيح وكانت تتناثر على السياج. ~~«منذ متى وأنت تذهبين إلى المدرسة؟ وفي أي صف أنت الآن؟» ~~«سوف ألتحق بالصف الرابع.» ~~«تعالي إلى هنا.» # اصطحبني إلى مائدة المطبخ وأزال مكواة كان يقوم بإصلاحها وقدرا مثقوبا من القاع، وأحضر ~~دفترا جديدا وزجاجة من الحبر وقلم حبر قائلا: «هلا مارست بعض التدريب على الكتابة من ~~أجلي هنا؟» ~~«ماذا تريدني أن أكتب؟» ~~«لا يهم، إنني أريد أن أرى كيف تقومين بذلك فحسب.» # فكتبت اسمه وعنوانه بالكامل: «السيد بنجامين توماس بول، طريق فلاتس، جوبيلي، بلدة ~~واواناش، أونتاريو، كندا، أمريكا الشمالية، نصف الكرة الأرضية الغربي، العالم، المجموعة ~~الشمسية، الكون.» أخذ يقرأ من فوق كتفي، وقال بحدة: «وأين موقع كل هذا بالنسبة للسماء؟ لم ~~تكتبي ما يكفي، أليست السماء خارج الكون؟» ~~«إن الكون يعني كل شيء، إنه كل ما هو موجود.» ~~«حسنا، أتعتقدين أنك تعلمين الكثير. ماذا هناك عندما تصلين إلى نهاية ms012 كل ذلك؟ لا بد أن ~~ثمة شيئا ما هناك وإلا فلا توجد نهاية، يجب أن يكون ثمة شيء كي تكون نهاية، أليس ~~كذلك؟» # فقلت بارتياب: «ليس ثمة شيء.» ~~«بلى ثمة شيء، إنها السماء.» ~~«حسنا، وماذا هناك عندما تصل إلى نهاية السماء؟» # فقال العم بيني بنبرة انتصار: «لا يمكنك الوصول إلى نهاية السماء لأن الإله هناك!» وألقى ~~نظرة عن كثب على خطي الذي كان دائريا مرتعشا مترددا، وقال: «حسنا، أي شخص يمكنه قراءة ~~ذلك بسهولة، أريدك أن تجلسي هنا وتكتبي لي خطابا.» # كان العم بيني يعرف القراءة جيدا ولكنه لم ~~يكن يعرف الكتابة، وكان يقول إن المعلمة في المدرسة قد ضربته مرارا وتكرارا محاولة غرس ~~مهارة الكتابة بداخله، وكان يحترمها لذلك، ولكنها لم تنجح في ذلك قط. وعندما كان يحتاج ~~لكتابة خطاب كان يطلب مساعدة أبي أو أمي في ذلك. # كان ينظر من فوق كتفي ليرى ما كتبته في أعلى الورقة، وكنت قد كتبت طريق فلاتس، جوبيلي، ~~22 أغسطس 1942، وقال: «هذا صحيح، هكذا تكون كتابة الخطاب! والآن اكتبي: «سيدتي ~~العزيزة».» # فقلت: «الخطاب يبدأ ب «عزيزي» أو «عزيزتي» ثم اسم الشخص، ما لم يكن خطاب عمل فإنه يبدأ ب ~~«سيدي العزيز» أو «سيدتي العزيزة». هل هو خطاب عمل؟» ~~«نعم ولا في نفس الوقت، اكتبي «سيدتي العزيزة».» # فتساءلت بضيق: «ما اسمها؟ يمكنني كتابة اسمها بسهولة فحسب.» ~~«لا أعرف اسمها.» ثم أحضر العم بيني بنفاد صبر الجريدة إلي وفتحها على صفحة الإعلانات ~~المبوبة، وهو قسم لم أصل إليه من قبل، ووضعها أمام عيني. # سيدة لديها طفل واحد ترغب في الحصول على وظيفة مديرة منزل لرجل في منزل ريفي هادئ، ~~مغرمة بحياة الريف، ومستعدة للزواج إذا كان ذلك مناسبا. ~~«هذه هي السيدة التي أكتب لها، فماذا عساي أن أفعل سوى أن أناديها ~~سيدتي؟» # فاستسلمت وكتبت ما أملاني، ووضعت فاصلة كبيرة بعناية، وانتظرت كي أبدأ الخطاب من تحت حرف ~~«الياء» في كلمة «عزيزتي» بالضبط كما تعلمنا في المدرسة. # فقال العم بيني بسرعة: «سيدتي العزيزة، أكتب هذا ms013 الخطاب ...» # أكتب هذا الخطاب ردا على إعلانك بالجريدة التي تصلني عن طريق البريد. إنني رجل في ~~السابعة والثلاثين من عمري، أعيش وحيدا في أرضي التي تبلغ مساحتها خمسة عشر فدانا في ~~نهاية طريق فلاتس، وبها منزل جيد ذو أساس حجري بجوار الدغل، وهكذا فإن الحطب لا ينفد من ~~عندنا أبدا في الشتاء. وثمة بئر ضخمة محفورة بعمق ستين قدما وخزان. وفي الدغل ثمة ~~كم كبير من ثمار التوت أكبر مما يمكنك تناوله، والكثير من الأسماك في النهر، ويمكنني ~~زراعة حديقة خضروات كبيرة إذا تمكنت من إبعاد الأرانب. ولدي أنثى ثعلب أليفة في حظيرة ~~بجوار المنزل ونمس واثنان من حيوان المنك، بالإضافة إلى حيوانات الراكون والسناجب ~~والصيدناني التي تحيط بالمنزل طوال الوقت. كما أرحب بوجود طفلك، ولكنك لم تقولي ما إذا ~~كان صبيا أم فتاة، فإذا كان صبيا فيمكنني أن أعلمه الصيد ونصب الشراك. إنني أعمل ~~لدى رجل يربي الثعالب الفضية في الأرض المجاورة لهذا المنزل، وزوجته امرأة متعلمة إذا ~~رغبت في زيارتها. أتمنى أن أتلقى خطابا منك قريبا. المخلص: بنجامين توماس بول. # وفي غضون أسبوع، كان العم بيني قد استلم ردا على خطابه. # السيد بنجامين بول، أكتب إليك بالنيابة عن شقيقتي السيدة مادلين هووي كي أخبرك ~~بأنها توافق على عرضك ومستعدة للقدوم في أي وقت بعد الأول من سبتمبر. ما هي خطوط ~~الحافلات أو القطارات التي تصل إلى جوبيلي؟ أو قد يكون من الأفضل أن تأتي أنت إلى ~~هنا، سوف أكتب عنواننا بالكامل في نهاية الخطاب، ومنزلنا لا يصعب الوصول إليه. ~~وشقيقتي لديها فتاة لا صبي، عمرها 18 شهرا واسمها ديان. سوف أنتظر ردك. المخلص ~~ماسون هووي، 121 شارع شالمرز، كيتشنر، أونتاريو. # عندما أرانا العم بيني هذا الخطاب ونحن نجلس إلى طاولة العشاء قال والدي: «حسنا، إنها ~~مخاطرة. ما الذي يجعلك تعتقد أنها المرأة التي تريدها؟» ~~«لست أرى أي ضرر في إلقاء نظرة عليها.» ~~«يبدو لي كما لو كان شقيقها يرغب في التخلص منها.» # فقالت أمي بحزم: «اصطحبها إلى طبيب ms014 كي تجري لها فحصا طبيا.» # فأكد العم بيني أنه سوف يقوم بذلك، ثم تمت الترتيبات بعد ذلك بسرعة؛ فابتاع العم بيني ~~لنفسه ثيابا جديدة وطلب اقتراض السيارة كي يقودها إلى كيتشنر، ورحل في الصباح الباكر ~~مرتديا حلة خضراء فاتحة وقميصا أبيض اللون وربطة عنق بالألوان الأخضر والأحمر والبرتقالي، ~~وقبعة من اللباد لونها أخضر داكن، وحذاء باللونين البني والأبيض. وكان قد حلق شعره وهذب ~~شاربه واغتسل، فبدا غريبا شاحبا مضحيا بنفسه. # قال والدي: «ابتهج يا بيني، فلست ذاهبا إلى منصة الإعدام. إذا لم يعجبك الحال، استدر وعد ~~إلى المنزل على الفور.» # عبرت أنا وأمي الحقول حاملتين ممسحة ومقشة ووعاء للقمامة وصندوقا من الصابون ومنظف أولد ~~داتش، ولكن أمي لم تدخل ذلك المطبخ من قبل، وقد هالها ما رأته بالفعل. فبدأت ترمي بالأشياء ~~من الشرفة، ولكنها بعد فترة أدركت أنه لا جدوى من ذلك، فقالت: «إننا بحاجة لحفر حفرة ونضع ~~كل ذلك فيها.» وجلست على الدرج واضعة عصا المقشة تحت ذقنها كما لو كانت إحدى ساحرات القصص ~~الخيالية، وبدأت تضحك قائلة: «إذا لم أضحك فسوف أبكي، تخيلي لو أتت إلى هنا فلن تبقى ~~أسبوعا، وسوف تعود إلى كيتشنر ولو سيرا على الأقدام، أو سوف تلقي بنفسها في ~~النهر.» # نظفنا الطاولة ومقعدين وجزءا في منتصف الأرض بقوة، ومسحنا الموقد وأسقطنا بيوت العنكبوت ~~من على المصباح. انتقيت باقة من زهور القضبان الذهبية ووضعتها في إبريق في منتصف ~~المائدة. # قالت أمي: «لماذا نغسل النافذة ونجعل رؤية المزيد من الكوارث الموجودة بالداخل ~~أسهل؟» # وعندما عدنا إلى المنزل قالت أمي: «حسنا، أظن أنني أتعاطف مع المرأة الآن.» # وبعد حلول الظلام، ألقى العم بيني المفاتيح على المائدة، ونظر إلينا نظرة من عاد إلى ~~المنزل بعد رحلة طويلة لا يمكنه أن يقص علينا مغامراتها بصورة لائقة، مع أنه يعلم أن عليه ~~أن يحاول. # تساءل أبي مشجعا: «هل تفاهمتما؟ هل تسببت لك السيارة في أية مشاكل؟» ~~«كلا يا سيدي، لم تسبب السيارة أية مشاكل، خرجت عن الطريق مرة واحدة، ولكنني ms015 لم أكن قد ~~ابتعدت عندما اكتشفت ما فعلته.» ~~«هل نظرت في الخريطة التي أعطيتك إياها؟» ~~«كلا، فقد رأيت سائق جرار وسألته وأرشدني للطريق العكسي.» ~~«إذن وصلت إلى هناك بسهولة؟» ~~«نعم بالفعل وصلت إلى هناك بسهولة.» # تدخلت أمي قائلة: «ظننت أنك سوف تحضر السيدة هووي معك لاحتساء فنجان من الشاي.» ~~«إنها متعبة قليلا من الرحلة، وعليها أن تضع الطفلة في فراشها.» # فقالت أمي بأسى: «الطفلة! لقد نسيتها، أين ستنام؟» ~~«سوف نجهز لها مكانا للنوم. أعتقد أن لدي مهدا في مكان ما وسوف أحاول وضع بعض الألواح ~~الجديدة به.» وخلع قبعته كاشفا عن الخط الأحمر في جبهته التي تتصبب عرقا ثم قال: «كنت ~~سأخبركم أنها لم تعد السيدة هووي بل أصبحت السيدة بول.» ~~«حسنا، مبارك يا بيني. أتمنى لكما السعادة. يبدو أنك قد حسمت أمرك منذ اللحظة التي ~~رأيتها فيها، أليس كذلك؟» # فضحك العم بيني ضحكة خافتة متوترة. ~~«لقد كان الجميع هناك، كانوا قد أعدوا لحفل الزفاف قبل أن أصل هناك، كان القس هناك ~~ينتظرني، وابتاعوا الخاتم واتفقوا مع أحدهم كي يحضر عقد الزواج في عجلة. لقد رأيت أنهم ~~كانوا مستعدين وأعدوا كل شيء للزفاف. نعم يا سيدي، لم يغفلوا أمرا واحدا.» ~~«إذن، أنت الآن رجل متزوج يا بيني.» ~~«نعم بالفعل أنا رجل متزوج الآن.» # فقالت أمي بجرأة: «حسنا، عليك أن تحضر العروس كي ترانا.» وكان استخدامها لكلمة العروس ~~مفاجئا؛ حيث استحضر في أذهاننا صورة الطرحة البيضاء الطويلة والورود والاحتفال، وهي صور لا ~~تنطبق هنا. فأجاب العم بيني قائلا إنه سوف يفعل بالتأكيد، فور أن تلتقط أنفاسها بعد ~~الرحلة، نعم سوف يحضرها بالطبع. # ولكنه لم يفعل، ولم تظهر مادلين قط. واعتقدت أمي أنه سوف يذهب لتناول العشاء في منزله، ~~ولكنه ظل يأتي إلى مطبخ منزلنا كالعادة، فسألته قائلة: «كيف حال زوجتك؟ كيف تتدبر أمورها؟ ~~هل تعرف كيف تتعامل مع هذا النوع من المواقد؟» وكان هو يجيب على كل التساؤلات بإيجاب غامض ~~وهو يضحك ضحكة خافتة ويهز رأسه. # وفي المساء عندما أنهى عمله ms016 قال لي: «أترغبين في رؤية شيء جديد؟» ~~«ماذا؟» ~~«تعالي وسوف ترين.» # تبعته أنا وأوين عبر الحقول حتى استدار وأوقفنا عند حدود فناء منزله. # فقلت: «أوين يرغب في رؤية النمس.» ~~«عليه أن ينتظر حتى وقت آخر، لا تقتربا أكثر من ذلك.» # وبعد قليل خرج من المنزل حاملا طفلة صغيرة، فأصبت بخيبة الأمل، فلم تكن سوى طفلة صغيرة. ~~فأجلسها على الأرض، فانحنت وهي تتمايل والتقطت ريشة غراب. # قال العم بيني وهو يداعب الطفلة: «أخبرينا باسمك. ما اسمك؟ هل هو ديان؟ أخبري الطفلين ~~باسمك.» # ولكنها لم تقل شيئا. ~~«يمكنها أن تتحدث جيدا إذا أرادت، يمكنها أن تقول ماما وبيني وديان وأريد الماء، أليس ~~كذلك؟ هل تريدين الماء؟» # خرجت فتاة ترتدي سترة حمراء إلى الشرفة. ~~«تعال إلى هنا!» # هل كانت تنادي ديان أم العم بيني؟ كان صوتها يحمل نبرة تهديد، فحمل العم بيني الفتاة ~~الصغيرة وقال لنا بهدوء: «من الأفضل لكما أن تنطلقا مسرعين إلى المنزل الآن، ويمكنكما ~~الحضور لرؤية النمس في يوم آخر.» ثم اتجه إلى المنزل. # وفي يوم آخر، رأيناها من مسافة ترتدي نفس السترة الحمراء في طريقها إلى متجر باكلز. كانت ~~يداها في جيوب سترتها ورأسها محنيا، وساقاها الطويلتان تتقاطعان كالمقص. وقابلتها أمي ~~أخيرا في المتجر، وفعلت ذلك عن عمد، فقد رأت العم بيني بالخارج يحمل ديان وسألته عما ~~يفعل هناك، فأجاب: «إننا ننتظر والدتها.» # فدخلت أمي إلى المتجر وذهبت إلى حيث كانت الفتاة تقف لسداد الحساب، بينما كان تشارلز باكل ~~يكتب لها الفاتورة. # وقدمت نفسها قائلة: «لا بد أنك السيدة بول.» # لم تقل الفتاة شيئا، ولكنها نظرت إلى أمي، وكانت قد سمعت ما قالته، ولكنها لم تنبس ببنت ~~شفة، فنظر تشارلي باكل إلى أمي. ~~«أعتقد أنك كنت مشغولة بالاستقرار في المنزل الجديد، عليك أن تأتي لزيارتي متى ~~تشائين.» ~~«إنني لا أسير على الطرق المفروشة بالحصى ما لم أكن مضطرة لذلك.» # فقالت أمي: «يمكنك أن تأتي عبر الحقل.» ولكنها لم تقل ذلك إلا لأنها لم ترغب في مغادرة ~~المكان قبل أن ms017 تجعل الكلمة الأخيرة لها، وليس لهذه الفتاة. # قالت لوالدي: «إنها طفلة، لا يتعدى عمرها سبعة عشر عاما، لا يمكن أن يكون أكثر من ذلك، ~~وترتدي نظارة طبية، وشديدة النحافة. إنها ليست حمقاء، وليس هذا هو ما دفعهم للتخلص منها، ~~ولكنها ربما تعاني من اضطراب عقلي ما أو على شفا ذلك. مسكين أنت يا بيني. ولكنها قد أتت ~~لتعيش في المكان المناسب، فسوف تتلاءم مع طريق فلاتس.» # وكانت قد بدأت تصبح معروفة بالفعل؛ فقد طاردت إيرين بولوكس في فناء منزلها وعلى الدرج ~~أيضا وجعلتها تركع على ركبتيها، وأمسكتها من شعرها الأبيض بكلتا يديها. هذا ما يردده ~~الناس. لذا قالت أمي: «لا تذهبا إلى هناك، دعكما من النمس، فلست أرغب في أن يتشوه ~~أحدكما.» # ولكنني مع ذلك ذهبت، ولم أصطحب أوين معي لأنه سوف يخبر أمي. ظننت أنني سوف أقرع الباب ~~وأسأل بطريقة مهذبة عما إذا كان بإمكاني قراءة الصحف في الشرفة، ولكن قبل أن أصل إلى الدرج ~~فتح الباب وخرجت مادلين وفي يدها رافعة غطاء الموقد. ربما كانت ترفع غطاء الموقد عندما ~~سمعتني، وربما لم تكن تحمله عن قصد، ولكنني لم أر فيه شيئا سوى أنه سلاح. # نظرت إلي لحظة، وكان وجهها يشبه وجه ديان: نحيلا وأبيض اللون وغامضا. لم يكن غضبها ~~فوريا، بل كانت تحتاج بعض الوقت كي تتذكره، كي تستجمع قواها. فلم يكن ثمة احتمال آخر منذ ~~اللحظة التي رأتني فيها سوى الغضب، إما هذا وإما الصمت، تلك هي الخيارات الوحيدة التي كانت ~~لديها. ~~«ما الذي أتيت لتتجسسي عليه هنا؟ ما الذي أتيت لتتجسسي عليه حول منزلي؟ من الأفضل لك ~~أن تخرجي من هنا.» وبدأت تهبط الدرج ببطء، فتراجعت من أمامها بالسرعة المطلوبة وأنا أحدق ~~فيها بذهول. وتابعت هي: «إنك متطفلة صغيرة حقيرة، جاسوسة متطفلة صغيرة حقيرة، جاسوسة ~~متطفلة صغيرة حقيرة، أليس كذلك؟» لم يكن شعرها القصير مصففا، وكانت ترتدي فستانا قطنيا ~~ممزقا على جسدها الصغير المستوي. كان عنفها يبدو مقصودا متكلفا بصورة مسرحية؛ كمشهد ترغب ~~في البقاء لرؤيته ms018 كما لو كان عرضا، غير أنه لم يكن ثمة شك في أنها عندما رفعت رافعة غطاء ~~الموقد فوق رأسها أنها كانت على استعداد لتحطيمه على رأسي إذا أرادت ذلك؛ أي إذا شعرت أن ~~المشهد يتطلب ذلك. فكرت في نفسي أنها تشاهد نفسها، وقد تتوقف في أية لحظة وتعود إلى حالة ~~الخواء أو تتفاخر كطفلة قائلة: «أرأيت كيف أخفتك؟ لم تكتشفي أنني أمازحك، أليس ~~كذلك؟» # تمنيت لو كان بوسعي أن أخبرهم بهذا المشهد في المنزل، فقد تناقل الناس في كل أرجاء القرية ~~قصص مادلين. ذات مرة، حدث شيء ما أزعجها في المتجر، فقذفت علبة من الفوط الصحية في وجه ~~تشارلي باكل (من حسن حظه أنها لم تكن تحمل علبة من شراب الذرة!) وعاش العم بيني في عاصفة من ~~السباب يمكنك سماعها من الطريق، فكان الناس يقولون له: «لقد جلبت لنفسك امرأة صعبة المراس ~~يا بيني، أليس كذلك؟» فيضحك هو ضحكة خافتة ويهز رأسه خجلا كما لو كان يتلقى التهنئة. وبعد ~~فترة، بدأ يروي قصصا عنها هو أيضا، فقد قذفت الإبريق من النافذة لأنها لم تجد به مياه، ~~وأخذت المقص وقطعت الحلة الخضراء التي لم يلبسها سوى مرة واحدة يوم زفافه، ولم يكن يعلم ~~وجه اعتراضها عليها. وقالت إنها سوف تضرم النيران في المنزل لأنه أحضر لها النوع غير ~~المناسب من السجائر. ~~«هل تظن أنها تتناول الخمر يا بيني؟» ~~«كلا، فلم أحضر أي زجاجات خمر إلى المنزل، وكيف يمكنها أن تحصل على زجاجة وحدها؟ كما أنني ~~كنت سأشم رائحة الخمر بها.» ~~«وهل اقتربت منها بما يكفي كي تشم رائحة الخمر يا بيني.» # فخفض بيني رأسه وهو يضحك ضحكة خافتة. ~~«هل تقترب منها إلى هذا الحد يا بيني؟ أراهنك على أنها تقاوم بقوة قطيع من القطط البرية، ~~عليك أن تقيدها ذات مرة وهي نائمة.» # عندما كان العم بيني يأتي إلى منزلنا كي يقوم بسلخ الفراء، كان يصطحب معه ديان. كان هو ~~وأبي يعملان في قبو المنزل، يسلخان فراء الثعالب ويقلبان الجلد إلى الخارج ms019 ويضعانها على ~~الألواح الطويلة كي تجف. كانت ديان تتسلق درجات القبو صعودا وهبوطا أو تجلس على الدرجة ~~العليا تشاهدهما يعملان. لم تكن تحدث أحدا سوى العم بيني، وكانت تشك في الألعاب والكعك ~~واللبن وأي شيء نقدمه لها، ولكنها لم تكن تنتحب أو تبك قط. وإذا لمستها أو عانقتها كانت ~~تستسلم بحذر وجسدها يرتعش قليلا من الخوف وقلبها يدق بقوة كطائر أمسكت به في يدك، ولكنها ~~كانت ترقد على ساقي العم بيني أو تستغرق في النوم على كتفه وهي ملتوية كالمكرونة ~~الإسباجتي. وكانت يده تغطي الكدمات الموجودة على ساقيها. ~~«إنها تتجول دائما وتصطدم بالأشياء في منزلي، فلدي أشياء كثيرة، وهي دائما ما تصطدم ~~بالأشياء أو تتسلق فوقها وتسقط.» # في بداية الربيع، وقبل أن يذوب الثلج تماما، أتى إلى منزلنا ذات يوم كي يخبرنا بأن ~~مادلين قد رحلت، فعندما عاد إلى المنزل في تلك الليلة - في الليلة السابقة - كانت قد رحلت. ~~ظن أنها قد تكون في جوبيلي وانتظر عودتها، ولكنه لاحظ أن بعض الأشياء قد اختفت أيضا، مثل ~~مصباح طاولة كان ينوي تغيير أسلاكه، وسجادة صغيرة جميلة، وبعض الأطباق، وإبريق شاي أزرق كان ~~ملكا لوالدته، ومقعدين قابلين للطي في حالة ممتازة. وبالطبع، أخذت ديان أيضا. ~~«لا بد أنها قد رحلت في شاحنة، فلا يمكنها أن تضع كل ذلك في سيارة.» # ثم تذكرت أمي أنها قد رأت شاحنة صغيرة تعتقد أنها رمادية اللون تتجه نحو المدينة في حوالي ~~الثالثة من عصر اليوم السابق، ولكنها لم تهتم أو تلاحظ من كان فيها. ~~«شاحنة رمادية صغيرة! لا بد أنها هي! وقد وضعت الأشياء في الخلف. هل كان بها شبكة فوقها؟ ~~هل رأيت ذلك؟» # ولكن أمي لم تلاحظ شيئا. # فقال العم بيني متحمسا: «علي أن أتبعها، فلا يمكنها أن ترحل هكذا حاملة أشياء ليست ~~ملكها، وكانت تقول لي دائما أبعد هذه النفايات من هنا، تخلص من هذه النفايات! لكن يبدو ~~أنها لم ترها كنفايات عندما رغبت في أخذ بعضها لنفسها. ولكن المشكلة الوحيدة تكمن في كيفية ms020 ~~معرفة مكانها، من الأفضل أن أتصل بشقيقها ذاك.» # وبعد حلول السابعة عندما انخفضت أسعار المكالمات، قام والدي باتصال لمدينة أخرى من هاتفنا ~~- فلم يكن العم بيني يملك هاتفا - إلى شقيق مادلين، ثم ترك السماعة للعم بيني. # صرخ العم بيني في الحال عبر الهاتف: «هل أتت إلى منزلك؟ لقد رحلت في شاحنة، رحلت في شاحنة ~~رمادية صغيرة. فهل أتت عندك؟» لكن يبدو أنه كان ثمة ارتباك في الجانب الآخر من الخط، ربما ~~كان العم بيني يصرخ بصوت أعلى من أن يسمعه أحد، فاضطر والدي أن يأخذ سماعة الهاتف ويشرح ما ~~حدث بصبر، واتضح أن مادلين لم تذهب إلى كيتشنر، ولم يهتم شقيقها كثيرا بأن يعلم أين ذهبت، ~~وأنهى الاتصال دون أن يقول وداعا. # أخذ أبي يحاول إقناع العم بيني بأن التخلص من مادلين ليس أمرا سيئا في نهاية المطاف، ~~وأوضح له أنها لم تكن مديرة منزل جيدة ولم تجعل حياته مريحة وهادئة. وأخذ يفعل ذلك بطريقة ~~دبلوماسية دون أن يغفل أنه يتحدث عن زوجته، فلم يشر إلى افتقارها للجمال أو إلى ثيابها ~~القذرة، وأما عن الأشياء التي أخذتها - أو سرقتها كما يقول العم بيني - فهذا أمر سيئ ومخز ~~لا شك (كان لوالدي ما يكفي من الحكمة بحيث لا يشير إلى أن تلك الأشياء لم تكن ذات قيمة)، ~~ولكن ربما كان ذلك ثمن التخلص منها، وعلى المدى الطويل قد يكتشف العم بيني أنه كان ~~محظوظا. # قالت أمي فجأة: «ليس الأمر كذلك، إنها الفتاة الصغيرة ديان.» # فضحك العم بيني ضحكة خافتة بائسة. # فصاحت أمي في نبرة فهم وانزعاج مفاجئين: «إن أمها تضربها، أليس كذلك؟ هذا هو الأمر، هذا ~~هو تفسير الإصابات على ساقيها ...» # وبمجرد أن بدأ العم بيني ضحكاته الخافتة، لم يستطع التوقف، فكانت ضحكاته كالفواق. ~~«حسنا، نعم بالفعل إنها ...» ~~«لم لم تخبرنا عندما كانت هنا؟ لم لم تخبرنا في الشتاء الماضي؟ لم لم يخطر ببالي ~~ذلك الأمر؟ لو كنت أعلم الحقيقة كنت سأبلغ عنها ...» # فنظر العم بيني مفزوعا. ~~«تبلغين الشرطة عنها! كان ms021 ذلك سيتسبب في توجيه اتهامات، وقد تؤخذ منا الفتاة. ولكن ما ~~علينا أن نفعله الآن هو أن نجعل الشرطة تبحث عنها وسوف يجدونها، لا داعي للخوف.» # لم يبد العم بيني سعيدا أو مرتاحا لذلك التأكيد، فقال بتعقل: «كيف ستعلم الشرطة أين ~~تبحث؟» ~~«الشرطة الإقليمية سوف تعلم. يمكنهم العمل على نطاق المقاطعة أو الدولة إذا لزم الأمر، ~~وسوف يجدونها.» # فقال أبي: «مهلا، مهلا، ما الذي يجعلك تعتقدين أن الشرطة مستعدة للقيام بذلك؟ إنهم لا ~~يقتفون أثر أحد بتلك الطريقة سوى المجرمين.» ~~«وماذا تسمي امرأة تضرب طفلة غير أنها مجرمة؟» ~~«يجب أن تكون هناك قضية وشهود، إذا كنت ستبلغين عن الأمر علانية هكذا يجب أن يكون لديك ~~دليل.» ~~«بيني هو الشاهد، وسوف يخبرهم، سوف يشهد ضدها.» والتفتت أمي نحو العم بيني الذي عاودته ~~نوبة الفواق، وقال بصوت ينم عن الحيرة وكأنه لا يستطيع استيعاب الأمر: «ما معنى هذا، ماذا ~~عساي أن أفعل؟» # فقال أبي: «كفى حديثا في هذا الأمر اليوم، سوف ننتظر ونرى.» # هبت أمي واقفة وهي تشعر بالانزعاج والارتباك، ولكن كان عليها أن تقول شيئا واحدا آخر، ~~فقالت ما يعلمه الجميع. ~~«لست أدري لم التردد، فكل شيء واضح وضوح الشمس بالنسبة لي.» # ولكن ما كان واضحا وضوح الشمس بالنسبة لأمي كان غامضا ومخيفا بالنسبة للعم بيني، وكان ~~من المستحيل الجزم بما إذا كان خائفا من الشرطة أم من المظهر العام والرسمي الذي سينتج عن ~~تلك الخطة، وما سينتشر حولها من أحاديث، والأماكن الغريبة التي سوف تأخذه إليها. ولكن أيا ~~كان فقد انهار مصدوما، ولم يتحدث عن مادلين وديان بعد ذلك. # ما الذي يمكن فعله؟ فكرت أمي مليا في التصرف بنفسها، ولكن أبي أخبرها: «سوف تقعين في ~~مشاكل من البداية إذا تدخلت في حياة عائلات الآخرين.» ~~«مهما يكن، أعلم أنني على حق.» ~~«قد تكونين على حق، ولكن هذا لا يعني أن بيدك ما تفعلينه حيال هذا الأمر.» # في هذا الوقت من العام، تضع الثعالب صغارها، وإذا حلقت إحدى طائرات كلية التدريب التابعة ms022 ~~للقوات الجوية الموجودة بجوار البحيرة على ارتفاع منخفض، أو إذا ظهر شخص غريب بجوار ~~الحظائر، أو إذا وقع أي حدث مزعج أو مخيف؛ فقد تقرر قتل صغارها. ولا يعلم أحد ما إذا ~~كانت الثعالب تفعل ذلك بدافع الغضب الأعمى أم أنها غريزة الأمومة اليقظة المذعورة. هل يمكن ~~أن يكون ذلك بدافع أنها ترغب في إبعاد صغارها الذين لم يفتحوا أعينهم بعد عن الخطر الذي تظن ~~الأمهات أنهن جلبن صغارهن إليه في هذه الحظائر؟ لم تكن الثعالب كالحيوانات المستأنسة؛ إذ ~~إنها لم تعش في الأسر إلا منذ بضعة أجيال. # ولكي يقنع أمي، قال أبي إن مادلين قد تكون ذهبت إلى الولايات المتحدة حيث لا يمكن أن ~~يجدها أحد، فالعديد من الأشخاص الفاسدين والمجانين - بالإضافة إلى الطموحين ومن لا يروق لهم ~~الاستقرار - يذهبون إلى هناك في نهاية الأمر. # ولكن مادلين لم تذهب إلى هناك؛ ففي وقت لاحق في الربيع وصل منها خطاب. كان لديها الجرأة ~~كي ترسل خطابا، كما قال العم بيني الذي أحضر الخطاب وأرانا إياه. وجاء في الخطاب، بلا أي ~~تحية: «لقد تركت سترتي الصفراء ومظلة خضراء وبطانية ديان في منزلك، أرسلهم إلي على هذا ~~العنوان: 1249 شارع ريدليت، تورونتو، أونتاريو.» # كان العم بيني قد قرر بالفعل أنه سوف يذهب إلى هناك وطلب اقتراض السيارة. ولم يكن قد ذهب ~~إلى تورونتو من قبل، وعلى طاولة المطبخ بسط أبي خريطة الطريق ليريه كيف يصل إلى هناك، مع ~~أنه تساءل عما إذا كانت الفكرة برمتها فكرة سديدة. قال العم بيني إنه ينوي إحضار ديان معه، ~~ولكن أمي وأبي أوضحا له أن هذا غير قانوني ونصحاه بألا يفعل، ولكن العم بيني - الذي كان ~~شديد الخوف من اتخاذ أي إجراء قانوني رسمي - لم يكن قلقا على الإطلاق من القيام بما قد ~~يتحول إلى عملية اختطاف. وبدأ يروي لنا ما كانت تفعله مادلين: كانت تربط ساقي ديان في ألواح ~~الفراش بأحزمة جلدية، وكانت توسعها ضربا بعصا خشبية، وربما تكون فعلت ما هو أسوأ عندما لم ms023 ~~يكن موجودا بالمنزل؛ إذ كان يعتقد أن هناك علامات للمسعر على ظهر الطفلة. وبينما كان يقص ~~علينا كل ذلك تملكت منه ضحكته الخافتة الاعتذارية، وكان عليه أن يهز رأسه ويبتلعها. # تغيب العم بيني مدة يومين، وفتح أبي أخبار الساعة العاشرة قائلا: «حسنا، علينا أن نرى ~~ما إذا كان بيني العجوز قد ألقي القبض عليه!» وفي مساء اليوم الثاني، وصل العم بيني ~~بالسيارة إلى فناء منزلنا وجلس هناك لحظة دون أن ينظر إلينا، ثم خرج ببطء وسار بوقار وإعياء ~~نحو المنزل. لم تكن ديان معه. هل توقعنا أن يأتي بها؟ # كنا نجلس على الرصيف الإسمنتي الذي يقع خارج باب المطبخ، وكانت أمي تجلس على الكرسي ~~القماشي المائل الظهر الخاص بها، كي يذكرها بمروج الحضر وكيفية قضاء وقت الفراغ هناك، وكان ~~أبي يجلس على أحد مقاعد المطبخ المستقيمة الظهر. لم يكن هناك سوى القليل من الحشرات في هذا ~~الوقت المبكر من الموسم، وكنا نتأمل الغروب. كانت أمي أحيانا تجمعنا كلنا كي نتأمل الغروب ~~كما لو كان حدثا قد رتبت هي له، وهو ما كان يفسد جمال الحدث قليلا - وبعد وهلة كنت أرفض ~~تأمل المنظر تماما - ولكن على أية حال لم يكن ثمة مكان أفضل في العالم لمشاهدة الغروب من ~~نهاية طريق فلاتس. حتى أمي نفسها أقرت بذلك. # كان أبي قد ثبت الباب السلكي في ذلك اليوم، وكان أوين يتأرجح فوقه متحديا الأوامر كي ~~يسمع الصوت المألوف للزنبرك وهو يتمدد ثم يعود بحركة مفاجئة إلى مكانه. ويأمره والداي بأن ~~يتوقف وألا يفعل ذلك، ولكنه يعود ويفعلها مرة أخرى بحذر شديد من ورائهما. # كانت هالة من الكآبة تحيط بالعم بيني، حتى إن أمي نفسها لم تتمكن من سؤاله مباشرة، وطلب ~~مني أبي بصوت منخفض أن أحضر مقعدا من المطبخ. ~~«اجلس يا بيني. هل أنت منهك القوى من القيادة؟ كيف كان أداء السيارة؟» ~~«كانت جيدة.» # جلس العم بيني ولم يخلع قبعته، بل جلس متصلبا كما لو كان في مكان غريب لا يتوقع فيه ~~الترحيب أو ms024 حتى يتمناه. وأخيرا، كسرت أمي حاجز الصمت وتحدثت إليه في نبرة أرغمتها على أن ~~تخرج عادية ومبتهجة. ~~«حسنا، هل تسكن هي وابنتها في منزل أم في شقة؟» # فقال العم بيني على مضض: «لست أدري.» وبعد قليل أضاف: «فلم أعثر على منزلهما قط.» ~~«لم تجد منزلهما؟» # فهز رأسه نافيا. ~~«إذن، فلم ترهما؟» ~~«كلا، لم أرهما.» ~~«هل فقدت العنوان؟» ~~«كلا، فقد كتبته على هذه الورقة التي أحتفظ بها هنا.» وأخرج محفظته من جيبه وأخرج منها ~~قصاصة من الورق أراها لنا، وقرأ ما بها: «1249 شارع ريدليت»، ثم طواها وأعادها إلى جيبه. ~~بدت كل حركاته بطيئة رسمية تملؤها الحسرة. ~~«لم أتمكن من العثور عليه، لم أتمكن من العثور على المكان.» ~~«ولكن هل حصلت على خريطة للمدينة؟ أتذكر لقد قلنا إن عليك الذهاب إلى محطة بنزين وطلب ~~خريطة لمدينة تورونتو.» # فقال العم بيني بنوع من الانتصار الذي يملؤه الأسى: «لقد فعلت ذلك بالطبع، ذهبت إلى محطة ~~بنزين وطلبت منهم الخريطة، فقالوا إنهم ليس لديهم خرائط إلا للمقاطعة.» ~~«ولكنك تملك خريطة للمقاطعة بالفعل.» ~~«أخبرتهم بذلك، وقلت لهم إنني أريد خريطة لمدينة تورونتو، ولكنهم قالوا إنه لا خرائط ~~لديهم.» ~~«ألم تسأل في محطة بنزين أخرى؟» ~~«إذا لم تكن موجودة في إحدى المحطات، تصورت أنني لن أجدها في أية محطة أخرى.» ~~«كان بإمكانك أن تشتري واحدة من المتجر.» ~~«لم أعرف أي نوع من المتاجر أتوجه إليه.» ~~«متجر الأدوات المكتبية! متجر متعدد الأقسام! كان بإمكانك أن تسأل في محطة البنزين من أين ~~تحصل على واحدة.» ~~«تصورت أنه بدلا من التجول في المكان محاولا العثور على خريطة، من الأفضل أن أسأل الناس ~~كي يرشدوني للوصول إلى هناك بما أن معي العنوان بالفعل.» ~~«من المخاطرة الاعتماد على سؤال الناس.» # فقال العم بيني: «لقد أدركت ذلك.» # وعندما تمالك نفسه بدأ يروي ما حدث له. ~~«في بادئ الأمر سألت أحدهم فأرشدني إلى عبور ذلك الجسر، ففعلت ذلك حتى وصلت إلى إشارة ~~حمراء وكان من المفترض أن أتجه إلى اليسار كما أخبرني، ولكنني ms025 عندما وصلت إلى هناك اختلط ~~علي الأمر، فلم أعلم ما إذا كان علي أن أتجه إلى اليسار عندما تكون الإشارة الحمراء ~~أمامي أم الإشارة الخضراء.» # فصاحت أمي بإحباط: «بل تتجه إلى اليسار عند الإشارة الخضراء، فإذا اتجهت إلى اليسار عند ~~الإشارة الحمراء سوف تسير عكس اتجاه المرور أمامك.» ~~«نعم أعلم ذلك، ولكنني إذا اتجهت إلى اليسار عند الإشارة الخضراء، فسوف أسير عكس اتجاه ~~المرور القادم في وجهي.» ~~«عليك أن تنتظر حتى يسمحوا لك بالمرور.» ~~«إذن فسوف أنتظر طوال اليوم ولن يسمحوا لي بالمرور، وهكذا لم أعلم ماذا علي أن أفعل، ~~فجلست هناك محاولا اتخاذ قرار حتى بدأت السيارات خلفي تطلق نفيرها، فقررت أن أتجه يمينا، ~~فيمكنني القيام بذلك بلا مشاكل، ثم أستدير وأعود من حيث أتيت وهكذا سأكون أسير على الطريق ~~الصحيح، ولكنني لم أر أي مكان يمكنني الالتفاف والعودة منه فظللت أمضي قدما، ثم انحرفت في ~~شارع به مفترق طرق، وظللت أقود حتى خطر لي أنني قد فقدت المسار الذي أخبرني به الشخص الأول ~~تماما، وهكذا يمكنني أن أسأل شخصا آخر. فتوقفت وسألت سيدة تسير مصطحبة كلبا تربطه ~~بسلسلة، ولكنها أجابتني بأنها لم تسمع عن شارع ريدليت هذا، لم تسمع عنه قط، وقالت إنها تعيش ~~في تورونتو منذ اثنين وعشرين عاما، ثم نادت صبيا يركب دراجته فوجدته قد سمع عن ذلك ~~الشارع، وأخبرني بأنه في الناحية الأخرى من المدينة وأنني أتجه إلى خارج المدينة. ولكنني ~~ظننت أنه من الأيسر الالتفاف حول المدينة بدلا من المرور عبرها، حتى ولو استغرق الأمر ~~وقتا أطول، وظللت في نفس طريقي الذي بدا لي دائريا، وعندئذ أدركت أن الظلام قد بدأ يحل، ~~وخطر لي أنه من الأفضل أن أتحرك حتى أجد هذا المكان قبل حلول الظلام؛ لأنني لن أحب القيادة ~~هنا في الظلام لحظة واحدة ...» # انتهى به الأمر نائما في السيارة على جانب الطريق خارج فناء أحد المصانع. كان قد ضل ~~الطريق وسط المصانع والطرق المسدودة والمستودعات ومخازن الخردة والسكك الحديدية، وظل يصف ~~لنا ms026 كل منعطف قام به وكل شخص سأله عن الاتجاهات، وأخبرنا بما قاله كل منهم وما خطر له ~~وقتها، والبدائل التي فكر بها، ولم قرر في كل حالة أن يفعل ما فعل. كان يتذكر كل شيء، كما ~~لو كانت خريطة الرحلة قد طبعت في ذهنه. وبينما كان يتحدث، كانت ملامح مشهد مختلف ترتسم ~~أمامنا؛ مشهد من السيارات ولوحات الإعلانات والمصانع والطرق والبوابات المغلقة والأسياج ~~السلكية المرتفعة والسكك الحديدية وأكوام شاهقة الارتفاع من خبث الفرن، وأكواخ الصفيح ~~والمصارف التي تحتوي على مياه ضحلة بنية اللون، بالإضافة إلى علب الصفيح وصناديق الورق ~~المقوى الممزقة، وكل أنواع النفايات الثقيلة أو - بالكاد - الطافية، ارتسم هذا المشهد حولنا ~~بريشة صوته الرتيب الذي يتذكر التفاصيل بدقة، فرأينا كل شيء، رأينا كيف يبدو أن تضل الطريق ~~هناك، وكيف يستحيل العثور على أي شيء أو الاستمرار في البحث. # ومع ذلك فقد اعترضت أمي قائلة: «ولكن هكذا تبدو المدن! ولذلك يجب أن يكون معك ~~خريطة!» # فتابع العم بيني كما لو أنه لم يسمعها: «استيقظت هناك هذا الصباح، وأدركت أن أفضل ما ~~أفعله هو الرحيل لأي مكان أستطيع الوصول إليه.» # فتنهد أبي وأومأ برأسه موافقا أن هذا صحيح. # وهكذا، بدا عالم العم بيني بجوار عالمنا كما لو كان انعكاسا مشوها مزعجا، نفس العالم ~~ولكنه ليس هو إطلاقا. في ذلك العالم قد يغوص الناس في بحر من الرمال المتحركة، وتهزمهم ~~الأشباح أو المدن العادية المروعة، وكل من الحظ والشر عملاق ضخم لا يمكن التنبؤ به، ولا شيء ~~مستحق، فقد يحدث أي شيء، وكانت الهزائم تقابل برضا لا يخلو من الجنون. وكان انتصاره - ~~الذي لا يعلم عنه شيئا - هو أنه جعلنا نرى. # كان أوين يتأرجح على الباب الشبكي وهو يغني بطريقة ازدرائية حذرة كما يفعل عادة في ~~المناقشات الطويلة: # يا أرض الأمل والمجد # يا أم الأحرار # كيف لنا أن نبتزك # نحن أبناؤك؟ # كنت قد علمته تلك الأغنية، ففي ذلك العام كنا نغني تلك الأغاني كل يوم في ~~المدرسة كي نساعد في إنقاذ إنجلترا ms027 من يد هتلر. وقالت أمي إنها «نمجدك» لا «نبتزك»، ولكنني ~~لم أصدق ذلك، فكيف تستقيم القافية هكذا؟ # جلست أمي في مقعدها القماشي وجلس أبي في مقعده الخشبي دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر، ولكن ~~كانت ثمة صلة بينهما، وكانت تلك الصلة واضحة كما لو كانت سياجا؛ كانت صلة بيننا وبين العم ~~بيني؛ صلة بيننا وبين طريق فلاتس؛ صلة تبقى بيننا وبين كل شيء. كان الأمر نفسه كما يحدث ~~أحيانا في الشتاء عندما يوزعان أوراق اللعب، ويجلسان إلى طاولة المطبخ ويلعبان في انتظار ~~أخبار العاشرة بعد أن نكون قد خلدنا إلى النوم بالطابق العلوي، والطابق العلوي يبدو على بعد ~~أميال منهما، فهو مظلم تملؤه أصوات الرياح. وهناك بالأعلى تكتشف ما لم تتذكره بالأسفل في ~~المطبخ قط، أننا نعيش في منزل صغير صامت مثل زورق في البحر في وسط موجة من الجو العاصف. ~~ويبدو كما لو أنهما يتحدثان ويلعبان الورق على بعد مسافة بعيدة في بؤرة ضوء ضئيلة لا صلة ~~لها بما حولها؛ غير أن هذا التفكير - الممل كالفواق والمألوف كأصوات الأنفاس - فيهما هو ما ~~كان يشغلني، ما كان يومض لي من قاع البئر وأنا أشد رحالي إلى عالم الأحلام. # لم يتلق العم بيني أي خطابات من مادلين مرة أخرى، أو حتى إذا كان قد تلقى فإنه لم يذكرها ~~مرة أخرى. وعندما كان يسأله أحد أو يضايقه بشأنها، كان يبدو أنه يتذكرها بلا أسى مع لمحة من ~~الازدراء لكونها شيئا - أو شخصا - مهملا منذ فترة طويلة كالسلاحف. # وبعد فترة، كنا نضحك جميعا ونحن نتذكر مادلين وهي تقطع الطريق، مرتدية سترتها الحمراء ~~وساقاها تتقاطعان كالمقص وهي تكيل السباب للعم بيني، الذي يتبعها حاملا ابنتها. كنا نضحك ~~متذكرين كيف كانت تسيء التصرف وما فعلته بإيرين بولوكس وتشارلي باكل. وقالت أمي في نهاية ~~الأمر، كي تريح نفسها، إن العم بيني ربما يكون قد اختلق أمر الضرب ذاك، فكيف يمكن الوثوق ~~به؟ وكانت مادلين نفسها تبدو كما لو كانت شيئا اختلقه؛ فكنا نتذكرها كقصة فحسب، ولما ms028 لم ~~يكن لدينا ما نقوله ، لم نملك سوى هتاف غريب قاس جاء متأخرا: ~~«مادلين! تلك المرأة المجنونة!» # | ورثة الجسد الحي # كان اسم المنزل الذي يقع في جنكينز بيند هو ذاك الاسم المطبوع على لافتة من صنع العم كريج ~~تتدلى من الشرفة الأمامية بين راية حمراء والعلم البريطاني. بدا المنزل كما لو كان مركز ~~تجنيد أو نقطة عبور على الحدود، فقد كان يوما ما مكتب بريد، ولا يزال يحتفظ بتلك الهيئة ~~الرسمية شبه العامة؛ وذلك لأن العم كريج كان كاتب بلدة فيرمايل، وكان الناس يقصدونه للحصول ~~على تصاريح الزواج وغيرها من أنواع التصاريح، وكان مجلس البلدة يجتمع في عرينه أو مكتبه، ~~الذي كان يضم خزانات للملفات وأريكة جلدية سوداء، ومكتبا ضخما ذا غطاء متحرك وأعلاما ~~أخرى، وصورة للآباء المؤسسين للاتحاد الكونفدرالي، وأخرى للملك والملكة والأميرات ~~الصغيرات في ثياب حفل التتويج الفاخرة. وثمة صورة أخرى محاطة بإطار لمنزل خشبي كان يقع مكان ~~هذا المنزل الكبير الجذاب المصنوع من الطوب العادي. وكانت تلك الصورة تبدو كما لو أنها ~~تنتمي لبلد آخر، كل شيء بها أقل ارتفاعا ووضوحا وأكثر ظلمة من هنا. وقد نما حول المباني ~~دغل ضبابي يعج بالعديد من النباتات دائمة الخضرة مدببة الأطراف، وكان الطريق الظاهر في ~~الصورة من الأمام مصنوعا من جذوع الأشجار المرصوصة. ~~«إنه ما يطلق عليه طريق مرصوف بجذوع الأشجار.» قالها العم كريج لي في لهجة ~~توجيهية. # كنا نتطلع إلى صورة تضم العديد من الرجال الذين يرتدون قمصانا، ويزين وجوههم شوارب ~~متدلية، وترتسم على وجوههم تعبيرات حادة، ولكنها في الوقت نفسه توحي بقلة الحيلة، وكانوا ~~يقفون حول حصان وعربة، وكنت أنا قد ارتكبت خطأ سؤال العم كريج عما إذا كان في ~~الصورة. # فقال: «ظننت أنك تعرفين القراءة.» وأشار إلى التاريخ المكتوب تحت عجلات العربة: 10 يونيو ~~1860، واستأنف: «حتى والدي لم يكن حينها رجلا بالغا، ها هو ذا خلف رأس الحصان، ولم يتزوج ~~حتى عام 1875، وولدت أنا عام 1882. هل يجيب هذا على سؤالك؟» # لقد استاء مني، لا بسبب أي ms029 تفاهات بشأن عمره، وإنما بسبب أفكاري غير الدقيقة عن الزمن ~~والتاريخ، وتابع بصرامة: «عندما ولدت، كانت كل تلك الشجيرات التي ترينها في الصورة قد ~~اختفت، وكان ذلك الطريق أيضا اختفى، وحل محله طريق مفروش بالحصى.» # كانت إحدى عينيه قد أصيبت بالعمى، وخضع لعملية جراحية فيها، ولكنها ظلت معتمة عليها ~~غشاوة، وكان جفن تلك العين متدليا بصورة مخيفة، وكان وجهه مربعا مرتخيا وجسده ~~ممتلئا. وكان ثمة صورة أخرى لا في غرفته، بل في الغرفة الأمامية في الجانب الآخر من ~~الردهة، يظهر فيها العم كريج ممددا على بساط أمام والديه العجوزين الجالسين، وكان آنذاك ~~مراهقا بدينا، أشقر الشعر، يرتسم على وجهه ملامح الرضا عن النفس ويتمدد مرتكزا برأسه على ~~مرفقه. وجلست العمة جريس والعمة إلسبيث شقيقتاه الصغيرتان على وسادات عند رأسه وقدميه، وهما ~~ترتديان فساتين البحارة، ويغطي جبهتيهما القليل من الشعر المنسدل المجعد. وكان جدي لوالدي - ~~الذي توفي بمرض الأنفلونزا عام 1918 - يقف خلف مقعد الوالدين ومعه على جانب العمة مويرا ~~(التي كانت رشيقة حينها!) التي تعيش في بورترفيلد، وعلى الجانب الآخر العمة هيلين التي ~~تزوجت من أرمل وطافت حول العالم، وتعيش الآن حياة الأثرياء في بريتيش كولومبيا. وكانت ~~العمة إلسبيث أو العمة جريس تقول وهي تنفض الغبار عن الصورة: «انظري إلى عمك كريج! ألا يبدو ~~مغترا بنفسه كالقطة التي انتهت من لعق القشدة كلها؟» كانتا تتحدثان عنه كما لو كان لا ~~يزال نفس الصبي الممدد في غطرسة خادعة تدللانه وتسخران منه. # كان العم كريج يحب نثر المعلومات، والتي كنت أجد بعضها مشوقا والبعض الآخر لا. فكنت ~~أود أن أسمع عن ملابسات تسمية جنكينز بيند بهذا الاسم على اسم شاب لقي مصرعه بعد أن سقطت ~~عليه شجرة على مقربة من هنا، وهو شاب لم يكن قد مر على وجوده في تلك البلدة سوى أقل من ~~شهر. وقد أطلق جد العم كريج - أي جدي الأكبر الذي كان يبني منزله هنا ويفتتح مكتب البريد ~~وينشئ مدينة تمنى أن تصبح مدينة مهمة يوما ما، وآمن ms030 بذلك في أعماقه - اسم هذا الشاب على ~~المدينة، فبأي شيء آخر كان الناس سيتذكرون هذا الشاب الأعزب؟ ~~«أين لقي مصرعه؟» ~~«على مقربة من هنا، على بعد أقل من ربع ميل.» ~~«أيمكنني أن أرى المكان؟» ~~«لا توجد علامة مميزة تحدده، فليس هذا هو نوع الأشياء الذي يضعون علامة ~~لتحديده.» # نظر إلي العم كريج باستنكار، فلم يكن الفضول من الأشياء التي تؤثر فيه، وغالبا ما كان ~~يعتبرني طائشة وغبية، ولكنني لم آبه كثيرا لهذا؛ فقد كان ثمة شيء عام وموضوعي بشأن حكمه ~~علي جعلني أشعر بالحرية، وهو نفسه لم يكن يؤذيه أو ينتقص منه أنني لست أهلا لتوقعاته، ~~رغم أنه كان يشير إلى هذا. وهذا هو الفرق الكبير بين أن أخيب ظنه وأن أخيب ظن أمي أو ~~حتى عماتي. ولكن طابع حب الذات الذكوري ذاك هو ما جعل التواجد معه أمرا مريحا. # والنوع الآخر من المعلومات التي أعطاني إياها تتعلق بالتاريخ السياسي لمقاطعة واواناش، ~~وولاء العائلات الكبرى، والعلاقات بين الناس، وما حدث في الانتخابات. كان أول شخص أعرفه ~~يؤمن حقا بعالم الأحداث العامة والسياسة، ولا يشك في أنه جزء من تلك الأشياء. ورغم أن ~~والدي كانا يستمعان دائما للأخبار ويشعران بالإحباط أو بالراحة مما يسمعان (وغالبا ما ~~يشعران بالإحباط، لأننا كنا في بداية الحرب)؛ كان يخالجني الشعور بأنه بالنسبة لهم - كما هو ~~الحال بالنسبة لي - كل ما يحدث في العالم خارج عن نطاق سيطرتنا، أحداث خيالية ولكنها ~~مأساوية. أما العم كريج، فلم يكن يشعر بالخوف؛ فقد كان يرى صلة بسيطة بين نفسه وهو يتولى ~~شئون البلدة - مهما كانت مزعجة في الغالب - وبين رئيس الوزراء في أوتاوا وهو يتولى شئون ~~البلاد. وكانت له وجهة نظر متفائلة بشأن الحرب، فهي انفجار ضخم في الحياة السياسية العادية ~~وسيأتي يوم وتتوقف بعد أن تخور قواها، وكان مهتما بكيفية تأثير الحرب على الانتخابات، ~~وتأثير التجنيد الإجباري على الحزب الليبرالي أكثر من اهتمامه بسير الحرب نفسها، رغم أنه ~~وطني، فهو يعلق العلم ويبيع سندات النصر. # عندما لا يكون ms031 منخرطا في العمل في شئون البلدة، كان ينشغل بمشروعين: وهما تاريخ مقاطعة ~~واواناش، وشجرة العائلة التي تعود جذورها إلى عام 1670 في أيرلندا. لم يكن أي شخص في ~~عائلتنا قد قام بأعمال مميزة؛ فبعضهم قد تزوج من بروتستانتيين أيرلنديين آخرين وكونوا ~~عائلات كبيرة، والبعض الآخر لم يتزوج، وبعض الأطفال توفوا في صغرهم، ولقي أربعة أفراد من ~~عائلتنا حتفهم في حريق، وفقد رجل زوجتين له أثناء الولادة، وتزوج أحدهم من امرأة ~~كاثوليكية، وقدموا إلى كندا واستمروا بالطريقة نفسها، وغالبا ما كانوا يتزوجون من ~~المشيخيين ذوي الأصل الاسكتلندي. ورأى العم كريج أنه من الضروري اكتشاف أسماء كل هؤلاء ~~الأشخاص، وصلتهم بعضهم ببعض، وتواريخ الميلاد والزواج والوفاة - أو على الأقل الميلاد ~~والوفاة إذا كانت تلك هي الأحداث التي وقعت لهم فحسب - وغالبا ما يكون هذا بمجهود كبير ~~وقدر هائل من المراسلات حول أنحاء العالم (فلم ينس الفرع من العائلة الذي ذهب إلى ~~أستراليا)، وكتابة كل هذه المعلومات هنا بالترتيب وبخطه الواضح الأنيق. لم يبحث عن معلومات ~~عن أي شخص في العائلة فعل ما هو أكثر إثارة للاهتمام - أو أكثر خزيا - من الزواج بامرأة ~~كاثوليكية (حيث كان المذهب الذي تعتنقه المرأة يدون بالحبر الأحمر أسفل اسمها)، فقد كان ~~هذا كفيلا بإرباك السجل الذي يضعه بالكامل، لو أن أحدهم فعل ما هو أكثر من هذا. لم تكن ~~أسماء الأشخاص هي المهمة بالنسبة له، بل الهيكل المعقد المحكم من الحيوات من الماضي التي ~~تدعم وجودنا. # وينطبق الأمر نفسه على تاريخ المقاطعة التي افتتحت، واستوطنها الناس، وكبرت، ودخلت مرحلة ~~التدهور البطيء الحالي عن طريق كوارث بسيطة فحسب؛ مثل حريق تابرتون، والفيضان المنتظم لنهر ~~واواناش، وبعض فصول الشتاء المروعة، وبعض جرائم القتل غير الغامضة، وأفرزت ثلاث شخصيات ~~بارزة فحسب؛ وهم قاض بالمحكمة العليا، وعالم آثار نقب عن الآثار في القرى الهندية الواقعة ~~حول خليج جورجيا وألف كتابا عنها، وسيدة كانت قصائدها تنشر في الصحف في أنحاء كندا ~~والولايات المتحدة. لكن لم يكن ذلك ما يهم، وإنما الحياة اليومية ms032 هي التي تهم؛ فقد كانت ~~ملفات العم كريج وأدراجه تعج بقصاصات من الصحف والخطابات التي تصف أحوال الطقس، وتروي قصة ~~عن حصان هارب، وقوائم الحاضرين في الجنائز، وهو تجميع هائل للحقائق العادية للغاية، والتي ~~كان شغله الشاغل أن يرتبها. فكل شيء يجب أن يدخل إلى الإطار التاريخي الذي يصنعه، كي ~~يجعله التاريخ الكامل لمقاطعة واواناش، ولم يكن يغفل شيئا؛ ولذلك عندما توفي لم يكن قد وصل ~~إلا إلى عام 1909 فحسب. # عندما قرأت بعد عدة أعوام عن ناتاشا في ~~رواية «الحرب والسلام»، وكيف «عزت أهمية كبرى لمساعي زوجها الفكرية المجردة، رغم أنها لم ~~تكن تفهمها.» خطر في بالي العمة إلسبيث والعمة جريس. لم يكن الأمر ليشكل فارقا ما إذا ~~كان العم كريج لديه «مساع فكرية مجردة» أو أنه كان يقضي اليوم في فرز ريش الدجاج، فقد ~~كانتا على استعداد للإيمان بما يفعله. كان لديه آلة كاتبة سوداء قديمة ذات حواف معدنية ~~حول المفاتيح، وأذرعها السوداء الطويلة مكشوفة، فكان عندما يبدأ بالكتابة عليها بأسلوبه ~~البطيء المتقطع عالي الصوت - ولكن الموثوق به - كانتا تخفضان صوتيهما، وتوجهان نظرات ~~توبيخ عبثية بعضهما لبعض إذا ما أحدثت المقلاة ضوضاء، ولسان حالهما يقول: «إن كريج ~~يعمل!» وترفضان خروجي إلى الشرفة خوفا من أن أسير أمام نافذته وأزعجه. لقد كانتا تحترمان ~~عمل الرجال أكثر من أي شيء في العالم، وفي الوقت نفسه تتخذانه مادة للضحك. كان هذا ~~الأمر غريبا، فقد كانتا تؤمنان تماما بأهميته، وفي الوقت نفسه تعبران عن حكمهما فيه ~~بأنه تافه وبلا جدوى. وهما لا تتدخلان فيه أبدا، أبدا، فثمة خط فاصل هو الأوضح على ~~الإطلاق بين عمل الرجل وعمل المرأة، وأي تعد على هذا الخط أو أي اقتراح لتخطيه، كانتا ~~تقابلانه بضحكة هادئة مندهشة يملؤها شعور بالتفوق مفعم بالندم. # كانت الشرفة مكان جلوسهما في فترة ما بعد الظهيرة بعد انتهائهما من السباق الصباحي؛ من ~~مسح الأرض، وجمع الخيار، والتنقيب عن البطاطس، وجمع الفاصوليا والطماطم، والتعليب، ~~والتخليل، والغسيل، ووضع النشا، والرش، والكي، والمعالجة بالشمع، والخبز. ms033 لم تكونا تجلسان ~~هناك عاطلتين عن العمل، بل كان حجر كل منهما مليئا بالعمل كذلك؛ من نزع النوى من الكرز، ~~إلى تقشير البازلاء، إلى نزع البذور من التفاح. كانت يداهما وسكاكينهما القديمة الداكنة ذات ~~المقابض الخشبية تتحرك بسرعة مذهلة كما لو أنها تنفذ عملية انتقامية. وكان يمر كل ساعة ~~سيارتان أو ثلاث، وعادة ما كانت تهدئ من سرعتها وتلوح؛ إذ عادة ما يكون بها أناس من أهل ~~البلدة. وكانت العمة إلسبيث أو العمة جريس تصيح بعبارة الترحيب المضيافة بصيغتها القروية: ~~«لم لا تتوقفون لبرهة وترتاحون من ذلك الطريق الترابي؟» فيرد الجالسون في السيارة قائلين: ~~«كنا سنفعل لو كان لدينا الوقت، متى ستأتون لزيارتنا؟» # كانت العمة إلسبيث والعمة جريس ترويان القصص، ولم يبد الأمر كما لو كانتا تخبرانني بها ~~للتسلية، بل كما لو أنهما ستقصانها على أية حال من أجل متعتهما الشخصية، حتى وإن كانتا ~~وحدهما. ~~«ذاك الرجل الذي استأجره أبي - هل تذكرينه؟ - ذلك الأجنبي كانت طباعه شيطانية، عذرا على ~~اللفظ. ماذا كانت جنسيته يا جريس؟ ألم يكن ألمانيا؟» ~~«بل كان نمساويا، وجاء من ذلك الطريق يبحث عن عمل فاستأجره أبي، ولكن أمي لم تتمكن من ~~التغلب على خوفها منه، فلم تكن تثق بالأجانب.» ~~«لا عجب في ذلك.» ~~«وجعلته ينام في مخزن الحبوب.» ~~«كان طوال الوقت يصرخ ويسب باللغة النمساوية. هل تذكرين عندما قفزنا عبر محصول الكرنب ~~خاصته؟ كان فيضان السباب باللغة الأجنبية يجعل الدم يتجمد في العروق.» ~~«حتى قررت أن أتحداه.» ~~«ماذا كان يحرق في ذلك الوقت؟ كان في البستان يحرق الكثير من الأغصان ...» ~~«يرقة الخيمة.» ~~«نعم بالضبط، كان يحرق حشرات يرقة الخيمة، وارتديت أنت ثياب العمل الخاصة بكريج وقميصا، ~~وحشوت نفسك بالوسادات، وأخفيت شعرك أسفل قبعة أبي المصنوعة من اللباد، ولطخت يديك ووجهك ~~بالسواد كي تبدي مثل الزنوج ...» ~~«وأخذت سكين اللحم؛ تلك السكين الطويلة الخطرة التي لا تزال لدينا هنا ...» ~~«وتسللت عبر البستان واختبأت خلف الأشجار، ألم أكن أنا وكريج نشاهد ذلك طوال الوقت من ~~نافذة الطابق العلوي؟» ~~«لا ms034 يمكن أن يكون أبي وأمي كانا موجودين في هذا الموقف.» ~~«كلا، كانا قد رحلا إلى المدينة! ذهبا إلى جوبيلي راكبين عربة يجرها حصان.» ~~«دنوت منه حتى مسافة خمس ياردات، وتسللت من خلف جذع شجرة ... يا إلهي! ألم يصرخ وقتها؟ لقد ~~أطلق صرخة هائلة ثم أنار الطريق بحثا عن الإسطبل. لقد كان جبانا بكل معنى الكلمة.» ~~«ثم دخلت إلى المنزل، وخلعت تلك الثياب واغتسلت قبل أن يعود أبي وأمي من المدينة، ~~وجلسنا جميعا حول مائدة العشاء ننتظره، وكنا نأمل في أعماقنا أن يكون قد هرب.» ~~«كلا، لم أكن أتمنى ذلك، بل كنت أريد أن أرى تأثير ما فعلت على وجهه.» ~~«ثم دخل هو شاحبا كالورقة وعابسا كالشيطان، وجلس دون أن يتفوه بكلمة واحدة. كنا نتوقع ~~على الأقل أن يشير إلى وجود زنجي مجنون طليق في المقاطعة، ولكنه لم يفعل.» ~~«لم يرغب في أن يفضح كم كان جبانا حينها، كلا.» # وأخذتا تضحكان حتى تناثرت الفاكهة من حجريهما. ~~«لم أكن أنا دائما من ينفذ الحيل، لم أكن الوحيدة التي بإمكانها التخطيط للقيام بخدع! ~~لقد كنت أنت صاحبة فكرة وضع العلب القصدير فوق الباب الأمامي عندما كنت بالخارج لحضور ~~حفل راقص، لا تنسي ذلك.» ~~«كنت أنت بالخارج مع ميتلاند كير (يا لميتلاند المسكين! لقد مات)، كنت بالخارج في حفل ~~راقص في جيريكو ...» ~~«جيريكو! كلا كان حفلا راقصا في مدرسة ستون!» ~~«حسنا، أيا كان، كنت تدخلينه إلى القاعة الأمامية كي تتمني له ليلة سعيدة، كنت ~~تدخلينه متسللا، كنتما هادئين كحملين وديعين ...» ~~«ثم فجأة سقطت العلب ...» ~~«بدا صوتها كما لو كان انهيارا جليديا قد حدث؛ فقد قفز أبي من الفراش واختطف بندقية ~~الصيد. هل تذكرين بندقية الصيد في غرفتهما، كانت دائما خلف الباب؟ وفجأة عم ارتباك ~~شديد! واختبأت أنا تحت أغطية الفراش أكتم ضحكاتي بالوسادة في فمي؛ كي لا يسمعني ~~أحد!» # لم تتوقفا عن القيام بخدع حتى الآن؛ فذات مرة دخلت أنا والعمة جريس غرفة النوم التي كانت ~~العمة إلسبيث تأخذ بها القيلولة راقدة على ظهرها ms035 وتغط في نوم عميق، فرفعنا عنها الغطاء ~~بحذر شديد وقيدنا كاحليها معا بشريط أحمر. وفي فترة ظهيرة أحد أيام الأحد عندما كان العم ~~كريج نائما في مكتبه على الأريكة الجلدية، وأرسلت أنا كي أوقظه وأخبره بأن زوجين شابين ~~بالخارج يطلبان الحصول على تصريح زواج، فنهض متذمرا، وخرج إلى المطبخ الخلفي، وغسل وجهه ~~وبلل شعره وصففه، وارتدى ربطة عنقه وصدريته وسترته - فلم يكن يمنح تصاريح الزواج قط دون أن ~~يكون مرتديا الثياب الرسمية المناسبة - وخرج إلى الباب الأمامي، فوجد امرأة عجوزا ترتدي ~~تنورة طويلة ذات مربعات، وتضع شالا على رأسها وتنحني متكئة على عصا، ومعها رجل عجوز ينحني ~~بالطريقة نفسها، يرتدي حلة لامعة وقبعة عتيقة. كان العم كريج لا يزال يشعر بالنعاس، فقال ~~متشككا: «حسنا، كيف حالكما ...؟» قبل أن ينفجر في غضب ممتزج بالمرح قائلا: «إلسبيث! جريس! ~~أيتها الشيطانتان!» # وفي وقت حلب الأبقار، كانتا تربطان شعريهما بأوشحة تتدلى أطرافها كما لو كانت أجنحة ~~صغيرة، وترتديان الثياب المهترئة البالية، وتتجولان في ممرات الأبقار، وتلتقطان عصا في ~~مكان ما من الطريق، وكانت الأبقار لديهما مزودة على أعناقها بأجراس ثقيلة تصدر أصوات صلصلة. ~~وذات مرة، عندما كنت أنا والعمة إلسبيث نتتبع الصوت المتقطع البطيء لتلك الأجراس حتى حافة ~~الدغل، رأينا أيلا يقف ساكنا واقفا بين جذوع الأشجار المقطوعة ونباتات السرخس الكثيفة. ~~لم تتفوه العمة إلسبيث ببنت شفه، ولكنها مدت يدها بالعصا كما لو كانت ملكة تأمرني بأن أظل ~~صامتة، وظللنا نحدق به للحظة قبل أن يرانا ويقفز بسرعة، حتى بدا وكأن جسده قد التف نصف ~~دائرة في الهواء، في حركة تشبه حركات الراقصين، ووثب بعيدا إلى أعماق الدغل وأردافه تتحرك ~~لأعلى ولأسفل. كان مساء حارا وهادئا، والضوء يكون حزما ذهبية كلون المشمش على ~~جذوع الأشجار، وقالت العمة إلسبيث: «في الماضي، اعتدنا رؤية هذه الحيوانات بانتظام. عندما ~~كنا صغارا، كنا نراها في الطريق إلى المدرسة، ولكن ليس الآن، فهذا أول أيل أراه منذ أعوام ~~طويلة لا أتذكر عددها.» # وفي الإسطبل، أرياني كيف أحلب الأبقار، وهي ms036 مهمة ليست بسيطة كما تبدو، وكانتا تتبادلان ~~دفع اللبن في فم قط يقف على ساقيه الخلفيتين على بعد بضعة أقدام، وهو قط قذر مخطط يدعى ~~روبر. هبط العم كريج وهو لا يزال مرتديا قميصه الرسمي وقد شمر الأكمام، ويرتدي صديريته ذات ~~الظهر اللامع، وقلماه الجاف والرصاص مثبتان في جيبه. وكان يشرف على عمل فرازة القشدة، ~~وكانت العمة إلسبيث والعمة جريس تحبان الغناء أثناء حلب الأبقار، وكانتا تغنيان أغاني ~~مختلفة في الوقت نفسه، وكل منهما تحاول أن تطغى على الأخرى وتشكو قائلة: «لست أدري كيف ~~تخيلت تلك المرأة أنها تعرف الغناء!» كان وقت حلب الأبقار يجعلهما تشعران بالجرأة ~~والابتهاج؛ فالعمة جريس - التي كانت تخشى دخول مخزن المنزل خشية أن تجد بها خفاشا - كانت ~~تجري عبر فناء مخزن الحبوب تضرب الأبقار الضخمة طويلة القرون على مؤخراتها وتلاحقها خارج ~~البوابة حتى المرعى، أما العمة إلسبيث فكانت تحمل صفائح القشدة بحركة قوية يسيرة - بلا ~~مبالاة تقريبا - كما لو كانت بقوة شاب في عنفوانه. # ولكن هاتين هما نفس المرأتين اللتين تتحولان في منزل والدتي إلى امرأتين عابستين خبيثتين ~~عجوزين ومستعدتين للشعور بالإهانة عند أول بادرة، وبعيدا عن مسمع والدتي كانتا تقولان لي: ~~«أتلك هي الفرشاة التي تمشطين بها شعرك؟ ظننا أنها تخص الكلب!» أو «أهذا هو ما تجففون به ~~الأطباق؟» وكانتا تنحنيان على أوعية الطعام وتحكانها، تحكان كل ذرة من اللون الأسود الذي ~~تراكم منذ آخر زيارة لهما. وكانتا غالبا ما تستقبلان ما تقوله أمي بابتسامات دهشة صغيرة، ~~فقد كانت صراحتها وجرأتها تصيبهما بالشلل في لحظتها، ولم يكن بوسعهما سوى أن تنظرا إليها ~~نظرة خاطفة تشي بعجزهما، كما لو كان ضوء قاس قد بهر أعينهما. # بل وكانت أكثر الأمور التي تتفوه بها أمي كرما ولطفا هي ما تعتبرانها أفدح الأخطاء، ~~فالعمة إلسبيث كانت تعزف على البيانو سماعيا، وكانت تجلس وتعزف المقطوعات القليلة التي ~~تعرفها، حتى عرضت عليها أمي أن تعلمها قراءة النوتة الموسيقية. ~~«كي تتمكني من عزف مقطوعات جميلة.» # فرفضت العمة إلسبيث وهي تطلق ضحكة ms037 رقيقة مصطنعة، كما لو أن أحدهم عرض أن يعلمها لعب ~~البلياردو، ثم خرجت ووجدت حوض ورد مهملا، وانحنت في التراب تحت شمس الظهيرة الحارقة، وأخذت ~~تقتلع الأعشاب الضارة، فقالت أمي بنبرة مرحة لا تخلو من التحذير وهي عند باب المطبخ: «لم ~~أعد أهتم بهذا الحوض، لقد فقدت الأمل فيه، فلا يوجد به سوى نبتة لندن برايد العجوز تلك، ~~وسوف أقتلعها قريبا على أية حال.» ولكن العمة إلسبيث استمرت في التخلص من الأعشاب الضارة ~~وكأنها لم تسمع شيئا، فارتسم على وجه أمي تعبير الاستياء ثم اللامبالاة، وجلست في مقعدها ~~المريح الظهر المصنوع من القماش، وانحنت إلى الخلف وأغلقت عينيها، وظلت هكذا لا تفعل شيئا ~~وتبتسم ابتسامة غاضبة حوالي عشر دقائق. كان الأمر برمته كما لو أن أمي تسير في خطوط ~~مستقيمة، بينما تتخذ العمة إلسبيث والعمة جريس طريقا متعرجا حولها، تتراجعان وتختفيان ثم ~~تعودان مرة أخرى، تراوغان بصوت ناعم، ولكن لا يمكن التخلص منهما. وكانت هي تدفعهما بعيدا ~~عن طريقها كما لو كانتا نسيج عنكبوت، أما أنا فقد كنت أكثر حكمة من أن أفعل ذلك. # أما في منزلهما في جنكينز بيند - حيث عدت معهما لزيارة الصيف الطويلة - فقد كانتا تنتعشان ~~وتمتلئ أجسادهما كما لو أنهما وضعتا في الماء. كنت ألحظ ذلك التغيير بنفسي، وأنا أيضا - مع ~~شعور خفيف بوخز الضمير والخيانة - كنت أستبدل بعالم أمي المليء بالأسئلة الجادة المتشككة ~~وأعمال المنزل التي لا تنتهي - والمهمة إلى حد ما - والكتل البارزة في البطاطس المهروسة ~~والأفكار المحيرة؛ أستبدل بهذا العالم عالمهما المليء بالعمل والمرح، بالراحة والنظام، ~~وبالشكليات المعقدة. فكان ثمة لغة جديدة تماما، علي أن أتعلمها في منزلهما، فالمحادثات ~~هناك كانت على مستويات عديدة، فلم يكن شيء يقال صراحة، فكل دعابة قد تكون هجوما مستترا. ~~كان الاستنكار لدى أمي صريحا واضحا كالجو القاسي، أما الاستنكار لديهما فكان يأتي كجروح ~~الموس المغلفة باللطف بصورة تصيب المرء بالحيرة. وكان لديهما الموهبة الأيرلندية المتمثلة ~~في السخرية الشديدة المغلفة بالاحترام. # تزوجت ابنة العائلة التي تسكن في المزرعة ms038 المجاورة من محام - رجل من المدينة - افتخرت به ~~عائلتها كثيرا وأحضرته كي يتعرف عليهما، فقامت العمة إلسبيث والعمة جريس بالخبز وتلميع ~~الفضة وتحضير الأطباق المطلية يدويا والسكاكين ذات المقابض المرصعة باللآلئ؛ استعدادا ~~لزيارته، وقدما له الكعك وحلوى الزبد وقالب المكسرات والفطائر. وكان شابا شرها، أو ~~ربما كان شديد الارتباك، وكان يتناول الطعام بدافع العصبية؛ حيث كان يلتقط كعكات كاملة كانت ~~تتفتت في طريقها إلى فمه، ويلوث الفتات شاربه. وعلى طاولة العشاء، بدأت العمة جريس - دون أن ~~تتفوه بكلمة - تقليد طريقته في تناول الطعام، وأخذت تبالغ تدريجيا وهي تقلد أصوات ~~الابتلاع وتمسك بأشياء وهمية من طبقها. وصاحت العمة إلسبيث بكياسة وهي تنحني على المائدة: ~~«سيدي المحامي، هل كنت دائما مهتما بحياة الريف؟» وقد جعل هذا - بعد ترحيبهما الشديد له ~~وكياستهما في التعامل معه - قشعريرة باردة تسري في جسدي؛ بمثابة تحذير. وقد كان ~~حكمهما الأخير عليه، والذي قالاه بمزاح، هو: «إنه يظن نفسه شخصا مهما؟» فأخذت أفكر في ~~نفسي: «إنه يظن نفسه شخصا مهما، ألا تظنان هما أنفسهما أنهما امرأتان مهمتان؟» ~~فالادعاء والتظاهر يحيط بنا من كل مكان. # لا يعني ذلك أنهما كانتا ضد الكفاءة، بل كانتا تعترفان بها في عائلتهما، في عائلتنا، ولكن ~~كان يبدو أنه من المفترض إبقاؤها سرا. وكان الطموح هو ما يثير قلقهما، فالطموح يعني وكأن ~~المرء يخطب ود الفشل ويخاطر بأن يجعل من نفسه مثارا للسخرية. وقد أدركت أن أسوأ ما يمكن ~~أن يحدث في الحياة هو أن يسخر منك الآخرون. # قالت لي العمة إلسبيث: «إن عمك كريج واحد من أذكى الرجال وأكثرهم شعبية واحتراما في ~~مقاطعة واواناش، وكان من الممكن أن ينتخب لعضوية المجلس التشريعي أو يصبح عضوا في مجلس ~~الوزراء، إذا أراد ذلك.» ~~«ألم ينتخب العم كريج؟» ~~«لا تكوني سخيفة، إنه لم يترشح قط. لم يكن ليدع اسمه يدخل قوائم الترشيح، لقد فضل ألا ~~يفعل ذلك.» # وكان هذا هو الإيحاء الغامض - والجديد بالنسبة لي - أن اختيار عدم فعل الأشياء يتضح في ~~نهاية الأمر أنه أكثر ms039 حكمة واحتراما للذات من فعلها، فهم يحبون أن يرفض الناس العروض التي ~~تقدم لهم مثل الزواج والمناصب والفرص والأموال. كانت ابنة عمي روث ماكوين التي تعيش في ~~تابرتون قد حصلت على منحة لدخول الجامعة نظرا لتفوقها، ولكنها فكرت في الأمر ورفضتها ~~مفضلة الجلوس في المنزل. ~~«فضلت ألا تفعل ذلك.» # لماذا كان ذلك عملا رائعا يستحق الإعجاب؟ على غرار بعض التناغمات الدقيقة في الموسيقى ~~أو في الألوان، كان جمال الرفض أبعد من نطاق إدراكي، ولكنني لم أكن مستعدة كوالدتي لأن أنكر ~~وجودهم. # أما أمي، فقالت عن روث ماكوين: «إنها تخشى أن تخرج رأسها من جحرها.» # كانت العمة مويرا متزوجة من العم بوب أوليفانت، ويعيشان في بورترفيلد، ولديهما ابنة واحدة ~~تدعى ماري آجنس، ولدت متأخرة في حياتهما الزوجية. وأثناء الصيف، كانت العمة مويرا تقود ~~أحيانا مسافة الثلاثة عشر ميلا، التي تفصل بين بورترفيلد وجنكينز بيند، لزيارة مسائية ~~مصطحبة معها ماري آجنس. كانت العمة مويرا تعرف كيف تقود سيارة، وهو ما اعتبرته العمة إلسبيث ~~والعمة جريس شجاعة بالغة منها (وكانت أمي تتعلم قيادة سيارتنا، فكانتا تظنان أنها فكرة ~~طائشة وغير ضرورية). وكانتا تترقبان عبور سيارتها، قديمة الطراز مربعة السقف، للجسر وظهورها ~~على الطريق من اتجاه النهر، وتخرجان لاستقبالها بسيل من صيحات التشجيع والإعجاب والترحيب ~~كما لو كانت قد وجدت طريقها للتو عبر الصحراء الكبرى، لا عبر الطرق الغبارية الحارة من ~~بورترفيلد. # كانت لمحة الخبث التي تتراقص تحت مجاملاتهما إلى بقية العالم تغيب تماما في اهتمامهما ~~ببعضهما، واهتمامهما بأشقائهما وشقيقاتهما، فلم يكن أفراد العائلة يكنون بعضهم لبعض سوى ~~مشاعر الحنان والفخر. والشعور نفسه تجاه ماري آجنس أوليفانت، التي لم أستطع منع نفسي من ~~التفكير في أنهما تفضلانها علي. كنت أجد منهما الحفاوة والترحيب والاستمتاع بصحبتي، ~~ولكنني كنت ملوثة بمؤثرات أخرى، وبحقيقة أن نصف عنصر الوراثة فقط ينتمي إليهم، فنشأتي في ~~نظرهم مليئة بالهرطقة التي لا يمكن إصلاحها بالكامل، أما ماري آجنس، فقد بدا لي كما لو كانت ~~تستقبل بعاطفة خالصة أكثر إشراقا وثقة. # في ms040 جنكينز بيند لم يكن يذكر قط أن ثمة أي مشكلة بشأن ماري آجنس، وفي حقيقة الأمر لم يكن ~~هناك أمر خطير بالفعل، فقد كانت مثل معظم الناس، فيما عدا أنك لا تتخيلها وهي تذهب للمتجر ~~وحدها وتبتاع شيئا أو تذهب إلى أي مكان وحدها، بل عليها أن تكون دائما مع أمها. لم تكن ~~حمقاء، ولم تكن تشبه إيرين بولوكس وفرانكي هول في طريق فلاتس، وبالطبع لم تكن بلهاء لدرجة ~~أن يسمح لها بركوب الأرجوحة في معرض كينزمنز طوال اليوم مجانا كما كان يسمح لهما، حتى وإن ~~كانت العمة مويرا سوف تسمح لها بأن تجعل من نفسها موضع سخرية، فإنها لن تفعل. كانت بشرتها ~~تبدو مكسوة بطبقة من الغبار كما لو كان عليها لوح زجاج رقيق متسخ أو ورقة خفيفة ~~زيتية. # قالت أمي - التي تستمتع دائما بتقديم التفسيرات - عنها: «لقد تعرضت للحرمان من الأكسجين، ~~تعرضت للحرمان من الأكسجين في قناة الولادة، فقد ضم العم بوب أوليفانت ساقي العمة مويرا وهي ~~في طريقها للمستشفى؛ لأن الطبيب أخبرهما أنها قد تتعرض للنزيف.» # لم أكن أرغب في سماع المزيد، أولا كنت أجفل من الفكرة المتضمنة أنه أمر قد يحدث لأي شخص، ~~وأنني أنا شخصيا ربما كنت سأتعرض لذلك بسبب نقص شيء عادي معروف قابل للقياس مثل الأكسجين، ~~كما جعلتني كلمة قناة الولادة أتخيل نهرا من الدماء مستقيم الضفتين. وتخيلت العم بوب ~~أوليفانت وهو يمسك بساقي العمة مويرا الثقيلتين المليئتين بالأوردة ويضمهما معا وهي تلهث ~~وتحاول أن تضع مولودها، ولم أتمالك نفسي من التفكير في هذا الأمر بعدها كلما رأيته. وكلما ~~رأيناه في منزله يكون جالسا بجوار المذياع يدخن الغليون ويستمع إلى مسلسلي «بلاكي من ~~بوسطن» أو «دورية الشرطة»، وسط صرير الإطارات وطلقات البنادق وهو يهز رأسه الأصلع. هل كان ~~يضع غليونه في فمه وهو يضم ساقي العمة مويرا؟ هل كان يمنحها إيماءات تأكيدية وهي تصرخ من ~~الألم أثناء الولادة، كما يفعل وهو يستمع إلى «بلاكي من بوسطن»؟ # ربما بسبب هذه القصة بدا لي أن ms041 الكآبة التي تتدفق من العمة مويرا لها رائحة تتعلق بأمراض ~~النساء؛ مثل رائحة الضمادات المطاطية الغامضة على ساقيها. كانت امرأة يمكنني تشخيصها الآن ~~بالإصابة بدوالي الأوردة والبواسير، وهبوط الرحم وتكيسات المبيضين، والالتهابات والإفرازات، ~~والورم والحصوات في أماكن عديدة؛ إحدى الناجيات البدينات المحطمات من حياة الإناث واللاتي ~~يتحركن بصعوبة وحذر، وفي جعبتها الكثير من القصص لتحكيها. كانت تجلس في الشرفة على المقعد ~~الهزاز وهي ترتدي - رغم ارتفاع درجة الحرارة - فستانا أنيقا داكن اللون ذا طبقات كثيرة، ~~يرتعش من تلألؤ الخرز عليه، وقبعة كبيرة على شكل عمامة، وجوربين بنيين ضاربين إلى الحمرة، ~~كانت أحيانا تدليهما للأسفل كي تجعل الضمادات «تتنفس». ولا يمكننا الدفاع كثيرا عن الزواج ~~إذا ما قارنتها بشقيقتيها اللتين لا يزال بإمكانهما القفز بسرعة، ولا تزالان تفوح منهما ~~رائحة الانتعاش والصحة، واللتين تذكران من حين لآخر مقاس وسطيهما في غير رضا. حتى أثناء ~~مجرد الوقوف أو الجلوس، أو الحركة على الكرسي الهزاز، كانت العمة مويرا تطلق دمدمات من ~~الشكوى التي كانت لاإرادية ومعبرة كأصوات الهضم أو إطلاق الريح. # أخذت تخبرنا عن بورترفيلد، لم تكن مدينة تمنع احتساء الكحوليات كمدينة جوبيلي، بل كان بها ~~قاعتان لتناول الشراب تواجهان بعضهما البعض على كلا جانبي الشارع الرئيسي، تقع كل منهما في ~~أحد فندقي المدينة، وأحيانا في مساء يوم السبت أو صباح يوم الأحد يقع شجار مروع في ~~الطريق. ويقع منزل العمة مويرا على بعد نصف مربع سكني من الشارع الرئيسي وقريبا من الرصيف، ~~ومن وراء نافذتها الأمامية المظلمة شاهدت الرجال يضحكون بأصوات مرتفعة كالهمجيين، ~~وشاهدت سيارة تدور حول نفسها ثم تتحطم في أحد أعمدة الهاتف حتى تهشمت عجلة القيادة ~~واخترقت قلب السائق، كما رأت رجلين يجران فتاة ثملة لا تستطيع الوقوف وتتبول في الطريق ~~وهي مرتدية ملابسها، ونظفت آثار قيء المخمورين من على سور منزلها المطلي. لم يكن كل هذا ~~أكثر مما تتوقع رؤيته، ولم يكن سكارى يوم السبت فحسب هم الوقحين الذين يرتكبون أفعالا ~~فاضحة، بل أيضا البقالون والجيران وعاملو توصيل الطلبات ms042 للمنازل المحتالون. وكان صوت العمة ~~مويرا وهي تحكي بتمهل يمتد على مدار اليوم ويبدو وكأنه يملأ الفناء كالنفط الأسود، والعمة ~~إلسبيث والعمة جريس تبديان تعاطفهما معها. ~~«كلا، لا يتوقع أحد أن يمكنكما احتمال هذا!» ~~«إننا لم نكن نعلم كم نحن محظوظون هنا.» # وكانتا تهرولان جيئة وذهابا؛ بفناجين الشاي، وأكواب عصير الليمون، والبسكويت الطازج ~~بالزبد، ومسحوق الخبيز، وكعك مارثا واشنطن، وشرائح الكعك بالزبيب، وحلوى صغيرة من الفاكهة ~~المجففة المكسوة بالسكر والمغلفة بجوز الهند، والتي تكون لذيذة المذاق. # كانت ماري آجنس تجلس وهي تستمع وتبتسم. ابتسمت لي. لم تكن ابتسامة ساذجة، بل كانت ابتسامة ~~شخص يقدم - على نحو إلزامي بل وحتى استبدادي - لطفل كل مظاهر الود التي لا يمكن منحها لأي ~~شخص آخر بحكم الخوف والعادة. كان شعرها الأسود قصيرا وأشواك البشرة تبدو على رقبتها ~~النحيلة ذات اللون البني الفاتح، وكانت ترتدي نظارة طبية. كانت العمة مويرا تجعلها ترتدي ~~ثياب طالبة في المرحلة الثانوية التي لم تمر بها هي قط؛ تنورة ذات طيات مربعة النقش فضفاضة ~~عند الخصر، وقميصا أبيض اللون واسعا للغاية وطويل الأكمام ومكويا بعناية. لم تكن تضع ~~مستحضرات التجميل أو حتى مسحوقا لإخفاء الشعر الناعم الداكن على جانبي فمها. وكانت تتحدث ~~إلي باللهجة القاسية المتغطرسة غير الواثقة لشخص لا يكتفي بإثارة غيظ الآخرين، وإنما ~~يحاكي أساليب إثارة الغيظ، فكانت تحاكي الطريقة التي سمعت بعض المتهورين والمرحين - ربما ~~أصحاب المحال - يخاطبون بها الأطفال. # أمسكت بي وأنا أنظر عبر الألواح الزجاجية الصغيرة الملونة حول الباب الأمامي، وسألتني: ~~«لماذا تفعلين هذا؟» # ثم قالت وهي تنظر عبر الجزء الأحمر من الزجاج: «الفناء يحترق!» ولكنها ضحكت ساخرة مني كما ~~لو كنت أنا من قلتها. # وفي أحيان أخرى، كانت تختبئ في البهو المظلم ثم تقفز وتمسك بي من الخلف مغطية عيني ~~بيديها قائلة: «احزري من أنا! من أنا؟!» كانت تعانقني وتدغدغني بقوة حتى أصرخ، وكانت يداها ~~ساخنتين وجافتين وعناقها عنيفا. كنت أقاومها بأقصى طاقتي، ولكنني لم أستطع أن أسبها أو ~~أبصق عليها أو أجذبها من ms043 شعرها كما أفعل مع زميلاتي في المدرسة بسبب كبر سنها - فهي نظريا ~~امرأة ناضجة - ومكانتها التي تتمتع بالحماية، وهكذا فقد اعتبرتها متنمرة وقلت: إنني أكرهها، ~~ولكن بالطبع ليس في جنكينز بيند. وفي الوقت نفسه، شعرت بالفضول ولم أشعر بالضيق عندما ~~اكتشفت أنني قد أكون شديدة الأهمية - بصورة لا يمكنني فهمها حتى - بالنسبة لشخص ليس مهما ~~بالنسبة لي على الإطلاق. فكانت تدحرجني على سجاد البهو وهي تدغدغ بطني بعنف كما لو كنت ~~كلبا، وفي كل مرة كانت تغمرني الدهشة بقدر ما تسيطر علي قوتها غير المتوقعة، وألاعيبها ~~غير العادلة. كنت أشعر بالذهول نفسه الذي يجتاح المختطفين الذين يدركون أنه في العالم ~~الغريب لآسريهم هم ذوو قيمة لا تتعلق بأي شيء يعرفونه عن أنفسهم. # كنت أعلم أمرا آخر حدث لماري آجنس أخبرتني به أمي؛ فقبل عدة أعوام كانت في الفناء ~~الأمامي لمنزلهم في بورترفيلد عندما كانت العمة مويرا تغسل الثياب في القبو، وأتى خمسة صبية ~~أقنعوها بأن تتنزه معهم واصطحبوها إلى الأرض التي تقام عليها المعارض، وخلعوا عنها ~~ملابسها، وتركوها راقدة على الوحل البارد حتى أصابها التهاب الشعب الهوائية وكادت تموت؛ ~~ولذلك فهي ترتدي دائما ملابس داخلية ثقيلة حتى في الصيف. # أعتقد أن الإحساس بالإهانة - فقد أخبرتني أمي بالقصة كي تحذرني من احتمال التعرض ~~للإهانة إذا ما اقتنعت يوما بالخروج مع الصبية - يكمن في خلع ثيابها بالكامل، في أنها ~~كانت عارية. وقد أورثتني فكرة كوني عارية شعورا بالخزي في أعماقي. ففي كل مرة كنت أتذكر ~~الطبيب وهو يخلع سروالي ويحقن مؤخرتي بمصل الجدري، كنت أشعر بالغضب والاضطراب والإذلال على ~~نحو لا يطاق. تخيلت جسد ماري آجنس وهي ترقد عارية على الأرض ومؤخرتها الباردة ظاهرة للعيان ~~- فهي بالنسبة لي أكثر عضو مخز يبدو عاجزا في جسد الإنسان، وخطر لي أنني لو حدث لي ذلك ~~فلن أستمر على قيد الحياة بعدها. ~~«ديل، عليك أنت وماري آجنس أن تذهبا في نزهة سيرا على الأقدام.» ~~«عليكما أن تتسابقا حول الحظيرة حتى تعثرا على روبر.» # نهضت في ms044 انصياع للأوامر، لكني في ركن الشرفة ضربت العصا في التعريشة الموجودة هناك في ~~استياء همجي؛ لم أكن أرغب في الذهاب مع ماري آجنس، بل كنت أرغب في البقاء وتناول الطعام ~~وسماع المزيد عن بورترفيلد، تلك المدينة الفاسدة الحزينة التي تغص بأشخاص يشبهون أفراد ~~العصابات لا يمكن الوثوق بهم. وسمعت ماري آجنس وهي تأتي خلفي بخطواتها الثقيلة ~~المتعثرة. ~~«ماري آجنس، ابتعدي عن الشمس أينما كنت، ولا تذهبي للتجديف في النهر، فأنت معرضة ~~للإصابة بالبرد في أي وقت من العام!» # قطعنا الطريق وسرنا بمحاذاة ضفة النهر، وفي وسط حرارة الحقول الجافة بعد حصادها وقيعان ~~المجرى المائي المتشققة والطرق البيضاء المغبرة، كان نهر واواناش يمثل قناة تلطف من ~~حرارة الجو. وكانت الظلال هي ظلال أوراق الصفصاف الرقيقة التي لم تكن تحجب أشعة الشمس أكثر ~~مما يحتفظ المنخل بمحتوياته. وكان الوحل على ضفاف النهر جافا، ولكنه لم يكن قد تحول إلى ~~تراب بعد، بل كان كمسحوق السكر الذي يزين الكعك، مكسوا بقشرة رقيقة أعلاه ولكنه رطب ~~وبارد بالأسفل، وكان ممتعا في السير عليه. خلعت حذائي وسرت حافية القدمين، فصاحت ماري آجنس ~~مستنكرة: «سوف أشي بك!» ~~«أخبريهم إذا أردت.» ونعتها في سري «مزعجة غبية.» # كانت الأبقار قد نزلت إلى النهر وتركت آثار حوافرها في الوحل، وتركت أيضا روثها ~~المستدير الذي يبدو عندما يجف ككرات مصنوعة يدويا، أو كألعاب من الصلصال المصنوع يدويا. ~~وعلى الجانبين من حواف الماء كان ثمة بسط ممتدة من أوراق الزنابق، وبين الحين والآخر تظهر ~~إحدى زنابق الماء صفراء اللون، والتي تبدو شاحبة وهادئة وجذابة، حتى إنني اضطررت إلى رفع ~~أطراف ثوبي وطيها في سروالي، والخوض بين الجذور في الوحل الأسود الذي يقطر من بين أصابع ~~قدمي، ويعكر الماء، ويملأ أوراق الزنابق وبتلاتها. # فصاحت ماري آجنس في انفعال غاضب: «سوف تغرقين، سوف تغرقين.» رغم أن مستوى الماء كان ~~بالكاد تجاوز ركبتي. وعندما أحضرت الزهور للشاطئ بدت خشنة وذات رائحة نفاذة وبدأت تموت على ~~الفور، فاستأنفت السير في طريقي، متناسية أمرها، وسحقت البتلات ms045 في يدي. # مررنا على بقرة نافقة ترقد وساقاها الخلفيتان في الماء، وكان الذباب الأسود يزحف ويتجمع ~~على جلدها ذي اللونين البني والأبيض ويلمع في الشمس كالتطريز بالخرز. # أمسكت بعصا وضربت على جلد البقرة، فارتفع الذباب محلقا في دوائر ثم هبط مرة أخرى. ~~تخيلت أن جلد البقرة عبارة عن خريطة؛ واللون البني يرمز إلى المحيط والأبيض إلى القارات ~~العائمة، أخذت أتتبع بعصاي أشكالها الغريبة وسواحلها المتعرجة محاولة الحفاظ على طرف ~~العصا بين اللونين الأبيض والبني بالضبط، ثم قدت العصا عبر العنق متتبعة حبلا مشدودا من ~~العضلات، فقد نفقت البقرة وعنقها مشدود كما لو كانت تحاول الوصول للماء، ولكنها كانت ترقد ~~في الاتجاه الخاطئ، ثم قرعت بالعصا على وجهها، كنت أكثر جبنا عندما تعلق الأمر بلمس ~~الوجه، وكنت أجبن عن النظر في عينيها. # كانت عيناها مفتوحتين تماما، تبرز كنتوء أملس داكن اللون فقد القدرة على الإبصار يلمع ~~كالحرير، وبه بريق ضارب إلى الحمرة من انعكاس الضوء، كما لو كانت برتقالة محشوة في جورب ~~حريري أسود. استقر الذباب في جانب واحد، وتجمع بشكل جميل كما لو كان حلية ملونة بألوان ~~قزح. كان لدي رغبة قوية في وخز العين بعصاي كي أرى ما إذا كانت سوف تنهار أم ترتج وتتداعى ~~كالهلام، كاشفة أنها من التركيب نفسه، أم أن الطبقة الجلدية على السطح سوف تتمزق وتطلق ~~سراح الأجزاء المتعفنة بداخلها تاركة إياها تسقط على الوجه. حركت العصا حول العين، ثم ~~سحبتها، فلم أستطع، لم أستطع أن أخز العين. # لم تقترب ماري آجنس، بل قالت محذرة: «اتركيها وشأنها، تلك البقرة العجوز الميتة. إنها ~~قذرة، وسوف تعرضين نفسك للقذارة.» # فقلت وأنا أطيل في حروف الكلمة بتلذذ: «أيتها البقرة الميتة، أيتها البقرة ~~الميتة.» # فقالت ماري آجنس بلهجة آمرة: «تعالي إلى هنا.» ولكنني شعرت أنها خائفة من ~~الاقتراب. # أثارت البقرة النافقة في مخيلتي كل أفكار الانتهاك والتدنيس؛ فأردت أن أخزها وأسحقها ~~بقدمي وأتبول عليها، والقيام بأي شيء كي أعاقبها، كي أعبر عن مدى الاحتقار الذي أشعر به ~~لكونها ميتة، ms046 كأن أوسعها ضربا أو أحطمها أو أبصق عليها أو أمزقها أو ألقيها بعيدا! ~~ولكنها كانت لا تزال تتمتع ببعض القوة، فهي ترقد وعلى ظهرها خريطة لامعة غريبة، وعنقها ~~مشدود، وعيناها ملساء. لم أكن قد نظرت من قبل إلى بقرة حية، وكنت دائما أفكر فيما خطر ~~ببالي الآن: لم توجد أبقار؟ لم تتخذ النقاط البيضاء الشكل الذي هي عليه الآن، ولا تتكرر ~~قط - لا في أي بقرة أخرى أو أي مخلوق آخر - بالشكل نفسه؟ عدت مرة أخرى إلى تتبع حدود ~~القارة على جلد البقرة وأنا أدفع العصا بقوة في محاولة لرسم خط محدد، وانتبهت لشكل الخط كما ~~كنت أنتبه أحيانا لشكل القارات أو الجزر على الخرائط الحقيقية، كما لو كان الشكل نفسه يكشف ~~سرا أكبر من الكلمات، وكما لو كنت سأفهمه إذا حاولت بجهد أكبر، وكان لدي الوقت ~~لذلك. # قلت باحتقار لماري آجنس: «أتحداك أن تلمسيها، أن تلمسي بقرة ميتة.» # فتقدمت ماري آجنس ببطء، ولدهشتي انحنت وهي تتمتم وتنظر إلى العين كما لو كانت تعلم أنني ~~كنت أتفكر فيها، ووضعت يدها عليها، نعم وضعت راحة يدها على العين. وفعلت ذلك بجدية ~~وبتردد، وبرباطة جأش رقيقة ليست من شيمها. وفور أن فعلت ذلك، وقفت ووضعت يدها أمام وجهي ~~وراحتها في اتجاهي، وأصابعها مبسوطة حتى بدت يدا ضخمة داكنة أكبر من وجهها بالكامل، وضحكت ~~في وجهي. # قالت: «إنك خائفة الآن من أن أمسك بك.» وقد كنت خائفة بالفعل، ولكنني ابتعدت عنها بأقصى ~~قدر من الغطرسة استطعت استجماعه. # وهكذا، بدا لي أنه غالبا لا أحد سواي يعلم ما يحدث بالفعل، أو يعلم حقيقة الأشخاص. فعلى ~~سبيل المثال؛ كان الناس يقولون: «يا لماري آجنس المسكينة!» أو يلمحون لذلك عن طريق انخفاض ~~في نبرة الصوت أو لهجة حماية خافتة، كما لو كانت لا تملك أسرارا أو مكانا خاصا بها، ~~ولكن هذا لم يكن حقيقيا. ~~••• ~~«لقد وافت المنية عمك كريج مساء أمس.» # قالتها أمي بصوت يغلب عليه الخجل وهي تبلغني بذلك. # كنت أتناول إفطاري السري المفضل - الذي ms047 يتكون من القمح المغموس في دبس السكر الأسود - ~~وأجلس على الرصيف الإسمنتي خارج منزلنا في شمس الصباح. كان قد مر يومان على عودتي من ~~جنكينز بيند، وعندما ذكرت العم كريج تذكرته في آخر صورة رأيته عليها وهو يقف في مدخل البيت، ~~مرتديا صدريته وقميصه وهو يلوح لي مودعا بلطف، وربما بنفاد صبر. # أصابني ذلك النظام المعقد بالحيرة. «مات!» بدا الموت كما لو كان شيئا إراديا، شيئا ~~اختار أن يفعله بكامل إرادته، كما لو أنه قال: «سوف أموت الآن.» وفي تلك الحالة فلا يمكن أن ~~يكون أمرا نهائيا، ولكنني كنت أعلم أنه كذلك. ~~«في قاعة أورانج في مدينة بلو ريفر، كان يلعب الورق.» # بدأ عقلي يرسم صورة لما حدث: طاولة لعب الورق في قاعة أورانج المضيئة (رغم أنني كنت أعلم ~~أن اسمها الحقيقي «قاعة أورانجمين»، وأن الاسم لا علاقة له باللون بالضبط مثلما كان اسم ~~المدينة بلو ريفر لا علاقة له بنهر أزرق)، كان العم كريج يقسم الأوراق بطريقته الجادة ~~وجفونه المتثاقلة، وكان يرتدي صدريته ذات الظهر المصنوع من الساتان وأقلامه الحبر والرصاص ~~مثبتة في جيبه. ثم؟ ~~«أصيب بأزمة قلبية.» # أزمة قلبية، تبدو كما لو أنها انفجار، كما لو كانت ألعابا نارية تنطلق مطلقة قضبانا من ~~الضوء في كل الاتجاهات، ومفجرة كرة صغيرة من الضوء - كان هذا هو قلب العم كريج أو روحه - ~~تحلق في الهواء، حيث تعثرت وانطفأت. هل قفز من مقعده، ولوح بذراعيه في الهواء وصرخ؟ كم ~~استغرق الأمر؟ هل أغلقت عيناه؟ هل كان يعلم ماذا يحدث؟ بدت إيجابية أمي المعتادة معتمة، ~~وكانت شهيتي للحصول على التفاصيل تثير استياءها. أخذت أتتبعها في أرجاء المنزل وأنا عابسة ~~ومصرة وأكرر أسئلتي. أردت أن أعرف، فلا يوجد مصدر للحماية ما لم يكن في المعرفة. أردت أن ~~يقوم أحدهم بتثبيت الموت وعزله خلف حائط من الحقائق والظروف؛ كي لا يظل طليقا متنقلا، ~~متجاهلا ولكنه قوي، منتظرا أن يحل في أي مكان. # ولكن بحلول يوم الجنازة، كانت أمور كثيرة قد تغيرت، فقد استعادت أمي ms048 الثقة واستعدت أنا ~~هدوئي، ولم أعد أرغب في سماع المزيد عن العم كريج أو عن الموت، وأخرجت أمي فستاني الأسود ذا ~~النسيج مربع النقش من كرة النفتلين، ونفضت الغبار عنه، ووضعته على حبل الغسيل كي يتعرض ~~للهواء. ~~«إنه مناسب للصيف، فهذا الصوف الخفيف أفضل من القطن. وعلى أية حال، فهذا هو الفستان ~~الوحيد داكن اللون الذي تملكينه، ولكنني لا أهتم، فلو كان الأمر بيدي كنت سأسمح لك بارتداء ~~اللون القرمزي، وإذا كانوا يؤمنون بالمسيحية حقا لكان هذا ما يرتدونه كلهم، وكانوا سيقضون ~~وقتهم في الرقص والابتهاج، فهم في نهاية المطاف يقضون حياتهم بأكملها في الغناء والابتهال ~~للخروج من هذا العالم والذهاب في طريقهم إلى السماء. ولكنني أعلم عماتك جيدا، فسوف ~~تتوقعان ملابس داكنة اللون، تقليدية حتى النخاع!» # لم تتفاجأ أمي عندما سمعت أنني لا أرغب في الذهاب. # وقالت بصراحة: «لا أحد يرغب في الذهاب، لا أحد يرغب في ذلك على الإطلاق، ولكنك مضطرة ~~لذلك. عليك أن تتعلمي مواجهة الأمور أحيانا.» # لم أحب الطريقة التي قالت بها ذلك؛ فقد كان حماسها وحيويتها زائفين مبتذلين، ولم أستطع ~~الوثوق بها، فدائما عندما يخبرك الآخرون بأن عليك مواجهة ذلك الأمر أحيانا؛ عندما يسرعون ~~بك بصورة واقعية تجاه أي نوع من الألم أو الأعمال المشينة أو الاكتشافات البغيضة، تلمح في ~~أصواتهم نبرة الخيانة؛ ذلك الابتهاج البارد المتخفي الذي لا ينجحون في إخفائه تماما، شيئا ~~يتوق لإيلامك. نعم وفي حالة الوالدين أيضا، بل في حالة الوالدين تحديدا. # تابعت أمي قائلة، بمرح لا يخلو من نبرة تنذر بشؤم: «ما الموت؟ وماذا يعني أن يموت ~~المرء؟» ~~«أولا، ما الإنسان؟ هو عبارة عن نسبة كبيرة من الماء، مجرد ماء نقي. فلا شيء مميز في ~~الإنسان. أهي مادة الكربون التي تعد أبسط العناصر، وما قيمتها؟ ثمانية وتسعون سنتا؟ هذا كل ~~شيء. ولكن الشيء المميز حقا هو طريقة تركيب تلك العناصر مع بعضها. الطريقة التي يتركب بها ~~جسم الإنسان، لدينا القلب والرئتان، لدينا الكبد والبنكرياس والمعدة والمخ. كل تلك الأشياء، ~~ما ms049 هي؟ إنها تركيبات من العناصر! وعند تركيبها، تركيب جميع المكونات نحصل على إنسان! ونطلق ~~عليه العم كريج أو والدك أو أنا، ولكنه في نهاية المطاف ليس إلا تلك «التركيبات»، تلك ~~الأجزاء توضع معا وتعمل بطريقة معينة في الوقت الحالي. وما يحدث بعد ذلك أن أحد الأعضاء ~~يتعطل أو ينهار، وفي حالة العم كريج، فهو القلب، وهكذا نقول إن: العم كريج قد مات، ذلك ~~الشخص أصبح ميتا. ولكن هذه هي فقط طريقتنا للنظر إلى الأمر، تلك هي طريقتنا البشرية فحسب. ~~فإذا لم نكن نفكر طوال الوقت في الأشخاص، وكنا نفكر في الطبيعة، فسنجد أن الطبيعة مستمرة من ~~حولنا وأن أجزاء منها تموت؛ حسنا لا أعني أنها تموت، بل تتغير - هذه هي الكلمة التي أبحث ~~عنها - تتغير إلى شيء آخر. فكل تلك العناصر التي يتكون منها الشخص تتغير وتعود إلى الطبيعة ~~مرة أخرى، ثم تظهر من جديد على هيئة الطيور والحيوانات والزهور، فالعم كريج ليس بالضرورة أن ~~يكون العم كريج! بل هو أزهار!» # فقلت: «سوف أصاب بالغثيان من الركوب في السيارة، وسوف أتقيأ.» # فقالت والدتي - التي كانت ترتدي ملابسها ~~الداخلية وتضع العطر على ذراعيها المكشوفتين: «كلا لن تفعلي.» ثم جذبت فستانها الأزرق ~~الداكن المصنوع من قماش الكريب، وأدخلت جسدها فيه عبر رأسها، وتابعت: «تعالي أغلقي لي ~~الأزرار. يا له من فستان أرتديه في هذا الجو الحار! يمكنني أن أشم رائحة المنظفات عليه، ~~فالحرارة تطلق تلك الرائحة. دعيني أخبرك عن مقال كنت أقرؤه قبل أسبوعين، فهو يتناسب تماما ~~مع ما أقوله الآن.» # دخلت إلى غرفتها وأحضرت قبعتها التي ارتدتها أمام مرآة مكتبي الصغيرة، وهي تجمع خصلات ~~شعرها الأمامية تحتها على عجل، وتترك بعض خصلات الشعر الخلفية تتدلى من الخلف. كانت قبعة ~~صغيرة مستديرة ذات لون قبيح كان رائجا خلال الحرب، وهو اللون الأزرق الخاص بالقوات ~~الجوية. # واستأنفت حديثها: «يتكون الناس من أعضاء، وعندما يموت ~~شخص - كما نقول نحن - يكون عضو واحد فقط، أو ~~اثنان، هو ما تلف، وبعض الأجزاء الأخرى قد تعمل لمدة ms050 ثلاثين أو أربعين عاما أخرى. فالعم ~~كريج - على سبيل المثال - قد يكون لديه كلى سليمة تماما يمكن لشاب مريض بالكلى أن ~~يستخدمها، وهذا المقال يؤكد أن تلك الأجزاء سوف تستخدم يوما ما! هذا هو كل ما في الأمر. ~~تعالي إلى الطابق السفلي.» # تبعتها للأسفل نحو المطبخ، وبدأت هي تضع أحمر الشفاه أمام المرآة المعتمة المعلقة فوق ~~حوض المطبخ. كانت أمي تحتفظ - لسبب ما - بمستحضرات التجميل هناك، على رف قصديري لزج فوق ~~الحوض وتتركها تختلط مع زجاجات أقراص الدواء القديمة الداكنة، وشفرات أمواس الحلاقة، ومسحوق ~~تنظيف الأسنان، والفازلين، وجميعها بلا أغطية. ~~«نقل الأعضاء! على سبيل المثال: العينين. ~~لقد أصبح نقل العينين ممكنا بالفعل، ليس العين بأكملها بل القرنية حسبما أعتقد، وهذه مجرد ~~بداية. يوما ما سيصبح من الممكن نقل القلب والرئة وكل الأعضاء التي يحتاجها الجسد، حتى ~~المخ، وإنني أتساءل: هل سيصبح من الممكن يوما ما نقل «المخ»؟ وهكذا فلن تموت تلك الأعضاء ~~أبدا، بل ستحيا ولكن في جسد شخص آخر، جزءا في تركيبة أخرى. وهكذا فلن يعود بإمكاننا ~~الحديث عن الموت تماما على الإطلاق. وكان عنوان ذاك المقال هو «ورثة الجسد الحي»، فسوف ~~نصبح جميعنا ورثة بعضنا لأجساد البعض، وسنصبح جميعا متبرعين أيضا. أما الموت نفسه كما ~~نعرفه الآن، فسوف نتخلص منه.» # هبط أبي لأسفل مرتديا حلته الداكنة. ~~«هل كنت تنوين مناقشة تلك الأفكار مع من سيحضرون الجنازة؟» # فأجابت أمي بنبرة واقعية: «كلا.» ~~«لأنهم يملكون بالطبع مجموعة مفاهيم مختلفة، وقد يستاءون بسهولة.» # فصاحت أمي: «إنني لا أقصد قط إثارة استياء أي شخص، لا أقصد هذا إطلاقا. ولكنني ~~أعتقد أنها فكرة جميلة، إن بها جمالها الخاص. أليست أفضل من فكرة الجنة والنار؟ لا أستطيع ~~فهم الناس، لا أستطيع مطلقا فهم ما يؤمنون به. هل يعتقدون أن عمك كريج يرتدي الآن منامة ~~بيضاء ويطوف في عالم الخلود الأبدي في هذه اللحظة؟ أم أنهم يعتقدون أنه دفن تحت الأرض وأنه ~~الآن يتحلل؟» ~~«إنهم يؤمنون بالاثنين معا.» قالها أبي وهو يقف في وسط المطبخ ms051 يطوق أمي بذراعيه معانقا ~~إياها برفق وقوة في آن واحد، وبحرص على ألا يفسد قبعتها أو وجهها الذي أضفت عليه مسحة من ~~اللون الوردي. # كنت أتمنى هذا الأمر في بعض الأحيان، أن أرى والدي يؤكدان بالنظرات أو بالعناق العلاقة ~~الرومانسية - لا الرغبة - التي نشأت بينهما وجمعتهما برباط الزواج. ولكن في تلك اللحظة، ~~عندما رأيت أمي تتحول إلى شخصية وديعة مرتبكة - كما أوضح استرخاء ظهرها ولكن ليس كلماتها - ~~وأبي يلمسها لمسات رقيقة حنونة وحزينة، غير أن حزنه لم يكن يمت بصلة بالعم كريج، شعرت ~~بالقلق ووددت أن أصرخ فيهما كي يتوقفا ويعود كل منهما إلى شخصيته المنفصلة المستقلة التي ~~لا تجد دعما. فقد خشيت أن يستمرا ويرياني شيئا لا أرغب في رؤيته بالضبط مثلما لا أرغب في ~~رؤية العم كريج ميتا. ~~«أوين ليس مضطرا للذهاب.» قلتها بمرارة وأنا أدفع وجهي نحو الشبكة الرخوة على الباب ~~الشبكي، وأنا أراه جالسا في الفناء في عربته القديمة وهو حافي القدمين متسخ منعزل يتظاهر ~~بأنه أي شخص آخر، ربما رجل عربي في قافلة أو أحد أبناء الإسكيمو على زلاجة تجرها ~~الكلاب. # فابتعدا بعضهما عن بعض وتنهدت أمي قائلة: «لا يزال أوين صغيرا.» # بدا المنزل وكأنه موضوع على واحدة من تلك الأحجيات؛ تلك المتاهات التي ترسم على الورق، ~~به نقطة سوداء في أحد المربعات أو الغرف، ويفترض بك أن تجد طريقك للدخول إليه أو للخروج ~~منه. كانت النقطة السوداء في تلك الحالة هي جثة العم كريج، وكان كل همي منصبا على تجنبها ~~لا الوصول إليها، وألا أفتح حتى أكثر الأبواب أمانا ظاهريا بسبب ما قد أجده ممددا ~~خلفه. # كانت لفائف التبن لا تزال هناك؛ ففي الأسبوع الماضي عندما كنت أزوره، كان التبن قد تم ~~جزه بارتفاع يصل إلى درج الشرفة، ولفه في شكل خلايا نحل متسقة ومستوية أعلى من ارتفاع ~~رأس الإنسان. وفي المساء، كانت لفائف التبن - التي تلقي ظلالا طويلة بارزة، ثم عندما تغرب ~~الشمس تتحول إلى ظلال صلبة ساكنة رمادية اللون - تكون صورة قرية ms052 بأكملها، أو إذا نظرت حول ~~زاوية المنزل باتجاه بقية الحقل، تجد أنها تكون مدينة كاملة من الأكواخ السرية المتشابهة ~~تماما ذات اللون الرمادي المائل إلى الأرجواني. ولكن أحدها قد انهار، أحدها كان رخوا ~~ومحطما متاحا لي كي أقفز فيه. كنت أتراجع وأقف على السلالم، ثم أجري باتجاهه وذراعاي ~~مفتوحتان في شغف، وأهبط داخل التبن الطازج الذي لا يزال دافئا ولا يزال يحتفظ برائحته ~~العشبية. كان مليئا بالورود الجافة؛ مثل زهرة المسك الأبيض والأرجواني وتودفلاكس الأصفر ~~وورود زرقاء صغيرة لا يعرف أحد اسمها، تغطي ذراعي وساقي ووجهي بالخدوش، وعندما نهضت من ~~بين أكوام التبن كانت تلك الخدوش تحرقني أو تتوهج في النسيم المتصاعد من النهر. # أتت العمة إلسبيث والعمة جريس، وقفزتا بين أكوام التبن أيضا، ومئزرتيهما تتطايران وهما ~~تضحكان على نفسيهما. وعندما تأتي لحظة القفز كانتا تترددان ثم تقفزان بلا اندفاع كاف، ~~وتهبطان في وضع جلوس محتشم وأيديهما متباعدة كمن يقفز على وسادة، أو وهما تمسكان ~~شعرهما. # وعندما عادتا وجلستا في الشرفة ومعهما أوعية من الفراولة كانتا تقشرانها لصنع المربى، ~~بدأت العمة جريس تتحدث لاهثة، ولكن بصوت هادئ متأمل. ~~«تخيلي إذا مرت سيارة ونحن نفعل هذا، أما كنت ستتمنين الموت حينها؟» # فاستخرجت العمة إلسبيث دبابيس الشعر من شعرها وتركته ينسدل على ظهر مقعدها. عندما كان ~~شعرها مثبتا بدبابيس الشعر كان يبدو كله تقريبا رمادي اللون، ولكنها عندما تركته ينسدل ~~ظهر به الكثير من الشعر الحريري البني الداكن بلون فراء المنك. وهزت رأسها للأمام ~~وللخلف وهي تطلق صيحات سعادة خافتة، ومررت أصابعها خلال شعرها كي تتخلص من بقايا التبن ~~الذي تطاير والتصق بشعرها. # وقالت: «كم نحن حمقى!» # أين كان العم كريج وقتها؟ كان يكتب بحماس خلف نوافذه المغلقة وستائره المنسدلة. # وكانت لفائف التبن المسحوق أيضا كما تركتها عندما انتهت زيارتي، ولكن الآن كان الرجال ~~يسيرون على بقايا التبن وهم يرتدون حللا داكنة كالغربان الطويلة ويتبادلون أطراف الحديث، ~~وكان إكليل من الزنابق البيضاء معلقا على الباب الأمامي الذي كان مفتوحا جزئيا. أتت ~~ماري ms053 آجنس وهي تبتسم فرحا، وجعلتني أقف ساكنة وهي تربط وشاحي وتربطه مرة أخرى. كان المنزل ~~والفناء مكتظين بالناس، وجلس الأقارب من تورونتو في الشرفة، وبدت الطيبة واضحة على ~~وجوههم، لكنهم كانوا معزولين عن بعض بإرادتهم فكل منهم يجلس على حدة. أجبرت على الذهاب ~~والتحدث إليهم وأنا أتحاشى تماما النظر إلى النوافذ التي تقع خلفهم خوفا من رؤية جثة العم ~~كريج. وخرجت روث ماكوين وهي تحمل سلة من الخيزران مليئة بالورود ووضعتها على حافة ~~الشرفة. # وقالت: «ثمة ورود أكثر مما يحتمل المنزل.» كما لو كان ذلك شيئا سيحزننا جميعا، وتابعت: ~~«فرأيت أن أضعهم هنا بالخارج.» كانت شقراء متحفظة يبدو عليها الجزع والشحوب - فهي بالفعل ~~عانس. كانت تعلم أسماء الجميع، وقدمتني أنا وأمي لرجل وزوجته من جنوبي البلاد. كان الرجل ~~يرتدي سترة بدلة فوق رداء سروالي. # وقالت المرأة بفخر: «لقد أعطانا تصريح الزواج.» # قالت أمي: إنها يجب أن تدخل إلى المطبخ، وتبعتها وأنا أفكر في أنه على الأقل من المستحيل ~~أن يكونوا وضعوا جثة العم كريج هناك حيث تفوح روائح القهوة والطعام. وكان الرجال في الردهة ~~أيضا يقفون كجذوع الأشجار التي يتعين عليك أن تشق طريقك خلالها. وكان بابا الغرفة ~~الأمامية مغلقين ووضعت أمامهما سلة من نبات الدلبوث. # كانت العمة مويرا - التي كانت متشحة بالثياب السوداء كما لو أنها سارية ضخمة - تقف ~~عند مائدة المطبخ تعد فناجين الشاي. # وقالت: «لقد عددت الفناجين ثلاث مرات، وفي كل مرة أحصل على رقم مختلف.» كما لو كان ذلك ~~سوء حظ خاص بها وحدها لا يصيب غيرها، وتابعت: «عقلي لا يستطيع العمل اليوم، ولا يمكنني ~~الوقوف على قدمي أكثر من ذلك.» # أما العمة إلسبيث التي كانت ترتدي مئزرا رائعا مكويا بعناية به زخرفة من الشاش ~~الأبيض، فقد قبلتني أنا وأمي وقالت وهي تتراجع متنهدة كما لو أنها أحرزت إنجازا: «إن ~~جريس بالأعلى ترطب عينيها. لا يمكننا تصديق ذلك، الكثير من الناس حضروا إلى هنا! أخبرتني ~~جريس أنها تعتقد أن نصف سكان المقاطعة هنا، فقلت لها: ماذا ms054 تقولين؟ نصف سكان المقاطعة؟ لن ~~أتفاجأ إذا حضر كل سكان المقاطعة! ولكننا نفتقد هيلين، لقد أرسلت باقة من الزنبق.» # فقالت بلهجة عملية وهي تنظر إلى الفناجين: «يا إلهي! يجب أن يكون هناك عدد كاف، كل ~~الفناجين الأنيقة لدينا وفناجين المطبخ وتلك التي اقترضناها من الكنيسة!» # فهمست امرأة عند المائدة: «افعلي كما فعلوا في جنازة بول، فقد أبعدت الفناجين الأنيقة ~~وأوصدت عليها الخزانة واستخدمت تلك التي اقترضتها من الكنيسة، وقالت إنها لن تغامر بطقم ~~الخزف النفيس الخاص بها.» # فأدارت العمة إلسبيث عينيها الحمراوين في تقدير، وهو تعبيرها المعتاد ولكنه مخفف؛ نظرا ~~للظرف الحالي. ~~«ولكن الطعام سوف يكفي على أية حال، أعتقد أن لدينا هنا ما يكفي لإطعام الخمسة آلاف ~~شخص.» # وأنا أيضا اعتقدت ذلك، فأينما نظرت كنت أجد طعاما: لحم الخنزير المشوي، والدجاج المشوي ~~الكبير الحجم يبدو لامعا، والبطاطس المطهوة، وحساء الطماطم، وسلطة البطاطس، وسلطة الخيار ~~والبنجر، ولحم الخنزير المحمر، والفطائر، والبسكويت المصنوع بمسحوق الخبيز، والخبز المدور، ~~والخبز بالمكسرات، والخبز بالموز، وكعك الفاكهة، والكعك الفاتح والداكن، ومارينج الليمون، ~~وفطائر التفاح والتوت، وأطباق الفاكهة المحفوظة، وعشرة أصناف أو اثني عشر صنفا من المخللات ~~والمقبلات، ومخلل قشر البطيخ، وهو المفضل لدى العم كريج، فقد كان دائما يقول إنه يرغب في ~~تناول وجبة كاملة منه مع الخبز والزبد فحسب. # قالت العمة مويرا بنبرة غاضبة حزينة: «ليس أكثر من كاف، ففي الجنائز يأكل الجميع بشهية ~~مفتوحة للغاية.» # حدث هرج ومرج في الرواق، فقد كانت العمة جريس تعبر والرجال يفسحون لها الطريق وهي تشكرهم ~~باستسلام وامتنان كما لو كانت عروسا، وتبعها القس الذي تحدث إلى السيدات في المطبخ بحماس ~~مكتوم. ~~«حسنا، أيتها السيدات! أيتها السيدات! لا يبدو أنكن جعلتن الوقت يمر عليكن بتثاقل، ~~فالعمل شيء مفيد، العمل شيء مفيد وقت الحزن.» # انحنت العمة جريس وطبعت قبلة على وجنتي، فشممت رائحة كريهة ضعيفة - رائحة تحذيرية - ~~امتزجت بعطرها. وهمست لي برقة ومرح كما لو كانت تعدني بمكافأة: «هل ترغبين في رؤية العم ~~كريج؟ إنه في الغرفة الأمامية، وهو ms055 يبدو وسيما للغاية تحت باقة الزنبق التي أرسلتها العمة ~~هيلين.» # بدأت بعض السيدات يتحدثن إليها، فانسللت ناجية. مررت عبر البهو مرة أخرى، وكانت أبواب ~~الغرف الأمامية لا تزال مغلقة، وفي أسفل الدرج عند الباب الأمامي كان أبي ورجل لا أعرفه ~~يسيران بخطوات سريعة ويستديران ويقيسان بأيديهما بحذر. ~~«هنا سيكون المكان الشائك. هنا.» ~~«هل نخلع الباب؟» ~~«تأخر الوقت كثيرا على هذا الأمر، لن ترغب في إحداث فوضى، كما أنه قد يزعج السيدات إذا ~~رأيننا ونحن نخلعه. إذا تمكنا من الالتفاف هكذا ...» # وأسفل البهو الجانبي كان ثمة عجوزان يتحدثان فمررت من بينهما. ~~«ليس كما كان الوضع في الشتاء، أتذكر جيمي بول؟ كانت الأرض كالصخر، ولم يكن بوسعك أن تحدث ~~فيها ثقبا باستخدام أية أداة مهما كانت.» ~~«كان عليه أن ينتظر ما يزيد عن شهرين كي يذوب الجليد.» ~~«بحلول ذلك الوقت كان ثمة ثلاث أو أربع جثث تنتظر. دعني أرى، جيمي بول ...» ~~«نعم هو، وكانت هناك السيدة فرالي، والسيد ...» ~~«كلا، انتظر، لقد توفيت قبل الجليد، وكانت ظروف دفنها جيدة.» # مررت عبر الباب في نهاية البهو الجانبي إلى الجزء القديم من المنزل، وكان يطلق عليه ~~المخزن. كان من الخارج يبدو منزلا صغيرا من جذوع الأشجار ملحقا بجانب المنزل الحجري ~~الكبير. وكانت النوافذ صغيرة ومربعة ومنحرفة قليلا كالنوافذ غير المقنعة في منزل الدمية. ~~ولم يكن أي ضوء يتسلل إلى داخل المنزل تقريبا؛ وذلك بسبب أكوام النفايات الشاهقة المكدسة ~~في كل مكان حتى أمام النوافذ؛ مثل ممخضة اللبن، والغسالة اليدوية القديمة، وهيكل الفراش ~~الخشبي المفكك، وجذوع النخل، وأحواض المياه، والمناجل، وعربة أطفال مهلهلة كسفينة شراعية ~~مائلة على جنبها. وكانت تلك هي الغرفة التي ترفض العمة جريس دخولها، أما العمة إلسبيث فقد ~~كان عليها دخولها دائما إذا ما أرادتا الحصول على شيء منها. فكانت تقف في المدخل وتتشمم ~~الهواء بقوة وتقول: «يا له من مكان! إن الهواء هنا يبدو كما لو كان هواء مقبرة!» # أحببت إيقاع تلك الكلمة عندما سمعتها تتلفظ بها للمرة الأولى. لم أكن أعرف ms056 ما هي ~~بالضبط، وتخيلت أننا داخل بيضة رخامية مجوفة يملؤها الضوء الأزرق الذي لا يحتاج إلى الدخول ~~من الخارج. # كانت ماري آجنس تجلس على ممخضة اللبن ولا تبدو عليها المفاجأة. # وسألتني برفق: «لماذا أتيت إلى هنا؟ سوف تضلين الطريق.» # لم أجبها، ودون أن أستدير أخذت أتجول في الغرفة. تذكرت أنني كنت أتساءل عما إذا كان ثمة ~~شيء في عربة الأطفال تلك. بالطبع كان هناك أشياء، كومة من مجلات «فاميلي هيرالد» القديمة. ~~سمعت صوت أمي تناديني، وبدت قلقة بعض الشيء ومتسمة بالاحترام رغما عنها. لم أصدر صوتا ~~لا أنا ولا ماري آجنس. ماذا كانت ماري آجنس تفعل هنا؟ كانت قد عثرت على زوج من الأحذية ~~النسائية طويلة الرقبة قديمة الطراز مربوطة بالأشرطة في مقدمتها، ومزينة بالفراء، وكانت ~~تمسك بهما بقوة، ثم حكت الفراء تحت ذقنها. ~~«إنها فراء أرنب.» # ثم جاءت إلي ووضعت الحذاء أمام وجهي مباشرة. ~~«فراء أرنب؟» ~~«لا أريدهما.» ~~«تعالي كي تلقي نظرة على العم كريج.» ~~«كلا.» ~~«إنك لم تريه بعد.» ~~«كلا.» # ظلت واقفة أمامي تسد طريقي وتحمل الحذاء في كلتا يديها، ثم قالت مرة أخرى بنبرة خبيثة ~~مغرية: «تعالي كي تري العم كريج.» ~~«لن أفعل.» # ألقت الحذاء ووضعت يدها على ذراعي، وغرست أصابعها فيها بقوة. حاولت التخلص منها، ولكنها ~~أمسكت بي باليد الأخرى وجذبتني نحو الباب. وبالنسبة لفتاة ضعيفة كهذه - فتاة كادت تلقى ~~حتفها بالتهاب الشعب الهوائية ثلاث مرات من قبل - كانت تتمتع بقوة خارقة. تسللت يدها حتى ~~خصري، وبقبضة محكمة فظة أمسكت بيدي، وظل صوتها متمهلا ناعما مبتهجا. ~~«تعالي كي تري العم كريج.» # فخفضت رأسي وأدخلت ذراعها في فمي المفتوح، وأمسكت بذراعها الملساء المتينة من تحت المرفق، ~~وظللت أعضها حتى مزقت الجلد بحرية تامة معتقدة أنني قد فعلت أسوأ ما يمكنني فعله. لقد ~~تذوقت دماء ماري آجنس أوليفانت! ~~••• # لم أكن مضطرة لحضور الجنازة، ولم يكن أحد ليجبرني على أن ألقي نظرة على العم كريج. ~~فأدخلوني إلى مكتبه على الأريكة الجلدية التي كان يغفو عليها في وقت القيلولة وحيث ms057 كان ~~الأزواج ينتظرون للحصول على تصاريح الزواج، ووضعت فوق ركبتي بطانية رغم حرارة الجو ~~وبجواري كوب من الشاي، وقد منحوني كذلك شريحة من الكعك، ولكني تناولتها في الحال. # عندما عضضت ماري آجنس ظننت أنني أقطع نفسي من كل شيء، ظننت أنني أبعد نفسي بعيدا حيث لن ~~يكون عقاب ما كافيا، وحيث لن يجرؤ أحد على أن يطلب مني النظر إلى رجل ميت أو إلى أي شيء ~~آخر. ظننت أنهم سوف يكرهونني جميعا، وبدت لي الكراهية في ذلك الوقت شيئا مرغوبا فيه ~~للغاية وكأنه هدية من الأجنحة. # ولكن كلا، فالحرية لا تأتي بهذه السهولة، رغم أن العمة مويرا - التي ظلت تؤكد أنها ~~اضطرت إلى جذبي بعيدا عن ذراع ماري آجنس والدماء تغرق فمي (وهي كذبة، فقد كنت قد ابتعدت ~~عنها بالفعل، وكانت ماري آجنس تقف منحنية هناك تبكي وقد تملك منها الذهول بعد أن خارت ~~قواها الشيطانية) - أمسكت بكتفي وأخذت تهزني بقوة وهي تمسك وجهي الذي كان على بعد ~~سنتيمترات قليلة من صدرها المصفح، وجسدها يرتجف فوقي كتمثال يوشك على الانفجار. ~~«كلبة مسعورة! الكلاب المسعورة فقط هي التي تعض بهذا الشكل! يجب على والديك أن ~~يحبساك!» # وضعت العمة إلسبيث منديلا على ذراع ماري آجنس، وجذبتها العمة جريس والسيدات الأخريات ~~وأخذن يربتن عليها. ~~«سوف أصطحبها إلى الطبيب، يجب أن يخيط لها هذا الجرح وتأخذ حقنا، فقد تكون تلك الطفلة ~~مسعورة. ثمة أطفال مسعورون بالفعل.» ~~«كلا يا عزيزتي مويرا، إنها بالكاد تخطت الجلد، إنه ألم لحظي فحسب، لا يحتاج الأمر سوى ~~تنظيف الجرح ووضع ضمادة عليه وسوف يصبح الأمر على ما يرام.» حولت العمة إلسبيث والعمة ~~جريس انتباههما من ماري آجنس إلى شقيقتهما، وأمسكتا بها كل منهما من جانب لتهدئا من روعها، ~~كما لو كانتا تحاولان الإبقاء عليها سليمة في قطعة واحدة حتى يمر خطر الانفجار. «لا يوجد ~~ضرر خطير يا عزيزتي، لا يوجد ضرر خطير.» # ارتفع صوت أمي الواضح - والذي أوحى لي بالخطر - وهي تقول: «إنه خطئي أنا، إنه خطئي ~~بالكامل. لم ms058 يكن علي أن أحضر هذه الطفلة إلى هنا اليوم ، إنها شديدة العصبية والتوتر، ومن ~~الوحشية تعريض طفلة كهذه لموقف حضور جنازة.» وعلى غير المتوقع - وفي أغرب وقت يمكن أن يشعر ~~فيه المرء بالامتنان - فقد أبدت تفهما وقدمت لي وسيلة إنقاذ عندما لم تعد ذات فائدة ~~كبيرة. # ولكنها كانت ذات تأثير، رغم أنه في بعض الأحيان كان استخدام كلمة «وحشية» في حد ذاته ~~كفيلا بخلق هالة من الصمت والذعر حولها. ولكنها في تلك المرة وجدت تعاطفا، فقد تبنت ~~الكثير من السيدات تفسيرها وأخذن يسهبن فيه. ~~«إنها على الأرجح لم تكن تدرك ما تفعله.» ~~«كانت في حالة هستيرية من التوتر والانفعال.» ~~«لقد فقدت الوعي ذات مرة في جنازة قبل أن أتزوج.» # طوقتني روث ماكوين بذراعها وسألتني عما إذا كنت أرغب في تناول قرص أسبرين. # وهكذا، بينما وجدت ماري آجنس من يواسيها وينظف جرحها ويضمده، ووجدت العمة مويرا من يهدئ ~~من روعها (كانت هي من تناولت الأسبرين وبعض الحبوب الخاصة للقلب من حقيبتها)، كنت أنا أيضا ~~محاطة بمن يعتني بي، واصطحبوني إلى تلك الغرفة ووضعوني على الأريكة وغطوني بالبطانية كما ~~لو كنت مريضة، وأعطوني كذلك الكعك والشاي. # لم يفسد تصرفي الجنازة، كان الباب موصدا، ولم يكن بوسعي أن أراها، ولكنني كنت أسمع أصوات ~~الغناء مقطعا في البداية ثم بعد ذلك بمزيد من الطاقة واللهفة والإيمان الراسخ. # لأن ألف سنة في عينيك # مثل يوم أمس بعد ما عبر # وكهزيع من الليل # جرفتهم. # كان المنزل مليئا بالأشخاص المتزاحمين، ملتحمين كأقلام الرصاص القديمة غير ~~الحادة يغنون في انصياع، وكنت أشعر أني أقف وسطهم رغم كوني محبوسة وحدي هنا. وسوف يتذكر ~~معظمهم طوال حياتهم أنني قد عضضت ذراع ماري آجنس أوليفانت في جنازة العم كريج، وهكذا سوف ~~يتذكرون أنني كنت شديدة العصبية غريبة الأطوار أو سيئة التربية أو حالة يصعب تصنيفها. ولكن ~~تصنيفي لن يخرج عن هذا، كلا، سوف أصبح «فرد العائلة» الشديد العصبية الغريب الأطوار السيئ ~~التربية، وهذا أمر مختلف تماما. # إن الحصول على السماح يخلق ms059 نوعا غريبا من الشعور بالخزي. شعرت بالحر، ليس بسبب البطانية ~~فحسب، بل شعرت أنني مقيدة ومختنقة كما لو كنت أتحرك وأتحدث لا من خلال الهواء بل من خلال ~~وسط سميك كالقطن. كان ذلك الشعور بالخزي جسديا، ولكنه يفوق الخزي الجنسي كثيرا - شعوري ~~السابق بالخزي من العري - فالآن لم يكن الأمر مجرد جسد عار فحسب، بل بدا وكأن كل الأعضاء ~~الداخلية - كالمعدة والقلب والرئتين والكبد - ترقد مكشوفة وعاجزة. وأقرب شعور مررت به في ~~حياتي لهذا الشعور هو ما شعرت به عندما كنت أتعرض للدغدغة بصورة تفوق قدرتي على الاحتمال، ~~وهو شعور حسي رهيب بالافتضاح والعجز وخيانة الذات. وقد امتد ذلك الشعور بالخزي مني ليغمر ~~كل أنحاء المنزل ويغطي الجميع، حتى ماري آجنس، وحتى العم كريج في حالة الاستسلام المنبوذة ~~الراهنة. أن تكون بشرا من لحم ودم ما هو إلا نوع من الإذلال. وهكذا، تملكت حواسي رؤيا هي ~~النقيض تماما من رؤيا المتصوف عن الضوء والنظام التي يتعذر التعبير عنها، رؤيا - يتعذر ~~التعبير عنها هي الأخرى - عن الاضطراب والبذاءة، رؤيا عن العجز الذي تجلى لي في أفظع صورة ~~ممكنة. ولكن على غرار النوع الآخر من الرؤى، لم تستمر تلك الرؤيا إلا للحظة أو اثنتين، ثم ~~انهارت من شدتها، ولم أتمكن من إعادة بنائها أو حتى تصديقها، فور أن انتهت. وعندما شرعوا في ~~إنشاد الترنيمة الأخيرة في الجنازة كنت قد استعدت نفسي، ولم يكن بي سوى الضعف الطبيعي الذي ~~يشعر به أي شخص بعد قيامه بعض ذراع آدمية، واستعاد الآباء المؤسسون للاتحاد الكونفدرالي ~~الموجودون أمامي ثيابهم ووقارهم، وانتهيت من احتساء كوب الشاي وأنا أستكشف طعمه غير ~~المألوف شديد الأهمية في عالم الكبار. # نهضت وفتحت الباب ببطء، وكان بابا الغرفة الأمامية مفتوحين، والناس يتحركون ببطء، وظهورهم ~~المحنية التي توحي بالقلق تبتعد عني. # يا يسوع ناد علينا فوق اضطراب # بحر حياتنا الهائج. # دخلت الغرفة دون أن يلاحظني أحد وأقحمت نفسي في الصف أمام سيدة طيبة لا ~~تعرفني تفوح منها رائحة العرق، وانحنت هامسة لي بأسلوب ms060 مشجع: «لقد أتيت في اللحظة المناسبة ~~لإلقاء نظرة الوداع .» # كانت جميع الستائر مسدلة لإبعاد شمس ما بعد الظهيرة، وكانت الغرفة حارة كئيبة، تخترقها ~~أسهم متفرقة من الضوء وكأنها مخزن للتبن في ظهيرة يوم شديد الحرارة. كانت رائحة المكان تعبق ~~بالزنابق البيضاء اللينة، وكانت رائحته كالقبو كذلك. تقدمت للأمام بفعل دفع الآخرين حتى ~~وصلت إلى جانب النعش الذي كان موضوعا أمام المدفأة، تلك المدفأة الجميلة التي لا تستخدم ~~أبدا ذات الأحجار المغطاة بالشمع كالزمرد. وكان داخل النعش مغطى بالساتان الأبيض المطوي ~~كأفخم الثياب، وكان النصف السفلي من جسد العم كريج مغطى بغطاء لامع، أما النصف العلوي من ~~الأكتاف وحتى الخصر فكان مختبئا تحت الزنابق. وبالمقارنة بكل هذا البياض الذي يحيط به، بدا ~~وجهه نحاسي اللون تعلوه نظرة ازدرائية. لم يبد نائما، ولم يبد على الإطلاق كما وجدته ~~عندما دخلت إلى مكتبه ذات مرة كي أوقظه بعد ظهيرة أحد أيام الأحد. فقد استقرت جفونه برفق ~~على عينيه، وأصبحت التجاعيد في وجهه شديدة السطحية، وهو نفسه بدا ممحوا، فهذا الوجه كان ~~بمثابة قناع رقيق من الجلد مطلي وملقى فوق الوجه الحقيقي، أو فوق خواء مستعد لأن ينهار إذا ~~وخزته بإصبعك. انتابتني تلك الرغبة، ولكن على مستوى أبعد ما يكون عن إمكانية التنفيذ، كما ~~قد تنتابك الرغبة في الإمساك بسلك كهربائي. وهكذا كان العم كريج - الراقد تحت الزنابق على ~~وسادته المصنوعة من الساتان - بمثابة الناقل الرهيب الصامت، غير المبالي لقوى قد تشتعل في ~~لحظة وتحرق الواقع بأكمله في أرجاء تلك الغرفة، تاركة إيانا في ظلام دامس. استدرت بعيدا ~~وفي أذني طنين، ولكنني شعرت بالراحة والسعادة؛ لأنني أقدمت على تلك الخطوة في نهاية المطاف ~~ونجوت منها، وأخذت أشق طريقي عبر الغرفة المزدحمة التي ينبعث منها الغناء متجهة نحو أمي ~~التي كانت تجلس وحدها بجوار النافذة، فقد كان أبي مع حاملي النعش الآخرين، ولم تكن تغني بل ~~كانت تعض شفتيها وتبدو متفائلة بصورة سخيفة. ~~••• # وبعد ذلك قامت العمة إلسبيث والعمة جريس ببيع المنزل في جنكينز بيند ms061 والأرض والأبقار، ~~وانتقلتا للعيش في جوبيلي. وقالتا إنهما اختارتا جوبيلي - وليس بلو ريفر حيث تعرفان أناسا ~~أكثر أو بورترفيلد حيث تعيش العمة مويرا - لأنهما ترغبان في تقديم العون قدر استطاعتهما ~~لأبي وعائلته، وبالفعل كانتا تجلسان في منزلهما الذي يقع أعلى تل في الطرف الشمالي من ~~المدينة كحارستين مشدوهتين جريحتين، ولكن تشعران بالواجب تجاهنا وتسهران على راحتنا، وإن ~~كانت حياتنا بالنسبة لهم مثيرة للشكوك. كانتا ترتقان جوارب أبي الذي اعتاد أن يأخذها ~~إليهما، وكانت لديهما حديقة أيضا وتصنعان لنا المخللات، وكانتا تقومان بأعمال الإصلاحات ~~والحياكة والخبز لنا. كنت أزورهما مرة أو اثنتين في الأسبوع، وفي بادئ الأمر كان ذلك عن طيب ~~خاطر مني، وهو ما يرجع جزئيا إلى الطعام، ولكن مع التحاقي بالمدرسة الثانوية بدأت أزورهما ~~على مضض، وفي كل مرة أزورهما، تقولان: «ما الذي أخرك هكذا؟ إنك الغريبة هنا!» وكانتا تجلسان ~~بانتظاري كما لو كانتا قد انتظرتا طوال الأسبوع في الشرفة الصغيرة المعتمة المغطاة بالستائر ~~إذا كان الجو لطيفا، فقد كان بإمكانهما أن تريا من بالخارج، ولكن لا أحد يمكنه رؤية ما ~~بالداخل. # ماذا كان بوسعي أن أقول؟ أصبح منزلهما أشبه بدولة صغيرة محكمة الإغلاق بغطاء من العادات ~~المنمقة واللغة المعقدة بصورة أنيقة وسخيفة في الوقت نفسه، عالم كانت فيه الأخبار الحقيقية ~~للعالم الخارجي ليست ممنوعة تماما، ولكن أصبح توصيلها إليهما مهمة أكثر صعوبة. # وفي الحمام أعلى المرحاض، وضعتا ملاحظتهما التوبيخية القديمة المكتوبة بالتطريز: # عطر الهواء قبل أن تغادر # هذا صنيع سيقدره الآخرون # وتحت اللافتة ثمة حاوية معلقة بها أعواد ثقاب جديدة. كنت أشعر دائما بالخجل وأنا أقرأ ~~هذه الملحوظة وكأنني ضبطت متلبسة، ولكنني كنت دائما ما أشعل عود ثقاب. # ظلتا تقصان القصص نفسها وتلعبان الحيل نفسها التي أصبحت الآن مستهلكة تماما وفقدت ~~معناها من كثرة الاستخدام، فبمرور الزمن أصبحت كل كلمة وكل تعبير وجه وكل حركة باليد تبدو ~~شيئا قديما أتذكره جيدا، وكانت كل منهما نفسا مركبة بعناية فائقة، فكلما تقدمت في السن ~~بدت هذه التركيبة أكثر ضعفا وإثارة ms062 للإعجاب وغير إنسانية. كان ذلك ما انتهى إليه حالهما ~~بعد أن فقدا الرجل الذي يهتمان بأمره ويعجبان به، وبعدما رحلتا عن المكان الذي ازدهر فيه ~~تكلفهما بصورة طبيعية. كانت العمة إلسبيث تصاب بالصمم تدريجيا، وعانت العمة جريس من ~~التهاب المفاصل في يديها، وهكذا اضطرت في نهاية الأمر لأن تتخلى عن كل ما تفعل ما عدا النوع ~~الرديء من الحياكة. لكنهما في النهاية، لم تتغيرا ولم تتضررا ولم يظهر عليهما المرض، ~~فقد احتفظتا - بمزيد من الجهد والشعور بالالتزام - بهيئتهما الخارجية كما هي. # وعندما انتقلتا، اصطحبتا معهما مخطوطة العم كريج، ومن حين لآخر كانتا تتحدثان عن إبرازها ~~لشخص ما؛ مثل السيد بيوكانان معلم التاريخ في المدرسة الثانوية، أو السيد فوكس من جريدة ~~«هيرالد أدفانس»، ولكنهما لم ترغبا في أن يبدو الأمر كما لو أنهما تطلبان خدمة. وبمن ~~يمكنهما الوثوق؟ فبعض الناس قد يستحوذون عليها ويعرضونها كما لو أنها عملهم من صنع ~~أيديهم. # وذات مساء أحضرتا العلبة المصنوعة من القصدير ذات اللونين الأحمر والذهبي، والتي تحمل ~~صورة الملكة ألكساندرا ممتلئة بكعك الشوفان الدائري الملصق ببعضه بالتمر المطهو، بالإضافة ~~إلى صندوق كبير آخر من القصدير أسود اللون مضاد للحريق وموصد بقفل. ~~«إنه تاريخ العم كريج.» ~~«ما يقرب من ألف صفحة.» ~~«أكبر من عدد صفحات رواية «ذهب مع الريح»!» ~~«وقد كتبها بشكل جميل بلا أخطاء.» ~~«لقد كتب الصفحة الأخيرة بعد ظهر اليوم الذي توفي فيه.» # وألحتا علي قائلتين: «خذيه، اطلعي عليه.» بنفس الطريقة التي يقدمان لي بها ~~الكعك. # قلبت الصفحات سريعا حتى الصفحة الأخيرة. ~~«اقرئي فيه قليلا، وسوف يثير اهتمامك. ألم تحصلي دائما على علامات جيدة في مادة ~~التاريخ؟» # أثناء الربيع والصيف وبداية الخريف من ذلك العام، أقيمت العديد من المباني في بلدات ~~فيرمايل وموريس وجرانتلي، وفي زاوية طريقي كونسيشن فايف وريفر سايدروود في فيرمايل، ~~أنشئت كنيسة ميثودية كي تخدم طائفة كبيرة متزايدة في تلك المنطقة، وعرفت باسم كنيسة ~~الطوب الأبيض، ولكن لسوء الحظ فإنها لم تبق إلا حتى عام 1924، عندما دمرها حريق مجهول ~~السبب، ms063 ولكن مخزن العربات التي تجرها الخيول نجا من الحريق رغم أنه مصنوع من الخشب. ~~وعلى الجانب المقابل، بنى السيد أليكس هيدلي متجرا عاما كبيرا وافتتحه، ولكنه ~~توفي بعد شهرين من الافتتاح من جراء الإصابة بسكتة دماغية، واستأنف ولداه إدوارد ~~وتوماس العمل. وثمة ورشة حدادة تعمل على مسافة في طريق فيفث كونسيشن، واسم العائلة التي ~~تملكها أودونيل. وكانت هذه الزاوية من الطريق تعرف إما باسم زاوية هيدلي أو زاوية ~~الكنيسة. ولا يوجد شيء في هذا الموقع في الوقت الحالي سوى مبنى المتجر الذي استأجرته ~~عائلة وتعيش فيه. # وبينما كنت أقرأ ذلك الجزء، قالتا بتردد لطيف بسبب المفاجأة إن تلك ~~المخطوطة ملكي. ~~«وكذلك كل ملفاته وصحفه القديمة سوف تصبح ملكا لك عند وفاتنا، أو قبلها، فلا حاجة ~~للانتظار! إذا كنت مستعدة لذلك.» ~~«لأننا نأمل؛ نأمل أنك يوما ما ستتمكنين من استكمالها.» ~~«كنا نفكر في إعطائها لأوين لأنه الصبي ...» ~~«ولكنك أنت من تملكين موهبة كتابة موضوعات الإنشاء.» # أكدتا لي أنها مهمة شاقة، وأنها تتطلب مني الكثير، ولكنهما اعتقدتا أنها ستصبح أكثر ~~يسرا؛ إذا أخذت المخطوطة معي للمنزل، واحتفظت بها، وظللت أقرؤها من حين لآخر؛ كي أعتاد ~~على كتابة العم كريج. ~~«كان لديه الموهبة. كان بإمكانه أن يضم كافة التفاصيل ويحافظ على السلاسة في ~~القراءة.» ~~«ربما تتعلمين محاكاة طريقته.» # ولكنهما كانتا تتحدثان إلى شخص يعتقد أن المهمة الوحيدة للكاتب هي إنتاج تحفة ~~أدبية. # وعندما رحلت حملت الصندوق معي بصعوبة تحت ذراعي. وقفت العمة إلسبيث والعمة جريس في مدخل ~~المنزل تودعانني بطريقة احتفالية، وشعرت كما لو أنني سفينة تحمل على متنها آمالهما وتشد ~~الرحال وتختفي في الأفق. وضعت الصندوق أسفل فراشي في المنزل، ولم أستطع مناقشة ذلك الأمر مع ~~أمي. وبعد مرور بضعة أيام خطر لي أنه مكان مناسب أحتفظ فيه بالقصائد القليلة وأجزاء الرواية ~~غير المكتملة التي كتبتها؛ فقد كنت أرغب في إخفائها بعيدا بأمان، حيث لا يجدها أحد، وحيث ~~تظل آمنة في حالة اندلاع حريق. فرفعت حشية الفراش وأخرجتها، حيث كنت أحتفظ بها ms064 حتى ذلك ~~الوقت في هذا المكان مطوية داخل نسخة كبيرة مسطحة من رواية «مرتفعات ويذرينج». # لم أرغب في وضع مخطوطة العم كريج مع مؤلفاتي الخاصة، فقد بدت لي فاقدة للحياة، ثقيلة ~~ومملة وعديمة الفائدة، حتى إنني ظننت أنها سوف تفقد مؤلفاتي الخاصة الروح وتجلب لي ~~الحظ السيئ، فأخذتها إلى القبو وتركتها في صندوق من الورق المقوى. # وفي الربيع الأخير الذي قضيته في جوبيلي عندما كنت أذاكر لخوض الاختبارات النهائية، انغمر ~~القبو بالماء حتى ارتفاع ثلاث أو أربع بوصات، ونادتني أمي كي أساعدها، فهبطنا وفتحنا الباب ~~الخلفي، ونزحنا المياه الباردة ذات الرائحة الكريهة التي تشبه رائحة المستنقعات نحو مصرف ~~خارجي، فوجدت الصندوق والمخطوطة وكنت قد نسيت أمرهما تماما، وتحولت المخطوطة إلى مجرد رزمة ~~كبيرة من الأوراق المبللة. # لم أتفقدها كي أرى التلف الذي لحق بها أو ما إذا كانت قابلة للإنقاذ، بل بدا الأمر لي ~~خطأ منذ بدايته إلى نهايته. # بالطبع فكرت في العمة إلسبيث والعمة جريس (كانت العمة جريس في ذلك الوقت في مستشفى جوبيلي ~~تتعافى - كما ظن الجميع - من كسر في مفصل الفخذ، وكانت العمة إلسبيث تزورها يوميا وتجلس ~~بجوارها وتقول للممرضات - اللاتي كن يحببنهما - «أتصدقن ما قد يفعله البعض كي يرقدوا في ~~الفراش ويستمتعن بخدمة ورعاية الآخرين لهم؟») ظللت أفكر فيهما وهما تريان المخطوطة وهي ~~تغادر منزلهما في صندوقها المغلق وشعرت بالندم؛ ذلك النوع من الندم الرقيق الذي يحمل على ~~الجانب الآخر منه شعورا قاسيا بالرضا لا تشوبه شائبة. # | الأميرة إيدا # أصبحت أمي تبيع الموسوعات، وأطلقت العمة إلسبيث والعمة جريس على ذلك العمل «الخروج في ~~الطرقات!» # وكانتا تسألاني: «هل تخرج والدتك في الطرقات كثيرا هذه الأيام؟» وكنت أجيب: «كلا، لم تعد ~~تخرج كثيرا.» ولكنني كنت أعلم أنهما تعلمان أنني أكذب، وقد تتابعان بلهجة مشفقة قائلتين: ~~«لا يكون لديها متسع من الوقت للكي، عندما تضطر إلى الخروج في الطرقات.» # كنت أشعر بثقل غرابة أطوار أمي، كنت أشعر بشيء سخيف ومحرج بشأنها - لم تكن عمتاي تظهران ~~سوى القليل في كل ms065 مرة - يحط على كتفي المرتعدتين. كنت أرغب بالفعل في أن أتبرأ منها، وأن ~~أسترضيهما، أن أكون كيتيمة أو منبوذة في ثيابي المجعدة. وفي الوقت نفسه، كنت أرغب في ~~حمايتها، فلم تكن ستتفهم مدى احتياجها للحماية من المرأتين العجوزين بمزاجهما المحير قليلا ~~وأخلاقهما الرقيقة. كانتا ترتديان الفساتين القطنية الداكنة؛ ذات الياقات البيضاء المنشاة ~~والمكوية بعناية، والدبابيس المزخرفة على هيئة زهور والمصنوعة من الخزف، وكان منزلهما به ~~ساعة رنانة تشير إلى ربع الساعة إشارة لطيفة، بالإضافة إلى السراخس المائية وأزهار البنفسج ~~الأفريقية والبسط المشغولة يدويا والستائر ذات الأهداب، وقبل كل شيء رائحة الشمع ~~والليمون النظيفة القوية. ~~«كانت هنا بالأمس كي تأخذ الكعك الذي صنعناه لك، هل كان جيدا؟ هل كان خفيفا؟ أخبرتنا ~~بأنها قد علقت في طريق جيريكو. علقت وحدها تماما في طريق جيريكو! يا لتلك المسكينة آدا! ~~ولكن تخيلي منظر الوحل وهو يغطيها، كان باعثا على الضحك!» # قالت العمة جريس بلهجة اعتذار: «كان علينا أن ننظف مشمع أرضية القاعة.» كما لو كان ذلك ~~أمرا لا تود أن تخبرني به. # ومن وجهة النظر الفوقية تلك، بدت أمي كما لو كانت امرأة متوحشة. # كانت أمي تقود سيارتنا الشيفروليه طراز عام 1937، عبر الطرق السريعة والطرق الخلفية ~~لمقاطعة واواناش، عبر الطرق المفروشة بالحصى والطرق الترابية وممرات الأبقار إذا رأت أن هذا ~~يقودها إلى عملاء، وكانت تحمل رافعة ومجرفة في حقيبة السيارة، وزوجا من الألواح القصيرة؛ ~~كي تسهل مرورها خارج حفر الوحل. كانت تقود طوال الوقت كما لو أنها لن تتفاجأ إذا ما رأت ~~الأرض تتشقق أمام عجلاتها لعشرة أقدام، وكانت تطلق نفير السيارة في يأس في المنعطفات التي ~~لا ترى ما بعدها، وكانت قلقة دائما من أن الجسور الخشبية قد لا تحتملها، ولم تكن تدع أي ~~شيء يضطرها إلى الوقوف على جانب الطريق الخائن المتهاوي. # كانت رحى الحرب لا تزال دائرة، وأصبح المزارعون يربحون الأموال أخيرا، سواء من الخنازير ~~أو بنجر السكر أو الذرة، ولكنهم ربما لا يودون إنفاقها في اقتناء الموسوعات، بل كانت ~~أذهانهم ms066 تتوجه إلى الثلاجات أو السيارات، ولكن تلك الأشياء لم تكن في متناول اليد، وفي ذلك ~~الوقت تظهر أمي التي تسحب حقيبة كتبها بجرأة، وتدخل إلى المطابخ وغرف الاستقبال الباردة ~~التي تفوح برائحة المآتم، وتفتح عليهم النيران باسم المعرفة في حذر وتفاؤل. تدخل إليهم في ~~محاولة لبيع سلعة باردة يمكن لمعظم الراشدين أن يستغنوا عنها، ولكن لا أحد ينكر أنها شيء ~~لطيف للأطفال. وقد كانت أمي تعتمد على ذلك. # ولو كانت السعادة في هذا العالم تقاس بالاقتناع بما تبيعه، لكانت أمي سعيدة. فلم تكن ~~المعرفة شيئا باردا بالنسبة لها، بل كانت دافئة وممتعة. كانت تجد راحة تامة - حتى في تلك ~~المرحلة من عمرها - في معرفة موقع نهر سيليبس، وقصر بيتي، وترتيب زوجات هنري الثامن، ~~والتعرف على النظام الاجتماعي للنمل، وطرق ذبح القرابين التي يمارسها الآزتيك، والسباكة في ~~كنوسوس. وكانت تتحمس وهي تحكي عن تلك الأشياء وتقصها على أي شخص. كانت العمة إلسبيث والعمة ~~جريس تقولان باستخفاف وبلا غيرة: «إن والدتك تعرف الكثير من الأمور.» ووجدت أنه بالنسبة ~~للكثير من الناس - وربما لمعظم الناس - تعد المعرفة نوعا من غرابة الأطوار، شيئا ~~بارزا كالنتوءات التي تظهر على الجلد. # ولكنني كنت أشارك أمي ذلك الاهتمام، لم أستطع أن أمنع نفسي من ذلك. كنت أحب مجلدات ~~الموسوعات وثقلها (من الغموض والمعلومات الجميلة) وهي تسقط مفتوحة على حجري، وكنت أحب ~~غلافها الأخضر الداكن الوقور، والخطوط الذهبية المتحفظة المتداخلة كشبكة العنكبوت على ~~ظهورها. وقد تفتح الموسوعة على صورة منحوتة معدنية لمعركة تدور رحاها في المستنقعات وثمة ~~قلعة في الخلفية أو في ميناء القسطنطينية، وقد صور سفك الدماء والغرق وقطع الرءوس واحتضار ~~الجياد في عرض مسرحي مبالغ وخيال بديع. وأصبح لدي انطباع بأنه في الأزمان الغابرة، كان ~~الجو دائما مصطنعا مشئوما، والمناظر الطبيعية عابسة، والبحر يتلألأ بظلال رمادية باهتة ~~أو لامعة. فها هي شارلوت كورداي في طريقها للمقصلة، وماري ملكة اسكتلندا في طريقها للمشنقة، ~~ورئيس الأساقفة لود يمنح مباركته لستافورد عبر قضبان نافذة السجن. ولا يمكن لأحد أن ms067 يشك في ~~أن تلك هي الطريقة التي كانوا يبدون عليها بالفعل: حلل سوداء، وأيد مرفوعة، ووجوه بيضاء، ~~وتعلو الوجوه رباطة جأش وشجاعة بطولية. وكانت الموسوعة تضم بالطبع أنواعا أخرى من الصور: ~~كالخنافس، وأنواع الفحم المختلفة، والأجزاء الداخلية من المحركات موضحة برسوم بيانية، وصور ~~لأمستردام أو بوخارست التقطت في أيام ضبابية معتمة في عشرينيات القرن العشرين (يمكن معرفة ~~ذلك من السيارات المربعة المرتفعة). لقد كنت أفضل التاريخ. # في بادئ الأمر، كنت أتعلم بعض الأشياء من الموسوعة مصادفة، ثم أصبحت أتعلم منها عمدا، ~~فلدي ذاكرة استثنائية، وكان تعلم مجموعة من الحقائق اختبارا لا يقاوم بالنسبة لي، ~~كمحاولة الوثب مسافة مربع سكني كامل على قدم واحدة. # أدركت أمي أنها قد تستفيد مني في عملها. ~~«ابنتي تقرأ هذه الكتب وأنا أشعر بالدهشة مما تعلمته؛ فعقول الأطفال كمصيدة الذباب، ~~أيما تضع عليها فسوف يلتصق. عزيزتي ديل، هل يمكنك إخبارنا بأسماء رؤساء الولايات المتحدة ~~بدءا من جورج واشنطن وحتى اليوم؟» أو: «أخبرينا بأسماء دول أمريكا الجنوبية وعواصمها»، أو ~~«من أين أتى كبار المستكشفين وأين ذهبوا.» كما كان للتواريخ أيضا وقع سار على النفوس؛ فكنت ~~أجلس في منازل الغرباء أردد تلك الأشياء بطلاقة وأنا أرسم على وجهي نظرة تنافسية جادة وحادة ~~الذكاء، ولكنها كانت بغرض إحداث التأثير المنشود فحسب، أما في أعماقي فكان يغمرني شعور ~~بالرضا عن الذات، فقد كنت أعلم أنني أعلم، ومن يمكنه ألا يحبني بسبب علمي أين تقع ~~كيتو؟ # القليل من الناس في حقيقة الأمر. ولكن أين حصلت على أول إشارة في ذلك الاتجاه؟ ربما كان ~~ذلك من مشاهدة أوين - الذي لم يكن يعلم تاريخين أو عاصمتين أو رئيسين راحلين على حد علم أي ~~شخص - وهو يلف قطعة طويلة من العلك، بعد أن مضغها، حول إصبعه برقة وخلسة. أو قد يكون ذلك من ~~وجوه أطفال الريف التي تتفاداني وتشيح عني بإحراج معقد واضح. وذات يوم لم أعد أرغب في ~~القيام بذلك مرة أخرى، وكان القرار لسبب عضوي؛ فالإذلال ولد شعورا بالوخز في أطراف ~~الأعصاب ms068 وبطانة المعدة، وبدأت أقول: «لا أعرفهم ...» ولكنني كنت أكثر بؤسا وخجلا من أن أقول ~~تلك الكذبة. ~~«جورج واشنطن، جون آدامز، توماس جيفرسون ...» # فقالت أمي بحدة: «هل تشعرين بالغثيان؟» # كانت تخشى من أن أكون على وشك التقيؤ، فقد كنت أنا وأوين معتادين على التقيؤ في المواقف ~~المحرجة. فهززت رأسي وانزلقت من على المقعد وخرجت واختبأت في السيارة وأنا أمسك معدتي. ولكن ~~أمي أدركت عندما أتت خلفي أن ثمة شيئا أكبر من ذلك. # فقالت في لهجة عملية: «إنك تصابين بالخجل، لقد ظننت أنك تستمتعين بذلك.» وبدأ الوخز مرة ~~أخرى. كانت تلك هي المشكلة بالضبط، كنت أستمتع بذلك، ولم يكن لائقا منها أن تقول ذلك. ~~وقالت بلهجة متباهية: «الخجل والارتباك، تلك هي الرفاهيات التي لا يمكنني تحملها.» وأدارت ~~محرك السيارة مردفة: «رغم ذلك أقول لك إن ثمة أفرادا في عائلة والدك لن يفتحوا أفواههم ~~بكلمة أمام الناس، حتى إذا كان ذلك ليقولوا إن بيتهم يحترق.» # ومنذ ذلك الحين عندما كانت أمي تسألني برفق: «هل ترغبين في الإجابة على بعض الأسئلة ~~اليوم؟» كنت أنزلق في المقعد وأهز رأسي نفيا وأقبض على معدتي في إشارة للاحتمال السريع ~~لعودة الشعور بالغثيان. كان على أمي أن تستسلم، والآن عندما كنت أخرج معها في السيارة في ~~أيام السبت أصبحت مثل أوين تماما، شحنة مجانية عديمة الجدوى، ولم أعد شريكة في مشروعاتها. ~~وقالت هي: «تريدين إخفاء مواهبك وعقلك بدافع الحماقة، هذا ليس المستقبل الذي أتطلع إليه. ~~افعلي ما تشائين.» # لكن كان لا يزال بداخلي آمال غامضة لخوض مغامرة، وشاركني أوين في هذه الآمال، على الأقل ~~على المستوى الأكثر مادية. كنا نأمل في شراء حقائب من الحلوى البنية الذهبية المقطعة إلى ~~مكعبات كالطوب الإسمنتي، والتي تذوب في الفم في الحال، وتباع في متجر واحد في القرية، مغطى ~~بستائر تشبه لجام الفرس وتفوح منه رائحة الخيول. وكنا نأمل على الأقل في أن نقف للتزود ~~بالبنزين في مكان يبيع المشروبات الغازية الباردة. وكنت آمل في السفر بعيدا حتى بورترفيلد ~~أو بلو ريفر، ms069 وهي مدن تستمد سحرها من كونها أماكن لا نعرفها ولسنا معروفين فيها، من كونها ~~ليست جوبيلي. وبينما أسير في شوارع إحدى تلك المدينتين أشعر بأنني مجهولة كحلية أو كذيل ~~طاووس، ولكن بحلول العصر، تكون تلك الآمال إما انحسرت أو تحقق بعضها، وهو ما يخلف فراغا ~~دائما. وأمي أيضا كانت تمر ببعض لحظات التدهور من تلك القوى الوحشية التي دفعتها إلى ~~الخارج هنا في المقام الأول. ومع اقتراب حلول الظلام، والهواء البارد يتسلل من فتحة في أرض ~~السيارة، وصوت المحرك المتعب، ولا مبالاة الريف؛ كنا نشعر بالتقارب بيننا ونشتاق إلى ~~منزلنا. كنا نقود عبر قرية لا نعرف أننا نحبها، لا متعرجة ولا مسطحة بل متهدمة بلا إيقاع ~~معروف، وهي ذات تلال منخفضة ووديان تمتلئ بالآجام، ومستنقع وشجيرات وحقول، وأشجار الدردار ~~شاهقة الارتفاع - التي تقف كل منها منفصلة واضحة الشكل - تبدو مقدرا لها الهلاك، ولكننا لم ~~نعرف ذلك أيضا. كانت تبدو مثل مراوح مفتوحة قليلا، وأحيانا على شكل القيثارة. # كانت جوبيلي مرئية من فوق مرتفع على بعد حوالي ثلاثة أميال على الطريق السريع رقم 4، ~~وبيننا وبينها مسطحات النهر الذي يفيض ماؤه في فصل الربيع من كل عام، والمنحنى الخفي لنهر ~~واواناش، والجسر الذي يعبر فوقه مطليا باللون الفضي والذي يبدو في ضوء الغسق كما لو كان ~~قفصا معلقا. كان الطريق السريع رقم 4 هو نفسه الشارع الرئيسي في جوبيلي، وكان بوسعنا أن ~~نرى برجي مكتب البريد ومبنى البلدية يواجهان بعضهما البعض؛ مبنى البلدية بقبته المذهلة التي ~~تخفي الجرس الأسطوري (الذي يدق مع بداية الحروب ونهايتها، ومستعد للدق في حالة حدوث الزلازل ~~أو الفيضانات)، ومكتب البريد ببرج الساعة المربع المفيد العملي. كانت المدينة تمتد على ~~جانبي الشارع الرئيسي بمسافة متساوية تقريبا، وكان شكلها - الذي يكون لدى عودتنا يمكن ~~تمييزه بالأضواء - يبدو كخفاش جناحه مرفوع قليلا ويحمل البرج المائي غير المضاء وغير ~~المميزة قمته. # لم تكن أمي تدع هذا المشهد يمر دون أن تبدي تعليقا ما، مثل «ها هي جوبيلي» ببساطة أو ~~«حسنا، ها ms070 هي العاصمة»، أو قد تستشهد - بصورة تفتقر إلى الدقة والوضوح - بقصيدة عن الدخول ~~من نفس الباب الذي خرجت منه. وبتلك الكلمات - سواء أكانت منهكة أم ساخرة أم ممتنة حقا - ~~تستمد جوبيلي - بالنسبة لي - وجودها، كما لو أنه بدون تشجيعها وقبولها لن تكون تلك الأضواء ~~في الشارع والأرصفة والحصن في البرية وذلك النمط المفتوح والسري للمدينة - الذي يمثل مأوى ~~ولغزا في الوقت نفسه - موجودا. # خلال كل رحلاتنا وعودتنا للمنزل وفي عالمنا بأسره بوجه عام، كانت أمي تمارس سلطة غامضة ~~مروعة، ولم يكن بوسعي القيام بأي شيء، ليس بعد. # استأجرت أمي منزلا في المدينة، وكنا نقيم هناك من سبتمبر حتى يونيو، ولا نذهب إلى المنزل ~~في طريق فلاتس إلا في الصيف. وكان أبي يحضر لتناول العشاء ويبيت معنا، وذلك حتى يسقط الثلج، ~~فيأتي إذا أمكنه ذلك ليقضي معنا ليلة السبت وجزءا من يوم الأحد. # كان المنزل الذي استأجرناه في نهاية شارع ريفر على مسافة قريبة من محطة السكك الحديدية ~~الكندية، وهو ذلك النوع من المنازل الذي يبدو أكبر من حجمه، فسقفه مرتفع لكن منحدر - ~~والطابق الأول مصنوع من الخشب والثاني من القرميد - به واجهة بارزة في غرفة الطعام وشرفات ~~أمامية وخلفية، وكانت الشرفة الأمامية بها نافذة أخرى صغيرة عديمة الفائدة يتعذر الوصول ~~إليها ملتصقة في سقفها. كانت كل الأجزاء الخشبية من المنزل مطلية باللون الرمادي؛ ربما لأن ~~اللون الرمادي لا يحتاج لإعادة الطلاء كثيرا كاللون الأبيض. وفي الطقس الدافئ كانت نوافذ ~~الطابق السفلي بها سقيفة متقشرة وباهتة، وكان المنزل بطلائه الرمادي الباهت والشرفات ~~المنحدرة يذكرني بالشاطئ بشمسه والمرعى العاصف القاسي. # ولكنه كان منزلا ينتمي للمدينة، فكان يوحي بالرفاهية والجو الرسمي بطريقة لم تكن متاحة ~~في طريق فلاتس. كنت أحيانا أفكر في منزلنا القديم، وواجهته القديمة الشاحبة، والمصطبة ~~الإسمنتية خارج باب المطبخ، ويراودني شعور بالذنب واهن وبائس، وأشعر بألم خفيف كالذي يشعر ~~به المرء عند التفكير في جد بسيط عجوز أصبح أكبر من أن يستمتع بألعابه. كنت أفتقد التواجد ~~بالقرب من النهر والمستنقع ms071 والفوضى الحقيقية في الشتاء والعواصف الثلجية التي تقيد حركتنا ~~في منزلنا كما لو كان سفينة نوح. ولكنني كنت أحب النظام والترتيب المعقد لحياة المدينة التي ~~لا يمكن إلا لشخص من خارجها أن يراها. وفي طريق العودة من المدرسة إلى المنزل في عصر أيام ~~الشتاء، كنت أشعر بالمدينة كلها حولي، كل الشوارع التي تحمل أسماء شارع ريفر وشارع ميسون ~~وشارع جون وشارع فيكتوريا وشارع هورون - ومن الغريب أيضا شارع الخرطوم - وفساتين المساء ~~شفافة وشاحبة كالزعفران في نافذة متجر كرال لملابس السيدات، وفرقة «الرسالة المعمدانية» في ~~قبو كنيستهم يغنون «ثمة اسم جديد مكتوب في كتاب المجد، وهو اسمي أنا، اسمي أنا، اسمي أنا!» ~~وعصافير الكناريا في أقفاصها في متجر سيلرايت، والكتب في المكتبة، والبريد في مكتب البريد، ~~وصور أوليفيا دي هافيلاند وإيرول فلين يرتديان ثياب القرصان والمرأة الأرستقراطية خارج مسرح ~~الليسيوم؛ كانت كل تلك الأشياء والطقوس ووسائل التسلية - سواء ضعيفة أم مبهجة - منسوجة معا ~~تمثل المدينة! في المدينة ثمة جنود في إجازة في زيهم الرسمي ذي اللون الكاكي، الذي يوحي ~~بوحشية مجهولة كرائحة الحريق. وكان ثمة فتيات جميلات مشرقات يعرف الجميع أسماءهن - مارجريت ~~بوند ودوروثي جيست وبات موندي - بينما لا يعرفن هن أسماء أحد عدا من يخترن أن يعرفن اسمه. ~~كنت أراقبهن وهن يهبطن التل عائدات من المدرسة الثانوية مرتديات أحذية مخملية ذات رقبة ~~طويلة مزينة بالفراء. كن يتنقلن في مجموعة صغيرة تتألق كمصباح ليلي يعمي أعينهن عن العالم ~~من حولهن. ورغم ذلك، ذات مرة ابتسمت لي إحداهن - وهي بات موندي - أثناء مرورها، فاستغرقت في ~~أحلام اليقظة بشأنها؛ فتخيلت أنها أنقذتني من الغرق، وأنها أصبحت ممرضة وأخذت تعتني بي ~~مخاطرة بحياتها وهي تهدهدني بين ذراعيها الناعمتين عندما كدت أهلك بالديفتيريا. # في عصر أيام الأربعاء تكون فيرن دوجرتي - مستأجرة لدى أمي - في المنزل تحتسي الشاي وتدخن ~~وتتحدث مع أمي في غرفة الطعام. كانت فيرن تتحدث بصوت منخفض، وكانت تتجول وتتأوه وتضحك في ~~مقابل تعليقات أمي المقتصدة والأكثر ذكاء. كانتا تحكيان قصصا عن الناس ms072 في المدينة وعن ~~نفسيهما، وكان حديثهما نهرا لا ينضب. إنها الدراما، إنها إكسير الحياة الذي لا أستطيع ~~الوصول إليه. كنت أذهب إلى المرآة المقعرة في نضد المائدة المبني في الجدار وأنظر إلى ~~انعكاس الغرفة، إلى الألواح الخشبية الداكنة والأنوار المعتمة والمصباح النحاسي المثبت ~~وكأنه شجرة تنمو في الاتجاه الخاطئ، بها خمسة فروع منحنية متيبسة وتنتهي بأزهار زجاجية. ومن ~~خلال النظر إليهما في بقعة محددة في المرآة، كان بإمكاني أن أجعل أمي وفيرن دوجرتي تتحركان ~~كشرائط من المطاط متمايلتين مصابتين بالهستيريا، وكان بإمكاني أن أجعل وجهي يتدلى بشكل رهيب ~~على جانب واحد كما لو كنت قد أصبت بجلطة. # قلت لأمي: «لم لم تحضري تلك الصورة؟» ~~«أية صورة؟ أية صورة؟» ~~«الصورة التي فوق الأريكة.» # لأنني كنت أفكر - على فترات متقاربة كان علي أن أفكر - في مطبخنا القديم في المزرعة، ~~حيث ربما كان أبي والعم بيني في ذلك الوقت يقومان بقلي البطاطس للعشاء في مقلاة غير مغسولة ~~(فلم يغسلان الدهون المفيدة؟) والقفازات والأوشحة معلقة كي تجف أعلى الموقد. وكلبنا ميجور ~~- الذي لم يكن مسموحا له بدخول المنزل أثناء فترة سيطرة أمي - نائم على المشمع القذر أمام ~~الباب، وأوراق الصحف مفروشة على المائدة بدلا من مفرش، والبطاطين محملة بشعر الكلاب على ~~الأريكة، والبنادق وأحذية الجليد وأحواض الغسيل معلقة على الحائط. إنها رفاهية العزاب ذات ~~الرائحة الكريهة. وأعلى الأريكة ثمة لوحة رسمتها أمي في الأيام الخوالي، في الأيام الأولى ~~لزواجها التي ربما كانت تحفل بالترف والإشراق والحب؛ تصور طريقا حجريا، ونهرا بين ~~الجبال، وقطيعا من الخراف تقوده عبر الطريق فتاة صغيرة ترتدي شالا أحمر. كانت الجبال ~~والخراف تشبه بعضها البعض، متكتلة وتشبه الصوف وذات لون رمادي مائل إلى الأرجواني. وفي ~~الماضي، كنت أعتقد أن الفتاة الصغيرة هي أمي بالفعل، وأن تلك هي القرية الموحشة التي قضت ~~فيها طفولتها وشبابها، ثم عرفت بعد ذلك أنها قد نقلت ذلك المشهد من مجلة «ناشيونال ~~جيوجرافيك». ~~«تلك اللوحة؟ أتريدينها هنا؟» # لم أكن أريدها في حقيقة الأمر، ففي أغلب محادثاتنا ms073 كنت أحاول إغواءها للحصول على الإجابة ~~أو للبوح بالسر الذي أرغب في معرفته. كنت أريدها أن تقول إنها قد تركتها لأبي، فأنا أذكر ~~أنها قالت ذات مرة إنها قد رسمتها من أجله، فقد كان هو من أحب ذلك المشهد. # قالت: «لا أريدها معلقة حيث يراها الناس، فلست فنانة، ولكنني رسمتها لأنني لم يكن لدي ~~ما أفعله فحسب.» # أقامت أمي حفلة للسيدات دعت إليها السيدة كوتس - والتي يطلق عليها أحيانا السيدة كوتس ~~زوجة المحامي - والسيدة بيست - التي يعمل زوجها مديرا لبنك التجارة - والعديد من السيدات ~~الأخريات اللائي لم تتخط معرفتها بهن التحية في الشارع، وكذلك بعض الجيران وزميلات فيرن ~~دوجرتي في مكتب البريد، وبالطبع العمة إلسبيث والعمة جريس. (وقد طلبت منهما أن تصنعا فطائر ~~الدجاج بالقشدة وفطائر الليمون وكعك التمر والشوفان، وقامتا بذلك بالفعل). كان كل شيء في ~~الحفل مخططا سلفا، وفور أن وصلت السيدات إلى القاعة الأمامية كان عليهن أن يحزرن عدد حبات ~~الفول في البرطمان ويكتبن تخمينهن في ورقة. واستمرت الأمسية بألعاب التخمين واختبارات ~~للمعرفة وضعت بالاستعانة بالموسوعة، وألعاب تمثيلية تخمينية لم تمض بصورة صحيحة؛ لأن ~~العديد من السيدات لم يفهمن كيفية اللعب وكن شديدات الخجل، وألعاب بالورق والقلم؛ تكتب فيها ~~المشتركات اسم رجل وتطوي الورقة ثم تمررها، ثم تكتب فعلا وتطوي الورقة، ثم اسم سيدة وهكذا، ~~وفي نهاية اللعبة تفتح جميع الأوراق وتقرأ بصوت عال. كنت أرتدي تنورة صوفية قرنفلية ~~اللون وسترة قصيرة وأوزع المكسرات على الحضور مبتهجة. # انشغلت العمة إلسبيث والعمة جريس في المطبخ وهما تبتسمان وتشعران بالإهانة. وكانت أمي ~~ترتدي فستانا أحمر اللون شبه شفاف مغطى بأزهار الثالوث الصغيرة السوداء والزرقاء التي تشبه ~~التطريز. همست العمة إلسبيث في أذني قائلة: «ظننا أن ما على الفستان خنافس، فجفلنا برهة!» ~~وبعد ذلك بدا لي أن الحفل أقل جمالا مما ظننت، ولاحظت وجود سيدات لم يشتركن في أي من ~~الألعاب، وأن وجه أمي كان شديد الانفعال والإثارة وصوتها مليئا بالحماس التنظيمي، وأنها ~~عندما عزفت على البيانو وغنت فيرن دوجرتي ms074 - التي درست الغناء - أغنية «ماذا تساوي الحياة ~~دون حبيبي؟» كانت السيدات يسيطرن على مشاعرهن ويصفقن بتحفظ كما لو كان ذلك نوع من ~~الاستعراض. # وظلت العمة جريس والعمة إلسبيث تقولان لي بين حين وآخر على مدار العام التالي: «كيف حال ~~تلك السيدة المستأجرة؟ كيف هي حياتها بدون حبيبها؟» وكنت أوضح لهما أنها مجرد أغنية مترجمة ~~من أوبرا، فكانتا تصيحان: «يا للهول، حقا؟ لقد كنا نشعر بالأسى من أجلها طوال ~~الوقت!» # كانت أمي تأمل في أن حفلها سوف يشجع السيدات الأخريات على إقامة حفلات مماثلة، ولكن ذلك ~~لم يحدث، أو إذا كان قد حدث، فإننا لم نسمع به قط، بل ظللن يقمن حفلات لعب الورق التي ترى ~~أمي أنها سخيفة متعجرفة، وهكذا فقد فقدت الأمل في الحياة الاجتماعية تدريجيا، وقالت إن ~~السيدة كوتس امرأة غبية لم تكن متأكدة في إحدى المسابقات من هو يوليوس قيصر، فقد ظنت أنه ~~إغريقي، وكانت ترتكب أيضا أخطاء نحوية من ذلك النوع من الأخطاء الشائعة بين أبناء الطبقة ~~التي تظن نفسها أرستقراطية. # انضمت أمي إلى مجموعة مناقشة الكتب العظيمة التي تلتقي يوم الخميس الثاني من كل شهر خلال ~~فصل الشتاء في قاعات المجلس في مبنى البلدية. وكانت المجموعة تضم خمسة أشخاص آخرين منهم ~~طبيب متقاعد يدعى د. كومر كان شديد الضعف ومهذبا - وكما اتضح أيضا - مستبدا. كان ذا شعر ~~أبيض ناعم ويرتدي وشاحا يلفه حول رقبته كأنه ربطة عنق. وقد عاشت زوجته في جوبيلي لما يزيد ~~عن ثلاثين عاما، ولكنها بالكاد كانت تعرف أسماء الناس وأماكن الشوارع. لقد كانت مجرية، ~~ولديها اسم رائع تقدمه للناس أحيانا، كما لو كان سمكة على صحن كبير مقاطعها الفضية ~~الحرشفية سليمة ولكن بلا فائدة، فلم يتمكن أي شخص في جوبيلي من نطق الاسم أو حتى تذكره. في ~~بادئ الأمر، سعدت أمي بصحبة هذين الزوجين اللذين رغبت دائما في التعرف عليهما، واغتبطت ~~كثيرا عندما دعيت إلى منزلهما؛ حيث رأت صورا لهما في شهر العسل في اليونان، واحتست ~~النبيذ الأحمر كي لا تهينهما ms075 - رغم أنها لم تكن تتناول الشراب - واستمعت إلى قصص مضحكة ~~ومخيفة عن مواقف حدثت لهما في جوبيلي؛ نظرا لكونهما ملحدين ومفكرين. واستمر إعجابها مرورا ~~بمناقشة «أنتيجون»، وهدأ قليلا مع «هاملت»، وأصبح أكثر فأكثر خفوتا مع مناقشة «الجمهورية» ~~و«رأس المال». فقد بدا كما لو أن لا أحد من حقه تكوين رأي سوى آل كومر، فهم يعرفون أكثر من ~~أي شخص، وقد زاروا اليونان وحضروا محاضرات للأديب إتش جي ويلز، وهم دائما على صواب. اختلفت ~~السيدة كومر مع أمي، فأثارت السيدة كومر قضية عدم التحاق أمي بالجامعة وأنها لم تلتحق إلا ~~بمدرسة باكوودز الثانوية فحسب؛ تقولها أمي وهي تقلد لهجتها. راجعت أمي بعض القصص التي ~~أخبراها بها وقررت أنهما يعانيان عقدة اضطهاد (تساءلت فيرن «وماذا يعني ذلك؟» فتلك ~~المصطلحات كانت جديدة في ذلك الوقت)، بل وإنهما - من المحتمل - مصابان بمس من الجنون. كما ~~أن منزلهما تفوح منه رائحة كريهة لم تذكرها لنا من قبل، وكان المرحاض الذي كان عليها أن ~~تستخدمه بعد احتساء ذلك النبيذ الأحمر؛ مثيرا للاشمئزاز، مغطى بطبقة صفراء قذرة. وتساءلت ~~أمي قائلة: «ما فائدة القراءة لأفلاطون وأنت لا تنظف مرحاضك أبدا؟» عائدة بذلك إلى قيم ~~مدينة جوبيلي. # لم تشترك أمي في مجموعة مناقشة الكتب العظيمة في العام التالي، ولكنها التحقت بدورة ~~تدريبية بالمراسلة بعنوان «المفكرين العظماء في التاريخ» من جامعة ويسترن أونتاريو، وأخذت ~~تكتب خطابات للصحف. ~~••• # لم تتخل أمي عن أي شيء، فداخل تلك النفس التي كنا نعرفها - والتي قد تبدو أحيانا مشوشة ~~أو تحيد عن الطريق - كانت تحتفظ بذواتها الشابة المفعمة بالحيوية والأمل، وكانت مشاهد من ~~الماضي تظهر إلى السطح في أي وقت فجأة مثل الصور الملونة الشفافة التي تعرض بالفانوس السحري ~~على نسيج الحاضر المبعثر. # في بداية الأمر، قبل كل شيء، كان هناك ذلك المنزل الذي يقع في نهاية زقاق طويل - يحيط به ~~سياج سلكي ونوافذ من السلك على الجانبين - في منتصف الحقول حيث تبرز الصخور - وهي جزء من ~~الدرع الكندي الذي يعود إلى العصر ما قبل ms076 الكمبري - من التربة كما تبرز العظام من اللحم. ~~بدا ذلك المنزل الذي لم أره في أي صورة قط - ربما لم تلتقط له أية صورة - ولم أسمع أمي ~~تصفه إلا بطريقة متبرمة عملية («إنه مجرد منزل خشبي قديم لم يطل قط»)؛ واضحا في مخيلتي ~~كما لو أني رأيته في الجريدة، فهو أكثر المنازل الخشبية القديمة تجريدا وإظلاما ~~وارتفاعا، لكنه كان بسيطا ومألوفا وثمة شيء مخيف يتعلق به، وكأنه يحتضن بداخله شرا ما، ~~وكأنه منزل ارتكبت به جريمة قتل. # وكانت أمي، التي كانت طفلة صغيرة آنذاك تدعى أدي موريسون، طويلة نحيفة على ما أتصور، ~~وذات شعر قصير؛ رغبة من أمها في حمايتها من الغرور، تعود من المدرسة سيرا على الأقدام عبر ~~الزقاق الطويل المخيف ويتخبط الصندوق الذي تحمل فيه غداءها بساقيها. ألم يكن الجو دائما ~~كشهر نوفمبر؛ حيث الأرض وعرة، والجليد مبعثر على البرك الصغيرة، والأعشاب الميتة تطفو من ~~بين الأسلاك؟ نعم، وكان الدغل قريبا ومخيفا بالرياح غير العادية التي رفعت الأغصان واحدا ~~تلو الآخر. كانت تدخل إلى المنزل لتجد أن النار قد انطفأت، والموقد باردا، وأن الدهون التي ~~تراكمت على الأطباق والمقلاة بعد تناول الرجال للعشاء قد تكثفت. # لا يوجد أثر لوجود أبيها أو أشقائها الكبار الذين انتهوا من الدراسة، فلم يكونوا يتجولون ~~حول المنزل، وكانت تذهب عبر الغرفة الأمامية إلى غرفة والديها، حيث كانت غالبا ما تجد أمها ~~راكعة على ركبتيها منحنية على فراشها تصلي. وكانت تتذكر ذلك الظهر المحني والكتفين الضيقتين ~~في سترة رمادية أو سمراء على ثوب فضاض أو ثوب منزلي متسخ أكثر وضوحا من تذكر وجه أمها، ~~وخلفية الرأس ذات الشعر الخفيف الذي جذب بقوة من المنتصف ليكشف من تحته فروة رأس بيضاء ~~بصورة غير صحية؛ بيضاء كالرخام، بيضاء كالصابون. # قالت أمي عن تلك المرأة الراكعة، التي كانت أحيانا ما يجدونها ترقد على ظهرها وتبكي، ~~لأسباب لا تحب أمي الخوض فيها، وقطعة قماش رطبة على جبهتها: «كانت متعصبة دينيا.» وذات ~~مرة في المراحل الأخيرة اللاعقلانية من اعتناقها ms077 المسيحية، اتجهت إلى الحظيرة وحاولت إخفاء ~~ثور صغير في كومة القش عندما رأت رجال الجزار وهم قادمون. كان صوت أمي وهي تقص تلك الأمور ~~محملا بيقينها أنها تعرضت للخداع، وبمشاعر جياشة بالغضب والخسارة. ~~«هل تعلمين ماذا فعلت؟ هل أخبرتك بما فعلت؟ هل أخبرتك عن المال؟» وكانت تأخذ نفسا ~~عميقا كي تستعيد رباطة جأشها وتتابع قائلة: «حسنا، لقد ورثت بعض المال؛ فقد كان بعض ~~أهلها يملكون المال وكانوا يعيشون في ولاية نيويورك، وورثت هي مائتين وخمسين دولارا، لم ~~يكن مبلغا كبيرا، ولكن قيمته وقتها كانت أكثر من الآن، وأنت تعلمين أننا كنا فقراء. ~~أتظنين أننا فقراء الآن، ولكن ذلك «لا شيء» بالمقارنة بما كنا عليه من فقر آنذاك. لا أزال ~~أذكر المشمع على المائدة، كان مهترئا حتى إنه كان بإمكانك رؤية الألواح الخشبية العارية. ~~كان معلقا وهو ممزق، كان خرقة لا مشمع مائدة. وإذا ما حدث وارتديت حذاء، كنت أرتدي أحذية ~~صبية؛ مخلفات أشقائي. لقد كنا نعيش في مزرعة لا يمكنك فيها زراعة الأعشاب التي تقتات عليها ~~الطيور، وفي عيد الميلاد كنت أحصل على بنطلون أزرق داكن، ودعيني أؤكد لك أنني كنت أسعد به؛ ~~فقد كنت أعلم ما هو الشعور بالبرد. # حسنا، استلمت أمي المال وطلبت صندوقا كبيرا من الأناجيل التي أتت عن طريق الشحن ~~السريع، وكانت من أغلى الأنواع، فكانت صفحات خرائط الأرض المقدسة ذات حواف مطلية بالذهب، ~~وكل كلمات المسيح محددة باللون الأحمر. «طوبى لفقراء الروح» ما المميز في أن يكون المرء ~~فقيرا في الروح؟ لقد أنفقت كل مليم. # وهكذا، كان علينا أن نخرج كي نوزعها. كانت قد اشترتها كي توزعها على الوثنيين، وأعتقد أن ~~شقيقي قد خبآ بعضا منها في المخزن. كنت أعلم أنهما قد فعلا ذلك، ولكنني كنت أكثر حمقا ~~من أن أفكر في ذلك، فكنت أسير في جميع أنحاء البلدة وأنا في الثامنة من عمري أرتدي أحذية ~~الصبية ولا أملك زوجا من القفازات وأوزع الأناجيل.» ~~«ولكن ذلك قد شفاني من الدين طوال حياتي.» # ذات مرة تناولت ms078 الخيار واحتست اللبن لأنها سمعت أن ذلك المزيج سام وكانت ترغب في الموت، ~~وكانت تشعر بالفضول أكثر منه بالإحباط، فرقدت وتمنت أن تستيقظ في الجنة التي سمعت عنها ~~كثيرا، ولكنها بدلا من ذلك فتحت عينيها على صباح يوم جديد. وكان لذلك أيضا تأثيرا على ~~إيمانها، ولكنها لم تخبر أحدا في ذلك الوقت. # كان الشقيق الأكبر يحضر لها الحلوى أحيانا من المدينة، وكان يحلق ذقنه على مائدة المطبخ ~~أمام مرآة قبالة المصباح. وكانت تعتقد أنه مغرور، وكان ذا شارب ويتلقى خطابات من فتيات لا ~~يجيب عنها أبدا، ولكنه يتركها ملقاة في كل مكان بحيث يمكن لأي شخص قراءتها. وكانت أمي تدين ~~هذا السلوك وقالت عنه: «لا يجول بذهني أية أفكار سيئة حياله، رغم أنني أعتقد أنه لم يكن ~~مختلفا عن معظم الآخرين.» وهو يعيش الآن في ويستمنستر ويعمل على مركب تستخدم كمعدية. ~~أما الشقيق الآخر فكان يعيش في الولايات المتحدة، وفي أعياد الميلاد كانا يرسلان بطاقات ~~تهنئة، وكانت أمي ترسل لهما أيضا بطاقات تهنئة، ولكنهما لم يكتبا خطابات قط، ولا فعلت ~~أمي. # كان الشقيق الأصغر هو من تكرهه، ماذا فعل لها؟ لم تكن إجاباتها مرضية تماما في هذا ~~الصدد. لقد كان شريرا ومغرورا وقاسيا؛ صبي بدين وقاسي القلب، فكان يطعم القطط المفرقعات ~~النارية، وذات مرة قيد ضفدعا وقطعه إربا، وأغرق قطة أمي التي تدعى ميستي في حوض مياه ~~الأبقار، رغم أنه أنكر ذلك لاحقا. كما أنه أمسك بأمي وقيدها في الحظيرة وآذاها، آذاها؟ بل ~~إنه عذبها. # عذبها بماذا؟ لكن أمي لم تتفوه بأكثر من ذلك، تلك الكلمة «عذاب» كانت تقذفها من فمها ~~وكأنها تبصق دما. وهكذا، فقد تركتني أطلق العنان لخيالي فأتصور أمي مقيدة في الحظيرة إلى ~~عمود بينما كان شقيقها - الذي تصورته هنديا بدينا - يطلق صوتا كالعواء في وجهها ويثب ~~فرحا من حولها. لكنها هربت في نهاية الأمر، لم تسلخ رأسها ولم يحرق جسدها. ولم يفسر أي ~~شيء وجهها الذي كان يكفهر عند تلك النقطة من القصة أو الطريقة التي ms079 تتفوه بها بكلمة ~~«العذاب». لم أكن قد تعلمت بعد ملاحظة هالة الكآبة التي تحيط بها عند الحديث عن الأمور ~~المتعلقة بالجنس. # ثم توفيت والدتها، كانت قد سافرت لإجراء عملية ولكنها أصيبت بأورام ضخمة الحجم في كلا ~~ثدييها وتوفيت - كما تقول أمي دائما - على الطاولة؛ أي على طاولة العمليات. وعندما كنت ~~أصغر من ذلك كنت أتخيلها راقدة ميتة على طاولة عادية وسط أكواب الشاي وزجاجات صلصة الطماطم ~~والمربى. # قلت وأنا مفعمة بالأمل: «هل شعرت ~~بالحزن؟» وأجابت أمي بالإيجاب بالطبع، ولكنها لم تتوقف كثيرا حول هذا المشهد، فثمة أمور ~~مهمة قادمة. فسرعان ما دخلت المدرسة واجتازت اختبارات القبول ورغبت في الالتحاق بالمدرسة ~~الثانوية في المدينة، ولكن والدها رفض، فقد كان عليها أن تمكث في المنزل وتدير شئونه حتى ~~تتزوج. (وكانت أمي تصيح غاضبة عند تلك النقطة من القصة: «ومن سأتزوج بحق السماء هناك في ~~نهاية العالم حيث الجميع مصابون بالحول بسبب زواج الأقارب؟») وبعد أن قضت عامين في المنزل ~~بائسة تحاول تعلم بعض الأشياء بمفردها من كتب المدرسة الثانوية القديمة التي كانت تخص ~~والدتها (التي كانت مدرسة قبل أن تنشغل بالزواج والدين)، تحدت والدها وسارت مسافة تسعة ~~أميال إلى المدينة وهي تختبئ بين الشجيرات على الطريق كلما سمعت صوت حصان قادم؛ خوفا أن ~~يكون والدها راكبا العربة القديمة وقد أتى كي يعيدها إلى المنزل. قرعت باب نزل كانت تعرفه ~~من تجارة البيض، وسألت عما إذا كان من الممكن الحصول على إقامة فيه في مقابل القيام بأعمال ~~المطبخ وخدمة العملاء على الطعام. فقبلتها مديرة المنزل، وكانت امرأة عجوزا حادة ومهذبة، ~~يطلق عليها الجميع الجدة سيلي، وقد أبعدتها عن أبيها حتى مر الوقت، بل إنها أعطتها فستانا ~~ملونا مربع النقش من الصوف الخشن، ارتدته في أول يوم لها في المدرسة، عندما وقفت أمام صف ~~دراسي يصغرها بعامين، وقرأت اللاتينية كما علمت نفسها بالضبط في المنزل، وبالطبع فقد ضحك ~~الجميع عليها. # لم تتمالك أمي نفسها قط من الشعور بالإثارة والضعف وهي تتذكر ذلك. كانت تتعجب ms080 بشدة من ~~ذاتها القديمة الشابة، فلو كانت هناك لحظة خارج حسابات الزمن، لحظة يمكننا أن نختار فيها أن ~~نحاكم - ونحن عراة قدر الإمكان - ونحاصر ثم ننتصر، فقد كانت تلك هي هذه اللحظة بالنسبة ~~لها. ولاحقا ربما تأتي التسويات والأخطاء، أما هناك فقد كانت مثيرة للضحك ولكنها كانت ~~تتمتع بقوة حصينة. # ثم يبدأ فصل جديد من حياتها في النزل. كانت تستيقظ قبل الفجر كي تقشر الخضروات، وتتركها ~~في ماء بارد كي تصبح جاهزة للغداء في وقت الظهيرة، وتنظف المباول وترشها ببودرة التلك؛ لم ~~يكن في تلك المدينة مراحيض تطرد الماء، وكانت أمي تقول: «كنت أنظف المباول كي أحصل على ~~تعليمي!» دون أن تأبه لمن يسمع تلك الجملة، ولكن كانت فئة جيدة من الناس هي التي كانت تقطن ~~بالنزل؛ كموظفي البنوك وعمال تلغراف محطة السكك الحديدية الكندية والمعلمة الآنسة راش. ~~علمت الآنسة راش أمي الحياكة، وأعطتها بعض صوف المارينو الجميل كي تصنع فستانا، وأعطتها ~~وشاحا أصفر ذا أهداب (كانت أمي تتساءل في حزن ساخط «ماذا حل به؟») وبعض العطر. كانت أمي ~~تحب الآنسة راش، وكانت تنظف غرفتها وتحتفظ بالشعر الذي تجده في المنفضة وفي فرشاة شعرها، ~~وعندما تجمع ما يكفي من الشعر كانت تلفه على شكل دائرة وترتديه حول عنقها، كانت تلك هي ~~طريقة تعبيرها عن حبها. علمتها الآنسة راش كيفية قراءة النوتة الموسيقية والعزف على البيانو ~~الخاص بها الذي كانت تحتفظ به في الغرفة الأمامية في نزل الجدة سيلي، وكانت أمي لا تزال ~~تعرف كيفية عزف تلك الأغاني، رغم أنها نادرا ما كانت تفعل: «اشرب نخبي بعينيك فحسب»، ~~و«القيثارة التي كانت يوما في قاعات تارا»، و«بوني ماري من أرجايل». # ماذا حدث للآنسة راش بعد ذلك بجمالها وبتطريزها وبعزفها للبيانو؟ تزوجت متأخرا وتوفيت ~~وهي تضع مولودها، وتوفي المولود أيضا ورقد بين ذراعيها كما لو كان لعبة من الشمع ترتدي ~~فستانا طويلا، وقد رأته أمي. # وهكذا كانت قصص الماضي تدور وتدور في حلقات دائرية حتى تصل إلى الموت، كنت أتوقع ~~ذلك. # فقد وجدت ms081 الجدة سيلي - على سبيل المثال - ميتة في فراشها صباح أحد أيام الصيف، بعد أن ~~أتمت أمي أربعة أعوام من الدراسة الثانوية ووعدتها الجدة سيلي بأن تعطيها الأموال اللازمة ~~للالتحاق بدار المعلمين، وهو قرض عليها أن تسدده عندما تصبح معلمة. وكان ثمة ورقة في مكان ~~ما بهذا المحتوى، ولكن لم يعثر أحد عليها قط، أو كانت أمي تعتقد أن قريب الجدة سيلي وزوجته ~~اللذين ورثا بيتها وأموالها قد عثرا عليها ولا بد أنهما قد تخلصا منها، فالعالم مليء بأشخاص ~~من هذا النوع. # وهكذا كان على أمي أن تعمل، فعملت في متجر كبير في بلدة أوين ساوند، حيث أصبحت مسئولة عن ~~المنسوجات والملابس الجاهزة وأدوات الحياكة الصغيرة، وخطبها شاب ظل شخصية غامضة غير واضحة؛ ~~فلم يكن شريرا صريحا كشقيقها أو قريب الجدة سيلي، ولكنه ليس واضحا ومحبوبا، ليس كالآنسة ~~راش. ولأسباب غامضة اضطرت لأن تفسخ الخطبة («اتضح أنه ليس الشخص الذي ظننته».) ولاحقا بعد ~~فترة غير محددة قابلت أبي، الذي لا بد وأنه لم يخذلها؛ لأنها تزوجته رغم أنها كانت تقسم ~~لنفسها دائما أنها لن تتزوج من مزارع (كان يربي الثعالب، وفي وقت من الأوقات ظن أنه قد ~~يحقق الثراء من ذلك، فهل مثل ذلك فارقا؟) وبدأت عائلته بالفعل تبدي ملاحظات عليها لم تكن ~~بنية طيبة. # ولكنني كنت أذكرها بحزم وقلق تدفعني رغبة في تسوية هذا الأمر للأبد: «ولكنك أغرمت به، لقد ~~وقعت في الحب.» ~~«حسنا، بالطبع أغرمت به.» ~~«ولم أحببته؟» ~~«كان والدك دوما رجلا مهذبا.» # أهذا كل شيء؟ كان يؤرقني هنا غياب التناسب؛ رغم أنه كان من الصعب تحديد الحلقة المفقودة ~~أو الخطأ الذي وقع. ففي بداية قصتها، ترسم أمي صورة الوقوع في الأسر الكئيب والمعاناة، ثم ~~الجرأة والتحدي والهروب، بالإضافة إلى الصراع والإحباط والمزيد من الصراع وأمهات روحيات ~~وأشرار. والآن كنت أتوقع كما في كل القصص العظيمة، تفجر لحظات المجد والمكافأة. الزواج من ~~أبي؟ كنت آمل أن يكون كذلك، وتمنيت ألا تتركني في حيرة من أمري. # وأنا أصغر سنا عندما ms082 كنا نقطن في نهاية طريق فلاتس، كنت أشاهدها وهي تسير عبر الفناء كي ~~تفرغ مياه غسل الصحون، أشاهدها وهي تحمل الوعاء عاليا كما لو كانت كاهنة تسير بطريقة ~~متأنية مهيبة وتلقي بالمياه بإيماءة شامخة عبر السياج. في ذلك الوقت، اعتقدت أنها قوية، ~~أنها مسيطرة، أنها راضية أيضا. كانت لا تزال تتمتع بالقوة، ولكن ليس بالقدر الذي تظنه هي، ~~كما أنها لم تكن راضية بأية حال من الأحوال، ولا كاهنة. كانت معدتها تصدر صوت قرقرة تثير ~~لديها الضحك أو التجاهل، ولكنها كانت تحرجني على نحو لا يطاق. كان شعرها ينمو في خصل صغيرة ~~جامحة لونها بني مائل إلى الرمادي، وكل محاولة لفرد الشعر تنتهي بها إلى التجعد. أكان ~~لزاما على كل قصصها أن تنتهي بها هي فقط، بالحال التي هي عليها الآن، مجرد أمي التي أراها ~~في جوبيلي؟ # ذات يوم أتت إلى المدرسة ممثلة عن شركة الموسوعات لتقدم جائزة لأفضل مقال عن الأسباب التي ~~تدفعنا لشراء سندات النصر. كان عليها أن تذهب إلى المدارس في بورترفيلد وبلو ريفر وستيرلينج ~~وتقوم بالمهمة نفسها، وكان هذا الأسبوع مصدر فخر بالنسبة لها. كانت ترتدي حلة رجالية ~~بشعة، لونها أزرق داكن، ذات زر واحد على الخصر وقبعة كستنائية من اللباد، وهي أفضل ما ~~لديها، وما آلمني أنني رأيت عليها ترابا دقيقا. ألقت خطبة قصيرة، فأخذت أحدق في سترة ~~الفتاة التي تقف أمامي - التي كانت ذات لون أزرق باهت وتبرز منها قطع من الصوف الخشن - كما ~~لو كان التعلق بقشة الواقع اللامبالية سوف ينقذني من الغرق في بحر الإذلال. لقد كانت ~~مختلفة للغاية، هذا كل ما في الأمر، تبدو نشيطة ومفعمة بالأمل وساذجة في قبعتها الكستنائية، ~~تطلق نكاتا صغيرة وتظن نفسها ناجحة. وكانت مستعدة في مقابل الحصول على سنتين أن تخوض في ~~وصف تاريخها التعليمي؛ بدءا من رحلة السفر تسعة أميال إلى المدينة، إلى تنظيف المباول. من ~~له أم كهذه؟ كان الناس يرمقونني بنظرات خبيثة شامتة مشفقة، وفجأة لم أستطع أن أحتمل أي شيء ~~يخصها؛ نبرة ms083 صوتها والطريقة الطائشة المسرعة التي تتحرك بها وإيماءاتها الحيوية السخيفة (في ~~أية لحظة قد تطيح بزجاجة الحبر من على مكتب المدير) وقبل كل شيء براءتها وطريقتها في تجاهل ~~متى يضحك الآخرون واعتقادها أنها سوف تنجو من الموقف بسلام. # كنت أكره قيامها ببيع الموسوعات وإلقاء الخطب وارتداء تلك القبعة، وكنت أكره قيامها ~~بكتابة خطابات إلى الصحف. وكانت خطاباتها عن المشاكل المحلية، أو تلك التي تشجع فيها ~~التعليم وحقوق المرأة وتعارض التعليم الديني الإلزامي في المدارس؛ تنشر باسمها في جريدة ~~«هيرالد أدفانس»، التي تصدر في جوبيلي. وتنشر مقالات أخرى في صفحة في جريدة المدينة مخصصة ~~لمراسلات السيدات؛ حيث كانت تستخدم الاسم المستعار «الأميرة إيدا»، المستمد من شخصية في أحد ~~أعمال تينيسون التي كانت تروق لها كثيرا. كانت مقالاتها مليئة بالوصف التفصيلي المزخرف ~~للريف الذي هربت منه («في هذا الصباح، كان ثمة صقيع فضي رائع يبهج العين على كل غصن من ~~أغصان الشجر وعلى أسلاك الهاتف، يجعل العالم يبدو عالما سحريا على أرض الواقع ...») بل ~~كانت أيضا تضم إشارات لي ولأوين («كانت ابنتي التي أوشكت أن تتجاوز مرحلة الطفولة تنسى ~~وقارها المكتسب حديثا أمام اللهو في الثلج») تجعل جذور أسناني تؤلمني خجلا. وكان أناس ~~آخرون - بخلاف العمة إلسبيث والعمة جريس - يقولون لي «لقد رأيت ذلك الخطاب الذي كتبته ~~والدتك في الجريدة»، فكنت أشعر كم كانوا يشعرون بالازدراء والاستعلاء والتحفظ والحسد، هؤلاء ~~الأشخاص الذين قد يظلون طوال حياتهم ساكنين دون حاجة لفعل أو قول أي شيء مميز. # أنا نفسي لم أكن أختلف كثيرا عن أمي، ولكنني كنت أخبئ تلك الحقيقة؛ إذ كنت أدرك مدى ~~الأخطار الكامنة. ~~••• # وفي الشتاء الثاني الذي مر علينا في جوبيلي طرق بابنا زائرون. كان عصر أحد أيام السبت، ~~وكنت أجرف الثلج عن رصيف منزلنا عندما رأيت سيارة ضخمة تتحسس طريقها بين تلال الجليد في صمت ~~كما لو كانت سمكة وقحة. لوحة السيارة المعدنية أمريكية. ظننت أن شخصا ما قد ضل الطريق. كان ~~الناس يسيرون في طريقهم باتجاه نهاية شارع ريفر؛ ms084 حيث لم يأبه أحد بوضع لافتة تحذيرية تقول ~~إنه طريق مسدود، وعندما يصلون إلى منزلنا يكونون قد بدءوا في التساؤل. # خرج شخص غريب من السيارة يرتدي معطفا وقبعة رمادية من اللباد ووشاحا حريريا في ~~الشتاء. كان طويلا وبدينا، ووجهه حزين وواهن لكن لا يخلو من الفخر، وفتح ذراعيه لي بطريقة ~~مخيفة. ~~«تعالي هنا وألق علي التحية، إنني أعرف اسمك ولكنك لا تعرفين اسمي!» # فأتى نحوي مباشرة وأنا أقف ساكنة أحمل الجاروف في يدي وقبلني على خدي. كانت رائحته ~~رائحة ذكورية حادة تميل لأن تكون حلوة، رائحة كريم الحلاقة، ويبدو قلقا ومضطربا، يرتدي ~~قميصا منشى نظيفا، وتنبعث منه القليل من الرائحة الكريهة بسبب الشعر الزائد. «كانت ~~والدتك تدعى آدي موريسون، أليس كذلك؟» # لم يعد أحد يطلق على أمي اسم آدي، وقد جعلها هذا الاسم تبدو مختلفة؛ أكثر امتلاء ~~وإهمالا في المظهر وأكثر بساطة. ~~«والدتك اسمها آدي، وأنت ديل وأنا خالك بيل موريسون، هذا هو اسمي. لقد أعطيتك قبلة وأنت ~~لم تعطني شيئا، أهذا هو العدل لديكم؟!» # وفي ذلك الوقت كانت أمي تخرج من المنزل وقد وضعت لتوها القليل من أحمر الشفاه بطريقة ~~عشوائية. # وقالت ببعض القسوة كما لو كانت تجادله في شيء ما: «حسنا يا بيل، من الواضح أنك لا تقتنع ~~بالإخطار المسبق، أليس كذلك؟ لا بأس، إننا سعداء لرؤيتك.» # لقد كان شقيقها حقا إذن، شقيقها الأمريكي، خالي! # استدار نحو السيارة ولوح بيديه قائلا: «يمكنك الخروج الآن، فلن يعضك شيء هنا.» # فتح الباب في الجانب الآخر من السيارة وخرجت منها سيدة طويلة ببطء وصعوبة بسبب القبعة ~~التي ترتديها. كانت القبعة عالية في جانب من رأسها ومنخفضة من الجانب الآخر، وجعلها الريش ~~الأخضر الملتصق تبدو أعلى مما هي عليه. وكانت ترتدي معطفا فضيا متوسط الطول من فراء ~~الثعالب وفستانا أخضر، وحذاء أخضر ذا كعب عال دون حذاء فوقي من المطاط للحماية من المطر ~~والوحل. # قال الخال بيل: «هذه زوجة خالك نايل.» كما لو كانت لا تسمع أو لا تفهم الإنجليزية، كما لو ms085 ~~كانت أحد معالم المشهد الرائعة التي تحتاج إلى تعريف، وتابع قائلا: «إنك لم تقابليها من ~~قبل، لكنك رأيتني من قبل وحينها كنت صغيرة جدا فلن تتذكري. لم تريها من قبل، وأنا نفسي لم ~~أرها قبل الصيف الماضي. كنت متزوجا من كالي عندما رأيتك المرة السابقة، والآن أنا متزوج من ~~الخالة نايل. قابلتها في شهر أغسطس وتزوجتها في سبتمبر.» # لم يكن الثلج قد أزيح عن الرصيف تماما، فتعثرت الخالة نايل بحذائها ذي الكعب العالي، ~~وتأوهت وهي تشعر بالثلج داخل حذائها. تأوهت بتأفف كالأطفال، وقالت للخال بيل: «كاد كاحلي أن ~~يلتوي» كما لو كان لا أحد حولهما. # فقال مشجعا: «إنها مسافة قصيرة.» وأمسك بذراعها وسندها بقية الطريق حتى صعدت إلى الرصيف ~~ثم الدرج وعبر الشرفة، كما لو كانت امرأة صينية (كنت قد انتهيت للتو من قراءة رواية «الأرض ~~الطيبة» من مكتبة المدينة) يعد السير بالنسبة لها نشاطا نادرا وغير طبيعي. تبعناهما إلى ~~الداخل أنا وأمي دون أن نتبادل التحية مع نايل، وفي القاعة المظلمة قالت أمي: «حسنا، ~~مرحبا بكما!» وساعد الخال بيل نايل في خلع معطفها وقال لي: «خذي هذا وعلقيه في مكان مستقل، ~~لا تضعيه بجوار أي سترات تخص الحظيرة!» فقالت أمي لنايل وهي تلمس الفراء: «لا بد أن تأتي ~~إلى مزرعتنا، يمكنك أن تري بعضا من هذه حية.» كانت نبرتها مازحة ومصطنعة. # فقال الخال بيل لنايل: «إنها تقصد الثعالب، كذلك الذي صنع منه معطفك.» وقال لنا: «لا ~~أعتقد أنها كانت تعرف أن هذه الفراء تأتي من ظهر مخلوق حي، بل كانت تظن أنها تصنع في ~~المتجر!» إبان ذلك، بدت نايل مشدوهة وغير سعيدة كما لو كانت لم تسمع من قبل عن أي بلد أجنبي ~~ثم اقتلعت من مكانها فجأة وأودعت في بلد أجنبي، ووجدت كل من حولها يتحدث لغة حتى لم تحلم ~~بالسماع بها من قبل. لا يمكن أن تكون قابلية التكيف أحد نقاط قوتها، ولم قد تكون؟ فسوف يشكك ~~هذا في كونها مثالية. وقد كانت مثالية بالفعل، وأصغر مما ms086 ظننتها عليه في بادئ الأمر، ربما ~~لا يزيد عمرها عن اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين عاما. وكانت بشرتها خالية من العلامات ~~كفنجان الشاي الوردي، وشفتاها قطعة من المخمل العنابي اللون، ورائحتها عذبة بطريقة تفوق ~~البشر، وأظافرها مطلية باللون «الأخضر» كي تتماشى مع ثيابها، وقد لاحظت ذلك بينما يخالجني ~~شعور بالدهشة والسرور والقليل من الارتياب كما لو كانت بالغت في الأمر. # قالت أمي بمزيد من الوقار: «إنه معطف شديد الجمال.» # نظر الخال بيل إليها حزينا وقال: «لن يجني زوجك أي أرباح من ذلك العمل يا آدي، فهو تحت ~~سيطرة اليهود. والآن، هل لنا بفنجان من القهوة في هذا المنزل كي أحصل على بعض الدفء أنا ~~وزوجتي الصغيرة؟» # المشكلة أننا لم يكن لدينا بن. كانت والدتي وفيرن دوجرتي تحتسيان الشاي - الذي كان أرخص ~~من البن - ومشروب بوستام في الصباح. قادت أمي الجميع نحو غرفة الطعام وجلست نايل، فقالت ~~أمي: «ألا ترغبين في تناول فنجان من الشاي الساخن؟ لقد نفد البن تماما.» # فلم يتأثر الخال بيل ورفض تناول الشاي قائلا إنه إذا كان البن قد نفد من عند أمي فسوف ~~يحضر بعضا منه، ثم سألني: «هل لديكم أية محلات بقالة في هذه المدينة؟ لا بد أن لديكم ~~واحدا أو اثنين في مدينة كهذه، إنها مدينة كبيرة حتى إن بها مصابيح في الشوارع، لقد ~~رأيتها. سوف أذهب أنا وأنت بالسيارة كي نشتري بعض البقالة، وندع هاتين السيدتين ~~ليتعرفا.» # انزلقت بجواره في تلك السيارة الضخمة الملونة بلوني الكريمة والشوكولاتة التي تفوح ~~برائحة النظافة، واجتزنا شارع ريفر وشارع ميسون إلى الشارع الرئيسي في جوبيلي، وأوقفنا ~~السيارة أمام بقالة «ريد فرونت» خلف زلاجة جليد تجرها الجياد. ~~«هل هذا متجر بقالة؟» # لم أورط نفسي، فماذا لو قلت إنه كذلك ثم اتضح أنه لا يوجد به أي من الأغراض التي ~~يريدها؟ ~~«هل تتسوق والدتك هنا؟» ~~«أحيانا.» ~~«أعتقد إذن أنه مناسب لنا.» # ومن تلك السيارة رأيت الزلاجة التي تجرها الجياد ومعلق على أفواهها أكياس من العلف، ومتجر ~~ريد فرونت، والشارع ms087 بأكمله بشكل مختلف. لم تبد جوبيلي مميزة وخالدة كما ظننتها، بل بديلا ~~مؤقتا رثا بالكاد يفي بالغرض. # كان المتجر قد تحول لتوه إلى نظام الخدمة الذاتية، أول متجر يتحول إلى ذلك النظام في ~~المدينة. وكانت الممرات شديدة الضيق لا تستوعب عربات التسوق ولكن ثمة سلال يمكن حملها في ~~الذراع لجمع المشتريات. كان الخال بيل يريد عربة تسوق، وسأل عما إذا كان ثمة متاجر أخرى في ~~المدينة بها عربات تسوق، ولكن الإجابة جاءت بالنفي. وعندما انتهينا من هذا الأمر، أخذ يقطع ~~ممرات المتجر ذهابا وإيابا وهو يردد أسماء الأغراض، كان يتصرف كما لو لم يكن أحد آخر في ~~المتجر على الإطلاق، وكما لو كانت الحياة تدب في من في المتجر فقط عندما يريد أن يطلب منهم ~~شيئا، وكما لو أن المتجر نفسه ليس حقيقيا، بل صنع على عجل في اللحظة التي قال فيها إنه ~~بحاجة لمتجر. # اشترى بنا وفواكه وخضروات معلبة وجبنا وبلحا وتينا وحلوى البودنج ووجبات من ~~المكرونة ومسحوق الشوكولاتة الساخنة والمحار والسردين المعلب، وظل يسألني «هل تحبين هذا؟ هل ~~تحبين ذاك؟ هل تحبين الزبيب؟ هل تحبين رقائق الذرة؟ هل تحبين المثلجات؟ أين يحتفظون ~~بالمثلجات؟ ما النكهة التي تحبينها؟ الشوكولاتة؟ هل أكثر نكهة تحبينها هي الشوكولاتة؟» وفي ~~نهاية الأمر أصبحت أخشى النظر إلى أي شيء لئلا يشتريه. # توقف خالي أمام نافذة متجر سيلرايت التي كان يوجد بها علب من الحلوى غير المعبأة قائلا: ~~«أنا واثق من أنك تحبين الحلوى. ماذا تريدين؟ العرقسوس؟ الهلام بالفاكهة؟ حلوى المكسرات؟ ~~فلنأخذ مزيجا منها، نأخذ من الثلاثة. سوف تصيبك هذه الحلوى بالعطش، كل حلوى المكسرات تلك، ~~فمن الأفضل أن نجد مشروبا غازيا.» # ولكن هذا لم يكن كل شيء، فقد سألني: «هل لديكم مخبز في المدينة؟» اصطحبته إلى مخبز ~~ماكارتر؛ حيث اشترى دزينتين من كعك الزبد، ودزينتين من الكعك المغطى بالسكر والمكسرات، ~~وكعكة جوز الهند بارتفاع نصف قدم. كان الموقف يذكرني بقصة أطفال لدي في المنزل تروي قصة ~~فتاة صغيرة تتمكن بطريقة ما من أن تجعل ms088 أمنياتها تتحقق، أمنية واحدة كل يوم لمدة أسبوع ثم ~~يتضح بالطبع أنها تجلب لها التعاسة. ومن بين تلك الأمنيات أن تحصل على كل ما اشتهت تناوله ~~من الطعام في حياتها. اعتدت أن أفتح ذلك الجزء وأقرأ وصف الطعام مرة تلو الأخرى كي أستمتع ~~به فحسب، متجاهلة أصناف العقاب التي حلت بها لاحقا، والتي أوقعتها بها قوى خارقة للطبيعة ~~تراقب الطمع طوال الوقت. ولكنني أدركت الآن أن الكثير من كل شيء قد يكون زائدا عن الحد ~~فعلا، وحتى أوين قد يكون أصيب بالإحباط في نهاية الأمر من هذا السخاء السفيه الذي أفسد ~~نظام المكافآت المتعارف عليه وقضى عليه تماما. # قلت للخال بيل: «إنك أشبه بجني جاء لتحقيق الأمنيات.» وكنت أقصد ألا أبدو طفولية بل ~~تهكمية بعض الشيء، وأردت أيضا بتلك الطريقة المبالغ فيها أن أعبر عن الامتنان الذي كنت ~~أخشى أنني لم أكن أشعر به بالقدر الكافي، ولكنه أخذ الأمر على محمل طفولي في أبسط صوره، ~~وردد الكلام على مسامع أمي عندما عدنا إلى المنزل. ~~«أخبرتني أنني أشبه بجني جاء لتحقيق الأمنيات، رغم أنني اضطررت لأن أدفع ~~نقدا!» ~~«حسنا، لست أدري ماذا أفعل بكل هذا يا بيل، عليك أن تأخذ بعض الأشياء معك في طريق ~~العودة.» ~~«إننا لم نقطع كل تلك المسافة من أوهايو إلى هنا كي نتبضع. ضعي تلك الأشياء في مكانها ~~بعيدا، فلسنا بحاجة إليها. طالما أن لدي مثلجات بالشوكولاتة للتحلية، فلا يهمني أي شيء ~~آخر، فعشقي للحلوى لم يفارقني قط، ولكنني فقدت بعض الوزن، لقد فقدت ثلاثين رطلا منذ الصيف ~~الماضي.» ~~«اطمئن إنك لم تتحول بعد إلى حالة تستحق إعانة ما بعد الحرب.» # أزالت أمي مفرش المائدة الذي يحمل بقع شاي وصلصة عمرها يوم ووضعت مفرشا جديدا، وهو ~~المفرش الذي تطلق عليه مفرش ماديرا، وهي أفضل هدية حصلت عليها بمناسبة زفافها. ~~«هل تعلمين أنني كنت قزما يوما ما؟ كنت رضيعا نحيلا، وعندما كان عمري عامين كدت أموت ~~بالالتهاب الرئوي، ولكن أمي نجحت في أن تجعلني أتعافى وبدأت تطعمني. ms089 ولم أبذل مجهودا لفترة ~~طويلة وبدأ وزني يزيد.» # وقال بلهجة من التعظيم المفعم بالحزن: «أمي، ألم تكن كقديسة تسير على الأرض؟ إنني أؤكد ~~لنايل أنها كانت ستتمنى التعرف عليها.» # رمقت أمي نايل بنظرة فزعة (هل تعرفت هاتان السيدتان على بعضهما؟) ولكنها لم تقل ما إذا ~~كانت ترى أنها فكرة صائبة. # فقلت لنايل: «هل تفضلين طبقا عليه رسوم طيور أم ورود؟» كنت أرغب فقط في أن أحملها على ~~الحديث فحسب. # فقالت بصوت هادئ: «لا يهم» وهي تنظر إلى أظافرها الخضراء كما لو أنها تعويذة لتبقيها في ~~هذا المكان. # ولكن هذا كان مهما بالنسبة لأمي التي قالت: «ضعي أطباقا متشابهة على المائدة، فلسنا ~~فقراء لدرجة أننا لا نملك طقما من الأطباق!» # فقلت وأنا ما زلت أحثها على الحديث: «هل ترتدين اللون الأخضر النيلي لأن اسمك نايل؟ هل ~~هذا اللون هو الأخضر النيلي؟» كنت أراها حمقاء، ولكنني أعجبت بها بشدة رغم ذلك، وشعرت ~~بالامتنان لكل كلمة صغيرة تتفوه بها، والتي كانت تخرج من فمها وكأنها فقاعة عديمة اللون. ~~لقد وصلت إلى حد متطرف في الزينة الأنثوية والتكلف المثالي الذي لم أكن حتى أعلم بوجوده، ~~وعندما رأيتها أدركت أنني لن أصبح جميلة أبدا. ~~«إنها مجرد صدفة أن اسمي نايل، وهذا لوني المفضل منذ زمن بعيد قبل حتى أن أسمع عن لون ~~يطلق عليه الأخضر النيلي.» ~~«لم أكن أعلم أنه ثمة طلاء أظافر باللون الأخضر.» ~~«عليك أن تطلبيه خصيصى.» # كان الخال بيل لا يزال شاردا في أفكاره الخاصة، وأردف: «كانت أمي تأمل أن نظل في المزرعة ~~ونحيا بالطريقة نفسها التي تربينا بها.» ~~«لا أتمنى لأي أحد أن يحيا في مزرعة كتلك، فلا يمكنك فيها تربية الأعشاب التي تقتات عليها ~~الطيور.» ~~«ليس الجانب المادي هو كل شيء دائما يا آدي، ولكن ثمة القرب من الطبيعة، بدلا من كل ما ~~نعانيه الآن من الانشغال طوال الوقت، والقيام بأمور لا تناسبنا، وعيش حياة الأثرياء، ونسيان ~~المسيحية. كانت أمي تشعر أنها حياة جيدة.» ~~«وما الجيد في الطبيعة؟ فما الطبيعة ms090 إلا مجرد كائن يفترس آخر وهكذا على كافة المستويات، ~~ما الطبيعة إلا مجرد الكثير من النفايات والقسوة، ربما لا من وجهة نظر الطبيعة ولكن من وجهة ~~نظر الإنسان. القسوة هي قانون الطبيعة.» ~~«حسنا، لست أقصد ذلك يا آدي. لست أقصد الحيوانات المفترسة وما إلى ذلك، بل أعني حياتنا ~~التي عشناها في منزلنا، حيث لم يكن لدينا الكثير من وسائل الراحة، أعترف بذلك، ولكننا كنا ~~نحيا حياة بسيطة ونعمل أعمالا شاقة ونستنشق هواء نقيا ولدينا نموذج روحاني في والدتنا. ~~لقد توفيت صغيرة يا آدي، توفيت متألمة.» # فقالت أمي: «كانت تحت تأثير المخدر، وهكذا إذا تحرينا الدقة، أتمنى ألا تكون قد توفيت ~~متألمة.» # وأثناء تناول العشاء، أخبرت أمي الخال بيل بقيامها ببيع الموسوعات قائلة: «لقد بعت ثلاث ~~مجموعات في الخريف الماضي.» رغم أنها لم تبع سوى واحدة وما زالت تحاول إقناع اثنين من ~~العملاء المحتملين. «لقد أصبح أهل البلد يمتلكون أموالا الآن كما تعلم بسبب الحرب.» # فقال الخال بيل وهو ينحني على طبقه ويتناول الطعام بثبات كالعجز: «لن تحققي أية أرباح ~~من العمل بائعة متجولة لدى الفلاحين، ماذا قلت إنك تبيعين؟» وكان يبدو عجوزا ~~بالفعل. ~~«الموسوعات. الكتب. إنها مجموعة جميلة للغاية، كنت لأضحي بأي شيء في مقابل الحصول على ~~مجموعة كهذه من الكتب في المنزل عندما كنت طفلة.» ربما كانت تلك المرة الخمسين التي أسمعها ~~تقول فيها تلك العبارة. ~~«لقد واصلت تعليمك، وأنا استغنيت عنه، ولكن ذلك لم يوقفني. لا يمكنك بيع الكتب للفلاحين، ~~فهم يتمتعون بقدر عال من الفهم، وحريصون على أموالهم، فالربح ليس في أشياء كهذه، بل في ~~العقارات. الربح يكمن في العقارات والاستثمار إذا كنت تعلمين ماذا تفعلين جيدا.» وبدأ يقص ~~قصة طويلة ذات خلفية معقدة ويصحح التفاصيل لنفسه عن شراء المنازل وبيعها، ثم الشراء والبيع ~~والشراء والبناء، والإشاعات والتهديدات والأخطار والأمان. لم تكن نايل تستمع إليه إطلاقا ~~بل كانت تحرك الذرة المعلبة في طبقها وتغرز الشوكة في حبات الذرة واحدة تلو الأخرى، وهي ~~لعبة طفولية لا يمكن حتى ms091 لأوين أن يفلت من العقاب بشأنها. لم يتفوه أوين نفسه بكلمة بل ~~تناول طعامه وهو يضع علكته على إبهامه، ولم تلاحظ أمي ذلك. لم تكن فيرن دوجرتي موجودة، فقد ~~ذهبت كي ترى والدتها في مستشفى المقاطعة، واستمعت أمي لشقيقها بينما ترتسم على وجهها نظرة ~~هي مزيج من الاستنكار والدهاء. # شقيقها! هذه هي المشكلة، هذه هي الحقيقة التي يصعب تقبلها. كان هذا الخال بيل شقيق أمي، ~~الصبي البدين الكريه صاحب الموهبة الهائلة في القسوة، ذاك الماكر الذكي الشيطاني، الكثير من ~~الصفات التي تثير الخوف. ظللت أنظر إليه محاولة انتزاع ذلك الصبي من هذا الرجل الشاحب ~~العجوز، ولكنني لم أجده، فقد رحل واختنق كثعبان أرقط صغير كان يوما ما ساما ومولعا ~~بالأذى ودفن في كيس من الدقيق. ~~«هل تذكرين اليرقات، وكيف كانت تحط على أزهار الصقلاب؟» # فقالت أمي وهي لا تصدق ما تسمع: «اليرقات؟» ثم نهضت وأحضرت فرشاة صغيرة ذات يد نحاسية ~~ووعاء معدنيا كان هدية زفاف أيضا، وأخذت تزيل الفتات من على المفرش. ~~«كانت تحط على أزهار الصقلاب في فصل الخريف، وهي تأتي بحثا عن اللبن كما تعلمين، العصارة ~~الموجودة بالأزهار، فتشربه حتى يمتلئ جسمها وتشعر بالنعاس وتدخل في شرنقتها. حسنا، لقد ~~وجدت واحدة على زهرة الصقلاب وأحضرتها معها إلى المنزل ...» ~~«من هي؟» ~~«أمي يا آدي، فمن غيرها قد يتكبد ذلك العناء؟ كان ذلك قبل أن تولدي بزمن بعيد. وجدت تلك ~~اليرقة وأحضرتها للمنزل ووضعتها فوق الباب حيث لا يمكنني الوصول إليها. لم أكن أقصد الإيذاء ~~ولكنني كنت أتصرف كالفتية. دخلت اليرقة في شرنقتها ومكثت فيها طوال الشتاء، ونسيت أمرها، ~~وذات يوم كنا نجلس جميعا بعد أن تناولنا العشاء في عيد الفصح، ولكن كان ثمة عاصفة ثلجية ~~بالخارج، ثم قالت أمي انظروا! انظروا! فنظرنا ووجدنا ذلك الشيء فوق الباب يشرع في الحركة، ~~كانت تمزق الشرنقة، تجذبها وتفتحها من الداخل، ثم تتعب وتتوقف ثم تواصل مرة أخرى. استغرق ~~الأمر نصف الساعة أو أربعين دقيقة تقريبا، ولم نتوقف عن المشاهدة قط، ثم رأينا ms092 الفراشة ~~تخرج. وبدا الأمر كما لو كانت الشرنقة قد ضعفت أخيرا وسقطت كالخرقة القديمة. كانت فراشة ~~صفراء صغيرة منقطة وأجنحتها مشدودة للأسفل، وكان عليها أن تحركها بعض الشيء كي تجعلها لينة ~~وحرة الحركة. فتحاول تحريك أحد أجنحتها، تحاول بجهد شديد ثم ترفرف به، ثم تحاول تحريك الآخر ~~وتنجح في الرفرفة به هو الآخر، فتحلق قليلا. فقالت أمي: «انظروا إلى ذلك، لا تنسوه أبدا، ~~فهذا ما رأيتموه يوم عيد الفصح.» لا تنسوا، ولم أنس قط.» # فقالت أمي بحياد: «وماذا حدث لها؟» ~~«لست أذكر، لا بد وأنها لم تعش طويلا في جو كذاك، ولكنه كان أمرا طريفا؛ أنها كانت ~~تعمل بجد على جناح، ثم تعمل على الجناح الآخر، ثم تحلق قليلا، أول مرة تستخدم فيها ~~أجنحتها.» وضحك بنبرة اعتذار كانت الأولى والأخيرة التي نسمعها منه، ثم بدا بعد ذلك مرهقا ~~ومحبطا بصورة غامضة، وأمسك بيديه بطنه التي كانت تصدر أصواتا هادئة ضرورية للهضم. # كان ذلك في المنزل نفسه، المنزل نفسه حيث كانت أمي تجد النار قد انطفأت ووالدتها تصلي، ~~وحيث تناولت اللبن والخيار آملة في أن تصعد روحها إلى السماء. # قضى الخال بيل ونايل الليل في منزلنا وناما على أريكة الغرفة الأمامية التي كان يمكن ~~فردها وتحويلها إلى فراش. رقدت نايل بأطرافها الطويلة المعطرة اللامعة شديدة القرب من جسد ~~خالي المتهدل وبالقرب من رائحته. لم أتخيل أنهما قد يفعلان أكثر من ذلك؛ لأنني ظننت أن ~~المداعبات الجنسية المتلهفة هي أمر طفولي، وأن البالغين المحتشمين قد تخطوا تلك المرحلة ~~وأصبحوا يقومون بذلك الاتصال غير المرجح من أجل إنجاب الأطفال فحسب. # وفي صباح يوم الأحد، رحلا بعد تناول الإفطار، ولم نر أيا منهما مرة أخرى. # وبعد مرور بضعة أيام، اعترفت أمي لي قائلة: «إن خالك بيل يحتضر.» # كان وقت العشاء قد أوشك، وكانت أمي تطهو النقانق. لم تكن فيرن قد عادت من العمل بعد، وكان ~~أوين قد عاد للتو من تدريب الهوكي وذهب ليلقي بالزلاجات والعصا في القاعة الخلفية. طهت أمي ~~النقانق حتى أصبحت ms093 صلبة ولامعة وداكنة من الخارج، لم أتناولها من قبل سوى هكذا. ~~«إنه يحتضر. كان يجلس هنا صباح الأحد عندما هبطت كي أشغل الغلاية وأخبرني بأنه مصاب ~~بالسرطان.» # استمرت في تقليب النقانق بشوكة، وكانت قد انتزعت لعبة الكلمات المتقاطعة من الجريدة ~~وانتهت من نصفها وتركتها على الطاولة بجوار الموقد. تذكرت الخال بيل وهو يذهب إلى وسط ~~المدينة ويشتري كعك الزبد ومثلجات الشوكولاتة والكعك، ثم عودته إلى المنزل وتناول الطعام. ~~كيف أمكنه أن يفعل ذلك؟ # قالت أمي كما لو كانت تفكر في الأمور نفسها التي تجول بخاطري: «كان دائما مفتوح الشهية، ~~ويبدو أن احتمال الموت المرتقب لم يضعف من شهيته. من يعلم؟ ربما لو كان يأكل أقل من ذلك كان ~~سيعيش أطول حتى يبلغ سن الشيخوخة.» ~~«هل تعلم نايل بذلك؟» ~~«وماذا يهم إذا كانت تعلم أم لا؟ لقد تزوجته من أجل نقوده فحسب، وسوف تصبح ثرية.» ~~«أما زلت تكرهينه؟» # فقالت أمي سريعا ولكن بتحفظ: «أنا لا أكرهه بالطبع.» نظرت إلى المقعد الذي جلس فيه، ~~وشعرت بالخوف من العدوى، لا من السرطان بل من الموت ذاته. ~~«أخبرني بأنه ترك لي ثلاثمائة دولار في وصيته.» # ماذا تبقى لنا بعد ذلك من خيارات سوى العودة لأرض الواقع؟ ~~«وكيف ستنفقينها؟» ~~«لا شك أنني عندما يحين وقت استلامها سيكون شيء ما قد خطر ببالي.» # فتح الباب الأمامي ودخلت فيرن. ~~«يمكنني دائما الإرسال في طلب صندوق من الأناجيل.» # قبل أن تدخل فيرن من باب ويدخل أوين من الباب الآخر مباشرة، كان ثمة ومضة سريعة في الغرفة ~~وكأنها رفرفة جناح طائر أو حركة سكين سريعة، شعور قوي بالألم ولكنه سريع ومنزو، ~~يتلاشى. # قالت أمي وهي تقطب ما بين حاجبيها وهي تنظر إلى الكلمات المتقاطعة: «إله مصري من خمسة ~~حروف، إنني أعرفه، ولا أستطيع أن أتذكره كي أنقذ نفسي.» ~~«إيزيس.» ~~«إيزيس إلهة وليست إلها، إنني مندهشة مما تقولين.» # بعد ذلك بوقت قريب، بدأ الجليد يذوب وفاض نهر واواناش وأغرق ضفافه حاملا معه لافتات ~~الطريق وأعمدة الأسيجة وحظائر الدجاج ثم انحسر، ms094 وأصبحت الطرق صالحة إلى حد ما للسير فيها، ~~وعادت أمي تخرج مرة أخرى في فترة ما بعد الظهيرة. وكما قالت إحدى عمات أبي - لا يهم من هي: ~~«الآن سوف تفتقد مراسلة الصحف.» # | عصر الإيمان # اعتدت أنا وأمي - عندما كنا نعيش في ذلك المنزل في نهاية طريق فلاتس وقبل أن تتعلم أمي ~~قيادة السيارة - أن نسير حتى مدينة جوبيلي التي تبعد ميلا. وبينما كانت تغلق هي الباب، كان ~~علي أن أعدو حتى البوابة وأتفحص الطريق كي أتأكد من أنه لا يوجد أحد قادم؛ ومن يمكن أن ~~يكون في ذلك الطريق سوى ساعي البريد والعم بيني؟! وعندما أهز رأسي بالنفي كانت أمي تخبئ ~~المفتاح تحت العمود الثاني للشرفة؛ حيث نخر السوس الخشب وأحدث به فتحة صغيرة، فقد كانت تؤمن ~~بوجود لصوص المنازل. # وعندما ندير ظهورنا لمستنقع جرينوش ونهر واواناش وبعض التلال البعيدة، سواء الجرداء أو ~~المشجرة التي كنت أعتبرها أحيانا نهاية العالم - رغم أنني لم أكن جاهلة بحقائق الجغرافيا - ~~كنا نسير في طريق فلاتس الذي كان شديد الضيق في ذلك الطرف، حتى إنه لا يتسع إلا لسيارة ~~واحدة، ويزخر بنمو ثري لنبات لسان الحمل والأعشاب التي تقتات عليها الطيور في المنتصف. كنت ~~أفكر حينها في اللصوص، وأتخيلهم في صورة باللونين الأبيض والأسود رجالا ذوي وجوه كئيبة ~~يبدو عليها التركيز على هدفهم، يرتدون ثيابا مخصصة للصوص. تخيلتهم ينتظرون في مكان ما ليس ~~بعيدا، مثل الحقول الموحلة المليئة بالسراخس على امتداد حافة المستنقع، ينتظرون ولديهم ~~معرفة بأدق تفاصيل منزلنا وكل ما فيه، فهم يعلمون بأمر الفناجين ذات المقابض على شكل فراشة ~~المطلية باللون الذهبي، وقلادتي المصنوعة من المرجان التي كنت أظنها قبيحة مغطاة بالخدوش، ~~ولكنني أخبرت بأنني يجب أن أعتبرها قيمة؛ لأن عمة والدي هيلين هي من أرسلتها من أستراليا ~~أثناء رحلتها حول العالم، وسوار فضي اشتراه أبي لأمي قبل زواجهما، ومزهرية سوداء عليها ~~أشكال يابانية مرسومة عليها تبعث شعورا بالراحة عند النظر إليها - وهي هدية زفاف - ومحبرة ~~أمي ذات اللون الأبيض المائل إلى ms095 الخضرة التي تحمل صورة القس لاوكون وأبنائه (قس طروادة ~~الذي قتلته الأفاعي البحرية مع ولديه)، والتي فازت بها لحصولها على أعلى الدرجات ولكفاءتها ~~العامة عند تخرجها في المدرسة الثانوية، وكانت الحية في صورة لاوكون تلتف بخبث شديد حول ~~الذكور الثلاثة، حتى إنني لم أستطع قط اكتشاف ما إذا كانت هناك أعضاء تناسلية من المرمر ~~تحتها أم لا. كنت أدرك أن اللصوص يشتهون تلك الأشياء، ولكنهم لن يتحركوا ما لم نعطهم سببا ~~بإهمالنا. وقد أكدت معرفتهم بتلك الأشياء وجشعهم للحصول عليها على قيمة وتفرد كل منها. كانت ~~صورة عالمنا تنعكس بثبات في أذهان اللصوص. # بالطبع لاحقا بدأت أشك في وجود اللصوص أو على الأقل في أن هذه هي طريقة عملهم، وبدأت ~~أعتقد على الأرجح أن الطرق التي يتبعونها عشوائية ومعلوماتهم ضبابية وجشعهم غير محدد الهدف، ~~وعلاقتهم بنا أقرب ما تكون إلى المصادفة. وبعد أن خفت تفكيري فيهم، أصبحت أذهب بسهولة ~~أكبر حتى المستنقع، ولكنني افتقدتهم وافتقدت التفكير فيهم لفترة طويلة. # لم يكن لدي قط تخيل واضح وبسيط عن الرب مثلما كان لدي عن اللصوص، فلم تكن أمي مستعدة ~~للإشارة إليه. كنا نتبع الكنيسة المتحدة في جوبيلي - على الأقل أبي وعائلته - وقد عمدنا ~~أنا وشقيقي أوين هناك عندما كنا رضيعين، وهو ما يظهر ضعفا أو كرما مدهشا من جانب أمي، ~~ربما تكون الولادة قد جعلتها لينة الجانب ومرتبكة بعض الشيء. # كانت الكنيسة المتحدة أحدث الكنائس في جوبيلي وأكبرها وأكثرها ازدهارا، فقد استوعبت كل ~~الميثوديين والأبرشانيين وكثيرا من المشيخيين (وهو مذهب عائلة أبي) السابقين في وقت اتحاد ~~الكنائس. كان ثمة أربع كنائس أخرى في المدينة، ولكنها كانت كلها صغيرة وفقيرة نسبيا، ~~فضلا عن أنها - وفقا لمعايير الكنيسة المتحدة - تتخذ مواقف متطرفة، كانت الكنيسة ~~الكاثوليكية أكثرها تطرفا. كانت الكنيسة الكاثوليكية - الخشبية بيضاء اللون وعليها صليب ~~بسيط - تقع أعلى تل في الطرف الشمالي من المدينة، وتقيم قداسات متميزة للكاثوليكيين، الذين ~~يبدون غريبي الأطوار ومتحفظين كالهندوس بتماثيلهم واعترافاتهم والنقاط السوداء التي ~~يرسمونها في أربعاء الرماد. وفي ms096 المدارس، كان الكاثوليك طائفة صغيرة ولكنها غير مهددة، ~~معظمهم من الأيرلنديين الذين لم يكونوا يمكثون في الفصول في حصص التعليم الديني، بل كان ~~يسمح لهم بالنزول إلى القبو للعزف على المزامير. كان من الصعب الربط بين ضوضائهم البسيطة ~~وبين عقيدتهم الخطيرة الغريبة. كانت عمات أبي تعشن قبالة الكنيسة الكاثوليكية وتطلقن النكات ~~على «التسلل لأداء طقس الاعتراف»، ولكنهن كن يعلمن ما يكمن خلف النكات: الهياكل العظمية ~~للرضع، والراهبات المخنوقات تحت أرض الدير، نعم، والقساوسة البدناء والعاهرات والبابوات ~~العجز السود. كل ذلك كان حقيقيا، وكن يمتلكن كتبا تتناول تلك الموضوعات. كل هذا ~~حقيقي. وعلى غرار الأيرلنديين في المدرسة، بدا مبنى الكنيسة غير ملائم؛ إذ إنه كان شديد ~~البساطة والتواضع والاستقامة في المظهر، حتى إنه يصعب تصديق صلته بالشهوانية والفضائح على ~~هذا النحو. # كان المعمدانيون متطرفين أيضا، ولكن بطريقة تخلو من الشرور، بل كانت فكاهية قليلا. لم ~~يكن أي شخص ذي شأن أو مكانة اجتماعية يذهب إلى الكنيسة المعمدانية، وهكذا فإن شخصا مثل ~~بورك تشايلدز - الذي كان يوصل الفحم للمنازل ويجمع القمامة في المدينة - تمكن من أن يصبح ~~شخصية بارزة فيها، كان قائدا ذا مكانة. كان محرما على المعمدانيين الرقص أو الذهاب ~~للسينما، ولم يكن بإمكان النساء المعمدانيات طلاء شفاههن بأحمر الشفاه، ولكن ترانيمهم كانت ~~صاخبة ومرحة ومليئة بالتفاؤل، ورغم تقشف حياتهم، فقد كان بعقيدتهم قدر من المرح الشعبي أكثر ~~من عقيدة أي شخص آخر. لم تكن تلك الكنيسة بعيدة عن المنزل الذي استأجرناه لاحقا في شارع ~~ريفر، وكانت متواضعة ولكنها حديثة الطراز وقبيحة الشكل، حيث بنيت من كتل الإسمنت الرمادية، ~~وكانت ذات نوافذ من الزجاج المشطوف. # أما عن المشيخيين، فهم بقايا الناس الذين رفضوا الانضمام للاتحاد، ومعظمهم من كبار السن ~~الذين كانوا ينظمون حملات ضد ممارسة الهوكي في أيام الأحد وينشدون المزامير. # أما الكنيسة الرابعة فهي الأنجليكانية، ولم يكن أحد يعلم عنها الكثير أو يتحدث عنها. لم ~~تكن تلك الكنيسة في جوبيلي تتمتع بالمكانة الاجتماعية ولا بالأموال، التي ترتبط بها في ~~المدن ms097 التي يوجد بها بقايا من الأقلية الحاكمة القديمة أو نوع من المؤسسات العسكرية أو ~~الاجتماعية للحفاظ على بقائها واستمرارها. كان من استوطنوا مقاطعة واواناش وبنوا مدينة ~~جوبيلي من المشيخيين الاسكتلنديين والأبرشانيين والميثوديين من شمال إنجلترا. ومن ثم؛ لم ~~يكن اتباع المذهب الأنجليكاني شائعا كما هو في أماكن أخرى، ولم يكن أمرا مشوقا مثل ~~اتباع الكاثوليكية أو المعمدانية، ولا دليلا على التمسك بالعقيدة كما في حالة المشيخية. ~~ورغم ذلك فقد كان للكنيسة جرس، وهو جرس الكنيسة الوحيد في المدينة، وبدا لي ذلك شيئا من ~~الجميل أن تملكه الكنيسة. # في الكنيسة المتحدة، وضعت المقاعد الخشبية الطويلة - المصنوعة من خشب البلوط الذهبي ~~اللامع - في ترتيب منتظم مروحي الشكل، والمنبر والفرقة في قلب المروحة. لم يكن هناك مذبح، ~~بل استعراض ضخم لمزامير آلة الأرجن فحسب. وكانت النوافذ الزجاجية الملونة تصور المسيح وهو ~~يقوم بمعجزات مفيدة (ولكن ليس منها تحويل الماء إلى خمر) أو تصور القصص الرمزية ذات المغزى ~~الأخلاقي. وفي يوم العشاء الرباني، كانت الخمر تقدم على صوان في كئوس زجاجية صغيرة سميكة، ~~كانت كما لو أن الجميع يحصلون على بعض المرطبات، ولم يكن حتى خمرا بل عصير عنب. تلك هي ~~الكنيسة التي يتردد عليها أعضاء الفيلق الملكي الكندي في زيهم الموحد في يوم معين من أيام ~~الأحد، وكذلك أعضاء نادي ليونز وهم يحملون قبعاتهم المزينة بشرابات أرجوانية اللون، وكان ~~من يمررون الأطباق أطباء ومحامين وتجارا. # لم يكن والداي يترددان على الكنيسة إلا نادرا. كان أبي في حلته التي لم نعتد على رؤيتها ~~كثيرا يبدو محترما للآخرين وفي الوقت نفسه مستقلا. وأثناء الصلاة، كان يضع مرفقه على ~~ركبته ويريح جبهته على يده ويغلق عينيه وتبدو عليه سيماء العفو والتسامح. أما أمي من ناحية ~~أخرى، فلم تكن تغلق عينيها قط وبالكاد تحني رأسها، بل كانت تجلس متلفتة في كل الاتجاهات ~~بحذر ولكن بلا خجل، كما لو كانت عالم أنثروبولوجيا يدون ملاحظات حول سلوكيات قبيلة ~~بدائية. كانت تستمع إلى الموعظة وهي منتصبة القامة ومتحفزة تعض على ms098 شفتيها بتشكك، وكنت أخشى ~~أن تهب واقفة في أية لحظة كي تعترض على شيء ما، وكانت تتباهى بعدم اشتراكها في غناء ~~الترانيم. # بعد أن استأجرنا المنزل في المدينة أصبح لدينا مستأجرة تسكن معنا، وهي فيرن دوجرتي التي ~~كانت تغني في جوقة الكنيسة المتحدة. كنت أذهب معها إلى الكنيسة وأجلس وحدي، فأنا الوحيدة من ~~عائلتي الحاضرة، فعمات والدي يسكن في الطرف الآخر من المدينة ولا يسرن تلك المسافة ~~الطويلة كثيرا، كما أن القداس يكون مذاعا على أية حال على محطة جوبيلي الإذاعية. # لم كنت أفعل ذلك؟ في بادئ الأمر، ربما كان ذلك كي أضايق أمي، رغم أنها لم تبد اعتراضا ~~صريحا، وكي أجذب الانتباه إلي. كنت أتخيل الناس ينظرون إلي ثم يقولون لاحقا: «هل ~~ترون تلك الفتاة الصغيرة هناك التي تأتي وحدها أسبوعا تلو الآخر؟» كنت آمل أن ينخدع الناس ~~ويتأثروا بتقواي ومثابرتي، في الوقت الذي يعرفون فيه طبيعة إيمان أمي، أو بالأحرى عدم ~~إيمانها. وكنت أفكر أحيانا في سكان جوبيلي كما لو أنهم ليسوا إلا جمهورا كبيرا لي، وقد ~~كانوا كذلك بالفعل نوعا ما، فبالنسبة لكل شخص يعيش هناك كان بقية سكان المدينة ~~جمهورا. # ولكن في الشتاء الثاني لنا في المدينة - الشتاء الذي بلغت فيه الثانية عشرة من عمري - ~~تغيرت أسبابي أو أصبحت أكثر رسوخا. فقد أردت أن أحسم قضية الرب. كنت أقرأ كتبا عن العصور ~~الوسطى، وازداد انجذابي أكثر فأكثر لفكرة الإيمان. كان وجود الرب احتمالا واردا بالنسبة ~~لي طوال الوقت، ولكنني الآن وقعت فريسة لحنين واضح وقوي له. فقد صار في نظري ضرورة، ولكنني ~~كنت أرغب في الحصول على تأكيد؛ دليل على وجوده بالفعل، كان ذلك هو السبب الرئيسي لترددي على ~~الكنيسة، ولكنني لم أستطع أن أبوح بذلك لأي شخص. # وهكذا ظللت أتردد على الكنيسة في أيام الآحاد الممطرة العاصفة أو الثلجية أو التي كنت ~~أعاني فيها من التهاب الحلق، ظللت أذهب وأجلس في الكنيسة المتحدة مفعمة بذلك الأمل الذي لا ~~يمكنني البوح به في أن الرب سوف ms099 يتجلى - لي أنا على الأقل - على هيئة قبة من الضوء أو فقاعة ~~متوهجة لا تقبل الجدال فوق المقاعد الخشبية الطويلة الحديثة، أو أنه سوف يظهر فجأة كصف من ~~الزنابق المزهرة أسفل آلات الأرجن. شعرت بأنني بحاجة للسيطرة على هذا الأمل بشدة، فكشفه ~~بنبرة صوت متحمسة أو بكلمة أو إيماءة أمر غير ملائم كإطلاق الريح. وأكثر ما لاحظته على وجوه ~~الناس خلال الأجزاء الأولى من القداس الموجه نحو الرب (فالموعظة تميل للانصراف نحو ~~موضوعات محلية) هو نوع من اللباقة العامة المتسقة، وهو الشيء نفسه الذي كانت أمي تنتهكه ~~بنظرتها المعارضة المتسائلة كما لو كانت على وشك أن تتوقف وتطلب تفسيرا لكل شيء. # لم تطرح مسألة ما إذا كان الرب موجودا أم لا في الكنيسة قط، بل كان كل ما يطرح هو ما ~~يقبل به الرب، أو عادة ما لا يقبل به. وبعد منح البركة كانت تحدث حالة من الهياج، حالة من ~~التحرير الذي يبعث على الراحة، كما لو أن الجميع قد تثاءب، رغم أن أحدا لم يفعل ذلك ~~بالطبع، وكان الناس ينهضون من أماكنهم ويحيون بعضهم البعض بطريقة احتفالية تدل على السرور ~~والارتياح. وفي تلك اللحظات كنت أشعر بالاضطراب والحرارة والتثاقل والقنوط. # لم أفكر في عرض مشكلتي على أي مؤمن، ولا حتى السيد ماكلوفلين القس؛ فهو أمر محرج للغاية، ~~كما كانت بداخلي مخاوف أيضا؛ فقد كنت أخشى أن يتلعثم المؤمن وهو يدافع عن معتقداته أو ~~يعرفها؛ مما يمثل نكسة لي. فإذا اتضح مثلا أن السيد ماكلوفلين لا يحكم قبضته على دليل ~~وجود الرب أكثر مما أفعل أنا، فسوف يؤدي ذلك إلى تثبيط عزيمتي كثيرا، وإن كان لن يثنيني ~~عن الأمر. كنت أفضل أن أومن بأن دليله قوي دون أن أختبره. # ولكنني فكرت حقا في عرض المشكلة على كنيسة أخرى؛ على الكنيسة الأنجليكانية. كان ذلك ~~بسبب الجرس، ولأنني كنت أشعر بالفضول لرؤية كنيسة أخرى من الداخل وكيف يتعاملون مع الأمور، ~~وكانت الكنيسة الأنجليكانية هي الوحيدة التي يمكن تجربة هذا الأمر معها. لم ms100 أخبر أحدا ~~بالطبع عما أنوي القيام به ، ولكنني سرت مع فيرن دوجرتي حتى سلالم الكنيسة المتحدة حيث ~~افترقنا؛ حيث كانت هي تذهب إلى غرفة ملابس الكهنة وترتدي ثياب الجوقة. وعندما غابت عن ناظري ~~استدرت عائدة وانطلقت إلى الطرف الآخر من المدينة، حتى وصلت إلى الكنيسة الأنجليكانية ~~استجابة لدعوة الجرس، وتمنيت ألا يكون أحد قد رآني، ثم دخلت. # كان ثمة رواق مسقوف للعواصف خارج الباب الرئيسي كي يحجز الرياح بعيدا، ثم مدخل بارد ~~قليلا به قطعة من الحصير البني وكتب الترانيم متراكمة على حافة النافذة، ثم دخلت إلى ~~الكنيسة نفسها. # لم يكن لديهم تنور، بل مجرد مدفأة صغيرة بجوار الباب تصدر صوتها الثابت المألوف في ~~المنازل، وكانت هناك شريحة من الحصير البني نفسه تمتد من الخلف وعلى طول الممر، وغير ذلك لم ~~يكن سوى الأرض الخشبية التي لم تكن مصقولة أو مطلية، بل مجرد ألواح واسعة تتزحزح تحت ~~الأقدام بين الحين والآخر، بالإضافة إلى سبعة أو ثمانية مقاعد خشبية طويلة فقط على كل جانب، ~~وزوج من مقاعد الجوقة بزاوية قائمة مع المقاعد الخشبية، وآلة أرجن في أحد الجوانب ومنبر - ~~لم أدرك في البداية أنه منبر - شامخ كمجثم الطيور في الجانب الآخر، ووراء ذلك ثمة حاجز ~~ودرجة سلم لأعلى ومذبح صغير. كانت أرض المذبح مغطاة بسجادة قديمة تصلح لقاعة استقبال، وكان ~~ثمة مائدة أيضا عليها زوج من الشموع الفضية، وصحن لجمع الأموال مبطن بنسيج البيز، وصليب ~~يبدو كما لو كان مصنوعا من الورق المقوى ومغطى بالورق الفضي كالتاج الذي يرتديه الممثلون ~~في المسرحيات، وفوق المائدة ثمة نسخة من لوحة هولمان هانت التي تصور المسيح يقرع الباب. لم ~~أكن قد رأيت تلك اللوحة من قبل، وكان المسيح بها يختلف قليلا - ولكن اختلافا مهما - عن ~~المسيح الذي يظهر وهو يصنع المعجزات على نافذة الكنيسة المتحدة، فقد بدا هنا أكثر ملكية ~~وحزنا، وخلفية اللوحة أكثر كآبة وثراء، ونوعا ما أكثر وثنية أو على الأقل تنتمي لمنطقة ~~البحر المتوسط. وكنت معتادة على رؤيته واهنا وريفيا في ms101 الصور الوصفية المرسومة بأقلام ~~الباستيل الخاصة بمدارس تعليم المسيحية التي تقام يوم الأحد. # إجمالا كان هناك حوالي اثني عشر شخصا في الكنيسة: راهب هولندي والجزار وزوجته وابنته ~~جلوريا التي كانت في الصف الخامس في المدرسة، وكنت أنا وهي فحسب في الكنيسة في ذلك الوقت ~~تحت سن الأربعين، وكان هناك أيضا بعض النساء العجائز. # وصلت بالكاد في الوقت المناسب؛ فقد توقف الجرس عن الدق وبدأت ترنيمة على الأرجن، ودخل ~~القس من الباب الجانبي - الذي لا بد وأنه يقود إلى غرفة ملابس الكهنة - على رأس الجوقة التي ~~كانت تتكون من ثلاث سيدات ورجلين. كان القس شابا مستدير الرأس باسم الثغر لم أره من قبل، ~~كنت أعلم أن الكنيسة الأنجليكانية لا يمكنها تحمل تكلفة القس وحدها وأنها تشارك قسا مع ~~بورترفيلد وبلو ريفر، فلا بد أنه يعيش في إحدى هاتين المدينتين. وكان يرتدي حذاء مخصصا ~~للجليد تحت ثيابه. # تحدث باللكنة البريطانية قائلا: «أيها الإخوة الأحباء، إن الكتاب المقدس يحثنا في مواضع ~~مختلفة على الإقرار والاعتراف بآثامنا وشرورنا المختلفة ...» # كان ثمة لوح أمام كل مقعد ينحنون عليه للقراءة منه، تقدم الجميع للأمام وهم يقلبون ~~أوراق كتب الصلوات، وعندما انتهى القس من دوره بدأ الجميع يرددون شيئا. نظرت في كتاب ~~الصلوات الذي وجدته أمامي على الرف ولكنني لم أعثر على الموضع الذي كانوا يقرءون منه، ~~فاستسلمت وظللت أستمع لما يقولون. وفي الناحية الأخرى من الممر وعلى المقعد الخشبي الذي ~~يسبق مقعدنا، كانت امرأة عجوز طويلة نحيفة ترتدي غطاء رأس يشبه العمامة (تربان) مخمليا ~~أسود. لم تفتح تلك المرأة كتاب الصلوات، فلم تكن بحاجة إليه، بل انحنت مستقيمة ورفعت وجهها ~~الشاحب القاسي باتجاه السماء - فذكرتني بصورة أحد فرسان الحملات الصلييبة في الموسوعة التي ~~أملكها في المنزل - قادت تلك المرأة كل الأصوات الأخرى في الاجتماع، بل إنها سيطرت عليها ~~بالفعل، حتى إنها لم تكن سوى مجرد صدى ضبابي لصوتها، الذي كان مرتفعا حزينا غنائيا ~~جذلا لا يخلو من الشجن: ~~... لم نفعل ما علينا فعله، وفعلنا ما لا ms102 يجب علينا فعله، ولا صحة فينا، لكن ارحمنا ~~يا الله نحن المذنبين الأشقياء. ارحم يا رب أولئك الذين يعترفون بخطاياهم. ورد ~~التائبين كما وعدتنا في المسيح يسوع مخلصنا ... # واستمر الحال على هذا قليلا، ثم بدأ القس بصوته الإنجليزي الجميل الإيقاعي رغم أنه كان ~~أكثر تحفظا؛ واستمر هذا الحوار بإيقاع ثابت يعلو ويهبط بثقة دائمة، والعواطف المفعمة ~~بالحياة يعبر عنها أرقى قنوات التواصل اللغوي وتجتمع في نهاية الأمر في عذوبة ووفاق ~~تام. # يا رب ارحمنا. # يا يسوع ارحمنا. # يا رب ارحمنا. # وهكذا، كان هنا ما لم أعرفه من قبل، ولكنني شككت دائما بوجوده، وهو ما قضى ~~عليه كل الميثوديين والأبرشانيين والمشيخيين بخوف، إنه ذلك الجانب المسرحي في الدين. منذ ~~أول لحظة شعرت بالسعادة الغامرة، فالعديد من الأمور قد جلبت لي السرور؛ مثل الانحناء على ~~اللوح الخشبي والوقوف والانحناء مرة أخرى وتحويل الرأس إلى المذبح عند ذكر اسم يسوع، وقراءة ~~قانون الإيمان المسيحي الذي أحبه بفضل الابتهال بأشياء غريبة رائعة نؤمن بها. وكنت أحب ~~أيضا إطلاق اسم يسوع على المسيح أحيانا، فهذا الاسم يجعله يبدو أكثر ملكية وسحرا كما لو ~~كان ساحرا أو إلها هنديا، وأحببت أيضا النقش باسم يسوع على تصميم شعار المنبر الثري ~~العتيق البالي. كما أسعدني كذلك الفقر الذي تبدو عليه الكنيسة وصغر حجمها وحالتها الرثة، ~~ورائحة العفن أو الفئران وغناء الجوقة الهزيل وانعزال المصلين، وشعرت بأنه إذا كان هؤلاء ~~هنا، فكل شيء حقيقي على الأرجح. والشعائر التي في ظروف أخرى كانت لتبدو مصطنعة خالية من ~~الحياة، كانت هنا تبدو وكأنها محاولة أخيرة للحفاظ على الكبرياء. إنه ثراء الكلمات في مقابل ~~فقر المكان. فإذا لم أتمكن من استشعار أثر الرب فعلى الأقل يمكنني استشعار أثر عصره ~~القديم من القوة، القوة الحقيقية لا تلك التي يتمتع بها اليوم في الكنيسة المتحدة، استطعت ~~أن أتذكر الترتيب الهرمي الشهير والتقويم الرائع العتيق البالي للأعياد والقديسين. كانوا ~~موجودين في كتاب الصلوات، فقد فتحته على تلك الصفحة مصادفة: أعياد القديسين. هل يتذكرها أحد ~~ويحتفي ms103 بها؟ جعلتني أعياد القديسين أفكر في شيء مختلف تماما عن جوبيلي: مخازن التبن ~~المفتوحة، وبيوت المزارع نصف الخشبية، وصلاة التبشير، والشموع، وموكب من الراهبات يسرن في ~~الثلوج في نزهة الدير يخيم عليهن الهدوء؛ عالم من الثراء والمعتقدات الراسخة والأمان. فإذا ~~أمكننا اكتشاف الرب أو تذكره فسوف يصبح كل شيء آمنا، وسوف ترى عندئذ الأشياء التي رأيتها - ~~حبيبات الخشب الباهتة في ألواح الأرض الخشبية، والنوافذ الزجاجية غير المزخرفة ومن ورائها ~~الأغصان الرقيقة والسماء التي تنهمر منها الثلوج - ويختفي الألم الغريب القلق الذي يتسبب ~~فيه مجرد رؤية الأشياء. بدا لي واضحا أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكن تحمل العالم بها ~~- نعم «الطريقة الوحيدة التي يمكن تحمل العالم بها» - إذا كانت كل تلك الذرات - تلك المجرات ~~من الذرات - آمنة طوال الوقت تدور في عقل الرب، فكيف يمكن للناس أن تطمئن؟ بل كيف يمكن لهم ~~أن يستمروا في التنفس والوجود حتى يتأكدوا من ذلك؟ إنهم مستمرون بالفعل، وهكذا فلا بد أنهم ~~متأكدون. # وماذا عن أمي؟ نظرا لأنها أمي، فإنها لا تدخل في الاعتبار، ولكن حتى هي عندما تحاصر ~~فإنها تقول بالطبع لا بد وأن هناك شيئا ما أو نوعا من «التخطيط»، ولكنها تحذر من عدم جدوى ~~إضاعة الوقت في التفكير فيه لأننا لن نفهمه على أية حال، وثمة الكثير مما يجب علينا التفكير ~~فيه إذا أردنا محاولة تحسين حياتنا هنا والآن من قبيل التغيير، وبعد الموت سوف نكتشف أمر ما ~~تبقى، إذا كان ثمة بقية. # لم تكن أمي على استعداد حتى لأن تقول «لا شيء» على كل هذا، وأن ترى نفسها وكل عصا ~~وحجر وريشة في هذا العالم تطفو بحرية في ذلك الظلام المخيف الميئوس منه. كلا. # لم تتصل فكرة وجود الرب لدي بالخير إطلاقا، وهو أمر قد يبدو غريبا، بالنظر إلى كل ~~الخطايا والشرور التي كنت أستمع إليها. كنت أومن بالخلاص عن طريق الإيمان وحده، عن طريق ~~تملك عظيم للروح. ولكن هل رغبت حقا؟ «هل رغبت حقا في أن يحدث لي هذا؟» ms104 نعم ولا في الوقت ~~ذاته. كنت أرغب في أن يحدث لي، ولكنني كنت أرى أنه يجب أن يظل سرا، وإلا فكيف لي أن أستمر ~~في الحياة مع أمي وأبي وفيرن دوجرتي وصديقتي ناعومي وكل من في جوبيلي؟ # تحدث إلي القس عند الباب بطريقة مرحة قائلا: ~~«يسعدني رؤية الفتيات الحسناوات في هذا الصباح البارد.» # صافحته بصعوبة؛ إذ كنت قد سرقت أحد كتب الصلوات ووضعته تحت معطفي، وكنت أثبته في مكانه ~~بذراعي المنحنية. # قالت فيرن: «لم أرك في الكنيسة.» كان القداس في الكنيسة الأنجليكانية أقصر من القداس في ~~كنيستنا؛ فهم يختصرون في الموعظة، وهكذا كان لدي الوقت كي أعود إلى درج الكنيسة المتحدة ~~وأقابل فيرن عند خروجها. ~~«كنت أجلس خلف أحد الأعمدة.» # أرادت أمي أن تعرف موضوع الموعظة. # فقالت فيرن: «السلام والأمم المتحدة ... إلخ إلخ.» # فقالت أمي باستمتاع: «السلام! حسنا، هل هو معه أم ضده؟» ~~«إنه يؤيد الأمم المتحدة تماما.» ~~«أظن إذن أن الرب كذلك. يا لها من راحة! فمنذ وقت قصير فحسب كان هو والسيد ماكلوفلين ~~مؤيدين للحرب. يبدو أنهما متقلبان.» # وفي الأسبوع التالي عندما كنت مع أمي في متجر ووكر مرت تلك السيدة العجوز الطويلة ذات ~~العمامة السوداء وتحدثت إليها، وخشيت أن تقول إنها قد رأتني في الكنيسة الأنجليكانية، ~~ولكنها لم تفعل. # قالت أمي لفيرن: «لقد رأيت السيدة شيريف العجوز في متجر ووكر اليوم، إنها لا تزال ترتدي ~~العمامة نفسها، إنها تذكرني بقبعة الشرطي الإنجليزي.» # فقالت فيرن: «إنها تأتي إلى مكتب البريد دائما وتنفجر في ثورة غضب عارمة إذا لم تكن ~~أوراقها جاهزة بحلول الساعة الثالثة، إنها امرأة عنيفة حادة الطباع.» # ومن خلال محادثة بين أمي وفيرن حاولت أمي خلالها بلا جدوى أن ترسلني خارج الغرفة - وأعتقد ~~أنها كانت تقوم بذلك كتصرف شكلي، فذات مرة طلبت مني أن أخرج ولكنها لم تكترث بما إذا كنت قد ~~خرجت بالفعل أم لا - علمت أن السيدة شيريف قد عانت من مشاكل غريبة في عائلتها نتجت عن - أو ~~أدت إلى - نوع من غرابة الأطوار ms105 والجنون فيها، فقد توفي ابنها الأكبر بسبب إدمان الشراب، ~~وابنها الثاني يتردد على مصحة (وهو الاسم الذي نطلقه على مستشفى الأمراض العقلية في ~~جوبيلي)، وانتحرت ابنتها إذ أغرقت نفسها في نهر واواناش. وماذا عن زوجها؟ قالت أمي بجفاء ~~إنه كان يملك متجرا للمنسوجات والملابس الجاهزة، وكان أحد أهم الشخصيات في المجتمع، وأشارت ~~فيرن إلى أنه ربما كان مصابا بالزهري ونقل المرض إليها، كما أن هذا المرض يهاجم المخ في ~~الجيل الثاني، فكلهم منافقون، أولئك المتأنقون. وقالت أمي: إن السيدة شيريف ظلت أعواما ~~طويلة ترتدي ثياب ابنتها المتوفاة في المنزل وبينما تقوم بالعناية بالحديقة حتى أبلتها ~~تماما. # وثمة قصة أخرى؛ فذات مرة نسي متجر ريد فرونت أن يضع رطلا من الزبد في طلباتها، فخرجت ~~تطارد عامل توصيل الطلبات حاملة فأسا صغيرة. ~~«يا يسوع ارحمنا.» # وفي ذلك الأسبوع أيضا فعلت شيئا بذيئا، فقد طلبت من الرب أن يثبت لي وجوده عن طريق ~~إجابة دعاء، وكان الدعاء يتعلق بما يدعى مادة «الاقتصاد المنزلي» التي كانت مقررة علينا في ~~المدرسة مرة واحدة أسبوعيا عصر يوم الخميس. في تلك المادة كنا نتعلم الحياكة والكروشيه ~~والتطريز وتشغيل ماكينة الخياطة، وكان كل ما نقوم به لا يحتمل أكثر من تلك الأخيرة؛ فقد ~~كانت يداي تصبحان لزجتين من العرق، وتبدو غرفة الاقتصاد المنزلي نفسها، بماكينات الخياطة ~~الثلاث العتيقة وطاولات القص والتماثيل المكسرة، كما لو كانت حلبة تعذيب، وقد كانت كذلك ~~بالفعل. كانت السيدة فوربس المعلمة امرأة قصيرة بدينة تضع مساحيق التجميل على وجهها بطريقة ~~تجعلها تبدو مثل دمية من السليوليد، وكانت مرحة مع معظم الفتيات، ولكن غبائي ويدي ~~الغليظتين الخرقاوين، اللتين تتسببان في تجعد المنديل القذر الذي كان يفترض بي أن أحيك ~~أطرافه، أو أعمال الكروشيه البائسة؛ كانت تجعلها تستشيط غضبا. ~~«انظرن إلى العمل القذر! هذا العمل القذر! لقد سمعت عنك، أنت تظنين أنك بارعة فيما يتعلق ~~بالذاكرة (كنت مشهورة بحفظ القصائد بسرعة) ولكنك الآن تقومين بعمل غرز تخجل منها أي طفلة في ~~السادسة من عمرها!» # والآن كانت ms106 تحاول تعليمي وضع الخيط في ماكينة الخياطة ، ولكنني لم أستطع أن أتعلمه. كنا ~~نصنع المآزر المطرزة بقماش على شكل أزهار الخزامى، وكانت بعض الفتيات تنتهين من أزهار ~~التيوليب أو تقمن بحياكة الحواف بينما لا أكون قد انتهيت من حياكة الحزام بعد؛ لأنني لم ~~أستطع وضع الخيط في ماكينة الخياطة، وقالت السيدة فوربس إنها لن تريني كيف أقوم بذلك مرة ~~أخرى. على أية حال، لم تكن محاولتها أن تريني ذلك ذات جدوى من الأساس؛ فيداها السريعتان ~~أمامي بالإضافة إلى نظرات الاحتقار التي كانت ترمقني بها كانت تصيبني بالذهول والعمى ~~والشلل. # ومن ثم، فقد دعوت: «أرجوك لا تجعلني أضع الخيط في آلة الخياطة عصر يوم الخميس.» وكررتها ~~عدة مرات في ذهني، بسرعة وجدية وبدون مشاعر كما لو كنت أجرب تعويذة، ولم أستخدم أي صيغة ~~تضرع أو مساومة خاصة. لم أكن أطلب أي شيء استثنائي كأن يشب حريق في غرفة الاقتصاد المنزلي، ~~أو أن تنزلق السيدة فوربس في الطريق وتكسر ساقها، لا شيء سوى تدخل بسيط غير محدد. # ولكن لم يحدث شيء، فلم تنسني المعلمة، وأرسلتني في بداية الحصة إلى ماكينة الخياطة، فجلست ~~هناك محاولة اكتشاف أين أضع الخيط، لم يكن لدي أي أمل في وضعه في المكان الصحيح، ولكن كان ~~علي أن أضعه في أي مكان كي أثبت لها أنني أحاول، فأتت ووقفت خلفي وهي تتنفس باشمئزاز، ~~وكالعادة بدأت ساقي ترتعد وتهتز بشدة حتى إنني حركت الدواسة وبدأت الآلة تعمل ببطء بلا خيط ~~فيها. # فقالت السيدة فوربس: «حسنا، يا ديل.» فوجئت بصوتها الذي لم يكن يوحي بالطيبة بالطبع، ~~ولكنه لم يكن غاضبا، بل كان سئما فحسب. ~~«لقد قلت حسنا، يمكنك النهوض.» # وأمسكت بقطع المئزر التي قمت بحياكتها على نحو يائس، وجعدتها في بعضها وألقت بها في صندوق ~~القمامة. # ثم قالت: «لا يمكنك أن تتعلمي الحياكة كما لا يمكن لشخص غير قادر على تمييز الفرق بين ~~النغمات الصوتية أن يتعلم الغناء. لقد حاولت وفشلت. تعالي معي.» # أعطتني مقشة قائلة: «إذا كنت تعرفين كيف ms107 تكنسين الأرض، فأريدك أن تنظفي هذه الغرفة وأن ~~تلقي بالفضلات في صندوق القمامة وتصبحي مسئولة عن المحافظة على نظافة الأرض. وعندما تفرغين ~~من ذلك يمكنك الجلوس على المائدة هنا في الخلف وحفظ الشعر أو أي كان.» # خارت قواي من الارتياح والسعادة، رغم الشعور بالخزي العلني الذي كنت معتادة عليه. كنست ~~الأرض بعناية، ثم تناولت الكتاب الذي اقترضته من المكتبة، الذي يتحدث عن الملكة ماري ملكة ~~اسكتلندا، وأخذت أقرؤه وأنا أشعر بالخزي، ولكنني متحررة من العبء، أجلس وحدي في آخر الغرفة. ~~ظننت في بادئ الأمر أن ما حدث معجزة واضحة وإجابة لدعائي، ولكنني حاليا بدأت أتساءل ماذا ~~لو لم أكن قد دعوت بذلك؟ ماذا لو أن هذا كان سيحدث في كل الأحوال؟ لم يكن لدي وسيلة أعرف ~~بها، فلم يكن ثمة عنصر تحكم في التجربة التي أجريها. وبمرور الدقائق أصبحت أكثر بخلا في ~~مشاعري وأكثر نكرانا للجميل. فكيف لي أن أتأكد؟ كما أنه أيضا شيء تافه وغير ذي أهمية أن ~~يشغل الرب نفسه بطلب تافه كهذا بتلك السرعة؟ فبدا كما لو أنه يستعرض قواه، ولكني أريده أن ~~يتصرف بطريقة أكثر غموضا. # أردت أن أخبر أحدا، ولكنني لم أستطع إخبار ناعومي، فقد سألتها من قبل عما إذا كانت تؤمن ~~بوجود الرب، فأجابتني على الفور بازدراء: «بالطبع أؤمن بوجوده، فلست مثل أمك. أتظنين أنني ~~أريد دخول النار؟» فلم أناقش معها الأمر مرة أخرى قط. # اخترت أن أخبر شقيقي أوين. كان يصغرني بثلاثة أعوام، وفي إحدى الفترات كان سريع التأثر ~~وشديد الثقة. وعندما كنا نخرج إلى المزرعة، كان لدينا مأوى من الألواح القديمة حيث كنا نلعب ~~معا ونمثل أننا في منزل، فكان يجلس على طرف اللوح بينما أقدم له ثمار شجرة السمن وأخبره ~~بأنها رقائق الذرة، فيتناولها كلها، وبينما كان يتناولها خطر لي أنها قد تكون سامة، ولكنني ~~لم أخبره حفاظا على هيبتي أمامه ومراعاة لأهمية اللعبة، ولاحقا قررت بحكمة ألا أخبر ~~أحدا. والآن تعلم أوين التزلج وكان يذهب إلى تدريبات الهوكي وينحني على ms108 الدرابزين ويبصق ~~على رأسي، كان يتصرف مثل الصبية. # ولكنه من بعض الزوايا كان لا يزال يبدو ضعيفا وصغيرا، وكانت أنشطته واهتماماته تبدو لي ~~غير مريحة وبلا جدوى. فكان يشترك في منافسات، وهي الطبيعة التي ورثها عن أمي المتمثلة في ~~استعدادها غير المحدود لقبول تحديات العالم الخارجي. وكان يؤمن بالجوائز مثل المناظير التي ~~يرى من خلالها الفوهات على سطح القمر، وأدوات السحرة التي يمكنه أن يخفي بها الأشياء، ~~وأدوات الكيمياء التي تمكنه من صنع المتفجرات. لعله كان سيصبح كيميائيا لو كان يفهم في ~~تلك الأمور. مع ذلك، لم يكن أوين متدينا. # عندما ذهبت إليه كان جالسا على الأرض في غرفته يقص أشكالا دقيقة من الورق المقوى على ~~شكل لاعبي الهوكي، والتي كان يرتبها في فرق ويلعب بهم، وكان يمارس تلك الألعاب التي يلعب ~~فيها دور المسيطر الأول على مجريات الأمور باستغراق شديد. وبدا لي عندئذ كما لو كان يسكن ~~عالما بعيدا عن عالمي (الحقيقي)، عالما غير ذي صلة بعالمنا، عالما واهيا في خداعه ~~بصورة مفجعة. # جلست على الفراش وراءه. ~~«أوين.» # لم يجبني، فعندما كان يمارس ألعابه لم يكن يرغب في وجود أي شخص حوله. ~~«ماذا تظن أنه يحدث للإنسان بعد الموت؟» # فقال أوين متمردا: «لا أعرف.» ~~«هل تؤمن بأن الرب يحتفظ بروحك حية؟ هل تعرف ما هي الروح؟ هل تؤمن بالرب؟» # فاستدار أوين نحوي وفي عينيه نظرة من وقع في الشرك. لم يكن لديه ما يخفيه ولا ما يظهره ~~سوى لامبالاته الساذجة النابعة من القلب. # فقلت له: «من الأفضل أن تؤمن بالرب، استمع إلي جيدا.» وأخبرته بأمر دعائي ومادة ~~الاقتصاد المنزلي، فاستمع إلي حزينا. لم أجد ضالتي لديه، وشعرت بالغضب لهذا الاكتشاف. بدا ~~حائرا لا يجد ما يدافع به ولكنه طيع ككرة مطاطية صلبة. كان يستمع إلي إذا ألححت، ~~ويوافقني الرأي إذا ما أصررت، ولكن في قرارة نفسه، لم يكن يوليني أي اهتمام. هذا ~~غباء. # وهكذا، كنت أحاصره كثيرا بهذه الطريقة، كلما نجحت في الانفراد به، وكنت أؤكد عليه: «لا ~~تخبر ms109 أمي.» فقد كان هو كل ما لدي كي أختبر إيماني عليه؛ إذ كان علي أن أعثر على شخص ما، ~~ولكنني لم أحتمل عدم اهتمامه في قرارة نفسه، والرضا الذي يشعر به في عالم بلا إله، وظللت ~~أكرر محاولاتي في هذا الجانب. كما كنت أشعر أيضا أنه نظرا لأنه أصغر مني وظل تحت سيطرتي ~~لفترة طويلة، فإن عليه التزاما بأن يتبعني، وعدم اعترافه بذلك كان يمثل علامة على ~~التمرد. # وفي غرفتي، كنت أغلق الباب، وأقرأ في كتاب الصلوات العامة. # وأحيانا وأنا أسير في الشارع كنت أغلق عيني (بنفس الطريقة التي اعتدنا بها أنا وأوين ~~ممارسة لعبة الأعمى) وأقول لنفسي وأنا أقطب ما بين حاجبي وأدعو «يا رب، يا رب، يا رب»، ثم ~~أتخيل لبضع ثوان متقلقلة سحابة كثيفة مشرقة تهبط على جوبيلي وتلتف حول رأسي، ولكن فتحت ~~عيني فجأة وأنا أشعر بالقلق، فلا يمكنني أن أسمح لتلك الحالة بالسيطرة علي، أو أسمح ~~لنفسي بالتعبير عنها بوضوح، كما خشيت أيضا أن أصطدم بشيء وأجعل من نفسي أضحوكة. # ثم جاءت الجمعة الحزينة، وكنت أستعد للخروج عندما جاءت أمي إلى البهو وسألتني: «لم ترتدين ~~قلنسوتك؟» # لقد حان الوقت كي أتخذ موقفا، «إنني ذاهبة إلى الكنيسة.» ~~«لا توجد كنيسة اليوم.» ~~«إنني ذاهبة إلى الكنيسة الأنجليكانية، فهم يذهبون إلى الكنيسة في يوم الجمعة ~~الحزينة.» # اضطرت أمي للجلوس على الدرج، ورمقتني بتلك النظرة المتفحصة الشاحبة الغاضبة، التي ~~رمقتني بها قبل عام عندما وجدت رسما رسمته أنا وناعومي في كراستي لامرأة بدينة عارية، ~~ذات ثديين منتفخين ومكمن ضخم من شعر العانة الأسود البارز. ~~«هل تعرفين ما هي ذكرى الجمعة الحزينة؟» # فقلت باقتضاب: «الصلب.» ~~«إنه يوم وفاة المسيح من أجل تكفير خطايانا، هذا ما يخبروننا به. هل تصدقين ذلك؟» ~~«نعم.» # فقالت أمي وهي تهب واقفة على قدميها: «المسيح مات من أجل تكفير خطايانا.» وفي مرآة البهو ~~حدقت بعدوانية في وجهها الشاحب وتابعت قائلة: «حسنا، حسنا. الافتداء بالدم. إنها فكرة ~~لطيفة. ربما تصدقين أيضا الآزتك وهم ينتزعون القلوب الحية لأنهم ms110 يعتقدون أن الشمس لن تشرق ~~وتغرب ما لم يفعلوا ذلك، والمسيحية ليست أفضل حالا. ما رأيك في إله يطلب الدماء؟ دماء، ~~دماء، دماء. استمعي إلى ترانيمهم، إن هذا كل ما تدور حوله. ماذا عن إله لم يرض حتى علق ~~شخص على صليب لمدة ست أو تسع ساعات، أيا كان؟ فلو كنت أنا ذلك الرب فلن أكون متعطشة ~~للدماء هكذا، فالبشر الطبيعيون لا يتعطشون للدماء هكذا، باستثناء هتلر. ربما يصبحون كذلك ~~يوما ما ولكن ليس الآن. هل تفهمين ما أقول؟ هل تدركين مقصدي؟» # فقلت بصراحة: «كلا.» ~~«إن الرب من صنع الإنسان! وليس العكس! الإنسان هو من صنع الرب أثناء مرحلة من تطوره أكثر ~~انحطاطا وأكثر تعطشا للدماء مما هو عليه الآن، نأمل في ذلك. لقد صنع الإنسان الرب على ~~صورته، وقد ناقشت القساوسة في ذلك الأمر، وأنا على استعداد لمناقشته مع أي شخص، فلم أقابل ~~من يجادل ضد هذا الافتراض ويقول كلاما منطقيا.» ~~«أيمكنني الذهاب؟» # فقالت أمي: «أنا لا أمنعك من الذهاب.» رغم أنها قد تحركت كي تسد الباب بالفعل. «اذهبي ~~واحصلي على كفايتك، وسوف ترين أنني على حق. ربما كنت تشبهين أمي.» وحدقت في وجهي بحثا عن ~~آثار للتعصب الديني، وتابعت قائلة: «لو كنت كذلك، فأعتقد أن الأمر خارج عن سيطرتي.» # لم تثبط مجادلات أمي من عزيمتي، ليس كما لو كانت صدرت عن شخص آخر. ورغم ذلك، فبينما كنت ~~أقطع طرقات المدينة، ظللت أبحث عن دليل على وجهة النظر المناقضة لوجهة نظرها، وشعرت ببعض ~~الارتياح لأن المتاجر كانت مغلقة والستائر مسدلة على النوافذ، وهذا يثبت شيئا، أليس كذلك؟ ~~فإذا قرعت أبواب كل المنازل في طريقي وسألتهم: «هل توفي المسيح من أجل تكفير خطايانا؟» فلا ~~شك أن الإجابة الممزوجة بالدهشة والارتباك سوف تكون بالإيجاب. # أدركت أنني لا أهتم كثيرا بوفاة المسيح من أجل تكفير خطايانا، فكل ما كنت أريده هو الرب، ~~ولكن إذا كانت فكرة وفاة المسيح تكفيرا لخطايانا هي الطريق إلى الرب فسوف أسلكه. # كان يوم الجمعة الحزينة يوما مشمسا ms111 لطيفا - بصورة غير مناسبة - تتساقط فيه الكتل ~~الثلجية وتتفتت والأسطح يتصاعد منها البخار وجداول صغيرة من المياه في الشوارع، وكانت أشعة ~~الشمس تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العادية للكنيسة. كنت قد تأخرت بسبب أمي، وكان القس قد ~~وصل للمقدمة بالفعل، فتسللت حتى المقعد الخلفي ورمقتني السيدة شيريف ذات العمامة المخملية ~~بنظرة خاوية تنم عن الغضب، وربما لم تكن غاضبة بل شديدة الاندهاش فحسب. بدا الأمر كما لو ~~أنني قد جلست بجوار نسر على مجثمه. # ولكنني سررت لرؤيتها، رغم ذلك، شعرت بالسعادة لرؤيتهم جميعا؛ الأشخاص الستة أو الثمانية ~~أو العشرة الحقيقيين، الذين ارتدوا قبعاتهم وغادروا منازلهم وساروا في الشوارع عابرين جداول ~~الثلج الذائب كي يحضروا إلى هنا. إنهم لن يفعلوا ذلك بلا سبب. # كنت أرغب في أن أجد مؤمنا، مؤمنا حقيقيا يزيل شكوكي. كنت أرغب في مشاهدة ذلك المؤمن ~~وأن أستمد منه الراحة والتشجيع، لا أن أتحدث معه. في بادئ الأمر، ظننت أن ذلك الشخص قد يكون ~~السيدة شيريف، ولكنها لا تصلح، فاختلالها العقلي يفقدها الأهلية لهذه المهمة، وعلى المؤمن ~~الذي أقصده أن يكون عاقلا بصورة واضحة. ~~«اللهم أسرع إلى معونتنا، خلصنا من أجل اسمك.» ~~«اللهم أسرع إلى معونتنا وخلصنا من أجل شرفك.» # هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. # جلست أفكر في معاناة المسيح، فضممت قبضتي بقوة بحيث أتمكن من الضغط بظفر ~~واحد بكل ما أوتيت من قوة في راحة اليد الأخرى، وظللت أضغط يدي وألفها، ولكنني لم أستطع أن ~~أسيل دمائي، فشعرت بالخجل، وأنا أدرك أن هذا لا يجعلني مشاركة في تحمل المعاناة. لو كان ~~الرب يتمتع بأي قدر من التمييز، كان سيحتقر تلك الحماقة (ولكن هل كان لديه بالفعل؟ انظروا ~~إلى ما ارتكبه القديسون وحصلوا على الموافقة عليه) وسيعلم ما أفكر به وأحاول التغلب عليه في ~~ذهني، وهو: «هل كانت معاناة المسيح بهذا السوء حقا؟» # هل كانت بهذا السوء، وأنت تعلم وهو يعلم والجميع يعلمون بأنه سوف ينهض سليما متألقا ~~خالدا ويجلس على يمين الرب الأب القدير من حيث ms112 يأتي كي يحاكم الأحياء والأموات؟ فالكثير من ~~الناس - ربما ليس كلهم أو حتى معظمهم ولكن عددا ليس بالقليل - قد يعرضون أجسادهم لتحمل ~~آلام مماثلة إذا كانوا واثقين من أنهم سيصلون إلى ما وصل إليه بعد ذلك، بل وقد فعل الكثيرون ~~ذلك بالفعل وهم القديسون والشهداء. # حسنا، ولكن ثمة فارق. فهو الرب، وهذا تدني أو خنوع بالنسبة له. هل كان هو الرب في تلك ~~اللحظة أم ابن الرب الأرضي فحسب؟ لم أتمكن من فهم تلك النقطة بوضوح. هل كان يفهم كيف يحدث ~~كل شيء عمدا ويفهم أن كل شيء سيصبح على ما يرام في نهاية الأمر، أم أن صفاته الإلهية قد ~~توقفت مؤقتا بحيث لم ير سوى هذا الانهيار؟ «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» # وبعد المزمور الطويل الذي يضم نبوءات عن تقاسم الثياب والاقتراع، صعد القس إلى المنبر ~~وقال إنه سيلقي موعظة قصيرة حول آخر كلمات المسيح على الصليب، نفس الأمر الذي كنت أفكر ~~به، ولكن اتضح أن كلماته الأخيرة كانت تزيد عن تلك التي أعرفها. بدأ بكلمة «أنا عطشان» التي ~~توضح - كما يقول - أن المسيح كان يعاني جسديا كما كنا سنعاني في نفس الموقف بالضبط وليس ~~أقل من ذلك، وأنه لم يخجل من الاعتراف بذلك وطلب المساعدة، وأعطى الجنود المساكين فرصة ~~للحصول على الرحمة بفضل قطعة الإسفنج المغموسة في الخل. «يا امرأة هوذا ابنك!» و«هوذا أمك!» ~~توضح تلك الكلمة أن آخر أفكاره كانت في الآخرين، إذ كان يجري ترتيباته لهم كي يجدوا العزاء ~~بعضهم في بعض بعد رحيله (رغم أنه لم يرحل بالفعل)، وحتى في لحظة احتضاره وآلامه، لم ينس ~~العلاقات الإنسانية ومدى جمالها وأهميتها. «إنك اليوم تكون معي في الفردوس.» توضح تلك ~~الكلمة بالطبع اهتمامه المستمر بالعاصي المذنب الذي يلفظه المجتمع ويعلقه على الصليب. «يا ~~الله، الذي لا يرفض صنعة يديه ... الذي لا يشاء موت الخاطي مثل ما يرجع ويحيا ...» # ولكن لماذا؟ لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في هذا الأمر رغم أنني أعلم أنه لن يجلب لي ~~السعادة، لماذا ms113 يكره الرب أي شيء من صنيعه ؟ وإذا كان سيكرهه فلم صنعه من البداية؟ وإذا كان ~~قد صنع كل شيء كما أراد، فلا يسعنا إلقاء اللوم على أي شيء لما هو عليه، مما يستبعد فكرة ~~الخطيئة تقريبا، أليس كذلك؟ إذن فلم كان على المسيح أن يموت تكفيرا لذنوبنا؟ لقد كان ~~تأثير الموعظة علي تأثيرا سلبيا، فقد أصابتني بالحيرة وحب الجدال، بل إنها جعلتني أشعر ~~بنفور من المسيح نفسه - رغم أنني لم أستطع الاعتراف بذلك - بسبب الطريقة التي يشار بها ~~دائما إلى مثاليته. «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» قال القس: إن المسيح قد فقد الاتصال مع ~~الرب للحظة قصيرة، نعم حدث ذلك بالفعل، حتى له هو. لقد فقد الاتصال، وفي الظلام صاح يائسا، ~~ولكن ذلك كان جزءا من الخطة أيضا، وكان ضروريا كي نعلم أنه في أحلك لحظات حياتنا فإن ~~شكوكنا وتعاستنا قد شاركنا فيها المسيح نفسه، وعندما نعلم ذلك فسوف تمر شكوكنا ~~سريعا. # ولكن لماذا؟ لماذا يجب أن تمر سريعا؟ فلنفترض أن تلك كانت صيحة المسيح الحقيقية الأخيرة، ~~آخر شيء حقيقي سمعه الناس منه. علينا أن نفترض ذلك على الأقل، أليس كذلك؟ علينا أن نضعه في ~~اعتبارنا، افترض أنه صاح تلك الصيحة ثم مات ولم يقم مرة أخرى، ولم يكتشف قط أن كل ذلك جزء ~~من الدراما الإلهية الصعبة. كان ثمة معاناة. نعم، تخيل أنه يدرك فجأة أن «الأمر ليس ~~حقيقيا، لا شيء من ذلك كان حقيقيا.» إن ألم اليدين والقدمين الممزقة لا يعد شيئا ~~بالمقارنة بذلك؛ لا يعد شيئا مقارنة بالنظر عبر شقوق العالم، بعد أن قطع كل ذلك الطريق ~~وقال ما قال، ثم ماذا يرى؟ لا شيء. أخذت أصيح في داخلي للقس: تحدث عن هذا الأمر! أرجوك ~~فلتتحدث عن هذا الأمر، اطرح تلك النظرية صراحة، ثم فندها. # ولكننا نفعل ما بوسعنا فعله، ولم يستطع القس القيام بما هو أكثر من ذلك. # قابلت السيدة شيريف في الطريق بعد مرور بضعة أيام، وكنت وحدي تلك المرة. ~~«إنني أعرفك. ماذا تفعلين طوال الوقت ms114 في الكنيسة الأنجليكانية؟ ظننت أنك تتبعين الكنيسة ~~المتحدة.» ~~••• # عندما ذاب معظم الجليد وانحسر النهر، كنا نذهب أنا وأوين إلى طريق فلاتس إلى المزرعة كل ~~على حدة في أيام السبت. وأصبح المنزل الذي كان يسكنه العم بيني طوال الشتاء ويسكنه أبي معظم ~~الوقت - فيما عدا عطلات نهاية الأسبوع التي كان يقضيها معنا - أصبح قذرا حتى إنه لم يعد ~~منزلا على الإطلاق، بل أصبح امتدادا للطريق في الخارج لكنه مسقوف. وضاعت رسمة مشمع المطبخ ~~وشكلت الأوساخ التي تراكمت عليه رسمة أخرى. قال لي العم بيني: «والآن ها هي فتاة التنظيف، ~~ما نحتاجه بالضبط.» ولكنني لم أعتقد ذلك. كان المكان بأسره تفوح منه رائحة الثعالب، ولن ~~توقد نار في الموقد حتى المساء وظل الباب مفتوحا. وبالخارج كانت الغربان تنعق فوق الحقول ~~الموحلة، والنهر مرتفع يميل إلى اللون الفضي، وشكل الأفق هو بالضبط كما نتذكره ثم ننساه ثم ~~نتذكره مرة أخرى، وكأنه سحر. كانت الثعالب تعوي في عصبية؛ لأنه كان ذلك الوقت من العام الذي ~~تضع فيه الإناث صغارها، ولم أكن أنا وأوين مسموحا لنا بالذهاب عند الحظائر. # كان أوين يتأرجح على الحبل المعلق أسفل شجرة الدردار حيث كانت أرجوحتنا في العام ~~الماضي. ~~«ميجور قتل أحد الخراف!» # كان ميجور كلبنا، ولكنه الآن أصبح يعد كلب أوين رغم أنه لا يولي أوين أي اهتمام خاص، ~~ولكن أوين كان يوليه اهتماما خاصا. كان كلبا بنيا ذهبيا كبيرا هجينا من فصيلة ~~كولي، وقد كان شديد الكسل الصيف الماضي حتى إنه لم يطارد السيارات، ولكنه كان يغفو في الظل، ~~وسواء أكان مستيقظا أم نائما كان يبدو عليه وقار متمهل كأعضاء مجلس الشيوخ، والآن أصبح ~~يطارد الخراف، لقد تعلم الإجرام في كبره كما قد يتعلم أحد أعضاء مجلس الشيوخ القدامى ~~المتفاخرين الحريصين طوال حياتهم السابقة ارتكاب الرذائل علنا في كبره. عدت أنا وأوين كي ~~نلقي نظرة عليه، وظل أوين يخبرني في الطريق أن الخروف كان ملك آل بوتر الذين كانت أرضهم ~~تجاور أرضنا، وأن أبناء آل بوتر قد رأوا ms115 ميجور من شاحنتهم، فتوقفوا وقفزوا من فوق السور وهم ~~يصرخون، ولكن ميجور كان قد فصل هذا الخروف عن الآخرين وظل يتتبعه حتى قتله. ~~«قتله»، تخيلته غارقا في الدماء ممزقا. لم يصطد ميجور أو يقتل أي شيء في حياته من قبل، ~~فتساءلت بحيرة واشمئزاز: «هل أراد أن يأكل؟» واضطر أوين لأن يوضح لي أن عملية القتل كانت ~~حادثة عارضة نوعا ما؛ فيبدو أن الخراف يمكن أن تموت من الركض، أو تموت من الخوف، فهي ~~كائنات ضعيفة بدينة مذعورة، وربما يكون ميجور قد قفز على ذلك الخروف وأصابه بالذعر من باب ~~الحفاظ على شكله ليس أكثر - رغم أن ميجور قد أخذ تذكارا ملء فمه من الصوف الدافئ - ثم كان ~~عليه أن ينطلق عائدا بسرعة البرق إلى المنزل (هذا إذا كان بإمكانه أن يندفع بسرعة البرق) ~~لأن آل بوتر كانوا قادمين. # قيد ميجور في الحظيرة وترك الباب مفتوحا كي يمنحه بعض الضوء والهواء، وقفز أوين منفرج ~~الساقين على ظهره كي يوقظه - وكان ميجور يستيقظ دائما بسرعة وجدية بلا أي ضوضاء، حتى إنه ~~كان يصعب علينا التأكد مما إذا كان نائما بالفعل أم أنه يتظاهر بذلك - وأخذ يتقلب معه ~~على الأرض محاولا أن يحثه على اللعب معه. قال أوين وهو يلكزه متفاخرا: «يا قاتل الخراف ~~العجوز، يا قاتل الخراف العجوز.» وتحمل ميجور ذلك، ولكنه لم يكن مازحا أكثر من المعتاد، ~~ولم يبد أنه قد استعاد شبابه بأي طريقة، إلا بتلك الطريقة التي أصابتنا بالصدمة، فلعق ~~ميجور أعلى رأس أوين بطريقة متعالية، وعاد للنوم مرة أخرى بعد أن تركه أوين. ~~«يجب أن يقيد حتى لا يطارد الخراف مرة أخرى، قاتل الخراف العجوز هذا. ويقول آل بوتر إنهم ~~سوف يطلقون عليه الرصاص إذا أمسكوا به مرة أخرى.» # كان ذلك حقيقيا. كان ميجور بالفعل محط الأنظار، وأتى أبي وعمي بيني كي يلقوا عليه ~~نظرة في كبريائه وبراءته المصطنعة وهو يرقد على أرض الحظيرة، ورأى العم بيني أن مصير ميجور ~~الهلاك، فمن وجهة نظره لا أمل في أن ms116 ينجح كلب اكتسب عادة مطاردة الخراف في التغلب على تلك ~~العادة. قال العم بيني وهو يداعب رأس ميجور: «عندما يكتسب هذا الميل ويذوق طعم هذه التجربة، ~~فإنه يستمر هكذا للأبد، لا يمكنكم أن تدعوا قاتل الخراف يعيش.» # فصحت قائلة: «أتعني أن نطلق عليه الرصاص؟» ولم تكن تلك الصيحة مدفوعة في الواقع بحبي ~~لميجور، ولكن لأنها بدت نهاية قاسية لما اعتبره الجميع قصة فكاهية، بدا الأمر كاقتياد عضو ~~مجلس الشيوخ ذي الشعر الأبيض إلى الإعدام في ميدان عام عقابا على مقالبه المحرجة. ~~«لا يمكن الاحتفاظ بقاتل خراف، فسوف يتسبب في إفلاسكم بسبب سداد ثمن كل الخراف التي ~~قتلها، وعلى أية حال فسوف يقوم غيركم بذلك ما لم تفعلوه أنتم.» # فقال أبي - بعد أن رجوناه - إنه ربما لا يعاود ميجور مطاردة الخراف، كما أنه مقيد على أية ~~حال، وقد يبقى مقيدا طوال حياته إذا لزم الأمر، أو على الأقل حتى يجتاز مرحلة طفولته ~~الثانية ويصبح أضعف من أن يطارد أي شيء، وهي المرحلة التي لا تبدو بعيدة الآن. # ولكن أبي كان مخطئا، أما العم بيني بتشاؤمه العابس وتوقعاته الكئيبة، فكان على صواب؛ فقد ~~هرب ميجور من الأسر في الصباح الباكر، وكان باب الحظيرة مغلقا، ولكنه مزق جزءا من شبكة ~~الأسلاك التي تغطي نافذة ليس بها زجاج وقفز خارجا منها، ثم انطلق إلى منزل آل بوتر كي يأخذ ~~حظه من المتعة التي اكتشفها مؤخرا، وعاد للمنزل بحلول موعد الإفطار، غير أن الحبل الممزق ~~والنافذة التي قطعت أسلاكها والخروف الميت في مرعى آل بوتر؛ كل ذلك روى القصة التي لم يرها ~~أحد. # في ذلك الوقت، كنا نتناول الإفطار بعد أن قضى أبي الليلة في المدينة، فاتصل به العم بيني ~~بالهاتف وأخبره بالأمر، وعندما عاد أبي إلى المائدة قال: «أوين، علينا أن نتخلص من ~~ميجور.» # أخذ أوين يرتجف ولكنه لم يتفوه بكلمة، وفي كلمات قليلة أخبرنا أبي بأمر الهروب ~~والخروف الميت. # فقالت أمي بتعاطف كاذب: «إنه كلب عجوز وقد حظي بحياة طيبة، ومن يدري ماذا ms117 قد يحدث له الآن ~~على أية حال، مع أمراض الشيخوخة ومتاعبها؟» # فقال أوين واهنا: «يمكنه أن يأتي ليقيم معنا، وهنا لن يعرف مكان الخراف.» ~~«كلب كهذا لا يمكنه العيش في المدينة، ولا ضمانات لأن لا يعاود الكرة مرة أخرى.» # فقالت أمي موبخة: «فكر فيه وهو مقيد في المدينة يا أوين.» # فنهض أوين وغادر المائدة دون أن يتفوه بكلمة أخرى، ولم تناده أمي مرة أخرى كي تجعله ~~يستأذن قبل الانصراف. # كنت معتادة على أمر القتل هذا؛ فالعم بيني كان يذهب لصيد فئران المسك وإيقاعها في الشراك، ~~وكل خريف كان أبي يقتل الثعالب ويبيع فراءها للمعيشة، وخلال العام كان يقتل الجياد الكبيرة ~~السن المعاقة أو تلك العديمة الفائدة كي يطعمها للثعالب. كنت قد رأيت حلمين سيئين بشأن ذلك ~~منذ فترة وما زلت أذكرهما. حلمت ذات مرة بأنني ذهبت إلى المجزر الخاص بأبي، وهو كوخ مستتر ~~خلف الحظيرة يحتفظ فيه في الصيف بأجزاء من الجياد المذبوحة والمسلوخة معلقة على خطاطيف. ~~وكان هذا المكان يقع في ظل شجرة تفاح بري، وكانت الستائر مغطاة باللون الأسود من كثرة ~~الذباب. حلمت بأنني نظرت للداخل ووجدت - وهو ما لم يكن مفاجأة - أن ما كان يعلقه أبي هناك ~~أجساد بشرية مسلوخة ومقطعة. أما الحلم الآخر فكان مستوحى من التاريخ الإنجليزي الذي كنت ~~أقرأ عنه في الموسوعة. حلمت بأن أبي قد وضع كتلة خشب عادية متواضعة على الحشائش التي تقع ~~خارج باب المطبخ، وأوقفنا في صف واحد أنا وأوين وأمي كي يقطع رءوسنا، وقال: «إنه لن يؤلم.» ~~كما لو كان ذلك هو كل ما نخشاه! واستطرد: «سوف ينتهي الأمر في دقيقة.» كان أبي طيبا هادئا ~~عاقلا يجيد الإقناع، وأخذ يوضح لي أن كل ذلك لصالحنا جميعا. ظلت أفكار الهروب تتصارع في ~~ذهني كذباب وقع في الزيت وأجنحته مفرودة عاجزة عن فعل أي شيء. شعرت بأني فقدت القدرة على ~~الحركة أمام تلك العقلانية، فالترتيبات بسيطة ومألوفة ومسلم بها، إنه الوجه الآخر ~~المطمئن للجنون. # أثناء النهار، لم أكن أشعر بالخوف كما ms118 يوحي هذان الحلمان، ولم يزعجني قط المرور بالمجزر ~~أو سماع صوت إطلاق الرصاص من البندقية. ولكنني عندما فكرت في إطلاق الرصاص على ميجور، عندما ~~تصورت أبي وهو يلقم البندقية على مهل بطريقته المعتادة كما يفعل دائما وينادي ميجور الذي ~~لن يشك في أي شيء؛ إذ إنه معتاد على رؤية الرجال ببنادقهم، ويسيران بعيدا عن الحظيرة بينما ~~يبحث أبي عن بقعة جيدة، رأيت مرة أخرى ملامح ذلك الوجه العقلاني التجديفي. كان ذلك التعمد ~~هو ما فكرت فيه طويلا؛ الاختيار المتعمد لإطلاق رصاصة على المخ كي توقف أجهزة الجسم عن ~~العمل، ففي ذلك الاختيار والتصرف - مهما كان ضروريا وعاقلا - كانت الموافقة على أي شيء. ~~أصبح الموت محتملا، لا لأننا لا نستطيع منعه ولكن لأنه هو الشيء المرغوب، الشيء الذي ~~«يريده» كل هؤلاء الكبار والمديرين والجلادين ذوي الوجوه الطيبة لكنها لا تعرف ~~الصفح. # وهل أردته أنا؟ لم أكن أريده أن يحدث، لم أكن أرغب في أن يردى ميجور قتيلا برصاصة، ولكن ~~كانت تجتاحني مشاعر انفعال متوتر وندم. هل كان مشهد الإعدام الذي تخيلته، والذي أعطاني تلك ~~اللمحة من الظلام، بغيضا إلى هذا الحد؟ كلا، فقد فكرت مليا في ثقة ميجور بأبي وعاطفته ~~تجاهه - فقد كان يحب أبي حقا بطريقته الهادئة بالقدر الذي يمكنه أن يحب به أي شخص - ~~وعينيه المرحتين ذاتي القدرة الضعيفة على الرؤية. ثم صعدت إلى الطابق العلوي كي أرى كيف ~~يتقبل أوين الأمر. # كان أوين يجلس على أرض الغرفة يلهو ببعض الكور الصغيرة المطاطية، ولم يكن يبكي. كان لدي ~~آمال غامضة في إقناعه بإحداث بعض المشاكل، لا لأنني أعتقد أن هذا الأمر سيجدي، ولكن لأنني ~~شعرت أن الموقف بحاجة لذلك. # سألني أوين بصوت فيه إلحاح: «لو أنك دعوت لميجور ألا يطلق عليه الرصاص، فهل ~~سينجو؟» # لم تخطر ببالي فكرة الدعاء قط. ~~«لقد دعوت ألا تضطري لوضع الخيط في ماكينة الخياطة واستجيب دعاؤك.» # فرأيت بفزع الصدام الحتمي قادما؛ الصدام بين الدين والحياة. # نهض أوين من مكانه ووقف أمامي وقال متوترا: «ادعي. ms119 كيف تقومين بذلك؟ ابدئي الآن!» # فقلت : «لا يمكنك الدعاء بشيء كهذا.» ~~«ولم لا؟» # لم لا؟ كان بوسعي أن أقول له إننا لا ندعو أن تحدث أشياء بعينها أو لا تحدث، بل كي نحصل ~~على القوة والصبر كي نتحمل ما يحدث بالفعل. وهو مخرج جيد تفوح منه رائحة الهزيمة على نحو ~~مخز، ولكنني لم أفكر في ذلك، بل خطر لي - وكنت أدرك - أن الدعاء لن يمنع أبي من الخروج ~~وإحضار بندقيته والنداء على ميجور كي يقتله، لن يغير الدعاء شيئا من ذلك. # لن يغير الرب هذا، فإذا كان الرب إلى جانب الخير والرحمة والشفقة، فلم جعل تلك الأشياء ~~صعبة المنال بهذا الشكل؟ دعك من القول بأن ذلك يجعلها «تستحق العناء»، دعك من هذا الهراء. ~~فالدعاء بألا تتم عملية إعدام غير ذي جدوى؛ وذلك لأن الرب ليس مهتما بتلك الاعتراضات، لم ~~تكن تخصه. ~~«أيمكن أن يكون ثمة إله لا تحتويه شبكة الكنائس على الإطلاق، وألا يكون التعامل معه عن ~~طريق الأحجبة والصلبان؟ إله حقيقي موجود في العالم بالفعل، إله غريب وغير مقبول كالموت؟ ~~أيمكن أن يكون ثمة إله مذهل ولا مبال أبعد من نطاق الإيمان؟» # قال أوين بإصرار: «كيف تقومين بذلك؟ هل عليك أن تنحني على ركبتيك؟» ~~«لا يهم.» # ولكنه كان قد انحنى بالفعل وأطبق يديه بقوة في جانبيه، ودون أن يحني رأسه بذل جهدا ~~شديدا وهو يطبق ملامح وجهه في محاولة للخشوع. # فقلت بحدة: «انهض يا أوين! لن يفيد ذلك، لن يفلح الأمر، لن يفلح. انهض يا أوين وكن ولدا ~~مطيعا يا عزيزي.» # فلوح إلي بقبضتيه المضمومتين وكأنه سيضربني، دون حتى أن يفتح عينيه. وبينما كان يدعو، ~~مر وجهه بمراحل عديدة مستميتة؛ من التقطيب، ولي قسمات الوجه التي بدا لي كل منها ~~تعبيرا ازدرائيا، ووضعا يصعب النظر إليه كالجلد المسلوخ، فرؤية شخص لديه إيمان عن قرب ~~ليست أيسر من رؤية شخص يقطع إصبعه. # هل مر المبشرون قط بمثل هذه اللحظات؛ لحظات الدهشة والخزي؟ # | تغيرات واحتفالات # كانت مشاعر الكراهية لدى الصبية أمرا ms120 خطيرا، قويا وصارخا، حقا طبيعيا خارقا مثل ~~سيف آرثر الذي انتزع من الحجر كما في القصة المذكورة بكتاب الصف السابع. أما مشاعر ~~الكراهية لدى البنات فهي مشاعر مضطربة مليئة بالدموع ذات نزعة دفاعية تغلب عليها المرارة. ~~فكان الأولاد لا يترددون في الاندفاع نحوك بأسلوب تهديدي وهم على متن دراجاتهم، ويشقون ~~الهواء في المكان الذي تقفين فيه بقوة دون تورع، كما لو أنهم يتمنون وجود سكاكين في ~~عجلات الدراجات، وقد يتلفظون بأي شيء. # قد يقولون: «مرحبا أيتها الساقطات.» # أو يقولون: «هاي، أين فروجكن؟» بنبرة صاخبة مزدرية. # فكان ما يقولونه ينزع عنك حقك وحريتك في أن تكوني ما تريدين ويختزلك إلى ما يرونه ~~هم، وكان ذلك كفيلا بوضوح لإثارة ضحكاتهم. ولما كان كبريائي وكبرياء صديقتي ناعومي لا يسمح ~~لنا بعبور الشارع إلى الجهة الأخرى من الطريق حتى نتجنبهم، فقد قالت إحدانا للأخرى: ~~«تظاهري بأنك لا تسمعينهم.» وأحيانا كنا نرد عليهم: «اذهبوا واغسلوا أفواهكم في حوض البقر، ~~فأنتم لا تستحقون استخدام الماء النظيف.» # بعد المدرسة لم أكن أنا وناعومي نريد العودة إلى المنزل؛ لذا أخذنا نطالع إعلانات الفيلم ~~المعروض في مسرح الليسيوم وصور العرائس في واجهة عرض استوديو التصوير، ثم ذهبنا إلى المكتبة ~~والتي كانت عبارة عن حجرة في دار البلدية. وعلى اللوح الزجاجي لأحد جانبي الباب الرئيسي ~~لمبنى دار البلدية كتبت بضعة أحرف «حم م الس دات»، وعلى الجانب الآخر «حجرة الق اءة العا ~~ة»، ولم تستكمل الأحرف الناقصة قط، وتعلم الجميع قراءة اللافتات بدونها. # وبجانب الباب كان ثمة حبل يتدلى من الجرس تحت القبة، وإلى جواره لافتة تحول لونها إلى ~~البني مكتوب عليها: «غرامة 100 دولار عقوبة إساءة الاستخدام.» وكانت زوجات الفلاحين تظهرن ~~من الألواح الزجاجية لدورات مياه السيدات، جالسات متلفعات بأوشحتهن ومنتعلات أحذية ~~الكلوش المطاطية في انتظار أن يأتي أزواجهن لاصطحابهن. نادرا ما يكون بالمكتبة أحد سوى ~~أمينة المكتبة بيلا فيبين، وهي امرأة صماء كالحجر، وتعاني من عرج في إحدى رجليها جراء ~~إصابتها بشلل الأطفال، وقد سمح لها مجلس المدينة ms121 أن تتولى تلك الوظيفة؛ لأنها لن تتمكن قط ~~من أن تنال وظيفة لائقة. وكانت تقضي جل وقتها فيما يشبه معتزلا أعدته لنفسها خلف مكتبها، ~~وبه وسائد وبساط ملون وعلب بسكويت وسخان كهربائي وإبريق شاي وكتل من أشرطة بديعة الشكل. ~~وكانت هوايتها هي صنع وسائد الدبابيس، وكانت كل الوسائد التي تصنعها لها الشكل نفسه؛ فكلها ~~دمى كوباي يزينها في الأعلى ذلك الشريط الذي يكون على شكل تنورة منفوشة تغطي الوسادة ~~الفعلية، وكانت تهدي واحدة لكل فتاة تتزوج في مدينة جوبيلي. # وقد سألتها ذات مرة عن شيء ما فأخذت تزحف حول مكتبها، وراحت تعرج بشدة بين الرفوف، ثم ~~عادت بكتاب وناولتني إياه قائلة بالصوت المرتفع الحاد الذي يميز الصم: «إنه كتاب ~~جميل.» # كان كتاب «انتصار باربرا وورث.» # كانت المكتبة متخمة بمثل هذا النوع من الكتب؛ كتب قديمة مملة زرقاء وخضراء وبنية اللون ~~ذات أغلفة أصبحت مهترئة ومهلهلة بعض الشيء. وكان غالبا ما يكون على أغلفتها صورة شاحبة ~~بالألوان المائية لسيدة ترتدي ملابس تشبه ملابس الشخصيات التي يرسمها جاينزبورو، ويكتب ~~تحتها كلمات على غرار: «السيدة دوروثي تسعى للعزلة في حديقة الورود كي تتفكر مليا في ~~أهمية ذلك التواصل الغامض (ص112).» # مؤلفات جيفري فارنول، وماري كوريلي، ورواية «أمير بيت ديفيد»، كلهم أصدقاء قدامى ممتعون ~~حزانى مهترئون. كنت قد قرأتها من قبل، لكنني لم أقرأها ثانية، أما الكتب الأخرى فكنت ~~أعرفها من ظهرها، أعرف كل انحناءة في كل حرف في عناوينها، لكنني لم ألمسها أو أسحبها من ~~رفها؛ روايات مثل «قس القرية لأربعين عاما»، «أملاك الملكة في الحرب والسلام»، كانوا مثل ~~أناس تراهم في الشارع يوما بعد يوم، وعاما تلو الآخر، لكنك لا تعرف عنهم سوى وجوههم، وهذا ~~يمكن أن يحدث حتى في جوبيلي. # كنت أشعر بسعادة غامرة في المكتبة؛ فهي مكان بنيت جدرانه من صفحات مطبوعة، دليل إلى عوالم ~~كثيرة بديعة، وهو ما كان يمنحني إحساسا بالراحة. على النقيض من هذا كانت ناعومي؛ فكانت ~~تشعر أن هذا العدد الهائل من الكتب يثقل كاهليها، ويجعلها ms122 تشعر بالقلق والشك. كانت في ~~السابق تقرأ كتب ألغاز الفتيات، لكنها كبرت على هذه العادة. وقد كان هذا أمرا معتادا في ~~جوبيلي؛ إذ كانت قراءة الكتب كمضغ العلك، عادة يجب التخلي عنها عندما تطغى على المرء ~~سمات الجدية والاكتفاء التي تأتي مع مرحلة البلوغ، لكنها كانت تظل راسخة عند السيدات غير ~~المتزوجات، غير أنها تعتبر عادة مخزية في حالة الرجال. # وهكذا كي تظل ناعومي صامتة بينما أتفحص أنا الكتب، كنت أحضر لها شيئا لتقرأه، شيئا لا ~~تتصور هي أن يكون موجودا بين دفتي كتاب. جلست على السلم الصغير الذي لم تستخدمه بيلا ~~فيبين قط، وأحضرت لها ثلاثية «كريستين لافرانسداتر» الضخمة خضراء الغلاف. وبحثت في صفحات ~~الكتاب عن الجزء الذي يصف كريستين وهي تنجب طفلها الأول، ساعة بساعة، وصفحة بصفحة، ما شعرت ~~به من آلام وما نزفته من دماء وهي تجلس القرفصاء على القش. شعرت ببعض الحزن وأنا أناولها ~~الكتاب؛ كنت دائما أخون شخصا ما، لكنها بدت لي الطريقة الوحيدة كي أتدبر أموري. لم يكن ~~هذا الكتاب مثيرا للاهتمام بالنسبة لي. كلا، فمتى كنت أود العيش في القرن الحادي عشر مثل ~~كريستين، بل وألد طفلا على كومة من القش بفرض أني عشت في ذلك الوقت، ولا سيما متى كنت أريد ~~حبيبا مثل إيرلوند ذاك الفارس الوحيد الكئيب المليء بالعيوب؟! # بعد أن انتهت ناعومي من قراءة الرواية أتتني سائلة: «هل اضطرت للزواج؟» ~~«نعم.» ~~«هذا ما ظننته؛ لأن الفتاة إذا ما اضطرت للزواج، فإنها إما تموت أثناء الولادة، أو ~~تشرف على الموت، أو يولد الطفل بخطب ما مثل شفاه أرنبية أو قدم حنفاء أو قد يكون عيب ما ~~في الرأس. لقد رأت أمي كل هذا.» # لم أجادلها في الأمر، ولكنني لم أصدقها كذلك؛ فوالدة ناعومي تعمل ممرضة ممارسة، وعلى حسب ~~ما تقول - أو ما تنقله ناعومي عنها - سمعت أن الأطفال الذين يولدون بكيس الجنين يصيرون ~~مجرمين عندما يكبرون؛ وأيضا أن هناك رجالا جامعوا نعاجا فكانت نتيجة الجماع كائنات ~~ضئيلة هزيلة موبرة بوجوه بشر ms123 وأذناب نعاج لم تلبث أن ماتت وحفظت في زجاجات في مكان ما؛ وعن ~~نساء مجنونات جرحن أنفسهن بطرائق فاحشة باستخدام شماعات المعاطف. كنت أصدق أو أنكر تلك ~~الروايات وفقا لمزاجي العام في تلك اللحظة إن كنت مبتهجة أو كنت خائفة. لم أكن أحب والدة ~~ناعومي؛ فقد كان لها صوت رنان متغطرس وعينان جاحظتان ذابلتان - كعيني ناعومي - وسألتني هل ~~بدأت في المحيض أم لا. لكن أي شخص يتعامل مع أمور الولادة والموت، ومستعد لرؤية أي شيء - ~~النزيف ومخلفات الولادة وتحلل الأجساد المريع - والتعامل معه لا بد أن يلقى آذانا مصغية ~~مهما كانت الأخبار التي يأتي بها. ~~«هل سيمارسان الجنس في أي جزء من أجزاء هذا الكتاب؟» # أخذت أبحث في الرواية - وأنا شغوفة بأن أزينها في ناظري ناعومي تماما كقس يحاول ~~جاهدا أن يظهر أن الدين من الممكن أن يكون عمليا وممتعا - حتى وجدت ذلك الجزء الذي ~~يختلي فيه إرلوند وكريستين داخل الحظيرة، لكنه لم يكن مرضيا بالنسبة لها. ~~«هل من المفترض أن يعني هذا أنهم مارسوا الجنس؟» # أشرت إلى الكلمات التي تصف ما فكرت به كريستين: «هل كان هذا الشيء السيئ هو ذاته الذي ~~تتغنى به جميع الأغنيات؟» # عندما خرجنا من المكتبة كان الظلام قد بدأ يهبط، وكانت زلاجات الفلاحين في طريقها إلى ~~خارج المدينة. لحقت أنا وناعومي بواحدة منطلقة إلى خارج شارع فكتوريا. كان الفلاح يلف رقبته ~~بكوفية ويرتدي قلنسوة ضخمة من الفراء؛ فبدا كرجل من إحدى الدول الاسكندنافية يرتدي خوذة. ~~استدار ناحيتنا وسبنا طالبا منا أن نترجل، لكننا تشبثنا، يملؤنا الفخر بالتحدي ~~المرح، وكأننا مجرمتان ولدتا بكيس الجنين. كنا نتشبث بالزلاجة وحافتها تنحر بطوننا، ~~وأقدامنا تجعل الجليد يتناثر حولنا، حتى وصلنا إلى زاوية شارع ميسون، وهناك أفلتنا الزلاجة ~~وسقطنا على كومة من الثلوج. وبعد أن جمعنا كتبنا والتقطنا أنفاسنا، صاحت كل منا في ~~الأخرى: ~~«انزلي أيتها العاهرة.» ~~«انزلي أيتها العاهرة.» # كان أملنا - نحن الاثنتين - ألا يكون أحد ما قد سمع السباب الذي أطلقناه في الشارع، وخفنا ~~من ذلك. # كانت ms124 ناعومي تعيش في شارع ميسون، وكنت أقطن في شارع ريفر، وكان هذا هو أساس صداقتنا؛ ~~فعندما انتقلت لأعيش في المدينة كانت ناعومي تنتظرني في الصباح أمام بيتها الذي كنت أمر ~~عليه في طريقي. فكانت تقول لي: «لم تمشين بهذه الطريقة؟» فأسألها: «أية طريقة؟» فكانت تمشي ~~بشكل غريب مترنحة في حالة من اللاوعي بما حولها تخفي ذقنها في ياقة معطفها، كنت أضحك وهي ~~تقلدني وأنا أشعر بالإهانة، لكن انتقاداتها لي كانت انتقادات تنم عن أنني ملكا لها، ~~وعندما اكتشفت أنها تعتبر أننا أصدقاء شعرت بالحذر والفخر في الوقت نفسه، فلم يكن لي أصدقاء ~~من قبل، فهذا يحد من حريتي ويجعلني مخادعة بشكل أو بآخر، لكنه كذلك أثرى حياتي ~~وأضفى عليها أهمية؛ فكل ذلك الصياح والسباب والسقوط على أكوام الجليد لم تكن أمورا ~~يفعلها المرء بمفرده. # والآن، صرنا نعرف بعضنا عن بعض أمورا كثيرة للغاية تجعلنا لا نستطيع التخلي عن تلك ~~الصداقة. # سجلت أنا وناعومي اسمينا كي نصير مراقبي السبورات في الفصول، وهو ما يعني أن نبقى في ~~المدرسة بعد انتهاء الدوام الدراسي كي ننظف السبورات، ثم نأخذ الفراشي الحمراء والبيضاء ~~والزرقاء إلى الخارج ونضربها بسور المدرسة المبني من الطوب، وهو ما يصنع في الهواء ما يشبه ~~المراوح بمسحوق الطبشور. وحينما دخلنا سمعنا موسيقى غريبة تنبعث من حجرة المعلمين؛ فقد ~~كانت الآنسة فاريس تغني وتذكرنا أنه وقت الأوبريت، لا بد أنه الأوبريت. # كل سنة في شهر مارس تعرض المدرسة أوبريت، والذي كان يظهر العديد من القوى المختلفة، ~~ويغير كل شيء لفترة. وكانت مسئولية هذا الأوبريت تقع على عاتقي الآنسة فاريس - التي لم تكن ~~تقوم طوال العام بعمل مميز سوى أن تدرس لتلاميذ الصف الثالث، وأن تعزف مقطوعة «المسيرة ~~التركية» على البيانو كل صباح، والتي نصعد على ألحانها إلى فصولنا - والسيد بويس، وهو عازف ~~آلة الأرجن في الكنيسة المتحدة، وكان يأتي إلى المدرسة يومين أسبوعيا كي يدرس ~~الموسيقى. # كان السيد بويس محط انتباه وعدم احترام الآخرين؛ لأنه كان مختلفا عن المدرسين العاديين؛ ~~فقد ms125 كان قصيرا ذا شارب ناعم وعينين دائريتين تبدوان دامعتين كقطعتي كاراميل. وكان أيضا ~~رجلا إنجليزيا انتقل إلى هنا في بداية الحرب بعد أن نجا من غرق سفينة «أثينيا». لا ~~أستطيع تخيل السيد بويس في قارب نجاة في شمال الأطلنطي! لقد كانت المسافة التي يقطعها من ~~سيارته إلى المدرسة في شتاء جوبيلي تتركه يلهث في حنق شديد. وكان يحضر معه جهاز تشغيل ~~أسطوانات في الفصل، ويشغل مقطوعات موسيقية مثل مقطوعة «افتتاحية عام 1812»، ثم يسألنا عن ~~المشاعر والأفكار التي أثارتها هذه الموسيقى في داخلنا. ولأننا اعتدنا فقط الأسئلة الواقعية ~~القويمة، فقد كنا ننظر إلى ألواح أرضية الفصل ونتضاحك وتهتز أجسادنا قليلا كما لو أننا ~~نرى شيئا لا يليق. فكان ينظر إلينا نظرة تنم عن الاستياء قائلا: «أعتقد أنها لا تجعلكم ~~تفكرون إلا في أنه ليس من المفترض أن تستمعوا إليها.» ثم يهز كتفيه في حركة أكثر لطفا ~~وذاتية من أن تصدر عن معلم. # كانت الآنسة فاريس من أهل جوبيلي، فقد ارتادت هذه المدرسة وصعدت هذه السلالم الطويلة التي ~~بليت في موضعين بفعل مسير الأقدام التي تطؤها كل يوم في حين كان شخص آخر يعزف «المسيرة ~~التركية» (لأن هذه المقطوعة يبدو أنها كانت ~~تعزف منذ قديم الأزل). وكان اسمها الأول معروفا، إلينور، وكانت تعيش في منزلها الصغير ~~القريب من رصيف شارع ميسون بالقرب من منزل ناعومي وتتردد على الكنيسة المتحدة. كانت أيضا ~~تذهب للتزلج مساء مرة كل أسبوع طوال فصل الشتاء، وترتدي زيا مخمليا لونه أزرق داكن ~~حاكته لنفسها؛ لأنها لم تكن لتستطيع شراءه قط، فكان زيها مؤطرا بالفراء البيضاء ولديها ~~قلنسوة وغطاء لليدين أبيضا اللون من ذات الفراء تتماشيان مع الزي، وكانت التنورة قصيرة ~~ذات طيات متعددة، ومبطنة بطبقة من نسيج التفتة الحريري الأزرق الشاحب، وتحتها كانت ترتدي ~~بنطالا ضيقا أبيض اللون كراقصات الباليه. مثل هذا الزي كان يوحي بالكثير وبطرائق ~~عدة. # ولم تكن الآنسة فاريس صغيرة السن كذلك. فكانت تصبغ بالحناء شعرها القصير الذي يتماشى مع ~~موضة عشرينيات القرن العشرين، وكانت ms126 دائما ما تضع أحمر خدود واضحا على وجنتيها وترسم ~~ابتسامة بأحمر الشفاه على وجهها. وكانت تتزلج في دوائر تاركة تنورتها المبطنة بلون ~~السماء تطير معها. غير أنها كانت جافة ومتصلبة وبريئة، فلم يكن تزلجها هذا عرضا ~~لنفسها، وإنما كان في الواقع يبدو كعرض تعليمي لمهاراتها في التزلج. # كانت تحيك كل ملابسها بنفسها، فترتدي ملابس مرتفعة الرقبة بأكمام طويلة محتشمة، أو أردية ~~قروية ذات أربطة وأشرطة، أو أثوابا مكشكشة ذات أشرطة تحت الذقن وعند الأساور، أو ملابس ذات ~~أزرار لامعة جريئة عليها مرايا صغيرة. كان الناس يسخرون منها لكن ليس كثيرا، كما لو كانت ~~لم تولد في جوبيلي. قال فيرن دوجرتي، مستأجر لدى أمي: «يا لتلك المسكينة! إنها فقط تحاول أن ~~تصطاد رجلا، إنني أرى أن من حق كل امرأة أن تفعل هذا بطريقتها الخاصة.» # إذا كانت تلك طريقتها، فقد باءت بفشل ذريع؛ ففي كل عام تتواتر أخبار عن علاقة عاطفية - أو ~~فضيحة - بينها وبين السيد بويس، ويكون ذلك أثناء التحضيرات للأوبريت. يزعم الناس أنهما ~~شوهدا ملتصقين ببعضهما على كرسي البيانو، وقدمه تكز قدمها على الدواسة، وأن هناك من سمعه ~~يناديها إلينور. غير أن كل تلك التلفيقات المبالغ فيها تتداعى عندما ينظر المرء إلى وجهها ~~الضئيل ذي العظام البارزة، والذي تزينه بمستحضرات التجميل والنقطتين اللامعتين في زاويتي ~~فمها وعينيها اللامعتين الواسعتين. أيا ما كان الذي تسعى وراءه فلا يمكن أن يكون السيد ~~بويس، بل وبغض النظر عما قاله فيرن دوجرتي، لا يمكن أن يكون هدفها هو الرجال من ~~الأساس. # كان شغفها الحقيقي هو الأوبريت، هو ما يأسر كيانها ويسيطر على كل مشاعرها في المقام ~~الأول، عندما حضرت مع السيد بويس إلى فصلنا نحو الساعة الثانية ظهرا وكان الجو ضبابيا ~~تنهمر فيه الثلوج، وكنا ننقل المكتوب على السبورة ونحن شبه نائمين وكل شيء حولنا شديد ~~الهدوء، حتى إنه بإمكان المرء أن يسمع الخرير الصادر عن أنابيب المياه المطمورة بعمق في ~~داخل المبنى. وفي صوت هامس، طلبت من الجميع أن ينهضوا ويغنوا في ms127 حين بدأ السيد بويس يعزف ~~النوتة الموسيقية: # هل تعرفون جون بيل ذا المعطف الزاهي؟ # هل تعرفون جون بيل وقت الفجر؟ # هل تعرفون جون بيل عندما يكون بعيدا جدا # مع حصانه وكلابه وقت شروق الشمس؟ # أما معلمنا السيد ماكينا - وهو ناظر المدرسة أيضا - فقد عبر عن رأيه ~~فيما يحدث بأن استمر في الكتابة على السبورة، فأخذ يكتب: «كان وادي النيل محصنا ضد الغزو ~~بالصحراوات الثلاث التي تحيط به: الصحراء الليبية، والصحراء النوبية، والصحراء العربية.» ~~لكن ما فعله لم يكن أمرا ذا بال، ففي النهاية لن يجدي ذلك نفعا، وستظل نغمات الأوبريت ~~تتصاعد وتتصاعد، وستزيح كل قواعده وتقسيماته للوقت، كما تزاح الأسياج المصنوعة من عيدان ~~الثقاب. كم كان السيد بويس والآنسة فاريس لبقين في هذه اللحظة؛ إذ كانا يتحركان على أطراف ~~أصابعهما في أرجاء الفصل بشكل احتفالي ورأساهما مائلان لتمييز الأصوات المنفردة. لكن لن ~~يدوم هذا طويلا؛ فالأوبريت بأكمله الآن محصور فيهما، لكن حين يحين الوقت المناسب سوف ~~يطلقان سراحه، سوف ينتفخ كبالون السيرك، وسيكون علينا جميعا أن نتمسك جيدا! # ثم أشارا برفق لبعض الطلاب أن يجلسوا، وكنت أنا منهم، وكذلك ناعومي، وقد أسرني هذا في ~~الحقيقة. كما طلبا من بعض الطلاب أن يغنوا من جديد، وأومآ للطلاب الذين أرادا لهم أن يخرجوا ~~من الصف. # كان توزيع الأدوار في الأوبريت أمرا غير متوقع؛ تتراوح الأدوار فيه ما بين حمل أكاليل ~~زهر الخشخاش إلى النصب التذكاري في ذكرى الاحتفال بيوم الهدنة، إلى إذاعة برنامج الصليب ~~الأحمر للصغار، إلى حمل الملاحظات من معلم لآخر عبر الأروقة الخاوية على نحو غير معتاد. ~~وبإمكان المرء أن يعرف مسبقا من الذين سيتم اختيارهم معظم الوقت، ومن الذين سيتم اختيارهم ~~في بعض الأحيان، ومن الذين لن يتم اختيارهم قط تحت أي ظرف من الظروف. وعلى رأس القائمة كانت ~~مارجوري كوتس التي كان والدها محاميا وعضوا في المجلس التشريعي المحلي، وجوين موندي التي ~~يعمل والدها متعهدا ومالكا لمتجر أثاث. لم يكن أحد ليعترض على اختيارهما، بل إننا حين ~~أقيمت ms128 انتخابات حرة لاختيار مسئولي برنامج الصليب الأحمر الصغار ، اخترناهما بأنفسنا دون ~~تردد بدافع حس رفيع لتمييز ما هو مناسب. فعلاقاتهما الطيبة التي استمرت لسنوات مع من حولهما ~~في البلدة وفي المدرسة جعلت منهما الاختيار الأنسب؛ فهما تتمتعان بخصال الثقة في النفس ~~والدبلوماسية والكتمان والطيبة. أما أولئك الذين ليسوا أهلا للثقة ويتحولون إلى ~~الديكتاتورية عندما يتولون مهمة ما، أو الذين يتعثرون في الطريق إلى النصب التذكاري، أو ~~من قد يقرءون ملاحظات المعلمين في الأروقة على أمل أن يجدوا بها ما يمكن الوشاية به، هم ~~من كان يقع عليهم الاختيار أحيانا؛ وكذلك الطموحون وغير الواثقين مثل ألما كودي - التي ~~كانت متخصصة في المعلومات الجنسية - ومثلي أنا وناعومي. # وبالضبط كما كان من المؤكد أن مارجوري وجوين تحجزان مكانيهما، كان من المؤكد أن البعض لن ~~يتم اختياره قط، مثل تلك الفتاة الضخمة البدينة التي تدعى بيولا باوز التي كانت مؤخرتها ~~تتخطى حدود مقعدها، وكان الأولاد يغرسون فيها سنون أقلامهم، وتلك الفتاة الإيطالية التي ~~لا تتكلم أبدا ودائما ما تتغيب بسبب مرض في كليتها، وكذلك صبي أمهق واهن الجسد كثير ~~البكاء يمتلك أبوه دكان بقالة صغيرا، والذي كان يشتري حياته في المدرسة بأكياس من الحلوى ~~باللبان والشيكولاتة والحلوى بطعم العرقسوس. مثل هؤلاء الطلاب كانوا يجلسون دائما في آخر ~~الفصل، ولا يطلب منهم المعلمون أبدا القراءة بصوت مرتفع، أو الخروج لكتابة مسألة حسابية ~~على السبورة، وكانوا يتلقون بطاقتي معايدة في كل عيد حب (هاتان البطاقتان من مارجوري ~~وجوين اللتين بإمكانهما إرسال بطاقات للجميع دون خوف من أن تتلوث سمعتهما). وكانوا يمضون ~~العام بعد العام والصف تلو الصف في عزلة حالمة لا يعكر أحد صفوها. وستكون الفتاة الإيطالية ~~هي أول من يموت من بيننا عندما نلتحق بالمدرسة الثانوية، وحينها سنتذكرها بذعر، وفخر جاء ~~متأخرا قائلين: ~~«لقد كانت في صفنا.» # وقد نجد صوتا غنائيا شجيا في أي مكان، لكن بالطبع ليس لدى بيولا باوز أو لدى الفتاة ~~الإيطالية أو ذلك الصبي الأمهق، لكنه كان يأتي من مكان قريب ms129 منهم. فمن يمكن أن يكون ذلك ~~الذي اقتنصه السيد بويس والآنسة فاريس كأنه غنيمة سوى ذلك الصبي الذي يجلس خلفي - وهو صبي ~~كنت سأضعه في آخر قائمة الطلاب الذين يجري اختيارهم في بعض الأحيان - وهو فرانك ~~ويلز. # لم يكن ينبغي لي أن أندهش، فقد كنت أسمعه خلفي كل صباح يغني «ليحفظ الله الملك»، ومرة كل ~~أسبوع خلال زيارات السيد بويس كنت أسمعه يغني «جون بيل»، و«تدفق برفق يا نهر آفتون الجميل»، ~~و«كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه الباردة عندما يصيبه الحر من المطاردات.» كان صوته صوت ~~سوبرانو ثابتا طبيعيا جريئا ذا طبقات تكاد تكون غير بشرية، بل هادئة ومتفردة كصوت ~~الناي. (وقد بدا جهاز تشغيل الأسطوانات - الذي تعلم بعد ذلك أن يشغله ليعزف موسيقى دوره ~~في الأوبريت - كأنه امتداد لصوته). هو نفسه كان غير مكترث بامتلاك صوت كهذا، وغير واع به ~~لدرجة أنه عندما يتوقف عن الغناء، يتلاشى كليا ولا يفكر أحد في الربط بينه وبين هذا ~~الصوت. # كل ما كنت أعرفه عن فرانك ويلز هو أنه سيئ جدا في التهجية، فقد كان عليه أن يمرر ورقة ~~التهجية الخاصة به إلي أولا لأمررها للمعلمة كي يتم تصحيحها وتوضع عليها الدرجات. وبعدها ~~كان يذهب إلى السبورة، منصاعا ولكن رابط الجأش، كي يكتب كل كلمة ثلاث مرات، لكن لم يبد أن ~~هذا يساعده كثيرا. كان من الصعب تصديق أن تهجئته هذه لم تكن حماقة أو مزاحا عنيدا ~~غاضبا، لكن لا شيء آخر بشأنه كان يرجح هذا الرأي. فبخلاف مستواه في التهجية، فإنه لم يكن ~~ذكيا ولا غبيا؛ فقد كان يعرف على الأرجح أين يقع البحر المتوسط، لكنه لا يعلم أين يقع ~~بحر سارجاسو. # عندما عاد إلى مقعده كتبت على مسطرتي «أي دور أخذت؟» ثم مررتها إليه كما لو كنت أعيره ~~إياها. كان الفصل الدراسي منطقة هدنة يسمح فيها باتصال محايد، ولكن خفي، بين الأولاد ~~والبنات. # فكتب فرانك على جانب المسطرة الآخر: «زمار هاملين.» # فعرفت أن الأوبريت الذي سوف نؤديه هو «زمار هاملين». ms130 أصابني الإحباط لأنه لن تكون هناك ~~مشاهد في البلاط، ولن تكون هناك وصيفات للملكة ولا ثياب جميلة. لكنني مع هذا أردت بشدة أن ~~أشارك في الأوبريت. شرعت الآنسة فاريس في اختيار الراقصات لمشهد «رقصة زواج ~~القرويات». ~~«أريد أربع فتيات يستطعن أن يبقين رءوسهن منتصبة ويتابعن الإيقاع بأقدامهن. مارجوري ~~كوتس وجوين موندي، ومن أيضا؟» جالت عيناها في الصفوف، وتوقفت عدة مرات عند العديد من ~~الفتيات وعندي أنا أيضا، حيث جلست مرفوعة الرأس وكتفاي مستقيمتان وتعبير وجهي مشرق لكن غير ~~متلهف حفظا لكرامتي، وإصبعاي منعقدتان حول بعضيهما بعنف تحت طاولتي، وهي إشارة خاصة بي ~~طلبا للحظ السعيد. «آلما كودي و... جون جانيت، والآن أريد أربعة صبية يستطيعون الرقص دون أن ~~يسقطوا الستارة ...» # شعرت بألم يعتصرني، ماذا لو أنني مقدر لي فقط أن أكون مع الجمهور دائما وراء كواليس خشبة ~~المسرح؟ ماذا لو أنني لم يكتب لي قط ارتقاء خشبة المسرح؟ بعض طلاب الفصل لن يرتقوا خشبة ~~المسرح قط، بل سيجلسون على مقاعد مصطفة أسفلها على جانبي البيانو الذي يعزف عليه السيد بويس ~~ومعهم الطلبة من الصفوف الأصغر الذين اختيروا للغناء في الكورس، وكلهم يرتدون زيا موحدا ~~من تنورة سوداء وبلوزة بيضاء أو بنطلون أسود وقميص أبيض. في ذاك المكان جلست لثلاث سنين ~~خلال أوبريتات «أميرة الغجر» و«راقصي كيري» و«التاج المسروق». وهناك ستجلس الفتاة الإيطالية ~~والفتاة البدينة والفتى الأمهق - كما هو متوقع - خلال أوبريت «زمار هاملين»، لكن ليس أنا! ~~ليس أنا! لم أكن أصدق ذلك الظلم الفظيع الذي سيبعدني عن المسرح. # ناعومي هي الأخرى لم تحصل على دور لتشارك في الأوبريت، لكننا لم نتكلم في هذا الموضوع في ~~طريقنا إلى المنزل، لكننا سخرنا من كل شيء متعلق بهذا الأوبريت. ~~«أنت قومي بدور الآنسة فاريس وأنا سأكون السيد بويس. آه، يا حبي الحقيقي، يا طائري ~~الصغير، موسيقى «زمار هاملين» هذه تجعلني أفقد صوابي ولعا وهياما بك، متى سأضمك بين ~~ذراعي حتى يتصدع عمودك الفقري لأنك نحيلة للغاية؟» ~~«لست نحيلة، أنا باهرة الجمال، وشاربك هذا ms131 أصابني بطفح جلدي. ماذا سنفعل بشأن السيدة بويس ~~يا حبي؟» ~~«لا تشغلي بالك بها يا ملاكي الجميل، سوف أحبسها في خزانة مظلمة ملأى بالصراصير.» ~~«لكنني أخشى أن تهرب.» ~~«في هذه الحالة سوف أجبرها على تناول الزرنيخ، ثم سأقطع جسدها إلى قطع صغيرة وألقي بها ~~في المرحاض. كلا سوف أذيبها في محلول قلوي في حوض الاستحمام. وسوف أصهر حشوات أسنانها ~~الذهبية وأصنع لنا منها خاتم زفاف جميلا.» ~~«آه كم أنت رومانسي يا حبيبي!» # وبعد ذلك، اختيرت ناعومي لأداء دور أم تقول في الأوبريت: «آه، حبيبتي مارتا الصغيرة، كم ~~كنت ترقصين كل صباح وأنا أحاول أن أضفر شعرك! وكنت أوبخك على هذا! آه لو كان لي أن أراك ~~وأنت ترقصين الآن!» وفي آخر مشهد تقول: «الآن أنا ممتنة للغاية، لن أحكي أي شيء عن جيراني، ~~ولن أكون امرأة بخيلة نمامة بعد الآن!» وأعتقد أنها اختيرت لأداء ذلك الدور بسبب قوامها ~~القصير المكتنز الذي يسهل تحويله إلى قوام امرأة وقورة. وهكذا، صرت أعود إلى المنزل وحدي؛ ~~فكل من فاز بدور في الأوبريت كان عليه البقاء بعد اليوم الدراسي ليتدرب. وعندما عدت إلى ~~المنزل سألتني أمي: «كيف أحوال الأوبريت؟» وتقصد: هل حصلت على دور؟ ~~«لم يفعلوا شيئا حتى الآن، لم يوزعوا الأدوار بعد.» # بعد العشاء ذهبت إلى شارع ميسون ومررت من أمام بيت الآنسة فاريس، لم تكن لدي فكرة عما ~~أنتوي فعله، أخذت أقطع الطريق جيئة وذهابا على الثلوج المتصلبة دون أن أصدر صوتا. لم ~~تكن الآنسة فاريس تسدل ستائرها، لم يكن من عاداتها. كان بيتها صغيرا كبيوت ألعاب الأطفال، ~~وكان أبيض اللون ذا مصاريع زرقاء، وله سطح مدبب ذو قمة مثلثة صغيرة، وفوق الباب والنوافذ ~~ألواح ذات نتوءات مدورة. وقد جعلت البنائين يبنون هذا المنزل من أجلها بالنقود التي ورثتها ~~بعد وفاة والديها. ورغم أنه كان من الشائع رؤية بيوت كهذه في الأفلام السينمائية - بيوت ~~ساحرة غريبة تبدو كما لو كانت مصممة للعب لا للسكنى - فلم يكن أحد في جوبيلي قد رآها من ms132 ~~قبل. ومقارنة بالبيوت الأخرى بالمدينة، كان بيتها يبدو خاليا من الأسرار والتناقضات. وكان ~~الناس يقولون: «إنه بيت جميل، لا يبدو حقيقيا.» لم يكن بإمكانهم تفسير ما كان يريبهم في ~~ذلك المنزل أكثر من هذا. # بالطبع، لم يكن بوسعي ما أفعله، وبعد وهلة عدت إلى المنزل. # لكن في اليوم التالي، جاءت الآنسة فاريس إلى الفصل ومعها جون جانيت، وسارت بها مباشرة نحو ~~مقعدي قائلة: «قفي يا ديل.» كما لو كان علي أن أفعل هذا دون أن يطلب مني - فقد كانت ~~تسترد المزيد والمزيد من طباعها أثناء فترة عروض الأوبريت - وجعلت كلتينا تقف وظهري في ~~مواجهة ظهرها. أدركت أن طول جون لم يكن مناسبا، لكني لم أعرف هل هي أطول مما ينبغي أم أقصر ~~مما ينبغي؛ ومن ثم لم أتمكن من الانبساط أو الانكماش. وضعت الآنسة فاريس يديها على رأسينا ~~ثم رفعتهما ببطء. كانت تقف على مسافة قريبة جدا حتى إنني شممت رائحة عرقها الأشبه برائحة ~~الفلفل، وارتجفت يداها ارتجافة خفيفة، وسرت في جسدها همهمة حماس صغيرة خطيرة. ~~«إنك أطول مما ينبغي بنصف بوصة يا عزيزتي جون، سوف نفكر في إمكانية إعطائك دور ~~أم.» # تبادلت أنا وناعومي - وآخرون - نظرات سعادة تواقة، فقطب السيد ماكينا ما بين حاجبيه ~~وأدار وجهه بنظرة عابسة بين أرجاء الفصل. ~~«من شريكك؟» هكذا همست لي ناعومي فيما بعد ونحن في حجرة الملابس نتدافع لانتعال أحذيتنا ~~ذات الرقاب الطويلة. كان علينا أن نخرج في صفوف، ونحضر ثياب الخروج ونأتي بها إلى الفصل، ~~ونلبسها على مقاعدنا بشكل منظم. # أجبتها: «جيري ستوري.» لم أكن سعيدة بتوزيع الأدوار. لقد بدا كما لو كان مقصودا به ~~التوافق؛ فقد كان شريكا جوين موندي ومارجوري كوتس هما موراي هيل وجورج كلاين، اللذان كانا ~~بشكل أو بآخر قرينيهما بين الصبية؛ حيث كانا ذكيين رياضيين وكانا - حيثما كان ذلك مهما - ~~مهذبين. وكان شريك آلما كودي هو دايل ماكلوفلين ابن كاهن الكنيسة المتحدة والذي كان ~~طويلا ذا أطراف مرتخية، وجريئا بحماقة يرتدي نظارات سميكة فوق عينين إحداهما حولاء، ms133 وكان ~~قد مارس الجنس بشكل أو بآخر مع فايوليت تومز في مرأب الدراجات خلف المدرسة. وكان من نصيبي ~~أنا جيري ستوري، وهو فتى يغطي رأسه شعر متموج طفولي وتجحظ عيناه بحماس علمي جلي. وفي حصص ~~العلوم، كان يرفع يده ويتكلم بصوت أخنف ممل شارحا التجارب التي أجراها بأدواته ~~الكيميائية. وكان يعرف أسماء كل شيء: العناصر والنباتات، وكذلك الأنهار والصحاري الموجودة ~~على الخريطة، وكان يعرف موقع بحر سارجاسو. وطوال فترة تدريبنا على تلك الرقصة لم ينظر إلى ~~وجهي قط، وكانت يداه تتعرقان، وكذلك يداي. # قالت ناعومي: «إنني أشفق عليك، سيظن الجميع الآن أنه يروق لك.» # لا أبالي، فليس في المدرسة الآن إلا الأوبريت. وكما في الحرب حيث لا يمكن للمرء أن يتخيل ~~فيما كان يفكر الناس، أو ما كان يشغل بالهم، أو عما كانت الأخبار قبل اندلاع الحرب، من ~~المستحيل الآن أن أتذكر ما كانت عليه المدرسة قبل هذا التشويق والارتباك والتوتر الذي صحب ~~الأوبريت. كنا نتدرب على الرقص بعد المدرسة، وخلال ساعات الدراسة، في حجرة المعلمين. لم ~~يسبق لي أن دخلت حجرة المعلمين من قبل، واندهشت لمرأى الخزانة الصغيرة ذات الستائر المصنوعة ~~من الكريتون، وفناجين الشاي والسخان الكهربائي وزجاجة الأسبرين، والأريكة الجلدية المتكتلة. ~~فلم يكن أحد يربط بين المعلمين وبين مثل هذه الأغراض المنزلية المألوفة، بل ~~والمهترئة. # واستمرت مشاهد غريبة غير متوقعة في الظهور أمامنا، فقد كانت هناك كوة في سقف حجرة ~~المعلمين، وذات يوم عندما دخلنا الحجرة للتدريب وجدنا السيد ماكينا - من بين كل المعلمين ~~السيد ماكينا نفسه - تتدلى مؤخرته وساقاه في بنطلونه البني المليء بالغبار من الكوة وهو ~~يبحث عن السلم. وكان ينزل صناديق من الورق المقوى التي كانت الآنسة فاريس تتناولها منه وهي ~~تقول: «نعم، ذاك، وذاك! آه ماذا لدينا هنا؟ لنر ما إذا كان لدينا ثروة هنا!» # قطعت الخيط بحركة سريعة قوية، وأخرجت ما في الصندوق من أقمشة قطنية خفيفة مصبوغة باللونين ~~الأحمر والأزرق، محفوفة أطرافها بحلقات ذهبية وفضية مصنوعة من الخيوط التي نزين بها أشجار ms134 ~~عيد الميلاد، وكذلك تيجان مغلفة برقائق ذهبية وفضية، وبناطيل مخملية ذات لون بني ضارب إلى ~~الصفرة، وشيلان صفراء ذات أهداب مصنوعة من قماش بيزلي، وبعض من أثواب المحاكم مصنوعة من ~~قماش تفتة رقيق مترب. ولم يملك السيد ماكينا سوى أن يأخذ في الضرب على بنطاله نافضا عنه ~~الغبار دون أن يتلقى أي شكر. ~~«لا رقص اليوم! ليخرج الأولاد، ليخرجوا ويلعبوا الهوكي.» (كان هذا واحدا من خيالاتها إذ ~~كانت تظن أن الأولاد يلعبون الهوكي حين لا يكونون في المدرسة.) «الفتيات يبقين ويساعدنني في ~~الفرز. ماذا لدينا هنا يصلح لقرية ألمانية في العصور الوسطى؟ لا أدري، لا أدري. هذه الملابس ~~واسعة جدا، وسوف تسقط منكم على المسرح على أية حال، لقد شهدت أعظم أيامها في مسرحية ~~«التاج المسروق». هل ستلائم تلك البناطيل العمدة؟ هذا يذكرني بأن علي أن أصنع سلسلة ~~العمدة! وعلي أن أصنع زي فرانك ويلز كذلك، إن آخر من لعب دور زمار هاملين لدينا كان حجمه ~~ضعف حجم فرانك، من كان ذاك؟ لقد نسيت حتى من كان، كان فتى بدينا، ولم نختره إلا ~~لصوته.» # سألت جوين مونداي - التي كانت تشعر بالراحة والألفة في التعامل مع المعلمين - بنبرة صوتها ~~المهذبة الرقيقة: «كم يصل عدد الأوبريتات المختلفة؟» # أجابت الآنسة فاريس بلهجة حازمة: «ستة: «زمار هاملين»، و«أميرة الغجر»، و«التاج المسروق»، ~~و«الفارس العربي»، و«راقصي كيري»، و«ابنة الحطاب». وعندما يحين موعد إعادة إحداها يكون ~~لدينا مجموعة جديدة من المؤدين نختار من بينهم، ونبتهل إلى السماء أن يكون الجمهور قد نسي ~~المرة السابقة.» التقطت عباءة مخملية سوداء اللون مبطنة باللون الأحمر، ونفضت عنها الغبار ~~ثم وضعتها على كتفيها قائلة: «هل تذكرون؟ هذا ما ارتداه بييرس موراي حين لعب دور الكابتن في ~~«أميرة الغجر». كلا بالطبع لا تذكرون، كان هذا في عام 1937، وبعدها قتل، كان في القوات ~~الجوية.» لكنها قالت هذا الجزء دون اكتراث؛ فبعد أن أدى دور الكابتن في «أميرة الغجر» هل ~~يهم ما حدث له بعدها؟ «وفي كل مرة كان يرتدي هذا المعطف كان يتمايل ms135 - هكذا - مظهرا ~~بطانته.» قالتها وهي تميل بخيلاء مقلدة ما كان يفعله. كانت كل تعليماتها المسرحية ~~وتعليماتها في الرقصات مبهرة ومبالغا فيها بشكل كبير ومتعمد، كما لو كانت تريد أن تدهشنا ~~لدرجة أن ننسى ذواتنا. وكانت تكيل لنا الإهانات فقالت إننا نرقص كأناس في الخمسين من عمرهم ~~مصابين بالتهابات المفاصل، وقالت إنها ستضع مفرقعات نارية في أحذيتنا، لكنها كانت تحوم ~~حولنا طوال الوقت كما لو أن بداخلنا إمكانات رقص جميل متقدة، وكأنها قادرة على أن تخرج من ~~داخلنا ما لا يستطيع غيرها اكتشافه، بل وحتى ما لا نعرف نحن أننا نمتلكه. # ثم دخل السيد بويس كي يأخذ جهاز التسجيل الذي كان يعلم فرانك ويلز تشغيله، ورأى حركة ~~التمايل التي كانت تؤديها. # فقال بدهشته الإنجليزية المعهودة التي تنم عن تحكم كامل بالذات: «كون بريو يا آنسة فاريس، ~~كون بريو (أي بحماس وحيوية باللغة الفرنسية).» # انحنت الآنسة فاريس بلباقة لتكمل حالة التمايل، وأفسحنا نحن المجال لها لتفعل ذلك، بل ~~إننا في تلك اللحظة تفهمنا أن حمرة الخجل التي امتصت حمرة أدوات التجميل كضوء الشمس لم ~~تكن تمت بصلة للسيد بويس، وإنما مردها إلى المتعة التي تجدها في حركتها. ولكننا توقفنا ~~عند «كون بريو» وقررنا أن نخبر الآخرين بها، لم نكن نعلم ماذا تعني ولم نكترث لأن نعرف، كل ~~ما كان يهمنا أنها كلمة سخيفة؛ فكل الكلمات الأجنبية في حد ذاتها سخيفة وتنتشر كالنار في ~~الهشيم. بعد ذلك عرفنا مدى ملاءمتها. فلفترة طويلة بعد انتهاء الأوبريت لم تكن الآنسة فاريس ~~تسير في رواق المدرسة، ولم تكن تمر بنا في طريقها إلى أعلى هضبة جون ستريت وهي تغني بخفة ~~مشجعة نفسها كعادتها وتلقي تحية الصباح، دون أن تسمع هذه العبارة تتردد بمكر بجوارها. شعرنا ~~أن هذه هي الضربة القاصمة لها؛ فقد كانت تجعلها تستشيط غضبا. # بدأنا نذهب إلى دار البلدية لنتدرب هناك، كانت قاعة البلدية ضخمة ومفتوحة تكثر بها تيارات ~~الهواء كما أتذكر، وكانت ستائر خشبة المسرح مخملية قديمة لونها أزرق داكن ومؤطرة بأهداب ~~ذهبية ms136 رائعة، كما أتذكر. كانت المصابيح مضاءة في تلك الأيام الشتوية المظلمة، ولكن ليس على ~~طول الممر المؤدي إلى نهاية القاعة؛ حيث كانت الآنسة فاريس أحيانا تقف بحيث لا نراها ~~وتصيح: «لا أسمع كلمة هنا! لا أسمع ما تقولون! مم تخافون؟ هل تريدون أن يصيح الجالسون في ~~الصفوف الخلفية مطالبين باسترداد نقودهم؟» # كانت الآنسة فاريس على وشك أن يتملكها اليأس، وكانت طوال الوقت في يدها شيء ما تحيكه. ~~وذات يوم أشارت إلي وأعطتني قطعة من جديلة ذهبية كانت تخيطها على قبعة العمدة المخملية، ~~وطلبت مني أن أذهب إلى متجر ووكر لأحضر ربع ياردة تتناسق معها. كانت ترتجف، وأخذت همهمتها ~~تصبح أكثر وضوحا وقالت: «لا تتأخري.» قالتها كما لو أنها ترسلني كي آتيها بدواء ضروري أو ~~برسالة يمكن أن تنقذ جيشا. لذا غادرت مسرعة مرتدية معطفي دون أن أغلق أزراره إلى شوارع ~~مدينة جوبيلي الصامتة، البيضاء بلون الصوف الأبيض، بعد أن غطت الثلوج التي انهمرت حديثا ~~المدينة، وبدا مسرح دار البلدية ورائي مشرقا كمشعل متقد بحماسة الإخلاص الشديد. إخلاص ~~لصناعة ما هو غير حقيقي، ما لم يكن ضروريا بصورة واضحة، لكنه كان أكثر أهمية - بمجرد أن ~~نؤمن به - من أي شيء آخر لدينا. # وبعد أن حررني الأوبريت من روتين حياتنا اليومية، وبعد أن أصبحت أتذكر الفصل - حيث كان ~~السيد ماكينا يواصل منافسات التهجية والحسابات العقلية مع أولئك الذين لم يقع عليهم ~~الاختيار - بأنه مكان حزين وكئيب تركته خلفي، شعرت أننا جميعا صرنا حلفاء الآنسة فاريس. ~~كنا نجمع أدوارنا المنفصلة في الأوبريت جنبا إلى جنب ونراها تتحول إلى كيان متكامل. وكانت ~~قصة الأوبريت تثير مشاعري ولا تزال؛ فكنت أفكر في مدى قوة واختلاف وعجز وتراجيدية شخصية ~~زمار هاملين. لم تكن الخيانة تفاجئه حقا، وبعد أن خارت قواه من استغلال العالم له، استطاع ~~- على غرار همفري بوجارت - الحفاظ على نبله وشرفه بعد أن أصابهما الإرهاق والوهن. بل وحتى ~~انتقامه (الذي أفسده تغيير نهاية القصة طبعا) لم تكن تفوح منه رائحة الحقد، وإنما كان أقرب ms137 ~~إلى الرفق؛ انتقام رقيق ومروع هدفه تحقيق العدالة الكبرى. شعرت أن فرانك ويلز - ذاك المتهجي ~~الذي لا سبيل لتعليمه - تقمص دوره بسهولة وبشكل طبيعي دون أدنى محاولة للتمثيل. فكان كل ~~يوم يحمل معه تحفظه ولامبالاته إلى خشبة المسرح، وكان هذا هو الصواب. وقد تأملت ملامحه ~~للمرة الأولى لأرى كيف يبدو، فكان رأسه طويلا ونحيلا، وشعره أسود قصيرا مجعدا وكثيفا، ~~ووجهه يغلب عليه الحزن - رغم أنه قد يتضح أنه وجه شخصية كوميدية، لكن ليس في هذه الحالة - ~~به ندوب من أثر حبوب قديمة، وحبة جديدة بدأت تظهر في مؤخرة عنقه. كان جسده نحيلا كوجهه، ~~وارتفاعه كان مناسبا لصبي في صفنا - أي إنه أقصر مني بأقل من بوصة - وكانت مشيته سريعة ~~وعفوية، مشية شخص لا يحتاج لا إلى جذب اهتمام الناس أو دفعه بعيدا. كل يوم كان يرتدي سترة ~~ذات لون رمادي يميل إلى الزرقة مرقعة عند الكوعين، وقد بدا لي هذا اللون الدخاني العادي ~~المتحفظ الغامض هو لون شخصيته، لون ذاته. # لكنني كنت أحبه، أحب شخصية زمار هاملين، وأحب شخصية فرانك ويلز. # وهكذا لم أتمالك نفسي، وكنت بحاجة لأن أتحدث عنه مع أي شخص؛ لذا تحدثت مع أمي متصنعة ~~الموضوعية والنقد. ~~«صوته جيد، لكنه ليس طويلا بما يكفي، لا أظنه سيكون مميزا على خشبة المسرح.» ~~«ما اسمه؟ ويلز؟ أهو ابن تلك السيدة التي تبيع مشدات الخصر؟ كنت أبتاع مشداتي من السيدة ~~ويلز، كان لديها أنحف مقاس، لكنه لم يعد لديها منه الآن. كانت تقطن في شارع بيجز بعد محل ~~الألبان.» ~~«لا بد أنها والدته.» كنت متحمسة بصورة غريبة لفكرة أن هناك حلقة وصل بين أسرة فرانك ويلز ~~وأسرتي، بين حياته وحياتي، فسألت أمي: «هل ذهبت إلى منزلها؟ هل أتت هي إلى هنا؟» ~~«ذهبت أنا إلى منزلها، فلا بد لمن أراد الشراء أن يذهب إلى هناك.» # أردت أن أسألها عن شكل المنزل: هل من صور في غرفة الاستقبال؟ عم تكلمت أمه؟ هل جاءت على ~~ذكر أطفالها؟ كان أملا مبالغا فيه أن تكونا ms138 قد صارتا صديقتين، وأن تكونا قد تحدثتا عن ~~أسرتيهما، وأنه في تلك الليلة على مائدة العشاء تكون السيدة ويلز قد قالت: «جاءتنا اليوم ~~سيدة لطيفة لتضبط مقاس مشدات خصرها وقالت: إن لها ابنة في الفصل نفسه معك في المدرسة ...» فيم ~~سيفيد هذا؟ أن يذكر اسمي على مسمع منه وأن تتراءى صورتي أمامه. # دفعت الأجواء في دار البلدية في تلك الأيام الكثيرين - وليس أنا فقط - إلى تلك الحالة. ~~فكانت جدران العداوة التقليدية بين الصبية والفتيات تتشقق في مئات الأماكن، فلم يكن من ~~الممكن الإبقاء عليها، أو حيثما كان على تلك الجدران أن تبقى، فقد بقيت مستترة خلف غلاف من ~~المزاح، وتيارات خفية مرتبكة من الود. # في طريق العودة من المدرسة كنت أنا وناعومي نأكل قوالب حلوى الطوفي السكرية - التي كانت ~~تباع بخمسة سنتات - والتي كان قضمها عسيرا في ذاك الجو البارد ومضغها لا يقل صعوبة، وكنا ~~نتحدث بحذر وأفواهنا ممتلئة بالحلوى. ~~«إن لم يكن شريكك جيري ستوري، من كنت ستختارين ليكون شريكك؟» ~~«لا أدري.» ~~«موري؟ أم جورج؟ أم دايل؟» # هززت رأسي بحزم وأنا أمتص بصوت عال لعابي المشبع بطعم الطوفي. # قالت ناعومي بلهجة شيطانية: «فرانك ويلز.» # وتابعت: «قولي نعم أو لا، هيا، سأخبرك من أحب أن يكون شريكي لو كنت مكانك.» # قلت بصوت حذر مستسلم: «لم أكن لأعترض عليه، أقصد فرانك ويلز.» ~~«أنا لم أكن لأعترض على دايل ماكلوفلين.» قالتها ناعومي بتحد وبصورة مدهشة إلى حد ما، ~~لقد استطاعت أن تكتم سرها خيرا مني. أمالت رأسها فوق كومة من الجليد تقطر ماء، وأخذت قضمة ~~من قالب الطوفي ثم قالت في النهاية: «أعرف، لا بد أنني مجنونة، إنه يروقني حقا.» # فقلت بنبرة اعتراف تام: «وأنا يروقني فرانك ويلز حقا، لا بد أنني أنا أيضا ~~مجنونة.» # بعدها صرنا نتحدث طوال الوقت عن هذين الولدين، أطلقنا عليهما الاختصار ج. ~~ق، وهو اختصار «الجاذبية القاتلة». ~~«ها هو ج. ق قادم، حاولي ألا تفقدي وعيك.» ~~«لماذا لا تعطين ج. ق دهان نوكسيما لعلاج الحبوب؟ أف !» ~~«أظن ms139 أن ج. ق كان ينظر إليك لكن من الصعب التأكد من ذلك مع عينه الحولاء.» # وهكذا طورنا شفرة بيننا تتكون من رفع الحواجب، وهز الأصابع على الصدر، وكلام بدون صوت مثل ~~«بانج أوه بانج» (والتي نستخدمها عندما نقف إلى جوارهم على خشبة المسرح)، و«غضب»، و«غضب ~~مضاعف» (عندما يتحدث دايل ماكلوفلين مع آلما كودي ويطرقع إصبعي الإبهام والوسطى على عنقها)، ~~و«نشوة» (عندما يدغدغ ناعومي تحت ذراعها ويقول: «ابتعدي عن طريقي يا كرة الزبدة»!) # أرادت ناعومي أن تتحدث عن الواقعة التي حدثت في مرأب الدراجات، عن الفتاة التي ضاجعها ~~دايل ماكلوفلين، وهي فايوليت تومز المريضة بالربو، والتي رحلت عن المدينة. ~~«خيرا أنها رحلت؛ لقد جلبت على نفسها الخزي هنا.» ~~«لم تكن غلطتها بالكامل.» ~~«بل هي غلطتها، إنها دائما غلطة الفتاة.» ~~«كيف تكون غلطتها إذا كان قد أمسكها عنوة؟» # قالت ناعومي بصرامة: «لا يمكن أن يكون قد أمسكها عنوة، فكيف له أن يمسكها عنوة ويضاجعها ~~في الوقت نفسه، كيف يمكنه هذا؟» ~~«لماذا لا تسألينه أنت؟ سوف أخبره أنك تريدين أن تعرفي.» # قالت ناعومي متجاهلة ما قلت: «تقول أمي: إنها غلطة الفتاة، إن الفتاة هي المسئولة؛ لأن ~~أعضاءنا الجنسية في داخل أجسادنا أما أعضاؤهم فهي خارج أجسادهم، ونحن نستطيع أن نتحكم في ~~رغباتنا خيرا منهم، فالصبي لا يستطيع أن يتمالك نفسه.» كانت توجهني بنبرة منذرة ومع ذلك ~~متساهلة بصورة غريبة تقر بالفوضى والوحشية الغامضة التي تسود العالم المجاور لنا. # كان من الصعب مقاومة الحديث في تلك الأمور، لكنني مع هذا أثناء سيري في شارع ريفر، غالبا ~~ما كنت أتمنى لو أنني احتفظت بسري لنفسي كما نتمنى جميعا لو أننا احتفظنا بأسرارنا ~~لأنفسنا. قالت ناعومي: «فرانك ويلز لم يبلغ بعد؛ إذ إن صوته لم يتغير.» لا بد وأنها كانت ~~تنقل معلومة أخرى من معلومات والدتها، وقد كنت مهتمة أن أعرف لكن في الوقت نفسه منزعجة، كما ~~لو أن مشاعري تجاهه صنفت تصنيفا خاطئا، وذهبت في اتجاه غير متوقع بالمرة. لم أكن أعرف ~~في الواقع ماذا ms140 أريد من فرانك ويلز. كنت أحلم به في يقظتي حلما يتكرر كثيرا، كنت أتخيله ~~يسير معي إلى البيت بعد أداء الأوبريت. (فقد أصبح متعارفا عليه أن الصبية - بعض الصبية - ~~يسيرون إلى منازلهم مع البنات - بعض البنات - في ليلة عرض الأوبريت، لكنني وناعومي لم نناقش ~~حتى احتمالية فعل ذلك، فقد كنا نحذر التفوه بأمانينا الحقيقية). فنسير نقطع طرقات جوبيلي ~~التي يخيم عليها الصمت تماما، نسير تحت أضواء الشوارع وظلالنا تدور وتغرق في الجليد، وهناك ~~في المدينة الجميلة المهجورة المظلمة سوف يحيطني فرانك إما بغنائه الحقيقي الرقيق الهادئ ~~الذي لا يصدق، أو - في النسخ الأكثر واقعية من الحلم - يحيطني بالموسيقى غير المسموعة التي ~~يعزفها مجرد وجوده معي. وكان في الحلم يرتدي قبعته ~~المدببة - التي هي أقرب لقبعات الحمقى - والعباءة ~~المرقعة بألوان عديدة - يغلب عليها اللون الأزرق - التي أعدتها له الآنسة فاريس. كنت ~~دائما أختلق هذا الحلم لنفسي وأنا على شفا النوم، وكان من الغريب مدى ما يجعلني أشعر به من ~~سعادة ورضى، ومدى ما يغدق علي من سلام وسلوان، فكنت أغمض عيني وأسبح فيه حتى أبلغ ~~أحلامي الحقيقية والتي لم تكن أبدا بتلك الرقة، وإنما مليئة بمشاكل صغيرة كجوارب مفقودة، ~~أو عدم قدرة على إيجاد مكان فصل الصف الثامن، أو أمور مرعبة مثل الرقص على مسرح البلدية، ثم ~~اكتشاف أني نسيت أن أعتمر غطاء رأسي. # خلال بروفة الملابس صرخت الآنسة فاريس كي يسمع الجميع: «يبدو أنني سوف أقفز من فوق مبنى ~~البلدية، يبدو أنني سأقفز الآن! هل أنتم مستعدون جميعا لتحمل المسئولية؟» وأخذت تجذب ~~وجنتيها بأصابعها المفرودة بقوة، لدرجة أنها بدت كما لو كانت ستترك تجاعيد على وجهها. «إلى ~~الخلف، تراجعوا، انسوا الخمس عشرة دقيقة الفائتة، انسوا النصف ساعة الفائتة، ابدءوا مرة ~~أخرى من البداية!» ابتسم السيد بويس بارتياح وبدأ يعزف موسيقى الكورس الافتتاحي. ~~••• # ثم جاءت الليلة الموعودة، حان الوقت واحتشد الجمهور، والمكان الذي اعتدنا أن يخيم عليه ~~الظلام ويتردد فيه صدى الصوت أصبح مليئا بالحركة والسعال والناس المتأنقين المترقبين. ~~كان المسرح ms141 أكثر سطوعا وأكثر ازدحاما - بواجهات المنازل المصنوعة من الورق المقوى ~~والنافورة المصنوعة من الورق المقوى - مما عرفناه في أي وقت سابق. ثم حدث كل شيء بسرعة ~~شديدة، ثم انتهى، انقضى، لم يكن مهما كيف جرى الأداء؛ إذ كان يجب أن يتم ولا يمكن استرجاع ~~ما حدث. لا يمكن استرجاع أي شيء. وبعد كل هذا التدريب، كان من العسير تصديق أن الأوبريت ~~يقدم بالفعل. كان السيد بويس يرتدي حلة ذات ذيل، والتي قال الناس: إنها تبدو سخيفة. # كانت قاعات المجلس (التي تقع أسفل خشبة المسرح مباشرة وتتصل بها من خلال سلم خلفي) ~~مقسمة إلى غرف لتبديل الملابس باستخدام ملاءات معلقة على حبال، وكانت الآنسة فاريس (التي ~~كانت تضع مئزرا فوق فستانها الجديد القصير الضيق ذي اللون الوردي الضارب إلى الحمرة) ~~تتحرك هنا وهناك؛ فترسم الحواجب والشفاه، وتضع نقاطا حمراء في أركان الأعين، وترش لونا ~~أصفر على شحمات الآذان، وتغمر الشعر بنشا الذرة. ثم حدثت جلبة فظيعة؛ فقد فقدت قطع مهمة من ~~الأزياء، وأحدهم وطئ بقدمه على طرف فستان زوجة العمدة فمزقه من عند الخصر، وادعت آلما ~~كودي أنها تناولت أربع حبات أسبرين لتهدئة أعصابها فأصابها ذلك بالدوار، وأخذت تتصبب عرقا ~~باردا، فجلست على الأرض تقول إنها ستفقد وعيها. وسقطت بعض الملاءات أرضا فرأى بعض الصبية ~~البنات وهن في ملابسهن الداخلية، وحدث العكس كذلك. كما دخل بعض البنات من أعضاء الكورس إلى ~~قاعات المجلس - ولم يكن يفترض بهن ذلك - واصطففن بجرأة بتنوراتهن السوداء وقمصانهن البيضاء ~~ولم تنتبه الآنسة فاريس فدهنت وجوههن كذلك. # كانت لا تنتبه لأمور كثيرة. توقعنا أن تكون شرسة كما كانت طوال الأسبوع، لكن لم يحدث أي ~~شيء من هذا، قالت ناعومي ووجنتاها متوردتان وهي ترتدي ثوب الأمهات: «لعلها مخمورة، أظنني ~~شممت منها رائحة ما.» لم أشم منها أية رائحة سوى ماء التواليت برائحة الزهور البرية ونفحة ~~من عرق رائحته أشبه برائحة الفلفل. لكنها كانت متألقة - بذاك الترتر الذي يحدد حواف ~~سترة زيها بنمط عسكري هزلي - وتتحرك بخفة ورشاقة على ms142 غير عادتها، وتتحدث بنعومة، تتحرك وسط ~~كل ذاك الاضطراب بتقبل شديد. # قالت لزوجة العمدة: «ثبتي تنورتك بالدبابيس يا لويز، ليس في وسعك شيء الآن، لن يلحظ ~~الجمهور من مكانه أي شيء.» # لن يلحظ الجمهور! هي من تقول ذلك وهي التي كانت صعبة الإرضاء حتى في أدق التفاصيل، حتى ~~إنها قد أجبرت بعض الأمهات على أن يمزقن ما انتهين من حياكته ويعدنه ثلاث ~~مرات! # وقالت لآلما كودي: «فتاة كبيرة قوية وصحيحة البدن مثلك تستطيع أن تتناول ست حبات أسبرين ~~دون أن يطرف لها جفن، قفي على قدميك يا سيدتي.» # كانت الراقصات يرتدين تنورات قطنية لامعة ذات ألوان حمراء وصفراء وخضراء وزرقاء وبيضاء، ~~وفوقها قمصان ذات أربطة. وقد أرخت آلما أربطة قميصها لتظهر بداية صدرها بصفاقة. حتى هذا ~~المنظر ابتسمت الآنسة فاريس له واستمرت في طريقها. وبدا أن كل شيء مرغوب يمكن أن يحدث ~~الآن. # بالقرب من بداية الرقصة، بدأ غطاء رأسي - وهو عبارة عن قمع طويل من الورق المقوى ملفوف ~~بشبكة صفراء وبه غطاء صغير مرتخ يحمل طابع العصور الوسطى - بدأ ينزلق بصورة طفيفة وكارثية ~~إلى جانب رأسي. فكان علي أن أميل رأسي كما لو كانت رقبتي ملتوية، وأن أؤدي الرقصة بهذا ~~الشكل وأنا أضغط على أسناني وأرسم ابتسامة ثابتة خاوية. # وبعد أداء النشيد الوطني «ليحفظ الله الملك»، وبعد أن أسدل الستار النهائي، انطلقنا إلى ~~محل المصور جميعنا ونحن لا نزال نرتدي أزياءنا دون معاطف كي تلتقط صورنا. تكدسنا معا ونحن ~~ننتظر أمام الستائر المهملة التي يتخذها المصور خلفية للصور، والتي رسمت عليها شلالات ~~بنية اللون وحدائق إيطالية. وجد دايل ماكلوفلين مقعدا من تلك المقاعد التي يجلس عليها ~~الآباء في الصور العائلية ويتجمع الأولاد والأم من حولها. فجلس على المقعد، وجلست آلما كودي ~~بكل جرأة على ركبته، وارتمت بتثاقل على عنقه. ~~«أشعر بالوهن، إنني مريضة، هل تعلم أنني تناولت أربع حبات أسبرين؟» # كنت أقف أمامهما فقال لي دايل ببشاشة: «اجلسي، اجلسي.» ثم شدني فوق آلما التي صرخت . ثم ~~فتح ساقيه الطويلتين ms143 ورمى كلتينا على الأرض. أخذ الجميع يضحكون، وسقطت قبعتي ونقابي ~~فالتقطها دايل ووضعها على رأسي بالمقلوب، فصار النقاب على وجهي. ~~«تبدين فاتنة هكذا وأنت لا ترين أي شيء.» # حاولت أن أنفض عنها الغبار وألبسها بالشكل الصحيح. وفجأة ظهر فرانك ويلز من بين الستائر ~~بعد أن التقطت صورته وحيدا بزيه الفخم والمعدم في آن واحد. # صاحت زوجة المصور بغضب مطلة برأسها من بين الستائر: «التالي! الراقصون.» كنت آخر من دخل؛ ~~إذ كنت لا أزال أحاول أن أضبط غطاء رأسي بالشكل الصحيح، فقال دايل: «انظري إلى انعكاسك في ~~نظارتي.» فنظرت فيها رغم أن رؤية عينه الوحيدة الحولاء خلف انعكاس صورتي كانت تشتت انتباهي. ~~وكان هو يصنع بوجهه تعبيرات ازدرائية. # ثم قال لفرانك ويلز: «عليك أن تصحبها إلى بيتها.» # فقال فرانك ويلز: «من؟» # أومأ دايل ناحيتي وقال: «هي.» اهتز رأسي في نظارته فتابع قائلا: «ألا تعرفها؟ إنها تجلس ~~أمامك.» # خشيت أن يكون الأمر مجرد مزحة. شعرت بالعرق يتصبب من تحت إبطي، وهي دائما ما تكون ~~العلامة الأولى للخوف من المهانة، وسبح وجهي في عيني دايل الخرقاء. كان ذلك كثيرا، ~~وخطيرا؛ أن يزج بي هكذا إلى داخل حلمي مباشرة. # لكن فرانك ويلز قال بكل شهامة ومراعاة: «كنت سأفعل إن لم تكن تسكن على مسافة بعيدة ~~للغاية.» # كان لا يزال يظن أنني أقطن في طريق فلاتس؛ إذ كنت مشهورة في الفصل بأنني أمشي مسافة كبيرة ~~حتى أصل إلى المدرسة. ألم يعرف أنني أعيش في المدينة الآن؟ لا وقت كي أخبره ولا سبيل لذلك ~~أيضا، كما أن الأمر ينطوي على مخاطرة صغيرة - لا أستطيع تحملها إطلاقا - أن يضحك علي ~~تلك الضحكة الهادئة التي تشبه الصهيل ويقول إنه كان يمزح. # صاحت زوجة المصور قائلة: «جميع الراقصين.» فاستدرت بتلقائية نحوها وتبعتها إلى وراء ~~الستائر. وبعد لحظة غرق إحباطي في بحر من الامتنان؛ فالكلمات التي قالها أخذت تتردد في عقلي ~~كما لو كانت كلمات مديح أو اعتذار، فكانت نغمة حديثه رقيقة جدا وواقعية وإقرارية وجميلة . ~~واستقر بداخلي شعور بالسلام ms144 - كذلك الذي كان يغمرني في حلم اليقظة - أثناء التقاط الصورة، ~~وصاحبني في الطقس البارد في طريق العودة إلى قاعات المجلس، وبقي معي ونحن نغير ملابسنا حتى ~~عندما قالت ناعومي: «انفجر الجميع ضحكا من الطريقة التي كنت تمسكين بها رأسك أثناء الرقص، ~~لقد بدوت كدمية مكسورة العنق. لكن لم يكن بيدك أي شيء.» كانت في مزاج يزداد سوءا لحظة بعد ~~الأخرى، وهمست في أذني: «هل تعلمين، كل ما أخبرتك به عن دايل ماكلوفلين؟ كله كذب، كله كان ~~تمثيلا افتعلته كي أستخرج منك أسرارك، ها ها.» # كانت الآنسة فاريس تلتقط الثياب وتطويها بشكل آلي، وكان بعض من دقيق الذرة قد انسكب على ~~مقدمة ردائها الوردي الضارب إلى الحمرة، وبدا صدرها مقعرا كما لو أن شيئا انهار بداخله. ~~كانت لا تكاد تلحظ وجودنا إلا عندما قالت: «اخلعن الحلي وردية الشكل من على أحذيتكن يا ~~بنات، اتركنها أيضا؛ فكل هذا سنعيد استخدامه يوما ما.» # سرت إلى مدخل قاعة البلدية، وهناك كانت أمي تنتظر ومعها فيرن دوجرتي وأخي أوين مرتديا زي ~~تحية العلم (كان على طلاب الصفوف الأصغر أن يقوموا بمهام غير ذات أهمية مثل تحية العلم أو ~~المقطوعات الموسيقية التعليمية البسيطة قبل رفع الستار لعرض الأوبريت) غارسا علمه - الذي ~~سمح له بالاحتفاظ به - في كومة من الجليد. # فقالت أمي: «ما الذي أخرك هكذا؟» وكان لديها بعض التعليقات الصغيرة الغريبة تتعلق ~~بالتقاليد فقالت: «لقد كان الأوبريت جميلا، لكن هل أصبت بتشنجات في رقبتك؟ ذاك الصبي ويلز ~~كان الوحيد على خشبة المسرح الذي نسي أن يخلع قبعته أثناء نشيد «ليحفظ الله الملك».» # ماذا حدث بعد الأوبريت؟ في أسبوع واحد تلاشى عن الأنظار. فكانت رؤية قطعة من أزياء ~~الأوبريت معلقة في حجرة المعاطف في انتظار إعادتها إلى مكانها؛ تشبه رؤية شجرة عيد الميلاد ~~مسندة إلى الشرفة الخلفية في شهر يناير وقد تحول لونها إلى اللون البني وأجزاء من الشرائط ~~المبهرجة ملتصقة بها، وكأنها تذكار لوقت تبدو توقعاته المحمومة وما بذل فيه من مجهود الآن ~~في غير محله. ms145 لكن الأرضية الصلبة التي يوفرها لنا السيد ماكينا كانت ثابتة تحت أقدامنا؛ فكل ~~يوم كنا نحل ثماني عشرة مسألة حسابية كي نلحق بما فاتنا من المنهج، ونستمع باطمئنان إلى ~~عبارات مثل: «الآن وبسبب كل هذا الوقت الذي فقدناه، لا بد أن نضع أنوفنا بين شقي الرحى.» ~~وقد بدت تعبيرات مثل «أنوفنا بين شقي الرحى»، «أكتافنا على العجلة»، «أقدامنا على الدواسات» ~~- وهي التعبيرات المفضلة لدى السيد ماكينا - بسذاجتها وسهولة توقعها؛ مرضية لنا بشكل غريب. ~~فكنا نأخذ معنا إلى المنزل أكواما من الكتب، ونقضي وقتنا نرسم خرائط أونتاريو والبحيرات ~~العظمى - وهي أصعب خرائط يمكن رسمها في العالم - وندرس رواية «رؤيا السير لونفال». # كانت جميع المقاعد في الفصل قد نقلت من أماكنها، وقد اتضح أن عملية إعادة ترتيب المقاعد ~~وتغيير الجيران فكرة مثيرة للاهتمام ومحفزة. وصار فرانك ويلز يجلس الآن على الجانب الآخر من ~~الفصل. وذات يوم جاء حارس المدرسة بسلمه الطويل وأزال شيئا كان مرئيا في أحد المصابيح ~~المعلقة منذ عيد الهالوين. اعتقدنا جميعا أنه واق ذكري وقد ارتبط اسم دايل ماكلوفلين به، ~~ولكن - بالقدر نفسه من الغموض وإن كان أقل خزيا - اتضح في النهاية أنه مجرد جورب قديم. ~~كان السيد ماكينا سيقول في مثل هذا الموقف: «إنه وقت نبذ الخيالات والعودة للحديث عن الأمور ~~المهمة.» # بالطبع لم تخب جذوة الحب بداخلي تماما مع تغير الموسم؛ وظلت أحلامي تطاردني في يقظتي، ~~لكنها كانت مستقاة من الماضي، فلم يكن هناك شيء جديد يغذيها، كما أن تغير الموسم أحدث ~~فارقا. فقد بدا لي أن الشتاء هو فصل الحب لا الربيع؛ ففي الشتاء يبدو العالم الذي نقطنه ~~متقلصا، ومن ذلك الحيز الضيق المنغلق الذي نعيش فيه، قد تزدهر الآمال الرائعة. أما الربيع، ~~فيظهر جغرافيا المكان العادية؛ الطرقات الطويلة بنية اللون، والأرصفة القديمة المتشققة ~~تحت أقدامنا، وأغصان الشجر التي تكسرت في عواصف الشتاء والتي لا بد أن تزال عن الأفنية؛ ~~فالربيع يظهر المسافات كما هي بالضبط. # لم يستكمل فرانك ويلز دراسته ويلتحق بالمدرسة الثانوية كما فعل ms146 معظمنا، بل حصل على وظيفة ~~في مغسلة جوبيلي للتنظيف الجاف. في ذلك الوقت، لم تكن محال التنظيف الجاف تمتلك شاحنات؛ ~~فكان معظم الناس يذهبون ليستلموا ملابسهم بأنفسهم، لكن قليلا من الثياب كانت توصل إلى ~~أصحابها في منازلهم. وكانت وظيفة فرانك ويلز أن يقوم بتسليم تلك الثياب في أي مكان في ~~المدينة، وأحيانا كنا نقابله أثناء تأدية مهام عمله في طريق عودتنا من المدرسة، فكان يلقي ~~علينا التحية باللهجة السريعة الجادة المهذبة التي تميز رجل أعمال أو رجلا عاملا ~~يخاطب أولئك الذين لم يدلفوا بعد إلى العالم المسئول. وكان دائما ما يحمل الثياب رافعا ~~إياها إلى مستوى كتفيه ومرفقه مثني بالشكل المناسب لإتمام المهمة؛ فعندما بدأ العمل لم يكن ~~قد اكتمل نمو جسده ليبلغ أقصى طول له. # ظللت لفترة - ستة أشهر تقريبا على ما أعتقد - أتردد على مغسلة جوبيلي للتنظيف الجاف ~~بداخلي ارتجافة حماسة ضئيلة وأمل أن أراه، لكنه لم يكن يتواجد قط في المحل الأمامي، وإنما ~~كان من يظل هناك هو صاحب المحل أو زوجته - وكلاهما صغير الجسد يبدو عليه الإرهاق ويميل لون ~~بشرته إلى الزرقة وكأنما تركت سوائل التنظيف الجاف بقعا عليه أو وجدت طريقها إلى ~~دمائه. # أما الآنسة فاريس فقد غرقت في نهر واواناش، عندما كنت أنا في المدرسة الثانوية؛ أي بعد ~~ثلاث أو أربع سنوات من أوبريت «زمار هاملين»، لكنني عندما سمعت الخبر شعرت كما لو أن الآنسة ~~فاريس كانت تعيش في زمن سحيق كانت به المشاعر ساذجة وبدائية والمفاهيم خاطئة. كنت أشعر أنها ~~مسجونة في ذلك الزمن، وشعرت بالدهشة لأنها تمكنت من تحرير نفسها لتقترف هذا الفعل، إذا ~~كان هذا الفعل من صنع يديها. # من الممكن - لكن ليس من المرجح على الإطلاق - أن تكون الآنسة فاريس قد ذهبت تتمشى على ضفة ~~النهر شمالي المدينة قرب الجسر الإسمنتي، وأن تكون قد زلت فسقطت في الماء ولم تستطع إنقاذ ~~نفسها. كما أنه ليس من المستبعد - كما أشارت جريدة «هيرالد أدفانس» لمدينة جوبيلي - أن تكون ~~قد اختطفت من منزلها ms147 من قبل شخص أو أشخاص مجهولين وأجبرت على أن تلقي بنفسها في النهر؛ فقد ~~تركت منزلها مساء دون أن تغلق الباب وكان النور مضاء. صدق بعض الأشخاص المتحمسين لأفكار ~~الجرائم الصامتة الغريبة التي تحدث في الليل قصة جريمة القتل تلك. أما غيرهم فرأوا أنها ~~حادثة، ربما بدافع طيبتهم أو خوفهم. كان هذان هما الاحتمالين اللذين يخضعان للجدل ~~والمناقشة. أما من رأوا أنها انتحار - وقد أصبح معظم الناس في نهاية المطاف كذلك - فلم ~~يرغبوا في الحديث عن الموضوع كثيرا، ولماذا قد يفعلون هذا؟ فلم يكن هناك ما يقال؛ فقد كان ~~الأمر برمته لغزا لا تفسير له ولا أمل لتفسيره يقف - بكل غطرسة وتحد - واضحا وضوح ~~السماء الزرقاء الصافية. فليس ثمة تجل للحقائق محتمل هنا. # صورة الآنسة فاريس وهي تتزلج مرتدية زي التزلج المخملي معتمرة قبعتها الأنيقة - التي ~~تميزها دائما عن الآخرين - المصنوعة من الفراء وهي تتمايل بين المتزلجين، وصورة الآنسة ~~فاريس والجميع يصيحون بها: «كون بريو»، ثم صورة الآنسة فاريس وهي تدهن الوجوه في قاعات ~~المجلس، والآن صورة الآنسة فاريس وهي طافية على الماء في نهر واواناش ووجهها لأسفل - دون أي ~~بادرة للمقاومة - قبل أن تكتشف جثتها بستة أيام؛ برغم أنه لا توجد طريقة منطقية لوضع تلك ~~الصور بجانب بعضها - وإذا كانت الصورة الأخيرة حقيقية، أليس من الضروري أن تغير الصور ~~الأخرى؟ - فسيتعين أن تظل تلك الصور جنبا إلى جنب الآن. ~~«زمار هاملين»، و«أميرة الغجر»، و«التاج المسروق»، و«الفارس العربي»، و«راقصو كيري»، ~~و«ابنة الحطاب». # من مرقدها في الماء، أرسلت الآنسة فاريس تلك الأوبريتات كفقاقيع تكونت بمجهود مضن ومرهق، ~~ثم تحررت عرضا حتى تتلاشى وتتلاشى، لكنها ظلت تحبس بداخلها للأبد نفوسنا الطفولية التي ~~تحولت، وحبها غير المتبادل الذي لا ينهزم. # أما السيد بويس، فكان قد ترك جوبيلي بالفعل؛ حيث إنه - كما يقول الناس - لم يشعر قط ~~بالارتياح فيها وكأنها وطنه، ووجد وظيفة عازف للأرجن في كنيسة ومدرس للموسيقى في مدينة ~~لندن، والتي أجد نفسي مضطرة لأفسر أنها ليست مدينة لندن الحقيقية، وإنما مدينة ms148 متوسطة ~~المساحة غربي أونتاريو. وتردد بعد ذلك أنه استطاع أن يندمج هناك في تلك المدينة جيدا؛ حيث ~~وجد فيها أناسا يشبهونه. # | حياة الصبايا والنساء # كانت الجوانب الجليدية على طول الشارع الرئيسي شديدة الارتفاع، حتى إنه جرى حفر طريق فرعي ~~في واحد منها بين الشارع والرصيف أمام مكتب البريد. التقطت صورة لهذا المنظر ونشرت في ~~جريدة «هيرالد أدفانس»، التي تصدر في مدينة جوبيلي، كي يقصها الناس في جوبيلي ويرسلوها إلى ~~أقاربهم ومعارفهم، الذين يعيشون في طقس أقل حدة في إنجلترا أو أستراليا أو تورونتو. وكان ~~برج الساعة المبني من القرميد الأحمر يبرز فوق الجليد، ووقفت سيدتان في الطريق الفرعي ~~لتثبتا أنه حقيقي وأن الأمر ليس خدعة. كانت هاتان السيدتان تعملان في مكتب البريد، وكانتا ~~ترتديان معطفيهما دون أن تغلقا أزرارهما، إحداهما كانت فيرن دوجرتي، مستأجرة لدى ~~أمي. # قصت أمي تلك الصورة من الجريدة؛ لأن فيرن بها، وأيضا لأنها قالت إنني يجب أن أحتفظ بها ~~لأريها لأطفالي. # وقالت: «إنهم لن يروا شيئا كهذا قط في أيامهم؛ ففي ذلك الوقت سيجمع الجليد في ماكينات ~~وسوف ... يتبدد، أو سيعيش الناس تحت قباب شفافة يمكن التحكم في درجة حرارتها، ولن تعود هناك ~~فصول مناخية.» # كيف كانت تجمع كل تلك المعلومات المزعجة عن المستقبل؟ فقد كانت تتطلع إلى زمن يستبدل فيه ~~بمدن مثل جوبيلي قباب وأبنية على شكل فطر عيش الغراب مصنوعة من الخرسانة، ويكون بها طرق ~~جوية للتنقل من قبة إلى أخرى، وسيغدو الريف محاطا بأشرطة عريضة هائلة من الأرصفة وتتغير ~~ملامحه تماما. لن يظل شيء على حاله كما نعرفه اليوم، لن تكون هناك مقلاة، ولا دبابيس شعر، ~~ولا صفحات مطبوعة، ولا أقلام حبر. لم تترك أمي شاردة ولا واردة إلا تخيلت كيف ستكون في ~~المستقبل. # وقد أصابني حديثها عن أطفالي بالدهشة أيضا؛ لأنني لم أنتو أبدا أن أنجب أي أطفال. لقد ~~كان ما أسعى وراءه هو المجد، فكنت أسير في طرقات جوبيلي كشخص منفي أو جاسوس لا أدري من أي ~~اتجاه ستأتيني الشهرة، ولا ms149 متى، لكني كنت واثقة حتى النخاع أن هذا سيحدث. ولقد كانت أمي ~~تشاركني تلك الثقة، لقد كانت حليفتي، لكنني الآن لن أناقش الأمر ثانية معها لأنها لم تكن ~~كتومة، كما أن توقعاتها اتخذت منحى سيئا متطرفا. # فيرن دوجرتي، ها هي صورتها في الجريدة تمسك بدلال ياقة معطفها الشتوي الأنيق، والذي ~~أسعدها الحظ بأنها ارتدته ذاك اليوم وهي ذاهبة إلى العمل. وقالت: «إنني أبدو في حجم بطيخة ~~وأنا مرتدية هذا المعطف.» # كان السيد تشامبرلين يطالع الصورة معها فقرص ذراعها فوق تجاعيد معصمها المستديرة ~~الشكل. ~~«قشرة صلبة، بطيخة صلبة عجوز.» # قالت فيرن: «لا تكن شريرا، إنني أعني ما أقول.» كان صوتها صغيرا جدا بالنسبة لامرأة ~~ضخمة مثلها، صوتا حزينا منكسرا لكنه مع ذلك خفيف الظل وممتع. فبدا أن كل تلك الخصال التي ~~اكتسبتها أمي لخوض معركتها مع الحياة - الحدة والذكاء والتصميم والانتقائية - تقف على طرفي ~~النقيض من خصال فيرن التي كانت شكاءة، بطيئة الحركة وتتسم بالطيبة اللامبالية. وكانت ~~بشرتها داكنة اللون - ليست بنية فاتحة وإنما تبدو عليها طبقة من الغبار - باهتة، بها بقع ~~بنية في حجم العملات؛ فكانت بشرتها تبدو كأرض مرقطة أسفل شجرة في يوم مشمس. وكانت أسنانها ~~مربعة بيضاء ناتئة بعض الشيء تتخللها فراغات صغيرة. وقد منحتها تلك الصفات، التي لم يكن ~~أي منها جذابا في حد ذاته، مظهرا لعوبا حسيا. # كان عندها مبذل من الساتان لونه ياقوتي، رداء جميل بحق، يبرز حين تجلس نتوءات معدتها ~~وفخذيها. كانت ترتديه صباح كل يوم أحد، عندما تجلس في غرفة الطعام في بيتنا تدخن وتحتسي ~~الشاي حتى يحين وقت الذهاب للكنيسة. كان ذلك المبذل ينفرج عند ركبتيها فيظهر من تحته قميص ~~نوم ضيق باهت اللون مصنوع من الحرير الصناعي. لم أكن أحتمل ارتداء قمصان النوم؛ لأنها تلتف ~~وتتعقد حول الجسد أثناء النوم، كما أنها تترك منطقة بين الساقين مكشوفة. عندما كنت أنا ~~وناعومي صغيرتين، كنا نرسم صورا لرجال ونساء لهم أعضاء جنسية ضخمة مخيفة ، وكنا نرسم ~~الأعضاء الجنسية لدى النساء بدينة ومنتفشة بشعر ms150 رفيع حاد كالإبر، تشبه ظهر حيوان الشيهم. ~~ومن ثم، في حال ارتداء قمصان النوم، لا يستطيع المرء تجاهل إدراكه لتلك الكتلة الكريهة التي ~~كانت البيجامات تحتويها وتحجبها باحتشام. وكانت أمي أثناء ذلك الإفطار في كل يوم أحد ترتدي ~~بيجامات واسعة مخططة ورداء كيمونو باهتا لونه بني ضارب إلى الحمرة برباط مزين، وخفين ~~عبارة عن جوربين صوفيين أسفلهما نعل محاك بهما. # كانت أمي وفيرن دوجرتي صديقتين برغم اختلافاتهما، فكانت أمي تقدر في الناس خبرتهم ~~بالعالم، والاحتكاك بأي حياة بها قدر من التعلم أو الثقافة، وأخيرا أية إشارة لكون المرء ~~مثيرا للحيرة في جوبيلي. لم تقض فيرن حياتها وهي تعمل في مكتب البريد؛ ففي وقت من الأوقات ~~درست الغناء في معهد الموسيقى الملكي، وتغني حاليا في جوقة الكنيسة المتحدة؛ فتغني في أحد ~~عيد الفصح «أعرف أن مخلصي يعيش»، وفي الأعراس كانت تغني: «من أجل»، و«عدني»، و«الصوت الذي ~~يتنفس فوق عدن». وفي عصر أيام السبت، حيث يغلق مكتب البريد أبوابه، تستمع هي وأمي إلى بث ~~أوبرا متروبوليتان. وكان لدى أمي كتاب عن الأوبرا فكانت تخرجه وتتبع القصة محددة الأغنية ~~الفردية، والتي تكون لها ترجمة في الكتاب. كانت تطرح أسئلة على فيرن، لكن فيرن لم تكن تعرف ~~الكثير عن الأوبرا كما قد يتوقع المرء، بل إنها كانت أحيانا يختلط عليها الأمر فلا تعرف أي ~~أوبرا كانوا يستمعون إليها. لكنها كانت أحيانا تميل للأمام وهي تسند مرفقيها على الطاولة، ~~غير مرتخية وإنما تسند جسدها إلى الطاولة بحذر وتغني بسخرية وازدراء مقلدة الكلمات ~~الأجنبية: «دو، داا، دو؛ دا، دو؛ دا دو، دو.» دائما ما كانت قوة وجدية صوتها في الغناء ~~تصيبنا بالدهشة. لم يكن يحرجها أن تطلق العنان لهذه العواطف الجياشة الهائلة التي لم تكن ~~تلقي لها بالا في الحياة. ~~«هل كنت تخططين لأن تصبحي مغنية أوبرا؟» ~~«كلا، لم أخطط إلا لأن أكون السيدة التي تعمل في مكتب البريد. الأمر هو أنني خططت ولم ~~أخطط ؛ فلم يكن لدي الطموح اللازم للعمل، للتدريب. أعتقد أن تلك كانت ms151 مشكلتي، كنت دائما ~~أفضل أن أمضي وقتا ممتعا.» كانت ترتدي في عصر أيام السبت بنطالا واسعا وصندلا يظهر ~~أصابع قدميها القصيرة المكتنزة المطلية. وكانت تسقط رماد السجائر على بطنها التي - لأنها لا ~~ترتدي حزاما - تبرز للأمام وكأنها حامل. وتابعت هي بتفكر: «التدخين يدمر صوتي.» # وبرغم أن أسلوب فيرن في الغناء كان محبوبا، فإنه في جوبيلي كان يعد غناء تفصله شعرة ~~واحدة عن التباهي، وأحيانا كان الأطفال يصيحون ويغنون بصورة كريهة خلفها في الشوارع. وكانت ~~أمي ترى هذا اضطهادا؛ إذ إنها كانت على استعداد لبناء قضايا كهذه من أوهن الأدلة؛ فكانت ~~تعامل الزوجين اليهوديين اللذين يديران متجرا لبيع فائض متعلقات الجيش، أو ذاك الصيني ~~الصامت ضئيل الحجم الذي يعمل بالمغسلة؛ برفق مثير للحيرة، وتقدم لهم عروض صداقة بصوت مرتفع ~~وبطيء، لكن لم يكن أي منهم يفهمها. أما فيرن فلم تكن مضطهدة، وأنا متأكدة من هذا، رغم أن ~~عماتي كبيرات السن - عمات أبي - كن ينطقن اسمها بطريقة غريبة، كما لو كان بالاسم بذرة كبيرة ~~عليهن امتصاصها ثم بصقها. أما ناعومي فقد قالت لي: «كان لفيرن دوجرتي هذه طفل رضيع.» # فقلت بلهجة دفاعية بصورة تلقائية: «لم تنجب أي أطفال.» ~~«بل كان لها طفل، لقد أنجبته عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها؛ ولهذا طردت من معهد ~~الموسيقى.» ~~«وما أدراك أنت؟» ~~«أمي تعرف.» # كان لوالدة ناعومي جواسيس في كل مكان يعلمونها بكل حالات الولادة القديمة وحالات الوفاة. ~~فخلال وظيفتها كممرضة تتنقل من منزل لآخر، كانت تشبه أنبوب شفط مختفيا تحت الماء، تشفط ما ~~لا يمكن لأحد آخر أن يصل إليه. أحسست أنني لا بد أن أجادل ناعومي في هذا لأن فيرن تسكن ~~لدينا، وكانت ناعومي دائما ما تتكلم عمن في بيتنا (فكانت تقول بتلذذ مقيت: «إن أمك ~~ملحدة.» فكنت أقول لها: «لا، بل هي لاأدرية.» وبعد كل ما أقدمه من تفسير منطقي مفعم بالأمل، ~~كانت تردد: «لا فارق، لا فارق».) لم أستطع أن أثأر منها؛ إما ضعفا مني أو جبنا، بالرغم من ~~أن والدها ms152 كان ينتمي إلى مذهب ديني غريب مشكوك فيه، وكان يهيم على وجهه في طرقات المدينة ~~يتحدث عن النبوءات دون أن يضع أسنانه الصناعية. # بدأت أطالع صور الأطفال في الجريدة أو في المجلات عندما تكون فيرن بالقرب مني قائلة: «يا ~~لهم من أطفال رائعين!» ثم أراقبها عن كثب في محاولة لأن استشف شعورا بالندم أو لحظة تغرق ~~فيها في اشتياق أمومي؛ فعلت هذا كما لو أنها يوما ما ستجهش في بكاء حار، وتفرد ذراعيها ~~الخاويتين وتشعر بطعنة في قلبها عندما ترى إعلانا عن بودرة للأطفال أو لحم ناعم مسحوق ~~للأطفال. # بل والأكثر من هذا أن ناعومي قالت إن فيرن فعلت مع السيد تشامبرلين ما يفعله المتزوجون ~~بالضبط. # كان السيد تشامبرلين هو من أتى بفيرن كي تسكن عندنا. فقد استأجرنا البيت من والدته التي ~~تعيش في مستشفى مقاطعة واواناش منذ ثلاث سنوات، وهي كفيفة وطريحة الفراش، وكانت والدة فيرن ~~في المستشفى نفسه، بل إنهما قد تعارفا هناك في الأساس أثناء أحد أيام الزيارة. كانت تعمل ~~وقتها في مكتب بريد مدينة بلو ريفر، وكان السيد تشامبرلين يعمل في محطة إذاعة جوبيلي، وكان ~~يقطن في شقة صغيرة في البناية نفسها؛ إذ كان لا يرغب في تكبد عناء امتلاك بيت. كانت أمي ~~تتحدث عنه بصفته «صديق فيرن» بنبرة توضيحية، كما لو أنها تقصد أن تؤكد على أن كلمة صديق في ~~هذه الحالة لا تعني أكثر من المعنى الذي تحمله. # وقالت: «إنهما يستمتعان بصحبة بعضهما، ولا يلقيان بالا لأي هراء.» # وتقصد بالهراء الرومانسية، الابتذال، الجنس. # أردت أن أرى وقع ما قالته ناعومي على أمي. ~~«قد تكون فيرن والسيد تشامبرلين متزوجين.» ~~«ماذا؟ ماذا تعنين؟ من قال هذا؟» ~~«الكل يعرف هذا.» ~~«أنا لا أعرف بذلك. ولا أحد يعرف ذلك. لم أسمع أحدا يقوله أمامي. إنها ناعومي، تلك هي من ~~قالت هذا، أليس كذلك؟» # لم تكن ناعومي محبوبة في بيتي وما كنت أنا محبوبة في بيتها. فكل منا كانت متهمة بأنها ~~تحمل بذور فساد ما؛ بذور الإلحاد في حالتي، ms153 وبذور الانشغال بالجنس في حالة ناعومي. ~~«إنها العقليات القذرة المستشرية في هذه المدينة التي لن تترك أحدا في حاله قط.» # وختمت أمي حديثها مضفية لمحة من المنطق: «إذا لم تكن فيرن دوجرتي امرأة صالحة، فهل كنت ~~تظنين أني سأتركها تعيش في بيتي؟» # ذلك العام - عامنا الأول في المدرسة الثانوية - كنت أنا وناعومي ننخرط في مناقشات شبه ~~يومية عن الجنس، لكننا كنا نستخدم نبرة واحدة في الحديث - ومن ثم كانت هناك مستويات من ~~الصراحة لا نصل إليها قط - وهي نبرة تهكمية ازدرائية وفضولية. قبل عام، كنا نحب أن نتخيل ~~أنفسنا ضحايا للعاطفة، لكننا الآن صرنا متفرجتين، أو على أقصى تقدير مجربتين باردتين ~~ومرحتين. كان معنا كتاب وجدته ناعومي في خزانة ملابس والدتها القديمة، أسفل البطانيات ~~الأكثر أناقة لديها، والتي تحتفظ بها مع كرات النفتالين. # قرأنا بصوت عال: يجب توخي الحذر خلال الاتصال الأولي، وخاصة إذا كان العضو الذكري ذا ~~حجم غير معتاد. وقد يكون استعمال الفازلين فعالا في هذه الحالة. # فقلت معلقة: «أنا عن نفسي أفضل الزبدة، إنها أشهى.» # ثم واصلنا القراءة: يلجأ إلى الجماع بين الفخذين عادة في المراحل الأخيرة من ~~الحمل. ~~«أتعنين أنهم يظلون يمارسون الجنس حتى في هذه المرحلة؟» # قد يلجأ إلى وضع الإيلاج من الخلف إذا كانت الأنثى بدينة للغاية. # قالت ناعومي: «فيرن، هكذا يفعلها مع فيرن، إنها بدينة للغاية.» ~~«أف! هذا الكتاب أصابني بالغثيان.» # قرأنا أن العضو الذكري حين ينتصب يبلغ الأربع عشرة بوصة طولا، بصقت ناعومي العلكة التي ~~كانت تمضغها وبرمتها بين راحتيها ماطة إياها أطول وأطول، ثم أمسكتها من أحد طرفيها ~~وتركتها تتدلى في الهواء قائلة: ~~«السيد تشامبرلين، محطم الأرقام القياسية.» # وبعدها كلما جاءت إلى منزلي وتصادف وجود السيد تشامبرلين، كانت إحدانا أو كلانا إذا كنا ~~نمضغ العلكة نخرجها من فمينا ونبرمها بهذه الطريقة، ثم نتركها تتدلى في الهواء بكل براءة، ~~حتى إن الكبار قد لاحظوا ذلك، وقال السيد تشامبرلين: «يا لها من لعبة تلك التي تلعبانها!» ~~وقالت أمي: «توقفا عن ذلك، فهذه قذارة» ms154 (وكانت تقصد العلكة). أخذنا نراقب فيرن والسيد ~~تشامبرلين؛ بحثا عن أي علامات شغف أو خلاعة أو نظرات شهوانية أو يده تحت تنورتها، لكننا لم ~~نجد أي شيء. وكان دفاعي عنهما حقيقيا بأكثر مما كنت أتمنى؛ لأنني - مثل ناعومي - كنت أحب ~~أن أمتع نفسي بأفكار عنهما تتضمن مجونا وتمرغا في فراش يحدث أصواتا (قالت ناعومي إن هذا ~~كان يحدث في الكبائن السياحية كل مرة كانا يذهبان فيها في رحلة لمشاهدة البحيرة). لم يكن ~~الاشمئزاز يطرد شعوري بالاستمتاع في أفكاري، بل إنهما كانا شعورين متلازمين. # كان السيد تشامبرلين - واسمه آرت تشامبرلين - يقرأ الأخبار في إذاعة جوبيلي، وكان أيضا ~~يتولى إذاعة الأخبار الخطيرة والهامة. وكان له صوت احترافي جميل، صوت مشجع وكأنه شوكولاتة ~~جميلة تنساب لتخرج من آلة الأرجن كأنها موسيقى وهو يذيع برنامج «في ذكرى»، والذي يذاع ~~برعاية مؤسسة محلية لتقديم خدمات تنظيم الجنازات في عصر يوم الأحد. وكان أحيانا يجعل فيرن ~~تغني في هذا البرنامج أغاني دينية مثل: «أتساءل وأنا أتجول»، وأغاني غير دينية ولكن حزينة ~~مثل: «نهاية يوم مثالي». لم يكن من الصعب أن يتحدث المرء عبر إذاعة جوبيلي، حتى أنا قد ~~ألقيت يوما قصيدة فكاهية في برنامج «حفل الصغار صباح كل يوم سبت»، ولعبت ناعومي مقطوعة ~~«أجراس القديسة ماري» على البيانو. وكل مرة تفتح فيها هذه الإذاعة، هناك فرصة جيدة أنك ~~ستسمع صوت شخص مألوفا، أو على الأقل تسمع اسم شخص تعرفه في الإهداءات. («نهدي هذه ~~المقطوعة للسيد كارل أوتيس وزوجته بمناسبة ذكرى زواجهما الثامنة والعشرين، وهي مهداة من ~~ابنهما جورج، وزوجته إيتا، وأحفادهما الثلاثة: لورين ومارك ولويس، وكذلك أخت السيدة أوتيس ~~حرم السيد بيل تاونلي القاطنة في طريق بورترفيلد».) بل إنني قد اتصلت بالإذاعة يوما وأهديت ~~أغنية للعم بيني في عيد ميلاده الأربعين، لكن أمي رفضت أن يذكر اسمها في الإذاعة. وكانت ~~تفضل الاستماع إلى إذاعة تورونتو، والتي كانت تذيع أوبرا المتروبوليتان، وتذيع الأخبار دون ~~إعلانات، وتذيع كذلك برنامج مسابقات تتنافس فيه هي مع أربعة رجال مهذبين، يتضح ms155 من أصواتهم ~~أن لهم لحى صغيرة مدببة. # وكان السيد تشامبرلين يقرأ الإعلانات أيضا، وكان يفعل ذلك باهتمام جم ناصحا بشراء نقاط ~~أنف «فيك» من صيدلية كروس، وتناول العشاء يوم الأحد في فندق برونزويك، والتعاقد مع «لي ~~ويكيرت وأبنائه» للتخلص من الحيوانات النافقة. وكانت فيرن تحييه قائلة: «كيف حال الحيوانات ~~النافقة أيها الجندي؟» فيصفعها برفق على ردفها قائلا: «سأخبرهم أنك تحتاجين لخدماتهم.» ~~فتقول فيرن دون حقد: «يبدو لي أنك تحتاجها أكثر مني.» فيجلس هو على الكرسي ويبتسم لأمي ~~لأنها تصب له الشاي. لم تكن عيناه الخضراوان المائلتان إلى الزرقة تحملان أي تعبير، فقط ذاك ~~اللون الذي تودين أن يكون لون فستانك، وكان دائما مرهقا. # كان السيد تشامبرلين - بيديه بيضاء اللون وأظافره المقلمة بشكل مستقيم، وشعره الخفيف ~~الممشط بعناية الذي يتحول إلى اللون الرمادي، وجسده الذي لم يتعارض أبدا مع ثيابه بل بدا ~~وكأنه مصنوع من الخامات نفسها؛ لذا فربما لا يكون كل جسده سوى قميص وربطة عنق وحلة - غريبا ~~بالنسبة لي كرجل. حتى العم بيني الذي كان نحيلا للغاية وضيق الصدر وشعبه الهوائية مدمرة، ~~كانت له نظرات أو طريقة في التحرك تنذر بعنف محتمل، بأمر قد يخلق اضطرابا، وكان أبي كذلك ~~أيضا رغم أنه كان معتدلا جدا في سلوكياته. لكن هذا الشعور كنت أشعر به تجاه السيد ~~تشامبرلين - الذي كان ينفض سيجارته الجاهزة في منفضة السجائر - الذي شارك في الحرب وكان في ~~قوة المدرعات. إذا كان أبي هنا عندما يأتي تشامبرلين لزيارتنا - أو لزيارة فيرن في الواقع، ~~لكنه لم يجعل ذلك واضحا - كان يسأله عن الحرب. لكن كان من الواضح أنهما كانا يريان الحرب ~~من منظورين مختلفين؛ فأبي كان يراها مخططا كبيرا مقسما إلى حملات منفصلة لها أهداف محددة ~~ربما تفشل أو تنجح. أما السيد تشامبرلين فقد كان يراها مجموعة من القصص ليس لها غاية محددة. ~~وكان دائما ما يجعل من قصصه قصصا مضحكة. # فقد حكى لنا - على سبيل المثال - عن المرة الأولى التي خاض فيها معركة، وعن مدى الارتباك ~~الذي ms156 كان يسود المكان؛ فبعض الدبابات توغلت في إحدى الغابات ثم استدارت عائدة من جهة خطأ؛ ~~من الجهة التي كان زملاؤهم يتوقعون قدوم الألمان منها، وهكذا كانت أولى الطلقات التي أطلقت ~~تجاه واحدة من دباباتهم هم. # قال السيد تشامبرلين دون اكتراث أو أسف: «لقد فجروها!» ~~«هل كان بتلك الدبابة جنود؟» # نظر إلي بدهشة مستهزئة كما يفعل دوما عندما أقول أي شيء، فيشعر الآخرون كما لو أني ~~أحدثه وأنا أقف على رأسي، «لن أندهش كثيرا إذا كان بها جنود.» ~~«إذن هل ... قتلوا؟» ~~«شيء ما حدث لهم، لكنني لم أرهم بعد ذلك إطلاقا، يا إلهي!» # قالت أمي في صدمة ولكن أقل ثقة في نفسها عما هو مألوف: «أصيبوا بنيران رفاقهم، يا له من ~~أمر فظيع!» # قال أبي بهدوء تشوبه بعض الحدة كما لو أن الاعتراض على أي من هذه الأمور يظهر سذاجة ~~أنثوية: «تحدث أشياء مثل هذه في الحرب.» أما السيد تشامبرلين فقد اكتفى بالضحك. واستمر يروي ~~ما فعلوه في آخر أيام الحرب. لقد فجروا المطبخ، فتحوا النار عليه في آخر حلقة لهم من المرح ~~الناري. # قالت فيرن: «يبدو أنكم كنتم مجموعة من الأطفال، ويبدو أنك لم تكن ناضجا بما يكفي لتخوض ~~حربا، ويبدو أنك قضيت وقتا ممتعا تسيطر عليه الحماقة.» ~~«الوقت الممتع هو ما أبحث عنه دوما، أليس كذلك؟» # بمجرد أن قال إنه كان في فلورنسا - وهو الأمر الذي لم يكن مدهشا بما أنه حارب في إيطاليا ~~- اعتدلت أمي في جلستها، بل إنها قفزت قفزة صغيرة في مقعدها وارتجفت وهي شديدة ~~الانتباه. ~~«هل كنت في فلورنسا؟» # رد السيد تشامبرلين دون حماس: «نعم يا سيدتي.» # كررت أمي بمزيج من الارتباك والسعادة: «في فلورنسا، كنت في فلورنسا؟» خطر ببالي أن لدي ~~فكرة عما تشعر به، لكني أملت ألا تفصح أكثر من اللازم. فقالت: «لم يدر بخلدي ذلك، طبعا ~~كنت أعرف أنك كنت في إيطاليا، لكن هذا يبدو غريبا ...» كانت تعني أن إيطاليا تلك التي كنا ~~نتحدث عنها والتي دارت بها رحى الحرب هي المكان ms157 نفسه الذي كتب سطور التاريخ، المكان نفسه ~~الذي عاش به الباباوات القدامى، وعاشت به عائلة ميديتشي، وعاش به ليوناردو، وعائلة تشينتشي، ~~بلد لوحة أشجار السرو، وبلد دانتي أليجييري. # كان من الغريب أن أمي - مع كل حماسها للمستقبل - كانت شديدة الاهتمام بالماضي. فهرعت إلى ~~غرفة الاستقبال وعادت ومعها ملحق الموسوعة الخاص بالفنون والعمارة، والمليء بصور تماثيل ~~ولوحات ومبان ومعظمها مصور في ضوء غائم هادئ رمادي كلون المتاحف. # فتحت الموسوعة على الطاولة أمامه وقالت: «ها هي، ها هي فلورنسا، تمثال داود لمايكل أنجلو، ~~هل رأيته؟» # تمثال رجل عار، يتدلى عضوه الذكري المرمري منه كي ينظر إليه الجميع كبتلة زهرة زنبق ~~متدلية. من غير أمي بصرامتها وبراءتها الشديدة تعرض صورة كهذه أمام رجل، أمامنا جميعا؟ ~~انتفخ فم فيرن وهي تحاول أن تكتم ضحكتها. ~~«كلا، لم يتسن لي أن أراه؛ فالمكان هناك يعج بالتماثيل، هذا مشهور، وذاك مشهور. أينما ~~نظرت وجدت واحدا منها.» # رأيت أنه لم يكن شخصا يمكن التحدث معه في أمور كهذه، لكن أمي واصلت كلامها. ~~«لكن لا بد أنك رأيت الأبواب البرونزية؟ الأبواب البرونزية العظيمة؟ لقد استغرق الفنان ~~الذي صنعها حياته كلها في هذا العمل. انظر إليها، إنها هنا. ماذا كان اسمه؟ جيبرتي، جبرتي، ~~لقد استغرقت حياته كلها.» # بعض الأشياء أقر السيد تشامبرلين بأنه رآها، والبعض الآخر قال إنه لم يره. نظر إلى الكتاب ~~بقدر معقول من الصبر ثم قال بعد ذلك إنه لم يهتم كثيرا بإيطاليا. ~~«ربما كانت إيطاليا بلدا جميلا، لكن المشكلة كانت في الإيطاليين.» # قالت أمي بأسف: «هل وجدتهم منحلين؟» ~~«منحلين، لا أدري، لا أدري كيف كانوا، لم يكونوا يبالون بشيء؛ ففي شوارع إيطاليا، جاءني ~~رجل وعرض علي أن يبيعني ابنته. كان هذا يحدث طوال الوقت.» # فقلت وأنا أضع على وجهي بسهولة قناع البراءة البسيط والجريء: «لماذا يريد بيع الفتاة، هل ~~ستباع كجارية؟» ~~«شيء من هذا القبيل.» قالتها أمي وهي تغلق الكتاب متخلية عن مايكل أنجلو والأبواب ~~البرونزية. # قال السيد تشامبرلين باشمئزاز، والذي بدا على وجهه أنه مشوب ms158 بمسحة احتيال: «صبايا في عمر ~~ديل، وبعضهن حتى لم يصلن إلى عمرها.» # قالت فيرن: «إنهن يبلغن مبكرا في ذاك المناخ الحار.» ~~«ديل، خذي هذا الكتاب بعيدا.» كانت النبرة التحذيرية في صوت أمي واضحة كصوت رفرفة جناح ~~طائر يحلق. # وقد سمعت تلك النبرة، ولم أعد إلى حجرة الطعام مرة أخرى، وإنما صعدت إلى الطابق العلوي، ~~وخلعت ملابسي ثم ارتديت مبذل أمي الحريري الأسود المزين بمجموعة من الزهور الوردية ~~والبيضاء. كانت هدية غير عملية لم ترتدها أبدا. نظرت إلى المرآة الثلاثية في غرفة أمي ~~بتحد وقشعريرة تسري في جسدي. سحبت طرفي المبذل عن كتفي ووضعتهما فوق نهدي، اللذين كانا ~~كبيرين بما فيه الكفاية ليناسبا حجم الأقماع الورقية العريضة التي توضع في أطباق المثلجات. ~~كنت قد أضأت المصباح بجانب منضدة الزينة، فخرج منه ضوء وديع دافئ من خلال قوس من زجاج بلون ~~بني ضارب إلى الصفرة، أكسب بشرتي نوعا من اللمعان. نظرت إلى جبهتي العالية المستديرة ~~وبشرتي ذات النمش الوردي ووجهي الذي يبدو بريئا كبيضة، واستطاعت عيناي أن تغيرا ما أراه، ~~أن تجعلا مظهري خبيثا وناعما، وأن تغيرا شعري البني الفاتح الناعم كشجرة مقلمة وتحيلاه ~~إلى شعر متموج كثيف يميل إلى اللون الذهبي أكثر منه إلى اللون البني. كان صوت السيد ~~تشامبرلين يتردد في ذهني - وهو يقول صبايا في عمر ديل - ويفعل بي ما تفعله لمسة الثوب ~~الحريري على جلدي، يحيطني، يجعلني أشعر بأنني في خطر، بأنني مرغوبة. فكرت في الصبايا في ~~فلورنسا، في الصبايا في روما، صبايا في سني يمكن لرجل أن يشتريهن، بعد أن ينبت ذلك الشعر ~~الإيطالي الأسود في إبطهن، وعلى زوايا أفواههن، «إنهن يبلغن مبكرا في ذاك المناخ الحار.» ~~صبايا كاثوليكيات. رجل يدفع لك نقودا كي تتركيه يضاجعك. ماذا قال؟ هل خلع عنك ملابسك أم ~~كان ينتظر أن تفعلي ذلك بنفسك؟ هل خلع سرواله أم اكتفى بأن فتح سحابه وأخرج عضوه الذكري؟ ~~كانت مرحلة انتقالية، جسرا بين ما هو سلوك ممكن ومعروف وعادي، وما هو فعل سحري حيواني لا ms159 ~~أستطيع تخيله. ولا يوجد شيء في كتاب والدة ناعومي عن هذا. # كان في جوبيلي بيت به ثلاث من العاهرات، ذلك إذا ما حسبنا السيدة ماكويد التي تدير هذا ~~البيت وكانت على الأقل في الستين من عمرها. كان هذا البيت يقع في الطرف الشمالي من الشارع ~~الرئيسي في ساحة مزروعة بنباتات الهندباء البرية والخطمي، إلى جوار محطة الخدمات البريطانية ~~الأمريكية. في الأيام المشمسة كانت المرأتان الشابتان أحيانا تجلسان على كرسيين قماشيين، ~~وكنت أنا وناعومي قد مررنا أكثر من مرة بهذا المكان ورأيناهما ذات مرة. كانت كل منهما ~~ترتدي ثوبا من قماش قطني ملون وخفين، وأرجلهما البيضاء كانت عارية، وكانت إحداهما تقرأ ~~جريدة «ستار ويكلي»، فقالت لي ناعومي إن اسمها بيجي، وإنها ذات ليلة في حمام الرجال في قاعة ~~رقص «جاي لا» وافقت على تقديم خدماتها لصف من الرجال وهم واقفون. هل هذا ممكن؟ (سمعت هذه ~~القصة ثانية بعدها، لكن هذه المرة كانت السيدة ماكويد بنفسها هي التي أدت أو تحملت هذا ~~العمل البطولي، ولكن لم يكن هذا في قاعة «جاي لا»، وإنما مستندة على الجدار الخلفي لمقهى ~~«بلو آول كافيه».) تمنيت لو رأيت ملامح بيجي هذه بشكل أوضح فلم أر سوى عدة خصلات من شعر بني ~~ناعم مموج تتدلى فوق الجريدة، تمنيت لو رأيت وجهها. توقعت أن أرى شيئا ما؛ هالة كريهة من ~~الفساد، غازا كريها ينبعث منها. اندهشت لكونها تقرأ جريدة وأن الكلمات المكتوبة تعني لها ~~شيئا مثلما تعني لنا نحن، وأنها تأكل وتشرب، وأنها لا تزال بشرا. كنت أتخيل أنها تجاوزت ~~الطبيعة الإنسانية إلى حالة من الفسوق التام، على النقيض التام من مراتب القديسين، لكن ~~مثلهم مجهولة ومعزولة. ما كان يبدو عاديا هنا - جريدة ستار ويكلي، والستائر المنقطة ~~الملفوفة إلى الخلف، ونبات الغرنوقي الذي ينمو باعثا على الأمل من الوعاء القصديري في ~~نوافذ بيت العاهرات - كله بدا خداعا متعمدا ومزعجا؛ قشرة من المظهر العادي التي تغطي ~~الخزي، التي تغطي المجون والاستغراق في الشهوات. # أخذت أدلك فخذي عبر الحرير البارد، ms160 لو كنت ولدت في إيطاليا لكان جسدي الآن قد استخدم ~~وتكدم وأدرك كل شيء، دون أن تكون غلطتي. حملتني فكرة العهر الذي لا جريرة لي فيه خارج ~~الواقع للحظة، فكرة مغرية ومريحة لأنها كانت نهائية وتقضي على الطموح والقلق. # بعدها قمت بتأليف عدة حلقات غير مكتملة من أحلام اليقظة. تخيلت أن السيد تشامبرلين رآني ~~في مبذل أمي الأسود ذي الزهور وكان منسدلا من على كتفي مثلما رأيت نفسي في المرآة، ثم ~~اقترحت أن أخلع الثوب وأتركه يراني عارية تماما. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ يجب أن أتخلص من ~~الآخرين الذين يتواجدون عادة معنا في المنزل. أرسلت أمي خارج البيت كي تبيع موسوعاتها، ~~ونفيت أخي إلى المزرعة. لا بد أن يكون هذا في إجازة الصيف عندما أكون في البيت لا أذهب ~~للمدرسة، ولا تكون فيرن قد عادت بعد من مكتب البريد. ثم أنزل أنا إلى الطابق السفلي في عصر ~~يوم قائظ لا أرتدي شيئا سوى هذا الثوب الحريري. أشرب كوبا من الماء أمام الحوض دون أن ~~ألحظ وجود السيد تشامبرلين الذي يجلس بهدوء في الحجرة ... وماذا بعد؟ كلب غريب - يظهر في ~~بيتنا لأول مرة لهذه الغرض فحسب - يقفز علي ويجذب الثوب عن جسدي، أو ربما أستدير بشكل ما ~~فيشتبك الثوب بمسمار في أحد المقاعد وينزلق عن جسدي ويسقط عند قدمي، المهم أن يحدث هذا دون ~~قصد، دون مجهود من جانبي، وبالتأكيد دون أي مجهود من جانب السيد تشامبرلين. لكن حلمي انتهى ~~عند نقطة التعري هذه ولم يتخطها. في الواقع، غالبا لم يكن يصل إلى هذه النقطة بل يتوقف عند ~~التفاصيل المبدئية ويعززها ويجعلها متماسكة، لكن لم يتمكن عقلي من تعزيز لحظة التعري أمام ~~أحد، فكانت تسطع دائما كوميض ضوء مبهر. لم أتخيل قط رد فعل السيد تشامبرلين، بل إنني لم ~~أتصوره هو بوضوح. كان وجوده أساسيا لكنه ضبابي، يقبع في إحدى زوايا حلم اليقظة بلا ملامح ~~لكنه مع هذا قوي ، يصدر أزيزا كهربائيا كمصباح فلورسنت أزرق. ~~••• # ذات مرة رآنا والد ناعومي ms161 بينما كنا نسرع أمام باب غرفته في طريقنا للطابق السفلي. ~~«تفضلا أيتها الآنستان، وشرفاني بزيارتكما قليلا.» # كنا في فصل الربيع، وكان مساء عاصفا غابرا، ورغم هذا كان يحرق بعض القمامة في موقد ~~معدني مستدير في غرفته؛ مما جعل الغرفة حارة وكريهة الرائحة. وكان قد غسل جواربه وثيابه ~~الداخلية وعلقها على حبل ممدود على طول الجدار. كانت ناعومي ووالدتها تعاملانه معاملة سيئة، ~~وعندما لا تكون والدة ناعومي بالمنزل كانت ناعومي تفتح علبة مكرونة اسباجتي وتضعها بإهمال ~~في طبق وتقدمها له كعشاء، فكنت أقول لها: «ألن تقومي بتسخينها؟» فترد قائلة: «وعلام العناء؟ ~~إنه لن يلاحظ الفارق على أية حال.» # وعلى أرضية غرفته كانت هناك رزم من كتيبات مطبوعة على ورق صحف، أظن أنها تتعلق بالدين ~~الذي يعتنقه، وكانت ناعومي أحيانا تضطر لأن تحضرها من مكتب البريد. ونظرا لأنها كانت ~~تحتذي بوالدتها، فقد كانت تحمل مقتا لمعتقداته الدينية، وتقول: «كلها تنبؤات وتنبؤات، لقد ~~تنبئوا بنهاية العالم ثلاث مرات حتى الآن.» # جلسنا على حافة السرير الذي لم يكن عليه مفرش، وإنما بطانية قذرة خشنة، وجلس هو على كرسيه ~~الهزاز قبالتنا. كان رجلا عجوزا، وكانت والدة ناعومي تمرضه قبل أن تتزوجه. تتخلل ~~عباراته لحظات صمت طويلة لا ينسى فيها محدثه، لكنه يركز عينيه الشاحبتين على جبهته كما لو ~~كان يتوقع أن يجد بقية أفكاره مكتوبة عليها. ~~«أقرأ في الكتاب المقدس.» قالها بلهجة ودودة ودون داع وبأسلوب من اختار ألا يرى ~~الاعتراضات التي يعلم أنها موجودة. ثم فتح إنجيلا كبيرا مطبوعا على صفحة تحمل علامة، ~~وشرع يقرأ بصوت عجوز حاد، وكان يتوقف وقفات غريبة ويعاني صعوبات في التعبير. # حينئذ يشبه ملكوت السماوات بعشر عذارى أخذن ~~مصابيحهن وانطلقن لملاقاة العريس. # وكانت خمس منهن حكيمات، وخمس جاهلات. فأخذت ~~الجاهلات مصابيحهن دون زيت. # وأما الحكيمات، فأخذن مع مصابيحهن زيتا وضعنه في ~~أوعية. وإذ أبطأ العريس، نعسن جميعا ونمن. وفي منتصف ~~الليل، دوى الهتاف: ها هو العريس آت؛ فانطلقن ~~لملاقاته! # فنهضت العذارى جميعا وجهزن مصابيحهن. وقالت ~~الجاهلات للحكيمات: أعطيننا بعض ms162 الزيت من عندكن، ~~فإن مصابيحنا تنطفئ! # عندها اتضح بالطبع - فقد تذكرت أني قد سمعت هذا الكلام من قبل - أن العذارى ~~الحكيمات لم يعطين الأخريات أي مقدار من الزيت خشية ألا يتبقى لهن ما يكفي، وستذهب الجاهلات ~~كي يبتعن بعض الزيت فيفوتهن مقدم العريس ويستبعدن. كنت دائما أظن أن هذه الحكاية - التي ~~لم ترق لي - تتحدث عن الحكمة والاستعداد أو شيء من هذا القبيل. لكنني أرى الآن أن والد ~~ناعومي يراها تدور حول الجنس. التفت جانبا في اتجاه ناعومي فرأيتها تمتص جانب فمها ~~للداخل، وهو الانطباع الذي يرتسم على وجهها دائما عندما تتعرف على هذا الموضوع، لكنها كانت ~~تبدو متذمرة وبائسة، مشمئزة من ذلك الشيء الذي كنت أعتبره متعتي السرية؛ ألا وهو ذاك التيار ~~المتدفق من الكلمات الشعرية والتعبيرات التي لم تعد مستخدمة. لقد كانت مستاءة من كل هذا حتى ~~إنها لم تستمتع حتى بكلمة العذارى. # أغلق والدها فمه الأهتم، أغلقه تماما وبخبث كأنه طفل. ~~«نكتفي بهذا القدر الآن. فكرا بهذه الحكاية عندما يحين الوقت لهذا؛ فبها رسالة ~~للصبايا.» ~~«ذاك العجوز الأخرق التافه.» قالتها ناعومي ونحن نهبط الدرج. ~~«أشعر بالأسى لأجله.» # وكزتني في جانبي. ~~«أسرعي، دعينا نخرج من هنا، فقد يجد شيئا آخر. وسيأخذ في قراءة الإنجيل حتى تخرج عيناه ~~من محجريهما. هذا ما يستحقه.» # ركضنا إلى الخارج إلى شارع ميسون في تلك الأمسيات المضيئة الطويلة كنا نتجول في كل جزء في ~~المدينة. فتسكعنا بالقرب من مسرح الليسيوم، ومقهى «بلو آول كافيه»، وقاعة لعب البلياردو. ~~وجلسنا على مقاعد بالقرب من النصب التذكاري وكنا نلوح لأية سيارة تطلق نفيرها تجاهنا، وكان ~~قائدها يندهش من صغر سننا وخرقنا فيستكمل طريقه وهو يضحك من نافذة سيارته. دخلنا حمام ~~السيدات في دار البلدية ذا الأرضية المبتلة والحوائط الإسمنتية الرطبة التي تفوح منها رائحة ~~الأمونيا المزعجة، وعلى باب الحمام كانت الفتيات الحمقاوات السيئات فقط هن من يكتبن ~~أسماءهن، فكتبنا نحن اسمي ملكتي صفنا المتوجتين؛ مارجوري كوتس وجوين موندي. كتبنا الاسمين ~~بأحمر الشفاه ورسمنا تحتهما أشكالا خليعة. ms163 لماذا فعلنا هذا؟ هل كنا نكره هاتين الفتاتين ~~اللتين كنا بالنسبة لهما فتاتين طيبتين مذعنتين ولا نخذلهما؟ لا ونعم، كنا نكره مناعتهما، ~~وافتقارهما إلى الفضول النابع من حسن تربيتهما، كنا نكره كل ما يجعلهما مميزتين وخيرتين ~~وسعيدتين تطفوان على سطح الحياة في جوبيلي، والذي سيجعلهما تشتركان في الأخويات الجامعية، ~~وأيضا تخطبان وتتزوجان من أطباء أو محامين، وتنتقلان للعيش في أماكن بعيدة مزدهرة. لقد ~~كرهناهما؛ لأنه لا أحد كان يتخيلهما تدخلان حمام دار البلدية. # بعد أن فعلنا ما فعلنا، ركضنا مبتعدتين لا ندري إذا ما كنا قد ارتكبنا فعلا ~~إجراميا. # وكنا نتحدى بعضنا ونحن نسير تحت أضواء الشارع، نبدو شاحبتين كوردتين مصنوعتين من مناديل ~~ورقية ونحن نمر بجوار نوافذ مظلمة ونتمنى لو أن العالم كله يشاهدنا من خلالها. ~~«أتحداك أن تتصرفي كما لو كنت تعانين شللا دماغيا.» # على الفور أرخيت مفاصلي وأسقطت رأسي وأدرت مقلتي في محجريهما، وأخذت أتلفظ بهمهمة ~~متواصلة غير مفهومة. ~~«أتحداك أن تستمري هكذا لمسافة مربع سكني، مهما كان من يقابلنا، لا تتوقفي.» # قابلنا في الطريق الدكتور كومر العجوز، وهو رجل طويل نحيل مهيب متأنق، فتوقف وخبط بعصاه ~~معترضا: ~~«ما هذه المسرحية؟» # قالت ناعومي بحزن: «إنها نوبة يا سيدي، إنها دائما ما تتعرض لهذه النوبات.» # إنها متعة ذلك المذاق الكريه للسخرية من المساكين والمبتلين الذين لا حول لهم ولا قوة، ~~ومتعة تلك القسوة. # ذهبنا إلى المنتزه الذي كان مهملا ومهجورا، وعبارة عن قطعة مثلثة من الأرض أضفت عليها ~~أشجار الأرز الضخمة المزروعة بها من أجل لعب الأطفال كآبة شديدة، ولم تنجح في اجتذاب من ~~يريدون التنزه سيرا على الأقدام. لماذا قد يود أي شخص في جوبيلي السير كي يشاهد المزيد من ~~العشب والطين والأشجار، وهي الأشياء نفسها التي تحيط بالمدينة من كل الاتجاهات؟ فكانوا ~~يفضلون السير في وسط المدينة يشاهدون واجهات المحلات، ويتقابلون على الأرصفة المزدوجة، ~~ويشعرون بالأمل الذي يولده النشاط. تسلقت أنا وناعومي أشجار الأرز الكبيرة وجرح لحاء الشجر ~~ركبنا، فصرخنا كما لم نفعل ونحن أصغر سنا، ms164 ونحن نرى أغصان الأشجار تتباعد كاشفة الأرض ~~المائلة. تدلينا من أغصان الأشجار بأيدينا المضمومة وبكواحلنا وكأننا قردة بابون نمرح ~~ونثرثر، وشعرنا أن المدينة بأسرها تقبع تحتنا تحدق فينا مذهولة. # كانت هناك أصوات غريبة بالنسبة لهذا الموسم من العام؛ أصوات أطفال على الرصيف يقفزون ~~ويغنون بأصواتهم النقية البريئة: # على الجبل تقف سيدة # لا أعرف من هي. # لا ترتدي سوى الذهب والفضة. # لا تحتاج سوى زوجأ جديدا من الأحذية! # وسمعنا أصوات الطواويس، فنزلنا إلى الأرض، وأخذنا ننظر إليها عبر الحديقة ~~في ذلك الشارع الذي يقع خلف المنتزه، وهو شارع بائس لا اسم له يمتد حتى النهر. كانت ~~الطواويس ملكا لرجل يسمى بورك تشايلدز، كان يعمل سائقا لشاحنة القمامة الخاصة بالمدينة. ~~ولم يكن بذلك الشارع أرصفة، فكنا نضطر لأن ندور حول البرك الصغيرة الموحلة التي تومض بالطمي ~~الناعم. وكان بورك تشايلدز يملك حظيرة لطيوره خلف منزله، ولم يكن منزله أو حظيرته ~~مطليين. # كانت الطواويس تتجول تحت أشجار البلوط العارية، كيف يمكن أن ننساها من ربيع لآخر؟ # كان من السهل نسيان إناث الطواويس بألوانها الكئيبة. أما الذكور فلم تخيب ظننا قط. فقد ~~كانت ألوانها الأساسية المذهلة - اللون الأزرق على الصدور والأعناق - والريش الداكن يلمعان ~~هناك مثل بقع من الحبر أو النباتات الناعمة أسفل بحيرة من المياه الاستوائية. كان أحدها ~~فاردا ذيله فظهرت ألوانه ساطعة يراها الأعمى كقماش ساتان مطبوع. كانت هذه الطيور ذات ~~الرءوس الحمقاء الصغيرة المتوجة المتألقة في الربيع البارد من عجائب جوبيلي. # من جديد حدثت جلبة لكنها لم تكن تصدر عن أي منها، وإنما جذبت أنظارنا إلى الأعلى، ~~فرأينا ما لم تكن عقولنا ستصدقه لولا أننا رأيناه بأنفسنا؛ رأينا الطاووس الأبيض الوحيد فوق ~~شجرة وذيله مفرود بالكامل وهو يهبط من بين أغصان الشجرة وكأنه ماء ينهمر فوق صخرة. لقد كان ~~أبيض نقي اللون، تحفة فنية. ومن مقره المختبئ فوق الشجرة، أخذ يطلق تلك الصرخات المدوية ~~التقريعية المشاغبة. # قالت ناعومي: «إن الجنس هو الذي يجعلها تصرخ.» # قلت وأنا أتذكر شيئا رأيته في المزرعة: ms165 «وإناث القطط تصرخ أيضا، تصرخ صرخات مدوية عندما ~~يضاجعها قط ذكر.» # قالت ناعومي: «ألن تصرخي إن كنت مكانها؟» # عندها اضطررنا للانصراف، لأن بورك تشايلدز جاء يمشي مسرعا يتأرجح بين طواويسه. كنا نعرف ~~أن أصابع قدميه كلها قد بترت بعد أن تجمدت؛ لأنه رقد في حفرة إذ لم يستطع العودة إلى منزله ~~من فرط سكره، وكان هذا منذ وقت طويل قبل أن ينضم إلى الكنيسة المعمدانية. صاح فينا وهو ~~يلقي تحيته القديمة أو مزحته القديمة: «مساء الخير يا أولاد.» كان دائما ما يصيح من كابينة ~~شاحنة القمامة «مرحبا يا أولاد»، «مرحبا يا فتيات.» دائما يصيح في الشوارع صيفا وشتاء، ~~لكنه لم يحصل يوما على رد لتحيته، فركضنا هاربتين. # كانت سيارة السيد تشامبرلين واقفة أمام بيتنا. # قالت ناعومي: «لندخل، أريد أن أرى ما يفعل بفيرن العجوز.» # لكنه لم يكن يفعل شيئا، في حجرة الطعام كانت فيرن تقيس فستانا من الشيفون المزين ~~بالورود، تساعدها أمي في تفصيله كي ترتديه في عرس دونا كارلينج، والذي سوف تغني فيه منفردة. ~~كانت أمي تجلس بجنب على كرسي أمام ماكينة الخياطة، بينما كانت فيرن تدور أمامها كمظلة كبيرة ~~نصف مفتوحة. # أما السيد تشامبرلين فكان يحتسي مشروبا حقيقيا: ويسكي مخلوطا بالماء، وقد ذهب إلى ~~بورترفيلد كي يشتريه؛ إذ إن جوبيلي كانت تمنع احتساء الكحوليات. خالجني شعور مختلط بين ~~الفخر والخزي لأن ناعومي رأت الزجاجة على النضد الجانبي؛ فشيء كهذا لا يمكن أن يتواجد في ~~بيتها. كانت أمي تسمح له بالشرب لأنه خاض الحرب. # قال السيد تشامبرلين بقدر كبير من النفاق: «ها قد أتت الآنستان الجميلتان، مفعمتين بجمال ~~الربيع، ومنتعشتين بالهواء الطلق.» # قلت وأنا أستعرض أمام ناعومي: «صب لنا شرابا.» فضحك ووضع يده فوق كأسه. ~~«ليس قبل أن تخبرانا أين كنتما.» ~~«ذهبنا إلى بيت بورك تشايلدز لنرى الطواويس.» # تغنى السيد تشامبرلين قائلا: «ذهبتما لتريا الطواويس، لتريا الطواويس الجميلة.» ~~«صب لنا شرابا.» # قالت أمي مؤنبة بفم مليء بالدبابيس: «ديل ، تأدبي.» ~~«أريد فقط أن أعرف طعمه.» ~~«لن أصب لك الشراب دون ms166 ثمن، لم لا تقومين بأي حركات مضحكة من أجلي؟ لم لا تجلسين على ~~ركبتيك متوسلة إلي ككلبة طيبة.» ~~«أستطيع أن أقلد الفقمة، هل تريد أن تراني أقلد الفقمة؟» # كان هذا من الأمور التي أحب أن أفعلها، ولا ~~أخشى أبدا ألا أجيدها أو ألا أفعلها ببراعة، ولا أخشى أبدا أن يظن في أحد أنني خرقاء، ~~بل إنني قد فعلتها مرة في المدرسة، في ساعة الهواة ببرنامج الصليب الأحمر للصغار فضحك ~~الجميع، أطلقوا جميعا تلك الضحكات التي كانت باعثة على الارتياح، حتى إنني كان من الممكن ~~أن أصير حيوان فقمة طوال حياتي. # ركعت على ركبتي وضممت مرفقي إلى جانبي، وأخذت أرفرف بيدي مصدرة صوت نباح مدهشا ~~عاليا وغليظ النبرة. كنت أقلد مشهدا من فيلم قديم لماري مارتن، حيث كانت تغني بجانب بركة ~~فيروزية اللون وتنبح حيوانات الفقمة حولها وكأنها كورس. # خفض السيد تشامبرلين كأسه وقربها من شفتي، لكنه كان يسحبها بعيدا كلما توقفت عن ~~النباح. كنت أركع بجوار مقعده، وكانت فيرن توليني ظهرها وذراعاها مرفوعتان، وكان رأس أمي ~~مختفيا وهي تضع الدبابيس في الثوب حول خاصرة فيرن. أما ناعومي - التي سبق وأن رأت تقليد ~~الفقمة مرارا وتكرارا وكانت تهتم بحياكة الفساتين - فكانت تنظر إلى فيرن وأمي. أخيرا سمح ~~السيد تشامبرلين لشفتي أن تلمسا حافة الكأس التي كان يحملها بيد واحدة، وبيده الأخرى فعل ~~أمرا لم يكن أحد يستطيع أن يراه، فقد مرر يده تحت إبط قميصي ثم داخل فتحة ذراع السترة ~~الواسعة التي كنت أرتديها، ثم دعك بيده بسرعة وقوة القماش القطني الذي يغطي نهدي، كانت ~~لمسته من القوة حتى دفعت نهدي البض فجعلته مسطحا، ثم سحب يده بسرعة، كان الأمر أشبه بصفعة ~~تركتني مصعوقة. # في وقت لاحق سألتني ناعومي: «كيف كان طعمه؟» ~~«كطعم البول.» ~~«لكنك لم تتذوقي البول قبل هذا.» قالتها وهي ترمقني بنظرة حادة حائرة، فقد كانت لديها ~~قدرة على استشعار وجود سر ما. # أردت أن أخبرها لكنني لم أفعل وتراجعت؛ فلو أخبرتها لكان علي إعادة تمثيل ما ~~حدث. # وكانت ms167 ستسأل: «كيف؟ كيف كانت يده حين بدأ؟ كيف أدخلها تحت سترتك؟ هل دعك نهدك أم عصره أم ~~فعل كلا الأمرين؟ بأصابعه أم براحة يده؟ أكانت هكذا؟» # كان في المدينة طبيب أسنان يدعى الدكتور فيبين، وهو شقيق أمينة المكتبة الصماء، وكان ~~معروفا عنه أنه يتحسس أرجل الفتيات حين ينظر إلى ضروسهن الخلفية. عندما كنت أمر أنا ~~وناعومي تحت نافذته نصيح عاليا: «ألا ترغبين في موعد لدى الدكتور فيبين؟ الدكتور فيبين ~~المتحسس؟ إنه رجل دقيق.» كان الأمر سيتحول هكذا في حالة ما حدث من السيد تشامبرلين، سنحول ~~الأمر إلى مزحة ونأمل أن تحدث له فضيحة ونأخذ في حبك المؤامرات كي نوقعه بها، ولم يكن هذا ~~ما أريد. # قالت ناعومي بصوت متعب: «لقد كان جميلا.» ~~«ماذا؟» ~~«ذاك الطاووس فوق الشجرة.» # اندهشت وانزعجت قليلا لسماعها تستخدم كلمة «جميل» لتصف شيئا كهذا، بل ولتذكرها له؛ فلم ~~أعتدها تتصرف إلا بشكل معين ولا تعي إلا أشياء معينة. أما أنا فقد فكرت بالفعل ونحن نركض ~~إلى المنزل أن أكتب قصيدة عن الطاووس. أما أن تفكر هي أيضا في هذا فهو أمر أشبه بالتعدي ~~على منطقتي، وأنا لم أكن لأسمح لها أو لغيرها بأن يدلفوا إلى ذاك الجزء من ذهني. # بدأت نظم قصيدتي وأنا أصعد الدرج إلى غرفتي. # ما الذي يقبع فوق الشجرة يبكي تلك الليالي المظلمة؟ # أهي الطواويس أم شبح الشتاء؟ # كان هذان هما أفضل بيتين فيها. # كنت أفكر أيضا في السيد تشامبرلين، في يده التي كانت مختلفة عن أي أمر أظهره عن نفسه ~~سابقا في عينيه، وفي صوته، وفي ضحكته، وفي قصصه. كانت تلك بمثابة إشارة، أعطيت حيثما ~~ستفهم. لقد كان انتهاكا وقحا واثقا من نفسه، سلطويا وخاليا من العواطف. # عندما أتى المرة التالية سهلت عليه تكرار فعلته؛ فوقفت بجانبه حينما كان يرتدي حذاءه ~~الفوقي المطاطي في الردهة المظلمة. وبعد ذلك، كل مرة كنت أنتظر الإشارة وأحصل عليها، لم يكن ~~يعبأ بقرص ذراعي أو التربيت عليها، أو أن يضمني كأب أو كصديق، وإنما كان يتجه مباشرة ms168 إلى ~~النهدين أو الردفين أو أعلى الفخذ بشكل وحشي كالصاعقة. كان هذا هو ما توقعت أن يكون عليه ~~الاتصال الجنسي: ومضة من الجنون، أشبه بالحلم، اختراق همجي وضيع لعالم ذي مظهر محترم. كنت ~~قد نبذت أفكار الحب والسلوى والحنان التي كانت تغذيها مشاعري تجاه فرانك ويلز وصارت الآن ~~تبدو باهتة وطفولية إلى حد كبير. ففي العنف السري للجنس يكمن إدراك يتجاوز كثيرا العطف، ~~يتجاوز النوايا الحسنة والأشخاص. # لم يكن الأمر أنني كنت أخطط لممارسة الجنس، لكن ضربة الصاعقة ليس بالضرورة أن تؤدي إلى أي ~~مكان، ولكنها تؤدي إلى ضربة أخرى. # ومع ذلك، ارتعدت أوصالي عندما أطلق السيد تشامبرلين نفير سيارته يناديني. كان ينتظرني على ~~مسافة نصف مربع سكني من المدرسة. لم تكن ناعومي معي؛ فقد كانت مصابة بالتهاب ~~اللوزتين. ~~«أين صديقتك؟» ~~«إنها مريضة.» ~~«يا للأسف، أتريدينني أن أقلك إلى المنزل؟» # في السيارة، ارتجف جسدي وجف لساني، بل جف فمي كله حتى إنني كنت أتكلم بصعوبة. أهذا هو ~~ما تبدو عليه الرغبة؟ تمني المعرفة، وخوف منها يكاد يصل إلى حد الألم؟ كان وجودي معه وحدنا ~~دون حماية من قبل الآخرين أو من قبل الظروف قد جعل هناك فارقا. لكن ما الذي قد يرغب في ~~القيام به هنا في وضح النهار على مقعد سيارته؟ # لم تبدر منه أي حركة تجاهي، لكنه لم يتجه إلى شارع ريفر، بل أخذ يقود في هدوء في عدة ~~شوارع جانبية متجنبا الحفر التي تسبب فيها الشتاء. ~~«إذا طلبت منك معروفا أتلبينه لي؟» ~~«حسنا.» ~~«ماذا تظنين أن يكون هذا المعروف؟» ~~«لا أدري.» # أوقف السيارة خلف محل الألبان تحت أشجار الكستناء ذات الأوراق الصغيرة الخضراء المصفرة. ~~هنا؟ ~~«أتدخلين إلى غرفة فيرن؟ أيمكنك أن تدخلي إلى غرفتها عندما لا يكون هناك أحد في ~~المنزل؟» # بدأت أتخلى عن فكرة الاغتصاب تدريجيا. ~~«يمكنك أن تدخلي حجرتها وتتقصي شيئا ما لأجلي، شيئا يهمني، ماذا تظنين أن يكون، هه؟ ما ~~الشيء الذي تظنين أن يهمني؟» ~~«ماذا؟» # قال السيد تشامبرلين وقد انخفضت نبرة صوته فجأة ms169 وأصبحت واقعية تشوبها الكآبة بسبب حقيقة ~~يراها ولا أراها: «خطابات، ابحثي عن خطابات قديمة، قد تكون في أدراجها، قد تكون في خزانتها، ~~غالبا ستكون محتفظة بها في صندوق قديم ما، مربوطة في رزمة، هذا ما يفعله النساء.» ~~«خطابات ممن؟» ~~«مني، ماذا تظنين؟ ليس عليك أن تقرئيها، فقط انظري إلى التوقيع. خطابات مكتوبة منذ زمن قد ~~تعرفينه من حالة الورق. لا أدري، ستكون لا تزال مقروءة لأنها كتبت بقلم حبر. انظري سأعطيك ~~عينة من خطي، وهذا سيساعدك.» التقط مظروفا من درج القفازات وكتب عليه: «ديل فتاة ~~شقية.» # دسسته في كتاب اللغة اللاتينية. ~~«لا تدعي فيرن ترى هذا لأنها ستتعرف خطي على الفور، ولا تدعي أمك تراه كذلك فقد تستغرب ما ~~كتبت، ستكون مفاجأة لها، أليس كذلك؟» # أوصلني إلى المنزل. أردت أن أنزل عند زاوية شارع ريفر لكنه رفض هذا قائلا: «سيبدو هذا ~~كما لو كنا نخفي شيئا. والآن كيف ستعلمينني بما جرى؟ ما رأيك مساء يوم الأحد عندما أحضر ~~على العشاء، سأسألك هل أنهيت واجباتك المدرسية، فإذا كنت قد وجدتها فقولي نعم، وإذا كنت قد ~~بحثت ولم تجديها فقولي لا، وإذا كنت لسبب ما لم تسنح لك فرصة كي تبحثي عنها، فقولي إنك نسيت ~~إن كان لديك واجبات.» # جعلني أكرر: ««نعم» تعني وجدتها، «لا» تعني لم أجدها، «نسيت» تعني أنني لم أجد فرصة ~~لأبحث.» شعرت بالإهانة من ذلك التدريب؛ فقد كنت مشهورة بذاكرتي القوية. # قال لي: «حسنا، في صحتك.» وعلى مستوى من الانخفاض يصعب على أي شخص ينظر إلى السيارة أن ~~يراه، ضربني بقبضته على رجلي بقوة آلمتني. سحبت نفسي وكتبي إلى خارج السيارة، وبمجرد أن ~~انفردت بنفسي - وكنت لا أزال أشعر بوخز في فخذي - أخرجت المظروف وقرأت ما كتبه عليه: «ديل ~~فتاة شقية.» لقد افترض السيد تشامبرلين دون أدنى جهد على الإطلاق أن في نفسي غدرا وشهوانية ~~إجرامية تنتظر من يستخدمها. كان يعرف أنني لن أصرخ حين اعتصر نهدي ، وكان يعرف أنني لن أبلغ ~~أمي، والآن يعرف أنني لن أحكي ms170 هذه المحادثة لفيرن، وإنما سأتجسس عليها كما طلب مني. أمن ~~الممكن أن يكون قد وضع يده على حقيقة ذاتي؟ كانت تلك هي ذاتي الحقيقية حتى إنني قضيت وقت ~~المدرسة الممل أعمل بمنقلتي وفرجاري، وأكتب جملا لاتينية مثل [بعد أن أقام فرسن جتريكس ~~معسكره، وذبح خيول العدو بطرق خفية، استعد لخوض غمار معركة في اليوم التالي] وكنت أعي ~~تماما انحلالي الذي بدا يانعا كالقمح في فصل الربيع، وكان جسدي ينبض بكدمات غير مرئية في ~~الأماكن التي لمسها. بعد إحدى مباريات الكرة الطائرة، كنت أرتدي ثوبا فضفاضا أزرق اللون ~~وأغتسل بصابون قادر على أن يسلخ جلدي، نظرت إلى صورتي في المرآة الموجودة في حمام الفتيات ~~وابتسمت ابتسامة خفية لوجهي المتورد، ودارت بخلدي أفكار عن الفسوق الذي جررت إليه، والخداع ~~الذي صرت قادرة عليه. # وفي صباح يوم السبت دخلت إلى حجرة فيرن عندما خرجت أمي لتقوم ببعض أعمال التنظيف في ~~المزرعة. تطلعت إلى الغرفة من حولي بتمهل؛ إلى دب الكوالا الجالس على وسادتها، إلى مسحوق ~~بودرة التجميل المسكوب على طاولة الزينة، إلى البرطمانات التي بها قليل من مزيل رائحة عرق ~~كاد يجف، ومرهم، وكريم ليلي، وأحمر شفاه قديم، وطلاء أظافر ملتصق بغطائه، وصورة لسيدة ترتدي ~~فستانا ذا طبقات متدلية تبدو كمجموعة من الأوشحة المرتبة - على الأرجح والدة فيرن - تحمل ~~طفلا بدينا يرتدي زيا صوفيا، إنها فيرن على الأرجح. ثم صورة لفيرن وهي ترتدي أكماما ~~على شكل فراشات وتحمل باقة ورد وخصلات شعرها ملتفة في طبقات فوق رأسها. وكانت هناك صور ~~صغيرة ذات حواف مثنية مثبتة حول المرآة، كانت صورا للسيد تشامبرلين وهو يرتدي قبعة مدببة ~~من القش وسروالا أبيض، وكان ينظر إلى الكاميرا نظرة كما لو أنه يعرف أكثر منها، وصورة ~~أخرى لفيرن وكانت بدينة لكن ليست إلى الحد الذي هي عليه الآن، ترتدي سروالا قصيرا وتجلس ~~على جذع خشبي في إحدى الغابات المخصصة لقضاء الإجازات. ثم صورة للسيد تشامبرلين وفيرن ~~متأنقين - وكانت فيرن تضع سوارا من الزهور - وكانت الصورة قد التقطت بعدسة ms171 مصور شوارع في ~~مدينة غريبة، وكانا يسيران تحت ظلة دار سينما تعرض فيلم «رفعت المرساة». ثم صورة لنزهة ~~لموظفي مكتب البريد في منتزه تابرتون في يوم غائم، وكانت فيرن ترتدي بنطالا فضفاضا وتمسك ~~بيدها بمرح مضرب بيسبول. # لكنني لم أجد أي خطابات، فتشت أدراجها وأرفف خزانتها وتحت سريرها وحتى داخل حقائب ~~ملابسها؛ فوجدت ثلاث حزم من الورق ملفوفة بشرائط مطاطة. # واحدة من تلك الحزم كانت تحتوي على خطاب من ذاك النوع الذي يطلب من متلقيه كتابة العديد ~~والعديد من النسخ لإرسالها لكثير من الأشخاص، وعدد هائل من النسخ التي تحتوي على النص ~~نفسه الموجود في ذلك الخطاب مكتوبة بأقلام رصاص وأقلام حبر، وبخطوط يد مختلفة، وبعضها ~~مكتوب على الآلة الكاتبة وبعضها منسوخ. # هذا الدعاء لف العالم ست مرات. لقد كتب في جزيرة وايت، كتبه راهب متبصر رآه في حلم. ~~انسخ هذه الرسالة ست مرات وأرسلها إلى ستة من أصدقائك، ثم انسخ الصلاة المرفقة وأرسلها ~~إلى ستة أسماء من أعلى القائمة المرفقة بالخطاب. بعد ستة أيام من تلقيك هذا الخطاب سوف ~~تتلقى نسخا من هذا الدعاء من جميع أرجاء الأرض وسوف تجلب لك البركات والحظ السعيد إذا ~~أرسلت هذا الخطاب. أما إذا لم تفعل فلك أن تتوقع أمرا حزينا ومؤسفا يحدث لك خلال ستة ~~أشهر ابتداء من اليوم الذي تلقيت فيه هذا الخطاب. لا تتكاسل عن إرسال الخطاب، ولا تحذف ~~الكلمة السرية التي في آخر الخطاب. فبهذا الدعاء تنتشر السعادة والحظ السعيد في جميع ~~أرجاء العالم. # يا رب أدعوك أن تنزل السلام والحب # على هذا الصديق اليوم. # اشف جراحه، وبارك قلبه. # لا تحرمه أبدا من منبع القوة والحب. # كاركاهمد # الحزمة الثانية كانت تتكون من عدة أوراق مطبوعة ملطخة بالحبر، تظهر فيها ~~رسوم رمادية غير واضحة لما ظننت في البداية أنها حقن شرجية ذات أنابيب متشابكة، لكنني بعد ~~أن قرأت النص اكتشفت أنها مقاطع عرضية من تشريح الأعضاء الذكرية والأنثوية، وصور لأشياء ~~أخرى كوسيلة منع حمل توضع داخل المهبل، وفوط صحية، وواقيات ms172 ذكرية (كانت تلك المصطلحات كلها ~~جديدة علي) وهي توضع في أماكنها. لم أستطع النظر إلى تلك الرسومات دون أن أشعر بالذعر ~~وعدم الارتياح؛ لذا فقد بدأت في القراءة. قرأت عن زوجة فلاح مسكينة في نورث كارولاينا ألقت ~~بنفسها تحت عجلات عربة عندما اكتشفت أنها حامل بطفلها التاسع، وعن نساء يمتن في البيوت ~~بمضاعفات الحمل أو الولادة، أو محاولات الإجهاض الفاشلة المروعة التي يقمن بها باستخدام ~~دبابيس تثبيت القبعات أو إبر الخياطة الكبيرة أو فقاقيع الهواء. قرأت - أو بالأحرى تجاوزت - ~~إحصائيات متعلقة بالزيادة السكانية، والقوانين التي تم سنها في العديد من الدول لصالح أو ضد ~~تحديد النسل، والنساء اللائي وضعن في السجون لدفاعهن عن هذا الأمر. بعدها جاءت تعليمات ~~حول استخدام أدوات مختلفة، كان ثمة فصل عن الموضوع نفسه في كتاب والدة ناعومي، لكننا لم ~~نتمكن من قراءته لأننا كنا مشغولتين بقراءة «أنواع الجماع وحالات جماع تاريخية». كل ما كنت ~~أقرؤه الآن عن جل منع الحمل وغيره من وسائل منع الحمل الأخرى، بل وحتى استخدام كلمة «مهبل»؛ ~~كان يجعل الأمر برمته يبدو شاقا ومفهوما، يرتبط بشكل ما بالمراهم والضمادات والمستشفيات، ~~ويجعلني أشعر بشعور الاشمئزاز والعجز السخيف الذي كنت أشعر به عندما أضطر لخلع ملابسي في ~~عيادة الطبيب. # وفي الحزمة الثالثة كانت هناك أبيات مكتوبة بالآلة الكاتبة، بعضها له عناوين مثل «عصير ~~ليمون مصنوع منزليا»، و«عويل زوجة سائق الشاحنة». # زوجي، أيا زوجي الحبيب، ماذا عساي أن أفعل؟ # بداخلي رغبة ظمآى أحتاج إليك لتشبعها. # أنت دائما إما خارج المنزل أو نائم. ~~(لا أريد سوى ليلة حب جامحة!) # اندهشت أن شخصا بالغا يعرف أو لا يزال يتذكر كلمات كهذه. التعاقب السريع ~~للأبيات، تلك الكلمات القصيرة المكتنزة المنظومة بأسلوب فاحش، كلمات تنفث شهوة عظيمة كدفقات ~~من الكيروسين تنثر على مشاعل. لكنها كانت مكررة مسهبة، وبعد برهة بدأت أشعر بالجهد ~~الميكانيكي الذي احتاجه نظم هذه الكلمات، وهو ما جعل فهمها مهمة شاقة، ومملة بصورة محيرة. ~~غير أن الكلمات نفسها كانت تومض بالقوة، وبالأخص كلمة «النكاح»، وهي ms173 كلمة لم أكن أستطيع ~~النظر إليها حين تكون مكتوبة على الأسوار أو الأرصفة. لم أكن أستطيع أن أتأمل من قبل قوتها ~~الوحشية وتأثيرها الذي يشبه تأثير التنويم المغناطيسي. # أجبت السيد تشامبرلين بالنفي عندما سألني عما إذا كنت قد أنهيت واجبي المدرسي. ولم يلمسني ~~طوال تلك الأمسية، لكنني عندما خرجت من المدرسة يوم الاثنين، كان بانتظاري. ~~«ألا تزال صديقتك مريضة؟ إنه أمر سيئ، لكنه لطيف أيضا. أليس لطيفا؟» ~~«ماذا؟» ~~«الطيور لطيفة، الأشجار لطيفة، من اللطيف أن تصحبيني في جولة بالسيارة، وأن تتقصي بعض ~~الأمور من أجلي.» قالها بصوت صبياني. معه لا يكون الشر أمرا من الكبائر أبدا؛ كان صوته ~~يشعرني بأنه من الممكن فعل أي شيء، أي شيء على الإطلاق ثم نحوله إلى دعابة، دعابة تهزأ بكل ~~الوقورين والأخلاقيين والعاطفيين ومن يخالجهم الشعور بالذنب، كل من «يعقدون حياتهم على ~~أنفسهم». كان هذا هو ما لا يستطيع هو احتماله في الناس. فكانت ابتسامته الخفيفة مثيرة ~~للاشمئزاز، تحمل قدرا هائلا من الرضا عن الذات وتغطي هاوية هائلة من عدم الإحساس ~~بالمسئولية، أو ما هو أسوأ. لكن هذا لم يجعلني أعيد التفكير في الخروج معه وأن أفعل كل ما ~~كان يجول بخاطره؛ فلم تكن أخلاقياته تعنيني كثيرا في هذا السياق، بل وربما كان من الضروري ~~أن تكون أخلاقا سيئة. # كانت الإثارة التي ولدتها قصائد فيرن الفاحشة قد تملكتني تماما. # قال بنبرة عادية: «هل فتشت جيدا؟» ~~«نعم.» ~~«ولم تجدي أي شيء؟ هل فتشت جميع أدراجها؛ أعني أدراج منضدة الزينة، وصناديق القبعات، ~~وحقائب الملابس؟ هل فتشت خزانة الملابس؟» # قلت برزانة: «فتشت وفتشت في كل مكان.» ~~«لا بد أنها تخلصت منها.» ~~«أعتقد أنها ليست عاطفية.» ~~«عاطفية! لا أعلم ماذا تعني هذه الكلمات الكبيرة أيتها الفتاة الصغيرة.» # كنا نمضي بالسيارة إلى خارج المدينة، اتجهنا جنوبا على الطريق السريع رقم 4 ثم انعطفنا ~~إلى أول طريق جانبي. قال السيد تشامبرلين: «صباح جميل، معذرة أعني نهار جميل، يوم جميل .» ~~تطلعت خارج النافذة، شعرت أن الريف الذي أعرفه قد تغير بوجوده، ms174 وبصوته، وبمعرفتي المسبقة ~~بطبيعة المهمة التي نحن بصددها معا. طوال عام أو عامين، كنت أتطلع إلى الأشجار والحقول ~~والمناظر الطبيعية بانسجام سري قوي. في بعض الأيام، وفي حالة مزاجية معينة، كان مرأى أجمة ~~من العشب أو سياج قضباني أو كومة من الأحجار يولد بداخلي المشاعر المتدفقة التي كنت أتمناها ~~- وأشعر بإشاراتها - فيما يتعلق بالتواصل مع الرب. لم أكن أشعر بهذا عندما يكون معي أحد، ~~أما الآن ومعي السيد تشامبرلين، فكنت أرى الطبيعة كلها وضيعة ومثيرة جنسيا بجنون. كان ذلك ~~الوقت هو أثرى أوقات السنة وأنضرها؛ فكانت القنوات تزهر زهور الأقحوان والتودفلاكس ~~والحوذان، وكانت الفراغات مليئة بشجيرات مجهولة الاسم ذات لون ذهبي باهت وبريق جداول ~~المياه. كنت أرى في هذا كله منظومة ضخمة من أماكن اختباء؛ فالحقول المحروثة في الخلفية ~~ترتفع كفرش فاحشة، وتلك الممرات الصغيرة المفتوحة بين الشجيرات، والمناطق ذات الأعشاب ~~المسحوقة التي لا شك أن بقرة ما نامت عليها، بدت لي مغرية بصورة قوية مثل كلمات أو لمسات ~~بعينها. ~~«أتمنى ألا نقابل والدتك تقود سيارتها هنا.» # لم أظن أن هذا يمكن أن يحدث، فقد كانت أمي تسكن طبقة من الواقع تختلف تماما عن الطبقة ~~التي صرت أنا فيها. # انحرف السيد تشامبرلين عن الطريق متبعا ممرا انتهى سريعا في حقل. وقوف السيارة، ~~وانقطاع تيار الصوت والحركة الدافئ الذي كان يغمرني جعلني أرتجف ارتجافة خفيفة. بدأت ~~الأحداث تغدو حقيقية. ~~«دعينا نتمش قليلا حتى الجدول.» # خرج من باب السيارة المجاور له وخرجت من الباب المجاور لي، ثم تبعته عبر منحدر بين أشجار ~~الزعرور البري في مرحلة الازدهار تفوح منها رائحة خميرية. كان هذا طريقا مطروقا؛ إذ كان ~~فيه علب سجائر وزجاجة جعة وعلبة علكة تشكلتس ملقاة على العشب، ثم انتهينا إلى أشجار تحيطنا ~~إحاطة تامة. # قال السيد تشامبرلين بصوت عملي: «لم لا نتوقف هنا قليلا؟ فالأرض تزداد ابتلالا قرب ~~الجدول.» # في ذاك المكان الذي تحيط به الظلال جزئيا قبل الجدول شعرت بالبرد، واجتاحني قلق عنيف ~~بشأن ما سيحدث لي، حتى إن ما ms175 كان بين ساقي من حرارة وارتجاف اختفى، وتخدر كما لو أن قطعة من ~~الثلج وضعت عليه. فتح السيد تشامبرلين سترته وأرخى حزامه ثم فتح سحاب بنطاله وأزاح ملابسه ~~الداخلية وأخرج عضوه الذكري أمامي، وقال وكأنه يقصد إخافتي: «بخ!» # لم يكن عضوه مثل العضو المتدلي من تمثال داود، كان منتصبا أمامه، وهو الشيء الذي أعرف من ~~قراءاتي أنه طبيعي. كان لعضوه رأس، مثل عيش الغراب، وكان لونه أحمر مائلا إلى الأرجواني. ~~وبدا شكله فظا أحمق، بالمقارنة مثلا مع أصابع اليدين والقدمين، بقدرتها الذكية على ~~التعبير، أو حتى بالمقارنة مع المرفق أو الركبة. لم يبد مخيفا بالنسبة لي، رغم أنني ظننت ~~أن هذا ما كان يقصده السيد تشامبرلين، وهو يقف هناك بنظرته الفاحصة المراقبة، ويداه تباعدان ~~بين طرفي البنطال ليظهر عضوه لي. بدا لي شيئا فظا مسلوخا، ذا لون قبيح كأنه لون جرح، ~~بدا لي ضعيفا ولعوبا وساذجا، مثل حيوان بأنف طويل يضمن شكله القبيح المشوه حسن النية. ~~(عكس ما يوحي به الجمال عادة.) ومع ذلك، لم يجعلني المشهد أسترد الإثارة التي كنت أشعر بها. ~~بدا أنه لا علاقة لي به على الإطلاق. # كان مستر تشامبرلين لا يزال ينظر إلي ويبتسم وهو يضع يده حول هذا الشيء، ثم بدأ يحرك ~~يده لأعلى وأسفل، ليس بقوة شديدة وإنما في إيقاع فعال منظم. فارتخى وجهه، ولاحت في عينيه ~~اللتين كانتا لا تزالان مثبتتان علي نظرة زجاجية. وبالتدريج، يكاد يكون بتمرس، زاد من ~~سرعة يده؛ وأصبح الإيقاع أقل نعومة. وجثا على ركبتيه وعلا صوت أنفاسه وأصبحت غير منتظمة، ~~بعد أن زادت سرعة يديه بجنون وأخذ يتأوه وكاد جسمه ينثني للأمام في انقباضات مؤلمة. كان ~~وجهه المرتعش الذي ينظر إلي به، من وضعه المنحني، أعمى وكأنه قناع مثبت على عصا، وتلك ~~الأصوات اللاإرادية الصادرة عنه كأنها أنات إنسان يحتضر في أنفاسه الأخيرة، ولكنها في الوقت ~~نفسه كانت تبدو أصواتا مسرحية. في الواقع، كان الأداء برمته - وسط فروع الأشجار المزهرة ~~الهادئة - يبدو مصطنعا ومبالغا فيه بصورة متوقعة ms176 كرقصة هندية. لقد قرأت من قبل عن وصول ~~الجسم لمراحل متطرفة من المتعة، ولكن هذه التعبيرات لا تبدو مساوية لهذا الجهد المضني ~~الرهيب المتعمد الجنوني الذي رأيته يبذله الآن أمامي. وظننت أنه إن لم ينل قريبا مراده، ~~فسوف يموت. ولكن بعد ذلك أطلق نوعا جديدا من الآهات، هي الأعلى صوتا والأكثر استماتة من ~~بين كل ما سبق؛ وكانت آهاته مرتعشة وكأن شخصا ما يضربه على حنجرته. وبمعجزة، اختفى كل ذلك ~~الصوت تماما وتحول إلى همس ضعيف مستكين ممتن أثناء خروج ذلك السائل الأبيض منه وسقوطه على ~~طرف تنورتي. بعد ذلك، وقف السيد تشامبرلين على قدميه مرة أخرى وهو يرتجف لاهث الأنفاس وأعاد ~~ملابسه كما كانت وأخرج منديلا ومسح يديه ثم مسح تنورتي. ~~«إنك سعيدة الحظ؟ أليس كذلك؟» قالها وهو يضحك لي برغم أنه لم يسترد أنفاسه بالكامل ~~بعد. # كيف يمكن لرجل بعد هذا التشنج، بعد هذه المجاهرة، أن يضع منديله في جيبه ثم يتأكد من غلق ~~سحاب بنطاله ويسير عائدا - وهو لا يزال محتقن الوجه - من الطريق الذي أتينا منه؟ # لم يتكلم إلا في السيارة عندما جلس للحظة يستجمع شتات نفسه قبل أن يدير مفتاح ~~السيارة. # قال: «منظر جميل، أليس كذلك؟» # كان المشهد الطبيعي يبدو مصطبغا بلون الجماع، فاترا وغير ذي معنى، ولعل السيد تشامبرلين ~~نفسه قد شعر ببعض الكآبة أو القلق؛ إذ إنه جعلني أنزل إلى أرضية السيارة حين دخلنا المدينة ~~من جديد، ثم أنزلني في مكان منعزل ينخفض فيه الطريق بالقرب من محطة السكك الحديدية الكندية. ~~لكنه لم ينس طبيعته فقد ضربني على منفرج ساقي بقبضته كما لو كان ينقر على ثمرة جوز هند ~~ليتأكد أنها سليمة. ~~••• # كان ذلك هو الظهور الختامي الذي ودعني به السيد تشامبرلين، كما كان يجب أن أخمن. رجعت ~~البيت ظهرا لأجد فيرن تجلس على المائدة في غرفة الطعام التي كانت جاهزة لتناول الغداء، ~~وسمعت أمي تصيح من المطبخ كي يعلو صوتها فوق صوت هراسة البطاطس. ~~«لا يهم ما يقول أي شخص. إنكما لم ms177 تتزوجا أو تخطبا، فلا شأن لأحد بهذا؛ فحياتك تخصك أنت ~~وحدك.» # قالت فيرن وهي تحرك خطابا بيدها تحت أنفي: «هل تريدين أن تري خطابي الغرامي ~~الصغير؟» # عزيزتي فيرن، نظرا لظروف خارجة عن إرادتي سأرحل اليوم في سيارتي البونتياك التي أثق ~~بها وأتجه إلى بعض البلدان غربا. لا يزال هناك الكثير لم أشاهده في العالم، ولا معنى ~~لأن أظل مسجونا هنا. قد أرسل لك بطاقة بريدية من كاليفورنيا أو ألاسكا، من يدري؟ كوني ~~فتاة طيبة كما أنت دوما واستمري في لعق هذه الطوابع وفتح الخطابات بالبخار؛ فقد تجدين ~~مائة دولار يوما ما. عندما تموت أمي سوف أعود للمنزل على الأرجح، لكن لن أمكث طويلا. ~~وداعا، آرت. # لقد كانت هي اليد نفسها التي كتبت: «ديل فتاة شقية.» # قالت أمي وهي تدخل إلى الغرفة: «العبث بالبريد جريمة فدرالية، لا أظن أن ما يقوله ~~لطيفا.» # أخذت توزع الجزر المعلب والبطاطس المهروسة وأرغفة اللحم. مهما كان الموسم، كنا نتناول ~~وجبة دسمة في منتصف اليوم. # قالت فيرن وهي تتنهد: «يبدو أن هذا الأمر لم يؤثر على شهيتي على أية حال.» ثم وضعت صلصة ~~الطماطم على الطعام وأردفت: «كان يمكنني أن أحظى به قبل وقت طويل إذا أردت هذا، بل لقد كتب ~~لي خطابات يتحدث فيها عن الزواج. كان علي أن أحتفظ بها، فكان بإمكاني مقاضاته للحنث بوعد ~~الزواج.» # قالت أمي بحماس: «جيد أنك لم تفعلي، وإلا فماذا كان سيحل بك اليوم؟» ~~«لم أفعل ماذا؟ لم أقاضه للحنث بالوعد أم لم أتزوج به؟» ~~«لم تتزوجي به. إن المقاضاة للحنث بوعد الزواج أمر يحط من قدر المرأة.» ~~«أوه، لم يكن الزواج يمثل لي خطرا.» ~~«كان لديك غناؤك، وكان لديك حبك للحياة.» ~~«كنت عادة أحظى بوقت طيب، وكنت أعرف عن الزواج ما يكفي لأن أعرف أنه يعني انتهاء كل ~~الأوقات الطيبة.» # كانت فيرن تعني بكلامها عن الأوقات الطيبة الذهاب للحفلات الراقصة على شاطئ بحيرة ~~بافيليون، والذهاب لفندق ريجنسي في تابرتون لاحتساء الشراب وتناول العشاء، والتنقل بالسيارة ~~من نزل لآخر ms178 في ليالي السبت. حاولت أمي أن تفهم هذا النوع من المتع لكنها لم تستطع ذلك، كما ~~أنها لم تستطع أن تتفهم لماذا يركب الناس ألعاب الملاهي ثم ينزلون عنها ليتقيئوا ثم يعودون ~~للركوب مجددا. # لم تكن فيرن من نوعية النساء التي تشعر بالأسى والحزن، برغم معرفتها بفن الأوبرا. وكانت ~~مشاعرها التي تعبر عنها هي أن الرجال دائما ما يرحلون، وهذا أفضل قبل أن تسأمي منهم. لكنها ~~صارت ثرثارة للغاية ولا تصمت أبدا. # فقالت لأوين أثناء العشاء: «قدر ما كان آرت سيئا، فإنه لم يكن يلمس الخضروات الصفراء ~~أبدا. لا بد أن والدته كانت تبرحه ضربا في صغره، هذا ما كنت أقوله له.» # وقالت لأبي: «إن بنيتك على النقيض من بنية آرت؛ فقد كان يجد صعوبة في تفصيل حلله لأن ~~جسمه كان طويلا وساقيه قصيرتان، وكان خياط رانسوم في تابرتون هو الوحيد الذي يستطيع أن ~~يفصل له حللا تلائمه.» ~~«مرة واحدة فقط رأيته يفقد أعصابه، كنا عند بحيرة بافيليون وذهبنا للرقص، وهناك طلب أحدهم ~~أن يراقصني فنهضت معه، فماذا يمكن أن أفعل؟! ثم حدث أن دفن هذا الرجل وجهه في عنقي، ثم أخذ ~~يلعق عنقي كما لو كان يأكل مثلجات بالشوكولاتة! حينها قال له آرت: «إذا أردت أن تسيل لعابك ~~فلا تفعل هذا على فتاتي، فلربما أردتها لنفسي.» ثم جذبه بعنف بعيدا عني. فعل هذا ~~حقا!» # عندما كنت أدلف إلى الغرفة وهي تتحدث مع أمي يحل على الغرفة صمت مترقب غير طبيعي، وكانت ~~أمي تستمع إليها وعلى وجهها تعبير بائس متصنع التعاطف يشي بأنها تحس أنها محاصرة. لكن ماذا ~~عساها أن تفعل؟ إن فيرن هي صديقتها المقربة وربما الوحيدة، لكن كان ثمة أشياء لم تظن قط ~~أنها سيتحتم عليها أن تسمعها. يبدو أن فيرن تفتقد السيد تشامبرلين. # وقد قالت لفيرن: «لقد كان يعاملك معاملة سيئة.» لكن فيرن هزت كتفيها وضحكت ضحكة غامضة ~~وقالت: «صحيح، لقد كان يعاملني معاملة سيئة، لم يسقط إنسان من نظري بهذه السرعة كما سقط هو، ~~لكني مع ms179 هذا أفتقده كلما أسمع من يحاولون قراءة الأخبار المحلية في الإذاعة.» # لم تجد إذاعة جوبيلي من يستطيع قراءة الأخبار كما هي الآن مليئة بالأسماء الروسية دون أن ~~يشعر بالذعر، كما جعلوا شخصا يدعى باتش يقدم برنامج «في ذكرى»، وعندما كانت الإذاعة تبث ~~أغنية «يسوع، السعادة التي ينشدها الإنسان»، كانت أمي تصاب بالجنون. # كنت أنوي أن أخبر ناعومي حكايتي مع السيد تشامبرلين بعد أن انتهت. لكن ناعومي تعافت من ~~مرضها بنظرة جديدة للحياة وخسرت خمسة عشر رطلا من وزنها، واختفت صراحتها مع قوامها ~~المكتنز، وعف لسانها واختفت جراءتها. لقد صارت ترى نفسها من منظور جديد رقيق. كانت تجلس تحت ~~شجرة وتنورتها تفترش المكان حولها تشاهدنا ونحن نلعب الكرة الطائرة وتتحسس جبينها بين الحين ~~والآخر لتتأكد من أنها غير محمومة. إنها حتى لم تلق بالا لكون السيد تشامبرلين قد رحل؛ ~~فقد كانت منشغلة تماما بنفسها وبمرضها؛ فقد ارتفعت حرارتها حتى تعدت المائة والخمس درجات ~~فهرنهايت. اختفت المفردات الفجة عن الجنس من حديثها وكما يبدو من عقلها، برغم أنها تحدثت ~~كثيرا عن الدكتور واليس الذي مسح رجليها بالإسفنجة بنفسه، وعن تعريها أمامه وهي تشعر ~~بالعجز أثناء مرضها. # لذلك لم أنل الراحة المتمثلة في تحويل ما فعله السيد تشامبرلين إلى قصة مضحكة ومفزعة ~~أيضا. ولم أعرف ماذا أفعل بهذه الحكاية، لم أستطع أن أعيده لدوره القديم، لم أستطع أن ~~ألبسه دور الفاسق القوي قاصر الفكر المحرك الأساسي لأحلام يقظتي؛ فقد وهن إيماني بالانحلال ~~المحدود. ربما في أحلام يقظتي فقط كان الباب المسحور يفتح بسهولة وبجمال، دافعا الأجساد ~~إلى التحرر الكامل من أي فكر، من أي شخصية، إلى الانغماس في المتع؛ تلك الرخصة الرديئة ~~المجنونة. بدلا من هذا، أراني السيد تشامبرلين أن جزءا كبيرا من المكون البشري هو الجسد ~~الذي لا يستطيع الإنسان التغلب عليه ولكن يجب أن يمنحه حالة من النشوة، ذلك اللغز العنيد ~~والجوانب المظلمة من النفس. # في شهر يونيو، أقيم حفل عشاء الفراولة السنوي الذي يقام على المرج خلف الكنيسة المتحدة. ~~ذهبت ms180 فيرن إلى العشاء كي تغني مرتدية ثوب الشيفون ذا الورود الذي ساعدتها أمي في صنعه، غير ~~أنه أصبح ضيقا للغاية عند الخاصرة؛ فمنذ رحيل السيد تشامبرلين زاد وزن فيرن ولم تعد رقيقة ~~ومكتنزة، وإنما صارت بدينة للغاية متورمة كالنقانق المسلوقة، ولم تعد بشرتها ذات البقع ~~شاحبة وإنما استحالت لامعة نضرة. # ربتت فيرن على خصرها قائلة: «على كل حال، لن يستطيع أحد أن يقول إن فستاني مضيق ~~بالدبابيس، أليس كذلك؟ لكنها ستصير فضيحة إذا ما فكت الغرز.» # كنا نسمع صوت كعبيها العاليين على الرصيف؛ ففي الأمسيات الهادئة الغائمة تحت الأشجار ~~المورقة كانت الأصوات تنتقل لمسافات بعيدة، فالضوضاء الاجتماعية لمرتادي حفل الكنيسة ~~المتحدة كانت تصل حتى عتبة دارنا. هل كانت أمي تتمنى لو أنها ارتدت قبعة وفستانا صيفيا ~~وذهبت للكنيسة؟ كان مذهبها اللاأدري ونزعتها الاجتماعية دائما في صراع في جوبيلي؛ حيث كانت ~~الحياة الدينية والاجتماعية كيانا واحدا. طلبت منها فيرن أن تذهب إلى الكنيسة قائلة: «إنك ~~عضو بالكنيسة، ألم تقولي لي إنك انضممت إليها عندما تزوجت؟» ~~«وقتها لم تكن أفكاري قد تشكلت بعد، أما الآن فسأكون منافقة إذا ذهبت، فأنا غير ~~مؤمنة.» ~~«وهل تظنين أن كل من يذهبون إلى الكنيسة مؤمنون؟» # كنت في الشرفة أقرأ رواية «قوس النصر» التي استعرتها من المكتبة. كان شخص ما قد ترك بعض ~~النقود للمكتبة فاشترت بها المكتبة مجموعة من الكتب الجديدة، معظمها أوصت به السيدة واليس، ~~زوجة الطبيب التي تحمل درجة جامعية لكنها لا تتمتع بالذوق الذي كان مجلس المدينة يعول عليه. ~~فقد كانت هناك شكاوى من الناس، وقال بعضهم إنه كان لا بد أن يوكل هذا الأمر إلى بيلا ~~فيبين، إلا أنه لم يزح عن رفوف المكتبة سوى كتاب واحد هو رواية «وكلاء الدعاية»، والتي ~~كنت قد قرأتها أولا، أما أمي فقد التقطتها وقرأت منها وأصابها الحزن. ~~«لم أتوقع قط أن أرى أحدا يستخدم الكلمات المطبوعة في أمر كهذا.» ~~«إنه يتناول مجال العمل في الدعاية، وكم هو مجال فاسد!» ~~«أخشى أن هذا ليس الأمر الوحيد ms181 الفاسد، فقريبا سيكتبون عن كيفية الذهاب إلى المرحاض، ~~لماذا لم يكتبوا عنه حتى الآن؟ لم يكن ثمة شيء كهذا في رواية «سايلس مارنر»، لم يكن هذا في ~~مؤلفات الكتاب الكلاسيكيين. لقد كانوا كتابا جيدين، لم يكونوا يحتاجون لهذا.» # كنت قد تحولت عن روايات كريستين لافرانسداتر التاريخية التي كنت أفضلها وأصبحت أقرأ ~~الروايات الحديثة كروايات سومرست موم ونانسي متفورد، كنت أقرأ عن أناس أثرياء ذوي حيثية ~~كانوا يزدرون نوعية البشر الذين يشغلون قمة الهرم المجتمعي في جوبيلي: كالصيادلة وأطباء ~~الأسنان وأصحاب المحال. تعلمت أسماء مثل بالنسياجا وسكيابارلي، وعرفت أسماء المشروبات ~~الكحولية: الويسكي مع الصودا، والجن مع التونيك، وأسماء علامات تجارية مثل تشينتسانو، ~~وبيندكتاين، وجراند مارنيي. وعرفت أيضا أسماء فنادق، وشوارع ومطاعم في لندن وباريس ~~وسنغافورة. في تلك الروايات، كانت الشخصيات تمارس الجنس مع بعضها، كانوا يفعلون ذلك طول ~~الوقت، لكن لا يرد فيها وصف دقيق لما يفعلونه على عكس ما كانت أمي تظن. وقد شبهت إحدى ~~الروايات ممارسة الجنس بالدخول في نفق قطار (بافتراض أن الإنسان هو قطار كامل) ثم الاندفاع ~~منه إلى مرج جبلي مرتفع جميل مبارك لدرجة يشعر معها المرء أنه يحلق في السماء. دائما ما ~~كانت الكتب تشبه ممارسة الجنس بشيء آخر، ولم تتحدث عنه قط في حد ذاته. # قالت أمي: «لا تقرئي عندك، لا تقرئي في هذا الضوء الضعيف، انزلي إلى هنا.» # نزلت، لكنها لم تكن تريدني أن أقرأ أساسا، كانت تريد الصحبة. ~~«أترين زهور الليلك بدأت تتحول، سنذهب إلى المزرعة قريبا.» # كانت زهور الليلك الأرجوانية - التي تمتد على طول فناء المنزل وبجوار الرصيف - بدأت تتحول ~~إلى اللون الشاحب وهي ناعمة ورقيقة كخرقة تنظيف ذات بقع بلون الصدأ. وخلفها كان الطريق ~~مغبرا تنمو على جانبيه أشجار التوت البري أمام المصنع المغطى بألواح الخشب ولا تزال عليه ~~الحروف الكبيرة البارزة التي خبا بريقها: «موندي لآلات البيانو». # قالت أمي: «أشعر بالأسى حيال فيرن، أشعر بالأسى حيال حياتها.» # أثارت نبرتها الهادئة الحزينة حفيظتي. ~~«لعلها ستجد رفيقا جديدا الليلة.» ~~«ماذا تعنين؟ ms182 إنها لا تسعى وراء رفيق جديد، لقد اكتفت من كل هذا، ستغني أغنية «أينما ~~مشيت»، لا يزال صوتها جميلا جدا.» ~~«إن وزنها يزداد.» # أجابت أمي بصوتها المفعم بالأمل ونبرتها التوجيهية: ~~«أعتقد أن هناك تغييرا قادما في حياة الصبايا والسيدات، نعم لكن حدوث هذا التغيير من ~~عدمه يتوقف علينا نحن. كل ما تملكه النساء حتى الآن هو علاقتهن بالرجال، هذا هو كل ما ~~لدينا. ليس لدينا حياة خاصة في الواقع، ليس أكثر من الحيوانات الأليفة. «عندما تفقد عاطفته ~~قوتها الأولية، سوف يضمك أقرب قليلا من كلبه وبحميمية أكثر قليلا من حصانه.» تينيسون كتب ~~هذا، وهذا صحيح، كان صحيحا؛ ولكنك سوف ترغبين في إنجاب الأطفال.» # هذا هو مقدار معرفتها بي. ~~«لكني آمل أن تستخدمي عقلك. استخدمي عقلك، لا تتشتتي، فبمجرد أن ترتكبي ذلك الخطأ - أن ~~تتشتتي بسبب رجل - لن تعود حياتك ملكك، ستكونين أنت من يتحمل العناء، المرأة دائما هي من ~~تتحمل العناء.» # ذكرتها قائلة: «هناك ما يسمى تحديد النسل هذه الأيام.» فنظرت إلي مذعورة، على الرغم ~~من أنها هي التي سببت الحرج لعائلتنا عندما كتبت مقالا ذات يوم في جريدة «هيرالد أدفانس» ~~التي تصدر في جوبيلي قالت فيه: «إن تلك الوسائل الوقائية لا بد أن توزع على كل النساء ~~كإعانات عامة في مقاطعة واواناش كي تساعدهن على أن يوقفن أي زيادة في عدد أفراد أسرهن.» ~~وقتها كان الصبية يصرخون في وجهي في المدرسة: «متى ستوزع أمك تلك الوسائل الوقائية؟» ~~«ليس هذا بكاف، رغم أنها نعمة كبيرة، لكن الدين يقف خصما لها كما هو خصم لأي شيء قد ~~يخفف آلام الحياة على الأرض. إنني أتحدث عن احترام الذات في الواقع، احترام الذات.» # لم أفهم تماما مغزى ما تقول، وإن كنت فهمته فقد كنت معدة مسبقا لأن أقاومه. كنت سأقاوم ~~أي شيء تقوله لي بمثل هذه الجدية والأمل العنيد. لم أكن أحتمل تعبيرها عن اهتمامها بحياتي، ~~رغم أنني كنت بحاجة لذلك الاهتمام وأعتبره أمرا مسلما به. وكنت أراه أيضا لا يختلف ~~كثيرا عن ms183 النصائح التي تلقن لباقي النساء والفتيات، والتي تفترض أن كونك أنثى يعني أنك ~~هشة، وأن ثمة حاجة إلى قدر معين من الحرص، والقلق الذي يتسم بالرصانة، وحماية الذات، بينما ~~يفترض بالرجال أن يخرجوا إلى العالم وأن ينهلوا من شتى الخبرات وينبذوا ما لا يريدون ثم ~~يعودوا مظفرين. ودون أن أفكر حتى في الأمر، قررت أن أفعل المثل. # | التعميد # في عامنا الثالث من المدرسة الثانوية، تحولت ناعومي إلى القسم التجاري، وهكذا تحررت فجأة ~~من دراسة اللغة اللاتينية والفيزياء والجبر، وصعدت إلى الطابق الثالث من المدرسة حيث كانت ~~الآلات الكاتبة تطقطق طوال النهار تحت السطح المائل، ومعلق على الحوائط شعارات داخل إطارات ~~لأقوال مأثورة تعد الدارسين لخوض غمار عالم الأعمال، مثل: «الوقت والطاقة هما رأس مالي؛ ~~إذا بددتهما فلن أعوضهما.» كان تأثير التحول إلى مثل هذه القاعات بعد الجلوس في الدور ~~السفلي في الفصول ذات السبورات السوداء، المليئة بالكلمات الأجنبية والمعادلات النظرية ~~والصور القاتمة المعلقة للمعارك والسفن الغارقة، والمغامرات الأسطورية العنيفة التي لا تخلو ~~من النبل والفخر؛ يشبه الدخول إلى الضوء العادي اللطيف، إلى العالم الحقيقي النشيط، وهو ~~راحة للكثيرين، وقد راق الأمر لناعومي. # في شهر مارس من ذاك العام تولت وظيفة في مكتب محل الألبان بعد أن أنهت دراستها في ~~المدرسة. وطلبت مني أن أذهب لمقابلتها هناك بعد الساعة الرابعة عصرا، فذهبت دون أن يكون ~~لدي أدنى فكرة عما أنا متورطة فيه. ظننت أن ناعومي ستتجهم في وجهي بشكل تمثيلي من وراء ~~النضد، وسأقلد أنا صوت عجوز مرتعش وأقول لها: «ماذا يعني هذا؟ اشتريت بالأمس دزينة من البيض ~~فوجدته كله فاسدا!» # كان المكتب في مبنى ملحق مزخرف بالجص يقع أمام محل الألبان القديم، وكانت به أضواء ~~فلورسنت وخزائن أوراق معدنية جديدة ومكاتب - وهو المحيط الذي كان يعطيني شعورا غريزيا ~~بأنني لا أنتمي إلى المكان - كما كانت هناك أصوات عالية صادرة من الآلات الكاتبة وآلة ~~الجمع. كانت هناك فتاتان أخريان تعملان هناك بخلاف ناعومي، وعرفت بعدها أن اسميهما مولي ~~وكارلا. كانت أظافر ms184 ناعومي مطلية بطلاء أظافر قرنفلي داكن وشعرها مصففا بإتقان، وكانت ~~ترتدي تنورة ذات نقوش مربعة وردية وخضراء وسترة وردية. ابتسمت لي وهزت أصابعها فوق الآلة ~~الكاتبة بأبسط تحية ممكنة، ثم استمرت في الكتابة على الآلة الكاتبة بسرعة هائلة، وفي نفس ~~الوقت كانت تجري أحاديث مرحة غير مترابطة وغير مفهومة مع زملائها في العمل. وبعدها بعدة ~~دقائق نادتني قائلة إنها ستنتهي من العمل في الساعة الخامسة، فأخبرتها أن علي العودة إلى ~~المنزل. شعرت أن مولي وكارلا كانتا تنظران إلي، إلى الحبر الذي على يدي العاريتين ~~الحمراوين، وإلى وشاحي الصوفي المنزلق، وإلى شعري الجامح وإلى كومة الكتب التي أحملها والتي ~~توحي بمظهر التلميذة. # كانت الفتيات المتأنقات يخفنني حتى الموت، ولم أكن أحب حتى أن أقترب منهن خشية أن ~~تكون رائحتي كريهة. كنت أشعر أن بيني وبينهن فارقا جوهريا وكأنني مخلوقة من مادة أخرى ~~غير المادة التي خلقن منها. أيديهن الرقيقة لم تكن تتبقع أو تتعرق، وتظل شعورهن طوال ~~الوقت على هيئتها المنمقة بعناية، ولا تبتل منطقة الإبط بالعرق قط، وبالطبع فإنهن لم ~~يعرفن أبدا شعور أن تبقي الواحدة منا مرفقيها ملتصقين بجانبها؛ كي تخفي تلك البقع ~~الداكنة المشينة ذات الشكل الهلالي على الثوب، وبالطبع لم يحدث أبدا أن شعرت إحداهن بذلك ~~التدفق الزائد البسيط، زيادة لا تستطيع أي فوطة صحية أن تحبسها، فتقطر الدماء بشكل مرعب ~~نازلة على منطقة الفخذين. كلا بالطبع، لا يحدث هذا معهن، كانت عادتهن الشهرية سرية ~~وطبيعية ولم تخنهن أبدا. ولم يكن من الممكن قط تحويل ما أنا عليه من غلظة إلى ما ~~هم عليه من نعومة، لقد فات الأوان على هذا؛ فالهوة اتسعت للغاية. لكن ماذا عن ناعومي؟ لقد ~~كانت مثلي؛ فذات مرة أصيبت بوباء من الثآليل في أصابعها، وعانت من سعفة القدم، وكنا ~~نختبئ في حمام الفتيات عندما يتصادف مرورنا بالدورة الشهرية في الوقت نفسه خوفا من القيام ~~بحركات بهلوانية - واحدة تلو الأخرى أمام باقي طلاب الفصل - مخافة أن ننزلق فتقطر منا ~~الدماء، وكنا نتحرج أن ms185 نطلب الإذن بإعفائنا. ما هذا الزي التنكري الذي ترتديه الآن ~~بطلاء الأظافر والسترة الملونة؟ # سرعان ما صارت ناعومي صديقة حميمة لمولي وكارلا. فقد كانت حواراتي معها عندما تأتي إلى ~~بيتي أو حينما تدعوني إلى بيتها متخمة بالحديث عن حميتهما الغذائية، ونظام عنايتهما ~~بالبشرة، وطرق غسيل الشعر، وملابسهما، والعازل الأنثوي الذي تستخدمانه لمنع الحمل (كانت ~~مولي متزوجة منذ عام أما كارلا فسوف تتزوج في يونيو). وأحيانا كانت كارلا تأتي إلى بيت ~~ناعومي عندما أكون هناك، وكانتا دائما تتحدثان عن الغسيل، غسيل السترات أو الملابس ~~الداخلية أو الشعر. كانتا تقولان: «غسلت سترتي الصوفية.» «غسلتها؟ هل غسلتها بماء بارد أم ~~فاتر؟» «بماء فاتر، لكن أظن أنه لا بأس في الحالتين.» «ماذا فعلت بشأن عنق السترة؟» كنت ~~أجلس وأفكر أن سترتي قذرة وشعري دهني وحمالة صدري بهت لونها وأحد شريطيها مثبت بدبوس. كان ~~علي أن أهرب من ذلك المكان، لكن عندما أعود إلى المنزل لم أكن أحيك شريط حمالة الصدر ~~أو أغسل سترتي؛ فالسترات التي أغسلها دائما ما تنكمش أو تتسع ياقتها وتتدلى. كنت أعلم ~~أنني لا أتكبد المشقة اللازمة معها، لكن كان لدي إحساس محتوم بأنها ستنكمش أو أن ياقتها ~~ستتسع مهما فعلت. أحيانا كنت أغسل شعري وألفه على بكرات معدنية فظيعة كانت تمنعني من ~~النوم، بل إنني كنت أقضي ساعات طويلة أمام المرآة في بعض الأحيان أهذب حاجبي بألم ~~وأطالع مظهري الخارجي، ثم أضع على وجهي مساحيق التجميل الداكنة والفاتحة كي أبرز المحاسن ~~وأخفي العيوب كما توصي المجلات. كان هما دائما لا أقدر على تحمله، رغم أن كل شيء ابتداء ~~من المجلات، إلى روايات إف سكوت فيتزجيرالد، وحتى تلك الأغنية المخيفة التي كانت تذاع في ~~الراديو - تقول كلماتها: «الفتاة التي سأتزوجها لا بد أن تكون ناعمة ووردية كالأطفال.» - ~~كان ينبئني بأن علي أن أتعلم؛ فالحب لن يكون لمن لا تهتم حتى بنزع الشعر الزائد عن ~~جسدها. # أما بخصوص غسيل الشعر، فقد كنت في ذلك الوقت تقريبا بدأت أقرأ مقالا في مجلة عن ms186 موضوع ~~الاختلاف الأساسي بين عادات الذكور والإناث الفكرية التي ترتبط بصفة أساسية بتجربتهم ~~الجنسية (عنوان المقال يجعل القارئ يظن أنه يتناول الجنس أكثر مما يفعل في الواقع). كان ~~كاتب المقال طبيبا نفسانيا مشهورا من نيويورك من أتباع فرويد، وكان يقول إن الفارق بين ~~أنماط التفكير الذكورية والأنثوية يتضح جليا في كيفية تفكير صبي وفتاة يجلسان على ~~مقعد في الحديقة وينظران إلى بدر كامل التمام؛ فيتفكر الصبي في الكون وضخامته وغموضه، بينما ~~تفكر الفتاة: «لا بد أن أغسل شعري.» عندما قرأت هذا استشطت غضبا، وتركت المجلة فورا؛ إذ ~~اتضح لي على الفور أنني لا أفكر كفتاة؛ فلم يكن البدر المكتمل ليذكرني أبدا ما حييت ~~بأن أغسل شعري. كنت أعرف أنني لو أريت هذا المقال لأمي لقالت: «نعم، إنه ذلك الهراء الذكوري ~~المجنون الذي يرى المرأة بلا عقل.» لكن هذا لم يكن ليقنعني فلا بد لطبيب نفساني من نيويورك ~~أن «يكون على علم»، كما أن النساء على شاكلة أمي كن أقلية. علاوة على هذا، لم أكن أريد ~~أن أكون مثل أمي بفظاظتها العذرية وبراءتها. كنت أريد أن يحبني الرجال، وأردت أن أفكر في ~~الكون حينما أنظر إلى القمر. شعرت أنني محاصرة، مقيدة، وبدا لي أنني يجب أن يكون لدي ~~اختيار حيث لا يمكن أن يكون لدي. لم أكن أريد أن أقرأ مزيدا من هذا المقال، لكنني ~~انجذبت إليه كما كنت أنجذب في صغري لصورة بعينها لبحر مظلم أو حوت ضخم في كتاب للقصص ~~الخرافية. قفزت عيناي بعصبية عبر الصفحة، بداية من بعض العبارات المؤكدة مثل «بالنسبة ~~للمرأة، كل شيء يعتبر شخصيا ولا توجد فكرة تمثل لها أهمية في حد ذاتها، وإنما لا بد أن ~~تترجمها إلى تجربتها الشخصية، وفي الأعمال الفنية ترى المرأة دائما حياتها الخاصة أو أحلام ~~يقظتها.» في النهاية أخذت المجلة إلى سلة القمامة فمزقتها إلى نصفين ودفنتها بداخلها وحاولت ~~نسيانها. بعدها كنت كلما رأيت مقالا في مجلة عنوانه «الأنوثة ... عائدة»، أو أجد اختبارا ~~للمراهقين عنوانه: «هل مشكلتك أنك تحاولين ms187 أن تكوني فتى؟» كنت أقلب الصفحة بسرعة كما لو أن ~~بها شيئا سيعضني. غير أنني لم أفكر أبدا أنني أريد أن أكون فتى. # بفضل مولي وكارلا ومن خلال وضعها الجديد كفتاة عاملة، صارت ناعومي جزءا من دائرة معينة ~~في جوبيلي لم أكن أعرف أنا أو هي أنها موجودة. كانت الدائرة تضم الفتيات اللاتي يعملن في ~~المحال والمكاتب والبنكين الموجودين في البلدة، بالإضافة إلى بعض الفتيات المتزوجات واللاتي ~~تركن وظائفهن مؤخرا. وإذا لم تكن تلك الفتيات متزوجات وليس لهن رفقاء، فإنهن كن يذهبن ~~للحفلات الراقصة معا، وللعب البولنج معا في تابرتون، وكن يقمن حفلات ويقدمن هدايا ~~لبعضهن بمناسبة الزواج أو الإنجاب (وكان هذا يزعج السيدات الأكبر سنا في البلدة). كانت ~~علاقتهن ببعضهن - رغم أنها مليئة بالأسرار الفاضحة - محاطة بجميع أنواع الرسميات والمجاملات ~~وآداب اللباقة. لم يكن الأمر يشبه المدرسة، فلا همجية ولا فظاظة ولا لغة سوقية، وإنما ~~دائما شبكة معقدة من الضغائن يشار إليها بشكل غير مباشر، وعادة ما تكون بسبب أزمة - مثل ~~حمل أو إجهاض أو هجر - كلهن يعلمنها ويتكلمن عنها، لكنهن يعتبرنها سرهن الذي يحرسنه ~~ويحفظنه عن باقي سكان البلدة. وكان أكثر ما يقلن براءة ومواساة وإطراء قد يعني شيئا آخر. ~~كن يتسامحن ويتقبلن من بعضهن ما يراه معظم أهل المدينة زلات أخلاقية، لكنهن لا يتسامحن ~~أبدا مع أي انحراف في أسلوب الملبس أو تصفيف الشعر، أو مع من لا يقطعون قشرة الخبز من على ~~الشطائر في حفلات الهدايا. # ما إن بدأت ناعومي تتسلم شيكات راتبها حتى بدأت تفعل ما تفعله هؤلاء الفتيات إلى أن ~~يتزوجن. فكانت تتجول بين عدة محال وتطلب منهم أن يحجزوا لها بعض الأشياء على أن تدفع لهم ~~ثمنها خلال شهر على الأكثر؛ ففي متجر الأدوات المنزلية حجزت مجموعة كاملة من الأواني ~~والمقالي، وفي متجر المجوهرات حجزت حقيبة من فضيات المائدة، وفي متجر ووكر حجزت بطانية ~~ومجموعة من المناشف وزوجا من الملاءات الكتانية. كانت تعد هذه الأشياء حتى يأتي وقت زواجها ~~وتستعد للقيام بالمهام المنزلية، ms188 وكانت تلك المرة الأولى التي أراها تخطط لأي شيء بهذا ~~التحديد. وقد قالت لي بحدة: «لا بد أن تبدئي في هذا يوما ما، بماذا ستتزوجين؟ بطبقين ~~وخرقة قديمة لمسح الأطباق؟» # وفي عصر أيام السبت، كانت تريدني أن أصحبها في جولتها في المحال وهي تسدد ما عليها من ~~مستحقات وتطالع ممتلكاتها المستقبلية، وتشرح لي لماذا ستعمد - على غرار مولي - للطهي دون ~~ماء وكيف يمكن معرفة جودة الملاءات من عدد الخيوط في كل بوصة مربعة منها. اندهشت وأصابني ~~الذعر من تحولها إلى شخصيتها الجديدة المملة المستغرقة في التفكير في تلك الأمور الغريبة. ~~كانت تبدو كما لو أنها تسبقني بأميال كثيرة، لكنني لم أرد أن أذهب إلى حيث هي ذاهبة، غير ~~أنها هي نفسها بدت راغبة في الذهاب في ذلك الاتجاه، كانت الأمور تتطور معها، هل يمكن أن ~~يقال الشيء نفسه عني؟ # ما كنت أريد أن أفعله في عصر أيام السبت هو أن أبقى في البيت وأستمع إلى أوبرا ~~المتروبوليتان. كانت تلك العادة ترجع إلى الوقت الذي كانت فيرن دوجرتي تسكن فيه لدينا، ~~واعتادت هي وأمي الاستماع إليها. رحلت فيرن دوجرتي عن جوبيلي وذهبت لتعمل في وينزر، وكانت ~~تكتب لنا من حين لآخر خطابات غامضة مرحة تتحدث فيها عن الذهاب إلى ملهى ليلي في ديترويت ~~وذهابها إلى سباق الخيول، والغناء مع جمعية الأوبريتات والاستمتاع بحياتها. قالت ناعومي ~~عنها: «لم تكن فيرن دوجرتي تلك إلا نكتة.» كانت تتحدث من منظورها الجديد. لقد كانت ناعومي ~~وكل تلك الفتيات متوجهات نحو هدف بعينه؛ ألا وهو الزواج، ولا يمكن لأي امرأة أكبر سنا ~~غير متزوجة - سواء إذا كانت تخطت سن الزواج أو من هواة المغامرات السرية مثل فيرن - أن ~~تتوقع منهن أي تعاطف. ما الذي يجعلها نكتة؟ كنت أود أن أعرف فعلا لكن ناعومي حدقت في ~~بعينيها الشاحبتين البارزتين وكررت قائلة: «نكتة، لقد كانت مجرد نكتة.» قالتها كأنها تتصدى ~~لهرطقة كبيرة بنشر معتقدات جليلة بديهية مثبتة . # لم تعد أمي تولي اهتماما كبيرا للأوبرا؛ فلقد حفظت الشخصيات والحبكة ms189 وصارت تتعرف على ~~الألحان المشهورة ولم يعد هناك شيء جديد لتعرفه. أحيانا كانت تخرج من المنزل؛ إذ كانت لا ~~تزال تقوم بجولاتها من أجل بيع الموسوعات، فكانت تذهب لأولئك الذين اشتروا الموسوعة كي ~~تقنعهم بشراء الملحقات التي تصدر سنويا. لكنها لم تكن بخير، في البداية ابتليت بسلسلة ~~من الأمراض غير الشائعة: الثآليل الأخمصية، والتهاب العين، وتورم الغدد، وطنين في الأذن، ~~ونزيف الأنف، وطفح جلدي قشري غامض. ظلت ترتاد عيادة الطبيب، وكلما برئت من شيء أصابها شيء ~~آخر. ما كانت تعاني منه فعلا هو نضوب طاقتها، وتدهور صحتها بشكل عام، وهو ما لم يعرفه أحد. ~~غير أن هذه الحالة المتدهورة لم تكن ثابتة؛ فقد كانت في بعض الأحيان تكتب خطابات للصحيفة ~~وكانت تحاول أن تعلم نفسها علم الفلك. لكنها كانت أحيانا تستلقي في فراشها وتناديني كي ~~أدثرها بالغطاء، وكنت دائما ما أفعل هذا بعدم اكتراث، حتى إنها كانت تناديني ثانية كي ~~أحكم الغطاء عند ركبتيها وحول قدميها، حينها كانت تقول بصوت شكس طفولي مصطنع: «قبلة ~~لماما.» فكنت أطبع قبلة جافة هزيلة على صدغها. كان شعرها يخف، وكانت بشرتها الشاحبة لها ~~مظهر غير صحي ينم عن المعاناة كنت أمقته. # على أية حال، فإنني كنت أفضل أن أكون بمفردي حينما أستمع إلى عروض أوبرالية مثل «لوشيا ~~دي لامرمور» و«كارمن» و«لاترافياتا». مقاطع موسيقية معينة كانت تثيرني لدرجة لا أستطيع معها ~~أن أظل ساكنة في مكاني، فأنهض وأظل أتحرك في أرجاء حجرة الطعام، وأغني في سري مع الأصوات ~~التي تنبعث من الراديو وأنا أحتضن نفسي وأعتصر مرفقي. ثم تمتلئ عيناي بالدموع بينما تلتهب ~~بداخلي التخيلات التي تتولد بسرعة ورفق. فتخيلت حبيبا، وتخيلت جوا عاصفا، وتخيلت ~~المجد الخافق لعاطفتنا المقدر له الفشل. (لم يخطر ببالي قط أنني أفعل ما قال المقال إن ~~المرأة تفعله عند تعاملها مع عمل فني.) استسلام شهواني، ليس استسلاما لرجل وإنما استسلام ~~للقدر، استسلام للظلام، استسلام للموت. ولكن كان أكثر ما أحبه هو أوبرا كارمن في نهايتها، ~~وأخذت أدندن موسيقى «ودعني أذهب.» ms190 كنت أرتجف وأنا أتخيل الاستسلام الآخر، إنه أكثر ~~إغراء وأكثر جمالا من الاستسلام للجنس؛ إنه استسلام البطل، استسلام الوطني، استسلام كارمن ~~للأهمية النهائية للإشارة، وللصورة، وللنفس التي خلقتها النفس. # كانت الأوبرا تشعرني بالجوع، وعندما انتهت ذهبت إلى المطبخ وأعددت لنفسي شطائر من البيض ~~المقلي مع قطع البسكويت الملتصقة معا بالعسل وزبدة الفول السوداني، ومعها مزيج سري كريه ~~من الكاكاو وشراب الذرة والسكر البني وجوز الهند مع الجوز المقشر، والذي يجب أن يؤكل ~~بالملعقة. كان الأكل بنهم في البداية يرضيني ثم يصيبني بعد ذلك بالاكتئاب كما تفعل ممارسة ~~العادة السرية (العادة السرية؛ قرأت أنا وناعومي في كتب أمها كيف أن الفلاحات في شرق أوروبا ~~يمارسنها باستخدام الجزر وتمارسها السيدات في اليابان باستخدام كرات ذات ثقل، ويمكن التعرف ~~على من اعتادت ممارستها من النظرة الفاترة في عينيها وملمس بشرتها التي تشبه بشرة مرضى ~~الكبد، وكنا نطوف جوبيلي باحثات عن هذه الأعراض ونحن نفكر أن هذا الأمر بأكمله غريب وطريف ~~ومثير للغثيان، بل إن كل ما كنا نكتشفه عن الجنس كنا نحوله إلى مهرجان إما للضحك أو ~~للشعور بالغثيان، أو كما كنا نقول «نضحك حتى يصيبنا الغثيان.» أما الآن فلم نعد نتحدث عن ~~هذا الأمر أبدا.) أحيانا بعد أن أسرف في تناول الطعام، كنت أصوم عن الطعام ليوم أو اثنين، ~~وأشرب جرعة كبيرة من الملح الإنجليزي المذاب في ماء دافئ وأنا أفكر أن السعرات الحرارية لن ~~تبقى في جسدي إذا استطعت أن أطرد كل ما بجسدي بسرعة. لم أصبح بدينة حقا، وإنما كان جسمي ~~ممتلئا ومشدودا بما فيه الكفاية، حتى إني كنت أحب أن أقرأ الروايات التي توصف فيها ~~المناطق الممتلئة في جسد البطلة بشكل ناعم ومثير جنسيا، وفي الوقت نفسه كنت أقلق من ~~الروايات التي تكون فيها النساء المثيرات كلهن نحيفات، ولكي أطمئن نفسي كنت أردد لنفسي ~~بيت الشعر القائل: «العشيقات ذوات السيقان الممتلئة الناعمة المرمرية.» كنت أحب هذا ، وأحب ~~كلمة «عشيقة»، وهي كلمة أتخيل صاحبتها ترتدي تنورة ضيقة عند الخصر ومنفوشة ms191 عند السيقان؛ ~~العشيقة لا يجب أن تكون شديدة النحافة. كنت أحب أن أطالع نسخة لوحة «المستحمون» لسيزان في ~~الملحق الفني للموسوعة ثم أنظر لنفسي عارية في المرآة، لكن كان الجانبان الداخليان ~~لفخذي يرتعشان كقالب من الجبن القريش في كيس شفاف. # في ذلك الوقت، كانت ناعومي تبحث حولها لترى الاحتمالات المتاحة. # كان ثمة رجل يدعى بيرت ماثيوز - أعزب في الثامنة والعشرين أو التاسعة والعشرين من عمره، ~~وله وجه مرح مضطرب وشعر يبدو كقبعة من الفراء مدفوعة إلى الخلف على فروة رأسه المغضنة - ~~يتردد بانتظام على مكتب محل الألبان، وكان يعمل مفتش دواجن. قصت لي ناعومي باشمئزاز ما كان ~~يقول لمولي وكارلا؛ فكان دائما ما يسأل مولي إذا ما كانت حاملا، وكان يتسلل حولها محاولا ~~أن يلحظ بطنها من الجانب، وكان يعطي كارلا نصائح عن شهر العسل المقبل. وكان يطلق على ~~ناعومي «كعكة الزبدة»، وعندما يراها في الطريق كان يبطئ سيارته ويطلق نفيرها نحوها ~~فتستدير هي مبتعدة قائلة: «يا ربي، أنقذني من هذا الأحمق!» وتعبس في انعكاس صورتها في زجاج ~~المتجر. # راهنها بيرت ماثيوز بعشرة دولارات أنها لن يسمح لها بمقابلته في قاعة رقص «جاي لا». ~~وأرادت ناعومي أن تذهب وقالت إن هذا من أجل الدولارات العشرة ولكي تثبت له أنها تستطيع أن ~~تذهب إلى هناك. صحيح أن والدتها لم تكن لتسمح لها بأن تذهب إلى تلك القاعة، لكن والدتها ~~كانت خارج المدينة في مهمة تمريض، ولم يكن أمر والدها يقلقها إطلاقا، فكانت تقول عنه ~~دوما: «إنه يخرف»، كما لو أنها تستمتع بالرنين الطبي للكلمة. كان يقضي وقته في غرفته مع ~~الإنجيل والكتب الدينية خاصته يصنف النبوءات. # أرادت ناعومي أن أذهب معها وأبيت الليل عندها في بيتها وأقول لأمي إننا سنذهب إلى مسرح ~~الليسيوم. شعرت أنه لا يوجد أمامي خيار سوى أن أفعل هذا؛ ليس لأن ناعومي تريدني أن أفعل ~~هذا، وإنما لأنني كنت أكره قاعة «جاي لا» وأخشاها بحق. # كانت قاعة «جاي لا» تقع على بعد نصف ميل شمال المدينة على ms192 الطريق السريع، وكانت مغطاة ~~بجذوع شجر صناعية لونها بلون الشوكولاتة، ونوافذها لم يكن بها زجاج، وإنما لها مصاريع لوحية ~~تغلق بإحكام خلال النهار وتفتح حين يحين وقت الرقص. عندما كنت أمر بالسيارة مع أمي من ~~هذا المكان كانت تقول: «انظري إلى سدوم وعمورة.» كانت تشير إلى عظة ألقيت في الكنيسة ~~المشيخية تشبه قاعة رقص «جاي لا» بهاتين القريتين وتتوقع لها مصيرا مشابها (يقال إنها ~~القرى التي كان نبي الله لوط يعيش فيها). حينها قالت أمي إن هذا التشبيه غير صحيح؛ لأن سدوم ~~وعمورة لقيتا هذا المصير بسبب ممارسات غير طبيعية. (فقالت فيرن دوجرتي بغموض وثقة عندما ~~شرحت لها أمي ذلك: «طبيعية أو غير طبيعية، على حسب، أليس كذلك؟») كانت أمي في موقف مرتبك؛ ~~فمن حيث المبدأ عليها أن تسخر من موقف الكنيسة المشيخية، لكن على الجانب الآخر كان مجرد ~~مرأى قاعة «جاي لا» - على ما أعتقد - يشعرها بإحساس الفساد العظيم نفسه الذي يشعر به ~~المشيخيون. وكنت أنا أراها من وجهة النظر نفسها، تلك القاعة بنوافذها المعتمة في ذلك الحقل ~~الخرب القذر، فكنت أراه برمته مكانا أسود سيء السمعة. # وفي غابة الصنوبر خلف القاعة، كانت الواقيات الذكرية تتناثر، يبدو شكلها كجلود ثعابين ~~قديمة، هذا ما كان الجميع يقولونه. # انحرفنا عن الطريق السريع في ليلة جمعة وكل منا ترتدي فستانا مزينا بالزهور، تنورته ~~طويلة وذات طيات متعددة محكمة عند الوسط. كنت قد بذلت قصارى جهدي كي أتزين؛ فاغتسلت وأزلت ~~شعري الزائد واستخدمت مزيلا لرائحة العرق وصففت شعري لأعلى، وارتديت تنورة تحتية من قماش ~~القرينول خشنة ومثيرة للحكة عند الفخذين، وصدرية كان من المفترض أن تضغط خاصرتي، لكنها ~~قرصت على حجابي الحاجز وتركت انتفاخا صغيرا تحته، لدرجة اضطرتني أن أضيق حزامي ~~البلاستيكي فوقها. ضيقت الحزام لخمس وعشرين بوصة وكنت أتعرق تحته. وضعت على وجهي وعنقي ~~مسحوق تجميل لونه بيج يشبه الطلاء، وطليت شفتي باللون الأحمر بشكل سميك حتى بدت كالوردة ~~الحمراء المصنوعة من الحلوى التي يزين بها الكعك. وانتعلت صندلا تعلق به حصى ms193 الطريق. ~~أما ناعومي فقد انتعلت حذاء ذا كعب عال. كنا في شهر يونيو وكان الجو دافئا ناعما يعج ~~بالحشرات، والسماء تبدو خلف أشجار الصنوبر السوداء كقشرة نبات الدراق، والكون يبدو ~~جميلا، فقط لو لم أكن مضطرة للذهاب لقاعة الرقص. # سبقتني ناعومي عبر مرأب السيارات العشوائي غير الممهد، وصعدت السلم المضاء الذي لا ~~يضيئه سوى مصباح أصفر واحد. إذا كانت تشعر بالخوف مثلما أشعر أنا فإنها لم تظهر ذلك. ~~ثبت عيني على كعبي حذائها العاليين اللذين يدلان على التكبر، وعلى ساقيها القويتين ~~العاريتين ناميتي العضلات بلونهما الشاحب. كان ثمة رجال وشباب يجلسون على السلم، لم ~~أستطع رؤية وجوههم ولم أنظر لأراها، لم أر سوى سجائرهم أو حليات أحزمتهم المعدنية أو ~~الزجاجات التي تتلألأ في الظلام. كي أمر عبر الكلام الناعم المثير للازدراء والمفزع بطريقة ~~غريبة، حاولت أن أوقف حاسة السمع لدي بالطريقة نفسها التي يكتم بها المرء أنفاسه. ماذا ~~حدث لثقتي بنفسي التي كنت أتمتع بها، تلك الثقة الزائفة التي ميزت الأيام الخوالي ~~للتهريج والشعور بالأفضلية؟ لم يبق منها شيء، كنت أفكر بحنين وعدم تصديق كم كنت جريئة ~~حينها! كما حدث مع السيد شامبرلين، على سبيل المثال. # طبعت سيدة بدينة مسنة يدينا بطابع قرمزي. # شقت ناعومي طريقها على الفور نحو بيرت ماثيوز الذي كان واقفا بالقرب من مسرح الرقص ~~وقالت له: «لم أتوقع قط أن أجدك هنا، أسمحت لك ماما بالخروج؟» # اصطحبها بيرت ماثيوز للرقص. كان الرقص يتم فوق منصة خشبية ترتفع عن مستوى الأرض نحو ~~قدمين، وهي محاطة بحواجز مزينة بحبال من الأضواء الملونة، والتي كانت أيضا تلتف حول ~~الأعمدة الأربعة التي تتوزع في الأركان وتمتد في خطين مائلين يتقاطعان فوق رءوس الراقصين؛ ~~مما يجعل منصة الرقص تبدو كسفينة مضاءة تطفو فوق الأرض المرشوشة بنشارة الخشب. وفيما عدا ~~تلك الأضواء، والضوء الذي ينبعث من نافذة مفتوحة على ما يشبه المطبخ - حيث تباع النقانق ~~وشطائر الهامبرجر والمشروبات الغازية والقهوة - كان المكان مظلما. كان الناس يقفون ~~متجاورين في حشود غامضة، وكانت نشارة ms194 الخشب تحت أقدامهم مبللة وتفوح منها رائحة المشروبات ~~المسكوبة. وقف رجل أمامي حاملا كوبا ورقيا، اعتقدت أنه قد أخطأ العنوان، فهززت رأسي، ~~لكني بعدها تمنيت لو أنني أخذته منه، فلربما بقي بجواري وطلب أن أرقص معه. # بعد رقصتين عادت ناعومي ومعها بيرت ماثيوز ورجل آخر نحيل جذاب ذو وجه أحمر وشعر أحمر. وقف ~~ورأسه ممدودة للأمام وجسده الطويل منحن على شكل حرف الواو. لم يطلب مني هذا الرجل الرقص ~~وإنما جرني من يدي إلى المنصة عندما بدأت الموسيقى. ولدهشتي، وجدته راقصا بارعا ~~ومبتكرا واستمر يدفعني بعيدا عنه ثم يسحبني إليه مرة أخرى ويدور حول نفسه وهو يطقطق ~~بأصابعه، وكان يفعل ذلك دون أن يبتسم وإنما في الواقع كان يرتسم على وجهه تعبير جاد ~~عدواني. وفي الوقت الذي كنت أحاول أن أتابع رقصه، كان علي أيضا أن أتابع كلامه لأنه كان ~~يتحدث كذلك خلال تلك اللحظات القصيرة غير المتوقعة التي تتخلل الرقص عندما نكون على مسافة ~~قريبة بعضنا من بعض. كان ذا لكنة هولندية، ولكن لم يكن ذلك صحيحا؛ ففي ذلك الوقت كان ~~المهاجرون الهولنديون قد اشتروا بعض المزارع القليلة حول جوبيلي، وكانت لهجتهم - بأصواتها ~~الدافئة البريئة - يمكن أن تسمع في نكات محلية بعينها وفي الأقوال المأثورة. قال لي ~~مستخدما واحدة من تلك العبارات وهو يدير عينيه متوسلا: «راقصيني بليونة.» لم أعرف ماذا ~~كان يعني، فلقد كنت أراقصه أو أنه كان يراقص نفسه بأقصى قدر من الليونة يستطيع أحد أن يرقص ~~به. كان كلامه كله بهذا الشكل؛ فكنت أسمع الكلمات لكني لا أستطيع أن أحدد المعنى، لعله ~~كان يمزح لكن وجهه ظل لا يبتسم. لكنه أدار عينيه بطريقته الغريبة وناداني قائلا: «يا ~~حبيبتي.» بصوت بارد واهن، كما لو كنت شخصا مختلفا تماما عن نفسي، وكل ما فكرت أن أفعله ~~هو أن أتخيل تلك الفتاة التي يظن أنه يراقصها وأتقمص شخصيتها، فتاة ضئيلة مندفعة ~~مشرقة لعوب. لكن كل ما كنت أفعله، كل حركة، وكل تعبير حاولت به أن أواكب حركاته بدا ~~متأخرا ms195 جدا؛ إذ يكون قد تجاوزه إلى شيء آخر. # رقصنا حتى أخذت الفرقة استراحة، سررت لانتهاء الرقص وسعدت لأنه ظل معي؛ فقد كنت أخشى ~~أن يشعر بمدى عدم ملاءمتي ويذهب للبحث عن فتاة أخرى. سحبني خارج منصة الرقص ثم إلى نافذة ~~المطبخ حيث دفعنا المتزاحمون كي يستطيع أن يبتاع لنا كوبين من جعة الزنجبيل. # قال بلهجة آمرة: «اشربي بعضا من هذا.» متخليا عن لهجته الهولندية وهو يبدو متعبا ~~وعمليا، فشربت بعضا من كوبي فقال لي: «اشربي الاثنين فأنا لا أشرب جعة الزنجبيل قط.» كنا ~~نمشي عبر ساحة القاعة، استطعت وقتها تمييز الوجوه، ورأيت أناسا أعرفهم وأخذت أبتسم لهم ~~وأنا يخالجني شعور بالفخر؛ لكوني في هذا المكان ولكوني أتبع رجلا. وصلنا إلى بيرت وناعومي، ~~اشترى بيرت قنينة من الويسكي وقال: «حسنا أيها العريف، كيف أخدمك؟» ثم صب بعض الويسكي في ~~الكوبين، ابتسمت ناعومي لي ابتسامة خاوية كسباحة خرجت لتوها من الماء. كنت أشعر بالحر ~~والعطش فشربت الويسكي وجعة الزنجبيل في ثلاث أو أربع رشفات كبيرة. # قال بيرت ماثيوز: «يا إلهي!» # وقالت ناعومي وهي سعيدة بي: «إنها معتادة على احتساء الكحول.» # فقال بيرت: «إذن، فهي لا تحتاج إلى جعة الزنجبيل.» وصب الويسكي في كوبي، فاحتسيته ~~وبداخلي رغبة قوية في إضافة المزيد من البريق إلى وضعي الجديد، ولم أهتم بالطعم كثيرا. ~~أخذ بيرت يشكو أنه لا يريد أن يرقص بعد ذلك، قائلا إنه يعاني ألما في ظهره. أطلق الرجل ~~الذي كنت معه - والذي عرفت وقتها أو بعدها أن اسمه كلايف - ضحكة مرعبة متحشرجة صوتها كصوت ~~مدفع رشاش، وحرك يده وكأنه يلكم بيرت عند حلية حزامه. ~~«كيف ضعف ظهرك؟ ها! كيف ضعف ظهرك؟» # قال بيرت بصوت عال متذمر: «كنت مستلقيا هناك أيها الضابط، فجاءت هي وجلست علي، ماذا ~~عساي أن أفعل؟» # قالت ناعومي بسعادة: «لا تكن بذيئا.» ~~«ما البذاءة في هذا؟ ماذا قلت؟ هل تريدين أن تدلكي ظهري، يا حبيبتي؟ دلكي ظهري يا ~~ناعومي.» ~~«لا أهتم بظهرك الأحمق، اذهب وابتع مرهما.» # قال وهو يتشمم شعر ms196 ناعومي: «هل تدلكيني به؟ هه! تدلكيني به جيدا؟» # صارت الأضواء الملونة زائغة وكانت تتحرك لأعلى وأسفل كالأشرطة المطاطية الممتدة. وتضخمت ~~وجوه الناس قليلا بشكل بذيء عبر الوجنات، وبدت لي كما لو أني أنظر إلى الوجوه منعكسة على ~~سطح منحن لامع. كما أن الرءوس بدت كبيرة لا تتناسب مع الأبدان، وتخيلتها - رغم أنني لم ~~أرها في الواقع - منفصلة عن الأجساد تطفو بسلاسة على صوان غير مرئية. كانت تلك هي قمة ~~السكر التي قد أصل إليها فيما يتعلق بالتأثير على المستقبلات الإدراكية. وبينما كنت ~~أمر بهذه الحالة ذهب كلايف ليشتري نقانق مغلفة في مناديل ورقية وصندوق جعة الزنجبيل، ~~وتركنا كلنا قاعة الرقص وجلست في مقعد السيارة الخلفي مع كلايف. أحاطني بذراعه وأخذ يدغدغ ~~خصري المصفح بعنف. انطلقنا بالسيارة على الطريق السريع بما بدت لي سرعة هائلة وكان بيرت ~~وكلايف يغنيان بأصوات عالية بإيقاع مصطنع: «لا أبالي إن لم تشرق الشمس، فستأتيني حبيبتي في ~~وقت المساء.» كانت النوافذ مفتوحة والريح والنجوم تعدو مسرعة بجوارنا. كنت سعيدة؛ فلم ~~أعد مسئولة عن أي شيء؛ «إنني ثملة.» هكذا فكرت. دخلنا جوبيلي فرأيت البنايات تمتد على ~~طول الشارع الرئيسي، وبدت كما لو أنها تحمل رسالة لي تتعلق بطبيعة العالم المؤقتة واللعوب، ~~والمستبعدة بصورة بهيجة. كنت قد نسيت أمر كلايف، لكنه مال بوجهه وألصقه بوجهي ودس لسانه ~~الضخم المبتل البارد المجعد كخرقة تنظيف صحون داخل فمي. # كنا قد توقفنا خلف فندق برونزويك. # قال بيرت: «هنا أعيش، هذا هو بيتي السعيد.» # قالت ناعومي: «لا يمكننا أن ندخل، لن يسمحوا لك بأن تصطحب فتيات إلى غرفتك.» ~~«انتظري، وسترين.» # دخلنا من باب خلفي وصعدنا بعض السلالم، ثم مشينا في ممر تتلألأ في نهايته حاوية كبيرة على ~~شكل فقاعة مليئة بسائل أحمر اللون، بدا لي جميلا للغاية في الحالة التي كنت عليها. دخلنا ~~إلى غرفة نوم وجلسنا يغمرنا ضوء ساخن مفاجئ كل منا بعيد عن الآخر. جلس بيرت على السرير ثم ~~استلقى، أما ناعومي فقد جلست على المقعد وجلست أنا على مسند ms197 ممزق، وتنورتانا ممتدتان بشكل ~~مناسب. جلس كلايف على المدفأة الباردة لكنه نهض فجأة ليسدل ستارة على الشباك، ثم صب لنا ~~المزيد من الويسكي مازجا إياه بجعة الزنجبيل التي اشتراها، وأكلنا النقانق. كنت أعلم أننا ~~اقترفنا خطأ بإيقاف السيارة والدخول إلى هنا. أخذ إحساسي بالسعادة يذوي برغم أني أخذت أشرب ~~المزيد على أمل أن يعود ثانية، لكني لم أشعر سوى أنني منتفخة وجسدي ثقيل خاصة أصابع يدي ~~وقدمي. # قال كلايف بحدة موجها حديثه إلي: «هل تؤمنين بحق المرأة في المساواة؟» ~~«نعم.» قلتها وأنا أحاول أن أستجمع شتات نفسي وقد شجعني السؤال وأشعرني بأنه يتعين علي ~~أن أجيب على أمل الدخول في مناقشة. ~~«هل تناصرين أيضا توقيع عقوبة الإعدام على النساء؟» ~~«لا أناصر عقوبة ... الإعدام على الإطلاق. لكن إن كانت ستطبق فيجب أن تطبق على النساء ~~كذلك.» # قال كلايف بسرعة الرصاص: «تعتقدين أن النساء يجب أن يشنقن كالرجال؟» # ضحكت بصعوبة دون أي سعادة، فقد بدأ الإحساس بالمسئولية يعود إلي. # دفع هذا كلا من بيرت وكلايف لأن يلقيا النكات، وكل نكتة كانت تبدأ جادة وتستمر هكذا ~~لفترة حتى لتبدو أنها حكاية تعليمية ذات مغزى؛ ومن ثم كان ينبغي أن نظل طوال الوقت ~~مترقبتين كي لا تبدو علينا الحماقة ونصمت عندما يأتي وقت الضحك. كنت أخشى أنني إذا لم أضحك ~~في الحال فسوف يكون انطباعهم عني أنني ساذجة حتى إنني لم أستوعب النكتة أو أن النكتة قد ~~أهانتني. في كثير من تلك النكات - كما في النكتة الأولى - كان ضروريا أن أزود أنا أو ~~ناعومي المحادثة بكلام جاد، والطريقة التي كنا نفعل بها هذا - كي لا نظهر بصورة الحمقى كما ~~بدوت أنا في تلك المرة - هو أن نجيب بشكل متردد ساخط لكن في نفس الوقت متساهل بعض الشيء؛ كي ~~نتابع النكتة بترقب ونبتسم ابتسامة خفيفة كما لو أننا نعرف ما سيأتي. وبين النكات قال بيرت ~~لناعومي: «تعالي إلى الفراش معي.» # فقالت: «كلا شكرا، إنني مرتاحة حيث أنا.» ورفضت أن تشرب المزيد وأخذت تنفض دخان السيجارة ms198 ~~في منفضة السجائر الخاصة بالفندق. ~~«لماذا تكرهين الأسرة؟ فيها تحصلين على المزيد.» ~~«احصل أنت على ما تشاء.» # أما كلايف فلم يبق ثابتا في مكانه قط، فقد أخذ يتحرك في أرجاء الغرفة؛ يمثل ~~وكأنه يلاكم أناسا وهميين، ويمثل نكاته عمليا، يندفع نحو بيرت على السرير حتى قفز بيرت ~~في النهاية هو الآخر وأخذا يتظاهران أنهما يتعاركان؛ يسددان لكمات قريبة ويقفزان وهما ~~يضحكان. فاضطررت أنا وناعومي لأن نبعد أقدامنا عنهما. # قالت ناعومي: «إنهما مغفلان.» # أنهى كلايف وبيرت عرضهما بأن وضع كل منهما يده على كتف الآخر وواجهانا بشكل رسمي كما لو ~~كانا فوق خشبة مسرح. # قال بيرت: «أرى من ثيابك أنك راعي بقر ...» فرد عليه كلايف مغنيا: «أرى من ثيابك أنك أيضا ~~راعي بقر ...» ~~«من ثيابنا، يمكنكما أن تعرفا أننا راعيا بقر ...» # قال بيرت بلهجة مخيفة: «أنت يا راستوس.» ~~«نعم؟» ~~«هل أنت في الرابعة أم في الخامسة من عمرك؟» ~~«لا أعرف، لا أعرف هل أنا في الرابعة أم في الخامسة من عمري.» ~~«راستوس؟ هل أنت خبير بالنساء؟» ~~«كلا.» ~~«إنك في الرابعة من عمرك إذن!» # ضحكنا لكن قالت ناعومي: «هذا الحوار من العروض الغنائية بمهرجان كنزمن في تابرتون، لقد ~~سمعت هذا من قبل.» # قلت وأنا أنهض: «لا بد أن أذهب إلى الحمام.» لا بد أنني كنت لا أزال ثملة؛ ففي الظروف ~~الطبيعية لم أكن لأقول هذا أمام رجال أبدا. # قال بيرت بكرم: «أصرح لك بهذا، اذهبي، لديك تصريح مني لمغادرة الغرفة. انزلي إلى البهو ~~وادخلي الباب المكتوب عليه ...» حدق في للحظة ثم دفع وجهه حتى كاد يلصقه بصدري وقال: «نعم، ~~فهمت الآن ... مكتوب عليه السيدات.» # وجدت الحمام واستخدمته ثم تذكرت بعدها أنني لم أغلق الباب. وفي طريق عودتي رأيت فقاعة ~~السائل الأحمر وخلفها ضوء قادم من نهاية الممر. مشيت نحوها وتجاوزت غرفة بيرت، وخلف ذاك ~~الضوء كان هناك باب مؤد لسلم الطوارئ ترك مفتوحا لأن الجو كان حارا في تلك الليلة. ~~كنا في الطابق الثالث، آخر طوابق الفندق. خطوت إلى الخارج فتعثرت وكدت ms199 أسقط فوق ~~الدرابزين ثم تمالكت نفسي وانحنيت، وبصعوبة كبيرة خلعت صندلي الذي كنت أظنه سبب تعثري. ~~نزلت السلالم كلها وفي نهاية السلالم كانت هناك فجوة بين آخر درجة وبين الأرض تبلغ نحو ستة ~~أقدام، فألقيت صندلي إلى أسفل في البداية - وأنا أشعر بذكائي لأني فكرت في هذا - ثم جلست ~~على آخر درجة من درجات السلم ودليت جسدي لأسفل قدر استطاعتي، ثم قفزت فسقطت على طين جاف في ~~الزقاق الذي يفصل بين الفندق ومحطة الإذاعة. انتعلت صندلي وأنا أشعر بالحيرة؛ إذ كنت أنوي ~~حقا العودة إلى الغرفة، لم أستطع التفكير أين سأذهب. نسيت تماما أمر بيتي في شارع ريفر ~~وفكرت أننا لا نزال نعيش في طريق فلاتس. وفي نهاية الأمر تذكرت منزل ناعومي، وبتخطيط حريص ~~فكرت أن بإمكاني الوصول إليه. # مشيت بامتداد حائط فندق برونزويك أتخبط في الجدار الطوبي حتى وصلت إلى ظهر الفندق وسرت في ~~طريق دياجونال - في البداية في الاتجاه الخاطئ ثم اضطررت لأن أعود أدراجي - وعبرت الطريق ~~الرئيسي دون أن أتلفت عن يميني أو يساري، لكن الوقت كان متأخرا ولم تكن هناك سيارات ~~مارة. لم أستطع أن أرى الوقت جيدا على ضوء القمر الخافت في ساعة مكتب البريد. ما إن خرجت ~~عن الطريق الرئيسي، قررت أن أمشي على الحشائش في الساحات الأمامية لمنازل الناس؛ لأن الرصيف ~~كان خشنا، خلعت صندلي مرة أخرى، وفكرت أنني يجب أن أخبر الجميع عن هذا الاكتشاف أن المشي ~~على الرصيف يؤلم أما الحشائش فملمسها ناعم. لماذا لم يفكر أحد في هذا من قبل؟ وصلت لبيت ~~ناعومي في شارع ميسون، ونسيت أننا تركنا الباب الخلفي مفتوحا فذهبت إلى الباب الأمامي ~~وحاولت فتحه، لكنني فشلت فطرقته برفق في البداية، ثم أخذ طرقي يشتد ويعلو صوته. فكرت أن ~~ناعومي لا بد أن تكون في الداخل وأنها سوف تسمعني وستأتي لتدخلني. # لم توقد الأضواء، ولكن الباب فتح وأطل منه والد ناعومي لابسا ثياب النوم بساقيه ~~العاريتين وشعره الأشيب يتوهج في الظلام كميت قام من قبره. قلت: «ناعومي ms200 ...» ثم تذكرت، ~~واستدرت وتعثرت على درجات السلم واتجهت إلى شارع ريفر الذي تذكرته في الوقت نفسه. ثم قررت ~~أن أكون أكثر حكمة، فاستلقيت على الأرجوحة الموجودة في الشرفة، وغرقت في سبات عميق في ~~دوامات من النور والظلمة تبتلعني وأنا عاجزة أتجشأ فتفوح من أنفاسي رائحة النقانق. # لم يعد والد ناعومي إلى فراشه، بل جلس في المطبخ في الظلام حتى عادت ناعومي، فاستل ~~حزامة وأخذ يضربها على ذراعيها وساقيها ويديها وعلى أي مكان طاله حزامه، وأجبرها على أن ~~تجثو على ركبتيها على أرض المطبخ وتستغفر الرب قائلة إنها لن تذوق الخمر ثانية. # أما أنا فقد استيقظت في الساعات الأولى من الفجر أشعر بالبرد والغثيان والألم، فخرجت على ~~الفور من الشرفة وتقيأت على كومة من نبات القرطب بجانب المنزل. كان الباب الخلفي مفتوحا ~~طوال ذلك الوقت، فغطست رأسي وشعري في حوض المطبخ محاولة التخلص من رائحة الويسكي، وصعدت ~~السلم بحرص حتى وصلت إلى السرير. عندما استيقظت أمي أخبرتها أنني شعرت بالإعياء في بيت ~~ناعومي فعدت إلى البيت ليلا. ظللت طوال اليوم في فراشي أعاني صداعا رهيبا واضطرابا في ~~معدتي ووهنا شديدا وشعورا بالإخفاق والارتياح. شعرت بأنني أسترد ذاتي من خلال الأشياء ~~الطفولية، مثل مصباحي القديم على شكل شخصية سكارليت أوهارا، والزهور المعدنية الزرقاء ~~والبيضاء التي تمسك ستائري المرتخية المنقطة. وأخذت أقرأ كتاب «حياة شارلوت برونتي». # ومن نافذتي رأيت المروج ذات الأعشاب القصيرة خلف قضبان السكة الحديدية، التي مالت إلى ~~اللون الأرجواني مع الحشائش التي تزدهر في شهر يونيو، وكنت أستطيع كذلك أن أرى جزءا صغيرا ~~من نهر واواناش الذي لا يزال فائضا وأشجار الصفصاف الفضية. وأخذت أحلم بأن أعيش حياة على ~~طراز القرن التاسع عشر؛ حيث التنزه سيرا على الأقدام والتأمل، والاستقامة واللباقة ~~والعذرية والسلام. # أتت ناعومي إلى حجرتي وقال بغلظة هامسة: «يا إلهي! يجدر بي أن أقتلك لأنك تركتنا ~~وانصرفت.» ~~«شعرت بالإعياء.» ~~«هراء، من تظنين نفسك؟ كلايف ليس أحمق كما تعرفين. إنه يعمل في وظيفة مرموقة؛ فهو محقق ~~تأمين. من تريدين ms201 أن ترافقي؟ صبيان المدرسة الثانوية؟» # ثم أرتني آثار الضرب وأخبرتني بما فعله أبوها. ~~«لو أنك عدت معي إلى البيت لاستحيا أن يفعل هذا. كيف عرف بحق الجحيم أنني خرجت ~~أساسا؟» # لم أقل لها شيئا قط، ولم يقل هو شيئا، ربما اختلط عليه الأمر أو ظن أنني شبح. كانت ~~ناعومي تعتزم الخروج مع بيرت ماثيوز مرة أخرى في عطلة الأسبوع المقبل، ولم تبال. ~~«يمكنه أن يضربني حتى يتعب، لا بد أن أعيش حياة طبيعية.» # ما هي الحياة الطبيعية؟ هي حياة الفتيات في مكتب محل الألبان، حياة حفلات الهدايا ~~والملاءات والأواني والمقالي وفضيات المائدة، ذاك الترتيب الأنثوي المعقد؛ وعلى الجانب ~~الآخر نجد حياة قاعة رقص «جاي لا» والقيادة تحت تأثير الكحول ليلا في الطرق المظلمة، ~~وسماع النكات التي يلقيها الرجال، وتحمل الرجال والصراع معهم بحذر والسيطرة عليهم، ولا يمكن ~~لأحد وجهي هذه الحياة أن يوجد دون الوجه الآخر، وعبر سلوك الطريقين والاعتياد عليهما ~~كانت الفتاة تضع نفسها على الطريق المؤدي للزواج. لم يكن هناك سبيل آخر، وأنا لن أستطيع ~~سلوك ذلك الطريق. كلا، إنني أفضل «شارلوت برونتي». ~~«انهضي وارتدي ثيابك وانزلي معي إلى وسط المدينة، سوف يفيدك هذا.» ~~«أشعر بإعياء شديد.» ~~«إنك طفلة كبيرة. ماذا تريدين؟ هل تريدين أن تزحفي إلى حفرة تقضين فيها باقي ~~حياتك؟» # منذ ذلك اليوم، بدأت صداقتنا تذوي، صارت كل منا لا تتردد على منزل الأخرى. وحين التقينا ~~في الطريق في الشتاء التالي أطلعتني - وهي مرتدية معطفها الجديد وحوافه من الفراء وأنا أحمل ~~كومة الكتب المدرسية - على آخر مستجدات حياتها؛ أنها كانت ترافق أحدا لم أسمع عنه من قبل، ~~شخصا ما من بورترفيلد أو بلو ريفر أو تابرتون. أما بيرت ماثيوز فقد هجرته سريعا؛ فقد اتضح ~~أن دوره كان يقتصر على مرافقة الفتيات الصغيرات في أول موعد لهن، وكان يلاحق فقط الفتيات ~~الصغيرات عديمات الخبرة، برغم أنه لم يضايقهن قط أو يورطهن في أي مشاكل ، مع كل ثرثرته. ~~وأخبرتني أيضا أن كلايف تعرض لحادث سيارة وبترت إحدى ساقيه ms202 من أسفل الركبة وقالت: «لا ~~عجب في ذلك، فهم يسرفون في احتساء الكحول، ويقودون كالحمقى.» كانت تتكلم بتسليم أمومي، بل ~~وبفخر، كأن الإفراط في الشرب والقيادة كالحمقى أمر لا غبار عليه، شيء مؤسف لكنه ضروري. بعد ~~فترة توقفت عن تقديم تقارير ما تحرزه من تقدم لي. فكنا نتقابل في جوبيلي وكل ما ~~نقوله لبعض هو «مرحبا.» أحسست أنها تجاوزتني كثيرا فيما افترضت بقلق والتباس أنه العالم ~~الحقيقي، كما تجاوزتها أنا كثيرا في كل فروع المعرفة المتخصصة البعيدة عن الواقع عديمة ~~الجدوى، التي تدرس في المدارس. ~~••• # كنت أحصل على أعلى الدرجات في المدرسة ولم أكتف منها أبدا؛ فكلما كنت أعود إلى بيتي ~~محملة بشهادات لأعلى الدرجات، كنت أفكر في كيف أجني المزيد منها. كانت تبدو لي ملموسة ~~وذات ثقل كالحديد، وكنت أجمعها حولي كمتاريس، وإن حدث وفقدت إحداها كنت أحس بفجوة ~~خطيرة. # في القاعة الرئيسة للمدرسة الثانوية، حول قائمة الشرف لأسماء الطلبة السابقين الذين ~~قتلوا في المعارك ما بين عامي 1914 و1918 وبين عامي 1939 و1945، علقت لوحات خشبية، كل ~~لوحة خاصة بصف معين، وفي كل لوحة علامات فضية صغيرة تحمل أسماء الأوائل كل عام، وتظل ~~هكذا إلى أن يختفي أصحاب هذه الأسماء في الوظائف وأعباء الأمومة. كان اسمي مكتوبا لكن ليس ~~في كل سنة، ففي بعض الأحيان كان جيري ستوري يتفوق علي؛ فقد كان معدل ذكائه هو الأعلى في ~~تاريخ مدرسة جوبيلي الثانوية وجميع المدارس الثانوية في مقاطعة واواناش. والسبب الوحيد الذي ~~كان يمكنني من التفوق عليه هو أن انشغاله بالعلوم جعله ضيق الصدر تجاه تلك المواد ~~التي يصفها باسم «مواد الحفظ» (اللغة الفرنسية والتاريخ) بالإضافة إلى الأدب الإنجليزي - ~~وأحيانا ينسى أمرها تماما - الذي كان يثير ضيقه كما لو أنه إهانة شخصية. # كنت أنا وجيري ستوري نتناغم معا، كنا نتحدث معا في الأروقة، ونشأ بيننا تدريجيا نوع ~~من المزاح، ومصطلحات ومجموعة من الموضوعات التي لا يشاركنا الاهتمام بها أحد آخر. كان ~~اسمانا يكتبان معا في الصحيفة المدرسية الصغيرة التي تكتب ms203 بالآلة الناسخة وتكاد تكون غير ~~مقروءة. الجميع كانوا يروننا ملائمين لبعضنا، وكانوا يطلقون علينا أسماء «فريق الخبراء» أو ~~«العباقرة»، ويفعلون هذا بقدر من الازدراء تعود جيري على التعايش معه أكثر مني. كنا نشعر ~~بكآبة لأن الطلاب كانوا يعتبروننا العضوين الوحيدين من نوع غريب من الكائنات الموجودة في ~~حديقة حيوان، وكنا نستاء من فكرة أنهم يظنون أننا متشابهين؛ لأننا لم نكن نظن ذلك. فكنت أرى ~~أن جيري أغرب مني ألف مرة، وكان أقل مني جاذبية، وكان من الواضح أن تصنيف عقلينا معا في ~~الفئة نفسها لا يجعل للفئات أي أهمية؛ فهو يشبه أن تقول إن توسكانيني وقائد الفرقة المحلية ~~الاثنين موهوبان. عندما كنا نناقش المستقبل كان يقول لي بصراحة إنني أملك ذاكرة ممتازة، ~~وموهبة أنثوية غير استثنائية في التعامل مع اللغات، لكن قدرات التفكير المنطقي لدي ضعيفة، ~~وتقريبا لا أملك أي قدرة على التفكير المجرد. وقال أيضا إن حقيقة أنني أكثر ذكاء بكثير ~~من معظم أهل جوبيلي لا يجب أن تعميني عن حقيقة أنني قريبا سأصل إلى أقصى حدودي في ~~العالم الخارجي التنافسي على المستوى الفكري. (وأضاف قائلا بحدة: «وهو ما ينطبق علي أنا ~~أيضا، إنني أحاول دائما أنا تكون لي نظرة مستقبلية. فأنا أبدو متميزا في مدرسة جوبيلي ~~الثانوية لكن كيف سأكون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؟» حين كان يتكلم عن مستقبله كان ~~يمتلئ بطموحات هائلة، لكنه كان يحرص على أن يعبر عنها بشكل ساخر ويحيطها بنقد ذاتي ~~واقعي.) # استمعت إلى رأيه كما يستمع الجندي إلى الأوامر لأنني لم أصدقه؛ أي إنني كنت أعرف أن كلامه ~~كله حقيقي، لكنني مع ذلك كنت أشعر بأنني أتمتع بنقاط قوة كبيرة في بعض المجالات، التي أرى ~~أنه لا يستطيع ملاحظتها ولا يصل إليها نطاق حكمه. لم تكن طريقة تفكيره تروق لي؛ لأن الناس ~~لا يعجبها إلا القدرات التي تشابه - وتفوق - قدراتهم. كنت أرى عقله كخيمة السيرك المليئة ~~بأجهزة غامضة، كان يمارس عليها - في غيابي - ألعابا بهلوانية مذهلة ولكنها مملة. وحرصت على ~~ألا أجعله يدرك ms204 ما أفكر به. لقد كان صادقا وأمينا معي في رأيه عني على ما يبدو، لكن لم ~~يكن لدي أية نية في أن أكون هكذا معه. لم لا؟ لأنني أحسست فيه ما تحس به النساء في ~~الرجال؛ شيئا ناعما متفاخرا طاغيا سخيفا، شيئا لا أستطيع قط تحمل عواقب التدخل ~~فيه، لقد كان بداخلي شعور باللامبالاة، بل بالازدراء، أخفيته عنه. وكنت أظن أنني بهذا أكون ~~لبقة وعطوفا، لم أفكر أبدا أنني متكبرة. # كنا نذهب إلى السينما معا، وإلى حفلات المدرسة الراقصة، وكنا نرقص رقصا سيئا عصبيا ~~وكل منا ساخط على الآخر، وكنا نشعر بالإهانة من تنكرنا في هيئة حبيبين في المدرسة ~~الثانوية، وهو ما كنا مضطرين إليه حتى اكتشفنا أن الطريقة الوحيدة للتغلب على هذا ~~الموقف هو أن نسخر منه. كان خلاصنا يتمثل في المحاكاة الساخرة والتهكم على الذات. في أحسن ~~الأحوال، كنا نبدو رفيقين مبتهجين يشعران بالارتياح معا وأحيانا القسوة على أحدنا الآخر، ~~وليس زوجين تزوجا منذ أكثر من ثمانية عشر عاما. كان يطلق علي لقب «الباذنجانة» بسبب ثوب ~~كان لدي من التفتة لونه قرمزي نبيذي، وهو في الأساس ثوب تركته فيرن دوجرتي عندما رحلت ~~وعدلته أمي ليكون مقاسي. (فقد صرنا فجأة أفقر من ذي قبل بسبب انهيار تجارة الثعالب الفضية ~~عقب الحرب.) بينما كانت أمي تعمل على تعديل هذا الثوب، كنت آمل أن يصبح على ما يرام وأن ~~يظهر بريقا مثيرا لفخذي العريضتين المثيرتين، مثل فستان ريتا هيوارث في إعلان فيلم ~~«جيلدا»، وعندما ارتديته حاولت أن أقنع نفسي بأنه كان كذلك، لكن بمجرد أن رأيت تعبير وجه ~~جيري ورأيته وهو يزدرد لعابه بصورة مبالغ فيها ويقول بصوت رفيع ساخر: «باذنجانة!» عرفت ~~الحقيقة. وعلى الفور حاولت أن أجد الأمر طريفا ومضحكا كما فعل هو ونجحت تقريبا، وفي ~~الطريق ارتجلنا أكثر. ~~«حضر الحفل الراقص المسائي الأخير لمنتصف الشتاء الذي يقام في دار ترسانة جوبيلي السيد ~~جيري ستوري الثالث، سليل عائلة كريمة تعمل ببيع الأسمدة، والآنسة الفاتنة ديل جوردان وريثة ~~إمبراطورية الثعالب الفضية، ms205 وهما زوجان أبهرا الحضور برقصهما الفريد الذي يفوق الوصف ~~...» # الكثير من الأفلام التي شاهدناها في السينما كانت تدور حول الحرب والتي انتهت قبل أن نبدأ ~~المدرسة الثانوية بعام واحد. وبعدها كنا نذهب إلى مطعم «هاينز»، الذي كنا نفضله عن مقهى ~~«بلو آول» الذي يذهب إليه كل زملائنا في المدرسة الثانوية تقريبا ليشغلوا الأغاني في ~~صندوق الموسيقى ويلعبوا بماكينات لعبة الكرة والدبابيس. كنا نحتسي القهوة وندخن سجائر ~~برائحة المنثول، وبين الحجيرات كانت هناك حواجز خشبية داكنة مرتفعة تعلوها نوافذ مروحية من ~~زجاج ذهبي داكن. كان جيري يتحدث عن الحرب وهو يقوم بتجعيد المناديل الورقية على هيئة أشكال ~~هندسية ويلفها حول ملعقة ويمزقها إلى أشرطة صغيرة. كان يصف لي مسيرة الموت من باتان، ~~وأساليب التعذيب في معسكرات الاعتقال اليابانية، وقصف طوكيو الناري وتدمير درسدن، لقد ~~أمطرني بحكايات وحشية وإحصائيات مدمرة لم أسمع مثيلا لها. وكنت أستمع إليه دون أدنى اعتراض ~~وإنما بحماس محدود واستمتاع فضولي مستمر. ثم أخذ يحدثني عن الأسلحة التي يطورها الأمريكان ~~والروس، وقد جعلت روايته من قوتهما التدميرية أمرا حتميا هائلا لا جدوى من مقاومته ~~وكأنه قوى الكون نفسه. ~~«الحرب البيولوجية؛ إنهم يستطيعون إعادة إنتاج الطاعون الدبلي، إنهم يخلقون أمراضا لا ~~يوجد علاج لها ويخزنونها. غازات الأعصاب؛ ماذا عن السيطرة على شعب بأكمله من خلال عقاقير ~~تذهب العقل جزئيا؟ ...» # كان موقنا من أنه ستكون هناك حرب أخرى قادمة، وأنها ستقضي علينا جميعا. فمن وراء نظارته ~~التي تنم عن العبقرية، كان يبدو مبتهجا عنيدا وهو يتوقع كارثة هائلة، بل وكارثة قريبة. ~~كان رد فعلي لما يقول هو أني اصطنعت نظرة الرعب التقليدية، العقلانية الأنثوية المعتادة، ~~التي من شأنها أن تثيره وتدفعه إلى معارضة أكبر، وتجعل من الضروري له أن يرعبني أكثر ويجادل ~~منطقي. لم يكن هذا أمرا عسيرا علي؛ فالعالم الذي يعرفه كان ذلك العالم الحقيقي حيث يعرف ~~كيف يشطرون الذرة، أما العالم الوحيد الذي كنت أعرفه أنا فهو العالم الذي صنعته بنفسي ~~بمساعدة كتبي؛ كي يكون عالما خاصا ومغذيا ms206 لي. لكنني توقفت عن هذا، شعرت بالسأم والغضب ~~وقلت له حسنا فلنفترض أن هذا حقيقي، لماذا إذن تستيقظ من نومك كل صباح وتذهب إلى المدرسة؟ ~~إذا كان هذا صحيحا، فلماذا تخطط لأن تصير عالما عظيما؟ ~~«إذا كان العالم سينتهي، ولم يعد ثمة أمل، فلماذا إذن تفعل هذا؟» # قال بلهجة غريبة ليجعلني أضحك: «لا يزال أمامي وقت كي أحصل على جائزة نوبل.» ~~«عشر سنوات؟» ~~«أمهليني عشرين سنة؛ فمعظم الاكتشافات العظيمة كانت على أيدي رجال لم يبلغوا الخامسة ~~والثلاثين.» # كان دائما يتمتم بعد أن يقول أمرا كهذا: «تعلمين أنني أمزح.» لكنه كان يعني جائزة نوبل ~~لا بشأن الحرب. فلم نستطع الفكاك من الاعتقاد السائد في جوبيلي، الذي يقول إن ثمة أخطارا ~~هائلة خارقة للطبيعة تلازم المزهوين أو من لهم آمال وتطلعات للمستقبل. لكن في الواقع ما ~~كان يجذبنا ويبقينا معا كانت هي تلك الآمال، تلك الآمال التي كنا ننكرها ونعترف بها ~~ونحترمها ونسخر بعضنا منها لدى البعض. # في عصر أيام الأحد كنا نحب أن نذهب في نزهات طويلة سيرا على الأقدام على طول قضبان السكك ~~الحديدية بادئين من خلف منزلي. كنا نسير حتى الجسر الممتد فوق الالتواء الكبير في نهر ~~واواناش، ثم نعود أدراجنا. كنا نتحدث عن القتل الرحيم والسيطرة الجينية على أعداد السكان، ~~وعما إذا كان هناك فعلا ما يسمى بالروح، وإذا ما كان من الممكن أن نعرف كل شيء عن الكون. ~~ولم نكن نتفق على شيء. في البداية كنا نتنزه في الخريف ثم في الشتاء. فكنا نسير في ~~العواصف الثلجية نتجادل خافضين رأسينا داسين أيدينا في جيوبنا، بينما تضرب حبات الثلج ~~الرفيعة الحادة وجهينا، وبعد أن نتعب من الجدال كنا ننتزع أيدينا من جيوبنا ونمد أذرعنا ~~أمامنا؛ لكي تمنحنا بعض التوازن ونحن نحاول أن نمشي على قضبان السكك الحديدية. كانت لجيري ~~ساقان طويلتان ضعيفتان ورأس صغير وشعر مجعد وعينان مدورتان لامعتان، وكان يعتمر قبعة ذات ~~نقوش مربعة ولها غطاء على الأذن مبطن بالصوف، وكنت أذكر أنه يرتديها منذ الصف ~~السادس. ms207 # تذكرت أنني كنت أسخر منه مثلما كان يفعل الجميع، وكنت لا أزال أحيانا أستحيي من أن يراني ~~أحد، مثل ناعومي، بصحبته. لكنني الآن بدأت أفكر أن به أمرا يثير الإعجاب، ميزة غريبة ~~ولاذعة في طريقة التزامه بالنموذج، وتقبله لدوره في جوبيلي، وسخافته الضرورية التي ~~تشعره بالرضا والسعادة، بما تحمله من نزعة حتمية، وهو ما لم أكن أنا نفسي قادرة قط على ~~استجماعه. كانت تلك هي الروح التي يظهر بها في الحفلات الراقصة والتي يقودني بها بتشنج ~~فوق أرضية قاعة الرقص الزلقة، والتي يتأرجح بها بلا جدوى نحو الكرة خلال مباراة البيسبول ~~السنوية الإجبارية، والتي يمشي بها مع الطلاب في التدريب العسكري. كان يقدم نفسه دون أن ~~يتظاهر بأنه ولد عادي، ولكن يفعل ما يفعله الولد العادي وهو يعلم أن أداءه لا يمكن أن يكون ~~مقبولا وأن الآخرين سوف يسخرون منه لا محالة. لكن لم يكن بإمكانه سوى فعل هذا، فباطنه ~~كظاهره. أما أنا - التي كانت حدودي الطبيعية أكثر غموضا، وحيث اعتدت أن أتماشى مع ما حولي ~~قدر استطاعتي - فبدأت أرى أنه قد يكون من المريح أن أكون مثل جيري. # أتى جيري إلى منزلي يوما للعشاء، وكان هذا رغما عني؛ فلم أكن أحب أن أجلسه وجها لوجه ~~مع أمي؛ فقد كنت أخشى أنها ستتحمس حماسا زائدا، وتحاول أن تتفوق على نفسها بطريقة ما بسبب ~~شهرة جيري بالذكاء. وهذا هو ما حدث؛ فقد حاولت أن تجعله يشرح لها نظرية النسبية، وأخذت هي ~~تومئ له وتشجعه وتكاد تقفز من مكانها مطلقة صيحات خافتة تدل على فهمها، وتلك المرة كان شرحه ~~غير مترابط. وأخذت أنا أنتقد الطعام، كما كنت أفعل دائما قبل أن نحظى بهذه الصحبة؛ فاللحم ~~يبدو ناضجا أكثر مما ينبغي، والبطاطس نيئة بعض الشيء، والفاصوليا المعلبة باردة جدا. أتى ~~أبي ومعه أوين من طريق فلاتس لأنه كان يوم الأحد، وكان أوين يعيش في طريق فلاتس طوال الوقت ~~آنذاك وصار فظا للغاية؛ فبينما كان جيري يتحدث، أخذ أوين يمضغ الطعام بصوت مرتفع وينظر ms208 ~~إلى أبي نظرات تنم عن جهل وازدراء ذكوري. لم يتجاوب أبي مع نظراته تلك، وإنما اكتفى بقليل ~~من الكلام، وربما كان محرجا من حماس أمي الذي ربما ظن أنه حماسا كافيا لكليهما. أما أنا، ~~فكنت غاضبة من الجميع، كنت أعلم أن أوين وأبي أيضا يريان جيري شخصا غريب الأطوار طرد من ~~عالم الرجال، ولا أهمية لما يعرفه. (ورغم أن أبي لم يكن يظهر ذلك؛ فإنه كان يعلم أن هناك ~~طريقة واحدة للنظر إلى الأمور.) وقد بدا لي أنهما على درجة من الحماقة تمنعهما من رؤية ما ~~يمتلكه من قوة. أما جيري، فقد كانت عائلتي في نظره جزءا من الجموع الحاشدة من البشر الذين ~~لا يستحق الأمر تكبد مشقة شرح أي شيء لهم، ولم يكن يرى أنهم يملكون قوة بداخلهم. لقد كان ~~عدم الاحترام ظاهرا من الجميع وموجها إلى الجميع. ~~«مما يثير ضحكي ما يظنه الناس من أنهم يمكنهم أن يطرحوا أسئلة قليلة، ويستطيعون الفهم دون ~~أن يعرفوا أي شيء من الأساسيات.» # قلت بمرارة: «فلتضحك إذن، أتمنى أن تستمتع بوقتك.» # لكنه كان يروق لأمي، ومنذ ذلك الوقت فصاعدا كانت تترقب مجيئه لتعرف رأيه في أشكال الحياة ~~التي تخلق في المعامل، وفي احتلال الماكينات مكان البشر. كنت أتفهم كم كان ذاك السيل ~~المحموم من الأسئلة يربكه ويثير ضيقه. ألم أشعر أنا نفسي بهذا عندما اختطف هو رواية «أيها ~~الملاك تطلع إلى بيتك» من أعلى كومة الكتب التي كنت أزمع إعادتها إلى المكتبة، وفتحه ثم أخذ ~~يقرأ في حيرة: «حجر، ورقة شجر، باب ... وهكذا أضاعت الرياح الشبح وأحزنته ...» فانتزعت الكتاب ~~من يديه كما لو كان يعرضه لخطر. قال لي بعقلانية: «ماذا يعني هذا؟ ما أراه إلا هراء، ~~فلتشرحيه لي، كلي آذان مصغية.» # وقالت عنه أمي: «إنه خجول للغاية، هو فتى ذكي لكن لا بد أن يتعلم كيف يعبر عن نفسه بصورة ~~أفضل.» # كان الأسهل أن نتناول العشاء في بيته؛ فقد كانت والدته أرملة لمعلم وكان هو ابنها الوحيد. ~~كانت تعمل سكرتيرة في المدرسة ms209 الثانوية ولهذا كنت أعرفها مسبقا. كانا يقطنان نصف بيت مزدوج ~~يقع على طريق دياجونال. في ذلك البيت، كانت مناشف الأطباق مكوية ومطوية كما لو كانت أفضل ~~المناشف الكتانية، وموضوعة في درج تفوح منه رائحة الليمون. وللتحلية تناولنا بودنج الجيلي ~~ثلاثي الألوان الممتلئ بالفواكه المعلبة. بعد العشاء، دخل جيري إلى غرفة الاستقبال لحل ~~مسألة الشطرنج الأسبوعية التي تلقاها عبر البريد (وهذا مثال على ما كنت أعنيه عن التزامه ~~المثير للإعجاب بالنموذج) وأغلق الباب الزجاجي حتى لا يشتت حديثنا تركيزه. قمت أنا بتجفيف ~~الأطباق، وأخذت والدته تتحدث عن معدل ذكائه، وكانت تتحدث عنه كما لو أنه شيء نادر، ربما ~~كاكتشاف أثري، شيء قيم لدرجة هائلة ولكنه مخيف تحتفظ هي به مغلفا في خزانة. # ثم قالت بنبرة مطمئنة: «أنت أيضا معدل ذكائك مرتفع.» (فقد كانت كل سجلات المدرسة ~~متاحة أمامها في المدرسة، بل إنها في الواقع كانت هي من تحتفظ بها)، واستدركت قائلة: «لكنك ~~تعرفين أن معدل ذكاء جيري يجعله في الربع الأعلى من نسبة الواحد بالمائة من السكان الأكثر ~~ذكاء. أليس من المذهل أن نفكر في هذا؟ وها أنا ذي، والدته، يا للمسئولية الملقاة على ~~عاتقي!» # وافقتها على ذلك. ~~«سوف يظل لسنوات وسنوات في الجامعة، وسوف يكون عليه أن يحصل على الدكتوراه، ثم سيكمل ~~بعدها إلى دراسات ما بعد الدكتوراه وغير ذلك، هذا يستغرق سنوات.» # أحسست من لهجتها الرصينة أنها سوف تتكلم الآن عن النفقات. # قالت بواقعية وجدية: «لذا، لا بد أن تتجنبي المشاكل كما تعلمين، فجيري لا يستطيع الزواج، ~~ولن أسمح بهذا. لقد رأيت حالات كثيرة كهذه يضطر فيها الشباب أن يضحوا بحياتهم لأن فتاة ما ~~صارت حاملا، ولا أظن ذلك أمرا صائبا. كلانا رأى هذا، أنت تعرفين الحالات التي أقصدها في ~~المدرسة. زواج إجباري على وجه السرعة لتجنب الفضائح، هذا هو الأسلوب في جوبيلي، لا أتفق ~~مع هذا، ولم أتفق يوما مع هذا، لا أرى أنها مسئولية الفتى وأنه يجب أن يضحي بمستقبله ~~المهني لأجل هذا، هل ترين هذا؟» ~~«كلا.» ms210 ~~«هذا ما اعتقدته، أنت فتاة شديدة الذكاء، هل تستخدمين عازلا لمنع الحمل؟» قالتها بسرعة ~~خاطفة. # قلت وأنا أشعر بالخدر: «لا.» ~~«حسنا، لماذا لا تشترين واحدا؟ فأنا أعرف كيف تسير أموركن هذه الأيام أيتها الفتيات ~~الصغيرات، فقد غدت العذرية شيئا من الماضي، فليكن، لا أقول إنني أوافق أو لا أوافق لكن لا ~~يمكن للمرء أن يعيد الزمن إلى الوراء، أليس كذلك؟ لا بد لأمك أن تجعلك تستخدمين العازل، هذا ~~ما كنت سأفعله لو أن لي ابنة.» # كانت أقصر مني بكثير، فكانت امرأة ممتلئة الجسم ضئيلة وذكية، وشعرها خفيف ومنتفش أصفر ~~اللون بلون زهور الخزامى تظهر جذوره التي تتحول إلى اللون الرمادي من أسفل. كانت دائما ما ~~ترتدي أقراطا ودبابيس زينة وقلائد ساطعة بألوان متناسقة. كانت تدخن وتسمح لجيري بالتدخين ~~في المنزل، بل إنهما كانا دائما ما يتجادلان بطريقة ودية كما يتجادل الأزواج حول سجائر من ~~تلك. كنت قد هيأت نفسي لأجدها امرأة عصرية في أفكارها، ليست عصرية كأمي على المستوى ~~الفكري - فمن مثل أمي؟ - لكن كنت أتوقع أن أجدها عصرية أكثر بكثير في الأمور العادية. لكنني ~~لم أكن مهيأة لهذا. أخذت أتطلع إلى جذور شعرها التي تتحول إلى اللون الرمادي بينما كانت ~~تتحدث عن أمي التي يجدر بها أن تصطحبني لأركب عازلا لمنع الحمل، وفكرت في أمي التي قد تنظم ~~حملة إعلانية لتحديد النسل لكنها أبدا لن تفكر في أنها تحتاج لأن تتحدث معي؛ لأنها كانت ~~مقتنعة تماما بأن الجنس هو أمر لا تخضع له أي امرأة - أي امرأة ذكية - ما لم تكن مضطرة ~~لهذا. كان هذا الأسلوب يروق لي أكثر؛ فقد كان أليق بأسلوب أم أكثر من تقبل والدة جيري ~~السخيف وأسلوبها العملي غير المحتشم. بل ولقد رأيته أمرا مهينا لأم أن تأتي على ذكر ~~علاقات حميمة أمام فتاة من الممكن أن تكون تمارسها مع ابنها. بل إن مجرد فكرة العلاقة ~~الحميمة مع جيري ستوري كانت مهينة في حد ذاتها، لكن هذا لا يعني أنها لم تحدث بين الحين ~~والآخر. ms211 # لماذا مهينة؟ كان هذا أمرا غريبا. فكنت أنا وهو بمجرد أن ننتهي من مناقشاتنا تحيطنا ~~هالة من الأسى. كانت أيدينا تتشابك معا وهي رطبة وكل منا يتساءل - ولا شك - إلى متى ستظل ~~أيدينا متشابكة بلباقة محتشمة. كان جسدانا يتلامسان ليس دون قصد، ولكن دون أي استمتاع كما ~~لو كانا جوالي رمل مبتلين. وكنا نفتح فمينا بالطريقة التي قرأنا وسمعنا عنها لكن نظل ~~باردين ويظل لسانانا جافين، مجرد كتلتين من اللحم غير المحبوب. وما أن يوليني جيري انتباهه ~~- هذا النوع من الانتباه - أستشيط غضبا ولا أدري لماذا، غير أنني أظل خاضعة بحزن؛ فكل ~~منا كان المجال الوحيد للاستكشاف المتاح أمام الآخر. # وكان الفضول من شأنه أن يقود الأمور لأن تنجرف بعيدا جدا؛ ففي إحدى الأمسيات الشتوية ~~كنا في الغرفة الأمامية في منزل والدته - وكانت هي خارج المنزل تحضر اجتماع منظمة النجم ~~الشرقي - فطلب مني جيري أن أخلع كل ثيابي. ~~«لماذا تريدني أن أفعل هذا؟» ~~«ألا ترين أن هذا أمر تعليمي؟ فلم يسبق لي أن رأيت امرأة حية عارية من قبل.» # كان للفكرة جاذبيتها الخاصة؛ فكلمتا «امرأة عارية» أشعرتاني بسعادة خفية، وأشعرتاني بأنني ~~ثرية أوزع الكنوز. كما أنني فكرت أن جسدي أجمل من وجهي، وأن جسدي وهو عار أجمل منه وهو ~~مدثر بالملابس، وكنت دائما ما أريد أن أري جسدي العاري لأحد ما. وكان لدي أمل - أو ~~على وجه الدقة فضول تجاه احتمالية - أنه يوما ما في مرحلة متقدمة من علاقتنا ستتغير مشاعري ~~تجاه جيري وسوف أتمكن من أن أرحب بعلاقة حميمة معه. ألم أكن أعلم كل شيء عن الرغبة؟ كنت ~~في الموقف القديم المبتذل الذي يحاول فيه شخص متزوج أن يفرغ رغبته المكبوتة في الجسد ~~المتاح أمامه. # لكن لم أكن لأفعلها في الغرفة الأمامية، وبعد جدال وتباطؤ قال إننا يمكننا أن نصعد إلى ~~غرفته. وبينما كنا نصعد درجات السلم خامرني شعور بالتوق كما لو كنا في السابعة أو الثامنة ~~من عمرنا وفي طريقنا لمكان كي نخلع سراويلنا. وبينما كان جيري يرخي ms212 ستائر غرفته أوقع ~~المصباح من فوق الطاولة، كدت أن أستدير وأهبط درجات السلم مرة أخرى. لا شيء يعيد الأمور إلى ~~طبيعتها في تلك الأوقات سوى لحظة ارتباك إلا إذا كنت واقعا في الحب. لكني برغم هذا قررت أن ~~أحافظ على روحي المرحة؛ فعاونته في رفع المصباح وتعديل غطائه المائل ولم أتضايق حتى عندما ~~أوقده حتى يرى إذا ما كان قد تلف. ثم أوليته ظهري وخلعت كل ما علي من ملابس - دون أن ~~يساعدني هو أو يلمسني مما أشعرني بالسعادة - ثم استلقيت على الفراش. # شعرت بالسخف والذهول. # وقف هو بجوار الفراش وأخذ ينظر إلي وهو يرسم على وجهه تعبيرات دهشة كوميدية باهتة. هل وجد ~~جسدي غير متناسق وغير مدرك كما وجدت أنا جسده؟ هل أراد أن يحولني إلى فتاة هادئة الأعصاب ~~ذات شهوة غير معقدة بالوعي الذاتي، فتاة دون إجابات ذكية ولا مفردات ضخمة أو أي اهتمام ~~بفكرة نظام الكون، فتاة مهيئة لأن تحتويه وتهدهده في فراشه؟ ضحكنا نحن الاثنين، ومد هو ~~إصبعه ليلمس إحدى حلمتي ثديي كما لو كان يختبر شوكة نتأت على جسدي. # كنا أحيانا نتبادل الأحاديث الفكاهية بلهجة شخصية بوجو، الشخصية الرئيسية في القصة ~~الهزلية المصورة «بوجو»، وهذا ما فعلناه في ذلك الموقف. ~~«إنك بالطبع شكل جذاب لجسد المرأة.» ~~«هل كل جزء من جسدي في المكان المناسب بالشكل المناسب، أتظن هذا؟» ~~«حسنا، علي أن أحضر الدليل الإرشادي القديم الصغير وأراجع هذا الأمر.» ~~«إنك لا تعني ذاك الدليل القديم الصغير الخاص بالثدي الثالث، أليس كذلك؟» ~~«ألا تمتلك كل النساء ثديا ثالثا صغيرا؟ لقد عشت حياة مغلقة.» ~~«يا فتى، إنك ولا شك ...» ~~«هشش ...» # سمعنا صوت والدته بالخارج وهي تلقي التحية على شخص ما قد أوصلها بسيارته إلى المنزل. ~~أغلق باب السيارة، إما أن اجتماع جمعية النجم الشرقي قد انتهى قبل موعده المعتاد، أو أننا ~~أطلنا الجدال قبل أن نصعد إلى غرفته. # جذبني جيري من على الفراش إلى خارج الغرفة بينما كنت أحاول أن ألملم ثيابي، فقلت في صوت ~~هامس: «الخزانة، ms213 يمكنني أن أختبئ ... بالخزانة، وأرتدي ثيابي.» ~~«اصمتي» قالها متوسلا إياي بهمس، كان غاضبا للغاية، تكاد عيناه تدمعان، وظل يردد: ~~«اصمتي. اصمتي.» كان وجهه شاحبا وكان يرتجف لكنه قوي بشكل غريب على جيري ستوري. كنت أجاهده ~~وأسحب نفسي للوراء معترضة وأحاول إقناعه بأنني لا بد أن أحضر ثيابي، لكنه كان يسحبني ~~للأمام مجبرا إياي على أن أنزل السلم. فتح باب القبو في نفس اللحظة التي فتحت فيه والدته ~~باب المنزل الأمامي وسمعتها تصيح بابتهاج: «ألا يوجد أحد في المنزل؟» فدفعني هو إلى الداخل ~~وأغلق الباب. # كنت وحيدة على درجات القبو الخلفي مسجونة، وعارية. # أضاء لي المصباح كي أعرف أين أقف، ثم أطفأه ثانية بسرعة، وهو ما زاد الطين بلة؛ لأنه جعل ~~القبو أكثر ظلمة من ذي قبل. جلست بحذر على الدرجات أشعر بشذرات الخشب الباردة في مؤخرتي ~~العارية، وحاولت التفكير في أي وسيلة أستطيع بها أن أخرج نفسي من هنا. فكرت أنه ربما بعد ~~أن تعتاد عيناي الظلام يمكنني إيجاد نوافذ القبو وأحاول أن أفتح إحداها عنوة، لكن فيم ~~سيجدي هذا وأنا عارية هكذا؟ ربما أستطيع العثور على ستارة قديمة رثة أو قطعة مفرش أستر بها ~~جسدي، لكن كيف سأصل إلى بيتي بهذا الشكل؟ كيف سأمشي في جوبيلي عبر الشارع الرئيسي هكذا ~~والساعة لم تتجاوز بعد العاشرة مساء؟ # من المحتمل أن يأتي جيري ويخرجني بعد أن تأوي أمه إلى الفراش. وعندما يفعل هذا - إذا ~~فعله في الأساس - فسوف أقتله. # سمعتهما - جيري ووالدته - يتحدثان في الغرفة الأمامية ثم في المطبخ. «إنها تريد أن تأوي ~~إلى الفراش.» سمعت والدته تقول هذه العبارة ثم تطلق ضحكة، رأيت أنها ضحكة خبيثة. كان جيري ~~ينادي والدته باسمها الأول مجردا وهو «جريتا»، غير أني رأيت هذا متكلفا وغير صحي. سمعت ~~أصوات أواني وأكواب؛ كوب الكاكاو المسائي مع كعك الزبيب المحمص. بينما كنت سجينة عارية أشعر ~~بالبرد في القبو، أخذت أفكر في جيري ومعدل ذكائه، وأفكر في قدراته الفكرية وحماقته. إذا ~~كانت أمه عصرية لهذا الحد وتعرف أنه ms214 لا يوجد واحدة منا كفتيات تظل عذراء هذه الأيام، ~~فلماذا يجب أن يلقي بي هنا؟ شعرت أنني أكرههما بشدة. فكرت في أن أطرق بشدة على الباب، هذا ~~هو ما يستحقه، سأخبر أمه أنني أريد زواجا إجباريا على وجه السرعة لإخفاء الفضيحة. # اعتادت عيناي الظلام نوعا ما، وعندما سمعت صوت صرير وصوت باب يغلق في الأعلى، كنت أنظر ~~في الاتجاه الصحيح فرأيت شيئا معدنيا يتدلى من سقف القبو، كانت صرة من الملابس طارت منها ~~قطعة فاتحة اللون وسقطت على الأرضية الإسمنتية بصوت مكتوم. زحفت نازلة الدرج على الإسمنت ~~البارد وأنا أدعو أن تكون هذه ملابسي وليست كومة من الملابس المتسخة ألقت بها والدة جيري ~~لتوضع مع الغسيل. # كان قميصي وسترتي وتنورتي وسروالي الداخلي وحمالة صدري وجواربي، وكذلك معطفي الذي كان ~~معلقا في خزانة الطابق السفلي، وكلها كانت ملفوفة حول حذائي كي لا يحدث صوتا مرتفعا حين ~~يسقط. كل شيء هنا ما عدا رباط جوربي، وبدونه لا أستطيع أن أرتدي جواربي؛ لذا فقد كورتهما ~~ودسستهما في حمالة صدري. في تلك اللحظة صرت أرى ما حولي بوضوح نوعا ما، فرأيت أحواض الغسيل ~~والنافذة التي تعلوها، كان مزلاج النافذة لأسفل، فصعدت فوق حوض الغسيل وفتحت المزلاج وزحفت ~~خارجة منها إلى الجليد. كان الراديو مفتوحا في المطبخ؛ ربما ليغطي على الضوضاء التي ~~أحدثها، أو ربما لمجرد الاستماع إلى أخبار الساعة العاشرة. # عدوت إلى البيت حافية القدمين في الطرقات الباردة. كنت في تلك اللحظة أستشيط غضبا لمجرد ~~فكرة كوني عارية في ذاك الفراش، لا أحد ينظر إلي سوى جيري وهو يضحك ويبدو عليه الخوف ~~ويتحدث بلهجة غريبة. كان ذلك هو الشخص المتاح أمامي كي أعرض عليه نفسي، لن أحظى بحبيب حقيقي ~~أبدا. # في اليوم التالي في المدرسة، أتى جيري إلي حاملا كيسا ورقيا بني اللون. # وقال بنعومة مستخدما لهجة بوجو: «أستميحك عذرا يا سيدتي، أظن أن لدي واحدا من ~~متعلقاتك الشخصية.» # كان رباط جوربي بالطبع، لم أعد أكرهه. وبينما كنا نسير على هضبة شارع جون بعد ms215 المدرسة ~~حولنا تلك الليلة إلى مشهد كوميدي عظيم، مشهدا أخرق مجنونا من فيلم صامت. ~~«كنت أجذبك بقوة لنهبط الدرج، وأنت كنت تشدين بنفس القوة في الاتجاه المعاكس ...» ~~«لم أكن أعرف ماذا تريد أن تفعل بي، ظننتك سوف تلقيني في الشارع كامرأة قبض عليها في ~~بيت دعارة ...» ~~«كان يجب أن تري النظرة التي اعتلت وجهك عندما دفعتك إلى القبو.» ~~«وأنت كان يجب أن ترى النظرة التي اعتلت وجهك عندما سمعت صوت أمك.» # قال جيري محاولا تقليد لهجة إنجليزية كنا نستخدمها في بعض الأحيان: «جئت في وقت غير ~~مناسب بالمرة يا أماه، فهناك فتاة عارية في فراشي، كنت على وشك أن أقوم باستكشاف ...» ~~«لم تكن على وشك أن تفعل شيئا.» ~~«في الواقع ...» # تركنا الأمر عند هذه النقطة، الغريب أن علاقتنا صارت بعد هذه المهزلة أفضل من ذي قبل. صار ~~كل منا يتعامل مع جسد الآخر بمزيج من الحذر والألفة ولم تعد لأي منا متطلبات. لم يعد ~~هناك مزيد من العناق الطويل دون أمل، أو دس الألسن في الأفواه. كما أنه كان لدينا أمور أخرى ~~نفكر فيها؛ فقد حصلنا على استمارات اختبارات المنح الدراسية لنملأها وأخذنا كتيبات عدة ~~جامعات، وصرنا نترقب شهر يونيو حين نخوض تلك الاختبارات بمزيج من السرور والهلع. لم نمر بأي ~~شيء في حياتنا في أهمية هذه الامتحانات التي ترسلها لنا وزارة التعليم في مظاريف مغلقة ~~ويفض مدير المدرسة الثانوية الأظرف أمام أعيننا. أما استعدادنا لهذه الاختبارات، فإن القول ~~إننا قد استذكرنا لا يصف نصف التدريب الذي خضناه، لقد كنا نتدرب كالرياضيين قبل المنافسات. ~~لم نكن نرمي لمجرد الحصول على درجات مرتفعة، ليس مجرد الفوز بالمنحة الدراسية ودخول ~~الجامعة، بل كنا نهدف إلى الحصول على أعلى درجات ممكنة، إنه المجد، الوصول إلى المجد، بلوغ ~~قمة حصد أعلى الدرجات، إنه الإحساس بالأمان أخيرا. # كنت أعزل نفسي عن العالم بعد العشاء في الغرفة الأمامية، وكان الربيع على وشك أن يهل ~~وكانت الأمسيات أطول ، فكنت أوقد النور بعد حين. لكنني لم ألحظ شيئا، ms216 لم ألحظ - دون أن أعي ~~هذا - سوى الأشياء الموجودة في تلك الغرفة التي كانت زنزانتي أو محرابي؛ النقش الباهت على ~~السجادة، والذي تحول إلى لون القش عند أماكن خياطتها، وجهاز الراديو القديم التالف ولا ~~يمكن إصلاحه، لكنه يقف كشاهد قبر وعلى قرصه إشارات لمحطات روما وأمستردام ومكسيكو سيتي، ~~والأريكة العتيقة المزركشة، والصورتين المعلقتين: إحداهما لقلعة شيلون المظلمة التي تقف على ~~ضفة البحيرة المتلألئة، والأخرى لفتاة صغيرة مستلقية على كرسيين غير متوافقين في ضوء وردي ~~وحولها الوالدان يبكيان في خلفية الصورة، والطبيب بجانبها تبدو عليه السكينة وليس التفاؤل. ~~اكتسبت هذه الأشياء - التي كنت أحدق فيها من حين لآخر وأنا أحفظ الأفعال والتواريخ ~~والحروب والشعب في تصنيفات الحيوانات - أهمية، وقوة وتحذيرية، كما لو أن تلك الأشكال ~~والأنماط العادية للأشياء ليست في الواقع إلا غلافا خارجيا للحقائق والعلاقات التي ~~أتقنتها، والتي بمجرد أن أتقنتها أصبحت جميلة وبريئة ومطيعة. وكنت أخرج من هذه الغرفة شاحبة ~~متعبة غير قادرة على التفكير في أي شيء كراهبة قضت ساعات في الصلاة، أو ربما كحبيب بعد ليلة ~~حب جامحة، ثم كنت أتمشى في الشارع الرئيسي حتى مطعم هاينز حيث اتفقت أنا وجيري على أن ~~نلتقي في الساعة العاشرة. وأسفل شراعات النوافذ المصنوعة من الزجاج البني الضارب إلى ~~الصفرة، كنا نحتسي القهوة وندخن، نتحدث قليلا، ثم ننهض ببطء وكل منا يتفهم نظرات ~~الآخر المنهكة الجافة. # لقد توارت حاجتي للحب بداخلي، فأصبحت مثل ألم خفيف بالأسنان. ~~••• # في ذاك الربيع، كان من المزمع إقامة اجتماع نهضة دينية في دار البلدية. وقف السيد ~~بيوكانن مدرس التاريخ أعلى درج المدرسة، وأخذ يناولنا أزرارا كتب عليها: «تعال إلى ~~يسوع.» كان من زعماء الكنيسة المشيخية وليس المعمدانية التي كانت في صدارة جميع ترتيبات ~~اجتماع النهضة الدينية، غير أن جميع كنائس المدينة، فيما عدا الكنيسة الكاثوليكية وربما ~~الكنيسية الأنجليكانية - التي كانت من الصغر بحيث لم تحدث تأثيرا - كانت تدعم هذا ~~الاجتماع. وبدأت اجتماعات النهضة الدينية تنال الاحترام من جديد في جميع أرجاء ~~البلد. ~~«إنك لا تأبهين ms217 بالحصول على واحدة من هذه يا ديل، أليس كذلك؟» قالها السيد بيوكانن بغير ~~صيغة استجواب، وإنما بصوته الحزين المتزن. كان طويلا متحفظا نحيلا يفرق شعره في المنتصف ~~كما كان يفعل قائدو الدراجات في بداية هذا القرن - وقد كان عجوزا بما يكفي لأن يكون واحدا ~~منهم - وكان قد استأصل نصف معدته من جراء قرح أصابته. وقد ابتسم لي تلك الابتسامة ~~الساخرة الباهتة الواهنة التي يحتفظ بها عادة لشخصية تاريخية ما (قد تكون شخصية بارنيل ~~مثالا جيدا) أثارت إعجاب الناس بمظهرها في وقت من الأوقات ولكنها فقدته في النهاية بعد أن ~~بالغت في هذا. لذا فقد شعرت أنني مضطرة - بدافع العند - لأن أقول: «بلى أرغب في واحدة، ~~شكرا جزيلا.» # قال جيري: «هل ستذهبين لهذا الاجتماع؟» ~~«بالطبع.» ~~«لم؟» ~~«لأجل الفضول العلمي.» ~~«هناك أمور لا طائل من الفضول بشأنها.» # كان الاجتماع يعقد في الطابق العلوي من دار البلدية الذي كانت تعرض فيه الأوبريتات ~~المدرسية. كان ذلك هو الأسبوع الأول من شهر مايو وتحول الجو إلى الدفء فجأة، وكان هذا يحدث ~~دائما عقب الفيضان السنوي. وقبل أن تشير عقارب الساعة إلى الثامنة، اكتظت دار البلدية ~~بالناس، كان الحضور من أولئك الذين تجدهم في احتفالات عيد الثاني عشر من يوليو، أو في ~~مهرجان كنزمن؛ عدد كبير منهم من أهل المدينة لكن عددا أكبر من الريف. وكانت السيارات ~~الملطخة بالطين مركونة على طول الشارع الرئيسي والشوارع الجانبية. وبعض الرجال ارتدوا ~~حللا سوداء أنيقة وبعض النساء يعتمرن القبعات، ورجال آخرون يرتدون أردية سروالية نظيفة ~~ونساء يرتدين فساتين واسعة مطبوعة بألوان متعددة وينتعلن أحذية رياضية، وكانت أذرعهن عارية ~~مكتنزة وردية اللون ويحملن أطفالا مدثرين بأغطية. أما الرجال والنساء العجائز - الذين ~~كانوا بحاجة لمن يساعدهم للوصول إلى مقاعدهم - فقد كانوا يخرجون لأول مرة منذ زمن بعيد؛ ~~لذلك كانوا يرتدون ملابس عتيقة الطراز. تساءلت إذا ما كنت أستطيع من خلال النظر إليهم أن ~~أعرف من أي جزء من البلاد أتوا. اعتدت أنا وجيري - ونحن نشاهد من نافذة حجرة العلوم ركوب ~~الناس ms218 في ثلاث من حافلات المدارس، تلك الحافلات القديمة المتداعية المبهرجة التي تبدو كما ~~لو كان يجب أن تسير مهتزة في إحدى الطرق الجبلية في أمريكا الجنوبية وتخرج من نوافذها ~~دجاجات حية تضرب بأجنحتها - أن نلعب هذه اللعبة فنحاول تخمين من أين أتى كل منهم وفقا ~~لمظهره، ونتحدث كما لو أننا علماء اجتماع يتكلمون بنبرة متكلفة راقية. ~~«أولئك أتوا من بلو ريفر، فهم متأنقون ويبدو عليهم الاحترام. وهناك الكثير من الهولنديين ~~الكادحين، وكلهم زاروا عيادة طبيب الأسنان.» ~~«معظمهم من مستوى متمدن.» ~~«من سانت أوجستين وكلهم أناس عاديون، مجرد مزارعون، لهم أسنان كبيرة صفراء، ويبدو عليهم ~~أنهم يأكلون الكثير من عصيدة الشوفان.» ~~«من وادي جيريكو، إنهم بلهاء وربما كانوا مجرمين. لا يتجاوز معدل ذكائهم المائة نقطة، ~~وعيونهم حولاء وأقدامهم مشوهة ...» ~~«أحناك مشقوقة ...» ~~«أكتاف محدبة ...» ~~«إن زنا المحارم هو ما يسبب هذا، الآباء ينامون مع بناتهم، والأجداد ينامون مع ~~حفيداتهم، والإخوة ينامون مع أخواتهم، والأمهات ينمن مع الآباء ...» ~~«الأمهات ينمن مع الآباء؟» ~~«أوه، إنه مريع ما يفعلون هناك.» # امتلأت القاعة ووقفت أنا في المؤخرة خلف آخر صف من المقاعد، وكان الناس لا يزالون ~~يتوافدون ويتزاحمون في جانبي القاعة مالئين الفراغ الذي خلفي، وجلس الأولاد على حواف ~~النوافذ. كانت النوافذ مرتفعة بما يسمح لهم بالجلوس عليها، ولا تزال ساخنة؛ لأن أشعة الشمس ~~المنخفضة تضرب تلك الجدران القديمة المشققة الملوثة المكسوة بالخشب والجبس، لم أكن لاحظت ~~من قبل كم هي مهترئة تلك القاعة. # أدى السيد ماكلوفلين من الكنيسة المتحدة الصلاة الافتتاحية للاجتماع. كان ابنه دايل قد ~~هرب من المنزل منذ زمن طويل. أين هو الآن؟ آخر ما سمع عنه أنه كان يعمل في جز الحشائش ~~بأحد ملاعب الجولف. شعرت كما لو أنني قد عشت عمرا طويلا في جوبيلي أشاهد الناس يرحلون ~~ويعودون ويتزوجون ويبدءون حياتهم وأنا لا أزال أرتاد المدرسة. وهناك كانت ناعومي أيضا ~~بصحبة الفتيات من محل الألبان، وكلهن صففن شعورهن بالطريقة نفسها، فعقصن شعورهن في جزأين ~~خلف الأذن، ووضعن شرائط للشعر. # صعد إلى ms219 المسرح أربعة زنوج؛ رجلان وامرأتان، فاشرأبت الأعناق وصمت الجمع تقديرا لهم. ~~كثير ممن كانوا في القاعة - وأنا من بينهم - لم يسبق لهم أن رأوا زنجيا كما لم يروا زرافة ~~أو ناطحة سحابة أو عابرة محيطات. أحد هؤلاء الرجال كان نحيلا أسود البشرة عجوزا، وصوته ~~قوي جهير مخيف، وكان هو المغني ذا الصوت الجهير. أما المغني ذو الصوت الصادح فكان بدينا ~~بشرته مائلة إلى الشحوب وكان كثير الابتسام. كانت السيدتان ممتلئتا الجسم ترتديان مشدات ~~للجسد ولون بشرتهما كلون القهوة، ترتديان فستانين جميلين لونهما أخضر زمردي وأزرق لامع. حين ~~غنوا غطى العرق وجوههم وأعناقهم، وأثناء أداء الأغنية دخل بتواضع إلى المسرح واعظ النهضة ~~الدينية، الذي تعرفنا عليه من صورته الملصقة على كل أعمدة أسلاك الهاتف وعلى كل واجهات ~~المحال الزجاجية في المدينة منذ أسابيع - لكنه كان أصغر حجما ويبدو عليه الإرهاق والشيب ~~أكثر مما يبدو في الصور - ووقف خلف حامل القراءة واستدار تجاه المغنين وعلى وجهه تعبير رقيق ~~بالبهجة، رافعا وجهه كما لو كان غناؤهم يتساقط عليه كحبات المطر. # على الجانب الآخر من القاعة، كان ثمة شاب يحدق في بثبات، لا أذكر أنني رأيته من قبل. لم ~~يكن فارع الطول، وكان أسمر البشرة وعظام وجهه بارزة، وله عينان غائرتان ووجنتان عريضتان ~~غائرتان بعض الشيء، ويرتسم على وجهه تعبير وقور، متغطرس دون وعي. وبعد أن انتهى غناء الزنوج ~~تحرك من مكانه تحت النوافذ واختفى بين الجمع في نهاية القاعة. للحظة ظننت أنه سيأتي ليقف ~~بجانبي، ثم فكرت أن هذا محض هراء، مثل تعارف في حفل أوبرا أو أغنية عاطفية مثيرة ~~رديئة. # نهض الجميع وهم يسقطون الأقمشة القطنية الغارقة في العرق التي كانوا يسندون إليها، كي ~~يغنوا الترنيمة الأولى. # في خيمة يرقد صبي غجري # يموت وحيدا وقت الغروب # حملنا إليه خبر خلاصه # فقال لم يخبرني أحد بهذا من قبل ... # تمنيت بيأس أن يأتي، ركزت بكياني كله في الدعاء بأن يظهر إلى جانبي، بل ~~وكنت أقول لنفسي: «إنه الآن يدور من خلفي، ويتجه نحو الباب، ms220 الآن ينزل السلالم ...» # عرفت من اختلاف مستوى الأصوات خلفي أنه هنا، فقد تباعد الناس جانبا وأحسست بفراغ خلفي ~~يقف فيه جسد ما لكنه لا يغني. شممت رائحة القميص القطني الساخن الخفيف، ورائحة البشرة التي ~~أحرقتها الشمس، ورائحة الصابون وزيت الماكينات. مس ذراعه كتفي (لمسة كالنار، بالضبط كما ~~يقولون) ثم انسل ليقف بجانبي. # نظر كلانا نحو خشبة المسرح مباشرة، كان القس المعمداني قد قام بتقديم واعظ النهضة الدينية ~~الذي بدأ يتحدث بطريقة ودودة حوارية. بعد فترة قصيرة، أرحت يدي على ظهر المقعد الذي كان ~~أمامي، والذي كانت تجلس عليه فتاة صغيرة انحنت تنتزع قشرة متجلطة من على ركبتها. ثم وضع ~~هو يده على ظهر المقعد على مسافة بوصتين من يدي، وقتها شعرت أن كل ما في جسدي من إحساس، وكل ~~الآمال والاحتمالات قد تدفقت إلى تلك اليد. # أما واعظ النهضة الذي بدأ حديثه برفق وهو واقف خلف حامل القراءة فقد أطلق العنان لمشاعره ~~تدريجيا، وبدأ يقطع المسرح جيئة وذهابا وتزداد نبرة صوته توترا ويأسا وحزنا. وبين ~~الحين والآخر، كان يهجر تلك النبرة الحزينة ويدور فوق خشبة المسرح ويصرخ في الجمهور بصوت ~~مرتفع كزئير الأسد. رسم صورة لجسر مصنوع من الحبال مثل ذلك الذي رآه عندما كان في بعثة ~~تبشيرية في أمريكا الجنوبية - على حد قوله - وكان ذلك الجسر الهش المتأرجح معلقا فوق واد ~~سحيق تضطرم فيه النيران. كان ذلك هو «نهر النار»، كان نهر النار في الأسفل، وجميع الكفرة ~~الصارخين المستغيثين المعذبين مغموسين فيه - دون أن يغرقوا حقا - ثم أخذ يعد من بينهم ~~الساسة ورجال العصابات والمقامرين والسكيرين والزناة ونجوم السينما والمرابين والكفرة. ~~وقال إن كلا منا له جسر من الحبال خاص به يتأرجح فوق الجحيم، مربوط من الجانب الآخر ~~بضفاف الفردوس. لكن هذه الفردوس لا تراها أعيننا ولا تسمعها آذاننا، وفي بعض الأحيان لا ~~نستطيع تخيلها أيضا، وذلك بسبب الزئير والصراخ المنبعث من الجحيم، ومن أثر دخان الخطايا ~~الذي تبعثه من كل جانب. ما اسم هذا الجسر؟ اسمه «رحمة الرب»، ms221 وجسر رحمة الرب هذا متين بصورة ~~رائعة، لكن كل خطية من خطايانا، وكل كلمة وكل فعل وكل تفكير في الخطايا يحدث قطعا في هذا ~~الحبل ويبليه أكثر ... # وبعض حبالكم لا تحتمل المزيد! بعض حبالكم تجاوزت نقطة اللاعودة. لقد أضعفتها الخطايا، ~~لقد أبلتها الخطايا، لم يبق منها سوى خيط! لم يبق منها سوى خيط واحد هو ما ~~يحميكم من السقوط في الجحيم! كلكم تعرفون، كل واحد منكم يعرف كيف هي حال جسره! ما هي ~~إلا قضمة أخرى من فاكهة الجحيم، ما هو إلا يوم وليلة واحدة من الخطايا، وما إن ينقطع ~~ذلك الجسر لن تجدوا غيره! لكن خيطا واحدا فقط كاف لأن تتعلقوا به إذا أردتم! لم ~~يلق الرب بكامل معجزاته في زمان الإنجيل! كلا، أقول لكم من كل قلبي ومن خلال خبرتي ~~إن الرب يلقي بمعجزاته هنا والآن وبيننا. فلتتعلقوا بالرب، وتتمسكوا بحبله جيدا حتى ~~يوم الحساب، ولا تخشوا الشر. # في الظروف العادية كنت سأهتم بسماع هذا الحديث ومراقبة أثره على الناس. ~~معظمهم كانوا هادئين مستمتعين كما لو كان يغني لهم تهويدة نوم. أما السيد ماكلوفلين - الذي ~~كان يجلس على المسرح - فكان ينظر إلى الأرض وعلى وجهه تعبير مهذب لكنه غير صادق، فلم يكن ~~ما يسمع هو نوعه المفضل من المواعظ. أما القس المعمداني فكانت ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة ~~كالتي ترتسم على وجه منظمي الحفلات. وكان الحضور من كبار السن يستمرون في ترديد «آمين» وهم ~~يتمايلون في رفق. إن نجوم السينما والساسة والزناة قد فات أوان إنقاذهم، بدت هذه فكرة مريحة ~~للكثيرين. أضيئت المصابيح، ودخلت الحشرات الطائرة من النوافذ، فقط تلك الحشرات القليلة التي ~~تظهر في تلك الفترة من العام. وبين الحين والآخر كنا نسمع صوت صفعة دفاعية سريعة. # غير أني كنت مستغرقة بكامل حواسي في متابعة يدينا المستندتين إلى ظهر المقعد. حرك هو ~~يده قليلا، وحركت يدي، ثم تحرك وتحركت مرة أخرى، حتى تلامست يدانا برفق وحيوية، ثم سحب كل ~~منا يده، لكن لم نلبث أن أعدناهما، فظلت ms222 أيدينا معا. ظلت إصبعانا الصغيرتان تحتكان ~~ببعضهما برفق، ثم تسللت إصبعه فوق إصبعي، ترددت قليلا فانفرجت يدي قليلا فلمس بإصبعه ~~الصغرى خنصري، حتى وقعت في أسر يديه، وهكذا بخطوات رسمية محتومة - وبقدر هائل من التحفظ ~~والثقة - غطت يده يدي. وعندما حدث هذا رفع يدي من فوق ظهر المقعد وأمسك بها بيننا. انتابني ~~إحساس ملائكي يغمره الامتنان وكأنني أخرج إلى مستوى آخر من الوجود، أحسست أنني لا أريد ~~شيئا آخر، فلا توجد حميمية أكثر مما أشعر به. # ثم دوت الترنيمة الأخيرة. # أحب أن أروي قصة. # ستكون عن المجد. # أن أحكي قصة قديمة قديمة ... # قادنا الزنوج في الغناء، جميعهم إلا الرجل ضئيل الحجم الذي أخذ يلوح بيديه ~~طالبا من الجمهور أن يرفع صوته، وأخذ الناس يتمايلون وهم يغنون معا. انتشرت رائحة عرق ~~نفاذة كرائحة البصل، كرائحة الخيول، كرائحة روث الخنازير، وشعرت أنا بأنني محاصرة مقيدة ~~وكأن ثمة ما يحملني بعيدا، وكأن السعادة المرهقة الحزينة تصعد حولي مثل سحابة. كنت قد رفضت ~~أن آخذ الورقة المكتوب عليها الترانيم التي قدمها إلي السيد بيوكانن وآخرون من رجال ~~الكنيسة لكنني كنت أذكر الكلمات فغنيت معهم. وكنت وقتها أستطيع غناء أي شيء. # لكن عندما انتهت الترنيمة، ترك يدي وابتعد وانضم إلى مجموعة من الناس المتجهين إلى ~~مقدمة القاعة، استجابة لدعوة باتخاذ قرار من أجل يسوع، أن يوقع على عهد أو على تجديد عهد، ~~ليضفي طابع الإنجاز على تلك الأمسية. لم يخطر ببالي أنه أراد أن يفعل هذا، ظننت أنه ذهب ~~ليبحث عن شخص ما. حدث ارتباك كبير في القاعة وفقدته في لحظة، فاستدرت وتلمست طريقي إلى ~~خارج القاعة ونزلت السلالم وتلفت حولي أكثر من مرة باحثة عنه (لكني كنت مستعدة لأتظاهر ~~بأنني كنت أبحث عن شخص آخر إذا ما رأيته ينظر إلي). تلكأت في المشي في الشارع الرئيسي ~~وأنا أنظر إلى النوافذ، ولكنه لم يأت. # كان هذا مساء يوم الجمعة. ظللت أفكر به طوال عطلة نهاية الأسبوع ، وظلت صورته خلفية ~~ثابتة في ذهني لكل ما أضطر ms223 للتفكير فيه. كنت دائما أحاول تحرير ذهني منه، لكن أجد ذهني ~~ينزلق إلى التفكير فيه مرة أخرى، حاولت أن أستعيد إحساسي بلمسة يده على يدي، وأحاول أن ~~أتذكر بدقة ضغط أصابعه المتفاوت. فكنت أفرد يدي أمامي مندهشة أنها لم تكن تخبرني سوى ~~بالقليل مما أردت أن أعرفه. لم تكن تشي بالكثير، بالضبط مثل تلك الأشياء الموجودة في ~~المتاحف التي كانت تخص الملوك. وكنت أحلل تلك الرائحة التي شممتها هناك، وأفرز عناصرها ~~المألوفة وغير المألوفة، وكنت أتصوره كما رأيته لأول مرة عبر القاعة؛ لأنني لم أنظر إليه ~~قط عندما جاء ليقف بجانبي؛ فتذكرت وجهه الأسمر الحذر العنيد. بدا لي وجهه يحمل كل ~~احتمالات الضراوة والعذوبة، الكبرياء والخضوع، العنف وضبط النفس. لم أر فيه قط أكثر مما ~~رأيت في المرة الأولى؛ لأنني وقتها رأيت كل شيء، رأيت كل شيء سأذوب فيه حبا ولكني لا ~~أستطيع أن أحكم قبضتي عليه أو أفسره. # لم أعرف اسمه، أو من أين أتى، أو ما إذا كنت سأراه مرة أخرى. # في يوم الإثنين، بينما كنت أهبط هضبة شارع جون بعد المدرسة مع جيري، انطلق نحونا نفير ~~شاحنة قديمة مغبرة محملة بالقش وأطل منها ذلك الوجه، وجهه، لم يتغير وجهه أو يتقلص في ~~ضوء النهار. # قلت لجيري: «الموسوعات! لأمي عنده بعض النقود، علي أن أتكلم معه، اذهب أنت في ~~طريقك.» # شعرت بالدوار بهذا الظهور المتوقع الذي لم أرجه، إنه كتجسد الخيال في عالم الواقع، ~~ركبت الشاحنة معه. ~~«ظننت أنك لا تزالين في المدرسة.» # أجبت بسرعة: «كدت أنتهي من الدراسة، فأنا في الصف الثالث عشر.» ~~«سررت لمقابلتك، فعلي أن أرجع إلى مخزن الأخشاب، لماذا لم تنتظريني في تلك ~~الليلة؟» # قلت كما لو كنت لم أره: «أين ذهبت؟» ~~«اضطررت لأن أذهب إلى مقدمة القاعة، كان هناك حشد كبير من الناس هناك.» # أدركت أن عبارة «اضطررت لأن أذهب إلى مقدمة القاعة» تعني أنه ذهب ليوقع بطاقة العهد ~~أو لأن يمنحه واعظ النهضة الدينية الخلاص. وقد كان هذا هو أسلوبه أنه لا ms224 يقول شيئا محددا ~~أبدا؛ فهو لا يفسر شيئا إلا إذا اضطر لهذا. ما انتزعته منه من معلومات عن نفسه - خلال ~~ركوبي الشاحنة في عصر ذلك اليوم وبعده - لم يكن إلا سلسلة من الحقائق البسيطة التي يقدمها ~~ردا على أسئلتي. كان اسمه جارنيت فرينش وكان يعيش في مزرعة بعد وادي جيريكو، لكنه كان ~~يعمل هنا في جوبيلي في مخزن الأخشاب. قبل عامين، كان قد أمضى أربعة أشهر في السجن لاشتراكه ~~في شجار مريع خارج حانة بورترفيلد فقد فيه رجل إحدى عينيه. وفي السجن، زاره قس معمداني ~~وساعدة على التوبة والعودة إلى الرب. كان قد ترك المدرسة بعد الصف الثامن لكن سمح له بأن ~~يدرس بعض مواد المدرسة الثانوية في السجن؛ لأنه فكر أن يلتحق بكلية لاهوت ويصير قسا ~~معمدانيا. كان يتحدث عن هدفه هذا دون أن يشعر بحاجة ملحة إليه الآن، وكان في الثالثة ~~والعشرين من عمره. # أول مكان طلب مني أن أذهب إليه معه هو اجتماع لجمعية الشباب المعمدانيين. أو ربما أنه ~~لم يطلب؛ إذ لم يقل سوى: «حسنا، سوف آتي لاصطحابك بعد العشاء.» ثم أقلني بشاحنته إلى ذلك ~~المكان القريب من بيتنا وهو يأخذني مشدوهة وصامتة إلى آخر مكان في جوبيلي يتوقع أحد ظهوري ~~فيه، ربما فيما عدا بيت الدعارة. # كان هذا ما استمررت في فعله كل ليلة إثنين طوال الربيع والصيف، أجلس على مقعد خشبي طويل ~~في الكنيسة المعمدانية، وهو ما لم أعتده أبدا، فقد كنت دائما مندهشة ووحيدة مثل شخص بقي ~~وحيدا بعد تحطم سفينته. لم يسألني قط إذا كنت أريد أن أكون في هذا المكان، أو ما رأيي في ~~هذه الاجتماعات عندما أكون هناك، لم يسألني أي شيء. قال لي ذات مرة: «الأرجح أنني كنت سأعود ~~إلى السجن مرة أخرى لولا الكنيسة المعمدانية، هذا هو كل ما أعرف، ولا أريد أن أعرف ~~سواه.» ~~«ولماذا قد تعود إلى السجن؟» ~~«لأنني كنت معتادا على الشجار واحتساء الخمر.» # على ظهر المقاعد الخشبية الطويلة في الكنيسة كانت هناك قطع من ms225 العلكة الممضوغة القديمة، ~~تحول لونها إلى الأسود الفضي وأصبحت صلبة كالحديد. كانت الكنيسة تفوح برائحة حمضية كرائحة ~~مطبخ جرى تنظيفه بمياه قذرة وتركت خرق التنظيف القذرة لتجف خلف الموقد. أما هؤلاء الشباب، ~~فلم يكونوا كلهم شبابا؛ إحداهم كانت كادي ماكويج التي تعمل في محل جزارة مونك، تلقي قطع ~~اللحم النيئ في مفرمة اللحوم وتقطع سيقان الأبقار بمنشار كبير وهي مرتدية مئزرا أبيض ~~مغطى بالدماء، وكانت ضخمة البنية ومرحة مثل مونك نفسه صاحب المحل الألماني. أما في ~~الكنيسة فكانت ترتدي فستانا من قماش الأورجانزا منقوشا بالزهور ويداها النظيفتان تعزفان ~~على آلة الأرجن، وعنقها الأحمر عار لأن شعرها قصير وتبدو وديعة ومهذبة. وكان هناك شقيقان - ~~إيفان وأورين وولبول - قصيرا القامة وجههما يشبه وجوه القرود يؤديان حركات رياضية. وامرأة ~~ممتلئة الثديين ذات وجه بارد كانت تعمل مع فيرن دوجرتي في مكتب البريد وكانت فيرن تسميها ~~«بيتي المقدسة». وفتيات من متجر تشينواي وهن شاحبات مغبرات ككل فتيات متجر تشينواي لأنهن كن ~~الأقل أجرا والأقل مكانة اجتماعية بين جميع الفتيات اللاتي يعملن في المتاجر في جوبيلي. ~~وكانت إحداهن - لا أذكرها أيهن - من المفترض أن تكون وضعت مولودها. # كان جارنيت هو الرئيس، وأحيانا كان يقود الصلاة بادئا بصوته الثابت: «أبانا الذي في ~~السماوات ...» اختفت حرارة شهر مايو المبكرة وبدأت أمطار الربيع الباردة تغسل النوافذ. خامرني ~~ذاك الشعور القوي الغريب بأنني في حلم وأنني سأصحو منه الآن. وفي البيت كانت على الطاولة ~~في الغرفة الأمامية كتبي المفتوحة وقصيدة «آندريا ديل سارتو» التي بدأت قراءتها قبل أن ~~أخرج، والتي لا تزال كلماتها تتردد في ذهني: # الضوء الرمادي يغطي كل شيء باللون الفضي # وقت الشفق، أنا وأنت متشابهان ... # بعد انتهاء ما يسمى بخدمة العبادة، كنا ننزل إلى قبو الكنيسة حيث توجد ~~طاولة للعب كرة الطاولة، حيث كان يجري تنظيم مسابقات. وهناك كانت كادي ماكويج ومعها إحدى ~~فتيات تشينواي يخرجان شطائر أحضرتاها من المنزل وتعدان الكاكاو على السخان الكهربائي. ~~وكان جارنيت يعلمهم لعب كرة الطاولة ويشجع فتيات تشينواي اللاتي بالكاد ms226 يستطعن رفع المضرب، ~~ويمزح مع كادي ماكويج التي تصير صاخبة عندما تنزل إلى القبو بالضبط كما تكون في محل ~~الجزارة. ~~«إنني أشعر بالقلق عليك حين تجلسين على كرسي الأرجن الصغير هذا يا كادي.» ~~«ماذا تقول؟ ما الذي يقلقك؟» ~~«يقلقني جلوسك على كرسي الأرجن الصغير، إنه يبدو صغيرا عليك.» # قالت بصوتها العالي المنفعل المبتهج ووجهها أحمر كاللحم الطازج: «هل تخشى أن ~~يختفي؟» # فأجابها جارنيت بصوت نادم وهو مطأطئ الرأس: «لا يا كادي، لم أفكر هكذا أبدا.» # كنت أبتسم للجميع غير أني كنت أشعر بالغيرة والهلع وأنتظر بلهفة أن ينتهي كل هذا؛ أن ~~تغسل أكواب الكاكاو وتطفأ أضواء الكنيسة، وأن يصطحبني جارنيت إلى شاحنته. ثم كنا نذهب ~~بالسيارة عبر ذلك الطريق الموحل الذي يقود إلى مكان بورك تشايلدز (قال لي جارنيت: «إنني ~~أعرف بورك، إذا ما علقت فسيعيرني سلسلة ويساعدني على الخروج.» وقد تسبب التفكير في أنه ~~يشعر بالتوافق الاجتماعي مع بورك تشايلدز - الذي كان بالطبع معمدانيا - بخيبة أمل تغمر ~~قلبي، وهو الشعور الذي صار مألوفا بعد ذلك). لكن الآن، لا شيء يهم؛ فاللاواقعية والإحراج ~~أو الملل الذي كان يخيم على الأمسية الطويلة كان يتلاشى تماما في كابينة الشاحنة؛ في رائحة ~~المقاعد الممزقة القديمة، ورائحة علف الدواجن، ومرأى جارنيت وهو يشمر عن ساعديه ويداه ~~حرتان وحذرتان تتشبثان بعجلة القيادة. والمطر الأسود الذي يضرب النوافذ المغلقة يحمينا. ~~وعندما يتوقف المطر، كنا ننزل زجاج النوافذ ونستنشق الهواء العليل قرب النهر الذي لا تصل ~~إليه أعيننا، ونشم رائحة النعناع الذي ينسحق تحت عجلات الشاحنة حيث توقفنا على جانب الطريق ~~المؤدي إلى الحديقة. كنا نتوغل خلال الشجيرات التي كانت تحتك بغطاء محرك السيارة المعدني. ~~ونوقف السيارة بعد المطب الأخير الصغير الذي كان بمثابة إشارة الوصول، بمثابة تصريح، وكان ~~نور السيارة يشق ظلمة الليل بخفوت، ثم كنا نخرج من السيارة ويستدير إلي جارنيت ~~بالتنهيدة نفسها، بالنظرة الجادة المستترة نفسها، ثم كنا نمضي قدما إلى الريف؛ حيث الأمان ~~التام ، حيث لا توجد أية حركة لن تضفي علينا بهجة، ms227 حيث لا مجال لخيبة الأمل. لم أشعر بهذا ~~الشعور من قبل - إلا حين أكون مريضة بالحمى - شعور ~~بالتحليق والوهن والاحتواء، وفي الوقت نفسه شعور بأنني أملك قوة لا حدود لها. كنا لا نزال ~~في الخطوات الأولى إلى ممارسة الجنس، فكنا نلف وندور، نتقدم ونتقهقر، ونتردد؛ ليس لأننا ~~خائفين أو لأنني وضعت أي قيود على «التجاوز» (كان مثل هذا النوع من المصارحة في تلك البلدة ~~ومع جارنيت أمرا غير وارد) وإنما لأننا شعرنا بالتزام - كالذي شعرنا به وقت طاردت أيدينا ~~بعضها على ظهر المقعد - بألا نتسرع، وبأن نتراجع مؤقتا بخجل في وجه مثل هذه اللذة. بل إن ~~كلمة «لذة» نفسها تغيرت بالنسبة لي، كنت أعتقد أنها كلمة لطيفة تدل على تدليل معتدل بسيط ~~للذات، أما الآن فقد صرت أراها كلمة متفجرة وحروفها مشتعلة كالألعاب النارية وتنتهي نهاية ~~حالمة. # حينما كنت أعود إلى البيت من تلك الجلسات بجوار النهر لا أستطيع النوم وأحيانا أظل ~~ساهرة حتى الفجر، ليس لأنني لم أفرغ شحنتي - كما قد يتوقع - وإنما لأنه كان علي أن ~~أسترجع في ذهني تلك الهدايا العظيمة التي تلقيتها، تلك الأعطيات الجميلة، ولا أدعها تفلت ~~مني: شفتاه على معصمي، على باطن مرفقي، على كتفي، على ثديي، يداه على بطني، على ~~فخذي، بين ساقي. إنها هدايا. قبلات عديدة، تلامس بالألسن، أصوات متضرعة وممتنة، جرأة ~~وتكشف. أما انغلاق الفم بإحكام على حلمة الثدي فكان يبدو بمثابة إقرار بالبراءة والعجز؛ ~~ليس لأنه تقليد لمشاعر الأطفال الصغار، وإنما لأنه لا يخشى الشعور بالسخف. كنت أرى الجنس ~~استسلاما تاما، ليس استسلام المرأة للرجل وإنما استسلام الإنسان للجسد، هو فعل إيماني ~~محض، إنه الحرية في الإهانة. كنت أستلقي تغمرني تلك المعاني والاكتشافات، كالعالق طوال ~~الليل في مياه صافية دافئة متدفقة بشكل لا يقاوم. # كان جارنيت يصطحبني أيضا إلى مباريات البيسبول التي أحيانا كانت تلعب بعد سقوط المطر ~~مباشرة. وكانت تقام في المساء في الساحات التي تقع في نهاية طريق دياجونال وفي البلدات ~~المجاورة. كان جارنيت لاعب كرة البيسبول الأول ms228 في فريق جوبيلي، وكان اللاعبون يرتدون زيا ~~أحمر ورماديا. وكانت جميع الملاعب بها مدرجات مكشوفة متداعية وسياجات عريضة مغطاة ~~بإعلانات قديمة للمشروبات الغازية والسجائر. ولم تكن المدرجات تمتلئ بأكثر من ثلثها قط، ~~وكان كبار السن يأتون لمشاهدة المباريات - هم أنفسهم كبار السن الذين كانوا يجلسون دائما ~~على المقعد الطويل الذي يقع أمام الفندق، أو الذين يلعبون لعبة الداما في الصيف على لوحة ~~الداما الإسمنتية المطلية خلف النصب التذكاري، والذين كانوا يسيرون لاستكشاف نهر واواناش ~~أثناء الفيضان في كل ربيع، ويقفون يومئون برءوسهم ويبدون تعليقاتهم كما لو أنهم هم من ~~جعلوا النهر يفيض. وكان هناك أولاد في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرهم يجلسون على الأعشاب ~~ويدخنون. وكانت الشمس تسطع دوما بعد يوم طويل كئيب وتفترش أشعتها الهادئة الحقل كقضبان ~~ذهبية. وكنت أنا أجلس مع السيدات، صديقات اللاعبين وبعض الزوجات الشابات اللائي كن يصحن ~~ويقفزن في المدرجات. أما أنا فلم أكن أستطيع أن أصيح أبدا؛ لأن لعبة البيسبول كانت تحيرني ~~كما كانت تحيرني الكنيسة المعمدانية، لكنها لم تكن تشعرني بعدم الارتياح. فكنت أحب فكرة أن ~~هذا الطقس الرجالي ما هو إلا مقدمة لطقوسنا الخاصة. # لكنني كنت لا أزال أذاكر دروسي في الأمسيات الأخرى، وكنت أتعلم أمورا ولم أنس كيف ~~تعلمتها، غير أنني كنت أغرق في أحلام يقظة تستمر لنصف ساعة. واستمررت كذلك في مقابلة جيري ~~في مطعم هاينز. ~~«لماذا ترافقين إنسان نياندرتال هذا؟» # قلت بصوت مبتهج مراوغ يملؤه الخزي: «ماذا تعني بإنسان نياندرتال؟ إنه إنسان ~~كرومانيون.» # لكن جيري لم يكن يملك ترف التفكير في أموري؛ فقد كان عقله مثقلا بالتفكير في قرارات ~~بشأن مستقبله، أخذ يقول: «إذا ذهبت إلى ماكجيل ...» «لكن إذا ذهبت إلى تورونتو ...» كان عليه ~~أن يفكر في المنح الدراسية التي قد ينالها، وكذلك عليه أن يتطلع إلى المستقبل أيضا ويحدد ~~أي جامعة ستتيح له أفضل فرصة كي يلتحق بواحدة من أفضل كليات الدراسات العليا الأمريكية. ~~اهتممت بالموضوع وأخذت أطالع كتيبات الجامعات وأقارن الخيارات المتاحة أمامه وأنا أقلب في ms229 ~~ذهني تفاصيل لقائي الأخير مع جارنيت. ~~«لا زلت عند رأيك أنك ستذهبين إلى الجامعة، أليس كذلك؟» ~~«ولم قد أكون غيرت رأيي؟» ~~«عليك إذن أن تتوخي الحذر، في هذه الحالة. أنا لا أسخر منك، ولست أشعر بالغيرة، إنني ~~أفكر في مصلحتك.» # كانت أمي هي الأخرى تفكر في مصلحتي وقالت لي: «أنا أعرف آل فرينش هؤلاء، إنهم يعيشون بعد ~~وادي جيريكو. إنها أفقر غابة مهجورة يمكنك أن تأملي أن تريها.» لم أخبرها عن جمعية الشباب ~~المعمدانيين، لكنها اكتشفت الأمر بمفردها فقالت لي: «لا أفهم هذا، لا بد أنك فقدت ~~صوابك.» # فقلت بحدة: «ألا يمكنني أن أذهب حيث أريد؟» ~~«لقد شوش ذاك الصبي على عقلك. أنت بما تملكين من ذكاء. هل تنوين أن تعيشي بقية حياتك في ~~جوبيلي؟ هل تريدين أن تكوني زوجة عامل بمخزن أخشاب؟ هل تريدين الانضمام لهيئة مساعدة ~~السيدات المعمدانيات؟» ~~«كلا.» ~~«حسنا، أنا لا أريد إلا أن أبصرك بالأمور، لمصلحتك الشخصية.» # عندما أتى جارنيت إلى منزلي عاملته أمي بكل لباقة وسألته عن مهنة قطع الأخشاب. كان ~~يناديها: «يا سيدتي.» بالطريقة نفسها التي كنت أستخدمها أنا وجيري عندما نقلد القرويين ~~بسخرية. كان يقول بتهذيب وثقة في النفس: «لا أعرف كثيرا عما تسألين يا سيدتي.» وكانت أي ~~محاولة من هذا النوع من المناقشات العامة، أي محاولة لجعله يفكر بهذه الطريقة، أن يتكلم ~~كلاما نظريا، أو يحدد نظاما؛ كانت تولد نظرة خاوية تفوح بالشموخ الذي لا يخلو من الشعور ~~بالإهانة على وجهه. كان يكره من يستخدمون مصطلحات ضخمة ويتحدثون عن أمور خارج حيواتهم ~~الخاصة. كان يكره من يحاولون ربط الأمور ببعضها، لكن هذه الأمور هي التسلية الكبرى في ~~حياتي، فلماذا لم يكرهني إذن؟ ربما أكون قد نجحت في إخفاء حقيقتي عنه، أو على الأرجح أنه ~~أعاد ترتيب شخصيتي وأخذ منها ما يناسبه فقط، ما يحتاج إليه. وهذا هو ما فعلته أنا أيضا ~~معه، فقد أحببت الجانب المظلم منه، الجانب الغريب منه، الجانب الذي لم أعرفه، ليس ~~المعمداني الجديد، بل إني رأيت ذلك الوجه ms230 المعمداني الذي كان فخورا به ما هو إلا قناع يلهو ~~به ويستطيع أن يخلعه بسهولة. حاولت أن أدفعه لأن يروي لي عن الشجار الذي دار خارج حانة ~~بورترفيلد وعن تجربته في السجن. فقد كنت أولي اهتماما كبيرا لغرائزه ولم أهتم أبدا ~~بأفكاره. # حاولت أن أجعله يخبرني لماذا أتى إلي في تلك الليلة في اجتماع النهضة ~~الدينية. ~~«أعجبتني نظراتك.» # كان هذا هو كل ما حصلت عليه. # لم يكن ثمة شيء يمكن أن نقوله ليقربنا من بعض، كانت الكلمات أعداءنا؛ فهي لن تفعل إلا أن ~~تشوش على ما نعرفه بعضنا عن بعض. كان ما بيننا هو المعرفة التي يطلق عليها: «الجنس فقط» أو ~~«الانجذاب الجسدي». اندهشت عندما فكرت بهذا الأمر - ولا أزال حتى الآن مندهشة - من ~~الاستخفاف الذي كنت أتعامل به مع هذا الأمر، كما لو كان أمرا عاديا يتواجد بسهولة في أي ~~مكان كل يوم. # اصطحبني لمقابلة عائلته، كان ذلك في عصر يوم أحد، وكانت بداية الامتحانات يوم الإثنين، ~~فقلت له إن علي أن أستذكر فقال: «لا يمكنك أن تفعلي هذا، لقد ذبحت أمي دجاجتين ~~بالفعل.» # ولكن كان ذلك الجزء مني الذي يريد أن يذاكر قد ضاع، اختبأ في مكان بعيد، فلم أستطع أن ~~أفهم شيئا في كتبي أو حتى أضع كلمتين إلى جوار بعضهما وجارنيت في الحجرة، كل ما كان بوسعي ~~فعله هو قراءة الكلمات على لوحة الإعلانات أثناء سيرنا بالسيارة. كان هذا على النقيض تماما ~~مما يحدث لي وأنا مع جيري، حيث كنت أرى العالم كثيفا معقدا لكنه واضح بشكل مفزع، أما ~~العالم الذي رأيته مع جارنيت كان لا يختلف كثيرا عن العالم الذي أعتقد أن الحيوانات تراه، ~~عالم بلا أسماء. # كنت قد سرت في طريق وادي جيريكو من قبل مع أمي بالسيارة. في بعض المناطق منه يتسع بصعوبة ~~لحجم الشاحنة، وكانت الزهور البرية تحتك بكابينة السيارة. قطعنا أميالا بالشاحنة عبر ~~الشجيرات الكثيفة. كان ثمة حقل مليء بجذوع الأشجار المقطوعة . تذكرت هذا، تذكرت أمي وهي ~~تقول: «في وقت من ms231 الأوقات كان الريف بأكمله بهذا الشكل، لكنهم هنا لم يتقدموا إلى ما بعد ~~المرحلة الأولية. ربما كانوا من الكسل حتى إنهم لم يفعلوا هذا، أو أن الأرض لا تستحق ~~العناء، أو كلا الأمرين معا.» # وكانت هناك أطلال لمنزل وحظيرة محترقين. # قال جارنيت: «هل أعجبك منزلنا؟» # كان منزله الحقيقي في منطقة منخفضة تحيط بها أشجار ضخمة عن قرب شديد حتى إن المرء لا ~~يستطيع أن يرى البيت كاملا، وإنما يرى السقف الخشبي البني وقمته الباهتة مثلثة الشكل ~~والشرفة، التي كانت مطلية باللون الأصفر منذ زمن بعيد؛ حتى إنه يبدو الآن مجرد خطوط صفراء ~~على الخشب المليء بالشظايا. ولما دخلنا بالشاحنة إلى فناء المنزل ودرنا بالشاحنة، أخذ ~~الدجاج يرفرف وهو يركض محدثا جلبة كبيرة، وجاء كلبان ضخمان ينبحان ويتقافزان نحو نوافذ ~~الشاحنة المفتوحة. # كان ثمة فتاتان في التاسعة والعاشرة تقريبا تتقافزان فوق مجموعة من الفرش الزنبركية التي ~~تركت في الساحة وقتا طويلا بما يكفي لأن تحيل العشب من حولها إلى اللون الأبيض. ~~توقفتا عن القفز وأخذتا تحدقان في، لكن جارنيت مشى بي متجاوزا إياهما ولم يقدمني ~~لهما، في الواقع إنه لم يقدمني لأي أحد. كان أفراد عائلته يأتون - ولم أكن أعرف أيهم أفراد ~~أسرته وأيهم أعمامه أو عماته أو أبناء عمومته - ويتكلمون معه وينظرون إلي بطرف أعينهم. ~~كنت أحيانا أعرف أسماءهم من كلامهم بعضهم مع بعض، لكنهم لم ينادوني باسمي أبدا. # كانت هناك فتاة أظن أنني رأيتها في المدرسة الثانوية، كانت حافية القدمين ومتزينة بشكل ~~جميل تتمايل حول أحد أعمدة الشرفة. فقال جارنيت: «انظري إلى ثيلما، إن ثيلما عندما تضع أحمر ~~الشفاه تستهلك أنبوبا كاملا، وأي رجل يحاول أن يقبلها يلتصق بها ولا يستطيع أن ينتزع ~~نفسه.» ملأت ثيلما وجنتيها المزينتين بالبودرة بالهواء، ثم نفخته في فظاظة. # ثم أتت امرأة قصيرة القامة بدينة الجسد تبدو غاضبة ترتدي حذاء رياضيا دون أربطة، وكان ~~كاحلاها متورمين حتى إن رجليها بدتا مستديرتين تماما كأنابيب تصريف المياه . كانت هي أول من ~~خاطبني مباشرة، فقالت لي: «أنت ms232 ابنة السيدة التي تبيع الموسوعات. إنني أعرف أمك. ألا تجدين ~~مكانا تجلسين فيه؟» ثم دفعت بيدها صبيا صغيرا وقطا بعيدا عن كرسي هزاز ووقفت جواره ~~حتى جلست أنا، وجلست هي على أعلى درجة من السلم، وبدأت تصيح ملقية التعليمات وكذلك عبارات ~~التوبيخ على الجميع. ~~«احبسوا تلك الدجاجات في الخلف! أحضروا لي بعض الخس والبصل الأخضر والفجل من الحديقة! ~~ليلا! فيليس! توقفا عن القفز! أليس هناك ما تفعلان خيرا من هذا؟! بويد انزل من الشاحنة! ~~أخرجوه من تلك الشاحنة! أتعلمين؟! ذات يوم حرك عصا السرعة فتحركت الشاحنة عبر الفناء وكادت ~~ترتطم بالشرفة، لولا أن تجاوزتها ببوصات قليلة.» # أخرجت علبة تبغ وبضعة ورقات لف سجائر من جيب مئزرها. ~~«لست سيدة معمدانية، فأنا أستمتع بالتدخين بين الحين والآخر. هل أنت معمدانية؟» ~~«كلا أنا أذهب للكنيسة مع جارنيت.» ~~«أعتاد جارنيت الذهاب إلى هناك بعد أن تورط في المشاكل، هل لديك فكرة عن المشاكل التي ~~تعرض لها جارنيت؟» ~~«نعم.» ~~«ما حدث أنه ارتاد الكنيسة بعدما مر به من مشاكل، وأنا لم أقل قط إن هذا ليس شيئا جيدا ~~له، لكنه اكتسب بعض الأفكار المتشددة. كنا جميعا - ولا نزال - نتبع الكنيسة المتحدة، لكن ~~تفصلنا عن الكنيسة المتحدة مسافة بعيدة بالسيارة، وأنا أحيانا أكون في العمل، فلا فرق بين ~~أيام الأحد والأيام الأخرى في المستشفى.» أخبرتني أنها تعمل في مستشفى بورترفيلد كمساعدة ~~ممرضة، وقالت: «أنا وجارنيت نعول هذه الأسرة، فالمزارع مثل هذه لا تدر ما يكفي من دخل ~~لإعالة الأسرة.» ثم أخذت تروي لي حوادث رأتها في المستشفى؛ مثل طفل أتى إلى المستشفى ~~مسموما حتى إن لونه كان أسود كلون طلاء الأحذية، ورجل أتى ويده مسحوقة، ورجل أتى بصنارة ~~لصيد سمك تخترق إحدى عينيه، وأخبرتني كذلك أنها رأت ذراع شخص تتدلى من مرفقه لا تربطها به ~~سوى قطعة جلد. أما جارنيت فقد اختفى. وفي ركن الشرفة، جلس رجل يرتدي رداء سرواليا وكان ~~ضخما وشاحب اللون كتمثال بوذا، غير أنه يفتقر إلى التعبير المسالم الذي يرتسم على وجوه ms233 ~~تماثيل بوذا. وقد ظل يرفع حاجبيه ويظهر أسنانه في ابتسامة تختفي على الفور، ظننت في ~~البداية أن هذا تعليق تهكمي على قصص المستشفى هذه، لكنني أدركت بعد ذلك أنه تقلص لا ~~إرادي يحدث في وجهه. # توقفت الفتاتان عن التقافز وجاءتا لتجلسا حول أمهما لتخبراها بأي تفاصيل قد تكون فاتتها ~~وهي تحكي. أما الصبية فقد شرعوا في الشجار في الفناء وأخذوا يتمرغون في الوحل الجاف ~~مرارا في شجار صامت ضار، حتى إن ظهورهم العارية استحالت بنية ناعمة كباطن لحاء الشجر، ~~فصاحت الأم محذرة: «سآتي بإبريق ماء مغلي، وأحرق به جلودكم.» قالت إحدى الفتيات: «هل تحب هي ~~أن ترى جدول الماء؟» # وكانت تقصدني أنا. اصطحبتاني إلى جدول الماء الذي كان عبارة عن مجرى هزيل من المياه بنية ~~اللون بين الصخور البيضاء المستوية، كما أرتاني إلى أين يصل في فصل الربيع، وفي إحدى ~~السنوات أغرق هذا الجدول بيتهم. واصطحبتاني إلى مخزن التبن كي أرى عائلة من القطط الوليدة ~~التي كانت برتقالية وسوداء اللون ولم تكن قد فتحت عيونها بعد، ثم إلى الإسطبل الخالي لأرى ~~كيف أن الحظيرة كانت قائمة على أعمدة وعوارض مؤقتة، «إذا ما تعرضنا يوما لعاصفة عاتية ~~فستتهاوى هذه الحظيرة.» # أخذت الفتاتان تثبان مرحا في الإسطبل وتغنيان أغنية من تأليفهن: «هذه الحظيرة القديمة ~~ستتهاوى، ستتهاوى ...» # ثم اصطحبتاني في جولة في أرجاء المنزل. كانت الحجرات واسعة والأسقف مرتفعة وبها قدر ضئيل ~~من الأثاث الذي كان يوضع بشكل غريب. كان ثمة فراش نحاسي في حجرة بدت أنها حجرة معيشة، ~~ويتراكم في الأركان وعلى الأرض أكوام من الملابس والأغطية كما لو أن العائلة قد انتقلت ~~لتوها إلى هذا البيت. والعديد من نوافذ البيت لا تغطيها ستائر، وكان ضوء الشمس يخترق ~~الحجرات المرتفعة من خلال الأشجار التي لا تكاد تتحرك مما جعل الحوائط مغطاة بظلال مورقة ~~طافية. ورأيت كذلك الآثار التي تركتها مياه الفيضان على الحوائط، وبعض صور المجلات التي ~~قصوها ولصقوها على الحوائط، كانت صورا لنجوم السينما ولسيدات يرتدين فساتين شفافة في ~~دعاية لفوط ms234 صحية. # وفي المطبخ كانت الأم تغسل الخضروات: «هل تحبين أن تعيشي هنا؟ هه! قد يبدو المكان عاديا ~~لأي من قاطني المدينة، لكننا هنا نجد كفايتنا من الطعام، والنسيم هنا عليل ورائع في الصيف ~~بالقرب من جدول الماء. جو بارد في الصيف دافئ في الشتاء، إنه أفضل موقع أعرفه ~~لمنزل.» # وكان جميع ما في البيت من مشمع مسودا وبه نتوءات لم يبق إلا آثار متقطعة من تطريزه ~~القديم، وكانت قطع المشمع متروكة تحت الطاولة، وبجوار النافذة حيث لا يوجد ما يمكن فرشه. ~~شممت رائحة يخنة دجاج تطبخ. # فتح جارنيت الباب السلكي ووقف متجهما في مقابل الضوء الساطع في الفناء الخلفي، وكان ~~يرتدي سروال العمل ولا يرتدي قميصا. ~~«لدي شيء أريد أن أريك إياه.» # خرجنا إلى الشرفة الخلفية وكانت معنا شقيقتاه أيضا؛ وطلب مني أن أنظر إلى أعلى. في ~~الجانب السفلي من أحد أعمدة سطح الشرفة حفرت قائمة بأسماء فتيات وأمام كل اسم منها وضعت ~~علامة # X ~~. صاحت إحدى الشقيقات قائلة: «إنهن رفيقات جارنيت!» ~~ثم انفجرن في الضحك، لكن جارنيت قرأ بصوت عال بنبرة جادة: «دوريس ماكايفر! كان والدها - ولا ~~يزال - يمتلك مصنع أخشاب بعد مدينة بلو ريفر، لو كنت تزوجتها لصرت ثريا!» # فقالت أمه التي تبعتنا حتى الباب السلكي: «كأن هذه وسيلة للثراء.» ~~«دولي فاذرستون، كانت من الكاثوليك، وتعمل في مقهى فندق برونزويك.» # فقالت أمه باهتمام: «لو تزوجتها لعشت فقيرا؛ فأنت تعرف ماذا يطلب منهم البابا أن ~~يفعلوا!» ~~«وكأن أمورك أنت تسير على ما يرام بدون البابا يا أماه ... مارجريت فرالي، صهباء.» ~~«لا يمكنك أن تأمن تقلب مزاجها.» ~~«مزاجها كان كمزاج الكتكوت الصغير. ثورا ويلوبي، كانت تبيع التذاكر في مسرح الليسيوم، ~~إنها تعيش في برانتفورد الآن.» ~~«ماذا تعني علامة # X # هذه يا بني؟ أتعني أنك توقفت عن ~~الارتباط بهن؟» ~~«كلا، لا تعني هذا يا سيدتي.» ~~«ماذا تعني إذن؟» ~~«هذا سر عسكري!» ثم قفز جارنيت على سور الشرفة، وأمه تصيح محذرة: «إنه لن يحتمل وزنك ~~إطلاقا!» ثم أخذ ينحت كاتبا شيئا ما ms235 في نهاية القائمة. إنه اسمي! وعندما انتهى من نقش ~~الاسم رسم حوله نجوما ثم وضع تحته خطا وقال: «أظنني وصلت للنهاية.» # ثم أغلق المطواة الخاصة به، وقفز نازلا؛ فقالت الفتاتان وهما تضحكان بقوة: «قبلها.» ~~فأحاطني هو بذراعه، وأخذت الفتاتان تصيحان بجوارنا: «إنه يقبلها في شفتيها.» أبعدهما جارنيت ~~بذراع واحدة وهو لا يزال يقبل شفتي. ثم بدأ يدغدغني واشتبكنا في معركة دغدغة ضارية تحالفت ~~معي فيها الفتاتان وحاولنا أن نثبت جارنيت على أرضية الشرفة لكنه أفلت منا، وأسرع باتجاه ~~الحظيرة. دلفت إلى المنزل وبكل فخر سألت والدته عما بوسعي أن أساعد به في إعداد العشاء ~~لكنها قالت: «ستفسدين رداءك.» لكنها استسلمت في النهاية وتركتني أقطع الفجل. # تناولنا على العشاء يخنة الدجاج التي لم تكن شديدة الصلابة وصلصة لحم لتلين اليخنة، ~~وزلابية خفيفة، وبطاطس (قالت والدته: «من المؤسف أنه ليس أوان المحصول الجديد».) ورقائق خبز ~~مسطح دائري مصنوع من الدقيق، وفاصوليا معلبة في المنزل وطماطم وأنواعا عديدة من ~~المخللات، وكانت هناك أطباق بها بصل أخضر وفجل وأوراق الخس في الخل، وكعكة دسمة بنكهة دبس ~~السكر، وثمر العليق المحفوظ. جلس حول المائدة اثنا عشر شخصا قامت فيليس بعدهم. على طول ~~أحد جانبي المائدة، جلس الجميع على مقعد طويل عبارة عن لوح خشب موضوع على قائمين خشبيين. ~~أما أنا فجلست على الكرسي الملمع الذي أحضروه من الغرفة الأمامية. وقد أحضروا الرجل الضخم ~~شاحب الوجه من الشرفة وأجلسوه على رأس المائدة، واتضح أنه الأب. أتى مع جارنيت من الحظيرة ~~رجل أكبر سنا لكن خفيف الحركة، أخذ يقول إنه لم ينم الليلة السابقة بسبب ألم في أسنانه؛ ~~فقال له جارنيت ساخرا: «إذن فمن الأفضل ألا تأكل دجاجا، الأفضل أن نكتفي بإعطائك بعض ~~اللبن الدافئ ونضعك في سريرك.» أكل الرجل بنهم وهو يحكي كيف استخدم زيت القرنفل الدافئ، لكن ~~والدة جارنيت قالت: «أراهن بخاتم زفافي أنك استخدمت شيئا أقوى من ذلك.» جلست أنا بين ليلا ~~وفيليس اللتين كانتا تمثلان أنهما تتشاجران فترفض أن تناول إحداهما الأخرى أي ms236 شيء وتخفيان ~~الزبدة تحت الصحون الصغيرة. روى جارنيت والرجل المسن حكاية عن مزارع هولندي في المنطقة أصاب ~~برصاص بندقيته حيوان راكون ظنا منه أنه حيوان غابة خطير. ثم جلسنا نحتسي الشاي، فرفعت ~~فيليس غطاء الملاحة بهدوء ووضعت الملح في السكرية وناولتها للرجل المسن، لكن أمها التقطت ~~السكرية في الوقت المناسب وتوعدتها قائلة: «سأسلخك حية يوما ما.» # لا أنكر أنني كنت سعيدة في هذا البيت. # فكرت في طريق عودتنا إلى بيتي أن أقول لجارنيت: «لقد أحببت عائلتك.» لكنني أدركت كم سيكون ~~غريبا وقع هذه الجملة عليه؛ لأنه لم يفكر قط في احتمال ألا أحبهم، أو ألا أصير جزءا منهم. ~~ومن ثم، فإن إصدار آراء من هذا النوع سيبدو معه نوعا من ادعاء الأهمية والوعي ~~بالذات. # تعطلت السيارة مباشرة بعد أن انعطفنا عن الشارع الرئيسي في جوبيلي، فخرج جارنيت من ~~السيارة ونظر أسفل غطاء محرك السيارة وقال إن السبب كان كما توقع؛ عطل في جهاز نقل ~~الحركة. أخبرته أنه يستطيع أن يبيت الليلة في الحجرة الأمامية في منزلنا لكنني شعرت أنه لا ~~يريد ذلك بسبب أمي، وقال إنه سوف يبيت عند صديق له يعمل في مخزن الأخشاب. # ونظرا لأن وصولنا إلى المنزل لم يعلن عنه بضوضاء الشاحنة، فقد كان بإمكاننا أن ندور ~~خلف المنزل ونستند إلى الحائط ونتبادل القبلات واللمسات الدافئة. كنت أظن دائما أن اتحادنا ~~النهائي ستسبقه وقفة، بداية احتفالية، مثل ستار يرفع قبل الفصل النهائي من المسرحية. لكن لم ~~يكن هناك شيء من هذا، وعندما أدركت أنه كان يرمي إلى هذا أردت أن أستلقي على الأرض وأردت أن ~~أخلع عني سروالي الداخلي الذي كان يطوق قدمي، وأردت أن أنزع حزام فستاني؛ لأنه كان يضغط ~~على حليته فيؤلم معدتي. لكن لم يكن هناك وقت لهذا؛ لذا فقد باعدت بين ساقي على قدر ~~استطاعتي، وسروالي الداخلي يطوقهما، ورفعت نفسي ملاصقة جدار المنزل محاولة الحفاظ على ~~توازني. وعلى خلاف لقاءاتنا الحميمة السابقة، كان هذا اللقاء يتطلب مجهودا وانتباها. كما ~~أنه آلمني، على الرغم ms237 من أنه كان قد حاول توسيع فتحتي من قبل بأصابعه. كذلك كان علي أن أمسك ~~بسرواله الداخلي خشية أن يفضحنا لمعان مؤخرته لأي مار بالطريق. شعرت بألم غير محتمل في قوسي ~~قدمي. وفي اللحظة التي فكرت فيها أن أطلب منه أن يتوقف وينتظر على الأقل حتى أضع كعبي على ~~الأرض لثانية، تأوه وأدخله في بعنف وهو يهوي علي وقلبه يخفق. لم أكن متوازنة بما يكفي ~~لأحتمل ثقله، فسقطنا نحن الاثنين على زهور الفاوانيا وقد انفصلنا بطريقة ما. وضعت يدي على ~~ساقي المبللة فوجدتها تخرج داكنة اللون، كان دما. وعندما رأيت الدم أصبح عظم الموقف واضحا ~~أمامي. # في الصباح، لففت حول المنزل لأرى أزهار الفاونيا المكسورة وبقعة دم صغيرة على الأرض. نعم، ~~دم جاف على الأرض. شعرت بحاجة ملحة لأن أخبر أحدا بالأمر، فقلت لأمي: «هناك دماء على الأرض ~~بجانب المنزل.» ~~«دماء؟» ~~«رأيت بالأمس قطا يمزق أوصال طير، كان قطا ذكرا كبيرا مخططا، لا أدري من أين ~~جاء.» ~~«يا للحيوانات الشريرة!» ~~«تعالي لتري الدماء.» ~~«ماذا؟ لدي أمور أهم من هذا؟» ~~••• # في ذلك اليوم بدأنا الاختبارات؛ أنا وجيري، وموري هيل وجورج ~~كلاين - اللذان سيصير أولهما طبيب أسنان والثاني ~~مهندسا - وجون جانيت التي اشترط عليها والدها أن تنتهي من الدراسة الثانوية المؤهلة ~~للالتحاق بالجامعة كي تتزوج ذلك الفتى الماجن ذا الصدر الغائر الذي يعمل في بنك التجارة. ~~وكانت هناك أيضا فتاتان من الريف هما بياترس وماري، وكانتا تخططان لأن ترتادا كلية ~~المعلمين. # فتح الناظر ختم المظروف أمام أعيننا ووقعنا على تعهد بأن هذا الختم لم يفض من قبل. ~~كنا بمفردنا في المدرسة الثانوية؛ فكل طلاب الصفوف الأصغر كانوا في العطلة الصيفية، وبدت ~~أصداء أصواتنا ووقع أقدامنا ضخمة في طرقات المدرسة. كان مبنى المدرسة حارا تفوح منه رائحة ~~الطلاء، والفراشون قد أخرجوا جميع المقاعد من أحد الفصول وكوموها في الممر لأنهم كانوا ~~يلمعون الأرضية. # لكنني كنت أشعر أنني بعيدة عن كل هذا. كان الاختبار الأول في الأدب الإنجليزي فبدأت أكتب ~~عن قصيدتي «الرجل السعيد» ms238 و«الرجل الحزين» لجون ميلتون، كنت أفهم الأسئلة جيدا، لكن ~~ولسبب ما لم أستطع الوثوق بأنها تعني هذا حقا، فقد بدت لي سخيفة غير مباشرة مشئومة كجملة ~~في حلم. أخذت أكتب ببطء وبين الحين والآخر كنت أتوقف لأحك جبهتي وأطقطق أصابعي وأحاول أن ~~أستشعر حرج الموقف، لكن دون جدوى لم أستطع أن أسرع أكثر من هذا. أنهيت الامتحان بأكمله لكن ~~لم أجد وقتا ولا طاقة ولا رغبة في أن أراجع ما كتبت. شككت أنني أغفلت جزءا من أحد ~~الأسئلة، لكنني تعمدت ألا أنظر إلى ورقة الأسئلة لأتحقق مما إذا كان هذا صحيحا. # كان يغمرني شعور متوهج بالأهمية والعظمة الجسدية. صرت أمشي بتلكؤ أبالغ في إظهار أنني ~~لا أشعر بالارتياح. وكنت أستعيد مرارا وتكرارا شكل وجه جارنيت في عناء مجهوده الشديد وفي ~~لحظة انتصاره المظفر قبل أن يسقط كلانا على الأرض. وقد جعلني الإحساس بأني كنت مصدر ألم ~~ثم ارتياح بهذا الشكل لشخص ما؛ معجبة بنفسي. # كانت بياتريس - إحدى الفتاتين اللتين أتتا ~~من القرية - قد جاءت بسيارة عائلتها؛ لأن حافلات المدرسة لم تعد تعمل. وطلبت مني أن نشرب ~~سويا الكوكاكولا في محل - كان دكان حدادة أعيد طلاؤه وتهيئته - افتتح على الطريق حيث ~~تجري خدمة الزبائن في سياراتهم في الطرف الجنوبي من المدينة. لم تطلب مني هذا إلا لأنها ~~كانت تريد أن تعرف كيف كانت إجاباتي في الاختبار. كانت فتاة ضخمة مجتهدة، وكانت ترتدي ~~فساتين من قماش الجوخ أزرارها من الأمام. كنت أنا وناعومي نضحك عليها في الماضي؛ لأنها كانت ~~تأتي إلى المدرسة في الشتاء بمعطف مزين بشعر الخيل الأبيض. # سألتني: «بم أجبت هذا السؤال؟» ثم أخذت تقرأ ببطء: كان الرجال الإنجليز في القرن الثامن ~~عشر يقدرون قيمة الرسميات والاستقرار الاجتماعي. ناقش مع الإشارة إلى إحدى قصائد القرن ~~الثامن عشر. # كنت أنا وقتها أفكر في أنني إذا ما خرجت من السيارة ومشيت إلى نهاية هذه المساحة المفروشة ~~بالحصى حيث كنا نوقف السيارة، فسأجد نفسي عند الشارع الذي يقع خلف ساحة مخزن الأخشاب. كان ms239 ~~العاملون في ساحة مخزن الأخشاب يركنون سياراتهم في هذا الشارع، فإذا مشيت إلى هناك ووقفت في ~~منتصف الشارع سأستطيع رؤية السياج الخلفي والمدخل وسطح السقيفة الطويلة المفتوحة وقمة كومة ~~كبيرة من الأخشاب. كان في المدينة بعض الأماكن التي تعتبر أماكن بارزة؛ مثل مخزن الأخشاب ~~والكنيسة المعمدانية ومحطة الخدمات التي يحضر جارنيت منها الوقود ومحل الحلاقة الذي يقص ~~فيه شعره ومنازل أصدقائه، وبين هذه الأماكن كانت الشوارع التي اعتاد أن يقود شاحنته بها، ~~كلها بدت في ذهني كأسلاك مشعة. # كنا قد انتهينا من المراحل الأولية الجميلة التي كنا لا نزال نتلمس بها طريقنا إلى ~~علاقة كاملة، وتلك المداعبات في الشاحنة تحت قطرات المطر. منذ ذلك الوقت، كنا نمارس علاقة ~~جنسية كاملة؛ فمارسنا الحب على مقعد الشاحنة وبابها مفتوح، وتحت الشجيرات وعلى الأعشاب في ~~الليل. لقد تغير الكثير. في البداية، كنت أشعر بأنني مخدرة ويغمرني إحساس بأهمية ما نفعل، ~~واسمه، والتفكير فيه. ثم اختبرت ذروة النشوة الجنسية، والتي عرفت اسمها مما قرأته في كتاب ~~والدة ناعومي، وعرفت إحساسها لأنني جربت تلك الانقباضات بنفسي في الماضي مع كثير من العشاق ~~الخياليين المتلهفين المتعطشين. لكنني اندهشت من المرور بها في صحبة أحد، فقد بدت شيئا ~~خاصا للغاية، شيئا فرديا نجده في أعماق الحب. وهكذا، سرعان ما أصبح هذا هو ما يجب أن ~~نصل إليه، ولم أستطع أن أتخيل كيف كنا نتوقف قبل الوصول إلى هذه المرحلة. لقد انتقلنا ~~إلى مستوى آخر، مستوى أكثر تماسكا أقل إعجازا حيث يجب الإقرار بالسبب والنتيجة، وحيث بدأ ~~الحب يتدفق بنمط متعمد. # لم نتبادل أية كلمة قط بهذا الشأن. # كان ذلك هو أول صيف أقضيه أنا وأمي في جوبيلي بدلا من أن نذهب إلى المنزل في طريق فلاتس؛ ~~إذ قالت أمي إنها غير مستعدة للذهاب إلى هناك، كما أن أبي وأوين والعم بيني سعداء بحالهم ~~هناك. أحيانا كنت أذهب لأراهم، كانوا يشربون الجعة على طاولة المطبخ، وينظفون البيض ~~بالصوف المعدني، كانوا قد توقفوا عن تربية الثعالب لأن أسعار الفراء ms240 انخفضت للغاية بعد ~~الحرب. اختفت الثعالب وهدمت الحظائر وتحول أبي لتربية الدواجن، فكنت أجلس معهم وأحاول ~~تنظيف البيض أيضا. كان مع أوين نصف زجاجة من الجعة وعندما طلبت أن أشرب بعضها قال أبي: ~~«كلا، لن يعجب هذا أمك.» وقال العم بيني: «لا خير ينتظر من فتاة تتجرع الجعة.» # كنت قد سمعت العبارة نفسها، بالألفاظ نفسها، من جارنيت. # كنت أغسل الأرضية وأنظف النوافذ وأتخلص من الطعام المتعفن وأفرش خزانات الأواني بورق ~~جديد، كنت أعمل في جو خانق وكئيب. أوين يزمجر في لإظهار أنه رجل، ويفرد قدميه بحركة ~~متعجرفة ويحركهما ببطء عندما أقول له: «تحرك! أريد أن أنظف هذه المنطقة، تحرك!» أحيانا كنت ~~أركله أو يعرقلني هو فنسقط نركل بعضنا البعض أو نكيل اللكمات لبعضنا، فيضحك العم بيني علينا ~~بأسلوبه القديم الذي ينم عن الخجل، أما أبي فكان ينهر أوين كي لا يتعارك مع فتاة ويطرده إلى ~~الخارج. كان أبي يعاملني برقة ويمدح تنظيفي للمنزل، لكنه لم يكن أبدا يمزح معي كما يمزح ~~مع الفتيات اللاتي يقطن طريق فلاتس، ليس كما يمزح مع ابنة بوتر - على سبيل المثال - التي ~~تركت المدرسة بعد أن أنهت الصف الثامن والتحقت بالعمل في مصنع القفازات في بورترفيلد. كان ~~يوافق على ما أفعل لكنه كان في الوقت نفسه غاضبا مني. أكان يظن أن طموحي يظهر رغبة في ~~التكبر؟ # كان أبي ينام على أريكة المطبخ، ولم يعد ينام بالأعلى كما اعتاد. وفوق تلك الأريكة رف ~~عليه ثلاثة كتب بجوار الراديو وزجاجة الحبر؛ هي: كتاب «موجز تاريخ العالم» من تأليف إتش جي ~~ويلز، ورواية «روبنسون كروزو»، ومجموعة من المقالات لجيمس ثربر. كان يقرأ ذات الكتب مرارا ~~وتكرارا حتى يخلد للنوم، ولم يكن يتكلم أبدا عما يقرأ. # سرت عائدة إلى المدينة في وقت مبكر من المساء حين كانت ~~الشمس - قبل أن تغيب بساعة أو ما يزيد - تلقي ~~ظلا طويلا لي على الطريق المفروش بالحصى أمامي. نظرت إلى ذلك الشكل الغريب الممطوط ذي ~~الرأس الصغيرة المستديرة (إذ إنني قمت في عصر ms241 أحد الأيام - عندما لم أجد ما أفعله - بقص ~~شعري) وقد بدا لي كأنه ظل فتاة أفريقية غريبة مهيبة. لم أنظر إلى المنازل في طريق ~~فلاتس، ولم أنظر إلى السيارات التي كانت تقابلني في الطريق وما تثيره من غبار، لم أكن أنظر ~~إلى شيء سوى ظلي الذي يطفو على الأرض المفروشة بالحصى. # وصلت المنزل في ساعة متأخرة من الليل وأنا أشعر بألم في أماكن غير معتادة - كنت دائما ~~أعاني ألما في أعلى صدري وفي كتفي - وأختنق وأرتعب من رائحتي، وكانت أمي غالبا ما تكون ~~جالسة على الفراش والضوء يسطع خلال شعرها إلى فروة رأسها الناعمة، وإلى جوارها على الطاولة ~~بجانب الفراش فنجان شاي ترك حتى برد، ومعه فناجين أخرى تركت في أوقات أخرى من اليوم ~~أو اليوم الذي يسبقه - وأحيانا كانت هذه الفناجين تظل في مكانها حتى يفسد ما بها من ~~حليب - وكانت تقرأ لي بصوت عال من أدلة الجامعات التي أرسلت في طلبها. # قالت: «سأخبرك ماذا كنت سأختار لو كنت مكانك ...» لم تعد أمي تخشى جارنيت؛ لأنه أخذ يتلاشى ~~في ضوء مستقبلي الساطع. «كنت سأختار علم الفلك واللغة اليونانية، لقد كانت دائما تراودني ~~رغبة سرية في تعلم اللغة اليونانية.» علم الفلك، اللغة اليونانية، اللغات السلافية، فلسفة ~~عصر التنوير، أخذت تقذفني بهذه الكلمات وأنا أقف على عتبة الباب. لن تعلق هذه الكلمات في ~~ذهني؛ فقد كنت أفكر في الشعيرات السوداء غير الثقيلة التي تصطف على ساعدي جارنيت متوازية ~~حتى لتبدوا لي أنها ممشطة، وفي نتوئي معصميه النحيفين، وفي تقطيب حاجبيه بهدوء وهو يقود ~~الشاحنة، وهو تعبير يجمع بين الإحساس بالضرورة والعملية والذي كان يقودني به إلى الشجيرات ~~أو على طول ضفة النهر بحثا عن مكان نرقد فيه. أحيانا كنا لا ننتظر حتى يحل الظلام تماما، ~~لم أكن أخشى أن يكتشفنا أحد كما أنني لم أكن أخشى الحمل. فكل ما كنا نفعله كان يبدو لي كما ~~لو أنه خارج نطاق البشر الآخرين أو العواقب العادية. # كنت أتحدث مع نفسي عن نفسي بضمير ms242 الغائب، فأقول: «إنها غارقة في الحب»، «لقد أتت لتوها من ~~موعد مع حبيبها»، «هي سلمت نفسها لحبيبها»، «المني يتقاطر من بين ساقيها.» وأحيانا كنت ~~أشعر في منتصف النهار أنني أريد أن أغلق عيني وأستلقي حيث أنا لأغرق في النوم. # ما إن انتهت الاختبارات حتى ذهب جيري ستوري ووالدته في رحلة بالسيارة عبر الولايات ~~المتحدة. وبين الحين والآخر في الصيف كنت أتلقى بطاقة بريدية لمنظر من واشنطن العاصمة أو ~~ريتشموند أو فرجينيا أو نهر المسيسيبي أو متنزه يلوستون، وفي ظهرها رسالة مختصرة مكتوبة ~~بأحرف كبيرة تنم عن ابتهاج تقول: «أتنقل عبر أرض الأحرار، وأتعرض للخداع من قبل أصحاب النزل ~~والجراجات، وغيرهم. وأعيش على الهامبرجر والجعة الأمريكية المتعفنة، ودائما أقرأ كتاب «رأس ~~المال» في المطاعم كي أبهر المواطنين المحليين، لكن المواطنين المحليين لا يتجاوبون ~~معي.» ~~••• # كانت ناعومي على وشك أن تتزوج، اتصلت بي هاتفيا وأبلغتني الخبر وطلبت مني أن أحضر إلى ~~منزلها. لم يتغير شيء في شارع ميسون سوى أن منزل الآنسة فاريس سكنه زوجان حديثا الزواج قاما ~~بطلائه بلون أزرق مائل إلى الخضرة. ~~«مرحبا أيتها الغريبة!» قالت ناعومي بلهجة اتهامية كما لو أن الشرخ الذي حدث في صداقتنا ~~كان فكرتي وحدي، «إنك تواعدين جارنيت فرينش، أليس كذلك؟» ~~«كيف عرفت؟» ~~«أتظنين أنك تبقين الأمر سرا؟ هل صرت معمدانية أم ليس بعد؟ لكنه على أية حال، يعتبر ~~تقدما مقارنة بجيري ستوري.» ~~«من ستتزوجين؟» # قالت ناعومي بحزن: «لا تعرفينه، إنه من تابرتون. كلا إنه من باري أصلا، لكنه الآن يعمل ~~خارج تابرتون.» ~~«ماذا يعمل؟» طرحت هذا السؤال من باب اللباقة وإبداء الاهتمام، لكن ناعومي تجهمت ~~له. ~~«حسنا، إنه ليس عبقريا فذا أو شيئا من هذا القبيل، فهو لم يرتد الجامعة. إنه يعمل ~~فنيا لتصليح الخطوط في شركة بيل للتليفون. اسمه سكوت جايجن.» ~~«سكوت ماذا؟» # تهجتها قائلة: «جايجن. لا بد أن أعتاده فسيصير اسمي. ناعومي جايجن. قبل أربعة أشهر، لم ~~أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل . عندما قابلته كنت أواعد شخصا مختلفا تماما هو ms243 ستيوارت ~~كلايمور. بعد أن تركته ابتاع سيارة جديدة من طراز بلايموث. تعالي معي إلى الطابق العلوي ~~سأريك أشيائي.» # صعدنا درجات الطابق العلوي ومررنا من أمام غرفة أبيها. ~~«كيف حاله؟» ~~«من، هو؟ هناك فجوات كثيرة في رأسه حتى إن الطيور بدأت تبيض فيها.» # ظهرت أمها أعلى السلم الخلفي ورافقتنا إلى غرفة ناعومي. # وقالت: «قررنا أن نكتفي بزفاف بسيط، ما لزوم حفلات الزفاف الضخمة؟ ما هي إلا ~~للتباهي.» # قالت ناعومي: «لا بد أن تكوني وصيفتي في العرس، فأنت أقدم صديقاتي.» ~~«متى سيكون العرس؟» # قالت أمها: «بعد أسبوع من السبت المقبل. سنقيمه في الحديقة تحت التعريشة إذا ما كان ~~الجو مناسبا. سنقترض بعض الكراسي من الكنيسة المتحدة وستأتي المأكولات من شركة دبليو ~~إيه، ولن نحتاج الكثير منها. سيكون عليك أن تشتري فستانا يا عزيزتي، فستان ناعومي أزرق ~~مائل إلى اللون الرمادي، أريها فستانك يا ناعومي. سيناسبك اللون الأرجواني الداكن ~~كثيرا.» # أرتني ناعومي فستانها والفستان الذي ستغادر به إلى بيت عريسها وملابسها الداخلية وقميص ~~نومها الذي سترتديه ليلة العرس. ابتهجت قليلا وهي تريني هذه الأشياء، ثم فتحت خزانة تخزن ~~فيها أغراض زواجها وخزانة أخرى، وفتحت بعض الأدراج وأخرجت بعض الصناديق من الدولاب، وأرتني ~~كل الأشياء التي اشترتها لتفرش وتؤثث بها المنزل. أخذت أفكر بائسة في أن كوني وصيفة ~~العروس يلزمني بأن أقيم لها حفل هدايا، وأن أزين لها كرسيا بأشرطة من قماش وردي رقيق، ~~وأن أزيل قشرة الخبز من الشطائر، وأن أقطع الفجل الأحمر على شكل ورود والجزر على شكل أشرطة ~~ملفوفة. كانت قد اشترت أكياس وسائد غير مزخرفة وزينت كل واحدة منها بأكاليل الزهور وسلال ~~الفاكهة وتماثيل لفتيات صغيرات يرتدين أغطية رأس ويحملن أواني الري. قلت وأنا أشعر بحزن على ~~أيامنا الخوالي التي قضيناها في المكتبة بعد انتهاء اليوم الدراسي: «ستعطيك بيلا فيبين ~~وسادة دبابيس.» # سرت ناعومي لهذه الفكرة وقالت: «ليتها تكون خضراء، أو صفراء، أو برتقالية؛ لأن هذه هي ~~الألوان التي سأستخدمها في تزيين المنزل.» وأرتني مناديل المائدة التي خاطتها بالكروشية ~~بهذه ms244 الألوان، وبعضها قامت بتقويتها بمحلول من الماء والسكر كي تنتصب حوافها على شكل ~~سلال. # نزلت أمها إلى الطابق السفلي فطوت ناعومي جميع الأشياء وأعادتها إلى أدراجها وصناديقها ~~وقالت لي: «إذن ماذا سمعت عني؟» ~~«ماذا؟» ~~«أعرف أن هناك كثيرا من الناس الثرثارين في هذه المدينة.» # ارتمت جالسة على سريرها بقوة حتى إنها أحدثت فجوة كبيرة في الفراش. تذكرت هذه الحشية ~~وتذكرت كيف كنت أنا وناعومي نتدحرج إلى المنتصف حين أبيت الليل عندها ثم نصحو ونحن نركل ~~وننطح بعضنا. ~~«أنا حامل! لا تنظري إلي تلك النظرة الحمقاء؛ فالجميع يفعل هذا. لكن ليس الجميع على ~~القدر نفسه من سوء الحظ فيحملن. الجميع يمارس الجنس، إنه يصبح معتادا مثل إلقاء التحية على ~~الآخرين.» استلقت بظهرها على الفراش ووضعت يديها خلف رأسها بينما قدماها لا تزالان على ~~الأرض، وأخذت تحدق في المصباح وقالت: «هذا المصباح يعج بالحشرات.» # قلت: «أعرف هذا، لقد مارسته أنا أيضا.» # اعتدلت في جلستها قائلة: «حقا؟ مع من؟ جيري ستوري؟ كلا، إنه لا يعرف كيف يفعلها. ~~جارنيت؟» ~~«نعم.» # عادت لتستلقي مرة أخرى وقالت بنبرة شك: «كيف وجدت الأمر؟» ~~«جيدا.» ~~«إنه يتحسن بمرور الوقت. في المرة الأولى تألمت كثيرا، لم تكن مع سكوت أيضا. لقد كان ~~يضع واقيا ذكريا. ألم رهيب! كان يجدر بنا أن نستخدم الفازلين. لكن من أين كنا سنأتي ~~بفازلين هناك بين الشجيرات في منتصف الليل؟ أين كانت مرتك الأولى؟» # أخبرتها عن زهور الفاونيا وعن الدم الذي سقط على الأرض وعن قصة القط والطائر. تمددنا ~~بعضنا بجوار بعض على السرير على وجهينا وأخذنا نحكي بعضنا لبعض كل شيء، كل التفاصيل ~~الفاضحة، بل إنني حكيت لناعومي بعد كل هذا الزمن ما حدث مع السيد شامبرلين، وكيف كانت تلك ~~هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا الشيء وأرى ما فعله به. أخذت تضحك وتضرب الفراش بقبضتها ~~قائلة: «يا إلهي! لم أر حتى الآن أي أحد يفعل هذا.» لكنها بعد برهة، عادت لتكتئب مرة أخرى ~~ونهضت من على الفراش، وأخذت تحدق في بطنها. ms245 ~~«لكنك برغم هذا محظوظة، لا بد أن تبدئي في استخدام وسيلة ما، عليك أن تكوني حذرة، فلا ~~شيء مضمون على أية حال، وتلك الواقيات الذكرية القديمة البالية تتمزق في بعض الأحيان. عندما ~~عرفت أنني حامل، تعاطيت الكينين، والدردار الأحمر، وأخذت أبتلع تلك الملينات اللعينة ~~والعناب، وجلست في حمام الخردل حتى ظننت أني سأتحول إلى إصبع نقانق، لا شيء من هذا ~~يفيد.» ~~«ألم تسألي أمك؟» ~~«كانت فكرة حمام الخردل فكرتها، إنها لا تعرف الكثير كما تدعي.» ~~«لست مضطرة للزواج، يمكنك أن تذهبي إلى تورونتو ...» ~~«بالطبع، ويجري إيداعي في إحدى دور جيش الخلاص. المجد للمسيح!» ارتعشت وأضافت بشكل لا ~~يتفق إطلاقا مع ما قالته قبل قليل عن الخردل والكينين: «على أية حال، لا أظن أنه من الصواب ~~أن أعطي طفلي لغرباء كي يربوه.» ~~«حسنا، لكن إذا لم تكوني ترغبين في الزواج ...» ~~«من قال إنني لا أريد هذا؟ لقد جمعت كل هذه الأشياء لأنني كنت أريد الزواج. إن المرأة ~~تكتئب دائما عندما تحمل للمرة الأولى بفعل الهرمونات. كما أنني أعاني من إمساك ~~لعين.» # رافقتني إلى الخارج حتى الرصيف، ثم وقفت هناك تجول ببصرها عبر أرجاء الشارع وهي تسند ~~يديها على فخذيها وتدفع بطنها للأمام كي تبرز من تنورتها القديمة ذات النقش المربع. تخيلتها ~~زوجة، وأما شابة متسلطة ومرهقة ومشبعة تخرج بحثا عن أبنائها، تناديهم كي يأووا إلى ~~الفراش أو لتصفف شعورهم في جدائل أو لتتدخل في حياتهم بأي شكل آخر. ثم قالت لي بحرارة: ~~«وداعا يا من لم تعودي عذراء.» # وعندما وصلت إلى منتصف المربع السكني تحت مصابيح الشارع إذا بها تصيح: «يا ديل!» ثم أتتني ~~تعدو بشيء من الخرق وهي تلهث وتضحك، وعندما اقتربت مني وضعت يديها على جانبي فمها وقالت ~~بهمس وكأنها تصيح: «لا تأمني كذلك للانسحاب قبل القذف!» ~~«لن أفعل!» ~~«فأولئك الأوغاد لا يسحبونه قط في الوقت المناسب!» # ثم ذهبت كل منا في طريقها، بعد أن استدرنا ولوحنا لبعضنا مرتين أو ثلاث مرات بمبالغة ~~ساخرة كما كنا نفعل دوما. ~~••• # بعد ms246 العشاء ذهبت مع جارنيت إلى ثيرد بريدج للسباحة. مارسنا الحب أولا على الأعشاب ~~الطويلة بعد أن بحثنا في المنطقة حتى وجدنا مكانا خاليا من الأشواك، ثم أخذنا نسير ~~بارتباك يحتضن أحدنا الآخر عبر طريق يتسع لشخص واحد وكنا بين الحين والآخر نتوقف لنتبادل ~~القبلات. لقد تغيرت نوعية قبلاتنا عن الماضي كثيرا، أو على الأقل تغير جارنيت؛ فتحول من ~~القبلات التواقة الشغوفة إلى قبلات بغرض الإرضاء وبث الطمأنينة، ومن التوسل إلى العطاء. بل ~~وكم أصبح بإمكانه أن يستعيد نفسه بسرعة من الحالة التي يكون فيها بعد أن يصرخ بالطريقة التي ~~يصرخ بها وتدور عيناه لأعلى ويرتعش جسده كله ويغوص في داخلي بعنف! وأحيانا كنت أسأله بعد ~~أن يستعيد أنفاسه بالكاد بماذا كان يفكر فيقول لي: «كنت أفكر كيف أصلح شكمان الشاحنة ...» لكن ~~هذه المرة عندما سألته، أجاب: «كنت أفكر متى سنتزوج.» # كانت ناعومي قد تزوجت وسكنت في تابرتون، في ذلك الوقت كنا قد تجاوزنا ذروة فصل الصيف، ~~وذبلت ثمار أشجار السمن، وانخفض منسوب مياه النهر - بعد أسابيع لم تشهد سوى هطول قليل من ~~الأمطار - ليكشف عن أشباه جزر مليئة بالأعشاب التي تنمو في المياه والتي بدت متماسكة بما ~~يكفي للسير عليها. # سرنا في الماء خائضين في الطين حتى وصلنا إلى قاع النهر الرملي المليء بالحصى. كانت نتائج ~~الاختبارات قد ظهرت في ذلك الأسبوع، ونجحت، لكنني لم أنل المنحة الدراسية ولم أنل درجات ~~عليا ولا في مادة واحدة. ~~«هل تريدين أن تنجبي طفلا؟» # أجبته: «نعم.» أخذ الماء - الذي كان دافئا كالهواء من حولنا - يلمس مؤخرتي المتقرحة ~~المجروحة، وكنت أشعر بالوهن من أثر ممارسة الجنس فكنت أشعر بالدفء والكسل وأنا أنزل بظهري ~~وذراعي وصدري في الماء كأوراق ثمرة كرنب ضخمة ترتخي وتتمدد على الأرض. # من أين جاءت هذه الكذبة؟ إنها ليست كذبة. # قال لي بخجل: «عليك أن تنضمي للكنيسة أولا، لا بد أن يتم تعميدك.» # سقطت على الماء وذراعاي مفرودتان والذباب الأزرق يطير مباشرة بتذبذب عند مستوى ~~عيني. ~~«هل تعرفين كيف يفعلون هذا ms247 في كنيستنا؟ أعني التعميد.» ~~«كيف؟» ~~«يغطسونك تحت الماء. فلديهم حوض مغطى خلف المنبر، يمارسون فيه هذا الطقس. لكن الأفضل أن ~~يتم هذا في النهر حيث يمكن تعميد أكثر من شخص في آن واحد.» # ألقى بنفسه في الماء وسبح مطاردا إياي محاولا أن يمسك إحدى قدمي. ~~«متى ستقومين بهذا الأمر؟ هل يمكن أن يكون هذا الشهر.» # استدرت أسبح على ظهري وأنا أركل الماء في وجهه. ~~«لا بد أن تنالي خلاصك يوما ما.» # كان النهر ساكنا كبركة، حتى إن الناظر إليه لم يكن يستطيع تحديد اتجاه التيار، وكان ~~ينطبع عليه انعكاس الضفتين المتقابلتين وبلدة فيرمايل التي تبدو معتمة بأشجار الصنوبر ~~والأرز. ~~«لماذا يجب أن أفعل هذا؟» ~~«أنت تعرفين لماذا.» ~~«لماذا؟» # لحق بي وأمسك بكتفي وأخذ يدفعني برفق لأعلى وأسفل في الماء. «ينبغي أن أعمدك الآن ~~وأنتهي من هذا الأمر، ينبغي أن أعمدك الآن.» # فضحكت. ~~«أنا لا أريد أن أعمد، لن يكون للأمر جدوى إذا لم تكن تلك رغبتي.» رغم أنه كان من ~~السهولة أن أستسلم في تلك اللحظة كدعابة، فإنني لم أستطع. ظل يردد: «سأعمدك!» واستمر في ~~دفعي لأعلى وأسفل في الماء بمزيد من القوة، وأنا أواصل الرفض والضحك وأهز رأسي نفيا. شيئا ~~فشيئا ومعركتنا تتواصل، توقف الضحك وقست الابتسامات العريضة المصممة المؤلمة على ~~وجوهنا. # قال برفق: «إنك ترين نفسك أفضل من أن تعمدي.» ~~«كلا، لا أظن هذا.» ~~«إنك ترين أنك أفضل من أي شيء، من أي أحد منا.» ~~«كلا.» ~~«إذن فلتعمدي!» قالها ودفعني تحت الماء مباشرة على حين غرة، فرفعت نفسي من تحت سطح الماء ~~أبصق من فمي وأنفي. ~~«المرة القادمة لن أتركك بهذه السهولة! سأبقيك تحت الماء حتى تقولي إنك ستعمدين! قولي ~~إنك ستعمدين! أو سأعمدك أنا رغما عنك ...» # دفعني تحت الماء مرة أخرى لكن هذه المرة كنت مستعدة له فكتمت نفسي وقاومته، قاومته بقوة ~~وبشكل طبيعي كأي شخص يرغم على البقاء تحت الماء، دون أن أفكر كثيرا في من كان يمسك بي. ~~لكنه عندما تركني أرفع رأسي مدة كافية ms248 كي أسمعه يقول: «الآن قولي أنك ستفعلينها.» رأيت وجهه ~~غارقا بالماء الذي رششته عليه وشعرت بالدهشة، ليس لأنني أتعارك مع جارنيت وإنما لأن أي شخص ~~قد يرتكب مثل هذا الخطأ؛ خطأ أن يظن أن له سيطرة علي. كنت مندهشة بقوة حتى إنني نسيت ~~مشاعر الغضب، نسيت مشاعر الخوف، فكرت أنه من المستحيل ألا يكون قد فهم أن كل السلطة التي ~~منحتها إياه كانت مجرد تمثيلية، هو نفسه كان تمثيلية، وأنني كنت أنوي أن أبقيه يلعب دور ~~الحبيب الذهبي للأبد، حتى لو كنت قد حدثته قبل خمس دقائق فقط عن الزواج منه. كنت أرى هذا ~~واضحا وضوح الشمس في النهار؛ لذا فقد هممت أن أقول له ما يجعل هذا واضحا بالنسبة له ~~أيضا، ولكني رأيت أنه يعرفه مسبقا. لكن ما كان يعرفه هو أنني كنت أقابل عروضه المحمودة ~~بعروضي المخادعة، سواء أكنت أعرف هذا أم لا، كنت أقابل نواياه الصادقة بما أحمله من عقد ~~وأداء تمثيلي. ~~«إنك تظنين نفسك أفضل من هذا.» ~~«إذن قولي إنك ستفعلينها.» كان وجهه الداكن الودود الكتوم قد مزق ملامحه الغضب الشديد ~~وشعوره العاجز بالإهانة. شعرت بالخزي لإهانتي له، لكن كان علي أن أتمسك بها لأنها كانت ~~تمثل اختلافاتي، تحفظاتي، كانت حياتي. كنت أتخيله يركل ذاك الرجل أمام حانة بورترفيلد ~~مرارا، ظننت أنني أريد أن أعرف المزيد عنه لكنني في الحقيقة لم أشأ هذا، لم أكن في ~~الحقيقة أريد أسراره أو عنفه أو حتى أريده هو خارج سياق هذه اللعبة الغريبة السحرية، والتي ~~قد تكون مميتة، كما اتضح لي الآن. # هب أنك حلمت ذات مرة أنك تقفز بإرادتك في حفرة وأخذت تضحك بينما يلقي الناس عليك عشبا ~~ناعما لطيفا، إلى أن تدرك بعد أن يغطي العشب وجهك وعينيك أن الأمر ليس لعبة على الإطلاق، ~~أو إذا كان لعبة، فإنها لعبة تتطلب أن يتم دفنك حيا. قاومت تحت الماء كما سيقاوم أي أحد ~~يمر بحلم كهذا، بشعور يأس لم يباغتني على الفور، وإنما أخذ يشق طريقه إلي عبر ms249 طبقات من ~~الارتياب. لقد ظننت مع هذا أنه قد يغرقني، ظننت هذا بحق، وظننت أنني أقاتل دفاعا عن ~~حياتي. # عندما تركني أصعد فوق الماء مرة أخرى حاول أن يجري عملية التعميد بالوضع المعروف، بأن ~~جعلني أنحني إلى الخلف من عند خاصرتي وكان هذا خطأ منه؛ فقد استطعت أن أركله أسفل بطنه - ~~ليس في أعضائه التناسلية رغم أنني لم أبال بهذا فلم أعرف أي جزء منه كنت أركل ولم أبال - ~~وكانت هذه الركلات كافية لأن تجعله يفقد اتزانه بعض الشيء ويفلتني مما مكنني من الهرب. ~~ما إن صارت تفصلنا عن بعضنا مسافة ياردة حتى تبدى لنا سخف عراكنا والرعب الذي ينطوي عليه ~~ولم يكن من الممكن أن نستكمله، لم يلاحقني، فمشيت بتؤدة واطمئنان خارجة من الماء الذي لم ~~يكن في هذا الوقت من السنة يجاوز ارتفاع إبطي. كنت أرتجف وألهث وأستنشق الهواء ~~بشغف. # ارتديت ثيابي على الفور داخل الشاحنة وأنا أواجه صعوبة في إدخال ساقي في سروالي القصير، ~~وحاولت أن أكتم أنفاسي كي أثبت وأنجح في إغلاق أزرار قميصي. # ناداني جارنيت: ~~«سأوصلك إلى منزلك.» ~~«أريد أن أمشي.» ~~«سآتي لأصطحبك مساء الإثنين.» # لم أجبه وافترضت أنه يقول هذا بدافع المجاملة؛ فهو لن يأتي. لو كنا أكبر سنا لكنا ~~بقينا وتفاوضنا حول كلفة التوصل لحل وسط، ثم أخذنا نشرح المواقف ونبرر الأمور وربما سامحنا ~~بعضنا، وحملنا معنا هذا الأمر إلى مستقبلنا، لكننا كنا أقرب إلى الطفولة، فكنا نؤمن بالجدية ~~المطلقة لبعض الشجارات وأنها قد تخط سطور النهاية، وعدم إمكانية التسامح مع بعض الضربات. ~~لقد رأى كل منا في الآخر ما لم يكن يحتمل، ولم نكن نعرف أن الآخرين يرون هذا ويستمرون، ~~وأنهم يكرهون بعضهم ويتشاجرون بل ويحاولون قتل بعضهم - بسبل عدة - ثم يزدادون حبا بعضهم ~~لبعض. # شرعت أمشي على طول الطريق الفرعي الذي يقود إلى الطريق الرئيسي، وبعد برهة جعلني المشي ~~أكثر هدوءا وأكثر قوة فلم تعد ساقاي واهنتين. مشيت عبر المنطقة الثالثة التي كانت تؤدي ~~إلى طريق المقبرة. كان أمامي ما يقرب ms250 من ثلاثة أميال ونصف لأقطعها. # مشيت عبر المقابر، وكان الظلام قد بدأ يحل. كان الجو في شهر أغسطس بعيدا عن منتصف الصيف ~~بالضبط مثل شهر أبريل، وهي حقيقة كنت دائما أجد صعوبة في تذكرها. رأيت صبيا وفتاة - لم ~~أستطع أن أميز من هما - يرقدان على العشب المقلم بالقرب من ضريح موندي، الذي كنت قد كتبت ~~على جدرانه الإسمنتية القاتمة أنا وناعومي من قبل نقشا على الضريح، ارتجلناه ورأينا أنه ~~شرير ومضحك للغاية، لكنني لم أعد أذكره جيدا: # هنا ترقد أجساد كثير من آل موندي # الذين ماتوا لأنهم كانوا يتبولون في حسائهم في أيام الآحاد ... # نظرت إلى هذين العاشقين الممددين على أعشاب المقبرة دون أي حسد مني أو فضول. وفي طريقي ~~إلى جوبيلي، أحسست أني أعدت امتلاك العالم؛ الأشجار، والبيوت، والأسيجة، والشوارع كلها عادت ~~إلي بأشكالها العادية المألوفة. لقد عاد العالم إلى هيئته الطبيعية القاسية، منفصلا عن ~~حياة المحبين ولا يلونه الحب. صدمتني هذه الحقيقة أولا، لكني وجدت فيها بعد ذلك مواساة ~~غريبة، ثم بدأت أشعر أن نفسي القديمة - نفسي المراوغة الساخرة المنعزلة - بدأت تتنفس من ~~جديد بداخلي وتتمدد وتستقر، رغم أن جسدي المحيط بها بدا مشروخا مصدوما غارقا في ألم ~~الخسارة الأحمق. # كانت أمي قد أوت إلى فراشها بالفعل. عندما فشلت في الحصول على المنحة الدراسية، انهار ~~أمامها حلم لم تشك أبدا في إمكانية تحقيقه؛ ألا وهو آمالها في المستقبل التي كانت تضعها في ~~أبنائها. لقد واجهت احتمال أنني وأوين لن نفعل شيئا ولن نصير شيئا، وأننا شخصان عاديان ~~لا يميزنا شيء، أو أننا قد أصابتنا عدوى الحماقة الفظيعة المتكبرة المقدسة لعائلة أبي. فها ~~هو ذا أوين يعيش في طريق فلاتس، لا تخلو كلماته من الأخطاء النحوية والإملائية، ويقتدي ~~بالعم بيني في الأساليب النحوية، ويقول إنه يريد أن يترك المدرسة، وها أنا ذي أواعد جارنيت ~~فرينش وأرفض الحديث عن الأمر ولم أنجح في الحصول على المنحة الدراسية. # قالت بمرارة: «افعلي ما تريدين .» # لكن هل من السهل أن أعرف ما أريد؟ ms251 دخلت إلى المطبخ وأوقدت النور، وأعددت لنفسي خليطا ~~كبيرا من البطاطس المقلية والبصل والطماطم والبيض، وأخذت آكله بنهم وتجهم من المقلاة ~~مباشرة وأنا أقف في المطبخ. كنت أشعر أني حرة وغير حرة، أشعر بالارتياح والبؤس والوحدة. ~~ماذا لو لم أفق وأعد إلى نفسي؟ ماذا لو أني تركت نفسي أستلقي وأعمد في نهر ~~واواناش؟ # لعدة سنوات، كنت أفكر في هذا الاحتمال بصورة متقطعة كما لو كان لا يزال متاحا، ومعه كنت ~~أفكر في ظلال أوراق الشجر وبقع الماء في منزله، وكنت أفكر في سخاء جسد عشيقي. # لم يأت جارنيت يوم الإثنين، انتظرت لأرى إن كان سيأتي. مشطت شعري وانتظرت وراء الستار في ~~حجرة الاستقبال كالمعتاد، لم أعرف ماذا سأفعل إن أتى؛ فقد كان ألم رغبتي في رؤية شاحنته ~~ورؤية وجهه يبتلع كل شيء آخر. فكرت أن أسير من أمام الكنيسة المعمدانية لأرى إذا ما كانت ~~شاحنته هناك، لو كنت فعلت هذا، ولو كانت الشاحنة هناك، لربما كنت دخلت إلى الكنيسة وأنا ~~متصلبة كمن يمشي خلال نومه. غير أنني في الواقع لم أتجاوز الشرفة، ولاحظت أنني أبكي، أبكي ~~بذلك الأنين الرتيب الذي يفعله الأطفال عندما يتألمون. استدرت وعدت إلى البهو كي أنظر في ~~المرآة المعتمة إلى وجهي الباكي المبتل، راقبت نفسي، دون أن يخفف هذا من ألمي، واندهشت من ~~فكرة أن ذلك الشخص الذي كان يعاني هو أنا؛ لأنه لم يكن أنا على الإطلاق. لقد كنت أشاهد، كنت ~~أشاهد وأعاني. خاطبت المرآة بأحد أبيات تينيسون، قرأته في كتاب الأعمال الكاملة لتينيسون ~~الذي تملكه أمي، والذي أهدته لها معلمتها القديمة الآنسة راش، تلوته بإخلاص شديد وسخرية ~~مطلقة: «قالت إنه لن يأتي.» # كان ذلك البيت من قصيدة «ماريانا»، وهي واحدة من أكثر القصائد التي قرأتها سخافة في ~~حياتي، لكنها جعلت دموعي تنهمر بحرارة أكثر على وجنتي. كنت لا أزال أراقب نفسي، ثم ذهبت ~~إلى المطبخ وأعددت لنفسي فنجانا من القهوة، ثم أخذته إلى غرفة الطعام وكانت لا تزال جريدة ~~المدينة على المائدة، وقد قصت ms252 أمي منها الكلمات المتقاطعة وأخذتها معها إلى فراشها. فتحت ~~الجريدة على صفحة الإعلانات وأمسكت بقلم رصاص حتى أضع دائرة حول أي إعلان وظيفة قد تكون ~~ملائمة. أفهمت نفسي ماذا أقرأ، وبعد برهة أحسست ببعض الامتنان الرقيق المعتدل تجاه تلك ~~الكلمات المطبوعة المفعمة باحتمالات غريبة. كانت هناك أسماء مدن، وإعلان يطلب عاملات خدمات ~~هاتفية. لا يزال بإمكان المرء أن يرسم خطوط مستقبله دون حب ودون منح دراسية. وأخيرا، ودون ~~أي خيالات أو خداع للذات، وبتناسي أخطاء الماضي، الفادح منها والبسيط، وبتناسي ما به من ~~حيرة وارتباك، وبحقيبة ملابس صغيرة أحملها في يدي وأستقل الحافلة - كما تفعل الفتيات في ~~الأفلام عندما يتركن منازلهن أو أديرتهن أو عشاقهن - اعتقدت أنني سأبدأ حياتي ~~الحقيقية. ~~«جارنيت فرينش، جارنيت فرينش، جارنيت فرينش.» ~~«حياة حقيقية.» # | الخاتمة: المصور # «هذه المدينة تعج بحالات الانتحار.» كانت هذه إحدى العبارات التي ترددها أمي كثيرا، ~~ولفترة طويلة كنت أحمل هذه العبارة الغامضة الجازمة في عقلي أينما ذهبت وأومن بصحتها، أومن ~~أن حالات الانتحار في جوبيلي أعلى من غيرها من الأماكن الأخرى كما أن بورترفيلد بها الكثير ~~من الشجارات والسكيرين، وأن حالات الانتحار هذه ميزت المدينة مثل قبة دار البلدية. لكن فيما ~~بعد، تغير سلوكي تجاه كل ما قالته أمي، وأصبحت نظرتي له نظرة متشككة ومنكرة، بل وجادلتها ~~في الواقع أنه لا توجد سوى حالات انتحار محدودة في جوبيلي، وأن عددها لا يتجاوز المعدلات ~~العادية، وكنت أتحداها أن تسمي لي هذه الحالات. فكانت هي تحصيها بشكل منهجي بذكر كل الحالات ~~التي حدثت في كل شارع على حدة في عقلها قائلة: «... ذلك الذي شنق نفسه عندما كانت زوجته ~~وأولاده في الكنيسة ... وذاك الذي خرج من غرفته بعد الإفطار وأطلق الرصاص على رأسه ...» لكن لم ~~تكن هناك في الواقع حالات كثيرة، وكنت أنا أقرب للحقيقة منها على الأرجح. # وكان ثمة حالتا انتحار غرقا، إذا ما عددنا حالة الآنسة فاريس معلمتي القديمة. أما الحالة ~~الثانية فقد كانت حالة ماريون شيريف، والتي كانت أمي - وغيرها - تقول عن ms253 عائلتها بنبرة لا ~~تخلو من الكبر: «هذه العائلة قد نالت نصيبها من المآسي!» فقد مات أحد أخويها من الإفراط في ~~احتساء الكحوليات، والأخ الآخر يعيش في المصحة في تابرتون، وماريون «سارت حتى غرقت في نهر ~~واواناش». كانوا دائما يقولون عنها إنها «سارت» حتى غرقت، بينما في حالة الآنسة فاريس ~~يقولون إنها «ألقت بنفسها» في النهر. ونظرا لأنه لم ير أحد ما فعلته هذه أو تلك، فالأرجح ~~أن اختلاف الصياغة هذا يرجع لاختلاف شخصيتي المرأتين؛ فالآنسة فاريس كانت مندفعة ودرامية في ~~كل ما تفعله، أما ماريون شيريف فكانت متأنية وتفكر مليا قبل اتخاذ قراراتها. # أو على الأقل هكذا كانت تبدو في صورتها التي كانت معلقة في قاعة المدرسة الثانوية ~~الرئيسية، فوق الصندوق الذي يحوي الكأس الرياضية للفتيات التي أحرزتها ماريون إيه شيريف، ~~وهي عبارة عن كأس فضية تمنح كل عام لأفضل فتاة رياضية في المدرسة، ثم يحفر اسمها عليها ~~وتعاد الكأس إلى مكانها مرة أخرى. في تلك الصورة، كانت ماريون شيريف تحمل مضرب تنس وترتدي ~~تنورة بيضاء ذات ثنيات وسترة بيضاء بها خطان أسودان حول الياقة التي على شكل رقم 7. وكانت ~~تفرق شعرها عند المنتصف وتثبته بالدبابيس عند صدغيها بشكل غريب، وكانت ممتلئة الجسد ذات وجه ~~متجهم غير مبتسم. # كانت فيرن دوجرتي تقول: «إنها حامل، هذا مؤكد.» وكانت ناعومي كذلك تقول هذا، الجميع فيما ~~عدا أمي. ~~«لم يثبت هذا أبدا، لماذا تلوثون سمعتها؟» # فتجيبها فيرن بتأكيد: «أحدهم ورطها في هذه المشكلة ثم تخلى عنها، وإلا فلماذا ستغرق ~~نفسها وهي في السابعة عشرة من عمرها؟» # أتى علي وقت لم تكن فيه كل الكتب الموجودة بمكتبة دار البلدية تكفيني، فوجدت أني بحاجة ~~لأن أؤلف كتبا خاصة بي، ورأيت أن أفضل ما أفعله في حياتي هو أن أكتب رواية. اخترت عائلة ~~شيريف لأكتب عنها روايتي، لأكتب ما حدث لهم؛ فأعزلهم وأحصرهم في الخيال. غيرت اسم العائلة ~~من شيريف إلى هالوواي، وغيرت مهنة الأب من صاحب متجر إلى قاض؛ إذ كنت أعرف من خلال قراءاتي ms254 ~~أنه في عائلات القضاة - كما في عائلات كبار ملاك الأراضي - يعد الانحلال والجنون من الأمور ~~المتوقعة، أما الأم فيمكنني أن أبقيها كما هي كما اعتدت رؤيتها في الأيام التي كنت أذهب ~~فيها إلى الكنيسة الأنجليكانية؛ حيث كانت تتواجد دائما بهيئتها النحيلة المسيطرة وهي تنخرط ~~في الصلاة بصوت مرتفع مهيب. ونقلتهم من البيت الذي يعيشون به - ذاك البيت الصغير الذي يماثل ~~لونه لون الخردل وهو مزخرف بالجص، والذي يقع خلف مبنى جريدة «هيرالد أدفانس»، الذي عاشوا ~~فيه طوال حياتهم، وحتى الآن تعيش فيه السيدة شيريف وتحافظ على حشائش الحديقة مقلمة وأحواض ~~الزهور نظيفة - إلى بيت من تصميمي؛ بيت مرتفع مبني من الطوب، وله نوافذ طويلة ضيقة ومدخل ~~للعربات، ويحيط به الكثير من الشجيرات المقلمة بعناية على أشكال ديوك وكلاب وثعالب. # لم يعرف أي أحد بشأن هذه الرواية، ولم تكن هناك حاجة لأن أخبر أي أحد بها. كتبت شذرات ~~قليلة من الرواية وحفظتها في مكان بعيد، لكن سرعان ما اكتشفت أن محاولة كتابة أي شيء ما هي ~~إلا خطأ، فما أكتبه قد يفسد جمال الرواية وتكاملها في ذهني. # كنت أحملها - فكرة الرواية - معي في كل مكان أذهب إليه، كما لو كانت واحدة من تلك ~~الصناديق السحرية التي تتمسك بها إحدى شخصيات الحكايات الخيالية، والتي ما إن يلمسها تتلاشى ~~كل مشاكله. حملتها معي عندما كنت أتمشى مع جيري ستوري بجانب شريط القطار ويقول لي إنه يوما ~~ما - إذا استمر العالم دون أن يفنى - سوف يمكن تحفيز المواليد الجدد بموجات من الكهرباء؛ ~~فيصبحون قادرين على تأليف مقطوعات موسيقية مثل مقطوعات بيتهوفن وفيردي، أو أي ما يريدون، ~~وأخذ يشرح لي كيف يمكن أن يتم دمج ما يريده الناس من مواهب وذكاء وتفضيلات ورغبات بداخل ~~عقولهم، بالكميات المناسبة، لم لا؟ # سألته: «كما في رواية «عالم جديد جميل»؟» فأجاب: وما هذه؟ # ولما أخبرته قال ببساطة: «لا أدري فأنا لا أقرأ الروايات الخيالية أبدا.» # احتفظت بفكرة الرواية، وأحسست بشعور أفضل ؛ لأن هذا جعل ما يقول غير مهم، حتى ms255 لو كان ~~حقيقيا. أخذ جيري يغني أغاني عاطفية بلكنة ألمانية ويحاول تقليد مشية الإوزة على طول شريط ~~القطار حتى سقط كما توقعت. ~~«صدقيني إذا كانت كل هذه الخيالات السخيفة الصغيرة ...» # تخلصت من الأخ الأكبر السكير في روايتي؛ فثلاث مصائر مأساوية أمر مبالغ فيه حتى بالنسبة ~~لرواية، وبالتأكيد كان أكثر مما يمكنني أن أتعامل معه. أما الأخ الأصغر منه فقد صورته ~~مهذبا محبا يحمل براءة مبالغا فيها في مظهره: وجهه ذو نمش وردي وجسده ضعيف يميل إلى ~~السمنة، وكان الأولاد الآخرون يتنمرون عليه في المدرسة وغير قادر على تعلم الحساب أو ~~الجغرافيا، ولا يشعر بالسعادة أبدا سوى مرة واحدة في العام حين يسمح له بركوب الأرجوحة ~~الدوارة في مهرجان كنزمن، حينها كانت ترتسم على وجهه ابتسامة تنم عن ابتهاج كبير. ~~(استلهمت هذه الشخصية بالطبع من فرانكي هال، ذاك الأحمق المسن الذي كان يعيش في طريق فلاتس، ~~والذي كان قد مات آنذاك، وكان دائما يركب هذه اللعبة طوال اليوم مجانا، وكان يلوح للناس ~~بغطرسة ملكية على الرغم من أنه لم يهتم بأي أحد من قبل.) كان الأولاد يسخرون منه بسبب ~~أخته ... «كارولين!» نعم اخترت اسم كارولين، وقد برزت فجأة صورة هذه الشخصية في ذهني، شخصية ~~ساخرة كتومة لتطغى تماما على شخصية ماريون لاعبة التنس القصيرة البدينة. هل كانت قميئة؟ هل ~~كانت تعاني الشبق الجنسي؟ كلا، ليس الأمر بهذه البساطة! # كانت متقلبة المزاج وخفيفة كورقة شجر، وكانت تسير في طرقات جوبيلي كما لو كانت تحاول أن ~~تخترق جدارا غير مرئي. كان شعرها طويلا أسود اللون، وكانت تغدق المنح الجنسية على الرجال ~~على حسب أهوائها، ليس للرجال ذوي الوسامة الذين يظنون أنها من حقهم، ولا لأبطال المدارس ~~الثانوية المتجهمين الرياضيين الذين يجري في دمائهم الحارة حب الانتصار، وإنما على ~~الأزواج في منتصف العمر الضجرين من حياتهم، والباعة المتجولين الفاشلين الذي يمرون ~~بالمدينة، بل وحتى على بعض المشوهين والمختلين بعض الشيء. لكن كرمها هذا كان يسخر منهم ، ~~«وجسدها الذي يجمع بين الحلاوة والمرارة بلونه المشابه ms256 للون اللوز المقشر» كان يدمر الرجال ~~بسرعة ويترك طعم الموت. لقد كانت قربانا، يمددون جسدها للجنس على شواهد القبور العتيقة غير ~~المريحة، ويدفعونها بقوة قبالة جزوع الأشجار القاسية، وجسدها الواهن ينسحق في الطين وروث ~~الحظائر، ويعاني تحت الثقل القاتل لأجساد الرجال، لكن رغم ذلك كانت هي - وليس هم - من ينجو ~~ويبقى على قيد الحياة. # ذات يوم جاء رجل إلى المدرسة الثانوية ليلتقط الصور، في البداية رأته مغطى بقماش ~~المصورين الأسود، لم يبد منه سوى ظهر محدودب مغطى بقماش مهترئ أسود ورمادي ظاهر خلف الحامل ~~ثلاثي القوائم، ورأت عدسة الكاميرا الكبيرة والطيات السوداء التي تشبه انثناءات آلة ~~الأكورديون التي تميز الكاميرات القديمة. لكن كيف بدا عندما أخرج رأسه من وراء الكاميرا؟ ~~شعره أسود مفروق من المنتصف ومصفف إلى الخلف، وتملأ قشرة الشعر قسمي الشعر، وله صدر ~~وكتفان نحيلان، وبشرة شاحبة متقشرة، ولكن رغم مظهره المهلهل واعتلال بدنه كانت تشع منه ~~طاقة شريرة، وكان ذا ابتسامة فاقعة لا تعرف الرحمة. # لم يكن له اسم في الرواية، وإنما كان يطلق عليه «المصور»، وكان يتنقل في أرجاء المدينة ~~بسيارة مربعة مرتفعة ذات سقف قمته من القماش الأسود يخفق عندما تتحرك السيارة. لكن الصور ~~التي كان يلتقطها كانت غير عادية، بل إنها كانت مرعبة، فكان الناس يرون أنفسهم في هذه الصور ~~وقد شاخوا عشرين أو ثلاثين سنة، وكان من هم في منتصف العمر يرون في ملامحهم تشابها مروعا ~~متزايدا ومحتوما بذويهم الموتى، والفتيات والفتيان الشباب رأوا كم ستصير وجوههم نحيلة أو ~~معتمة أو حمقاء عندما يبلغون سن الخمسين. وبدت العرائس في تلك الصور حوامل، وبدا الأطفال ~~كما لو أنهم يعانون من زوائد أنفية، ولهذا لم يكن مصورا يلقى إقبالا رغم رخص سعره. لكن ~~برغم هذا لم يرفض أحد خدماته لأنهم كانوا يخشونه؛ فكان الأطفال يتوارون في الحفر عندما تمر ~~سيارته بالطريق. أما كارولين فقد كانت تلاحقه، وكانت تجول في الطرقات تحت القيظ تفتش عنه، ~~انتظرته وتربصت به ثم عرضت عليه نفسها دون أن تظهر الاحتقار ms257 الدفين والاستعداد غير المكترث ~~الذي كانت تتعامل به مع الرجال الآخرين، وإنما بلهفة وتوق وأمل وبكاء. وذات يوم (حين شعرت ~~أن رحمها متورم «مثل ثمرة يقطين صفراء صلبة في بطنها») وجدت سيارته مقلوبة بجانب الجسر، ~~مقلوبة في خندق بجانب جدول مياه جاف. كانت السيارة خالية، لقد اختفى، وفي تلك الليلة مشت ~~هي حتى غرقت في نهر واواناش. # هذه هي كل القصة التي كتبتها. فيما عدا أنه بعدما ماتت، رأى شقيقها المسكين حين نظر إلى ~~الصورة التي التقطها المصور لصف أخته في المدرسة الثانوية وجد أن عيني «كارولين كانتا ~~بيضاوين». # لم أنته من التفكير في جميع المعاني الممكنة لهذا الأمر، لكنها بدت متنوعة وقوية. # في هذه الرواية غيرت جوبيلي كذلك، أو انتقيت منها بعض الملامح وتجاهلت ملامح أخرى. في ~~الرواية، أصبحت مدينة أقدم وأكثر إظلاما وأكثر انحطاطا، مليئة بالأسوار العالية غير ~~المطلية المغطاة بملصقات دعائية ممزقة لرحلات بالسفن، أو لمهرجانات الخريف، أو الانتخابات ~~التي جرت وانتهت منذ زمن طويل. كان قاطنوها إما نحيلين مثل كارولين أو بدناء كالفقاقيع، ~~وكان كلامهم ناعما مراوغا وأحمق بشكل غريب، وتفاهاتهم مجنونة. وكان الوقت الذي تجري فيه ~~أحداث الرواية هو منتصف الصيف؛ حيث الحرارة الحارقة والكلاب الراقدة على الأرصفة وكأنها جثث ~~هامدة، وموجات الريح - التي ترتعش مثل الجيلي - تضرب الطريق السريع الخاوي. لكن كيف إذن ~~سيكون هناك ما يكفي من ماء في نهر واواناش لإغراقها؟ فمن حين لآخر كانت تبرز حقائق صغيرة ~~مهملة لتثير قلقي؛ فبدلا من أن تمشي كارولين حانية رأسها عارية تحت ضوء القمر مذعنة نحو ~~عمق النهر، سيكون عليها أن تستلقي ورأسها للأسفل كما لو كانت تغرق نفسها في حوض ~~الاستحمام. # تخيلت جميع الصور، وقد كانت لدي فكرة غير واضحة عن أسباب ما يحدث، لكن لم أكن قادرة على ~~تفسير هذه الأسباب، وتوقعت أن يتضح كل هذا لي لاحقا. المهم هو أن تلك الأحداث بدت لي ~~حقيقية، ليست واقعية وإنما حقيقية، كما لو أنني اكتشفت هذه القصة وهذه الشخصيات، ولم ~~أختلقهم، وكما لو ms258 أن تلك المدينة موجودة خلف هذه المدينة التي أمشي في طرقاتها كل ~~يوم. # لم أول آل شيريف الحقيقيين أي اهتمام بمجرد أن حولتهم إلى شخصيات أخرى لأغراض روايتي. ~~عاد بوبي شيريف - الابن الذي كان في المصحة - إلى بيته لفترة ما - وهو ما بدا أنه قد حدث من ~~قبل - وشاهده الناس يتمشى في شوارع جوبيلي ويتحدث مع الآخرين. كنت قريبة منه بما يكفي لأن ~~أسمع صوته الناعم المهذب المتأني، ولاحظت أنه كان دوما يبدو مشذب الشعر معطر الجسد، ويرتدي ~~ثيابا فاخرة، وكان قصيرا بدينا ويمشي بمرح وابتهاج يميز أولئك الذين لا يجدون ما يفعلون. ~~لم أستطع أن أربط بينه وبين شخصية الأخ المجنون الذي ابتكرته في عائلة هالوواي. # كنت أنا وجيري ستوري عندما نعود من نزهاتنا سيرا على الأقدام نرى جوبيلي بوضوح، فنراها - ~~بعد أن سقطت الأوراق عن الشجر - ممتدة أمام أعيننا بنمط غير معقد من الشوارع التي كانت تحمل ~~أسماء معارك وسيدات وملوك وشخصيات رائدة. وذات مرة بينما كنا نمشي فوق الجسر مرت تحتنا ~~سيارة مليئة بأناس من مدرستنا، وكانوا يطلقون نفير السيارات نحونا، راودتني رؤية - كما لو ~~كنت أرى نفسي من الخارج - حول مدى غرابة هذه الأمور: فكان جيري يفكر في مستقبل يشهد هلاك ~~جوبيلي والحياة فيها ويرحب به، وأنا أخطط سرا لتحويل جوبيلي إلى حكاية مأساوية وأدمجها في ~~روايتي، بينما سكان المدينة - الناس الذين يمثلون المدينة في الواقع - كانوا يطلقون نفير ~~سياراتهم - في سخرية لأي شخص يسير ولا يركب في عصر أيام الآحاد - دون أن يعرفوا الخطر الذي ~~يحدق بهم بسببنا. ~~••• # كل صباح بداية من منتصف شهر يوليو - وقد كان هذا آخر صيف أقضيه في جوبيلي - اتخذت عادة؛ ~~وهي أن أتمشى في وسط المدينة بين الساعة التاسعة والعاشرة. كنت أمشي حتى مبنى جريدة ~~«هيرالد أدفانس»، ثم أتطلع إلى نافذته الأمامية ثم أعود أدراجي. كنت أنتظر نتائج الاختبار ~~الذي تقدمت إليه في شهر يونيو. كانت النتائج ستأتينا عبر البريد، لكنها كانت تأتي إلى ~~الجريدة قبلها بيوم، وكانت تلصق على ms259 النافذة الأمامية، وإذا لم تأت في البريد الصباحي فلن ~~تأتي طوال اليوم. كل صباح عندما كنت أجد أنه لا يوجد شيء معلق على الواجهة - لا أجد سوى ~~ثمرة البطاطس التي تشبه حمامة، والتي وجدها بورك تشايلدز في حديقته، والتي كانت مستقرة على ~~حافة النافذة تنتظر ثمار القرع المزدوج والجزر المشوه واليقطين الضخم الذي سينضم إليها ~~لاحقا ولا شك - كنت أشعر وكأن حكما ما قد تأجل، فيمكنني الشعور بالارتياح ليوم آخر، ~~فأنا أعلم أن أدائي في الاختبارات لم يكن على خير ما يرام. لقد دمرني الحب، ولم يكن من ~~المحتمل أن أنال المنحة الدراسية التي ظللت أعول عليها لسنين عدة - أنا وجميع من حولي - ~~كي تحملني إلى خارج جوبيلي. # ذات صباح بعد أن قمت برحلتي اليومية إلى جريدة «هيرالد أدفانس»، مررت من أمام منزل آل ~~شيريف بدلا من العودة عن طريق الشارع الرئيسي، ففوجئت ببوبي شيريف واقفا عند بوابة المنزل ~~وقال: «صباح الخير.» ~~«صباح الخير.» ~~«هل لي أن أقنعك بأن تدخلي إلى فنائي وتتناولي قطعة من الكعك؟ هذا ما قاله العنكبوت ~~للذبابة، أليس كذلك؟» كان أسلوبه المهذب يتسم بالتواضع وأيضا - في رأيي - بالسخرية. ~~استأنف حديثه قائلا: «ذهبت أمي إلى تورونتو مستقلة قطار الساعة السادسة، ففكرت بما أنني ~~مستيقظ على أية حال، فلماذا لا أجرب أن أخبز كعكة؟» # أمسك الباب فاتحا إياه، ولم أدر كيف أتملص من هذه الدعوة، فتبعته مرتقية درجات ~~السلم. ~~«الجو لطيف وبارد في الشرفة، يمكنك أن تجلسي هناك، هل تريدين كأسا من عصير الليمون؟ فأنا ~~خبير في إعداد عصير الليمون.» # وهكذا جلست في شرفة منزل آل شيريف وأنا أتمنى ألا يمر أحد من هنا ويراني، أحضر لي بوبي ~~شيريف قطعة من الكعك على طبق صغير مع شوكة مناسبة للكعك ومنديل مائدة مطرز. ثم دخل مرة أخرى ~~ليعود بكأس عصير ليمون بها مكعبات ثلج وأوراق النعناع وكرز ماراشينو، واعتذر لأنه لم يحضر ~~الكعكة وعصير الليمون معا على صينية، وقال إن الصواني في خزانة الأواني تحت كومة من ~~الأطباق؛ ومن ms260 ثم تعسر عليه إخراج واحدة، وإنه فضل أن يقضي الوقت معي على أن يضيعه جاثيا ~~على ركبتيه يعبث في خزانة الأواني المظلمة، ثم اعتذر عن عدم جودة الكعكة قائلا إنه ليس ~~خبازا ماهرا، كل ما في الأمر أنه يحب أن يجرب وصفة جديدة بين الحين والآخر، وشعر أنه لم ~~يكن يجدر به أن يقدم لي الكعك دون أن يكون مغطى بالكريمة، لكنه لم يتقن قط فن صنع ~~الكريمة، وكان يعتمد على أن تعدها والدته، لكن هذا ما حدث. ثم قال إنه يتمنى أن أكون قد ~~أحببت أوراق النعناع في عصير الليمون، كما لو أن معظم الناس يدققون بشدة في هذا الأمر، وإنه ~~لا يمكن قط أن نعرف ما إذا كان سيخطر ببالهم إخراج أوراق النعناع ورميها. كان يتصرف كما لو ~~كان مجرد جلوسي في الشرفة وتناول الطعام والشراب هو عملا في غاية اللباقة والتهذيب وصنيع ~~معروف لم يكن يتوقعه. # كانت هناك سجادة طويلة رفيعة على أرضية الشرفة الخشبية العريضة المشققة والمطلية باللون ~~الرمادي. كانت تبدو كسجادة تفرش في البهو، لكنها كانت قديمة وبالية بحيث لم يكن من الممكن ~~استعمالها داخل المنزل. وكنا نجلس على كرسيين من الخيزران البني عليهما وسائد باهتة اللون ~~من الكريتون بها الكثير من الكتل وأمامنا طاولة من الخيزران كذلك. وعلى الطاولة كان ثمة ما ~~يشبه الكوب الفخاري الصيني أو المزهرية التي ليس بها أزهار وإنما بها راية حمراء صغيرة ~~والعلم البريطاني، كانت تلك واحدة من التذكارات التي كانت تباع أثناء زيارة الملك والملكة ~~إلى كندا عام 1939، وكانت وجوههم الملكية الشابة تشع نورا رقيقا، كما في اللوحة المعلقة ~~أمام فصل الصف الثامن في المدرسة الحكومية. وكان وجود هذا الشيء على الطاولة لا يعني أن آل ~~شيريف أناس وطنيون بصورة خاصة؛ فهذه التذكارات كانت تتواجد في كثير من بيوت جوبيلي. هذا هو ~~كل شيء. وحقيقة أن كل شيء بالمكان كان عاديا وغير مميز أوقفت تدفق أفكار القصة في ذهني ~~فجأة ، وجعلتني أتذكر؛ فهذا هو بيت آل شيريف. استطعت ms261 من مكاني أن أرى جزءا من الرواق عبر ~~الباب السلكي، وكان مغطى بورق حائط يجمع بين اللونين البني والوردي. هذا هو مدخل البيت ~~الذي سارت فيها ماريون في طريقها إلى المدرسة، وفي طريقها للعب التنس، وفي طريقها لنهر ~~واواناش. لقد كانت ماريون هي كارولين؛ فهي كل ما لدي لأبدأ به روايتي: تصرفها وسريتها. لم ~~أفكر في هذا حين دخلت إلى فناء منزل آل شيريف، أو عندما كنت أجلس في الشرفة منتظرة أن ~~يأتيني بوبي بالكعك. لم أفكر في روايتي، بل إنني لم أعد أفكر فيها تقريبا. لم أحدث نفسي قط ~~بأنني فقدت فكرة الرواية، وإنما كنت أعتقد أنها محفوظة في مكان ما، مستعدة للخروج مجددا في ~~وقت ما في المستقبل، لكن الحقيقة هي أنها قد أصابها بعض الضرر الذي أيقنت أنه لا يمكن ~~إصلاحه. لقد وقع الضرر وفقدت كارولين وباقي أفراد أسرة هالوواي وبلدتهم قوتها المقنعة، ~~وفقدت أنا إيماني. لكنني لم أرد أن أفكر في هذا، ولم أفكر فيه. # لكنني تذكرت في تلك اللحظة بدهشة كيف اختلقت هذه القصة، هذا الكيان الغامض الذي اتضح ~~بعد ذلك أنه غير موثوق به، هذا الكيان القائم على هذا البيت وعلى أسرة آل شيريف وعلى حقائق ~~قليلة ضعيفة وعلى كل الأمور التي لم ترو. # قال لي بوبي شيريف بخجل: «أنا أعرفك، ألم تظني أنني أعرفك؟ أنت الفتاة التي ستذهب إلى ~~الجامعة بمنحة دراسية.» ~~«لم أحصل عليها بعد.» ~~«أنت فتاة ذكية.» # سألت نفسي ماذا حدث لماريون؟ ليس لكارولين، بل ماذا حدث لماريون؟ وماذا حدث لبوبي شيريف، ~~عندما كان يضطر للتوقف عن خبز الكعك والعودة مرة أخرى إلى المصحة؟ مثل هذه الأسئلة تظل ~~عالقة، بصرف النظر عن الروايات. إنها لصدمة حقا؛ صدمة أن تغير الواقع بقوة ودهاء ثم تعود ~~إليه لتدرك أنه كما هو ولم يتغير. هل سيظهر لي بوبي شيريف الآن أية علامة على الجنون؟ هل ~~سيقول بصوته المهذب الودود: «إن نابليون هو أبي»؟ هل سيبصق في شقوق الأرض ويقول: «إنني أسقط ~~المطر على صحراء ms262 جوبي»؟ هل هذه هي نوعية الأمور التي يقوم بها؟ ~~«هل تعرفين أنني ارتدت الجامعة؛ جامعة تورونتو، في كلية الثالوث؟ نعم فعلت.» # صمت لدقيقة، ثم واصل حديثه - كما لو كنت قد سألته: «لم أنل أي منح دراسية، فقد كنت طالبا ~~عاديا، فكرت أمي أنه من الممكن أن يعدوني لأصبح محاميا، كانت تضحية منهم أن يرسلوني إلى ~~الجامعة، فقد كان ذلك في وقت الكساد الكبير كما تعلمين، وفي فترة الكساد لم يكن أحد يملك أي ~~أموال، أما الآن فيبدو أن الجميع يملكون الأموال. نعم، منذ وقت الحرب، الجميع يشتري، هل ~~تعرفين فيرجوس كولبي - صاحب متجر كولبي موتورز - لقد أراني قائمة بمن سجلوا أسماءهم كي ~~يشتروا سيارات أولدزموبيل الجديدة، وسيارات شيفروليه الجديدة. # عندما تذهبين إلى الجامعة، لا بد أن تعتني بنظامك الغذائي، فهذا أمر شديد الأهمية، ~~فالجميع في الجامعة يميلون إلى تناول المأكولات النشوية لأنها مشبعة ورخيصة. كنت أعرف فتاة ~~اعتادت أن تطهو الطعام في غرفتها، وكانت تعيش على المكرونة والخبز، فقط المكرونة والخبز! ~~إنني أعزو الانهيار الذي حدث لي إلى الطعام الذي كنت أتناوله، فلم يكن هناك غذاء للمخ، ولا ~~بد للمخ من تغذية كي نستخدمه، وما يفيد المخ حقا فيتامينات ب: فيتامين ~~ب # 1 # وفيتامين ب # 2 # وفيتامين ~~ب # 12 ~~. لقد سمعت بهذه الفيتامينات، أليس كذلك؟ تتواجد هذه ~~الفيتامينات في الأرز غير المقشر، والدقيق غير المكرر ... إنني أشعرك بالملل الآن، أليس ~~كذلك؟» # قلت وأنا أشعر بالذنب: «كلا، كلا، كلا.» ~~«أستميحك عذرا لو كنت أشعرتك بالملل، أعرف أنني أنجرف في الكلام عن هذا الموضوع؛ هذا ~~لأنني أعتقد أن مشاكلي الخاصة - جميع مشاكلي منذ طفولتي - تتعلق دائما بسوء التغذية، بدءا ~~من المذاكرة بجهد شديد دون تغذية للمخ، لكنني بالطبع لم أمتلك مخا عبقريا منذ البداية، ~~لا أدعي هذا.» # أخذت أراقبه بانتباه حتى لا يسألني مجددا ما إذا كان حديثه يضجرني. كان يرتدي قميصا ~~رياضيا ناعما أصفر مكويا جيدا ومفتوحا عند العنق، وكانت بشرته وردية اللون، وكان ذا ~~شبه بسيط بشقيق كارولين الذي اختلقته. ms263 كنت أشم رائحة بلسم الحلاقة الذي يستخدمه، واستغربت ~~فكرة أنه يحلق وأن وجهه ينمو فيه الشعر كباقي الرجال وأن في سرواله عضوا ذكريا، تخيلته ~~مكورا حول نفسه رطبا وطريا. كان يبتسم لي برقة ويتكلم باتزان؛ هل يمكن أن يكون قد قرأ ~~أفكاري؟ لا بد أن الجنون له سر، «ملكة»، شيء لا أعرفه. # كان يخبرني كيف أن الفئران نفسها كانت ترفض أن تأكل الدقيق الأبيض بسبب ما به من مواد ~~مبيضة، والمواد الكيميائية التي كانت به. أومأت له، ومن وراء رأسه رأيت السيد فاوكس يخرج من ~~الباب الخلفي لجريدة «هيرالد أدفانس» ثم يفرغ محتويات سلة في المحرقة ثم يعود إلى داخل ~~المبنى. لم تكن هناك نوافذ في ذلك الحائط الخلفي، وكان به بعض البقع وبعض الطوب المتكسر وشق ~~طويل يمتد على شكل خط مائل، بادئا من قبل منتصفه تقريبا وحتى الركن الأسفل منه بجوار متجر ~~تشينواي. # تفتح البنوك في الساعة العاشرة؛ البنك التجاري الكندي وبنك دومينيون على الجانب الآخر من ~~الشارع. وفي الساعة الثانية عشرة والنصف تمر من المدينة حافلة قادمة من بلدة أوين ساوند ~~في لندن ومتجهة جنوبا. وإذا أراد أي شخص أن يستقلها فيجب أن يتم تعليق علم أمام مطعم ~~هاينز. # كان بوبي شيريف يتحدث عن الفئران والدقيق الأبيض، وكنت أرى في ذهني صورة أخته معلقة في ~~بهو المدرسة الثانوية بالقرب من الخرير المستمر لنافورة ماء الشرب. كان وجهها ينم عن العند ~~ولا يفصح عن الكثير، وكانت مطأطئة الرأس حتى إن الظلال قد سكنت عينيها. كانت حياة الناس في ~~جوبيلي - كما في كل مكان آخر - مملة وبسيطة ومدهشة، ولا يمكن سبر أغوارها ككهوف عميقة ~~مفروشة بورق المشمع الذي يستخدم في المطبخ. # لم يخطر ببالي آنذاك أنني يوما ما سوف أهتم هذا الاهتمام البالغ بجوبيلي، فقد صرت نهمة ~~ومضللة كما كان العم كريج في منزله في جنكينز بيند وهو يدون التاريخ؛ فقد كنت أرغب في ~~تدوين بعض الأشياء. # سأحاول أن أعد بعض القوائم؛ قائمة بأسماء المحال والأعمال الموجودة في الشارع ms264 الرئيسي ~~وأسماء من يملكونها، وقائمة بأسماء العائلات، والأسماء المكتوبة على شواهد القبور في ~~المقبرة وأي نقوش موجودة تحتها. وقائمة بأسماء الأفلام التي عرضت في قاعة الليسيوم منذ عام ~~1938 وحتى عام 1950 تقريبا. وقائمة بالأسماء الموجودة على النصب التذكاري (والتي يرجع ~~معظمها إلى الحرب العالمية الأولى لا الثانية)، وقائمة بأسماء الشوارع ونمط تصميمها. # وبالطبع، فإن عقد الآمال على دقة هذه المهام ما هو إلا ضرب من الجنون الذي يفطر ~~القلب. # لكن لم تكن ثمة قائمة بإمكانها أن تحوي ما أريد؛ فما أريد كان كل شيء بالتفصيل؛ كل كلمة ~~وكل فكرة، كل شعاع ضوء يسقط على لحاء الشجر أو على الجدران، وكل رائحة، وكل تجويف، وكل ألم، ~~وكل شرخ، وكل وهم، كل هذا قائما ومجتمعا ... مشعا وخالدا. # أما في تلك اللحظة، لم أكن أنظر كثيرا لهذه المدينة. # تحدث إلي بوبي شيريف بحزن، وهو يتناول مني الشوكة ومنديل المائدة والطبق الفارغ. # قال: «صدقيني، أتمنى أن يحالفك الحظ في حياتك.» # ثم فعل الشيء الوحيد المميز الذي فعله لي؛ فبكل ما في يده من أشياء حياني بالوقوف على ~~أصابع قدميه كراقص، أو كراقصة باليه ممتلئة الجسد. بدت لي هذه الحركة - مصحوبة بابتسامته ~~الرقيقة التي ارتسمت على وجهه - مزحة، لكنها ليست مزحة يرويها لي وإنما يفعلها من أجلي، ~~وبدت أن لها معنى وجيزا، معنى منمقا؛ بدت وكأنها حرف أو كلمة كاملة في أبجدية لا ~~أعرفها. # آنذاك، كنت أتقبل تمنيات الناس لي - وغيرها من الأمور - وكأنها أمور طبيعية وأنا يخالجني ~~شعور بسيط بالحيرة، كما لو أنها لم تكن قط أكثر مما أستحقه. # فأجبته: «حسنا»، بدلا من أن أشكره. ms265