######OpenITI# #META# URI: 1450SharifShubashi.YasqutSibawayh.Hindawi70749060 #META# Tags: linguistics #META# ID: 70749060 #META# Title: لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه #META# AuthorID: 15792825 #META# Author: شريف الشوباشي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة‏ # 1 - برج بابل‏ # 2 - هل هناك لغة عالمية؟‏ # 3 - رسالة إلى حراس الضاد‏ # 4 - هل العربية لغة مقدسة؟‏ # 5 - المسيحيون والعربية‏ # 6 - المتنبي يخاف من الإعراب‏ # 7 - شيزوفرينيا لغوية‏ # 8 - غاية اللغة‏ # 9 - ضد تحنيط العربية‏ # 10 - الاستثناء العربي‏ # قالوا عن الكتاب‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة‏ # 1 - برج بابل‏ # 2 - هل هناك لغة عالمية؟‏ # 3 - رسالة إلى حراس الضاد‏ # 4 - هل العربية لغة مقدسة؟‏ # 5 - المسيحيون والعربية‏ # 6 - المتنبي يخاف من الإعراب‏ # 7 - شيزوفرينيا لغوية‏ # 8 - غاية اللغة‏ # 9 - ضد تحنيط العربية‏ # 10 - الاستثناء العربي‏ # قالوا عن الكتاب‏ # | لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه # | لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه # تأليف # شريف الشوباشي # إن اللغة العربية ليست ملكا لرجال الدين، ولكنها ملك للذين يتكلمونها جميعا من ~~الأمم والأجيال. # د. طه حسين # مستقبل الثقافة في مصر # | مقدمة الطبعة الثالثة # عندما سلمت النص النهائي لهذا الكتاب إلى المطابع في أبريل 2004 لم أكن أتخيل أنني أحمل ~~بين يدي قنبلة موقوتة ستنفجر لتمزق الصمت المهيمن على الحياة الثقافية والفكرية في مصر منذ ~~أكثر من ثلاثين عاما. # كنت أتوقع أن بعض الأقلام ستهب للدفاع عن اللغة العربية من منطلق الرفض المسبق لأي مساس ~~بلغة الضاد، بل لأي جديد في أي مجال. وكنت أمني نفسي بأن أصحاب الفكر المتطور ودعاة ~~الاستنارة سيشهرون أقلامهم ردا لحجج الجمود والتحجر. # لكن ما حدث خلال الأشهر الثلاثة الماضية جعلني أعيد النظر في بعض قناعاتي عن توازنات ~~الحياة الثقافية في مصر. # والضجة التي أثارها الكتاب تدل على واقع لا يمكن مجادلته، وهو اعتراف الجميع، من مؤيدين ~~ومعارضين، بأن هناك مشكلة حقيقة تواجه اللغة العربية الآن. ولولا أنني وضعت يدي على العصب ~~المكشوف لما انتبه أحد لكتابي ولما ثارت ثائرة الكثيرين عليه. # لكن ما أذهلني أن الغالبية العظمى ممن تصدوا للتعليق على الكتاب لم يقرءوه وقد اتضح من ~~خلال تعليقاتهم أنهم اكتفوا بالمثل القائل: «الكتاب يقرأ من عنوانه»! # وإذا كان لي أن أبدي بعضا من الملاحظات حول أهم الانتقادات ms001 التي وجهت للكتاب، في طبعتيه ~~السابقتين، فإنها تتلخص في الآتي: # أولا: # كان الاتهام الأول هو أنني أدعو إلى هجر الفصحى واللجوء إلى اللهجات ~~العامية، ومن يقرأ الكتاب يتضح له أنني أنادي بعكس ذلك تماما، بل إن ~~استشراء اللهجات كان من أهم دوافعي للتفكير في الكتابة حفاظا على ~~الفصحى. # ثانيا: # الاتهام الثاني هو أنني أسعى إلى هدم اللغة العربية وتشويهها، مع أن كل ~~سطور الكتاب، وما وراءها، هي دفاع موضوعي عن الفصحى. # ثالثا: # الاتهام الثالث هو أنني أطالب في الكتاب بإلغاء النحو، وهذا اتهام مضحك ~~للغاية، فلا يمكن أن يكون هناك لغة في العالم بغير نحو وقواعد، فلغات ~~«الهوسا» في نيجيريا، و«البمبرا» في مالي، لديها قواعد نحو تحكمها. وما ~~أطالب به هو تطوير وتيسير النحو العربي. # رابعا: # الاتهام الرابع هو أنني لست متخصصا في اللغة حتى أتناول هذا الموضوع، ~~وردي أن اللغة هي أداتي وأداة كل عربي للتعبير عن نفسه من ناحية، وللاتصال ~~بالآخرين من جهة أخرى، وبالتالي فمن حقي، كاتبا ومثقفا، برأيي في وضع ~~اللغة الحالي الذي يعترف الجميع بأنه مأسوي. # خامسا: # أن غالبية من شاركوا في الحملة على الكتاب ركزوا على اقتراحاتي التطبيقية ~~مثل إلغاء المثنى ونون النسوة وغير ذلك، وقد قلت بوضوح إن هذه مجرد ~~اجتهادات لا أتمسك بها ولا أدعي أنني أملك سلطة إقرارها، لكنني أقول بوضوح ~~مرة أخرى: إن المجامع اللغوية في العالم العربي هي الوحيدة المنوط بها ~~إقرار كيفية تطوير النحو والصرف بالتنسيق فيما بينها. # على أن ما راعني هو المزايدات التي جاءت ممن يقفون خلف ساتر «قدسية اللغة»، فهؤلاء يرون أن ~~أي مساس باللغة هو مساس بالقرآن الكريم، مع أن هذه قضية حسمت منذ قرون، وقد جئت بأدلة دامغة ~~في كتابي تفند هذه الحجة. واللغة ليست شرطا من شروط الإيمان، فإذا أراد أجنبي أن يعتنق ~~الإسلام فهل تشترط عليه مسبقا تعلم اللغة العربية؟ # وعلى الرغم من عنف الانتقادات، إلا أنني لم أغضب من أصحاب الأقلام الجادة الذين اختلفوا ~~معي، فأنا لا أدعي - مثل البعض ms002 - أنني أمتلك الحقيقة المطلقة. وقد جاء بعض الذين انتقدوا ~~الكتاب بحجج وجيهة وأمثلة في الصميم استفدت منها كثيرا، لكن البعض الآخر انزلق إلى أسفل ~~الدرك في توجيه الاتهامات العشوائية، وهؤلاء لا يستحقون مجرد الرد ولا الالتفات. # وفي النهاية، فإن ما أصابني بخيبة أمل هو نكوص الكثير من أصحاب الأقلام التنويرية الذين ~~من المفترض أن يحاربوا معركتهم في مواجهة الاتجاه المحافظ وتيارات الانغلاق، فقد هنأني ~~بعضهم في الحجرات المغلقة، ثم لاذوا بالصمت الرهيب خارجها؛ إيثارا للسلامة. # | مقدمة # أصبت بصدمة في أحد أيام مارس 2001 عندما فتحت العدد السنوي من «الألمناك» والذي كان ~~صادرا قبلها بأيام قليلة، و«الألمناك» هو مطبوعة سنوية تحمل المعلومات الأساسية في كافة ~~المجالات وآخر الإحصائيات العالمية. ومن عادتي أن أتابع في «الألمناك» آخر أرقام تعداد السكان ~~في دول العالم وفي أكبر المدن، ومعدلات النمو، وكذلك عدد أبناء كل ديانة والناطقين بأهم ~~لغات العالم، ومعلومات أخرى كثيرة ذات فائدة كبيرة. # أما عن الصدمة، فكانت عندما جلت بنظري في جدول أهم اللغات المتداولة في العالم، فلم أجد ~~العربية في مكانها المعتاد بهذه المطبوعة، وأعدت قراءة جدول أهم اللغات عدة مرات وأنا في ~~حيرة شديدة: هل هناك مشكلة أصابت نظري؟ أم أن اللغة العربية سقطت منهم سهوا، أم ~~ماذا؟ # وعندما فتشت في الجدول الموسع للغات المنتشرة في العالم، والذي يضم نحو 230 لغة، أدركت ~~الحقيقة التي أثارتني بقدر ما أزعجتني، فمطبوعة «الألمناك» لم تعد تعتبر العربية لغة قائمة ~~بذاتها، على أساس أن اللغة هي أداة التفاهم اليومي بين الناس وليست أداة الدرس والعلم، وهم ~~يعتبرون أن العربية صارت لغة لقراءة الكتب والمراجع. # أما لغة التفاهم في العالم العربي فهي اللهجات مثل المصرية والشامية والمغربية. وباختصار ~~فهم قرروا أن يعتبروا العربية من اللغات الميتة التي يعرفها البعض، زاد أو قل عددهم، لكنهم ~~لا يستخدمونها في تعاملهم اليومي. # ومن الممكن أن يكون أول رد فعل لنا أن ننتفض صائحين: «هيهات، وموتوا بغيظكم أيها ~~الحاقدون، ووالله هذا لن يكون أبدا.» وأنا أقول: إن شاء ms003 الله هذا لن يكون، لكن هذا لا ~~يكفي. فهذه المطبوعة تعتبر من المطبوعات الجادة التي يعتد بها في العالم، وإن كانت لا تخلو ~~من الأغراض الخبيثة، وخاصة حيال الإسلام والعرب. # ومع ذلك، فإن كبار الكتاب والمتخصصين في العالم، وخاصة في الغرب، يعدونها من أهم ~~مراجعهم، وبالتالي فمن الخطأ أن نأخذ موقف هذه المطبوعة من العربية بالاستخفاف والتعالي، بل ~~ومن مصلحتنا أن نعتبره جرس إنذار علينا أن نستمع إلى ما يحمله رنينه إلينا بكل جدية وحرص ~~حتى وإن كرهنا محتواه. # وإذا أضفنا إلى ذلك أن هناك جامعات ومعاهد لغات في أوروبا وغيرها تقوم بتدريس اللهجات ~~عوضا عن العربية، بل إنهم يخيرون الطلبة الراغبين في دراسة العربية بين الفصحى وإحدى ~~اللهجات العامية، وهنا يتضح لنا مدى خطورة الموقف. بل إن مراكز تعليم اللغة في البلدان ~~العربية تفعل نفس الشيء مع الأجانب المبتدئين في تعلم لغتنا. # والأكثر من ذلك أن هناك محاولات جادة لتقعيد اللهجات حتى تصير بمثابة لغات كاملة الأركان ~~لها قواعد النحو والصرف الخاصة بها. # وكما نثبت في هذا الكتاب، فإن اللهجات كانت موجودة دائما. واللغة الفصحى التي نرمز إليها ~~أحيانا بلغة سيبويه لم تكن في يوم من الأيام لغة تفاهم وتعامل يومي، اللهم إلا في فترة ~~وجيزة جدا في رقعة جغرافية محدودة بالجزيرة العربية. فما الذي استجد حتى ننزعج اليوم من ~~اقتحام اللهجات لحيز التعامل اللغوي بين العرب؟ # الجديد هو أننا نعيش في عصر يعرف باسم عصر العولمة. وأيا كان موقفنا من تلك العولمة، ~~فإن لها بالتأكيد آثارا سلبية على الثقافات الإقليمية، وعلى كل مقومات الحضارات، ومن بينها ~~اللغات. # والعولمة بمعناها السياسي والاقتصادي ذوبان الحدود بين الدول والتجمعات الإقليمية. لكن ~~معناها الثقافي عميق، وقد يكون أكثر تأثيرا على الشعوب. فالعولمة قد تؤدي إلى هيمنة ثقافة ~~واحدة على العالم، مما يترتب عليه انكماش مقومات الثقافات الأخرى التي تبلورت من خلال حقب ~~التاريخ المتعاقبة. وبالتأكيد إن اللغة من أبرز مقومات الشخصية الإنسانية، ولا بد ~~بالتالي أن تتأثر بالعولمة. # الجديد أيضا هو أن ms004 وسائل الإعلام الحديثة جعلت أدوات التفاهم الشفهية تنافس المكتوبة، بل ~~وتتفوق عليها أحيانا وتسحب من تحتها البساط. ففي الماضي كانت الوسيلة الوحيدة للاتصال وحفظ ~~المعلومات هي الكتابة. أما منذ نهاية القرن العشرين، فقد ظهرت الوسائل السمعية والبصرية ~~التي جعلت للكلمة المنطوقة أهمية كبرى لم تكن لها بهذا القدر منذ عرف الإنسان الكتابة، ~~وانطوى عندئذ عصر الثقافات الشفهية؛ فالتسجيلات الصوتية والصورة صارت هي الأخرى وسائل حيوية ~~لنقل المعلومات وتخزينها، كمراجع للمعرفة. # وأخيرا وليس آخرا، فمن المؤكد أن هناك من لا يريد للعالم العربي أن يكون واحدا، ويأمل ~~في قرارة نفسه تمزيق أواصر هذا العالم. وحيث إن أهم ما يربط بين العرب هو لغتهم، فإن القضاء ~~على هذه اللغة سيؤدي إلى نهاية عالمنا العربي، وربما كان هذا هو الهدف الخفي من وراء ~~المشروعات الغربية المطروحة على الساحة في بداية القرن الحادي والعشرين. # وأمام هذه التحديات الخطيرة؛ فإن اللغة العربية تمر الآن بمفترق طرق حيوي؛ إما أن تجدد ~~نفسها فتبقى دائما لغة العرب المشتركة، أو أن تتقوقع على نفسها، فتواجه بالفعل خطر الزوال ~~لحساب اللهجات، كما حدث للغة اللاتينية في القرون الوسطى الأوروبية. وهذا الاحتمال، وإن كان ~~بعيدا، إلا أنه ليس من دروب الخيال العلمي. # والمشكلة هي أن اقترابنا من قضية اللغة مغلوط من أساسه؛ فهو يقوم على فرضية نعدها من ~~المسلمات، وهي أن مشكلة اللغة تكمن في الناطقين بها من العرب. وكل من يتصدى للحديث عن اللغة ~~هذه الأيام يسخر من جميع من يخطئون فيها ويستهزئ بالآخرين، وكأنه معصوم من الخطأ في اللغة. ~~فالمنطق السائد في هذا الموضوع يشابه ما طرحه الشاعر مرسي جميل عزيز في أغنية: «سيرة الحب» ~~التي غنتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم عن مشكلات الحب ومن هو المتسبب فيها؛ حيث تقول: ~~«العيب فيكم يا في حبايبكم، أما الحب، يا روحي عليه.» فالخطأ إذا ليس في الحب وإنما في ~~كل من يمارسونه بأسلوب خاطئ. # ولو كان من الممكن أن تنطبق هذه المقولة على الحب؛ لأنه قيمة مجردة، فإنه لا ms005 يمكن أن ~~تنسحب على اللغة، فاللغة كائن حي لا بد أن تتغير بتغير الوقت وأن تجاري الزمان، وبالتالي ~~فأنا أقول: إن الخطأ لا يقع بالكامل على مستخدمي العربية؛ لكنه يقع أساسا على عاتق اللغة ~~نفسها. # وأقول لكل من يتعذب من جراء تعلم اللغة، أو يشعر بعقدة نقص لعدم إجادته العربية إجادة ~~تامة: لا تقلقوا؛ فالعيب ليس فيكم، ولكنه في اللغة التي لم تشملها سنة التطوير. وأستطيع ~~انطلاقا من هذا أن أبرئ ساحة ملايين العرب بل الأغلبية الساحقة من الشعب العربي من ذنب ~~عدم تملك ناصية لغة الضاد بكل تعقيداتها. # ومن منطلق معرفتي بمستوى التعليم في فرنسا وغيرها من الدول الغربية، أستطيع أن أجزم بأن ~~المستوى اللغوي لخريجي الجامعات المصرية من غير المتخصصين يوازي مستوى تلميذ في بداية ~~المرحلة الإعدادية هناك في لغته الأم. # فهل يعكس هذا نبوغ تلاميذ العالم الغربي وتخلف طلاب العلم عندنا؟ بالتأكيد لا؛ فإن ~~المستوى الذهني متقارب بين الاثنين، إنما المعضلة تكمن في اللغة العربية التي ترقى ~~تعقيداتها إلى مرتبة اللوغاريتمات المنغلقة على عقول غير المتخصصين. # وفي فصول هذا الكتاب سنناقش بهدوء الأهمية الحيوية للغة في حياتنا، وهل هناك شيء اسمه لغة ~~عالمية، كما سنناقش لماذا يتعذب ملايين التلاميذ والطلاب من أجل تعلم اللغة العربية بدلا ~~من أن يركزوا طاقاتهم في تحصيل العلوم من خلال أداة لغوية سهلة طيعة، كما هو الحال بالنسبة ~~لطلاب غالبية دول العالم الأخرى. # فعلينا، بعيدا عن النفاق، أن نعترف بأن طلبة المدارس يكرهون حصة اللغة العربية، وينعون ~~همها أكثر من أي مادة تعليمية أخرى. فإلى متى نجعل أطفالنا وشبابنا يتجرعون عذاب القواعد ~~المعقدة التي عفا عليها الزمن ولم تعد تواكب العصر؟ # وتتعدى القضية تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات حيث يكاد لا يوجد شخص في العالم العربي لا ~~يخطئ في اللغة، وحتى الذين يتباكون على اللغة ويتهكمون على أخطاء غيرهم غير قادرين على ~~القراءة والكتابة دون خطأ، باستثناء بضع مئات معدودة من المتخصصين في العالم العربي ~~كله. # وهذه اللغة العظيمة التي نزل بها إعجاز ms006 القرآن الكريم، والتي فتحت للعرب آفاقا رحبة ~~للتطور الفكري والإبداع الفني أصبحت، مع مرور القرون، قيدا يكبل العقل العربي ويغل طاقتنا ~~الخلاقة، فاللغة تحولت إلى إسار يخنق أفكارنا ويلجمها. وهي تسهم للأسف في حرماننا من ~~الانطلاق إلى الآفاق الرحبة التي يفتحها العلم الحديث ووسائل المعيشة المواكبة للتطور ~~العلمي. وباختصار فإن اللغة أصبحت سجنا يحبس العقل العربي بين جدرانه الحديدية بإرادته ~~المستكينة. # فالعربية هي اللغة الوحيدة في العالم اليوم التي لم تتغير قواعدها الأساسية منذ 1500 سنة ~~كاملة. قد يرى البعض في ذلك رسوخا واستمرارية ودليلا على رصانة اللغة، لكني أرى فيه ~~جمودا وتحجرا ينعكس سلبا على العقل العربي؛ فاللغة كما قلنا كائن حي، يولد وينمو ويتطور ~~ويشب وينضج ثم يشيخ، وكثيرا ما يموت، ودورنا هو إعادة الشباب إلى لغتنا، وإجراء عمليات ~~تجميل لإزالة التجاعيد التي تراكمت بعد قرون من الممارسة الناجحة، فالجمود في اللغة يؤدي ~~حتما إلى جمود في العقل، والتحجر في اللغة يؤدي إلى تيبس الأذهان. # وفي الماضي كان النوابغ قادرين على معرفة اللغة والتراث والحديث والتعمق في الوقت ذاته في ~~علوم مثل: الفلك، والكيمياء، والرياضيات. أما اليوم، ومع الاتساع اللامتناهي في المعارف، ~~فإن الإنسان العربي يجد نفسه أمام خيار صعب: إما أن يكرس حياته لدراسة اللغة والتراث، أو أن ~~يتخصص في فرع من فروع العلم والمعرفة الحديثة. # وفي الحالة الأولى، فإنه سيكون ضليعا ولا شك في العربية، لكنه سيكون شبه منقطع عن العالم ~~ومحبوسا في دائرة مغلقة تجعله خارج حياة القرن الحادي والعشرين، وفي الحالة الثانية يكون ~~مواكبا للتطور الحضاري الهائل في العالم أجمع، لكن معرفته بالعربية ستكون محدودة وسطحية ~~إلى حد بعيد. # وسنعقد في فصول هذا الكتاب مقارنة سريعة بين العربية واللغات الحية الأخرى؛ لنتبين صدق ~~هذه الحقيقة، وسنشعر من هذه المقارنة بين العربية بقواعدها الجامدة مع اللغات الأخرى التي ~~تستخدمها الشعوب المتقدمة، أننا كمن يمتطي جمالا بالطريق السريع، في الوقت الذي يركب فيه ~~غيرنا سيارات تنقلهم بأقصى سرعة إلى ساحات التقدم. فتحصيل العلم من أجل تطبيقه ms007 لنفع الإنسان ~~أصبح الشغل الشاغل للمجتمعات المتحضرة. لم يعد هناك فراغ يجعل الناس تستلذ صعوبة القواعد ~~وتعقيد الكلمات كما هو الحال عندنا ، حيث ينتشي البعض وتنتفخ أوداجهم سرورا عندما يصححون ~~خطأ لغويا، ويتلون قاعدة متقعرة، لا قيمة لها إلا أنها من وضع النحاة الأقدمين. # هذا في حين أن المجتمعات المتقدمة في صراع مع الزمن، وليست على استعداد لإضاعة وقتها ~~الثمين في الكلمات الرنانة الفارغة من أي محتوى، وفي القواعد المعقدة والجناس والطباق ~~والمقابلة والاستعارة المكنية وغير المكنية، وما شابه ذلك من محسنات بديعية. حتى الأدب ~~العالمي أصبح يعتمد على المعنى والمضمون وليس على زخرف اللغة والتلاعب بالألفاظ. # وسوف نتعرض أيضا بمعيار العقل إلى قضية حساسة هي علاقة اللغة بالدين، وهل العربية لغة ~~«توقيفية» أي هابطة من السماء، كما يريد البعض، أم لغة «اصطلاحية»، أي من صنع الإنسان، كما ~~يريد المنطق؟ مع أن الكل يعلم أن العربية نشأت واستوت كمنظومة لغوية متكاملة في العصر ~~الجاهلي، فهي إذن تنتمي، كلغة، إلى العصر الجاهلي، لكن الله سبحانه وتعالى تخيرها لتنزيل ~~رسالته إلى البشر، فسما بها إلى أعلى مراتب الإعجاز. ~~••• # وفي كتاب «الداء العربي» حاولت أن أضع أصابعي على بعض أسباب تخلف العالم العربي عن ركب ~~الحضارة العالمي، ورصدت فيه ثلاثة محاور أساسية هي: «الفكر القبلي» و«ثقافة الأذن» و«حضارة اليقين»، وكنت أنوي أن أخصص فصلا عن اللغة بعنوان «رسالة إلى حراس الضاد» أشدد فيه ~~على ضرورة الثورة على قواعد اللغة التي لم تعد تواكب زماننا، فأنا أعتبر أن اللغة هي أحد ~~عناصر تخلف العالم العربي، وأن تحجر البعض في تناول قضية اللغة من أسباب عملية إجهاض النهضة ~~الذي قمت بتحليله في كتاب «الداء العربي»، لكنني وجدت أن قضية اللغة أكبر من أن تعرض في فصل ~~داخل كتاب؛ فهي في حاجة إلى مؤلف مستقل يحلل الظاهرة ويحيط بها من جوانبها المختلفة. # ويأتي هذا الكتاب تكملة لما سعيت إليه في «الداء العربي»، فقد آن الأوان أن ندرك أن اللغة ~~أصبحت إحدى العقبات في سبيل انطلاق العقل ms008 العربي، وآن الأوان أن نقول هذا الكلام بشجاعة في ~~وجه من يريدون الحجر على عقولنا وترويع كل من ينادي بالتحديث . ~~••• # وبعيد عن ذهني تماما هجر اللغة العربية لحساب اللهجات العامية، أو استخدام الحروف ~~اللاتينية، وما شابه ذلك من اقتراحات طرحها بعض الذين أدركوا نكوص الفصحى عن التعبير عن ~~واقعنا الحالي، فالذين يدعون إلى وأد العربية لا يدركون تبعات مطلبهم، فاللغة العربية أنتجت ~~بعضا من أهم الإبداعات الإنسانية، ومن يدرس تاريخ الآداب العالمية لا يسعه إلا أن يتوقف ~~بإجلال أمام أشعار المتنبي، وأبي العلاء، وأبي نواس، ونثر أبي حيان التوحيدي، كما لا يملك ~~إلا أن ينحني تحية لأدب نجيب محفوظ. # وترك اللغة العربية معناه ببساطة محو كل هذا التراث العظيم من الذاكرة الجماعية للشعب ~~العربي. هذا عن التاريخ، أما عن الحاضر فإن معناه تفتيت الأمة العربية وشرذمتها إلى كيانات ~~مستقلة وربما متنافرة. فإذا نظرنا إلى الوطن العربي اليوم نجد أن أقطاره تختلف في السياسة ~~وتتنافر في الاقتصاد وتتنافس في التجارة. الجانب الوحيد الذي يجمع بين العرب هو ~~اللغة والثقافة؛ فإذا سحبنا البساط من تحت هذا الجانب فإننا نهدم صرحا يظل كافة العرب وكأننا نهدم ~~المعبد فوق رءوسنا. # ولهذه الحيثيات فإنه لا يمكنني أن أقف مع الداعين إلى هدم العربية من أساسها، لكنني أطالب ~~بإعادة النظر في القواعد الأساسية للغتنا؛ لتصبح أداة فعالة لتفجير طاقات العقل العربي ~~المحتبسة في هيكل اللغة المقدس. # وأنا على ثقة من أنني أترجم المشاعر الدفينة في نفوس ملايين العرب، وأنا أهتف قائلا: ~~يسقط سيبويه. # الفصل الأول # | برج بابل # يخطئ كثيرا من يتصور أن قضية اللغة من القضايا الهامشية أو الثانوية التي يواجهها ~~المجتمع، أو حتى أنها مجرد قضية هامة من بين قضاياه المتعددة. وقد يرى البعض أن الأجدى ~~التعرض للقضايا الاقتصادية أو الاجتماعية، أو غير ذلك من الموضوعات الحيوية التي تمس الحياة ~~اليومية للإنسان العربي. أما قضية اللغة فهي ترف ينبغي أن نتركه للمتخصصين وعلماء الفقه ~~اللغوي. # فالحقيقة أن اللغة قضية حيوية ستسهم بشكل حاسم في تحديد ms009 الهوية العربية وتطور ثقافتنا في ~~القرن الحالي. كما أنها ملك لكل من يستخدمها وليست حكرا على علماء اللغة. وسنحاول في هذا ~~الفصل إثبات أهمية اللغة في حياة الإنسان منذ بدء الخليقة، وكيف كانت عنصرا مؤثرا في تطور ~~المجتمعات وتشكيل الوجدان الجماعي لها. # وهناك بين اللغة والفكر علاقة جدلية؛ فاللغة وعاء الفكر، والفكر مضمون اللغة. والإنسان لا ~~يستطيع أن يفكر بطريقة مجردة وإنما يفكر من خلال كلمات وتركيبات لغوية تتفاعل في ثنايا ~~عقله. فنقل الأفكار يكون دائما باللغة سواء عن طريق الكلام أو الكتابة. # أما وسائل التعبير الأخرى مثل الرسم والموسيقى مثلا فتنقل شحنات من الأحاسيس والمشاعر. ~~لكن كل هذه الوسائل التي لا تعتمد على اللغة عاجزة عن إيصال الفكر من إنسان إلى آخر. وقد ظل ~~الإنسان لمئات الآلاف من السنين أقرب إلى الحيوان؛ نظرا لعدم تبلور أداة للتفاهم بينه وبين ~~الآخرين من بني جنسه. # وعلماء الأنثروبولوجي يؤكدون العلاقة المتوازية بين تطور اللغة وتقدم المجتمعات ~~الإنسانية؛ فكلما استطاع الناس أن يتفاهموا فيما بينهم، كلما نجحوا في تطوير حياتهم ومستوى ~~معيشتهم. والعكس صحيح، فقد ثبت دائما أن التخلف الفكري والإفلاس الحضاري يؤديان بالضرورة إلى ~~اضمحلال اللغة. # والتخلف اللغوي يعيق العقل عن التطور الحضاري ويؤدي إلى تحجيم للإدراك ~~والخيال اللازمين للتقدم؛ فالفقر اللغوي كثيرا ما يعكس فقرا معنويا وحتى ماديا ~~للمجتمع. # والتعريف الشائع للإنسان هو أنه حيوان ناطق، فالفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان هو ~~النطق، أي: اللغة. الحيوان لا يستطيع التعبير عن نفسه، ولا يستطيع أن يورث خبرته وتجاربه لمن ~~بعده، على عكس الإنسان الذي ينقل كل معارفه وعلمه عن طريق اللغة. # وهناك نظريات عديدة في أصل اللغات، ونشأتها وتطورها عند الإنسان البدائي الذي ظل ملايين ~~السنين حتى توصل إلى لغة راقية تعبر عن مشاعره ومتطلباته. لكن علماء الأنثروبولوجي يرجحون ~~أن الإنسان الأول كان يدرك الأشياء في البداية، كصور مجسدة في عقله، فيفكر مثلا في أسد أو ~~نهر، فيتمثل كل منهما أمامه، وظل كذلك حتى بدأ يصدر أصواتا للتعبير عن تلك الأشياء التي ms010 ~~يريد استحضارها ونقلها لغيره. ومن هنا بدأت اللغة. # وظل التفكير الإنساني قاصرا وأقرب إلى تفكير الحيوان طالما لم تتكون لغة التحاور؛ ~~فالتفكير في الأشياء المادية المحسوسة والأحاسيس الغريزية مثل الخوف والجوع يساعد على خلق ~~لغة بدائية تتكون من أصوات، ثم كلمات مقتضبة للتعبير عنها، لكن التطور الذي عرفه الإنسان ~~بعد المراحل الأولى من وجوده على الأرض، كان يستلزم وسيلة أكثر تعقيدا للتعبير والتفاهم. ~~وبدأت اللغات تنمو وتتطور وتجسد أفكارا مجردة. وبالتوازي مع تطور وسيلة التعبير عما يجيش ~~في صدره من أحاسيس ومشاعر انفتحت أمام الإنسان آفاق التقدم والحضارة. # وكانت الكتابة من أهم الثورات الثقافية التي عرفها تاريخ البشرية، إن لم تكن أهمها على ~~الإطلاق، بل إن التاريخ نفسه يبدأ بالكتابة، أي: بتثبيت اللغة الشفهية وتخطيها لحاجز الزمن. ~~والخط الفاصل بين ما يسمى بعصور ما قبل التاريخ وعصور التاريخ هو اختراع الكتابة. وعلى ~~الرغم من اختلاف العلماء حول الحضارة التي كان لها فضل اختراع الكتابة أهي المصرية، أم ~~السومرية؟ إلا أن الإجماع على أن بدء التدوين كان لحظة تاريخية فاصلة، جعلت الإنسانية تقفز ~~قفزة عملاقة إلى الأمام. # قبل ذلك كانت المعلومات والخبرات تنتقل كلها شفاهة من جيل إلى جيل. وهذا التوارث السمعي ~~من شأنه أن يطمس الثقافة ولا يسمح بوجود دين أو معرفة حقيقية. فقوام الأديان السماوية كلها ~~هي الكتب التي تحمل رسالة كل دين، وليس المنقول عن الأنبياء أنفسهم بالسمع جيلا بعد جيل. ~~فالتوراة والإنجيل والقرآن هي الأسس التي شيدت عليها الديانات السماوية الثلاث. وكان القرآن ~~الكريم هو الكتاب الوحيد المحفوظ عند العرب بعد انتقال سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # إلى الرفيق ~~الأعلى. # وإذا سألنا أنفسنا: ما الذي يربطنا بماضينا وبتراثنا الثقافي؟ فإن الإجابة هي ببساطة: ~~اللغة؛ فاللغة هي الوسيلة الأساسية لمعرفة كل ما حدث قبل وجود جيلنا في الدنيا، فمعلوماتنا ~~عن الماضي نستقيها من الكتب التي تركها السلف، كما أن التراث والأدب والفكر مرهونون كلهم ~~باللغة التي دونوا بها ونقرؤها اليوم كما قرأها من عاشوا قبلنا. # هناك طبعا ms011 الآثار الباقية مثل: الأهرام وأبي الهول، والمساجد، والقصور، والقطع الأثرية، ~~مثل: التماثيل والأواني والحلي وغير ذلك، لكن كل مخلفات الماضي البعيد والقريب تفقد معناها ~~في غياب الفهم اللغوي؛ فالآثار الفرعونية القديمة مثلا ظلت أحجارا صماء لم تعرف قيمتها ~~ومعناها أجيال متعاقبة من المصريين لقرون طويلة بسبب عدم فهم اللغة الهيروغليفية المنقوشة ~~عليها. وكان العرب يفتون فتاوى غريبة حول بناء الأهرام، فصاحب المعجم القاموس يقول مثلا: ~~«إن الهرمين بناءان أزليان بمصر، بناهما إدريس عليه السلام، لحفظ العلوم فيهما من الطوفان، ~~أو بناء سنان بن الشلشل.» # ووصل الأمر إلى أن الخليفة المأمون عندما قدم إلى مصر عام 832م أمر بتفكيك أحجار الأهرام ~~بهدف استخدامها في بناء منشآت جديدة. ولولا ثقل الأحجار وأحجامها الضخمة، التي حالت دون ~~تنفيذ أوامر المأمون، لفقدت مصر والعالم أجمع إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة. بل إن هرم ~~خوفو هو الوحيد الباقي إلى يومنا هذا من عجائب الدنيا السبع القديمة. # أما الست الأخر، وهي: فنار الإسكندرية، وحدائق بابل المعلقة، وعملاق رودس، وتمثال زيوس، ~~ومعبد أرتميس (حامية الأرض عند الرومان) وضريح هاليكارناس، فقد تهدمت جميعا بفعل الزلازل، ~~والحرائق، والعوامل الطبيعية الأخرى. # فالهرم الأكبر إذا هو البناء الوحيد من عجائب الدنيا السبع الأصلية الذي تحدى الزمن ~~وانتصر على كل عوامل الهدم، مما جعل الشاعر يقول عنه: # خليلي ما تحت السماء بنية # يشابه بنياها بنا هرمي مصر # بناء يخاف الدهر منه وكل ما # على الأرض يخشى دائما سطوة الدهر # وهذا الصرح العظيم الذي يعتبر اليوم أهم بناء على وجه الأرض، ويوضع على رأس قائمة التراث ~~العالمي الواجب حمايته، والذي تحتضنه منظمة اليونسكو الدولية، كاد يزول بسبب الجهل ~~باللغة. # وعندما نجح شامبليون في فك طلاسم الهيروغليفية في بداية القرن التاسع عشر تكشفت أسرار ~~الحضارة المصرية القديمة، التي يعتبرها العالم أجمع اليوم أم الحضارات الإنسانية كلها. وقد ~~كانت اللغة هي المفتاح الوحيد؛ لفهم قيمة الأحجار الصماء التي تركها أجدادنا في عصور ~~الفراعنة. # ولو افترضنا جدلا أننا فقدنا فجأة معرفتنا بالعربية، فإننا لن نستطيع قراءة ms012 القرآن ~~الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وسننقطع بذلك عن ديننا، كما سنفقد أي اتصال بتراثنا ~~الأدبي والثقافي العظيم. فما الذي يربطنا بعظماء مثل المتنبي أو البحتري أو حتى أحمد شوقي ~~وطه حسين؟ إنها اللغة أيضا. # ولو لم نكن نعرف العربية؛ لما استطعنا أن نفهم ما أبدعه هؤلاء؛ ولصرنا عاجزين عن الارتباط ~~بماضينا. والانقطاع عن الماضي هو أكبر كارثة يمكن أن تواجه شعبا من الشعوب. والوصل المطلوب ~~بالتراث اليوم يمر بتطوير سريع وجريء للغة؛ وليس بالتمسك بها كما هي بغباء قد يؤدي إلى أخطر ~~النتائج على العربية. ~~••• # وبالإضافة إلى دورها الأساسي كوسيلة وحيدة لحفظ التراث وانتقاله عبر الأجيال، فإن اللغة ~~هي أحد أهم العناصر المكونة للحضارة وللهوية الإنسانية في كل مكان. وأول اتصال بين إنسان ~~وآخر يتم عن طريق اللغة. ويحتاج الزعماء ورجال السياسة والاقتصاد إلى مترجمين للتفاهم، ~~ولولا هؤلاء المترجمون الذين يجيدون أكثر من لغة لكان التفاهم صعبا للغاية، إن لم يكن ~~مستحيلا. فاللغة هي الأداة الأساسية للتفاهم، لكنها أيضا الوعاء الذي يتبلور فيه فكر ~~الإنسان ورؤيته للحياة؛ وبالتالي فإن اللغة هي العنصر المشكل للثقافة وللفكر والفلسفة ~~والآداب. # وبالإضافة إلى هذا فإن اللغة هي أداة التفاهم الأساسية بين أبناء البشرية. وقد أثبت ~~القرآن الكريم الأهمية الحيوية للغة حين يقول تعالى: # وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~(سورة إبراهيم: 4)؛ ~~أي أنه لو تحدث الرسل بلغة مختلفة أو غريبة عن قومهم ما أوضحوا لهم وما بينوا لهم ما كلفوا ~~بنقله من رسائل سماوية. ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى عندما يقول: # ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه ~~عليهم ما كانوا به مؤمنين ~~(الشعراء: 198 و199). # ثم هذه الآية التي توضح هذا المعنى بجلاء: # ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ~~قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~(فصلت: 44). ومعنى هذا بوضوح أن ~~اختيار الله سبحانه وتعالى للعربية جاء بناء على لغة القوم الذين أنزل عليهم الكتاب. # والواقعة الوحيدة المذكورة في القرآن عن تحدث الله سبحانه وتعالى إلى بشر كان ms013 بطلها النبي ~~موسى؛ ويقول كتاب الله: # فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ~~(طه: 11، 12، 13). وباقي الآيات معروفة في سورة طه. ولنا أن نتساءل: بأي لغة تحدث ~~الله إلى عبده موسى؟ # فموسى تربى في مصر وعاش بها وكان يتحدث اللغة المصرية القديمة. أما العربية، فلم يكن لها ~~وجود على الأرض آنذاك؛ فموسى عاش قبل خاتم الأنبياء بسبعة عشر قرنا. ويجمع علماء اللغة على ~~أن لغة الضاد لم تتخذ ثوبها الذي نزل به القرآن إلا قبل قرن أو قرن ونصف على الأكثر قبل ~~الدعوة. # ومن المسلم به أن موسى فهم كل كلمة مما قاله ربه؛ فقد سأله: # وما ~~تلك بيمينك يا موسى ~~(طه: 17) فأجابه النبي كما هو وارد في سورة طه، ~~ثم ألقى الله بأوامر محددة حين قال: # ألقها يا موسى ~~(طه: ~~19) ثم: # قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ~~(طه: 21) ثم: # واضمم يدك إلى جناحك تخرج ~~بيضاء من غير سوء آية أخرى ~~(طه: 22) ثم: # اذهب إلى فرعون إنه طغى ~~(طه: 24). وقد أجاب موسى على خالقه ~~ونفذ كل هذه الأوامر على الفور، أي أنه فهم تماما اللغة التي نودي بها، بل إنه أجاب على ~~الله بالكلام فقال من بين ما قال: # قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ~~(طه: ~~18)، كما توجه إلى ربه بالرجاء في الآيات من 25 إلى 35. # وإذا أعملنا عقلنا لوجدنا أن هناك احتمالين من الصعب أن يكون لهما ثالث ~~وهما: # إما أن يكون الحوار مع موسى باللغة الوحيدة التي يفهمها وهي المصرية ~~القديمة. # أو أن يكون الله قد أوحى إليه المعاني دون اللجوء إلى لغة ~~معينة. # لكن المنطق يقول إن موسى حتى في الحالة الثانية قد تحدث بلغته الأم وهي المصرية ~~القديمة. # وفي كل الأحوال فإن العبرة أن الله تحدث إلى موسى بأسلوب يفهمه ويدرك معانيه، ولو تحدث ~~إليه بالعربية مثلا؛ لما فهم وما استطاع أن يطيع الأوامر. ~~••• # وقد لعبت اللغة ms014 منذ فجر التاريخ دورا محوريا في نسج الضمير الجماعي للمجتمعات، لكنها ~~ظلت أداة استخدام داخلية أي بين أبناء المجتمع الواحد الذين يتحدثون نفس اللغة . فكانت أهمية ~~اللغة كبيرة في تماسك المجتمعات وربطها بهيكل بنيوي واحد في أسلوب التفكير. ولم تكن ~~المجتمعات في السابق متداخلة، ولم يكن السفر والتنقل متاحين بسهولة كما هو الحال اليوم؛ فظلت ~~لغة كل مجتمع هي التي تتسيد وحدها الفضاء الجغرافي الذي يضم كل أفراده. وكان أبناء المجتمع ~~الواحد لا يعرفون إلا لغة واحدة للتفاهم، ولا يدور بخلدهم أن يتعلموا لغة أخرى، إلا ~~باستثناءات نادرة. # أما اليوم فقد تغيرت الصورة جذريا، وأصبحت اللغة أداة تفاهم بين المجتمعات المختلفة. ~~ولم يعد من الممكن في بداية القرن الحادي والعشرين على أية دولة في العالم أن تعيش يوما ~~واحدا دون الاتصال بدولة أخرى تتحدث لغة مختلفة عنها. # وكان من نتائج ذلك أن أصبحت مهنة الترجمة والتي كانت موجودة منذ قديم الزمان من أهم وأخطر ~~المهن في العالم، وقد أصبحت أيضا من أكثر المهن المجزية من الناحية المادية؛ حيث يتقاضى ~~المترجم الفوري في المؤتمرات الدولية مكافأة يومية مرتفعة نظرا لأنه من أهم مقومات نجاح ~~الاجتماعات، ولولاه لما حدث تفاهم بين الحاضرين. # وقد أدرك الإنسان منذ أقدم العصور أن اللغة هي أداة توحيد وانسجام ووفاق. وتروي التوراة ~~قصة تؤكد أهمية اللغة في ترابط المجتمعات، فتقول إن الناس كانوا في بدايات البشرية قوما ~~واحدا يتكلمون لغة واحدة. ثم ظهر في بابل ملك طاغية يدعى نمرود تصور أنه قادر على مناطحة ~~الآلهة. # وشرع هذا الملك في بناء برج شاهق يرتفع به إلى عنان السماء حتى يصل إلى الآلهة ويتحداهم؛ ~~فقد كان هذا الملك يعتبر نفسه أقوى من الآلهة التي في السماء، وأراد أن يثبت ذلك لقومه، فما ~~كان من الخالق إلا أن جعل العاملين في بناء البرج يتكلمون لغات مختلفة. وعلى الفور اختفى ~~التفاهم فيما بينهم ودبت الخلافات وأخذوا يتشاجرون بدلا من العمل في بناء البرج، ولم ~~يستطيعوا، بالتالي، إكمال البناء. وأخفق نمرود في ms015 وضع مشروعه المجنون موضع التنفيذ. # وخلاصة هذه القصة هي أن اللغة هي أساس التفاهم بين الناس، وأن وجود لغات مختلفة جعل الناس ~~عاجزين عن السعي في مشروع مشترك وهو بناء برج بابل. # وبرغم هذه القصة الواردة في التوراة فمن المؤكد أن وجود لغات مختلفة هي نعمة من نعم الله؛ ~~فكل لغة تعبر عن ثقافة بذاتها ورؤية للحياة تختلف عن غيرها، كما أنها تعكس منظومة فكرية ~~تثري حضارات الإنسانية. وهناك آلاف اللغات التي اندثرت تماما ولم يعد علماء اللغات يعرفون ~~عنها شيئا، ولا يستطيع علماء اللغة إحصاء عدد هذه اللغات لكنها اختفت عادة لحساب لغات ~~أخرى أكثر تعبيرا عن احتياجات المجتمع. فكأن اللغات القديمة مثل السمك في الماء يبتلع ~~الكبير الصغير. # حتى في الجزيرة العربية خلال الجاهلية كانت هناك عشرات اللهجات المختلفة إلى أن جاء ~~القرآن فانزوت كلها ولم تبق إلا لغة قريش أداة للتفاهم بين العرب. # وهناك لغات اندثرت لكنها لازالت معروفة للمتخصصين. ولعل أشهرها اللاتينية التي تعد اللغة ~~الأم لعدة لغات حية من أهم لغات عالم اليوم، مثل: الفرنسية والإيطالية والإسبانية ~~والبرتغالية والرومانية. كما أن هناك اللغة اليونانية القديمة التي أبدع بها هوميروس ~~وأفلاطون وأرسطو وسوفوكليس وغيرهم ممن غيروا نظرة الإنسان للحياة في القرون السابقة على ~~ظهور المسيح. # وكان لكل حضارة من تلك الحضارات واللغة المعبرة عنها دور حيوي في تقدم الإنسانية ورقيها ~~ووصولها إلى ما هي عليه الآن بفعل تراكم المعارف. ولولا اللغة لما كان ذلك متاحا. ~~••• # ووعيا منه بخطورة اللغة في العلاقات بين الشعوب، طرأت على ذهن طبيب بولندي في نهاية القرن ~~التاسع عشر فكرة عبقرية؛ فقد وضع لغة جديدة تماما هي مزيج من أهم لغات العالم، أطلق عليها ~~اسم «إسبيرانتو» ونشرها عام 1887م باسم اللغة العالمية. # لكن الفكرة سرعان ما أهملت وسقطت في طي النسيان، فلم يكن وراءها ثقافة ولا دولة قوية ~~تحميها. # وعندما أفاق الناس من صدمة الحرب العالمية الثانية المروعة، رأى البعض ضرورة البحث عن ~~وسائل لنزع فتيل المواجهة بين أبناء البشرية، وأرادوا مد ms016 جسور التفاهم بين الناس، فعادت ~~الروح بعض الشيء إلى الإسبرانتو على أساس أنه إذا تحدثت كل شعوب العالم لغة واحدة فسوف يؤدي ~~ذلك إلى إذابة العوائق النفسية ونزعات الشر الكامنة في نفس الإنسان تجاه من يعتبرهم غرباء ~~عنه. # لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، كما أن فكرة إقامة حكومة واحدة للعالم هي حلم من الأحلام ~~الوردية التي لا يمكن تحقيقها في المستقبل المنظور، فحتى دول الاتحاد الأوروبي لازالت عاجزة ~~حتى الآن - برغم تقدمها في الوحدة فيما بينها - عن إنشاء نوع من أنواع الحكم الفوقي تخضع له كل ~~الدول الأعضاء. وكان الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان يحلم بأن يكون أول رئيس ~~للولايات المتحدة الأوروبية، لكن هناك أفكار مثل الإسبرانتو تسبق عصرها وقد تتحقق في ~~المستقبل البعيد عندما تتغير ظروف المجتمعات البشرية. ~~••• # وإذا أخذنا مثالا آخر من القرن العشرين يعكس إدراك الإنسان لأهمية اللغة نجد أن الطاغية ~~النازي أدولف هتلر (1889-1945م) كان يحلم بتوحيد كل الناطقين بالألمانية في أوروبا. وقد قام ~~بغزو النمسا وأهلها يتحدثون الألمانية، ثم غزا المناطق البولندية الناطقة بالألمانية، وبعد ~~ذلك منطقة السوديت جنوب تشيكوسلوفاكيا السابقة، وسكانها أيضا كانوا من الناطقين ~~بالألمانية. # ومن يتابع تحرك الجيش النازي في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين يتضح له مخطط هتلر ~~الذي كان يقوم في أساسه على اللغة التي كان يعتبرها أحد المكونات الأساسية للجنس؛ فخريطة ~~التحرك كانت مطابقة لخريطة المجتمعات التي تتخذ من الألمانية لغة للتفاهم. # وكان لهتلر بطبيعة الحال أطماع توسعية واستعمارية أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، ~~لكن فكرته الرئيسية كانت قيام إمبراطورية تضم كل أبناء العنصر الألماني الناطقين ~~بالألمانية. وقد فرض على الحلفاء في اتفاقية ميونيخ عام 1938م ضم منطقة السوديت بجنوب ~~تشيكوسلوفاكيا السابقة، على أساس أن أهلها يتحدثون الألمانية. # مثال آخر من العالم العربي: إذا قمنا بتحليل حقبة الاستعمار من منظور لغوي يتضح لنا أن ~~اللغة لعبت دورا هاما لازال العرب واقعين تحت تأثيره إلى بداية القرن الواحد ~~والعشرين. # وقد تقاسم الهيمنة على العالم العربي منذ النصف الثاني ms017 من القرن التاسع عشر دولتان ~~أوروبيتان، لكل منهما مفهومها الخاص عن رسالتها الثقافية واللغوية؛ فإنجلترا كانت تهدف من ~~فرض سيطرتها على المستعمرات الاستفادة المادية والانتفاع بخيرات الأراضي التي احتلتها إلى ~~أقصى حد ممكن، ولم تسع بريطانيا لفرض لغتها أو ثقافتها على الدول التي استعمرتها في العالم ~~العربي وعلى رأسها مصر. # أما فرنسا فكان لها هاجس آخر بالإضافة إلى الاستفادة المادية؛ فقد كانت حريصة على نشر ~~ثقافتها ولغتها في الدول العربية والإفريقية وغيرها التي وقعت تحت براثنها. وكانت السلطة ~~الفرنسية تفرض لغتها في المدارس وتحارب العربية، أو تسعى لتقليصها بقدر المستطاع، وجعلها ~~لهجة للتفاهم البدائي بين أبناء الشعوب الخاضعة لها. وكان أبناء الجزائر وتونس والمغرب ~~يتعلمون في المدارس أن أجدادهم هم الغاليون، وهؤلاء بطبيعة الحال هم أجداد الفرنسيين ~~وحدهم. # فرنسا إذا لم تكتف بالسيطرة على الأرض، لكنها أرادت السيطرة على العقل، واكتشفت أن ~~الهيمنة العقلية تمر من خلال الحالة اللغوية. ومن الواضح، برغم سوء نواياها، أنها كانت على ~~صواب. # وكانت نتيجة السياسة اللغوية التي انتهجتها فرنسا أن شعوب المغرب العربي لازالت إلى الآن ~~مرتبطة ارتباطا ثقافيا وثيقا بفرنسا، ويقترب منهاج تفكيرها من المنهاج الفرنسي أكثر منه ~~إلى العربي. صحيح أن أبناء الجيل الحالي يبذلون جهودا جبارة للتخلص من سيطرة التأثير ~~الفرنسي والتوصل إلى صيغة يلتحمون بها بثقافتهم العربية الأصيلة، لكن الأثر الثقافي الذي ~~تركته سنوات الاستعمار لازال شديد الوطأة على العقل المغاربي. # ومع ذلك فإنه من المؤكد أن تأثر الشعوب المغاربية بالفرنسية قد أفادها كثيرا بعد مرحلة ~~الاستعمار، وانعكس في الانتعاشة التي تعيشها هذه الدول منذ نهايات القرن العشرين. # والغريب أن المفهومين الفرنسي والإنجليزي لقضية الثقافة واللغة لا زالا ينعكسان إلى يومنا ~~هذا على موقف الدولتين من الجاليات الأجنبية المقيمة فيهما؛ فإنجلترا تتعامل مع الجاليات ~~الأجنبية بها، وكأنها وحدات مستقلة بثقافتها ولغاتها طالما أنها تصب في نفع الاقتصاد ~~الإنجليزي، ولا تعكر صفو الأمن العام؛ فالهنود مثلا لهم أحياؤهم التي يعيشون فيها بلندن، ~~وكأنهم في بومباي أو نيودلهي. # أما فرنسا فترفض هذا ms018 المنطق بشدة وتسعى إلى إيجاد مجتمع متجانس في الثقافة واللغة ~~والمزاج، وتنظر بعين القلق إلى أي محاولة للتميز الثقافي أو اللغوي من قبل أي جالية ~~أجنبية. # وكان هذا المفهوم هو السبب في انفجار قضية الحجاب في المدارس الفرنسية منذ الثمانينيات من ~~القرن العشرين. ~~••• # ولعل كل هذه المواقف تصب في قالب واحد وهو تأكيد الأهمية الحيوية للغة، ووعي المجتمعات ~~المتقدمة بالدور الخطير الذي يمكن أن تقوم به سلبا أو إيجابا. # ويتزايد إحساس الإنسان بأهمية اللغة عندما يزور بلادا غريبة لا يجيد لغتها؛ فيحس وكأنه ~~تائه وضائع تماما، ويشعر بالعجز عن الاتصال بالمحيطين به، وقد يتعرض لمواقف صعبة أو لأخطار ~~بسبب جهله باللغة. # ومع تسليم الجميع بأهمية اللغة على مستوى الإنسانية، فإن المجتمعات العربية تضع لغة الضاد ~~في مكانة خاصة لا تطالها أي لغة أخرى، بل لا تقترب منها. فاللغة منذ العصر الجاهلي تلعب ~~دورا محوريا في حياة العرب، كما كانت تسهم في تحديد العلاقات بين الناس، بل وفي تحديد ~~طبقات المجتمع، جنبا إلى جنب مع شرف النسب ووفرة المال. ولن أطيل في وصف الأهمية التي كان ~~يحظى بها الشعراء، أولا والخطباء في المرتبة الثانية. ولم يكن الأمراء يستنكفون رواية ~~الشعر، على عكس كل المجتمعات الأخرى التي كانت ترى الفن والأدب هواية لا تجوز إلا للعامة؛ ~~فامرؤ القيس، وأبو فراس الحمداني، والمعتمد بن عباد، كانوا من أمراء قومهم على سبيل المثال ~~لا الحصر. # بل إن هناك خليفة كان يقرض الشعر بنفسه، وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثاني خلفاء بني ~~أمية، وينسب إليه بيت من أشهر الأبيات التي يستدل بها على البلاغة العربية يقول فيه: # وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت # وردا وعضت على العناب بالبرد # ومهما كانت أهمية اللغة بالنسبة لكافة شعوب العالم منذ قديم الأزل، فلا يوجد شعب يعشق ~~لغته ويبجلها مثل الشعب العربي، فالعربي ينتشي لحسن اللغة بقدر ما يطرب لنغمات الموسيقى. ~~واللغة تحكم سيطرتها السحرية على العقل العربي بصورة غير مسبوقة وغير موجودة في كافة ثقافات ~~العالم. # ويلخص ms019 فيليب حتي افتتان العرب بلغتهم في كتاب «تاريخ العرب» (دار الكشاف للنشر والطباعة، ~~بيروت 1965م) حيث يقول: # وقل أن تجد بين أمم الأرض شعبا كالعرب في شدة إعجابهم بالأدب، وتأثرهم بالكلام ~~الأنيق الذي يلقى في مجالس المخاطبة، ولهم شغف وهيام كبيران بجمال اللغة، سواء ~~رأوها مكتوبة، أو سمعوها بآذانهم حتى تمتعت اللغة العربية بما لم تتمتع به لغة أخرى ~~من الاستيلاء على عقول الناس، والسيطرة على أفئدتهم، بالرغم من أن هذا الأدب يرد ~~أحيانا في لغة منمقة معقدة يفهمون بعضها، ويغلق عليهم البعض الآخر ... # الفصل الثاني # | هل هناك لغة عالمية؟ # طوال حقب التاريخ المتعاقبة كانت الأهمية التي تحظى بها اللغة انعكاسا لقوة الدولة أو ~~الحضارة التي تستخدمها، حتى في الجزيرة العربية خلال العصر الجاهلي كانت لغة قريش هي أهم ~~اللغات نظرا لأهمية مكة كمركز للتجارة والحجيج، ولموقعها من طرق التبادل التجاري. وظلت كذلك ~~حتى جاء القرآن الكريم ليؤكد تفوق لغة قريش ويحيل إلى طي النسيان كل اللغات الأخرى التي ~~كانت متداولة بين القبائل في الجزيرة. # والسؤال الذي يثير بعض الجدل في مجال اللغات اليوم هو: هل هناك لغة عالمية؟ أي هل هناك ~~لغة يمكن للإنسان استخدامها في أي مكان في العالم ويكون مفهوما من الجميع؟ في بداية ~~التسعينيات كتب رئيس تحرير صحيفة الوول ستريت جورنال الأمريكية مقالا يقول فيه حرفيا: ~~«اللغة العالمية هي الإنجليزية.» # ولا شك أن هناك مغالاة في مقولة رئيس تحرير هذه الصحيفة، برغم الأهمية الكبرى التي تحظى ~~بها اللغة الإنجليزية، أو بمعنى أدق اللغة الأمريكية، فالمعنى الدقيق لكلمة لغة عالمية أنها ~~لغة يفهمها كل الناس في العالم. وهذا بعيد جدا عن الإنجليزية، وعن أي لغة أخرى في أي عصر ~~من العصور. وعدد المتحدثين بالإنجليزية اليوم كلغة أولى لا يتعدى 341 مليونا كما يتضح من ~~الجدول التالي: # عدد الناطقين بأهم لغات العالم كلغة أم. # اللغة # العدد بالمليون # الصينية (مندارين) # 874 # هندي # 366 # إنجليزي # 341 # إسباني # 322 # عربي # 240 # بنغالي # 207 # برتغالي # 176 # روسي # 167 # أما عدد الذين يجيدون ms020 الإنجليزية في العالم فلا يمكن معرفته بدقة، لكن التقدير الجزافي ~~المتداول هو مليار إنسان يعيشون في قارات العالم الخمس. # وفي التاريخ الإنساني كانت هناك في كل العصور لغة تتفوق على اللغات الأخرى في الأهمية ~~لأنها لغة الحضارة المسيطرة في العالم. كان هذا هو الحال بالنسبة للغة اليونانية قبل المسيح ~~بعدة قرون، ثم اللاتينية عندما كانت روما القوة العظمى التي تبسط نفوذها على معظم بقاع ~~العالم المعروف آنذاك، ومنها مصر. وكان العالم يعيش ما يسمى «باكس رومانا» أي السلام الذي ~~تفرضه روما على الجميع. # وكانت كل المعاملات تتم في تلك العصور باليونانية ثم باللاتينية. وقد ظهرت آنذاك كلمة ~~«بربري»، وكانت تعني ببساطة كل من ليس يونانيا أو رومانيا، ومن لا يتكلم اليونانية القديمة أو ~~اللاتينية. كما كان العرب يطلقون لفظة «أعجمي» على كل من لا يجيد العربية، أيا كان ~~أصله. # وعندما بزغ نور الحضارة الإسلامية أصبحت العربية هي لغة العلم والمعرفة والتفوق في كل ~~المجالات. وكان علماء العالم يضطرون إلى الإلمام بالعربية ليكونوا على معرفة بآخر ما وصل ~~إليه العلم الحديث في ذلك العصر؛ نظرا لأن كل الاكتشافات والبحوث العلمية القيمة كانت تكتب ~~بالعربية. وتماما كما أن علماء العالم اليوم الذين يجهلون الإنجليزية يصبحون متخلفين عن ركب ~~العلم والمعرفة، فإن علماء الماضي كانوا يضطرون اضطرارا لتعلم العربية؛ فكل الاختراعات ~~والأدوات العلمية التي كانت تسهل حياة الإنسان كانت تنطلق من العالم العربي الإسلامي وتصاغ ~~بلغة الضاد. # وبعد عصر النهضة كانت الفرنسية هي لغة المعاهدات ولغة الدبلوماسية خاصة في عصر لويس ~~الرابع عشر (1638-1715م) الذي كان يلقب بالملك أشمس. وقد اتخذ هذا الملك من قصر فرساي ~~مقرا له؛ فأصبحت فرساي عاصمة العالم آنذاك، وصارت الفرنسية لغة تفاهم رئيسية وخاصة في ~~بلاد ملوك أوروبا وفي المحافل الدبلوماسية حتى بداية القرن العشرين. ~~••• # اللغة المسيطرة إذا ليست ظاهرة جديدة لم يعرفها العالم إلا مع الإنجليزية الأمريكية. لكن ~~المؤكد أن وسائل الإعلام الحديثة وانتشار التليفزيون والإنترنت وسهولة الانتقال منحت ~~الإنجليزية فرصة لم تكن متاحة لأي لغة أخرى ms021 سيطرت حضارتها على العالم في الماضي؛ فقد كان ~~العارفون باللغة المسيطرة من خارج أصحابها في الماضي، هم شريحة ضئيلة جدا من المتعلمين ~~والمفكرين. أما اليوم فإن معرفة الإنجليزية أصبحت شائعة في الطبقات العليا لكل المجتمعات ~~شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وأصبح أي مثقف في أي ركن من أركان العالم مطالب بالإلمام بهذه ~~اللغة؛ وإلا فإن ثقافته ستكون محلية ومحدودة. # وإذا كانت الإنجليزية هي اللغة المهيمنة على عالمنا اليوم؛ فإن الفضل في ذلك لا يرجع إلى ~~إنجلترا برغم كونها أم هذه اللغة وموطنها الأصلي، إنما الفضل يعود للولايات المتحدة ~~الأمريكية التي اتخذت الإنجليزية لغة رسمية منذ إنشائها في عام 1776م. # ولأن الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الأولى في عالم اليوم وصارت رائدة في مجالات ~~العلم والفن والإعلام والصناعة؛ فإن لغتها تصدرت لغات العالم، وأصبحت اللغة المتداولة بين ~~الصفوة، وفي المعاملات الدولية، وفي الندوات السياسية والعلمية والثقافية الدولية. كذلك ~~فإن أهم الأبحاث الطبية والعلمية يتم تداولها بالإنجليزية، وتطبع النشرات والمجلات المتخصصة ~~في كل المجالات العلمية بالإنجليزية الأمريكية، دون غيرها. # وكما نجح الأمريكيون في فرض الدولار كعملة التداول الأساسية في العالم، نجحوا أيضا في جعل ~~لغتهم هي لغة التفاهم الرئيسية في كل المجالات؛ فالعقود الكبرى والاتفاقات الدولية ~~والكتابات العلمية صارت تكتب بالإنجليزية. وقد أصبح من الصعب الآن على أي إنسان يسعى ~~للانفتاح على عالم المعرفة في أي مجال من مجالات الحياة أن يجهل الإنجليزية جهلا ~~تاما. # لكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن السطوة اللغوية لا تعني بالضرورة الانتشار؛ فاللغة ~~الإنجليزية برغم مكانتها ليست أكثر لغات العالم تداولا كما هو واضح من الجدول: # نسبة الناطقين بأهم لغات العالم كلغة أم (النسبة ~~بالمائة). # اللغة # العام # 1958 # 1970 # 1980 # 1992 # 2000 # الصينية (مندارين) # 15,6 # 16,6 # 15,8 # 15,2 # 14,5 # الهندية # 5,2 # 5,3 # 5,3 # 6,4 # 6,1 # الإنجليزية # 9,8 # 9,1 # 8,7 # 7,6 # 5,7 # الإسبانية # 5 # 5,2 # 5,5 # 6,1 # 5,4 # العربية # 2,7 # 2,9 # 3,3 # 3,5 # 4 # الروسية # 5,5 # 5,6 # 6 # 4,9 # 2,8 ~~(1) # لا توجد إحصائيات موثوق بها عن اللغات منذ ms022 عام 2000. ~~(2) # يرجع الانخفاض الحاد في عدد الناطقين بالروسية في عام 2000 إلى أن العديد من ~~دول الاتحاد السوفيتي السابق لم تعد تعتبر الروسية لغتها الأم. ~~••• # ويتضح من الجدول أن اللغة الإنجليزية هي الثالثة في العالم من حيث عدد المتحدثين بها، بعد ~~لغة الماندارين أكثر لغات الصين انتشارا، واللغة الهندية. # والأهم من ذلك هو أن عدد الناطقين بالإنجليزية كلغة أم قد تضاءل في السنوات السابقة نسبة ~~إلى سكان الكرة الأرضية لحساب لغات أخرى من بينها العربية . لكن المهم أن الإنجليزية أصبحت ~~لغة الرجال والنساء المؤثرين في العالم؛ فرجال السياسة والدبلوماسية، ورجال المال والاقتصاد ~~والعلوم يتفاهمون فيما بينهم بالإنجليزية. وباختصار فإنه إذا أراد أي شخصين مختلفين في ~~اللغة والثقافة التفاهم فيما بينهما، فإنهما غالبا ما يلجآن إلى الإنجليزية، كلغة مشتركة ~~بينهما. # وكان من الطبيعي أن يأتي رد الفعل الرافض لهيمنة الإنجليزية من أصحاب اللغة الثانية في ~~العالم من حيث الأهمية، وهي الفرنسية. وكانت الفرنسية حتى منتصف القرن العشرين منافسا ~~عتيدا للإنجليزية، ثم تراجعت بصورة واضحة، خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عندما أصبحت ~~إنجلترا وفرنسا دولتين من الدرجة الثانية. # وبهدف مواجهة احتكار الأنجلو-أمريكية أنشأت فرنسا تجمعا أطلقت عليه اسم ~~«الفرانكوفونية» أي الناطقين بالفرنسية. والهدف الرسمي لهذا التجمع هو الدفاع عن التنوع ~~الثقافي ورفض سيطرة لغة واحدة وقوة واحدة على العالم. وقد انضمت لهذا التجمع سبع دول عربية ~~من بينها مصر. ولأن الناطقين بالفرنسية في مصر عددهم محدود للغاية، فمن الواضح أن قرار ~~انضمامها كان وراءه هدف سياسي، لكنه يقوم على البعد اللغوي. # ومن يراقب تطور اللغات في العالم يتضح له أن الهيكل العام لاستخدام اللغات الحية، لم ~~يتغير كثيرا خلال النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم، كما يتضح من الجدول ~~السابق. # هناك لغات انخفضت نسبة مستخدميها قليلا بفعل النمو الديمغرافي لدول الجنوب على حساب دول ~~الشمال الغنية؛ فلغات مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية واليابانية عانت من ~~هبوط نسبي في نسبة الناطقين بها. # وفي مدينة دافوس السويسرية يجتمع سنويا في الشتاء نحو ms023 ألف من أهم متخذي القرار في ~~العالم وخاصة في المجال الاقتصادي. ويصل الوزن المالي لمرتادي منتدى دافوس إلى رقم فلكي ~~يزيد على مئات المليارات من الدولارات. وخلال أسبوع تدور ندوات وحلقات بحث بين هؤلاء وبعض ~~أبرز رجال السياسة الدوليين حول قضايا العالم الأساسية. # ولأن المشاركين في المنتدى ينتمون لعشرات الدول الناطقة بلغات مختلفة، فإن السؤال هو: كيف ~~يتفاهم كل هؤلاء؟ خاصة وأنه من مبادئ دافوس ألا توجد أية ترجمة في اللقاءات ~~والندوات. # والإجابة ببساطة هي أن اللغة الوحيدة المستخدمة في الندوات واللقاءات هي: الإنجليزية. ~~وعلى الرغم من محاولات الناطقين باللغة الفرنسية في تنويع لغات المنتدى وإدخال الفرنسية ولو ~~كلغة ثانوية للتعامل بها، إلا أن الإنجليزية لازالت تسيطر بلا منازع على المشاركين في منتدى ~~دافوس. وينطبق ذلك على غالبية الندوات والمؤتمرات العلمية والثقافية الدولية في ~~العالم. # ومن المشروع أن نتساءل: لماذا نجحت الإنجليزية في أن تهيمن تماما، وتصبح لغة التعامل ~~الدولي في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين؟ # لا نشك في أن السبب الأول كما قلنا هو أن الولايات المتحدة صارت بعد انهيار الاتحاد ~~السوفيتي القوة الأولى في العالم، بل إنها أصبحت القوة المتحكمة في مصائر الشعوب. ولا تكتفي ~~أمريكا ببسط سيطرتها سياسيا واقتصاديا فقط، ولكنها صارت أكبر مصدر للثقافة بالمعنى ~~الواسع للكلمة؛ فهي أكبر مصدر للأفلام والأغاني والبرامج التليفزيونية والسي دي ~~والإنترنت. # وقبلها، كانت الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس تسعى لنشر ثقافتها ولغتها، ~~لكن العصر اختلف حيث أصبحت أدوات الاتصال والإعلام والمعرفة غولا يسمح اليوم لأمريكا ~~بتحقيق ما فشلت فيه بريطانيا في القرن التاسع عشر وبداية العشرين. ويصل إجمالي الناتج ~~القومي لمجموع الدول الناطقة بالإنجليزية اليوم إلى 31٪ من الناتج القومي العالمي. أما ~~الدول الناطقة بالعربية فلا تمثل سوى 6,6٪ من إجمالي الناتج القومي العالمي. # لكن القوة ليست السبب الأوحد في السيطرة اللغوية؛ فمن أهم ما يساعد على هيمنة الإنجليزية ~~اليوم السهولة الشديدة لهذه اللغة خاصة بعد أن عبرت المحيط الأطلنطي من موطنها الأصلي ~~بريطانيا إلى قارة أمريكا ms024 الشمالية؛ فقد اجتهد الأمريكيون ليجعلوا من لغة شيكسبير لغة مبسطة ~~ومباشرة، أصبحت أداة طيعة يستطيع أي طفل أن يتعلم قواعدها ويمتلك ناصيتها، دون أن يعاني ~~الأمرين كما هو الحال بالنسبة لأطفال الوطن العربي. # وقد طبقوا على اللغة ما نادى به الدكتور طه حسين للعربية في بداية القرن الماضي؛ فهم ~~يجتهدون لكتابتها حسبما تنطق وليس حسب القواعد الكتابية القديمة المبنية على أصل تكوين ~~الكلمات. وكم لاقى طه حسين من هجوم وسخرية بسبب اقتراحه الذي تطبقه اليوم القوى العظمى ~~اللغوية الأولى في العالم. # وسهولة اللغة واستجابتها لاحتياجات الإنسان في التعبير عن نفسه جعلت الكثيرين يقبلون على ~~تعلم الإنجليزية؛ فهي لا تستغرق وقتا وجهدا كلغات أخرى مهمة، مثل الفرنسية والإسبانية، ~~بالإضافة إلى تفوقها في الأهمية العملية على كل لغات العالم اليوم. # وقد حاولت شعوب أخرى لها حضارات قديمة وراسخة أن تقوم هي الأخرى بعملية مواءمة لغوية. حاول ~~الفرنسيون والألمان والإيطاليون، لكنهم لم ينجحوا نجاح الأمريكيين في تحقيق ذلك، على الرغم ~~من جهودهم الضخمة لتطويع لغاتهم لمتطلبات العصر الحديث. # ففي الفرنسية مثلا أكثر من عشر تصريفات مختلفة للأفعال تعبر بدقة شديدة عن زمن الفعل، ~~فيمكن بالفرنسية مثلا أن تتحدث عن حدثين متتاليين وقعا في الماضي فتعرف من مجرد تصريف ~~الفعل أيهما السابق على الآخر. وأذكر كم عانيت في فصول الدراسة لحفظ هذه التصريفات المعقدة ~~نسبيا، والتي كانت مستخدمة وشائعة حتى منتصف القرن العشرين. # أما اليوم فقد صارت اللغة الفرنسية أكثر سهولة واختفت غالبية التصريفات المعقدة، ولم يعد ~~هناك إلا بضع تصريفات تعبر عن الأزمنة المطلوبة من ماض ومضارع ومستقبل. # ومع كل هذه الجهود لازالت الفرنسية لغة صعبة مقارنة بالأمريكية، فقد نجح الأمريكيون في ~~غربلة اللغة الإنجليزية وإزالة شوائبها وقاموا بعملية تشبه ما يفعله الجزار الماهر عندما ~~«يشفي» اللحوم، فيستبعد ما لا يفيد ولا يحتفظ إلا بالضروري والنافع. # والمهم أن التطوير الضخم الذي أدخله الأمريكيون على الإنجليزية لا يؤدي إطلاقا إلى عجزها ~~عن التعبير الأدبي البليغ؛ فقد أبدع بها كتاب أمريكيون عظام مثل همنجواي وجون ms025 شتاينيك وأرثر ~~ميلر. وقد ارتفع هؤلاء باللغة وبالمعاني إلى مستويات راقية تتناسب مع العصر وتتوافق مع مزاج ~~الإنسان المعاصر، مما يدل على أنه لا توجد أية علاقة بين البلاغة وتعقيد اللغة وكثرة ~~مترادفاتها. # وقد وضعت الجمعية الأمريكية لأساتذة اللغة الفرنسية في نشرة بعنوان «أهم اللغات» (نشرة ~~رقم 3 لعام 1999م) ستة معايير لقياس أهمية كل لغة وهي الآتية: ~~(أ) # عدد المتحدثين بها كلغة أم. ~~(ب) # عدد المتحدثين بها كلغة ثانوية. ~~(ج) # عدد الدول وعدد سكانها الذين يتحدثون اللغة. ~~(د) # عدد المجالات الأساسية (العلوم، الدبلوماسية وغيرها) التي تستخدم فيها اللغة ~~على الصعيد الدولي. ~~(ه) # القوة الاقتصادية للدول التي تستخدم هذه اللغة. ~~(و) # الإشعاع الثقافي والأدبي للدول التي تستخدم هذه اللغة. # ومن هذا المنطلق فقد وضعوا لكل لغة عددا من النقاط تعكس أهميتها. وجاء ترتيب أهمية اللغات ~~كالآتي: # اللغة # عدد النقاط ~~(1) الإنجليزية # 37 ~~(2) الفرنسية # 23 ~~(3) الإسبانية # 20 ~~(4) الروسية # 16 ~~(5) العربية # 14 ~~(6) الصينية # 13 ~~(7) الألمانية # 12 ~~(8) اليابانية # 10 ~~(9) البرتغالية # 10 ~~(10) الهندو أوردية # 9 # وإذا أردنا أن نعرف مكانة العربية بين لغات العالم من خلال بعض المعايير الهامة، يتضح لنا ~~ما يلي: أنها الخامسة في العالم من حيث عدد الناطقين بها، والثامنة من حيث إجمالي الناتج ~~القومي. # لكن هناك مجالات تتراجع فيها لغة الضاد بشكل لافت للنظر، ففي مجال النشر يتم سنويا ~~طباعة ما يقرب من 700 ألف كتاب. وتقف العربية في موقع لا تحسد عليه؛ حيث إنها رقم 22 من بين ~~لغات العالم في هذا المجال. # أما في شبكة الإنترنت التي تعد من المعايير الهامة للتقدم، فالإنجليزية هي الوحش المسيطر ~~بنسبة تزيد على 84٪ من إجمالي ما يتم تداوله على شاشات الكمبيوتر في العالم. وهناك فجوة ~~ضخمة بينها وبين اللغة الثانية وهي الألمانية التي لا يزيد حجمها عن 4,5٪ تليها اليابانية ~~(3,1) ثم الفرنسية (1,8). أما العربية فلم أجد لها أثرا بين الدول الخمس عشرة الأولى ~~الأكثر استخداما على الإنترنت. # وإذا كان تعبير لغة عالمية لا ينطبق الآن بدقة على أي من لغات العالم ms026 في بداية القرن ~~الحادي والعشرين، فإن أقرب لغة إلى هذا المعنى هي بالتأكيد الأنجلو- الأمريكية؛ فقد نجحت ~~هذه اللغة في أن تكون قاسما مشتركا أعظم بين كل الذين يتطلب عملهم الاتصال بآخرين من دول ~~أو ثقافات أخرى. وبالتالي فالأنجلو-الأمريكية هي المرشحة لتحقيق حلم الإسبيرنانتو، أي أن ~~تكون لغة تفاهم عالمية. # ما نريد أن نستخلصه من الحديث عن لغة عالمية هو أن سيطرة الأنجلو-أمريكية لا تأتي فقط ~~من كونها لغة الدولة المهيمنة في عالم ما بعد الحرب الباردة، وإنما أيضا لأنها لغة سهلة، ~~طيعة، يتطلب تعلم مبادئها جهدا أقل من أي لغة أخرى في العالم. وبالتالي فإن من يتقنها يصل ~~إلى المعرفة من أقصر الطرق، على عكس العربية. # الفصل الثالث # | رسالة إلى حراس الضاد # أعرف مسبقا أن الآراء الواردة في هذا الفصل والفصول القادمة ستجلب علي انتقادات عنيفة ~~ممن يعتبرون أنفسهم حراس اللغة وتراث السلف في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية، لكنني ~~أعتبر أن أكبر خطر ستواجهه اللغة العربية في السنوات القادمة يتمثل تحديدا في أنصار التجمد ~~ورفض التجديد. وفي رأيي المتواضع أن الذين يتصورون أنفسهم حماة اللغة العربية هم الذين ~~يعرضونها لأكبر الأخطار برفض التطوير، بل الثورة التي تستلزمها اللغة في بداية القرن الحادي ~~والعشرين لتظل لسان العرب المشترك في الألفية الثالثة. # وأنا مقتنع أن ما أقترحه في هذا الكتاب هو - في خطوطه العريضة - الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ~~العربية وخروجها من المأزق الخطير الذي تعاني منه اليوم أكثر من أي يوم مضى؛ للأسباب التي ~~أوضحتها في المقدمة. # فلغتنا في حاجة إلى انتفاضة تحديثية عاجلة، وإلا فإنها قد تتعرض لخطر التقوقع وربما ~~الاختفاء، لا قدر الله، كلغة حية يستخدمها الناس في التعامل فيما بينهم. وقد تتحول إلى لغة ~~لا يعرفها سوى بعض العلماء والمتخصصين، ويتعلمها الناس لقراءة القرآن الكريم فقط. # فمن يرقب تطور اللغة في البلدان العربية، يستشعر أن لغتنا الأصيلة مهددة بالضياع لحساب ~~اللهجات التي يستخدمها الناس في الأقطار العربية المختلفة للتعبير عن أنفسهم في حياتهم ~~اليومية. وهناك نفور واضح ومتزايد ms027 لدى الشباب من تعلم قواعد اللغة المعقدة والمفردات ~~والتراكيب التي عفا عليها الزمن، ولم تعد تفي باحتياجات الإنسان الحديث في التعبير عن ~~نفسه. # وكلما اجتاحت مظاهر التطور وسرعة إيقاع الحياة مجتمعات العالم العربي، كلما ازداد الشعور ~~العربي العام وخاصة لدى الشباب بأن لغة الضاد لا تسعف في هذا الزمان المتسارع الإيقاع ~~الذي يصل فيه الناس إلى المعلومات وإلى المعاني في أسرع وقت ممكن وأكثر الطرق ~~مباشرة. # وقد سبقني بعض كبار المفكرين وعمالقة الثقافة، منذ رفاعة الطهطاوي (1801-1873م)، في محاولة ~~وضع أصابعهم على أسباب تخلف العالم العربي عن ركب الحضارة وخاصة عن العالم الغربي، لكن ~~أحدا من هؤلاء العمالقة لم يتطرق إلى قضية اللغة بطريقة مباشرة أو اعتبرها عائقا لتقدم ~~العالم العربي وازدهاره. # وأنا مقتنع أن اللغة التي أبدعت أعظم وأجمل وأرق ما كتب في تاريخ البشرية، صارت اليوم مثل ~~عجوز محنط في حاجة إلى عمليات عاجلة للعودة إلى الصبا، والتخلص من آثار الزمن؛ فالعربية كما ~~قلت في المقدمة، هي اللغة الحية الوحيدة في العالم التي لم يطرأ على قواعدها الأساسية أي ~~تعديل منذ أكثر من خمسة عشر قرنا كاملة. # أما باقي اللغات الحية فهي إما حديثة نسبيا، أو قديمة، ولكن طرأت عليها تغييرات أساسية ~~لمواكبة العصر. # وإذا أخذنا اللغات الأوروبية نجد أنها ارتبطت بصورة أو بأخرى بعصر النهضة. وقد تبلورت ~~كلها في شكلها الحالي في حدود القرنين الخامس والسادس عشر. وقد لعب اختراع الطباعة على يد ~~الألماني جوتنبرج في منتصف القرن الخامس عشر دورا حاسما في تطوير اللغات ~~الأوروبية. # فالفرنسية مثلا لا يتجاوز عمرها خمسة قرون. وكانت فرنسا مقسمة لغويا في العصور الوسطى ~~إلى شمال يتحدث الناس فيه لغة تسمى «أويل»، وجنوب يستخدم لغة «أوك» - ويذكرنا هذا باللغة ~~العدنانية في شمال الجزيرة العربية، ولغة حمير في جنوبها - ولم تصبح الفرنسية لغة رسمية إلا ~~في عام 1539م بموجب مرسوم ملكي أصدره ملك فرنسا فرنسوا الأول (1494-1547م) وعرف باسم مرسوم ~~فيليرس-كوتريه. # أما الإنجليزية فإن دائرة المعارف البريطانية تشير إلى أن المؤرخين يجمعون ms028 في غالبيتهم ~~على أنها بدأت نحو عام 1500م في صورتها التي نعرفها حاليا. وكما أن مونتيني (1533-1592م) ~~كان أول من أبدع بالفرنسية، فإن الرائد الأول للإنجليزية هو تشوسر (1340-1400م). # لكن حتى مع حداثة هاتين اللغتين بالنسبة للعربية، فقد طرأت عليهما تغييرات أساسية. ولم تكن ~~نتيجة التطور الطبيعي فحسب، وإنما بفعل تعديلات في القواعد والتراكيب؛ فنحن إذا رجعنا للغة ~~مونتيني، أول من كتب بالفرنسية الحديثة لوجدنا فروقا جوهرية مع الفرنسية التي يستخدمها ~~الكتاب اليوم. # كذلك لو قارنا بين الإنجليزية التي كان يكتب بها شيكسبير (1564-1615م) مسرحياته الخالدة، ~~واللغة الإنجليزية المعروفة اليوم لوجدنا فروقا لا يمكن أن تخفى على أحد. وكما في الفرنسية ~~فإن التغيير ليس في تطور الأسلوب وإدخال كلمات جديدة فحسب، وإنما في القواعد الأساسية التي ~~تضبط النحو والصرف في اللغتين. # إذا فحتى اللغات الحديثة نسبيا تطورت من أجل مجاراة العصر، ولكي تعكس بأمانة احتياجات ~~الإنسان العصري التي تختلف جذريا عن احتياجات سابقيه الذين عاشوا من مئات السنين. # أما اللغات القديمة مثل العبرية واليونانية والصينية فإنها تختلف اليوم اختلافا جذريا ~~عن اللغات الأصلية التي كانت مستخدمة منذ أكثر من ألفي عام. والجدير بالملاحظة أن عمليات ~~التطوير التي عرفتها الصينية كانت تتم بطريقة تلقائية مرة كل نحو خمسمائة عام. # والخلاصة هي أن العربية هي اللغة الوحيدة على وجه الأرض التي لم تتطور قواعدها ونحوها ~~وصرفها منذ ألف وخمسمائة عام، وهي اللغة الوحيدة في العالم التي أصر الناطقون بها على ~~تحنيطها، وبذلوا كل الجهود بدعوى الحفاظ على «نقائها». ~~••• # ولأن اللغة هي انعكاس لاحتياجات المجتمع في التفاهم والتعامل، فلا يعقل أن تكون احتياجات ~~المجتمع العربي في القرن الحادي والعشرين مماثلة لاحتياجات سكان البادية في القرن الخامس ~~الميلادي قبل ظهور الإسلام. واللغة هي المحدد الرئيسي لأسلوب التفكير ورؤية الدنيا؛ فهل ~~يعقل أننا نفكر اليوم مثل البدو في القرن الخامس الميلادي بالجزيرة العربية، وأن رؤيتنا ~~للدنيا لا تختلف عن رؤيتهم؟ # ولو كان ذلك صحيحا لكان دليلا على تخلفنا الشديد؛ فسنة الحياة أن يتطور الفكر ويرتقي ms029 ~~إلى آفاق أرحب بالتوازي مع التقدم المادي للمجتمع. ولا يمكن لإنسان القرن الواحد والعشرين ~~أن يرى الدنيا كالبدوي في صحراء القرن الخامس الهجري، الذي لم يكن يعرف عن العالم شيئا، ~~وكانت كل آفاقه هي كثبان الصحراء المحيطة به. # ولأن اللغة هي مرآة أمينة لتطور العقل، فإن عدم تطور قواعد اللغة العربية منذ 1500 عام ~~يحمل دلالات خطيرة، أترك للقارئ أن يستنتجها بنفسه. # صحيح أنه علينا أن نفخر بأن أجدادنا وضعوا لغة جميلة كانت قادرة على تحدي الزمن، وعلى ~~التعبير عن أدق المعاني وأجمل المشاعر، إلا أنه لا يمكن أن تستمر العربية في غياب تطوير ~~جذري في قواعدها دون مواجهة خطر فقدان هويتها. # وكان أعظم ما نزل بالعربية هو القرآن الكريم، وهذا يجعلنا أكثر حرصا على الحفاظ على ~~لغتنا الجميلة وأكثر تمسكا بها. والحفاظ عليها يستوجب العمل على تطويرها دون إبطاء؛ حتى ~~تواكب متطلبات العصر في الصياغة والمفردات وقواعد النحو والصرف. # وتدل كل المؤشرات على أن الشباب، حتى من خريجي أفضل الجامعات العربية، أصبحوا يكتبون بلغة ~~ركيكة ويقعون في أخطاء لغوية فادحة، حتى خريجو كليات من المفترض أن يستخدموا العربية ~~لممارسة عملهم مثل الحقوق والآداب، قد وصلوا في الآونة الأخيرة إلى مستوى لا يصدق من التدني ~~في الإلمام باللغة وقواعدها. # وقد دأب الكتاب والمثقفون على السخرية من هؤلاء الشباب وصب لعناتهم على هذا الزمان، ~~واكتفوا بذلك؛ فهم يعتبرون أن كل من لا يجيد قواعد العربية ويخطئ في النحو جاهل ولا علاقة ~~له بالعلم. والكل مجمع على أن السبب الوحيد في هذه المحنة هو استهتار هؤلاء الشباب ورفضهم ~~لبذل أي مجهود من أجل تعلم قواعد اللغة العربية ونحوها. # وهم يؤكدون أن الشباب فاشل في كل العلوم التي يتلقاها في المدرسة والجامعة، وليس في اللغة ~~العربية وحدها، وهذا دليل على عدم جديتهم. لكن هذا الرأي يناقضه الواقع الذي يدل على أن ~~القصور في معرفة العربية لا يقع على الشباب وحدهم كما لا يقع على أبناء هذا الجيل وحدهم، ~~ولكنه قديم قدم اللغة نفسها. ms030 # والشكوى من الضعف في اللغة كان موجودا في كل حقبة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ~~كما سنكتشف من خلال فصول هذا الكتاب. وقد لخص شاعر النيل حافظ إبراهيم هذا الهاجس في قصيدة ~~شهيرة نشرها عام 1903م بعنوان «اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها» يقول في مطلعها: # رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي # وناديت قومي فاحتسبت حياتي # وهو هنا يتحدث بلسان اللغة العربية فيقول إنها اتهمت نفسها أولا بأنها السبب في ضعفها ~~الظاهر على ألسنة الناس، ثم حاولت أن تنادي الناطقين بالعربية للنجدة فخذلوها فاحتسبت نفسها ~~عند الله. # ولا نقاش حول أن الناطقين بالعربية من الشباب وغير الشباب ممن يخطئون في قواعد اللغة ~~ومفرداتها يتحملون مسئولية كبيرة في ضعف مستواهم اللغوي. لكن هل فكر أحد في طرح السؤال ~~التالي: هل الخطأ في هؤلاء الشباب وفي الناطقين بلغة الضاد عامة في هذا الزمان وحدهم؟ أم ~~أن الذنب يقع كذلك على تحجر اللغة وعدم ملاءمتها لمتطلبات العصر؟ وهل الحل هو فرض اللغة ~~التقليدية كما هي دون تطوير على أساس أنها لغة التراث والأدب والثقافة العربية، وأن أي مساس ~~بقواعدها هو عدوان على الدين والمقدسات؟ أم أنه آن الأوان أن نفكر في كيفية تطويع اللغة ~~لتلائم مقتضيات عصر جديد وفكر جديد لا بد من التعبير عنهما بأسلوب جديد؟ # أعلم أن هذه الأسئلة تعتبر خروجا قد لا يقبله البعض عن أساليب التفكير التقليدية، ~~واقترابا من مناطق حساسة يقف على أبوابها الموصدة فريق من العلماء المؤمنين بضرورة الحفاظ ~~على التراث اللغوي كما هو، دون أدنى تحريف. وهؤلاء العلماء يعتبرون أي كلام عن تحديث اللغة ~~بمثابة خوض في المحظور وخروج عن إطار الدين الحنيف. وهم يتفننون أحيانا في تعقيد اللغة ~~وتقعيرها حتى تنغلق أكثر فأكثر عن العامة؛ فيصبحوا هم فئة متميزة ترتفع فوق باقي الناس ~~بحذقها اللغوي. # وظاهرة رفض المساس باللغة العربية هي جزء من ظاهرة أعم أصبحت مسيطرة على المجتمعات ~~العربية. # فقد استشرى منذ الثلث الأخير من القرن العشرين تيار جارف يعتبر كل جديد بدعة مكروهة، ويرى ~~في ms031 أي فكر حر متطور محاولة شيطانية لتقليد الغرب، ونبذا للدين والثقافة العربية الأصيلة. ~~ويعتبر أصحاب هذا التيار أن واجبهم المقدس هو الوقوف بالمرصاد في وجه كل من تسول له نفسه ~~الخروج عن قوالب التفكير الجامدة ومحاولة تطوير الموروث والسعي وراء التجديد. # وهذا الاتجاه المحافظ الرافض - من حيث المبدأ - لأي تجديد، موجود منذ فجر التاريخ في كل ~~المجتمعات الإنسانية. وقد أثبت في كتاب «الداء العربي» كم عانى الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم # نفسه من أنصار الجمود الذين وصفهم القرآن قائلا: # وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا ~~(لقمان: 22). ~~••• # وهناك معارك كثيرة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية وحضارات أخرى، اصطدم فيها الفكر ~~الجديد بحراس الماضي. # ومن أشهر المعارك التي وقعت في تاريخ الأدب العالمي «معركة هرناني»، وهذه التسمية معروفة ~~لكل من يهتم بالأدب العالمي والفرنسي خاصة. وقد نشأت عندما كتب شاعر فرنسا الأشهر فكتور ~~هوجو (1802-1885م) مسرحية باسم هرناني عام 1830م حطم فيها كل القوالب الجامدة التي التزم ~~بها المسرح الفرنسي منذ عصره الذهبي في القرن السابع عشر، وضرب هوجو عرض الحائط بواحد من ~~أسس المسرح الكلاسيكي الأوروبي، وهي قاعدة وحدة المكان والزمان والموضوع، كما خرج عن الوزن ~~الشعري المعروف باسم «ألكساندران» أي «السكندري»، والذي يتكون من اثنتي عشرة وحدة ~~صوتية. # وهاج أنصار القديم، واعتبروا أن هوجو مارق ومحطم للتقاليد التي صنعت مجد فرنسا. وأغرب ~~اتهام وجه إليه آنذاك هو الخروج على تعاليم الديانة المسيحية، والكنيسة الكاثوليكية، حامية ~~التقاليد الراسخة التي استقر عليها المجتمع. وفي يوم افتتاح المسرحية نشبت معركة عنيفة وصلت ~~إلى حد التشابك بالأيدي بين أنصار القديم والجديد. # لكن التطور الذي أحدثه هوجو هو الذي انتصر في النهاية وتحرر المسرح الأوروبي والعالمي من ~~القيود، التي ربما كانت تناسب زمنا من الأزمان لكنها تتصادم مع طبيعة التطور التي استنها ~~الله في الأرض. # وقد أثبتت التجربة أن النزعة إلى التقوقع والخوف من العالم الخارجي تظهر وتستشري بالتوازي ~~مع الانحسار الحضاري؛ فالحضارات القوية الواثقة من ms032 نفسها تكون عادة على استعداد لتقبل ~~الفكر الوافد من الخارج ومناقشته والتعرف عليه ونقل ما قد يفيد منه. # ومع ذلك فالميل إلى رفض كل جديد نزعة كامنة في كل المجتمعات البشرية على مر التاريخ بصورة ~~أو بأخرى. ومن الممكن إعادة قراءة التاريخ الفكري للإنسانية من منظور الصراع الدائم بين ~~حراس القديم ودعاة التحديث؛ ففي كل مرة طرأت فيها على مجتمع من المجتمعات تغيرات موضوعية، ~~تستوجب تأقلم الفكر والثقافة والقوانين من أجل مطابقة الواقع المستحدث، نجد دائما من يهب ~~للتمسك بالموروث دون تطوير، ويقاتل بكل شراسة كي تظل المرجعية الوحيدة هي مرجعية ~~السلف. # وكم استخدم حراس القديم الأديان في كل زمان لوقف أي تطور وحجب أي رؤى وآراء جديدة! وما ~~يحدث اليوم في العالم العربي هو تكرار لما وقع منذ العصر الجاهلي، مرورا بكل عصور الدول ~~الأموية والعباسية والعثمانية وغيرها وحتى العصر الحديث. ~~••• # وإذا قمنا بالمراجعة التاريخية التي أقترحها فسوف نستخلص منها: أن أنصار التجمد ينتصرون ~~دائما في المدى الآني والقريب. لكن كل تجارب الماضي تثبت أن حركة التجديد التي أجهضت تترك ~~دائما آثارا إيجابية تؤدي إلى تقدم ولو محدود إلى الأمام. # والغريب أن من يقرأ تاريخ تطور الفكر الإسلامي يكتشف أن حراس القديم يتشدقون دائما بنفس ~~الحجج وبذات المنطق. وخلاصته أن التجديد هو قطيعة مع الدين وأصوله وخروج عن تعاليمه، وأن أي ~~فكر خارج عن الإطار الذي وضعه السلف يعد خطرا داهما على الأمة الإسلامية وعلى ديننا ~~الحنيف. ويقوم فكر هؤلاء على المسلمات التي لا تناقش، والمحرمات التي يحظر الاقتراب منها. ~~ومبدؤهم الراسخ هو التسليم التام برأي السلف وقطع رقبة من يجترئ على طرح أفكار ~~جديدة. # ويستند هؤلاء على فرضيات من الدين ينطلقون في تفسيرها من أرضية منطقهم الرافض للتقدم، ~~فيستخلصون منها نتائج مخيفة لا علاقة لها بالدين الإسلامي من قريب أو بعيد. ويقف حراس ~~الماضي ضد كل فكر يعلي قيم الحرية والديمقراطية وتحرير المرأة وسعادة الإنسان المادية على ~~الأرض، مع أن الدين الإسلامي قد أنزل من السماء رحمة للعالمين ms033 ومن أجل سعادة بني ~~آدم. # ولو التزمنا بكلام حراس الماضي، لظلت مجتمعاتنا العربية في حالة من التخلف المرعب، ولكنا ~~اليوم نحبس النساء في البيوت ونكتفي بتحفيظ القرآن الكريم بديلا عن المدارس والجامعات ~~المدنية، ولما كان عندنا تليفزيون أو إذاعة أو صحف ولانعزلنا تماما عن العالم الخارجي. لو ~~استمعنا على مر العصور إلى أنصار القديم لكانت حياتنا اليوم جحيما لا يطاق، ويتعارض مع ~~المبادئ الحقيقية لديننا الذي يدعونا إلى طلب العلم ولو في الصين. # ومن واجبنا اليوم ألا نستمع إلى دعاوى حراس الماضي الباطلة ومحاولتهم تخويف وترويع كل من ~~يطالب بالتغيير والتطور لملاحقة ما وصل إليه العالم المتقدم. ~~••• # لكن الحيدة العلمية تدعونا إلى أن نذكر أن أنصار الماضي لعبوا أحيانا دورا إيجابيا في ~~الحفاظ على التراث وعلى التقاليد الأصيلة للمجتمع، في مواجهة تيارات تسعى إلى التجديد من أجل ~~التغيير، ورفضا لكل ما هو قديم دون تمييز. فكما أن هناك من يخاف أي تعديل لما نشأ عليه ~~وتربى على احترامه وتقديسه، فهناك من يدعوه طبعه إلى الثورة على كل شيء، ومحاولة العصف بأي ~~فكر قديم وبمجموعة القيم والتقاليد المؤسسة للمجتمع الذي يعيش فيه. وذلك كرد فعل على قيود ~~الأفكار المتوارثة من جيل إلى جيل. # ويقول شوقي في هؤلاء: # لا تحذ حذو عصابة مفتونة # يجدون كل قديم شيء منكرا # وتطور المجتمعات يكون عادة في التوازن بين التيارين؛ فالمحافظة على القيم والمثل التي ~~تعد البوتقة التي ينصهر فيها أي مجتمع من المجتمعات، هي صمام الأمان الحافظ على استقراره ~~وتماسكه، لكن الاكتفاء بالموروث وحده يجعل المجتمع يتقوقع على نفسه ويتحجر ثم يذبل شيئا ~~فشيئا. فكل مجتمع في حاجة إلى جرعات منتظمة من التغيير والتبديل من أجل الاستمرار في ~~الحياة. # وكلما تأخر المجتمع في قبول التجديد تزداد الحاجة إلى هزة أقوى للفكر المتوارث؛ فكل مجتمع في ~~حاجة ماسة خلال كل حقبة إلى أن يجاري التطور الطبيعي للحياة؛ لذلك كانت عمليات إعادة النظر ~~في الموروث لازمة في كل عصر لاستمرار التطور باتجاه المستقبل. # وفي الماضي كان تطور ms034 الحياة الطبيعي بطيئا للغاية. أما اليوم فقد أصبحت ضرورة تطويع ~~المجتمع للتطور أكثر إلحاحا خلال فترات زمنية قصيرة للغاية؛ نظرا للإيقاع المتلاحق للتطور ~~الطبيعي لأي مجتمع من المجتمعات. ولو طبقنا ذلك على اللغة، لأدركنا كم تأخرنا وكم فوتنا من ~~الفرص لإحداث ثورة لغوية تضع العربية على خريطة أكثر لغات العالم رقيا وتطورا. # والصراع بين القديم والحديث اتخذ في الماضي أشكالا عنيفة كما حدث في الثورات التي هزت ~~العالم خلال القرون الماضية. ومن يدرس تاريخ أهم الثورات، مثل: الثورة الفرنسية في 1789م، ~~والثورة السوفيتية في 1917م، يتضح له أنها لم تكن نتيجة مصالح متناقضة وصراعات على الحكم بين ~~الطبقات فقط، بل كانت خلفياتها دائما الصراع بين القديم والحديث، الصراع بين قيم وأفكار ~~وعلاقات اجتماعية أصبحت بالية، لكن أصحاب السلطة يتمسكون بها، ورؤية جديدة للحياة تسعى إلى ~~فرضها شرائح غاضبة من الشعب. # لهذه الأسباب كان ماكيافيللي (1469-1527م) يعطي في كتابه الشهير «الأمير» نصيحة ثمينة؛ ~~حيث يقول للأمير الشاب الذي كان يلقنه دروسا في فن السياسة: «إذا أردت أن تتفادى الثورة، ~~فاصنعها بنفسك.» # ومعنى هذا الكلام أن الثورة على الماضي ضرورة حتمية يمكن أن تتم برضى الحاكم إذا تقبل ~~الواقع الجديد وأجرى التغييرات التي تستلزمها ظروف عصره. أما إذا رفض ذلك وتمسك بالحفاظ على ~~الماضي فإن الثورة على القديم ستتم في كل الأحوال، ولكن بأشكال عنيفة وضد إرادته. # وإذا استخلصنا من حكمة داهية السياسة الشهير ماكيافيللي ما يفيدنا في هذا البحث فإننا ~~نقول: لنقم نحن بثورة في اللغة العربية اليوم بدلا من أن يفرض علينا الأمر الواقع، ونجد ~~لغتنا في خطر داهم بعد بضعة أجيال قادمة. وعلى حد تعبير ما جاء في تراثنا العربي، فليتم ذلك ~~«بيدي لا بيد عمرو.» ~~••• # وفي غياب إجابات صريحة وجريئة عن الأسئلة التي طرحتها حول أسباب ضعف المستوى اللغوي ~~للناطقين بالعربية، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة: شريحة متضائلة من المتخصصين يرفضون ~~التطوير، لكن لهم الصوت العالي والسيطرة على مناهج التعليم وأدوات الثقافة والإعلام، ثم ~~غالبية ساحقة لم ms035 تعد قادرة على استيعاب اللغة واستخدامها وتشعر بعقدة بسبب هذا ~~العجز. # وهذه الأغلبية ليست من الشباب فقط ولكنها متمثلة في كافة شرائح المجتمع، كما لا يقتصر ~~الأمر على الطبقات التي لم تنل حظا كافيا من التعليم، وإنما تمتد ظاهرة انخفاض المستوى ~~اللغوي إلى طبقة المثقفين والمسئولين باستثناءات نادرة جدا؛ فغالبية رؤساء الدول العربية ~~يقعون بخطبهم وأحاديثهم في أخطاء لغوية فادحة، وخاصة في التشكيل. ولا تكاد خطبة مسئول عربي ~~على أي مستوى تخلو من أخطاء ولحن يخرق آذان من يعرف اللغة العربية. أما عن المذكرات ~~الرسمية في الحكومة والدواوين العامة فإنها مكتظة بالأخطاء. # وأعلم أن بعض المسئولين يأخذون على مرءوسيهم أخطاء اللغة والهجاء التي يقعون فيها، لكن ~~هؤلاء الوزراء والمسئولين أنفسهم غير منزهين عن الخطأ في العربية، ليس تقصيرا منهم، لكن ~~لشبه استحالة عدم الوقوع في الخطأ عند التحدث أو الكتابة بلغة الضاد. ~~••• # ويبدو أن غضب كبار المسئولين من ضعف مستوى العربية عند مرءوسيهم هو تقليد عربي قديم؛ فمن ~~الروايات المتداولة في مجالات باب «التوقيعات» أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور (نحو ~~709-775م) وصله كتاب من عامله على حمص به أخطاء في اللغة، فكتب إليه: «استبدل بكاتبك، وإلا ~~استبدل بك»، أي «ارفد» من يكتب لك، وإلا «رفدتك». # وقد استهلكت الصحافة المصرية أنهارا من الأحبار لفضح الأخطاء اللغوية وخاصة بين أوساط ~~الطلبة الجامعيين، واتضح أن مستوى اللغة وصل إلى درجة مفزعة من الانحطاط. وقد أفردت الصحافة ~~المصرية مئات من الموضوعات تفضح فيها تدني المستوى اللغوي في أوساط الطلاب الجامعيين وأعطت ~~أمثلة لأخطاء تقشعر لها الأبدان. # واتضح لي أن التهكم على الأخطاء اللغوية تقليد قديم في الصحافة المصرية أيضا؛ ففي مارس ~~1922م نشرت مجلة «روضة البلابل» - وهي أول مجلة موسيقية في العالم العربي، وكان رئيس تحريرها ~~لبناني يدعى إسكندر شرفون - مقالا عن الأخطاء اللغوية التي يقع فيها كبار المطربين آنذاك ~~أثناء غنائهم للقصائد الشعرية. وكان كثير من هؤلاء المطربين يحملون لقب «شيخ»؛ مما يعطي ~~انطباعا بإجادتهم اللغة. # وكان أطرف مثال ضربته المجلة عن ms036 مطرب لم تذكر اسمه وقع في خطأ مضحك؛ لخلطه بين العامية ~~والفصحى في النطق، فكان يغني قصيدة أبي فراس الشهيرة «أراك عصي الدمع»، وعندما وصل إلى ~~البيت الذي يقول: # معللتي بالوصل والموت دونه # إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر # نطق كلمة ظمآنا: «ظمقانا» لاعتقاده أن ظمآنا بالنطق العامي، فحولها هو، إلى عربية ~~فصيحة! ~~••• # وكثيرا ما فوجئت بكبار المثقفين يخطئون أخطاء لا تصدق في لغتهم الأم التي يكتبون ويبدعون ~~بها. وبعض هؤلاء أو معظمهم يعدون من رموز الأدب والكتابة في مصر والعالم العربي. # وكنت أسأل نفسي وأنا أستمع إليهم: هل يمكن أن يكون جيش المسئولين والمثقفين والصحفيين ~~والكتاب بهذه الدرجة من الجهل؟ # وعندما كنت أقارن حالنا بالآخرين، كنت أجد نفسي مضطرا لأن أعترف بأنه لا يوجد مثقف واحد ~~في فرنسا أو إنجلترا أو إسبانيا، أو حتى البرازيل يخطئ في لغته الأم بهذه الصورة. فهل كل ~~الشعوب العربية بمثقفيها ومفكريها أصبحت معوقة ذهنيا بحيث لا تستطيع تعلم اللغة والإلمام ~~بها إلماما سليما؟ # وإذا وسعنا باب المقارنة مع الآخرين، نجد أن أية سكرتيرة متواضعة حاصلة على شهادة متوسطة ~~في أية دولة غربية، قادرة على أن تكتب بنفسها خطابا دون أخطاء لغوية. وقد تعاملت خلال عملي ~~في منظمة اليونسكو الدولية مع أكثر من سكرتيرة فرنسية، وفوجئت بأنهن يكتبن مذكرات وخطابات ~~رسمية دون أي خطأ. أما في الوطن العربي، فإن أعلى القيادات الوظيفية من الحاصلين على أعلى ~~الشهادات الجامعية، عاجزون عن صياغة مذكرة أو خطاب خاص بعملهم، دون أخطاء لغوية في ~~العربية. # فهل السكرتيرة الفرنسية تمتلك قدرات ذهنية أرقى من المثقفين، وأصحاب الشهادات العليا في ~~العالم العربي؟ بالطبع لا. إذا فالخلل يكمن في الطرف الآخر من المعادلة، وهو اللغة ~~المستخدمة للتعبير عند كل من الطرفين: السكرتيرة الفرنسية والمثقف العربي؛ فاللغة الفرنسية ~~طيعة وسهلة ومباشرة، كما أن السكرتيرة مثلها مثل كل من يجيد الفرنسية، لديها أدوات تسهل ~~مهمتها وتجعلها قادرة على تجنب الخطأ. وعلى رأس هذه الأدوات قاموس اللغة الفرنسية الذي يقوم ~~على ترتيب الحروف الأبجدية، ms037 بالإضافة إلى ترسانة من القواميس الخاصة بالقواعد وبالمترادفات، ~~وغير ذلك من الكتب التي يتعلم أي تلميذ فرنسي كيفية استخدامها في المدرسة. ~~••• # وقد يكون أول رد فعل لمن يقرأ هذا الكلام هو الاعتراض بأن العربية قد طرأت عليها تطورات ~~كبيرة بالفعل، وأنني أغفلت ذلك في تحليلي لإشكالية العربية في العصر الحديث، لكنه لم يفتني ~~أن العربية التي نستخدمها اليوم تختلف كثيرا عن اللغة التي كان يستخدمها أجدادنا في الماضي ~~البعيد وحتى القريب. لا أشك أن العربية قد عرفت تطورا ضخما خلال القرن العشرين، لكن هناك ~~فرقا جوهريا بين التطور والتطوير؛ فمنذ ظهور الصحافة بصفة خاصة، بدأت العربية مرحلة جديدة ~~من التطور الطبيعي المنسجم مع ضرورة الاتصال بالناس وتقديم المعلومات للقارئ بالصورة التي ~~يقدر على استيعابها. # لكن ما أقصده ليس التطور، وإنما التطوير. وهناك فرق جوهري بين الاثنين؛ فالأول هو ظاهرة ~~طبيعية لا يستطيع أحد أن يقاومها لأنها سنة من سنن الحياة، لكنها تحدث دون تدبير محكم يضعها ~~في سياق منهجي. أما التطوير فهو جهد إرادي جماعي للخروج من حالة السكون، وذلك من خلال تقنين ~~التطور وإيجاد الآليات اللازمة للوصول به إلى مداه. # ولغتنا الجميلة أصبحت في حاجة ماسة إلى التطوير الطوعي؛ حتى لا نجد أنفسنا في خلال عقود ~~قليلة أمام معضلة مخيفة وهي خطر الانقطاع عن ثقافتنا وتراثنا بسبب تعنت بعض العقول المتحجرة ~~الرافضة لكل جديد. # إن اللغة كائن حي يحتاج على الدوام إلى تغذية وعمليات إحلال وتبديل، كما يحتاج الإنسان إلى ~~الغذاء وإلى تجديد خلايا جسده. # ومن يطالب بتحنيط اللغة وعدم المساس بها فكأنه يطالب بموتها؛ لأن التحنيط لا يكون للأحياء ~~وإنما للأموات وحدهم. والذين يرفضون تطوير اللغة يرفضون فكرة أنها كائن حي ويغلفونها بهالة ~~الدين فتصبح في عيونهم لغة ليست ككل لغات العالم، وإنما نسيج لا مثيل له. # والواقع يقول عكس ذلك، فالأدب العربي عظيم لا شك في ذلك، لكنه ليس الأدب الوحيد في العالم. ~~وقد أبدع شيكسبير بالإنجليزية وجوته بالألمانية وموليير بالفرنسية روائع تباري ما أبدعه ~~المتنبي وأبو ms038 العلاء وطه حسين. وأنا من الذين يرون أن الشعر العربي القديم يفوق في رقته ~~وجماله ما أبدعه فطاحل الأدب الغربي، لكنه رأي شخصي، والأرجح أنه رأي غير موضوعي؛ لأن ثقافتي ~~الأولى التي نشأت عليها هي العربية. # الفصل الرابع # | هل العربية لغة مقدسة؟ # من المؤكد أن اللغة العربية تدين باستمرار وجودها حتى بداية القرن الحادي والعشرين للقرآن ~~الكريم؛ فلولا القرآن لما ظلت العربية لغة متماسكة يتحدث بها أكثر من 240 مليون من البشر في ~~العالم أجمع. # ومن هنا فإن علاقة اللغة بالدين من أخطر القضايا وأكثرها حساسية. وقد أسهمت بعض الأفكار ~~الجامدة التي تقف بالمرصاد في وجه أي تطور في تحنيط اللغة وعزلها عن مجاراة العصر . # وتصب هذه الأفكار في قالب واحد وهو الربط المباشر بين العربية والدين. # ويزعم أصحاب هذه الأفكار أن العربية ليست فقط اللغة التي نزل بها القرآن، ولكنها لغة ~~الدين ذاته؛ وبالتالي فهي محاطة بقدسية خاصة ترفعها إلى مرتبة تجعل المساس بها نوعا من ~~أنواع الكفر. ومن هذا المنطلق ظهرت نظرية تصف اللغة العربية بأنها لغة «توقيفية» أي أنها ~~منزلة من السماء؛ وبالتالي فهي متوقفة بجوهرها عن أي إضافة أو حذف أو تعديل بيد ~~البشر. # وفي مواجهة هذا التيار ظهرت نظرية أخرى ساندها أصحاب العقل تقول: إن العربية مثلها مثل ~~باقي لغات العالم، هي لغة «اصطلاحية»، أي أن الناس اصطلحوا على كلمات ومعان من واقع ~~ثقافتهم وتجاربهم المتراكمة، ووضعوا قواعد لضبط لغتهم. # وفكرة قدسية اللغة وانتمائها إلى عالم يسمو فوق مستوى عالم الإنسان، قديمة قدم التاريخ، ~~فالمصريون في عصر الفراعنة كانوا يؤمنون بالإله تحت، رب الحكمة والكتابة، وكانت اللغة ~~المصرية القديمة تكتب بخطوط ثلاثة هي الهيروغليفية والهيراطيقية وظهرتا في توقيت واحد ~~تقريبا نحو 3200 قبل الميلاد، ثم ظهرت الديموطيقية في نحو القرن السابع قبل ~~الميلاد. # وكان أهل مصر يعتبرون كل هذه الخطوط واللغة نفسها هابطة من السماء، وأنها هبة من الآلهة. ~~وكان المصري يرمز إلى اللغة بتعبير مدونتر، ومعناها كلام الآلهة. وكانت القناعة الراسخة هي ~~أن الإنسان ms039 لا علاقة له باللغة، ولم يخترعها، ولم تتطور أو تتبلور، ولكنها هبطت من القوى ~~الفوقية جاهزة للاستعمال دون تغيير أو تبديل. # ومن المؤكد أن كهنة آمون وحاشية فرعون ساعدوا على ترويج هذا الاعتقاد. وكان الهدف هو ~~تكريس الكهنوت المسيطر على عقول أبناء الشعب البسطاء وإجبارهم على تبجيل اللغة؛ ومن ثم ~~تبجيل الطبقة العليا المكونة من الكهنة وحاشية فرعون، الذين يعرفون أسرارها دون غيرهم، ~~والخوف منهم واعتبارهم حملة المعرفة المطلقة والوحيدة على وجه الأرض. # وفي سومر التي كانت تقع في جنوب بلاد ما بين النهرين (العراق حاليا)، والتي ظهرت فيها ~~حضارة شبه متزامنة مع بداية الحضارة المصرية، كان الشعب يؤمن هو الآخر بأن اللغة السومرية ~~مقدسة. # ويختلف العلماء إلى الآن حول الحضارة التي ظهرت فيها الكتابة أولا؛ أهي مصر أم سومر. لكن ~~المؤكد أن الحضارة المصرية كانت أكثر تطورا ونضجا، وتركت آثارا لا زالت تبهر ~~الإنسانية. # وأيا كان الأمر فإن السومريين كانوا مقتنعين تمام الاقتناع بأن الآلهة قد منت عليهم ~~بلغة يتحدثون ويكتبون بها، وأنه لولا إحسان الآلهة عليهم لما استطاعوا الكتابة ولا التفاهم ~~فيما بينهم. # وهناك حضارات أخرى قديمة ظنت كل منها أن لغتها نزلت من السماء وأنها ليست من وضع الإنسان ~~الذي يستخدمها. فالذين روجوا لفكرة قدسية اللغة العربية لم يأتوا بجديد ولكنهم ساروا على ~~نهج العديد من الحضارات القديمة. # وكل هذه الأفكار حول قدسية اللغة لا أصل لها في القرآن ولا في السنة. فهل يفهم من أي ~~كلمة في القرآن أو السنة أن العرب هم أفضل الشعوب؟ وهل يفهم من أي كلمة في القرآن أو ~~السنة أن العربية هي أفضل اللغات؟ وهل هناك أية إشارة إلى أنه يتحتم على كافة الناس تعلم ~~اللغة العربية؟ # فالقرآن نزل بالعربية حتى يفهمه أهل الجزيرة العربية التي هبط الوحي على أشرف أبنائها وهو ~~سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. واستخدم القرآن الكلمات والتراكيب المفهومة من أبناء هذا العصر وهذه ~~البقعة من الأرض، والذين آلت إليهم مسئولية نشر الرسالة، وهو ما فعلوه بأمانة ms040 بعد الرسول # صلى الله عليه وسلم # في عصر الخلفاء الراشدين، ثم الأمويين، ثم العباسيين في عصرهم الأول. والقرآن نزل ~~لكل أبناء البشر في كل بقعة من بقاع الأرض، لكنه هبط في مكان وزمان محددين، فكان لا بد من ~~أن يفهمه العرب أولا، يفهمونه باللغة التي يعرفونها وبأمثلة من البيئة التي يعيشون ~~فيها. # فجاءت أمثلة القرآن بالبقرة والناقة والصحراء وغير ذلك. وكان من الممكن أن يعطي القرآن ~~أمثلة بالطائرة، والأقمار الصناعية، وناطحات السحاب مثلا، لكن أهل الجزيرة في ذلك العصر ~~كانوا سيعجزون عن إدراك معنى هذه الأمثلة، فينتفي الغرض الأول من التنزيل، وهو استيعابهم ~~لمعاني القرآن وإيمانهم به. ولو نزل القرآن باللغة الآرامية مثلا لما فهم معانيه أهل مكة ~~والجزيرة. # والقول بأن العربية لغة «توقيفية» أي منزلة من السماء، وبالتالي فهي لغة مقدسة لا يجوز ~~المساس بها، هو قول يناقض في رأيي صحيح الدين الإسلامي؛ فلو كانت العربية مقدسة وتسمو فوق ~~كل لغات العالم لكان العرب قادرين من خلال استخدام هذه اللغة على البلوغ إلى ما بلغه القرآن من ~~إعجاز. فالعرب في عصر الدعوة كانوا متمكنين من العربية تمكنا مدهشا، وكان بينهم ملوك ~~البلاغة والبيان من فطاحل الشعراء والرواة، وقد تحداهم القرآن في أكثر من آية أن يأتوا بآية ~~واحدة مشابهة لكلام الله فعجزوا عن ذلك. # فقال تعالى: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله ~~(البقرة: 22). # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله ~~(يونس: 38). # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله ~~(هود: 13). # ولو كانت العربية مقدسة فما الذي أعجزهم؟ لو كانت اللغة مقدسة وهابطة من السماء لكان ~~الإعجاز في ذاتها، ولكان العرب قادرين بالتالي على الإتيان بمثل ما جاء بالقرآن، لكنهم ~~فشلوا فشلا ذريعا؛ فالإعجاز إذا في القرآن وليس في اللغة. # وقد وقعت معجزات ذكرها القرآن من أهمها قصة عصا موسى، التي التهمت ما جاء به سحرة فرعون. ~~فهل يمكن أن نعتبر عصا موسى مقدسة، وأن كل عصا في الدنيا تنسحب عليها صفة القداسة؟ بالتأكيد ms041 ~~لا، فعصا موسى كانت مجرد أداة لمعجزة أرادها الخالق، لكن المعجزة ليست في ذاتها، كذلك فقد ~~كانت العربية أداة لمعجزة القرآن. # وقد أدرك العرب منذ البداية أن القرآن، وإن كان بالعربية، إلا أنه ليس من لغتهم. وكانوا ~~يقولون: ليس بنثر وليس بشعر. وقال أنيس الغفاري وهو شقيق أبو ذر: عرضت القرآن على السجع ~~والشعر والنظم والنثر، فلم يوافق شيئا من طرق كلام العرب. # هذا مع أن القرآن استخدم المفردات المعروفة لأي عربي في البادية آنذاك، وكان مفهوما ~~تماما للجميع، لكنه جاء بشيء غير موجود في اللغة ولم يستطع أحد تقليده وقتها أو بعد ~~ذلك. # وكل هذا يؤكد لنا أن الإعجاز ليس في اللغة العربية وإنما في القرآن وحده، فكيف نقول إن ~~العربية لغة مقدسة؟ ومحاولة إحلال الإعجاز القرآني في اللغة التي نزل بها هو خلط لا يسانده ~~المنطق ولا صحيح فهم الدين. لقد نزل الدين الإسلامي لكل البشر في كل مكان وزمان، وكان من ~~الممكن أن يتنزل بالتالي بلغة غير العربية، وكان إعجازه عندئذ سينبع من ذاته وليس من اللغة ~~التي نزل بها. # ولو كانت العربية لغة مقدسة لكان الدين الإسلامي للعرب وحدهم وللذين يجيدون لغة الضاد دون ~~غيرهم من البشر. وهذا يناقض صلب الدين الإسلامي الحنيف. ولو كانت العربية مقدسة فإن من لا ~~يفهمها لا يكون مسلما كامل الإسلام والإيمان. # وهذه الفرضية تخرج من زمرة المسلمين الغالبية العظمى من الشعوب الإسلامية، كما أنها إجحاف ~~لمئات الملايين من المسلمين الذين لا يجيدون العربية. # فقد دخل الإسلام، في حياة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، أناس لا يعرفون العربية فتقبلهم النبي دون ~~أن يثير مشكلة اللغة وعجزهم عن فهمها، بل إن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يعتبر هؤلاء مسلمين ~~على درجة متساوية مع العرب الناطقين بالضاد. ويقول الحديث: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا ~~بالتقوى.» ولم يقل بالنسب أو العرق أو بمعرفة اللغة. ولو كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يرى في ~~العربية لغة مقدسة منزلة من السماء لكان من المنطقي ms042 أن يعتبر من يتحدث لغة أخرى كافرا ~~وعاصيا لأوامر الله، ولكان العربي في هذه الحالة فوق كل البشر لأنه يتحدث اللغة ~~المقدسة. # ولو كان صحيحا ما يقذف به البعض في وجوهنا من قدسية اللغة العربية لرفض رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو أدرى بمشيئة الخالق، أن تترجم معاني القرآن إلى أي لغة أخرى. وهناك رواية ~~معروفة تناقض ذلك حول سؤال سلمان الفارسي عن أبناء جنسه الذين لا يفهمون العربية: هل يترجم ~~لهم القرآن أم لا. وكان سلمان متحرجا من ذلك فاستفتى الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وأجابه محمد # صلى الله عليه وسلم # بأن ~~عليه أن يترجم لهم معاني القرآن بلغتهم حتى يفهموه. # ولو كانت العربية لغة مقدسة لا بد لكل مسلم من إجادتها كشرط مسبق لدخوله الإسلام ~~ولاكتمال إيمانه، لفرضها الرسول # صلى الله عليه وسلم # على غير العرب، وهو ما لم يحدث. ولو فعل الرسول # صلى الله عليه وسلم # ذلك لانحصرت الدعوة في العرب وحدهم وانتفى بالتالي الغرض الأساسي منها. لكن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يدرك تماما أن اللغة ما هي إلا أداة لتوصيل الرسالة السماوية إلى ~~بني البشر، وحرمان الفرس أو غيرهم من فهم معاني القرآن، يجعل الإسلام دين الخاصة، كما هو ~~الحال بالنسبة للديانة اليهودية، فاليهود لا يسعون إلى نشر دينهم، بل يتحفظون على أي شخص ~~راغب في اعتناق اليهودية، وهذا يعكس منطق الإسلام الذي كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # أمينا عليه ~~فسمح لسلمان أن يترجم معاني الآيات إلى الفارسية. ~~••• # وبعد انتشار الدين الحنيف بسطت الدولة الإسلامية نفوذها على أراض شاسعة تغطي أجزاء كبيرة ~~من آسيا وإفريقيا وأوروبا. وقد تبنت بعض شعوب هذه البلدان اللغة العربية، كمصر، والشام، ~~والعراق، ودول المغرب العربي. لكن غالبية الشعوب التي دخلها الإسلام ظلت متمسكة بلغاتها ~~الأصلية، وهذا الذي يفسر أن غالبية المسلمين اليوم لا يجيدون العربية. ولم تخطر على بال ~~الفاتحين العرب فكرة فرض العربية على الشعوب التي خضعت لدولتهم. وهذا دليل على أن فكرة ~~قدسية اللغة لم ms043 تكن مسيطرة على الأذهان في العصور الأولى للدولة الإسلامية. # واليوم فإن غالبية المسلمين في الأرض لا يعرفون العربية، ومع ذلك فإنه لا يمكن التشكيك في ~~إسلامهم وفي صحة إيمانهم، بل إن نسبة المسلمين غير العرب أكبر كثيرا من نسبة العرب ~~المسلمين؛ فحسب آخر التقديرات هناك اليوم في العالم 1,25 مليار مسلم، في حين أنه لا يوجد ~~أكثر من 240 مليون عربي تعد العربية لغتهم الأم، من بينهم أكثر من عشرة ملايين من غير ~~المسلمين، أي أن نسبة المسلمين الذين تعد العربية لغتهم الأم تمثل 19,2٪ من مجموع مسلمي ~~العالم. # وبحسبة بسيطة فإن 81٪ من المسلمين لا يعرفون اللغة العربية التي نعتبرها نحن العرب ~~الركن الأساسي للدين. لكن هذه النسبة لا تمثل الواقع اللغوي العربي؛ فالإحصائيات ~~تدل على أن نسبة الأمية في العالم العربي تصل إلى نحو50٪ ، ومعنى هذا أن نسبة ~~المسلمين الذين يجيدون اللغة الفصحى هي 9,6٪ فقط لا غير. أي أن أكثر من90٪ من ~~المسلمين يجهلون اللغة العربية الفصحى التي نعتبرها نحن الركن الأساسي للدين ~~كذلك فهناك فقهاء تعمقوا في الدين، وهم لا يجيدون العربية إجادة حقيقية، مثل أبي ~~الأعلى المودودي، والخميني، حتى وإن كنا لا نتفق معهما في نظرتهما إلى الدين، ~~وغيرهم كثيرون. # وبالتالي فإن الربط بين الدين واللغة له حدود ولا يمكن أن يكون ربطا مطلقا. وهناك في ~~إندونيسيا وماليزيا والهند وإفريقيا، وغيرها مئات الملايين من المسلمين الذين لا يمكن ~~التشكيك في تقواهم وفي صدق إيمانهم، لكنهم لا يعرفون من العربية سوى بضع آيات قصار يحفظونها ~~عن ظهر قلب وكثيرا ما لا يفهمون معناها بدقة. وفي مسابقات تلاوة القرآن الكريم يفاجأ كبار ~~الشيوخ من العرب بشباب من بلاد إسلامية غير عربية يقرءون القرآن دون أقل خطأ وبنطق جميل، ~~لكنهم عندما يتحدثون إليهم بالعربية لا يفهم هؤلاء الشباب شيئا، ويلجئون إلى مترجم للتفاهم ~~مع الأساتذة الممتحنين. # وقد مررت بتجربة شخصية زادت اقتناعي بذلك عندما أشرفت في باريس على عدد مجلة رسالة ~~اليونسكو، والذي تم تخصيصه بالكامل للإسلام عام 1980 ms044 بمناسبة مرور 1400 عام على الهجرة ~~النبوية. وقد طلبت بهذه المناسبة من الأستاذ حميد الله، وهو هندي الجنسية ومن كبار ~~المتخصصين في الإسلام، كتابة مقال لإدراجه بالمجلة - ولهذا الرجل ترجمة شهيرة لمعاني القرآن ~~باللغة الفرنسية - ولم أكد أصدق أن هذا العالم الكبير في شئون الإسلام لا يستطيع فهم ~~العربية. وسألته كيف ترجم القرآن فقال إنه يعرف القواعد الأساسية للغة، واستعان بكل ~~الترجمات السابقة للقرآن بعدة لغات. وفي العديد من البلاد الإسلامية يوجد حفظة للقرآن ~~الكريم قادرون على ترتيله أو تلاوته دون أدنى خطأ، لكن المفارقة أن الغالبية الساحقة لهؤلاء ~~لا يفهمون معنى ما يقرءون. وقد سألت بعضهم في هذا فقالوا إنهم يفهمون المعنى الإجمالي لكل ~~آية نظرا لأنها مترجمة بلغاتهم، لكنهم عاجزون تماما عن فهم الكلمات ولا المفردات العربية ~~التي تتشكل منها آيات الكتاب الكريم. # فالقول بأن كل المسلمين يجيدون العربية هو قول زائف يروج له بعض الذين يدافعون عن نظرية ~~قدسية اللغة العربية. ولم يبدأ منطق تقديس اللغة ورفعها إلى مستوى المحرمات التي لا يجوز ~~المساس بها في الظهور إلا بعد وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم # بسنوات طويلة. وكان الدافع وراء هذا ~~المنطق البعيد عما جاء به محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، هو المزايدة والغلو في كل شيء. # ومن المؤكد أن عرب الجزيرة كانوا مؤهلين نفسيا لتقبل فكرة قدسية اللغة، فالهالة التي ~~كانوا يحيطون بها اللغة والبيان وأهميتها المحورية لديهم في الجاهلية وعصور الإسلام الأولى ~~لعبت دورا كبيرا في تثبيت فكرة قدسية اللغة. ويدل ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي على أن أعلى ~~الفضائل في سلم أولويات العرب آنذاك تنبع من مصدرين: الأول هو الشجاعة والفروسية والثاني هو ~~الفصاحة. # وكانت صفات الشجاعة والبطولة قاسما مشتركا أعظم مع غالبية، إن لم يكن كل، المجتمعات ~~القديمة؛ حيث كانت القوة هي الوسيلة الأولى لبسط السيطرة والحصول على المكتسبات. وقد بحث ~~علماء الأنثروبولوجي والاجتماع كثيرا ولا زالوا في أصل الحروب والعنف عند بني البشر. ~~وأيا كان الأمر، فإن العرب لا ينفردون بوضعهم ms045 الشجاعة في أعلى سلم أولويات ~~مفاخراتهم. # أما الصفة الثانية التي كانت لا تقل أهمية عن الأولى عند العرب وأقصد بها الفصاحة ~~والبلاغة، فهي خاصية نادرة التواجد في المجتمعات القديمة، ولا أعتقد أن هناك مجتمعا في ~~التاريخ البشري اهتم بالبلاغة مثل العرب. ولتأكيد هذا المعنى وصف الشيخ محمد عبده البلاغة ~~بأنها «سيدة علوم العرب»، ولم يقل سيدة آداب أو فنون العرب. # صحيح أن الحضارة اليونانية القديمة كانت تولي هي الأخرى أهمية محورية للبلاغة، ولكن بمفهوم ~~مختلف؛ فالبلاغة عندهم كانت تقوم على المعنى أكثر مما تقوم على التلاعب باللغة. كانت تقوم ~~على الإقناع المنطقي أكثر مما تقوم على سحر الكلمات وتنميقها. # ومن المعروف أن السوفسطائيين كانوا يشتهرون بقدرتهم على إقناع أي شخص بفكرة معينة، وعندما ~~يقر باقتناعه بها يقوم نفس الذي أقنعه بالرأي الأول، من خلال حجج مختلفة، بإقناعه بعكسه. ~~وكان بعضهم يتكسب من هذه الحيل البلاغية، لكنها بلاغة المضمون لا بلاغة الزخرف. # وكان هناك في أذهان العرب في العصر الجاهلي ارتباط وثيق بين البيان والسحر، وهناك الحديث ~~المنسوب إلى الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن من البيان لسحرا». فالعرب كانوا يعتبرون أن الشعر هو نوع ~~من أنواع السحر وأن الشاعر تتملكه قوى خفية تنفث في نفسه الكلمات والمعاني التي تخرج من فمه ~~شعرا، وكانوا مؤمنين بأن الجن والشياطين تتدخل في عملية الخلق الشعري. # وهذا يفسر أنه من شدة انبهارهم بالقرآن وما جاء به من إعجاز لم يجد المشركون إلا أن ~~يتهموا الرسول # صلى الله عليه وسلم # بالسحر. # وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يعلق على شعر حسان بن ثابت ضد المشركين قائلا: «لهذا أشد عليهم ~~من وقع النبل»؛ فالرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يدرك ما للشعر من وطأة نفسية جبارة على عقول أهل ~~الجزيرة ونفوسهم. # والوقائع التي تدل على حب الرسول # صلى الله عليه وسلم # للشعر لا حصر لها، فقد كان عليه السلام ~~يطرب لشعر الخنساء ويشجعها قائلا: هيه يا خناس. # وعندما دخل الرسول # صلى الله عليه وسلم # مكة في ms046 العام التاسع للهجرة أهدر دم مجموعة من الكفار، ~~وكان من بينهم الشاعر كعب بن زهير، ولم يجد هذا الشاعر الماكر لنيل عفو الرسول # صلى الله عليه وسلم # سوى التسلل لمجلسه وإلقاء قصيدة رائعة قال في مطلعها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # فما كان من الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلا أن خلع عليه بردته كما جاء في كتب السيرة، وهذا معناه عند ~~عرب الجزيرة أن هذا الرجل أصبح في حماية الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فلم يكتف النبي بالعفو عنه فقط، ~~وإنما أنعم عليه بحمايته الشخصية. ومن المؤكد أن موقف النبي نابع من رحمته وأخلاقه السامية، ~~لكن السبب المباشر في العفو والحماية هو قصيدة شعر رائعة مست الأوتار الحساسة عند محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # ويروى عن معاوية بن أبي سفيان (نحو 603-680م) مؤسس الدولة الأموية أنه كان يذكر ليلة ~~الهرير بصفين، وهي معركته الشهيرة على السلطة مع علي بن أبي طالب (نحو 602-661م)، فيقول إنه ~~قد هم بالفرار لولا أن ذكر أبيات عمرو بن الإطنابة التي تقول: # أبت لي همتي وأبى بلائي # وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإجشامي على المكروه نفسي # وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وثارت # مكانك ... تحمدي أو تستريحي # فقاتل حتى انتصر في هذه المعركة الفاصلة، أي أن معاوية يعترف بأن لهذه الأبيات فضلا في ~~إقامة صرح دولته التي امتدت إلى جبال البرانس. # وظل عشق اللغة ممتدا بعد استتباب الإسلام وانتشاره، فبعد الرسول # صلى الله عليه وسلم # بأربعة ~~قرون، قال أبو العلاء المعري بيته الشهير: # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # ولم يطلب منه معاصروه من العرب أن يخترع شيئا جديدا مفيدا أو أن يخرق قاعدة من قواعد ~~الطبيعة التي عجز سابقوه عنها. لم يطلبوا منه أن يشفي المرضى أو أن يغير الحديد إلى ذهب. كل ~~الذي وجدوه لتعجيزه كان أن يجد حرفا جديدا يضاف إلى أبجديات العربية. ويقال إن أحد أطفال ~~معرة النعمان طلب منه أن ms047 يأتي بالحرف التاسع والعشرين الذي عجز السلف عن الإتيان به. # وتدل هذه القصة إن صحت على مدى تأثر الناس وحتى الأطفال باللغة وبأنها أهم شيء في ~~حياتهم. ~~••• # وكان عشق العرب الأول هو التلاعب بالكلمات والبحث عن الغريب في الشكل أكثر منه في الجوهر. ~~وقد بلغ استظهارهم لمهارتهم واستعراضهم لعضلاتهم اللغوية أن تبادلوا رسائل تقرأ فيها الجمل ~~من اليمين أو اليسار كما جاء في رسائل القاضي الفاضل والعماد الأصفهاني مثل: «سر فلا كبا بك ~~الفرس» أو «سور حماه بربها محروس». وقد امتد هذا الجهد المنزوف عبثا إلى الشعر فيقول ~~أحدهم: # مودته تدوم لكل هول # وهل كل مودته تدوم # ومن الواضح أن المعنى مسطح ومكرر، لكن هذا ليس مهما، فالمهم هو التلاعب بالألفاظ ~~والزخرف الذي لا طائل من ورائه. # وكان واصل بن عطاء أحد مؤسسي فكر المعتزلة يلثغ في حرف الراء، فكان يتفاداه بقدر الإمكان ~~في خطبه وكلامه، وله خطبة كاملة في التحريض على بشار بن برد لا يرد فيها حرف الراء على ~~الإطلاق، وهي تعد في أدبيات العرب فتحا كبيرا، يفوق الاختراعات التي أحدثها كثير من ~~المسلمين في تاريخهم المجيد في مجال العلم والمعرفة. والأمثلة على المكانة المحورية التي ~~لعبتها اللغة في حياة العرب لا تعد ولا تحصى. ~~••• # وبالتوازي مع اضمحلال الازدهار الثقافي للدولة الإسلامي كان العرب يضيعون وقتا أكبر في ~~المحسنات البديعية وتزويق اللغة، بدلا من البحث في المعاني والأفكار الجديدة. وكان ~~الاهتمام بظاهر اللغة من مؤشرات تخلف الحضارة العربية الإسلامية. # ونظرا للأهمية القصوى التي كان يوليها العرب للبلاغة، فقد كان من المنطقي أن تكون المعجزة ~~الوحيدة الثابتة التي أتى بها سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # تأييدا لدعوته هي القرآن؛ فقد هبط ~~كتاب الله بلغة لم يعهدها العرب وفوجئوا بها تماما فسحرت ألبابهم وعاونت الرسول # صلى الله عليه وسلم # على كسب المؤيدين والمريدين، فلكل أمة وسيلة إقناع تنبع من عاداتها وقناعاتها وخيالها ~~الجماعي. # فالمعجزات التي أتى بها سيدنا عيسى كانت تناسب سكان فلسطين الفقراء الذين كانت ترعبهم ~~فكرة الموت ms048 والفناء، فجاء المسيح بمعجزات تلهب مشاعر أهل زمانه ومكانه، فكان يبرئ الأكمه ~~والأبرص ويحيي الموتى، كما جعل مجموعة ضخمة من مريديه يأكلون ويشبعون بسمكة واحدة وقطعة خبز ~~واحدة، يكفيان شخصا واحدا بالكاد. # أما عرب الجزيرة وخاصة أهل مكة فقد كان يسحرهم البيان وحسن تنميق الكلمات. وكان نجوم هذه ~~المجتمعات هم الشعراء والرواة الذين كانوا يتفننون في اختيار المفردات والمعاني ليخلبوا ~~عقول سكان الجزيرة، وكانت اللغة هي أداتهم التي طوعوها للوصول إلى أغراضهم فصارت ركنا ~~أصيلا في حياة المجتمع البدوي والحضري في زمن الدعوة. # لذلك فعندما تقرأ الإنجيل تستشعر أن الناس في عهد المسيح كانوا يؤمنون بالدين الجديد الذي ~~كان يبشر به بفضل المعجزات التي كان يأتي بها عيسى، وكانت المعجزات من أهم أدوات نشر ~~الديانة المسيحية بعد وفاة المسيح. أما عند ظهور الإسلام فقد كانت تلاوة الآيات حسب ما نعلم ~~من كتب السيرة هي التي تفتح للناس طاقة الإيمان وتشرح قلوبهم للدين. # ومعروف قصة دخول عمر بن الخطاب الإسلام، عندما هجم على بيت أخته لردعها عن الدين الجديد ~~فخارت قواه وانهزمت عزيمته العدوانية أمام بلاغة الآيات التي استمع إليها من سورة طه. وفي ~~كل الأفلام والتمثيليات الدينية نلحظ كم كان يتأثر الناس بتلاوة الآيات الكريمة فتدمع ~~عيونهم وتعتريهم حالة من الخشوع والانسياق النفسي لما يتلى عليهم. # فاختلاف الثقافة والطباع والعادات جعل لكل مجتمع مفاتيح خاصة لتقبل الدين الجديد. ~~وبالنسبة للعرب فقد كانت البلاغة هي الباب الملكي الذي فتح أمام الإسلام مجتمعات مكة ثم ~~المدينة ثم باقي الجزيرة العربية. # ومن غير شك أن نزعة إيثار الجنس العربي عند بني أمية لعبت دورا كبيرا في انتشار فكرة ~~قدسية اللغة العربية؛ فقضية القضايا بعد انتقال الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم # إلى الرفيق ~~الأعلى كانت السلطة الدنيوية. وكان السؤال الذي يؤرق الجميع هو: من يحكم أمة الإسلام؟ ومن ~~أحق بخلافة سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~؟ # وكان هذا السؤال وراء الفتن والحروب المتعاقبة التي عرفها العالم العربي الإسلامي دون ~~انقطاع منذ حروب الردة ms049 حتى تفسخ الدولة الإسلامية الذي انتهى إلى سقوط بغداد في أيدي المغول ~~عام 1258م. # وبعد أن نجح معاوية بن أبي سفيان في وضع حد للفتنة الكبرى واستتبت له أمور الحكم على أثر ~~اغتيال علي كرم الله وجهه عام 661م، عمل على تكريس ما كان معمولا به منذ وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: أن يكون الحاكم من قريش وحدها دون غيرها. وكان من الطبيعي أن ينتج عن ~~ذلك أفضلية وخيرية خاصة للجنس العربي، وبالتالي للغة العربية. # واستغل أنصار النزعة الجديدة من الأمويين نزول القرآن الكريم بالعربية لفرض فكرهم على ~~أعدائهم من كل صنف ولون، ومنهم الخوارج والشيعة وأهل العراق بصفة عامة. وكان معظم هؤلاء ~~من أبناء الأمصار التي دخلت الإسلام بعد الفتح، وكان معظمهم من غير الجنس العربي ومن خارج ~~الجزيرة العربية. # وقد كتب الكثيرون عن مآثر اللغة العربية وتفوقها عن باقي لغات العالم، وتعمدوا الربط ~~الاصطناعي بينها وبين الدين حتى يكسبوها مكانة عليا، تجعل الناس يخشعون للغة بدلا من أن ~~يخشعوا للمعاني التي نزل بها القرآن. وهناك مئات من أبيات الشعر في هذه المعاني، وسأعطي ~~نموذجا واحدا هو ما أورده الطهطاوي في «تخليص الإبريز»: # ومن شرف الأعراب أن محمدا # أتى عربي الأصل من عرب فصح # وأن المثاني أنزلت بلسانه # بما خصصته في الخطاب من المدح # وفي كتاب «فقه اللغة» يقول الثعالبي (962-1038م) بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # بما يناهز ~~400 عام: # من أحب الله أحب رسوله المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن ~~أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب.» ثم يسترسل في مقدمة كتابه ~~قائلا: «إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # خير الرسل والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، ~~والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ~~ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل إلخ ~~... # وهذا الكلام يلخص النظرية التي تربط بين الدين واللغة والتي غذتها العصبية القبلية ms050 ورغبة ~~العرب في أن يكون لديهم سلاح قوي يواجهون به تدهور مكانتهم التي وصلت فيما بعد إلى حد ~~الاضطهاد من قبل الأجناس غير العربية. # ويذكر هذا بمحاولات البعض اليوم الربط بين الدين والسياسة وإخضاع السياسة لمفاهيمهم ~~الضيقة للدين، تحقيقا لمصالحهم الخاصة. # وتشعر دائما أن هناك جهدا يبذله البعض لإقناع الناس بأن العربية خلقت للدين الإسلامي، ~~وأن الدين سبب وجودها. لكن الحقيقة مختلفة عن ذلك، فكل الأبحاث العلمية تدل على أن اللغة ~~العربية قد ظهرت قبل هبوط الوحي على سيدنا محمد بمئات السنين. # وكان العرب أنفسهم في حياة الرسول # صلى الله عليه وسلم # مقتنعين بقدم لغتهم. وكانت هناك عدة ~~روايات عن أول من نطق بالعربية، منها أن أول من تكلم بلغة الضاد هو إسماعيل بن إبراهيم، وأنه ~~نسي لغة أبيه وهي السريانية. وهناك رواية تؤكد أن أول من نطق باللسان العربي هو يعرب بن ~~قحطان، وهو أيضا أول من نزل مع أولاده بأرض اليمن ليتخذ منها موطنا لأهله؛ ولذلك سمي عرب ~~جنوب الجزيرة العربية بالقحطانيين. # وقد أكد حسان بن ثابت شاعر الرسول # صلى الله عليه وسلم # هذه الرواية الأخيرة بقوله: # تعلمتم من منطق الشيخ يعرب # أبينا، فصرتم معربين ذوي نفر # وكنتم قديما ما لكم غير عجمة # كلام، وكنتم كالبهائم في القفر # وقد طرأت على اللغة العربية البدائية تطورات كبيرة حتى تبلورت وأصبحت هناك لغة أدبية ~~مهذبة عرفت بلغة قريش. والأرجح أن لغة قريش كانت هي السائدة قبل الدعوة، والدليل على ذلك أن ~~كل ما وصلنا من شعر جاهلي بهذه اللغة. وقد يجادل البعض بأن هناك شعراء كانوا يكتبون بلهجات ~~مختلفة لكنها لم تحفظ بعد نزول القرآن واستبعاد كل اللهجات المغايرة للهجة قريش. والرد على ~~هذا الطرح هو أن المعلقات التي اعتبرها العرب في الجاهلية أفضل ما عندهم من شعر، جاءت كلها، ~~دون استثناء شعراء، بلغة قريش التي نفهمها اليوم. ونستخلص من هذا أنه كان هناك شعراء يضعون ~~شعرهم بلهجات مختلفة، لكن أفضل الأشعار وأرقاها كانت بلغة قريش. # ولكن هل معنى هذا ms051 أن العربية هي لغة الدين وحده؟ وهل معناه أن أي مساس بها يعد مساسا ~~بالدين؟ # الإجابة عن هذين السؤالين هي شرط مسبق أساسي للاتفاق على كيفية ومدى التطوير اللازم ~~للعربية في بداية القرن الحادي والعشرين. والإجابة عن السؤالين عندي هي بالنفي القاطع، فقد ~~أصبحت العربية هي لغة التعامل اليومي لأبناء إحدى وعشرين دولة من الدول الأعضاء في الأمم ~~المتحدة، وأصبحت العربية تحتوي على كلمات وتعبيرات لا علاقة لها بالدين من قريب أو ~~بعيد. # وإذا أردنا الحفاظ على اللغة العربية الفصحى بحيث تظل الأجيال القادمة قادرة على فهمها، ~~فالحل الوحيد هو إخضاعها لمتطلبات العصر كما حدث لكل لغات العالم الحية بدون استثناء، أو ~~باستثناء وحيد وهو اللغة العربية. ~~••• # وفكرة قدسية اللغة وارتقاء الناطقين باللغة فوق مستوى باقي بني البشر، هي فكرة تتناقض في ~~رأيي مع جوهر الإسلام، والمضمون العميق للرسالة المحمدية. فرسالة الإسلام تقوم على المساواة الكاملة بين أبناء الإنسانية جمعاء. ولست في حاجة ~~لتكرار الأدلة الناصعة على ذلك سواء من آيات القرآن أو من السنة المكرمة. # أما فكرة اللغة المقدسة التي أنزلت على شعب مختار، فهي فكرة غريبة عن ديننا وإن كانت ~~موجودة في ديانات أخرى. ومنطق أن العرب هم الشعب المفضل لله تعالى هو منطق ينافي أعظم ~~تعاليم الإسلام حول مساواة أبناء آدم عليه السلام. # وبلغة عصرنا، فإن دعاوى تفوق العرب على غيرهم من الأجناس واحتقار اللغات الأخرى غير ~~العربية، هي دعاوى عنصرية تحمل كل أفكار نظريات التفوق الجنسي التي ينبذها العالم الحديث ~~وخاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. والمنطق الكامن وراء الفكر العنصري هو أفضلية ~~جنس على باقي أجناس العالم بسبب الصفات المتميزة اللاصقة بأهله وانتفاء هذه الصفات عن ~~الأجناس الأخرى. # وتجد في أدبيات الفكر العنصري الغربي كلاما يبدو منطقيا عن تفوق الإنسان الأبيض والجنس ~~الآري، لكن هذا المنطق مغلوط من أساسه، وقد رفضه سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # دون لبس في خطبته ~~بحجة الوداع وفي كل أحاديثه النبوية، فكيف نتقبله اليوم بعد مرور أكثر من 1400 ms052 عام من ~~المفترض أننا نضجنا فيها عقليا ونفسيا وأصبحنا أكثر وعيا بحقائق العالم؟ # صحيح أن المدافعين عن تلك الأفكار في العالم العربي اليوم يلبسونها أثوابا براقة جديدة ~~كما يفعل دعاة العنصرية في الغرب، لكن المعنى في النهاية واحد وهو تفوق العرب واللغة ~~العربية على باقي أبناء البشر ولغاتهم جميعا. # وإذا كانت معرفة اللغة العربية ليست مفروضة على بني الإنسان، فكيف نعتبرها نحن لغة فوق كل ~~لغات العالم، وبالتالي لا يمكن المساس بها؟ # وإذا أعملنا العقل الذي منحنا إياه الله تعالى لأدركنا أنه لو كانت اللغة العربية مقدسة ~~وهابطة من السماء، لكان من الطبيعي أن يتحدث بها كل سكان الأرض. فكيف تكون العربية مقدسة في ~~حين أن 98٪ من أبناء البشرية لا يعرفونها؟ وكيف تكون مقدسة في حين أن أكثر من 90٪ من ~~المسلمين أنفسهم لا يفهمونها؟ # الفصل الخامس # | المسيحيون والعربية # من أخطر السخافات التي تستقي أصولها من فكرة قدسية العربية، هي أن المسيحيين لا علاقة لهم ~~بلغة الضاد، وأن المسلمين وحدهم هم ملاك العربية والعارفون بأسرارها وآدابها. ومن الغريب أن ~~الاضطلاع بتدريس العربية بالمدارس يقتصر على المسلمين وحدهم دون المسيحيين، بحجة أن الدين ~~يقترن باللغة وأن مدرس اللغة لا بد أن يقوم بتدريس الدين كذلك. وقد استقرت هذه الأفكار ~~في الأذهان على أنها واقع لا يجادل، وأصبح حجب تدريس العربية عن المسيحيين تكريسا لفكرة ~~قدسية اللغة العربية. # لكن هذا الكلام لا يثبت أمام حقائق دامغة لا يمكن إنكارها، فالمسيحيون العرب لعبوا طوال ~~حقب التاريخ دورا هاما في الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها، وفي إبراز كنوزها جنبا ~~إلى جنب مع إخوانهم المسلمين، بل إن المسيحيين بدءوا هذا الدور قبل نزول القرآن على سيدنا ~~محمد. # فالعربية بدأت قبل الإسلام بعدة قرون وتبلورت في صورتها التي نعرفها الآن قبل نحو مائة ~~عام من البعثة النبوية الشريفة. ففي العصر الجاهلي كان هناك شعراء على أرقى مستوى ينظمون ~~الشعر كسلاسل الذهب، ويلهبون المشاعر والعقول بأجمل المعاني. # وكان معظم هؤلاء من عبدة الأوثان، لكن بعضهم كانوا من المسيحيين، ms053 وحتى من اليهود. ومن ~~أشهر الشعراء اليهود السموأل الذي يعد من فطاحل الشعر العربي القديم. # وكان من أبرز شعراء ما قبل الإسلام عدي بن زيد النصراني الذي كان يحظى بلقب «شاعر الحيرة ~~الأوحد»؛ نظرا لمكانته الشعرية الضخمة وتفرد أسلوبه. # أما في جيل المخضرمين، فإن واحدا من أعلى الشعراء مكانة كان مسيحيا وهو الأعشى، وقد ~~ولد قبل عام 570م، ومات بعد 625م بقليل حسب أفضل المصادر، وكان من أكثر العرب بلاغة وفصاحة ~~لغوية. # وفي العصر الأموي لمع نجم عدة شعراء مسيحيين كان أبرزهم الأخطل والقطامي، وكانا يدينان ~~بالمسيحية. ويحظى الأخطل بمكانة متميزة في تاريخ الأدب العربي. وفي الماضي كان رواة وذواقة ~~الأدب مثل حماد الراوية وأبي عمرو بن العلاء يقدمونه على غالبية الشعراء المسلمين ويعتبرونه ~~فحلا ذا نسب عربي صحيح ولغة عربية رصينة. وكان الأخطل يقول: «إن العالم بالشعر لا يبالي، ~~وحق الصليب، إذا مر به البيت السائر الجيد، أمسلم قاله أم نصراني.» # وقد قام الأب لويس شيخو بتأليف كتاب بعنوان «شعراء النصرانية في الجاهلية» يعدد فيه من ~~برزوا في الشعر قبل ظهور الإسلام، لكن يبدو أنه من فرط حماسته جعل كل من لم يثبت من شعره ~~مباشرة أنه وثني، يدين بالمسيحية. وهو تجاوز غير مقبول علميا بطبيعة الحال، وبالتالي فقد ~~جعل معظم شعراء العرب قبل الإسلام من المسيحيين. وكما جاء بمقدمة الكتاب، فقد تندر بذلك ~~مارون عبود عندما قال عن لويس شيخو: «سمعنا بكتابه شعراء النصرانية فاستقدمناه، فإذا كل من ~~عرفناهم من شعراء جاهليين قد خرجوا من تحت سن قلمه نصارى. كان التعميد بالماء فإذا به صار ~~بالحبر.» ~~••• # وكما أثبت في كتاب «الداء العربي»، فقد هدم الإسلام الأسس القبلية التي قام عليها مجتمع ~~الجزيرة العربية في الجاهلية، فاستقرت بعد ظهوره مثل مختلفة تجعل لتقييم الإنسان معايير ~~جديدة تماما، لكنه سرعان ما عاد الفكر القبلي يطل برأسه من جديد، وعادت العصبية القبلية ~~تسيطر على العقول، وخاصة مع تولي الأمويين مقاليد الحكم. وكانت العصبية العربية تعطي فرصة ~~للشعراء من غير المسلمين للنبوغ ms054 في مناخ يقيم الناس أساسا بمعيار العرق والانتماء ~~العشائري. # ومع العباسيين تغيرت الأمور وضعفت شوكة العصبية العربية شيئا فشيئا وخاصة منذ ولاية ~~المعتصم (795-842م) أي بعد نحو قرنين من وفاة الرسول، وغلبت عندئذ الصبغة الدينية على ~~الخلافة مع سطوة الأعاجم الذين كانوا يزايدون في الدين نظرا لأنهم يستمدون قوتهم وشرعيتهم ~~منه، فهم لا يستطيعون إثبات انتمائهم لقبائل عربية أصيلة، ولا تجري في دمائهم قطرة عربية ~~واحدة. # وفي هذه الظروف ظهر تيار الشعوبية الذي يناصب العرب العداء، كرد فعل على احتكارهم للسلطة ~~والثقافة ولكل الأمور العامة منذ بداية الدولة الإسلامية. وقد تعامل الأعاجم بحساسية شديدة ~~مع اللغة العربية واضطروا لإعلاء شأنها بل والمزايدة في ذلك؛ نظرا لأنهم يريدون التأكيد على ~~صحة إسلامهم وتمسكهم بالدين. # هنا أخذت اللغة تصطبغ بصبغة دينية مقدسة، وبدأت فكرة أن العربية هي لغة القرآن وأنها ~~للمسلمين دون غيرهم من أبناء البشر. وظهرت مقولة أن «العربية لا تتنصر.» وفكرة أن النصرانية ~~والبيان العربي لا يجتمعان. # ويروي بطرس البستاني في كتاب «أدباء العرب» (ج3: الأندلس وعصر الانبعاث) أنه عندما طلب ~~داوود باشا صاحب العراق من الشاعر الشيخ صالح التميمي أن يعارض قصيدة للمعلم بطرس كرامة ~~اعتذر بقوله: # عهدناك تعفو عن مسيء تعذرا # ألا فاعفنا من رد شعر تنصرا # ولفظة «رد» هنا بمعنى معارضة. ومن الواضح أن صاحب هذا البيت لا يرضى بأن يقدم مسيحي على ~~كتابة الشعر؛ فالشعر واللغة في نظره حكر على المسلمين وحدهم، وليس من حق المسيحيين أن يخوضوا ~~فيهما. # وعندما اكتملت سيطرة العناصر غير العربية على الدولة في العصر العباسي، كادت دراسة اللغة ~~تقتصر على المسلمين وحدهم؛ نظرا لأنها تتم في المساجد والمدارس الدينية، وارتبطت بحفظ ~~القرآن. # ولجأ المسيحيون إلى العلوم فبرعوا فيها وظهرت أجيال من الأطباء والفلاسفة وعلماء ~~الرياضيات استعان بهم الخلفاء والأمراء. أما المسلمون فكادوا يغيبون عن ساحة العلم ودراسته ~~في مناخ من التردي الحضاري. # وقد حاول بعض المسيحيين محاكاة الكتاب المسلمين فنظموا القصائد والبديعيات في مدح السيد ~~المسيح وحوارييه باللغة العربية. وكان أشهر ms055 هؤلاء المطران جرمانوس فرحات والخوري نيقولاوس ~~الصائغ صاحب أول بديعية مسيحية باللغة العربية. ~~••• # ولم يقتصر إسهام المسيحيين في الجاهلية على نظم الشعر والارتفاع باللغة العربية إلى ~~مستويات أرقى، فقد لعبوا دورا في غاية الأهمية في بلورة الكتابة. وكما هو معروف فإن الأمية ~~كانت غالبة على العرب في جاهليتهم، ولم يكن عرب البادية يشعرون بأهمية الكتابة. وكان أكثر من ~~اهتم بالكتابة أهل اليمن وعرف خطهم باسم المسند الحميري. # أما أهل الشمال فقد كانت الكتابة تستخدم في أضيق نطاق ولأسباب تجارية أو ما شابه ذلك، ~~وخاصة في المدن الكبيرة مثل مكة والطائف ويثرب. ويتفق علماء اللغة على أن المسيحيين كانوا ~~وراء تطور الكتابة وخاصة في الحيرة وما جاورها. ويرجح المؤرخون أن القرشيين تعلموا خط ~~الجزم من نصارى الحيرة في رحلاتهم التجارية إلى العراق فحملوه إلى مكة فظهرت فيها الكتابة ~~قبل الإسلام. # وكان من أوائل الذين عرف عنهم الكتابة بالعربية زيد بن حماد، وعاش نحو عام 500 ميلاديا، ~~أي قبل نحو 70 عاما من مولد الرسول، ثم ابنه الشاعر عدي بن زيد، المذكور من قبل، وكلاهما ~~مسيحيان. ~~••• # وبعد قرون منذ هذا العهد البعيد أسهم المسيحيون في أحد أهم الأنشطة الثقافية التي كان لها ~~تأثير ضخم على اللغة وهي الترجمة. وهناك دراسات عديدة عن أثر حركة الترجمة وبيت الحكمة في ~~توهج ازدهار الحضارة العربية الإسلامية. لكن أثرها الهام في اللغة لم يدرس حتى الآن بما فيه ~~الكفاية. # وقد ظهرت بشائر الاتجاه إلى الترجمة عن اللغات الأخرى في العصر الأموي، لكنها لم تتحول ~~إلى حركة منتظمة إلا مع العباسيين، حتى بلغت عصرها الذهبي في عهد المأمون مع إنشاء بيت ~~الحكمة. # وتكاد حركة الترجمة إلى العربية في هذا العصر تقتصر على المسيحيين دون غيرهم. وكان معظم ~~المترجمين الذين برعوا في هذا العصر من السريان النساطرة. ومن بينهم أبناء بختيشوع، وإسحق بن ~~حنين بن إسحق، ويوحنا بن البطريق، ويوحنا بن ماسويه، على سبيل المثال لا الحصر. وكان يوحنا بن ~~ماسويه، طبيب الخلفاء، يتولى إدارة بيت الحكمة مما ms056 يدل على المكانة التي كان يحظى بها ~~المسيحيون في الحياة الثقافية في هذا العصر المتألق حضاريا. # لكن أوسع المترجمين صيتا وأكثرهم نشاطا كان حنين بن إسحق (808-873م) وهو من النساطرة، ~~وقد ولد بالحيرة وعاش في بغداد وكان نجم نجوم بيت الحكمة. كما كان من ألمع المترجمين أيضا ~~ابن لوقا (830-912م) المولود في بعلبك، وهو ملكي. كما برز يحيى بن عدي (893-974م) الملقب ~~بالمنطقي. # وكما هو معروف فقد ترجمت الكثير من أعمال فطاحل الفكر الإغريقي من اليونانية إلى ~~السريانية قبل ظهور الإسلام وبعد ذلك. لكن عملية الترجمة إلى العربية لعيون الكتب الفلسفية ~~والعلمية لم تبدأ بطريقة منهجية إلا في منتصف القرن الثامن الميلادي. # ويورد كتاب «العرب من الرسالة إلى التاريخ» معلومات قيمة في هذا المجال مستندا إلى مراجع ~~عربية أهمها الفهرست لابن النديم وتاريخ الحكماء لابن القطفي. # وطبقا للمعلومات الواردة في هذه المراجع فقد اضطلع بعملية الترجمة إلى العربية 56 ~~مترجما أفنوا حياتهم لأداء هذه المهمة، وكانوا كلهم من المسيحيين. ويقول كتاب «العرب من ~~الرسالة إلى التاريخ»: إنه كان هناك 12 مترجما خلال النصف الثاني من القرن الثامن، ثم 30 ~~خلال القرن التاسع، وهو العصر الذهبي للترجمة ثم 14 في القرن العاشر. وهو يصنفهم كالتالي: 35 ~~من النساطرة و10 من اليعاقبة و10 ملكيين وماروني واحد. # وكان لهؤلاء إسهام ضخم في إضفاء آفاق جديدة ليس للعقل العربي فحسب، وإنما للغة العربية ~~كذلك، فقد اشتقوا كلمات جديدة على لغة العرب التقليدية، فأضفوا بذلك مزيدا من الحيوية ~~والمرونة على العربية التي كانت آنذاك أرقى لغات العالم قاطبة. # وقد فتح هؤلاء المترجمون الباب على مصراعيه أمام علماء العرب الأفذاذ من أمثال الفارابي ~~وابن سينا وغيرهم. فالتراكيب والكلمات التي استحدثها المترجمون خلال نقلهم من علماء وفلاسفة ~~الإغريق ساعدت علماء العرب على صياغة اكتشافاتهم ونظرياتهم التي كانت فتحا في كافة ~~المجالات العلمية آنذاك. ~~••• # وعاد المسيحيون إلى القيام بدور إيجابي فعال بعد ذلك بعدة قرون أيضا. وكان دورهم هذه ~~المرة هو استقدام صناعة جديدة على المنطقة، كان لها ms057 أبلغ الأثر على اللغة العربية، وهي ~~الطباعة. وقد يتصور البعض أنهم جلبوا مطابع تطبع بالحروف اللاتينية، لكن الواقع أنهم اهتموا ~~بجلب مطابع بالحروف العربية، وهي اللغة التي يحبونها ويعتبرونها لغتهم الأم. وقد يتصور ~~البعض أيضا أن جلب المسيحيين لمطابع عربية في الشرق كان بهدف تجاري بحت، وليس حبا في ~~اللغة العربية، لكن ذلك أيضا بعيد عن الحقيقة، حيث لم تكن المطابع آنذاك مدرة للكسب كما هو ~~الحال منذ الستينيات من القرن الماضي. # والملاحظة الجديرة بالذكر هنا أن الطباعة بالحروف العربية نشأت في أوروبا أولا خلال ~~القرن السادس عشر على يد الإيطاليين بصفة خاصة. لكن ما يهمنا هنا إسهام المسيحيين العرب في ~~إدخال الطباعة وانتشارها في العالم العربي. # ويرجح مؤرخو الطباعة أن أول نص طبع بالعربية كان «كتاب المزامير» وتمت طباعته عام 1610م في ~~دير القديس أنطون قزحيا، وكان من الرهبان الموارنة، وقد طبع باللغتين السريانية ~~والعربية. # أما أول مطبعة عربية صرفة في الشرق فقد أنشئت بحلب سنة 1698م على يد البطريرك أثناسيوس ~~الرابع. ويورد بطرس البستاني في كتاب «أدباء العرب» (ج3) أنه قد تقلب مرارا بين ~~الأرثوذوكسية والكاثوليكية الملكية. # وكانت أول مطبعة عربية في لبنان مطبعة مار يوحنا الصايغ من الروم الملكيين، وقد أنشئت عام ~~1732م في بلدة الشوير ثم مطبعة القديس جاورجيوس، وهو من الروم الأرثوذكس وأنشأها في بيروت عام ~~1753م. ومن الواضح أنه كانت هناك منافسة بين الملل المسيحية المختلفة للتأكيد على هويتهم ~~العربية. # وفي عام 1874م ظهرت في بيروت المطبعة الأمريكية ثم المطبعة الكاثوليكية. وبعد ذلك أنشئت ~~مطبعة المعارف سنة 1867م للمعلم بطرس البستاني وخليل سركيس. وأنشأ هذا الأخير بعد ذلك ~~المطبعة الأدبية عام 1874م. # وفي مصر بدأت الطباعة مع الحملة الفرنسية (1798-1801م)، وأنشأ محمد علي مطبعة بولاق التي ~~سميت المطبعة الأميرية. لكن أول مطبعة أهلية في مصر كانت المطبعة القبطية التي أنشأها ~~الأنبا كيرلس الرابع سنة 1860م. # وقد انتشرت المطابع في العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، لكن ~~الريادة في هذا المجال كانت للمسيحيين فساهموا ms058 بذلك في توفير الأداة اللازمة لنشر فكر ~~النهضة، ولازدهار الصحافة، وما واكب ذلك من تطور حاسم في اللغة العربية. # ثم جاء عصر النهضة فكان للمسيحيين مرة أخرى دور في منتهى الأهمية في بعث اللغة العربية ~~وآدابها، وكانوا ركنا من أهم أركان الانتعاشة الفكرية واللغوية في القرنين التاسع عشر ~~والعشرين، بل إن بعضهم كانوا من رواد حركة التطور الشعري التي ظهرت على استحياء مع بداية ~~القرن التاسع عشر. وكان من أشهر هؤلاء الرواد نيقولا الترك (1763-1828م) وبطرس كرامة (1774-1851م) وهما من أبرز من سعوا لإحياء الشعر العربي وبعث تراثه العظيم. # وعاد المسيحيون إلى الصفوف الأولى في الإبداع بأجمل وأرق القصائد بعد طول انقطاع بسبب ~~التعصب اللغوي الذي عانوا منه طويلا وحرمهم من استخدام العربية بحجة أنها لغة المسلمين ~~وحدهم. فظهر خليل مطران وبشارة الخوري الملقب بالأخطل الصغير، وكانوا من أعظم شعراء العرب في ~~القرن العشرين. # كما تفجرت موهبة شعراء المهجر الذين اشتعل حنينهم لوطنهم العربي بعد أن هاجروا منه. وبزغ ~~نجم إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة ورشيد سليم الخوري الملقب بالشاعر القروي. # وربما كان ألمع من هاجروا وتركوا بصمة على الأدب العربي جبران خليل جبران (1883-1931م)، ~~صاحب كتاب «النبي» الذي يعد تحفة أدبية بمعنى الكلمة. وبرغم أن الجانب الأكبر من إبداعات ~~جبران باللغة الإنجليزية، إلا أنه ترك شعرا رقيقا سيظل محفورا في التاريخ الأدبي العربي. ~~ومن أشهره ما غنته المطربة اللبنانية فيروز من قصيدة المواكب: # أعطني الناي وغن # فالغنا خير صلاة # وأنين الناي يبقى # بعد أن تفنى الحياة # أعطني الناي وغن # وانس داء ودواء # إنما الناس سطور # كتبت لكن بماء # أما دورهم في إنشاء وتطوير فن الصحافة فهو معروف للجميع. وقد أسهموا جنبا إلى جنب مع ~~إخوانهم المسلمين في تطوير اللغة العربية وتطويعها لمقتضيات الأخبار والمقالات التي نشروها ~~في صحفهم. # ومن أقدم دور الصحف التي لازالت تلعب دورا متميزا في الصحافة العربية «الأهرام» و«دار ~~الهلال». وقد أنشأ الأهرام بالإسكندرية في سنة 1876م الأخوان سليم وبشارة تقلا، وهما مسيحيان، ~~ثم نقلاه إلى ms059 القاهرة عام 1892م. # أما مجلة الهلال فقد أنشأها عام 1892 جرجي زيدان، وهو مسيحي لبناني نزح مثل الأخوين تقلا ~~من لبنان إلى مصر بسبب الاضطهاد العثماني. # وفي الإسكندرية صدرت صحيفة «المحروسة» عام 1880م على يد أديب إسحق وسليم النقاش. أما ~~المقطم التي انطلقت من القاهرة سنة 1889م فقد أسسها ثلاثة مسيحيين هم يعقوب صروف وفارس نمر ~~وشاهين مكاريوس. وفي القاهرة أيضا أنشأ نقولا شحادة «الرائد المصري» عام 1896م. # وفي عام 1910م اشترك مسلم ومسيحي هما الشيخ أمين تقي الدين وأنطون الجميل في إصدار مجلة ~~سياسية أدبية باسم «الزهور». # وفي لبنان، كانت مجلة «الجنان» التي أنشأها المعلم بطرس البستاني عام 1870م من أوائل ~~المجلات السياسية الأدبية التاريخية في الوطن العربي. وأنشأ ابنه سليم البستاني «الجنينة» ~~التي كانت أول جريدة منتظمة شبه يومية في لبنان عام 1871م. # وفي دمشق، أنشأ سليم حنا عنجوري سنة 1887م مجلة «مرآة الأخلاق». وأنشأ جورج متى وجورج سمان ~~سنة 1900م مجلة الشمس. # وفي بغداد ظهرت مجلة «زهيرة بغداد» للآباء الكرمليين عام 1905م. وحتى في الموصل أنشئت مجلة ~~«إكليل الورود » للآباء الدومنيكان عام 1902م. # ومن الواضح أنني أقتصر هنا على الإسهام المسيحي وحده، فهناك دراسات كثيرة عن تاريخ ~~الصحافة من الممكن للقارئ أن يطلع عليها؛ للإلمام بهذه الصناعة التي كان لها أبلغ الأثر على ~~اللغة العربية. # ولم يكتف المسيحيون بالمشاركة في إصدار الصحف والمجلات في العالم العربي، فقد كانوا ~~سباقين أيضا في إنشاء الصحف العربية في الخارج. # ومن الرواد الأوائل في هذا المجال رزق الله حسون الذي بادر عام 1855م بإصدار جريدة «مرآه ~~الأحوال» في الآستانة عاصمة الخلافة الإسلامية. # وأصدر أديب إسحق في باريس مجلة «مصر القاهرة» عام 1879م، تلاه خليل غانم عام 1881م بإصدار ~~«البصير» في عاصمة النور. # أما في أمريكا فقد أصدر اللبنانيون في المهجر عدة صحف في أواخر القرن التاسع عشر وبداية ~~العشرين لا يتسع المجال لاستعراض أسمائها هنا. # وعندما انفتح العالم العربي على الغرب في عصر النهضة، كان المسيحيون اللبنانيون سباقين إلى ~~ترجمة عيون ms060 الأدب الفرنسي والإنجليزي خاصة إلى العربية، تماما كما حدث في أوج ازدهار ~~الدولة العباسية. وكان أشهر هؤلاء سليم البستاني ونجيب طراد ونيقولا رزق الله وطانوس ~~عبده. # كما كان لبعض المسيحيين إسهام لا يستهان به في مجال اللغة والنحو، من أمثال بطرس البستاني ~~والخوري نعمة الله باخوس ونصيف اليازجي، وله كتب في شرح النحو والصرف مثل «نار القرى في شرح ~~جوف الفرا» و«الجمانة في شرح الخزانة». # وهناك أدلة لا حصر لها على عشق المسيحيين للعربية ودفاعهم عنها في مواجهة كل محاولات ~~التشويه. # ففي بداية القرن العشرين ظهرت بالعراق مجلة «لغة العرب» التي نذرت نفسها لحماية العربية ~~من أية شوائب، وللإبقاء على نقاء اللغة، وكان صاحبها الأب أنسطاس الكرملي. # كما أصدر إبراهيم اليازجي (1847-1906م) كتابا بعنوان «لغة الجرائد»، يحمل فيه بعنف على ~~لغة الصحافة حرصا منه على لغة الضاد. # ويتضح من هذا الاستعراض السريع مدى إسهام المسيحيين في دعم وتطوير اللغة العربية في كافة ~~العصور وكل المجالات، من نشأة الكتابة إلى الأدب إلى الترجمة إلى الطباعة إلى الصحافة، ~~جنبا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين. # الفصل السادس # | المتنبي يخاف من الإعراب # لا أظن أن هناك شعبا في العالم يعشق لغته مثل العرب. وهناك أسباب عديدة تجعل للغة مكانة ~~خاصة في الوجدان العربي؛ فهي أولا التي نزل بها القرآن الكريم، كما أنها اللغة التي خلف ~~لنا بها السلف تراثا أدبيا وفنيا يهز أدق أوتار النفس البشرية. ولغتنا جميلة بالفعل ~~وتتميز بموسيقية تلقائية تطرب لها الآذان، حتى لمن لا يفهم المعاني بدقة، كما أنها لغة ~~اشتقاقية على عكس غالبية لغات العالم القديمة والحديثة، وكلها لغات تركيبية. وميزة اللغة ~~الاشتقاقية المرونة والسهولة في استخراج الكلمات والتراكيب الجديدة. وصدق حافظ إبراهيم حين ~~قال على لسان العربية: # أنا البحر في أحشائه الدر كامن # فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي # وكل هذه المقدمات لا بد أن تؤدي إلى نتيجة منطقية واحدة: هي تمسك العرب بالتعامل بهذه ~~اللغة الفصحى التي يعشقونها، ورفضهم لأي وسيلة أخرى للتعبير عن أنفسهم. لكن الواقع كما ms061 نعلم ~~عكس ذلك تماما. # وهناك سؤال بسيط لا نطرحه على أنفسنا لأن ثقافتنا تملي علينا عدم الاقتراب من مناطق ~~نعتبرها محظورة بل محرمة على التفكير. والسؤال ببساطة هو: كيف هجر العرب هذه اللغة طوعا على ~~الرغم من عشقهم لها وتمسكهم بها؟ لماذا لا يتكلم الناس في مصر أو في العالم العربي باللسان ~~الفصيح؟ لماذا أصبحت الفصحى وكأنها لغة إجبارية تستخدم في تحصيل العلوم والكتابة الرسمية ~~فقط؟ # فنحن نستخدم في تعاملاتنا اليومية على كل المستويات اللهجة الدارجة سواء في مصر أو في أي ~~بلد عربي آخر. وحتى في مكة المكرمة مهد الرسول وينبوع اللغة العربية الأصيل يتحدث الناس ~~لهجة دارجة تبعد عن العربية بقدر ما تبعد عنها اللهجات المصرية والسورية. وإذا كانت العربية ~~لغة مقدسة كما يدعي البعض فكيف نبذها مسلمون مؤمنون بدينهم ويقيمون فرائضه ولا يدخرون وسعا ~~في إرضاء ربهم؟ # وقد وصل الأمر إلى أن العربي كان يفضل فناء الدنيا قبل فناء لغته، كما جاء على لسان الشاعر ~~المهجري: # لغة يهون على بنيها أن يروا # يوم القيامة قبل يوم وفاتها # ومع كل ذلك، فلا يوجد عربي واحد في الشرق أو الغرب يتعامل بالفصحى بتلقائية ولممارسة ~~حياته اليومية؛ فمن يتحدث الفصحى يتكلف ما هو ليس في طبيعته، ويبذل مجهودا للتعبير عن نفسه ~~بها، وعادة ما يخطئ في كل جملة ينطق بها. # كيف نفسر هذا التناقض الواضح بين المقدمات والنتيجة الواقعية التي نعرفها جميعا؟ # ستجد بالتأكيد بعض العقول الملتوية التي ستقدم تبريرات غير منطقية تفرضها على الجميع ~~بأسلوب الإرهاب الفكري. # لكن الإجابة المنطقية الوحيدة هي أن العربية من الصعوبة والتعقيد بحيث جعلت العرب يعرضون ~~عنها بالفطرة للإعراب عما في أنفسهم ومن أجل التفاهم فيما بينهم. # الإجابة المنطقية الوحيدة، مهما كانت قاسية على النفس، هي أن الفصحى لا تلائم مقتضيات ~~التفاهم ونقل المعلومات وتفسير حقائق العالم الذي يعيش فيه العرب، سواء في مصر أو السعودية ~~أو سوريا أو الجزائر أو في أي بلد عربي آخر. وظهرت اللهجات كبديل تلقائي على لسان الشعوب ~~العربية ms062 لصعوبة استخدام العربية في حيز التعامل اليومي. # ليس عندي أدنى شك في أن سكان كل البلدان العربية لم يتخلوا عن العربية ببساطة أو عن طيب ~~خاطر، وهم لم يعرضوا عن لغة الضاد منذ قديم الزمان، ولم يلجئوا إلى لهجات بديلة عن طريق ~~الصدفة، فلا بد أنهم شعروا بالعجز الحقيقي عن التعبير عن أنفسهم باللغة التي يحبونها ~~ويشعرون تجاهها بالتبجيل والاحترام؛ لأنها اللغة التي نزل بها كتابهم المقدس. # وقد ترجم أمير الشعراء ولع العربي بلغته في قصيدة ألقاها عند سفح الأهرام ترحيبا بالكاتب ~~اللبناني أمين الريحاني حيث قال: # إن الذي ملأ اللغات محاسنا # جعل الجمال وسره في الضاد # ومع تعاقب الأجيال تم تخليق اللغات العامية في مصر والشام والعراق وشمال إفريقيا، من ~~العربية الفصحى من ناحية، واللهجات التي كانوا يستخدمونها قبل تعريب بلادهم من ناحية ~~أخرى. # وللأسف أننا لا نعرف بطريقة علمية كيف كان يتحدث الناس خلال الحقب المختلفة في التاريخ ~~العربي؛ لأن الموروث المدون يقتصر على الفصحى إلا باستثناءات نادرة. قد يفتي البعض بأننا على ~~يقين من كيفية كلام العرب في الماضي البعيد، لكن مثل هذا التأكيد أقرب إلى «الفهلوة» منه ~~إلى المعرفة العلمية. # الشيء المؤكد هو أن العرب في كل مكان هجروا الفصحى ولجئوا إلى أساليب أخرى للتفاهم فيما ~~بينهم. ومن هذا المنطلق علينا أن نبحث في أسباب البعد عن لغة يعشقها العرب وأنتجت أجمل ~~المعاني الشعرية والأدبية التي يدرسونها في المدارس والجامعات. # فاللغة التي يختارها الناس للتعامل هي الأقرب إلى العقل وإلى النفس، وليست اللغة التي ~~يتكلف الإنسان جهدا بالغا للتعبير عن نفسه بواسطتها. # والدارسون لتطور الحضارات أدركوا أن اللغة معاكسة التوازي مع التقدم الحضاري. فكلما وصلت ~~إحدى الحضارات إلى درجة من التعقيد والتطور الراقي، كلما شعرت بالاحتياج الفطري إلى لغة سهلة ~~تعبر عنها. وهذا هو سر الجهود المستمرة في تبسيط اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية ~~وغيرها من لغات الدول المتقدمة. وكلما ازداد التقدم كلما ازدادت الحاجة إلى تبسيط ~~اللغة. # وبعيدا عن النفاق، فإن علينا أن نطرح على أنفسنا ms063 مجموعة من الأسئلة التي نرفض عادة حتى ~~التفكير فيها، ناهيك عن طرحها ومناقشتها على الملأ. وأول هذه الأسئلة هو عدد العرب القادرين ~~على فهم التراث الشعري العربي، حيث إن الشعر هو أهم ما تركه العرب من آثار فنية وثقافية. ~~وبمعنى آخر: من يستطيع أن يقرأ قصيدة للمتنبي أو ابن الرومي ويفهم معانيها فهما معقولا؟ كم ~~شخصا قادرا اليوم على القراءة يستطيع أن يمسك بديوان البحتري أو أبي تمام ويتذوق ما به من ~~أشعار؟ # وإجابتي عن هذا السؤال هي أن النسبة القادرة على هذا لن تزيد بحال من الأحوال عن واحد في ~~المائة من أبناء الشعوب العربية في أحسن التقديرات. ومن يعترض على هذه النسبة ويرفع شعارات ~~حماسية عليه أن يقوم بتجربة عملية على من حوله من الأشخاص العاديين، أي غير المتخصصين في ~~الأدب أو اللغة العربية، وحتى لو شملت هذه التجربة خريجي أفضل الجامعات في الطب أو الهندسة ~~أو التجارة أو حتى كليات الآداب، باستثناء قسم اللغة العربية، فإن النتيجة لن تزيد عن نسبة ~~هزيلة للغاية، أؤكد وأنا مطمئن أنها ستقل عن 10 في المائة. # وإذا أخذنا في الاعتبار نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، والتي تزيد اليوم عن 50٪، ~~سنجد أن افتراض 1٪ الذي ذكرته قد يكون أعلى كثيرا من الواقع؛ فأغلب الظن أن نسبة من يفهمون ~~الشعر العربي، وهو العمود الفقري لتراثنا الثقافي، لن تزيد عن نصف في المائة أو أقل من ذلك. ~~ربما ارتفعت قليلا في دول تعداد سكانها ضئيل، وحصل أبناؤها على قسط من التعليم أكثر من ~~غيرهم، لكن هذه النسبة لن تزيد بحال من الأحوال عن 2 أو 3٪ على أكثر تقدير، وفي عدد ضئيل ~~جدا من الدول، إنما المتوسط العام لن يزيد عن نصف في المائة. ~~••• # ولا يقتصر الأمر على الشعر وحده، فلو عرضنا كتاب «الأغاني» على المتعلمين من غير ~~المتخصصين فستكون نسبة الذين يفهمون الكتاب بصورة مرضية والقادرين على إدراك معانيه وتذوق ~~ما أبدعه الأصفهاني نسبة ضئيلة للغاية. # والغريب أنني عندما طرحت هذا السؤال على البعض ms064 أبدى غضبه من الطرح ذاته. وقد تهرب من ~~الإجابة غالبية من طرحت عليهم السؤال ورفضوا أن يقروا بحقيقة لا تقبل أي شك، وهي أن ~~الغالبية العظمى من المصريين والعرب غير قادرين على استيعاب الشعر القديم والأدب الكلاسيكي ~~دون شرح مستفيض. # ولا أفهم لماذا نتهرب من الحقيقة ونكره أن نرى الواقع كما هو. وكما حاولت أن أبرز في كتاب ~~«الداء العربي»، فإن من أخطر عيوب العقل العربي الإصرار على رفض مواجهة الواقع، والميل إلى ~~الاستسلام الإرادي للأوهام. فمن أكثر ما يزعجنا أن يخرج علينا من يكشف المستور الذي يعرفه ~~الجميع، لكن الكل يتكتمه ويرفض أن يجهر به. # والغالبية العظمى من القادرين على فهم أو تذوق الشعر العربي القديم ينتمون على الأرجح ~~للجامعات ومراكز البحث الأكاديمي والأساتذة وغيرهم ممن وهبوا حياتهم للغة والأدب. أما ~~الباقون ففهمهم للشعر تقريبي ويدركون المعنى العام للبيت لكنهم بالتأكيد لا يدركون معانيه ~~الحقيقية والعميقة. # ولا أعتقد أنه يوجد شخص واحد في العالم العربي يستطيع أن يدعي أنه قادر على فهم كل ~~المفردات ولا تفوته كلمة واحدة في الشعر العربي القديم. فهل يعقل أن يستوعب عقل واحد ما ~~يقارب 2 مليون كلمة مهما أوتي من ذاكرة حديدية؟ مثل هذا الكم الهائل في حاجة إلى كمبيوتر ~~للحفظ والتخزين. وقد وجدت القواميس في كل اللغات لهذا السبب بالذات، وهو استحالة أن يستوعب ~~عقل واحد معاني كل الكلمات في أي من لغات العالم. والمشكلة كما قلت هي أن القواميس اللغوية ~~غير متوفرة في العربية بالسهولة وبالأسلوب العملي الذي نجده في اللغتين الإنجليزية ~~والفرنسية بصفة خاصة. # وتلاميذ المدارس يكتفون بحفظ الشعر دون فهمه لمجرد النجاح بالامتحان، وهم يسرعون بنسيان ~~ما حفظوه بمجرد الخروج من قاعة الامتحانات، وكأنه «هم وانزاح» من على كاهلهم. # وأعترف أنني كنت من هؤلاء؛ فقد كنت أحفظ شعرا كثيرا نسبيا من أيام المدرسة، لكنني لم ~~أكن أفهمه. وعندما استرجعت هذا الشعر بعد بلوغ سن النضج الذهني، أدركت المعاني التي كانت ~~خافية عني تماما في السابق. والغريب أنني كنت قد ms065 نسيت هذا الشعر ولم أكن أتخيل أنه لازال ~~كامنا في أعماق ذاكرتي، لكنه كان بالفعل مخزونا في العقل الباطن حتى تم استحضاره عندما ~~أعدت قراءته وأنا كبير. # والأرجح أن الغالبية العظمى من المصريين والعرب لا يتاح لهم أن يستعيدوا من أعماق الذاكرة ~~أبيات الشعر التي حفظوها في مرحلة الدراسة. ولولا والدي رحمه الله الأستاذ محمد مفيد ~~الشوباشي، ولولا احترافي الكتابة لظل الشعر الذي حفظته مدفونا في مجاهل اللاوعي بذاكرتي، ~~ولم يظهر أبدا إلى السطح. # وأستخلص من هذا أن الذين يجيدون العربية إجادة تسمح لهم بفهم التراث، هم الذين أفنوا ~~حياتهم في تعلم اللغة والدين، وهؤلاء مطلوبون في مجتمعاتنا، لكنه لو فعل الجميع مثلهم فلن ~~تكون لدينا هياكل البنية الأساسية للدولة؛ لأن هؤلاء غير قادرين على استيعاب العلوم ~~الدنيوية. # وأعلم أن مثل هذا كلام وتلك الاستفسارات ستثير قلق وحفيظة الكثيرين، وسيجد هؤلاء تبريرات ~~وتفسيرات غير منطقية، لكنها ترضي قناعتهم العمياء بالارتباط العضوي بين الشعوب العربية ولغة ~~الضاد. وبالتأكيد أن هذه العلاقة العضوية موجودة بالفعل، لكنها ليست كما يدعيه حراس العربية ~~وحماة تراث السلف. ~~••• # وصعوبة اللغة العربية ليست ظاهرة جديدة يعاني منها الإنسان العربي في هذا الجيل وحده، فهي ~~سمة قديمة لها جذور في أبعد عصور التاريخ العربي. # ومن يجادل في ذلك عليه أن يتأمل بيتا للمتنبي والظروف التي كتب فيها هذا البيت، يقول ~~فارس العربية: # وكلمة في طريق خفت أعربها # فيهتدى لي فلم أقدر على اللحن # ويروي لنا محمود محمد شاكر ملابسات هذا البيت في كتابه «المتنبي» فيقول: إن الشاعر الكبير ~~كان قد اضطر للهروب من «حمى جرش» خوفا من بطش شخص يدعى ابن كروس وصفه بالأعور. وقد اقتحم ~~الشاعر كما يقول الكتاب ظلمات البادية متوجها إلى أنطاكية، ونظم قصيدة لدى وصوله إلى بر ~~الأمان يمدح بها أبا عبد الله الخصيبي الذي كان ينوب عن أبيه في مجلس القضاء بأنطاكية، كما ~~يقول محمود شاكر. # لكن المهم بالنسبة لنا هنا هو المعنى الموجود في هذا البيت الوارد بالقصيدة. # فالمتنبي يقول إنه خاف ms066 خلال هروبه أن ينطق بلغة عربية سليمة خوفا من أن يكتشف الناس ~~هويته. وكلمة اللحن هي الخطأ في إعراب الكلمة، وبالتالي في نطقها وتشكيلها، أي أن النطق بلغة ~~سليمة يدل على أن المتكلم شخص غير عادي وخارق للعادة، فالنطق الخطأ إذا هو القاعدة، ومن لا ~~يخطئ هو الاستثناء، فإذا نطق المتنبي دون خطأ فمن الممكن أن يكشف ويعرف أنه شخص ينتمي إلى ~~الصفوة. # وإذا صدقت نظرية علوية المتنبي، فإن خوفه من افتضاح أمره كان هاجسا يؤرقه على الدوام، لكن ~~المهم عندنا هنا هو أن المتنبي يقر بأن من كان يتحدث العربية في هذا العصر بلا أخطاء كان ~~يعد شخصا غير عادي. # فكيف نلوم الناس اليوم على عدم إلمامهم باللغة وجهلهم بقواعدها؟ فمن الواضح أن عدم معرفة ~~اللغة كان سمة دائمة في العالم العربي. ونحن نتخيل فيما يبدو أن الناس في الماضي وخاصة في ~~عصر الرسول والخلفاء الراشدين ثم في العصرين الأموي والعباسي، كانوا كلهم سيبويه أو المتنبي ~~أو أبا تمام. وهذا غير صحيح على الإطلاق، فصعوبة اللغة جعلت إجادتها التامة دائما صفة من ~~صفات الخاصة التي كانت تحفظ القرآن وتقرأ كتب التراث. # أما العامة أي غالبية الشعب العربي أو الخاضع لسلطان الأمة الإسلامية، فقد كانت معرفتهم ~~باللغة معرفة محدودة تسمح لهم بالتفاهم وربما القراءة والكتابة، لكنها ليست على أية حال ~~معرفة رصينة وسليمة لقواعد اللغة. # وإذا كان الشباب يتكبد أعتى المشاق في بداية القرن الواحد والعشرين لتعلم قواعد اللغة ~~العربية، فعلينا أن نلتمس لهم العذر، خاصة إذا علمنا بما أفصح عنه أحد ألمع بلغاء العرب في ~~العصر الحديث وهو الإمام محمد عبده. ففي المجموعة الكاملة التي جمعها الأستاذ محمد عمارة ~~يقول محمد عبده حرفيا في كتاب شرح النحو عن تعلمه لقواعد اللغة: «فحملني عدم الفهم على ~~الهرب من طلب العلم لتمكن اليأس من نفسي.» فإذا كان محمد عبده شخصيا قد تعذب منذ نحو مائة ~~وخمسين عاما بسبب قواعد العربية، فماذا عن شبابنا اليوم؟ # وقد أدرك رفاعة الطهطاوي صعوبة اللغة العربية ms067 عندما بدأ يتعلم الفرنسية خلال بعثته لباريس ~~التي دامت من 1826م إلى 1831م، وخلال هذه السنوات الخمس استطاع الطهطاوي الإلمام بالفرنسية ~~وقواعدها إلى درجة مبهرة جعلته قادرا على الكتابة بها دون أخطاء في قواعد اللغة أو ~~الإملاء. وقد وقعت على خطاب محفوظ بأحد المتاحف الفرنسية في باريس بخط يد الطهطاوي، وبصراحة ~~فقد ذهلت لأن الخطاب ليس به خطأ واحد في اللغة. وأعتقد أن هذا لا يدل فقط على عبقرية ~~الطهطاوي، لكنه يدل كذلك على السهولة النسبية لتعلم الفرنسية خاصة بالنسبة لشخص غريب عن ~~الثقافة الأوروبية، فتعلم الفرنسية قد يكون سهلا على شخص إيطالي أو إسباني نظرا لتقاربها ~~مع لغته الأم، لكنه صعب جدا بالنسبة لعربي تربى على لغة سامية. # ويقول رفاعة في «تخليص الإبريز» عن الفرنسية: «كان لسانهم من أشيع الألسن وأوسعها بالنسبة ~~لكثرة الكلمات غير المترادفة، لا بتلاعب العبارات والتصرف فيها ولا بالمحسنات البديعية ~~اللفظية؛ فإنه خال منها.» ومن الواضح أنه يقارن الفرنسية بالعربية العامرة بالمترادفات ~~والتلاعب بالعبارات والمحسنات البديعية. # المشكلة هي أن من يرفضون بشدة أي تطوير ملموس في اللغة هم أنفسهم الذين يرفضون بضراوة أي ~~تجديد في كل مظاهر الحياة، وهم الذين يقفون في مواجهة كل محاولة جادة للخروج من مأزق التمسك ~~بالماضي على حساب الحاضر والمستقبل، وهم أنفسهم الذين يفرضون مرجعيات سلفية لكل قضايا ~~المجتمع ومشكلاته المستعصية. وهؤلاء يقحمون الدين الحنيف في كل شيء، ليس في السياسة فقط لكن ~~في التعاملات اليومية والعلاقات الاجتماعية والقوانين وقواعد السلوك العام. وهم يعمدون إلى ~~ترويع الناس معنويا من أجل الحفاظ على القديم الذي يناسب مصالحهم. # وقد نجح هؤلاء في إسكات كل صوت ينادي بالتطوير، بتوجيه أشنع الاتهامات إليه، وأولها بأنه ~~معاد للدين وكافر بالله. وقد أصبحت هذه الاتهامات المخيفة جاهزة على ألسنة حراس الماضي. ~~وليسوا في حاجة إلى سند من المنطق للإطاحة بمن يفتح فمه للاعتراض، وأصبح الإنسان متهما ~~عندهم بالكفر حتى يثبت إيمانه. # وفي كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» الصادر عام 1937م ينبه الدكتور طه حسين إلى خطورة ms068 تحجر ~~اللغة العربية، ويدعو إلى إصلاح اللغة بصورة عاجلة. وفي الفصل الذي يحمل رقم 37 بطبعة دار ~~المعارف الصادرة عام 1996م وتحت عنوان: «ما اللغة العربية التي تتولى الدولة تعليمها»، يقول ~~طه حسين «إن إصلاح اللغة أصبح ضرورة من ضرورات الحياة بل من ضرورات الدين نفسه.» # لكن المفارقة هي أن عميد الأدب العربي لا يبدأ بنفسه، فهو يكتب بلغة بلاغية رائعة الجمال، ~~لكنها لغة ليست في متناول القارئ العادي سواء في عصره أو في بداية القرن الحادي والعشرين. ~~واللغة التي استخدمها طه حسين في هذا الكتاب وفي كل ما كتب بعيدة كل البعد عما نادى به من ضرورة ~~تيسير اللغة وتقريبها إلى العامية. ومع الاعتراف بجمالها الكلاسيكي فإن لغة طه حسين أقرب ~~كثيرا إلى لغة الجاحظ منها إلى اللغة التي ينادي باستخدامها. وقد حاول في أحد كتبه تطبيق ~~رأيه في كتابة اللغة كما تنطق لكنها كانت تجربة فاشلة، ولا يعرف هذا الكتاب إلا المتخصصون ~~دون غيرهم. ~~••• # ومن أبرز الأمثلة على التحجر الذهني الذي يعكسه بجلاء تحجر لغوي في الألفاظ والمعاني، ما ~~ظل يصنعه الشعراء العرب لقرون طويلة؛ فقد كان تقليد القديم شرطا حديديا للإبداع الشعري، ~~وكل ما خرج عن السلف كان يعتبر محاولات شيطانية غير مقبولة، فكان الشعراء حتى العصر العباسي ~~كثيرا ما يضطرون إلى البكاء على الأطلال والتغني بالناقة وبالبيداء وبالرمح في عصور اختفت ~~فيها كل هذه العناصر من حياتهم. فالبدو الرحل كانوا يذرفون الدموع على الأطلال التي تركها ~~قوم حبيبتهم بسبب الترحال من مكان إلى آخر بحثا عن الماء وظروف معيشية أكثر ملاءمة. أما ~~شعراء العصر الأموي والعباسي الأول فكانوا في معظمهم يعيشون في المدن أو القرى التي لا ~~يحتاجون فيها إلى الترحال، وكانت حبيباتهم تسكن مكانا ثابتا ولا يحتاج أهلهن إلى ~~التنقل. # ومع ذلك فقد كان الشعراء في ذلك العصر يذعنون لإرادة التيار المحافظ الغالب، مع أنهم لا هم ~~يعيشون في الصحراء ولا يركبون الجمال ولا يستخدمون الرماح، لكنهم ظلوا مضطرين لمحاكاة ~~القدماء بنفس المعاني ونفس الكلمات، ms069 فجاء شعرهم مضحكا ومحزنا في الوقت ذاته. # وكان الشعراء المتمردون على القديم يلقون ألوانا من العنت تصل إلى حد الضرب والطرد ~~والحبس والاتهام بالزندقة. كل هذا بفعل من يدعون حماية الدين وحماية اللغة من عدوان ~~«المارقين». لكنه إذا كانت العربية قد نالت شيئا كبيرا من التطوير فذلك بفضل هؤلاء ~~«المارقين» الذين اجترءوا على المحرمات، وشعروا بضرورة كسر القوالب الجامدة المفروضة من قبل ~~حراس الماضي في كل زمان. # وبرغم الإرهاب الفكري لبعض حماة القديم آنذاك، استطاع الشعراء الفكاك في كثير من الأحيان ~~من إسار الماضي وبدءوا يعبرون شيئا فشيئا عن بيئتهم وعصرهم. # ويذكرني ما لاقاه هؤلاء الشعراء من عنت ومعاناة على يد التيارات المحافظة على القديم، ~~بالذين يعيشون بيننا اليوم ويريدون فرض أفكار لم يعد لها ما يبررها في عالم القرن الحادي ~~والعشرين، كما يصرون على عدم المساس باللغة التي ورثناها من السلف، وآن الأوان أن نطورها حتى ~~نجاري عصرنا الحالي. # فلا توجد دولة كبيرة واحدة كما قلت لا تبذل الجهود المستمرة من أجل تطوير لغة التعبير ~~التي يستخدمها أبناؤها، بهدف مواكبة التطور الطبيعي الذي يفرض نفسه على المجتمعات. # أما نحن العرب فنعاند سنة التطور ونصادر المستقبل لمصلحة الماضي. والنتيجة أن غالبية ~~العرب يخطئون في لغتهم الأم ولا يلمون بقواعدها الأساسية. # وما أستخلصه مما سبق ليس أن الشعوب العربية شعوب جاهلة وعاجزة عن استيعاب لغتها الأم، لكن ~~ما أستخلصه هو أن اللغة العربية لم تتطور كما ينبغي لتلائم العصر الذي نعيش فيه، وأنه آن ~~الأوان لتحديثها. ومن العبث فعلا التمسك برفض التغيير على أساس دعاوى واهية تلعب دورا ~~رئيسيا في تخلف العقل العربي. # الفصل السابع # | شيزوفرينيا لغوية # لعل أدق توصيف للحالة اللغوية التي يعيشها الإنسان العربي منذ قرون طويلة هو ما يطلق عليه ~~في علم النفس «شيزوفرينيا»؛ فهو عندما يتحدث على سجيته في منزله وفي عمله وفي الشارع ~~والسوق، يستخدم اللهجة الدارجة السائدة في بلاده، لكنه عندما يقرأ الصحف أو يستمع إلى نشرات ~~الأخبار في الإذاعة والتلفزيون وعندما يقرأ الكتب أو ms070 يكتب طلبا أو مذكرة في عمله، فإنه ~~ينتقل إلى لغة أخرى مختلفة هي العربية الفصحى. # ولو عرفنا العربية بأنها الفصحى وحدها فسنقع في مفارقة غريبة، وهي أن أكثر من نصف أبناء ~~الشعوب العربية ليسوا عربا، فمن المعروف أن أكثر من 50٪ من سكان العالم العربي يجهلون ~~العربية الفصحى. ولو عرفنا العربية بأنها اللهجات التي تتحدثها الشعوب العربية، نكون قد ~~وقعنا في خطأ كبير. # ولأنني أعيش حالة الشيزوفرينيا اللغوية، مثلي مثل ملايين العرب، كنت أتصور أن الفارق بين ~~الفصحى واللهجات ضئيل للغاية، وأن من يعرف إحداهما وخاصة الفصحى يعرف الأخرى أو على الأقل ~~لا بد أن يفهمها. لكن التجربة وخاصة مشاهدتي للأجانب الذين يتعلمون العربية أقنعتني ~~بمدى الهوة بين العامية والفصحى؛ فالأجانب الذين يجيدون الفصحى إجادة تامة وعكفوا سنوات من ~~عمرهم على دراسة لغتنا يفغرون أفواههم عندما أحدثهم بالعامية المصرية، ولا يفهمون شيئا مما ~~أقول. # إذا فكل عربي متعلم يتعامل في حياته اليومية بلغتين مختلفتين، حتى وإن جمعتهما مفردات ~~عديدة وبعض القواعد العامة. # وقد يجادل البعض بأن اللهجات كانت موجودة دائما في العالم العربي. فما الذي استجد حتى ~~نفكر الآن في إيجاد مخرج من هذا الوضع ؟ وهم يرون أن حالة التعايش التي استمرت قرونا ~~متعاقبة يمكن أن تستمر هكذا إلى أبد الآبدين. وقد سردت في المقدمة بعض المستجدات التي ~~تجعلنا نقلق على لغتنا الجميلة. # وبالإضافة إلى تلك الأسباب، فإنه يفوت على هؤلاء البعض أن حالة الشيزوفرينيا في الماضي ~~كانت مقصورة على شريحة محدودة للغاية في المجتمعات العربية، وهي القادرة على القراءة ~~والكتابة. ولأن نسبة الأمية كانت تزيد بالتأكيد على 95٪ من الشعوب العربية حتى زمن ~~قريب، لم تكن حالة الانفصام اللغوي تشكل ظاهرة تمس المجتمع ككل. أما اليوم، وبفضل ~~انتشار التعليم، فقد أصبحت نسبة مستخدمي الفصحى لا تقل عن 50٪ من أبناء الشعب العربي، ~~وهذا تغير جذري لا يمكن إهماله، فالقوى الحيوية للشعوب العربية هي تلك الفئات ~~المتعلمة القادرة على دفع عملية التطور، وهي التي تعاني معاناة حادة مما ~~أسميه شيزوفرينيا لغوية. # في الماضي ms071 كانت الغالبية الساحقة من أبناء الشعوب العربية تعيش وتموت دون أن تعرف شيئا ~~عن الفصحى، وكانت الفئة القليلة من علماء الدين أو اللغة يكرسون حياتهم للدرس والتحصيل، فلا ~~تمثل حالة الشيزوفرينيا مشكلة معقدة بالنسبة لهم. فتحول الشيزوفرينيا من واقع تعيشه القلة ~~إلى مشكلة عامة في المجتمع، هي قضية حديثة، ومع زيادة نسبة التعليم المطردة في العالم ~~العربي، سوف تتحول مشكلة الشيزوفرينيا إلى أزمة تضاف إلى ازمات العقل العربي في القرن ~~الحادي والعشرين. # ويبذل الإنسان العربي لا شعوريا جهدا ضخما للتوفيق بين اللغتين في عقله، لكننا لا ~~نشعر بهذا المجهود الذهني؛ نظرا لأننا نشأنا على هذا الوضع الشاذ ورضعنا منذ الطفولة تلك ~~الازدواجية اللغوية، فاعتبرناها أمرا مسلما به يتسق مع طبيعة الأمور، بل إن المتعلمين من ~~العرب يخلطون في عقلهم الفصحى والدارجة وكأنهما لغة واحدة أو وسيلتان للتعبير بينهما تقارب ~~شديد. لكن الواقع أن الفارق بين الفصحى واللهجات يكاد يوازي الفارق بين لغات مختلفة، وإن كان ~~لها أصل واحد مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية على سبيل المثال. ~~••• # ولو فكرنا قليلا بموضوعية يتضح لنا أن هذا الوضع غير طبيعي، وأنه يكلف العقل العربي ~~إرهاقا ذهنيا يحط من قدراته، كما يشتت ملكاته الفكرية. ولأن الإنسان كما هو معروف لا ~~يفكر بطريقة مجردة وإنما من خلال كلمات تتشكل في عقله، فإن العربي مهدد بانفصام في التفكير: ~~هل يفكر بالفصحى أم بالعامية؟ وأيا كانت الإجابة فمن المؤكد أن هناك تشويشا في عقله لا ~~يساعده على الوضوح الذهني. # وما يزيد الأمر تعقيدا أن العربي الطامح إلى التقدم في العملية التعليمية وتطوير قدراته ~~يضطر إلى إجادة لغة أجنبية سواء الإنجليزية أو الفرنسية. والسبب في ذلك لا يخفى على أحد وهو ~~أن كل العلوم والتخصصات أصبحت تصاغ بإحدى هاتين اللغتين وبالإنجليزية بصفة خاصة. # فإذا أراد أي شاب أن يكون طبيبا أو مهندسا أو كيميائيا أو خبيرا في الكومبيوتر أو ~~حتى صحفيا أو مؤرخا أو جغرافيا، فلا بد له من الاطلاع على المصادر الأجنبية في تخصصه، ~~ولا يمكنه أن يعتمد ms072 على العربية التي تأخرت كثيرا في كل ميادين العلم والمعرفة؛ وبالتالي ~~فإن العربي المثقف لا بد له أن يجيد ثلاث لغات على أقل تقدير: لغة يتحدث بها في حياته ~~اليومية، وأخرى يكتب ويقرأ ويدرس بها، ثم لغة أجنبية تفتح له أبواب العلم والمعرفة ~~الحديثة. # صحيح أن الإنسان العصري المثقف في أي مكان بالعالم عليه أن يعرف أكثر من لغة؛ لأن ذلك يفتح ~~أمامه آفاقا واسعة ويجعله منفتحا عقليا على العالم الخارجي، إلا أن المطلوب هو ~~معرفة لغة أجنبية عنه، وليس لغتين متضاربتين في صلب ثقافته الواحدة. # ولكي ندرك أهمية تعلم لغة أجنبية يمكننا الرجوع إلى ما كتبه في هذا الشأن شيخ عظيم من ~~شيوخ الإسلام هو الإمام العبقري محمد عبده. وهذا الشيخ الجليل هو قطب من ألمع أقطار ~~الاستنارة في الحقبة الفاصلة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، على عكس بعض تجار الدين في ~~هذه الأيام من الذين يبذلون الجهود لجذب الأمة العربية والإسلامية إلى الوراء ولنشر أفكار ~~تؤدي إلى الخرافات والخزعبلات. # يقول محمد عبده في فصل بعنوان «تعلمي للفرنسية» في كتاب «الأعمال الكاملة للإمام الشيخ ~~محمد عبده»، من تحقيق وتقديم الدكتور محمد عمارة ما نصه: # إن الذي زادني تعلقا بتعلم لغة ~~أوروبية هو أني وجدت أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة أمته ~~ويقتدر به على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي إلا إذا كان يعرف لغة أوروبية. كيف لا وقد أصبحت ~~مصالح المسلمين مشتبكة مع مصالح الأوروبيين في جميع أقطار الأرض؟ وهل يمكن مع ذلك لمن لا ~~يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم؟ أو للخلاص من شر الشرار منهم؟ # هكذا لخص الشيخ محمد عبده منذ أكثر من مائة سنة الأسباب التي تجعل معرفة لغة أجنبية، ~~وخاصة الإنجليزية أو الفرنسية، ضرورة لأي إنسان ينشد التطور الشخصي والمنفعة العامة. # وتعدد اللغات وإن كانت له إيجابياته الكثيرة إلا أنه قد يشتت الإنسان عن صلب المعرفة، ~~خاصة عندما يضطر إلى تعلم لغتين لممارسة حياته العادية، ms073 كما هو الحال بالنسبة لنا نحن ~~العرب. # وإذا قارنا هذا الوضع بالمواطن الأمريكي مثلا، نجد أنه من الممكن أن يكتفي بلغة واحدة ~~ليصل إلى ما يريد، فاللغة التي يتحدث بها ليشتري حاجته من السوق هي نفسها اللغة التي درس بها ~~والتي يشاهد بها نشرات الأخبار بالتلفزيون، وهي أيضا التي يحتاجها في كل المراجع الهامة في ~~تخصصه، أيا كان هذا التخصص. وكذلك الحال إلى حد بعيد بالنسبة للفرنسي أو الألماني. # وقد يفتي البعض بأن مشكلة الازدواج اللغوي موجودة في الإنجليزية والفرنسية وكافة اللغات ~~الأخرى، فالناس في الشارع وخاصة الشباب يتحدثون لغة تختلف عن لغة التدريس في جامعات ~~أكسفورد والسربون، لكن هذه مغالطة فاضحة هدفها تبرير حالة الشيزوفرينيا التي نعيشها كعرب، ~~وتمييع المشكلة وكأن كل شعوب العالم تعاني منها. وهو أمر غير صحيح على الإطلاق. # أما الواقع فهو أن لغة التخاطب الدارجة في هذه البلاد تختلف عن اللغة الراقية بقدر ما ~~تختلف لغة شباب اليوم في مصر عن اللغة العامية التي يتحدث بها أفراد الأسرة في المنزل أو ~~الموظفون في الوزارات وأماكن العمل. وهناك مفردات يستعملها الشباب لا يفهمها الكبار وتبتعد ~~لغتهم إلى حد ما عن اللغة العامية المستخدمة في المدن المصرية الكبرى منذ عشرين أو ثلاثين ~~عاما. # والأقرب للمنطق أن نقارن ما هو قابل للمقارنة، لا أن نقارن أي شيء بأي شيء لكي نثبت ما ~~نحن راغبون في إثباته. ولنأخذ مثالا بسيطا نهديه للذين يفتون بأن مشكلة الانفصام اللغوي ~~موجودة في العالم كله مثلما هي موجودة في العالم العربي؛ فإذا ذهب فرنسي مثلا إلى أحد ~~المحال وطلب من البائع شراء حاجياته، واستخدم في ذلك اللغة التي تكتب بها صحيفة لوموند أو ~~حتى التي يدرس بها في السوربون، فإن البائع لن يرى في ذلك أية غرابة، وسيفهم هذا البائع ~~أيا كانت درجة ثقافته كل كلمة يقولها المشتري. كل ما في الأمر أن البائع سيدرك أنه أمام ~~رجل على قدر عال من التعليم والثقافة. # أما إذا ذهب مواطن في مصر أو في اليمن ms074 أو المغرب وتوجه إلى البائع قائلا حرفيا: «أعطني ~~يا بني رغيفا من الخبز، وزد عليه قطعة من الجبن.» فسيكون أضحوكة كل من يسمعه وربما لا يفهم ~~البائع ما أراد أصلا. # فهناك إذا في هذه الحالة ثلاث لغات على الأقل يستخدمها الناس في كل بلد عربي؛ اللغة ~~العامية المستخدمة في الحياة اليومية، ولغة مستحدثة وخاصة في أوساط الشباب، واللغة الفصحى. ~~وحتى هذه الأخيرة يمكن تقسيمها إلى لغة الصحافة والإعلام السهلة نسبيا، ثم لغة الكتب ~~والمتخصصين التي لا زالت تتمسك بالقديم. ~~••• # ومن يريد الدخول في تفصيلات أكثر تعقيدا فإن سكان بعض المناطق في العالم العربي لهم ~~أيضا لهجات خاصة، وأحيانا لغات خاصة؛ فالصعيدي مثلا في مصر يتحدث اللهجة السائدة في جنوب ~~مصر ويفهم العامية القاهرية، والحلبي في سوريا يتحدث بلهجة تختلف عن الدمشقي وهكذا. # لكن هذه الظاهرة موجودة في غالبية بلاد العالم، فهناك في فرنسا لغات خاصة مثل البروفنسال ~~والباسك لا يفهمها إلا سكان هذه المناطق. ومع ذلك فإن كل الفرنسيين يفهمون لغة أهل منطقة ~~باريس ويتحدثون بها فيما بينهم. وكل هذا يختلف اختلافا جذريا عن الفارق بين الفصحى ~~واللهجات في العالم العربي. ~~••• # وتطرح الشيزوفرينيا اللغوية التي يعاني منها العرب سؤالا صعبا على النفس لكنه جدير ~~بالطرح، حتى وإن كنا مقتنعين بأن إجابته بالنفي، وهو: هل تصبح اللغة العربية الفصحى مثل ~~اللاتينية؟ أي لغة تفرخ لغات أخرى من باطنها لكنها لا تستخدم في حد ذاتها وتتحول إلى لغة ~~ميتة؟ # وفي كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» يحذر الدكتور طه حسين بشدة من هذا الاحتمال، حيث يقول في ~~الفصل 37 من طبعة دار المعارف الصادرة عام 1996م: # وأنا نذير للذين يقاومون هذا الإصلاح بخطر منكر (...) وهو أن اللغة العربية ~~الفصحى إذا لم ننل علومها بالإصلاح، صائرة - سواء أردنا أم لم نرد - إلى ~~أن تصبح لغة دينية ليس غير، يحسنها أو لا يحسنها رجال الدين وحدهم ويعجز ~~عن فهمها وذوقها فضلا عن اصطناعها واستعمالها غير هؤلاء السادة من ~~الناس. # وفي الواقع أن هدفي من وضع ms075 هذا الكتاب هو تفادي ما ينذر به عميد الأدب العربي الذي أبصر ~~ما لا يراه المبصرون بأعينهم. وصدق نزار قباني في رثائه عندما أكد هذا المعنى ~~قائلا: # ارم نظارتيك ما أنت أعمى # إنما نحن جوقة العميان # واللاتينية كانت أهم لغات العالم في عصر من العصور، وتصور أهلها أن العالم سيظل يتحدث بها ~~إلى أبد الآبدين. وكانوا يطلقون على روما اسم «المدينة الخالدة»، لكن جحافل القبائل القادمة ~~من شرق وشمال أوروبا، والتي اجتاحت أراضي الإمبراطورية الرومانية الغربية، لم تقض على نفوذ ~~روما القديمة فحسب؛ فبعد بضعة قرون لم يعد للاتينية وجود وظهرت لغات هي مزيج بين هذه اللغة ~~واللغات التي كانت تتحدث بها القبائل، مثل الفرنجة والقوط والفندال وغيرهم. وتبلورت في بطء ~~شديد اللغات التي نعرفها اليوم مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية وغيرها. # ومع ذلك فإنه لا تخفى على أي إنسان الفروق الجوهرية بين العربية واللاتينية، فالعربية نزل ~~بها القرآن وكانت لغة تراث عظيم لا يقبل أي عاقل أن يضيع هباء لأي سبب من الأسباب. لكن واقع ~~الحياة كثيرا ما يكون أقوى من إرادة الإنسان خاصة إن لم يعمل الإنسان على تحقيق إرادته ~~بعزيمة صلبة وعمل دءوب. ولو قال أنصار محمد # صلى الله عليه وسلم # في بداية الدعوة لبعضهم البعض: «لا ~~تخشوا شيئا فهذا دين الله، وهو قادر على حمايته.» ثم توقفوا عن أي جهود لنشر الدعوة ووقفوا ~~موقفا سلبيا، فالله وحده يعلم ما كان سيحدث لديننا. # اليوم أيضا، علينا ألا نكتفي بالقول بأن العربية هي لغة القرآن، وبالتالي فلا يمكن أن ~~تمس وسيظل العرب يتحدثون بها إلى الأبد، فهذا لا يكفي، وإنما علينا أن نعمل جاهدين على ~~تطويرها؛ حتى تلائم احتياجاتنا وتظل لغتنا التي نفاخر بها الآخرين. # وكما قلت في المقدمة فإن اللهجات كانت موجودة منذ ظهور اللغة العربية في الجزيرة، وعندما ~~انتصرت لغة قريش بفضل نزول القرآن الكريم بها انزوت اللغات واللهجات الأخرى كلغة أدب ~~وكتابة، لكنها ظلت متواجدة بصورة أو بأخرى في اللغات المستخدمة في الكلام. # وأهم ما يجب ms076 أن نعرفه أن اللغة العربية الراقية التي نزل بها القرآن وكتبت بها روائع ~~الأدب العربي الكلاسيكي، لم تستخدم كما هي كلغة للكلام في أي عصر من العصور، فحتى في زمن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان عامة الناس يتحدثون لغة تمتزج فيها اللغة الراقية باللهجات ~~المسيطرة على اللسان العربي. # وكلما ابتعدنا زمنيا عن اللحظة الفاصلة وهي نزول القرآن، كلما ابتعد الناس عن الفصحى ~~لحساب اللهجات في كل مكان بالعالم العربي، أي أن الناس في العصر الإسلامي بالجزيرة العربية ~~كانوا يتحدثون لغة أقرب إلى الفصحى منهم في العصر الأموي، وكانوا أقرب إلى الفصحى في الأموي ~~من العباسي، وهكذا إلى يومنا هذا الذي أصبحت فيه الفجوة واسعة بالقدر الذي يلمسه أي مراقب لا ~~تحركه العواطف وحدها. # واللافت للانتباه أن اللهجات قد انتصرت كلغة للتعامل اليومي، حتى في مكة المكرمة وهي مهد ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # ومنبع اللغة العربية وبؤرة الفصاحة والبيان. # وهناك سؤال يقفز تلقائيا إلى الذهن: لماذا هجر الإنسان العربي في كل زمان ومكان العربية ~~الفصحى، ولجأ إلى لغة أخرى للتعامل اليومي والإعراب عما في صدره؟ لماذا لا يذهب العاشق إلى ~~محبوبته ويقول لها حرفيا: «أنا هائم في غرامك.» أو «وجهك الصبوح يهز كياني»؟ ولو قال لها ~~مثل هذه العبارات، فالأرجح أن العلاقة بينهما ستنتهي بهذا الغزل البليغ. فلماذا يفضل دائما ~~العاشق عبارات غزل مستقاة من اللهجة الدارجة التي تعبر أفضل تعبير عما في نفسه؟ # من الممكن أن نجد تبريرات فلسفية ونفسانية عميقة لذلك، لكني أرى سببا بسيطا يقفز إلى ~~العقل على الفور: إن الفصحى - بشكلها الحالي - ليست لغة صالحة للتعامل اليومي نظرا ~~لصعوبتها وتعقيداتها. ~~••• # وكان لانتشار العربية خارج الجزيرة مع الفتح الإسلامي آثار حاسمة على لغتنا. ومع الزحف ~~العربي في كل اتجاه شمالا وشرقا وغربا بعد وفاة الرسول وجهت العربية ضربة قاضية إلى كل ~~اللغات التي كانت متداولة في المنطقة، وأهمها الآرامية وهي لغة المسيح عليه السلام والقبطية ~~وهي لغة أهل مصر قبل الفتح، وإلى اليوم فمن الصعب أن ms077 نجيب عن السؤال الآتي: لماذا سيطرت ~~العربية على لسان الناس في الشام والعراق ومصر وشمال إفريقيا، لكنها لم تستطع اقتلاع لغات ~~مثل الفارسية والتركية ولغات شعوب أخرى كثيرة في آسيا؟ # وهناك نظريتان أساسيتان في هذه القضية، تقول الأولى إن العربية ارتبطت بالتعريب أي ~~بانتقال العناصر العرقية العربية وامتزاجها بالشعوب المفتوحة. وبطبيعة الحال فقد كانت ~~الهجرة العربية إلى البلاد الأقرب جغرافيا؛ لذلك فإذا نظرنا إلى خريطة العالم الإسلامي ~~اليوم نجد نواة أساسية، هي العالم العربي، تحيط بها بقعة أكبر كثيرا هي العالم الإسلامي. ~~لكن هذا العامل لم يكن حاسما نظرا لأن عدد العرب الذين خرجوا من الجزيرة للفتح والإقامة ~~في الأمصار لا يتجاوز 200 ألف شخص وفقا لموسوعة «يونيفرساليس»، وهذا الرقم تقريبي كما تقول ~~الموسوعة لكنه ليس بعيدا جدا عن الواقع. ولا شك أن هؤلاء قد تاهوا وسط عشرات الملايين من ~~سكان الأقطار المفتوحة. # أما النظرية الثانية فتقوم على أساس لغوي بحت، فهي تقول إن العربية انتصرت في البلاد التي ~~كانت تتحدث لغات سامية - حامية وهي نفس الأسرة اللغوية العربية - فاستساغت شعوب هذه البلاد ~~مثل مصر والشام اللغة الوافدة مع الفتح؛ لأن لها نفس جذور اللغة التي يستخدمونها . # وربما لعبت عوامل كثيرة دورا في انتصار العربية على لغات البلاد المفتوحة، لكن المهم في ~~هذا البحث هو أن الفصحى لم تنجح في فرض نفسها كلغة تعامل، وانتشرت اللهجات وفقا للعادات ~~اللغوية في كل بقعة من بقاع العالم العربي. # وقد أطلق الجاحظ على اللهجات الجديدة تعبير: «لغة المولدين والبلديين»، والمولدون هم ~~الأبناء المخلطون، أي الذين لهم أم أو أب غير عربي. وكان غالبية المولدين من أب عربي وأم ~~«أعجمية» أي غير عربية. ويبدو أن العرب قد انبهروا بالفتيات الأجنبيات من فارس ومن بلاد ~~الروم حيث كانت هاته الفتيات، وخاصة الروميات منهن، يتميزن بالشعور والعيون الملونة وهو ما ~~لم يشهده غالبية العرب من قبل. ومع طول مدة الفتح والحروب كثر الزواج من غير العربيات أو ~~اتخاذ جاريات يلدن الأبناء. وقد لعب المولدون دورا هاما ms078 في تاريخ الأمة العربية ~~الإسلامية وخاصة في العصر العباسي، لكن دورهم في تطوير أو «تشويه» العربية لم يدرس بما فيه ~~الكفاية إلى اليوم. # ومع الوقت أصبح اللحن والخطأ في اللغة العربية هما القاعدة بالنسبة لعامة الناس، ويروي ~~ابن قتيبة أن أعرابيا دخل السوق فسمع الناس يخطئون في العربية ويلحنون فقال: سبحان الله! ~~يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح! # ويؤكد أحمد أمين في ضحى الإسلام أن اللحن كان فاشيا حتى في العلماء؛ فقد لحن - كما يقول ~~مستندا إلى البيان والتبيين والعقد الفريد وطبقات الأدباء - كل من الإمام أبي حنيفة وعمرو بن ~~عبيد وبشر الميسي. وإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء عاجزين عن التحدث بلغة عربية سليمة مائة ~~في المائة، فما بالنا بعامة الناس في عصرهم، وما بالنا بعامة الناس في عصرنا الحالي، الذي لم ~~يعد فيه الإنسان قادرا على ملاحقة إيقاع الحياة وكم المعلومات التي يضطر إلى استيعابها في ~~كل لحظة حتى يستطيع الالتفات إلى سلامة اللغة التي ينطق بها. # ومن أبرز الأمثلة التي تضرب في فساد اللغة كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لابن ~~إياس. وهو بالفعل يستخدم لغة ركيكة في نظر كتاب التاريخ الفكري والأدبي، حيث يستخدم كلمات ~~وتراكيب عامية، فيقول مثلا واصفا أحد الأمراء: «وأما عسكره فكانوا جيعانين العين، نفسهم ~~قذرة، وعندهم عفاشة في أنفسهم.» # وباختصار، وحتى في العصور الذهبية للدولة الإسلامية، كان الناس يخطئون في العربية عندما ~~يتحدثون بها كما يخطئ فيها العرب في القرن الحادي والعشرين، وكانوا يؤثرون عليها اللهجات ~~التي سيطرت على اللسان العربي تماما مع الابتعاد الزمني عن عصر النبوة ونزول ~~القرآن. ~~••• # وكان من الطبيعي أن تؤدي حالة الشيزوفينيا اللغوية إلى إشاعة حالة من القلق بين المثقفين ~~المصريين والعرب، وخاصة في العصر الحديث. وكان من الطبيعي أن ينكبوا على التفكير في وسائل ~~الخروج من هذه الحالة الشاذة. وقد أدى ذلك إلى مجموعة من الاقتراحات والاجتهادات للعديد من ~~عمالقة الفكر العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين. # ومن أخطر هذه المقترحات التي أقول بوضوح ms079 إنني لا أوافق عليها، هي هجر الفصحى بالكامل ~~واستخدام اللهجات كلغة تعامل رسمية في الدول الناطقة بالعربية. # وقد بدأت فكرة تبني العامية تأخذ طريقها إلى العقل العربي في نهايات القرن التاسع عشر. ~~ونظرا لرفض العربي فطريا لهذه الفكرة، لأسباب دينية مفهومة، فقد كان أول من طرح الفكرة من ~~المستشرقين. وظهرت كتب تروج لاستخدام العامية بديلة عن الفصحى، منها «قواعد اللغة العربية ~~العامية في مصر» للمستشرق الألماني فلهلم سبيتا عام 1880م و«العربية المحلية في مصر» ~~للإنجليزي سلوين ولمور عام 1901م. # وفي عام 1893م نشر الإنجليزي وليام ولكوكس بمجلة الأزهر (ولا أدري إن كان لها علاقة ~~بالأزهر الشريف) مقالا بعنوان: «لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين إلى الآن؟» يدعو ~~فيه إلى نبذ الفصحى واللجوء إلى العامية لتحرير الطاقات الإبداعية عند المصريين. وقام ~~ولكوكس عام 1925م بترجمة الإنجيل إلى العامية المصرية تأكيدا لرأيه في أهمية اللجوء إلى ~~اللهجة الدارجة ونبذ الفصحى. # وأكاد أسمع من يقول: إن رأي هؤلاء المستشرقين دليل على بطلان الدعوة إلى تبني الفصحى، ~~فهؤلاء أعداء الإسلام والعرب ولا يدخرون وسعا لتقويض أركان ديننا وثقافتنا، فكيف نستمع إلى ~~من يضمرون لنا الحقد والكراهية؟ # ولو افترضنا صحة هذا الكلام، فإنه لا ينبغي مع ذلك أن نأخذ آراء الأجانب والمستشرقين ~~باستخفاف لمجرد الشك في مقاصدهم، فهؤلاء المستشرقون لا يتحدثون من فراغ، وإنما من منطلق ~~إعراض كل الشعوب العربية بلا استثناء واحد عن استخدام الفصحى كلغة للتعامل فيما بينها. ~~وعلينا أن نرد على حججهم بقوة المنطق والعقل، وليس بالعواطف وتوجيه الاتهامات. # فهناك بعض من فطاحل الفكر العربي تبنوا هم الآخرون أفكارا مشابهة. وكان أستاذ الجيل أحمد ~~لطفي السيد من أوائل المصريين الذين روجوا لفكرة استخدام العامية، وإن كان قد أعاد النظر في ~~موقفه وتخلى عن هذه الدعوة فيما بعد. كما كان مشروع عبد العزيز فهمي - الذي دعا من بين ما دعا ~~إلى استخدام الحروف اللاتينية للغة العربية - قد أثار موجة اعتراض عارمة من قبل كافة ~~الفئات. # وفي لبنان تحمس لهذه الفكرة سعيد عقل ms080 وأنيس فريحة. وكان قاسم أمين وطه حسين وأحمد أمين ~~وأمين الخولي من بين أشد الداعين إلى تيسير اللغة العربية وتبسيط قواعدها. وكل هؤلاء لا يشك ~~في حسن نوياهم تجاه لغتنا وتراثنا. # ومن أشهر من دعوا إلى تبني العامية بديلا عن الفصحى بحجج عنيفة صدمت الكثيرين، كان سلامة ~~موسى، وقد ساند أيضا استخدام الحروف اللاتينية واعتبر ذلك «وثبة نحو المستقبل». # ويقول سلامة موسى عن الفصحى: «ورثناها من بدو الجاهلية في عصر الناقة، ويراد لنا أن ~~نتعامل بها في عصر الطائرة.» # وفي رأيي أن سلامة موسى قد انطلق من فرضية صحيحة، وهي أن اللغة العربية كما ورثناها لم تعد ~~تلائم العصر، لكن النتيجة التي استخلصها من هذه الفرضية الصحيحة جاءت خاطئة؛ فهو يستنتج من ~~عدم مواءمة اللغة لمتطلبات العصر أن نستبدلها بأخرى هي العامية. لكن النتيجة الأكثر منطقية ~~هي أنه أصبح من الضروري تطوير اللغة، بحيث تناسب أسلوب تفكير واحتياجات إنسان القرن الحادي ~~والعشرين. # والوسيلة الوحيدة لذلك هي الإسراع بالاتفاق على سبل تطوير اللغة بإرادة عربية مشتركة. ولن ~~يتأتى ذلك إلا بوعي المثقفين والقائمين على أمور الثقافة في العالم العربي بأن الفصحى أصبحت ~~مهددة فعلا، وأنه بعد عدة أجيال قد لا نجد من يعرف لغة سيبويه إلا قلة من الدارسين ~~والمتخصصين، فالعامية تعبر عن احتياجات الإنسان العربي للتفاهم أفضل من الفصحى؛ ولهذا هجر ~~اللغة الصعبة إلى الأسلوب الأسهل في التعامل. # والاتجاه الغالب لتناول قضية الشيزوفرينيا اللغوية العربية هي قبولها كما هي، وكأنها قدر ~~مكتوب علينا ولا فكاك منه في المستقبل، لكن العقل يحتم علينا مراجعة هذا الموقف البراجماتي ~~المستسلم للواقع. # من المؤكد أنه ستكون هناك دائما فجوة بين لغة الكلام اليومية ولغة الكتابة، وهي حقيقة ~~موجودة في كل بلاد العالم، لكن واجبنا تجاه الأجيال القادمة هو تضييق هذه الفجوة بأكبر قدر ~~ممكن. ومن الواضح أن هذا هو الاتجاه الذي فرضته طبيعة الأمور وخاصة منذ ظهور الصحافة في ~~العالم العربي. # وكما قلت فإن ما يعرقل الاعتراف بهذا التطور الطبيعي هو الربط المصطنع بين ms081 اللغة والدين، ~~وتخويف البعض بأن المساس باللغة هو مساس بالدين ذاته. وهو كلام بعيد جدا عن الحقيقة كما ~~حاولت أن أثبت في هذا الكتاب. ~~••• # وقد لعبت الصحافة دورا محوريا في إيجاد لغة مبسطة تفهمها شرائح متعددة من أبناء الشعب ~~العربي. ويجمع الكثير من المثقفين ومحبي العربية أن الصحافة فتحت الباب أمام الحل الأمثل ~~لمشكلة الشيزوفرينيا التي تواجه كل عربي قادر على القراءة والكتابة. # وإن كانت جهود الصحافة في تبسيط اللغة لم تسلم من انتقاد بعض فطاحل الفكر العربي، وقد عبر ~~حافظ إبراهيم عن هذا الرأي عندما قال: # أرى كل يوم بالجرائد مزلقا # من القبر يدنيني بغير أناة # وعلى الرغم من وجهة نظر شاعر النيل، إلا أن التقريب بين الفصحى واللهجات هو السبيل الوحيد ~~لإيجاد تطوير منطقي ومقبول من الجميع للغة الضاد. # وأيا كان موقفنا من هذا الوضع اللغوي فإن حالة الشيزوفرينيا التي نعيشها معرقلة للتقدم ~~ومعطلة لطاقات العقل العربي. والعرب في هذا المجال هم حالة لغوية فريدة ووحيدة في عالم ~~اليوم. فإذا كان لا بد أن نتفرد بشيء، فالأفضل أن نتفرد بما هو نافع ومتميز، وليس بما هو ~~ضار ومعرقل. # الفصل الثامن # | غاية اللغة # الأصل في اللغة أنها وسيلة للتعبير عن النفس والتفاهم مع الآخرين. وهناك نظريات متناقضة ~~حول نشأة اللغة في الأطوار الأولى من الإنسانية يختلف حولها العلماء، لكن ما لا خلاف عليه ~~هو أن الإنسان في مراحل تطوره الأولى استخدم أصواتا يرمز بها إلى معان حتى يفهمه الآخرون، ~~وأن الحاجة إلى التفاهم هي التي أوجدت الكلام. وظلت الغاية من اللغة في مختلف الحضارات هي ~~التواصل والاتصال بين أبناء البشرية. # لكنه من الواضح أن المجتمعات العربية تشذ عن هذه القاعدة؛ فاللغة عندنا هي غاية تنشد في ~~حد ذاتها. هي تستخدم بالطبع للتفاهم والتعامل، لكن لها عندنا هدفا آخر نتميز به عن غيرنا: ~~فالعربي يطرب وينتشي من الكلمات سواء في الشعر أو في النثر لدرجة جعلت استخدام التعبيرات ~~والتراكيب الجديدة عليه غاية تفوق في أهميتها الغاية الأساسية من اللغة. # وفي ms082 قصور الخلفاء والأمراء كان الشعراء والعلماء يتسابقون لاستخراج كلمات ومعان مبتدعة، ~~ويتفننون في اللعب بالألفاظ من أجل إرضاء القادرين على منح العطايا. وكان الخلفاء وأولو ~~الأمر يصلون إلى درجة من الانتشاء باللغة تجعلهم يغدقون على الشعراء أموالا تفوق ما يصرف في ~~أهداف أخرى مفيدة للمجتمع. وكان الزخرف والتزيين الكلامي وإيقاع الألفاظ ورنينها وطنينها هي ~~حيثيات البلاغة التي يتيه بها العربي. # فالعربي عاشق للغة ومتيم بها لذاتها وليس لمجرد نقل المعلومات والتفاهم مع الآخرين. ~~ونستخلص من هذا أن مفهوم اللغة لدى العرب يختلف عنه في الحضارات الأخرى؛ فهي وسيلة بالنسبة ~~للآخرين وهي غاية بالنسبة لنا، ثم وسيلة بالدرجة الثانية. # ومنذ بداية القرن العشرين بدأ العلماء يدركون أن اللغة تؤثر في عقل المجتمعات وفي سلوكيات ~~الأفراد، وتعتبر نظرية «سابير-وورف» أول دراسة تربط بصورة مباشرة بين اللغة وتشكيل عقل ~~الإنسان. وظهرت بعد ذلك دراسات كثيرة لم تصل بعد إلى مستوى مطمئن تماما، لكنها تدل كلها ~~على أن هناك صفات عامة للمجتمعات تتصل بقالب اللغة وتركيبها وروحها. واللغة تعبر بصدق عن ~~المجتمع لكنها تؤثر فيه بالتوارث من جيل إلى جيل، فالعلاقة بين العقل واللغة هي علاقة ~~تبادلية؛ فاللغة تعبر عن روح المجتمع بنفس القدر الذي تؤثر فيه. # وإذا أخذنا الإنجليزية مثلا يتضح لنا كم أنها تعكس الروح العملية التي تميز الأمريكيين ~~والإنجليز، وسهولة الحياة وغياب التعقيد في ثقافتهم. والألمانية مرآة للدقة والانضباط، وهما ~~أبرز سمات الشعب الألماني عبر تاريخه. أما الفرنسية فهي تتصف بالوضوح والسلاسة، وقد أفرزت ~~هذه الثقافة وهذه اللغة الفكر الديكارتي العقلاني القائم على منطق محكم وواضح ~~المعالم. # ومنذ نحو ألف ومائتي عام، تنبه رجل ذو بصيرة نافذة، هو الجاحظ لهذه الفروق بإحدى رسائله ~~في «البيان والتبيين» فيقول: «إن الحكمة وقعت على ثلاث: عقل الإفرنج، وأيدي أهل الصين، ~~ولسان العرب.» # وفي كتاب «تاريخ العرب» يعزز فيليب حتي هذه الفكرة حيث يقول: # والعرب لم يبدعوا أو ينشئوا فنا عظيما خاصا بهم من الفنون المعروفة، ~~ولكنهم عبروا عن الغريزة الفنية بصورة واحدة هي: الكلام. ms083 فإن فاخر الإغريقي ~~بما عنده من تماثيل الفن ومنشآت هندسة البناء، فالعربي يرى قصيدته أفضل ما ~~يعبر عن خلجاته الداخلية. # ويبدو أننا قنعنا بهذه القسمة الجائرة التي تجعلنا بارعين في الكلام وليس في أمور العقل ~~والقدرة على العمل. # وإذا كانت اللغة تلعب دورا حاسما في وجدان كل شعوب العالم، فإن أثر اللغة على المجتمع ~~العربي أكبر كثيرا من أي تكتل ثقافي آخر؛ فاللغة بالنسبة للعربي هي التي نزل بها القرآن، ~~وهي لغة الأحاديث الشريفة، وهي لغة التراث الأدبي العظيم الذي تركته لنا أجيال متعاقبة من ~~المبدعين في كل مجال، من امرئ القيس إلى نجيب محفوظ. وفوق كل هذا فهي كما قلنا بمثابة غاية ~~تنشد لحد ذاتها. ~~••• # وسنسعى في هذا الفصل لاستعراض أبرز الآثار الناتجة عن اللغة والمؤثرة في العقل العربي. ~~ومن السذاجة أن نتصور أن اللغة تشكل العقل بطريقة آلية، وأن كل سمات العقل العربي التي ~~سنطرحها في هذا الفصل هي نتيجة للغة وحدها؛ فهناك بالتأكيد عوامل أخرى ثقافية واقتصادية ~~وتاريخية وبيئية وغير ذلك أثرت في تكوين العقل العربي. لكن لغة الضاد تلعب دورا هائلا في ~~تشكيل هذا العقل، وهي كالجينات التي تؤهل الإنسان لصفات معينة ثم تتفاعل مع ظروف الطبيعة ~~والحياة لتخلق شخصية الفرد، فاللغة تحدد ملامح اتجاهات الشخصية العامة لكنها تنعكس بعد هذا ~~بطريقة متفردة على كل شخص. # وكما أن «الفكر القبلي» و«ثقافة الأذن» و«حضارة اليقين» كانت كلها في البداية عناصر ~~إيجابية في عصور ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ثم انقلبت إلى عوامل سلبية مع مرور ~~الزمن، كما أثبت في كتاب «الداء العربي»، فإن اللغة ينطبق عليها هي الأخرى نفس ~~التحليل. # فقد لعبت العربية دورا حاسما في انطلاق العقل العربي من خلال النص المؤسس لحضارة العرب ~~وهو القرآن الكريم. وجاءت بعد ذلك الإبداعات الشعرية والنثرية في العصر الإسلامي ثم الأموي ~~فالعباسي. # وكانت لغتنا الجميلة تسهم في رقي المشاعر وسمو النفوس وتساعد على الاستمتاع بكل ملذات ~~الحياة الروحية والحسية. ولا شك أن اللغة كانت ركنا من أهم أركان الحياة في ms084 قصور الخلفاء ~~والأمراء، وعنصرا من عناصر الارتقاء والشموخ النفسي. وكتاب الأغاني يدل على مكانة اللغة في ~~الحياة العربية في عصور الازدهار. ومع تطور الزمن ورفض العرب أي تطوير للغتهم يتواءم مع ~~التقدم الطبيعي للمجتمعات، أخذت اللغة تتحول تدريجيا إلى عامل من عوامل الجمود المعوقة ~~للتقدم. ~~••• # ومن أبرز الانعكاسات السلبية للغة جنوح العقل العربي إلى الاهتمام بالشكل على حساب ~~الجوهر. وقد تنبه المتنبي لهذا العيب الخطير منذ أكثر من ألف عام بفضل بصيرته النافذة، وكأنه ~~يستشرف آفاق المستقبل ولا يكتفي برصد حاضره. وقد شاع قوله في الشطر الثاني لأحد أبيات قصيدة ~~يهجو فيها كافور: # يا أمة ضحكت من جهلها الأمم # لكن الشطر الأول من هذا البيت أبلغ كثيرا في رأيي وأكثر دلالة على انحياز العقل العربي ~~إلى المظهر على حساب الجوهر، ويقول فيه المتنبي: # أغاية الدين أن تحفوا شواربكم؟ # فقد لاحظ أبو الطيب أن الناس في عصره يلتزمون بإحفاء شواربهم وإطلاق لحاهم، وهي سنة ~~معروفة، ثم بعد ذلك يفعلون ما يشاءون مما يتناقض مع جوهر الدين وينافي تعاليمه الأساسية. ~~ومن هذه الملاحظة طرح سؤاله العبقري: هل الغاية من الدين الذي نزل للإنسان في الأرض هو ~~المظهر الذي يبدو عليه الإنسان، أم هو الجوهر الكامن في قلبه ويترجم بمواقفه من ~~الآخرين؟ # وكأن المتنبي يعيش بيننا الآن ويرى البعض يختزل ديننا العظيم في بعض المظاهر غير الجوهرية، ~~وكأنها لب الدين وأساسه الركين. نرى البعض يختزل الدين الإسلامي في الحجاب بالنسبة للمرأة ~~واللحية بالنسبة للرجل. أما أن يلتزم الناس بالأمانة في المعاملة والبعد عن الفحشاء وعن ~~الرشوة والسرقة، أما عن مساعدة المحتاج وأداء العمل بضمير متيقظ والسعي لخدمة الناس ~~وإسعادهم، فكل هذه أمور ثانوية في نظرهم ولا ترقى إلى مستوى المظاهر. # وهناك مقولة أن العربي يهتم بالكلمات أكثر من المعاني والمعاني أكثر من الأفعال. والأمثال ~~الشعبية تعكس هذا النزوع إلى تفضيل الشكل مثل «لاقيني ولا تغديني» و«لبس البوصة تبقى عروسة» ~~و«الصيت ولا الغنى». وهذه الأمثال، وإن كان فيها الكثير من الحكمة إلا أنها ترمز ms085 بوضوح إلى ~~العقلية العربية التي تولي الشكل أهمية قصوى. ~~••• # الخاصية الأخرى الواضحة في العقل العربي والتي تنعكس في اللغة ثم تعود فتؤثر على الإنسان ~~العربي هي النزعة إلى المبالغة. ونلاحظ أن البلاغة والمبالغة مشتقان من نفس المصدر، مما ~~يعطي انطباعا بأن المبالغة هي جزء لا يتجزأ من البلاغة، التي تعد من أنفس المزايا وأقيمها ~~عند العرب. وبحكم تركيبها فإن اللغة العربية تسوق المتحدث أو الكاتب وتدفعه دفعا إلى أن ~~يضخم المعنى ويسعى إلى تفخيمه والنفخ فيه حتى يؤثر على سامعه. # وإطلاق اسم لغة الضاد على العربية لم يأت من قبيل الصدفة، لكنه يعكس هذه النزعة، حيث إن ~~العربية هي اللغة الوحيدة في العالم التي تحوي حرف الضاد، وهذا الحرف هو تفخيم وتضخيم لحرف ~~الدال الذي تكتفي به كل لغات العالم الأخرى. # ولا تكاد قصيدة أو عمل إبداعي عربي منذ العصر الجاهلي يخلو من المبالغة والتهويل. ولعل من ~~أشهر الأبيات التي وصلت بملكة المبالغة إلى حد الكاريكاتير هو بيت عمرو بن كلثوم في معلقته ~~الشهيرة التي مطلعها: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبقي خمور الأندرينا # ويقول البيت: # إذا بلغ الفطام لنا رضيع # تخر له الجبابر ساجدينا # ويروى في بعض المصادر: «إذا بلغ الفطام لنا صبي.» # وهناك أبيات في هذه القصيدة المعلقة تثير الضحك فعلا، فهو يقول مثلا: # ملأنا البر حتى ضاق عنا # ونحن البحر نملؤه سفينا # أما نحن، فنعرف أن العرب لم يملئوا واحدا في المائة من أرض الجزيرة العربية، كما لم يعرف ~~لهم أية أساطيل، صغيرة أو كبيرة. فما بالنا أن تضيق بهم الأرض وأن يكون لهم أسطول يملأ ~~البحر سفنا. # وظلت المبالغة صفة متوارثة من جيل إلى جيل وكأنها سمة لاصقة بالعقل العربي ومرتبطة ~~بالأسلوب واللغة وبالفصاحة ذاتها. واشتهرت العنتريات التي ارتفعت بالتهجيص والتهويش إلى ~~أعلى ما يمكن أن يصل إليه أسلوب لغوي. # ولنتأمل النص التالي الذي يورده ابن قتيبة في «عيون الأخبار» في «باب الحرب»: # كان لأبي حية النميري سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسمى (لعاب ms086 ~~المنية). قال جار له: أشرفت عليه ليلة وقد انتضاه وشمر وهو يقول: أيها ~~المغتر بنا والمجترئ علينا، لبئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف ~~صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهور ضربته، لا تخاف نبوته، ~~اخرج بالعفو عنك وإلا دخلت بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ ~~الأرض خيلا ورجلا، يا سبحان الله، ما أكثرها وأطيبها. ثم فتح الباب، ~~فإذا كلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني حربا. # وهذا النص الذي تنضح منه السخرية مثال كاريكاتيري للكلمة التي تفقد معناها بسبب العنترية ~~والتهويل، وينطبق عليه المثل القائل: «الجنازة حارة، والميت كلب.» ~~••• # واستمرت هذه النزعة إلى المبالغة ونقلت عدواها إلى رجال السياسة الذين اعتادوا على إطلاق ~~التصريحات النارية التي يعلمون سلفا أنهم غير قادرين على تنفيذها. # ولعل أشهر مثال على ذلك هو تصريح أحد القادة الفلسطينيين قبل نكسة 1967م قال فيه بأننا ~~سنلقي إسرائيل في البحر، وقد أضر هذا التصريح بالقضية الفلسطينية ضررا بالغا. ولم يدرك ~~العالم آنذاك أنه مجرد نتاج لثقافة المبالغة ولغة التهويل، ولم يكن ينم عن نوايا حقيقية ~~بقتل كل الإسرائيليين وإلقائهم في البحر. وقد أخذ العالم أجمع وخاصة العالم الغربي هذا ~~التصريح بمعناه الحرفي؛ نظرا لأن غالبية ثقافات العالم لا تميل مثلنا إلى الإفراط في ~~المبالغة. # وكان صدام حسين وريثا وفيا لأسلوب التهويش الذي يتأثر بتركيبة اللغة العربية، وبلغ فيه ~~ما لم يبلغه زعيم عربي من قبل ولا بعد. وقد قال في تصريح عنتري في عام 1990م إنه في حالة ~~الاعتداء على العراق فإنه «سيحرق نصف إسرائيل». وقد رأينا الهوة السحيقة بين تصريحات صدام ~~البطولية وأفعاله الفاشوشية. # ولا تخلو الصحف العربية من أساليب المبالغة الفجة والتي تعتبر في نظر كتابها والعديد من ~~قرائها بلاغة تصل بالمعنى إلى أعلى مراتبه، فتجد مقالا ينتقد شخصا لأمر غير خطير، فيتحمس ~~كاتبه ويقول إن فلانا يستحق أن يشنق في ميدان عام. ومع سياق الكلام «يسخن» الكاتب أكثر ~~فيضيف أنه لا بد وأن يسحل هذا الشخص في ms087 شوارع المدينة وأن تحرق جثته ليكون عبرة ~~لغيره. # ويبدو أن العربي يرضع مع تعلم اللغة نزعة فطرية إلى المبالغة والتوكيد. وقد أجريت دراسة ~~على عينة من الشباب العربي والغربي فاتضح أن التصريح الذي يعتبره الغربي موقفا واضحا ~~وتوكيدا للمعنى، يعتبر بالنسبة للشباب العربي موقفا حياديا يحتمل التأويل، ولا يتضمن ~~توكيدا واضحا. # ولأنني أنتمي قلبا وقالبا إلى الثقافة العربية فقد مررت بتجربة مماثلة في بداية إقامتي ~~بفرنسا عام 1980م، وقد صدر آنذاك تصريح البندقية الشهير الذي اعتبر موقفا أوروبيا جديدا ~~ونقلة من التأييد الكامل لإسرائيل إلى موقف يتفهم الحق العربي ويقف إلى جانبه. وصدرت في ~~فرنسا تصريحات كثيرة في نفس هذا الاتجاه بل تذهب إلى أبعد مدى في اتجاه العرب. وكان ~~الدبلوماسيون الفرنسيون الذين ألتقي بهم، وكانوا مؤيدين للعرب، يبدون سعادتهم أمامي، لكني كنت ~~أختلف معهم لأنني أجد هذه التصريحات مائعة وغير قاطعة، وكانت تدور مناقشات حامية ~~بيننا. # ولم أكن أفهم آنذاك أن هناك فجوة في المفهوم اللغوي بيني وبينهم، وأن المواقف في المفهوم ~~الغربي يتم التعبير عنها بأسلوب بعيد عن المبالغة والتوكيد، وهو الأسلوب الذي اعتدنا ~~عليه. ~~••• # ومن العيوب العربية المرتبطة بالمبالغة استغلال الكلمة بإيقاعاتها وإيحاءاتها الفضفاضة ~~بديلا عن الفعل الغائب. وقد ذكر القرآن الكريم هذا العيب المستقر في العقل العربي منذ قديم ~~الأزل حيث يقول تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ~~ما لا تفعلون ~~(سورة الصف: 2). # وقد رصد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش هذه الخصال فقال في قصيدة بعنوان: «سرحان ~~يشرب القهوة في الكافيتيريا»: # أفقت، تعلمت تصريف فعل جديد، هل الفعل معني بآنية الصوت؟ أم حركة؟ # وتكتب: ض، ظ، ق، ص، ع، وتهرب منها. # ضجيج الفراغ حروف تميزنا عن سوانا. # طلعنا عليهم طلوع المنون، فصاروا هباء وصاروا سدى. # سدى نحن، هم يحرثون طفولتنا، ويصكون أسلحة من أساطير. # أعلامهم لا تغني، وأعلامنا تجهض الرعد. # نقصفهم بالحروف السمينة: ض، ظ، ص، ق، ع. ثم نقول انتصرنا. # وتبقى غريبا، جراحك مطبعة للبلاغات، والتوصيات، باسمك تنتصر الأبجدية. # وفي كتاب «العقل العربي» الصادر ms088 عام 1973م، يورد المفكر روفائيل بطي دراسة ميدانية عن ~~الأطفال العرب، يتضح منها أن 88٪ من الأمهات يعترفن بقيامهن بتهديد أطفالهن بالكلمات، ثم لا ~~يتبعن ذلك بالتنفيذ. ونظرا لما تحتويه العربية من كلمات رنانة وعبارات فضفاضة، فإن التهديد ~~الكلامي يكون عادة عنيفا للغاية ومفزعا بالنسبة للأطفال. # وتلجأ الأمهات إلى الأسلوب العربي اللغوي في التهويل والمبالغة بأن يهددن أطفالهن بالضرب ~~وربما بالقتل والحرق وقطع الأيدي وغير ذلك، ثم لا ينفذن هذا الوعيد بسبب الرحمة أو الشفقة ~~وحبهن لأطفالهن. ولا شك أن التهديد والوعيد والتخويف هي عمليات تنفيس تقوم بها الأم العربية ~~لكيلا تؤذي طفلها الحبيب، لكن المشكلة أن هذا الأسلوب يترك في نفوس الأطفال آثارا لا ~~تنمحي، وتترسخ في عقلهم الباطن عادة الكلام الذي يعبر عما في داخل النفس من رغبات كامنة، ~~لكنه لا يعبر عما ينوي الإنسان أن يقوم به من أفعال (الكلمة بديلا عن الفعل)، فالكلام في ~~واد والواقع في واد آخر. # وهناك مئات من الأمثلة تؤكد ميل العربي إلى استعواض الأفعال بالكلمات، والشعر العربي منهل ~~لا ينضب لهذه الأمثلة، من امرئ القيس إلى يومنا الحالي؛ فالشعراء الذين يتحدثون عن الفضيلة ~~وأفعالهم تتناقض مع أبسط قواعدها، والشعراء الذين يتحدثون عن القناعة وهم يتكالبون على ~~الحياة، كلهم قد ملئوا سماء الأدب في القرون الماضية. ربما كانت أشعارهم الجميلة تشفع لهم ~~الفجوة بين كلماتهم وأفعالهم، لكن وقع أشعارهم على النفسية العربية كان سلبيا ~~للغاية. # وكان حسان بن ثابت شاعر الرسول من الأمثلة البارزة على ما نريد أن نثبته؛ فقد كان حسان ~~أفضل من يتحدث عن الحرب والقتال واليأس، لكنه لم يرفع سيفه يوما واحدا في ساحة معركة. وفي ~~تلك الأيام لم يكن هناك محاربون ومدنيون في الجزيرة العربية، فكل من يستطيع حمل السلاح كان ~~يشارك في الذود عن قبيلته أو مهاجمة قبيلة أخرى، لكن الرسول كان يعفي حسانا من القتال ~~لعلمه بأنه ليس قادرا عليه. # وتروي صفية بنت عبد المطلب وهي بنت عم الرسول، وقت غزوة الخندق في كتاب ~~«الأغاني»: # وكان حسان ms089 معنا مع النساء والصبيان، فمر بنا رجل من اليهود، وليس ~~بيننا وبينه أحد يدافع عنا. قالت: فقلت: يا حسان، انزل إليه فاقتله، فقال: يغفر ~~الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. # فما كان من صفية إلا أن هوت على رأس اليهودي بعصا فقتلته. وكان يهود بني قريظة يساندون ~~أعداء النبي خلال غزوة الخندق ويناصبون المسلمين العداء في ذلك الوقت كما هو معروف. # في كتاب «البخلاء» أورد الجاحظ قصة طريفة تبرز بوضوح نزعة الكلام الذي لا يعبر عن ~~الحقيقة، فيحكي الجاحظ عن محمد بن يسير، وهو شاعر بصري، أن أحد الولاة بفارس استمع في أحد ~~الأيام إلى شاعر أخذ يمدحه مدحا مفرطا، فقال الوالي لكاتبه: أعطه عشرة آلاف درهم ففرح ~~الشاعر، فقال الوالي للكاتب: اجعلها عشرين ألفا، فتضاعفت فرحة الشاعر، فقال الوالي: اجعلها ~~أربعين ألفا، وهنا طار الشاعر فرحا وقال للوالي ما معناه أنه سينصرف حتى لا يحرجه ويزيد ~~هذا المبلغ. # ولما انصرف الشاعر أمر الوالي كاتبه بألا يعطيه شيئا. فلما أبدى السكرتير استغرابه، قال ~~الوالي مفسرا موقفه: إن الشاعر زعم أنه أحسن من القمر وأشد من الأسد وهكذا، وهو يعلم أن كل ~~هذا غير صحيح، لكنه فرح بهذا الكلام الذي لا علاقة له بالواقع. وعندما وعد الشاعر بأربعين ~~ألف درهم، فرح الرجل فرحة كبيرة، فكما أفرحه الشاعر بالكلام فهو أيضا قد أفرحه ~~بالكلام. # وتذكر هذه القصة بالمثل الذي يقول: «كلام ابن عم حديت.» ~~••• # وتتضح الفجوة الثقافية الناجمة عن اللغة في مفاوضات العمل والتجارة بين الأطراف العربية ~~والأطراف الأخرى، سواء من الشرق أو الغرب. والمسألة لا علاقة لها بالترجمة، فربما تحدث ~~الجميع نفس اللغة، وربما قام المترجمون بواجبهم بأمانة، لكن دلالة الكلمات تختلف بين ~~الطرفين؛ فالعربي يكره أن يقول: لا. وهو يستعيض عنها بكلمة: ربما، عندما لا يريد تنفيذ ~~شيء، وعندما يقول نعم فهو يقصد عادة: ربما. أو أن الأمر ممكن تنفيذه. # وقد قامت الثقافة العربية في بدايتها على الأذن نظرا لأنها ازدهرت في مجتمع تسيطر ms090 عليه ~~الأمية (انظر كتاب الداء العربي باب «ثقافة الأذن»). # وكان من أهم آثار ذلك أن العقل العربي يقبل الحقائق عن طريق الأذن، فاليقين بالنسبة له هو ~~ما يسمعه، في حين أن اليقين في معظم الحضارات الأخرى، هو ما يراه الإنسان رأي العين. # ومنذ اختراع التصوير الفوتغرافي والسينما والتليفزيون تقهقر دور الأذن وزاد دور العين في ~~المعرفة، لكن سحر اللغة العربية والمكانة التي تحظى بها في ثقافتنا تجعل المجتمعات العربية ~~لا تزال تتمسك باليقين عن طريق الأذن والكلمات، بينما الآخرون يصلون إلى اليقين عن طريق ~~العين والعقل. # وربما يفسر ذلك أن الشائعات تنتشر في مصر والعالم العربي بسرعة أكبر كثيرا من أي مكان ~~آخر في العالم، فالإنسان العربي، منذ أن أفل نجم حضارتنا، ميال بفطرته إلى أن يصدق ما يسمعه ~~دون أن يخضعه للتفكير والنقد. ويكاد الحس النقدي يكون منعدما في الثقافات العربية منذ قرون ~~طويلة، فالعربي يثق في اللغة وبالتالي يثق فيما ينقل إليه عن طريق هذه اللغة. ~~••• # ومن أبرز خصائص اللغة العربية خاصية الإبداع في التعبير عن الفكرة بأسلوب غير مباشر؛ ~~فالأسلوب المباشر غير محبب في العربية، ويعتبر ضعفا وركاكة في التعبير. وبرغم ما يقال بأن ~~البلاغة في الإيجاز فإن الواقع عكس ذلك على خط مستقيم، فبراعة الشاعر والكاتب تقاس بمقدرته ~~على اللف والدوران حول المعنى، والوصول إليه من طرق ملتوية ومعقدة ربما تزيده جمالا في عيون ~~المستمعين. # ومن المؤكد أن هذه الخاصية قد انعكست على العقل العربي وخاصة في القرون الأخيرة حيث يؤثر ~~العربي عدم مواجهة الواقع والالتفاف حول الحقائق بقدر المستطاع، خاصة تلك التي تصدم ~~قناعاته. # ويظهر الميل الفطري لعدم المباشرة في أسلوب التعامل اليومي، سواء في العمل أو في الحياة ~~الخاصة، فعادة ما يبدأ العربي بديباجة طويلة ومقدمات لا آخر لها، قبل أن يدخل في الموضوع ~~الذي يريد الخوض فيه. ومع تزايد سرعة الإيقاع في مصر ظهر تعبير جديد كرد فعل هذه الظاهرة ~~وهو: «هات من الآخر»، أي قل ما تريد بغير مقدمات. ~~••• # ومن أخطر الخصائص ms091 النفسية التي تلعب فيها اللغة دورا لا يستهان به، هي علاقة العربي ~~بالزمن، فقبل ظهور الإسلام لم يكن هناك أي تقويم زمني بالأعوام، وكان هم عرب الجزيرة الوحيد ~~في مجال الزمن هو معرفة الشهور؛ لأسباب تتعلق بحياتهم العملية. # أما الحضارات الأخرى التي ظهرت قبل الإسلام فقد عرفت التقويم بالشهور والسنين. وقد أصدر ~~يوليوس قيصر مرسوما بالعمل بما عرف بالتقويم الروماني في عام 45 قبل الميلاد أي نحو 700 ~~عام قبل أن يشعر العرب بضرورة التقويم بالسنين. وقبل يوليوس قيصر كانت الحضارة اليونانية ~~تعرف التقويم بالسنين، وبفضل تقويمهم نعرف الآن أن سقراط ولد عام 470 قبل الميلاد ومات عام ~~399 قبل الميلاد، وكذلك أفلاطون (428 ق.م-348ق.م) وأرسطو (384ق.م-320ق.م). # أما قصي الجد الأكبر للرسول # صلى الله عليه وسلم # وأول من نزل بقريش في مكة فلا يعرف أحد متى ولد ~~ومتى مات ولا حتى بالتقريب، على الرغم من أهميته الكبرى في تاريخ العرب. ونفس الأمر بالنسبة ~~لهاشم الذي ينتمي إليه الرسول مباشرة حيث يسمى آله: بنو هاشم. ربما نعرف بالتقريب أنه عاش ~~في النصف الأول من القرن السادس الميلادي. والغريب أنك لا تجد من يهتم كثيرا بمعرفة متى ~~عاش هؤلاء ومتى كانت القصص المتواترة عنهم، فكتب التراث تتحدث عنهم وكأنهم أناس من خارج ~~الزمن، فالماضي بالنسبة للعربي هو كيان هلامي يتوه فيه، ومن الصعب التفرقة بين مراحله. # وعندما ظهر نور الإسلام، كان هناك تقويمان أساسيان للأعوام: الأول هو التقويم البيزنطي، ~~والثاني هو التقويم الساساني في بلاد فارس. # ولم يبدأ التقويم الزمني عند العرب إلا في عام 16 بعد الهجرة في عهد الخليفة عمر بن ~~الخطاب. وقد حسم الفاروق جدلا حول الحدث الذي يبدأ منه التقويم فجعله الهجرة النبوية من ~~مكة إلى المدينة. # قبل ذلك كان هناك بالنسبة للعربي زمن حاضر وزمن ماض، والماضي ليس له أي تحديد. وكان ~~التحديد التقريبي الوحيد هو بعض الأحداث الهامة التي وقعت في الجزيرة وعلى رأسها عام الفيل، ~~وهو الذي حاول فيه أبرهة غزو مكة وتحطيم الكعبة المشرفة. ms092 وكانوا يقولون مثلا قبل عام الفيل ~~أو بعده بقليل، وهكذا. # ومن يبحث في تصريف الأفعال بالعربية يكتشف السر في علاقة العربي بالزمن، فالأفعال العربية ~~مبنية على الماضي والمضارع بالنسبة للترتيب الزمني، لكن هناك خلطا لا حد له بين الاثنين، ~~فالمضارع قد يستخدم للماضي والعكس صحيح، فنقول مثلا: أكلت الآن كذا، وأكلت فعل ماض، ~~ويقول والد العروس: «زوجتك ابنتي.» مع أن «زوجتك» فعل ماض لكنه يعني هنا الحاضر والمستقبل. ~~كما يقال: غدا نصلي الجمعة، و«نصلي» فعل مضارع لكن المقصود به هنا المستقبل. # كما أنه لا يمكن ترتيب الأزمنة بوضوح من خلال الأفعال في المضي وتحديد وقوع فعل قبل أو ~~بعد فعل آخر. # وبالنسبة لعظمائنا الذين نعرف العصور التي عاشوا فيها بدقة، فإن الغالبية العظمى للعرب ~~تعرفهم اسما لكنها لا تهتم بمعرفة الأزمنة التي عاشوا فيها. فكم مصري يعرف متى عاش صلاح ~~الدين الأيوبي أو الظاهر بيبرس أو طومان باي أو المقريزي؟ من يعرف بالتحديد تاريخ ميلاد أو ~~وفاة سعد زغلول أو مصطفى كامل أو طه حسين؟ # الغالبية الساحقة لا تعرف، بل لا تهتم أن تعرف؛ فقياس الزمن بالنسبة لعامة العرب رفاهية ~~لا لزوم لها. # أما في فرنسا فإن الغالبية تعرف بدقة تاريخ ميلاد ووفاة نابليون وهوجو وغيرهما، ويعرف ~~الألمان متى ولد ومات بسمارك وجوته. ~~••• # ومن المهم في النهاية أن نعي المناخ النفسي والاجتماعي والعقائد التي كان يؤمن بها عرب ~~الجاهلية في العصر الذي نشأت وتبلورت فيه اللغة العربية بقواعدها ومنظومتها التي نتعامل ~~معها حتى الآن. # كان العرب في الجاهلية يؤمنون بوجود الجن والعفاريت وكانوا مقتنعين بأنهم تخالطهم في ~~السكن والحل والترحال والزواج، وهناك أشعار جاهلية كثيرة تدل على ذلك. # وكانوا يؤمنون كذلك بالكهانة والعرافة وبشيء اسمه «الهامة»، وهي طائر يشبه البومة يخرج من ~~رأس القتيل ليطالب بالثأر، وهو يصيح اسقوني ... اسقوني. # ويقول شاعر جاهلي هو ذو الإصبع العدواني: # يا عمرو، إلا تدع شتمي ومنقصتي # أضربك حتى تقول الهامة: اسقوني # وكان عرب الجاهلية يتشاءمون ويتفاءلون بشدة، وإذا خرج أحدهم من داره فوجد ms093 شيئا يدعو إلى ~~التشاؤم عاد إلى الدار وأغلق على نفسه الباب، ولا يخرج منها طوال اليوم. # وكانوا يؤمنون بشدة بالحسد ويعوذون أطفالهم بسن ثعلب وبسن قط خوفا من «العين». # كما كانوا يتشاءمون من الغراب كما يقول النابغة الذبياني: # زعم العواذل أن فرقتنا غدا # وبذاك خبرنا الغراب الأسود # وفي هذا المناخ المفعم بالخرافات والخزعبلات نشأت اللغة فعكست إلى حد بعيد تلك المنظومة ~~العقلية الجاهلية. # وقد أطاح الإسلام بالكثير من هذه الخزعبلات، وكان دين العقل والحكمة. وهناك عشرات الأمثلة ~~على رفض سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # للخرافات التي كانت سائدة في عصره. # لكن المشكلة هي أن اللغة مرآة للتركيبة العقلية لمجتمع ما، كما أنها تؤثر تأثيرا حاسما ~~في تشكيل عقل المجتمعات التي تستخدمها. # الفصل التاسع # | ضد تحنيط العربية # من يقرأ في تاريخ الفكر العربي يتضح له أنه زاخر بمحاولات التجديد والتطوير التي وجدت ~~دائما من يتصدى لها وينجح في إجهاضها. # ولأنه يجري على اللغة ما يجري على باقي شئون الفكر، فقد ظهرت في تاريخ العرب تيارات تدعو ~~للتجديد ورفض الجمود في مجال اللغة، فعندما تبلورت أفكار المعتزلة في العصر العباسي ظهر ~~تيار ينادي بتوسيع اللغة عن طريق القياس والتوسع في الاشتقاق، وكان رافع علم هذه المدرسة ~~أبا علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وكان موقفهما من اللغة كما يقول أحمد أمين في كتاب «ظهر ~~الإسلام»: «موقف أبي حنيفة ومدرسته في الفقه.» ويضيف أن انتماء أبي علي وابن جني إلى مدرسة ~~الاعتزال مكنهما من التحرر وإخضاع اللغة لحكم العقل. # لكنه كالعادة في التاريخ العربي الإسلامي فإن التيار المحافظ الذي كان يتزعمه آنذاك في ~~اللغة أبو سعيد السيرافي، نجح في إجهاض الأفكار الجديدة ووأد محاولة التجديد. # ويقول أحمد أمين في «ظهر الإسلام» معلقا على ذلك: # ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم ~~تستمر لتؤتي أكلها، فذهبت مع ذهاب المعتزلة؛ لأن مدرسة المعتزلة كانت تحث على البحث ~~والتجربة والشك والاستدلال العقلي، فلما ذهبت ذهبت آثارها. # ثم يضيف: # مدرسة القياس ترى أن اللغة ليست مقدسة ms094 وأنها ملك للناس، لا أن الناس ~~ملكها. # وعندما بدأ العرب يهتمون بالنحو وبوضع قواعد ثابتة للغة ظهرت مدرستان متنافستان: الأولى في ~~البصرة والثانية في الكوفة. ويمكن تشبيه الفرق بينهما كالفرق بين مدرستي النقل والعقل ~~اللتين سيطرتا على علم الحديث والفقه الإسلامي عموما. وكانت مدرسة البصرة، ومن أشهر ~~علمائها الخليل بن أحمد وسيبويه، تعتمد على إعمال العقل في وضع قواعد اللغة. أما مدرسة ~~الكوفة التي كان يتزعمها الكسائي والفراء وابن السكيت فكانت تصر على نقل كل ما قاله العرب ~~كما جاء على ألسنتهم، وتضع القواعد بناء على ذلك حتى للشواذ. # وبرغم جهود بعض علماء اللغة بعد ذلك مثل ابن جني وابن قتيبة للتوفيق بين المدرستين إلا ~~أن منطق مدرسة الكوفة هو الذي انتصر في النهاية. ولا شك أن في ذلك رمزا لسيطرة مدرسة النقل ~~بصفة عامة على العقل العربي. # ومحاولات التجديد في اللغة والخروج من الإطار الحديدي الذي وضعه النحاة، لم تتوقف في ~~تاريخ العرب على الرغم من وطأة حراس الماضي في كل العصور. وخلال عصر النهضة في القرن التاسع ~~عشر، واكب التيارات الفكرية الجديدة التي تولدت من الاحتكاك بالخارج، وعي شديد بالحاجة إلى ~~التجديد اللغوي؛ فقد شعر رواد النهضة مثل الطهطاوي والكواكبي وقاسم أمين بأن اللغة أصبحت ~~عقبة للتعبير عن أفكارهم الجديدة، فقد كان الهاجس الأول لكل هؤلاء هو تطوير العقل العربي ~~ومواءمته مع التطورات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والحياتية التي عاشتها المنطقة منذ ~~نهاية القرن التاسع عشر. # ولم يقتصر الأمر على المثقفين، فقد شعرت الدولة نفسها أن الوقت قد حان لإيجاد أداة لغوية ~~مرنة تعكس الواقع الجديد. وفي عام 1938م أنشأت وزارة المعارف لجنة مهمتها دراسة سبل تيسير ~~اللغة العربية. وقد عهد برئاسة اللجنة إلى الدكتور طه حسين، وتقدمت بنتائج دراستها للمجمع ~~اللغوي الذي أقرها في يناير 1945م. وقد تبنى المشروع مؤتمر المجامع اللغوية الثلاثة، الذي ~~عقد في دمشق عام 1956م، لكن الأفكار التي طرحتها اللجنة لم تر النور بسبب اعتراض الكثيرين ~~على مبدأ المساس باللغة. من الواضح إذا أن ms095 المهمة الصعبة التي سيواجهها العرب هي تبسيط لغة ~~الضاد. # والمبدأ الأول الذي يجب الاتفاق عليه قبل الخوض في عملية التطوير، هو ضرورة الحفاظ على ~~اللغة الفصحى وعدم استبدال اللهجات بها. فمن اللازم أن يكون هدف التطوير هو تخليق لغة وسط ~~بدأت تظهر بالفعل من خلال لغة الصحافة، وخاصة منذ بداية القرن العشرين. ويجب السير في هذا ~~الاتجاه، ومحاولة إيجاد صيغة تعتبر قاسما مشتركا أعظم بين كل اللهجات العربية. # وأعلم أن هذه مهمة صعبة للغاية وتستلزم عشرات السنوات من البحث والتجارب، لكنها الوسيلة ~~الوحيدة لإنقاذ لغتنا الجميلة من الاندثار. ~~••• # وبعيد عن ذهني تماما أن أدعو إلى تطوير جذري يقضي على أسس اللغة العربية؛ فمثل هذا ~~التطوير يقطعنا عن تراثنا وثقافتنا، وهو مرفوض تماما بالنسبة لي؛ فنحن العرب أصحاب ثقافة ~~من أهم الثقافات الإنسانية، ومن الجنون التفريط في هذه الكنوز التي تركها لنا السلف. # والمطلوب هو العمل على تطوير اللغة بجرأة لكن دون نسف الأسس التي قامت عليها، والحفاظ على ~~الشكل والقواعد الأساسية التي وضعها السلف. وأعلم أن أي تطوير للغة يمس جوهرها هو خوض في ~~بحر غريق، لكن عبور هذا البحر هو سبيل الخلاص للعقل العربي، وإنقاذه من الحلقة المفرغة التي ~~يدور فيها منذ عدة قرون. # والتطوير الذي أقصده يجب أن يحافظ على أساسيات اللغة؛ بحيث إن من يتعلم العربية بعد ~~التطوير، يكون قادرا على فهم ما كتب قبل إجراء عملية التطوير. # لكن كل المؤشرات التي ذكرتها تدل على أن المنظومة اللغوية العربية في حاجة إلى إعادة نظر ~~شاملة. ولأنني لست عالما لغويا، أو نحويا، فإنني أكتفي في هذا الكتاب بإعطاء بعض ~~الأمثلة الملموسة لما أقصده بالتطوير الذي لا يخل بجوهر اللغة، فالغرض هو أن يظل العرب بعد ~~مئات السنين قادرين على قراءة القرآن، وفهم التراث تماما كما يفهمونه اليوم، لا أكثر ولا ~~أقل. # وقد اكتشفت بعد أن وضعت بعض الأمثلة أن ما أقترحه قد جاءت به اللهجات بالسليقة؛ لأنه أقرب ~~إلى المنطق، وأبعد عن التعقيد غير المفيد. وقد وصلت من ms096 هذا المنطلق إلى قناعة بأن تبسيط ~~اللغة العربية سيكون بتقريبها من المنطق اللغوي للهجات؛ مما يساعد على تقبل الفصحى من كل ~~أبناء الوطن العربي. وبعد ثلاثة أو أربعة أجيال ستصل نسبة القادرين على القراءة والكتابة ~~إلى 80 وربما إلى 90٪. وعندئذ ستزداد الحاجة لإيجاد لغة وسط؛ لكسر حالة الشيزوفرينيا ~~اللغوية التي تحدثنا عنها. ~~••• # ولكي نضع تصورا لكيفية تبسيط اللغة؛ يتعين علينا أن نضع أيدينا على مواطن الصعوبة ~~الكامنة في العربية. # ومن أبرز المفارقات التي تلفت النظر في العربية أن الكلمة تأخذ معناها من التشكيل، وليس ~~من موقعها في الجملة، فالأصل في العربية هي الجملة الفعلية، وإذا قلنا مثلا: ضرب الشاب ~~الرجل، (بدون تشكيل) فإن هذه الجملة التي من المفترض أنها واضحة، تحتمل معنيين متناقضين لا ~~يمكن التفرقة بينهما إلا بالتشكيل. # فإن كان التشكيل هكذا: «ضرب الشاب الرجل» لكان المعنى أن الشاب قد ضرب الرجل. أما إن ~~كان التشكيل هكذا: «ضرب الشاب الرجل» لكان في هذه حالة الشاب هو المضروب، والرجل هو الذي ~~ضربه. # والجملة في اللغات الحية الحديثة هي جملة اسمية، وليست فعلية. والسبب في ذلك هو ما تجره ~~الجملة الفعلية من التباس لدى السامع، أو القارئ؛ لأن المعنى فيها لا يستنبط من ترتيب ~~الكلمات وإنما من التشكيل، مع أن المنطق يقول إن الفعل لا يأتي إلا بفاعل، فالفاعل هو الذي ~~يسبق الفعل، وله أولوية عليه. # وأذكر أن والدي الأستاذ محمد مفيد الشوباشي - رحمه الله - والذي كان من أفضل من يجيدون ~~العربية في مصر، كان يغضب مني لكثرة استخدامي للجملة الاسمية، التي كنت أجدها أقرب إلى ~~التعبير عن المعنى الذي أقصده، وكان يتهمني بالتأثر باللغات الأجنبية التي كنت أجيدها بفضل ~~دراستي. وبرغم امتثالي لنصائح والدي إلا أنني كنت أشعر بالفعل أن الجملة الاسمية أقرب إلى ~~المنطق، وإلى التعبير المباشر والسليم عن المعنى المقصود. # الصعوبة الثانية التي تواجه دارس العربية هي النقص الغريب في حروف العلة. وفي مقابل ذلك، ~~هناك وفرة مشكوك في ضرورتها في الحروف الساكنة. وإذا قارنا العربية بالإنجليزية نجد ms097 أن ~~لدينا ثلاثة حروف علة في مقابل خمسة لديهم، وعندنا 25 حرفا ساكنا في مقابل 21 عندهم. ~~وغالبية الكلمات والأفعال في العربية تتكون من حروف ساكنة فقط، على عكس كل لغات العالم ~~الحديثة، فكلمة مثل: «رجل»، أو فعل مثل: «ضرب» لا يمكن قراءتها إلا بإضافة حروف علة في عقل ~~وعلى لسان القارئ نسميها التشكيل، فنحن نقول: «را جو لون» و«ضا را با». # ولنتمثل كلمات مشابهة باللغة الإنجليزية، فسنكتب مثلا: # rgl # و # drb # هذه التراكيب ~~هي: ضرب من اللامعقول عندهم، لكنها المعقول ذاته بالنسبة لنا. ومن هذه المفارقة جاءت فكرة ~~طه حسين التي ذكرناها من قبل ولم يتقبلها أحد. # وما يضاعف من المشكلة أن كلمة واحدة من الممكن أن تشكل جملة كاملة في العربية، وهذا ليس ~~موجودا في غالبية اللغات الأخرى باستثناءات نادرة، مثل: فعل الأمر، لكن وجود الكلمة - ~~الجملة وضع نحوي عادي في العربية، فعندما تقول مثلا: «كتبت» فالفعل يحتوي على الفاعل، ~~وبالتالي فقد اكتملت أركان الجملة في عبارة واحدة. وقد يجد البعض ذلك قوة مضافة للعربية، ~~لكن الممارسة تثبت العكس، فلو أخذنا كلمة مثل «قتلت» نجد أن لها عشر دلالات ملتبسة على ~~الأقل، وفقا لنطقها، أو لتشكيلها، فهناك «قتلت» و«قتلت» و«قتلت» و«قتلت» و«قتلت » ~~و«قتلت» و«قتلت» و«قتلت» و«قتلت» و«قتلت». # فهل من الطبيعي أن تكون لكلمة واحدة تكتب بطريقة واحدة أكثر من عشر دلالات؟ ألا يؤدي هذا ~~إلى فتح باب اللبس، والغموض في المعنى، والحيرة، والتأويلات المختلفة؟ وربما كان ذلك أحد ~~الأسباب وراء الخلافات التقليدية بين أبناء لغة الضاد، فهم أحيانا غير قادرين على الاتفاق ~~على معاني اللغة التي يتحدثون بها. فما بالنا بمضمون هذه الكلمات وفحواها؟ # ولا بد لمن يقرأ العربية أن يتمتع بملكة التكهن ودرجة عالية من القدرة على الاستنتاج، ~~بل والرجم بالغيب؛ فغالبية الأفعال والكلمات تحتمل عدة معان، ولا بد للقارئ أن يختار ~~واحدا منها. # وأود قبل الاسترسال في مقترحاتي أن أعطي نموذجا واضحا لما أعنيه بالتطوير الذي لا يخل ~~باللغة؛ فالفيصل هنا هو المقدرة على فهم العربية ms098 بعد التطوير لمن لا يعرفها قبل تطبيق عملية ~~التطوير. فإذا تقرر جعل الأرقام حيادية؛ أي لا هي مذكرة، أو مؤنثة، كما هو الحال في غالبية ~~لغات العالم، فإن من يقرأ أو يسمع بعد ذلك جملة بها رقم لن يعجز عن فهمها. فلو استقر الرأي ~~أن تكون الأرقام مذكرة، فقلنا مثلا: سبع رجال، بدلا من سبعة رجال، لما استعصى فهم ذلك على ~~أي شخص ولو بعد مئات السنين. # وهذا ما أقصده بدقة عن تطوير اللغة، دون الانقطاع عن تراثنا. ~~••• # والقواعد الخاصة باستخدام الأرقام هي مثال للتعقيد الذي لا داعي له. لماذا لا نقول تسع ~~رجال، وتسع نساء، بدلا من تسعة رجال، وتسع نساء؟ لماذا لا نوحد الأرقام حتى نوفر على ~~أنفسنا تعقيدات لم تعد تناسب العصر؟ # فالمذيعون في الإذاعة والتلفزيون يبذلون جهدا جهيدا لقراءة الساعة بالعربية الفصحى ~~بالطريقة السليمة، فيقولون مثلا: الساعة الآن الحادية عشرة وخمس وثلاثون دقيقة. # وهناك مثال يضرب للتعبير عن بلاغة اللغة العربية وثرائها، وتميزها عن باقي لغات العالم، ~~لكنني أعتبر هذا المثال دليلا جديدا على ابتعاد العربية عن متطلبات عالم اليوم، وانعزالها ~~في برج عاجي يضاعف من المحنة الثقافية التي يعيشها العالم العربي اليوم. # فيقال إنه لو ذهب رجل إلى آخر وقال له: إني قاتل ابنك، فإنه سيجيبه لماذا؟ وسيحاول أن ~~يثنيه عن قتل ابنه. # أما إذا قال له: إني قاتل ابنك، فمعنى ذلك أنه قتل ابنه بالفعل، وسيكون رد فعل الأب ~~مختلفا تمام الاختلاف. # وواضح طبعا أن الجملتين تكتبان بنفس الحروف بالضبط، والاختلاف الوحيد هو في ~~التشكيل. # فهل مثل هذا نقطة قوة في اللغة؟ أم أنها نقطة ضعف خطيرة؛ لأنها تؤدي إلى الالتباس ~~والغموض، دون أن تكتسب اللغة بسببها بلاغة في التعبير، أو قوة في المعنى. # فالبلاغة تقوم على الوضوح والبعد عن التقعر والتكلف والمبالغة والتضخيم. والبلاغة ليست ~~التلاعب بالألفاظ، وإن كان من الممكن أحيانا أن تقوم على ذلك، وقد قيل: البلاغة الإيجاز. ~~ولعل أجمل وصف للبلاغة هو ما قاله الجاحظ: «البلاغة هي التي إن سمعها ms099 الجاهل ظن أنه قادر ~~على مثلها.» # والبلاغة هي السهل الممتنع التي يتصور أي شخص أنه بسيط وفي متناول اليد. لكن الحقيقة هي ~~أن أصعب شيء هو التوصل إلى أسلوب سهل وجزل عند القراءة، لكنه صعب ومجهد عند التأليف. # ولعل من أبرز أسباب تعقيد العربية ووقوع الغالبية في شرك الخطأ هو المفعول به. والمشكلة ~~أن المفعول به في العربية لا يعرف من مكانه في الجملة، وإنما من إعرابه، وبالتالي من ~~تشكيله. # وأرى أنه من الأقرب إلى المنطق أن نقول مثلا: رأيت رجل طويل يأكل خبز، بدلا من: رأيت ~~رجلا طويلا يأكل خبزا. # والسبب الوحيد الذي يجعلنا نتمسك بالمفعول به (منونا) هو أننا ورثناه من نحاة العصور ~~السالفة وأصبح مألوفا لآذاننا، لكنه من غير المنطقي أن نقبل هذا السبب ونستكين لثقافة ~~الأذن. # وإذا قلنا: رأيت رجل طويل يأكل خبز، فهل يؤدي هذا للقارئ أو المستمع أي التباس في ~~المعنى؟ # وبغير مكابرة فإن الغالبية العظمى من العرب يخطئون في المفعول به عند الكتابة، كما أنهم ~~لا يفهمون معنى بعض الجمل غير المشكلة بسبب ذوبان المفعول به وسط مفردات الجملة؛ حيث إن ~~تركيبة اللغة العربية لا تحدد له مكانا محسوبا ومعروفا سلفا. ~~••• # ومن أوضح الأدلة على معاندة قواعد العربية لسنة التطوير تربع المثنى على أصول النحو ~~العربي حتى بداية القرن الحادي والعشرين؛ فالمثنى بالنسبة لكل لغات العالم أصبح كالديناصور ~~الذي انقرض من على وجه الأرض. وغالبية اللغات الحية المتداولة اليوم لم يكن بها مثنى أصلا؛ ~~فهذه الصيغة كانت شائعة في اللغات السامية القديمة، وقد اختفى مع اختفاء معظمها وألغي ~~بصيغته القديمة في اللغات الباقية حتى اليوم مع عمليات التطوير التي قاموا بها. # وهناك بقايا مثنى تظهر بدرجات متفاوتة في بعض اللغات السامية الحالية، لكنها لا تصل إلى ~~تعقيد قواعد المثنى في العربية، فالعبرية مثلا بها كلمات تعبر عن المثنى خاصة الأشياء ~~المزدوجة في الطبيعة، مثل العينين، والقدمين، واليدين، وهكذا، لكن لا تنسب الأفعال فيها ~~للمثنى، مثل «شربا» أو «قاما» أو غيرها كما في العربية، ms100 ولا يوجد مثنى للكلمات مثل «رجلان» ~~أو «امرأتان». # ومعنى هذا أن غالبية لغات العالم أدركت أن المفرد والجمع يكفيان تماما للتعبير عن ~~المعنى. وما زاد عن واحد يعتبر ببساطة جمعا، سواء أكان اثنين أو مائة أو أكثر، لكن المثنى ~~الذي أصبح غائبا عن كل لغات العالم لازال محورا هاما للغة العربية حتى بداية القرن ~~الواحد والعشرين. # فما فائدة المثنى؟ هل يضفي دقة على المعنى؟ هل يضيف جمالا؟ # لقد أدرك الجميع أنه لا فائدة من المثنى إلا زيادة تعقيد اللغة فهجره الجميع إلا ~~نحن. # صحيح أن المثنى له مكانة في التراث الشعري العربي، وأن أول كلمة في أول بيت يذكر في ~~المعلقات، هي فعل مثنى وهو: «قفا» في معلقة امرؤ القيس، وقد استخدم الشعراء المثنى كثيرا، ~~مثل «يا خليلي»، أو «يا ساقيي»، و«بكاؤكما» في مطلع مرثية ابن الرومي الشهيرة. # وهناك بيت للمتنبي يعتبره الدكتور طه حسين من أجمل الأبيات في الشعر الغنائي العربي قاطبة ~~كما يقول في كتابه: «مع المتنبي»، والبيت مذكور في قصيدة هجاء عنيفة ضد كافور نظمها المتنبي ~~عندما هرب من مصر، وهو: # يا ساقيي أخمر في كئوسكما # أم في كئوسكما هم وتسهيد # لكن وجود المثنى في الأدب القديم، لا يعني أن نحنط اللغة ونرفض التغيير، فهناك تعبيرات ~~وأساليب كثيرة تركناها؛ لأنها أصبحت معرقلة للتفاهم. # ويؤدي المثنى أحيانا إلى اللبس في المعنى، فإذا كتبنا دون تشكيل: رأيت فلاحين، فمن ~~الممكن أن يكون المتكلم قد رأى اثنين من الفلاحين، أو جمعا منهم، كذلك لو قلنا: مصرع ~~عراقيين في الحرب، فمن الممكن أن يكون المقصود اثنين أو أكثر من ذلك، والتشكيل هو الوسيلة ~~الوحيدة لرفع اللبس في الكتابة. # وقد تخلصت اللهجات العربية من المثنى تلقائيا وأصبح الاثنان جمعا كما يريد ~~المنطق. ~~••• # ومن المشكلات الأخرى التي تنفر دارسي العربية جمع المؤنث، وتصريف الفعل الناتج عنه، ~~فالجمع في كل لغات العالم المنتشرة يغطي الكافة وهو محايد لا يخص جنسا دون آخر. لكن لماذا ~~عزل النساء عن الرجال؟ ألسن بشرا مثلهن مثل الرجال؟ وقديما ms101 قال المتنبي في رثاء أم سيف ~~الدولة: # ولو كان النساء كمن فقدنا # لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب # ولا التذكير فخر للهلال # وقد ناقش المجمع اللغوي في مصر هذه القضية، لكنه من الواضح أن أعضاءه استقروا على ضرورة ~~الحفاظ عليه. ولا أدري إن كان السبب هو تعذيب الطلبة وكل من يستخدم العربية كلغة ~~كتابة؟ # ويعتبر المؤنث من أعقد التركيبات التي لا لزوم لها لفهم المعنى، فلو قلنا: «النساء كلهن ~~أكلن.» أو «النساء كلهم أكلوا»، فإن المعنى واضح في الحالتين، ولن يتصور أحد في الحالة ~~الثانية أن النساء تحولن بقدرة قادر إلى رجال، وغالبية لغات العالم لا تستخدم تلك التراكيب ~~البالغة التعقيد التي عفا عليها الزمن، والتي لا تقدم ولا تؤخر، ولا تضيف دقة إلى ~~المعنى. # وحتى في اللغة المصرية الدارجة نجد أنه لا يوجد فرق بين المذكر والمؤنث إلا للضرورة، فنحن ~~نقول بالفصحى مثلا: الرجال الذين كذا، والنساء اللائي كذا، أما باللهجة الدارجة فيكتفى ~~بتعبير «اللي» عوضا عن الذين واللائي. ~~••• # ومن الدلائل التي تساق للتدليل على ثراء اللغة العربية كثرة عدد الكلمات. ويقول جاك بيرك ~~في كتابه «العرب» إن أحد علماء اللغة العربية يقدر عدد مصادر الكلمات في العربية بنحو 19000 ~~يتكون كل منها من ثلاثة حروف، ومن الممكن وفقا لنفس العالم الذي ينقل عنه بيرك اشتقاق أكثر ~~من مائة كلمة من كل مصدر. # ومعنى هذا بحسبة بسيطة أن عدد كلمات اللغة العربية يصل إلى ما لا يقل عن 1900000 ~~كلمة. # لكن أبا بكر الزبيدي الذي اختصر كتاب العين للخليل بن أحمد أحصى نحو 6,5 ملايين كلمة عربية ~~من الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي. # وكل هذه الأرقام تعد فلكية مقارنة بغالبية لغات العالم؛ فالإنجليزية لا يزيد عدد كلماتها ~~عن 250 ألف كلمة، والفرنسية عن 300 ألف كلمة وفقا لقاموس «كنوز اللغة الفرنسية». صحيح أن ~~عدد الكلمات لا يشمل كل تصريفات الأفعال، لكن الفارق في كل الأحوال شاسع بين عدد الكلمات ~~العربية، واللغات الأخرى. # والسؤال هو: هل يعكس هذا ms102 العدد المهول من الكلمات العربية دقة وقدرة تعبيرية تفوق أي لغة ~~أخرى في العالم؟ البعض يرى أنه كلما زادت المعاني، كلما اكتسبت البلاغة أبعادا جديدة؛ حيث ~~يمكن اللعب بالألفاظ والإيحاء دون الإفصاح عن المقصود، لكن التجربة أثبتت على العكس؛ حيث إن ~~هذه الوفرة المتناهية أصبحت تزيد غموض المعاني، وتجعل المستمع أو القارئ في حيرة: أي معنى ~~يستنتجه من الكلمة؟ وكلما زادت الاحتمالات ازداد الغموض والالتباس وكثرت التأويلات. # أما بالنسبة للقوة التعبيرية فقد أثبت الشعر العربي أن هذا كان صحيحا في عصر من العصور؛ ~~فالشعراء العرب توصلوا إلى قدر من البلاغة تكاد تصل أحيانا إلى حد الإعجاز. وأنا لا أتحدث ~~هنا عن إعجاز القرآن الكريم الذي نزل بالعربية؛ لأنه معروف للجميع. وقد نجح الشعراء في ~~العصور الذهبية أن يترجموا أفكارا، وأحاسيس غاية في النبل والسمو، ربما لم يصل إليها أي ~~شعر في العالم، لكن الشعر تطور بعد ذلك تطورا ضخما في أوروبا بعد عصر النهضة، وظهر شعراء ~~أبدعوا قصائد بديعة تسمو هي الأخرى إلى السماء السابعة في عالم الإبداع والجمال. # أما عن الدقة فهذا أمر مشكوك فيه جدا. وإذا كان العلماء العرب قد نجحوا في الماضي في ~~التعبير العلمي، فإن العلماء الغربيين قد تفوقوا عليهم بعد ذلك، وأصبحت العربية اليوم تلهث ~~وراء الإنجليزية لمواكبة التطور العلمي والتعبير عنه باللغة الدقيقة. ~~••• # وكان العرب مولعين بالمترادفات منذ العصر الجاهلي، ففي باب الأسد تقول الموسوعة الإسلامية ~~إن هناك ثلاثة من علماء اللغة العرب قد عددوا 600 مرادف لاسم الأسد (والرقم هو «ستمائة» لمن ~~يتصور أن هناك صفرا أو اثنين أضيفا بفعل خطأ مطبعي). وقد قام المستشرق جرونرت بدراسة في ~~الشعر العربي القديم فأحصى أكثر من 400 اسم مذكور فيها للأسد منها: الليث، والسبع، ~~والغضنفر، والهزبر، والأسامة، والعباس، على سبيل المثال لا الحصر. # والجمل له في العربية 160 اسما بأنواعه المختلفة. وصحيح أن هناك جملا بسنمين وآخر بسنم ~~واحد؛ لكن هذا لا يبرر أن يكون هناك 160 اسما مختلفا للجمل. # ويروى عن أبي العلاء المعري، ms103 وكان كفيفا كما هو معروف، أنه داس على قدم رجل عندما دخل أحد ~~مساجد بغداد في زيارته الوحيدة لها، واستشاط هذا الرجل غضبا وشتم أبا العلاء قائلا: «إلى ~~أين يا كلب؟» فاكتفى أبو العلاء بأن قال: «الكلب هو من لا يعرف للكلب سبعين اسما.» # فحتى الكلب كان له عند العرب سبعون اسما على أقل تقدير. # لماذا كل هذه الأسماء؟ ألا تكفي خمسة، أو حتى عشرة مرادفات، قد تعكس اختلافات بين أسد ~~وآخر، أو جمل وآخر في اللون أو في النوع مثلا؟ # وفي الجزء الأول من كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» يتعرض جرجي زيدان للإفراط في ~~المترادفات. ومن الواضح أنه يراه إيجابيا حيث يقول إن: # كثرة المترادفات في اللغة العربية ~~وتعدد المعاني في اللفظ الواحد جعلتها واسعة التعبير وسهلت على أصحابها التسجيع. # وفي هذا ~~المجال يذكر أن للأسد 350 اسما فقط. وأنا أميل إلى تصديق الأرقام التي وردت في الموسوعة ~~الإسلامية. ويضيف جرجي زيدان أن للزرافة 255 اسما، والبئر 188 اسما، والماء 170 ~~اسما. # كذلك فللمطر 64 اسما، وللسحاب 50، وللشمس 29. أما الصفات فهي أيضا تنعم بنهر ~~المترادفات: فللقصير 160 لفظا، وللطويل 91 لفظا. ويضيف زيدان: «ونحو ذلك للشجاع ~~والكريم والبخيل مما يضيق المقام عن استيفائه.» # ومن المعروف أن قضية الترادف خلافية في التراث العربي كما هو الحال بالنسبة لمسائل لا حصر ~~لها. ~~••• # ومن عجائب العربية أيضا التعدد المفرط لمعاني اللفظ الواحد خاصة أن بعض الكلمات تحمل ~~معنيين متضادين، فلفظ العجوز، كما يقول زيدان، له 60 معنى، ولفظ العين 35 معنى. وإذا كانت ~~هذه التعددية في المترادفات، كان لها ما يبررها في الماضي البعيد، فقد تغير الموقف اليوم ~~تغيرا جذريا، وأصبح الإنسان يبحث عن الوضوح والوصول إلى المعنى من أقصر طريق ممكن. ~~فالصفات التي كان يفخر بها العرب من أربعة عشر قرنا تحولت اليوم إلى معوقات تشل الناطقين ~~بالعربية، وتعجزهم عن مجاراة التقدم. # فالمطلوب من اللغة اليوم هو التعبير المباشر والسريع المتوازي مع إيقاع الحياة، وليس ~~«الفذلكة» والاستعراض والبحث عن الغريب من ms104 المعاني. # وإذا سلمنا بأن ثراء المترادفات والمدلولات هو معيار قوة اللغة، فإن اللغة الإنجليزية ~~التي تعد اليوم لغة العلم الدقيق والأدب الرفيع، تصبح لغة ضعيفة وركيكة؛ حيث إنه لا يوجد ~~للتعبير عن نفس المعنى سوى عدد محدود من المرادفات لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، لكن ~~الواقع أنها تكفي تماما لتحديد المعنى. والدليل على هذا أن الإنجليزية هي اليوم لغة العلم ~~والأدب الأولى في العالم. # ولا شك أن وجود الجذور يعطي للكلمات تجانسا غير موجود في غالبية لغات العالم، فإذا أخذنا ~~ثلاثة حروف مثل: ك ت ب فمن الممكن أن نشتق منها فعل «كتب» وكلمات «كتاب» و«مكتبة» و«كاتب» ~~و«كتابات» و«كتيب»، وكلها لها معان ذات علاقة ببعضها البعض. أما في اللغة الإنجليزية أو ~~الفرنسية فإن هذه الكلمات لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر إلا فيما ندر. وكل كلمة لها جذور ~~مختلفة وتركيبة متباينة. وفي لغات العالم الأخرى يتم إضافة بضعة حروف قبل أو بعد الكلمة ~~لاشتقاق معنى آخر لها. # فبالإنجليزية مثلا: # يظهر # appear ~~. # يختفي # disappear ~~. # مظهر # appearance ~~. # ولهذا السبب، يطلق على هذه اللغات اسم لغات تركيبية. # ولا أدعي أنني أملك حلا سحريا للانفصام اللغوي الذي يعاني منه العالم العربي، لكنني ~~أقول إن مثل هذا الانفصام لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. وأخشى ما أخشاه كما أثبت، أن تأتي حلول ~~جذرية تفصل بيننا وبين تراثنا العظيم، ويكون حراس الضاد قد وصلوا إلى عكس مقصدهم؛ فهم ~~يريدون الحفاظ على اللغة كما هي دون تطوير، فتكون النتيجة أن يكون التطوير أكبر كثيرا مما ~~نريده جميعا ويمس جوهر لغتنا الجميلة التي نفخر بها. # الفصل العاشر # | الاستثناء العربي # يتفرد العرب بين شعوب العالم بالالتحام الوثيق بين هويتهم ولغتهم. ويقول جمال حمدان في ~~كتاب: «شخصية مصر» (الوسيط: دراسة في عبقرية المكان): # وإذا كان لا بد من مقياس مدرج للعروبة، فليس جنسيا هو، ليس بكمية ~~الدم العربي التي أضيفت، ولكنه كمية اللسان العربي التي استعيرت. بمعنى ~~آخر، مقياس العروبة، مثلما هو أساسها، اللغة لا الجنس. # والتعريف الشائع للعربي كما ms105 قلنا، هو أنه من يتحدث اللغة العربية. لكن هذا التعريف لا ~~ينطبق على أبناء الشعوب الأخرى؛ فلا يمكن أن يعرف الفرنسي مثلا بأنه من يتحدث الفرنسية؛ ~~لأن هناك شعوبا أخرى في بلجيكا وسويسرا وكندا وغيرها، لغتها الأم هي الفرنسية. كذلك ~~فالإنجليزي لا يعرف بأنه من يتحدث الإنجليزية، وأيضا الإسباني والألماني والروسي ~~وهكذا. # لكن الانتماء إلى العروبة لا يكون إلا باللغة كشرط مسبق للتدليل على الهوية. # ومع بدايات القرن الحادي والعشرين يواجه العرب هجوما شرسا يستهدف الأسس الراسخة ~~لثقافتهم الموروثة. ولا شك عندي في أن الصراع العربي الإسرائيلي يكمن بصفة أساسية وراء ~~محاولات تعديل العقل العربي وتشكيله تشكيلا جديدا، بحيث يتقبل السلام بالشروط ~~الإسرائيلية. # فأمريكا، والغرب عامة، يسعون منذ نصف قرن إلى إقناع العرب بضرورة السلام مع الدولة ~~العبرية. ولأن الولايات المتحدة ترفض، أو لا تستطيع، ممارسة أية ضغوط على إسرائيل، فإن ~~الجانب الذي تستطيع إقناعه بالحجة أو بالقوة هو الجانب العربي. # ومنذ كامب ديفيد وقبلها، لجأت واشنطن إلى كافة أشكال الضغوط على الدول العربية التي ~~تعتبرها حليفة لها، وهي دول ترتبط بالفعل بمصالح حيوية مع أمريكا. لكن كل «النصائح» والضغوط ~~فشلت في إقناع العرب بالاستسلام لإرادة إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية، أيا كان ~~رأينا في أسباب ذلك. # وقد أدرك خبراء العرب أن منبع الرفض الحقيقي ليس الحكام العرب وحدهم، وإنما الشعوب ~~العربية، وأن الأنظمة لا تستطيع، حتى لو أرادت، أن تقبل بتسوية غير عادلة. # وقد أسهمت حادثة 11 سبتمبر 2001م في زيادة الفجوة بين الغرب بزعامة أمريكا من ناحية ~~والعالم العربي من ناحية أخرى. وهنا لم يجد الغرب حلا إلا في إعادة تشكيل العقل العربي؛ ~~ليتواءم مع المنطق الغربي ويخضع لرغبات إسرائيل. وتبلورت شيئا فشيئا فكرة إعادة تشكيل ~~العقل العربي فيما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير. # وقد بادرت الشعوب العربية برفض هذا المشروع؛ لأنه من غير المعقول ولا المقبول أن تتدخل ~~إرادات خارجية في تشكيل عقل الأجيال الصاعدة من أبناء الشعوب العربية. # لكن هل يعني ذلك أننا لسنا في حاجة ms106 إلى إصلاح؟ # الإجابة في رأيي أننا اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة النظر في المنظومة العقلية العربية ~~بكاملها؛ فقد أصبح العرب يعيشون وكأنهم على هامش المجتمع الدولي بسبب انكفائهم على مجموعة من ~~الأفكار المتحجرة التي نستلهمها من ماضينا ولم تعد تجاري زماننا. ~~••• # ولعل اللغة العربية هي نموذج واضح ورمز ملموس لتحجر العقل العربي ورفض التغيير من منطلق ~~التمسك بالماضي؛ فنحن نرفض المساس باللغة العربية بدعوى أنها لغة القرآن، لكن الواقع من ~~خلال التحليل الذي أوردته في هذا الكتاب هو أن تواصل الأجيال المقبلة مع القرآن والدين ~~الإسلامي يمر حتما بتطوير اللغة وتطويعها لمقتضيات العصر، فالتطوير مع مصلحة الدين، كما ~~أنه من مصلحة الشعوب العربية. # وكما أثبت في الصفحات السابقة، فإن الدين لعب دورا حيويا في الحفاظ على العربية، وإذا ~~أخذنا مثال مصر في عصور الحكم التركي المملوكي منذ الغزو العثماني، وحتى عصر النهضة في ~~منتصف القرن التاسع عشر، فسندرك حقائق عن اللغة ربما لم نفكر فيها من قبل. ولنطرح على أنفسنا ~~هذا السؤال: من كان يجيد اللغة العربية الفصحى في تلك الحقبة؟ # الطبقة الحاكمة كانت تتحدث التركية بصفة أساسية، وكانت هذه اللغة هي لغة التعامل الرسمي ~~والفرمانات والأحكام. أما أبناء الشعب فكانوا يتحدثون اللهجة المصرية الدارجة، وكانوا في ~~غالبيتهم الساحقة لا يعرفون القراءة والكتابة ولا يفهمون الفصحى . # الفئة الوحيدة التي كانت تجيد العربية هي علماء الدين ودارسو أو خريجو الأزهر الشريف، ~~وكان عدد هؤلاء لا يزيد عن بضع مئات تعد على أصابع اليد الواحدة، ولولا هؤلاء لتعرضت ~~العربية في مصر إلى أخطار حقيقية. # وكما أشرت في كتاب «الداء العربي» فإنه عندما أصدر الطهطاوي كتابه الشهير «تخليص الإبريز ~~في تلخيص باريز» أمر ولي النعم محمد علي باشا بترجمته إلى اللغة التركية حتى يستفيد منه ~~الحكام الحقيقيون للبلاد وغالبيتهم العظمى لا يجيدون سوى التركية. # وخلال القرن العشرين، أدت وسائل النقل والاتصالات إلى التقريب بين شعوب العالم، وبدأت ~~ترتسم معالم قسمات مشتركة تجمع بين أبناء البشرية بصور متفاوتة. # ولا شك أن الحربين العالميتين: ms107 الأولى (1914-1918م)، والثانية (1939-1945م)، برغم ~~ضراوتهما البالغة، لعبتا دورا هاما في التقريب بين شعوب العالم، وفي إيجاد قاسم مشترك ~~أعظم من القيم والمبادئ والمثل تصلح للمجتمعات الإنسانية في كل مكان. # وحتى قبل الحرب العالمية الأولى، بدأت شعوب العالم تتفق على مبادئ عامة، وتلفظ بعض ~~الممارسات التي كانت مقبولة من الجميع لقرون طويلة، فكان هناك إجماع تحقق تدريجيا حول ~~إلغاء الرق ونهاية عصر العبيد، وإلغاء التعذيب البدني الذي كان مباحا بل ومستحبا في ~~غالبية مجتمعات العالم، كما ظهر اتفاق عام حول ضرورة إعطاء المتهم فرصة الدفاع عن نفسه من ~~خلال محام يترافع عنه أمام المحاكم. # واستقرت هذه المبادئ في أذهان كافة مجتمعات العالم وأصبح من الصعب على أي مجتمع أن يستثني ~~نفسه من الالتزام بها. # واليوم تجمع غالبية مجتمعات العالم على مبادئ ومثل تتفق حولها بصفة عامة، مثل: ~~الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وحرية التجارة، والمساواة في الحقوق بين الرجل ~~والمرأة، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون. # لا شك في أن الدول الغربية الكبرى كثيرا ما تستغل هذه المبادئ لصالحها وتخرقها عندما ~~تصطدم بمصالحها العظمى، ولا تعبأ باعتراض شعوب العالم التي ترفع صوتها رفضا للظلم الواقع ~~عليها. # ومع ذلك، فإن رفض هذه المبادئ من أي طرف يعد نوعا من الخروج على القانون الدولي الذي ~~يتمثل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والعرف الذي أصبح سائدا في العلاقات بين الدول ~~المختلفة. # صحيح أن لكل حضارة هويتها الثقافية الخاصة، لكن القاسم المشترك الأعظم في القيم والمبادئ ~~العامة، أصبح ظاهرة لا يمكن الفكاك منها في القرن الحادي والعشرين. # فهل يعقل مثلا أن يذهب عربي إلى طبيب غربي فيعطيه دواء مناسبا لحالته فيعترض المريض ~~قائلا: هذا الدواء ينفع أبناء بلدك، لكنه لا ينفعني لأني عربي؟! # للأسف إننا نجد مواقف مشابهة لذلك الموقف العبثي عندما نرفض أفكارا واردة من الخارج ~~بادعاء أنها تتناقض مع ثقافتنا وديننا. ~~••• # وإذا اقتصرنا على مجال اللغة وهو موضوع هذا الكتاب فإن التيار الغالب عندنا يقول: كل لغات ~~العالم قابلة للتطوير والإصلاح، إلا لغتنا ms108 العربية، ثم يسوقون حججا عديدة لتبرير هذا ~~الاستثناء، على رأسها أن العربية لغة القرآن. # وقد سعيت في صفحات هذا الكتاب أن أثبت كم أنه من مصلحتنا كمسلمين حريصين على ديننا ~~وتراثنا، أن نقوم بتطوير شامل للمنظومة اللغوية العربية ولا يمكن أن تظل العربية ممتنعة عن ~~أي تحديث دونا عن كل لغات العالم الحية، فهذه النظرة التي تستثني العرب من ممارسة التجارب ~~الناجحة في العالم هي أهم أسباب تخلف العالم العربي عن ركب الحضارة العالمية. # بالتأكيد أن لنا خصوصيتنا التي لا بد أن نقيم لها ألف حساب فنحن قد نقبل حرية المرأة، ~~لكننا لا نقبل الانحلال الخلقي، ونقبل حرية الرأي، لكننا لا نقبل التهجم على ~~الأعراض. # والمشكلة أن البعض عندنا يتذرع بخصوصية الأخلاقيات العربية لرفض حرية المرأة وحرية الرأي ~~بدعوى أنهما تؤديان إلى الانحلال والفوضى وتعارضان قيمنا الدينية، ويغلف هذا الرفض بحجج ~~واهية تنطلي على البعض نظرا لتبجيلنا لديننا الحنيف والتزامنا بقيمه ومبادئه. # والاستثناء العربي له وجود بالفعل على أرض الواقع، فنحن أصحاب ميراث ثقافي يندر أن يتواجد ~~لدى أي حضارة أخرى في العالم. وثقافتنا تعطي أهمية كبرى للروحانيات، والأخلاقيات، والعواطف ~~الإنسانية، والترابط الأسري، والتراحم، وكلها مثل عظيمة توارثناها جيلا بعد جيل، ويكون من ~~الجنون أن نفرط فيها، بل علينا أن نتمسك بهذا الاستثناء الإيجابي الذي يميزنا عن باقي ~~حضارات العالم. # لكن أن يكون الاستثناء العربي هو استثناء من تقبل الديمقراطية ومثل الحرية، وحقوق ~~الإنسان، والمساواة بين الرجل والمرأة، ومساواة الجميع أمام القانون، فهذا استثناء سلبي ~~يجعل من العرب جماعة خارجة على القانون الدولي والأعراف التي اتفقت عليها الإنسانية مع ~~بداية القرن الحادي والعشرين. وقد أصبح واضحا اليوم أننا لا نستطيع أن نعيش في جزيرة ~~معزولة اسمها العالم العربي. # ورفضنا لأي تطوير ملموس في قواعد النحو والصرف العربي نابع من حاجتنا وحاجة اللغة إليه، ~~هو دليل صارخ على أن فهمنا للاستثناء العربي هو فهم سلبي يعوق أي تقدم للعقل، وبالتالي أي ~~تطوير للمجتمعات العربية. # وإذا كان علينا أن نرفض بشدة أن ms109 يتحكم أحد في عقولنا، وأن يملي علينا أسلوب تفكير معين، ~~فإن علينا بنفس القدر أن نرفض من ينادون من بيننا بالتحجر والانغلاق، ورفض كل جديد. # فعلى مر عصور الدولة الإسلامية لعب تجار الدين على وتر الإيمان العميق للشعوب العربية ~~وجهلها بتعقيدات اللغة الفصحى، فاستخدموا كلاما مبهما وتعمدوا استخراج أصعب الكلمات ~~والتراكيب اللغوية ليبهروا الناس فيصدقوهم، ويتبعوا ما يقولون من منطلق إيمانهم الراسخ ~~بالدين. ولازال البعض في العالم العربي اليوم يستخدم نفس الأسلوب، عامدين إلى تسييس الدين ~~واستمالة أبناء الشعب البسطاء المسحورين بالكلم. # ونحن نعتبر اللغة من ثوابت العقل العربي التي نفخر بها. والواقع يملي علينا أن نفخر ~~بتراثنا الأدبي والفكري واللغوي، لكنه يملي علينا أيضا أن ننتفض ثائرين على قواعد النحو ~~والصرف والتعقيدات اللغوية التي تغلق أبواب العقل العربي وتحبسه في الماضي البعيد، وفيما ~~أملاه السلف من آراء وأفكار لم تعد تناسب العصر الذي نعيش فيه. # لقد تأخرنا أكثر من ألف عام عن إحداث تطوير حقيقي في اللغة العربية؛ بسبب ميل العقل العربي ~~إلى التمسك بالقديم وتقديس كلام السلف. فعلينا أن نتدارك دون إبطاء كل هذا الزمن الذي راح ~~هباء، وجعل الآخرين يتفوقون علينا ويتحكمون بالتالي في مصائرنا. ~~••• # ولا يمكن اعتبار اختيار السياسة اللغوية لأي مجتمع على أنه من ثمار الصدفة، أو أنه اختيار ~~محايد؛ فوراء هذا الاختيار سياسة عامة لكل مجتمع تقوم على مفهومه العميق لهويته. # وبالنسبة لنا في مصر فإن كنا نرى أن مصر للمصريين وحدهم، وأنه علينا أن نقتطع أنفسنا عن ~~الجسد العربي، فإنه من الممكن عندئذ أن نتجه إلى اللهجة المصرية ونعطيها الأولوية. أما إذا ~~كنا مقتنعين بأن مصر جزء من ثقافة أوسع، ومن عالم أكبر هو العالم العربي، فإنه يتعين علينا ~~في هذه الحالة أن نتمسك باللغة التي تربطنا بجذورنا التاريخية كما تصلنا بامتدادنا الجغرافي ~~الطبيعي. # ولا شك أن هناك من يتربص بعالمنا العربي ويتمنى تقطيع أوصاله وتفكيك الروابط بين أقطاره ~~ومن أقواها اللغة. # فالعالم العربي يكاد يكون كما قلنا الكيان الوحيد الذي يتمرد على ms110 إرادة واشنطن، وخاصة في ~~علاقته بإسرائيل. فليس غريبا أن نسمع من يؤكد أن العالم العربي مجرد خرافة ووهم كبير، وأن ~~نسمع من يطالب بنبذ اللغة العربية وجعل اللهجات هي اللغات القومية الرسمية لبلادنا. # وبالتأكيد أن تجارب الوحدة فشلت وستفشل في المستقبل المنظور، لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد ~~عالم عربي له مصالح مشتركة ورؤى متقاربة ووجدان متوحد. ومن المؤكد أن اللغة العربية هي ~~العنصر الأساسي في ترابط الوجدان العربي. ولو تركنا هذه اللغة تتحطم فوق صخور عاتية، فإننا ~~نهدم فكرة من أهم أفكار القرن العشرين، وهي وجود عالم عربي واحد له صفات وخصائص متميزة عن ~~باقي الكيانات الثقافية. ~~••• # وأعلم أن الأفكار الواردة بهذا الكتاب ستكون بمثابة صدمة لبعض الذين اعتادوا السير في ~~الطرق المعبدة التي مهدها السلف منذ قرون طويلة، ويسير عليها كل من جاء من بعدهم في حالة ~~استكانة عقلية غريبة. # وأعلم أن بعض من يعتبرون أنفسهم حراس اللغة العربية سينتفضون غضبا من الاقتراحات التي ~~يتضمنها هذا الكتاب. وأعرف مقدما الاتهامات الجاهزة التي ستوجه للأفكار الواردة في هذه ~~الصفحات؛ فثقتي كبيرة في نزعة المزايدة واللعب على وتر الدين والتقاليد والموروث وكل القيم ~~التي نؤمن بها جميعا بنفس الدرجة، لكننا نفهمها من منطلقات متباينة. # وأكاد أسمع من يتساءل عن مدى تخصصي في اللغة العربية، وهي الحجة التي يواجه بها كل من ~~يحاول الخروج عن الطرق المرصوفة والممهدة، والتي أجمعت الأجيال الماضية عليها، لكنها مع هذا ~~لم تعد صالحة لجيلنا الحالي وللأجيال القادمة، إذ إن اللغة كما يقول عميد الأدب العربي هي ~~ملك لكل من يستخدمها. # ومع كل ذلك، فإنني على ثقة تامة من أنه سيأتي اليوم الذي يضطر فيه العرب إلى تبسيط لغتهم ~~حتى لا تواجه أزمة طاحنة تعرضها للخطر. فلماذا لا نبدأ من الآن؟ ألا تكفي القرون التي ضاعت ~~منا هباء؟ # وكما قلت فقد تمت عملية تطور عشوائية للغة على أيدي المفكرين والمبدعين من مصر والشام وكل ~~البلدان العربية، وخاصة من خلال الصحافة. ولا ينبغي اليوم أن يحدث ms111 أي شطط أو قرارات منفردة ~~بالتطوير من أي بلد عربي، أيا كان، ولا ينبغي أن يتأثر المثقفون وعلماء اللغة بالخلافات ~~السياسية والحزازات بين الحكام؛ فكل هذه الخلافات زائلة، أما اللغة فهي باقية. # فلتنكب الجامعة العربية وذراعها الثقافية المعروفة باسم «أليكسو» على مهمة تقنين التطوير ~~الواقع، وإعادة النظر في أسس القواعد والنحو. ولتشكل الجامعة منتخبا من المجامع اللغوية ~~الخمس الموجودة بالعالم العربي الآن؛ ليضطلع بهذه المهمة الملحة. ~~••• # والمعضلة التي ستواجه الذين يتصدون لمهمة تطوير اللغة تتمثل في ازدواجية الهدف: الاقتراب ~~من اللغة العامية التي تستخدمها الشعوب العربية للتفاهم اليومي، وفي الوقت ذاته عدم القطيعة ~~مع اللغة العربية الأصيلة، لغة القرآن ولغة الأدب التي مارسها العرب خلال القرون ~~الماضية. # وفي النهاية فإن كل ما أطلبه من القارئ الكريم، هو أن يتمهل قبل أن يصدر حكمه على هذا ~~الكتاب، فما جاء به يسير ضد التيار الغالب، وعكس الموقف الذي اتخذه العرب من لغتهم طوال ~~القرون الماضية. وأفهم أن يكون رد الفعل الأول هو الرفض القاطع للفرضيات والاقتراحات التي ~~عرضتها في الصفحات السابقة؛ فقد اعتدنا على خط تفكير معين تربينا عليه وفطرنا على تقديسه ~~وعدم مراجعته أو حتى مناقشته. # لكننا لو فكرنا بشيء من الموضوعية لاتضح لنا أنه آن الأوان لإعادة النظر في مسلمات طالما ~~آذتنا، وأوضاع ثقافية متحجرة هي السبب الحقيقي وراء تعطيل مسيرة التقدم في العالم العربي ~~بأكمله. # | قالوا عن الكتاب # آثار الكتاب أكبر معركة ثقافية هذا العام، وهو صرخة من أجل الإصلاح صادرة عن نية ثقافية ~~حسنة، فقد وجدت في كتاب شريف الشوباشي حبا صريحا وقويا وصادقا للغة العربية، إضافة ~~إلى ما في الكتاب من إحساس قوي بالمسئولية الفكرية. # رجاء النقاش (الأهرام) # عنوان الكتاب المثير هو في رأيي عنوان مقصود، فقد نجح في إثارة وجذب الانتباه ~~وصنع مناخا من الحوار في قضية آن أوان طرحها على المستوى القومي. # فاروق شوشة (الأهرام) # ليس مستغربا أن يثير كتاب ردودا ثقافية، لكن أن يتحول إلى قضية في مجلس نواب، ~~فهذا غير مألوف وغير مبرر. ms112 # جوزيف باسيل (النهار اللبنانية) # تكمن قيمة هذا الكتاب في تخطي المحظور، والتصدي لقضية نعيشها ونهرب من مواجهتها ~~ونترك مستقبل لغة العروبة للمجهول، وخطورة الدعوة لمصادرة الكتاب وتجريم مؤلفه، ~~أنها تفتح الباب أمام أعداء النهضة والحرية وخفافيش الظلام في مرحلة لن ينفعنا فيها ~~سوى أكبر قدر من التحرر حتى نتخلص من شوائب وقيود زمن المياه الراكدة الآسنة التي ~~أوقفت تيار الإبداع والتجديد عبر تاريخنا. # جريدة البيان (الإمارات) # الكتاب، ضربة معلم من الكاتب والمفكر شريف الشوباشي، وهو الأكثر مبيعا، ~~والأكثر شهرة، والأكثر جاذبية، والأكثر عرضة للنقد الظالم أو التأييد ~~الحماسي. # حسن شاه (الأخبار) # كتاب أقام الدنيا ولم يقعدها بعد. # أحمد صالح (الأخبار) # أثار كتاب شريف الشوباشي «لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه»؛ جدلا كبيرا سوف ~~يتسع أكثر، والذين ربطوا بين صيحة المؤلف لتطوير اللغة وبين محاولات الاستعمار ~~قديما لاستبدال العامية بالفصحى، أو استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، كل ~~هؤلاء مخطئون، متشنجون، عصبيون. # إبراهيم عبد المجيد (مصر اليوم) # الحمد لله، وجدنا قضية تحرك الحياة الثقافية الهامدة. # هدى أبو بكر (الأنباء الكويتية) # شريف الشوباشي ليس صاحب رسالة أيديولوجية معادية للتراث العربي، إنما هو مثقف يعي ~~مشكلة اللغة وعلاقتها بالمأزق الحضاري الذي يعيشه عرب اليوم، فيوظف آراءه فيما هو ~~إيجابي لتجاوز المأزق. # محمد علي فرحات (الحياة) # كتاب أثار زوبعة من الغضب وقليلا من الردود العقلانية ، والجديد الذي طرحه بشجاعة ~~فائقة، أن اللغة العربية لم تشملها سنة التطوير. إن شريف الشوباشي يرفض الدعوة إلى ~~هجرة اللغة العربية على حساب اللهجات. # إقبال بركة (الأهرام) # كتاب أثار أزمة في البرلمان المصري. ~~(الخليج) # تابعت بكل الأسى محاولات أحد النواب الكرام المستميتة للوشاية بكاتب مثقف، وبدلا من أن ~~يحترم نواب الشعب الدعوة العقلانية التي وجهها المؤلف وجدنا من يكيل له الاتهامات ويلعب على ~~وتر المشاعر الدينية بحجة أن المساس بلسان العرب يعتبر اعتداء على القرآن الكريم. # أمال عثمان (أخبار اليوم) # إن من رأيي أن نتمسك باللغة العربية بكل قواعدها في النحو والصرف، وإلا لن تصبح لغة عربية ~~وتتحول من لغة إلى ms113 لغو. # البابا شنودة (الأهرام) # اجتهاد الشوباشي أثار عليه «المرفوعين» و«المضمومين» والمتشدقين بضاد كانت ثم ~~زالت. # عمرو علي بركات (القاهرة) # هل كان يعرف المؤلف ما سوف يسببه هتافه بسقوط سيبويه من جدل ويناله من اتهامات وصلت إلى ~~حد المطالبة بمصادرة الكتاب؟! # محمد العزبي (الجمهورية) # شريف الشوباشي يقتحم اليوم حقل الألغام الذي انفجر قبلا في كل من أراد أن يقترب من ~~تابوهات اللغة العربية بقصد تحريرها من جمودها وإحيائها ودفع ماء التطور في أوصالها التي ~~تيبست على قواعد الزمن الغابر البعيد التي أسسها نحاة مثل سيبويه. # وفي كتابه الطموح والجريء «لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه» أطلق الشوباشي قذيفة ~~نافذة، ولكنها لا تكفي وحدها، ولنعتبرها مجرد فتح انطلاقه لتخرج إلى الساحة كل الاجتهادات ~~والأفكار دون خوف أو جزع. # أسامة أنور عكاشة (الوفد) ms114