######OpenITI# #META# URI: 1450ShawqiJalal.MujtamacMadaniWaThaqafatIslah.Hindawi47282691 #META# Tags: philosophy #META# ID: 47282691 #META# Title: المجتمع المدني وثقافة الإصلاح: رؤية نقدية للفكر العربي #META# AuthorID: 90631535 #META# Author: شوقي جلال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # المجتمع المدني وثقافة الإصلاح: رؤية نقدية‏ # الفكر العربي ولغز النهضة‏ # مصر .. الغياب الطويل ومحاولة البحث في الجذور‏ # المراجع‏ # مقدمة‏ # المجتمع المدني وثقافة الإصلاح: رؤية نقدية‏ # الفكر العربي ولغز النهضة‏ # مصر .. الغياب الطويل ومحاولة البحث في الجذور‏ # المراجع‏ # | المجتمع المدني وثقافة الإصلاح # | المجتمع المدني وثقافة الإصلاح # | رؤية نقدية للفكر العربي # تأليف # شوقي جلال # المجتمع الذي لا يعرف صورة وطريقا لمستقبله يصبح مصيره مجهولا، وأمره ليس ~~بيده. # التخلف في جوهره تعطل قوى الفعل الإنتاجي الإبداعي للوجود - ومن ثم جمود ~~الفكر بل تراجعه - والتقدم إبداع متجدد لفعل الوجود والفكر. # | مقدمة # | مواطنون لا رعايا # على الرغم من أن العالم انتقل منذ بضعة قرون إلى عصر الصناعة، ثم المعلوماتية أو مجتمع ~~المعرفة، فنحن لا نزال ومنذ قرون نعيش في إطار واقع وثقافة مجتمع الرعي والزراعة، وإن ~~تغير ظاهر الزي وزخرف البناء، الحاكم راع والمحكومون رعية، والانتماء ولاء لشيخ ~~القبيلة أو سيد الأرض، ورعايته وصاية، و«الطاعة لحاكم ظالم خير من فتنة» أي خير من الخروج ~~على الجماعة التي يجسدها الحاكم الملك أو الرئيس؛ إذ له الحمد والتسبيح على المنابر ~~وعبر مختلف وسائل الإعلام، والولاء والطاعة كبرى الفضائل، وهما خصوصية الفرد الصالح ولا ~~أقول المواطن، والتحاور مع الراعي جرأة وتطاول وعيب في ذات معصومة مصونة، إنه الأب، وهو ~~الكلمة - القانون -، نظرة منه كافية لأن ترفع الرعية عاليا أو تلقي بها إلى الهاوية، ولا ~~عاصم للمرء من قانون أو وثيقة حقوق، وهكذا المجتمع أو العصر الأبوي البطريركي؛ الأب هو ~~الرأس، هو الواحد الكل، ودونه سلم تراتبي هرمي، وكل هذا على نقيض واقع حال المجتمع ~~المدني والإنسان المدني صاحب الفعالية النشطة في بناء حضارة العصر والتقدم. # ولا يسع المتأمل للساحة العربية إلا أن يتساءل في دهشة عن مضمون الحديث المتواتر في ~~إلحاح فجأة داخل البلدان العربية على لسان القمة والعامة باسم الإصلاح وضروراته، ودور ما ~~يوصف باسم «المجتمع المدني العربي»، ونجد الكلام كله منصبا على السلطة السياسية، ~~وربما على شخص السلطان ذاته ملكا أو رئيسا، ولكن لا حديث ms01 عن التطور الحضاري، أو عن ~~تغيير البنية الاجتماعية، أو عن بناء الإنسان، أو إعادة تنظيم البنية الذهنية للإنسان ~~العربي «قوام النهضة»، أو عن الثقافة العربية بوصفها منظومة قيم ومدى ملاءمتها للتقدم أو ~~دورها في التخلف، أو عن رؤية نقدية إلى الذات في موضوعية عقلانية تكشف عن الخطأ فينا ~~الذي جعلنا فريسة سهلة، تضاف إلى رؤية نقدية عن الآخر المهيمن عالميا أو عن إسهامنا ~~الحضاري المعرفي، أو عن دورنا في التعاون على الصعيد العالمي مع قوى النهضة والتغيير، ~~وقد حرصت رءوس الحكم على التواري بعيدا عنهم. # ويدور الحديث بين نثار من التنظيمات حاكمة أو محكومة، ولكن لا حديث أبدا عن جبهة وطنية ~~تلتقي حول برنامج للتطوير متضمنا نقدا للذات، وتحليلا علميا للسياق المحلي ~~والعالمي الذي نتحرك فيه، ورؤية مستقبلية للهدف المنشود: المجتمع والإنسان والعلاقات بين ~~عناصر البنية الاجتماعية، نعم إنجاز الهدف عملية تستمر زمنا طويلا، ولكن النجاح رهن ~~الوعي الصحيح والتشخيص العلمي الدقيق، وتعبئة موارد الأمة عبر مؤسسات مدنية ليصب الجهد ~~في بناء إنسان جديد يتحلى بدينامية الفكر والفعل وروح التعاون الجمعي في مناخ من الحرية ~~والاستقلال الذاتي والقدرة على النقد العقلاني المنهجي لواقعه، والإفادة من تجاربه، ~~والتحرر من الانحيازات ضيقة الأفق، وأن يكون مشاركا بحرية وعن حرية في بناء مجتمعه ~~المدني بمؤسساته؛ لأنه هو مصدر السلطات وليس الحاكم، إنه مواطن وليس رعية، والشعوب مواطنون ~~لا رعايا، شركاء لا أتباع، وهذه هي خصائص المجتمع المدني العام الذي لا وجود له في أي أرض ~~عربية، وإنما المجتمع المدني العام هو الهدف المنشود في إطار من التطوير الحضاري؛ ذلك لأن ~~المجتمع المدني تنظيم لآلية المجتمع وفاء لهدف استراتيجي أكبر، هو التطوير الحضاري وضمان ~~دينامية مطردة للتغيير على أساس من المراجعة والتغذية المتبادلة بين المؤسسات بوصفها ~~مؤسسات مدنية: أي مستقلة عن السلطة السياسية، وكذا الأفراد بوصفهم مواطنين، السلطة السياسية ~~اختيار حر من هؤلاء، وليس العكس، لقد جاء ظهور المجتمع المدني ثمرة للإصلاح الديني ~~والتقدم العلمي والحاجة إلى مجتمع جديد برؤية وثقافة جديدتين وفعالية حضارية ms02 جديدة ~~للإنسان المواطن الحر المستقل ذي العقل الناقد وليس الرعية. # وحري بنا أن نتأمل بعقل ناقد حقيقة الفكر العربي، ليس من واقع التهويم النظري، بل في ~~ضوء إجابة عملية على سؤال: كيف نفكر؟ كيف يفكر الإنسان العام؟ وكيف يفكر القادة إزاء ~~تحديات العصر؟ ما هي مرجعياتنا الفكرية في شئوننا الحياتية؟ كيف وبماذا نعبر عن تميزنا ~~عن الآخرين؟ هل نفكر كما فكر السلف في ظواهر لم تكن في حياتهم أم نكون فقهاء عصرنا؟ لا ~~نزال نقول «إجماع العلماء»، والعلماء بشر، ونحن بشر وعالمنا أولى بنا، هل نرى الحضارة ~~إرثا، أم فعلا إبداعيات متجددة؟ استجابة إبداعية متطورة لتحديات متجددة، وإلى أي ~~حد يمثل رصيدنا الثقافي عونا لنا على التفكير السديد؟ وإن لم يكن فكيف يكون التغيير؟ ~~إذ من المسلم به أن الإنسان - المجتمع - يرى أو يدرك العالم من حوله من خلال عدسات ~~ثقافته كإطار حاكم، والتي تحدد معالم الإدراك وشروطه، وصوغ صورة العالم واستجابته. # إذ هناك فارق كبير بين مجتمعات راكدة، حصادها المعرفي الجديد يكاد يكون معدوما، ورصيدها ~~الثقافي جامد متحجر، وفعلها الإنتاجي عاطل، وبين مجتمعات الفعالية الإنتاجية النشطة ~~وحصادها المعرفي المتراكم غني وفير، ورصيدها الثقافي يتصف بالمرونة والدينامية، الأولى ~~عاجزة، بل عازفة عن التغيير؛ أسيرة التعصب للقديم وعدم التسامح مع الإبداع والتجديد ناهيك ~~عن التطوير، والثانية تتصف بالقدرة على الإبداع والتجديد وسرعة التكيف مع المتغيرات، ومن ~~ثم أقدر على قبول التحدي واطراد التقدم، لهذا نرى أن التخلف في جوهره هو تعطل ~~قوى الفعل الإنتاجي للوجود، ومن ثم جمود الفكر بل تراجعه، بينما التقدم هو تقدم ~~الفعل وتقدم في إنتاج الوجود والفكر. # وإذا كنا نتحدث عن التغيير من الداخل دون ضغط خارجي، أي استجابة لتحديات داخلية ~~واستجابة لسياق تحديات عالمية، فإن هذا يوجب نظرة علمية نقدية لواقعنا المحلي وللسياق ~~العالمي ولطبيعة التحديات وأسباب التقاعس والتخلف، ثم بعد هذا - أو معه - صوغ رؤية ~~استراتيجية للنهضة تأسيسا على حوار حر واختلاف في الآراء وتعدد الرؤى وتعبئة الموارد ~~والقوى المادية والبشرية، هكذا نقول إن التغيير ms03 - شأن حال كل الأمم الناهضة - وليد الفعل ~~الذاتي الإبداعي الاجتماعي، إن محو وصمة الأمية كمثال لم تكن بحاجة إلى تنبيه من الخارج، ~~وحري ألا ننسى أن مخاض التغيير أليم ومضمار صراع؛ إذ ثمة علاقة توتر بين ~~التغيير ومقتضياته وبين الثقافة ونزوعها إلى الثبات. # ونرى أن الوعي الزائف بالتاريخ عقبة أخرى على طريق التقدم، وسبب لما نسميه ظاهرة ~~اختلال الأنا الوطنية، وإذ ننشد إعادة بناء الإنسان، فإن البناء لا يستقيم بوعي زائف ~~بالتاريخ، إن في تاريخنا فترات صامتة، وفي تاريخنا ما نسميه المنفى الفعال، وتاريخنا ~~تجل للسيد المنتصر، وتاريخنا فارغ تماما من أية دراسات سوسيولوجية تفسر الظاهر نشأة ~~وتكوينا وتطورا وزوالا، وتاريخنا أحداثه تجري أحيانا على غير أرضنا في تناقض ظاهر ~~مخل؛ إذ الجغرافيا هي مسرح التاريخ، وكم من المفاهيم الخاطئة الموروثة تاريخيا سارت ~~مسرى البدهيات، بينما سرعان ما تسقط أمام التحليل العلمي. # وتفاقمت أزمتنا التي يجسدها تعطل الفكر والفعل العربيين بسبب حالة الفراغ الفكري ~~العالمي، إذ حتى عهد قريب كانت سوق الفكر العالمي تغص بالآراء والنظريات التي يتنافس تحت ~~عناوينها الناشطون، ظنا منهم أن في إحداها الخلاص، ولكن سوق الفكر العالمي باتت خاوية ~~الآن من النظريات، بل تعاني من حالة تشعب وتشوش فكري، وطرحت عن كاهلها كل ما يدخل في ~~إطار التقليد؛ إذ تجاوزه الواقع وأصبحنا إزاء واقع جديد بحاجة إلى إطار فكر إرشادي جديد، ~~ومن ثم يلح السؤال: وماذا نحن فاعلون؟ الإجابة تستلزم ابتكارا جمعيا ~~ذاتيا. # والأزمة أشد لأننا نرسف في أغلال التخلف والاستبداد وثقافتهما، ونفكر بعقلية التخلف ~~في عالم آخر جديد مغاير، سقطت الحدود، وبدأت الرياح تهب عاصفة علينا: فكرا وثقافة ~~وسلعا استهلاكية، وقنعنا بسؤال السلطان على الأرض، بينما العصمة بأيدينا بوصفنا مجتمعا ~~مدنيا بالمعنى المحدد لهذا المجتمع، وبفضل فعل التطوير الاجتماعي الحضاري في إطار من ~~تغيير البنية والعلاقات الاجتماعية، وفي إطار ثقافة الفعل الإنتاجي والتغيير، لا ثقافة ~~الكلمة والسكون، ثقافة الانتماء، لا الاغتراب في الزمان أو في المكان، ثقافة مواطنين لا ~~رعايا. # لهذا ضم الكتاب ثلاث رؤى، ms04 الأولى: عن «المجتمع المدني وثقافة الإصلاح» رافضا كلمة ~~الإصلاح وإبدالها بالتطوير وشروطه. # والثانية: «الفكر العربي ولغز النهضة» وترى الحاجة إلى دراسة نقدية لثوابت الفكر العربي، ~~وأن القول بالثوابت اتساق مع الثقافة السكونية ورفض للقطيعة المعرفية مع السابق، والثالثة: ~~عن «مصر والغياب الطويل» وهي شهادة من التاريخ عما اعترى الوطن والإنسان، ولا يذهب بي النزق ~~حد الاعتقاد بصوابها جزئيا أو كليا، وإنما هي اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، ولكنه اجتهاد ~~صادق المنطلق، وإسهام مخلص؛ ودعوة للتفكير المشترك. # شوقي جلال # القاهرة 29 / 5 / 2005 # | المجتمع المدني وثقافة الإصلاح: رؤية نقدية # (1) العالم والفراغ الفكري # مع انتصاف القرن العشرين دخل العالم مرحلة تحول أو انتقال جذري شامل لكل مناحي ~~الحياة: الفكر والاقتصاد والسياسة والثقافة والعلاقات والبنى الدولية في الشرق وفي ~~الغرب، مرحلة يصدق معها وعليها قول ابن خلدون: «إن الأحوال إذا تبدلت جملة، فكأنما ~~تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد.» # والعالم حقا منذ انتصاف القرن العشرين - ولا يزال - يعيش هذه الصورة، أو يعيش أزمة ~~وآلام مخاض تحول لم تتحدد معالمه وإن تجسدت أمراضه، وتفاقمت تناقضاته، وهذه ~~المرحلة، شأن كل مراحل الانتقال الاجتماعي، تغيم فيها الرؤية حينا، وتسقط الغشاوة عن ~~نظريات وأفكار، أو ينتهي صدقها المرحلي، ويعيش المجتمع أو العالم مرحلة فراغ فكري، ~~وتفكك في العلاقات والهياكل، وعدم استقرار، وظهور تيارات فكرية متناقضة ومتدافعة في ~~محاولة يائسة أو ناجحة جزئيا للإمساك بطبيعة أمور وأحداث الواقع المتجدد الذي ~~تجاوز أسس الفكر والنظر السابقين أو التقليديين، ويتراوح الوضع ما بين رجوع، أو ردة ~~إلى ماض أو سلف التماسا ليقين ولى زمانه، وما بين مراجعة عقلانية نقدية تاريخية ~~للواقع الراهن في ضوء مستجدات العصر واحتمالات المستقبل. # وحري أن نشير بداية إلى أن بعض مظاهر الإنجاز والتقدم هي أيضا - ومن خلال ~~تداعياتها - سبب أو مظهر للأزمة وتفاقمها، أذكر مثالا: التقدم العلمي وما حققه ~~من إنجازات إيجابية في عالم الاتصالات، والتحولات في الاقتصاد العالمي؛ إذ ضاعف من ~~قدرات وإمكانات البشرية، وفاقم في الوقت نفسه من مشكلات بيئية ms05 واجتماعية وغيرها ، ~~وأدى كذلك إلى تغيير جذري في هيكلية العلاقات في الأنشطة البشرية المختلفة، كذلك ~~استقلال المستعمرات السابقة، وهو واقع أو إنجاز إيجابي، ثم ظاهرة فشل العديد من حركات ~~التحرر الوطني؛ إذ أخفقت في بناء نظم جديدة قادرة على مواكبة التقدم والاندماج في ~~حضارة العصر بوصفها قوة قادرة على الإنتاج والفعل والتأثير على الصعيد العالمي السياسي ~~والاقتصادي، ناهيك عن عجزها عن بناء مجتمع ديمقراطي وعن بناء أسس للعدالة الاجتماعية ~~وتحولت إلى قوى طرد سكاني هو موضوع جدل واسع عن أزمة الهجرة والمهاجرين من الجنوب إلى ~~الشمال. # ويمثل كل هذا في آن واحد زوال الوهم بشأن حقيقة البرامج الإصلاحية وصوابها التي ~~دعا إليها كل منهم، أو يمثل انتهاء مرحلة الصلاحية النظرية لفكر كل منهم بعد أن ~~تجاوزته وقائع تطور الحياة، ويعني هذا أيضا سقوط الركائز التي تنبني عليها مشروعية ~~نظم الحكم التي أقامت مشروعيتها على أساس تلك البرامج والنظريات، وانتفت مع هذا أسباب ~~الاستقطاب العالمي، ما بين اشتراكي ويساري أو ديمقراطي، وما بين ليبرالي ومحافظ أو ~~تقليدي. # ويعني هذا أيضا سقوط فلسفات حركة التنوير الغربي التي نادت بما زعمته نزعة كلية ~~للثقافة الغربية عن العقل والمعرفة، وأكدت أن هناك ما يسمى مبدأ العقل الكلي النظري ~~المجرد الذي يتطابق بين الجميع في تجلياته واستنتاجاته، ويتجسد أساسا ونهاية في ~~عقل الباحث والمفكر الغربي. # وزعمت فلسفات التنوير الغربي أن الغرب هو الحداثة، وأن التحديث تغريب، وثقافة الحداثة ~~هي ثقافة الغرب، وأن الحضارة في ذروتها وكمال صورتها هي حضارة الغرب أو عقله، أو هي ~~التي تتجسد سياسيا واجتماعيا ومؤسساتيا وتنظيميا وثقافيا فيما سمته ~~«المجتمع المدني» الذي يضم المواطن المثالي، أي الغربي المعبر عن كل هذه التجليات، ~~والتي هي معيار المواطنة المدنية. # ويمكن أن نجمل فيما يلي عناصر الأزمة ومظاهرها في الشرق والغرب، وإن تباينت ~~الخصوصيات التاريخية والواقعية زمانا ومكانا، والجهد المبذول في كل موقع لتجاوز ~~الأزمة، ويمثل كل هذا جدول أعمال أهل الفكر للالتزام به في بحثهم لقضاياهم: ~~(1) # سقوط الليبرالية كعامل محدد للمناخ الثقافي الكوكبي ms06 # Geoculture # وسقوط مبادئها «الحرية - الإخاء ~~- المساواة» في الممارسة على الصعيد العالمي. ~~(2) # سقوط نبوءات الليبرالية بأن النظام العالمي الاقتصادي والسياسي سيؤدي إلى ~~تحسن تدريجي لرفع المظالم في داخل المجتمعات وفيما بين المجتمعات. ~~(3) # ثبوت زيف الزعم أن الحضارة غربية المنشأ، أو أنها بلغت ذروة كمالها وازدهارها ~~على أيدي الغرب والجنس الأبيض، وأن الحضارات تطورت وتقدمت على مدى مسار ~~خطي أحادي إلى حيث تجلي الروح الكلي «العقل الغربي»؛ إذ زعم فكر المركزية ~~الأوروبية في تصوره لمعنى الحضارة وسيرتها بأن «القيم الحضارية» ترجع ~~تاريخيا إلى الرومان والإغريق من الإنسان الأبيض، ولكن أصبح هذا الرأي هدفا ~~لهجوم علمي ومراجعة نقدية جذرية في ضوء البحث العلمي لتطور المجتمعات ~~والدراسات الأنثروبولوجية والاكتشافات التاريخية، إننا نخطئ خطأ بليغا إذا ~~قلنا إن ثقافة اليابان البوذية ثقافة هندية باعتبار الهند مهد البوذية التي ~~أضحت محورا أساسيا في التاريخ الثقافي لليابان، ونخطئ خطأ بليغا إذا قلنا ~~إن الثقافة الاجتماعية المصرية هي فقط حصاد وجماع ثقافة شبه الجزيرة العربية ~~مهد الإسلام، ذلك لأن الجغرافيا هي مسرح أحداث التاريخ وتجلي التفاعل ~~الإيكولوجي بين الإنسان/المجتمع والبيئة، ومن ثم صوغ الثقافة في صورة جديلة ~~جامعة لأحداث التاريخ والإنسان في تعاقبها وتفاعلها. ~~(4) # ثبوت زيف المبادئ المعيارية المحورية لفكر التنوير الغربي المتمثلة في ~~النزعة الكلية والنزعة الماهوية للإنسانية جمعاء، مع رفض الخصوصية الزمانية ~~والمكانية في ديناميتها المتطورة، أي ثبوت زيف مقولة العقل الكلي والمعرفة ~~الكلية واليقين الكلي، أي عقل ومعرفة الغرب، والحاجة إلى ابتكار إطار فكري ~~جديد، يؤكد خصوصية ونسبية الغرب؛ ذلك أن الفلسفة السياسية الليبرالية ~~الحداثية قدمت نفسها في صورة خطاب أيديولوجي نظري أو ميتافيزيقي خالص يعبر ~~عما ظنته جوهر الاجتماع السياسي البشري أو ماهيته؛ إذ زعمت أن معيارية المواطنة ~~المدنية لها أولوية وسبق تاريخي وأنثروبولوجي على ظاهرة الاجتماع البشري، قبل ~~فرض ظروف وأوضاع ثقافية قسرية، لذلك فإن الهوية المدنية هي في زعمها الهوية ~~الفطرية الأصلية وماهية الإنسان، وترى أن هذا الفهم مذهب كلي شامل عن الإنسان ~~والتاريخ وعن طبيعة العقل وماهيته والأشياء في ذاتها، الحداثة ms07 الغربية مفهوم ~~كلي كوني، وكذا التحديث حسب النهج الغربي وثقافته، الكلية بمعنى أن الرؤية ~~الغربية رؤية تصلح لجميع البشر، وأن مفاهيم التنوير تتعالى بحكم كليتها على كل ~~الخصوصيات الثقافية، إنها مطلقة، وطبيعي أن مثل هذه النزعة تنفي إمكانية تعدد ~~مسارات التطور التحديثي، وكأن المسار خطي أحادي مطلق، كما تنفي النسبوية ~~بين الثقافات، وتنفي الخصوصيات الجزئية مما يعني نفي حق المجتمعات ~~الأخرى. # والماهوية # essentialism # أو القول بجوهر ~~الطبيعة البشرية، وأنه في البدء حرية ومساواة، ويتنافى هذا مع ما أثبته العلم ~~بشأن تطور الإنسان والمجتمعات. # وامتد هذا إلى القول بأن جوهر طبيعة شعوب المستعمرات غير جوهر طبيعة ~~الإنسان الأبيض، وغير مقوماته ورسالته الحضارية، وتأكد الآن أن هذا كله أحكام ~~أو مفترضات ذهنية منحازة عرقيا من منطلق المركزية الغربية وغير ~~واقعية. # كذلك القول بأحادية المسار الخطي للتطور أدى إلى مفهوم حتمية التقدم ~~أسوة بالغرب «المثل الأعلى» للإنسانية حسب منظور المركزية الغربية، وأصبح لهذا ~~المفهوم السيادة على العلم الاجتماعي والسياسي بوصفه أساسا لتفسير تاريخ ~~العالم وتبرير نظريات المراحل في تطور المجتمعات، ومن ثم التباين بين ~~مجتمعات متقدمة أو تنشد التقدم والتغيير بطبيعتها وأخرى متخلفة، وأضحت ~~هذه النظرة تبريرا وذريعة للتدخلات السياسية في البلدان «المتخلفة» ~~ومبررا للسياسيين في الغرب لفرض رؤيتهم فرضا على الآخر باسم طبيعة ~~الأشياء، وهذا هو ميراث التنوير الفكري، الذي ورثته الولايات المتحدة عن ~~أوروبا وتحاول تطبيقه صراحة وقسرا على بلدان أخرى بحجة تطويرها وإصلاحها، ~~أي إنفاذ الرسالة الحضارية المتوهمة للجنس الأبيض إلى بقية العالم. ~~(5) # سقوط الاعتقاد بأن التقدم حتمي، وفقدت الشعوب - وأولها شعوب الغرب - ~~مصداقية وعد التنوير بتحسن الأوضاع. ~~(6) # سقوط اليقين، إذ لا يقين كما رأت الحداثة على لسان فلاسفتها ومفكريها، ~~وسقوط الزعم بوجود قوانين كلية حاكمة لجميع الظواهر الطبيعية والاجتماعية وأنها ~~مطلقة الصدق، وهذا ما تذهب إليه نظرية التعقد أو الشواش الآن # complexity or chaos theory # في نقدها ~~للعلوم الطبيعية والإنسانية ودعوتها إلى إسقاط مقولة الثقافتين، أي الفصل بين ~~علوم طبيعية وأخرى إنسانية، وإنما دمج الإنسان مع الطبيعة في نظرة ms08 علمية ~~متكاملة، ويلاحظ أن سقوط اليقين اقترن بمظاهر ردة أصولية قرين حالة من عدم ~~الاستقرار، والتوجه ضد الدولة أو بداية حقبة شك وتهاون في سلطة الدولة في ~~عديد من البلدان. ~~(7) # سقوط عديد من حركات التحرر الوطني، وهو ما يتمثل في عجز أكثرها عن بناء ~~نظم حكم ديمقراطية ملتزمة بما دعت إليه قبل الاستقلال من تحقيق لعدالة ~~اجتماعية وبناء دولة مؤسسات، وهذا ما تؤكده ثورات الجماهير وانفصالها عن ~~حكامها، حتى ليمكن القول بأن نظم الحكم فيها لا تستند إلى شرعية ~~ديمقراطية. ~~(8) # انهيار اليسار التقليدي وغالبية النظم المنتمية إلى الفكر الماركسي، فيما ~~عدا بضع دول، مثل الصين، تعمل جاهدة على التكيف مع الجديد من حيث الفكر ~~والممارسة التطبيقية. ~~(9) # انهيار الثقة في النموذج الكينزي في الغرب، وانهيار مجتمع أو دولة الرفاه، ~~وتعدد التوجهات والجهود وتباينهما بحثا عن نظرية لنظام جديد على نحو ما ~~نرى في دعوة أو دعوات باسم الطريق الثالث. ~~(10) # هذا فيما يتعلق بتصدع الإطار الفكري الغربي، وهناك عامل جديد متعدد ~~الأبعاد عميق التأثير؛ ذلك أن بلدان المستعمرات السابقة - خاصة شرق آسيا ~~وجنوبها - فرضت حضورا قويا بعد استقلالها، استلزم مراجعة أسس الفكر العالمي ~~الذي ساد على مدى قرون بشأن معنى الثقافة والحداثة وقوانين الفكر الإنساني، ~~والحراك والتطور الاجتماعي والديمقراطية وحقوق المجتمعات وحقوق الإنسان وأزمة ~~البيئة ومصداقية التاريخ الذي كتبه الغرب، ومعنى الهوية، إذ كان الغرب يرى ~~نفسه «الأنا»، الذات، ويرى المجتمعات غير الغربية هي «الآخر»، والبقية # the west and the rest ~~، واقترن هذا بمحاولة ~~قطب واحد أصولي النزعة أن يتحدى عناصر الأزمة وعقلانية التحليل ليفرض رؤى ~~أصولية موروثة، تحقق له أطماع السيادة السياسية والاقتصادية والعسكرية مع فرض ~~هيمنة ثقافية ضد مقولات التعددية والنسبية. ~~(11) # وقد يبدو غريبا أن نضيف إلى ما سبق عاملا آخر يغيب عن الأذهان في عالمنا ~~العربي، وأعني بذلك أنه مع انتصاف القرن العشرين بدأ يستبد بالولايات المتحدة ~~- في تزايد مطرد - هاجس ما اصطلح على تسميته «نهاية القرن الأمريكي»، وسبق أن ~~أشرنا في دراسة لنا إلى أن هذا القرن الأمريكي ms09 بدأ مع انتصار حرب الاستقلال ~~الأمريكية وبداية التطلع إلى خارج الحدود تحت شعار الرئيس مونرو «أمريكا ~~للأمريكيين»، أي الاستئثار بنصف الكرة الغربي باعتباره مرحلة أو قضمة أولى، ~~وشهدت الولايات المتحدة حوارات وسجالات فكرية حمي وطيسها، خاصة خلال العقدين ~~الأخيرين محورها السؤال: «هل من قرن أمريكي جديد؟» وتسعى السلطات الرسمية في ~~الولايات المتحدة، خاصة في ظل الأصولية الإنجيلية الصهيونية إلى أن تؤكد ~~بالترغيب والترهيب الغشوم زيف الهاجس وضرورة إنقاذ رسالة الرب ضد محور الشر، ~~وانعكس هذا في صورة سياسات يحكمها البطش العسكري، مما أدى إلى المزيد من ~~التفكك كوكبيا وغلبة مشاعر الإحباط. ~~(2) البداية مع حركة التنوير # التنوير حركة ثقافية عريضة انبثقت عن الحروب الدينية والعرقية والطبقية التي امتدت ~~على مدى القرنين 16، 17 وعرفت باسم حروب المائة عام. واجه المفكرون ما رأوه نزعات ~~عرقية وطبقية ودينية لا نهاية لها، وجمعت هذه الحقبة بين نقيضين: الصراعات التي تنذر ~~بالتفكك وتخلق حالة من الفوضى، علاوة على تفشي نزعة الشك الذي طال كل شيء وانتفى ~~اليقين، وبين إرهاصات التقدم العلمي الذي يستلزم اليقين والمعرفة الموثقة قرين بدايات ~~التحول في طبيعة الإنتاج إلى إنتاج صناعة يستلزم توثيقا للروابط وخلق وحدات قومية أو ~~وطنية تتجاوز الساحات العرقية والدينية والأطماع الطبقية وضمان الأسواق. # التمس المفكرون سبيلا للخروج من هذه الورطة، وتأسيس قاعدة ثقافية محايدة تلتقي ~~عندها وجهات النظر الدينية والعرقية المتصارعة بهدف الوصول إلى اتفاق يحقن الدماء، ~~ويدعم حركة التوحد والتقدم، لذا عمدوا إلى ابتكار مفاهيم جديدة عن العقل والمعرفة، ~~والتي عرفت فيما بعد باسم «المنهج العلمي» ضمانا للحيادية الثقافية والموضوعية، وظلت ~~الأفكار التي صاغتها الفلسفات السياسية لكل من جون لوك وديكارت وروسو وبنتام وكانط ~~وميل هي الأفكار المحورية على مدى القرون الثلاثة حتى منتصف القرن العشرين؛ إذ قدمت ~~هذه الأفكار تفسيرا ظلت له السيادة عن المثل العليا الديمقراطية والليبرالية بشأن ~~الحرية الفردية والمساواة وحقوق الإنسان والعقل والمعرفة والعقد الاجتماعي والفردية ~~الأصيلة. # وقدمت الفلسفات السياسية تفسيرات أنثروبولوجية نظرية عن طبيعة الاجتماع البشري، ~~وعن نشوء المجتمعات وعن الطبيعة البشرية ms10 لبيان زيف الواقع الاجتماعي القائم على ~~التناحر، وقدمت هذه الفلسفات أيضا مفاهيم عن جوهر العقل والمعرفة عند الإنسان، ~~وزعمت أنها تعبر عن موقف يتعالى على جميع المعتقدات الجزئية المشروطة تاريخيا، ~~وذهبت إلى أن العقل مستقل ذاتيا في تقويم كل ما يتصل بالحق ولا يخضع لأي سلطان ~~غير ذاته، ونعني هنا سلطان رجال الدين، أو عصبية عرقية، أو الأمراء الإقطاعيين، وترى ~~النظرية السياسية الليبرالية الحداثية أن مهمة العقل المستقل ذاتيا - وهو العقل ~~المدني - أن يكون المرجع والمسئول عن الترتيبات السياسية في التطبيق العملي، ويمثل ~~هذا، فيما ذهبت إليه، تجسيدا للمواطنة الديمقراطية الليبرالية. # ومبدأ العقل الإنساني المستقل ذاتيا هو محور المشروع الثقافي التنويري الغربي، ~~عبر هذا المبدأ عن الاعتقاد بأن العقل الإنساني بذاته وفي ذاته يمكنه - إذا ما ~~استخدم مناهج مستمدة من تحليل قدراته الذاتية - أن يتعالى على الحدود والقيود التي ~~فرضتها الظروف التاريخية، وأن ينجز معرفة صحيحة وكلية، وهذه هي دعوة للانعتاق من القيود ~~الاجتماعية القسرية، رغبة في تأسيس مجتمع جديد هو المجتمع المدني الذي يهيئ ~~إمكانية للفرد الغربي من أن يبني حياة جديدة، والخلاص من عصر الفوضى والانقسامات ~~والاقتتال. # وهكذا تأسست الديمقراطيات الليبرالية في الغرب باسم حقوق الإنسان الكلية ~~والطبيعية، وقيل نظريا إنها حقوق جميع البشر، وهو ما كذبته وقائع التطبيق العملي ~~لسياسات الغرب مع المستعمرات، وعمدت النظريات السياسية الليبرالية الحداثية إلى إثبات ~~أن المثل العليا الأخلاقية والسياسية يمكن استقراؤها من مفاهيم ميتافيزيقية تتسم ~~بالصواب الكلي عن الطبيعة والعقل. # وظهرت نظريات أو سرديات العقد الاجتماعي، وهو مكون أساسي في الثقافة المدنية التي ~~تنقل الإنسان والمجتمع من حالة الفوضى البدائية والتفكك والبربرية إلى مجتمع مدني، ~~وصاغ الفلاسفة السياسيون رؤاهم النظرية عن حالة البشرية في البدء؛ حيث كان الناس ~~أحرارا متساوين؛ إذ إن الحرية والمساواة هما من طبيعة الأمور، ولكن النظم الطائفية ~~والعرقية هي نظم نشأت بفعل القسر والإكراه. # وتزعم النظرية السياسية الليبرالية الحداثية أن النظرة المعيارية للمواطنة لها أولوية ~~وسبق تاريخي وأنثروبولوجي، وترى أن الفردية الحرة المتساوية خاصية سابقة أيضا على ms11 ~~الوجود الاجتماعي القسري، معنى هذا أن العوائق الأولى التي حالت دون تطوير القيم ~~المدنية وتكاثرها هي عوائق وليدة ظروف ثقافية وسياسية واجتماعية عارضة، ويعني هذا أيضا ~~أن الهوية المدنية # Civic Identity # هي الهوية الأصلية ~~الطبيعية للأشخاص، وتتجلى الهوية المدنية تلقائيا حال زوال العوائق وعوامل القهر ~~والقسر. # وهكذا كانت دعوة فلاسفة التنوير ومفكريه هي الانتقال إلى مجتمع مدني يكفل الوحدة ~~والتضامن الاجتماعيين، وإعمال العقل الفردي المستقل، وبذا يكون المجتمع المدني هو ~~المجتمع المستنير، وكذا المواطن المدني هو المواطن المستنير. # ويقول إيمانويل كانط في كتابه «ما هو التنوير؟»: «المواطن المدني المستنير في المجتمع ~~المدني هو من يتحلى بالجرأة على استخدام العقل المستقل ذاتيا، المبرأ من ~~انحيازات عرقية أو طائفية أو دينية أو طبقية ... إلخ، فهذه هويات خاصة طائفية جزئية، ~~وإنما المواطن المدني عقل مستقل وهوية مدنية، يفكر لذاته مستقلا عن القواعد التي ~~تفرضها سلطة خارج الذات: البابا أو الأمير أو الطبقة أو المهنة ...» ويقول كانط أيضا: ~~«المثقف المستنير في المجتمع المدني هو الأنا المفارقة أو المتعالية # Transcendental Ego # المنفصل تماما عن الالتزامات ~~والمعتقدات الجزئية الطائفية وصولا إلى معرفة الحق الكلي # Universal ~~Truth ~~». # وهنا يوحد كانط بين المواطن المدني والذات العارفة المبرأة من كل انحيازات جزئية ~~والتي يصفها بالذات المحضة أو الذات المدنية Pure or Civic ~~Identity ~~، والإنسان المستنير إنسان صاحب عقل نقدي، يفكر ويتعلم ~~من موقف مغاير تماما، أو لنقل يعبر عن هوية مختلفة تماما عن الموقف الجزئي الخاص ~~المنحاز، وهذا هو موقف الباحث، ويوجد بين المواطن المدني والذات العارفة النقدية ~~المحضة؛ لما يحققه أو يجسده من انفصال أو تعال عن الالتزام بالمعتقدات ~~والقيم الجزئية الطائفية الشمولية، أي الحاكمة لكل شئون حياته من زاوية الطائفة دون ~~المجتمع الأكبر. # وهذا هو أساس الثقافة المدنية والمواطنة المدنية، الباحث أو المواطن المدني لا يتكلم ~~بلسان طائفة أو طبقة أو عقيدة محدودة، بل بلسان العقل الكلي العام المتحرر من ~~الالتزامات والانحيازات الجزئية الطبقية، وبذا يكون حديثه عن الجميع وللجميع باعتباره ~~مجتمعا أكبر عالميا، أي يتكلم من ms12 منطلق الهوية المدنية، هوية المرء بوصفه عضوا ~~في مجتمع مدني، مجتمع الإنسانية جميعها. # وحسب هذا التصور يكون المثقف بمعناه الجديد، والذي نفتقده نحن الآن في عالمنا ~~العربي، هو الأنا المتعالية الذي يحرص إراديا وعقليا على الاحتفاظ بمسافة نقدية ~~فاصلة بينه وبين الانحيازات الجزئية العرقية أو الدينية أو السياسية ... إلخ، وأن يكون ~~بينه وبين المجتمع السياسي، أي السلطة السياسية المسافة ذاتها، إن المثقف - المواطن ~~المدني - موقف، هويته أو ذاتيته مستقلة تماما، وعقل نقدي محض بغية الوصول إلى ~~معرفة الحق الكلي، وهذا هو التطابق أو التوحد بين المواطن المعياري المثقف، وبين ~~الذات العارفة المحضة، وتمثل هذه المسافة الفاصلة أساسا للثقافة المدنية، إنها ~~تهيئ معيارا واضحا لتطوير القدرات الصحيحة للمواطنة الحداثية، وإذا كانت فكرة ~~الذات العارفة المحضة المستقلة ذاتيا عن السياق باتت أسطورة الآن، إلا أن هذا لا ~~ينفي دور وواجب وهدف المثقف المدني - المواطن - في الالتزام بالمسافة الفاصلة عن ~~المجتمع السياسي ضمانا لصدق وبراءة التعبير عن المجتمع المدني في شموله داخل مساحة ~~التوتر المتصل بين المجتمعين: السياسي (السلطة) والمدني (الجمهور). # وجدير بالملاحظة هنا أن كلمة مدني في قاموس التنوير، وهي # Civil # و # Civic # و # Civilus ~~، تعني في اللغة اللاتينية الحر (الروماني) ~~ومن ينتمي إلى المدينة، أو ما يخص المدينة ومن يسلك سلوك أهل المدينة، وينطوي المفهوم ~~هنا على قدر من الانحياز والعصبية إلى ما هو روماني، وقد يكون من الأمور ذات الدلالة ~~أن كلمة # Civila # تعني الإكليل الذي يزين رأس من ~~ينتصر لروماني ويقتل عدوه، ولكن عادت الكلمة إلى الظهور ثانية على لسان المحلفين ~~الفرنسيين في ستينيات القرن السادس عشر لوصف أهل المكانة والتهذيب # Civilité # و # Civilisé # ممن هم على شاكلة المحلفين خلقا وسلوكا. # معنى هذا أن كلمة مدني في قاموس التنوير تحمل معنيين نقيضين: تعني المواطن الحر ~~(الغربي) المهذب والكيس والمتحضر نقيض البربري والهمجي، وتعني أيضا في الأصل ~~الروماني تميزا له، ثم أصبحت تعني الأوروبي الذي يجسد الحضارة دون سواه. # واستخدمها مفكرو التنوير للتمييز بين مجتمعهم المدني، وبين مجتمعات التعصب ~~والحروب ms13 والاقتتال، أي مجتمعات الأمراء ورجال الدين ودعاة العصبيات العرقية، ولكنهم ~~استخدموها أيضا للتمييز بين مجتمعاتهم الأوروبية والمجتمعات غير الأوروبية، ولعل من ~~الأمور ذات الدلالة على الانحياز الغربي هنا أن العلوم أو الدراسات الاجتماعية التي ~~نشأت في ظل فكر التنوير اختصت بدراسة المجتمعات المدنية أو الغربية، بينما ابتدع ~~الغرب مبحثين آخرين اختصا بدراسة المجتمعات غير الأوروبية، أو لنقل غير المدنية، ~~وهذان المبحثان هما الاستشراق والأنثروبولوجيا. # وصاغ الفلاسفة مذاهبهم السياسية وفي خلفيات رءوسهم هذا المعنى: الحضارة أوروبية، أو ~~سارت مسارها التاريخي الخطي والأحادي، ابتداء بالبرابرة والهمج لتبلغ ذروتها، وليبلغ ~~العقل كماله مع الإنسان الأبيض، ومن هنا ذهبوا في تفسيرهم لحركة التاريخ أن الإغريق هم ~~أهل الحكمة ومبدأ الفلسفة وعبقرية الإبداع، وأن الإنسان الأبيض هو المتحضر أو المدني ~~بطبيعته وفطرته، وبلغ المجد من أطرافه عقلا وحكمة وعلما، وأن من دونه برابرة، ومن ~~ثم كان القول بأن التحديث تغريب، محاكاة للمثل الأعلى (الغرب) ولذلك أيضا لم يكن ~~غريبا على فلاسفة التنوير أن يكون بعضهم شريكا وصاحب أسهم في شركات تجارة العبيد إلى ~~العالم الجديد. # إذن كلمة مدني، حسب هذا الاستعمال، تدل على مفهوم نخبوي تفضيلي تأسيسا على وضع ~~تراتبي هرمي للمجتمعات على عكس ما يدعو إليه ظاهر فكر حركة التنوير من أخوة ومساواة ~~وحرية، وأن البشر جميعا أحرار سواسية. وأصبح هذا الفكر تبريرا نظريا للسياسات ~~الغربية التوسعية الإمبريالية. كما أصبح التوسع الاستعماري رسالة الرجل الأبيض لنشر ~~الحضارة، وإقامة مجتمعات مدنية على نحو دعوة الإصلاح التي تدعونا إليها الولايات ~~المتحدة الأمريكية أسوة بدعوتها ونصيحتها قبل ذلك لبلدان أمريكا الجنوبية. ولكن منطق ~~الفكر التنويري يقرر أن الشعوب الأخرى بطبيعتها وجبلتها ليست أهلا للتحضر ~~والإبداع العبقري شأن الرجل الأبيض. # وامتد هذا الفكر من أوروبا إلى الولايات المتحدة مع هجرة الرجل الأبيض وسيطرته على ~~الأراضي بعد قتل ودحر أهلها الأصليين بأساليب عسكرية وحشية بربرية وغير أخلاقية. وفرض ~~الإنسان الأبيض «المدني»، باسم طبيعة الأمور والأشياء، هيمنة الولايات المتحدة، أو نيو ~~إنجلاند تحديدا، على بلدان جنوب الولايات المتحدة ثم بلدان ms14 أمريكا الجنوبية تحت شعار ~~أمريكا للأمريكيين. ثم سيطر على اليابان عقب الحرب العالمية الثانية وعلى غيرها. وبرر ~~الإنسان الأبيض «المدني» سلوكه بأنه صاحب رسالة حضارية لإصلاح وبناء مجتمعات المؤسسات ~~الديمقراطية الليبرالية الحداثية، زاعما أن هذا هو الأسلوب الوحيد للتحديث الاجتماعي. ~~ولكن سقطت جميع هذه المزاعم في التطبيق العملي. # المجتمع المدني # وجدير بالذكر أن توماس بين (1737-1809) المفكر البريطاني المولد، وأحد زعماء الثورة ~~الأمريكية وصاحب كتاب «حقوق الإنسان» هو أول من مايز بين الدولة والمجتمع المدني. رأى ~~أن الدولة كيان مختلق ومفروض قسرا لأنها اغتصبت دور الفرد، كما اغتصبت الجهد الطوعي ~~لأنها بطبيعتها سلطة وتسلط. # وذهب إلى أن المجتمع وليد حاجاتنا ومتطلباتنا، بينما الحكومة نتاج المكر والدهاء ~~الإنساني. الأول، أي المجتمع، يغرس ويوحد أفضل دوافعنا، بينما الثاني، أي المجتمع ~~السياسي أو الحكومة، يكبح رذائلنا ... المجتمع المدني راع وضامن، بينما الحكومة جهاز ~~معاقبة وأداة قسر. وتقع المؤسسات المدنية في المساحة الفاصلة بين الفرد وقوى السوق ~~لتهيئ للإنسان، المواطن، الفرد، أفضل سبل الحياة. # والمجتمع المدني في رأيه يزدهر بازدهار الفضائل المدنية: التعاون، حب الإنسان، الروح ~~الجماعية، النشاط الطوعي، المساواة، العدالة، التعالي على الانحيازات. وتمثل الفضائل ~~المدنية خير دعامة ضد الحكم الشمولي وضد الإفراط والمغالاة. ويجسد المجتمع المدني ~~الساحة الأخلاقية بين الحاكم والمحكوم، ومفهوم المجتمع المدني هو الساحة التي تضم ~~مؤسسات طوعية حرة تتوسط بين الفرد والدولة؛ حيث المواطنون الأفراد يعملون في آن واحد ~~على نحو فردي وجماعي مشترك، ومن ثم فإن فعالية الإنسان هي أكبر الفضائل. وصاغ توماس ~~بين رؤاه عن المجتمع المدني في صورة جمهورية فاضلة، هي موطن الحرية المتحررة من الحكم ~~القسري التعسفي، والتي تزدهر فقط حال توفر روابط حرة دينامية بعيدة عن السيطرة المنفردة ~~للمجتمع السياسي (الحكومة). # مفهوم المجتمع المدني إذن هو صياغة لتنظيم صورة الواقع والموقع في سلم تراتبي ~~تفضيلي قياسا إلى السابق في أوروبا، وقياسا إلى حاضر المجتمعات غير الأوروبية، وظهرت ~~فلسفات التنوير، وسرديات العقد الاجتماعي لتفسر مسار تطور المجتمعات تاريخيا من ~~الوضع الطبيعي، وضع الفطرة، حيث البشر ms15 أفراد أحرار سواسية تعاقدوا - حسب زعمها - ~~طوعيا للاجتماع، ثم بفعل القهر والقسر تحولت إلى مجتمعات عرقية وعصبية دينية ~~وأرستقراطية طبقية. # وترسم فلسفات التنوير السياسية الطريق للخلاص وبناء المجتمع المدني المتحرر من هذه ~~الانحيازات، والمتلاحم في وحدة وطنية حضارية، والعودة إلى ما سمته «الطبيعة البشرية ~~في جوهرها»، في ظل سلطة ديمقراطية ليبرالية وليدة اقتراع حر، ويعني هذا أن المجتمع ~~المدني حسب التعريف هو المجتمع الديمقراطي الليبرالي الحداثي، والحضاري الغربي، إنه ~~النموذج الكلي الذي يتعين بلوغ مستواه لمن شاء أن يوصف بأنه مدني (حضاري) ولكن ليس ~~الأمر ميسورا للجميع. # وشرعية السلطة أو الدولة في المجتمع المدني الديمقراطي الليبرالي رهن مواطنين أحرار ~~متساوين، يختارون بملء إرادتهم الحرة ومسئوليتهم الواعية، النظام الحاكم متعالين - بحكم ~~تثقيفهم وتعليمهم مدنيا - على الانحيازات والحزازات الطبقية أو الدينية أو العرقية ... ~~إلخ، إذ المجتمع غير المدني يحكم باسم الدين أو العرق أو الطبقة أو العائلة، إنه مجتمع ~~غير ليبرالي ولا ديمقراطي ينظم المؤسسات التعليمية والسياسية والإعلامية وغيرها من ~~مؤسسات اجتماعية لدعم صاحب السلطة؛ إذ له المشيئة، ولكن المجتمع المدني ديمقراطي ~~ليبرالي في التعليم والثقافة والسياسة، وفي شرعية الحكم وفي مساحة حقوق الإنسان ~~ومشروعيته باعتبار أن الناس أحرار متساوون، والمجتمع المدني ليس ضد الدين، ولكن ضد ~~تسلط رجال الدين باسم الدين، تحقيقا لمآرب جزئية، فهم بشر تربطهم مصالحهم، وتحكمهم ~~الانحيازات، فضلا عن أن قضايا المجتمع بحكم التطور والتعقد تتجاوز كثيرا حدود قدراتهم ~~المعرفية المتخصصة أو المحدودة بعد أن تشعبت تخصصات الحياة، والثقافة المدنية هي أساس ~~التعليم المدني الذي يضفي نظرة نسبية لا مطلقة على المنظومات التراتبية الناجمة عن ~~ثقافات مجتمعات محلية طائفية. # وتسود المجتمع المدني ثقافة خالقة للمواطن المدني وللمواطنة المدنية، هي ثقافة ~~ليبرالية ديمقراطية تلزم الدولة بمعاملة جميع المواطنين باعتبارهم أفرادا أحرارا ~~متساوين؛ حيث إن أبناء المجتمع مواطنون، لا رعايا لمؤسسة دينية أو لأمير أو لرئيس، وحيث ~~السلطة إدارة بالوكالة عمن اختاروهم بإرادتهم الحرة في اقتراع سري من بين مواطنين ~~أحرار متساوين لهم حق الترشح لتولي السلطة، وحيث شرعية السلطة ms16 رهن هذه الإرادة ~~الحرة، إذ المواطنون الأحرار هم مصدر شرعية السلطات. # ومواطن المجتمع المدني تصوغه - من خلال التربية والتعليم والإعلام والتنشئة ~~الاجتماعية - ثقافة سياسية تدعم الفضائل المدنية من مثل التسامح إزاء اختلاف الرأي أو ~~العقيدة أو العرق، ومن مثل الاستعداد لحسم المنازعات عقلانيا، أي تحكيم العقل ~~المستقل ذاتيا ومصالح المجتمع الأكبر، والإيمان بمسئولية الآخرين الأحرار عن أفعالهم ~~وحقهم، ورفض كامل لأي تراتبية أو امتيازات أو انحيازات لمنصب أو عقيدة ... إلخ. # وتجسد ثقافة المجتمع المدني وآليات التثقيف معتقد التنوير بشأن العقل والمعرفة الذي ~~يقرر - ويؤكد - حرية تكوين المؤسسات الدينية المستقلة ذاتيا، علمية وسياسية ~~وطوعية ... إلخ، لتكون روافد تستجمع زخم الجهد الاجتماعي، ولتكون تجسيدا للمثل العليا ~~المدنية، ووعيا جمعيا ديمقراطيا موازيا للمجتمع السياسي (السلطة) وحائلا دون ~~انفراده بالأمر، وهنا تكون الديمقراطية ممارسة وتجليا للحريات والاستقلال. # وتبني الثقافة المدنية منظومة ذهنية جديدة عن المواطنة والمثل العليا للمواطنة، ~~ويتجلى هذا كله في السلوك الفردي والعام والسياسي للدولة، وفي احترام معايير المواطنة ~~والأصالة والحرية، وإن إحدى مهام الدولة في المجتمع المدني توفير موارد لحفز المواطنين ~~على استحداث وتطوير قدرات مناسبة لمواطنة ثقافية كاملة، أي الانتماء الأصيل؛ ذلك لأن ~~المواطنين لا يتطلعون إلى مواطنة لا يفهمونها، أو لا تتوفر معايير مصداقيتها ~~وفرصها، أو مستمدة من مثل عليا وأطر معرفية تقليدية فقدت موضوعيتها واغتربت عن ~~الواقع الحياتي، وثمة تغذية متبادلة داعمة بين معايير الثقافة المدنية من جهة، وبين ~~التعليم والإعلام والتنشئة والممارسات الحياتية على صعيد الأفراد وسياسة الدولة من ~~ناحية أخرى، وإذا حدث وفقدت الأفكار المحورية للثقافة المدنية مصداقيتها فإنها سرعان ~~ما تفقد قدرتها على خلق عادات المواطنة المدنية مما يتهدد المجتمع ~~بالتفكك. # والمثل العليا للمواطنة الثقافية في المجتمع المدني في نشأته هي: ~~(1) # الأصالة، أي أن يعبر المرء عن ذاته، بالأصالة عن نفسه، ويكون هو ذاته عملا ~~ورأيا، وصاحب عقل مستقل في حكمه على قضايا الحق والخير والسياسة، وهو ما لا ~~يتحقق إلا في مناخ من الحرية. ~~(2) # الاستقلال الذاتي، أي حقه في أن يصوغ حياته وفق اختياره ms17 المستقل، وهو ما لا ~~يتحقق إلا في مجتمع منتج وديمقراطي حر. ~~(3) # الإيمان بأولوية تاريخية وأنثروبولوجية للطبيعة الحرة المتساوية والفردية ~~للوجود الإنساني السابق على أي اجتماع بشري قسري إقطاعي أو ديني أو طائفي، وهو ~~ما يعني إيمانا بأن الحرية والمساواة فطرة بشرية، وهذا ما ثبت خطؤه علميا، ~~وإن كان الخطأ لا ينفي مبدأ حق الحرية كشرط للمواطنة. # وتتجسد هذه المعايير والمثل العليا في مؤسسات المجتمع المدني وتقاليده وأخلاقياته ~~وأعرافه ومواطنيه لبناء المواطنة أو الهوية المدنية والمواطن المدني، لذا فإن تجسيد ~~هذه المعايير مهمة ثقافية مدنية. ~~(3) المجتمع المدني وأزمة الغرب # ولكن مع انتصاف القرن العشرين وبداية التحولات الجذرية في العلوم والفلسفات والفكر ~~الاقتصادي والسياسي والتي شملت كل الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية، واجه الغرب ~~أزمة عميقة صدعت أطره الفكرية التقليدية، أي أطر فكر التنوير، وخاصة المجتمع ~~المدني، وأشرنا في صدر كلامنا إلى مظاهر هذا السقوط وتجلياته، وتهاوت على مدى النصف ~~الثاني للقرن العشرين، ولا تزال، أسباب معقولية وقبول هذه الأفكار. # وأكثر من هذا أنه على مدى النصف الثاني من القرن العشرين، والآن، تجلت خصوصيات ~~مجتمعات شقت طريقها نحو النهضة الحداثية، دون التزام بالنهج الغربي في التحديث ~~الثقافي، وهي مجتمعات شرق آسيا والهند تحديدا، لم تعد هذه المجتمعات مثلما كانت في ~~فكر التنوير مجتمعات برابرة، ولم تعد كذلك موضوعا للاستشراق والأنثروبولوجيا في ضوء ~~النظرة الغربية التقليدية، وإنما أصبح لهذه المجتمعات حضورها السياسي والاقتصادي ~~والثقافي والفكري، وأجريت دراسات علمية مقارنة عن أسس التفكير وعن المنظومات الذهنية ~~لهذه المجتمعات والمنظومات الذهنية التقليدية عند الغرب، وكشفت هذه الدراسات المقارنة ~~عن أن ما ساد أكاديميا على مدى قرون بشأن قوانين الفكر وقواعد الإدراك ومسار ~~الحضارات، إنما يمثل خصوصية غربية، وليست قوانين كلية عامة لكل إنسان في كل زمان ~~ومكان، وأصبح لزاما مراجعة كل ما توارثته البشرية في محاولة لاستكشاف قوانين جديدة، أو ~~قوانين الخصوصيات النسبية وقواعدها للفكر الإنساني في ضوء توزيع نسبي جغرافي ~~زماني. # وظهرت دراسات أخرى عن حضارات هذه الشعوب كشفت انحيازا غربيا في اختلاق مسار خطي ms18 ~~أحادي لتطور الحضارات يدعم نظرة المحورية الغربية، والزعم بأن الحضارة الغربية هي ~~ذروة كمال التطور الحضاري وعندها ينتهي التاريخ. # وصدع هذا الواقع الجديد للمنظومة الذهنية الغربية، وسادت الغرب نزعة شك متعاظمة، ~~تشك في الفروض الكلية وفي القول بجوهريتها وطبيعيتها، والتي تشمل أساس الفكر السياسي ~~الليبرالي الحداثي، ويواجه العالم اليوم حقائق دامغة تؤكد طبيعية وضرورة التنوع ~~الثقافي الكوكبي، وأن التنوع معين الحياة المتجددة والمتفاعلة للثقافات، وكشف ~~الوعي بهذا التنوع الثقافي عن أن القيم المدنية والهويات المدنية هي مفترضات ذهنية ~~ثقافية # Cultural Constructs # قوامها انحياز جزئي خاص، ~~ووليدة تقاليد مجتمعية محلية في بلدان شمال الأطلسي، وكشفت الأحداث أيضا عن أن ~~الثقافات الجزئية أو الطائفية كامنة بفعل عوامل خارج ذاتها وعادت إلى الظهور في ظل ~~سياسات العولمة، أو الهيمنة من قبل قوة أكثر طغيانا. # ولم يعد مقبولا مع تقدم العلم الزعم بأن الوضع الطبيعي للبشرية البدائية هو ~~الفردية الحرة المتساوية، ومن ثم نفي العملية التاريخية التطورية للبشر والمجتمعات، ~~إن العبيد صنعتهم ثقافة عبيد، والأحرار صنعتهم ثقافة أحرار بفضل فعالية إنسانية ~~اجتماعية متطورة المراحل، ومع تقدم العلم أيضا ثبت خطأ الزعم بأن الباحث المستنير ~~هو العارف المستقل ذاتيا بالمعنى النظري الميتافيزيقي، ذلك أن العلم نشاط اجتماعي ~~لباحثين علميين بينهم تفاعل على صعيد محلي وكوكبي، إذ أصبح العلم - من حيث هو مشروعات ~~بحثية ضخمة وتنظيم مؤسسي وتمويل وطني - مختلفا تماما عن تصورات ديكارت ~~وكانط. # ويشهد تاريخ الأحداث على أن مفهوم العقل الكلي، ويعني عقل الغرب المتحضر، ومفهوم ~~المعرفة الكلية، التي تعني معارف هذا العقل وصدقها الكلي، كانا أساسا لدعم المركزية ~~الغربية وفرض عصر للهيمنة الكوكبية الغربية، واستطاع الغرب من خلال التوسع الإمبريالي ~~أن يفرض بقوة وسلطان القنابل وآلات الحرب، وبفضل التفوق التكنولوجي والعسكري، أن ينشر ~~مع التوسع نفوذ مفاهيم التنوير عن الطبيعة والحرية والحق باعتبارها ثقافة الغرب، وهذه ~~هي المصطلحات أو الكلمات التي حددت معنى الحداثة الثقافية، وغرس الغرب وهما بأن لا ~~انفصام بين التحديث الاقتصادي والتكنولوجي، وبين التحديث الثقافي على النمط الغربي، أي ~~ضرورة ms19 التغريب شرطا للحداثة والتقدم الحضاري. # وليس خافيا أيضا أنه على مدى النصف الثاني من القرن العشرين - باسم طبيعة الأمور ~~والصدق الكلي - فرضت الولايات المتحدة على اليابان وعلى عدد من الدول الزراعية في ~~أمريكا الجنوبية دستورا ديمقراطيا ليبراليا لإيمانها، أو ظنا منها حسب إطار ~~الفكر التنويري، أن هذا الوضع هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن يكون وفق الرؤية الكلية ~~لمعنى العقل - الطبيعة - المعرفة - المجتمع المدني، وفرضت دستورا ديمقراطيا غريبا ~~عن الثقافة القومية بحجة أن الشعوب إذا أتيحت لها فرصة الاختيار التلقائي الحر سوف ~~تختار التشبه بأمريكا؛ لأن هذه هي الطبيعة التي حرمتها منها ظروف وأوضاع قسرية، ولكن ~~إنجازات اليابان ومن بعدها الصين وغيرهما من بلدان شرق وجنوب آسيا، وهي إنجازات حداثية، ~~تحققت لأسباب أخرى، وليس بسبب الإصلاح الخارجي، كذلك المكسيك وبيرو وبورتوريكو ~~وبلدان أمريكا الجنوبية أخفقت لأسباب أخرى، على الرغم من فرض دستور ديمقراطي ليبرالي، ~~أي صورة مجتمع مدني، ولكن لا تزال الولايات المتحدة الرسمية تتعلق بأذيال التنوير ~~الغربي أو بأوهامه، وترى فرض «الإصلاح» من خارج، ورفض مبدأ التنوع الثقافي، ظنا ~~منها أن ثقافة «الأنجلو ساكسون» أو الرجل الأبيض هي الأرقى والأحق بالسيادة، وطبيعي أن ~~فرض الإصلاح من خارج على يد قوة مهيمنة يعني إذعان الضعيف وإلزامه بتوفيق أوضاعه بما ~~يتلاءم مع مصالح الطرف الأقوى ليشهد له بالصلاح. # وهكذا واجه - ويواجه - مفكرو الغرب أزمة عميقة صدعت أطر الفكر التقليدي أو ~~الحداثي الغربي، وأصبح لزاما على الغرب إصلاح ذاته، وغني عن البيان أن الإصلاح المنشود ~~عند الغرب غيره عند المجتمعات الأخرى لأسباب تاريخية واجتماعية وثقافية ... إلخ، وكانت ~~ثورات الشاب الغربي في الستينيات نذيرا بالفشل التام لفكر التنوير في صورته الكلية، ~~ودعوة لتجديد الفكر الغربي والالتزام بالخصوصية الغربية على قدم المساواة مع الخصوصيات ~~الاجتماعية الأخرى، والاعتراف بالمستجدات من أحداث على الصعيد العالمي، وبالتنوع ~~الثقافي وتعدد سبل التحديث وصولا إلى الحداثة، أي تجديد جذري لمفهوم وآلية المجتمع ~~المدني الديمقراطي الليبرالي. # وخرجت من تحت عباءة ثورات الشباب في الستينيات تيارات فكر ما بعد «المودرنزم» أو ms20 ما ~~شاعت تسميتها - وإن خطأ - ما بعد الحداثة، وأصبح مطلوبا فك الارتباط بين الديمقراطية ~~الليبرالية ونظرة التنوير التقليدي إلى العالم (النظرة الكلية) للوصول إلى مفهوم عن ~~المجتمع المدني الغربي وعن ثقافة المواطنة الغربية، مفهوم يؤكد الصواب الأخلاقي ~~والمكانة الثقافية الجزئية لثقافة المواطنة المدنية الغربية. # وهذه دعوة لما يسمى الثقافة المدنية بعد الحداثية Post ~~Modern # أو الثقافة المدنية لما بعد التنوير Post-Enlightenment civic culture ~~، وتلتمس هذه الثقافة الآن سبيلا ~~جديدا لفهم طبيعة المواطنة الديمقراطية الليبرالية بعيدا عن أوهام الحديث عن عقل له ~~ميزات ميتافيزيقية أو إبستمولوجية، فهذه الأوهام ضرب من الأيديولوجيا والشمولية الفكرية ~~المرفوضة، ومن ثم فإن الدعوة إلى المجتمع المدني في فكر ما «بعد المودرنزم» هي دعوة ~~لمراجعة ومناهضة فكر التنوير التقليدي، ومفاهيم المعرفة، والحق، والعقل الكلي ~~المتميز، وإبداع قاموس لغوي غير قاموس التنوير القائم على النزعة الكلية والماهوية ~~والمحورية الغربية، وتذهب هذه الدعوة إلى تأكيد التعددية والنسبية الثقافية، والتنوع ~~الثقافي، وترى أن هذه هي طبيعة الأمور مما يؤكد حق المجتمعات الأخرى. # المجتمع المدني إذن - وحسب التعريف - مجتمع غربي، وقضية المجتمع المدني المثارة ~~الآن في الغرب قضية غربية بامتياز، والأزمة هي أزمة تجديد الفكر الغربي وإصلاح المجتمع ~~المدني الغربي، واحتل التفكير في المجتمع المدني مكان الصدارة بعد ثبوت إخفاق ~~الليبرالية السياسية الحداثية التي جردت المواطن من فعاليته، وأصبح لزاما تجديد فعالية ~~المواطن الغربي وإعادة بناء الثقافة المدنية على أساس من الخصوصية الجزئية، وهذا هو ~~التحدي أمام الغرب، التحدي الثقافي والفكري، تحدي تغيير المفاهيم ولغة النظرية ~~الليبرالية السياسية الحداثية التي تعزز خطابات أطر الفكر الكلية والتي تحول دون ~~فهم التحولات الجديدة واستيعابها في العالم، أي تدعم المركزية الغربية وتغفل الجديد مع ~~ظهور العالم الثالث. # ويرى التيار الإصلاحي الغربي أن الغرب بحاجة إلى لغة جديدة غير لغة قاموس التنوير ~~التقليدي للحفاظ على الخصوصية الغربية إيمانا بالتنوع الثقافي، إننا - كما يقولون - ~~بحاجة إلى التماس الطريق لإبداع ثقافة مدنية بعد تنويرية قادرة على دعم المؤسسات ~~الليبرالية الديمقراطية وسط عالم متكافئ العناصر الحرة، ويتساءلون هل ms21 يمكن تجديد ~~المعيارية المحورية المحددة للمثل العليا السياسية الليبرالية للحرية الفردية ~~والمساواة، وأن يأتي التجديد متلاحما ومتسقا، على الرغم من تجريده من زخارف التنوير ~~التي تحمل مسمى الرؤية الكلية الجوهرية؟ # السؤال الآن: كيف يمكن لثقافة الغرب عن المواطنة المدنية - بعد أن سادت ثلاثة قرون ~~وفرضت مفاهيمها ورؤاها على العالم باعتبارها النظرة الميتافيزيقية الكلية إلى العالم ~~والتي قدمها التنوير - أقول كيف يمكن لها أن تعيد تأويل ذاتها لتحديد معالم أسلوب ثقافي ~~جزئي للحياة مميزا عن الآخرين، أسلوب حياة له معاييره ولكنه قاصر فقط على مواطني ~~الديمقراطيات الليبرالية في شمال الأطلسي؟ # أزمة الثقافة الغربية هي أن الأفكار السياسية الليبرالية الحداثية التي كانت حاسمة ~~لخلق ثقافة مدنية ليبرالية، ثقافة المجتمع المدني، فقدت مصداقيتها، ومن ثم بات ~~لازما البحث عن أشكال جديدة فعالة للثقافة المدنية وللتعليم المدني وإعادة تأسيس ~~المجتمع المدني، وغني عن البيان أنه لكي تؤدي المؤسسات الحرة في المجتمع المدني بعد ~~الحداثي أو بعد التنويري دورها بكفاءة يلزم توفر مواطنين طوروا بالفعل المواقف ~~والاستعدادات والقيم المعيارية الملائمة للمواطنة المدنية لعصر ما بعد التنوير: الإيمان ~~بالتنوع وحرية الذات والآخر واستقلال العقل والمساواة بين الجميع وحق الاختلاف فيما ~~بينهم. # وضمانا لتحقق هذا الشكل ولتكاثر هؤلاء المواطنين المدنيين يجب أن يمتلك المجتمع ~~الوسائل الثقافية التي تمثل وتعبر لنا عن المعايير الديمقراطية الليبرالية للحرية ~~والمساواة بأسلوب متماسك مقنع ومتسق منطقيا، أي ابتكار شكل بعد حداثي لثقافة ~~مدنية جديدة، شكل يجسد معايير الحياة المدنية في صورتها الجديدة، دون حاجة إلى معايير ~~معرفية كلية، أي إسقاط الشمولية المعرفية. # وإذا كانت قضية المجتمع المدني في ضوء ما سبق، وحسب التعريف والتاريخ المحددين لها ~~قضية خارجية (غربية)، أعني ليست قضية مصرية أو عربية، وإنما نحن نرددها، كما جرت ~~العادة، ونكون رجع صدى لقضايا الفكر الغربي: الطريق الثالث، الشمولية، والمجتمع المدني ~~... إلخ؛ إذن يكون السؤال هو: ما هي قضيتنا نحن بالفعل، إذا لم تكن بنية المجتمع ~~المصري، ولا أي من المجتمعات العربية، تجسيدا لصورة المجتمع المدني؟ وطبيعي أن ما ~~يسمى «إصلاحا» ms22 منشودا رهن فهمنا لطبيعة مجتمعنا نحن التزاما بالخصوصية. ~~(4) الإصلاح # شهادة الأمم والتاريخ # تنبثق الدعوة إلى التغيير من بين ركام الفشل، ويولد النهج والنظرية من بين تنوع ~~وصراع الآراء، وتاريخ الأمم التي ثارت على واقعها وخطت بقوة وعزم على طريق النهوض ~~والتجديد شاهد على هذا، أبدعت أوروبا إطارها الفكري التنويري، الذي تجاوزت به عثرات ~~ومآسي الحروب العرقية والدينية والطبقية على مدى مائة عام، وبنت نهضتها وتقدمت، ~~وسادت ثقافة المواطنة المدنية والمواطن المدني في مجتمع مدني، وأبدعت اليابان نهجها ~~للوحدة والتقدم بعد صراعات وحروب محلية امتدت خلال القرن السابع عشر، وعانت آلام ~~صراع فكري بين التقليد والتجديد على مدى القرن الثامن عشر، ثم تساءل الجميع، «أيهما ~~أحب إليك، كونفوشيوس أم الحقيقة؟»، وكان جواب الجميع: «لقد كان كونفوشيوس ساعيا ~~للحقيقة يؤثرها على نفسه»، وانتصرت الحقيقة، حقيقة عصر العلم والتجديد، أو العقل ~~والواقع، وأصبح امتدادا حضاريا لتراث اليابان وثقافتها في صورة جديدة، ومهد عصر ~~الطوكوجاوا، وهو عصر الصراعات الفكرية، الطريق للنهضة التي انعقدت ولايتها لعصر ~~الميجي. # وشهدت الصين في تاريخها القديم (500-600) قبل الميلاد صراعات دموية في عصر ~~الممالك المتحاربة، وظهرت مدارس فكرية تتأمل أسباب الأزمة، وهي المدارس الست، ومن ~~أهمها مدرسة كونفوشيوس، ومع العديد من المفكرين مثل منشيوس وهسون تزو، وراج شعار أو ~~حكمة صينية قديمة: «دع مائة زهرة تتفتح، ودع مدارس الفكر تتصارع»، وصاغ الحكماء ~~نهجا للاستقرار والنظام والحكم الصالح، كذلك الحال في تاريخ الصين الحديث، فقد ~~شهدت الصين في النصف الأول من القرن العشرين صراعات فكرية وحروبا، ودارت معارك بين ~~دعاة التحديث والتقليد، وتناظر الصين مصر في هذه المرحلة، إذ عرفت الصين - مثلما ~~عرفت مصر - العديد من دعاة التحديث/التغريب، وانتشرت ترجمات لمدارس الفكر الغربي: ~~داروين وهكسلي وغيرهما، وزار بكين برتراند رسل، وجون ديوي وغيرهما حيث ألقوا ~~المحاضرات، ولكن الصين خرجت من الحروب والصراعات إلى نهج جديد تطور مع تجارب ~~السنين، وأبدعت الصين إطارها الفكري التنويري الذي يحمل كل عناصر الثقافة الصينية ~~التاريخية في صيغة تأويلية جديدة تدعم وتدفع حركة التطوير والتقدم. ms23 # هكذا استطاع المفكرون في هذا البلد أو ذاك أن يستوعبوا الأحداث وأن يصوغوا ~~نظرياتهم عن نهضة تتوفر إمكاناتها المادية في المجتمع وعن نوع الإنسان المنوط به ~~الإنجاز وإمكاناته وقدراته. وكانت لكل بلد رؤيته المعبرة عن خصوصية قضاياه ~~وثقافته، وليس غريبا أن يحتدم الصراع ويصل إلى حد الاقتتال والاتهام بالتجديف ~~والفكر؛ إذ ثمة هدف ينشده الجميع، وثمة ضغوط اجتماعية وحضارية تحفز الجميع لالتماس ~~سبيل للبناء وتحقيق الذات في الداخل وللمنافسة مع الآخرين، وسد الذرائع أمام ~~الطامعين من الخارج، وكانوا جميعا يتطلعون بأبصارهم إلى المستقبل وليس إلى الماضي، ~~ويقفون بأقدامهم على أرض الواقع، وليسوا محلقين مع تهويمات في الفراغ، ولهذا انتصر ~~كل بلد أو إقليم على عوامل الشقاق والنزاع، وتوصل إلى نهج مميز للتحديث، ليس ~~انسلاخا عن الذاتية القومية، وإنما امتداد حضاري لتراث تاريخي عريق، وقطيعة معرفية ~~مع القديم الذي كان صالحا لزمانه، وتكيفا ناجحا مع مقتضيات العصر ~~وتحدياته. # وأصبحت ثقافة التجديد والتطوير هي ثقافة المجتمع المعاصر، وأصبح المواطن فعالية ~~وطنية نشطة في سياق حضاري جديد يواكب مقتضيات العصر، كانت القضية في وقت الأزمات ~~في كل من هذه البلدان: تشخيص الداء، تحديد الهدف في سياق التحديات المحلية ~~والخارجية، رسم المنهج اللازم للوصول إلى الهدف، بناء إنسان مواطن جديد في ضوء ~~استراتيجية تطوير تعبر عن آماله وحاجاته وتطلعاته، وسيادة ثقافة وتعليم وإعلام ~~هي قوة داعمة لبناء هذا الإنسان الحر الملتزم، المسئول الفعال، بمعنى أن الجهود ~~دائما تصب - حسبما هو مفترض - في السعي من أجل تطوير فعالية الإنسان العام وتعظيم ~~رأس المال البشري وإن اختلفت الثقافة الحضارية الجديدة من بلد إلى آخر حسب خصوصيته ~~الثقافية والتاريخية. # وصنع التطوير رهن رصيد ومنتج أو عائد، رصيد يكفل قدرة الفرد أو الجماعة أو ~~الأمة على صنع حياة ميسورة ومقبولة لتطوير حياة مادية ومعنوية صحية سوية في ضوء ~~إطار مفاهيمي، وهو ابتكار ذاتي، لمعنى هذه الحياة وتحدياتها، ويتألف الرصيد من ~~حزمة عناصر هي جماع رأس مال الأمة الاقتصادي والمالي والاجتماعي والإنساني: ~~(1) # رصيد الموارد الطبيعية والموارد المالية (مدخرات واحتياطات ms24 ونهج استثمار ~~وثقافة داعمة لهذا النهج). ~~(2) # رصيد ممتلكات قومية (جسور وطرق وعقارات وموجودات عامة وثقافة الحفاظ ~~عليها وتطويرها). ~~(3) # رأس المال المؤسسي (مؤسسات قانونية حامية، وإدارات حكومية ديمقراطية ذات ~~كفاءة وفعالية، ومؤسسات مدنية علمية وتعليمية واجتماعية وسياسية في مناخ من ~~ثقافة الحرية والطوعية). ~~(4) # رأس المال المعرفي (تنشئة، تعليم عام، جامعات، براءات اختراع، مراكز ~~التفكير الاستراتيجي، إنتاج معرفي، والتي تصب فيما نسميه رأس المال ~~البشري). ~~(5) # رأس المال البشري (مستويات ونوعيات التعليم، المهارات، القدرات الإبداعية ~~كما ونوعا وتنوعا، حرية تفكير وتنظيم). ~~(6) # رأس المال الثقافي (ثروة إنتاج ثقافي، رصيد القيم الحاكمة للسلوك ~~والداعمة للإبداع وللارتقاء والتطوير والمنافسة، تراث ثقافي مرن قابل ~~للتأويل، استجابة لمقتضيات التطوير وقابل للتفاعل والتسامح، وإيمان راسخ ~~بالمثل العليا للمواطنة المدنية). ~~(7) # رأس المال الاجتماعي في صورة انتماء وتضامن وعوامل إيجابية، تعزز ذلك ~~من حيث التفاعل الحر وعلاقة ديمقراطية بين المجتمع المدني والمجتمع ~~السياسي، أي السلطة. # الوعي بالتاريخ وعيا موضوعيا، خاصة وأن التاريخ القومي كان ~~ضحية تشويه من قبل الغزاة وأصحاب السلطان ضمانا لثقافة ~~الولاء. # الثراء المعرفي، لا الفقر المعرفي بما يواكب تحديات ~~العصر. # توفر رؤية مشتركة إزاء استراتيجية تطوير شامل تكون موضع اتفاق ~~للآراء وموضوع حوار حر وتمثل عقيدة اجتماعية للتطوير وأساسا ~~للمنافسة. ~~(8) # التغذية المتبادلة بين الرصيد المنتج أو العائد الاجتماعي في إطار ~~الاستراتيجية، وتجري التغذية في شفافية وحرية المعلومات والتعبير، مناخ ~~ديمقراطي ونقد موضوعي. ~~(9) # فهم عقلاني علمي نقدي لمجريات أحداث العالم وتياراته الفكرية والعلمية ~~والسياسية ... إلخ، وقدراته وإجابة نقدية موضوعية عن المعوقات ~~الذاتية. # إصلاح أم تطوير؟! # إجادة التشخيص خطوة أساسية نحو تحديد العلاج اللازم، وتجري على الألسنة الآن كلمة ~~«الإصلاح» لأنها الكلمة أو النصيحة، الدعوة الواردة على لسان سادة العالم اليوم في ~~نظرنا، وكثيرا ما نكون - إن لم نكن دائما في العصر الحديث - رجع صدى لقضايا ~~الخارج أو متطلباته منا، وهكذا زخرت ساحتنا الإعلامية والثقافية بكلمات مثل: ~~الشمولية، الطريق الثالث، تمكين المرأة، الديمقراطية، التنمية، وغيرها وغيرها، ~~ومنها كلمتا المجتمع المدني والإصلاح. # ولكن ما هو الفارق بين التنمية والإصلاح في حالتنا ms25 نحن؟ وهل هي كلمات واضحة ~~المعنى ومحددة للهدف الذي يشكل طوق النجاة لحياتنا، أحسب أن الكلمتين مضللتان ~~من حيث المدلول والهدف المتوقع إنجازه، ومن ثم خاطئتان، الإصلاح إدخال تعديلات ~~على بنية أساسية قائمة وغير مطلوب تغييرها أو تجاوزها، لذلك فإن إصلاح المجتمع ~~المدني في أوروبا أمر واضح، إذ المطلوب الحفاظ على المجتمع المدني، ولكن في إطار ~~منظور جديد لتصويب أخطاء موروثة من عصر التنوير، وتعني التنمية تغيرا كميا على ~~صعيد أفقي، مع الحفاظ على البنية الاجتماعية الأساسية والواقع الثقافي وهيكل ~~العلاقات، ويكفي هنا مؤشرا على التنمية كمثال زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل ~~القومي، لذلك كانت التنمية في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية كلمة صحيحة ~~للدلالة على الحفاظ على البنية الليبرالية الديمقراطية مع إعادة تنشيط الإنتاج ودعم ~~دولة الرفاه. # ولكن التطوير تغير كيفي على صعيد رأسي، انتقال المجتمع من طور إلى طور من حيث ~~الإنتاج وأدواته والثقافة والعلاقات الاجتماعية وهيكل المؤسسات ودورها في القوانين ~~الاجتماعية الحاكمة وفعالية الإنسان العام باعتباره قوة مشاركة إيجابية وبناءة ~~ومسئولة، لهذا كان انتقال اليابان من عصر «الطوكوجاوا» إلى عصر «الميجي» تطويرا لا ~~تنمية، أي انتقال إلى مرحلة حضارية جديدة، هي حضارة التصنيع بكل مقتضياتها، لم ~~ينقلها ما سمي «الإصلاح الأمريكي» وإنما صراع اليابانيين من أجل بناء بلدهم الذي ~~أوجزه شعار «أمة غنية وجيش قوي»، ودفعها هذا إلى التهام تكنولوجيا الغرب وعلومهم ~~والمشاركة الإيجابية، بل والسبق في تطويرهما، وهذا هو ما يصدق على الصين؛ إذ كانت ~~نظراتها منذ خمسينيات القرن العشرين ليست إصلاح البنية الأساسية القائمة آنذاك ~~للمجتمع الصيني، بل تطوير الصين والانتقال بها إلى حضارة عصر العلم والتكنولوجيا، ~~والآن عصر المعلوماتية واقتصاد المعرفة، وفرض هذا عليها، مثلما فرض على اليابان ~~وعلى الغرب، سياسات جديدة في التعليم والعلم والثقافة الاجتماعية والإعلام ... إلخ، ~~ولهذا يبقى السؤال بالنسبة لمصر: إصلاح أم تطوير؟ # مصر والتغيير # الحديث عن الإصلاح في مصر ليس جديدا، ولكن الجديد أنه مطلب خارجي، وهذا أمر ~~بحاجة إلى دراسة نقدية تحليلية لخروجه عن طبيعة الأمور على ms26 الرغم من وقوع الحدث، ~~عرفت مصر في تاريخها الحديث على مدى القرنين الأخيرين مرحلتين من صعود قرين دعوة ~~للإصلاح، ثم انحسار قرين صمت أو إعداد لحمل جديد، وأخفقت المرحلتان أو انحسرتا ~~مبتسرتين دون أن تبلغ أي منهما مداها المأمول، واعتدنا في الحالتين أن نرد الفضل ~~إلى مؤامرات الاستعمار، أي إلى سبب خارجي فقط، دون أن نكمل النظرة النقدية بالبحث ~~عن أسباب كامنة في ذاتنا، في ثقافتنا باعتبار الثقافة هي المحدد للسلوك، لذلك لم ~~تقترن دعوات الإصلاح بنزعة شك في الموروث والأطر الفكرية النافذة أو المعتمدة، ~~ويلاحظ أننا رددنا مرارا السؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ ولم نقرأ بعد ~~إجابة صحيحة، وجدير بالذكر أن المجتمعات عادة حين تواجه صدمة الفشل تسأل أحد ~~سؤالين: ما الخطأ فينا؟ والذي جعلنا فريسة للفشل؟ أو «من فعل بنا هذا»؟ السؤال ~~الأول سألته اليابان وأوروبا والصين وماليزيا وغيرها عند تعبئة الجهود للنهضة، ~~السؤال الثاني هو السؤال الذي اعتدنا نحن أن نسأله، والإجابة مؤامرة الآخر، ثم ~~ينسدل الستار دون رؤية نقدية للذات. # المرحلة الأولى للإصلاح أو التغيير مع أواخر القرن الثامن عشر، وأثمرت مع مطلع ~~القرن التاسع عشر، وكان نظام حكم محمد علي، كما سبق أن وصفناه في كتابنا «التراث ~~والتاريخ»، مناسبة لا سببا للإصلاح أو التطوير الذي يستهدف مصر حضارة وتاريخا ~~وإنسانا، وأعني به الفلاح المصري، وزار مصر آنذاك وفد ياباني، مثلما زار عددا من ~~الدول المتقدمة آنذاك، ليدرس كيف تكون النهضة، وعرفت مصر أعلاما مثل رفاعة ~~الطهطاوي إمام النهضة الثقافية المصرية الحديثة، والذي كان امتدادا - أو تلميذا - ~~لمثقفين ومفكرين إصلاحيين عاشوا في مصر مثل الشيخ حسن العطار وغيره، عرفت في ~~المجال العسكري أحمد عرابي، ابن الأرض السوداء وفلاحي مصر، الذي أعلن أنه لم يكن ~~يريد امتيازا ولا تميزا لمصري دون شركسي أو تركي، أي عبر عن مفهوم تنويري ~~لمجتمع مدني منشود، ثم من بعدهما جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وانحسرت ~~حركة الإصلاح مع انحسار طموحات محمد علي وتقييد أطماعه، ولكن بقي منها ما لم يستطع ms27 ~~أحد أن يمحوه، ألا وهو خروج المصري الفلاح لأول مرة في تاريخه خارج المعزل الذي ~~حاصره منذ غزو الفرس، خرج ليتعلم ويشارك إذا ما تهيأت له الفرصة. # وشهدت مصر في أواخر القرن التاسع عشر ميلاد زعماء إصلاح أو تغيير ليبراليين جدد ~~احتلوا الساحة على مدى النصف الأول من القرن العشرين: طه حسين، علي عبد الرازق، ~~سلامة موسى، أحمد لطفي السيد، أحمد أمين، فؤاد صروف، شبلي الشميل، عباس العقاد، ~~علي مشرفة، وآخرين، وتجلى هذا كله في تنظيمات دستورية ومؤسسات اجتماعية وسياسية ~~وتعليمية امتدت أصداؤها وتأثيراتها إلى أنحاء المنطقة العربية، واستهدفت الجهود ~~بناء مجتمع مدني على غرار الغرب، وشهدت الساحة الثقافية صراعات فكرية حول قضايا ~~التقليد والتجديد، تحديث أم تغريب؟! ... إلخ، ولم تبلغ الحركة كامل عنفوانها ونضجها، ~~وانحسرت مع النصف الثاني من القرن العشرين وإن تباينت أسباب الانحسار أو الانتكاس ~~على مدى فترات الحكم الثلاثة في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي اتصفت بخاصية ~~واحدة مشتركة، وهي تعطيل الفعالية الحرة الفردية والجماعية للمواطن المدني المصري، ~~ومن ثم المجتمع المدني الذي كان مشروعا تطوريا على مدى النصف الأول من ~~القرن ولم يتحقق. # والتغيير على طريق التطوير استجابة مجتمعية، وابتكار ذاتي إزاء تحديات مفروضة، ~~استجابة مجتمع يتميز بعافية وقدرة ومن خلال آلية حرة منظمة تكفل أكبر قدر ممكن من ~~صواب رد الفعل، ولكن حين يغيب رد الفعل المجتمعي على الرغم من الصدمات والأحداث ~~الجسام التي تحيط بالمجتمع، كما نرى الآن، فإن هذا يعني أن المجتمع بات مصيره ~~مجهولا، وليس أمره بيده، والتغيير والتطوير في عصرنا الحديث ليس جهد أمير أو سلطان ~~أو حاكم فرد مهما خلصت وصلحت النوايا، نحن نعيش عصر الإنسان العام، أو عصر الجماهير ~~ومثقفي الجماهير وحكام الجماهير، عصر زعماء يتحركون بالجماهير المنظمة مؤسسيا ~~وبالإنسان العام الواعي ذي الفاعلية العقلانية الواعية، ومن خلال مؤسسات معبرة ~~عن كل مجالات الأنشطة والمصالح الاجتماعية في إطار المساواة والحرية والسيادة ~~القانونية. # ولقد شرع العديد من بلدان المستعمرات السابقة، التي عرفت طريقها إلى النهضة في ~~استكشاف الموارد ms28 الغزيرة المستمدة من تقاليدها الثقافية المحلية لدعم استراتيجيتها ~~للتطوير والتقدم اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا وإنسانا عاما، ونشأت حركات ~~فكرية تقدمية هي ابتكار ذاتي وتجسيد لاستراتيجيات التطوير من مثل الأسينة # Asianization ~~، مثلما نشأ عندنا شعار الأسلمة، ~~ولكن من أسف أن قنع به أصحابه رسما دون مضمون وبرنامج عملي استراتيجي، ويلاحظ ~~هنا أن الجميع يستثمرون مصادر تراثهم على أساس دراسة نقدية وفي تأويل جديد داعم ~~للتكيف مع الواقع العالمي المتغير وليس للدوران داخل حدود نص شكلي قديم، جف ~~معينه بعد أن مضى زمان صلاحيته، أدركوا عن صواب أن الدراسة المستقبلية تستلزم ~~رؤية نقدية للغرب وللتراث وللذات التاريخية الثقافية وتطوير التراث ليكون آلية دفع، ~~لا آلية ارتداد، وبذا تتجدد المنظومة الذهنية قرين استيعاب الواقع الراهن والمشاركة ~~في إبداع الجديد استلهاما لروح العصر: العلم والتكنولوجيا. # والتغيير على طريق التطوير حسب هذا المعنى تعبئة وحشد وتطوير لكل الجهود ~~والطاقات: معرفية ومعلوماتية وعلمية وتعليمية وتراثية وثقافية وتربوية وإعلامية ~~واقتصادية وعسكرية، لتصب جميعها من خلال مؤسساتها في جهود بناء الإنسان الجديد، ~~ويتلخص هدف التطوير وصورته في شكل إطار فكري نظري صالح للتطبيق بفضل هذا الإنسان ~~ومعبر عن حصاد جهد وحوار جمعي، ولهذا نحن في مصر بحاجة أولا وأساسا إلى إطار ~~فكري تنويري تميزه خصوصية الواقع وأحداث التاريخ، قرين رؤية نقدية ذاتية لتراثنا ~~الثقافي والسياسي، ويكون بوصلة موجهة للسلوك وقادرا على حشد زخم القوى ~~الاجتماعية وحفز الحركة قدما على طريق التطوير. # وينبني مثل هذا الإطار الفكري، لكي تتوفر فيه الخصوصية المميزة، على أساس دراسة ~~تسهم فيها كل المؤسسات المدنية ذات المصلحة المنوط بها إنجاز نشاط اجتماعي ما، ولا ~~يكون حبيس رأس حاكم وحده مهما بلغت حكمته، وتتصف هذه الدراسة بأنها متعددة ~~الأبعاد: تاريخية وثقافية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأنثروبولوجية ... إلخ، ودراسة ~~مقارنة لواقع أزمة المجتمع المحلي وواقع حال المجتمع الإقليمي والعالمي وتناقضاتهما ~~وإنجازاتهما وتحدياتهما، إنه إطار فكري لاستراتيجية بعيدة المدة وإن قسمها ~~المجتمع إلى مراحل، وهو دائما موضوع الحوار والاختلاف والصراع، وتجري هذه الدراسة ~~بالضرورة في إطار الحرية والعقلانية والمنهجية ms29 الموضوعية مع مساحة للصراع الفكري ~~الحر الملتزم بالعقل العلمي وقبول الاختلاف مع الآخر، والتعالي عن الحزازات ~~والانحيازات الدينية والطائفية والجزئية التزاما بمصلحة المجتمع العام، وذلك ~~ضمانا لحشد القوى ليكون تغييرا جمعيا ما دام أنه يستهدف الإنسان/المجتمع، أو ~~المواطن العام صاحب المصلحة، وتتحدد معه آليات التنفيذ الحر من تثقيف وتعليم ~~وتنشئة اجتماعية وإعلام وحق الاقتراع والانتخاب والترشيح وبناء المؤسسات علمية ~~وسياسية، والاعتراف بالذاتية المستقلة الحرة للمواطنة وبالروح الجماعية التي لا ~~تعني نظرة أيديولوجية شمولية تحجب الاختلاف، وإنما تسمح به وتتسامح معه وتملك آلية ~~صحية لمعالجتها. # إن الدعوة إلى الإصلاح أو التطوير يتعين أن تكون دعوة عامة ومسئولية عامة ~~لمراجعة نقدية لكل مقومات المجتمع، ويلزم أن نسأل أنفسنا ضمانا لجدية الخطو على ~~طريق النهضة في اتساق مع مقتضيات العصر: # كيف نفكر في قضايانا ومشكلاتنا؟ ما هي مرجعيتنا في التفكير: عقل علمي، أم عقيدة ~~موروثة؟ ما هو تراثنا الثقافي في التفكير، تنافس، أم قناعة بميزة نسبية تتمثل في ~~موجودات طبيعية؟ تواكلية في السلوك، أم إبداع وتحد؟ صراع على السلطة، أم صراع على ~~برامج ومناهج عمل؟ التركيز على رأس المال المادي/المالي أم رأس المال البشري ~~المعرفي؟ رعايا أم مواطنون، ووصاية أبوية أم حرية فردية مسئولة؟ هل نعتمد التراتبية ~~الرأسية أم الجدارة والمرونة؟ هل دأبنا سياسة رد الفعل أم المبادرة الداعمة للفعل ~~واستباقه؟ السلطة هي المفكر الرئيسي أم الأمر مشاركة فاعلة منظمة من الإنسان ~~العام والمؤسسات؟ هل نهجنا في الحياة والإصلاح إعادة توزيع الثروة أم خلق الثروة؟ ~~هل نلتزم نظام حكم قائم على نزعة أبوية أم الابتكار والمشاركة الديمقراطية بين ~~مواطنين أحرار متساوين؟ هل رأس الدولة غايته الاستقرار والمحافظة أم التطوير ~~والتغيير والتحدي. # ولنا أن نسأل ما هي ثقافة قيادة الأمة في الحكم وفي الأحزاب وفي مشروعات الأعمال؟ ~~كيف يصوغون استراتيجياتهم على النحو الذي نراه، إن كانت لهم استراتيجية، ولماذا لا ~~يعملون على هدى استراتيجية، ويقنعون بسياسة رد الفعل؟ كيف تفكر الجماعات والأحزاب ~~في قضايا الأمة؟ هل التفكير في إطار قبول التحدي والمنافسة البرنامجية وفي ms30 أسلوب ~~الأداء أم كفالة البقاء؟ في أي المجالات تؤكد القيادات وجودها وقوتها، الأمن، ~~الاستقرار (أمن السلطة واستقرارها أم الوطن والمواطن)، خلق الثروات، دعم التنافس، ~~تطوير الإنسان وتعظيم رأس المال البشري، الحريات والديمقراطية، تطوير رؤية مشتركة ~~والمشاركة في صنعها، أم رؤية فردية، المصالح الشللية والمحسوبية أم المساواة أمام ~~القانون صاحب السيادة في الحقوق وفي فرص العمل والثروة؟ # ما هي الثقافة الاجتماعية وثقافة القيادات السياسية وتجلياتها في التعليم ~~والإعلام والتنشئة والتفاعل الاجتماعي ...؟ هل هي ثقافة مقاومة للتغيير أم غرس قيم ~~التغيير ومعاييره وفضائله؟ إبداع وسائل غير تقليدية والالتزام بالمنهج العلمي في ~~التفكير وفي فهم مشكلات الداخل ومشكلات العالم من حولنا؟ قد يكون التحدي خلق نماذج ~~ذهنية أو إعادة بناء المنظومة الذهنية الحاكمة لثقافتنا العامة وثقافة القيادات، ~~وهو ما يتأكد ويتحقق من خلال الحياة السياسية العامة داخل منظومات حرة؟ هل التغيير ~~من خلال الناس وبالناس بوصفهم مواطنين أحرارا في مجتمع مدني، أم تأسيسا على نظام ~~الوصاية؟ بات ضروريا تغيير النماذج الذهنية الأساسية الموروثة التي تشكل طريقة ~~المرء في التفكير بشأن المخاطرة والثقة والمنافسة والسلطة ... إلخ، وحري أن يمثل ~~هذا بؤرة جهود التغيير وأن يتجلى في التعليم والنشاط العلمي والسياسي. # فعالية الإنسان المصري في التاريخ # ثمة سؤال ثقافي اجتماعي يلح كثيرا على الأذهان: إذا كان التغيير والتطوير ~~استجابة مجتمعية ردا على تحديات، فلماذا الإنسان المصري يتصف بضعف رد الفعل إزاء ~~التحديات الحضارية في الداخل والخارج؟ ويتطور السؤال أحيانا: لماذا المجتمعات ~~العربية لا تحركها أحداث جسام مثل هزيمة عسكرية أو احتلال أرض أو تفوق خصم علميا ~~وتكنولوجيا بينما تثور غاضبة هائجة عند وقوع حدث يمس شيئا له القداسة مثل ~~الاعتداء الصهيوني على المسجد الأقصى؟ وسبق أن قال المقريزي: «قال الرخاء: إني راحل ~~إلى مصر، فقال الذل: وأنا معك»، وتكرر مثل هذا المعنى على لسان آخرين. # ولكنني إذ أرفض السؤال على هذا النحو أرى أن أصوغه على النحو التالي: ماذا حدث ~~للإنسان المصري على مدى قرون من التاريخ قاربت ألفين وخمسمائة عام ليصبح على حاله ~~الذي ms31 هو عليه الآن؟ # السلوك الإنساني وشكل فعالية الإنسان والاستجابة الاجتماعية، جمعية أو فردية، ~~أمور يصنعها واقع الحياة في التاريخ، أو بمعنى آخر: الثقافة الاجتماعية الحاكمة ~~للسلوك نتاج تفاعل أيكولوجي يشمل البيئة وطبيعة التعامل معها لإنتاج الوجود ، ويشمل ~~العلاقات بين الناس، والعلاقات مع الحكام ونظم الحكم، ويشمل الصراعات مع الخصوم ~~والأعداء والطامعين، ويترسب حصاد هذا كله في صورة ثقافة، أي شكل من أشكال التكيف ~~والرؤية تعبر عنه أقوال مأثورة وأمثلة عامية هي حكمة المجتمع المستخلصة من واقع ~~حياته، ويتجلى سلوكا فرديا وعاما، والثقافة بهذا المعنى آلية تكيف قصد امتلاك ~~أو اقتناص فرصة للبقاء. # وإذا تأملنا تاريخ مصر منذ غزو الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد نجد أن مصر ~~عاشت طوال هذا التاريخ حتى منتصف القرن العشرين خاضعة لحكام غزاة رعاة أجانب ~~استنزفوا خيراتها ونزحوها إلى بلادهم في الخارج، ودمروا مؤسساتها التعليمية ~~والعلمية والدينية المقامة في صورة معابد، وسام الحكام الإنسان العام المصري سوء ~~العذاب والإفقار والتجهيل، أصبح المصري منذ هذا التاريخ غريبا على أرضه ليس له ~~الحق في المشاركة برأي أو كلمة، وإنما عليه الطاعة في خوف، وأن يعمل كادحا لينتج ~~ما لا نصيب له منه، وعاش المصري - الفلاح المصري - فيما يشبه المعزل العنصري، كسر ~~محمد علي جدار هذا المعزل ليستخدم الفلاحين جنودا، وخرج من بينهم أحمد عرابي ~~ورفاعة الطهطاوي. # أذكر هنا أن جمال الدين الأفغاني أرقه هذا الوضع في مصر وهو يحرض على ~~الثورة، وشاء له أن يذكر المصريين بأمجادهم وتاريخهم باعتبارهم صناع حضارة، ~~وهذه هي الأمور التي عمد الغزاة والطغاة والحكام المستبدين إلى طمس معالمها لكسر ~~النخوة الوطنية، وتجريد المصري، ليسلس قياده، من أسباب الاعتزاز بنفسه، ومن أية ~~قدرة على التحدي أو إمكانية استعادة ذاتيته بوصفه صاحب حق في حياته وفي أرضه وبناء ~~مستقبله باختياره. # وقال جمال الدين الأفغاني في هذا الصدد: «إنكم معشر المصريين قد نشأتم على ~~الاستعباد، وتربيتم في حجر الاستبداد، تناوبتكم أيادي الغاصبين من الرعاة، ثم ~~اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك، وكل منهم يشق ms32 جلودكم بمبضع ~~نهمه، ويهيض عظامكم بأداة عسفه، ويستنزف قوام حياتكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق ~~جباهكم، بالعصاب والمقرعة والسوط، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا ~~صوت، انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس وآثار طيبة وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم ~~وأجدادكم، هبوا من غفلتكم، واصحوا من سكرتكم، عيشوا مثل باقي الأمم أحرارا، أو ~~موتوا شهداء، وأنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض بفأسك لتستنبت ما يسد الرمق، ~~لماذا لا تشق قلب ظالمك؟» # نعم هناك تاريخ صامت لثورات المصريين، وهبات هنا وهناك ضد الغزاة الطغاة، ولكن ~~التاريخ ينطق عادة بلسان الحكام محليين أو غزاة ويصمت عن سواهم، وابتدع المصري ~~آلية ثقافية تكفل له فرصة البقاء وهو المغترب على أرضه، تمثلت هذه الآلية في الهجرة ~~إلى الغيب التماسا للسلامة والعزاء، وقد تكون الهجرة بعيدا عن وادي النيل إلى بطن ~~الصحراء، وقد تكون توحدا ظاهريا مع الغاصب المعتدي: «إيد تبوسها وعايز ~~تقطعها»، «وإن كنت في بلد تعبد العجل حش وارميله»، وقد تكون انطواء على النفس ~~ودعاء إلى الله وموالا مشحونا بالأنين يفرغ فيه أحزانه وأشجانه في عتمة الليل، ~~ولكنه في الحالين أعزل ومعزول فاقد الحيلة. # خلق هذا المناخ وبيئة الاستبداد وفقدان الحيلة على مدى القرون الطويلة ثقافة ~~جامعة بين النقيضين على قدر الحال، ثقافة تجمع بين الغضب الصريح من بطش الحاكم ~~وتمني هزيمته أو كتمان الغضب كرها، والاستسلام لحكم القوي على الضعيف، ورسخ هذا ~~الوضع ثقافات الردة والماضوية والاكتفاء بالدعاء على الظالم، والتحليق في فراغ ~~الخيالات. # وهكذا تحول المجتمع المصري إلى نثار، تجمع سكني دون انتماء، وتراث ثقافي موروث في ~~صيغة أسطورية؛ ذلك لأن العقل الجمعي تخلقه فعالية جمعية، وبرزت على السطح مأثورات ~~الانطواء والسلبية واللامبالاة، وكم هو عسير - إن لم يكن من المستحيل - بناء نهضة ~~بإنسان لا منتم أو إقامة مجتمع علمي أو حضارة علم وتكنولوجيا قوامها الإبداع ~~المنهجي المنظم وسط تجمع بشري لا يعرف النظام وإنما تسوده فوضى، وتحول الإنسان ~~المصري بسبب الاستبداد الممتد والاغتراب المفروض قسرا، ناهيك عن ms33 فساد الإعلام ~~والتعليم والتراتبية الهرمية الاجتماعية التي لا تعتمد الكفاءة لصالح المجتمع ~~معيارا أوحد، تحول الإنسان المصري بسبب هذا إلى كائن حي وليس فعالية، وتحول إلى ~~غريزة منفلتة، طموحه المتاح هو أن يبقى على قيد الحياة لا أن يبني مجتمعا لا ناقة ~~له فيه ولا جمل. # ولكن هذا الواقع الممتد تاريخيا لا يعني أبدا أن ثقافته تعبير عن تكوين جبلي، ~~كما زعم المقريزي، إذ كانت شعوب الأرض في ظل النظم العبودية قديما على هذه ~~الصورة، هكذا كان الأوروبيون قبل التنوير وفي ظل محاكم التفتيش، وهكذا كان ~~الصينيون قديما، ويؤكد العلم أن الإنسان تحكمه ثقافته الاجتماعية، ولكنه أيضا هو ~~الخالق لثقافته، ومن هنا كانت دعوة حركة التنوير في أوروبا إلى ثقافة مدنية للمجتمع ~~المدني لصوغ المواطنة المدنية وبناء المواطن المدني المؤمن بالحرية والعقل ~~والمساواة وصاحب الفعالية العقلانية والذي ساهم في بناء المجتمع المدني والحفاظ ~~عليه، ولهذا يتعين النظر نظرة نقدية إلى ثقافتنا وعلاقتها بالتغيير والتطوير، ~~وصولا إلى ثقافة جديدة لا تحفز إلى ردة ولا إلى تقليد بل إلى فعل إبداعي عصري ~~تضعنا أندادا لأهل التقدم، وهكذا روح المصري الثائرة المتمردة ثاوية في أعماقه، ~~طواها بين جوانحه خوفا من البطش والاستبداد، وقناعة بالدعوات والكلمات أو النكات، ~~ولكنها تنطلق عارمة مدمرة في لحظات الهبات والانتفاضات وكأنها تنتظر قوة تنظيمية ~~حرة هادفة لتكون قوة بناء منهجي لخير الجميع. # ثقافة تطوير لا إصلاح # قضيتنا تطوير وتحول حضاري وليست إصلاحا أو تنمية، فليس في واقع البنية ~~الاجتماعية والثقافية بحالتها الراهنة ما يستحق أن ننميه، وأزمتنا هي أزمة فعل ~~التطوير الاجتماعي الحضاري في إطار من ثقافة الفعل الإنتاجي، لا ثقافة الكلمة ~~والسكون، وثقافة الانتماء لا الاغتراب التاريخي، وليس الهدف البقاء لمجرد البقاء ~~عيالا على الآخر المتقدم المنتج حتى وإن زينا هذا اللغو بقولنا، كما قال فقيه ~~شعبي: «لقد سخر الله لنا الغرب»، وإنما الهدف هو الوجود، والفارق بين الاثنين أن ~~البقاء اطراد عشوائي شأن بقية الحيوانات والقناعة بالميسور، ولكن الوجود مشروع ~~إنجازي إرادي يحققه المجتمع بجهد الفكر ms34 والعمل، ويحقق من خلاله ذاتيته أو ~~هويته في تكامل متطور، والوجود صراع وتحد، وتكيف مطرد في استجابة لهذه ~~التحديات المتواترة، ولهذا فإن ثقافة المجمع هي آلية التكيف، ودعامة التطوير ~~والتغيير، وتتصف بالمرونة الدينامية وغرس روح الفعالية والنهم المعرفي باعتبار ذلك ~~قيمة أخلاقية ومثلا أعلى. # وسبق أن قلنا في دراسة لنا (الترجمة في الوطن العربي - الواقع والتحدي، المجلس ~~الأعلى للثقافة، القاهرة 1991) أن المجتمعات، أو لنقل الثقافات الاجتماعية في رأينا ~~صنفان، والتصنيف ليس قدرا أبديا، وإنما السيادة والغلبة لهذا أو ذاك رهن شروط ~~وجودية للنهوض أو الانحسار، أقول صنفان هما: ثقافة الوضع، وثقافة الموقف، ثقافة ~~الوضع قانعة بحالها، راضية برصيدها التاريخ الموروث، والمعرفة عندها، أو قل العلم ~~الأسمى، لا يتجاوز حدود تأمل هذا الرصيد، وأقول السلف والأولين، والأمل عود على ~~بدء، ومن ثم عزوف عن الإبداع والتجديد، والزمان امتداد متجانس فارغ من الأحداث، ~~إلا الحدث الأول والأهم، فهو بداية التاريخ وغايته، وليس غريبا أن تسود هذه ~~الثقافة مقولة: «الشرور في المحدثات، فكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة ~~في النار.» # هذا بينما ثقافة الموقف إرادة واختيار، والإرادة فعل، والاختيار عزم على التغيير، ~~والتجديد، وفهم مجريات الأحداث والظواهر، وتراكم متجدد متطور لرصيد ~~المعلومات والمعارف، ومن ثم تطور وارتقاء مطرد للهوية الثقافية التي هي عين ~~الفعل الاجتماعي النشط في الزمان، وليس السكون والبحث عن هوية مجهولة في غيابات ~~التاريخ. # ثقافة الوضع تقف على قارعة طريق الحياة، تتأملها تجليات لإرادة من خارجها، ~~وثقافة الموقف تخوض غمار لجج نهر الحياة الصاخب الدافق، تتجدد وتتغير، وتبني وتتحدى ~~وتستجيب تأسيسا على الفهم والوعي والعقل الحر الناقد الفعال، إنها إبداع الحياة ~~وصناعة التاريخ. # وليس غريبا أن علاقة الثقافة بالتطوير باعتبارها أحد المقومات الأساسية تمثل ~~اليوم موضوعا رئيسا في الدراسات الثقافية الاجتماعية، وموضوعا محوريا في ~~الجهود النهضوية سعيا لتأويلها تأويلا جديدا داعما للحراك النهضوي الاجتماعي، ~~وهذا ما فعلته أوروبا النهضة وما فعلته اليابان وتفعله الصين الآن، والثقافة هنا ~~ليست فقط مجرد مشاهد الإنتاج الثقافي من أفلام وندوات وكتب وحفلات ms35 وكأنها جزر ~~معزولة عن النسيج الاجتماعي العام، وإنما ينصب الاهتمام على النماذج الذهنية أو ~~المنظومة الثقافية الذهنية المحددة للقيم والأفكار وما ينبغي وما لا ينبغي أن ~~أفعله، أي حاكمة لطريقة النظر والتفكير في الأمور والعلاقات وما يتوجب على المرء ~~من سلوك، إنها بذلك القاعدة الأساسية التي تنتظم حولها أنشطة المجتمع والمصداقية ~~الاجتماعية لهذه الأنشطة وضمان أن تكون ثقافة تغيير ديمقراطية النهج، وثقافة خلق ~~للثروة وليست القناعة بالموجود، وطبيعي أن تأويلا جديدا للثقافة يعني توترا ~~مرحليا بين ثقافة تقليدية وتطوير يستلزم تغييرا في أنماط السلوك. # ولهذا عمدت أكثر هذه الدراسات إلى بيان توزيع المجتمعات بين مجتمعات نزاعة إلى ~~الحركة والتغيير والتقدم أو ناهضة تسودها ثقافات تقدمية داعمة للتقدم، ومجتمعات ~~متخلفة تسودها ثقافة سكونية، وعلى الرغم من أننا لا نؤمن بأن مثل هذا التقسيم هو ~~تقسيم جامد مطلق الصواب، وإنما هو نسبي مشروط بظروف وأن المجتمعات قابلة لظروف ~~بعينها سياسية أو اقتصادية ... إلخ، أن تكون هذا، وقابلة لظروف أخرى أن تكون ذاك، ~~وإنما نرى من المفيد أن نعرض هنا ما أجمله الدارسون من خصائص تميز هذه المجموعة أو ~~تلك: # الثقافات التقدمية # الثقافات السكونية ~~(1) تؤكد على بناء المستقبل والتأثير في المصير بجهد وإرادة ~~الإنسان/المجتمع، وترى الحقيقة والصواب ثمرة بحث علمي لعلماء العصر ~~من أبناء المجتمع. ~~(1) تؤكد على الحاضر أو الماضي وترى الجزاء والحقيقة والصواب من فم ~~رأس الدولة أو التقليد. ~~(2) محورية العمل من أجل حياة جديدة قوامها الإبداع والإنجاز. ~~(2) العمل عبء، وأفضل الثروات ما يأتي مجانا مع قناعة ~~بالموجود. ~~(3) المبادرة الفردية والإبداع أساس للتقدم والتطوير. ~~(3) قمع المبادرة الفردية والإنجاز، وترى الحياة والسلامة داخل ~~النص: نص التقليد ونص إرادة السلطان. ~~(4) الادخار أصل الاستثمار والأمن المالي وضمانة اجتماعية. ~~(4) الادخار - إن وجد - فهو شأن فردي أو ليكن لي يومي الذي أعيش ~~فيه. ~~(5) التعليم مفتاح التقدم وإشباع وتحقيق للذات، وأداة تغذية ~~وصياغة واستكشاف جديد وإثراء معرفي. ~~(5) للتعليم أهمية هامشية وليس طريقا للإبداع والتفوق في ~~الإنجاز وإنما تأكيد للتقليد. ~~(6) الجدارة أساس التقدم والترقي. ~~(6) المحسوبية أساس تسلق النظام الهرمي. ms36 ~~(7) الثقة تمتد إلى نطاق المجتمع العام. ~~(7) الثقة قاصرة على الذات أو الأسرة أو الطائفة، والتهرب ~~الضريبي للإفادة الذاتية. ~~(8) القانون أكثر التزاما وأقل فسادا. ~~(8) القانون إرادة السلطة أو رجال الدين. ~~(9) السلطة تميل إلى الانتشار وتكون قسمة مشتركة ومسئولة عامة ~~وموضوعا للمحاسبة. ~~(9) تراث السلطة استبدادي، والسلطة شديدة المركزية، فردية ~~مطلقة. ~~(10) نفوذ السلطة الدينية محصور في نطاق ما يخص الدين وسؤال ~~العامة. ~~(10) نفوذ السلطة الدينية يمتد إلى كل مجالات الحياة متجاوزا ~~خصوصيتها وتخصصها، وتابعة للسلطة السياسية وضمانة لاستمرارها. ~~(11) آليات المجتمع في التنشئة والإعلام والتعليم وممارسات السلطة ~~داعمة للتطوير ولمصداقية القيم الثقافية النهضوية. ~~(11) ثقافة التنشئة داعمة للتقليد والانحياز والتبعية والولاء ~~الأبوي مع تأكيد فضيلة الطاعة والخضوع للسلطة، وأن الفرد رعية ~~والحاكم هو الأب الراعي. ~~(12) الفرد مواطن وفاعلية إيجابية في حرية ومساواة بين الجميع ~~الحاكم والمحكومين ومصدر للتشريع والسلطات. ~~(12) أبناء المجتمع رعايا، والحاكم هو الأب الوصي له البيعة، ~~والفعالية استجابة في طاعة وولاء لأمر الحاكم، هو المرجعية الأعلى ~~ولا راد لمشيئته. ~~(13) ثقافة التجديد والتغيير وتداول السلطة تأسيسا على الاقتراع ~~العام الحر، والزمان حركة مجتمعية مستقبلية مطردة التقدم بفضل ~~الفعالية الإنتاجية لمواطنين أحرار. ~~(13) المحافظة، رفض التغيير، أي رفض دور الزمن كحركة متقدمة ورفض ~~لفعالية الإنسان، وإنما الزمن دوراني الحركة والأمل ردة إلى عصر ~~ذهبي مضى. # وجدير بالإشارة هنا إلى أن بلدان أمريكا الجنوبية التي أخفقت في التقدم بعد أن ~~طبقت النصائح الأمريكية للإصلاح، عادت لتسأل السؤال نفسه الذي اعتدنا نحن أن نسأله: ~~لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ واختلف المفكرون هناك زمنا طويلا دون إجابة، ~~وأخيرا بدأ الاهتمام ببحث دور المنظومة الثقافية وكذا مسئولية السياسيين ودور ~~الاثنين في شيوع التخلف والفساد. # ونذكر من بين هؤلاء الكاتبة الأرجنتينية ماريانو جروندونا في دراسات لها معاصرة، ~~وكذلك الكاتب ماريو فارجاس الذي يؤكد أن الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية مع ~~ضرورتها لتحديث البلاد لا يمكن تحقيقها: # ما لم يسبقها أو يصحبها إصلاح لأعرافنا وعاداتنا وأفكارنا وكل المنظومة ~~المعقدة من العادات والمعارف والتصورات والصور التي نفهمها حين نقول ~~«الثقافة»، إن ثقافتنا الآن لا هي ليبرالية ms37 ولا ديمقراطية، لدينا حكومات ~~تسمي نفسها ديمقراطية، ولكن مؤسساتنا وردود أفعالنا وعقلياتنا وسلوكنا ~~أبعد ما تكون عن وصفها بالديمقراطية، إنها لا تزال خصائص استبدادية مطلقة، ~~وعقائدية جامدة. # وثمة كتاب، من بين كتب أخرى كثيرة، من تأليف لورانس هاريزون بعنوان: «التخلف ~~حالة ذهنية»، ويدرس الكتاب التطوير الاقتصادي والاجتماعي من زاوية ثقافية، وعقد ~~مقارنات ثنائية بين عدد من الدول، مثال ذلك أن غانا في الستينيات كانت أكثر ~~تقدما من كوريا الجنوبية، ولكن كوريا الآن تحتل مكانة مرموقة بين الدول ~~المتقدمة، بينما تراجعت غانا كثيرا، ولنا أن نضيف إليه مثال مصر واليابان في أواخر ~~القرن التاسع عشر؛ إذ كانت مصر أكثر تقدما من اليابان، بل تطلعت اليابان ~~لدراسة النهضة من خلال التجربة المصرية، ولكن واقع الحال شاهد الآن بما يملأ النفس ~~مرارة وحسرة. # وفسر هاريزون هوة التطور بعوامل ثقافية: قيم ثقافية تدعم التطوير، وأخرى سلبية ~~تعيق النزوع إلى التغيير، ويقول ثمة قيم ثقافية إيجابية: التغيير والمنافسة، ~~الإبداع، العمل الجاد، التفرد، التفوق، النظام، الالتزام، العقلانية، السلطة ~~للعقل وقسمة مشتركة ليست لحاكم منفرد، ويضيف قوله: «يسود ثقافة المجتمع المؤمن ~~بالتغيير مفهوم أن الثروة ليست ما أملك، وإنما ما أبدعه، أن أبدع ما ليس موجودا ~~بعد، كما وأن العقل والفعل الاجتماعيين هما مبدع الثورة.» # ونعود لنؤكد - في ضوء ما سبق - أن التطوير الحضاري للمجتمع موقف من الحياة، ونمط ~~سلوكي في الاستجابة للتحديات، وهو ثقافة حوار بين الإنسان - المجتمع - والبيئة ~~والمجتمعات المحيطة، وثقافة إنجاز، وفضول معرفي، ويمثل العلم والمعرفة العلمية روح ~~العصر، لذا فإن الثقافة العلمية هي جوهر آلية التكيف، والوجود الاجتماعي الآن، حسب ~~منطق العصر، ليس وجودا تراتبيا هرميا رأسيا وسيادة علوية على رعية كما كان ~~الحال في حضارة الرعي أو الزراعة، بل أصبح وجودا شبكيا أفقيا متكافئا، وهذا ~~هو جوهر الوجود الديمقراطي الآن في عصر المعلوماتية وانفجار المعرفة، وثقافة ~~التطوير الحضاري ثقافة نهم معرفي للتوظيف المعرفي المنهجي من أجل التكيف، إنها ~~ثقافة تمرد على الجمود والتقليد والتماس التجديد، لذلك فإن عملية التطوير هي إبداع ~~اجتماعي ms38 ذاتي المنطلق لا يأتي مفروضا من خارج، سواء خارج الذات في الزمان أو من ~~خارج الوطن، إن التفاعل مع الخارج غير الانفعال بالخارج، التفاعل استفادة إرادية ~~نقدية للاستجابة الفاعلة وفق هدف ومصلحة، والتفاعل أيضا قرين فعل داخلي وتكامل معه ~~على نحو يكشف الإمكانات الإبداعية الذاتية لاطراد التطوير. # وتستلزم ثقافة التطوير مثقفا يتصف بالاستقلالية الذاتية الحرة والنهج المعرفي ~~العلمي والتعالي على الانحيازات، كما يمتلك أفقا رحبا شاملا لقضايا المجتمع، ~~ويتصف أيضا بالحرص على أن ينأى بفكره وثقافته وجهده عن خدمة أمير أو سلطان، بل ~~خدمة الجماهير في ضوء رؤية إبداعية مستقلة أصيلة، ويغدو بفضل جهده وصفاته، أداة ~~إثراء فكري لمجتمعه، وهذه إحدى مظاهر أزمة الثقافة والمثقف في مصر، إذ ظل ~~المثقف وثقافته على مدى القرون، ولا يزال، في خدمة صاحب السلطان حتى باتت ثقافته ~~ليست أداة تحرر، وإنما توجهه على طريق التبعية والتماهي بين ذاته والسلطة. # وحيث إن نهج التطوير والتغيير قيمة ثقافية، وموقف من الحياة، فإن لنا أن نسأل عن ~~طبيعة القيم الثقافية السائدة في المجتمع التي تحدد للإنسان العام، أداة البناء، ~~ومن ثم للمجتمع تطلعاته واستجاباته ونظراته وتأويلاته؟ كيف نرى الوجود من خلال ~~ثقافتنا الاجتماعية؟ وما هي تصوراتنا عن الحياة وإلى أين ينصرف مخاضنا أفرادا ~~ومجتمعا؟ وما هي القيم التي تستثير فينا نوازع الغضب أو الرضا والإقدام والفعل ~~بعامة، والتي تمثل مفتاح السلوك أو «الزرار» الذي إذا ضغطنا عليه حرك فينا ~~كوامن النفوس واستنفر الروح منا. # إننا نحصر قيم الوجود في العبادات والحدود الدينية وحدهما، بمعنى الحلال والحرام ~~دينيا فقط، هذا بينما يجدر بنا أن نضيف إلى هذه القيم قيما ثقافية جديدة لازمة ~~لكي نتحرك على طريق التقدم، أو جدير بنا أن نقدم تأويلات تدعم هذا التوجه نحو ~~التطوير وتجعل من التطوير قيمة، مثلما نجعل من العمل والإبداع قيمة سلوكية في ~~التطبيق العملي، إن الفن قيمة، والإبداع العلمي قيمة، والموضوعية قيمة، والتناغم ~~الاجتماعي قيمة، والحفاظ على البيئة قيمة، والفضول المعرفي أو مغامرة الاستكشاف ~~المعرفي قيمة، وصنع حياة جميلة ميسورة ms39 وعادلة قيمة، والاستقلال قيمة، بينما الأمية ~~والاستبداد والظلم والفقر والتخلف رذائل وكبائر. # وإذا كنا ننشد بناء مجتمع مدني على مستوى حضارة الصناعة والمعلوماتية ~~باعتبار أن هذا هو التطوير (لا الإصلاح) المنشود، فحري أن ندرك أنه ~~بالضرورة مجتمع مواطنة حرة ومؤسسات حرة متكافئة متشابكة، ومواطنين أحرار ~~ذوي عقول حرة وفكر حر متساوين، لهم ثقافة الفعالية الاجتماعية وقدرة على ~~مغامرة الاستكشاف المعرفي والإبداع، لنقف أندادا مع المجتمعات ~~المتقدمة. # وحري أن ندرك أن الفقر حرمان من الحرية، والأمية حرمان من الحرية، وقصور البحث ~~العلمي حرمان من الحرية، والتخلف بجميع صوره حرمان من الحرية على الصعيدين المحلي ~~والدولي، والتحجر والجمود والتعصب نفي للحرية، هذا بينما التطوير الحضاري هو ~~التوجه الصحيح على طريق الحرية لخلق مجتمع حر لمواطنين أحرار، مجتمع إنتاج حضاري ~~مبدع بذاته في تعاون شبكي على النطاق العالمي. # العالم الآن بصدد أن يصوغ، من خلال الشبكة الفضائية، ما يسمى المخ الكوكبي، ~~ويعني التفاعل المتبادل أخذا وعطاء بين علماء العالم ومفكريه وباحثيه، وهناك ~~أيضا دعوة لما يسمى المصادر المفتوحة عبر الشبكة الفضائية، حيث لا أسرار ~~يخفيها باحث أو مبدع، وإنما تفاعل حر مفتوح بين كل علماء العالم وباحثيه، وطبيعي أن ~~ليس بإمكان مجتمع ما أن يسهم بنصيب إيجابي إلا إذا كان مجتمعا منتجا للمعرفة، وله ~~علماؤه المبدعين، وله القدرة على التحاور والأخذ والعطاء، وبدون هذا يظل المجتمع ~~أشبه بمنطقة في المخ أصابها عطب وعاطلة عن الفعل مما يضاعف من فرص ضمورها. # لذلك ربما يكون من باب التفاؤل القول؛ نحن الآن عند مفترق طرق، وأمامنا الفرصة ~~الأخيرة للاختيار، إن كانت هناك قدرة وعزم على الاختيار، لا نود أن يكون حديثنا في ~~المطلق حديثا نظريا محضا، بل أن نتحدث عبر الحقيقة والواقع وبمنهج علمي، نتحدث ~~عن بشر، عن مجتمع حقيقي يمثل ظاهرة اجتماعية/ثقافية/سياسية/أو اقتصادية في الزمان ~~والمكان، ظاهرة هي جزء من واقع أيكولوجي، أعني واقعا متفاعل العناصر على صعيد ~~متكامل من بشر وبيئة اجتماعية، وعلاقات، ومناخ وبيئة جغرافية، وغير ذلك من مؤثرات ~~تخلق من الجميع ظاهرة ms40 واحدة، الإنسان - المجتمع مكون عضوي فيها مع نظرة نقدية ~~مقارنة للذات وللآخر، ولعل هذه هي السبيل إلى الإنجاز، بدلا من تكرار السؤال قرنا ~~بعد قرن، وجيلا بعد جيل، لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا ؟ # الحديث عن مجتمع مدني نظري غير قائم، حديث في فراغ وفضاء ميتافيزيقي يبدو بليغا ~~وينتهي بنهاية الخطاب دون إثمار، لذا حري أن ينصب الحديث على واقع عياني ~~تاريخي متعدد الأبعاد، في ضوء هدف محدد وفهم نقدي لهذا الواقع وللهدف معا، ~~وإذا كان المجتمع المدني مجتمع مواطنة ومواطنين، إذن ليكن بحثنا عن مقومات ~~المواطنة والمواطن في الواقع الحياتي باعتبار هذا شرطا وسبيلا للتحرك ~~قدما. # إحدى قضايانا الأولى هي بناء الإنسان المصري في مناخ من الإنجاز والتقدم والحرية، ~~أو لنقل هي تمكين المجتمع من خلال تمكين الإنسان العام المصري، رجلا وامرأة وطفلا # Human Empowerment ~~، وأن يتم هذا من خلال ~~التنشئة والتعليم والإعلام والمناخ السياسي الحزبي والأمني، وتوفر الوعي بالذاتية ~~والفردية، والوعي الموضوعي بالتاريخ والفعالية الإيجابية الاجتماعية، ولن نكون في ~~هذا استثناء بين المجتمعات التي عرفت سبيلها إلى النهضة. # لهذا نؤكد أن التطور الحضاري للمجتمع ليس مجرد حيازة لإنجازات العصر، بل مشاركة ~~إيجابية في إبداعها، وأذكر هنا ما قاله شرايبر في كتابه «التحدي الأمريكي» في ~~خمسينيات القرن العشرين وهو يتنبأ بتحدي الولايات المتحدة لأوروبا ودفعها إلى ~~مستوى بلدان من المرتبة الثانية، إذ قال: «ليس الأمر فقط امتلاك جهاز ما، بل القدرة ~~على صيانة الجهاز وتطويره»، وأذكر أن هذا ما فعلته اليابان ومن بعدها الصين ونمور ~~شرق آسيا، وكيف أن القدرة على الصيانة والتطوير حددت مسارات أنشطة اجتماعية عديدة ~~ومنها التعليم، هذا بينما نحن هنا عاجزون حتى عن أن نعالج القمامة وقش الأرز ~~وحرائقهما. # لهذا فإننا إذ نطالب بالتطوير الحضاري لا التنمية ولا الإصلاح، فإن هذا يعني أن ~~يكون التطوير إبداعا ومنطلقا ذاتيا، وقبولا للتحدي، وتأكيدا للهوية التي ~~طالما بحثنا عنها إلا في كلمات بعيدة عن الفعل الاجتماعي الذي هو جوهرها، ويعني ~~التطوير الحضاري أيضا إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية وعلاقاتها وفقا لمقتضيات ms41 ~~العصر على الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية، بنية أو منظومة محلية داخل منظومة ~~أعلى في تفاعل إيجابي متبادل، ومن ثم قدرة على الفعل الإنتاجي الإبداعي، ويعني ~~كذلك بناء مجتمع مدني، بالمعنى سالف الذكر، ويحمل خصوصية التاريخ والواقع، مجتمع ~~مؤسسات حرة معبرة عن كل أنشطة المجتمع، ويعني تطوير التعليم والإعلام والأنشطة ~~السياسية وتنظيماتها وضمان فعاليتها الحرة. # إنه تطوير شامل لكل مناحي الحياة، ولا يأتي التطوير استجابة لرأي فرد، وإنما ~~استجابة لحوار إيجابي بين المؤسسات الرسمية والأهلية أو المدنية، مثال ذلك: إن ~~تطوير التعليم لا يكون برأي رئيس أو وزير ولا حتى برأي وزارة، وإنما الوزارة إحدى ~~المؤسسات، تشاركها المؤسسات التعليمية والحزبية والمؤسسات الاجتماعية الأهلية ~~للعلماء والباحثين والمعلمين ورجال الصناعة والاقتصاد وكل من يعنيهم أمر التعليم، ~~تعليما عاما أم جامعيا، مع دراسة لوضع التعليم في البلدان المنافسة أو ~~المماثلة وطبيعة التحديات التي نعد المواطن لمواجهتها من خلال آلية التعليم ~~باعتبار التعليم وظيفة لغاية، وهنا يكون للمؤسسات الرسمية والأهلية دور متكامل، ~~وتكون سياسة التعليم تعبيرا عن ذلك الجهد المؤسسي الجمعي وتكون آلية مدنية لتحقيق ~~هدف منشود. # وإن مقتضيات حركة التطور الحضاري وثقافته أن نبحث طبيعة الموروث أو التراث ~~الثقافي وتجلياته السلوكية في عملية ما يمكن أن نسميه بناء الموطن الملائم ~~تاريخيا، ومدى ما يتصف به من مرونة أو جمود وعطاء في عالم يستلزم قدرة دينامية ~~كبيرة على التكيف والتفاعل، وجدير بالذكر أن جميع التراثات الثقافية للمجتمعات في ~~مراحل تقدمها ونهوضها يجري تجديد التفكير بشأنها وتأويلها بما يتلاءم مع مقتضيات ~~الحركة التكيفية للمجتمع، والتراث عملية تراكمية لثقافات اجتماعية متجددة تؤكد ~~صلاحيتها الاحتياجات الاجتماعية العملية. # ولهذا دعوت يوما في دراسة سابقة إلى دراسة طبيعة ما يمكن أن نسميه مجازا ~~«الجينوم الثقافي العربي» ومفاتيحه، مكوناته الشعورية واللاشعورية التي انتقلت عبر ~~الأجيال وتجلياتها في التاريخ من حيث قابلية التغيير والتجديد والفاعلية ~~والتفاعلية، وطبيعة القيم التي تشكل محورا للوجود والسلوك وإليها ينصرف مخاضنا ~~وجهدنا. # نحن بحاجة إلى ثقافة اجتماعية جديدة، ثقافة تحفز إلى التغيير والتطوير إبداعا ~~ذاتيا في تحد ms42 ومنافسة، لتكون أساسا ودعامة لبناء إنسان جديد، وعقل جديد في ~~مجتمع مدني منشود. # | الفكر العربي ولغز النهضة # مسألة الفكر العربي أو العقل العربي أو الإسلامي، إلى آخر ذلك من مسميات مكرورة، ناقشها ~~كثير من المفكرين العرب والمسلمين في محاولة للكشف عن أسباب التخلف والفشل، وغاب سؤال كيف ~~يفكر «العقل» أو العقول العربية أو الإسلامية، العرب أو المسلمون، في الواقع الحياتي ~~الملموس إزاء قضايا محددة عابرة أو حاسمة؟ بمعنى البحث العقلاني النقدي للكشف عن المنهج وعن ~~محددات الاختيار والانحياز لقضايا فكرية بعينها، وأسلوب المعالجة وتطور هذا النهج إن كان قد ~~تطور أو جمد على مر العصور والأزمان، وكيف هيأ لأصحابه قدرة على الفعل وعلى التفاعل مع ~~الآخرين، أو ألزم أصحابه عزلة وعجزا، وكيف أثرت الأحداث الفاصلة في هذا المنهج، أم أنه قنع ~~بأن يسر لأصحابه العزاء والسلوى والابتلاء في الحياة الدنيا، ولا يزال الغالبية جامدين ~~عند تعريف السلف والأقدمين من أن العقل، أداة الفكر، جوهر، وهو أعدل الأشياء قسمة بين ~~الناس، وغفلوا أو عزفوا عن إنجازات علوم عديدة، واكتشافات حديثة مثيرة، وحوارات علمية ~~معاصرة خصيبة، ورؤى متباينة ومتطورة تشكل أساسا مكينا لارتقاء حضاري وإثراء فكري، والخلاص ~~من عثرة أزمنت حتى باتت تقليدا. # ولكن هل حقا يوجد فكر عربي؟ ما هي قضاياه وإنجازاته؟ ما دوره وفعاليته وتطوره مع تطور ~~الأحداث والمجتمعات إن كان له تاريخ متطور؟ وما مضمونه؟ وما مرجعيته؟ هل يمثل تيارا ~~يعبر عن مسار المجتمع أو المجتمعات مستخلصا الخبرة والعبرة من رؤية أو من رؤى عقلانية ~~نقدية عن الماضي والحاضر مع الاستشراف لمستقبل لا نراه ردة إلى السلف، وإنما هو مجمل زخم ~~الحراك الاجتماعي والنشاط الإنتاجي ومعاناة البناء والتطوير الإراديين، الفكر والفعل ~~الاجتماعيان وجهان لحياة دينامية متطورة في تفاعل مطرد على الأصعدة الذاتية والمحلية ~~والعالمية، حياة هي مجمل الجهد الاجتماعي لبناء ما يسمى الموطن الملائم # Nich Construction # الذي هو حصاد فعالية الإنسان/المجتمع ~~مع عناصر البيئة في الزمان والمكان حيث الإنسان/المجتمع امتداد متصل للطبيعة/البيئة/التاريخ ~~وليس كيانا منفصلا مستقلا وإنما هو فكر ms43 وفعل متجدد على مدى هذا الامتداد وما نسميه ~~إنسانيا الامتداد الحضاري. # والفكر حصاد معرفة في صياغة نسقية هادفة معنية بتحليل قضايا وحل لمشكلات، وحفز لحراك، ~~ودعم لعلاقات قائمة أو منشودة، وتشكيل أو إعادة تشكيل لهيكل المجتمعات، وتحقيق لتكيف على ~~صعيد اجتماعي متكامل وفي إطار من المنافسة أو الملاءمة على صعيد إقليمي وعالمي، والفكر ~~الاجتماعي منتج جمعي وليد جهد ذاتي متكامل للمجتمع، ومعبر عن هدف اجتماعي مشترك من حيث ~~التغيير والبناء، وعن آلية المجتمع في هذا التغيير وإنجاز الهدف، إنه رؤية جمعية تاريخية ~~غير أحادية، من ثم يجسد حركة متطورة في الزمان، وسجلا للجديد من الأحداث، وحيوية ~~التنوع والتجدد في سياق من حرية التبادل والتفاعل والإبداع، ويشكل قوة جذب وانتماء وتمكين ~~في حلبة الصراع والانتخاب بين الأفكار محليا وعالميا. # وذهبنا في كتابنا «الفكر العربي وسوسيولوجيا الفشل» إلى أنه لا يوجد فكر عربي عصري يحمل ~~هذه الخصائص والصفات، نعم ربما هناك مفكرون أفراد يجتهدون، ولكنه ليس فكرا مجتمعيا ~~بالمعنى العلمي المشار إليه، إنه فكر أو اجتهادات نظرية لأفراد، أو تهويمات وتحليق في فراغ، ~~وليس فكرا حافزا لحراك، ولا فكرا معاصرا نابعا من واقع الاجتهاد الاجتماعي النظري ~~والجهد العملي النشط لبناء الوجود مشروعا مؤسسا على فهم علمي عصري، وآثرت أن أهدي كتابي ~~إلى المثقف العربي الذي افتقدته النهضة ولا تزال، تأكيدا لمسئولية المثقف العربي عن ~~التنبيه إلى هذا الخواء. # ومن أسف رأى غالبية المثقفين ممن ارتهنت حياتهم برضا أصحاب السلطان أن عنوان الكتاب ~~شديد التشاؤم؛ لأننا نعيش مع حكامنا دائما وأبدا عصور إنجازات ورخاء! ورأى البعض أن مثل ~~هذا العنوان والحديث وأد للأمل في مهده، ولكنني - على عكس ما ذهب إليه ظن البعض - أضع ~~أساسا للتفاؤل، ذلك لأنه حين أوضح أن الفشل يحدث لأسباب اجتماعية يقرها علم الاجتماع ~~وتدخل في نطاق إرادة الإنسان وفعله وثقافته وفكره، إنما أقرر أن الفشل ليس قدرا ولا ~~طبيعة جبلية، ومن ثم فإن المجتمع قادر بإرادته وبفعله وفكره، ومنهجه في الفعل والفكر، ~~على أن يصحح الخطأ، ويزيل الأسباب ms44 إذا عرف نفسه باعتباره وجودا تاريخيا، وعرف عصره ~~ومقتضياته وتحدياته وعبأ جهوده وطاقاته للتكيف والتغيير. # وأعني بالفشل أن المجتمع عاطل من المعرفة الكاملة والصحيحة نسبيا ومرحليا لتوجيه ~~مسارات حركته وطاقاته وأنشطته الاجتماعية بصورة فعالة في الاتجاه الصحيح للتطوير، أي للتكيف ~~مع حضارة العصر بهدف البقاء والعطاء والامتداد والمنافسة، ومن أسباب الفشل أيضا أن يكون ~~المجتمع عاطلا من ثقافة ترسخ قيم التغيير والتحدي الفعال، وفي حالة غياب هذه المعرفة - ~~الفكر في صورة نسقية يغدو واقع المجتمع أو نشاطه ضربا من أسلوب المحاولة والخطأ مع نسبة ~~عالية من الإخفاق، وحركة غير مطردة وغير سوية ولا مستوية، مختلة التوازن، عاجزة عن كفالة ~~أسباب البقاء، ناهيك عن المنافسة والتطوير. # وأعني بالفكر الاجتماعي الفاعلية الجدلية بين الذات (الإنسان/المجتمع) والموضوع، ذلك أن ~~الإنسان لا يفكر إلا في مجتمع، وفكر المجتمع حصاد تاريخية الفعل أو النشاط الاجتماعي في ~~إطار صراع الوجود، أي إنتاج الوجود، وإنتاج الوجود - أي الحضارة - هو نشاط مادي ومعنوي ~~(تقانة وفكر) وكلاهما وجهان للوجود الاجتماعي وأداة واحدة للتكيف الذي هو معرفة، فكر، وفعل ~~استجابة لتحديات البقاء والتكاثر، والحضارة عندي هي عملية تاريخية قوامها «إبداع الأدوات ~~المادية والإطار الفكري - القيمي في تكامل معا استجابة لتحديات وجودية يفرضها الواقع ~~المتجدد والطبيعة بتفاعلهما مع الإنسان - المجتمع»، وهذا التعريف فيه دينامية، إذ يدمج ~~الإنسان بوصفه أحد مكونات البيئة الحضارية بسلوكه وفكره وقيمه، ويتسق مع التعددية والتطور ~~في الزمان والتنوع في المكان. # الفعل والفكر الاجتماعيان هما المشروع الوجودي الجمعي، وفكر الأمة ليس حاصل تراكم فكر ~~أفراد، ويتعطل فكر الأمة - المجتمع - حين يتعطل الفعل الجمعي لإنتاج الوجود، وهنا يعيش ~~أبناء المجتمع أسرى وعي زائف وثقافة مغتربة، وواقع يغلب عليه طابع النمطية والاطراد ~~العشوائي. # وهنا نمايز بين: ~~(أ) # ثقافة معيشة موروثة. ~~(ب) # وفكر هو ابتكار وتجديد متلاحم مع الفعل الاجتماعي الإنتاجي ويشكل وعيا ~~بالتاريخ وبالواقع في تناقضاته وصراعاته وتحدياته، ويستشرف المستقبل تأسيسا على ~~الفعل والفكر الإراديين للمجتمع، علاوة على أنه فكر نقدي لرصيد الماضي وللواقع، ~~بمعنى أنه آلية مراجعة مستمرة وتغذية ms45 مرتدة بين الفعل والفكر الاجتماعيين في ~~حركتهما. # وإن الفعل الاجتماعي لإنتاج الوجود ماديا ومعنويا (تقانة وفكرا) هو عملية اشتباك ~~وتفاعل بين منتج جمعي # Collective Producer ~~(الإنسان/المجتمع) يتفاعل مع البيئة لإنتاج وجوده، وحري أن ننظر إلى هذا الفعل نظرة ~~تطورية باعتبار الإنتاج عملية مركبة العناصر وعملية خالقة دائما وأبدا. # الفكر/اللغة تولد من خلال فعل الإنتاج للإنسان الأول # Hominid # امتدادا للوجود الجيني/البيولوجي، وتخليقا ~~ماديا ومعنويا للعقل الذي يجسد الوجود التاريخي الفاعل النشط للإنسان/المجتمع، وهذه ~~مسألة محورية ومعيار رئيسي للحكم على الفكر الاجتماعي وجودا وعدما أو ركودا وتجددا، إن ~~الفكر/اللغة بدأ نشأته التطورية مع أول أداة إنتاج اقتضت تجمعا وتنظيما لأغراض مجتمعية ~~تعزز التكيف، بدأ هنا التواصل الرمزي بين البشر في سياق الاستجابة وواقع التفاعل أو الفعل ~~الاجتماعي مع الطبيعة، وهو فعل متجدد أبدا، ويفضي إلى تجدد التواصل الرمزي، أي تجدد ~~الفكر/اللغة. # والفعل الإنتاجي المجتمعي، والذي نسميه العمل الاجتماعي، عملية مركبة ومتطورة للتعامل مع ~~المادة التي هي الطبيعة، الطبيعة المعدلة والطبيعة المضافة، والطبيعة البشرية. # وبين الفعل المجتمعي والفاعل، أي المجتمع والطبيعة، وحدة وتكامل، وهذا العمل أو الفعل ~~المجتمعي منتج للأداة المادية: التقانة، وللأداة المعنوية: الفكر، وإن الفعل أو النشاط ~~البشري على امتداد التاريخ الوجودي للنوع البشري دمج الإنسان/المجتمع والطبيعة، وتعتمد ~~علاقة التفاعل بين الإنسان - المجتمع والطبيعة في تطورها المطرد على: ~~(أ) # وسائل الإنتاج. ~~(ب) # الطاقة. ~~(ج) # المعرفة والمعلومات. # وتطورت المجتمعات البشرية حضاريا تأسيسا على تكامل ووحدة هذه العناصر الثلاثة، وتحدد ~~في ضوئها نمط التنامي الحضاري لتوليد المنتج والفائض، وهذه آلية التكيف للنوع البشري في ~~إطار صراع الوجود الحضاري كما وضح مانويل كاستل في كتابه «عصر المعلوماتية»: # حضارة الرعي: # أدنى حد من الطاقة، قيمة العمل والطاقة البشرية المبذولة، أدنى مستوى - ~~الفكر تأمل نظري مجرد، إنه مجتمع الكلمة الشفاهية. # حضارة الزراعة: # طاقة عمل عضلية، نمط تنام محدود رهن القوة العضلية ومساحة الأرض - فائض ~~قيمة محدود يسمح بالتجارة ولغة الكتابة. # حضارة الصناعة: # طاقة آلية متطورة مع توزيع لامركزي، نمط تنامي متسارع - فائض قيمة كبيرة ~~من المخرجات ms46 الاقتصادية - علاقة كيفية جديدة بين الإنسان والطبيعة - فكر ~~فلسفة الإرادة - الإنسان العام - كثافة أعلى من حيث التجمع والتفاعل بين ~~العامة في الحضر والذي شكل أساسا لحركات اجتماعية جماهيرية. # هنا يبرز السؤال: # أين موقعنا من العالم من حيث الفعالية، فعالية إنتاج الوجود؟ ومن ثم تصور ~~المستقبل. # هذه هي القضية المحورية في كتابي المشار إليه، ولكن بأساليب تناول مختلفة ومن زوايا ~~متباينة. # إن جوهر أزمة المجتمعات العربية أنها أزمة غياب فعل التطوير الاجتماعي الحضاري، أو أزمة ~~غياب إنتاج الوجود على مستوى منافس لحضارة العصر، وهي قضية امتدت قرابة خمسة قرون بالنسبة ~~لبعض البلدان. # وحاولت الخروج عن السياق التقليدي في النظر إلى عصر ذهبي ولى، والزعم أن الفشل مرجعه ~~أننا تنكبنا طريق السلف، وحاولت الخروج أيضا عن مقولة التحديث محاكاة للغرب في إطار ~~الشكليات، ذلك أن الحداثة معيار متجدد ومتنوع والتحديث متعدد الآليات، وفعل ذاتي أصيل، ~~إنه صناعة لا حيازة، وفعل ابتكاري متجدد، وثقافة تغيير وتكيف، ولنتذكر أن نهضة اليابان لم ~~تكن محاكاة قصد التشبه، بل محاكاة قصد الندية والمنافسة. # القضية تطوير وتحول حضاري وليست تنمية، التنمية امتداد وتوسع وزيادة كمية على مستوى ~~أفقي، أما التطوير فهو امتداد وتعزيز رأسي صاعد، أو تحول كيفي يفضي إلى نشوء أنماط ~~وأشكال وعلاقات جديدة ولغة، أو فكر جديد. # التطوير الحضاري للمجتمع موقف من الحياة، ونمط سلوكي في الاستجابة للتحديات، وآلية تكيف ~~في إطار المنافسة وصراع الوجود، والتكيف فعل اجتماعي إنتاجي مادي ومعرفي نحو هدف صاعد ~~للانتقال بالمجتمع من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى للطاقة والفعالية والتعقد والفهم والإبداع ~~وفرص الاختيار، أو هو إجمالا الإنجاز في إطار معايير حضارة العصر. # ويمثل العلم روح حضارة العصر إنجازا فكريا وماديا تقانيا في تلاحم وتطور مطرد، ~~ووجود مؤسسي وشبكي يعمل ويفكر في حرية على الصعيدين المحلي والعالمي، وأصبح العلم والتقانة ~~بهذا المعنى هما قصبا السبق وأساس التغيير والإنجاز والتمايز وعماد التكيف والبقاء والصراع، ~~ويقتضي التطوير الحضاري للمجتمع في عصر الصناعة والمعلوماتية وعصر اقتصاد المعرفة إطلاق ~~مسارات طاقات جميع أبناء المجتمع ms47 وتوجيهها عبر مزيد من التنظيم الاجتماعي المعقد بهدف تعزيز ~~الطاقة الإنتاجية وتنظيم المخرجات، ولهذا تمثل عملية التطوير إبداعا اجتماعيا ذاتي ~~المنطلق وليست محصلة عوامل خارجية حصرا، وإنما تحمل خصوصيات ثقافة وبيئة وتاريخ المجتمع، ~~وتحمل طبيعة الوعي الاجتماعي بالتحديات، وهي عملية إبداعية أيضا، لأن المجتمع يكتشف من ~~خلالها إمكاناته الذاتية لابتكار الوسائل والحلول والأهداف. # والتطوير الاجتماعي عملية تتجاوز الأبعاد المادية للمجتمع في الزمان والمكان، لتشمل في كل ~~واحد متكامل أبعاد العقل والحياة، إن التطوير الاجتماعي ثقافة أو موقف إنساني اجتماعي من ~~الوجود، وهذا الموقف تجل لعناصر حياتية وعقلية ولاعقلية عديدة تتمثل في السلوكيات ~~الاجتماعية والمهارات والخبرات النظرية والعملية والاتجاهات والأعراف والتقاليد والتنظيمات ~~الرسمية والمؤسسات غير الرسمية والقيم الثقافية والمحددات اللغوية والمعلومات وأسلوب ~~تناولها والتماسها ومعالجتها، وكذا العقائد وأنساق الفكر والقيم الروحية، إذ إن هذا كله ~~يتفاعل معا ويؤثر في بعضه بعضا بحيث يؤثر في مسار التطور البشري في صياغة ~~الإنسان/المجتمع، الموقف والفعل. # وحيث إن عملية التطوير هي فعل تكيف اجتماعي، أي إنتاجي، مادي وفكري، فإن المجتمع - ممثلا ~~في مثقفيه ومفكريه - يعتمد بفضل جهد ذهني رفيع المستوى إلى استخلاص المبادئ الأساسية أو ~~الأفكار من حصاد خبراته، وحصاد التفاعلات الاجتماعية والمعلومات المتراكمة، ويصوغ هذا كله ~~بفضل قوة تنظيم الأفكار في صورة مركب نسقي من معارف مفاهيمية، وهكذا يكون التطوير آلية ~~اجتماعية لإثراء الفكر في مراحل تاريخية مطردة، ويكون الفكر الاجتماعي النسقي دالة هذا ~~الجهد المنظم. # النشاط الاجتماعي الإنتاجي يفضي عقليا إلى تنظيم الوقائع في صورة معلومات، ويعمد العقل ~~الاجتماعي إلى تأويل المعلومات في صورة فكر اجتماعي، معنى هذا أن الفكر الاجتماعي جهد ~~نسقي يهدف إلى تأويل الخبرات المكتسبة حصاد التجربة الاجتماعية الإنتاجية في ضوء المصالح ~~والأهداف، ويعود هذا الفكر في صورة تغذية عكسية إلى المجتمع في نشاطه لمزيد من الفعالية ~~والتصحيح والتنظيم، ومن آليات الإنجاز في تطور مطرد، وهنا يبين بوضوح أن التفكير ~~الاجتماعي إنما هو إنجاز اجتماعي يحمل خصوصية التجربة الاجتماعية. # ويجسد المجتمع فكره المستحدث والمتجدد في منظومات اجتماعية متعددة المجالات ~~والمستويات، ms48 من ذلك إعادة تنظيم العمليات الإنتاجية من خلال تطبيق المهارات والتكنولوجيات ~~المستحدثة في مجالات الإنتاج والخدمات، ويتجلى هذا أيضا في تنظيم المؤسسات وتنظيم ~~البيانات والمعلومات والمعارف من خلال المؤسسات الاجتماعية مثل المؤسسات التعليمية والعلمية ~~والإعلامية والثقافية، ويسهم هذا كله في بناء الإنسان/المجتمع، وتعزيز أو تجديد تطلعاته ~~الداعمة لحركة التطوير والمنافسة، والانتقال بالفكر الاجتماعي إلى طور آخر تنظيما وفعالية ~~وأرحب أفقا وأرقى منهجا. # وحيث إن نهج التطوير والتغيير قيمة ثقافية وموقف حياتي فإن فعل التطوير تحدده بقوة طبيعة ~~القيم الثقافية السائدة في المجتمع، مثلما تحدده تطلعات المجتمع واتجاه استجاباته، ~~ونظرته للتحديات أو تأويلها، ولهذا يمثل التطوير الاجتماعي دالة على طبيعة الإدراك البشري ~~واتجاهه ومحتواه وتطلعات البشر ومواقفهم وقيمهم وتصوراتهم لذواتهم ولدورهم في الحياة ~~باعتباره مشروعا وجوديا. # ولكن مفهوم القيم، ومن ثم مجال تأثيره، مختلف باختلاف الثقافات، وهناك من المجتمعات ~~من يحصر القيم في نطاق الأخلاق، الحرام والحلال دينيا فقط وتكون هذه القيمة بمحتواها ~~المحدود هي مفتاح السلوك أو «الزر» الذي يحرك، بل يستثير، الإنسان/المجتمع عند الضغط عليه، ~~وكأنما انحصر الوجود داخل هذا النطاق المحدود دون سواه، هذا بينما القيم متعددة متباينة ~~بتعدد الأنشطة والسلوكيات صانعة الحياة وتباينها، التطوير والتغيير قيمة، الإبداع قيمة، ~~الفن قيمة، البحث العلمي قيمة، والاستقلال قيمة، بينما التواكل والاعتماد على الغير قيمة ~~سلبية، والسبق في المنافسة العلمية أو غيرها قيمة، والموضوعية قيمة، والتناغم الاجتماعي ~~قيمة، والعدالة قيمة، والتضحية قيمة، وغيرها وغيرها من عناصر سلوكية تكفل انتصار الحياة ~~وتعزز التكاثر والبقاء. # وتشكل القيم بهذا المعنى ما يمكن أن نسميه محتوى تحت الشعور الجمعي، ومن ثم القوة ~~الدافعة وراء مجمل الحركة الاجتماعية، وتنصرف عبرها ومن أجلها طاقة المجتمع في أعمق ~~المستويات، إذ إنها معالم التطلعات الجمعية تحت الشعورية، وصورة المجتمع عن ذاته وفهمه ~~لنفسه، ولنهجه في الحياة، ودالة على معنى الوجود ومجال الاستباق، ومصرف الجهد ~~والنشاط. # ومن ثم إذا عدنا إلى سؤالنا التقليدي: لماذا تخلفنا؟ يجب ألا يقتصر البحث والنظر ~~على الإنجازات المادية ونتصور النهضة حيازة لتقانة أو لفكر من ms49 إبداع واستنبات الآخر، وإنما ~~أن نرى التقانة والفكر إبداعا ذاتيا من مخاض المجتمع في سياق تفاعل وتنافس على صعيد ~~عالمي، ويتعين هنا أن نتجاوز الأبعاد الظاهرة الراهنة إلى ما وراءها، أي إلى الموروث من ~~قيم وثقافة تصوغ بنية ما تحت الشعور وتمثل القوة الحاكمة والموجهة، أي أن تنظر إلى الإنسان ~~باعتباره حزمة متكاملة من الجينات قرينة حزمة متكاملة، مما يمكن أن نسميه مجازا الجينوم ~~الثقافي الذي انتقل عبر الأجيال في صورة تراث هو حصاد خبرات مكتسبة على امتداد القرون ~~والأحقاب وقابل للتغير والتلاؤم في ضوء الضغوط الانتخابية، ويمثل هذا التراث الثقافي الذي ~~تتباين عناصره بتباين خبرة المجتمعات وخصوصيات تفاعلها مع الطبيعة عاملا قوي التأثير في ~~بناء الموطن الملائم # Niche Construction ~~، من حيث الاتجاه ~~والمرونة والنمط، ويصف البعض الإنسان بأنه جماع نمط وراثي ظاهري متطور # Evolutionary Phenogenotype # مؤلف من: ~~(1) # عمليات جينية. ~~(2) # عمليات اكتساب معلومات خلال النشوء التطوري الفردي # Ontogentic ~~. ~~(3) # عمليات ثقافية، والتي تمثل في حقيقة نشأتها وتطورها امتدادا للجينات في التطور ~~المشترك لها # Extended Phenogenotype-co-Evolution ~~. # لهذا فإن من مقتضيات حركة التطوير الحضاري وثقافته أن نبحث طبيعة الموروث، أو التراث ~~الثقافي وتجلياته السلوكية في عملية بناء الموطن تاريخيا، وإلى أي مدى يتصف بالمرونة ~~والدينامية وقابلية التغيير والتجديد والفعالية أو التفاعلية الإرادية، إلى أي مدى يشكل ~~قوة حفز للتفاعل والتطوير في ضوء ما يفرضه من قيم متمايزة حاكمة للسلوك وتشكل المفاتيح ~~الأساسية للنظر إلى الوجود والحياة ومصرفا لمخاض طاقة الإنسان/المجتمع. # لذلك يبدو لي أن من المستصوب السؤال عن طبيعة مكونات الجينوم الثقافي العربي ومفاتيحه ~~وتجلياته في التاريخ من حيث قابلية التغيير والتجديد ومناط التحدي والفاعلية والتفاعلية، ~~وطبيعة القيم التي تشكل محورا للوجود والسلوك، ويدعونا هذا إلى أن نمايز بين نمطين من ~~السلوك الاجتماعي: سلوك قائم على الوعي، أي شعوري # Conscious ~~، وسلوك تحت شعوري # Subconscious ~~، السلوك الواعي: هو الفعل قرين الفكر في ~~تفاعل مع البيئة وظواهر الحياة، والسلوك تحت الشعوري: هو التجلي الحقيقي والعفوي للجينوم ~~الثقافي الاجتماعي أو للقيم الاجتماعية وتكون له الغلبة والسيادة ms50 في مراحل التخلف ~~والركود. # وذهبت في الكتاب إلى أنه لا يوجد فكر اجتماعي عربي، وإنما خطاب عربي، وسبب ذلك تعطل فعل ~~الإنتاج العربي، ومن ثم تعطل الفاعلية الجدلية بين المجتمع باعتبارها قوة إنتاج، وبين ~~الفعل والفكر، وما يتبع هذا من تطوير مادي ومعنوي، تقاني وفكري وتطوير للرصيد الثقافي ~~الموروث ليكون قوة داعمة، وتطوير للغة اتساقا مع الفكر الجديد، وإن فعل التطوير الحضاري هو ~~الذي سيلقي ضوءا كاشفا ويفرض شروطا وجودية تستلزم تغيير سلوكيات وعلاقات وأوضاع من أجل ~~ضمان نجاح التكيف، مثل محو الأمية الأبجدية والثقافية وتعلم لغة الحاسوب وثقافته، وتطوير ~~لغتنا وحل أزمة المصطلح العلمي والهيكلة المؤسسية لأنشطة المجتمع، والإسهام الإيجابي في ~~حضارة العصر بوصفها قوى فاعلة، وإنما الفكر العربي رجع صدى للسلف، ومن ثم نعيش غربة في ~~الزمان، أو رجع صدى للغرب، ونعيش معه غربة في المكان. # وثم سؤال هل مكونات الجينوم الثقافي العربي، وما يسميه البعض ثوابت الفكر العربي لها دور ~~فاعل في هذا الركود والتواكل والاستلاب؟ أزعم أنه لا يوجد فكر عربي، وإنما هناك ثقافة عربية ~~موروثة لها ظرفها الوجودي التاريخي المؤثر على واقعنا مع تعاقب الأجيال، ما هو الفكر العربي ~~العصري عن قضايا مثل التغير الاجتماعي وأنواعه ومحدداته في التاريخ؟ أو عن تطور الفكر ~~الاجتماعي العربي والإنساني، وعن التكيف الاجتماعي وآليات التكيف ومعاييره؟ أو عن اللغة: ~~النشأة والتطور وتجليات هذا في تاريخ وبنية اللغة العربية، الهوية الاجتماعية في التاريخ، ~~والنشأة والتكوين والتمايز؟ أو عن الظاهرة الثقافية: النشأة والتطور، أم أنها ثابتة في ~~الزمان والمكان، سوسيولوجيا الفكر والعقائد في التاريخ العربي؟ أو عن الحضارات: النشأة ~~والتطور - صعودها وانحلالها؟ أو عن التراث باعتباره رصيدا ثقافيا وتطوره في التاريخ في ~~ضوء نظريات العلوم ذات الصلة (الوراثة - اللغة - آلية انتقال التراث والانتخاب بين الماضي ~~والحاضر - علم اجتماع المعرفة - علم نفس المعرفة)؟ # واللافت للنظر أن الحوار الفكري العربي والعالمي منعدم لأن الحوار يجري بين طرفين ولا ~~يوجد الطرف العربي، وإنما العرب أسرى الأخذ فقط منذ قرون، دون عطاء، أخذ عن السلف ms51 في تكرار ~~موحش، أو أخذ عن الغرب في تبعية رعناء - وتعطل الفكر مع تعطيل إنتاج مشروع الوجود، الوجود ~~الاجتماعي رهن القدرة التنافسية فيما بين المجتمعات في مجال الطاقة الابتكارية للإنتاج، ~~وإذا كانت الطاقة في عصر الرعي والزراعة هي قوة العضلات، وفي عصر الصناعة قوة المحركات ~~الآلية، فإن الطاقة في عصر المعلوماتية هي المعرفة، والمنتج هو المعرفة في صورتها النسقية، ~~والفائض الذي يوظفه المجتمع للتطوير الذاتي هو فائض قيمة المعرفة، والتنافس بين المجتمعات ~~مضماره إنتاج المعرفة وسرعة معالجة المعرفة وتوظيفها واستثمارها وإدارة دورات المعرفة ~~اجتماعيا في هذا كله، فأين موقعنا ونحن أسرى ثقافة اجتماعية، نصفها بالعراقة والثبات ~~لقدمها وجمودها؟! ثقافة تصرفنا عن علم الدنيا بحثا منهجيا، ودراسة عقلانية، وإبداعا ~~ذاتيا أصيلا، وترصد جهدنا لعلم حياة آجلة، وتحصر طاقتنا لعدو أوحد ليس هو التخلف ~~والتبعية والتحجر والاستبداد، بل هو الشيطان والخطيئة فقط، ورسخت فينا تقليدا هو تأمل ~~ظواهر الوجود بوصفها معجزات يعجز الإنسان عن أن يستكشف أسرارها، ثقافة تفرض حدودا أو ~~قيودا لما يجوز بحثه وتعلمه، في حدود الحرام والحلال الروحانيين، ثقافة اختزالية تصادر ~~جهود البحث والاستكشاف لأنها تضع حلا جامعا مانعا لا سؤال بعده، إنه الخلق، وهكذا كان ~~الخلق، والسؤال والبحث والاستكشاف تطفل وافتئات وانصراف عن «علم نافع» إلى أفكار مثل ~~التطور، أفكار ما أنزل الله بها من سلطان. # لهذا أرى أن سبيلنا ليست تنمية، بل تطويرا اجتماعيا حضاريا، فعالية إرادية أصيلة حيث ~~العالم محل لإرادة الإنسان/المجتمع، لقد تجاوز العالم المتقدم حضارتي الزراعة والرعي، ثم ~~انتقل إلى حضارة الصناعة والعلم إنتاجا تقانيا وفكريا، ثم إلى المعلوماتية، ويقف الآن ~~على الطريق إلى عصر اقتصاد المعرفة إنسان جديد، عقل جديد، عالم جديد لن يرحم من يتخلف عن ~~الركب، فإلى أين نحن نسير؟ هل اخترنا بإرادتنا قدرنا ومصيرنا، أم إن أمرنا موكول لإرادة ~~أخرى؟ # | مصر .. الغياب الطويل ومحاولة البحث في الجذور # كتابات كثيرة حفلت بها الحياة الفكرية النقدية، وضعت بديهيات كثيرة موضع شك وتساؤل، وهذه ~~هي سمة أساسية من سمات الصحوة، صحوة الفكر المواكب ms52 لنشاط مجتمعي، نشاط شامل العقل واليد في ~~تحول جذري نحو حقبة حضارية جديدة صدق العزم بشأنها، بديهيات كثيرة تشكل مرتكز إطارنا ~~الفكري، وحددت بالتالي سلوكنا، بل وتصوراتنا للعديد من ظواهر حياتنا ، حكمت الفكر والسلوك، ~~وإذا بها حين توضع على مائدة الحوار والتساؤل المنهجي، وتخضع للبحث العقلاني النقدي لا تصمد ~~طويلا على الرغم من صمودها في أذهان الناس قرونا، وتكون الصدمة التي تصل إلى حد الذهول ~~وعدم التصديق. # من هذه البديهيات - على سبيل المثال - التي تحولت إلى «حقائق فكرية» اجتماعية شغالة، أعني ~~فاعلة في المجتمع، حاكمة للفكر والسلوك معا قولنا على سبيل المثال، إن العرب بدأت مسيرة ~~حياتهم الاجتماعية من البداوة، أو كما يقال هم أعرق في البداوة وأبعد عن الصنائع، ونأخذ ~~كلمة العرب باعتبارهم اسم جنس من التجانس دون اعتبار لاختلافات فرضها واقع جغرافي، ومن ~~ثم تاريخي وثقافي، أو ما اصطلح على تسميته المحيط العقلي # Noosphere # وكأن اللغة بمعنى النطق، لا بمعنى الفكر، هي ~~المعيار الأوحد المحدد لطبيعة المجتمعات وخصوصياتها وانتماءاتها الثقافية، ونأخذ البداوة ~~على الإطلاق دون اعتبار لحركة التاريخ واتساع النطاق الثقافي الحضاري وكأنه نهر دافق ممتد ~~من منبعه أو منابعه المتباينة حاملا ماضيه مع حاضره الذي نعيشه الآن، كأن البداوة هي ~~المبتدأ لكل مجتمع يحمل صفة العربي ثقافة راهنة، اقترضنا تجانسها المطلق وقطيعتها المطلقة ~~مع ما سبق وكان مبتدأ حقيقيا، وأغفلنا جوهر التطور شكلا ومسارا ومحتوى وتفاعلا ونقصا ~~وزيادة، على الرغم من تناقض هذا الرأي مع وقائع التاريخ الجغرافي الثقافي الحضاري لعديد من ~~المجتمعات، ومن البديهيات أيضا قولنا إن العرب لم يعرفوا نظام الدولة، وإن الدولة بدأت أول ~~ما بدأت مع حدث سقيفة بني ساعدة وعهدها الذي هو أول دستور لدولة عرفها العرب في تاريخهم، ~~وهكذا فقدنا الاتجاهات الأصلية الجغرافية، وفقدنا معها الموقع وتمايزه وتاريخه ونتاجه ~~المادي والفكري، وكأن بلاد ما بين النهرين ووادي النيل لم تعرف النظام المركزي والدولة ~~البيروقراطية، ويبدو وكأن إطارنا الفكري تحكمه مقوله غير صريحة تقول: إن تاريخنا لا يبدأ ~~على أرضنا، وهي مقولة ms53 تهدم كل أسس العلم منهجا ومبحثا ونظريات، ومن ثم لن تهدينا، بل ~~تزيدنا ضلالا، وإذا ضللنا الطريق لن نعرف إلى أين نسير بل سنقنع بتهويمات تقتلع جذورنا من ~~الواقع. # وكم من دراسات معاصرة تصحيحية ظهرت خلال العقود الأخيرة أثارت تساؤلات وشكوكا بشأن جذور ~~الحضارة الإنسانية ومسارها وغايتها: هل غايتها تجلي الروح الكلي المتجسد في عقل الإنسان ~~الأبيض؟ وهل جذورها وبدايات الفكر الفلسفي بدأت فجأة ودون مقدمات بين الإغريق، أصحاب العقل ~~العبقري المعجزة كما كان يوصف في السابق؟ وماذا عن إسهامات الحضارات الأخرى ومنها الحضارة ~~المصرية القديمة؟ أطاح العديد من الدراسات النقدية المعاصرة بهذه «البدهيات» التي ترسخت ~~في الأذهان وأضحت شأن البديهيات الأخرى لبنة أساسية، بل محورا لإطار فكري حاكم ننطلق منه ~~وننظر إلى الأحداث على هديه وفي ضوئه، وإن خالفته الوقائع كذبنا الواقع وعدنا إلى ~~بديهيتنا إماما مطلقا له الحاكمية. # ولهذا يطالع البعض في تردد مثل هذه الدراسات ويستشعر معها ما يشبه الصدمة، إذ تتكشف ~~لنا أسطورة كبرى ومؤامرة حكمت التاريخ واستبدت بفكر الإنسانية، وهي جزء من سياسة عالمية ~~امتدت قرونا، وإذا كانت الحقيقة هي الطريق والمنطلق إلى الحرية فإن التزييف هو الطريق إلى ~~العبودية، أو الاستعباد والظلال، وإذا كانت الإنسانية عاشت قرونا أسيرة أوهام، إلا أن ~~المعاناة الحقة، والآثار الجنائية، إنما وقعت على كاهل من سلبناهم الحقيقة وزيفنا ~~تاريخهم، فهؤلاء هم الضحية. # والتزييف لا يبدأ دائما من تأويل على نحو يخلق أفقا زائفا لنشاط الإنسان بل إنه قد ~~يبدأ بابتداع النص فيكون كذبة في مبدئه، وضلالا في مسيرته، وسلبا لأفق الفعالية الصحيحة، ~~ويضيع الطريق من صاحبه وقد تلقن أسطورة تضخمت وترسخت مع التاريخ. # وإذا كانت الحضارة الخصبة الولودة المتجددة هي ثمرة حوار بين الإنسان/المجتمع، وبين ~~الواقع/البيئة حاضرا وتاريخا، فإن مثل هذا الحوار لا يقوم على كذبة، وإلا فإنه لن يكون ~~منتجا أبدا، ومن ثم يظل المجتمع عقيما، وإنما شرط خصوبة الحوار هو الصدق، صدق ~~الرؤية أعني التزام الحقيقة على هدي عقلاني نقدي مع الإنسان في تاريخه وحاضره وعلاقاته ~~ومنظوره ms54 المستقبلي، ولعل في هذا مؤشرا لجوهر أزمة وعينا بالتاريخ، ومن ثم أزمة ~~الانتماء. ~~(1) تزييف الوعي # إن مصر/أفريقيا، ومصر/العرب، ومصر/المتوسط في غيبة أو مغيبة عن حقيقة تاريخها بعد أن ~~حجبته أقنعة مصطنعة وأساطير لبست ثوب الحقائق وباتت مرجعا يستشهد به، روايات غير محققة ~~أحاطت بها هالة ذات قدسية حينا، أو أكاديمية حينا آخر، وظلت محور صراع بين شعوب ~~المنطقة؛ ولم نسأل أنفسنا عن جوهر هذا الصراع وحقيقته ومبتدأه وفعاليته في التاريخ، ~~وطبيعة القوى المادية والروحية أو الثقافية المحركة للبشر أو ما نسميه دينامية أحداث ~~التاريخ. # اصطلحت قوى عديدة على مناهضة تاريخ مصر/أفريقيا وإدانته وإن لم تتوافق زمنا فقد ~~اتفقت رأيا ورؤية منذ سقوط الحضارة المصرية على أيدي الفرس إلى الغزو الأوروبي، فهي ~~حينا حضارة وثنية ملعونة، وحينا آخر حضارة مجهولة المنشأ والفاعل، أو أقامها أناس ~~بيض أسطوريون اختفوا من الوجود، من أين جاءوا، وإلى أين رحلوا؟ لا أحد يعلم، وتشكل هذه ~~الرؤية في جميع الأحوال، وعلى تباينها، أسطورة فاعلة، أو «حقيقة» اجتماعية شغالة، بل ~~ومقدمة أكاديمية ومنطلقا للفكر والسلوك. # نحكي عن غزوات القوى الخارجية لمصر مع تعاقب الزمن والعهود، ونصوغ الرؤية صياغة ~~محايدة تخفي كل نوازع الحركة ودوافعها ومظاهرها والتناقض أو الصراع بين صفوف قوى ~~المجتمع سواء داخل مصر أو الزاحفة إليها، لماذا سقطت الحضارة المصرية؟ لا نجد إجابة ~~تكشف لنا الأسباب وتاريخيتها وعوامل تحللها، ما هو دور القوى الغازية على تعددها ~~وتعاقبها وتعارضها وحقيقة الصراعات بينها وبين مصر الحضارة، مصر القوة التاريخية ~~الجغرافية العسكرية الاقتصادية، أي الحاكمة للمنطقة؟ نتحدث عن هذه القوى، وكأنها وافدة ~~زائرة، وفدوا ضيوفا على أرض مباحة أو مستباحة لهم أن يدخلوها آمنين، ونقول على سبيل ~~المثال: دخول الفرس أو الرومان أو غيرهم أو فتحهم مصر، ولكن لماذا؟ وماذا حدث؟ ما هي ~~الأطماع والصراعات والتناقضات؟ ما هي الآثار السلبية على مصر وإلى أي مدى امتد تأثيرها ~~وتفاقمت؟ وهل حقا شعب مصر سمته وخصوصيته الترحيب بالوافدين الغزاة؟ أعني الاستكانة ~~والاستسلام كما يشاع؟ أم كيف صاغت أحداث التاريخ وأقنعة ms55 الأيديولوجيا والظروف ~~الاجتماعية؟ أعني كيف صاغت عمليات التزييف الروحي، والنهب المادي، والواقع الاستبدادي ~~المأساوي استجابات الإنسان المصري؟ وما هو مدلول الحشود الوافدة الغازية؟ مدلولها ~~الثقافي والجنسي ؟ أعني إلى أي مدى أثرت جحافل الغزاة الذين استوطنوا في الثقافة السائدة ~~التي اغتذى عليها الإنسان المصري؟ وكيف أثرت في التركيب الجنسي للإنسان المصري؟ وكيف ~~انعكس هذا التزييف في حقيقة الانتماء للتاريخ والوعي بالتاريخ ووحدة التاريخ والمواطنة ~~بحيث كان حصاد السنين ما نراه اليوم؟ ~~(2) السقوط والعزل العنصري # إنني أزعم أن مصر واجهت محاولات خصاء ثقافي على أيدي الغزاة جميعا في تعاقبهم ~~وصراعاتهم للاستئثار بالفريسة، وأزعم أن مصر عاشت في معزل عنصري «أبارتهيد» منذ تاريخ ~~سقوط الحضارة المصرية إلى تاريخ انبعاث حركة النهضة الحديثة، أو عودة الروح المصرية على ~~أيدي رفاعة الطهطاوي، أول من تحدث عن مصر الحضارة وطالب بوحدة تاريخها، وأحمد ~~عرابي أول من أطلق صيحة الفلاح المصري مطالبا بحق المشاركة في صنع القرار، وليس محمد ~~علي كما هو شائع رسميا والذي كان مناسبة لا سببا، وحين أقول مصر فأنا أعني مصر ~~الزراعة اقتصادا وجغرافية وثقافة، مصر الفلاح والأرض السوداء، التي عانت من سيطرة ~~الأجنبي الغازي وسطوته وعدائه لثقافتها إلى حد القتل وفرض عليها العزلة. # جميع الغزاة في تعاقبهم ناصبوا الثقافة المصرية العداء القاتل، وجميع الغزاة ابتداء ~~من الفرس عمدوا إلى تدمير ثروات مصر المادية والروحية ونهبها، إنهم لم يستنزفوا ~~خيراتها الاقتصادية فحسب، بل عاثوا في أرضها فسادا، ودمروا بيوت الثقافة ومؤسساتها ~~فيها، نهبوا الكتب، ودمروا المعابد، وأخرسوا الكهنة، لم تكن معابد مصر المنتشرة في ~~ربوعها مجرد أماكن عبادة، يؤمها المصلون لأداء طقوس ثم ينفضوا، بل كانت في المحل الأول ~~المطبخ الثقافي، أو ترسانة الثقافة، للتثقيف، وصناعة الثقافة، وهي خزانة الوعي الثقافي ~~الاجتماعي تصوغ رؤية المجتمع وإطاره الفكري، ولهذا كانت مستهدفة دائما من الغزاة ~~لتدميرها رغبة منهم في تدمير منابع الثقافة المصرية وإحكام السيطرة، ولم يكن الكهنة ~~في مجموعهم مجرد رجال دين يلقون مواعظ للتخويف والترويع، بل كانوا بدرجاتهم وفئاتهم ~~المختلفة رجال علم: علم ms56 دنيا وعلم دين وصناعة معرفة، وقد كانت المعرفة بجميع أشكالها ~~قدسية الطابع، إلهية الطبيعة حسب عقيدتهم، والعارف العالم رجل قدسي لما حظي به من علم ~~ومعرفة ، ولهذا كتبوا علومهم للخاصة بلغة مقدسة هي الهيروغليفية، وحري أن نأتي هنا ~~بشهادة مؤرخ قديم غير مصري هو ديودور الصقلي وقد عاش في الإسكندرية في القرن الأول قبل ~~الميلاد ويدلي بشهادته فيقول «إن الفرس بقيادة قمبيز أشعلوا النيران في كل معابد مصر، ~~وحملوا معهم كل الكنوز إلى آسيا، واقتادوا قسرا عمالا مصريين لبناء القصور الشهيرة ~~وبعض المدن في ميديا» # 1 # وهذا ما فعله كل الغزاة ابتداء من الفرس، انقضوا في تعاقب على الفريسة ~~ينهشون كنوزها ويدمرون ثقافتها ويستنزفون خيراتها، وكان الحدث الأكبر الذي قطع الحبل ~~السري الواصل بين ثقافة المجتمع باعتبارها مؤسسة وبين أبناء المجتمع حين أصدر كل من ~~الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس في القرن الرابع الميلادي ومن بعده جوستنيان في القرن ~~السادس الميلادي مرسوما بإغلاق المعابد المصرية وتحريم تعاليمها، وتجريم العبادة أو ~~تلقي العلم فيها، أي تسريح المؤمنين والقضاء على النظام الثقافي الاجتماعي، وكان هذان ~~القراران المحاولة الرسمية السافرة لإلغاء الذاتية الثقافية المصرية لتبقى مجردة من ~~كل مقومات البقاء والتطور في استقلال ومن الفعالية الاجتماعية المميزة، إن الغزوات ~~والحروب، حتى وإن تخفت وراء أقنعة أيديولوجية تتحدث عن نقل حضارة، أو إبلاغ رسالة ~~وتحقيق مدنية، إنما تهدف أولا وقبل كل شيء إلى الهيمنة على عقول المجتمع الضحية، وقطع ~~موارد الإمداد الثقافي، واستئصال منابع الذاتية الثقافية المعبرة عن وحدة المجتمع ~~وتضامنه وانتمائه، وهذا هو عين ما استهدفته جميع الغزوات المتعاقبة بقوة السيف والسلطان ~~حينا، وقوة التحريم والإدانة حينا آخر ليبقى المجتمع أعزل في حالة خواء، إنه قتل ~~الروح وبقاء الجسد يدر على الغازي عطاء ماديا وقد تحللت عوامل الترابط والتضافر ~~المجتمعي وسقطت أسباب الوعي التاريخي الاجتماعي، وأسباب الوجود المستقل والتفرد في ~~الفكر والثقافة والقدرة على الفعل والتفاعل، ويتحول المجتمع إلى تجمع بشري راكد عاطل من ~~العطاء، مفكك الأواصر، بغير هدف مجتمعي مشترك يسعى إليه، وبغير حافز ms57 قوي إلى التغيير، ~~وهكذا نعيش فرادى يضمنا مكان بغير زمان، وننتمي إلى تاريخ لم تجر أحداثه على ~~أرضنا، وهل يستطيع مجتمع أن يتلاحم وتقوى أواصره ويسعى إلى تغيير واقعه نحو هدف واحد ~~وموحد بدون ثقافة مجتمعية وليدة جهده ونشاطه ومعاناته؟ أليس هذا هو عين السقوط ~~الحضاري؟ إن الحضارة هي التصدي على الصعيد الاجتماعي في تلاحم لعوامل التحدي والفناء من ~~أجل البقاء وتغيير المجتمع في اتجاه القدرة على التجديد. ~~(3) واقع ولا تاريخ # تتراوح حركة المجتمع ما بين حافز إلى التغيير، تغيير الواقع ومواجهة تحدياته ضد كل ~~أسباب التحلل وفقدان الذاتية، وما بين نكوص أو ردة إلى أصول، وهذه الردة هي ~~ميكانيزم أو آلية دفاعية عن الذات بسبب تعذر أو تعثر المواجهة وفقدان أدواتها، ~~وتكون الكارثة أشد حال فقدان الوعي العقلاني النقدي بالأصول والعيش في جمود، والشعب ~~المصري في حالة الأبارتهيد أو العزلة والفردية والخصاء الثقافي لتاريخه وتجريده من ~~مقومات الفعل والعطاء والانتماء، وهي حالة فرضها عليه جميع الغزاة، عاش محروما من ~~الأمرين معا، عاطلا من إمكانات التغيير والمواجهة، وعاطلا من الوعي بالتاريخ ~~وبالتضامن الاجتماعي الذي يشكل ملاذا ووقاء، إلى حين، وقت الضعف أو يكون عند الصحوة ~~ركيزة للوعي النقدي العقلاني لتحويل الماضي إلى قوة دفع جمعي، وهكذا عاش قرونا مأساة ~~لا مثيل لها من حيث بؤس الواقع وبؤس الوعي التاريخي. # نحن لم نصنع تاريخا على مدى أكثر من ألفي عام، والوجود الإنساني جوهره تاريخ، وهو ~~تاريخ وعي اجتماعي له مردوده العرفاني، وهو فعل أبناء المجتمع الأصليين ونشاطهم ~~وإنتاجهم باعتبارهم شركاء متضامنين لا شركاء موصيين، وبدون ذلك يبدو التاريخ مجرد ~~امتداد، طالما افتقر إلى الفعل الواعي، أو الفعل والوعي معا باعتبارهما وجهين للوجود ~~المجتمعي. # والتاريخ صناعة أو إنتاج الذات الاجتماعية لنفسها في إطار التحديات من أجل البقاء ~~والوعي بالذات، وهو الخلق الموضوعي للذات الاجتماعية، وإذا غاب الوعي، غاب الفعل ~~الهادف، وركد التاريخ أو انمحى، ولكن المصري عاش في حالة آنية متصلة، همه الخلاص الفردي ~~هربا أو تملقا أو كدحا، فكل الغزاة حلوا ms58 عليه سادة استوطنوا الأرض وعاشوا بغير ~~انتماء إلى التاريخ أو الفعل الاجتماعي الجهيض أو إلى العقل المصري الأسير، وإن اعتادوا ~~على مدى تعاقب موجاتهم طوال آلاف السنين أن ينزح المهزوم منهم إلى داخل الصفوف، ولكن ~~ماذا أثمر التسلط الأجنبي؟ وما هي الآثار الثقافية على المجتمع بفعل غزوات وعمليات ~~استيطان واسعة لجماعات بشرية غريبة أو مغتربة. # إن الذاتية الإنسانية بفضل التاريخ - أي بفضل الفعل الحر - تغدو أكثر ثراء معرفيا، ~~ومن ثم ارتقاء حضاريا يستوعب الماضي ونشاط الحاضر ورؤى المستقبل، ويفسر لنا هذا ~~حالة فقرنا، الفقر الفكري والتاريخي والوعي البائس، وهو ما نسميه إيجازا التخلف ~~وتعطل إرادة التغيير، وحين يدخل الماضي مجال الوعي العقلاني النقدي، فإنه يحرك فينا ~~نوازع الفعل والتغيير وإنتاج الوجود ومواجهة التحديات، لأن الماضي بدون وعي به هو ~~الغريزة وحياة الآنية والفناء في اللحظة الراهنة، ونفي للهدف والأمل والتطلعات على ~~الصعيد المجتمعي، ولهذا نقول إنه مع سقوط الحضارة المصرية لم يعد الوجود المجتمعي ~~للإنسان المصري بمثابة مشروع حر يستمد حريته من العمل الإنساني والخبرة الحياتية ~~المجمعة، بل أضحت الحرية حرية فرد في الطاعة والانصياع، ولم يعد التاريخ تاريخ فعالية، ~~أو فعل الإنسان/المجتمع، بل أسقط الفعل ولم يبق غير الحيلة أو التحايل على المستوى ~~الفردي، أو التوحد مع السلطان، وهذا هو جذر الفهلوة. ~~(4) الاهتراء الثقافي # المجتمع المصري طمست صورته المشتركة أو الجماعية إثر سقوط حضارته وإهدار ثقافته التي ~~هي حصاد وعيه المعرفي في التاريخ، لم يعد بالإمكان أن يدرك الإنسان المصري كمجتمع نفس ~~الأشياء وفق ذات الإطار الموحد باعتبارها واقعا مشتركا، إذ بات الواقع فرديا، ومع ~~اختفاء إحساسنا بواقع مشترك، وبقضية مشتركة قومية فقدنا أداتنا الوسيطة المشتركة، ~~وفقدنا الحافز المشترك، والهم المشترك للتعبير وتواصل الخبرات، تشرذم المجتمع إلى تجمع ~~سكني، ومع تمزق الشمول المجتمعي، ومع فقدان الخبرة الفردية لخصوصيتها الكلية، أي العامة ~~المشتركة تحللت الثقافة إلا من أساطير، وتفكك التضامن الاجتماعي أو ساد مناخ الاهتراء ~~الثقافي. # انتفى مناخ العمل الجمعي الموحد وقواعده، مما أفضى إلى حالة أنوميا أو خواء اجتماعي؛ ms59 ~~إذ لم يعد الوجود الفردي راسخ الجذور في وسط اجتماعي ثابت ومتكامل وموحد، وفقدت الحياة ~~معناها الذي يضفيه عليها الإنتاج الاجتماعي، وفقد النشاط دلالته وهدفه، وانتفى النشاط ~~الفكري المجتمعي، فالغنى الروحي لا يتأتى بدون عمل جمعي للإنسان/المجتمع، لأن هذا ~~العمل يصنع الأمل، ويحفز إلى التغيير والإبداع إذ يعبر في صورة مجسدة عن قدرة الإنسان ~~على التأثير والخلق ومن ثم الثقة بالنفس. # ولعل في هذا إجابة على سؤال إذا كانت مصر لها فخر الريادة والسبق الحضاري فلماذا ~~توقفت عن العطاء؟ وفي هذا أيضا بيان للفارق بين عمل جمعي إنتاجي في اتصال تاريخي، ~~وبين عمل فردي هو الكدح بعينه، وقد سقطت عنه رابطة المجتمع، والعمل الذي فقدته مصر هو ~~الإنتاج الجمعي الذي يجسد الخبرة الإبداعية والمهارة الاجتماعية وقيم المجتمع في ~~التاريخ، ويرمز إلى وحدة المجتمع وتضامنه وإلى عناصر تميزه، أو تمايزه في إطار أيكولوجي ~~تاريخي؛ لأنه رهن السياق البيئي في شموله جغرافيا وتاريخيا وثقافيا أو إنسانيا ~~بوجه عام، ولهذا يقترن جمود المجتمع بجدب عرفاني وتحلل ثقافي. ~~(5) النشاط المجتمعي شرط إنتاج المعرفة # إن إنتاج أبسط الأدوات يشتمل ضمنا على إنتاج معرفة ومهارات وقيم، أو بعبارة أخرى إن ~~الأداة هي معرفة ومهارات وقيم مجسدة في موضوع أو شيء، والعمل والإنتاج من حيث هما نشاط ~~جمعي منهجي هادف ومنظم، ومن حيث هما صياغة وحلول لمهام وإنجازات لأهداف محددة ~~مجتمعيا، جرى إعدادها فكريا قبل نتائج العمل واستجابة لمهام العمل واتساقا مع ~~وسائله، أي كانت موضوع تأمل وتحليل وتفكير ومحاولة وخطأ وتنظير وتراكم معرفي تاريخي ~~ومراجعة قيمية، فإنهما بذلك كله يمثلان أنشطة لكائن، أو مجتمع قادر على المعرفة ويمتلك ~~وعيا أو عقلا بالمعنى الاجتماعي التاريخي لمصطلح الوعي. # وفي ضوء هذا نقول: إن الحدث التاريخي هو فعل إنساني اجتماعي، ونشاط مجتمعي هادف ~~يترسب في الوعي كخبرة تاريخية للمجتمع تتراكم، ليس كميا، بل يتمثل تراكمها في ~~تطور كيفي للمعرفة والسلوك والإنجازات، معرفة متطورة متباينة هي الإبداع في تفرده ~~الثقافي المعبر عن خصوصية أيكولوجية للإنسان/المجتمع/البيئة في التاريخ وما يفرضه هذا ms60 ~~السياق من مهام وتحديات للبقاء. # ولهذا أيضا نقول: إن الحدث التاريخي المجتمعي حدث هادف لا يحدث بسبب، أعني ليس ~~مجرد رد فعل ميكانيكي شأن الحدث في الطبيعة، وإنما يحدث من أجل، لا يصنعه الماضي ~~لزوما واضطرارا ميكانيكيا، بل يصنعه المستقبل، أي الهدف الاجتماعي حين يكون المجتمع ~~نشطا فعالا له فكره ورؤيته، وبذا يكون الفعل الإنساني أو لنقل التاريخ في اتصاله هو ~~مشروع وجود وليس مجرد أحداث أو وقائع متجاورة أو متعاقبة، ولا مجرد نتيجة لفعل ~~خارجي، وهنا يتكامل جدليا الفعل الإنساني المجتمعي والنشاط المعرفي حيث تكون المعرفة ~~هي حصاد سياق النشاط الإنساني في المجتمع، وجماع التطور والنمو في التاريخ أو الزمان ~~وتكون حافزا لفعل اجتماعي جديد، ويشكلان معا وعي الإنسان في التاريخ، ورؤية المجتمع ~~للذات والمستقبل. # أما المجتمع الذي تسوده فردية قاهرة، بفعل قسر يحطم البنية الحضارية للمجتمع، فردية ~~تقطع علاقات التداخل والتفاعل بين أبنائه، وتحجب فعاليته وترابطه الجمعي بين أبنائه، ~~وبينه وبين المجتمعات الأخرى (شأن مصر بعد انهيارها الحضاري)، مثل هذا المجتمع يفقد ~~قدرته على العطاء الإبداعي الجمعي، أي يفقد إرادة جمعية للبناء والتغيير وإبداع ~~المعرفة، مثال ذلك خبرة المجتمع عن الطقس والفصول والتقويم السنوي وغير ذلك مما أبدعه ~~المصريون القدماء، هذه الخبرة ليست وليدة تأمل فردي، بل تأمل أجيال المجتمع في تعاقب ~~وترابط ومصالح مشتركة تشكل بؤرة اهتمام النشاط الاجتماعي وحياة في جغرافيا ~~مشتركة. # وحين نتحدث عن العمل والمعرفة، حري بنا أن ندرك أنه ليس أي نشاط يفضي إلى فكر ~~ويولد معرفة علمية، بل نشاط منهجي مشترك يعكس مصالح مشتركة، نشاط استقصائي ومجتمعي ~~متفاعل وفق خطوات وقواعد متعارف عليها، النشاط الاستقصائي هو بذرة التجريب، بذرة حوار ~~الذهن مع الواقع لفهم الظاهرة، ومراجعة الواقع في إطار شهادة مجتمعية، حوار الذهن مع ~~نفسه (الذي هو رصيد خبرات مجتمعية) ومع الواقع إزاء الظاهرة، وهو حوار نقدي يلتمس الخطأ ~~والصواب دون تقليد أو انقياد، فالذي أنشأ الحضارة وأقام الثقافة هو جدل الإنسان مع ~~الواقع من جهة، وحواره النقدي مع النص الموروث من ms61 جهة أخرى، فإن تفاعل الإنسان من حيث ~~هو مجتمع مع الواقع، وجدله معه - بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية اقتصادية ~~واجتماعية وسياسية وثقافية - هو الذي ينشئ الحضارة ويدفعها قدما ماديا ~~وروحيا. ~~(6) أثر تجفيف منابع الثقافة المصرية # ومع جفاف منابع الثقافة القومية، وغياب العمل المجتمعي المعبر عن العلاقة الإبداعية ~~بين الإنسان والبيئة في صورة معرفة، ومع تعاقب الغزاة والتسلط غاب الوعي التاريخي أو ~~الوعي بالتاريخ، وتعطلت قدرة المجتمع على صياغة صورة عن ذاته ممتدة من الماضي إلى ~~مستقبل يهدف إليه بجهده علما وعملا عبر الحاضر، فالأمة تفكر لنفسها وبنفسها، أي يكون ~~لها فكرها المستقل، ويتوفر لها ركن من أركان الإرادة الجمعية حين تعي ذاتها التاريخية ~~في استجابة لتحديات مفروضة على هدي مشروع عملي مستقبلي، والوعي بالتاريخ الذي أعنيه هو ~~إطار نسقي للوعي بالذاتية القومية في بعدي الزمان والمكان، أعني تاريخية علاقة المجتمع ~~بالبيئة في امتداد زماني وعلاقته بالآخر، أي بالمجتمعات الأخرى، سلبا وإيجابا في سياق ~~الفاعلية. # لهذا سقطت الحضارة؛ إذ إنها رهن التحرر والانتماء، التحرر في إدارة الأدوات ~~الثقافية إدارة واعية على الصعيد المجتمعي، وبدون التحرر تسقط الإرادة المجتمعية، ~~وينتفي نفوذ المجتمع في تطوير ثقافته وإبداعها، وفي الحوار مع الثقافات الأخرى، لأن ~~الحضارة أيضا تحرر الوعي بالذات أو الانتماء الواعي، وإذا سقط هذا الوعي سقطت مشاعر ~~النحن وحركة النحن، وانتفى الشعور بالأزمة على صعيد المجتمع في شموله وهو أساس الحافز ~~إلى التغيير، وانتفى الشعور بالتحدي المشترك، والفعل المشترك، والصورة المشتركة للجميع، ~~ويبقى للناس الوعي بالتمزق، والوعي بالخواء وتفاهة الحياة، ولا نستطيع أن نقول هناك ~~عقل مصري جمعي يواجه التحدي، ويستجيب بفضل قدراته المجتمعية فكرا وثقافة وإنتاجا، ~~والحضارة استجابة فكرية ومادية منتظمة مجتمعيا ضد أسباب الفوضى والتمزق وضد عوامل ~~الفناء. ~~(7) الانتماء فعل مجتمعي نشط # والانتماء رهن وعي بالذاتية القومية على امتدادها التاريخي الاجتماعي في سياق فعل ~~مجتمعي نشط وهادف تزدهر وتتعزز من خلاله هذه الذاتية، إذ إن هذا الوعي ذروة التلاحم بين ~~الذات الجمعية، وبين الواقع الحي بوصفه عملية تاريخية، ms62 أو هو تعبير عن إدراك أبناء ~~المجتمع لخصائصهم بوصفهم شخصية قومية متمايزة لها بعدها التاريخي، ولعناصر ثقافتهم ~~ممثلة في السلوك والقيم والعواطف والآمال والطموحات والمصالح المشتركة وكل ما يشكل قوة ~~ربط وتلاحم، ويمثل عامل تضامن ووحدة على الصعيد القومي، ويسبغ على النشاط العملي ~~الاجتماعي طابع الوحدة والتجانس، وتتحقق من خلاله للمجتمع رؤية مشتركة لحمتها وسداها ~~تاريخه وخصوصيته، وحصاد ذلك مجسد في ثقافته وجهده في تغيير الطبيعة وبناء حضارته ~~ونظرته إلى المستقبل وإلى الحياة بعامة، ثم إدراك المرء لنفسه بوصفه عنصرا متمايزا عن ~~الطبيعة التي يغيرها، وبوصفه وحدة في مجتمع متكامل يشكل نسقا تاريخيا له لغته ~~ورموزه وطقوسه وعقائده وقيمه وسلوكه وأسلوبه في التعامل مع النفس ومع الآخر مجتمعا ~~وطبيعة. # والوعي بالذاتية القومية ليس نسقا سلبيا، بل إنه عنصر نشط إبداعي فعال؛ لأنه ~~وليد التلاحم الإنتاجي بين الذات والمجتمع والطبيعة، والذي يعبر عنه في صورة منتج حضاري ~~ورغبات وحاجات مطردة التغيير تدفع إلى مزيد من الإنتاج الإبداعي المعبر عن خصائص الذات ~~الخالقة، وعن صورة انعكاس العالم الموضوعي في أذهان أبناء المجتمع، وعن ثراء هذا ~~العالم، وبقدر ما يكون الوعي صورة للانتماء الاجتماعي، وبقدر ما يكون استيعابا ~~نقديا لثقافات الماضي وإمكانات الواقع، يكون تعبيرا عن الحاجات والتطلعات الجمعية ~~التي تشكل حافزا مستمرا للبحث العملي والعلمي معا في سياق حركة ممتدة متعددة ~~الأبعاد. # ولعلنا في إطار هذا الفهم ندرك خطر المعزل العنصري الذي فرضه الغزاة المتعاقبون على ~~الشعب المصري، وما أفضى إليه هذا العزل والتسلط من تجفيف لمنابع الثقافة، وقطع كل صلة ~~تربط المصري بجذوره التاريخية، ولم يبق له غير الأسطورة، ولم يعد لشعب مصر حضور ~~فعال على ساحة التفاعل الاجتماعي والبناء والتغيير، ولم تعد له قضية قومية. ~~(8) البحث في الجذور # إن التحرك على طريق النهضة يستلزم، من بين أمور أخرى، إجراء دراسة حالة وصولا إلى ~~تشخيص جيد وفهم سليم للإنسان والمجتمع يكون من خلال فهم البيئة التاريخية ومعرفتها في ~~نشوئها وتطورها، وصراعاتها ومعاناتها، والمواقف المختلفة، والغذاء الفكري وتحولاته ... ~~إلخ، وسياق هذا كله ms63 وانعكاسه في الفكر والسلوك، ليس الهدف رواية وقائع، بل دراية بكيف ~~حدثت الوقائع، وماذا فعلت بالإنسان المصري، وما هو طريق الإصلاح، إصلاح بيئة المجتمع، ~~وتصحيح التاريخ، وإيقاظ الوعي على هدي حس تاريخي صادق، ليكون هذا كله مقدمة أساسية ~~لفعل مجتمعي نشط يعبر عن إرادة جمعية وهدف مستقبلي مشترك، إنها قضية قومية لها ~~أولوية قصوى، وهي إشكالية علمية أيضا سوف تتعدد وتتباين، وقد تتصارع بشأنها الآراء ~~إلى حين تصحيح النهج والمسار. # لهذا كله تمثل الدراسات المعاصرة النقدية عن الحضارات دعوة إلى صحوة، أو هي صدمة بكل ~~ما تعنيه كلمة صدمة من مسئوليات وواجبات علينا أن نضطلع بها أفرادا ومؤسسات في مجالات ~~الحياة العامة والسياسية والإعلامية والعلمية والتعليمية وفي التنشئة الاجتماعية، وإنما ~~سوف يتمخض عنه الحوار العلمي والبحث الأكاديمي بشأن موضوع نشأة الحضارات الإنسانية ~~ومسارها وما شاب التاريخ من تزييف، لا بد وأن يكون مؤشرا لمنحى جديد في حياتنا حتى ~~نخطو أولى خطواتنا على طريق النهضة في مواكبة مع التغيير المادي للمجتمع وفعالية ~~أبنائه. # إنني أتوقع - على سبيل المثال - أن تكون هذه القضايا موضوعا لأطروحات علمية في ~~الدراسات العليا في الفلسفة والتاريخ والاجتماع وغير ذلك من علوم وثيقة الصلة، وقد يكون ~~من الملائم أن تتضمن دروس التاريخ، بل والمطالعة، في المدارس مقتطفات من آراء العلماء ~~في حضارة مصر، ومختارات من الأدب المصري القديم أسوة بالأدب في مراحله المختلفة حتى ~~الحديث، وأن تتضمن دراسات عن إنجازات مصر في مجال السبق الحضاري في الفلك والفلسفة ~~والطب والأخلاق والدين ... إلخ، وحري بنا أن نعيد صياغة دروس الرياضيات والفلسفة لنقول ~~كمثال: نظرية فيثاغورس التي تعلمها في مصر، أو نقول: معبد دلفي المصري في اليونان، أو ~~فلاسفة اليونان تلامذة الفلسفة المصرية وليس في هذا خطأ، بل الخطأ هو البقاء أسرى تزييف ~~التاريخ إذا ما ثبتت التهمة، والخطأ أن نظل ضحية مشاعر الدونية وحدود التحريم دون مسوغ ~~موضوعي، والخطأ أن نردد مع خصوم الحضارة المصرية القديمة قولهم إن هي إلا أساطير ~~أولين، أو أن التنقيب في أطلال الماضي ms64 مضيعة للوقت أو ردة إلى وثنية مزعومة، ~~وعلينا أن نقطع صلتنا بكل هذا الماضي «الهمجي» واللحاق بالعالم الحديث الذي بات قرية ~~صغيرة بلا حدود قومية، أو أن العلم سوف يحل مشكلاتنا وقد كفانا عناء البحث عن حل ~~لقضايانا الحاضرة وأزمتنا الراهنة، وأن البحث عن الماضي مشكلة محلية وثانوية باتت غير ~~ذات موضوع. # والغريب أن دعاة هذا الرأي جميعا هم أعلى الأصوات في الدعوة إلى التمسك بالتراث، ~~ولكن تراثهم هم، ويكفي أن نقول إن الغرب - على سبيل المثال - حين شرع في ثورة التحديث ~~لم ينكر ماضيه، ولم يستنكره، بل إن التحديث اعتمد على الولاء الإبداعي للماضي، وليس ~~قطع الصلة به، وهذا هو ما ندعو إليه: إيمان عقلاني نقدي بوحدة التاريخ المصري في ~~اطراده، ومراحله المتعاقبة وصولا إلى العصر الحديث، وإيقاظ الوعي به على نحو موضوعي ~~صادق. ~~(9) علم التاريخ الذي نريده # لهذا لا نريد التاريخ روايات صماء، ولا نثار أحداث، ولا رؤية تصادر على الفهم ~~الموضوعي، فلم يعد التاريخ رواية حدث ولا مجرد تأويل لهذا الحدث من منطلق التسليم به ~~أو الانتقاء الأيديولوجي، بل التاريخ إسقاط العلوم الاجتماعية على الماضي في ضوء حركة ~~مستقبلية، ومن ثم فأهم ما يعني المؤرخ الآن الذي يؤمن بأن التاريخ هو الزمان ~~الوجودي والفعل الواعي للإنسان/المجتمع/البيئة هو فهم التحولات المادية والنفسية التي ~~أثرت بقوة ووضوح على العوامل الإنسانية الحاكمة للحياة، واستكشاف الأطر المعرفية ~~التي جرت في سياقها وعلى ضوئها الأحداث، كيف تشكلت، وكيف تكونت؟ ولماذا؟ وفهم ~~العوامل الأساسية الصانعة للإنسان، منتج التاريخ، وفهم الظروف: البؤس، المجاعات، ~~والتسلط، والعلاقات، والطقوس ... إلخ؛ أسبابها وآثارها على الإنسان/المجتمع، لهذا فإن ~~فهمنا للإنسان المصري منطلقه تاريخية الوجود: الفعل والفكر، ولكننا نتحدث عن نهضة ~~وتغيير، وصحوة وانتماء ... إلخ، ودون تحليل نقدي لمعنى مصر والمصريين في ضوء التاريخ ~~باعتباره ظاهرة وعملية نشوئية تكوينية دينامية نتعامل معها، وباعتباره موضوعا للوعي ~~النقدي، وأداة لإنتاج المستقبل. ~~••• # إنني لست من دعاة الردة، ولا تجاوز مراحل التاريخ أو الافتئات عليها، كما إنني ~~لست من دعاة الإغراق في البحث عن ms65 الذات بالمعنى المبهم، أو تصور أن الذات وجود مضى ~~نبحث عنه ونستعيده من بين أطلال الماضي، ذلك لأن الذات القومية وجود متصل وفعالية ممتدة ~~وتفاعلا مطردا، ولا أومن بالتحيز إلى نهج بذاته عند الدعوة إلى البحث عن الذات، أو ~~تعريفها مسبقا، فإن التحيز لغير الواقع الموضوعي والمنهج العلمي، يفضي إلى حجب ~~حقائق تاريخية، ومن ثم يدفع إلى الافتعال، وهو ما نعاني منه، وأحد أسباب اختلال ~~الأنا وقصور الفعل، والتحيز يفضي عادة إلى تضييق مجال البحث عن الهوية الثقافية ~~وحصره دون مقتضى في أي من الدوائر النظرية الثلاثة: الدينية أو القومية أو الإقليمية ~~بالمعنى اللاتاريخي، وواقع حالنا اللاتاريخي حافل بمحاولات افتعال صورة للذات ليست هي ~~الحقيقة، وإنما إشباع لهوى طغى، والتزام أو انسياق، أو لنقل انصياع لمحورية هي ~~بطبيعتها منافية للعلم، حينا محورية أوروبية خضوعا لهيمنة الفكر الأوروبي، وحينا ~~محورية ذاتية تمثل أيديولوجية ماضوية ضيقة الأفق تنطوي على ردة إلى واقع محدود هو ~~أيضا لاتاريخي وغير دينامي، ونحن في جميع الأحيان نردد الوافد بعد اقتلاع ~~الجذور. # إننا في مصر باعتبارنا دائرة لواقع له تاريخه وامتداده العضوي والفكري الأفريقي ~~والعربي والمتوسطي بحاجة إلى التزام منهج التحليل والتركيب لتحديد صورة الذات التي ~~تولدت في تعاقب زمني حضاري صعودا أو هبوطا، وأسهم هذا كله بإيجابياته وسلبياته في ~~صياغة تراث نحن في مسيس الحاجة إلى دراسته سوسيولوجيا، وإن سبر أغوار نفسنا ~~الاجتماعية، أو وعينا أو تراثنا الواعي وغير الواعي لا يكون إلا باعتراف منا بالبعد ~~الزماني وبالفاعلية والتفاعلية أو الانفعالية الإنسانية في التاريخ، والنفاذ إلى البعد ~~الزماني يعني نفاذا إلى العمق النابع من دراسة المجتمع باعتباره تجمعا ديناميا ~~لقوى تعبر عن ذاتها وتتجلى في صيرورة مطردة ومتصلة، الكشف عن البعد الإنساني في ~~التاريخ وعاء التراث باعتباره امتدادا، ولن يكشف لنا هذا غير فهم العمليات الاجتماعية ~~والمؤسسات الاجتماعية في الزمان. # وفي هذا الاتجاه تضع الدراسات النقدية المعاصرة عناصر فلسفة جديدة هي فلسفة تحرير ~~ووفاء أو رد اعتبار للإنسان الأفريقي، وهدفها هو تحرير أنفسنا وتحرير أوروبا وكل ms66 أصحاب ~~الأقنعة الأيديولوجية من أخطاء التاريخ ومن ممارسات غير موضوعية، بل عنصرية ~~وعرقية. # ولا ريب في أن هذه الدراسات - شأن كل الأعمال التي تتصف بجرأة الريادة - قد تشوبها ~~بعض المآخذ من حيث التأويل أو الاستنتاجات على الرغم من صواب جزئيات المعلومات، من ذلك ~~مثلا أننا لا نستطيع أن نقول إن الثقافات، شأنها شأن الجوامد في حركتها تنتقل من مجتمع ~~إلى آخر، أي من بيئة إنسانية واجتماعية وطبيعية إلى بيئة أخرى انتقالا آليا فتكون ~~نسخة طبق الأصل على مدى الحياة المغاير، دون أن تظهر عليها بصمة البيئة الجديدة، خاصة ~~إذا كانت بيئة نشطة ولها عناصر تميزها وتفردها، ولها مجالات تفاعلها، هذه وغيرها من ~~قضايا علمية تجعل إشكاليته منطلقا لدراسات مهمة «وجادة» وموضوعية التماسا للحقيقة، ~~فالسبيل الوحيد إلى النهوض هو التفكير والعمل من خلال الحقيقة، حقيقة التاريخ وحقيقة ~~الواقع الراهن هداية صائبة لخطونا نحو مستقبل نحن صناعه. # | المراجع # (1) # الحضارة الغربية .. الفكرة والتاريخ، تأليف توماس سي باترسون، ترجمة شوقي جلال، ~~المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001م. ~~(2) # التنمية حرية، تأليف أمارتيا صن، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، المجلس الوطني ~~للثقافة، الكويت، 2004م. ~~(3) # The End of the World as We Know it, Immanuel Wallerstein, Univ. ~~of Minnesota, 1999. ~~(4) # www.civsoc.com/issue # The Western Culture of Citizenship in the Clash of ~~Civilization. ~~(5) # www.civsoc.com/reconphil ~~. Post-metaphysical liberalism. ~~(6) # www.civsoc.com/reconciv ~~. # Salvaging Liberalism From the Wreck of the ~~Enlightenment. ~~(7) # www.civsoc.com/eltphil ~~. # Citizenship and the Myth of the Autonomy of ~~Reason. ~~(8) # الشرق يصعد ثانية، أندريه جوندر فرانك، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى ~~للثقافة. ~~(9) # الثقافات وقيم التقدم، تحرير صمويل هنتجتون ولورانس ولورانس هاريزون، ترجمة ~~شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة. ~~(10) # www.civsoc.com/ctphil ~~. # The Misrepresention of Citizenship in Social Contract ~~Theories. ~~(11) # www.civsoc.com/ctphil ~~. # The Collapst of Englightnment Civic ~~Culture. ~~(12) # www.civsoc.com/nature/nature ~~. # Civic Justice and the Narrative Neutralization of Social ~~Hierarchies. ~~(13) # www.civsoc.com/nature ~~. # The Cultural Creation of Citizens. ~~(14) # http://cwis.livjn.ac.wk/citizen ~~. # Civil Society and Citizenship. ~~(15) # www.Iso.ac.uk/collections ~~. # What’s Civil Society. ~~(16) # نهاية الماركسية، شوقي جلال. ~~(17) # العقل الأمريكي يفكر، شوقي جلال. ms67