######OpenITI# #META# URI: 1450ShawqiJalal.ShakkKhallaq.Hindawi49385061 #META# Tags: philosophy #META# ID: 49385061 #META# Title: الشك الخلاق: في حوار مع السلف #META# AuthorID: 90631535 #META# Author: شوقي جلال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سنوات العمر وحصاد الهشيم‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # حوار بين التقليد والتجديد‏ # الفعل/الفكر العربي ولغز النهضة1‏ # توماس كون .. ونسبية المعرفة‏ # جيدنز: سيرة فكر في سياق كوكبي‏ # ليس بالبلاغة وحدها تبنى الحضارات‏ # غربة العلم والمستقبل في حياتنا‏ # الأيديولوجيا والتاريخ البديل‏ # الأيديولوجيا والوعي التاريخي الزائف‏ # القرن الأمريكي: البداية والنهاية‏ # سنوات العمر وحصاد الهشيم‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # حوار بين التقليد والتجديد‏ # الفعل/الفكر العربي ولغز النهضة1‏ # توماس كون .. ونسبية المعرفة‏ # جيدنز: سيرة فكر في سياق كوكبي‏ # ليس بالبلاغة وحدها تبنى الحضارات‏ # غربة العلم والمستقبل في حياتنا‏ # الأيديولوجيا والتاريخ البديل‏ # الأيديولوجيا والوعي التاريخي الزائف‏ # القرن الأمريكي: البداية والنهاية‏ # | الشك الخلاق # | الشك الخلاق # | في حوار مع السلف # تأليف # شوقي جلال # | سنوات العمر وحصاد الهشيم # نشأت في أحضان الحركة الوطنية لاستقلال ونهضة مصر، التي استعانت ~~بالكفاح المسلح حينا، واستطاعت على مدى قرن من الزمان وحتى منتصف ~~القرن العشرين أن تعيد لمصر وعيها بذاتها بعد غياب امتد قرونا بفعل ~~قوى الكولورونالية والأمبريالية ابتداء من الفرس ومرورا بالرومان ~~والعرب والمماليك والأتراك. # ومع انتصاف القرن العشرين شهدت مصر تحولا سياسيا قسريا يحمل ~~ظاهريا بعض شعارات الحركة الوطنية، وإن أنكرها واستنكرها في الممارسة ~~العملية بدلا من أن يكون امتدادا لإيجابياتها بشأن الديمقراطية ونظام ~~حكم المؤسسات والفصل بين السلطات، وترسخ مطلب الحريات وحقوق وواجب ~~الإنسان المصري العام في المشاركة المنظمة مؤسسيا لإدارة شئون مجتمعه ~~وبناء مستقبله. # البداية لي مع عام 1931م .. مصر في وعي جيلي إرادة وعزم صادقان ~~على النهوض/التحرر من الاستعمار/العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر ~~والفساد والحفاء/التحديث الاجتماعي واللحاق بالحداثة الأوروبية فنا ~~وأدبا وعلما وإنجازات مادية (تكنولوجيا) .. ومصر قوة إنتاجية واعدة ~~يحفظها حلم مؤسس على تاريخ حضاري سالف وواقع واعد وإن ضاقت ساحته ~~بصراع المتناقضات، ورؤى مبشرة في المستقبل يليق بمكانة مصر .. مصر فجر ~~الضمير والمجد الحضاري التليد. # نشأت في واقع حضاري ثوري أسهم في تأسيسه نضال أجيال ثلاث قبل جيلي، ~~استيقظت بداية على ضوء مدافع الغرب وأفاقت وتململت تدعو وتحفز، ~~تبشر وتنذر، واستهلت مشروع التحديث إلى أن خطت أول الطريق في عهد ~~«محمد علي» ms01 الذي أشرت في كتبي إلى أنه كان مناسبة لا سببا .. ومن هنا ~~مصر ثقافة جديدة .. مصر الوطن والمواطنة تستوعب الموروث بعقل نقدي جديد ~~.. ثقافة الوعي بالذاتية التاريخية بعد جهود متوالية من الغزاة على مدى ~~أكثر من ألفي عام لطمس هذه الذاتية والانسلاخ عنها .. استعادت مصر ~~اسمها وتاريخها على يدي الأزهري رفاعة الطهطاوي، واستعادت ذاتيتها ~~الوطنية على أيدي فلاحي مصر العسكريين أحمد عرابي ورفاقه. # تربيت مثل ما تربى جيلي على قيم الحرية والتحرير والتغيير .. ~~ثقافة التسامح مع المذاهب الفكرية والعقائد الدينية .. كتب من كتب ~~«لماذا أنا ملحد» مثل أدهم، أو لماذا أنا مسلم؟ مثل عبد المتعال ~~الصعيدي. وانتقدهما من انتقدهما دون أن يفسد النقد للود قضية .. ~~وكانت مصر قبلة المتعطشين إلى الحداثة من المثقفين العرب .. ولم يكن ~~الجوار بعد ناهضا ولا مناهضا أو مزاحما .. مصر هي الكلمة ومصر هي ~~الفعل. # وشهدت مصر التي عشتها وملأت علي وجداني وعقلي الكثير من أعلام ~~الفكر والأدب والعلوم والفنون والرياضة .. كانوا النجوم الهادية مثل: ~~مشرفة، الذي ذاع عنه باعتزاز مصري أنه نظير أينشتاين، والشيخ علي عبد ~~الرازق، والشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وطه حسين، ~~وسلامة موسى، ومختار النحات العظيم، ورءوف صروف، وشبلي شميل، وجورجي ~~زيدان، وروز اليوسف، وهدى شعراوي، ومي، وسيد درويش، وداود حسني، ومحمد ~~عبد الوهاب، وأم كلثوم .. ولمعت أسماء رياضيين دوليين في السباحة وكرة ~~القدم والشيش .. هؤلاء وغيرهم نجوم سواطع تهدينا إلى الطريق، وتحفزنا ~~للاقتداء بهم باسم مصر ومن أجل مصر .. # وتعلمت في مدرسة ثانوية خيرية؛ أي للفقراء، ولكن استمعت فيها لأول ~~مرة إلى فاجنر معزوفا على شاشة مسرح المدرسة، وتربيت كما تربى أقراني ~~على كتب مثل تاريخ الأديان في العالم دون حساسية أو انحياز ومجلات ~~ثقافية مثل: مجلتي، الرسالة، الثقافة، الكتاب، الكاتب، المقتطف، ~~والفصول .. ولن أنسى مجلة تنويرية أسبوعية ساخرة هي البعكوكة، واسعة ~~الانتشار وأحد شخصياتها الأسبوعية الناقدة الشيخ بعجر الذي نقرأ على ~~لسانه نقدا ساخرا للمتنطعين باسم الدين. # وشاهدت مصر الغنية بالمتاحف العلمية نهضة مواكبة من المدارس الفكرية ~~والعلمية. ms02 جاءت نشأة جامعة القاهرة بعضا من الجهد النضالي والتحدي ضد ~~الاستعمار، وضمت الجامعة أسماء أعلام أسهموا بجهد متميز وتاريخي: شفيق ~~غربال، وإبراهيم حسن، وأحمد أمين، في الأدب والتراث: يوسف مراد مؤسس ~~مدرسة علم النفس التكاملي، مصطفى زيور مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي، ~~وعبد العزيز القوصي في علم النفس التربوي .. وغيرهم وغيرهم في العلوم ~~والفنون والآداب. # ونشطت في مصر حركة الترجمة العلمية المرتبطة بالهدف القومي واستيعاب ~~علوم وفكر العصر، وتوظيف ذلك لبناء مصر الجديدة، وإذا كانت جهود ~~الترجمة في العصر الحديث بدأت على يدي رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، ~~فحري أن نذكر بقدر كبير من الزهو لجنة التأليف والترجمة والنشر التي ~~رأسها أحمد أمين وقدمت ثروة من الإنجازات بالغة الأهمية بمقاييس العصر، ~~وكانت نموذجا احتذته مجتمعات عربية أخرى. وكم شعرت بالفخار عند ~~زيارتي للجنة التأليف والترجمة والنشر في الرباط بالمغرب، وقال لي ~~رئيسها: إننا هنا نقتدي بمصر. # تحدد طموحي، مثل أقراني وأبناء جيلي في النضال من أجل مصر الحرة .. ~~الواعية في اعتزاز بتاريخها .. الجادة في سعيها لبناء مجدها الحضاري ~~العصري اعتمادا على سواعد وعقول أبنائها والعمل على إنتاج وجودها ~~الحديث المادي والفكري إبداعا ذاتيا، وانتماء نقديا إلى العالم ~~المتقدم .. وكان طموحي أن أكون مثل من أشربت نفسي بعلمهم وثقافتهم ~~وقيمهم وأن أسهم إيجابيا في بناء مصر الحرة/المستقلة/المنتجة ~~.. # وسعيت على الرغم من تعدد السبل إلى أن أكون إيجابيا في جهدي لذلك ~~بمداومة الفكر والتفكير دون قيود غير العقل الناقد، والاطلاع على كل ~~جديد من غير انحياز أو عقد، وأن أتابع فكر وجهود الساعين إلى ذلك من ~~خلال التنظيمات والأحزاب .. واستطعت الانتصار على قيود ومحاذير الفقر ~~بالاعتماد على نفسي. ولكن العقبة الأخطر في الطريق هي سنوات الاعتقال ~~السياسي المتقطعة على فترات دون محاكمة وبلغ مجموعها اثنتي عشرة سنة، ~~بدأت عام 1948م وحتى نهايتها 1965م. وحاولت أن أنتصر على قسوة وآلام ~~التعذيب في السجون والمعتقلات من السجن الحربي إلى ليمان أبي زعبل حيث ~~كنا نعيش حفاة الأقدام، شبه عراة الأبدان، نشقى في عمل تكسير الزلط ms03 تحت ~~وطأة الشمس الحارقة، والسياط اللاهبة، والسباب المقذع والشتائم المهينة ~~الجارحة، ولما أتخل عن طموحي وجهدي من أجل مصر .. مصر العقل الجديد ~~.. # وبدأت الكتابة أول الأمر وأنا طالب بالجامعة، في سلسلة «كتابي» التي ~~يصدرها حلمي مراد .. وأول موضوع كتبته عام 1953م بعنوان «مذكرات الولد ~~الشقي» وهو تلخيص لمذكرات شارلس داروين. ولكنني لم أره بسبب ~~الاعتقال. # ورأيت لكي أتجنب خيوط المنع والحظر أن أتكلم بلسان غيري مع إضافة ~~رأيي في مقدمة وهوامش. ومن هنا اتخذت الترجمة وسيلة لكي أبدأ مشروعي ~~«تغيير العقل المصري العربي». وصدر لي عام 1957م عن دار النديم كتابان ~~هما: «السفر بين الكواكب» وهو أول كتاب علمي مترجم عن علوم ورحلات ~~الفضاء، والذي صدر بمناسبة إطلاق الكلبة لايكا إلى الفضاء. والكتاب ~~الثاني «بافلوف، حياته وأعماله» وهو أيضا أول كتاب علمي مترجم عن هذا ~~العالم الروسي الفذ الذي كنت أعتزم أن أرصد له جهدي في دراستي الجامعية ~~العليا. ثم انقطعت عن الكتابة والترجمة الثانية سنوات سبع بسبب ~~الاعتقالات السياسية، وعلى الرغم من كل ما عانيته في المعتقلات تطوعت ~~وأنا المستقل سياسيا غير المنخرط في أي تنظيم، بعد هزيمة 1967م لكي ~~أحمل السلاح دفاعا عن بلدي مصر، ولكن جهات الأمن السياسي استدعتني ~~وحذرتني وطالبتني صراحة: «إنت لأ .. تقعد في البيت». # وواصلت جهدي في التحدث بلسان الآخرين. وقدمت ترجمة لرواية «المسيح ~~يصلب من جديد» تأليف نيقوس كازانتزاكيس، الذي عشقت كتاباته وشعرت بنوع ~~من التماهي معه. وتوالت الترجمات التي لا يعنيني كميتها التي تجاوزت ~~الستين، ولكن يعنيني أنها مختاراتي من بين قراءاتي وملتزمة جميعها ~~بمشروعي من الانتقال إلى العقل العلمي والتحول عن ثقافة الكلمة إلى ~~ثقافة الفعل. # وبدأت التأليف في تكامل مع مشروع الترجمة. وصدر لي أول كتاب عام ~~1990م بعنوان «نهاية الماركسية!» وهدفي منه نقد الثقافة العربية في ~~تعامل النص الشلاتي أو الأرثوذكسي مع الفكر العالمي، متخذا الحديث ~~المتواتر عن سقوط الماركسية مثالا، مع فصل بعنوان «هل سقطت ~~الليبرالية؟» وأتبعت هذا بكتاب عنوانه «التراث والتاريخ» وهو رؤيا ~~نقدية لأخطاء ثقافية شائعة ms04 في حياتنا وحاكمة لنا عن العقيدة والموروث ~~الثقافي وفهم التاريخ. # وصدر كتابي الثالث بعنوان «العقل الأمريكي يفكر: من الحرية الفردية ~~إلى مسخ الكائنات»، وهو دراسة أكاديمية تعطي بانوراما لتطور العقل ~~الأمريكي السائد على مدى 160 عاما ابتداء من الآباء المؤسسين لتصحيح ~~صورة أمريكا المدعاة في حياتنا، ومجابهة الحقيقة، وأؤكد فيه العلاقة ~~الجدلية بين الفكر والواقع العملي نشأة وتطورا؛ وأن الفكر هو منتج ~~الفعل الاجتماعي في تطور جدلي مطرد، مستشهدا بتطور الفكر/الفعل ~~الأمريكيين في مجالات الفلسفة/العلم/الآداب والفنون موثقا بنصوص ~~لأئمة الفكر الأمريكيين. # وبلغ مجموع مؤلفاتي أربعة عشر عنوانا، آخرها «الشك الخلاق في حوار ~~مع السلف»، وأعكف منذ سنوات على إصدار دراسة عن انتحار الحضارات .. كيف ~~سقطت بفعل أبنائها وأولهم رجال الدين، حين تكون لهم السلطة دون العقل؛ ~~أي لأسباب داخلية أولا وليست خارجية فقط. وذلك في ضوء ما نشاهده اليوم ~~من جماعات تدمر وتنتحر وتنحر من حولها باسم إحياء حضارة تفككت وسقطت ~~وتأخر تأبينها قرونا. # قضايانا الملحة عديدة ومتكاملة؛ ومن هذه القضايا التي عرضتها في كتبي: # أولا: # إعادة بناء الإنسان المصري الذي تعمد الغزاة ~~والحكام المستبدون سلخه عن تاريخه وعن هويته. ولذلك ~~لا تتوفر نظرية جدلية متكاملة لتاريخ مصر منذ القدم، ~~والتي حولها صبحي وحيدة والدكتور حسين فوزي سندباد ~~مصري، ومحمد العزب. ويلزم الإجابة على سؤال: ماذا أصاب ~~الإنسان المصري على مدى التاريخ حتى أصبح على هذه ~~الحال من السلبية واللامبالاة؟ حتى لا نردد ما قاله ~~المقريزي وغيره: «قال الرخاء أنا ذاهب إلى مصر، فقال ~~الذل وأنا معك.» # ثم إننا نعيش الآن في عصر أو حضارة الإنسان العام ~~المشارك إيجابيا، عن علم وقدره في إدارة شئون أمته ~~مع مسئوليته عن الإنسان والبيئة في العالم. ويتناقص ~~هذا مع الظروف التاريخية وحياة الاستبداد والقهر التي ~~صاغت الإنسان المصري وباتت موروثا اجتماعيا وثقافة ~~نافذة. # وحري أن نتخلى عن الالتزام بإنجاز ما أسميه المعادلة ~~المستحيلة؛ ألا وهي نزعة المواءمة أو الجمع بين حضارة ~~العلم والتكنولوجيا والعقل العلمي النقدي وبين الموروث ~~الثقافي المتحجر الذي انتهى عصره ms05 . وإن أولى معالم ~~الطريق إلى النهضة الحضارية إنما تتجلى بداية في سقوط ~~هيبة السلف والفكر السلفي وعبادة السلف في أذهان ~~العامة؛ ومن ثم إحلال ثقافة التغيير والتطوير باعتماد ~~العقل العلمي النقدي؛ لذلك نؤكد دائما أن لا نهضة ~~لمصر إلا بنهضة الفلاح المصري في قرى ونجوع الشمال ~~والجنوب. هذا الفلاح هو مصر، الذي ظل يحمل على فوديه ~~رسما نزعم سخرية أنه عصفور .. وهو حورس ~~الحامي. # ثانيا: # اتساقا مع هذا نحن بحاجة إلى دراسة العلاقة العكسية ~~بين الاستبداد والإبداع .. الاستبداد يصنع روبوتا ~~فضيلته الطاعة دون حق السؤال، والحرية هي صانعة ~~الإنسان .. الحرية كما يقول فيلسوف العلم دانييل دنيت ~~هي القوة الحافزة للتطور الخلاق للحياة منذ نشأتها حتى ~~بلغت مرحليا أعلى صورها في صورة الجهاز العصبي ~~للإنسان. # ثالثا: # المثقفون المصريون مسئولون أولا وأساسا عن واقع ~~حال مصر الراهن؛ إذ بدأ المثقف الحديث موظفا تابعا ~~للسلطة الحاكمة وقد نشأ وتربى على ثقافة الطاعة، بينما ~~المثقف المستنير هو من يحافظ على مسافة نقدية فاصلة ~~بينه وبين ذوي السلطان - أي سلطة دينية أو سياسية أو ~~عقائدية - لكي تتهيأ له فرصة الرؤى في عقل نقدي ينير ~~بها الطريق إلى المستقبل. # رابعا: # سبق أن ذكرت في كتابي «أركيولوجيا العقل العربي» أن ~~التراث الثقافي الذي عاش ممتدا في الزمان التاريخي ~~الاجتماعي، وإن أخذ مسميات دينية لاحقة هو التراث ~~الهرمي في مصر .. تراث هرمي مثلث المعظمات؛ لا يزال ~~يقسم باسمه المصريون معظما ثلاثا، ويحمل هذا التراث ~~صفات وخصائص البيئة والذهنية المصرية، وأراه تراث ~~تحوت أو توت رب الحكمة والقلم في الديانة المصرية وإن ~~حمل حينا اسما إغريقيا .. وأرى أن هذا التراث ~~الحاكم للثقافة الشعبية السائدة التي امتدت مع حالة ~~الركود الاجتماعي قرونا. وهذه الثقافة التي تصوغ ~~ذهنية المصري هي التي تجهض إرادة وفعالية الإنسان ~~لحساب قوة مفارقة لها القدسية والفعالية. # ويستلزم هذا تحولا حقيقيا وموضوعيا من ثقافة الكلمة والثبات إلى ~~ثقافة الفعل والتغيير .. من ثقافة اللسان إلى ثقافة اليد والأداة. وهذا ~~هو ما سينقلنا طبيعيا إلى ثقافة التناقض والحركة كشرط ms06 وجودي .. ~~الحركة مع التناقض .. الفعالية بين النحن والآخر .. الانتقال من ثقافة ~~الإقصاء المفضية إلى الانشقاق والانقسام؛ دائنا التاريخي؟ إلى ثقافة ~~التناقض أو تلازم النقيضين؛ إذ إن ثقافة الحركة الفكرية والمادية في ~~جدل مشترك مطرد لا تنشأ ولا تكون إلا بين نقيضين «نحن والآخر»، ووجود ~~كل طرف رهن وجود الآخر؛ ولهذا نشأ الحوار الذي هو صراع في إطار الوحدة، ~~أو حركة في إطار التناقض .. إن الصورة لا تكتمل ولا نفهمها إلا في ~~دلالاتها الحركية؛ أي وجود النقيضين وإلا بدت مواتا .. وهل الحياة إلا ~~حركة بين نقائض؟ # ويكتمل ما سبق بالحديث عما اصطلحنا على تسميته أزمة الترجمة في ~~العالم العربي. وسبق أن تناولت هذا تفصيلا في ضوء إحصاءات ذات دلالة ~~سواء في كتابي «الترجمة في العالم العربي» أو في تقرير التنمية ~~الإنسانية للأمم المتحدة 2003م. وتؤكد الدراسة أن الترجمة متدنية أشد ~~التدني، وطالبنا بما سبق أن طالب به عميد الأدب العربي طه حسين من ~~إنشاء مؤسسة عربية للترجمة. ولكن على الرغم من محاولات الإنقاذ وستر ~~العورة وإنشاء مراكز ترجمة في عدد من البلاد العربية، مع رصد أموال ~~ضخمة في بلدان الخليج إلا أنها تؤكد جميعا تشتت الجهود دون هدف ~~استراتيجي جامع واضح مشترك. # وهذا ما أكده أيضا التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية؛ إذ أوضح ~~تقرير عام 2007م أن المناخ السياسي المتسم بالاستبداد والقهر وغياب ~~الحريات أدى إلى انتعاش الظلامية والفكر الأصولي السلفي المتطرف. ~~وأشار إلى أن هذا المناخ هو المسئول عن انصراف الإنسان العربي عن ثقافة ~~تحصيل العلم وعن الاهتمام بالقراءة وبالبحث. # والرأي عندي أن واقع حال الترجمة، بعيدا عن الشكليات والأرقام ~~الصماء، ليس أزمة بل هو موقف ثقافي اجتماعي من المعرفة والإبداع. ~~والتجديد قرين الفعالية المجتمعية لإنتاج الوجود الذاتي. ولا يستقيم ~~الحديث عن الترجمة دون الحديث عن الفعل الإبداعي المجتمعي والفضول ~~المعرفي .. الفعل والفكر الاجتماعيان في اقتران جدلي تطوري .. وهذا غير ~~وارد في ثقافتنا، ثقافة الإقصاء والاكتفاء الذاتي بالموروث .. ولا ~~يستقيم كذلك دون الحديث عن الإنسان، وتغيير الواقع بإرادة ذاتية، ~~وبالانخراط ms07 كقوة فاعلة إيجابيا في الفعل والفكر العالميين؛ أي ~~الانخراط في الحداثة إبداعا ذاتيا تكامليا في تطور مرحلي .. أعني ~~الوحدة مع الصراع في العالم الحديث؛ فهذا شرط التغيير الجذري الحضاري ~~نحو واقع مصري يبدعه الإنسان المصري .. # والآن وقد تجاوزت التسعين من العمر أنظر إلى الحياة نظرة مودع، ~~أراني أفتقد مصر التي كانت في خاطري، وأرى أن مصر على مستوى الإنسان ~~العام تغوص على نحو غير مسبوق في وحل اللامعقول الموروث. مصر لم تعد ~~مجتمعا بل تجمعا سكنيا. وقد أضيف ما أضافه لي الصديق الأجل أنور ~~عبد الملك وهو أنها باتت تجمعا سكنيا لغرائز منفلتة .. أفتقد مصر ~~الحلم الحافز/مصر الوعي الموحد تاريخيا/مصر الوطن والمواطنة/مصر ~~الواقع المشحون بإرادة الفعل والفكر والحركة الجماعية .. مصر المستقبل ~~.. أفتقد كل هذا ولا أرى غير فرط العمر والركض وراء السراب .. # ولكن تحت الرماد جذوة نار قد تتأجج ويشتد لهيبها .. ومن بين ركام ~~الفوضى ينبثق الأمل .. هكذا علمنا التاريخ .. ومياه النيل لا ترتد ~~أبدا إلى وراء. # شوقي جلال # | إهداء # إلى كل من تؤرقهم هموم واقع مهيض، وغربة الزمان، وخوف من ضياع ~~الوطن .. # وإلى كل من يسوءهم العيش في زمان بلا تاريخ؛ فالتاريخ فعالية ~~التغيير بإرادة الذات الجمعية وليس بالوكالة .. # وإلى من يؤمنون بأن الهوية الثقافية فعالية إبداعية متجددة دوما، ~~ويحفزهم الطموح إلى التساؤل والشك والبحث العقلاني عن طريق النهوض ~~إبداعا وتجديدا ذاتيا للفكر والعمل، وإيمانا بشمولية حضارة ~~الإنسان على صعيد كوكبي .. # إلى من لا يقنعون بالبقاء؛ وإنما ينشدون الوجود؛ فالبقاء اطراد ~~عشوائي، والوجود مشروع إرادي ذاتي، وإنجاز عملا وفكرا .. # شوقي جلال # القاهرة 2013م # | مقدمة # «اليقين وسادة الكسالى.» # مونتيني: مفكر فرنسي 1650م ~~«اليقين وسادة الكسالى» مقولة المفكر الفرنسي مونتيني في القرن ال 16 ~~التي بشر بها وأطلقها دعوة لإفاقة أوروبا من سباتها الذي عاشته ~~قرونا أسيرة يقين برعاية الكنيسة ورجال الدين .. يقين أقال العقل، ~~وأعاق الحركة نحو التغيير؛ إذ اليقين استسلام. ومن ثم فقد كانت مقولته ~~أشبه بنوبة صحيان عند الجيش؛ أو لنقل دعوة للاستيقاظ والعمل الجاد ~~والتفكير النقدي في ms08 واقع الحال لعقد العزم على الخطو قدما إلى مستقبل ~~جديد يبنيه أبناء أوروبا بفكرهم وإرادتهم وتفاعلهم بعد قطيعة معرفية مع ~~فترة الجمود واليقين.. أي دعوة إلى تفعيل إرادة التغيير .. لكي يستعيد ~~الأوروبي إنسانيته كائنا فاعلا مبدعا يعيش لحاضره ومستقبله لا لماض ~~ولى. # ذلك أن الإنسان العاقل المبدع والمجدد هو من يشك ويتساءل ويعمل. ~~ولهذا ليس غريبا أن نقرأ للفيلسوف والعالم «دانييل دانيت» قوله: ~~«النوع الإنساني هو من اكتشف الشك؛ يتساءل عن المستقبل .. يراجع ~~تقديراته وحساباته .. ويدفعنا الشك إلى البحث عن علاج .. عن التماس ~~وسيلة للحقيقة .. لهذا اخترعنا الثقافة.» # والإنسان الحكيم هو من لا يعتبر موروثه التاريخي معطى مسلما به ~~لا يأتيه الباطل أبدا؛ وذخيرته إلى الأبد أيا كان الزمان والمكان؛ ~~بل يراه خطابا لأهل زمانه، قابلا للنقد والتصويب والإضافة الإبداعية؛ ~~ليكون عونا ودعما للحركة على طريق المستقبل، ولا يعتبر أمر حاضره ~~موكولا لإرادة خارجة عن ذاته. والإنسان الحكيم هو من يعتبر الحاضر ~~والمستقبل شأنه هو، صناعته هو، بإرادته الفاعلة وفكره النقدي المبرأ ~~من كل صور الانحياز لأية سلطة خارج سلطة العقل العلمي. # نعم إنه يعود إلى ذاته التي هي امتداد تاريخي جدلي، يعود بفكره ~~النقدي إلى أعماق الذات والتاريخ لا لكي يستقر مع الماضي، ولا لكي ~~يناجي السلف؛ وإنما لأن الرؤية النقدية للماضي استزادة معرفية تعزز مع ~~معرفة الحاضر الحركة إلى المستقبل واستكشاف كيف آل حاله إلى ما هو عليه ~~إيجابا وسلبا؛ إذ خبرات الماضي دالة على الفعل والفكر في التطبيق ~~وجودا وعدما. # ومن ثم فإن الدراسة العلمية النقدية لمسيرة التاريخ مرورا إلى ~~الحاضر واستشرافا للمستقبل هي شك وبحث وتساؤل عن كيف نبني عقلا ~~جديدا يدعم المسيرة الحضارية، ويحفز إلى النهوض تأسيسا على منطق ~~الواقع دون تهويم أو تخبيل نحلق معه في الفراغ .. حتى لا تمضي القرون ~~كما هي حالنا الآن، ونحن ندور في حلقة مفرغة. # هذه الدائرة الخبيثة المفرغة، التي يشهد عليها واقع تحجر مع الفشل ~~والتأزم هي التي توجب على الإنسان الحكيم أن يحاسب نفسه، وأداته الشك ~~فيما ms09 اطمأن إليه خطأ، وبالسؤال عن نفسه وعن قومه وموروثه الفكري؛ أعني ~~مسئولية هذا كله عن حالة الركود والفشل: لماذا غاب العقل والإرادة ~~والفعل المجتمعي عن الإنجاز والمنافسة حتى أصبحنا فريسة سهلة لكل ~~طامع؟ # عشنا قرونا أسرى يقين عزز الكسل والتواكل، وشل الفكر إلا عن ترديد ~~أقوال السلف، أو ثرثرة في ترهات وخزعبلات، وغياب مشترك لكل من العقل ~~أو الفعل والواقع والفكر. عقلنا الذي نحتكم إليه هو عقل الماضي بينما ~~الواقع الذي نعيشه تجاوز الماضي وفارق عقل السلف. # إن قوام الوجود الاجتماعي الناهض هو تزامن هذه العناصر الأربعة: ~~العقل، الفعل، الفكر، الواقع؛ أي أن يجري تفاعلها الجدلي معا في إطار ~~زماني مشترك ودينامي لضمان أهلية الحركة إلى المستقبل. ومع نظرة الشك ~~المنهجي لفاعلية هذه العناصر يتجه العقل إلى نقد الموروث؛ أي نقد ذاته ~~أو لنقل نقد محتواه أو برنامجه «السوفت وير» الذي اغتذى عليه في ~~نشأته، واكتشاف نقاط الخلل والاختلال والمفارقة، واستبيان أسباب وعوامل ~~القصور والاغتراب والعجز. عن تفسير ظواهر الواقع ظنا - والظن هنا إثم ~~- أن التفسير كامن في خطاب السلف. # إذا تأملنا حياة الأشخاص والمجتمعات نجد أنها عند التهيؤ للتغيير أو ~~النهضة يعود الإنسان/المجتمع إلى الاستعانة بالشك، يراجع جهده وواقعه ~~الفكري والعملي ويرده الشك إلى الواقع إذا كان يفكر في ضوء مقالات ~~طواها التاريخ، ويبين له أن السابق قد مضى زمانه معرفيا وأن ارتباطنا ~~به نسب تاريخي، أن السابق الموسوم بالجاهلية، ليس عماء مطلقا ~~وإنما فقد صلاحيته المرحلية؛ إذ لا شيء أبدي مطلق. # تتلمذت البشرية عصورا على أيادي عرافين وكهنة ورجال دين يلقنون ~~الناس ما سموه الفضائل الذهبية: اليقين أم الفضائل والشك رذيلة، ~~الطاعة فضيلة بينما الخروج عن السياق العام رذيلة، والإبداع من أشر ~~الأمور؛ فالمحدث بدعة .. وتعطل الفكر والفعل على السواء .. وكما ~~يقول ابن خلدون: «حيث لا يتقدم العلم، ولا تتقدم المعرفة فإنهما ~~يتراجعان حكما.» ولم نصنع تاريخا إلا غيرنا واقعنا بإرادتنا؛ لأن ~~التاريخ ليس امتدادا زمنيا فارغا، بل التاريخ تغيير وتجديد .. وبقي ~~لنا الموروث المتراجع، اكتفينا به وانكفأنا ms10 عليه . وظننا البقاء على قيد ~~الحياة هو الوجود المنشود حتى وإن عشنا عالة على الآخر، بينما الوجود ~~مشروع يتحقق بفضل الإرادة والفعل والفكر. # ويعيش مجتمع اليقين على التلقين، تلقين واستظهار الموروث، ويؤكد أن ~~الحاكم هو الأمير الراعي، له الأمر، والناس رعية عليها الطاعة، ولا ~~يعرف معنى الشعب مصدرا للسلطات وله حق المشاركة في إدارة شئون البلاد ~~.. إنه المجتمع الأبوي. ثم إن اليقين قناعة بكلمة الراعي وبالموروث؛ ~~فهما مصدر العلم النافع؛ ومن ثم الكف عن السعي إلى معرفة وإبداع ~~جديدين، وتسود قاعدة العزوف عن المعرفة المستحدثة. ومجتمع اليقين ~~والتلقين والطاعة لا يعرف «رذيلة» الحرية والديمقراطية وهما أساس ~~الدولة العصرية؛ ولهذا لا غرابة في أن يردد البعض أن الدولة المدنية ~~كفر صريح. # إذا تأملنا شعوب العالم عند عقد العزم على النهوض من كبوتها كيف ~~استهلت مسيرتها بالشك/النقد/التنوير، مع قراءة كتاب الحاضر وتحدياته. ~~وحشد الجهود فكرا وعملا لإنجاز طموحاتها .. الشك المنهجي الخلاق في ~~الموروث؛ أي عدة العقل وأداته، واستعادة إبداعية لما يدعم حركة ~~المجتمع. هكذا أوروبا في عصر التنوير الذي هو عصر الخروج من جاهلية ~~العصور الوسطى وتجاوز موروث فقد صلاحيته، وتمهيد الطريق للعقل العلمي. ~~وهكذا اليابان والصين وغيرهما، نجد في اليابان مفكرا مثل ~~«توميتاجا-ناكاموتو» يطبق منهج النزعة النقدية التاريخية في دراسة ~~الدين، وكشف عن جوهر الصراع على السلطة باسم الدين. وهناك من قال: ~~«محاولة شفاء الروماتيزم بقرع الطبل، سيهلك الطبل دون أن يشفى المريض» ~~وقال «ميورا باين»: «المعرفة الصحيحة مصدرها الطبيعة لا كتب السلف.» ~~وشهدت اليابان مثلما شهدت الصين صراعا بين سلفيين ومحدثين وانتهوا إلى ~~ما سموه «عصر العقل والواقع». # فهل آن الأوان ونحن نتطلع إلى العالم الذي سبقنا بمراحل، ونأمل في ~~الانتماء إلى حضارة العصر بجهدنا وفكرنا أن نعيد للشك اعتباره، وللعقل ~~العلمي الناقد دوره، وللعقل الحضاري قدره وأولويته .. قد يستلزم ~~التنوير المنشود مراجعة المفاهيم السائدة في ثقافتنا التي تصوغ منهجنا ~~وسلوكنا في الحياة وثبت انتهاء فترة صلاحيتها لعجزها عن حل مشكلاتنا. ~~وطبيعي أن يمتد نطاق البحث ليشمل مفاهيم أو منهج ms11 التدين لا الدين؛ أعني ~~الطريقة التي اعتاد عليها البعض لإظهار أنهم سدنة الدين فقتلوا الدين ~~بمعناه الحضاري وأحيوا التخلف؛ ومن ثم ندرك أن التدين غير الدين في ~~براءته وصفائه وشفافيته. ولكن المتنطعين غرقوا من المظاهر والادعاء ~~بأنهم أفهم للدين .. وليس من حق أحد أن يقول أنا الدين. إن مشكلات ~~الحياة تقتضي إعمال عقل واجتهاد إبداعيين حتى لا تكون كارثة باسم ~~الدين. # | حوار بين التقليد والتجديد # «اعرف حكمة القدماء وعايش العصر، بذا تغدو حكيما.» # كونفوشيوس: الحكيم الصيني الأبرز في القرن السادس ~~ق.م. # الحوار مع الآخر يعني في نظرنا حوارا مع آخر مغاير قوميا ~~وثقافيا واجتماعيا وفكريا .. إلخ، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون ~~كذلك دائما؛ إذ قد يكون الآخر هو الذات نفسها، تاريخا وثقافة وأداء ~~.. ذلك أن الذات المجتمعية عملية لها وجودها التاريخي متعدد المراحل، ~~في تفاعل حيوي مع الواقع والسياق المحلي والإقليمي والعالمي، تفاعل بين ~~ثقافات واقتصاد وعلاقات، بل وقوى قسر وهيمنة. إنها الذات كامتداد ~~تاريخي فاعل أو كما نسميه امتدادا أو فعلا حضاريا وليست هي كامتداد ~~معرفي ثقافي، ذلك لأن الثقافة والمعرفة كلتيهما منتج العقل الحضاري ~~المتطور زمانا ومكانا. ومن هنا يمكن وصف الذات المجتمعية بأنها موقف ~~وخطاب أو محصلة موقف. # لذلك فإن الذات المجتمعية في وضعها الأمثل فاعلة مؤثرة ومتفاعلة؛ ومن ~~ثم متغيرة في تطور تكاملي. ويجري الحوار دائما كنوع من المونولوج بين ~~واقع راهن له مقتضياته من حيث الفعل الإبداعي والمنتج المعرفي ~~والثقافي وبين الذات المجتمعية في حاضرها وموروثها، بين ضرورات ~~الانطلاق من قيود ومحددات حضارة الماضي إلى قيود ومحددات حضارة جديدة. ~~إنه حوار بين السابق والراهن وصولا إلى مستقبل لاحق رهن الوعي ~~والإدراك والإنجاز الإبداعي. إنه فعل التكيف والمواكبة حفاظا على ~~البقاء وتأكيدا لدينامية الوجود، وخوفا من الجمود والركود الذي يعني ~~العيش بغير زمن أو تاريخ؛ حيث الزمن والتاريخ هما الفعالية المجتمعية ~~الإبداعية. # هنا تواجه الذات نفسها وتدخل في توتر بين السكون والتغيير، بين ~~إيثار الحاضر المألوف أو تأكيد قوة الدفع للتجديد في مواكبة وتحد ~~ومنافسة مع ms12 ماضيها وواقعها ومع سياقها الإقليمي والعالمي، وهو سياق ~~متغير أبدا ويفرض تحديات جديدة باطراد. # ويتلخص هذا المشهد في عبارة التفاعل الثقافي المتوتر على أصعدة ~~متباينة ومحتويات متنوعة، حوار بين ثقافة الماضي التي ترسخت مرحليا ~~ولفترة من الزمن ونسميها التقليد، وثقافة جديدة هي وليدة فعل مجتمعي ~~ابتكاري جديد، ووعي بتحديات السياق الإقليمي والعالمي. وأن ما نشير ~~إليه باعتباره حوارا مع الذات ماضيها وحاضرها ورؤيتها للمستقبل هو ما ~~نعنيه بالحوار بين التقليد والتجديد، وهو حوار مطرد ومتصل أبدا مع ~~اطراد فعالية المجتمع، ولا ينقطع ويتوقف إلا حين يصاب المجتمع بداء ~~الركود ومن ثم التخلف. ويعني الحوار بين التقليد والتجديد أيضا مراجعة ~~الذات لنفسها، لحصادها ومتاعها الموروث ومدى ملاءمته ليكون قوة دفع على ~~طريق التغيير والتكيف الحضاري والبناء في ضوء فهم عقلاني نقدي للذات. ~~إذن الموروث من حيث هو وعاء ثقافي يشبه المياه الجوفية المتجددة أبدا ~~بفضل الفعل الإبداعي المتجدد أبدا، وليس ينبوعا محدودا جف عطاؤه مع ~~جمود أصحابه. # لذلك فإن الحوار بين التقليد والتجديد ليس قاصرا على مرحلة تاريخية ~~بعينها ولا ثقافة تقليدية بذاتها، وإنما هو مبدأ مطرد. وليس غريبا أن ~~تنبه الفقهاء والحكماء من السلف في عصور النهضة والتغيير الإبداعي إلى ~~هذه الحقيقة وعمدوا إلى تأكيدها وإن نسيها الخلف في عصور الردة ~~والتخلف. مثال ذلك أن قال الفقهاء قديما: «النص متناه، وقضايا ~~الحياة نهر دافق غير متناه»، وهو ما يعني توترا مطردا بين حرفية ~~النص ودينامية الحياة. وتتمثل حكمة هذا القول في استحالة حصر الحياة ~~وقضاياها داخل إطار نص نظنه قابلا للصدق في كل زمان ومكان. وبديهي أن ~~حصر قضايا الحياة في نص مضى زمانه، أو نص غريب عن مكانه، ينطوي على ~~تناقض مع طبيعة الحياة، ويمثل محاولة عقيمة لفرض الجمود على الحركة. ~~وطبيعي أن الجمود أو الالتزام بحرفية الموروث وأبديته في سياق ~~التفاعل داخل المجتمع وفيما بين المجتمعات إنما يعني شللا محليا .. ~~شلل في الفكر وشلل لفعالية الإنسان/المجتمع؛ وبالتالي العجز الكامل عن ~~التكيف وعن مواكبة التغيير ؛ مما يفضي بالمجتمع إلى ms13 تسليم أو لنقل ~~الاستسلام للآخر القادر على التطوير المطرد. # ولعل من المفيد أن أوضح قبل الاستطراد أن فكرة العودة إلى الموروث ~~الأصيل لها ما يبررها أثناء الاستعمار ومعركة الاستقلال؛ إذ إن الغازي ~~عادة يسعى إلى تجريد المجتمع من ثقافته/هويته؛ لذا فإن دعامة المقاومة ~~كردة فعل هي الحفاظ على الأصل والتشبث به وتأكيد الذات المستقلة .. إنه ~~الأنا القومي الوطني الثقافي .. وثقافة الاستعمار هي الآخر العدو. ولكن ~~ثقافة الاستعمار تحمل ضمنا دلالة مكانة وامتياز؛ لأنها ثقافة التقدم ~~العلمي والتكنولوجي الذي يفتقر إليه البلد الثائر. وهنا نجد الموقف من ~~ثقافة الاستعمار موقفا ينطوي على نقيضين: رفض وقبول؛ ولهذا يخطئ ~~البلد الذي يقف عند غاية قوامها الرفض فقط والعودة إلى الأصل، وإنما ~~يتكامل مع الرفض موقف هو حشد القوى المعنوية والمادية للمجتمع من أجل ~~التطوير والنهضة والتقدم واستيعاب روح العصر، وهي اليوم العلم ~~والتكنولوجيا. # لذلك نقول: اتصف عصر الاستعمار وما بعد الاستعمار بأنه عصر المواجهات ~~الثقافية بين الموروث والوافد، وعصر المراجعة النقدية المنهجية للموروث ~~والمستحدث محليا وعالميا في ضوء مقتضيات التطوير. وتباينت مواقف ~~الشعوب في تعاملها مع الجانبين. تولدت لدى بعض البلدان روح المراجعة ~~النقدية قبولا ورفضا إزاء الوافد والموروث لتأكيد الذات في سعيها ~~لإعادة بناء نفسها وتعبئة قواها لمواجهة تحديات النهضة والتقدم، ورأى ~~هذا الفريق أن الهوية عملية أو فعل تاريخي يكتمل مرحليا بفضل ~~الفعالية. وتولدت لدى البعض الآخر روح الانطواء والانكفاء أو لنقل ~~الانتصار للموروث عبر الهرب من المواجهة .. والانتصار للماضي عبر الهرب ~~من المستقبل أو على حساب المستقبل. ونلحظ أن هذه الشعوب أكدت ذاتها ~~بالابتعاد عن فعل التحدي القائم على النهضة والتطوير وتوطين روح وأسس ~~وقواعد وإمكانات العلم والتكنولوجيا وإن قنعت بالتحدي كلاما ومفاخرة ~~انطلاقا وتأسيسا على إنجازات ومفاخر الماضي. ورأى هذا الفريق أن ~~الهوية جوهر كامل، اكتمل في مرحلة ما هي مرحلة أيديولوجية تعود إلى ~~الماضي. وينطوي هذا المذهب على نفي للفعالية، فعالية الإنسان المطردة ~~والمتصلة في تطور ارتقائي على مدى مراحل التاريخ، وينطوي على نفي ~~لمؤثرات السياق الاجتماعي أو ms14 البيئة المحلية أو العالمية. # ويزداد توتر الجدل بين الموروث والمستحدث حدة وخطرا حين يحمل ~~الموروث - اعتسافا - صفة المقدس لفرض الالتزام القسري بالنص ~~وتعميم تأويلاته في شئون وقضايا الحياة المتغيرة بطبيعتها. ويسود وهم ~~المطابقة أو الخلط بين ما هو من شئون الدين (العبادات) وما هو من شئون ~~الفعل الحياتي المنوط بالعقل العلماني؛ أي التفكير عقلا في شئون ~~الدنيا. # ولقد عاشت شعوب في ثقافة لها قوة دمج طاغية ومتماهية مع الدلالة ~~الدينية والقيم الأخلاقية باسم التراث الديني الذي يتسع خطأ ليشمل ~~السياسي والاقتصادي .. إلخ، ويمثل محتوى الوعي الاجتماعي أو أيديولوجيا ~~معنى الحياة. وهذا هو حال الشعوب التي تعثرت خطاها على طريق النهضة وإن ~~علا صوتها باسم المقدس، فظلموا المقدس وظلموا أنفسهم وعاشوا خارج ~~الزمان، بل وبغير مكان؛ إذ أصبحت بلادهم قسمة بين أصحاب القوة ~~والنفوذ. # نجد هذا واضحا جليا في تجارب الشعوب شرقا وغربا، حاضرا وماضيا ~~.. هكذا كانت أوروبا على مدى مرحلة امتدت بضع قرون. # وجدير بالذكر أن الصراع بين التقليد والتجديد امتد طويلا باسم ~~المقدس في أوروبا قبل النهضة وما بعدها. ومن ذلك مثلا الصراع حول ~~استثمار المال بالوكالة؛ أي حق إيداع مال بفائدة الاستثمار لصالح ~~صاحبه، وهي الفائدة التي اصطلح فقهاء المسيحية على أنها ربا وأن الربا ~~حرام. وهذه قضية تشبه تماما الصراع السجالي داخل المجتمعات الإسلامية ~~على مدى أكثر من قرنين دون حسم. أصر كبار رجال الكنيسة في تحالف مع ~~رجال الإقطاع وملاك الأراضي في أوروبا على تحريم استثمار المال ~~بالوكالة مقابل فائدة باعتبارها ربا. وحدث هذا وقت ذروة النشاط ~~التجاري بين آسيا وأوروبا عبر المنطقة الإسلامية. ونشط اليهود وأصبحوا ~~هم ملوك الصيارفة واستثمروا التحريم المسيحي واستحوذوا على الأموال ~~والتمويل. وأحس نشطاء المسيحيين بالخطر، وأن موقف الحرفيين الجامدين ~~من فقهاء الكنيسة ورجال الإقطاع إنما يستهدف مصالحهم هم المالية ~~ويعيق أوروبا عن التقدم على طريق النهضة البازغة. وانبثق عن الصراع ~~ورواد العلمانية رجال دين تطهيريون هم قادة المذهب البروتستانتي، ~~وتقدموا بتأويل جديد يجيز استثمار المال بالوكالة وقرنوا ذلك بتفسيرات ~~جديدة ms15 عن علاقة المال بالعمل والزمن مما يبيح لصاحب المال حق الاستثمار ~~بفائدة. ومن عجب أنهم اعتمدوا هنا على تفسير إسلامي سبق أن قدمه ابن ~~رشد في الأندلس في فصل «القراض» من كتابه «بداية المجتهد»؛ بما يعني ~~أن العلمانية التي قرنها بعض الإسلامويين خطأ بالكفر إنما عادت على ~~أيدي رجال دين تطهريين متشددين وأن مرجعيتها إسلامية. # وشهدت اليابان كما شهدت الصين من بعدها صراعا وسجالا نظريا، كاد ~~أن يصل إلى حد الاقتتال بين التقليد والتجديد. وحفز إليه في كل مرة، ~~مثلما حدث في أوروبا، توفر مقتضيات تطوير المجتمع على طريق الرأسمالية ~~الصناعية. وصل الصراع إلى حد تكفير من يخالف النص في أبسط شئون الحياة ~~الدنيا؛ كأن يتناول طعامه بغير العصى التقليدية. # وظهر من قال: «لقد جفت ينابيع التقليد.» وقال المصلح الاجتماعي ~~«طاي تشن» في القرن 18 في الصين مثلا: «كتب التقليد لا طائل منها ما ~~لم تعالج أمراض المجتمع.» وراج تساؤل: «أيهما أحب إليك، كونفوشيوس أم ~~الحقيقة؟» واصطلحوا أخيرا على إجابة مشتركة: «كان كونفوشيوس محبا ~~للحقيقة ساعيا إليها؛ ومن ثم حيث الحقيقة يكون كونفوشيوس.» وأعادوا ~~إلى الحياة مقولة كونفوشيوس: «اعرف حكمة القدماء وعايش العصر، بذا تغدو ~~حكيما.» وأخذت اليابان - كما أخذت الصين - سبيلها إلى النهوض في إطار ~~تجديد للفكر التقليدي، وظهرت تأويلات جديدة مناسبة للعصر ودافعة لحركة ~~التقدم. # وطبيعي أننا لسنا استثناء من القاعدة، فإن الحوار بين التقليد ~~والتجديد مستمر أبدا يجري عنيفا صاخبا حينا خاصة في فترات عقد ~~العزم على النهوض؛ ونراه يصمت أحيانا أو تخرسه قوى التقليد بحكم سطوة ~~تحالف السياسة والموروث معا وغياب العقل النقدي قرين قوة الدفع ~~الاجتماعي للنهوض. وتدافع قوى التقليد عن مكانها ومكانتها بإدانة ~~محاولات النهوض محتمية زيفا بعباءة النص والإجماع والتزام الأصولية ~~ورفض الآخر .. تعلن قدسية النص ووجوب الالتزام بما اصطلح على تسميته ~~إجماع الفقهاء. # وينبري بين الحين والآخر من يتحدث باسم الإسلام كأن يقول: أنت تسأل ~~والإسلام يجيب. ونسي هؤلاء أو تناسوا: أولا، ليس من حق أحد أبدا أن ~~يقول: «أنا الإسلام»؛ ذلك ms16 أن الوحيد صاحب هذا الحق تاريخيا كان ~~الرسول. ولتكن لهؤلاء أسوة في «علي بن أبي طالب» الذي قال: «القرآن ~~حمال أوجه.» لذلك أحرى بهم أن يقول كل منهم «أفهم الإسلام ~~هكذا». # والفهم له قواعده وقوانينه وحدوده وملابساته .. وحيث المصلحة مصلحة ~~المجتمع، فثم شرع الله .. والمصالح متباينة ومتطورة. ثانيا، حجة ~~الإجماع صحيحة في زمانها ومكانها. إن الإجماع إجماع بشر هم فقهاء ~~عصرهم، لهم قضاياهم ومشكلاتهم، اجتهدوا لها سواء أصابوا أم أخطئوا. ~~وليس صحيحا أبدا أن ينسحب إجماع زمان ما أو مكان ما ليفرض صدقه زيفا ~~على كل زمان ومكان؛ فهذا نقيض منطق الحياة. وأحرى بنا أن نقول: «نحن ~~فقهاء عصرنا». إن الاحتماء بالمقدس دفاعا عن مصالح أنانية لطائفة أو ~~شريحة دون المجتمع ظلم للدين وللمجتمع. ومثل هؤلاء يتحملون وزر إعاقة ~~حركة تطوير المجتمع وتعطيل قدرته على التحدي. وإن واقع حياتنا شاهد على ~~ذلك. # الدين وحق المجتمع في التطوير # نحن نؤمن بأن الأديان نشأت لخير البشرية، بمعنى تنظيم المجتمعات ~~في عصرها تأسيسا على قيم تشكل قاعدة ثقافية للسلوك الإنساني على ~~نحو يكفل تماسك النسيج الاجتماعي ويؤمن حركة المجتمع واطراد ~~بقائه. ونؤمن كذلك بأن النص الديني، كما يقول الفقهاء، نص متناه، ~~وأن نص الحياة، أو لنقل نهر أحداث ووقائع الحياة، غير متناه؛ ~~فهناك الجديد والمتنوع والمتعدد دائما الذي يقتضي وجوبا إعمال ~~العقل العصري فيما يختص بشئون الدنيا دون إخلال بقيم إنسانية راسخة ~~ومتعارف عليها بين جميع الأديان. # ويتجلى هذا الجديد المتنوع والمتعدد في العلاقات والتنظيمات ~~الاجتماعية وفي المؤسسات ومحتوى وشروط ونطاق مصطلحات متطورة مثل ~~العدالة والحكم والولاية والسلطة والمرجعية الحاكمة والإنسان ~~ودوره، وطبيعة التنظيم الاقتصادي والسياسي والعلمي .. إلخ، وأن هذا ~~الجديد كله يلتقي مع الأديان في الهدف تأسيسا على القيم ~~الإنسانية، وهي خير الناس وخير المجتمع؛ مما يكفل لهم - حسب منطق ~~كل عصر - إمكانية الترقي والنهضة والانتصار على التحديات وبناء ~~مجتمع عادل تنتفي فيه المظالم. # والنص الديني لا يصادر حق المجتمع في تطوير نفسه وإبداع ~~إطاره الفكري، وانتخاب آلياته ، واختيار الشكل الأمثل والأنسب ms17 ~~لتنظيم العلاقات بين الناس وتحديد معنى الإنسان وهويته ودوره، وهي ~~معان وأدوار متغيرة متطورة دوما. # حق المواطنة # قديما كانت العشيرة أو الأسرة الكبيرة أو القبيلة هي الأمة ~~ووحدة البناء الاجتماعي، وكان بقاؤها يعتمد على التجانس والتلاحم ~~على أساس رابطة الدم أو العرق أو العقيدة؛ ولهذا يصدعها ويفسد ~~وجودها خروج الفرد على رأي الجماعة؛ ومن ثم تعتبره فاسقا ~~مارقا، وتنظر إلى التمايز والتنوع نظرة تجريم وتحريم. ومثل هذه ~~البنية الصغيرة تتلاءم من حيث شكل السلطة الفردية والعلاقات ~~الاجتماعية مع طبيعة الإنتاج في العصور القديمة. ولكن المجتمعات ~~تطورت وتغيرت وانتقلت عبر مراحل من القبيلة إلى الأمة المدنية ثم ~~إلى الأمة القومية، إلى الوطن الذي ضم جماعات متباينة ربما في ~~العرق أو الدين أو الجنس .. إلخ. وأضحت بنية الأمة القومية؛ الدولة ~~في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، وحدة ضمن وجود شبكي عالمي ~~شديد التعقد والتداخل من حيث طبيعة النظم والمؤسسات والاعتمادية ~~المتبادلة، واقتضى هذا إطارا فكريا جديدا تتعامل الإنسانية على ~~هديه ويختلف جذريا عن جميع الأطر الفكرية التي سادت منذ نصف قرن ~~ناهيك عن أطر فكرية مضت عليها قرون. # وأصبح الناس جميعا سواء من حيث المواطنة القومية والعالمية، ومن ~~حيث الدور والواجب والمسئولية. وتجد المساواة تعبيرها الواضح في ~~مشاركة الجميع دون تفرقة على أساس من دين أو عرق أو جنس في الإسهام ~~الحضاري في تنظيم المجتمع والانتماء إلى مؤسساته على اختلاف ~~التراتيبات الهرمية في المجتمع، وأيضا في تحمل مسئولية هذا ~~التنظيم. والناس جميعا، على قدم المساواة، شركاء في السعي ~~العقلاني لتأكيد الذاتية الاجتماعية الواحدة والمتلاحمة في إطار ~~التنافس على الصعيد القومي والإقليمي والعالمي، وفي إطار استثمار ~~مصادر الطبيعة وبناء الثروة الاجتماعية والانتفاع بها.. وإن هذا ~~واجب وحق مشترك للجميع كمواطنين دون تفرقة على أساس غير أساس صدق ~~المواطنة وكفاءة الأداء. وحق/واجب المواطنة يعني أن الناس جميعا ~~على قدم المساواة في الاختيار الحر للسلطات دون تمييز أو تفرقة، ~~وأنهم بحريتهم واختيارهم شركاء ورقباء؛ فاختيارهم ليس بيعة وإنما ~~عهد ومسئولية ورقابة ومحاسبة. # ولكن نسمع من يتحدث ms18 عن الدين الإسلامي والمساواة بين المصريين ~~أو أبناء المجتمع مسلمين ومسيحيين.. إلخ، ونراه يلجأ أولا إلى ~~كلمات وعبارات قالها العرب عند دخولهم غزاة لبلدان حضارات وأديان ~~أخرى؛ إذ اعتادوا وصف أبناء هذه المجتمعات ممن لم يدينوا بالإسلام ~~بأنهم ذميون. وينسى أن المواطنة ليست منحة أو منة يتكرم فريق من ~~أبناء المجتمع أو فريق وافد إلى المجتمع، بمنحها أو إغداقها على ~~فريق آخر، وينسى أن مقولة «أهل الذمة» أضحت في ذمة التاريخ ~~بإيجابياتها - إن وجدت - وسلبياتها أو مبرراتها. ويتناسى أن أحد ~~قادة الإسلامويين أعلن صراحة منذ عهد قريب أن أقباط مصر - وهم ~~مصريون أصلاء وليسوا وافدين - ليس لهم مكان داخل جيش مصر! # ويتناسى المتحدث أن عديدين من المصريين الأكفاء لا يجدون سبيلا ~~لشغل مناصب قيادية بسبب الانتماء الديني! فهل يستقيم هذا مثلا مع ~~مقولة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» التي يسوقها البعض للإشارة ~~إلى الموقف الديمقراطي للإسلامويين؟ وهل تعني أن المواطنين أمام ~~القانون سواء .. وإن كانت قد صدرت في زمن وفي مجتمع لا يعرف ~~الدستور والقانون؟! أي هل يستقيم المعنى التاريخي بظروفه مع حق ~~المواطنة بالمعنى العلمي والذي لا يمس قواعد وقيم الدين، بل يؤسس ~~قاعدة دينية هي أن يكون المجتمع بنية متراصة متماسكة لخير ~~المجموع ولمواجهة عدو مشترك هو التخلف الذي جعل أرضنا مستباحة ~~لإسرائيل، وجعل بلدنا ذليلة في يد طاغية مستبد، وأفضى إلى الحال ~~التي نعاني منها حتى أصبحت «أمة الإسلام» أمثولة للتخلف بين شعوب ~~العالم بسبب الإصرار على مقولات مثل تلك التي يرددها البعض باسم ~~الدين، والدين الحق منها براء. # وهل يقبل مثل هذا المتحدث أن يعامل المسلمون في فرنسا أو ~~إنجلترا أو غيرها على أساس منهج التعامل مع أهل الذمة؟ إنه سيدافع ~~وسيدفع بحجج علمانية يرفض هو وإخوانه سماعها على ألسنتنا هنا! وإذا ~~شاء الإسلامويون أن يضعوا معنى عصريا لهذه العبارة فأجدر بهم ~~أولا أن ينتقدوا تطبيقها في العصور السابقة، وأن يقتدوا ~~بالإسلامويين المقيمين في الغرب إذ يدافعون عن العلمانية نهجا ~~صحيحا للحياة وأن يقرءوا رأي ms19 المفكر الإسلامي الأكبر محمد خاتمي ~~إذ يقرر: «تجوز ولاية غير المسلم على المسلم بأسلوب ديمقراطي»، ~~وهذه ثورة في الفكر الإسلامي. # شعار «الإسلام هو الحل» # ونجد من يردد أن شعار «الإسلام هو الحل» يشتمل على البرنامج ~~الأمثل، وإن بدا مجتزأ .. ولست أدري كيف لشعار مجتزأ مبتور أن ~~يكون برنامجا يرسم خطوات حركة المجتمع ورؤيته المستقبلية؟ أو كيف ~~يكون لجماعة تطمح إلى الحكم برنامج غير معلن ومجهول للجماهير؟ ثم ~~إن الحديث عن برنامج عمل لنظام حكم يطرح نفسه بديلا لا يستقيم إلا ~~إذا اقترن بدراسة علمية تحليلية عن الواقع المحلي والعالمي، وبنظرة ~~علمية نقدية لنظم الحكم التي وصفت نفسها بأنها إسلامية، الآن وفي ~~الماضي، وبيان أسباب فشلها، وأن يطرح البرنامج رؤيته التصحيحية ~~البديلة مع بيان معالم الطريق. وهذه للأمانة أزمة جميع الأحزاب ~~والتنظيمات. # إن العديد من المجتمعات الإسلامية على تباينها وعلى مدى قرون ~~التخلف عرفت العديد من الحكام والولاة والسلاطين الذين نصبوا ~~أنفسهم خلفاء وأمراء للمؤمنين ودفعوا ببلادهم إلى مهاوي الانحطاط ~~والتفكك. وتعج بلدان العالم الإسلامي الآن بحكام يعلن كل منهم أنه ~~أمير المؤمنين وراعي المسلمين والحرمين. ويقتضي واجب كل من يتصدى ~~للمساهمة في إدارة شئون البلاد أن يقدم رؤية نقدية تكشف حقيقة ~~الوضع وأسباب الفشل، ويعرض الجديد الذي يجدد الأمل في النهضة. # قضايا الاقتصاد # إننا مع احترامنا وتقديسنا للدين الإسلامي، بل للأديان جميعها، ~~نسأل كيف يمثل الشعار المجتزأ حلا لقضايا مجتمع تعقدت بنيته ~~وعلاقاته مع التطور الحضاري للمجتمعات؟ الاقتصاد مثلا .. يقال إن ~~هناك زكاة الركاز! ولم يسأل أحد سؤالا بسيطا: لماذا لم يطبق ~~أحد من حكام المسلمين على مدى قرون طويلة هذا النص؟ هل هذا خروج ~~منهم عن قواعد الإسلام، وحرصوا على الاستئثار بأموال الركاز «مثل ~~النفط وكل ما في باطن الأرض» لصالحهم ولتكون أمواله بعض الذمة ~~المالية للحاكم وأسرته دون المجتمع؟ وهل تبقى المجتمعات أسيرة ~~تخلفها ومظالمها إلى حين يقتنع الحكام بهذه القاعدة وهم في حماية ~~قاعدة أخرى ترى أن الحاكم الظالم خير من الفتنة والانقلاب عليه؟ ~~وهل اقتصاد المجتمعات ms20 الآن بنفس بساطة مجتمعات القبيلة قديما بحيث ~~تصلحه وتنظمه قاعدة زكاة الركاز؟ وإن رفض الوالي أو عصى فأمره ~~موكول إلى الله يحاسبه في الآخرة. # إن القول بأن زكاة الركاز، والزكاة عموما، هي الحل الإسلامي ~~لأزمتنا الاقتصادية يشبه القول بأن الحل الإسلامي للفقراء ~~والمحتاجين هو أن يقدم الأغنياء الصدقات بدلا من التنمية وحق ~~المواطن في نصيب عادل من ثروة أمته التي يسهم في إنتاجها. وطبيعي ~~أن مسئولية توفير موارد تنمية المجتمع وتحديد مصارفها، التي أصبحت ~~علما متكاملا له علماؤه ونظرياته، ليست مقصورة على المسلمين ~~وحدهم وإنما على المواطنين جميعا دون اعتبار لدين أو جنس وإلا ظهر ~~من يطالب بنظام الجزية، وهذه ردة وتخلف. # ثم إن الحديث المرسل المطلق عن زكاة الركاز يعني أن قضية المجتمع ~~تنحصر في نقص السيولة وفاء بحاجات المعيشة وليست مسألة تعبئة ~~موارد وتحديد علاقات التعامل وتنظيم المصارف وتوفير الفائض وفاء ~~بحاجات التنمية وفقا لاختيار جمهور المواطنين بعامة وعلى ~~مسئوليتهم وليس اختيار ومسئولية ولي الأمر وبطانته. ولم يعد ~~الاقتصاد القومي محليا بل طرفا ضمن شبكة عالمية عناصرها الشركات ~~المتعدية للقوميات، وهذه بينها صراع الجبابرة وخطط لاحتكار براءات ~~الاختراع وإلغاء الحدود والقيود القومية .. وهذه شئون دنيوية خالصة ~~لم يرد بها نص. ولم يعد الاقتصاد اقتصاد ركاز ونعم الله في الأرض، ~~بل الاقتصاد إنتاج المجتمع للثروة وخلق الثروة. # إن فرض الزكاة جاء باعتباره حقا معلوما للسائل والمحروم، ~~يقدمه الموسرون إلى من يرونهم مستحقين لها. وكان هذا في مجتمع بسيط ~~غير معقد لا يعرف نظام الدولة الحديثة ومؤسساتها ووظائفها من جمع ~~ضرائب وتحصيل جمارك وتحمل مسئوليات تنمية اجتماعية وإقامة بنية ~~أساسية وطرق وكبار ومؤسسات تعليمية وصحية .. إلخ، ولهذا ينصب ~~حديثنا لا على حق السائل والمحروم؛ فهذا واجب، وإنما ينصب على آلية ~~إنجاز الهدف. إن تعبئة موارد الدولة المالية تجري عبر آلية توجه ~~المال إلى مصارفه الاجتماعية لا على سبيل الصدقات وبشكل شخصي، ~~وإنما آلية اجتماعية خاضعة للرقابة والمحاسبة لبناء خدمات تعليمية ~~ومؤسسات وغيرها. ومن ثم نسأل : هل الأفضل أن نعطي السائل ms21 صدقة؟ أم ~~نهيئ له عملا وخدمات تعليمية وصحية .. إلخ، كمصارف لما تحصله ~~الدولة من أموال؟ وبعبارة أخرى: هل نعطيه سمكة أم نعلمه الصيد؟ .. ~~الغرض قائم واجب النفاذ وإن اختلفت آلية الإنجاز. # الإسلام والعلم والتعليم والثورة المعلوماتية # وتقتضي أمانة الحوار أن نعترف بأن قضية المجتمع ليست اقتصادا ~~فحسب على الرغم من قصور فهم الإسلامويين لمعناه ونطاقه. ولكن ما ~~الحل الذي نص عليه الإسلام لقضية التعليم وبرامجه بمراحله المختلفة ~~ومناخ وأسس تربية الإبداع وإحداث ثورة تعليمية تفي بمقتضيات حضارة ~~العصر؟ وما الحل الذي نص عليه الإسلام العقيدة لقضية البحث العلمي ~~والتطوير وإنشاء قاعدة بحث وتشجيع حرية الابتكار والتطبيق وإنشاء ~~قاعدة معلومات وشحذ روح النهم المعرفي؟ لم يرد نص ديني يحدثنا عن ~~كل هذا أو عن كيفية بناء مجتمع المؤسسات العلمية أو ما يسميه ~~الباحثون الآن مجتمع العلم الكبير كمؤسسة متشابكة محليا ~~وعالميا ومتطورة وملتزمة وملزمة. لم يحدثنا نص عن إنشاء منظمة ~~علم وثقافة في المجتمع تكون أداته لتحويل طاقات المجتمع وقدراته ~~العلمية والتقانية إلى مخرجات ثقافية وتعليمية وحربية واقتصادية .. ~~إلخ، والعمل في ترابط بالشبكة العالمية. # لم يعرف عصر صدر الإسلام مسألة تنظيم البحث العلمي أو بناء مجتمع ~~العلم الكبير كمؤسسات وحرية الإبداع العلمي والفكري والمنافسة ~~والسبق الإبداعي على الصعيد العالمي. ونظلم أنفسنا ونظلم الدين ~~(العقيدة) إذا ألزمناه بأن يقدم نصا نعيد على هديه بناء مجتمعنا ~~ليكون مجتمع مؤسسات علمية ومراكز بحث وأن يكفل حرية الإبداع ~~واستيعاب علوم العصر على أساس عقلاني نقدي دون قيود حظر أو ~~تحريم. # إن هذا الزعم يشبه رطان من يفسرون «ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء» بأنها تعني أن القرآن حوى كل الاكتشافات ~~العلمية التي عرفتها وسوف تعرفها البشرية إلى أبد الآبدين .. وهذا ~~هراء ليس من الدين. لقد اجتاز العالم عتبة عصر جديد هو عصر الثورة ~~المعلوماتية الذي يقتضي ثورة في التعليم والبحث العلمي والعلاقات ~~الاجتماعية وهيكل المجتمعات ومؤسساته وبناء الإنسان ووضع صيغة ~~لنظرة تاريخية مستقبلية علمية. وهو ما لم يرد به نص موروث منذ عصر ~~صدر الإسلام، ms22 وليس هناك حل إسلامي لجميع البلدان يوضح لها كيفية ~~تجاوز مراحل التطور الاجتماعي وصولا إلى حضارة العصر. وليس في هذا ~~الإنجاز نقض لدين ما من حيث هو خطاب روحي، أو قيمي داعم ~~للنهوض. # رطان أسلمة العلوم # ونسمع من يقول: الإسلام هو الحل .. في قضية الصحة والطب، ولكنني ~~أذكر الإسلامويين بمقولة عالم الاجتماع المسلم ابن خلدون الذي ~~قال: جاء الإسلام ليعلم الناس الدين وليس الطب والزراعة. إننا ~~نجترئ على الحقيقة والواقع إذا قلنا إن الإسلام هو الحل لعلاج ~~أمراض القلب والذبحة واضطراب الهرمونات والكبد .. إلخ، إلا إذا ~~ذهبنا مذهب البعض، وكما يشيع على ألسنة العامة، أن نطرح العلم ~~جانبا ونلتزم العلاج بالقرآن ونغلق المستشفيات وكليات الطب ~~والمعامل. # وقد يكون المقصود هو كما يريد الإسلامويون الدعوة إلى أسلمة ~~العلوم، وهذه دعوة يائسة وغوغائية؛ إذ كيف نؤسلم علم الرياضيات؟! ~~وهل نعود إلى الخوارزمي والبيروني؟ وكيف نؤسلم نظريتي النسبية ~~العامة والخاصة، أو نظرية الكم أو نظرية التطور أو أركيولوجيا ~~الحضارات؟ # إننا لو قضينا عشرات القرون في ظل شعارات مبهمة وملتوية لن نحصد ~~غير الوهم .. حصادنا منذ قرون. أفهم أن نتنافس من أجل صياغة ~~القضية، قضية تخلفنا ومظالمنا، على نحو علمي موضوعي صحيح، وتكون ~~لنا نظريتنا عن تطور مجتمعاتنا وفكرنا وتراثنا .. إلخ. حري أن ~~تواتينا الجرأة ونقرر أن المجتمعات الإسلامية على اختلاف مواقعها ~~الجغرافية هي مجتمعات متخلفة، وبينها وبين حضارة العصر هوة مهولة ~~ومروعة. وليس مطلوبا أسلمة العلوم، بل علمية عقل المسلمين؛ أن ~~يلتزم المسلمون بالفكر العلمي ثقافة، وبالعلم منهج بحث وتطبيق في ~~شئون الحياة، وأن تكون لنا مراكز علمية وإبداعات علمية ~~وعلماء. # إن الدين؛ القيم والأخلاق دون الشكليات الفارغة والرطان الأجوف، ~~ليس ضد العلم الذي هو إعمال العقل والفهم المنهجي النسقي للظواهر ~~.. ظواهر الطبيعة والمجتمع. ولكن الشعارات المعماة والمبتسرة ~~ابتغاء مصالح سياسية «دنيوية» هي ضرب من التجهيل والتضليل للعامة، ~~وتخليد لواقع متخلف، ونعرف أن الدين الإسلامي ضد الجهل والجاهلية ~~وضد الضلال والضالين المغضوب عليهم. # أجدر بنا أن نكف عن شعار مبتسر مثل «الإسلام هو ms23 الحل» أو عن شعار ~~غوغائي مثل «أسلمة العلوم»، وأن ندعو إلى نهضة المجتمعات الإسلامية ~~في مجال العلوم المختلفة .. الدين فطرة .. قواعده بسيطة يلتزم بها ~~العامة والخاصة، وإن الأخذ بأسباب النهضة العلمية ليس خروجا عنها، ~~وإنما العلم والإبداع العلمي والتكنولوجي سبيلنا لامتلاك ناصية ~~حضارة العصر أو اللحاق بركب التقدم. إذا تحقق لنا هذا سوف يشير ~~علماء العصر إلى علماء المجتمعات الإسلامية ويقولون هؤلاء قوة دفع ~~حضاري ومصدر زاد علمي ننهل منه. # الديمقراطية والشورى # ونظلم أنفسنا والإسلام والفكر العلمي حين نزعم أن الشورى هي الحل ~~الإسلامي العصري شأن الديمقراطية؛ ذلك لأن الديمقراطية عملية ~~تطويرية تاريخية بدأت قرينة مجتمع نشأ حديثا مع حضارة عصر التصنيع ~~وآخذة في التطور ليغتني محتواها مع مر العقود والثراء الحضاري. ~~ولقد كانت الشورى آلية ملائمة لإدارة شئون المجتمع في عصر مضى ~~يحكمه الشيخ أو الولي ومعه من يختارهم هو من أهل الحل والعقد دون ~~حق الإلزام. ولكن التنظيم الديمقراطي آلية مستحدثة ومتطورة وإن ~~تعددت صورها وفقا لظروف كل مجتمع. # ونظلم الدين إذا زعمنا أنه نظم ونص على - وأعود لأقول نظم ~~ونص على - حقوق المواطنين من العامة وواجباتهم دون تمييز إزاء ~~المشاركة في صنع القرار والمحاسبة وإقالة أو تنصيب الحاكم وتنظيم ~~شئون إدارة المجتمع، وتشكيل الأحزاب والنقابات وتوصيف السلطات ~~والمؤسسات الاجتماعية وأساليب حسم الخلافات والتزام المستويات ~~الاجتماعية المختلفة بهذا كله .. إلخ؛ أي ما نسميه الديمقراطية وهي ~~نظام أو آلية متطورة أبدا وليست وصفة كاملة منتهية. هذا عن الواقع ~~المحلي ناهيك عن المنظمات الدولية وعلاقاتها والمنظمات غير ~~الحكومية وما قد يستجد من تشكيلات غير مسبوقة. # الافتراء على الدين باسم الدين # الفكر الإنساني يرفض الآن كل مقولة عن وجود نسق فكري كامل وتام ~~وناجز يحسم كل مشكلات البشر على اختلاف الزمان والمكان، ومغلق دون ~~أي فكر جديد. وإن الإسلامويين بادعاءاتهم هذه يورطون الإسلام الدين ~~في غير ما تطرق إليه، ويتجاوزونه من حيث لا يدرون، بل يضعون الفكر ~~الإسلامي، لا الدين، في موضع التقصير؛ لأن الدين القيم أجل وأعظم ~~من مزاعمهم حين ms24 نلتزم به قيما هادية. وأجدر بنا لكي نكون صادقين ~~مع شعبنا الذي عانى الكثير وعرف مذلة التخلف بسبب المقولات ~~الساذجة، ولا أقول المغرضة، أن نتخلى عن أخلاقيات المراوغة في ~~الحوار، وأن نكون على مستوى المسئولية ولا ننطق في شئون الدنيا إلا ~~حقا وعلى هدى فكر علمي موضوعي رصين وأصيل. # المجتمع العلمي هو الحل # مأساتنا ليست أننا ابتعدنا عن الإسلام. وإنما أن مجتمعاتنا عزفت ~~عن المعرفة العلمية والبحث العلمي، وعاطلة عن العمل والإنتاج، ~~وتعيش عيالا على الآخرين، ينتجون العلم والتكنولوجيا، ويتطورون ~~ونحن غارقون في نشوة الاستهلاك السفيه الذي لا يشبع ولا يغني .. ~~والإنتاج لا يكون إلا بامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا وحرية ~~الإبداع .. نحن عاطلون عن العمل الاجتماعي الذي يفي بمقتضيات الظرف ~~الوجودي لعصرنا الراهن، عصر العلم والتكنولوجيا وثورة المعلومات ~~والمشحون بالتحديات على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي تعزيزا ~~لحق البقاء. إن العمل والإنتاج على مستوى حضارة العصر؛ أي العلم ~~والتكنولوجيا، هو سبيلنا لتحقيق الذاتية الاجتماعية، هويتنا، التي ~~نبحث عنها عبثا في كتب الأقدمين، وهو سبيلنا لبناء الإنسان وتغيير ~~المجتمع وحسم حالة اختلال الأنا القومية واختلال التوازن الحضاري ~~بيننا وبين المجتمعات المتقدمة. وهو ما لا يتعارض مع قواعد كل ~~الديانات .. هذا وإلا سنقضي قرونا أخرى أسرى أوهام من يحرثون ~~البحر. # | الفعل/الفكر العربي ولغز النهضة1 # في البدء كان الفعل .. وانبثق عنه الفكر. # حين صدر لي عام 2002م كتاب «الفكر العربي وسوسيولوجيا الفشل» ظن ~~كثيرون أنني اخترت عنوانا يعبر عن نزعة تشاؤمية. بيد أنني كنت ولا ~~أزال، أرى أنه عنوان متفائل؛ ذلك لأن التفاؤل عندي ليس كما يرى ~~المتطيرون منحة تنبني على مبررات طوباوية، وإنما أرى التفاؤل أملا ~~ينبني على جهد إنساني وليد إرادة وسعي نضالي منهجي واضح المقصد والهدف، ~~أعني أنه ثمرة فعل إنساني مجتمعي عقلاني وليس شيئا مجانيا. # لهذا فإن عبارة سوسيولوجيا الفشل تعني أن الفشل راجع لأسباب اجتماعية ~~تدخل في نطاق مسئولية الإنسان/المجتمع؛ وأن الإنسان قادر بإرادته وفعله ~~وفكره، ومنهجه العلمي في الفعل والفكر، أن يصحح الخطأ ويزيل الأسباب ~~إذا عرف نفسه ms25 كوجود تاريخي؛ أي وجود له امتداد في الزمان، وعرف عصره، ~~ومقتضيات هذا العصر وتحدياته؛ وتكيف اجتماعيا وسياسيا ~~واقتصاديا وثقافيا .. إلخ للاستجابة نحوها .. ويصبح البحث عن ~~الأسباب أكثر إلحاحا حين يتواتر الفشل بينما الآخرون انعقدت لهم ~~وبجهدهم أسباب السبق والنجاح دون أن نقارن أو نسأل كيف ولماذا؟ ورضينا ~~بالبقاء قانعين بالاكتفاء والانكفاء على الذات ثقافة وتراثا. # ويعني الفشل أن المجتمع عاطل من المعرفة الكاملة والصحيحة نسبيا ~~ومرحليا لتوجيه مسارات حركته وطاقاته وأنشطته الاجتماعية بصورة فعالة ~~في الاتجاه الصحيح للتطوير .. أي للتكيف مع حضارة العصر بهدف البقاء ~~والعطاء والارتقاء والمنافسة. وطبيعي أنه في حالة غياب هذه ~~المعرفة/الفكر في صورة نسقية شاملة، وغياب التكامل بين الفعل المجتمعي ~~وثيق الصلة بالنهضة ومن ثم غياب الفكر النهضوي. هنا يغدو واقع المجتمع ~~أو نشاطه ضربا من الشواش/المحاولة والخطأ مع نسبة عالية من الإخفاق، ~~وحركة غير مطردة، وغير سوية ولا مستوية مختلة التوازن، عاجزة عن ~~كفالة أسباب البقاء ناهيك عن المنافسة والتطوير .. # قضيتنا المحورية هي أزمة الفكر الاجتماعي العربي التي هي في جوهرها ~~أزمة فعل التحول الاجتماعي الحضاري، أو أزمة إنتاج المجتمع لوجوده على ~~مستوى منافس لحضارة العصر. والقضية ليست جديدة بل قديمة معادة ومكررة ~~تواترت على ألسنة المصلحين الاجتماعيين: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ ~~ولكنني استكمالا وتوضيحا للرؤية، أطرح مع السؤال أسئلة أخرى: كيف ~~تقدم غيرنا وقد كانوا في السابق أسوأ حالا؟ وكيف نتقدم نحن؟ ما هي ~~شروط وآلية ومعايير التقدم؟ ثم كيف تكون ثقافتنا الاجتماعية حافزة لفعل ~~التقدم والتحدي والمنافسة، حافزة لفعل الإبداع والتجديد والتغيير؟ وما ~~هو الخطأ في أسلوب تناولنا للقضية بحيث مضت قرون وتعاقبت أجيال وتفاقمت ~~الحال، وأزمن الفشل، وضاعت من أقدامنا الطريق وبقي السؤال مجرد سؤال ~~ولا فعل؟ # أحاول الخروج من السياق التقليدي في النظر إلى عصر ذهبي مضى، والزعم ~~أن الفشل مرجعه أننا تنكبنا طريق السلف. فالحضارات أطوار تراكمية ~~صاعدة، وليست امتدادا متجانسا. والحضارة فعل ذاتي بالأصالة وليس ~~بالنيابة .. وإن ما صنعه السلف لا يغني عن جهد الخلف، وليس السلف ~~بإنجازاتهم قدوة ms26 للمحاكاة بل قدوة لمنهج وثقافة الفعل وصناعة الوجود ~~ومواجهة التحدي. # وأحاول الخروج أيضا عن مقولة التحديث محاكاة للغرب فإن الحداثة ~~معيار متجدد، والتحديث متعدد الآليات، وفعل ذاتي أصيل، والتحديث ثقافة ~~حافزة للفعل والمنافسة نتعلم أسسه ومنهجه، ونستوعب خبراته على صعيد ~~عالمي ولا نستورده .. إنه صناعة لا حيازة، وفعل ابتكاري متجدد وليس ~~مظهرا للمحاكاة .. والتحديث ثقافة تغيير وتكييف. # القضية هي التطوير .. تطوير الإنسان/المجتمع .. تحول حضاري ومشاركة؛ ~~أي فكر وفعل إبداعيان وليس تنمية. التحول الحضاري امتداد وتعزيز رأسي ~~صاعد أو كيفي يفضي إلى نشوء أنماط وأشكال جديدة، ويحقق إنجازات وفق ~~معايير المنافسة لحضارة العصر، كما يفضي إلى نشوء فكر ورؤية جديدين. ~~والحضارة عندي هي عملية تاريخية قوامها إبداع الأدوات المادية والإطار ~~الفكري-القيمي في تكامل، استجابة لتحديات وجودية يفرضها الواقع المتجدد ~~والطبيعة بتفاعلهما مع الإنسان/المجتمع. # وهذا تعريف يتسم بالدينامية إذ يدمج الإنسان كأحد مكونات البيئة ~~الحضارية بسلوكه وفكره وقيمه، ويتسق مع التعددية والتطور في الزمان ~~والتنوع في المكان. # تطوير المجتمع موقف من الحياة ونمط سلوكي في الاستجابة لتحديات ~~الوجود، وفهم للذات ولدورها واستحقاقاتها الوجودية والمعرفية بشأن ~~الواقع الراهن والمستقبل المنشود الذي يصنعه المجتمع بإرادته. وقد تكون ~~التحديات رؤى وتخيلات من ثقافة موروثة حال انفصال الكلمة/الفكر عن ~~الواقع، وقد تكون التحديات واقعا ماديا نشطا محليا وعالميا مثل ~~واقع العلم والتكنولوجيا. # والتطوير الاجتماعي، أو النهضة، نمط من أنماط التكيف الذي هو آلية ~~بقاء وتعزيز الوجود والهوية في إطار المنافسة وصراع الوجود. ويمثل ~~التكيف هنا حلقة في سلسلة تاريخية ممتدة تجسد قدرة بشرية تتميز ~~بالمرونة بدينامية الاستجابة إزاء التحديات الداخلية والخارجية مما ~~يكفل للمجتمع مرونة ومناعة على الصعيدين الفكري والمادي، وقدرة على ~~البقاء والعطاء. # والتطوير الاجتماعي، حركة هادفة وصاعدة للمجتمع من مستوى أدنى إلى ~~مستوى أعلى وأغنى للطاقة والفعالية والكيف أو الحالة الإنتاجية والتعقد ~~والفهم والإبداع وفرص الاختيار والسيطرة والاستمتاع والإنجاز في إطار ~~معايير حضارة العصر. # ويقتضي تطوير المجتمع في ضوء حضارة عصر الصناعة والمعلوماتية إطلاق ~~وتوجيه مسارات طاقات جميع أبناء المجتمع عبر مزيد من التنظيم ms27 الاجتماعي ~~المعقد بهدف تعزيز الطاقة الإنتاجية وتعظيم المخرجات؛ ولهذا تمثل عملية ~~التطوير فكرا نقديا للموروث ومستقبلي التوجه والمسار، وتمثل أيضا ~~إبداعا اجتماعيا ذاتي المنطق؛ وبذا لا تكون عملية التطوير محصلة ~~عوامل خارجية محضة، وإن أفادت بها، وإنما تحمل خصوصيات ثقافة وتاريخ ~~المجتمع، وتحمل طبيعة الوعي الاجتماعي بالتحديات وقبول لهذه التحديات ~~والصراع ضدها. # ويمثل العلم، روح حضارة العصر، إنجازا فكريا نظريا وإنجازا ~~ماديا ثقافيا في تلاحم وتطور مطرد. وأصبح العلم والتكنولوجيا هما ~~قصبا السبق وفرس الرهان، وأساس التغيير والإنجاز والتمايز أو التفاضل ~~بين المجتمعات وعماد البقاء والصراع. ولعل من أهم أدوات التطوير ~~الاجتماعي مع العلم والتكنولوجيا رأس المال الموظف اجتماعيا نحو ~~الهدف، والتنظيم المؤسسي لأنشطة المجتمع وما تتمتع به من حريات، ~~والبنية الأساسية والسياسية والاجتماعية والتعليم والمهارات أو الخبرات ~~الفنية ووقت الفراغ .. إلخ. # وجميع هذه الأدوات غايتها بناء الإنسان؛ أي تعظيم رأس المال البشري ~~للمجتمع؛ كما وأنها ثمرة المجتمع. أعني أنها تشكل عملية مجتمعية مطردة ~~في سياق صراع الوجود. وحتى لا نقع في خطيئة الشكليات والمظهريات يتعين ~~النظر إلى ما وراء أدوات التطوير؛ أي إلى الإنسان/المجتمع المبدع لهذه ~~الأدوات وخالق التكنولوجيا والفكر، مع التماس الشروط اللازمة للنجاح .. ~~النجاح في بناء إنسان جديد. # وأعود إلى سؤالي الأساسي: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ المشكلة المأساة ~~أننا عند محاولة الإجابة ظللنا أسرى التأمل النظري المجرد للمجتمع ~~والواقع العالمي، وبقي السؤال سؤالا دون إجابة. لم ننظر إلى واقع حال ~~المجتمع، والمجتمعات في وجودها التاريخي، ولم نقارن بين الوجود الحركي ~~الدينامي المتغير وبين البقاء الساكن الراكد ونعرف أو نفكر في أسباب ~~هذا وذاك ونصوغ فكرا علميا عن تطور المجتمعات وعن دور الإنسان العام ~~صاحب الإرادة والمشاركة الفعالة وفق مقتضى حضارة العصر ونحدد معنى ~~الفعالية .. فعالية الإنسان/المجتمع .. ولم نفكر في قانون صراع الوجود ~~وأسبابه الطبيعية وأن المنافسة/الصراع هما قانون الوجود .. وغاب عن ~~الأذهان معنى وضرورة التكيف كفعالية وإنتاج اجتماعي، وإنما قنعنا ~~بالنظر المجرد في إطار الموروث المفارق زمانا ومكانا .. وحين يقع ~~المجتمع أسير النظر المجرد، مع تعطل الفعل ms28 الإنتاجي الإبداعي الاجتماعي ~~فإنه عمليا يقع أسير الفكر التقليدي الموروث، ويكون الوجود الاجتماعي ~~عنده مجرد امتداد سكوني نمطي للماضي. # هذا على عكس تأمل الواقع في تغيره بفعل الإنسان نشأة وتكوينا ~~وصيرورة، وتأمل الممارسة العملية والعمل الاجتماعي في مواجهة التحديات. ~~ذلك لأن هذا الواقع الحي المتغير بفعالية الذات هو أساس ومعين التفكير ~~الإبداعي .. تجديد الفكر وأدوات وأسلوب ممارسات العمل إزاء ظواهر ~~الوجود؛ ولهذا السبب ترانا دائما نبدأ فكريا من جديد .. تمضي العقود ~~وربما القرون، ونعيد الأسئلة ذاتها، ونعيد تأملها من خلال إطار فكري ~~تقليدي. يحدث هذا مرارا لا لشيء إلا لأننا لم نتغير؛ أعني لأننا لا ~~نعمل؛ إذ العمل الاجتماعي هو القوة الدافعة للتغيير، وقوة لتركيز ~~الانتباه والفهم واستخلاص الفكر الجديد أي الإبداع. # وعشنا قرونا بغير مشروع وجودي، وقنعنا بالبقاء. والوجود غير البقاء ~~.. البقاء اطراد عشوائي بينما الوجود مشروع راهن ومستقبلي، وفعل إرادي ~~عقلاني، والفعل المجتمعي؛ أي العمل الاجتماعي هو أساس توليد الفكر ~~المجتمعي المتجدد .. فكر جديد لصناعة مشروع الوجود .. ولكن الشعور أو ~~الظن بأننا خير الأمم بمعايير الحياة الدنيا وتجلياتها وأنشطتها ~~الحضارية يعني نهاية الفعل المجتمعي الذي هو قوة التغيير الهادف، ومن ~~ثم نهاية لعملية توليد فكر جديد. # ولكن النشاط الإنتاجي للمجتمع ارتقاء مطرد، إنه عمل اجتماعي هادف ~~متوحد بالفكر، حيث الفعل والفكر وجهان متلازمان للعمل الاجتماعي ~~وبينهما تغذية متبادلة تحفز نحو مزيد من التطور. وإذا تعطل الفعل تعطل ~~وانحسر الفكر، ويظل النشاط الفكري حدثا فارغا لأنه غير ذي محتوى؛ أي ~~بغير رصيد واقعي، وبغير معنى علمي. صفوة القول: «قضيتنا فعل حضاري ~~جديد، يولد فكرا عصريا، يضع أقدامنا على طريق النهضة ~~العربية.» # | توماس كون .. ونسبية المعرفة # فلسفة العلم بدون تاريخ العلم خواء، # وتاريخ العلم بدون فلسفة العلم عماء. ~~«كانط» # القرن العشرون الذي أفل منذ عقد، هو بمعنى من المعاني الوجه المقابل ~~للقرن التاسع عشر، على نحو يؤذن بعالم جديد تماما في فكر وفلسفة إنسان ~~القرن الحادي والعشرين. كان القرن التاسع عشر قرن العقل واليقين؛ أما ~~القرن العشرون فهو قرن الشك ms29 والاحتمال. وكان القرن التاسع عشر قرن ~~الإيمان بالنظريات والمذاهب، بل وواحدية النظرية أو المذهب، أما القرن ~~العشرون فهو قرن التمرد والثورة التعددية. وكان القرن التاسع عشر قرن ~~الثقة في الاستقرار وانتصار الإنسان، أما القرن العشرون فهو قرن ~~الأزمات والصدمات. وكان القرن التاسع عشر قرن الذات-الجوهر الفاعلة ~~المتعالية على السياق والتاريخ؛ أما القرن العشرون فهو قرن ~~الذات-الموضوع رهن السياق ووليد التاريخ. بدا القرن التاسع عشر تتويجا ~~لفكر التنوير، عصر العقل وتأكيد الذات واستقلال الأنا عن الموضوع؛ وهو ~~ما لخصه شعار فلسفة «ديكارت» أنا أفكر، لينطلق من الأنا الديكارتي ~~والإيمان بالوجود. ومن ثم كان القرن التاسع عشر قرن استقلال الفكر ~~والعقل والثقافة والحقيقة؛ أما القرن العشرون فهو قرن تاريخ ~~وسوسيولوجية الفكر والعقل والثقافة، الحقيقة أنه قرن البنية التي ~~تشكل فيها الذات والموضوع نسيجا واحدا في بعدي التاريخ ~~والمجتمع. # وأهل القرن العشرون بأزمة عصفت بكل دعائم الثقة، وبكل أركان ~~اليقين، وبكل مبررات استقلال الذات أو الموضوع. وثار العقل على نفسه في ~~سياق من الأحداث الاجتماعية المأساوية وبقوة دفع التطورات والإنجازات ~~العلمية الطبيعية منها والإنسانية. وتغيرت مقومات الفكر بل وأسس ~~الثقافة ذاتها. # وفي ضوء الثورة الكاسحة التي شملت الفيزياء الكلاسيكية امتدت إلى ~~علوم طبيعية أخرى وانعكست على الفكر الفلسفي والعلوم الاجتماعية، بات ~~مشروعا أن يسأل عالم مثل «هيزنبرج»: ما هو محتوى الحقيقة أو الصدق ~~للفيزياء الكلاسيكية أو الحديثة؟ لقد غيرت نظرية النسبية صورة الكون ~~بعد أن غيرت مفهوم الزمان والخصائص الهندسية للمكان. وأثبتت النظرية ~~النسبية أن أساس العلوم المضبوطة الذي كان يعتبر أمرا بديهيا يمكن ~~أن يتغير بعد أن أحاطت الشكوك بجوهر الفيزياء الكلاسيكية. لقد انتفى ~~الاعتقاد بأن مسار الحدث موضوعي ومستقل عن المشاهد. # ولوحظ كما يقول هيزنبرج أن النظريات الحديثة لن تأتي وليدة أفكار ~~ثورية أضيفت من خارج العلوم المضبوطة، بل على العكس لقد شقت طريقها ~~عنوة في البحوث التي كانت تحاول في دأب إنجاز برنامج الفيزياء ~~الكلاسيكية؛ أي إن هذه النظريات نبعت من داخل طبيعتها هي. ومن ثم برز ~~السؤال كيف حدث ms30 ويحدث التحول الثوري من الداخل؟ وكيف يتطور العلم في ~~التاريخ؟ أو ما هي الدينامية الباطنية لحركات العلم في التاريخ؟ وما ~~معنى فهم العالم أو الطبيعة ومعنى الحقيقة العلمية؟ وماذا عن العلوم لو ~~نظرنا إليها تاريخيا؟ # 1 # والعلاقة بين المعرفة العلمية والثقافية. ما معايير العلم ~~وكيف نمايز بين العلم واللاعلم؟ كيف نشأت المعرفة العلمية وما وظيفتها ~~في المجتمع وحركتها في التاريخ؟ # هكذا فرضت إشكالية الأسس الأبستمولوجية للعلم نفسها في ضوء جديد ~~حددته، وألقت أضواء على أزمة العلوم الطبيعية وما انطوت عليه من مشكلات ~~فلسفية معرفية ومنطقية. هذا علاوة على الأضواء الكاشفة لإنجازات العلوم ~~بعامة بما في ذلك العلوم الإنسانية مثل علوم اللغات والأنثروبولوجيا ~~وسيكولوجيا الإدراك وسوسيولوجيا المعرفة ودراسات الثقافات المقارنة. ~~وقد أسهمت جميعا في تفسير العديد من المفاهيم السائدة وتوضيح العملية ~~المعرفية، وعدلت من أسلوب تناول الظواهر، وغيرت صورة العالم تغيرا ~~جذريا. نضيف إلى هذا الحوار المضطرم بين هذه العلوم جميعا حول محور ~~العملية المعرفية والذات والموضوع. وعلاقة المعرفة العملية بنسق ~~الموضوعات والمناظرة. # واحتلت مشكلة تطور العلم في التاريخ مكان الصدارة منذ مطلع القرن ~~العشرين ولا تزال. وبرزت أسماء لعلماء مرموقين؛ وتعددت أو تضاربت ~~الآراء، وانعقدت مؤتمرات دولية لمناقشة القضايا المتعقلة بتطور العلم ~~في التاريخ. وتضافرت جهود علماء الطبيعة ومؤرخي العلم لصوغ اتجاه جديد ~~للبحث النظري التاريخي يمكن أن نسميه منطق التطور العلمي، وموضوعه ~~دراسة ميكانيزمات إنتاج وحركة العلم، وتحليل تطور بنية العلم، ومناهج ~~تحصيل المعارف الجديدة، واكتشاف قوانين التقدم العلمي ومعاييره، وأشكال ~~وصيغ التقدم، وعلاقة العلم بالتراث الثقافي ونسق الفكر المشترك ~~«الأبسيتمي» وعلاقة التقدم العلمي بالتقدم الاجتماعي والارتقاء ~~الحضاري، والعلم والتنبؤ بالمستقبل؛ والعلم والسياسات القومية؛ والعلم ~~والإبداع في ضوء العلوم المختلفة، والعلم والتعليم .. إلخ، والعلم وما ~~قبل العلم أي معايير الحكم على معرفة بأنها علمية ولاعلمية. وحين بدا ~~أن العلم أو إنجازات العلم تشكل خطرا يتهدد الإنسان بل والوجود ~~الحضاري فرض السؤال نفسه: هل مسيرة العلم عشوائية أم يمكن للإنسان أن ~~يحكم قبضته على مسيرة العلم تخطيطا وتوجيها ضمانا لسداد ms31 وصواب ~~تطوره؟ وبرزت أهمية فهم قوانين العلم كعملية تاريخية ممتدة وكقوة ~~اجتماعية فاعلة، سواء من زاوية معرفية أو من زاوية التوجيه العملي ~~لمسار العلم. # وتعددت مدارس الفكر، وتعقدت مناهج التناول مع تعقد فروع المعرفة ~~واتساع نطاقها وازدياد تخصصها وغزارة إنجازاتها وعمق إشكالياتها. ومؤرخ ~~العلم لا بد وأن يضع في الحسبان كل فروع المعرفة، ويبحث العلاقات ~~المتداخلة بينها، المتواترة والمركبة. هل يدرس العلم كفرع معرفي، أم ~~العلم كظاهرة اجتماعية ونشاط له تاريخ؟ وهل هناك علم عام ينصب عليه ~~البحث وتستقى منه معطياتنا؟ وهل يدرس العالم الفرد أم العلماء كقوة ~~اجتماعية؟ وماذا عن الجوانب النفسية للعلماء المبدعين وأسباب تميزهم؟ ~~وكيف عبروا عن أنفسهم، ودور البيئة والتراث في هذا كله؟ وهل يدرس ~~التسلسل المنطقي لحركة العلم وترابط الوقائع العلمية وتقديم تفسير ~~منطقي للاكتشافات؟ # وشاعت مع الحرب العالمية عبارة # Big ~~Science # أو النشاط العلمي المكثف والمنظم والجمعي. ~~وظهر اتجاه جديد متميز لدراسة مظاهر اطراد التقدم العلمي وأدائه ~~كمحاولة للإجابة عن هذه الأسئلة وحسم تلك الإشكاليات. وعرف هذا ~~الاتجاه باسم علم العلم # Scientology or Science of ~~Science # ويسميه البعض حكمة العلم # Scientosophy # أو الدراسة التسجيلية ~~للعلم # Scien togoraphy # وكانت قد توافرت ~~مادة دراسية وافية عن العلم وتاريخه وحركته وتنظيمه وتخطيطه تصلح ~~أساسا لموضوع علم العلم الذي وضع لبناته الأولى العالم البريطاني ~~المبرز جون برنال في كتابه «الوظيفة الاجتماعية للعلم» ثم كتاب «العلم ~~في التاريخ». وهذا لا ينفي محاولات سابقة منذ القرن السابع عشر، حاولت ~~أن تلقي نظرة شاملة إلى العلم ولكنها تأملية خالصة. # ويعتبر علم العلم نسقا مركبا يتألف من أفرع وجوانب كثيرة: البنية ~~المنطقية للعلم، منطق تطور العلم، وسوسيولوجيا العلم، تنظيم العلم، ~~اقتصاد العلم وطبيعة الإبداع وسيكولوجيا النشاط العلمي، ونظرية تنظيم ~~العلم أو إدارة العلم باعتباره مؤسسة اجتماعية .. إلخ. وتجري دراسة هذه ~~الجوانب جميعها في وحدة متكاملة مع بيان تأثير كل منها في الآخر. ويهدف ~~هذا المنهج في البحث إلى الكشف عن أداء وتطور العلم كنسق خاص والإفادة ~~بهذه النتائج في النظرية والتطبيق. # وعلى ms32 الرغم من أن الاهتمام ببحث موضوع المعرفة بعامة، والمعرفة ~~العلمية بخاصة باعتبارها ظاهرة متطورة تاريخيا ليس بالبحث الجديد، ~~فإن الجديد هو تباين وجهات النظر، وتعدد مناهج البحث والنشاط المحموم ~~إلى حد الصراع والتطاحن في هذا الصدد؛ مما يكشف عن اهتمام وحاجة ملحة، ~~وإدراك لأهمية دراسة هذه الظاهرة في إطارها الثقافي الاجتماعي التاريخي ~~مع الاستفادة بإنجازات العلوم الإنسانية التي دفعت إلى تغيير مسار ~~التفكير الفلسفي والدخول في مواجهة مع فلسفة اتخذت لنفسها اسم «الفلسفة ~~العلمية» ونعني بها الوضعية المنطقية. # فقد شهد العلم تطورات دفعت مفكرين عديدين إلى أن ينحوا نحوا آخر ~~جديدا غير وضعي في تناول فلسفة العلم. والجدير بالذكر هنا أن الفلسفة ~~الوضعية نزعت إلى إغفال تاريخ العلم باعتباره غير ذي صلة بفلسفة العلم، ~~وبناء على الاعتقاد بأنه «لا منطق للاكتشاف» وأن عمليات ملاءمة ~~الاكتشاف العلمي والتقدم العلمي هي موضوع تختص بدراسته علوم أخرى مثل ~~علم النفس أو علم الاجتماع أو غيرهما، حيث إن فلسفة العلم مقتصرة على ~~منطق البحث فحسب، وأن عالم المنطق مهمته تحديد اللغة ضمانا لدقة ~~وتطابق الاصطلاحات، وأن ما يعنيه هو البنية المنطقية لكل القضايا ~~الممكنة التي تزعم أنها قوانين علمية. # واعتاد فلاسفة التجريبية المنطقية النظر إلى تاريخ العلم باعتباره ~~أساسا مسجلا لعمليات إزاحة تدريجية للخرافة والهوى وغير ذلك من ~~معوقات التقدم العلمي. وتتمثل عمليات الإزاحة في إضافات متزايدة ~~باطراد وتوليف للمعارف لتندرج كل فئة من المعارف العلمية الجديدة في ~~إطار البحث العلمي الخاص بها .. وهذا هو التفسير المألوف لتاريخ العلم، ~~والذي أطلق عليه توماس كون وغيره «مفهوم التطور عن طريق التراكم» الذي ~~يتصدى له في كتابه هذا. # وبرزت خلال حركة التمرد على فلسفة العلم هذه آراء زعمت أنها جديدة ~~وراديكالية ليس فقط من حيث مذهبها بشأن العلم وتطوره وبنيته بل وأيضا ~~من حيث تصوراتها للطرق الملائمة لحل مشكلات فلسفة العلم وبيان هذه ~~المشكلات ذاتها. # ومن هذه الدراسات المتمردة كتاب «بنية الثورات العلمية» تأليف «توماس ~~كون» العالم الأمريكي الذي تخصص في تاريخ العلم. وصادف كتابه استجابة ms33 ~~واسعة، وأثار جدلا ساخنا لم يهدأ بعد، واحتل الصدارة في جداول عدة ~~مؤتمرات دولية معنية بتاريخ العلم. وصدرت دراسات عديدة تركزت على ~~نظريته ما بين تأييد أو معارضة لها أو توضيح لآثارها وانعكاساتها على ~~مناهج بحث لفروع علمية متباينة وبخاصة العلوم الاجتماعية. # لب نظرية «كون» فكرة النموذج الإرشادي Paradigm ~~. وقد أخذ المصطلح عنده ~~أكثر من معنى؛ إذ اضطر إلى تحديده بدقة أكبر عند الرد على منتقديه. ~~والنموذج الإرشادي أو الإطار الفكري هو تلك النظريات المعتمدة كنموذج ~~لدى مجتمع من الباحثين العلميين في عصر بذاته، علاوة على طرق البحث ~~المميزة لتحديد وحل المشكلات العلمية وأساليب فهم الوقائع التجريبية. ~~ويركز «كون» على الطبيعة الجمعية للنشاط العلمي مؤكدا أن العالم الفرد ~~لا يمكن اعتباره ذاتا كافية للنشاط العلمي. وانتهى «كون» إلى نتائج ~~بعيدة المدى ذات طبيعة أبستمولوجية ومنهجية. ولا يرى «كون» أن هناك ~~نقلات منطقية بين النماذج الإرشادية المنفصلة إذ يشبهها بعوالم مختلفة ~~يعيش فيها الباحثون. # والنماذج الإرشادية غير قياسية؛ إذ ثمة انقطاع أو قطيعة بين المفاهيم ~~النظرية الأساسية المختلفة في العلم. ومن ثم فإن حركة العلم، أو لنقل ~~النظريات العلمية أو النماذج الإرشادية الجديدة، ليست نتيجة منطقية ولا ~~تجريبية للنظريات السابقة عليها.. إنها لا قياسية وحقائقها نسبية، وفي ~~كل حقبة علمية أو مع كل ثورة علمية تكون السيادة لنموذج إرشادي له ~~الغلبة. والنماذج الإرشادية في تاريخ العلم الواحد مختلفة عن بعضها ~~اختلافا أساسيا، وتحل محل بعضها البعض على مدى مسار التطور التاريخي ~~للمعرفة العلمية. # ويرفض «كون» رأي الوضعية المنطقية في اعتبار بنية النظريات العلمية ~~نسقا من العلاقات الشكلية الخالصة لأبنية لغوية؛ إذ يرى أن نسق ~~النظرية غارق أو منغمس في مخططات معرفية هادفة تحدد كلا من طابع ~~ومسارات كل تطور جديد للنظرية، وكذا أسلوب تحديد التجارب وتفسيرها. وهو ~~هنا متأثر بفكر وفلسفة «وورف» الذي استخلص بالاشتراك مع «إدوار سابير» ~~من نتائج دراساتهما للغات، مجموعة من القوانين على أساس عرقي، وانتهيا ~~إلى ما يعرف باسم فرض النسبية اللغوية. # وحسب هذا الفرض فإن العالم ms34 الذي ندركه ونفسره قائم لاشعوريا على ~~أساس معايير لغوية محددة. ونحن نحلل أو نجزئ الواقع إلى عناصر وفقا ~~لقواعد تصنيف «وهي قواعد مجسدة في وحدات قاموسية أي مفردات اللغة» ~~ووفقا للأبنية النحوية الأصيلة في اللغة موضوع البحث. وحيث إنه لا ~~توجد لغتان متماثلتان فإن بالإمكان القول إن المجتمعات المختلفة موجودة ~~في عوالم مختلفة. فنحن نحلل الطبيعة وفق خطوط حددتها لنا لغتنا الوطنية ~~وهو ما يعني أساسا أن تنظيمها يتم على أساس أنساق اللغة الموجودة في ~~الأذهان. وهكذا ندخل في مبدأ جديد من النسبية يقضي بأن جميع المشاهدين ~~لا يسترشدون بنفس الدلائل أو الشواهد الفيزيقية وصولا إلى نفس صورة ~~الكون ما لم تكن خلفياتهم اللغوية متماثلة. وحسب فرض النسبية اللغوية ~~فإن الصور اللغوية المختلفة عن العالم يمكن أن تصنع أبنية فئوية ~~مختلفة؛ ومن ثم تؤثر على معايير التفكير، كما تؤثر بالوساطة على ~~معايير سلوك مجتمع معين. # ولقد استطاع «كون» أن يلفت الأنظار في دراسته عن نظرية العلم وتاريخه ~~ومناهج بحثه إلى سلسلة كاملة من المشكلات التي كانت في الظل، ولكنها ~~واقعية وجوهرية لفهم بنية ووظائف المعرفة العلمية التاريخية الفعلية ~~لتطوير العلم. # ولكن «كون» بقدر ما أثار من اهتمام ودوي، أثار شكوكا وانتقادات. ~~وانصب اتهامه بالذاتية أو النسبية الذاتية بسبب مشكلة الانتقال من ~~نموذج إرشادي إلى آخر؛ أي الثورة العلمية التي تعني في رأيه الانتقال ~~إلى عالم مغاير إدراكيا ومفاهيميا غير العالم الذي يعمل فيه ~~الباحث. لقد تغير العالم لمجرد إبدال النموذج الإرشادي. إن الباحث ~~العلمي عقب إبدال النموذج الإرشادي؛ أي عقب الثورة العلمية، يرى العالم ~~في صورة مختلفة؛ بل إن ما كان بديهيا لم يعد جزءا من خبرته حتى وإن ~~استخدم ذات المصطلحات القديمة. ذلك أن الصيغ والقواعد والمصطلحات تأخذ ~~معنى كيفيا جديدا في إطار الصورة الكلية الجديدة ذات الدلالة ~~المغايرة. معنى هذا أن الإبدال أو التحول أو الثورة ليست لها أسباب ~~منطقية أو تجريبية. ويرى «كون» في هذا دليلا على وجود عناصر لا عقلية ~~في تاريخ العلم. # وإذا كانت الانتقادات ms35 تركزت أساسا على مفهوم «كون» لمعنى الثورة ~~العلمية؛ أي الانتقال من إطار فكري أو نموذج إرشادي إلى آخر، وما ينطوي ~~عليه هذا الفهم من إيحاء بوجود عناصر لاعقلية ونفي للارتقاء الحضاري ~~العلمي على نحو متتابع، فإننا سنجد من بين منتقديه من يحاول أن يدفع ~~بهذا الجانب اللاعقلي إلى أبعد مما ذهب إليه «كون». # وناقش كتاب كثيرون المشكلات الفلسفية لفكرة تغيير النماذج ~~الإرشادية، ودلالة ذلك بالنسبة لجدوى الحوار بين المجتمعات العلمية ~~التي تلتزم بنماذج إرشادية متباينة، وأيضا إمكانية فهمنا نحن ~~المعاصرين للمجتمعات البدائية. وعني هؤلاء المفكرون أساسا بفكرة ~~«النسبية» المترتبة على رأي «كون» من أن النماذج الإرشادية يمكن النظر ~~إليها باعتبارها تستجيب إلى عوالم مختلفة ومن ثم يتعذر التفاهم بينهم، ~~ويستحيل حسم الخلاف باللجوء إلى أية لغة خارج النموذج الإرشادي، بمعنى ~~أن الحوار بين الثقافات هو حوار طرشان. # يلزم عن هذا أن لا سبيل للوقوف خارج الحوار بين أنصار نموذجين ~~إرشاديين والاهتداء إلى حجج «عقلانية» ومعايير برهانية تجريبية تكشف عن ~~صواب صورة ما للعالم وخطأ الأخرى؛ إذ لكي يكون الحوار مجديا بين ~~طرفين لا بد وأن يدور داخل ذات الإطار بلغته ومفاهيمه. وواقع الحال ~~أننا مع إيماننا بالدور الحاكم للإطار الفكري في الحياة العامة إلا أنه ~~ليس دورا حاكما أبديا داخل الحياة العلمية، وليس قدرا إلا إذا كان ~~ذلك استنادا إلى أحكام قيمية على نحو ما نجد في ظل الجمود العقائدي ~~الذي يخرجنا من دائرة العلم. وإذا كان الخلاف ينشب داخل المجموعة ~~العلمية إزاء ظواهر معينة تشذ عن الإطار الحاكم، فإنها ظواهر طبيعية أو ~~واقعية ليست مبتدعة ولا مصطنعة، ومصدرها العالم أو الطبيعة؛ ومن ثم ~~فإنه لا بد - استطرادا مع نظرية «كون»، ولكن التزاما بنهج مغاير - أن ~~يكون المرجع والحكم هنا الإشارة إلى العالم الخارجي، مصدر الظاهرة، ~~وإقامة البرهان التجريبي لحسم الخلاف. # ولكن هذا لا يمنع أن نشاهد في الحياة العامة من يرفض الإقرار ~~بالظاهرة الجديدة، ويستعصي عليه بحثها، ويسعى إلى تطويعها قسرا لإطار ~~فكري موروث أو قياس انعقد عليه الإجماع، ms36 حسب ما يرى «كون»، بيد أن ~~الأمر هنا لا يتعلق بظاهرة طبيعية يختص ببحثها العلم الطبيعي بمنهجه ~~البرهاني التجريبي، بل ظاهرة إنسانية اجتماعية أو ثقافية لها منطق ~~متميز. وهذا لا يعني أيضا الاحتفاظ بالإطار الفكري أو النموذج ~~الإرشادي القديم له ذات القدر من الصواب والإنتاجية أو الفعالية ~~العلمية بشأن النموذج الإرشادي الجديد .. ذلك أن من شاء أن يظل على ~~إيمانه بأن الأرض مسطحة له حقه في هذا، ولكن اعتقاده لن يكون ندا ولا ~~كفؤا لنظرية كروية الأرض. ثم إن الأمر هنا ليس اعتسافا، ولا اختيارا ~~إراديا بل رهن بمرجع تحتكم إليه وتدعمه أجهزة البحث التي هي جزء لا ~~يتجزأ من عناصر البرهان التجريبي. # ولهذا نقول إن نظرية «كون» كانت مؤثرة، ولها صداها في مجال العلوم ~~الاجتماعية الثقافية، على عكس الحال بالنسبة للعلوم الطبيعية. فإن ~~زاوية رؤية الإنسان للعالم من حوله نتاج ثقافي اجتماعي موروث. وتظل هذه ~~الرؤية باقية في جوار مع رؤية علمية مغايرة. وتتألف هذه الرؤية في ~~شمولها من عناصر تضم اللغة وقواعدها ودورها في صياغة صورة العالم ~~وبنيته، ولبنات هذه البنية؛ ولهذا أثار بعض النقاد موضوع العلاقة بين ~~لغة الحياة اليومية ولغة العلم في الحياه وتجاور الاثنين معا. ويقرر ~~هؤلاء أن إطار ما نشهده في التجربة العلمية يحدده محتوى النظرية، غير ~~أن أبنية الإدراك الأساسية مثل تفسير العالم في ضوء اللغة الطبيعية ~~للحياة اليومية، تتشكل عند المستوى قبل العلمي. فالإنسان العام لا يزال ~~من الوجهة الاجتماعية هو الإنسان بمكوناته الإدراكية ووسائل تعبيره؛ إذ ~~لا يزال يدرك حسيا أن الشمس تدور حوله، ولا يزال يقول، وتفرض عليه ~~لغته قول: أشرقت الشمس، وإن كانت لغة العلم وصورة العالم في العلم غير ~~ذلك. وهذا من شأنه أن يثير قضية التواصل بين العلم ولغة العلم والعلماء ~~وبين الحياة اليومية واللغة الطبيعية والإنسان العام أو الحس المشترك ~~.. أو حدود التواصل بين العلمي في الحياة العامة. # وأن أخطر ما وجهه المفكرون من نقد لنظرية «كون» يتعلق بتعريفه للمنهج ~~العلمي ومعاييره الخاصة بالتمييز بين العلم ms37 وغير العلم على نحو أوقعه ~~في تناقضات منطقية في تطبيقه لهذه المفاهيم. ذلك أن «كون» يساوي بين ~~مناهج بحث الأقدمين والمحدثين حتى وإن تعارضت، وعلى الرغم مما يراه ~~انقطاعا بين النظريات في التاريخ. ومنهج كون هذا يفضي، كما يرى ~~منتقدوه، إلى نسبية المعرفة. فكل معرفة صحيحة قياسا إلى نسقها ~~وبالنسبة إلى نموذجها الإرشادي. ويفضي هذا المنهج أيضا إلى التهوين ~~من شأن التحليل العقلي كمعيار حاسم في البحث العلمي. وبهذا نفتقد ~~الدليل العقلي الذي نمايز به بين العلم وغير العلم، مثلما نفتقد معايير ~~قياس التقدم العلمي. وما دام الرأي عند «كون» أن نظريات أرسطو وبطليموس ~~ونيوتن وأينشتين جميعها نظريات علمية على قدم المساواة، فليس غريبا أن ~~يظل الباب مفتوحا، ولو نظريا حسب منهج «كون»، لاحتمال عودة نظرية ~~قديمة لتحل محل أخرى جديدة طالما أننا لا نملك المعيار. # ورأى البعض في هذا نوعا من التشاؤم الأبستمولوجي أو اللاأدرية ~~الأبستمولوجية التي تفضي إلى التشاؤم. فالنظريات جميعا سواء، ولا أمل ~~أو معيار للتقدم المعرفي للإنسانية. ولا بأس، التزاما بهذا الرأي أن ~~يستصوب البعض الردة إلى نظريات سابقة. # إن قضية التعارض بين النظريات الجديدة والقديمة، أو الانقطاع بينهما، ~~هي قضية تتعلق بنظرية المعرفة مثلما تتعلق بقضايا منهج البحث العلمي. ~~وهذان هما جوهر العلم الحديث، ومعيار التميز بين ما هو علمي وما هو غير ~~أو قبل علمي، وهما بالتالي أحد معايير التقدم العلمي ومن ثم ~~الحضاري. # إن الظاهرة الطبيعية أو الاجتماعية، قد تكون واحدة عند الأقدمين ~~والمحدثين، والاهتمام بهذه أو تلك قد يكون واحدا عند هؤلاء وأولئك. ~~ولكن الفارق الجوهري هو فارق معرفي من حيث محتوى المعرفة ومنهج البحث ~~الذي يقره العلم الحديث، والذي يسبغ صفته على الباحث بحكم الالتزام به، ~~وبدونه تسقط عنه صفة العلمية. # ولهذا فإن النظريات التي أشار إليها «كون» عند المقارنة بينها وبين ~~النظريات الحديثة هي، في رأي منتقديه، نظريات غير علمية. والأمر جدا ~~مختلف عند الحديث عن نظريات بطليموس وغيره من الأقدمين السابقين على ~~المنهج العلمي الحديث أو عند الحديث عن ms38 نظريات علمية حديثة غير كاملة. ~~فالأولى غير علمية تماما، والثانية، إذا ما توافرت فيها شروط المنهج، ~~تكون خطوة على الطريق نحو نظرية كاملة تحدث تغييرا شاملا في مجال ~~بحثها؛ أعني ثورة بالمعنى الذي ذكره «توماس كون». معنى هذا أن نمايز ~~بين سعي الإنسان إلى المعرفة، وأن نضع إنجازاته في إطار عصره وسياقه ~~الاجتماعي وبنيته الفكرية، وبين البحث العلمي في عصر المنهج القائم على ~~البرهان التجريبي. وهذا السعي أو البحث مشروع أو ظاهرة اجتماعية متطورة ~~تدريجيا على مدى التاريخ، ولها شروطها التي تمايز بين ~~مراحلها. # ثم إن هناك اتصالا بين النظريات ولكنه في اتجاه واحد وليس اتجاهين؛ ~~بمعنى أن الباحث المحدث يستطيع مع التزامه بالنظرية المعاصرة أن يفهم ~~نظرية أرسطو أو بطليموس ويدرك مواطن الخطأ فيها وأسبابه، بينما من يعيش ~~بنظرية أرسطو أو يفكر بطريقة الأقدمين فقط يستعصي عليه فهم النظرية ~~الحديثة أو التحاور مع أصحابها. وهو ما يصدق أيضا على حوارنا في ~~قضايانا الحياتية. # 2 # وماذا عن النظريات التي تثبت صحتها مثل «ميكانيكا نيوتن» ثم حلت ~~محلها نظريات أخرى أكثر نجاحا «النظرية النسبية وميكانيكا الكم»؟ يقول ~~«لأنساتا كيتا» أستاذ فلسفة العلوم في سيراليون: من الخطأ القول إن ~~نموذج البحث في إحدى النظريتين الأخيرتين حل محل نموذج البحث في ~~النظرية الأولى كبديل عنها؛ إذ يمكن الجمع بين النماذج الثلاثة والفارق ~~هو فارق في المدى والدرجة بمعنى أن ميكانيكا نويتن أكثر دقة من ناحية ~~المسافات والسرعات النهائية. # ويضيف إلى ذلك بوليكاروف # 3 # قائلا: إن التعديل في إحدى النظريات يحدث بوسائل مختلفة، ~~ويتناول أجزاء مختلفة أو يجري على مستويات متباينة. مستوى المعنى ~~الفيزيقي، أو مستوى الأداة الرياضية، أو مستوى الأساس المنطقي، أو ~~مستوى التفسير الفلسفي. ثم إنه لا بد من النظر في طبيعة التحول؛ فقد ~~تكون النظرية الجديدة استيعابا للقديمة وأكثر منها شمولا بحيث تغدو ~~حالة خاصة بالنسبة إليها. إنها لا تثبت زيف القديمة بل تضيف.. وإن ~~الانتقال إلى مستوى أعمق يقضي بأن ندرس الاختلافات بين مفهومين ونعتبره ~~اختلافا جوهريا إذا ما انصب ms39 على الفكرة الرئيسية والمبدأ الأساسي ~~أو المسلمة، والنسق المفاهيمي والمشكلات والمناهج؛ أي عندما نعيد ~~النظر في الأسس الفيزيقية والمنطقية والفلسفية لمفهوم ما، ويفضي بنا ~~هذا إلى تغيير في أداة الاستقراء مع نتائج أو تفسيرات جديدة ومن ثم ~~نظرية مغايرة. # هذا نزر يسير من اعتراضات كثيرة انصبت على كتاب «توماس كون» «بنية ~~الثورات العلمية» وهي اعتراضات لم تهدمه ولكنها اتخذته منطلقا لإضافات ~~غنية ولأبحاث أكثر ثراء. # | جيدنز: سيرة فكر في سياق كوكبي # «بعيدا عن اليسار واليمين» و«الطريق الثالث» و«الوسطية» .. إلخ، ~~عبارات تواترت تاريخيا مثلما تواترت في عالمنا المعاصر على مدى القرن ~~العشرين بين مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية. وجاءت الصيغ ~~المتباينة إجمالا دعوة أو إعلان البراءة من التطرف أو يأسا من ~~المواقف الحادة أو القاطعة وتوخيا للاعتدال. وواقع الحال أن دعاتها ~~إما أنهم يتخذون من مقولتهم قناعا يخفي النوايا، ويدعون الناس إلى ~~التخلي عن مواقف محددة أو انحيازات هنا أو هناك ومن ثم يسهل، بحكم ~~عنصرة القوة، توجيههم إلى حيث يشاء الداعية، وقد تأتي الدعوة تعبيرا ~~عن أزمة في الفكر ووسائل الإنجاز، وتجسيدا لحيرة يعانيها أهل الرأي ~~خاصة حين تجف ينابيع الرصيد الفكري، ويتغير الواقع، ولا تجد أحداث ~~الحاضر في الأطر الفكرية الجاهزة أو التقليدية تفسيرا وحلولا لمشكلات ~~طارئة وملحة؛ أي حين تكون البشرية - واقعا وفكرا - على أعتاب تحول ~~جذري جديد، وبحاجة إلى إطار فكري جديد تعمل على هديه. # ويمثل فكر «أنطوني جيدنز» تجسيدا لهذا الوضع المأزوم. وتأتي مؤلفاته ~~التي تجاوزت الثلاثين كتابا، وكذا ندواته ومحاضراته تعبيرا عن ~~تنويعات على لحن واحد: دعوة إلى الانصراف عن اليمين وعن اليسار، ~~التماسا لطريق ثالث. وحري النظر إلى فكر جيدنز في إطار السياق الذي ~~أنبت هذا الفكر، لنعرف العدو الحقيقي الذي يهاجمه، ونستكشف الوجهة التي ~~يدفع الناس إليها، وعناصر القوة أو الضعف أو التناقض أو التردد. ونلتمس ~~هذا في سياقين أو بعدين: سياق كوكبي وسياق محلي بريطاني. # وبداية أقرر أن كتاباته تعبير عن هم غربي لن يجد فيها القارئ العربي ~~صدى لهمومه وقضاياه، هذا على ms40 عكس ما روج له المثقفون العرب من أنهم ~~والبشرية جمعاء وجدوا سبيل الخلاص في «طريقه الثالث» كأنه تضمن ~~حلولا لمشكلات الجنوب، أو أنه الطريق الثالث الأوحد والوحيد، على ~~الرغم من أن الطرق الثالثة كثيرة الآن في الجنوب والشمال: بل يوجد في ~~بريطانيا ذاتها «حزب الطريق الثالث» الذي أسس عام 1990م وهو بطبيعة ~~الحال غير حزب العمال الذي يعمل له جيدنز مفكرا ومنظرا. ولكن أهمية ~~كتاباته تأتي من كونه كتابا كاشفا عن واقع حال الفكر الغربي: التاريخ ~~التطور - الأزمة - الخصائص. وتتمثل قيمتها بالنسبة إلى القارئ العربي - ~~الذي عاش ردحا طويلا من الزمن أسير الإطار الفكري الغربي، ويراه ~~مسلمة وحقا وحقيقة - في أنه يكشف أن الحقيقة ليست هذا الفكر، وأن ~~الفكر الغربي شأن كل الأطر الفكرية في حقيقة مطلقة، بل وجه لواقع نسبي ~~في الزمان والمكان. وتكشف كذلك عن خاصية ذات وجهين، سلبي وإيجابي، في ~~فكر الغرب: الوجه الإيجابي هو فعل التداول والحوار الحر المنتج بشأن ~~قضايا المجتمع بين أهل الرأي. والجانب السلبي هو أن الغرب يعيش أزمة ~~فكر، ولكنها أزمة تضعه على طريق تحول جذري، أو هي مخاض ميلاد الجديد .. ~~وتتهيأ إمكانات التحول وتجاوز الأزمة لتشملنا. # ولكن هذا لا ينفي خصوصية مشكلاتنا وخصوصية فعلنا الغائب أيضا، ومن ~~ثم ليس علينا أن نكون مجرد صدى، بل فعلا إبداعيا نشطا أصيلا نفكر ~~لأنفسنا في سياقين محلي وكوكبي، ونهتدي إلى طريقنا، وإن اشترك في بعض ~~عناصره مع طرق أخرى. # السياق الكوكبي إلى الجذور # النصف الثاني من القرن العشرين حقبة درامية بكل أبعادها، مؤلفة ~~من فصلين، الحركة والتحول فيهما بين نقيضين تامي التناقض في ~~الفكر والطموحات والآليات والسياسيات. وامتد أثر هذا إلى الجذور ~~عمقا، وتجاوز الحدود القومية إلى آفاق كوكبية. # المشهد الأول بعد الحرب العالمية الثانية، قطبان أيديولوجيان ~~يبسطان هيمنتهما وبينهما صراع ومنافسة أو حرب صامتة وصفت ~~بالباردة، بعد أن خمد أوار حرب ساخنة مأسوية النتائج والدلالة. ~~والمشهد الثاني في العقد الأخير، قطب واحد أوحد جبار متكبر له ~~المشيئة، إلى حين. البداية فكر متماسك ويقين ms41 هنا وهناك أمل في ~~التحرر وإصلاح ما فسد ومراجعة إنجازات العقل. والنهاية شك وسيولة ~~فكرية وافتراس شرس بالمستضعفين من البشرية. البداية تجديد العهد في ~~الاحتكام إلى العقل الذي اهتز عرشه إثر حربين عالميتين وتجديد ~~الثقة بالنظرية. والنهاية سقوط الإيمان باليقين والعقل وبالأنساق ~~الفكرية المطلقة. البداية جهد للتنمية والإعمار وإعادة البناء في ~~إطار نظريتين متصارعتين: معها النظم الحاكمة باسم الاشتراكية، ~~مثلما سقطت الاشتراكية ومجتمع المساواة، والليبرالية ومجتمع ~~الرفاه. والنهاية أزمة هنا وهناك؛ سقطت الليبرالية وارتدت أو ~~تحولت إلى ما يسمى بالليبرالية الجديدة ودولة الحد الأدنى من حيث ~~الرعاية أو الرفاه الاجتماعية، ودولة الحد الأدنى أيضا من حيث ~~القوانين المنظمة لحركة ودور ونشاط رأس المال. البداية عالم يثق في ~~النظم والقوانين على الصعيدين المحلي والدولي، والنهاية عالم شارد ~~مغترب مضطرب أو كما يصفه جيدنز «عالم منفلت». # وهكذا يعيش العالم الآن أزمة عميقة الجذور تجسدها حالة السيولة ~~الفكرية أو الشواش الفكري: جفت ينابيع التقليد بكل معانيه وأزمانه، ~~وتداعت أركان النظام والنظريات المطلقة والأنساق الفكرية الجامدة، ~~وتعيش الإنسانية بغير رؤية نظرية مرجعية هادية تتصف بالدينامية ~~السريعة تسترشد بها في حركتها. وتجاوز البعض وأعلن سقوط الأنساق ~~الفكرية جميعها مطلقة أو نسبية، وارتد البعض الآخر بعد أن أصبح ~~خاوي الوفاض من أي جديد يهديه، ارتد إلى متاع فكري أصولي موروث ~~يستعين به على خواء حياته، وهو في الحالتين غريب ومغترب، عاطل من ~~آلية الفكر والفعل اللذين يربطانه بالواقع؛ ذلك أن الإنسان/المجتمع ~~يتحرك لزوما في تطوره الاجتماعي والتاريخي والإنتاجي، وبحكم وعيه ~~بنفسه وبوجوده وفق إطار أو نسق ثقافي/فكري مرحلي أو نسبي، يحقق له ~~التكيف الفردي والاجتماعي وفق مستوى حضارة العصر، ويهيئ له قوة دفع ~~لحركته المستقبلية التنافسية. ويمثل هذا النسق مرجعيته المرحلية في ~~تشخيص وتحليل الظواهر من حوله. إنه يتحرك لزوما من نسق إلى نسق، ~~وليس في حالة سيولة تفقده الهداية والرشاد. وطبيعي أن لحظة ~~الانتقال هي لحظة آلام مخاض التغيير، وكانت دائما لحظة محدودة ~~الحدود، محلية الطابع.. أما الآن فالتغيير عالمي النطاق والظواهر ~~المطروحة كوكبية الوجود ms42 .. والأخطار الماثلة ماحقة للإنسان كنوع ~~بشري .. المستقبل المأمول محفوف بالأخطار واحتمالات تخلف البعض ~~وهيمنة البعض الآخر، بحكم إنجازات العلم والتقانة، قرين الفعالية ~~الاجتماعية هي احتمالات هيمنة شاملة على المستقبل بعيد المدى .. ~~الاحتكار تجاوز الاقتصاد إلى احتكار المصير الإنساني جملة. # وفي ظل حالة السيولة والشواش الفكري يلتمس الإنسان/المجتمع ~~طريقا للخلاص هنا وهناك، ولكن في إطار من الشك وعدم اليقين. ~~ويتجلى هذا واضحا في العديد من النزاعات الفكرية الموسومة ~~بالبعدية أو بالجديدة أو بالنهاية أو شبيه: مثل ما بعد المودرنز ~~وما بعد الحداثة، وما بعد توافق واشنطن .. إلخ، أو الليبرالية ~~الجديدة واليسار الجديد والاشتراكية الديمقراطية الجديدة، أو ~~الكينزية الجديدة وحزب العمال الجديد .. أو نهاية التاريخ ونهاية ~~الاشتراكية .. أو شبه إقطاعي وشبه رأسمالي .. وجميعها مسميات تعني ~~انصرافا عن ماض، ومستقبلا غائما، وأملا في جديد غير محدد ~~المعالم والطريق. # الفصل الأول دراما النصف الثاني من القرن العشرين؛ انتصار لحركة ~~التحرر الوطني سياسيا «أو هكذا!» ووعد بانتصار الحريات وأمل في ~~التنمية والرخاء عن اليسار واليمين. والفصل الثاني أزمة وردفة ~~وتبعية الضعفاء للأقوياء، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء ~~داخل المجتمعات وفيما بين المجتمعات. الفصل الأول رفض قاطع لأن ~~تكون آلية السوق هي الحاكمة لمصائر الشعوب والمجتمعات لما يمثله ~~هذا من أخطار مدمرة. والفصل الثاني دعوة الليبرالية الجديدة لأن ~~تكون الحاكمية لآلية السوق المتحررة من كل القوانين والضوابط. ~~الفصل الأول إيمان عميق بأن القوى العاملة خاصة البروليتاريا لا ~~تزال على طريق الصعود وأنها الأمل في التغيير. # الفصل الثاني انحسار دور البروليتاريا أو ذوي الياقات الزرقاء ~~وظهور قوى عاملة كبيرة وفاعلة من بين ذوي الياقات البيضاء. بل ~~تغير كيفي في قوى الإنتاج وأدوات وإدارة الإنتاج. والمفارقة ~~الصارخة أنه في عصر فيض المعلومات وأدوات المعرفة تتفاقم أزمة ~~السيولة الفكرية وتتفاقم حالة افتقاد النسق المرجعي. # وشهد الفصل الثاني تغيرا مفصليا في مسار تطور ودور وفعالية ~~المجتمعات وفي علاقة القوى بينها، وهو التغير الموسوم بالعولمة، ~~وإن كانت الكلمة غير محددة المعنى والمدلول شأن كلمات أخرى كثيرة ~~تزخر بها حياتنا الثقافية. تغير ms43 المشهد العالمي، ودفع هذا التغير ~~بجميع الأطر الفكرية إلى الخلف بعد أن أفلت الواقع الحياتي من بين ~~محدداتها ومعاييرها. # وإذا كانت العولمة لها ركائزها وتجالياتها العلمية والتقانية ~~وتجالياتها الوظيفية للمجتمعات وللوعي الإنساني، إلا أن لها أيضا ~~تجليات ونتائج وظيفية تمثل الركيزة لقوى الليبرالية الجديدة. أولى ~~هذه النتائج هي حركة نقل الأموال والمضاربات السريعة في العالم. ~~وثانيتها أنها دعمت طرازا جديدا من النظام الشمولي الكوكبي على ~~عكس كل ما يشاع عن سقوط الشمولية؛ إذ إن الشمولية ليست نظاما ~~مستبدا سياسيا، بل هي، وكما حدد جيدنز، قوة أو نظام أو قطب له ~~هيمنة على مجالات الاقتصاد والثقافة والإعلام والقوة العسكرية ~~والعلاقات الدولية. # ولكن العولمة تتعدد وتتباين معانيها مع تباين مقاصد المتحدثين ~~عنها والداعين إليها أو إلى مناهضتها. فهي حينا زعم بأن الكوكب ~~قرية واحدة تهاوت فيها الحدود القومية مع إعلان وفاة أو نهاية ~~الدولة - الأمة - القومية. والعولمة أيضا تدويل للحياة الاقتصادية ~~والسياسية سقطت معه الحواجز الحمائية، وهي الحدود المفتوحة للشركات ~~المتعدية القومية لدخول استثماراتها المالية ومنتجاتها، وتكريس ~~للاستسلام لآليات السوق الحرة المتحررة من الضوابط والقوانين ~~الاجتماعية. ويرى البعض الآخر العولمة في ضوء التحولات العلمية ~~التقانية وتجلياتها، من حيث حالة التماس والاتصال المباشر بين ~~الناس أفرادا وجماعات على صعيد الكوكب، وتأثيراتها السلوكية ~~والثقافية الممتدة إلى أعماق الوعي الباطني للإنسان، وتدفق حر آني ~~للمعلومات له انعكاساته على وعي الفرد وثقافة المجتمع والعلاقات ~~بين الحكام والمحكومين. ويراها هؤلاء خلفا جديدا لاقتصاد جديد هو ~~اقتصاد المعرفة وما له من تجليات نافذة إلى كل جوانب ~~الحياة. # وتتجلى أيضا حالة الشواش الفكري لدى اليسار واليمين من خلال ~~توجهات وكتابات الكثيرين من المفكرين الضالعين في عملية التغيير أو ~~التجديد أو لنقل محاولات الترميم، إذا صح هذا الوصف، أو الالتفاف ~~على الواقع والحديث بلغة مقبولة ظاهريا للتعبير عن أهداف تقليدية ~~مضمرة. # ولنقرأ معا ما قالته «سوزان جورج» في كلمتها تحت عنوان «موجز ~~تاريخ الليبرالية الجديدة» أمام مؤتمر «السيادة الاقتصادية في عالم ~~معولم»، الذي عقد في 24-29 مارس 1999م، حيث تجمل ms44 في حديثها ~~تشخيصا لواقع حال العالم في المشهدين الأول والثاني، وتقول: «عقب ~~الحرب العالمية الثانية، كان كل مفكر اقتصادي أو سياسي إما كينزي ~~المذهب وإما ديمقراطيا اشتراكيا، وإما اشتراكيا ديمقراطيا ~~مسيحيا، وإما يمثل لونا من ألوان الطيف الماركسية. أما فكرة أن ~~السوق ستكون صاحبة الدور الرئيسي في اتخاذ القرارات الاجتماعية ~~والسياسية؛ أو فكرة أن الدولة سوف تتنازل طوعا عن دورها في ~~الاقتصاد؛ أو أن المؤسسات الاقتصادية الكبرى ستكون لها حرية كاملة، ~~وأن النقابات سيأفل دورها وأن المواطنين سيتمتعون بحماية أقل ~~كثيرا مما كانت عليه الحال عقب الحرب العالمية الثانية .. هذه ~~الأفكار لو قيلت لبدا صاحبها مجنونا.» # وتضيف: أصدر الباحث الكبير «كارل بولاني» رائعته «التحول العظيم» ~~عام 1944م. والكتاب نقد شرس لضراوة مجتمع القرن ال 19 الصناعي ~~المرتكز على السوق الحرة. وله مقولة نبوءة؛ إذ قال إن «السماح ~~لآلية السوق بأن تكون المدير الأوحد الموجه لمصير البشرية ~~وللبيئة العالمية .. يعني تدمير المجتمع. وإنما الأولوية للمجتمع ~~على النظام الاقتصادي.» # وتستطرد قائلة: «الآن النقطة المحورية في الليبرالية الجديدة ~~السائدة تتمثل في: آلية السوق هي التي توجه قدر ومصير البشر. ~~الاقتصاد؛ بمعنى الشركات العملاقة وحركة الأموال والمضاربات، هو ~~المحدد لقوانين المجتمع وليس العكس.» # وأبرز فلاسفة الفكر الاقتصادي لليبرالية الجديدة وزعيمهم ~~«فريدريك فون هاييك»، ومن تلامذته «ميلتون فريدمان»، صاحب مقولة ~~«المجتمع العالمي قرية». والسيدة الحديدية «مارجريت تاتشر» رئيسة ~~وزراء بريطانيا في السابق، والملقبة باسم السيدة «تينا - # Tina ~~» وهي الأحرف الأولى من ~~مقولتها المشهورة: «لا بديل» # There is no ~~Alternative ~~؛ أي لا بديل عن الرأسمالية في ~~صيغة الليبرالية الجديدة والسوق الحرة الطليقة، وكأن الليبرالية ~~الجديدة قانون طبيعي أو قوة طبيعة مثل الجاذبية، ولا سبيل أمام ~~البشر للفكاك منها، والتي وصفها «فوكوياما» بعبارة: نهاية ~~التاريخ. # وكان «ريجان» في الولايات المتحدة و«مارجريت تاتشر» في بريطانيا ~~أكبر زعيمين يعملان في تناسق على إنجاز سياسات الليبرالية ~~الجديدة. # وتعتمد هذه السياسات، كما صرحت تاتشر، على «الداروينية ~~الاجتماعية التي ترى الصراع محور ومبرر الوجود بين الأمم والمؤسسات ~~والأفراد، وأن المنافسة تفرق بين ms45 الذئاب والخراف ، وبين الرجال ~~والعيال، وبين الصالح والطالح. المنافسة آليتنا لتدبير الموارد ~~الطبيعية أو البشرية أو المالية مع أكبر قدر من الفعالية ~~والكفاءة.» # وتستطرد تاتشر، المتحدثة باسم الليبرالية الجديدة فتقول: ~~«مهمتنا بلوغ المجد في سياق اللامساواة، وأن نرى كيف أن المواهب ~~والقدرات تجد متنفسا وتعبيرا لها من أجل فائدة الجميع. لا نعبأ ~~بالمتخلفين في مارثون المنافسة .. الناس غير متساوين بالطبيعة؛ ~~وهذا خير .. لا فضل للضعفاء ذوي الحظ السيئ في التعليم؛ ومن ثم ~~فإن ما يصيبهم يستحقونه، لأن الخطأ خطؤهم وليس خطأ ~~المجتمع.» # ولنتذكر هذه القيم لليبرالية الجديدة عن اللامساواة وعن المنافسة ~~والفعالية والكفاءة لدى الأفراد .. إلخ. ذلك أن جيدنز حين نعرض ~~لمقولاته نراه يؤكدها ولكن في ثوب لغوي مغاير. # وبعد رونالد ريجان وجورج بوش جاء بيل كلينتون رئيسا للإدارة ~~الأمريكية، وهو الذي قال في خطاب له «الزملاء الأمريكيون، لقد ~~اهتدينا إلى طريق ثالث.» وكان مستشاره هو أنطوني جيدنز. وبعد حزب ~~المحافظين برئاسة مارجريت تاتشر ثم جون ميجور جاء توني بلير رئيسا ~~لوزراء بريطانيا بصحبة معلمه الروحي أنطوني جيدنز. وهكذا وكأن ~~القدر ألقى على أنطوني جيدنز مهمة اكتشاف مخرج في ضوء «لا بديل عن ~~الرأسمالية وصيغة الليبرالية الجديدة وسقوط النظام الحاكم باسم ~~الاشتراكية.» وتهيأت بذلك فرص صنعت من جيدنز نجما ساطعا في سماء ~~الفكر العالمي، دعمته أجهزة الإعلام، بحيث طبقت شهرته الآفاق دون ~~سواه. ويرى البعض أن جيدنز هو الرابع بين مؤسسي علم الاجتماع ~~السياسي بعد ماركس ودور كاييم وفيبر. وأثارت كتبه حوارات ساخنة ~~داخل الغرب ولا تزال. وتباينت الآراء بحدة في تطرفها يمينا ~~ويسارا، كأن فكره مناسبة ليترسخ اليمين واليسار من خلال ~~الحوار. # كان هذا هو السياق الكوكبي الذي انبثق عنه فكر جيدنز. ولكن ماذا ~~عن السياق المحلي البريطاني حتى تبين لنا أبعاد المواجهة وحقيقة ~~الخصوم الذين يتصدى لهم جيدنز حين يدعو إلى التخلي عن اليسار و«عن ~~اليمين»، ثم إلى أي جهة يدفع بالقارئ. # السياق المحلي # بات توني بلير زعيما لحزب العمال وأنطوني جيدنز هو المفكر ~~والمنظر الاجتماعي والسياسي للحزب ms46 نفسه . والمعروف أن هذا الحزب ~~من سلالة الاشتراكية الديمقراطية التي بدأت جذورها كطريق وسط أو ~~ثالث في أواخر القرن ال 19. وكانت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ~~في الأصل أحزابا ماركسية. وأسس الرعيل الأول اتحاد الديمقراطيين ~~الاشتراكيين # Social Democrats (SFD)-Federation # ليمثل الطبقة العاملة في بادئ الأمر. وانحل هذا ~~الاتحاد وتشكلت بديلا عنه لجنة تمثل العمال عام 1900م وتحولت ~~هذه فيما بعد إلى حزب العمال البريطاني. واتخذ الحزب في البداية - ~~تحت رعاية وتوجيه سيدني ويب «1859-1947م» وزوجته بياترس ويب ~~«1858-1947م» - نهجا عرف باسم الفابية. وهذه سياسة متمايزة عن ~~النهج الماركسي، تتمثل عناصرها في التحول أو التطور التدريجي نحو ~~الاشتراكية واتخاذ الطريق البرلماني وليس التحول الثوري ~~العنيف. # مع حالة النمو والانتعاش في أوروبا الغربية بفضل مشروع مارشال ~~لإعادة التعمير وتنشيط التجارة تراجع التيار اليساري داخل حزب ~~العمال البريطاني. ورأى الحزب إمكان الإصلاح والتطوير في إطار ~~التوافق مع الرأسمالية والاعتماد على الداخل. واتجه الحزب إلى ~~التأكيد من جديد على نظام دولة الرفاه الذي بدأ قبل الحرب ثم أوقف ~~بسببها. وأصدر عالم الاقتصاد والاجتماع البريطاني وليم هنري ~~بيفريدج «1879-1963م» تقريره عام 1942م تحت عنوان «تقرير عن الضمان ~~الاجتماعي والخدمات المتحدة»، أعلن فيه صراحة الحرب ضد الفقر ~~والجهل والمرض والفساد السياسي والبطالة. وأن دولة الرفاه هي ~~الأداة المنوط بها هذه المسئولية. والجدير ملاحظته هنا أن هذا ~~التقرير، تحديدا ينتقده جيدنز في معرض رفضه المتكرر لدولة الرفاه ~~باعتبارها اليمين؛ إذ يرى جيدنز أن هذا التقرير يركز على مسائل ~~سلبية تماما. يقول جيدنز: حري بنا اليوم أن نتحدث عن «الرفاه ~~الإيجابي». الذي يسهم فيه الأفراد والإدارات .. وأن يكون الرفاه ~~أداته لخلق الثروات. # واتجه اليسار الأوروبي بعامة إلى العمل داخل إطار التوافق مع ~~الرأسمالية. وعزز هذا الاتجاه أن اليسار الأوروبي فقد الثقة ~~تدريجيا في النظام السوفيتي كنموذج رائد، خاصة بعد أحداث المجر ~~في الخمسينيات وقمع القوات السوفيتية للتمرد داخل المجر. ثم بعد ~~ذلك غزو القوات السوفيتية لتشيكوسلوفاكيا عام 1968م، هذا علاوة على ~~افتضاح الوجه الاستبدادي للستالينية وأثارها الاجتماعية ~~والفكرية. # ولكن خلال ms47 الربع الأخير من القرن العشرين؛ أي خلال الفصل أو ~~المشهد الثاني لواقع حال العالم، تزايد السخط داخل حزب العمال، ~~وقال جيمس كالاهان عبارته المشهورة: «لم يعد بالإمكان التزام النهج ~~القديم» وشهدت بريطانيا أحداث «شتاء السخط أو الغضب» عام 1979م. ~~وصعدت التاتشرية وسياسة الليبرالية الجديدة مقترنة بالعصا الغليظة ~~ضد العمال، وسحقت إضراباتهم وفككت نقاباتهم. # واشتدت معاناة الحركة العمالية البريطانية بعد أن منيت بالهزيمة ~~عام 1981-1982م، حين حاول طوني بن مقرطة وردكلة «إضفاء طابع ~~ديمقراطي وراديكالي على الحزب» عن طريق منح القواعد سلطات أكثر. ~~وتولى زعامة الحزب من بعده نيل كينوك # Niel ~~Kinnock ~~، الذي أعاد الحزب إلى وضع غير منحاز ~~لليسار. ومهد كينوك بذلك الأرض لزعامة توني بلير ولأمركة حزب ~~العمال الجديد. ويقول عنه «دانييل سنجر» أصبح بلير في حاجة إلى ~~تسويق النموذج الأمريكي داخل الحزب وداخل بريطانيا تحت اسم «الطريق ~~الثالث» أو «لا يمين ولا يسار» ويضيف وكما عبر معلمه الروحي أنطوني ~~جيدنز بقوله: «زلزلت التاتشرية أركان المجتمع البريطاني.» ولكن مع ~~استعادة الحوار السياسي .. ومع المزيد من التفكير الحر .. يمكن أن ~~تغدو بريطانيا الشرارة التي تنطلق منها عملية إبداعية بين الولايات ~~المتحدة والقارات الأوروبية. # وهكذا تغير حزب العمال فكرا مثلما تغير اسما وبنية؛ إذ أصبح مع ~~توني بلير حزب العمال الجديد، ليؤكد التمايز عن تاريخه. واختفت ~~صورة العامل من قيادته لتحل صورة رجل المال والأعمال. والجدير ~~بالذكر هو ما أورده دانييل بن سعيد في ورقة تحت عنوان «وسط جديد ~~باسم الطريق الثالث»، قال: «لاحظت صحيفة إنترناشيونال هيرالد ~~تريبيون أنه عند انعقاد مؤتمر حزب العمال الأخير لم تعد طرقات ~~منطقة بلاك بول تزخر بعمال المناجم في سترات العمل «الأفرول»، بل ~~ازدحمت برجال الأعمال الكبار وكبار المحامين والمستشارين ~~والإداريين، وكل منهم يرتدي سترات الاحتفالات الرسمية، ويحمل هاتفه ~~النقال. وأن أبرز الشخصيات القريبة من توني بلير من أغنى أغنياء ~~بريطانيا، والنخبة الاجتماعية من أرقى درجات السلم الاجتماعي أصحاب ~~ومديري البنوك والمؤسسات الصناعية والمالية الكبرى.» # الطريق الثالث وأصولية السوق # نذر جيدنز جهده لإطلاق هذه الشرارة. ms48 وتمثل جهوده الفكرية محاولة ~~في هذا الاتجاه. والتمس بجهوده صوغ معادلة بين واقع حال يسار مهزوم ~~مأزوم، ويمين مأزوم ولكنه متربع على قمة السلطة ويؤكد أنه نهاية ~~التاريخ ولا بديل عنه. أزمة اليسار ليست في انتشاره؛ فالتيارات ~~اليسارية كثيرة هنا وهناك في الغرب تحت مسميات لأحزاب ومنظمات ~~أهلية عديدة، ولكن المشكلة التي تواجه اليسار - بكل ألوان الطيف - ~~هي القدرة على تقديم إطار فكري جديد بديل يحوز الثقة ويبدو ~~متماسكا ومواكبا للتطور الكوكبي. وتتمثل أزمة اليمين أيضا في ~~سقوط أطره الفكرية الموسومة بالتقليدية بل والجديدة التي مضت أو ~~قضت من دون أن يشير إليها أو يلحظها أحد. ونذكر هنا كمثال توافق ~~واشنطن الذي ولد ميتا مع ما أثاره من أزمات مدمرة. # ونشير في هذا الصدد إلى ما قاله جوزيف ستيجليتز # Stiglitz Joseph # في ورقة له ~~تحت عنوان «نحو توافق جديد للطريق الثالث». # في 9 مايو 2001م والجدير بالذكر أن ستيجليتز هو أستاذ الاقتصاد ~~بجامعة ستانفورد، وشعل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين ~~للرئيس بيل كلينتون، وشغل قبل ذلك منصب الاقتصادي الأول في البنك ~~الدولي، وكان رائد إنجاز توافق واشنطن ثم رائدا بعد ذلك لمحاولة ~~إنجاز ما يعرف باسم «ما بعد توافق واشنطن» Post ~~Washington Consensus ~~. # ويعبر حديثه عن الأزمة والحيرة إذ يقول: «إن من كانوا يحلمون ~~بأن يحقق توافق واشنطن نجاحا وهيمنة هم أنفسهم الدين يعملون من ~~أجل - ما بعد توافق واشنطن - ويوضح أن أيديولوجية اليمين تجسدت في ~~«توافق واشنطن» المعبر عن النزعة الأصولية للسوق لدى الليبرالية ~~الجديدة، ويضيف: ~~«ولم تكن هذه النزعة أكثر نجاحا من الاشتراكية، وإن مضت أخطاؤها ~~من دون أن يشير إليها أحد.» ويستطرد قائلا: «وحققت بلدان شرق آسيا ~~نجاحات مذهلة حين التزمت سياسة مخالفة لما يفرضه توافق واشنطن ~~واقتصاد السوق الحرة المسمى الليبرالية الجديدة .. خاصة أن أزمة ~~1997م التي عانت منها البلدان حدثت من جراء نصائح صندوق النقد ~~الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية .. لقد حان الوقت لتأسيس توافق ~~«طريق ثالث» جديد ينبذ نظرة الليبرالية الجديدة التي انبثقت عن ~~توافق ms49 واشنطن، ويعمل من أجل نظرة متوازنة بين السوق والحكم، ولا ~~يخلط بين الوسيلة «الخصخصة والتحرير» والغايات». # صعد نجم أنطوني جيدنز واقترن اسمه بالطريق الثالث أو الاشتراكية ~~الديمقراطية في ثوب جديد، كما يحلو له أحيانا أن يسميه. ويمثل ~~الطريق الثالث مشروعه الفكري، ويتميز جيدنز بأن له قاموسه اللغوي ~~ومفاهيمه المميزة مما يوجب الإلمام بمختلف جوانب فكره ومدلولات ~~مصطلحاته قبل الحكم عليه. ويستهل جيدنز مشروعه الفكري «الطريق ~~الثالث» برؤية تشخيصية لواقع حال العالم الجديد بعد التقليدي، الذي ~~بدا في رأيه منذ عقدين اثنين أو أكثر قليلا. يصف العالم فيقول: ~~«نحن نعيش في عالم مخرب مدمر بشكل جذري ويحتاج بالتالي إلى أدوية ~~وعلاجات جذرية راديكالية.» # ويقول في إحدى محاضراته: ~~«ونحن نودع القرن العشرين أرى أننا لسنا إزاء عالم على قدر عال ~~من التنظيم والقدرة على التنبؤ وخاضع ليسطرتنا، بل على العكس؛ إذ ~~إننا إزاء عالم شارد مضطرب، أو إن شئت فقل عالم منفلت؛ ومن ثم ~~فبدلا من الحديث عن زيادة الدمج الكوكبي حري بنا أن نناقش ~~التحولات الأساسية التي طرأت على أسلوب عالمنا واستبيان حقيقتها. ~~إن هذه التحولات لا تتضمن فقط تحولات في وعينا الباطني وفي ~~هويتنا.» # وينظر إلى الواقع الجديد نظرة شك: ويرى المستقبل أكثر إثارة للشك ~~في النفس؛ إذ يقول: «نحن في مستهل زلزلة للمجتمع العالمي من أساسه ~~.. ونحن لا نعرف إلى أين سيمضي بنا»؛ ولهذا يرى في ضوء هذه الأزمة ~~وحالة الشك والغموض الحاجة إلى إنشاء موقع وسط راديكالي مبني على ~~الاعتراف بأن الحاضر في حالة فيض وعملية دفق، وأن نشرع في إعادة ~~تجميع الاهتمامات التقليدية التي يمكن للوسط الراديكالي أن يحفزها ~~ويحركها.» # ويمهد الأرض لمشروع الطريق الثالث بانتقاد اليسار-التقليد، ويصفه ~~ب «الشبح الذي ثار قلقه وقلق الغرب، وهو الاشتراكية بكل ألوان ~~طيفها، وقد عاد إلى عالمه السفلي واختفى ..» وفي عبارة أخرى متكررة ~~يقول: «إن الاشتراكية التي طننت أنها ستدفن الرأسمالية دفنتها ~~الرأسمالية .. التي أصبحت هي المطلق ولا بديل عنها.» ويقول في ~~تبرير ذلك: «لا يسع أي امرئ إلا أن ms50 يخلص إلى نتيجة مفادها أن ~~العالم في آخر القرن العشرين لم يتحول على نحو ما تنبأ له مؤسسو ~~الاشتراكية وقتما التمسوا توجيه حركة التاريخ .. لقد اعتقدوا أننا ~~كبشرية كلما زادت معرفتنا بالواقع الاجتماعي والمادي، زادت قدرتنا ~~على التحكم فيهما وفاء لمصالحنا .. ويمكن للبشر أن يصبحوا سادة ~~مصيرهم ولكن جاءت الأحداث غير مصدقة لهذا.» # وينتقد اليسار الذي يقرر أن القوى العاملة المطحونة هي القوة ~~المحركة للتاريخ نحو غاية مرسومة، فيقول: «ينبغي التخلي عن فكرة أن ~~ثمة قوى منوط بها إنجاز أهداف مرسومة للتاريخ بما في ذلك الفكرة ~~الميتافيزيقية التي تزعم أن التاريخ صنعة المعوزون.» بيد أننا إذا ~~أبدلنا كلمة «المعوزون» بعبارة «المنتجون المظلومون أصحاب المصالح ~~المهضومة» سوف يتغير المعنى ويتجلى تناقضه حين يقرر في حديثه عن ~~أسباب العنف الاجتماعي: «إن العنف ينشأ ببساطة في أغلب الأحيان من ~~صدام المصالح والصراع من أجل السلطة. ومن ثم نرى أن هناك كثيرا من ~~الأوضاع المادية التي يتعين تغييرها بكل صرامة، والنضال ضدها والحد ~~منها.» وطبيعي حين يدور الصراع سوف تتعدد الرؤى ومناهج العمل ويظهر ~~يسار ويمين. # ونحن لا يسعنا إلا أن نقرر أنه على حق؛ إذ ينتقد نظم الحكم ~~الاشتراكية ويصفها بالبيروقراطية، وينتقد المفكرين الاشتراكيين ~~لهذه النظم بالجمود، وأن الواقع وقضاياه تجاوز الأطر الفكرية ~~لليسار ولليمين «التقليديين». ولكن لنا أن نتساءل، هل سقوط النظم ~~الإدارية أو نظم الحكم يعني سقوط التوجه الفكري جملة نحو عدالة ~~اجتماعية أو تغيير علاقات المجتمع؟ وهل نقده لرؤية الاشتراكيين عن ~~أن المعرفة ستجعل البشرية سيدة مصيرها .. هل هذا النقد منصب على ~~المعرفة واستخدامها وتوظيفها بشكل مطلق أم على قوى صاحبة مصالح ~~تستثمر المعارف تحقيقا لمصالحها من دون بقية المجتمع؟ وهذا من ~~شأنه أن يولد صراعا وحراكا اجتماعيا تتباين وتتصارع بشأنه ~~الرؤى والأفكار يمينا ويسارا.. أو محافظون وراديكاليون دعاة ~~تغيير. # والجدير ملاحظته أنه في نقده للاشتراكية والإعراب عن سعادته ~~بعودة الشبح إلى عالمه السفلي يرى أن الاشتراكية غرست قيما ~~وأفكارا تجسد أماني ومعاني ترسخت في وجدان الناس. لذلك يتعين - ~~حسب ms51 رأيه - مع محاولة إعادة هيكلة فكر الغرب ونهجه في الحياة؛ أن ~~يضفي الطريق الثالث معاني جديدة على تلك القيم والأفكار حتى يتحرك ~~الناس معه؛ أي ينتحل القيم التي غرستها الاشتراكية. وهذه هي إحدى ~~المهام الأساسية في كتابات جيدنز. # ولكن جيدنز بقدر وضوحه وقسوته الشديدين في نقده لليسار بكل صوره ~~ومشاربه نجده غامضا في نقده لليمين، ليس اليمين عنده هو ~~الليبرالية الجديدة، ولا العولمة بمعنى السوق الكوكبية للمضاربات ~~والحدود المفتوحة للشركات متعدية القومية، ولا العنف الموجه ضد ~~الشعوب الرافضة للهيمنة، ولكن اليمين موضوع النقد والهجوم هو دولة ~~الرفاه الكينزية التقليدية، ثم بعض أساليب الحداثة الغربية في ~~الإنتاج؛ إذ تراه - عن حق - يرفض ما اصطلح على تسميته النزعة ~~الإنتاجية Productiveism ~~، والتي ~~تعني أنانية المصالح في السعي إلى أقصى قدر من الربح من خلال ~~المزيد من الإنتاج من دون اعتبار لتدمير الطبيعة. أي إنه يرفض هنا ~~الإنتاجية لأسباب أيكولوجية وليس لأسباب إضافية تتعلق بالاستقرار ~~والعدالة الاجتماعية. ويطالب بديلا عن ذلك بالإنتاجية Productivity ~~؛ أي الإنتاج في ~~مصالحة مع الطبيعة. ويفيض في نقده وهجومه ضد دولة الرفاه، التي ~~تمثل عنده التقليد الكينزي حيث يطالب اليمين - أي الليبرالية ~~الجديدة - بتغييرها، بينما يطالب اليسار - الاشتراكي الديمقراطي - ~~بالمحافظة عليها. # وهكذا تحول اليمين إلى راديكالي يدعو إلى التغير، بينما تحول ~~اليسار إلى محافظ. ويقرر أن الليبرالية الجديدة تولد وتنشط عمليات ~~راديكالية من أجل التغيير تحفزها عمليات التوسع الدءوب لأسواق دون ~~توقف. ويقول: «الليبرالية الجديدة إحدى القوى الرئيسية التي اكتسحت ~~التقليد ..» ويؤكد مرارا في كتاب «الطريق الثالث» أننا نعيش في ~~عالم «لا بديل فيه عن الرأسمالية .. أي الليبرالية الجديدة .. ~~النموذج الأمريكي.» ويدعو إلى «الإفادة من ثقافة مقاولي المشروعات ~~لما تتصف به من دينامية في السوق ومخاطرة في العمل وروح المسئولية ~~لمشروعات الأعمال.» # ويقرر كذلك أن دولة الرفاه خلقت مجتمع متعطلين متواكلين على ~~الإعانات الاجتماعية، والمطلوب اقتصاديات دينامية «رأسمالية» ~~وأشخاص يتحلون بروح المخاطرة وإعادة التأهيل، وكأنه يقول للمتعطل ~~«لا تبتئس من البطالة وإنما كن نشطا مخاطرا لإعادة تأهيل نفسك، ~~وإن لم ms52 تفعل فلا تلومن إلا نفسك، إنها الداروينية الاجتماعية ~~الجديدة التي أسلفنا الحديث عنها بلغة مارجريت تاتشر، ولكن بلغة ~~جديدة، أو لنقل إنها الليبرالية الجديدة وراء قناع إنساني.» ونراه ~~يقول صراحة في كتابه «الطريق الثالث ومنتقدوه»: «يسلم كتاب الطريق ~~الثالث بإطار العمل السياسي لليبرالية الجديدة، خاصة ما يتعلق منه ~~بالسوق الكوكبية؛ إذ إن الطريق الثالث يأخذ العولمة مأخذ التسليم. ~~وأن الشيء المؤكد أنه أغفل الصراع ضد مظاهرة التفاوت في الدخل ~~والثروة والسلطة.» # ولكن حديث جيدنز عن الرأسمالية يتسم بالتردد، ويتراوح ما بين ~~التأييد والمناهضة والدعوة إلى إصلاحها. ولعل هذا صدى لحالة الشك ~~العميقة في نفسه والتي صرح بها مرارا خاصة عند النظر إلى ~~المستقبل. مثال ذلك أنه في الإجابة عن سؤال دولة الرفاه المقترحة ~~قال: «الأشكال التقليدية غير مقبولة ولا صالحة .. وليست عندي إجابة ~~بسيطة عن سؤالك هذا؛ لأننا جميعا مشغولون بالبحث عن الإجابة في ~~هذه اللحظة.» # ويسأل في المدخل «بعيدا عن اليسار واليمين»: إذا كانت ~~الاشتراكية وهنت وضعفت، هل معنى هذا أن يهيمن النظام الرأسمالي من ~~دون تحديات؟ ويجيب: «لا أظن ذلك؛ إذ إن الأسواق الرأسمالية الطليقة ~~التي لا يكبح جماحها شيء لا تزال تفرز نتائج مدمرة .. ويظل نقدها ~~أمرا مهما.» ويقول في كتاب «تجليات الحداثة»: «لا تزال ~~الرأسمالية يقينا نظاما طبقيا. وأن صراع الحركات العمالية لا ~~يزال وثيق الصلة بما يمكن أن نسميه «ما بعد الرأسمالية». ولكن يجب ~~ألا ينحصر تفكيرنا في الحركة العمالية وحدها كقوة دينامية في ~~الحداثة.» «ص 158-162». ويقول في معرض حوار معه: «لا أزال أعتقد أن ~~الرأسمالية حياتها محدودة متناهية، هذا على الرغم من أنه ليس بوسع ~~أحد أن يرى بديلا عن الرأسمالية أو عن مجتمع السوق الآن. لا أحد ~~في حدود علمي لديه بديل متماسك. هذه ليست ذروة التاريخ، ولا يمكن ~~أن تكون نهاية التاريخ: أن نعيش في عالم يهيمن عليه التقلب ~~الاقتصادي وبورصة سوق الأوراق المالية، لا يمكن في رأيي أن يكون ~~النهاية المرغوبة للحياة. لا بد من أن هناك سبلا ممكنة لكي ms53 نعيش ~~حياة تنأى بنفسها عن هذا .. لم يعد هناك أي نقد اشتراكي ~~للرأسمالية، ولكن لا يزال علينا أن ننظر للرأسمالية نظرة ~~ناقدة.» # ويوجز تصوره عن مشروعه الفكري «الطريق الثالث» في إجابته عن ~~سؤال: ما الذي يميز الطريق الثالث عن الطرق السياسية الأخرى؟ إذ ~~قال: «تعترف سياسة الطريق الثالث بأن القضايا التي تتجاوز حدود ~~التقسيم بين يمين ويسار في السياسة أكبر مما كان في السابق. إنها ~~تعمل في عالم أصبحت فيه آراء اليسار القديم بالية، وآراء اليمين ~~الجديد قاصرة ومتناقضة .. وقاعدة الوسط لم تعد ساحة للتوافق ~~بينهما. وإنما ساحة لقوة سياسية جديدة .. توصف بالوسط النشط ~~الراديكالي.» # ويضيف قائلا: «وحري ألا نخلط «الطريق الثالث» بالاستخدامات ~~الأخرى السابقة؛ إذ تشير سياسة الطريق الثالث إلى إطار للتفكير ~~وإلى صوغ سياسة هدفها ملاءمة الديمقراطية الاشتراكية مع عالم تغير ~~تغيرا أساسيا على مدى العشرين أو الثلاثين عاما الأخيرة. إنه ~~الطريق الثالث، بمعنى أنه محاولة لتجاوز كل من الأسلوب القديم ~~للديمقراطية الاشتراكية، وأيضا الليبرالية الجديدة .. إنه استجابة ~~جديدة برجماتية إزاء القضايا السياسية اليوم.» # وهكذا يظل كتاب «بعيدا عن اليمين واليسار» وكتاب «الطريق ~~الثالث» وغيرهما من كتب أنطوني جيدنز تنويعات على لحن واحد ضمن ~~مشروع فكري أو محاولة اجتهادية وليست بنية لنظرية متكاملة. إنها ~~جميعا تدخل ضمن ما قاله جيدنز نفسه: «محاولة لاستحداث فلسفة ~~سياسية ليسار الوسط، بحيث تتجاوب مع التغيرات الكبرى والجارية التي ~~تغير العالم.» ويمثل الطريق الثالث، كما يرى البعض، ظاهرة مصاحبة ~~أو عرضية في سياق تاريخي معين وقابل للتغيير وفي إطار الحوار ~~الجاد المتاسا لنهج عمل وبنية نظرية نسقية تخرج بالإنسانية - مع ~~اعتبارات ظروف الزمان والمكان - من عالم الشواش الفكري ~~السائد. # وإذا كان يحدثنا جيدنز عن الثقة النشطة وعن العنصر الإنساني ~~الإيجابي الفاعل والمحب للمخاطرة وعن ديمقراطية الحوار؛ فطبيعي أن ~~يتجلى هذا بوضوح في مجال الفكر الاجتماعي السياسي. وطبيعي أيضا، ~~وقد أكد جيدنز صراع المصالح، أن تتباين تيارات الفكر وينشأ يمين ~~ويسار يتجاوزان السابق من حيث الفكر والقضايا وأسلوب العمل، ~~ويستوعبان عالمنا الجديد: يمينا ويسارا ms54 بفكر جديد ومنهج عمل جديد ~~لقضايا جديدة، ويتصفان بالاستجابية الفورية التي يحدثنا عنها ~~جيدنز، استجابية فورية إزاء واقع عالمي سريع التغيير يستلزم أعلى ~~قدر من الدينامية في الفعل وفي الفكر، وأوسع نطاق من التعاون داخل ~~المجتمع وفيما بين المجتمعات. # معنى هذا أن يكون فكر جيدنز شرارة لانطلاق فكر إنساني تنويري ~~جديد للشمال وللجنوب بعيدا عن تراث المركزية الغربية. # | ليس بالبلاغة وحدها تبنى الحضارات # اعتدنا منذ قرون أن نردد عبارة: الإنسان حيوان عاقل؛ أي إن الجوهر ~~المميز للإنسان هو العقل أو الفكر أو المنطق واللغة. وجرفنا هذا ~~الفهم إلى الشكل الظاهري دون تحليل للنشوء التطويري للعقل؛ وارتباطه ~~الوثيق بالفعل - العمل المجتمعي - الذي هو أيضا فعل مجتمعي له نشوءه ~~التاريخي التكويني .. ونجد من المجتمعات من منها أقرت ثنائية ~~الفعل/الفكر؛ بينما أخرى، ونحن منهم، اعتمدنا اللغة/الكلام أو البلاغة ~~خاصيتنا المميزة على المجتمعات الأخرى. وساد قديما تقسيم الناس إلى ~~قسمين: «العاملون بالمخ/الفكر وهم النخبة؛ والعاملون اليدويون وهم ~~العامة والمسحوقون أو المنبوذون ..» وسادت ثقافة تعظيم الفكر واحتقار ~~الفعل والعمل كأن لا علاقة بين الاثنين. # ونلمس هذا في ثقافتنا الحياتية حيث الاعتقاد بأن نطق اسم الشيء يعنى ~~وجوده، ونعرف اسم الشيء وصفاته نظريا بينما لا نعايشه أو نعامله. ~~وتعج ثقافتنا بأسماء مجردة نعاملها كأنها موجودات حقيقية ~~فاعلة. # ومع مستهل حضارة عصر الصناعة، وفي ضوء التطور العلمي والصراع ضد جمود ~~التقليد تأكد مفهوم «الهومو سابينس» أو الإنسان العاقل. وجاء هذا الفهم ~~دعما لاستقلال الفرد وحقه في التفكير المستقل، ومسئوليته عن الفعل. ~~ويمثل هذا التيار عدد من المفكرين من بينهم الفيلسوف الفرنسي «رينيه ~~ديكارت» ومقولته الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود»؛ بمعنى أن الفكر هو ~~جوهر الوجود الإنساني وعلته. وسادت ثنائية الذات الفاعلة المستقلة ~~بنفسها والموضوع (الطبيعة) التي هي وجود منفصل وساحة التطبيق أو الفعل ~~في سلبية؛ أي إن الطبيعة هي المادة الخام الخاملة. # ومع تطور العلوم في جميع مجالاتها الطبيعية والإنسانية بدا واضحا أن ~~هذه الثنائية غير صحيحة؛ إذ لا وجود لذات مستقلة ولا موضوع منفصل ~~مثلما ms55 لا توجد طبيعة دون وجود «الذات»، وأن الوجود فعل وفكر ~~متكاملين. # وتقول في هذا الباحثة بجامعة مانشستر «كيكوك لي»: لكي نفهم نوع ~~الكائن المسمى هومو سابينس «الإنسان العاقل» لا يكفي أن نقنع بتصور ~~النوع كما تصوره ديكارت بأنه في جوهره كائن مفكر يستخدم الرمز-اللغة. ~~ذلك أن مثل هذا الفهم يحكي لنا فقط نصف القصة؛ إذ إنه يغفل قسمتين ~~أخريين بالغتي الأهمية: إنه كائن يسير على قدمين وقد تحررت يداه، وتطور ~~الإبهامان، وتهيأت اليدان لوظائف جديدة متطورة من خلال الفعل، وفي ~~تفاعل مطرد مع قشرة المخ. وبدأت اليدان والمخ من خلال تفاعلها مع ~~الطبيعة في تحويل الأشياء إلى أدوات أو أهداف ومشغولات فنية، وهذا نشاط ~~ليس فرديا، بل نشاط مجتمعي لأهداف مجتمعية ويحقق هدفين: إشباع ~~الحاجات اللازمة للبقاء، وتحقيق الذات والحرية معا. # وهنا نجد أن التعريف الصحيح للإنسان ليس فقط أنه كائن مفكر، بل ~~وبالأولى «كائن صانع» «هومو فابر # Homo ~~Fabr ~~». وهذا جوهر حقيقي. وإن الفعل الإنتاجي أداة ~~لتحقيق الذات ودعم حرية الذات على نحو ما كان حال الإنسان منذ المهد في ~~إنتاج الأدوات والمشغولات الفنية. وهكذا تجاوزت «كيكوك لي» موقف ~~الكوجيتو الديكارتي. وجوهر الهومو فابر هو التحكم في الطبيعة ومعالجتها ~~وفاء لغايات بشرية. وهنا القصدية في الأدوات تعني الفعل والفكر معا، ~~وقد تطور معناها مع التاريخ إلى ما نسميه التكنولوجيا التي هي حصاد ~~الفعل والفكر مجسدين في واحد لضمان بقاء الإنسان وحريته وتحقيق ذاته ~~وهي غايات متطورة أيضا. # وتأكدت أهمية هذا المعنى مع تقدم العلوم. وأصبح من حقنا القول إن ~~الإنسان الصانع أو الهومو فابر هو جوهر الحداثة في عصرنا الراهن بفضل ~~طاقاته المجتمعية النشطة في مجال العلم والتكنولوجيا. وهذا التكامل بين ~~الفعل والفكر يجري تاريخيا عبر قشرة المخ في صورة تغذية وتغذية ~~مرتدة متبادلة في تطور مشترك، ولعل هذا التكامل بين الفعل والفكر هو ~~ما جعل مفكرا مثل «سورين ريس» يقول: «التفكير في حقيقته حرفة تقنية، ~~وأن هذا البعد التقني هو ما يجعل بالإمكان إبداع أعمال فكرية ~~عظيمة.» # لذلك ms56 فإن المجتمع من حيث هو جماع طاقة بشرية موحدة مدعومة بالعلم ~~والتكنولوجيا، يمثل رصيدا نشطا من الفعل والفكر معا. ومع استمرار ~~النشاط الموحد تطرد مسيرة الحياة المتقدمة. وإذا غاب الفعل جمد ~~الفكر. وجوهر الفعل المجتمعي المجسد في التكنولوجيا هو الحفز المتجدد ~~للفكر من خلال مشكلات التعامل مع الطبيعة؛ أي إن الفعل يحفز البشر إلى ~~التفكير المتجدد في العالم؛ ومن ثم نطور الفكر المجتمعي ونجدد قضايا ~~الحياة، ولهذا فإن من لا ينتج تكنولوجيا مدعومة بالبحث العلمي؛ أي ~~الجمع بين الفعل والفكر معا إبداعا ذاتيا ينصرف فكره إلى ما هو ~~مجرد فقط، ويغيب عنه العالم بقوانين حركته وصيرورته. وقد يمتلك المجتمع ~~الآلة - التكنولوجيا - ولكن يراها مجرد أداة، ويغفل عن حقيقتها أنها ~~دمج أو نتاج تكامل بين الفعل المجتمعي والفكر المستقلين. # لذلك فإن القناعة بمجرد حيازة التكنولوجيا في العالم الثالث تمثل ~~عبئا لا ميزة؛ وتعني تبعية وعبودية للتكنولوجيا ولمبدعيها ~~وأخلاقياتهم. إنهم يملكونها أداة لخدمة دون إدراك لدورها كتجسيد لفكر ~~وإبداع مجتمع آخر يمثل القوة .. قوة الإنسان الصانع «الهومو فابر» ~~وصورة العالم لديه. # وحيازة التكنولوجيا دون العلم إبداعا ذاتيا يعني فقدان السيادة ~~عليها؛ ويعني في التحليل النهائي غياب الواقع وقوانين صيرورته والعيش ~~معه كوجود خامل موجود لخدمتنا باعتبارنا مركز الكون .. وليس غريبا أن ~~من يكف عن الفعل يهيم مع عالم المجردات .. يعيش مع عمل فارغ من الفكر ~~دون العالم بما فيه من قوانين ودون فعل التحكم فيه .. عالم سكوني، ~~وفكر سكوني يتجاوزهما الواقع النشط .. وثقافة سكونية تمجد الماضي ~~وأقصى طموحاتها عود على بدء. # والإيمان العملي بالفعل المجتمعي قرين الفكر في تفاعل مطرد يعني ~~انفتاح باب الأمل والفرص في التغيير والحرية؛ وفي القدرة على التطوير ~~وحل المشكلات على أساس من حصاد فكري متراكم ومتطور هو متاع العقل ~~المجتمعي وحامل خصوصيته، والذي تتجلى فيه هوية المجتمع باعتبارها ~~تجسيد الفعل المتطور. ولذا فهي هوية متطورة تتزايد ثراء وليست شيئا ~~انتقائيا مرحليا خارج الزمان والمكان، ولا هي من نسيج خيال في ~~غيابات التاريخ. وغياب الفعل المجتمعي استسلام للقدرية ms57 وجوهرها غياب ~~الإرادة والمسئولية. # ومثل هذا الواقع تعبير عن موروث ثقافي يشكل إطارا فلسفيا من حيث ~~الفهم الانطولوجي للوجود، وقدرة وحدود المعرفة عن الإنسان؛ أي الإطار ~~الأبستمولوجي. ولكن هذا الإطار الموروث ليس قدرا ولا شيئا جبليا ~~وإنما قابل للتغيير المشروط إراديا. ونحن، وعلى عكس الإطار الموروث، ~~نرى ضرورة الجمع بين الإنسان الصانع والإنسان العاقل، الفعل والفكر، في ~~نظرة تاريخية متطورة وعلى أساس منهج علمي مشروط بالتحديث الحضاري الذي ~~هو تحديث فكر وواقع حياتي إنتاجي واجتماعي يتسق مع مقتضيات حضارة العصر ~~وتحدياتها. وهذا إنجاز حققته مجتمعات أخرى. # وسوف يتبين لنا واضحا أن العجز عن حل المشكلات المتراكمة راجع ~~لأسباب اجتماعية وثقافية وعملية تدخل في نطاق مسئولية الإنسان/المجتمع. ~~وسوف يتأكد لنا أن الإنسان قادر بإرادته وبفعله وبفكره ومنهجه العلمي ~~في الفعل وفي الفكر، أن يصحح أخطاء الماضي ويزيل أسباب التخلف إذا عرف ~~نفسه كوجود تاريخي، وعرف عصره ومقتضياته وتحدياته، وتكيف اجتماعيا ~~للاستجابة نحوها .. أي حين نعرف أن الإنسان جماع تاريخي متطور للفعل ~~والفكر؛ إذ الفعل تغيير وحفز للإبداع .. والكلمة مقطوعة الصلة بالفعل ~~الإنتاجي للوجود جمود وركود مهما كانت بلاغتها. # | غربة العلم والمستقبل في حياتنا # لأي هدف نجد في حياتنا؟ هل نتحلى بجرأة العودة بشكل منهجي علمي ~~إلى الذات والمراجعة النقدية للدور والفعل والفكر - إن وجدت - في ~~التاريخ وفي الواقع الحالي؛ استشرافا لمستقبل ما؟ ما المؤشرات في ~~حياتنا ذات المصداقية التي تؤكد، أو تشير من بعيد، إلى أننا نستوعب ~~روح العصر، وهي العلم، وأننا على الطريق نحو مستقبل مرسوم بإرادتنا؟ ما ~~الفكر وما الفعل الاجتماعيان اللذان يكفلان لنا المنافسة والتحدي في ~~الماراثون الحضاري، خصوصا بعد أن تكثف الزمان والمكان عالميا بحكم ~~ثورة الاتصالات، وأصبح العالم كله يسابق ويصارع بروح العلم ~~والتكنولوجيا والعقل العلمي في ساحة محدودة ومكشوفة توصف بالقرية، بعد ~~أن كانت - حتى بضعة عقود - عالما فسيحا غير متناهي الأبعاد، يضم ~~شعوبا لا يعرف بعضها عن بعض كثيرا أو قليلا. # إنني، عند النظر إلى المجتمعات، أمايز بين حالين: الوجود والبقاء .. ~~الوجود مشروع إرادي ms58 قائم على الفكر والفعل الاجتماعيين معا، تأسيسا ~~على أعلى مستوى لإنجازات حضارة العصر. والبقاء هو حياة الاطراد ~~العشوائي .. اطراد عاطل من فعل الإبداع والتجديد .. امتداد متجانس في ~~المكان بغير زمان، حيث لا تغيير. # ولهذا قلت فيما سبق: المجتمعات - أو لنقل الثقافات الاجتماعية - ~~صنفان، والتصنيف ليس قدرا أبديا، وإنما السيادة والغلبة لهذا أو ذاك ~~رهن شروط وجودية للنهوض أو الانحسار. أقول صنفان هما: ثقافة الوضع، ~~وثقافة الموقف. ثقافة الوضع قانعة بحالها، راضية برصيدها التاريخي ~~الموروث .. والمعرفة عندها، أو قل العلم الأسمى، لا يتجاوز حدود تأمل ~~هذا الرصيد وأقوال الأولين، والأمل عود على بدء .. ومن ثم عزوف عن ~~الإبداع والتجديد .. الزمان امتداد متجانس، فارغ من الأحداث، إلا الحدث ~~الأول والأهم فهو بداية التاريخ وغايته. # وثقافة الموقف إرادة واختيار، والإرادة فعل، والاختيار وعي عقلاني ~~وعزم على التغيير والتجديد، وفهم لمجريات الأحداث والظواهر، وتراكم ~~متجدد متطور لرصيد المعلومات والمعارف، ومن ثم تطور وارتقاء مطرد ~~للهوية الثقافية التي هي عين الفعل الاجتماعي النشط في الزمان، وليس ~~السكون والبحث عن هوية مجهولة في غيابات التاريخ. # ثقافة الوضع تقف على قارعة طريق الحياة، تتأملها تجليات لإرادة من ~~خارجها، وثقافة الموقف تخوض غمار لجج نهر الحياة الصاخب الدافق، تتجدد ~~وتتغير، وتبني وتتحدى وتستجيب، تأسيسا على الفهم والوعي والعقل الحر ~~الناقد الفعال، إنها إبداع الحياة وصناعة التاريخ. # والآن، وقد أصبح العلم والتكنولوجيا - بعد أن بلغا مرحليا ذروة ~~تاريخية فاصلة - أداة صناعة الوجود وبناء المستقبل، وموضوع الصراع ~~والمنافسة والتعاون في آن بين شعوب العالم؛ وأصبحا كذلك محور المراجعة ~~الذاتية لمن شاء الحفاظ على موضع الصدارة أو اكتساب القدرة على اللحاق ~~في الماراثون الحضاري، وتأسيس حياة إنسانية كريمة للشعوب تمثل دعامة ~~ومضمون الانتماء .. ومن هنا أصبح لزاما أن نرى أنفسنا بعقل نقدي في ~~مرآة الآخر المتقدم والمهيمن بفضل امتلاكه ناصية روح العصر .. العلم ~~والتكنولوجيا. # ولكن لماذا العلم؟ لماذا الفهم المعرفي العلمي؟ ولماذا الإنجاز ~~البحثي العلمي ضرورة حياة؟ ولماذا الثقافة العلمية كثقافة عامة؟ لماذا ~~محو الأمية العلمية؟ وهذا هو ما نراه السؤال ms59 الأكثر إلحاحا ودلالة في ~~مجتمعات عجزت عن أن تمحو بالكامل الأمية الأبجدية لشعوبها، فضلا عن ~~ضرورة محو الأمية العلمية والأمية الحاسوبية أو الرقمية. # ليس العلم مجرد اكتساب معلومات علمية أو حيازة ذهنية لمعلومات وحيازة ~~مادية لتكنولوجيا، ولكن العلم الذي يمثل الآن روح العصر، هو منهج في ~~فهم ودراسة الواقع اعتمادا على العقل الناقد بهدف التدخل التجريبي ~~للتغيير. والعلم هنا أبنية معرفية نسقية .. العلم ظاهرة اجتماعية ~~ثقافية، وذلك باعتباره نسقا معرفيا متحدا مع بنية وأنشطة المجتمع. ~~إنه ليس معارف متفرقة بل منهج موظف في خدمة بنية المجتمع يعمل على ~~تماسكها واطراد تقدمها، ومواجهة تحدياتها ورسم معالم مستقبلها؛ ولهذا ~~هو مؤسسة اجتماعية وعنصر حضاري؛ أي ركيزة البناء الحضاري. # وروح العصر هي المعرفة العلمية النسقية التي هي نمط خاص من علاقة ~~الوجود الإنساني بالطبيعة وبالنفس وبالمجتمع .. علاقة النظر والنظرية ~~.. صياغة قوانين وقواعد تكشف عن اطراد الظاهرة وتحولاتها، والإجابة عن ~~السبب والكيف والقدرة على التنبؤ والإفادة العملية بذلك في الحياة ~~الاجتماعية. والتفكير العلمي والمنهجي، أو ثقافة العلم، هي ثقافة نهمة ~~إلى المعرفة أو مغامرة المعرفة. التفكير العلمي مدفوع بقوته الذاتية ~~وبإنجازاته إلى المزيد. إنه نقيض ثقافة الاكتفاء الذاتي أو ثقافة ~~الحقيقة المطلقة واليقين التي تقتل الفضول المعرفي وتعتمد التفكير ~~الاختزالي برد الظاهرة إلى علل خارجها؛ ومن ثم يستحيل على المرء ~~والمجتمع التحكم في شئون حياته. وثقافة العلم هي ثقافة التغيير؛ تغيير ~~العالم عن وعي وإرادة وليس مجرد فهمه أو تأمله أو فك طلاسمه أو النظر ~~إلى الظواهر باعتبارها إعجازا. لذلك هي ثقافة قوة الإنسان وتمكينه ~~والثقة بالنفس، والقدرة على البحث والابتكار والتحدي والتغيير ورسم ~~المستقبل. وثقافة العلم هي ثقافة الإيمان بقيمة الإنسانية، وبناء ~~الإنسان؛ لذا هي ثقافة الديمقراطية. # والعلم أداة تحقيق الذات عن وعي ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، ~~وإدارة الدفاع عن النفس وكفالة الأمن والانتصار في صراع الوجود .. هي ~~أداتنا للتعبير عن الهوية وتأكيد أصالتها بعيدا عن تهويمات ~~أيديولوجية؛ لأن الهوية في جوهرها فعل الذات الواعية .. فعل إنجاز ~~«النحن» المجتمعية في الاستجابة للتحديات بلغة وقدرات ms60 حضارة العصر، ~~وبذا تدعم الانتماء وترسخ عوامل تلاحم بنية المجتمع. # السؤال الأبدي الذي نكرره، أجيال وراء أجيال: لماذا تخلفنا وتقدم ~~غيرنا ؟ والإجابة يسيرة .. السبب غربة العلم في حياتنا وغربة المستقبل ~~أو غيابه عن إرادتنا. # نعاني أعراضا مزمنة هي بيت الداء حضاريا .. نجملها فيما يلي: # غياب قيمة مغامرة المعرفة واكتشاف المجهول وحرية ~~السؤال والبحث وحق الاختلاف، وأن التنوع إثراء للفكر ~~وازدهار حضاري .. وهي قيمة يجري غرسها من خلال التنشئة ~~الاجتماعية والتنشئة التعليمية في المدرسة لتصنع مناخا ~~عاما. # غياب سياسة علم وتعليم تحقق للمجتمع - بفضل ومن خلال ~~مواطنيه - أهلية الاندماج والتكامل مع الشبكة العالمية ~~للإنجاز العلمي والتكنولوجي وامتلاك قدرة تحقيق المصير ~~والأمن القومي وإرادة الفعل. # هجرة الباحثين العلميين إلى الخارج، حيث يجدون ذواتهم ~~في الفرص المتاحة للتعبير عن قدراتهم واستثمارها بدلا من ~~حياة الغربة في الوطن. # غياب الحداثة كرؤية وهدف مرسوم ومن ثم غياب آليات ~~التحديث في كل أنشطة المجتمع، وغياب الإيمان بأن التحديث ~~في صورته المتكاملة؛ أعني حضارة الصناعة ومجتمع المعرفة، ~~هما السبيل لعلاج أمراضنا. ولكن تعيش المجتمعات العربية ~~أسيرة اقتصاد الريع، وهو نقيض حضارة الصناعة ومجتمع ~~المعرفة؛ إذ غير خافية طبيعة الرابطة العضوية المكثفة بين ~~الإنتاج الصناعي والبحث العلمي، وإنتاج المعرفة ومقتضيات ~~ذلك سياسيا واجتماعيا وتعليميا .. إلخ. # تعاني المجتمعات العربية من غياب التمويل اللازم للبحث ~~العلمي والتطوير، وتكفي الإشارة إلى أن ما تخصصه في هذا ~~المجال لا يزيد على 0,5 في المائة من إجمالي الناتج ~~القومي، بينما هو في البلدان الناهضة والمتقدمة يتراوح بين ~~2,5 في المائة و3 في المائة. وغير خاف أن طبيعة البحث ~~العلمي الآن شديدة التعقد فضلا عن أنه يمثل شراكة كوكبية ~~تعبر عنه علاقات عضوية بين الأكاديميات والجامعات وبين ~~العلماء كأفراد أو المؤتمرات أو النشرات العلمية. # غياب علاقات التفاعل مع العالم الخارجي المتقدم، وهي ~~آلية الاطلاع على الجديد والمساهمة في الإنجاز والمشاركة ~~العضوية والتطوير لنوعية المنتج وتطوير الفكر. # غياب التعاون العلمي بين البلدان العربية على الرغم من ~~إدراك المسئولين لأهمية هذا التعاون، وسبق انعقاد مؤتمر في ms61 ~~الرباط العام 1976م برعاية ألكسو، وقرر المسئولون اعتماد ~~500 مليون دولار لأغراض البحث والتعاون ولكن لم يتحقق ~~شيء. # غياب الإحصائيات الموثقة عما يمكن أن نسميه النشاط ~~العلمي العربي .. بل وغياب الإحصائيات الموثقة عن الأنشطة ~~الاجتماعية، وغياب حق الحصول على المعلومات إن وجدت، بينما ~~هي قاعدة البحث العلمي الجاد وأساس لتحديد صورة الواقع ~~ورسم صورة المستقبل. # ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية في عديد من المجتمعات ~~العربية وشيوع الأمية الثقافية العلمية والأمية الحاسوبية، ~~وهو ما يعني غياب المواطن، القيمة والدور والفعل، وغياب ~~الثقافة التي تؤهله ليكون فاعلا ومشاركا إيجابيا ~~بفضل الثقافة العلمية؛ أي بفضل الفهم العلمي لقضايا ~~الإنسان، المجتمع، الطبيعة والكون من حولنا، وكما يقول ~~«جيمس تريقيل»: «تعليم العلم يهدف إلى تحسين الرصيد القومي ~~من المواطنين ذوي الكفاءة والأهلية لممارسة الديمقراطية، ~~ومناقشة القضايا القومية، تأسيسا على فهم علمي للقضايا ~~والعلم من حولنا. الديمقراطية لا تستقيم في مجتمع تسوده ~~أمية علمية، بينما نواجه قضايا قومية وعالمية تكتسب، أكثر ~~فأكثر، أبعادا علمية وتقنية ..» والسؤال: كيف نخلق ~~مواطنين قادرين على ممارسة حقهم الديمقراطي بكفاءة، ~~والمشاركة الإيجابية الواعية بفضل الثقافة العلمية؟ # وحري بنا أن ندرك أن ثقافة العلم لا تنشأ ولا تسود ~~لتمثل مناخا عاما إلا في مجتمع منتج للعلم، هو وطن ~~للعلم؛ ومن ثم تكون ثقافة العلم عامل دعم وحفز نحو المزيد ~~.. المزيد من الإنجاز، والمزيد من الاستمتاع بالحياة، من ~~حيث الفهم لظواهر الحياة، والفهم لقواعد إدارة ~~الحياة. # | الأيديولوجيا والتاريخ البديل # نحن فقهاء عصرنا .. # اختلطت الأسطورة بالتاريخ، وصبغت الأيديولوجيا نسيج الحقيقة بلونها، ~~وانتفت الموضوعية والشفافية. ويرى جمهرة الباحثين ما تؤكده سوسيولوجيا ~~المعرفة، وما يؤكده مبحث السيميوطيقا من أن التاريخ نسيج جامع في خيوطه ~~المتشابكة ما بين الذاتي والموضوعي، وأن التدوين التاريخي لذلك يقترب ~~ويبتعد بدرجات متفاوتة عما يمكن إثباته تحت اسم «الحقيقة ~~الموضوعية». # الأيديولوجيا من حيث هي منظومة رمزية تحدد للباحث ما الذي يغفله ~~وما الذي يدركه، وكيف يفهمه ويصوغه في لغة .. الأيديولوجيا هي ~~البارادايم أو النموذج الإرشادي أو الإطار الفكري الذي يصوغ الرؤى ~~الممكنة عن ms62 النظام الاجتماعي في خطاب متسق مع نفسه ومفهوم لأصحابه ~~صياغة هادفة .. يرى المرء من خلالها أهدافه/توقعاته/آماله/أفعاله .. ثم ~~ينفثها أو يغرسها في رأس الآخر الخصم ليتبناها وليتوحد معه فكرا، ~~منسلخا عن ذاته، ويبقى أسير وعي جديد مفروض عليه قسرا من طرف له ~~الهيمنة .. والبشر كائنات مستخدمة للرمز/اللغة. # واللغة ليست شفافة؛ فاللغة قناع بقدر ما هي أداة توصيل؛ ولهذا فإن ~~خبرتنا بالواقع والحقيقة الواقعية «الحدث التاريخي» تتم صياغتها بناء ~~على معنى الأشياء عند المرء، ويتم تأطيرها على أساس المعتقدات والمثل ~~العليا والعواطف المشتركة ضمن الوعاء الرمزي الذي نسميه اللغة. # وتأسيسا على هذا الفهم تستلزم منا المعرفة التاريخية، وفقا لمبحث ~~سوسيولوجيا المعرفة، دراسة العلاقة بين الفكر والمجتمع، وفهم الظروف ~~الوجودية الاجتماعية للمعلومة، الظروف التي أحاطت بإنتاج وتلقي الأفكار ~~التي صيغت أيديولوجيا في نسق معرفي هادف .. وهذا هو منهج تأويل الفكر ~~«الهرمينوطيقيا». # وكما يقول كارل مانهايم: «جميع الأفكار بما في ذلك الحقائق وثيقة ~~الصلة متأثرة بالموقف الاجتماعي والتاريخي الذي انبعثت عنه.» # وتحدد أيديولوجيا الباحث؛ أي ثقافته، هدفه من البحث والمعرفة والكلمة ~~المنشورة، وتحدد له اللغة والأسلوب ورؤيته للحدث وللعالم .. ~~والأيديولوجيا بذلك هي القوة الناعمة في إطار الصراع للسيطرة على ~~الأذهان/الرؤية/الفهم/النظر إلى الأمور .. ومن ثم السلوك والفعل .. ~~وتعيد صياغة الإطار الفكري التاريخي. هذا هو ما يحدث على الصعيد ~~المحلي بين شرائح وتيارات المجتمع، وعلى الصعيد العالمي فيما بين ~~المجتمعات .. الصراع المسلح الذي يتوجه صراع الثقافات؛ ولهذا نقول ~~إن مبحث التاريخ في حد ذاته هو أحد ميادين الصراع الأيديولوجي. # مبحث التاريخ حلبة صراع بين الثقافات: الرؤى والمصالح والسلوك .. ~~والكلمة العليا لصاحب الغلبة، للمنتصر دائما .. لهذا يشمل التاريخ على ~~ما نسميه المنفى الفعال .. أعني ما حجبته قسرا قوة المنتصر ~~وسلطانه، وإن ظل باقيا كامنا كمن يتربص إلى حين فرصة تمنحه قوة ~~وقدرة على الظهور مثلما كان في الماضي دون اعتبار للتغيرات، فيكون ~~ردة؛ أو في ثوب جديد ملائم لمقتضيات روح العصر فيكون تطورا ~~وارتقاء. ويصدق هذا أكثر ما يصدق على تاريخ مصر المهزومة سياسيا منذ ~~500ق.م. # اصطلحت ms63 إرادات القوى الغازية على اختلاف مشاربها على طمس الذاتية ~~الثقافية لمصر ووعيها بذاتها التاريخية الذي يشكل ركيزة جوهرية لتماسك ~~البنية الاجتماعية، ولوحدة الوعي التاريخي؛ واستعادة مبررات قوتها ~~الإقليمية لكي تعقد العزم على الشروع في بناء نهضة جديدة. تاريخ مصر ~~الذي افترى عليه الغزاة، وافترى عليه مصريون أيضا باسم الأكاديمية ~~الزائفة حينا، وباسم المقدس حينا آخر، وأصبح منذ احتلال الفرس لمصر ~~ومن جاء بعدهم من الغزاة موضوعا للتجريم أو التحريم. والأمر في ~~الحالين تعبير عن صراع أيديولوجي يخفي صراع مصالح، ولا تزال الجريمة ~~ممتدة في حق التاريخ على الرغم من استقلال مصر. # وأذكر قصة «فيثاغورس» كمثال لغرابتها ودلالتها؛ إذ تمثل قصة حياة ~~«فيثاغورس» وإنجازاته تطبيقا لهذا النهج في الصراع الأيديولوجي الذي ~~استنه الغزاة السابقون وإن تباينت موضوعات الانحياز. وتحول فيثاغورس ~~في سياق تاريخ الفكر الغربي إلى لغز من حيث النشأة الفكرية وتعاليمه ~~ومنهجه، وعرفناه نحن والغرب أنه صاحب رؤية وممارسات حياتية صوفية، وأنه ~~صاحب نظرية رياضية سميت باسمه، ولكننا لا نعرف من أين استقى علومه .. ~~بل لا نكاد نجد ذكرا لتاريخه إمعانا في إخفاء دور مصر العلمي. ويدخل ~~هذا النهج المتواتر ضمن جهود استلاب تاريخ أمة وانتحال ثقافتها، وتزييف ~~دورها العلمي لغرس مشاعر التفوق والهيمنة في نفوس الغازي، وغرس مشاعر ~~الدونية عند أهل مصر لإعاقتهم عن النهوض أو الاعتزاز بذاتيتهم ~~التاريخية .. تعددت سبل الاستلاب والهدف الواحد. # ونقرر من باب الأمانة أن بعض مفكري الغرب في النصف الثاني من القرن ~~العشرين بخاصة كانوا أسبق في بذل الجهد لنقد كتابة التاريخ من منظور ~~غربي؛ ومن ثم رد الاعتبار لمصر ودورها الحضاري. وهذا هو ما حدث ~~بالنسبة لتاريخ العديد من المستعمرات التي انبرى كتابها ومؤرخوها ~~لكتابة تاريخ بلادهم من منظور وطني؛ ليكون التاريخ أرضية صلبة تؤكد ~~وحدة الذاتية القومية والانتماء وتوحيد الجهود للنهضة؛ إذ إن الوعي ~~بالتاريخ يمثل دعامة أساسية بل حيوية لحشد الجهود نحو هدف قومي ~~مشترك. # وجدير بالذكر أنه التزاما بروح وطنية مؤسسة على فكر علمي ظهرت ~~دراسات مصرية عديدة ترد الاعتبار ms64 لمصر القديمة. وأوضحت دراسات كثيرة ~~مصرية وغربية أن التفاعل الفكري بين الحضارات، مصرية وبابلية وإغريقية ~~.. إلخ. كان ثراء وإثراء للإنسانية جمعاء. # وتكشف دراسات عديدة الآن عن فضل مصر الفرعونية على علم الرياضيات ~~والعمارة والفلك والفكر الفلسفي. ونذكر هنا الدراسة الصادرة عن الجمعية ~~الفلسفية الأمريكية التي أصدرت عدة مجلدات ضخمة وموثقة بنصوص فرعونية ~~تحت عنوان «العلم المصري القديم، كتاب مرجعي». نذكر من بينها المجلد ~~الثالث بعنوان: «الرياضيات في مصر القديمة» الصادر عام 1999م. # وظهرت أيضا دراسات أوروبية ومصرية حديثة توضح أن فيثاغورس شخصية ~~حقيقية وفد إلى مصر طالب علم مثله مثل طاليس وأفلاطون. والتحق ~~بمعابدها بعد أن اجتاز اختبارات التأهل للالتحاق. ونهل من علمها ومكث ~~عشرين عاما إلى أن أسره الفرس وأرسلوه إلى بابل حيث بقي هناك 18 ~~عاما عاد بعدها شيخا هرما إلى ساموس مهبط رأسه. # وبرزت أسماء علماء وباحثين ومؤسسات أبدوا عناية كبيرة بتراث مصر ~~العلمي في عصر الفراعنة، وهو تراث كان مصيره الإغفال أو الانتحال زمنا ~~طويلا. # ويقول عزيز فهمي في دراسة له عن فيثاغورس: «وتقتضي الأمانة الثناء ~~على مؤرخي علم الرياضيات في جامعة سان أندروز بأسكتلندا المتخصصة في ~~الرياضيات، الذين قدموا تاريخا صحيحا عن حياة فيثاغورس وعن إقامته ~~المطولة في الشرق.» ويضيف قائلا: «ويوضح المؤرخ سالينجروس # Salingiros # في مقالة له على موقع ~~الجامعة: «إن ما أريد التأكيد عليه هنا هو فضل مصر الفرعونية على علم ~~الرياضيات طوال 3000 سنة قبل مجيء فيثاغورس إلى مصر.»» # ونجد في كتاب «الأصول الشرقية للعلم اليوناني» تأليف د/محمود محمد ~~علي أستاذ الفلسفة بجامعة أسيوط عرضا وافيا للنشاط العلمي في بلدان ~~الشرق القديم، والأصول الشرقية للرياضيات وللطب اليوناني والفلك ~~اليوناني. ثم يضيف قائلا: وكشفت برديات عديدة لمصر الفرعونية عن مدى ~~تقدم المصريين القدماء في عدد من العلوم، في الطب والفلك والرياضيات ~~وغيرها .. منها بردية أحمس والمعروفة باسم مكتشفها ريند # Rhind ~~، وبردية كاهون، وبردية ~~برلين، وبردية موسكو، وبردية أخميم. وتكشف جميعها بوضوح عن مدى تقدم ~~مصر الفرعونية في الرياضيات، كما تكشف عن معرفة المصريين ms65 بطرق الحساب ~~والهندسة وقياس الأحجار وكذا الهندسة الوصفية. # إن تاريخ مصر حجبته أساطير وأكاذيب كثيرة هي بعض محاولات تزييف ~~متعمدة هدفها اصطناع تاريخ بديل. وهدفنا رد اعتبار لتاريخ انسلخنا ~~عنه وصدقنا الأسطورة. واستعادة صورتنا الذاتية في بنية تاريخية هو ~~شأننا، وأهل مصر أحق بذلك حين نكون على الطريق لصنع تاريخ حقيقي ~~جديد. # | الأيديولوجيا والوعي التاريخي الزائف # كثيرون قد يهيمون على غير هدى بعيون مغلقة قانعين بثقتهم في ~~التراث بدلا من بحث وتأمل ما يجري من تغيير .. إنه لأمر ~~مروع. # دانييل دنيت # لم يكن التحرر الوطني ساحة للمواجهات السياسية فقط بل والمواجهات ~~الثقافية، ولهذا كانت معارك التحرر الوطني في البلدان المستعمرة، ~~سابقا، مناسبة للاهتمام بالدراسات التاريخية. واقترن هذا بتنامي ~~الشعور بالنزعة القومية. وبرزت قضية الخصوصية أو الأصالة أو الهوية ~~تعبيرا عن جهود استكشاف عناصر ومظاهر وحدة الذات التاريخية. وظهر ~~الاهتمام بالتاريخ كدراسة علمية نقدية مواكبة لحركة التحرير لأسباب ~~عدة: ~~(1) # رد فعل ضد ما كتبه المستعمرون؛ أي إعادة صوغ صورة ~~موضوعية عن الذات القومية غير الصورة التي رسمها الآخر ~~«المستعمر»، وليكون التاريخ قوة دفع. ~~(2) # استكشاف الوحدة التاريخية للهوية كعملية متطورة، ولتأكيد ~~الانتماء أو التوحد والتطابق مع الجماعة. # ولقد تباينت مواقف الأمم من تاريخها أثناء وبعد التحرير؛ إذ هناك من ~~لم ينزع إلى النظر إلى تاريخه نظرة علمية نقدية، بينما حرصت أمم أخرى ~~على تأكيد استقلالها الفكري وصياغة بنية ذهنية موضوعية من خلال جهودها ~~البحثية. ونذكر هنا ما قاله المفكر والمؤرخ الهندي # R. K. Panikar # عام 1947م: «تعي الهند ~~الآن ماضيها .. لقد تعاظمت الحاجة إلى تاريخ الهند على نحو يعيد بناء ~~الماضي بحيث يهيئ لنا فكرة عن تراثنا. إن تاريخ الهند الحقيقي أثناء ~~الفترة البريطانية لا يتألف من أنشطة شركة الهند الشرقية ولا ممن خلفها ~~ممثلا للتاج البريطاني، وإنما قوام تاريخنا الانتفاضة الكبرى التي ~~قادت إلى تحول المجتمع الهندي .. وهذا على خلاف الرؤية الغربية ~~..» # لهذا يتصدر التاريخ كمبحث علمي وأداة إعادة بناء صورة الذات أولويات ~~الأمة حين تهم بالنهوض عاقدة العزم على الحركة ms66 نحو المستقبل. ذلك أن ~~المستقبل هو علة التاريخ، بمعنى أن نظرة الإنسان للتاريخ وصورة وعيه ~~به، رهن السعي نحو بناء مستقبل محدد المعالم تحفز إليه حاجة عملية .. ~~أولها اطراد البقاء في مواجهة تحديات الصراع؛ إذ بدون ذلك لا مكان ~~للتاريخ كرؤية عقلانية نقدية، بل لماض متوهم. وبدون سعي ~~الإنسان/المجتمع إلى مستقبل تحفزه وترسمه ضرورات عملية، وتستثيره ~~تحديات التكيف والبقاء في سياق صراع الوجود، إما البناء أو الفناء ~~الحضاري .. بدون ذلك يكون الحديث عن التاريخ ضربا من التحليق في ~~الفراغ، بل لن يكون الحديث هنا عن تاريخ قوامه وحدة الوجود والوعي ~~الاجتماعي، أو لنقل فعالية الذات الاجتماعية قرين وعي اجتماعي في سياق ~~من الدينامية المطردة، وإنما سيكون التاريخ مجرد ماض أو تاريخ أسطورة ~~.. أو أيديولوجيا. # إن الأمة تفكر لنفسها وبنفسها؛ أي يكون لها فكرها المستقل، ويتوفر ~~لها ركن من أركان الإرادة الجمعية، حين تعي ذاتها التاريخية في استجابة ~~لتحديات مفروضة على هدي مشروع عملي مستقبلي. أو بمعنى آخر أن تحديث ~~وتطوير المجتمع رهن شرطين: ~~(1) # وعي عقلاني نقدي بالذات أو بالتاريخ في وحدته ~~وحركته. ~~(2) # استراتيجية تطوير شاملة. # والوعي العقلاني النقدي يستلزم بداية إسقاط جميع التحيزات السائدة ~~التي تحكم نظرتنا، وأن نبدأ النظر إلى التاريخ؛ أي نبدأ المراجعة ~~النقدية للتاريخ، تأسيسا على منهج علمي في اتساق مع متطلبات النهضة. ~~وحري بنا أن نعترف أننا لا نملك هذا الوعي بالتاريخ في وحدته وشموله ~~وموضوعيته لأننا لا نملك الحافز إليه ولا الجرأة على توظيف المنهج ~~العلمي في البحث، خاصة وأننا عشنا أسرى ثقافة مندمجة مع وفي ثقافة لها ~~قوة دمج طاغية ومتماهية مع الدلالة الدينية، وفي ضوء تراث ديني اتسع ~~قسرا ليشمل السياسي والتاريخي وكل مكونات وعناصر الوعي الاجتماعي؛ أي ~~أسرى أيديولوجيا. # وإن الهدف من إسقاط الانحيازات والأهواء هو الابتعاد عن الانتقائية، ~~وتأكيد وحدة التاريخ في عراقته المطردة عميقة الجذور، وفي حركته بين ~~المتناقضات، وبفعل هذه المتناقضات، وذلك التماسا لوحدة الأنا أو ~~الذاتية القومية وصولا إلى حس تاريخي صادق يدعم روح الانتماء. ولن ~~تكون صورة ms67 الأنا هنا وعاء نثار من معارف وأحداث متراكمة، بل أنا ~~نسقية غير متصدعة؛ فاعلة ومنفعلة جمعيا، ومتطورة ومتغيرة سلبا ~~وإيجابا في وحدة جدلية تاريخية؛ أي تأكيد شعور التوحد مع الجماعة من ~~خلال الفعل والتفاعل على صعيد جمعي. # والتاريخ في ضوء هذا ليس هو الماضي، وليس شتاتا من وقائع نرويها، بل ~~هو البعد الزماني لوعي المجتمع في إطار وظيفي هادف. إنه الصياغة ~~النظرية لهذه الوقائع في نسق يكشف عن طبيعة العلاقة بينها داخل تجمع ~~دينامي لقوى تعبر عن ذاتها وتتجلى في صيرورة مطردة .. وبدون هذا النسق ~~النظري الذي يضع الإنسان؛ ومن ثم المجتمع، باعتباره وجودا ممتدا ~~بامتداد الأحقاب والعصور نفقد القدرة على فهم الذات وتأكيد وحدتها ~~ضمانا لفعاليتها الإيجابية في حركتها نحو المستقبل؛ بل أقول نفقد ~~دعامة أولى وشرطا مسبقا، من بين شروط أخرى، للقدرة على تصور المستقبل ~~كهدف نابع من ذاتنا وننتمي إليه. # ولهذا أصبح علم التاريخ هو البعد الزماني للعلوم الاجتماعية، وهو ~~حصاد إسقاط العلوم على أحداث التاريخ من حيث هي تعبير عن ذات فاعلة ~~«المجتمع» داخل بنية وفي سياق محلي وإقليمي وعالمي بكل تحدياته؛ ولهذا ~~ارتبط التاريخ في تقدمه بتقدم العلوم الإنسانية والعلوم بعامة، حتى إن ~~هناك من يرى أن التاريخ والعلوم الأخرى أجزاء من متصل واحد وصولا إلى ~~نظرة شاملة إلى وعي الإنسان/المجتمع. ودفع هذا البعض إلى القول إن ~~التاريخ القومي، والنظرية التاريخية القومية، جزء من نسق أشمل هو ~~نظرية تاريخ الإنسان؛ لأن النوع الإنساني بعض هذا الكون الطبيعي على ~~اتساعه؛ إذ هل يستغني عالم البيولوجيا عن التاريخ؟ وهل لا توجد صلة بين ~~الزمن التاريخي والزمن البيولوجي؟ أو بين التاريخ من حيث هو البعد ~~الزماني للإنسان وبين الجيولوجيا وتأثير عناصر الجيولوجيا في تطور ~~الكائنات الحية وتطور الحضارة؟ وهل هناك قطيعة في التاريخ بين الحضارات ~~والشعوب؟ أليس التاريخ المروري أو المكتوب يمثل رأيا ورؤية في صياغة ~~لغوية داخل سياق اجتماعي له شروطه ومن ثم يلزم فهم الرواية في ضوء ~~التحليل اللغوي والاجتماعي؟ ويلزم الكشف عن المسكوت عنه أو ms68 ما نسميه ~~المنفي الفعال؟ # لهذا لم يعد ممكنا دراسة التاريخ أو دراسة الإنسان في بعده الزماني ~~باعتباره حدثا أو أحداثا مفردة، بل التاريخ منتج اجتماعي جامع لعناصر ~~كثيرة تتكامل في دراستها وتحليلها وفهمها علوم متباينة. وأضحت القاعدة ~~أن يضم أي مؤتمر لعلم التاريخ علماء من تخصصات مختلفة توافروا على بحث ~~ظاهرة مشتركة من زوايا متكاملة. ويأتي هذا اتساقا مع منهج البحث ~~الجامع أو منهج البحوث البينية # interdisciplinary ~~. # وأفضى هذا إلى أن تحول الاهتمام من الخاص إلى العام، ومن الحدث ~~المفرد إلى الإطار البنيوي الأساسي الذي تعمل فيه الأحداث والشخصيات؛ ~~أعني رؤية الحدث التاريخ، وهو المنتج الاجتماعي، في سياقه الاجتماعي ~~الكامل، وباعتباره دالة على الفعالية وعلى البنية الاجتماعية معا. ومن ~~هنا لم يعد بالإمكان وجود عالم تاريخ ولا علم تاريخ في بيئة «علمية» ~~منعزلة عن العلوم الأخرى وإنجازاتها، وعما طرأ على مناهج البحث من ~~تحولات. ومن هنا أيضا لا يمكن أن ينهض علم التاريخ إلا في إطار نهضة ~~علمية متكاملة تشكل ركيزة حركة مستقبلية شاملة المجتمع كله. والعكس ~~صحيح أيضا؛ إذ لا يمكن أن ينهض مجتمع ويمضي قدما نحو المستقبل بدون ~~نهضة علمية متكاملة شاملة علم التاريخ منهجا ونهجا ونظرية. # وإذا كان البعد العلمي شرطا للنهضة، فإنه بالأولى شرط لفهم الذات في ~~بعدها الزماني ووحدتها التاريخية، ففي هذا حصانة ووقاء ضد الشعور ~~بالدونية عند التعامل مع الغير، وتأكيد للذاتية عند التصدي للحركة ~~المستقبلية، وضد التهويم في الفراغ أسرى أهواء وأساطير تقتلعنا من واقع ~~الحياة وتحدياتها .. وإن مقتضيات التحديث الإجابة عن سؤال ماذا أفعل ~~بالتاريخ، أو بما هو تاريخي، أو بما هو موروث ثقافي عن التاريخ؟ تماما ~~مثلما أسأل وماذا أفعل بما هو غير عقلاني في المجتمع والتاريخ وفي ~~الموروث الثقافي؟ وأيضا كيف أفهم المعلومة التاريخية على نحو موثوق ~~ومعتمد لتوظيفها في إطار حركة المجتمع المستقبلية؟ # ذلك لأننا في رؤيتنا لصورتنا الذاتية التاريخية تعرضنا لما يمكن أن ~~نسميه انتهاكا لموضوعية التاريخ؛ إذ تناوبتنا قوى غازية عديدة، ~~وحاولت كل قوة من هذه القوى ms69 أن تقدم نفسها باعتبار أنها هي «الأصيل»، ~~بينما ماضينا هو «الآخر»، والعدو، أو الزائف، أو الجاهلية. ونجد هذا ~~متحققا سواء كان الوافد عقيدة دينية أم قوى استغلال سافرة. وأدى هذا ~~إلى نشوء علاقة جدلية متوترة بين الماضي السابق على الغزو وبين الرؤية ~~الأيديولوجية الجديدة؛ إذ قد نرى الفن الفرعوني؛ أيديولوجيا، عملا ~~مرذولا ننسلخ عنه؛ أعني أن تنسلخ الذات عن تاريخها لحساب نظرة ~~أيديولوجية جديدة. هذا بينما نجد مجتمعات أخرى عمدت في تأكيد وحدتها ~~القومية إلى استيعاب كل عناصر التاريخ في بنية واحدة ممتدة على الرغم ~~من التوترات والتناقضات. نجد هذا في رؤية الهند لتاريخ المغول، ورؤية ~~شعوب المكسيك للمسيحية الوافدة. # ونحن لا نزال في رؤيتنا التاريخية تحت سطوة منهج السلف المعتمد على ~~الرواية والمنبثق عن أيديولوجيا. والرواية رؤية تحكمها أيديولوجيا ~~وسياق اجتماعي (اقتصاد وسياسة ولغة .. إلخ). وننزع في اتجاهنا التاريخي ~~نحو التجميع والتوليف دون التحليل، بل قد تجبرنا الرؤية الأيديولوجية ~~على إغفال النظر إلى وقائع أو تحويرها. ونلحظ أن الرواة تعاملوا مع ~~الماضي على نحو ما يتعاملون مع الواقع؛ أعني التعامل في ضوء حاجة ~~تمليها السلطة وسطوة السلطان. ويشهد التاريخ المكتوب أن السلطة كان لها ~~دائما دور مركزي انعكس على النهج السائد في كتابة التاريخ، فجاء ~~التاريخ المكتوب تاريخ القوى المتسلطة. وتعذر التحقق من صدق الرواية ~~الواقعة، نظرا لغياب الوثائق والتوثيق في حياتنا الثقافية. وغالبا ما ~~تكون الرواية للتبرير، وليس للتسجيل. # وأفضى هذا إلى إغفال كل قوى المعارضة في التاريخ؛ مما يجعلنا نسأل، ~~ما الذي أهمله التاريخ؟ ومن الذين أهملهم التاريخ المروري أو زيف ~~تاريخهم من قادة فكر أو حركات سياسية أو قبائل أو معتقدات أو حضارات؟ ~~ولنا أن نسأل ما هو التاريخ المسكوت عنه، أو التاريخ الصامت، بفعل ~~سلطان الأيديولوجيا .. أيديولوجيا سياسية أو دينية .. إلخ. لقد اشتمل ~~تاريخنا على مساحات متواترة صماء مظلمة ولكنها ليست خرساء، بمعنى أن ~~الرواية التاريخية لا تلغي الواقع؛ فالتاريخ الممنوع، أو غير المعلن، ~~موجود تحت السطح، فاعل وله دلالته التاريخية، بل ودوره الاجتماعي الذي ms70 ~~يتعين الكشف عنه. # وأفضى نهج التبرير الأيديولوجي في رواية التاريخ إلى إنكار واستنكار ~~مراحل كاملة من تاريخنا. وهكذا بات من أخطر أمراضنا عرض اختلال ~~الأنا، وافتقاد الحس التاريخي بوحدة الذاتية القومية في بعدها الزماني ~~كوحدة جدلية على الرغم من التناقضات أو من خلال تفاعل التناقضات. ~~واعتدنا أن نعيش أسرى الحدث المرحلي الأخير؛ مما دفع البعض إلى قول ما ~~يقوله العلامة المؤرخ البريطاني بترفيلد: «إن الساميين يرون الحدث ~~التاريخي نقطة فصل لا وصل بين الماضي والمستقبل، حيث قد نبدأ من الحدث ~~وننفي أو نشوه ما سبق تعزيزا وتبريرا للجديد. ولا يهم التسلسل، فإن ~~الحدث كيان مستقل، ولهذا ينتهي التاريخ عند حدث معين هو الخاتم المبين، ~~ونرى فيه أيديولوجيا النهاية والغاية وننشد العودة إليه .. بينما ~~الصواب أن الحدث نقطة فصل ووصل في امتداد أو متصل كوني.» # إننا على المستوى الثقافي الاجتماعي، بل وعلى المستوى التعليمي ~~والعلمي، نعيش تاريخا ممزق الأوصال، يدعم اختلال الأنا، ويشوه الحس ~~التاريخي في وحدته، وهذا من شأنه أن يطمس عوامل التضافر الاجتماعي ~~ويثير عوامل الفرقة على أساس عرقي أو طائفي أو عقيدي. وها نحن نرى ~~كتابات أهل السنة تصادر على الشيعة، والعكس بالعكس، ونرى الاثنين معا ~~يصادران على الخوارج، وبين هذا وذاك نملك روايات مقطوعة الصلة بواقعها ~~الاجتماعي، ومساحات مهملة أو مغفلة عن عمد .. لذا بات مشروعا السؤال: ~~ما هي حقيقة التاريخ وسط هذا الركام المتنافر. وتفاقم هذا الخطأ والخطر ~~لما له من تأثير يكاد يهدد حياتنا على نحو ما رأينا في التاريخ، ونرى ~~الآن، من صراع دموي معلن أو مضمر تغذيه في العراق وفي العربية السعودية ~~ومصر، كمثال، نزعات طائفية مذهبية تنفي المواطنة والوطنية وتعطي ~~الأولوية المطلقة للطائفية أو المذهب على حساب الوطني وبقائه؛ أي ~~السلطة، كل السلطة للأيديولوجيا على حساب الحقيقة. # إذا كنا ننشد تغييرا جذريا للمجتمع، فإن أول شروط ذلك فهم التاريخ ~~علميا فهما نقديا في وحدته وحركته الدينامية ليكون ولاؤنا ~~إبداعيا، وليكون حسنا التاريخي صادقا، فتقوى لحمة المجتمع ~~وتتماسك عناصره. إننا نريد تاريخا حقيقيا ms71 لا التاريخ الأسطورة. ~~وسبيلنا إليه التزام بمنهج بحث علمي لدراسة واقع التاريخ والعوامل ~~الاجتماعية المحركة له بكل ما في هذه الحركة من تناقض، وواقع العوامل ~~المؤثرة سلبا وإيجابا على هذا التاريخ إلى حد أن وصل إلينا؛ وتحليل ~~هذا الواقع في إطاره الثقافي للمجتمع الذي نشأ فيه .. والواقع مفهوم ~~واسع يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ~~والفكرية .. إلخ، حتى تتوافر لنا من خلال تعاون علم التاريخ مع علوم ~~الإنسان الأخرى رؤية شاملة مقننة عن المجتمع والفرد، ونهج استجاباته ~~وفعاليته؛ ومن ثم تتيسر آلية تعبئة طاقة المجتمع في حركة نحو ~~المستقبل. # ويدعم هذا النهج اتباع أو ابتداع منهج بحث جديد لأركيولوجيا ~~التاريخ يكشف عن حقيقة البنى المفهومية القائمة وراء شتى مراحل ~~التاريخ .. ليغدو التاريخ خريطة معرفية «جيولوجية» أو تراتبية للأمة ~~.. ونفهم أنفسنا، ونستكشف على هديه الطبقات التاريخية للمجتمع على مدى ~~الزمان في ضوء دراسات اجتماعية ولغوية واقتصادية وسياسية وفكرية بحيث ~~تمهد لنا هذه الدراسة الطريق إلى صياغة نظرية عن الإنسان في تطوره على ~~هذه الأصعدة؛ مما يخلق أرضا صلبة تدعم حركة المجتمع ~~المستقبلية. # | القرن الأمريكي: البداية والنهاية # البداية # في عام 1941م كتب «هنري لوس» المحرر بمجلة تايم مقالا يحض فيه ~~الولايات المتحدة على أن تتبوأ مكانتها في التحالف ضد النازية ~~لتخطو على طريق زعامة العالم. وكان هو أول من صاغ عبارة «القرن ~~الأمريكي» وتعني العبارة من بين ما تعني سيادة «السلم الأمريكي Pax Americana ~~» أي استقرار ~~الأمن في العالم وفقا لهوى ومصالح وإرادة أمريكا. وهذه فكرة ~~مستوحاة من حالات سابقة في التاريخ البعيد والقريب وإن اختلف ~~النطاق؛ إذ كان القرن التاسع عشر هو قرن السلم البريطاني Pax Britannica # حين كانت ~~بريطانيا القوة الأعظم وفرضت سطوتها وحمايتها على الأراضي والبشر. ~~ويعبر، كمثال، عن مضمون هذا التوجه كلمة «لورد بالمرستون» عام ~~1850م في مجلس العموم البريطاني؛ أي والعالم يعيش قرن السلم ~~البريطاني: «أن أي رعية بريطاني في أي مكان في العالم يجب أن يكون ~~واثقا من أن عين إنجلترا اليقظة وذراعها الطولى القوية سوف ms72 ~~تحميانه من ظلم وأخطاء الآخرين.» مثلما كان حال المواطن الروماني ~~في عصر السلم الروماني Pax Romana # أو سيادة وهيمنة الإمبراطورية الرومانية؛ إذ يكفي أن يقول: «إني من ~~مواطني روما»؛ أي أنا صاحب السيادة والحماية . وهذا هو عين شعور ~~الأمريكي. # وتواتر الحديث بعد مقال «هنري لوس» عن القرن الأمريكي. وتغير في ~~توافق مع تغير واقع الأحداث وميزان القوة في العالم؛ إذ نجد أخيرا ~~أحاديث في صيغة تساؤل: هل من قرن أمريكي ثان؟ تعبيرا عن التفاؤل ~~حينا وعن الشك حينا آخر. وارتفعت صيغة التفاؤل خاصة بعد سقوط ~~الاتحاد السوفيتي وتفكك رابطة الدول الاشتراكية. ونجد آخرين ~~يحدثوننا صراحة عن «نهاية القرن الأمريكي». بل إن بعض القوى ~~والمراكز الأمريكية خاصة الأقليات الذين عانوا من قهر وبطش السلطات ~~الحاكمة ويقدمون أنفسهم وحياتهم الاجتماعية دليلا على زيف ~~الشعارات الأمريكية؛ إذ يكتب هؤلاء، ومن بينهم الهنود أو السود ~~الأمريكيون دراسات ومقالات بل ويعقدون الندوات تحت عنوان «قرن من ~~العار # A Century Of Dishonor ~~» ولكن ~~ثمة أسئلة: متى بدأ القرن الأمريكي؟ وهل من نهاية له؟ ومتى بدأت ~~النهاية؟ أو كيف ستكون هذه النهاية؟ # أحسب أن القرن الأمريكي بدأ بعد أن أجهز الشمال الصناعي الأمريكي ~~على الجنوب الزراعي فيما عرف باسم الحرب الأهلية 1861-1865م. ~~انتفض المارد وتطلع في نهم إلى الخارج .. بداية الطريق. ولكن بأي ~~لسان ومن وراء أي قناع يتحدث إلى العالم؟ شأن جميع القوى الطامعة ~~تشرع في غزواتها تحت اسم رسالة جديدة إلى الإنسان والإنسانية. وهنا ~~كان الحديث عن «العالم الحر». وجرت تسمية الهيمنة على الجنوب اسم ~~«تحرير العبيد» والإعلان عن التزام «العالم الحر» الجديد بأن ~~«الناس جميعا سواسية» على نحو ما أعلن أبراهام لنكولن. # ويمكن القول بعبارة أخرى أن الولايات المتحدة بدأت أولى خطواتها ~~على طريق زعامة العالم، ومن ثم مطلع القرن الأمريكي مع بداية ~~أفول عصر السلم البريطاني وبداية تخلف بريطانيا أو تراجعها مع ~~بداية الكساد العظيم عام 1873م كما أوضح أندريه جوندر فرانك في ~~كتابه «الشرق يصعد ثانية» ترجمة شوقي جلال؛ إذ في هذه ms73 الفترة ~~انتزعت ألمانيا وأمريكا الشمالية من بريطانيا موقعها المتميز ومصدر ~~كبريائها. والمعروف أن الولايات المتحدة كانت عام 1860م تحتل ~~المركز الرابع من حيث الإنتاج العالمي. وقبل نهاية القرن أو في عام ~~1894م أضحت الدولة الأولى في العالم من حيث حجم الإنتاج. # وتجلت مشاعر الزعامة العالمية أو الطموح إليها على ألسنة الزعماء ~~والمفكرين والأدباء. ويكفي أن نشير إلى أن الرئيس الأمريكي تيودور ~~روزفلت «1858-1911م» يصرح عند ضم قناة بنما إلى الولايات المتحدة ~~«إن الولايات المتحدة إذ تضم قناة بنما إليها إنما تأخذ طريقها ~~الصاعد كقوة عظمى» وهو القائل أيضا: «أمركة العالم قدر ومصير ~~أمتنا.» (انظر، شوقي جلال، العقل الأمريكي يفكر، دار مدبولي ~~للنشر.) # وبدأت الولايات المتحدة خلال هذه الحقبة تبحث لنفسها عن فكر جديد ~~يعبر عن أصحاب السيادة في الاقتصاد وفي السياسة وفي المجتمع، ويعبر ~~عن أساليب الحكم وكفالة الأمن والاستقرار لصالحهم، ثم يعبر بعد ذلك ~~عن مضمون الرسالة ذات الحدين إلى العالم والتي حملت بعد ذلك ~~العبارة المجازية العصا والجزرة الأمريكيتين. # شهدت الفترة من 1860 إلى 1890م مراجعة عنيفة لطابع الحياة ~~الأمريكية والتماس فكر جديد. ويعتبر الربع الأخير من القرن ال 19 ~~بداية العصر الذهبي للفكر الأمريكي النزاع إلى الهيمنة على صعيد ~~عالمي. ظهر مفكرون اقتصاديون من أمثال هنري كاري، وفرنسيس إيه ~~ووكر، وأدوين لورنس جودكين. وأكد هؤلاء مبدأ حرية الإنسان من حيث ~~كونه حيوانا سياسيا واقتصاديا، وأن المال معيار القيمة، ~~والهيمنة أو الاحتكار الهدف الأسمى. ونجد من بينهم من عبر عن ذلك ~~بقوله: «إذا قلت المنافسة هي حياة التجارة فأنت تردد حكمة عفا ~~عليها الزمن.» وساد الولايات المتحدة قول مأثور: «كل ما يحقق ~~الكسب حتى وإن كان النهب فهو موضع تقدير.» ويتسق هذا مع قول ~~ألكسندر هاملتون: «النجاح لا يعرف الأخلاق». وتضخمت مشاعر الذات ~~الأمريكية العنصرية قرينة مشاعر الطمع. ويتجلى هذا في قول ~~السيناتور ألبرت بيفريدج «نحن أنجلو ساكسون، يتعين علينا أن نلتزم ~~بما يفرضه علينا دمنا ونحتل أسواقا جديدة، بل وأراضي ~~جديدة.» # وعبر الأدب عن حقبة الصعود إلى ms74 منبر الزعامة العالمية. ونقرأ ~~كمثال على لسان الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل «1819-1891م»: «نحن ~~رواد العالم وطلائعه، اختارنا الرب .. والإنسانية تنتظر من جنسنا ~~الكثير .. بات لزاما على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة .. نحن ~~الطليعة ننتقل إلى البرية لنقدم ما لم يقدمه الأوائل ..» # وتشكلت نواد من المفكرين الساعين للوفاء بمتطلبات المرحلة ~~وتقديم أيديولوجيا أو قناع فكري للرسالة الأمريكية إلى العالم. ~~ولعل أبرز هذه النوادي ما عرف باسم النادي الميتافيزيقي ~~«1871-1874م». ضم النادي عددا من أهم أعلام الفكر الفلسفي ~~الأمريكي الجديد. نذكر من بينهم أولا «جون فايسك» المؤرخ الذي ~~عبر عن الحلم الأمريكي العظيم في قصة خيالية؛ إذ حدثنا عن رؤيته ~~ورؤياه للمجتمع الأمريكي العظيم الذي يمتد في تواضع من القطب ~~الشمالي إلى القطب الجنوبي، بل ويتجاوز هذه الحدود إلى ما بين ~~الأفلاك. # ونذكر أيضا «شارلس بيرس» الفيلسوف وعالم المنطق بامتياز. ولكن ~~الذي يعنينا هنا دوره في تيسير الأداة الفكرية لهيمنة الدولة، ~~وتبرير كل الأساليب بما في ذلك القهر والتعذيب لكفالة الهيمنة تحت ~~عنوان «تثبيت إرادة الاعتقاد»؛ إذ قال: «إرادة الدولة هي التي تصوغ ~~الاعتقاد لدى الناس وتثبته في الأذهان بما تملكه من قوة وسلطان ..» ~~ثم يقول: «ولنجعل كل من ينبذون الاعتقاد الرسمي الأمريكي يلزمون ~~جانب الصمت في هلع .. ولنجر تحريات وتحقيقات عن طريق تفكير ~~المشتبه فيهم .. ولنوقع عليهم العقوبات .. أو لنبدأ مذبحة عامة لكل ~~من لم يفكر على النحو الذي أرادته الدولة (الأمريكية طبعا!)» ~~(شوقي جلال، العقل الأمريكي يفكر، ص126). وإذا قلنا الدولة ~~الأمريكية وأبدلنا الناس بالمجتمعات الدولية سوف يتضح المعنى ~~والنزوع إلى الهيمنة. # وأرجو من القارئ أن يتذكر كلمات «بيرس» إذ سنعود إليها عند ~~الإشارة إلى تأزم الفكر والمجتمع والشعور بأن فكر «بيرس» طوق ~~النجاة لدفع الأخطار. # النهاية # ولكن هل انتهى القرن الأمريكي ومتى؟ أم أن العالم بصدد قرن ~~أمريكي ثان على نحو ما يأمل اليمين الأمريكي؟ الإجابة ليست فيما ~~يأمل فيه أو يريده الأمريكيون يمينيين أو يساريين، بيضا أو سودا. ~~والإجابة أيضا ليست فقط فيما يرجى داخل الولايات المتحدة حصرا ms75 ~~بل وحسب منهج البحث الكوكبي فإننا نسأل عن عاملين: ماذا يجري داخل ~~أمريكا؟ وماذا يجري في العالم؟ وما هي المؤشرات والمظاهر والوقائع ~~القائمة والمحتملة في ضوء علاقات الصراع أو التناقض؟ إن العوامل ~~المتفاعلة والحاسمة ليست الداخلية فقط بل الكوكبية .. وليدة بنية ~~ووظيفة النطاق الكوكبي ذاته والذي تحاول الولايات المتحدة الآن، ~~باعتبارها القطب الأوحد، أن تستأثر به كقوة فاعلة، حفاظا على ~~زعامتها. ولكن مثل هذا النهج يصادف هوى في نفس القوى القائدة ومن ~~ثم يحملها ما فوق طاقتها فيكون الهاوية. # منذ انتصاف القرن العشرين بدت الولايات المتحدة أكثر قلقا ~~وحديثا عن «المستقبل» على عكس الحال قبل جيلين. اقترن الحديث ليس ~~بالآمال العراض على نحو ما كان الحال بعد الحرب الأهلية بل اقترن ~~بهواجس ونذر الخوف على المستقبل. اعتلت الولايات المتحدة ذروة ~~الهيمنة سياسيا وثقافيا وإعلاميا مع نهاية الحرب العالمية. ~~وظهر هنا نقيضها متمثلا ليس في نهاية عصر الاستعمار الأوروبي فقط ~~بل وفي بداية صعود بلدان الشرق الأقصى في محاولة لاستعادة ثقافتها، ~~حضارتها، ذاتها، مكانتها في التاريخ وعلى الساحة العالمية كقوى ~~إنتاجية فاعلة ومؤثرة. وبدأ الصراع وبدأت معالم الهزيمة مع فيتنام ~~إعلانا يؤكد انتصار الشعوب؛ ثم صحوة التنين الأكبر-الصين .. ~~وامتدت الصراعات، وتواترت التدخلات العسكرية الأمريكية لإكراه ~~الوضع العالمي على البقاء حيث تريد هي له. # وجدير بالذكر هنا أن «بول كينيدي» في كتابه «الإعداد للقرن 21» ~~يحدثنا عن صورة مناظرة حتى لا تخدعنا ظواهر الأحداث ومظاهر القوة. ~~يقول: «منذ مائة عام ساد بريطانيا حوار عن المستقبل بينما هي القوة ~~الأعظم ..» ودار الحديث عن الاستعداد للقرن العشرين وعن القدرة ~~التنافسية في الاقتصاد العالمي. وكانت من بين مشكلاتها آنذاك «شأن ~~الولايات المتحدة الآن» أولويات الإنفاق: هل هي القوة العسكرية ~~لفرض الهيمنة؟ أم في الداخل وتحسين الأحوال المعيشية، وعلى النظام ~~التعليمي العام، وعن كفاءة الصناعة، وعن معالجة الفقر ومستويات ~~الاستثمار، ونقص المهندسين والعلميين وغلبة خريجي الكليات النظرية ~~مثل المحامين. ويشير بول كينيدي في موضع آخر: «الولايات المتحدة ~~الآن هي الأقوى عسكريا وثقافيا في الجو والبر والبحر وهي ms76 البلد ~~الوحيد الذي تمتد قبضته إلى أقاصي الأرض» # Global ~~Reach # ولنتذكر هنا مدلول الكوكبية أو العولمة ~~في العقل الأمريكي. ويستطرد قائلا: ولكن تكاليف الدفاع تسبب قدرا ~~كبيرا من الخسارة الاقتصادية. # ويمثل هذا امتدادا وتطويرا لحديثه عن أسباب صعود وسقوط القوى ~~العظمى في كتابه الذي يحمل هذا العنوان؛ إذ يرى أن الولايات ~~المتحدة في سبيل الالتزام بعقيدة أو عقدة التفوق والاستعلاء ~~والزعامة العالمية وبسط قوتها العسكرية باتساع نطاق يتجاوز كثيرا ~~قدراتها وطاقتها الاقتصادية. ويقرر أنه إذا زادت الالتزامات ~~الاستراتيجية للدولة عن إمكانياتها الاقتصادية فإنها تأخذ طريقها ~~إلى السقوط والاضمحلال. وإن خروج الولايات المتحدة بكامل قواتها ~~وطاقاتها الحربية إلى أقاصي الأرض والبحار والمحيطات لإخضاع هذا ~~البلد أو ذاك وإلزام الجميع بالطاعة والصمت إنما هو دليل على رفض ~~الخارج لها وتحميلها أعباء اقتصادية تفوق قدرتها على استمرار تحمل ~~عبء الزعامة العالمية. # إن عقدة العظمة والاستعلاء الأمريكية تجعل من الصعب نفسيا ~~وعقليا قبول الأمريكي العام، ناهيك عن جنس الأبيض المسئول، حقائق ~~التاريخ والتغيير أو قبول أحداث الواقع ومطالبة الآخر بالتكافؤ ~~والمساواة والندية في حق البقاء والتقدم. ويفضي مثل هذا الوضع ~~بالمريض المصاب بحالة البارانويا - أي جنون العظمة - إلى تخطئة ~~العالم-الواقع ومن ثم ترى الولايات المتحدة الآن أن رسالتها تفرض ~~عليها الآن وفي ضوء الأحداث تصحيح الوضع بما يتسق مع عقيدتها أو ~~عقدتها. ويتسق هذا مع ما قاله شارلس كروتامير في مقال له بعنوان ~~«قرن أمريكي ثان» في 20 ديسمبر/كانون أول 1999م إذ يقول: # إذا كان القرن العشرون هو القرن الأمريكي فإن تسعينيات هذا القرن ~~شهدت تظاهرات استعراضية للقوة الأمريكية الطاغية في الخليج وكوسوفو ~~(ونضيف أفغانستان والعراق وسوريا الآن). وهذه هي قمة تحلل أمريكا. ~~لقد كان الاتحاد السوفيتي قوة عظمى عسكريا ولكن قوته لم تحمه من ~~الانهيار أو التراجع. ومنذ قرنين كانت فرنسا القوة العظمى بقيادة ~~نابليون ولكن تحالفت روسيا وبروسيا وبريطانيا والنمسا لهزيمتها. ~~بيد أن الوضع الآن مختلف من حيث عدم وجود عناصر قوية لإقامة تحالف ~~قوي مناهض. فضلا عن الردع النووي، ولكن هناك ms77 تحالف على طريق ~~النمو. # ونحن نرى أن نهاية القرن الأمريكي، وبداية النهاية، تزامنت في ~~منتصف القرن العشرين مع بداية حقبة نهاية الاستعمار، ونشوء ظرف ~~كوني جديد خلق سياقا عالميا مغايرا. ونلحظ هنا مسار النقيضين ~~معا؛ بدايات الصعود مع بوادر الانحسار على المستويين المحلي ~~والعالمي، والوعي بذلك أيضا على المستويين الشعوري وما تحت الشعور ~~وهو ما تجسد في الفكر الأمريكي العالمي. # بدأ هاجس الخوف من المستقبل وعليه من خلال كثرة الحديث عن ~~المستقبل بشأن بريطانيا في سبعينيات القرن ال 19، وجاء هذا الحديث ~~المتواتر رد فعل لما يلي، كما استلزم رد فعل مناوئا من أمريكا: # صعود البلدان المستعمرة سابقا وإصرارها على إحياء ~~ثقافتها وبناء نهضتها وهو ما تعارض مع أطماع وأحلام ~~الولايات المتحدة في وراثة مستعمرات القارة الأوروبية. ~~وخاضت الولايات المتحدة معارك حربية ساخنة أو معارك ~~سياسية ضد الدول أو الشعوب التي أصرت على انتزاع ~~حقها واستقلالها مثل فيتنام وكوريا ج. والصين. # ثورات الطلاب والشباب واليسار الجديد في الستينيات ~~داخل أوروبا والولايات المتحدة. واتسع نطاق حركات ~~الاحتجاج ضد قهر السلطات والاحتكارات، وضد بطش الآلة ~~وميكانيكية الحياة، وضياع القيم الإنسانية وسقوط ~~الحرية الفردية التي وصفها فلاسفة السلطة آنذاك، ومن ~~بينهم «سكينر»، بأنها وهم. ومن ثم بداية سقوط الحلم ~~الأمريكي أو زوال الغشاوة عن أعين الشباب مع الإحساس ~~بانهيار المثل العليا للمجتمع الأمريكي العظيم. ~~الحلم الذي لم يتحقق. # ظهور نزعات انفصالية ويسارية وفوضوية وسط الأقليات ~~خاصة السود وكذلك أقليات الهنود الأمريكيين. # الحركة العمالية والشبابية في الغرب تتمرد ضد ~~قيادات السلطة التقليدية. وبلغت الحركة ذروتها عندما ~~نشأ في أمريكا تحالف العمل عام 1968م الذي يدعم ~~الاتجاهات التقدمية في الحركة العمالية والمطالبة ~~بالتغيير. # شباب اليسار الجديد في الولايات المتحدة يصدر ~~بيانا يتهم فيه نظام وسلطات المجتمع الأمريكي جاء فيه ~~إريك فرم؟ الهرب من الحرية: «نحن نتهم المجتمع الراهن ~~بأنه أسير إطار عقل فاسد شرير. إطار عقل يتسامح من ~~الظلم وبلادة الحس والافتقار إلى الصدق والإنسانية. ~~ونحن نتهم المجتمع مثلما نتهم مشروعات الأعمال والسلطة ~~والحكومية والأوساط الأكاديمية ms78 المسئولة بأن ليس لهم ~~جميعا من هدف أسمى من الحفاظ على الوضع القائم الذي ~~يقصر كثيرا دون الوعد الأمريكي». # بعد الحرب العالمية الثانية، وتولد هاجس الخوف من ~~المستقبل، وإزاء هذه التحولات ظهرت المكارثية والإعدام ~~على الكرسي الكهربائي ضد العلماء والمفكرين ومن تسول ~~لهم أنفسهم المعارضة. # في هذا المناخ منذ الخمسينيات بدأ الشعور في أوساط ~~مفكري السلطة بأن نفوذ الفلسفة البرجماتية تدهور. وهنا ~~تعالت صيحة «العودة إلى بيرس ..» ونذكر هنا رأي بيرس ~~الذي أسلفناه في الكيفية التي تحكم بها السلطة قبضتها ~~وثبت عقيدتها بين الناس .. وظهرت اتجاهات تروج لمقولة ~~انتهاء عصر الأيديولوجيا، والمقصود هنا تفريغ الرءوس ~~من الفكر الاجتماعي المناهض. # وبعد الحرب العالمية الثانية سطع نجم بورهوس ~~فريدريك سكينر نبي فلسفة التربية وتكنولوجيا السلوك ~~الاجتماعي وخليفة بيرس في تثبيت عقيدة الدولة. ونراه ~~يقدم فكره لرجال السلطة - أو للدولة - ويقول كمثال ما ~~يصدق في رأيه محليا وعالميا: # الأقوى هو الغالب وصاحب الحق ~~والحرية. # البقاء للأصلح؛ أي للأقوى .. هذا هو ~~قانون الطبيعة وهي طبيعة حمراء الظلف ~~والناب. # ويبشر أو يبرر هيمنة الثقافة الأمريكية ~~إذ يقول: «إذا كان الإنسان قد خرج من ~~الصراع وهو سيد الأنواع، فلماذا لا نتطلع ~~إلى سلالة بشرية تكون سيدة السلالات ~~(طبعا يقصد هنا الجنس الأبيض ~~الأنجلوساكسوني). وإذا كانت الثقافة تطورت ~~بعملية مماثلة فلماذا لا نتطلع إلى ثقافة ~~سيدة الثقافات؟» # ويصدر كتابا يوجز عنوانه موقفه وموقعه ~~من الأيديولوجيات المدافعة عن الحريات ~~والكرامة؛ إذ العنوان «بعيدا عن الحرية ~~والكرامة لأنهما وهم». # ومضت السنون بعد الحرب العالمية الثانية تخللتها بعض ~~الانتصارات السيادية الأمريكية ضد حركات الثقافة ~~المناهضة، وتخللتها استعراضات عضلية عسكرية ضد البلدان ~~العاصية. ولكن لم يحل هذا دون اعتمال وتخمر عوامل ~~سلبية أخرى تنذر بتعقد الأوضاع في نظر السلطات ~~الأمريكية. وأضحت الولايات المتحدة تعاني من مشكلات ~~على الصعيدين المحلي والعالمي. ما بين صراعات اقتصادية ~~وثقافية وسياسية بين أوروبا القارة وبين الولايات ~~المتحدة الأمريكية وما بين منافسة قائمة أو محتملة ~~ومنذرة بين بلدان آسيا (اليابان، الصين، سنغافورة، ~~كوريا الجنوبية، ماليزيا، وغيرها). ونذكر ms79 هنا ما قاله ~~وزير الثقافة الفرنسي عام 1999م عن الغزو الثقافي ~~الأمريكي إذ وصف ديزني لاند باريس بأنها «مفاعل ~~تشيرنوبل الثقافي». ونذكر أيضا ما صرحت به مارجريت ~~تاتشر عن احتمالات نمو الاقتصاد الياباني: «إنها ~~لكارثة حقيقية، إذا ما نما الاقتصاد الأمريكي، كما ~~تنبأ له البعض، على نحو أبطأ من الاقتصاد الياباني في ~~التسعينيات؛ إذ سيؤدي هذا إلى تحول الميزان من واشنطن ~~إلى طوكيو.» «بول كينيدي، الإعداد للقرن 21 ص297». # بدأت تتجمع عناصر معارضة عالمية مستقبلية للولايات ~~المتحدة من ذلك: ~~(أ) # الاتفاقات بين روسيا والصين. ~~(ب) # محاولة اليابان والصين إنشاء صندوق نقد ~~دولي مواز لصندوق النقد الذي تهيمن عليه ~~أمريكا. ~~(ج) # الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 1999م أعلن ~~عن تشكيل قوة «الردع السريع» قوامها 60000 ~~جندي تحت قيادة أوروبية خالصة. إنها بذرة ~~جيش أوروبي مستقل عن الولايات ~~المتحدة. # وتراكمت وتفاقمت مشكلات الداخل التي يعددها علماء ~~ومفكرون أمريكيون وأوروبيون من بينهم «بول كينيدي»، ~~و«جون جراي» وغيرهما. بل ونقرؤها بين ثنايا أسطر كلمات ~~«نيوت جنجريتش» اليميني و«صمويل هنتنجتون»؛ إذ يدين ~~هذان الأخيران التعددية الثقافية التي ستجعل من ~~الولايات المتحدة الأمم المتحدة. وتعيش أمريكا بالفعل ~~حربا ضد التعددية الثقافية وهي حرب أهلية طويلة ~~المدى. # الركود الاقتصادي وشبح البطالة الذي يتهدد أبناء ~~الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل. # التفكك الأسري وانخفاض الدخول باطراد كما يوضح ~~جراي وكينيدي. # السياسة الضريبية والمالية ستفضي إلى قيام نظام في ~~الولايات المتحدة أساسه الريع والعيش على ~~الكوبونات. # انعدام الأمن الاقتصادي؛ إذ لم تعد الولايات ~~المتحدة، كما يقول جراي، المجتمع النموذجي بل يسودها ~~قلق سيفرز ويبرز عداوات قديمة تمزق المجتمع وتتفاقم ~~معها المخاطر الاقتصادية والشخصية. مثال ذلك: # عام 1960 # إجمالي العجز الفيدرالي # 59,6 بليون دولار # إجمالي الدين القولي # 984,3 بليون دولار # عام 1991 # إجمالي العجز الفيدرالي # 300 بليون دولار # إجمالي الدين القولي # 4 تريليون دولار # وفي مطلع القرن الواحد والعشرين أزمات اقتصادية ~~متوالية وعجز مالي أدى إلى شلل الإدارة. # إضافة إلى قوة وعمق الحركات الأصولية أو الدينية ~~المتطرفة منذ أوائل القرن العشرين. وتشرذم ms80 المجتمع ~~الأمريكي إلى جماعات انتشرت هنا وهناك تتحدث عن الفناء ~~أو الانتساب إلى عقائد قديمة أو أساطير واتجه بعضهم ~~إلى العنف يصفي به حساباته مع المجتمع ويفرغ طاقاته ~~المكبوتة الغاضبة .. وتدفع بعضهم إلى الانتحار الفردي ~~أو الجماعي. # مشكلات التعليم؛ إذ تعاني الولايات المتحدة؛ ~~قياسا لمهام السباق والتنافس على مستوى حضارة العصر، ~~نقصا في الفنيين والعلماء المتخصصين. ونذكر هنا ما ~~قالته «ماري لاو جود» في خطاب تسلمها ميدالية ~~بريستلي عام 1997م وتحت عنوان «هل من قرن أمريكي ~~ثان؟» تقول: «نحن اليوم في منافسة ليس فقط مع البلدان ~~الصناعية المتقدمة مثل ألمانيا واليابان، بل وأيضا مع ~~منافسين جدد مثل الصين وماليزيا وكوريا وبلدان الاتحاد ~~السوفيتي السابق .. والجميع يصارع من أجل حصة في السوق ~~الكوكبية.» (ولنتذكر هنا بين قوسين أن هذه هي منطقة ~~الحرب ضد أفغانستان والعراق وإيران وغيرها والهيمنة ~~الأمريكية الجديدة). # وتضيف قائلة: «يسود المدن الصغرى بوجه خاص إيمان ~~ضعيف بإمكانية الحراك الصاعد. ويتجلى هذا في انتشار ~~العقاقير المخدرة والجريمة والانتحار ونشاهد أيضا ~~مشكلات كبرى في العلاقات العنصرية بين السلالات وردود ~~أفعال معادية ضد المهاجرين.» ~~«ونعاني أيضا أزمة في الأخلاق تغشى جميع قطاعات ~~المجتمع في الصناعة والحكومة والجيش والصحافة والتعليم ~~بل وفي مؤسساتنا الدينية .. وأضحت آداب السلوك سلعة ~~نادرة.» # وتمضي قائلة: «تحتل الولايات المتحدة الآن المرتبة ~~27 بين بلدان العالم من حيث ملاءمة النظام السياسي ~~للتحديات الاقتصادية الراهنة، والمرتبة 49 من حيث ~~ملاءمة قوانين المسئولية عن المنتج.» ثم تضيف قائلة: ~~«تتمثل أسوأ مظاهر حياتنا الثقافية في نقص القوى ~~العاملة الناجحة. إننا نحتل المرتبة 33 من حيث كفاية ~~المهندسين المؤهلين الأكفاء، والمرتبة 32 من حيث ~~القدرة على جذب المواهب الشابة إلى الهندسة. ومدارسنا ~~ومعاهدنا الهندسية تضم أكثر من 50 بالمائة من هيئات ~~التدريس التي يشغلها أجانب ليسوا مواطنين أمريكيين. ~~وإن أي بلد لن يكون زعيما تقانيا في الاقتصاد ~~العالمي في القرن 21 ما لم يستطع أن يملأ غالبية ~~المقاعد التعليمية بدارسين وباحثين من أبنائه. ويوجد ~~الآن 19000 وظيفة شاغرة في الثقافة المعلوماتية تبحث ms81 ~~عمن يشغلها بسبب نقص العاملين المؤهلين.» # وتستطرد قائلة: «على الرغم من جهود الإصلاح في ضوء ~~تقرير «أمة في خطر» لعام 1983م إلا أننا لم نحقق سوى ~~نجاح محدود ووجدنا حواجز لا سبيل إلى تجاوزها. من ذلك ~~أن واحدا من كل خمسة ممن هم دون الثامنة عشرة من ~~العمر يعيش في كنف أسرة دخلها دون خط الفقر. وتزيد ~~النسبة إلى 2 من كل خمسة بين الأفارقة وذوي الأصول ~~الإسبانية.» # وتواجه الولايات المتحدة مشكلة ديموجرافية ~~«سكانية» آخذة في التفاقم الخطر من وجهة نظر الجنس ~~الأبيض؛ إذ يقرر جون جراي أنه خلال جيل واحد تقريبا ~~سيكون بين قاطني الولايات المتحدة ما يشبه الأغلبية من ~~الآسيويين والسود وذوي الأصل الإسباني، وستنخفض نسبة ~~البيض غير المنحدرين من أصل إسباني من 73,1 في المائة ~~من مجموع السكان عام 1996م إلى 52,8 في المائة. # ويقترن بهذا تفاقم الصراع العرقي والثقافي ~~والسياسي والحاجة إلى تغيير هيكل العلاقات وثقافة ~~المجتمع. # في مواجهة أخطار التفكك والركود الاقتصادي تلجأ ~~الولايات المتحدة إلى سياسة إيداع مئات الآلاف في ~~السجون، كما يقول جون جراي، كبديل عن الضوابط التي ~~تفرضها المجتمعات المحلية، وهي الضوابط التي قضت عليها ~~«السوق الحرة» المتحررة من الضوابط. ويروي بول كينيدي ~~مقولة معلق تلفزيوني يوجز بها مظاهر الأزمة الاقتصادية ~~فيما يلي: # أضعفنا أنفسنا بسبب طريقتنا في ممارسة السياسة ~~وإدارة الاعمال وسياستنا في تعليم الأطفال ورعاية ~~المسنين وادخار أموالنا وحماية بيئتنا وإدارة حكومتنا. ~~والنتيجة: ~~(أ) # يمثل استهلاك العقاقير المخدرة في ~~الولايات المتحدة أعلى نسبة بالقياس إلى ~~أي بلد من بلدان العالم المتقدم. ~~(ب) # ارتفاع نسبة الجريمة والجريمة المسلحة ~~بصورة مذهلة 60 مليون مسدس في أيدي الناس، ~~120 مليون بندقية، و19000 قتيل بالسلاح ~~سنويا. ~~(ج) # معدل الانتحار يعادل خمس مرات مثيله في ~~بلدان الغرب. # ويذكر جون جراي في كتابه الفجر الكاذب ~~أنه: # حتى عام 1993م كان معدل القتل بين الذكور في ~~الولايات المتحدة 12,4 في كل مائة ألف مقابل 1,6 في ~~الاتحاد الأوروبي وأقل من واحد صحيح في اليابان، ~~الاغتصاب 1,5 من ms82 كل مائة ألف في اليابان مقابل 42,8 في ~~الولايات المتحدة. السرقة 1,75 من كل مائة ألف في ~~اليابان مقابل 55,8 في الولايات المتحدة. السجناء ~~حوالي 2 مليون، وثلاثة أمثال هذا العدد تحت المراقبة ~~والاشتباه. # وأن أكثر من 1000 من بين كل 100000 من السود الذكور ~~داخل السجون. # وبحلول عام 1997م كان هناك واحد من بين كل خمسين ~~أمريكيا بالغا محتجز وراء القضبان، وواحد من كل ~~عشرين تحت المراقبة، وواحد من كل سبعة من الرجال السود ~~أودع يوما السجن. # ويعلق جون جراي قائلا: # يحدث هذا بينما ينسحب أثرياء الامريكيين إلى مواقع ~~وساحات ذات أسوار وبوابات إلكترونية وحراسات خاصة. ~~وهكذا تحولت النخبة إلى جماعات مغلقة على ذاتها ~~ومنعزلة محاطة بالأسوار مما جعل الولايات المتحدة دولة ~~أشد انقساما بكثير من بلدان أمريكا اللاتينية. # ولكن ماذا يعني نهاية القرن الأمريكي في ضوء ما سبق: ~~الانهيار أم الانحسار؟ وما الذي نريده للولايات ~~المتحدة الأمريكية وما نريده منها في سياق عالمي شبكي؟ ~~أو كيف ستحل التناقض أو أزمة التناقض بين محاولات بسط ~~قواتها العسكرية على امتداد الكرة الأرضية لفرض ~~زعامتها قسرا في عالم متغير وبين ما يشكله هذا من عبء ~~اقتصادي يفوق طاقتها وعاجزة عن استمرار تمويله مما ~~يسبب لها أزمة ضارية في الداخل؟ # هذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه الولايات ~~المتحدة والجنس الأنجلوساكسوني الحاكم .. الاعتراف ~~بالواقع والتخلي عن الأيديولوجية العنصرية وعن عقدة ~~الاستعلاء ووهم الزعامة الأبدية ضمانا للتكيف مع ~~الظرف الكوني الجديد واطراد البقاء الفاعل. وهنا لن ~~يكون مصير الولايات المتحدة مثل مصير روما التي ~~انهارت، بل سيكون شأن بريطانيا التي انحسر سلطانها ~~وظلت مجتمعا متقدما فاعلا ومؤثرا ومنتجا للعلم ~~والثقافة شأن فرنسا وألمانيا واليابان .. أطراف على ~~مستوى الندية والكفاءة. إننا نريد الولايات المتحدة ~~أرض الإنجازات العلمية وليست موطن الصراعات العرقية أو ~~منصة الانطلاق العدواني ضد شعوب وبلدان اخرى. # إن إنقاذ الولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين ~~يتمثل في أن تصبح أمة أمريكية جديدة من حيث العلاقات ~~الندية والكفؤ بينها وبين الدول تأسيسا على تنوير ms83 ~~جديد يتجاوز السوق الحرة العالمية المتحررة من الضوابط ~~لصالح الشركات العملاقة وعلى حساب شعوب أخرى. ويتمثل ~~أيضا في توفير مئات البلايين من الدولارات التي تشكل ~~عبء تكاليف قواتها المسلحة فيما وراء البحار لضمان وهم ~~الزعامة وعلى حساب رفاهة الشعب الأمريكي. ومن ثم نريد ~~تخصيص هذه الموارد للداخل ولتعزيز القدرة التنافسية في ~~العالم والثقافة ورفع مستوى المعيشة. ويتمثل أيضا في ~~النهوض بالتعليم وهو فضية محورية تشغل المفكرين ~~الأمريكيين وتعثرت الجهود لحلها. ونريد للولايات ~~المتحدة أن تكون بحق أمة ديمقراطية حرة متعددة ~~الأعراق والثقافات وكذا في علاقاتها بين الدول ، وليست ~~كما يريد لها نيوت جنجريتش أو صمويل هنتنجتون ~~وأمثالها. ونريد منا رؤية مغايرة للذات وللعالم ~~والإنسانية وبدلا من أن نرى الأمريكي المتوسط يعرف أن ~~خارطة أمريكا الشمالية هي العالم وما عداها البقية أو ~~الآخر يعرف أن العالم كرة مستديرة متماثلة. وبدلا من ~~أن يتعلم الجنس الأبيض أنه هو الحضارة والعقل ~~والإبداع، يعرف على أساس علمي تاريخ الحضارات وتنوعها ~~وتفاعلها وأسباب تعثرها واستعباد الإنسان لأخيه ~~الإنسان كخطيئة كبرى. نريد فكرا جديدا يؤكد ما هو ~~مشترك بين الإنسانية، وفلسفة ذات وجه إنساني ونزوع ~~نقدي ويؤكد الإرادة الجمعية، وأن المنفعة حق للإنسانية ~~الفاعلة وليس لجنس أو عرف أو لون دون آخر. مواطنة ~~كوكبية في عصر العولمة على أساس الفعل الاجتماعي النشط ~~والشعور بالآخر وبحقه في التقدم .. هنا ستكون الولايات ~~المتحدة قوة متقدمة بفضل رصيدها من إنجازات علمية ~~وتقانية وستكون قوة قادرة على التفاعل مع القوى ~~العريضة للتغيير العالمي. وهنا أيضا سيكون العصر ليس ~~عصر السلم الأمريكي بل السلم الإنساني الكوكبي، عصر ~~متعدد الأقطاب في إطار محيط العقلانية. ms84