######OpenITI# #META# URI: 1450ShawqiJalal.TarjamaFiCalamCarabi.Hindawi40703586 #META# Tags: linguistics #META# ID: 40703586 #META# Title: الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي: في ضوء مقارنة إحصائية واضحة الدلالة #META# AuthorID: 90631535 #META# Author: شوقي جلال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سنوات العمر وحصاد الهشيم‏ # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الثالثة1‏ # العرب والترجمة‏ # الترجمة‏ # الترجمة في العالم العربي ومجتمع المعرفة‏ # الترجمة عن العربية (التعجيم)‏ # نقل المعرفة والترجمة في العالم العربي‏ # ما الترجمة؟ ولماذا؟‏ # شهادة التاريخ‏ # واقع العالم العربي‏ # إحصاءات مصرية‏ # معوقات الترجمة في العالم العربي‏ # الجامعة العربية والترجمة‏ # الترجمة والجهات المنوط بها الترجمة في ~~العالم العربي‏ # مقارنة بين إحصاءات واضحة الدلالة‏ # العولمة وتعريب الترجمة‏ # الترجمة وحوار المتوسط‏ # المترجم العربي، الحقوق والدور الاجتماعي‏ # الجات والكتاب المترجم والعولمة‏ # لغتنا وتعريب العلم‏ # أزمة الترجمة العلمية وتعريب المصطلح‏ # البعد الاجتماعي لأزمة ترجمة المصطلح‏ # نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة‏ # المستقبل والمصير‏ # سنوات العمر وحصاد الهشيم‏ # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الثالثة1‏ # العرب والترجمة‏ # الترجمة‏ # الترجمة في العالم العربي ومجتمع المعرفة‏ # الترجمة عن العربية (التعجيم)‏ # نقل المعرفة والترجمة في العالم العربي‏ # ما الترجمة؟ ولماذا؟‏ # شهادة التاريخ‏ # واقع العالم العربي‏ # إحصاءات مصرية‏ # معوقات الترجمة في العالم العربي‏ # الجامعة العربية والترجمة‏ # الترجمة والجهات المنوط بها الترجمة في ~~العالم العربي‏ # مقارنة بين إحصاءات واضحة الدلالة‏ # العولمة وتعريب الترجمة‏ # الترجمة وحوار المتوسط‏ # المترجم العربي، الحقوق والدور الاجتماعي‏ # الجات والكتاب المترجم والعولمة‏ # لغتنا وتعريب العلم‏ # أزمة الترجمة العلمية وتعريب المصطلح‏ # البعد الاجتماعي لأزمة ترجمة المصطلح‏ # نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة‏ # المستقبل والمصير‏ # | الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي # | الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي # | في ضوء مقارنة إحصائية واضحة الدلالة # تأليف # شوقي جلال # | سنوات العمر وحصاد الهشيم # نشأت في أحضان الحركة الوطنية لاستقلال ونهضة مصر، التي استعانت ~~بالكفاح المسلح حينا، واستطاعت على مدى قرن من الزمان وحتى منتصف ~~العشرين أن تعيد لمصر وعيها بذاتها بعد غياب امتد قرونا بفعل قوى ~~الكولورونالية والإمبريالية، ابتداء من الفرس ومرورا بالرومان ~~والعرب والمماليك والأتراك. # ومع انتصاف القرن العشرين شهدت مصر تحولا سياسيا قسريا يحمل ~~ظاهريا بعض شعارات الحركة الوطنية، وإن أنكرها واستنكرها في ~~الممارسة العملية، بدلا من أن يكون امتدادا لإيجابياتها بشأن ~~الديمقراطية ونظام حكم المؤسسات والفصل بين ms001 السلطات، وترسخ ~~مطلب الحريات وحقوق وواجب الإنسان المصري العام في المشاركة ~~المنظمة مؤسسيا لإدارة شئون مجتمعه وبناء مستقبله. # البداية لي مع عام 1931 .. مصر في وعي جيلي إرادة وعزم صادقان على ~~النهوض، التحرر من الاستعمار، العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر ~~والفساد والحفاء، التحديث الاجتماعي واللحاق بالحداثة الأوروبية فنا ~~وأدبا وعلما وإنجازات مادية (تكنولوجيا) .. ومصر قوة إنتاجية ~~واعدة، يحفظها حلم مؤسس على تاريخ حضاري سالف وواقع واعد، وإن ~~ضاقت ساحته بصراع المتناقضات، ورؤى مبشرة في المستقبل الذي يليق ~~بمكانة مصر .. مصر فجر الضمير والمجد الحضاري التليد. # نشأت في واقع حضاري ثوري أسهم في تأسيسه نضال أجيال ثلاثة قبل ~~جيلي، استيقظت بداية على ضوء مدافع الغرب، وأفاقت وتململت تدعو ~~وتحفز، تبشر وتنذر، واستهلت مشروع التحديث إلى أن خطت أول ~~الطريق في عهد «محمد علي» الذي أشرت في كتبي إلى أنه كان مناسبة لا ~~سببا .. ومن هنا مصر ثقافة جديدة .. مصر الوطن والمواطنة تستوعب ~~الموروث بعقل نقدي جديد .. ثقافة الوعي بالذاتية التاريخية بعد جهود ~~متوالية من الغزاة على مدى أكثر من ألفي عام لطمس هذه الذاتية ~~والانسلاخ عنها .. استعادت مصر اسمها وتاريخها على يدي الأزهري ~~رفاعة الطهطاوي، واستعادت ذاتيتها الوطنية على أيدي فلاحي مصر ~~العسكريين أحمد عرابي ورفاقه. # تربيت مثلما تربى جيلي على قيم الحرية والتحرير والتغيير .. ~~ثقافة التسامح مع المذاهب الفكرية والعقائد الدينية .. كتب من كتب ~~«لماذا أنا ملحد؟» مثل أدهم، أو «لماذا أنا مسلم؟» مثل عبد المتعال ~~الصعيدي. وانتقدهما من انتقدهما دون أن يفسد النقد للود قضية .. ~~وكانت مصر قبلة المتعطشين إلى الحداثة من المثقفين العرب .. ولم ~~يكن الجوار بعد ناهضا ولا مناهضا أو مزاحما .. مصر هي الكلمة، ~~ومصر هي الفعل. # وشهدت مصر التي عشتها وملأت علي وجداني وعقلي الكثير من ~~أعلام الفكر والأدب والعلوم والفنون والرياضة ... كانوا النجوم الهادية، ~~مثل مشرفة الذي ذاع عنه باعتزاز مصري أنه نظير آينشتاين، والشيخ علي ~~عبد الرازق، والشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وطه حسين، ~~وسلامة موسى، ومختار النحات العظيم، ورءوف صروف، وشبلي شميل، ms002 وجورجي ~~زيدان، وروز اليوسف، وهدى شعراوي، ومي، وسيد درويش، وداود حسني، ومحمد ~~عبد الوهاب، وأم كلثوم ... ولمعت أسماء رياضيين دوليين في السباحة وكرة ~~القدم والشيش ... هؤلاء وغيرهم نجوم سواطع تهدينا إلى الطريق، ~~وتحفزنا للاقتداء بهم باسم مصر ومن أجل مصر. # وتعلمت في مدرسة ثانوية خيرية؛ أي للفقراء، ولكن استمعت فيها لأول ~~مرة إلى فاجنر معزوفا على شاشة مسرح المدرسة، وتربيت كما تربى ~~أقراني على كتب مثل «تاريخ الأديان في العالم» دون حساسية أو انحياز، ~~ومجلات ثقافية مثل: «مجلتي»، و«الرسالة»، و«الثقافة»، و«الكتاب»، ~~و«الكاتب»، و«المقتطف»، و«الفصول» ... ولن أنسى مجلة تنويرية أسبوعية ~~ساخرة هي «البعكوكة»، الواسعة الانتشار، وإحدى شخصياتها الأسبوعية ~~الناقدة «الشيخ بعجر» الذي نقرأ على لسانه نقدا ساخرا للمتنطعين ~~باسم الدين. # وشاهدت مصر الغنية بالمتاحف العلمية نهضة مواكبة من المدارس ~~الفكرية والعلمية، فجاءت نشأة جامعة القاهرة ببعض الجهد النضالي ~~والتحدي ضد الاستعمار، وضمت الجامعة أسماء أعلام أسهموا بجهد ~~متميز وتاريخي: شفيق غربال، وإبراهيم حسن، وأحمد أمين، في الأدب ~~والتراث، ويوسف مراد مؤسس مدرسة علم النفس التكاملي، ومصطفى زيور ~~مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي، وعبد العزيز القوصي في علم النفس ~~التربوي ... وغيرهم وغيرهم في العلوم والفنون والآداب. # ونشطت في مصر حركة الترجمة العلمية المرتبطة بالهدف القومي واستيعاب ~~علوم وفكر العصر، وتوظيف ذلك لبناء مصر الجديدة، وإذا كانت جهود ~~الترجمة في العصر الحديث بدأت على يدي رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، ~~فحري أن نذكر بقدر كبير من الزهو لجنة التأليف والترجمة والنشر ~~التي رأسها أحمد أمين، وقدمت ثروة من الإنجازات البالغة الأهمية ~~بمقاييس العصر، وكانت نموذجا احتذته مجتمعات عربية أخرى. وكم شعرت ~~بالفخار عند زيارتي للجنة التأليف والترجمة والنشر في الرباط ~~بالمغرب، وقال لي رئيسها إننا هنا نقتدي بمصر. # تحدد طموحي، مثل أقراني وأبناء جيلي، في النضال من أجل مصر الحرة ~~.. الواعية في اعتزاز بتاريخها .. الجادة في سعيها لبناء مجدها الحضاري ~~العصري، اعتمادا على سواعد وعقول أبنائها، والعمل على إنتاج وجودها ~~الحديث المادي والفكري إبداعا ذاتيا، وانتماء نقديا إلى العالم ~~المتقدم .. وكان طموحي أن أكون ms003 مثل من أشربت نفسي بعلمهم ~~وثقافتهم وقيمهم، وأن أسهم إيجابيا في بناء مصر ~~الحرة/المستقلة/المنتجة ... # وسعيت على الرغم من تعدد السبل إلى أن أكون إيجابيا في جهدي ~~لذلك بمداومة الفكر والتفكير دون قيود غير العقل الناقد، والاطلاع ~~على كل جديد من غير انحياز أو عقد، وأن أتابع فكر وجهود الساعين ~~إلى ذلك من خلال التنظيمات والأحزاب .. واستطعت الانتصار على قيود ~~ومحاذير الفقر بالاعتماد على نفسي، ولكن العقبة الأخطر في الطريق هي ~~سنوات الاعتقال السياسي المتقطعة على فترات دون محاكمة، وبلغ ~~مجموعها اثنتي عشرة سنة بدأت عام 1948م، وحتى نهايتها 1965م. وحاولت ~~أن أنتصر على قسوة وآلام التعذيب في السجون والمعتقلات، من السجن ~~الحربي إلى ليمان أبي زعبل؛ حيث كنا نعيش حفاة الأقدام، شبه عراة ~~الأبدان، نشقى في عمل تكسير الزلط تحت وطأة الشمس الحارقة، ~~والسياط اللاهبة، والسباب المقذعة، والشتائم المهينة الجارحة، ~~ولم أتخل عن طموحي وجهدي من أجل مصر .. مصر العقل الجديد. # وبدأت الكتابة أول الأمر وأنا طالب بالجامعة، في سلسلة «كتابي» ~~التي يصدرها حلمي مراد .. وأول موضوع كتبته عام 1953م بعنوان ~~«مذكرات الولد الشقي»، وهو تلخيص لمذكرات تشارلز داروين. ولكنني لم ~~أره بسبب الاعتقال. # ولكي أتجنب خيوط المنع والحظر رأيت أن أتكلم بلسان غيري، مع ~~إضافة رأيي في مقدمة وهوامش؛ ومن هنا اتخذت الترجمة وسيلة لكي ~~أبدأ مشروعي «تغيير العقل المصري العربي»، وصدر لي عام 1957م عن دار ~~النديم كتابان هما: «السفر بين الكواكب»، وهو أول كتاب علمي مترجم ~~عن علوم ورحلات الفضاء، صدر بمناسبة إطلاق الكلبة لايكا إلى الفضاء. ~~والكتاب الثاني «بافلوف، حياته وأعماله»، وهو أيضا أول كتاب علمي ~~مترجم عن هذا العالم الروسي الفذ الذي كنت أعتزم أن أرصد له جهدي ~~في دراستي الجامعية العليا. ثم انقطعت عن الكتابة والترجمة ثانية ~~سنوات سبعا بسبب الاعتقالات السياسية، وعلى الرغم من كل ما عانيته ~~في المعتقلات تطوعت - وأنا المستقل سياسيا غير المنخرط في أي ~~تنظيم - بعد هزيمة 1967م، لكي أحمل السلاح دفاعا عن بلدي مصر، ولكن ~~جهات الأمن السياسي استدعتني ms004 وحذرتني وطالبتني صراحة: «انت لأ .. ~~تقعد في البيت.» # وواصلت جهدي في التحدث بلسان الآخرين، وقدمت ترجمة لرواية ~~«المسيح يصلب من جديد» تأليف نيقوس كازانتزاكيس، الذي عشقت كتاباته ~~وشعرت بنوع من التماهي معه. وتوالت الترجمات التي لا يعنيني كميتها ~~التي تجاوزت الستين، ولكن يعنيني أنها مختاراتي من بين قراءاتي، ~~وملتزمة جميعها بمشروعي من الانتقال إلى العقل العلمي، والتحول عن ~~ثقافة الكلمة إلى ثقافة الفعل. # وبدأت التأليف في تكامل مع مشروع الترجمة، وصدر لي أول كتاب عام ~~1990م بعنوان «نهاية الماركسية!» وهدفي منه نقد الثقافة العربية في ~~التعامل النصي الأرثوذكسي مع الفكر العالمي، متخذا الحديث المتواتر ~~عن سقوط الماركسية مثالا، مع فصل بعنوان «هل سقطت الليبرالية؟» ~~وأتبعت هذا بكتاب عنوانه «التراث والتاريخ»، وهو رؤية نقدية لأخطاء ~~ثقافية شائعة في حياتنا، وحاكمة لنا، عن العقيدة والموروث الثقافي وفهم ~~التاريخ. # وصدر كتابي الثالث بعنوان «العقل الأمريكي يفكر: من الحرية ~~الفردية إلى مسخ الكائنات»، وهو دراسة أكاديمية تعطي بانوراما لتطور ~~العقل الأمريكي السائد على مدى 160 عاما، ابتداء من الآباء ~~المؤسسين لتصحيح صورة أمريكا المدعاة في حياتنا، ومجابهة ~~الحقيقة، وأؤكد فيه العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع العملي نشأة ~~وتطورا، وأن الفكر هو منتج الفعل الاجتماعي في تطور جدلي ~~مطرد، مستشهدا بتطور الفكر/الفعل الأمريكي في مجالات ~~الفلسفة/العلم/الآداب والفنون، موثقا ذلك بنصوص لأئمة الفكر ~~الأمريكيين. # وبلغ مجموع مؤلفاتي أربعة عشر عنوانا، آخرها «الشك الخلاق في ~~حوار مع السلف»، وأعكف منذ سنوات على إصدار دراسة عن انتحار الحضارات ~~.. كيف سقطت بفعل أبنائها وأولهم رجال الدين، حين تكون لهم ~~السلطة دون العقل؛ أي لأسباب داخلية أولا وليست خارجية فقط. وذلك ~~في ضوء ما نشاهده اليوم من جماعات تدمر وتنتحر وتنحر من حولها ~~باسم إحياء حضارة تفككت وسقطت وتأخر تأبينها قرونا. # قضايانا الملحة عديدة ومتكاملة، ومن هذه القضايا التي عرضتها في ~~كتبي: ~~(1) # إعادة بناء الإنسان المصري الذي تعمد الغزاة ~~والحكام المستبدون انسلاخه عن تاريخه وعن هويته؛ ~~ولذلك لا تتوفر نظرية جدلية متكاملة لتاريخ مصر منذ ~~القدم، وقد حاولها صبحي وحيدة، ms005 والدكتور حسين فوزي ~~سندباد مصري، ومحمد العزب. وتلزم الإجابة على سؤال: ماذا ~~أصاب الإنسان المصري على مدى التاريخ حتى أصبح على هذه ~~الحال من السلبية واللامبالاة؟ حتى لا نردد ما قاله ~~المقريزي وغيره: «قال الرخاء أنا ذاهب إلى مصر، فقال ~~الذل وأنا معك». # ثم إننا نعيش الآن في عصر أو حضارة الإنسان العام ~~المشارك إيجابيا، عن علم وقدرة، في إدارة شئون ~~أمته مع مسئوليته عن الإنسان والبيئة في العالم. ~~ويتناقص هذا مع الظروف التاريخية وحياة الاستبداد والقهر ~~التي صاغت الإنسان المصري، وباتت موروثا اجتماعيا ~~وثقافة نافذة. # وحري أن نتخلى عن الالتزام بإنجاز ما أسميه ~~المعادلة المستحيلة؛ ألا وهي نزعة المواءمة أو الجمع بين ~~حضارة العلم والتكنولوجيا والعقل العلمي النقدي، وبين ~~الموروث الثقافي المتحجر الذي انتهى عصره. وإن أول ~~معالم الطريق إلى النهضة الحضارية إنما يتجلى بداية في ~~سقوط هيبة السلف والفكر السلفي وعبادة السلف في أذهان ~~العامة، ومن ثم إحلال ثقافة التغيير والتطوير باعتماد ~~العقل العلمي النقدي؛ لذلك نؤكد دائما أن لا نهضة لمصر ~~إلا بنهضة الفلاح المصري في قرى ونجوع الشمال والجنوب، ~~هذا الفلاح هو مصر، الذي ظل يحمل على فوديه رسما ~~نزعم سخرية أنه عصفور .. وهو حورس الحامي. ~~(2) # اتساقا مع هذا نحن بحاجة إلى دراسة العلاقة العكسية ~~بين الاستبداد والإبداع .. الاستبداد يصنع روبوتا ~~فضيلته الطاعة دون حق السؤال، والحرية هي صانعة الإنسان ~~.. الحرية كما يقول فيلسوف العلم دانييل دنيت هي القوة ~~الحافزة للتطور الخلاق للحياة منذ نشأتها حتى بلغت ~~مرحليا أعلى صورها في صورة الجهاز العصبي ~~للإنسان. ~~(3) # المثقفون المصريون مسئولون أولا وأساسا عن واقع حال ~~مصر الراهن؛ إذ بدأ المثقف الحديث موظفا تابعا ~~للسلطة الحاكمة وقد نشأ وتربى على ثقافة الطاعة، بينما ~~المثقف المستنير هو من يحافظ على مسافة نقدية فاصلة ~~بينه وبين ذوي السلطان؛ أي سلطة دينية، أو سياسية، أو ~~عقائدية؛ لكي تتهيأ له فرصة الرؤى في عقل نقدي ينير ~~بها الطريق إلى المستقبل. ~~(4) # سبق أن ذكرت في كتابي «أركيولوجيا العقل العربي» أن ~~التراث الثقافي الذي عاش ms006 ممتدا في الزمان التاريخي ~~الاجتماعي، وإن أخذ مسميات دينية لاحقة؛ هو التراث ~~الهرمي في مصر .. تراث هرمي مثلث المعظمات، لا يزال ~~يقسم باسمه المصريون (معظما ثلاثا)، ويحمل هذا التراث ~~صفات وخصائص البيئة والذهنية المصرية، وأراه تراث تحوت أو ~~توت رب الحكمة والقلم في الديانة المصرية، وإن حمل حينا ~~اسما إغريقيا .. وأرى أن هذا التراث هو الحاكم ~~للثقافة الشعبية السائدة التي امتدت مع حالة الركود ~~الاجتماعي قرونا. وهذه الثقافة التي تصوغ ذهنية المصري ~~هي التي تجهض إرادة وفعالية الإنسان لحساب قوة مفارقة، ~~لها القدسية والفعالية. # ويستلزم هذا تحولا حقيقيا وموضوعيا من ثقافة ~~الكلمة والثبات إلى ثقافة الفعل والتغيير .. من ثقافة ~~اللسان إلى ثقافة اليد والأداة. وهذا هو ما سينقلنا ~~طبيعيا إلى ثقافة التناقض والحركة كشرط وجودي .. الحركة ~~مع التناقض .. الفعالية بين «النحن والآخر» .. الانتقال من ~~ثقافة الإقصاء المفضية إلى الانشقاق والانقسام - دائنا ~~التاريخي - إلى ثقافة التناقض أو تلازم النقيضين .. إذ إن ~~ثقافة الحركة الفكرية والمادية في جدل مشترك مطرد، لا ~~تنشأ ولا تكون إلا بين نقيضين «نحن والآخر»، ووجود كل ~~طرف رهن وجود الآخر .. ولهذا نشأ الحوار الذي هو صراع ~~في إطار الوحدة، أو حركة في إطار التناقض .. إن الصورة لا ~~تكتمل ولا نفهمها إلا في دلالاتها الحركية؛ أي وجود ~~النقيضين، وإلا بدت مواتا .. وهل الحياة إلا حركة بين ~~نقائض؟! # ويكتمل ما سبق بالحديث عما اصطلحنا على تسميته أزمة الترجمة في ~~العالم العربي. وسبق أن تناولت هذا تفصيلا في ضوء إحصاءات ذات ~~دلالة، سواء في كتابي «الترجمة في العالم العربي» أو في تقرير التنمية ~~الإنسانية للأمم المتحدة 2003م. وتؤكد الدراسة أن الترجمة متدنية ~~أشد التدني، وطالبنا - كما سبق أن طالب عميد الأدب العربي طه ~~حسين - بإنشاء مؤسسة عربية للترجمة. ولكن على الرغم من محاولات ~~الإنقاذ وستر العورة وإنشاء مراكز ترجمة في عدد من البلاد العربية، مع ~~رصد أموال ضخمة في بلدان الخليج، فإنها تؤكد جميعا تشتت ~~الجهود دون هدف استراتيجي جامع واضح مشترك. # وهذا ما أكده أيضا التقرير العربي الأول للتنمية ms007 الثقافية؛ إذ ~~أوضح تقرير عام 2007م أن المناخ السياسي المتسم بالاستبداد ~~والقهر وغياب الحريات أدى إلى انتعاش الظلامية والفكر الأصولي السلفي ~~المتطرف. وأشار إلى أن هذا المناخ هو المسئول عن انصراف الإنسان ~~العربي عن ثقافة تحصيل العلم، وعن الاهتمام بالقراءة وبالبحث. # والرأي عندي أن واقع حال الترجمة، بعيدا عن الشكليات والأرقام ~~الصماء، ليس أزمة، بل هو موقف ثقافي اجتماعي من المعرفة والإبداع ~~والتجديد قرين الفعالية المجتمعية لإنتاج الوجود الذاتي. ولا يستقيم ~~الحديث عن الترجمة دون الحديث عن الفعل الإبداعي المجتمعي والفضول ~~المعرفي .. الفعل والفكر الاجتماعيان في اقتران جدلي تطوري .. وهذا ~~غير وارد في ثقافتنا؛ ثقافة الإقصاء والاكتفاء الذاتي بالموروث .. ولا ~~يستقيم كذلك دون الحديث عن الإنسان، وتغيير الواقع بإرادة ذاتية، ~~وبالانخراط كقوة فاعلة إيجابيا في الفعل والفكر العالميين؛ أي ~~الانخراط في الحداثة انخراطا إبداعيا ذاتيا تكامليا في تطور ~~مرحلي .. أعني الوحدة مع الصراع في العالم الحديث؛ فهذا شرط التغيير ~~الجذري الحضاري نحو واقع مصري يبدعه الإنسان المصري. # والآن وقد تجاوزت التسعين من العمر أنظر إلى الحياة نظرة مودع، ~~أراني أفتقد مصر التي كانت في خاطري، وأرى أن مصر على مستوى الإنسان ~~العام تغوص على نحو غير مسبوق في وحل اللامعقول الموروث، مصر لم تعد ~~مجتمعا، بل أصبحت تجمعا سكنيا، وقد أضيف ما أضافه لي الصديق ~~الأجل أنور عبد الملك، وهو أنها باتت تجمعا سكنيا لغرائز ~~منفلتة .. أفتقد مصر الحلم الحافز، مصر الوعي الموحد تاريخيا، مصر ~~الوطن والمواطنة، مصر الواقع المشحون بإرادة الفعل والفكر والحركة ~~الجماعية .. مصر المستقبل .. أفتقد كل هذا ولا أرى غير فرط العمر ~~والركض وراء السراب. # ولكن تحت الرماد جذوة نار قد تتأجج ويشتد لهيبها .. ومن بين ركام ~~الفوضى ينبثق الأمل .. هكذا علمنا التاريخ .. ومياه النيل لا ترتد ~~أبدا إلى وراء. # شوقي جلال # | إهداء # إلى من يؤرقهم فعل الحاضر، # وحلم المستقبل؛ # حاضر ومستقبل الوطن والإنسان. # شوقي جلال # | مقدمة الطبعة الأولى # الترجمة عنصر أساسي من بين عناصر الفعالية الاجتماعية النشطة. فعالية ~~قائمة على المعرفة العلمية؛ إنتاجا لها، وبحثا عنها، ms008 وتسامحا معها، ~~وإيمانا بها أساسا للبناء والتجديد. فحياة العصر - بل الحياة ~~الاجتماعية في كل العصور - هي قبول للتحدي الوجودي تأسيسا على ~~المعرفة الاجتماعية وإبداع الجديد. ليس في التاريخ مجتمع ضمن بقاءه ~~ووجوده اقتداء بآخر، أيا كان هذا الآخر في الزمان أو في المكان، ~~يسلم إليه الزمام، ويرتضي حياة الاطراد العشوائي، كأنما أقال العقل ~~الباحث؛ فمثل هؤلاء خارج التاريخ. وإنما ضمان الحياة هو اطراد البناء ~~الحضاري، وهو بناء متجدد أساسه المعرفة، إبداعا ذاتيا، واستيعابا ~~لمعارف الآخرين، في إطار من التنافس ونزوع إلى التفوق. # وهذا الكتاب محاولة نقدية لسبر غور حياتنا الثقافية والفكرية من خلال ~~مؤشر الترجمة، وواقع حالها، بعيدا عن صخب الشعارات، ورطان النعرات، ~~ودغدغة الوجدان؛ وإنما استنفار لقوى الفعل والتحدي في ضوء الواقع، وإن ~~بدا أليما. والتركة وإن كانت مثقلة، إلا على أولي العزم. لهذا أود ~~أن نقرأه وعيوننا على المستقبل وليس على الماضي. قد نرضى أو نهنأ ~~بالقليل في الحاضر، قياسا إلى ماض حديث أو وسيط ساده الخواء الفكري، ~~ونظن - والظن هنا إثم - أننا أنجزنا، وحالنا أفضل، فنخطئ التمييز بين ~~تحول حضري بلغناه بفضل الغير، وتحول حضاري ننشده ولم نبلغه؛ لأننا ~~أخطأنا الوعي بأسسه، ولا يتحقق إلا بفضل جهد الذات. لذلك أحاول هنا ~~أن نرى صورتنا من خلال الآخر، ومقارنة به، لا تمجيدا له، وإنما حفزا ~~للذات، وحثا على قبول التحدي، ودعوة إلى فعل اجتماعي على هدى واقع ~~واضح البيان. # الكتاب يقول - من واقع الإحصاءات: إننا منصرفون عن القراءة، وعن ~~المعرفة الحضارية المعاصرة تحصيلا وإنتاجا، وإننا لا نزال نعيش عصر ~~الشفاهة، وهو ركون إلى فرد نظن به الحكمة المتفردة، وامتلاك ناصية ~~المعرفة، فيه الكفاية، وله الأمر، وتعطيل لفكر الإنسان العام. وبين هذا ~~ومقتضيات التطور الحضاري العصري أزمان. والكتاب يؤكد أننا لسنا دون ~~الآخرين شريطة أن نعقد العزم اجتماعيا، ونهيئ أسباب النهوض. لا نتخذ ~~الثقافة زخرفا وزينة، ولا الاستهلاك معيارا، ولكن نتخذ العلم منهجا ~~وثقافة ومناخا وإنتاجا وتنظيما للحياة؛ فهذه هي بطاقة الانتساب ~~إلى العصر، وتجاوز قرون التخلف. فالإنسان/المجتمع يعيش ms009 حياته بين أحد ~~حالين؛ الوضع أو الحركة؛ الوضع سكون ورضاء بالموروث، وقناعة بحكمة ~~القدماء. والحركة فعل نشط ركيزته إبداعات وإنجازات العقل في مستوى ~~العصر. وغذاء الحركة المعرفة؛ فهي ضالة الإنسان/المجتمع إبداعا، ~~وانتزاعا، أو استيعابا من كل مصادرها شرقا وغربا، داخل بنية حاضنة ~~خصيبة. والحركة بهذا المعنى مؤشر الحياة على طريق الارتقاء، وبدونها ~~استسلام للوضع، والثبات في الطبيعة، تحلل للعناصر وفساد ~~للبنية. # والترجمة، وإن كانت عنصرا واحدا، إلا أنها عنصر كاشف لمجمل عناصر ~~الصورة الكلية، وحياتنا الاجتماعية الواقعية؛ إذ لا يوجد عنصر هو جزيرة ~~مستقلة يمكن أن ينشط دون العناصر الأخرى، وإنما عناصر البنية ~~الاجتماعية جميعها تتحرك وتنشط في تكامل وامتداد. ويتجلى هذا في ~~الإنسان/المجتمع أداة وهدفا. والقصد من الحديث هنا عن الترجمة إنما ~~شهادة على المجتمع في شموله. وصورة حالة الترجمة هي تعبير عن حال أشمل ~~وأعم. والنهوض بالترجمة لا يكون إلا حين ينعقد العزم على النهوض ~~بالمجتمع في ضوء صورة للمستقبل واضحة المعالم، تؤكد عامل الانتماء، ~~فتكون الترجمة استجابة لمطلب اجتماعي ملح، وتكون دالة ~~ووظيفة. # لم أشأ الحديث عن نهضة الترجمة في العصر الكلاسيكي الإسلامي؛ فهذا ~~كله معروف ومحفوظ، رددناه مرارا نلتمس فيه التعويض. ولكن قصرت ~~الحديث عن واقعنا الراهن المجهول؛ لإسقاط الغمامة عن العيون. المنطلق ~~فهم الواقع دون زخارف، والغاية دعوة إلى تضافر الجهد لتدارك ما فاتنا ~~وهو كثير. فالوجود عزم ومعاناة، وأبواب التاريخ مفتوحة فقط لصناع ~~الحياة. # | مقدمة الطبعة الثانية # | الترجمة بين ثقافة الوضع وثقافة الموقف # تقول حكمة صينية: «من لا يقارن لا يعرف.» وإذا كانت المقارنة ضرورية ~~لتعرف الذات موقعها من الآخر، ووقع خطوها في تفاعلها وتنافسها مع هذا ~~الآخر، ومن أجل بناء نفسها؛ فإنها الآن أكثر ضرورة في ظل شرط وجودي ~~عالمي جديد، تداخلت فيه العلاقات بين الأمم والجماعات والأفراد، بحيث ~~يقال: إن الوجود الاجتماعي على الصعيد العالمي وداخل المؤسسات وفيما ~~بينها أضحى وجودا شبكيا، بحيث لا يمكن لمجتمع أن يبني ذاته تأسيسا ~~على رصيده الذاتي، أو بمعزل عن الآخر، أو عالة عليه ، مستهلكا للفكر ms010 ~~والتكنولوجيا. # لهذا اعتمدت في كتابي على المقارنة لاستبيان حقيقة وضعنا، واخترت ~~الترجمة مؤشرا على موقفنا من المعرفة؛ لكي نقارن بين حالنا وحال غيرنا ~~ممن يخطون على عتبة عصر جديد يسمى عصر المعلوماتية، أو الثورة ~~المعرفية. عصر يمثل طورا جديدا في سلم التطور الارتقائي للبشرية، ~~يكاد يماثل مرحلة اختراع الكتابة، وستكون له تجلياته الفيزيقية ~~والعصبية والنفسية والاجتماعية. طور ربما يكون حدا فاصلا بين ~~نوعين من البشر، بحيث يخلف وراءه من هم أدنى مستوى، وأعجز عن ~~الملاحقة والتكيف. # والمجتمعات - أو لنقل الثقافات الاجتماعية - في رأيي صنفان، والتصنيف ~~ليس قدرا أبديا، وإنما السيادة والغلبة لهذا أو ذاك رهن شروط وجودية ~~للنهوض أو الانحسار؛ أقول صنفان هما: ثقافة الوضع، وثقافة ~~الموقف. # ثقافة الوضع قانعة بحالها، راضية برصيدها التاريخي الموروث. والمعرفة ~~عندها - أو قل العلم الأسمى - لا يتجاوز حدود تأمل هذا الرصيد، وأقوال ~~الأولين، والأمل عود على بدء، ومن ثم عزوف عن الإبداع والتجديد. ~~والزمان امتداد متجانس، فارغ من الأحداث، إلا الحدث الأول والأهم فهو ~~بداية التاريخ وغايته. # وثقافة الموقف إرادة واختيار، والإرادة فعل، والاختيار عزم على ~~التغيير والتجديد، وفهم مجريات الأحداث والظواهر، وتراكم متجدد متطور ~~لرصيد المعلومات والمعارف، ومن ثم تطور وارتقاء مطرد للهوية الثقافية ~~التي هي عين الفعل الاجتماعي النشط في الزمان، وليس السكون والبحث عن ~~هوية مجهولة في غيابات التاريخ. # ثقافة الوضع تقف على قارعة طريق الحياة، تتأملها تجليات لإرادة من ~~خارجها. وثقافة الموقف تخوض غمار لجج نهر الحياة الصاخب الدافق، ~~تتجدد وتتغير، وتبني وتتحدى وتستجيب، تأسيسا على الفهم والوعي والعقل ~~الحر الناقد الفعال، إنها إبداع الحياة وصناعة التاريخ. # نتحدث عن أزمة اللغة أو قصورها عند الترجمة أو التعبير. والأزمة هي ~~أزمة الإنسان/المجتمع الفاعل على مستوى حضارة العصر. أزمة الفعل ~~الاجتماعي النشط. فعل إبداع الوجود. واللغة هي الفعل، والفعل على مدى ~~التاريخ التطوري هو استجابة التحدي؛ أي هو الحضارة؛ ففي البدء كان ~~الفعل. لم تبدأ اللغة مع الإنسان في تطوره الارتقائي بصيحة، بل بدأت ~~بفعل اجتماعي منذ الإنسان المنتصب ~~القامة # Homo erectus ms011 ~~، فالإنسان ~~الماهر # Homo habilis ~~، والإنسان ~~العاقل # Homo sapiens ~~، ومع تعقد الفعل وتعدد وتباين الاستجابات ~~والتحديات تعقدت البنية العصبية، وتعقدت اللغة وبنية المجتمع، وتعددت ~~الكلمات والمفاهيم. # نتحدث عن تراثنا التاريخي في الترجمة باعتزاز، وننسى أن نقارن، وننسى ~~الفعل الاجتماعي، وننسى الإنسان. الفعل هو الوجود الاجتماعي المشروع، ~~أو هو أساس شرعية الوجود، والإنسان هو الغاية والهدف والشهادة على هذا ~~الوجود. # تراثنا التاريخي في الترجمة يؤكد أن ما كان في لحظة من الزمان كان ~~عظيما بكل مقاييس زمانه، ولكنه مضى مثل سحابة صيف. ولم نسأل: لماذا؟ ~~وتراثنا التاريخي في الترجمة يشير إلى أن جملة ما ترجم على مدى ~~أربعة عشر قرنا لا يتجاوز عشرة آلاف كتاب. ولا نسأل: لماذا؟ ولا: كيف ~~يستقيم هذا مع العظمة التي نزهو بها على امتداد قرون الخواء الفكري أو ~~الأنوميا الاجتماعية؟ تراثنا التاريخي في الترجمة يؤكد أنه بعد أن ~~انقشعت سحابة الصيف كفت المجتمعات العربية عن الأخذ وعن العطاء في إطار ~~المعرفة والفكر والإبداع. وعاشت مع تراث فكري مكرور غلفته أساطير، ~~ووجود اجتماعي ثقافي متجانس. وكفت عن الفعل الاجتماعي الإنتاجي ~~الإبداعي، وانعكس هذا في العلوم والفكر واللغة. # ظلت المجتمعات العربية حبيسة ثقافتها التقليدية إلى أن حل القرن ~~التاسع عشر، وظهرت مصر على ساحة الفعل الاجتماعي أو النهضة والتحديث. ~~واقترن هذا بنشاط فكري وعلمي وتعليمي، وأضحت الترجمة أساسا متكاملا ~~مع هذا النشاط الاجتماعي الهادف. وظهرت أيضا «متصرفية لبنان» التي ~~كانت رائدة في مقاومة التتريك، وتأكيد دور اللغة العربية والترجمة ~~إليها. وتراوح نشاط الترجمة بين صعود وهبوط في اتساق مع حركة الفعل ~~الاجتماعي التجديدي النهضوي. # وبعد أن انتصف القرن العشرين، ومع تصفية الاستعمار، واكتشاف النفط، ~~ظهرت المجتمعات العربية دولا ذات كيانات مستقلة، وبزغت حركات ترجمة ~~وليدة وناهضة في عدد منها، بينما لا يزال البعض الآخر بغير اسم على ~~خريطة النشر. وجدير بنا الإشادة بدور لبنان والكويت. # والكتاب دراسة نقدية مقارنة، لسبر غور حياتنا الثقافة والفكرية، من ~~خلال مؤشر الترجمة وواقع حالها، مع مقارنة بالآخرين في مسيرتهم ~~الحضارية. ودعوت إلى أن ms012 نقرأه وعيوننا على المستقبل وتحدياته، وليس على ~~الماضي فقط، حتى لا نخطئ التمييز بين تحول حضري بلغناه بفضل إنتاج ~~الغير، وتحول حضاري أخطأنا الوعي بأسسه. # وحاولت أن نرى صورتنا من خلال الآخر ومقارنة به، لا تمجيدا له، ~~وإنما استنفارا لقوى التحدي الكامنة عند أولي العزم. # والكتاب يقول: إن موقفنا من الترجمة هو تعبير عن موقفنا من المعرفة ~~إنتاجا إبداعيا، وتحصيلا لها من كل مصادرها المتعددة المتباينة، ~~والتزاما بمنهجية الإنتاج والتحصيل في ضوء عقل ناقد. ويقول الكتاب من ~~واقع الإحصاءات: إننا منصرفون عن القراءة، وعن المعرفة الحضارية ~~العلمية المعاصرة، وإننا لا نزال نعيش عصر الشفاهة. ركونا إلى وجود ~~فرد له الهيمنة حاضرا، أو من ماضيه البعيد، نظن به الحكمة المتفردة، ~~وامتلاك ناصية المعرفة، فيه الكفاية، وله الأمر، وتعطيل لفكر الإنسان ~~العام. # والكتاب يقول: إن شروطا وجودية تحكم حياتنا الثقافية صرفتنا عن ~~الإنتاج المعلوماتي، والإبداع الفكري، والتنسيق المعرفي، ووأدت فينا ~~الفضول والنهم لتحصيل معارف الآخرين، واكتساب أسباب وأسس الحضارة ~~وتوطينها. وبتنا نعيش عيالا على الآخر في إنتاجه الثقافي والمعرفي، ~~مستهلكين تابعين؛ ولذلك لسنا طرفا في حوار أو صراع الحضارات. # وتعطلت أو انحسرت الترجمة كنشاط اجتماعي، وهي إحدى أدوات تمكين ~~المجتمع من التفاعل مع الجديد في العلوم والفنون والإنسانيات قرينة ~~الإبداع المحلي، ولكننا نصرخ من موقع الضعف والخواء. الغزو الثقافي ~~يتهدد الهوية، بينما الهوية ليست: من أكون؟ بل: ماذا أفعل؟ ليست ~~الهوية ذكرى ماض تاريخي، بل انخراط إيجابي في الفعل الحضاري. ~~والترجمة قوة تحرير، وأداة تمكين، وشرط للاستقلال، وليست أبدا عونا ~~لغزو فكري حين يتلقاها عقل فاعل ناقد. # تفيد الإحصاءات الواردة في الكتاب أن البلدان العربية تحتل موقعا ~~شديد التدني، ليس فقط بالنسبة لدول المركز المنتجة مرحليا للمعارف، ~~بل وبالنسبة لبلدان الأطراف المجاهدة لاحتلال موقع متقدم على صعيد ~~التحدي الحضاري. العالم العربي كله وتعداده يناهز 270 مليونا يترجم ~~ما لا يزيد عن 450 عنوانا، وانخفض إلى أقل من ذلك بعد أن كف العراق ~~عن الفعل إثر الاحتلال الأمريكي. والملاحظ أنه من بين هذا ms013 العدد لا ~~تحتل العلوم، ولا تحتل الكتب التي تصوغ عقلا علميا وعلمانيا، إلا ~~نسبة ضئيلة جدا، تصل عند الدول العربية المنتجة للترجمة إلى 2,5 ~~بالمائة. هذا بينما إسبانيا وتعدادها 38 مليون نسمة تترجم أكثر من ~~عشرة آلاف عنوان سنويا، وتترجم السويد وتعدادها 9 ملايين نسمة 2500 ~~عنوان سنويا، منها ألف عنوان تقريبا أعمال أدبية، وألف عنوان دراسات ~~غير أدبية؛ أي علمية، و500 عنوان من كتب الأطفال (تتس روك: المستعرب ~~والمترجم والأستاذ بجامعة أوسلو السويد). وجدير بالذكر أن الولايات ~~المتحدة الأمريكية تترجم تراث البلدان الأخرى لتكون هي بنك أو مصدر ~~المعلومات للعالم، وفق الصياغة الأيديولوجية التي تراها هي، ومن ذلك ~~كتب عن الطب في مصر الفرعونية، وعن التراث الإسلامي. # وفي دراسة للدكتور محمود إسماعيل صالح الصيني، الأستاذ بجامعة الملك ~~سعود، نرى مثالا آخر. تشير الدراسة إلى أن سلاح الجو الأمريكي في عام ~~1978 ترجم حوالي 75 ألف صفحة؛ أي ما يعادل 250 كتابا في دراسات ~~تخصه، مع العلم بأن الإنجليزية لغة حضارة العصر الأولى. وتشير ~~الدراسة أيضا إلى أن هيئة حكومية واحدة هي هيئة الخدمات المشتركة ~~للمنشورات البحثية، والتابعة للمكتب الفيدرالي للمعلومات العلمية ~~والثقافية في وزارة التجارة الأمريكية، ترجمت خلال النصف الأول من ~~العقد السابع حوالي 274 ألف صفحة؛ أي حوالي 910 كتب. واللافت للنظر أنه ~~في الوقت الذي أجاز فيه نظام التعليم في مصر، في إحدى المراحل، نجاح ~~التلاميذ مع رسوبهم في مادتين، وقع اختيار التلاميذ على الإنجليزية ~~والرياضيات، وهما المادتان اللازمتان للاطلاع والتفاعل مع إنجازات ~~العصر؛ أقول: في هذا الوقت أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي تشريعا عام ~~1958م يحمل اسم # Title lv Defence Act ~~، ~~يقضي بتشجيع تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الأمريكية، باعتبار هذا ~~قضية أمن قومي، ونجد في الولايات المتحدة أيضا أن وكالة الفضاء ~~الأمريكية «ناسا» مولت إعداد دليل يضم عناوين الهيئات التي توفر ~~المواد العلمية والتقانية المترجمة إلى الإنجليزية داخل الولايات ~~المتحدة. وصدر هذا الدليل عام 1987م، ويتألف من 32 صفحة تشمل فقط ~~عناوين تلك الهيئات التي يعتبرونها ms014 مصدرا لترجمة إنجازاتها العلمية ~~العالمية فور صدورها. ومرة أخرى أقول: على الرغم من أن الإنجليزية هي ~~اللغة الأولى في المنشورات العلمية. # وأشار الكتاب إلى جهود اليابان التي وصلت بها إلى ما هي عليه ~~الآن. # عمدت اليابان، منذ مطلع القرن، إلى الاتفاق مع أهم دور النشر ~~العالمية لترجمة أعمالها، وصدورها باللغة اليابانية في ذات الوقت الذي ~~تصدر فيه بلغتها الأصلية. وكانت اليابان تترجم في مطلع القرن أكثر من ~~1700 عنوان في السنة، ويتجاوز العدد الآن 35 ألف عنوان. إنه نهم ~~التحصيل لإنجازات العصر. ولم تفقد اليابان هويتها، بل تعززت. # ويشير الكتاب إلى أن إنتاج إسرائيل في الترجمة يعادل إجمالي إنتاج ~~البلدان العربية، هذا على الرغم من أن المجتمع الإسرائيلي متعدد ~~الألسنة، إضافة إلى العبرية. وأسست إسرائيل عام 1959م برنامجا ~~للترجمة العلمية تنفذه مؤسسة هي أكبر مؤسسة حكومية متخصصة ضمت عام ~~1967م عدد 250 مترجما متفرغا، و1440 مترجما متعاونا من الخارج (د. ~~صفاء محمود عبد العال، التعليم العلمي والتكنولوجي في إسرائيل، الدار ~~المصرية اللبنانية، القاهرة 2002م). # وحتى نقرن هذا بإصدارات الكتب تأليفا وترجمة، ونصيب الفرد منها؛ ~~نجد الآتي: # إصدارات الكتب لكل مليون في أوروبا عام 1991م هي 802 عنوان. # إصدارات الكتب لكل مليون في العالم العربي عام 1991م هي 29 عنوانا. ~~المشكلة هي كتاب وقارئ. # ويدعو الكتاب إلى تعريب نشاط الترجمة على الرغم من ضآلته. # وأعني بذلك أن يكون المنطلق عربيا نهضويا في إطار استراتيجية ~~قومية للتطوير الحضاري، شاملة كل مناحي الحياة؛ إذ الملاحظ أن قدرا ~~كبيرا من نشاط الترجمة إنما تديره وتنظمه وتموله مؤسسات دبلوماسية ~~أجنبية، وما عداه نشاط عفوي لا يخضع لخطة. # مرة أخرى الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم فجوة معرفية حضارية؛ ~~أعني فعالية اجتماعية على صعيد حضارة العصر، في إبداع وإنتاج المعارف ~~وتوظيفها. وأضحت الهوة أكثر اتساعا مع الثورة العلمية التكنولوجية ~~التي تقتضي إعادة تشكيل الأساس المادي للمجتمعات، وبناء الإنسان. العصر ~~الجديد يتميز بتسارع تكثيف وتراكم إنتاج المعلومات، تأسيسا على ~~تكنولوجيا توليد المعرفة، ومعالجة المعلومات، والاتصال الرمزي. وهنا ~~المعلومات ms015 قوة منتجة للمعلومات والمعارف، مع مزيد من التعقد في معالجة ~~المعلومات. # إن قوة عظمى سقطت؛ لأنها عجزت عن دخول عصر المعلوماتية، ليس فقط من ~~حيث الإنتاج والتوظيف، بل من حيث القيم، وإعادة تشكيل البنية ~~الدينامية، والعلاقات الاجتماعية، والعلاقة مع السلطة، ودور الإنسان ~~العام. ومن أهم هذه القيم ثقافة الحرية والابتكار، وثقافة إدارة جديدة ~~لعلاقات المجتمع. ولعل مسألة إعادة هيكلة النظام الرأسمالي هي وجه ~~لمخاض أزمة ميلاد جديد في الغرب. # لهذا كان الفصل الختامي من الكتاب دعوة إلى إنشاء مؤسسة عربية ~~للترجمة تتضافر فيها الجهود. وأن تكون هذه المؤسسة دعامة من دعامات ~~بنية متكاملة لاستراتيجية تحول حضاري شامل لكل مجالات الحياة؛ العلم ~~المؤسسي، والتعليم، والإعلام، والسياسة، والتنشئة الاجتماعية ... إلخ، ~~وهذه دعوة قديمة دعت إليها جامعة الدول العربية، ولم تر النور؛ لغياب ~~فعل التحول الحضاري الشامل. وأرى أن تنطلق الدعوة من جديد، وتظل ~~مفتوحة لكل من آمن بالخط العام للتطوير الحضاري. # | مقدمة الطبعة الثالثة1 # قد يبدو غريبا أن أستهل مقدمة الطبعة الثالثة بالإشارة إلى خطاب ~~الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمام الأكاديمية الوطنية الأمريكية ~~للعلوم في واشنطن. ولكن الخطاب وثيق الصلة من حيث دلالته بموضوعنا عن ~~الترجمة ونقل المعرفة، خاصة أنني هنا أعتمد التعريف الذي قدمته ~~للترجمة بأنها إحدى آليات تمكين المجتمع في السباق الحضاري بين الأمم. ~~وتتأكد أهمية وحيوية هذا التعريف في سياق ظروف العولمة التي تعني تكثف ~~الزمان والمكان وتكثف الاتصالات؛ ومن ثم تكثف التفاعل العلمي ~~والتكنولوجي والثقافي بين الشعوب. # إن المجتمعات المتصفة بالحيوية في عصر العولمة مجتمعات مشاركة ~~إيجابيا في حوار علمي/تكنولوجي/فكري/ثقافي على الصعيد العالمي، ~~ومشاركة أو متنافسة على أرضية الإبداع أو السبق الإبداعي في عناصر هذا ~~الحوار، والسبق في امتلاك ناصية أغنى رصيد للمعرفة. معنى هذا أن رصيد ~~المجتمع من إنجازات في صورة إبداع علمي وتكنولوجي يمثل الدعامة ~~الأولى والأساسية التي تؤهله للمشاركة الإيجابية في هذا الحوار. ~~وطبيعي أن هذا الرصيد جامع بين مصدرين؛ إبداع محلي، واستيعاب لإنجازات ~~الآخرين. # إن جناحي النهضة أو البناء الحضاري هما معا وفي آن ms016 واحد الإبداع ~~المحلي قرين استيعاب إنجازات الآخرين، ويصبح هذا النهج أكثر ضرورة ~~وإلحاحا في عصر الترابط الشبكي بين المجتمعات في عصر العولمة. # يؤكد أوباما في خطابه أن الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم ~~بإنجازاتها وتاريخها وتطلعاتها شهادة على روح الفضول المعرفي لدى ~~الأمريكيين، الروح الذي لا يهدأ ولا يستقر له قرار، ويتطلع دوما إلى ~~آفاق لا حدود لها لإنجاز ودعم، ليس المشروع العلمي وحده، بل دعم ~~التجربة الحية المطردة التي نسميها أمريكا. # وانعقد هذا الأمل مع إصدار إبراهام لنكولن قانون إنشاء الأكاديمية ~~الوطنية للعلوم على الرغم من نشوب الحرب الأهلية، ولكنه كان يؤمن أن ~~مستقبل أمريكا ونهضتها رهن العلم. # ويضيف قائلا: رفض إبراهام لنكولن الرأي القائل: إن الهدف الوحيد ~~لأمتنا هو مجرد البقاء. ولكنه أضاف بإنشائه الأكاديمية الوقود اللازم ~~لإثارة الاهتمام وتأجيج عبقرية الاكتشاف. # واستطرد قائلا: ولكن كل مجالات النشاط في الولايات المتحدة تعاني ~~الآن تحديات، وتعيش أزمة؛ أزمة تدني الاستثمار في مجال البحث العلمي ~~على الرغم من ضرورته الحيوية لرخائنا وأمننا وصحتنا وبيئتنا ولنوعية ~~الحياة الجيدة. لقد انخفض حجم التمويل الفيدرالي للبحث العلمي إلى ~~حوالي النصف، وتخلفت مدارسنا عن مستويات مدارس بلدان أخرى متقدمة، بل ~~وعن مستويات بعض الأقطار النامية. وأصبح طلاب مدارسنا دون المستوى في ~~الرياضيات والعلوم بالقياس إلى نظرائهم في سنغافورة واليابان وإنجلترا ~~وهولندا وهونج كونج وكوريا وغيرها. هذا على الرغم من أن الولايات ~~المتحدة التزمت منذ أكثر من نصف قرن بأن تقود العالم بقدراتها الريادية ~~في مجال الإبداع العلمي والتكنولوجي، وكذا الاستثمار في التعليم وفي ~~البحوث والهندسة والسباق في الفضاء. # وأضاف: وندرك جميعا أن بحوث العلوم الأساسية هي رأسمال علمي، ونعرف ~~أيضا أن إمكانات الأمة للاكتشافات العلمية تحددها القدرات المالية ~~والبحثية العلمية التي يوفرها المجتمع للباحثين. واتخذت قراري الذي ~~يقضي بأن الأيام التي فرضت على العلم في الولايات المتحدة أن يحتل ~~مكانا خلفيا تابعا للأيديولوجيا قد انتهت؛ ذلك لأن تقدم أمتنا ~~وتقدم قيمنا يمتد بجذوره إلى حرية البحث. لهذا فإن تقويض سلامة ووحدة ~~وحرية العلم تقويض للديمقراطية. وحري ms017 أن تتأسس السياسات الفيدرالية ~~على أفضل قاعدة من المعلومات العلمية الأبعد ما تكون عن الانحيازات ~~الأيديولوجية؛ إذ يجب أن نؤكد أن الحقائق الموضوعية هي ركيزة قراراتنا ~~وليس الأيديولوجيا. # واستطرد قائلا: نحن بحاجة كذلك إلى العمل مع أصدقائنا في العالم؛ ~~ذلك أن العلم والتكنولوجيا والإبداع نشاطات تتسارع حركتها أكثر فأكثر ~~بفضل تقاسم الجهد والاستبصارات والكلفة المالية والمخاطر. وندرك أيضا ~~أن تقدم ورخاء الأمة وأجيال المستقبل رهن ما نقدمه لهم من غذاء ~~تعليمي؛ لهذا أعلن التزامنا بالنهوض بالتعليم في مجالي الرياضيات ~~والعلوم؛ إذ إن هذه هي سبيلنا لكي يحتل طلابنا مكانة أرفع مستوى. إن ~~الأمة التي تتفوق في التعليم اليوم هي التي ستبز غيرها وتفوز عليها في ~~المستقبل. إنني أحثكم على التزام روح التحدي لكي تستثمروا حبكم للعلم ~~والمعرفة العلمية لتأجيج حاسة الدهشة والإثارة والتساؤل والمغامرة ~~المعرفية لدى جيل جديد. # حري أن نقرأ هذا بعقل نقدي واع، نقدي للذات وللآخر، يعتمد ~~الموضوعية العلمية، ويعتمد منهج المقارنة بين حالنا وحال أمة قادت ~~العالم على مدى قرن، هو القرن العشرون، حتى أطلق عليه الباحثون صفة ~~«القرن الأمريكي». وتواجه الولايات المتحدة، القطب العالمي الأول ثم ~~الأوحد قرابة قرن من الزمان، تحديا حقيقيا من الصين والهند. وإنها ~~إذ تنظر إلى نفسها نظرة نقدية في مرآة واقعها ومرآة البلدان المنافسة، ~~تكشف بصدق الباحث عن الحقيقة في ضوء رؤية نقدية علمية، عن أوجه القصور ~~الحقيقية ومظان الإصلاح الفوري بعزيمة صادقة؛ لضمان اطراد الريادة أو ~~على الأقل عدم التراجع لتحتل مرتبة ثانوية. بيد أنها يؤرقها الخوف ~~من المستقبل القريب، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية الراهنة على الرغم من ~~أنها لا تزال البلد الأقوى اقتصاديا وعلميا. # والسؤال لنا - عن أنفسنا في ضوء ما سبق: ماذا أعددنا نحن للنهوض ~~بمجتمعاتنا وإنقاذها من مهاوي التخلف الذي استسلمنا له عمليا وإن كنا ~~ندينه كلاما ورطانا. وهذا هو ما يحدث ويتكرر دون ملل عند الحديث عن ~~الترجمة ونقل المعرفة. # واقع الترجمة موضوع كاشف لحال المجتمع في ضوء أبعاد متعددة؛ البعد ~~المعرفي والثقافي والعلمي والتعليمي والإبداعي، ms018 وهي جميعا متشابكة في ~~جديلة أو منظومة واحدة ذات عمق تاريخي اجتماعي، وأيضا ذات مدلول ~~اقتصادي سياسي. أو لنقل بمعنى آخر: إن نشاط الترجمة دال على نشاط ~~المجتمع جملة في حركة هذا المجتمع سلبا أو إيجابا، تقدما أو نكوصا ~~على صعيد السباق الحضاري. ونلحظ أنه على الرغم من تواتر الحديث في كل ~~أنحاء العالم العربي عن الترجمة ونقل المعرفة خلال السنوات الأخيرة، ~~إلا أننا لم نخط خطوة عملية حقيقية على طريق الكشف، ومن ثم معالجة ~~الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تدني مستوى الترجمة. # وجدير بنا أن أشير هنا إلى أنه مع صدور الطبعة الأولى من كتابي هذا ~~صادف الكتاب ما يشبه الإغفال التام. ولكن بعد حديث الرئيس الأمريكي ~~السابق جورج بوش عن أزمة المعرفة وتدني مستوى العلم والبحث المعرفي في ~~العالم العربي، وهو ما يتجلى في تحصيل المعارف العلمية تأسيسا على ما ~~قدمته من إحصائيات ضمن تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن الأمم ~~المتحدة عام 2003م، وهي الإحصاءات والرؤى ذاتها المثبتة في هذا الكتاب. ~~هنا انبرى كثيرون لنقد الإحصاءات، وحقيقة الأمر أن هول الصدمة كان ~~كاسحا وكأننا أفقنا من غفوة وكشفنا عن عورة أو سوأة مجتمعات اعتادت ~~في كبرياء مزعومة أن تسمي نفسها دائما «أمة اقرأ». هذا بينما واقع ~~الحال يكشف أن لا علاقة لها البتة بتوسيع آفاق قراءة المعارف العلمية ~~العالمية، ناهيك عن توسيع آفاق الإبداع المحلي. # وقنع الناقدون الموسومون بصفة «أعلام الفكر العربي» بتكذيب ~~الإحصاءات. ولم يشأ أحدهم أن يكلف نفسه الالتزام بمنهج عقلاني نقدي أو ~~بالمقارنة التي قدمتها بين دفتي الكتاب؛ إذ كان كل ما يعنيهم، والأمر ~~الأهم في نظرهم مداراة العورة، وليس البحث عن الأسباب والعلاج. وأود أن ~~أذكر هنا أنني مع الإحصاءات التي قدمتها عن أعداد الكتب والترجمات قدمت ~~إحصاءات موازية عن استهلاك ورق الطباعة ومقارنتها أيضا بالمجتمعات ~~الأخرى، وترجح المقارنة صدق النتائج إلى حد يقرب من التأكد. وأذكر ~~علاوة على هذا، ما يدركونه ولكنهم أغفلوه عمدا، أن إحصاءات منظمة ~~اليونسكو التي اعتمدت عليها استقتها المنظمة من ms019 البلدان العربية ~~ذاتها ولم تبتدعها أو تصطنعها لخدمة أغراض أيديولوجية تآمرية. ولكننا ~~لأننا مجتمعات تعشق الطرب، ويروقها فقط ما يطربها ويدغدغ وجدانها، ~~وتقبل فقط ما يتطابق مع فكرها هي دون أن تتكلف مشاق البحث عن الحقيقة؛ ~~لهذا ضاقت بالإحصاءات الواردة في الكتاب شأنها دائما حين تضيق بكل ما ~~هو مختلف. ونظرا لأن ثقافتنا ثقافة كلمة لا ثقافة فعل؛ فقد انتهى ~~الأمر بعد تدبيج المقالات المعارضة. # وإذا كنا نؤمن بأن التفكير عبر الحقيقة العلمية هو سبيلنا للنهوض، ~~فإنني أؤكد أيضا أن نهج الالتزام بالحقيقة العلمية هو ديدن المؤمنين ~~بالتغيير؛ تغيير الواقع والفكر معا. وطبيعي أن العمل على التغيير ~~يستلزم مع توفر الإرادة الذاتية الجمعية، معرفة الواقع في ضوء منهج ~~البحث العلمي المعتمد مرحليا. ولكن أسرى الأيديولوجيات يهيمون عادة ~~مع تخييلات مقطوعة الصلة بالواقع، وعندهم الماضي والحاضر والمستقبل. ~~امتداد متجانس على صعيد سواء حيث لا تغيير. # وعلى الرغم من مضي سنوات فإننا لا نلمس جهدا مجتمعيا حقيقيا ~~لتنشيط حركة الترجمة في اتجاهها وسياقها المجتمعي الصحيح. وهكذا جاءت ~~شهادة صدق على لسان التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية عن الحصاد ~~الثقافي العربي لعام 2007م؛ لتؤكد صواب ما سبق أن أوضحته الإحصاءات ~~التي أثبتناها في الطبعة الأولى، ولم يأت العالم العربي بشيء جديد، إن ~~لم نقل: ساء الحال أكثر كما تفيد كل الشواهد. عرض التقرير العربي الأول ~~الوضع، وأكد أن المناخ السياسي المتسم بالاستبداد والقهر وغياب ~~الحريات أدى إلى انتعاش الظلامية والفكر الأصولي السلفي والتطرف. وأشار ~~إلى ما يفيد بأن هذا المناخ هو المسئول عن انصراف الإنسان العربي عن ~~ثقافة تحصيل العلم وعن الاهتمام بالقراءة العلمية وعن البحث، وهو ما ~~يتجلى في ميدان النشر تأليفا وترجمة. ويؤكد التقرير تدني النشر العربي ~~تأليفا وترجمة، وقصوره الشديد، وندرة الكتاب الذي يتناول علوما ~~أساسية، وغلبة الكتب الدينية والأدبية. # وقد يدفع البعض دفاعا عن الوضع المتردي القائم، بأن ثمة جهات ~~عربية خليجية كشفت عن اهتمام طارئ بنشاط الترجمة. وتجسد هذا في صورة ~~مخصصات مالية ضخمة، أو في إقامة مراكز ms020 ترجمة في أنحاء مختلفة من ~~العالم العربي. بيد أن هذا كله لا ينفي عشوائية وفردية النشاط، ولا ~~ينفي تعطله من هدف قومي مرسوم وفق استراتيجية تطوير حضاري؛ مما يفرغ ~~الجهد من صفة المنظومية الهادفة، فضلا عن افتقار المجتمعات العربية ~~للمناخ الداعم لحرية التخطيط والاختيار. ولعل الأخطر والأهم أيضا ~~افتقار المجتمعات العربية لمراكز الإبداع العلمي الحر على مستوى حضارة ~~العصر، وهي الشرط البنائي الذي يجعل من الترجمة استجابة مؤسسية هادفة ~~يستوعبها المجتمع لتسري دما في نسيجه الفكري والثقافي، وتدعم حركته ~~الارتقائية إن وجدت. # وتدني الترجمة ليس مجرد ضآلة عدد الإصدارات المترجمة؛ ذلك أن أزمة ~~الترجمة هي في التحليل الأخير لها أزمة قارئ/كتاب/مترجم/مجتمع له ~~تاريخه الثقافي وواقعه الراهن علميا وتعليميا وثقافيا. وغير خاف ~~أن المجتمعات العربية تعاني - كمثال - من تفشي حالة الأمية الأبجدية ~~وإن اختلفت درجاتها مع اختلاف المجتمعات. ولكن الأمية ذات الصلة ~~بالترجمة ليست فقط الأمية الأبجدية، بل هناك أيضا معها الأمية ~~الحاسوبية والأمية الثقافية والأمية العلمية، بما يتسق مع إنسان حضارة ~~العصر. وتؤثر هذه جميعها في طبيعة البنية الذهنية للمرء، ومدى فضوله ~~المعرفي، واتجاه هذا الفضول ومحتواه، هل للتحصيل العلمي؟ أم لتحصيل ~~وتكرار معارف الأقدمين التي لا تقدم جديدا ولا تفيد إلا للدراسات ~~التاريخية؟ # الارتقاء بمستوى الترجمة إلى مستوى المنافسة العالمية يستلزم ~~بالضرورة الارتقاء بالمجتمع وبالإنسان معا على مستويات عدة؛ أولا: ~~ارتقاء بالمستوى الثقافي الاجتماعي والعلمي والتاريخي؛ أعني إعادة ~~تنظيم البنية الذهنية للإنسان، بحيث يكون فضوله المعرفي موجها نحو ~~تحصيل معارف لازمة لبناء المجتمع جميعا على مستوى حضارة العصر وفق ~~صورة يصوغها المجتمع بعبقرية وإنجازات أبنائه عن الذات وعن الحاضر ~~والمستقبل. وحري أن يتحدد هذا في ضوء دراسة اجتماعية ميدانية لبيان ~~الموضوعات التي تحظى باهتمام المرء، ونوع القراءات، وكم هذه القراءات ~~ومحتواها وعلاقتها بالحركة المجتمعية المنشودة، وأثرها في حفز المرء ~~لأي نوع من المعارف. ويقترن هذا ببذل الجهد المنظم الهادف لمحو كل ~~من الأمية الأبجدية والثقافية والحاسوبية والعلمية. ويتعين ألا ننسى ~~ونفيد من تجارب ناجحة في كوبا واليابان والصين وغيرهم. ms021 # وأذكر هنا - إيجازا - تجربة كوبا؛ لطرافتها ودلالتها، وهي مجتمع ~~فقير محاصر، ولكنها استطاعت محو الأمية الأبجدية في سنتين، وأصدرت منذ ~~ست سنوات قانونا ينظم بناء الإنسان الكوبي تعليميا وعلميا. حدد ~~النظام ما يسمى حاسب أو كومبيوتر ما قبل سن الدراسة؛ إذ يتعين على ~~الطفل قبل الالتحاق بالمدرسة الابتدائية أن يتعامل مع الحاسوب. وتضمن ~~النظام أيضا تدريس علوم البيولوجيا والرياضيات وكذا اللغة الإنجليزية ~~في المدرسة الابتدائية؛ إدراكا من المسئولين والمجتمع أن هذه هي ~~مؤهلات المرء للانتماء إلى حضارة العصر. وليس غريبا أن تضم كوبا ~~الفقيرة عددا من مراكز البحث العلمي العالمية التي يؤمها علماء من ~~الولايات المتحدة على الرغم من الحصار. # وطبيعي أن الارتقاء بالإنسان رهن الارتقاء بالسياق؛ أعني الارتقاء ~~بالمجتمع. نحن لا نزال نعيش تحت عباءة ثقافة مجتمعات الرعي والزراعة، ~~ولا نزال بعيدين عن حضارة عصر الصناعة، ناهيك عن عصر المعلوماتية. ~~وطبيعي أن الارتقاء بالإنسان وبالمجتمع هنا عملية واحدة متكاملة ~~ومطردة التطور. ونعني بذلك أساسا الانتقال إلى حضارة العصر؛ أي ~~تحديث المجتمع؛ ذلك أن عملية التحديث، أو الانتقال إلى حضارة الصناعة ~~والمعلوماتية، عملية شاملة متكاملة، وليست تجزيئية أو انتقائية عمياء، ~~ومن ثم التحديث ثورة تغيير لذهنية الإنسان وللاقتصاد وللسياسة ~~والمؤسسات الاجتماعية ولدور الإنسان العام ... إلى آخر نشاطات المجتمع ~~كمنظومة واحدة متكاملة. وهنا ستكون للقراءة أو لتحصيل المعارف ~~وللمغامرة المعرفية حافزها الباطني ودور اجتماعي، وسيكون لها عائدها ~~على الفرد والمجتمع، وسيكون المجتمع إطارا حافزا لهذه الجهود. وطبيعي ~~أنه في مثل هذا السياق تأتي الترجمة أو الفهم في حرية لتحصيل معارف ~~الغير، استجابة لحاجة مجتمعية، مما يهيئ اندماجها وتجسدها مجتمعيا، ~~وتدخل في نسيج المجتمع قرينة إبداعاته المحلية، وتكون أداة دعم وتمكين ~~وتطوير. وبدون ذلك يظل الحديث عن الترجمة رطانا، وتظل جهود الترجمة ~~على تدنيها ومحدوديتها، بل وعشوائيتها، أشبه بماء مسكوب في صحراء قفر ~~لا تثمر. # وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى أنها أضحت في مسيس الحاجة ~~إلى تنشيط الإبداع والبحوث العلمية ضمانا لاطراد الريادة والزعامة، ~~وأنها بحاجة إلى مشاركة على صعيد عالمي ms022 في الإنجاز وفي الحوار ~~والتفاعل؛ أقول: إذا كان ذلك كذلك بالنسبة للولايات المتحدة القطب ~~والرائد؛ فإن البلدان العربية بحاجة أشد إلحاحا وضرورة لكي تثري ~~رصيدها المعرفي بالإبداع المحلي والاستيعاب العقلاني النقدي الهادف ~~للأجنبي، وما أكثره وما أشد تباينه وما أكثر مزلقاته! # وطبيعي أن الترجمة هي سبيلنا لذلك، وأن الإنسان العربي المبدع في ~~مناخ من الحرية، حرية الإبداع وتلقي المعلومات والمشاركة السياسية ~~والعلمية في البناء، هو دعامة هذا التحديث؛ إذ كيف يكون للعرب نصيب في ~~الحوار والمشاركة دون امتلاك نصيب من الإبداع، ودون استيعاب إنجازات ~~الآخر. هذا وإلا سنقع في ما حذر منه أوباما الولايات المتحدة. أعني ~~نقنع بمجرد البقاء دون الوجود الإرادي الفعال. وهنا يغدو لزاما ~~أن نمايز بين البقاء الذي هو مجرد اطراد عشوائي، وبين الوجود الذي هو ~~إرادة فعل هادف، ومشروع خلق، وإنتاج للثروة، الثروة التي هي الآن ~~المعرفة وفائض المعرفة. # نحن لا نستطيع أن نفصل تدني حال الترجمة عن تدني الوضع العلمي ~~والتعليمي بكل مستوياته وتخصصاته في العالم العربي، خاصة تعليم اللغات ~~في صورة متطورة، وأعني اللغة العربية قرين اللغات الأجنبية. ونحن لا ~~نستطيع أن نفصل تدني واقع الترجمة عن تدني الواقع الاقتصادي ~~والاجتماعي والحضاري بعامة. ونحن لا نستطيع أن نفصل تدني الترجمة عن ~~واقع قمع الحريات، حرية الفكر والتعبير وتلقي المعلومات، وحرية النقد ~~والإبداع. ونحن لا نستطيع أن نفصل تدني واقع الترجمة عن تدني حقوق ~~الإنسان، ومنها حق ومسئولية الإنسان العام في المشاركة الإيجابية في ~~إدارة ومهمة شئون البلاد، وحق الإنسان العام في أن يختار لنفسه وبنفسه ~~في حرية حياته وعمله ومستقبله. # ونحن لا نستطيع أن نفصل تدني الترجمة عن طبيعة وقيم وأساليب ~~التنشئة الاجتماعية. التنشئة القائمة على الخوف من المجهول وليس ~~اكتشافه، والتنشئة القائمة على القناعة بالرصيد المعرفي الموروث دون ~~إثرائه بالبحث والتجديد والمغامرة، التنشئة الاجتماعية القائمة على ~~ثقافة الاختزال عند السؤال عن الأسباب وردها إلى سبب واحد خارج ~~طبيعة الظاهرة دون ثقافة تعدد الأسباب الكامنة في الظاهرة والطبيعة ~~والتاريخ. التنشئة الاجتماعية التي تحصر الواجب ms023 المعرفي في قراءة كتب ~~ما بعد الحياة دون الاهتمام بقراءة ومعرفة كتاب الحياة، ومن ثم التنشئة ~~التي تكرس تغييب إرادة الفعل وتفضي إلى تغييب المسئولية وواجب ~~الإنسان/المجتمع؛ مسئولية وواجب قبول التحدي والثقة في الاعتماد على ~~النفس للإنجاز. تنشئة تؤكد وترسخ ثقافة قصور العقل وقصور إرادة ~~الفعل وقصور العلم، وبالتالي إعفاء الإنسان من مشقة البحث وإعمال الفعل ~~والفكر، وإعفاءه من بذل الجهد للقراءة والتحصيل. # ومن هنا لا نفصل تدني واقع الترجمة عن غياب الرؤية العامة ~~المجتمعية نحو مستقبل حضاري جديد، وشيوع السلفية التي هي في جوهرها ~~هجرة إلى الماضي وإلى الغيب ملاذا آمنا هربا من واقع قاس غير آمن ~~وغير واعد وعاطل من الأمل المشترك جميعا. صفوة القول: النهوض بالترجمة ~~لا يكون إلا عبر النهوض بالمجتمع والارتقاء بالإنسان وتعظيم رأس المال ~~البشري؛ أعني التحديث الشامل للمجتمع على مستوى حضارة العصر، وعلى نحو ~~يؤكد إرادة الإنسان العام المشارك إيجابيا، ويؤكد عمليا ودستوريا ~~حقه وواجبه في الاعتزاز والانتماء. # ونعود لنقول ما قاله أوباما، وما قاله مفكرون عرب كثيرون على مدى ~~التاريخ في الماضي القريب وفي الحاضر، وإن أهملهم التاريخ سواء لحساب ~~دعاة التقليد؛ تقليد السلف، أو لحساب قوى السلطة المحافظة؛ نقول: نرفض ~~أن يكون هدف أمتنا الوحيد هو مجرد البقاء كاطراد عشوائي، وإنما ~~ليكن هدفنا تحقيق، أو انتزاع حق الوجود لأنفسنا؛ الوجود من حيث هو ~~مشروع إرادة وحرية الفعل والاختيار وبناء المستقبل، مستقبل الأمة، في ~~مواجهة تحديات هي إفراز طبيعي لصراع الوجود الذي هو قانون الحياة، وفي ~~إطار قيم إنسانية جديدة نكون أهلا للقيام عليها وحراستها بفضل قوة ~~العلم والعقل المبدع. ولتكن أولوية الصدارة والانحياز للعلم دون ~~الأيديولوجيا؛ ليتأسس عن صدق المجتمع الديمقراطي المشارك بحرية على ~~الصعيد العالمي. مجتمع حرية البناء، وبناء الحرية. وهنا تحديدا تكون ~~الترجمة حقا آلية دعم وتمكين لا غنى عنها، وتبلغ غاية ~~الازدهار. # القاهرة 2009م # | العرب والترجمة # أزمة، أم موقف ثقافي؟ # حق وحرية الانفتاح في تسامح على فكر الآخر، والتفاعل مع أطر ~~المعاني والدلالات فيما بين الثقافات؛ أي الترجمة. ms024 قضية خلافية، ~~وإشكالية صعبة في ظل ثقافة الكلمة التي تعبر عن ذلك بمقولة تتكرر ~~على مستوى التقديس في عبارة «ثوابت الثقافة العربية»؛ إذ حسب هذه ~~النظرة: الكلمة هي الوجود الذهني المثالي الحقيقي، وليس الوجود بمعنى ~~فضاء الفعل والتغيير المولد للفكر في تفاعل جدلي مطرد ومتطور. ~~والكلمة/الوجود امتداد وتجل لمشيئة قدسية خالدة، ومن ثم أضحى الخلود ~~قسمة مميزة، ومن هنا يأتي الحديث عن الثوابت ورفض التفاعل الذي يؤدي ~~إلى صدع إطار المعنى والرؤية مع كل جديد. # ونجد في التاريخ العربي والإسلامي، أو لنقل: تاريخ الشرق الأوسط ~~بعامة؛ خطين متوازيين متضادين فيما يتعلق بهذه المسألة التي ~~تمثل فضاء الترجمة من حيث الموقف منها وحدودها واستثمارها ~~مجتمعيا، ومن ثم منتجها الثقافي. هناك تاريخيا من يرفضون بحجة ~~الحفاظ على «ثوابت الثقافة العربية»، على الرغم من عدم توافق الآراء ~~بشأن تاريخية نشوء وتطور ومدلول هذه الثقافة وثوابتها، وكذلك بحجة ~~الحفاظ على الهوية الاجتماعية على الرغم أيضا من أن هذا موضوع مستحدث ~~جديد، وليس لدينا رؤية علمية لمدلول الهوية عربية كانت أم إسلامية، ~~من حيث النشوء التكويني والتطور التاريخي الاجتماعي # sociogenesis ~~، وهل هي هوية ~~متخيلة أم هوية حية دينامية رهن الزمان والمكان. # وإذا عدنا إلى التاريخ العربي والإسلامي التماسا لفهم الترجمة ~~ودورها في المجتمع، نرى بوضوح مظاهر هذا الصراع ونتائجه، ثم هزيمة طرف ~~لحساب طرف آخر ظل له الفوز والولاية على الفكر العام حتى الآن، وله ~~تجلياته المادية المؤثرة ومسئوليته عما آل إليه حالنا. # البداية هنا - بحكم الخطاب العربي المنحاز عقديا - مع فترة اتساع ~~الرقعة الجغرافية الحضارية الموصوفة بالحضارة العربية حينا، ~~والإسلامية حينا آخر؛ إذ إنه مع خروج موجة جديدة من موجات الهجرة ~~لسكان شبه الجزيرة العربية على امتداد الحقبة التاريخية الأركيولوجية ~~الحديثة من نطاق أو حصار صحراء شبه الجزيرة، انطلق المهاجرون العرب هذه ~~المرة يحملون عقيدة بمسمى جديد هو الإسلام. # وتحققت لهم الهيمنة في مناطق ذات تواريخ حضارية عريقة أوشكت شعلة ~~الحضارة - أي الإبداع والتجديد - على الانطفاء فيها، أو لنقل: ذوت ~~جذوة الفعل الإبداعي الحضاري ms025 لأسباب عديدة؛ ثقافية وتاريخية واقتصادية ~~وسياسية وعسكرية ... إلخ. أنهكتها الصراعات فيما بينها، وفي داخلها، ~~ولكنها تملك تراثا غنيا من الإنجازات وقضايا الفكر والعقيدة ذات ~~الخصوصيات المميزة. وعرف التاريخ مدارس أو منارات للفكر في هذه ~~البلدان، مثلما شهد صراعات وغزوات متبادلة. # ونذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، أكاديمية جنديسابور في ~~خوزستان في فارس، وجهود علمائها في مجالات الفكر والفلك والترجمة ~~وغيرها. ونذكر مدرسة الإسكندرية لتنوع الاتجاهات العقدية والفكرية ~~فيها، سواء في العصر الهيليني أو ما قبله؛ حيث كانت مدرسة أو معبد ~~«برعنخ» راقودة المصري الفرعوني، الذي أنشئت مدرسة الإسكندرية ~~البطلمية على غراره، ناهيك عن معابد مصر الفرعونية. ونذكر بلاد ~~الإغريق ومدارس الفكر الفلسفي والرياضيات والإلهيات فيها. وكانت ~~للإغريق تعاملاتهم وغزواتهم مع المنطقة حتى حدود الهند. ونذكر كذلك شرق ~~المتوسط وآسيا الوسطى التي توهجت فيها مدارس فكرية وصراعات عقدية حول ~~المسيحية في تنوع خصب، حيث مدارس النساطرة. ونذكر تاريخ بابل وآشور ~~والسريان ومراكز الفكر في أنطاكيا وحران والرها ونصيبين ~~وأوغاريت. وكانت جميعها قلاعا فكرية وعقائدية أثرت بإشعاعاتها في ~~الإقليم على اتساعه، مثلما كانت لها جميعها تفاعلاتها خارج حدود هذه ~~الأقاليم. وكان لبعضها حضور ثقافي، بل ومادي، مثل الفرس والرومان داخل ~~شبه الجزيرة. # ضم العرب قطاعات واسعة من هذه البلدان المنهكة حضاريا، ~~والشديدة التنوع فكريا وعقديا تحت راية سلطة سياسية واحدة تحمل اسم ~~عقيدة الإسلام. وخلق الواقع الجديد فرصة جديدة لتفاعل جديد على نطاق ~~إقليمي واسع بين هذه الإنجازات الحضارية السابقة. تفاعل في سياق جديد ~~مغاير؛ سياق يمتد مكانيا من حدود الصين عبر الهند وفارس، إلى شرق ~~المتوسط ومصر والإغريق. وكان الوضع الجديد أشبه بحقنة أدرينالين ~~منشطة لجسد واه ضعيف، فبثت الروح والحمية فيه من جديد، وأفاق ~~الجسد إلى حين. # وتجلت ثمار التفاعل في ظل السياق الجديد وقضاياه الجديدة، وكانت ~~مرحلة لاستيعاب فكر وافد، وإيقاظ فكر موروث، وتفاعل من منطلق خصوصيات ~~سابقة متنوعة مع رؤى وفكر إسلامي جديد، وليس بالغريب، وإنما يمثل ~~نقلة على امتداد متصل الأديان في تطورها الإقليمي. # وحقق المأمون ms026 حلمه الذي استهل به فترة لم تدم طويلا، هي فترة ~~أو عصر تأكيد سلطان العقل على الفكر والفعل الدنيويين. وهذا هو ~~الإنجاز الذي أثمر إبداعات في الفكر الفلسفي وفي العلوم والرياضيات وفي ~~الفلك، واستحق المأمون من أجله أن يطلق علماء الفلك المعاصرين لنا ~~اسمه على إحدى فوهات القمر. وحلم المأمون وصياغته، الذي جاء ~~تجليا لنشأته وبيئته، له دلالة ذات مغزى، سواء أكان تعبيرا عن وعي ~~باطن، أم رواية عن وعي ظاهر. ويروى أنه رأى في منامه أرسطو، المعلم ~~الأول، وسأله: «أيها الحكيم، ما الحسن؟» أجابه الحكيم: «ما حسن في ~~العقل.» # وهذه هي العبارة ذاتها التي ظلت مقولة فلسفية موضوع جدال وسجال ~~بين المعتزلة وخصومهم، والتي قالها الفيلسوف العربي الكندي، إلى أن ~~بلغت ذروتها في فكر فيلسوف العقل ابن رشد، الذي حرر الحسن والعقل ~~والحق من أي انحيازات عقدية أو مرجعيات دينية. وكان نموذج المأمون ~~إقامة مركز يعنى بتعلم المذهب العقلي على غرار الأكاديمية الفارسية في ~~جنديسابور التي عنيت بترجمة المعارف الإغريقية والرومانية والبيزنطية ~~وعلوم الشرق الأقصى إلى اللغة الفارسية. وانفتحت الأكاديمية على مذاهب ~~المفكرين والفلاسفة في تنوعهم، بمن في ذلك من كانوا يسمون ~~الهراطقة. # وأنشأ المأمون نموذجا محاكيا في بغداد هو بيت الحكمة. ولا غرابة في ~~ذلك؛ إذ إن المأمون أمه فارسية، وعاش حينا واليا على بلدة مرو ~~الخاضعة للسلطان الفارسي. وأصبح بيت الحكمة في بغداد مؤسسة علمانية ~~لمجتمع قائم على العقل والإبداع. وأقام المأمون مرصدين ومكتبة. ~~واشتمل بيت الحكمة على برامج بحثية في علوم اللغة والطبيعة وما وراءها ~~والرياضيات والطب والفلك. وعني بيت الحكمة عناية فائقة بالترجمة عن ~~العديد من اللغات، وفي جميع المعارف، في نهم لا يعرف حدودا أو ~~قيودا، وعرف التاريخ أسماء أعلام مشهود لهم دون اعتبار لفوارق عقدية، ~~ويمثل إنتاجهم الخصب المتنوع جهدا مؤسسيا لفريق عمل بكل معنى ~~الكلمة. # ولكن الفكر الأصولي السلفي المتشدد ناصب المأمون وبيت الحكمة ~~العداء، وخاض معارك باسم الدين والتفسير الحرفي ضد مشروعات المأمون ~~العلمانية، التي كان مقدرا لها - لو استمرت - أن ms027 تنقل الشرق ~~الأوسط إلى آفاق حضارية رحبة. وكان رائد هذه الحركة السلفية المناهضة ~~للعقل في أيام المأمون هو الإمام أحمد بن حنبل في مجال العقيدة، ~~والثاني الإمام أبو حامد الغزالي ، الذي كان بفكره معولا لهدم العقل ~~الفلسفي، وانعقدت للفكر السلفي السيادة منذ ذلك التاريخ. ونلاحظ أن هذه ~~المعارك لا تلبث أن تظهر نشطة دوما، معارضة لكل دعوة للعقل ~~والعقلانية والنهضة العلمية والتطور. # وعلى الرغم من هذا الصراع باسم المقدس، فقد أعطى التفاعل ثمارا ~~فكرية متنوعة وإبداعات علمية توجزها عبارة الحضارة الإسلامية أو ~~العربية. ومن عجب أننا نجد من يشيد بهذا العصر، على قصره، في زهو ~~باعتباره عصر ازدهار، ونجد من هم على طرف نقيض، ويرون أن هذه الفترة ~~هي سر وبداية النكبة. وهاتان رؤيتان متوازيتان على امتداد التاريخ حتى ~~اليوم. والأمر الجدير بالبحث والتفسير هو لماذا تنعقد الغلبة في ~~النهاية دائما لأصحاب التوجه السلفي؟ # والذي يعنينا هنا أن وقائع هذه المرحلة تؤكد لنا أن الترجمة كانت ~~إحدى آليات هذه النهضة في تزاوج مع واقع ينبض بحياة فكر وفعل ~~اجتماعيين جديدين، واقع تربطه علاقة رحم بالسابق على تنوعه، ~~وعلاقة نسب بقضايا الحاضر الجديد آنذاك. # واستسلم العقل العربي بعدها لحالة انكفاء ووهن حضاري؛ أعني انطفأت ~~جذوة الإبداع في ظل سيادة نظم حكم عاطلة من ثقافة الفعل الاجتماعي ~~والعقل الإبداعي والانتماء والتطوير الحضاري، وسادت مقولة: «كل مستحدث ~~بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.» # وامتد عصر الوهن الحضاري إلى أن تيسرت ظروف تفاعل جديدة مع ما ~~اصطلح على تسميته الحضارة الحديثة؛ أي الغرب. وبعيدا عن اختلافات ~~التفسير أقول: بدأت الترجمة في العصر الحديث من موقعين، ولكل أسبابه ~~الخاصة للنشأة والتطور؛ في مصر، وفي متصرفية لبنان، أو جبل لبنان أثناء ~~الحكم العثماني. # ارتبطت الترجمة في لبنان بموقف مناهض لسياسة التتريك، ومن ثم محاولة ~~الحفاظ على اللغة العربية ضمانا لفصل المنطقة ثقافيا عن تركيا، وهو ~~الموقف الذي دعمه الغرب. وقدمت لبنان أعلاما في الفكر العربي ~~والترجمة، نذكر منهم: أمين المعلوف صاحب معجم الحيوان، والمعجم ms028 الفلكي، ~~ومعجم النبات. وكذلك فارس نمر، ويعقوب صروف، اللذان أصدرا مجلة ~~المقتطف، وتضمنت الكثير من الدراسات المترجمة في سياق سياسة ~~التنوير. # ولكن حركة الترجمة كنشاط اجتماعي تنويري واستقلالي داعم للنهضة ~~والتحديث، بدأت في مصر في عهد محمد علي. ويعتبر الشيخ رفاعة رافع ~~الطهطاوي إمام التنوير والعلمانية؛ إذ جعل الترجمة، وبدعم من السلطة، ~~مؤسسة اجتماعية هدفها إنجاز مشروع قومي اجتماعي شامل لجميع أنشطة ~~الحياة، وتحقيق نهضة في العلوم والصناعات. # بدأ تاريخ الترجمة في العصر الحديث للعالم العربي انطلاقا من هذين ~~المركزين. وتعثر نشاط الترجمة أو انحسر بعدما أصابت جهود النهضة ~~انتكاسة بسبب الدور الاستعماري الغربي، والنظم الحاكمة الاستبدادية ~~المحلية التي حالت دائما دون أن تكون قضية الوطن أمانة بين يدي شعب ~~واع ومشارك في إدارة شئون مجتمعه بحرية. وبدأت صحوة جديدة للترجمة مع ~~مطلع القرن العشرين قرينة صحوة اجتماعية وسياسية للمطالبة بالاستقلال. ~~وبرز أعلام للفكر العربي، كما نشأت مؤسسات للترجمة والتنوير في إطار ~~رؤية قومية لتحصيل علوم الحداثة التي هي أساس نهضة وازدهار ~~الغرب. # ومع بداية ما يمكن أن نسميه عصر استقلال الكيانات العربية ونشوء ~~دول جديدة في منتصف القرن العشرين، ظهرت مراكز ومؤسسات للترجمة في غير ~~المركزين السابقين؛ في الكويت وسوريا والعراق والسعودية، وأخيرا في ~~دبي وأبوظبي وقطر. # وأبدت الجامعة العربية اهتماما بدور الترجمة، ودعت، بناء على ~~مبادرة من عميد الأدب الراحل طه حسين، إلى إنشاء مؤسسة عربية للترجمة ~~لإعداد المترجمين. ولكن لم يتحقق من هذا كله سوى إقامة المعهد العالي ~~العربي للترجمة الذي أقيم منذ بضع سنوات فقط في الجزائر، ولا يزال في ~~دور التجربة، وشرع في تخريج مترجمين يؤرقهم سؤال: ماذا عسانا أن ~~نترجم؟ ولماذا نترجم؟ ولمن نترجم؟ أعني أن جهدهم التعليمي غير مقترن ~~بمشروع قومي محلي أو عربي، وأمامهم العالم العربي عاطل من هدف ~~نهضوي. # معنى هذا أن هناك إدراكا عربيا رسميا لدور الترجمة وتدني ~~وضعها، ولكن في حدود الإدراك النظري للموقف دون أن يصدقه سلوك عملي ~~ووعي قومي. ولهذا نرى نشاط الترجمة بؤرا متناثرة على صعيد ms029 الأرض ~~العربية، ولا يخرج عن كونه جهودا شكلية لمراكز أو منظمات أو مؤسسات ~~هي في حقيقتها مجرد دور نشر. # ويمكن أن نلخص حقيقة الوضع العربي الراهن للترجمة فيما يلي: ~~(1) # أكثر البلدان العربية حديثة العهد بنشاط إصدار الكتب ~~تأليفا وترجمة، بل إن هناك بلدانا ليس لها اسم على خريطة ~~صناعة الكتب. ~~(2) # الترجمة من حيث الكم متدنية أشد التدني قياسا إلى ~~البلدان الأخرى، وقياسا إلى مقتضيات حضارة العصر والنهوض ~~بالإنسان وبالوطن. ~~(3) # الترجمة على الرغم من تدنيها ومحدوديتها هي نشاط فردي، ~~حتى وإن صدرت باسم مؤسسة ما هنا أو هناك؛ إذ هي جهد متباين ~~التوجهات، مما يعكس غياب رؤية وخطة عربية عامة أو محلية ~~تعي مقومات العصر وتحدياته، وتمثل استجابة ~~لها. ~~(4) # نسبة الكتاب المترجم أقل من ٪10 من إجمالي الإصدارات على ~~المستوى العربي، وهي أربعة في الألف بالنسبة للإصدارات ~~المترجمة عالميا سنويا، بينما نسبة عدد العرب إلى ~~العالم واحد على أربعة وعشرين. وسبق أن أشرنا في كتابنا ~~«الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي»، ما سبق أن ~~نشرته منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة ~~العربية في كتابها الصادر عام 1996م، من أن إجمالي عدد ~~الكتب المترجمة إلى العربية منذ عهد خالد بن يزيد حتى عام ~~إصدار الكتاب، لا يتجاوز عشرة آلاف عنوان، وهو ذات عدد ~~إصدارات إسبانيا في عام واحد من الكتب المترجمة. ~~(5) # الغالبية العظمى من الكتب المترجمة لا تربطنا بما ~~يسمى العلوم ~~الأساسية # Basic Sciences ~~، التي هي دعامة البناء الحضاري، ~~وحصاد جهود البحث والتطوير والمنافسة. ولكن غالبية ما يوصف ~~بالكتب العلمية هي علوم تطبيقية، مثل إصلاح الحاسوب مثلا. ~~ولا يكشف الكتاب المترجم عن توجه مجتمعي ماكرو... أي ~~توجه كلي وشامل لحركة مجتمعية ناهضة في اتجاه العصر. ~~والقليل النادر الذي يهدف إلى صوغ ذهنية علمية إبداعية ~~نقدية. ~~(6) # ثمة حاجز فاصل كثيف بين بلدان ومثقفي العالم العربي وبين ~~إصدارات العالم المتقدم؛ لأسباب ثقافية، فضلا عن أن ~~استيراد الكتاب جهد فردي. هذا علاوة على أن المجتمعات ~~العربية موزعة كل تحت سيادة لغة أجنبية هي لغة المستعمر ms030 ~~السابق، مما يجعل كلا منها خاضعة لرؤية ثقافية ~~منحازة. وتعاني مشكلة توحيد المصطلحات العلمية عربيا على ~~الرغم من وجود «مكتب تنسيق التعريب» في الرباط التابع ~~لجامعة الدول العربية. ~~(7) # قدر كبير من الترجمات صادر عن دور نشر لحساب هيئات ~~ومراكز دبلوماسية أجنبية؛ ولذلك فإنها تعكس رؤاها ~~ومصلحتها. ومن هنا جاءت دعوتنا إلى «تعريب الترجمة»، بمعنى ~~أن تصدر انطلاقا من رؤية عربية نهضوية خالصة. ~~(8) # الافتقار إلى إحصاءات ببليوجرافية شاملة ومحققة عن ~~الحاضر والتاريخ؛ مما يعني افتقار المجتمع إلى ذاكرة ~~تسجل نشاطه الثقافي، بما في ذلك الترجمة. هذا على عكس ~~ذاكرة الثقافة الدينية الأصولية. ~~(9) # غياب دليل المترجمين العرب وتخصصاتهم وإنجازاتهم، على ~~الرغم من أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ~~أصدرت دليلا، إلا أنه قاصر ومعيب. ~~(10) # غياب جيل جديد من المترجمين الخبراء المجيدين، ويعكس هذا ~~فقر الثقافة وقصور التعليم، تعبيرا عن غياب الجهد ~~النهضوي. ~~(11) # غياب الدراسة التحليلية للمترجمات دراسة بناء على منهج ~~المباحث العلمية المتداخلة، تاريخ وعلم نفس واجتماع ~~وأنثروبولوجيا ... إلخ؛ لتحليل الموضوع وتحليل الأسباب؛ ~~أسباب التدني من حيث الكم والكيف، دون الاقتصار على ~~إحصاءات كمية وأرقام مجردة. هذا إذا أردنا أن نعرف ~~أنفسنا ونفكر عبر الحقيقة وإن كانت مؤلمة، تأكيدا ~~لعزمنا على التغيير. وغني عن البيان أن دراسة تحليل ~~الموضوع سوف تكشف عن أي فروع المعرفة تحظى باهتمامنا، ~~وأيها نعزف عنها، ومن ثم وجه القصور المعرفي الحقيقي في ~~حياتنا الثقافية، ومدى ارتباط ذلك تاريخيا بثقافة ~~مجتمعية غالبة، وكذلك اقتران ذلك بتخلفنا المعرفي ~~العلمي. ~~(12) # غياب الدراسة التحليلية المقارنة لمراحل وعصور نشاط ~~الترجمة في حياتنا، والمقارنة مع المجتمعات الأخرى؛ حتى لا ~~نزهو بفتات وقشور الإنجازات الفكرية العلمية. ويكفي أن ~~نعرف أن العالم ينفق أكثر من خمسمائة بليون دولار سنويا ~~على البحوث والتطوير، وجدير بالذكر أن الدول المتقدمة ~~تنفق سنويا ما بين 2 و3 بالمائة من إجمالي الدخل القومي ~~على البحث العلمي في المجالات غير العسكرية، بينما تنفق ~~البلدان العربية ما بين 0,2 و0,5 بالمائة من دخلها. ويتجلى ~~فقر البحث العلمي في اغتراب غالبية العلماء العرب ms031 خارج ~~أوطانهم. # وحري بنا هنا أن نلقي نظرة إلى خلاصة ما انتهى إليه التقرير ~~العربي الأول للتنمية الثقافية، والذي يعرض الحصاد الثقافي العربي لعام ~~2007م؛ إذ يؤكد أن المناخ السياسي المتسم بالاستبداد والقهر وغياب ~~الحريات أدى إلى انتعاش الظلامية والأصولية والتطرف. ونعرف أنه مناخ ~~ممتد على مدى قرون. وطبيعي أنه مسئول عن انصراف الإنسان العربي عن ~~ثقافة تحصيل العلم، وعن الاهتمام بالقراءة العلمية والبحث، والعجز عن ~~التغيير، وهو ما يتجلى في مجال النشر تأليفا وترجمة. # ويشير التقرير العربي الأول إلى تدني النشر العربي تأليفا وترجمة، ~~وقصوره الشديد، وندرة الكتاب الذي يتناول علوما أساسية، وغلبة الكتب ~~الدينية والأدبية. # وسبق لنا، منذ أكثر من عشر سنوات، أن عرضنا في الطبعة الأولى من ~~كتابنا «الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي» (إصدار المجلس ~~الأعلى للثقافة، القاهرة)، رؤيتنا التي تؤكد ذلك على أساس من دراسة ~~تحليلية وإحصائية. ولكن للأسف انبرى عدد من المثقفين الذين فزعوا من ~~هول الصدمة، وحرصوا على الدفاع الأعمى عن النظم الحاكمة، وعن واقع مهين ~~مترد، وشرعوا في التشكيك في الرؤية وفي الإحصائيات عن غير علم. ونحن ~~لن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام ما لم نلتزم منهج «التفكير عبر ~~الحقيقة». # بعد هذا أقول إجمالا: الترجمة في التاريخ العربي موقف ثقافي اجتماعي ~~سلبي من المعرفة إنتاجا وإبداعا وتحصيلا واستثمارا. إن مناط الأمل ~~ومحور الجذب في ثقافتنا الاجتماعية التي أفقرها ورسخ واقعها البائس، ~~الاستبداد والجمود والتخلف، هو تحصيل علم لدني دون الدنيوي، ونرى ~~في هذا صراطنا المستقيم وخيرنا الأعظم. # ولهذا فإن النهوض بالترجمة لا يكون إلا بشرطين: ~~(1) # عقد العزم المجتمعي على إنجاز نهضة شاملة لكل مجالات ~~النشاط والحياة في المجتمع من سياسة وإدارة وتعليم وتأويل ~~واجتهاد ديني عقلاني حر، وبحث علمي دون قيود من خارج ~~المنهج العلمي في البحث والتفكير في تناسب مع تحديات ~~ومقتضيات حضارة العصر. ~~(2) # أولوية إعادة تنظيم البنية الذهنية للإنسان العربي في ~~إطار رؤية علمية نقدية لواقعنا راهنا وتاريخا، وترسيخ ~~ثقافة الفعل الاجتماعي والتغيير والتنوع في حرية، ~~والانفتاح على الفكر العالمي ms032 في تعدده، والهدف بناء عقل ~~جديد لإنسان جديد ومجتمع جديد. وهذا هو الواجب الأول لأي ~~مؤسسة أو وزارة معنية بالثقافة الحقة لا الثقافة ~~الاحتفالية، ولكنه واجب غائب عن الوعي غياب الحاجة ~~الملحة إلى النهضة. # بقيت نقطتان وثيقتا الصلة بموضوع الترجمة وموقف العرب من الترجمة، ~~وهاتان النقطتان موضوع دراسات جادة متطورة على الصعيد العالمي بدأت في ~~العقدين الأخيرين: # أولا: # دراسة المنتج أو العائد الثقافي للترجمة إلى ومن ~~العربية، مع دراسة مقارنة في الزمان بين مراحل وعصور ~~نشاط الترجمة، وكذا مقارنة مع المجتمعات ~~الأخرى. # تفتقر البلدان العربية لمثل هذه الدراسة على الرغم ~~من أنها تحظى باهتمام واسع مع بداية مرحلة نهاية ~~الاستعمار الغربي الأوروبي، والمراجعة لكل تراث ~~التنوير. وكم هو واجب أن نعود إلى أنفسنا بفكر نقدي أو ~~ما يسمى # self-reflexiveness # على الامتداد التاريخي، وندرس أسباب تدني الترجمة ~~وطبيعة الحصاد على الرغم من تدنيه، والأثر الناتج ~~عنه، أو عن توظيف واستثمار هذا الحصاد! وندرس كيف صاغت ~~الترجمات صورة الآخر الذي نترجم عنه في الأذهان ~~وانعكاس ذلك على سلوكنا، وكيف صاغت صورتنا أمام ~~أنفسنا، وكيف جرى التفاعل ليكون الحصاد تعميقا لشعور ~~بالدونية إزاء الآخر، أو ترسيخا لشعور نرجسي بالتفوق ~~الزائف حين نزهو بالسلف دون أنفسنا وجهودنا، أو عزما ~~على التحدي على أساس من الندية في إطار مقارن مع ~~المجتمعات الأخرى. # هذا مع إيمان بأن الترجمة هي مترجم وثقافة وكتاب ~~وقارئ ومجتمع داعم، وديناميكية حركية نحو هدف مشترك، ~~ونقد عقلاني، وتسامح وموضوعية في التلقي وفي النقد، ~~ومغامرة في سبيل نهم معرفي واستكشاف للمجهول. ولكن من ~~أسف أن هذه العناصر ودراستها دراسة تحليلية نقدية ~~غائبة جميعها. # وجدير بالذكر هنا جهود الباحثين في المستعمرات ~~السابقة في أمريكا اللاتينية وفي الهند وعدد من بلدان ~~جنوب وشرق آسيا؛ مثال ذلك: أن فريقا من الباحثين ~~الهنود استحدث خلال الثمانينيات فضاء معرفيا جديدا ~~في مجال الدراسات التاريخية الهندية، ويحمل الفريق اسم ~~«فريق دراسات المهمشين أو التابعين» # Sub-altern Studies ~~Group ~~، والاسم مأخوذ عن المفكر ~~الإيطالي أنطونيو جرامشي، والهدف نقد العلاقات غير ms033 ~~المتوازنة بين الذات والآخر، خاصة خلال فترة ~~الاستعمار، وكيف صاغ الغرب أيديولوجيا صورة الآخر ~~(الغرب) من خلال ثقافته المنقولة إلى مثقفي الهند. ~~واصطنع الغرب صورة شائهة عن المجتمع الهندي يثبتها ~~الباحثون الغربيون خارج إطار الزمان والمكان، وكأنها ~~هي الهند دائما في كل زمان ومكان. وتجلى هذا في ~~مجالات بحث عديدة. وذهبوا في مجال التاريخ إلى أن ~~تاريخ الهند، ليس كما صور الغرب، هو تاريخ شركة ~~الهند الشرقية، وإنما هو فعالية وصراع عامة الهنود على ~~مدى التاريخ لبناء الذات والحفاظ على هويتهم. # وجاء ميلاد هذا المنهج تحديدا بعد الحرب العالمية ~~الثانية ومراجعة الشباب الأوروبي لتاريخه وانحيازاته ~~التي أدت إلى اكتواء مجتمعاتهم بويلات حربين ~~متعاقبتين مدمرتين. واقترنت هذه المراجعة باستقلال ~~المستعمرات السابقة. وتوافقت آراء المثقفين هنا وهناك ~~على ضرورة تصحيح الرؤية ورفض هيمنة ثقافة الغالب، ~~وتأكيد نسبية الثقافة، والاعتراف بخصوصية ثقافة الأنا ~~والآخر في تكافؤ ندي. # وتقتضي الأمانة أن نذكر أن مصر الحضارة والتاريخ ~~كانت تنبعث دائما حية من جديد على أيدي مثقفيها ~~وعلمائها خلال مراحل النضال التماسا للنهضة، ولكن لا ~~تلبث أن تخبو مع انحسار زخم حركة النهضة، وطغيان ~~حاكم أجنبي أو مستبد محلي، أو هيمنة أيديولوجيا ~~سلفية. # وحري بي أن أذكر هنا مثالا يوضح مدى الأثر ~~الراسخ لآلية نقل المعارف من الغرب واصطناع صورة الآخر ~~في انحياز أيديولوجي، أو لنقل: صورة الأنا والآخر ~~(الغرب والشرق) كوجهين نقيضين. ذلك أنه عند مناقشة ~~ترجمة كتابي «أثينا إفريقية سوداء» تأليف مارتن برنال، ~~و«التراث المسروق» تأليف جورج جيمس، في ندوة في المجلس ~~الأعلى للثقافة بالقاهرة، وضح أن عددا من الأكاديميين ~~كانوا أعجز من أن يستسيغوا أو يتحرروا من الأطر ~~المعرفية الغربية المنقولة عن الغرب، واغتذوا عليها ~~خلال فترة دراستهم الأكاديمية في ظل الاستعمار. ~~والغريب أن هذه هي الأطر ذاتها التي تخلى عنها ~~وأدانها كثير من الباحثين الغربيين في الدراسات ~~والمراجعات النقدية التي راجت مع وبعد ثورة الشباب في ~~السبعينيات. # ثانيا: # النقطة الثانية هي الترجمة في عصر العولمة أو عصر ~~ثورة المعرفة أو ثورة الاتصالات ms034 أو لنسمها ما شئنا. ~~وكذا الترجمة في إطار صراع الوجود تأسيسا على المعرفة ~~فيما بين المجتمعات ضمانا للسبق الحضاري والمنعة ~~الحضارية وليس مجرد البقاء. وغني عن البيان أن الترجمة ~~من أهم آليات التواصل المعرفي على الصعيد الكوكبي. ~~وأصبح واضحا أن هذا العصر بكل مسمياته يحمل طاقة ~~وقدرة على التأثير والتغيير جذريا في ثقافات الشعوب ~~جميعها من خلال كثافة التواصل الذي أصبح يسيرا وبلا ~~حدود، حتى وإن سار في اتجاه واحد على الرغم من قيود ~~الاستبداد. وطبيعي أنه تواصل ليس قاصرا على اللغة ~~الشفاهية واللغة المكتوبة، بل تواصل سمع بصري، وعبر ~~وسائط الإعلام المتعددة «المالتي ميديا»، وعبر المعارض ~~والمتاحف والسياحة والهجرة. والترجمة هنا لها دور واضح ~~في التلقي. وتطمح بلدان إلى أن تحقق لنفسها الهيمنة ~~على الآخر عن بعد، من خلال صياغة عقول وأطر معرفة ~~الآخر، وضمان السيادة لثقافتها واحتكار المعلومات وشغل ~~موقع المرجع والمصدر للمعلومات والمعارف؛ أي أن تكون ~~هي بنك معلومات العالم. وهذا ما تحرص عليه الولايات ~~المتحدة من خلال الشبكات الفضائية. وسؤالنا: ترى ما ~~هو الموقف العربي من الترجمة في هذه المجالات إرسالا ~~واستقبالا؛ أي في إعادة تشكيل الثقافات وإعادة تشكل ~~الهوية؟ # الترجمة الآن هي الوسيط العالمي بامتياز في نطاق ما ~~يسمى فضاء التفاوض فيما بين الثقافات على الصعيد ~~الكوكبي # Global-Inter cultural ~~Negotiation ~~، وتزايد الاهتمام ~~بحدة لدى الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ~~لفهم ثقافة/فكر المنطقة العربية. # وتجري دراسات الغرب في إطار معرفي غربي. والترجمة ~~النقدية هنا ضرورة حيوية. ولكن السؤال: ما الذي يصنع ~~صورة الأنا لدى الآخر؟ ترك العرب للغرب مهمة صناعة ~~الصورة وتواروا خلف عبارة تدغدغ الوجدان النرجسي ~~السقيم قالها شيخ ذائع الصيت: «لقد سخر الله لنا ~~الغرب ...» وهذا خطأ فادح. وانسحب الأصوليون ولاذوا ~~بالماضي وانكفئوا على تراث قديم خارج العصر؛ فكانت ~~نرجسية مريضة. وهذا خطأ فادح آخر يتجلى في رفض ~~التعددية والتنوع والتطور ووأد للعقل العلمي الحر، على ~~الرغم من أن هذه بعض خصائص التراث الذي ~~يجهلونه. # الترجمة أحد جناحي النهضة للاستيعاب النهم واقتناص ms035 ~~معارف الآخر، والجناح الثاني هو الإبداع الذاتي في ~~مجال الفعل والفكر. وهذان الجناحان لا يحلقان بالمجتمع ~~إلا في مناخ من الحرية والديمقراطية وثقافة الفعل ~~والتغيير. # الطريق إلى المستقبل مشحون بالتحديات، تحديات مع ~~أنفسنا لفهم وتغيير أنفسنا ثقافيا وتاريخيا، ~~وتحديات مع الآخر في ضوء مقتضيات حضارة العصر، وإن لم ~~نقارن لن نفهم. وإن لم نعقد العزم على التزام نهج علمي ~~في الفهم وفي مواجهة التحديات لن نخطو أبدا إلى ~~أمام. # ونعود لنسأل: أين العرب من كل هذا؟! # | الترجمة # بين عالم جديد ومستقبل مجهول # بداية أضع تعريفا للترجمة غير الشائع، تعريفا تحدد صيغته ~~المهام والمسئوليات ومقتضيات نشاط المجتمع الذي يحق أن نسميه ترجمة. ~~وينأى بنا عن المزاج الثقافي الاحتفالي السائد بيننا الذي يفضي إلى ~~تزييف الوعي، ويضيع معه الطريق، ونقع أسرى الصخب حيث ضجيج ولا ~~طحين. # ليست الترجمة نقل معرفة، ولا هي حوار حضارات بالمعنى السطحي الذي ~~نردده إلا وفق شروط. الترجمة إحدى آليات تمكين المجتمع # Social enpowerment ~~، وهي اقتناص ~~لأفضل معارف حضارة العصر العالمية اللازمة لدعم عملية التمكين على صعيد ~~استراتيجي في سياق التحدي والمنافسة، أو الصراع العالمي. وطبيعي أن ~~يخرج بنا هذا عن الترجمة كترف ثقافي. وتمثل الترجمة بحكم هذا التعريف ~~نشاطا منظوميا اجتماعيا، بمعنى أن الترجمة نشاط اجتماعي لا فردي، ~~تخطيطي لا عشوائي، يجري إنجازه من خلال مؤسسات ومنظمات تجمع بينها بنية ~~شبكة اجتماعية وصولا إلى هدف أو مستقبل. # وحري بنا أن ندرك بادئ ذي بدء ~~أن الترجمة في عصور نهضتها تكون قرينة نهضة مجتمعاتها، بل ثمة تلازم ~~بين الاثنين. وتمثل في حالة النهضة حركة ومنظومة مؤسسية، وليست ~~نشاطا فرديا أو تراكما عدديا. وتجسد منظومة معرفية وتعبيرا ~~عن حالة حضارية اتخذت الطابع المؤسسي، ويهيئ لها المجتمع الدعم المؤسسي ~~الاجتماعي والاقتصادي والصناعي والعلمي والتعليمي ... إلخ؛ أي يحشد لها ~~مثلما يحشد لكل أنشطة المجتمع عوامل التمكين، وصولا إلى المستقبل ~~المنشود وفق استراتيجية جرى التخطيط لها علميا. # ولكن لماذا المعرفة/الترجمة؟ ولماذا السعي إليها سعيا شبكيا في ~~إطار المؤسسات الاجتماعية؟ وما هي حدود ms036 المعرفة المنشودة ومجالها من ~~حيث التخصصات والفنون، ومن حيث الموطن والمصدر؟ وما هي آليات ومعايير ~~اختيار المعارف للترجمة على الصعيد الاجتماعي؟ معارف محلية، تاريخية، ~~معاصرة؛ أي باعتبارها نشاطا اجتماعيا داخليا، أم نشاطا متبادلا ~~بين المجتمعات؟ # الإجابة تأتي تأسيسا على فهم معنى المستقبل، ومعنى البحث في الزمان ~~والمكان الحضاريين كدور وكحركة. ونعني هنا المستقبل الاجتماعي؛ إذ ~~يتميز الإنسان/المجتمع بأنه كيان حي دينامي هادف. والمستقبل هدف ~~حركة أو حراك اجتماعي يأتي بناء على وعي بالواقع والسياق المحلي ~~والعالمي كطور حضاري واختيار. ويخضع الاختيار الواعي لمحددات عدة هي ~~أشبه بإحداثيات تتلاقى في محل هندسي مشترك، بحيث تشكل في مجموعها قوة ~~دفع متكاملة ومتناغمة ضمانا لبلوغ الهدف. أو لنقل بعبارة أخرى: إن ~~بلوغ الهدف له مقتضيات من حيث تشخيص الواقع المحلي وخط المسار ~~والأساليب، وطبيعة محيط الحركة الاجتماعية؛ أي الواقع الإقليمي ~~والعالمي وما ندركه من تحديات حافزة إلى الحركة في إطار صراع لا حوار ~~فيما بين المجتمعات. وأقول: صراع لا حوار؛ لأن الحوار مرحلة تعبر عن ~~توازن القوى، وتوازن القدرة على الأخذ والعطاء فيما بين الأفراد أو ~~المجتمعات، إلى حين اختلال حالة التوازن، فيتحول الحوار إلى صراع، ~~وتكون الهيمنة للأقوى بفضل ما يملك من أدوات القوة؛ الفكر ~~والتكنولوجيا. # ذلك لأن المجتمعات في حركتها وفي تناقضها وتعاونها وصراعها إنما تسير ~~لهذا كله بين بعدين؛ الثقافي، والعلمي التكنولوجي. وهذان البعدان على ~~الصعيد الإنساني في تطور مطرد، أو هكذا الوضع السوي النظري، وإن ~~تغيرت حركة بندول الحضارات في تناوب أو تبادل بين المجتمعات حسب ~~طبيعة واقعها وحصتها من التقدم وشروط فعاليتها. وإذا كانت الحضارة - ~~حسب تعريفنا لها - هي الإبداع العلمي التكنولوجي قرين إطار فكري قيمي، ~~بمعنى أن التطور التكنولوجي في المجتمعات لا يعني فقط تطور وارتقاء ~~الأدوات المادية، بل وأيضا تطور وارتقاء الأداة المعنوية التي هي ~~الثقافة. ومن هنا فالثقافة متغيرة ومتفاعلة، وهي إجمالا أداة المجتمع ~~لتشخيص ظواهر الحياة وتحديد أسلوب التعامل الهادف معها. # لهذا فإن الثقافة في حركة مجتمعية مع التاريخ، ومتنوعة بتنوع الزمان ~~والمكان. والثقافة ms037 نجل لواقع إبداعي علمي تكنولوجي، وهي إحدى أداتين ~~حضاريتين في التمكين وفي الحوار والمناقشة والتناقض والصراع بين ~~المجتمعات. وحري أن ننظر إلى الترجمة في إطار هذا الفهم، وليس بمعنى ~~أنها معارف مجردة منقولة، وهو ما يصدق على الترجمة كترف ثقافي. وحسب ~~هذا الفهم تكون الترجمة أداة لفعل اجتماعي نشط هادف. والهدف تحقيق ~~إنجاز؛ أي التمكين الاجتماعي في إطار الماراثون الحضاري بين المجتمعات، ~~وينعكس على الإنسان فكرا وحياة اجتماعية ودورا حضاريا. # إذن لا بد وأن تكون الترجمة نشاطا اجتماعيا لا فرديا، وهادفا ~~ومخططا وليس عفويا، وإلا أضحت كماء مسكوب في صحراء حتى وإن أفاد ~~به بعض الكلأ. ويتعين أن تكون كذلك مستوفية لشروط تكفل بلوغ الهدف ~~الذي هو علة الحركة؛ لأن الهدف أو المستقبل هو دائما علة حركة ~~الإنسان. فالإنسان/المجتمع لا يتحرك ميكانيكيا بدافع خارجي قسري، ولا ~~يتحرك عفويا، وإنما يتحرك من أجل ... أي نحو المستقبل كما يعيه أو ~~يفهمه، أو كما تقضي ثقافته؛ ذلك لأن بعض الثقافات الاجتماعية قد تبتر ~~عوامل إرادة التغيير وصولا إلى هدف حياتي دنيوي في إطار الطبيعة ~~وقوانينها، وإنما تحث الإنسان على الانصراف عن هذا، وأن يرى هدفه ~~الأجل فرديا يعزز الخلاص من بلاء الدنيا، والتوق الأبدي إلى ما ~~وراء الطبيعة. # نأتي أخيرا إلى تحديد معنى الهدف المحرك لنشاطنا؛ أعني تحديد معنى ~~المستقبل في ضوء المحددات التي ذكرتها، وأيضا في ضوء تشخيص واقعنا ~~الحضاري ومدى التناقض بين الواقع والهدف، ومن ثم مدى وطبيعة الجهد ~~اللازم (من حيث الترجمة) لضمان بلوغ الهدف. # يؤكد الواقع الحضاري الآن أننا إزاء مرحلة حضارية جديدة لها خصائص ~~مميزة نحن عاطلون منها، ومن ثم معوقون حتى الآن. الحضارة الجديدة أو ~~الطور الحضاري الجديد الذي يحدد لنا معالم التحدي والمستقبل الذي يتعين ~~أن ننشده ونحشد القوى والطاقات من أجله، هو حضارة عصر المعلومات وبناء ~~مجتمع المعرفة؛ الاقتصاد والإنسان والثقافة ... إلخ، وهذا الطور ~~الحضاري هو الباب الثاني من حضارة عصر التصنيع. # نعم، وكما يؤكد مانويل كاسيلز في كتابه المرجعي «عصر المعلومات»؛ ~~المعلومة لها دور ms038 على مدى التاريخ التطوري الارتقائي للإنسان والمجتمع. ~~والمعلومة بمعنى اتصال المعرفة حاسمة ومهمة في جميع المجتمعات. ولكن ~~الجديد مع التطور العلمي التكنولوجي خلال النصف الثاني من القرن ~~العشرين بعامة، والعقدين الأخيرين بخاصة، أنه نشأ ما يسمى مجتمع ~~المعرفة الذي تمثل فيه المعرفة أهم مكونات النشاط الاجتماعي في كل ~~صوره، وبخاصة النشاط الاقتصادي. نعم، القول بأن المعرفة المشتركة ~~والمتواصلة مجتمعيا هي أساس الإنتاج وترابط البيئة الاجتماعية، ليس ~~بالجديد، ولكن الجديد: ~~(1) # التكنولوجيا الجديدة تجاوزت الحدود الجغرافية القومية، ~~وتجاوزت معها هذه الحدود التطلعات والتفاعلات والتكوينات ~~الشبكية لجماعات النخبة والمصالح. ~~(2) # تقدم التكنولوجيا الجديدة إمكانات مهولة للشراكة في ~~المعرفة والأرشفة والاستعادة وصياغة المحتوى معرفيا، بل ~~والتلاعب به. ~~(3) # المعرفة أهم رأسمال، ومن ثم نجاح أي مجتمع يتمثل في ~~نجاحه في إدارة المعرفة. التحكم فيها إنتاجا وصياغة ~~واستيعابا واستثمارا واستغناء وتجديدا. ~~(4) # نشوء مجتمع كوكبي قائم على التفاعل الشبكي. ~~(5) # ثورة في إنتاج المعرفة والتسارع المذهل في توليدها؛ بحيث ~~إن التمييز بين المجتمعات وقدراتها ينبني على أساس فائض ~~قيمة المعرفة الموظف والمستثمر لتأكيد التمكين ~~والهيمنة. ~~(6) # تلاشي الحدود بين المجتمعات، وما يفضي إليه من تكثف ~~التواصل والتفاعل بين الثقافات، سواء عن طريق الهجرة ~~والسفر أو عبر الميديا، وما يقتضيه هذا من تمكين وحصانة ~~ودينامية وتسامح وحرية تفاعل ووعي علمي بالحقائق عند ~~المواجهة والقدرة النقدية العقلانية عند التلقي ~~(الترجمة). # إنه عصر ثورة تفجر المعلومات، وكوكبية هذه الثورة إنتاجا وفعالية ~~وهيمنة، حتى ليمكن القول: إن البشرية على أعتاب مرحلة تطورية ارتقائية ~~جديدة تعادل مرحلة اختراع الكتابة وما أفضت إليه من تحولات. نحن على ~~أعتاب مرحلة ستغير من البشر - المشاركون في هذه الحضارة طبعا - ~~عصبيا، وتغير من النمط الظاهري Phenetype ~~، بل وربما تغير من شروط ~~البيئة المؤثرة في الجينات على المدى الطويل، وسوف تغير كذلك من ~~الاستعدادات العقلية والنفسية، ومن العلاقات الاجتماعية والعلاقات بين ~~المجتمعات. ثورة جديدة في سلم الارتقاء التطوري تبشر القائمين بها ~~وعليها بإمكانات واعدة، وتنذر المتخلفين عنها بتبعية دائمة، وربما ~~ليكونوا نموذجا لكائنات مرحلة تاريخية سابقة. # ويستهل مجتمع/اقتصاد المعرفة نمطا ms039 جديدا للإنتاج يغير مصدر خلق ~~الثروات والعوامل الحاكمة للإنتاج. بالأمس كان الحديث عن فائض قيمة ~~العمل كإنتاج، الآن فائض قيمة المعرفة كإنتاج. القيمة هي المعرفة، ~~والعمل المنتج للمعرفة، والعاملين المنتجين للمعرفة، والمعرفة المنتجة ~~للعمل. # ويجسد مجتمع المعرفة صورة جديدة ومميزة للتنظيم الاجتماعي من حيث ~~كيف أو نوع الإنتاج (المعرفة وهضمها وتوظيفها وسرعة التوظيف ومحتواها ~~والمنتج منها)، وكم الإنتاج، ونطاق استثمار المنتج وهدفه. هنا توليد ~~المعلومات/المعرفة ومعالجتها ونقلها وطاقتها التفاعلية هي المصادر ~~الرئيسية للإنتاجية الاجتماعية وصور القوة والهيمنة بفضل ظروف ~~تكنولوجية وعلمية جديدة تهيأت ونشأت خلال الفترة الأخيرة. وأصبحت ~~الإنسانية تتكامل كوكبيا على أساس شبكي بين المشاركين. ويقتضي هذا ~~الأساس توفر الكفاءة والندية. هذا أو إفراز وإخراج من هم دون ~~المستوى ربما ليقنعوا بالتلقي، ومن ثم الاغتراب عن العالم أو الإقصاء ~~والتهميش. # ويمثل مجتمع المعرفة - بصورته هذه - ثورة متسارعة من التكنولوجيا ~~والمعلومة والمحتوى المعرفي بفضل التغذية المتبادلة والتلاحم؛ ذلك أن ~~النظام المعلوماتي يفضي إلى تنام تكنولوجي للتراكم المعرفي، وصولا ~~إلى مستويات أرقى من التعقد في معالجة المعلومات؛ فالتكنولوجيا ~~والمعلومات مترابطتان في جديلة واحدة متنامية صاعدة. وهنا رابطة وثيقة ~~بين الثقافة وقوى الإنتاج؛ إذ لا ثقافة - ثقافة حضارة العصر - بدون قوى ~~الإنتاج (إبداعا وتوظيفا وتطويرا)، ولا قوى إنتاج بدون هذه الثقافة. ~~ويعني هذا أيضا أن الهيمنة ستكون حق مجتمعات المعرفة. فهي بؤرة وركيزة ~~ومصدر عملية توليد المعرفة والإنتاجية، وهي المصدر الفعال للثروة ~~والسلطة والرموز؛ أي الثقافة. # هنا نقول: إن حياة المجتمعات ومستقبلها الآن رهن تمثل واستيعاب ~~ثورة المعرفة كوكبيا. حضارة عصر المعلومات أو عصر ثورة المعرفة ~~وتجلياتها في النظام الاجتماعي؛ أي إعادة تشكيل جذرية لهياكل المجتمعات ~~وعلاقاتها الداخلية الرأسية التراتبية والتحول الجذري إلى نمط جديد ~~للإنتاج يوحد بين التكنولوجيا والمعرفة في صعود متسارع ارتقائي؛ ~~ولهذا فإن الانتماء إلى العصر رهن المشاركة الإيجابية أخذا وعطاء على ~~أساس الكفاءة والندية، وما يقتضيه هذا من تحول في ظروف وشروط ~~التنشئة الاجتماعية والتغذية الفكرية (الثقافية العلمية في التعليم ~~والإعلام ... إلخ)، من حيث نطاقها الكوكبي ومضمونها ومحتواها ms040 الداعم ~~والمؤسس محليا. وليس الانتماء إلى الماضي والقناعة به، وليس الاكتفاء ~~بالتلقي في سلبية. وتأسيسا على هذا نقول: إن المستقبل ليس مستقبل نشاط ~~الترجمة منعزلا عن الجماع المنظومي لأنشطة المجتمع، وإنما مستقبل ~~المجتمع حيث الترجمة إحدى التجليات، أو هي آلية من بين آليات الحراك أو ~~التمكين الاجتماعي كما وكيفا، وهي مؤشر أيضا على مدى ما يتحلى به ~~المجتمع من خصوصيات النهم المعرفي ووضوح الرؤية نحو مستقبل مرسوم ~~وقدرة على تعبئة الطاقات والجهود. # لهذا أقول: إن الهوة بيننا وبين المجتمعات المتقدمة هوة معرفية في ~~الأساس، من حيث إبداع وإنتاج وتوظيف المعلومة وإغناؤها بمحتوى معرفي. ~~وليس الفارق كميا - أي كم المعلومات - بل فعالية الإنتاج الإبداعي ~~والقدرة على معالجة المعلومة وصياغتها في نسق معرفي. أعني إرادة فعل ~~التغيير ومقتضيات توفر هذا الفعل لدى إدارة المجتمع والتكوين النفسي ~~والثقافي والعلمي لأفراد المجتمع الذي يخلق بينهم صورة البحث المشتركة. ~~الانتماء والتضافر والفعالية المشتركة المتكاملة. هكذا حتى نكون ~~مشاركين عن أصالة في عملية البناء الحضاري. ومن شروط هذه المشاركة سد ~~الفجوة المعرفية عن طريقين؛ إبداع محلي، وتحصيل المعارف أو المعلومات ~~التي أبدعها الآخرون. تحصيلها وملاحقتها في نهم عقلاني نقدي لتدخل في ~~نسيج البنية المعرفية للمجتمع وتوظيفها اجتماعيا ضمن استراتيجية ~~تحول حضاري لمجتمعنا. وهنا يبرز دور الترجمة وشروط فعاليتها ~~ونجاحها. # هذا هو مناخ العصر، أو السياق الحضاري الذي يتعين أن نتحاور ونتفاعل ~~فيه ونرسم في ضوئه المستقبل، وتكون الترجمة إحدى آليات التمكين، إحدى ~~آليات حشد الطاقات والجهود الفكرية والعلمية والإعلامية والثقافية ~~والإبداعية ... إلخ؛ لتعظيم رأس المال البشري؛ أي الإنسان هدف النهضة ~~وأداتها وضمان الكفاءة والندية للخطو على طريق النهضة. ويبقى هنا ~~سؤال أو أسئلة: # هل الترجمات الصادرة في العالم العربي على قلتها وتدنيها ~~وتشتت أهدافها تمثل خطوة على الطريق؟ # هل تصدر بناء على خطة مجتمعية هادفة؟ # هل هي نشاط مؤسسي؟ ليس بمعنى أنها تصدر عن إدارة أو مجلس حكومي أو ~~تجاري، وإنما بنية اجتماعية تاريخية ذات سياسة موجهة ورؤية مستقبلية ~~جامعة لجهود أعضائها عن وعي نحو الهدف ms041 مع تغذية عكسية مستمرة بين ~~الصادر والعائد لتصحيح المسار، فضلا عن علاقة شبكية تربطها ~~بمؤسسات/منظومات المجتمع ككل. # والسؤال المحوري الأهم: ما هو المستقبل الذي رسمناه كمجتمع عام ويمثل ~~صورة مشتركة بيننا حتى نحدد على هديه آلية ومحتوى الترجمة كما ~~وكيفا ؟ إذ مثل هذه الصورة عن الواقع والمستقبل والتحديات هي بعض ~~مكونات الوعي الوجودي الاجتماعي، وهو وعي علمي وسياسي رفيع المستوى ~~لصياغة ما يمكن أن نسميه الإطار الفكري أو النموذج الإرشادي ~~«البارادايم» Paradigm # لنشاط أو ~~أنشطة المجتمع. # أعود لأقول: مجتمع المعرفة، مجتمع المستقبل القريب والتحدي المباشر، ~~مجتمع تفاعلي قائم على حرية الفكر والرأي والتعبير والإبداع وحرية تدفق ~~المعلومات والتأكيد على حقوق الإنسان والحريات الأساسية مجتمعة دون ~~تجزئة. ومجتمع المعرفة مجتمع تعظيم رأس المال البشري وحق وحرية المرء ~~في تنمية شخصيته نموا حرا كاملا، وألا يخضع المواطن - وليس ~~الرعية - لأية قيود وانحيازات تفرضها سلطة ما، سياسية أو دينية أو ~~أبوية. ويمثل التعليم والمعرفة والمعلومات والاتصالات بؤرة النشاط ~~المتجدد بغية تقدم البشرية ورفاهيتها في مساواة كاملة دون تمييز من ~~حيث النوع أو الجنس أو الدين أو النسب ... إلخ. ومجتمع المعرفة أيضا ~~مجتمع مؤسسي مدني، ومن ثم نقيض كامل لمجتمع السلطة السياسية المركزية ~~الأبوية. وهو أيضا ساحة للإبداع العلمي والتكنولوجي في ترابط كوكبي ~~حر. والترجمة هنا هي حلقة وصل كوكبية ورافد تغذية جوهرية لجميع هذه ~~الأنشطة، وهي تغذية مجتمعية لا فردية وهادفة تخطيطيا. # دعونا نسأل - في ضوء هذا التصور - هل مصر أو أي أمة عربية تمثل ~~المستوى العام والسوي للأمم من حيث الإبداع العلمي والفكري وتهيئة شروط ~~التحول الحضاري إلى مجتمع معرفة؟ وهل تمثل المستوى العام والسوي من حيث ~~الترجمة والنهم المعرفي وإصدار وانتشار الكتاب؟ وإذا كانت الأمة - أي ~~أمة عربية - دون المستوى، فهل هي كذلك عن جهل، بمعنى أنها لا تعرف، ومن ~~ثم هذه حقيقة خافية وإذا تكشفت سوف تعقد العزم وتعبئ الجهود للحاق ~~به؟ وإذا لم تكن كذلك فلماذا؟ # الشيء اليقيني أن مصر والمجتمعات العربية، والمثقفين العرب جميعا - ~~خاصة مثقفي السلطات - يعرفون ms042 حقيقة الهاوية العلمية والفكرية ~~والثقافية والتكنولوجية، وكذا حقيقة تدني وضع الترجمة. وشاعت هذه ~~الحقيقة على الصعيد العالمي في تقارير الأمم المتحدة، وعايرنا بها ~~جورج بوش الابن. ماذا كان رد الفعل؟ انبرى مثقفو السلطات العربية ~~يكذبون عن وعي ما قلناه تأسيسا على إحصاءات صدرت عن المواقع الرسمية ~~للدول العربية. هذا بدلا من عقد دراسات ميدانية وإحصاءات علمية ~~موضوعية لاستكشاف حقيقة الدعوى أو الادعاء وحقيقة واقعنا. # لست بحاجة إلى أن أعيد وأكرر إحصاءات سابقة. ولكن أقول إجمالا: ~~الوضع المصري والعربي عامة أسوأ الآن كثيرا مما كان منذ عشر سنوات. ~~العالم تغير، والهوة المعرفية اتسعت. العالم يعيش ثورة حضارية ~~معرفية، ونحن نناشد عقول السلف ونناجي الماضي. والثورة المعرفية جوهرها ~~ومحورها الثقافة/الفكر/المعرفة المؤهلة لاقتسامها على نطاق كوكبي. # ويكفي أن نشير إلى: # ينفق العالم سنويا أكثر من 500 مليار دولار على البحث والتطوير ~~العلميين، وهذه معرفة يتعين استيعابها وتوطينها والإسهام فيها ~~بإبداع محلي. # ويستحدث العالم كل سنة أكثر من 40 ألف مصطلح علمي جديد، كما يستحدث ~~قرابة 200 ألف قضية رياضية جديدة تحمل معها عددا كبيرا من مئات ~~المصطلحات. وطبيعي ليس لنا أن نقنع بالتنقيب عن مقابل للمصطلح في ~~التراث، وإنما تلزم المتابعة للجديد وابتكار واستحداث جديد في اللغة، ~~علاوة على المشاركة الإيجابية في النشاط العلمي. # وتصدر المعرفة العلمية والتكنولوجية كلها بلغات غير عربية؛ 86٪ ~~بالإنجليزية، والباقي بلغات ألمانية وفرنسية وغيرها، وليس للغة العربية ~~فيها نصيب. # هنا الترجمة بقدر ما هي إحدى آليات تمكين المجتمع، هي أيضا إحدى ~~آليات تخصيب وتطوير؛ أي تمكين اللغة. # ولكننا - لأننا شعوب تعشق الطرب - نقنع بنرجسية الثناء على اللغة ~~العربية، ونتقاعس عن الإبداع وعن الترجمة. والأزمة ليست أزمة لغة، بل ~~أزمة الإنسان/المجتمع العربي. وإذا تطلعنا إلى المستقبل الذي ~~يجسده العالم المتقدم أمامنا، نرى واضحا كم هو مستحيل تصور ~~مجتمع معرفة بدون ترجمة، أو لنقل: كم هو مستحيل بناء مستقبل بدون ~~ترجمة! # | الترجمة في العالم العربي ومجتمع المعرفة # سؤالان يلحان على الذهن كلما حاول المرء الحديث عن واقع حال ~~المجتمعات العربية والطريق ms043 إلى المستقبل، إلى مجتمع المعرفة، وهذان ~~السؤالان هما: # كم حجم المعرفة التي ينتجها العرب إبداعا ذاتيا وإضافة محلية ~~وعالمية، وتجد سوقا رائجة أو مقبولة من حيث المحتوى في العالم، وتتسم ~~بالجدة والقدرة على المنافسة؟ # وما هي صورة المستقبل التي رسمها وخطط لها كل مجتمع عربي، وحشد ~~طاقاته لضمان إنجازها ومن بين هذه الطاقات الترجمة؟ # هذان سؤالان وثيقا الصلة بموضوع الترجمة، والمستقبل الذي يجسده الآن ~~مجتمع المعرفة؛ ذلك أن الترجمة - وإن اختلفت كما ونوعا مع كل عصر - ~~هي إحدى آليات تمكين المجتمع عند حشد الطاقات والكفاءات واقتناص ~~الخبرات، وصولا إلى مستقبل منشود تحدد مجتمعيا في ضوء التحديات ~~الحضارية لعصر بذاته. وتمثل الترجمة هنا تجليا لفهم معرفي يسود ~~جميع مؤسسات وأفراد المجتمع، كل فيما يخصه، تعزيزا لبنية المجتمع ~~وقدراته وفعاليته وعلاقاته محليا وإقليميا وعالميا. # إذ من المسلم به أن المعرفة تمكين للفرد والمجتمع، ونقص المعرفة ~~ضعف يفضي إلى تبعية. وإن القدرة على اكتساب المعرفة نقلا عن الآخر، ~~قرينة القدرة على توليد المعرفة بكل أشكالها إبداعا ذاتيا، بما في ~~ذلك الاستعادة الإبداعية للمعارف التقليدية والارتقاء بها واستثمارها ~~وظيفيا، دليل واضح على حيوية المجتمع وقدرته على البقاء ومواجهة ~~التحديات، وكذا دليل على قدرته على تقاسم المعرفة في إطار عملية ~~تفاعلية فيما بين المجتمعات وداخل المجتمع الواحد. # وتمثل الترجمة في هذه الحالة سعيا مجتمعيا مؤسسا على التخطيط، ~~ومدفوعا بإرادة التحدي للاستيعاب العقلاني النقدي الانتقائي والإبداعي ~~للمعرفة التي تتكامل وتتلاحم مع إبداع معرفي ذاتي. إبداع تجديدي سواء ~~لرصيد الماضي عند استعادته، أو لإنجازات الحاضر في ضوء استشراف ~~المستقبل؛ ولذلك تكون الترجمة بمثابة فعل مجتمعي نشط حافز دائما، أو ~~هي استجابة لحاجة اجتماعية ملحة؛ لأن التطوير حياة وتحد مستمرين. ~~وبدون ذلك تتدنى الترجمة كنشاط ورؤية مستقبلية إلى أدنى مستوى، وتنحصر ~~فيما يمكن وصفه إجمالا ثقافة ترفيه تلهي عن جدية البناء ومواجهة ~~التجديد. # ومن ثم فإن حياة المجتمعات دائما رهن المعرفة، مثلما أن المعرفة ~~تتطور ويطرد اكتمالها بفضل الفعل الاجتماعي والتفاعل بين الأفراد ~~والمؤسسات داخل المجتمع الواحد، وتتطور ms044 كذلك بفضل التفاعل بين ~~المجتمعات عن طريق نقل المعرفة/الترجمة. ونحن نرى أن تمكين المجتمع على ~~أساس المعرفة المنقولة، فضلا عن المعرفة الإبداعية الذاتية، لا يعني ~~فقط نقل المعرفة كنشاط مظهري احتفالي، بل يعني استثمارها بكفاءة بهدف ~~زيادة الثراء العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي واللغوي ... إلخ، ~~وهذا ما لا يتسنى تحققه إلا في مجتمع إنتاجي، يرى وجوده مشروعا ~~ممتدا حاضرا ومستقبلا على مستوى حضارة العصر وتحدياته؛ إذ بدون ~~توفر هذا الشرط تفقد الترجمة فعاليتها، ولا نجد لها مردودا ~~اجتماعيا، فضلا عن تدني انحسار مستواها. وليس غريبا أن يتوارى ~~نشاط الترجمة العلمية تحديدا في المجتمعات المتخلفة والمعتمدة على ~~استهلاك منتجات المجتمعات الأخرى، وليس غريبا كذلك أن تعاني مثل هذه ~~المجتمعات من تخلف اللغة؛ لأن اللغة هي الإنسان/المجتمع في حيويته ~~وفي نشاطه الإنتاجي العلمي والتكنولوجي. # نذكر هذا والعالم الآن على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخ تطور الإنسان ~~والإنسانية، تعادل مرحلة اختراع الكتابة. وسوف يفضي هذا التحول إلى ~~تقسيم المجتمعات مستقبلا إلى مجتمعات ما قبل عصر المعلوماتية ~~ومجتمعات عصر المعلوماتية أو مجتمعات المعرفة. مثلما سيفضي إلى تحولات ~~عضوية/عصبية في بنية وسلوك الإنسان. وهذه المرحلة هي الطور الثاني في ~~مرحلة الثورة الصناعية. وتباينت الأسماء لتعريفها ما بين ما بعد ~~الصناعة أو ما بعد الفوردية أو المعلوماتية، أو مجتمع اقتصاد المعرفة، ~~وهو الاسم الذي استقرت عليه مصادر كثيرة. # ويمثل مجتمع المعرفة صورة المستقبل الذي أطل بفجره على المجتمعات ~~المتقدمة، وهو أيضا مجال المنافسة فيما بينها. كما يمثل التحدي الأول ~~والأساسي أمام المجتمعات النامية ومنها المجتمعات العربية. # الآن ومع التحول العصري الذي تغير معه مشهد العالم، لم تعد القيمة ~~التفاضلية المتمثلة في الثروات الطبيعية من مواد خام، ولا عدد البشر ~~والأيدي العاملة الرخيصة، هي وجه التمايز والتميز بين المجتمعات، وإنما ~~وجه التمايز والتميز هو قدرة البلدان على أن تبدع وتنظم وتنشر وتستثمر ~~وتدير بكفاءة وفعالية وحرية وسرعة، المعارف والمعلومات المتاحة ~~عالميا، والمبتكرة محليا، لدعم مشروع وجودها، ودعم قدرتها على ~~المنافسة كنموذج جدير بأن يحتذى في الصناعة والسياسة والتطوير. ms045 إن ~~مناط الأمر الآن الميزة التنافسية لا ميزة المقارنة. ليس حيازة ~~تكنولوجيا، بل إبداعها وتطويرها؛ لأن حيازتها في ظل التخلف تمثل ~~عبئا وعائقا. # وتسعى المجتمعات الناهضة بكل طاقاتها إلى توطين العلم والتكنولوجيا، ~~وترى أن المفتاح هو العلم المعرفي . ويعني العلم المعرفي الاستيعاب ~~النقدي لإنجازات العالم المعرفية، واحتضان أو توطين العلم والثقافة ~~العلمية، والقدرة على التعامل المنهجي ومعالجة هذه الثروة المعرفية، ~~وكذا القدرة على إدارة المعرفة إبداعا أو توليدا واستثمارا ~~وتطويرا، بل ونسيان في ضوء احتياجات النهضة. ويعني العلم المعرفي ~~أيضا كيف نتعلم، وكيف نطور، وكيف نخطط طاقاتنا المعرفية، وحفز نزوع ~~النهم المعرفي عند أبناء المجتمع، وأن نعرف كيف نغير ونتحكم علميا ~~في البيئة الأساسية؛ أي في كلمة واحدة كيف نبدع ثقافتنا الحضارية لعصر ~~جديد؛ ولهذا نؤكد أن قضية الترجمة ليست كما يحلو لكثيرين قضية لغة، بل ~~هي قضية سياسة ثقافية حضارية، ومع الترجمة القائمة على التخطيط قرين ~~الفعالية الاجتماعية، تتطور وتثرى اللغة. # وتأسيسا على هذا لم تعد السلعة الخام وعدد البشر ورخص الأيدي ~~العاملة، هي محور تقييم الثروة، بل المعرفة وفائض قيمة المعرفة. وظهر ~~بذلك مجتمع الثراء المعرفي، وما يحققه من فائض قيمة معرفية، مقابل ~~مجتمع الإفلاس المعرفي. # نعم، المعرفة على مدى تاريخ الوجود البشري هي أهم مكونات الأنشطة ~~الاجتماعية على اختلافها في الاقتصاد والثقافة، وفي السياسة، وفي الحرب ~~والسلم ... إلخ، ولكن الفارق الآن أن مجتمع/اقتصاد المعرفة هو المجتمع ~~الذي تمثل فيه المعرفة المنتج الرئيسي والمادة الخام موضوع الإنتاج ~~والمناقشة. ويتمثل الجديد في أن التكنولوجيا تجاوزت الحدود الجغرافية ~~القومية. وتقدم هذه التكنولوجيا الجديدة إمكانات مهولة لتقاسم طوفان ~~المعرفة ومعالجتها واستعادتها. وأضحت المعرفة بذلك - أي بطابعها ~~العالمي ومحتواها المتميز - أهم رأسمال للمجتمع مع توفر القدرة على ~~التحكم فيها إنتاجا وتوظيفا. # انتقلت حضارة عصر الصناعة؛ أي البلدان الصناعية المتقدمة، إلى حضارة ~~عصر الفضاء الإلكتروني، عصر الحاسوب «الكومبيوتر». وتشكل معه فضاء ~~جديد تسيطر فيه لغة المعلومات أو المعرفة، والتي تعني المعلومات في ~~صياغة نسقية حاملة معها طابعها الاجتماعي والأيديولوجي، وانعقد سلطان ~~الهيمنة لوسائل ms046 الإعلام والاتصال (الميديا)، التي تعتمد في صناعتها على ~~اللغة. # وأدت - وتؤدي - هذه التحولات إلى قلب أو نقض الأسس التي قام عليها ~~العالم الصناعي الحديث؛ إذ تنشئ روابط جديدة بين المعرفة والثروة ~~والسلطة. وأدت كذلك في الوقت نفسه إلى تشوش العلاقات ما بين ~~الكلمات والأفكار والأشياء. معنى هذا أننا بصدد بيئة رمزية مغايرة، ~~ورؤى وعلاقات جديدة. إنها المعرفة في ثوب جديد ودلالة جديدة، تفيض ~~طوفانا عبر آليات جديدة غير مسبوقة. طوفان المعرفة الذي يصوغ صورة ~~العالم، ويصوغ معالم إدراكنا له، ويعيد تشكيل كل مظاهر حياتنا. # نحن إزاء صورة جديدة، وطوفان لا ينتهي من المعرفة، وإزاء منظومة ~~جديدة للعالم ندركها من خلال، وفي إطار، مفاهيم أو معارف جديدة؛ إذ من ~~الطبيعي أن يقتضي هذا التحول أنماطا مغايرة من التفكير، وعتادا ~~جديدا من المفاهيم، وممارسات اجتماعية مغايرة، وخبرات وجودية جديدة ~~تنتظم في منظومات شبكية كوكبية. وطبيعي أيضا أن ليس بالإمكان لمن شاء ~~إنجاز مشروعه الوجودي؛ أي ضمان البقاء والتطور والمنافسة، أن يفهم عالم ~~اليوم بذات أطر الفكر والمفاهيم التقليدية السابقة التي سادت في عصر ~~الصناعة، ناهيك عن العصور الأسبق؛ ذلك لأن لكل فضاء وجودي أنماطه ~~الفكرية، ولكل ممارسة اجتماعية لغتها ورموزها ومفاهيمها ومعاييرها. ~~معنى هذا أن المجتمع الذي يتقاعس عن نقل/ترجمة واستيعاب المعرفة ~~الجديدة، ويتقاعس عن تطوير ذاته للإسهام في الإبداع المعرفي؛ مثل هذا ~~المجتمع سيظل أسير صورة العالم القديمة، ويعيش مغتربا معرفيا يعاني ~~من أزمة المفارقة الزمنية والانفصام، بين تخلف الفكر وحيازة المستحدث ~~التكنولوجي؛ الأمر الذي يفضي حتما إلى التهميش والتبعية. # ومجتمع المعرفة هو الوليد الشرعي لثورة الاتصالات والمعلومات التي ~~تحققت وتجسدت خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة. وأفضت هذه ~~الثورة إلى الثورة المعلوماتية التكنولوجية الآخذة في التقدم في تسارع ~~مطرد. وحري أن ندرك أن حيازة التكنولوجيا لا تصنع تطويرا أو ~~تقدما للمجتمع، بل تبعية. والقناعة بالحيازة والاستهلاك لا تتولد ~~عنها حاجة موضوعية للترجمة ونقل المعرفة، سوى ما نراه من كتب عن إصلاح؛ ~~إصلاح الراديو، وإصلاح الكومبيوتر ... إلخ، على الرغم من تدني ms047 مهارات ~~الصيانة. وإنما التقدم الذي يحفز إلى نقل/ترجمة المعارف العلمية رهن ~~إبداع وتطوير واستثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المنتجة ~~للمعرفة، والتي هي الوسط وآلية التفاعل والتنافس الكوكبي للمعرفة بين ~~القوى الفاعلة؛ أي القوى الإنتاجية الإبداعية الحاضنة للمعرفة. وها هنا ~~تنشط الترجمة وعملية نقل المعرفة من شتى بقاع العالم استجابة لحاجة ~~المجتمع. # ويمثل هذا التحول أزمة ~~حقيقية وموضوعية تواجه البلدان العربية؛ مما يضعف شهيتها للمستحدث من ~~المعرفة أو ضياعه؛ بسبب عدم وجود بنية حاضنة تستثمرها. وجدير بالذكر ~~أن البنك الدولي يشير في تقريره عن العام 1998/1999 الذي لا يزال ~~صادقا إلى أهم القضايا التي تواجه البلدان النامية في عصر ثورة ~~الاتصالات والمعلومات، فيوضح: ~~(1) # طوفان المعرفة الجديدة والعجز عن الاستيعاب وعن احتضان ~~هذا المستحدث، فضلا عن تناقضه مع منظومة العلاقات ~~الاجتماعية في هذه البلدان وتراثها وما تقتضيه المعرفة من ~~حرية تدفق وتفاعل. ~~(2) # تسارع التقدم العلمي والتكنولوجي؛ مما يزيد هوة ~~التخلف. ~~(3) # الزيادة المطردة في المنافسة بين المجتمعات المتقدمة ~~في إبداع المعرفة وسرعة توظيفها. ويؤدي هذا أيضا إلى ~~تفاقم خطر ما اصطلح على تسميته الفجوة الرقمية. # معنى هذا أن المجتمع الذي عقد العزم على النهوض لا بد وأن تتوافر ~~لديه: ~~(1) # صورة عن المستقبل وقدرة علمية عصرية على حشد الطاقات ~~الاجتماعية للإنجاز. ~~(2) # نهم معرفي لتحصيل واكتساب المعارف المستحدثة عالميا ~~لتوظيفها محليا؛ أي ترجمتها واستثمارها قرينة الإبداع ~~المحلي استجابة لضرورة التطوير، فضلا عن إعادة هيكلة ~~البنية والعلاقات الاجتماعية ومضاعفة رأس المال ~~البشري. # ويعيدنا هذا إلى سؤالينا في صدر هذا المقال: # ما نصيب العالم العربي من نقل المعرفة/الترجمة؟ # تشير جميع الإحصاءات والمقارنات مع بلدان العالم الأخرى إلى التدني ~~الشديد لما يسمى مجازا نشاط الترجمة في العالم العربي. ويتجلى هذا ~~واضحا سواء من حيث كم ونوع الترجمات، أو من حيث الميزانيات المالية ~~المرصودة للترجمة، أو البحث العلمي واحتضان الثقافة العلمية والعلم، ~~ناهيك عن غياب تام للتخطيط؛ إذ إنها ترجمات فردية وعفوية. يضاف ~~إلى هذا شيوع نسب عالية من الأمية - الكتابة والقراءة - ناهيك عن ~~الأمية الحاسوبية، وكذا استخدام الحاسوب يكاد ms048 يكون قاصرا على الأعمال ~~الروتينية، وليس لإبداع علمي وفكري جديد. ونرى - لهذا - أن أزمة ~~الترجمة في العالم العربي هي أزمة كتاب وقارئ وسياسة ثقافة، وهذه ~~جميعها أعراض لأزمة الثقافة والفعالية الإنتاجية والعلمية ~~للمجتمعات. # ويضاعف أو يفاقم من هذا الوضع الغياب الكامل لمؤسسات ومنظومات صناعية ~~تخلق الحاجة المتطورة إلى طلب المعرفة من مختلف مصادرها العصرية في ~~العالم، ناهيك عن الإسهام العالمي في الإبداع للجديد. # وغني عن البيان أن ليس بالإمكان نقل/ترجمة المعرفة العلمية ~~والتكنولوجية المتخصصة إلا بين منظومات صناعية؛ إذ يلاحظ أن جميع ~~المؤسسات الصناعية في العالم المتقدم تؤسس صناعتها على مراكز للدراسات ~~والبحوث والتطوير العلمي، وهي جزء متكامل مع المنظومة الإنتاجية. وغير ~~خاف في مقابل هذا أنه لم تؤسس أي دولة عربية منظومة للعلوم ~~والتكنولوجيا، تكون هدفا ووسيطا لتلقي المعرفة وتوظيفها وتطويرها. ~~وتسهم مثل هذه المؤسسات في تنشيط تدفق المعرفة العلمية من مصادرها؛ مما ~~يثري الخبرة العلمية، ويوفر مناخا ثقافيا علميا. وتساعد هذه ~~المنظومات على تطوير أدوات التعليم والتمويل والاكتساب والتطبيق ~~والإنتاج والتراكم للعلوم والتكنولوجيا. وتسهم كذلك ماليا في تطوير ~~التعليم وتنشيط حركة الترجمة التخصصية وتوجيهها؛ ليكون لها مردودها ~~الاجتماعي. # صفوة القول: إن مشكلة الترجمة في العالم العربي هي تجسيد لأزمة ~~التخلف العلمي والتكنولوجي والاجتماعي؛ أي أزمة مجتمعات غير إنتاجية، ~~وانعكس هذا واضحا في إنتاج المعرفة العلمية وفي التعليم والثقافة ~~العلمية، وتجلى واضحا في الانصراف عن القراءة وعن الترجمة. # نعم توجد مؤسسات فردية تبذل جهدا متميزا للترجمة؛ مثل مؤسسة الكويت ~~للتقدم العلمي، أو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. ~~وإذا كانت الجامعة العربية تدرك منذ سنوات خطر أزمة الترجمة وغياب ~~البحث العلمي؛ فإنها أقدمت أخيرا وأنشأت المعهد العالي العربي للترجمة ~~في الجزائر. وإذا كانت دولة الإمارات رصدت قدرا كبيرا من المال ~~للترجمة والنشاط الثقافي، إلا أن هذه الجهود جميعها غير المترابطة ~~تدعونا للسؤال: أي نتيجة باهرة كنا نتوقعها لو أن هذا الجهد وهذا القدر ~~الضخم من الأموال مرصود في مجتمعات مؤسسية صناعية؟ وعلى أي نحو يا ترى ~~ستجري إدارة ms049 وتوظيف هذه الجهود لتصب متكاملة في اتجاه بناء مستقبل ~~جديد تتغير معه الثقافة السائدة، ويصوغ رؤى جديدة على طريق التطوير؛ ~~الطريق إلى مجتمع المعرفة؟ # | الترجمة عن العربية (التعجيم) # نعود لنقول: إن نقل المعرفة، بما في ذلك الترجمة، التماس معرفة بهدف ~~التفاعل الحضاري؛ أي لاستثمارها في إطار استراتيجية إنجاز قومي محلي، ~~على اختلاف مجالات أنشطة المجتمع؛ علمية، وثقافية وصناعية ... إلخ. وإذ ~~نقول تفاعلا حضاريا؛ فهذا يعني الأخذ والعطاء معا في سياق من ~~الوجود الشبكي لحضارة عصر المعرفة، على أساس من الكفاءة والندية، ~~وضمانا للاستقلال الذاتي، وتطويرا للهوية وللغة القومية. وحضارة ~~العصر هي كما أشرنا العلم والتقانة في سياق مجتمع المعرفة، ومن ثم ~~لنحاول أن نستشرف الواقع العربي تأسيسا على هذه النظرة، لنرى ماذا ~~يأخذ وماذا يعطي، وقدرته على العطاء اتساقا مع مستوى ومقتضيات حضارة ~~العصر. # نلحظ بداية غيابا كاملا لأي دراسات أو بيانات إحصائية منهجية ~~ونسقية عن نشاط الترجمة والمترجمين عن العربية، ولكن المراقب لما ~~يجري تحت هذا المسمى في العالم العربي يرصد ما يلي، وإن بدا رصيدا ~~يشوبه قصور للسبب المذكور: # الترجمة عن العربية تنهض بها: ~~(أ) # مؤسسات أو دور نشر أجنبية. ~~(ب) # مؤسسات إقليمية. ~~(ج) # مؤسسات حكومية ودور نشر محلية. # المؤسسات أو دور النشر الأجنبية # نذكر منها: ~~(1) # الجامعة الأمريكية في القاهرة: أصدرت عام 2001م عدد ~~26 عنوانا، تأليفا وترجمة، وأصدرت عام 2002م عدد 30 ~~عنوانا، تأليفا وترجمة. ~~المؤلفات الأجانب، ~~والترجمات شارك في بعضها مصريون. وتدخل جميع الإصدارات ~~ضمن مجال نقل المعرفة عن واقع عربي. وتشمل الترجمات ~~أعمالا أدبية وروائية أساسا، وقضايا فكرية ~~واجتماعية أحيانا. ~~(2) # مراكز دعم الأدب العربي والأفريقي: التي تتلقى دعما ~~من الاتحاد الأوروبي؛ مثل: جمعية دعم الأدب في ~~ألمانيا، التي تصدر ترجمات لأعمال روائية عربية، ~~وكذلك الجمعية الدولية # SECUM # ومركزها ~~ميلانو، والمعنية بعلوم وثقافات البحر المتوسط؛ حيث ~~شرق وجنوب المتوسط بلدان عربية. ~~(3) # مدرسة طليطلة في إسبانيا: المعنية بترجمة أعمال ~~عربية إلى الإسبانية وبالعكس، وجميعها دراسات تاريخية ~~وأدبية. ~~(4) # مؤسسات رسمية أمريكية معنية بترجمة أعمال تراثية في ~~العالم العربي ms050 إلى الإنجليزية، وتضمينها بنوك ~~المعلومات، وقد عهدت إلى مركز الترجمة والنشر بجريدة ~~الأهرام بمثل هذه المهام. ~~(5) # حرى أن نذكر هنا اليابان والصين: أصدرت دور نشر في ~~اليابان عددا من المترجمات الأدبية العربية، وبدأت ~~الصين تهتم أيضا بثقافة العالم العربي ، وحرصت ~~أكاديمية العلوم الاجتماعية بجامعة شنغهاي على ترجمة ~~العديد من الأعمال الروائية والفكرية العربية، علاوة ~~على «معجم الأدباء العرب»، لمؤلفين صينيين، للتعريف ~~بالأدباء والحياة الأدبية العربية، وأنشأت الصين منذ ~~عام مركز دراسات الشرق الأوسط. ~~(6) # مجلة بانيبال: بريطانية، صدرت 1998م، وتخصصت في ~~التعريف بالأدب العربي (الحياة ~~23 / 11 / 2002م). ~~(7) # السويد، حركة الترجمة الجديدة: وتمثل مدرسة ~~حديثة العهد منذ خمس سنوات. وعدد المترجمين عن العربية ~~إلى السويدية حوالي أربعة مترجمين غير متفرغين. ولا ~~تزيد الأعمال المترجمة عن خمسة أعمال روائية كل عام، ~~وبعضها ترجمة غير مباشرة، كما يقول الدكتور تتس روك ~~المستعرب، وأستاذ اللغة العربية، والمترجم بجامعة ~~أوسلو. # مؤسسات إقليمية (على سبيل المثال لا الحصر) ~~(1) # المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ~~(الإيسيسكو): وتضم قسما خاصا بالترجمة. ومقرها ~~الرباط، وأنشئت تنفيذا لتوصيات مؤتمر قمة الدول ~~الإسلامية المنعقد في فاس عام 1982م. وتعمل على نشر ~~الثقافة الإسلامية، وتصدر مجلة «الإسلام اليوم» ~~باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وتنهض بترجمة ~~بعض الكتب التي تخدم الثقافة الإسلامية من العربية إلى ~~لغات أخرى. ~~(2) # مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود: مقرها الدار ~~البيضاء، وتمولها المملكة العربية السعودية. وتصدر ~~عنها بعض الترجمات عن العربية لخدمة العقيدة. عملت منذ ~~أول التسعينيات على تأسيس شبكة للترجمة والنشر ~~بالاشتراك مع معهد العالم العربي في باريس، وقسم ~~الترجمة التابع للبعثة الفرنسية للبحث والتعاون ~~بالقاهرة. وضعت خطة في منتصف التسعينيات تهدف إلى ~~توسيع الشبكة باسم «المبادرة الأوروبية العربية ~~للترجمة». وكان الهدف التعاون مع الجهات المعنية ~~بالترجمة من اللغة العربية وإليها على صعيد أوروبا ~~والعالم العربي. وتقول د. الحبابي تعقيبا على هذا: ~~«ولكن المؤسف له أن كل ذلك بقي حبرا على ورق.» ~~(3) # جامعة الدول العربية: تصدر وثائق، ومجلات، وكتبا ~~وثيقة الصلة بالقضايا العربية. # مؤسسات حكومية ودور نشر محلية # نذكر ms051 من بينها: ~~(1) # مجمع البحوث الإسلامية في مصر: يصدر دراسات وكتبا ~~عن العقيدة للمسلمين في غير البلدان العربية. ~~(2) # الهيئة العامة للكتاب، القاهرة: وتصدر ترجمات ~~أدبية وسياسية لكتاب مصريين. ~~(3) # المكاتب الإعلامية التابعة لوزارات الخارجية أو ~~الدواوين الملكية والرئاسية: وتعنى بترجمة خطب ~~وأحاديث الملوك والرؤساء وسيرهم الذاتية ، وتصدر ~~مجلات أو كتبا عن الاتصالات والعلاقات مع الدول ~~الأخرى أو للتعريف بالبلاد. ~~(4) # بيت الحكمة في تونس: تأسس 1982م، ويقول د. عبد ~~اللطيف عبيد إنه «أصدر ما يزيد على 90 كتابا منها 23 ~~كتابا مترجما عن العربية وإليها، من بينها 19 كتابا ~~معربا» (أي أربعة كتب معجمة وهي من الأدب التونسي) ~~(ص10)، ويذكر أيضا أن دراسة عبد الوهاب الدخلي ~~(1985م) تشير إلى أنه بلغ عدد النصوص المترجمة من ~~الأدب التونسي الحديث والمعاصر إلى اللغات الأخرى 645 ~~نصا، تتراوح ما بين نص نثري أو شعري قصير أو مجموعة ~~مختارات، ولا يزيد عدد الكتب عن 11 عنوانا ~~(ص12). ~~(5) # الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء ~~والدعوة والإرشاد بالرياض: تهتم بترجمة الكتب المختصة ~~بالعقيدة الإسلامية الموجهة لغير العرب من ~~المسلمين. ~~(6) # رابطة العالم الإسلامي: مقرها مكة، تهتم بترجمة ~~الكتب والبحوث التي تهم الشعوب والأقليات المسلمة في ~~غير البلدان العربية. ~~(7) # منظمة المؤتمر الإسلامي، والمؤسسات المنبثقة عنها: ~~مقرها جدة، ولها إصدارات تربوية ودينية بلغات ~~عدة. ~~(8) # الندوة العالمية للشباب الإسلامي: مقرها ~~الرياض. ~~(9) # مكتب التربية لدول الخليج: عقد اتفاقات مع منظمات ~~دولية وبعض دور النشر العالمية، واتحاد الطلبة ~~المسلمين بالولايات المتحدة؛ لترجمة كتب دينية إلى ~~اللغة الإنجليزية (دراسات عن واقع الترجمة في الوطن ~~العربي ص228). # فلسطين # حرى أن نخص بالذكر نشاط الترجمة عن العربية لدى أبناء فلسطين. ~~يشير د. حسام الخطيب في «دراسات عن واقع الترجمة» ص64-83 إلى أن ~~الفلسطينيين لهم جهد مميز في مجال الترجمة عن العربية، لعرض ~~قضاياهم وثقافتهم بلغات أجنبية، على الرغم من حالة الشتات. ويقول: ~~على الرغم من النكبة وعدم توافر أجهزة ومؤسسات للترجمة، فإن هذا لم ~~يمنع ظهور حركة ترجمة موازية للحركة النضالية؛ للتعريف بقضايا ~~وآداب الشعب الفلسطيني، ويشيد بدور ms052 الشاعرة الباحثة المترجمة ~~سلمى الخضراء الجيوسي، صاحبة مشروع «بروتا» الذي تولى نقل روائع ~~التراث العربي، ماضيه وحاضره، هذا علاوة على جهود نقل الشعر، ~~والنتاج الأدبي الفلسطيني إلى لغات أخرى عديدة. # المغرب العربي # من الأهمية بمكان إضافة كلمة ذات دلالة عن وضع متمايز للمغرب ~~العربي في مجال الترجمة عن وإلى العربية؛ إذ تعاني بلدان المغرب ~~العربي من أزمة ثنائية أو ازدواجية اللغة. ويقول شحادة الخوري ~~«دراسات» ص138: «إن ازدواجية اللغة (أي العربية والفرنسية في ~~التعليم والتأليف والصحافة) أثرت تأثيرا فعالا على حركة ~~الترجمة، فأبطل الشعور بالحاجة إليها.» ويبلغ إجمالي الكتب ~~المطبوعة في المغرب عام 1980م، عدد 253 كتابا بالعربية، و200 كتاب ~~بالفرنسية. وفي عام 1983م، 123 كتابا بالعربية، و102 كتاب ~~بالفرنسية. ويضيف أن الكتاب والمثقفين يفضلون الكلام ~~والكتابة بالفرنسية (وطبيعي أن يدخل هذا ضمن نقل المعرفة والثقافة ~~العربية بلغة غير العربية). # وتقول د. الحبابي في هذا الصدد: «الترجمة تتم عموما من اللغة ~~العربية إلى اللغة الفرنسية ...» # وتضيف: «ترجمة الإبداعات الروائية غالبا ما تتصدى لأعمال حديثة ~~الصدور»، «وإن ما يترجم في كثير من المجالات الأخرى قد تفصله عن ~~تاريخ صدوره سنين، بل قرون (مثل ترجمة نقد الشعر عند العرب ~~لمؤلفه الطرابلسي). وتستثنى من هذه الظاهرة المحاضرات الرمضانية ~~السنوية التي تلقى في شهر رمضان في حضرة صاحب الجلالة الملك ... ~~وتترجم إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وتمثل ~~وحدها كمية مهمة مما يترجم في مجال الفكر والدين الإسلامي، ~~كما تستثنى من ذلك الخطب السياسية الملكية، وخطب بعض القيادات ~~الحزبية والسير الذاتية السياسية»، ص98-99. وتشير إلى وجود بيوت ~~معنية بترجمة الثقافة العربية مثل؛ بيت آل الحبابي، الذي عني بنقل ~~كتب فلسفية، وأدبية ودواوين شعرية من اللغة العربية إلى الفرنسية، ~~ص71. # ونقرأ في هذا الشأن للدكتور عبد اللطيف عبيد ما يلي: «وتتصف ~~الوضعية اللغوية في تونس بالثنائية التي تهيمن ضمنها اللغة ~~الأجنبية (الفرنسية أساسا) على اللغة العربية، وتستأثر دونها ~~بالمجالات الحيوية في التعليم والإدارة والاقتصاد؛ إذ تستخدم ~~الفرنسية في تدريس المواد العلمية والتقنية، وفي تدريس التخصصات ~~العلمية ms053 والهندسية ... إلخ.» ويضيف: «إنه لمن الجائز القول: إن ~~الثنائية اللغوية في تونس قصرت استخدام العربية كليا أو غالبا ~~على المجالات السياسية والدينية والأدبية، وعلى الإعلام والثقافة ~~الجماهيرية، في حين استأثرت الفرنسية بالمجالات العصرية.» ثم ~~يستطرد قائلا: «وإن فرض اللغة الفرنسية في التعليم، واحتكارها ~~للتعبير العلمي، يجعلان من الترجمة عملا لا جدوى من ورائه» ~~ص3. # الخلاصة # نخلص مما سبق إلى ما يلي: # يدور نشاط الترجمة عن العربية في المجالات التالية حصرا: ~~(1) # الهم الأول ترجمة خطب وأحاديث الملوك والرؤساء ~~وسيرهم الذاتية. ~~(2) # نشر العقيدة وتأكيد الصلات بين المسلمين في مختلف ~~بلدان العالم. ~~(3) # ترجمة أعمال أدبية من شعر أو قصص أو تراث. # ويبين جليا أن العطاء العربي (النقل المعرفي) محصور في نطاق ~~إفادة الغرباء بحياة الملوك والرؤساء، أو اطراد رسالة إبلاغ ~~العقيدة؛ فهذان هما الهم الأول الذي يستوعب جل الجهد، ثم يليهما ~~بمسافة أو مسافات نقل دراسات تراثية تاريخية وأعمال أدبية، ولا شيء ~~بعد ذلك من المعارف العلمية. # والسؤال: ماذا لو تأملنا هذا الوضع الذي نسميه تجاوزا «العطاء ~~المعرفي العربي للعالم»، في ضوء تعريفنا لمعنى نقل المعرفة، ~~تأسيسا على السياق الكوكبي؛ أي في عصر المعلوماتية، ونشوء مجتمعات ~~المعرفة، وثورة العلم والثقافة؟ وماذا لو تأملنا واقعنا المعرفي ~~العربي من منظور الواقع المعرفي الشبكي، والمشاركة الإيجابية في ~~المعرفة على الصعيد الكوكبي، وإلى أي مدى تتوافر لنا مؤهلات لكي ~~نسهم كطرف منتج في حوار علمي ثقافي مؤسسي كوكبي، شرطه إبداع جديد، ~~واستثمار هذا الجديد، وتمكين المجتمع وللإنسان في مناخ من حرية ~~المعرفة والتفكير والإبداع؛ من أجل اطراد التقدم والتغيير ~~والمنافسة، وتجنبا لهيمنة الآخر؟ # إن عطاءنا من احتياجات ومقتضيات عصر العلم والثقافة صفر. هذا على ~~عكس الحال حين ينهل الغرب بنهم شديد في مطلع نهضة علوم العرب ~~الأسبقين؛ إذ كانت علومهم دعامة لحركته، وخطوة على درج سلم ~~ارتقى به مدارج حضارة، بلغت عصر الصناعة، ثم المعلوماتية. # | نقل المعرفة والترجمة في العالم العربي # تعريف # الترجمة التماس معرفة وتفاعل حضاري، عن طريق النقل البشري أو ~~الآلي من لغة إلى لغة ms054 تحريريا أو شفاهيا، وبهدف معرفي علمي ~~وثقافي، أو بهدف مهني مثل؛ ترجمة الرسائل والخطب والنشرات ... إلخ. ~~ونقل المعرفة أوسع وأشمل؛ إنه التماس معرفة بوسائل عديدة متباينة ~~من بينها الترجمة، وقد يكون من خلال المشاركة في المؤتمرات ~~استضافة أو ضيافة، والعلاقات الشخصية بين العلماء والتقانيين، ~~واللقاءات المباشرة أو عبر الشبكات (الإنترنت). وقد يكون من خلال ~~جهود البحث، وهي جهود تعتمد على الإبداع العلمي التقاني الذاتي، مع ~~الإفادة بحصاد خبرات الآخرين، خاصة وأن الإنجاز العلمي التقاني لم ~~يعد محليا، بل عالمي وشبكي مؤسسي، معتمدا في تطوره المطرد على ~~التغذية والتغذية المرتدة بين إنجازات المجتمعات في العلم ~~والتقانة. وقد يكون نقل المعرفة من خلال الدراسة في جامعات الخارج، ~~أو تبادل البعثات والمنح، أو التأليف المشترك بين أساتذة الجامعات. ~~وقد يأتي نقل المعرفة استراقا من رصيد يحرص صاحبه على الاحتفاظ به ~~سرا، لأنه مصدر هيمنة وقوة علمية أو تقانية، وهذه من مهام حرب ~~الذكاء. وقد يأتي عن طريق استنزاف العقول، على نحو ما نرى من جهود ~~البلدان المتقدمة في جذب عقول متميزة من أبناء البلدان النامية، أو ~~على نحو ما فعلت الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الثانية من جذب ~~العلماء الألمان، أو في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق من ~~جذب العلماء السوفييت الذين استهوتهم الولايات المتحدة وإسرائيل ~~وغيرهما. # وهنا تنقسم المجتمعات إلى مجتمعات جاذبة للعقول وأخرى طاردة. ~~ونشهد اليوم نقل المعرفة وتبادلها عبر الإنترنت، أو طريق المعلومات ~~فائق السرعة، الذي يستلزم توافر مؤهلات للتمكين من المشاركة ~~والاستفادة معا، مثل؛ مستوى ونوع التعليم، وحرية التعبير، والقدرة ~~على الاستيعاب، وقيام مجتمع نهم للمعرفة واستثمار الجديد، وقدرة ~~على التعلم مدى الحياة. # ويمثل نقل المعرفة - بما في ذلك الترجمة - رصيدا استثماريا ~~وإبداعيا، بما يضيفه ويهيئه من فرص لتجديد البنية الذهنية ~~للفرد وللمجتمع، وما يهيئه من قيمة جديدة وفكر جديد للمجتمع، وطاقة ~~جديدة للتمكين وممارسة النفوذ، واطراد عملية التحديث. وكذا فرص ~~جديدة للاستيعاب والعطاء في إطار المشاركة المعرفية الكوكبية، عبر ~~شبكة الاتصالات الكوكبية التي هيأتها ثقافة الاتصالات، وللتأثير ~~المتبادل ms055 دون التأثر سلبا فقط حين يجف نبع العطاء. وأدت عملية ~~نقل المعرفة وتبادل الآراء والحوارات عبر شبكة الاتصالات الكوكبية ~~إلى نشوء مجتمعات افتراضية، أضحت تشكل قوة تأثير على نحو ما حدث ~~في سياتل وغيرها من جانب المناهضين للعولمة، علاوة على ما حققته ~~من مضاعفة الشفافية في نقل المعلومات عن المجتمعات دون اعتبار ~~للحدود والقيود. # وتمثل المعارف والثقافات في جميع الأحوال قاسما مشتركا، ~~وهدفا إراديا منشودا لاستثمارها وفاء لحاجة مجتمعية، وإن ~~تنوعت آليات التحصيل. ونقصد بالمعرفة مرحلة تتجاوز مرحلة ~~المعلومات والبيانات. إنها بناء نسقي منهجي وهادف من المعلومات، ~~صاغه المجتمع في ضوء تجاربه وخبراته وثقافته وحاجاته الراهنة ~~والمستقبلية؛ ليكون أداة تكيف فاعلة في علاقاته الاجتماعية ~~الداخلية، وفي تفاعله الأيكولوجي، وعلاقاته مع المجتمعات ~~الأخرى. # وترصد جميع الأمم على مدى التاريخ جهود المحيطين بها، والمنافسين ~~لها، أو المتصارعين معها. ويحرص البلد الناهض على استيعاب جهود ~~الآخرين، وتمثل الإيجابي منها، ضمن جهوده الهادفة إلى التفوق؛ ~~ضمانا وأمانا لوجوده المادي والفكري. وإن تمثل المعرفة ~~الإبداعية المتجددة والمتفاعلة معلم على قدرة المجتمع على ~~التفكير والتحليل وفهم الأوضاع، والتي بدونها يكون التخلف والضياع. ~~والمعرفة منذ البدء هي وليدة فعل ونشاط الإنسان/المجتمع وتفاعله ~~لإنتاج وجوده، وهي بذلك شرط اطراد وجود تقدم الإنسان/المجتمع. ~~غير أن المعرفة تحتل اليوم صعيدا أرقى، وباتت مصدر تمكين ~~ومنافسة في سياق كوكبي، وهي ثروة المجتمع وعماد إنتاجه. وفائض قيمة ~~المعرفة هو رصيد البناء والتطوير، وتراكم أو تنامي رأس المال ~~الاجتماعي البشري. وجدير بالذكر أن المعرفة الإبداعية لا حدود لها؛ ~~فهي إنتاج متجدد متسارع. إنها رسملة الثروة المعرفية، وبدونها يئول ~~المجتمع إلى نكسة متسارعة في سياق التنافسية الكوكبية. # ويقول في هذا الصدد مانويل كاسل في سفره المرجعي «عصر ~~المعلومات»: «وفي نمط التطور المعلوماتي الجديد يتمثل مصدر ~~الإنتاجية في ثقافة توليد المعرفة، ومعالجة المعلومات والاتصال ~~الرمزي. حقا إن المعرفة والمعلومات عنصران حاسمان في جميع أنماط ~~التطوير؛ نظرا لأن عملية الإنتاج تعتمد دائما وأبدا على مستوى ~~ما من المعرفة ومعالجة المعلومات. ولكن ما يميز نمط التطور ~~المعلوماتي ms056 هو تأثير المعرفة على المعرفة نفسها كمصدر رئيسي ~~للإنتاجية. وتتركز عملية معالجة المعلومات على تحسين تقانة معالجة ~~المعلومات كمصدر للإنتاجية في دوائر تفاعل متباينة، بين مصادر ~~معرفة التقانة واستخدام التقانة لتحسين توليد المعرفة، وتحسين ~~عملية معالجة المعلومات.» # صفوة القول: ثمة معايير جديدة خلقها مجتمع المعرفة لتقدير القيمة ~~التنافسية بين المجتمعات؛ من ذلك براءات الاختراع، والبحوث، ~~والتطوير، وتوافر عمالة المعرفة. والمعرفة في جميع الأحوال هي ~~معيار التقييم والتقسيم بين المجتمعات، وهي قوة الإنتاج ومناط ~~الفائض، وقاطرة التقدم، وأداة الهيمنة، وعماد المنافسة؛ ومن ثم فإن ~~المجتمعات المهمشة الآن، أو مستقبلا، هي المهمشة معرفيا؛ ~~أي أرادت لنفسها ذلك بسبب تقاعسها؛ لأن المعرفة لا حواجز تحول دون ~~إنتاجها وتحصيلها ونقلها سوى حواجز ذاتية. # السياق الكوكبي # الحديث عن النشاط الاجتماعي لنقل المعرفة، بما في ذلك الترجمة، ~~لا يستقيم دون الإشارة إلى السياق الكوكبي الذي يمثل في آن ~~واحد بيئة صراع وتحد، وبيئة للفعل الاجتماعي لنشاط المعرفة، في ~~تكامل أو تباين مع السياق المحلي، تأسيسا على المقارنة بين ~~مستويات الفعل هنا والفعل هناك، والتفاعل وبيان أوجه القصور أو ~~التميز، ومن ثم طبيعة التحديات ومؤشرات الحركة. # وإذا كانت المقارنة ضرورية لتعرف الذات موقعها من الآخر، ودفع ~~خطوها في تفاعلها وتنافسها مع هذا الآخر، ومن أجل بناء نفسها ~~وتصحيح أوضاعها الذاتية؛ فإنها الآن أكثر ضرورة في ظل شرط وجودي ~~عالمي جديد، تداخلت فيه العلاقات بين الأمم والجماعات والأفراد، ~~بحيث يقال: إن الوجود الاجتماعي على الصعيد العالمي وداخل المؤسسات ~~وفيما بينها، أضحى وجودا شبكيا، ومن ثم لا يمكن لمجتمع أن يبني ~~ذاته تأسيسا على رصيده الذاتي أو بمعزل عن الآخر أو عالة عليه، ~~مستهلكا للفكر والعلم والتقانة. # لقد تحولت الاقتصادات الكوكبية المتقدمة إلى اقتصادات معرفة، ~~وأضحى الكوكب بؤرة تواصل متداخل، وتشارك وتقاسم للمعرفة في سياق ~~تفاعل وتنافس محليا وعالميا. وتمثل المعرفة بذلك مصدر ثروة ~~عالي القيمة للغاية، يتعين حيازته وإحراز السبق فيه والسيطرة ~~عليه؛ لمنافعه الاقتصادية، وضمان أمن واطراد الوجود ~~المجتمعي. # وإن نقل المعرفة والترجمة بالمعنى الذي أسلفناه، وباعتباره ms057 الوجه ~~المتكامل مع الإبداع المحلي للمعرفة، يمثل مؤشرا على موقفنا من ~~المعرفة؛ لكي نقارن بين حالنا وحال غيرنا ممن يخطون على عتبة عصر ~~جديد، عصر الثورة المعرفية أو مجتمع المعرفة، عصر يمثل طورا ~~جديدا في سلم التطور الارتقائي للبشرية، يكاد يماثل مرحلة ~~اختراع الكتابة، وستكون له تجلياته الفيزيقية والعصبية والنفسية ~~والاجتماعية. طور ربما يكون حدا فاصلا بين نوعين من البشر، ~~بحيث يخلف وراءه من هم أدنى مستوى، وأعجز عن الملاحقة ~~والتكيف. # وإذ تقف البشرية المتقدمة والناهضة على أعتاب عصر الثورة ~~المعرفية، فإنها بصدد تشكل ما يمكن أن نسميه بعدا كوكبيا ~~إضافيا للذاتية المحلية؛ أي ذاتية كوكبية مضافة، تتحدد معالمها ~~ومكوناتها أكثر فأكثر، وتتفاعل مع ما هو محلي من خلال الاتصال عبر ~~اللغات والثقافات، والتفاعلات في مجالات العلم والتقانة والاقتصاد ~~والفكر. قد تكون الذاتية المضافة تهجينا وثمرة تفاعل يفضي إلى ~~ظهور أنماط جديدة من الأفكار، وقد تكون هيمنة تصل إلى حد الطمس ~~لثقافات اجتماعية جفت ينابيعها، أو جهود أصحابها عن العطاء، ~~وهكذا تفرض الذاتية الكوكبية أبعادا وأطرا جديدة للصراع الأبدي ~~بين المجتمعات على الأصعدة الثقافية والاقتصادية. وتدور هذه ~~الأبعاد الآن حول محور المعرفة، أو الكثافة المعرفية إبداعا ~~واستثمارا وفائضا. # يعيش العالم اليوم صراعا محموما تقوده تقانة الاتصالات ~~والمعلومات من أجل سرعة إنتاج واستثمار المعلومات والسيطرة عليها، ~~باعتبار المعلومة مادة وهدفا استراتيجيا شأن الطاقة. ويتجلى ~~الصراع في جهود البحث العلمي والتطوير، والذي يعني كما تشير مقدمة ~~الكتاب السنوي لليونسكو: «الأنشطة المنهجية والإبداعية التي تمارس ~~بغية زيادة رصيد المعارف، بما في ذلك المعارف الخاصة بالإنسان ~~والتقانة والمجتمع، واستخدام رصيد المعارف هذا لابتكار تطبيقات ~~جديدة. ويشمل نطاق البحث العلمي والتطوير التجريبي البحوث الأساسية ~~(أي الأنشطة النظرية والتجريبية التي تجرى بدون هدف تطبيق عملي ~~مباشر). كما يشمل البحوث التطبيقية في مجالات كالزراعة والطب ~~والكيمياء والصناعة ... إلخ (أي الموجهة أساسا نحو هدف عملي ~~محدد)، وكذا أنشطة التطوير التي تؤدي إلى استحداث أنظمة وطرائق ~~ومنتجات جديدة.» # وينفق العالم سنويا على البحث والتطوير أكثر من 500 مليار ~~دولار، ms058 ويعمل في هذا المجال 4,3 مليون باحث. وتخصص البلدان ~~الصناعية حوالي 3٪ من إجمالي الناتج الوطني للبحث والتطوير، وينتج ~~هذا رصيدا متزايدا من المعرفة العلمية، ويمثل هذا الجهد مجال ~~المشاركة الكوكبية في المعرفة. وتطمح كل البلدان المتقدمة والناهضة ~~إلى استيعاب هذا الكم المتزايد من المعلومات من مصادر المنشأ عن ~~لغته الأصلية. وتمثل اللغة الإنجليزية قرابة 85٪ من جملة هذا ~~الرصيد العلمي التقاني. وهنا تبدو الترجمة بالنسبة للمجتمعات ~~العربية تحديا ثقيل الوطأة، ومطلبا حيويا يستلزم تنظيم وتخطيط ~~الجهود على الصعيد العربي كله، في إطار استراتيجية عربية متكاملة ~~وطموحة، تشمل التعليم والإدارة والاقتصاد ... إلخ، وإعادة هيكلة ~~اجتماعية. وسوف يبين خطر هذه المهمة حين نعرض إحصاءات الترجمة ~~العلمية وجهود البحث العلمي العربي. # وتبدي الدول المتقدمة والناهضة اهتماما كبيرا بنقل المعرفة ~~وبالترجمة من شتى مصادرها، ولا تقتصر الجهود على الجديد والحديث من ~~المعارف، بل وأيضا القديم والتراثي؛ ليكون البلد المعني ~~موسوعة ومرجعا كبنك معلومات ومصطلحات. وهذا ما تفعله الولايات ~~المتحدة تحديدا. وظهرت شركات تخصصت في الترجمة، علاوة على جهود ~~المؤسسات الرسمية؛ مثال ذلك: شركة بريطانية تحمل اسم # Wordbank ~~، ويعمل لديها وحدها ~~550 مترجما محترفا. وتقدر مجلة نيوزويك كلفة الترجمة عام ~~1989م بمبلغ 20 مليار دولار. ويصدر العالم سنويا أكثر من مائة ~~ألف عنوان مترجم. وجاوزت جملة الإصدارات تأليفا وترجمة 830000 ~~عنوان سنويا. # وجدير بالذكر أن اليابان مع مطلع نهضتها في عصر «الميجي»، حرصت ~~على نقل جميع المعارف العلمية والثقافية إلى اليابانية، علاوة على ~~إيفاد البعوث من الطلاب النابهين؛ لتحصيل علوم الغرب المتقدم ~~والعودة إلى اليابان، حيث المجتمع يعيش نهضة حقيقية تمثل ~~للخريجين مجالا حيويا لتوظيف واستثمار معارفهم. قررت اليابان ~~آنذاك أن العلم أداتها للنهوض، شريطة أن تمتلك ناصيته بحثا ~~وتجريبا. ولذلك عنيت بتعليم اللغات الغربية، وتهيئة مناخ تنمية ~~الإبداع من خلال التنشئة الاجتماعية في البيت والمدرسة والمجتمع. ~~واقترنت جهودها بنهضة تعليمية ودستورية شاملة لصناعة عقل جديد. ~~وأصابت اليابان آنذاك - ولا تزال - حمى التهام علوم وثقافة ~~الغرب. لم يكن منطقها محاكاة الحداثة الغربية، بل استيعاب علوم ~~الغرب ms059 من موقع المنافسة والندية لتحديث اليابان. وأقيمت في بداية ~~عصر «الميجي» المؤسسة الهولندية التي اضطلعت بأعباء إنشاء حركة ~~ترجمة واسعة النطاق، وعقدت اليابان اتفاقات مع كبرى دور النشر ~~العالمية لإصدار طبعة باللغة اليابانية من إصداراتها العلمية حال ~~صدورها بلغتها الأصلية. ويقدر عدد العناوين المترجمة آنذاك 1700 ~~عنوان سنويا. # ويقول الدكتور محمد إسماعيل صالح (الصيني) - الأستاذ بجامعة ~~الملك سعود: إن اليابان تترجم سنويا 30 مليون صفحة. كذلك الحال ~~بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تحرص على أن تكون هي بنك ~~المعلومات الكوكبي والمرجع. وعلى الرغم من أن قرابة 85٪ من الإنتاج ~~العلمي العالمي باللغة الإنجليزية، فإننا نجد الولايات المتحدة ~~حريصة على ترجمة كل شاردة وواردة من المنشورات العلمية، علاوة ~~على ترجمة الرصيد الثقافي لحضارات العالم. ويشير الدكتور الصيني ~~إلى أن قسم الترجمة التقنية الأجنبية التابع لسلاح الجو الأمريكي ~~قد ترجم إلى الإنجليزية عام 1987م ما بين 70 و75 ألف صفحة. كذلك ~~إدارة الخدمات المشتركة الخاصة بالمنشورات البحثية - وتتبع المكتب ~~الفيدرالي للمعلومات العلمية والتقنية في وزارة التجارة الأمريكية ~~- ترجمت في النصف الأول من العقد السابع 273449 صفحة، ويعمل لديها ~~330 مترجما في المتوسط. ويذكر أن هاتين هيئتان من بين آلاف ~~الهيئات والمؤسسات الأمريكية العامة والخاصة. وأصدرت المؤسسة ~~الوطنية للعلوم # NSF # في واشنطن ~~نسخة ببليوجرافية للمواد العلمية المترجمة تحت عناوين بحوث وكتب ~~تقع في 47 صفحة لعام واحد 1978/1979م، ص139-140. # وإذا ألقينا نظرة على نمور شرق آسيا، نجد أن تكثيف الجهود لدعم ~~البحث والتطوير وراء نجاحها؛ إذ خططت ماليزيا 148 مليون دولار في ~~الخطة الخمسية 1986/1990م، لتمويل مشروعات البحوث والتطوير، و222 ~~مليون دولار في الخطة السادسة. ويمثل الإنفاق على البحوث ~~والتطوير أكثر من 1٪ من إجمالي الناتج المحلي. وحرصت سنغافورة على ~~تعزيز أنشطة البحوث والتطوير لدعم القدرة الإنتاجية لتصدير المعرفة ~~التقانية وتطوير الميزة التنافسية. وتنفق سنغافورة نحو 3,4 مليار ~~دولار أمريكي على تقانة المعلومات في مجال التعليم، وتنفق كوريا ~~الجنوبية على البحوث والتطوير 2٪ من إجمالي الناتج المحلي. # وتدمج نشاط البحوث والتطوير في اقتصادها الصناعي بحيث إن ms060 كل مجمع ~~صناعي (شيبول) يضم مركزا متقدما للبحوث والتطوير (د. محمود عبد ~~الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية). # وحرى أن نلقي نظرة على تجربة إسرائيل في مجال الترجمة والعلم ~~والتقانة؛ لتكون النظرة سببا لشحذ الهمم. أدرك الصهاينة من قبل ~~نشأة إسرائيل دور المعارف العلمية والتقانية، وضرورة توطينها لضمان ~~وجودها، وأنشئوا في حيفا عام 1912م المدرسة التقنية العليا ~~«التخنيون»، وأقاموا عام 1934م معهد «دانييل زيف» للأبحاث العلمية. ~~وفي عام 1946م تم وضع حجر الأساس لمعهد «وايزمان للعلوم» ... إلخ. ~~وأسست إسرائيل منذ عام 1956م مؤسسة «البرنامج الإسرائيلي للترجمة ~~العلمية»، وتعتبر من أهم مؤسسات الترجمة العلمية، تعتبر من أهم ~~مؤسسات الترجمة في العالم الآن. وكان لديها عام 1967م عدد 250 ~~مترجما متفرغا، و440 مترجما نصف الوقت، وحوالي 1000 مترجم من ~~الخارج. وتنتج المؤسسة وحدها أكثر من مائة ألف صفحة مترجمة ~~سنويا، وتنشر حوالي 200 كتاب جديد سنويا. وتضم الآن أكثر من ~~500 مترجم متفرغ، بينهم عدد كبير من العلماء. وبلغت ميزانيتها ~~عام 1960م، 300 مليون دولار، تضاعفت الآن عشر مرات (د. صفاء عبد ~~العال محمود، التعليم العلمي والتقاني في إسرائيل). وتخصص ~~إسرائيل 2,2٪ من إجمالي الدخل القومي للبحوث والتطوير، وترسل ~~علماءها إلى جامعات العالم المتميزة في تخصص ما، في إجازات ~~تفرغ دراسية دورية مدتها أربع سنوات؛ لاستيعاب إنجازات الخارج. ~~وتوجه الدعوات لعلماء الخارج للتدريس في جامعاتها بشكل ~~دوري. # الواقع العربي # إن وصف مجتمع ما بالتقدم ~~أو التخلف لا يكون ضربا من أحكام القيمة، أو الانحياز تفاؤلا أو ~~تشاؤما، إذا استند إلى إحصاءات مقارنة مصدرها منظمة دولية. والدفع ~~بأنها إحصاءات معيبة أو قاصرة حجة مردودة؛ ذلك لأن منظمة اليونسكو ~~استقتها من البلدان المعنية. # ولكن وجه القصور هذا أن البلدان صاحبة الشأن قصرت في إعداد ~~إحصاءات مدققة، ولا تلتزم منهجا علميا في المتابعة الإحصائية ~~لأنشطتها، ييسر لها صوغ نظرة نقدية تحدد وقع خطواتها على ~~طريق التطوير. # إذ المقارنة المستمرة بين الذات والآخر هي العين الناقدة، والضوء ~~الهادي لخطى المجتمع في سباق الصراع أو التنافس الكوكبي. وإبراز ~~جانب ms061 التخلف ليس مدعاة للإحباط، بل دافع لشحذ الهمم وقبول ~~التحدي. هذا كان حال اليابان مثلا عقب هزيمتها على يد الجنرال ~~بيري؛ إذ بحثت عن أسباب الغلبة، وعرفت أن السر في امتلاك العلم ~~والتقانة. والنظرة المؤكدة أن الصراع أو التنافس مكون رئيسي للحياة ~~داخل المجتمعات وفيما بينها، والسياسة العلمية الحكيمة هي الفهم ~~والتحليل ورسم منهج العمل مع قبول التحدي. ولكن المجتمع الذي يقنع ~~راضيا بذاته وبالموروث التاريخي، دون ملاحقة نقدية على أساس من ~~المقارنة والمنافسة مع المجتمعات الأخرى، يضيع من أقدامه ~~الطريق، وتخفى عنه الحقيقة، وتصدمه وقائع الأرقام؛ فيكذبها ~~سعيا إلى تطويع الواقع قسرا؛ ليتلاءم مع فكره الانفصامي. # الترجمة في التاريخ العربي الحديث موقف ثقافي اجتماعي من ~~المعرفة، إنتاجا وإبداعا وتحصيلا واستثمارا. فالترجمة كنشاط ~~اجتماعي هادف لا تزال قضية خلافية؛ هناك من يراها تغريبا للمجتمع ~~أو صرفا للأذهان والوجدان عن علم نافع، وهناك من يراها حقا ~~للمجتمع في أن ينهل ما شاء من علوم الآخرين بحرية وعقل ناقد؛ وفاء ~~لحاجات اجتماعية، وأداة تكميلية للتطوير والتغيير. # والقضية في ضوء واقعنا وتحدياتنا يجسدها السؤال التالي: ما ~~نصيبنا من الفكر العلمي أخذا وعطاء، وكذا التفكير العلمي ~~المنهجي؟ وما نصيبنا من ترجمة الفكر العلمي ودوره الفاعل في ~~حياتنا، وليس فقط نصيبنا من الإنجازات التقانية، التي هي وجه مكمل ~~ومتكامل مع إبداع الفكر العلمي. وإنما قنعنا باستيرادها سلعا ~~استهلاكية، وهكذا وكأن الحداثة حيازة، وليست توطينا وتطويرا ~~للعلوم والتقانة. وكيف يجري اختيار هذا النصيب؟ هل من أساس نسقي، ~~أم اختيارات فردية عفوية؟ وهل الفكر العلمي المترجم - إن وجد - ~~يمثل ركائز علوم العصر الأساسية والتطبيقية، ويجسد دعامة ~~أساسية في بنية تنموية استراتيجية، ورؤية مستقبلية لمجتمعاتنا ~~العربية؟ # بدأ تاريخ الترجمة في العصر الحديث انطلاقا من مصر ولبنان مع ~~اختلاف الحوافز والدوافع والمسار. بدأت في لبنان ضمن جهود المحافظة ~~على اللغة العربية ضد حركة التتريك العثمانية، وبدأت الترجمة في ~~مصر في عهد محمد علي، وأخذت صورة تيار اجتماعي نشط. واستطاع الشيخ ~~رفاعة الطهطاوي أن يجعل الترجمة مؤسسة اجتماعية تساهم في ms062 إنجاز ~~مشروع قومي اجتماعي لتحقيق نهضة في العلوم والصناعات، ومن ثم نقلة ~~تطويرية لمصر إلى عصر جديد. ولكن تعثر النشاط وانحسر، بعد أن ~~أصابت النهضة انتكاسة؛ بسبب الدور الاستعماري الغربي، والنظم ~~الاستبدادية الأوتوقراطية في الداخل، واطراد نظم اقتصاد الريع ~~المحافظ بطبيعته. # والملاحظ أن أي محاولة لاستكشاف الجهد العربي المعاصر في مجال ~~الترجمة، من حيث الكم والنوع، تصطدم بعقبة غياب الإحصاءات أو ~~تشوشها وعدم دقتها. مثال ذلك: أصدرت الهيئة العامة للكتاب في مصر ~~فهارس تعريف بالإصدارات تحت عنوان «الثبت الببليوجرافي للمؤلفات ~~والمترجمات»، وجملتها خمسة: من 1956م وحتى 1967م، ثم الأعوام 1979م ~~و1983م و1990م و1993م، ثم توقفت. وجميعها سرد للعناوين المؤلفة ~~والمترجمة منذ الخمسينيات، وتكرارها في السنوات التالية دون تخصيص، ~~أو تحديد عام الإصدار. ولكنها تكشف بعد مراجعتها عن ضآلة عدد ~~العناوين المترجمة إجمالا، والتي تتجاوز 200 عنوان، كما تكشف عن ~~التدني الشديد للترجمات العلمية. ثم إننا نجد تحت عنوان «العلوم ~~التطبيقية» عناوين مثل؛ الطب الروحاني، والجبن الدمياطي وصناعته، ~~والرضى لمن يرضى (دليل الكتاب المصري 1990). وإذا استوفينا ~~الإصدارات المترجمة منذ الأربعينيات، ومشروع الألف كتاب الأول ~~والثاني؛ نجد انحسارا واضحا في نوع وكم الكتب ذات التوجه ~~العلمي الحضاري من حيث النسبة العامة. # وتنص الخطة القومية للترجمة - المنظمة العربية للتربية والثقافة ~~والعلوم، تونس 1996م - على ما يلي: «ولم يجر حصر شامل لما تمت ~~ترجمته من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية وبالعكس منذ بداية ~~عصر النهضة حتى اليوم.» بيد أن المنظمة العربية للتربية والثقافة ~~والعلوم أجرت إحصاءين لهما دلالة مهمة؛ أحدهما عن الكتب العلمية ~~المترجمة منذ 1970-1975م في خمس دول عربية، فبلغ العدد 872 كتابا. ~~وثانيهما عن الكتب المترجمة بداية من عام 1970م لغاية 1983م في ست ~~عشرة دولة عربية، فبلغ 2840 كتابا. وتشير الإحصاءات إلى أن حركة ~~الترجمة في الدول العربية دون المستوى المنشود. معنى هذا أن معدل ~~الترجمة السنوي من 1970م لسنة 1975م يبلغ 175 عنوانا. ومعدل ~~الترجمة السنوي من 1970-1980م يبلغ 284 عنوانا. وسوف نجد في ضوء ~~الإحصاءات التالية أنه قارب الضعف ms063 في التسعينيات وأواخر القرن ~~العشرين؛ وهو ما يعني أن المجتمعات العربية حققت إنجازا. ولكن ~~إذا ألقينا نظرة مقارنة في ضوء حركة المجتمعات الأخرى وتطورها ~~الحضاري، نجد أن الهوة اتسعت. # دولة الإمارات العربية # عرفت نشاط الترجمة والتأليف المؤسسي مع مطلع العقد الأخير من ~~القرن العشرين. ويمثل المجمع الثقافي - أبوظبي - المؤسسة ~~الرسمية المنوط بها هذا الدور. وإصداراته من الترجمة ~~كالآتي: # السنة # 1993م # 1995م # 1997م # 1998م # 1999م # 2000م # 2001م # 2002م # عدد # 2 # 13 # 3 # 23 # 10 # 5 # 3 # 5 # تونس # في دراسة بعنوان «حال الترجمة في تونس وعلاقتها بالوضعية ~~اللغوية»، 1998م للدكتور عبد اللطيف عبيد يقول: تمت ترجمة 46 ~~عنوانا إلى العربية من 1838م إلى 1881م؛ أي 46 عنوانا في 43 سنة، ~~قبل الاحتلال. وتمت ترجمة 204 عناوين خلال النصف الأول من القرن ~~العشرين حتى عام الاستقلال 1956م، بمتوسط 4 عناوين في السنة. ويضيف ~~أن ما ترجم في تونس منذ الاستقلال (1956م)؛ أي على مدى 40 عاما، ~~يبلغ 150 عنوانا بمتوسط 4 عناوين في السنة. ويقول: الترجمات ~~العلمية قليلة الأهمية عددا ونسبة. # المملكة العربية السعودية # في دراسة للدكتور عبد الله الفقاري 1998م، يشكو من صعوبة الحصول ~~على بيانات. ويشير إلى دراسة للباحثة نورة صالح الناصر بعنوان ~~«ترجمة الكتب إلى العربية في المملكة العربية السعودية»، ~~من1351-1412ه؛ أي 1932-1992م. وتقرر أن المترجمات 502 كتاب خلال ~~ستين عاما مع سيطرة العلوم الاجتماعية الإنسانية؛ أي بمعدل 8 كتب ~~سنويا. ولكن د. الفقاري يذكر أن الترجمات على مدى خمسين سنة حتى ~~1998م بلغت 729 عنوانا، بمعدل 15 عنوانا في العام. وأن الترجمات ~~خلال السنوات الست الأخيرة بلغت 227 عنوانا، بمعدل 38 عنوانا في ~~السنة. ويشكو من قلة عدد الأفراد السعوديين الممارسين للترجمة. ~~ويقرر أن جميع المترجمات التي قام بها أفراد سعوديون خرجت من ~~قاعات الدرس في الجامعات أو المراكز البحثية المخصصة. ويضيف أن ~~الكتب المترجمة الصادرة هي في أغلبها نشاطات لأعضاء هيئة للتدريس ~~والباحثين في مجالات تخصصهم. # سوريا # يشير الإحصاء السنوي لليونسكو عام 1992م إلى أن إجمالي المترجمات ms064 ~~كما يلي: # السنة # عدد المترجمات # 1984م # 43 # 1985م # 41 # 1986م # 59 # العراق # في دراسة للأستاذ سمير عبد الرحيم الجلبي 1997م، يقرر أن مجموع ~~الكتب المترجمة الصادرة عن دار المأمون بيت الحكمة في ست سنوات 125 ~~عنوانا، وتقلص النشاط بسبب ظروف الحصار. # مصر # بدأت حركة الترجمة بمصر الحديثة منذ عهد محمد علي أواخر القرن ~~19م، واستطاع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي - رائد النهضة الفكرية - ~~خلق مدرسة أو حركة ترجمة نهضوية تضع مصر على أعتاب عصر ~~الصناعة. # وظهر في مطلع القرن العشرين عديد من رواد الترجمة من أمثال: ~~الشيخ محمد عبده، الذي ترجم كتاب هربرت سبنسر «التربية»، وأحمد ~~فتحي زغلول، وأحمد لطفي السيد، وآخرين. وتوجد في مصر أجهزة حكومية ~~معنية بالترجمة، علاوة على دور النشر الخاصة، وعدد من مراكز ~~الترجمة التابعة لسفارات أجنبية. # ونذكر من المؤسسات الحكومية؛ الهيئة العامة للكتاب، والمجلس ~~الأعلى للثقافة، وهيئة الاستعلامات. # وجدير بالتنويه أن المجلس الأعلى للثقافة عمل منذ عام 1994م على ~~إنجاز المشروع القومي للترجمة، وهو الأول من نوعه في العالم ~~العربي، ويصدر سنويا قرابة 80 عنوانا مترجما في مختلف العلوم ~~والفنون، وبلغت جملة إصداراته أكثر من 750 عنوانا. هذا علاوة على ~~إنشاء ورش عمل لتدريب مترجمين من الشباب، وإصدار مجلة بعنوان ~~«الترجمة». # دولة الكويت # في دراسة للدكتور عبد الرحمن أحمد الحمد 1998م، يشكو من عدم وجود ~~إحصاءات، ثم يقول: «من العقبات التي تواجه مؤسسة الكويت للتقدم ~~العلمي عدم وجود ببليوجرافية محلية أو عربية.» ويوضح الجهات ~~المعنية بالترجمة وإصداراتها من كتب ومعاجم: ~~(أ) # مؤسسة الكويت للتقدم العلمي: عنيت بنشر قواميس ~~ومعاجم وموسوعات علمية، وأصدرت سلسلة من الكتب ~~المترجمة، صدر عنها منذ 1982م حتى 1991م 22 عنوانا، ~~وتعمل على توحيد المصطلحات، وتصدر مجلة «علوم» - ~~المترجمة - شهريا، وتعنى بمنح جوائز عن النشاط ~~العلمي ومن بينه الترجمة. ~~(ب) # المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: يصدر كتبا ~~مترجمة ضمن سلسلة عالم المعرفة، صدر منها قرابة 86 ~~عنوانا من 1978م وحتى 1998م، وتصدر كذلك سلسلة ~~المسرح العالمي (إبداعات عالمية)، علاوة على مجلة ~~الثقافة العالمية ms065 المترجمة، وتصدر كل شهرين. # ويشير الإحصاء السنوي لعام 1992م (اليونسكو) إلى إصدارات الكويت ~~المترجمة: # السنة # عدد المترجمات # 1984م # 17 # 1985م # 17 # 1986م # 21 # لبنان # يوجد أكثر من 170 دار نشر للتأليف والنشر. مجموع الدراسات ~~المترجمة في لبنان 1970-1985م، 396 عنوانا، جميعها علوم إنسانية، ~~و6 عناوين في علوم الطب والتداوي بالأعشاب. # المغرب # تشير الدكتورة فاطمة الجامعي الحبابي في دراسة لها عن الترجمة في ~~المغرب 1998م، إلى أن نشاط الترجمة بدأ محدودا في القرن 16م، وشهد ~~منتصف القرن 19م بدايات جديدة، اقترنت بمحاولات نهضة علمية، وتذكر ~~أنه يوجد بالمغرب عشرة مكاتب أو معاهد أو أكاديميات معنية ~~بالترجمة، من أهمها؛ مكتب تنسيق التعريب، الذي أنشئ عام 1961م ثم ~~أصبح اسمه عام 1962م المكتب الدائم لتنسيق التعريب، وألحق ~~بالأمانة العامة للجامعة العربية عام 1969م، ثم بالمنظمة العربية ~~للتربية والثقافة والعلوم عام 1972م، وأن مهمته الأساسية تنسيق ~~تعريب المصطلحات على الصعيد العربي، وأنه أصدر أكثر من 50 معجما. ~~وهناك أيضا معهد الدراسات والأبحاث والتعريب الذي أنشئ عام ~~1960م، وهدفه إنجاز الدراسات والأبحاث للتعريب، ويعمل الآن على ~~إنشاء قاعدة معجمية (بنك بيانات) يضم قرابة 2 مليون كلمة. # وتشكو الباحثة من عدم وجود إحصاءات، وتضع عدة مقاربات. وتذكر ~~إحداها أنه تمت ترجمة 50 عنوانا من 1970م إلى 1985م؛ أي في 15 ~~سنة، وتشير مقاربة أخرى إلى أن جملة المترجمات 98 عنوانا من ~~1932م إلى 1992م، وتذكر مقاربة رابعة 46 عنوانا في الفترة من ~~1986م إلى 1990م، وأن المترجمات على مدى الأعوام 1992-1997م تبلغ ~~125 عنوانا. # وتعرض الباحثة الإحصائية التالية: # السنة # 1992م # 1993م # 1994م # 1995م # 1996م # 1997م # العدد # 13 # 24 # 19 # 23 # 27 # 19 # إصدارات الكتب تأليفا وترجمة، ~~الإحصاء السنوي، اليونسكو 1999م. # اسم البلد # 1974م # 1985م # 1990م # 1991م # 1993م # 1994م # 1996م # مصر # 1765 # 1366 # 2036 # 2559 # 3108 # 2215 # ليبيا # 26 # تونس # 107 # 450 # 535 # 569 # الأردن # 663 # 500 # 465 # السعودية # 125 # 218 # 390 # مقارنة إحصائية # إصدارات الكتب لكل مليون نسمة (تأليف ~~وترجمة)، الكتاب السنوي، اليونسكو 1995م. # 1970م # 1980م ms066 # 1990م # 1991م # العالم # 182 # 161 # 159 # 160 # أفريقيا # 22 # 25 # 20 # 20 # آسيا # 59 # 54 # 73 # 70 # أوروبا # 515 # 682 # 726 # 802 # الدول المتقدمة # 428 # 490 # 488 # 513 # الدول النامية # 39 # 46 # 60 # 55 # البلدان العربية # 38 # 40 # 29 # 29 # أفريقيا بدون العرب # 17 # 25 # 20 # 20 # أمريكا الشمالية # 366 # 393 # 385 # 365 # إجمالي الترجمة في عدد من الدول للمقارنة (نفس المصدر) # إسرائيل 4,5 مليون نسمة. # السنة # إجمالي # ملاحظات # 1981م # 387 # ما بين 93 و76 كتابا ~~لكل مليون نسمة، مع ملاحظة شيوع الإنجليزية، وأن ~~50٪ من سكان إسرائيل مهاجرون، يقرءون بلغاتهم ~~الأصلية علاوة على العربية. # 1982م # 348 # 1983م # 232 # 1984م # 366 # 1985م # 313 # 1986م # 462 # المجر، التعداد 10571000 نسمة ~~(المصدر نفسه). # السنة # إجمالي # ملاحظات # 1981م # 419 # حوالي 108 كتب لكل ~~مليون # 1982م # 1227 # 1983م # 1397 # 1984م # 1238 # 1985م # 1202 # 1986م # 1144 # إسبانيا 39 مليون نسمة. # السنة # إجمالي # ملاحظات # 1981م # 6361 # حوالي 240 عنوانا لكل ~~مليون نسمة # 1982م # 6381 # 1983م # 7447 # 1984م # 7741 # 1985م # 7944 # 1986م # 9647 # إجمالي الإصدارات في العالم تأليفا ~~وترجمة. # 1970م # 1980م # 1990م # 1991م # العالم # 52100 # 715000 # 842000 # 863000 # أفريقيا # 8000 # 12000 # 13000 # 13000 # أمريكا # 105000 # 142000 # 148000 # 144000 # آسيا # 75000 # 138000 # 228000 # 215000 # أوروبا # 246000 # 333000 # 364000 # 403000 # الاتحاد السوفييتي سابقا # 80000 # 80500 # 77000 # 76000 # البلدان المتقدمة # 451000 # 562500 # 600000 # 635000 # البلدان النامية # 70000 # 153000 # 242000 # 228000 # أفريقيا بدون العرب # 4600 # 9000 # 10000 # 10000 # آسيا بدون العرب # 73700 # 134500 # 224000 # 215000 # البلدان العربية # 4700 # 6500 # 6400 # 6500 # أمريكا الشمالية # 83000 # 99000 # 106000 # 102000 # أمريكا اللاتينية والكاريبي # 22000 # 47000 # 42000 # 42000 # إجمالي الترجمة في العالم العربي ~~(250 مليون نسمة). # السنة # إجمالي # ملاحظات # 1981م # 225 # حوالي كتاب واحد لكل ~~مليون نسمة، إحصاء اليونسكو 1992م # 1982م # 72 (لم ترد مصر والعراق) # 1983م # 70 (لم ترد مصر والعراق) # 1984م # 459 # 1985م # 272 (لم ترد مصر والعراق) # 1986م # 268 (لم ترد مصر والعراق) # البحوث والتطوير والمؤتمرات العلمية # ذكرنا أن من آليات نقل المعرفة، ms067 أو المشاركة في المعرفة المتاحة ~~كوكبيا نشاطات البحوث والتطوير # R & ~~D ~~، والمؤتمرات العلمية وتبادل بعثات العلماء. ~~ونورد هنا بعض الإحصاءات التي ذكرها أنطوان زحلان، ولعله أهم باحث ~~عربي متابع لنشاطات العلم والتقانة في العالم العربي وفي إسرائيل. ~~وتتطابق إحصاءاته مع إحصاءات منظمة اليونسكو. # يقول زحلان: «منذ عام 1498م والوطن العربي مذعن لتقدمات تقانية ~~أنجزت في أوروبا. وكانت العلوم والتقانة هي الأداة الرئيسية التي ~~جرى عبرها التفكيك المستمر للوطن العربي خلال السنوات الخمسمائة ~~الماضية (ص 17)، ويعتمد العالم العربي على المشروعات الجاهزة ~~«تسليم المفتاح»، دون توطين العلم والتقانة في كل محاولات التحديث ~~المعاصرة. وإحدى نتائج تبني ثقافة المشروعات الجاهزة هي أن المرء ~~يرى نفسه فقط عبر عيون أجنبية (ص43). وينعكس عدم توطين العلم ~~والتقانة سلبا على أي جهد للنهوض بالبحث والتطوير.» # ويشكو من أن المعلومات الإحصائية عن أي ناحية من العالم العربي ~~محدودة. وقاعدة المعلومات الموثقة الوحيدة هي تلك التي تصدر عن ~~مؤسسة المعلومات العلمية في فيلادلفيا، عن منشورات في دوريات ~~مستشهد بها (ص114). # ويذكر في إحصائية أن إجمالي نتاج البحث في الوطن العربي مقارنا ~~بإسرائيل كما يلي، وتعبر الإحصائية عن مجمل التفاعل المعرفي ~~إنتاجا محليا، وتحصيلا من الخارج، مع ملاحظة أن نتاج البحوث ~~يتركز في الجامعات العربية التي بلغ عددها 175 جامعة عام ~~1995م. # 1967م # 1977م # 1987م # 1990م # 1991م # 1992م # 1993م # 1994م # 1995م # المجموع العربي # 465 # 1348 # 4569 # 5595 # 5460 # 5408 # 5341 # 6144 # 6652 # إسرائيل # 1125 # 3284 # 7969 # 7571 # 7377 # 8053 # 9182 # 9567 # 10206 # ويضيف أن غالبية المنشورات العربية هي في حقول لينة، والكثير من ~~نتاج البحث ذو طبيعة تطبيقية وصفية ومستوصفية. ومستوى النشاط ~~البحثي في العلوم الأساسية لا يكاد يذكر (ص66-72). وتفتقر البلدان ~~العربية إلى منظومات علم وتقانة، علما بأن صمام الأمان الوحيد هو ~~تعزيز اندماج العالم في منظومة علم وتقانة وطنية، ثم عبر هذه ~~المنظومات إلى أسرة العلم الدولية للمشاركة في المعرفة الكوكبية ~~(ص102). # ويقول د. إبراهيم قويدر مدير عام منظمة العمل العربية في حوار ~~معه على صفحة الأهرام ms068 12 / 11 / 2002م: «إننا نحتاج لمضاعفة برامج ~~البحث العلمي 770 ضعفا لنصل إلى المستوى المماثل في إسرائيل ...» ~~ويدعو إلى أن نلتفت بعمق إلى مستوى التنمية البشرية؛ لأن النوع ~~البشري وإبداعه أفرادا ومجموعات هو الذي يضع الفارق في التفوق ~~والتقدم؛ حيث إن ترتيب إسرائيل في دليل التنمية البشرية هو 23 بين ~~بلدان العالم، بينما يتراوح ترتيب الدول العربية بين 82 ~~و119. # وينفق العالم أكثر من 500 مليار دولار سنويا على البحوث ~~والتطوير؛ مما يعطي حصادا متسارعا من المعارف العلمية ~~والتطبيقية التي يتعين ترجمتها واستيعابها (161). # وتخصص البلدان الصناعية حوالي 3٪ من إجمالي الناتج الوطني ~~للبحث والتطوير. هذا بينما خصصت الأقطار العربية 750 مليون ~~دولار؛ أي حوالي 0,2٪، وأن ندرة النشاط البحثي العربي تعني أن ~~أساتذة الجامعات تتعرض معارفهم للتقادم بسرعة؛ مما ينعكس على ~~مستوى التعليم، خاصة مع توقف تبادل بعثات الأساتذة. وبينما يبلغ ~~شبه العائد من الإنفاق على البحث الأكاديمي في الولايات المتحدة ~~حوالي ٪30، نجدها حوالي الصفر في الأقطار العربية (ص175، ~~224). # الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة ~~مئوية من إجمالي الناتج الوطني، إحصاء اليونسكو ~~1995م. # البلد # النسبة # الولايات المتحدة # 3٪ # إسرائيل # 2,2٪ # اليابان # 2,9٪ # فرنسا # 2,4٪ # ألمانيا # 2,4٪ # العالم العربي # 0,2٪ # كوريا (ج) # 2٪ # ماليزيا # أكثر من 1٪ # أزمة المصطلح العلمي # الثورة المعرفية تعني أيضا ثروة لغوية؛ مما يفرض على أي ~~مجتمع ناهض أن يواكب الفيض الدافق من المصطلحات العلمية والتقانية ~~الجديدة. ويقول عبد الحفيظ الهرفام في مقال له - «الحياة» ~~4 / 10 / 1998م: «التطور الراهن تفجير لثورة لغوية؛ إذ يتعين على ~~كل لغة تنشد البقاء أن تتوافق دلاليا ومفاهيميا وتعبيريا مع ~~المستحدثات. ونحن نشهد من الآن ثورة في مستوى المفاهيم ~~والمصطلحات والمضامين فرضتها ضرورة مواكبة التطور العلمي ~~التقاني.» # وهكذا أصبح لزاما على كل لغة أن تتكيف في دينامية ومرونة مع ~~الجديد من المصطلحات. ويشهد العالم كل عام ميلاد قرابة أربعين ألف ~~مصطلح جديد على الأقل. # وتصدر 200 ألف قضية رياضية جديدة، تجر معها عددا كبيرا من ~~مئات المصطلحات (محمد شفيق، عضو أكاديمية المملكة ~~المغربية). # ولعل أهم الإشكاليات ms069 التي اعترضت ولا تزال تعترض نجاح تعريب ~~المواد العلمية، هي عدم توافر المصطلحات العلمية باللغة العربية، ~~وغياب كتابة علمية بلغتنا الوطنية، وندرة الاهتمام بالبحث العلمي ~~في الدول العربية، بالإضافة إلى فوضى وضع المصطلح للمقابل الأجنبي ~~بين عدة مجامع لغوية عربية، علاوة على الجهود الفردية؛ مما ~~يضاعف من تعثر توحيده. # وإدراكا من المسئولين عن الثقافة لهذه المشكلة انعقدت مؤتمرات ~~عدة لتعريب المصطلح. ويمثل المكتب الدائم لتنسيق التعريب الذي ~~أسلفت ذكره، المنسق العربي العام لتوحيد المصطلح العربي؛ إذ يعمل ~~على تتبع جهود العلماء والمجامع اللغوية ونشاط الكتاب والأدباء ~~والمترجمين. ويقوم بتصنيف ذلك تمهيدا لعرضه على مؤتمرات التعريب. ~~وأصدر أكثر من 50 معجما في العلوم المختلفة، هذا غير جهود مجامع ~~اللغة العربية في القاهرة والأردن وغيرها، وجهود الأفراد. # ولكن الملاحظ: أن حجم التعريب دون الكم الهائل من المصطلحات التي ~~تولد جديدة كل عام في العلم والتقانة. ثانيا: تعثر توحيد ~~المصطلح على الصعيد العربي. وثالثا: أن المصطلح العلمي المعرب في ~~مجتمع راكد علميا لن تكتب له الحياة؛ إذ يولد في وضع سكوني فاقد ~~لعنصر التطور الحياتي. وإنما يحيا ويتجدد المصطلح ~~في مجتمع يمثل العلم فيه ~~فعالية نشطة؛ أي يحيا المصطلح من خلال شيوع استعماله في الحياة؛ ~~مما يعني أن نجاح التعريب مرهون بالتطور العلمي التقاني. لذا نرى ~~أن أزمة المصطلح هي أزمة الإنسان/المجتمع العربي الراكد علميا ~~وتقانيا. رابعا: نجاح التعريب يعزز الشعور بالذاتية القومية. ~~ونلحظ كذلك أن نشوء بنوك للمعلومات العلمية التي تتوافر في بلدان ~~المركز، بشكل يتجاوز القدرات العربية الحالية؛ مما يعني ضرورة ~~تطويرها، وإعادة هيكلة البنية الاجتماعية، والتحول إلى مجتمع ~~التصنيع والمعرفة وتطوير التعليم. # الترجمة الآلية # نظرا لأهمية الترجمة وثورة المعلومات تم إعداد وتطوير بنوك ~~المصطلحات الآلية، وتيسر هذه البنوك البحث عن المصطلح وأية ~~معلومات عنه؛ مثل: التاريخ، والمصدر، ودرجة الاعتمادية، وشرح موجز، ~~والمرادفات مع صور ورسوم توضيحية، وأية تعديلات طارئة. لذلك تبذل ~~الدول جهودا مضنية لتطوير بنوك المصطلحات؛ لتكون أداتها لكسر ~~الاحتكار اللغوي، وسرعة متابعة ونقل الجديد. # وتقترن هذه الجهود بجهود ms070 تطوير أنظمة ترجمة آلية، وإن لم تصل ~~بعد إلى حد الكمال أو الأمان، إلا في مجالات محدودة. ويبذل العالم ~~العربي جهودا في هذا الصدد، ولكنها مشتتة في عدد من البلدان ~~العربية، وحبذا لو أمكن توحيد هذه الجهود توفيرا للوقت والجهد ~~والمال، ومنعا للازدواجية، وضمانا للسرعة. وتوجد الآن في العالم ~~العربي عدة برامج أو نظم للترجمة هي بنوك مصطلحات، منها: ~~(1) # برنامج المترجم العربي # ATA # للترجمة من ~~الإنجليزية. ~~(2) # العالمية (صخر)، طورت عددا من البرمجيات للترجمة ~~الآلية. ~~(3) # المعهد الإقليمي للعلوم الإعلامية والاتصالات عن ~~بعد في تونس. ~~(4) # البنك الآلي السعودي للمصطلحات. ~~(5) # معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط، الذي أعد ~~بنك المصطلحات (معربي). ~~(6) # بنك المصطلحات التابع لمجمع اللغة العربية ~~الأردني. ~~(7) # أعد مجمع اللغة العربية في القاهرة # CD # بجميع ~~المصطلحات المعربة. # أين المشكلة؟ # ليس جديدا ولا غريبا كل ما سبق على السلطات العربية المسئولة ~~عن السياسة والثقافة. وهذا ما تؤكده جهود جامعة الدول العربية ~~لإصلاح الوضع المتدني في مجالات الترجمة، ونقل المعرفة، والبحث ~~العلمي، والتطوير. # هناك مرحلتان للترجمة تحت رعاية الجامعة العربية؛ الأولى: حيث ~~أنشأت الجامعة إدارة ثقافية بناء على المعاهدة المبرمة بين ~~الدول العربية عام 1945م، وتنص المادة السابعة من هذه المعاهدة ~~على: «تنشيط الجهود لترجمة الكتب الأجنبية القديمة والحديثة، ~~وتنظيم تلك الجهود، وتنشيط الإنتاج الفكري في البلاد العربية ~~بمختلف الوسائل». وصدر عن الإدارة عدد من الترجمات التي ترتكز على ~~الإنسانيات. # المرحلة الثانية: عقب توقيع ميثاق الوحدة الثقافية العربية عام ~~1964م، الذي تضمن الدعوة التي دعت إليها المعاهدة الثقافية ~~السالفة الذكر. وتحولت الإدارة الثقافية عام 1970م إلى «منظمة ~~التربية والثقافة والعلوم»، اقتداء بمنظمة اليونسكو ~~العالمية. # واضطلعت بأعمال منها: ~~(أ) # الدعوة عام 1973م إلى عقد حلقة الترجمة في الوطن ~~العربي. وانعقدت في الكويت في 31 / 12 / 1973م. وبحثت ~~الحلقة «تنسيق حركة الترجمة في البلاد العربية، وإقامة ~~جهاز تنسيق على صعيد العالم العربي يتولى وضع خطة ~~قومية للترجمة بالاشتراك مع الأجهزة الوطنية، ~~وبالتنسيق مع المنظمات الدولية.» ~~(ب) # أنشئت بالفعل وحدة للترجمة عام 1981م، ووضعت هدفا ~~لها: ~~(1) # إقامة مشروع ms071 المعهد العالي العربي ~~للترجمة الذي استضافته الجزائر ولم يفتح. ~~وبدأ أخيرا 2004م الإعداد لافتتاحه في ~~الجزائر. ~~(2) # إنتاج الترجمات: وقد أنشئ المركز ~~العربي للتعريب والتأليف والترجمة، ~~واستضافته سوريا، لكنه بدأ العمل منذ ~~1990م، وإنتاجه محصور في حدود 150 ملزمة ~~سنويا. ~~(3) # نشر الخطة القومية للترجمة. وكانت قد ~~أقرتها المنظمة العربية، ثم أقرها ~~مؤتمر الوزراء المسئولين عن الشئون ~~الثقافية عام 1983م، ونشرت عام 1985م. ~~ولكن توقف المشروع في أواخر 1985م بسبب ~~إلغاء وحدة الترجمة بإدارة الثقافة؛ نتيجة ~~تراخي الدول العربية. # وفي عام 1994م أوصى وزراء الثقافة العرب خلال الدورة التاسعة ~~لمؤتمرهم في بيروت بما يلي: «دعوة المنظمة إلى تحديث الخطة القومية ~~للترجمة ونشرها»، ونشرتها عام 1996م، ولكن المنظمة العربية تشكو ~~حتى الآن من تعثر إجابات الدول العربية وضياعها بين دهاليز مكاتب ~~الموظفين. # وفيما يتعلق بالبحث العلمي والتطور التقاني نشير إلى أحد ~~القرارات الرئيسية لمؤتمر الوزراء العرب المسئولين عن تطبيق العلوم ~~والتقانة في التنمية، والمنعقد في الرباط من 6 إلى 25 آب/أغسطس ~~1976م، وينص القرار بالإجماع على تأسيس صندوق برأسمال 500 مليون ~~دولار لدعم البحث والتطوير بالوطن العربي. ولكن لاقى الاقتراح ~~الإهمال من الدول العربية بعد ذلك (زحلان). # وفي عام 1983م وضع اتحاد مجالس البحث العلمي العربية سلسلة أوراق ~~بهدف تطوير استراتيجية عمل مشترك في العلم والتقانة. ولم يثمر هذا ~~الجهد شيئا يذكر. وقامت المنظمة العربية للتربية والثقافة ~~والعلوم في أوائل الثمانينيات بجهد آخر، وعهدت إلى إحدى اللجان ~~إعداد استراتيجية عربية للعلوم والتقانة. وقدمت اللجنة تقريرها ~~المعنون «استراتيجية للتطوير العلمي والتقانة في الوطن العربي»، ~~إلى مؤتمر ألكسو عام 1988م، وأقرت اللجنة التقرير. ويقول زحلان: ~~وكان الاستقبال الشديد التواضع الذي لقيته الاستراتيجية المقترحة ~~في النقاشات العامة، وردود الفعل لها، مثالا على حالة السبات الذي ~~تبتلى به الأقطار العربية (ص108-109). # والسؤال: إذا كان المسئولون على وعي بأبعاد الأزمة، فأين تكمن ~~المشكلة، أو معوقات النهوض في مجالات الترجمة، ونقل المعرفة، ~~وتطوير العلم والتقانة؟ # المعوقات ~~(أ) # الثقافة الاجتماعية التقليدية السائدة الحاكمة ~~للسلوك، والتي تتجلى في أساليب التنشئة الاجتماعية ms072 ~~والتعليمية والإعلامية والسياسية. إنها ثقافة تقتل ~~الفضول المعرفي وحرية البحث، وتئد نزوع مغامرة البحث ~~عن المعرفة والمجهول، أو التمرد المنهجي المعرفي، ~~وتجعل النظر إلى الإبداعات التقانية وكأنها ضرب من ~~المعجزات، وتصرف الأذهان عن منهج فهم العلل والأسباب ~~الواقعية لظواهر الحياة، وترسخ أن العلم النافع غير ~~علم الدنيا، وترى الحياة ابتلاء وليست تحديا وإرادة، ~~وتغرس فضيلة الطاعة والخضوع والتبعية لمركز القوى ~~الأيديولوجي (السلف)، والسياسي (الأب المهيمن)، لا ~~فضيلة التغيير الذي يستلزم البحث عن المعرفة ~~المنهجية. ~~(ب) # نظام اقتصاد الريع الأبوي المنتمي إلى تقاليد عصر ما ~~قبل الصناعة، والقائم على الثقة في الأقارب والأصدقاء، ~~ويتنافى مع طبيعة بنية المنظومات الشبكية، بين مؤسسات ~~اجتماعية فاعلة مستقلة ذاتيا، وشرطها الأهلية ~~والكفاءة. ويتبع نظاما تراتبيا هرميا، حيث الحق ~~والحقيقة هما رأس المجتمع، ومن ثم غلبة السياسة ~~الفوقية على تفاصيل الأنشطة الاجتماعية. ويرى هذا ~~النظام الحداثة حيازة ومحاكاة، وليست إنجازا ~~إبداعيا ذاتيا، وإراديا جمعيا ومنافسة، ~~ويرسخ ثقافة المحافظة على الهيكل الاجتماعي الأبوي، ~~ومن ثم لا يتبنى استراتيجية تطوير بعيد المدى، وأي ~~تغيير رهن الإرادة العلوية. ولا يلتزم سياسة تربط بين ~~العلم والتعليم والتنشئة كمثال، وتشيع فيه روح ~~الاتكالية، ويعزز حالة الانفصال بين الفكر ~~والفعل. # لهذا نلحظ المعوقات التالية على طريق نقل المعرفة والترجمة ~~والتي هي تجليات لهيكل اقتصاد الريع التقليدي المحافظ: ~~(1) # غياب استراتيجية تطوير اجتماعي شاملة تعبئ وتنظم ~~طاقة الشعوب العربية، ويجري بناء الإنسان على هديها، ~~وتكون أساسا لنشاط علمي مجتمعي إبداعي، وإطارا ~~حاكما لأي استراتيجية فرعية لنشاط اجتماعي مثل ~~الترجمة ونقل المعرفة. ~~(2) # النظام التعليمي تقليدي ويعتمد على الاستظهار ~~والحشو، ولا ينمي القدرات العقلية النقدية والإبداعية، ~~ومحوره الحفاظ على الموروث الثقافي باعتباره ثوابت، ~~والطاعة وعدم التمرد. ~~(3) # غياب المنظومات المؤسسية؛ مما أشاع الفردية ~~الأنانية في النشاط، سواء في مجال الترجمة أو العلم، ~~ومن ثم عدم وجود خطة قومية على الصعيد العربي والقطري ~~للترجمة أو للبحث والتطوير؛ فالترجمات فردية عفوية، ~~والبحث العلمي جهد فردي. ~~(4) # التخلف الحضاري والعلمي، ومن مظاهره شيوع الأمية ~~الأبجدية، وأمية تقانة المعلومات، وكذلك الأمية ~~العلمية ms073 والثقافية، ومن أهم مظاهرها تدني قيمة العقل ~~والعلم والفكر الحر، وسيادة الدجل والشعوذة؛ مما يضع ~~سدا أمام دخول مجتمع المعرفة. ~~(5) # أزمة المصطلح العلمي العربي التي هي تعبير عن أزمة ~~البحث العلمي وغياب السياسة العلمية في أي من ~~المجتمعات العربية. ~~(6) # غياب جيل جديد من المترجمين الخبراء، خاصة في ~~الترجمة العلمية. ~~(7) # غياب إحصاءات ببليوجرافية، سواء عن المترجمات أو ~~المترجمين والعلماء، وكأننا مجتمع بدون ذاكرة. ~~(8) # الكتاب العلمي الأجنبي غير ميسور في المجتمعات ~~العربية، إلا لمن يحصل عليه بجهد فردي، سواء للاطلاع ~~أو للترجمة، وكأن المثقف العربي معزول عن النشاط ~~الفكري والعلمي في الخارج، إلا ما تعوضه به الآن ~~شبكة الإنترنت. ولم تعد المكتبات العامة تفيد في هذا ~~الصدد. # لهذا نرى أن نشاط الترجمة موقف ثقافي اجتماعي من المعرفة، ~~إنتاجا وإبداعا واستثمارا، والتي هي بطبيعتها خلق متجدد ~~ويتجاوز الواقع. ونرى أن الأزمة هي أزمة كتاب وقارئ وبنية اجتماعية ~~صانعة لإنسان عربي تقليدي؛ لذلك فإن التطور الحضاري الشامل، ودخول ~~عصر الصناعة المعلوماتية بكل ما يقتضيه من تحولات هيكلية، هو ضمان ~~البقاء والازدهار. # المراجع ~~(1) # أنطوان زحلان: «العرب وتحديات العلم والتقانة»، مركز ~~دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999م. ~~(2) # الخطة القومية للترجمة، المنظمة العربية للتربية ~~والثقافة والعلوم، تونس، 1996م. ~~(3) # دراسات عن واقع الترجمة بالوطن العربي، المنظمة ~~العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، ~~1987م. ~~(4) # د. محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية، مركز ~~دراسات الوحدة العربية، 2002م. ~~(5) # د. صفاء محمود عبد العال، التعليم العلمي ~~والتكنولوجي في إسرائيل، الدار المصرية اللبنانية، ~~2002م. ~~(6) # شوقي جلال، الترجمة في العالم العربي، الواقع ~~والتحدي، المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ~~1999م. ~~(7) # الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو، سنوات عدة. ~~(8) # دليل الكتاب المصري، الهيئة العامة للكتاب، 1968م، ~~1979م، 1988م، 1990م، 1993م. ~~(9) # د. عبد اللطيف عبيد، دراسة بعنوان: «حالة الترجمة في ~~تونس وعلاقتها بالوضعية اللغوية». ~~(10) # تقرير رسمي عن مركز الترجمة، جامعة الملك سعود، مرسل ~~من الدكتور محمود إسماعيل صالح (الصيني). ~~(11) # د. فاطمة الجامعي الحبابي، دراسة حال الترجمة في ~~المغرب، 1998م. ~~(12) # د. عبد الرحمن أحمد الحمد، دراسة بعنوان «الدراسة ~~المسحية لجهود الترجمة في دولة ms074 الكويت 1998م». ~~(13) # إحصاء الترجمة والتأليف بالمجمع الثقافي، أبوظبي، ~~مرسل بفاكس. ~~(14) # د. محمود إسماعيل صالح (الصيني)، الاتجاهات المعاصرة ~~في حركة الترجمة في العالم، 1998م. ~~(15) # سمير الجلبي، النشاط الترجمي في العراق، دراسة مركز ~~دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998م. ~~(16) # د. عبد الله سليمان الفقاري، دراسة بعنوان «حال ~~الترجمة في المملكة العربية السعودية»، 1998م. ~~(17) # Manuel Castell; Information Age, 3 ~~voi. Rlackwell, London, ~~1996 ~~. # | ما الترجمة؟ ولماذا؟ # وجود الإنسان/المجتمع وارتقاؤه اجتماعيا ونفسيا وثقافيا ~~وفكريا، بل وبيولوجيا، رهن العمل الاجتماعي العقلاني المجسد ~~للمعرفة. وهذا النشاط الاجتماعي المزاوج بين العمل والمعرفة هو ما يمنح ~~الإنسان/المجتمع أقوى أداة وأكبر إمكانات متاحة للسيطرة على مصيره؛ أي ~~للتحرر، وليكون له الخيار في تقرير مستقبله. ورصيد المعرفة الاجتماعية ~~هنا من مصدرين أولين متداخلين في لحمة واحدة: ~~(أ) # معرفة هي ثمرة العمل أو الإنجاز الاجتماعي. ~~(ب) # معرفة هي ثمرة السعي الاجتماعي النشط بدافع الفضول، ~~لاكتساب خبرات الآخرين في إطار المواكبة والمنافسة. # وبقدر فعالية الإنسان/المجتمع بقدر ما يكون ثراء هذا الرصيد، وغنى ~~الحوار، وبقدر ما يتجلى مرة أخرى في قدرة الإنسان/المجتمع المتعاظمة ~~على النشاط والحركة الهادفة المثمرة الإيجابية في بيئته؛ إذ إن هذا ~~النشاط وثراء الرصيد هما نشاط معلوماتي وثراء معرفي يصبان في فعالية ~~هادفة. وتعطل هذا النشاط يعني انحسارا ونكوصا إلى معارف موروثة ~~مقطوعة الصلة بالحاضر، ترسخ الغربة الاجتماعية والانكفاء على النفس، ~~وفقدان سلاح معايشة العصر، ناهيك عن المواكبة أو المنافسة أو ~~الصراع. # أقصد بهذا أن الحياة المعرفية للإنسان/المجتمع هي أولا نشاط إبداعي، ~~وهي أيضا تفاعل أو ترجمة متصلة نشيطة فيما بين المجتمعات، وأنها هي ~~عماد الحياة المجتمعية الفاعلة؛ ومن ثم تكون الترجمة توسيعا لدائرة ~~الحوار والمعرفة، وبالتالي توسيعا لدائرة الفعالية؛ ومن ثم حرية ~~الإنسان/المجتمع. # الترجمة بهذا المعنى هي حوار حضارات، وهو حوار شامل جميع مجالات ~~المعرفة، علوما إنسانية وطبيعية. والترجمة أداة اكتساب وأداة تعبير ~~عن عزم الإنسان/المجتمع على استيعاب أكبر قدر يعنيه باختياره وإرادته، ~~من حصاد المعارف الإنسانية، التي هي سلاح الإنسان في التطور والمنافسة ~~والارتقاء، والأخذ والعطاء على المستوى الحضاري، ms075 تعزيزا ~~للوجود. # وحوار العصر حوار علمي منهجا ولغة وفكرا وإنجازا. وأريد بكلمة ~~الحوار أن أتجاوز كلمة النقل الشائعة كمرادف للترجمة؛ إذ ليست الترجمة ~~المنشودة مجرد نقل من لغة إلى لغة عبارات مسطورة بين دفتي كتاب، لا ~~تخلق تيارا فكريا، ولا تدخل في نسيج رؤية للوجود والحياة، ومن ثم ~~تظل عاطلة من الطاقة الدافعة للحراك الاجتماعي. الحوار هنا هو حوار ~~فكر وأفعال وإنجازات علمية تؤكد وجود الإنسان/المجتمع، وجودا فاعلا ~~ومؤثرا في العلاقات بين المجتمعات التي هي علاقات تنافس قد يتصاعد إلى ~~حد الصراع، وتكون فيه الغلبة للأقدر علميا والأنشط عمليا؛ أي ~~الأقدر على الإنجاز العلمي في شتى مجالات الطبيعة والمجتمع والنفس، ~~والأقدر على إنجاز أكبر قدر من المعلومات الصحيحة، والأسرع كذلك في ~~معالجتها وتوظيفها لأهدافه. والحوار العلمي هنا مجلى للمنافسة ~~وامتلاك واستراق أسباب تقدم الآخر في مضمار المنافسة والتحدي والملاحقة ~~والتجاوز. وأعني بالحوار العلمي ذلك الحوار المرتكز على الجهد النسقي ~~المنطقي المنظم منهجيا، والمتبلور في صورة نظريات هادية، ومن ثم ~~يدور الحوار بلغة حضارة العصر؛ أي بفكرها العلمي ومنهجها العلمي في ~~التفكير والبحث، وبعلومها الأساسية ذات السيادة. وحوار اجتماعي على هذا ~~المستوى لا يتوافر إلا بين أطراف يسهمون جميعا بنصيب في النشاط ~~الاجتماعي العلمي، وإبداع المنهج والنظريات. # وهكذا تغدو الترجمة - كنشاط اجتماعي - أداة المجتمع للتفاعل مع ~~الجديد في العلوم والفنون والإنسانيات، وتمثل عاملا أساسيا ضمن ~~مجموعة عوامل متكاملة للتقدم الحضاري. وباتت اليوم أكثر لزوما مع ~~السرعة المذهلة في مظاهر التقدم العلمي والتقني على المستوى العالمي. ~~وتصبح الترجمة بصورتها هذه تعبيرا مكثفا عن المجتمع في تحولاته ~~الإنسانية الشاملة، وعلى المستويات كافة. ومن هنا وفي ضوء عرضنا التالي ~~لواقع الترجمة في العالم العربي، أرى الحديث عن الترجمة إنما هو دعوة ~~لإعادة تكوين البنية الذهنية للإنسان العربي، تكوينا حضاريا من حيث ~~المحتوى وآلية الاستجابة؛ فالإنسان العربي بوضعه وبحالة بنيته الذهنية ~~وآلية ردود أفعاله، غير مؤهل للتعامل مع التحديات الحضارية. وإن ~~الحفاظ على البقاء هو تحد حضاري شامل لكل أنشطة وعلاقات حياتنا ~~الاجتماعية التقليدية، وإن ms076 القدرة على مواجهة إسرائيل أو غيرها هي قدرة ~~على مواجهة حضارية وليست عقائدية. # والصراع الحضاري ينطوي دائما على صراع ثقافي، بمعنى الثقافة الأعم ~~كإطار معرفي قيمي حاكم للسلوك الاجتماعي. والأساس العميق لهذا الصراع، ~~كما يقول توينبي، هو آلية التحدي والاستجابة، وهي آلية مستمرة استمرار ~~المجتمعات، ومشروطة بظروف وملابسات التنشئة والنشاط الاجتماعيين. وها ~~هو ذا التحدي ماثل بين ظهرانينا، بل وفي داخل أراضينا من واقع التخلف، ~~واقع مادي يحاصرنا ويؤزمنا. والسؤال عن الاستجابة وعن المستجيب فكرا ~~وتأهيلا. # الفجوة بيننا وبين الآخر المتقدم فجوة معرفية، أو معلومات منتجة ~~وموظفة اجتماعيا، بحيث نعيها ونستوعبها ونمارسها ونسهم في إبداعها. ~~التخلف الذي نعانيه قبل أن يكون اقتصاديا هو تخلف ثقافي معرفي؛ لأنه ~~تخلف عن حضارة عالمية تمثل فيها المعرفة العلمية القوة المحركة ~~والدافعة. المعرفة العلمية منهجا للتفكير، ولغة في التعبير، ومبحثا ~~للنشاط الاجتماعي، وإطارا للسلوك والتنظيم، وأصبح اللهاث وراء ~~المعرفة - إبداعا وترجمة - سمة العصر حتى بين أكثر البلدان تقدما. ~~لقد أصبحت الترجمة ممارسة وآلية يومية في الدول المتقدمة لنقل إنجازات ~~الآخرين إلى لغة العلماء والمتخصصين والممارسين من أبنائها. وها هي ~~الولايات المتحدة الأمريكية لا تترجم فقط البحوث والدراسات المنشورة ~~بلغات أخرى فور صدورها، بل تترجم أيضا تلك التي نشرت منذ قرون. وسبق ~~أن طلبت بالفعل من مركز الأهرام للترجمة والنشر ترجمة كتاب عن الطب في ~~مصر الفرعونية، وكتاب آخر عن الطب في الدول الإسلامية. معنى هذا أن ~~الترجمة أداة الأمة على صعيد المنافسة الحضارية لتكون سباقة في ~~العصر، وأيضا مرجعا للثقافة العالمية تنهل منها الأمم الأخرى. وهذا ~~عين ما فعلته أوروبا إبان نهضتها حين ترجمت دراسات العلماء العرب ~~والمسلمين، وحين استعادت ذخائر الإغريق عبر الترجمات العربية ~~لها. # ونحن في بلدان العالم العربي لن نستطيع أن نعيد تأسيس أنفسنا ~~انطلاقا من معطيات ذاتية، واعتمادا على تراث علمي ثقافي موروث مضى ~~زمانه، وبعيدا عن التواصل الحر مع الثقافات العالمية وآلية الإنجاز ~~العلمي الحضاري العصري؛ انفتاح على العالم، وانفتاح عقلاني نقدي على ~~تاريخنا الحضاري، بكل تنوعاته وتناقضاته، منذ ms077 فجر الوعي الإنساني. ~~واستيعاب أو تمثل منهج ولغة التفكير العلمي والإنجاز. ومن شروط ~~التفكير العلمي أن نملك غذاء تاريخنا وواقعنا، والواقع الحضاري للآخر، ~~عقلا علميا ناقدا يشكل أساسا لرؤية مستقبلية واستراتيجية تنموية ~~شاملة لجميع أنشطة وعلاقات المجتمع عند مستوى العصر، وهذه الاستراتيجية ~~التنموية هي جهد قائم على الأخذ والعطاء، أو لنقل: جناحاها؛ دراسة ~~إبداعية جذورها نشاط اجتماعي إنتاجي، وترجمة معبرة عن هذا ومتكاملة ~~معه؛ ترجمة تأخذ عن وعي نقدي، وتنتقي وتحفز وتنهض بالمجتمع فكرا ~~ولغة ونشاطا متعدد المناحي، وتسهم في صوغ منظومة معرفية قيمية تقف ~~بالمجتمع ندا وكفئا في ساحة النزال الحضاري، وله استقلاله الحداثي ~~معا. # والهدف أن نبتكر صيغة لنهضتنا تتجلى في علاقاتنا الاجتماعية على نحو ~~جديد، وفي إنجازنا العلمي النظري والتطبيقي على مستوى العصر، وأن يكون ~~منطلقنا وعي علمي بواقعنا وقضاياه والتحديات الماثلة، ووعي علمي ~~بالواقع الإقليمي والعالمي من حولنا، وبكل ما يجري على أرضنا وآفاق ~~المستقبل. ولن يتسنى ابتكار وإنجاز هذه الصيغة إلا بفضل جهد مجتمعي ~~مؤسسي؛ أي قائم على مؤسسات تحظى بحرية الفكر والتعبير، كمناخ عام راسخ ~~حقيقي، وتحظى بحق التواصل العالمي الحر مع المجتمعات الأخرى، التي هي ~~بدورها مجتمعات قائمة على مؤسسات متقدمة. ويترسخ هنا مبدأ حرية انتقال ~~المعلومات، وينهض كل مجتمع من خلال نشاط الترجمة بالحوار؛ أي بالترجمة ~~والتفاعل؛ ولهذا أضحت جهود الترجمة هي جهود مؤسسات ضالعة بدورها ~~المميز في استراتيجية التنمية والمواجهة الشاملة. # إن المجتمع لا يستطيع أن يصوغ مثل هذه الاستراتيجية، ولا أن يصوغ ~~صورة المستقبل، ولا أن يعيد بناء مؤسسته الداخلية لتكون أهلا ~~للمواجهة، إلا إذا جرى تنظيم سياسته العلمية في ضوء الصلات الثقافية ~~الوثيقة بمؤسسات البحث العلمي في البلدان المتقدمة واستيعاب إنجازاتها، ~~شريطة توافر مناخ محلي عام داعم وواع بالعلم قيمة وأداة ومنهجا. ~~ولن يتأتى هذا إلا بفضل سياسات ثقافية واقتصادية وإعلامية وعلمية ~~وتعليمية تحشد الجهود، ويكون الإنسان العام عنصرا إيجابيا حرا ~~ومتحررا من كل أسباب التجهيل والتضليل الإعلامي والأيديولوجي؛ أعني: ~~حين يفكر أبناء المجتمع عبر الحقيقة وتأسيسا على رؤية ms078 علمية صحيحة، ~~وصولا إلى هدف قومي يدعم الانتماء، ويشحذ الجهود، وتنتفي معه كل مشاعر ~~الاغتراب، بحيث تكون الأمة فكرا وقيما ووجدانا مؤمنة بالتقدم ~~العلمي، راغبة فيه، حريصة عليه، ومثقفة به، وواعية بكل ما يجري على ~~الساحة العالمية من أمور وثيقة الصلة. # وتمثل الترجمة في إطار هذا التطور مؤشرا على طبيعة واتجاه الحراك ~~الاجتماعي وقوة الدفع، ابتغاء النهوض أو اطراد التقدم، ودالة على ~~الوعي بالذات في إطار المنافسة أو الصراع على الوجود؛ أي: باعتبار ~~الترجمة بعامة والترجمة العلمية خاصة - حسب مقتضيات حضارة العصر - ~~دالة على موقف وهدف اجتماعي واستراتيجي، ودالة على صدق العزم ومصداقية ~~الجهد، قياسا إلى عناصر التحدي. وشهادة التاريخ القديم والحديث ~~والمعاصر أن ازدهار الترجمة واكب - إن لم يسبق - حركات النهوض ~~الاجتماعي، ولازم التقدم المطرد للمجتمعات. # | شهادة التاريخ # شهادة التاريخ قديمة قدم المجتمعات في التواصل ونقل الخبرات ~~والمعلومات؛ إذ تشهد الوثائق والتسجيلات والنقوش كيف أن الحضارات ~~القديمة في مصر وبابل والصين ... إلخ، قدمت إنجازات مترجمة إلى اللغات ~~الأخرى ونقلت عنهم. مثال ذلك: مخطوطات نجع حمادي التي تم العثور ~~عليها مصادفة في منطقة نجع حمادي في صعيد مصر عام 1954م، ويرجع ~~تاريخها إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي؛ إذ تحتوي على ترجمات إلى ~~اللغة المصرية القبطية لعديد من الدراسات والنصوص، مثل؛ فصول من ~~جمهورية أفلاطون، ونصوص زرادشتية، بل ونصوص فلسفية يونانية قديمة كانت ~~مفقودة. وهناك شهادة أواخر العصر الأموي في عهد خالد بن يزيد الذي ~~كرس حياته لدراسة علوم الإغريق، وأمر بترجمة مؤلفات الكيمياء والطب، ~~ثم شهادة العصر العباسي، وقد تنوعت مصادر الترجمة من اللغات ~~السريانية واليونانية والفارسية والهندية؛ مما ساعد على النهوض ~~باللغة العربية، وأضحت لغة جميع الشعوب من بغداد إلى قرطبة، بل ولغة ~~العلم شأن اللاتينية بعد ذلك في أوروبا. وهكذا تفاعلت الدولة الإسلامية ~~في عز نهضتها تفاعلا إيجابيا مع الحضارات الأخرى المحيطة بها، وإن ~~كانت حضارات آفلة، ولكنه التفاعل الذي أكسبها منعة وقوة ضمنا لها ~~الحياة زمنا. ثم نشاط الترجمة في الأندلس وعقب سقوطها مباشرة؛ إذ ~~تمت ms079 ترجمة علوم العرب إلى اللاتينية لتكون أساسا لنهضة أوروبية. ~~ونجد شهادة صدق أخرى في مصر أيام محمد علي، ودور رائد النهضة الثقافية ~~رفاعة الطهطاوي، ثم في مطلع القرن العشرين مع زخم الدعوة إلى الاستقلال ~~والنهضة؛ إذ ازدهرت الترجمة آنذاك في مصر وفي متصرفية لبنان ~~وبيروت. # وشهادة اليابان حين اكتشفت جفاف ينابيع التقليد وقصور الموروث عن ~~مواجهة الجديد، وعقدت العزم على تجاوز هوة التخلف والانضمام إلى ركب ~~التقدم. هنا أدركت وقررت أن العلم هو أداتها للنهوض، شريطة أن تمتلك ~~ناصيته؛ ومن ثم عنيت بتعليم اللغات الغربية في اقتران بنهضة تعليمية ~~ودستورية شاملة لبرامج التعليم وتنظيم المجتمع وصناعة العقل؛ حيث احتلت ~~العلوم مكانة متميزة وسامية. وجعلت اليابان في عصر «الميجي» - أو ~~النهضة - العلم والتعليم ضمن خطتها التنموية الأشمل، وسيلة لاكتساب ~~المهارات والخبرات، واتساع نطاق الحكمة وإنتاج الموهوبين؛ أي جعلت ~~العلم والتعليم أداة لبناء الإنسان القادر على تغيير المجتمع وبناء ~~اليابان المعاصرة تحت شعار: «أمة غنية وجيش قوي». ونشطت حركة البعثات ~~التعليمية والتكنولوجية، كما نشطت حركة الترجمة، ترجمة العلوم والمعارف ~~العلمية النظرية والتطبيقية. وأصابت اليابان ~~آنذاك - ولا تزال - حمى التهام ~~ثقافة وعلوم وتكنولوجيا الغرب، وبذا تفتحت وازدهرت الذاتية القومية ~~اليابانية في صورة حضارية أصيلة، ونهضت اللغة والفكر. وأقيمت في ~~اليابان مع بداية عصر «الميجي» المؤسسة الهولندية، التي اضطلعت بأعباء ~~إنشاء حركة ترجمة واسعة النطاق، وقرأ اليابانيون إنجازات أعلام الفكر ~~والعلم في أوروبا، وعقدت اليابان اتفاقات مع كبرى دور النشر العالمية ~~لإصدار طبعة باللغة اليابانية من إصدارات هذه الدور حال صدورها بلغتها ~~الأصلية. ويقدر عدد العناوين المترجمة في اليابان آنذاك في أوائل ~~القرن العشرين بحوالي ألف وسبعمائة عنوان سنويا، وهذا جهد مهول لا ~~يدانيه إلا جهد اليابان في محو الأمية تماما خلال بضع سنين، والتوسع ~~في إنشاء المؤسسات التعليمية والجامعات، حتى سبقت في هذا المضمار أكثر ~~البلدان الأوروبية تقدما آنذاك. # وكان هذا هو أيضا حال الاتحاد السوفيتي السابق في مستهل نشأته، ~~حين عقد العزم على النهوض من وهدة التخلف وقبول التحدي؛ فقد أنشأ ~~لينين ms080 - ضمن استراتيجية شاملة - جهازا للترجمة ضم أكثر من مائة ألف ~~مترجم لنقل علوم الغرب إلى اللغة الروسية، وكان يشرف بنفسه على هذا ~~الجهاز الذي حقق المعجزة بأن أصبح الاتحاد السوفييتي السابق موطنا ~~للإنجاز العلمي، وتطورت اللغة الروسية لتكون لغة العصر والعلم. وكان ~~الاتحاد السوفيتي قبل انهياره يضم أكثر من مليوني مترجم عن جميع لغات ~~العالم. وما كان لهذا كله أن يتحقق لولا تطوير جذري عصري للتعليم، ~~ولولا اقترانه بنهضة علمية ودعم المؤسسات العلمية، ولولا حشد جهود ~~الترجمة والمترجمين في وضع مؤسسي مخطط ومنهجي؛ ليكون نشاط الترجمة ~~استجابة لحاجة مجتمعية. # وهذا هو حال إسرائيل، التي ظهرت إلى الوجود كمجتمع ودولة، بينما ~~اللغة العبرية شبه ميتة، وإذا بها تصبح لغة علم، وأضحت إسرائيل قوة ~~علمية وتكنولوجية، أو أصبح العلم قوة داعمة وأداة حماية تتحدى به كل ~~من حولها. وعلى الرغم من أن نصف سكانها مهاجرون يجيدون لغاتهم الأصلية، ~~فإننا نجد حركة الترجمة نشطة للغاية. وهذا ما سوف نعرض له من خلال ~~الدراسة والإحصائية المقارنة. # | واقع العالم العربي # الترجمة في التاريخ العربي موقف ثقافي اجتماعي من المعرفة إنتاجا ~~وإبداعا وتحصيلا وتوظيفا. والملاحظ أنه على الرغم من كل الزهو ~~والتباهي بعصر الترجمة في الدولة العباسية، على قصره الشديد بل ~~وهامشيته، وكذا حقبة الترجمة في العصر الحديث التي بدأت في مصر مع مطلع ~~القرن التاسع عشر، فإن الترجمة كنشاط أو دور اجتماعي هادف لا تزال ~~إشكالية؛ أي قضية خلافية يتصارع بشأنها رأيان. فالترجمة بمعنى حق ~~الأمة العربية في أن تكثف سعيها لكي تنهل بحرية من معارف الآخرين ولا ~~تقنع بما لديها، وكله موروث وليس بالجديد؛ يراها البعض غاية مرذولة ~~وهدفا خطرا عند الكثيرين، بينما يراها القليلون فرضا واجبا وضرورة، ~~وهؤلاء هم دعاة التحديث الاجتماعي. ترى هذه القلة أن الترجمة شرط ~~النهضة، بينما يرى الأكثرون من أهل التقليد، أن العلم هو العلم الذي ~~ينفع في الآخرة. هكذا كان السلف، في زعمهم، ومن ثم فإن الترجمة على ~~إطلاقها هي عندهم عامل هدم وتغريب وفيروس سرطاني يتعين التحصين ms081 ضده. ~~أما كيف؟ فذلك بأن نحتمي وراء أصالتنا؛ أي ثقافة التقليد، كأن ~~الأصالة كينونة اكتملت مع الأقدمين، صاغها السلف، ومستقلة عنا نحن ~~التابعين. ومع هذا يتحدثون عن نهضة وصحوة، بدون علوم الآخرين؛ حفاظا ~~على الذاتية التي هي ذاتية دينية سلفية، وكأن النهضة شرطها سد السبل ضد ~~هذا الفيروس الوافد اللعين، وفرض حجاب على الفكر دون أسباب الغواية ~~والتضليل التي هي علوم الآخرين. وتتضخم عقدة التمحور حول الذات وكأن ما ~~قاله الأقدمون هو القول الفصل المبين، ولا حاجة إلى مزيد. وهكذا يصدر ~~الحكم إطلاقا دون بيان أو تمييز (انظر أنور الجندي، حركة الترجمة، دار ~~الاعتصام 1979م). ونجد في المقابل من يرى فتح الباب على مصراعيه دون ~~استراتيجية تنموية شاملة توجه خطأنا وتستهدف الاندماج كعناصر مساهمة ~~بفعالية وكثافة في إبداع وإنجاز علوم العصر. وهنا يكون الهدف تجارة ~~للاستهلاك لا دعامة للبناء. # وجدير بنا الإشارة هنا إلى الفارق بين الترجمة والتعريب، حيث يعني ~~التعريب، الذي يدور بشأنه الحديث كثيفا وملحا في بلدان المغرب ~~العربي، الدعوة إلى استمرارية اللغة العربية لغة الأم في الثقافة ~~والحياة تأكيدا للأصالة. نجد هذا واضحا في البلدان التي خضعت ~~للاستعمار الفرنسي الذي اتبع نهجا محددا هو الاستيعاب؛ أي استيعاب ~~مستعمراته وكأنها أجزاء من فرنسا بحيث تفقد هويتها ولغتها القومية. ~~ونجد في المغرب العربي من يدعو إلى الانفتاح على الثقافة العالمية بلغة ~~أجنبية (الفرنسية)، ومن ثم لا داعي للترجمة. ويرى البعض الآخر عدم ~~الانفتاح والاقتصار على العربية. وهنا نجد المثقفين البرجوازيين فكرا ~~وانتماء يرون أن لا حاجة إلى الترجمة، وهنا موقف يدعم التمييز النخبوي ~~ثقافيا، ويحول دون مقرطة الثقافة التي هي شرط للتحديث ~~الاجتماعي. # والسؤال الأول عندي ونحن نجري دراسة استقصائية تحليلية لحالة ~~الترجمة في بلدان العالم العربي: ما نصيبنا من الفكر العلمي أخذا ~~وعطاء، ولن أقول: التفكير العلمي المنهجي، وإن كان كل منهما شرطا أو ~~وجها للآخر؟ وما نصيبنا من الفكر العلمي العالمي ودوره الفاعل في ~~حياتنا (أعني الترجمة العلمية)، وليس نصيبنا من الإنجازات التكنولوجية، ~~وهي أيضا وجه مكمل ms082 ومتكامل مع إبداع الفكر العلمي، وقنعنا باستيرادها ~~سلعا استهلاكية؟ وكيف يجري اختيار هذا النصيب الذي نحصل عليه شذرات - ~~لا نسقا - بعدد الأفراد الذين حظوا بالاطلاع عليه؟ وهل يمثل الفكر ~~العلمي المترجم ركائز العلوم الأساسية البحتة والتطبيقية، ويجسد ~~عندنا دعامة أساسية في بنية تنموية استراتيجية ورؤية مستقبلية ~~لمجتمعاتنا العربية؟ # ليست الترجمة كما قلنا نقل معارف فحسب؛ بل تواصل حر بين الحضارات. ~~ولا يكون هذا التواصل مثمرا إلا حين تفرقنا روح المغامرة الإنسانية ~~التي يزكيها نهم معرفي لاستيعاب إنجازات وفتوحات العلم المرتكز على ~~عبقرية الإنسان من أجل تغيير الواقع بإرادته! تغيير واقعنا الثقافي ~~والبناء الاجتماعي بسبب حاجتنا الملحة إلى ذلك؛ وبذا نكون بنائين ~~للحضارة عن وعي وإرادة وعقلانية. إننا قد ننقل نصوص النظريات أو ~~المصطلحات، ولكن يظل حديثنا بها رطانا؛ لأننا لا نستطيع أن ننقل الرأس ~~المبدع ولا حياة وتاريخ النشاط الإنتاجي الخالق له. وقد نستورد نظريات ~~ومناهج التعليم، ولكننا لا نستطيع أن نستورد الشغف بالعلم والنهم ~~المعرفي؛ أي روح التعليم ذاته. # والسؤال: ما هو واقع الترجمة بعامة، والترجمة العلمية بخاصة في ~~عالمنا العربي؟ # نبدأ الإجابة بنبذة سريعة عن الترجمة إلى العربية في العصر ~~الحديث: # يرجع تاريخ الترجمة في العالم العربي خلال العصر الحديث أو مطلع ~~القرن التاسع عشر؛ أي بينما كانت لا تزال المجتمعات العربية واقعة تحت ~~نير الحكم التركي ، الذي حاول فرض سياسة التتريك وجعل اللغة التركية هي ~~اللغة السائدة في الثقافة والحديث وفي الدواوين. وبرز هذا الاتجاه ~~بوضوح في بلدان الساحل الشرقي للمتوسط. # يبرز هنا مركزان للترجمة؛ متصرفية أو جبل لبنان أثناء الحكم ~~العثماني. وجاءت ولادة الترجمة هنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بحركة ~~التبشير، وفتح المدارس العربية لمواجهة سياسة التتريك، ومن ثم إحياء أو ~~الحفاظ على اللغة العربية. وتحول لبنان إلى أحد أبرز مراكز الحوار ~~العربي الأوروبي. وأعلنت الجماعات التبشيرية التي توافدت على لبنان منذ ~~القرن ال 18 أن رسالتها هي التنوير وإنشاء المدارس وتشجيع التدريس ~~باللغة العربية. وكان واضحا أن الهدف هنا هدف أوروبي ضمن الصراع بين ~~سيطرة تركية ms083 متهاوية وبين قوى أوروبية استعمارية صاعدة، ورأت سبيلها ~~فصل المنطقة ثقافيا عن تركيا وتعزيز اللغة العربية أداة للثقافة. ~~ولكن حرى بنا أن نشير إلى أن جماعات المبشرين لم يكونوا هم طليعة ~~التنوير الحداثي في أوروبا العلمانية العقلانية، بل ارتبط معظمهم ~~بالقوى الاستعمارية الساعية للسيطرة على البلدان العربية. # وقدمت لبنان بعد ذلك من خلال الجامعة الأمريكية في مطلع القرن ~~العشرين أعلاما في الفكر العربي من أمثال: بطرس البستاني الذي أصدر ~~دائرة معارف البستاني، وأمين المعلوف الذي أصدر معجم الحيوان والمعجم ~~الفلكي ومعجم النبات، وكذلك فارس نمر، ويعقوب صروف، وقد أصدرا مجلة ~~المقتطف التي تضمنت الكثير من المقالات والدراسات المترجمة. # ولكن حركة الترجمة بمعناها الحقيقي كتيار اجتماعي نشط في مجال ترجمة ~~علوم الغرب بغية تحديث المجتمع، قد بدأت في مصر منذ أن تولى محمد علي ~~السلطة، ورأى أن سبيله للاستقلال بمصر تحديث جيشها ضمانا لمواجهة ~~السلطان التركي. وعني محمد علي بإرسال البعوث إلى أوروبا لتلقي العلم ~~ونقل العلوم إلى العربية. ويعتبر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي بحق إمام ~~التنوير والعلمانية؛ إذ جعل الترجمة مؤسسة اجتماعية تعمل على تنفيذ ~~مشروع قومي اجتماعي لتحقيق نهضة في العلوم والصناعات. ويعبر تاريخ ~~الترجمة في مصر عن حالة المد أو الانحسار للحياة الثقافية المجتمع ~~المصري، بل للمجتمعات العربية في سعيها من أجل الاستقلال والاندماج في ~~حضارة العصر. وقد ساهمت الترجمة من بداية تاريخها في بلورة الاتجاهات ~~الأساسية لحركة النهضة. وساعد على هذا ترجمة تيارات الفكر ومناهج ~~البحث؛ مما ساعد على علمية التوجه ومناقشة الفكر الاجتماعي، ورسم ~~خطوات النهضة والارتقاء بالحوار، والاطلاع على إنجازات العلوم ومناهج ~~بحثها. وانعكس هذا كله على صفوة المثقفين وعلى حركة التثقيف العام ~~للجميع. # بدأ تاريخ الترجمة في العصر الحديث للعالم العربي انطلاقا من هذين ~~المركزين؛ مصر ولبنان، مع اختلاف الحوافز والدوافع والمسار والفعالية ~~الاجتماعية في كل منهما. وتعثر نشاط الترجمة أو انحسر بعدما أصابت ~~النهضة انتكاسة؛ بسبب الدور الاستعماري الأوروبي والنظم الاستبدادية ~~الأوتوقراطية من الداخل. ولكنها لم تنعدم وإن تغير مضمونها ومدى ~~تشابكها في ms084 النسيج الاجتماعي. وإذا حاولنا أن نجري دراسة وثائقية ~~تحليلية لنشاط الترجمة كما وكيفا في البلدان العربية خلال الحقبة ~~الحديثة والراهنة، سنجد أن ذلك يكاد يكون ضربا من المحال. # وهنا ننتقل إلى الوضع العربي الراهن للترجمة في دور الدراسة ~~الاستقصائية على أساس من المسح الميداني. وقد لاحظنا ما يلي: # إن أكثر البلدان العربية حديثة عهد بنشاط إصدار الكتب، ~~ناهيك عن الترجمة، بل إن بعض البلدان لا نجد لها اسما ~~على خريطة صناعة الكتاب تأليفا وترجمة في الإحصاءات ~~الدولية. ويبدو كأن غالبية البلدان العربية تعيش عصر ~~الثقافة الشفاهية. # الترجمة ترف فردي في أغلب الأحيان، وجهد متباين ~~التوجهات، مما يعكس غياب رؤية عربية عامة تعي مقومات ~~العصر ومقتضياته وتحدياته؛ عصر ثورة معلوماتية إنتاجا ~~إبداعيا وتوظيفيا، وعصر إبداع علمي وتكنولوجي، والتزام ~~بمنهج تفكير علمي. # الكتاب المترجم لا يصل إلى أكثر من 5٪ من إجمالي المنشور ~~على المستوى العربي، في ضوء الإحصاء لعدد من دور النشر، ~~وقد يصل إلى صفر بالمائة بالنسبة للكتب العلمية المتعلقة ~~بعلوم العصر الأساسية. والكتاب المترجم على المستوى ~~الحضاري متعدد أو متنافر الاتجاهات والمستويات، لا يكشف عن ~~توجه مجتمعي غالب في اتجاه العصر، وإنما كتاب يربطنا بل ~~ويحصرنا في ماض سلفي على أساس أيديولوجي وقطيعة حضارية مع ~~العصر، أو كتاب يربطنا بالعصر على أساس أن العصر عصر ~~أعاجيب ومعجزات، أو كتاب معرفة استهلاكية، والقليل النادر ~~الذي يصوغ ذهنية علمية إبداعية للإنسان، ويحدثنا عن ~~العصر منهج فكر ونظريات، ويضعنا في إطار معرفي/قيمي لحضارة ~~العصر على نحو يحفزنا إلى البحث، ثم إن هذا الكتاب نراه ~~متعثرا في طريقه إلى القارئ العربي كأنه غريب في بلد ~~غريب. وحظه من توصيل المعرفة لا يتجاوز حدود الدهشة؛ إذ ~~يتلقاه القارئ على نحو ما يتلقى إعجازات الغيب، التي لا ~~تأخذ سمة التحدي الدافع إلى التطبيق. # الترجمة جهد فردي، وعلى الرغم من محدوديتها فإنها تتم ~~بدون تخطيط، وإنما انتقائية فردية على مستوى المترجم أو ~~الناشر. # الملاحظ أن ثمة حاجزا فاصلا كثيفا بين بلدان ومثقفي ~~العالم العربي وبين إصدارات العالم ms085 المتقدم دون أي محاولة ~~مجتمعية منظمة لكسر هذا الحاجز أو زيادة درجة شفافيته، ~~وصولا إلى تضييق الهوة المعرفية العلمية بيننا وبين ~~العالم المتقدم؛ الأمر الذي يجعل من الضروري ضرورة مطلقة، ~~سرعة بذل الجهد في هذا الاتجاه من خلال مشروع «مؤسسة عربية ~~للترجمة». # من أخطر الظواهر أن القدر الأكبر من الترجمات الصادرة عن ~~دور النشر هي ترجمات لحساب هيئات ومراكز رسمية؛ أي ~~دبلوماسية أجنبية (مركز الكتاب الأمريكي، البعثات ~~الفرنسية، مؤسسات فولبرايت ... إلخ)، مما يعني غياب الرؤية ~~والمصلحة القومية. # لا توجد إحصاءات ببليوجرافية شاملة ودقيقة عن واقع ~~الترجمة خلال القرنين 19 و20، تكون أساسا للتحليل وتحديد ~~رؤيتنا، وإذا أخذنا مصر كمثال باعتبارها الرائدة والأكثر ~~كثافة من حيث الإنتاج، نجد بين أيدينا «دليل الكتاب ~~المصري»، وهو قوائم الكتب المتاحة لدى الهيئة العامة ~~للكتاب كجهة إحصاء، باعتبار أنها الجهة الرسمية التي يودع ~~لديها الناشرون إصداراتهم. # غياب دليل للمترجمين العرب وتخصصاتهم، ولا يوجد غير دليل ~~واحد أصدرته المنظمة العربية للتربية، وهو قاصر ومبتسر؛ ~~نظرا لأن طريقة تأليفه تمت بتكليف جهات حكومية غير ~~معنية بالنشر (جامعات وهيئات)، والنتيجة أن أدرج أساتذة ~~الجامعات والموظفون أسماءهم. وظل الدليل حبيسا، وكان لا ~~أحد بعدهم منذ عشر سنوات. # غياب جيل جديد من المترجمين الخبراء المجيدين ~~والمتخصصين؛ إذ الملاحظ في السوق نفس الأسماء القديمة ~~للترجمات الجيدة. # الترجمات جلها في العلوم الإنسانية بالمعنى التقليدي ~~(الأدب والسياسة والأيديولوجيا الدينية)، أو كتب للتسلية، ~~أو كتب تعليمية؛ لأنها الأكثر رواجا وربحية لدور النشر. ~~والترجمة العلمية شبه غائبة، وما يوصف بالعلمية هي كتب عن ~~نظم تشغيل الكومبيوتر، وإصلاح الفيديو والثلاجة ... ~~إلخ. # | إحصاءات مصرية # إذا حاولنا الاسترشاد بحالة مصر تأسيسا على إحصاءات دليل الكتاب ~~المصري، يبين لنا الآتي: # الثبت الببليوجرافي في الأعمال المترجمة في مصر فيما بين 1956-1967م ~~الصادر عن هيئة الكتاب، ويحوي كما تقول المقدمة: «الجديد لما ترجم ~~في بلدنا خلال سنوات 1956-1967م»؛ أي على مدى إحدى عشرة سنة نلحظ ~~الآتي: # جملة العناوين المترجمة 4261 عنوانا؛ أي بمتوسط 400 عنوان في السنة ~~من بينها: # 274 عنوانا ms086 (أي أقل من 6٪، وحوالي 37 عنوانا في ~~السنة)، رياضيات وعلوم بحتة. # 185 عنوانا (أي أقل من 5٪، وحوالي 18 عنوانا في ~~السنة)، علوم تطبيقية، طب وزراعة وصناعة ~~وتكنولوجيا. # 3802 (أكثر من 80٪، وحوالي 380 عنوانا في السنة)، ~~إنسانيات غالبيتها أدب، وديانات، وتاريخ وتراجم. # دليل الكتاب المصري لعام 1979م # جملة الإصدارات في جميع التخصصات مؤلفة ومترجمة 15427 ~~عنوانا. # ومن بينها علوم بحتة وتطبيقية مؤلفة ومترجمة 649 عنوانا (حوالي ~~5٪). # إصدارات العلوم المترجمة 145. # مع ملاحظة أن الإحصاء هنا شامل الإصدارات الموجودة في السوق منذ ~~الخمسينيات، بمعنى أن عدد الإصدارات ليس إصدارات 1979م، بل أكثر من ~~عشرين عاما، ولكنه لا يزال متاحا. # ومن بين هذه القائمة 3393 ديانات؛ أي حوالي 25٪. # ومن بينها 20 عنوانا مترجما. # و3267 في العلوم الاجتماعية منها 286 مترجما. # دليل الكتاب المصري عام 1983م ~~(الحصر هنا متداخل مع الدليل السابق.) # 594 عنوانا في العلوم البحتة، مؤلفا ومترجما (بأقل من ~~2,5٪). # من بينها 79 عنوانا مترجما. # 1826 عنوانا في العلوم التطبيقية، مؤلفا ومترجما. # 19000 عنوان في الإنسانيات مؤلفا ومترجما. # ومن بينها 3807 ديانات (280 مسيحيا - 3527 إسلاميا). # 864 فلسفة. # 6642 في العلوم الاجتماعية. # 3996 في الآداب. # 2600 في التاريخ والتراجم ... إلخ. # دليل الكتاب المصري عام 1990م # يضم أكثر من 6200 عنوان مؤلف ومترجم في جميع التخصصات (هي ~~إصدارات سنوية سابقة). # 350 عنوانا مؤلفا ومترجما في العلوم البحتة والعلوم ~~التطبيقية. # كمثال: الطب النبوي، إصلاح التليفزيون، العلاج بالأرواح، الطب ~~الروحاني، الجبن الدمياطي وصناعته، الرضا لمن يرضى. # 24 عنوانا كتب علمية مترجمة. # دليل الكتاب المصري عام 1993م # ضم أكثر من 3500 عنوان مؤلف ومترجم (لعدة سنوات) من بينها 200 ~~عنوان و25 عنوانا في مجال العلوم الرياضية البحتة والتطبيقية. ~~ونلاحظ على ما سبق: # ضآلة عدد العناوين ~~المترجمة إجمالا، وهو ما سوف يتضح لنا من خلال الدراسة المقارنة، ~~وهو ما أكدته لنا عملية المسح الميداني لنشاط الترجمة في البلدان ~~العربية. والترجمة العلمية هزيلة جدا، بل هي خارج الإطار ~~الحضاري، وبعيدة عن ترجمة أساسيات الفكر العلمي الذي يضعنا على ~~عتبة ms087 العصر، ويدفع حركة التقدم، ويصوغ نظرة شاملة إلى الحياة؛ ~~الإنسان والمجتمع والكون، ويرسخ أسس العقل النقدي والتفكير ~~العلمي كتكوين ذاتي قادر على مواجهة واقع متغير في استجابة ملائمة ~~للتحديات. وأكثر من هذا أن الإنسانيات التي يتغذى عليها العقل ~~العربي ليست تطبيقا للمنهج العلمي في التفكير والتحليل، لتسهم في ~~صوغ إنسان قادر على تحقيق ذاته والتلاؤم الحضاري؛ أي قادر على ~~النمو والتقدم على مستوى حضارة العصر. وإذا ما استعرضنا الإصدارات ~~المؤلفة والمترجمة منذ الأربعينيات، ومشروع الألف كتاب الأول حتى ~~اليوم، نجد انحسارا واضحا في نوع وكم الكتب ذات التوجه العلمي ~~الحضاري، من حيث النسبة العامة. وتكفي هنا الإشارة إلى تحقيق ~~نشرته صحيفة الأهرام (ملحق 19 / 5 / 1995م) يعلن أن آخر إحصائية ~~أصدرتها دار الكتب تشير إلى أنه قد صدر خلال العام الماضي وحده ~~أكثر من ثلاثة آلاف كتاب تحمل عناوين الدجل والشعوذة، يتم تداولها ~~الآن مع الباعة وفي المكتبات، وتتناول ما يسمونه العلاج الروحي. ~~هذا في الوقت الذي لم يصدر فيه كتاب واحد يواجه هذا السيل من كتب ~~الدجل والشعوذة التي تخرب عقل القارئ المصري. وإذا كنت قد ~~اكتفيت الآن بعرض حال المنتج المصري عددا ونوعا؛ فذلك لأن العينة ~~المصرية هي الغالبة، قياسا إلى حجم المنتج العربي بعامة؛ إذ تكاد ~~تكون مصر قبل ثلاثة عقود هي البلد الوحيد - مع لبنان - المنتج ~~للترجمة. # والملاحظ عموما أن الترجمة في عالمنا العربي أضحت نوعا من ~~الترف الذهني في الغالب الأعم للاستهلاك، أو أنها مجرد جهد من ~~أجل نقل معلومات فحسب، وتخضع لمبدأ الربح التجاري. إنها تفتقر إلى ~~البرامج على المستويين القطري والقومي، ومن ثم لا علاقة لها ~~بمحاولة منهجية لدراسة الواقع بلغة التطور، أو التطوير الاقتصادي ~~الاجتماعي الثقافي. إنها لا تخضع للتخطيط، بل هي نشاط اجتماعي في ~~صلب حراك مجتمعي هادف يساهم في الانتقال بالمجتمع من حال إلى حال ~~أخرى؛ أي من طور التخلف إلى طور النهوض حسب رؤية مستقبلية مدروسة ~~مسبقا، وتصوغ الوعي الاجتماعي. ولكي يكون للترجمة دورها لا بد وأن ~~تكون نشاطا ms088 اجتماعيا مؤسسيا يمثل عنصرا متكاملا في ~~استراتيجية ثقافية هي بدورها وجه لاستراتيجيات تنموية شاملة، وبهذا ~~الشكل تشكل تيارا سائدا، وجناحا آخر للإبداع الداخلي، بحيث ~~يعبران معا عن التوجه الفكري والتنموي للمجتمع في حركته ~~المستقبلية، ومن ثم تكون الكتب المترجمة دالة وشاهدا على المضمون ~~الفكري للتطور الاجتماعي والبناء الحضاري للذاتية القومية في ~~اتصالها التاريخي وتواصلها الحضاري الإنساني. # | معوقات الترجمة في العالم العربي # أزمة الترجمة هي أزمة مجتمع. وإذا كان لنا أن نحدد طبيعة ~~المعوقات في ضوء دراستنا الميدانية فإننا نجملها فيما يلي: ~~(1) # فقدان خطة أو استراتيجية تنموية شاملة تعبئ طاقة ~~البلد أو البلدان العربية، وتكون أساسا لنشاط علمي مجتمعي ~~إبداعي. وتشكل هذه الاستراتيجية الأساس المجتمعي المادي ~~لحرية الفكر والإنسان، وهذه هي أيضا مشكلة القارئ واللغة ~~والكتاب. ~~(2) # الثقافة والتنمية الفكرية العقلانية العلمية تحتل - إن ~~وجدت - مرتبة ثانية. ~~(3) # التنشئة الاجتماعية التي ترسخ حالة الانحصار الذاتي ~~وتقتل الفضول المعرفي وروح المغامرة والتمرد. ~~(4) # النظام التعليمي الذي يعتمد على الحشو ولا ينمي ~~القدرات العقلية والفضول المعرفي والنهج العلمي النقدي ~~والتحصيل الثقافي، وأيضا عدم الاهتمام باللغات. والقيمة ~~العليا في التعليم هي لاستظهار النص. ~~(5) # الطابع الفردي في اختيار الموضوعات، وكذا على مستوى ~~النشر، فضلا عن أولية اعتبار الربح. ~~(6) # عدم توحد المصطلح العربي. ~~(7) # التخلف الحضاري والعلمي (ومن مظاهره شيوع أمية القراءة ~~والكتابة، ناهيك عن أمية التعامل مع تكنولوجيا المعلومات ~~المعاصرة، واستيعاب دلالة ومحتوى هذه المعلومات ومواكبتها، ~~وسيادة نزوع هروبي باسم القناعة بعلوم السلف أو أسلمة ~~العلوم). ~~(8) # عدم توافر القواميس العلمية، وهذا طبيعي؛ نظرا لعدم ~~حاجة النشاط الاجتماعي السائد والفكر المتخلف لمثل هذه ~~القواميس. ~~(9) # الافتقار إلى تنظيم مؤسسي للمترجمين يكفل حقوقهم، ويرتفع ~~بمستوى الأداء والعطاء. ~~(10) # الأمية العلمية والثقافية، وأهم مظاهرها تدهور قيمة ~~العلم اجتماعيا، وشيوع الخرافة والدجل والشعوذة. ~~(11) # الافتقار إلى التمويل في بعض البلدان، وإن كانت جميعها ~~تعطي أولوية لأمور أخرى مظهرية ولا تعتبر الثقافة، ومن ~~بينها الترجمة، استثمارا إنتاجيا اجتماعيا بعيد ~~المدى. ~~(12) # الجامعات ومراكز البحث ليست على مستوى المنافسة ~~العالمية، وهو ما يتمثل في إنتاجها وإسهاماتها في ~~المؤتمرات العلمية ms089 العالمية. ~~(13) # لعل من أهم معوقات الترجمة العلمية أو الانصراف عنها، أن ~~الترجمة العربية لا تزال تفتقر إلى البرامج على المستويين ~~القطري والقومي؛ أعني كفالة وحدة اللغة والفكر قوميا. ~~والقدرة على المساهمة الحضارية عالميا، انطلاقا من ~~تأكيد الذاتية القومية. وحري بنا أن نطرح السؤال التالي: ~~كيف نساهم في بناء الذات دون دراسة الواقع بلغة التطور ~~الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بمنهج علمي، ودون رؤية ~~مستقبلية، ودون قارئ ناضج علميا أو يفكر علميا ونهج ~~للمعرفة تواق للاستكشاف والبحث؟ من هنا نجد ضرورة إنشاء ~~مؤسسة عربية للترجمة، وفي ضوء هذا يتحدد دورها ~~القومي. # وفي ضوء ما سبق يبين أن ازدهار حركة الترجمة رهن وضع ~~استراتيجية تستهدف ازدهار المجتمع والإنسان ماديا ~~وفكريا، وأن تعبر عن زخم أو قوة دفع وحراك في ~~المجتمع. إننا ونحن نفكر في الترجمة يجب أن نفكر في القارئ ~~- الذي هو المجتمع - ومشكلاته وأثر بيئته عليه سلبا ~~وإيجابا. # ونشير هنا - على سبيل المقارنة والتحدي - إلى أن ~~إسرائيل كانت تعي حتى وهي لا تزال مجرد حركة صهيونية، ~~وقبل أن تكون دولة كانت تعي مقتضيات التحدي الحضاري وبناء ~~قاعدة علمية نظرية وتطبيقية تكون ركيزتها وأساسها؛ إذ ~~عنيت بإنشاء الجامعات ومراكز البحوث، وأصبح لديها ضعف ما ~~لدى أفريقيا كلها أو أمريكا اللاتينية كلها من العلماء ~~الذين ينشرون أبحاثهم. كذلك فإن العلماء الإسرائيليين وهم ~~أساتذة جامعات ومعاهد بحوث لا يتركون مؤتمرا علميا ~~ينعقد دون أن يشاركوا فيه بعدد كبير من أوراق البحث. ~~ويحرصون على التواصل عن بعد وعلى الاتصال المباشر بعلماء ~~وجامعات البلدان المتقدمة وتبادل المعلومات. ويحظى أساتذة ~~العلوم الأساسية بأطول الإجازات لمعايشة البحث العلمي ~~والعلماء في الخارج. وهكذا تعبر الجامعات والمعاهد ~~ومراكز البحوث عن مجتمع يموج بالحركة والنشاط العلميين؛ ~~مما يجعل العلم يحتل مكانة أولى، على عكس الحال في ~~البلدان العربية؛ إذ نرى أن هذا الضرب من النشاط محدود ~~جدا (أنطوان زحلان، العلم والتعليم العالي في إسرائيل، ~~ترجمة محمد صالح العالم، دار الهلال 1970م). ~~(14) # الملاحظ انحسار نشاط الترجمة بعامة في بلدان المغرب؛ ~~نظرا لأن البرجوازية المثقفة ms090 تجيد - بحكم النظام التعليمي ~~في ظل الاستعمار الفرنسي - اللغة الفرنسية؛ لذلك نرى هذه ~~الفئة تعرب عن عدم الحاجة إلى الترجمة. ويعيش المجتمع ~~بلغتين؛ مما يفضي إلى شيوع الجهل بالحضارة وعلومها بين ~~من يتحدثون لغتهم الأم فقط، سواء من العرب أم من الأمازيغ ~~(البربر). هذا علاوة على انحسار سوق التوزيع والانصراف عن ~~القراءة العلمية، وهي آفة شائعة في جميع البلدان ~~العربية. ~~(15) # الملاحظ أن كتاب المشرق لا يجسد سبيله إلى المغرب، ~~والعكس صحيح، على الرغم من أن الثقافة أداة لتوحيد الوجدان ~~العربي. وأحد أسباب ذلك الافتقار إلى نظام توزيع وتنسيق ~~شاملا بلدان العالم العربي. وطبيعي أن هذا يؤثر على رواج ~~الكتاب المترجم. # | الجامعة العربية والترجمة # عند الحديث عن الترجمة من حيث دورها الثقافي النهضوي وفعاليتها ~~الاجتماعية لا يسعنا أن نغفل دور الجامعة العربية ووعيها بدور الترجمة، ~~وكذا جهودها في سبيل إصلاح هذا الوضع المتدني. ولا سبيل إلى إنكار أن ~~ثمة وعيا عربيا بهذا القصور الشديد؛ حيث إن الجامعة العربية هي ~~تجسيد للمسئولين الرسميين في الأقطار العربية، ومن ثم جهودها تعبير عن ~~رغبة أو فكرة جرت مناقشتها وألحت على الأذهان، ولكن سوف تنكشف عادة ~~سائدة في حياتنا، وهي الفصل بين الفكر والفعل. # هناك مرحلتان للترجمة تحت رعاية الجامعة العربية تعكس صورة صادقة ~~للوعي بالوضع الثقافي العربي وحالة الترجمة؛ المرحلة الأولى مع الإدارة ~~الثقافية بجامعة الدول العربية. وقد أنشئت هذه الإدارة في منتصف ~~الأربعينيات بناء على المعاهدة الثقافية المبرمة بين الدول العربية ~~عام 1945م. وتنص المادة السابعة من هذه المعاهدة على «تنشيط الجهود ~~التي تبذل لترجمة عيون الكتب الأجنبية القديمة والحديثة، وتنظيم تلك ~~الجهود، وتنشيط الإنتاج الفكري في البلاد العربية بمختلف ~~الوسائل». # وضمت الإدارة الثقافية عددا من أئمة الفكر العربي المستنير من ~~أمثال طه حسين، وسليمان حزين، وغيرهما. وعنيت الإدارة بموضوع الترجمة، ~~واتجهت إلى ترجمة بعض الأعمال الثقافية والعلمية والأدبية. وصدر عنها ~~عدد قليل من أمهات الكتب العالمية، من بينها على سبيل المثال: «قصة ~~الحضارة» تأليف ويل ديورانت، وكتاب «السلطة والفرد» تأليف برتراند رسل، ms091 ~~وكتاب «العلم والموارد في الشرق الأوسط» ... إلخ. وكانت تعتزم - بناء ~~على اقتراح طه حسين - ترجمة روائع الأدب العالمي الخالدة، وأن تبدأ ~~بأعمال شكسبير، ولكنها توقفت. # المرحلة الثانية تأتي عقب توقيع ميثاق الوحدة الثقافية العربية الذي ~~أقره مجلس جامعة الدول العربية عام 1964م، وتضمن الدعوة إلى ما دعت ~~إليه المعاهدة الثقافية المبرمة عام 1945م؛ أي الدعوة إلى تنشيط ~~الترجمة والإنتاج الفكري. وأضاف الميثاق الدعوة إلى توحيد المصطلحات ~~العلمية والحضارية، ومساعدة حركة التعريب. وتحولت الإدارة الثقافية ~~عام 1970م إلى «منظمة التربية والثقافة والعلوم»، اقتداء بمنظمة ~~اليونسكو العالمية، وتم وضع دستور لها. ونذكر من بين الأعمال التي ~~اضطلعت بها: ~~(1) # الدعوة في عام 1973م إلى عقد حلقة الترجمة في الوطن ~~العربي، وانعقدت في الكويت في 31 / 12 / 1973م. وبحثت ~~الحلقة في «تنسيق حركة الترجمة في البلاد العربية، وإقامة ~~جهاز تنسيق على صعيد العالم العربي يتولى وضع خطة قومية ~~للترجمة بالاشتراك مع الأجهزة الوطنية، وبالتنسيق مع ~~المنظمات الدولية والمؤسسات العلمية الأجنبية المعنية ~~بالثقافة العربية». ~~(2) # أنشئت بالفعل وحدة للترجمة عام 1981م، ووضعت هدفا ~~لها: ~~(أ) # إقامة مشروع المعهد العالي العربي للترجمة، ~~وقد استضافته الجزائر ولم يفتح. # 1 ~~(ب) # إنتاج الترجمات. وأنشئ المركز العربي ~~للتعريب والتأليف والترجمة. وقد استضافته ~~سوريا، ولكنه بدأ العمل منذ 1990م. ~~(ج) # التنسيق والتخطيط من أجل: # نشر دراسات عن واقع الترجمة في ~~الوطن العربي. # إصدار دليل المترجمين ومؤسسات ~~الترجمة والنشر، وقد صدر. # نشر الخطة القومية للترجمة، ونشرت ~~عام 1985م. ~~(3) # وفي الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1982م، عقدت ~~أمانة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت ~~الندوة الثانية بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية ~~والعلوم واتحاد الناشرين العرب، وأصدرت الندوة توصيات من ~~بينها: ~~(أ) # إنشاء مؤسسة عربية للتعريب والترجمة ~~والتأليف والنشر تكمل عمل المؤسسات ~~القائمة. ~~(ب) # تنفيذ الخطة القومية للترجمة التي أقرتها ~~المنطقة العربية عام 1982م، وأقرها من بعدها ~~مؤتمر الوزراء المسئولين عن الشئون الثقافية ~~عام 1983م. ~~(4) # في محاولة من المنظمة لدراسة واقع الترجمة وجمع ~~المعلومات، أرسلت استبانات تتضمن عددا من النقاط ~~والأسئلة، ولكنها ms092 تلقت إجابات سبع دول فقط. علاوة على ~~هذا توقف المشروع في أواخر عام 1985م بسبب إلغاء وحدة ~~الترجمة بإدارة الثقافة، ولوحظ أن الجهات المختصة في الدول ~~العربية لم تبذل الجهد اللازم لتنفيذ الخطة. ويكفي الإشارة ~~إلى أن عددا من الدول العربية لم يعبأ بالرد على ~~الاستبانات المرسلة إليها، هذا علاوة على أن الردود التي ~~وصلت تكشف عن وضع مأساوي؛ مثال: # تونس: # تضمنت إجابة تونس أنها أصدرت من 1966م ~~إلى 1981م، أي على مدى 14 سنة 37 كتابا ~~فقط من بينها 8 قصص أطفال. وبعض المترجمات ~~من العربية إلى لغات أجنبية هي ترجمات ~~لخطب الرئيس بورقيبة خلال هذه ~~السنوات. # الجزائر: # أفادت أنها ترجمت خلال الفترة من 1970م ~~إلى 1980م، من وإلى العربية، 24 كتابا ~~فقط. # السودان: # ترجم 18 كتابا من 1960م إلى 1970م، ولم ~~يترجم أي كتاب من 1970م إلى 1980م. # سوريا: # نشطت حركة الترجمة بعد إنشاء وزارة ~~الثقافة والإرشاد القومي مع قيام ~~الجمهورية العربية المتحدة. والجانب ~~الأكبر من الكتب المترجمة مخصص لتلبية ~~حاجات الجامعة وبضعة كتب ثقافية. ~~والغالبية كتب مترجمة من العربية تتضمن ~~الخطب الرسمية وموضوعات حزبية. # ليبيا: # أفادت بأنه أنشئ معهد الإنماء العربي ~~بطرابلس سنة 1975م؛ من أجل تنمية البحوث ~~وترجمتها. أصدر حوالي 15 كتابا معظمها ~~كتب مدرسية، وبعضها من العربية، مثل: ~~«الكتاب الأخضر»، الذي ترجم إلى عدة ~~لغات. # السعودية: # أفادت أن وزارة التعليم لديها شكلت ~~لجنة لاختيار وترجمة المصطلحات العلمية، ~~يشارك فيها أعضاء من مكتب التربية العربي ~~لدول الخليج، وحتى ~~الآن ~~- 1980م - لم يصدر كتاب واحد. # الأردن: # أفاد في تقريره بعنوان: «واقع الترجمة ~~في المملكة الأردنية الهاشمية»، وكتبه ~~د. عيسى الناعوري فقال: «... تزدهر حركة ~~الترجمة حيث توجد المؤسسات الداعية إلى ~~تشجيعها ... وهذا ما لم يتوافر في الأردن، ~~ولا يبدو أنه سيوفر في القريب ...» # ثم يضيف: «والحقيقة أن عدد المترجمين في الأردن قليل ~~جدا، ومن المؤسف أن الكثيرين منهم، حتى بين أساتذة ~~الجامعة، يترجمون بلغة عربية ضعيفة، وبعض المترجمين لا ~~يتقنون اللغة التي يترجمون عنها؛ ولذلك يزداد الشك في ms093 ~~قيمة ما يترجم إلى العربية. وهذه مصيبة لا في الأردن ~~وحده، بل في العالم العربي برمته.» وإن كان الوضع قد ~~تغير نسبيا الآن. # ونعود إلى جهود المنظمة العربية للتربية: ~~(5) # أصدرت المنظمة «دليل المترجمين»، ولكنه قاصر؛ لأن ~~الإجابات جاءت على لسان موظفين حكوميين لا علاقة لهم ~~بالعمل الثقافي، أو أساتذة جامعات لا يعملون بالترجمة وإن ~~أجادوا اللغة. # وفي عام 1994م أصدر وزراء الثقافة العرب توصية إثر ~~الدورة التاسعة لمؤتمرهم المنعقد في بيروت 1994م نصت على: ~~«دعوة المنظمة إلى تحديث الخطة القومية للترجمة ~~التي أقرها المجلس التنفيذي في دورته الثلاثين، ~~وكذلك أقرها المؤتمر العام في دورته الرابعة ~~التي عقدت في الجزائر عام 1983م، على أن تقدم ~~للمؤتمر العام في دورته القادمة.» # ولكن المنظمة تشكو حتى الآن من تعثر إجابات الدول ~~العربية وضياعها بين دهاليز مكاتب الموظفين. # وتحاول المنظمة الآن وضع ببليوجرافيا عامة تتضمن جميع ~~الأعمال المترجمة في العالم العربي وأسماء المترجمين ~~ومؤسسات الترجمة والنشر. وأسهمت المنظمة أيضا في صياغة ~~لائحة قانونية لرابطة المترجمين العرب، إذا ما حدث وأقيمت ~~هذه الرابطة. وتحمل مسودات اللائحة العنوان التالي: ~~«مشروع قانون نموذجي بشأن تنظيم مهمة الترجمة»، من إعداد ~~الدكتور محمد حسام لطفي أستاذ القانون المدني. ويتمثل ~~المشروع في خمسة أبواب تتعلق بالموضوعات الآتية: في إنشاء ~~النقابة وأحكام العضوية، النظام المالي للنقابة، إدارة ~~النقابة، التزامات المترجمين وتأديبهم، وصندوق المعاشات ~~والإعانات. # ووضعت مسودة «دستور اتحاد المترجمين العرب»، ويتناول ~~النظام الداخلي والأهداف وأجهزة الاتحاد والأمور المالية ~~والإدارة. ~~(6) # مكتب «تنسيق التعريب» الذي أنشئ عام 1960م تحت اسم ~~«معهد الأبحاث والدراسات للتعريب» في الرباط (المغرب)، ثم ~~أصبح من عام 1970م جهازا من أجهزة المنظمة العربية، ~~ويعنى أساسا بتوحيد المصطلح العربي، وأنتج حوالي 50 ~~معجما في التخصصات المختلفة، ويتبع منهجا خاصا في ~~دراسة المصطلح والاتفاق عليه واعتماده، ولكنه مع هذا منعزل ~~عن النشاط العلمي الاجتماعي. # | الترجمة والجهات المنوط بها الترجمة في ~~العالم العربي # دولة الإمارات العربية المتحدة # عنيت منذ نشأتها بترجمة بعض الوثائق الرسمية للمحاكم ~~والمستندات، وبعض مقتطفات الصحف والمجلات ذات الصلة. ms094 وأنشأت مركز ~~الدراسات التاريخية، ويعنى بتجميع وترجمة عدد من الوثائق ~~التاريخية البريطانية عن تاريخ الإمارات. # بدأت منذ 1991م محاولة لإنشاء دار أو قسم للنشر يتبع المجمع ~~الثقافي، وصدرت بعض العناوين لكتب علمية في الإنسانيات. # وبدأ في 1994م نشاط لمركز أنشئ حديثا هو «مركز الدراسات ~~والبحوث الاستراتيجية»، والمركز معني بالترجمة التوثيقية للبحوث ~~والدراسات الاستراتيجية التي تساهم في صناعة القرار، وتتناول ~~الخليج والعالم العربي. ويقع المجمع الثقافي ومركز الدراسات ~~والبحوث الاستراتيجية في إمارة أبوظبي. # البحرين # الترجمة أساسا من العربية إلى الإنجليزية للخطب والموضوعات ~~الرسمية. ولا توجد كتب علمية مترجمة في العلوم الأساسية أو ~~التطبيقية، وإنما هناك محاولات وجهود فردية لترجمات أدبية. # المملكة السعودية # ترجمة وثائق المصالح الحكومية إلى ~~الإنجليزية. # حظر نشر كل ما يخالف العقيدة والخطاب الديني الرسمي. # الترجمة إلى الإنجليزية شريطة الاتساق مع الخطاب ~~الديني الرسمي للسلطة، مثل: كتاب الحلال والحرام ~~للدكتور يوسف القرضاوي، قصص النبيين لأبي الحسن ~~الندوي، وغيرها من الكتب التي يجري إرسالها إلى ~~المسلمين في أمريكا. # الترجمة إلى العربية محدودة جدا، وهي التي تدعم ~~خطاب الدولة الديني والسياسي، أو بعيدة تماما عن شئون ~~العقيدة، وهو نشاط بدأ مؤخرا مثل: # ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب ~~المقدسة. # تأليف موريس بوكال، ترجمة كمال ~~الهلباوي. # شمس العرب تسطع على الغرب، مترجم عن ~~الألمانية. # وأشارت المؤلفة إلى أنها ألفته اعترافا ~~بالوفاء للنظام السعودي. # المنهج النموذجي في علم الحاسبات ~~الآلية. # ندوة الرياضيات المعاصرة. # دراسات في التنصير. # كيف تستخدم الملح في صيد الطيور، ترجمة ~~عزيز ضياء. # تخضع الكتب المترجمة لعملية مراجعة فنية ~~ودينية وسياسية متشددة في شروطها، التي ~~منها: ~~(أ) # تنمية المكتبات العربية والإسلامية ~~وبناء الإنسان على الأسس والقيم العربية ~~والإسلامية الصحيحة من وجهة نظر ~~النظام. ~~(ب) # الكشف عن مكنون التراث العربي ~~الإسلامي المتسق مع خطاب النظام. # لم يرد اسم المملكة العربية السعودية في إحصاءات اليونسكو ~~(الكتاب السنوي) قبل 1984م. # والكتاب السنوي الصادر عام 1992م يشير إلى: # السنة # إجمالي الإصدار # 1984م # لا شيء # 1985م # 20 # 1986م # 13 # وتشير آراء شفاهية لبعض الأكاديميين المعنيين بشئون ms095 الترجمة داخل ~~الجامعات السعودية إلى أن المملكة العربية السعودية شهدت خلال ~~العقد الأخير قفزة في مجال الترجمة؛ إذ جاوزت الترجمة لكتب ~~أكاديمية وغيرها الثلاثين كتابا في السنة، هذا علاوة على العناية ~~باستحداث وتطوير وسائل الترجمة الآلية، ولكن الملاحظ أيضا أن ~~المترجمين إلى العربية هم من غير السعوديين. # دولة الكويت ~~(1) # المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وتصدر ~~عنه: ~~(أ) # سلسلة كتاب «عالم المعرفة» شهريا، ~~ويتضمن أعمالا مترجمة علمية. ~~(ب) # مجلة «عالم الفكر»، فصلية، تشتمل على ~~مقالات ودراسات مؤلفة ومترجمة. ~~(ج) # سلسلة كتاب «المسرح العالمي»، كانت تصدر ~~عن وزارة الإعلام، وهي الآن تتبع ~~المجلس. ~~(د) # مجلة «الثقافة العالمية»، وتنشر مقالات ~~علمية مترجمة. ~~(2) # مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. # يرأسها أمير البلاد، وتساهم فيها غرفة التجارة ~~والصناعة. أنشئت 1976م، تضم ست إدارات إحداها إدارة ~~الترجمة والتأليف والنشر، ومهمتها دعم المكتبة العربية ~~بالمراجع والدراسات والمعاجم والمخطوطات والمجلات، ~~يصدر عنها: ~~(أ) # كاتب وكتاب. ~~(ب) # قواميس علمية متخصصة. ~~(ج) # مجلة التقدم العلمي. ~~(د) # مجلة العلوم (مترجمة عن # Scientific ~~American ~~). ~~(ه) # تمنح جائزة سنوية لأفضل كتاب مترجم على ~~المستوى العربي. ~~(و) # أمهات الكتب. ~~(3) # لجنة التأليف والتعريب والنشر، جامعة الكويت؛ ~~إصداراتها محدودة جدا وفي حدود احتياجات الجامعة ~~العلمية. # هذا عدا بضع دور نشر قطاع خاص تصدر ترجمات، ويشير ~~الكتاب السنوي لليونسكو - إحصاءات الترجمة - ~~إلى: # السنة # إجمالي الإصدارات # 1984م # 17 # 1985م # 17 # 1986م # 21 ~~(4) # المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية «أكمل»: ~~وهو منظمة عربية تتبع مجلس وزراء الصحة العرب، أنشئت ~~عام 1982م ومقرها دولة الكويت، والترجمة في مجال ~~الطب. ~~(5) # معهد الكويت للأبحاث العلمية: ترجمة دراسات وتقارير ~~المعهد. ~~(6) # المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية: ترجمة من العربية ~~للتعريف بجهود العلماء المسلمين في الطب. ~~(7) # اللجنة الوطنية الكويتية للتربية والعلوم والثقافة ~~(وزارة التربية): لترجمة بعض إصدارات اليونسكو ~~الحديثة. # لبنان # يوجد أكثر من 170 دار نشر وتوزيع مسجلة. # الترجمة والنشر نشاط للقطاع الخاص، والدولة لا علاقة لها ~~بذلك. # الترجمة العلمية في الصحف اليومية والمجلات الشهرية. # والسيادة لكتب الأدب والسياسة والإنسانيات. # القطاع الخاص يعمد إلى ترجمة المستحدث الذي يغطي تيارات ms096 الفكر ~~الحديث، وكل دار حسب توجهها الفكري والأيديولوجي. # مجموع الدراسات المترجمة في لبنان من 1970م إلى 1985م: # 396 عنوانا جميعها علوم إنسانية وأدبية. # 6 عناوين في العلوم والطب والتداوي بالأعشاب. # بدأ بعد ذلك الاهتمام بترجمة كتب تعليم وتبسيط الحواسب، وسبق أن ~~ذكرنا أن لبنان بدأ نشاط الترجمة منذ أن كان «متصرفية جبل لبنان»، ~~في ظل الهيمنة العثمانية، وبدأ هذا النشاط على أيدي البعثات ~~التبشيرية. # مصر # بدأت الترجمة في عصر محمد علي بريادة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ~~منذ 1831م، وقتما عرض رفاعة فكرة إنشاء مدرسة الألسن لتدريس اللغات ~~الفرنسية والتركية والفارسية والإيطالية. وترجم رفاعة وتلاميذه ~~أكثر من 2000 كتاب، وترجم وحده وهو في باريس 12 كتابا. وانصرفت ~~الجهود آنذاك إلى ترجمة كتب العلوم والصناعات (التكنولوجيا) ~~المختلفة دون الأدب والفلسفة والفنون إلا بقدر ضئيل. ومع نشاط حركة ~~الترجمة نشطت حركة المعاجم والموسوعات التي تشكل ركيزة لأي نهضة ~~فكرية ولغوية. نذكر الآتي: ~~(أ) # المعجم العربي الإنجليزي # English Arabic ~~Lexicon # تأليف ~~وليم لين # Lane # بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي، ~~1863م. # وخبا نشاط الترجمة ليعود إلى الازدهار مع بدايات ~~النهضة المصرية في مطلع القرن العشرين، ونشأت مؤسسات ~~وهيئات عنيت بنشاط الترجمة والتأليف، منها: # دار المعارف للطباعة والنشر: أنشأها ~~نجيب متري 1891م، وقدمت مؤلفات ومترجمات ~~أسهمت في حركة التنوير. # لجنة التأليف والترجمة والنشر: ورأسها ~~أحمد أمين عام 1914م. # لجنة دائرة المعارف الإسلامية: بدأت عام ~~1933م، وترجمت الموسوعة التي أصدرها أئمة ~~المستشرقين في العالم باللغات الإنجليزية ~~والفرنسية والألمانية تحت رعاية الاتحاد ~~الأوروبي للمجامع العلمية. وقام بالترجمة ~~عدد من شباب الخريجين هم: محمد ثابت ~~الفندي، أحمد الشنتناوي، عبد الحميد يونس، ~~إبراهيم زكي خورشيد. # لجنة النشر للجامعيين عام 1943م. # لجنة البيان العربي عام 1946م. # دار الهلال: أنشأها جورجي زيدان، وهو من ~~لبنان. # ظهرت مجلات تخصصت في نشر ترجمات من ~~روائع الفكر العالمي وأحدث النظريات ~~العلمية؛ مثل مجلات: المقتطف التي رأس ~~تحريرها المفكر اللبناني فؤاد صروف، ~~مجلتي، الزهور ... إلخ. # مجلات اليونسكو: ديوجين، المجلة الدولية ~~للعلوم الاجتماعية مجلة اليونسكو، ms097 ~~ومستقبليات. وجميعها تصدر عن منظمة ~~اليونسكو، وتتم ترجمتها إلى العربية بشكل ~~دوري. # الإدارة الثقافية: أنشأتها وزارة ~~التربية والتعليم، وأشرف عليها طه حسين. ~~وأهم ما صدر عنها مشروع الألف كتاب الأول، ~~الذي بدأ عام 1955م وانتهى عام 1968م، ~~وضم المشروع حوالي 700 عنوان من بينها ~~78 عنوانا مترجما في العلوم البحتة. ~~وميزة هذا ~~المشروع: ~~(أ) # التخطيط المسبق. ~~(ب) # استهدف مسايرة ركب العلم والحضارة، ~~والمشاركة الإيجابية في تطوير العلم، ~~ومساهمة مصر في عصر الذرة. ~~(ج) # وصولا إلى هذا الغرض عني المشروع ~~بنقل أمهات الكتب من مصادرها ~~الأصيلة. # المجلس الأعلى للثقافة، لجنة الترجمة: ~~وعني المجلس بإصدار عدد من الترجمات ~~والمعاجم المهمة، ثم تعثر نشاطه. ~~وتجدد شبابه مرة أخرى، وأعد مشروعا ~~قوميا للترجمة صدرت منه خلال الأعوام ~~الثلاث الأخيرة أكثر من مائة وعشرين ~~كتابا. ويدعم المشروع صندوق التنمية ~~الثقافية التابع لوزارة الثقافة. وبلغ ~~إجمالي إصداراته المترجمة حتى أكثر من 750 ~~عنوانا. # المجلس القومي للثقافة والفنون ~~والإعلام: يفكر في إنشاء ديوان للترجمة ~~يضم صفوة من المفكرين والعلماء للتخطيط ~~والإشراف. # الألف كتاب الثاني، ويصدر في العام ~~حوالي عشرة عناوين. # هناك عدد من مراكز النشر التابعة لهيئات ~~دبلوماسية أجنبية وتتميز بالنشاط، ~~مثل: ~~(أ) # مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر: ~~أصدرت الكثير من الكتب الأمريكية المترجمة ~~إلى العربية، وأصدرت الموسوعة العربية ~~الميسرة بمعونة مالية من مؤسسة فورد. ~~(ب) # مركز الكتاب الأمريكي: وتتعاون معه ~~دور نشر عديدة لترجمة كتب أمريكية، مع دعم ~~من المركز يتمثل في شراء عدد من ~~النسخ. ~~(ج) # البعثة الفرنسية: ونشاطها مماثل ~~لمركز الكتاب الأمريكي. ~~(د) # كان في السابق ترجمات للمركز ~~الثقافي السوفييتي. # صندوق التنمية الثقافية، وزارة الثقافة: ~~يدعم نشاط النشر تأليفا وترجمة داخل مصر ~~بتقديم دعم مالي. # المركز القومي لثقافة الطفل: يتبع ~~المجلس الأعلى للثقافة، وله ترجمات محدودة ~~جدا لقصص الأطفال العالمية. # الهيئة المصرية العامة للكتاب: الترجمة ~~بها جهود واختيارات فردية. تصدر مشروع ~~الألف كتاب الثاني بناء على اقتراحات ~~المترجمين، وليس خطة قومية ~~كالسابق. # هناك العديد من دور النشر الخاصة التي ~~تصدر من بين منشوراتها أعمالا مترجمة، ms098 ~~مثل: ~~(أ) # مركز الأهرام للترجمة ~~والنشر: # ترجمة وثائق الأمم المتحدة ~~ومنظماتها. وقد توقف عن ذلك ~~أخيرا. # إصدار كتب مؤلفة ومترجمة أكثرها ~~لحساب مركز الكتاب الأمريكي ، مثل روايات ~~عبير. ~~(ب) # المكتبة الأكاديمية. ~~(ج) # دار الشروق. # يشير الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو، إحصاءات الترجمة، ~~إلى: # السنة # إجمالي الإصدارات # 1984م # 74 # 1985م # 98 # 1986م # 104 # سوريا # يوجد بها علاوة على دور النشر الخاصة: ~~(1) ~~«المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف ~~والنشر»: # يتبع المنظمة العربية للتربية والثقافة ~~والعلوم. # وهو منظمة تربوية علمية، ويصدر كتبا ~~مؤلفة ومترجمة شديدة التخصص. ونشاطه ~~محدود ب 150 ملزمة سنويا. # يعاني من ضعف الميزانية، وعدم التوزيع، ~~ونشاطه شبه راكد. ~~(2) ~~«مركز الدراسات والبحوث العلمية»: # ويتبع المعهد العالي للعلوم التطبيقية ~~والتكنولوجيا. # والمعهد معني بالترجمة البشرية ~~والآلية، وتصدر عنه سلسلة الثقافة ~~المميزة. ~~(3) ~~«الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية»: # وهي معنية بنظام إدخال المعجم الصرفي وقواعد نحو ~~اللغة. ~~(4) # وزارة الثقافة السورية، مديرية التأليف ~~والترجمة: # وتصدر عنها مجموعات ثقافية متميزة في العلوم والفنون ~~والآداب. ~~(5) # معهد التراث العلمي العربي، حلب: # المعهد معني بإصدار المصطلحات ~~العلمية من بطون المخطوطات العربية. ~~ويعنى بالمقابلة بين المخطوط العربي ~~وترجماته السابقة. # ويصدر مجلة تتضمن نصوصا مع ~~ترجماتها. # ويشير الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو - إحصاء ~~الترجمة - إلى أن جملة إصدارات الترجمة كالآتي: # السنة # إجمالي الإصدارات # 1984م # 43 # 1985م # 41 # 1986م # 59 ~~(6) # مجمع اللغة العربية في دمشق: # وهو إحدى ثمرات الاستقلال عن تركيا. وقد أنشئ ~~برئاسة محمد كرد علي في 8 / 6 / 1919م، وبه «الشعبة ~~الأولى للترجمة والتأليف» التي أنشأتها الحكومة ~~السورية. # تونس # يوجد بها علاوة على دور القطاع الخاص للنشر: ~~«الجمعية المعجمية العربية»: وهي متخصصة في شئون ~~المعجم العربي على المستويين التنظيري والتطبيقي. ~~أنشئت عام 1983م، وينحصر نشاطها في إصدار مجلة ~~«المعجمية»، وكذا تنظيم الندوات الدولية عن ~~المعاجم. ~~«المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم»: وتتبع ~~جامعة الدول العربية، وتحدثنا عنها في مجال ~~سابق. # بيت الحكمة أو المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق ~~والدراسات: وهي مؤسسة ثقافية تتبع وزارة الشئون ~~الثقافية، تأسست عام 1982م. # ويشير الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو - إحصاء الترجمة - إلى ms099 أن ~~إجمالي إصدارات الترجمة كالآتي: # السنة # عدد # 1984م # 12 # 1985م # 9 # 1986م ~~- # المغرب # هناك علاوة على دور القطاع الخاص للنشر: # الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر: نشأت ~~اقتداء بنظيرتها السابقة في مصر. وتعنى أساسا ~~بالتراث المغربي وترجمته دون التخلي عن البعد العربي. ~~من أشهر الأعمال المترجمة كتاب «وصف أفريقيا » لمؤلفه ~~الحسن الوزان. ~~«مكتب تنسيق التعريب»: ويتبع المنظمة العربية ~~للتربية والثقافة والعلوم. # مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، جامعة عبد المالك ~~السعدي، طنجة: تعنى بإعداد وتخريج مترجمين يجيدون ~~اللغة العربية واللغة الأجنبية التي سيترجم منها مع ~~ثقافة متخصصة. # معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس: ~~والمعهد معني بالترجمة الآلية، وترجم القرآن إلى ~~الفرنسية. ويجري ترتيبات لاستكمال إقامة قاعدة ~~المصطلحات المحوسبة. # مؤسسة الملك عبد العزيز للعلوم والدراسات الإسلامية ~~والإنسانية: هناك علاقات بين المؤسسة ومعهد العالم ~~العربي في باريس بشأن أعمال تخص الترجمة، منها: # إنشاء قاعدة معلومات عما تمت ترجمته ~~في العالم العربي. # وإنشاء جائزة أدبية في مجال ~~الترجمة. # علاقات مع الإسبان لإعادة مجد ~~طليطلة. # ويشير الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو إلى أن إجمالي ~~إصدارات الترجمة كالآتي: # السنة # إجمالي الإصدار # 1984م ~~- # 1985م # 8 # 1986م # 7 # | مقارنة بين إحصاءات واضحة الدلالة # الدراسة الإحصائية المقارنة ~~خير مؤشر على طبيعة الاتجاه وزخم النشاط الاجتماعي، قياسا إلى بلدان ~~تشاركنا أو تنافسنا في المسيرة الحضارية. وهكذا نستطيع أن نعرف موقعنا ~~على خريطة الصراع أو التنافس العالمي الثقافي، ونعرف مصداقية ما نفعله، ~~ومصداقية عزمنا على التصدي لتحديات العصر، أو لنعرف جدارة حقنا في ~~الوجود القائم على الصراع. ولن نعقد المقارنة مع رءوس التقدم الحضاري؛ ~~فهؤلاء تفصلنا عنهم مسافات شاسعة، وإنما سنكتفي بعدد من البلدان ~~المتواضعة، ولكنها تنتمي أو تسعى على الانتماء لحضارة العصر. وعمدنا ~~إلى عقد مقارنة بين حال العالم العربي وحال عدونا الجاثم على أرضنا؛ ~~وأعني به إسرائيل. وهدفي أن نعرف كيف يفكر، وكيف رسم خطواته، وكيف صاغ ~~استراتيجيته، وكيف كان واضح الهدف، واعيا بخط الوصول إلى الهدف ~~ومراحله، حتى أصبح عنصرا ضالعا علما نظريا وإنجازا عمليا في ~~حضارة العصر، وأصبح ms100 تحديا رادعا كما يقولون. وسوف نكتشف في ضوء ~~خطواته وسياساته نطاق الخطأ في حياتنا العلمية والثقافية التي أوردتنا ~~المهالك، علاوة على مؤامراته؛ ليكون هو صاحب اليد الطولى والكلمة ~~النافذة أو القاهرة، بفضل ما هيأ له البحث العلمي والتنظيم الاجتماعي ~~البشري من إمكانات رادعة. # وانطلاقا من إيماننا بأن التفكير العلمي والبحث العلمي هما محور ~~ارتكاز حضارة العصر؛ لذلك اتخذتهما أساسا لبيان طبيعة اتجاه حركة ~~الترجمة، والمقارنة بين البلدان العربية وبين إسرائيل وعدد من البلدان ~~الأخرى. وتأكيدا لما ذهبنا إليه، نشير بداية إلى أن الصهيونية ~~واعية منذ نشأتها في القرن التاسع عشر بحقيقة التحديات العلمية، ودور ~~سلاح العلم اجتماعيا وثقافيا وعسكريا، باعتباره أمضى سلاح في ~~المواجهة. لهذا شرعت الحركة الصهيونية منذ البداية في تمهيد «أرض ~~الميعاد» على أساس علمي، وبدأت في تطوير العلوم البحتة والتطبيقية بهمة ~~وإدراك موضوعي للمكانة الأولى التي يحتلها العلم في السلم وفي ~~الحرب. وهكذا جعلت العلم - إنجازا نظريا وتطبيقيا - عدتها ~~وسلاحها لبناء قوة ردع عسكرية ذاتية (عدة وعتادا، مركز بحث وقوة ~~بشرية منظمة)، تهيئ لها قدرا من استقلال الرأي والاعتماد على النفس، ~~علاوة على ما يصلها من دعم خارجي. وبدأت الصهيونية جهودها هذه منذ ~~مطلع القرن العشرين، بينما كانت تركيا العثمانية أو الرجل المريض على ~~فراش المرض يحتضر. ووضعت الصهيونية حجر الأساس للجامعة العبرية في ~~القدس عام 1918م، وهي الجامعة التي تركز، شأن جامعات أخرى نشأت بعد ~~ذلك، على العلوم الطبية والبيولوجية والزراعية والعلوم الأساسية (علوم ~~الوراثة والهندسة البيولوجية والمعلوماتية وعلم الكمبيوتر ~~والإلكترونيات، وهي العلوم التي تشكل طليعة التكنولوجيا الحديثة) ~~(أنطوان زحلان، المستقبل العربي، ع86 أبريل/نيسان 1986م). وبدأت ~~إسرائيل أول برنامج للأبحاث النووية لها عام 1948م؛ أي عام النشأة، ~~وافتتحت جامعة إسرائيل قسما لهندسة الطيران عام 1954م، واشتركت ~~إسرائيل في معرض هانوفر الجوي عام 1968م، حيث عرضت طائرة ذات محركين ~~توربينيين تصلح لنقل المسافرين والبضائع. وبدأ إنتاج هذه الطائرة ~~بالجملة قبل نهاية 1969م (أنطوان زحلان، العلم والتعليم العالي في ~~إسرائيل، دار الهلال، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، ترجمة محمد صالح ms101 ~~العالم 1970م). # وفي أوساط الستينيات كانت إسرائيل أنشأت بنية أساسية علمية ~~وتكنولوجية، واحتلت المرتبة السادسة عشرة بين دول العالم في حجم ~~إنتاج الأبحاث. وكان لديها آنذاك عدد من العلماء الناشرين ضعف ما لدى ~~دول أمريكا اللاتينية مجتمعة، وضعف ما لدى أفريقيا كلها. وبلغ مجموع ~~ما نشره العلماء التكنولوجيون الإسرائيليون ثلاثة أضعاف ما نشره ~~البحاثة في الوطن العربي (أنطوان زحلان، نفس المرجع). ويزيد عدد ~~البحوث العلمية في إسرائيل عام 1967م - أي منذ ثلاثين عاما - عما ~~قدمه العرب آنذاك ب 660 بحثا، بينما يزيد عددها عام 1983م؛ أي منذ ~~خمسة عشر عاما ب 2045 بحثا؛ أي إنها في ازدياد مطرد ونحن في تراجع. ~~هذا بينما توجد في الوطن العربي 71 جامعة كاملة، وما بين 300 إلى 1000 ~~مركز أبحاث تضم جميعها حوالي 50000 من أساتذة وأعضاء معاهد البحوث؛ أي ~~علماء (أنطوان زحلان، الإنتاج العلمي العربي، مجلة المستقبل العربي 774 ~~يوليو/تموز 1985م). # وتوضح الإحصاءات التالية مدى وحقيقة اهتمام كل من إسرائيل ~~والبلدان العربية بالعلم أساسا للنهوض والصحوة الحضارية، وسوف يبين ~~لنا أن نكستنا الحضارية ليست أبدا بسبب الابتعاد عن أي شيء آخر سوى ~~الابتعاد عن العلم إنجازا ومنهجا ~~وإدارة لشئون الحياة والمجتمع، وتفاعلا مع العالم، ثم شيوع الأمية ~~الثقافية والتعليمية الأبجدية، ناهيك عن لغة الاتصالات الإلكترونية؛ ~~مما يؤكد عزلتنا الثقافية، ويكشف أسباب الردة إلى الفكر ~~الخرافي. # تشير إحصائية في الكتاب السنوي لمنظمة اليونسكو، إصدار 1996م، إلى ~~إجمالي المنشور من الكتب عام 1992م (تأليفا وترجمة). # البلد # تعداد مليون نسمة # إجمالي الإصدارات # علوم بحتة # علوم تطبيقية # العالم العربي # 250 # 6759 # 548 # 604 # إسرائيل # 4,5 # 4608 # 289 # 231 # اليابان # 123 # 35496 # 1142 # 6276 # فرنسا # 55 # 45379 # 2038 # 5049 # ألمانيا ~~- # 67277 # 2141 # 941 # إسبانيا # 39 # 41816 # 2512 # 5873 # يظهر هنا الفارق الشديد بين العالم العربي - 250 مليون نسمة - وبين ~~إسبانيا - 39 مليون نسمة - وإسرائيل - 4,5 مليون نسمة - وتكشف هذه ~~الإحصائية وغيرها عن أن السبب ليس فقط الأمية الأبجدية، وإنما أيضا ~~الأمية الثقافية والعزوف عن القراءة. العالم العربي ms102 تعداده 250 مليون ~~نسمة، ويصدر كتبا هي سدس ما تصدره إسبانيا وتعدادها 39 مليون ~~نسمة. # الصحف والدوريات اليومية لكل ألف نسمة، وهذا مؤشر جيد على شعبية ~~الثقافة والانتماء إلى العالم (نفس المصدر). # البلد # عدد لكل ألف # مصر # 64 # ليبيا # 13 # المغرب # 13 # الجزائر # 46 # السعودية # 54 # لبنان # 172 # العراق # 27 # إسرائيل # 281 # إسبانيا # 104 # المجر # 228 # ألمانيا # 317 # فرنسا # 237 # إحصاء مقارن لإصدارات الكتب (الكتاب ~~السنوي، منظمة اليونسكو 1995م). # البلد # 1970م # 1980م # 1990م # 1991م # العالم # 521000 # 715500 # 842000 # 863000 # أفريقيا # 8000 # 12000 # 13000 # 13000 # آسيا # 75000 # 138000 # 228000 # 215000 # أوروبا # 246000 # 330000 # 364000 # 403000 # البلدان المتقدمة # 451000 # 562500 # 600000 # 635000 # البلدان النامية # 70000 # 153000 # 242000 # 228000 # البلدان العربية # 4700 # 6500 # 6400 # 6500 # أفريقيا (بدون العرب) # 4600 # 9000 # 10000 # 10000 # أمريكا الشمالية # 83000 # 99000 # 106000 # 102000 # إصدارات الكتب (تأليفا وترجمة) لكل ~~مليون. # البلد # 1970م # 1980م # 1990م # 1991م # العالم # 182 # 161 # 159 # 160 # أفريقيا # 22 # 25 # 20 # 20 # آسيا # 59 # 54 # 73 # 70 # أوروبا # 515 # 682 # 726 # 802 # البلدان المتقدمة # 428 # 490 # 488 # 513 # البلدان النامية # 39 # 46 # 60 # 55 # البلدان العربية # 38 # 40 # 29 # 29 # أفريقيا (بدون العرب) # 17 # 25 # 20 # 20 # أمريكا الشمالية # 366 # 393 # 385 # 365 # النسبة المئوية من توزيع إنتاج الكتب ~~مقرونة بالنسبة المئوية على السكان إلى إجمالي ~~العالم. # البلد # 1970م # 1980م # 1990م # 1991م # كتب # سكان # كتب # سكان # كتب # سكان # كتب # سكان # أفريقيا # 1,5 # 12,4 # 1,7 # 10,9 # 1,5 # 12,1 # 1,5 # 12,3 # آسيا # 14,4 # 43,2 # 19,3 # 57,8 # 27,1 # 58,8 # 24,9 # 58,9 # الدول النامية # 13,4 # 61,5 # 21,4 # 74,1 # 28,7 # 76,9 # 26,4 # 77,0 # أوروبا # 7,2 # 16,1 # 46,2 # 10,9 # 43,2 # 9,5 # 46,7 # 9,3 # البلدان العربية # 0,9 # 4,4 # 0,9 # 3,7 # 0,8 # 4,2 # 0,8 # 4,2 # وتوضح لنا الإحصاءات السابقة معنى بلدان المركز وبلدان الأطراف في ~~التوزيع الثقافي والهيمنة الثقافية وكذا الإنتاج، وهو ما سوف نعرض له ~~في الفصل الخاص «العولمة وتعريب الترجمة»، ويبين بوضوح مدى الهامشية ~~للبلدان العربية، ومن ثم الواجب الملقى عليهم لصحوة ms103 أو نهضة ~~شاملة. # وجدير بالإشارة هنا أن أغلب إنتاج الكتب في بعض البلدان في الدين، ثم ~~السياسة والأدب والتاريخ والنقد ... مثال: # إجمالي الإنتاج في السعودية عام 1980م كلها تأليف: 207 ~~عناوين منها 67 دين، 55 أدب. # إجمالي الإنتاج في العراق 1979م: 948 عنوانا منها 86 ~~دين، 194 تاريخ أدب ونقد، 69 سياسة. ~~(المستقبل العربي، الملف الإحصائي 684 أكتوبر/تشرين ~~1984م) # إن العالم العربي لا يزال يعيش الشفاهة، وهو عصر قبل الكتابة، ~~ناهيك عن عصر العلم، وهذا ما ينعكس بوضوح في الترجمة كنشاط ~~اجتماعي. # هذا بينما بلغت قيمة صادرات إسرائيل من الكتب والمطبوعات عام 1965م ~~ما قيمته 4 ملايين دولار، وبلغ حجم التصدير الإسرائيلي من الطباعة ~~والنشر عام 1970م ما قيمته عشرة ملايين دولار. ويوضح هذا القيمة ~~الاقتصادية للصادرات العلمية في صورة إنتاج معرفي (أنطوان زحلان، العلم ~~والتعليم العالي في إسرائيل، ترجمة محمد صالح العالم، دار الهلال ~~1970م). # وفي تقرير آخر يوضح أن إسرائيل من الدول الأولى في حجم النشر ~~والترجمة في العالم (من العشرة الأوائل)، باعت في عام 1997م ما قيمته ~~13 مليون كتاب بمتوسط 3 كتب في العام للشخص الواحد، وتشير إحصائية ~~رسمية إسرائيلية صدرت في يناير 1998م إلى أن 50٪ يقرءون كتابا واحدا ~~كل شهر، و20٪ يقرءون كتابا واحدا كل عام، و.3٪ لا يقرءون ~~الكتب. # إجمالي الترجمة في العالم العربي (250 ~~مليون نسمة) (إحصاء اليونسكو 1992م). # السنة # إجمالي # علوم بحتة # 1981م # 225 # 15 # حوالي كتاب واحد لكل مليون ~~نسمة # 1982م # 72 (لم ترد مصر والعراق) ~~- # 1983م # 70 (لم ترد مصر والعراق) # 1 # 1984م # 459 # 26 # 1985م # 272 (لم ترد مصر والعراق) # 23 # 1986 # 268 (لم ترد مصر والعراق) # إجمالي الترجمة في عدد من الدول للمقارنة (نفس المصدر) # إسرائيل تعداد 4,5 مليون. # السنة # إجمالي # علوم بحتة # 1981م # 387 # 70 # ما بين 93 و76 ~~كتابا لكل مليون نسمة. مع ملاحظة شيوع اللغة ~~الإنجليزية، وأن 50٪ من سكان إسرائيل مهاجرون ~~يقرءون بلغاتهم الأصلية علاوة على العبرية. # 1982م # 348 # 10 # 1983م # 232 # 3 # 1984م # 366 ms104 # 4 # 1985م # 313 # 1 # 1986م # 462 # المجر تعداد 10571000 ~~نسمة. # السنة # إجمالي # علوم بحتة # 1981م # 419 # 45 # حوالي 108 كتب لكل ~~مليون. # 1982م # 1227 # 92 # 1983م # 1397 # 162 # 1984م # 1238 # 128 # 1985م # 1202 # 110 # 1986م # 114 # 141 # إسبانيا تعداد 39 مليون ~~نسمة. # السنة # إجمالي # علوم بحتة # 1981م # 6361 # 254 # حوالي 240 عنوانا لكل ~~مليون. # 1982م # 7381 # 331 # 1983م # 7447 # 273 # 1984م # 7741 # 259 # 1985م # 7944 # 325 # 1986م # 9647 # 428 # تكشف هذه الإحصاءات حالة التدني الشديدة والتخلف المروع في ~~مجال الترجمة؛ أي في مجال الاطلاع على علوم العصر والتفاعل معها. ~~وكيف نتفاعل ونحن لا ننتج كما تكشف إحصاءات إنتاج الكتب؟ وكيف نسعى ~~إلى المعرفة ونحن لا نقرأ؟ وهذا ما جعلنا نقول: إننا لا نزال ~~مجتمعات شفاهية؛ ولذا فإن الأزمة أزمة مجتمع، والمشكلة هي قارئ ~~وكتاب بالنسبة للتأليف والترجمة على السواء. وهذا يعني شيوع الأمية ~~العلمية والثقافية العالمية في بلدان العالم العربي، وهو ما يفسر ~~حالة الخواء الفكري والعلمي العقلاني وشيوع الفكر الخرافي؛ مما ~~يضعف عزيمة الأمة، ويضعف الأمل في مواجهة التحديات، أو حتى ~~يحفزنا إلى قبول التحدي وقد أدركنا أبعاده وذلك بمضاعفة ~~الجهد. # إن النظر إلى إحصاءات إجمالي الترجمة تبين أن العالم العربي ~~يقارب إنتاجه 1 / 10 إنتاج البرازيل (26 عنوانا مقابل 2291 ~~عنوانا)، وهي دولة نامية وتعدادها يقارب نصف تعداد السكان العرب. ~~ويبلغ إنتاج البلدان العربية مجتمعة من الترجمة نصف إنتاج إسرائيل ~~(4,5 مليون نسمة)؛ أي 1 / 50 من تعداد السكان العرب. هذا علاوة ~~على الحاجة إلى تحليل مضمون هذا الإنتاج؛ لما له من دلالة مهمة ~~وحاسمة. ونلحظ كما أشرنا، من حيث نصيب كل مليون نسمة من إنتاج ~~الكتب المترجمة، أن: # كتابا واحدا تقريبا (أو 1,2) لكل مليون نسمة في ~~العالم العربي. # 100 كتاب تقريبا لكل مليون نسمة في إسرائيل. # 250 كتابا تقريبا لكل مليون نسمة في ~~إسبانيا. # وحتى نعرف أن هذا موقف ليس بالجديد، وعلينا أن نبحث عن أسباب ~~العزوف عن الاطلاع في تكويننا الثقافي الاجتماعي، أشير إلى ~~إحصائية ms105 تقريبية وردت في كتاب «الخطة القومية للترجمة» الصادر عن ~~المنظمة العربية للتربية والعلوم، إذ يقول ما يلي: ~~(1) # إحصاء الكتب المترجمة من 1970م إلى 1975م في خمس دول ~~عربية - هي بالطبع الدول المنتجة للكتب - بلغ 872 ~~كتابا بمعدل 175 عنوانا مترجما في السنة. ~~(2) # إحصاء الكتب المترجمة بداية من 1970م لغاية 1980م ~~في 16 دولة عربية، بلغ 2840 عنوانا؛ أي بمعدل 284 ~~عنوانا مترجما في السنة. وهذا إحصاء مقارب لإحصاء ~~منظمة اليونسكو. ~~(3) # يشير الكتاب إلى أن إجمالي الكتب المترجمة في العالم ~~العربي منذ الخليفة المأمون وحتى يومنا هذا يصل إلى ~~10000 عشرة آلاف عنوان؛ أي ما يساوي ما ترجمته إسرائيل ~~في أقل من 25 سنة من وجودها، أو ما ترجمته البرازيل ~~في أربع سنوات، أو ما ترجمته إسبانيا في سنة واحدة ~~تقريبا. وليس هذا التقدير مبالغا فيه بالسلب، خاصة ~~إذا نظرنا إليه في ضوء الإحصاءات المشار إليها. ونحن ~~نعرف أن العالم العربي عاش في ظلام الهيمنة التركية ~~والمملوكية قرونا طويلة، ولم يبدأ في الخروج من هذا ~~الظلام - وإن خرج غافيا - إلا في مطلع القرن التاسع ~~عشر. بيد أنه لا يزال غير مدرك لحقيقة التحدي وأسباب ~~النهوض الحضاري ليعقد العزم على الإفلات من نكسته، ~~والتفاعل مع العالم المتقدم ثقافيا التزاما ~~باستراتيجية تنموية وإطار فكري يعبران عنه. # وإلى من راعته هذه الإحصاءات أو تشكك فيها، نسوق إحصاء آخر ~~يصدق عليها؛ إذ يعتبر مؤشرا محايدا ومحكوم المصدر، وأعني بهذا ~~إحصاء استهلاك ورق الطباعة للصحف والمطبوعات الأخرى بعامة - ومصدر ~~الإحصاء الكتاب السنوي لليونسكو 1995 - وطبيعي أن استهلاك الورق ~~يكشف بوضوح عن علاقة المجتمع بالقراءة والكتاب. # استهلاك ورق طباعة الصحف. # البلد # إجمالي # لكل ألف نسمة # للفرد # مصر # 89900 مليون طن متري # 1448كجم # 1,4-19,5كجم # إسرائيل # 107988 مليون طن متري # 19547كجم # فرنسا # 794000 مليون طن متري # 13665كجم # إسبانيا # 496000 مليون طن متري # 12519كجم # استهلاك ورق طباعة غير ~~الصحف. # البلد # إجمالي # لكل ألف نسمة # للفرد # مصر # 107600 مليون طن متري # 1733كجم # 1,7كجم # إسرائيل # 180221 مليون طن متري # 32619كجم # 32,6كجم # فرنسا ms106 # 3662000 مليون طن متري # 63025كجم # 63,00كجم # إسبانيا # 1402500 مليون طن متري # 35393كجم # 35,00كجم # | العولمة وتعريب الترجمة # أولا نقصد بتعريب الترجمة أن تأتي الترجمة كنشاط اجتماعي مؤسسي، ~~انطلاقا من أهداف عربية، وتأسيسا على اختيارات عقول عربية، في ضوء ~~استراتيجية تنموية شاملة، بحيث تكون بحق تعبيرا عن الهم العربي ~~واستجابة لقضايانا الاجتماعية، وإشباعا لقدرة المجتمع على ~~النهوض. # ونقصد بالعولمة ذلك النزوع ~~الثقافي الذي يبدو في ظاهره جديدا، ويسميه البعض النظام العالمي ~~الجديد. أو يقال: إن العالم بات قرية واحدة تهاوت معها الحدود ~~القومية، ليسود مركز عالمي علمي وتقني واقتصادي وثقافي. وتروج لهذا ~~المفهوم الولايات المتحدة الأمريكية والشركات المتعدية القوميات. وهذا ~~هو الجديد. ونجد قرين ذلك نزوعا آخر يدعو إلى حوار البحر المتوسط، أو ~~حوار الشمال والجنوب بين أوروبا وبلدان حوض البحر المتوسط (وهي عربية) ~~وبلدان أفريقيا. ويأتي هذا تعبيرا عن صراع خفي بين العولمة بمفهومها ~~الأمريكي، وبين سعي أوروبا بعامة، وفرنسا أو الرابطة الفرانكفونية لخلق ~~مجال قوة مناهض. ونذكر بهذه المناسبة ندوة الترجمة المنعقدة في تاليدو ~~أو طليطلة في إسبانيا عام 1995م بعنوان: «تبادل الأفكار في حوض البحر ~~المتوسط: دورة الترجمة». وساهمت فيها البلدان العربية المطلة على البحر ~~المتوسط. ويأتي ثالثا تحت عباءة شعار العولمة نزوعا باسم الشرق ~~أوسطية الذي يهدف إلى فتح الحدود الاقتصادية والثقافية ... إلخ، بين جميع ~~بلدان الشرق الأوسط وأولها إسرائيل. وغني عن البيان طبيعة العلاقة بين ~~إسرائيل والولايات المتحدة، وانسجام الأدوار بينهما عسكريا ~~واقتصاديا وثقافيا، بل وبحثا علميا. ونذكر هنا ما قاله شيمون ~~بيريز من أنه لم يعد المال هو القوة المحركة وإدارة الهيمنة بل الفكر، ~~وأن العالم العربي يملك المال، ونحن - أي إسرائيل - تملك الفكر والعلم ~~وتكنولوجيا الإنتاج. وهو قول صريح يفسر أشياء كثيرة على مستوى الشرق ~~أوسطية أو «العولمة» الإقليمية؛ حيث تبدو إسرائيل في صورة مقاول الباطن ~~لصالح العولمة الأوسع. # وجدير بالذكر أن من مظاهر العولمة النزوع إلى عولمة الثقافة أو نظام ~~هندسة التحكم الاجتماعي العالمي في سلوك المجتمعات وشيوع قيم لصالح ~~القوة المهيمنة. ونحن نمايز ms107 بداية بين العولمة والعالمية في مجال ~~الفكر العلمي والمنتج التقني العالمي القدرات وتجسده، كمثال؛ ~~تكنولوجيا الاتصالات والحواسب والهندسة الوراثية والتشابك الاقتصادي ... ~~إلخ. ولكن العولمة كاسم فعل تعني فرض نهج بذاته ومصالح وقيم ثقافية ~~بذاتها. وكل ما تراه القوة ذات الهيمنة أمرا نافعا وضروريا لها ~~وفاء لمصالحها. إذ إن العالمية لا تنفي التنوع والتمايز والمنافسة ~~والتكامل، بل ولا تنفي صراع المصالح، ولكن العولمة محاولة للحفاظ على، ~~أو لتثبيت الأوضاع على نحو بذاته طبقا لمصالح مركز محدد له الغلبة ~~والهيمنة في الإنتاج التقني والعلمي والثقافي. # نعم نحن نعرف ونؤمن بأن المعرفة العلمية أضحت نشاطا إنتاجيا ~~وإبداعيا في صور شبكة عالمية، وأن التحكم في هذه الشبكة منوط بأصحاب ~~القدرة على الإسهام، كل حسب نصيبه، في هذا النشاط الإنتاجي الإبداعي. ~~ومن الأسف أن العرب - شأن بلدان العالم الثالث - خارج هذه الشبكة. ~~وإنما القوة المتحكمة هي القوة الصناعية الأولى في العالم، بجامعاتها ~~ومراكز أبحاثها وإنتاجها التقني الذي تطور على مدى خمسة قرون. إنها ~~الغرب بكل تناقضاته. ويمثل الغرب المركز. إنه مركز الإنتاج والتحكم ~~والتوظيف المعلوماتي، وهو منهل المعارف والمعلومات العلمية، سواء في ~~صورة كتب أو دوريات أو مراكز بحث وجامعات، أو شبكة اتصالات عالمية ~~إلكترونية، أو وكالات أنباء، إلى كل ما يساهم في صناعة العقول أو ~~التلاعب بها. وحرى بنا ألا ننسى أن المعرفة سلطة وأداة هيمنة، وأن ~~من يملك المعرفة وأدوات توزيعها والقدرة على توظيفها يملك سلطة التحكم ~~في العقول التابعة. وبدأت نشأة هذا المركز أساسا في أوروبا، ثم اتجه ~~إلى الغرب البعيد حيث الولايات المتحدة الأمريكية؛ مما يهيئ لها ~~فرصة المزيد من التحكم على أساس منظور أيديولوجي قومي يعبر عن حلم ~~أمريكي يزيد عمره عن المائة عام. # وثمة مسافة كبيرة تفصل بين المركز وبين بلدان المحيط أو الأطراف أو ~~الحافة، أو سمها ما شئت، وإنما هي بلدان عاطلة من القدرة على التحكم أو ~~المساهمة بنصيب فاعل في هذا كله، أو بدرجات متفاوتة. وهذه هي بلدان ~~العالم الثالث وإن تباين دورها ومستواها وترتيبها في ms108 مواقعها عند ~~الحافة. وهكذا أصبح للمركز الهيمنة في عصر المعلومات على بلدان الحافة. ~~المركز له الهيمنة إنتاجا وإبداعا وتوزيعا، حيث أكبر قدر من ~~الجامعات ومراكز الأبحاث التي يقصدها أبناء بلدان الأطراف لتلقي العلم ~~والثقافة، وحيث مراكز الإعلام والتوزيع والمجلات والدوريات ووكالات ~~الأنباء وبث المعلومات التي تصل مصاغة أيديولوجيا إلى أبناء بلدان ~~الأطراف. # وهكذا يبدو العالم الثالث تابعا، ومن بينه بلدان العالم العربي، ~~التي تحتل مرتبة أدنى كثيرا مما هو شائع في رطاننا الاجتماعي، بل ~~أقول: إن ثروات العرب الضخمة، بدون إدارة صحيحة وتغيير جذري، لا يمكنها ~~أن تنقله من موقع الحافة؛ نظرا لعدم أهليته، ليحتل موقعا متقدما ~~ومتميزا على الحافة، ويقربه نسبيا من المركز، إننا قد نشتري منتجا ~~تقنيا متقدما ومعقدا، ولكن هذا ضرب من التظاهر الاستهلاكي لا ~~ينقلنا حضاريا؛ إذ العبرة بالعقل المبدع والنشاط الإنتاجي والمناخ ~~الاجتماعي للتنشئة والتعليم وإدارة المجتمع وحرية الفكر والإنسان. ~~والعبرة بالهدف ودوره في الحراك الاجتماعي. الثروة الحقيقية ليست في ~~امتلاك المال أو حيازة المنتج التقني، بل هي في النشاط الإنتاجي ~~الإبداعي للمعلومات وتوظيفها، وفي القدرة على تشغيل وصيانة وتطوير ~~المنتج، وهذه قدرة مجتمع. ودليلي على هذا أن عددا من بلدان الحافة ~~الفقيرة جدا (مثل الهند) احتلت موقعا متقدما على الحافة لا تحتله ~~البلدان العربية؛ وذلك بفضل تطوير التعليم والجامعات ومراكز الأبحاث ~~والاتصالات، وتوفير بنية أساسية للإبداع المعرفي وتوزيع وتوظيف هذا كله ~~تخطيطا. وهذا هو ما تفتقر إليه البلدان العربية على الرغم من وفرة ~~المال. والطريق ليس ممهدا؛ فإن دول المركز ترى في هذا تناقضا مع ~~مصالحها؛ إذن هي مسألة تحد وصراع. # وهكذا يبين بوضوح أن المعرفة جلها أو كلها، خاصة العلوم الأساسية ~~والمدارس الفكرية، يتم إنتاجها من الخارج. وعالمية المعرفة لا تنفي ~~أبدا مركزية الإنتاج وتبعية الأطراف، وهي علاقة دينامية قابلة للتغير، ~~شريطة وعي بلدان الأطراف وتكثيف العمل العلمي المشترك في تكامل وتضافر؛ ~~من أجل التحول إلى قوة إنتاجية إبداعية للمعرفة وفقا للمقتضيات ~~الحضارية لهذا النشاط. # والحديث عن حرية انتقال المعلومات والتبادل الثقافي سيكون ms109 حديثا لا ~~معنى له حين يكون أحد الأطراف خاوي الوفاض، عاطلا من العطاء، لا يملك ~~إلا ثقافة اجتماعية مقطوعة الصلة بحضارة العصر؛ مما يجعله في موقف ~~الضعف والاستهلاك، وحيثما تفاعلت ثقافتان وكانت إحداهما قوية والأخرى ~~ضعيفة، فإن الثقافة الأقوى تستوعب الأضعف وتمحوها مع الزمان. وينتفي ~~التعامل الذي شرطه الندية والكفاءة. وقوة الثقافة لا تأتي من استظهار ~~الموروث، بل تأتي من نشاط المجتمع نشاطا منتجا على مستوى المنافسة ~~العصرية وتنظيم وإدارة المجتمع على نحو عصري، علاوة على جذور العراقة ~~والتاريخ. ليس الموقف الصواب انزواء اجتماعيا واغترابا في الزمان ~~مع السلف، وليس ارتماء في أحضان الوافد القوي، وإنما قبول التحدي ~~والانتصار على أهواء الذات. تحدي ما هو متخلف في الموروث، وتحدي الوافد ~~باستيعاب أسرار قوته ومواكبته والسعي لتجاوزه مع توفير شروط الانتماء ~~إلى العصر. وهذا ما فعلته اليابان حين قررت في عصر «الميجي» الانفتاح ~~على الغرب بعد أن جفت ينابيع التقليد، ولم تعد هي مفتاح الدخول إلى ~~حضارة العصر. قررت اليابان كما كان يقضي شعارها الاجتماعي القومي ~~آنذاك الذي يلخص استراتيجيتها: «أمة غنية وجيش قوي»، واتخذ تحديها ~~وصراعها البعد التالي: ~~(1) # مقرطة نظام الحكم. ~~(2) # رأسمالية صناعية إنتاجية. ~~(3) # التعليم إجباري للجميع. ~~(4) # جيش وطني قوي. ~~(5) # استيعاب العلوم الأساسية والتطبيقية. # وحرى أن نقارن بين هذا وبين النهج الذي اتخذته إسرائيل أو ~~الصهيونية، وقد كانوا عصابات قبل أن تكون لهم دولة، هي الآن إحدى الدول ~~التي تشارك الولايات المتحدة الأمريكية في مشروع حرب النجوم. # لهذا فإن الاستجابة الصحيحة إزاء العولمة وإزاء وضعنا المتدني عند ~~الحافة، أن نضع خطة لدعم الاستقلال والحرية في إطار النسق الدولي ~~للمعرفة، وبالتعاون والتخطيط مع بلدان العالم الثالث: ~~(1) # أن يكون للبلدان العربية - بناء على تنسيق وتعاون حقيقي ~~- مساهمة واضحة ومميزة وقابلة للتكامل مع النسق العالمي ~~للمعرفة. ~~(2) # دعم التعاون الإقليمي العربي في هذا الاتجاه، وهو ما ~~أشارت إليه اتفاقات ثقافية وتعليمية وعلمية عربية عديدة لم ~~تر النور، ومن بينها إنشاء مؤسسة عربية للترجمة وحرية ~~انتقال الكتاب. ~~(3) # تضافر الجهود مع بلدان العالم الثالث لمواجهة الاحتكار ms110 ~~العالمي للإنتاج وتوزيع المعرفة. ويمكن للمؤسسة العربية ~~للترجمة المزمع إنشاؤها، أن تكون منطلقا وعنصرا أساسيا ~~في الدعوة إلى ذلك. ~~(4) # الوعي على المستوى الاجتماعي بحقيقة التحديات مهما ~~غلفها البعض بعبارات مثل؛ العولمة، والشرق أوسطية، وأن ~~نمايز بين عالمية الفكر وعالمية التحولات والإنجازات، وبين ~~عالمية الهيمنة والإدارة لصالح طرف بذاته. وهو ما يعني ~~الحاجة الماسة إلى عصر تنويري جديد يعبر عن مصالح ~~الإنسانية بعامة دون تمييز، ويكون محور استقطاب ~~عالمي. # إننا لن نستطيع أن نصوغ معنى للوجود الإنساني يقر في نفوسنا، ~~ونشعر بالانتماء نحوه اجتماعيا، ونجاهد وصولا إليه هدفا أسمى في ~~إطار المنافسة العصرية، إلا إذا امتلكنا ثقافة هي نتاج نشاطنا ~~الاجتماعي؛ أي فعاليتنا وتفاعلنا النشط على المستوى الحضاري. وهذا هو ~~سبيلنا إلى صحوة حقيقية وليس انزواء اجتماعيا وردة إلى الماضي. ~~وهكذا تكون أهدافنا نسقا من ابتكارنا، نسقا نحدده في ضوء الخطوات ~~التي ينبغي أن نترسمها نحو أهدافنا التي تصون وجودنا، تأسيسا على ~~علم نشارك في إبداعه وإنتاجه، وثقافة نساهم في إنتاجها؛ إذ بدون ذلك ~~سنظل مستهلكين تابعين. # ولهذا حرى بنا أن تكون الترجمة هي إحدى خطواتنا الاجتماعية التي ~~نخطوها في توافق مع نسق المعلومات والمعارف، وفي اتساق مع إنتاج فكري ~~وعلمي ذاتي، في ضوء استراتيجية تنموية عربية؛ بحيث ترسخ في مجتمعنا ~~ثقافة الإرادة والتغيير الإنتاج المعرفي والتقني. # إن أزمة الانشطار الثقافي بين تقليد وتجريد، أو أصالة وحداثة، إنما ~~هي أزمة بطالة؛ أزمة مجتمع عاطل من العقل الاجتماعي العلمي والتقني ~~النشط، وحين يكون العلم والمعارف العلمية مجالا لممارسة نشاطنا، فسوف ~~يكون نشاطنا حضاريا أصيلا مجسدا في الفكر والعمل. وبهذا تزدهر ~~وتتفتح ذاتيتنا أو هويتنا الاجتماعية، وتتدعم أصالتنا على مستوى ~~العصر، ويبين زيف الانشطار الوهمي المزعوم. وسوف تسهم الترجمة في حسم ~~هذه المشكلة؛ إذ تهيئ من خلال المؤسسة العربية للترجمة، ومن خلال كل ~~نشاط مؤسسي، الفرصة للاختيار الواعي العقلاني، وأن يكون اختيارا ~~جمعيا مخططا وفقا لما يتسق مع حركة نهضوية. # وتساهم الترجمة القائمة على التخطيط والاختيار الواعي العقلاني في ~~دعم ديمقراطية المعرفة بإشاعة ms111 الثقافة العلمية، فلا تكون حكرا على ~~نخبة تتعامل مع اللغات الأجنبية؛ مما يفضي إلى تهميش غيرهم، خاصة ~~بعد شيوع تكنولوجيا سمعية وبصرية إلكترونية مصدرا للمعلومات وللمعايشة ~~العالمية، من شأنها أن ترسخ شعورا بالتميز والتمايز والنخبوية ~~المنعزلة والمتعالية. هذا علاوة على أن التقدم العلمي في عصرنا لا ~~يحقق ثمرته المرجوة إلا بفضل مناخ اجتماعي داعم يشمل الإنسان العام ~~المنتمي والمشارك إيجابيا في إدارة المجتمع وشحذ طاقاته. # ومع تحدي العولمة والشرق أوسطية بات لزاما ألا نترك الإنسان ~~العربي العام نهبا مستباحا لهذه الثقافة يختارها له الآخر أو يفرضها ~~عليه وهو مهيض في خواء، وإنما تكون المعرفة اختيارنا نحن تعزيزا ~~للمنعة الثقافية التي تحصنه على أساس علمي ضد الانهيار أو الاستسلام ~~لرياح مغرضة تهب عليه باسم العولمة؛ إذ نلاحظ كما أشرنا سابقا أن ~~قسطا كبيرا من الترجمة في العالم العربي هو اقتراحات بقوائم تعرضها ~~مكاتب ومراكز وبعثات أجنبية دبلوماسية على الناشرين مثل؛ مكتب الكتاب ~~الأمريكي، ومؤسسة فولبرايت، والبعثة الفرنسية ... إلخ. ولهذا ندعو إلى ~~تعريب الترجمة الواعية التي تحمي العقل من الانغلاق الفكري، وتحميه ~~كذلك من التبعية المطلقة والذوبان في الآخر. وأن تكون هذه الترجمة ~~المنتقاة عاملا نشطا في صياغة إطار فكري متبلور في اتساق مع ثقافتنا ~~ومشروعنا القومي. إنها الاختيار المؤسسي الواعي بدلا من الرفض المطلق ~~أو التسليم التام. # | الترجمة وحوار المتوسط # حدثان شهدهما عام 1995م ونحن في مستهله، وهما وثيقا الصلة بموضوعنا، ~~وإن بديا متباعدين في ظاهرهما: # الأول: # أن إسرائيل أطلقت قمرا صناعيا للتجسس. وقد عقبت ~~صحيفة معاريف على ذلك الحدث قائلة: «إن المسافة بين ~~إسرائيل وكل جيرانها تقاس الآن بالسنوات الضوئية.» وهي ~~في هذا لسان حال دوائر أخرى كثيرة داخل إسرائيل ~~وخارجها. # ودلالة الحدث أمران، وليست القضية في ظاهرها تجسس ~~إسرائيل؛ فإن أسرارنا العربية ذائعة شائعة وإن خفيت ~~على الشعوب. # ولكن التجسس هنا بقمر إسرائيلي يعني أن إسرائيل ~~عزمت على أن تكون مشاركا مستقلا وأصيلا في الثورة ~~التقنية العسكرية، وجوهرها المعلومات تحصيلا وتنظيما ~~ومعالجة وتوظيفا لصالحها. النصر والسيادة في هذا ~~العصر ms112 للأقدر على امتلاك المعلومات، والأفضل والأسرع ~~في استخدامها. وحرب المعلومات ليست فقط حرب ميادين ~~القتال، ولكنها حرب صناعة أو إنتاج وتحصيل معلومات، بل ~~وقدرة على تشويه معلومات الخصم وصناعة وعيه والتلاعب ~~به، سواء في ميادين الحياة المدنية أو العسكرية ~~المختلفة. وصراع الحضارات هو دائما وأبدا صراع ~~معلومات. هذا عن قمر التجسس، أما الصاروخ حامل ~~القمر فهو حامل تاريخ لتطور علمي وتعليمي وتنموي ~~بعامة، ودلالته أن إسرائيل تملك قاعدة علمية ~~وتكنولوجية متطورة هي حصاد مجتمع علمي راق ومستوى ~~تعليمي متقدم، وثقافة سياسية واقتصادية على المستوى ~~الاجتماعي تدعم هذا التطور وتغذيه وتهيئ له ~~الاستقلال والمشاركة الإيجابية عالميا. # الحدث الثاني: # ندوة نظمتها مدرسة الترجمة في تاليدو أو طليطلة في ~~إسبانيا بعنوان «تبادل الأفكار في حوض المتوسط: دور ~~الترجمة». والذي يعنيني هنا أن المتوسط، مرة ثانية أو ~~ثالثة في تاريخ الحضارات، يزمع التحول إلى ساحة ~~لقاء ثقافي؛ أي حوار ساخن أو هادئ بين ثقافات ~~المجتمعات المتوسطية في محيط عالمي متداخل؛ مما ~~سيكون له أثره في تطورها وتنافسها وتحديد السيادة لبعض ~~أطرافها. والسؤال: ما هو سلاحنا إذا أردنا النزول ~~كقوى عصرية إلى هذه الساحة التي لا ترحم؟ وفي تعقيب ~~سريع بين حاصرتين على هذين الحدثين يلخص الموقف: ~~جاء في تحقيق نشرته الأهرام يوم 15 / 5 / 1995م، أن ~~الهيئة العامة للكتاب أصدرت إحصاء يقول: إنه قد صدر ~~في مصر خلال عام 1994م وحده ثلاثة آلاف عنوان عن ~~الشعوذة والدجل صادفت رواجا كبيرا! # صراع الحضارات دائما ينطوي على صراع ثقافي بمعنى ~~الثقافة الأعم، كإطار معرفي قيمي حاكم للسلوك ~~الاجتماعي. والأساس العميق لهذا الصراع، كما يقول ~~توينبي، هو آلية التحدي والاستجابة، وهي آلية مستمرة ~~استمرار المجتمعات. وها هو ذا التحدي ماثل أمامنا. ~~واقع مادي يحاصرنا ويؤزمنا. والسؤال عن الاستجابة ~~وعن المستجيب فكرا وتأهيلا. # الفجوة بيننا وبين العالم الآخر فجوة معرفية، أو ~~معلومات موظفة اجتماعيا بحيث نعيها ونستوعبها ~~ونمارسها ونساهم في إبداعها. التخلف الذي نعانيه قبل ~~أن يكون اقتصاديا هو تخلف ثقافي معرفي في حضارة ~~عالمية تمثل فيها المعرفة ms113 العلمية القوة المحركة ~~والدافعة؛ المعرفة العلمية منهجا للتفكير، ومبحثا ~~للنشاط الاجتماعي، وإطارا حاكما للسلوك. إن اللهاث ~~وراء المعرفة أصبح سمة حضارة العصر حتى بين أكثر ~~البلدان تقدما. # ونحن في مصر - أو العالم العربي - لن نستطيع أن ~~نعيد تأسيس أنفسنا انطلاقا من معطيات ذاتية وبعيدا ~~عن التواصل الحر مع الثقافات العالمية. انفتاح على ~~العالم، وانفتاح على تاريخنا الحضاري بكل تنوعاته منذ ~~فجر الوعي الإنساني. ومن شروط التفكير العلمي أن نملك ~~إزاء هذا وذاك عقلا علميا ناقدا يشكل أساسا ~~لرؤية مستقبلية، واستراتيجية تنموية شاملة لجميع ~~أنشطة المجتمع عند مستوى العصر. إنها أخذ وعطاء، أو ~~لنقل: جناحاها دراسة إبداعية جذورها نشاط اجتماعي ~~منتج، وترجمة معبرة عن هذا ومتكاملة معه، تأخذ عن ~~وعي نقدي، وتنتقي، وتحفز، وتنهض بالمجتمع فكرا ~~ولغة ونشاطا متعدد المناحي، وتساهم في صوغ منظومة ~~معرفية قيمية تقف بالمجتمع ندا وكفئا في ساحة ~~النزال الحضاري، وله استقلاله الحداثي معا. # ولكن ما نصيبنا من الفكر العلمي أخذا وعطاء؟ ولن ~~أقول: التفكير العلمي، وإن كان كل منهما شرطا أو ~~وجها للآخر. وأعود لأسأل: ما نصيبنا من الفكر العلمي ~~العالمي ودوره الفاعل في حياتنا (أي الترجمة العلمية)، ~~وليس نصيبنا من الإنجازات التكنولوجية العلمية التي ~~نستوردها سلعا استهلاكية؟ وكيف يجري اختيار هذا ~~النصيب؟ وهل يمثل دعامة أساسية في بنية تنموية ~~استراتيجية ورؤية مستقبلية لمجتمعاتنا العربية؟ # ليست الترجمة نقل معارف فحسب، بل الترجمة تواصل حر ~~بين الحضارات. ولا يكون هذا التواصل مثمرا إلا حين ~~تؤرقنا روح المغامرة الإنسانية التي يزكيها نهم ~~معرفي لاستيعاب إنجازات وفتوحات العلم المرتكز على ~~عبقرية الإنسان من أجل تغيير الواقع؛ واقعنا الثقافي ~~والبناء الاجتماعي لحاجتنا الملحة إلى ذلك؛ وبذا ~~نكون بنائين للحضارة عن وعي وعقلانية. إننا قد ننقل ~~النظريات أو المصطلحات، ولكن يظل حديثنا بها رطانا؛ ~~لأننا لا نستطيع أن ننقل الرأس المبدع، ولا حياة ~~النشاط الاجتماعي الإنتاجي الخالق لها. وقد نستورد ~~نظريات ومناهج التعليم، ولكننا لا نستطيع أن نستورد ~~الشغف بالعلم، والنهج المعرفي؛ أي روح التعليم ~~ذاته. # | المترجم العربي، الحقوق والدور الاجتماعي ms114 # قضية المترجم لها أكثر من زاوية؛ الكفاءة اللغوية والثقافية، وكذا ~~الحقوق، وأيضا المترجم والدور الاجتماعي. # أما من حيث الكفاءة والأهلية لأداء الدور فهذه مسألة إعداد وتنشئة ~~اجتماعية في الأسرة والمدرسة والمجتمع بعامة. وإذا ألقينا نظرة على ~~هذه العناصر الثلاثة (الأسرة، المدرسة، المجتمع) في واقعنا الراهن ~~نجدها جميعا لا تسهم في إعداد مترجم؛ ذلك أن المترجم ليس هدفا من ~~أهداف المجتمع، ولا محط طموح. ويكفي أن أقول: إنه حين تقرر منذ بضعة ~~عقود أن ينتقل التلميذ من صف دراسي إلى الصف التالي، على الرغم من ~~رسوبه في مادتين، فإن التلاميذ وأسرهم حرصوا على الشكل وهو عبور ~~المراحل، واختاروا الرسوب في مادتين أساسيتين هما: اللغة الأجنبية ~~والرياضيات. أي تخرجت أجيال عازفة عن اللغة الأجنبية وعن التفكير ~~الرياضي، ومقطوعة الصلة بالثقافة العالمية، وبأساس مهم من أسس الفكر ~~العصري وهو الرياضيات. # واقترن هذا - للأسف - بشيوع الأمية الثقافية؛ إذ لم تعد الحياة مع ~~حضارة العصر فكرا وثقافة وعقلا معيارا أو قيمة أو هدفا؛ لذلك ليس ~~غريبا ألا نجد جيلا جديدا من المترجمين الأكفاء، وهو ما يؤكد ~~تعطل نشاط أساسي للمجتمع هو نشاط الترجمة كحلقة وصل وتفاعل مع العالم ~~المتقدم، وأداة حوار حضاري عصري. أعني أن المجتمع بسياسته هذه عطل ~~الدور الاجتماعي للمترجم، وهو أساسي تحرص عليه جميع المجتمعات التي ~~عقدت العزم على النهوض، وتحرص على استيعاب علوم العصر. # ودور المترجم رهين تفهم المجتمع لحاجته إلى المعرفة دون حدود، ~~وحاجته إلى التفاعل الفكري (العلمي النظري والتطبيقي والثقافي بعامة) ~~مع حضارات الأمم، واكتساب أسس النهوض والتقدم، وصولا إلى مستوى ~~العطاء والإبداع. إن المترجم هو منفذ المجتمع للانفتاح على ثقافات ~~الآخرين، ومن ثم التحرر من نير الانغلاق والتقوقع داخل شرنقة ثقافات ~~الأنا المهيضة، بل وحفزنا على النفاذ بفكرنا في دائرة فكر ~~الآخر. # وحيث إن دور المترجم هو دور اجتماعي بامتياز، وإن الترجمة بهذا ~~المعنى نشاط اجتماعي هادف، فإن إعداد المترجم وظيفة اجتماعية أولى ~~بالرعاية. وها هنا يكون الإعداد والدور عملين متطابقين يكمل أحدهما ~~الآخر؛ فالإعداد حق للمترجم على ms115 المجتمع وعلى نفسه، والدور حق ~~للمجتمع على المترجم. ونذكر من عناصر التكوين الاجتماعي والذاتي السليم ~~للمترجم كي يقوم بدوره على خير وجه: ~~(1) # التكوين الثقافي الموسوعي؛ أي التوفر على ثقافة موسوعية ~~تعزز وتكمل تخصصه العلمي. ~~(2) # إجادة لغتين على الأقل، اللغة التي يترجم إليها، واللغة ~~التي يترجم عنها، واستيعاب قواعدهما وأدواتهما اللغوية ~~والمنطقية؛ الأمر الذي يعينه على فهم أسرار اللغة وصياغة ~~اللفظ وتوليد المصطلح. ~~(3) # النهم المعرفي والتجدد الثقافي؛ بحيث يكون متابعا لكل ~~جديد؛ وبهذا لا يكون مجرد ناقل أو وسيط، بل يكون مبدعا في ~~أدائه وإضافاته وتعليقاته، فضلا عن الإحاطة بالسياق ~~الفكري العام والسياق التاريخي للنص الذي يعكف على ترجمته. ~~وهكذا تكون الترجمة إبداعا، وصياغتها باللغة الأم دقيقة ~~في التعبير، واضحة، يسيرة الفهم. ~~(4) # الإلمام بالقواعد المنهجية للترجمة، من حيث التحليل ~~لبنيات الجمل في تركيباتها المتباينة، وتذوق النص، ~~وتوافر الحس اللغوي في دلالاته وتلويناته مع اختلاف ~~السياق؛ ذلك لأن الترجمة هي قراءة وفهم لحضارة عبر إطار ~~معرفي/قيمي لحضارة أخرى. ومن هنا حرى بالمترجم أن تتوافر ~~لديه القدرة على التحليل الدلالي للنص، وقدرة على اعتبار ~~السياق العام. ~~(5) # وإذا كانت الترجمة أداة إثراء وتخصيب وتطوير للغة الأم، ~~فإن هذا يعني أن للمترجم دورا علميا إبداعيا في تطوير ~~اللغة. وليس غريبا أن نجد اللغة العربية - كمثال - تحقق ~~ثراء في عصر ازدهار الترجمة قرين حركة النهضة ~~الاجتماعية. ~~(6) # وحيث إن الترجمة إبداع علمي، فإن المترجم هنا يلتزم ~~موضوعية المنهج العلمي، من حيث الأمانة والدقة، وتجنب ~~إقحام نوازع ذاتية قد تدفعه إلى الإبهام في موضع الوضوح أو ~~الإخفاء والالتواء في موضع الصراحة. # أما عن حقوق المترجم فهي ضائعة مهدرة في ظل ظروف الانحسار الثقافي ~~والانكفاء على الذات في المجتمع. ويكفي أن نعرف أن جميع مؤسسات النشر ~~العامة والخاصة تعطي المترجم الفتات، باستثناء مؤسسات بلاد النفط. ~~وترفض مؤسسات كبرى الالتزام بالقواعد المتبعة؛ مثل تحرير عقد ~~بالترجمة؛ لحرمان المترجم من حقوقه مستقبلا. وعلى الرغم من أن الصكوك ~~والاتفاقيات الدولية تعترف بأن المترجم مؤلف، وأن الترجمة نشاط إبداعي؛ ~~فإن الأمر على خلاف ms116 ذلك في عالمنا العربي. والمترجم مهدر الحقوق؛ ~~لأنه يعمل كفرد لا تربطه رابطة بغيره من المترجمين. # وجدير بالذكر هنا أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ~~التابعة لجامعة الدول العربية سارت خطوات جادة ومهمة في هذا الاتجاه. ~~ولكن الدول العربية ومؤسساتها في الداخل لم تنفذ ما دعت إليه ~~المنظمة العربية، نذكر على سبيل المثال: «الاتفاقية العربية لحماية ~~حقوق المؤلف»، التي تعتبر المترجم مؤلفا، وتتضمن بابا عن نطاق ~~الحماية، والذي ينص على: ~~«يتمتع بالحماية أيضا، ويعتبر مؤلفا، لأغراض هذه ~~الاتفاقية؛ من قام بإذن المؤلف الأصلي بترجمة المصنف إلى لغة ~~أخرى، وكذلك من قام بتلخيصه أو تحويره أو تعديله أو شرحه أو ~~غير ذلك من الأوجه التي تظهر الصنف بشكل جديد.» # وتضمنت الاتفاقية بابا، هو الباب السادس، والخاص بوسائل حماية ~~حقوق المؤلف (والمترجم طبعا)، والذي ورد فيه النص التالي: # المادة الثالثة والعشرون # تعمل الدول الأعضاء على إنشاء مؤسسات وطنية لحماية حقوق ~~المؤلف، ويحدد التشريع الوطني بنية هذه المؤسسات ~~واختصاصها. # المادة الرابعة والعشرون # تنشأ لجنة دائمة لحماية حقوق المؤلف من ممثلي الدول ~~الأعضاء لمتابعة هذه الاتفاقية، وتبادل المعلومات، بما يكفل ~~حماية المصالح المعنوية والمادية للمؤلفين ~~(والمترجمين). # وكلفت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الأستاذ الدكتور ~~محمد حسام لطفي أستاذ القانون المدني، بوضع مشروع قانون نموذجي بشأن ~~تنظيم مهنة الترجمة. # ويتمثل مشروع القانون في خمسة أبواب تتعلق بالموضوعات ~~الآتية: ~~(أ) # إنشاء النقابة وأحكام العضوية. ~~(ب) # النظام المالي للنقابة. ~~(ج) # إدارة النقابة. ~~(د) # التزامات المترجمين وتأديبهم. ~~(ه) # صندوق المعاشات والإعانات. # وفي إشارة توضيحية نقرأ النص التالي: ~~«لم يشأ المشروع أن يخص المترجمين بحماية قانونية خاصة؛ ~~حيث يستفيد المترجم باعتباره مؤلفا للنص الذي وضعه من الحماية ~~الوطنية والدولية المقررة للمؤلفين. ولم يشأ المشروع أن يضع ~~تعريفا للمترجم حيث قصد تأكيد وضع المترجم كمؤلف.» ~~(الخطة القومية للترجمة، إصدار المنظمة ~~العربية للتربية والثقافة ~~والعلوم، تونس 1996م) # ومع هذا وقعت البلدان العربية اتفاقات الجات، ولم تتخذ أي إجراء ~~داخلي لتنفيذ ما نصت عليه مشروعات المنظمة؛ فاتفاقية الجات تحافظ على ~~حقوق المؤلفين ms117 من أبناء العالم المتقدم، بينما يظل المترجم في أغلب ~~البلدان العربية مهدر الحقوق وغير معترف به. وليس غريبا - والحال ~~كذلك - ألا نجد في البلدان العربية قاعدة معلومات عن المترجمين ~~والمترجمات، ولا نجد رابطة تحافظ على حقوق المترجم وتنهض بدوره ~~الاجتماعي. # | الجات والكتاب المترجم والعولمة # نناقش أمورنا عادة بمنطق الإحالة. نحيل الأمر على الآخر دون الأنا، ~~وهذا يجعلنا دائما نرى فقط عنصر القوة والسلطة وكأنهما البعد الواحد ~~والوحيد الحاكم لمسار الظواهر، دون تحليل لأسباب القوة ومصادر ~~اكتسابها. وننسى هنا عنصر العمل والفعالية لدى الأنا، وأن علاقات الدول ~~علاقات تفاعل، وليست إما فعلا أو انفعالا، فاعلا أو مفعولا به. ~~وإذا أكدنا على أنفسنا وفعاليتها هنا، فإننا سوف نناقش القضية من ~~زاويتين ومنطلقين؛ الأنا والآخر في تفاعل، دوري ودور الآخر، مسئوليتي ~~ومسئولية الآخر، قبول التحدي وإرادة الفعل كمجال صراع. # وحين نقول الجات مثلا، فهذا فعل الآخر. والسؤال: ماذا عن فعلي أنا؟ ~~ليست القضية قيما أخلاقية مجردة، ليست هي التماس الحق المجرد ~~المطلق من أي صراع على المصالح؛ لأننا نحن كذلك لسنا مجردين من ~~المصالح، ولكننا نبرر نهج التواكل والاستكانة والنزوع الاستهلاكي. ~~وهذا النهج يحمل ثنائية نقيضية هي: إما أنا أو الآخر، الصدر أو ~~القبر، الهيمنة لي مطلقة أو للآخر، وحين تتوفر لي القوة فأنا وحدي، ~~وهذه شهادة التاريخ. # والجات، في ضوء هذا الفهم، آلية تشغيل وضبط علاقات في المستوى ~~الدولي؛ فالعالم ينتج آلياته في سياق التاريخ الاجتماعي. مقتضيات ورؤى ~~العناصر المؤثرة الفاعلة طبقا لمستوى حضارة العصر. وهي آلية جماعية ~~غير متجانسة، ليست نسيجا متجانسا، بل يحمل تناقضاته شأن أي واقع ~~اجتماعي محلي أو عالمي؛ ومن ثم تنطوي على احتمالات الحركة ~~والتغير. # والحضارة هي إبداع ثقافي وفكري على مستوى المجتمع الدولي الآن. وهذا ~~المنتج الثقافي الفكري الجديد يحمل قدرات وسلطات، ويتحرك في مناخ ~~ثقافي اجتماعي، وفي إطار من العلاقات المتبادلة المتفاعلة. وهذا من ~~شأنه أن يحدد رؤى حركية للواقع من الحاضر إلى المستقبل عبر الفعل ~~الاجتماعي النشط؛ ولهذا يتحرك في إطار تناقضات حتى وإن ms118 علا صوت أحد ~~العناصر، وساد الظن بأن الغلبة له، أو زعم أنه خاتم الحضارات ونهاية ~~التاريخ، وأن كلمته هي القول الفصل في الفكر والمذاهب والعقائد. والأمر ~~في جميع الأحوال رهن فعالية أطراف المعادلة، والقدرة على خلق علاقات ~~وأطر عمل جديد. وينطوي عادة هذا التطور الثقافي الفكري على نذر ~~وبشائر للإنسانية أو العالم؛ فقد يكون أنيابا مفترسة في يد العنصر ~~القوي. وقد يكون رسالة للتقدم الإنساني. وينطوي كذلك على طاقات وقوى ~~جديدة، وآفاق أطماع جديدة، مثلما ينطوي على لغة وفكر جديدين. وتثور ~~معه قضايا تتعلق برؤى عن الإنسانية بعامة، عن حقوق الإنسان، وعلاقة ~~الإنسان بالطبيعة، وعن رؤية جديدة للحياة وللوجود، وعن حق التنوع ~~والاختلاف للأفراد أو للمجتمعات، وعن الخصوصيات الثقافية والقومية ... ~~إلخ. # لهذا فإن الحديث عن الجات في إطار العولمة - وأقصد بالعولمة هنا ~~المدلول العلمي والثقافي لحضارة العصر، دون مدلول الهيمنة عبر ~~المضاربات المالية - لا يكتمل إلا إذا تناولنا هذه الاتفاقية أو مجموعة ~~الاتفاقيات في ضوء الواقع العالمي الجديد في تطوره، وأيضا في ضوء ~~النظر إلى أنفسنا وواقعنا وحالنا، مع النظر إلى واقع الآخر وإمكاناته ~~وأطماعه. والتساؤل في وضوح عن: من الذي سيتعولم؛ أي المرشح لفرض ~~العولمة عليه، وفقد دوره الإيجابي - إن وجد - في الإنجازات العلمية ~~والثقافية العالمية ويكون مستهلكا؟ ونسأل كذلك من الذي سيعولم؟ أي ~~المنتج المهيمن بفضل إنتاجه لسلعة مطلوبة داعمة للمرحلة الحضارية. أي ~~من في موقع الفاعل، ومن في موقع المفعول به مرحليا، إلى حين الفعل ~~المضاد والمواجهة؟ # الجات كما أشرنا آلية إضافية إلى آليات أخرى؛ مثل صندوق النقد ~~الدولي، والبنك الدولي، اللذين تسيطر عليهما الولايات المتحدة ~~الأمريكية. وتهدف هذه الآليات جميعها إلى ضبط العلاقة - في ضوء ميزان ~~القوى - بين دول المركز؛ أي التي لها غلبة الفعل الإنتاجي، ولها الغلبة ~~السياسية والعسكرية بدرجات متفاوتة، وبين هذه في مجموعها وبين دول ~~الأطراف التي لها غلبة الفعل الاستهلاكي. وهذه الآليات جميعها رهن ~~مرحلة بذاتها لواقع جديد هو واقع العولمة الذي هو صيرورة محدداتها ~~ميزان القوى علميا وتقنيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا. ms119 وهذه ~~عملية ظهرت مقدماتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. # ويمكن القول: إن ما يجري الآن هو بداية وليس نهاية، وإننا الآن بصدد ~~بداية عملية نشطة يجري خلالها تشكيل الواقع العالمي على مدى هذه ~~الصيرورة؛ نتيجة سلسلة من الصراعات المتعددة الأوجه والأطراف؛ ليبلغ ~~الواقع العالمي على الطريق التطوري نهاية المرحلة وبداية مرحلة أخرى. ~~واطراد هذه الصيرورة لا يعني بحال من الأحوال نهاية التاريخ، ولا ينفي ~~احتمالات تحولات جذرية في مسار هذه المراحل. # وما دام حديثنا عن الجات والكتاب فإننا نركز الضوء على سمة مهمة ~~مميزة لروح العصر، ونعني بذلك العلم إنجازا نظريا وتطبيقيا، ~~والعلم من حيث هو شبكة إنتاج عالمية تتحكم فيها بلدان المركز، وهي ~~البلدان المتقدمة صناعيا، والعلم من حيث هو نشاط اجتماعي مؤسسي، ومن ~~حيث هو سلعة متميزة تحظى ببراءة الاختراع وحق الملكية الفكرية. # وليس لنا أن نواجه واقع اتفاقيات الجات بحجج نظرية مفادها أن الغرب - ~~مركز إنتاج المعلومات - استعمرنا، وعليه أن يرد دينه أو دفع التعويض. ~~ومع صواب هذا الرأي، إلا أن مثل هذا القول لن يعدو كونه صرخة في واد ~~لن يعيرها الأقوياء آذانا مصغية. ومنطق العالم أن الأقوى اقتصاديا ~~وعسكريا وعلميا، هو الأقوى حجة والمسموع كلمة، وأن الأضعف يخضع ~~للأمر الواقع صاغرا ولو إلى حين. لم تأت اتفاقيات الجات بجديد فيما ~~يتعلق بحقوق الملكية الفكرية. وإنفاذ هذه الاتفاقيات يشكل عبئا ~~اقتصاديا على البلدان الفقيرة؛ مما يزيدها فقرا وجهلا. وتؤكد هذه ~~الاتفاقيات أن الكتاب والمعلومات عامة سلعة في السوق لمن يشتري، ومن ثم ~~يرى أن النهج الأسلم قبول التحدي والمنافسة، وابتداع سبل جديدة ~~للمنافسة في إنتاج الفكر والثقافة والعلم والمعلومات بعامة. فما هو ~~واقعنا في هذه السوق، نحن والآخر؟ نسأل: ماذا عن دورنا نحن في إنتاج ~~الكتاب والمعلومات والثقافة والملكية الفكرية؟ # قلة في العالم تستأثر بإنتاج بضاعة حضارة العصر، وكثرة غالبة معدومة ~~لا تملك شيئا، حظها صفر من الإنتاج، لا تملك حتى القدرة على الاستهلاك ~~الإيجابي النشط؛ أعني الاستهلاك بهدف الإنتاج والإبداع والتطور. # نصرخ لأن الكتاب المترجم ms120 ستزداد كلفته حين ندفع حقوق الملكية، ولا ~~نسأل لماذا لا يصادف الكتاب المترجم إلى العربية رواجا محليا ~~يعوض كلفته؛ والسبب شيوع الثقافة الشفاهية وغلبة الأمية الأبجدية ~~التي تتجاوز ستين بالمائة، فضلا عن مرض العزوف عن القراءة العلمية، ~~وسيادة الأمية الثقافية التي تتجاوز تسعين بالمائة، ثم الانصراف ~~الاجتماعي شبه الكامل عن الاهتمام بالعلم معرفة وتعليما وبحثا ومنهج ~~تفكير، بل وإهمال مؤسساته اجتماعيا، وهو الفريضة الغائبة عن وعينا. ~~هذا بينما إذا عولجت أمراض الأمية الأبجدية والثقافية وأمراض الانصراف ~~عن العلم سوف يروج الكتاب، ويحقق أرباحا تفي بالحقوق القانونية ~~للمؤلف والمترجم والناشر. # نجأر بالشكوى؛ لأن الجات ستقف عائقا يحول دون فيض الأعمال المترجمة، ~~وأنها سوف تحد من نشاطنا. ونسأل عن حجم الترجمة في بلادنا كنشاط ~~اجتماعي، وإلى أي حد كانت الترجمة نشاطا اجتماعيا هادفا ~~ومتداخلا في نسيج ثقافتنا، ودعامة لحركتنا النهضوية؛ تلبية لطلب ~~اجتماعي ظامئ ومتنام؟ مقارنة بسيطة تكشف أن هناك من هو أحق بالصراخ ~~والشكوى، ولكنه آثر الفعل النشط ونجح في المواجهة، وأضحت الشكوى غير ~~ذات موضوع. نظرة إلى نشاط الترجمة في عدد من البلدان المصنفة بين ~~البلدان النامية، وليست ضمن بلدان العالم الأول، ومقارنة إنتاجها ~~بإنتاجنا العربي؛ تشكل إجابة واضحة أو فاضحة: # متوسط إجمالي الترجمة في جميع البلدان العربية (250 ~~مليون نسمة): 450 عنوانا؛ أي حوالي كتابين لكل ~~مليون. # متوسط إجمالي الترجمة في إسبانيا (39 مليون نسمة): 9500 ~~عنوان؛ أي حوالي 240 عنوانا لكل مليون. # متوسط إجمالي الترجمة في المجر (10,5 مليون نسمة): 1200 ~~عنوان؛ أي حوالي 100 عنوان لكل مليون. # إذن القضية أولا هي نحن من حيث الإنتاج والنهم المعرفي، وكذلك ~~توجهنا المعرفي؛ أعني ما الذي نعكف على قراءته؟ وما نوع الكتب التي ~~لها رواج واسع في حياتنا؟ # في عصر العولمة إنتاج المعلومات ونقلها سلعة عالمية السوق. يجري ~~تبادل ملفات المعلومات داخل شبكات عالمية (الإنترنت)، بضاعة حاضرة بلغة ~~السوق الذي تحتل فيه إسرائيل للأسف المرتبة الثانية في هذه التجارة ~~المربحة بعد الولايات المتحدة الأمريكية. والهيمنة في عصر العولمة ~~للأقدر والأسرع ms121 والأكثف في مجال إنتاج ونقل وتوزيع واستيعاب وتوظيف ~~المعلومات. # أما نحن فواقعنا يشهد أننا نشبه تاجر العاديات الذي يعرض سلعا ذات ~~قيمة جمالية أو تاريخية تملأ العين، وتشبع الوجدان إلى حين، ولكن يكفي ~~التطلع إليها وتأملها أو اقتناء بعض منها دون أن تصنع حياة لعصر ~~جديد. # لهذا بات لزاما لزوم الحياة والحفاظ على الوجود مواجهة النفس من أجل ~~مواجهة الجات وجميع آليات دول المركز التي تدعم لها أسباب الهيمنة، حتى ~~بات واجبا الانتصار على عوامل التواكل والكسل والركون إلى الاستهلاك ~~السلبي، واقتحام مجال الإنتاج الإبداعي، والإسهام في المنتج الحضاري؛ ~~أن نهيئ أنفسنا لاقتحام سوق سلع المعلومات، ونعرض المطلوب للسوق ~~طبقا لمستوى العصر؛ أن نكون عنصرا ضروريا في حياة العصر لا عيالا ~~عليها. # ما نصيبنا من إنتاج المعلومات لعرضها في السوق العالمية المطالبة ~~بحقنا فيها؟ # ما الكتاب العربي الذي يصادف رواجا، أو يسد حاجة، في مجتمعات أو ~~تجمعات غير عربية في مجال الأدب، والفنون، والعلوم الإنسانية بعامة، ~~وكذا العلوم الطبيعية النظرية والتطبيقية (التقانة)؟ # إننا نستطيع أن نواجه الجات على عدة مستويات منها: # الأول: # تنظيم إدارة وتوزيع المنتج الفني والأدبي والعلمي ~~والأثري السياحي؛ لضمان عائد التصدير إلى الخارج سواء ~~على الجاليات العربية أم إلى السوق الأجنبية بعامة. ~~ويقتضي نجاح هذا البند الارتفاع بمستوى المنتج ليكون ~~حضاريا عصريا مطلوبا من الآخر، ويكون سلعة ~~منافسة ذات عائد. # الثاني: # اتخاذ التغييرات اللازمة في البنية الاجتماعية ~~والبنية الذهنية للإنسان العربي؛ لكي نهيئ المناخ ~~للإنتاج الإبداعي والإسهام في إنجازات العصر، وهو ~~أيضا نفس المناخ الحافز للقراءة والتماس المعرفة، بل ~~ومغامرة الاكتشاف المعرفي، ومن ثم رواج الكتاب. # الثالث: # عقد اتفاقات مع دول شمال المتوسط أو الاتحاد ~~الأوروبي؛ إذ إن هذه البلدان تشجع نقل وتعريب ~~إنجازاتها من الآداب والعلوم وترجمتها، تعزيرا ~~للعلاقات بين الجنوب والشمال كأسلوب من أساليب مواجهة ~~العولمة بمعنى الهيمنة الأمريكية، ويقترن هذا أيضا ~~بالتخطيط، من خلال اتفاقات مع بلدان العالم الثالث. ~~ويمثل هذا النهج خطة من استراتيجية متكاملة ~~نسميها عولمة المواجهة، ولكن تأسيسا على فعالية ~~ذاتية، ms122 والاندماج في العصر، بعيدا عن الشعارات ~~الكلامية الجوفاء. # ويدفعنا هذا إلى أن نسأل مرات ومرات: ما مدى حاجتنا الاجتماعية إلى ~~المعلومات؟ ما حجم ونوع الطلب الاجتماعي؟ وما حجم ونوع العرض الذي ~~نعرضه من المعلومات؟ ما دورنا في إنتاج التقانة الخاصة بمعدات ~~الكمبيوتر سواء العتاد؛ أي # Hardware ~~، ~~أو تصميم البرنامج # Software ~~، بحيث ~~يلبي إنتاجنا طلبا عالميا. ونعود لنقول بكل أسف: إن إسرائيل تحتل ~~المرتبة الأولى في بعض هذه المنتجات، وبلغت صادراتها من المنتجات ~~الإلكترونية في عام 1997م ستة بلايين دولار؛ أي ثلاثة أمثال دخل مصر من ~~قناة السويس. # وإذا كانت الجات تعني الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للمبدعين، ~~فإننا قبل أن نطعن فيها حرى بنا أن نعيد النظر إلى واقعنا، في ضوء ~~رؤية استراتيجية هادفة؛ لنكون في موقع ووضع حضاريين؛ إذ يثرى مجتمعنا ~~بالمبدعين الذين نطالب بحقوق ملكيتهم الفكرية. # إن الجات بكل مساوئها هي بالنسبة للكتاب والمعلومات حافز يستفزنا أو ~~يستنفرنا لكي نرقى بمستوى إنتاجنا من الإنجازات العلمية النظرية ~~والتطبيقية؛ لتكون على مستوى المنافسة الحضارية. # إننا حين نتحدث عن تشجيع الصادرات لزيادة الدخل القومي تتجه الأنظار ~~وتتحول الجهود إلى السلع الخدمية المتوافرة، سواء في صورة خامات أو ~~مصنوعات، وننسى أن البحث العلمي هو أهم الصادرات رواجا، وأهم قوة دعم ~~للصادرات الخدمية. ويجري تصدير البحث العلمي إما في صورة برامج ~~للكمبيوتر أو كتب أو دوريات تتضمن بحوثا علمية دورية، وإما في صورة ~~سلع يجري تطويرها تأسيسا على هذه البحوث، بحيث تكون السلعة متضمنة ~~الإنجاز العلمي الجديد، كعامل ارتقاء وسبب للتفوق والمنافسة، وأيضا ~~عامل رواج وربح. ومعنى هذا أن تصدير السلع لن يحقق نجاحا إلا بفضل ~~البحث العلمي، ولن يتأتى هذا إلا إذا توفرت للمجتمع قاعدة للبحث العلمي ~~متكاملة مع قاعدة الإنتاج. مجتمع يتعلم ويمارس العلم ويسوده مناخ علمي، ~~والتنشئة الاجتماعية فيه تنشئة علمية في البيت والمدرسة والإعلام، ~~أبناؤه يعشقون مغامرة الاستكشاف العلمي بغير حدود ولا قيود. مجتمع لا ~~يخشى الجديد، وإنما يهوى الإبداع والتجديد. # ولنتأمل إسرائيل قطب التحدي والخطر المباشر على أرضنا، ms123 كمثال للمرة ~~الرابعة والخامسة، كيف أصبحت قوة إنتاج علمي وتصدير للإنجازات العلمية ~~بفضل قاعدة البحث العلمي والتنظيم الاجتماعي للموارد والطاقات المادية ~~والبشرية. وأضحت دول كثيرة متقدمة؛ مثل اليابان والولايات المتحدة ~~وألمانيا، ودول نامية مثل الهند تسعى إليها تعقد معها الاتفاقات ~~لاستيراد منتجاتها التقنية، بل والمشاركة مع علمائها في مراكز البحث ~~الإسرائيلي. وتشعر هذه الدول أنها بحاجة إلى إسرائيل التي تبيع من ~~إنتاجها العلمي والتقني، في صورة أبحاث أو إنجازات مادية، ما يعوضها ~~عن الجات، بل ويعود عليها بالربح الوفير، ويكفل لها الأمن والبقاء ~~واستمرار التحدي بفضل ما هيأه لها البحث العلمي والثقافي وتنظيم ~~الموارد من سطوة وقوة؛ إذ لا بد وأن يحتاج إلينا العالم لا أن يكون ~~بقاؤنا صدقة من العالم؛ فالبقاء للأصلح. # ونسأل في المقابل عن تنظيمنا لمواردنا البشرية والمادية، وعن علاقتنا ~~الاجتماعية إلى أي حد هي حافزة، وعن بنيتنا الذهنية وتنشئتنا ~~الاجتماعية والتعليمية. ولنسأل إلى أي حد تمثل جامعاتنا ومراكز ~~أبحاثنا قبلة يقصدها علماء من العالم ليتزودوا بإنجازاتنا ~~ويتدربوا فيها، وكم عدد علمائنا وباحثينا المبعوثين للدراسة والبحث ~~في الخارج واستيعاب علوم وتقانة الآخرين المتقدمين؛ ليعودوا وهم ثروة ~~اجتماعية وأداة إثراء وعطاء حضاري يمثل عائدا اقتصاديا. لا أريد ~~أن أسأل عن س أو ص من العلماء المصريين في الخارج. احتفت مصر مؤخرا ~~بعالم مصري زائر، وهناك غيره كثيرون من الطيور المهاجرة، ولكن لم يسأل ~~أحد نفسه عن مصير هذا أو ذاك لو عاد إلى بلاده؟ ولعل الأصوب أن نسأل: ~~كم آلافا وئدوا داخل المجتمع فكانوا ثروة مهدرة، ولا ~~يزالون؟! # إن العلم النظري والتطبيقي هو روح العصر، وهو روح السوق العالمية في ~~عصر العولمة والهيمنة. السوق العالمية سوق معلومات إبداعا وتوزيعا ~~وتوظيفا، وهي معلومات في صورة أبحاث أو كتب أو مجسدة في سلع مادية ~~إنتاجية وخدمية. لا نريد أن نكون أشبه بمن يواجه قاطع طريق فيصرخ ~~ويقنع بالصراخ، وإنما أن يتدبر أمره فيلتمس الحيلة والوسيلة للتصدي ~~بسلاح العصر، خاصة وأن الوضع العالمي هو محصلة توازن قوى عسكرية ~~وسياسية ومالية واقتصادية، ms124 وهي قوة ركيزتها العلم النظري والتطبيقي. ~~وهذا الوضع العالمي ليس قدرا محتوما، وليس نهاية التاريخ، بل التاريخ ~~حركة عالمية هي فعالية المجتمعات، والتي تفضي إلى تغيير أطراف ~~المعادلة. إنه إرادة المجتمعات الفاعلة؛ من أجل الانتصار على سلبيات ~~النفس، والانتصار على الآخر. # | لغتنا وتعريب العلم # اللغة، الفكر، المعرفة، الفهم، الفعالية، الإنتاجية والإبداعية؛ هذه ~~جميعها تكاد تكون مفاهيم مترادفة؛ إذ لا لغة بدون فكر، ولا لغة أو فكر ~~بدون فعالية إنتاجية للأنشطة الإنسانية في إطار علاقة الإنسان/المجتمع ~~بالوجود. وإذا كانت اللغة أداة تواصل فإنها تواصل فكري لما هو موضوع ~~فهم الإنسان النابع من تلك العلاقة الإنتاجية النشطة؛ إذ إننا نعي ~~الوجود ونتعامل معه ونعبر عنه باللغة ومن خلالها، فكأن اللغة هي ~~الفكر والفعل والرمز في آن. # وجهان للمشكلة # ومسألة التعريب هي في ظني ذات شقين: ~~(أ) # العلاقة بين لغة العلم واللغة الطبيعية في ~~المجتمع. ~~(ب) # صياغة المصطلحات العلمية. # والشق الأول شق أصيل؛ ذلك أننا بحاجة إلى بحث حقيقة أبنية ~~اللغة الطبيعية وبحث العلاقة بين اللغة العلمية بما لها من ~~خصوصيات، وبين أبنية اللغة الطبيعية السائدة، وإلى أي حد تعتبر ~~هذه العلاقة معززة أو معوقة لصياغة الفكر العلمي؛ فقد تكون ~~أبنية اللغة الطبيعية في المجتمع، كما هو شأنها في الحضارات ~~السابقة على حضارة الصناعة، تعبيرا عن فكر أو ثقافة اجتماعية ترى ~~الوجود تجليات، وترى الظواهر موضوعا لتأملات نظرية مجردة، ونتائج ~~منسوبة إلى علة خارج الذات والطبيعة، وتجاوز فكر الإنسان وقدراته ~~على البحث والاستكشاف. وها هنا تكون اللغة أو أبنية الفكر ~~الاجتماعي حائلا دون فعالية الإرادة الإنسانية للتغيير واستكشاف ~~قوانين اطراد الظواهر الطبيعية، أو لنقل: أبنية تقنع بالتواكل ~~والكسل الفكري والإحالة إلى علة خارقة؛ إذ تكفي عبارة كلامية ينتهي ~~عندها الإشكال، ويقنع الإنسان/المجتمع بالتفسير الذي يتجاوز ~~الطبيعة التي هي موضوع البحث العلمي. بينما البحث العلمي له لغة ~~المنطق من حيث العلة والمعلول، وبعدا الزمان والمكان والعلاقات ~~بين ظواهر طبيعية لها قوانينها التي تعبر عن حركتها واطرادها، ~~ونشأتها وتكوينها، وتهيئ للإنسان إمكانية التحكم والسيطرة؛ أي ms125 أن ~~تكون ساحة لفعالية الإنسان وممارسة إرادته في التغيير. # ويرتبط هذا بأوثق ارتباط بالمنهج؛ ذلك لأن المنهج ليس فقط قواعد ~~بحث، بل توجه عقلي، ونهج في الفهم، وأسلوب لغوي في الصياغة، ونحو ~~في التعامل مع الواقع موضوع الدراسة. # لغتان وقطيعة معرفية # فاللغة بمترادفاتها السالفة الذكر هي الإنسان/المجتمع دورا ~~وعلاقات وفاعلية وأسلوب هذه الفاعلية؛ فقد تكون اللغة في مجتمع ~~ما - وبحكم هذه الاعتبارات - لغة غارقة في تهويمات ومفردات ~~وعبارات نظرية مجردة أو تأملية ميتافيزيقية، ومن ثم تكشف عن مسافة ~~فاصلة هي مسافة واقعية، تفصل بين اللغة وبين التعبير الذي يجسد ~~فعالية مادية مباشرة وإيجابية بين الإنسان/المجتمع والوجود، ومثل ~~هذه اللغة تنتظر من الإنسان/المجتمع أن يستن سنة جديدة في ~~علاقته أو في حواره مع الوجود؛ أي تنتظر تحولا حضاريا لتكون ~~اللغة هي لغة الحضارة الجديدة وفكرها ومفاهيمها وفعاليتها ~~الإنتاجية؛ ولهذا يقال: إن التحول الحضاري، وهو في جوهره تحول ~~مادي/فكري، أو مادي/روحي، كما يفضل البعض أن يسميه، هو أيضا ~~بالضرورة تحول في اللغة، أو أن لكل حضارة لغتها من حيث المدلول ~~والتعبير عن الإنسان/المجتمع الجديد في علاقته الإنتاجية النشطة ~~بالوجود، وكذا من حيث النظرة إلى الوجود ونهج التعامل معه. # ولعل هذا هو أحد الأسباب في أن البعض يقاوم ويتشدد في مقاومته ~~لأي تجديد حضاري باسم الحفاظ على اللغة، خاصة إذا كانت اللغة هي ~~إحدى خصوصياته أو مرتكزاته الحضارية التي بدونها يغدو صفرا من كل ~~شيء حسب مفهومه التقليدي، وكأن حضارته هي فقط صياغة لغوية ومضامين ~~تقليدية ورسوم كلامية مكتوبة أو مقروءة، وليست فكرا وقيما ~~ونشاطا إبداعيا له تاريخ؛ أي لا يراها تاريخية الدلالة ومرحلة ~~من مراحل تطور اجتماعي مطرد المضمون أبدا، ومثل هذه اللغة تكون ~~عائقا أمام لغة العلم، بل وأمام منهج البحث العلمي والفهم العلمي ~~للظاهرة؛ ذلك لأنها تضع الإنسان/المجتمع أسير نظرة إلى العالم ~~منافية معرفيا لنظرة العلم. # إن مصطلح السبب أو السببية في لغة التقليد مناف مدلولا ونطاقا ~~لمصطلح السببية في لغة العلم. ولغة التأمل النظري للظواهر من حيث ~~هي تجليات، ms126 تحد من قدرة الإنسان على الفعالية الإيجابية ~~واقتحام الظاهرة وفهم قوانينها وتغيرها والخطو بها نحو هدف أو مصير ~~يقرره الإنسان. وتعزو مثل هذه اللغة أسباب الظاهرة إلى علة ~~خارجها، حتى ليتعذر فهمها على نحو آخر، وكل من يحاول التعبير ~~بمثل هذه اللغة عن ظواهر العلم وعن منهج البحث العلمي وإنجازاتها ~~سوف يجد أن لغة التقليد لن تطاوعه، بل سوف يخلط بين اللغتين غصبا ~~ويشوههما؛ فلا هي لغة تأمل ميتافيزيقي في ظاهرها، ولا هي لغة علم ~~في حقيقتها، وإن ظل هو من حيث الفعل والفكر خارج ساحة ~~العلم. # إن لغة العلم هي لغة تغيير الظاهرة بفضل فعل إنساني إيجابي بعد ~~فهم أسبابها من داخلها، وإيمان بقدرة الفاعلية الإنسانية على ~~التحكم في مسارها، ومن ثم في مصير الإنسان. وصورة الكون والإنسان ~~في لغة التقليد أو حضارة ما قبل المنهج العلمي، صورة تعبر عنها ~~لغة تساوي فكرا سكونيا ثباتيا مطلقا لا تاريخيا. على عكس ~~الحال في العلم؛ فالتحدث بلغة العلم لا ينقل صورة العالم إلى صاحب ~~الفكر التقليدي؛ فلكل لغة صورتها عن الوجود أو رؤيتها أو فكرها. ~~وصاحب الفكر التقليدي إذا ما اصطنع لغة العلم في حديثه إنما يصطنع ~~رطانا غير ذي مدلول ما لم تحدث وظيفة معرفية تجعله يرى العالم من ~~خلال إطار معرفي/قيمي جديد هو إطار العلم؛ لذلك نرى التقليدي يصوغ ~~عبارات إنشائية عصرية الشكل ليحدثنا عن صورة تقليدية، ويبين ~~لنا بوضوح أن المفكر التقليدي، بدون هذه الوظيفة المعرفية ~~اجتماعيا والمتجاوبة مع نشاط مجتمعي، يرتد أو ينتكس سريعا إلى ~~التقليد فكرا أو سلوكا؛ أي إطار معرفي/قيمي؛ فهو في باطن فكره له ~~الحاكمية ومقطوع الصلة بالواقع. # وهكذا يمكن القول: إن التقليدي بفكره أو بلغته إنما هو أحد ~~تجليات أزمة الوعي الاجتماعي والتاريخ في مجتمع يعاني من السكون ~~وعدم التجديد، تجديد الفعل والفكر، ومن ثم تجديد اللغة. إن التعامل ~~مع العصر يكون بفكر؛ أي بلغة حضارة العصر التي هي منتج اجتماعي ~~حضاري. وبهذه اللغة نقرأ حياتنا وتاريخنا وعالمنا قراءة جديدة، ~~وتكون هي القراءة ms127 الأرجح صوابا والأنجح وسيلة لرسم معالم ~~المستقبل والتحرك نحوه. ومن ثم نقول: إن المسافة الفاصلة بين ~~اللغتين هي مسافة حضارية. وتستلزم المصالحة أو عملية التصحيح ~~نقلة حضارية بكل مقتضياتها؛ لغة، ومنهج تفكير، ونظرة إلى العالم، ~~ونهج تعامل أو تناول لظواهر الوجود؛ أعني أن قطع هذه المسافة ~~الفاصلة لا يتأتى إلا بفضل وظيفة معرفية كاملة الأركان لينتقل ~~الإنسان/المجتمع نقلة حضارية جديدة. # إشكالية الدلالة # أما مسألة المصطلح فإنها تتعلق برسم الكلمة ودلالاتها وذيوعها ~~اجتماعيا، ولا يخفى أننا نعاني مشكلة في هذه العناصر الثلاثة ؛ ~~الرسم، والدلالة، والرواج؛ فقد نجد مصطلحا واحدا مرسوما بالأحرف ~~العربية في صياغات مختلفة باختلاف المترجم، وقد نجد مصطلحا ~~عربيا غير واضح المدلول لغياب إطاره الفكري ونشاطه العلمي ~~المتولد عنه، وقد يكون للرسم الواحد دلالات متباينة عند أصحابه في ~~اللغة الأجنبية لأسباب اجتماعية وثقافية، وتكون المشكلة في التعبير ~~عن ذلك عربيا. # إن المصطلحات العلمية هي في حقيقتها إفراز ونتاج عمليات بحث ~~فكري، وهنا يكون المصطلح تعبيرا وتجسيدا لوحدة الفكر والفعل أو ~~وحدة النشاط الاجتماعي الإنتاجي والنشاط الفكري معا، وليس في ~~استقلال؛ إذ يضع الباحث مصطلحا للدلالة على موضوع اكتشافه، أو حدث ~~ما يعايشه. ووضوح المعنى في الأذهان لا يكون إلا بتصور الذهن ~~لدلالة المصطلح؛ أي عناصر الحدث كآلية أو كموضوع. وطبيعي أننا لا ~~ننشد امتلاك كلمة عربية جديدة نزهو بها أو إبدال منطوق غربي بمنطوق ~~عربي، وإنما غايتنا وضوح المعنى والصورة الذهنية والمفهوم. الأمر ~~الذي لا يبين جيدا إلا من خلال نشاط علمي مواز من شأنه أن ~~يوضح، بل ويضيف. # المصطلح معرفة وفهم # والمصطلح العلمي ليس كلمة فقط منطوقة أو مكتوبة مودعة في ~~قاموس، بل هو جزء من نشاط معرفي هو بعض نسيج المجتمع. الكلمة في حد ~~ذاتها خاملة سلبية، ولكنها ضمن هذا النسيج تعبر عن فعالية نشطة ~~داخل بنية فكرية تجسد علاقة الإنسان بالحياة، ومعبرة عن مستوى ~~معرفي، وتتداخل في رابطة عضوية وبمصطلحات أخرى؛ أي بنية معرفية ~~دينامية آخذة في التطور. # وهكذا لا يكون المصطلح كلمة جديدة، بل وحدة ms128 من وحدات لغة العلم ~~التي تسعى إلى إثبات حصاد البحث والتجريب؛ أي إثبات المعارف. إنه ~~معرفة مجالها النشاط المجتمعي، وهو بهذا المعنى إنجاز بكل ما ~~تعنيه كلمة إنجاز من فعالية إيجابية أو إضافة. # وهو أيضا إنجاز من حيث إنه لبنة من لبنات نسيج النشاط المعرفي ~~المجتمعي للتحقق تجريبيا أو نظريا من العالم. إنه إنجاز من حيث ~~إنه وليد شرعي لبحث نظري أو تجريبي يتعين أن يكون ضمن إطار ~~الوعي، ومن حيث إنه إنجاز، فإن - شأنه شأن العلم - له دلالة ~~تاريخية واجتماعية ، ومن ثم فهو رهن بزمان نشأ فيه أدى إلى ظهوره ~~أو اندثاره، ورهن بظروف اجتماعية من حيث القيم التي تعززه أو ~~تنبذه، والنشاط العلمي الذي يستوعبه ويمنحه الحياة. # الوظيفة الاجتماعية للمصطلح # المصطلحات العلمية تأتي ذلولة منقادة لمجتمع يمثل العلم فيه ~~نشاطا معرفيا سائدا، وفعالية لها دورها في بناء المجتمع. هكذا ~~الحال في عصور الازدهار الحضاري، حيث الترجمة تلبية لحاجة ~~اجتماعية؛ أي استجابة لنشاط إنتاجي إبداعي. ليس الأمر أن هناك ~~لغة متخلفة وأخرى متحضرة، وإنما هل ثمة وظيفة اجتماعية للمصطلح، ~~أو سيظل مهجورا أو محصورا؟ فالنشاط العلمي الاجتماعي هو الكفيل ~~بتيسير وإنجاز صوغ المصطلحات ومنحها الحياة، وإضافة الجديد ~~واستيعاب الوافد وليد حركة الإبداع العلمي النشطة في ~~العالم. # ومهمة التعريب لا تنتهي عند صياغة مصطلح برسم عربي ظنا منا ~~أن المصطلح العلمي ثابت الدلالة يكفي تعريبه مرة وإلى الأبد؛ فهذا ~~غير صحيح؛ إذ إن المصطلح - من حيث هو ظاهرة علمية - له حياة ومسار. ~~وتجارب الأمم شواهد صدق على ما ذهبنا إليه، من ذلك تجارب اليابان ~~والصين وإسرائيل. مثال: إسرائيل واللغة العبرية؛ فقد كانت اللغة ~~العبرية في عداد اللغات الميتة، ولكن مع نشأة إسرائيل بدا الاهتمام ~~بإحياء اللغة العبرية لتكون أداة تواصل بين شتات المهاجرين الذين ~~وفدوا من بلدان متعددة الألسن. ومع النشاط العلمي الاجتماعي سرعان ~~ما أصبحت لغة حية متطورة ومعبرة عن مختلف دقائق العلوم. ولو كان ~~المجتمع الإسرائيلي قنع بالأدب والشعر مظهرا للنهوض الحضاري، ~~لجاء إحياء العبرية في صورة لغة ms129 أدب وشعر من دون العلوم. # إن إحياء اللغة في مجتمع عازم على استيعاب مختلف العلوم ~~وممارستها والإفادة بها، والمساهمة في النشاط العلمي الإبداعي، جعل ~~اللغة العبرية أداة متقدمة اغتنت بالمصطلحات العلمية الجديدة، ~~وقادرة على التعبير السهل والدقيق عن مختلف القضايا العلمية، ~~وحدث هذا استجابة لحاجة ملحة لمجتمع نشط علميا، وليس مجرد ~~مجتمع يتلقى الوافد الجديد حسبما يأتي له. # لم يكن جوهر المشكلة هو ترجمة المصطلح، بل تهيئة وظيفة اجتماعية ~~للمصطلح، من خلال نشاط اجتماعي أصيل وفعال؛ فاللغة هي أكثر وسائل ~~التفكير الإنساني دقة ومرونة، ومن ثم لا تبقى ساكنة إلا بسكون ~~مجتمعها، ومتطورة أبدا بتطوره. وهي في نشأتها وارتقائها إنما ~~تواكب التغيرات التي تطرأ على بنية الحياة الاجتماعية والثقافية، ~~وتعكس واقع الفعالية النشطة أو ركود المجتمع. # وإذا كانت اللغة نتاج مجتمع، فإنها أيضا وجود هذا المجتمع أو ~~صورته، ولا تستطيع كلمة أن تكتسب أهلية العضوية في نسيج اللغة ~~وشهادة بقاء وحياة، ما لم يكن لها رصيد في النشاط العملي العلمي ~~الذي يضفي عليها مشروعية الوجود. # جوهر القضية ليس كلمة عربية بديلة، بل فعل عربي بديل تجري معه ~~اللغة لسانا عربيا. # | أزمة الترجمة العلمية وتعريب المصطلح # أزمة الترجمة العلمية انعكاس لأزمة المجتمع، كذلك أزمة تعريب المصطلح ~~العلمي تعبير عن هذه الأزمة المضاعفة. المصطلح لغة، واللغة فكر، والفكر ~~وجه تعبيري للفعل الاجتماعي النشط؛ إذ لا فكر في المجرد؛ أعني لا فكر ~~بدون فعل اجتماعي. والفكر في عصرنا الراهن فكر علمي؛ لأنه وليد فعل ~~اجتماعي علمي تجسده البحوث العلمية النظرية والعملية بقواعدها ~~المنهجية؛ ولهذا نجد المصطلح العلمي يعود في نسبه نشأة وتكوينا إلى ~~مركز أو موطن النشاط العلمي الاجتماعي، وحيث توجد مراكز البحث العلمي ~~المعرفي التي تبدع اللغة أو المصطلح، تعبيرا عن نشاطها الاجتماعي، ~~وتكون هي موطن تصدير المعرفة والفكر والمصطلح. وتظهر هنا مشكلة ~~الانفتاح. التلقي والترجمة والقدرة على الاستيعاب والمواكبة، شريطة أن ~~يعرف المجتمع طريقه ومفاتيح النهوض، ومن ثم تكون له معايير الاختيار. ~~وقد تكون المشكلة أزمة تحول دون ذلك كله، وتكرس ms130 التخلف إذا ما سد ~~المجتمع السبيل وآثر الانزواء والانغلاق، وقنع بمظاهر المحاكاة ~~للاستهلاك، وعجز أو عزف عن بذل نشاط مجانس حضاريا يؤهل المجتمع وفق ~~قضاياه ومشكلاته وخصوصيته لمواكبة الفكر، وابتداع المصطلح الذي يفضي ~~إلى تطوير اللغة من خلال تطوير الفعل الاجتماعي الذي يجسده مشروع ~~قومي. # وفي ضوء واقع حال الترجمة العربية وتناقضاته مع مقتضيات العصر ~~تتكشف أسباب ندرة وقصور الترجمة العلمية وأزمة تعريب المصطلح. وغني ~~عن البيان أن لا تقدم لأمة الآن بدون استيعاب العلوم الأساسية وتوظيف ~~أسس العلم؛ نظريات، ومنهج تفكير، وتطبيقات عملية، باعتبار العلم قوة ~~حركة وهيمنة للبلدان المتقدمة. لقد تعثرت خطواتنا في سبيل ترجمة ~~أمهات الكتب ودوائر المعارف التي تسهم - علاوة على نشاطنا الإبداعي ~~الذاتي - في صوغ نظام معرفي عصري؛ أي علمي. # والترجمة العلمية لا تأتي اعتسافا، ولا تخضع لاختيارات فردية أو ~~عشوائية، وإنما رهن توفر رؤية استراتيجية تنموية شاملة، وإيمان بدور ~~الإنسان العام صاحب المصلحة أن يعايش مناخا عاما وتنشئة اجتماعية ~~وتعليمية، يتأهل بفضلهما للانتماء إلى المعرفة العلمية والتفكير ~~العلمي، ويرى فيهما أداءه لصنع المصير. هذا علاوة على تأسيس حقه ~~اجتماعيا في حرية التماس المعرفة ونهمه في تحصيلها من منطلق عشق ~~المغامرة والاستكشاف، وإيمانه بقيمة المعرفة الإنسانية في تنوعها وتعدد ~~مصادرها وحق تحصيلها وفق منهج بحث محدد القواعد، باعتبار أنها الأقدر ~~على صنع الحياة، وأنها ركيزة البناء الاجتماعي والسلوك الفردي، ودعامة ~~الرفاهية وحل مشكلات الحياة. # واستطرادا لهذا نقول: إن ~~التنمية الحقيقية بكل صورها، بما في ذلك الثقافة والفكر؛ أي بناء ~~الإنسان، رهن العلم. والتنمية تعامل اجتماعي نشط مع الطبيعة والإنسان. ~~وهل يكون ذلك بغير العلم؟ وإذا كان الإنسان العام دعامة البناء الجديد، ~~فهل يكون ذلك بدون تعليم علمي ومعارف علمية ليكون أهلا للفعل الإبداعي ~~العلمي؟ والعلم بلا وطن، فهل نعيد بناء أنفسنا ونؤكد ذاتنا في عزلة عن ~~الآخر دون وعي نقدي وصناعة علمية تشمل الجميع؟ # وليس غريبا أن عصر العلم بدأ مع عصر الصناعة، العلم المنهج والمبحث ~~والبرهان العقلي والإيمان بالعقل النقدي وبالتغيير قانونا للوجود. ~~ولكننا ms131 لا نزال نعيش عصر ما قبل العلم، وهذا ما تؤكده حال الترجمة ~~العلمية في عالمنا العربي. نعيش عصر ما قبل العلم، ليس فقط بسبب غلبة ~~الإنسانيات - وإن كان الفصل بين علوم إنسانية وعلوم طبيعية بات فصلا ~~غير مستساغ، في ضوء الإيمان بوحدة العلم انطلاقا من الإيمان بوحدة ~~الإنسان/الكون، ناهيك عن تطور الإنسانيات وصبغتها العلمية - ولكن من ~~حيث موقفنا من المعرفة، ونهجنا في الحياة وافتقارنا إلى المنهج، وغياب ~~البحث العلمي المؤسسي أو عزلته اجتماعيا، ومن ثم غياب النشاط العلمي ~~كفعل اجتماعي وغياب المناخ الحافز له، والذي ينعكس في غياب الطلب على ~~الكتاب العلمي وقصور الإقبال على ترجمته. وإذا كان العلم إيمانا ~~بالتغيير بناء على معرفة علمية بالواقع، فإننا في ضوء إغفال العلم ~~نعزف عن تغيير مجتمعنا ونعيش حياة استاتيكية أو راكدة أو حياة تخضع ~~لنظام معرفي استاتيكي؛ ولذلك لا نجد قضية تغيير المجتمع هي القضية ~~الملحة، بل تغيير الذات؛ أي أن نغير ما بأنفسنا. ونعيش عصر ما قبل ~~العلم متمثلا في غياب العلوم الأساسية والموسوعات والدوريات والمعاجم ~~العلمية، غيابها إبداعا وفعلا؛ وهذا لغياب الفعل العلمي كنشاط ~~اجتماعي. ونجد لغتنا - وهي فكرنا - لغة غير علمية وتعبر عن فكر بعيد ~~كل البعد عن العلم. ولأننا نعيش عصر العلم بلغته، فإننا نعيش أزمة ~~التناقض بين العلم واللغة العربية. والتزمنا هنا نهجا خاطئا؛ إذ ~~حصرنا مشكلة الترجمة العلمية في المصطلح العلمي، وراج القول: إنها ~~مشكلة لغة. وأصبح الموقف إما دفاعا عن اللغة أو اتهامها بالقصور، ثم ~~نراه اتهاما مردودا إلى نحورنا؛ لأن اللغة هي ذاتنا. ونحتال لدفع ~~الاتهام دون أن نحتال لشق الطريق الصعب وهو تغيير المجتمع إنسانا ~~وفكرا وسلوكا ونظرة إلى الحياة وتقديسا للمعرفة العلمية. وذهب بنا ~~الظن إلى أننا إذا ترجمنا المصطلح فقط، تيسرت لنا المعرفة العلمية ~~والنشاط العلمي، ونسينا أن اللغة فكر نشط؛ أي فعل اجتماعي في الأساس. ~~واللغة العلمية هي النشاط العلمي الذي يهيئ إمكانات تطويع اللغة. ~~الإنسان يكون إنسانا علميا بفضل نشاطه العلمي وليس بما يمتلكه من ~~مفردات؛ فالكلمات تأتي ms132 تالية للنشاط، والمجتمعات التي تقدمت هي تلك ~~التي طوعت النشاط العلمي للغة الأم؛ أي بدأت به ثم عبرت عنه، ~~وأبدعت مصطلحاتها العلمية بفضل نشاطها، ولم تنكب بداية ونهاية على ~~تطويع المصطلح الأجنبي. # نحن ننظر إلى اللغة في انفصال عن النشاط الاجتماعي كأن لها وجودها ~~المستقل، ومن ثم نظن أن العيب والقصور في اللغة وليس في الإنسان الراكد ~~الذي لا يفعل. ولهذا يدفع البعض قائلا: إن اللغة قادرة على أن تكون ~~لغة علم، ولكن كيف والمجتمع عاطل صفر اليدين من النشاط العلمي، وحياة ~~المصطلح رهن الاستعمال الاجتماعي له في مجاله؟! ويرى البعض أيضا أن ~~قصور اللغة سببه الغزو اللغوي وليس الجمود أو حالة الخمول الاجتماعي # Social Apathy ~~. والسؤال هو: ~~كيف نوفر المصطلح ونحن عاطلون عن النشاط العلمي؟ # المصطلح قرين ونتاج البحث العلمي. والمصطلح مفهوم، والمفهوم لا ~~يتحصل إلا من خلال وبفضل نشاط البحث العلمي ومعايشة العلم؛ لأن ~~المصطلح لغة أي فكر أو مفهوم، والذي هو الوجه الآخر للفعل الاجتماعي ~~في وحدة وتكامل. وسوف يظل العلماء يكتشفون ويبدعون، وسنظل نحن نكتشف ~~ونبدع، وتظل اللغة تلهث ابتغاء صياغة المصطلحات الدالة على المفاهيم ~~الجديدة، ولكن نشاطنا هو الأساس الأول لكي نواكب. ومع ترجمة القديم أو ~~السابق نستطيع من خلال نشاطنا البحثي أن نلاحق ونضيف. إن لدينا الآن ~~مئات الآلاف من المصطلحات العلمية التي تتزايد باطراد، ولكن أين صداها ~~في التعليم أو في المجتمع؟ وهي على كثرتها لم تصنع من مجتمعنا مجتمعا ~~علميا. إن المصطلح ظاهرة اجتماعية يولد ويحيا من خلال النشاط ~~الاجتماعي. ولغة العلم تنمو وتزدهر في وطن يرعاها حين يجسدها في فكره ~~ونشاطه فتكون بعضا من وجوده الحياتي. # | البعد الاجتماعي لأزمة ترجمة المصطلح # المصطلح والخطاب الاجتماعي # لم تبدأ اللغة بصيحة بل بفعل. والكلمة ليست صوتا، ولا الفعل ~~حركة ظاهرية، ولكنها ذلك النشاط التاريخي الفردي المجتمعي الفاعل ~~في الوجود والمنفعل بالوجود عبر دائرة تأويلية يتوسطها الجهاز ~~العصبي؛ لذا فإن عبارة «الكلمة، الفعل، الفهم»، تؤلف معا في تزامن ~~بنية واحدة متحدة العناصر لوعي الإنسان من ms133 حيث هو إنسان اجتماعي ~~فاعل متطور تاريخيا تطورا ثقافيا بيولوجيا في إطار من ~~الوجود النفسي الفيزيقي. والوجود هنا ليس شيئا مستقلا عن الفكر، ~~وكذلك الفكر واللغة والأشياء والنشاط في التاريخ تؤلف جميعها ~~الإنسان، أو خطاب الإنسان مع الطبيعة والمجتمع. # وهنا مكمن خطر؛ ففي حالة تخلف أو غياب عنصر الفعل النشط الإنتاجي ~~قد تأخذ الكلمة صورة استقلال ذاتي متوهم باعتبارها وعي الروح ~~الفردي المثالي، ووعاء خبرة مقطوعة الصلة بالفعل؛ أي بالواقع. ~~وتتراص الكلمات طليقة بمحتواها الانفصامي، ويكون الفهم هنا غير ~~عياري من نسيج تخييلات ثقافة مجتمعية محلقة في الفضاء. # والمصطلح شكل أرقى من أشكال الكلمة، قياسا إلى اللغة العادية؛ ~~ذلك أنه إحدى لبنات لغة العلم، ويستهدف التعريف أو تحديد المفهوم ~~في دقة وإحكام وإيجاز، ولكنه من هذه الزاوية تحديدا يدخل أيضا ~~نطاق اللغة العامة وبناء الوعي؛ ذلك لأن العالم المتخصص مثلما ~~يتحدث إلى أقرانه، يتواصل أيضا مع الآخرين من غير أبناء تخصصه، ~~ومن ثم يتعين أن تكون لغته مفهومة للجميع. ومن هنا لا يكون ~~المصطلح، ومن ثم لغة العلم، رموزا اصطلاحية بين متخصصين، بل لغة ~~تفسير ووصف وتحليل لظواهر الكون؛ ولهذا تسهم لغة العلم بمصطلحاتها ~~في صياغة إطار معرفي علمي، أو لنقل: عصري. واتفاق الآراء بشأن هذا ~~الإطار هو ركيزة انتماء المجتمع إلى رؤية واحدة وموحدة للكون ~~والإنسان، ولا يكون الحوار بين أبنائه حوار طرشان. # المصطلح والحوار النشط # ووضع المصطلح في لغة عربية، أو ترجمته إلى أي لغة، هو نوع من ~~التقدمة التي يقدمها المؤمن الصادق على المذبح في محراب العلم ~~المؤسسي، متوقعا طرفا آخر يقبله ويجد فيه اتساقا مع حاجته، ~~ويكتمل بهذا طرفا الحوار اجتماعيا. وبذا يأخذ المصطلح مكانه ~~ممارسة تكفل له الحياة في سياق اجتماعي؛ فاللغة ليست مفردات، ~~وإنما هي نسيج خطاب مجتمعي غير منفصل عن نسيج الحياة الذي هو مجلى ~~هذا الخطاب. وهكذا تكون حياة اللغة رهن نشاط اجتماعي هادف، وإلا ~~فقد الخطاب الاجتماعي مبرر وجوده. # أقول هذا لأننا في مناقشاتنا لمسألة تعريب العلوم، وما أكثر ما ~~قيل ms134 في هذا الاتجاه، نذهب إلى أن جوهر الأزمة عندنا هي أزمة تعريب ~~أو صك مصطلحات وفق قواعد الاشتقاق اللغوي، وكأن العلم هو المصطلح ~~فقط، وغاب عن الأذهان أن المصطلح نتيجة وليس سببا. إنه تلخيص أو ~~تجريد موجز لحدث وقع، ومن ثم فإن السبب هو الفعل؛ أعني النشاط ~~العلمي أولا حسب مقتضيات العصر. العلم كمؤسسة اجتماعية وركن أساسي ~~في سدى ولحمة استراتيجية قومية للتطوير الحضاري؛ إذ في ظل هذا ~~النشاط وبفضله ينشأ المصطلح وتجري لغة العلم على الألسن وتتشكل ~~الرؤى. تتطور اللغة، وتتطور العقول، ويتطور واقع المجتمع على جميع ~~المستويات. إننا نبرز قضية الشكل بينما جوهر الأزمة - في ظني - هو ~~أزمة بطالة مصطلحية. قد تتوافر المصطلحات ولكنها عاطلة لم تتحول ~~إلى مصطلحات شغالة اجتماعية؛ أي صيحة بلا عقل، ومن ثم ينعكس عليها ~~حالنا من تشرذم وتباين وتعدد بلا رابط. # اللغة نشاط وتواصل معرفي # ليس مناط الأمر استنطاق القاموس، والتعسف أحيانا في التخريج ~~اللفظي، بل الأمر أبعد من ذلك؛ إنه المفاد والدلالة والتمثل الذهني ~~في ضوء نشاط فعلي وعقلي إنساني ييسر التعريف، وبذا يتكامل الخطاب ~~الاجتماعي؛ ذلك لأن اللفظ أداة لتحقيق وظيفة أو في خدمة فعل ~~اجتماعي يشتمل في آن واحد على رؤية إلى العالم، وعلى جهد بنائي أو ~~إبداعي تطويري؛ فاللغة كما قال سوسير فعل اجتماعي # Social Act ~~؛ أي فعل من المجتمع ~~وإليه، حيث المجتمع مؤسسة فاعلة وبنية متطورة. # ويقول عالم الفيزياء فيرنر هايزنبرج من واقع خبرته (في كتابه ~~«الفيزياء والفلسفة»، ترجمة د. أحمد مستجير، المكتبة الأكاديمية، ~~1993م، ص119): إن العلم يرتكز على اللغة كوسيلة اتصال، وإننا نوسع ~~اللغة إذ نوسع المعرفة العلمية. معنى هذا في رأيي أن المصطلح ~~العلمي أساسي، ولكنه ليس علة وجود ذاته أو ليس وجودا كافيا ~~بذاته، فضلا عن أنه ليس وحده هو المطلوب؛ لأنه لا يمثل بذاته لغة، ~~وإنما قيمته تتحقق من توافر سياق لغة اتصال؛ أي لغة علم، وهو ما ~~يعني بالتالي وجود مجتمع علمي، ثم يخلق هذا الصلة بينه وبين اللغة ~~العادية بحكم الوظيفة ms135 الاجتماعية للعلم. ولغة العلم هي لغة تواصل، ~~كما أنها أداة تصور العالم أيضا، وتعطي الصورة العلمية للعالم، ~~ومن ثم فإن اتساع اللغة رهن باتساع النشاط المعرفي العلمي في ~~المجتمع بعامة. هذا وإلا ظلت لغة العلم نوعا من الميتافيزيقا ~~بالنسبة للمجتمع، وتجلت في لغة المجتمع بالمقابل ما يمكن أن نسميه ~~ميتافيزيقا الغياب؛ أي غياب لغة العلم ورؤيته عن لغة المجتمع، ~~وينقطع حبل التفاهم وتجمد حركة المجتمع. # المفهوم ودقة الدلالة # والحياة في ظل هذه الميتافيزيقا تجعلنا أسرى الشكل دون الدلالة؛ ~~حيث يغدو المصطلح على المستوى الاجتماعي كلمة وليس فكرا، صيحة ~~وليس فعلا، مفردات وليس وعيا. # نحن عادة عند ترجمة المصطلح العلمي نناقش دقة المصطلح لغويا، ~~ولا نناقش علاقة المصطلح بالمفهوم أو الرؤية ودقة هذه العلاقة ومدى ~~تطابقها. ولكن حيث إن المصطلح لبنة في لغة علم وثيقة الصلة - حسبما ~~هو مفترض - باللغة الطبيعية، فلا بد وأن يكون المصطلح على لسان ~~الباحث طرفا في حوار أو خطاب اجتماعي يحقق تواصلا عقلانيا، ~~ويضيف إلى الممارسة الحياتية قوة، ويساهم في تدقيق الرؤية، وبذا ~~يكون الاستخدام الصحيح للمصطلح ودقة بنائه عاملين أساسيين في ~~رؤية للكون هي الرؤية الصحيحة حسب مقتضى العلم؛ أي رؤية عصرية. ~~ولقد كانت مشكلة دقة التعريف أو التحديد الاصطلاحي إحدى مشكلات ~~الفلسفة منذ القدم. # ولنا أن نسأل: ولكن لماذا نشأت هذه الحاجة إلى تدقيق العلاقة بين ~~الكلمة والمفهوم وكذا الفهم على المستوى العام، أو مشكلة تحديد ~~المفاهيم في اللغة؟ متى تبرز هذه المشكلة في مجتمع ما كمشكلة ~~ملحة تتجاوز حدود الشكل إلى المضمون؟ وما نوع المجتمع الذي يضع ~~في الصدارة مشكلة المعرفة ودقة المفهوم؟ ليس المجتمع الذي يعيش على ~~الريع أو يأتيه رزقه منحة من الطبيعة أو من حيث لا يحتسب. إنه ~~المجتمع الذي يتصف بكثافة النشاط العلمي وكثافة العمل الحياتي ~~المنتج؛ حيث عدم الدقة يسبب مشكلات وأخطاء وأخطارا في الممارسة ~~العملية. ففي هذا المجتمع تكون الكلمة تساوي الحياة، ويكون المصطلح ~~يساوى المفهوم؛ أي إطارا معرفيا، ويتعذر فهمه أو قبوله أو ~~تصوره إذا كان ms136 ضمن إطار مخالف؛ لأنه رهن إنجاز حقيقي واقعي عقلاني ~~وقوة مؤثرة في بنية الثقافة العامة وسط نشاط عملي موضوعي لهذا ~~المجتمع الخالق له. # تحديث اللغة وتحديث المجتمع # إن المصطلح العلمي المترجم في مجتمع راكد يكون مصطلحا ~~استاتيكيا فاقدا لعنصر التطور الحياتي، بل وربما لا يساهم في ~~تغيير الرؤية العامة للكون إلا عند عدد محدود منعزل، بينما في ~~مجتمع يشكل العلم فيه مؤسسة نشطة فاعلة، نجد المصطلح إبداعا حيا ~~ومتطورا ووجودا ماثلا في الذهن والواقع. # وغني عن البيان أن تقديم مصطلح أو معجم مصطلحات يعني جهدا ~~أمينا طموحا يستهدف المشاركة ضمن عملية ترشيد تاريخية شاملة ~~لتحديث المجتمع على جميع المستويات بما في ذلك تحديث اللغة. ولكن ~~ماذا لو أن هذا الجهد يصب في مجتمع راكد لا حاجة به إلى مفردات ~~تتجاوز ميتافيزيقا الغياب؟ ستغدو الكلمة خلقا ذاتيا في حالة ~~حصار وليست نبتا طبيعيا نابعا من خضم الحياة الصاخبة، ~~واستجابة لوظيفة واقعية وحاجات عملية تلح على إيجاد المصطلح ~~ليأخذ سبيله في حياة المجتمع، وتكتمل به عناصر الخطاب العلمي ~~والاجتماعي المحدد المفاهيم في تطور ارتقائي نحو المزيد. وهنا في ~~مجتمع الفعل أو النشاط الإنتاجي يغتني المصطلح بما يملكه من رصيد ~~في نشاط المجتمع وما يحققه من حاجة اجتماعية وممارسة ~~حياتية. # | نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة # تمثل الترجمة نشاطا اجتماعيا في الاتجاه الصحيح، حين تكون وجها ~~لاستراتيجية تنموية شاملة، ومن ثم دافعا قوميا، وحاجة فعلية وليدة ~~نشاط اجتماعي إنتاجي، وبذا تكون بحق بعض النشاط المعبر عن الهوية ~~الثقافية للمجتمع، وتساهم الترجمة إيجابيا في تعزيز وجودنا المستقل، ~~ودعم الروابط المشتركة لأبناء المجتمعات العربية وتوحيد ثقافتهم وفكرهم ~~المشترك من خلال نظام تعليمي علمي مشترك، ونشاط علمي موحد أو متناسق؛ ~~حيث يصبح النشاط العلمي نشاطا مؤسسيا لمجتمع علمي موحد اللغة، ~~ومتكاملا مع المجتمع الواسع. # ومن التحديات التي تواجهنا في مجال الترجمة، علاوة على التحديات ~~الحضارية، أننا لا نجد إجابة واضحة عن تساؤلات كثيرة: لماذا نترجم؟ ~~وماذا نترجم؟ ومن الذي يترجم؟ ولمن نترجم؟ ومن الناشر؟ وكيف نختار ~~الكتب ms137 المستهدفة؟ وما مدى علمنا بالمنشور كله؟ ومدى علمنا بأهداف ~~مجتمعنا؛ أي مدى تأصيل هذه الأهداف - إن وجدت - في بنية الوعي والقيم ~~الاجتماعية؟ ومن الذي يوجه حركة الترجمة في مجتمعنا الآن إن صح ~~تسميتها حركة اجتماعية؟ وما هو دور مؤسسات النشر في تشجيع الحركة ~~وانتمائها؟ والملاحظ أن نسبة كبيرة من المترجمات تدفع بها مؤسسات ~~خارجية لها رؤيتها الخاصة المتمايزة. ثم أخيرا أين تصب جهود الترجمة ~~في المجتمع؟ وهل من سبيل للتنسيق المثمر بين هذه الجهود من حيث ~~الاختيار والإصدار والانتشار؟ # وضاعف من خطر التحديات أن تضاعفت كلفة طبع ونشر الكتاب بعد ارتفاع ~~أسعار الورق وما فرضته اتفاقيات دولية جديدة. # نحن مقبلون على حقبة تثاقف قسري مكثف، أو صراع ثقافي غير متكافئ. ~~وهذه الحقبة أحد مظاهر التحدي الحضاري، سواء جرى التثاقف باسم ~~المتوسطية، أو الشرق أوسطية، أو العالمية. ونحن في جميع الأحوال عاطلون ~~من أسباب المناعة الثقافية التي ~~تمثل العلم والإنتاج العلمي ركيزتها؛ مما يجعلنا فريسة محتملة، ~~وبدلا من أن يكون التفاعل ثقافيا صحيا سوف يتراوح ما بين الارتماء ~~على الآخر أو الانكفاء على الذات، ونغدو نماذج لتاريخ انقرض. # إنها تحديات توجب اتخاذ خطوات جديدة جريئة غير مألوفة بدلا من - أو ~~قبل - أن نصبح بالحتم فريسة للأمية العلمية والضياع، حين نسير في ~~الترجمة فرادى على غير هدى، أو يعز علينا الحصول على الكتاب لتجاوز ~~كلفته حدود الطاقة. الخطر جماعي، ومن ثم يتعين أن تكون الاستجابة ~~جماعية؛ أعني التزام نهج قائم على حشد الطاقات لا يلغي خصوصية النشر ~~وإنما يجمع وينسق. # من هنا أدعو إلى قيام «مؤسسة عربية للترجمة»، وأتجه بهذه الدعوة من ~~منطلق الإيمان بأن الترجمة نشاط اجتماعي هادف له عائده المجتمعي ~~الشامل، ومن مقتضى تضافر الجهود لتصب الروافد في مجرى رئيسي على ~~المواجهة وخلق الإمكانات والتقدم في ثقة واعية. # ويحفزني إلى هذه الدعوة ~~إيمان بأن المجتمعات العربية لن تتمكن من تشكيل كيان مستقل متميز ~~يساهم في إحياء الفكر الوطني والقومي الثقافي والحضاري في اتساق مع ~~العصر دون نهضة تنموية شاملة تطول ms138 مناشط الحياة، ومن ثم تجد تعبيرها ~~الصادق في اللغة التي تغدو لغة تعلم وتفكير وممارسة وإبداع؛ أي لغة ~~إنتاج حضاري علمي جديد، ولن يتأتى هذا بصورة متكاملة وهادفة ودامغة إلا ~~بإنشاء مؤسسة تنسق بين دور الترجمة، قادرة على خلق حركة ترجمة واسعة ~~تستوعب جميع التيارات على اختلافها، وتستقطب الكفاءات، وتجعل لنشاط ~~الترجمة دورا ومكانة في مجتمع يقدر إنتاجها، ويؤازر جهودها، ويتولى ~~أمرها من يؤثرون العلم وصالح الوطن على المغانم الأنانية ~~العاجلة. # شروط نجاح المشروع # وتحقيق هذا لا يتوقف على اعتبارات فنية فحسب، ولكنه يستلزم رؤية ~~سياسية على جميع المستويات؛ الدولة، والمؤسسات، والهيئات، والأفراد ~~في المجتمع؛ حيث تتضافر الجهود قوميا ووطنيا لمواجهة الصعوبات ~~من أجل فرض: ~~(1) # استراتيجية تنموية شاملة تتخذ العلم أساسا وهاديا ~~لها، وتحتل بؤرة الوعي العام، وتقوم على وعي علمي ~~بالتحديات والأهداف. ~~(2) # تحول النشاط العلمي إلى نشاط مؤسسي داخل في صلب ~~هذه الاستراتيجية، وداعم للمناخ العلمي المحيط بالوعي ~~الاجتماعي. ~~(3) # وضع تعليمي يضع نصب عينيه غرس التفكير العلمي ~~منهجا ومبحثا ونظريات. ~~(4) # وضع ثقافي عام تجسده وسائل الإعلام والممارسات ~~الحياتية والانفتاح الفكري على الفكر العالمي بكل صوره ~~المتعددة وبكل تناقضاته معنا. ~~(5) # الحرية وحقوق الإنسان العام؛ ذلك لأن الترجمة في ~~العالم العربي لا تزال جهد دولة مركزية يخضع لسلطانها؛ ~~ولهذا تنزع إلى الترجمة الأدبية أو التقنية التي لا ~~تتعارض مع بطش السلطة؛ السلطة السياسية أو الثقافية ~~الموروثة. وغني عن البيان أن عصر العلم رهن ~~الديمقراطية؛ إذ إن ما قبل المجتمع الديمقراطي نشاط ~~قبل علمي. وكلما اتسع نطاق الليبرالية اتسع نطاق ~~النشاط العلمي بمدلوله ومضمونه الاجتماعيين، وحيث لا ~~توجد نهضة حداثية حقيقية يقل الاهتمام بالجانب العلمي، ~~وتضيق مساحة التفكير العلمي المنهجي. # والإنجاز العلمي يوصف بحق بأنه إنجاز عصر العلم لمجتمع ديمقراطي؛ ~~أي مجتمع الإنسان العام الذي أصبح صاحب حق في المشاركة في صنع ~~القرار ورسم طريق الحياة بناء على فكر حر، وحرية الوصول أو الحصول ~~على المعلومات ونقدها والتمرد العقلاني المنهجي عليها؛ ولهذا فإن ~~البعد السياسي والاقتصادي مكمل للبعد العلمي التعليمي الثقافي. ~~ودون ms139 هذه الشروط تفقد الترجمة العلمية الدافع إليها والسوق الرائجة ~~لها. # وأرى أن تكون المؤسسة العربية للترجمة أشبه بالمنظمات غير ~~الحكومية، بعيدا عن سلطة السياسة والساسة كجهاز دولة حاكم، وإن ~~ضمت عناصر منها بحكم دورهم في النشر أو الفكر، وبعيدا عن ~~الفردية كنزعة تنأى عن المشاركة الإيجابية فيما هو اجتماعي. # الدور المنتظر للمؤسسة # نتوقع أن يكون للمؤسسة العربية في ظل هذا المناخ وفي مواجهة ~~التحديات الحضارية دورها الذي يفي بحاجة أمة تعي عبء مسئولية ~~النهضة وشروطها، وحقيقة التكتلات الإقليمية، وتدرك أسس التكافل ~~والتضامن على الصعيد الاجتماعي الوطني والقومي، ومن هنا يتمثل ~~الدور المنتظر في: ~~(1) # جمع وتوحيد وتنسيق جهود الترجمة والنشر، والتكافل في ~~التكاليف من أجل إصدار الموسوعات وعيون المراجع ~~والمعاجم التي تشكل حجر الأساس لأي نهضة ~~علمية. ~~(2) # خلق حركة ترجمة تتسع لجميع التيارات في تفاعلها ~~وتداخلها وتعارضها في آن واحد، بحيث تكون الترجمة ~~آلية ضرورية تلبي حاجة ملحة وواسعة النطاق؛ ~~مما يدعم كلا من التوجه الفكري وحاجة ~~السوق. ~~(3) # تجنب الأثر السلبي لطابع التربح التجاري والاختيار ~~الفردي أو العشوائي الارتجالي في مجال الترجمة سواء ~~للكبار أو للأطفال. ~~(4) # خلق صلة إيجابية فاعلة مع المجامع العلمية بغية ~~توحيد المصطلحات وإصدارها ضمن المنشورات لتكون ~~مرجعا. ~~(5) # التعاون بين الناشرين لإصدار ثبت ببليوجرافي سنوي ~~بالمنشورات المترجمة، وعرض خطط المستقبل لتكون موضوع ~~حوار، فضلا عن ندوة ليكون الحوار والندوة بمنزلة ~~تغذية مرتدة تراجع وتضيف وتصحح وتحفز المناخ ~~العام. ~~(6) # خلق غرفة اتصال للتنسيق وتبادل المعلومات بشأن ~~الموضوعات والمصطلحات. ~~(7) # تحقيق تكامل اقتصادي في مجال النشر، وتكافل في ~~التوزيع، وتعاون في إقامة معارض مشتركة متنقلة في ~~الأقطار العربية. ~~(8) # يمكن للمؤسسة الاتفاق باسم أطرافها مع الناشرين ~~الأجانب، ومخاطبة دور النشر العالمية لعقد اتفاقات ~~نشر، أو للحصول على قوائم بالمنشورات تحت الطبع ~~لاختيارات المستقبل. ~~(9) # تحديد وسيلة - دون فرض رقابة - لضمان غلبة الجيد في ~~السوق، بمعنى المتفق مع خطة البلاد التنموية في خطوطها ~~العريضة على المستوى القومي. ~~(10) # يمكن للمؤسسة أن تكون لسان حال الناشرين العرب في ~~الاتفاق مع الوزارات والهيئات الحكومية العربية لتزويد ~~المكتبات ms140 العامة ومكتبات المدارس والهيئات بإصداراتها؛ ~~مما يساعد على رواج الكتب. ~~(11) # يمكن للمؤسسة أن تجري اتفاقات مع المجالس القومية ~~والأجهزة الثقافية في البلدان العربية، ومع منظمات ~~الجامعة العربية، وكذا مع المنظمات والبعثات والمراكز ~~الثقافية الدولية (اليونسكو، البعثة الفرنسية، الاتحاد ~~الأوروبي، فرانكلين ... إلخ)، ومع الحكومات والمجامع ~~العلمية والاتحادات والنقابات لإصدار الكتب والمجلات ~~العلمية والإفادة بامتيازات هذه الجهات في حدود التوجه ~~الاجتماعي. # ولعلنا نفيد في هذا الصدد من التجربة اللبنانية حيث ~~تتعاون دور النشر اللبنانية بفضل علاقاتها الوثيقة مع ~~عدد من المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة أو ~~للجامعة العربية في نشر إصدارات هذه المنظمات. # والجدير بالذكر هنا أن منظمة اليونسكو العالمية ~~اقترحت في عام 1992م مشروع «الكتاب - الجريدة»؛ ~~لتطبيقه في عدد من البلدان ومنها البلدان العربية، ومن ~~المتوقع أن يشهد آخر عام 1996م ولادة شبكة صحف يومية ~~صادرة باللغة العربية برعاية منظمة اليونسكو من أجل ~~إصدار دوري لملحقات مجانية. # والهدف من المشروع إصدار عمل أدبي معاصر شهريا، في ~~صورة ملحق صغير مترجم، تزينه صور ورسوم فنانين ~~معاصرين، مع تعريف بكاتب النص. وتشمل الترجمة؛ روايات، ~~مجموعات قصصية، مختارات شعرية. وتقرر أن يكون مركز ~~هذه الشبكة العربية في بيروت. وسوف تحوز الشبكة على ~~دعم تنظيمي ومادي من منظمة اليونسكو. # وسواء كانت الترجمة هنا من العربية أم إليها، فإنها ~~تستهدف الربح، فضلا عن أن الاختيارات لا تخضع لخطة ~~ضمن استراتيجية تنموية شاملة، ناهيك عن تفرد الجانب ~~الأدبي دون العلمي. ولكن إذا ما تحقق حلم إنشاء مؤسسة ~~عربية للترجمة فسوف يتغير الموقف. ~~(12) # تساهم المؤسسة في التعريف بالمترجمين وتنظيم رابطة ~~لهم، ودعم اتحاد الناشرين العرب، حيث تعتبر المؤسسة ~~الوجه التنفيذي التنسيقي العربي للاتحاد. ~~(13) # خلق رابطة عمل بأجهزة الإعلام والصحافة لخدمة نشاط ~~النشر. ~~(14) # تتفق المؤسسة مع عدد من المؤسسات والشركات ~~والاتحادات في البلدان العربية (التي تقبل طوعيا ~~المساهمة بنسبة من صافي الأرباح السنوية، وقد تكون ~~نصفا في المائة، فضلا عن الهبات من الأفراد والهيئات ~~العامة والخاصة). وليس هذا بدعا؛ فقد اعتاد أهل ~~السياسة والجاه والمال ورجال الأعمال المساهمة في ms141 ~~تنشيط حركة الترجمة والتأليف؛ لما أدركوه من تفاعل ~~بين مجالات اهتماماتهم واهتمامات عدد من العلوم. ويشهد ~~مجال النشر العديد من أمثلة التمويل الطوعي لهذا ~~الهدف، وإن كانت المشكلة هنا ضمان براءة التمويل ~~والتبرع دون الحاجة إلى زج أو فرض اتجاهات أيديولوجية ~~وحجب أخرى على حساب استراتيجية قومية. # الفكرة والتاريخ ودور الكويت # والدعوة إلى «مؤسسة عربية للترجمة» ليست وليدة اللحظة؛ إذ سبق أن ~~دعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في عام 1973م إلى ~~عقد «حلقة الترجمة في الوطن العربي». وانعقدت الحلقة في الكويت في ~~31 / 12 / 1973م، وبحث في: «تنسيق حركة الترجمة في البلاد ~~العربية، وإقامة جهاز تنسيق على صعيد العالم العربي يتولى وضع خطة ~~قومية للترجمة بالاشتراك مع الأجهزة الوطنية وبالتنسيق مع المنظمات ~~الدولية والمؤسسات العلمية الأجنبية المعنية بالثقافة ~~العربية». # وفي الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر 1982م عقدت أمانة المجلس الوطني ~~للثقافة والفنون والآداب بالكويت الندوة الثانية بالتعاون مع ~~المنظمة العربية للتربية والعلوم واتحاد الناشرين العرب. أصدرت ~~الندوة توصيات من بينها: # إنشاء مؤسسة عربية للتعريب والترجمة والتأليف والنشر ~~تكمل عمل المؤسسات القائمة. # تنفيذ الخطة القومية للترجمة التي وضعتها المنظمة ~~العربية. # وتوالت اللقاءات بعد ذلك ولم ينجح شيء، بيد أن هذا لا يحول دون ~~إحياء الذكرى أو الإلحاح في الطلب ما دام أنه حق. وإن كانت دونه ~~مخاطر ليس أقلها شيوع الفردية في العمل وفي التفكير بين الدول ~~والهيئات، وغياب استراتيجية تنموية قومية ملزمة ودافعة، بل غياب ~~الوعي بالتحديات وفقدان العزيمة المشتركة لمواجهتها، ثم الافتقار ~~إلى قيم عمل الفريق، ولكن ربما ننجح في الاستهلال بالخطوة الأولى ~~التي دونها لا تبدأ مسيرة الألف ميل. # وسوف تظل هناك تساؤلات كثيرة معلقة دون ريب، ربما تجيب عنها ~~ندوة، أو خطوة جريئة بين دارين أو ثلاثة من دور النشر، تمثل ~~النواة والطليعة، وتكون شهادة جدوى. # | المستقبل والمصير # نعود إلى ما بدأنا به من حيث مناهضة الترجمة والخوف من الانفتاح على ~~العالم، وهو موقف مؤسس على ثقافتنا الاجتماعية المعاشة التي ترتكز ~~على ثنائية نقيضية # ambivalence ms142 ~~؛ إما ~~الانزواء والانطواء، وإما الانطلاق من موقع الهيمنة. ثقافة تقبل ~~التجانس مع ذاتها فقط، إما أنا وإما الآخر. وأقول: إن مناهضة ~~الترجمة موقف داعم لحالة التبعية، وهي هنا تبعية ثقافية للماضي، وأيضا ~~وفي الوقت نفسه تبعية لقوى مهيمنة أجنبية ومحلية. إن عطالة الفكر ~~والفعل الاجتماعيين على مستوى العصر يجعل المجتمع فريسة لكلا ~~الطرفين، ومن ثم فإنه موقف ضد التحريرية الإيجابية الفاعلة، ونراه ~~تكريسا للتبعية. إنه يحجب الفكر الجديد، ويدعم أو يمهد الأرض لغزو ~~ثقافي مناهض لنا ولمصالحنا؛ إذ يضعف المناعة. ثم إن أصحاب هذا الموقف ~~لا يرون الحداثة سوى تكنولوجيا مستوردة ولا هم لهم إلا استهلاكها . ~~وهذا دعم للتبعية الثقافية والاقتصادية. وقد تظن السلطات المستبدة أن ~~بالإمكان محاصرة الفكر العلمي الجديد داخل مؤسسة عسكرية تهيئ لها ~~الحماية داخليا وتترك لها مهام التصنيع. ولكن هذا نقيض مقتضى الحداثة ~~التي هي تطور جذري لدور الإنسان العام، ولا نجد نظاما حاكما سلك ~~هذا المسلك واستطاع أن يبني أمة ناهضة متحضرة وجيشا قويا صامدا، ~~بل سرعان ما ينهار النظام أمام أول اختبار، وتعود البلاد إلى حالتها ~~البدائية من جديد. # لهذا فإن الخوف من الترجمة هو دعوة للانغلاق والجمود. ولهذا أيضا ~~نرى أن الدعوة إلى الترجمة وتشجيع نشاط الترجمة بحاجة إلى إجابة على ~~عدد من الأسئلة تكشف عن المضمون البنيوي الاجتماعي: ترجمة ماذا؟ ومن ~~من؟ ولماذا؟ إذ يختلف الأمر حين يكون نشاط الترجمة رهن تطوير وتحديث ~~وتحرير اجتماعي ونهوض علمي، وبين أن يكون استهلاكا وترفا. المهم ما ~~الأسباب التي تمثل ضرورة اجتماعية؟ أي حاجة المجتمع النابعة من ~~عملية تطوير داخلية تحدد المتطلبات اللازمة والداعمة؛ أي توفر ~~إرادة وعمل إرادي هو اختيار بين بدائل كثيرة وثقافات عديدة لا نقع أسرى ~~لها، ويعمل العقل العربي في ضوء ضروراته واختياراته التي هي وليدة فعل ~~اجتماعي نشط، وصولا إلى أهدافه. # وطبيعي أن الترجمة كنشاط اجتماعي منفتح وناجح تأبى الانحصار في إطار ~~لغة واحدة ننقل عنها، وإنما تتجه إلى لغات عديدة صاحبة إنجازات حضارية ~~وسباقة؛ ذلك أن الانحصار داخل لغة ms143 واحدة يعني انحصارا داخل نسق ثقافي ~~واحد لفكر مجتمع بذاته. وهذا قد يكون له سلبياته، ولكن الترجمة عن لغات ~~عديدة تفضي إلى دعم نهج التفتح ومبدأ التعددية والتنوع والتسامح، ~~علاوة على الاستعانة بالجديد لدعم نسق ثقافي محلي بفضل تفاعل فكري ~~نشط، مثال ذلك؛ مدارس علم الاجتماع، أو علم الاقتصاد، أو ~~الأنثروبولوجيا، أو الفلسفة أو النقد ... إلخ. إذا أخذنا فقط عن الولايات ~~المتحدة الأمريكية مثلا سوف يحصرنا هذا في إطار نسق ثقافي بذاته؛ ~~نظرا لأن العلم ليس محايدا مائة بالمائة. وتزداد التبعية لهذا الفكر ~~أو ذاك إذا ما وقع العلم بين أيدي مجتمع عاطل عن الإنتاج ~~العلمي . # وإذا ما استعرضنا واقع نشاط الترجمة في العالم العربي نلحظ قصورا ~~وتدنيا شديدين كما ونوعا، ونلحظ فقدانا للتوازن بين المعارف ~~المتنوعة، وما يشبه العزوف أو الانصراف عن العلوم الأساسية. وتكشف ~~المقارنات الإحصائية عن أن البلدان العربية غير محددة ولا موحدة الهدف ~~والرؤية؛ لذا تأتي الإصدارات - تأليفا وترجمة - تعبيرا عن حالة ~~التشتت المعرفي والمستقبلي. ونجد تضاربا ومفارقة واضحين بين الحاجة ~~الاجتماعية من منظور عصري وبين الفعل؛ أعني بين مقتضيات النهوض وبين ما ~~يحدث فعلا ممثلا في إصدارات مؤلفة ومترجمة. ويؤكد هذا الحاجة إلى ~~توحيد وتنسيق نشاط الترجمة، وهو ما من شأنه أن يساهم في توحيد وتنسيق ~~البنية الذهنية أو العقل العربي. ولن يتأتى هذا إلا إذا اقترن نشاط ~~الترجمة الموحد والمنسق مؤسسيا برؤية عربية واضحة الأهداف ~~والفكر، فاعلة ومبدعة ومنتجة؛ أي اقتران باستراتيجية تنموية عربية، ~~وبدون ذلك سيكون كل نشاط في مجال الترجمة حرثا في البحر. # لهذا نرى أن رسالة المؤسسة العربية للترجمة، في ضوء ما حددناه من ~~أهداف لها في دراسة سابقة، رسالة شاقة عسيرة إذا نظرنا إليها في ضوء ~~القصور السائد في العالم العربي، ومقتضيات النهضة من نقل المعارف كما ~~ونوعا على نحو يجعلنا ندنو من العصر. # إن ما نحتاج إلى ترجمته كثير كثير وشديد العسر والتعقيد من معارف ~~ومعلومات لملاحقة الجديد الذي يفيض، ومن معاجم وموسوعات تشكل أساسا ~~للثقافة والعلم والتعليم؛ وهذا ms144 كله بحاجة إلى أموال طائلة، وجيوش من ~~المترجمين الأكفاء المؤهلين، ثم إلى شعوب تواقة بعزم صادق إلى ~~النهضة على أساس علمي، ومن ثم نهمة لمعرفة المزيد والمزيد؛ فالنهوض ~~في عصر العلم لا يعرف الشبع المعرفي، بل جوع ونهم وقدرة على ~~الاستيعاب والتمثل والإبداع والإفادة والتوظيف. # وإنشاء ونجاح مؤسسة عربية للترجمة يستلزم تغييرا جذريا حضاريا ~~في البنية والعلاقات الاجتماعية وتهيئة مناخ عربي يتمثل ~~في: ~~(1) # خطة قومية ذات محاور واضحة لإطار مفهومي مؤسس على بيان ~~حالة الترجمة وموقع الترجمة من النهضة ودورها في التنمية ~~الثقافية الشاملة على نحو ما حاولنا أن نعرضه. ~~(2) # خطة اختيار الكتب المترجمة على المستوى العربي، والهدف ~~من ذلك لتكون بعض نسيج النهضة الحضارية. ~~(3) # خطة إنشاء شبكة اتصال عربية بشأن الترجمة والتوثيق للكتب ~~المترجمة. ~~(4) # خطة إنشاء رابطة للمترجمين ونظام تشريعي لهم. ويمكن ~~الاستفادة هنا بما أنجزته المنظمة العربية. ~~(5) # دراسة واعية لواقع التحديات الداخلية والإقليمية ~~والعالمية (حالة الأمية المتفشية، وحالة العزوف عن ~~القراءة)؛ فالقضية ثقافيا هي كتاب وقارئ. ~~(6) # شبكة اتصال وتنسيق عربي لشئون التوزيع والتكامل؛ إذ ~~الملاحظ أن الحدود شبه مغلقة في وجه الكتاب بين بعض ~~البلدان، وأن هناك شبه انفصال بين المشرق والمغرب ~~العربيين. # وإذا كان لنا أن نتعلم درسا ~~من عدونا، فإنني للأسف أقدم كلمة ميجور هاركابي القائد العسكري ~~الإسرائيلي ورئيس جهاز الاستخبارات في كتاب صدر له عام 1993م تحت عنوان ~~«الحرب النووية والسلام النووي»، خاصة وأننا نلح الآن في طلب ~~السلام؛ إذ يقول: ~~«في مقدور الدولة الصغيرة أن تتفوق على الدولة الكبيرة في ~~مضمار العلم إذا كانت: # تحترم الفرد. # يشيع فيها الإقبال على طلب العلم. # تربط نفسها من خلال علمائها بمراكز الأبحاث ~~والجامعات والمؤتمرات العالمية (الكليات غير ~~المنظورة). # تحسن التصرف في إمكاناتها. # تعمل على إذكاء روح التنافس العلمي بين المؤسسات ~~العلمية المحلية في إطار التنافس العلمي مع ~~الخارج. # وإن أي نشاط علمي يظل ضئيلا غير فاعل ما لم ~~يشمل القطاع الأعظم من السكان.» ~~(أنطوان زحلان، العلم والتعليم العالي في ~~إسرائيل، ترجمة محمد صالح ~~العالم، دار الهلال، القاهرة ms145 1970م) ms146