######OpenITI# #META# URI: 1450ShaymaCabdHakimTaha.FiQalbMisr.Hindawi48680364 #META# Tags: history #META# ID: 48680364 #META# Title: في قلب مصر #META# AuthorID: 42591407 #META# Author: جون آر برادلي #META# EditorID: 53746192 #META# Editor: محمد إبراهيم الجندي #META# TranslatorID: 83703904 :: 73037135 #META# Translator: شيماء عبد الحكيم طه :: كوثر محمود محمد #META# Related_books: 1450JohnRBradley.InsideEgypt (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة الطبعة العربية‏ # 1 - ثورة باءت بالفشل‏ # 2 - الإخوان‏ # 3 - الصوفيون والمسيحيون‏ # 4 - البدو‏ # 5 - التعذيب‏ # 6 - الفساد‏ # 7 - الكرامة المهدرة‏ # 8 - مصر بعد مبارك‏ # خاتمة‏ # ملحوظة عن مراجع الكتاب‏ # إهداء‏ # مقدمة الطبعة العربية‏ # 1 - ثورة باءت بالفشل‏ # 2 - الإخوان‏ # 3 - الصوفيون والمسيحيون‏ # 4 - البدو‏ # 5 - التعذيب‏ # 6 - الفساد‏ # 7 - الكرامة المهدرة‏ # 8 - مصر بعد مبارك‏ # خاتمة‏ # ملحوظة عن مراجع الكتاب‏ # | في قلب مصر # | في قلب مصر # | أرض الفراعنة على شفا الثورة # تأليف # جون آر برادلي # ترجمة # شيماء عبد الحكيم طه # كوثر محمود محمد # مراجعة # محمد إبراهيم الجندي # | إهداء # إلى كيلفين # | مقدمة الطبعة العربية # عندما اندلعت الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني عام 2011 - بعد عامين من ظهور هذا ~~الكتاب لأول مرة بالإنجليزية وبالعنوان الفرعي «أرض الفراعنة على شفا الثورة» - ربما كنت الأقل ~~اندهاشا بين المراقبين الغربيين لدولة اعتبرتها وطنا لي ما يقرب من عقد كامل. وبالطبع لم ~~يندهش المفكرون والنشطاء الحقوقيون والسياسيون وعامة المصريين الذين تحدثت معهم في السنوات ~~التي سبقت الثورة والذين عبرت عن مشاعر الضيم والإحباط والأمل (ربما بقدر أقل) لديهم في ~~هذه الصفحات. أدركت جموع المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ وقت طويل - مثلي - أن أكثر ~~دول العالم العربي تعدادا للسكان، والحليف الأهم لواشنطن في المنطقة، على وشك ~~الانفجار. # والسبب في ذلك أن الشعب المصري لم يكن لديه ما يخسره بعدما لم يكتف النظام - مثلما قيل لي ~~مرارا وتكرارا - بسلب ثروات بلاده الطائلة فحسب، وإنما سلب كرامته أيضا. قضى نظام مبارك ~~على نفسه تماما حتى صار عاجزا عن تنفيذ إصلاحات ولو بسيطة تتعلق بمطالب الشعب بتحقيق ~~تغيير جذري عاجل ذي جدوى. بعبارة أخرى لم يكن وجود النظام إلا للإبقاء على حكمه الفاسد ~~الغاشم؛ ولم يكن الإصلاح يعني شيئا سوى إتاحة الفرصة أمام القطط السمان لتكديس ثروات هائلة ~~باسم الخصخصة والاستثمار الأجنبي واقتصاديات السوق الحرة، وهو ما اتضح أنه بمنزلة انتحار ~~سياسي، لأن جميع المصريين العاديين شهدوا مزيدا من الفقر وعنف الدولة العشوائي نتيجة ~~لذلك. # أثناء السنوات ms001 التي سبقت الثورة كان ثمة انفصال لافت للنظر بين ما كان يردده «خبراء» ~~الغرب عن مصر ، وبين الحالة السوداوية التي كانت تسود الشارع المصري مثلما أوضحت في هذا ~~الكتاب. ففي نظر «الخبراء» الغربيين كانت مصر دولة مستقرة حقيقة؛ فلديها جهاز أمني قوامه ~~مليون فرد، مستعد دائما لأن يسحق دون رحمة أدنى تهديد من جانب المعارضة الشعبية. سمعنا ~~مرارا وتكرارا أن حالة من اللامبالاة تسيطر على الشعب المصري. كان البديل الوحيد لحكم ~~مبارك جماعة الإخوان المسلمين المحظورة رسميا مع أنها الكتلة المعارضة الرئيسية. ولم يكن ~~الإخوان المسلمون بحال يتمتعون بشعبية كبيرة، ولذا لم يكن أحد يعول عليهم في إثارة ~~الجماهير. ولما لم تكن هناك قيادة أخرى تحض المصريين على النزول إلى الشارع أو قائد ~~كاريزمي يلهب حماسهم للقيام بعمل جماعي، خلصت هذه القراءة للسيناريو المصري إلى أن الواقع ~~سيظل على ما هو فيه من تخبط إلى أن يقضي حسني مبارك أجله ويرث ابنه الحكم. # لكم انتشرت هذه القراءة المغلوطة لمصر المعاصرة على نطاق واسع حتى إنه في فبراير/شباط ~~2011 - بعد بضعة أيام من تنحية مبارك في أعقاب واحدة من أكثر الثورات شعبية في التاريخ - ~~عبر جون ماكين المرشح السابق للرئاسة الأمريكية عن استيائه من أن واشنطن «كان ينبغي لها ~~التنبؤ بذلك عندما أخفقت الحكومة المصرية في المضي قدما في طريق إرساء قواعد الديمقراطية.» ~~والواقع أنه لم يكن ينبغي لأحد أن يندهش من قيام الثورة مثلما كان الحال مع الفوضى التي ~~أعقبت غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة؛ فبالمثل لم يتنبأ «الخبراء» بالوضع المتأزم في ~~العراق. قطعا لو كان ماكين قد قرأ هذا الكتاب، لما بدا مندهشا هكذا، على الرغم من ~~اضطرابات الشيخوخة. # على مدار سنوات غض الإعلام الغربي الطرف عما يحدث في قلب أهم دولة في العالم العربي ~~يعيش ستون بالمائة من سكانها في فقر مدقع حيث ثبات الأجور مع ارتفاع هائل في معدلات التضخم. ~~كان الشعب المصري المشهود له بالود ودماثة الأخلاق غير المألوفين يغلي من شدة الغضب داخل ~~أحيائه الفقيرة ms002 وفي الوظائف التي تدر رواتب متدنية محاولا في يأس سد حاجات العيش وفي الوقت ~~نفسه اجتناب ويلات جهاز الشرطة الهمجي. لكنه أيضا - في ظل غياب أي حوار سياسي جاد مع ~~المعارضة - كان حبيس دائرة من اليأس والعجز مثلما أخبرني الطبيب النفسي المصري أحمد عكاشة ~~في الفصل الأول من الكتاب. كان واضحا لكل من ألم بهذه الحقيقة على أرض الواقع أن اندلاع ~~ثورة ربما يكون هو التصعيد المحتمل الوحيد للجنون والطغيان اللذين انحدر إليهما نظام ~~مبارك. # ذاك الانقسام بين ما كان يردده المراقبون الغرب المعزولون عن الشارع المصري وبين الواقع ~~المقيت الذي يعيشه معظم المصريين انعكس بوضوح في ردود الأفعال المتناقضة إزاء نشر كتاب «في ~~قلب مصر» داخل القاهرة وفي العالم الخارجي المتحدث بالإنجليزية. في مصر، أسرعت السلطات بحظر ~~الكتاب على الفور في إشارة واضحة - إذا أعدنا التفكير في الأمر - إلى أن نظام مبارك استشعر ~~الخطر. لكن في الوقت الذي كان فيه أولو الأمر في القاهرة بمعزل عن الواقع - أو كانوا على ~~الأقل عازفين عن الإنصات - أيد الإعلام المصري المعارض النشط رسالة الكتاب. ومثلما ~~أوضحت في الفصل الخاص بالإعلام فإن نظام مبارك منح الصحف المصرية مستوى غير مسبوق من ~~الحرية، لأنه يعرف أن أكثر قراء هذه الصحف من أهل النخبة. فالسماح بدرجة من الحرية أمام ~~الآراء المعارضة ما دامت لا تمثل تهديدا مباشرا على النظام سيعطي انطباعا للأجانب أن مصر ~~دولة الحرية والآراء المتنافسة. لم يسعني إحصاء عدد اللقاءات والمقالات التي أجريت أو ~~نشرت باللغة العربية، وعدد الصفحات التي دشنت على موقع «فيسبوك» بهدف التأكيد على ~~موضوع الكتاب وترجمة بعض فقراته الرئيسية. وعندما رفعت الحكومة الحظر عن الكتاب - بعد نحو ~~شهر من مداهمة مسئولين من وزارة الإعلام لمكتبة الجامعة الأمريكية في القاهرة لمصادرة بضع ~~عشرات من النسخ المعروضة هناك - صار على الفور واحدا من أكثر الكتب مبيعا في العديد من ~~المكتبات الإنجليزية في مصر. # وعلى النقيض من هذا، عندما نشر الكتاب في نيويورك ولندن عام 2008، شعرت بأسى بالغ من ~~ضآلة اهتمام ms003 وسائل الإعلام الأمريكية والإنجليزية على السواء بالكتاب. مكثت بائسا بضعة ~~أسابيع في واشنطن أنتظر الدعوات للحديث إلى وسائل الإعلام، لكني لم أتلق أي دعوات في نهاية ~~الأمر. حدث هذا على الرغم من أن كتابي السابق «خبايا السعودية» (2005) نال ما يربو عن عشرين ~~نقدا بارزا، وأدرج ضمن قائمة أفضل الكتب مبيعا في الولايات المتحدة. وبدا واضحا تماما ~~أن قليلين في الغرب هم من أرادوا سماع الرسالة التي يوجهها الكتاب. ولا عجب إذن في أن أمثال ~~جون ماكين تأسفوا على انعدام رسائل التحذير من اندلاع الثورة بعد اندلاعها أخيرا. # الأسوأ من ذلك أنه عندما كان يرد ذكر الكتاب في وسائل الإعلام المتحدثة بالإنجليزية تكون ~~اللهجة ساخرة تماما. كان رأي ماكس رودينبيك - مراسل مجلة «ذا إيكونوميست» في الشرق الأوسط ~~- أفضل مثال على ذلك؛ إذ أخبر قراءه قبل ثورة القاهرة بستة أشهر فحسب قائلا: ««في قلب مصر: ~~أرض الفراعنة على شفا الثورة» هو العنوان المؤثر الذي اختاره الصحفي البريطاني جون آر برادلي لكتابه. ~~وللأسف لم يكن تنبؤ الكتاب بثورة وشيكة إساءة التقدير الوحيدة للكتاب.» بل إن هذا الانقسام ~~- بين إشادة النقاد العرب الذين فطنوا إلى اقتراب الثورة وبين التشكيك الصفيق والمفعم ~~بالثقة من جانب نظرائهم الغربيين الذين أخطئوا التقدير «للأسف» - امتد حتى وصل إلى ~~المراقبين الغربيين المقيمين في مصر. ففي نقد حاد نشرته صحيفة «بيكيا مصر» الإلكترونية ~~الناطقة باللغة الإنجليزية في القاهرة، خاطبني جوزيف مايتون رئيس تحرير الصحيفة أنا وغيري ~~من القراء قائلا ببساطة: «مصر ليست على شفا ثورة يا سيد برادلي.» # أكثر سؤال تردد على مسامعي بعد الثورة هو كيف استطعت التنبؤ بها دون أي غربي آخر، ولم ~~جازفت بفعل ذلك على هذا النحو الحاسم. وكانت إجابتي بسيطة وهي أني لم أصدق ما كان يقوله ~~هؤلاء «الخبراء» المزعومون في الغرب عن مصر طوال العقد السابق. أثناء عملي مراسلا صحفيا ~~في المنطقة، لم أقابل قط صحفيا غربيا آخر ولو لإجراء حوار قصير. ولم أقم قط بزيارة إلى ~~إحدى سفارات الغرب للحديث مع الملحقين الصحفيين ms004 المتعالين. بل استمعت إلى عامة المصريين ~~الذين عشت إلى جوارهم في الأحياء الفقيرة متحدثا معهم بلهجتهم العربية. انتقلت إلى القاهرة ~~عام 1999 لتعلم اللغة العربية بعد أن تخرجت من الجامعة. ونظرا لضيق ذات اليد (ذلك أني أنا ~~نفسي نشأت في أسرة فقيرة)، انتهى بي المطاف في حي شبرا لأعيش إلى جوار 4 ملايين مصري ينتمون ~~إلى الطبقة العاملة. ساعدني الأصدقاء الذين تعرفت عليهم هناك - وأثناء أسفاري التالية داخل ~~البلاد - على رؤية جانب كامل آخر من مصر لا يعرف عنه الصحفيون القابعون داخل الفنادق ~~شيئا. # بعيون هؤلاء الأصدقاء آنذاك شاهدت الاهتراء التدريجي الذي أصاب المجتمع المصري من بطالة ~~مزمنة، وفقر مدقع، واضطهاد سياسي مصحوب بحملات اعتقال عشوائي مفزعة للمواطنين والزج بهم في ~~أقسام الشرطة حيث أصبح التعذيب - الذي أفردت فصلا للحديث عنه - روتينا يوميا. # في يناير/كانون الثاني من عام 2011، عندما احتشد ملايين المصريين في ميدان التحرير وغيره ~~من شوارع وميادين المدن الكبرى الأخرى، أولى الإعلام الغربي الكتاب الكثير من الاهتمام ~~أخيرا. ودون شك سررت أخيرا بالتردد على المحطات الإخبارية التليفزيونية في كل من بريطانيا ~~وأمريكا، واسترددت اعتباري عندما شاهدت الصحف الغربية تدرج الكتاب ضمن قوائم الكتب المهمة. ~~لكن خيل إلي أنه قد أسيء فهمي، إذ افترض صحفيو الغرب أني كنت أنادي بقيام ثورة، ~~وأصبحوا يسألونني الآن هل أشعر بالرضا. # غير أن المغزى من وراء الكتاب لم يكن التحريض على ثورة (وكأن هناك من كان سيعيرني أذنا ~~صاغية على أي حال)، ولا القول إن قيام ثورة - سواء على المدى القريب أو البعيد - سيكون في ~~صالح المصريين. قلما تتمخض الثورات عن المجتمعات التي يرنو إليها مؤيدو هذه الثورات والتي ~~تعتنق فكرة المساواة، مثلما يتضح من تاريخ الثورات الثلاث الأكثر شعبية - من حيث المشاركة ~~الفعالة لأفراد الشعب - في العصر الحديث. فالثورة الفرنسية أسفرت عن «الإرهاب الأعظم»، ~~والثورة الروسية أسفرت عن كابوس «ستالين»، بينما أتت الثورة الإيرانية بآية الله الخميني ~~والملالي المتعصبين الملتفين حوله. الاستثناء الواضح الوحيد لهذه القاعدة في التاريخ الحديث ~~- حسبما يتراءى لي ms005 - هو الثورة الأمريكية التي أدت إلى وضع أكثر الدساتير وضوحا وشمولا ~~وإلى ظهور أكثر الدول ديمقراطية وانعزالا في العالم، طوال بضعة عقود على الأقل. # وهكذا لم يعد السؤال يدور عن إمكانية قيام ثورة، وإنما عن الطريق الذي ستسلكه الثورة. فمع ~~حلول شهر فبراير/شباط وتنحي مبارك اتضح أمر واحد، وهو حدوث انقلاب عسكري. لم يكن هناك بد من ~~ذلك لسببين؛ إذ لا يوجد حزب أو مؤسسة أخرى تحظى بتأييد الشعب، فضلا عن أن القيادة العليا ~~في مصر كانت على استعداد في الأساس للتضحية بمبارك - في ظل الضغوط التي تمارسها واشنطن ~~عليها - من أجل الحفاظ على الوضع الراهن ممثلا في قاعدتهم السياسية وفي المساعدات التي ~~يتلقونها سنويا بقيمة 1,4 مليار دولار من الولايات المتحدة. ومع أن الانقلاب العسكري كان ~~أمرا محتما - مثلما أشرت في الفصل الأخير - فإنه دل أيضا على اختطاف ثورة الشعب. شهدت ~~مصر تكرارا لسيناريو عام 1952 عندما أدت ثورة شعبية اندلعت في يناير/كانون الثاني من العام ~~نفسه إلى انقلاب جمال عبد الناصر وتأسيس الحكم العسكري. ولأن قادة الجيش الذين تولوا مقاليد ~~حكم البلاد في 2011 عينوا في الأغلب من قبل مبارك، ولأن المشير طنطاوي نفسه صديق قديم ~~له فلم يكن من العجب أنهم سعوا بدلا من تقويض تركته إلى بسطها عن طريق حملات الاعتقال ~~الجماعي للمتظاهرين، ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية، ورميهم بتهم العمالة الأجنبية، ~~والاستدعاء المتكرر لرؤساء التحرير والصحفيين الذين يرى أنهم أساءوا إلى المجلس ~~العسكري. # مع هذا يصر «الخبراء» الآن على أن مصر في طريقها إلى نظام ديمقراطي على المنوال الغربي ~~يؤمن بالتعددية وقبول الآخر وحرية التعبير. وقد سمعنا في مناسبات عدة أن هذا هو مولد ~~«الربيع العربي» بقيادة مصر صاحبة السبق في تبني الاتجاهات الجديدة في المنطقة على مر ~~التاريخ. تبنى كتاب «في قلب مصر» من بدايته إلى نهايته وجهة نظر مخالفة تماما ترى أنه - ~~مثلما حدث في إيران عام 1979 - في ظل الفوضى التي تشهدها مصر بعد الثورة لن يكون النصر في ~~النهاية من نصيب الجموع ms006 التي تدفقت إلى الشوارع من مختلف طبقات المجتمع حتى ولو سقط النظام. ~~بل إن شجاعة هؤلاء وبطولتهم سيمهدان الطريق - من دون قصد - لوصول الإسلاميين إلى السلطة بعد ~~حدوث انقلاب عسكري. ولهذا السبب كثيرا ما حذرت من السماح بمزيد من سوء وتدهور الأوضاع. ~~وللأسف، تدهورت الأوضاع، واختطف الإسلاميون الثورة بموافقة ضمنية من المؤسسة ~~العسكرية. # ذكرت في الفصل الذي تحدثت فيه عن الإخوان المسلمين - وأيضا في الفصل الأخير - أن الإخوان ~~ليسوا ثوريين، ويمكن استبعادهم من إشعال فتيل التغيير الثوري المرتقب. يحذر الإسلاميون ~~المتشددون بشدة من الفوضى والثورة، وعندما اندلعت الثورة، عارضها الإخوان المسلمون - مثلما ~~تصورت - وكذلك فعلت الجماعات السلفية الأكثر تشددا. لا بد أن نذكر أنفسنا مجددا أن هذه ~~ثورة شعبية محضة، وأنها قامت بسواعد شباب ليبرالي ويساري وعلماني انضمت إليهم أغلبية لم يكن ~~لهم أي اهتمام قط بالسياسة كان هدفها الوحيد هو الخلاص من نظام نشئوا على كراهيته. لكن كان ~~هذا حال الثورة الإيرانية - في مراحلها الأولى - أيضا عام 1979. # وفي الشهور التي تلت تنحي مبارك بدا واضحا - خاصة وأن الليبراليين الذين أشعلوا فتيل ~~الثورة أعلنوا في تفاخر (وفي حماقة لو أعدنا التفكير في الأمر) أن ثورتهم «بلا قائد» - أن ~~الإسلاميين منظمي الصفوف كانوا يتحركون لملء الفراغ تماما مثلما فعلوا في إيران. ومع هذا ~~واصل «الخبراء» الغرب ونظراؤهم المصريون الليبراليون ترديد العبارات ذاتها: ما من شيء يدعو ~~إلى القلق، وشعبية الإخوان المسلمين محدودة، ومصر صاحبة تاريخ ثري وطويل من التعددية ~~والتنوع، والشعب المصري لا يريد العيش تحت مظلة دولة إسلامية. # من المؤكد أن معظم المصريين لا يريدون العيش تحت مظلة دولة إسلامية، لكن هكذا كان حال ~~الإيرانيين عام 1979. تجاهل هذا التحليل التفاؤلي إنذارا بالغ الخطورة؛ فالإسلاميون لا ~~يحتاجون لتأييد أغلبية الشعب من أجل تحقيق الفوز في الانتخابات. بل يحتاجون لتأييد أغلبية ~~من يدلون بأصواتهم، وهؤلاء تقدر نسبتهم في مصر تاريخيا بعشرة في المائة فقط ممن لهم حق ~~التصويت. ولذا عندما صوت المصريون في مارس/آذار 2011 على التعديلات الدستورية التي أعلن ~~عنها بعد ms007 قيام الثورة، فإن 41 بالمائة فقط ممن لهم حق التصويت كلفوا أنفسهم عناء الذهاب ~~إلى صناديق الاقتراع؛ صحيح أنها نسبة تفوق ما كانت عليه في الماضي، لكنها تظل منخفضة إلى حد ~~كبير بالنظر إلى كونها أول انتخابات حرة ونزيهة تتسنى لمعظم المصريين فرصة المشاركة فيها. ~~وهكذا فالإسلاميون - حتى ولو كانوا يتمتعون (مثلما ذكرت كثيرا) بتأييد نحو عشرين إلى ~~ثلاثين بالمائة فقط من إجمالي عدد السكان - لا يزالون قادرين على كسب أغلبية الأصوات لسبب ~~بسيط، وهو أن أتباعهم هم الأكثر تفانيا وتعصبا ومن المرجح بشدة أن يشاركوا في ~~التصويت. # قبيل استفتاء مارس/آذار كان الإخوان المسلمون الكتلة المعارضة الوحيدة التي تحث على ~~الموافقة على التعديلات الدستورية، غير أن أكثر من ثلثي المشاركين في التصويت استجابوا ~~لندائهم؛ أي سبعة وسبعين بالمائة. ونؤكد مجددا أنهم ليسوا سبعة وسبعين بالمائة من المصريين ~~جميعا، وإنما سبعة وسبعين بالمائة من الواحد والأربعين بالمائة الذين صوتوا، ومن هنا كانت ~~الأغلبية الساحقة للإسلاميين على الرغم من قلة مؤيديهم. خسرت الأحزاب الممثلة للنخبة ~~المصرية التقدمية العلمانية، التي عارضت بشدة الدستور المعدل بدعوى أنهم يحتاجون مزيدا من ~~الوقت لتنظيم صفوفهم. علاوة على هذا فإن الإخوان المسلمين فازوا أساسا في الاستفتاء لمجرد ~~زعمهم أن أي تعديلات أخرى على الدستور ستمهد الطريق أمام المؤامرة الأمريكية والإسرائيلية ~~لإلغاء «المادة الثانية» التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. وبعبارة أخرى، ~~تغلبت العبارات والشعارات المبسطة على البيانات السياسية الأشد تعقيدا. # إضافة إلى ذلك أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت منذ قيام الثورة أن التلهف لتطبيق ~~الديمقراطية وإجراء الانتخابات على المنوال الغربي يأتي في آخر أولويات من خرجوا إلى ~~الشوارع أثناء الثورة. وكالعادة ذكر نحو عشرين بالمائة أن الدافع الرئيسي وراء الإطاحة ~~بمبارك هو تطبيق الديمقراطية والمشاركة في انتخابات حرة. أما الباقون فكانت أولى أولوياتهم ~~دائما مثلما ورد في الاستطلاع استعادة كرامتهم والتعبير عن غضبهم من تردي الأوضاع ~~الاقتصادية للدولة. ومن ثم أحيطت استجابة النخبة في الغرب (والقاهرة) بخداع الذات، تماما ~~كما أن تأييد النخبة لنظرية ms008 «نهاية التاريخ» المنافية للعقل التي وضعها فرانسيس فوكوياما في ~~بداية التسعينيات من القرن العشرين - عقب سقوط سور برلين - يبدو أمرا هزليا لأي شخص فطن ~~يلقي نظرة على الماضي. بالمثل يشير الليبراليون الرواد الآن إلى أن الشعوب العربية ~~المضطهدة - بزعامة المصريين - انتفضت ضد الطغيان لأنهم يتوقون إلى قيم الغرب الليبرالية ~~الكلاسيكية من قبول الآخر والحكم التمثيلي. أيضا يصرون على أن الإنسانية مرهونة بالتبني ~~الجماعي للدساتير التي تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير الفردي. # لا شك أنه ما من عاقل يود أن يلقى القبض عليه ويعذب لا لشيء سوى أنه عبر عن رأيه سواء ~~أفي القاهرة أم في نيويورك. لكن عندما ننظر إلى الصورة من المنظور الأشمل - بأن نتساءل هل ~~المطلب العام بالكرامة الإنسانية الأصيلة يترجم حتما على أنه ولع بالنظام البرلماني ~~البريطاني وتأييد الفردية وفق النهج الأمريكي - يصبح التقييم ناقصا ومبسطا للغاية. ولنفكر ~~في استمرار شعبية جمال عبد الناصر الذي حكم مصر بعد انقلاب عام 1952 الذي أطاح بالملكية ~~المدعومة من بريطانيا. فكما يبين الفصل الأول قمع عبد الناصر بوحشية حرية التعبير وفرض ~~حظرا على المعارضة السياسية. وبالرغم من شعبيته الأكيدة فإنه لم يترشح للانتخابات قط خلال ~~العقدين الذي حكم فيهما البلاد. ومع هذا كانت الجماهير ترفع صورته عاليا أثناء الثورة ~~المصرية 2011 في حين شوهدت بضع صور لأنور السادات بالرغم من حكمه المؤيد للديمقراطية إلى حد ~~ما. ويكاد يكون من المحال أن ترى مصريا عاديا - باستثناء الإسلاميين الذين مارس عبد ~~الناصر بحقهم جرائم التعذيب والقتل - يقبل بكلمة سوء تقال في حقه. ولا عجب في أن استطلاع ~~رأي كبير أجري بعد الثورة المصرية أظهر أن الرغبة في تطبيق الديمقراطية على المنوال الغربي ~~حتى بين الثوار أنفسهم تأتي كأولى الأولويات لدى تسعة عشر بالمائة فقط ممن شاركوا في ~~الاستطلاع. لم كل هذا التقدير لعبد الناصر الديكتاتور المتسلط إذن؟ طرحت هذا السؤال مرات ~~لا أحصيها على مر العقود، ودوما كنت أحصل على التفسير نفسه من المصريين؛ وهو أنه لم يكن ~~شخصيا حاكما فاسدا، وأنه ms009 احترم كرامة شعبه، ولم يكن توفير الغذاء بالأمر الصعب في عهده. ~~يبدو أن ميوله الاستبدادية لا دخل لها بالموضوع. # ومما يدعو للسخرية أن تونس كانت هي المحفز لاندلاع الثورة في مصر وفي غيرها من دول العالم ~~العربي؛ ذلك أن الحبيب بورقيبة الزعيم التونسي الذي حكم البلاد بعد الاستقلال أدار ظهره ~~لسياسة الوحدة العربية ومعاداة الغرب التي تبناها عبد الناصر مؤكدا بدلا من ذلك على تفرد ~~بلاده. وعلاوة على ذلك، فطوال سنوات تكرر استقبال عامة التونسيين للهجتي المصرية المميزة ~~بالفتور، لأنهم لا يحملون الكثير من مشاعر الحب للمصريين. فالتونسيون ينظرون إلى المصريين ~~على أنهم مخادعون محترفون، وأنهم منافقون بسبب إظهارهم المتفاخر - والظاهري عادة - للتقوى ~~والورع. وفي المقابل، ينظر المصريون الأكثر تحفظا إلى حظر ارتداء الحجاب في تونس وأحياء ~~الدعارة المنتشرة تحت مظلة القانون على أنها نوع من الجنون. ولا غرو في أن مباراة كرة قدم ~~جمعت بين فريقين من البلدين في القاهرة - بعد اندلاع الثورتين التونسية والمصرية ببضعة أشهر ~~- قضت سريعا على كل ما كان يقال عن مشاعر الحب بين الأشقاء العرب في كلتا الدولتين في ~~أعقاب بداية «الربيع العربي». فعقب قرار مشكوك في صحته اتخذه حكم المباراة اندلعت أعمال ~~الشغب في الجانب المصري حيث اندفعت الجماهير إلى أرض الملعب وهاجمت اللاعبين التونسيين. ~~وصادف أن كنت في تونس تلك الليلة، ولم يكن من السهل أن أطلب فنجانا من القهوة باللهجة ~~المصرية. # وأثناء أسفاري المتتابعة جيئة وذهابا بين تونس ومصر بعد الثورة، هالني أيضا ما رأيت من ~~مشاعر الازدراء التي يكنها عامة المواطنين في كلا البلدين للشعب الليبي في ظل نشوب حرب ~~أهلية هناك. لدى معظم المصريين انطباع خاطئ بأن جميع الليبيين ينعمون بالثراء الفاحش، ولذا ~~لم يروا سببا لقيامهم بالثورة من الأساس؛ وهذا دليل آخر نستنبطه من الأحاديث المتداولة على ~~أن المعاناة الاقتصادية - وليس التلهف لتشكيل حكومة تمثيلية على المنوال الغربي - هي التي ~~دفعت المصريين إلى التظاهر. التونسيون من جانبهم كثيرا ما نظروا إلى الليبيين نظرة ازدراء ~~إلى حد يبدو معه ms010 فتورهم تجاه المصريين عاطفة مكبوتة. فهم يعتبرون الليبيين بدوا حمقى، ~~وسرعان ما هاجموا بعنف مخيمات اللاجئين التي أقيمت من أجل الليبيين جنوب بلادهم. لذلك اتضح ~~أن الرأي القائل إن الثورات العربية مثلت إحياء لحلم الوحدة العربية الذي دعا إليه عبد ~~الناصر - مثل العديد من النظريات التي يروج لها «خبراء» الشرق الأوسط - هو محض تمن لا حقيقة ~~له. # نظرا لأزمة الآراء السياسية الراديكالية المعارضة في الوقت الراهن - حيث تتحلى الشعوب ~~العربية من دون شك بالجرأة التي كانت جزءا محوريا في جميع الثورات الكبرى على مر ~~التاريخ، لكنهم يفتقرون إلى التلاحم وإلى وجود استراتيجية بل ولغة سياسية يستخدمونها في ~~صياغة أهدافهم - فالحقيقة المؤسفة أن الثورة في مصر وفي غيرها من البلدان الأخرى كانت تصب ~~دوما في صالح الإسلاميين أولا وقبل كل شيء. ذلك أن الإسلاميين يتحدثون لغة يتردد صداها ~~بين العامة. ليس معنى هذا أن الإخوان المسلمين يتمتعون بشعبية كبيرة في مصر، ومثلهم في ذلك ~~السلفيون. لكن عندما يصل الأمر إلى جوهر الخلاف السياسي نجد المصريين غير مبالين تماما، ~~والأحزاب التقدمية تكاد لا تكون معروفة، والإخوان المسلمين بالتبعية الفصيل المعارض الأفضل ~~تنظيما وصاحب الرسالة الأكثر وضوحا والأيسر استيعابا. # وكحال كل جماعات المعارضة الإسلامية، لا يسعى الإخوان المسلمون إلى الحكم، لأنهم ينجحون ~~ويزدهرون في جانب المعارضة، حيث ينشغلون بموضوعات غير ذات جدوى تتعلق بالإسلام - بدءا من ~~التصدي لمسابقات الجمال وحتى حظر الكتب التي ترمى بالكفر - في محاولة لأسلمة المجتمع من ~~قاعدته. بعبارة أخرى، ينظر الإسلاميون إلى المدى البعيد، ولا يسعون إلى السلطة من أجل ~~السلطة. ومن هنا كان استبعادهم الفوري للترشح في الانتخابات الرئاسية الهامة جدا. وبدلا ~~من ذلك نراهم يريدون أسلمة المجتمع تدريجيا من قاعدته، معتقدين أنهم مؤيدون من قبل ~~الله وتساندهم النزعات الاجتماعية المحافظة. وطوال عقود من الزمان كان البرلمان الهش ساحتهم ~~المفضلة، والعمل الخيري بين الفقراء أداتهم الرئيسية لاستقطاب الآخرين. ومع تردي الوضع ~~الاقتصادي المصري جراء الثورة، زادت الحاجة إلى أعمالهم الخيرية أكثر من ذي قبل، وصار ~~البرلمان الجديد الأكثر ms011 تحررا أكثر إغراء لهم. # في حوار مع قناة «بي بي سي» في مارس/آذار 2011 قال عضو في جماعة الإخوان المسلمين ~~المصرية ، «معتدل» على حد زعمه: «نريد حريتنا حتى نتمكن من تأسيس أحزاب سياسية في مجتمع مدني ~~تعددي.» وواصل الشاب حليق اللحية حديثه قائلا: «لا يمكنكم إصدار حكم علينا ما لم تمنحوننا ~~الفرصة. نحن الإسلاميون بحاجة إلى فرصة.» لكن الدرس المستفاد لمصر - ولهذا الإسلامي تحديدا ~~إذا تأمل الواقع لحظة - من تجارب الدول الأخرى واضح وضوح النهار؛ لا يمكنك استيعاب ~~الإسلاميين بالرغم من اعتدال بعض أتباعهم. أعطهم جزءا صغيرا من ساحة اللعب، وسوف ~~يستأثرون بالساحة كلها لأنفسهم، ويغيرون قواعد اللعبة على نحو يضمن انتصارهم دائما. وفوق ~~كل شيء لن تستطيع دحرهم في المنافسات طويلة المدى؛ فعندما يتعلق الأمر بالجلد والثبات تكون ~~الغلبة من نصيبهم. وعلى كل حال فالتعريف الدقيق للاعتدال هو معرفة الوقت الذي يجدر بك ~~التوقف فيه، وكل الإسلاميين يشتركون في أنهم لا يكلون لحظة. والتعرض للإسلام الراديكالي ~~في الشرق الأوسط بالنقد صار مرادفا للدعوة إلى خفض السن القانونية لممارسة الجنس إلى ثماني ~~سنوات في جلسة كاملة لمجلس الشيوخ الأمريكي؛ أي صار أمرا كارثيا. لا بد لكل الحجج أن ~~تصاغ في حذر الآن باستخدام مصطلحات إسلامية، فضلا عن أن التأييد الذي حظيت به الحركات ~~العلمانية في الماضي ذهب أدراج الرياح؛ بين العامة على الأقل. # طوال العقدين الماضيين، أرسى الإخوان المسلمون دعائم نجاحهم الوشيك. فقد أظهر استطلاع رأي ~~أجراه «مركز بيو للأبحاث» قبل الثورة بوقت قصير أن غالبية المصريين يؤيدون رجم الزاني، وقطع ~~يد السارق، وقتل المرتد عن الإسلام. والحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها مع الأسف هي أن ~~المجتمع المصري - بعد عقود من حكم نظام مبارك الفاسد (الذي قوى شوكة الإسلاميين كوسيلة ~~لتجنب غضب الشعب جراء تحالفه مع واشنطن) - صار محافظا ورجعيا للغاية، وأصبحت النخبة ~~التقدمية بمعزل هائل عن الشعب، حتى إن شعار الإخوان المسلمين - الإسلام هو الحل - يطغى على ~~الدعوات الأكثر تعقيدا وبراعة إلى الصبر والتسامح والاعتدال. والأسوأ من هذا ms012 دخول السلفيين ~~المتطرفين الآن إلى الساحة السياسية، حيث استغل السلفيون الأكثر تطرفا الفوضى التي أعقبت ~~سقوط مبارك لمهاجمة الصوفيين والمسيحيين. يرى هؤلاء المتشددون أن المزيد من الديمقراطية لا ~~يعني مزيدا من التعددية حتى مع تأسيسهم أحزابا سياسية مؤخرا بهدف تدعيم العملية ~~الديمقراطية. والآن يتحول السيناريو المفجع الذي تصورته لمصر في هذا الكتاب - عندما كانت ~~على أعتاب تغيير ثوري هو اعتلاء الإسلاميين السلطة - إلى واقع أسرع كثيرا حتى مما ~~توقعت. # في بداية أغسطس/آب 2011 - بعد اندلاع الثورة بستة أشهر - شهدت مصر ما يمكن وصفه بأنه ~~«اللحظة الإيرانية» في البلاد. نزل ما يقرب من مليون سلفي وإسلامي متشدد إلى ميدان التحرير، ~~وشقوا صفوف المعارضة الليبرالية والعلمانية التي كانت قد وافقت على الانضمام إلى المظاهرة ~~من باب التدليل على وحدة الصف. وما حدث أن الإسلاميين دعوا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، ~~وإزاحة الأفكار العلمانية جانبا. ردد الإسلاميون شعارات إسلامية، وارتدوا الزي السلفي، بل ~~ولوحوا بالأعلام السعودية في دلالة أكيدة على الرغبة في العودة بالمجتمع إلى العصور ~~الوسطى. # بعدئذ تحرك الجيش لإخلاء ميدان التحرير من ~~بضعة مئات من المتظاهرين الليبراليين، وأعلن عن مثول مبارك أمام المحكمة. لا شك أن قرار ~~محاكمة مبارك - بعد شهور من التباطؤ - كان انتصارا لليبراليين الذين استبسلوا في مواصلة ~~الضغط على المجلس العسكري من أجل محاكمة الديكتاتور. لكن الخطر يكمن في أن محاكمة مبارك ~~(الجارية وقت كتابة هذه السطور) ستثبت أنه انتصار باهظ التكاليف. فقد سحب البساط من تحت ~~أقدام الحركات الثورية الليبرالية مثلما استغلت حالة الزخم القائمة من قبل الإسلاميين ~~الذين يشاع أنهم أبرموا اتفاقا مع الحكام العسكريين الجدد: دعونا نؤسلم المجتمع من قاعدته ~~ونشارك بحرية في الانتخابات، وسوف نساعدكم في الحفاظ على الوضع الراهن. نفى الجيش نفيا ~~قاطعا وجود مثل هذا الاتفاق، لكن الحقيقة واحدة سواء أكان الاتفاق قد أبرم رسميا أم لا. ~~وسط الفوضى والخراب اللذين تشهدهما مصر بعد الثورة والتنفيس عن المشاعر برؤية مبارك ماثلا ~~أمام المحاكمة تجلت حقيقة جديدة؛ من المرجح كثيرا أن تصبح مصر - عاجلا ms013 أكثر منه آجلا - ~~دولة إسلامية أكثر من احتمال كونها دولة ديمقراطية تسير على منوال الغرب. # أوضح مقال نشر في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية ذات الثقل في فبراير/شباط 2011 كيف برع ~~الإسلاميون في الترويج لأنفسهم في الخارج مستغلين بمهارة ولع واشنطن بألعاب الشطرنج ~~الجغرافية السياسية. كتب شادي حامد من معهد «بروكينجز» البراجماتي: «لا جدال في أن ~~الديمقراطية ستجعل المنطقة أكثر تقلبا وبعض الحكومات فيها أقل إذعانا لمصالح الأمن ~~الأمريكية.» لكن لا داعي للقلق؛ فالإسلاميون «الممثلون للاتجاه السائد» مثل الإخوان ~~المسلمين في مصر «لديهم نزعات براجماتية قوية»، وأظهروا أنهم «مستعدون للمساومة على ~~أيديولوجيتهم» عندما يواجهون خيارات صعبة: # لتوجيه الشرق الأوسط الذي يمر بمرحلة تطور سريع مؤخرا في اتجاه مناسب، على ~~الولايات المتحدة استغلال تلك النزعات عن طريق الدخول في حوار استراتيجي مع الأحزاب ~~والجماعات الإسلامية في المنطقة. فالمشاركة ستمكن الولايات المتحدة من حث ~~الإسلاميين على احترام المصالح الرئيسية للغرب بما في ذلك دفع عملية السلام ~~العربي-الإسرائيلي قدما، ومجابهة إيران، ومحاربة الإرهاب. سيكون من الأفضل دعم تلك ~~الروابط مع جماعات المعارضة الآن - في وقت لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بالنفوذ ~~- أكثر مما سيكون عليه الوضع لاحقا بعد وصولهم إلى السلطة: (شادي حامد: «كيف سيغير ~~الإسلاميون العملية السياسية والعكس» مجلة «فورين أفيرز» مايو/أيار- يونيو/حزيران ~~2011. # http://www.foreignaffairs.com/articles/67696/shadi-hamid/the-rise-of- the-islamist ~~). # بعبارة أخرى الإسلاميون في طريقهم إلى الحكم - شئنا أم أبينا - لذا فمن الأفضل تقديم ~~الدعم للطرف الرابح. لكن ماذا عن نساء المنطقة ومسيحييها وشيعتها ومفكريها من أنصار الفكر ~~الحر الآخذ عددهم في التضاؤل طوال الوقت و«شعوبها» الإسلامية المعتدلة - على حد تعبير ~~أوباما - الذين لا يريدون العيش في دولة دينية وهابية رجعية؟ ليذهبوا إلى الجحيم على ما ~~يبدو؛ فالأولوية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، ولا بد من تحقيقها ولو بإبرام اتفاق مع ~~الشيطان. وبالرغم من أن هذا المنطق يتنافى مع الأخلاق فإن دوافعه مفهومة - من المنظور ~~البراجماتي المحض الذي تتبناه واشنطن - إذا كان يخدم المصالح الأمريكية حقا. # غير أن مشكلة الحجج البراجماتية أن التاريخ اعتاد تفنيدها. ساند البراجماتيون الأمريكيون ~~الأنظمة الفاسدة في جنوب ms014 فيتنام واحدا تلو الآخر، لكنهم خسروا الحرب مع ذلك، وسلموا ~~المنطقة إلى الصين على طبق من فضة . وساند البراجماتيون شاه إيران واكتسحت الثورة لتمكن ~~آية الله الخميني، وقد شهد التاريخ لتوه تكرارا لهذا السيناريو في مصر. في الثمانينيات من ~~القرن العشرين، سلح البراجماتيون أسامة بن لادن. وثمة أمر واحد واضح: وهو أن واشنطن ~~ستواصل تفضيل مصالحها ومصالح تل أبيب على مصالح الشعب المصري. والنتيجة ستكون كارثة أخرى في ~~السياسة الخارجية. وعندما تندلع الثورة المصرية القادمة - وهو أمر مؤكد - سيقف الإسلاميون ~~المتشددون في الصفوف الأمامية منذ اللحظة الأولى. # الفصل الأول # | ثورة باءت بالفشل # على بعد مسافة قصيرة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ بين شوارع منطقة وسط البلد المزدحمة، ~~في العاصمة الأكبر في أفريقيا والأكثر ازدحاما في العالم العربي؛ يقع مقهى صغير متهالك ~~يدعى الندوة الثقافية، كراسيه ومناضده الخشبية تطل على الشارع خارجه، ويرتاده المناضلون من ~~المفكرين الليبراليين، وتتبارى فيه أصوات الزبائن الصاخبة مع أصوات أبواق السيارات، وتلتقي ~~أثناء إدلائهم بالطلبات - التي يجلبها ندل يرتدون معاطف بيضاء - مع أصوات الباعة ~~المتجولين المتكررة المجاورة صانعة مزيجا أوبراليا، يختلط فيه الدخان المتصاعد من ~~نارجيلة المقهى بعوادم سيارات المرور التي توقف سيرها من فرط الزحام. إنها صورة مصغرة ~~للقاهرة المعاصرة: زحام المرور، والتلوث الضوضائي، والحياة الاجتماعية الزاخرة بالأحداث ~~لأناس أكثر ما يعشقونه هو الخوض في الأماكن العامة فيما عظم وصغر من الأمور، على الرغم من ~~الاضطرابات المحيطة بهم (أو ربما بسببها). في تلك الآونة، في شتاء عام 2006، حقق فيلم ~~بعنوان «عمارة يعقوبيان» نجاحا ساحقا في البلاد. قصدت آنذاك مقهى الندوة الثقافية؛ للقاء ~~الكاتب علاء الأسواني، مؤلف الرواية التي ارتكز عليها الفيلم الأعلى تكلفة في تاريخ السينما ~~المصرية، الذي شارك في بطولته الكثير من نجوم السينما في مصر، وحطم جميع الأرقام القياسية ~~لإيرادات الأفلام المصرية في الأسابيع الأولى من عرضه. دارت أحداث الفيلم في مبنى من أبنية ~~الماضي الشامخة في منطقة وسط البلد التاريخية بالقاهرة، أي قريبا من مقهى الندوة الثقافية، ~~ومثلت شخصياته المتنوعة شرائح مختلفة من ms015 المجتمع المصري المعقد. والمبنى في حد ذاته شخصية ~~رئيسية من شخصيات الفيلم؛ إنه مرآة بسيطة لمنتهى الازدهار الذي شهده المبنى في حقبة ~~الثلاثينيات والأربعينيات الساحرة، الحقبة التي تعرف في مصر ب«الزمن الجميل»، ويرمز تهالك ~~المبنى إلى تدهور مكانة مصر تدريجيا إبان الحكم العسكري الذي دام أكثر من خمسة عقود منذ ~~انقلاب يوليو/تموز عام 1952، الذي أطاح بالنظام الملكي المؤزر من قبل بريطانيا، ليصعد بجمال ~~عبد الناصر والضباط الأحرار إلى السلطة. صدر الفيلم ليعرض بقوة وعلى نحو فريد الواقع المرير ~~الذي يواجهه المصريون يوميا، في بيئة ثقافية تكاد تكون قاحلة، تخلت فيها عن السينما ~~المصرية عظمتها السابقة، وأضحت خاضعة لرقابة مكثفة، وباتت تنتج اليوم عددا لا حصر له من ~~الأفلام الكوميدية الرخيصة. الانحلال الجنسي والفساد السياسي تفشيا في العالم الذي تتحرك ~~فيه الشخصيات، وتنافس فيه القوادون والعاهرات وصغار المحتالين ومحترفوهم على غنائم الأمة ~~المتهاوية التي باتت الآن تعيش كابوسا من جانبين: اتساع أملاك الطبقات العليا بلا حدود، ~~واجتياح الإسلاميين للطبقات الدنيا. إنها صورة يزداد فيها الثري ثراء والفقير فقرا، أما ~~الشرائح الوسطى فقد اندثرت واندثر معها كل أمل في التطور الاجتماعي القائم على التعليم ~~الجيد والرغبة في العمل الجاد، في الوقت الذي استغل فيه الإسلاميون المتشددون الضعفاء ~~والمعدمين الذين تخلى عنهم النظام الحاكم، ووقع المثقفون المتعلمون تحت أقدام عصابات شبيهة ~~بالمافيا يشار إليها باسم «أغنياء الحرب»؛ وهو مصطلح يقابله في الإنجليزية مصطلح يعني ~~«القطط السمان». إنه بلد يحلم شبابه جميعا تقريبا بالهروب منه، وأملهم الأخير للتمتع ~~بمستقبل أفضل هو مفارقة الأحباب، والسفر بحثا عن العمل والكرامة. ~~••• # يلتقي علاء الأسواني كل خميس في مقهى الندوة الثقافية بأصدقائه ومحبي رواياته، وبغيره من ~~المفكرين؛ لمناقشة آخر التطورات السياسية والثقافية في مصر. كان الأسواني يملك قاعدة عريضة ~~من المعجبين، فحتى قبل أن يصنع نجاح فيلم «عمارة يعقوبيان» الهائل اسمه بوصفه روائيا ~~عالميا، حققت الرواية ذاتها أعلى المبيعات في مصر والعالم العربي منذ صدورها في عام 2002، ~~بل وذهب البعض منذ وقت مبكر إلى تلقيبه بخليفة نجيب محفوظ، ms016 الروائي العظيم الحائز جائزة ~~نوبل، الذي تحولت رواياته إلى أفلام شهيرة، وتوفي في أحد المستشفيات بالقاهرة في عام 2006 ~~بعد صراع طويل مع المرض إثر محاولة اغتيال تركته عاجزا عن الكتابة، نفذها متطرف إسلامي في ~~أوائل التسعينيات. يشير اسم الأسواني - وهو رجل في أواخر الأربعينيات له رقبة ملاكم ~~وساعداه - إلى انحدار أصوله من قلب النوبة؛ من مدينة أسوان الساحرة بجنوب مصر. وتوحي ~~شخصيته الودودة المتواضعة بأنه - مرة أخرى كنجيب محفوظ - لم يدع الشهرة التي اكتسبها في ~~الآونة الأخيرة تصيبه بالغرور. لقد عاش في الولايات المتحدة وفرنسا، وصار يتقن الإنجليزية ~~والإسبانية والفرنسية إلى جانب العربية؛ لغته الأم. أسس أولى عياداته بوصفه طبيب أسنان في ~~المبنى الذي يشير إليه اسم القصة وتدور حوله أحداثها الخيالية، وكان شأنه شأن أغلب الرجال ~~المصريين الذين التقيتهم يدخن السجائر باستمرار، وهو أمر مستغرب من طبيب أسنان. عندما قدمت ~~له نفسي، لاحظ أنني أدخن سجائر كليوباترا المحلية فيما هو يمسك بعلبتي سجائر من ماركة ~~أمريكية يفضلها، فأطلق مزحة عن التمازج بين الثقافات المختلفة - الفكرة الرئيسية التي تدور ~~حولها أحدث رواياته؛ «شيكاجو» - لإذابة الجليد واستهلال الحديث. # في تلك الأمسية الباردة من شتاء عام 2006، اجتمع ما يقرب من خمسين شخصا في مقهى الندوة ~~الثقافية، جلست في الصف الخلفي، أتابع ما يجري من حولي دون الانخراط فيه، وتناقل المجتمعون ~~جهاز ميكروفون متصلا بمكبر صوت سمح لصوت كل شخص بأن يبز ضجيج المرور بالخارج. دار الجزء ~~الأكبر من النقاش الذي افتتحه الأسواني حول أصداء تصريح أدلى به وزير الثقافة فاروق حسني ~~مؤخرا، قال فيه إن ارتداء الحجاب - الذي انتشر في مصر منذ أوائل التسعينيات، ولا تعارضه ~~إلا الأقلية القبطية المسيحية - هو دلالة على «الرجعية». لكن الهجوم المضاد لتصريح فاروق ~~حسني كان قاسيا، بقدر ما كان محبطا؛ فقد جاء ليثبت فقط صدق إعلانه، وهو ما أدهشني. اتحد ~~أعضاء من البرلمان المصري من حزب الرئيس مبارك الحاكم؛ الحزب الوطني الديمقراطي (العلماني ~~ظاهريا) - الذي يسيطر على المجالس التشريعية المؤلفة بموجب انتخابات محددة النتائج سلفا ms017 ~~- مع أعضاء برلمانيين من جماعة الإخوان المسلمين في الدعوة لاستقالة فاروق حسني، وشن كاتبو ~~الأعمدة في الصحف القومية والمعارضة هجمات شرسة ضد الوزير تتعرض لشخصه، بل وأشار البعض بخبث ~~(وبلا سبب واضح) إلى أن من لا يبدو أن النساء تهمه كثيرا يجب أن يكون آخر من يدلي برأي قوي ~~فيما يرتدينه. ظاهريا قد يبدو هذا تحالفا غريبا بين الإسلاميين والعلمانيين، لا سيما ~~بالأخذ في الاعتبار أن النظام يتهم دائما بحبس وتعذيب النشطاء المعارضين وملاحقتهم بلا ~~هوادة، بالأخص من جماعة الإخوان المسلمين الأصولية، لكن إن أنعمنا النظر في الأمر، فسنجد أن ~~ردة الفعل إزاء تصريحات فاروق حسني توضح بقوة أن النظام يسرق عباءة الإسلاميين لرفع شعبيته ~~الآخذة في التدهور بين العامة. إنها ممارسة ليس من قبيل المصادفة أنها تساهم في تهميش أصوات ~~التقدميين أكثر مع الترويج لخطورة الإسلاميين التي يحاول النظام أن يلفت الأنظار - قدر ~~الإمكان - إلى جسامتها لتقليص حملات الضغط والنقد التي يتعرض لها من مموليه في ~~واشنطن. # أيد الجميع تقريبا في صالون الأسواني غير الرسمي فاروق حسني، لم يؤيدوا بالضرورة آراءه ~~عن الحجاب، لكنهم ارتأوا بلا شك أنه لا يستحق أن يهاجم، مما أظهر ميولهم الليبرالية ~~وجهلهم بالرأي العام السائد؛ وعلى كل حال، إن كان المعارضون والحزب الحاكم يرون في تعليقات ~~فاروق حسني فرصة سياسية، فهذا يدل على أنهم يجدونها قضية ذات صدى في الشارع المصري، ومن هنا ~~يمكن استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية. وكان أكثر ما عجز المجتمعون في الندوة عن تصوره هو كيف ~~استطاع فرد - أيا كان موقعه في الحكومة المصرية - أن يثير مثل هذه الجلبة، في الوقت الذي ~~فشلت فيه القصص عن استشراء الفقر والبطالة والفساد المستوطن وثقافة المحاباة الواسعة ~~الانتشار - وهي الأفكار الرئيسية التي تدور حولها قصة الأسواني - في تحفيز الجماهير لاتخاذ ~~ردة فعل تقترب من هذا الحد. ردة الفعل تلك أثبتت انعدام الحوار الثقافي في البلاد، وسيطرة ~~الإسلاميين على العقل الجمعي المصري، لكنها أوضحت أيضا سذاجة مفهوم العدالة لدى الحاضرين ~~بالصالون الثقافي؛ فالجلبة حول الحجاب ms018 صرفت انتباه الناس عن واقع محزن يعيشونه، لكنهم لا ~~يستطيعون في الوقت نفسه معالجته. لا عجب في أن الكوميديا الرخيصة تسيطر سيطرة كبيرة عندما ~~تتعذر معالجة القضية الملحة إلى درجة مقبضة للصدر. ~~••• # قال لي الأسواني بعد أن انفض الحشد وجلسنا على طاولة خارج المقهى: «نشأت في منطقة وسط ~~البلد بالقاهرة، أعتقد أن تلك المنطقة ليست جزءا من العاصمة بقدر ما هي حقبة تعود إلى أكثر ~~من مائة وخمسين عاما قبل ثورة يوليو، عندما كانت مصر متسامحة إلى حد بعيد.» # تمثل الطرز المعمارية المختلفة التي انتشرت في القاهرة قبل ثورة يوليو تغير العصور ~~والأذواق من منظور مجتمع الصفوة الليبرالي الذي انبثق منه الأسواني؛ إنها تعبر عن فترة تعود ~~إلى أوائل القرن التاسع عشر، عاش وعمل فيها المسلمون، والمسيحيون، واليهود، والمصريون، ~~والعثمانيون، والأرمن، والإيطاليون، والفرنسيون معا، وصارت المدينة بفضل مظهرها نموذجا ~~للتعدد والاختلاف. تبرز رواية «عمارة يعقوبيان» هذا المجتمع الذي اتسع للجميع؛ إذ يتحول ~~المبنى الذي سميت باسمه القصة، الكائن في القاهرة كما نراها في الواقع، والمصمم على طراز ~~«الآرت ديكو»، إلى نصب تذكاري يذكر بالطراز الكلاسيكي الأوروبي الرفيع، وقد اكتمل مظهره ~~ذاك بأعمدة وأحجار إغريقية الطابع. # احتك الأسواني بالمجتمع الغربي في سن صغيرة، وذكر أنه في جزء منه «ليبرالي بالدرجة ~~الأولى»؛ فقد كان والده كاتبا وفنانا، لذا نشأ على حب قراءة الكتب وحرية الرأي؛ «فمن أراد ~~أن يصلي، صلى، ومن أراد أن يشرب الخمر، شربه، ومن أراد أن يصوم، صام»، هكذا أخبر مجلة ~~«إيجيبت توداي» المحلية التي تصدر باللغة الإنجليزية في مصر إبان حملته الدعائية لدى صدور ~~روايته. وقد حرص على أن يبين لي أنه لا يشبه أيا من شخصيات قصته، فإحدى نقاط قوته ككاتب ~~بالفعل هي قدرته - على طريقة الروائي الفرنسي مارسيل براوست - على تفهم آراء شخصياته ~~المختلفة على الرغم من تعارضها. لكن مع تواصل حديثنا تبين أنه كبطل روايته الأرستقراطي ~~المسن زكي باشا، يزدري الواقع الكئيب الذي تعيشه القاهرة المعاصرة ويشعر بالحنين إلى مصر ما ~~قبل ثورة يوليو، مع ms019 التحفظ بشدة على الاستعمار البريطاني الذي ميز هذه الحقبة. # قال الأسواني وهو مستغرق في التأمل: «الاستعمار في الأحوال كافة شر، فإيجابياته - أيا ~~كانت - ليست لمنفعة أهل الوطن، ولكن الحقيقة هي أنه قبل هذه الثورة، كان مفهومنا عن الدين ~~متسما بالفعل بالتسامح، لهذا كان مجتمعنا متعدد الأعراق؛ عاش فيه أناس من كل ربوع الأرض.» ~~هنا قاطعته مجموعة أخرى من المعجبين تطلب توقيعه على النسخة الإنجليزية والعربية من ~~روايته. # عمل الأسواني فيما مضى بصحيفة تدعى «الشعب»، كان فيها مسئولا عن الصفحة الأدبية. ~~والصحيفة ذاتها تملك تاريخا مشوقا؛ فبعدما كانت يسارية، أخذت تتخذ أكثر فأكثر طابعا ~~إسلاميا، ويفسر هذا على الأرجح سبب توقف الأسواني عن العمل فيها. إحدى التفسيرات القوية ~~لتبرير هذا الاتجاه الذي تحولت إليه الصحيفة هو أنها سعت لأن تعكس بدقة آراء من تزعم أنها ~~تمثلهم، كما يوحي اسمها، والبديل العملي أشار إلى إمكان تحقيقها مبيعات أفضل إن تخلصت من ~~ميولها اليسارية. ولكن سبب النقلة هو في الواقع اهتزاز ثقة كبار الشخصيات المؤثرة في ~~الصحيفة في الحلول اليسارية، إن جاز التعبير. من هنا شنت «الشعب» من قبل حربا شعواء على ~~وزارة الثقافة لإصدارها رواية تدعى «وليمة لأعشاب البحر»، اعتبرتها الجهات الرقابية المحلية ~~منافية للإسلام. لعل الأسواني تعاطف على مستوى شخصي مع وزير الثقافة فاروق حسني في صدامه مع ~~المتطرفين الإسلاميين حول مسألة الحجاب - التي أنجته فيها صداقته لسوزان مبارك قرينة الرئيس ~~التي ترفض ارتداء الحجاب - لأنه بدوره تعرض لهجمات شرسة مماثلة تستهدف تشويه صورته في الصحف ~~الموالية للحكومة؛ إذ اتهمه كاتبو أعمدة الرأي في تلك الصحف بتلويث سمعة مصر بالخارج (وهي ~~رسميا جريمة)، لا سيما لأن إحدى شخصيات روايته كان لواطيا يجاهر إلى حد ما بلواطه. ~~(اللواط منتشر بين الشباب المصريين، لكنه لا يناقش في العادة بانفتاح)؛ علاوة على أن ~~الرواية حوت مشهدا يصف اغتصابا وحشيا لإسلامي مشتبه به على يد بلطجي مأجور من الحكومة ~~في أحد مراكز الشرطة التي يزعم أن اغتصاب الرجال والنساء يمارس فيها ممارسة دورية كعقاب ~~وكوسيلة ms020 لانتزاع الاعترافات. # الشعب المصري هو الأكثر حبا لوطنه في العالم العربي. قد يبدو هذا غريبا بالأخذ في ~~الاعتبار أنني لم ألق من قبل مواطنا مصريا لا يكره رئيسه بطريقة أو بأخرى، وبالنظر إلى ~~أن أحد استطلاعات الرأي التي أجراها معهد بيو للأبحاث في يوليو/تموز عام 2007 كشفت عن أن ~~نسبة كاسحة من المصريين تبلغ 87٪ (أكبر نسبة بين سبعة وثلاثين دولة أجري فيها الاستطلاع ~~نفسه) غير راضين عن أداء حكومتهم. لكن من الصعب في الوقت نفسه أن تجد بين المصريين من لا ~~يحب وطنه، ويعتز بماضيه ويؤمن بطاقات الشعب المصري عندما تسنح له فرصة شبه لائقة لصنع ~~مستقبله. مفتاح فهم هذا التناقض الواضح هو إدراك أن المصريين رغم وعيهم بمواطن ضعف وطنهم ~~يكرهون أن يشير إليها الغرباء، بل ويمقتون أن يفضح مصري تلك المعايب على الملأ ليحشد آذانا ~~من المجتمع الغربي الذي يعتقد المصريون أنه يتدفق عليه سيل من الصور السلبية عن العالم ~~العربي. # ذكرت الأسواني بهذا قبل أن أقرأ له ما قاله عن مصر في المقابلة الصحفية نفسها التي أجرتها ~~معه مجلة إيجيبت توداي، تعقيبا على دراسة مخيبة للآمال عن مصر، أجرتها شركة مونديال ~~بالمملكة المتحدة، وهي شركة استشارية رائدة تقدم خدماتها للشركات الأجنبية التي تستثمر في ~~مصر وللراغبين في برامج تأمين السفر. أثارت الدراسة حالة من التأمل للأوضاع الداخلية للبلاد ~~في الإعلام المصري، وليس فقط القليل من ردود الفعل التلقائية والمتسرعة، وذلك عندما حصل ~~قطاع الخدمات والسياحة المصري في تقييم مونديال على صفر صريح. قال الأسواني للمجلة: «بلغ ~~الأمر أننا وصلنا إلى الصفر، لكن الصفر الذي أعطته لنا مونديال كان نتيجة عادلة، عادلة ~~تماما. ليس فقط في المونديال، بل في كل شيء؛ وإن كان من يجب أن يحصل على الصفر هو الحكومة ~~المصرية وليس المصريين. الحكومة المصرية تقييمها صفر في كل المجالات، لا على صعيد كرة القدم ~~فحسب، بل أيضا على صعيد الصحة والتعليم والديمقراطية، وكل شيء.» ولما سألته عن مسئوليته ~~كمصري عن صورة مصر أمام العالم الخارجي؛ القراء ms021 الأساسيين لمجلة إيجيبت توداي، أجابني: ~~«مهمتي بوصفي روائيا ليست أن أحرص على أن يزور ملايين السياح مصر كل عام.» ثم أضاف أنه ~~متأكد - على أي حال - أن عبيد السلطة؛ أصحاب أعمدة الرأي التي تهاجمه في أجهزة الإعلام ~~الحكومية، قد تلقوا مكافآت سخية من الحكومة لتعبيرهم عن «آرائهم»، وهو ما يجب أن يسبب ~~إحراجا قوميا. لقد أثبت استقبال عوام المصريين له عندما يسير في شوارع القاهرة أن ~~الكثيرين على مستوى المواطن العادي يقدرون محاولاته. وفي النهاية عاد متنهدا إلى فكرته ~~الرئيسية حيث قال: «مشكلة حكم جمال عبد الناصر هي أنه أنشأ نظاما غير ديمقراطي في الأساس، ~~ما زلنا نحتفظ به إلى اليوم.» # وصلت الشرطة السرية يوم الخميس من ذاك الأسبوع إلى مقهى الندوة الثقافية قبل وقت قصير من ~~بدء انعقاد الصالون الثقافي - وكأنها تبرهن على رأي الأسواني - وأبلغ صاحب المقهى بأن هذا ~~التجمع غير قانوني، وتعرض الندل هناك للضرب، وأمروا بالتوقف عن تقديم المشروبات للضيوف. ~~وانتهى الأمر بقطع صاحب المقهى الذي أصابه الذعر (وهو صديق للأسواني منذ أكثر من عقد) ~~الكهرباء عن المكان، مما اضطر جماعة المفكرين الأحرار المعارضة الصغيرة إلى البحث عن منبر ~~آخر للتعبير فيه عن آرائهم. ولم ينج الأسواني من الاعتقال - الذي كان نصيب الكثير من أصحاب ~~المدونات والنشطاء السياسيين المعارضين والمفكرين الليبراليين الأقل شهرة - إلا لأن شهرته ~~على المستوى الدولي بلغت حدا قرر معه النظام أن الاحتجاجات الحتمية في الصحافة العالمية ~~التي ستنجم عن هذا القمع البشع؛ ستخلق من المشكلات أكثر مما يستحقه الأمر. وعلى أي حال فإن ~~كل الأنظمة الديكتاتورية باستثناء الأكثر قسوة منها تدرك أنها تجني بعض المنفعة بترك بعض ~~الليبراليين البارزين وشأنهم، ولعل هذا القرار جاء بضغط من واشنطن ومنظمات الرقابة الدولية ~~بناء على ملف النظام المفزع في مجال حقوق الإنسان وتطبيق الديمقراطية؛ وبذا يكتسي النظام ~~أمام العالم الخارجي بلباس الحرية والتعددية والسماح بالاختلاف. ~~••• # في مقطع شهير من رواية «عمارة يعقوبيان»، يقول زكي باشا بطل الرواية الذي كان والده أحد ~~الأرستقراطيين الذين أزيحوا عن ms022 السلطة في عام 1952: «عبد الناصر أسوأ حاكم في تاريخ مصر ~~كله.» أما الفيلم، في أغلبه، فيحاكي الرواية بإخلاص، إذ تطورت نظرة النظام إلى تراث ناصر ~~وأتباعه لتسمح بالمعارضة. لكن لعل ما يدل على أنه لا تزال هناك حدود يحظر تخطيها في ~~الانتقادات اللاذعة المباشرة، التي توجه عبر وسائل الإعلام الشعبية كالأفلام؛ هو أن العبارة ~~السابقة حذفت من الفيلم ومعها شرح زكي باشا الصادق لها في صفحات الرواية؛ حيث يقول بعدها: ~~«... ضيع البلد وجاب لنا الهزيمة والفقر، التخريب اللي عمله في الشخصية المصرية محتاج سنين ~~طويلة لإصلاحه ... عبد الناصر علم المصريين الجبن، والانتهازية، والنفاق ...» وعندما تسأله ~~عشيقته الفقيرة بثينة (المستاءة بدورها بشدة من تراث الثورة) عن سبب حب الناس لعبد الناصر ~~إلى الآن، يجيبها ثائرا: «اللي يحب عبد الناصر إما جاهل أو مستفيد ... الضباط الأحرار كانوا ~~مجموعة عيال من حثالة المجتمع ... معدمين أولاد معدمين ... حكموا مصر وسرقوها ونهبوها وعملوا ~~ملايين.» ~~••• # كانت رواية «عمارة يعقوبيان» أبرز مثال على عملية إعادة تقييم ثقافية مستمرة في مصر لثورة ~~1952 من ناحية، والنظام السياسي الاجتماعي الذي حكم مصر قبل الثورة من ناحية أخرى، والذي ~~أدانته المناهج التعليمية وأجهزة الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة المصرية واصفة إياه بأنه ~~عهد استعمار وشرور. والحق أن جمال عبد الناصر الذي تمتع بشخصية كاريزمية إلى حد هائل عشقته ~~جماهير المصريين حتى وفاته في عام 1970، وليس من الصعب علينا فهم السبب؛ فقد كانت هناك ~~فوائد هائلة قصيرة الأجل لحكم عبد الناصر: تحررت مصر أخيرا من السيطرة الأجنبية، واتسع ~~نطاق التعليم، وضمن خريجو الجامعات الحصول على وظائف حكومية، وتأممت قناة السويس، وبني ~~السد العالي، وتوزعت الأراضي على نحو أكثر عدلا. والزعم أن الضباط الأحرار كانوا من «حثالة ~~المجتمع» قد ينطوي على قدر من المغالاة، لكنهم بلا شك عرفوا كيف يحصلون على الدعم بتحقيق ~~المكاسب للفقراء، واستغلال كراهيتهم للأثرياء. ولعل أكثر ما يساعد في فهم سبب شعبية عبد ~~الناصر هو روح الكرامة التي بثها في كثير من المصريين، مع أنه خانهم عندما قضت إسرائيل ms023 على ~~القوات الجوية المصرية في غضون ساعات من بداية حرب عام 1967، في الوقت الذي أذاعت فيه إذاعة ~~صوت العرب التي يمولها، أنباء غريبة عن نصر ساحق لمصر. لكن حتى الفوائد قصيرة الأجل التي ~~تحققت من حكم عبد الناصر أضحت اليوم ذكرى بعيدة مشوشة لدى الجميع عدا النظام الحاكم نفسه، ~~ومجموعة صغيرة من المفكرين المناوئين بشدة للتغيير، والأحزاب والمطبوعات الناصرية المتعددة. ~~وبصرف النظر عن بعض التقدير الباقي في النفوس لناصر كزعيم للوحدة العربية، ومناهض للاستعمار ~~والصهيونية، أصبحت اليوم ذكرى الثورة مناسبة للتحسر لا الاحتفال، هذا إن انتبه لها أحد من ~~الأساس. فعلى صعيد الحياة اليومية، سيطر شعور عميق بكساد الأحوال، في الوقت الذي يتفجر فيه ~~المجتمع المصري داخليا، ويتخلى فيه النظام عن دور مصر التاريخي القيادي في العالم العربي. ~~وقد كتبت مجلة ذي إيكونوميست، التي تبرع في تغطية أخبار مصر أكثر من أي دورية غربية أخرى، ~~عن الذكرى الخمسين للانقلاب العسكري أن مصر «ليست في مزاج يسمح بالاحتفال. فاقتصاد البلاد ~~وسياستها تجمدا في الوقت الذي تعوق فيه النزاعات المحيطة بها أي أمل في الفرج القريب. ومع ~~هذا تحركت الحكومة المصرية ببطء بالصخب والاستعراضات والخطابات ... لتغذية روح الفخر الوطني، ~~لكن يبدو أنها بدلا من ذلك أججت الشعور بالاستياء والغضب في أمة أصبحت غير راضية عن نفسها ~~ولا عن العالم الخارجي.» ~~••• # ماذا كانت حقيقة نظام عبد الناصر الثوري؟ يقودنا التقييم الموضوعي إلى نتيجة واحدة فقط: ~~إنه نظام قاد مصر إلى كارثة عسكرية بالخارج، وهزأ هو نفسه بمزاعمه الرائعة عن الديمقراطية ~~والكرامة لجميع المواطنين في الداخل. كان عبد الناصر في الرابعة والثلاثين من العمر إبان ~~انقلاب عام 1952 والدولة العربية الوحيدة التي زارها بخلاف مصر قبل صعوده للسلطة كانت ~~السودان، لكن آنذاك جمعته معرفة شخصية ببعض العراقيين والسوريين والفلسطينيين. وبعبارة ~~أخرى، قامت رؤيته للوحدة العربية على وهم، تبخر ما إن اصطدم بالواقع ممثلا في محاولات ~~التحالف مع الدول العربية الأخرى، وفشل هذه التحالفات، وأشهر مثال على ذلك هو التحالف ~~المصري السوري. غير أن التأثير ms024 التراكمي للانقلاب العسكري الذي قاده كانت له تبعات كارثية ~~على المدى الطويل وعلى نطاق العالم العربي الكبير كله . تلخص لورا إم هذا في كتابها «ناصر في ~~الحرب: التصورات العربية للعدو» (2006)، فتقول: «ألهم انقلاب عبد الناصر حركات مماثلة أدنى، ~~قامت بها جماعات سرية من الضباط الأحرار في جميع أنحاء العالم العربي، وأسفرت عن حمامات دم ~~في العراق، ومسرحية مظهرية خادعة في اليمن، ومهزلة في ليبيا.» أما قرار ناصر بخوض الحرب ~~بالوكالة عن اليمن ضد المملكة العربية السعودية في الستينيات بإرسال ثلاثين ألف جندي من ~~أفضل جند مصر إلى ذلك البلد القبلي العربي الجنوبي - ليترك بذلك مصر بدفاع هزيل في عام 1967 ~~- فلم يكن خطأ تكتيكيا وحسب، فلقد نم أيضا عن رياء صارخ، بالنظر إلى أنه صدر عن رجل عارض ~~التدخل الأجنبي في بلاده ووضع الوحدة العربية على قمة أجندة سياسته الخارجية، إلا أن الرياء ~~كان سمة مميزة لعهد عبد الناصر منذ البداية. فلو لم تكن المخابرات المركزية الأمريكية وراء ~~هذا الانقلاب العسكري «المناهض للإمبريالية»، فهي بلا شك كانت على علم مسبق به. وقد أثبت ~~عبد الناصر فيما بعد استعداده التام للعمل مع الأمريكيين إلى أن انقلبوا ضده، بل حتى قوانين ~~إصلاح الأراضي كانت جزءا رئيسيا من سياسة الولايات المتحدة الخارجية آنذاك التي تهدف إلى ~~منع انتشار الشيوعية في المنطقة. # أما في مصر، وكعادة زعماء القرى، رقى عبد الناصر المقربين له في المناصب بناء على ~~ولائهم الشخصي لا على أهليتهم، وأشهر مثال على ذلك هو عبد الحكيم عامر الذي عينه عبد الناصر ~~رئيسا لأركان الحرب، ثم نائبا أول له، والذي لم يتخلص منه إلا بعد أن قادت مشوراته ~~العسكرية - التي قدمها بناء على تكهنات غير واقعية وحرص أبدي على إرضاء صديقه القديم بدلا ~~من إخباره بالحقائق القاسية - مصر إلى الهزيمة في عام 1967. لقد شكل الضباط الأحرار الذين ~~أحاطوا بعبد الناصر وعامر وغيرهما من قادة الانقلاب دوائر سلطة، تكرس مجهودها كله للحرب ~~التي تلت على السلطة، لكن هذه النخبة الجديدة الفاسدة لم تتمتع ms025 بأي من سمات الأرستقراطيين ~~الذين استبدلتهم وأذلتهم، الذين انغمسوا في الملذات لكن تمتعوا مع ذلك بثقافة رفيعة. مارست ~~هذه النخبة الجديدة الفاسدة من موقعها الجديد ما مارسه الأرستقراطيون على الدوام؛ إذ استغلت ~~نفوذها، وانتزعت من كل صفقة استيراد أو تصدير مهما كبرت أو صغرت حصة لها، وتربحت من مصادرات ~~العقارات (وهو ما يفهم على أنه سرقة)؛ وكل هذا تم باسم الجمهورية والشعب. ~~••• # لكن لم تكن هذه إلا البداية، فقطاع الصحافة الذي تمتع بحرية كبيرة لأكثر من نصف قرن في ظل ~~الملكية التي دعمتها بريطانيا تأمم عام 1960 بعد سنوات من القهر، وصار رؤساء التحرير ~~الأوفياء الذين عينهم عبد الناصر بنفسه أكثر وفاء للثورة والجمهورية من مؤسسيها أنفسهم. ~~على سبيل المثال: برز محمد حسنين هيكل الذي عين رئيس تحرير لجريدة الأهرام اليومية الأكثر ~~مبيعا - التي تأسست في منتصف القرن التاسع عشر - كأشهر الصحفيين المصريين؛ إذ كانت قراءة ~~عموده الذي يصدر كل جمعة ضرورة لكل من أراد أن يعرف ما يدور بخلد عبد الناصر، وهذا في حد ~~ذاته اتهام صارخ للصحافة المطبوعة في ذلك الوقت. زعم الكثيرون أن هيكل هو المروج والرقيب ~~الأول لعبد الناصر، بصرف النظر عن فصاحة عباراته، واتهم هو وغيره من المحررين بإخماد روح ~~أعظم الصحف المصرية اليومية؛ فإلى اليوم لا تزال الصحف الرسمية الحكومية تصدر وصفحتها ~~الأولى تتقدمها وجوبا العناوين التي تمتدح آخر خطابات مبارك السخيفة عن القضايا الداخلية ~~والدولية، فقط لأن التمويلات الحكومية التي تحابيها وشبه الاحتكار الذي تمارسه الحكومة على ~~الدعاية الصحفية هو ما يساعدها على البقاء ويمنعها من الغرق في الديون. # علاوة على هذا، حظر عبد الناصر أنشطة الأحزاب السياسية المعارضة التي نما دورها هي الأخرى ~~في مصر قبل الثورة. وجاءت التبعات كارثية بقدر ما كان هذا الإجراء نفسه؛ فنشأ نظام شمولي ~~بقيادة حزب واحد، يضمن احتكار الجيش للسلطة السياسية، برز فيه ناصر - الذي لم يخض انتخابات ~~رئاسية قط - بوصفه صاحب اليد العليا بعد صراع داخلي مرير على السلطة مع زعيم الجمهورية ~~الأول اللواء محمد ms026 نجيب. وكانت للهيئات التنفيذية التي تأسست للفصل بين السلطات - شأنها شأن ~~كتاب أعمدة الرأي - عرضة للترهيب بسهولة، ففشلت بدورها في توجيه نقد حقيقي للمساوئ التي ~~ارتكبها مخططو الانقلاب. وتأسس جهاز أمن واستخبارات واسع النطاق للتجسس على الشعب والسيطرة ~~عليه، تفوق تفوقا كاسحا على شبكة التجسس التي أسسها الملك فاروق؛ ملك مصر الأخير التعس، ~~وأحكم قبضة الضباط على السلطة. # أما عن جماعة الإخوان المسلمين (التي تأسست عام 1928 باعتبارها جمعية خيرية شعبية تهدف ~~إلى إعادة عموم أفراد الشعب إلى أصول الإسلام؛ وفق تفسير الإخوان)، فقد سجن ناصر عشرات ~~الآلاف من أعضائها وعذبهم إلى أن لقي العشرات منهم حتفهم، ولعل أشهرهم هو سيد قطب، الذي ~~أرسى - من نواح عديدة - المبادئ الفكرية للإرهاب الذي ابتليت به فيما بعد مصر وغيرها من ~~الدول في مختلف أنحاء العالم العربي والعالم. ومن نجا من تلك التصفية من الجماعة فر مؤقتا ~~إلى دول الخليج العربي شديدة التشبث بالمحافظة، وتشرب بالفكر الوهابي المتطرف الذي عززته ~~الأسرة السعودية الحاكمة. ويتنافى هذا الفكر تماما مع مبادئ التسامح والتعدد الإسلامية ~~السائدة في مصر، لكن الإخوان المسلمين سيحملونه في نهاية الأمر معهم عندما يدعوهم أنور ~~السادات للعودة إلى البلاد في السبعينيات لمواجهة المعارضة الماركسية التي ظهرت إبان حكم ~~عبد الناصر. لقد شنق الكثير من قادة الإخوان المسلمين الذين ظلوا بمصر، وعلى المدى الطويل ~~كانت التبعات الثقافية لهذا الفكر الوهابي المنقول كارثية، لا سيما فيما يخص الأقلية ~~المسيحية التي يرميها الفكر الوهابي - وربما السياسة الرسمية للإخوان - بالكفر؛ تماما كما ~~يرمي اليهود والصوفيين بالكفر أيضا. # لكن تبين أيضا مدى استعداد الضباط الأحرار لقمع منافسيهم العلمانيين غير الأصوليين باسم ~~حرية الشعب، في الأشهر التي تلت الانقلاب العسكري عندما حوكم قادة مظاهرات عمالية وأعدموا ~~على عجل، فبعثت تلك المحاكمات الصورية رسالة واضحة إلى كل من يجرؤ على مخالفة ~~النظام. # هكذا أسس ناصر في غضون بضع سنوات قواعد دولة بوليسية تحكمها ديكتاتورية عسكرية تصطفي من ~~بين صفوفها رئيسا ذا صلاحيات شبه مطلقة. وظلت مصر خاضعة لقانون الطوارئ ms027 (أي الأحكام ~~العرفية) منذ عام 1952 حتى الآن باستثناء فترة لم تدم سوى ثمان سنوات فقط. ووفقا لمنظمة ~~العفو الدولية، تضم سجون مصر اليوم ثمانية عشر ألف معتقل بلا تهمة. ولما صدر أخيرا تعهد في ~~عام 2007 بالتخلص من قانون الطوارئ قوبل بالسخرية؛ لأن النظام أدخل معه تعديلات متزامنة على ~~الدستور جعلت أسوأ ملامح القانون دائمة إلى الأبد. فالنظام العسكري الذي يرأسه مبارك يخلص ~~لمدرسة عبد الناصر، وهذا يتضح أشد الوضوح من رفضه أن يخاطر بفقدان السلطة إن سمح لمؤسسات ~~الدولة أن تكون ديمقراطية بالفعل، مما من شأنه أن يطلق حرية الرأي العام، لا سيما بعد أن ~~صار الرأي العام يجد أفضل تعبير له (بفضل أخطاء النظام) في حملات الكراهية الشرسة التي ~~يستبدلها الأصوليون الإسلاميون بالمناقشات الحقيقية. ولا تزال المؤسسات إلى اليوم وإلى حد ~~بعيد تديرها شخصيات تدربت سياسيا على يد النظام الذي سبق وفاة عبد الناصر. # وصف مبارك ثورة 1952 في احتفال بالذكرى الخمسين لها في خطابه أمام خريجي الكلية الحربية ~~التي تخرج منها بأنها «المجد الذي توج كفاح الشعب المصري»، وهو ما لا يدع مجالا للشك في ~~اتجاه ولائه الشخصي. ~~••• # هكذا، لا تزال آليات النظام المستبد التي أسسها عبد الناصر على حالها إلى اليوم، على ~~الرغم من مرور أكثر من خمسين عاما اتسمت بوقوع تغيرات اجتماعية واقتصادية هائلة في مصر. ~~ولا عجب إذن في ظهور ذلك الحنين إلى العهد الذي سبق الثورة والذي وظف ببراعة في رواية ~~عمارة يعقوبيان. فينظر اليوم الليبراليون والمفكرون المتأثرون بالغرب والعامة المنشغلون ~~بتوفير نفقات معيشتهم إلى تلك الحقبة على أنها عصر ذهبي بائد، وإن كانت تلك نظرة رومانسية. ~~والشواهد على ذلك نجدها في كل مكان. على سبيل المثال: عقب الثورة، حظرت الألقاب كلقب باشا ~~(الذي يشير إلى رتبة كبيرة في النظام السياسي للإمبراطورية العثمانية) ولقب بك (الذي يشير ~~إلى رتبة أقل من الباشا)، دلالة على محو المراتب الطبقية وألقاب الشرف. لكن تلك الألقاب ~~عادت من جديد، والمفارقة أن أكثر من يستخدمها هم من ms028 سعى إلى محو الألقاب الإقطاعية؛ من ~~المسئولين الحكوميين وكبار الضباط ووكلاء الوزراء ومن يتبعونهم. وقد اتضح لي التغير الذي ~~طرأ على أقدار تلك الألقاب في التسعينيات، حين خاطبت مارا كنت أعرفه داعيا إياه باشا، ~~فانزوت بي جانبا امرأة مصرية مسنة - كانت قد انتقلت للعيش في أستراليا عقب انقلاب عام 1952 ~~وعادت إلى مصر مؤخرا لتساعد في وضع المنهج الدراسي لمدرسة اللغة العربية التي كنت أدرس بها ~~- وقالت ناصحة إياي بلهجة جادة: «هذا الرجل سيغضب بشدة إن استخدمت هذه الألقاب». وفيما بعد ~~سألت معلمتي إن كان هذا صحيحا، فضحكت ضحكة مكتومة ثم قالت لي إن تلك العجوز لا تزال تعيش ~~في مصر في حقبة الخمسينيات فيما يبدو. # تتناول كتب لا حصر لها الآثار السلبية لانقلاب عام 1952، أحدها كتاب عالم الاجتماع المصري ~~القدير جلال أمين «ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945-1995» الذي يأسى ~~فيه على التغييرات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على مصر بعد الثورة ~~بمقارنتها بقصص ساحرة عن طفولته قبل الثورة. حاز الكتاب جائزة في معرض القاهرة الدولي ~~للكتاب عام 1998 وبيعت منه العديد من النسخ بالعربية والإنجليزية، حتى إن جلال أمين أصدر ~~كتابا ثانيا استكمالا للموضوع نفسه حقق أعلى المبيعات بعنوان: «ماذا حدث أيضا للمصريين؟ ~~مصر من عهد الثورة إلى العولمة». غير أن جلال أمين ليس المثال الوحيد. كتبت ليلى أحمد، وهي ~~باحثة أكاديمية مقيمة في الولايات المتحدة، ولدت لعائلة من الطبقة العليا في القاهرة في ~~الفترة بين الحربين العالميتين في سيرتها الذاتية التي حملت عنوان «عبور الحدود» (الصادرة ~~عام 2000)، تقول: «نشأت في آخر أيام الإمبراطورية البريطانية، وعشت طفولتي في عهد لم تكتسب ~~فيه كلمتا «الغرب» و«الإمبريالية» الدلالات التي اكتسبتاها اليوم.» ومثل الكثير من السير ~~الذاتية المماثلة التي نشرت في الغرب لمصريين يحاولون تصحيح ماضيهم قبل الثورة، تصف هذه ~~السيرة ببراعة كيف أن الكثير من أسر الطبقة العليا والوسطى لم تر تناقضا بين إيمانها ~~المخلص القوي بقوميتها وبين حرصها على أن تعهد بتنشئة أبنائها إلى معلمين ms029 غربيين، من ~~المفترض أنه أن لا يمكن الاعتماد عليهم في تأجيج مشاعر مناهضة الاستعمار لدى طلابهم. تتناول ~~السيرة ببراعة جيلا نشأ في مجتمع راقي متعدد الثقافات ، تعد الاختلافات الفردية فيه مهمة ~~بقدر أهمية الطموحات الوطنية. # آنذاك كان الظلم المؤكد الراسخ في المجتمع المصري، والتلاعب السياسي الانتهازي للقوى ~~السياسية الخارجية بالسياسة المصرية؛ تلطف من حدته بقدر ما ثقافة تسامح وتعددية وعقلانية ~~وفخامة في المعمار جلبها الأجانب، وعززتها الطبقة الأرستقراطية المنحدرة من الدولة ~~العثمانية، واستقت منها الحركة القومية المصرية نفسها إلهامها عندما عارضت الحكم البريطاني ~~في أواخر القرن التاسع عشر. لذا استطاع الزعيم الوطني العظيم سعد زغلول - الذي أثار نفي ~~الإنجليز له في عام 1919 الشعب المصري لصنع ثورة صغيرة قادت إلى استقلال جزئي عن الاستعمار ~~البريطاني - أن يقول باعتدال عن الغربيين في بلاده: «ليست بيني وبينهم خصومة شخصية ... لكنني ~~أود أن أرى مصر مستقلة.» هذا الرأي المثير للجدل عن حقبة ما قبل الثورة يبين أن المصريين ~~اعتنقوا أفضل ما أنتجته ثقافة العالم؛ إذ كانوا ظاهريا أقل تشددا دينيا من اليوم، ولكن ~~أكثر تشبثا بالأخلاق، ومن ثم أكثر احتراما لرسالة الإسلام الجوهرية التي يعبر عنها العمل ~~الصالح، وليس فقط الحرص على الشعائر الدينية الصارمة، وإصدار عدد لا حصر له من الفتاوى ~~الغامضة والبغيضة في أحيان كثيرة. لقد أخضع علماء الإسلام آنذاك القرآن نفسه للدراسة ~~والتحليل العقلاني؛ لحرصهم على دمج مبادئ العصر الحديث والديمقراطية في الدين ~~الإسلامي. # بل حتى الملك فاروق رد له اعتباره، ففي رمضان الموافق سبتمبر/أيلول عام 2007، كان ~~البرنامج الأكثر شعبية في مصر والعالم العربي لدى من يتاح لديهم إرسال تليفزيوني عبر ~~الأقمار الصناعية، هو مسلسل تليفزيوني قصير يصور صعود الملك فاروق إلى السلطة وسقوطه منها، ~~مسلطا الضوء على «الجانب الإنساني» للملك. أنتجت قناة إم بي سي الفضائية السعودية المسلسل ~~وبث على قناة أوربيت السعودية التي تتمتع بشعبية مكافئة، لكنه لم يذع في البداية على ~~التليفزيون القومي المصري الذي يقال إن المسلسل كتب ليعرض عليه قبل خمسة عشر عاما؛ إذ رفضت ms030 ~~الحكومة المصرية تمويله لدواع سياسية. لكن إم بي سي قررت تمويل إنتاجه - على الرغم من ~~محاولة المسئولين الحكوميين المصريين إعاقة إنتاجه برفض إصدار التصاريح لطاقم المسلسل ~~للتصوير في المواقع والقصور الملكية والأماكن التي شهدت أحداثه الواقعية - ومن الصعب ألا ~~يخطر ببال المرء أن قرار قناة إم بي سي قد يكون قائما - جزئيا على الأقل - على دواع ~~سياسية؛ إذ لم يضع كاتبو أعمدة الرأي في الصحف التي تمولها المملكة العربية السعودية وقتا ~~قبل أن يشيدوا بفضائل الملك فاروق، وهم يمتدحون أسر الخليج الحاكمة التي نجت من محاولات ~~ناصر لتقويضها. وأذعن التليفزيون المصري للضغوط التجارية، وأعلن أنه سيعيد عرض المسلسل في ~~ساعة المشاهدة القصوى بعد أن تبين أنه من أكثر المسلسلات الرمضانية نجاحا على مدى ~~سنوات. # بعد يوم 23 يوليو/تموز الحاسم عام 1952، ألقيت القاهرة - «باريس النيل»، كما أسميت ~~حبا فيها من قبل الأجانب الذين تدفقوا عليها وساعدوا في تصميمها وبنائها وإدارة شئونها ~~إبان القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين - في مزبلة التاريخ كما يقال في المثل الشائع. ~~شاعت المشاحنات لتحل محل الود بين المصريين والأجانب، وصودرت ممتلكات الأجانب طبعا، ~~فاختاروا في نهاية الأمر مغادرة البلاد مع الأرستقراطيين، أو أجبروا على الفرار منها بعد ~~حرب قناة السويس عام 1956. ويستدل على كراهية عبد الناصر المطلقة للأجانب من خلال طرده ~~لنصف يهود مصر الذين ربطت أجهزة الدعاية لنظام عبد الناصر اسمهم بدولة إسرائيل الناشئة. ~~وهذا مثال على حملات ضغط عديدة (استهدفت إحداها الإخوان المسلمين) استخدمها عبد الناصر لصرف ~~الانتباه عن عيوب نظامه، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. وفي حالة اليهود، لم تضعف ~~هذه الحملات بالقطع مع محاولات إسرائيل المتخبطة لتجنيد وتمويل مجموعة صغيرة من يهود ~~القاهرة لتنفيذ أعمال إرهابية في القاهرة؛ سعيا لإثارة الفتن الاجتماعية والاضطرابات ~~السياسية. لكن إن كان معيار الحكم على الديمقراطية هو الحماية التي توفرها للأقليات الدينية ~~وغيرها من الأقليات، فإن رحيل اليهود إلا قليلا جدا منهم عن مصر، مع تحول كلمتي «يهودي» ~~و«إسرائيلي» إلى مترادفين في سياق المحادثات العابرة المعادية ms031 للسامية بين المصريين أنفسهم، ~~يكشف بوضوح ملامح ميراث عبد الناصر «الديمقراطي»، كما تدل عليه حقيقة أن المعبد اليهودي ~~الرئيسي بالقاهرة تحيط به حراسة أمنية يوفرها الجيش على مدار أربع وعشرين ساعة ~~يوميا. ~~••• # يقول الباحث العربي الأمريكي فؤاد عجمي إن شعورا رهيبا بخيبة الأمل والإحباط يكمن الآن ~~في أعماق الحياة المصرية. حاز العجمي احتراما واسع النطاق كمراقب للتيارات السياسية ~~والثقافية العربية، لكنه انتقد عقب دفاعه الحماسي عن الغزو المشئوم للعراق بقيادة الولايات ~~المتحدة في عام 2003. أوضح عجمي في مقال عن حنين المصريين إلى الماضي نشر عام 1995 في صحيفة ~~فورين أفيرز أن فخر مصر الحديثة يتجاوز بكثير حجم إنجازاتها، والشواهد المحزنة على ذلك ~~قائمة في كل مكان؛ «في الفقر الذي تعانيه الطبقات الدنيا، في الساحة السياسية الكئيبة التي ~~تسمح لضابط عادي باحتكار السلطة السياسية والحط من قدر منافسيه في المجتمع المدني، في اتجاه ~~البلاد إلى السقوط في هاوية الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، في الوضع التعليمي ~~والثقافي البائس.» هذا الشعور بالإحباط كما يرى عجمي ولد موجة قوية من الشعور بالحنين إلى ~~حقبة السياسة الليبرالية في مصر التي امتدت من العشرينيات إلى ثورة 1952، إلى الديمقراطية ~~البرلمانية والملكية الدستورية؛ إلى «الحياة السياسية النابضة بالحيوية والصحافة النشطة ~~التي اتسمت بها تلك الفترة، إلى ثقافة رجال الأدب والفن الرفيعة، والمرأة الحرة التي تعبر ~~عن نفسها وتحفر لها مكانا في الحياة السياسية والثقافية والصحافة». يقول عجمي معترفا بأن ~~بعضا من تلك الأماني هو «نموذج لحنين مجتمع مزدحم مثقل بالهموم لعهد براءة وعظمة مفقود.» ~~ويضيف عجمي: «لكن بعضها الآخر هو تعبير مشروع عن الاستياء من تواضع أحوال الحياة العامة.» ~~ويرى العجمي أن مصر أفرزت في العهد الليبرالي سينما تتمتع بحرية أكبر من اليوم، عندما كان ~~قادة الفكر فيها عمالقة يطرقون بقوة القضايا المعاصرة الهامة، ويضفون على الأدب المصري ~~والعربي لمسة من العبقرية الخالصة. # هذا الشعور باليأس وما تولد عنه من حنين إلى الماضي، زاد عمقا على مدار العقد الذي مر ~~منذ ظهور مقال فؤاد عجمي. قال عوض ms032 المر كبير قضاة المحكمة الدستورية العليا السابق في ~~الذكرى الخمسينية لانقلاب عام 1952: «لا أعتقد أن ثورة عام 1952 كان لها أي ميزة إيجابية، ~~طالما لا تزال الديمقراطية مفقودة. فشلت الثورة فشلها الأكبر في تحقيق الديمقراطية، وهو ما ~~أدى في رأيي إلى هزيمتنا عام 1967. ولم تشهد مصر حكومة ديمقراطية منذ عام 1952 حتى الآن ... ~~الثورة حملت شعار «ارفع رأسك يا أخي؛ لقد ولى عهد الذل والاستبداد»، لكنها بعدئذ استبدلت به ~~قدم عبد الناصر التي أحنت الرءوس.» ويبدو هذا الاتهام للوهلة الأولى غريبا بالنظر إلى أنه ~~صادر عن أحد أعمدة النظام الذي خلف عبد الناصر، مع أن القضاء المصري أثبت في أحيان كثيرة ~~أنه شوكة في حلق النظام، سارع عبد الناصر بفصل المئات من كبار القضاة الذين اعترضوا على ~~حكمه الديكتاتوري. وفي الواقع، بحلول عام 2006، صار كبار قضاة الدولة الذين احتجوا على فساد ~~الانتخابات التي خولوا دستوريا بالإشراف عليها لكن منعهم نظام مبارك من مراقبتها؛ بمنزلة ~~قادة غير رسميين لحركة احتجاج واسعة النطاق جذبت قطاعات المجتمع المصري كافة: من مفكرين ~~علمانيين، إلى طلاب، إلى نشطاء عماليين، إلى إسلاميين معتدلين. وبدا لوهلة أن النظام يتداعى ~~بفعل القوى التي تعارضه سواء التي تدخل في نطاق سيطرته أو تخرج عنها؛ إذ شهدت مصر ~~الاضطرابات الأوسع نطاقا على مستوى البلاد منذ عهد الثورة. لكن هذه المرة احتشد المضربون ~~والمتظاهرون في مواجهة الكساد السياسي، ووحشية نظام حسني مبارك الصارخة؛ فمبارك شأنه شأن ~~سلفه (وخليفة عبد الناصر)، أنور السادات، رجل عسكري، وهو آخر حماة نظام عبد الناصر العسكري ~~الفاسد غير الديمقراطي الذي ما زال يقبض على المجتمع المدني بقبضة من حديد. # إلا أنه في الوقت الذي وضع فيه عبد الناصر قيودا شخصية صارمة على مدى استعداده للتنازل ~~عن السيطرة على بلاده لحساب بريطانيا والولايات المتحدة من بعدها، عن طريق تأميم قناة ~~السويس في خطوة استراتيجية بارعة، أنهت فعليا سيطرة الاستعمار الإنجليزي على مصر وعلى ~~المنطقة ككل؛ فإن مصر في عهد مبارك أضحت بطريقة ما أكثر اتكالا على الولايات ms033 المتحدة؛ ~~الإمبريالية الجديدة، صاحبة القرار في المنطقة. وقد شبه الزعيم العراقي الراحل صدام حسين - ~~الذي امتلك نوعا ما باعا في صفقات الخداع والمساومات التي يعقدها طغاة الحكام العرب ~~للتشبث بالسلطة - مبارك بأسلوب لاذع بأنه «مثل هاتف العملة؛ تضع فيه النقود فتحصل على ما ~~تريد.» لكن عامة المصريين يشعرون بالسخط والمذلة لاعتماد النظام المصري باستمرار على عطايا ~~الولايات المتحدة (التي تمد مصر بمساعدات عسكرية قدرها مليارا دولار سنويا منذ معاهدة ~~السلام التي وقعتها مصر مع إسرائيل عام 1979، وهي مساعدات ينظر البعض إليها على أنها رشوة ~~للإبقاء على السلام البارد مع الدولة العبرية). هذا لأن عامة المصريين بادئ ذي بدء لا ~~ينتفعون بأي حال من الأحوال بتلك الأموال، بينما يجدون الفجوة بين الفقراء والأغنياء تتسع ~~أكثر فأكثر. وربما يكون السبب الأهم في هذا البلد الذي ترسخ فيه الشعور بالفخر بالهوية ~~القومية هو أن المصريين يمقتون أيضا جسارة سياسات الولايات المتحدة على الصعيد العسكري في ~~المنطقة ودور حكامهم في ذلك، لا سيما لتعاطفهم القوي مع القضية الفلسطينية، ولأن قطاعا ~~كبيرا من المصريين ينظر إلى الاحتلال الذي قاده المحافظون الجدد الأمريكيون لغزو العراق ~~على أنه احتلال تم بأمر عصبة من المتآمرين المعاونين لإسرائيل في واشنطن. # عادت مصر من حيث بدأت بعد خمسة عقود من الانقلاب العسكري. أصبحت المظالم نفسها التي قادت ~~إلى تمرد استغله الضباط الأحرار هي الأساس الذي انطلقت منه مظاهرات جديدة في الشوارع، ~~ومقالات ساخطة في وسائل الإعلام المعارضة الصاعدة، تطالب بسقوط الاستعمار ومعاونيه، وانتهاء ~~سيطرة الرأسماليين الاستغلاليين على الحكومة وإهمال العدالة الاجتماعية، وتنادي بالحاجة إلى ~~نظام حكم ديمقراطي لا يكتفي بتقديم وعود كاذبة. فمع وجود (ولي العهد)، ابن مبارك المتغطرس ~~المتأنق جمال مبارك، الذي يرى الكثيرون أنه يعد لخلافة والده المعتل في الرئاسة، لن يرى ~~أي اختلاف بين النظام الحالي والنظام الملكي الذي أطاح به عن السلطة قبل خمسة عقود باسم ~~تحرير الشعب المصري. إن الحنين إلى عهد الملكية لا يختلف عن اشتياق أهل السلف إلى نقاء عهد ~~محمد وأتباعه؛ إنها ms034 رغبة يائسة في العودة إلى الماضي، في حاضر شديد البؤس. ~~••• # لكن حتى مع إقرارنا بالآثار السلبية المؤكدة للحكم الاستعماري المباشر أو غير المباشر، ~~فإن النظام المصري الحالي يفشل على جميع المستويات عندما يقارن بالنظام الملكي الذي سبق ~~الثورة، والذي ساهم غزو نابليون بونابرت القصير لمصر عام 1798 في تأسيسه؛ فالانقلاب الذي ~~قاده عبد الناصر قضى على كل ما هو جميل بمصر، ورويدا رويدا أبدل كل ما هو سيئ بما هو أسوأ ~~كثيرا. لقد جاءت الدولة المصرية الحديثة نتيجة عرضية لمحاولات نابليون بونابرت للاستيلاء ~~على مصر وللهزيمة المذلة التي لاقاها على يد الإنجليز والتي أنهت تلك المحاولات. لقد تطورت ~~على مدار القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على غرار تطور أوروبا، لا سيما تحت قيادة ~~الخديوي إسماعيل وجده محمد علي الذي يشار إليه كثيرا على أنه «مؤسس مصر الحديثة»، والذي ~~حكم أحفاده مصر مع التمتع بدرجات متفاوتة من السلطة حتى حفيد حفيده الملك فاروق الذي أزاحه ~~عبد الناصر في نهاية الأمر عن السلطة في عام 1952. # بعد أن رحل الفرنسيون عن مصر، ظل الجيش العثماني الذي حكم مصر منذ عام 1517 في البلاد، ~~عازما على الوقوف في وجه إحياء سلطة المماليك واستقلال مصر عن الحكم العثماني، لتخضع مصر ~~لحكم الحكومة العثمانية المركزية. شكل المماليك طبقة أرستقراطية من الرقيق الأبيض حكمت مصر ~~باعتبارها دولة مستقلة منذ عام 1250 إلى عام 1517 ثم ظلوا بها رعايا عثمانيين شكلوا الطبقة ~~العليا في المجتمع المصري. إلا أنهم استعادوا السلطة في القرن السابع عشر؛ فأعادوا تجديد ~~صفوفهم من خلال أسواق الرقيق على مدى مائتي عام حكموا فيها بالاستبداد. وفي غمرة الفوضى ~~التي خلفها رحيل نابليون، ظهرت طبقة حاكمة جديدة ذات نفوذ شكلت من فرقة عسكرية ألبانية ~~ألحقت عام 1801 بالقوات العثمانية لمحاربة الفرنسيين، ودانت اسما فقط بالولاء للحكومة ~~العثمانية، وتورطت في الصراع بين المماليك والحكومة العثمانية. قاد تلك الفرقة محمد علي ~~نفسه الذي كان جنديا مرتزقا أتى مصر قائدا صغيرا في القوات الألبانية، وبلغ بحلول عام ~~1803 ms035 مرتبة القائد الأعلى ثم انتخبه أولو النفوذ من شيوخ الدين بالقاهرة واليا على مصر عام ~~1805 بعد أن عزز شعبيته؛ ولما خلع عليه العثمانيون لقب والي البلاد خطط لتصفية منازعيه، ~~وهذا ما فعله ببراعة في مارس/آذار عام 1811 حين اغتال أربعة وستين مملوكا من بينهم أربعة ~~وعشرون بيك عقب دعوتهم لحفل رسمي. وهكذا أصبح محمد علي صاحب السلطة الأوحد في مصر، وسنحت له ~~فرصة فريدة لتوحيد أمة توشك الفوضى على ابتلاعها. # كان انفصال مصر النهائي عن الدولة العثمانية أحد أكبر طموحات محمد علي، إلا أنه أدرك أن ~~البلاد يجب أن تتمتع بالقوة الاقتصادية والعسكرية لتحقيق هذا؛ ومن ثم تملق الأوروبيين من ~~البداية، مغدقا الثروات على باريس ولندن لدى التفاوض معهما واحدة وراء الأخرى. وتقف مسلة ~~رمسيس الثاني في قصر الكونكورد بباريس ومسلة كليوباترا على سد نهر التايمز بلندن شاهدا على ~~ذلك إلى اليوم. وشرع أيضا في بناء المصانع الجديدة التي تستخدم آلات مستوردة، وأحاط نفسه ~~بالمستشارين الأوروبيين المهرة عاكفا ساعات طويلة على العمل وزيارة مشاريعه المفضلة، وغمس ~~نفسه في تكنولوجيا العصر الجديدة المتقدمة؛ فيذكر على سبيل المثال أنه ضحك ضحكا شديدا ~~عندما تلقى صدمة كهربية بسلك مشحون بالكهرباء عند توضيح كيفية عمل الكهرباء له. كما تعهد ~~بالرعاية أنبغ من التقاهم بالقاهرة، الخبراء المتفانين في عملهم الذين أتوا من خلفيات ~~متنوعة مثله؛ من مهاجرين أرمن إلى خبراء ماليين أقباط، وشكل هؤلاء بيروقراطية جديدة وجيشا ~~تحت رئاسته الشخصية المباشرة. وسمح الحكم المركزي والسلطة التي تمتع بها هذا الألباني الذي ~~ولد في مقدونيا باتخاذ مبادرات هامة أسست قواعد النظام التعليمي المصري، وأحيت الحياة ~~الثقافية، وأصلحت النظام الزراعي بإلهام من باريس التي تطلع إليها محمد علي دائما. تعود ~~المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية التي ظهرت في الأجيال التالية إلى تلك الحقبة، لكن ~~حتى مع نهاية عهد محمد علي، كان لدى البلاد طاقم من الموظفين البيروقراطيين، وجيش من الضباط ~~عازم على إصلاح البلاد على النمط الغربي وتحقيق استقلالها. # من أهم إنجازات محمد علي أنه شجع زراعة ms036 القطن لتصديره إلى مغازله الآخذة في الانتشار ~~بأوروبا، لتمول عائداته الرواج الاقتصادي الذي شهدته البلاد في عهد حفيده الخديوي إسماعيل ~~الذي حكم مصر من عام 1863 إلى عام 1879. فمع تطلع بريطانيا بلهفة إلى مصر لإمداد ليدز ~~ومانشيستر بالقطن لتوقف الولايات المتحدة عن تصديره إبان الحرب الأهلية بين عامي 1861 ~~و1865، ارتفع سعر القطن المصري. ومع تدفق الأموال على الخديوي إسماعيل، أخذ في استكمال ~~طموحات جده بتأسيس مشروعات عامة عظيمة كحفر القنوات واستصلاح الأراضي وإنشاء المدن وإقامة ~~البنى التحتية، فشرع في غضون عام واحد في بناء أربعمائة وخمسين جسرا وستة وأربعين مصنع ~~قطن، وإنشاء سكك حديدية تمتد إلى ما يقرب من ألف ميل. كما أسس اتحاد البريد العام، وامتدت ~~خطوط التلغراف جنوبا في البلاد حتى السودان، فأصبحت مصر في غضون وقت قصير تتمتع بأحد أكفأ ~~خطوط البريد في العالم، وتخلصت أخيرا من صورتها باعتبارها بؤرة راكدة من الإمبراطورية ~~العثمانية تحكمها طبقة من العبيد مع تدفق المهندسين المعماريين والفنانين والساسة ~~والموسيقيين إلى القاهرة ومدينة الإسكندرية الساحلية المطلة على البحر المتوسط. # كانت زيارة إسماعيل للمعرض العالمي بباريس في ساحة عرض تشامب دي مارس عام 1876 زيارة ~~فارقة، وكان لها آثار شديدة الأهمية على مصر؛ فعقب زيارة المعرض بوقت قصير صرح إسماعيل ~~تصريحا شهيرا قال فيه: «لم تعد دولتي جزءا من أفريقيا، نحن اليوم جزء من أوروبا.» واغتنم ~~إسماعيل فرصة افتتاح قناة السويس عام 1869 لبناء أحياء جديدة على النمط الغربي ذات متنزهات ~~فخمة وشوارع واسعة وقصور لاستضافة ضيوفه الأوروبيين، رغبة في أن يصنع للقاهرة ما صنعه ~~البارون جورج هوسمان لباريس. وفتح إسماعيل أبواب المجتمع المصري واقتصاده للكثير من ~~الأوروبيين، ولما تولى البريطانيون إدارة الخزانة المصرية (ومن ثم إدارة البلاد) عام 1882 ~~عقب أزمة مالية من تدبيرهم؛ تدفق مئات الآلاف من الأوروبيين على مصر بحثا عن المال ~~والثروة، حيث استقر بهم المقام في القاهرة والإسكندرية وأنشئوا أحياء لهم وأسسوا وأداروا ~~شركات على النمط الغربي. أرسى إسماعيل بعبارة أخرى قواعد مدينة القاهرة، فمهد شوارعها وعبد ms037 ~~طرقها الطويلة وأنشأ بها الحدائق والمتاحف والعمارات السكنية والنافورات على الطراز ~~الفرنسي، وأسس بها دار أوبرا من طراز عالمي (عرضت أوبرا عايدة التي ألف موسيقاها فيردي لأول ~~مرة في القاهرة في ديسمبر/كانون الأول عام 1871 بسيناريو كتبه ماريت باشا). قامت مدينة ~~أوروبية بين ميدان العتبة والنيل، ونشأت طبقة وسطى مصرية جديدة انتشرت شمالا. وفي ذلك كتبت ~~سينثيا مينتي في كتابها «باريس على النيل: فن العمارة في قاهرة الزمن الجميل» (1999) تقول ~~إن سكان القاهرة وزائريها وجدوا فيها «متاجر الكتب الإنجليزية والفرنسية، وصالات شاي، ~~ومقاهي مطلة على الطريق، وبوتيكات شهيرة، ومعارض للفنون، ومتاجر متعددة الأقسام ... وأقيمت ~~فنادق شهيرة كفندق شبرد وسافوي وسميراميس وإيدن بالاس. وفيما بعد ظهرت دور السينما وحلبات ~~التزلج الترفيهية.» # ومع أوائل القرن العشرين، في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، بعدما منحت بريطانيا ~~مصر السيادة الاسمية على أرضها، وأضحت البلاد خاضعة لحكم ملكية دستورية وديمقراطية برلمانية ~~تسيطر على كافة شئون البلاد عدا الأمن القومي وقناة السويس، أصبحت القاهرة أكثر مدينة ~~متعددة الثقافات في العالم. لكن قبل ستة أشهر من اندلاع ثورة 1952، في يوم يذكره التاريخ ~~باسم يوم السبت الأسود، أضرمت حشود من الغوغاء المعادين لبريطانيا النيران في معالم القاهرة ~~الغربية الشهيرة، ومن بينها نادي تيرف وفنادق هامة وبنوك ودور سينما ومقار ضيافة، فتحول جزء ~~كبير من القاهرة إلى رماد يحترق تحت غطاء كثيف من الدخان. واستغل الضباط الأحرار تلك ~~القلاقل واسعة الانتشار للاستيلاء على السلطة بعد ستة أشهر. ولما فعلوا لم يرثوا عن النخبة ~~السابقة ثراءها وفسادها وحسب، بل اضطلعوا أيضا بمسئولية بناء العاصمة. ~~••• # كتب فنان وناقد وكاتب القرن التاسع عشر جون راسكين يقول: «فن العمارة هو فن إتقان تصميم ~~وتجميل الصروح التي يشيدها الإنسان ... إلى حد يسهم في صحته النفسية وطاقته وبهجته.» وأكثر من ~~يؤمن بهذا الرأي في القاهرة في وقتنا الراهن هو سمير رأفت وهو مؤرخ هاو بارز ينحدر من عائلة ~~أرستقراطية بارزة، ويتمتع بشخصية شديدة الجاذبية، حتى إن مسامرته ساعات تمر كالدقائق. لقد ~~بذل جهدا مضنيا في ms038 توثيق تاريخ القاهرة المعماري على مدى العقود الماضية والمدينة تتداعى ~~أمام عينيه، ونشرت الكثير من أبحاثه في كتابه «القاهرة: سنوات المجد» (2003)، الذي ينتقد ~~فيه «الدولة الاشتراكية» في عهد عبد الناصر وخلفائه واصفا إياهم بأنهم إقطاعيو القاهرة ~~الجدد الذين لا يرجى منهم نفع. # يذكر رأفت في مقدمة كتابه أنه قد يصعب على المرء أن يتصور أن القاهرة كانت يوما ما مدينة ~~ساحرة معماريا بالنظر إلى حالها المتدهور اليوم وتخطيطها العشوائي، لكنها شهدت ازدهارا ~~معماريا منقطع النظير من أواخر القرن التاسع عشر إلى خمسينيات القرن العشرين، إذ احتضنت ~~الطرز المعمارية المختلفة جنبا إلى جنب: «كالطراز الباروكي، والنيو كلاسيكي، والفن الحديث ~~والآرت ديكو، والروكوكو الخديوي، والباوهاوس، والأرابيسك، والطرز المتأثرة بعصر النهضة ~~الإيطالي، والطراز الفرعوني الحديث، وكل هذا أنتج نخبة من المباني الراقية. أما المنشآت ~~التي أنشئت بين الستينيات والتسعينيات «فجميعها تقريبا سواء شرق النيل أو غربه ليست ذات ~~قيمة جمالية على الإطلاق؛ لأنها تفتقر تماما إلى الجاذبية المعمارية.» وأصيب المستأجرون ~~الجدد الذين سكنوا تلك المبان العظيمة سابقا برهاب الأجانب، وتوقفوا عن أداء واجباتهم نحو ~~المجتمع. لقد روج في عهد السادات في السبعينيات لسياسة انفتاح اقتصادي لكنها زادت الفجوة ~~بين الفقراء والأغنياء، وأنتجت بين عشية وضحاها سيلا من أصحاب الملايين الذين ساعدوا في ~~تشكيل طبقة أغنياء جديدة «من الأطباء والمحامين والمصرفيين الذين يتقاضون أجورا كبيرة، ~~ويعملون في المقام الأول على الإبقاء على طبقة الأغنياء الجدد بصحة جيدة، وحمايتهم من ~~الوقوع في الديون، والسجن». وكانوا - كالضباط الأحرار - رجالا لا يتمتعون بحس فني أو رؤية ~~أو شعور بالمسئولية إزاء الوطن، أخذوا في مغادرة القاهرة فرارا إلى مبان سكنية حديثة ~~الطراز في أحياء منعزلة لا حياة بها نشأت في ضواحي المدينة، وتعكس بصورة ملموسة فكرا ~~حضريا يشبه الفكر السعودي، أما أحياء منطقة وسط البلد العظيمة فتركت لتتهالك. # قال لي رأفت وهو يحتسي مشروب الكابتشينو في مقهى مصمم على طراز حديث في منطقة الزمالك، ~~وهي عبارة عن جزيرة راقية تقع في قلب القاهرة كانت فيما مضى مركزا ماليا ms039 قديما تركزت ~~فيه الطبقة الأوروبية الرفيعة، لكن الجزء الأكبر من سكانها اليوم يشكله أبناء القطط السمان ~~الجدد المدللين، أصحاب السيارات الفارهة الذين يتكلفون الأساليب الغربية ويتحدثون ~~الإنجليزية بلكنة مريعة، ويقطنون في عمارات سكنية بلا طابع يميزها قامت على أنقاض فيلات ~~أنيقة بديعة، قال: «لا أرى في قلب القاهرة إلا تدهورا من سيئ إلى أسوأ.» # وأخبرني رأفت أيضا أن أهم المشكلات التي أعقبت الانقلاب تولدت بمزيج من التشريعات ~~الحكومية والتغييرات الاجتماعية، لا سيما في أوائل الستينيات عندما صدر قانون ضبط أسعار ~~الإيجار الذي جاء ليكلل القوانين الاشتراكية. قال رأفت شارحا: «كان من المفترض أن يتحسن ~~حال الجميع وأن يجد الكل مسكنا، لكن لم يتحسن حال الكثيرين ولا يزال السكن غير مكفول ~~للجميع. كانت النتيجة الواضحة الوحيدة هي تدهور مظهر القاهرة المعماري تماما: بدءا ~~بالمعالم البارزة إلى المستوى المعيشي إلى أحوال المباني إلى قيمتها. هل ستود مثلا الإنفاق ~~لصيانة فيلا راقية إن كانت تدر مبلغا أقل من 100 دولار شهريا (الحد الأقصى لقيمة الإيجار ~~الذي أقر في الخمسينيات والستينيات ولا يزال قائما إلى اليوم)؟ تأمل على سبيل المثال مبنى ~~صدقي هنا في الزمالك الذي يضم أربعين شقة. هذا المبنى يدر أقل من مائتي دولار شهريا، هل ~~تتوقع جديا أن ينفق ملاكه عليه للعناية به؟» # أوضح رأفت أن المباني قبل الثورة شيدت في ~~مناخ صحي من التنافس الاجتماعي؛ إذ أراد الملاك أن تتمتع مبانيهم بموقع متميز ومظهر فريد ~~يجذب القادرين على تحمل تكاليف الإقامة فيه، ممن يتمتعون بحس جمالي رفيع ينم عن أنهم ~~سيعتزون بهذا المكان الجديد، لكن العهد الاشتراكي أطاح بفكرة الاعتزاز. كل ما أراده الضباط ~~الأحرار هو أن يئووا الناس كالجرذان؛ من ثم كان أي مسكن يفي بالغرض. انتقلنا بين عشية ~~وضحاها من عهد ذي معمار منمق ذي طابع، إلى عهد لا يحمل فيه المعمار طابعا يميزه، وزيادة ~~هجرة الكفاءات زادت الوضع سوءا. هاجر مهندسون معماريون وموسيقيون وملحنون وكتاب ... أغلبهم ~~تضرر تماما. إن كنت مثلا مهندسا معماريا واكتشفت فجأة أن الجهة ms040 الوحيدة والأكبر ~~لتوظيفك هي القطاع الحكومي الذي لا يدفع إلا فتات الأجور، فستبحث عن العمل في مكان آخر. من ~~ثم انتقل أفضل مهندسينا المعماريين ببساطة إلى دول الخليج ودول أخرى مثل ليبيا. # يرى رأفت أنه من الجدير بالذكر أن كل هذا تزامن مع ما أصبح آخر فيضانات النيل الذي نظمت ~~دورته المحملة بالطمي حياة المصريين منذ الأزل، والذي كان لترويضه أثر هائل في نفوس ~~المصريين. # يقول رأفت: «وكأننا نفكر في الأمور بطريقة قبل الفيضان وبعد الفيضان. كان الفيضان ينظم ~~سلوك الجميع، ثم بنى عبد الناصر السد العالي وحاصرنا النيل، فانتهى عند أسوان وأصبح من ~~عندها قناة ليس إلا. وفي الوقت نفسه صدرت قوانين تنظيمية جديدة أخذت تسيطر على حياتنا ~~اليومية. فالتعليم الذي يدعى بالتعليم المجاني، قاد في نهاية الأمر إلى الجهل، والرعاية ~~الصحية والتأمين الاجتماعي المجانيين قادا إلى انعدام الرعاية الصحية والتأمينات ~~الاجتماعية، وفي غمرة كل هذا أصبح الإبداع شيئا من الماضي. شهدت الحياة تدهورا في كافة ~~جوانبها التي كان بالإمكان أن تقود إلى تحسن أوضاع مدينة كالقاهرة أو الحفاظ عليها. وما ~~الذي تبقى لنا اليوم؟ ما الذي طفا على السطح في النهاية؟ إنها القمامة.» # لم يحاول المفكرون كرأفت التصالح مع هذا التدهور علنا إلا في الآونة الأخيرة؛ يعود هذا ~~في جزء منه إلى تزايد شعور الحنين إلى عهد ما قبل الثورة. ~~«لم يعد هناك تخوف من الحديث عن عهد الملكية، وعن الإنجازات الكثيرة التي قدمها الخديوي ~~إسماعيل لمصر مع أن الحديث عن ذلك ظل محرما وقتا طويلا. ظل التاريخ وقتا طويلا يبدأ ~~وينتهي عام 1952، لكننا اليوم نستطيع أن نتناوله بمزيد من الموضوعية وأفكارنا عنه تخضع ~~للكثير من المراجعة. المؤرخون اليوم أكثر احترافا من أي وقت مضى، أكثر احترافا حتى مما ~~كانوا عليه أوائل الثمانينيات، فقبل ذلك، كنا نكتب التاريخ من أجل الحكام دون سواهم، لكن مع ~~الأسف فات أوان معالجة الوضع؛ فقد وقع الضرر، وكل ما بإمكاننا الآن فعله هو محاولة إنقاذ ~~القليل الذي تبقى لدينا.» # كان والد سمير ms041 رأفت - الدكتور وحيد رأفت - محاميا دستوريا درس بالفرنسية، ومن أعضاء ~~حزب الوفد القومي البارزين؛ وهو الحزب الذي حكم مصر فترة وجيزة في العشرينيات، ثم حظره ~~الضباط الأحرار مع الأحزاب الأخرى كافة بعد استيلائهم على السلطة. طرق باب منزله في منتصف ~~الليل واعتقله مجلس قيادة الثورة بتهمة الخيانة العظمى، لا لشيء إلا لأنه كتب سلسلة من ~~المقالات تنتقد سياسة عبد الناصر الخارجية، فوضع تحت الإقامة الجبرية سنوات، وفيما بعد كانت ~~مصر الدولة العربية الوحيدة التي عارضت ترشيحه بالإجماع لمنصب في محكمة العدل الدولية، ~~فضاعت فرصته في تولي المنصب. وإن كانت قصة وحيد رأفت بالدرجة الأولى قصة من جانب المجني ~~عليه، فإنها مع ذلك تظل تستحق الإصغاء إليها، لأن عائلته أتاحت لنا رؤية الصورة الشاملة. ~~إلا أنني سألت الابن: لكن إن كانت حقيقة الثورة وما حققته قد خضعا للتبسيط، ألا يكون هناك ~~خطر من تمجيد حقبة ما قبل الثورة؟ ألم يكن هذا عهدا تمتعت فيه قلة بالثروة كلها، وترك فيه ~~نظام شبه إقطاعي أغلب المصريين في فقر مدقع. # فرد علي قائلا: «هذا يعتمد على نظرتك إلى الأمر.» # لا شك أن الفساد والمحاباة تفشيا في عهد فاروق، إلا أن مصر كانت بصدد الانتقال من ~~دولة محتلة - احتلها العثمانيون ومن بعدهم الإنجليز - إلى دولة مستقلة. لقد نشأت ~~ونمت بالبلاد حركة وطنية عظيمة؛ وبعبارة أخرى، لو تركت الحركة الوطنية وشأنها، كانت ~~ستثمر نتائج أفضل بكثير من الثورة التي اعترضت سبيل التطور (التي أطلق عليها بلا ~~وجه حق اسم ثورة)، فمع أن نظام فاروق كانت له مفاسده، نما في عهده شعور بتحسن ~~الأحوال؛ فأخذت حالة الاقتصاد في التحسن، وسار العمل في مؤسسات المجتمع المدني على ~~الطريق الصحيح. ولو أخذنا في الاعتبار قانون العرض والطلب، لوجدنا أن الحركة ~~الوطنية كانت ستعالج الوضع، ولو ببطء. لكن حركة التطور توقفت، لتحل محلها حركة هجرة ~~كفاءات. كيف يكون حال الدولة وشعبها بدون النخبة المثقفة والمؤسسات التي تنتجها؟ ~~صارت لدينا فجأة نخبة جديدة من الضباط الذين لم يستطيعوا أن يحيطوا بالصورة ms042 ~~الكاملة، الذين لا يملكون إلا رؤى محدودة وبعض المسلمات، والذين حسبوا أن بإمكانهم ~~معالجة الوضع بإجراءات متطرفة، لكن حينها لم تكن هناك مساءلة على الإطلاق، واستشرى ~~الفساد أكثر. ولأن المحافظ وعضو البرلمان ورئيس الحي وصلوا إلى مناصبهم بالتعيين، ~~لا تستطيع بعد أربعة أعوام أن تقول لهم: أنتم مسئولون أمامي، ولن أمنحكم صوتي ~~ثانية. آراؤنا لم يكن لها قيمة؛ المواطن البسيط لم يكن لرأيه أدنى قيمة. # يرى رأفت أن أصل جميع المشكلات هو النظام التعليمي المتداعي. باهى ناصر باتساع نطاق ~~التعليم وافتخر بأن كل أسبوع في مصر يشهد افتتاح مدرسة جديدة. وكان هذا صحيحا. لكن ما جدوى ~~إنشاء مليون مدرسة إن كان كل فصل يضم ستين طالبا أو أكثر، يضربهم المعلمون إن سألوا سؤالا ~~يشوبه الاعتراض عن أقل القضايا إثارة للجدل، فيما يتقاضى المعلمون أنفسهم راتبا أقل مما ~~يتقاضاه النادل في المقهى، وكل ما يقومون به في الفصل هو تحفيظ الطلاب والترويج للروايات ~~الحكومية الرسمية في التاريخ والدين والسياسة؟ إن بدا لك كل هذا صعب التصديق، فتأمل هذا ~~المثال: تدخل مبارك شخصيا عام 2006 في قضية طالبة مصرية رسبت في امتحانات الثانوية العامة ~~بعد أن انتقدت الولايات المتحدة والحكومة المصرية في مقال، آمرا بإعادة تصحيح أوراقها ~~لتجتاز اختباراتها. كانت هذه القصة واسعة التداول في الإعلام العربي، حتى إنها نوقشت في ~~البرلمان، وقيل إن السلطات استدعت الطالبة واستجوبتها عما إن كانت عضوة في منظمة سرية، بعد ~~أن تبين أنها اتهمت واشنطن في مقال الامتحان بدعم الديكتاتوريين على حساب حاجات الشعوب. لكن ~~الديكتاتوريين بالطبع مولعون بالسياسات الشكلية؛ فعقب الأنباء عن محنة الفتاة تسربت ردة فعل ~~مبارك السريعة إلى الإعلام فنجا من فضيحة على الصعيد الداخلي. لكن مهما صدرت القرارات ~~الرئاسية جزافا، فلن يحجب ذلك الضوء عن طغيان معيار الكم على معيار الجودة في النظام ~~التعليمي المصري، ولن يخفي التبعات التي خلفها ذلك على البلاد، وهي أكبر بكثير من الضغط على ~~نحو فظ على طالبة مسكينة. قال لي رأفت: # بلا تعليم يفقد المرء وجهته، ms043 وشعوره بجذوره والتراث الثقافي الذي يملكه، وتنقطع ~~صلته بهذا التراث لأنه لا يتمتع بالعقلية التي تمكن من فهمه وتقديره حق قدره. الجهل ~~يعني أن تصبح غريبا عن تاريخك؛ فتكون النتيجة في نهاية الأمر هي القاهرة التي ~~نراها اليوم. تبرز اليوم في الإعلام دعوات من حين لآخر تنادي بالحفاظ على الذي ما ~~نزال نملكه من تراث على الرغم من عدم كفاية هذا وفوات الأوان على ذلك. الوقت في ~~الواقع قد أزف، ونحن بحاجة إلى معجزة، لكن المصري ينهمك كل يوم في كسب ما يكفيه ~~للبقاء على قيد الحياة حتى إن كل شيء آخر كتراثه، وجمال بيته، ونظافته ودوره في ~~المجتمع؛ صار يحتل أهمية ثانوية لديه. ~~••• # بعد أن سمعت آراء رأفت المقبضة للصدر عن أحوال مصر، شعرت بالإحباط، فبدا لي أن الأنسب هو ~~قبول عرض الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، والرئيس السابق للجمعية ~~العالمية للطب النفسي، ومدير مركز منظمة الصحة العالمية للتدريب والبحوث في مجال الصحة ~~النفسية. وبعد بضعة أيام، قدت سيارتي قاصدا لقاء هذا الرائد البارز في مجال علم النفس في ~~العالم العربي. كان قد افتتح لتوه منتجع صحة نفسية يطل على طريق السويس، بدا من بعيد ~~كالكثير من فنادق الخمس نجوم التي انتشرت على مقربة من الطريق الصحراوي، لكنه يأتي على رأس ~~نمط جديد من أساليب معالجة الصحة النفسية التي تهدف إلى التخلص من وصمة اجتماعية لطخت الصحة ~~النفسية في مصر. كان المنتجع يقع في حديقة شاسعة ويضم صالة رياضية وقاعة للأنشطة المختلفة ~~ومنطقة استقبال ذات نوافذ طويلة تطل على الحديقة، أهم ما فيها هو أنها تسمح بدخول الضوء من ~~جميع الاتجاهات لإدخال البهجة إلى النفس لدى الوصول إلى المنتجع. # الرجل الذي حياني كان عنوانا مثاليا لما يهدف إليه منتجعه، كان حسن الملبس، ذا بشرة ~~متوردة ووجه عريض متهلل تعلوه كتلة من الشعر الأبيض الكث المصفف على نحو جذاب، وتنضح مسام ~~جسده الممتلئ بالعافية. وأثناء تجوالنا في المكان، مررنا بين الحين والآخر بواحدة من صوره ~~الكثيرة المرسومة ms044 بالبرونز والحبر التي تناثرت في أرجاء المستشفى، فسألته إن كان يستطيع أن ~~يسلط الضوء أيضا على حال المصريين الأقل حظا بعد خمسة عقود من الحكم العسكري الديكتاتوري ~~القاسي. ولم يمض وقت طويل قبل أن يتضح أنه مستعد تماما لذلك. بدأ بتوضيح أن هناك فارقا ~~هاما على حد قوله يفصل بين تمتع المرء بصحة نفسية جيدة وبين سلامته من الأمراض ~~النفسية. # قال الدكتور أحمد عكاشة: «الصحة في تعريف منظمة الصحة العالمية هي سلامة المرء البدنية ~~والنفسية والاجتماعية، وليس سلامته من الأمراض وحسب.» ثم استطرد: «ليتمتع المرء بصحة نفسية ~~جيدة يجب أن يتمتع بأربع مواصفات: يجب أن يكون قادرا على التكيف مع ضغوط الحياة، وعلى ~~الموازنة بين قدراته وبين المتوقع منه، وأن يعطي ولا يأخذ وحسب وألا تتمحور حياته حول ~~الآخرين، وأن يكون قادرا على تقديم شيء لأسرته ومجتمعه.» وقال الدكتور أحمد عكاشة إن نفسية ~~«المصري» - على حد تعبيره مرارا على نحو طريف أثناء محادثتنا - قد طرأت عليها تغيرات ~~كثيرة. «المصري معروف تاريخيا بحسه الفكاهي الساخر التهكمي، فهو إن لم يجد شخصا يسخر ~~منه، سخر من نفسه. وهو معروف باهتمامه الشديد بأسرته ومنطقته، لكنه يعارض بشدة التطرف ~~والتعصب والعنف، ومرونته رائعة، وهو في الوقت نفسه غير أناني، تحركه أسرته ومجتمعه ~~ودينه.» # لكن يرى عكاشة أن تلك لم تعد حاله، يقول: # لم نعد نرى الكثير من الابتسامات عندما نسير في الشارع، وثمة أسباب كثيرة لذلك، ~~السبب الأول هو الفقر، فلا يزال أكثر من خمسين بالمائة من المصريين يعانون الفقر ~~ويعيشون بدخل أقل من دولارين يوميا. ثم تأتي مشكلة الزحام، الذي يؤثر تأثيرا ~~كبيرا على شخصية الفرد. القاهرة هي أكثر المدن ازدحاما في العالم؛ ففي كل كيلومتر ~~مربع يعيش اثنان وخمسون ألف فرد، لا يوجد شيء كهذا في أي منطقة أخرى. ثم هناك معدل ~~البطالة المرتفع، وعدم قدرة الشباب على التعبير عن رأيه بحرية. حرية التعبير تشعر ~~المرء بكرامته وتحقق الصحة النفسية؛ فالديمقراطية تسمح بصحة نفسية أفضل، لكن يجب أن ~~تكون ديمقراطية حقيقية، مما ms045 يعني أنه يجب أن تتحقق فيها الشفافية ومحاسبة ~~المسئولين، ويتاح فيها للشعب القدرة على تغيير السلطات الحاكمة ... المصريون اليوم لا ~~يجدون الشفافية في أي من نواحي حياتهم ولا يحاسب أي من لصوص الوزراء أو غيرهم من ~~الساسة أمام الفقراء. الوضع هو نفسه منذ عام 1952: الجيش يحكم البلاد. # وذكر الدكتور أحمد عكاشة أن مبارك أسير تلك الحالة النفسية. # ثم استطرد هازئا: «إنه في الحكم منذ خمسة وعشرين عاما، والآن يأتي ليقول: «سأبدأ في ~~الإصلاح!» هذا مستحيل بالطبع لأن الإصلاح هو تصور نفسي وهو عاجز عنه. وبدلا من ذلك يحاول ~~أن يتخذ خطوات تخلق انطباعا بحدوثه.» والأدهى من ذلك - كما أصر عكاشة - هو اللامبالاة ~~المخيفة التي استحوذت على الشخصية المصرية؛ «فعندما يتعرض المرء لكل هذا القدر من العذاب ~~النفسي، وإلى كل هذه الضغوط الحياتية، يبدأ في السقوط في حالة من العجز واليأس تشعره ~~باللامبالاة؛ فلا يكترث لشيء على الإطلاق. أنا أعيش في مصر وهم يحكمونها، لكن لا علاقة لي ~~بهم. دعني أعطيك مثالا: بلغت نسبة من صوتوا في انتخابات عام 2005 الرئاسية 22٪ فقط من ~~مجموع السكان. حتى في موريتانيا يصل مجموع المشاركين في الانتخابات إلى 70٪! كما أننا نعاني ~~التزوير الانتخابي؛ فقد كشفت محكمة الاستئناف المصرية العليا أن تسعين بالمائة من المنتخبين ~~لعضوية البرلمان في الانتخابات الأخيرة وصلوا إلى مقاعدهم بالغش، وهذا يفسر لم لم يعد ~~المصريون يبالون من يحكمهم.» # رأى عكاشة أن مناخ الفساد قد امتد ليجتاح الدين أيضا. قال متوقفا لحظة بجانب بعض ~~الرسومات الكاريكاتورية له التي نشرت على مدى عقود في الصحف المصرية وأحاطتها أطر: «اختزل ~~المصريون الدين في الطقوس الدينية من ارتداء الحجاب إلى الصلاة والحج ... لكن إيمانهم الباطني ~~لم يعد قويا؛ فهم يكذبون ويختلسون الأموال ويتصرفون بلا أخلاق.» وأضاف: # لكن الإسلام دين سلام ورحمة. ما سبب ~~ذلك إذن؟ عرف المصري منذ القدم بأنه لا يبرح أرضه قط؛ فكرامته مرتهنة بها، لكن بعد ~~ثورة عام 1952 وبعد كل الأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد، أجبر على الرحيل، ~~فسافر إلى ms046 المملكة العربية السعودية أو دول الخليج بحثا عن عمل، وعندما تتنازل عن ~~جزء من كرامتك، تتأثر أخلاقياتك. قبل عام 1967 أشعر عبد الناصر المصريين بقدر من ~~الكرامة، لكن تبين أن الحرب كانت نكسة مريعة، على الرغم من كل ما زعمه رجال النظام ~~آنذاك، فقرر الشعب ألا يثق فيما يقوله هؤلاء وأن يلجأ إلى الله، وأن يفكر في الآخرة ~~لأن الأمل انقطع في الدنيا، مع أن الإسلام يأمر بأن يعمل المرء لدنياه وكأنه يعيش ~~أبدا وأن يعمل لآخرته وكأنه يموت غدا. # لم ينتقل إلى عكاشة الحنين إلى عهد ما قبل ~~الثورة الذي استشرى على نطاق كبير؛ فهو يرى أن هذا الشعور هو وهم خطير. يقول: «من يلتفتون ~~إلى عهد مضى كعهد الملك فاروق مثلا لم يعاصروا تلك الآونة؛ هم يرون أنه كانت توجد حرية ~~تعبير أكبر وديمقراطية أكبر، لكن دعنا لا ننسى أن طبقة معينة تشكل نسبة 0,5 بالمائة من سكان ~~مصر امتلكت كل شيء في مصر وتركت باقي الشعب فقيرا معدما. كانت توجد حرية تعبير، ولم يفرض ~~بالقطع قانون الطوارئ، وقد تدهور الحس الجمالي بالفعل لدى المصريين إلى حد بعيد منذ الثورة، ~~لكنني أعارض بشدة من يكثرون الحديث عن الماضي، وأعتقد أن مقارنة الحاضر بالماضي البعيد خطأ ~~بكل المقاييس.» # ماذا إذن عن المستقبل؟ ما هي فرص أن تتحول الفوضى الحالية والوضع اليائس القائم إلى أمر ~~إيجابي؟ أم علينا أن ننبذ كل أمل في التقدم؟ يقول دكتور عكاشة: # أفضل الاعتقاد أنه ستكون هناك فوضى بناءة بطريقة ما، لكن لا أعتقد أننا سنحرز ~~تقدما إن ظل صانعو السياسات الحاليين يتبنون المنظور نفسه، وستتحول المسألة إلى ~~فوضى عارمة. إلا أنني أرى في وسائل الإعلام والصحف والمفكرين الجدد أملا يجبر ~~صانعي السياسات على التغيير. أعتقد أنه ستكون هناك فوضى طالما أن محركي السياسة ~~المصرية يفتقرون إلى الشفافية ولا يخضعون للمساءلة ولا يغيرون سلطاتهم. إما أن يقع ~~انقلاب أو يحكمنا نظام إسلامي متطرف، لكن قد تقود الأحزاب السياسية إلى تغيير سلمي. ~~علينا أن نفهم أن ms047 أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي مصريون، إن جلست معهم فسيحدثونك ~~كما نتحدث الآن، لكنهم لا يستطيعون التصرف لأن القوات المسلحة هي في الواقع من يحكم ~~البلاد، وإن تفوهت بشيء ضدها، تنتهي إلى السجن. لكن القيادة على أي حال هي انتخاب ~~الأشخاص المناسبين للمساعدة على أداء المطلوب بطريقة سليمة . ومع الأسف فإن مصر ~~يحكمها مثلث سلطة ومال ونفوذ. إن تمتعت بأحد تلك المقومات فسيتاح لك المقومان ~~الآخران، ولن ترغب في التخلي عن أي منها. # قال هذا وقد بدا أن نبرة حزن تسللت إلى صوته. ~~••• # مثل محاولات النظام المستمرة لإنهاء ختان الإناث الممارس على نطاق شبه شامل، والقائمة على ~~فتاوى رسمية أعلنت أن الختان ليس من تعاليم الإسلام، وكجهوده لمحو الأمية برعاية برنامج ~~قومي متعال للقراءة قادته قرينة الرئيس التي تعشق وسائل الإعلام؛ حققت حملة طويلة لتنظيم ~~الأسرة نتائج توصف على أحسن تقدير بأنها هزيلة. فقد أظهر الإحصاء الرسمي للسكان الذي أجري ~~عام 2006 أن كل ثلاث وعشرين ثانية تشهد قدوم مولود مصري، مما يرفع إجمالي عدد السكان في مصر ~~- باحتساب من يقيمون خارج البلاد - إلى ستة وسبعين مليون نسمة وهو معدل زيادة يفوق المعدل ~~الذي سجله إحصاء عام 1996 بنسبة سبعة وثلاثين بالمائة، ويعني هذا أن سكان مصر يمثلون ربع ~~سكان العالم العربي. ويقدر عدد سكان القاهرة وحدهم بنحو عشرين مليون نسمة، فيما بلغ عددهم ~~نصف مليون نسمة فقط مع بداية القرن العشرين؛ وتظهر آخر الإحصاءات أن العاصمة في الآونة ~~الأخيرة شهدت أكبر معدل نمو سكاني بين سائر محافظات البلاد (بلغ 11٪ تقريبا). واليوم يتوقع ~~النظام الحاكم أن يبلغ عدد سكان القاهرة في عام 2022 نحو ثمانية وعشرين مليون نسمة، مع أن ~~المدينة يسكنها 43٪ من إجمالي سكان المناطق الحضرية في البلاد، وتضم 55٪ من جامعات الدولة، ~~و46٪ من إجمالي عدد الأسرة بالمستشفيات، و43٪ من إجمالي عدد الوظائف، بالإضافة إلى جيش من ~~العاطلين، ومليون ونصف مليون لاجئ سوداني وعراقي، ومليون مصري يضطرون إلى السفر يوميا ~~لقضاء مصالحهم في الأجهزة الحكومية البيروقراطية المقبضة للصدر. ومن الواضح ms048 أن القاهرة ~~ستستمر في النمو بسرعة صاروخية على نحو أشبه بكابوس مزعج لأي مخطط عمراني. # تعود حركة التمركز في القاهرة إلى نظام عبد الناصر الديكتاتوري الذي سيطر عليه جنون ~~الارتياب. جعل عبد الناصر القاهرة مركز السلطة المطلقة، عملا بفلسفة السيطرة على الرأس، ~~ومنه السيطرة على سائر الجسد، وهو ما أضر بدرجة كبيرة بالمدن الأصغر ودلتا النيل (الواقعة ~~شمال القاهرة) وصعيد مصر (جنوبها). على سبيل المثال: مدينة الإسكندرية الساحلية المطلة على ~~ساحل البحر المتوسط - ثاني أكبر مدن مصر والمنافس التاريخي الوحيد للقاهرة على الشهرة - لم ~~تعد إلا أثرا واهيا للمدينة التي صورتها عشرات الأفلام المصرية الشهيرة التي تعود إلى ~~الأربعينيات، حيث عثر الشباب والفتيات على الحب في الإجازات، وامتدحت أغاني هذه الحقبة ~~الشهيرة نسيم بحر الإسكندرية البارد وجمال نسائها والبساطة التي ينبت بها الحب فيها، وقد ~~رثى لورانس دوريل في روايته «رباعية الإسكندرية» مجتمعها الرائع متعدد الثقافات، وكذلك ~~مكانتها كساحة رخيصة وساحرة إلى أبعد حد لمؤامرات القوى العظمى وغير العظمى. أغلقت أغلب ~~ملاهي المدينة الليلية ومطاعمها الشهيرة التي يديرها الأجانب؛ إذ عاد ملاكها منذ زمن طويل ~~إلى أوروبا للاستقرار بها إلى الأبد، ولم يتبق بالمدينة إلا بعض المسنين الواهنين من مجتمع ~~الأجانب الذي تمتع فيما مضى بالثراء، وشمل اليونانيين والقبرصيين والإيطاليين والفرنسيين ~~والأرمن. # بل أصبحت الإسكندرية التي أسهب فيها أبطال لورانس دوريل البروتستانتيين والأرثوذكس في وصف ~~أسرار مذهب الكابالا ومدح جمال عشيقاتهم هي أكثر مدينة تنتخب مشرعين من جماعة الإخوان ~~المسلمين الأصولية، وصار على سكان المدينة الذين يبلغ عددهم خمسة ملايين شخص أن يقنعوا ~~بالدرجة الأولى بحفظ القرآن. واليوم يطبق العائدون من دول الخليج عقيدتهم الوهابية الجديدة ~~بتشدد؛ فيصرون على أن تستحم نساءهم في البحر مرتديات عباءات تغطي أجسادهن بالكامل، وعلى ألا ~~يتحدث أطفالهم إلى المسيحيين لأن هذا محرم دينيا بما أنهم كفار. في ظل هذا المناخ ~~الاجتماعي المخيف، فشلت مكتبة الإسكندرية الجديدة، التي تكلف بناؤها مبلغا قدره 230 مليون ~~دولار وأنشئت بهدف إحياء ماضي المدينة الأسطوري (والتي هي أشبه بطبق ms049 لاقط عملاق لاستقبال ~~إرسال الأقمار الصناعية) في تحفيز نهضة في الاطلاع على المعارف. ~~••• # أثناء زياراتي لعائلة إيهاب البالغ من العمر عشرين عاما - الذي صادقته في قطار متجه من ~~الصعيد إلى القاهرة في إحدى رحلاتي في شمال وجنوب البلاد - كثيرا ما كنت أتذكر وصف سمير ~~رأفت للقاهريين بأنهم «يئوون كالجرذان»، وتحليل دكتور عكاشة لخط تدهور الصحة النفسية لدى ~~فقراء المصريين. كان إيهاب شابا طويلا نحيفا يبدو عليه الوهن، عكف على قراءة إحدى الصحف ~~في عربة قطار سافرت فيها. إن رأيت شابا مصريا يقرأ أي شيء فهذا في حد ذاته أمر عجيب ~~يلفت الانتباه فورا؛ وتزايد فضولي تجاهه عندما لاحظت أنه يقرأ صفحة الرأي (وليس صفحة ~~الرياضة أو الجرائم). تجاذبنا أطراف الحديث ونحن ندخن السجائر تحت لافتة كبيرة تحظر التدخين ~~في عربة الحقائب التي تفصل بين عربات القطار، ولم نكن وحدنا من تجاهل هذا الحظر، بل تجاهله ~~أيضا الحارس الذي يفترض أن وظيفته هي وضعه موضع التنفيذ. تجاهل المصريين لكل القوانين - ~~بدءا من تلك التي تحظر إلقاء القمامة، إلى رفضهم تركيب العدادات في سيارات الأجرة، إلى ~~امتناعهم عن احترام قواعد المرور الأساسية - يدل على فشل النظام وازدراء المصريين للسلطات ~~التي تحكمهم سواء على الصعيد المحلي أو القومي. # تبين أن إيهاب طالب بكلية بمدينة قنا الجنوبية التي تبعد عن مدينة الأقصر السياحية نحو ~~ساعة. كان في طريقه إلى منزل أسرته في إجازة قصيرة فدعاني إلى زيارة عائلته في القاهرة ~~عندما يسنح لي الوقت. كانت هذه الدعوات الصادقة تأتيني كل ساعة تقريبا في التسعينيات، حتى ~~من قبل عوام المصريين الذين لا يعملون في قطاع السياحة الضخم، لكنها بعدئذ شحت. عزوت هذا في ~~البداية إلى أنني صرت أبدو أكثر جدية وأصبحت أتحدث العامية المصرية بطلاقة وأبدو أكبر سنا ~~وأكثر خبرة بالحياة والناس؛ لذا صار التقرب مني أصعب. لكن في رحلة قطار أخرى أخبرني أحد ~~أساتذة جامعة القاهرة بلطف بعد أن سمعني أحدث رفيقي في السفر عن أسفي لتضاؤل عدد الدعوات ~~التي صرت أتلقاها أن دعوتي ms050 ستكون مكلفة؛ لأن الناس سيخجلون إن لم يقدموا لي إلا أفضل ~~الطعام، والمشكلة هذه الأيام أنهم لا يستطيعون أن يوفروا ما يكفي من الطعام لأطفالهم. كانت ~~أسعار السلع الغذائية آنذاك؛ في منتصف عام 2007 قد ارتفعت بنسبة 25٪ عن العام السابق، في ~~الوقت الذي ظلت فيه الأجور ثابتة منذ عقود. هذا جزء من وتيرة معتادة على مر التاريخ؛ ففيما ~~ارتفعت الأجور بين عامي 1978 و1988 بنسبة 60٪ ارتفعت الأسعار في غضون العقد نفسه بنسبة ~~300٪؛ إلى حد كانت له آثار مدمرة على أغلب السكان الذين لم تستطع أجورهم أن تواكب معدل ~~التضخم الرسمي الذي يختلف عليه الكثيرون. # عاشت أسرة إيهاب في ضاحية على أطراف القاهرة تدعى مدينة السلام. تقع شقتهم المكونة من ~~ثلاث غرف بالطابق الأرضي من بناء خرساني رمادي اللون بني وفقا لخطة عمرانية محددة، وأحاطت ~~به أبنية مشابهة. بنيت مدينة السلام في أواخر السبعينيات، جزءا من سياسة الانفتاح التي ~~تبناها السادات عندما أعلن النظام الحاكم خططا لبناء أربع عشرة مدينة حيوية جديدة بهدف ~~إعادة الانتقال بالنمو الحضري إلى الصحراء. صاحبت تلك الخطة ضجة هائلة وثناء رفيع على مزايا ~~السكن الكريم وتحسن وجه الحياة عامة. لكن سرعان ما تجلت الحقيقة القاسية؛ إذ نبذ النظام كما ~~هو متوقع مسئولية تمويل المدينة لتقع على عاتق مستثمري القطاع الخاص، فكانت النتيجة محاولات ~~متخبطة. ازدهرت بعض المدن في نهاية الأمر كمدينة نصر ومدينة السادس من أكتوبر باعتبارها ~~مراكز صناعية وسكنية ولو أن كلتا الغابتين الخرسانيتين المزدحمتين بالأبنية لا تتمتعان بأي ~~طابع معماري مميز. النجاح الذي تحقق في حالة مدينة نصر يعود إلى حد بعيد إلى أن المدينة ~~أصبحت النقطة التي يختارها المسئولون الحكوميون رفيعو المستوى لتأسيس منازلهم، فالنظام ~~المصري شأنه شأن جميع الأنظمة الديكتاتورية يضع أولوية للعناية بأتباعه. يساوي عدد من ~~يصوتون للحزب الوطني الحاكم إلى اليوم عدد الموظفين الحكوميين الذين تقلهم الحافلات عادة ~~إلى مراكز اقتراع (قرابة سبعة ملايين شخص، وفقا للأرقام الرسمية المعلنة وغير الموثوق ~~بها)، فيما يصطف رجال الشرطة بالشوارع المحيطة لمنع مؤيدي ms051 جماعات المعارضة المتلهفون على ~~الإدلاء بأصواتهم. أما مدينة السادس من أكتوبر فقد أصبحت قاعدة لنصف مليون عراقي، فروا إلى ~~مصر في أعقاب الغزو الذي شنته الولايات المتحدة على بلادهم عام 2003 والحرب الأهلية التي ~~تلت الغزو. # ولا تزال باقي مدن الضواحي مدنا مقفرة، وهو وصف يليق بمدينة السلام التي أغرت الحكومة ~~المصرية سكانها ليرحلوا من فوق أسطح المباني التي زالت عنها عظمتها في منطقة وسط القاهرة، ~~والتي احتلوها عقودا بوضع اليد. لكن لم يضطلع القطاع الخاص أو الحكومي بأي استثمارات هامة ~~في مدينة السلام على مدى ربع القرن الماضي، وما زالت المدينة تبدو معسكر لاجئين عالي ~~المستوى، لا ينفك سكانه عن تمني الانتقال منه. وعلاوة على ذلك فإن موقع المدينة النائي يزيد ~~الشعور بالكآبة والنفور منها: كنت أزور عائلة إيهاب صباح كل جمعة (وهو يوم الإجازة ~~الأسبوعية لدى المسلمين) في الوقت الذي تخلو فيه شوارع القاهرة الشهيرة بزحامها المروري بعض ~~الوقت، لكن حتى حينها كنت أستغرق ساعة تقريبا في الوصول بسيارة الأجرة وأتكلف ستة دولارات؛ ~~أي ما يعادل راتب ثلاثة أيام لموظف حكومي عادي. # وتلك كانت وظيفة والد إيهاب المتقاعد، وهو رب أسرة فخور، جلس يدخن بهدوء وهو يشاهد أبناءه ~~التسعة - خمس فتيات وأربعة أولاد تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات وثلاثين عاما - وهم ~~يتدافعون تنافسا على الأماكن في غرفة الجلوس، حيث أصدر التلفاز جلبة وهو يعرض فيلما ~~مصريا قديما، حاولت جدة إيهاب أثناءه أن تخبرني بأنها في حاجة إلى طاقم أسنان صناعي ~~جديد. لم تحو الغرفة أرائك وإنما ضمت ثلاثة أسرة تتحول بها الغرفة ليلا إلى غرفة نوم. وفي ~~إحدى المرات، انفتح باب المنزل الأمامي بعنف - وكان يطل مباشرة على سلم عمومي قذر - واندفع ~~عبره صف إضافي من الأطفال الصغار - لعلهم بعض الأقارب من هنا أو هناك - وطلبوا بضعة قروش من ~~جدتهم لشراء بعض الحلوى، وسألت الأب: «هل اكتفيت من الإنجاب، أم أنك تحاول أن تشكل جيشا؟» ~~فقال أشرف الابن الأكبر مازحا إنه نفسه له ثلاثة أطفال ويعتزم أن يعزز ms052 قوات الأسرة الآخذ ~~عددها في التناقص. على كل صار الزواج والإنجاب ومن بعده محاولة كسب ما يكفي من المال لتوفير ~~المأكل والملبس والتعليم للأبناء؛ الموضوع الذي يسيطر على أحاديثنا في الزيارات التي قمت ~~بها للأسرة بين الفينة والفينة؛ فبصرف النظر عن التمتمة بمرارة بين الحين والآخر بأن رئيس ~~البلاد «وغد بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، لم يبد أن هناك من يملك الوقت للتفكير في أي ~~مسألة أخرى، ناهيك بالقطع عن الخوض في نقاش عنها. # هذا الواقع القاسي الذي وصفه لي الدكتور عكاشة بوجه عام مرده حسبة بسيطة: يتسلم والد ~~إيهاب شهريا معاشه الحكومي وقدره خمسة وسبعون دولارا، وتقضي قاعدة ذهبية لدى تلك الأسرة ~~الكبيرة أن يأكل أفرادها اللحم معا كل يوم جمعة. ويساوي ثمن كيلوين من اللحم أسبوعيا 15 ~~دولارا، بذا يتبقى من دخل الأسرة الأساسي الشهري 15 دولارا، وهو مبلغ يقل قليلا عما ~~تدفعه شهريا نظير إيجار المنزل الشهري. أثث أشرف شقة مؤجرة بأثاث اشتراه بالتقسيط ليتزوج ~~(تقضي التقاليد المصرية بأن يوفر الزوج الشقة وأثاثها، وأن توفر الزوجة أجهزة المنزل ~~الكهربية)، ولم يتحمل والد أشرف عبء دفع مقدم الشقة وحسب، بل تحمل أيضا دفع قسطها الشهري ~~الذي يساوي أربعين دولارا. وعمل أشرف في قطاع السياحة بأجر شهري قدره أربعون دولارا، أي ~~نظير مبلغ لا يكاد يكفي لدفع إيجار شقته والسفر يوميا ذهابا إلى عمله وإيابا منه في ~~وسائل النقل العامة، أما بسام، ثاني أكبر أخوة إيهاب، فيعمل في مقهى محلي مع أنه تدرب على ~~العمل محاميا، وهذا لأنه لا يملك المال لدفع رشوة للعمل في شركة محاماة محلية، إلا أنه ~~يحصل بالكاد على راتب محام متواضع (دولارين) نظير اثني عشرة ساعة عمل يوميا، وإن حالفه ~~الحظ يحصل على دولار إضافي تقريبا من الإكراميات. لكن صاحب العمل يدفع له راتبه على دفعات ~~متقطعة زاعما أن المقهى لا يدر المال الكافي ليدفع لموظفيه بانتظام. علاوة على هذا - وكأن ~~حال الرجل تحتمل المزيد - يتحمل بسام حساب الزبائن الذين يغادرون دون دفع ms053 الحساب. بسام هو ~~فتى ورع رقيق الحاشية يحرص على أداء الصلوات الخمس، ويعيش حالة من القلق الدائم لأن الفتاة ~~التي يرغب في الزواج منها - لكن لا يستطيع - يلاحقها غريم أكثر منه ثراء. لكنه أخبرني أنه ~~يواجه موقفا أصعب يضطره إلى الاختيار بين الاستمرار في الصلاة بمسجد المنطقة والكف عن هذا ~~لأن الكثير من زبائن المقهى ينتظرون موعد الصلاة للهرب أثناء توضئه. وقد مرت عليه أيام تعين ~~عليه فيها أن يدفع نحو دولار لتغطية العجز لصرافة النقود (فثمن كوب الشاي أو النارجيلة ~~يساوي عشرين سنتا تقريبا)، من هنا كان في أحيان كثيرة يجد بعد شراء شطيرة لغدائه، والدفع ~~مقابل وسائل المواصلات العامة ذهابا إلى العمل وإيابا منه؛ أنه أنفق أكثر مما جنى. لم ~~يدفع إيهاب نفسه مالا للالتحاق بالجامعة لأنه كان من أوائل صفه في الثانوية العامة، لكنه ~~يظل مضطرا مع ذلك إلى أن يدبر سبعين دولارا سنويا نظير الكتب الدراسية واثني عشر ~~دولارا نظير الإيجار الشهري وأجرة تنقله بالقطار من وإلى الكلية بين الفينة والفينة، ~~والطعام والفواتير الشهرية (ملابسه هي ملابس أخيه الأكبر القديمة). أخبرني أنه أخذ هذا ~~المال من والده. # كل هذا يطرح سؤالا واحدا: كيف بأي حال استطاع والد إيهاب أن ينفق على أبنائه مبلغا ~~يساوي خمسة أضعاف معاشه الشهري؟ اتضح أنه كان أمامه وسيلتان لذلك: الوسيلة الأولى هي نظام ~~تمويلي واسع الانتشار بين الجيران - لا سيما الزوجات اللائي لديهن أطفال صغار - يساهم فيه ~~كل مشارك بقدر معين من المال شهريا في صندوق نقد مشترك، تذهب أمواله كلها شهريا إلى ~~أحدهم وفق دورة معينة. أما الوسيلة الثانية فهي التسول من الأصدقاء والأقارب واحدا بعد ~~الآخر، لا سيما إن استطاع أحدهم أن يحصل على عمل في إحدى دول الخليج العربي (التي قد يصل ~~راتب العمالة غير المدربة فيها إلى ألف دولار شهريا). ومن حسن حظ إيهاب أن أسرته وأقاربه ~~يهتمون اهتماما بالغا بالتعليم، ولما لاحظ والده منذ وقت مبكر ذكاءه أنفق ليتلقى الدروس ~~الخصوصية، فكثيرا ما يقال إن إرسال ms054 الأطفال إلى المدارس من دون أن يكون لهم معلمهم الخاص ~~يشبه حرمانهم من الأحذية والكراسات. ويزعم أن المصريين ينفقون سنويا على الدروس الخصوصية ~~نحو 2,4 مليار دولار، وهو ما يساعد على الإبقاء على الحلقة المستمرة التي تجعل المعلمين ~~أنفسهم متعبين إلى حد أنهم لا يستطيعون أن يدرسوا جيدا في الفصول؛ لأنهم يلقون الدروس ~~الخصوصية حتى الساعات المبكرة من الصباح؛ لرفع أجرهم الضعيف الذي يضاهي دولارين في ~~اليوم. # ونصف الأسر المصرية على أقل تقدير يعاني نفس مشكلة أسرة إيهاب. ~~••• # احتلت النخبة الناصرية الفاسدة موقعا مثاليا يتيح لها استغلال سياسة الانفتاح ~~الاقتصادي التي تبناها السادات في السبعينيات. في ذلك كتب المؤرخ جيمس جونكوفيسكي في كتابه ~~الصادر عام 2000 «مصر: لمحة تاريخية» أن «فئات جديدة برزت مع الطبقة البرجوازية الصاعدة ~~السابقة ومن أوساطها. وانهمك «المروجون للانفتاح» في تجارة الاستيراد، والمضاربات المالية، ~~وفي العمل وسطاء للمستثمرين الأجانب؛ فأخذ تجار متجولون في الترويج للعلامات التجارية ~~الشهيرة في الموضة والإلكترونيات، وظهرت طبقة جديدة من أصحاب الملايين المصريين الذين ~~يركبون سيارات المرسيدس ويسكنون الفيلات الفاخرة بجانب الأهرامات.» أما أغلب المصريين - ~~كأسرة إيهاب - فقد أضحت أحوالهم أكثر سوءا، وازداد إحباطهم مع علمهم أن من ازدهرت أحوالهم ~~في السبعينيات لم يبلغوا الحال الميسورة التي يتمتعون بها بالنزاهة؛ فقد أصبحت العمولات ~~والرشا جزءا طبيعيا من عقد الصفقات لدى الجميع؛ وحتى عندما كف كبار المسئولين عن ~~الانشغال بالاختلاس من خزائن الدولة، تقاضوا الرشا، وجمع المسئولون الحكوميون الإكراميات ~~لأداء واجباتهم الإدارية. ومن الصعب الاستخفاف بأثر إحلال تلك «الأموال القذرة» محل «المال ~~النظيف» على الحالة الاجتماعية والتركيب الطبقي. فبالصورة نفسها التي حل بها بلطجية عصابة ~~عبد الناصر الجهلة محل النخبة الأرستقراطية المثقفة الراقية القديمة، امتلأت صفوفهم بمحدثي ~~النعمة الذين تملكوا فجأة الثروات بتقاضي الرشا أو السفر إلى دول الخليج عقب ازدهار قطاع ~~البترول هناك في السبعينيات، أو بيع الأراضي التي امتلكتها أسرهم الفقيرة سنوات، لكن أصبحت ~~بين عشية وضحاها تساوي ثروة صغيرة مع ازدهار سوق العقارات المسخر لخدمة النخبة الجديدة. هذا ~~يعيد إلى ms055 الأذهان من جديد تلخيص رأفت الموجز للأحوال: القمامة تطفو على السطح. # عندما اتخذ تحرير الاقتصاد شكل الخصخصة، كانت له تبعات اجتماعية ثقيلة على من تخلى عنهم. ~~انقطع الدعم المباشر للسلع الاستهلاكية الأساسية مع إصرار منظمة التجارة العالمية وصندوق ~~النقد الدولي على ذلك، وخضعت أربعمائة شركة تقريبا من شركات القطاع العام للخصخصة منذ ~~التسعينيات. اتهم كبار المسئولين كثيرا بتقاضي الكثير من الرشا في صفقات الخصخصة تلك، ~~وأفلتت شركات القطاع الخاص إلى حد بعيد من القيود الحكومية الصارمة. من أمثلة ما يحدث عندما ~~تتحد الحكومات التي ضربها الفساد اتحادا وثيقا مع مستثمري القطاع الخاص الذين لا يعرفون ~~الرأفة: ظاهرة بناء أبراج الكهرباء والاتصالات بالقرب من بيوت الفقراء وفوقها بل وداخلها ~~أحيانا. ويقال للفقراء عند الشكوى إلى المسئولين إنه لا توجد قوانين تحظر تلك الممارسات، ~~فيضطر أطفالهم الذين يعانون من الأصل سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية إلى التعايش مع ~~احتمال أن يكونوا معرضين على الدوام إلى نسب عالية من الإشعاعات المسببة للسرطان. وإلى جانب ~~هذه الممارسات الأنانية والإهمال يستمر النظام في زيادة نفقاته على الجيش، في الوقت الذي ~~يقلص فيه إنفاقه على الخدمات الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية. ويأتي كل هذا سيرا مع ~~الاتجاه العالمي الجديد الذي يفترض أن الثروة التي يخلقها السوق الحر تنتقل شيئا فشيئا من ~~أيدي الأثرياء إلى الفقراء فيعم النفع على الجميع، مما لا يجعل هناك حاجة لوضع آليات دعم ~~اجتماعي بديلة. # من السهل العثور في عشوائيات لندن أو نيويورك العديدة المشابهة على عائلة تعيش هذه ~~المعاناة، وتشكو الشكوى ذاتها من انخفاض مستوى المعيشة، والتعليم، والرعاية الصحية، والفساد ~~الحكومي، والإهمال، لكن ما يميز بريطانيا والولايات المتحدة عن مصر هو الحراك الذي يشهده ~~السلم الاجتماعي فيهما، ووعي الفرد الأساسي بأنه قد يحظى في آخر الأمر بالتقدير ويترك دوامة ~~الفقر واليأس إذا تمتع بتعليم جيد ورغبة في العمل الجاد، أيا كانت الخلفية التي يأتي ~~منها. وباختصار، ثمة طبقة وسطى. ومع أن من يسكنون منازل محدودي الدخل المهملة في بريطانيا ~~والولايات المتحدة قد ms056 يظلون نوعا ما عالقين في دوامة الفقر طيلة حياتهم، فيما تتسع الفجوة ~~بين الفقراء والأثرياء في هاتين الدولتين وغيرهما من الدول المتقدمة؛ فإن الطبقة الوسطى في ~~هذه الدول - على العكس منها في مصر - تتمتع بالمزيد من الثقل الاقتصادي بما أنها تملك ~~المزيد من المال، علاوة على أن هذه الدول على عكس مصر تتمتع إلى حد ما بنظام حكم ديمقراطي. ~~من ثم تكون هناك آذان صاغية على الأقل لمشكلات المواطن العادي، هذا إن لم تتخذ على الدوام ~~خطوات لمواجهتها. أما الطبقة التي تحمل اسم الطبقة الوسطى في مصر - التي كان من المفترض أن ~~ينضم إليها أخو إيهاب بسام منذ وقت طويل بما أنه محام مدرب - فقد وقعت عليها تبعات سلسلة ~~الإصلاحات التي أجريت في عهد النظامين الحاكمين التاليين لوفاة عبد الناصر في عام 1970، ~~وساعد الركود السياسي في تهميش دورها في تشكيل السياسات والمجتمع، وقاد إلى زيادة الفجوة ~~بين الفقراء والأثرياء. ويميل النظام الحاكم في مصر إلى المباهاة بأن الاقتصاد المصري شهد ~~أكبر معدلات نموه بعد الثورة، إلا أن سوق العمل يدخله سبعمائة ألف مواطن مصري كل عام، ولا ~~يزال القطاع العام يوظف نحو سبعة ملايين مواطن لا تقبل وظائفهم الخصخصة، مهما أثقلت الأجهزة ~~الحكومية بالأعباء. من هنا يطرح كثيرا السؤال التالي: كم مصريا من السبعة والثمانين ~~مليون مواطن سيفيد من سوق بورصة القاهرة والإسكندرية؟! # الفكرة العامة التي يجب أن نخلص إليها على الأرجح هي أن إفقار الطبقة الوسطى - ومن ثم ~~استئصالها - يضر باستقرار أي دولة على المدى الطويل، ويصبح الوضع أدهى عندما يتخلى النظام ~~الحاكم عن مسئولية إدارة الاقتصاد، والخدمات الاجتماعية تاركا عشرات الملايين من أفراد ~~الطبقة الدنيا بلا حيلة في ظل العواصف التي يقود إليها هذا التنصل. إحدى المخاطر التي قد ~~تنجم أيضا عن ذلك هي نمو بعض الكيانات كجماعة الإخوان المسلمين التي يتكون أعضاؤها من ~~بقايا الطبقة المتوسطة المتعلمة؛ من الأطباء، والمهندسين والمحامين والطلاب والمعلمين. جعلت ~~تلك الجماعة العمل الخيري العام، وتكلف الاهتمام بمعاناة الفقراء المطحونين؛ الوسيلة ~~الأساسية التي ms057 ترتكز عليها في حملتها لاستمالة البسطاء إلى الإسلام المتشدد. # وإن استحوذ الإخوان المسلمون على زمام السلطة، فقد يدفع حكمهم المصريين بعد عقود من الآن ~~إلى تمني عودة الأيام الأخيرة للنظام العسكري الفاسد الحالي، كما يتمنون اليوم عودة ~~الديمقراطية البرلمانية التي كانت قائمة قبل انقلاب عام 1952. # الفصل الثاني # | الإخوان # بنى الإخوان المسلمون مؤخرا بناء من ~~ثمانية طوابق في إحدى ضواحي القاهرة؛ ليكون مقرا لممثليهم الجدد في البرلمان، ومع أن ~~الكثير من الأموال تتدفق عليهم من التبرعات الخيرية ومع أنهم قد عصف بهم إلى مناخ سياسي ~~مضطرب يملؤه الفساد والمحاباة، فإنهم نادرا ما يبذرون المال، وفي حالة هذا المبنى، أمكنهم ~~الدفع بحجة مقنعة بأنهم أنفقوا مالهم بحكمة. لقد استحوذوا في انتخابات عام 2000 على خمسة ~~عشر مقعدا فقط من مجموع أربعمائة وأربعة وأربعين مقعدا برلمانيا، لكن بما أنهم في ~~انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2005 فازوا بثمانية وثمانين مقعدا، فقد احتاجوا إلى المزيد من ~~المكاتب. استطاع الإخوان بتعزيز حضورهم في البرلمان الذي تستمر فترة عمله خمس سنوات أن ~~يدعموا سمعتهم داخل البلاد وخارجها بوصفهم كيان المعارضة الأكبر والأفضل والأكثر تنظيما في ~~مصر، لكن مع أنهم الأبرز، ما زال الغرب والكثير من المصريين حائرين في معرفة مرادهم بالضبط. ~~أسس حسن البنا عام 1928 الجماعة بوصفها حركة تعارض النفوذ الثقافي الغربي وسيطرة بريطانيا ~~على السياسة المصرية إبان الحكم الملكي الفاسد الخاضع لتأثيرها، ولا يزال الهدف الأساسي ~~الذي تكرس له الجماعة جهودها هو أن يحكم الإسلام المتشدد سيطرته على المصريين، أما ثاني ~~أهدافها فهو إعادة النظر في التحالف المصري السياسي والعسكري مع الولايات المتحدة القائم ~~على التبعية، لا سيما - ولكن ليس فقط - بالنظر إلى علاقته بالقضية الفلسطينية. كما يتطلعون ~~في المستقبل البعيد إلى إعادة تأسيس نظام خلافة إسلامية قائم على نظرة حالمة إلى الحياة في ~~عهد الخلفاء الراشدين الذي تبع وفاة النبي محمد. # كان هدف حسن البنا بالأساس على حد تعبير أحد المؤرخين هو «إصلاح القلوب والعقول»، وهداية ~~المسلمين من جديد إلى الدين الإسلامي الخالص، وصرفهم عن ms058 التطلعات والممارسات اللاأخلاقية ~~التي أنشأتها سيطرة الأوروبيين. أبرز جناح الجماعة شبه العسكري جسارته وتفانيه في حروبه ضد ~~جنود الاحتلال البريطاني على قناة السويس في أوائل الخمسينيات، وضد إسرائيل بعد نشأة دولتها ~~اليهودية عام 1948 إلى حد أن الجناح حاز إعجاب القوميين المصريين الذين لم يكونوا لولا هذا ~~ليلتفتوا إلى أجندة الجماعة الإسلامية المتشددة. لكن عبد الناصر حظر الجماعة عام 1954 ثم ~~قضى عليها تقريبا، زاعما أن أعضاءها حاولوا اغتياله أثناء إلقاء خطاب بالإسكندرية في ~~أكتوبر/تشرين الأول من ذاك العام. حينذاك سمعت طلقات الرصاص مباشرة على الراديو المصري، لكن ~~الإخوان أنكروا ضلوعهم في أحداث ذلك اليوم. ومن الجدير بالذكر أن عبد الناصر لم يكن ليترفع ~~عن اختلاق حادثة كتلك لرفع نسبة تأييده بالبلاد، بما أنه من المحتمل - على سبيل المثال - أن ~~يكون قد دبر تفجير مقهى جروبي الشهير في مركز منطقة وسط القاهرة سعيا لزعزعة الاستقرار في ~~أوج صراعه على السلطة مع رئيس الجمهورية الأول الصوري. # وعلى أي حال، كان الإخوان المسلمون بحلول ذلك الوقت قد حشدوا مئات الآلاف من المؤيدين، ~~الذين ظلوا على ولائهم لحلمهم بدولة إسلامية مهما شنق بلطجية عبد الناصر من شنقوا من ~~زملائهم، أو أصدروا بحقهم أحكام الأشغال الشاقة أو التعذيب حتى الموت دون محاكمة. وكانت ~~النتيجة أن دفعت أعمال التعذيب ومعسكرات السجناء وأحكام الإعدام جيلا كاملا من الإخوان ~~إلى التطرف، لا سيما من تأثروا بسيد قطب، وهو عضو بالجماعة أعدم في أغسطس/آب 1966 (مع عدة ~~قادة آخرين) بعد إلصاق تهمة التآمر بهم زورا. زعم قطب في كتاباته أن الدولة الناصرية تنتمي ~~إلى عهد الجاهلية مما يجعل النظام من وجهة نظره خارجا عن الإسلام، ويبرر استخدام العنف ~~للإطاحة به. من ثم واجه النظام العسكري من أوائل السبعينيات إلى أواخر التسعينيات موجة من ~~الأعمال الإرهابية المتأثرة بالفكر الإسلامي، استلهمت في شق منها من كتابات قطب ونفذتها ~~جماعات جهادية انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين بعد اتهام قادة الجماعة بالإذعان الشديد ~~للوضع الراهن والنظام العسكري الحاكم. ومن أمثلة أعمال العنف ms059 التي تخللت هذه العقود الثلاث: ~~اغتيال الرئيس السادات عام 1981، وقتل بعض المفكرين العلمانيين، والهجمات المتكررة على ~~الأقلية المسيحية، التي أفضت في نهاية الأمر إلى مذبحة قتل فيها عشرات السياح بالقرب من ~~مدينة الأقصر في صعيد مصر عام 1997. # لكن جماعة الإخوان المسلمين نبذت العنف في ~~أوائل السبعينيات، وتبنت بحذر المنهج الديمقراطي وتنصلت علنا من أجندة قطب الأكثر تطرفا، ~~وبرزت - بفضل تأثير مرشدها المعتدل عمر التلمساني - بوصفها شريكا أساسيا في الجدل الذي ~~نشأ حول هوية مصر في أعقاب هزيمة مصر المذلة عام 1967 ووفاة عبد الناصر بعدها بثلاثة أعوام. ~~ركز الجدل على المستقبل لكنه أساسا دار حول الماضي: هل يجب تفسير التاريخ المصري في إطار ~~قومي، أم عربي، أم إسلامي، أم عرقي، أم مؤيد للغرب؛ أم إطار يجمع كل هذا؟ ~~••• # ظلت القاهرة منذ عهد محمد علي ممزقة بين مذهب المتعة الباريسي الغربي من ناحية وتشدد عالم ~~مكة الشرقي من ناحية أخرى. وفيما احتضن القوميون والإسلاميون التقدميون والنخبة المثقفة ~~التي حاربت الاحتلال الأجنبي - المسيحي أو الإسلامي - أفضل ما قدمه الغرب في سعيهم لتحقيق ~~استقلال مصر، عدت جماعة الإخوان المسلمين محمد علي وورثته - لا سيما الخديوي إسماعيل - ~~مبذرين منحلي الأخلاق أهدروا ثروة البلاد، وخرجوا عن سنن الإسلام وقيمه، وكانوا قدوة شجعت ~~على إهمال تعاليم الإسلام. ورأى الإسلاميون الأكثر تطرفا أن هذا هو أساس تدهور أحوال ~~البلاد وأن عكس هذا التيار - وليس تبني الديمقراطية الغربية - هو مفتاح خلاص الأمة الذي ~~يعيد مصر وشعبها إلى عالمها الإسلامي الطبيعي الذي تتأثر به وتستمد منه الإلهام. # سجل تريفور موستين في كتابه «زمن مصر الجميل» الجانب المظلم من القرن التاسع عشر، الذي ~~تحجب عنه الضوء في أحيان كثيرة القصص الشهيرة عن المعارض العالمية والحفلات المبهرة والقصور ~~الفاخرة التي شهدها هذا العهد، وولدت على نطاق واسع استياء استغله كل من الإسلاميين ~~والقوميين، مع اختلاف أهدافهم. لم يعتبر الإخوان المسلمون عهد نابليون وجيشه المحتل بشارة ~~لم تكن بالحسبان تنبئ باتجاه نحو التغيير والتحديث، وإنما عدوا نابليون وجيشه همجا مخربين ~~مصابين برهاب ms060 الإسلام، واستندوا في ذلك إلى حجج كثيرة؛ فإعلان نابليون عن احترامه للإسلام ~~لم يعد ذا قيمة كبيرة بعد أن سوى جنوده بالأرض صفوف المصريين المعارضين للاحتلال الفرنسي، ~~أثناء اقتحامهم على صهوة خيولهم الجامع الأزهر - أبرز صرح تعليمي إسلامي - حيث عقلوا خيولهم ~~بمحاريب الصلاة، ووطئت أقدامهم المصاحف، وتبولوا على أرض الجامع وجردوا بعدما ثملوا العباد ~~المسلمين من ثيابهم في غمرة هذه الفوضى وسرقوا ممتلكاتهم. # بالمثل قد يكون قرار إسماعيل تحديث مدينة القاهرة على النمط الباريسي استعدادا لاحتفالات ~~افتتاح قناة السويس عام 1869 قد أبهر ضيوفه الأوروبيين والدائرة المترفة التي أحاطت به، إلا ~~أنه من جهة أخرى أفلس وزارة المالية المصرية، ليقود إلى خلعه عن عرش مصر واحتلال بريطانيا ~~لمصر احتلالا فعليا. في ذلك كتب موستين أن قنصلي بريطانيا وفرنسا عندما أمرا إسماعيل ~~بالتخلي عن العرش، لم يستطع الخديوي اللجوء إلى شعبه؛ لأن طغيانه والضرائب التي فرضها جعلاه ~~مكروها، كما كثرت الشائعات عن علاقاته الجنسية المتعددة، ناهيك عن احتمال أن يكون قد قتل ~~الكثير من العشيقات اللائي لم يخلصن له. وحتى الليبراليين الذين لم يعبئوا بحياته الشخصية ~~أسخطتهم معاملته الخاصة لضيوفه البريطانيين والفرنسيين الذين رأوا أنهم يساوونهم منزلة؛ فقد ~~شعروا بالمذلة لإقصائهم من أوساط الطبقة الأوروبية الرفيعة الجديدة التي نشأت بالقاهرة ~~وحرم من الانضمام إليها الجميع عدا من تجمعهم صلة بأرقى المعارف والمصريين الأكثر تأثرا ~~بالغرب. # هذا بالطبع لا يعني أن الطبقة الدنيا من جهة أخرى قد تمتعت بأي من أسباب السعادة. اقتبس ~~موستين بعد عام من احتفالات افتتاح قناة السويس وصف لوسي داف جوردون لمعاناة هذه الطبقة في ~~كتاب «رسائل من مصر»، تبدأ لوسي وصفها قائلة: «لا يسعني أن أصف المعاناة الكائنة هنا الآن.» ~~ثم تضيف: «تفرض ضريبة جديدة كل يوم، على كل دابة سواء أكانت جملا أم بقرة أم شاة أم حمارا ~~أم حصانا، ولم يعد الفلاح يجد الخبز، وأصبح يعيش على الشعير المطحون الممزوج بالماء مع ~~الخضراوات النيئة ونبات الفول وما إلى ذلك.» عبر الشاعر المعاصر صالح مجدي عن ms061 استياء ~~المصريين كافة من حكم الأرستقراطيين - لا سيما من الخديوي إسماعيل نفسه - بأبيات من الشعر ~~قال فيها: # أنفق المال لا بخلا ولا كرما # على بغي وقواد وأشرار # والمرء يقنع في الدنيا بواحدة # من النساء؛ ولم يقنع بمليار # ويكتفي ببناء واحد؛ وله # تسعون بيتا بأخشاب وأحجار # فاستيقظوا لا أقال الله عثرتكم # من غفلة ألبستكم ملبس العار! # وقد اتسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء أكثر بحلول عهد الملك فاروق . كتب آرثر جولدشميدت ~~في كتابه «مصر الحديثة: نشأة أمة» يقول: «لم يملك فقراء الفلاحين المال لدفع رسوم التعليم ~~لإرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس؛ فلم يكن بمقدورهم حقا الاستغناء حتى عن الدخل الضئيل ~~الذي يحصلون عليه من عمل أبنائهم في الحقول.» ثم أضاف جولدشميدت أن نسبة الوفيات، لا سيما ~~بين الرضع والأطفال في المناطق الريفية، كانت من بين الأعلى على مستوى العالم. ولم يملك ~~الفقراء الأشد فقرا منازل، فنام المشردون على مداخل الأبواب وتحت الجسور وفي محطات السكك ~~الحديدية. # إن بدا لك هذا الوضع مشابها لوضع مصر اليوم، فهذا لأنه تشبيه في محله على نحو مدهش، ~~يذكرنا بأن مصر قد عادت إلى النقطة التي بدأت منها، وبأن الحنين إلى عهد الملك فاروق الذي ~~تشعر به بعض القطاعات من نخبة العصر الحالي ينم في جزء منه عن نظرة وردية إلى الماضي، تغفل ~~الواقع الذي واجهه المصريون يوميا في تلك الآونة. إلا أن هناك اختلافا جوهريا يفصل هنا ~~بين الماضي والحاضر؛ ففي مصر اليوم الآخذة أحوالها في التدهور، لم يثمر ترف الطبقة الحاكمة ~~عن شيء ذي قيمة، أما الفساد في عهد فاروق فكان أرضا خصبة متطورة لمجتمع متعدد الثقافات ~~يحتضن الفنون والثقافة المصرية ويستوعب أيضا الأفكار الغريبة عن البلاد الواردة من كل بقاع ~~الأرض، مسبغا عليها طابعا مصريا مميزا، شكلته بدقة طبيعة مصر التي تحتضن الاختلاف. نعم ~~كان ذاك عالما مجحفا قاسيا عنيفا يشبه بطريقة ما الحاضر، إلا أنه اتسم بالتنوع ~~والاختلاط. كانت أرضه خصبة تتسع للكثير من الآمال، وحتى إن لم يرجح أن تتحقق تلك الآمال، ms062 ~~لقد أتاح هذا العالم باختصار الأمل معه. أما في مصر ما بعد عبد الناصر، التي تجردت من الحس ~~الثقافي وخضعت لتطهير عرقي، فلم يعد حتى للمال قيمة؛ فهو لا ينتج للأثرياء إلا تقليدا ~~عقيما للحياة في بقعة أخرى، ولا يمول إلا حملات البلطجة لإزهاق أي تعبير حر عن ~~الرأي. ~~••• # أحب الرئيس أنور السادات الترويج لنفسه على أنه رجل تقي من الشعب، حتى عندما باع هوية مصر ~~إلى الغرب الذي أبهره وتاق لأن يحتضنه ويحظى باحترامه، من ثم سعى جاهدا لتأسيس علاقات مع ~~قادة جماعة الإخوان المسلمين حتى قبل انقلاب عام 1952. ولما تسلم الرئاسة سارع بإعادة ~~سيطرة أفكار الجماعة على الشارع السياسي، ساعيا إلى إقصاء دائرة عبد الناصر لتحل دائرته ~~محلها في أوائل السبعينيات، وسهل تشجيعه للحركات الشبابية الإسلامية بالدرجة الأولى نشأة ~~الاتحادات الطلابية القوية بالجامعات المصرية. علل السادات لهذا قائلا: «أود تنشئة شباب ~~مسلم أتعهده بالإنفاق، فهؤلاء سيكونون عمادنا.» وقد تحمس الإخوان المسلمون لمبدأ الخصخصة، ~~فهو مبدأ إسلامي لا يمت بصلة للشيوعية، من ثم اعتنقوا في البداية سياسات الانفتاح التي ~~تبناها السادات والتي بدا أنها تفسح مجالا في الاقتصاد للقطاع الخاص، وتفتح سبيلا مجزيا، ~~وتعد بتغيير يختلف عن عهد عبد الناصر الذي لم يكافئ إلا المذعن لنظامه، ويعاقب المعارض. إلا ~~أن نقد الإخوان الجريء المتزايد للفساد والنظام الطبقي الذي ساهمت الخصخصة في مفاقمته، ~~علاوة على نقدهم لتوقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، أعاد الفجوة بين الجماعة والنظام ~~العسكري الحاكم. ثم أعاد حسني مبارك تصوير أعضاء الجماعة من جديد كمجموعة طائشة خارجة على ~~القانون، بعد بضعة محاولات للتصالح معهم في أعقاب اغتيال السادات عام 1981 على يد متطرفين ~~إسلاميين أكثر تعصبا بسبب زيارته لإسرائيل. عنى قانون الطوارئ الذي صدر مجددا عقب اغتيال ~~السادات أن أعضاء الجماعة قد يعتقلون في أي وقت، ولأي سبب، بناء على هوى النظام. وكانت ~~إحدى التبعات العديدة التي تولدت عن ذلك ولا تزال قائمة إلى اليوم هي مئات الإسلاميين ~~المكبلين في غرف التعذيب المصرية. ومن الجدير بالذكر ms063 بالطبع أن أعضاء الجماعة، لا سيما ~~بسطائها الذين انضموا إليها عن اقتناع شديد، قد عانوا معاناة هائلة تحت وطأة النظام، ~~تحملوها في كثير من الأحيان بدرجة كبيرة من الصمود. أما قادتهم فقد منحتهم تلك الحقيقة فرصة ~~مستحقة بقدر ما لتصوير أنفسهم على أنهم شهداء الحرية والعدالة. ~~••• # يضطر من يتقدمون للترشح للانتخابات من جماعة الإخوان المسلمين في ظل قانون الطوارئ أن ~~يتقدموا رسميا إلى الانتخابات باعتبارهم «مرشحين مستقلين »، ويديرون حملاتهم الانتخابية ~~علنا تحت أبرز شعاراتهم المبسطة إلى حد مفرط: «الإسلام هو الحل»، ليتضح للجميع انتماؤهم ~~الحقيقي. أول ما وقعت عليه عيناي في صالة الاستقبال بالدور الأرضي لمقرهم الجديد، عندما ~~ذهبت للقاء رئيس ممثليهم في البرلمان كان ملصقا كتب عليه: «القرآن دستورنا، والرسول ~~قدوتنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.» # التقيت بعد بضعة أشهر من انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2005 بممثل الجماعة البارز حمدي حسن ~~في مقر الجماعة الجديد بالقاهرة. وحمدي حسن هو أيضا ممثل كتلة المعارضة البرلمانية للجماعة ~~وهو رجل طويل متوسط العمر بدأ الصلع يزحف على رأسه، ارتدى زيا أنيقا من حلة ورباط عنق ~~(كدأب جميع مسئولي الجماعة). صافحني بقوة ووجهه تعلوه ابتسامة عريضة وأنا أخلع نعلي، ثم ~~سرنا على بسط الصلاة ليستقر بنا المقام على أريكة. تساءلت ما الذي يدعونا إلى الالتقاء في ~~قاعة صلاة، وثمة ثمانية طوابق في هذا المقر الجديد؟ واكتشفت فيما بعد أن حسن هو تجسيد لكل ~~ما يجده نقاد جماعة الإخوان المسلمين مثيرا للسخط؛ من ميلهم إلى الحديث عن أفكار مجردة ~~بدلا من الخوض في التفاصيل، واختزال القضايا في شعارات، والإدلاء للأجانب بما تود حكوماتهم ~~سماعه. أثار غيظي في البداية لإصراره على الحديث إلي بالعربية الفصحى مع أنني احتججت على ~~ذلك بأنني أتحدث العامية المصرية، ومن ثم سأجد فهم ما يقوله أصعب. يفضل الكثير من ~~الإسلاميين التحدث بلسان العربية الفصحى التي تستقي ألفاظها من القرآن؛ إذ يرونها لغة خالصة ~~تقريبا من الشوائب التي أدخلتها تيارات العصر الحديث البذيئة، من ثم هي أقرب إلى اللغة ms064 ~~التي تحدث بها النبي محمد. لكن من جهة أخرى لا يستطيع أي مصري آخر تقريبا أن يتحدث بها ~~بطلاقة، أو أن يستمتع بسماع الحديث بها، بل إن المصريين في الواقع يفتخرون بأن لهجتهم صارت ~~اللهجة المشتركة في العالم العربي وهذا يرجع إلى حد بعيد إلى السيطرة التاريخية لقطاع صناعة ~~التليفزيون والأفلام والموسيقى القاهري على المنطقة العربية منذ زمن بعيد. ومن العجيب أن ~~جماعة تزعم أنها تمثل مصالح الشعب المصري الحقيقية وتعظم برامجها الاجتماعية تبقي على ~~فواصل بهذه الأهمية بينها وبين المواطن العادي. اعتمدنا في نهاية المطاف على مترجم يترجم من ~~الفصحى الرفيعة التي استخدمها حسن إلى لغتي - الإنجليزية - أو إلى اللهجة العامية المصرية ~~الدارجة، وهو ما بدا أمرا شديد الغرابة. ولعل عناد حسن يبين كيف قد تنتصر المذهبية على ~~العملية والعقلانية عندما يصعد هو وزملاؤه إلى السلطة. # أخبرني حسن أنه اعتقل مرتين منذ انتخابات ديسمبر/كانون الأول عام 2005، وقال لي أيضا إن ~~«أسر أعضاء الجماعة الآخرين وأصدقاءهم ومعارفهم يعتقلون أو يتعرضون للضغوط دائما؛ فالنظام ~~يهدف إلى ترهيبنا لنقلع عن جهودنا لتحقيق أهدافنا السياسية والدينية.» لكن الأرجح أن أعضاء ~~الجماعة لن يحيدوا عن أهدافهم بقدر ما سيضطرون إلى تبني ردة فعل غير عقلانية تتخذ شكل تحدي ~~النظام تحديا مباشرا أو اللجوء إلى العنف. وحرص حسن على أن يوضح لي أن التغيير الثوري ~~المفاجئ هو عكس ما يؤيده هو وزملاؤه تماما، فقال: «إذا وقع التغيير فجأة في مصر، فستنشأ ~~الفوضى وهذا يضر بمصر والعالم أجمع.» # أردت أن أعرف ما الذي جعل برنامجه كمرشح في الانتخابات يثير سخط الحكومة المصرية إلى هذا ~~الحد، فأجابني: # هذه هي الفترة الثانية لي كممثل في البرلمان، وفلسفتي هي أن الإنسان جزء من ~~مجتمعه. والإخوان المسلمون جزء من كل بقعة من بقاع المجتمع؛ في المنظمات غير ~~الحكومية، والنقابات، والمجالس المحلية، وهذا يجعل برنامجنا مختلفا عن الآخرين. ~~نحن ننظر إلى الجوانب الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لمشكلات البلاد، ونلبي ~~احتياجات الناس في محافظات البلاد كافة على جميع المستويات، ونقصد المواطن العادي ~~في ms065 الشوارع لنتعرف على احتياجاته ونحاول إشباعها. نحن لا نسعى إلى جمهورية إسلامية، ~~وإنما إلى دولة حديثة متحضرة، لكن قائمة على أسس إسلامية، ولا نعارض الديمقراطية أو ~~الدستور، ولا آليات الدولة الحديثة المتحضرة. نحن جبهة معارضة قوية في البرلمان، ~~ونستطيع أن نجعل صوتنا مسموعا. # بالطبع لم يتبين لي من إجابته ما فعله هو وغيره ليتعرضوا للضغط أو الاعتقال أو الحبس؛ فلم ~~يكن أي مما قاله مثار اعتراض أو يشكل تهديدا، لكن قد يتساءل الليبراليون إن كان الإيمان ~~بأن الإنسان جزء من مجتمعه يعني إخضاع حقوق الفرد للمصلحة العامة، في ظل عدم وضوح المسئول ~~عن تعريف ما يسمى بالمصلحة العامة. إلا أن النظام الحاكم ليس ليبراليا على الإطلاق؛ بل ما ~~قد يجده النظام مقلقا أكثر هو سعي الجماعة إلى تلبية احتياجات المجتمع على نحو يدين بطريق ~~غير مباشر ضعف قدرة النظام. لكنني بدلا من التنقيب في النواحي الفلسفية اتجهت إلى الناحية ~~العملية؛ فسألت حسن: هل يمكن أن يضع الإسلاميون والعلمانيون أجندة مشتركة باسم الشعب ~~المصري، عوضا عن التحالف غير الرسمي الذي شكلته جماعة الإخوان المسلمين مع الاشتراكيين ~~وغيرهم من ممثلي جبهة المعارضة بالبرلمان، والجماعات الشعبية الداعمة للديمقراطية كجماعة ~~(كفاية) التي قادت المظاهرات ضد نظام مبارك في الشوارع؟ # أجابني: «كثير من الأشياء تدفعنا إلى الاتحاد، لا سيما القضايا السياسية، كاحتمال أن ~~يتسلم جمال مبارك الرئاسة. جميعنا يعارض ذلك، ونحن أيضا نؤيد الإصلاح السياسي، وحرية ~~الأحزاب السياسية، وإنهاء قانون الطوارئ، وتحرير الصحافة. المناخ السياسي هو ما يجمع ~~بيننا.» # وماذا عن حرية التعبير؟ إن أصبح القرآن هو الدستور، ألن يفرض هذا قيودا على المجتمع ~~المصري سيرفضها العلمانيون؟ # أجاب حسن بوجه خال من التعبير: «الدولة الإسلامية يتمتع فيها الجميع بحرية التعبير. يؤكد ~~التاريخ الإسلامي هذا بوضوح شديد؛ تمتع كل المواطنين في الماضي بحق مخاطبة إمام المجتمع ~~الإسلامي أو قائد الأمة متى شاءوا؛ رجالا ونساء، مواطنين وغرباء، مسلمين وغير مسلمين، ~~الدولة الإسلامية لا تفرق بين كل هؤلاء، هذا أساس ديننا، وليس مسألة سياسية. سيكون هذا ~~جزءا من ms066 دستورنا لأن القرآن دستورنا. لماذا نستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ~~أحرارا؟» # سألته عن شكل علاقتهم بالولايات المتحدة إن تسلموا زمام الحكم. # فأجاب: «ليس على الولايات المتحدة أن تتخوف من الإخوان المسلمين. الولايات المتحدة تدعو ~~إلى المزيد من الحرية والديمقراطية، وتزعم أنها غزت العراق وأطاحت بصدام حسين باسم ~~الديمقراطية، لكن العكس هو الصحيح؛ فهي تدعم طغاة العرب الذين يقمعون شعوبهم بقبضة من حديد ~~ويحرمونهم من الديمقراطية وحقوق الإنسان. التعذيب يمارس في سجوننا كما تدل على ذلك الكثير ~~من الصور التي صدرت والكثير من الأدلة الأخرى.» # صحيح بالفعل، لكن إجابته حتى الآن لم تثر إلا القليل من التفاؤل بنشأة علاقات إيجابية بين ~~الإخوان المسلمين والولايات المتحدة، فهو في الواقع وصف الولايات المتحدة بالنفاق، وبأنها ~~سبب معاناة الشعوب العربية؛ فقلت له وماذا عن إجابة سؤالي: كيف ستكون علاقة الإخوان ~~المسلمين بالولايات المتحدة؟ # تمتم قائلا: «هذه بلادنا، وهي لنا؛ فلماذا تملي علينا الولايات المتحدة الأوامر عبر ~~الطغاة الذين تستخدمهم؟ علينا أن نتمرس على أن نكون أفضل، وعلى أن نكون دولة ديمقراطية ~~وإسلامية تحترم أيضا التقاليد الغربية، لكن لماذا لا نتمتع بثروات بلادنا الشاسعة؟ لماذا ~~لا يسنح لنا أن نحيا في أمن وبكرامة.» # بدا لي أن الحصول على إجابة مباشرة من حسن أصعب من استخراج الماء من قلب الصخر. لكن ربما ~~كان الأمر يستحق سؤاله سؤالا آخر. قلت له إن الكثيرين يرون أن جماعة الإخوان المسلمين ~~تساعد مبارك لأنها تعطيه ورقة رابحة في تعاملاته مع واشنطن، فالأمريكيون شديدو التخوف من ~~الحركات الإسلامية إلى حد أن مبارك يمكنه أن يتجاهل النقد الموجه إليه فيما يتصل بالجماعة، ~~ويظل مستمرا في اعتماده على المساعدات المالية الضخمة التي تعد أساسا لتأييد نظامه. سألت ~~حسن: ألا تزعجه هذه الحقيقة؟ # سارع بتأييد قولي قائلا: «النظام الحاكم يستخدمنا لترهيب الولايات المتحدة.» ثم أطبق ~~صامتا، فألححت في سؤاله قائلا: «ما شعورك حيال هذا التناقض؟» فسألني وقد انتقلت إليه ~~حيرتي: «أي تناقض؟» فكررت له السؤال بمزيد من الوضوح، فأجاب: «سنوات حكم مبارك ليست إلا ms067 بضع ~~قطرات في محيط عمر هذه الأمة. الاتحاد السوفييتي على سبيل المثال سقط وعمره سبعون عاما ~~فقط. نحن موقنون من أن المستقبل لنا، وسنصادق أي دولة ترغب في مصادقتنا. نحن متحلون ~~بالإيمان ونعلم أن لدينا مبرراتنا فيما ندعو إليه. أعتقد أن أي دولة غربية تفهمنا حقيقة ~~ستؤيدنا، ولن تكون ضدنا مع الطرف الآخر. هذا لأن مبادئنا صالحة للتطبيق في كل مكان، ويقبلها ~~الجميع، وهي تحقق السلام والأمن في كل أنحاء العالم وتجلب العدل والمساواة للجميع. إذا طبقت ~~مبادئنا، فلن تكون هناك حروب أو مجاعات.» # خلص حسن في النهاية إلى أنه لا يهتم بما تدعيه الولايات المتحدة أو تفعله ضد الإخوان ~~المسلمين، وقال بثقة: «نحن نعلم أن فلسفتنا وعقائد الشعوب الغربية ستتفقان. لا تنبع ~~الإشكالية إلا من الحكام. يبدو أنهم في قرارة أنفسهم يضمرون الشر لنا ولشعبنا.» ~~••• # كتب مؤرخ الشرق الأوسط إيلي كيدوري في مقال كلاسيكي بعنوان: «الشرق الأوسط والقوى» يقول: ~~«إحدى أبسط الوسائل التي عرفتها البشرية وأفضلها للإبقاء على اتصالها بالواقع هي مقارنة ~~أقوال المرء بأفعاله، أو مقارنة معتقداته بأدائه.» تحدث كيدوري عن الكيفية التي يسيء بها ~~الغرب كثيرا تصوير العالم العربي لبعده عنه وقلة معرفته به، لكن هذه الوسيلة تكون مفيدة ~~أيضا من الناحية العملية عندما ندرس أهداف جماعة الإخوان المسلمين، وأهداف حمدي حسن بوجه ~~خاص. # في دورة 2000-2005 البرلمانية، صب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين اهتمامهم الأكبر على ~~تقييد حرية التعبير في ثلاثة مجالات هي الثقافة والإعلام والتعليم؛ وهذه السيطرة ضرورية ~~لتحقيق أهداف أجندتهم الساعية إلى أسلمة المجتمع المصري من جذوره. لكن لا يسع المرء إلا ~~الإعجاب باستراتيجيتهم رغما عنه. يستخدم الإخوان حيلة بارعة للفوز بقلوب وعقول العديد من ~~الناخبين، تقوم على الجمع بين أجندة غامضة مفتوحة للتأويلات المختلفة تحظى بتأييد مختلف ~~الجماعات، وتستند بوجه عام إلى المبادئ الإسلامية المتصلة بالأخلاقيات المتأصلة في المجتمع، ~~وبين أجندة أخرى عملية تسلط الضوء على الثقافة. كان هجوم الإخوان الشرس على وزير الثقافة ~~فاروق حسني - عندما زعم أن ارتداء الحجاب ينم عن رجعية ms068 - دليلا آخر على تواصل حملاتهم تلك ~~على الصعيد الثقافي. فعلى أي حال، إذا أرادت المرأة أن تصون كرامتها وأن تلتزم بتقاليد ~~الإسلام، أفلا يكون من حقها أن تفعل هذا؟ إن وصف ارتداء الحجاب بأنه دلالة على الرجعية ~~ينتقص من قدر التقاليد ومن يتبعها بدلا من أن يحترمها. لكن حرية التعبير في منظور الإخوان ~~المسلمين تتوقف عند هذا الحد. على سبيل المثال: ورد في صحيفة الأهرام أن كتاب «الإخوان في ~~برلمان 2000-2005» - وهو كتاب يتناول بالتفصيل أداء ممثلي الجماعة الخمسة عشر في البرلمان ~~في تلك الفترة - جاء فيه أن عضو البرلمان السابق من الجماعة جمال حشمت كان السبب في إجبار ~~فاروق حسني على منع إصدار ثلاث روايات وصفتها الجماعة بأنها تروج للتجديف على الله وممارسات ~~جنسية غير مقبولة. ووفقا لصحيفة الأهرام ويكلي، كشف الكتاب أيضا أن حمدي حسن تصدر بنفسه ~~على الدوام حملات الإخوان المسلمين لإخماد حرية التعبير الثقافي سواء أعلى صعيد الأعمال ~~الأدبية أم مسابقات ملكات الجمال، متخذا من حجة التجديف على الله سلاحا. وهو يتهم فاروق ~~حسني شخصيا بتصدر «الحرب التي تقودها الولايات المتحدة حاليا ضد الثقافة والهوية ~~الإسلامية». يظهر أيضا الكتاب أن إجمالي عدد القضايا المتصلة بالثقافة والإعلام يساوي 80٪ ~~من مجموع القضايا التي طرحها أعضاء الجماعة في دورة 2000-2005 البرلمانية. # لكن لا يدعو أي من هذا بالطبع إلى الدهشة؛ فالثقافة محرك قوي لا سيما في مجتمع تسيطر عليه ~~الدولة إلى حد بعيد. فبالتحكم في الثقافة، تضطلع الدولة بدور الأب، والأب جميع تصرفاته ينظر ~~إليها على أنها دلالة على صلاحيته للاضطلاع بالسلطة. لا شك أن الإخوان المسلمين يدركون أن ~~القيم والأخلاقيات ذات صدى في نفوس المصريين، وأنهم يستخدمون الضلالة والزيغ كأدوات للنقد. ~~وهنا قد يكتسب منطق حمدي حسن القائل إن الإنسان جزء من مجتمعه دلالة مخيفة إن تتبعنا ما ~~يفضي إليه؛ فبما أن المجتمع أكثر أهمية من الفرد، فعلى الفرد إما أن يساير المجتمع أو أن ~~يقصى عنه خوفا من أن ينتشر ضلاله. فكما يوضح باري روبين في كتابه ms069 «الأصولية الإسلامية في ~~السياسة المصرية» (2002)، استخدمت الجماعات الإسلامية المعتدلة كجماعة الإخوان المسلمين ~~الترهيب للسيطرة على الحياة الاجتماعية والفكرية في مصر في محاولات جهيدة استغلت «الإجراءات ~~القضائية، والتعليم، والمنظمات غير الحكومية لتلبية احتياجات المواطنين وممارسة الضغط.» ~~وأحد الأمثلة الكثيرة والصراعات التي تندرج تحت ذلك القضية التي كانت الأكثر جذبا للانتباه ~~عالميا، وهي قضية الأستاذ نصر حامد أبو زيد، من جامعة القاهرة، الذي اتهمه زميل متدين له ~~بالتجديف على الله لإصداره كتاب عام 1992 يستخدم أسلوب دراسة نقدي لتحليل عبارات من القرآن. ~~وحكمت إحدى محاكم القاهرة بعد سلسلة من القرارات المتضاربة في محاكم أدنى درجة بأن أبا زيد ~~بالفعل مرتد عن الإسلام، وهو أسوأ صور الانحراف عن الشريعة، ويعاقب عليه بالموت. وقد دعا ~~بعض رجال الدين بالفعل إلى إعدامه، إلا أن حكم المحكمة اقتصر على القضية التي كانت تنظرها ~~في ذلك الوقت تحديدا وهي: هل يجب تطليق زوجة أبي زيد منه - باعتبار أنها مسلمة صالحة تحتاج ~~إلى الحماية - أي، هل يجب أن تتدخل الدولة لحماية سمعتها وشرفها، بصرف النظر عن رغبتها. ~~وقررت المحكمة أن هذا هو الحكم الصحيح المنصف، وأمرت بتطليق الزوجة. وفر الزوجان إلى أوروبا ~~حيث ظلا منفيين خارج البلاد. ومن الصعب أن نصدق أن جماعة الإخوان المسلمين ستدعوهما إلى ~~العودة إلى مصر في حال دانت لها السيطرة على البرلمان. شعر المحامي الإسلامي الذي قاضى أبا ~~زيد آنذاك - باعتباره شخصا مستقلا لا باعتباره عضوا من جماعة الإخوان المسلمين - بسعادة ~~بالغة. ويذكر روبين أنه قال: «هذه هي البداية وحسب. وسنفعل هذا بكل من يحسب أنه أكبر من ~~الإسلام.» ~~••• # لا شك أن زعم الإسلاميين الدائم أن أجندتهم لا تتبنى الديمقراطية وحسب بل ترتقي بها ~~أيضا، هو محض هراء؛ فالديمقراطيات الغربية تكفل من الناحية النظرية مشاركة جميع المواطنين ~~بصرف النظر عن أيديولوجياتهم وآرائهم وديانتهم، لكن جماعة الإخوان المسلمين ومثيلاتها تجعل ~~المشاركة السياسية في المجتمع خاضعة لمبادئ الشريعة الإسلامية؛ فعلى أي حال ليس هناك من هو ~~«أكبر من الإسلام»! على سبيل المثال: تراقب الهيئات القضائية ms070 والتشريعية الحكومية في الغرب ~~أفعال الدولة لضمان التزامها بقواعد الديمقراطية، إذ تتحكم كل من السلطات الثلاث في الأخرى. ~~أما في ظل نظام إسلامي، فالإخوان المسلمون أنفسهم سيضطلعون بمراقبة أفعال الدولة للتحقق من ~~التزامها بقواعد الشريعة الإسلامية؛ بعبارة أخرى الإسلاميون سيراقبون أنفسهم! فوق ذلك لا ~~يكفل الإخوان المسلمون حرية العقيدة إلا لأتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث؛ إذ إن القرآن ~~- بسبب ظروف النبي محمد - لا يذكر شيئا عن الديانة البوذية مثلا ولا يعادي إلا تعدد ~~الآلهة (الذي كانت مكة مركزا له آنذاك)، والذي ينتقده بطبيعة الحال بما أنه يسعى لأن يحل ~~محله. أما حرية تكوين الجماعات التي تتمتع بها منظمات المجتمع المدني في النظام الديمقراطي ~~فسترتهن في النظام الإسلامي بحدود الشريعة الإسلامية. والإخوان المسلمون يعارضون قيام ~~الدولة على المنظومات الديمقراطية القائمة على النمط الغربي؛ فالحكومة الإسلامية تقوم على ~~نظام الشورى (مجلس شورى)، وتبجيل القائد، ومبايعة الإمام. هذا ما تنص عليه الشريعة ~~الإسلامية، وهذا ما ينبغي أن يكون. المنطق هنا باختصار مغلوط يفترض أن الإنسان قد حصل على ~~كامل حريته وحقوقه في ظل الديمقراطية الإسلامية، مما يغني عن أي شك أو نقاش أو رأي أو بحث ~~أو أي شيء آخر يسهم في تطور الثقافة، باستثناء بعض الانتقادات التافهة التي قد يعيرها ~~الحاكم المعظم أذنه من حين لآخر. هذا هو المبدأ الحاكم والموجه في المملكة العربية ~~السعودية، والنتائج يراها الجميع في الإنجازات الرائعة التي حققتها المملكة المجدبة على ~~مدار العقود السبعة الماضية في الموسيقى والفن والأدب والفلسفة والعلوم ~~والتكنولوجيا. # اتضحت حقيقة جماعة الإخوان المسلمين عندما وضعت الجماعة أول برنامج سياسي مفصل لها في ~~أكتوبر/تشرين الأول عام 2007. يقرر البرنامج حرمان النساء والأقباط من تولي الرئاسة، ويزمع ~~إنشاء هيئة من علماء الدين المسلمين لمراقبة أداء الحكومة، وهي خطوة رأى الكثير من مراقبي ~~المشهد أنها تذكر إلى حد مخيف بالدولة الإسلامية في إيران. كما جاء في وثيقة البرنامج أن ~~المرأة لا تستطيع أن تتولى الرئاسة لأن واجبات هذا المنصب الدينية والعسكرية «تتناقض مع ~~طبيعتها ودورها الاجتماعي والإنساني». والمدهش ms071 أن مسودة البرنامج - كما قيل - تناولت قضايا ~~تخص المرأة في فصل بعنوان «القضايا والمشكلات» مع مشكلات أخرى كالبطالة وعمل الأطفال. وفي ~~الوقت الذي أكدت فيه مسودة البرنامج على «تساوي الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية»، حذرت ~~من «إثقال المرأة بواجبات تنافي طبيعتها ودورها في الأسرة». ~~••• # اكتملت رحلة الإخوان المسلمين الطويلة التي تخللتها معارك مستمرة ضد القمع، والتعذيب، ~~والإعدام الاستبدادي عندما انتخب الكثير من الإسلاميين لعضوية البرلمان عام 2005. ورأى ~~الكثيرون من مراقبي المشهد أن هذا الحدث كان أيضا نقطة بارزة في طور انصراف الجماعة عن ~~العنف. ويراقب الغرب تحول الجماعة تدريجيا إلى تيار مسيطر في المشهد السياسي بقدر ما ~~يراقب الأحزاب السياسية الإسلامية التي نتجت جميعها تقريبا عن تجربة الإخوان المسلمين مع ~~الانتخابات والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بوجه عام. تتباين أنشطة الإخوان ~~المسلمين من دولة إلى دولة، وفصائلهم مستقلة رسميا بعضها عن بعض، إلا أن قادة الجماعة ~~اقتبس عنهم قولهم إن جميع فروع الإخوان المسلمين مشتركون في العقيدة، وإنهم يسترشدون بالفرع ~~المصري الرئيسي. وقد أطلق ظهورهم القوي في الانتخابات المصرية سيلا من الأطروحات في الصحف ~~السياسية كتبها محللون للوضع في الشرق الأوسط، أغلبهم يدعو واشنطن إلى التفاعل مع الجماعة ~~التي بدأ ينظر إليها بدرجة متزايدة في الدوائر السياسية العملية الأجنبية على أنها الخيار ~~الأقل ضررا مقارنة بالنظام العسكري الحاكم على الصعيد السياسي المصري الداخلي. # لكن لعل ما بدا ظاهريا كنصر انتخابي للإخوان المسلمين كان أي شيء عدا ذلك. فاز الإخوان ~~ب 20٪ من المقاعد الانتخابية، لكن 25٪ من المصريين على أقصى تقدير أدلوا بأصواتهم آنذاك. ~~وبما أن هذا الرقم الأخير هو ما أعلنه النظام الحاكم، فحتى هذا الرقم يجب أن يكون موضع شك ~~إلى أقصى الحدود. فأي شخص جاب شوارع مصر يوم الانتخابات البرلمانية كان سيجد صعوبة في ~~العثور على واحد من أبناء البلد يعلم حتى بإجراء الانتخابات، ناهيك عن أن تكون لديه أدنى ~~فكرة عن مرشحي دائرته أو أن يكون متجها فعليا إلى مراكز الاقتراع. لكن حتى إن سلمنا ~~بالإحصائيات الرسمية لعدد ms072 الناخبين، فإحدى التفسيرات المحتملة لنتيجة الانتخابات هي أن ~~جماعة الإخوان المسلمين لم تنجح إلا في الحصول على تأييد نسبة صغيرة ممن تسمح أعمارهم ~~بالتصويت، على الرغم من عدم رضا الأغلبية الكاسحة من الشعب المصري عن أداء النظام الحاكم. ~~إلا أن هذا المنطق في مضمونه يفترض أن من أدلوا بأصواتهم هم عينة تمثل الشعب المصري بأكمله، ~~لكن ليس هناك دليل ملموس يدعو إلى تصديق هذا أيضا. ثمة معنيان لنتيجة الانتخابات ، أحدهما ~~أن من أدلوا بأصواتهم امتلكوا الحافز للإدلاء بأصواتهم، أو أن الإخوان المسلمين على وجه ~~التحديد امتلكوا الحافز للإدلاء بأصواتهم، وبهذا تكون نسبة ال 20٪ نسبة مغالى فيها. وقد ~~يكون العكس هو الصحيح؛ فثمة احتمال ألا يكون الكثيرون من مؤيدي الجماعة قد أدلوا بأصواتهم ~~خوفا، من ثم تكون تلك النسبة معبرة عن عدد أقل من الواقع. وبعبارة أخرى، لا سبيل إلى معرفة ~~الحقيقة، حتى إن افترضنا أن الإحصائيات التي ذكرت حقيقية ولم تتلاعب بها الحكومة بتقليص ~~النسبة التي حصل عليها الإخوان من الأصوات أو برفعها لبث الخوف في الغرب. وباختصار، من ~~التهور القفز إلى اعتبار نتيجة الانتخابات نصرا انتخابيا للإخوان المسلمين. # إلى جانب هذه التفاصيل المعقدة - التي يتجاهلها الغرب إلى حد بعيد - تروى أيضا الكثير من ~~التجارب التي تدل على أن أغلب من يصوتون للإسلاميين قد يفعلون ذلك اعتراضا على فساد ووحشية ~~النظام العسكري الحاكم الذي نجح في قمع كل البدائل العلمانية للإخوان، وليس لتقديرهم الشديد ~~لما ترمز إليه الجماعة، على الرغم من انصرافها إلى الانغلاق على ذاتها واتجاهها إلى التدين ~~اتجاها أقل علانية في أعقاب هزيمة عام 1967. يذكرنا هذا بقصة حركة حماس في الأراضي ~~المحتلة، وجميعنا يعلم ما آلت إليه هذه القصة. لكن في هذا السيناريو البديل، قصة الإخوان ~~المسلمين ليست قصة انتصار في وجه المحن بقدر ما هي قصة فشل في حشد تأييد شعبي كبير، على ~~الرغم من الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها مصر، والتي أثبتت في ~~دول أخرى أنها إلى حد بعيد أرض خصبة لانتشار الإسلامية؛ سواء ms073 الإسلامية الراديكالية أو ~~غيرها. # يرى الكثيرون أن الحكومة المصرية أزعجها نجاح الإخوان المسلمين غير المتوقع في انتخابات ~~عام 2005، وهو أمر يدل عليه الفساد المستشري على نطاق واسع، وهجمات شرطة مكافحة الشغب ~~العنيفة على مؤيدي الجماعة في الشوارع، واعتداءاتها البدنية على المتواجدين في قواعد دعم ~~الإخوان المسلمين؛ سعيا لمنعهم من الإدلاء بأصواتهم، وهذه نظرية تستوجب الدراسة. تابعت ~~قوات الأمن بالفعل اعتقالاتها العشوائية لأعضاء الجماعة بعد انتهاء الانتخابات. وهدف هذا في ~~جزء منه إلى الإبقاء على ممثلي الجماعة الجدد في البرلمان تحت السيطرة، وبعدها قرر النظام ~~تأجيل انتخابات المجالس المحلية وهو ما يبدو بوضوح تخوفا من فوز الإخوان المسلمين بالمزيد ~~من المكاسب. ويوحي هذا ظاهريا بنظام يخيفه ويزعجه سطوع نجم الإخوان فجأة، إن لم يكن يوحي ~~أيضا بالإصابة تماما بجنون الارتياب. لكن علينا دائما أن نتذكر أن من يحدد في النهاية ~~الرابح والخاسر في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفارق الفوز والخسارة هو النظام العسكري ~~الحاكم ورئيسه الممثل له، وذلك على حد قول نقاد مبارك. السياق إذن هو سيد الموقف. فقد عقدت ~~انتخابات عام 2005 في توقيت مثير جدا للفضول. تحمس الأمريكيون من جديد للديمقراطية - أو ~~هذا على الأقل ما أعلنوه - وهذا تنافى تماما مع تأييدهم للأنظمة الديكتاتورية كنظام مبارك؛ ~~ولا يمل الإخوان المسلمون من الإشارة إلى ذلك. من ثم تعرض مبارك في مستهل عام 2005 لضغط ~~محدود من واشنطن فترة وجيزة للإسراع بتطبيق برنامج إصلاح داخلي تأخر كثيرا. فإذا افترضنا ~~أن نظام مبارك ارتأى أن وجود الإخوان المسلمين في البرلمان بنسبة أكبر أمر مناسب من شأنه أن ~~يبعث برسالة ضمنية إلى الأمريكيين مفادها أن عليهم أن يحذروا أو يتخوفوا من أن تنحرف ~~نواياهم الطيبة عن مسارها في حال ضغطوا بشدة من أجل الديمقراطية في البلاد؛ فهل سيكون هذا ~~شطحا بالخيال؟ تزامن هذا بالطبع مع فوز حركة حماس الراديكالية الإسلامية في انتخابات ~~السلطة الوطنية الفلسطينية عقب ضغوط الولايات المتحدة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وبعبارة ~~أخرى، بمنح الإخوان المسلمين خمس مقاعد البرلمان، كان مبارك يبعث ms074 برسالة خفية لشركائه ~~الذين ثارت ثائرتهم فترة وجيزة في واشنطن، يقول لهم فيها: إن لم تريدوني، فرحبوا بصعود ~~الإسلاميين، لكن أجندة هؤلاء (بعكس أجندتي) تناهض عسكريا إسرائيل والولايات المتحدة. ~~وبعبارة أخرى، كان النظام في واقع الأمر يخبر الأمريكيين أنهم لا يستطيعون أن يحصلوا دائما ~~على مرادهم. واستطاع نظام مبارك أن يحقق المستحيل؛ إذ خفت حدة الضغوط الأمريكية عقب انتصار ~~الإخوان المسلمين في الانتخابات، فيما ظلت قبضة نظام مبارك تسحق قاعدة الجماعة ، بالطريقة ~~نفسها التي تسحق بها أجهزة أمن الدولة التي لا تعرف إلا العنف والقمع جميع حركات المعارضة ~~المنشقة. ولا عجب في أن الإخوان المسلمين في الانتخابات التي أجريت بعد أن تراجعت الولايات ~~المتحدة عن حملتها لنشر الديمقراطية قد فشلوا في الفوز بمقعد واحد، مع أنهم خاضوا ~~الانتخابات بتسعة عشر مرشحا. ~~••• # من هنا يجب أن يراعى في أي نقاش عن نفوذ الإخوان المسلمين في مصر أن عدد المقاعد التي ~~يحظون بها لا يعبر بالضرورة عن حجم التأييد الحقيقي الذي يتمتعون به. وفوق ذلك يجب أن يؤخذ ~~في الاعتبار أن الغالبية العظمى من المصريين لم يصوتوا لهم أو للحزب الوطني الديمقراطي ~~التابع لمبارك، بل إنهم لعنوا كلا الفريقين بالإصرار على الامتناع عن التصويت. # لكن إن كان مبارك يستخدم الإخوان المسلمين في مواجهة واشنطن لتحقيق مصالحه، فهذا لا يعني ~~أن تلك اللعبة ليست خطيرة، كما لا يعني أن واشنطن ليست في مأزق حقيقي بسبب مساعدة ديكتاتور ~~يفتقر إلى الشعبية والكاريزما ولا يسمح إلا لجبهة معارضة إسلامية تحت سيطرته بتحديه تحديا ~~رمزيا. فعلى المدى الطويل قد يصبح الإخوان المسلمون الكيان الأبرز، وبما أنهم كيان ~~المعارضة الوحيد المنظم المنسق، فسيصبحون في موقع مناسب للتحرك سريعا لملء أي فراغ في مركز ~~السلطة إن أطاحت ثورة شعبية بالنظام الحاكم، مع أنهم لن يكونوا المحرك لتلك الثورة. # وبما أن أعضاء الإخوان يتمتعون بالخبرة الإعلامية ويتابعون عن كثب نظرة الغرب لهم، فلا شك ~~أن ثقتهم في جماعتهم قد تزايدت عندما قفز محللو الوضع السياسي المعتمدون في واشنطن على ms075 موجة ~~«نهضة التيار الإسلامي» في مصر، التي أتت على صهوة كتب ناجحة ككتاب جينيف عبده «لا إله إلا ~~الله: مصر وانتصار الإسلام»، وكتاب ماري آن ويفر «صورة لمصر: جولة في عالم الإسلام الجهادي» ~~(الذي أعيد إصداره عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، مضافا إليه فصل جديد عن ~~أسامة بن لادن)، والذي يصور مصر على أنها ساحة معركة تتنازع عليها الديكتاتورية والتيار ~~الإسلامي. لعل هذه الجلبة التي ثارت في واشنطن قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من استراتيجية مبارك ~~السياسية، ولو بغير قصد. إنها استراتيجية تساعد على الإيحاء بنبوءة تحقق ذاتها، تستخدم ~~للتلاعب بالتأييد المحدود الذي يتمتع به الإخوان المسلمون داخل البلاد لخلق تهديد زائف يعظم ~~من شأنه السياسيون بالخارج. ~~••• # المفارقة الفعلية هي أن الإخوان المسلمين أنفسهم يلعبون دورا في ذلك، وأعتقد أن هذا هو ~~السبب الحقيقي الذي جعل حمدي حسن، المتحدث باسم الجماعة، لا يرى وجه التناقض الذي سألته عنه ~~وهو أن الجماعة تعد إلى حد بعيد جزءا من مشكلة مصر العويصة الحالية لا حلا لها. # استغلال مبارك لمخاوف واشنطن من الحضور الذي تتمتع به الجماعة على المستوى الشعبي في بعض ~~القطاعات الفقيرة يسمو بمنزلة الجماعة كثيرا. وتتضح مصلحة الإخوان من بقاء مبارك في السلطة ~~- على الأقل إلى أن يحين وقت انتزاعهم لها منه في ثورة شعبية - عندما ننظر بعين الاعتبار ~~لحقيقة أن جماعتهم لا تتمتع بتأييد غالبية الشعب المصري وأن النظام رغم ذلك يسحق البدائل ~~العلمانية لهم، محققا مصلحتهم في الوقت الذي يشجع فيه ثقافتهم الفاشية. وقد أظهرت الجماعة ~~في بعض الأحيان حماسا شديدا لمساعدة النظام على تحقيق هذا. فدائما ما شدد عمر التلمساني ~~- المرشد الإصلاحي الذي تمتع بنفوذ كبير في السبعينيات وأوائل الثمانينيات - على حاجة ~~الجماعة إلى اعتراف وقبول رسمي، حتى إنه امتدح مبارك كقائد يجلب المزيد من الحريات قائلا ~~إنه «رجل نزيه، شديد الذكاء، يعرف ما يريد». كما كانت جماعة الإخوان المسلمين عام 1987 جبهة ~~المعارضة الوحيدة في البرلمان التي صوتت لتولي مبارك - المفترض أنه عدو الجماعة ms076 اللدود - ~~الرئاسة فترة ثانية. # تعود مفارقة مهاجمة الحاكم وخدمته في الوقت نفسه إلى وقت طويل مضى، على سبيل المثال: ~~لطالما قيل إن الملك فاروق وحتى البريطانيين شجعوا جماعة الإخوان المسلمين في أيامها الأولى ~~باعتبارها وسيلة لمناوءة تأثير حزب الوفد القومي، والأغرب أن بعض الوثائق الرسمية التي كشف ~~عنها مؤخرا بعض الباحثين الذين أخضعوا حقبة عبد الناصر للدراسة أظهرت أن الجماعة - التي ~~يفترض أنها كرست نفسها لتخليص مصر من السيطرة الأجنبية - أجرت بالفعل مفاوضات مع المخابرات ~~المركزية الأمريكية تدور حول احتمالات نجاح انقلاب تقوده الجماعة ضد عبد الناصر. # لا تزال جماعة الإخوان المسلمين إذن ركيزة أساسية في بناء النظام وليست عدوا له، تضمن ~~بقاءه في الوقت الذي تهاجم فيه ضعف كفاءته، وأعضاؤها جميعا يؤمنون إيمانا راسخا بأنهم ~~سينتصرون يوما ما طالما أن الله معهم، وفي الوقت نفسه يتابعون السعي لأهم أهدافهم وهو ~~أسلمة مصر من جذورها، وآخر قطعة في هذه الأحجية هي الشعب المصري. يعلم مبارك أن الشعب ~~المصري رغم كراهيته الشديدة له يكره أغلبه أن يحكمه نظام إسلامي ينتهك حياته الخاصة ~~(بالإضافة إلى حياته العامة)، مما يعطيه مبررا آخر للتهويل من شأن الجماعة. ~~••• # يعود كثير من تباين التيارات الإسلامية في مصر منذ السبعينيات بين مؤيدي الثورة العنيفة ~~وبين رافضي العنف الذين يؤثرون الإصلاح التدريجي إلى كتابات سيد قطب. ففي الوقت الذي اتخذ ~~فيه الراديكاليون الإسلاميون العازمون على الإطاحة بالنظام العسكري من كتاب سيد قطب «معالم ~~في الطريق» (1964) برنامجا سياسيا لهم، أدارت جماعة الإخوان المسلمين ظهرها لقطب رفضا ~~للعنف، ورجعت إلى التقاليد العظيمة للفكر الإسلامي الليبرالي التي كانت في أفضل أحوالها في ~~قاهرة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي كان أشهر من عبر عنها جمال الدين ~~الأفغاني والشيخ محمد عبده ورشيد رضا. لكن كما يظهر بوضوح من نجاح جهود إدانة أبي زيد ~~وتطليق زوجته منه قسرا، ونقد الإخوان الصاخب مؤخرا لمجرد احتمال ألا ترتدي المرأة الحجاب؛ ~~فإن فكر الجماعة يتسم بالسطحية وضيق الأفق في فهمه للإسلام والتقاليد الاجتماعية التي تعد ms077 ~~جزءا من تقاليد الفكر الإسلامي التي تؤكد على الحاجة إلى فهم القرآن فهما موضوعيا ~~قائما على الدراسة وضرورة احترام آراء الآخرين. إلا أن مصر لا تزال تحتضن هذه التقاليد، ~~وما زال يحييها شخص لا يتوقعه المرء: جمال البنا، أصغر أخوة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان ~~المسلمين الذي اغتيل. # أمضى جمال البنا البالغ من العمر خمسة وثمانين عاما جزءا كبيرا من حياته في دراسة ~~النصوص الإسلامية وبرز باعتباره مفكرا ليبراليا على عكس جميع التوقعات؛ ظهر باعتباره ~~رجلا يحب أن يرى القيم والممارسات الإسلامية تفسر في إطار العصر الحديث. ولما كانت أخته قد ~~تركت له الكثير من المال، استطاع أن يكرس نفسه للدراسة، وبذا وقى نفسه الانجراف وراء ~~التيارات السياسية اليومية الشائعة. لقد وصف نفسه بأنه «رجل مستقل تماما»، يعي حظه الطيب ~~(فهو لا يملك أسرة وليس لديه من يعيله)؛ وقال: «لست موظفا، ولا أنتمي إلى أي حزب ولا أتبع ~~أي جهة.» وهو لم يرتد بالفعل جامعة بعد أن فصل من المدرسة الثانوية لشجاره مع مدرس، وأكمل ~~تعليمه بعدها في معهد فني. وعوضا عن ذلك، رغب جمال البنا في أن يصبح كاتبا، وكان هذا هو ~~ما فعله. صدر كتابه الأول عام 1946 بعنوان: «ديمقراطية جديدة»، وضم فصلا بعنوان «نحو فهم ~~جديد للإسلام»، وقد أتى هذا الفهم من رجل يقول إنه امتنع عن الصلاة بعض الوقت في مراهقته ~~لأنه «لم يستشعر جمال» الصلاة، وهو يقر صراحة بأن بعض أحاديث النبي محمد التي تقرب في قوتها ~~قوة التشريعات المفروضة هي أحاديث «موضوعة». لكنه وفقا لميوله الفكرية المميزة يقول إن هذا ~~لا يعني أنها يجب أن تسقط بلا تفكير من الاعتبار، إذ إنها ترسي مبادئ هامة. يقول جمال ~~البنا: «يعني هذا أن الوقت قد حان لدراسة السنة على نحو مختلف.» يمكن لأي من هذه التعليقات ~~أن تفضي بجمال البنا إلى الإعدام في الدولة الدينية، لكنه لا يعبأ بهذا ويقول بلا تفاخر، ~~وإنما يقر بالحقيقة فحسب: «أنا أمثل المدنيين.» # التقيت جمال البنا في مكتب مليء بالكتب ms078 في مؤسسة «فوزية وجمال البنا» التي يديرها في قلب ~~القاهرة الإسلامي، وهو بالفعل رجل فريد من نوعه، شامخ الرأس، ذو جبهة عريضة بارزة وأنف ~~معقوف وذقن ينبئ عن حزم، انحسر شعره المجعد المصفف إلى الخلف عن جبهته، وكأنه موج يتبع ~~سفينة تشق المحيط، في نموذج فريد للشعر المصري على رأس يكاد يبدو فرعونيا. والبنا من طراز ~~المفكرين المستقلين هادئي الطباع، الذين يضحكون ضحكة خافتة، ويتمتعون بثقة تامة بالنفس، لا ~~يملك خصومهم أمامها إلا البكاء حنقا وغيظا. وزاد من إحساسي بأنني في حضرة قديس تلك الحلة ~~الداكنة المحاكة بعناية، ذات الياقة العالية التي يرتديها على الدوام، وكأنها تعبير واضح عن ~~إخلاصه الأبدي لطائفة دينية معينة ... فهو رجل متدين ولكنه عصري في الوقت نفسه - يرتدي حلة ~~وليس قفطانا - لكنه ليس كأي رجل عصري التقيته. # قال لي جمال البنا إن جماعة الإخوان المسلمين تأسست باعتبارها مؤسسة مدنية، ذات مفهوم ~~اجتماعي أكثر منه ديني، للكيفية التي يجب أن يطبق بها الإسلام ويفسر وينشر. وأضاف: # الفارق بيني وبين أخي هو الفارق بين الابن الأول والأخير، بمعنى أن حسن كان أول ~~من ولد من إخوتي وأنا كنت الأصغر. كان بيننا فارق أربعة عشر عاما. وكان مقدرا أن ~~يصبح حسن من أول أيامه إلى آخرها شيخا إماما وأن يموت كداعية. أما معي فقد اختلفت ~~القصة. ولد حسن البنا في قرية المحمودية وأمضى طفولة مثالية هناك حيث التحق بمدرسة ~~القرية الدينية الابتدائية وهو في الرابعة أو الخامسة من العمر، ولوحظ أنه تلميذ ~~يتمتع بذكاء فريد. عين عام 1927 مدرسا في مدينة الإسماعيلية التي كانت مقرا ~~لشركة قناة السويس، فدرس المدينة، ولم يلبث أن اكتشف أنها منقسمة بين عالمين: عالم ~~يضم العاملين بالشركة التي كانت أوروبية تماما، وعالم يضم العمالة العربية الفقيرة ~~الجاهلة. # وطرأت لحسن البنا فكرة تغيير هذا الواقع، فقصد المقاهي - لا المساجد - وجلس فيها، واصطفى ~~ممن التقاهم هناك ستة عاملين من شركة قناة السويس لتشكيل جماعة الإخوان المسلمين في عام ~~1928. يرى جمال البنا أن شخصية حسن البنا ms079 كانت ستختلف تماما إن دخل الأزهر، وكان سيعجز عن ~~تشكيل حركته. # وتابع جمال البنا كلامه قائلا: # كانت حركة الإخوان المسلمين منذ البداية حركة مجتمعية. كان هذا في عهد مصر ~~الليبرالية، أبهى عصور تاريخ مصر. إلا أن جماعة الإخوان عندما تأسست، تمتعت ~~بأيديولوجية بسيطة، وإحدى مواهب حسن البنا كانت قدرته على تبسيط الأفكار شديدة ~~التعقيد تبسيطا شديدا وإفهامها للعامة. لقد امتلك قدرة مذهلة على تبسيط الموضوعات ~~المعقدة التي تحتاج إلى معرفة متخصصة، فاتسعت قاعدة جماعة الإخوان المسلمين بعد بضع ~~سنوات في الإسماعيلية وبورسعيد، وانتقل حسن البنا عام 1932 إلى القاهرة حيث تأسست ~~جماعة الإخوان المسلمين عام 1948 باعتبارها مؤسسة عالمية تهدف إلى الترويج للإسلام ~~بوصفه منهج حياة. لكن هذا كان عام حسن البنا الأخير؛ إذ اغتيل في فبراير/شباط عام ~~1949، إلا أن نمو جماعته السريع بين عامي 1928 و1948 كان مؤشرا على قدرتها؛ فبحلول ~~الوقت الذي توفي فيه البنا، كان لدى الجماعة خمسمائة فرع في كافة أنحاء مصر، وضمت ~~تحت لوائها نصف مليون عضو. # وأوضح جمال البنا أن حقيقة نمو قاعدة دعم الجماعة تكمن في الأعمال الخيرية التي قامت بها. ~~قال: # تأسست جمعية خيرية في كل فرع من ~~فروع الجماعة منذ البداية، وكل فرع لتلك الجمعيات قيد في وزارة الشئون الاجتماعية. ~~كان هناك المئات من الجمعيات الإسلامية قبل الجمعيات التي أنشأها حسن البنا، لكنها ~~كانت مستقلة بعضها عن بعض، أما حسن البنا فقد أسس النموذج الذي أنجب كافة الحركات ~~الإسلامية الأخرى؛ وإن استقل بعض تلك الحركات فيما بعد. وقد قارنت في أحد كتبي بين ~~حسن البنا ولينين، باعتبار أن لينين أسس الحزب البلشفي وجعل أتباع الحركة البلشفية ~~يرتبطون بها ارتباطا قويا. # وعاد جمال البنا إلى علاقته بأخيه، فقال عنها: «كانت إلى حد بعيد تتسم بالعقلانية ~~والمنطقية.» كان حسن عالما إسلاميا حقا. لكن لما ارتحلت أسرته إلى القاهرة كان جمال في ~~الرابعة من العمر، ولم يلتحق بمدرسة القرية الدينية أو بأي مدرسة لتحفيظ وتلاوة القرآن. ~~يقول جمال البنا: # عوضا عن ذلك التحقت بمدرسة ms080 تدرس ~~منهجا علمانيا. وفيما تمتع حسن بصحة جيدة وقضى طفولة سعيدة بسيطة على ضفاف النيل ~~تحت أشعة الشمس، كنت أنا ضعيفا واهن الصحة، لا أملك هواية إلا القراءة. كنت ~~نتاجا لمدينة كبيرة وليس لقرية، وقد قرأت العديد والعديد من الكتب، كلها ذات ~~موضوعات علمانية؛ فقرأت عن الاشتراكية والحركات الدستورية في أوروبا، وعن الحركة ~~النسائية، وامتنعت عن الصلاة فترة قصيرة شأني شأن الكثير من الشباب. أذكر أن حسن ~~آنذاك كان يخبرني بأن علي بالصلاة، فأقول له إنني لا أستشعر جمالها، فيرد علي بأن ~~علي بها حتى لو كنت أؤديها بوصفها فرضا فحسب. كان هذا اختلافا جوهريا بيني ~~وبينه، رغم أننا حتى عندما كنا نتشاجر، ظل كلانا يعتز بالآخر اعتزازا شديدا ويحبه ~~حبا صادقا. وعلى أي حال، منحتني قراءاتي منظورا مختلفا. # إذن يمثل جمال البنا التيار المدني، أما أخوه فيمثل التيار الديني. # أوضح جمال قائلا: «كانت لدي تحفظات على جماعة الإخوان المسلمين منذ بدايتها؛ تحفظات ~~على نظرة الجماعة إلى دور المرأة والفنون والسياسة.» وأردف: # كان حسن البنا يصغي إلي ويبتسم عندما أخبره بهذا، إلا أنه لم يكن يجيبني قط؛ فقد ~~كان إماما، وكان القبول بتلك الأفكار مخاطرة، لأن العامة يريدون تصريحات بسيطة ~~وشيخا ذا رؤية واضحة. ولا يزال لدى الإخوان المسلمين هذه الأجندة التي تضم كل ما ~~أعارضه: من تطبيق الشريعة تطبيقا صارما، إلى تحريم الفوائد البنكية، إلى معارضة ~~الفنون وما إلى ذلك. إلا أن طبيعة الجماعة إصلاحية وليست ثورية؛ فهم لا يرغبون في ~~السلطة من أجل السلطة، ولكن يرغبون فيها فقط بوصفها وسيلة لتطبيق الشريعة، ولو طبق ~~أي حاكم آخر الشريعة، لامتدحوه ودعموه. لقد سألني حسن البنا عن شعار «الإسلام هو ~~الحل»، فأخبرته بأنه شعار جيد، لكنه لا يعدو كونه كذلك. فأنا أنظر إلى الشريعة على ~~نحو مختلف تماما، أنظر إليها بنظرة أكثر رقة؛ فالشريعة كما أفهمها هي العدل؛ فإن ~~دخلها ما يخالف العدل، يجب أن ينبذ، وإن كان العدل في أمر لم يدخل الشريعة، فعلينا ~~باعتناقه. هذا هو فهمي من ms081 قراءاتي لما كتبه عظماء العلماء المسلمين في الماضي. أما ~~الإسلاميون الآخرون كافة فيفكرون فقط في تطبيق العقوبات كقطع يد السارق ورجم ~~الزاني. # يؤكد جمال البنا أن الإخوان المسلمين والإسلاميين يستغلون الانتخابات - وهي ابتكار علماني ~~غربي - للفوز بمقاعد البرلمان ليبدءوا في فرض أجندتهم الدينية المتطرفة على الجميع. ويضيف: # إلا أن الإخوان المسلمين لن يستطيعوا أبدا تطبيق نموذجهم الصارم للشريعة ~~الإسلامية في مصر إن وصلوا إلى السلطة، لأن الشعب المصري الذي ترفض أغلبيته هذا ~~سيمنعهم من ذلك. وعندما تخوض الجماعة تحدي مواجهة الواقع المصري المعقد، ستعجز عن ~~حل أي من المشكلات التي ترى أن الإسلام حل لها، ولا يمكن أن تزدهر الجماعة إلا ~~باعتبارها جبهة معارضة. والمفارقة إذن هي أن نهاية الإخوان المسلمين ستحل عندما ~~يتملكون بالفعل السلطة. فمن ذا الذي أعجبته الحكومة التي تحكمه؟ لذا سيتعين على ~~الإخوان تقديم تنازلات هائلة للبقاء في السلطة؛ تنازلات ترتبط بأكثر ما يتشبثون به ~~من مبادئ. والتاريخ لا يؤازرهم؛ فكل تجارب إقامة دول إسلامية في العصر الحديث فشلت، ~~لأن الدولة الإسلامية ليست ظاهرة طبيعية، والسلطة دائما تفسد الدين، حتى الخلفاء ~~الأوائل أفسدتهم السلطة. والفضائل الوحيدة التي تتمتع بها جماعة الإخوان المسلمين ~~خارج السلطة هي النزاهة والكرم؛ وهي فضائل لا ينكرها أحد. ~~••• # لا يزال أعضاء جماعة الإخوان المسلمين يعدون العمل الخيري هاما بقدر أهمية الخطب ~~الدينية، فهو يساعدهم على جذب ناخبين بخلاف جمهور ناخبيهم الأساسي عبر نظام واسع النطاق من ~~البرامج الإصلاحية. وتشمل المجالات التي تدعمها الجماعة التعليم والصحة والتدريب المهني، إذ ~~يدير الإخوان المسلمون اثنين وعشرين مستشفى في أنحاء مصر المختلفة، ولهم مدارس في محافظات ~~البلاد كافة ويديرون العديد من مراكز رعاية الأرامل والأيتام، ومع أنهم لا يملكون ترخيصا ~~رسميا بتشكيل حزب - وهو ما يمنع جماعتهم من الناحية القانونية البحتة من مزاولة الأنشطة ~~السياسية - فإن عملهم على الصعيد الاجتماعي يعوض إلى حد بعيد هذا العائق. فالعديد من ~~التقارير تشير إلى أن الجماعة تدير ما يقدر بنحو 20٪ من خمسة آلاف جمعية ومنظمة غير حكومية ~~مرخصة قانونيا ms082 في مصر. # عندما زرت في منتصف عام 2006 مستشفى العمرانية التي تديرها الجماعة في منطقة فقيرة ~~بالقاهرة تبعد عن الأهرام بضعة كيلومترات، لم أجد بالمستشفى إلا غرفة واحدة غير ~~مشغولة. # قال لي عبد الحميد إسماعيل المدير العام للمستشفى وهو يصحبني في جولة بالمكان: «نحن على ~~صلة وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، وأنا عضو بالجماعة.» # أوضح لي إسماعيل أن المستشفيات الاثنين والعشرين أدارتها لجنة طبية إسلامية، شكلها نائب ~~مرشد سابق للجماعة ومولتها الصدقات. # قال لي إسماعيل: «نحن نتقاضى رسوما أقل من المستشفيات الخاصة، لكن أكبر من المستشفيات ~~الحكومية، لكن إن عجز شخص حقا عن دفع تكاليف العلاج، لا نتقاضى منه شيئا.» # ويتلقى العلاج بتلك المستشفى المسلمون والمسيحيون على حد سواء، كما تقدم المستشفى خدماتها ~~للنساء سواء أكن يرتدين الحجاب أم لا يرتدينه. وقال لي إسماعيل إن النسب الدقيقة لأعداد ~~المرضى المسلمين والمسيحيين الذين يعالجون بالمستشفى غير متوفرة لأنه ما من أحد يسئل ~~مطلقا عن ديانته قبل تلقي العلاج. # ومع أن تلك المستشفيات بلا شك تسهم في الخير، فهي مثال آخر على علاقة جماعة الإخوان ~~المسلمين بالنظام. وثمة تناقض واضح هنا بين حظر الجناح السياسي للجماعة من جهة، والسماح لها ~~بالنمو باعتبارها مؤسسة خيرية من جهة أخرى. ومرة أخرى نكرر أن الطرفين يستفيدان: فمن ناحية، ~~يتسع نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، ومن ناحية أخرى تنتفع الحكومة المصرية من السماح لجهات ~~أخرى بالتخلص من الفوضى التي خلقها في المقام الأول فساد إدارتها لمنظومة الصحة. ~~••• # إن قررت واشنطن بالفعل الإصغاء للمحللين السياسيين في منظومتها السياسية والانقلاب على ~~مبارك أو خليفته من أجل كسب ود الإخوان المسلمين، فلن يكون هذا دليلا على «انتصار الإسلام» ~~بقدر ما سيكون إعلانا بانتهاء تقاليد الديمقراطية والتعددية العريقة الراسخة في مصر، ~~ستترتب عليه تبعات مدمرة على المنطقة بأسرها، لكن من حسن الحظ أن أصواتا أكثر عقلانية ~~تنتظر من يسمعها. ففي كتابه «ماذا حدث للمصريين؟» يفترض عالم الاجتماع جلال أمين - على سبيل ~~المثال - أن مصر تبدو وكأنها قد أصبحت أكثر تشبثا بالدين في ms083 العقود الأخيرة؛ لسببين يفسران ~~إلى حد بعيد تيارات الأسلمة على صعيد الطبقات العليا والدنيا. كتب جلال أمين يقول: «عندما ~~أخذ الاقتصاد يضعف في أوائل الثمانينيات، مصحوبا بانخفاض أسعار النفط الذي أدى إلى نقص فرص ~~العمل في دول الخليج، بدا فجأة أن الكثير من الطموحات التي بنيت في السبعينيات غير واقعية ~~وتبع ذلك شعور قوي بالإحباط.» ويضيف جلال أمين قائلا إن الميل الطبيعي نحو الالتزام ~~المتشدد بتعاليم الدين في القطاعات المتزايدة التي تأتي من خلفيات شديدة التواضع «قد ينقلب ~~بسهولة إلى تعصب ديني إن اقترن بخيبة الأمل في الترقي الاجتماعي.» إلا أن جلال أمين يوضح أن ~~النجاح في الترقي قد يقود إلى النتيجة نفسها التي يقود إليها الفشل، لأن التعصب الديني يمكن ~~أيضا أن يصنع غطاء ينتفع به من جمعوا ثروتهم أو دخولهم «بطرق غير قانونية أو غير ~~أخلاقية»؛ فكلما زاد الفساد زاد الرياء الديني، على حد قول جلال أمين. # وإن كان جلال أمين محقا، وكان السبب الأساسي في عودة الحياة إلى التيار الإسلامي من ~~جديد هو مزيج من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد الصارخ، فإن السبيل إلى مكافحته هو النظر ~~في الأسباب. وبعبارة أخرى، فإن المسألة بالدرجة الأولى مسألة تمييز بين المرض ذاته وبين ~~أعراضه. ولعل المرء يجد بصيصا من الأمل في حقيقة أن الغالبية العظمى من جماهير الشعب ~~المصري رفضت أجندة التيار الإسلامي أو على الأقل أحجمت عن اعتناقها حتى الآن. وإن وجد ~~بالفعل أساس لهذا الرجاء، فهو يكمن فيما تبقى من الخليط الحيوي البارز الذي شكل مصر في عهد ~~الملكية، والذي لم تنجح جماعة الإخوان المسلمين والنظام مجتمعين في القضاء عليه، على ~~المستوى الشعبي، بالرغم من أقصى جهودهما. # الفصل الثالث # | الصوفيون والمسيحيون # تتسم مصر بطبيعة متناقضة: تؤكد التيارات السياسية والأيديولوجية البارزة على وحدة البلاد ~~وترابطها، ويحسب أغلب الغرباء أن مصر إلى حد بعيد مجتمع متجانس (عربي، مسلم)، لكن الواقع ~~أنها تتسم إلى حد بعيد بتعدد قد يخلق أفكارا جديدة على الصعيد السياسي والاقتصادي إن سمح ~~له بالنمو. لأسباب كثيرة ms084 يؤكد النظام الحاكم وكتلة المعارضة الرئيسية - الإخوان المسلمون - ~~على تجانس المجتمع المصري. فمن ناحية الإخوان المسلمين، يعود هذا - ظاهريا - إلى مفهوم ~~«التوحيد» الذي يتسع ليصبح مفهوما عاما عن الكيفية التي يجب أن تنظم بها شئون المجتمع. ~~وبالتوازي مع هذا، ينظر عهد ناصر وخليفتيه، السادات ومبارك، إلى الاختلاف والتعدد على أنه ~~مصدر ضعف لا قوة. وظل المبرر لذلك وقتا طويلا هو الصراع مع إسرائيل؛ فالخصم المنقسم على ~~ذاته ضعيف. ومع أن مصر وإسرائيل يجمع بينهما سلام، فهو سلام بارد، ولا تزال إسرائيل العصا ~~المستخدمة في ترهيب وإسكات وجهات النظر التي تختلف عن وجهات النظر المسموح بها ~~رسميا. # سيتناول هذا الفصل والفصل الذي يليه بتفصيل شديد آثار هذا الانجذاب إلى العقيدة ومقاومة ~~التعددية، لكن لننظر إلى المسألة أولا من منظور شخصي. سعد الدين إبراهيم هو رجل لطيف كبير ~~السن يتسم بالتسامح ويتمتع بروح الدعابة، وهو أيضا عالم اجتماع ذو بصيرة ثاقبة، وربما كان ~~الناشط الحقوقي الأشهر في مصر، وتجمعه صلات بالعديد من الصحفيين والمسئولين، وهو أيضا شوكة ~~في حلق الحكومة المصرية. تعرض في التسعينيات للضغط بسبب تسليطه الضوء على التمييز الذي ~~تواجهه الأقليات العرقية والدينية في مصر، وحظر مؤتمر نظمه عن هذه القضية في اللحظة ~~الأخيرة، بدعوى أنه «سيشوه صورة مصر بالخارج». لا بد من القول إن هذا اتهام غريب إلا أنه ~~إلى حد بعيد كاشف أيضا، يشير على ما يبدو إلى أن تعدد أطياف المصريين يضر بصورة مصر، أو ~~على أقل تقدير بصورة الحكومة المصرية، مع أن المرء قد يحسب أن التعدد مصدر فخر ينظر له بعين ~~الاحترام. لكن لا يبدو أنه كذلك، بالأخذ في الاعتبار أكذوبة النظام الحاكم عن وحدة البلاد. ~~ولم يبد من جهة أخرى أن حبس سعد الدين إبراهيم وتعذيبه عام 2002 - عندما لفت الانتباه إلى ~~بعض المخالفات وحالات التزوير في الانتخابات - يضر بصورة مصر بالخارج. من هنا يتساءل المرء ~~إلى أي مدى يهتم النظام الحاكم فعليا بصورته، بما أن مصر انتقدت على نطاق واسع في كلتا ~~الحالتين ms085 لسعيها إلى إخراس ناقد بارز شهير. والأمر الواضح بالتأكيد هو أن النظام الحاكم لا ~~يهتم كثيرا بالحقيقة؛ أو لعله في الواقع يتخوف من أن تسبب له الحقيقة حرجا وتلطخ سمعته ~~خارج البلاد. فالسبب الحقيقي وراء الضغوط التي مارسها النظام على سعد الدين إبراهيم كان عزم ~~هذا الأخير على تقصي الفجوة التي تفصل بين ما يدعيه النظام عن نفسه والواقع، وهي فجوة هائلة ~~بالنظر إلى مزاعم النظام بأن مصر موحدة وبأنه يسمح لمختلف الأصوات بالتنافس في الانتخابات. ~~وفي الواقع ، زعم التوحد يناقض في جوهره أسس الديمقراطية التي لا تعتمد على وجود التعددية ~~والاختلاف فحسب بل ترتكز أيضا - وهذا هو الأهم - على شرعيتهما وأهميتهما. # المؤسف حقا في اتفاق النظام الحاكم والإخوان المسلمين على تجانس المجتمع المصري هو أن ~~الاختلاف هو أحد مصادر قوة مصر. ناقشنا فيما سبق مزايا فترة التعدد والمجتمع الحضري التي ~~سبقت ثورة 1952، وأحد أسباب الحنين إلى تلك الفترة هو بلا شك ركود المشهد الثقافي المصري ~~حاليا، إلا أن البلاد لا تزال عبارة عن خليط من الطوائف العرقية والدينية والمحلية ~~المختلفة التي تعارض بقوة الحكم الديكتاتوري المركزي والتوافق الديني الزائف المداهن. تضم ~~هذه الطوائف المسيحيين الأقباط الذين يشكلون ما بين 10٪ إلى 15٪ من تعداد السكان؛ وسكان ~~صعيد مصر الذين يترابطون في عشائر ويتمتعون (في القرى) بنظام حكم ذاتي، حيث لا يوجد ضابط ~~شرطة واحد (بل يتولى تسوية الخلافات بين الأهالي عمدة القرية)؛ والصوفيين الذين يروجون ~~للهداية القلبية والاتصال بالله؛ والبدو الفقراء في منطقة سيناء الذين يقدر عددهم بمئات ~~الآلاف وتمتد قبائلهم إلى ما بعد الحدود نحو داخل إسرائيل، ويشكلون على الدوام كابوسا ~~أمنيا للنظام الحاكم؛ وأخيرا يوجد النوبيون غير العرب الذين لا يزالون - بالرغم من ~~المزيج العجيب من التسامح والتعاطف معهم من ناحية، والتفرقة العنصرية ضدهم من ناحية أخرى من ~~جانب المصريين العرب - يتحدثون بلغاتهم المختلفة المزدراة، ويبقون على ما تبقى من تراثهم ~~الثقافي الفريد (الذي ضاع الجزء الأكبر منه إلى الأبد في أعماق البحيرة الضخمة التي نشأت مع ~~افتتاح السد ms086 العالي). # يرتبط دور تلك الأطياف سواء أكان محوريا أم هامشيا في جميع الأوقات ارتباطا مباشرا ~~بمدى دكتاتورية النظام المصري والمنظومة العسكرية الحاكمة، التي تبغض من يلفت الانتباه إلى ~~مساوئها سواء من المصريين أم الأجانب. إلا أن هذه الأطياف تشكل معا أغلب تعداد سكان مصر، ~~وهي مع ما تبقى من طبقة الليبراليين المثقفين وحركة الناشطين العماليين الناشئة تشكل الأمل ~~الوحيد في أن تقوم دولة مصرية في المستقبل على أسس من الاحتفاء بالتعددية والكرامة وحقوق ~~الإنسان الشخصية. وسيكون لمقاومة الطوائف العرقية والدينية لجماعة الإخوان المسلمين بوجه ~~خاص، وكذلك مقاومة زحف تأثير الفكر الوهابي الأكثر تشددا القادم مع المصريين الذين هاجروا ~~إلى المملكة العربية السعودية، تأثيرات هامة على نطاق أوسع من العالم العربي الذي تسيطر ~~عليه إلى حد بعيد حكومات إسلامية، أو تهدده حركات شعبية إسلامية، وتبلوه شقاقات متنامية بين ~~الفرق السنية والشيعية. المصريون يشكلون ربع تعداد سكان الوطن العربي، وهذا سبب في أن مصر ~~كانت تاريخيا موضع تحديد الاتجاهات والنزعات في المنطقة. من هنا فإن اختيار المصريين تبني ~~الديكتاتورية ومهاجمة العقائد المختلفة - أي الإسلامية والوحدة - أو الديمقراطية والتعددية ~~لن يحدد مصيرهم وحدهم. ولا تتبدى تبعات هذه الاختيارات في أي قضية أكثر مما تتبدى في القضية ~~التي يواجهها الصوفيون والمسيحيون بوجه خاص. ~~••• # تكريما للقديسين والقديسات في الإسلام والمسيحية (واليهودية أيضا حتى وقت قريب)، تقام ~~في أنحاء مصر كافة احتفالات ذات سمات متعددة تعرف بالموالد. وفي هذه الموالد يكون موضع ~~التبجيل هو النبي وآل بيته، ومؤسسو الطرق الصوفية وعشرات الشيوخ الأقل شهرة الذين يحتفى ~~بهم على الأخص في المجتمعات الريفية النائية. وتجذب كبرى هذه الموالد - كالمولد الذي يقام ~~في القاهرة تكريما للحسين (الابن الثاني لعلي بن أبي طالب رابع خلفاء المسلمين الذي ينعي ~~الشيعة قتله في يوم عاشوراء) - عددا يفوق المليون شخص. وهناك رسميا - وفقا لوزارة ~~الأوقاف المصرية - ما يزيد عن أربعين احتفالا من تلك الاحتفاليات يعقد بصفة سنوية، فيما ~~يحتفل المسيحيون أيضا بقديسيهم في احتفاليات كبيرة قد تجذب بدورها مئات الآلاف من الأشخاص ms087 ~~من جميع أنحاء مصر والعالم العربي. ويدرج مجلس الصوفية ثمانين احتفالا آخر تكريما ~~لمؤسسي الطرق الصوفية الأقل شهرة. والمحصلة النهائية هي أن ما لا يقل عن ستة ملايين شخص في ~~مصر - أي نحو ثلث عدد الذكور المسلمين البالغين في البلاد - أعضاء في جماعة صوفية أو أخرى؛ ~~ويشارك رجال يبلغ عددهم ضعف هذا العدد - بالإضافة إلى ملايين لا حصر لها من النساء ~~والأطفال - في الاحتفالات الفعلية التي ينظمها الصوفيون. ويحتمل أن تدهش هذه الأرقام ~~الغرباء عن مصر، وعليه هي دليل على ميل الإعلام الغربي إلى تناول التطورات التي تتصل فقط ~~بالإخوان المسلمين بالتحليل، وهو مما يضر بالتيارات الإسلامية السائدة الأكثر اعتدالا. ~~تدين جماعة الإخوان المسلمين إقامة الموالد على اعتبار أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة، وهذا ~~سبب من الأسباب التي تجعل عدد أعضاء الجماعة من عامة الشعب ضئيلا؛ يساوي على أقصى تقدير ~~نصف مليون عضو. يرى هؤلاء الأصوليون السنة أن التضرع إلى هؤلاء الأولياء الصالحين وحتى ~~الاحتفال بمولد النبي أقرب إلى الشرك بالله، ويتفق معهم في هذا شيوخ الأزهر، إلا أن الجهود ~~المشتركة للإخوان المسلمين والأزهر - كما ذكرت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في ~~أكتوبر/تشرين الأول عام 2006 - لم تنجح في جذب الكثير من العوام رغم أقصى محاولاتهما معا ~~لإضعاف مظاهر الإسلام الشعبي المصري. دارت عينا مسئول رفيع المستوى في جماعة الإخوان ~~المسلمين استياء عندما سألته صحيفة مونيتور عن الموالد، وقال: «نحن نعارضها، إنها من آثار ~~الجاهلية.» وأضاف: «نود حقا أن تنتهي.» غير أن كفها سيكون صعبا؛ فالطرق الصوفية تجسد ~~الإسلام الذي يمارسه أغلب المسلمين في مصر. ومن ثم، فإنهم الحاجز الذي يحول دون التفسيرات ~~الحرفية المتطرفة للدين التي تروج لها الجماعات المماثلة لجماعة الإخوان المسلمين. ونادرا ~~ما تتجشم جماعة الإخوان عناء اختيار مرشحين لها في الانتخابات في المحافظات الواقعة جنوب ~~محافظة القاهرة، حيث يعيش أغلب سكان مصر ويترسخ فيها تقليد الموالد أكثر من أي منطقة ~~أخرى. # يقام أكبر الموالد المصرية في مدينة طنطا، كبرى مدن دلتا النيل، وخامس أكبر المناطق ~~الحضرية ms088 بالبلاد، حيث يجتمع عدد يصل إلى ثلاثة ملايين شخص من المصريين وغيرهم من العرب كل ~~أكتوبر/تشرين الأول احتفاء بذكرى السيد أحمد البدوي، وهو ولي صوفي من القرن الثالث عشر، ~~وهذا عدد مذهل يجعل مولد طنطا حدثا أكبر في التقويم الإسلامي من الحج نفسه - وهو أحد أركان ~~الإسلام - الذي يجذب هذه الأيام نحو مليوني حاج من جميع أنحاء العالم الإسلامي. ويبدو أن ~~المشاركين في مولد طنطا، وغيره من الموالد، يهدفون لنيل بركات الولي الصالح الذي يحتفل ~~باليوم المخصص له. المركز المادي في أي مولد هو مقام الولي الذي يزين بالأضواء ويعبق ~~بالبخور ويفتح طوال الليل للزوار. يتلو المشاركون في المولد آيات من القرآن ويعطي بعضهم ~~بعضا الحلوى ومقدارا ضئيلا من العطور، وتتحول المنطقة المحيطة بالمقام إلى نقطة احتفال ~~قد تستوعب ساكني قرية بأسرها (أو حتى مدينة صغيرة). وتجتمع الجماعات المشاركة في المولد في ~~خيام لعقد حلقات «ذكر» (وهي كلمة تعني التذكر أو إحياء الذكرى)، يتوسل فيها إلى الله ~~ويمتدح فيها الأولياء والصالحون بالترانيم والغناء والتمايل مع الإيقاع. # يقود مولد طنطا الذي يستمر ثمانية أيام - الذي كان أول الموالد التي انطلقت في مصر - زعيم ~~صوفي يرتدي عمامة منسوجة من الكتان كانت يوما ما ملكا للسيد أحمد البدوي نفسه. ولد مؤسس ~~الطريقة البدوية - أكبر الطرق الصوفية في مصر - في المغرب، وهاجر إلى شبه الجزيرة العربية ~~قبل أن ينتقل إلى طنطا عام 1234 ليؤسس طريقة صوفية جديدة. كان تأسيس الطريقة مبهرا منذ ~~البداية، وظل منذ تلك اللحظة ملمحا هاما من ملامح الحياة في المنطقة وفي البلاد. ولما ~~دمرت مقبرة البدوي في منتصف القرن التاسع عشر، تجمع أهل المنطقة سريعا لبناء بديل لها. ~~ويدل انعقاد مولد طنطا في نهاية موسم حصاد القطن على ارتباطه وارتباط الكثير من الموالد ~~الأخرى بالطقوس الزراعية القديمة. ومع أن الموالد قد تحتفل بذكرى ميلاد أحد الأولياء، فمن ~~الممكن جدا أيضا أن تقام في يوم مخصص لمناسبة أخرى غير دينية. وفي صعيد مصر قد تحاكي ~~الموالد الطقوس والتقاويم الفرعونية؛ ومن ثم ms089 تطورت الموالد إلى احتفاليات تتسع للجميع، ~~والكثير من المصريين لا يبالون بأن مشاركتهم بها لا تكون لعقائدهم الدينية بقدر ما تكون ~~للتسلية، من هنا يتسكع الكثير من المسيحيين مع أصدقائهم المسلمين في الموالد الصوفية، ~~ويتسكع الكثير من المسلمين مع أصدقائهم المسيحيين في احتفالات المسيحيين. ظل هذا وقتا ~~طويلا هو الإسلام الذي يتبعه الكثير من المصريين، إسلام يتسم بالتسامح مع الآخر والروحانية ~~العميقة، ويشدد على أهمية التجارة (فالمولد فرصة كبيرة لكسب المال)، وربما قبل كل شيء، على ~~أهمية التسلية أيضا. # المولد المفضل لدي هو مولد ينعقد قبل أسبوعين من شهر رمضان احتفالا بميلاد أبي الحجاج، ~~كبير شيوخ الأقصر؛ وهو احتفال مذهل يشمل مسابقات خيول وجمال، ورقصات تقليدية ومبارزات صورية ~~بالعصي، جميعها تصحبها موسيقى وأضواء نيون ساطعة وقرع طبول مستمر. وأهم جزء من الحفل هو ~~موكب من القوارب الكبيرة وغيرها من المراكب يسير في الشوارع، وهو يشبه مواكب الشمس في عصور ~~الفراعنة وكانت الأقصر مركزا لها. ولد الولي الصالح يوسف أبو الحجاج في دمشق في القرن ~~الثاني عشر وعاش في مكة قبل أن يستقر به المقام في الأقصر، حيث أسس معتكفا روحيا، ولا ~~يزال أحفاده يعيشون في المنطقة، حيث عادة تبجيل الشيوخ المحليين (كما هي الحال في باقي ~~مناطق صعيد مصر) راسخة بشدة في أسلوب الحياة الريفية الدوري القائم على تغير الفصول ومن ثم ~~تغير أوقات الحصاد. يحتل أحفاد أبي الحجاج موقعا شرفيا في الموكب الذي يسير في الشوارع، ~~ويسهل تمييزهم من الأردية البيضاء الطويلة المسترسلة وأغطية الرأس التي لا يرتديها سواهم، ~~ويعقد صوفيو المنطقة في شهر رمضان نفسه حلقات ذكر في المساء خارج مسجد أبي الحجاج إلى جانب ~~معبد الأقصر - أحد أهم المزارات الفرعونية التي تجذب السياح في المدينة - وتكثر الأساطير عن ~~شخصية هذا الولي الصوفي وأثر روحه الخالدة. أخبرني صاحب متجر متوسط العمر في بازار البلدة ~~السياحي في أحد الأعوام، عندما كنا نشاهد موكب أبي الحجاج ونلقي بعضا من الحلوى على مراكبه ~~المارة التي ازدحمت بفتية نصف عراة تملؤهم البهجة ms090 وتكتسي جذوعهم بلطخ طلاء زاهي اللون: ~~«العام الماضي، قبل أن يبدأ المولد بوقت قصير، أتى لواء من الجيش إلى المسجد وقال إن المولد ~~لن يقام ما لم ينظف المكان تماما.» ثم استطرد حسين قائلا: «لكن بينما كان يشير إلى إحدى ~~المناطق القريبة من المسجد، خارت قوة ذراعه وسقطت إلى جانبه عاجزة عن الحركة. وعندها أقر ~~بهزيمته، وهلل الحشد بقوة، وكما ترى المولد مستمر كالعادة.» # كيف أصبحت الموالد جزءا هاما من حياة دولة تفتخر رسميا بأنها عربية سنية؟ رغم أن ~~الأغلبية العظمى الكاسحة من سكان مصر هم في الواقع من السنة، فقد تخللت تاريخ البلاد فترة ~~سيطر فيها المذهب الشيعي، بدأت في القرن العاشر عندما غزا القاهرة وحكمها الشيعة ~~الإسماعيلية، مؤسسو الدولة الفاطمية. وقد بنى الفاطميون الجامع الأزهر - أهم مراكز تدريس ~~المذهب السني في العالم الإسلامي - أصلا للمساعدة في نشر المذهب الشيعي. ولا شك أن هذا كان ~~في عهد بعيد جدا، لكنه خلف أثرا عميقا على معمار القاهرة وعلى الممارسات الإسلامية وعلى ~~مفهوم الإسلام في مصر. إن إجلال المصريين لآل بيت النبي بوجه خاص - وللأولياء الصالحين بوجه ~~عام - أكبر منه في أي بلد عربي سني آخر. فليس من الغريب مثلا أن تلتقي ثلاثة أبناء في أسرة ~~واحدة أسماؤهم علي وحسن وحسين؛ وهي أسماء لا يحملها إلا أطفال الشيعة في الدول السنية ~~الأصولية كالمملكة العربية السعودية. بالمثل بعض التقاليد المصرية الأخرى كتناول الحلوى في ~~العيدين احتفالا بانتهاء شهر رمضان وبقدوم موسم الحج، وحمل الأعلام الاحتفالية التي ترمز ~~إلى الصوفية في مواكب أثناء الموالد، هي جزء لا يتجزأ من التقاليد الشيعية. هذا التاريخ ~~بالمناسبة يفسر إلى حد بعيد التأييد العام الذي تمتع به القائد الشيعي الشيخ حسن نصر الله ~~في مصر إبان قصف إسرائيل للبنان عام 2006، رغم إدانة النظام المصري الأولية ل«تهور» حزب ~~الله، في محاولة لاستغلال ورقة الطائفية (ومن ثم تنفيذ تعليمات الولايات المتحدة بالسعي إلى ~~قلب المصريين على حزب الله). ورغم الحملات المناهضة للشيعة التي نظمها بلهاء الإعلام المصري ~~الذي تديره ms091 الحكومة المصرية، رفض أغلب المصريين تأييدها، بل إن صحيفة الدستور المعارضة وزعت ~~في الواقع ملصقات مجانية إبان الحرب حملت صورة حسن نصر الله، ما لبثت أن أصبحت تتبدى للعيان ~~في كل مكان تحت العنوان الرئيسي في الصفحة الأولى من الصحيفة «رمز المقاومة العربية»، ~~وأظهرت استطلاعات الرأي التالية أن نصر الله هو القائد الذي يتمتع بأكبر شعبية بين المصريين ~~في الشرق الأوسط. لذا، بعدما أدرك النظام أنه ارتكب خطأ سياسيا كبيرا - حتى بمعاييره هو ~~نفسه - عدل عن سياسته سريعا وأخذ بدلا من ذلك في مهاجمة «العدوان» الإسرائيلي. وقد أظهرت ~~استطلاعات الرأي أيضا أن ثاني زعماء المنطقة الذين يتمتعون بالشعبية هو محمود أحمدي نجاد ~~رئيس دولة إيران ذات الأغلبية الشيعية. ويوحي هذا بأن أي محاولة يتبناها النظام الحاكم ~~المصري لإخفاء دعمه للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران في المستقبل ~~تعتمد على اللجوء إلى ورقة الطائفية الشيعية السنية سترتد عليه، مما سيؤدي إلى زيادة الفجوة ~~المتسعة حاليا بالفعل بين نظام مبارك والشعب المصري. # إن كانت الموالد وأصولها الصوفية الشيعية تشكل تحديا للإسلام السني المحافظ، فمن الطبيعي ~~أن تصبح الموالد نفسها يوما ما مهددة بسبب نمو الإسلام السياسي في مصر منذ سبعينيات القرن ~~العشرين، لا سيما في ضوء زحف جماعة الإخوان المسلمين إلى التيار الرئيسي والتهدئة من جانب ~~الأزهر - أحد أذرع النظام - الذي يتجه أكثر فأكثر إلى التشدد. سيتحقق هذا بالدرجة الأولى إن ~~وقع ما لا يخطر ببال واعتلت جماعة الإخوان المسلمين السلطة بالفعل. ومع سيطرة الفكر الأصولي ~~على وسائل الإعلام الجماهيرية، فقد تسرب شيء من هذا الفكر حتما إلى بعض من عامة الشعب ~~المصري. من هنا تزايد عدد من يتساءلون إن كانت الموالد حرام وبدعة بالفعل؛ فهذان انتهاكان ~~خطيران وفقا للشريعة الإسلامية الصارمة. وبوجه عام، تتعرض الموالد أيضا للتهميش ~~اجتماعيا ومكانيا، حتى إن محبيها بدءوا يشعرون بالحنين إلى ماضيها. يلوم الكثير من ~~مرتادي هذه الموالد الدولة وانتشار الأصولية المتأثرة بالوهابية لأنهما كانا السبب في ~~اختلاف وجه ليالي هذه الاحتفالات التقليدية. وتوضح ms092 آنا مادوف في مقالها عن الموالد في ~~كتابها الرائع «القاهرة العالمية» (2006)، الذي راجعته ديان سينجر مان، إن السياسات ~~الحكومية لعبت بلا شك دورا في هذا، فأشارت إلى أن «المحاولات القمعية المتزايدة التي ~~تبذلها شرطة القاهرة والحكومة لإغلاق الأماكن العامة في وجه الاحتفالات الصوفية الشعبية هي ~~وسيلة للحد من التجمعات العامة الكبيرة لا سيما بعد أن اندلعت في القاهرة احتجاجات كبيرة ~~إثر غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003.» غير أن تزايد العداء تجاه الموالد يعود ~~لأسباب أكثر تعقيدا وأكثر غموضا، تتعدى كراهية الحكومة للباعة المتجولين أو للارتباك الذي ~~يخلقه تجمع الحشود الكبيرة. فهذا مثلا لا يكاد يبرر الأعمال التخريبية التي ارتكبها بعض ~~السنيين المتطرفين في بعض الموالد. # دارت شائعة قبل بضعة أعوام بين حشد أحد الموالد في صعيد مصر، أثناء إنشاد الأغاني الدينية ~~على المنصة في ليلة ما بأن صبيا من أهل المنطقة اختطف. قال أحد حاضري المولد من قرية ~~مجاورة لمجلة كايرو تايمز التي لم تعد تصدر الآن - والتي كشفت عن القصة كجزء من تغطيتها ~~للتهديدات التي تواجهها الموالد في مصر اليوم - إن «المولد فسد تقريبا»، ثم أردف قائلا: ~~«سادت الفوضى إلى حد ما، وعاد الكثيرون إلى منازلهم لمعرفة ما يجري، وأسرع المنشد بالغناء ~~وانتهى منه مبكرا. كان المولد من الأساس صغيرا، فكان نبأ كهذا كافيا لأن يفسد كل شيء.» ~~لكن تبين فيما بعد أن الفتى المختطف كان ناشطا في جماعة إسلامية وهو أحد سكان المنطقة ~~المحافظين الذين يعارضون إقامة الموالد. وعاد الفتى للظهور بعد يومين وهو يتعافى من ~~«المحنة» في الفراش، مع أن صحته بدت جيدة على نحو واضح. زعم الكثيرون من أهل القرية لاحقا ~~- وفقا للمقال الذي أوردته مجلة كايرو تايمز - أن الاختطاف كان تمثيلية لإفساد احتفالية ~~المولد. وقال ساكن آخر من أهل القرية: «كان الأمر كله مسرحية، مهزلة لم يدبر لها على نحو ~~جيد. اختطف الفتى مساء المولد، ولم يذكر على الإطلاق ما الذي أراده المختطفون، أو سبب ~~اختطافهم له، أو غرضهم من هذا.» قيل إن هؤلاء ms093 الناشطين أزعجهم إحياء تقليد القرية بعد أن ~~تسبب سوء التنظيم في انقطاع إقامة المولد بضع سنوات، وقد حاولوا إقناع أهل القرية بأن ~~الاحتفال بالموالد إثم، فلما أحبطهم فشلهم في إثناء أهل القرية عن المشاركة في المولد، ~~لجئوا على ما يبدو إلى الاختطاف الزائف لإفساد الاحتفال. لا يزال أبناء قرية جزاية في دلتا ~~النيل يذكرون تخريب الموالد بنفس الفكر؛ ففي منتصف التسعينيات، عثر في صباحين متتاليين على ~~اللافتات والمصابيح والأعمدة ومكبرات الصوت التي زين بها ميدان القرية في يوم مولد النبي - ~~الذي يحتفل فيه بميلاد النبي محمد - وقد انتزعت من مكانها، وضاعت راية كتبت عليها بعض ~~العبارات الدينية. ولما لم يثن هذا منظمي المولد الصوفيين، أعادوا تركيب معدات الاحتفال ~~وواصلوا احتفالاتهم، لكن في صباح اليوم الثالث، وجدوا أن عمودا ولافتة قد نزعا من موقع ~~الحفل وألقي بهما في بالوعة مفتوحة. # ويبدو أن أكثر ما يزعج الأصوليين هو اختلاط الرجال بالنساء أحيانا أثناء الموالد، وهذا ~~يدل على تنامي تأثير الفكر الوهابي السعودي على الحياة الثقافية في مصر منذ السبعينيات، ~~التي شهدت بدء هجرة الملايين من المصريين إلى السعودية نتيجة لرواج تجارة النفط، وقد اصطحب ~~هؤلاء كثيرا زوجاتهم وأطفالهم معهم، حيث التحق الأطفال بمدارس محلية قلما اضطلعت بشيء غير ~~الترويج للفكر الوهابي. ولما كانت هذه العمالة نفسها في أغلب الأحوال إما أمية أو تفتقر إلى ~~التعليم الجيد، وشديدة العرضة للتأثر بأي أفكار، فقد تشربت الفكر الوهابي المتطرف المسيطر ~~على مجتمع المملكة العربية السعودية ومساجدها، الذي يستنكر اختلاط الذكور بالإناث، وعادة ~~الاحتفاء بالأولياء في الموالد (وكلا الأمرين محرم في المملكة العربية السعودية، بالإضافة ~~إلى كل شيء آخر تقريبا). كانت مصر - على مر تاريخها - ليبرالية في سياساتها، وعالمية في ~~منظورها الثقافي، ومعتدلة في تفسيرها للدين، أما المملكة العربية السعودية فقد ظلت دوما ~~متحفظة سياسيا، لا تتقبل على الإطلاق الثقافات الخارجية، وتتبنى مفهوما متطرفا للإسلام، ~~وتكبت بقوة اختلاف الرأي. # لا يسع المرء إلا أن يتفكر في مدى النفع الذي كان سيعود على العالم العربي إن نقل ms094 ~~المصريون إسلامهم الصوفي عندما توافدوا بالملايين على المملكة العربية السعودية بدلا من أن ~~يعود الكثيرون منهم بالفكر الوهابي إلى بلادهم، لا سيما إن أخذنا بالاعتبار الصراع الديني ~~والثقافي المستمر بين مصر وأسرة آل سعود الملكية - الذي تعد الموالد إحدى ساحاته - والذي ~~يعود إلى عهد محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر؛ عندما تلقى الأخير أوامر من السلطان ~~العثماني بطرد أسرة آل سعود وحلفائهم الوهابيين من مكة التي كانت آنذاك منطقة شبه مستقلة ~~تحت الحكم العثماني لكن تمكنت أسرة آل سعود من احتلالها. ونجح محمد علي في مهمته نجاحا ~~تاما، حتى إنه طارد الوهابيين المتعصبين وأعادهم إلى معاقلهم في منطقة نجد المحورية، حيث ~~قضى على أكثر من فروا في معركة الحجاز الأولى، ومن هنا أسدى إلى الإسلام خدمة كبيرة بتحرير ~~مكة من الوهابيين المتطرفين. لكن للأسف، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب ~~العالمية الأولى، استعادت أسرة آل سعود سيطرتها على مدينتي مكة والمدينة المقدستين، وغيرهما ~~من إمارات المملكة السعودية التي توحدت وسميت بالمملكة العربية السعودية في عام 1932. ظل ~~المصريون حتى عشرينيات القرن العشرين في بداية موسم الحج السنوي يحملون الكسوة السوداء ~~للكعبة في المسجد الحرام في ظل الأغاني الدينية والرقصات الصوفية والاحتفاليات، لكن بعد أن ~~عززت أسرة آل سعود سيطرتها على منطقة الحجاز في منتصف العشرينيات، رجم المصريون بالحجارة ~~واتهموا بالوثنية وانقطعت فجأة عادة حمل كسوة الكعبة. وانتشر الفكر الوهابي كالنار في ~~الهشيم، في أرجاء العالم الإسلامي، وفي بعض قطاعات المجتمع المصري بعد أن مولته أسرة آل ~~سعود التي تدفقت عليها الأموال فجأة بعد اكتشاف بحيرة النفط التي تقع فوقها المملكة العربية ~~السعودية. ووجد هذا الفكر أرضا شديدة الخصوبة له مع بروز التيار الإسلامي في عهد السادات، ~~في ظل تشجيع الأخير لعودة الإخوان المسلمين من منفاهم بالمملكة العربية السعودية. كما أن ~~أهمية الحوالات النقدية التي تأتي من المصريين العاملين بالسعودية للاقتصاد المصري شجعت ~~النظام الحاكم أكثر على تبني موقف سلبي إزاء صعود المملكة العربية السعودية. # لكن هناك قصة أهم في ms095 هذا السياق هي قصة تخلي مصر تدريجيا عن دورها التاريخي بوصفها ~~رائدة للعالم العربي منذ عام 1967، لتحتل بدلا من ذلك منزلة أقل من المملكة العربية ~~السعودية فيما يتصل بالدور الديني والسياسي. وإن بدا لنا عند تأمل الماضي أن الوحدة العربية ~~التي تبناها ناصر لم تصنع للعرب الكثير من الأمجاد، فمن المؤكد أن العالم العربي لن يحقق ~~شيئا ما دام وهابيو المملكة العربية السعودية المتطرفون يملكون زمام الأمور. وتتبدى نتائج ~~انتشار الوهابية في مصر للعيان بالفعل، ومنها رفض القلة المتعصبة المتأثرة بالوهابية ~~للموالد على اعتبار أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة، ومنها أيضا التمييز والعنف ضد الأقلية ~~المسيحية في مصر، التي يحكم عليها الفكر الوهابي بالكفر. ~~••• # من العجيب أنني أبصرت بنفسي أول لمحة عما يعانيه المسيحيون الأقباط في مصر، عندما قمت ~~برحلة إلى قلب صعيد مصر لزيارة قرية صديق لي تقع على بعد ساعة من مدينة سوهاج الصناعية، ~~بينما كان هناك احتفال بأحد الموالد، وأثناء التجوال بالقرية حرص والد صديقي - وهو ناظر ~~مدرسة محلية - على أن يؤكد على الصداقة التي تجمع بين أصدقائه المسلمين وأقباط القرية، ~~وأشار كثيرا إلى الأقباط بعد أن تبادل التحية معهم في الشارع، لكن عندما قمنا بسلسلة من ~~الزيارات لبيوت أصدقائه لما حل الظلام وبدأ الاستعداد للمولد، تبين أن أصدقاءه ليس بينهم أي ~~أقباط. وفيما بعد عندما سألت صديقي إن كانت هناك أي اضطرابات قد وقعت بين مسلمي ومسيحيي ~~القرية، باح لي عن غير قصد بأن العلاقة بين الطرفين شابها بالفعل الكثير من التوتر قبل بضع ~~سنوات؛ لأن المسيحيين أصروا بعض الوقت على حقهم في بناء كنيسة (اليوم هم مضطرون إلى تدبر ~~أمرهم بمنزل حول إلى كنيسة). # فسألته: «هل كان لهذا أن يتسبب حقا في هذه المشاكل؟» # فأجاب: «نعم، فهذا بلد مسلم.» # فأردت أن أعرف ماذا كان سيحدث إن أصروا على بناء الكنيسة. # وكان جوابه قاسيا إلى حد مخيف؛ قال: «كنا سنضربهم.» # من هنا اتضحت لي حدود علاقة «الصداقة» التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين: الأقباط ~~يعاملون باحترام ms096 ما داموا يقبلون بمكانتهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وقد نم هذا عن أنهم ~~يحتلون أدنى مراتب السلم الاجتماعي؛ بما أن القيود على الأقباط وضعها المسلمون «المعتدلون»، ~~وهؤلاء بدورهم يهدد الإسلام السني المتشدد تقاليدهم الاحتفالية ذات الشعبية (جذب المولد ~~تقريبا مسلمي القرية كافة من بيوتهم مساء ذاك اليوم). كما لاحظت أصول هذا التمييز العنصري ~~الذي يمارس ضد الأقباط في الطريق لدى خروجي من القرية في اليوم التالي. كانت جميع المنازل ~~التي مرت بها سيارة الأجرة التي استقللناها - شأنها شأن جميع منازل أهل القرية - حديثة ~~ومبنية بالطوب الأحمر؛ ولا تكاد تمت بصلة لصورة الصعيد المصري شديد الفقر التي يثيرها كل من ~~يشير إلى إهمال الحكومة المصرية لتلك المنطقة. أردت أن أعرف من أين أتى ساكني هذه المنطقة ~~بهذا المال؟ فأجابني صديقي بأن الجميع عملوا تقريبا في دول الخليج، وتمنى أن يسافر بدوره ~~إلى المملكة العربية السعودية ما إن يفرغ من دراساته. # قالت لي جورجيت قليني - وهي عضوة قبطية في الحزب الوطني الحاكم، عينها مبارك لعضوية مجلس ~~الشعب مرتين - عندما التقيتها فيما بعد في القاهرة وقصصت لها تجربتي في تلك القرية: «لم ~~نشهد أي نزاعات طائفية في مصر حتى ثلاثين عاما مضت.» إلا أن تجربتي بدت لها مألوفة إلى حد ~~يبعث على الإحباط. أوضحت جورجيت بالإنجليزية التي تحدثتها بلكنة فرنسية ثقيلة أن «المسألة ~~بدأت عندما سافر المسلمون المصريون إلى دول الخليج العربي للبحث عن عمل إبان فترة رواج ~~تجارة النفط التي شهدتها السبعينيات.» ثم استطردت قائلة إن الكثيرين عادوا بفكر وهابي ~~متطرف، تستغربه بيئة مصر الدينية والثقافية التي اتسمت على مر التاريخ بالتسامح، فكر يحدث ~~المسلمين بأنهم أسمى ممن سواهم. زعمت قليني أن هذا الفكر كان قابلا للانتشار على الأخص في ~~مجتمع صعيد مصر الذي اتسم بالفعل بالقبلية إلى حد بعيد، كما كان لنمو حركة الإسلام السياسي، ~~التي نشأت في مصر في العقد نفسه وبشر بها الإخوان المسلمون الذين تودد إليهم السادات ~~ليساعدوه في تهميش اليساريين، دور في ذلك أيضا. قالت قليني وهي ms097 تكبت قشعريرة سرت في جسدها: ~~«من ثم عندما سمع مسيحيو مصر فجأة شعار الإخوان المسلمين الذي يتكرر دائما وأبدا - ~~الإسلام هو الحل - تملكهم الخوف، وشعروا بإقصائهم أكثر عن التيار السائد.» وأردفت: «ينص ~~دستورنا على أن جميع مواطني مصر متساوون، لكن الواقع يختلف عن ذلك، أستطيع أن أعطيك مثالا، ~~صاحب المؤسسة المسلم الذي لدية أربعة وظائف شاغرة، سيوظف أربعة مسلمين. إن كنا جميعا ~~متساوين، ألا يجب أن تذهب الوظيفة للأكفأ بصرف النظر عن ديانته؟» # العنف بين المسلمين والمسيحيين المصريين هذه الأيام يهدد باستمرار بأن يخرج عن السيطرة. ~~وقد نقل عن رجائي عطية - عضو مجمع البحوث الإسلامية - في تقرير لوكالة أنباء إنتر بريس صدر ~~عام 2007 قوله إن أكبر خطر تواجهه مصر الآن هو إذكاء العنف الطائفي. وفي الواقعة الأكثر ~~تأثيرا التي حدثت عام 2006، هاجم مسلمون مسلحون بالسكاكين في الإسكندرية مصلين في كنائس ~~قبطية، وتوفي مسيحي في الثامنة والسبعين من العمر وأصيب الكثيرون. وفي الموكب الجنائزي ~~للمتوفي، اندلعت مصادمات بين المسلمين والمسيحيين توفي على أثرها مسلم وأصيب ما يزيد عن ~~أربعين شخصا من كلتا الديانتين واعتقل عشرات آخرون. ووفقا لتقرير موقع ميدل إيست ريبورت ~~أونلاين، اندلعت في اليوم التالي مشاحنات في الشوارع بعد أن سار المسيحيون في شوارع ~~الإسكندرية الرئيسية حاملين صلبانا، وصارخين بشعارات مسيحية. فلطالما كان الحي المسلم الذي ~~وقعت فيه هجمات الكنيسة في الإسكندرية مرتعا للإسلام على المنهج السعودي. # إلا أن الكثير من مراقبي منظمة حقوق الإنسان المسيحيين المصريين يلقون باللوم على ~~حكومتهم، وإن كان يوجد ما قد دعم نظريتهم فهو ليس إلا المدونة التي أنشأتها هالة حلمي بطرس، ~~وهي قبطية من صعيد مصر أنشأت المدونة للفت الانتباه إلى ما وصفته بالتحرش والعنف اللذين ~~يستهدفان الأقباط، فلم تلبث أن وجدت نفسها نموذجا له، بعد أن أغلقت مدونتها، وتعقب ~~البوليس السري تحركاتها وتجسسوا على مكالماتها ورسائل بريدها الإلكتروني وبعد أن قالت ~~مجموعة من البلطجية - يعتقد أن الحكومة قد أجرتهم - لوالدها أثناء ضربه إن هذا الضرب: «هدية ~~من ابنتك.» لكن ثمة آخرون ms098 يردون بأن صور عنف الدولة تلك لا علاقة لها بالدين في الأساس. ~~يقول جورج إسحاق مؤسس حركة كفاية المعارضة والمنادية بالديمقراطية وبالإطاحة سلميا بنظام ~~مبارك: «أنا قبطي وأحيا حياة سعيدة في حي يملؤه المسيحيون والمسلمون. الشرطة تتعامل بعنف مع ~~أي اضطراب عام، وهذا ما يجعل الأمور تخرج عن نطاق السيطرة.» # لكن ثمة شكاوى أخرى رددها الأقباط منذ وقت طويل، من بينها قلة عدد ممثليهم في جهاز الشرطة ~~والجهاز القضائي والقوات المسلحة والهيئات المدنية والحكومة والنظام التعليمي، كما أنه يوجد ~~شبه حظر على التحاق المسيحيين بأجهزة الإذاعة والتليفزيون التي تديرها الدولة. ومن الأمثلة ~~التي كثيرا ما يستشهد بها على التمييز الذي تمارسه السلطات ضد الأقباط؛ قانون ظل قائما ~~حتى وقت قريب يقضي باستصدار موافقة الرئيس شخصيا على القيام بأبسط الإصلاحات في الكنائس، ~~كإصلاح دورات المياه، وهو قانون يتهم بأنه السبب في تأخر إصدار تصاريح بناء الكنائس لما ~~يزيد عن عقد. جعل مبارك القانون أقل صرامة عام 2005، وفوض مسئولية إصدار تلك التصاريح ~~للمحافظين، مما استثار ردود أفعال متباينة بين الناشطين، فدعت صحيفة الوطني الأسبوعية ~~القبطية إلى وصف الأمر بالخدعة التي تهدف فقط إلى تهدئة النقاد الأجانب. لكن يرى الكثير من ~~المفكرين المسلمين والمسيحيين أن على الأقباط أيضا أن يقروا بتنامي تيار انفصالي وسط ~~صفوفهم، وأكثر ما يزعج هؤلاء المفكرين برنامج يذاع على قناة الحياة الفضائية يقدمه قس يدعى ~~الأب زكريا بطرس، وهو قس مصري اعتقله النظام مرارا عندما عاش في مصر، لكنه يعيش اليوم في ~~منفى في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي برنامجه الشهير الذي يذاع مدة ساعة كل يوم أحد، ~~يسب الإسلام والقرآن والنبي محمد أقذع السباب، مما حث البابا شنودة نفسه - رأس الكنيسة ~~القبطية في مصر - على استنكار هذا بقوة. ولا شك أن شخصيات بارزة مثل القس زكريا تذكي في ~~الأذهان فكرة المؤامرة الخارجية التي تستهدف «الوحدة الوطنية»، والتي ذاعت في وسائل الإعلام ~~المصرية منذ عقد منتدى حول شئون الأقباط في الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني عام ~~2005. هذا المؤتمر - وفقا لمقال ms099 صدر عن موقع ميدل إيست ريبورت أونلاين - نظمته اتحادات ~~مهاجرين أقباط، وكانت فكرته الرئيسية هي أن «الديمقراطية في مصر يجب أن تعود بالنفع على ~~المسيحيين بقدر ما تعود على الإسلاميين.» وقد تناول تناولا مباشرا بروز الإسلاميين في ~~السياسة المصرية بعد انتخابات مصر البرلمانية، إلا أنه كان كذلك شاهدا على تسلط الضوء على ~~نحو متزايد على الجماعات القبطية المقيمة في الولايات المتحدة. هذه الجماعات، وفقا للمقال، ~~وجدت دعما طوعيا من الدوائر المسيحية الإنجليكية المحافظة الجديدة، بل تولت شركة بيندور ~~أسوسيتس - وهي شركة علاقات عامة - الترويج لهذا الحدث من أجل عملائها المحافظين ~~الجدد. # أكثر من تدور حوله نظريات المؤامرة الخارجية المختلفة هو الأسقف ماكس ميشيل، الذي درس في ~~أمريكا، ويعد اليوم الشخصية الأكثر إثارة للجدل في المجتمع القبطي. انتقل الأسقف ماكس ميشيل ~~قبل بضعة أعوام إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال الدراسات العليا في مدرسة سانت ~~إلياس الأرثوذكسية، وهو يذكر أنه حصل على الدكتوراه في علم اللاهوت عام 2004، ثم نصبه ~~المجمع المقدس في يوليو/تموز عام 2005 أسقفا لمجمع المسيحيين الأرثوذكس في المهجر ~~الأمريكي، وهو مجمع معتمد في ولاية نبراسكا من تابعي التقويم القديم. وبعد ذلك رقاه المجمع ~~نفسه إلى مرتبة رئيس الأساقفة في العام التالي وتسمى الأسقف باسم يليق بالملوك هو ماكسيموس ~~الأول، وأعلن نفسه رئيس أساقفة المسيحيين الأرثوذكس في مصر والشرق الأوسط، متحديا بذلك ~~تحديا سافرا سلطة البابا شنودة، ولقبه الكامل هو بابا الإسكندرية ال 117 وبطريرك أبرشية ~~سان مارك. ثم أعلن بعد ذلك أنه سيؤسس مجمعا أرثوذكسيا مقدسا جديدا. أعقبت هذا - وفقا ~~لصحيفة إيجيبت توداي - دعوة رسمية له من السفارة الأمريكية في القاهرة لحضور احتفالات ~~الرابع من يوليو/تموز (يوم الاستقلال)، على نحو أثار التساؤلات حول وضع الولايات المتحدة في ~~القضية. لكن السفير الأمريكي في مصر فرانسيس ريكياردون أصدر فيما بعد تصريحا ينفي فيه دعم ~~الولايات المتحدة لميشيل. # يوجه ميشيل انتقادات حادة للبابا شنودة والنظام الإداري الذي تنتهجه الكنيسة القبطية ~~الأرثوذكسية، التي يشبهها بكنائس معاقبة الهرطقة في العصور الوسطى في تعاملها مع ms100 من ~~يخالفونها في الرأي. قال لي القس ماكس ميشيل في كنيسة سان أثناسيوس في القاهرة وهو يرتدي ~~زيا بابويا: «الاتجاه والسلوك المتبع داخل الكنيسة القبطية هو نفسه المتبع في العصور ~~الوسطى.» ثم أردف قائلا: «البابا هو صاحب السلطة الوحيدة، ويجب أن يكون مطاعا. علينا أن ~~نعود إلى ما يقوله الآباء الأصليون المؤسسون للكنيسة الأرثوذكسية لا لما يقوله هذا البابا، ~~فحتى رواد الكنائس يؤمرون بعدم شراء صحف معينة تنتقد البابا شنودة ويقال لهم إن الكنيسة ~~ستنبذهم إن اشتروا هذه الصحف.» وقالت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية القبطية في بيان لها: ~~«ماكس ميشيل عينه قوم تخلوا عن الكنيسة الأرثوذكسية ... لذا لا تعترف الكنيسة الأرثوذكسية ~~بسلطته.» وأخبر المتحدث باسم الكاتدرائية الأرثوذكسية القبطية في القاهرة سالب متى ساويرس ~~الصحف أنه من المحتمل أن الولايات المتحدة تدعم بالفعل هذا الانقسام في الكنيسة الأرثوذكسية ~~بهدف الإضرار بشعبية البابا شنودة. لكن ماكس ميشيل أنكر أي صلة بينه وبين الحكومة الأمريكية ~~وأخبرني بأنه لا تجمعه صلات إلا بمن كون معهم صداقات أثناء دراسته، والمصريين الذين التقاهم ~~أثناء إقامته في الولايات المتحدة. # ووفقا لصحيفة إيجيبت توداي فإن ميشيل يحيد عن تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية في ثلاث نقاط ~~هامة: أولا، فيما تصر الكنيسة الأرثوذكسية على عدم إجازة الطلاق إلا في حال اعتناق الزوج ~~أو الزوجة دينا آخر أو في حالة الزنا الفاحش، يرى القس ميشيل أن هناك على الأقل ثمانية ~~أسباب تجيز للمسيحي طلب الطلاق. كما أنه يحج إلى المواقع المقدسة في بيت المقدس والضفة ~~الغربية وهذا طقس حظره البابا شنودة الذي صرح بأن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لن تطبع ~~العلاقات مع إسرائيل إلا بعد التوصل إلى تسوية دائمة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفوق ~~ذلك، لا يرى ميشيل أن هناك سببا يمنع زواج الأساقفة وهو نفسه متزوج ولديه طفلان مع أن ~~القانون الكنسي القبطي لا يؤهل إلا القساوسة غير المتزوجين للترقي إلى مرتبة ~~الأساقفة. # ويثق ميشيل من أن الحكومة المصرية ستصادق رسميا على إنشاء كنيسته الجديدة. فوفقا ~~لقوله، بعد عام واحد من تأسيسها، صار لدى ms101 الكنيسة بالفعل عشرة أفرع في أنحاء البلاد وآلاف ~~الأتباع، لكنه موقن أيضا من أنه سيجابه معارضة لا من الكنيسة القبطية ومحاكم القانون ~~المدني وحسب، ولكن من أغلب الأصوات القبطية أيضا. وقد شن منير فخري عبد النور - رجل ~~الأعمال القبطي البارز - حملة ضده لدى عودته إلى مصر وصفه فيها بأنه «دجال». # الفصل الرابع # | البدو # اندفع حشد ثائر من آلاف البدو عبر شوارع العريش بشبه جزيرة سيناء في أكتوبر/تشرين الأول ~~عام 2007، ممزقين صور مبارك ومحطمين أثاث الفرع المحلي للحزب الوطني الديمقراطي، ومحرقين ~~أطر السيارات في الشوارع، وملقين الحجارة ومطلقين الرصاص في الهواء ومحطمين نوافذ المحال. ~~وأخيرا، استخدمت قوات الشرطة القنابل المسيلة للدموع لفض هذه الاحتجاجات. وأكدت وسائل ~~الإعلام الرسمية أن تلك الاضطرابات وقعت نتيجة لاندلاع نزاع بين قبيلتي الترابين والفواخرية ~~البدويتين، بعد حادثة إطلاق نار أصيب فيها ثلاثة أشخاص أثناء مغادرتهم لأحد المساجد بعد ~~الصلاة. وصف محافظ العريش تلك الواقعة بقوله إنها «حادثة محلية منفردة» ونقلت الصحافة ~~الرسمية في حينه أن قبيلة الترابين كانت فقط غاضبة من فشل الحكومة في حمايتها من قبيلة ~~الفواخرية. لكن منظمة شهيرة مستقلة غير هادفة للربح بالولايات المتحدة تدعى إنترناشيونال ~~كرايسيس جروب ذكرت في تقرير مذهل صدر في يناير/كانون الثاني عام 2007 عن الوضع في سيناء؛ ~~أنه بعد أسبوعين فحسب قام مئات من البدو بقطع الطريق الرئيسي المؤدي إلى مدينة شرم الشيخ ~~بإطارات سيارات محترقة ومتاريس من الأحجار؛ احتجاجا هذه المرة على إزالة عشرين منزلا زعمت ~~السلطات أنها بنيت بلا تصاريح. وبعد بضعة أيام اندلعت المزيد من احتجاجات البدو في العريش ~~مطالبة بإطلاق سراح بعض سجناء البدو الذين زعموا أن بعضهم اعتقل بلا محاكمة منذ عام 2004، ~~عندما وقعت في مدينة طابا هجمات إرهابية كانت بمنزلة شرارة الانطلاق لسلسلة من التفجيرات في ~~منتجعات البحر الأحمر المبهجة التي تمثل جزءا هاما من قطاع السياحة في مصر، وإشارة إلى ~~عودة الإرهاب إلى مصر من جديد بعد سبع سنوات من الهدوء. ~~••• # تتمتع مدينة طابا بالكثير من الملامح الجذابة الساحرة، إذ يجري ms102 إعداد الكثير من الفنادق ~~الرائعة الجديدة بها جزءا من خطة مصرية لإنشاء شاطئ شبيه بشاطئ الريفييرا على طول خليج ~~العقبة لاستقبال موجة جديدة من السياح الأوروبيين والإسرائيليين الأثرياء الذين تحرص الدولة ~~على تلبية متطلباتهم: انتقلت شركات المقاولات إلى المدينة لبناء مجمعات سكنية متكاملة بها ~~ألعاب مائية وتصميمات أندلسية، مما أطاح بالشركات المحلية القائمة. كان الأمر كله - بطريقة ~~ما - عبارة عن تكرار لنفس القصة الحزينة التي حدثت في القاهرة بعد انقلاب عام 1952. وفي ~~أكتوبر/تشرين الأول عام 2004، اختار الإرهابيون هدفهم بعناية: فجروا أحد أبرز المواقع التي ~~يقصدها السائحون؛ وهو ليس رمزا معماريا لقطاع السياحة العالمي فحسب بل إنه أيضا موقع ~~الإقامة الذي يفضله السياح الإسرائيليون: فندق هيلتون طابا. أودى الهجوم بحياة أربعة ~~وثلاثين شخصا كان جزء كبير منهم إسرائيلي الجنسية. ثم وقعت تفجيرات أخرى في يوليو/تموز عام ~~2005 في أكبر منتجعات البحر الأحمر وأقدمها؛ منتجع شرم الشيخ، مما أسفر عن مقتل ثمانين ~~شخصا في ذروة الموسم السياحي. لكن أغلب القتلى كانوا من المصريين. ثم كان دور مدينة دهب ~~التي وقعت فيها ثلاثة تفجيرات قتلت تسعة عشر مصريا. لكن ردة فعل القاهرة ظلت هي نفسها في ~~كل مرة: اعتقالات جماعية - إذ يزعم أن الآلاف من البدو اعتقلوا وعذب الكثير منهم - وتوجيه ~~اتهامات غامضة إلى تنظيم القاعدة، من شأنها بالطبع أن تطرب آذان ممولي نظام مبارك في ~~واشنطن. # وبعد تحقيقات مرتبكة، وجهت الحكومة المصرية الاتهام في نهاية الأمر إلى جماعة لم تكن ~~معروفة من قبل تدعى جماعة التوحيد والجهاد. أوضحت إفادة حصل عليها المصريون من أحد زعماء ~~الجماعة أنها بالدرجة الأولى جماعة فلسطينية إسلامية، وأن بعض من نفذوا الهجمات تدربوا في ~~فلسطين (وكل قادة الجماعة قتلوا أو سلموا أنفسهم مما أضعفها إلى درجة قاتلة). ويذكر تقرير ~~منظمة إنترناشيونال كرايسيس جروب أن هناك سببا قويا يدعو إلى افتراض أن الهجمة الأولى ~~كانت مرتبطة بفلسطين؛ بالنظر إلى كثرة ضحاياها الإسرائيليين، أما الهجمتين الثانية والثالثة ~~فيدلان في الواقع على أن الإرهابيين يبعثون برسالة إلى نظام مبارك؛ فلعلها ms103 ليست مصادفة أن ~~المواقع التي استهدفتها الهجمات بالدرجة الأولى في دهب تخص أحد سكان المنطقة الذين ساهموا ~~بمبالغ كبيرة في حملة مبارك الانتخابية. # الوضع على أفضل تقدير فوضوي، ولا يزال يثير سؤالا: لماذا تستهدف حملات القمع التي تقوم ~~بها القاهرة بدو سيناء بالأخص؟ ~~••• # تغطي شبه جزيرة سيناء مساحة 61000 كيلومتر مربع، وتمتد من شاطئ البحر المتوسط إلى خليج ~~السويس وخليج العقبة، مشكلة إقليما حدوديا عند نقطة التقاء قارتي أفريقيا وآسيا. وقد ظلت ~~دائما حاجزا استراتيجيا يفصل بين وادي النيل وجيران مصر الشرقيين. وظلت السيطرة على ~~سيناء حيوية منذ عهد محمد علي في بداية القرن التاسع عشر؛ ومن اللحظة التي بدأ فيها إعلان ~~استقلاله عن سادته العثمانيين ببناء دولة ذات حكم مركزي وتعيين حدودها. ثم أصبحت المنطقة ~~بافتتاح قناة السويس عام 1869 مركزا لمحاولات الدول الأوروبية للسيطرة على التجارة بين ~~البحر الأحمر والبحر المتوسط. في معاهدة طابا الأولى التي عقدت عام 1906، نجح البريطانيون - ~~الذين فرضوا الانتداب البريطاني على مصر منذ عام 1882 - في ضم شبه جزيرة سيناء رسميا تحت ~~الحماية البريطانية على مصر، ووضعوا الحد الفاصل بين مصر وفلسطين. ومنذ تلك اللحظة، أدار ~~الجيش البريطاني شئون شبه جزيرة سيناء التي خضعت لصور شتى من السيطرة العسكرية. # لا تزال قناة السويس من عدة نواح هي الحد الشرقي الحقيقي لمصر، أما سيناء فيصفها تقرير ~~منظمة إنترناشيونال كرايسيس جروب بأنها منطقة «شبه منفصلة». وخضعت سيناء وقطاع غزة لسيطرة ~~الجيش المصري بين عامي 1949 و1967، إلا أن مصر لم تعلن سيادتها إلا على سيناء فقط. ثم كانت ~~حرب النكسة عام 1967 التي وقعت فيها كلتا المنطقتين تحت السيادة الإسرائيلية، وباتت رمزا ~~للكرامة العربي الجريح. وكان من الطبيعي أن تصبح سيناء هي جوهر المفاوضات بين مصر وإسرائيل ~~في اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر/أيلول عام 1978، واتفاقية السلام في مارس/آذار 1979. كانت ~~تلك القضية من منظور مصر قضية استعادة أرض وموقف وطني حازم، ولا صلة لها حتى بالصراع ~~الإسرائيلي الفلسطيني. وباختصار، تحولت سيناء إلى فكرة تجريدية. وتبين الجهود الدبلوماسية ms104 ~~المعقدة والمطولة التي بذلت لاستعادة مقاطعة طابا وحدها مدى حرص مصر على المنطقة؛ ولكن ليس ~~على أهلها بالضرورة. وفي نهاية الأمر، أخليت سيناء من الأسلحة والقوات، واحتلتها قوة دولية ~~متعددة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة بدأت عملها عام 1982، في اليوم نفسه الذي انسحبت ~~فيه إسرائيل من سيناء. وحتى يومنا هذا، لا تزال سيناء خاضعة للنظام الأمني الخاص الذي أقرته ~~معاهدة السلام، التي تقيد إلى حد بعيد حرية مصر في القيام بأي إجراءات عسكرية هناك. # إلا أن سيناء ليست فكرة تجريدية فقط أو «مشكلة إرهابية»؛ فقد كانت على مر التاريخ أرض ~~البدو أهل الصحراء الذين قدمت قبائلهم من الأصل من شبه الجزيرة العربية ودول شرق البحر ~~المتوسط، ويعيش بها قرابة خمسين قبيلة رئيسية في مناطق تحكمها وتضع حدودها معاهدات بين ~~جماعات يحكمها قانون عادات قبلية لا قانون الدولة. من بين هذه القبائل قبيلة العزازمة التي ~~يتوزع أفرادها بين الأردن وسوريا وفلسطين ومصر. يزعم العزازمة أنهم يملكون جميع الأراضي ~~الواقعة بين بئر صنعاء ووادي عربة في غرب مصر، بالإضافة إلى بعض أراضي صحراء سيناء، وهم ~~يسيطرون على وسط سيناء مع قبيلة التياها وقبيلة الأحيوات. وفي الشمال الشرقي على طول البحر ~~المتوسط، هناك قبيلتا السواركة والرميلات، التي استقر أغلب أفرادها في الوقت الحالي في ~~العريش ومنطقة الشيخ زويد ورفح. وفي الغرب، تشكل قبائل المساعيد والبياضية والدواغرة ~~الأغلبية. أما في الجنوب، فالجماعات التي تشكل الأغلبية هي مجموعة من القبائل المتحدة من ~~بينها قبيلة أولاد سيد ومزينة التي تسكن في منطقة شرم الشيخ، وفي الجبال الداخلية، لا سيما ~~في منطقة دهب. ومن القبائل المهمة أيضا على مر التاريخ قبيلة الترابين - وهي القبيلة ~~المعنية بالاضطرابات التي نتحدث عنها - في منطقة نويبع وفي الشمال - وهو الأهم - وصولا إلى ~~إسرائيل والضفة الغربية. # لكن من يوصفون بالبدو بوجه عام هم في الحقيقة - كما يوضح تقرير منظمة إنترناشونال كرايسيس ~~جروب - مجموعة مختلطة من السكان يعكسون تاريخ استيطان شبه جزيرة سيناء، تتبدى بينهم ~~اختلافات واضحة من حيث الأصل، والتقاليد، والأنشطة الاقتصادية، وحتى ms105 اللغة. لقد قدموا من كل ~~صوب، بل إن أفراد قبيلة الجبالية ليسوا حتى عربا، وإنما يعتقد أنهم قدموا من مقدونيا إذ ~~أرسلهم العثمانيون إلى سيناء لتأمينها، وهناك تحولوا إلى الإسلام، واليوم يصنفون على أنهم ~~من البدو، مع أنهم يحتفظون بهويتهم المستقلة من خلال ارتباط عجيب بدير سانت كاترين (وهو ~~مزار سياحي هام يقع عند سفح جبل الطور الذي يقال إن النبي موسى تلقى عنده الوصايا العشر)، ~~ومن خلال سيطرتهم على تلك المنطقة وطرقها السياحية. ويمكن تمييز قبائل أخرى من لهجاتها ~~قريبة الشبه بلهجات أبناء دول شرق البحر المتوسط وشبه الجزيرة العربية، التي تميز أيضا بين ~~قبيلة وأخرى. بعض القبائل أتت من أقصي جنوب البلاد، حيث النوبة، التي امتدت تاريخيا من ~~أسوان إلى داخل أرض السودان. ولا يعلم أحد عدد أفراد تلك القبائل. وصلت تقديرات عدد أفرادها ~~إلى ما يقرب من مائتي ألف شخص من بين تعداد سكان يصل إلى ثلاثمائة ألف وستمائة شخص في شبه ~~جزيرة سيناء بأسرها. والباقون فلسطينيون يتسم شعورهم بهويتهم القومية بالقوة نفسها. لكن ~~تظهر البيانات التي جاءت في إحصاء عام 1995 أن بضعة آلاف فقط من السكان يصنفون على أنهم بدو ~~يعيشون في الجنوب، أغلبهم من الفلاحين والصيادين وبعض التجار الذين حالفهم الحظ؛ والموظفين ~~الحكوميين، فثمة ما يقدر بنحو خمسة وسبعين ألف شخص من البدو لا يتمتعون بأي حقوق مواطنة. ~~منحت الحكومة المصرية بعضهم على أفضل تقدير أوراق تعريف هوية خاصة بسيناء، ومن بين القبائل ~~التي تتجاهلها الحكومة المصرية قبيلة الرشايدة في منطقتي حلايب وشلاتين التي قدمت من الأصل ~~من دولة قطر وانتقلت فيما بعد إلى السودان ومصر - حيث استقرت حول النيل وفي جنوب البلاد ~~وعلى البحر الأحمر - وقبيلة الطفيلات في جنوب سيناء وقبيلة المحلة في رفح على حدود مصر مع ~~غزة. في هذا السياق أخبر أحد شيوخ القبائل صحيفة الخميس الرسمية أن التعقيدات المتصلة بحقوق ~~المواطنة تعود إلى أيام معاهدة طابا الأولى التي عقدت عام 1906؛ فعلى حد قوله: «ورد في ~~المعاهدة أن جميع من يسكنون ms106 مصر يجب أن يتمتعوا بحقوق المواطنة المصرية، وعندما أجرى الجيش ~~الإنجليزي الإحصاء الأول لتعداد السكان عام 1924، منحت جميع القبائل أوراق تعريف هوية»؛ لكن ~~هذا ليس صحيحا! ~~••• # ومع أن أغلب أرض البدو لا تمثل لحكامهم إلا رقعة شطرنج، ومع أن أهلها عكروا على عبد ~~الناصر صفو أحلامه بدولة مركزية ذات عرق واحد، فقد لعبوا العديد من الأدوار من أجل حكوماتهم ~~المتعاقبة المختلفة. تاريخيا، درايتهم بالسفر عبر الصحراء جعلت قوافلهم طوق النجاة ~~لاقتصاد الكثير من البلدان، وهذا الدور لا يزال ملحوظا إلى اليوم؛ فعلى سبيل المثال: عندما ~~فتحت ليبيا حدودها للأمم المتحدة، تعاقد منظمو برنامج الغذاء العالمي مع قبيلة بدوية لنقل ~~المعونات للاجئين السودانيين من ميناء بنغازي على البحر المتوسط عبر الصحراء المقفرة إلى ~~مخيمات اللاجئين شرق جمهورية تشاد. ومما لا شك فيه أن البدو أيضا يشتهرون بأنهم مقاتلون ~~أشداء، وقد سمحوا بتجنيدهم مرتزقة عدة أجيال. ولا تزال الدول الحديثة تعتمد عليهم لتأمين ~~أراضيها؛ على سبيل المثال: تزوج أول ملوك المملكة العربية السعودية - الملك عبد العزيز - من ~~امرأة من قبيلة شمر القوية لتأمين حدود بلاده الشمالية. # لكن في هذه الخدمات التي يقدمها أهل البادية يكمن أساس مشكلاتهم؛ فقد رأت الأمم الناشئة ~~أنه إذا كان باستطاعة طرف ما شراء ولاء البدو، فباستطاعة أي طرف آخر هذا. وتعي تلك الدول أن ~~الولاء القبلي ظل دائما يسمو فوق المفاهيم المجردة كالهوية القومية؛ فالحدود التي تتقاتل ~~وتتفاوض حولها الدول الحديثة لا تعني شيئا بالمقارنة بحقوق ملكية الأراضي التي تمتعت بها ~~قبائل البدو قرونا، والتي يزعمون أنها تسلب منهم على نحو منهجي. # كل دول الشرق الأوسط التي تضم سكانا من البدو حاولت حثهم على الاستقرار، كما حاولت ~~الحكومات الأوروبية حث قبائل الغجر على ذلك؛ أما الحكومة المصرية فبطبيعتها حاولت أن تكره ~~أهل البادية عنوة على تغيير نمط حياتهم. صورت جريدة «الوفد» على أفضل وجه تحمس الحكومة ~~المصرية الطائش لهذا، عندما أوردت أن استراتيجية التنمية الزراعية بالمنطقة لن تفتح وحسب ~~بابا للربح الوفير الذي يمكن لمستثمري القطاع الخاص ms107 احتكاره، بل ستفتح «الباب أيضا لبناء ~~نطاق أمني على طول حدود مصر المفتوحة» يشكل عائقا يمنع الإرهابيين والمتآمرين من دخول مصر، ~~لأن هذه الاستراتيجية سوف تحيل مناطق شاسعة إلى ما يشبه المستعمرات في الصحراء. (لاحظ هنا ~~أن البدو ينظر إليهم فقط على أنهم لبنات بناء سياج أمني). # قاد التوسع في بناء المدن على أراضي الرعي التقليدية، والجفاف الذي سببته التقلبات الجوية ~~في العقود الأخيرة؛ إلى موت الكثير من المواشي التي ظل البدو يرعونها، وأديا في بعض الحالات ~~إلى موت جميع مواشي القبائل الأكثر فقرا والأقل شأنا؛ غير أن البدو محرومون أيضا من آثار ~~الازدهار السياحي، فقد خصصت جميع مواقع البناء في منتجعات البحر الأحمر إبان الأعوام الخمسة ~~عشر الأخيرة للشركات المصرية والأجنبية المستثمرة في السياحة، في الوقت الذي أقصت فيه ~~البرامج الحكومية البدو إلى الصحراء. كما أن معدل البطالة بين البدو شديد الارتفاع، وأغلبهم ~~محرومون من التمتع بالتعليم والمهارات اللازمة لتأسيس المشروعات الصغيرة التي تلبي احتياجات ~~السياح. ففي عام 2002 وحده، خلق إنشاء مائة وعشرة فندق ما بين عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف ~~فرصة عمل، ذهبت جميعها تقريبا إلى مصريين من مناطق أخرى. فمن أجل تقليص نسبة البطالة ~~بالقاهرة وغيرها من مدن دلتا النيل المزدحمة، شجعت الدولة العمالة على الانتقال من تلك ~~المدن إلى سيناء، حيث يحصلون على راتب أكبر ويتمتعون بمستوى معيشة أفضل؛ وهكذا يضطر البدو ~~الذين أبعدوا إلى البحث عن سبل بديلة لكسب العيش، وهي سبل شبه معدومة في تلك المنطقة؛ على ~~الأقل السبل القانونية. على سبيل المثال: ذكرت منظمة إنترناشونال كرايسيس جروب أن جميع ~~عاملي أحد فنادق الخمس نجوم يأتون من مدن وادي النيل، عدا بحارين من بين مائتين وخمسين ~~عاملا يضمهما طاقم زورق الفندق يأتيان من العاصمة الإدارية لمحافظة جنوب سيناء، وهي مدينة ~~الطور. ويحرم البدو أيضا من العمل مرشدين سياحيين على الطرق الصحراوية. # تأمل على سبيل المثال قرية جارغانا الساحلية، يعيش البدو هناك بالقرب من غابات أشجار ~~المانجروف الاستوائية، وهي بذاتها تستحق الحماية من حيث ms108 المبدأ حفاظا على النظام البيئي ~~المحلي، ويعتمد البدو هناك في الصيف على الصيد كمصدر رئيسي للعيش، ويحفظون الأسماك من أجل ~~الشتاء الذي ينتقلون فيه إلى الأودية للهروب من الصقيع ورياح الساحل القوية. لكنهم اليوم ~~يدعون أنهم يتعرضون للإقصاء والتهميش على نحو منهجي بسبب قطاع السياحة الجديد الذي نما في ~~كل أنحاء جنوب سيناء؛ فيزعمون أولا أن أصحاب الفنادق والمنتجعات يمنعونهم من الصيد، لذا ~~وافقوا على الصيد في مواقع محددة فقط فرضتها هيئة الحفاظ على محميات جنوب سيناء؛ وثانيا ~~يتهمون محافظ سيناء بحرمانهم من الصيد في أي مكان حرمانا باتا. وبعبارة أخرى، يقصى ~~البدو باستمرار إلى المناطق النائية. وهكذا غيرت السياحة البيئية والأموال التي تجلبها ~~منظور بعض شباب البدو، فحاولوا التأقلم معها ليلعبوا دورا فيها، لكن هذا - حسبما يرى كبار ~~البدو - أضر بقيم البدو التقليدية: البساطة والترابط واحترام المنظومة القبلية التقليدية، ~~ووتيرة حياتهم التقليدية. باختصار، اتجه هؤلاء الشباب إلى الجريمة والكسب غير المشروع. لا ~~شك أن أي مشروع تطوير ذي رؤية سديدة كان سيحاول إشراك صيادي البدو في المشاريع السياحية، ~~لجني الأموال من التجارب المشوقة وحدها التي يقضيها السياح بين البدو الأصليين، ولو أن الحق ~~هو أن جزءا كبيرا من العالم بدأ مؤخرا يتطلع إلى وسائل أخرى بخلاف عرض سكان المنطقة ~~الأصليين باعتبارهم وسائل لإدهاش السياح. # لكن هذه هي الوسيلة التي يجني بها البدو الكثير من المال في جنوب سيناء عندما يمنحون ~~دورا هامشيا بالقطاع السياحي؛ بتحويل أنفسهم إلى وسيلة جذب. ورغم تهميش البدو، يزخر دليل ~~السائح بصور ملونة لهم. ولكن في شمال سيناء، يكاد النشاط السياحي يكون منعدما، فالقرى ~~السياحية التي أنشأتها الحكومة المصرية على طول الساحل الشمالي هي في واقعها بلدان مهجورة، ~~ولا تكفي منطقة العريش الصناعية الصغيرة ومطارها لإعالة عائلات البدو. والوعود بتقديم ~~المساعدات المالية وتأسيس المشروعات الجديدة من أجل الإسكان والتوظيف تحولت - على حد قول ~~صحيفة هاآرتس الإسرائيلية عام 2007 - إلى «مزحة». فكما جرت العادة دائما في مصر، وضعت ~~الخطط الكبرى ودراسات الجدوى، لكن لم تبن في ms109 الواقع أي مصانع كبرى منذ عام 2001، ويزعم أن ~~إجمالي عدد العاملين في المصانع المنشأة بالفعل يقل عن الخمسة آلاف. لكن هذا لا يعني أن ~~جهود إسكان البدو قد فشلت؛ لقد نجحت، ولكن ليس على الوجه الذي خططت له الحكومة المصرية؛ فقد ~~ذكرت منظمة إنترناشونال كرايسيس جروب أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها شبه ~~جزيرة سيناء في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة قد دفعت البدو الباحثين عن عمل وتعليم من أجل ~~أبنائهم إلى إنشاء مستوطنات فعلية على أطراف المدن. وبعبارة أخرى، شكلوا طبقة دنيا تعيش في ~~الضواحي ويخلق وجودها جميع أنواع المشكلات: الجريمة وتطرف الشباب. # لكن التعليم الذي يبحثون عنه هناك لا يستحق بالضرورة السعي إليه. ولا يسع بدو الأرياف غير ~~المسجلين مواطنين مصريين التمتع بتعليم حكومي على الإطلاق. وقد ذكرت إحدى هيئات التنمية أن ~~نسبة الأمية بين بعض البدو تصل إلى 90٪، وإن سنح لهؤلاء التعلم فالتعليم شأنه شأن التعليم ~~في سائر مصر يدور بالدرجة الأولى حول التراث الفرعوني والدولة المركزية؛ لكنه لا صلة له على ~~الإطلاق بالبدو. من ثم كان المشروع الوحيد الذي سعت إليه الحكومة المصرية بحماس هو تأسيس ~~متحف فرعوني بالعريش بما أن المنطقة تخلو من التراث الفرعوني، وهو ما لا يبدو إلا محاولة ~~لفرض طابع الدولة على تلك المدينة التي ظلت إلى ذلك الوقت تحتضن متحفا مربحا للتراث ~~البدوي. وعندما يعلم الآباء أبناءهم تراثهم العربي، يقال إن المعلمين بالمدرسة يستدعونهم ~~لتوبيخهم على ذلك. # أما على الصعيد السياسي، فقد أخطأ النظام المصري في افتراضه أن هيكله العسكري ينعكس في ~~النظام القبلي، إذ ظل المنطق الذي يحركه هو السيطرة على القادة للسيطرة على الجميع. ومن هنا ~~بدأت أجهزة أمن الدولة في لعب دور في عملية انتقاء شيوخ القبائل، التي جرت التقاليد على أن ~~تتم بإجماع القبيلة، تماما كما تصر الحكومة المركزية في القاهرة الآن على أن يكون جميع ~~الأئمة من موظفي الحكومة. لذا لا يتمتع الأئمة الجدد بمصداقية بين أبناء الشعب، ولا رؤساء ~~القبائل بالمصداقية في قبائلهم. وأدى ضعف نفوذ ms110 كلا الفريقين إلى فراغ قد يتسنى للمتطرفين ~~استغلاله، وضعفت شرعية شيوخ القبائل إلى حد أنهم بدءوا يلعبون دورا مشابها لدور شيوخ ~~المملكة العربية السعودية الذين يحجب ولاؤهم المعلن للنظام الحاكم واقعا مختلفا تماما ~~يسود بين العامة. ~~••• # الإهمال يدور في حلقة مفرغة خبيثة. # قال شخص مجهول الاسم من إحدى قبائل البدو لصحيفة الأهرام الأسبوعية في حديث إلى الصحيفة ~~في مايو/أيار عام 2007: «أضحت حياتنا لا تطاق منذ سنوات، ويبدو أن أي بدوي يعد بلا تفكير ~~مشتبها به.» هذا الشعور بعدم الثقة في البدو ترسخ في سنوات الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، في ~~الوقت الذي كان ينظر فيه إلى البدو على أنهم حلفاء لإسرائيل، ومن ثم خائنون للقضية القومية ~~المصرية. ولعل هذه الوصمة قد لازمتهم لسبب يمكن تفهمه بعد عودة سيناء إلى مصر. فعلى أي حال، ~~الجيش الإسرائيلي لديه كتيبة كاملة من البدو، بعض قبائلها تنحدر من نسب مقارب للقبائل ~~المصرية، وما يقرب من 20٪ من شباب البدو هناك الذين بلغوا السن المناسبة للالتحاق بالجيش ~~يتطوعون للالتحاق بالجيش الإسرائيلي. من هنا صوتت مدن البدو في إسرائيل على مر تاريخها ~~بكثافة للأحزاب الصهيونية، وظل المرشحون المتطرفون يفوزون بما يصل إلى 95٪ من أصوات البدو ~~في بعض المدن إلى وقت قريب، حتى الثمانينيات. ومع أن هذه الأصوات تضاءلت على مدى عدة ~~انتخابات، لا يزال يهود الجناح اليميني يفوزون بأغلب أصوات البدو الذين تضطلع كتائبهم ~~الاستطلاعية الشهيرة إلى حد بعيد بمراقبة الحدود، والذين ظلوا يتمتعون بحضور على حدود منطقة ~~رفح إلى أن انسحبت إسرائيل من غزة، ويزعم الفلسطينيون أن جنود إسرائيل من البدو أكثر عدائية ~~ووحشية من قوات جيش الدفاع الإسرائيلي، فهم من يقود شاحنات إزالة المنازل. على سبيل المثال: ~~قتل جندي إسرائيلي من البدو - أدانته المحكمة فيما بعد - ناشط السلام الشاب البريطاني توم ~~هاندرال عام 2004 في رفح وهو يدافع عن منزل فلسطيني ضد أعمال الإزالة. # وكما هو متوقع، ظهرت عقب الاضطرابات الأخيرة تقارير في صحف مصر الوطنية تذكر أن البدو ~~يطالبون بضمهم مجددا إلى إسرائيل، أو بأن يشكلوا ms111 «كيانا مستقلا» عن البلاد، وأكد زعماء ~~القبائل في بيان صدر بالعريش أنهم يعتبرون أنفسهم «مواطنين مصريين مخلصين»، ولا يجب التشكيك ~~في انتمائهم القومي. وقال شيخ قبيلة العزازمة للصحفيين: «نحن مصريون بالرغم من موقف الحكومة ~~المصرية السلبي منا، ونحب وطننا بالرغم من المعاملة التي نلقاها من أجهزة الأمن، لذا نناشد ~~الرئيس مبارك مساعدتنا.» لكن حتى إن صح هذا، فلن ترغب إلا قلة في الحكومة المصرية في ~~الإصغاء إلى البدو، فاتهام القبائل التي تشتهر بغدرها وعدوانيتها بأعمال العنف أفضل بكثير ~~من الإقرار بوجود مشكلة ساعدت الحكومة في خلقها. بل ظلت الصحف تسهب في الحديث عن مقابلة ~~صحفية لممثل آخر للبدو مع قناة بي بي سي العربية أوضح فيها أن البدو قصدوا إسرائيل للتعبير ~~للسفير المصري في تل أبيب عن همومهم، لأن تل أبيب «أقرب لنا من القاهرة». والأرجح أن الرجل ~~قصد القرب المادي - فالبدو على كل حال لم يقصدوا الكنيست - لكن لا يزال بالإمكان إقناع ~~الآخرين بأن هذا مطلب غادر يدعو إلى تدخل إسرائيل. # لكن لا يسع المرء لوم البدو. قد تدعهم إسرائيل يضطلعون بالمهام القذرة لها، لكنها على ~~الأقل تدفع لهم لقاء عملهم، في الوقت الذي يتعذر فيه بالطبع على أكثر شيوخ القبائل وفاء أن ~~يشرح لقبيلته سببا واحدا محددا يدعوه إلى حب الدولة المصرية، ربما باستثناء أن يوضح لهم ~~أن ما يربطهم بغيرهم من المصريين هو المعاناة التي تطلق الدولة يدها في صبها عليهم بدورهم. ~~لكن الواقع هو أن البدو لا يميلون إلى الجانب المصري أو الإسرائيلي، فقد حثت الظروف ~~المعيشية البائسة بعض البدو على البحث عن سبل بديلة لكسب الرزق تأخذ شكل المتاجرة في ~~الأسلحة مع الفلسطينيين، وفي المخدرات، وفي تهريب النساء إلى إسرائيل التي تعد معبرا ~~لعاهرات شرق أوروبا ووسط آسيا. # يعبر البدو جيئة وذهابا الحدود التي تمتلأ ~~بالمنافذ بين مصر وإسرائيل، وتتهمهم الحكومتان المصرية والإسرائيلية بالتهريب بناء على أسس ~~قوية. على سبيل المثال: في سبتمبر 2007، كشفت السلطات المصرية عن خبيئة من الذخائر حوت ~~ثلاثة أطنان من المتفجرات ms112 في حقائب بلاستيكية، وكشفت في شهر يوليو/تموز من العام نفسه عن ~~نصف طن من المتفجرات على بعد خمسة وعشرين كيلومترا من الحدود المصرية مع غزة. وفي الوقت ~~نفسه، وجد التيار الإسلامي - ومن ثم العداء لإسرائيل - أرضا خصبة بين شباب البدو الذين ~~حفزتهم سياسة الهوية والتي من شأنها أن تنتشر آخر الأمر بين من لا يجدون أمامهم خيارا سوى ~~موالاة هذا التيار. لقد اقتبست منظمة إنترناشونال كرايسيس جروب عن رجل يمثل الكثير من البدو ~~في نويبع قوله: «أنا مسلم، عربي، بدوي من قبيلة ترابين من سيناء من مصر.» وبعبارة أخرى، فإن ~~الولاء الديني يأتي أولا. يعود هذا في جزء منه إلى أن الكثير من قبائل البدو يرجع أصلها ~~إلى بلاد النبي محمد لا بلاد الفراعنة، لكن يستحيل تحديد إلى أي مدى تأتي هذه العبارة من ~~قبيل التملق والولاء الكاذب للدين - أو بعبارة أخرى، هل لم يعد الولاء للقبيلة يحل في ~~المرتبة الأولى - ويصعب تحديد مدى تنافي العروبة لدى البدو مع الانتماء للغرب أو اليهودية؛ ~~وفي الأحوال كافة، يظل تأثير الإسلام واضحا جليا، وإذا أضفت إلى هذا الخليط الفقر ~~والشعور بالاستياء، فستحصل على النتيجة المتوقعة. # يكشف برنامج أعضاء جماعة التوحيد والجهاد - أيا كانت صلات هذه الجماعة بالمنظمات ~~الإرهابية الأجنبية - بوضوح شديد عن تلك الظاهرة؛ أي ظاهرة تطرف الشباب الذين قد يكون ~~انجذابهم إلى النشاط الإسلامي المسلح نابعا من خليط من اليأس الناجم عن الظروف الاجتماعية ~~والاقتصادية وأزمة الهوية، وعن رغبة في التضامن مع المنطقة. كم هي منطقة عازلة آمنة ~~فعلا! # فوق ذلك، يدور الحديث اليوم عن إحياء خطة الحكومة المصرية القديمة لإخلاء منطقة حظر ~~عسكرية تضم منازل وأشجارا بجوار معبر رفح، حيث يمكن فيها للبدو ممارسة أنشطة التهريب، ~~ولكنهم سيسكنون ويزرعون الأرض في الوقت نفسه. وقد تروق هذه الخطة لمبارك الذي يواجه مشاكله ~~الخاصة مع قيادات حركة حماس بالناحية الأخرى من المعبر (لاحظ أن حماس نشأت أصلا من الفرع ~~الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين)، كما قد تروق للإسرائيليين الذين يشكون دوما من تهريب ms113 ~~الأسلحة عبر أنفاق تحت الجدار الحدودي. ذكر أهل تلك المنطقة في يوليو/تموز عام 2007 أن ~~الخطة تستهدف إخلاء قطاع عرضه مائة وخمسون مترا، سيتسع فيما بعد ليصل عرضه إلى ثلاثة ~~كيلومترات عند حد رفح الذي يمتد اثني عشر كيلومترا. ويشير أهل المنطقة إلى زيارة غامضة قام ~~بها وفد من الكونجرس الأمريكي في يوليو/تموز عام 2007 لتفتيش المنطقة. لكن المؤكد هو أن ~~قوات الأمن تتدفق إلى هناك، وقد تحبط على المدى القصير بعض محاولات التهريب، لكن كما يقول ~~الصحفي الإسرائيلي تسفي بارئيل في صحيفة هاآرتس: «لم تعد العقوبات تؤثر في البدو في الوقت ~~الحالي.» ~~••• # لا ترد المساعدات تقريبا للبدو إلا من خارج البلاد، وهو ما من شأنه أن يصم مصر بالعار ~~- فهي على كل حال بلد يعتبر تشويه سمعته بالخارج جرما - والأدهى أن بعض المساعدات ترد من ~~برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الذي يقترن كثيرا في الأذهان بضحايا ~~المجاعات في كوريا الشمالية، والنازحين من أفريقيا جنوب الصحراء أكثر مما يرتبط بالمناطق ~~السياحية المزدهرة. في ذلك قال بيشو بارجولي مدير برنامج الأغذية العالمي: «لا تشير ~~الإحصائيات إلى أن المنطقة تعاني من فقر شديد؛ فسيخفي الازدهار السياحي ومنطقة شرم الشيخ ~~هذا، لكن علينا التعرف على مجتمعات المنطقة التقليدية.» يسلط برنامج الأغذية العالمي التابع ~~للأمم المتحدة في سيناء الضوء على الغذاء و«بناء القدرات»، لكن هذا يعني في المقام الأول أن ~~يمنح البدو الطعام إن وافقوا على الاستقرار، وهذا يجعل البرنامج في جوهره ذراعا للسياسات ~~الحكومة المصرية على أقل الأحوال. ويمكن قياس نجاحه - وفقا لمنظمة إنترناشونال كرايسيس ~~جروب - من خلال حقيقة أن مشروع إسكان واحد فقط هو الذي شارف على الانتهاء في وسط سيناء دون ~~توفير ظروف معيشة مستقرة لعشرات الأسر التي يشملها البرنامج، وذلك بعد مرور خمس سنوات من ~~تمويله. أما المفوضية الأوروبية، فقد رصدت لمشروع تنمية ذي شقين في محافظة جنوب سيناء 55,5 ~~مليون يورو. الجزء الأول من المشروع هو النهضة بالبنية التحتية، كإمداد ماء الشرب إلى ~~المجتمعات الزراعية، وإدارة المخلفات الصلبة ms114 والسائلة، وتوفير وسائل الحماية البيئية ~~لمحميات المنطقة الطبيعية. أما الجزء الثاني فيقوم على رصد 20,5 مليون يورو لتخفيف الفقر ~~ومشروعات التنمية الاجتماعية عبر المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية. وتذكر التقارير ~~في هذا الشأن أن أهل المنطقة لا يدينون هنا أيضا بالفضل للدولة التي تطالبهم ~~بالولاء. # لكن لا يكفي أي من هذا لإنهاء الموقف الخطير في سيناء، فكما قال حسين القيم عضو حركة ~~كفاية الداعمة للديمقراطية بجريدة الأهرام عقب أحداث الشغب في أكتوبر/تشرين الأول عام 2007: ~~«على الحكومة أن تعيد النظر في استراتيجيتها تجاه البدو، وإلا أحالها أهل تلك المنطقة ~~المسلحون إلى حرب يبدو أن القاهرة تدفع إليها.» # الفصل الخامس # | التعذيب # كان عباس - وهو رجل في الثلاثينيات التقيته في رحلة إلى أسوان، حيث دعاني لتناول العشاء ~~في منزل أسرته - مقيما في شقتي بالقاهرة منذ أسبوعين، وقد أخذ ملابسي إلى المغسلة القريبة ~~من المنزل قبل ساعتين. نشأت بيننا على الفور صداقة كالتي تنشأ كثيرا بسهولة بين المصريين ~~والأجانب أثناء تناول الشاي، والتي تنسى بنفس السهولة التي نشأت بها ما إن يمضي كلا ~~الطرفين إلى حال سبيله، لا سيما في مراكز مصر السياحية. أخبرني عباس عقب العشاء أنه يود ~~القدوم إلى القاهرة للبحث عن عمل، ففهمت ما يرمي إليه، ووافقت على السماح له بالإقامة في ~~غرفة إضافية بمنزلي إلى أن يقف على قدميه، بشرط أن يؤدي المهام المنزلية التي تتضمن أخذ ~~الملابس إلى المغسلة. إلا أنني ما لبثت أن شعرت بأنه لا يجب الوثوق به تماما بما أنه يعمل ~~في أسوان بائع تذاكر في السوق السوداء، يحصل على العمولات من السياح وعلى الوجبات المجانية ~~هنا وهناك. غير أنه كان متعلما، وذكيا، ورفقته بوجه عام ممتعة، وأيضا كل منا عاش في ~~مدينة جدة الساحلية بالمملكة العربية السعودية (التي أحبها مثلما أحببتها أنا). وكانت رحلة ~~العودة بالقطار من أسوان إلى القاهرة، التي تستغرق خمس عشرة ساعة، ستبدو أقل مللا إن قمت ~~بها مع رفيق أحدثه وأمضي معه الوقت. لكن بينما كنت أتطلع من نافذة منزلي إلى ms115 الشارع بالأسفل ~~باحثا مجددا عن عباس، خطر لي احتمال مخيف: هذا الرجل استغل كرم ضيافتي، وسرق ملابسي ~~وتركني. # أخذت أطمئن نفسي بأن هذا احتمال عجيب وغير وارد، فالمصريون - بالرغم من ظروفهم الاجتماعية ~~الصعبة - يقيمون وزنا كبيرا للخصال الشخصية كالأمانة والجدارة بالثقة، وحتى غير الأسوياء ~~سيحاولون إبعاد الشبهة عنهم عندما يخططون لاقتراف أمر ما للحفاظ على سمعتهم في المجتمع. لكن ~~عباس أخبرني بأنه سيعود على الفور، وبما أن هاتفه الخلوي كان مغلقا ما كان من مخاوفي إلا ~~أن زادت. تفقدت شقتي، فوجدت أن ملابسه لا تزال مكومة تحت فراشه، لكن لم سيحتاج إلى ملابسه ~~إن كان قد سرق ملابسي؟ لذا قررت أن أقصد مغسلة الملابس. # لدى محمد - وهو صبي يعمل بالمغسلة - أجوبة لكل شيء، أخبرني الصبي أن عباس أودع بالفعل ~~الملابس لدى المغسلة، وستصبح الملابس جاهزة صباح اليوم التالي. بعدها استطرد الصبي قائلا ~~إن عباس بعد أن غادر ناداه ضابط شرطة وطلب منه أن يريه بطاقة هويته. وبعد أن ألقى الضابط ~~نظرة سريعة عليها، طلب من عباس أن يصعد إلى ظهر شاحنة الشرطة، ولم يمض وقت طويل قبل أن تمضي ~~به الشاحنة مع عدد من تعساء الحظ الآخرين إلى قسم الشرطة المحلي على الأرجح. حكى الصبي كل ~~ذلك وهو يدخن سيجارة بلا مبالاة وكأن ما حدث أمر طبيعي إلى أقصى حد. # سألته: «لكن ما الذي اقترفه؟» # فسأل الصبي بدوره مستنكرا: «ما الذي فعله؟» قال هذا وعيناه تدوران في دهشة وكأنه يقول: ~~أنت لا تحتاج إلى (فعل) شيء في هذا البلد ليأخذك رجال الشرطة. # اتصلت بأحد معارفي يدعى موسى، كان أخوه ضابط شرطة متوسط المستوى، فشرحت له ما حدث. كان ~~باستطاعتي أن أطلب منه أن يسديني معروفا لقاء معروف كنت قد صنعته له؛ إذ منحته في حفل ~~زفافه قبل بضعة أشهر مبلغا كبيرا من المال مهنئا إياه، ظنا مني أن هذا استثمار جيد في ~~بلد بإمكانك أن تتخلص فيه من المآزق كافة بالمحسوبية. طلب مني موسى أن أرتدي قميصا وربطة ~~عنق أنيقة ms116 وأن ألقاه بعد نصف ساعة عند أقرب قسم شرطة للمكان الذي اعتقل فيه عباس، وأضاف ~~موسى أن بشرتي البيضاء وهيئتي الرسمية تفيان لربح نصف معركة إطلاق سراح عباس، أما النصف ~~الآخر فيربح بحمل بعض من النقود تحسبا لتوزيع الكثير منها كبقشيش، ثم سألني قبل أن ينهي ~~معي المكالمة الهاتفية عن اسم عباس بالكامل ورقم بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة به، فاعترفت ~~بأن كل ما أعرفه عنه هو أن اسمه عباس وبأنه من مدينة أسوان من الأصل. فتمتم قائلا إن هذه ~~المعلومات تفي بالغرض؛ فمن المستبعد أن تلقي الشرطة القبض على أكثر من شخص بهذا الاسم من ~~مدينة أسوان الجنوبية في نفس الحي القاهري. # كان موسى بانتظاري خارج قسم الشرطة، وكان قد حصل بالفعل على معلومات تفيد بأن شاحنة قد ~~وصلت إلى القسم قبل نصف ساعة محملة ب«مجرمين» يجري استجوابهم داخل القسم. قال لي بهدوء: ~~«أعطني عشرين جنيها» - وهو ما يعادل مبلغا يربو قليلا عن الثلاث دولارات - ثم سار إلى ~~حارس يرتدي زي الشرطة عند مدخل القسم، وصافح يده ليعطيه رشوة أخفاها في كفه خلسة ثم همس ~~للشرطي بشيء في أذنه، ثم أشار إلي أن أتبعه إلى داخل القسم. قادتنا سلسلة من الدرجات يسارا ~~إلى طابق أعلى، وقفنا حيث ثلاثة رجال شرطة آخرين، فأخذ موسى مني حفنة أخرى من النقود ثم عرف ~~نفسه لرجال الشرطة بأنه أخ لضابط، فسمح له من جديد بالمرور. وأعلى الدرج سمح لنا إعطاء ~~المزيد من البقشيش بدخول مكتب قذر لضابط أعلى رتبة، خاض معه موسى محادثة أثناء انتظاري ~~بالخارج. ولما عاد طلب مني أن أعطيه كل ما أحمله من مال (أربعون دولارا)، ورأى أنه من ~~الأفضل أن أعود إلى الشارع. وبعد عشر دقائق خرج عباس من قسم الشرطة، وكان موسى معه يحيط ~~كتفه بذراعه. حياني عباس بالقبلات والأحضان، وطلبنا أول سيارة أجرة هرعت بنا إلى شقتي بعد ~~أن أكدت لموسى أنني سوف ألقاه «فيما بعد» لأقدم له - كما يفترض أن يفهم - شكري على معروفه. ~~كنت سأدفع له ms117 في التو واللحظة، لكن لم يتبق معي من المال الذي أحضرته سوى عشرة جنيهات ممزقة ~~احتجتها من أجل دفع أجرة سيارة الأجرة. # سألت عباسا عندما عدنا إلى شقتي: «لماذا ألقوا القبض عليك؟» # فأجابني: «هذا هو ما يفعلونه دائما، إنهم يعملون وفق نظام حصة، فيلقون القبض على عشرين ~~أو ثلاثين رجلا من الشارع كل يوم ثم يفتشونهم داخل القسم بحثا عن مخدرات أو أي شيء غير ~~قانوني، فإن لم يكن بحوزتك شيء من هذا القبيل، فستنتظرهم إلى أن يتحروا من ملفك على أجهزة ~~الكمبيوتر، ليروا هل صدرت بحقك أي مذكرات اعتقال معلقة، وإن لم يجدوا، أطلقوا ~~سراحك.» # فهل كانوا سيطلقون سراحه على أي حال إن تركته هناك وحسب؟ # فشرح لي عباس الأمر قائلا: «قد يستغرق الأمر يوما أو اثنين، لا يسمح لك فيهما بالاتصال ~~بأي شخص لإعلامه بمكانك أو ما يحدث لك، ويزج بك في غرفة صغيرة مع الكثيرين. ويسعد ضابط ~~الشرطة إن حالفه الحظ باعتقال شخصين أو ثلاثة من العشرات الذين يحضرهم، وعندها يستطيع أن ~~يخبر رئيسه في العمل أنه أوفى بحصة المجرمين المطلوب منه اعتقالهم.» # احتججت على ذلك قائلا: «لكن هذا سخف، المفترض أن يبحث رجال الشرطة عن المجرمين الذين ~~يشتبه في ارتكابهم جرائم مبلغ عنها، لا أن يلقوا القبض على الجميع جملة أملا في أن يكون ~~واحد أو اثنان منهم قد اقترفوا جرما. لماذا لم ترفض الذهاب معهم فحسب؟ لا يحق لهم ~~هذا.» # نظر إلي وكأنه يخاطب معتوها. # ثم قال: «بل يحق لهم فعل ما يشاءون، المفترض أنك بحلول هذا الوقت صرت تعرف أن شعب هذا ~~البلد ليس له أي حقوق، إن اعترضت فسيأخذونك إلى أسفل الدرج ويوسعونك ضربا ~~وتعذيبا.» # وصمت لحظة وكأنه يتذكر شيئا تعرض له في وقت سابق من اليوم. # ثم قال: «تبا لهذا البلد، وتبا لهذه الحكومة، أريد أن أرحل، لا آبه إلى أين، فأي بلد ~~آخر سيكون أفضل.» ~~••• # الواقع أن الحظ كان حليف عباس من عدة نواح، أبرزها أنه كان على معرفة برجل غربي ms118 تمتع هو ~~نفسه بمعارف بإمكانها التدخل لإطلاق سراحه؛ لكن الأهم من ذلك هو أن درايته بعمل جهاز الشرطة ~~كانت جيدة بما يكفي لتجعله يتقبل مصيره بثبات ولا يعترض لعلمه أن هذا لن يفضي إلا إلى جزاء ~~أسوأ من المشكلة التي أقحم فيها تعسفا وجورا. لكن الكثيرين في مصر لم يكونوا محظوظين ~~بالقدر نفسه إذ إن تعسف بلطجية النظام - وهم أنفسهم قد طفح بهم الكيل ويتقاضون أجرا ضئيلا ~~ويخضعون للترهيب - كثيرا ما يجعل العنف غاية في حد ذاته، وهذا جزء من نظام يرى أن الترهيب ~~بطريقة منهجية روتينية أساسي للحكم. # على سبيل المثال: ولد محمد عبد الرحمن في أسرة فقيرة بقرية شها في دلتا النيل، وأصبح ~~عدوا للدولة في الثالثة عشرة من العمر، لذا لم يعش ليشهد عيد مولده الرابع عشر، يقال إنه ~~اعتقل في أغسطس/آب عام 2007 مع أخيه الأكبر المراهق إبراهيم، فما هي جريمته المزعومة؟ ~~اشتبهت شرطة مدينة المنصورة المجاورة لقريته في قيامه هو وأخيه بسرقة عبوتين من الشاي. ولما ~~زارته والدته بعدها بثلاثة أيام في قسم شرطة مدينة المنصورة بعد أن علمت أخيرا بمكانه، ~~ذكرت أن مشهده صعقها، لكنها لم تتفوه بكلمة في قسم الشرطة لتقي أخاه الأكبر التعرض للمزيد ~~من التعذيب. هرعت من مخفر الشرطة إلى محام نجح في استصدار أمر بنقل الفتى محمد إلى مستشفى ~~المنصورة الحكومي. # ومع الأسف فإن الانتقال من قسم شرطة إلى إحدى المستشفيات الحكومية التي تعاني على الدوام ~~من نقص التمويل يعني لفقراء مصر الاستجارة من الرمضاء بالنار. لا بد أن هذا هو ما بدا لمحمد ~~الذي قيل إنه أمضى أربعة أيام في المستشفى، هذا بفرض أنه كان قادرا على التفكير في أي شيء ~~آخر بخلاف ألمه المبرح. في اليوم الخامس عثر سكان مجاورون للمشفى على محمد فاقد الوعي في ~~باحة انتظار سيارات قريبة من المشفى وأعادوه إلى الشرطة. اتهمت والدته المشفى بالتخلص منه - ~~حرفيا - وعدم العناية به، مع أنه يستحيل معرفة الكيفية التي نقل بها إلى باحة الانتظار. ~~وحسب ما قيل، ms119 قرر رجال الشرطة في آخر الأمر أنهم قد نالوا كفايتهم من الطفل محمد عندما ~~عجزوا عن القسوة عليه أكثر بما أنه قد شارف بالفعل على الموت، فأعادوه إلى والدته؛ وهو ~~بالطبع الإجراء الذي يفترض أن يتخذ مع طفل في الثالثة عشرة من العمر في نفس يوم ~~اعتقاله. # كان من الممكن أن تنتهي القصة هنا - بالنسبة للجميع على الأقل عدا أسرة الصبي - شأنها في ~~ذلك شأن الكثير من الأمثلة على وحشية الشرطة المصرية، لكن القضية حظت باهتمام الإخوان ~~المسلمين الذين زاروا بكاميراتهم بيت أسرة الفتى محمد المتهالك. تظهر والدة محمد في التسجيل ~~الذي نتج عن تلك الزيارة وهي ترتدي منديل رأس قروي بسيط وتحكي قصتها، فيما يرقد محمد وهو ~~شبه فاقد الوعي على مرتبة محشوة خلفها فاغر الفم، يلتقط أنفاسه بصعوبة. تزيل الوالدة عن ~~طفلها الغطاء الذي يغطيه بناء على طلب مجري اللقاء لتكشف عن جسده شديد النحول وعن محول ~~سوائل متصل برئته، ثم تشير إلى عدة حروق على جسد الصبي من الأمام، ثم تقلب الطفل المتأوه ~~لتكشف عن علامة سوداء كبيرة على ظهره وتقول إن هذا الجرح تلوث بعد علاجه، ثم تقترب الكاميرا ~~من العلامة السوداء ثم تنتقل إلى فتحة الصبي الصغير الشرجية التي تبدو منتفخة ومتهدلة، وكأن ~~الفتى تعرض مؤخرا للاغتصاب، ثم تقلب الأم الصبي مجددا وتشير إلى المزيد من الحروق على ~~عضوه الذكري وخصيتيه. # لم يستعد محمد عبد الرحمن وعيه كاملا قط منذ ذلك الحين، وبعد بضعة أيام من تسجيل هذا ~~المقطع توفي. ~~••• # ذكرت ماجدة عدلي مديرة مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف فيما بعد أن ~~عائلة محمد أخبرتها بأن جسده كانت به آثار حروق من الصعق الكهربي وحروق بدت أنها من أداة ~~ساخنة. وذكر شقيق محمد أن محمدا عذب باستخدام ملف تسخين. وخلصت ماجدة عدلي إلى أن الصبي ~~«تعرض للضرب والصعق الكهربي، وعندما صرخ وانتابته نوبات تشنج، ركله الضابط في صدره، وهو ما ~~دمر رئته على ما يبدو.» وأضافت أن الغيبوبة التي سقط فيها قد يكون ms120 سببها تسمم في الدم أو ~~إصابة بالرأس من أثر الضرب الشنيع الذي تعرض له. # أخبرت والدة محمد الصحفيين أن الأطباء الذين فحصوا جثمان ابنها في بادئ الأمر لاستصدار ~~شهادة الوفاة له تشككوا أن وفاته لأسباب غير طبيعية، ونصحوها بأن تتقدم ببلاغ للنيابة، وحكت ~~أن أحد وكلاء النيابة بكى عندما رأى جثمان الطفل، وأمر بنقله إلى مشرحة مستشفى المنصورة ~~الجامعي. أظهر التشريح المبدئي للجثمان أن سبب الوفاة المباشر هو الإصابة بالتهاب رئوي. وقد ~~يكون هذا صحيحا، لكن والدة محمد أرادت أن يجيبها الأطباء عن سبب إصابته بالالتهاب الرئوي، ~~ورفضت أن تقبل نتائج التشريح وأن يغادر الجثمان المشرحة لدفنه. وزعمت في مقال كتبته مروة ~~الأعسر عام 2009 على موقع # monstersandcritics.com # أن مسئولين ~~رفيعي المستوى بالمنطقة وبعض رجال الشرطة عندئذ حاولوا «رشوتي وتهديدي في أحيان أخرى كي لا ~~أتقدم بشكوى.» عارضين عليها مائتي دولار، وهو مبلغ كبير لربة أسرة فقيرة غير متعلمة ترعى ~~أسرة كبيرة، لكنه لم يكفي لإقناع هذه المرأة الأبية المكلومة بالسكوت عن الأمر. # يزعم أن الشرطة لما سئمت المفاوضات، نقلت ببساطة جثمان محمد سريعا من المشرحة بدون إطلاع ~~والدته ودفنته على ما يبدو في الوقت الذي ظل فيه الابن الآخر إبراهيم محتجزا، يجلس في ~~مؤخرة شاحنة شرطة وهو يشاهد أخاه يدفن، فهل كان هذا إنذارا له بأن يخبر والدته بأن تصمت ~~وإلا قتل هو أيضا؟ # في تلك الأثناء، زعم إبراهيم أنه بدوره تعرض للتعذيب على أيدي رجال الشرطة الذين هددوه ~~بتلفيق تهمة حيازة مخدرات له ما لم يشهد بأن الحروق التي حملها جسد أخيه كانت آثارا نجمت ~~عن سلك مكهرب سقط عليه - من قبيل الصدفة البحتة - قبل ستة أشهر من احتجازه. وافق إبراهيم ~~على أن يشهد بهذا ظنا منه أن أخاه لا يزال على قيد الحياة، لكن بحلول موعد دفن محمد، كانت ~~جماعة الإخوان المسلمين قد أذاعت تسجيلها على موقعها، وحظيت القضية باهتمام إعلامي كبير، ~~ليس فقط في وسائل إعلام جبهة المعارضة التي كثيرا ما تفضح بالتفصيل قضايا التعذيب، بل ms121 ~~أيضا في وسائل الإعلام الدولية - غير المهتمة عادة - فترة وجيزة. ومن ثم، سحب إبراهيم ~~شهادته، وأعلن مكتب النائب العام على غير العادة أنه سيولي القضية المزيد من التحقيق، ~~واستخرج جثمان محمد من أجل المزيد من الفحوصات، وأخبر حمدي الباز محامي الأسرة صحيفة ~~الأهرام الأسبوعية أن «ظروفا واضحة استدعت إعادة فحص الجثمان»، واستشهد بتقرير أصدره مفتش ~~الصحة ما إن أودع محمد المستشفى جاء فيه أن التعذيب استخدم مع محمد، وأضاف الباز أن ليس ~~على المرء سوى أن يتأمل السرعة التي نقل بها جثمان محمد لدفنه كي يدرك أن وزارة الداخلية ~~أرادت إنهاء تلك القضية سريعا. وقال الباز في مقال الأهرام نفسه: «هناك سلسلة من المؤامرات ~~... جميعها يسعى إلى إخفاء الظروف التي أدت إلى وفاة محمد.» وأعد ملفا للقضية يشمل التسجيل ~~الذي كان بحلول هذا الوقت قد شوهد عشرات الآلاف من المرات في جميع أنحاء العالم. # إن لم تكن العدالة المصرية سريعة، فلا قيمة لها. # في أوائل سبتمبر/أيلول برأت مجموعة من خبراء الطب الشرعي الذين عينتهم الحكومة المصرية ~~ضباط قسم المنصورة من الاتهامات كافة، وتوصلت إلى أن محمد توفي بسبب «انخفاض حاد في ضغط ~~الدم، وفي أداء الجهاز التنفسي.» وهي نتيجة تتفق تماما مع قصة الأسرة أيضا! ~~••• # سمعة أقسام الشرطة بين عامة المصريين اليوم تجعلهم ينفرون من الإبلاغ عن الجرائم، حتى ~~الخطيرة منها، خوفا من إثارة غضب ضابط شرطة فظ حاد الطباع، أو من أن يتبين أنهم يشكون ~~شخصا ذا «صلات» هامة يمكنه أن يحيل حياة صاحب الدعوى إلى جحيم ببضعة اتصالات هاتفية ببعض ~~ذوي النفوذ في السلطة. وقد ذكرت منظمات لحقوق المرأة أن ضحايا العنف الجنسي من النساء على ~~الأخص لا يبلغن أبدا تقريبا عن الجرائم التي ترتكب في حقهن. وليس عليك أن تبحث كثيرا ~~لتعرف السبب؛ فبما أن ضباط الشرطة أنفسهم يستخدمون كثيرا الاغتصاب وسيلة للاستجواب أو ربما ~~وسيلة للتسلية (حتى مع صبي هزيل في الثالثة عشرة من العمر كمحمد، تهمته الوحيدة هي سرقة ~~عبوة شاي)، فمن الطبيعي أن يتبين ms122 أنهم لا يبدون أي تعاطف لدى الاستماع إلى الضحايا؛ أضف إلى ~~هذا الاعتقاد الراسخ في هذا المجتمع الذكوري بأن النساء اللائي يغتصبن قد استحققن هذا أو ~~طلبنه بطريقة ما، ومن ثم تصبح صعوبة الإبلاغ عن الجرائم والتعامل مع رجال الشرطة صعوبة ~~مطلقة. أما النساء اللائي يواجهن بشجاعة ترهيب أقسام الشرطة التي يسودها الرجال على نحو ~~مطلق، فيذكرن أن تجاربهن لم تزد جراحهن إلا سوءا، وأن ردة الفعل الأولى لأي بلطجي يجابهنه ~~يدعو نفسه شرطيا هي أن يسأل بخسة إن كان من الممكن أن يتقابلا فيما بعد هذا المساء في ~~مطعم للوجبات السريعة للتباحث أكثر في المسألة؛ فمن وجهة نظره، بما أن «عرض» المرأة قد مس، ~~يصبح اللوم عليها، وتصبح لقمة سائغة. # يحتار المرء فيما عليه أن يقوله في سياق الاعتقالات التي قام بها مئات من رجال الأمن عام ~~2001 لبضع عشرات من الرجال افترض أنهم «شواذ» يرقصون على ظهر قارب نزهة كان راسيا بالنيل ~~في القاهرة. تعرض الاثنان والخمسون معتقلا (الذين اعتقل خمسة وثلاثين منهم على ظهر القارب ~~وسبعة عشر في مناطق أخرى بالقاهرة) للتعذيب، وبعضهم ضرب بقسوة، وحتى أصغرهم - وهو في ~~الخامسة عشرة فقط من العمر ولم يكن بقاعة الرقص ساعة إلقاء القبض عليه - أخبر الصحفيين أنه ~~ضرب بعصا غليظة على ساقه وقدميه، وتلك أداة تعذيب تترك كثيرا الضحية غير قادرة على المشي ~~أياما. ولم تكن محاكمة هؤلاء السجناء إلا مظهرا صاخبا؛ إذ منعت أسرهم وأقاربهم من دخول ~~قاعة المحكمة، وشعروا بالإحباط إزاء محاكمتهم بمحكمة أمن الدولة (التي نشأت من الأساس للبت ~~في قضايا الإرهاب والتجسس)، مع حرمانهم من حق الاستئناف. غير أن اعتقال مجموعة من الرجال لا ~~لشيء إلا لأنهم يرقصون معا على يد البلطجية الممولين من قبل الدولة - الذين يزعم أنهم ~~يعمدون كثيرا إلى الاعتداء الجنسي كوسيلة لتعذيب ذكور المعتقلين - هو أمر يتجاوز بكثير ~~المفارقة. إنه يشير في الواقع إلى النفاق المقيت والوحشية القاسية التي يقوم عليها نظام ~~مبارك، ويدلل على دولة تعمل فيها خدمات الأمن لا ms123 على حماية الشعب من الجرائم بل على حماية ~~قادة المجتمع ممن يمقتونهم. ~~••• # التسجيل الذي ظهر فيه محمد لعشرات الآلاف من متصفحي الإنترنت ومن قرءوا التقارير التي ~~تصدر من حين لآخر عن هذا الموضوع في الإعلام الغربي أظهر ما يدركه جميع المصريين منذ سنوات: ~~التعذيب يمارس على نطاق واسع في أجهزة الأمن المصرية. ولم تكن تلك في الواقع المرة الأولى ~~التي تسجل فيها تلك الوقائع في مقطع مرئي ليشاهدها العالم أجمع، فقد أظهر مقطع مرئي سجلته ~~كاميرا هاتف محمول نشر في نوفمبر/تشرين الثاني على مدونة مصرية مجموعة من الضباط يتحرشون ~~بعصا مكنسة بمؤخرة سجين اعتقل بعد أن تصدى لاعتقال أخيه، الأمر الذي يعد وفقا لتقرير ~~منظمة العفو الدولية عن التعذيب في مصر من الممارسات المعتادة. على سبيل المثال: أصدرت ~~منظمة حقوق الإنسان المصرية تقريرا في عام 2007 يتناول بالتفصيل حالات المئات من ضحايا ~~وحشية الشرطة على مدار العقد الماضي. قال مدير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان طارق زغلول ~~لوكالة أنباء بلومبيرج في عام 2007: «التعذيب في مصر يمارس على نحو منهجي ونظامي، بعكس ما ~~تريد وزارة الداخلية أن نظنه.» وأضاف أن حالات التعذيب «ليست حالات منفردة». ويذكر تقرير ~~المنظمة أن التعذيب في مصر ظاهرة تدعم وجودها القوانين المتساهلة التي تسمح بتزايدها، وقد ~~وثقت المنظمة في الفترة من عام 1993 إلى يوليو/تموز عام 2007 ما يزيد عن خمسمائة حالة ~~تعذيب، إذ توفي من بين 576 ضحية تعذيب 167 ضحية نتيجة مباشرة للتعذيب في أقسام الشرطة، ~~ولا تمثل تلك الحالات على الأرجح إلا قمة جبل الجليد، إذ إن أغلب الحالات يجري التعتيم عليه ~~قبل أن يظهر. # أساليب التعذيب الأكثر ذيوعا كما هو معروف هي الضرب والصعق الكهربي، وتعليق الضحايا من ~~معصمهم وكواحلهم في أوضاع ملتوية فترات طويلة، وتهديدهم بقتلهم أو اغتصابهم أو التعدي عليهم ~~جنسيا أو فعل ذلك لأقاربهم. وقد أخبر بعض المعتقلين منظمة العفو الدولية أن زملاءهم في ~~السجن كانوا يتعرضون للتعذيب عندما كانوا هم يستجوبون، وذلك إشارة إلى أن التعذيب كان يجري ~~على ms124 مدار أربع وعشرين ساعة، وحكى البعض الآخر عن سماعه صراخ أشخاص يتعرضون للتعذيب، وعن ~~رؤية مساجين مصابين بعد استجوابهم. وذكر الكثيرون ممن اعتقلوا على خلفية هجمات طابا في عام ~~2004 وهجمات شرم الشيخ في عام 2005 أن أيديهم كبلت وجردوا تماما من ثيابهم وعصبت أعينهم ~~خلال جلسات الاستجواب، وذكر أحمد عبد الله - وهو مشتبه به في قضية إرهاب - أنه استجوب وعذب ~~ثلاث أو أربع مرات يوميا، وضرب وعلق من كاحليه ومعصميه في وضع ملتو، وصعق كهربيا في ~~أجزاء حساسة من جسده من بينها شفتاه وعضوه الذكري ورأسه ، وعصبت عيناه وأجبر على خلع ثيابه. ~~وعلى عكس الحال مع محمد، كان طبيب يأتي كل يوم تقريبا للتحقق من أحوال ضحايا التعذيب، ~~وليحرص على استمرار معاناتهم. ويبدو أن محمد تعرض لهذا التعذيب لما يقرب من ثلاثة أشهر من ~~احتجازه، إما لأنه كان أخا لمشتبه به في عملية إرهابية، وإما - وهذه ليست مزحة - لتشابه ~~أسماء! # المعتقلون الذين تلقي قوات الأمن المصرية القبض عليهم يحتجزون سرا أو في مناطق معزولة. ~~بعبارة أخرى، «يخفون» على الطريقة التي عمدت إليها الأنظمة العسكرية الدكتاتورية منذ ~~القدم، ولا يطلع المعتقلون بوجه عام على سبب اعتقالهم إلا من يعتقل منهم لقرابته فقط لأحد ~~المشبوهين. وفي بعض الحالات، يطلق سراح أقارب المشتبه بهم فيما بعد، لكن مع إخبارهم بأن ~~عليهم العثور على المطلوبين وإقناعهم بتسليم أنفسهم للسلطات؛ للحيلولة دون تعرض أقارب آخرين ~~معتقلين للتعذيب أو غير ذلك من صور الإساءة. ومن هنا كان خوف والدة محمد أن تبدي أي اعتراض ~~في الوقت الذي ظل فيه ابن آخر لها محتجزا. هذا الإجراء يشبه إلى حد مخيف إجراء عرف في ~~ألمانيا النازية بالعقاب الجماعي، وصفه هيملر نفسه عام 1944 قائلا إنه: «من العادات شديدة ~~القدم التي مارسها أجدادنا.» # كان أحد ضحايا التعذيب طالب جامعي في الثانية والعشرين من العمر، يرمز للكثيرين؛ لم توجه ~~إليه أي تهم، ولم يحقق فيما زعمه عن تعرضه للتعذيب، ولم يتقاض تعويضا على معاناته. أخبر ~~منظمة العفو الدولية أنه ms125 اعتقل قرابة الساعة الثالثة صباحا من بيته، وعصبت عيناه واصطحب ~~إلى أحد مكاتب مباحث أمن الدولة بالعريش في شبه جزيرة سيناء، وطلب منه أن يعرف هوية بعض ~~الأشخاص، لكن عندما قال إنه لا يملك أدنى فكرة عن هوية هؤلاء، سب ولكم في وجهه مرارا، ثم ~~جرده مستجوبوه من ثيابه، وعقدوا يديه خلف ظهره، وقيدوا قدميه معا، ثم علقوه من معصمه في ~~عتبة باب مفتوح، واتصل سلك بأحد أصابع قدمه وآخر بعضوه الذكري وتعرض لصدمات كهربية، ثم غمر ~~وجهه بالماء وترك ليرقد على الأرض. كل هذا حدث له وهو مجرد من ثيابه، معصوب العينين، وتواصل ~~هذا التعذيب أسبوعا. كان يجبر أحيانا على الحضور أثناء استجواب وتعذيب معتقلين آخرين، وفي ~~أحيان أخرى تنامت إلى أسماعه صرخات زملائه المعتقلين، وقد أمضى أربعة عشر يوما في مكتب ~~مباحث أمن الدولة بالعريش قبل أن ينقل إلى مركز سجون تابع لقوات الأمن المركزي. # تشير جميع الشواهد المتاحة إلى أن محاولات النظام لمحاربة التعذيب الذي يمارس على نحو ~~روتيني ليست إلا صورية. فعلى سبيل المثال: بعد بضعة أيام من الحكم على ضابطي شرطة بالسجن ~~ثلاث سنوات في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2007 لتحرشهم برجل بعصا مكنسة في القضية السابق ~~ذكرها، توفي رجل آخر متأثرا بجراحه بعد أن عذبته الشرطة المصرية ثلاثة أيام، فصرح مسئول ~~مصري لوكالات الأنباء الأجنبية بأن الرجل - أحمد صابر سعد - احتجز اشتباها في حيازته ~~مخدرات، لكن على الرغم من استصدار وكلاء النيابة أمرا بإطلاق سراحه لعدم كفاية الأدلة ضده، ~~عذبته الشرطة ثلاثة أيام قبل أن تتركه في أحد الشوارع ليموت بعدها بيوم. أمر المدعي العام ~~المصري عبد المجيد محمود بالتحقيق في تلك الأنباء، لكن قبل أن يبدأ التحقيق وضع ضابطا شرطة ~~«تحت التحقيق» بعد أن ادعى مراهقان أن الضابطين أمرا سجناء آخرين باغتصابهما في قسم شرطة ~~آخر. يزعم أن الضابطين - وهما يحتلان رتبة ملازم وملازم أول في قسم شرطة كفر الشيخ - قد ~~أمرا سجناء أكبر سنا باغتصاب المراهقين اللذين يبلغان من العمر ستة عشر وسبعة ms126 عشر عاما ~~بعد أن اعتقلا بتهمة حيازة مخدرات قبل أسبوع، وأمر بحبسهما أربعة أيام، فقدمت أسرتاهما ~~شكوى بعد إطلاق سراحيهما إلى وكيل النيابة المحلي، وأجري فحص جنائي بعد أن غادر الصبيان ~~قسم الشرطة زعم أنه تبين منه أن الصبيين تعرضا للتحرش الشرجي، وأصدرت وزارة الداخلية ~~بيانا يصرح بأن مأمور قسم كفر الشيخ واثنين من كبار مساعديه قد أقيلوا من مناصبهم ونقلوا ~~إلى «وظائف إدارية». ~~••• # إن بدا كل هذا - العري، وتعصيب العينين، ~~وتعليق الأجساد - مألوفا، فهذا لأنه افتضح في دولة أخرى وارتكب في نقطة أخرى رائدة في ~~التعذيب؛ في سجن أبو غريب ببغداد، في الأيام الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق. كان كولين ~~باول وزير خارجية الولايات المتحدة في 26 من سبتمبر/أيلول عام 2001 صريحا - من قبل حتى أن ~~تلوح في الأفق أي «حرب على الإرهاب» - في تقديره «لالتزام مصر بالعمل معنا ونحن نمضي قدما ~~لمواجهة بلاء الإرهاب، فمصر - كما نعلم جميعا - تسبقنا بالفعل في هذا المضمار، وعلينا أن ~~نتعلم الكثير منها، وبوسعنا التعاون كثيرا معا»، على حد قوله، وكان استجواب السجناء من ~~المجالات التي استطاع الحليفان التعاون فيها معا بموجب نظام «التسليم الاستثنائي»، وهو ~~مصطلح ابتكر إشارة إلى نقل المعتقلين سرا من الولايات المتحدة إلى دول أخرى يبدو فيها أن ~~القوانين وأجهزة فرض القانون لا تتورع بنفس القدر عن استخدام التعذيب لاستخراج المعلومات. ~~وقد ثبت أيضا أن المملكة العربية السعودية مرشح مثالي للدخول في مجالات تعاون كتلك. ~~••• # إن عدت السلطات المصرية قضية ما تمس الأمن القومي بأي طريقة، فبإمكانها استخدام مئات ~~الوسائل القانونية لتتملص مما يضمن حصول المعتقلين على محاكمة عادلة، ومن حقهم في الحصول ~~على الاستشارة القانونية، ومن حظر استخدام الأدلة المستخرجة تحت التعذيب، ومن التحري عن صحة ~~الدعاوى عن استخدام التعذيب أو غيره من صور الإساءة؛ فعلى حد وصف المدافعين عن حقوق ~~الإنسان، يجري التعامل مع قضايا الأمن القومي وفقا لنظام قضائي مواز، قد يحرم المتهم من ~~أن يعامل على قدم المساواة مع غيره من المتهمين، بداية من حقه ms127 في رفع الدعاوى إلى حقه في ~~الحصول على محاكمة. فالقضايا التي تتصل بالأمن القومي يضطلع بالتحقيق فيها فرع محدد من ~~النيابة العامة - هو نيابة أمن الدولة - أو يحيلها الرئيس إلى النيابة العسكرية العليا، ~~بعدئذ يحاكم المتهمون لا في محاكم عادية بل أمام محاكم طوارئ، أو محاكم عسكرية تحكمها بعض ~~الشروط المقيدة (منها حرمان المتهم من حق الاستئناف في محكمة أعلى)، وتوجه النيابة العامة ~~الدعوى الجنائية في المقام الأول بالتحري عن الاتهامات الموجهة عبر ضباط الشرطة أو بتفويض ~~تلك المهمة إلى قاضي تحقيقات، لكن هذا يتوقف تماما على ما يراه النائب العام. وبإمكان ~~وكلاء النيابة في قضايا الأمن القومي أن يجروا ببساطة التحقيق بأنفسهم عبر نيابة أمن الدولة ~~العليا التي تتخصص في تلك الاتهامات، والتي يديرها مباشرة النائب العام. لقد أخذت سلطات ~~نيابة أمن الدولة العليا تتسع بالمزيد من القرارات بعد عام من انقلاب عام 1952، حتى أصبح ~~بمقدور أعضائها إجراء التحقيقات في أي جريمة أمنية في أي نقطة من مصر أو في أي جريمة يرى ~~الرئيس أنها تستحق أن تحال إليها، وثمة الكثير من مثل هذه الجرائم بالطبع. # يمنح قانون الطوارئ الذي صدر عام 1952 أيضا النيابة العامة سلطات قاض التحقيق وسلطات ~~محاكم الاستئناف السرية، ويمنح النائب العام سلطات هائلة تمكنه من احتجاز المشتبه في قيامهم ~~بجرائم إرهابية. هذا في مجمله يعني أن النائب العام يستطيع أولا أن يأمر بحجز المتهم قبل ~~محاكمته خمسة عشر يوما بموجب صلاحياته بوصفه نائبا عاما، ثم تمديد فترة اعتقاله إلى ~~خمسة وأربعين يوما بناء على صلاحياته بوصفه قاضي تحقيقات، ثم الاستمرار في تجديد اعتقاله ~~بصفته قاضي غرفة استئناف لفترات مداها خمسة عشر يوما. وبعبارة أخرى، النائب العام يملك ~~سلطة احتجاز المتهم مدة تصل إلى خمسة أشهر دون إشراف قضائي مستقل. وقد يحرم أي شخص خلال ~~الخمسة عشر يوما الأولى من اعتقاله من حقه في المثول فورا أمام قاض أو أي مأمور ضبط قضائي ~~أو حتى الاعتراض على أمر اعتقاله، مهما كانت فرصة نجاحه ضئيلة إن ms128 حظي بتلك الفرصة في نهاية ~~الأمر. ولا داعي لأن نضيف أن مسئولية التحقيق في دعاوى تعذيب المعتقلين ... من اختصاص النائب ~~العام. # شبكة الولايات المتحدة لنظام «التسليم الاستثنائي» استغلت الثغرات التي يتيحها النظام ~~المصري بانتقاء ضحايا أغلبهم مهاجرين مصريين أو مصريين مزدوجي الجنسية يمكن عندئذ التصديق ~~بأنهم خاضعون لسلطة مصر القضائية، وبأنهم يمثلون خطرا على أمنها (إن كانوا يمثلون خطرا ~~على أحد). وقد أصبحت رحلات ضباط جهاز المخابرات المركزية الأمريكي لتسليم المعتقلين إلى مصر ~~عبر المطارات الأوروبية والباكستانية واقعا تشهد عليه الوثائق. ولا يعلم أحد عدد من ~~«سلموا» إلى مصر على هذا النحو وكأنهم كم مهمل، لكن أغلب من أفصحوا فيما بعد عن تجاربهم، ~~ذكروا أنهم قيدوا وعصبت أعينهم لدى وصولهم إلى مطار القاهرة، ثم نقلوا إلى معتقل سري تديره ~~على ما يبدو المخابرات العامة المصرية. # من هؤلاء ممدوح حبيب، وهو مصري يحمل جواز سفر أسترالي. حظيت قضيته باهتمام إعلامي واسع ~~وقامت الكثير من وقائعها على أدلة قوية. اعتقل ممدوح حبيب - وفقا لتقرير منظمة العفو ~~الدولية الصادر في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول عام 2001 الذي حمل عنوان: «مصر: انتهاكات ~~منهجية باسم الأمن» - في باكستان التي يزعم أنه تعرض فيها للضرب وتلقى التهديدات قرابة شهر ~~لدفعه إلى التوقيع على اعتراف، فلما لم يفلح هذا، سلم على حد قوله مجردا من ثيابه إلى ~~خمسة عشر مسئولا أمريكيا، وقد صور وأعطي مهدئا ونقل جوا إلى مصر. وخلال الرحلة، ~~منعه ضباط الأمن المصريون من النوم، ثم قيد لدى وصوله إلى مطار القاهرة وعصبت عيناه، ثم ~~اقتيد إلى مبنى تحيطه جدران عالية حيث يذكر أن السيارة التي أقلته سارت مدة تتراوح بين عشر ~~وخمس عشرة دقيقة قبل أن تصل إلى ما بدا موقعا تحت الأرض من المبنى. جرد فيه من ثيابه، ~~وصور ثم أودع غرفة فحص فيها طبيب قلبه، ثم زاره ضابطا أمن مصريان وسألاه التعاون معهما ~~والاعتراف بأنه كان يخطط لاختطاف طائرة للقيام بأعمال إرهابية. ولما رفض خدر وأودع زنزانة ~~صغيرة ذات ضوء أصفر خافت، ms129 وفتحة بالسقف الذي علق فيه بخطاف وتعرض للضرب والصدمات الكهربية، ~~وتلقى تهديدات بالاغتصاب والموت وقتل أقاربه، وأجبر على دخول غرف تعذيب إحداها امتلأت ~~بالماء إلى مستوى مرتفع حتى إنه اضطر إلى الوقوف على أطراف أصابعه ساعات لكي لا يغرق، وأخرى ~~كان سقفها شديد الانخفاض وامتلأت إلى ارتفاع قدمين بالماء، مما اضطره إلى الانحناء في وضع ~~مؤلم، وأخرى ملأت إلى ارتفاع بضعة بوصات بالماء وحوت مولدا كهربائيا قيل له إنه سيستخدم ~~في صعقه كهربيا. اضطر ممدوح حبيب في ظل هذه الظروف التي زعمها إلى الاعتراف بأنه ساعد في ~~تدريب منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على الفنون العسكرية، لكنه سحب فيما بعد ~~اعترافه. وأخبر كل من استمع إلى قصته أن استخدام العقاقير والصدمات الكهربية بانتظام أدى ~~إلى إصابة جانبه الأيسر بالشلل مؤقتا. كان آنذاك ينزف من عينيه وأذنيه ويتبول أحيانا ~~دما، فلما تدهورت حالته الصحية، اقتيد إلى غرفة بطابق أعلى من المبنى تفقد فيها طبيب حالته ~~بانتظام - على ما يبدو - لعلاجه قبل إطلاق سراحه، وأخبره ضباط الأمن أنه لم تعد هناك حاجة ~~له في مصر. من ثم قيد وعصبت عيناه باكورة صباح يوم ما وأغلق فمه بشريط لاصق وأودع شاحنة ~~أقلته إلى المطار، ثم صور ضابط أمن شريطا تسجيليا له - على غرار ما يحدث في سجن أبو غريب ~~- أثناء تجريده من ثيابه، ونزع الشريط اللاصق من على فمه ووجهه، والتقطت له الصور قبل أن ~~تعصب عيناه ويكمم من جديد ويوضع على متن طائرة متجهة إلى أفغانستان. ومن هناك نقل إلى ~~معتقل خليج جوانتانامو الذي يقع على أرض ليست تابعة لدولة معينة، وتبعد عن نطاق سلطة ~~القانون أكثر من مصر، لكن يلاحقها الاهتمام الإعلامي من حين لآخر، واحتجز هناك قرابة ثلاثة ~~أعوام ثم أطلق سراحه في آخر الأمر دون توجيه اتهام. # يدرك النظام المصري شأنه شأن جميع الأنظمة القمعية في العالم العربي أن المساهمة في ~~«الحرب على الإرهاب» التي تشنها الولايات المتحدة من شأنها أن تحد من انتقادات واشنطن ~~لانتهاكات النظام لحقوق ms130 الإنسان، في الوقت الذي تبرر فيه تبني الإجراءات القمعية ضد عامة ~~الشعب. لذا، لما اتهمت منظمة حقوق إنسان معتمدة بالولايات المتحدة الحكومة المصرية في ~~ديسمبر/كانون الأول عام 2007 باستخدام التعذيب والاعترافات المزيفة في قضية مكافحة إرهاب ~~شهيرة اتهم فيها اثنان وعشرون عضوا من جماعة إسلامية مغمورة - هي جماعة «الطائفة ~~المنصورة» - بالتخطيط لهجمات على مواقع سياحية وخطوط غاز؛ لم يستدع هذا الكثير من الدهشة. ~~ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش أن أبحاثها تفيد أن أجهزة الأمن لفقت اسم الجماعة، وأن ما ~~زعمته كان بالدرجة الأولى يهدف إلى تبرير تمديد قانون الطوارئ ، ومع أن النائب العام نفسه ~~أسقط التهمة الموجهة إلى المشتبه بهم، يعتقد أن عشرة منهم لا يزالون معتقلين. ~~••• # وسط ذلك تبرز نقطة مثيرة للاهتمام هي الاحترام العجيب ذو الطبيعة المنحرفة الذي يكنه ~~ممارسو التعذيب للإجراءات القانونية. فالقانون المصري يعرف التعذيب تعريفا محدودا فقط في ~~سياق إجبار المتهم على الاعتراف، من هنا لا يحظر إلا بعض الممارسات فقط من الممارسات ~~المحظورة دوليا، بل إنه في الواقع لا يجرم التهديد بالقتل أو التعذيب البدني إلا بعد ~~اعتقال غير قانوني يقوم به شخص يزعم أنه ضابط حكومي، علاوة على أن القانون لا يتناول بأي ~~حال التعذيب لأسباب أخرى؛ لاستخراج المعلومات، والترهيب والعقاب والإذلال أو للحالات التي ~~لا تحمل فيها الضحية أي تهمة. ويبدو بالفعل أن ممارسي التعذيب لدرايتهم بالقانون نادرا ما ~~يستخدمون العنف لاستخراج الاعترافات إلا مع مشتبهي نظام التسليم الاستثنائي، عندما يصبح ~~تشجيع الولايات المتحدة بمنزلة رخصة إلهية، إلا أنهم يستخدمونه على نحو مفرط لحمل الضحايا ~~على تجريم غيرهم أو الإدلاء بالمعلومات، كما فعلوا مع شقيق محمد الصغير، أو يلجئون إليه بلا ~~أي سبب على الإطلاق. # وسائل التعذيب التي يستخدمها ضباط الأمن تتسم بالطبع بأنها مبتكرة كعهدها منذ الأزل. ~~والاقتصاد العالمي بيئة مناسبة لها، يمكنها فيها أن تتزايد لتتيح لضباط الأمن الوسائل كافة ~~التي يحتاجونها وأكثر. كتب كاتب الرأي الإسرائيلي المولع بالمعارضة سام فاكنين يقول: «تصنع ~~وسائل التعذيب في الأغلب في الغرب، وتباع ms131 كثيرا علنا في الدول النامية إلى أنظمة الحكم ~~البغيضة وعبر الإنترنت. ووسائل التعذيب التكنولوجية المتقدمة كثيرة منها: المسدسات الصاعقة ~~بالكهرباء المسببة للتشنجات، والأغلال المؤلمة، ومصل الحقيقة، والمواد الكيميائية كرذاذ ~~الفلفل. وتصاريح تصدير تلك المعدات بسيطة ومباحة على مستوى العالم، وهي تتجاهل تماما ~~الخصائص التقنية لتلك المعدات (مثلا: هل من الممكن أن تقتل أم أنها تستخدم للإيلام وحسب).» ~~وقد كشفت مؤسسة أوميجا بإنجلترا ومنظمة العفو الدولية عن وجود ما يزيد عن مائة وخمسين شركة ~~مصنعة للمسدسات الكهربية الصاعقة في الولايات المتحدة، وهؤلاء المصنعون يواجهون منافسة ~~شرسة من ألمانيا (التي يوجد بها ثلاثون شركة)، وتايوان (تسع عشرة شركة) وفرنسا (أربع عشرة ~~شركة) وكوريا الجنوبية (ثلاث عشرة شركة) والصين (اثنتا عشرة شركة) وجنوب أفريقيا (تسع ~~شركات) وإسرائيل (ثماني شركات) والمكسيك (ست شركات) وبولندا (أربع شركات) وروسيا (أربع ~~شركات) والبرازيل (ثلاث شركات) وإسبانيا (ثلاث شركات) وجمهورية التشيك (شركتان). وقد ظهرت ~~الدروع الأمريكية الصاعقة بالصدمات الكهربية عالية الفولطية في تركيا، ووصلت المسدسات ~~الكهربية الصاعقة إندونيسيا، وظهرت العصي والدروع الصاعقة بالكهرباء ومسدسات الصعق بالنبال ~~في المملكة العربية السعودية. وتسيطر أيضا الشركات الأمريكية على صناعة الأحزمة الصاعقة، ~~وتقتبس منظمة العفو الدولية عن دينيس كوفمان مدير شركة ستان تيك إنك الأمريكية قوله: ~~«الكهرباء تتحدث جميع اللغات المعروفة لدى الإنسان، ولا تحتاج إلى ترجمة. الكل يخاف من ~~الكهرباء، وهذا لسبب وجيه.» ويصر كوفمان على أن منتجات شركته ليست مصممة للتعذيب وإنما ~~لاستخدامها في الإصابة بشلل مؤقت دون إلحاق أذى، وقد منح الاتحاد الأوروبي وفقا لمنظمة ~~العفو الدولية جائزة الجودة لشركة تايوانية تصنع العصي الكهربية الصاعقة في وقت ما، لكن ~~عندما ووجه الاتحاد لم يستطع الاستناد إلى دليل على إجراء اختبارات أمان مستقلة لهذه العصي ~~أو إلى دليل يثبت أن دول الاتحاد قد استشيرت حتى في هذا الصدد. # إلا أن أهم ما أدخله عصرنا الجديد إلى التعذيب - كما يتضح من سجن أبو غريب - هو التأكيد ~~على أهمية استخدام الإذلال المتعمد، لا سيما الإذلال الجنسي مع الرجال (فلطالما استخدم ~~الإذلال الجنسي ms132 مع النساء). نقلت منظمة العفو الدولية عن طالب في الثانية والعشرين من العمر ~~قوله: «أسوأ ما حدث لي هو تجريدي من ثيابي، فهذا أثر بالسلب علي نفسيا.» فيما قال أبو عمر ~~الذي تعرض للتعذيب: «تعرضت للاعتداء الجنسي والشرجي مرتين، وكان هذا أسوأ ما مررت به، فآثار ~~التعذيب البدني تختفي في آخر الأمر ويذهب الألم، فيما تبقى التداعيات النفسية والمرارة ~~وفضيحة التعرض للاعتداء الجنسي. تعرضت للاعتداء الجنسي مرتين، قيدت فيهما قدماي وعقدت يداي ~~خلف ظهري وجلس شخص فوقي وبدأ يحاول اغتصابي، فصرخت عاليا بقوة حتى إنه أغشي علي، ولا أعلم ~~إن كان قد اغتصبني أم كان يحاول ترهيبي وتهديدي فقط.» فإن بدت لك الجملة الأخيرة توحي ~~بالتراجع - لاحظ أن قائلها انتقل من قوله: «تعرضت للاعتداء الجنسي» إلى قول: «لا أعلم إن ~~كان قد اغتصبني» - فإن هذا لا يؤكد إلا أن الإذلال الجنسي هو أقوى وسيلة لتحطيم الضحية عبر ~~إلحاق العار بها، سواء أكانت من العرب أم من غيرهم. من هنا سلط احتجاج العالم العربي العنيف ~~على صور التعذيب في سجن أبو غريب الضوء على الاعتداءات الجنسية إلى حد بلغ درجة الهوس، أو ~~ركز بالأحرى على إجبار السجناء قهرا على ممارسة الجنس. وتلك وسيلة شديدة الإيلام، ومن ثم ~~شديدة الفعالية كأداة للتعذيب، لأن الشذوذ محرم في العالم العربي والعالم الإسلامي بوجه ~~عام. إلا أنه ليس فقط متنفسا طبيعيا في الثقافات التي تشدد بدرجات مختلفة على منع ~~الاختلاط بين الذكور والإناث، بل إنه أيضا عادة منتشرة في الشرق الأوسط، لكنه لا يعترف به ~~علانية في المعتاد بسبب هوس مضاد ومساوي في القوة بالذكورة والشرف الرجولي. ~~••• # سألت نفسي فيما كنت أقف في ميدان لاظوغلي المزدحم بالمرور بجنوب القاهرة، وأنا أتطلع إلى ~~القوس الرخامي الأسود الذي يبدو رمزا رائعا لسطوة النظام الوحشية فوق مدخل المقر الرئيسي ~~لوزارة الداخلية، أو المقر الرئيسي لقوات الأمن المصرية: ما الهدف من كل هذا التعذيب؟ أقصد: ~~ما جدواه؟ فأبو عمر أطلق سراحه مع كل هذا دون أن توجه إليه أي ms133 تهمة في آخر الأمر، شأنه شأن ~~الكثيرين؛ ترك وحسب في الشارع بعد أربعة أعوام تقريبا من اليوم الذي يقال إن عملاء ~~المخابرات المركزية الأمريكية زجوا به لأول مرة في شاحنتهم. # كان حاضرا في ذهني مشهد آخر نشر على موقع يوتيوب وقتما زرت ميدان لاظوغلي في منتصف عام ~~2007، يظهر في صورة المشهد المزغبة المشوشة، التي التقطتها كاميرا هاتف محمول؛ شرطي قوي ~~البنية في قسم شرطة، يرتدي زيه الأبيض الشبيه بزي مضيفي السفن، يضرب مجموعة من المدنيين ~~الذين يبدو أنهم قد ألقي القبض عليهم حديثا. أول ضحيتين له لا يصل طولهما على أقصى تقدير ~~إلى رأسه، ويرتديان غطاء رأس يميز أهل القرى، ويقفان بمواجهة حائط يرتعدان، ويحاولان حماية ~~رأسيهما بيديهما ويتوسلان طلبا للرحمة. لكن الشرطي ظل يأمرهما بأن يواجها الحائط ويعدل من ~~وقفتهما مرارا جاذبا إياهما من مؤخرة عنقهما وضاربا جبهتيهما بالحائط، دافعا كليهما إلى ~~النقطة التي يجب أن يقفا فيها وهو يصرخ فيهما. كان يتحرك بسرعة وخفة لكن بحركات حادة مفاجئة ~~وغريبة، وكأنه طائر غابات عجيب في موسم تزاوج. ظلت يده اليمنى مرفوعة في زاوية قائمة وهو ~~يدور حول ضحيتيه هابطا بكف غليظة مرة بعد الأخرى على مؤخرتي عنقهما، وكأنه يوجه ضربة ~~كاراتيه خاطفة غير بارعة. وهو يبدو غير مبال، شاعرا بالضجر أو مصابا بوسواس قهري، وكأنه ~~لا يدري ما الذي عساه أن يفعله بكل تلك السلطة التي عليه أن يمارسها. تتراجع الكاميرا في ~~لحظة ما لتظهر عدة سجناء آخرين ينتظرون بالصف، يدفعهم شخص ما خارج إطار الصورة لينالوا ~~النصيب نفسه من المعاملة، فيصدمهم الضابط بالحائط، ويضربهم ضربة خاطفة على مؤخرة أعناقهم ~~بضع مرات، ولا يلبث أن يجلب عصا مطاطية لا تظهر ضرباتها العنيفة المتقطعة بالصورة، ويتبع ~~صوتها صوت أنات ضحايا آخرين ندرك حينها أننا كنا نسمع أناتهم طيلة المشهد. يعيد هذا إلى ~~الضابط شعوره بالإثارة لوقت قصير وهو يهبط بقوة بالعصا على فخذي السجينين الأولين، لكنه ~~بعدئذ يشعر بالسأم ولا يهديه تفكيره إلى شيء آخر يمكنه فعله، من ثم يلتفت ms134 إلى الكاميرا ~~بابتسامة عريضة على وجهه الوسيم ثم يبسط يديه وكأنه يقول: «وهكذا نتعامل مع أعداء الدولة»، ~~وينتهي المشهد. # تقود دقيقتان وثلاث وثلاثون ثانية فقط هي مدة هذا المشهد إلى شعور المشاهد بالملل، حتى ~~إنني راودتني رغبة في إنهاء عرضه. لم يكن هذا لأنني لم أستطع احتمال العنف الذي ينطوي عليه ~~بقدر ما كان - مع الأسف - لتوقعي سلوكا أكثر فضحا من هذا العبث المتكرر الذي لا يجدي. ومن ~~هنا أدركت أن مشاعري تلك قد تكون مفتاحا لفهم كنه مشكلة التعذيب في مصر التي تتبدى على ~~سبيل المثال في قضية الفتى الصغير محمد، الذي سببت لي مشاهدة التسجيل الخاص به كوابيس بعد ~~أن قرأت أنه توفي. ظللت أتساءل لم لم يودعه الإخوان المسلمون أفضل مستشفياتهم حيث كانت ~~ستسنح له على الأقل فرصة للنجاة؟ ولكي يصعق رجال الشرطة - مهما بلغت وحشيتهم - طفلا في ~~الثالثة عشرة من العمر ويصيبونه بحروق ويغتصبونه لسرقة عبوة شاي، فلا بد أنهم قد أصابهم ~~الملل الشديد من الاعتداء الروتيني والعنف الذي يكيلونه لضحاياهم الناضجين الذين ارتكبوا ~~مخالفات قانونية أكبر. وهذا يدل بلا شك على أن التعذيب مستوطن في مصر منذ زمن طويل، وسط ~~ثقافة لا تعاقب عليه يدعمها قانون الطوارئ، وهو راسخ بقوة إلى حد أنه أصبح منفصلا تماما ~~عن غاية تنفيذ القانون، التي ربما كانت غايته الأصلية في وقت من الأوقات، ليصبح هو في حد ~~ذاته غاية. وفي هذا المناخ الخطير، إلقاء اللوم على النظام ليس شائعا، فالسبب الرئيسي ~~للتعذيب في مصر بالطبع هو ترهيب عامة الشعب المقهورين أكثر. غير أن الدراسات التي تتناول ~~القتل الجماعي على سبيل المثال تظهر مرة بعد أخرى أن الشرفاء تماما قد يتحولون إلى قتلة إن ~~أتاح لهم النظام بيئة بلا عقاب وأنهم يصبحون أجرأ فأجرأ في القتل كلما طال تمكينهم من ذلك. ~~وهذا بالضبط ما فعله النظام المصري في مسألة التعذيب. # بلغت ميزانية مصر للحفاظ على الأمن الداخلي في عام 2006 مليارا ونصف المليار دولار، وهو ~~مبلغ يفوق حجمه حجم ميزانيتها ms135 القومية للرعاية الصحية، ويقدر أن هناك نحو 1,4 مليون فرد أمن ~~تقريبا يشكلون طاقما يبلغ حجمه تقريبا أربعة أضعاف حجم الجيش المصري. وقد أنفقت مصر - ~~وفقا لصفحة رأي كتبها سعد الدين إبراهيم في صحيفة واشنطن بوست بعنوان «القمع غير المحدود ~~في مصر» - 1,5 مليار دولار على الأمن الداخلي في عام 2006 وهو مبلغ يفوق ما أنفقته على ~~الرعاية الصحية. كتب سعد الدين إبراهيم أيضا أن الجيش المصري لا يمثل حجمه إلا ربع حجم ~~قوات الأمن الداخلي التي تضم 1,4 مليون فرد، وأن منظمة حقوق الإنسان المصرية كشفت أنه «في ~~الوقت الذي تضاعف فيه تعداد سكان مصر في الأعوام الخمسة والعشرين الأولى من عهد نظام مبارك، ~~تزايد عدد السجون ليصل إلى أكثر من أربعة أضعافه، ووصل عدد المحتجزين أكثر من عام بلا تهمة ~~إلى أكثر من عشرين ألف سجين.» لقد أصبحت مصر، كما قال الثوري إبراهيم عيسى مدير تحرير جريدة ~~الدستور المعارضة: «دولة بوليسية بامتياز.» وفي الفترة التي انخرطت فيها الصحافة المصرية في ~~تحليل الأوضاع المصرية في أعقاب وفاة الصغير محمد، أشار آخرون إلى أن النظام المصري في ~~جوهره معتل. قال أحمد حجازي من منظمة حقوق الإنسان العربية بالقاهرة لصحيفة الأهرام ~~الأسبوعية إن المشكلة تبدأ من تدريب صغار الطلاب الملتحقين بجهاز الشرطة؛ وأردف: «يتسم جزء ~~كبير من التدريب بأنه ذو طابع عسكري، ويكون التركيز على بناء القوة البدنية.» وأضاف أيضا ~~أن عمل الشرطة الحقيقي لا يدرس تقريبا، والأساليب التي تدرس تكون في العادة عتيقة، من ثم ~~لا يلبث ضباط الشرطة أن يتعلموا أن الضغط البدني على السجين قد يحقق نتائج أسرع من ~~الاستجواب السليم، ويفطنون من مجموعة من القضايا واسعة الشهرة أنه من المستبعد أن تؤدي وفاة ~~السجين في فترة اعتقاله إلى أي تداعيات. وبما أن قبضة مبارك على السلطة تضعف، فقد يبرر هذا ~~إضافة أي أسباب ربما لم تكن موجودة من قبل لتبني إجراءات أكثر صرامة تجاه التهديدات التي ~~يواجهها النظام، أو - وهو الأرجح - محاولة ترهيب الشعب المصري بنماذج لا ms136 تنفك تزداد وحشية. ~~لكن كما هي الحال مع التقارير الصحفية التي تزعم أن عدد الوفيات من التدخين «يتزايد»، يصعب ~~تبين ما إن كان تزايد وحشية الشرطة مرده ببساطة إلى نمو الوعي بوحشيتها أم اتساع تغطية ~~نماذجها. يقع اللوم بالأساس على الرئيس عبد الناصر بقدر ما يقع عليه في كثير من السوء الذي ~~أصاب مصر، بما أنه أسس مراكز تعذيب تعرف رسميا بالسجون تتسم بطابع شديد الوحشية إلى حد أن ~~سجناءها الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف كانوا يشيرون إليها باسم «معسكرات ~~الاعتقال». ~~••• # إن وقفنا على تحقيقات مذبحة بني مزار الشهيرة التي وقعت في ديسمبر/كانون الأول عام 2005، ~~فسنجد أن العمل الشرطي السليم قد اندثر تماما منذ زمن بعيد، فلا تزال مهزلة جمع وضرب العدد ~~المعتاد من المشتبه بهم خيارا متاحا سهلا. وفي قضية بني مزار التي احتلت الصفحات الأولى ~~للجرائد شهورا، ذبح ذبحا شعائريا أربعة رجال وامرأتان وأربعة أطفال في 29 من ~~ديسمبر/كانون الأول عام 2005 في بلدة بني مزار التي تقع على بعد 225 كيلومترا جنوب ~~القاهرة. ووفقا لوصف صحيفة ديلي نيوز إيجيبت، عندما اكتشفت جثث الضحايا كانت قد أصبحت ~~متيبسة. تشير بقع الدم الذي سال منها إلى أنها نزفت حتى الموت، وبها إصابات على الرءوس ~~والرقاب، وكانت بطونها مبقورة. الذكور من الرجال والأطفال بترت أعضاؤهم التناسلية، أما ~~النساء فشقت بطونهن وصولا إلى أعلى المستقيم. بعض الضحايا كانت بأيديهم جروح من أثر الدفاع ~~عن أنفسهم، لكن الشرطة ارتأت أن من تغلب على الضحايا العشر كان جارا مختلا عقليا ~~وحيدا عملاق الجسم ذكاؤه أقل من المتوسط، يدعى محمد علي، يبدو أنه سبب إزعاجا على سقف بيت ~~تلك الأسرة ذات مرة، لكن لم يبد عليه أي علامة على الإطلاق تشير إلى أنه مريض نفسي. وكانت ~~المرة الوحيدة التي اهتاج فيها تحت ملاحظة نفسية مستقلة هي عندما أخبر بأن الشرطة ستسأله ~~المزيد من الأسئلة. غير أن الأمور لم تسر حسب ما خططت النيابة هذه المرة؛ بل سلطت محاكمة ~~محمد علي في يوليو/تموز عام 2006 ms137 الضوء على افتقار الشرطة تماما للكفاءة في تلفيقها التهمة ~~لمحمد علي، على نحو بدا أقرب إلى نسخة للكبار فقط من سلسلة أفلام كيستون كوبز الكوميدية ~~الساخرة منه إلى مؤامرة تستحق أن يطلق عليها هذا الاسم. # على سبيل المثال: بالرغم من أهمية القضية لم تستدع الشرطة خبير رفع بصمات إلى مسرح ~~الجريمة، زاعمة في المحكمة أن الطوب اللبن بالمبنى الذي قتلت فيه الضحايا لم تكن لتظهر عليه ~~أي بصمات بأي حال، ثم زعمت الشرطة أن محمد علي قادها إلى الموقع الذي خبأ فيه الأجزاء ~~المبتورة من جثث ضحاياه الذي قصده قبل أن يذهب إلى بيته؛ ناسيا أن يغسل الجلباب الذي ~~ارتداه أثناء قتل الضحايا، والذي لم تظهر عليه الكثير من الدماء على حد قول الخبراء الذين ~~استدعاهم الدفاع، وهو ما يتناقض مع ذبح دستة تقريبا من الأشخاص. وكانت أعضاء الضحايا ~~التناسلية في الموضع الذي ذكر محمد علي أنها ستكون فيه، وهو ما يشير إلى أنه دسها هناك ~~متبعا تعليمات الشرطة. وأضاف محاميو الدفاع أن الجريمة وفقا لتقرير وكيل النيابة لم يعد ~~محمد تمثيلها - وهو الإجراء المعتاد - بل مثلها شخص آخر لأن محمد كان «متعبا». كما طلب ~~أيضا من محمد علي في المحكمة تجريب مقاس حذاء أودع بين الأدلة وزعم أنه عثر عليه في ~~منزله وربط بينه وبين الجريمة فيما بعد، فلما فعل ذلك لم يناسبه الحذاء. وبعد ثلاث محاولات ~~لارتداء الحذاء، فحص الحذاء الذي ارتداه بالمحكمة؛ فكان مقاس الحذاء الذي ارتداه خمسة ~~وأربعين، غير أن مقاس الحذاء الذي عرض دليلا كان اثنين وأربعين. لكن في اليوم التالي، ~~وعندما استدعي خبير، أصبح الحذاء بأعجوبة يناسب مقاس قدم محمد علي. غير أن القضية اشتملت ~~على ثغرات أخرى من بينها التقارير الجنائية وشهادات الشهود المتناقضة، التي أبرزها فريق ~~الدفاع عن محمد علي بقيادة عضو البرلمان عن إحدى دوائر محافظة المنوفية طلعت السادات، الذي ~~لعب دورا محوريا في إعادة النظر في القضية بواسطة أكاديميين مستقلين. ذكر السادات أن ~~الشرطة» اهتمت فقط بسد الخانات بدلا من ms138 إجراء تحقيق حقيقي». وكانت كل هذه الأدلة أكثر من ~~أن يحتملها القضاء، وإن كان كالقضاء المصري، فبرأت المحكمة محمد علي من الاتهامات ~~كافة. # بالطبع تعرض محمد علي (كما قيل) للتعذيب للإدلاء باعتراف مبكر، وكذلك عائلته. ذكر والد ~~محمد علي أنه كان يسمع محمد يصرخ من ألم الصعقات الكهربية التي تلقاها أثناء الاستجواب. ~~وذكرت سوزان فياض، وهي عالمة نفس بمركز نيشن - الذي لعب دورا حاسما في نقض الأدلة ~~المستخدمة في قضية محمد علي - في مقال صدر عام 2006 بعنوان «شكوك منطقية كثيرة» أن الشرطة ~~بعد صدور الحكم «جمعت غيظا ثلاثين فردا من أسرة محمد علي، وجعلتهم يجلسون على الأرض ساعات ~~في أحد أقسام الشرطة.» وكان هذا في ظاهره لحماية الأسرة من هجوم بعض الغوغاء بعد أن حرضت ~~وزارة الداخلية أسر بني مزار ضد محمد علي. وأضافت سوزان فياض أن ذلك الإجراء كان عبارة عن ~~«حماية بسيطة ممتزجة بعقاب طفيف». وفيما بعد احتجزت الأسرة تحت الإقامة الجبرية «لحمايتها» ~~وصودرت الهواتف المحمولة المملوكة لأفرادها. وفي ذلك قالت سوزان، التي احتكت في عملها ~~بالكثير من ضحايا العنف، إن هذه القضية توضح مدى روتينية ومنهجية التعذيب. # قد نميل إلى الاعتقاد أن براءة محمد علي تظهر أن النظام لم يفسد تماما؛ لكن العجيب أن ~~هذا الاعتقاد لن يستهوينا كثيرا، إذ إن طلعت السادات نفسه محامي الدفاع عن محمد علي قد ~~حكم عليه بالسجن عاما في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2006 في قضية مختلفة، بتهمة ارتكاب أخطر ~~الجرائم، ألا وهي «سب الجيش». ومن الصعب ألا نتصور أن حبسه كان بطريقة ما عقابا على كشفه ~~مدى إجرام ووحشية الشرطة، ناهيك عن افتقارها التام إلى أدنى قدر من المصداقية، من خلال ~~مساعدة محمد علي لنيل البراءة. ~~••• # يأتي من الكويت النائية تفسير أعمق وأكثر إيلاما لظاهرة تقبل التعذيب، تفسير سوغه نبأ ~~انتشر في أغسطس/آب عام 2007 عن تعذيب شرطة الهجرة الكويتية لاثنين من المصريين بعد وقت قصير ~~من وفاة الفتى الصغير محمد. كتبت رانيا الجمل - وهي مصرية وكاتبة دائمة في صحيفة ms139 الكويت ~~تايمز - ردا بقوة على تلك الأنباء قائلة: «التعذيب اليوم في الشرق الأوسط هو منهج حياة، ~~إنه يستخدم في كل مكان، ففي بيوتنا يضرب الآباء أبناءهم، ويقتلونهم أحيانا إن أساءوا ~~السلوك أو أساءوا إلى اسم العائلة. وفي أماكن العمل تكثر القصص عن أرباب العمل الذين يسيئون ~~إلى الخادمات والسائقين ويعذبونهم. ويدخل في بعض المدارس بالعالم العربي ضمن واجبات المعلم ~~ضرب الطفل بمباركة والديه. ولا ننسى أقسام الشرطة والسجون حيث أصبحت الكرامة الإنسانية منذ ~~زمن أمرا منسيا، وحيث تعد حقوق الإنسان دعابة.» تقول رانيا الجمل إن رد فعل أغلب العالم ~~العربي على تلك الأنباء لن يتجاوز - على أفضل تقدير - هز الكتفين بلا مبالاة أو التهكم ~~بعبارة: «أهلا بك في الشرق الأوسط.» ثم تستطرد رانيا قائلة: «نحن نتعلم من لحظة ميلادنا أن ~~علينا أن نومئ بالإيجاب وأن نطيع ولا نناقش أو نخالف. نتعلم أن نتفق مع آبائنا وكبارنا ~~ومعلمينا وحكومتنا ورؤسائنا في العمل؛ قل نعم فحسب لتحيا حياة سهلة، واتبع نهج الآخرين وما ~~يقولونه وما يفعلونه؛ اتبع الآخرين فحسب إن كان هذا سينأى بك عن المشاكل. نحن نتعلم أن ~~المخالفة تأتي بعواقب مؤسفة وأحيانا عواقب كارثية، ولا نتعلم أبدا أن نكون أبطالا، نتعلم ~~فقط أن نكون قطيعا نتبع الراعي وكلابه.» إلا أن رانيا الجمل تضيق ذرعا بمن يزعمون أن فضح ~~هذا التعذيب والتحقيق فيه بالكويت يعني أنها تتمتع بديمقراطية أفضل من مصر، فتقول: «هل هذه ~~هي أفضل استجابة؟ لا يهم إن كانت لدينا ديمقراطية حقيقية أم لا: علينا أن ندين الجريمة لا ~~أن نجد ذريعة لها. علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية للوقوف ضد الخطأ، لا أن ننجرف وراء ~~الآخرين طالما أنه لا يوجد من يراقب وطالما أن الجميع يفعل المثل. علينا أن نتوقف عن لعب ~~دور القطيع لأننا إن لم نفعل فسنذبح يوما ما.» # توضح رانيا الجمل في هذا التحليل القاسي نقطتين متصلتين شديدتي الأهمية: الاعتداء أصبح ~~جزءا لا يتجزأ من نسيج ثقافة الشرق الأوسط ولم يعد مقصورا على أنظمته الهرمة المشوهة؛ ms140 ~~وهذا جعل من يعيشون في ظل تلك الأنظمة مشاركين في الاعتداءات التي تمارسها؛ بل جعلهم في ~~الواقع السبب في استمرارها فيها دون عقاب. على سبيل المثال: قارن من ناحية بين لا مبالاة ~~مصر والشرق الأوسط بوجه عام بضحايا صدام حسين - أسوأ جزاري العالم العربي - الذين يقدرون ~~بمئات الآلاف، وبين التعاطف الجارف العجيب الذي سرى فيهم يوم إعدامه من ناحية أخرى. # مع الأسف خلا التلاسن الهزلي الذي اندلع بين مصر والكويت حول تعذيب المصريين من مثل هذه ~~الأفكار. فوفقا لما نشرته صحيفة الكويت تايمز في سبتمبر/أيلول عام 2007 نقلا عن إيمان ~~جمعة: «هاجم الكتاب المصريون بشراسة الكويت وكأنهم اكتشفوا فجأة أن «المواطن المصري له ~~كرامة».» وذلك على حد قول الصحفي الكويتي فؤاد الهاشم في صحيفة الوطن، إشارة إلى ملف مصر ~~البائس في هذا المجال. لكن الكاتب المصري نصرت صادق رد هجوم فؤاد الهاشم على الفور في صحيفة ~~المصري اليوم المستقلة جاعلا عنوان مقاله: «علمهم المصريون ليكون جزاؤهم التعذيب»، وهو لم ~~يقصد أن المصريين قد علموا الكويتيين التعذيب، بل عنى فقط أن 400000 عامل مصري مغترب يعيشون ~~بدولة الكويت الصغيرة قد «ساهموا في تحقيق نهضتها». بل تقدم أيضا رئيس تحرير صحيفة الأسبوع ~~وعضو البرلمان المصري مصطفى بكري باستجواب لوزير الخارجية أحمد أبو الغيط في البرلمان عن ~~العمود الذي كتبه فؤاد الهاشم قائلا إنه: «انتهك حرية الصحافة» ب«إهانة مصر ومواطنيها». ~~لكن في الشهر نفسه أغلق محافظ القاهرة جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان - وهي منظمة ~~تعتني بضحايا التعذيب - بعد ظهور ادعاءات كاذبة تتهمها بارتكاب مخالفات مالية. والخلاصة ~~باختصار هي أن رسل الإصلاح يهاجمون من اليمين ومن اليسار ومن كل اتجاه في الوقت الذي يضاعف ~~فيه النظام مفاسده بعزم جنوني. # الفصل السادس # | الفساد # لا بد أن نكن تقديرا - من نوع معاكس - للحكومة المصرية وهي ترقب بانتباه شديد ما يجري ~~حولها لكشف أي تهديد محتمل قد ينال من سمعة مصر والمصريين. كان هذا هو الحال عام 2007 عندما ~~أعلنت مؤسسة تدعى «العجائب السبع الجديدة» عن الجولة ms141 الأخيرة من التصويت الإلكتروني على ~~قائمة ظلت تعلن عنها طوال خمسة أعوام كاملة على أنها «عجائب الدنيا السبع الجديدة». ما الذي ~~أثار حفيظة الحكومة المصرية؟ وما الذي جعلها تستشيط غضبا؟ الجواب هو أن أهرامات الجيزة لن ~~تدرج تلقائيا كإحدى العجائب السبع الجديدة، وإنما مجرد واحدة من الترشيحات العديدة ~~المطروحة للتصويت. # في أعقاب موجة الاحتجاجات التي تزعمتها وزارة الثقافة المصرية مدعومة بحملة تشنيع ~~منسقة (إن لم تكن مدبرة كما هو الحال دائما) من جانب الصحف القومية، تراجع بيرنارد ~~فيبر صاحب فكرة التصويت عن موقفه. أوضح فيبر في خطاب ذكرت صحيفة «الأهرام» أنه بعث به إلى ~~وزير الثقافة فاروق حسني قائلا: «بعد دراسة متأنية اختارت «مؤسسة العجائب السبع الجديدة» ~~أهرامات الجيزة - العجيبة الأصلية الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا - عجيبة شرفية ضمن ~~عجائب الدنيا الجديدة. وفي بادرة تقدير فإن القرار - حسبما أضاف فيبر - قد وضع نصب عينيه ~~وجهات نظر المجلس الأعلى للآثار ووزارة الثقافة المصرية اللذين أصرا على أن الأهرامات ~~تستحق «مكانة خاصة» باعتبارها «موقعا تراثيا وثقافيا عالميا مشتركا». # تاه حسني عجبا إزاء ما حدث من تغيير، ولم يتمالك نفسه من توجيه طعنة أخيرة إلى «مؤسسة ~~العجائب السبع الجديدة»؛ فادعى أنها ما شنت حملتها إلا من أجل التربح من وراء ~~المشاركين في التصويت الذين يرتادون موقعها الإلكتروني، وصرح قائلا: «علينا أن نحمي تراثنا ~~من الهواة والعابثين الذين لا ينفكون عن محاولة استغلاله.» # على الرغم مما انطوى عليه رد فعل وزارة الثقافة من حدة ومبالغة، فإن فهم الدافع وراءه ليس ~~بالأمر العسير إذا تأملناه من منظور محدد؛ فالأهرامات تحتل مكانة فريدة بالفعل لكونها ~~العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا، ولا شك أن السلطات المصرية قد رأت في احتمال ~~الانتقاص من مكانتها تلك - وإن كان احتمالا مستبعدا - على أيدي مجموعة من الجهلاء ~~المشاركين في تصويت إلكتروني إساءة لها. لكن على صعيد آخر أكثر أهمية فقد فاحت من رد الفعل ~~هذا رائحة الرياء. فلما كان قطاع السياحة واحدا من أهم مصادر الدخل للاقتصاد المصري، فإن ~~الحكومة ms142 المصرية نفسها تولي الأهرامات - إلى جانب المتحف المصري ونهر النيل - أهمية محورية ~~ضمن سياسة التسويق السياحي على مستوى العالم؛ تلك السياسة الموجهة قطعا لدعم خزانة ~~الدولة. أضف إلى ذلك أنه في زمن يمكن للترويج فيه أن يكون ذا أثر فعال في تشكيل مفاهيم ~~الأجانب عن دولة ما، فإن الحملات السياحية المتواصلة - المقرونة بوثائقيات تليفزيونية ~~ممولة من الحكومة المصرية عن التاريخ الفرعوني - تلعب دورا مستترا في خداع العالم ~~لينظر إلى مصر على أنها أرض الابتسامات، وحسن الضيافة، والبهجة، والآثار القديمة؛ لا على ~~أنها دولة فوضوية غارقة عن آخرها في الاستبداد والقمع والفقر على شفا ثورة شعبية، وأنها ~~ترزح تحت وطأة نظام قمعي كما هو الواقع. وبالمثل فإن محاولة الحفاظ على المظاهر الكاذبة ~~لدعم الصورة الرمزية على حساب الواقع المعقد هي السبب وراء سلسلة المحاكمات الجنائية لمن ~~يجرؤ من الصحفيين والإصلاحيين والنشطاء الحقوقيين المصريين على توجيه النقد لمبارك أو أسرته ~~أو المؤسسة العسكرية، وكثيرا ما يحدث ذلك بموجب القانون الذي يحظر ممارسة أي نشاط أو حتى ~~الإدلاء بحديث يرى النظام أنه «أساء لصورة مصر في الخارج»، وهو ما ينطوي على غموض غاشم ~~بغيض. # غير أن الرياء الواضح الذي شاب رد فعل وزير الثقافة يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فأي شخص ~~قام بزيارة إلى الأهرامات سيقر بأن الفساد وانعدام الكفاءة بوجه عام قد أوقعا آخر عجائب ~~الدنيا السبع في قبضة مجموعة من الهواة والعابثين يحاولون في استماتة استغلال تراث مصر. ~~بادئ ذي بدء، لطالما اشتكى علماء المصريات من أن ما لحق بالأهرامات من أضرار أثناء الفترة ~~القصيرة التي هي عمر السياحة الجماعية يفوق ما لحق بها من أضرار طوال الأربعة آلاف عام ~~الماضية. ومع هذا يبدأ الهواة رحلة استغلالهم للسياح الراغبين في رؤية ما تبقى من ~~الأهرامات قبل نحو كيلومتر من وصولهم إليها؛ إذ ينقض محترفو مطاردة السياح على سيارات ~~الأجرة في محاولة لإقناعهم بأخذ جولة معهم بعد إيهامهم أن مكتب بيع التذاكر الرسمي مغلق أو ~~خداعهم بأي حيلة مشابهة. وتتزايد ms143 المضايقات مع اجتياز السياح للبوابة الرئيسية حيث تتزايد ~~أعداد المطاردين الذين يتعقبونهم مثل أسراب الذباب حول النفايات. أما أفراد الأمن المنوط ~~بهم حراسة المكان - والذين يتمثل عملهم رسميا في حماية السياح من مثل هذه المضايقات - ~~فإنهم عادة ما يغضون الطرف عما يحدث، ما لم تثر ثائرة أحد السياح أخيرا، ويحدث ضجة في ~~المكان. حينها يصيح الشرطي فيمن يضايق السائح موبخا إياه في فتور؛ ذلك أنهم اتفقوا معهم ~~على أخذ نسبة من الأموال التي يجنونها من وراء السياح الذين يرضخون لمطالبهم، ويوافقون في ~~النهاية - بحنق شديد غالبا - على أخذ جولة بالخيل أو التقاط صورة. ~~••• # قد يبدو ما سبق أمرا تافها، غير أنه في عام 1997 لعب هذا الفساد المستشري في قاعدة قطاع ~~السياحة دورا في السماح لجماعة من المقاتلين المدججين بالسلاح باجتياز عدة نقاط تفتيش ~~تابعة للجيش والشرطة ومؤدية إلى معبد حتشبسوت بالقرب من الأقصر من دون جهد يذكر. وهناك ~~شرعوا في ذبح العشرات من السياح والمصريين قبل فرارهم إلى الصحراء دون عائق يعترض طريقهم. ~~قبل هذا الهجوم، كان الشغل الشاغل للعديد من الجنود وأفراد الشرطة المكلفين بحراسة المكان ~~هو جمع الرشا من المواطنين الذين يعملون مع الأفواج السياحية، وتدخين السجائر، والاستغراق ~~في النوم طوال ساعات الظهيرة الصيفية الحارة في مؤخرة شاحناتهم. وبعد الهجوم بدت الأولوية ~~مجددا لصورة الدولة، وليس سلامة ضحايا الهجوم العنيف. ولما كانت الصورة أبلغ من ألف ~~كلمة، فقد خصصت قوات الأمن - حسبما ذكر شهود عيان كثيرين آنذاك - جل جهودها للبحث عن ~~كاميرات الفيديو وكاميرات التصوير مع أي شخص في المنطقة ومصادرتها خشية أن تتسرب صورة ~~لأحداث المذبحة التي نفذها إرهابيون - أطلقوا النار على السياح ثم قطعوهم إربا - إلى ~~وسائل الإعلام الغربية، ومن ثم تشوه صورة مصر البراقة في الخارج إلى الأبد. كان هناك ~~مئات من السياح في الموقع وقت الهجوم، ومن المفترض أنهم جميعا يحملون كاميرات تصوير، لكن ~~لم تظهر صورة واحدة للمذبحة منذ وقوعها؛ ولو على شبكة الإنترنت. # غير أنه عندما يزور السياح الأجانب - في أولى ms144 رحلات الكثيرين منهم إلى العالم العربي - ~~المتحف المصري فإنهم يطئون عن غير قصد البؤرة المعتمة لنظام يجني فيه الهواة والعابثون ~~أرباحا طائلة من وراء الاستغلال الفج لتراث مصر الفريد. والمتحف الكائن بوسط القاهرة خير ~~مثال على الخلل وسوء التنظيم المصري واسع النطاق، لأنه يفسح المجال أمام نهب تراث الدولة ~~على نحو يكاد لا يتصوره عقل. ~~••• # يضم الطابق السفلي من المتحف المصري عددا هائلا من القاعات الفسيحة ذات الجدران العالية ~~والممرات بحجم مقبرة كبيرة، ويحتوي على خمسة وستين ألف قطعة أثرية من بينها ألف تابوت بعضها ~~داخل صناديق لم يفتح منذ سبعين عاما. ويعتقد أن معظم القطع الأثرية يرجع تاريخها إلى ~~أكثر الأسر الحاكمة نفوذا في مصر القديمة؛ وقد عرض بعضها من قبل، لكن اضطرت الحاجة إلى ~~نقلها لإخلاء مكان في الطابق العلوي للتحف الأخرى؛ بينما لم يعرض البعض الآخر أمام العامة ~~قط. تقبع هذه القطع الأثرية أسفل أكوام من الغبار وقد تكدس بعضها فوق بعض، وتعرضت لتلف بالغ ~~في معظم الأحيان بفعل العقود التي مرت عليها من الإهمال وسوء التهوية، فضلا عن أنها ~~أغفلت فعليا، وربما سقطت من الذاكرة تماما. # استمر الوضع هكذا إلى أن أنشأ المجلس الأعلى للآثار مخازن جديدة للآثار المكتشفة حديثا ~~في جميع محافظات مصر، وهو المكان الذي توضع فيه كل الآثار التي يعثر عليها أسفل الرمال. ~~يتولى الإشراف على هذه الآثار الآن الدكتور زاهي حواس الحائز على جائزة «إيمي» وصاحب الحضور ~~الدائم على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد بأنفه الضخم وقبعة إنديانا جونز التي تميزه. ~~واعتمادا على شهرته الكبيرة شن حواس معركة شخصية جديرة بالثناء ضد الفساد داخل قطاع ~~الآثار، فضلا عن مطالبه التي شكلت مادة خصبة لوسائل الإعلام باستعادة الآثار المصرية ~~الموجودة في متاحف بالخارج، وجرد الآثار الموجودة في الداخل. ومع هذا عندما أعلن عن فقدان ~~نحو ثمان وثلاثين قطعة أثرية من قبو المتحف نفسه عام 2004، أنكر المسئولون إمكانية حدوث ~~شيء من هذا القبيل. وذكر حواس نفسه أن عملية الجرد ستستغرق خمسة أشهر على الأقل، في ms145 حين ~~سيستغرق ترميم الطابق الأرضي عاما كاملا، وتمنى ظهور القطع الثمانية والثلاثين بانقضاء ~~تلك الفترة. غير أن المسئولين عن ترميم الطابق السفلي سرعان ما اكتشفوا أن 70 بالمائة من ~~القطع الأثرية المعرضة للتلف هناك لم يسجل من قبل قط. # ليس أسهل إذن من اختفاء القطع الأثرية في ظل ظروف كهذه. وقد ذكر أن عاملا ألقي القبض ~~عليه متلبسا بمحاولة بيع ثلاث قطع لا تقدر بثمن كان قد أخفاها في أكياس القمامة التي ~~يحملها إلى خارج المبنى في إحدى عمليات التنظيف الثانوية. ألقى بعض المسئولين باللوم على ~~قلة أعداد الحراس؛ إذ يكون الواحد فيهم مسئولا عن حراسة ما يتراوح بين عشرة آلاف وأربعين ~~ألف قطعة أثرية. ووفقا لما ذكره حواس فإن المتحف المصري لم يخضع لعملية جرد منذ خمسين ~~عاما أو أكثر، بسبب خوف الجميع من المساءلة إذا ثبت وجود نقص في المخازن أو وجود قطع أثرية ~~غير مسجلة. والواقع أنه حتى عام 1983 كانت الآثار المصرية تباع رسميا في المزادات، وتنقل ~~علانية عبر المطارات؛ ومن المستبعد أن يكون هذا الأمر قد انتهى تماما بعد حظر الدولة تصدير ~~الآثار بموجب قانون رسمي. وفي عام 1994 تبنى واحد من أسلاف حواس في منصبه - وهو عبد الحليم ~~نور الدين - مشروعا طموحا يهدف إلى جرد كافة المواقع والمخازن والمتاحف بموجب قرار وزاري، ~~لكن المشروع توقف فور رحيله من منصبه. ذكر نور الدين أن جردا أجري على العديد من القطع ~~الأثرية، وأنه وضع خطة لجرد المواقع والمتاحف الصغيرة مرة كل عام، وجرد المتاحف الكبرى مرة ~~كل أربعة أعوام. ويعتقد حواس أن نسبة 10 إلى 15 بالمائة فقط من الآثار المصرية خضعت لعمليات ~~جرد؛ بمعنى أن الجرد لم يشمل نحو 85 بالمائة من هذه الآثار، وعليه يمكن اختفاء أي منها في ~~أي وقت دون إمكانية تقفي أثرها. ~~••• # نأتي الآن على ذكر طارق محمد (المعروف باسم طارق السويسي). ثمة غموض هائل يكتنف صعود نجم ~~السويسي من مجرد عامل بسيط في أحد البازارات في شارع الجمهورية بالقاهرة إلى ms146 شخص يمتلك ثروة ~~تقدر بأكثر من 50 مليون دولار أمريكي، وقصرا على مساحة ثلاثين فدانا بمنطقة أبو رواش ~~بالهرم، ويشغل منصب أمين الحزب الوطني عن دائرة الهرم. لم تعثر السلطات داخل قصره على ~~الآثار الفرعونية التي زين القصر بها فحسب، وإنما على لوحات لا تقدر بثمن يرجع تاريخها ~~إلى العصور الإسلامية (إضافة إلى مخبأ لأسلحة غير مرخصة). من المؤكد أن السويسي لم يكن يعمل ~~بمفرده؛ إذ كان معه ما لا يقل عن واحد وثلاثين متهما في القضية التي رفعت ضده في النهاية ~~من بينهم مفتشو آثار وضباط شرطة. وقطعا لم تكن السلطات المصرية صاحبة الفضل في كشف النقاب ~~عن عمليات التهريب، وإنما الشرطة السويسرية التي اشتبهت في شحنة وصلت أحد المطارات ~~السويسرية دون أي بيانات أو تحديد لهوية المرسل إليه على الطرد. كشفت التحقيقات السويسرية ~~عن أن السويسي هرب ما جملته مائتان وثمانون قطعة أثرية نادرة عبر مصلحة الجمارك وقرية ~~البضائع بالقاهرة بمساعدة إحدى شركات التصدير. # أين الحديث إذن عن تشويه سمعة مصر؛ فها هم الأجانب يلقون القبض على رجل أعمال شهير وعضو ~~بارز في الحزب السياسي الحاكم أيضا بتهمة تهريب الآثار والتراث القومي. لا يخفى على أحد أن ~~حدثا كهذا سبة في جبين النظام، لكن توجيه التهم إلى رجل بارز كهذا لم يكن بالأمر ~~الهين. تحركت الجهات القانونية المصرية على قدم وساق؛ فتوجه وفد من نيابة أمن الدولة ~~العليا والرقابة الإدارية والشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) ضم عددا كبيرا من خبراء ~~الآثار إلى سويسرا للتحقيق في الواقعة. كشف الوفد عن أن المسروقات تضم قطعا أثرية على درجة ~~عالية من الأهمية التاريخية بما في ذلك محتويات مقبرة كاملة منها النصف العلوي لتمثال يجسد ~~الإله «بتاح»، وبقايا رأس الإلهة «سخمت»، وتمثال نادر لإلهة الحب «أفروديت»، وتمثالان من ~~الخشب الملون يمثلان الإله «حورس» على شكل صقر، ومومياوان سليمتان، وجميعها يرجع تاريخه إلى ~~عصور قديمة مختلفة - مثل العصر الفرعوني والإغريقي والروماني - وأنها تخضع جميعا لحماية ~~القانون المصري التي لا جدوى لها. جرى التنقيب عن ms147 كل هذه الآثار خلسة في مواقع أثرية مهمة، ~~وكانت جميعها بلا أرقام تسجيل لدى المجلس الأعلى للآثار، وتم التعامل مع العديد منها دون ~~حذر. وعلى الرغم من أن بعض هذه الآثار- خصوصا المومياوات - كان عرضة لخطر التحلل، فإن ~~معظمها كان لا يزال بحالة جيدة؛ إذ جرى التنقيب عنها في مناطق صحراوية جافة، وكان من الممكن ~~إنقاذها. # ووفقا لتقرير مهم نشرته حركة «كفاية» عام 2005 حول الفساد في مصر فإن تقرير نيابة أمن ~~الدولة العليا ضم نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة صفحة ورد فيها اعترافات المشتبه بهم في القضية، ~~وتضمن - إلى جانب تهم التهريب - دعاوى غسيل أموال وحيازة مخدرات وأسلحة. # أصدرت المحكمة الجنائية بالقاهرة حكمها بحبس السويسي خمسة وثلاثين عاما وغرامة ثلاثة ~~أرباع مليون دولار بتهم السرقة، والتهريب، وإخفاء الآثار، والرشوة، واستخدام مستندات مزورة، ~~وغسيل الأموال. وحكم على مدير علاقات عامة في الأقصر بالسجن خمسة عشر عاما وغرامة 9000 ~~دولار، وعلى محمد سيد حسن كبير مفتشي آثار الأقصر بالسجن عشرين عاما وغرامة 9000 دولار. ~~جدير بالذكر أن هذه الأحكام خففت في جلسات الاستئناف. ~~••• # لا يخلو مثل هذا الفساد من الطرافة في بعض الجوانب. فالقدرة المطلقة لبعض المتهمين على ~~التفنن، والصفاقة، والادعاء أن ما يفعلونه لا يودي بحياة أحد، وإن كان ادعاء قد يجانبه ~~الصواب؛ كل ذلك يجعل الأمر يبدو وكأنه تجربة مثيرة يمكن لأي شخص أن يستمتع بها خلسة إذا ما ~~أسعده الحظ وأتيحت له الفرصة لذلك. والواقع أن أي شخص قد ينتهز الفرصة في ظل الظروف ~~المناسبة، إذا وضعنا في الاعتبار المشقة التي يتعرض لها عندما يأبى الجميع إلا اتباع ~~القوانين الروتينية طوال الوقت. فالفساد يوفر طريقا ملائما لتفادي الإجراءات الروتينية ~~عندما يتعلق الأمر بتجاوزات بسيطة، وكثيرا ما يكون طريقا مختصرا للهروب من اللوائح التي ~~تخلو من المنطق والتي عفا عليها الزمن بكل تأكيد؛ ومن ثم قد يصبح من الصعب - حتى على من ~~يحاولون التمسك بالأخلاق - الوقوف عند النقطة التي يتخذ فيها الفساد منحنى خطيرا. إنه لمن ~~المؤكد أنه يكاد يستحيل إنجاز ms148 عمل ما في العالم العربي دون تدخل الواسطة؛ فمفتاح السر هو ~~معارف المرء وليس معرفته. وبدلا من قضاء أسابيع في إنهاء مصلحة والتنقل من مكتب لآخر في ظل ~~نظام بيروقراطي، لم لا تتصل بصهر أحد أقاربك في الوزارة لتسريع الإجراءات؟ # بدأت أستسيغ طعم الواسطة وما تحققه من راحة تسبب الإدمان عليها عام 2006 عندما تعرفت مدة ~~ستة أشهر قضيتها في القاهرة على شقيق لواء يتولى منصبا مرموقا في الجيش المصري أحاطني ~~برعايته. وبدلا من قضاء يوم أو أكثر داخل مجمع المصالح الحكومية بميدان التحرير لتجديد ~~تأشيرتي، وإرسالي من نافذة إلى أخرى ومن طابق لآخر على يد مجموعة من الموظفين يفخرون ~~بتعنتهم وفظاظتهم، كان شقيق صديقي اللواء يجري اتصالا مسبقا يقابلني على إثره عند باب ~~الدخول عامل يصطحبني مباشرة إلى مكتب الموظف المسئول في ذلك اليوم. وهناك أجلس لأحتسي الشاي ~~وأتناول البسكويت في الوقت الذي يعامل فيه جواز سفري كما لو كان تابعا لإحدى الشخصيات ~~المهمة، ثم يعاد إلي بعد خمس عشرة دقيقة؛ ليس بتمديد ستة أشهر كما طلبت، وإنما بتأشيرة ~~إقامة لمدة عام كامل وعلى الصفحة الأولى ختم دخول متعدد المرات. وفي طريقي إلى أحد الموالد ~~في صعيد مصر، أصر مجند في الجيش أمام إحدى نقاط التفتيش على أن أنتظر بضع ساعات حتى تستعد ~~قوة عسكرية لاستقلال السيارة معي أنا والسائق مسافة الخمسة كيلومترات الباقية استنادا إلى ~~إجراء عجز عن تفسيره لي؛ غير أن اتصالا هاتفيا سريعا بشقيق اللواء جعله يهرع إلى رئيسه ~~الذي جاء بشخصه على الفور، وألقى علي التحية، وطلب مني إبلاغ صديقي اللواء بأطيب أمنياته، ~~وودعني لأعاود التحرك على الفور برفقة واحد من حراسه المسلحين. والأكثر غرابة من هذا أنه ~~عندما فقدت حافظة نقودي داخل ميكروباص في الأقصر، واضطررت لتحرير محضر رسمي في قسم الشرطة ~~من أجل أغراض التأمين، ولم أجد أي تعاون في شرطة السياحة، اتصلت بشقيق اللواء الذي لم يؤد ~~توبيخه للضابط المسئول إلى معاملته لي معاملة أفضل في الحال فحسب، وإنما أدى - بعد يوم ms149 ~~واحد، ولفرط دهشتي - إلى استعادة حافظة نقودي التي تسلمتها شخصيا من رئيس شرطة السياحة ~~الذي كان واضحا أنه قطع الطريق إلى المكتب من أجل تلك المهمة فحسب. إن استجابة المسئولين ~~على هذا النحو لا تكون نابعة من الخوف فحسب؛ فهم يعرفون أن تنفيذهم لهذه المطالب سيمكنهم ~~من انتزاع خدمة في وقت لاحق من اللواء الذي قدموا له المساعدة من قبل. ففي مصر، معارف المرء ~~أهم بكثير من معرفته، وما تقدمه اليوم، حتما ستجده غدا. ~~••• # لكن الأمر لا يحتاج إلا إلى خطوة أولى ليلقى الأفراد حتفهم - أو على الأقل يشتد عليهم ~~المرض - بسبب الفساد، وهذا ما حدث عام 2006. كان الطفل فايز حماد طالبا في مدرسة «مكارم ~~الأخلاق» الابتدائية عندما دخل مستشفى مرسى مطروح العام بعد تلقيه جرعة تطعيم إجبارية على ~~يد مجموعة من الأشخاص كانوا يجوبون الشوارع في سيارة مجهولة الهوية، ويزعمون البحث عن ~~الأطفال ممن تنطبق عليهم شروط التطعيم الذي كان جزءا من حملة تحصينات (حسبما ورد في البلاغ ~~الذي تقدم به والد الطفل.) وعلى الفور أعلن وكيل وزارة الصحة الدكتور عباس الشنواني أن ~~الطفل وضع تحت الملاحظة مدة أربع وعشرين ساعة، وأجري له غسيل معدة فوري، وأخذت عينات من ~~دمه وقيئه لإرسالها للتحليل في المعامل المركزية في الوزارة كإجراء احترازي. وأصرت الوزارة ~~على عدم وجود برنامج للتطعيم الإجباري في أي مكان في تلك الفترة، وأن أي شائعات تروج لذلك ~~عارية تماما عن الصحة، وتهدف إلى نشر الذعر بين المواطنين. واعترضت صحيفة «الوفد» مستشهدة ~~بروايات كثيرين ممن أكدوا وجود حملة تطعيمات إجبارية في تلك الفترة، وليس في مرسى مطروح ~~فحسب، وإنما في القاهرة أيضا. وأكد المواطنون أن أشخاصا يمرون على المنازل ويعطون الأطفال ~~جرعات الطعم التي يصابون على إثرها بارتفاع في درجة الحرارة وقيء وإسهال، وبعض الحالات ~~تستدعي الانتقال إلى المستشفى. أيضا أشارت صحيفة «العربي الناصري» إلى أن الأمصال الفاسدة ~~هي السبب فيما حدث. # ووفقا لتقرير «كفاية» فإن الجهاز المركزي للمحاسبات قد كشف عن استيراد إحدى شركات اللقاح ~~أمصالا منتهية ms150 الصلاحية بقيمة نحو 4 ملايين دولار، في حين عثر على 370000 زجاجة لقاح تقدر ~~قيمتها بنحو 500000 دولار داخل مخازن الشركة بلا تاريخ إنتاج أو انتهاء صلاحية. كشف التقرير ~~أيضا عن تخزين مشتقات الدم والبلازما مدة ثلاث سنوات على الرغم من أن فترة حفظها لا تتعدى ~~عاما واحدا، وعن استيرادها من المملكة المتحدة على الرغم من أن مصر تحظر هذا النوع من ~~الواردات منها. إذا كانت تلك الروايات صحيحة فإنها بالقطع اتهامات خطيرة ذات تداعيات أشد ~~خطورة. # لم تسفر هذه الفضيحة عن نتيجة ملموسة سوى أن حاتم الجبلي وزير الصحة والسكان وعد بمشروع ~~للتخزين الجيد للأدوية تشارك في إعداده نقابة الصيادلة للقضاء على عشوائية التوزيع على ~~الصيدليات وحماية المواطنين من الأدوية المغشوشة ومنتهية الصلاحية والمهربة. ~~••• # كرس صحفيو الصحف المعارضة والمستقلة المصرية بعض جهودهم الجهيدة في السنوات الأخيرة ~~لكشف النقاب عن قضايا الفساد، ومن بينها ذلك الفساد المتغلغل في الصحف القومية الرئيسية، ~~حيث جرت العادة على أن سياسات التعيين لا تهتم بالكفاءة قدر اهتمامها بالواسطة؛ فيقال إن ~~الواسطة رفيعة المستوى توفر لك وظيفة في «الأهرام» وهي الصحيفة اليومية الرئيسية، وأن ~~الواسطة المقبولة توفر لك وظيفة في «الأخبار»، بينما الواسطة المتواضعة ستجبرك على القبول ~~بصحيفة «الجمهورية» الأدنى مرتبة. تسهم ثقافة المحاباة هذه في تفسير حالة التردي التي آلت ~~إليها الصحف القومية، فضلا عن أن تغاضيها عن كشف الفساد يفسر قدرا كبيرا من تنامي وسائل ~~الإعلام المعارضة. لكن عام 2005 أرغمت وسائل الإعلام الحكومية على كشف فضائحها المستورة. ~~بدأ مكتب النائب العام ونيابة الأموال العامة التحقيق في وقائع الفساد المتعلقة بمدينة ~~الإنتاج الإعلامي، وبدأت لجنة مكافحة الفساد التابعة للبرلمان تحقيقها في دعاوى فساد داخل ~~المؤسسات الصحفية الثلاثة الكبرى المملوكة للدولة. افتضح أمر تلك الدعاوى في صحف المعارضة ~~في أعقاب حركة تنقلات أقرتها الحكومة وأحالت بها رؤساء التحرير الذين قضوا سنوات طويلة في ~~عملهم إلى التقاعد. حامت بعض الشبهات حول توقيت تلك الدعاوى، وربما لم تكن كل هذه الدعاوى ~~سوى ذريعة سياسية. هل كان ms151 النظام نفسه وراء تسريب وقائع الفساد في محاولة للقضاء على ~~مصداقية رؤساء التحرير الذين كانوا خاضعين للرقابة وهم في مواقعهم، لكن باتوا الآن يشكلون ~~تهديدا محتملا بعد تركهم تلك المواقع؟ # مما يثير الدهشة أن سلامة أحمد سلامة - الصحفي المحنك في «الأهرام» - ربما يكون الصحفي ~~المصري الوحيد الذي يحظى بتقدير زملائه من مختلف الأطياف السياسية حتى إنه كثيرا ما يدعى ~~لإجراء حوارات حول تطور الأوضاع السياسية الداخلية في وسائل الإعلام المعارضة. عندما التقيت ~~به في مكتبه بمبنى «الأهرام» أواخر عام 2006 للحديث معه بشأن الفساد والمحسوبية في وسائل ~~الإعلام المملوكة للدولة، سألته أول الأمر كيف أنه تمكن من مواصلة عمله كل تلك السنوات على ~~الرغم من حديثه عن قضايا الفساد وانتقاده للنظام في مناح أخرى شتى. قال سلامة: «أظن أنهم ~~على درجة من الذكاء تجعلهم يتركون هامشا معينا أمام بعض الأفراد لتوجيه النقد لسياسات ~~النظام الحاكم.» # إنها صورة من صور التلاعب بالموقف ~~حتى يتركوا انطباعا دائما بتوفير حرية الرأي والتعبير. وهكذا فإنهم متى اتخذوا أي ~~إجراء ضد رؤساء تحرير الصحف المعارضة تذرعوا بأنهم ما يفعلون ذلك إلا لأنهم تجاوزوا ~~الحد المسموح به بموجب القانون. ولا شك أنه بمقدور الحكومة التلاعب بمنظومة العدالة ~~بصورة ما، وتمديد المحاكمة سنوات وسنوات. لكن ما دمت لا أتخذ موقف عداء صريح ضد ~~الحكومة، وما دمت لا أنتمي إلى الإخوان المسلمين أو الحزب الشيوعي أو أي فصيل آخر ~~يتبنى أجندة راديكالية فإنهم يسمحون لي بتوجيه نقد معقول، كأن أطالب بمزيد من ~~التقدم على الطريق نحو الديمقراطية مثلا. هذا أمر يزعمون أنهم يؤيدونه على أي حال؛ ~~لذلك فإني أستخدم التعبير نفسه الذي يستخدمونه لأوضح أن أفعالهم تناقض ادعاءاتهم. ~~وأظن أن هذه السياسة تتيح لي قدرا كبيرا من المناورة. # كيف يكون حال الكتابة في جريدة رئيس تحريرها معين من قبل الرئيس، وغالبا ما ينتهي به ~~الحال إلى الاستماتة في الدفاع عن النظام بأكثر مما قد يفعل النظام نفسه؟ # ضحك وقال: # رؤساء التحرير شديدو الحذر، إلى حد الجبن، حتى إنهم ms152 لا يستفيدون من هامش الحرية ~~المتاح لهم. وأيا كان ما يكتبونه فإنه لا يلقى تصديقا من أحد. وغالبا ما تتسم ~~كتاباتهم بالضعف الشديد على أي حال؛ فهم يعيشون في خوف دائم من فقدان المنصب، وما ~~سيترتب عليه من ضياع كافة المزايا المصاحبة له؛ ومنها على سبيل المثال المزايا ~~المالية، والوجاهة الاجتماعية، وتلقي دعوات من الرئيس للسفر معه على طائرته الخاصة، ~~وحضور اجتماعات مع قادة الدول الأجنبية (على الرغم من أنهم لا يطرحون سؤالا لائقا ~~على الإطلاق في المؤتمرات الصحفية التي تعقد على هامش تلك الاجتماعات لأنهم أصحاب ~~قدرات متواضعة). # ذكرته بالفضيحة الكبرى التي تورط فيها رئيسه السابق إبراهيم نافع رئيس تحرير «الأهرام»، ~~وراتبه الشهري المشين الذي بلغ نصف مليون دولار، وسألته هل الفساد داخل الجريدة ضار كما ~~يشير هذا المثال، فأكد لي أنه كذلك بالفعل؛ ثم تنهد وأضاف: «المشكلة الرئيسية هي أن كل هذه ~~الصحف المملوكة للدولة تعتمد اعتمادا هائلا في جني أرباحها على الإعلانات.» # على سبيل المثال، ثمة العديد من الإعلانات عن وحدات سكنية فاخرة في صحيفة ~~«الأهرام». وقد كتبت عمودا عن أن قطاع البناء بأكمله حكر على الأثرياء. فهم يبنون ~~فيلات وعمارات سكنية فاخرة في كل مكان في البلد من أجل أصحاب الملايين فقط. ذكرت ~~أن هذا يدمر نسيج مجتمعنا؛ فمن أين لشاب في مقتبل العمر بشقة يتزوج فيها؟ من أين له ~~بنصف مليون جنيه؟ في اليوم التالي عرفني أحدهم على شخصية مؤثرة في الحزب الوطني ~~الديمقراطي ومليونير أو ملياردير أو أيا كانت صفته، حاول أن يقنعني بأن ما كتبت ~~يفتقر إلى الصحة متعللا بأنه في الوقت الذي يبنون فيه مساكن للأثرياء فإنهم يبنون ~~مساكن أيضا لشرائح أخرى في المجتمع. أخبرته أني لن أغير كلامي لأنه كان مؤيدا ~~بالحقائق والأرقام التي توضح أن أصغر شقة تبنى هذه الأيام تصل تكلفتها إلى نحو ربع ~~مليون جنيه، وهذا ينطبق على المباني التي تبنى خارج المدن وسط الصحراء. وهكذا ~~تحديدا يتضخم الفساد. ألمح الرجل إلى أن بوسعه تسهيل حصولي على إحدى ms153 الشقق إذا ~~وافقت على كتابة مقال أتراجع فيه عما ذكرت آنفا، لكن حينها كنت سأضطر إلى أن أصمت ~~بعدها إلى الأبد. # وهل كان سيعطيك شقة بالفعل؟ # بالتأكيد! هذا ما يحدث هنا في «الأهرام» طوال الوقت. من الصعوبة بمكان أن تحافظ ~~على نظافة يدك. هناك من الصحفيين في هذا المبنى من قام بذلك، وتلك معلومات مؤكدة. ~~هؤلاء الصحفيون حصلوا على شقق، لكنها لم تمنح لهم في صورة هدايا بالطبع. فالصحفي ~~«يشتري» الشقة التي تساوي نصف مليون مقابل مائة ألف فقط، ثم يبيعها بسعر السوق، ~~ويحقق من ورائها ربحا طائلا. إذا كانت شركات المقاولات تنتهج هذا الأسلوب مع ~~الوزراء، فلم لا تنتهجه مع الصحفيين؟ بيع أحد المجمعات السكنية المصممة على الطراز ~~الغربي لوزراء فقط وبأسعار بخسة. تذكر أن الصحفيين يحصلون على رواتب متدنية، ومن ثم ~~يضطرون إلى البحث عن وسيلة لزيادة دخلهم. # قلت له إذا كان بعض الصحفيين في الصحف القومية فاسدين، فمن المنطقي ألا يكون لديهم دافع ~~لكشف الفساد المماثل في الحكومة. # هذا صحيح بالقطع، لكن هناك أثر إيجابي لذلك؛ فهذا الوضع أتاح فرصة كبيرة أمام صحف ~~المعارضة التي تتميز في هذا الجانب عن طريق سد الفجوة في تغطية قضايا الفساد. لكن ~~لهذا السبب لا تحصل صحف المعارضة على إيرادات إعلانية، ولا يستطيعون أخذ تصريحات من ~~مسئولي الحكومة. وهذا بدوره يخلق حلقة مفرغة أخرى؛ فنظرا لأن مسئولي الحكومة ~~يتملصون من صحفيي المعارضة الذين يسلطون الضوء على قضايا الفساد، ويتعاملون معهم ~~بوصفهم أشخاصا مشاكسين، نجدهم غير قادرين على الحصول على تصريحات من هؤلاء ~~المسئولين، ولذا لا يجدون بدا من استخدام المعلومات التي تتاح لهم أيا كان ~~مصدرها. وعندما ترى مقالاتهم النور، يغير مسئولو الحكومة مواقفهم قائلين إن هذه ~~المعلومات مغلوطة ويقاضون كاتبيها. ~~••• # احتلت مصر المرتبة السادسة والثلاثين من بين مائة وسبعة وسبعين دولة في قائمة الدول ~~الفاشلة وفقا لما نشره «صندوق السلام» - وهو مؤسسة حقوقية مستقلة تهتم بالتعليم والبحث ~~وتتخذ من واشنطن مقرا لها - في يوليو/تموز 2007. وفشل الدولة إما يعني أن الحكومة ms154 فقدت ~~السيطرة المادية على أراضي الدولة - كما هو الحال في الصومال وأفغانستان - أو أنها فقدت ~~السلطة في تنفيذ القرارات، وتوفير الخدمات للمواطنين، والعمل ككيان متماسك يكون الممثل ~~الوحيد للشعب على الساحة الدولية. يعتمد «صندوق السلام» على اثني عشر مؤشرا لقياس فشل ~~الدولة، وقد حصلت مصر على تسع درجات كاملة من إجمالي عشرة في معيار تجريم الدولة وافتقادها ~~للشرعية، وهو ما يمكن فهمه على أنه «استشراء هائل ومتوطن للفساد، أو تربح النخب الحاكمة ~~ومناهضتها للشفافية والمساءلة والتمثيل السياسي، والفقدان الهائل لثقة الشارع في مؤسسات ~~الدولة وآلياتها، وانتشار العصابات الإجرامية ذات الصلة بالنخب الحاكمة.» وحصلت أيضا على ~~8,5 من عشرة في «تعليق العمل بالقوانين أو التطبيق التعسفي لها، وانتهاك حقوق الإنسان على ~~نطاق واسع.» في حين حصلت على 8,3 في «ظهور النخب المنقسمة على نفسها» أو «تشرذم النخب ~~ومؤسسات الدولة» واستخدام «الشعارات السياسية القومية من قبل النخب الحاكمة.» # ورد في التقرير الصادر عن «صندوق السلام» عن مصر أن «الفساد في مصر مستشر بدءا من سائقي ~~سيارات الأجرة الذين يحاولون زيادة الأجرة دون وجه حق، ووصولا إلى توجيه أصابع الاتهام ~~للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بتزوير الانتخابات عام 2005؛ تلك التي فاز فيها حسني مبارك ~~- الحاكم للبلاد منذ عام 1981 - بفترة رئاسية رابعة عندما أعاد ترشيح نفسه عن طريق مجلس ~~الشعب، ثم فاز في استفتاء شعبي دون أي معارضة تذكر.» ذكر مجدي الجلاد - رئيس تحرير الصحيفة ~~اليومية المستقلة «المصري اليوم» - في ندوة بعنوان «نحو مزيد من الشفافية في الأسواق ~~المحلية» عقدت بالتزامن مع نشر التقرير أن: «هناك حالة فساد يتم تسجيلها كل دقيقتين في ~~مصر، وعشرة بالمائة فقط من هذه التجاوزات يتم ضبطها.» وذكر صلاح دياب - مالك الصحيفة - أمام ~~الندوة نفسها أن: «هناك فارق بين نوع من الفساد يلحق ضررا طفيفا بالمجتمع مثل دفع خمسة ~~جنيهات لرجل شرطة لتلافي تحرير مخالفة مرورية، والفساد الضار الذي يؤدي إلى ضياع الفرص.» ~~لكن في مصر، ليس هناك تمييز بين النوعين. وأضاف أمين هويدي، الصحفي المصري المعارض في صحيفة ms155 ~~«الأهرام ويكلي»: «الفساد هو نتاج آلية فاسدة، وغض الطرف عنه أشبه بمحاولة علاج مرض من دون ~~علاج أسبابه الرئيسية. الدولة القوية تحمي أمن مواطنيها، وليس أمن حكامها فقط. وتصد ~~التهديدات الداخلية والخارجية بنفس الدرجة من الكفاءة في الوقت الذي تستحث فيه الحاكم ~~والمحكوم على احترام قوانينها وثرواتها وممتلكاتها.» تلك الدولة - حسبما ذكر هويدي - تكافح ~~الفساد والمفسدين. وهي بذلك «تزيح عن طريقها عقبات التقدم خصوصا وأن الفساد يقف عائقا ~~أمام تقدم الاقتصاد وانتعاش الاستثمار.» ويستشهد هويدي بالقانون رقم 175 لسنة 2005. «ينص ~~هذا القانون على أنه لا يجوز تعيين عضو مجلس الشعب في وظائف الحكومة أو القطاع العام أو ~~الشركات الأجنبية أثناء مدة عضويته. وتشدد المادة 158 من الدستور على أنه «لا يجوز للوزير ~~أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة.» تلك هي الضمانات التي تحول دون استغلال السلطة، ~~ولكن هل تطبق تلك الضمانات؟» # كان انعدام تطبيق هذه الضمانات الركيزة الأساسية التي استند عليها تقرير شامل أصدرته حركة ~~الإصلاح «كفاية» عام 2006 وحث العديد من المنظمات الأخرى على تسليط الضوء على الفساد. وإذا ~~كان التقرير الوارد في مائتي صفحة - الذي استقيت منه الأمثلة سالفة الذكر حول القطع ~~الأثرية المسروقة وفضائح الأدوية - عبارة عن مزيج غير مترابط من الأفكار والتوثيقات غير ~~المنظمة وفي بعض الأحيان استدلالات متناقضة ورثاء منظوم بأبيات شعرية - كما أوضح خبير شئون ~~الشرق الأوسط باري روبين - فجزء من السبب في ذلك أن «كفاية» منظمة صغيرة متنوعة من مفكري ~~القاهرة تعمل بميزانية ضئيلة وتتعرض للكثير من المضايقات المستمرة، والجزء الأكبر أن الفساد ~~في مصر مهول ومتشعب، وأخيرا، يتعذر إدراكه. # يغطي التقرير وقائع الفساد في قطاعات المال والتجارة والثقافة والإعلام. ويشير إلى عملية ~~توزيع المبيدات المسرطنة على يد وزارة الزراعة في الفترة ما بين 1981 و2003؛ ويكشف عن قائمة ~~بأسماء رجال الأعمال ونواب مجلس الشعب الهاربين الذين يقال إنهم متورطون في الاستيلاء على ~~قروض بمليارات الدولارات دون ضمانات؛ ويحلل صفقة بيع البنك المصري الأمريكي التي حامت حولها ~~شبهات الفساد؛ ويشير إلى ms156 ما وصفه بالتلاعب السافر في معدلات التضخم ونسب البطالة على مدار ~~خمسة وعشرين عاما من سوء الإدارة في قطاع الاقتصاد؛ ويلقي الضوء على تفشي الإهمال وانعدام ~~كفاءة الأطباء الذين يحصلون على رواتب متدنية في القطاع الصحي العام؛ ويتحول إلى الحديث عن ~~التعذيب وظاهرة أطفال الشوارع الذين يقدر عددهم بمليون طفل في القاهرة وحدها. لقد أصبح ~~الفساد مرضا عضالا تفشي في الجسد المصري بأكمله شأنه في ذلك شأن التعذيب واستغلال السلطة ~~اللذين يرتبطان بالفساد ارتباطا وثيقا. ولا تلوح في الأفق نهاية لهذا الفساد، فهو يبدأ من ~~الشرطي الذي يتقاضى خمسة جنيهات للتغاضي عن مخالفة مرورية، ويصل إلى أعلى المستويات لتزداد ~~فداحته كل مرة، إلى أن ينتهي على نحو قابل للجدل عند مبارك نفسه، وهو رأس الفساد في الدولة، ~~نظرا لكونه فوق المساءلة؛ وأقول «على نحو قابل للجدل» هنا كيلا يقول المتشككون إن أرباب ~~نعمته في الولايات المتحدة هم أكثر فسادا لأنهم يمولون نظامه في الوقت الذي يتشدقون فيه ~~بالحديث عن دعم الديمقراطية في المناطق التي لا تبدي قياداتها الحالية تعاونا كبيرا في ~~تحقيق أجندة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. ما يظهر من تقرير «كفاية» ويتضح وضوح ~~الشمس لكل من يقضي فترة من الوقت في مصر هو أن داء الفساد قد تفشى بين قطاعات عدة من الشعب، ~~وبين أصحاب المناصب الرسمية بلا شك؛ أولئك الذين يكون فسادهم على قدر ما يتيحه لهم المنصب ~~والذين لن يتورعوا عن ممارسة المزيد من الفساد حال تمتعهم بمزيد من النفوذ. ~~••• # يقول بروتس: «ثمة مد في شئون البشر كالمد في البحر؛ فإن اغتنمت الفرصة في عنفوانها ~~جاءت لصاحبها بالحظ السعيد.» # 1 # ربما يكون البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية قد وضعا هذه المقولة الشكسبيرية ~~نصب أعينهما أواخر عام 2007 عندما منحا مصر المرتبة الأولى في الإصلاح الاقتصادي، وذلك في ~~تقرير «ممارسة أنشطة الأعمال» لعام 2008. أشاد التقييم - الذي بدا أنه أعد خلال الفترة ~~الوجيزة التي قضاها بول وولفويتس زعيم الديمقراطية وأحد العقول المدبرة للحرب على العراق ~~بوصفه رئيسا ms157 للبنك الدولي - بالحكومة المصرية لأنها «بذلت قصارى جهدها.» احتلت مصر موقع ~~الصدارة عن طريق تحقيق المزيد من الإصلاحات الاقتصادية عامي 2006-2007 تفوق ما حققته أي ~~دولة أخرى من الدول التي شملها التقييم. ركز التقرير على عشر نواح مختلفة لتنظيم الأعمال في ~~مائة وثمانية وسبعين دولة، من خلال تحديد الوقت والتكاليف اللازمة لتلبية متطلبات الحكومة ~~فيما يتعلق ببدء النشاط التجاري والتشغيل والتبادل التجاري وتسديد الضرائب وتصفية الأعمال. ~~اعتبر التقرير أن مصر قطعت شوطا مهما في خمس نواح؛ وهي تسهيل بدء النشاط التجاري، ~~واستخراج التراخيص، وتسجيل الملكية، والحصول على ائتمان، والتجارة عبر الحدود، وتصفية ~~النشاط. وأسفرت العديد من الإصلاحات عن تسهيل بدء نشاط تجاري في مصر، ومن بينها خفض هائل في ~~الحد الأدنى من رأس المال اللازم لبدء المشروع من 8930 دولارا إلى 180 دولارا. وانخفض ~~متوسط وقت وتكاليف البدء إلى النصف بواقع تسعة أيام و385 دولارا. ووفقا لمعدي التقرير ~~ثمة تغيرات تشريعية جديرة بالثناء تضمنت تخفيف الإجراءات البيروقراطية في استخراج تراخيص ~~البناء، وتدشين مجموعة جديدة من مجمعات خدمات الاستثمار الموحدة لخدمة المصدرين ~~والمستوردين ورجال الأعمال والمستثمرين في الموانئ المصرية. وانخفضت أيضا تكاليف تسجيل ~~الملكية، ما أدى إلى زيادة 39 بالمائة في إيرادات رسوم التسجيل، استفادت منها السلطات في ~~الأشهر الستة الأولى بعد تفعيل هذا القرار. فضلا عن ذلك أنشئ مركز خاص للمعلومات ~~الائتمانية بغرض تسهيل الحصول على الائتمان خصوصا للمشروعات صغيرة ومتوسطة الحجم والشركات ~~متناهية الصغر. # وفي الوقت الذي احتج فيه البعض بأن مصر ما حققت إصلاحات سريعة على مدار العام الماضي إلا ~~لأنها بدأت من أقصى درجات التشدد في وضع اللوائح المنظمة - لأنه، بعبارة أخرى، الانتقال من ~~صفر إلى 1 هو في الواقع قفزة هائلة يستحيل مقارنتها بمجرد تحسن من مستوى متوسط إلى جيد - ~~فإن مايكل كلين نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي لشئون شبكة تنمية ~~القطاع المالي والخاص أكد أن: «المستثمرين يبحثون عن فرص استثمار مربحة ويجدونها في البلدان ~~القائمة بتنفيذ الإصلاحات بصرف النظر عن نقطة بدايتها.» ms158 وليس بعد هذا ما يقال للرد على ~~الرأي القاصر الذي أورده هويدي عندما قال إن «الفساد سيقف عائقا أمام تقدم الاقتصاد ~~وانتعاش الاستثمار.» وبالطبع يصعب انتقاد البنك الدولي لتنبيهه أغلبية حملة الأسهم في الغرب ~~لوجود فرصة مواتية. وأضاف كلين أن «العوائد على أسهم الملكية أعلى في البلدان التي تجري ~~الإصلاحات بأقصى سرعة»؛ خصوصا في ظل الأرباح الزائفة الهائلة التي حققها المضاربون على ~~الأسهم في الأيام التي أعقبت نشر التقرير. # ومع كل هذا، يظل صعبا على البعض فهم السبب وراء منح مصر تلك المرتبة العالية واللافتة ~~للانتباه (متقدمة بها على كل من الصين وبلغاريا) لأن أي شخص - عدا راغبي الاستيلاء على ~~الشركات الذين يعتمدون على مبدأ إصابة الهدف ثم الفرار بسرعة - سيقع في مأزق كبير إذا سار ~~وفق هذا التصنيف. أوضحت دراسة أكثر واقعية نشرتها مجلة «نيوزويك» - التي نادرا ما تتهم ~~بالتحامل الشديد على الاقتصاد الموجه - قبل عامين: «حتى بمعايير الشرق الأوسط، لم تكن مصر ~~قط مكانا سهلا لإدارة مشروع تجاري. وأصيب الاقتصاد المصري المتمركز داخليا بحالة من ~~الركود طوال الأعوام السبعة الماضية. فمعدلات التضخم مرتفعة، والتعريفات الجمركية والبطالة ~~هي الأعلى بين دول العالم، والإجراءات البيروقراطية لا حد لها.» وعلى الرغم من أن المجلة ~~علقت آمالها على نحو سخيف على جمال مبارك، فقد طرحت رؤية أكثر واقعية للوضع الاستثماري ~~قائلة إن نتيجة الإصلاحات الجارية حينئذ كانت على أحسن تقدير «غرس أمل جديد حول مستقبل مصر ~~وتأثيرها على المنطقة.» وأضافت تحذيرا مهما للغاية: «لا شك أن الإفراط في التفاؤل أمر ~~وارد عند الحديث عن الإصلاح في مصر. لكن ماضي الدولة حافل بالوعود الزائفة وخلف الوعود منذ ~~سبعينيات القرن العشرين.» وأشارت «نيوزويك» إلى أن وزير الاستثمار محمود محيي الدين أعلن عن ~~برنامج خصخصة طموح من أجل العام المقبل يشمل على الأقل بنكا حكوميا وربما الشركة المصرية ~~للاتصالات. لكنها أضافت: «حتى إن استطاع الالتزام بالجدول الزمني الذي وضعه، فثمة شك يراود ~~الخبراء بشأن إجراء تغيير اقتصادي دون التطرق إلى مزيد من الإصلاح السياسي.» # غير ms159 أنه بعد مرور عامين، وفي الفقرة ~~الإجبارية التي ترد في التقرير تحت عنوان «بحاجة إلى الإصلاح»، لم يجد البنك الدولي بدا من ~~أن يأسف على أنه في الوقت الذي يسهل فيه نسبيا توظيف العمال، يظل فصلهم صعبا إلى حد ما ~~في ضوء المعايير الإقليمية والدولية؛ «على نحو يقضي على أي حافز لخلق فرص العمل.» «أي ~~حافز»: لا توجد كلية إدارة أعمال في العالم - مهما كانت متشددة - تعتبر نشوة انتزاع فرص ~~العمل مرة أخرى الحافز الوحيد لتوفير تلك الفرص في المقام الأول. أبدى تقرير «ممارسة أنشطة ~~الأعمال» لعام 2008 أسفه أيضا على أن الشركات متوسطة الحجم تستغرق 711 ساعة في إجراءات ~~تسديد الضرائب سنويا مقارنة بمتوسط 236,8 ساعة و183,3 ساعة في المنطقة وفي الدول الأعضاء ~~في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على التوالي. وحتى في مسألة نزع الأصول، تتخلف مصر ~~إلى حد كبير فيما يتعلق بسهولة وتكلفة تصفية أي نشاط تجاري بواقع 4,2 أعوام في المتوسط في ~~مقابل 3,7 أعوام في المنطقة و1,3 عاما في الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية ~~الاقتصادية. أما متوسط التكلفة فهو مرتفع في مصر بواقع 20,0 بالمائة من إجمالي الدخل القومي ~~لكل فرد في مقابل 13,9 بالمائة في المنطقة و7,5 بالمائة في الدول الأعضاء في منظمة التعاون ~~والتنمية الاقتصادية؛ لكن مع الأخذ في الاعتبار أن نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي ضئيل ~~جدا مقارنة بهذه البلدان. لكن ما يزيد الأمر سوءا أن معدلات الاسترداد على المشروعات ~~المغلقة كانت منخفضة للغاية بواقع 16,6 سنتا على الدولار في مقابل 25,8 سنتا و74,1 سنتا ~~في الجهات موضع المقارنة. # ثمة عدد من التفسيرات المحتملة لمضمون ولهجة التقرير الذي أعده البنك الدولي؛ أولها - وهو ~~بلا شك تفسير سيكون التفكير فيه جديا نوعا من جنون الشك - أن رئيس البنك الدولي السابق أو ~~أولئك الذين يدين لهم بالولاء رأوا في نشر هذا التقرير فرصة لمكافأة مصر على مساعدتها في ~~«الحرب على الإرهاب» في وقت كان لا يزال يشغل فيه منصب نائب وزير الدفاع الأمريكي. ms160 والتفسير ~~الثاني أن البنك الدولي - الذي هو أبعد ما يكون عن كونه منبرا للنزاهة المالية الدولية - ~~هو في حقيقة الأمر طائفة إضافية من متطرفي السوق الحرة الذين يؤمنون بأن الشفافية والمساءلة ~~ذواتي أهمية ثانوية في العمل التجاري الناجح؛ شيء أشبه بطائفة دينية متطرفة في عالم التمويل ~~الدولي بكل ما تنطوي عليه من تناقضات وحماقة ظاهرة في التقرير. وأيا كانت حقيقة الأمر فإن ~~تقرير «ممارسة أنشطة الأعمال» لعام 2008 يطرح مثالا نموذجيا لقدرة نظام مبارك على أن ~~يستمر باستخفاف في إساءة استعمال أي مبدأ اتفق عليه المجتمع الدولي. قطعا تبدو الإصلاحات ~~جيدة من الناحية النظرية حتى إنها قد تخدع أصحاب النظرة السطحية. إن مشكلة الفساد أنه حالما ~~توطن لا يلتفت أحد ولو بمثقال ذرة لما تقوله القوانين، والتكالب على تفادي البيروقراطية ~~يزيد الفرص المتاحة أمام اللصوص الذين يحكمون البلاد لسرقة القليل الذي تبقى منها. ~~••• # الكلمة الأخيرة عن الفساد في مصر لن تكون على لسان المصرفيين الدوليين، وإنما على لسان ~~روائي مصري هو صنع الله إبراهيم الذي لخص المشكلة ودور المسئولية الفردية فيها، وذلك أمام ~~وزير الثقافة ورواد المفكرين العرب عندما نال جائزة «مؤتمر الرواية العربية» عام 2003: ~~«لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث ~~علمي أو تعليم. لدينا فقط مهرجانات وصندوق أكاذيب. لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو ~~صحة أو عدل؛ تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب. انتزعت ~~القلة المستغلة الروح منا. الواقع مرعب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن ~~يغمض عينيه أو يصمت. لا يستطيع أن يتخلى عن مسئوليته. لن أطالبكم بإصدار بيان ~~يستنكر ويشجب، فلم يعد هذا يجدي؛ لن أطالبكم بشيء فأنتم أدرى مني بما يجب عمله. كل ~~ما أستطيعه هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة، ~~وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها لأنها صادرة عن حكومة لا تملك - في نظري - مصداقية ~~منحها.» # | هوامش # الفصل السابع # | الكرامة المهدرة # ولد المخرج السينمائي المصري الشهير يوسف شاهين عام 1926، ونشأ في أسرة مسيحية ms161 من الطبقة ~~المتوسطة في مدينة الإسكندرية التي تجمع أجناسا مختلفة من البشر، وتلقى تعليمه في مدارس ~~فيكتوريا كوليدج العريقة. وعندما عاد من دراسة السينما في لوس أنجلوس، انخرط في صناعة ~~السينما المحلية التي كانت تشهد آنذاك رواجا خلال السنوات الأخيرة من حكم الملك فاروق. ~~يمكن أن نرجع أصل المنهج الإنساني المتحرر لذلك المخرج صاحب الفكر المتشعب إلى التعددية ~~والحرية النسبية اللتين سادتا فترة ما قبل الثورة التي أسعده الحظ بأن يولد فيها. لكن في ~~أعقاب الثورة أصبح شاهين عبقريا آخر يعمل تحت وطأة نظام أوتوقراطي وحشي يعتبر الموهبة ~~الإبداعية مدعاة للشك في أحسن الأحوال، وتهديدا لا بد من قمعه في أسوأ الأحوال. أسهمت ~~أفلامه التي يربو عددها عن الأربعين فيلما - والتي تعود إلى ما قبل ثورة 1952 - في التعريف ~~بهوية مصر وتاريخها وذاكرتها. لكن تمرده على تملق النظام أو الإذعان لعقيدة دينية - فضلا ~~عن لجوئه المتكرر لتجسيد شخصية الرجل الشاذ والأنثى المتحررة - جعلته منبوذا إلى حد كبير ~~في الوسط السينمائي المصري وفي وسائل الإعلام المملوكة للدولة. وقد أعلنت الرقابة المصرية ~~أنه من المرجح منع عرض أحدث أفلام شاهين «هي فوضى» (2007) حتى قبل مشاهدته. الفيلم قصة ~~ميلودرامية مشحونة بالغضب حول ثقافة التعذيب داخل أقسام الشرطة في مصر والفساد الملازم لهذه ~~الثقافة. (جدير بالذكر أن الرقابة سمحت بعرض الفيلم في النهاية.) يعود شاهين من خلال فيلم ~~«هي فوضى» إلى موضوع كلاسيكيته «العصفور» (1973) الذي حمل الفساد مسئولية هزيمة مصر في ~~حرب الأيام الستة. منع الفيلم من العرض لدى طرحه، على الرغم من أنه نال لاحقا أرفع جوائز ~~الدولة الثقافية. وفضلا عن مواجهة شاهين لعداء النظام له، فهو صاحب المفارقة التعسة التي ~~تسببت في حظر أحد أفلامه في مصر نتيجة حملة اعتراضات شارك فيها مسلمون ومتطرفون مسيحيون. ~~هاجم المسلمون ملحمته الإنجيلية «المهاجر» (1994) - المأخوذة عن قصة حياة النبي يوسف - ~~بدعوى فتوى صادرة عن الأزهر عام 1993 تحرم تجسيد جميع الأنبياء في أي عمل فني، وهاجمه ~~الأقباط أيضا بدعوى أن تجسيد شخصية النبي يوسف نفسه كانت ms162 «غير دقيقة». # لا يكن المخرج الذي يبلغ من العمر اثنين وثمانين عاما سوى الاحتقار للنظام العسكري ~~المصري، وهو ما بدا واضحا في حوار قصير نادر أجراه مع مجلة «قنطرة» الإلكترونية الألمانية ~~عام 2006 حين قال: «نحن نعيش في ظل نظام ديكتاتوري تماما.» استطرد شاهين في التعبير عن ~~يأسه بأنه فقد الأمل في أن تصبح مصر أكثر حرية أو تحررا في المستقبل، وقال عن شباب مصر ~~إنهم حشد من الأرواح التائهة، أقصى ما يحلمون به هو مغادرة هذا البلد: «أراهم يقفون أمام ~~السفارات الألمانية والفرنسية. كلهم يرغبون في الهجرة. اعتدت أن أقول للشباب: «لا تهاجروا! ~~إن كنتم قد أنهيتم دراستكم فنحن بحاجة إليكم هنا.» لكني كنت من الجيل القديم الذي لا يفكر ~~إلا في جمال الوطن. أما الآن فأقول لهم: «ارحلوا!» لن يجدوا فرصة في بلد يعج عن آخره ~~بالفساد. أن تبقى هنا يعني أن تصبح فاسدا.» وربما كان وصف شاهين للوطنية بأنها تفكير عفا ~~عليه الزمن هو أكثر أجزاء الحوار مكاشفة وإثارة للحزن أيضا. # لفت الكثيرون في الغرب الانتباه إلى حالة الهوس الجماعي بالهجرة بين شرائح مختلفة عديدة ~~في المجتمع المصري الذي بات على شفا الانهيار، وإلى الملايين الذين لا يرغبون في الهجرة إلى ~~فرنسا وألمانيا وأي دولة أوروبية أخرى فحسب، وإنما على وجه التحديد إلى الدولة التي درس ~~فيها شاهين؛ الولايات المتحدة. وقد ذكر البعض أن هذا دليل على أن المصريين ليسوا مناهضين ~~للغرب مثلما يظن الأجانب، بمعنى أنهم ليسوا غاضبين تماما من السياسات الأمريكية في المنطقة ~~مثلما يظن الكثيرون. لكن هذا النوع من الحسابات السياسية يخطئ كثيرا في فهم ما يحدث. ~~فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه هو: ما سر رغبة تلك الأعداد الهائلة من الشباب المصري في ~~أخذ فرصتهم في الغرب على الرغم من بغضهم لآثار الهيمنة الأمريكية على المنطقة وغضبهم الشخصي ~~من مساندة واشنطن للديكتاتور الذي يحكم بلادهم (وهو ما يتضح لأي شخص يقضي فترة من الوقت في ~~مصر)؟ الجواب الواضح هو أن بغضهم لوطنهم أكبر بكثير ms163 من بغضهم لحفنة من السياسات الخارجية ~~تتبناها الدولة التي سيهاجرون إليها؛ فالثقافة والسياسة، والطموح الشخصي والآراء السياسية ~~غير مرتبطة بعضها ببعض في عقولهم. لكن هناك أمر واحد اتفق عليه الجميع وهو - مثلما أشار ~~شاهين - الرغبة الشديدة في الهجرة خصوصا بين الشباب في مقتبل العمر، وإن كانت غير قاصرة ~~عليهم. في التسعينيات من القرن العشرين، كان اثنان أو ثلاثة من بين كل عشرة مصريين ألتقي ~~بهم يفصحون عن رغبتهم في الهجرة إلى أي بلد آخر. وفي 2007 كلما التقيت بشخص، يفصح لي عن ~~رغبته الجارفة في الهجرة، وعادة ما يكون ذلك في الدقائق الخمس الأولى من حواري معه. # أتذكر واقعة محددة في هذا الشأن؛ فقد استأجرت سيارة أجرة سائقها في العشرينات من عمره ~~عندما كنت في أسوان ليرافقني في جولة إلى السد العالي، وتجاذبنا أطراف الحديث من البداية ~~كأن بيننا صداقة قديمة. وفي طريق العودة إلى المدينة انحرف بالسيارة على جانب الطريق فجأة، ~~وتلا سورة الفاتحة بصوت عال وهو يغمض عينيه، ثم التفت إلي وسألني في جدية موجعة: «أيمكنك ~~مساعدتي في استخراج تأشيرة إلى إنجلترا من فضلك؟» وبعد أن أوضحت في هدوء أن هذا الأمر محال ~~خصوصا وأني لم أعد إلى وطني منذ أن تركته قبل عقد من الزمان، ولا أنوي العودة إليه في ~~المستقبل القريب، بدا أن الإحباط قد بلغ منه مبلغه. وعندما أفكر في هذا الآن يراودني شعور ~~أن الأمر برمته ليس سوى تمثيلية تؤدى أمام أي أجنبي يتحدث معه على الرغم من حداثة المعرفة ~~التي تجمعهما، لكن هذا لا يؤثر على الإحباط الهائل الكامن وراء طلبه. لا يدري أحد كيف ~~استقبل هذا الشاب عزوفي عن العودة إلى بلد هو على استعداد لدفع المال من أجل الهجرة إليه. ~~لكن حتى عندما أوضحت بما لا يدع مجالا للشك لشخص آخر تعرفت عليه أني لن أمنحه الفرصة ~~للفرار إلى الغرب، لم يضع ذلك حدا للإلحاح المتواصل. ولدى عودتي إلى مصر بعد رحلة إلى ~~إيران استغرقت شهرا، سألني فجأة شاب في العشرينات ms164 كان قد جاء إلى شقتي لإصلاح جهاز ~~الكمبيوتر عن إمكانية سفر شخص مثله إلى إيران. قال إنه حاصل على شهادة في تكنولوجيا ~~الكمبيوتر، وإنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وتلقى تدريبا في شركة كمبيوتر رائدة في ~~البرمجيات؛ لكنه لا يجد فرصة للعمل في شركة كبرى لأنه لا يجد من يتوسط له. أجبته: «الوضع في ~~إيران أكثر سوءا من مصر. فالاقتصاد في طريقه للانهيار، والحرية هناك أقل منها هنا.» أطرق ~~برأسه مفكرا بضع لحظات، ثم أجاب: «لا يهمني إن عشت على الخبز والماء. كل ما أريده هو ~~الحياة في بلد يحترمني فيه الناس عندما أسير في الشارع.» فاق إلحاح الجميع من أجل الحصول ~~على تأشيرة الحد في الإزعاج، وفي بعض الأحيان يسهل إغفال الحزن واليأس اللذين يدفعان ~~إليه. # كشف تحقيق أعدته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في يوليو/تموز 2007 أن آلاف الشباب ~~المصريين يحاولون الدخول إلى أوروبا سنويا بطرق غير شرعية. في بعض الأحيان، يبحر هؤلاء من ~~الموانئ المصرية على متن قوارب صيد يديرها عصبة من المهربين. لكنهم يلجئون في الأغلب إلى ~~خوض رحلة محفوفة بالمخاطر إلى إيطاليا عن طريق دولة ليبيا المجاورة التي لا يحتاجون تأشيرة ~~لزيارتها. وغني عن القول إن الفقر المدقع والبطالة والإحساس العام باليأس والعجز من الأسباب ~~التي أوردها التقرير وراء عدم اكتراث المصريين بتعريض حياتهم للخطر. وفي شهر نوفمبر/تشرين ~~الثاني عام 2007، تأكدت دقة تقرير «هيئة الإذاعة البريطانية»، عندما عاشت مصر حدادا ~~وطنيا لدى الإعلان عن غرق واحد وعشرين شخصا على الأقل كانوا يحاولون التسلل إلى إيطاليا ~~بحثا عن فرصة عمل، بعد انقلاب القارب الذي كانوا يستقلونه. # لا غرو إذن في سعي المصريين إلى اغتنام فرصة الهجرة غير الشرعية عندما تتاح لهم، بل إن ~~بعضهم يلجأ إلى وسائل غير مشروعة لتمديد إقامته. (لم يحدث قط أن التقيت بشاب لم يعترف لي ~~صراحة أنه إذا حدث وأتيحت له فرصة الهجرة فمحال أن يعود طواعية.) وما يترتب على ذلك يشكل ~~مادة خصبة لوسائل الإعلام الدولية. ففي أغسطس/آب 2006 على سبيل ms165 المثال، أصدر مكتب التحقيقات ~~الفيدرالي وإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية تحذيرا لوكالات الأمن وسلطات تطبيق القانون ~~المحلية بأن أحد عشر طالبا مصريا تخلفوا عن إثبات حضورهم في جامعة ولاية مونتانا بعد ~~دخولهم إلى الولايات المتحدة عبر مطار جون إف كنيدي الدولي. كان من المقرر أنهم سيدرسون ~~اللغة الإنجليزية والتاريخ الأمريكي جزءا من برنامج تبادل طلابي مع جامعة المنصورة في دلتا ~~مصر. وكان عليهم تقييد أسمائهم لدى الجامعة بموجب «برنامج تبادل الطلاب والزوار» المعمول به ~~في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول المروعة بغية ضمان منح حق دخول الولايات المتحدة للطلاب ~~الأجانب المصرح لهم فقط. فالعديد من مختطفي الطائرات التي استخدمت في هجمات 11 ~~سبتمبر/أيلول ذكروا في طلبات استخراج التأشيرات أنهم طلاب. واستطاعت السلطات الأمريكية ~~تحديد مكان الطلاب المصريين في النهاية، وألقت القبض عليهم بتهمة خرق بنود التأشيرات وأيضا ~~ضوابط الهجرة، ورحلتهم إلى مصر على الفور. لكن اتضح فيما بعد أن الإرهاب بعيد كل البعد عن ~~تفكيرهم؛ فقد فروا سعيا وراء «الحلم الأمريكي» على حد تعبير «الأهرام ويكلي»، وتخلفوا عن ~~حضور برنامج الاندماج بحثا عن فرصة عمل، وعلى ما يبدو أنهم كانوا ينوون تدبير معاشهم حتى ~~ذلك الحين اعتمادا على المبلغ الذي تلقاه كل واحد منهم كجزء من برنامج التبادل لسد ~~احتياجاته المعيشية والذي يساوي ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار. من الواضح أن التداول الواسع ~~والمثير في بعض الأحيان لهذه القضية - سواء في الولايات المتحدة أو في مصر - لم يكن رادعا ~~أمام اثنين من ملاكمي الوزن الثقيل المصريين عن ترك زملائهم في الفريق على نحو مشابه في ~~أكتوبر/تشرين الأول عام 2007 بعد وصولهما إلى الولايات المتحدة للمشاركة في بطولة العالم ~~للملاكمة. اختفى عماد عبد الحليم وأحمد سمير بعد فترة قصيرة من وصول الفريق إلى أحد ~~المطارات الأمريكية، لكن هذه المرة لم يصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي تحذيرا. تغيب عدد ~~كبير جدا من اللاعبين الرياضيين المصريين - خاصة الملاكمين والمصارعين - في السابق دون ~~إذن وفي ظروف مشابهة للبحث عن بيئة أفضل يستطيعون فيها تنمية مهاراتهم، حتى إن هروب ms166 اثنين ~~من الملاكمين هذه المرة لم يسفر عن شيء سوى إعلان السلطات الأمريكية عما حدث. وأكثر ما يثير ~~الدهشة فيما يتعلق بهؤلاء الأشخاص هو أنهم - على عكس من يسافرون بحرا عن طريق ليبيا - ~~ليسوا مثل الفقراء الذين يهاجرون هجرة غير شرعية ويغادرون الصحراء الأفريقية الكبرى مكدسين ~~داخل قوارب متداعية في طريقهم إلى جزر الكناري، أو مثل المكسيكيين الذين يقضون أياما في ~~الصحراء في محاولة لعبور الحدود المكسيكية الأمريكية التي يسهل التسلل منها. فهؤلاء الطلاب ~~كانوا يدرسون في واحدة من أرقى الجامعات الحكومية في مصر، وحازوا على درجة عالية من تقدير ~~أساتذتهم في الجامعة جعلتهم يفوزون بتلك المنح الدراسية التي يطمح فيها أي شخص. وبالمثل فإن ~~الملاكمين قطعوا شوطا كبيرا في عملهما حتى أنهما باتا مؤهلين للمنافسة في البطولات ~~الدولية. # إذا كان أشخاص كهؤلاء لديهم الرغبة في المخاطرة بفقدان كل ما حققوه في سبيل الفرار من ~~مصر، فما الذي يتوقع من الجموع الفقيرة التي ليس لديها ما تخسره سوى أن تلقي بنفسها داخل ~~مراكب صيد في عرض البحر المتوسط وهم لا يملكون سوى الأمل والدعاء؟ الإجابة عن هذا السؤال ~~موجودة في الأقصر؛ المدينة السياحية الأكثر شهرة في مصر على مر التاريخ، والتي تحولت في ~~السنوات الأخيرة إلى عاصمة لبغاء الرجال في الشرق الأوسط. ~~••• # ذاع صيت الأقصر منذ زمن بعيد على أنها «مدينة الخطيئة» في مصر. كشف علماء آثار من جامعة ~~جونز هوبكينز - يعملون حاليا في معبد «موت» بالمدينة - كيف أن الجنس والخمر كانا عنصرين ~~رئيسيين في الطقوس التي يؤديها الأفراد لإرضاء الآلهة في العصر الفرعوني. ووفقا لعلماء ~~الآثار اشتملت الطقوس على شرب نبيذ الشعير وممارسة العلاقة الحميمة قبل أن يفقدوا الوعي ~~ويستيقظوا مبكرا في الصباح التالي من أجل الطقوس الدينية. ولا يزال الجمع المقلق والمتزايد ~~بين الخمور والجنس والدين مميزا لطبيعة الحياة هنا إلى حد كبير؛ على الأقل لدى الزوار ~~الأجانب و90 بالمائة من ذكور المدينة العاملين بقطاع السياحة، التي تهيمن على الاقتصاد ~~المحلي تماما. # تجذب الأقصر في الغالب البريطانيين والألمان ms167 الباحثين عن دفء الشمس، الذين يغادرون ~~مقاعدهم المشمسة بجوار حمامات السباحة داخل فنادقهم الراقية بين الحين والآخر، للذهاب إلى ~~الأسواق المحلية حيث يختلطون بغيرهم من الأجانب الذين جاءوا لقضاء يوم واحد، والذين ترسوا ~~سفنهم على طول نهر النيل الفسيح الخلاب. وكثيرا ما يكون سياح الرحلات الجماعية المنظمة ~~موضع سخرية الرحالة الأكثر إقداما على المغامرة بسبب بقائهم داخل الفنادق، والحقيقة أن ~~بوسع الكثيرين منهم البقاء في أي مكان ما دامت تشرق شمسه في الشتاء، وما دام هناك ملهى ~~يرتادونه في المساء. بل إن الكثيرين منهم لا يزورون الأماكن الأثرية. ومع هذا فحتى هؤلاء ~~الذين يحركهم حب الاستطلاع الثقافي - خاصة من يصطحب معه أطفالا صغارا - يفضلون عدم ~~المجازفة بالخروج بمفردهم مرة ثانية بعد تعرضهم أول مرة للمضايقات التي تفوق الحدود في ~~شوارع المدينة. لا يوجد مكان آخر في العالم العربي (أو ربما في العالم كله) بهذه الشراسة ~~والقسوة. # يتسكع سائقو التاكسي ومحترفو مطاردة السائحين وسائقو الحنطور والشباب العاطل والأطفال ~~المزعجين في زاوية كل شارع، في انتظار فرصة مرور السائحين بهم لجني بضعة دولارات يشترون بها ~~قوت يومهم. نقل عن زهير جرانة وزير السياحة قوله إن مضايقة السياح تشكل تهديدا لقطاع ~~السياحة في مصر أكبر من تهديد هجمات المتطرفين، وأقر بأن العديد من السياح يغادرون مصر ~~«ولديهم إحساس بالمرارة، وقد أخذوا على أنفسهم عهدا ألا يعودوا إليها أبدا» بسبب إحباطهم ~~من ترصد محترفي مطاردة السياح لهم في الطرقات. فإبعادهم عن الطريق مهمة شاقة حتى على من ~~يتحدثون اللغة العربية، ويكون الملاذ الأخير هو التهديد باللجوء إلى العنف. # غير أن هؤلاء الذين يستطيعون الانفراد بأنفسهم بضع دقائق يجدون كورنيش النيل - الممتد ~~مسافة كيلومترات في حلته القديمة - مكانا رائعا للتنزه تزينه معالم مثل فندق «قصر ~~الشتاء» ومعبد الأقصر المهيب. أما من يتجولون في رحلة بحرية في النيل فإنهم يحظون بمشاهدة ~~المناظر الخلابة لمدينة يقسمها نهر النيل إلى شطرين. في البر الشرقي - أو الشطر العصري من ~~مدينة الأقصر - توجد الفنادق الرئيسية والمطار والأسواق ومحطة القطار وجميعها ms168 خضع مؤخرا ~~لعمليات ترميم بتمويل من منظمة اليونسكو. وفي البر الغربي الفقير - المتواري خلف تلال طيبة ~~- يوجد وادي الملوك ووادي الملكات ومعبد حتشبسوت الأسطورية وخلفها الصحراء القاحلة ~~والجبال. # لا تزال المناطق المأهولة بالسكان في البر الغربي - بين نهر النيل والمقابر - عبارة عن ~~سهول خصبة ومساحات خضراء: مشاهد البطاقات البريدية المصورة للفلاحين الذين يعملون في حقول ~~قصب السكر، والغلمان الذين يرتدون الجلاليب ويركبون الحمير على طول الطرقات غير الممهدة في ~~القرية المبنية بالطوب اللبن. وعبور نهر النيل من البر الشرقي إلى البر الغربي على متن ~~معدية يضاهي الرجوع بالزمن إلى الوراء: من الحضر إلى الريف ومن الحداثة إلى التقليدية ~~الموغلة في القدم. ~~••• # يسكن صديقي علاء - وهو رجل قصير القامة بدين في أواخر الثلاثينيات من العمر شعره أسود ~~كثيف مجعد - في إحدى القريتين المجاورتين لنهر النيل في البر الغربي من المدينة. تربط بينه ~~وبين جميع الأشخاص الآخرين في محيط قريته صلة قرابة من قريب أو بعيد؛ فتلك منطقة قبلية، ~~وكما هو الحال في جميع مدن صعيد مصر يتسم المسلمون والمسيحيون الذين يعيشون هنا بالتحفظ ~~والانغلاق الأسري. في الصباح يعمل علاء مدرسا في إحدى المدارس الحكومية، لكني اعتدت على ~~قضاء الوقت معه كل مساء في الجانب الآخر من المدينة في بهو استقبال فندق بسيط يعمل فيه، ~~وفيه أيضا نزلت في إحدى زياراتي الأولى للمدينة. غير أن علاء أدرك فجأة بعد بضعة أشهر أنه ~~سيوفر المال إذا ما جلس في بيته في المساء؛ فراتبه الشهري في الفندق لا يتعدى 26 دولارا ~~شهريا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية نفقات انتقاله من وإلى البر الشرقي، وشراء علبتي سجائر ~~يدخنهما بشراهة أثناء وردية عمله التي تستمر اثنتي عشرة ساعة في جو من الرتابة، فضلا عن ~~شراء طعام في بعض الأحيان. # حسبما تشير ظروف علاء والمشاحنات التي تحدث في الطرقات فإن قطاع السياحة في مصر عالم مصغر ~~من عالم الاقتصاد الأوسع. فعشرات قليلة من الشركات تهيمن على القطاع، بدءا من الحافلات ~~التي تنقل الأفواج السياحية من وإلى المطار، ms169 وانتهاء بالفنادق الفاخرة التي ينزلون فيها ~~ومراكب الرحلات التي يستقلونها للتنزه في نهر النيل. وهكذا لا يبقى للمهمشين من أمثال ~~علاء سوى انتظار فتات المائدة. أخبرني علاء أنه شعر بسعادة بالغة عندما توقف عن إزعاج ~~السياح ليأخذوا معه جولة على ظهر الحمار، وهو عمل ثانوي بائس كان يؤديه أثناء عمله بالفندق. ~~وعندما قال ذلك علت وجهه ابتسامة خجل، ربما لأنه تذكر كيف قضى نصف الساعة الأولى معي في وصف ~~مزايا (وتكلفة) هذه الجولة حول البر الغربي مع شروق الشمس. أضاف أنه أيضا لم يكن يشعر ~~بالرضا للعمل في مكان يبيع الخمور. أما الآن فأصبح بوسعه الحصول على قسط كاف من النوم ~~ليلا، وقضاء وقت مميز مع زوجته وطفلته الصغيرة. # جلسنا فوق سطح منزله الذي لم يكتمل بناؤه، وتجاذبنا أطراف الحديث حتى حلول المساء، والشمس ~~تغيب رويدا في الأفق. بعد فترة أشرت إلى أن جميع المباني - هنا وفي القرية الأخرى المجاورة ~~لنهر النيل - تكاد تكون مشيدة حديثا، وأن عددا لا بأس به من هذه المباني عبارة عن فيلات ~~فاخرة، وهو ما يختلف اختلافا لافتا للنظر عن بيوت الطوب اللبن التي ما زال يسكنها معظم ~~الفلاحين في البر الغربي. كان يتملكني الفضول لمعرفة مصدر ثروة ملاك هذه المباني. # قال لي علاء: «تسعون بالمائة من هذه المنازل والأراضي المبنية عليها يملكها أجانب، فجميع ~~الشباب هنا يقدمون الآن على الزواج من أجنبيات عجائز.» # في البر الشرقي - حيث كنت أقضي وقتي بالكامل تقريبا - اعتدت أن أرى أجنبيات عجائز ~~(غالبا في الستينات أو السبعينات من عمرهن) يسرن متشابكات الأيدي مع شباب في مقتبل العمر ~~من أهل المدينة. ظننت أنهن يعشن قصة غرام تنتهي بانتهاء إجازتهن، لكن اتضح من حديث علاء أن ~~عددا كبيرا منهن يعشن هنا في البر الغربي. بعدها تحققت من الأرقام الرسمية؛ ووفقا لوزارة ~~العدل فإن خمسة وثلاثين ألف مصري تزوجوا من أجانب، ونحو ثلاثة أرباع هذه الزيجات جمعت بين ~~ثقافتين مختلفتين، وأطرافها رجال مصريون ونساء أجنبيات. وعلى الأرجح لا يشتمل هذا الرقم على ms170 ~~الزيجات العرفية التي يتجنبها المصريون باعتبارها إحدى صور البغاء، ولكنها كانت توفر غطاء ~~قانونيا للأغلبية الساحقة من العلاقات بين المصريين والأجنبيات. فهذا النوع من الزواج ~~يمكن الطرفين من العيش معا في شقة واحدة دون الخوف من مهاجمة الشرطة لهما، ومن ثم ~~التشنيع بسمعة الأسرة نتيجة اتهامها بممارسة الرذيلة. أيضا يوفر هذا النوع من الزواج طمأنة ~~ضمنية للمصريات اللاتي يتزوجهن المصريون غالبا - إلى جانب الأجنبيات - بأن زيجاتهن هي ~~«الأصلية» على عكس زواج الأجنبيات الذي يكون من أجل المصلحة المادية فحسب. # قلت لعلاء ذلك المساء: «لا مشكلة حقا ما داموا متزوجين، فهؤلاء الشباب لا بد لهم من ~~الزواج؛ وإذا كانت المرأة تمتلك المال، فلا بأس إذن.» # رد علاء بسرعة: «كلا، هناك مشكلة كبيرة؛ فأنا أشاهد قريتي تتغير إلى الأسوأ كل يوم. ~~معظم هؤلاء النساء أقمن علاقات مع نصف رجال الأقصر قبل أن يستقررن على الزواج بأحدهم. وعلى ~~أي حال، هؤلاء الأجنبيات في عمر جدات من يتزوجوهن! لم يكن هذا يحدث من قبل قط. عندما كنت ~~صغيرا، كان السياح الذين يأتون إلى هنا جديرين بالاحترام، وكان الواحد منا يفخر بدعوتهم ~~إلى منزله. أما الآن، إذا اصطحبت أي امرأة أجنبية إلى قريتك - حتى وإن كانت جديرة بالاحترام ~~- يظن الجميع أنك ستضاجعها.» # لكنه كان حريصا على أن يوضح أن كل هذا أقل ما يثير قلقه. ~~«أريد أن أعرف ما سيئول إليه الحال عندما يكبر أبناؤهم؟ نحن بلدة محافظة تحكم بناتنا ~~قواعد صارمة للغاية. فهن لا يخرجن بمفردهن بعد أن يحل الظلام، ولا يقمن علاقات جنسية قبل ~~الزواج. أما الغرب فتحكمهم قواعد مختلفة. وربما تشب الفتيات ليصبحن مثل أمهاتهن ويضاجعن ~~أي رجل يغمز لهن. نحن نفقد ثقافتنا وديننا، ولا أحد يكترث ما دامت المصلحة المادية ~~قائمة.» # فكرت في أن أقول شيئا عن الاندماج الثقافي والعولمة وعن الصراع المحموم بين القديم ~~والحديث، وفكرت أن أسأله هل يظن الفقر خيارا أفضل لهؤلاء الشباب في ظل انعدام خيار ثالث. ~~لكن قبل أن أنطق بكلمة بدأ علاء حديثه مرة أخرى. ms171 # سألني: «أتدري ما الذي يشغل تفكيري حقا؟» ثم أردف قائلا: # إنها الأرض؛ فهذا الأمر يقلقني أكثر من قلقي على الثقافة. كادت جميع الأراضي أن ~~تباع للأجنبيات. والأسعار آخذة في الارتفاع حتى إن سعر الأرض تضاعف في السنوات ~~الخمس الأخيرة. كيف سيتحمل أبنائي عندما يكبرون تكاليف شراء أرض لبناء منزل عليها؟ ~~سوف نطرد من أرضنا في النهاية. سوف تصبح منطقة محظورة؛ إذا لم تكن متزوجا من ~~أجنبية فلن يسمحوا لك حتى بالدخول لدواعي أمنية. سيحرم المصريون من أرضهم! أتدري ~~بم يذكرني ذلك؟ يذكرني باليهود في فلسطين. لنعد إلى التاريخ؛ فقبل عام 1948، كانت ~~جميع الأراضي التي في حوزة اليهود تئول إليهم بطريقة مشروعة. هؤلاء الفلسطينيون ~~كانوا مثل المصريين هنا في الأقصر. وانظر ماذا حدث. في النهاية نهبت أرض ~~الفلسطينيين بالكامل، والآن تستعمر أرضنا في الخفاء. # يذكرني هذا بتعليق للدكتور أحمد عكاشة الطبيب النفسي القاهري حين قال لي: «منذ العصور ~~القديمة والمصري معروف بأنه لا يترك مكانه أبدا، فشرف المصري أرضه.» إذا كان المصري يفقد ~~شرفه عندما يغادر أرضه، فما الذي سيفقده عندما يبيعها للأجانب فضلا عن بيع جسده لعجوز ~~أجنبية؟ ثمة هدف تسعى له وزارة السياحة هو بيع عشرة آلاف وحدة سكنية سنويا إلى الأجانب، ~~وهي إحصائية لا شك أنها ستصيب علاء بالرعب الشديد، لكن ظاهرة الزواج بين الثقافات المختلفة ~~أسوأ مما يدرك. في عام 2001، ذكر أن العاطلين المصريين يتجهون على نحو متزايد للزواج من ~~إسرائيليات. وقد تقدم عضو مجلس الشعب المعارض عبد العزيز الحريري بشكوى إلى إحدى اللجان ~~البرلمانية أن إسرائيل تشجع على هذا الاتجاه، وأن ارتفاع نسب البطالة يدفع المصريين إلى مثل ~~هذه «الأفعال البائسة». ونقلت تقارير إخبارية في تلك الفترة قوله إن أعدادا متزايدة من ~~المصريين يتزوجون من إسرائيليات هربا من شرك الفقر؛ وقدر الحريري أن أربعة عشر ألف ~~مصري حتى ذلك الحين تزوجوا من إسرائيليات (وإن كان معظمهن من عرب إسرائيل من أصول ~~فلسطينية). وفي العام نفسه، أصدر مفتي الديار المصرية فتوى بتحريم زواج المصري من ~~إسرائيلية، وأوضح ms172 أن هذا الزواج من شأنه أن يساهم فيما أسماه بخطط إسرائيل لتدمير «الكيان ~~العربي» وتنشئة أجيال من «الجواسيس المحتملين» لحساب إسرائيل. ومؤخرا، أشارت مجلة بيزنس ~~مانثلي المصرية إلى تقديم مادة في قانون جديد تقصر مدد عقود التأجير إلى تسعة وتسعين ~~عاما لمن يشتري عقارات في شرم الشيخ، وهو ما جاء نتيجة مباشرة للاعتقاد الذي ساد على نطاق ~~واسع بأن الإسرائيليين يشترون كل ما يتاح أمامهم من أراضي سيناء التي وقعت في قبضة الاحتلال ~~الإسرائيلي بعد حرب الأيام الستة غير أنها عادت إلى مصر جزءا من اتفاقية السلام عام 1979. ~~قال سمسار عقارات مصري تبدو عليه نزعة الشك للمجلة: «تبدو أسماء الكثير من المشترين أسماء ~~يهودية.» # الواقع أنه في شرم الشيخ، كما هو في الأقصر وغيرها من المدن السياحية الأخرى (باستثناء ~~طابا والمنتجعات الأخرى في سيناء حيث أغلبية السياح من الإسرائيليين)، تزداد أعداد السياح ~~المقيمين من البريطانيين بمعدلات تفوق أي جنسية أخرى، إما سعيا وراء الاستثمار أو إيراد ~~الإيجار أو للهرب فقط من الأحوال الجوية الكئيبة في بريطانيا. وعلى الرغم من عدم وجود ~~إحصائيات مؤكدة لإجمالي عمليات البيع للأجانب في مدينة شرم الشيخ فإن مجلة بيزنس مانثلي ~~قدمت تقديرا تقريبيا مأخوذا عن أرقام حصلت عليها من أربعة وكالات كبرى. وأشارت إلى أن ~~الأجانب اشتروا على الأقل ثلاثة آلاف وحدة بين عامي 2004 و2007. وهناك - كما هو الحال في ~~الأقصر والمنتجع الرئيسي الآخر في الغردقة - يجلس عشرات الرجال المصريين على ضفاف المياه ~~يوزعون قبلات في الهواء على العجائز اللاتي يسرن أمامهم على أمل أن تتوقف إحداهن وتبدأ ~~رحلة التعارف. وعلى أسوأ تقدير، سوف يجني الواحد منهم ما يعادل راتب شهر في حالة مصاحبة ~~إحداهن إلى البيت لقضاء الليل معها. وفي أحسن الظروف سيجد أن المرأة تبحث عن الحب، فيعلنه ~~لها من أعماق قلبه؛ ما دام حصوله على تأشيرة بريطانيا جزءا من الصفقة. ~~••• # اتضح أن ثورة علاء على ذلك النحو بسبب موضوع الأجنبيات ذلك المساء كانت بسبب مقال نشرته ~~صحيفة الشرق الأوسط قبل بضعة ms173 أيام، وطلب علاء من زوجته أن تحضره لنا من الطابق السفلي. ~~وبينما كنت أتصفح المقال أخبرني أن جميع من في القرية قرأوا محتوى المقال باهتمام، وحسبما ~~ذكر أصدقاؤه، لم تكن الأجنبيات تتحدثن عن شيء آخر سواه على المواقع الإلكترونية الخاصة ~~بمدينة الأقصر التي نشرت ترجمة المقال باللغة الإنجليزية. # نقل على لسان مسئولي المدينة في المقال أن «البنية الاجتماعية في الأقصر ستشهد تغيرات ~~بالغة إلى الأسوأ» إذا لم يتوقف الاتجاه الجديد لزواج أهل المدينة من أجنبيات، وسوف تشن ~~حملة جديدة للتشديد على الشباب بأهمية الزواج من مصريات. صرح محافظ المدينة للصحيفة أن ~~الدافع الرئيسي وراء هذه الزيجات هو دافع مادي «وليس تعبيرا عن الحب»، مضيفا أن تغيير هذا ~~الوضع يكمن في خلق فرص عمل جديدة وملائمة للشباب. وقال إن هؤلاء الرجال يمثلون 40 بالمائة ~~من إجمالي عدد الذكور في المدينة، وهي نسبة صاعقة. وذكر أيضا أن عائلات هؤلاء الشباب ~~يفضلون زواجهم من فتيات المدينة؛ لكن في ظل «الظروف الاقتصادية الصعبة» يوافقون على أن ~~زواجهم من الأجنبيات - «حتى وإن كانت أعمارهن ضعف أعمار الشباب» - هو فرصة لا ينبغي تفويتها ~~من أجل تحسين مستوى المعيشة. # ووفقا لصحيفة الشرق الأوسط هناك «أعراف ~~صارمة فيما يتعلق بالزواج من مصريات ومن أجنبيات أيضا في صعيد مصر على وجه التحديد»، على ~~عكس المراكز الحضرية مثل القاهرة التي بها قدر أعلى بكثير من الانفتاح على الثقافات غير ~~المصرية. نادرا ما يتواعد الشباب في صعيد مصر أو يقضي أحدهم وقتا مع الآخر قبل الزواج. ~~وقديما كانت الخاطبات توفق بي الطرفين، وبعض الفتيات كن يخطبن في سن التاسعة أو العاشرة ~~(وإن كان الزواج ممنوعا قبل سن الخامسة عشرة). وكثيرا ما يقع اختيار هؤلاء الخاطبات - ~~بمشاركة أهل الشاب - على فتاة من عائلته، يكونون على دراية بسمعتها ووضعها الاجتماعي ~~والمالي. وغالبا ما يتزوج أبناء العمومة ضمانا لاستمرار اسم العائلة. «إذن تشكل ظاهرة ~~زواج الشباب بأجنبيات عجائز لا يعرف أحد عنهن شيئا تهديدا بالغا للنسيج التقليدي ~~للمجتمع.» لأن «الزواج بين أبناء البلد الواحد ms174 هو السبيل للحفاظ على النسب والتقاليد سواء ~~للرجال أو النساء.» كما أوضحت صحيفة الشرق الأوسط في هذا السياق. علاوة على ذلك فإن تزايد ~~أعداد الشباب الذين يتزوجون من أجنبيات سنويا يقلل فرص الزواج وتأسيس بيت أمام الفتيات في ~~الأقصر، خاصة وأن عددا كبيرا من الرجال يقضون بعض الوقت كل عام في الخارج مع زوجاتهم ~~الأجنبيات. واختتم المقال بعبارة: «مع مرور الوقت سيتضح ما إذا كان الاتجاه الجديد ظاهرة ~~مؤقتة أم خطوة جامحة بعيدا عن التقاليد ربما تغير المجتمع الأقصري إلى الأبد.» # ومع الأسف، أخفقت صحيفة الشرق الأوسط - الصحيفة السعودية التي تتحاشى توجيه النقد المباشر ~~للنظام المصري «الشقيق» - في توضيح الأسباب وراء تضاؤل فرصة نجاح الحملات التي تشنها ~~الحكومة بهدف تغيير عقلية الشباب المصري؛ فالفساد في المجلس المحلي لمدينة الأقصر متأصل ~~وبلا رقابة شأنه في ذلك شأن العديد من المؤسسات الحكومية الأخرى في مصر، وتجاهله السافر ~~لتلبية احتياجات السكان يعني تضاؤل فرصة نجاة الشباب من شرك الفقر عبر سبل أكثر مشروعية في ~~المستقبل القريب. وهذا الوضع مدعاة للخزي الشديد في مدينة ينفق فيها أكثر من ستة ملايين ~~زائر أجنبي سنويا مئات الملايين من الدولارات التي يمكن لنسبة صغيرة منها إذا أنفقت في ~~أوجهها الصحيحة أن تحد من العديد من المشكلات الاجتماعية. بدلا من ذلك نجد الوضع مفجعا ~~للغاية حتى إن سكان المدينة يشيرون في بعض الأحيان إلى المستشفى الحكومي (الذي يعاني عجزا ~~حادا مزمنا في التمويل) باسم «مستشفى الموت». الأجنبيات إذن نعمة ونقمة في الوقت نفسه، ~~لأنهن يخلقن نوعا من الرفاهة البديلة لجموع الفقراء الذين لا تلقي الحكومة بالا للاعتراف ~~بالكثيرين منهم، ناهيك عن تحسين مستوى معيشتهم. أما عن الأسباب السياسية فهناك مجموعة فرعية ~~أخفق مقال صحيفة الشرق الأوسط في ذكرها، وهم الشباب المصري الذين يحاول الهروب من التجنيد ~~العسكري الإجباري الذي يمتد ما بين عام وثلاثة أعوام (اعتمادا على مستوى التعليم)، وفيه ~~يتقاضى الشاب مبلغا زهيدا مقداره عشرة دولارات فقط شهريا. يعفى المصريون المتزوجون من ~~أجنبيات من أداء الخدمة العسكرية ms175 أيضا بسبب فكرة الخوف الأبدية من «الجواسيس». والواقع أن ~~اللوائح تحظر على أي شخص في الجيش أن يتخذ من أي أجنبي - ذكرا كان أو أنثى - صديقا على ~~الرغم من عدم تفعيل تلك القاعدة في المنتجعات السياحية التي يغلب عليها وجود الأجانب لأنها ~~قد تستنفد موارد جيش بأكمله لتطبيقها. # غير أن أكثر ما أزعج علاء هو تراجع مكانته الاجتماعية الشخصية نتيجة تلك التطورات. أخبرني ~~أن الكثير من الرجال الذين يتزوجون من أجنبيات هم من صفوف الأميين أو المتكاسلين أو أصحاب ~~الجنح (وربما تجتمع في الواحد منهم صفتان أو أكثر من هذه الصفات). وإذا كان هذا صحيحا، ~~فهو سبة في جبين أقرانه من سكان البر الغربي، لأنه يقول إنهم جميعا تقريبا تزوجوا من ~~أجنبيات. وأضاف أنه في غضون أيام من لقاء الشاب بالمرأة الأجنبية فإنه عادة ما يحصل على ما ~~يساوي عشر سنوات على الأقل من راتبه الشهري الذي يساوي خمسة وستين دولارا، ليشتري قطعة أرض ~~ويبني عليها فيلا، إضافة إلى شراء دراجة بخارية أو سيارة على أحدث طراز، وفي كثير من ~~الأحيان أيضا يفتتح مشروعا تجاريا صغيرا. ولم يتمالك علاء نفسه من الضحك وهو يتعجب ~~بشأن الأموال التي يجنيها الرجال عن طريق إقامة علاقات جنسية مع الأجنبيات. سألني هل أتذكر ~~ذلك الشاب الذي يدعى محمد، والذي عمل في الفندق عندما كان هو يجلب السياح من المطار ومحطة ~~القطار مقابل عمولة. والحقيقة أني كنت أعرفه تمام المعرفة؛ فقد تباهى أمامي مرة كيف أنه ~~يتحين «فرصته الكبرى»، بل وتفاخر أيضا بأنه لم يكن يرتدي سروالا داخليا أسفل بنطلونه ~~الأبيض الضيق حتى تلاحظ على الفور كل امرأة أجنبية يلتقي بها آثار فحولته الظاهرة. أخبرني ~~علاء أنه قبل نحو شهر حالف الحظ محمدا، إذ ابتعلت امرأة إنجليزية الطعم، وتزوج منها، ~~ولديه الآن سيارة أجرة وقطعة أرض في قرية أخرى في البر الغربي يخططان لبناء منزل ~~عليها. # قال علاء بصوت ملؤه المرارة: «إذا عملت طوال ~~حياتي، وادخرت كل قرش أجنيه، فلن أمتلك أبدا ما يمتلكه هو. ms176 وهذا حال البلد بأكملها: كل ~~المحترمين في الحضيض، وكل الرعاع على القمة. عندما كنت في المدرسة كان المدرس أكثر أهل ~~القرية احتراما. عندما كان يسير في الشارع، كان الطلبة يتنحون جانبا ليفسحوا الطريق ~~أمامه. والآن ينظرون إليك نظرة شفقة إن كنت مدرسا، ويسخرون من أنك غير مؤهل للزواج من ~~أجنبية، إما لأنك دميم الخلقة أو صاحب أفكار رجعية.» # عندما سمعت هذا التعليق الأخير خطر ببالي أن كثيرا من إحباط علاء يعود في واقع الأمر إلى ~~الغيرة وليس الغضب؛ فشخص مثله ليس على قدر كبير من وسامة الخلقة كان دوما موضع تجاهل ~~الأجنبيات اللاتي ربما تساوى انجذابه إليهن مع نفوره منهن. تأكد شكي هذا عندما التقيت به ~~في المرة التالية بعد بضعة أشهر من زيارتي الأولى لمنزله. كنت قد أخبرته في مكالمة هاتفية ~~أني سآتي من القاهرة إلى الأقصر، وأني سأبقى بها بضعة أيام فحسب قبل الذهاب إلى أسوان. كانت ~~زوجة علاء قد أعدت لنا وجبة شهية، لكن بدا التوتر عليه منذ البداية. اكتشفت أنه كان يعد ~~نفسه ليطلب مني أن «أعيره» خمسة آلاف دولار ليفتتح مشروعا صغيرا على الطريق الرئيسي خارج ~~القرية. ثم أخبرني أني لو أعطيته عشرين ألفا أخرى فسيكمل بناء الطابق الثاني من منزله، ~~ويسمح لي بالنزول فيه بلا مقابل كلما مررت بهم. كان يتحدث عن هذه المبالغ كأنها لا تساوي ~~شيئا في نظر أجنبي مثلي. أخبرته أني «سأفكر في الأمر»، وأعود إليه بعد بضعة أسابيع. وفي ~~اليوم التالي، غيرت رقم هاتفي المحمول، ولم أتحدث إليه ثانية. # إذا كان على استعداد لاستغلال صديق له هكذا، فكيف سيعامل أجنبية عجوزا إذا ~~تزوجها؟ ~~••• # من هؤلاء الأجنبيات العجائز؟ # بوجه عام (ولا مفر من التعميم في ظل غياب الدراسات الأنثروبولوجية الدقيقة)، كثيرات من ~~هؤلاء اللاتي التقيت بهن أثناء مرات إقامتي في الأقصر، وكثير من الحكايات التي سمعتها عنهن ~~من مصريين آخرين بعد حديثي مع علاء تشير إلى أن معظمهن مطلقات إنجليزيات في الخمسينات أو ~~الستينات من أعمارهن يتمتعن بقدر من الجمال، وحاصلات ms177 على التعليم الأساسي فقط. وفي حين أنهن ~~موسرات وفق المعايير المحلية، فهن يعشن على أدنى حد من المدخرات (على سبيل المثال، أرباح ~~مبلغ بعن به شقة في إنجلترا) ومعاش حكومي إذا كانت أعمارهن (كما هو الحال دائما) تسمح لهن ~~بالحصول على المعاش. وقد تقبلت النساء اللاتي صدمني رضاهن الكامل منذ البداية فكرة أنه لا ~~مكان للحب مع رجال المدينة، وأن العلاقة في جوهرها نوع من البغاء يرتدي ثوب الشرف. فهن ~~يبسطن سيطرتهن - إذا جاز التعبير - ويحصلن على أعلى قدر من المتعة الجنسية مع شباب وسام ~~الخلقة لن يعيروهن اهتماما (بل لن يبالون بهن مطلقا) عند الذهاب إلى إنجلترا. # تحدثت مع امرأة إنجليزية - تمتلك مشروعا تجاريا في البر الغربي - من هؤلاء، وعرفت أنها ~~ما زالت مندهشة من كونها محط الأنظار هكذا بعد مضي ثلاث سنوات على إقامتها في ~~الأقصر. # ظلت تكرر وهي تدير عينيها في ضجر وتطقطق بفمها على نحو مبتذل: «زوجي أصغر مني ~~بكثير.» # لم يكن من الصعب فهم السبب وراء إعجابها ~~بنفسها إلى هذا الحد؛ والحقيقة أنها كانت شمطاء كأن حافلة دهستها. كان زوجها المصري متزوجا ~~من أخرى مصرية، ومن ثم كان يزور هذه الزوجة البريطانية بضع مرات قليلة كل أسبوع، حيث يؤدي ~~المهمة المحددة التي تحتاجه من أجلها ويتقاضى في مقابل ذلك حسنة من المال. # أضافت وهي تدير عينيها وتطقطق بفمها مجددا: «زوجي يغار علي كثيرا.» لكن هذه المرأة كانت ~~استثناء. # الغالبية العظمى منهن يتورطن في علاقات مشينة يغلب عليها طابع الاستغلال المتبادل مع ~~محتالين متمرسين يبغون من ورائهن ما هو أكثر من المتعة الجنسية فقط. والتطابق الكبير بين ~~الحكايات التي يروينها - أو التي تروى عنهن - يدلل على وقوعهن في الشرك نفسه (بل إن ~~الرجل الواحد قد يكون بطلا مشتركا في عدة روايات). ليس من الأخلاق أن نتحدث عن أمثلة ~~بعينها، كي لا نكشف الحياة الخاصة للنساء على الملأ، لذا سوف أزعم أن القصة تشبه النموذج ~~التالي. # في البداية تبتهج المرأة بالاهتمام الذي يبديه نحوها شاب مصري يتحدث ms178 الإنجليزية ويجلس ~~مصادفة - على ما يبدو - بجوار طاولتها في أحد المطاعم أو يسير بجوارها في الشارع. وبعد ~~محادثة قصيرة، توافق على الخروج معه لتناول مشروب في الليلة التالية، وفي إحدى النزهات على ~~الكورنيش، تنخدع بإعلانه عن مشاعر حبه المتأججة. وخلال ما تبقى من إجازتها توازن بين الفرص ~~المتاحة أمامها هنا (طقس جميل، ومتعة جنسية، وفيلا فاخرة، ونفقات معيشية ضئيلة) وبين حياتها ~~إذا عادت إلى موطنها (عدد أقل من الأصدقاء بعد الطلاق، وشقة صغيرة، ونفقات هائلة، وطقس ~~بغيض). تعود مرة أخرى إلى مصر لقضاء عطلة ممتدة - ربما شهرا أو شهرين - وتتزوج الرجل الذي ~~سيساعدها في بدء حياة جديدة (لا يستلزم عقد الزواج العرفي أكثر من ورقة موقعة). تعطيه ~~أموالا كثيرة ليشتري قطعة أرض ويبني عليها منزلا لهما، لكن بعد أن تتعرف على أسرته ~~المعدمة - التي تعيش في قرية فقيرة أكواخها من الطوب اللبن في البر الغربي - يبدأ ابتزازها ~~عاطفيا بسرد روايات مفجعة عن حاجة أخيه الصغير إلى المال من أجل التعليم ، أو حاجة أمه ~~الماسة إلى المال لإجراء عملية جراحية تتوقف عليها حياتها. ومع إدمانها للجنس، وتشتتها وسط ~~ثقافة لا خبرة لها بها، وتخليها عن أصدقائها من أبناء جلدتها (وربما تكون قد باعت شقتها في ~~إنجلترا أيضا)، فإنها ترضخ مرارا وتكرارا. وتقول لنفسها إن المبالغ التي تطلب منها على ~~أي حال ضئيلة نسبيا مقارنة بما قد تضطر لدفعه في ظروف مشابهة في إنجلترا، علاوة على أنها ~~سعيدة بتقديم يد العون لأسرة مضيافة تستحق المساعدة. لكن مع مرور الشهور تتزايد الأموال ~~التي تدفعها أكثر فأكثر، دون أن يكون هناك حد لما يطلب منها. وفي نهاية الأمر، تتخذ موقفا ~~حازما بعد اكتشافها أنها تتعرض للخديعة، وكثيرا ما يكون ذلك بعد لقائها بمغتربات أخريات ~~(بذل زوجها قصارى جهده كي يبقيها بعيدا عنهن) وسماعها منهن حكايات عن أنها الزوجة الأجنبية ~~العاشرة التي «يقع هذا الشاب في حبها» في السنوات الأخيرة، وجميعهن قد استنزفت مواردهن ~~أيضا. عندئذ تخبره بأن هذا يكفي. وفي غضون دقائق تطرد من ms179 البيت ومعها حقيبة سفرها فحسب؛ ~~لا أحد في بيت زوجها أو في القرية التي اعتبرتها نموذجا لحسن الضيافة قبل بضعة أشهر سيتحدث ~~إليها بعد الآن. يصلها نبأ طلاقها، وتقيم في فندق متواضع هو كل ما تقوى على تحمل نفقته بعد ~~أن فقدت كل ما اشترته (الأرض والمنزل والسيارة والمشروع التجاري) لأنه خدعها ووقع على ~~كافة العقود باسمه. وحتى إن كانت العقود باسمها، فإن المنظومة القضائية الهزلية تعني أنها ~~ستقضي سنوات إن لم يكن عقودا في محاولة الحصول على حكم إذا أقامت ضده دعوى؛ وإذا حصلت على ~~حكم لمصلحتها فستكون قد أنفقت أكثر مما ستحصل عليه في تقديم الرشا للمسئولين ودفع أتعاب ~~محاماة باهظة، لأن جهلها باللغة العربية يجعلها لا تفهم شيئا مما يجري أثناء نظر الدعوى ~~القضائية. وحينها تتخذ قرارا بأن إيقاف الخسائر أفضل لها. وبعد بضعة أسابيع من تضميد ~~جراحها تخرج في رحلة البحث عن عاشق مصري آخر، وتبدأ القصة الهزلية من جديد. وربما ترى زوجها ~~السابق في أحد المطاعم يتحدث مع عجوز أجنبية أخرى وقد وضع يده فوق ركبتها ورماها بنظرة هيام ~~عميقة ... # الواقع أن مثل هذه الزيجات لا تنتهي في بعض الأحيان تلك النهاية المسالمة، وهو ما يؤكد ~~على صحته إبراهيم السيد موسى المرشد السياحي بالأقصر الذي يقضي حاليا عقوبة السجن مدة ~~خمسة عشر عاما؛ فقد تزوج من ألمانية، وأنجبا ثلاثة أطفال، لكن عندما لم ينجح الزواج غادرت ~~زوجته مصر فجأة عام 2001، واصطحبت معها أبناءها. وعندما اكتشف الزوج أنهم في ألمانيا، حاول ~~اللحاق بهم، لكن السفارة الألمانية رفضت منحه تأشيرة السفر. وفي نوبة جنون اختطف أربعة سياح ~~ألمان في الأقصر، وحاول أن يقايض إطلاق سراحهم باستعادة أبنائه. وفي النهاية أطلق سراح ~~الرهائن، ونقل هو إلى السجن. # بالطبع لا تبوء كل الزيجات التي تجمع بين ثقافتين في الأقصر بالفشل الذريع، لكن الروايات ~~تشير أن الكثير منها كذلك. ومن الصعب تصور استمرار أي من هذه الزيجات على المدى الطويل؛ ~~فإذا كان عمر الرجل خمسة وعشرين عاما وعمر المرأة خمسة ms180 وستين عند الزواج، فمن يظن جديا ~~أنهما سيكونان معا بعد خمسة عشر عاما، أي عندما يكون عمره أربعين عاما وعمرها ~~ثمانين؟ ~~••• # تكن الأجنبيات العزباوات اللائي يسافرن إلى مصر أو يدرسن فيها وأولئك اللاتي تزوجن من ~~مصريين في ظروف عادية (كأن كانوا على سبيل المثال زملاء دراسة أو زملاء عمل في مكان واحد) ~~احتقارا بالغا للعجائز الإنجليزيات اللائي يجبن شوارع الأقصر وشرم الشيخ والغردقة ~~والأماكن السياحية الأخرى باحثات عن المتعة. وسبب هذا الشعور أنهن يسئن إلى سمعة كل ~~الأجنبيات، بحيث ينظر إليهن على أنهن لقمة سائغة، على الرغم من أن الرجال المصريين هم من ~~يمارسون البغاء لأنهم هم الذين يحصلون على المال مقابل خدماتهم. # لكن العواقب الوخيمة الأبعد من هذا تبدأ من هنا؛ فحتى الأجانب الذين يصطحبون زوجاتهم ~~الأجنبيات إلى مصر يتملكهم الغضب بسبب الاهتمام الزائد بزوجاتهم، وهذا ليس قاصرا على ~~الأقصر وحدها. فالمصريون من كل مكان في مصر يسافرون للعمل في المنتجعات السياحية، وقد بلغت ~~سمعة الأجنبيات العجائز الحضيض في جميع أنحاء مصر. لذا صارت المشاحنات مشهدا مألوفا، وفي ~~بعض الأحيان، تكون العواقب مهلكة. # في انعكاس غريب لنظرية «تلويث الثقافة»، حكم على بريطاني بالسجن مدى الحياة عام 2007 ~~بعد أن ارتكب ما يمكن أن نسميه «جريمة شرف» بأن ضرب زوجته البريطانية ضربا أفضى إلى ~~وفاتها. والسبب في ذلك علاقتها برجل أصغر التقت به عندما كانا يقضيان العطلة معا في مصر. ~~وفقا لما ذكرته صحيفة «ذا ديلي إكسبريس» فإن رون جونسون البالغ من العمر ثلاثة وخمسين ~~عاما استشاط غضبا لأن زوجته سو البالغة من العمر تسعة وأربعين عاما وقعت في حب سائق ~~سيارة أجرة مصري يصغرها بخمسة عشر عاما. استمعت هيئة المحلفين كيف أن الزوجين حجزا رحلة ~~تستغرق أسبوعين إلى مصر، للتسرية عن نفسيهما وتجديد علاقتهما الزوجية التي مضى عليها اثنان ~~وثلاثون عاما بعد أن فشلت خططهما في الانتقال إلى قبرص. استأجر الزوجان مصريا يدعى سعد ~~الإمبابي ليرافقهما في رحلتهما، وسرعان ما ثارت ثائرة جونسون عندما رأى الرجل يغازل زوجته. ~~قال ms181 إنهما كانا «يتواريان خلف المعالم الأثرية ليختلسا القبلات». وعندما ركب الثلاثة الخيول ~~فوق رمال الصحراء، «بدا الاستياء» على جونسون الذي قال في التحقيقات إن سعد «كان يحاول ~~دائما التقرب من زوجته سو، وملامستها علانية. ظللت أقول: «ما هذا! إنها زوجتي.» فأجابني ~~مازحا إنه سيذبحني.» كانت الزوجة تمر بما يسمى أزمة منتصف العمر، ورأت في سلوك المصري ~~«اهتماما زائدا». وبعد انتهاء العطلة، تبادل الاثنان الرسائل الهاتفية والإلكترونية، ~~وعادت السيدة جونسون بعدها بفترة قصيرة إلى مصر بعد أن أخبرت زوجها أنها شعرت ب«صعقة ~~كهربية» عندما لمسها الإمبابي. وبعد عودة الزوجة إلى منزل الأسرة في نوتينجامشاير، هشم ~~جونسون رأسها بمطرقة أثناء نومها، ثم طعنها بسكين. بعدها أقدم على الانتحار بابتلاع كمية ~~كبيرة من المسكنات وشنق نفسه بطوق الكلب وطعن عنقه بمثقاب كهربائي، لكنه نجا بعد كل تلك ~~المحاولات، وحكم عليه بالسجن. # لهذه المشكلة تأثير على الطرفين إذن. فالأجنبيات العجائز اللاتي يجهلن التقاليد المصرية ~~أو لا يعرنها اهتماما كبيرا يظهرن بمظهر من يدمر النسيج المجتمعي للثقافة القبلية ~~المتحفظة في صعيد مصر. لكن حري في الوقت نفسه بالمصريين أن يتعلموا ضرورة معاملة الآخرين ~~بمثل ما يحبون أن يعاملوا هم به. ذلك أن الكثيرين منهم أيضا غارقون في الجهل عندما يتعلق ~~الأمر بالسلوك الذي تسلكه الأجنبيات العجائز في المعتاد، وذلك بسبب التعميم، في ضوء أن فئة ~~قليلة نسبيا من هؤلاء يبحثن عن «التودد الصريح». # ولنتحدث عن الرياء الأكثر سماجة؛ فسائق سيارة الأجرة المصري الذي أغوى السيدة جونسون ما ~~كان ليمزح قطعا عند الحديث عن «ذبح» أي رجل يكاد يلمح برغبته في إقامة علاقة مع زوجته ~~المصرية. ~~••• # وإذا كانت المسافرات الأجنبيات العزباوات يقضين وقتا عصيبا في الأقصر، فهذا لا يقارن ~~بما يعانيه الأجانب الذين يسافرون بمفردهم إليها. # اكتشفت أعداد كبيرة من السياح الغربيين المثليين أن المواقع الإلكترونية المخصصة للحديث ~~عن المثلية تصنف الأقصر على أنها مرتع للمثليين. وتركز هذه المواقع على تقديم أحدث ~~المعلومات التي تهم المثليين الأجانب الذين يبحثون عن علاقات جنسية مدفوعة الأجر مع أبناء ms182 ~~المدينة، فيما يبدو أنه تشجيع للمفهوم الغربي الدخيل عن «حقوق المثليين» في دولة تضم نخبة ~~ضئيلة من «المثليين» المتحضرين الذين يرتدون عباءة الغرب الذين يستطيعون أو يرغبون في ~~الحديث عن تلك الحقوق. # حرصت الأجنبيات العجائز اللاتي علقن في المواقع الإلكترونية التي تتحدث عن مدينة الأقصر ~~والتي أعادت طبع مقال صحيفة الشرق الأوسط - حسبما اكتشفت مؤخرا من تصفح تلك التعليقات - ~~على الإشارة إلى أنهن لسن الوحيدات اللاتي يلقى باللوم عليهن في مسألة انتشار البغاء بين ~~الرجال في المدينة. وتساءلن لماذا لا يسلط الضوء أيضا على المثليين الغربيين الذين ~~يتدفقون إلى الأقصر؟ الجواب بالطبع هو أنه لما كان الموضوع من المحظورات في المنتديات ~~العامة الناطقة باللغة العربية فإن الصحفي الذي كتب المقال في الشرق الأوسط لم يجد بدا من ~~تلافي الحديث عنه. ويا للأسف، عندما يطرح هذا الموضوع ذو الصلة للنقاش تتجاوز العديد من ~~الأجنبيات حدود النقاش العقلاني وتستخدمن لغة مقززة يصببن من خلالها جام غضبهن دون تحفظ على ~~من يشيرون إليهم بأنهم مثليين أجانب «متعددي العلاقات» يمارسون الجنس مع شباب المدينة أثناء ~~عطلاتهم القصيرة و«يفسدون» الشباب و«يدمرون التقاليد المتعارف عليها في المدينة» على نحو لا ~~يتهمن هن بفعله مطلقا. وبالتأكيد وجدت هيستيريا ممارسة الجنس مع الأطفال التي تدفع ~~الطبقات العاملة في بريطانيا نحو الجنون مكانا لها على ساحة النقاش. بل إن بعض المشاركات ~~اقترحن ضرورة البدء في تعيين حراسة على الشقق المعروف أن لدى مستأجريها ميولا جنسية نحو ~~صغار السن، على الرغم من عدم تقديم أي دليل يثبت صحة ذلك. فكرت أن هذه المبالغة في رد الفعل ~~هي نموذج متوقع من فئة مجتمعية مهمشة لديها مشاعر غضب شديد من الاتجاه العام السائد، ~~ومن ثم تبعد الاهتمام عن نفسها عن طريق محاولة تجسيد مجموعة أخرى أقل عددا بل وأسوأ وضعا ~~على أنهم شياطين. # وعلى أي حال، الحقيقة هي أن العلاقات الجنسية بين الشباب - على عكس العلاقات بين الشباب ~~والعجائز - تمثل جزءا من النسيج المجتمعي في الأقصر، وهذا وضع قائم منذ قديم الأزل. ms183 ~~التقاليد والأعراف القبلية هي التي تحظى بالأولوية في صعيد مصر: فحتى نموذج الإسلام الصوفي ~~المتبع في المنطقة يأتي في مرتبة أدنى من تأثير القبلية. ويمكنك عد مؤيدي جماعة الإخوان ~~المسلمين في الأقصر على أصابع اليد الواحدة. لم يراود القائمين على صحيفة الشرق الأوسط ~~الممولة من السعودية - التي تروج الفكر الوهابي الذي يرعاه آل سعود - أنهم ملزمون بالإشارة ~~ولو من بعيد إلى أن السياحة الجنسية من شأنها أن «تقوض الإسلام» في المنطقة. # تحتم التقاليد القبلية ضرورة صيانة شرف المرأة مهما كلف الأمر، وفي ظل غياب الفرص ~~الأخرى لممارسة الجنس قبل الزواج، ينظر إلى الشذوذ على أنه بديل مقبول. لكن أهم ما في ~~الأمر ألا يكون موضع نقاش أو يؤدى على نحو يلفت الانتباه، ومن ثم يؤدي إلى القيل والقال، ~~وأن يحرص الفتى على ألا يشتهر باستمتاعه بممارسة الدور السلبي في العلاقة؛ لأنه إن فعل ذلك، ~~فسيعتبر داعرا، وسيفقد كرامته، ويعاني مما سيترتب على ذلك من تفكير أصدقائه في أن لهم الحق ~~في مضاجعته وقتما شاءوا. وليس معنى هذا - عند الحديث عن تداعيات تدفق المثليين الأجانب - أن ~~ظاهرة بغاء المثليين ليست لغز «الدجاجة والبيضة». أثناء تصفحي لتعليقات الأجنبيات العجائز ~~التي غلبت عليها فوبيا الشذوذ الجنسي، تذكرت حوارا طريفا سمعته مصادفة بين يمني وأمريكي ~~في السعودية. وصف الأمريكي اليمنيين القبليين متهكما أنهم مشتهرون بلواط الأطفال. # قال اليمني مازحا: «نعم، تعلمنا ذلك من الإنجليز.» # رد عليه الأمريكي بسرعة: «كلا، لقد قرر الإنجليز البقاء في اليمن واستعمارها فقط بعدما ~~اكتشفوا انتشار تلك الظاهرة لديكم!» ~~••• # ذات يوم في السوق حيث المكان الذي اعتدت التجول فيه عندما أكون في الأقصر، أطل فتى طويل ~~القامة وسيم الخلقة عمره نحو ستة عشر عاما يرتدي ملابس جديدة ويستعرض بتباه قصة شعره ~~الجديدة، ويستمع إلى أغاني مطربه المفضل على مشغل الموسيقى الجديد (في الوقت الذي لا يتحدث ~~فيه مع أحد أصدقائه عبر هاتف نوكيا الأحدث طرازا). بعد أن قضى الفتى بعض الوقت في التأنق ~~أمام مرآة نافذة أحد المحلات، جلس في ms184 المقهى على طاولة قريبة مني، ودعا رفاقه لتناول مشروب ~~بارد، ثم استعدوا للعب الطاولة. # مازحه أحدهم بعد مرور بضع دقائق: «من يكون يا ترى؟» # أجاب الفتى: «إنه من إنجلترا.» # سأل آخر: «كم سيقضي من الوقت هنا؟» ~~- «أسبوعين. انقضى منهما أسبوع، وسيغادر بعد أسبوع.» # سأل فتى ثالت: «وهل جاء إلى هنا من قبل؟» ~~- «نعم، هذه زيارته الثانية. إنه يقيم في الإسكندرية، لكنه يفكر في الانتقال إلى هنا ~~العام المقبل.» # ألح عليه أحدهم: «هل سيشتري لك دراجة بخارية؟» # أجاب دون اكتراث: «بإذن الله، لكني لم أطلبها منه بعد.» # رشفت الشاي، وواصلت قراءة الجريدة. سمعت هذا الحوار مرات عديدة شأني في ذلك شأن أهل ~~المدينة الذين كانوا يستمعون إليه أيضا. قد يبدو إجراء حوار كهذا على الملأ في نظر ~~الكثيرين في الغرب أمرا غريبا - وهذا أقل ما يوصف به - لأن هناك اعتقادا سائدا بانتشار ~~فوبيا الشذوذ الجنسي في العالم العربي وفي مصر على وجه الخصوص. لكن نظرا لأن الفتى يفترض ~~أنه الطرف الفاعل في علاقته مع الأجنبي «المثلي» - أو على الأقل ليس الطرف السلبي - فإنه لا ~~يخجل من الاعتراف بالعلاقة، وباعتبار الأجنبي غريبا فلا يتوقع منه الالتزام بالأعراف ~~والقيم المحلية. وصل الأمر إلى حد إشارة أهل البلد إلى الأجنبيات العجائز بكلمة «مثليات» ~~لأن الاسم في نظرهم يشار به فقط إلى أي فرد - ذكرا كان أم أنثى - يلعب الدور السلبي في ~~العلاقة. # وهكذا فلا يوجد هنا تقريع المثليين على غرار ما يحدث في الغرب، ولا اضطهاد منظم ضدهم، لأن ~~أهل المدينة لا يعرفون مفهوم «المثلية» السائد في الغرب بمعنى اختيار الشخص أن «يحيا حياة ~~المثليين»؛ وهو أمر بغيض كلية حتى في نظر أكثر فتيان البلد حماسا، لأنه يهدد التسلسل ~~الهرمي القبلي ذي الأهمية البالغة. وما دام صديق الفتى الغربي المسن موجودا في المدينة، ~~فإن الضغط الوحيد الذي قد يواجهه هذا الفتى هو إلحاح أصدقائه المستمر لاصطحابهم إلى شقة ~~الأجنبي، أو إغداق الثروة التي وجدها مؤخرا عليهم. # في حين تتخذ علاقات الأجنبيات العجائز مع الشباب ms185 من مسمى الزواج العرفي غطاء قانونيا، ~~يتخذ المثليون الغربيون من مسمى «الصداقة» غطاء اجتماعيا في تلك البيئة الذكورية لتبرير ~~علاقته مع الشاب. وليس معنى هذا أن أحدا سيطلب منه هذا التبرير؛ فما يفعلانه خلف الأبواب ~~المغلقة ليس من شأن أحد. وما دام الطرف المصري في العلاقة ليس طفلا - إذ يحاط الأطفال ~~ببالغ الحب والحماية - فسيكون من المشين (والمحظور) أن يتحدث أحد من أهل المدينة عنها، وإن ~~أصر على ذلك، فسوف يخلق على الأرجح عداوة دائمة بينه وبين عائلة الشاب. حسن التمييز إذن هو ~~اسم اللعبة. وصحيح أن الفتى قد يكون من عائلة فقيرة، لكن الأقصر تخلو من الأطفال الذين ~~يتضورون جوعا ويعانون التشرد وإدمان الكلة (لصق الأحذية) كهؤلاء الذين يتعرضون مع الأسف ~~لاستغلال سائحي الجنس في البلاد العربية الأخرى مثل المغرب وتونس. وهكذا، ما لم يكن ذهاب ~~الشاب إلى شقة الأجنبي نابعا من رغبته هو، فالنتيجة الأكيدة أنه لن يذهب، وأفضل ما يمكنه ~~فعله عندها هو الكف عند هذا القدر من التورط في العلاقة، وترك مسألة الإنفاق المادي على ~~أسرته. # عادة ما يقدم هؤلاء الرجال من الغرب - المعروفين تاريخيا بانجذابهم نحو العالم ~~العربي لأنهم يرون عهد تحرر المثليين في الغرب مختزلا وكابتا - إلى أسرة الشاب المصري ~~حيث يشار إليهم باسم «عمه». وقد دامت بعض علاقات الصداقة هذه في الأقصر سنوات عديدة، بل ~~استمرت بعد بلوغ الفتى أشده وزواجه. # إذا كانت الأمور تسير على هذا المنوال الهادئ دائما، فإني أجد رغبة في الثناء على تحررية ~~وتساهل هذه العلاقات، خصوصا أنه كثيرا ما يصور العرب في الغرب على أنهم متكلفو الحياء ~~ومكبوتون فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية. لكن إن كان إحساس المصريين بالكبرياء هبة عبد ~~الناصر لهم، فإن لعنة مبارك عليهم أنه خلق مناخا ثقافيا صارت فيه الانتهازية الصفيقة ~~وانعدام الكرامة هي الطبائع الوحيدة المميزة للشخصية. ففي بلد ينهب ذوو النفوذ فيه خيراته ~~ونسمع فيها كل يوم عن فضائح تهريب الوزراء لعشرات الملايين من الدولارات إلى بنوك أجنبية، ~~أصبح ينظر إلى السرقة والاحتيال ms186 على أنهما السبيل الوحيد للتقدم. # في مدينة الأقصر هذه الأيام، أصبح الحديث عن ظاهرة الشذوذ الجنسي مع الفتية - التي كان ~~يستلذ بممارستها قبل ذلك في الخفاء لكن على نطاق واسع - جهارا نهارا، وتحولت إلى تجارة ~~نتيجة تدفق المثليين الأجانب إلى المدينة. فأي غربي أعزب الآن - سواء أكان يحب الفتيان أم ~~لا - سرعان ما سيكتشف أن حياته على نحو طبيعي تكاد تكون مستحيلة. فنصف فتية البلد على الأقل ~~على استعداد لبيع جسدهم بلا أدنى تفكير لأي غربي، وهذا ما يفعله الكثيرون منهم عادة شريطة ~~ألا ينتظر منه أن يكون الطرف السلبي في العلاقة. ~~••• # اجلس في أحد المقاهي التي لا يعرفك فيها أحد، وفي غضون دقائق ستجد نفسك محاطا بفتية من ~~أبناء البلد يريدون أن يعرفوا هل أنت متزوج أم لا، وإن اكتشفوا أنك لست متزوجا فسيسألونك ~~هل تود اصطحاب أحدهم إلى شقتك. اذهب إلى حمام السباحة العام في المدينة وسوف يشير المراهقون ~~المارون بك إلى الجزء السفلي من جسدهم بابتسامة متكلفة دنيئة؛ وهي دعوة لممارسة الجنس ~~الفموي في مقابل الأجر المناسب. جميعهم يتابعون أحدث صيحات السياحة ويعرفون بأمر المواقع ~~التي تتحدث عن المثلية والأماكن التي تحددها هذه المواقع على نحو يثير السخرية على أنها ~~«أماكن تجول المثليين» (كأن في الأقصر مكانا لا يندرج في هذه الفئة). إذا حدث ومررت بأحد ~~هذه الأماكن، فسيفترض على الفور أنك تبحث عن صيد. حتى وإن طلبت من الفتية العابثين ذوي ~~النظرات الشهوانية أن يغربوا عن وجهك، فسيتبعك واحد على الأقل (أو أكثر في كثير من الأحيان) ~~وقتا يبدو طويلا جدا على أمل أنك ستلتفت إليه عاجلا أم آجلا وتتحدث معه. وإذا استأجرت ~~شقة، فمن الأفضل أن تطلب من البواب في اليوم الأول ألا يسمح بدخول أي شخص يزعم أنه صديقك ~~تحت أي ظرف، وإلا لن يتوقف دوي الطرقات على الباب من شباب يجربون حظهم واحدا تلو ~~الآخر. # يبدو أن السلطات المصرية لا تخرج عن سكونها إلا عندما يصل الأمر إلى حد الصور الإباحية ~~لما فيها ms187 من تهديد فعلي بأنها «تشوه صورة مصر في الخارج». غير أني أذكر واقعتين فحسب تدخلت ~~فيهما الشرطة. الواقعة الأولى تورط فيها غربي رسا بيخته على ضفاف نهر النيل، ثم أقام علاقات ~~جنسية مع عشرات الشباب داخل اليخت مصحوبة بالتقاط الصور. تسرب عدد من الصور إلى يدي أحد ~~أفراد شرطة السياحة (إضافة إلى بقية أهل البلدة؛ جميع من ذكرت لهم تلك الواقعة بعد سماعي ~~عنها للمرة الأولى كادوا يزعمون رؤيتها، بل إن أحدهم عرض أن يحضر لي نسخة منها مقابل ~~الحصول على المال). أما بطل الواقعة الثانية فكان غربيا التقط له أحد الفتيان صورا دون ~~معرفته باستخدام كاميرا هاتفه المحمول وهو يمارس الجنس مع عدد من أصدقاء الفتى الذي حاول ~~بعدها ابتزازه مهددا إياه بنشرها على الإنترنت. المثير للدهشة أن الرجل تقدم بشكوى إلى ~~شرطة السياحة التي ألقت القبض على الفتية، وطلبت من الأجنبي مغادرة البلاد على متن أول ~~طائرة. (جدير بالذكر أيضا أن الشرطة طلبت من صاحب اليخت أن يبحر من البلد أو من المدينة ~~على الأقل.) لم يعرف أي شخص تحدثت معه عن الواقعة نوع العقاب - إن كان هناك عقاب من الأساس ~~- الذي وقع على هؤلاء الفتية. أجمع الكل على أنهم على الأرجح تعرضوا للضرب، ثم أطلق ~~سراحهم. # تلك إذن هي المدينة «الصديقة للمثليين» التي تروج لها المواقع الإلكترونية التي جذبت ~~حتى الآن مئات - وربما آلاف - المثليين الغربيين إلى الأقصر كل عام. وعندما ننظر لتلك ~~الأرقام الهائلة نجد مع الأسف أن عددا كبيرا من هؤلاء يتصرفون بصفاقة شأنهم في ذلك شأن ~~أبناء البلدة (وإلا فلماذا يتوقع أبناء البلدة الأسوأ دائما؟) في يوليو/تموز 2007، صار ~~السلوك الغريب الذي أتى به أحد الأفراد حديث المدينة؛ فسلوكه يوضح كيف أن انتشار البغاء ~~بين المثليين الذكور قد يكون له تبعات وخيمة حقا على الجيل القادم في الأقصر. كان الكهل ~~الإنجليزي - الذي اعتاد زيارة مصر منذ سنوات - مصابا بمرض الإيدز، وأخبره طبيبه مؤخرا أن ~~أيامه في الحياة صارت معدودة. رأى الرجل رغبة في ممارسة الجنس ms188 قبل وفاته، واختار الأقصر ~~لتكون مثواه الأخير. وطوال الأسابيع الأخيرة من حياته كان قواده يأتيه باثني عشر فتى على ~~الأقل كل يوم. أقام هؤلاء الفتية علاقات مع الرجل - واحدا تلو الآخر - دون استخدام واق ~~ذكري. وعندما بلغت تلك الأنباء مسامع أحد أصدقاء هذا الرجل - الذي كان مثليا هو الآخر لكن ~~على علاقة طويلة مع أحد أبناء المدينة - هدده بإبلاغ الشرطة؛ لكن الرجل طمأنه في البداية ~~إلى أنه يمارس الجنس الآمن. ولما لم يقتنع الصديق، سأل القواد الذي أخبره أن شباب ~~المدينة لا يستخدمون الواقي الذكري أبدا سواء بعضهم مع بعض أو مع الأجانب (ما لم يصر ~~الأجنبي على ذلك)، وفي تلك الحالة لم يصر الأجنبي على شيء. ثارت ثائرة الرجل، وقرر تسليم ~~صديقه إلى الشرطة، لكن لم تتح له الفرصة لذلك؛ فقد أخبر مريض الإيدز قواده أنه يرغب في ~~النوم بعد مضاجعة عشرة شباب ذلك اليوم، ووافته المنية أثناء نومه. # أقام «أصدقاء» الرجل المصريون حفلة على شرفه ، واتضح أنه ترك ثروته الضخمة للقواد. وما ~~زاد الطين بلة أن أخته - التي كانت ترافقه في رحلاته إلى الأقصر منذ سنوات - نثرت رماد جثته ~~فيما بعد في مياه النيل. # يقول إدجار في مسرحية «الملك لير»: # الأسوأ ليس هو الأسوأ حقيقة # ما دام بإمكاننا أن نقول: ~~«هذا هو الأسوأ.» # حري أن تكتب هذه المقولة على المدخل الرئيسي لمدينة الأقصر. فالأسوأ من الواقعة نفسها ~~أن الجميع كانوا على علم بما يحدث قبل وفاة الرجل؛ ليس المواطنون فحسب وإنما رجال الشرطة ~~أيضا. فالشرطة على علم بكل ما يجري في المدينة - بفضل شبكة مخبريها السريين المنتشرين في ~~مناطق شتى - خاصة مع مستأجري الشقق، لأن مخبري الشرطة الرئيسيين يعملون حراسا لمداخل ~~العقارات. بل إني عرفت حكاية الرجل قبل وفاته بيومين أو ثلاثة أيام عندما كنت أتناول ~~مشروبا مع أحد الأصدقاء. # قال لي: «في كل مرة أراه يسير في الشارع أقول بصوت عال: «اللهم أرحنا من هذا الرجل! ~~اللهم أهلك من يقتل شبابنا.»» # فقد صديقي هذا صوابه عندما أشرت ms189 عليه بإبلاغ شرطة السياحة. # نهرني بلهجة فجة ليست من عادته قائلا: «أأنت غبي إلى هذا الحد؟ سوف يلقون القبض علي ~~بتهمة إثارة القلاقل! وسوف يقول الفتية إنهم أصدقاؤه، وينكرون علاقتهم الجنسية معه. ماذا ~~سأفعل وقتها؟ سوف يتحزب الفتية ضدي ويؤذونني. أضف إلى ذلك أن جميع أفراد الشرطة يحصلون على ~~رشا من القواد؛ كعلبة سجائر هنا وبضعة جنيهات هناك. لا يمكن لأحد هنا أن يشكو مما يفعله ~~أي أجنبي. فلو أوسعتني ضربا الآن وبلا سبب، سوف تلقي الشرطة القبض علي، ويسألونك إن كنت ~~بخير أم لا. فأنتم أيها الأجانب تتمتعون بالحصانة.» # كان هذا الرجل استثناء في غضبه؛ فكل شباب البلد الذين تحدثت معهم عما حدث بعد وفاة ~~الأجنبي كادوا يضحكون، ويصفون الفتية الذين ذهبوا إلى الرجل بأنهم «حمير»، وقالوا إنهم ~~يستحقون مصيرهم لو أنهم كانوا يعلمون أنه مريض بالإيدز. ~~••• # لم أستطع تفهم رد الفعل الشعبي إزاء إلقاء القبض على سفاح أطفال في ديسمبر/كانون الأول ~~عام 2006 إلا بعد رؤية تلك الأفئدة المتحجرة بأم عيني. ارتكب رمضان عبد الرحمن منصور - زعيم ~~عصابة يبلغ من العمر ستة وعشرين عاما من إحدى المدن شمال القاهرة - جرائم قتل بحق أكثر من ~~ثلاثين طفلا من أطفال الشوارع، واتهم أيضا باختطافهم والاعتداء عليهم جنسيا وتعذيبهم. ~~انتشرت عصابة التوربيني المكونة من أربعة أشخاص التي بدأ نشاطها منذ سبع سنوات في محافظات ~~مختلفة، واعترف بارتكاب جرائمه قبل التعرف على صور اثنتي عشرة ضحية من ضحاياه. اكتسب رمضان ~~اسم شهرته «التوربيني» من القطارات السريعة المكيفة التي تربط القاهرة مع ثاني أكبر المدن ~~المصرية الإسكندرية، إذ كانت أسطح تلك القطارات المكان المفضل لارتكاب جرائمه. ذكرت الشرطة ~~أنه كان يعتدي جنسيا على ضحاياه، ويعذبهم، ويقطعهم إربا قبل أن يلقي بهم على شريط القطار ~~إما موتى أو يلفظون أنفاسهم الأخيرة. # الأمر الذي أثار دهشتي أن صحيفة الأهرام - ~~الصحيفة القومية الرئيسية - ذكرت فيما بعد أن منتجات مصرية تسمى الآن باسم التوربيني. ~~وأضافت أيضا أن مطاعم في مدينة طنطا في دلتا النيل تقدم نوعا جديدا ms190 من الساندويتشات ~~أطلقت عليه اسم التوربيني وأنه «يحظى بإقبال كبير»، «بينما تجار الخراف يستخدمون الاسم ~~كعلامة على ندرة السلالة.» أضافت الأهرام أن «أغرب هذه الحيل التسويقية» هي إعادة أصحاب ~~مراكز الاتصالات والمحال التجارية في الغربية تسمية محلاتهم باسم «التوربيني: سفاح ~~الغربية». ويكاد رد الفعل هذا يكون عصيا على الفهم، لكنه يشير بجلاء إلى أن ثمة خللا ~~خطيرا يحيق بالمجتمع المصري في الوقت الراهن. # لكننا لن نعجز عن فهم السبب وراء تدليل الحكومة للأجانب إذ استقبلت مصر 9,7 ملايين سائح ~~عامي 2006-2007، أي بزيادة قدرها 13 بالمائة عن أعداد السياح في العام السابق الذي بلغ 8,6 ~~ملايين سائح، وأن هؤلاء أنفقوا 8,2 مليار دولار (أي بزيادة قدرها 14 بالمائة عن النفقات ~~التي بلغت 7,2 مليار دولار في العام السابق). ~~••• # في حين أن الدين ليس عنصرا أساسيا بالغ الأهمية في حياة معظم المصريين الذين يعيشون في ~~الأقصر، فإن الإسلاميين ينظرون إلى المدينة وإلى قطاع السياحة بوجه عام من منظور محاولتهم ~~تطهير مصر من التأثيرات الثقافية الأجنبية . ولم يكن من قبيل المصادفة أن معبد حتشبسوت في ~~البر الغربي لمدينة الأقصر قد شهد أعنف الهجمات الإرهابية وأشدها تأثيرا في تاريخ الدولة ~~الحديث، إذ ذبح عشرات المصريين والسياح في المكان عام 1997. ولكن في وقت مبكر عن هذا عام ~~1990، ألقى أحد الموظفين قنبلة مولوتوف على أحد المطاعم المطلة على البحر الأحمر ما أدى إلى ~~مقتل ألماني وفرنسية وإصابة آخرين بحروق خطيرة. وادعى منفذ الهجوم أن سلوك السياح كان ~~«مسيئا إلى الإسلام». أيضا تعرض السياح لإلقاء القنابل عليهم في الأقصر عام 1992 في ظروف ~~مشابهة، وحينها صرح أحد قادة الجماعة الإرهابية المسئولة عن هذا الهجوم وعن سلسلة هجمات ~~أخرى أنه «لا بد من تدمير السياحة لأنها مفسدة» و«تؤدي إلى نشر عادات وسلوكيات غريبة تخالف ~~الإسلام». # الفصل الثامن # | مصر بعد مبارك # الأقصر مدينة تبعث على الابتهاج والاكتئاب الشديد في آن واحد؛ فعظمة الآثار والحضارة التي ~~تشهد عليها تلك الآثار تتعارض مع المتاجرة الصفيقة - من أعلى المستويات إلى أدناها ms191 - التي ~~باتت عالة طفيلية على الماضي ومفسدة للحاضر. يفخر المصريون فخرا طبيعيا لا يثير العجب ~~بتراثهم، ويقرون في اعتزاز أنه يتيح لهم فرصة التفكير في المستقبل. لكن لا بد أن نقر أنه ~~قد لا يكون هناك مستقبل - أمام النظام الحالي على الأقل - إن لم تعالج القضايا المهمة ~~والملحة في الحاضر. اتضحت أمارات التخبط الحاصل في الوقت الحاضر في سبتمبر/أيلول 2007 ~~عندما راجت الشائعات في القاهرة عن تدهور حالة مبارك الصحية، وربما وفاته. وسرعان ما تصدرت ~~روايات مبهمة المصدر الصفحات الأولى من صحف المعارضة، وكادت لهجتها تفصح عن رغبة في ألا ~~تكون هذه مجرد شائعات. ولم يكن في ذلك ما يدعو إلى الدهشة؛ فمنذ خروج وسائل إعلام المعارضة ~~الجديدة من قوقعتها عام 2003 في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق - عندما تعهدت إدارة بوش ~~بتدعيم الديمقراطية في العالم العربي، وما تلاه من تنعم الليبراليين في مصر بحقبة «ربيع ~~القاهرة» - لم يكد يمر يوم دون صدور الصفحات الأولى من صحف المعارضة وهي تكيل الإهانات لكل ~~من مبارك وابنه جمال . بدا واضحا أيضا أن غالبية المصريين - باستثناء المنتفعين من النظام ~~- يحلمون بيوم الخلاص من الأسرة المباركية. وفي الوقت الذي شن فيه النظام حملة قمع استهدفت ~~المعارضة، لم يعبر واحد ممن التقيت بهم خلال الأسابيع التي قيل فيها إن مبارك يرقد على فراش ~~الموت عن أدنى درجات التعاطف معه. كان لاستمرار الشائعات التي لا تستند إلى دليل من جانب، ~~ونفي الحكومة لها من جانب آخر؛ دلالة واضحة على أن مزيجا من الأمل والخوف وتحديدا الريبة ~~يسيطر على المصريين. ففي ظل غياب حكومة شرعية وآلية منظمة تكفل عملية انتقال السلطة، يصبح ~~التخمين والحزر جوهر اللعبة. # على الرغم من كم البغضاء التي يكنها المصريون لمبارك ونظامه، فإن احتمال رحيله عن ~~المشهد لم يولد لديهم أي شعور بالابتهاج، أو مجرد الارتياح. بل على العكس، ارتبطت مشاعر بغض ~~نظامه بين المصريين بحالة من التسليم والاستكانة لما سيحدث بعد رحيله، وهكذا بات الكل على ~~يقين أن جمالا سيتولى الرئاسة بأي وسيلة ms192 كانت. وما زاد من التسليم بصحة هذا التخمين على ~~الرغم من نفي الحكومة له مرارا وتكرارا أن سيناريو التوريث قد حدث في سوريا والمغرب وتلوح ~~بوادره في ليبيا. ويرى معظم المصريين أن جمالا غير مؤهل على الإطلاق لتولي السلطة - إما ~~بسبب نقاط ضعفه الملحوظة وإما لفشل النظام في إعداده كما ينبغي - وهو ما زاد قلق المصريين ~~من أن التخبط في تسليم السلطة سوف يزعزع الاستقرار، ما قد يسفر عن عواقب وخيمة. وتأكدت ~~الفكرة القائلة إن الشيطان الذي نعرفه ربما يكون أفضل من الشيطان الذي لا نعرفه عندما اتضح ~~أن مرض مبارك ليس سوى شائعة سرعان ما تحرك النظام في أعقابها لتكميم أفواه معارضيه. # استهدفت حملة القمع التي شنها النظام ضد المعارضة عقب هذه الواقعة رؤساء تحرير الصحف ~~التي نشرت أخبارا عن صحة مبارك، والمجموعات الحقوقية التي كانت توالي نشر تقارير جريئة حول ~~التعذيب والفساد، وفصائل المعارضة السياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين (كان العشرات من ~~أعضائها - من بينهم قيادي بارز - يخضعون وقتها لمحاكمات عسكرية بتهم ملفقة من بينها ~~الإرهاب وغسيل الأموال). بعدها أيضا حكم على أربعة صحفيين بالسجن بتهمة تشويه صورة ~~الرئيس، وقدم أحد رؤساء التحرير للمحاكمة بتهمة ترويج شائعات عن صحة مبارك، ومنع ~~الإخوان المسلمون لأول مرة من إقامة حفل إفطارهم الرمضاني السنوي. أما أيمن نور - الذي خاض ~~الانتخابات الرئاسية أمام مبارك، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات بعدها بوقت قصير - فكان قاب ~~قوسين أو أدنى من الموت في زنزانته داخل السجن، بينما أعلن الإصلاحي الديمقراطي سعد الدين ~~إبراهيم عن خشيته من التعرض للتعذيب والقتل إذا وطأت قدماه أرض مصر بعد مطالبته أثناء ~~إقامته في الخارج بمزيد من المساءلة والديمقراطية، بل وصل الأمر إلى حد قوله في أحد ~~اللقاءات إن النظام خصص فرقة اغتيال لتصفية خصومه (وهو زعم لم يأت أحد بدليل عليه). وضع ~~النظام حدا للحديث عن صحة مبارك عندما تحرك ضد معارضيه على هذا النحو. والأهم من ذلك أن ~~حالة الترقب والقلق التي سادت تلك الفترة ربما تكون قد ms193 أظهرت للنظام أن الأوان لم يحن بعد ~~لتسليم السلطة إلى جمال. ~~••• # أسفر الانشغال بالحديث عن صحة مبارك ودور جمال المستقبلي عن نتيجة أخرى تبعث على السخرية ~~وهي تشتيت الانتباه بعيدا عن حقيقة السلطة في مصر، وقد كانت المعارضة متورطة - ربما عن غير ~~قصد - شأنها شأن النظام في ذلك. الرئيس ليس سوى رئيس صوري يدير شئون البلاد اليومية التي ~~تعج بالفوضى، بينما السلطة الفعلية - أو المؤسسة العسكرية - تحكم من وراء ستار. وحسبما أشار ~~ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية فإن القوات المسلحة المصرية «أعلنت عن حظر خصخصة ~~العديد من القطاعات الاقتصادية التي تقع تحت سيطرتها، والتي لا تقتصر على الإنتاج العسكري.» ~~ويضيف كوك أن المؤسسة العسكرية في مصر «تمتلك شركات مثل شركة «صافي» للمياه المعدنية، ~~وشركات الطيران والأمن والسياحة، ومصانع الأحذية، وأدوات المطبخ.» وربما يكون قد ذكر شيئا ~~عن الأراضي ومراكز التسوق أيضا. # تعاملت المؤسسة العسكرية مع الموقف بحنكة بالغة، فهي تحكم دون أن تتولى مقاليد الحكم؛ فلا ~~شيء يحدث في مصر دون أن تكون الأجهزة العسكرية والأمنية على علم به على الأقل، وفي كثير من ~~الأحيان يحصلون على نصيبهم من الكعكة؛ فضلا عن أنهم لا يسمحون بحدوث أي شيء من شأنه تهديد ~~وضعهم. قطعا لم تعد المؤسسة العسكرية تتمتع بالهيمنة المطلقة كما كان الحال في الخمسينيات ~~والستينيات من القرن العشرين، علاوة على أن التزايد الهائل في قوات الأمن الداخلي يجعلها ~~الآن ثقلا موازنا لنفوذ المؤسسة العسكرية؛ لكن تظل القوات المسلحة ركيزة أساسية - وربما ~~يقول الكثيرون إنها الركيزة الأساسية المنفردة - للنظام. يحتل ضباط جيش سابقون مناصب في ~~الحكومة: وزراء، ورؤساء لشركات القطاع العام، ومحافظين. ولو أن وسائل الإعلام المعارضة ركزت ~~اهتمامها حيثما ينبغي حقا، وسلطت الضوء على الفساد داخل المؤسسة العسكرية التي تختفي خلف ~~شخص الرئيس، لظهرت حملة القمع التي شنت في أعقاب الحديث عن الحالة الصحية للرئيس على ~~أنها مجرد استعراض جانبي مقارنة بحملة القمع التي كانت ستترتب على كشف هذا الفساد. فمن ~~المعروف في مصر أن النقد مباح، ولكن ms194 في حدود؛ فالرئيس - حتى وقت قريب جدا - كان فوق مستوى ~~النقد، أما انتقاد المؤسسة العسكرية فهو أمر محظور كليا. # زعم البعض أن بزوغ نجم جمال - الذي كان القوة الدافعة وراء خصخصة الاقتصاد باعتباره أمين ~~لجنة السياسات صاحبة النفوذ الطاغي - ينبئ بعهد جديد حيث عصرنة الاقتصاد وانفتاحه. وفي ~~مقابل تلك الآمال، ظهرت مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إحداث حالة من الشقاق لا يمكن التنبؤ ~~بعواقبها بين صفوف النظام. ويرى أكثر المراقبين تفاؤلا أن نظاما اقتصاديا أكثر تنافسية ~~في مصر سوف يحدث انقسامات كبيرة بين أفراد الطبقة الرأسمالية، ومن ثم يؤدي إلى تعددية ~~سياسية أكبر تمثل المصالح الاقتصادية المختلفة بما فيها مصالح العمال. لكن ذلك لا يعدو أن ~~يكون تفكيرا رغبويا، وعلينا أن ننعم النظر في الآمال المشابهة - التي تحطمت على صخرة ~~الواقع فيما بعد - بعد أن خلف حافظ الأسد ابنه بشار صاحب العقلية العصرية المتفتحة ~~الذي تلقى تعليمه في الغرب. فبعد سنوات، صار النظام السوري أشد عزلة من ذي قبل، واتهم بدعم ~~الإرهاب واغتيال رئيس الوزراء اللبناني، وأن علاقات قوية تربطه بإيران، وأنه يضيق ذرعا ~~بالخلاف في وجهات النظر على الصعيد الداخلي كما هو الحال دائما. أعادت القوى التي تحكم من ~~وراء ستار في سوريا فرض نفسها من جديد، وأيا كانت نزعات بشار الشخصية، فإن قدرته على ~~المناورة تضاءلت كثيرا في أعقاب ذلك. ولو أن جمالا تسلم السلطة من أبيه، فسيكرر التجربة ~~نفسها لكن بموافقة المؤسسة العسكرية بعدما تضمن أن طموحاته بشأن الخصخصة تحديدا لن تؤثر ~~على كم الامتيازات الهائلة التي يحصلون عليها، وأنهم سيواصلون اتخاذ القرارات المتعلقة ~~بالسياسة الخارجية، حيث يعملون عن قرب مع الولايات المتحدة، ومن ثم يستمر حصولهم على 2 ~~مليار دولار في صورة مساعدات عسكرية سنويا. والسبب الوحيد الذي قد يؤدي إلى تمزق العلاقات ~~هو أن يتخذ مبارك قرارا بدفع جمال نحو السلطة على الرغم من اعتراض المؤسسة العسكرية. ~~وأسباب اعتراض المؤسسة العسكرية أن جمالا - على العكس من عبد الناصر والسادات ومبارك - ليس ~~واحدا من أبناء ms195 المؤسسة. ويشير البعض إلى إمكانية حدوث انقلاب عسكري في مثل هذه الظروف. ~~وعلى الرغم من ذلك فإن الأفرع المختلفة للطبقة التي ينتمي إليها الديكتاتور المصري متشابكة ~~للغاية كما أشرنا، وبقاؤهم أولا وقبل كل شيء هو ما يشغل بالهم جميعا. ولذا فإن كفة ~~التسوية أرجح من كفة المواجهة - خاصة في وقت يشهد غليانا داخليا - عندما تكون هناك حاجة ~~ماسة لتجنب الظهور بمظهر الضعف أو الهشاشة مهما كان الثمن. # إن كل الآمال بل والمخاوف الملقاة على عاتق جمال الغض تدعو للاستغراب حقا، في ضوء ضآلة ~~ما حققه، على الرغم من أن ضآلة إنجازاته تجعله أقرب إلى صفر على اليسار: ويرى الناس فيه ما ~~يتفق وأهواءهم. سلطت الأضواء على إنجازات جمال الرمزية المتواضعة، على نحو يتسق مع عادة ~~قديمة هي وضع الإسهاب في الحديث موضع تحقيق الإنجازات معيارا للقيادة. ومن أمثلة ذلك أن ~~جمالا فجر مفاجأة من العيار الثقيل في مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي عام 2006 عندما أعلن ~~أن مصر تسعى لتطوير الطاقة النووية - كمثال على الحداثة ومواكبة العصر - وهو الأمر الذي ~~الذي إذا نفذ سيكون مكلفا، وسيستغرق وقتا طويلا، ويثير غضب الأمريكيين (بسبب مخاوفهم من ~~انتشار الأسلحة النووية في المنطقة). وبحسب حوار تليفزيوني تحدث فيه جمال - الذي يشغل أيضا ~~منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني - فإن المجلس الأعلى للطاقة شكل لجنة من خمسة ~~وزراء - من بينهم وزراء الكهرباء والطاقة، والبترول، والدفاع - لبحث الخيار النووي. اجتمعت ~~اللجنة حينها للمرة الأولى منذ إعلان مبارك رسميا تخلي مصر عن برنامجها النووي عام 1986 ~~في أعقاب حادث مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي. وحظي هذا الاهتمام الجديد بالطاقة ~~النووية بدعم الرئيس نفسه خلال كلمته في ختام المؤتمر التي أعلن فيها أن مصر «لا بد أن ~~تستفيد من مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة ومن بينها الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.» ~~وقد بات مؤكدا أن هذا التصريح لا يعدو أن يكون استعراضا ووعودا كاذبة في لقاء آخر على ~~هامش مؤتمر الحزب الوطني عندما صرح جمال أمام الصحفيين الأجانب أن مصر ليست ms196 مضطرة من الآن ~~فصاعدا إلى الالتزام بمبادرات الديمقراطية التي يتبناها بوش في الشرق الأوسط. اعتبر هذا ~~التصريح بمنزلة جهد مدروس لزيادة رصيد مبارك الابن، وإظهار تحديه للولايات المتحدة. صرح ~~جمال أيضا بأن السياسات الأمريكية في المنطقة وفرت مرتعا خصبا للتطرف، وقال: «نرفض الرؤى ~~الخارجية التي تسعى إلى تقويض الكيان العربي والجهود العربية المشتركة.» وفي رسالة واضحة ~~للبيت الأبيض، ضم «مبادرة الشرق الأوسط الكبير» التي تتبناها واشنطن إلى تلك الرؤى. أشارت ~~صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن تحديه لواشنطن وسعيه لاستئناف البرنامج النووي إنما يهدفان ~~إلى التغلب على اثنتين من نقاط الضعف الملموسة في مبارك الابن بوصفه وريثا لأبيه؛ وهما ~~كونه الرئيس الأول الذي سيأتي من خارج المؤسسة العسكرية منذ إطاحة الانقلاب العسكري ~~بالملكية، وكونه هو وأبوه في نظر الكثيرين أداتين تحركهما واشنطن كيفما شاءت. وبعبارة أخرى، ~~يمكن القول إن البرنامج النووي ربما يعود عليه بدعم المؤسسة العسكرية، في حين أن انتقاده ~~لواشنطن قد يكسبه مصداقية في الشارع المصري. كانت كلتا الخطوتين تهدف على الأرجح إلى تبني ~~سياسة رأت الحكومة أنها ستلقى قبولا لدى الشارع، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إحداث توافق ~~شعبي حول ابن الرئيس، لكنهم كانوا يقبضون على الهواء. إن كان الهدف منح جمال مصداقية أكبر، ~~فلا شك أن خطتهم باءت بالفشل. فكما أشارت الملابسات التي أحاطت بمرض الرئيس المزعوم، فإن ~~شيئا لم يتغير فيما يتعلق بكراهية المصريين لجمال، وبالتزام مصر أمام الولايات المتحدة. من ~~ناحية أخرى لم يجد جديد على البرنامج النووي المقترح؛ وكان من الدهاء إعلان واشنطن تأييدها ~~للبرنامج النووي على جناح السرعة، ومن ثم وأد مساعي جمال للمواجهة الزائفة في ~~مهدها. ~~••• # لا يعني هذا أن جمالا ضئيل الشأن تماما؛ فمن الواضح أنه مدرك لضرورة التغيير وللتحديات ~~التي تفرضها المعارضة - خاصة الإخوان المسلمين - وقادر أيضا على الاستفادة من أصحاب ~~الخبرات الذين يستطيعون وضع خطة للتغيير بل وتطبيقها أيضا؛ وإن كان ذلك في نطاق الإطار ~~المحدود للسلطة الرئاسية التي تدير ولا تحكم. ومن هذه الشخصيات التي أحاط جمال ms197 نفسه بها ~~حسام بدراوي؛ وهو رجل أعمال وأحد كاتمي أسراره المقربين. يشغل بدراوي منصب رئيس لجنة ~~التعليم والبحث العليي بأمانة السياسات التي يرأسها جمال، وقيل إنه سيتولى حقيبة الصحة أو ~~التعليم حال فوز جمال بالرئاسة. تلقى بدراوي تعليمه في الولايات المتحدة، وهو أيضا عضو في ~~المجلس الأعلى للسياسات الذي يعد ثمرة المقترحات التشريعية والإصلاحات التي تبناها الحزب ~~الوطني. علاوة على ذلك فهو يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مستشفى «النيل بدراوي» الخاصة ومؤسسة ~~«ميدي كير الشرق الأوسط»، وهي المؤسسة الأولى والوحيدة حتى الآن للرعاية الصحية في مصر. تضم ~~هذه المؤسسة أربعين مستشفى خاصا، وتوفر من الخدمات ما عجزت الدولة عن توفيره، وبصورة ما ~~تقف في مواجهة محاولات الإخوان المسلمين المماثلة لكسب التأييد عن طريق توفير الخدمات التي ~~عجزت الدولة عن توفيرها. يحتل بدراوي مكانة متميزة بين أعضاء الحزب الوطني نظرا لشعبيته ~~الصادقة، لأنه معروف بتصديه للفساد، ولأنه أيضا صاحب شخصية متواضعة. وقد كانت شعبيته وراء ~~اتخاذ أصحاب النفوذ العظيم في الحزب الوطني قرارا بإقصائه عن دائرة قصر النيل بالقاهرة في ~~الانتخابات التي أجريت عام 2005. ويمكن القول إن قرار إقصاء بدراوي من البرلمان عبر عن ~~نفوذ الحزب، في حين عبر احتفاظه بكافة مناصبه في لجان الحزب الوطني عن نفوذ جمال. فخبراته ~~وآراؤه في العديد من المجالات تمثل الوسطية التي يحتاج جمال ومؤيدوه اتباعها. # التقيت ببدراوي في أكتوبر/تشرين الأول عام 2006 في مكتبه بالطابق الأخير داخل مشفاه ~~الرئيسي بحي المعادي في القاهرة، وهو مستشفى يدار بكفاءة، ومصمم على أحدث طراز كأي مستشفى ~~في الغرب. وبالنظر إلى ما يقوم به من أنشطة، يبدو واضحا أنه على دراية بما يلزم فعله للأخذ ~~بيد مصر نحو القرن الحادي والعشرين. فتعليم النشء على سبيل المثال واحدة من أهم القضايا ~~الملحة في مصر. كانت المؤسسة التعليمية على مر التاريخ مثالا للتضخم وانعدام الكفاءة، حيث ~~الاعتماد على التلقين والمحاكاة بدلا من البحث وحب الاستطلاع. ولا غرو في هذا إذا نظرنا ~~بعين الاعتبار إلى الطبيعة الاستبدادية للنظام، وأن هؤلاء الذين ms198 تمكنوا من مسايرة الظروف ~~المحيطة أثناء الحقبة الناصرية كانوا على علم بأنهم سيكافئون على إذعانهم بوظيفة حكومية لا ~~تحتاج إلى روح المبادرة. والواقع أن الأجور كانت متدنية، وأن الحكومة حصلت في مقابل ذلك على ~~انعدام الكفاءة والبيروقراطية والفساد. لكن البيروقراطية المترهلة صارت عبئا في النهاية، ~~ولم يعد هناك وجود للوظيفة المضمونة. ولا تزال المنظومة التعليمية بحاجة إلى التنظيم. كان ~~بدراوي معنيا بدراسات الحزب الوطني الديمقراطي حول التعليم، لكنه وجد أن «أيا من ~~التوصيات التي اقترحت كسياسات لم ينفذ على المستوى التفصيلي.» بدراوي واحد من أهم الداعمين ~~لمؤسسة «التعليم من أجل التوظيف» التي تهدف إلى خفض نسب البطالة في العالم الإسلامي عن طريق ~~إنشاء مراكز للتدريب الوظيفي بالتعاون مع الشركات المحلية، ويتلخص الفرق بينها وبين مثيلتها ~~التابعة للدولة في قوله: «إحدى أهم السياسات في التعليم هي سياسة ربط الأفراد بالوظيفة» في ~~القطاع الخاص؛ بمعنى حاجة الطلاب لاكتساب المهارات والأطر العقلية التي ستتجلى فائدتها في ~~بيئة تنافسية. وأضاف أن أهمية التدريب أكبر بكثير من خلق فرص العمل «لأن الوظائف كانت ~~متاحة؛ المشكلة تكمن في قابلية الخارجين من المنظومة التعليمية للتوظيف. فهنا حشد من ~~الأشخاص لا يجدون عملا وغير مؤهلين في الوقت نفسه للعمل. لم ينل هؤلاء في دراستهم المعرفة ~~الكافية، فضلا عن افتقارهم إلى روح المنافسة وحس المغامرة التجارية. كل واحد منهم ينتظر ~~شخصا يساعده في إيجاد وظيفة.» # ومع الأسف تفشت نزعة السلبية هذه والرغبة في أن تأتي المساعدة من الآخرين - بل وانتظار ~~تلك المساعدة - في مصر كافة. فمن موروثات اشتراكية عبد الناصر التحقير من قيمة المنافسة، ~~ومن موروثات سياسة الانفتاح التي تبناها السادات أن المنافسة لا تعني الابتكار والإبداع، ~~وإنما كسب تأييد الدولة. وهناك طرفة مصرية شهيرة تقول: في كل مفترق طرق كان عبد الناصر ~~يتجه يسارا، والسادات يتجه يمينا، أما مبارك فيقول: «الزم مكانك.» والنتيجة أن عهد ~~مبارك جمع بين أسوأ ما في الحقبتين، وذاك منشأ الجمود الذي أصاب البلاد. لا شك أن هناك ~~مجموعة من المنتفعين حول النظام، وهؤلاء ms199 يسعون إلى الوقوف في طريق أصحاب الفكر التجديدي مثل ~~بدراوي الذي علل خسارته في الانتخابات البرلمانية بقوله «حزبي وقف ضدي، لأنهم ضد ~~الإصلاح.» ولو تأملنا ما حدث، فسنجد أن إيمانه بأن الإصلاح يمكن أن يأتي من الداخل غريب ~~حقا، وهذا أقل ما يوصف به. لكنه - حسبما ذكر - يسعى إلى «تكوين ما يسمى بالكتلة الحرجة ~~للقوى السياسة داخل الحزب والتي تضغط حقيقة من أجل الإصلاح.» ودليل النجاح إلى الآن ينبع - ~~على حد قوله - من «تغيير لغة الجميع. قد لا يقصدون ما يقولون، لكنهم جميعا يتحدثون عن ~~المساواة، والمعايير، والديمقراطية، والشفافية، والأداء، والتقييم ... وهذا في الوقت نفسه زاد ~~من صعوبة الوضع، لأنك عندما تجلس مع أحد الأشخاص ويقول إنه يوافق على جميع المبادئ، ثم ~~تناقض أفعاله أقواله، فسوف تقع في حيرة من أمرك. إننا نخوض الآن حربا ضد الفساد والرياء ~~في آن واحد!» # أيا كانت طبيعة العلاقة بين بدراوي وجمال فقد ذكر أنه على الرغم من تأييده له فالأولوية ~~هي «تركيز جهودنا على نزاهة الانتخابات بدلا من الحديث عن الأفراد . إذا أجرينا انتخابات ~~حرة فسيكون لكل حزب الحق في ترشيح من يشاء. وإذا كان جمال مرشحا عن الحزب الوطني فلن يختلف ~~عن الآخرين - وأنا من بينهم - في شيء.» ومن الواضح لبدراوي أن جمالا إصلاحي، وأنه كفل ~~الرعاية والحماية للإصلاحيين حسبما تشير تجربته الشخصية. لكنه لن يتمكن من الاحتفاظ بمنصبه ~~من دون بعض الحماية خصوصا في ظل استعداده للتحاور مع المعارضة بما فيها جماعة الإخوان ~~المسلمين. صحيح أن دعوته لإجراء انتخابات حرة تبعث الأمل، لكن لا بد أن نتساءل عن رد فعل ~~رفاقه داخل الحزب على قوله «أنا أعرف - وهم يعرفون - أن الإصلاح يستتبع فقدانا للنفوذ. أود ~~أن أقول للحزب إن فقد قدر من النفوذ هو في الواقع جزء من عملية الإصلاح.» # وعندما نتعمق في جميع التصريحات والكلام المرسل والوعود وتأجيج مشاعر الخوف من اعتلاء ~~الإسلاميين للسلطة، سوف نضع أيدينا على المعضلة، وهي أنه لا أحد من ذوي النفوذ يريد التخلي ~~عنه. إذا ms200 كنت ذا نفوذ، فالتخلي عن جزء منه قد يعرضك لخطر تدهور الوضع على نحو يصعب السيطرة ~~عليه. وصل النظام المصري إلى سدة الحكم عن طريق انقلاب، وفي ذروة حالة من الاضطراب كان من ~~الممكن أن تخرج عن نطاق السيطرة؛ ربما إلى حد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة. وأيا كان ~~السبب فقد أرغم قادة الانقلاب الملك فاروق على النزول عن العرش، وسمحوا له بالذهاب إلى ~~المنفى ليصير في طي التاريخ إلى أن ساءت الأوضاع في مصر لدرجة جعلت اسمه مرتبطا بالحنين ~~إلى الماضي. وليس كل الزعماء المخلوعين عن عروشهم سعداء الحظ هكذا. وهنا تكمن المعضلة التي ~~لا حل لها؛ فالسماح بحرية الرأي والمنافسة يهددان بفقدان السيطرة، بينما يهدد قمع المعارضة ~~بتوليد مشاعر إحباط مكبوتة إما أن ينتهي بها الحال بضرورة شن حملة قمع جماعية أو حدوث ~~انفجار يخرج عن نطاق السيطرة وربما ينتهي بكارثة على النظام والشعب على حد سواء. أخبرني ~~بدراوي صراحة أنه «لا توجد ثقة بين الحكومة والشعب»، وأن الواقع ينذر بعواقب وخيمة. فذوو ~~النفوذ الذين يستحبون الوضع الراهن لا يثقون في الشعب، ويعتبرون السخط والعنف دليلا على ~~خطر كامن متربص سيظهر لو غابت القبضة الصارمة. # تتسم مثل هذه الأفكار بمقاومتها للتغيير، وتقيم الحجة بسهولة على غليان الشارع المصري. ~~وربما تكون الأحداث الأخيرة خير شاهد على هذا الرأي. فأثناء ربيع وصيف 2007، اندلعت مئات ~~الإضرابات العشوائية في العديد من القطاعات وذلك في موجة احتجاجات عمالية تضمنت مئات الآلاف ~~من العمال على نطاق لم تشهده مصر منذ السنوات التي أدت إلى انقلاب 1952. وأعني بكلمة ~~عشوائية هنا أنها غير مرخصة من قبل نقابات العمال الرسمية والحكومية. ونقابة العمال نفسها ~~نتاج الحقبة الناصرية عندما كانت الصناعة الخاضعة لرقابة الدولة محمية من المنافسة ~~الخارجية عبر مجموعة مختلفة من السبل؛ وغني عن القول إن هذا أسفر عن انعدام الكفاءات على ~~نطاق واسع، وإهدار الموارد، وانتشار البطالة المقنعة، وكلها أساليب تهدف إلى ربط الشعب ~~بالحكومة. وقد ظهر الحديث عن إطلاق الحريات والخصخصة منذ وقت طويل؛ والواقع ms201 أنهما عصبا خطط ~~الإصلاحيين بالفعل. لكن النتيجة النهائية هي تهديد العمال، الذين يفرضون بدورهم تهديدا على ~~النظام أكبر بكثير من تهديد نشطاء المعارضة الليبراليين مكتوفي الأيدي الذين يلتفون حول صحف ~~(لا يقرأها سوى قلة من النخبة) وأحزاب سياسية تعاني من تضييق حكومي ونزاعات داخلية مستمرة ~~تنشأ بسبب أمور تافهة في كثير من الأحيان. # ولا غرو في أن العمال لم يعودوا قادرين على تحمل الأجور الثابتة التي تتآكل بفعل التضخم ~~فضلا عن احتمال فقدانهم لوظائفهم. نفد صبر العمال في نهاية الأمر بعد أن ذاعت الأقاويل عن ~~تواطؤ مسئولي «نقاباتهم» مع النظام. وبالرغم من أن مظاهرات العمال كانت متفرقة ومحلية ~~وتفتقر إلى التنسيق، فقد ظلت تثير قلق النظام. ومن وجهة نظر المؤيدين للنظام، كانت تلك ~~الاحتجاجات بمثابة فرصة؛ فقد أمكنهم الإشارة إلى المظاهرات باعتبارها مؤشر على خطر التمرد ~~البالغ، إذا ما انتشرت على نطاق أوسع وصارت أكثر تنظيما وتعدى سقف مطالبها المطالب ~~الاقتصادية العاجلة، وفي الوقت نفسه استطاعوا القول إن الإصلاحيين يتحملون المسئولية ~~مضاعفة؛ أولا بسبب دعوتهم إلى الخصخصة (التي تثير غضب العمال)، وثانيا بسبب دعوتهم إلى ~~الإصلاح السياسي (الذي منح العمال الثقة وحرية التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام المعارضة). ~~ويرى هؤلاء الأوفياء للنظام أن أيا من الخيارين لا يصلح؛ فالوضع الراهن المتمثل في حماية ~~الأفراد مع قمعهم في الوقت نفسه أفضل من المخاطرة بإجراء إصلاح سياسي أو اقتصادي، ناهيك عن ~~إجرائهما معا في آن واحد. ولا شك أنه يمكننا تفهم هذا الوضع، بالرغم من أنه خاطئ على نحو ~~واضح. ~~••• # مصر ليست الدولة الأولى - ولن تكون الأخيرة - في مواجهة تلك المعضلة. فثمة نموذجان ظهرا ~~منذ العقد الأخير من القرن العشرين؛ وهما الاتحاد السوفييتي والصين. حاول النموذج السوفييتي ~~فتح الباب أمام الإصلاح السياسي والاقتصادي في الوقت نفسه مع تقديم الإصلاح السياسي على ~~الاقتصادي. وجاءت النتيجة على عكس ما ترتضيه الأنظمة الاستبدادية؛ فتفكك الاتحاد ~~السوفييتي، وفقدت النخبة الحاكمة نفوذها. ويبدو النموذج الصيني أكثر نجاحا على الجانب ~~الآخر؛ حيث شجعت الدولة الانفتاح الاقتصادي مع تقييد الانفتاح ms202 السياسي، فلم يكن الحزب ~~الحاكم يتورع عن سحق المعارضة عندما يشعر بأي تهديد من شأنه أن يؤدي إلى ضياع نفوذه. لكن ~~يبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: هل ستصلح تلك السياسة على المدى البعيد، بمعنى أن يظل ~~الحزب الحاكم محتفظا بالسلطة؟ # لكن هناك عدد من الفروق الجوهرية بين مصر من جانب وبين الاتحاد السوفييتي سابقا أو الصين ~~من جانب آخر. بادئ ذي بدء، استند نظام الحكم في الاتحاد السوفييتي والصين على أيديولوجية ~~فيها من العقلانية والمنطقية ما يجعل الشعب يؤمن بها بصورة أو بأخرى. كان للحزب الشيوعي ~~السوفييتي والصيني قدم راسخة داخل المجتمع، وكانت المكافآت الضخمة جزاء الامتثال بينما ~~العقاب الأليم جزاء المعارضة. استطاع السوفييت والصينيون الحديث عما يتحقق من إنجازات مهمة ~~في الوقت نفسه الذي يحجب فيه كل نظام ما يرتكب من أعمال وحشية بمرور الزمن عن الشعب؛ ~~رسميا على الأقل. ويمكننا الحديث عن نقطتين من بين النقاط العديدة التي تميز النموذجين ~~السوفييتي والصيني. النقطة الأولى أن النخبة في الاتحاد السوفييتي بدأت دون مبرر واضح تفقد ~~إيمانها بعقيدتها، وتقطع أمرهم بينهم، وهو ما أتاح الفرصة أمام الدخلاء لتصعيد الوقوف في ~~وجه النظام والإطاحة به أخيرا. والنقطة الثانية أن الصينيين كانوا أكثر قدرة على تغيير ~~طبيعة العلاقة مع الشعب عن طريق الإسراع في توفير مزايا اقتصادية وأمل في التحسن. # أبشع ما في نظام مبارك هو حالة الإفلاس التي وصل إليها حتى صار يتخبط على غير هدى؛ فلا هو ~~يقدم أساسا منطقيا أيديولوجيا، ولا هو يملك المبادئ التي يمكن حشد الشعب حولها. تخلى ~~النظام عن حلم الوحدة العربية منذ زمن بعيد؛ وصار الإسلام حلا تطرحه المعارضة. وعلى الرغم ~~من تحقيق نمو اقتصادي، لم يكن التوزيع عادلا بالمرة، ورجحت كفة المنتسبين للنظام ما ~~أدى إلى تزايد مشاعر السخط والإذعان أيضا. ويفتقر الحزب السياسي الحاكم إلى الصلة الحقيقية ~~بالشعب، ويكاد يغيب عن الساحة خارج المدن الرئيسية. باختصار، يفتقر نظام مبارك إلى أي من ~~المقومات التي أبقت على الأحزاب الشيوعية السوفييتية أو الصينية في ms203 السلطة. فلا سبب وراء ~~بقاء هذا النظام سوى تشبثه بالسلطة. # الخوف إذن هو الذي يبقي على النظام في السلطة في ظل غياب كافة مظاهر الشرعية. فأعمال ~~العنف اليومية التي تجتاح المجتمع على أيدي زبانية التعذيب في مراكز الشرطة والأجهزة ~~الأمنية هي صورة أساسية من صور ترويع المواطنين. فعندما يلقى القبض عشوائيا على مواطن ~~بريء في الشارع ويلزم الصمت خوفا من التعرض للإيذاء الجسدي، وعندما يلقى القبض على طفل ~~بتهمة سرقة عبوة شاي وينتهي به الحال جثة هامدة، وعندما يحتجز باحث معروف يحظى بتقدير دولي ~~مثل سعد الدين إبراهيم، وبعدها يخشى العودة إلى بلاده؛ فذاك ترويع للمجتمع يطول كافة فئاته. ~~وهؤلاء هم من لا يستفيدون من النظام. أما المستفيدون من النظام فإنهم يذوقون لونا آخر من ~~ألوان الخوف؛ وهو فقدان دعم النظام لهم فلا يملكون بعدها الوصول إلى ذوي النفوذ وموارد ~~الكسب التي تعود عليهم بامتيازات مالية هائلة وغيرها من الامتيازات الأخرى. الخوف من فقدان ~~السيطرة يمنع الزمرة المهيمنة على النظام من السماح بوصول المناقشات الداخلية بين ~~الإصلاحيين والمحافظين إلى آفاق بعيدة، إما في صورة لجوء الإصلاحيين إلى شرائح أخرى من ~~النخبة السياسية والاقتصادية طلبا للدعم - وليس معنى ذلك أن هذه النخبة ذات بأس شديد بعد ~~ما مارسه النظام ضدها من قمع - وإما مناداتهم بانفتاح أكبر على الصعيدين السياسي والاقتصادي ~~والتصدي الحقيقي لداء الفساد على نحو يتخطى المحاكمات الشكلية العارضة. الخلاف مباح، وقطع ~~الوعود مشروع ما دامت لن تدخل حيز التنفيذ. لكن لا ينبغي للاختلافات أن تتحول إلى انقسامات. ~~فضلا عن ذلك فإن الأجهزة العسكرية والأمنية على استعداد دائم لسحق من يصدقون تلك الوعود ~~ويمتعضون حال اكتشاف سرابها. وفي الخلفية دائما نراهم يلعبون على وتر فزاعة الإخوان ~~المسلمين. ~~••• # للمصريين قدرة على تحمل المعاناة تثير الإعجاب والاكتئاب في الوقت نفسه، لكن مسألة ~~استعدادهم لمواصلة هذه المعاناة ليست محسومة على الإطلاق. أسفرت قوى العولمة عن العديد من ~~الآثار بدءا من السياح الأجانب الذين يقضون أوقاتهم في التنقل من فندق إلى متحف إلى معلم ms204 ~~أثري، إلى المهاجرين الأفارقة الذين يعتبرون القاهرة مثالا للتقدم مقارنة ببلادهم، إلى رأس ~~المال الدولي المستثمر في مصر. وللأثر الأخير بعض الثمار المفيدة، لكنه قد يؤدي أيضا إلى ~~تراجع فرص الحياة أمام من يفتقدون التعليم أو المهارات - والواسطة، الأهم منهما في كثير من ~~الحالات - اللازمة للمنافسة. # الوضع المضطرب الذي يسود المجتمع المصري يدق ناقوس الخطر. فالغضب المنصب على جهاز الشرطة ~~السري، والتعذيب والفساد المتوطنين في المجتمع، والنخب التي تلبس عباءة الغرب وتنهب ~~البلاد بدعوى تحرير اقتصادها وفتح آفاق جديدة أمام المستثمرين الأجانب؛ كل هذا يذكرنا ~~بإيران أثناء الأيام الأخيرة من حكم الشاه. ومثلما كانت إيران تحت حكم الشاه - وعلى عكس كل ~~من الاتحاد السوفييتي والصين - فإن القوى المحركة للوضع في مصر ليست داخلية فحسب. وبعبارة ~~أخرى، تلعب الولايات المتحدة دورا فعالا في السياسات التي تتبناها الحكومة ~~المصرية. # لا شك أن هذا الوضع يختلف تمام الاختلاف عن عصور الاستعمار قديما عندما فرض البريطانيون ~~سطوتهم على خزانة الدولة، وتدخلوا دائما في القرارات التي تتخذها الحكومة، وتحكموا في قناة ~~السويس وشركتها ، إلى جانب الإبقاء على وجود عسكري قوي. ولت أيام السيطرة الاستعمارية ~~المباشرة هذه. لكن في ظل السعي نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي المتنامي تارة والسعي ~~بعيدا عنه تارة أخرى، تأخذ الحكومة والشعب على السواء رؤى واشنطن بعين الاعتبار. ولا عجب ~~في هذا إذا نظرنا إلى الأموال الطائلة التي تقدمها واشنطن إلى مصر. فهذا الجزء من الصفقة ~~يكاد يكون مقدسا، وحتى في ظل السلام البارد في أحسن الظروف تبقى مصر محورا رئيسيا في ~~تطبيق سياسة واشنطن متمثلة في حفظ الاستقرار داخل المنطقة. لكن هذا لا يعني أن العلاقة تخلو ~~من التوترات، أو أن النظام سيسعى إلى إرضاء واشنطن على حساب المجازفة بتقويض نفوذه، وهذا ~~أمر يدركه صناع السياسة في الولايات المتحدة جيدا. # إذن فنحن نرقب المناوشات والمشاحنات التي تحدث بين الحين والحين بعين ثاقبة؛ فإذا لم يكن ~~هذا مسرحا صامتا فإنه يكاد يكون أقل مما يبدو عليه للوهلة الأولى بالقطع. ومن هنا كان ~~الانفتاح ms205 المحدود للنظام عندما كانت إدارة بوش مولعة بالحديث عن الديمقراطية في نفس الوقت ~~الذي يدور فيه الحديث عن تطوير برنامج نووي، وهو ما يبدو للوهلة الأولى مفيدا في الدعاية ~~الداخلية باعتباره دليلا على استقلال النظام عن الولايات المتحدة، لكنه كلام فارغ في ~~حقيقته. ومن هنا أيضا كان قمع المعارضة الليبرالية والعلمانية في الوقت الذي انصب فيه ~~اهتمام واشنطن في اتجاه آخر. وبالرغم من أن هذا غير محتمل، ففي حالة زيادة الضغط الأمريكي ~~من أجل الديمقراطية وتحرير الاقتصاد - وهو ما يعني الضغط من أجل المساءلة والشفافية فضلا ~~عن الخصخصة الكاملة - يمكن لنظام مبارك أن يلعب على فزاعة الخوف مرة أخرى؛ فهم يقولون إن ~~الانفتاح ينطوي على مخاطرة وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، مستشهدين بتجربة حماس في ~~الأراضي الفلسطينية وحزب الله في لبنان، وبالطبع بالكابوس الذي آلت إليه دولة إيران ~~الثيوقراطية. وقد ظلت إيران فترة طويلة الورقة الرابحة الكبرى بين تلك الأمثلة، قبل أن يكشف ~~تقييم استخباري قومي جديد في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2007 أن إيران تخلت عن هدف امتلاك ~~الأسلحة النووية عام 2003، وهو ما هدأ المخاوف من اندلاع حرب بين الولايات المتحدة ~~وإيران. وعلى الرغم من ذلك، واصلت واشنطن دعم حلفائها من الأنظمة العربية السنية «المعتدلة» ~~مثل مصر من أجل كسب الدعم لتقييد إيران، ومن أجل إحكام السيطرة على الاستياء الشعبي من ~~العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على هذه الدولة. ~~••• # لطالما أبدى المصريون اهتماما بالغا بالسياسة الإقليمية على مر التاريخ. لكن الحقيقة ~~أنهم صاروا أكثر اهتماما هذه الأيام بما تتعرض له ثروات بلادهم من نهب جهارا نهارا على ~~أيدي القطط السمان من أبنائها والمستثمرين الأجانب على حد سواء، وكل هذا تحت غطاء ما يسميه ~~البعض عجائب العولمة بكل الآثار المشينة المترتبة عليها في المستقبل البعيد، (لكن لاحظ كيف ~~أن القطط السمان أنفسهم يبدو دائما أنهم يفضلون نوع الإشباع الفوري)، وتحت غطاء ما يدينه ~~الآخرون على أنه «عقيدة الصدمة»، بحسب التعبير الشهير للصحفية الكندية نعومي كلين. وأيا ~~كان الجانب الذي ننحاز ms206 إليه في هذه المسألة، فإن ثورة 1952 تبدو حاضرة في عقول الجميع في ~~مصر؛ في عقل النظام وهو يحاول عزل نفسه عن تركة عبد الناصر وفي الوقت نفسه يستغلها من أجل ~~الشرعية، وفي عقل المعارضة وهي تقول إن مبادئ الثورة تعرضت للخيانة منذ زمن بعيد وأن مصر ~~عادت من حيث بدأت تماما. # بدا هذا الانقسام شديد الوضوح عندما أعلنت الحكومة عن بيع بنك القاهرة لمستثمرين أجانب ~~وهو ما أثار حالة غليان داخل الأوساط السياسية. ذكر جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد في ~~جامعة القاهرة وعضو في حزب التجمع اليساري أنه يظن أن توقيت الإعلان عن البيع تزامن عن قصد ~~مع العيد الخامس والخمسين للاحتفال بالثورة. صرح عبد الخالق أمام مؤتمر عقد تحت شعار «لا ~~لبيع مصر» داخل مقر نقابة الصحفيين في الأسبوع الذي تلا الإعلان عن البيع قائلا: «في عام ~~1952، أقرت ثورة يوليو/تموز ستة مبادئ تضمنت القضاء على الاستعمار والقضاء على هيمنة رأس ~~المال الأجنبي. وفي يوليو/تموز 2007، يقولون لنا إن هذه كلمات جوفاء، ورأس المال لا يعرف ~~الحدود والمصلحة العامة تقتضي بيع البنك.» وحذر أيضا أن الحكومة ربما تعرض الأمن القومي ~~للخطر ببيعها ذلك العدد الكبير من أصول مصر. ونقلت صحيفة الأهرام ويكلي عنه قوله أمام ~~الحضور: «حتى في أكثر النظم الاقتصادية الحديثة تحررا - مثل الولايات المتحدة - ثمة خط ~~أحمر لا يمكن تجاوزه.» واستطرد مذكرا إياهم كيف أن الساسة الأمريكيين أعاقوا خطط شركة ~~موانئ دبي العالمية التي كانت تسعى لإدارة ستة موانئ أمريكية قبل عام؛ لأنهم رأوا فيها ~~تهديدا قوميا. زاد بيع البنك من المخاوف الموجودة منذ وقت طويل بأن الخصخصة تنذر بعودة ~~الاستعمار. وقال النائب البرلماني المستقل مصطفى بكري في اجتماع اللجنة المصرفية في ~~البرلمان: «سيؤدي بيع هذا البنك إلى عودة عهد الامتيازات الأجنبية.» امتلأت الصحف بإدانات ~~من جانب اتحادات العمال وحكايات حول المودعين الذين أصابهم الذعر فسارعوا بسحب أموالهم من ~~فروع البنك. حدث كل هذا الارتباك في أعقاب اندلاع مظاهرات حاشدة هي الأولى من نوعها في ست ~~محافظات مصرية ms207 كانت تعاني من نقص حاد في المياه، وهو ما ألقى الضوء على الحقيقة المفزعة ~~التي تقول إن آلاف المصريين يموتون كل عام لأنهم لا يجدون الماء النظيف، بينما تشهد ~~المشروعات الاستثمارية الكبرى بناء أحدث شبكات الصرف الصحي والمياه من أجل القرى السياحية ~~الجديدة والمجمعات السكنية الفاخرة على أطراف المدن، وكلها لخدمة السياح وذوي الثراء من ~~المصريين. وعلى الرغم من أن عهد الحكم الاستعماري المباشر قد ولى، فإن خنوع النظام أمام ~~واشنطن إنما هو تذكرة أليمة بالماضي. ومع اقتراب صعود جمال إلى السلطة، تصبح المقارنة بين ~~آخر أيام الملكية في عهد فاروق وبين أيام النظام الحالي أكثر ملازمة للفكر. # في خضم هذا كله، يهدد السعي وراء المزيد من الخصخصة بناء على أوامر المؤسسات المالية ~~الدولية باندلاع احتجاجات عمالية أوسع نطاقا، وربما يقع العمال - طوعا أوكرها - في قبضة ~~الإخوان المسلمين في ظل غياب فصائل المعارضة البديلة. ولا شك أن الإخوان المسلمين تصدروا ~~الحملة التي شنت ضد بيع البنك - عندما وصف المتحدث الرسمي باسمهم عملية البيع بإيجاز ~~فقال: «هذه ليست خصخصة؛ إنما هي سرقة.» - وجعلوا تطهير مصر من النفوذ والاستغلال الخارجي ~~منذ زمن بعيد بندا رئيسيا من بنود برنامجهم السياسي. وإذا تشكل هذا التحالف، فثمة ~~خياران لا ثالث لهما؛ إما حملة قمع هائلة أو سقوط النظام، وكلا السيناريوهين محتمل. تبدو ~~هذه الصورة في مصر شبيهة على نحو يثير الاستغراب بمثيلتها في إيران؛ وهي دولة أخرى استحوذ ~~عليها هاجس التدخل والهيمنة الخارجية على مدى قرون، في الوقت نفسه الذي شهد ميلاد الثورة في ~~سبعينيات القرن العشرين. وحري أن نذكر أن وصول الإسلاميين المتشددين بقيادة الخوميني إلى ~~سدة الحكم لم يكن أمرا مقدرا. فهؤلاء لم يكونوا سوى مجموعة واحدة من عدة مجموعات وقفت في ~~وجه الشاه، ويقال إنهم لم يكونوا الأكثر زعامة أو الأكثر شعبية. فقبل الثورة كانت جماعات ~~المعارضة ضد حكم الشاه متنوعة تضم طلابا وعلمانيين ودعاة للمساواة بين الرجال والنساء ~~وماركسيين وإسلاميين ومناهضين لفكرة الاستعمار. أضف إلى هذا أن الثورة اندلعت بإضرابات ~~عشوائية ms208 تفتقر إلى التنظيم والتلاحم، تراكم أحدها فوق الآخر، وانضمت إليها مجموعات أكثر ~~تنظيما ذات أهداف سياسية أكثر وضوحا، ثم فوجئت بحكومة ثرثارة لا تريد التخلي عن السلطة ~~وتعجز عن قمع المعارضة بالعنف الذي يتطلبه الموقف. ارتبكت واشنطن في الوقت الذي اشتعلت فيه ~~طهران؛ تلك الدولة الفوضوية التي صنعتها بنفسها، والتي ربما يقول البعض إنه عقاب استحقته ~~على مساندتها المشينة لحاكم فاسد يكن له شعبه كل هذه الكراهية. وانتصر الإسلاميون في ~~الأشهر التي تلت ثورة 1979 بعد أن أثبتوا أنهم القوة الأكثر تنظيما وحزما. أما الشاه فقد ~~انتهى به الحال إلى المنفى الذي صادف كونه في مصر؛ وكانت إشادة السادات بالشاه الفاسد أحد ~~أسباب اغتيال الإسلاميين له. ففي الشرق الأوسط، يكون الجزاء من جنس العمل على نحو مؤلم. لكن ~~لا بد أن نتساءل هل استفادت واشنطن من الدرس؟ ~~••• # الخطر الأكبر الذي يحيق بالنظام المصري أن الإضرابات تؤثر على مجريات الأحداث يوما بعد ~~يوم، وبعض العمال - لم يتبين عددهم بعد - بدءوا «يربطون بين رواتبهم المتدنية وبين الظروف ~~السياسية والاقتصادية من توطن الاستبداد، وعدم أهلية الحكومة وفسادها المنتشر على نطاق ~~واسع، وخنوع النظام للولايات المتحدة وعجزه عن تقديم - أو حتى إبداء اهتمام بتقديم - دعم ~~حقيقي للشعب الفلسطيني أو الاعتراض الجاد على الحرب في العراق، وارتفاع نسبة البطالة، ~~وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء»، حسبما ورد في تحليل لمجلة ميدل إيست ريبورت في ~~مايو/أيار عام 2007. بدأت أعداد كبيرة من المصريين الحديث صراحة عن الحاجة إلى حدوث تغيير ~~حقيقي. يحتل موظفو القطاع العام موقعا مهما يمكنهم من أداء دور حاسم إذا استطاعوا ~~تنظيم أنفسهم، ولا يحتاج عدد المضربين عن العمل إلا لزيادة قدرها عشرة أضعاف العدد الحالي ~~ليصلوا إلى الأرقام التي أشعلت الانتفاضات الشعبية في الماضي. فالثورة الإيرانية كانت أكثر ~~الثورات شعبية في التاريخ، لكن لم يشارك فيها مشاركة فعلية سوى 2 بالمائة من إجمالي عدد ~~السكان، وثاني أكثر الثورات شعبية في التاريخ اندلعت في روسيا عام 1917 ولم يشارك فيها ~~مشاركة فعالة سوى 1,5 بالمائة ms209 من إجمالي السكان. # لا ينبغي للنظام المصري أو الإدارة الأمريكية أن يركنا إلى ما يشار إليه بوجه عام - ~~ازدراء أو تمنيا - بالطبيعة اللامبالية للشعب المصري. فقد ذهبت النظرة الاستشراقية ~~للتاريخ المصري إلى أن المصريين لانت شوكتهم نتيجة حكم الفراعنة لهم قديما، ومن ثم اعتادوا ~~ألا يفكروا في شكل وطبيعة الحكم في الدولة، وسلموا بفكرة أن الفرعون فوق مستوى المساءلة. ~~وهكذا يواصل المصريون حياتهم عبر تجاهل الدولة، وعيش حياتهم على إيقاع النيل. من اليسير أن ~~نعقد المقارنات بين الماضي والحاضر، خاصة تلك التي تشبه مبارك بالفرعون؛ فهو ثالث أطول ~~الحكام المصريين بقاء في السلطة على مدار الأربعة آلاف سنة الماضية. لكن هذا التحليل يحيد ~~عن إنصاف الأمة المصرية المتشعبة النابضة بالحياة كما نراها في القرن الحادي والعشرين. أصبح ~~الفيضان السنوي لنهر النيل ذكرى من الماضي بفضل بناء السد العالي. أيضا تدلل المائة عام ~~الماضية على أن المصريين أبعد ما يكونون عن الاستكانة وعدم الاكتراث بمن يحكمهم أو كيف ~~يحكمهم، ولنا في ثورات المصريين عبرة؛ فقد اندلعت ثورة شعبية ضد الإنجليز (1919)، وانتفاضة ~~جماهيرية احترق على إثرها نصف القاهرة (يناير/كانون الثاني 1952) تلاها الانقلاب العسكري ~~(يوليو/تموز 1952)، ومظاهرات حاشدة أرغمت السادات على الاعتراف المخزي بخطأ القرار الذي ~~اتخذته الحكومة بتخفيض الدعم على السلع الغذائية الأساسية (1977)؛ فضلا عن سلسلة متواصلة ~~من الاغتيالات والمظاهرات الشعبية والهجمات الإرهابية. لا يمكن لشعب بهذا التاريخ إذن أن ~~يوصف باللامبالاة؛ ولكن الأكثر إثارة لقلق النظام، والأكثر إلهاما لهؤلاء الذين يسعون ~~للإطاحة به، هو أن الفارق الزمني بين ثورتي 1919 و1952 وبين ثورتي 1952 و1977 يقدر بنحو ~~ثلاثة عقود، وهي الفترة التي تفصل عام 1977 عن الوقت الحاضر. وتشير تلك القراءة للتاريخ إلى ~~أن مصر ربما كانت على موعد مع واحدة من ثوراتها الشعبية المتكررة. ~~••• # هل فكرت واشنطن في ذلك؟ مما يتراءى لنا الآن من أدلة، الجواب هو لا. ولهذا السبب يجد ~~الأمريكيون أنفسهم في عدد من المآزق؛ أهمها الرغبة في تحقيق الاستقرار إلى جانب الإصلاح ~~الاقتصادي والسياسي في الوقت نفسه. ربما ms210 يكون الهدفان متناغمين على المدى البعيد، بل وربما ~~يعزز كل منهما الآخر. غير أن السياسيين وصناع القرار في أمريكا نادرا ما يخططون للمدى ~~البعيد؛ ومن باب الإنصاف أن نقول إن هذا الأمر لا يقتصر على الأمريكيين وحدهم. وعلى المدى ~~القريب، لا تفتقر الرغبات إلى التناغم فيما بينها فحسب، بل تعمل إحداها ضد الأخرى داخل ~~المجتمع المصري. فالحفاظ على الاستقرار يعني الاستمرار في دعم مبارك والمقربين منه مع غض ~~الطرف عن القوى الأساسية التي تهيمن على السياسة المصرية وهي الأجهزة العسكرية والأمنية. ~~فتلك المجموعات ليس لديها ما يحفزها على الإصلاح، لأنها تستفيد من الوضع الراهن بما في ذلك ~~المساعدات الأمريكية. أعضاء الحزب الوطني أنفسهم يعون جيدا أن الإصلاح يعني التخلي عن شيء ~~من السلطة - كما أشار بدراوي - ويخافون على نحو مبرر ومفهوم من أن يؤدي فقد السلطة إلى ~~تضاؤل سيطرتهم. تلك هي ركائز الاستقرار التي بمقدورها وأد التغيير واستخدام القوة لمنع ~~الاحتجاج الشعبي من الخروج عن نطاق السيطرة. ولا شك أنهم يستطيعون قمع المعارضة بل وقمع ~~انتفاضة شعبية، لكن شيئا كهذا لن يخلص النظام من مأزقه، لأن ركائز استراتيجية الإصلاح لديه ~~- متمثلة في الخصخصة والاستثمار الأجنبي - تعتمد في نجاحها على الاستقرار الداخلي ~~أيضا. # على الجانب الآخر فإن الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة من أجل تنفيذ إصلاح اقتصادي ~~وسياسي حقيقي يحمل في طياته منافع مرتقبة من النمو الاقتصادي لا يقتصر نفعها على النخبة ~~المتسلقة وحدها، بل يمتد إلى عموم المصريين الذين يعتمدون حاليا إلى جانب وظائفهم (إن ~~كانوا يعملون) على الدعم الذي يستنزف ميزانية الحكومة. ولو كان الاقتصاد المصري أقوى مما هو ~~عليه، فلن نرى مطاردي السياح في المناطق الأثرية وممارسي البغاء من الذكور في الأقصر ~~عدوانيين أو مستغلين ومستغلين هكذا. يوفر الإصلاح السياسي - بمعنى زيادة الديمقراطية ~~والشفافية - فرصة أمام الأصوات المختلفة في المجتمع المصري المعروف بتعدديته للمشاركة ~~وتحقيق المصالح. وسيكون ذلك بمنزلة تغيير جذري عن الوضع الراهن الذي تزعم فيه الحكومة أن ~~الوحدة مبدأ أساسي، وهذا ما يدفعها إلى التكشير عن ms211 أنيابها عندما يتحدث أحد عن وجود أقليات، ~~وما يجعلها تزعم أنها تحقق مصالح الشعب على أفضل وجه، في الوقت نفسه الذي ترفض فيه اختبار ~~صدق هذا الادعاء عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة. # ظهرت حقيقة تلك الأهداف المتضاربة في تجربة شديدة الغرابة تعرض لها هشام قاسم، الناشط ~~المصري في مجال حقوق الإنسان، الذي وقع عليه الاختيار ضمن أربعة نشطاء دوليين في ~~أكتوبر/تشرين الأول عام 2007 لنيل جائزة الديمقراطية الصادرة عن هيئة «المنحة الوطنية ~~للديمقراطية». وجد قاسم أن التجربة محزنة للغاية، إذ صرح لوكالة رويترز بعد تسلم الجائزة ~~قائلا: «رؤية رئيس الولايات المتحدة بشخصه والإحساس بعدم اكتراثه لما يجري على الصعيد ~~السياسي في مصر جعلتني أتيقن من أن برنامج الديمقراطية هذا قد انتهى بلا رجعة.» وقال قاسم ~~إن بوش سأله عن الإصلاحيين في الحزب الوطني الحاكم (وهو ما أجاب عليه بقوله: «آسف، لا يوجد ~~إصلاحيون في الحزب الوطني.»)، لكن اهتمامه كان منصبا في الأساس على وضع الإسلاميين في ~~مصر. أوضح قاسم أن الحكومة جعلت من المستحيل على الحركات السياسية العلمانية ممارسة عملها ~~مفسحة المجال بذلك أمام الإسلاميين: «لا بديل الآن أمام الشعب، خصوصا وأن الإسلاميين ~~يعملون خارج المساجد بينما الأحزاب السياسية العلمانية لا يسمح لها بالعمل على الإطلاق.» ~~وأضاف أنه يخشى في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم «أن مصر ستصبح دولة دينية بحلول عام 2010.» ~~وكان واضحا أن هذا التعليق الأخير استحوذ على اهتمام بوش الكامل، وبدت عليه حيرة شديدة لأن ~~السياسة الأمريكية لا تحقق أهدافها، فقال: «نحن نعطي بلادكم ملياري دولار كل عام لتحفظوا ~~استقرارها وتحولوا دون تحولها إلى دولة دينية.» قال قاسم إن بوش بدا مصدوما ~~ومرتعبا. # قد يقول البعض إن قاسم لم يسد لنفسه صنيعا عند لقائه بوش وكبار مستشاريه. والحقيقة ~~المؤسفة هي أن الضغط الأمريكي من أجل الديمقراطية أصبح ينظر له الآن على أنه غير صادق على ~~أفضل تقدير، ومنافق على أسوأ تقدير. ولا عجب في ذلك عندما يكون غرض الرئيس مما يدفعه لنظام ~~مبارك هو الحفاظ على الاستقرار ms212 وليس السعي وراء الإصلاح. وقد ترتب على هذا التضارب في ~~السياسة الأمريكية أن أي محاولة لمساعدة الأفراد والحركات الداعية إلى الديمقراطية تسفر عن ~~نتيجة سلبية وهي الحد من تأييدهم داخل دائرة أنصارهم. وبعبارة أخرى، يتهم هؤلاء الأفراد ~~بالعمالة. وقد كانت هناك فرصة كبيرة أمام قاسم لكسب التأييد لقضيته داخل مصر نفسها لو أنه ~~رفض مقابلة بوش من الأساس، لأن الكثيرين من الإصلاحيين العلمانيين ليسوا مفتونين ~~بالأمريكيين، وهو ما اتضح لي - في أوج «ربيع القاهرة» أوائل عام 2004 - عندما التقيت ~~بمجموعة منهم من بينهم أحمد سيف الإسلام وهو رئيس هيئة حقوقية مصرية تدعى «مركز هشام مبارك ~~للقانون». كان من المفترض أن يشعر أحمد بالقوة بسبب الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة من ~~أجل تحقيق ما يحاول هو إلقاء الضوء عليه منذ عقد من الزمان؛ وهو الحاجة إلى مزيد من ~~الديمقراطية والحرية والمساءلة. ولكنه بدلا من ذلك أخبرني أنه وغيره من الإصلاحيين متشككون ~~إلى أقصى درجة في دور أمريكا في المنطقة، إن لم يكونوا يشعرون بالعداء الصريح تجاهه. قال لي ~~ونحن في منزله الذي يقع على مرمى حجر من جامعة القاهرة: «الحرب على الإرهاب تقوض دور ~~المدافعين عن الديمقراطية، في حين تقوي شوكة الديكتاتوريين العرب الذين يستخدمونها عائقا ~~أمام الإصلاح، وذريعة بأن تأييد الإصلاح يعني الوقوف في صف أعداء الدولة.» وهناك أدلة كثيرة ~~تؤيد وجهة نظر أحمد سيف الإسلام. ففي الأسبوع الذي التقيت به فيه، نشرت صحيفة الأسبوع - ~~القريبة من الحزب الحاكم - مقالا تحت عنوان «خطة واشنطن لمصر» جاء فيه أن أمريكا تسعى إلى ~~تعيين قبطي كنائب للرئيس وإلغاء المادة الثانية من الدستور (التي تنص على أن الشريعة ~~الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع). وفي الوقت نفسه، وجهت صحيفة روز اليوسف الأسبوعية ~~الموالية للنظام اتهاما لسعد الدين إبراهيم ب«التعاون مع أمريكا وإسرائيل لتشوية صورة ~~مصر.» وقد ساعد المناخ العام المناهض للسياسة الأمريكية في فتح الباب أمام ردود الفعل ~~العنيفة والمنسقة. أخبرني هاني شكر الله - الذي كان يرأس تحرير جريدة الأهرام ويكلي وقتها - ~~أن «الحرب ms213 على العراق أعاقت أجندة الإصلاح بطرق شتى، وأثارت نوعا من البغضاء تجاه الولايات ~~المتحدة امتدت لتتحول إلى بغضاء تجاه الغرب بأسره. وفي ظل الحديث عن «قانون الوطنية» ~~الأمريكي، وخليج جوانتانامو، وسجن أبو غريب، وتدمير الفالوجة، ليس هناك في العالم العربي من ~~يأخذ كلام الأمريكيين عن تأييد الديمقراطية على محمل الجد.» والمفارقة الأكبر هي أنه حتى ~~التحركات الجديدة نحو الإصلاح تكاد تسلك اتجاها يعترض المصالح الأمريكية؛ فتعزيز ~~الديمقراطية في العالم العربي - حتى وإن كان بكلمات موجزة - يعني دائما أن العرب سيعبرون ~~في الأغلب عن انتقادهم الشديد لسياسات إسرائيل وأمريكا فيما يتعلق بالشرق الأوسط. # أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دعمه لتقرير التنمية البشرية العربي لعام 2003 بشأن ~~الحوكمة في العالم العربي، على الرغم من الاعتراضات الأمريكية على أجزاء من النص. أخبرني ~~المعد الرئيسي للتقرير - وهو المفكر المصري نادر فرجاني - في مكتبه بالقاهرة أن التقرير ~~أثار سخط الأنظمة العربية والولايات المتحدة بالقدر نفسه. قال: «أحد الأسباب أنه يوجه نقدا ~~لاذعا للاحتلال الأمريكي للعراق، وأنه أشار إلى أن الطريقة التي شنت بها ما تسمى بالحرب ~~على الإرهاب أسفرت بالقطع عن مزيد من تقييد الحريات في الدول العربية.» وأضاف أنه كان لا بد ~~لهذا التقرير أن يصيب مركز الهدف، وقال: «كان من الطبيعي ألا يلقى استحسانا لدى الأنظمة ~~ذات الحوكمة السيئة ومن بينها الولايات المتحدة التي تعد نموذجا واضحا لنظام الحوكمة ~~السيئة الذي لا يدعم الحريات.» ويكاد يبدو غريبا الآن أن إدارة بوش استخدمت تقرير التنمية ~~البشرية العربي 2002 كأساس لأولى مقترحاتها التفصيلية بشأن الإصلاح في العالم العربي. من ~~الواضح أن الولايات المتحدة ليست واقعة بين مطرقة المعارضة الإسلامية وسندان النظام فحسب، ~~ولكن أيضا بين مطرقة المعارضة العلمانية (أو ما تبقى منها) وسندان النظام. # تحدوني رغبة متواضعة في أن أسدي نصيحة إلى واشنطن في هذا المقام، خاصة أن الرئيس الأمريكي ~~سيترك منصبه في يناير/كانون الثاني 2009، ونصيحتي هي أن أي تصويت للشعب الأمريكي في ~~انتخابات قريبة سينزل هزيمة منكرة بمن تبقى من المستشارين المحيطين بالرئيس بوش ms214 من ~~المحافظين الجدد. ومع هذا، لا يوجد في المرحلة الحالية ما يشير إلى أن الرئيس الذي سيخلف ~~بوش - سواء أكان من الحزب الديمقراطي أم الجمهوري - سيخرج من جعبته شيئا جديدا أو مبتكرا ~~يسهم به في السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، أو ستكون لديه الرغبة في الاستماع إلى ~~الأصوات المختلفة. في الوقت نفسه لا بد أن يكون واضحا وضوح الشمس الآن أمام جميع المرشحين ~~أن التدخل العسكري غير المبرر - سواء أكان إجراء استباقيا أم غير ذلك - ما هو إلا وصفة ~~لوقوع كارثة في المنطقة، وأن الضربة الارتدادية لن تكون مقبولة؛ ليس فقط فيما يتعلق ~~بالمصابين والضحايا المدنيين من أبناء البلد (فضلا عن الضحايا والمصابين من الجنود ~~الأمريكيين)، وإنما فيما يتعلق بالضغينة التي تولدها تلك الحروب بين الشعوب العربية، والفرص ~~الملازمة التي يتيحها مثل هذا التدخل أمام الجماعات الإسلامية الموجودة ضمن التيار الرئيسي ~~مثل الإخوان المسلمين لكسب المزيد من التأييد. # وإذا دنونا من المجتمع المصري من منظور مختلف، فسنجد جانبا مشرقا يتمثل في حقيقة أن ~~تأثير الإخوان المسلمين على التيار الرئيسي محدود منذ عشرينيات القرن العشرين ؛ وأن الإسلام ~~الذي يمارسه معظم المصريين هو في الأساس إسلام صوفي في طبيعته، لذا فإنهم تلقائيا لا ~~يحتملون المذهب السني المتشدد (ناهيك عن العنف الذي يمارسه تنظيم القاعدة)؛ وأن المسلمين ~~والمسيحيين في مصر فخورون إلى حد بعيد بتاريخهم المشترك، ويعيشون حياتهم ككيان واحد يشارك ~~كل منهم الآخر في الاحتفالات والمناسبات الدينية؛ وأنه على الرغم من دعاية النظام المناهضة ~~لإسرائيل فإن المصريين على استعداد للعمل مع الإسرائيليين ما دامت بنود الاتفاق عادلة ~~ومنصفة (بدليل «المناطق الصناعية المؤهلة» الإسرائيلية المقامة في مصر) وما دام التعامل مع ~~محنة أشقائهم العرب في فلسطين يتخذ شكلا جديا؛ وأنه ما زالت هناك حالة من الإعجاب الشديد ~~بالحرية السائدة في أمريكا وأوروبا - بعيدا عن السياسية - حتى إن كثيرين من المصريين كل ~~عام يقدمون على المجازفة بحريتهم بل وبحياتهم من أجل أي فرصة يذوقون معها هذه الحرية ~~بأنفسهم. # مفتاح الحل بالطبع في الملياري دولار ms215 التي تدفعها الولايات المتحدة لمصر سنويا في صورة ~~مساعدات، والمرهونة على نحو قاطع بالتقدم على طريق الإصلاح في ظل تهديد واضح بتوجيه الأموال ~~إلى المشروعات الأساسية التي من شأنها تعزيز الديمقراطية في مصر ما لم يكن يتحقق فعليا ~~وليس فقط يعزز شفهيا. لا بد لواشنطن أن تتلقى مقابلا عن الأموال التي تدفعها، وما الذي ~~سيضير واشنطن حقا لو سلكت هذا الاتجاه؟ ليس واردا أن يسلم نظام مبارك السلطة إلى الإخوان ~~المسلمين، أو أن يؤجج الغضب الشعبي إلى الحد الذي يخرجه عن نطاق السيطرة. من من ~~المصريين لن يبتهج عندما يتلقى النظام صفعة مجازية على وجهه إذا وضعنا في الاعتبار ما ~~يتلقاه الكثيرون منهم من صفعات حقيقية وما هو أسوأ منها من زبانية النظام؟ في هذه الأثناء، ~~نجد أن إسرائيل متفوقة عسكريا على مصر حتى إن أي هجوم لمصر عليها سيكون أشبه بالانتحار. ~~وعلى الصعيد الإقليمي تضاءل تأثير مصر كثيرا؛ فمن فلسطين إلى العراق، ومن لبنان إلى سوريا، ~~والأهم إيران، باتت الكلمة العليا الآن للملكة العربية السعودية، ولا يوجد حليف تعتمد عليه ~~واشنطن في العالم العربي أكثر من آل سعود، فضلا عن أن السعودية تكاد لا تتأثر بضغوط واشنطن ~~في ظل الارتفاع التاريخي غير المسبوق في أسعار النفط. وفي ظل هذا الضغط الذي يتعرض له ~~النظام المصري، لن يجد خيارا سوى تقديم إصلاحات جادة وإن كانت بطيئة؛ فالتحرك ببطء أفضل من ~~عدم التحرك على الإطلاق. # على مدار مائتي عام، اختارت مصر الاتجاه الذي ستسلكه بين قطبي الشرق والغرب. فعامة ~~المصريين حلفاء طبيعيون لواشنطن إذا رأوا أن فائدة حقيقية ستعود عليهم من وراء هذا التحالف. ~~فتخلي واشنطن عن الشعب المصري عن طريق سماحها للوضع بمزيد من التدهور - وما سيترتب عليه من ~~خطر وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم - وكأن الشعب المصري لا يستحق أفضل من ذلك ولا ~~يريد أكثر من ذلك، على حد قول المحللين السياسيين في واشنطن سيكون أكثر من مجرد خيانة لأكثر ~~ثقافات العالم العربي حيوية وتنوعا؛ وسوف يؤذن أيضا ms216 بموت الديمقراطية والتعددية في كل ~~مكان في المنطقة. وبإيجاز، تحتاج واشنطن إلى نظرة بعيدة المدى وإعادة تقييم متأنية لدعمها ~~للديكتاتور إلى جانب بذل قصارى جهدها من أجل حل القضية الفلسطينية التي يستغلها بهدف تشتيت ~~الانتباه عن مواطن ضعفه الهائلة. وعلى الولايات المتحدة أن تحث على الإصلاحات الاقتصادية ~~التي تستهدف مصالح الشعب المصري. # الولايات المتحدة صاحبة تاريخ طويل من التورط في منطقة الشرق الأوسط، ونادرا ما كانت ~~سياسات واشنطن تتخذ المسار الذي أرادته لها؛ حتى وإن افترضنا حسن نيتها. يعد برج القاهرة ~~واحدا من أشهر المباني في سماء القاهرة، وهو إحدى التركات التي خلفتها الجهود الأمريكية ~~الرامية لكسب تأييد عبد الناصر. تقول إحدى الروايات إنه بني بأموال دفعها - على سبيل ~~الرشوة في الواقع - كيرميت (كيم) روزفلت رجل المخابرات المركزية الأمريكية الأسطورة (الذي ~~لعب - بالمصادفة - دورا محوريا في إعادة الشاه عام 1953). ويعرف برج القاهرة باسم «وخزة ~~عبد الناصر»، لأن عبد الناصر أخذ الأموال ومضى جذلا يواصل سياساته الخاصة. ونوعا ما تكرر ~~الحكومة الحالية الفعلة ذاتها مع الأمريكيين، وقد أوجز بوش حقيقة الصفقة بإتقان أثناء لقائه ~~مع قاسم في واشنطن. وفي ظل تضاؤل مكانة أمريكا في المنطقة - بسبب فشلها الذريع في العراق ~~وعدم إحرازها تقدما في مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين - يرى مبارك محدودية ~~الخيارات المتاحة أمام الأمريكيين على المدى القريب وتضاؤل الرغبة في ممارسة المزيد من ~~الضغوط. وهذا من شأنه أن يقنع النظام بأن جميع الأسباب متوفرة أمام استمرار الوضع ~~الراهن. ~~••• # في خريف عام 2007، أجرى الحزب الوطني الديمقراطي انتخابات اختيار رئيس للحزب، وأثناء ~~الإعداد للانتخابات كان هناك إجماع على أن مبارك سيفوز بسهولة؛ وفي نبؤة دقيقة على عكس ~~عنوان «ديوي يهزم ترومان» الخاطئ الشهير الذي خرجت به صحيفة شيكاغو تريبيون قبل حسم نتيجة ~~الانتخابات الأمريكية عام 1948 لصالح ترومان، أوردت صحيفة «الجمهورية» القومية مقالا تحت ~~عنوان «مبارك سينتخب بالإجماع». وهو ما حدث بالفعل، بينما ترقى جمال إلى منصب أعلى داخل ~~الحزب ما جعله - وفقا للوائح الرسمية الروتينية - قادرا في النهاية على ترشيح ms217 نفسه في ~~الانتخابات. ربما تكون الأنظمة المستبدة رتيبة، لكن على الأقل يسهل التنبؤ بما سيحدث فيها. ~~ويبدو مع الأسف أن هذا ما تريده واشنطن. لكن المشكلة تكمن في أنه قلما يمكن التنبؤ بما ~~سيحدث في عالم السياسة خاصة في الشرق الأوسط. ومع أنه لا ينبغي الاستخفاف بقدرة نظام مبارك ~~على الاستمرار على نحو متخبط، فإن الاهتياج المستتر الذي يسود أوساط العمال وغيرهم لا يدعو ~~للتفاؤل. أيضا لا يرسي النظام أساسا لزيادة الانفتاح عن طريق تبني سياسات من المرجح أن ~~تسفر عن زيادة تأييد الشعب، حتى وإن لم يكن هذا التأييد بالإجماع. وبسبب افتقار النظام إلى ~~الأفكار أو الأيديولوجية أو الرموز التي تحظى بالقبول لدى الشعب، فإنه ينصرف عن وضع حلول ~~للمشكلات على نحو يؤدي إلى تفاقمها. # ومن سيكون هناك للاستفادة من هذا الوضع؟ إنهم الإخوان المسلمون. لا أقصد بذلك أن الإخوان ~~يتمتعون بشعبية كبيرة، ناهيك عن امتلاكهم لحلول عملية (أو صالحة للتطبيق)؛ وإنما أقصد أنه ~~باعتبارهم كتلة المعارضة الوحيدة المنظمة، فإنهم الأقوى تلقائيا. حدد حسن البنا مؤسس جماعة ~~الإخوان المسلمين استراتيجية قائمة على الصبر تمر بثلاث مراحل حتى الوصول إلى السلطة؛ مرحلة ~~الدعاية (الإعداد)، ومرحلة التنظيم (التي تهدف إلى توعية الشعب)، وأخيرا مرحلة الفعل ~~(امتلاك السلطة). وبالرغم من أن هذا المخطط ربما كان عاما ومبهما - كحال معظم تحليلات ~~الإخوان المسلمين في الواقع - فإنه يشير ضمنيا إلى وجود إجراءات عملية، ويمكن القول إن ~~الإخوان المسلمين وصلوا إلى المرحلة الثانية الآن بدليل تركيزهم على التعليم والثقافة، أو - ~~على الأصح - بدليل اجتثاثهم لكافة أشكال التعليم والثقافة التي لا تتفق وعقيدتهم ~~الإسلامية. # يتجلى بوضوح أيضا أن الإخوان المسلمين يستفيدون من تجارب غيرهم. ففي خريف عام 2007، ~~أشارت صفحتهم الإلكترونية الرسمية بإيجاب إلى مقال صادر عن هيئة الإذاعة البريطانية تناول ~~الظروف التي تؤدي في الأغلب إلى انتفاضة شعبية والإطاحة بالحكومة، مستعينة بتجربة لم ~~يحالفها الحظ في ميانمار (بورما) الواقعة تحت الحكم العسكري كمثال على ذلك. ومن بين العوامل ~~الرئيسية التي ذكر أنها تؤدي على الأرجح إلى ms218 إحداث تغيير في نظام الحكم: الاحتجاجات ~~الشعبية واسعة النطاق التي تؤدي إلى ظهور عدة تكتلات اجتماعية واقتصادية مختلفة؛ وظهور ~~قيادة معارضة لديها أفكار واضحة يمكن حشد الشعب حولها؛ والقدرة على استخدام وسائل الإعلام ~~بصورة ما لنقل رسالة معينة؛ ووجود آلية لتقويض النظام القائم سواء عن طريق انقلاب داخلي في ~~حالة الحكم العسكري، أو ظهور الإصلاحيين، أو إنهاك النظام الحالي بما يؤدي إلى انهياره. ~~وطرح الناشط الإخواني المتحمس الذي لفت الانتباه إلى المقال سؤالا على أقرانه الإسلاميين ~~على موقعهم الإلكتروني هو: «هل يمكن تنفيذ هذا في مصر؟» ويخيل إلي أن هذا السؤال كان ~~أكثر من مجرد سؤال بلاغي. # | خاتمة # أصاب الإضراب العام الذي شهدته مصر يوم 6 أبريل/نيسان عام 2008 - ذلك الشهر الذي نشرت ~~فيه الطبعة الأولى من كتاب «في قلب مصر» - معظم أنحاء البلاد بالشلل التام. اندلعت ~~المظاهرات في مدينة المحلة بدلتا النيل على مدار يومين. وتزامنت «انتفاضة المحلة» - كما ~~أطلق عليها - مع إضراب في المصنع الرئيسي في المدينة الذي أصبح بؤرة اهتمام مئات من العمال ~~المضربين في جميع أنحاء البلاد. أسفرت مظاهرات المحلة عن وفاة ثلاثة مواطنين وإصابة المئات ~~في أسوأ موجة اضطرابات شهدتها البلاد منذ عام 1977، مما أسفر عن تصعيد أكبر موجة احتجاجات ~~عمالية منذ ثورة 1952 التي جاءت بجمال عبد الناصر إلى سدة الحكم. # أثار نجاح الإضراب من دون مشاركة الإخوان المسلمين دهشة كثير من المراقبين، لكن الجماعة ~~أعلنت في وقت متأخر ودون مراوغة عن تضامنها مع الدعوة إلى إضراب عام ثان يوم 4 مايو/أيار، ~~بعدما نالت ما نالته من انتقاد من جانب صحف المعارضة بسبب تخلفها عن المشاركة في الإضراب ~~الأول. لكن كان إخفاق الجولة الثانية من الإضراب العام مدويا على قدر ما كان من نجاح ~~الإضراب الأول. ففي يوم 4 مايو/أيار، اكتظت شوارع القاهرة بالزحام المروري كالمعتاد، ولم ~~تغلق أبواب المحال التجارية، وخلت الشوارع من مظاهرات الطلاب والعمال والإسلاميين ~~أيضا. # تتفق الروايتان المتضاربتان حول هذين الإضرابين تمام الاتفاق مع الطرح الرئيسي الذي يدور ~~حوله هذا ms219 الكتاب؛ فقد ظهر بجلاء أن المجتمع المصري على شفا الانفجار، في حين ثبت أن تأثير ~~الإخوان المسلمين - مثلما أشرت في الفصل الثاني - فيه الكثير من المبالغة. بل الواقع أن ~~إعلان الجماعة عن تضامنها كان عاملا رئيسيا في إحباط الموجة الثانية من الإضرابات؛ بل ~~وصل الأمر إلى حد أن الجماعة لم تتمكن من إلزام أعضائها بالمشاركة يوم الإضراب. ~~••• # في غضون ذلك، استمرت الدعاية الجوفاء للحزب الوطني الديمقراطي برئاسة مبارك في فرض ~~هيمنتها على الخطاب السياسي الداخلي في مصر. وبدلا من الحوار العلني المثمر، توالت النكبات ~~الحافلة بالمعاني الرمزية على مصر؛ وأبرزها على وجه التحديد حادثان وقعا عام 2008. فقد شب ~~حريق في شهر أغسطس/آب التهم مبنى مجلس الشورى أعقبه في الشهر التالي حريق آخر أتى على ~~المسرح القومي في القاهرة. وفي حين وصفت السلطات كلا الحريقين بالقضاء والقدر، فإن عجز ~~الحكومة عن حماية منشآتها القومية البارزة أكد للعديد من المصريين فساد النظام وعدم ~~أهليته. # كتبت رئيسة تحرير صحيفة ديلي نيوز - الصحيفة الرسمية الناطقة بالإنجليزية في مصر - عن ~~حريق البرلمان محذرة أن تلك الكارثة ليست سوى «مقدمة لسلسلة حرائق مستقبلية». وقد تكررت ~~الإيحاءات التي تنذر بثورة شعبية وشيكة على نحو مثير للقلق منذ أن نشرت الطبعة الأولى من ~~هذا الكتاب؛ ولأسباب وجيهة. ~~••• # في الوقت الذي سحق فيه النظام انتفاضة المحلة، وألقى القبض على من دعوا إليها، فإنه لم ~~يفعل أي شيء لمعرفة الأسباب الكامنة وراء اندلاعها. قطعت الحكومة وعدا بزيادة 30 بالمائة ~~في رواتب الموظفين (وهو مؤشر على مدى زعزعة الاحتجاجات العمالية للنظام)، لكنها رفعت أسعار ~~السلع الأساسية بالقدر نفسه لاحقا. وارتفع المعدل الرسمي للتضخم في الحضر في الوقت نفسه ~~إلى 26 بالمائة ليزيد من معاناة المواطنين البسطاء. كل هذا ولا تلوح في الأفق بادرة انفراج. ~~تسببت أزمة الائتمان العالمية في هبوط سوق المال المصري بنسبة 20 بالمائة بحلول ~~أكتوبر/تشرين الأول 2008 بالتزامن مع انسحاب المستثمرين الأجانب من الاقتصادات الناشئة. ~~وامتلأت الصحف المحلية بقصص عن حوادث انتحار المصريين بعد ضياع مدخراتهم؛ وكانت تلك ms220 المرحلة ~~الأخيرة لاستئصال الطبقة الوسطى من المجتمع، وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ وهي ~~عملية بدأت في عهد السادات في سبعينيات القرن العشرين. # وقفت الأزمة الاقتصادية العالمية عائقا في طريق البرنامج الاقتصادي المتعثر بالفعل الذي ~~يتبناه النظام. كان جذب الاستثمارات الأجنبية - عن طريق الخصخصة في المقام الأول - العامل ~~المحوري الذي ترتكز عليه السياسة الاقتصادية للحكومة طوال العقدين الماضيين. لكن الجهود ~~المبذولة لم تكن منتظمة، ولم تعد بالنفع على رجل الشارع المصري البسيط. مع هذا ظل رئيس ~~الوزراء أحمد نظيف واثقا ثقة عمياء في هذا المنهج على الرغم من تقييم صدر آنفا عن رئيس ~~البنك الدولي ذكر فيه أن المصريين العاديين بحاجة إلى أن ينتظروا «جيلا» كاملا حتى ~~يشعروا بأي فائدة تعود عليهم من النمو الاقتصادي للدولة وفق نظرية الانسياب (وهي نظرية ~~قائمة على فكرة أن المزايا والفوائد الممنوحة للأغنياء تنساب لأسفل مع الوقت حتى تصل إلى ~~الفقراء). ~~••• # لكن هل سينتظر المصريون «جيلا» كاملا حتى ينساب إليهم عائد النمو الاقتصادي؟ ربما يكون ~~الإعلان عن ترشح جمال مبارك للرئاسة هو شرارة انطلاق الانتفاضة الشعبية التالية. فالاعتراض ~~على توريث السلطة لجمال هو ما يوحد كافة صفوف المعارضة المصرية، فضلا عن أن محاولات ~~النظام لتقديمه على أنه الأقرب إلى الشعب المصري قد باءت بالفشل. وربما يكون المسمار الأخير ~~في نعش علاقات جمال تلك المحاكمة المثيرة الجارية (وقت كتابة هذه الخاتمة) للملياردير ~~المصري هشام طلعت مصطفى. وجهت إلى هشام طلعت - وهو العضو البارز في الحزب الحاكم ويقال ~~إنه على علاقة وطيدة بابن الرئيس - تهمة التحريض على قتل مطربة لبنانية في دبي كانت تجمعه ~~بها علاقة سابقة. وعلى الرغم من إصرار مصطفى على براءته من التهمة المنسوبة إليه، فإن هذه ~~الفضيحة قد عضدت المفاهيم السلبية عن ابن الرئيس والزمرة المحيطة به ودائرة معارفه ~~المشينة. ولا عجب في القرار الذي اتخذه النظام بمنع تغطية وقائع المحاكمة في وسائل الإعلام ~~المحلية. # غير أن السخط الشعبي على محاولة تدعيم جمال مبارك بوصفه وريثا لأبيه هو واحد من بين ~~البلايا العديدة ms221 التي تؤجج غضب الشارع، والتي ربما تخرج به عن نطاق السيطرة. ويتزايد الغضب ~~من ممارسات جهاز مباحث أمن الدولة، ولجوء النظام إلى التعذيب، والفساد المستشري، والإحساس ~~بأن النخب المصرية التي ترتدي عباءة الغرب تنهب البلاد تحت غطاء تحرير اقتصادها وفتح آفاق ~~جديدة أمام المستثمرين الأجانب. ~~••• # عندما نشر الكتاب، منعت السلطات المصرية تداوله داخل البلاد، وهي المرة الأولى التي ~~يمنع فيها كتاب سياسي من التداول في مصر طوال العقود الثلاثة التي قضاها نظام مبارك في ~~الحكم. انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم في عشرات المدونات، ووكالات الأنباء، وإذاعة بي بي ~~سي العالمية، وقناة بي بي سي العربية، ومجلة ذا بوك سيلر البريطانية، وصحف المعارضة المصرية ~~الرائجة، ووسائل الإعلام العربية. # وتراجعت وزارة الإعلام المصري فجأة عن موقفها بعد أن ذاع صيت الكتاب على هذا النحو في ~~الصحف العالمية، وأصدرت بيانا مطولا زعمت فيه أن الكتاب لم يمنع، وإنما نال الموافقة ~~الرسمية على توزيعه. وتصدر هذا النفي الصفحات الأولى من جميع الصحف اليومية المصرية. وفي ~~اليوم التالي، نشرت صحيفتا «المصري اليوم» اليومية المستقلة و«الدستور» الأسبوعية المعارضة ~~عرضا للكتاب في صفحة كاملة، وتصدرت مقتطفات من هذا العرض الصفحتين الأوليين في كلتا ~~الصحيفتين. وفي الوقت نفسه، نشرت وكالة أسوشيتد بريس خبرا أكدت فيه أن الكتاب كان قد منع ~~من النشر بالفعل في البداية، لكن أجاز جهاز الرقابة على الكتب والمطبوعات نشره في أعقاب ~~التغطية الإعلامية التي تلت قرار الحظر. # إنني أعتبر هذا التحول انتصارا صغيرا لحرية التعبير في مصر وفي العالم العربي كله. فحظر ~~كتاب «في قلب مصر» خلده في الذاكرة الحية باعتباره أكثر الكتب التي طرحت للنقاش عن ~~الأوضاع في مصر. وأظن أن تحذيره من اندلاع ثورة سياسية واجتماعية وشيكة يظل وثيق الصلة أكثر ~~من ذي قبل، وحري بالإدارة الجديدة للبيت الأبيض أن تنظر إليه بعين الاعتبار. ففي الوقت ~~الذي ركزت فيه حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أسفرت عن فوز باراك أوباما في ~~نوفمبر/تشرين الثاني 2008 على الجدل المحتدم بشأن السياسة الأمريكية تجاه العراق وإيران ms222 ~~وباكستان وأفغانستان، ظلت مصر - وهي دعامة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ ~~زمن طويل - بعيدة عن النقاش تماما، وهو ما أثار مشاعر القلق، إذ يبدو واضحا الآن أكثر من ~~أي وقت مضى أن أكثر الدول العربية من حيث تعداد السكان سوف تفرض تحديا مخيفا على الرئيس ~~القادم. مرت ثمانية وعشرون عاما منذ أن تولى الرئيس حسني مبارك السلطة في مصر عقب اغتيال ~~أنور السادات عام 1981. وكما أوضحت في هذا الكتاب، فإن تركته تتمثل في القمع السياسي ~~والركود الاقتصادي وغليان الشعب المصري؛ وهو غضب جماعي لا تنفس عنه فصائل المعارضة ~~المنظمة، لكنه يبدو دائما على شفا الانفجار. لا بد لإدارة أوباما أن تحقق أقصى استفادة من ~~الضعف الحالي لنظام مبارك، وخاصة الفرص الجديدة التي ستلوح في المستقبل القريب تزامنا مع ~~تسليم السلطة، وذلك من أجل الحث على تحريك العملية السياسية في مصر وإفساح المجال أمام ~~الدولة لمواجهة الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار. لكن على واشنطن أن تتحرك سريعا قبل أن ~~يفوت الأوان، ولا يصبح أمامها سوى الوقوف في موضع المتفرج بينما القاهرة تشتعل. # | ملحوظة عن مراجع الكتاب # هذا الكتاب موجه في المقام الأول إلى القارئ العادي، ومن ثم لم ألجأ إلى استخدام ~~الحواشي السفلية أو أي حشو أكاديمي آخر، بل اعتمدت على ذكر المرجع في مكانه داخل النص. لكن ~~هذا لا يمنع من الإعراب عن تقديري لبعض المصادر الثانوية التي استفدت منها عظيم الفائدة. ~~فعند وصف تاريخ مصر الحديث في الفترة ما بين غزو نابليون عام 1798 وثورة الضباط الأحرار عام ~~1952، اعتمدت اعتمادا أساسيا على كتاب «العصر الذهبي لمصر» (1989) لمؤلفه تريفور موستين، ~~وكتاب «مصر الحديثة: نشأة أمة» (2004) لآرثر جولدشميدت، و«مصر: لمحة تاريخية» (2000) لجيمس ~~جانكويسكي. والمقولة التي وردت على لسان عوض المر في الفصل الأول مأخوذة من كتاب مي قاسم ~~«السياسة المصرية: آليات الحكم الاستبدادي» (2004). وفي الفصل الرابع، استقيت بعض المواد من ~~مقال كاش سيل بعنوان «توطين البدو: الرضا بالكثير أم بالقليل» الذي نشر في صحيفة إيجيبت ~~توداي في عددها الصادر ms223 في يونيو/حزيران 2006، وأيضا تقارير تسفي بارئيل من صحيفة هاآرتس. ~~أيضا وجدت كتاب «الأصولية الإسلامية في السياسة المصرية» (في طبعته المنقحة عام 2002) ~~لباري روبين أفضل مرجع لتاريخ الجماعات الإسلامية وتطورها في مصر. وقد استفدت كثيرا من ~~تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر عام 2007 بعنوان: «مصر: انتهاكات منهجية باسم الأمن»، ~~والتقرير الذي أصدرته حركة المعارضة كفاية عام 2006 بعنوان «الفساد في مصر: سحابة سوداء لا ~~تزول»، والتقرير السنوي للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2007. ms224