######OpenITI# #META# URI: 1450ShaymaTahaRaydi.AlghazTarikhiyyaMuhayyara.Hindawi92618406 #META# Tags: history #META# ID: 92618406 #META# Title: ألغاز تاريخية محيرة: بحث مثير في أكثر الأحداث غموضًا على مر الزمن #META# AuthorID: 72609402 #META# Author: بول أرون #META# EditorID: 59292641 #META# Editor: إيمان عبد الغني نجم #META# TranslatorID: 72975737 #META# Translator: شيماء طه الريدي #META# Related_books: 1450PaulAron.UnsolvedMysteriesOfHistory (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - هل كان أسلافنا من سلالة النياندرتال؟‏ # 2 - من شيد ستونهنج؟‏ # 3 - لماذا بنى الفراعنة الأهرامات؟‏ # 4 - من كان ثيسيوس؟‏ # 5 - أوقعت حرب طروادة بالفعل؟‏ # 6 - هل صلب المسيح؟‏ # 7 - ما هي خطوط نازكا؟‏ # 8 - من هو الملك آرثر؟‏ # 9 - لماذا انهارت الحضارة المايانية؟‏ # 10 - من شيد التماثيل على جزيرة الفصح؟‏ # 11 - ماذا كانت «علامة» جان دارك؟‏ # 12 - من مخترع الطباعة؟‏ # 13 - هل قتل ريتشارد الثالث أميري البرج؟‏ # 14 - هل كان كولومبوس يقصد اكتشاف أمريكا؟‏ # 15 - هل عاد مارتن جير؟‏ # 16 - هل قتلت ملكة اسكتلندا زوجها؟‏ # 17 - من كتب مسرحيات شكسبير؟‏ # 18 - هل كان كابتن كيد قرصانا؟‏ # 19 - هل مات موتسارت مسموما؟‏ # 20 - لماذا تخلى فرويد عن نظرية الإغواء؟‏ # 21 - هل كان من الممكن إنقاذ تيتانيك؟‏ # 22 - هل نجا أي من عائلة رومانوف؟‏ # 23 - هل قتل هتلر ابنة أخته؟‏ # 24 - لماذا طار هس إلى اسكتلندا؟‏ # 25 - هل كان جورباتشوف جزءا من انقلاب أغسطس؟‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - هل كان أسلافنا من سلالة النياندرتال؟‏ # 2 - من شيد ستونهنج؟‏ # 3 - لماذا بنى الفراعنة الأهرامات؟‏ # 4 - من كان ثيسيوس؟‏ # 5 - أوقعت حرب طروادة بالفعل؟‏ # 6 - هل صلب المسيح؟‏ # 7 - ما هي خطوط نازكا؟‏ # 8 - من هو الملك آرثر؟‏ # 9 - لماذا انهارت الحضارة المايانية؟‏ # 10 - من شيد التماثيل على جزيرة الفصح؟‏ # 11 - ماذا كانت «علامة» جان دارك؟‏ # 12 - من مخترع الطباعة؟‏ # 13 - هل قتل ريتشارد الثالث أميري البرج؟‏ # 14 - هل كان كولومبوس يقصد اكتشاف أمريكا؟‏ # 15 - هل عاد مارتن جير؟‏ # 16 - هل قتلت ملكة اسكتلندا زوجها؟‏ # 17 - من كتب مسرحيات شكسبير؟‏ # 18 - هل كان كابتن كيد قرصانا؟‏ # 19 - هل مات موتسارت مسموما؟‏ # 20 - لماذا تخلى فرويد عن نظرية الإغواء؟‏ # 21 - هل كان من الممكن إنقاذ تيتانيك؟‏ # 22 - هل نجا أي من عائلة رومانوف؟‏ # 23 - هل قتل هتلر ابنة أخته؟‏ # 24 - لماذا طار هس إلى اسكتلندا؟‏ # 25 - هل كان جورباتشوف جزءا من انقلاب أغسطس؟‏ # | ألغاز تاريخية محيرة # | ألغاز تاريخية محيرة # | بحث ~~مثير ms001 في أكثر الأحداث غموضا على مر الزمن # تأليف # بول أرون # ترجمة # شيماء طه الريدي # مراجعة # إيمان عبد الغني نجم # | شكر وتقدير # أتوجه بالشكر لمحرري في فيرجينيا جازيت، دبليو سي أودونوفان وراستي كارتر، لسماحهما لي ~~بالعمل بدوام جزئي حتى أتمكن من تأليف هذا الكتاب. والشكر أيضا لزملائي آنذاك - تراسي بليفينز، ~~وبراين رافيرتي، وبل تولبرت، وآمي ويليامز - لقيامهم بعملي خلال تلك الفترة. # كما أتوجه بالشكر إلى ستيفن أرون، وروبرت تومبسون، ودبليو سي أودونوفان، ومونيكا بوتكاي، ووكيلي ~~جون ثورنتون؛ على أفكارهم المفيدة. # وأتقدم بخالص الشكر لمحرري كريس جاكسون لقراءته الدقيقة للنسخة اليدوية، وما بذله من جهود ~~لضمان وضوح الكتاب في كل صفحاته. كما أتوجه بالشكر إلى جون سيمكو وديانا مادريجال بدار وايلي ~~للنشر. # وقبل كل شيء، أتوجه بالشكر لزوجتي، باولا بلانك، لتحليلاتها الثاقبة للكتاب ومؤلفه. # | تمهيد # في قصة جوزفين تاي البوليسية الكلاسيكية «ابنة الزمن»، يرقد آلان ~~جرانت - شرطي في جهاز سكوتلاند يارد - في المستشفى بعد ~~سقوطه عبر باب خفي. وفي غمرة إحباطه وملله، يأخذ على عاتقه حل لغز قضية قديمة عمرها خمسمائة ~~عام؛ قضية اغتيال «أميري البرج». # كان المشتبه فيه الأساسي في القضية - بل النموذج الأساسي لتجسيد الشر، حسبما يتراءى لك من ~~مسرحية شكسبير، ومن قبله تاريخ توماس مور - هو الملك ريتشارد الثالث. اتهم هذا الرجل باغتيال ~~ملكين، والزواج من أرملة أحد ضحاياه «ثم تسميمها»، وإغراق أخيه في حوض من النبيذ. ومن ثم بدا ~~قتل ابني أخيه الصغيرين - اللذين كان كل منهما يقف حائلا بينه وبين العرش - متسقا تماما مع ~~شخصيته. # غير أن جرانت لديه شكوكه. وأثناء استلقائه على فراشه عاجزا عن الحركة، ظل محملقا في لوحة ~~لريتشارد يظهر فيها أرق بكثير من أن يكون قد ارتكب أي شيء بهذه الشناعة. فجند زائريه للتقصي ~~والتحقيق، ليكتشف أن مور كان مصدرا غير موثوق به بالمرة؛ ما يسبب له الصدمة ويثير استياءه؛ فعلى ~~الرغم من أن السير توماس مور كان قد أصبح قديسا بمعنى الكلمة بعد تطويبه في عام 1935، فقد نشأ ~~في منزل الكاردينال جون ms002 مورتون، الذي كان عدوا لدودا لريتشارد. بعبارة أخرى، كان مور متربصا ~~بريتشارد ويقصد إيذاءه. # ويخلص جرانت إلى أن الأشرار الحقيقيين هم: مور الذي لفق له هذا الاتهام، والمؤرخون الذين ~~اتبعوه في ظنه، وكانوا أكسل من أن يلاحظوا الحقيقة. # ما الدرس المستفاد هنا؟ أن المخبرين الخياليين محققون أفضل من المؤرخين المحترفين ؟ # إطلاقا. # وكما يعترف جرانت على مضض، فإن معظم «اكتشافاته» بشأن ريتشارد كانت قد اكتشفت قبل ذلك بسنوات - ~~بل وقرون في بعض الحالات - على أيدي أفراد من نفس المهنة التي يكن لها هذا الاحتقار. فقد كان ~~المؤرخون هم من حللوا مصادر مور ودوافعه، وكشفوا النقاب عن رواية حول موت الأميرين كتبت قبل ~~رواية مور، وضغطوا على دير ويستمينستر لفتح المقبرة المفترض أن يكون رفات الأميرين قد دفن ~~فيها. # لم يكن بمقدور أي من مخبري سكوتلاند يارد طلب تحقيق أقوى من ذلك. # إن ما توضحه قصة تاي أن أفضل الكتابات البوليسية تشترك في سمات كثيرة مع أفضل الكتابات ~~التاريخية. فالأحداث في كل منهما لا تكون دائما كما تبدو في البداية؛ وفي كليهما، تكتظ رحلة البحث ~~عن حل للألغاز بالمفاجآت والتحديات والإثارة. # لذا، إليك الافتراض المنطقي الذي يقوم عليه هذا الكتاب: المؤرخون يصلحون مخبرين رائعين، ~~والتاريخ مليء بالقصص البوليسية العظيمة. # أما بالنسبة إلى الأميرين، فقد فتحت مقبرة الدير التي دفن فيها رفاتهما عام 1933، وفحص ~~الجمجمتين موظف أرشيف ويستمينستر ورئيس جمعية بريطانيا العظمى للتشريح. وأظهرت الأدلة الجنائية أن ~~... # من قواعد القصص البوليسية الرائعة: لا تفش النهاية. # الفصل الأول # | هل كان أسلافنا من سلالة النياندرتال؟ # في أحد أيام شهر أغسطس عام 1856، في وادي النياندرتال في شمال غرب ألمانيا، اكتشف عامل في محجر ~~جيري عظام دب كهفي؛ حسب ظنه. فوضعها جانبا ليريها ليوهان فولروت، وهو مدرس محلي ومؤرخ ~~طبيعي متحمس. # أدرك فولروت في الحال أنه شيء أهم بكثير من أن يكون عظام دب؛ فقد كان الرأس في نفس حجم رأس ~~الإنسان تقريبا، ولكن كان شكله مختلفا؛ إذ كانت الجبهة قصيرة، إلى جانب وجود نتوءات عظمية فوق ms003 ~~العينين، وأنف كبير بارز، وأسنان أمامية كبيرة، وانتفاخ بارز من الخلف. ومن واقع العظام التي ~~اكتشفت، لا بد أن الجسم كان يشبه جسم الإنسان أيضا، وإن كان أقصر وأكثر امتلاء - وأكثر قوة بكثير ~~- من أي إنسان عادي. وأدرك فولروت أن ما أضفى على هذه العظام مزيدا من الأهمية أنها قد وجدت وسط ~~رواسب جيولوجية من عصور سحيقة. # اتصل المدرس بهيرمان شافلهاوزن، أستاذ التشريح بجامعة بون القريبة، الذي أدرك هو الآخر أن ~~العظام غريبة واستثنائية، ووصفها لاحقا بأنها: «تكوين طبيعي لم يعرف بوجوده حتى هذه اللحظة.» ~~وكان شافلهاوزن يعتقد بالفعل أن ما اكتشفه العامل كان نوعا جديدا - أو بالأحرى بالغ القدم إلى ~~أقصى الحدود - من البشر، وهو نوع اصطلح على تسميته بعد ذلك بإنسان نياندرتال، بل إن شافلهاوزن ربما ~~يكون قد ظن أيضا أن النياندرتال كانوا أسلافا قدماء للإنسان الحديث. # لو توقع الأستاذ الجامعي والمدرس من المؤسسة العلمية الاحتفاء باكتشافهما، لمنيا بخيبة ~~أمل مريرة؛ فقد كان لا يزال متبقيا من الوقت ثلاث ~~سنوات على نشر نظرية تشارلز داروين عن التطور، كما تم التوضيح في كتاب «أصل الأنواع»، حيث نشرت ~~عام 1859. وكانت فكرة تطور البشر من أي أنواع أخرى - فضلا عن نوع تمثله تلك العظام - تبدو ~~فكرة ساذجة ومنافية للعقل تماما من وجهة نظر معظم العلماء. كما قام رودولف فيرشوف، عالم الباثولوجيا ~~الرائد في هذا الوقت، بفحص العظام وأعلن أنها تخص إنسانا عاديا، وإن كانت لشخص يعاني من مرض غير ~~معروف، وحذا خبراء آخرون حذوه. # غير أنه بنهاية القرن التاسع عشر، انتشرت الداروينية في معظم الدوائر العلمية. فألقى بعض ~~العلماء، أمثال جابرييل دي مورتييه في فرنسا، نظرة أخرى على العظام وذهبوا إلى أن الإنسان الحديث ~~تطور من النياندرتال. وساهم اكتشاف المزيد من بقايا النياندرتال - في فرنسا وبلجيكا وألمانيا - في ~~تدعيم حجتهم. كان تاريخ هذه الحفريات يعود إلى ما بين 110000 و35000 عام مضى؛ ما جعل من المستحيل ~~رفضها باعتبارها بقايا شخص مريض أو حديث. # ولكن غالبية العلماء، بقيادة فرنسي آخر يدعى ~~مارسيلين ms004 بول، ظلوا رافضين بشكل متعنت للنياندرتال كأسلاف للبشر. وسلم بول بأن الهياكل العظمية ~~ربما كانت عتيقة، ولكنها لا تمت بصلة للإنسان. وذهب بول إلى أن هذا النياندرتال ذا الركبة ~~المنحنية والعنق القصير والعمود الفقري المقوس هو أقرب إلى القردة منه إلى الإنسان. وأشار إلى أنه ~~إذا كان للإنسان الحديث أية صلة به ، فقد تقتصر فقط على أنه ربما يكون أسلافنا البشر «الحقيقيون»، ~~أيا ما كانوا، قد محوا هذا «النوع المتدهور». # وعلى مدى معظم القرن العشرين، لم يحدث شيء سوى اتساع الصدع العلمي. فعلى أحد الجانبين، وقف ~~أتباع مورتييه الذين اعتبروا النياندرتال أسلافنا المباشرين، وإن كانوا بدائيين. وعلى الجانب الآخر، ~~وقف أمثال بول الذين اعتبروا النياندرتال - على أقصى تقدير ~~- أبناء عمومتنا من بعيد، وطريقا تطوريا مسدودا قدر أن يحل الإنسان الحديث محله. وفقط في ~~السنوات القليلة الماضية بدأ العلماء، على نحو متردد للغاية، في بناء جسر لرأب هذا الصدع. # هل يوجد أي نياندرتال في العائلة؟ من اليسار نجد إنسان بلتداون، يليه إنسان نياندرتال، ثم ~~إنسان كرومانيون (الحديث). (قسم خدمات المكتبة المجاني، المتحف الأمريكي للتاريخ ~~الطبيعي.) ~~••• # من الأسباب الكامنة وراء قدرة أتباع بول على رفض النياندرتال، خلال القرن العشرين، أنهم ~~استطاعوا تقديم مرشحهم الخاص، والأكثر شهرة بكثير، على نحو مطمئن ليكون سلف الإنسان. كان هذا هو ~~إنسان بلتداون الذي اكتشف عام 1912 ولم يحظ بالكثير من الشهرة. فقد وجد صائد حفريات هاو يدعى ~~تشارلز داوسون عظام البلتداون في حديقة عامة تحمل هذا الاسم في ساسيكس بإنجلترا، وكانت حادثة مثيرة. ~~فعلى عكس جمجمة النياندرتال، بدت جمجمة البلتداون - على معظم الأصعدة - كجمجمة إنسان حديث. وفقط ~~الفك - الذي كان أشبه بفك القرد - هو ما بدا بدائيا، ولكن الأسنان المسطحة من أعلى أضافت لمسة ~~بشرية. وهذا سلف كان بول سيسعد بانتمائه إليه. # المشكلة تكمن في أن البلتداون كان خدعة؛ فقد قام أحد الأشخاص، ربما داوسون، بدمج أجزاء من جمجمة ~~إنسان حديث مع فك إنسان الغاب، ثم دهنها بشيء يغير لونها لتبدو أقدم. أما الأسنان، فقد تم ms005 ~~بردها لتضليل الباحثين. حتى عام 1953، لم يكن العلماء قد فكروا في فحص الأسنان تحت ميكروسكوب، ~~وهي المرحلة التي ظهرت فيها آثار البرد واضحة بشكل تام. # حينئذ تحول الزخم العلمي ليساند أن سلالة النياندرتال هم أسلاف للبشر. وبدلا من التأكيد على ~~مدى اختلافهم عنا، بدأ العلماء في التركيز على أوجه التشابه. وفي عام 1957، ألقى عالما التشريح ~~الأمريكيان - ويليام شتراوس وإيه جيه إي كيف - نظرة جديدة على نفس الحفرية التي شكلت أساس وصف ~~بول لسلالة النياندرتال على أنهم كائنات وحشية لا بشرية. وكانت تلك هي حفرية لا-شابيل-أو-سانت، التي ~~عثر عليها في أحد الكهوف في جنوب فرنسا عام 1908. # كان أول ما لاحظه شتراوس كيف أن إنسان لا-شابيل-أو-سانت كان يعاني من التهاب المفاصل. وقد ~~استرعى ذلك انتباه بول أيضا، ولكنه تجاهل تداعيات ذلك. فقد كان التهاب المفاصل في رأي شتراوس ~~يفسر قامة النياندرتال المنحنية، وفجأة رأى كلاهما أن بقية جسم إنسان نياندرتال لم يبد شديد ~~الاختلاف عن الإنسان الحديث. وخلص عالما التشريح إلى أنه إذا كان إنسان نياندرتال «يمكن استنساخه ~~ووضعه في أحد أنفاق نيويورك - شريطة أن يتم تحميمه وحلق ذقنه وإلباسه ملابس عصرية - فإنه ليس من ~~المؤكد إن كان سيجذب أي قدر من الانتباه يفوق بعض الناس الآخرين المترددين على المكان.» # شهدت فترة ما بعد البلتداون إعادة تقييم لسلوك النياندرتال وشكله أيضا. ففي ستينيات القرن ~~العشرين، مهد عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي سي لورينج براس الطريق بدراسات جديدة حول أدوات ~~النياندرتال، وتقنياته، وترتيبات معيشته. فمن نمط الرماد الذي خلفه وراءه، على سبيل المثال، ~~استنتج براس أن أفراد سلالة النياندرتال كانوا يخبزون طعامهم في حفر ضحلة لا تختلف كثيرا عن تلك ~~الخاصة بأنواع البشر اللاحقين. ولاحظ آخرون أن الكثير من بقايا النياندرتال بدت وكأنها دفنت ~~عمدا؛ وهو ما يعد من الممارسات البشرية بلا شك. كذلك بدا ترتيب عظام الحيوانات بعناية في العديد ~~من مواقع النياندرتال دلالة على وجود نوع ما من الذبح الطقسي، وكانت عظام النياندرتال في موقع ~~كرابينا اليوغسلافي محطمة بطريقة تشير إلى وجود أكل ms006 للحوم البشر. وقد كانت تلك طقوسا بشرية ~~بحتة مهما كانت مروعة ومفزعة. # وصل إجلال سلالة النياندرتال أوجه عام 1971، مع نشر عمل رالف سوليكي حول كهف عراقي يعرف ~~بكهف شاندر. فقد عثر في عينات التربة التي أخذت من إحدى مقابر النياندرتال على قدر كبير ~~للغاية من لقاح الورد البري؛ أكبر بكثير مما كان يمكن أن تجلبه الرياح أو تحمله أقدام الحيوانات. ~~واستنتج سوليكي أن أفراد سلالة النياندرتال الذين عاشوا في شاندر قد وضعوا قرابين من الورد على مواقع ~~دفنهم؛ ولذا أطلق على كتابه «شعب الورد الأول». وكدليل إضافي على بشريتهم، لاحظ سوليكي أن بقايا ~~أحد الرجال المسنين هناك تشير إلى أنه كان يعاني من ضعف في ذراعه اليمنى وأنه كان ضريرا. وهاتان ~~الحالتان كانتا بالتأكيد ستؤديان به إلى موته المبكر؛ إن لم يكن أفراد عائلته أو قبيلته قد اعتنوا ~~به. # وبكتاب سوليكي، اكتمل تحول سلالة النياندرتال؛ فلم يعد أفرادها الوحوش الشبيهة بالقرود - ~~كما تخيلهم بول - بل صاروا كنسخة بدائية من الهيبز؛ شعبا أكثر آدمية من الإنسان الحديث في أوجه ~~عدة. وكانت هذه هي نقطة الذروة لما صار معروفا بنظرية «الاستمرارية الإقليمية»، التي تقضي بأن ~~الإنسان الحديث قد تطور من النياندرتال في أوروبا والشرق الأوسط، ومن شعب آخر على نفس الدرجة من ~~القدم في مناطق أخرى. ولكن صورة النياندرتال (ومعها نظرية الاستمرارية الإقليمية) كانت على وشك ~~المعاناة من تحول آخر، وهذه المرة لم تأت الهجمة من علماء الآثار أو علماء الإنسان، ولكن من علماء ~~البيولوجيا الجزيئية. ~~••• # كان علماء البيولوجيا على قدر قليل من المعرفة بالحفريات، وعلى قدر أقل من المعرفة بعلم الآثار ~~والأنثروبولوجيا، ولكنهم كانوا يعرفون الكثير عن جزء صغير من المادة الجينية المعروفة باسم الحمض ~~النووي للمتقدرات، أو الميتوكوندريا. فقد قام فريق من علماء البيولوجيا بجامعة بيركلي - ريبيكا كان، ~~ومارك ستونكينج، وآلان ويلسون - بحساب معدل حدوث الطفرة في الحمض النووي للمتقدرات لدى الإنسان، وفي ~~عام 1987 توصلوا إلى تقدير جديد للأصول البشرية بلغ قرابة مائتي ألف عام. # وقد سميت الأم الافتراضية ms007 للجنس البشري باسم ملائم هو حواء. # وهكذا صار هناك سلف جديد للبشر، ولم يكن خدعة على عكس البلتداون. فلو كان علماء البيولوجيا على ~~صواب، وكانت حواء قد عاشت منذ ما يقرب من مائتي ألف عام، لظهر الإنسان الحديث على الساحة قبل أكثر ~~من مائة ألف عام من تقدير العلماء السابق لتاريخ نشأتهم المحتمل. وكان هذا يعني أن البشر الأوائل ~~بصورتهم الحديثة قد تواجدوا قبل اختفاء النياندرتال؛ الذي كان لا يزال على قيد الحياة استنتاجا من ~~الحفريات التي وجدت على شبه جزيرة أيبيريا قبل ثمانية وعشرين ألف عام. # وبذلك وقع أنصار فكرة أن أسلافنا كانوا من سلالة النياندرتال في حالة من التخبط والبلبلة؛ ففي ~~النهاية، لو أن بعض أفراد هذه السلالة قد عاشوا في فترة متأخرة أكثر من الإنسان الحديث، فإن ذلك يقلل ~~بكثير من احتمال تطور النياندرتال إلى الإنسان الحديث. ولو أن الإنسان الحديث عاش قبل حتى أن ينشأ ~~النياندرتال، كما بدا محتملا آنذاك، فإن التطور كان مستحيلا بمعنى الكلمة. # وفرت الأساليب الحديثة لتأريخ البقايا القديمة مزيدا من الأدلة على أن الإنسان الحديث يعود ~~تاريخه لزمن النياندرتال، إن لم يكن أبعد. فقد قدر العلماء أن سلالة النياندرتال كانت منتشرة في ~~مواقع متعددة في الشرق الأوسط، منذ زهاء ستين ألف عام مضت؛ أي في النطاق الذي قدروه من قبل. ولكن ~~التواريخ الجديدة الخاصة بوجود الإنسان الحديث كانت مفزعة حقا؛ فقد اتضح أنهم تواجدوا في المنطقة ~~قبل قرابة تسعين ألف عام؛ أي قبل ما كان يعتقد من قبل بكثير. # في تلك الأثناء، كان علماء الآثار أيضا يعيدون تأريخ المواقع في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث ~~وجدوا دليلا على وجود الإنسان الحديث منذ ما يقرب من مائة ألف عام، وببعض الحسابات وصلت إلى مائتي ~~ألف عام. وتضافر هذا مع النتائج التي توصل إليها علماء البيولوجيا عن أن وطن حواء - أي جنتها - ~~كان في أفريقيا. ووجد كان وستونكينج وويلسون أن الحمض النووي للمتقدرات للأفارقة من السلالة الحديثة ~~قد أظهر تنوعا أكبر بكثير من الأجناس الأخرى. ms008 وفسروا ذلك بأن الأفارقة كان لديهم مزيد من الوقت ~~للتطور؛ ومن ثم لا بد أن الإنسان الأصلي كان أفريقيا. # وهكذا، ووفقا لما عرف بعد ذلك بنظرية «الخروج من أفريقيا»، يكون الجنس البشري قد ظهر أول ما ~~ظهر في أفريقيا، ثم انتقل إلى الشرق الأوسط، ليصل في النهاية إلى أوروبا. وفي القارتين الأخيرتين، ~~التقى بإنسان نياندرتال الأكثر بدائية، وانتهى الحال بالنياندرتال - كما هو الحال مع عدد كبير للغاية ~~من الأنواع الأخرى التي احتكت بالبشر - بالانقراض. وبحلول بداية تسعينيات القرن العشرين، حل ~~سيناريو الخروج من أفريقيا محل نظرية الاستمرارية الإقليمية ليصبح هو النظرية السائدة. # وجاءت أحدث الضربات الموجهة لنظرية الاستمرارية الإقليمية وآخرها في عام 1997، من علماء ~~البيولوجيا الجزيئية مرة أخرى. فقد تمكن ماتياس كرينجز وزملاؤه بجامعة ميونيخ من استخلاص قدر ~~ضئيل من الحمض النووي للمتقدرات من عظمة ذراع نياندرتال حقيقي؛ في الواقع من إنسان نياندرتال الأصلي ~~الذي اكتشفه فولروت. بعد ذلك، قاموا بمقارنة الحمض النووي للمتقدرات في النياندرتال مع الحمض النووي ~~للمتقدرات في البشر الذين على قيد الحياة، واكتشفوا أنهم اختلفوا في 27 من ال 379 موضعا التي قاموا ~~بفحصها. (في المقابل، اختلفت عينات الحمض النووي للمتقدرات في الإنسان الأفريقي - التي أظهرت ~~تنوعا أكبر من الحمض النووي للمتقدرات في أي إنسان حديث - في 8 مواضع فقط.) وخلص كرينجز إلى أن ~~المسافة الجينية بين النياندرتال والإنسان الحديث جعلت من المستبعد تماما أن يكون أجدادنا من سلالة ~~النياندرتال. ~~••• # لم يرتض أنصار نظرية الاستمرارية الإقليمية أن يمر أي من هذا دون رد. فقاموا بالتشكيك في ~~صحة الدليل الجيني والدليل التأريخي، وفي عام 1999 جاء ردهم باكتشاف مثير. فعلى بعد قرابة تسعين ~~ميلا شمال لشبونة، اكتشف علماء آثار برتغاليون هيكلا عظميا لصبي يبلغ من العمر 24500 عام، بدا ~~نصفه كإنسان ونصفه كنياندرتال. فقد كان وجه الصبي وجه إنسان حديث من حيث الصفة التشريحية، ولكن ~~جسده وساقيه كانا لنياندرتال. وبدا أن عملية التأريخ، التي أرجعت الصبي إلى زمن ما بعد انقراض ~~النياندرتال الخالص، تشير إلى أن الطفل ms009 كان منحدرا من أجيال مهجنة اختلط فيها النياندرتال مع ~~الإنسان الحديث. # وسارع أنصار الاستمرارية الإقليمية إلى الإشارة إلى أنه لو كان قد حدث تزاوج بين النياندرتال ~~والإنسان الحديث، لكان من الصعب اختلاف أحدهما عن الآخر، والذي ذهب إليه مؤيدو نظرية الخروج من ~~أفريقيا. # استطاع الاكتشاف البرتغالي أن يزيد من الانقسام داخل المجال، تاركا كلا الطرفين يدافع عن أدلة ~~ونظريات بدت متناقضة. وقد حدث هذا إلى حد ما؛ فقد احتشد المدافعون عن كلتا النظريتين للتهليل ~~للاكتشاف الجديد أو لرفضه لفترة زمنية طويلة. ولكن بلاغتهم الخطابية بدت خافتة أكثر مما كانت بعد ~~الاكتشافات السابقة؛ ربما لأن محور النقاش كان يتغير. فبدلا من الجدال بشأن كون النياندرتال أو غيره ~~من البشر القدماء قد تطوروا إلى إنسان حديث، كان تركيز العلماء ينصب بشكل متزايد على المسألة الخاصة ~~بكيفية تفاعل النياندرتال والإنسان الحديث مع بعضهما البعض. # هل نشبت معارك بينهما؟ هل تعلم أحدهما من الآخر؟ هل تحاورا، أو تزاوجا، أو ربما تجاهل كل ~~منهما الآخر؟ # ربما سيستطيع علماء الآثار أو علماء البيولوجيا المجهرية - أو ممارسو فرع معرفي مختلف تماما - ~~الإجابة عن هذه الأسئلة. أما الآن، فالإجابات حدسية للغاية، وإن كانت مثيرة. فقد طرح عالم ~~الأنثروبولوجيا الألماني جونتر براور، على سبيل المثال، نسخة أكثر اعتدالا من سيناريو نظرية الخروج ~~من أفريقيا. فوفقا لبراور، خرج الإنسان الحديث بالفعل من أفريقيا، ثم مضى من هناك إلى بقية العالم. ~~ولكن على الرغم من أنه كان مختلفا في أوجه عدة عن النياندرتال الذي التقاه في الشرق الأوسط ~~وأوروبا، فإنهما لم يكونا بهذا القدر من الاختلاف لدرجة أنهما لم يتمكنا من التزاوج. وعلى ذلك، اقترح ~~براور أن الإنسان الحديث ربما كان له أسلاف من سلالة النياندرتال، حتى لو كانت جينات النياندرتال لا ~~تمثل سوى جزء متناهي الصغر من بنيتنا. # على الجانب الآخر، سلم بسهولة بعض أنصار نظرية الاستمرارية ~~الإقليمية - أمثال عالم الأنثروبولوجيا فريد سميث؛ من ولاية ~~تينيسي - بأن ثمة تغيرا جينيا أساسيا في بنية الإنسان قد حدث في أفريقيا. ولكن سميث ms010 ذهب إلى ~~أن النياندرتال الأوروبي والشرق أوسطي قد حصلا على هذا التغيير ودمجا معه مميزاتهما الجينية؛ إذ كانا ~~أقوى من أن يجتاحهما الوافدون الجدد ويحلوا محلهما. # لم يتم الأخذ بالحل الوسط الذي قدمه براور أو سميث بشكل تام، ولا يمكن القول بأن هناك أي ~~إجماع ولو قريب على موقع النياندرتال فيما قبل التاريخ الإنساني. ولكن ثمة أغلبية من العلماء ~~يتفقون في الرأي الآن على أنه أيا كانت العلاقة بين النياندرتال والإنسان الحديث، فقد حدث تداخل ~~بين الاثنين في الزمان، وربما في المكان أيضا. وعليه، فإن هذين النوعين من البشر - اللذين يتجاوز ~~الاختلاف بينهما الاختلاف بين أي من أجناس اليوم، مع امتلاك كل منهما بعض السمات البشرية التي ~~تميزه - قد التقيا لأول مرة في مكان ما، أغلب الظن في الشرق الأوسط في البداية ثم في ~~أوروبا. # ولا أحد يعرف يقينا ماذا حدث بعد ذلك. # لمزيد من البحث # Richard Leakey and Roger Lewin, # Origins ~~Reconsidered ~~(New York: Doubleday, 1992). Leakey, who is best known for his ~~discoveries of fossils much older than those relevant to the above discussion, is nonetheless ~~insightful and provocative on the Neandertal question. He started off believing in regional ~~continuity, partly because he found appealing the apparent inevitability of the emergence of ~~modern humans from all sorts of archaic peoples around the globe. But he gradually came to ~~lean toward “out of Africa,” with its even more appealing implication that all the races of ~~today’s world are one people ~~. # Erik Trinkaus and Pat Shipman, # The ~~Neandertals ~~(New York: ~~Alfred A. Knopf, ~~1993). A comprehensive history of the Neandertal controversies. Trinkaus, an anthropologist, ~~is one of the leading proponents of regional continuity, but his historiography is admirably ~~unbiased. The book’s only flaw is the authors’ tendency to interject thumbnail sketches of ~~the leading scientists, whose lives-at least as described here-were not, in general, as ~~interesting as their discoveries or ideas ~~. # Christopher ms011 Stringer and Clive Gamble, # In Search ~~of the Neanderthals ~~(New York: Thames & Hudson, 1993). Stringer is the ~~leading proponent of the “out-of-Africa” theory, but like Trinkaus, he’s fair to both sides. ~~British authors such as Stringer, by the way, have stuck with the traditional “Neanderthal” ~~spelling; most others now spell it “tal.” # James Shreeve, # The Neandertal Enigma ~~(New York: William Morrow, 1995). A popular science writer’s clear and often elegant account ~~of the ongoing debate ~~. Paul Mellars, # The Neanderthal Legacy ~~(Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996). A technical but useful overview of ~~Neandertal behavior, especially how they may have organized their ~~communities ~~. # Matthias Krings, Anne Stone, Ralf Schmitz, Heike Krainitzi, Mark ~~Stoneking, and Svante Paabo, “Neandertal DNA Sequences and the Origin of Modern Humans,” # Cell 90 ~~(July 11, 1997). The mtDNA analysis of the 1856 ~~Neandertal specimen ~~. # Ryk Ward and Christopher Stringer, “A Molecular Handle on the ~~Neanderthals,” # Nature 388 ~~(July 17, 1997). A less ~~technical summary of Krings’s findings ~~. # Cidalia Duarte, Joan Mauricio, Paul Pettitt, Pedro Souto, Erik Trinkaus, ~~Hans van der Plicht, and João Zilhão, “The Early Upper Paleolithic Human Skeleton from the ~~Abrigo do Lagar Velho (Portugal) and Modern Human Emergence in Iberia,” Proceedings of the National Academy of Sciences 96 ~~(June 1999). The ~~discovery of a Neandertal-modern human hybrid ~~. # الفصل الثاني # | من شيد ستونهنج؟ # الأهرامات المصرية، معبد بارثينون اليوناني، الكولسيوم الروماني؛ كلها آثار تستحضر في الذهن ~~صورا لحضارات عظيمة، للفراعنة والفلاسفة، للأباطرة والملحمات. # أما ستونهنج، فليس كذلك. # إن الأطلال الحجرية الضخمة الكائنة بسهل ساليسبري ليست محاطة بمدن قديمة، ولكن بطرق سريعة ~~حديثة تتجه شرقا صوب لندن. لا وجود لكتابات هيروغليفية لفك شفرتها هناك، ولا حوارات سقراطية ~~لتأويلها. وقد قام الناس أيضا في العصر الحجري والعصر البرونزي - الذين شيدوا ستونهنج - ببناء ~~آثار حجرية أقل حجما؛ أطلالها مبعثرة في أنحاء الريف. ولكنهم لم يتركوا أي شيء لتوضيح كيف أو ~~لماذا تمكنوا من تشييد إنجاز هندسي فذ ms012 وإعجازي كستونهنج. وقد اتضح أن سكان سهل ساليسبري ~~القدماء كان لديهم على مستويات أخرى ثقافة كادت تتجاوز مستوى البقاء والاستمرار، وحتى مرحلة متأخرة ~~من القرن العشرين لم يكن لدى المؤرخين أي شيء يؤنب ضميرهم بشأن وصف هؤلاء الناس ب ~~«البربر». # لا غرابة إذن أن بدأ هؤلاء الذين كانوا يدرسون هذه الدائرة القديمة من الأحجار - من العصور ~~الوسطى فصاعدا - في تجاوز سهل ساليسبري لتوضيح ماهية من بناه. فنسب الكاهن الويلزي جيفري ~~المنموثي - الذي عاش في القرن الثاني عشر - ستونهنج إلى ميرلين ساحر بلاط الملك آرثر. ووفقا لكتاب ~~جيفري «تاريخ ملوك بريطانيا»، كان من أمر ببناء الأثر هو عم آرثر، أورليوس أمبروسيوس؛ إذ كان يبحث ~~عن طريقة تذكارية مهيبة لإحياء ذكرى انتصار عظيم على الغزاة الأنجلوساكسونيين. فاقترح ميرلين أن ~~يأخذوا مجموعة دائرية من الأحجار من مكان يسمى كيلاروس في أيرلندا، ثم رتب لنقل الأثر المصنوع ~~مسبقا عبر البحر إلى بريطانيا. # وفي القرن السابع عشر، انبهر الملك جيمس الأول أيما انبهار بستونهنج، حتى إنه كلف المهندس ~~المعماري ببلاطه - إينيجو جونز - بالبحث والتحري عنه. وبعد دراسة الأثر، لم يسع جونز سوى أن يتفق في ~~الرأي مع جيفري المنموثي في أن سكان المنطقة في العصر الحجري أو البرونزي لم يكن بمقدورهم بناؤه على ~~الأرجح. وبرر جونز ذلك بقوله: «إذا كانوا يفتقرون إلى المعرفة حتى لإلباس أنفسهم، فما كان لديهم ~~إذن أي قدر منها يمكنهم من تشييد بنايات مهيبة، أو أعمال رائعة مثل ستونهنج.» # وخلص جونز إلى أن «بناية بتلك الروعة» لا يمكن أن تكون إلا من صنع الرومان، وأنها كانت معبدا ~~لإله روماني غير معروف. # شهدت السنوات اللاحقة جهودا متواصلة لنسب ستونهنج إلى بناة من مكان ما - أي مكان تقريبا - ~~بجوار بريطانيا. وكان للدنماركيين والبلجيكيين والأنجلوساكسونيين من يناصرهم، مثلما كان الحال مع ~~الكهنة الكلتيين القدماء المعروفين باسم كهنة الدرويد. # كانت المشكلة مع كل تلك النظريات واحدة. فعلى الرغم من أن التأريخ بالكربون المشع لم يكن ~~اخترع حتى القرن العشرين، فقد أشارت طرق التأريخ الأكثر بساطة ms013 لعلماء الآثار الأوائل إلى أن ~~ستونهنج ربما يكون قد شيد قبل عام 1500 قبل الميلاد. كذلك أدرك معظم الباحثين أن كهنة الدرويد لم ~~يصلوا قبل عام 500 قبل الميلاد، بينما وصل الرومان بعد ذلك التاريخ. وكان هذا يعني أن ستونهنج قد ~~شيد قبل أكثر من ألف عام من وصول كليهما. # ومن ثم ظل السؤال قائما حتى القرن العشرين: من شيد ستونهنج؟ ~~••• # أشار اكتشاف عثر عليه بمحض المصادفة أحد علماء ~~الآثار عام 1953 إلى حل لهذا السؤال. في العاشر من يوليو، وكجزء من دراسته المسحية للموقع، كان ~~ريتشارد أتكينسون يعد لالتقاط صور فوتوغرافية لبعض رسوم الجرافيتي التي تعود إلى القرن السابع ~~عشر، على حجر يقع بجوار ما يعرف بالتريليثون العظيم. انتظر حتى نهاية ما بعد الظهيرة، على أمل ~~ظهور تباين أكثر حدة للضوء والظل. وبينما كان ينظر عبر الكاميرا، لاحظ أتكينسون وجود نقوش أخرى ~~أسفل النقش الذي يعود للقرن السابع عشر. كان أحدها عبارة عن خنجر يتجه إلى الأرض، وبالقرب منه أربع ~~فئوس من نوع كان يوجد في إنجلترا في نفس توقيت تشييد ستونهنج تقريبا. # كان الخنجر الوحيد، وليست الفئوس، هو أكثر ما أثار أتكينسون؛ إذ لم يعثر على شيء كهذا في ~~إنجلترا، أو في أي مكان في شمال أوروبا. وكان الأثر الأقرب له هو ذلك الذي جاء من المقابر الملكية ~~لقلعة مسينا باليونان. # وهنا - أخيرا - ظهرت الصلة بحضارة أكثر ~~تقدما؛ حضارة كان من المتوقع لها بشكل منطقي أن تكون قد بنت شيئا مثل ستونهنج. والأفضل من ذلك ~~أن الخناجر التي عثر عليها في مسينا عاد تاريخها إلى قرابة عام 1500 قبل الميلاد، وهو نفس توقيت ~~تشييد ستونهنج تقريبا، وفقا لمعظم خبراء خمسينيات القرن العشرين. وعلى عكس الرومان أو كهنة ~~الدرويد، كان للصلة المسينية منطق زمني مقنع. # توصل أتكينسون إلى نظرية مدروسة مفادها أن ستونهنج قد صمم على يد مهندس معماري زائر من ~~منطقة البحر الأبيض المتوسط الأكثر تحضرا ورقيا. وخمن أنه ربما كان هناك أيضا أمير مسيني ~~مدفون في سهل ms014 ساليسبري. وقد تقبل العالم الأثري هذه النظرية بعد أن شعر بالارتياح لعثوره أخيرا ~~على حل لإشكالية ستونهنج. # ولكن مثلما تكون الإجماع سريعا على الصلة المسينية، تمزق وانهار سريعا أيضا. فقد حملت ~~ستينيات القرن العشرين ظهور شكل جديد من التأريخ بالكربون المشع، وفجأة وجد علماء الآثار أنفسهم ~~في مواجهة دليل قوي ودامغ على أن ستونهنج أقدم بكثير مما كان يعتقد في السابق، وأقدم بكثير من ~~الحضارة المسينية. فقد أكدت التواريخ التي تم التوصل إليها بالكربون المشع أن القلعة في مسينا ~~بنيت فيما بين عامي 1600 و1500 قبل الميلاد، ولكنها دفعت بأصول ستونهنج إلى ما قبل ذلك، قبل ~~إمكانية استشعار أي تأثيرات لشعوب البحر الأبيض المتوسط. # وبهذا التقدير الأخير، يكون بناء التجاويف والخندق الخارجي لدائرة ستونهنج قد بدأ في قرابة عام ~~2950 قبل الميلاد. وأضيفت بعض المباني الخشبية داخل الدائرة بين عامي 2900 و2400 قبل الميلاد، ~~لتستبدل بعد ذلك بالبناء الحجري المعروف في وقت ما بعد ذلك بفترة قصيرة. # لم تضعف التواريخ الجديدة النظرية المسينية فحسب، بل أيضا العقلية «الانتشارية» الكاملة ~~التي قادت إليها. فقد كان ستونهنج ببساطة أقدم من أن يكون قد بني على يد أي من الحضارات ~~الأوروبية العظيمة، بينما كانت الحضارات غير الأوروبية بعيدة للغاية. ولأول مرة، اضطر معظم الباحثين ~~لتقبل فكرة أن بناة ستونهنج هم أناس عاشوا بالقرب من ستونهنج، وأنهم قد فعلوا ذلك دون مساعدة ~~خارجية. وهؤلاء الأناس البدائيون قاموا فيما يبدو - بطريقة ما - ببناء واحد من أكثر آثار العالم ~~استمرارية. ~~••• # الأدهى من ذلك أن بناة ستونهنج جعلوا مهمتهم أصعب بشكل مذهل - كأن ما سبق لم يكن مبهرا بالقدر ~~الكافي - باستخدامهم أحجارا جيء بها من على بعد 150 ميلا، من جبال بريسيلي بجنوب غرب ويلز. # تم تتبع تلك «الأحجار الزرقاء» (التي كانت في الواقع أقرب للرمادي الملطخ) لمصدرها على ~~يد الجيولوجي إتش إتش توماس عام 1932، وتبين أن أنواع الصخور الثلاث في الأحجار الزرقاء لا تشبه أي ~~صخرة وجدت بالقرب من ستونهنج. إلا أن توماس وجد أن نفس ms015 الصخور الثلاث يمكن أن تكون قد استخرجت ~~من البروزات الصخرية الطبيعية بين قمم جبال كارنمينين وفويل تريجارن في ويلز. # ولكن كيف نقل أهل سهل ساليسبري هذه الأحجار التي يزن بعضها خمسة أطنان من ويلز إلى ~~إنجلترا؟ # قاد اكتشاف توماس البعض إلى النظر من جديد إلى قصة جيفري المنموثي عن سحر ميرلين؛ فأشار عالم ~~الآثار ستيوارت بيجوت إلى أنه ربما كان هناك بعض التقاليد الحقيقية المنقولة شفاهة، مجسدة في ~~الفولكلور. فرغم كل شيء، كان جيفري قد كتب عن حصول ميرلين على الأحجار من الغرب (وإن كان من أيرلندا، ~~وليس من ويلز)، كذلك كتب عن نقل الأحجار إلى ستونهنج عن طريق البحر، وهو ما قد يكون علق بالذاكرة ~~الشعبية المتعلقة بنقلها عبر البحر الأيرلندي. بل ربما يكون جيفري قد قدم تلميحا عن أسباب تحمل ~~بناة ستونهنج قطع كل تلك المسافات لجلب الأحجار من بعيد ، في الوقت الذي كان هناك الكثير من أنواع ~~الصخور الأخرى حول سهل ساليسبري مباشرة: ربما كان بناة ستونهنج، مثل ميرلين في قصة جيفري، يعتقدون ~~أن هذه الصخور لها خصائص سحرية. # كان معظم المؤرخين يرون اقتراحات بيجوت بعيدة الاحتمال بعض الشيء، لا سيما في ضوء نسخة جيفري ~~التاريخية المشوهة. ولكن ظل هذا لا يحمل إجابة للسؤال الخاص بكيفية انتقال ما لا يقل عن خمسة وثمانين ~~حجرا - وربما أكثر - من جبال بريسيلي إلى سهل ساليسبري. # ذهب البعض، وأبرزهم الجيولوجي جي إيه كيلاوي، إلى أن الأحجار الزرقاء حملت بواسطة الأنهار ~~الجليدية، وليس عن طريق الناس. ولكن معظم الخبراء وقفوا صفا واحدا ضده، لعدم اعتقادهم أن أحدث ~~التغطيات الجليدية امتدت إلى أقصى الجنوب حتى بريسيلي أو ساليسبري. حتى لو كان كذلك، وامتد الجليد ~~إلى هذين المكانين، فمن المستبعد إلى حد كبير أن تكون الأنهار الجليدية قد جمعت الأحجار الزرقاء من ~~منطقة صغيرة في ويلز وأودعتها منطقة صغيرة أخرى في إنجلترا، بدلا من بعثرتها في كل مكان. ولعل ~~غياب أي أحجار زرقاء أخرى في جنوب أو شرق قناة بريستول (مع الاستثناء المحتمل الخاص ms016 بوجود أحدها في ~~متحف ساليسبري الآن، ولكن تاريخها لا يزال محل جدل) قد شكل حجة قوية ضد النظرية الجليدية. # ومن ثم، فقد كان التفسير الأكثر شيوعا - رغم استبعاده يوما ما - هو أن أهالي منطقة سهل ~~ساليسبري قد ربطوا بعض الزوارق معا وحملوا الأحجار الزرقاء عبر البحر الأيرلندي. وكانت الرحلة ~~بمنزلة دليل آخر على أن أهل سهل ساليسبري كانوا يتمتعون بخبرة تقنية مدهشة وغير عادية. ~~••• # وفي ظل حالة التشوش والبلبلة لدى أنصار نظرية الانتشار، شهدت ستينيات القرن العشرين مزيدا ~~من الادعاءات الجديرة بالملاحظة التي وضعت نيابة عن أهل سهل ساليسبري. ولم تجئ هذه المرة من علماء ~~الآثار أو الجيولوجيين، بل من الفلكيين. # لم تكن حقبة الستينيات هي المرة الأولى التي يظهر فيها علم الفلك على الساحة. فقديما في القرن ~~الثامن عشر، لاحظ ويليام ستوكلي أن مركز ستونهنج يقع «بالقرب من موضع شروق الشمس تقريبا، حين تكون ~~الأيام أطول ما يكون.» واكتشف كثيرون آخرون ممن درسوا الأثر طرقا أخرى وجد بها أنه يتجه نحو ~~الشمس، أو القمر، أو النجوم. غير أن أيا من تلك الدراسات لم يثر ضجة تشبه تلك التي أثيرت على ~~يد عالم الفلك بجامعة بوسطن جيرالد هوكينز، الذي نشر كتابه ذا العنوان الواثق «فك شفرة ستونهنج» عام ~~1965، فأصبح من أكثر الكتب مبيعا على المستوى الدولي. # وجد هوكينز أن المحاذاة التي توجد فيما بين 165 نقطة رئيسية في الأثر اقترنت اقترانا شديدا مع ~~مواضع شروق وغروب الشمس وظهور واختفاء القمر. والأكثر إثارة للجدل أنه ذهب إلى أن دائرة من الحفر في ~~ستونهنج تعرف باسم «فتحات أوبري» قد استخدمت للتنبؤ بخسوف القمر؛ فأطلق هوكينز على ستونهنج اسم ~~«كمبيوتر العصر الحجري الحديث». # وجاء رد أتكينسون، الذي لم يزل صاحب السلطة الأولى على ستونهنج منذ اكتشافه للنقوش ~~«المسينية»، بمقال وضع له عنوانا لاذعا بنفس القدر هو «سطوع القمر على ستونهنج». ذهب أتكينسون ~~فيه إلى أن هناك احتمالا كبيرا أن تكون المحاذاة السماوية قد حدثت بمحض المصادفة. أما بالنسبة إلى ~~فتحات أوبري كنذير بالخسوف، ms017 فقد أوضح أتكينسون أنها استخدمت كحفر لإحراق جثث الموتى، وسرعان ما تم ~~ردمها بعد حفرها. # ظهرت السماء بشكل بارز وواضح في لوحة جون كونستابل التي رسمها لستونهنج عام 1835 ... وفي ~~العديد من نظريات القرن العشرين كان ستونهنج يوما ما مرصدا فلكيا. (حقوق الطبع محفوظة للمتحف ~~البريطاني.) # أثار النقاش الذي أعقب ذلك الفلكيين ضد علماء الآثار إلى حد ما، في ظل مواجهة ممارسي ~~كل مجال من المجالين صعوبة كبيرة بشكل دائم في فهم الحجج التقنية للآخر. وتوصل الفلكيون إلى ~~مجموعة من الطرق الأخرى التي يمكن أن يكون ستونهنج قد استخدم بها كمرصد فلكي، البعض منها كان رفضه ~~أقل سهولة من طرق هوكينز. ولكن كان لدى الفلكيين نزعة للتأكيد على كيفية محاذاة النقاط المختلفة مع ~~الشمس أو القمر، بينما يتجاهلون أن واحدة من هذه النقاط المفترض محاذاتها ربما تكون قد بنيت بعد ~~الأخرى بمئات أو حتى ألف عام. وسارع علماء الآثار إلى إيجاد عيوب في معظم هذه النظريات. # بنهاية الألفية الثانية، ورغم استمرار الجدل، كانت هناك دلالات على ظهور إجماع واتفاق في الرأي. ~~لقد تعرضت أكثر النظريات جموحا، مثل نظرية هوكينز، للتشويه والوصم، حتى بين الفلكيين، إلا أن ~~جميع علماء الآثار تقريبا (بما فيهم أتكينسون) أقروا بأن القليل من نقاط المحاذاة السماوية على ~~الأقل، خاصة المحاذاة مع الشمس، كانت أكثر من مجرد مصادفة. وأغلب الظن، وأكثر الآراء المتفق عليها، ~~أن الأثر لم يستخدم كمرصد، على الأقل بالمعنى الحديث، ولكن سكان منطقة ستونهنج رصدوا الشمس من هناك ~~على الأرجح، ربما كجزء من أحد طقوس ما قبل التاريخ. # غير أنه حتى هذه المعرفة الفلكية غير الدقيقة أشارت إلى أن سكان سهل ساليسبري قد درسوا السماء، ~~وكان لديهم منظومة نوعا ما لمتابعة نتائجهم. ومن الواضح أن بناة ستونهنج، بغض النظر عن مدى ~~بدائيتهم في بعض النواحي، كانوا على قدر ملحوظ من التطور في نواح أخرى. وفي هذا الإطار، ساهمت ~~أيضا أحدث الاكتشافات في زيادة الغموض المحيط ببناة ستونهنج، رغم إسهامها في تعميق فهمنا ~~له. # لمزيد ms018 من البحث # Geoffrey of Monmouth, # The History of the Kings of ~~Britain, # trans. Lewis Thorpe (London: The Folio Society, 1966). Just as it was ~~when Geoffrey finished it in 1138, the # History # is still ~~entertaining, intriguing ... and ultimately unreliable ~~. # Gerald Hawkins, # Stonehenge Decoded ~~(Garden City, N.Y.: Doubleday, 1965). In spite of his flaws, Hawkins had a flair for drama, ~~and the book still makes for exciting reading ~~. # Richard Atkinson, “Moonshine on Stonehenge,” # Antiquity # 40, no. 159 (September 1966). The leading archaeologist’s response to ~~Hawkins ~~. # Jacquetta Hawkes, “God in the Machine,” # Antiquity # 41, no. 163 (September 1967). Hawkes is rightly famous for saying that ~~“every age gets the Stonehenge it desires, or deserves.” Her words could just as ~~appropriately be applied to just about every mystery of history in this ~~book ~~. # Christopher Chippindale, # Stonehenge ~~Complete ~~(Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1983). Though “complete” can ~~only be an overstatement when the subject is Stonehenge, the book is a very thorough ~~historiography that includes just about “everything important, interesting, or odd that has ~~been written or painted, discovered or felt, about the most extraordinary of all ancient ~~buildings.” # Rodney Castleden, # The Making of ~~Stonehenge ~~(London: Routledge, 1993). A close look at each phase in the ~~monument’s rise and fall ~~. # R. M. Cleal, K. Walker, and R. Montague, # Stonehenge in Its Landscape ~~(London: English Heritage, 1995). A fat technical ~~report that brings together all of the results of all of the twentieth century’s crucial ~~excavations ~~. # John North, # Stonehenge ~~(New York: The ~~Free Press, 1996). The latest and most thorough presentation of the astronomical thesis. ~~North’s thesis, which impressed many but convinced fewer, is that Stonehenge embodied many ~~significant alignments, but that previous astronomers have failed to recognize them since ~~they looked at the sun from the center of the monument, when they should have been doing so ~~from outside the circle ~~. # David Souden, # Stonehenge ~~(London: ms019 ~~Collins & Brown, 1997). Commissioned by English Heritage, the quasi- independent agency ~~that controls the monument, this is a clear exposition of the orthodox position, accepting ~~some (but rejecting most) astronomical theories ~~. # Barry Cunliffe and Colin Renfrew, eds., # Science ~~and Stonehenge ~~(Oxford: Oxford University Press, 1997). A collection of essays ~~that grew out of a conference held after the appearance of # Stonehenge ~~in Its Landscape ~~; includes the latest entries in the bluestone and astronomy ~~debates ~~. # الفصل الثالث # | لماذا بنى الفراعنة الأهرامات؟ # في قرابة عام 450 قبل الميلاد، روى هيرودوت قصة عن خوفو؛ وهو فرعون في غاية الخبث والشر الذي ~~دفعه، حين أضاع كل ثروته، إلى إرسال ابنته إلى أحد بيوت البغاء ومعها أوامر بتدبير مبلغ معين له. ~~ولأنها ابنة مخلصة وطائعة، فعلت ما أمرها به. ولكن أملا منها في أن تذكر بشيء آخر بجانب عدد ~~الرجال الذين مارست معهم الرذيلة، كانت تطلب من كل رجل ضاجعها حجرا على سبيل الهدية. وبهذه ~~الأحجار قامت ببناء واحد من الأهرامات الضخمة التي لا تزال قائمة على هضبة الجيزة بالقرب من نهر ~~النيل. # في الوقت الذي كان هيرودوت يكتب فيه عن الأهرامات، كان عمر الأهرامات ألفي عام. غير أنه في ~~الألفي عام الأخرى التي مرت منذ ذلك الوقت، لم يتوقف سيل النظريات المعتوهة عن أصول ~~الأهرامات. # كان بعض كتاب العصور الوسطى يعتقدون أنها الصوامع المذكورة في التوراة، والتي كان يوسف يستخدمها ~~لتخزين الذرة خلال سنوات الوفرة والرخاء في مصر. وفي مرحلة أقرب، وصفت الأهرامات كساعات شمسية ~~وروزنامات، ومراصد فلكية، وأدوات استطلاعية، ومراس للسفن الفضائية. # غير أنه حتى هيرودوت كان يعلم أن النظرية الأكثر قبولا هي أن الأهرامات كانت مقابر للفراعنة. ~~ولا يزال أشهر علماء المصريات يعتقدون ذلك، ولسبب وجيه؛ فالأهرامات تمتد على طول الضفة الغربية ~~للنيل، والتي تربطها الخرافات المصرية القديمة بكل من غروب الشمس والرحلة إلى العالم الآخر. واكتشف ~~علماء الآثار بجوار الأهرامات المراكب الجنائزية الطقسية التي كان من المفترض أن يبحر الفراعنة ~~بها إلى العالم الآخر. ms020 كما يحيط بالأهرامات مقابر أخرى، يفترض أنها خاصة بأفراد البلاط الملكي ~~للفراعنة. # ولعل أقوى الشواهد جميعا أن العديد من الأهرامات كانت تحوي نواويس حجرية أو توابيت. وبحلول ~~القرن التاسع عشر، تم تحديد أن بعض النقوش الهيروغليفية على النواويس - أو بالقرب منها - تمثل ~~تعاويذ سحرية لمساعدة الفراعنة على المرور من عالم إلى العالم الذي يليه. # غير أن نظرية المقابر كان ينقصها دليل في غاية الأهمية؛ وهو وجود جثة. فخلال القرن التاسع عشر ~~وأوائل القرن العشرين، دخل المستكشفون ومن بعدهم علماء الآثار هرما تلو الآخر. (فهناك ما يزيد على ~~ثمانين هرما في محافظات عديدة على طول وادي النيل، وربما يكون هناك أهرامات أخرى مدفونة تحت رمال ~~الصحراء.) وكانوا يجدون ما كان يبدو أنه تابوت فرعوني، ويفتحونه - حابسين أنفاسهم - ليجدوه خاويا ~~مرارا وتكرارا. ~~••• # طالما كانت أكثر التفسيرات شيوعا للمقابر الخاوية أن الأهرامات قد نهبت. وبالطبع كان معظم ~~اللصوص أكثر اهتماما بالعثور على كنوز الفراعنة من اهتمامهم بجثثهم، إلا أنه ليس من المحتمل ~~بالتأكيد أن يكونوا قد استغرقوا أي قدر من الوقت في التأكد من أن الجثث كانت محفوظة بطريقة ~~ملائمة. ومن غير المحتمل أيضا أن يكونوا قد تركوا وراءهم أي مومياء مغطاة بالذهب الخالص. # وعلى الأرجح أن أول لصوص القبور هم المصريون القدماء أنفسهم، استنتاجا من الجهود المضنية ~~لإحباط محاولات السرقة. ففي هرم أمنمحات الثالث في هوارة ، على سبيل المثال، يؤدي المدخل إلى حجرة ~~صغيرة خاوية تؤدي إلى ممر ضيق لا يوصل إلى أي مكان. في سقف هذا الممر، كان هناك حجر ضخم يزن ~~أكثر من اثنين وعشرين طنا. حين زحزح إلى الجنب، ظهر رواق علوي لم يؤد فيما يبدو إلى أي مكان ~~أيضا. وكان هناك باب خفي من الطوب في أحد الجدران يؤدي إلى ممر ثالث، ثم كان هناك حجران آخران ~~في السقف قبل الوصول إلى غرفة صغيرة تؤدي أخيرا إلى غرفة الدفن. # غير أن كل ذلك ذهب سدى؛ فلم يعق لصوص المقابر المصريين عن السرقة. ولم يؤد عزم ~~الفراعنة وإصرارهم إلى ms021 إحباط علماء الآثار فحسب، بل إلى إحباط صائدي الكنوز فيما بعد، مثل الحاكم ~~العربي عبد الله المأمون في القرن التاسع. وكان قد ترك تقريرا مفصلا عما كان يظنها أول بعثة ~~استكشافية لهرم خوفو الأكبر. فبعد أن قاد زمرته عبر سلسلة من الممرات الكاذبة والمداخل المسدودة، ~~وصل أخيرا إلى غرفة الدفن؛ حيث لم يجد أي شيء سوى تابوت حجري فارغ. # كان المستكشفون الأوروبيون الذين وصلوا إلى مصر ~~بعد غزو نابليون مهتمين بالحجر المنقوش أكثر من اهتمامهم بالمجوهرات، ولكنهم لم يحترموا الآثار ~~الفرعونية بدرجة أكبر بكثير من سابقيهم المصريين والعرب. ففي عام 1818، استخدم جيوفاني بلزوني، وهو ~~لاعب سيرك إيطالي قوي البنية تحول إلى مستكشف، آلات حربية تسمى الكبش لاختراق جدران هرم خفرع؛ ~~ابن خوفو. ورغم أن بلزوني كان مشغولا بتأمين مخزون كاف من المعروضات لمعرضه القادم في لندن، فإنه ~~توقف لفترة طويلة كافية لفحص الجثث فيما بدا أنها غرفة الدفن. وكانت العظام الوحيدة التي وجدت هناك ~~لثور، ولعلها كانت نوعا من القرابين ألقيت داخل التابوت الحجري من قبل بعض المتطفلين الأوائل ~~الذين فروا بجثة الفرعون. # أثمر البحث - عن الكنوز والجثث - عام 1923 حين عثر عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر على مقبرة ~~توت عنخ آمون. ويعتبر الملك توت عنخ آمون الآن أشهر الفراعنة على الأرجح، وهو يستحق ذلك، بالنظر ~~إلى الكنز الرائع الذي لم يمسه أحد وعثر عليه كارتر، واشتمل على تابوت صلب من الذهب، وقناع ذهبي ~~على جسد الفرعون. # ولكن للأسف، لم يثبت الاكتشاف أي شيء بشأن الأهرامات؛ إذ لم يكن توت عنخ آمون مدفونا في ~~أحدها، فقد حفرت مقبرته في صخور وادي الملوك بمصر مباشرة. # كان الشيء الأكثر تكديرا لطاقم عمل كارتر هو وفاة إيرل كارنارفون، وهو عالم آثار هاو وثري ~~كان يمول البعثة. فبعد وصول الفريق وادي الملوك مباشرة، وجد كارنارفون ميتا في القاهرة. وتوفي ~~اثنان آخران دخلا المقبرة بعدها بفترة وجيزة؛ كان أولهما رئيس قسم الآثار المصرية بمتحف اللوفر، ثم ~~لحق به الأمين المساعد للآثار المصرية بمتحف ميتروبوليتان للفنون ms022 بنيويورك. # وأدى هذا حتما إلى ظهور كل أنواع التخمينات الساذجة بشأن وجود لعنة. فورد بأحد ~~التقارير أن كارتر قد عثر على لوح في المقبرة نقش عليه: «سوف يضرب الموت بجناحيه كل من يعكر صفو ~~الفرعون الذي يرقد بسلام.» ~~••• # تواصل البحث بغض النظر عن وجود لعنة أم لا. # إذا كانت الأهرامات قد بنيت كمقابر للفراعنة، فإنها بالتأكيد كانت باهظة التكلفة. وكما ~~كتب الشاعر روديارد كبلنج: «من سيشكك في السر المخفي أسفل هرم خوفو؛ هل من بناه هو أحد ~~المقاولين لخوفو من بين ملايين؟» الصورة هنا لهرم خوفو الأكبر. (مكتبة الكونجرس.) # في عام 1925، وبعد عامين فقط من اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، كان فريق من علماء الآثار ~~الأمريكيين - تحت قيادة جورج أندرو رايزنر - يعمل بالقرب من قاعدة هرم خوفو الأكبر. وبالمصادفة، ~~بينما كان مصور يحاول نصب حامل آلة التصوير خاصته، نزع جزءا من الجص عن فتحة سرية حفرت في ~~الصخر، ليكشف عن جزء من دهليز ممتد بعمق مائة قدم، وممتلئ بأحجار البناء من القمة إلى القاع، ~~واستغرق الوصول إلى القاع أسبوعين. # وهناك عثر رايزنر على تابوت الملكة حتب حرس؛ أم خوفو. ولما كانت المقبرة مخبأة بشكل محكم ~~للغاية، تمنى رايزنر أن يجد مقبرتها سليمة لم تمس، ولكن التابوت الحجري كان خاويا. وفقط، بعد ~~أن تغلب فريق علماء الآثار على خيبة أملهم، لاحظوا مساحة مغطاة بالجص على جدار الغرفة وجدوا ~~خلفها خزانة صغيرة، وبداخل تلك الخزانة عثروا على أحشاء الملكة المحنطة. # كان تخمين رايزنر - وقد اعترف أنه مجرد تخمين - أن الملكة كانت مدفونة بلا شك في وقت ما في ~~مكان آخر. بعد ذلك، وبعد أن تخلص اللصوص من جثتها للوصول إلى المجوهرات القابعة أسفل اللفافات ~~المحيطة بها، أعيد دفن رفاتها بالضرورة بالقرب من زوجها وابنها. # تجدد الأمل في العثور على مقبرة سليمة لم يمسها اللصوص عام 1951، حين اكتشف عالم المصريات ~~المصري زكريا غنيم بقايا هرم لم يكن معروفا من قبل في سقارة على بعد قرابة ستة أميال من جنوب ~~الجيزة. لم يلاحظ هذا ms023 الهرم من قبل مطلقا؛ إذ لم يتجاوز بناته مرحلة الأساس، وقد غطته رمال ~~الصحراء بعد ذلك. وفي البداية، اعتقد غنيم أن هرما غير مكتمل البناء من غير المحتمل أن يحمل الكثير ~~من الأهمية، فضلا عن حمل رفات فرعون. ولكن ارتفع سقف توقعاته حين تتبع خندقا ضحلا يؤدي إلى ~~نفق، وعندما قام بالحفر عبر ثلاثة جدران حجرية، ازداد حماسه للأمر؛ فعلى أي حال، لم يكن من المحتمل ~~أن يكون أحد اللصوص قد استغرق وقتا في إعادة سد مقبرة وهو في طريقه للخروج. وبدت المجوهرات التي ~~عثر عليها في الهرم دلالة أخرى على وجود مقبرة - أخيرا - لم يعثر عليها اللصوص مطلقا. # وأخيرا وصل غنيم إلى غرفة الدفن التي قرر أنها الحجرة الخاصة بسخم خت، وهو فرعون لم يكن يعرف ~~عنه الكثير، لكنه كان فرعونا على أي حال. وحين عثر غنيم على تابوت من الذهب، أخذ هو وزملاؤه يرقصون ~~ويبكون فرحا ويتعانقون. وبعد بضعة أيام، وأمام حشد من الباحثين والمراسلين الصحفيين، أمر غنيم بفتح ~~التابوت. # ولصدمته، وجد خاويا. ~~••• # كان الفشل في العثور على فرعون في مقبرته هو نقطة الانطلاق لظهور العديد من النظريات التي بني ~~الكثير منها على النظامية الرياضية التي رآها علماء المصريات في الأهرامات. ففي القرن التاسع عشر، ~~على سبيل المثال، اكتشف الفلكي الاسكتلندي تشارلز بيازي سميث أن الهرم الأكبر كان به قدر كاف من ~~البوصات الهرمية التي تجعله نموذجا مصغرا لمحيط الأرض. ولسوء الحظ، كانت حسابات بيازي سميث الدقيقة ~~قائمة على قياسات أخذت حين كانت الأكداس الضخمة من الحطام والأنقاض لا تزال تغطي قاعدة ~~الهرم. # وفي عام 1974، زعم الفيزيائي كورت مندلسون أن الأهرامات كانت عبارة عن مشروعات عمل عامة وليست ~~مقابر، وأن الهدف منها كان خلق هوية مصرية قومية للقبائل المشتتة آنذاك. ولم تفسر نظرية ~~مندلسون عدم وجود الجثث فحسب، بل فسرت أيضا مشكلة أخرى مزعجة شابت نظرية المقابر، وهي تحديدا أن ~~العديد من الفراعنة اتضح أنهم بنوا أكثر من مقبرة. على سبيل المثال، كان للملك سنفرو - والد خوفو - ~~ثلاثة ms024 أهرامات، ومن الصعب تخيل أنه كان ينوي تقسيم رفاته بينها. وكان لخوفو نفسه هرم واحد فقط، ~~إلا أنه كان يضم ثلاث غرف يبدو أنها صممت كغرف دفن. # ثمة نظرية أخرى اكتسبت العديد من الأتباع والمؤيدين، وهي أن الأهرامات كانت أضرحة تذكارية؛ أي ~~آثارا شيدت تكريما للفراعنة المتوفين ولكنها ليست مقابرهم الفعلية، التي كانت مخبأة في ~~مكان آخر للحفاظ عليها من اللصوص. وكان هذا سيفسر لم كانت مليئة بالسمات الجنائزية ولكن دون وجود ~~جثث. # غير أن غالبية علماء المصريات لا يزالون على اعتقادهم بأن الأهرامات قد بنيت في الأساس ~~كمقابر، حتى لو كانت قد خدمت بعض الأغراض الأخرى. فهي محاطة بمقابر أخرى، وإن كانت لرجال دولة أقل ~~مكانة. حتى لو كان اللصوص القدماء وغير القدماء قد استولوا على كل أثر لها، فقد كانت جثث الفراعين ~~راقدة هناك يوما ما. # ويمكن فهم الأهرامات، من منظور ما أجمع عليه العلماء، على النحو الأفضل كجزء من تدرج معماري ~~بدأ بمقابر مستطيلة ذات قمم مسطحة بنيت من الطوب اللبن، والتي يطلق عليها الآن «مصاطب» (وهي ~~تلك التي عثر فيها على الجثامين). وبعدها بدأ المهندسون المعماريون في وضع هيكل ذي قمة مسطحة ~~فوق الآخر، لينشئوا ما أصبح معروفا ب «الأهرامات المدرجة»، التي لا يزال أشهرها موجودا في جنوب ~~القاهرة بمنطقة سقارة. وفي النهاية، واتت أحدهم فكرة ملء المدرجات، لينتج المنحدر المعروف للهرم ~~ربما عند منطقة ميدوم، على بعد قرابة أربعين ميلا جنوب سقارة. # وقد تزامن التطور المعماري مع التغييرات اللاهوتية، فتشير النصوص التي وجدت على المصاطب إلى ~~وجود اعتقاد بأن الفراعنة سوف يصعدون إلى السماء على درجاتها. وتعكس نصوص لاحقة من فترة الأهرامات ~~الحقيقية وجود عبادة إله الشمس، وتصف الفراعنة وهم يرتفعون للسماء على أشعة الشمس. وكانت الجوانب ~~المنحدرة للهرم، التي تشبه شكل أشعة الشمس وهي تشرق من السماء، هي الطريق الجديد للسماء. # هل ألهمت عبادة الشمس المعماريين المصريين لتصميم الأهرامات؟ يبدو من النظرة الأولى أنه من غير ~~المحتمل أن يكون كل هذا العدد الكبير الإضافي ms025 من أطنان الأحجار قد استخرج - لزاما - من المحجر ~~ونقل وجر لموقع البناء، فقط لمجرد أن السلم لم يعد يعتبر وسيلة فعالة للوصول إلى السماء. ~~ولكن بقدر صعوبة استيعاب الأمر علينا بعد مرور أربعة آلاف وخمسمائة عام، كان المصريون يعتبرونه أمرا ~~يستحق الجهد. (وعلى الرغم من المفهوم الخاطئ الشائع أن العبيد اليهود قد بنوا الأهرامات، فإن ~~المصريين هم من بنوها.) # إن كل شيء تقريبا تبقى من الحضارة المصرية يرتبط بالموت؛ فيبدو أنه كان القوة المميزة في ~~عقيدتهم الدينية، وأدبهم، وفنهم. فقد كانت الحياة الآخرة بالنسبة إلى الفراعنة هدفا حقيقيا ~~للغاية، سواء بواسطة درجات السلم أم أشعة الشمس؛ لذا فمن الصواب تماما أن تكون الآثار التي تعرف ~~حضارتهم للأجيال القادمة مصممة أيضا، بشكل شبه مؤكد، لتؤوي موتاهم. # لمزيد من البحث # Herodotus, # The Histories, # trans. Aubrey ~~de Selincourt (Middlesex, Eng.: Penguin, 1954). He’s been called both the “father of history” ~~and the “father of lies”; either way, his tales still rank among the most entertaining ~~ever ~~. # Richard Proctor, # The Great Pyramid ~~(London: Chatto & Windus, 1883). Khufu’s pyramid as an astronomical ~~observatory ~~. # Howard Carter, # The Tomb of Tutankhamen ~~(New York: E. P. Dutton, 1954). How does it feel to find yourself face to face with a pharaoh ~~from three thousand years ago? Carter captures the awe and excitement of his history-making ~~discovery. Originally published in 1924 ~~. # I. E. S. Edwards, # The Pyramids of Egypt ~~(Middlesex, Eng.: Viking, 1947). Still the classic history of the pyramids and their cultural ~~and religious significance ~~. Peter Tompkins, # Secrets of the Great Pyramid ~~(New York: Harper & Row, 1971). A fascinating but too uncritical ~~compendium of alternative explanations for Khufu’s tomb ~~. # Kurt Mendelssohn, # The Riddle of the Pyramids ~~(New York: Praeger, 1974). The pyramids as a political ~~statement ~~. # Brian Fagan, # The Rape of the Nile ~~(New ~~York: Charles Scribner’s Sons, 1975). Tomb robbers, tourists, and archaeologists in Egypt ~~through the ages, with a special focus on Belzoni: ms026 “the greatest plunderer of them ~~all.” Paul Johnson, # The Civilization of Ancient ~~Egypt ~~(New York, Athenaeum, 1978). Its rise and fall, in one fact- and ~~opinion-packed volume ~~. # Robert Bauval and Adrian Gilbert, # The Orion ~~Mystery ~~(New York: Crown, 1994). The latest case for an astronomical explanation; ~~specifically, that the Giza pyramids were positioned to represent the three stars of Orion’s ~~belt ~~. # Mark Lehner, # The Complete Pyramids ~~(London: Thames & Hudson, 1997). Pyramid by pyramid, everything you wanted to know about ~~each ~~. # الفصل الرابع # | من كان ثيسيوس؟ # كانت مآثر وإنجازات ثيسيوس ضخمة؛ فقد جلب الديمقراطية إلى أثينا، وانضم إلى جيسون وبحارة ~~الأرجو في سعيهم لجلب الصوف الذهبي، وحارب المحاربات الشرسات المعروفات باسم بنات الأمازون (وهي ~~الحرب التي انتهت بلا نصر أو هزيمة). ولكن كل هذا خبا رونقه أمام إنجازه الأعظم، وهو ذبح المينوتور. ~~دارت القصة التي رواها بلوتارخ بالكامل في القرن الأول الميلادي، ولكنها كانت معروفة بالطبع قبل ذلك، ~~على النحو التالي: # تزوج الملك القوي مينوس - الذي كان يحكم اليونان من قصره في كريت - من باسيفايي، التي وقعت في ~~غرام ثور جميل. طلبت باسيفايي من المخترع ديدالوس أن يبني لها بقرة من الخشب حتى تستطيع الاختباء بها ~~ومعاشرة الثور. وأنجبت بعد ذلك المينوتور الرهيب، الذي كان نصفه إنسانا ونصفه ثورا، وكان مغرما ~~بلحم البشر لسوء الحظ. # توجه مينوس إلى ديدالوس، الذي قام بدوره ببناء متاهة لاحتجاز المينوتور، وفيها كان الملك كل ~~تسعة أعوام يرسل أربعة عشر شابا أثينيا ليأكلهم المينوتور، وفي الوقت نفسه للانتقام لموت ابن ~~مينوس، أندروجيوس، على أيدي الأثينيين. لم يكن أحد من الشباب يعود مطلقا؛ على الأقل حتى تطوع ثيسيوس ~~- ابن الملك الأثيني أيجيوس - للذهاب. وكان قد وعد والده بأن يعود رافعا شراعا أبيض احتفالا ~~بنجاحه. # قبل حدوث ذلك، وفي كريت، كانت أريادنه - ابنة مينوس - قد وقعت في حب الشاب الشجاع وأعطته كرة ~~خيط. وعندما ذبح ثيسيوس المينوتور، اتبع الخيط المفكوك للخروج من المتاهة. وهكذا انتهت التضحية ~~القاسية بشباب أثينا، وانتهت معها سيطرة ms027 كريت على أثينا. # لم تكن تلك نهاية سعيدة بالنسبة إلى أريادنه، التي هجرها ثيسيوس في طريق عودته إلى أثينا، أو ~~بالنسبة إلى أيجيوس، الذي ألقى بنفسه من أعلى جرف حين وجد سفينة ابنه ولا يزال عليها الشراع الأسود ~~(حيث كان ثيسيوس قد نسي تغيير الأشرعة). ولكن ميزة ذلك على الأقل أنه قد سرع باعتلاء ثيسيوس ~~العرش. # بالطبع تنتمي رواية بلوتارخ، المليئة بالعناصر ~~الخارقة للطبيعة، لعالم الخرافات. ولكن تساءل المؤرخون الأوائل عن احتمالية حفظ الخرافة ذكرى حية عن ~~أي إمبراطورية كريتية حكمت بلاد الإغريق في أحد عصور ما قبل التاريخ. وفي عام 1900، وصل آرثر إيفانز، ~~مدير المتحف الأشمولي بأكسفورد، إلى كريت وأقنعه ما رآه - مثلما أقنع كثيرين آخرين - بأن كريت لم تكن ~~فقط مركزا لإمبراطورية عظيمة، بل بأن قصة ثيسيوس لم تكن بالروعة التي بدت عليها حينها. ~~••• # كان إيفانز مناسبا على نحو مثالي للتنقيب في كريت؛ فباعتباره أكاديميا من الجيل الثالث، كان ~~خبيرا بالكتابة القديمة، التي جاء إلى كريت بحثا عنها في المقام الأول. كما كان مؤيدا لاستقلال ~~كريت؛ ما عاد عليه بنفع عظيم بعد أن تحررت كريت من الحكم التركي عام 1899. والأفضل من كل ذلك أن ~~إيفانز قد ورث ثروة من تجارة أبيه في الورق؛ ما أتاح له تجاوز المفاوضات الشائكة المعتادة وشراء ~~الأرض التي أراد التنقيب فيها ببساطة. وكانت الرواية المحلية واضحة بشأن موقع قصر كنوسوس، وهو قصر ~~مينوس، في وادي كايراتوس، وكانت تلك هي النقطة التي بدأ فيها إيفانز الحفر. # وفي غضون أسابيع، كان واضحا أن هذا الموقع موقع استثنائي. فلحسن الحظ لم يبن عليه في العصور ~~الإغريقية أو الرومانية؛ ومن ثم تمكن العمال سريعا من الوصول إلى أطلال قصر يعود للعصر ~~البرونزي. ويا له من قصر! فقد كان يمتد على عدة أفدنة، وسرعان ما استدعى إلى الذهن صورة متاهة، بغرفه ~~وممراته المتعددة المظلمة. ولم يسع إيفانز سوى أن يتخيل الزوار الأثينيين القدماء وقد عادوا إلى ~~ديارهم ويروون حكايات عن وقوعهم في متاهة بدت بلا نهاية. وفي منتصف ms028 القصر كان هناك بهو كبير، ~~فتساءل إيفانز: هل يمكن أن يكون هذا هو مأوى ذلك المخلوق الذي وصف في الخرافة مينوتور؟ ~~«الثور في كل مكان»، هكذا كتب آرثر إيفانز عن اكتشافاته في كنوسوس. وكان أشهر هذه ~~الاكتشافات وأكثرها تميزا هذه اللوحة الجصية (الفريسكو) التي جسدت رجلا يقفز فوق ثور هائج، ~~وأدت بعلماء الآثار للتساؤل عن وجود قدر من الحقيقة في قصة ذبح ثيسيوس للمينوتور. (حقوق الطبع ~~محفوظة لولفجانج كايلر/كوربيس.) # ولكن جاء عام 1900 ليشهد أكثر اكتشافات إيفانز إثارة بين جميع اكتشافاته؛ لوحة تجسد شابا ~~يقوم بحركات بهلوانية على ظهر الثور، في حين وقفت شابتان بجانبه، على ما يبدو أنهما إما كانتا تبحثان ~~عن رفقتهما أو في انتظار دورهما. وسرعان ما تم العثور على مزيد من الصور لثيران ومصارعين يقفزون ~~فوقها، بعضها على أختام منقوشة وبعضها في شكل تماثيل صغيرة من البرونز أو العاج. # تشاور إيفانز الذي تملكه الذهول والدهشة مع الخبراء البديهيين في هذا الموقف؛ وهم مصارعو ~~الثيران الإسبان. فسألهم إذا كان هذا النوع من القفز على الثيران المجسد في الفن الكريتي ممكنا . ~~وأجاب مصارعو الثيران بأنه لا يمكن القيام به، على الأقل إذا كان القافزون على الثيران يتمنون النجاة ~~والبقاء أحياء. ولكن الدليل كان دامغا على أن شكلا من القفز على الثيران كان يحدث هناك. وأيا ~~ما كانت الرخصة الفنية التي ربما يكون الفنانون الكريتيون والقاصون الأثينيون قد حصلوا عليها، فمن ~~الواضح أن الثيران كانت جزءا لا يتجزأ من هذه الثقافة. وربما كان الشباب الذين تم تصويرهم أسرى ~~يونانيين تم تدريبهم من أجل حلبة المصارعة مثل مصارعي روما القديمة. # أطلق إيفانز على هذه الثقافة اسم «المينوسية» تيمنا بملكها الأسطوري ~~(أو ربما لم يكن أسطوريا للدرجة). وكان مقتنعا أن ~~المينوسيين، كما حكت قصة ثيسيوس، حكموا بلاد الإغريق يوما ما، فارضين سيطرتهم على البر الرئيسي ~~سياسيا وفنيا. وكان إيفانز يعتقد أن المينوسيين هم من وضعوا الأسس التي بنيت عليها الإنجازات ~~اللاحقة لليونانيين القدماء: فشعر هوميروس، وفلسفة أفلاطون، وتحفة البارثينون المعمارية، كلها ms029 ~~إنجازات أشير إليها في الثقافة المينوسية. # كان مما عزز ثقة إيفانز في أفكاره هو اكتشافه لعدد من الألواح الطينية في كنوسوس. ولعلك ~~ستتذكر أن البحث عن الكتابات القديمة كان الباعث الأول لإيفانز للذهاب إلى كريت. ومن الواضح أن ~~الألواح، التي كتبت بحروف أبجدية عرفت بعد ذلك بالكتابة الخطية «أ» والكتابة الخطية «ب»، قد ~~عززت اعتقاد إيفانز بأن المينوسيين لم يكونوا فنانين فحسب، بل ومثقفين أيضا. # وللحفاظ على أمجاد الحضارة المينوسية، بدأ إيفانز عام 1901 في ترميم القصر في كنوسوس. فأعاد ~~بناء الجدران والأعمدة العلوية التي تلاشت منذ زمن، وكذلك جزء من سقف القصر. واستعان بفنان سويسري، ~~يدعى إميل جيليرون، لإحياء وتجديد اللوحات الجصية. وكانت النتيجة موقعا أثريا مختلفا تماما عن ~~أي موقع أثري في عصره أو عصرنا؛ فبدلا من النظر إلى مجرد أطلال عالية، صار بإمكان الجميع حتى السياح ~~الذين لا يملكون أي خلفية تاريخية أن يكونوا إدراكا واضحا للمدى والعظمة الكاملين للفن ~~والمعمار المينوسي. # واجه إيفانز اتهاما من منتقديه بخلق نسخة للتاريخ أشبه ببطاقة بريدية. فقد جادلوا بأنه عاد ~~غير ممكن تحديد قدر ما اكتشفه من الحضارة المينوسية وقدر ما ابتكره. وبالمعايير الأثرية اللاحقة، ~~كان منتقدو إيفانز على حق بلا شك؛ فما من عالم آثار اليوم كان ليسمح بأية عمليات ترميم على الموقع ~~الفعلي لأي تنقيب. ولكن إنصافا لإيفانز، ينبغي أن نضيف أنه كان أكثر حرصا بكثير بشأن الحفاظ على ~~سجل دقيق ومصور لما وجده مقارنة بالعديد من معاصريه. ورغم ما قد يلقاه المنتقدون من غضاضة في ~~الاعتراف بهذا، فإنه قام أيضا بخلق موقع غاية في الإثارة، حتى إن الزائرين منذ ذلك الحين لم يعد ~~يسعهم سوى مشاركته شغفه بالمينوسيين. ~~••• # برزت مشكلة أكثر جوهرية بالنسبة إلى رؤية إيفانز للتاريخ اليوناني عندما قام علماء آثار آخرون - ~~على رأسهم آلان ويس في عشرينيات القرن العشرين، وكارل بليجن في الثلاثينيات من القرن نفسه - بالتنقيب ~~عن مواقع على البر الرئيسي اليوناني. وهناك وجدوا دليلا على وجود ثقافة كانت في طور الازدهار في نفس ms030 ~~وقت حكم المينوسيين لكريت. كانت هذه الحضارة «المسينية» مستقلة بشكل واضح عن المينوسيين، ولها على ~~الأقل نفس القدر من القوة والنفوذ، إن لم تكن بنفس القدر من الرقي كجاراتها في الجنوب. وذهب ويس ~~وبليجن إلى أن المسينيين ربما يكونون بالفعل قد هزموا المينوسيين وتولوا زمام كنوسوس، على الأرجح ~~بعد عام 1500 قبل الميلاد. # وبشكل ما، بدا ذلك تأكيدا إضافيا على وجود بعض الأساس لأسطورة ثيسيوس في التاريخ. فقد كان ~~الأثينيون، شأنهم شأن المسينيين، يونانيين؛ ومن ثم يمكن أن يكون انتصار ثيسيوس رمزا لمعركة ~~فعلية ما أو سلسلة من المعارك التي انتصر خلالها اليونانيون المسينيون على الكريتيين المستبدين. ~~غير أن إيفانز لم يكن ليقتنع بأي من ذلك. فقد كان على قناعة شديدة بتفوق وأفضلية المينوسيين، لدرجة ~~أنه أصر على أن الكوارث الطبيعية فحسب - ربما زلزالا - هي القادرة على إنهاء حكمهم. ولو أن بعضا من ~~مثل هذه الكوارث مكنت المسينيين من إزاحة المينوسيين من كنوسوس، لظل إيفانز متأكدا من أن القوة ~~العسكرية للمسينيين، وليس ثقافتهم، هي التي كان لها اليد العليا. # بات موقف إيفانز يواجه صعوبة متزايدة بعد عام 1939، حين اكتشف بليجن، الذي كان لا يزال ينقب على ~~البر الرئيسي، المزيد من الألواح الطينية المكتوبة بالكتابة الخطية «ب»، وهي نفس الأبجدية التي ~~وجدها إيفانز في كنوسوس. صحيح أن الاكتشاف ربما يكون قد فسر ليعني أن المينوسيين قد جلبوا ~~كتابتهم إلى الشمال وقدموها لليونانيين، ولكنه أيضا زاد من احتمالية أن تكون الكتابة الخطية «ب» - ~~والكتابة بشكل عام - اختراعا مسينيا وليس مينوسيا. # توفي إيفانز عام 1941 دون أن يعرف مطلقا ما كان مكتوبا على ألواحه الثمينة. وبعد أحد عشر ~~عاما، تمكن أخيرا مايكل ونتريس - وهو عالم هاو في فك الشفرة يستخدم التقنيات التي اخترعت خلال ~~الحرب العالمية الثانية - من فك الشفرة. كانت الكلمات المكتوبة على اللوح تصيب بخيبة أمل أو إحباط؛ ~~فلم تكن شعرا عظيما أو فلسفة رائعة، بل كانت في أغلبها قوائم من السلع التي كانت مخزنة في ~~كنوسوس وأماكن أخرى. ولكن اكتشاف ms031 ونتريس كان في غاية الأهمية؛ إذ اتضح أن الكتابة الخطية «ب» كانت ~~نظاما لكتابة اللغة اليونانية؛ وبالطبع كانت يونانية قديمة وصعبة، ولكنها يونانية على أي ~~حال. # كان هذا يعني أن الكتابة جاءت إلى كريت من اليونان وليس العكس، كما كان إيفانز يدعي دائما. ~~ويظل قائما احتمال أن المينوسيين كانت لهم كتابتهم الخاصة؛ إذ لعله يتضح أن الكتابة الخطية «أ» - ~~التي لم تحل شفرتها - مينوسية. ولكن بعد اكتشاف ونتريس الخارق بات من المستحيل تصوير مسينا ~~كمجرد مركز عسكري للحضارة الكريتية؛ بل على العكس، فقد كان واضحا أن اليونانيين المسينيين كان ~~لديهم حضارة قوية خاصة بهم. وفي مرحلة ما، أبعد بكثير مما اعتقد إيفانز - وربما حتى تحت قيادة أمير ~~يدعى ثيسيوس - جاء هؤلاء اليونانيون إلى كريت وفتحوها. ~~••• # لم تضع الكتابة الخطية «ب»، بأي حال، نهاية للمجادلات المحيطة بالمينوسيين. فبحلول ستينيات ~~القرن الماضي، كان معظم علماء الآثار قد أجمعوا على أن المسينيين قد فتحوا كريت، ولكن لم يكن هناك ~~إجماع على الكيفية التي فعلوا بها ذلك. وظل بعض علماء الآثار، وأبرزهم سبيريدون ماريناتوس، مقتنعين ~~بأن ثمة كارثة طبيعية قد أضعفت المينوسيين إلى حد فتح الباب أمام المسينيين. # كان ماريناتوس يعتقد أن تلك الكارثة تمثلت في اندلاع بركان على جزيرة تيرا، التي تقع على بعد ~~قرابة سبعين ميلا شمال كريت. وفي عام 1967، ذهب ماريناتوس إلى تيرا بحثا عن دليل، وسرعان ما اكتشف ~~أكثر مما كان يرجوه: بلدة كاملة تعود للعصر البرونزي محفوظة أسفل طبقة من الرماد البركاني. لم يكن ~~هناك حاجة هنا للإصلاح والترميم على طريقة إيفانز؛ فقد كانت هذه المنازل لا تزال كما هي لم تمس ~~بطريقة لافتة للنظر، والكثير منها مزخرفا بالفن والتحف الفنية على الطريقة المينوسية؛ مما يشير إلى ~~أن تلك المنطقة كانت مستعمرة كريتية. وكان الشيء الوحيد المفقود هو الناس، كان لديهم فيما يبدو ما ~~يكفي من الوقت للفرار قبل انفجار البركان. # كان ذلك اكتشافا غير عادي؛ نسخة كريتية من مدينة بومبي الرومانية ولكن أقدم مرتين. ولكن هل ~~يمكن لانفجار ms032 بركاني على جزيرة تيرا أن يكون قد أجهز على الحضارة الكريتية؟ هكذا اعتقد ماريناتوس. ~~فقد ذهب إلى أن البركان ربما يكون قد ثار بفعل الزلازل، التي بدورها تسببت في أعاصير تسونامي التي ~~دمرت كريت. وزعم أن الزلازل والأعاصير، على أقل تقدير، قد ألحقت دمارا كان كفيلا بمنح المسينيين ~~نقطة انطلاقهم. ولو كان إيفانز على قيد الحياة، لشعر أن حجج ماريناتوس قد ثأرت له بالتأكيد. # غير أن معظم علماء الآثار وعلماء الفروع المعرفية ~~الأخرى لم يقتنعوا بذلك. فمن ناحية كانت التواريخ غير متطابقة؛ فقد حدد معظم علماء البراكين تاريخ ~~انفجار بركان تيرا ما بين عام 1600 و1700 قبل الميلاد؛ أي قبل التاريخ التقديري لانهيار الحضارة ~~المينوسية بأكثر من مائة عام. علاوة على ذلك، على الرغم من الدمار البركاني الواضح في تيرا، لم يكن ~~هناك أي ترسبات مهولة للرماد على كريت، ولم يكن هناك أيضا دليل على أن الماء المتدفق من أعاصير ~~تسونامي قد وصل إلى كنوسوس، فضلا عن تدميرها، بل إن الأدلة الأثرية الكائنة على كريت بدت تشير إلى ~~أن النار، وليس الرماد أو الماء، قد أحدثت الكثير من الدمار هناك. # ومن ثم، أنكر معظم العلماء - ولكن ليس جميعهم بأي حال - وجود دور مهم لبركان تيرا في ~~انهيار الحضارة المينوسية. # هل هذا يعني أن ثيسيوس قد لعب هذا الدور بدلا منه؟ أن ثيسيوس (أو اليونانيين الذين جاء ~~لتمثيلهم) قد ذبح المينوتور (أو بالأحرى المينوسيين الذين يمثلهم الوحش)؟ تلك أسئلة لا يمكن إيجاد ~~إجابات كاملة لها، بالنظر إلى القرون التي تفصلنا عن زمن بلوتارخ، وتلك التي تفصل بلوتارخ عن عصر ~~ثيسيوس. ولكن هذا لا يعني بالتأكيد أنه لم يتحقق أي تقدم في طريق الإجابة عليها؛ على العكس، ~~فاكتشافات المائة عام المنصرمة استوفت بعض التفاصيل المعقولة بشأن ما كان يبدو يوما ما قصة خيالية ~~بحتة. # لمزيد من البحث # Arthur Evans, # The Palace of Minos ~~(London: Macmillan, 1921-1936). Evans’s own account of the discoveries at Knossos, in four ~~volumes ~~. # Anne Ward, ed., # The Quest ms033 for Theseus ~~(New York: Praeger, 1970). Essays on how the Theseus legend originated and developed in art ~~and literature, from the classical era to the present ~~. # Hans Wunderlich, # The Secret of Crete, # trans. from German by Richard Winston (New York: Macmillan, 1974). Wunderlich argues, ~~provocatively but ultimately unconvincingly, that Knossos was never lived in, but was, like ~~the Egyptian pyramids, a royal tomb ~~. # Sylvia Horwitz, # The Find of a Lifetime ~~(New York: Viking, 1981). A readable biography of Evans, with a balanced presentation of the ~~controversies until its publication ~~. # D. A. Hardy et al., # Thera and the Aegean World ~~III ~~(London: Thera Foundation, 1990). These proceedings of a major international ~~conference, held in Thera in 1989, include more than a hundred papers by archaeologists and ~~other scientists. The clear consensus was that the Theran eruption was # not # responsible for the end of Minoan ~~civilization ~~. # J. Lesley Fitton, # The Discovery of the Greek ~~Bronze Age ~~(Cambridge, Mass.: Harvard, University Press, 1996). An authoritative ~~account of the excavations at Troy, Mycenae, Knossos, Thera, and other Greek Bronze Age ~~sites ~~. # Rodney Castleden, # Atlantis Destroyed ~~(New York: Routledge, 1998). Other Greek legends besides Theseus’s may be rooted in Minoan ~~Crete. Of these, the best known is undoubtedly that of Atlantis, which Plato (writing in the ~~fifth century B.C.) described as a great island civilization that, following earthquakes and ~~floods, was swallowed up by the sea. Many writers have speculated that Crete was Atlantis, ~~destroyed by the Thera volcano and accompanying earthquakes and floods. This is an argument ~~that faces many obstacles, and not just those cited in this chapter. For example, Plato ~~described Atlantis as having been in the Atlantic, though Crete is clearly in the ~~Mediterranean. And Plato put the destruction nine thousand years before his time, while the ~~actual span was closer to nine hundred years. ~~Castleden is the ms034 latest to make the case for Crete as Atlantis, and he’s also one of the most ~~reasonable, but it remains an unlikely scenario. Sometimes myths are just ~~myths ~~. # الفصل الخامس # | أوقعت حرب طروادة بالفعل؟ # على بعد بضعة أميال فقط من الدردنيل، على الجانب الآسيوي من المضيق الذي يفصل اليونان عن ~~تركيا، يقف تل صغير يعرف بحصارليك. # كان هذا - وفقا لهيرودوت، وزينوفون، وبلوتارخ، والعديد من الكتاب الإغريق والرومانيين ~~الكلاسيكيين - هو موقع طروادة، طروادة الإلياذة والأوديسة لهوميروس. لم يكن الإغريق القدماء واثقين ~~من كون هوميروس قد شاهد طروادة فعليا، ولكن لم يكن لديهم شك في أن المعارك التي وصفها قد وقعت ~~بالفعل، ولم يكن لديهم شك أيضا في أنها قد وقعت في حصارليك. # في عالم كان البشر فيه كالآلهة (وكانت الآلهة أيضا بشرا)، تصادم أعاظم هاتين الفئتين ~~معا. كانت طروادة هي المدينة التي أحضر إليها باريس - ابن بريام ملك طروادة - هيلين، أجمل امرأة ~~في العالم، بعد أن اختطفها من وطنها الإغريقي. وكانت طروادة هي الوجهة التي قاد إليها الملك الإغريقي ~~أجاممنون قواته لاستعادتها. وكانت طروادة هي المكان الذي شهد ذبح أخيل، أعظم المحاربين الإغريق، ~~لهيكتور شقيق باريس. وفي المشهد الأخير من الإلياذة، التقى بريام بأخيل للتفاوض على عودة جثمان ~~ابنه، وعقد هدنة بين الإغريق والطرواديين. # ولكن، كما يعلم قراء الأوديسة، لم تنته القصة عند هذا الحد. فبضربة مميتة لعقب أخيل، ثأر ~~باريس لمقتل أخيه. وبمساعدة حصان خشبي عملاق، تسلل الإغريق إلى داخل الأسوار الطروادية ودمروا ~~المدينة تدميرا. وهكذا انتهى العصر الذهبي لطروادة، وانتهى من بعده العصر الذهبي لبلاد الإغريق ~~أيضا بفترة ليست بطويلة. # جذب الاعتقاد بأن كل هذا حدث بالفعل - في حصارليك - فاتحين لاحقين إلى الموقع. ففي عام 480 ~~قبل الميلاد، ضحى الملك الفارسي خشايارشا بألف ثور كقربان بالقرب من حصارليك قبيل عبور الدردنيل ~~ودخول بلاد الإغريق. وبعد قرن ونصف قرن، حين قاد الإسكندر الأكبر قوات جيشه في الاتجاه المعاكس، قام ~~بتكريم أخيل بقرابين بالقرب من نفس المكان. وعلى مدى العصور الوسطى ms035 وعصر النهضة، استمر الرحالة في ~~زيارة حصارليك مقتنعين بأنها طروادة. # غير أنه بدءا من القرن الثامن عشر، بدأ الباحثون في اتخاذ منهج أكثر تشككا. فقد تشكك الكثيرون ~~في وقوع حرب في طروادة، فضلا عن النزاع الضخم في ملحمتي هوميروس، بل إن البعض تشكك في وجود ~~هوميروس، أو على الأقل في وجود رجل واحد وليس مجموعة من الشعراء. فقد لاحظوا أن هناك - على أية حال - ~~مئات الأعوام التي تفصل هيرودوت عن هوميروس، ومئات أكثر تقف بين الشاعر والعصر الذهبي ~~المزعوم. # وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت أقلية فقط من الباحثين هي التي تعتقد أن ~~الإلياذة والأوديسة تسترجعان أحداثا وقعت بالفعل، وعدد أقل يعتقد أن طروادة - إن وجدت من الأساس - ~~كانت تقع في حصارليك. فقد كانت الإلياذة والأوديسة، في نظر الغالبية، أدبا عظيما وليس ~~تاريخا. # رجل واحد هو من ظل مقتنعا بوجود طروادة هو فرانك كالفرت؛ القنصل الأمريكي في المنطقة، وعالم ~~آثار هاو. ففي منتصف ستينيات القرن التاسع عشر، قام كالفرت ببعض التنقيبات التحضيرية في حصارليك، ~~كاشفا النقاب عن أطلال معبد من العصور الكلاسيكية وسور من عصر الإسكندر. وكان هذا أمرا مشجعا، ~~ولكنه أقنع كالفرت كذلك بوجود العديد من طبقات التاريخ أسفل حصارليك، وأن نمط التنقيب المطلوب سوف ~~يتطلب أموالا أكثر مما كان يمتلك. # بعد ذلك، وفي عام 1868، قام كالفرت بدعوة هاينريش شليمان - وهو مليونير ألماني زائر كان مولعا ~~بهوميروس - على العشاء. وبات شليمان هو الآخر مقتنعا بأن حصارليك هي طروادة. وعلى عكس كالفرت، كان ~~شليمان يملك المال للقيام بشيء حيال ذلك. # وفي عام 1870، بدأ هو وفريقه عملية الحفر. ~~••• # كان شليمان يعتقد أن طروادة هوميروس بالغة القدم، حتى إنه لا يمكن العثور عليها إلا ~~بالتنقيب بعمق في حصارليك. وعلى ذلك، قام بفتح مساحة هائلة من التل، ليصل مباشرة إلى الطبقة السفلية ~~الصلبة. وأثناء الحفر، انزعج لعثوره على مقتنيات متعددة من العصر الحجري؛ إذ كان يفترض منطقيا أن ~~يتم العثور على هذه الأشياء أسفل المدينة التي تعود للعصر البرونزي أو العصر ms036 الحديدي التي وصفها ~~هوميروس. وفي مايو 1872، اعترف شليمان في يومياته أنه قد «وقع في حيرة»، إلا أنه استمر في ~~الحفر. # بعدها، في مايو من عام 1873، اصطدم بالذهب بالمعنى ~~الحرفي للكلمة. وبحسب روايته للقصة فيما بعد، كان شليمان يخشى رد فعل عماله تجاه مشهد الذهب. ~~فأخبرهم أنه قد تذكر للتو أن اليوم هو يوم عيد ميلاده، وأن عليهم أن ينالوا جميعا فترة راحة، ثم ~~اتصل بزوجته صوفيا، التي قامت بدورها بنقل الذهب سرا في شالها. ولم يتفحص الزوجان كنزهما إلا ~~لاحقا، وكان يتجاوز كل أحلام شليمان. فكانت هناك مشغولات ذهبية ونحاسية رائعة، من بينها تاجان ~~ذهبيان صنعا من آلاف القطع الصغيرة من خيوط الذهب، و60 قرطا و8750 خاتما من الذهب. # استنتج شليمان أن هذا الكنز - بما فيه مجوهرات هيلين - كان بالضرورة للملك بريام. وخمن لاحقا ~~أن أحد أفراد العائلة المالكة قد أفرغ خزانة الكنز تزامنا مع نهب الإغريق للمدينة، ثم دفن الطروادي ~~تعيس الحظ أسفل الأنقاض واحترقت المدينة. كما خمن أن المفتاح النحاسي الذي وجد بالقرب من الجواهر ~~كان المفتاح الذي فتحت به الخزانة في وقت ما. # كان شليمان لا يزال قلقا بشأن سلامة الكنز؛ ما دفعه لتهريبه عبر الحدود إلى اليونان. ولكن لم ~~تتقبل السلطات التركية هذا الأمر، فاقتادته إلى المحكمة. وفي عام 1875، وافق شليمان على دفع خمسين ~~ألف فرنك للحكومة التركية، وفي المقابل أقر الأتراك بأنه الآن صاحب كنز فريد وقيم بلا ~~جدال. # ولكن هل كان هذا هو «كنز بريام»، كما سارع شليمان بتسميته؟ اعترف شليمان سرا بأن لديه بعض ~~الشكوك. فعلى الرغم من ضخامة الكنز، فإن ذلك لم يفسر غياب الأدلة الأخرى على أن حصارليك هي طروادة ~~هوميروس. لقد وجد شليمان أطلال مستعمرة صغيرة تعود لعصر ما قبل التاريخ، ولكنه لم يجد أيا من ~~الشوارع الواسعة أو الأبراج أو البوابات التي قادته القصائد لتوقع وجودها. # كان شليمان عازما على التوسع في الحفر، إلا أن الأتراك - الذين كانوا لا يزالون مشتاطين ~~غضبا من تهريبه الكنز خارج بلادهم - رفضوا منحه ms037 تصريحا بذلك. ولأنه لم يكن بالرجل الذي يتنحى عن ~~العمل، قرر أن يواصل بحثه عن حرب طروادة في مكان آخر. # صوفيا شليمان مرتدية بعض مجوهرات الكنز الطروادي الذي تم تهريبه - بحسب رواية زوجها - من ~~تركيا في شالها. (مكتبة جيناديوس، المدرسة الأمريكية للدراسات الكلاسيكية.) # قرر شليمان أنه إذا كان لم يستطع الوصول إلى مملكة بريام، فسوف يتجه إلى مملكة أجاممنون بدلا ~~منها. وهنا أيضا وجهه الكتاب الكلاسيكيون، ولكن إلى مسينا هذه المرة، وكانت تقع أسفل مدينة ~~كورنث على شبه جزيرة أرجوليس باليونان. وكان يعتقد منذ زمن طويل أن مسينا هي مدفن الملوك الإغريق ~~القدماء، وعلى عكس حصارليك، كانت تتباهى بوجود بعض الأطلال الواضحة والمبهرة. # كانت فكرة شليمان الملهمة تتلخص في الحفر خارج أسوار مسينا، حيث لم يبحث أحد من قبل. وكانت ~~النتائج أكثر إبهارا من النتائج في حصارليك. فقد وجد خمس مقابر تحوي رفات تسعة عشر رجلا وامرأة ~~وطفلين رضيعين، وجميعهم مغطون بالذهب. كذلك احتوت المقابر على سيوف برونزية وخناجر بزخارف من الذهب ~~والفضة، وأكوابا وصناديق من الذهب والفضة، ومئات القطع الذهبية المزخرفة. وكانت وجوه الرجال مغطاة ~~بأقنعة ذهبية مميزة بدت كلوحات فنية. وأعلن شليمان، بميله التقليدي لكل ما هو مسرحي، أنه قد حملق ~~في وجه أجاممنون نفسه. # كان شليمان آنذاك أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن هوميروس قد وصف أشخاصا حقيقيين ومعارك ~~حقيقية. ولكن المقبرة الفخمة في مسينا جعلت البلدة الصغيرة في حصارليك تبدو أقل جلالا وعظمة، ~~وكانت المقارنة بينهما تلح على ذهن شليمان. وفي النهاية، في عام 1890، وفي مقابل مبلغ كبير من ~~المال، منح الأتراك شليمان تصريحا بمواصلة تنقيبه في حصارليك. # في هذه المرة، حفر شليمان بالقرب من الحد الغربي للتل، على بعد قرابة خمس وعشرين ياردة خارج ~~المدينة حيث عثر على كنز بريام. وهناك اكتشف أطلال مبنى كبير؛ وكان - في النهاية - بناية تليق ~~بأبطال هوميروس؛ بل وظن شليمان أنه ربما كان قصر بريام. والأفضل من ذلك أن العمال قد عثروا داخل ~~جدران المبنى على بقايا أوان فخارية ms038 بأشكال وزخارف مسينية واضحة. وقد قدم ذلك لشليمان حلقة ~~الوصل التي كان يبحث عنها بين مسينا وطروادة. فلو كانا لم يتحاربا معا، فلا بد على الأقل أنه كان ~~هناك تبادل تجاري بينهما. # وللمفارقة، أكدت اكتشافات عام 1890 أيضا أسوأ مخاوف شليمان؛ إذ كانت الاكتشافات الجديدة قد ~~عثر عليها في مكان أقرب كثيرا للسطح عن البلدة التي نقب فيها شليمان في سبعينيات القرن التاسع ~~عشر. وكانت تلك إشارة إلى أن طروادة هوميروس قد بنيت بعد قرون من بناء المستوطنة الصغيرة التي وجد ~~شليمان الكنز فيها، وعليه فلا يمكن أن يكون الكنز خاصا ببريام، أو أي شخصية من الإلياذة. والأسوأ ~~أن ذلك كان يعني أن شليمان، في غمرة لهفته للوصول إلى قاع التل سريعا، قد حفر عبر أطلال طروادة ~~هوميروس مباشرة. وبقيامه بذلك، يكون - بشكل شبه مؤكد - قد دمر بعض أطلال المدينة التي رغب ~~باستماتة في العثور عليها. ~~••• # توفي شليمان عام 1890؛ ومن ثم تركت مهمة مواصلة التنقيبات لمساعده فلهلم دوبفلد. ~~افترض دوبفلد أن المنزل الكبير - المكتشف في وقت سابق من ذلك العام - كان جزءا من مدينة العصر ~~البرونزي التي كان شليمان يبحث عنها، وواصل الحفر إلى غرب وجنوب البلدة الأصلية. وعلى مدار عامي 1893 ~~و1894، عثر على مزيد من المنازل الكبيرة، وبرج مراقبة، وثلاثمائة ياردة من سور المدينة، وعثر كذلك ~~على المزيد من الفخاريات المسينية. # وخلص دوبفلد إلى أن «هذه» المدينة هي طروادة هوميروس. والحق أن البرج، والمنازل الكبيرة، ~~والشوارع الفسيحة؛ كانت أكثر تماشيا بكثير مع توصيفات الشاعر مقارنة بأي من المباني التي اكتشفها ~~شليمان. وقاد تحليل دوبفلد للطبقات في حصارليك إلى استنتاج أن مستعمرة شليمان الصغيرة كانت ثاني ما ~~بني في حصارليك، وأن تاريخها يعود إلى قرابة عام 2500 قبل الميلاد. أما طروادة دوبفلد، فكانت ~~سادس مدينة بنيت على نفس المكان، وشيدت فيما بين عامي 1500 و1000 قبل الميلاد. وعلى الرغم من ~~عدم دقة التأريخ، فقد وضع اكتشافات دوبفلد على مسافة قريبة بما يكفي للتاريخ التقليدي لحرب طروادة ~~- قرابة عام 1200 ms039 قبل الميلاد - ليعمق ذلك من قناعته بأنه عثر على طروادة هوميروس. # سادت آراء دوبفلد لقرابة أربعين عاما، حتى وصلت بعثة استكشافية أمريكية تحت قيادة كارل بليجن ~~إلى حصارليك. فقد أشارت عمليات الحفر بقيادة بليجن، التي استمرت من 1932 إلى 1938، إلى بعض المشكلات ~~الخطيرة بفرضية دوبفلد. فقد أصر بليجن على أن تدمير طروادة السادسة لا يمكن أن يكون نتيجة غزو ~~يوناني. فعند أحد أجزاء السور، تزحزح الأساس، في حين بدت الأجزاء الأخرى وقد انهارت كلية. وكان ~~بليجن يعتقد أن نوع الدمار لا يمكن أن يكون من صنع الإنسان - حتى على يد الرجال ذوي السمات الأشبه ~~بسمات الآلهة - وأرجعها إلى زلزال. # وفقا لبليجن، كانت المستعمرة التالية في حصارليك - والسابعة بشكل عام - هي طروادة هوميروس. ~~فبعد الزلزال، أعاد الطرواديون بناء مدينتهم، ولكن بطرق مختلفة اختلافا شاسعا. فقد قسمت بيوت ~~طروادة السادسة الكبيرة إلى غرف صغيرة، واكتظت الشوارع الفسيحة ببيوت صغيرة للغاية، لكل منها أوعية ~~تخزين كبيرة في عمق أرضياتها. وكانت دلالة كل هذا لبليجن هو وجود مدينة تحت الحصار؛ فمع وجود ~~الإغريق على أبواب طروادة، كان لزاما أن تملأ كل مساحة متاحة باللاجئين وبضائعهم. وخلص بليجن إلى ~~أن المدينة السابعة سقطت سريعا بعد السادسة؛ ومن ثم تظل متوافقة مع التاريخ التقليدي المتعارف ~~عليه لحرب طروادة. ~~••• # كان علماء الآثار الثلاثة، بداية من شليمان، ثم دوبفلد، ومن بعده بليجن، يعتقدون أنهم عثروا ~~على طروادة هوميروس في حصارليك، وإن كان على مستويات مختلفة. # وقد عزز عمل الباحثين وعلماء الآثار اللاحقين رأي الثلاثة، وجاء بعض من أكثر الأدلة إثارة من ~~أطلال الحضارة الحيثية التي ازدهرت في تركيا حتى وقت ما بعد عام 1200 قبل الميلاد. فخلال سبعينيات ~~وثمانينيات القرن العشرين، قام الباحثون بفك شفرة الألواح الطينية التي عثر عليها هناك، وكان بعضها ~~يدرج أسماء الملوك والدبلوماسيين الأجانب الذين تعامل معهم الحيثيون. وأشار بعض هؤلاء الباحثين ~~إلى وجود الترجمة الحيثية لاسمي بريام وباريس ضمن تلك الأسماء. # وبالعودة إلى حصارليك، في منتصف تسعينيات القرن العشرين، استخدم عالم الآثار الألماني ms040 مانفريد ~~كورفمان تكنولوجيا جديدة للاستشعار عن بعد لتتبع أثر أسوار مدينة دوبفلد- بليجن فيما وراء ~~الحدود القديمة. وكانت طروادة كورفمان، ربما أكثر من طروادة سابقيه، تتمثل في قلعة تليق بأبطال ~~هوميروس. وأشار تحليل كورفمان أيضا إلى أن الأسوار الطروادية ظلت مرئية في القرن الثامن قبل ~~الميلاد، حين كان هوميروس على الأرجح يزور الموقع. # غير أن غالبية الباحثين اليوم يتملكهم الحذر من القفز إلى أي استنتاجات؛ أو على الأقل القفز إلى ~~استنتاجات مثيرة كاستنتاجات شليمان، أو دوبفلد، أو بليجن. فقد أكدوا على أن الألواح الحيثية تخضع ~~لمجموعة متنوعة من التأويلات، وبالتأكيد لا تشكل دليلا على وجود ما يسمى ببريام أو باريس ~~يوما ما، فضلا عن هيكتور أو هيلين، أو أخيل أو أجاممنون. # ويعترف معظم الباحثين بأنهم لا يستطيعون الجزم بوقوع الحرب الطروادية من الأساس. فقد كانت ~~الإلياذة والأوديسة نتاج حنين لعصر ذهبي ولى منذ زمن بعيد، وكذا خيال شاعر في غاية الخصوبة؛ ومن ~~ثم لا يمكن اعتبارهما بالتأكيد من الروايات التاريخية التي يعول عليها. ولكن، مثلما اعتقد ~~شليمان، لم يعد بالإمكان الشك في أن التل في حصارليك كان مدينة عظيمة يوما ما، وكذلك الحال بالنسبة ~~إلى قلعة مسينا. وعلى الرغم من أن المؤرخين لا يمكنهم التأكد من أسماء أو إنجازات الشعب الذي عاش ~~في كلتيهما، فإنهم يعتبرون احتمال معرفة كل من الشعبين الكثير عن الآخر احتمالا ~~مرجحا. # لقد كان أهل طروادة وأهل مسينا يتحدثون معا، ويمارسون التجارة معا، ومن الجائز للغاية أن ~~يكون كل منهما قد حارب الآخر؛ وعلى الأقل إلى هذا الحد، كان شليمان - وهوميروس - على ~~حق. # لمزيد من البحث # Heinrich Schliemann, # Troy and Its ~~Remains ~~(London: John Murray, 1875). Schliemann’s own account of his 1871-1873 ~~excavation, including the discovery of Priam’s treasure ~~. # Carl Blegen, # Troy and the Trojans ~~(New ~~York: Praeger, 1963). Blegen’s version, based on his 1932-1938 ~~excavations ~~. # John M. Cook, # The Troad ~~(Oxford: The ~~Clarendon Press, 1973). A study of the archaeology in and around Hisarlik, including a ~~comprehensive survey of ms041 pre-Schliemann theories. Many of these theories located Troy near the ~~Turkish village of Pinarbasi, and Schliemann himself dug there before turning to ~~Hisarlik ~~. # Michael Wood, # In Search of the Trojan ~~War ~~(New York: Facts On File, 1985). A companion to a BBC program, this provides ~~a good introduction to Troy historiography, along with an intriguing and provocative look at ~~the Hittite evidence ~~. # William Calder III and David Traill, # Myth, ~~Scandal, and History ~~(Detroit: Wayne State University Press, 1986). A collection ~~of essays portraying Schliemann as a pathological liar, a thesis more fully developed in ~~Traill’s 1995 biography ~~. # David Traill, # Schliemann of Troy ~~(New ~~York: St. Martin’s Press, 1995). An extremely controversial, all-out attack on Schliemann, ~~accusing him of-among other things-cheating his business partners; lying to gain American ~~citizenship; failing to give credit to Frank Calvert; and, most devastating of all, making up ~~the story of how and where he found Priam’s treasure. According to Traill, Schliemann lied ~~about hiding the treasure in his wife’s shawl to conceal the fact that he’d actually gathered ~~the objects in the treasure from a variety of places in and around Hisarlik, then bunched ~~them together so he could pretend he’d made a dramatic discovery. Traill’s damning evidence ~~includes the indisputable fact that Schliemann’s wife was in Athens at the time of the ~~discovery. Traill’s critics argue that it would have been impossible for Schliemann to bring ~~together so many objects, all of which were later shown to come from the same period. They ~~also point out that the vast majority of his archaeological notes have turned out to be ~~largely accurate. But Traill’s defenders (and other Schliemann detractors) counter that the ~~evidence of Schliemann’s lying in his other business and personal dealings is overwhelming. ~~Schliemann, they contend, couldn’t be a Dr. Jekyll at Hisarlik while being a ms042 Mr. Hyde ~~elsewhere. The book is well worth reading, but don’t lose sight of the fact that the ~~questions raised are largely irrelevant to the larger question of what happened at Troy. ~~After all, even Schliemann eventually conceded that the part of Troy he first excavated dated ~~back to well before the Trojan War and that Priam’s treasure could not, therefore, have ~~belonged to Priam or any of his contemporaries ~~. # Caroline Moorehead, # Lost and Found ~~(New ~~York: Viking, 1996). As riveting as the history of Troy is the mysterious fate of Priam’s ~~treasure, entertainingly revealed in Moorehead’s book. Schliemann left the treasure to the ~~German government, which displayed it at Berlin’s Museum for Prehistory. In 1945 the treasure ~~disappeared, apparently lost forever. Then, in 1991, a Russian art historian and a curator at ~~the Pushkin Museum in Moscow broke the story that the entire treasure was buried in the ~~museum’s vaults, having been seized by Soviet troops at the end of World War ~~II ~~. # Vladimir Tolstikov and Mikhail Treister, # The Gold ~~of Troy, # trans. from the Russian by Christina Sever and Mila Bonnichsen (New ~~York: Abrams, 1996). In 1994 the Russians admitted they had the treasure and agreed to make ~~it available to scholars and the public. This is the catalog of the first public exhibition ~~in almost fifty years. It includes essays defending Schliemann (and the treasure) against ~~Traill’s accusations ~~. # Susan Allen, # Finding the Walls of Troy ~~(Berkeley: University of California Press, 1999). Schliemann, who didn’t want to share the ~~spotlight, later minimized Calvert’s contribution; here Allen moves Calvert out of the more ~~famous man’s shadow ~~. # الفصل السادس # | هل صلب المسيح؟ # إنه لغز كلاسيكي معجز. # رجل يعدم، ويصلب، ثم يغرز رمح في صدره للتأكد من موته، ويوارى جثمانه في التراب، ويقوم ~~على حراسته - بحسب بعض الروايات - قادة مخضرمون لوحدات المائة لدى الرومان. # وبعد ms043 يومين، يختفي الجثمان. ولكن الأمر الأكثر غموضا هو أن الأشخاص الذين كانوا على معرفة ~~وثيقة بالرجل يفيدون بأنهم قد رأوه وتحدثوا إليه. في البداية، يظنون أن ذلك نوع من الأحلام أو ~~الهلاوس، ولكنهم يلمسونه ويأكلون معه. وفي النهاية يخلصون إلى أن الرجل عاد للحياة. # هذا الرجل بالطبع هو يسوع الناصري، وبعثه للحياة من جديد لا يشكل فقط أساس المسيحية، ولكنه ~~يشكل أيضا لغزا استحوذ على اهتمام المؤرخين على مدى قرابة ألفي عام. ~~••• # مقارنة بمعظم الناس في عصره، كان ليسوع حياة موثقة أيما توثيق. # فقد ذكر المؤرخ الروماني تاسيتس، الذي كان يكتب في أوائل القرن الثاني، أن «المسيح» حكم عليه ~~بالإعدام من قبل الحاكم الروماني بيلاطس البنطي. وأضاف تاسيتس أن موته لم يوقف «الخرافات الخبيثة» ~~التي نشرها أتباعه. # كانت المصادر اليهودية على نفس القدر من الاقتضاب، باستثناء مؤرخ القرن الأول يوسيفوس؛ فقد روى ~~كيف أن يسوع، بعد أن حكم عليه بيلاطس بالصلب، قد «ظهر ... وأعيد للحياة؛ إذ كان أنبياء الله قد ~~تنبئوا بما حدث وغيره من الأشياء المذهلة التي لا حصر لها بشأنه.» وكانت الصياغة صياغة شخص مؤمن ~~إيمانا واضحا؛ ما دفع معظم المؤرخين لاستنتاج أن نساخا مسيحيا قد أضاف هذه التفاصيل فيما بعد ~~حتما. غير أن معظمهم أيضا اعتقدوا أن نص يوسيفوس الأصلي لا بد وأن يكون قد أورد ذكرا لموت ~~يسوع. # قدمت المصادر الرومانية واليهودية مجرد إشارات عابرة لموته. ولمعرفة المزيد عن «آلام» يسوع أو ~~معاناته، لجأ المؤرخون إلى العهد الجديد، لا سيما أناجيل مرقس ومتى ولوقا ويوحنا. ويعود تاريخ أولى ~~النسخ الموجودة حاليا من الأناجيل إلى القرن الرابع، ولكن معظم المؤرخين يعتقدون أن النسخ الأصلية ~~قد كتبت بعد البعث بما يتراوح بين 70 و110 أعوام، أو بين 40 و80 عاما. وهم يروون نفس القصة ~~الأساسية، بما في ذلك العشاء الأخير مع تلاميذه، وخيانة أحدهم له - وهو يهوذا الإسخريوطي - والقبض ~~عليه، ومحاكمته، وصلبه، وبعثه للحياة مرة أخرى. # وفيما وراء ذلك تكمن شتى أنواع التناقضات. ففي ~~إنجيل مرقس، الذي يعتقد ms044 معظم المؤرخين أنه أول الأناجيل، تجد ثلاث نساء شابا في رداء أبيض في إحدى ~~المقابر، يتضح أنه رسول أرسل ليخبرهم بأن يسوع بعث من الموت. وبعدها بعقد أو نحو ذلك، يضيف متى ~~وقوع زلزال، وضوء ساطع، وظهور فعلي ليسوع للنساء؛ وبعدها يظهر يسوع، على جبل في الجليل، لتلاميذه ~~الأحد عشر (إذ كان التلميذ الثاني عشر، يهوذا، قد شنق نفسه). وفي إنجيل لوقا - الذي كتب في نفس ~~توقيت كتابة إنجيل متى - لم يحدد عدد النساء في القبر، حيث يظهر ملكان. كما لم يكن الظهور الأول ~~ليسوع المبعوث حيا للنساء، وإنما لشخصين على الطريق إلى عمواس. وفي إنجيل يوحنا، تذهب امرأة واحدة ~~إلى القبر، ويظهر يسوع عدة مرات. # لماذا لا يستطيع كتاب الأناجيل تدوين قصصهم بشكل صحيح؟ إنهم يختلفون فيما بينهم على عدد مرات ~~الظهور، والأشخاص الذين ظهر لهم يسوع، وأوقات وأماكن الظهور، إلى جانب تفاصيل أخرى. # كانت هذه التناقضات في نظر الكثيرين سببا كافيا ~~لتكذيب الأناجيل تماما كوثائق تاريخية. والشيء الأهم أن جميع قصص البعث - شأنها شأن قصص معجزات يسوع ~~الأخرى - قد تحدت الاعتقاد المنطقي. ففي بداية القرن الثاني، وصف الفيلسوف سيلسوس البعث بأنه خرافة ~~من خرافات تلاميذ يسوع الذين كانوا «يعتصرهم الحزن من هذا الفشل، حتى إنهم أخذوا يهذون بأنه قد ~~بعث من الموت.» # بحلول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومع إحلال العقلانية محل الاعتقاد الديني فيما بين ~~معظم الغربيين المثقفين، سادت تنويعات لرؤية سيلسوس، خاصة فيما بين الليبراليين الذين شغلوا أقسام ~~اللاهوت البارزة بالجامعات الألمانية. ففي عام 1782، على سبيل المثال، توصل كارل فريدريش بارت إلى ~~نظرية «المسمارين» الخاصة بالصلب: فخلص إلى أن يدي يسوع لا قدميه قد ثبتتا على الصليب بمسمارين؛ ~~مما ساعده على المشي بعد إنزاله. وخمن بارت أن أتباع يسوع قد زودوه بالعقاقير المخدرة لتخفيف ~~الألم وإحداث غيبوبة أشبه بالموت، بعدها أخفوا معلمهم واعتنوا به حتى استرد عافيته. وفي عام ~~1835، استنكر ديفيد فريدريش شتراوس كل قصة من قصص الأناجيل باعتبارها خرافة. وفسر شتراوس البعث ~~كهستيريا جماعية. # وسادت ms045 العقلانية في أمريكا أيضا. ففي عام 1804، قرر توماس جفرسون أن يستخلص من الأناجيل ما هو ~~حقيقي فقط، وكان ما تبقى في «أناجيل جفرسون» هو الكثير من الأقوال والحكايات الرمزية ومجرد هياكل ~~للقصص الأصلية؛ لا معجزات، ولا أقوال عن «ألوهية» يسوع، وبالتأكيد لا بعث. # كل ذلك بدا منطقيا على أي حال في «عصر العقل». ~~وبحلول القرن العشرين، ارتضى الجميع حتى المسيحيون المتدينون أن يتركوا تاريخ يسوع للمؤرخين ~~العقلانيين. وكانت النتيجة حدوث نوع من الهدنة؛ فقد استطاع المسيحيون أن يشغلوا أنفسهم بالإيمان، ~~والمؤرخين بالتاريخ. كان هناك المسيح بالنسبة إلى الطرف الأول، ويسوع للطرف الآخر. ولم يضطر أي ~~منهما أن يولي الكثير من الانتباه للآخر. # وظلت الهدنة قائمة حتى النصف الثاني من القرن العشرين. ~~••• # ثمة عدد من العوامل التي أحيت عملية البحث عن يسوع التاريخي. فبدأ الباحثون التوراتيون في ~~التحول من الحلقات الدراسية والكليات الكنسية إلى المعاهد العلمانية؛ حيث توافرت لهم الحرية لإلقاء ~~نظرة جديدة على يسوع. وصار الباحثون من الفروع الأخرى، خاصة الأنثروبولوجيا الثقافية والعلوم ~~الاجتماعية، مهتمين بتاريخ الدين. ولكن كان أهم شيء في كل ذلك هو اكتشاف مجموعة من المخطوطات ~~القديمة، التي كانت ستحدث تغييرا مذهلا في كيفية رؤية المؤرخين لحياة يسوع وموته. # ففي ديسمبر من عام 1945، وفي إحدى مناطق صعيد مصر تدعى نجع حمادي، كان هناك قروي عربي اسمه ~~محمد علي السمان، يبحث عن تربة ناعمة لتخصيب محاصيله. وأثناء بحثه تعثر في جرة فخارية حمراء. ~~وعندما كسرها ليفتحها، وجد ثلاثة عشر مجلدا من البردي ملفوفة في قطعة من الجلد، إلى جانب بعض أوراق ~~البردي المنفردة. وقد استخدم بعضا من هذه الأوراق ذات اللون الأصفر الباهت في إشعال النار، إلا أن ~~بقيتها وجدت طريقها في النهاية إلى المتحف القبطي بالقاهرة. # كان من بين المخطوطات التي عثر عليها محمد علي السمان مخطوطة بعنوان «الإنجيل وفقا لتوما». ~~وكانت المخطوطات الكنسية الأولى قد ذكرت إنجيل توما (بازدراء في الأغلب)، ولكن المؤرخين كانوا ~~يعتقدون أنه فقد للأبد. ولكن ها هو قد ظهر في كامل صورته ms046 ومحفوظا بطريقة مثالية من هواء الصحراء ~~المصرية الجاف. وقد أرخ الكربون المشع أوراق البردي ليقع تاريخها بين عامي 350 و400. إلا أن بعض ~~الباحثين، على أثر ملاحظتهم أن إنجيل توما قد تألف بشكل شبه كامل من كلمات يسوع ذاته، كانوا يعتقدون ~~أنه كتب في زمن أقرب لزمن يسوع نفسه، ربما في العقد السادس من القرن الأول. وهذا من شأنه أن يجعل ~~توما أقدم من مرقس، ومتى، ولوقا، ويوحنا. # ماذا كان في جعبة توما لقوله بشأن بعث يسوع من الموت؟ # لا شيء البتة. # من الصعب أن تمثل عودة جسد ميت إلى الحياة مجرد تفصيلة تافهة من تفاصيل سيرة ذاتية. ومن الصعب ~~تخيل أن توما لم يكن قد سمع بالأمر، أو نسي ذكره؛ لذا خلص الكثير من المؤرخين إلى أن البعث كان ~~تلفيقا من قبل المسيحيين اللاحقين، ربما مرقس، وليس من يسوع أو تلاميذه. # وجه توما أنظار الباحثين المعاصرين إلى جدل أثير فيما يبدو على مدى القرنين الأولين بعد ~~موت يسوع. على أحد طرفيه وقف المسيحيون الأرثوذكس الذين كانوا يصرون (ومعهم مرقس، ومتى، ولوقا، ~~ويوحنا) على أن يسوع قد بعث من الموت. وليس ذلك فقط، بل قام بجسده؛ وأسهبت الأناجيل المطابقة للشرع ~~الكنسي لتؤكد على أن يسوع المبعوث من الموت لم يظهر فقط لأتباعه، بل تحدث إليهم، وتناول الطعام معهم، ~~وحثهم على ملامسته، وأخبرهم صراحة (في إنجيل لوقا) أنه «ليس شبحا». # وقف ضد هذه الرؤية الأرثوذكسية «الغنوصيون» الذين يمثل توما أحد طوائفهم. كانوا هم أيضا ~~يعتقدون أن يسوع قد عاد للحياة؛ ولكن ليس بالمعنى الحرفي. فقد كان الغنوصيون يرون أن يسوع ظهر في ~~تجليات روحانية، وفي الرؤى والأحلام. وعلى غرار مارتن لوثر الذي جاء بعد أكثر من ألف عام أو العديد ~~من الجماعات الخمسينية اليوم، اعتقد الغنوصيون أن بإمكان يسوع الإيحاء لأي فرد في أي زمان. # تم اكتشاف إنجيل خامس - هو إنجيل توما - في عام 1945. لم يذكر توما البعث؛ ما أدى ببعض ~~الباحثين إلى تخمين أنه كان من تلفيق المسيحيين اللاحقين. (الصورة ms047 بعدسة جون دوريس، بتصريح من ~~معهد الآثار والمسيحية.) # لماذا أصر المسيحيون الأرثوذكس على رؤية حرفية للبعث؟ ولماذا رفضوا الغنوصية رفضا عنيفا ~~بوصفها هرطقة؟ # أشارت واحدة من الباحثين الغنوصيين البارزين، وهي إلين باجلز، إلى أن الإجابة تتعلق بالسياسة ~~أكثر من تعلقها بالدين. فقد ذهبت إلى أن البعث قد عمل على إضفاء شرعية على سلطة الرجال الذين ~~ورثوا قيادة الكنيسة من التلاميذ الذين شاهدوا المسيح وقد قام من الموت. ولو كان بوسع أي شخص رؤية ~~المسيح بمفرده، فإن ذلك من شأنه أن يضعف سلطتهم تماما؛ لذا فبحسب باجلز، كان من الأهمية بمكان لقادة ~~الكنيسة التشديد (مثلما فعل لوقا) على أن الرب المبعوث من الموت قد مكث على الأرض لمدة أربعين يوما، ~~ثم صعد إلى السماء. وأي مشاهدات ليسوع «بعد» تلك الأيام الأربعين لم يكن لها أي قيمة. ~~••• # بحلول ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، حل إجماع جديد وأكثر تحررا بكثير محل الرؤية ~~التي كانت سائدة فيما مضى بشأن يسوع. فمع اختزال البعث إلى خدعة سياسية (وإن كانت ذكية)، استشعر ~~علماء اللاهوت الحرية في التركيز على أقوال يسوع بدلا من التركيز على موته. فمع التحرر من صورته ~~بوصفه المسيح المخلص، ظهر يسوع في اللوحات في مجموعة متنوعة من الهيئات: في صورة قروي، وحكيم، ~~وحاخام، وبوذي، وثوري، بل حتى ممثل هزلي يلقي الدعابات. # وقد تجمع الكثيرون ممن رسموا تلك اللوحات في عام 1985 في «ندوة يسوع». وفي هذه الندوة، لم يناقش ~~الأعضاء أو يتجادلوا بشأن تاريخية الأناجيل فحسب، بل كانوا يصوتون عليها أيضا. ومن خلال اللعب على ~~تقليد طباعة كلمات يسوع بالحبر الأحمر، كان الباحثون يتناوبون إلقاء حبات الخرز في حاوية. وكانت ~~الخرزة الحمراء تعني أن هذا المقطع من الإنجيل «أصلي»، في حين كانت الوردية تعني «ربما يكون ~~أصليا »، والرمادية «ليس أصليا على الأرجح»، أما السوداء فكانت تعني «ليس أصليا بالمرة». # كان التصويت يضمن العلنية، وكذلك يضمن وجود قدر من الدعابة. وكان الأعضاء يرحبون بالاهتمام ~~بالموضوع؛ فقد كان لتاريخية يسوع بالنسبة إلى كثيرين أكثر من مجرد ms048 أهمية أكاديمية. وكان المؤسس ~~روبرت فنك يرى أن ندوة يسوع تحد مباشر ومتعمد لليمين المسيحي، ومحاولة لنزع زمام السيطرة على ~~الخطاب الديني من أتباع بات روبرتسون وجيري فالويل. # غير أن فنك وأتباعه، على عكس روبرتسون وفالويل، كانوا باحثين جادين، وهو ما وضع أمامهم مشكلة ~~فكرية. فقد كان هناك الكثير من الأدلة في الأناجيل على رؤيتهم ليسوع كحكيم يتجول عبر الريف؛ أسبه ~~بسقراط يهودي. غير أنهم لم يستطيعوا اقتباس أقواله وحكاياته الرمزية ثم تجاهل كل شيء في الأناجيل، ~~بما في ذلك كلماته، عن موته وبعثه. # ومن ثم سلكوا مجموعة متنوعة من الطرق. فذهب ~~البعض، مثل برتون ماك من معهد الآثار والمسيحية بكاليفورنيا، إلى أن آلام المسيح لم تكن سوى تلفيق ~~من الأرثوذكسية اللاحقة؛ فلم يكن هناك واقعة في المعبد، ولم يكن هناك عشاء أخير، بل على الأرجح أن ~~يسوع لم يمت على صليب. وسلم جون دومينيك كروسان، وهو قس سابق تحول إلى أستاذ بجامعة دي بول ~~بشيكاغو، بأنه كان هناك عشاء أخير ولكنه سخر قائلا إن «كل شخص لديه عشاء أخير؛ والبراعة أن نعلم ~~بشأنه مسبقا.» وخلص كروسان إلى أنه من غير المحتمل أن يكون جسد يسوع المصلوب قد فر من مصير ~~الأجساد المصلوبة الأخرى، وهو نهشها من قبل الكلاب البرية. # ولا غرابة في أن ندوة يسوع قد أحدثت حراكا مضادا، مع اتهام الباحثين المحافظين لها بتضليل ~~القراء ودفعهم للاعتقاد بأن التحليل الأدبي أو التاريخي للأناجيل استطاع أن يظهر يسوع الحقيقي. فقد ~~شدد الكثير من الباحثين المحافظين على مدى تشبع الأناجيل بإشارات الصلب والبعث، إلا أن هذه ~~الإشارات في نظر الليبراليين كانت مجرد أمثلة أخرى على تلفيق كتاب الأناجيل. # وبوجه عام، ما زال هناك تنوع في الإجماع الليبرالي في الدوائر الأكاديمية، حيث أقحم يسوع في ~~قضايا مثل قضايا المرأة والشذوذ. وعلى غرار مارتن لوثر، أخذ روبرت فنك مؤسس ندوة يسوع أطروحاته وقام ~~بتعليقها بمسمار - أو ربما لصقها - على باب الكنيسة. وستكشف الأيام إن كانت ستصمد أم لا. # لمزيد من البحث # The ms049 New Testament. # A best-seller for ~~almost two millennia. While you’re at it, you might want to read the Old Testament, ~~too ~~. # James Robinson, ed., # The Nag Hammadi Library in ~~English ~~(San Francisco: Harper & Row, 1988). Translations from the Coptic, ~~including the Gospel of Thomas ~~. # David Freidrich Strauss, # Life of Jesus Critically ~~Examined ~~(Philadelphia: Fortress Press, 1972). Originally published in German in ~~1835 and still a classic of rationalism ~~. # Albert Schweitzer, # The Quest of the Historical ~~Jesus ~~(New York: Macmillan, 1955). Originally published in German in 1906, ~~Schweitzer’s book offered a thorough historiography up to then. Schweitzer devoted his life ~~to practicing medicine on the disease-beset coast of Africa, convincing many that he had much ~~in common with the subject of his book ~~. # Edmund Wilson, # The Dead Sea Scrolls ~~(New York: Oxford University Press, 1969). The 1947 discovery of these documents near the ~~shore of the Dead Sea created even more furor than the Nag Hammadi find. Many, including ~~Wilson, believed the texts would change our view of Christian origins by shedding light on a ~~sect that had much in common with Jesus’ early followers. Scandalously long delays in ~~publishing the scrolls convinced many, again including Wilson, that church leaders were ~~suppressing evidence because it challenged the uniqueness of Christianity. In the 1990s, ~~after Wilson’s death, the scrolls were finally opened to all scholars, and most concluded ~~that they confirmed his basic claim that Christianity grew out of first-century Judaism. ~~They’ve been a disappointment, however, to those who hoped to find a direct connection to ~~Jesus. The first part of Wilson’s book was originally published in ~~1955 ~~. # Hugh Schonfield, # The Passover Plot ~~(Dorset, Eng.: Element, 1965). Paints Jesus as a political revolutionary who deliberately ~~provoked the authorities, then arranged to be taken down from the cross alive so he could ~~“rise” again ~~. # Elaine Pagels, # The Gnostic Gospels ms050 ~~(New ~~York: Random House, 1979). The politics of early Christianity as revealed through the Nag ~~Hammadi documents ~~. # John Dominic Crossan, # The Historical ~~Jesus ~~(San Francisco: HarperCollins, 1991). Jesus as Jewish peasant. Crossan ~~writes clearly and passionately, making his later, more pop distillations of this work (of ~~which the most notable is his 1995 book # Jesus: A Revolutionary ~~Biography ~~) largely unnecessary ~~. # Barbara Thiering, # Jesus and the Riddle of the Dead ~~Sea Scrolls ~~(San Francisco: HarperCollins, 1992). A dissident scholar’s view of ~~the Dead Sea Scrolls as cryptograms about Jesus that reveal that he did not die on the cross ~~but was later revived and traveled around the Mediterranean in the company of Peter and Paul ~~. # A. N. Wilson, # Jesus: A Life ~~(New York: ~~W. W. Norton, 1992). Wilson’s theory is that the man who appeared as the resurrected Jesus ~~was one of his brothers, probably James, who took the opportunity to seize control over ~~Jesus’ movement ~~. # Robert Funk, Roy Hoover, and the Jesus Seminar, # The Five Gospels ~~(New York: Macmillan, 1993). When the votes were in, only 18 ~~percent of the words ascribed to Jesus in the gospels passed as authentic; postpublication ~~votes moved on from his words to his deeds and, not surprisingly, the resurrection lost the ~~election ~~. # E. P. Sanders, # The Historical Figure of ~~Jesus ~~(London: Allen Lane, 1993). Jesus as a Jewish prophet who believed the ~~world was about to end ~~. # John Shelby Spong, # Resurrection: Myth or ~~Reality? ~~(San Francisco: HarperCollins, 1994). An Episcopal bishop’s intellectual ~~journey from a literal to a more symbolic belief in Easter ~~. # Burton Mack, # Who Wrote the New ~~Testament? ~~(San Francisco: HarperCollins, 1995). ~~Mack goes farther than most modern scholars, even secular ones, in exposing how the gospels ~~were fictional mythologies only distantly related to the historical ~~Jesus ~~. # Robert Funk, # Honest to Jesus ~~(San ~~Francisco: HarperCollins, 1996). The latest work from the ms051 founder of the Jesus Seminar; as ~~always, he’s provocative and readable ~~. # Luke Timothy Johnson, # The Real Jesus ~~(San Francisco: HarperCollins, 1996). A sharp attack on the Jesus Seminar and the “misguided” ~~quest for the historical Jesus ~~. # Russell Shorto, # Gospel Truth ~~(New York: ~~Riverhead Books, 1997). A journalist’s entertaining survey of the most recent searchers for ~~the historical Jesus, in particular the members of the Jesus Seminar ~~. # Charlotte Allen, # The Human Christ ~~(New ~~York: The Free Press, ~~1998). A thorough ~~account of the search for the historical Jesus, though sometimes colored by Allen’s ~~Catholicism ~~. # الفصل السابع # | ما هي خطوط نازكا؟ # في سبتمبر من عام 1926، تسلق اثنان من علماء الآثار - البيروفي توريبيو ميخيا والأمريكي ~~ألفريد كروبر - المنحدرات الصخرية الواقعة بالقرب من بلدة نازكا في جنوب غرب بيرو، وكانا يعتزمان فحص ~~جبانة قريبة. بعد ذلك، عندما توقفا للحظات ونظرا إلى الصحراء الحصوية المنبسطة من أعلى، لاحظا وجود ~~سلسلة من الخطوط الطويلة المستقيمة تمتد عبر الأفق. واعتقد كلا الباحثين أن تلك الخطوط هي نظام ~~للري من نوع ما، ولم يولها أي منهما الكثير من التفكير بخلاف ذلك. # وحتى ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأت خطوط الطيران التجارية في التحليق فوق الصحراء، لم يدرك ~~الطيارون والمسافرون أن هناك المزيد والمزيد من هذه الخطوط، بل والمزيد فيما يتعلق بأصولها. فقد ~~استطاعوا من فوق السحاب رؤية المئات من الخطوط، التي يتجه الكثير منها إلى الخارج من نقاط مركزية، ~~والبعض منها يمتد لأميال باستقامة تامة. كذلك كانت هناك أشكال أخرى تراوحت بين مثلثات ومستطيلات، ~~وأشباه منحرف، وحلزونات، والعديد من أشكال الحيوانات. وبحسب ما كتبه عالم الأنثروبولوجيا أنتوني ~~أفيني، فإن المشهد من السماء كان أشبه بسبورة لم يمح ما عليها في نهاية حصة هندسة مليئة بالشرح ~~والتوضيح. # عند نزول عالمي الآثار إلى الأرض، أقبلا على فحص الخطوط والأشكال ورأيا أنها قد نقشت عن ~~طريق إزاحة الحصى الذي يغطي الصحراء جانبا. وأسفل هذا الحصى كانت هناك رمال فاتحة برزت واضحة وسط ~~بقية الرمال؛ لأن ms052 الحصى الأدكن كان قد كون حدا بمحاذاة الخطوط والأشكال. وقد أدرك عالما الآثار ~~كذلك أن هذه الرسومات بمجرد رسمها استطاعت أن تبقى على حالتها الأصلية لأجل غير مسمى؛ فقد كانت ~~الصحراء حول نازكا في غاية الجفاف (إذ تتلقى قرابة عشرين «دقيقة» من ~~الأمطار في السنة)، كما لم تهب عليها الرياح؛ حتى إن هذه الخطوط ~~قد يصل عمرها إلى قرون أو حتى آلاف السنين. وبالفعل، فإن بقايا الفخاريات التي وجدت بمحاذاة بعض ~~الخطوط بدت تشير إلى أن بعضها قد تكون منذ أكثر من ألفي عام. # تساءل العلماء: ما الذي يمكن أن يكون قد أوحى لفناني تلك الفترة باختيار مثل هذه الرسومات ~~الصعبة؟ ولماذا رسموا نقوشا بهذه الضخامة، حتى إنه لم يكن بالإمكان التعرف عليها من مستوى أرضي؟ ~~خمن البعض أن سكان نازكا القدماء ربما يكونون قد عرفوا كيفية الطيران، باستخدام نوع من الطائرات ~~الشراعية البدائية أو مناطيد الهواء الساخن. أو ربما، وفقا لأشهر التفسيرات لوجود الخطوط والأشكال، ~~لم يكن سكان نازكا هم من رسموها، وإنما زائرون من الفضاء الخارجي؛ وبحسب هذه النظرية، فقد كانت ~~الخطوط عبارة عن مهابط لمركبات الفضاء الخارجي، والأشكال مواقع هبوط لها. # كانت نظرية الفضاء الخارجي، التي تسبب في شهرتها الكتاب الأكثر مبيعا «مركبات الآلهة؟» ~~لمؤلفه إيريك فون دانيكن، خيالا محضا. فلم تقم على أكثر من تشابه سطحي للغاية بين جزء صغير من ~~النقوش الصحراوية وأحد المطارات الحديثة. ولكن كتاب فون دانيكن، شأنه شأن نظرية أن سكان نازكا ~~القدماء كان بمقدورهم الطيران، قدم على الأقل تفسيرا من نوع ما للنقوش الضخمة والغامضة. # كيف استطاع العلماء أيضا تفسير هذه الخطوط التي نقشت في الرمال؛ ولكن لم يكن بالإمكان رؤيتها ~~إلا من السماء؟ ~~••• # جاءت أولى الدراسات الجادة لخطوط نازكا في عام 1941، حين قام مؤرخ أمريكي يدعى بول كوسوك ~~بزيارة الصحراء. كان كوسوك أيضا يبحث عن حل اللغز بالنظر إلى السماء. وجاءته لحظة الإلهام في حين ~~كان يشاهد غروب الشمس، فإذا به فجأة يلاحظ أنها تغرب فوق نهاية أحد الخطوط الطويلة ms053 بالضبط. وبعد ~~لحظة، أدرك أن اليوم هو 22 يونيو، أقصر يوم في السنة واليوم الذي تغرب فيه الشمس في أقصى الشمال ~~الغربي. # لما لم يكن بالإمكان رؤية خطوط نازكا - مثل طائر الطنان الضخم هذا - إلا من أعلى، فقد ~~خمن بعض العلماء أن البيروفيين القدماء ربما كانوا يعرفون كيفية الطيران. (حقوق الطبع محفوظة ~~لبيتمان/كوربيس.) # يسترجع كوسوك الأمر لاحقا بقوله: «أدركنا في الحال بسعادة جمة أننا قد وجدنا، فيما يبدو، ~~مفتاح حل اللغز! فلا شك أن سكان نازكا القدماء قد نقشوا هذا الخط لتمييز الانقلاب الشتوي. وإذا ~~كان الأمر كذلك، فمن المرجح للغاية أن تكون العلامات الأخرى مرتبطة بطريقة ما بأنشطة فلكية وأخرى ~~ذات صلة.» # اضطر كوسوك لمغادرة الصحراء قبل أن يتسنى له إجراء دراسة أكثر شمولا؛ لذا استعان بمساعدة ~~ماريا رايشي؛ وهي معلمة رياضيات في ليما، ألمانية المولد. وبنهاية العام، كانت رايشي قد اكتشفت أن ~~اثني عشر خطا آخر قد أدت إما للانقلاب الشتوي أو الانقلاب الصيفي. وخلص كوسوك ورايشي إلى أن ~~الصحراء كانت «أكبر كتاب فلك في العالم». وبتمييز المواقع الفلكية المهمة في الأفق، عملت أيضا ~~الخطوط كتقويم ضخم. # ذهب منتقدو كوسوك ورايشي إلى أنه مع امتداد هذا العدد الضخم من الخطوط في هذا العدد الضخم من ~~الاتجاهات المختلفة، فإنها مجرد مصادفة أن يكون البعض منها في محاذاة مع الشمس. وصارت هناك حاجة ~~لمقاربة أكثر منهجية. # كان هذا بالضبط ما عزم جيرالد هوكينز - حين وصل إلى بيرو في عام 1968 - على تقديمه؛ وبدا الرجل ~~المناسب تماما لتلك المهمة. فقد كان فلكيا وليس عالم آثار، وكان تحليله الذي توصل إليه بمساعدة ~~الكمبيوتر للمحاذاة السماوية في ستونهنج قد أقنعه بأن تلك الأطلال كانت يوما ما مرصدا فلكيا. ~~فبدأ هوكينز مهمته بتخصيص فريق للتحليق فوق الصحراء والتقاط مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي ~~استخدمت لوضع خريطة دقيقة للخطوط، ثم قام بتغذية الكمبيوتر بمواقع الشمس والقمر والنجوم المختلفة ~~عبر الأفق، مع تعديلها بحيث يأخذ في الاعتبار التغيرات التي حدثت تدريجيا على مدار الألفي عام ~~المنصرمة. ms054 وفي النهاية، وقع اختياره على 186 خطا من قسم معين من الصحراء. # وجد هوكينز أن 39 خطا من ال 186 قد تطابق كل منها مع أحد المواقع الفلكية. قد يبدو ذلك ~~رائعا، ولكن مع كثرة المواقع الفلكية الموجودة للاختيار من بينها، كان ذلك فعليا خيبة أمل ضخمة. ~~فقد أمكن التنبؤ بأن قرابة 19 خطا وافق المحاذاة مع المواقع الفلكية من منطلق المصادفة وحدها، ~~والكثير من التوافقات الأخرى كانت في الواقع «مزدوجة»؛ حيث أدى خط واحد إلى انقلاب شتوي في اتجاه، ~~وانقلاب صيفي في الاتجاه الآخر. أضف إلى ذلك أن أكثر من 80 بالمائة من الخطوط المختارة كانت تسير في ~~اتجاهات عشوائية تماما. # ومن ثم خلص هوكينز، المؤيد الأكبر لوجود تفسير فلكي لستونهنج، إلى أن «نظرية تقويم الشمس ~~والقمر والنجوم قد قضي عليها بواسطة الكمبيوتر» في نازكا. ~~••• # في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، قامت عالمة الآثار الكندية برسيس كلاركسون بجمع شظايا الفخار ~~الموجودة بمحاذاة الخطوط، ثم قارنتها بالفخار المعروف مصدره من حقب متعددة من عصر ما قبل التاريخ ~~البيروفي. وكان الاستنتاج المدهش الذي توصلت إليه هو أن بعض الشظايا (خاصة تلك القريبة من رسوم ~~الحيوانات) يرجع تاريخها إلى ما بين عامي 200 قبل الميلاد و200 ميلاديا، في حين تطابقت الأخرى مع ~~طراز فني ساد بعدها بألف عام تقريبا. # كانت النتائج بالنسبة إلى أولئك الساعين لإيجاد تفسير للخطوط مثيرة؛ فإذا كانت الرسوم والخطوط ~~قد نقشت على مدار تلك الفترة الطويلة، وإذا كانت قد مثلت أعمال أناس من حقب مختلفة تماما، إذن ~~فقد تكون أيضا قد خدمت مجموعة متنوعة من الأهداف. بعبارة أخرى، هناك أكثر من تفسير قد ينطبق على ~~الخطوط، أو بالعودة إلى استعارة أفيني، لعل السبورة كانت مغطاة بأعمال لم تمح، ليس لحصة واحدة، بل ~~للعديد من حصص الهندسة المختلفة. # كان للتفسيرات التالية التي ظهرت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين صلة دائمة بالماء؛ ولا غرابة ~~في ذلك بالنظر إلى ندرته في الصحراء. فقد ذهب عالم الأنثروبولوجيا يوهان راينهارد إلى أن بعض الخطوط ms055 ~~ربما تكون قد ربطت نقاطا معينة في منظومة الري بأماكن العبادة، ربما كجزء من أحد طقوس الخصوبة. ~~واتخذت تصاميم الطيور العديدة مدلولا جديدا، لا سيما أن مزارعي نازكا في العصر الحديث يفسرون رؤية ~~طيور البلشون، أو البجع، أو الكوندور كدلالات لنزول المطر؛ وربما كان رسم الطيور والحيوانات الأخرى ~~طلبا لهطول المطر. # لاحظ عالما أنثروبولوجيا آخران، هما أفيني وهيلين سيلفرمان، أن الخطوط تتلازم مع العديد من ~~المواقع الجغرافية. فقد كانت معظم الخطوط مصممة في نفس الاتجاه الذي تدفق فيه الماء بعد العاصفة ~~الممطرة الصحراوية النادرة، والعديد منها كان له نفس اتجاه المجاري المائية القريبة حيث كانت المياه ~~تجري يوما ما. لم يكن أفيني وسيلفرمان يعتقدان أن الخطوط كانت مصارف ري - إذ كانت من الضحالة مما ~~يتعذر معها أن تكون مصارف - ولكنهما اتفقا في الرأي مع راينهارد في وجود صلة شعائرية من نوع ما بين ~~الخطوط والماء. # كذلك تعاون أفيني مع عالم آخر في الأنثروبولوجيا، هو توم زوداما - وهو خبير في شعب الإنكا الذين ~~حكموا جزءا كبيرا من بيرو حين وصل الإسبان. أدرك زوداما أن كوزكو، عاصمة إمبراطورية الإنكا، ~~صممت كشبكة من الخطوط المستقيمة التي تنطلق كشعاع من معبد الشمس، في منتصف المدينة. وكان للتصميم ~~الشعاعي مدلول ديني واجتماعي للإنكا، وفقا للمؤرخين الإسبان الأوائل. وخلص زوداما وأفيني إلى أن ~~التصميم الشعاعي للعديد من الخطوط الصحراوية قد أشار إلى أن سكان نازكا كانت لهم معتقدات ~~مماثلة. # بحث عالم آخر في الأنثروبولوجيا، هو جاري أورتون، عن أشياء موازية في ممارسات السكان ~~المعاصرين للقرى الجبلية بالقرب من كوزكو. فراح أورتون يصف كيف شارك أهل قرية باكاريكتامبو، أثناء ~~احتفالات معينة، في طقس يتمثل في كنس الطرقات الطويلة الرفيعة للساحة العامة. ومن ثم لم يبد ~~بعيدا عن مخيلة أورتون أن يتصور سكان نازكا القدماء وهم يؤدون طقسا مماثلا على الخطوط ~~الصحراوية. ~~••• # في تلك الأثناء، واصلت ماريا رايشي الحياة في نازكا، ليس فقط كخبيرة في الخطوط، بل أيضا كحارسة ~~لها. وبعد أن حولت أعمال فون دانيكن نازكا إلى ms056 وجهة سياحية، استخدمت رايشي مواردها المالية ~~المحدودة لجلب حراس أمن. حتى بعد أن صارت سيدة عجوزا، كانت تجوب الصحراء على كرسيها المتحرك، ~~وتقوم بطرد السياح إذا خشيت أن يلحقوا ضررا بالخطوط. فكانت في نازكا بطلة قومية. # في بداية تسعينيات القرن العشرين، أصبحت ماريا رايشي وشقيقتها - ريناته رايشي - في غاية اليقظة ~~والانتباه، على الأقل وفقا لبعض الباحثين. فقد قام حراس ماريا رايشي بمنع كل من كلاركسون وأورتون ~~من العمل في الصحراء مؤقتا، متهمين الأولى بسرقة قطع خزف مكسورة والأخير بتعمد الإضرار بالسهول. ~~فربما كانت ماريا رايشي، حسبما أشار منتقدوها، تحاول الحفاظ على نظريتها الفلكية وكذا خطوطها. # وإذا كان الأمر كذلك، فقد تكون ماريا رايشي، التي توفيت عام 1998 عن عمر يناهز الخامسة ~~والتسعين، قد استمدت بعض السلوى من أحدث التحليلات الفلكية التي أجراها أفيني وفلكي بريطاني يدعى ~~كلايف راجلز. فشأنهما شأن هوكينز، وجدا - أفيني وراجلز - أن المحاذاة السماوية لا يمكن أن تبرر ~~غالبية خطوط نازكا. غير أنهما قد خلصا، على عكس هوكينز، إلى أنه كانت هناك العديد من حالات المحاذاة ~~مع المواقع الفلكية لدرجة تجعل من المستحيل أن تكون جميعها مجرد مصادفة. لاحظ أفيني كذلك أن بعضا ~~من الخطوط الشعاعية في كوزكو قد كانت في محاذاة مع مواقع للشمس والقمر والنجوم؛ ما أدى به إلى ~~استنتاج أن علم الفلك كان له دور ما في نازكا، وإن كان دورا أصغر كثيرا مما تخيله كوسوك أو ~~رايشي. # كان قراء فون دانيكن أيضا سيصابون بخيبة أمل بلا شك بفعل أحدث ما تم التوصل إليه من التفكير ~~بشأن الخطوط. فنطاق النظريات المتداخلة - الفلكية، والزراعية، والدينية - لا يوفر الرضا نفسه الذي ~~كان سيتوافر في وجود تفسير واحد. ولكن للأسف، فمن المستبعد تماما أنه قد كان هناك تفسير واحد استطاع ~~أن يبرر وجود كل الخطوط والرسوم. # غير أن هناك الكثير من الأمور المشتركة فيما بين النتائج الأخيرة لأفيني وسيلفرمان وأورتون ~~وزوداما، وآخرين غيرهم، أكثر مما يبدو الحال للوهلة الأولى. فقد بدأ كل من هؤلاء الباحثين بالبحث ~~عن ms057 صلات بين سكان نازكا والثقافات البيروفية الأخرى، سواء أكانت قديمة أم حديثة. وكل من هذه الصلات ~~ساعد في فهم خطوط نازكا. # لقد أطلق على الخطوط «إحدى عجائب العالم القديم»؛ مما يوحي بأنها كانت لافتة للنظر، لدرجة ~~تجعل من الصعب فهمها في سياق أي شيء آخر معروف عن آثار أمريكا الجنوبية. ولكن العكس صحيح من وجهة ~~نظر أحدث علماء الآثار والأنثروبولوجيا، ومؤرخي نازكا: فإذا كنا سنفهم الخطوط على الإطلاق، فلا يمكن ~~لذلك أن يتحقق إلا في سياق عالمها. # لمزيد من البحث Paul Kosok and Maria Reiche, “The Mysterious Markings of Nazca,” # Natural ~~History ~~(May 1947). The astronomical thesis, with which everyone who came after ~~had to (and still has to) contend ~~. # Erich von Däniken, # Chariots of the ~~Gods? ~~(New York: G. P. Putnam’s Sons, 1969). The Nazca lines make up just one ~~element of von Daniken’s case that aliens once visited Earth; his other “proof” includes the ~~Easter Island statues and the pyramids of Egypt ~~. # Gerald Hawkins, # Beyond Stonehenge ~~(New ~~York: Harper & Row, 1973). In spite of his negative conclusions about Nazca, Hawkins ~~makes a strong case for the astronomical sophistication of ancient ~~humans ~~. # Tony Morrison, # The Mystery of the Nasca ~~Lines ~~(Suffolk, Eng.: Nonesuch Expeditions, 1987). A fine popular survey, though ~~with a great deal of not particularly interesting biographical information about key ~~researchers (especially Reiche). Superb photos ~~. # Evan Hadingham, # Lines to the Mountain ~~Gods ~~(New York: Random House, 1987). An excellent summary of others’ theories, ~~leading up to Hadingham’s own speculation that the drawings were directed at the gods on whom ~~the Nazcans depended for water ~~. # Anthony Aveni, ed., # The Lines of Nazca ~~(Philadelphia: American Philosophical Society, 1990). A collection of essays by the leading ~~researchers, including Clarkson, Urton, Silverman, Ruggles, and Aveni himself, all offering a ~~pan-Andean approach to the lines ~~. # الفصل الثامن # | من هو الملك آرثر؟ # من السهل تتبع أصول أسطورة الملك آرثر؛ ms058 على العكس تماما من تتبع أصول الرجل الحقيقي. ويرجع ~~الكثير من الفضل في ذلك إلى كاهن ويلزي غامض يدعى جيفري المنموثي، الذي كان يدرس في أكسفورد ~~خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر. وفي قرابة عام 1138، أخرج جيفري كتابه «تاريخ ملوك بريطانيا» ~~إلى النور. # تصل القصة، كما يرويها جيفري، إلى ذروتها في القرن الخامس؛ إذ يقوم الساكسونيون الوثنيون، ~~بقيادة الأخوين هنجيست وهورسا، بغزو وتدمير قطاع كبير من البلاد، ويظهر ساحر شاب، يدعى ميرلين، في ~~المشهد بتنبؤات عن ملك سوف ينقذ بريطانيا. # في تلك الأثناء، يقع الملك أوثر في حب إيجرنا بلا أمل؛ فلسوء الحظ هي متزوجة بالفعل - من ~~جورلويس دوق كورنوول. فيتدخل ميرلين للمساعدة، فيحول أوثر إلى نسخة طبق الأصل من جورلويس، بحيث ~~يتمكن الملك من مغافلة حرس الدوق، وممارسة الحب مع إيجرنا، وكان هذا ما أتى بآرثر إلى الحياة. # تمر قرابة خمسة عشر عاما سريعا حين يعتلي آرثر الشاب العرش، فيهزم الساكسونيين شر هزيمة، ~~ويحصرهم في جزء صغير من بريطانيا. وفيما بعد يقهر البيكتس، والاسكتلنديين، والأيرلنديين، ~~والأيسلنديين، من بين آخرين كثيرين. وحين يطالبه السفراء الرومان بأن يعرب عن إجلاله وتقديره ~~للإمبراطور، يعبر آرثر القنال الإنجليزي ويهزم جيوشهم في فرنسا. # وبينما كان آرثر بالخارج، نصب ابن أخيه موردرد نفسه ملكا، ووقع في الرذيلة مع مليكة آرثر ~~جنيفر. وحين يعود آرثر ويذبح الخائن، يصاب بجرح خطير، ليشاهد آخر مرة وهو ينقل إلى «جزيرة ~~أفالون». # هكذا سارت القصة كما رواها جيفري المنموثي. كان انتصار آرثر مؤقتا فقط؛ إذ هزم ~~الأنجلوساكسونيون مواطني آرثر البريتانيين (لتتحول بريطانيا إلى أنجل لاند (التي تعني بالعربية أرض ~~الأنجل) أو إنجلاند (التي تعني بالعربية إنجلترا)). ولكن ذلك لم يضف سوى جاذبية للقصة لدى ~~البريتانيين الذين كانوا يشعرون بحنين إلى عصر ذهبي حكموا فيه الأرض؛ فآرثر بالنسبة إليهم لم يمت، ~~بل كان في انتظار اللحظة المناسبة للعودة من أفالون. # بات هذا العصر الذهبي الذي يتوقون إليه أكثر ذهبية في خيالات كتاب العصور الوسطى اللاحقين، ~~الذين قاموا بتعزيز أسطورة جيفري. ms059 فأدخل الكاتب الفرنسي روبرت ويس «المائدة المستديرة»؛ ومن ثم ~~استطاع فرسان آرثر الجلوس كأنداد. وقام فرنسي آخر، يدعى كريتيان دي تروا، بإبراز لانسلوت، فارس ~~آرثر المخلص (ومعشوق جنيفر الحميم). وأضاف الألماني، فولفرام فون إشنباخ، الفارس برسيفال. وبنهاية ~~حقبة العصور الوسطى، تحول جنود آرثر الذين كانوا مشاة في القرن الخامس إلى فرسان على أحصنة؛ وتحولت ~~تلاله الحصينة إلى قلاع ضخمة؛ وتحول بلاطه الملكي إلى قلعة كاميلوت؛ يوتوبيا الفروسية. # اجتمعت كل هذه العناصر على يد رجل إنجليزي، هو ~~توماس مالوري، في روايته «موت آرثر» في القرن الخامس عشر، مانحا بها أبناء جلدته رواية خرافية توازي ~~رواية أي أمة عن آرثر. وكان هناك مفارقة معينة في ذلك؛ إذ إن القصة الأصلية جعلت مواطني آرثر ~~البريتانيين في حرب ضد أسلاف الإنجليز الأنجلوساكسونيين، ولكن تلك هي طبيعة الخرافات الكلاسيكية. ~~فبوسعها أن تتجاوز أي حدود من أي نوع؛ لك أن تشاهد إعادة إحياء الأسطورة في القرن العشرين في ~~أشكال مختلفة ومتنوعة تراوحت ما بين الأدب النسائي (وأبرزها في روايات ماريون زيمر برادلي) والمسرح ~~الغنائي (بطولة ريتشارد برتون في نسخة برودواي). # يبدو أن الحنين لعودة عصر ذهبي هو حنين أبدي؛ فحين أشار الصحفي ثيودور إتش وايت إلى سنوات عهد ~~كينيدي بأنها «لحظة قصيرة مضيئة»، مستشهدا بالمسرحية الغنائية، سرعان ما أطلق على إدارة الرئيس ~~«كاميلوت». # ولكن آرثر نفسه كان ضائعا وسط أسطورته. حتى في حياة جيفري المنموثي، كان واضحا أن كتابه ~~«تاريخ ملوك بريطانيا» لا يمكن أن يكون تعبيرا عن التاريخ. وفي قرابة عام 1197، أطلق المؤرخ ويليام ~~- من نيوبرج - على كتاب جيفري «شبكة مضحكة من الأحداث الخيالية»، وقدر أنه لم يكن هناك الكثير من ~~الممالك في العالم كتلك التي جعل جيفري آرثر يقوم بغزوها. # ومنذ ذلك الحين، والمؤرخون الذين حذوا حذو ويليام يحاولون أن يستخلصوا من الأسطورة شخصية ~~آرثر «التاريخية»؛ إن كان له وجود حقا. ~~••• # وفوق كل هذا، كان هذا يعني التحول إلى المصادر (القليلة جدا) التي سبقت جيفري المنموثي؛ ومن ~~ثم كانت أقرب لزمن آرثر، واحتمالات تحريفها ms060 بفعل الأساطير اللاحقة أقل. وكانت هذه المصادر في ~~أغلبها كتابات ويلزية؛ إذ كان الويلزيون هم من انحدروا من سلالة البريتانيين الأوائل. # صعد هؤلاء البريتانيون إلى السلطة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في أوائل القرن الخامس؛ فقد ~~حازوا قدرا كبيرا من النفوذ والسلطة تحت حكم الإمبراطورية؛ ومن ثم بدا طبيعيا (بالنسبة إليهم) ~~أن يتولوا دفة الحكم بعد رحيل جيوش الرومان. وكان هذا على عكس ما حدث في أجزاء أخرى من الإمبراطورية ~~السابقة؛ حيث استولى الغزاة الذين قاموا بطرد الرومان على الحكم. ولذلك كانت بريطانيا المستقلة لا ~~تزال رومانية في نواح عدة؛ وكان البريتانيون، أو على الأقل الطبقة العليا منهم، يرون أنفسهم ورثة ~~كل من الحضارة الرومانية وثقافتها. # ولسوء حظهم، فقد ورثوا أيضا أعداء الرومان. فسرعان ما وجد البريتانيون أنفسهم عرضة لهجوم من ~~جماعات كانوا يعتبرونهم من البربر: فكان الأيرلنديون من الغرب، والبيكتس من الشمال، ~~والأنجلوساكسونيون من ناحية بحر الشمال. ولم يجد الغزاة مبررا للانسحاب لمجرد أن البريتانيين قد ~~حلوا محل الرومان. # كان الموقف حسب وصف الشعراء الملحميين الويلزيين ميئوسا منه؛ مثل ذلك الذي واجهه البريطانيون ~~في رواية جيفري المنموثي. ولكن إذا كان بمقدورنا تصديق راهب ويلزي يدعى جيلداس، فإنه في قرابة ~~عام 500، أحرز البريتانيون انتصارا عظيما في منطقة تسمى جبل بادون. وقد وصف جيلداس في كتاب ~~«انهيار بريطانيا»، الذي تم تأليفه بعد ذلك بقرابة خمسين عاما فقط، المعركة والجيلين التاليين ~~اللذين عمهما رخاء وسلام نسبيين. # هل كانت هذه الفترة من خلو العرش التي وصفها جيلداس هي لحظة الكاميلوت القصيرة المضيئة؟ ربما، ~~ولكن مثلما بادر المشككون في الإشارة، لم يذكر جيلداس اسم آرثر في أي موضع. والشيء المحبط أن ~~جيلداس لم يذكر مطلقا من كان يحكم البريتانيين. # ترك هذا الأمر لننيوس، وهو رجل دين ويلزي آخر. ففي كتاب «تاريخ البريتانيين» الذي قام ~~ننيوس بتجميعه في وقت ما في بداية القرن التاسع، ما من شك بشأن هوية البطل: «المحارب آرثر». وبحسب ~~ننيوس، ألحق آرثر الهزيمة بالساكسونيين في اثنتي عشرة معركة، وفي مرحلة ما ذبح ms061 960 فردا من جيوش ~~العدو وحده. # ولكن هل يمكن الوثوق بننيوس؟ إن مثل هذه الأفعال المستحيلة بشكل واضح - مثل قتل 960 من جيش ~~العدو منفردا دون مساعدة - تنتمي بوضوح لروايات الشعر الملحمي، وليس التاريخ. ولم تجد مادته - ~~المعروفة بفوضويتها - نفعا أيضا؛ فقد وصف رجل الدين نفسه منهجه بأنه «تجميع كومة واحدة» من كل ~~ما اكتشفه. ووجد المؤرخون بعض العزاء في ذلك، مجادلين بأن شخصا عجز عن تنظيم أي شيء فلن يتمكن في ~~الغالب أيضا من تلفيق أي شيء، إلا أن آخرين وجدوا ذلك أمرا محبطا. # نسب الكتاب الويلزيون، الذين حذوا حذو ننيوس، لآرثر الانتصار الذي تحقق في معركة جبل ~~بادون أيضا، ولكنهم جميعا بدءوا الكتابة بعد الأحداث الفعلية بثلاثمائة عام على الأقل، شأنهم شأن ~~ننيوس. وكان من المستحيل تحديد كون الرواية الشفهية التي رووها تعبر عن التاريخ الفعلي ~~لبريطانيا في القرن الخامس. # من الواضح أن الكتابات الويلزية وحدها لم تكن لتقنع المشككين. فما كان مطلوبا هو دليل أكثر قوة ~~على وجود آرثر، وفيما يبدو أن ذلك قد تبلور بشكل مادي في عام 1191 (أو 1192 وفقا للبعض). كان ذلك ~~حين أعلن رهبان دير جلاستونبري أنهم قد اكتشفوا جثتي آرثر وجنيفر. ~~••• # قام بوصف الاكتشاف شخص يدعى جيرالد من ويلز، ولم يكتب عنه إلا بعد عامين فقط. حكى جيرالد كيف ~~وجدت الجثتان في جلاستونبري «في أعماق الأرض في بلوط مجوف». وأضاف أن صليبا من الرصاص قد وجد ~~«أسفل حجر، وليس فوقه، كما هو متبع اليوم.» # وكانت الكلمات المنقوشة على الصليب تقول: «هنا يرقد الملك الشهير آرثروس وزوجته الثانية ~~وينيفيريا في جزيرة أفالونيا.» # هل كانت جلاستونبري هي جزيرة أفالون؟ # دير جلاستونبري، حيث زعم رهبان القرن الثاني عشر أنهم قد وجدوا جثتي آرثر وجنيفر. (مكتبة ~~الكونجرس.) # لا يوجد إجماع واضح بين المؤرخين على ذلك، إلا أن الغالبية يميلون إلى عدم تصديق أن العظام ~~التي وجدت كانت لآرثر وجنيفر. ولعل من أسباب ذلك أن بلدة جلاستونبري، الواقعة في سومرست، محاطة ~~بشكل شبه كامل بالمروج الخضراء. ms062 وربما كانت هذه المروج في وقت من الأوقات مستنقعات، ولكن يظل من ~~المبالغة بعض الشيء أن نتخيل أنها «جزيرة» أفالون. # انتبه المشككون أيضا إلى أن النقش المرسوم على الصليب الرصاصي قد كتب بنمط من الحروف شاع في ~~القرن العاشر أو الحادي عشر، وليس في القرن الخامس أو السادس؛ وهي الفترة التي يفترض أن يكون آرثر ~~قد مات فيها. وبدا أن ذلك دلالة على وجود نوع من الاحتيال. # الأسوأ من ذلك أن الرهبان كان لديهم دافع محدد لتلفيق الاكتشاف. فقد كان جزء كبير من الدير قد ~~احترق مؤخرا، وكان موقع قبر آرثر سيجذب الكثير من الحجاج إليه (وهو ما حدث بالفعل). وقد أحضر معهم ~~الحجاج الأموال التي كان الرهبان في أشد الحاجة إليها من أجل عملية الترميم. # في المقابل، رد أنصار الدير على ذلك بأن الرهبان لو أرادوا تزييف نقش، فقد كانوا على دراية ~~كافية لاختيار نقش قديم وملائم. وجادلوا بأن جثمان آرثر قد عثر عليه لأول مرة في السنوات اللاحقة ~~لعام 945، حين قام الدير بهدم ضريح كبير كان مقاما على الأرض. وخمنوا أنه لا بد أن يكون قد أعيد ~~دفن آرثر في هذه البقعة، ومعه صليب جديد بحروف القرن العاشر المعاصرة وقتئذ. # وجاء عالم الآثار سي إيه رالي رادفورد ليعزز قصة الرهبان بعض الشيء في عامي 1962 و1963، حين عثر ~~على دلالات بأن أحدا قد حفر بالفعل في الموقع الذي قال الرهبان إنهم قد حفروا فيه. ولكن ذلك لم ~~يثبت شيئا بشأن ما عثروا عليه، وعولت فرضية إعادة الدفن على تصديق سلسلة كاملة من الأحداث، لم ~~يكن هناك ما يثبت أي جزء منها. # وهكذا، باستثناء اكتشاف أثري مثير وجديد، يبدو مستبعدا أن تقدم جلاستونبري أي إجابات قاطعة ~~عن آرثر. ولا يمكن كذلك إخضاع العظام أو الصليب لأي تحليل علمي حديث؛ فقد اختفت العظام في وقت ما ~~خلال القرن السادس عشر، والصليب في وقت لاحق. ~~••• # بعد الانتهاء من بحثه عن المكان الذي دفن فيه آرثر، اتجه رادفورد إلى محل ميلاده. كان ms063 جيفري ~~قد قال إن قلعة تينتاجل على الساحل الكورنوولي هي التي شهدت العلاقة التي أثمرت عن آرثر بين أوثر ~~وإيجرنا، فكانت هي وجهة الحفر التالية لرادفورد. وغمرته السعادة حين وجد - أسفل القلعة التي يرجع ~~تاريخها لأواخر العصور الوسطى - بقايا فخار مستورد من القرن الخامس أو السادس. وبالطبع لم يثبت ~~ذلك شيئا بشأن أوثر أو إيجرنا، إلا أنه أوحى بأن أناسا على قدر كبير من الثراء قد عاشوا هناك في ~~نفس الوقت تقريبا. # كان الأمر الأكثر إثارة هو نتائج البحث عن قلعة كاميلوت الأسطورية، المقر الرئيسي لآرثر. كانت ~~قلعة كادبوري، التي تقع على مسافة قصيرة من جلاستونبري، قد ارتبطت في الأساطير الشعبية بكاميلوت منذ ~~القرن السادس عشر على الأقل. وفيما بين عامي 1966 و1970، شرع علماء الآثار بتوجيه من ليسلي ألكوك في ~~الحفر بحثا عن أدلة. # وتحت الأرض العالية المعروفة محليا ب «قصر آرثر»، اكتشف ألكوك أساسات ردهة كبيرة مبنية من ~~الخشب تظهر حرفية بارعة. كذلك عثر ألكوك على بقايا سور حجري غير مملط يطوق جزءا من التل، ~~وبرج بوابة. # كل هذا أشار إلى وجود حصن كبير يعود تاريخه لقرابة عام 500. وكتب ألكوك في نشوة فرحه أنه ~~«لدينا ما يبرر أننا نستطيع أن نتخيل آرثر وقواته يلهون ويعربدون ... في ردهة مماثلة لتلك الموجودة في ~~كادبوري، ويخرجون للمعركة على خيولهم عبر برج بوابة كذلك الموجود في المدخل الجنوبي الغربي.» # بالطبع، لم يثبت ذلك أن قلعة كادبوري هي ~~كاميلوت، مثلما أقر ألكوك دون تردد. فقد كان هذا تلا منيعا أكثر من أي حصن حقيقي، فضلا عن قلعة ~~غراميات العصور الوسطى. علاوة على ذلك، لم يتم العثور على شيء في كادبوري يربط الحصن باسم آرثر؛ ~~فلعلها كانت المقر الرئيسي لأي قائد جيش من القرن السادس. # صاغ رادفورد وألكوك نتائجهما بدقة، مشددين على أنهما قد أفشيا عن بريطانيا في عهد آرثر أكثر ~~مما أفشياه عن آرثر نفسه. غير أن اكتشافاتهما وضعت آرثر لا محالة في المشهد الرئيسي، وسارعت بعض ~~التقارير الإعلامية عنها إلى مساواة كادبوري ms064 بكاميلوت. # وقد أثار ذلك بدوره رد فعل عنيفا بين الأكاديميين، الذين أعادوا سرد كل مواطن قصور ~~المصادر الويلزية وكذلك الاكتشافات الأثرية. ولا يزال الشك هو السائد بين غالبية الأكاديميين، حتى إن ~~أحدهم قد وصف الحجة المؤيدة لوجود آرثر بأنها لا تعدو أكثر من القول بأنه لا يوجد دخان بلا ~~نار. # والدخان كان موجودا. فبوسعنا أن نثق تماما بأنه في وقت ما في القرن الخامس أو السادس، كان ~~هناك انتعاش ونهضة قصيرة للبريتانيين. وفي مكان ما يسمى جبل بادون، قاد أحدهم البريتانيين إلى ~~النصر. وقد أطلق الشعراء الملحميون الويلزيون، الذين كانوا يكتبون في وقت أقرب للأحداث الفعلية من ~~أي مؤرخين جاءوا لاحقا، على قائد البريتانيين آرثر. # ومن ثم يمكننا أن نحذو حذوهم. # لمزيد من البحث # Richard White, ed., # King Arthur in Legend and ~~History ~~(New York: Routledge, 1997). A handy collection of excerpts from the ~~early sources, including Gildas, Nennius, Geoffrey of Monmouth, William of Newburgh, and ~~Wace ~~. # E. K. Chambers, # Arthur of Britain ~~(New ~~York: Barnes & Noble, 1927). This thorough study initiated the modern quest for the ~~historical Arthur; quite reasonably, Chambers remained an agnostic on the subject of Arthur’s ~~existence ~~. # Robin G. Collingwood, # Roman Britain and the ~~English Settlements ~~(Oxford: Clarendon Press, 1937). Arthur as a wide-ranging ~~general and cavalry leader ~~. # Kenneth Hurlstone Jackson, “The Arthur of History,” in # Arthurian Literature in the Middle Ages # ed. Roger Sherman Loomis (Oxford: Clarendon Press, 1959). Responding ~~to arguments that Arthur couldn’t have been a major figure because all his battles were in ~~the North, Jackson’s linguistic analysis of place names attempted to show he could have ~~fought in southern Britain as well ~~. # Geoffrey Ashe, ed., # The Quest for Arthur’s ~~Britain ~~(New York: Praeger, 1968). Includes archaeological reports from Radford ~~at Tintagel and Glastonbury, and Alcock at Cadbury ~~. # Leslie Alcock, # Arthur’s Britain ~~(Middlesex, Eng.: Penguin, 1971). The case for Arthur as a genuine historical figure and a ~~great ms065 soldier ~~. # Leslie Alcock, ~~“By South Cadbury Is That ~~Camelot” ~~(London: Thames & Hudson, 1972). The excavations of Cadbury Castle ~~between 1966 and 1970 ~~. # John Morris, # The Age of Arthur ~~(New ~~York: Charles Scribner’s Sons, 1973). A history of the British Isles from 350 to 650, notable ~~for its breadth of scholarship and its acceptance of Arthur as a historical ~~figure ~~. # David N. Dumville, “Sub-Roman Britain: History and Legend,” # History # 62, no. 205 (June 1977). For an academic paper, this is a ~~surprisingly savage attack on Alcock’s and Morris’s tendency to make too much of the limited ~~evidence of Arthur’s existence. Wrote Dumville: “We must reject him from our histories and, ~~above all, from the titles of our books.” # Geoffrey Ashe, # The Discovery of King ~~Arthur ~~(Garden City, N.Y.: Anchor Press, 1985). A clever if not entirely ~~convincing attempt to prove that Arthur led an army of Britons into Gaul, where he was known ~~to Continental sources as Riothamus ~~. # Norma Lorre Goodrich, # King Arthur ~~(New ~~York: Franklin Watts, 1986). Based on a close reading of Geoffrey and other late medieval ~~texts-an extremely dubious approach-Goodrich locates Arthur and his kingdom near what’s now ~~the border between England and Scotland ~~. # الفصل التاسع # | لماذا انهارت الحضارة المايانية؟ # «لقد كان الأمر كله لغزا؛ لغزا غامضا لا سبيل لفهمه.» هكذا كتب جون لويد ستيفنز، مؤلف أحد ~~كتب أدب الرحلات الأكثر مبيعا، بعد عثوره على أطلال مدينة كوبان في عام 1840. كان ستيفنز قد سافر ~~بواسطة البغال والزوارق الصغيرة، ثم قطع طريقه عبر غابة هندوراس المطيرة على أمل العثور على المدن ~~المفقودة للمايانيين القدماء. وقد اكتشف أكثر من أربعين حطاما آخر خلال السنوات الثلاث اللاحقة، ~~التي أمضاها في جنوب المكسيك وأمريكا الوسطى. وفي هذا المكان، وجد مجموعات ممتدة من القصور ~~والأهرامات المختبئة وسط الغابات، إلى جانب منحوتات حجرية أثرية نقشت عليها مخطوطات هيروغليفية. ~~وتراءى لستيفنز بوضوح أن تلك أطلال حضارة رائعة. # اتفق مع ستيفنز في الرأي ms066 علماء الآثار البارزون الذين جاءوا بعده، لا سيما أنهم قد استطاعوا ~~فك شفرة بعض العلامات الموجودة على الآثار، والتي اتضح أنها أرقام بينت أن المايانيين كانوا ~~خبراء محنكين في الرياضيات. فقد أنشئوا تقاويم امتدت لملايين السنين، ورسموا خرائط دقيقة لحركات ~~فلكية معقدة. واستنبط علماء الآثار البارزون من هذا أن المايانيين، أو على الأقل حكامهم، كانوا شعبا ~~مفكرا ومثقفا إلى حد عميق. # كما كانوا شعبا سلميا بشكل فريد، كما وصفهم سيلفانوس مورلي، الذي كتب عنهم عام 1946، وجيه ~~إريك طومبسون في عام 1954. فقد أشار عالما الآثار البارزان هذان إلى أنه لم يكن هناك أي تحصينات ~~مرئية حول الأطلال المايانية. وخلص مورلي وطومبسون إلى أن هذه الأطلال كانت بالضرورة أماكن مقدسة؛ ~~حيث كان الملوك الكهنوتيون يتأملون رياضيات الكون، ولا يقاطعهم شيء سوى الزيارات العارضة من القرويين ~~الذين كانوا يحضرون لهم طعامهم ويعتمدون عليهم لحكمتهم. # بينت الأرقام المنحوتة على الآثار كذلك متى انتهت الحضارة المايانية. فقد كان آخر تاريخ مسجل ~~في كوبان (حسبما ترجم من التقويم الماياني) هو عام 820، وتتابعت مدن مايانية أخرى كقطع الدومينو؛ ~~فكان آخر تاريخ بالنسبة إلى نارانخو هو 849، وكاراكول 859، وتيكال 879. ولكن ظل السؤال قائما: ~~«لماذا» انتهت هذه الحضارة؟ على عكس الأزتيك في المكسيك أو الإنكا في بيرو، الذين لحق بهم الدمار على ~~يد الغزاة الإسبان، هجر المايانيون مدنهم بحلول عام 900؛ أي قبل قرابة 600 عام من إبحار كولومبوس. ~~ولم يكن هناك كذلك أي علامات على أن حضارة أمريكية أصلية - مثل أسلاف الأزتيك النزاعين للحرب - قد ~~دمرت المدن المايانية. وبدت الحروب بين المدن ذاتها احتمالا غير وارد، على الأقل بالنسبة إلى مورلي ~~وطومبسون، اللذين طغت صورة المايانيين المسالمين على تفكيرهما الأثري. # ومن ثم، بدا موت الحضارة المايانية، على الأقل حتى العقود القليلة الماضية، أمرا مستغلقا ~~يستحيل فهمه تماما مثل الغابة التي كانت تحيط بها. ~~••• # افترض العديد من الباحثين أن المشكلة كانت بيئية لا محالة. فخمن مورلي، على سبيل المثال، أن ~~المايانيين ظلوا يجرفون الغابة من أجل إنشاء الحقول حتى نفدت منهم ms067 الأرض. وافترض آخرون أن المزارعين ~~المايانيين قد أنهكوا التربة. غير أن آخرين أيدوا فكرة حدوث كارثة طبيعية، ربما زلزال أو إعصار أو ~~جفاف امتد طويلا. كذلك ألقي باللوم على الملاريا والحمى الصفراء، خاصة أن المرض قطعا قد لعب ~~دورا مدمرا بعد الغزو الإسباني. # كانت المشكلة في كل هذه النظريات تكمن في عدم وجود دليل حقيقي لدعم أي منها. ربما لم يتمكن ~~أحد من دحضها، ولكن الكارثة البيئية التي تستطيع الإطاحة بحضارة مثل الحضارة المايانية كان ينبغي أن ~~تترك بعض الآثار في السجل الأثري؛ ولم يكن هذا هو الموقف على ما يبدو. # الشكل المحتمل لمدينة كوبان المايانية خلال القرن الثامن. (حقوق الطبع محفوظة لمتحف بيبودي، ~~جامعة هارفرد.) # كانت نظرية طومبسون تتمثل في أن بعض الناس الأقل تحضرا، ربما من وسط المكسيك أو من ساحل ~~الخليج، قد نزحوا إلى المدن المايانية الواقعة أقصى الشمال على شبه جزيرة يوكاتان وأطاحوا بالحكام ~~هناك. واعتقد طومبسون أن ذلك كان غزوا ثقافيا أكثر منه عسكريا، إلا أنه مزق النظام السياسي ~~والديني الماياني الراسخ هناك، والنظام السائد جنوبا أيضا. وقد يكون بدوره قد أدى إلى ثورة ~~للقرويين المايانيين، الذين كانوا سعداء تماما بخدمة نخبتهم الكهنوتية، ولكنهم ثاروا ضد إجلال دخلاء ~~بربريين. # كان هناك على الأقل دليل ما على نظرية طومبسون؛ فقد عثر على فخار برتقالي ينتمي للطراز السائد ~~في وسط المكسيك - والذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر - في بعض المدن المايانية على شبه جزيرة ~~يوكاتان، وبعدها بفترة وجيزة بدأ المعمار على طراز ساحل الخليج في الظهور هناك. كانت المشكلة أن ~~المنطقة المايانية الحيوية الواقعة إلى الجنوب لم تظهر أي علامات لوجود أي تأثير أجنبي. أما ~~بالنسبة إلى الفخار والمعمار، فربما يكون التأثير قد جاء بالتجارة السلمية تماما. حتى لو كان ~~الغرباء قد شقوا طريقهم نحو الشمال عنوة، فإن تاريخ الفخار والمعمار لم يكن بالدقة الكافية لتحديد ~~أكانا قد جاءا قبل انهيار الحضارة المايانية أم بعدها. ومن الوارد للغاية أن يكون الأجانب لم يفعلوا ~~شيئا أكثر من مجرد ms068 ملء فراغ صنعه الحكام المايانيون بالفعل. # غير أنه في غياب أي بدائل أخرى أكثر عملية، ظلت أفكار طومبسون ومورلي هي المسيطرة على المعرفة ~~المايانية. واستمر ذلك حتى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، إلى أن تمكن اللغويون أخيرا من ~~حل شفرة الكلمات وكذلك الأرقام من المخطوط الماياني القديم. وتجاوز تأثير النصوص المترجمة التشكيك ~~في أفكار طومبسون ومورلي عن انهيار الحضارة. وفي الواقع لقد أحدثت تحولا تاما في الرؤية المعرفية ~~للحضارة المايانية. ~~••• # ولولا طومبسون، لربما ترجمت المخطوطات قبل ذلك بسنوات أو حتى عقود على الأرجح. فقد كان ~~طومبسون على يقين من أنها لا تحوي سوى مفاهيم رياضية وتقاويم غامضة كتلك التي ترجمت بالفعل. وأي ~~شخص كان يقترح أن الآثار المايانية ربما تكون منقوشة بكلمات أو حروف وكذلك أرقام أو صور؛ كان يقابل ~~بازدراء لدرجة تدفعه للتخلي سريعا عن أي محاولة أو جهد لفك شفرة المخطوط. # وهكذا كان طومبسون مؤثرا، لدرجة أن الباحثين قد تجاهلوا إلى حد كبير أعمال دييجو دي لاندا، ~~الذي كان تبشيريا فرانسيسكانيا تنقل عبر أطلال المدن المايانية في منتصف الخمسينيات من القرن ~~السادس عشر؛ أي قبل وصول ستيفنز إلى بعض الأطلال نفسها بقرابة ثلاثمائة عام. قام لاندا ببعض ~~المحاولات الأولية لمطابقة الرموز المايانية مع الحروف - على نحو خاطئ كما اتضح - ولكنه كان على ~~المسار الصحيح. ولكن للأسف كان تبشيريا مخلصا أكثر منه باحثا؛ فبعد الجزم بأن الكتب المايانية ~~التي جمعها لا تحوي سوى «خرافات وأكاذيب الشيطان»، قام بحرقها جميعا. # ولم ينج سوى أربعة كتب فقط من القوى المدمرة المزدوجة؛ حيث البعثات التبشيرية الإسبانية ~~والبيئة الاستوائية المشبعة بالرطوبة، وانتهى المطاف بأحدها في مكتبة برلين القومية. وفي نهاية الحرب ~~العالمية الثانية، حين أتت النيران على المكتبة وأحرقتها، كاد هذا الكتاب أن يتحول إلى رماد هو ~~الآخر. ولحسن الحظ، أنقذه جندي سوفييتي يدعى يوري كنوسوروف وأخذه معه إلى أرض الوطن. وهناك، ~~وبعيدا عن استبداد طومبسون الفكري، شرع كنوسوروف في العمل، ليعلن في عام 1952 أنه قد فك الشفرة: ~~لم يكن المخطوط الماياني ms069 كله حروفا (كما ظن لاندا)، ولم يكن كله أرقاما وصورا (كما ظن طومبسون)؛ ~~بل كان مزيجا من المقاطع الفردية والكلمات. # وكالمتوقع، تهكم طومبسون على عمل كنوسوروف؛ إذ كتب بأسلوبه التهكمي المعتاد: «من الممكن أن ~~يكون هذا مثالا حقيقيا على تأثيرات التعاون الحزبي الصارم ... في روسيا. ولمصلحة العالم الحر، ~~نتمنى أن يكون الوضع كذلك على صعيد البحث العسكري.» # غير أن باحثين آخرين بدءوا بالتدريج في التشكيك في طومبسون، والبناء على آراء كنوسوروف ~~الاستبصارية. ومع وفاة طومبسون عام 1975، كانت المبادئ العامة للقواعد اللغوية وبناء الجملة ~~المايانية قد فهمت، واستطاع الباحثون الشروع في ترجمة الأعمال المايانية. # ولكن كان لا يزال هناك الكثير من العمل ينبغي القيام به؛ إذ على الرغم من أن أربعة كتب فقط هي ~~التي بقيت، فقد كان هناك آلاف النصوص المايانية منحوتة أو مرسومة على الآثار الحجرية، وكذلك على ~~الفخاريات المايانية وأسوار المباني. وحالما ترجم ما كان مكتوبا على هذه الوسائط العديدة، حطم ~~صورة المايانيين التي قدمها طومبسون ومورلي. فعلى أثر بعد أثر، وجد المترجمون روايات تفصيلية ~~للاستراتيجيات العسكرية، والمعارك الدموية، والتضحيات الرهيبة بأسرى العدو كقرابين. وهكذا تلاشت صورة ~~الكهنة المثقفين المسالمين، بعد أن تبين أن الحكام المايانيين كانوا محاربين متعطشين للدماء. وقد ~~وثق معظم ما كان مكتوبا على الآثار انتصاراتهم العسكرية. # وبعد أن تحرر علماء الآثار من قيود نظرية طومبسون-مورلي، شرعوا في اكتشاف أدلة أخرى على النزعة ~~العسكرية لدى المايانيين. ففي تيكال، على سبيل المثال، عثر على خنادق طويلة ضيقة وأسطح مرتفعة عن ~~الأرض؛ من الممكن أنها كانت خنادق مائية ومتاريس؛ وفي بيكان أسوار يرجح أنها كانت أسوارا دفاعية؛ ~~وفي كاراكول كانت هناك آثار حريق على المباني وطفل لم يوار جثته الثرى على أرضية أحد الأهرامات. ~~وفي بونامباك كانت هناك لوحات جدارية حية اعتقد أنها تصور نوعا من الطقوس أمكن الآن تمييزها ~~كمشاهد لمعارك حقيقية. # ومع ترسخ الصورة العسكرية الجديدة للمايانيين، استطاع علماء الآثار أن يدمجوها في تفسيرات جديدة ~~لانهيار الحضارة. فقد عثر آرلين وديان تشيس على أسلحة في ms070 أحد المواقع في بليز، وخلصا إلى أن حربا ~~خرجت عن نطاق السيطرة بين المدن المايانية تسببت في انهيار الحضارة هناك. وعثر آرثر ديمارست على ~~تلال من الرءوس المقطوعة أثناء عملية حفر في شمال جواتيمالا وتوصل إلى استنتاج مماثل. وقدر أنه ~~بعد عام 820 أو نحو ذلك، انخفضت الكثافة السكانية المايانية هناك إلى 5 بالمائة فقط من مستواها ~~السابق. # وفي هذا الشأن قال ديمارست: «يعزى الانهيار إلى حرب داخلية شبيهة بحرب البوسنة.» ~~••• # في حين بدا علماء الآثار بصدد الوصول إلى إجماع بشأن تأثير الحروب بين المدن، ظهرت على السطح ~~أدلة جديدة، لتحيي من جديد واحدا من التفسيرات البيئية القديمة للانهيار. ففي عام 1995، وجد ~~مجموعة من علماء المناخ في العصور القديمة - كانوا بصدد فحص الرواسب في قاع بحيرة شيشانكانوب في وسط ~~يوكاتان - أن الرواسب التي ترجع للفترة بين عام 800 و1000 كانت غنية بشكل خاص بكبريتات الكالسيوم، ~~التي تميل للترسب في القاع فقط حين تكون هناك كمية ضئيلة للغاية من الماء في البحيرة؛ وهو ما يحدث ~~عادة خلال فترات الجفاف. وذهب ديفيد هودل وزملاؤه إلى أن موجة الجفاف تلك بالذات كانت حادة للغاية ~~حتى إنها تسببت في تلف المحاصيل، وحدوث مجاعة، وانتشار الأمراض، وكلها عوامل ساهمت في انهيار الحضارة ~~المايانية. # هل أعاد ذلك العلماء إلى حيثما بدءوا؟ # ليس كثيرا. # أحد الأسباب أن هودل لم يذهب إلى أن الجفاف كان السبب «الوحيد» للانهيار؛ بل ذهب بدلا من ذلك ~~إلى أنه كان العامل المحفز الذي فجر سلسلة كاملة من الأزمات البيئية والثقافية. وبالمثل، قام ~~كثيرون من هؤلاء الذين اعتقدوا في مسئولية الحرب عن الانهيار بتقديم هذه الحرب كمجرد عامل واحد من ~~بين عوامل عديدة. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ العلماء الذين يتدارسون جميع جوانب القضية في ~~الانفتاح بشكل متزايد على تفسيرات تأخذ في الاعتبار مجموعة متنوعة من العوامل المترابطة؛ من ضمنها ~~الضغوط البيئية والحرب، سواء مع عدو خارجي أو بين المدن المايانية. ومن الممكن أن تكون هناك عوامل ~~عديدة مختلفة قد أضعفت المايانيين، تاركة ms071 إياهم عرضة بشكل متزايد لأزمة حاسمة ما. وربما تكون طبيعة ~~هذه الأزمة الحاسمة قد اختلفت من مدينة لمدينة. # كذلك شهدت العقود القليلة الماضية قيام علماء الآثار بتوسيع بؤرة تركيزهم من المناطق الحيوية ~~المايانية في الجنوب لتشمل مراكز شمالية للحضارة - أكثر عددا - على شبه جزيرة يوكاتان. بعض هذه ~~المدن، على الرغم من أنها لم تكن كبيرة كتلك الجنوبية، ظلت قائمة بعد انهيار المدن المجاورة بمئات ~~السنين، بل إن القليل منها قد بقي حتى الغزو الإسباني. ولعل ما دعم بعضا من هذه المدن الشمالية ~~اللاجئون الذين كانوا يفرون من أي أزمة حلت على المنطقة الحيوية من مايان في الجنوب. # وأحدث التقديرات في هذا الشأن هو أن المدن المايانية المختلفة قد عانت العديد من التقلبات، وهو ~~ما كان حتميا على الأرجح بالنظر إلى قتالها المتواصل. وربما يكون انهيار المدن الجنوبية الكبرى قبل ~~عام 900 ميلاديا، إلى جانب ازدهار المدن الشمالية، جزءا من هذه التقلبات المستمرة، وإن كان يعتبر ~~مثالا عليها مبالغا فيه. بل إن بعض علماء الآثار، وأبرزهم إي ويليس أندروز، قد ذهب لأبعد من ذلك ~~مجادلا بأن الحضارة المايانية لم تنهر، ولكنها اتجهت للشمال فقط. # لم يكن غالبية علماء الآثار ليذهبوا إلى هذا الحد؛ إذ كان مدى الانهيار الجنوبي، بعد كل هذه ~~الإنجازات المعمارية والفنية الاستثنائية، غير مسبوق في تاريخ مايان، وربما في التاريخ كله. وقد ~~تساعد حقيقة ازدهار المدن الشمالية فيما بعد في تفسير ما حدث، ولكنها بالتأكيد لا تقدم تفسيرا ~~كاملا لعوامل حدوثه، أو لماذا لم يتعاف المايانيون بشكل تام على الإطلاق. فهذه الأسئلة تظل ~~لغزا، ربما ليس باللغز الغامض أو المتعذر فهمه مثلما بدا لستيفنز في عام 1840، ولكنها بالرغم من ذلك ~~لغز. # لمزيد من البحث # Sylvanus Morley, # The Ancient Maya ~~(Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1956; originally published in 1946). A dated ~~but impressively thorough survey of Mayan culture ~~. # J. Eric Thompson, # The Rise and Fall of Maya ~~Civilization ~~(Norman, Okla.: University of Oklahoma Press, 1966; originally ~~published in 1954). Many of Thompson’s ms072 ideas have been eclipsed by those of later ~~archaeologists, but the book is still very much worth reading. If only Thompson’s successors ~~had shared his talent for popular writing ~~. # T. Patrick Culbert, ed., # The Classic Maya ~~Collapse ~~(Albuquerque, N.M.: University of New Mexico Press, 1973). A collection ~~of papers from a 1970 conference that was important both in reflecting and in advancing the ~~emerging consensus according to which a series of interrelated factors caused the ~~collapse ~~. # Linda Schele and David Friedel, # A Forest of ~~Kings ~~(New York: William Morrow, 1990). Based on their translations of the ~~writings at various Mayan centers, Schele and Friedel present the histories of a number of ~~dynasties. The kings emerge as both sophisticated and brutal ~~. # Michael Coe, # Breaking the Maya Code ~~(London: Thames & Hudson, 1992). Coe turns the incredibly technical story of the ~~deciphering into a narrative that’s understandable and dramatic, even a bit ~~gossipy ~~. # Jeremy Sabloff and John Henderson, eds., # Lowland ~~Maya Civilization in the Eighth Century ~~(Washington, D.C.: Dumbarton Oaks ~~Research Library, 1993). A collection of papers from a 1989 conference that included many of ~~the leading thinkers and theories ~~. # Gene and George Stuart, # Lost Kingdoms of the ~~Maya ~~(Washington, D.C.: National Geographic Society, 1993). A lavishly ~~illustrated view of the Maya by a husband-and-wife team of archaeologists. The Stuarts’ son, ~~David, who first visited Mesoamerica at age three, later became a leading scholar of Mayan ~~anthropology ~~. # David Hodell, Jason Curtis, and Mark Brenner, “Possible Role of Climate in ~~the Collapse of Classic Maya Civilization,” # Nature ~~(June ~~1995). The case for drought ~~. # الفصل العاشر # | من شيد التماثيل على جزيرة الفصح؟ # يمكنك بمشقة أن تجد مكانا على سطح الأرض قريبا من جزيرة الفصح؛ وذلك نظرا لبعدها الشديد. حيث ~~تبعد أمريكا الجنوبية عنها بأربعة آلاف وثلاثمائة ميل شرقا، في حين تبعد تاهيتي بألفين وثلاثمائة ~~ميل غربا. غير أنه بطريقة ما، وعلى ms073 الرغم من عزلتها الظاهرة عن حضارات أكثر تقدما على الصعيد ~~التقني، فقد نحت سكان الجزيرة مئات التماثيل الضخمة المكونة من حجر واحد على شكل بشر يتجاوز ارتفاع ~~العديد منها ارتفاع بناية من ثلاثة طوابق. بعد ذلك قام نفس هؤلاء السكان، بطريقة ما، بنقل تماثيل ~~«المواي» تلك برا، ونصبوا العديد منها على منصات حجرية، ووضعوا فوقها قوالب ضخمة من الحجر ~~الأحمر. # كانت التماثيل لا تزال قائمة عام 1722 حين عثر المستكشف الهولندي ياكوب روخفين على الجزيرة في ~~عيد الفصح (ومن هنا جاءت التسمية). وكتب روخفين: «لقد جعلتنا هذه التماثيل الحجرية نصعق من الدهشة ~~للوهلة الأولى؛ لأننا لم نستطع أن نفهم كيف أمكن لهؤلاء الناس ... أن يقيموا مثل هذه التماثيل، التي ~~كان ارتفاعها ثلاثين قدما كاملة وكانت ذات سمك يتناسب مع ارتفاعها.» # وبعد أكثر من اثنين وخمسين عاما بقليل، توقف الكابتن جيمس كوك لفترة وجيزة في جزيرة الفصح ~~أثناء بحثه عن قارة، كان مشكوكا في وجودها منذ زمن (ولكن لم يكن لها وجود)، في جنوب المحيط الهادئ. ~~وانتابت كوك الدهشة هو أيضا؛ إذ قال: «استطعنا بصعوبة أن نستوعب كيف استطاع سكان هذه الجزيرة، الذين ~~لم يكن لديهم أية معرفة بأي طاقة ميكانيكية، أن يقيموا مثل هذه التماثيل الضخمة، وبعد ذلك يضعون ~~أحجارا أسطوانية كبيرة على رءوسها.» # فمن الذي شيد مواي جزيرة الفصح؟ ولماذا؟ # اعتقد معظم العلماء أن المهاجرين البولينيزيين - الذين وصلوا إلى الساحل بعد رحلة طويلة، ولكن ~~ليست مستحيلة، من إحدى الجزر في الغرب، ربما في الماركيز - هم حتما من شيدوها. ولم يتعامل ~~الكثيرون بجدية مع تور هايردال، وهو عالم نرويجي قام في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين بصياغة ~~نظرية تنص على أن هنود أمريكا الجنوبية قد استقروا على جزيرة الفصح وشيدوا المواي. # ولإثبات صحة نظريته، قرر هايردال أن يصنع طوفا بدائيا ويعبر المحيط الهادئ بنفسه. ~~••• # توصل هايردال لنظريته لأول مرة بعد ملاحظة أوجه تشابه بين أساطير سكان جزيرة الفصح وقدماء ~~الإنكا في بيرو. فقد هتف سكان الجزيرة بحياة كبير آلهة أبيض ms074 البشرة يدعى تيكي بوصفه مؤسسا لجنسهم، ~~بينما تحدث الإنكا عن كون-تيكي - كبير الآلهة أبيض البشرة - الذي طرده آباؤهم الأولون من بيرو إلى ~~المحيط الهادئ. # تذكر هايردال أن الأوروبيين الأوائل الذين زاروا الجزيرة في القرن الثامن عشر اندهشوا من الوجود ~~الغامض هناك لبعض السكان ذوي البشرة البيضاء الذين كانوا مميزين وسط البولينيزيين ذوي البشرة السمراء ~~في العادة . ولا بد أن تيكي وكون-تيكي كانا واحدا، ولا بد أن السكان البيض الأصليين لجزيرة الفصح ~~كانوا من سلالته. # وفيما يبدو، ثمة روايات شفهية أخرى متداولة على الجزيرة كانت تدعم نظرية هايردال. فقد تحدث سكان ~~الجزيرة عن جنس ذي «آذان طويلة» كانوا يثقبونها ويضعون أحمالا ثقيلة في شحماتها إلى أن تطول بشكل ~~مصطنع. وتروي القصة أن ذوي الآذان الطويلة ظلوا يحكمون الجزيرة إلى أن ضاق بهم ذوو الآذان القصيرة ~~ذرعا وأطاحوا بهم. ولما كان للمواي آذان طويلة تتدلى حتى مناكبهم تقريبا، فقد افترض هايردال بطبيعة ~~الحال أنها قد شيدت على يد ذوي الآذان الطويلة. ومن أين جاء ذوو الآذان الطويلة؟ لم تدع حكايات ~~سكان الجزيرة مجالا للشك في هذا الشأن؛ فقد جاءوا من الشرق حيث لم يكن يوجد صوبه سوى المحيط ... ~~وأمريكا الجنوبية. # وفكر هايردال أنه إذا كان ذوو الآذان الطويلة، وتيكي أو كون-تيكي، قد استطاعوا عبور المحيط ~~الهادئ في طوف خشبي، فإنه يستطيع كذلك. # ومن ثم اتجه نحو الغابات الإكوادورية؛ حيث قام بصحبة فريقه بتقطيع كبرى الأشجار التي ~~استطاعوا أن يجدوها، ثم قاموا بتقشير اللحاء، على الطريقة الهندية، وربطوا تسعة ألواح كبيرة من الخشب ~~بواسطة حبال القنب العادية، دون استخدام مسامير أو أي شكل من أشكال المعدن. وفوق الطوف قاموا ~~بإضافة قمرة مفتوحة من الخيزران، وصاريتين، وشراع مربع. # مواي جزيرة الفصح مولية ظهورها (دائما) إلى المحيط الهادئ. (حقوق الطبع محفوظة لولفجانج ~~كايلر/كوربيس.) # قام الفريق بتكسير حبة من جوز الهند على مقدمة القارب الذي أسموه «كون- تيكي». وفي أبريل عام ~~1947، وبصحبة خمسة رجال وببغاء، أبحر هايردال من ساحل بيرو. # كانت رحلة هايردال مغامرة بحرية نافست أحداث ms075 رواية «موبي ديك»؛ فبرماح صيد الحيتان لا أكثر، ~~قاوم فريقه قرشا حوتيا شديد الضخامة، حتى إنه عندما كان يغوص أسفل الطوف، كان رأسه يظهر على أحد ~~الجانبين بينما يبرز ذيله بالكامل على الجانب الآخر. وصارت مياه الشرب آسنة إلى حد ما بعد شهرين، ~~ولكن الأمطار سدت النقص في مخزونهم منها. وغالبا ما كان الإفطار يتكون من سمك البينيت والسمك الطائر ~~الذي كان يحط على متن القارب خلال الليل. # دفعت تيارات المحيط والرياح التجارية الطوف في الاتجاه الغربي أكثر وأكثر، حتى تجاوز جزيرة ~~الفصح بكثير. وبعد 101 يوم في البحر، اصطدم الطوف بجزيرة غير مأهولة من جزر البحر الجنوبي شرق ~~تاهيتي. ونجا الرجال الستة من الرحلة، وإن كانت موجة ضخمة قد أطاحت بالببغاء. # كان هايردال مبتهجا؛ فقد أثبتت بعثة القارب كون-تيكي أنه يمكن لطوف بسيط أن يعبر المحيط ~~الهادئ. ولكن إمكانية أن يحدث ذلك لم تكن تعني أنه قد حدث بالفعل. فكان هايردال بحاجة لمزيد من ~~الأدلة لإثبات أن سكان أمريكا الجنوبية قد استقروا على جزيرة الفصح. ~~••• # في عام 1955، انطلق هايردال مرة أخرى في رحلة إلى جزيرة الفصح، وهذه المرة على متن سفينة صيد ~~معدلة وبرفقة طاقم من العلماء المتخصصين. والمفارقة أن العلماء الذين جاءوا في المرة الأولى بدعم ~~من هايردال، إلى جانب أولئك الذين تبعوهم، قد انتهى بهم المطاف بتكذيب نظريته بشكل عام. # كان من أسباب ذلك أن تأريخهم بالكربون المشع قد حدد القرن الخامس الميلادي تاريخا لوجود الناس ~~على الجزيرة، في حين ارتفع أول تماثيل المواي في وقت ما فيما بين عامي 900 و1000. غير أن ثقافة ~~التياهواناكو في مرتفعات بيرو وبوليفيا، حيث منشأ سكان الجزيرة حسب اعتقاد هايردال، لم يمتد تأثيرها ~~إلى ساحل أمريكا الجنوبية حتى قرابة عام 1000. فكيف أمكن لسكان أمريكا الجنوبية عبور المحيط قبل أن ~~ينزلوا من الجبال أصلا؟ # علاوة على ذلك، لم تجد البعثة أي أثر على جزيرة الفصح لفخار أو أقمشة، وهما أكثر المنتجات ~~التي كانت تميز الثقافة البيروفية. في المقابل، وجد علماء الآثار ms076 على جزر جالاباجوس - وهي سلسلة من ~~جزر المحيط الهادئ تقع على مسافة أقرب كثيرا من أمريكا الجنوبية - العديد من بقايا الأواني ~~الفخارية، كان واضحا أن بعضها - على أقل تقدير - من نفس النوع الذي صنعه سكان أمريكا الجنوبية الذين ~~سبقوا الإنكا. # ساهمت دراسات في مجالات أخرى في إلحاق مزيد من الضعف بنظرية هايردال. فقد قرر علماء النبات أن ~~قصب التوتورا الذي يوجد على الجزيرة كان بعيدا عن النوع الموجود في بيرو. أما البطاطا الحلوة، التي ~~بالغ هايردال في اهتمامه بها بوصفها حلقة وصل بأمريكا الجنوبية، فمن الممكن أن تكون قد جاءت من مكان ~~آخر في بولينيزيا. # أشار التحليل اللغوي كذلك بإصبعه إلى الغرب؛ فالعديد من كلمات سكان الجزيرة بدت مشابهة لنظيرتها ~~البولينيزية، وأمكن بسهولة إرجاع الاختلافات بينهما إلى سنوات العزلة الطويلة. وقد تقرر أيضا أن ~~كتابة رونجو رونجو تشترك في ملامح كثيرة مع الكتابة البولينيزية أكثر من البيروفية. # كذلك أظهرت قياسات الهياكل العظمية أن سكان الجزيرة كانوا مشتركين في سمات كثيرة مع سكان جنوب ~~شرق آسيا أكثر من سكان أمريكا الجنوبية، وخلص معظم العلماء إلى أن وصف الزائرين الأوروبيين الأوائل ~~للناس ذوي البشرة الشقراء كان مبالغة حتمية. فرغم كل شيء، لم تذكر البشرة البيضاء إلا في بعض ~~الروايات الأولى لسكان جزيرة الفصح؛ وكتب آخرون، مثل كابتن كوك الذي اشتهر بيقظته ودقة ملاحظته، أنه ~~«من حيث اللون والملامح واللغة، فإنهم يحملون شبها بأهل الجزر الغربية، حتى إنه لن يشك أحد في ~~انتمائهم لنفس الأصل.» # أما بالنسبة إلى الحكايات القديمة عن تيكي وكون-تيكي، فقد كانت مجرد قصص، بحسب معظم العلماء، ~~وكان يجب أن تؤخذ جميعا، حسب ما قال بول بان: «على أنها مبالغة.» وقد انتقد بان هايردال لاستخدامه ~~الانتقائي للروايات الشفهية، والذي أتاح له التأكيد على تلك التي دعمت نظريته، وتجاهل القصص الأخرى؛ ~~مثل أن هوتو ماتوا - أول ملوك الجزيرة - جاء من جزيرة تدعى هيفا - وهو اسم شائع في جزر الماركيز - ~~التي تبعد ألفين ومائة ميل شمال غرب جزيرة الفصح. # حتى رحلة القارب ms077 كون-تيكي المثيرة لم تكن بمنأى عن التساؤلات والتحقيقات العلمية اليقظة. فقد ~~ذهب البعض إلى أن هنود ما قبل الإنكا قد استخدموا المجادف، وليس الأشرعة، وأن الساحل الصحراوي لبيرو ~~لم يكن به أي من الأخشاب الخفيفة اللازمة لصنع الأطواف أو الزوارق الخفيفة. علاوة على ذلك، كان ~~القارب كون-تيكي قد سحب لمسافة خمسين ميلا بحريا بعيدا عن الشاطئ؛ ومن ثم تجنب التيارات ~~التي كانت ستحمل هايردال إلى مكان ما باتجاه الساحل إلى بنما، وليس إلى أي مكان قريب من ~~بولينيزيا. # أدى هجوم التحليلات العلمية الذي بدأ مع بعثة هايردال فيما بين عامي 1955-1956 إلى إجماع أقوى ~~على أن البولينيزيين هم أول من استوطنوا جزيرة الفصح. فعلى عكس هنود أمريكا ~~الجنوبية، كان للبولينيزيين خبرة واسعة بالبحار، واحتلوا ~~جزرا أخرى مثل هاواي ونيوزيلندا. وذهب بعض العلماء إلى ما هو أبعد من ذلك بادعاء أن أي دليل على ~~وجود اختلاط بين ثقافة أمريكا الجنوبية والثقافة البولينيزية (كبعض نصال الرماح المصنوعة على طراز ~~جزيرة الفصح التي وجدت في شيلي) يمكن نسبه إلى البحارة البولينيزيين الذين ربما يكونون قد جازفوا ~~بالإبحار إلى العالم الجديد ثم عادوا إلى ديارهم. # كان في ذلك القليل من العزاء لهايردال، الذي استمر في الادعاء بأن المكتشفين كانوا يبحرون ~~غربا، وليس شرقا. واستمر في مقاومة الموجات التأريخية، بمعاودة زيارة الجزيرة والدفاع عن أطروحته ~~حتى مع تضاؤل عدد المستمعين له أكثر فأكثر. # غير أن ذلك لا ينبغي أن يقلل من إنجازاته. فقد كان هايردال هو من رتب لأول بعثة علمية إلى ~~جزيرة الفصح، وهو من أتاح للعلماء الذين رافقوه إجراء أبحاثهم بعيدا عن أي تحيز. وكانت بعثات ~~هايردال التي حظيت بالكثير من الترويج والدعاية هي ما أوحت للعلماء الآخرين بالذهاب إلى هناك بأنفسهم ~~ومواصلة البحث عن نحاتي المواي. ~~••• # تقدم الرؤية المجمع عليها، والتي تقضي بأن البولينيزيين هم أول من استوطنوا جزيرة الفصح، ~~تفسيرا جزئيا على الأقل للتماثيل الضخمة. فقد كانت عبادة الأجداد شائعة عبر أنحاء بولينيزيا؛ ومن ~~ثم ربما كانت المواي نوعا من النصب ms078 التذكارية التي أقامتها قبائل أو عائلات الجزيرة لتكريم ~~موتاها. ومن الممكن أن تكون قوالب الحجر الأحمر التي علت أكبر التماثيل قد نشأت من تقليد جزر ~~الماركيز؛ حيث كانوا يضعون حجرا على تمثال المتوفى كعلامة حداد. # غير أنه كان هناك لغز آخر حول هذه المواي وقد لاحظه كوك خلال زيارته الخاطفة؛ فالعديد منها سقط ~~من على المنصات، والبعض قطعت رءوسه عمدا فيما يبدو. # لم يقدم شعب كرس مثل هذا الجهد العظيم لتماثيله على إسقاطها عمدا هكذا؟ ما الذي حدث ~~فيما بين زيارة روخفين عام 1722 - حين كان من الواضح أنها لا تزال قائمة - وبين وصول كوك في عام ~~1784؟ # ألقى هايردال بالمسئولية على المهاجرين البولينيزيين، الذين قال إنهم وصلوا قبل الأوروبيين ~~وذهبوا للحرب ضد أحفاد المستوطنين الأصليين الذين أتوا من أمريكا الجنوبية. واتجه مرة أخرى إلى ~~روايات الجزيرة التي سردت قصة ثورة ذوي الآذان القصيرة ضد حكام الجزيرة ذوي الآذان الطويلة. وخمن ~~أنه ربما يكون ذوو الآذان القصيرة قد أطاحوا بكل من ذوي الآذان الطويلة وتماثيلهم. # ولكن مرة أخرى، أدى غياب الدليل الأثري إلى إضعاف نظرية هايردال؛ فلا يوجد أي آثار لمعمار ~~أو لأعمال فنية من صنع الإنسان تدل على اندفاع مفاجئ لتأثيرات ثقافية جديدة في هذه المرحلة من ~~تاريخ جزيرة الفصح، أو في أية مرحلة أخرى. # لقد وجد علماء الآثار بالفعل كميات كبيرة من أنصال الرماح والخناجر، يعود تاريخها للفترة ~~السابقة للاكتشاف الأوروبي؛ ما أدى بالكثيرين إلى استنتاج أن الحرب قد لعبت دورا بالضرورة في ~~الإطاحة بالمواي والثقافة التي كانت تعبدها. ويبدو أن ظهور «الرجال الطائرين» في فن نحت الصخور في ~~تلك الفترة يشير أيضا إلى ظهور عبادة جديدة ربما تكون قد حلت محل عبادة الأجداد. # ويعتقد معظم العلماء أن أزمة بيئية ما قد أدت بسكان الجزيرة إلى الاقتتال من أجل الموارد التي ~~كانت تزداد ندرة؛ إذ كانت الزيادة السكانية وإزالة الأشجار مشكلات خطيرة بالفعل بحلول القرن السادس ~~عشر، حين شيد بعض من أكبر التماثيل. وأشار بعض علماء الآثار أن الانهماك ms079 في البناء ربما كان ~~مدفوعا برغبة مستميتة تزداد إلحاحا في التدخل الإلهي (من الأجداد). وربما يكون سكان الجزيرة قد ~~فقدوا إيمانهم بأجدادهم حين عجزوا عن المساعدة، ودفعهم الغضب إلى إسقاط التماثيل. # وبالطبع سرعان ما جاء التدخل من الأوروبيين بدلا من أجداد أو آلهة سكان الجزيرة. فبحلول القرن ~~التاسع عشر، كان التبشيريون وتجار العبيد قد اجتثوا فعليا ما تبقى من ثقافة جزيرة الفصح الأصليين ~~ودينها. غير أن الأوروبيين (والأمريكيين أيضا) يستحقون الإشادة لجهودهم في الحفاظ على الثقافة ~~الأصلية لجزيرة الفصح، وإن كانت متأخرة. ففي ستينيات القرن الماضي، أعاد ~~العلماء - وكان من ضمنهم بعض أعضاء بعثة هايردال - العديد ~~من المواي الساقطة إلى منصاتها الحجرية. ولا تزال موجودة هناك حتى الآن تنظر إلى سكان الجزيرة (وكذلك ~~السياح هذه الأيام). # ومن ورائها مباشرة، كما كان دائما، يقبع المحيط الهادئ. # لمزيد من البحث # John Dos Passos, # Easter Island ~~(Garden ~~City, N.Y.: Doubleday, 1971). A useful anthology of excerpts from accounts of the early ~~European visitors to the island, including Roggeveen and Cook. Dos Passos’s own visit, which ~~concludes the book, is of much less interest ~~. # Thor Heyerdahl, # Kon-Tiki ~~(Chicago: Rand ~~McNally, 1950). When it comes to adventures on the sea, Melville has nothing on ~~Heyerdahl ~~. # Thor Heyerdahl, # Aku-Aku ~~(Chicago: Rand ~~McNally, 1958). A colorful narrative of the 1955-1956 expedition, no less enjoyable because ~~of the author’s iconoclastic views, though slightly marred by his patronizing attitude toward ~~the islanders ~~. # Thor Heyerdahl and Edwin Ferdon, Jr., eds., # Archaeology of Easter Island ~~(Chicago, Rand McNally, 1961). Reports from ~~Heyerdahl’s team, many of whom disagreed with their leader ~~. # Thor Heyerdahl, # Easter Island ~~(New ~~York: Random House, 1989). Heyerdahl’s most recent defense of his hypothesis did little to ~~convince skeptics, but his account of how the islanders moved the statues is interesting and ~~the volume is beautifully illustrated ~~. Paul Bahn and John Flenley, # Easter Island, Earth ~~Island ~~(London: Thames & Hudson, 1992). The most recent and best ms080 popular ~~account of the pro-Polynesian, anti-Heyerdahl position. The book’s only flaw is that the ~~authors insist on treating Easter Island’s ecological crisis as a ~~metaphor for the earth’s, an ~~approach that makes for admirable environmentalism but potentially dubious ~~history ~~. # Steven Roger Fischer, ed., # Easter Island ~~Studies ~~(Oxford: Oxbow, 1993). A useful if specialized collection of essays on ~~the island’s natural history, settlement, archaeology, traditions, language, script, and ~~arts ~~. # Jo Anne Van Tilburg, # Easter Island ~~(Washington, D.C.: Smithsonian Institution Press, 1994). A thorough but somewhat academic ~~overview of the island’s archaeology, ecology, and culture ~~. # Steven Roger Fischer, # Rongorongo ~~(Oxford: Clarendon Press, 1997). How Fischer (sort of) cracked the code of the island’s ~~mysterious hieroglyphiclike script ~~. # الفصل الحادي عشر # | ماذا كانت «علامة» جان دارك؟ # ربما لم تكن حرب المائة عام لتستمر لهذه الفترة الطويلة لو لم تقم فتاة قروية في السابعة عشرة ~~من عمرها بتعريف نفسها على وريث التاج الفرنسي. ففي عام 1429، حين قابلت جان دارك الملك المستقبلي ~~شارل السابع، كانت الحروب المتقطعة بين فرنسا وإنجلترا مستمرة منذ تسعين عاما، وبدت النهاية قريبة. ~~كان الإنجليز قد ألحقوا هزيمة منكرة بالجيش الفرنسي عند أجينكور، ثم كونوا تحالفا مع دوق برجندي؛ ~~الأمر الذي منحهم سيطرة فعلية على نصف فرنسا. فكانت باريس في أيدي التحالف الأنجلوبرجندي، وكان ~~البرلمان في المنفى في بواتييه، وكانت أورليان - آخر حصن فرنسي شمال نهر لوار - محاصرة من قبل ~~القوات البريطانية. # ومما زاد الأمور سوءا أن شارل كان في غاية التبلد في مناصرته لقضيته. فبعد وفاة أبيه في عام ~~1422، حصل شارل على لقب ملك فرنسا، لكنه لم يتوج رسميا على الإطلاق، وظل معروفا بلقب ولي ~~العهد. وتبرأت منه والدته الملكة إيزابو بشكل فعلي حين انضمت للجانب البرجندي. ولافتقاده للحسم، ~~أصبح شارل حينها في حالة من العجز بسبب الشكوك حول شرعيته؛ فقد بدا غير متيقن مما لو كان ابن أبيه ~~بحق، ومن إمكانية أن يحكم فرنسا. # ووسط هذا الموقف المحبط، دخلت منقذة فرنسا جان دارك. ms081 ظهرت الفتاة الشابة مرتدية درعا في قلعة ~~الملك في شينون، وسرعان ما اكتسبت ثقته وحشدت قواته. وفي شهر مايو، أجبرت الإنجليز على التراجع في ~~معركة أورليان، وبعد شهرين رافقت شارل إلى ريمس من أجل تتويجه الذي كان بطعم النصر. # كان هذا انتصارا قصير الأجل بالنسبة إلى جان؛ فقد أسرها البرجنديون، وبيعت للإنجليز، ومثلت ~~للمحاكمة وأدينت بالهرطقة، وفي مايو عام 1431، حرقت على الخازوق. ولكنها أنقذت فرنسا؛ فعلى الرغم ~~من أن حرب المائة عام قد امتدت حتى عام 1453 (لتستمر 116 عاما على وجه الدقة)، فلم يعاود ~~البريطانيون التهديد باجتياح البلاد مطلقا. # ولكن كيف فعلت جان دارك ذلك؟ والأهم، ما الذي أقنع شارل الحذر بأن يضع مصيره بين يديها؛ وهي ~~مجرد فتاة قروية في السابعة عشرة من عمرها بلا أي خبرة عسكرية، إلى جانب كونها فتاة؟ روى المعاصرون ~~حكايات عن «علامة» أظهرتها جان دارك لولي العهد، وكانت عبارة عن شيء حظي بثقته على الفور. ومنذ ذلك ~~الحين، عزم المؤرخون على التوصل لماهية هذه العلامة. ~~••• # كانت العلامة موضع اهتمام مباشر في محاكمة جان عام 1431 بتهمة الهرطقة. ويشير السجل الرسمي ~~للمحكمة - الذي بقي منه ثلاث نسخ - إلى أن المدعين والقضاة قد استجوبوها مرارا بشأنها. # رفضت جان الإجابة في البداية، قائلة إن العلامة كانت مسألة بين مليكها وبينها. ولكن هذه ~~المحاكمة أجريت تحت رعاية محكمة التفتيش، وكان مستجوبوها يعرفون كيف ينهكونها ويزعزعون عزيمتها. ~~وبحلول الجلسة السابعة من المحاكمة، في 10 مارس، استسلمت جان وأجابت على أسئلتهم؛ فأخبرت المحكمة بأن ~~ملاكا أعطى العلامة للملك. ومع مزيد من الضغط، استمرت جان في مراوغة الأسئلة الخاصة بما أحضره ~~الملاك تحديدا. وبعد يومين، أضافت أن الملاك قد أخبر الملك بأنه يجب أن يجعلها تعمل في جيشه. # في الجلسة العاشرة من المحاكمة، في 13 مارس، استجوبت جان مرة أخرى عن العلامة. فتساءلت وكأنها ~~تحذر المحكمة من أن ما سيلي سيكون كذبا: «أتريدني أن أجازف بحلف يمين كاذبة؟» ثم انطلقت تصف ~~على نحو أكثر تفصيلا بكثير كيف أن عددا من ms082 الملائكة - بعضهم لهم أجنحة، والبعض لهم أكاليل - قد ~~أحضروا للملك تاجا من الذهب الخالص. وناول أحد الملائكة التاج للملك وقال: «ها هي علامتك.» وأضافت ~~جان أن التاج الآن في خزانة الملك. # كان لدى معظم المؤرخين عزوف مبرر عن تصديق شهادة جان . فقد كانت أساليب محكمة التفتيش نادرا ~~ما تنتزع إجابات صادقة؛ وعلى الرغم من أن جان لم تتعرض للتعذيب قط، فقد هزمت في مواجهة أكثر من ~~سبعين كاهنا ومحاميا. وكان في تساؤل جان عن القسم بيمين كاذبة علامة على أنها قررت التوقف عن ~~مقاومتهم وستعطيهم ما يريدون؛ وهو تحديدا الدليل على أنها كانت على اتصال بقوى خارقة للطبيعة. ~~وبمجرد أن اعترفت جان بذلك، صار الأمر بيد مستجوبيها أن يحددوا أكان من تحدثت عنهم ملائكة أم ~~شياطين؛ ولم يكن هناك شك أنهم سيختارون الأخيرة، وبذلك تقرر مصيرها. # بعد خمسة وعشرين عاما من موت جان، أسقطت محكمة ثانية الحكم الصادر ضدها، وبقيت هذه السجلات هي ~~الأخرى. ومثل الحكم الأول، كان هذا الحكم محددا سلفا إلى حد كبير. فقد أمر شارل - من منطلق رغبته ~~في تطهير سمعته من أي وصمة هرطقة - بالتحقيق في المحاكمة الأولى عام 1448. وامتدت جلسات الاستماع حتى ~~عام 1456؛ حيث أعلنت المحكمة الثانية أن المحكمة الأولى «شابها التدليس والافتراء والخبث والتناقضات، ~~وتجلت فيها أخطاء الواقع والقانون»، و«برئت ساحة» جان حسب قول المحكمة. # كانت هذه المحاكمة الثانية، التي صارت تعرف ب «محاكمة رد الاعتبار»، هي التي شهدت ظهور نسخة ~~من اللقاء الأول لجان مع ولي العهد، والتي صارت شهيرة الآن. فقد تذكر اثنان من الشهود أنه عندما ~~دخلت جان قلعة شينون، خبأ شارل نفسه وسط حاشيته. غير أن جان، برغم أنها لم يسبق لها رؤية ولي العهد ~~من قبل، سرعان ما تعرفت عليه. بعدها راحت تتحدث على انفراد مع ولي العهد، وهو الحديث الذي بدا بعده ~~«متهللا» بحسب الشاهدين. # لاقت قصة الملك المتخفي - التي زيفت لاحقا لتشمل رفض جان مخاطبة أحد رجال الحاشية الذي ~~قدم نفسه بوصفه الملك - استساغة لدى المؤرخين؛ إذ ms083 كان بالإمكان تفسيرها دون اللجوء إلى أي قوة ~~خارقة من جانب جان. وأشار العديد من المؤرخين إلى أنه حتى لو لم يكن قد سبق لجان رؤية الملك، كانت ~~ستتمكن من تمييزه بناء على وصف شخص آخر له. كما كانت القصة تحمل مسحة مسرحية جذابة، لدرجة أن ~~كتابا مثل شكسبير وشيلر وتوين وشو، من بين آخرين، وجدوها لا تقاوم. # من الوارد للغاية أن تكون قصة الملك المتخفي حقيقية، ولكنها تركت أسئلة لم نجد إجابات عنها. هل ~~كان شارل سيثق بجان فقط لمجرد أنها ميزته من وسط جمع؟ ألم يكن شارل يدرك أنه كان من الممكن أن يصف ~~أحدهم شكله لجان؟ وما الذي قالته له جان أو أطلعته عليه لجعله «يتهلل» هكذا؟ # لم يكن لدى أي من الشاهدين في محاكمة رد الاعتبار إجابات لهذه الأسئلة. ~~••• # ذهبت إحدى النظريات - التي ظهرت في كتاب لأول مرة عام 1516 - إلى أن جان قد أخبرت ولي العهد عن ~~صلاة كان قد أداها مؤخرا. ووفقا ليوميات كتبها بيير سالا، الذي زعم أنه سمع القصة من صديق مقرب ~~للملك شارل السابع، فقد طلب شارل من الله أن يهبه مملكته إذا كان الوريث الحقيقي لها، أو ييسر له ~~الفرار من الموت أو السجن إن لم يكن. وحين أخبرت جان شارل أنها عرفت بصلاته - وهي صلاة لم يسر ~~بها لأي شخص - اعتبرها «علامة» للوثوق بها. # ومثل قصة الملك المتخفي، كان من الممكن أن تكون قصة الصلاة حقيقية. وكان من الممكن أيضا أن ~~تفسر دون اللجوء إلى سياق القوة الخارقة. فلم يكن من الضروري أن يكون لدى جان حدس خارق لتعرف أن ~~شارل لم يكن واثقا في نسبه. فقد كان البلاط الملكي يعج بالقيل والقال عن كونه ابنا غير شرعي، لا ~~سيما أن والدته قد تبرأت منه كجزء من تحالفها مع البرجنديين والإنجليز. ولا بد أن شارل نفسه قد سمع ~~الشائعة التي كانت منتشرة على نطاق واسع عن أن والده الحقيقي هو شقيق شارل السادس، دوق أورليان. ومن ~~ثم، يمكن أن ms084 تكون جان قد خمنت بسهولة أنه لجأ إلى الصلوات، وكان شارل سيشعر بالارتياح بالتأكيد ~~لأن أحدا قد جاء لإجابة دعواته. # ولكن المشكلة في قصة الصلوات السرية هي نفس مشكلة قصة الملك المتخفي. حتى لو كانت حقيقية، هل ~~تكفي لتفسير قرار شارل بوضع مصيره بين يدي مراهقة مجهولة؟ ربما كان شارل ضعيفا ومترددا، ولكنه لم ~~يكن غبيا أو ساذجا. فقد كانت لديه القدرة، شأنه شأن المؤرخين اللاحقين، على إدراك أن جان ربما ~~تكون قد عرفت شكله، أو عم كانت تدور صلواته. إن مكمن جاذبية قصتي الملك المتخفي والصلوات السرية ~~- اللتين يمكن لمؤرخ عقلاني من العصر الحديث إيجاد تفسير لهما - هو مكمن ضعفهما أيضا؛ إذ لو كان ~~بالإمكان التقليل من شأن علامة جان بسهولة، فلماذا أثرت في شارل كل هذا التأثير؟ # كان من الواضح أن المطلوب هو علامة أكثر إثارة؛ علامة يمكنها أن تؤثر في ولي العهد ولكنها لا ~~تحوي أفعال ملائكة ولا شياطين أو أية ظواهر أخرى خارقة. وفي عام 1805، توصل بيير كيز إلى نظرية توافق ~~المطلوب: فكتب كيز أن جان، وليس شارل، هي من كانت الابنة غير الشرعية للملكة إيزابو ودوق أورليان. ~~وبحسب هذه الرواية، تم تهريب جان الرضيعة من باريس لإنقاذها من أعداء أبيها. وتم تسليمها لجاك ~~دارك الذي تولى تربيتها (وكان في هذه الرواية من قصة جان نبيلا قرويا وليس فلاحا). ومن ثم ~~كانت العلامة التي أعطتها لشارل في شينون عبارة عن إثبات أنها أخت غير شقيقة له، ربما كان خاتما أو ~~وثيقة أو معلومات خاصة عن عائلتهما. # حلت نظرية كيز شتى أنواع المشكلات؛ إذ فسرت لماذا وثق بها ولي العهد، وشرحت كذلك كيف دخلت جان ~~من الأساس لكي تقابل ولي العهد، وكيف ألمت بالتكتيكات والاستراتيجيات العسكرية. فلم تكن تلك فتاة ~~ريفية عادية؛ بل كانت أميرة ولدت كي تحكم، بما يجري في عروقها من دماء ملكية وما تملكه من علاقات ~~ملكية. وقد لاقت النظرية رواجا وانتشارا، خاصة بين مناصري الملكية الذين لم ترق لهم قط فكرة أن ~~فتاة ms085 ريفية قد أنقذت المملكة، وراقت كذلك لهؤلاء الذين كانت تستهويهم المؤامرات. وعاودت النظرية ~~الظهور في أشكال متعددة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. # المشكلة - التي لم يستطع كيز ولا أي من أتباعه التغلب عليها مطلقا - تكمن في أن النظرية لم ~~تقم على أي أدلة، بل افترضت أن جزءا كبيرا من الأدلة المستمدة من محاكمتي جان قد زيفت بطريقة ~~أو أخرى. ولم تأت الشهادة بشأن مولد جان من والديها فقط، ولكن أيضا من العديد من الأقارب والجيران ~~الآخرين، الذين قالوا إنهم شهدوا ميلادها أو يعرفونها منذ يوم ميلادها. ولكي تكون جان أخت الملك، لا ~~بد أن يكون كل هؤلاء الشهود - بل الكثير من بني جلدتها - قد ارتكبوا جريمة حلف اليمين الكاذبة كجزء ~~من مؤامرة كبرى لإخفاء أصلها الملكي. # إن نظرية كيز، وإن كانت مبتكرة، ليس لها مصداقية. ~~••• # طرح آخرون مؤامرات أقل ضخامة وأقل ارتباطا بالملكية. ففي عام 1756، أشار فولتير إلى أن وزراء ~~ولي العهد قد عثروا على فتاة ريفية وقاموا بتدريبها، على أمل أن يكون ظهورها المثير في شينون ملهما ~~لشارل الجبان وجنوده واهني العزيمة لرد هجوم الإنجليز. وفي عام 1908، ورط أناتول فرانس قادة ~~الكنيسة في نفس النوع من المؤامرة، وذلك في السيرة الذاتية التي كتبها لجان دارك. وقد كانت نظريات ~~المؤامرة تلك مستساغة للغاية لدى هؤلاء المتشككين في رجال الكنيسة أو الدولة؛ ولكن للأسف لم يكن لدى ~~فولتير أو فرانس أي دليل يدعمهما. # ثمة طريقة أخرى لتفسير تأثير جان، وهي أنه لم يكن تأثيرا عظيما كما بدا، وكان هناك دليل على ~~هذا الرأي. فلعل شارل قد تأثر تأثرا عميقا بعلامة جان، ولكنه لم يسلم قواته لها في التو ~~واللحظة. وبدلا من ذلك، وبأسلوب بيروقراطي معتاد، قام بتعيين لجنة لاختبارها بشكل أكثر صرامة. ~~واجتمع أعضاء اللجنة لثلاثة أسابيع في بواتييه. وقد فقد التقرير الذي كتبه أعضاء اللجنة، ولكن كان من ~~الواضح أنهم صدقوا قصة جان؛ لأنها انطلقت بعدها إلى أورليان. # قلل العديد من المؤرخين أيضا من قيمة إسهامات جان العسكرية، حتى ms086 في موقعة أورليان. فوصفها ~~أناتول فرانس، على سبيل المثال، بأنها لا تتجاوز كونها مجرد جالبة حظ للجيش الفرنسي: صحيح أنها شجاعة ~~وملهمة، ولكنها لم تلعب دورا حقيقيا في التخطيط للمعركة أو تنفيذها. ولم تشر أي من الشهادات ~~التي أدلي بها في محاكمتي جان إلى أنها قد تولت قيادة القوات في أورليان على الإطلاق. وقد ذهب بعض ~~المؤرخين إلى أنه لا جدوى من المجادلة بشأن كيفية قيام جان بما قامت به؛ إذ إنها لم تفعل الكثير على ~~أي حال. # بالطبع كان لزاما أن يدخل مثل هذا الموقف الازدرائي دائما في منافسة مع أسطورة منقذة فرنسا؛ ~~تلك الشابة التي كان موتها على الخازوق يبدو في بعض الأحيان مباريا لموت المسيح على الصليب. وعلى مر ~~القرون، أضحت جان دارك رمز فرنسا الذي تقبله الجميع بغض النظر عن معتقداتهم السياسية أو الدينية. ~~فقد وقفت مع الجمهوريين الثوريين والملكيين الكاثوليك وغيرهم على حد سواء. ومؤخرا، جعلها القوميون ~~المحافظون المتشددون الموالون لجان ماري لوبان واحدة من جماعتهم. # ولا غرابة في أن هذه الجماعات جميعا كانوا أسرع في تمجيد قدراتها من تقديم أي تفسير ذي مصداقية ~~لها. غير أن معظم المؤرخين، وإن كانوا أقل تحيزا، لم يأتوا بما هو أفضل كثيرا. فمعظمهم يعتقد، على ~~عكس أناتول فرانس، أن جان كانت عاملا مهما في الحرب، وأنها قد أثرت تأثيرا عظيما على الملك، ~~على الأقل لفترة. ولكن جميعهم تقريبا رفضوا أي شكل من أشكال نظرية المؤامرة، سواء أكانت نتاجا ~~لدم جان الملكي أم لمخططات وزراء شارل. وكان من شأن ذلك أن ترك المؤرخون دون أي تفسير متفق عليه ~~بشكل عام لإنجازات جان، ابتداء بالعلامة التي قدمتها للملك. # جان دارك بعد الانتصار، من لوحة تعود لعام 1833. (مكتبة الكونجرس.) # وهكذا، وبعد أكثر من خمسمائة عام من التأريخ، يطرح المؤرخون نفس الأسئلة التي طرحها مستجوبو ~~جان: هل كان هناك ملائكة في الأمر؟ أم شياطين؟ # بالطبع، لا بد أن تكون الإجابات بالنسبة إلى أي مؤرخ هي «لا». ولكن من الملائم للغاية أن نعود ms087 ~~إلى هذه الأسئلة، لما كانت الملائكة والشياطين بالنسبة إلى أهل القرن الخامس عشر - والذين يضمون ~~بينهم جان وشارل والجنود الفرنسيين، وكذلك المحامون والكهنة الذين أدانوها - أمورا واقعية تماما. ~~وكذلك الحال بالنسبة إلى «الأصوات» التي ظنت جان أنها تسمعها، والتي نسبتها للقديسة كاثرين ~~والقديسة مارجريت. وكان اعتقاد الجنود الفرنسيين بأن لدى جان قديسين وملائكة يقفون بجانبها هو ما ~~جعلهم يتبعونها للمعركة. وكان اعتقاد قضاة جان بأن هناك شياطين يقفون بجانبها هو ما دفعهم للحكم ~~عليها بالموت. # وقد كان شارل ابن عصره أيضا، برغم أنه أحد رجال البلاط الملكي الذين يحظون بقدر عال من ~~التعليم والثقافة الرفيعة، ومن الوارد للغاية أنه صدق أن الأصوات التي تسمعها جان أو الملائكة قد ~~جاءت لإنقاذ مملكته. وكان هذا الاعتقاد، أكثر من أي شيء قالته أو فعلته في شينون، هو «العلامة» ~~الحقيقية لقوتها. # لمزيد من البحث # Wilfred Jewkes and Jerome Landfield, # Joan of ~~Arc ~~(New York: Harcourt, Brace, & World, 1964). Includes the relevant ~~sections of the original trial and the trial of rehabilitation ~~. # Jules Michelet, # Joan of Arc, # trans. ~~Albert Guerard (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1957). The French original, ~~published in 1841, transformed Joan into a republican heroine by stressing that her devotion ~~was to the kingdom, not the king ~~. # Anatole France, # The Life of Joan of ~~Arc, # trans. Winifred Stephens (New York: John Lane, 1908). Joan as the dupe ~~(albeit heroic) of priests who heard about her hallucinations and decided to make use of ~~them ~~. # Vita Sackville-West, # Saint joan of Arc ~~(Garden City, N.Y.: Doubleday, Doran, 1938). Both a biography and a meditation on the nature ~~of religious belief ~~. # Regine Pernoud, # Joan of Arc, # trans. ~~Edward Hyams (New York: Stein & Day, 1966). Joan, as seen through her own words and ~~those of the other witnesses at her trial ~~. # Maurice David-Darnac, # The True Story of the Maid ~~of Orléans, # trans. Peter de Polnay (London: W. H. Allen, 1969). In this latest ms088 ~~version of the bastardy theory, Joan proves her royal birth by showing Charles a gold ring ~~engraved with the arms of the House of Orléans. She also manages to escape the ~~stake ~~. # Edward Lucie-Smith, # Joan of Arc ~~(London: Allen Lane, 1976). A psychological approach to Joan that’s sometimes insightful, ~~often not ~~. # Frances Gies, # Joan of Arc ~~(New York: ~~Harper & Row, 1981). A straightforward biography, clear and unbiased, though offering no ~~new interpretations ~~. # Marina Warner, # Joan of Arc ~~(New York: ~~Alfred A. Knopf, 1981). How Joan fitted into traditions of thought about women, in her own ~~time and after ~~. # Anne Barstow, # Joan of Arc ~~(Lewiston, ~~N.Y.: Edwin Mellen Press, 1986). Compares Joan to other late-medieval mystics and ~~heretics ~~. # Regine Pernoud and Marie-Veronique Clin, # Joan of ~~Arc, # trans. and rev. Jeremy du Quesnay Adams (New York: St. Martin’s Press, ~~1998). Pernoud is the leading French scholar on Joan, but it’s unclear whether she meant this ~~to be a narrative history or an encyclopedia ~~. # الفصل الثاني عشر # | من مخترع الطباعة؟ # ما كنت لتظن أنه قد يكون هناك الكثير من الشكوك بشأن حدث عرف على الفور بأنه واحد من أكبر ~~نقاط التحول في تاريخ العالم. إلى جانب ذلك، من يستطيع أن يشكك في أسبقية يوهان جوتنبرج؟ فقد كان ~~لقبه كمخترع للطباعة مقبولا عالميا حتى إن مارشال ماكلوهان لم يتردد في الإشارة إلى الثقافة التي ~~أنتجها ب «مجرة جوتنبرج». # غير أن هذا الموضوع يحفل بالتساؤلات. # طالما كان جوتنبرج على قدر من الغموض بالنسبة إلى شخصية لها مثل هذا الثقل التاريخي. حتى في ~~عصره، لم يكن جوتنبرج هو الاسم الوحيد المطروح كمخترع للطباعة. ~~••• # تأتي أولى الإشارات وأقدمها إلى اختراع الطباعة في خطاب يرجع تاريخه إلى عام 1472؛ أي بعد ~~أربعة أعوام فقط من وفاة جوتنبرج. كان الخطاب من أستاذ بجامعة السوربون يدعى جييوم فيشيه. كان ~~الخطاب موجها إلى صديق له وذكر فيه فيشيه أنه في مكان ليس ببعيد عن مدينة ماينز «كان ms089 هناك شخص ~~يدعى يوهان ويحمل لقب جوتنبرج، كان أول من فكر في فن الطباعة، الذي تطبع به الكتب، دون أن ~~تكتب بقصبة ... ولا بقلم ... بل بحروف معدنية.» # ثمة إشارات أخرى مبكرة تجعل موطن الاختراع ستراسبورج، فتنسب الفضل فيه أحيانا إلى جوتنبرج، وفي ~~أحيان أخرى إلى عامل آخر في مجال الطباعة يدعى يوهان مينتلين. كذلك ظهرت مزاعم نيابة عن عمال ~~الطباعة في فينيسيا وميلان، والعديد منها يبدو مدفوعا بشيء يتجاوز الاعتزاز المحلي بعض ~~الشيء. # يبدو أنه وقع ما هو أكثر من ذلك في أفينون بفرنسا، وهو ما تبين من وثيقتين قضائيتين هناك. ~~فوفقا لعقدين يرجع تاريخهما إلى عام 1446، وافق صائغ فضة من براج يدعى بروكوبيوس فالدفوجل على ~~تدريس سر «الكتابة الاصطناعية» لبعض المواطنين المحليين. ويشير أحد العقدين، بشكل مثير، إلى «حرفين ~~أبجديين من الفولاذ وثمانية وأربعين شكلا من القصدير، إلى جانب أشكال أخرى.» فهل يمكن أن تكون هذه ~~الحروف نماذج للطباعة، على طريقة جوتنبرج؟ لا شك أن فالدفوجل كان يسعى نحو اختراع مماثل، إلا أن ~~معظم الباحثين قد خلصوا إلى أنه قد أبلى بلاء حسنا. والسيناريو الأقرب هو أن حروف فالدفوجل قد ~~استخدمت كنوع من الاختلاف عن تقنية الحفر على الخشب التقليدية؛ وربما تكون أقرب إلى الآلة الكاتبة ~~اليدوية من الطباعة الحقيقية. # كان الزعم الأكثر ثباتا وصمودا هو ذلك الذي قدم نيابة عن لورانس كوستيه من هارلم، والذي ~~طرحه أول مرة باحث هولندي في عام 1588. توصل كوستيه إلى فكرة الطباعة في عام 1440، بحسب هيدريان ~~جونيوس، بينما كان كوستيه يقوم بتقطيع بعض الحروف لأحفاده من لحاء شجرة زان. وفيما بعد، استبدل ~~كوستيه حروف خشب الزان واستخدم بدلا منها الرصاص ثم القصدير. وسرعان ما ازدهر مشروع الطباعة ~~خاصته. # وكتب جونيوس أن نمو مشروع كوستيه قد قاده للأسف لاتخاذ مساعدين، تبين أن أحدهم - «يدعى ~~يوهان» - كان عديم الضمير. فبعد أن تعلم أسرار المهنة، انتظر حتى ليلة عيد الميلاد، بينما الجميع ~~في الكنيسة، ثم سرق كل حروف الطباعة والمعدات، وانطلق إلى ماينز حيث أسس شركته ms090 الخاصة. # انتشرت قصة كوستيه خارج حدود هولندا، ووجدت ما يدعمها عبر السنين من الباحثين الفرنسيين، ~~والإنجليز، والأمريكيين. وكان ذلك يعزى جزئيا إلى وجود كم كبير من الأعمال المطبوعة الهولندية ~~القديمة وإن كانت غير مؤرخة، كان بعضها باستخدام الحروف المعدنية وبعضها بقوالب الخشب. ولا يزال هناك ~~تمثال لكوستيه «مخترع فن الطباعة» في ميدان سوق هارلم. # غير أنه في العقود القليلة الماضية، تعرضت القصة للطعن والتكذيب إلى حد كبير . فقد أظهرت ~~تحليلات أدق للحروف المطبعية، والنقوش، والورق أن معظم الأدلة الخاصة بالطباعة الهولندية القديمة ~~يرجع تاريخها إلى ما بعد عام 1465؛ أي بعد عشر سنوات من أول الكتب التي عرف أنها طبعت في ماينز، ~~مسقط رأس جوتنبرج. # كذلك تحيط الشكوك بقصة كوستيه. فمن الصعب للغاية الاقتناع بأن كوستيه قد قفز بهذه السهولة من ~~فكرة تقطيع الحروف لأحفاده إلى طباعة الكتب وتأسيس مشروع مزدهر، كل ذلك في غضون ستة أشهر قبل سرقة ~~ليلة عيد الميلاد. # ولعل من الأسباب وراء استمرار أسطورة كوستيه كل هذه الفترة الطويلة أنها قد حددت اسم الشرير ~~«يوهان»؛ ومن ثم قدمت إجابة مباشرة على المزاعم التي طرحت نيابة عن جوتنبرج. كذلك كان لفالدفوجل ~~صلات مزعومة تربطه بجوتنبرج: فكان والتر ريف، الذي كان في وقت ما من أحد معارف جوتنبرج، قد زار ~~أفينون بينما كان فالدفوجل يعيش هناك. # وهذه الصلات تعد في أحسن الأحوال واهية وهشة، وتعمل في الغالب على الإشارة إلى أنه حتى في ~~القرن الخامس عشر كان معظم الناس يربطون اختراع الطباعة بجوتنبرج. غير أنه حتى القرن الثامن عشر، لم ~~يكن يعرف سوى القليل للغاية عن أنشطة جوتنبرج، وهو ما تغير فيما بين 1727 و1770، مع ظهور مجموعة ~~من الوثائق التي تتعلق بدعاوى قضائية تورط جوتنبرج في مجموعة من الأرشيفات. # ومن هذه الوثائق انبثقت صورة أوضح كثيرا لجوتنبرج وانبثق معها أيضا تهديد جديد - هو الأخطر ~~على الإطلاق - لادعاء جوتنبرج بأنه مخترع الطباعة. ~~••• # سجلت أولى الوثائق الخطيرة التي ظهرت دعوى قضائية أقيمت ضد جوتنبرج في عام 1439، حين كان ~~يعيش في ms091 ستراسبورج. كان جوتنبرج، الذي تجاوزت طموحاته في الاختراع حدود الطباعة، قد اخترع فيما يبدو ~~طريقة ما جديدة لتصنيع المرايا. ودخل في شراكة مع أندرياس دريتتسين لإنتاجها وبيعها للحجاج في ~~الطريق إلى آخن، إلا أن الصفقة انهارت. ففيما يبدو أن الشريكين قد حصلا على تاريخ خاطئ للحج، والذي ~~لم يكن مقررا في عام 1439، ولكن بعده بعام. فتوصلا إلى أنهما لا يرغبان في الانتظار عاما لبيع ~~المرايا؛ ما جعل دريتتسين يقترح بعد ذلك ضرورة قيام جوتنبرج بتعليمه فنا آخر وغير محدد. وأبرم ~~جوتنبرج ودريتتسين عقدا جديدا لتغطية تكاليف «فن ومغامرة» جوتنبرج. # هل كان هذا هو فن ومغامرة الطباعة؟ هناك غموض شديد في الوثائق في هذا الشأن؛ فمن الواضح أن كلا ~~طرفي القضية قد تعمد تجنب إفشاء السر. ولا تقدم الوثائق سوى لمحات، ولكن هذه اللمحات تتضمن ذكر ~~شراء الرصاص والمعادن الأخرى، إلى جانب ذكر آلة طباعة و«أشكال» معينة. # وأيا كان ما يفعله جوتنبرج، فقد كان آخرون على قناعة بأنه من الممكن أن يدر أرباحا ضخمة. ~~فوفقا لإحدى الشهادات من المحاكمة، قامت سيدة بزيارة أندرياس دريتتسين في إحدى الليالي، وأبدت بعض ~~التحفظات بشأن كم ما استثمره من أموال. واعترف دريتتسين بأنه قد رهن ميراثه، ولكنه أخبر السيدة ~~بثقة قائلا: «لن نفشل؛ وقبل أن ينقضي عام سنكون قد استرددنا رأس مالنا وبعدها سنحيا في رغد من ~~العيش.» # كان أشقاء دريتتسين أيضا يعتقدون أن الاختراع يساوي الكثير من المال، وهذا ما أدى إلى رفع ~~الدعوى. فقد كان العقد يحتوي على فقرة تقضي بأنه في حالة وفاة أي من الطرفين، لن يأخذ ورثته محله. ~~ولكن عندما توفي دريتتسين في عام 1438، أراد أشقاؤه الدخول في الصفقة، وهو ما قوبل بالرفض من ~~جانب جوتنبرج، وجاء حكم المحكمة في صالحه. ونتيجة لذلك، لم يعلم أشقاء دريتتسين مطلقا الفن السري ~~الذي كان شقيقهم يتعلمه من جوتنبرج، ولم تتح لنا معرفة أكيدة بماهية هذا الفن. # الوثيقة الخطيرة التالية تتحدث بشكل صريح عن الطباعة، ويعود تاريخها إلى أكتوبر 1455، وهو الوقت ~~الذي كان ms092 فيه جوتنبرج قد عاد من ستراسبورج إلى ماينز مسقط رأسه. ومرة أخرى، واجه جوتنبرج دعوى ~~قضائية. (في الواقع إنه قد واجه العديد منها، وهو ما قد يعد أمرا حتميا لمخترع في عصر ما قبل ~~براءة الاختراع.) وقد أصبح سجل هذه الوثيقة معروفا بوثيقة هيلماسبرجر، تيمنا باسم كاتب العدل الذي ~~قام بتوقيعها، أولريش هيلماسبرجر. # كان المدعي هو يوهان فوست، وهو شريك آخر لجوتنبرج، ويعتبر في اعتقاد بعض المؤرخين المخترع ~~الحقيقي للطباعة. # يتضح لنا شيء من وثيقة هيلماسبرجر؛ وهو أن فوست أقرض جوتنبرج مبلغا كبيرا من المال لما وصف ب ~~«مشروع الكتب». وفيما بعد، أقام فوست دعوى قضائية من أجل استرداد رأس المال والفائدة، ~~وحكمت له المحكمة بمعظمهما. ولا تذكر وثيقة هيلماسبرجر تلك ~~تحديدا قيمة المبلغ، أو ما إذا كان جوتنبرج قد تمكن من السداد. ومع ذلك، فقد خلص العديد من ~~المؤرخين إلى أن القرار قد أدى إلى إفلاس جوتنبرج وإثراء فوست، الذي ربما يكون قد استولى على متجر ~~الطباعة المملوك للأول. # لقد مضى فوست في طريقه ليصبح طباعا ناجحا؛ سواء ~~أكان ذلك في متجر جوتنبرج أم في متجر أنشأه لنفسه. ويظهر اسم فوست، إلى جانب اسم شريك جديد يدعى ~~بيتر شافر، على «سفر مزامير ماينز» لعام 1457، الذي لا يزال يوجد منه عشر نسخ. ويعد «سفر المزامير» ~~هو أول كتاب مطبوع ولا يوجد أي شكوك بشأن مكان وتاريخ طباعته، واسم طابعه، ويستشهد به مؤيدو فوست ~~كدليل على أن رجلهم، وليس جوتنبرج، هو من أكمل آلة الطباعة وأول من قام بتشغيلها. # ولكن هل ساهم فوست بالفعل في اختراع آلة الطباعة، أم إنه كان مجرد ممول لاختراع جوتنبرج. هل كان ~~«سفر المزامير» هو أول كتاب مطبوع، أم مجرد أول كتاب مطبوع معروف مكان طباعته وتاريخ طباعته واسم ~~طابعه؟ # وماذا عن إنجيل جوتنبرج؟ إن الإنجيل، لا «سفر المزامير»، هو ما لا يزال الكثيرون يعتبرونه أول ~~كتاب مطبوع، فضلا عن كونه واحدا من أجمل الكتب. فمن الذي طبعه؟ ومتى؟ ~~••• # لا تقدم وثيقة هيلماسبرجر إجابات قاطعة عن ms093 الإنجيل، وكذلك النسخ التي لا تزال باقية من الإنجيل ~~نفسه، والتي لا تحوي اسم الطابع، ولا مكان الطباعة، ولا التاريخ. ولكن ثمة أدلة أخرى تشير إلى ~~جوتنبرج بوصفه الطابع؛ وتاريخ أقدم من تاريخ «سفر المزامير». # ثمة ملحوظة في نسخة توجد الآن في مكتبة فرنسا الوطنية بباريس تخبرنا بأن أعمال التجليد ~~والألوان قد انتهت في أغسطس من عام 1456. وبالرجوع للوراء، فإن ذلك يجعل من المحتمل أن يكون الورق قد ~~طبع في عام 1454 أو 1455؛ أي «قبل» أن يتمكن فوست من الاستيلاء على آلة الطباعة الخاصة ~~بجوتنبرج. # ظهرت أدلة أخرى في عام 1947، في شكل خطاب بتاريخ مارس 1455 من إينيا سيلفيو بيكولوميني (الذي ~~أصبح فيما بعد البابا بيوس الثاني) إلى كاردينال إسباني. وصف بيكولوميني رؤيته لصفحات من الإنجيل ~~طبعت بواسطة هذا «الرجل المدهش» في خريف 1454. ولم يذكر الخطاب أكان هذا الرجل المدهش هو جوتنبرج ~~أم فوست، ولكن من خلال التحقق من تاريخ الطباعة الأقدم، يشكل ذلك حجة أقوى تدعم فكرة أن طابع إنجيل ~~جوتنبرج، في الواقع، هو جوتنبرج. # ويرى معظم المؤرخين أن الملحوظة والخطاب قد أمنا ادعاء جوتنبرج بأحقيته في الشهرة. # إنجيل جوتنبرج لا يحوي اسم الطابع، ولا مكان الطباعة، ولا التاريخ. (مكتبة ~~الكونجرس.) # غير أن ذلك لا يعني حرمان فوست من مكانة مهمة في تاريخ الطباعة. فعلى مدى قرون، كان فوست ~~يصور كشرير القصة؛ الوغد الرأسمالي الذي استغل جوتنبرج المخترع الكلاسيكي الحالم. وبحسب هذه ~~الرؤية، فقد انتظر فوست حتى استثمر جوتنبرج كل أموالهما في إنتاج الإنجيل الذي كان سيحظى بالشهرة ~~قريبا. وعندما أدرك بعدها أن جوتنبرج لن يتمكن بأي حال من رد أمواله له، طالبه بسداد قرضه وحجز ~~على أصول المشروع. ولم يفد اسم فوست سمعته أيضا؛ فقد كان أحيانا ينطق فاوست؛ مما شجع بعض ~~المؤرخين الأوائل على دمج عناصر من أسطورة فاوست في القصة. # كان المؤرخون المعاصرون أكثر رفقا بفوست، وكان من أسباب ذلك أن كثيرين ذكروا أن فوست قد نشأ في ~~عائلة من صائغي الذهب. ومن ثم، حتى لو ms094 كان الاختراع مملوكا لجوتنبرج، فإنه لم يكن ينبغي نبذ فوست ~~كمجرد شخص استغلالي متعطش للمال، وليس لديه اهتمام بأية مهارة حرفية. # كذلك ليس من المحتمل أن قضاة ماينز كانوا سيصدقون على ادعائه لو لم يكن يستحق. فمن المحتمل ~~للغاية، مثلما زعم فوست، أن يكون جوتنبرج قد أخذ بعض المال الذي كان يفترض أن يذهب لمشروع الإنجيل ~~المشترك خاصتهما واستخدمه بدلا من ذلك لطباعة أعمال أخرى، مثل الروزنامات وكتب النحو. ولم يكن لفوست ~~نصيب في أرباح المطبوعات الأخرى؛ لذا من المفهوم أنه قد غضب من تحول مسار أمواله. # وعليه، لم يكن فوست شيطانا كما لم يكن جوتنبرج قديسا؛ بل ربما يكون فوست قد أدخل بعض ~~التحسينات التقنية الصغيرة على آلة الطباعة. وبالمثل، قد يكون جوتنبرج قد تعلم بعض التقنيات من ~~فالدفوجل وكوستيه، أو من آخرين في فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا. وربما يكون أيضا قد حصل على بعض ~~الأفكار من الشرق الأقصى؛ حيث كان هناك شكل ما من الحروف المعدنية يستخدم لقرون، وحيث كان الورق - ~~فضلا عن الحرير، والبارود، والبورسلين - قد اخترع. وبشكل متزايد، صار المؤرخون يرون كل هذه ~~الأماكن، وكل هؤلاء الحرفيين والمخترعين، كجزء من عملية تدريجية أدت إلى اختراع آلة ~~الطباعة. # ولكن ظلت عبقرية يوهان جوتنبرج هي التي قامت بتشكيل كل اتجاهات وتجارب العصور. ودون التشكيك ~~في أعمال الآخرين، جمع جوتنبرج الورق ذا الجودة المناسبة، والمداد ذا القوام المناسب، وآلة طباعة ~~مناسبة لكليهما، والأهم من ذلك سابكة الحروف المطبعية التي استطاعت أن تجعل الحروف المطبعية متاحة ~~بالآلاف في لمح البصر. # ولا يزال التوقيت المحدد الذي اجتمعت فيه كل هذه العناصر معا لغزا. فقد فسر البعض الدعوى ~~القضائية التي أقامها دريتتسين بأنها تعني أن جوتنبرج قد نجح في ذلك في ستراسبورج، ربما في قرابة عام ~~1440. غير أن الإجماع السائد بين المؤرخين أن ذلك قد حدث في ماينز خلال خمسينيات القرن الخامس عشر، ~~قبل فترة ليست بطويلة من طباعة الإنجيل الذي يذكر باسمه عن جدارة. # وأيا كان التوقيت، فقد ابتكر جوتنبرج ms095 وسيلة تطبع في يوم واحد أكثر مما كان يمكن للناسخين ~~كتابته في عام، ومن بعدها لم يعد العالم كما كان من قبل قط. # لمزيد من البحث # Karl Schorbach, ed., # The Gutenberg ~~Documents ~~(New York: Oxford University Press, 1941). The key documents in ~~translation, including the records from the Helmasperger Instrument and the suit brought by ~~Dritzehen’s brother ~~. Pierce Butler, # The Origin of Printing in ~~Europe ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1940). The ~~case against Gutenberg ~~. # Victor Scholderer, # Johann Gutenberg ~~(London: The British Museum, 1963). Not much more than a pamphlet, but the closest thing to ~~an English-language biography ~~. # Frederick Goff, # The Permanence of Johann ~~Gutenberg ~~(Austin: University of Texas Press, 1970). A brief summary of some of ~~the controversies surrounding Gutenberg ~~. # Elizabeth Eisenstein, # The Printing Revolution in ~~Early Modern Europe ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1983). Not much about ~~Gutenberg, but plenty about how he ~~changed the world ~~. # Albert Kapr, # Johann Gutenberg ~~(Aldershot, Eng.: Scolar Press, 1996). Completed in East Germany in 1986 but not translated ~~until ten years later, this is the most recent biography; generally admirable, though it ~~suffers somewhat from having been written prior to the fall of the Berlin Wall, which ~~deprived the author of access to some articles in English and French ~~journals ~~. # Janet lng, # Johann Gutenberg and His ~~Bible ~~(New York: Typophiles, 1988). A clear and concise ~~historiography ~~. # الفصل الثالث عشر # | هل قتل ريتشارد الثالث أميري البرج؟ # «كل الروايات تحكم علي بأنني شرير.» هكذا جعل شكسبير ريتشارد الثالث يشكو قبل وفاته بفترة ~~وجيزة. وأي شرير! فها هو أمامنا رجل لم يتردد في قتل الملك هنري السادس القديس ووريثه الشاب إدوارد ... ~~أو في إغراق أخيه جورج (في وعاء ضخم من النبيذ الحلو) ... أو في الزواج من أرملة أحد ضحاياه، ثم ~~قتلها بالسم حين ظهرت عروس محتملة أخرى ذات علاقات أفضل على الساحة. وكانت الفعلة الأكثر شناعة ~~على الإطلاق، والتي أكدت سمعة ريتشارد السيئة، ms096 هي اختطاف وقتل «أميري البرج». فقد كانا مجرد ~~طفلين، وكانا ابني شقيق ريتشارد، ولكنهما وقفا حائلا بين عمهما والعرش. # ولكن إذا كان ريتشارد في دراما شكسبير لديه سبب مقنع للقلق بشأن سمعته، فقد استطاع الملك ~~الحقيقي أن يلتمس العزاء لنفسه في معرفة أنه كان سيأخذ أكثر من نصيبه من المدافعين. فبعد خمسمائة عام ~~من وفاته، استمر قاتل أميري البرج في إلهام كتاب القصص البوليسية، وأبرزهم جوزفين تاي صاحبة ~~الرواية الأكثر مبيعا «ابنة الزمن». وتضم جمعية ريتشارد الثالث أكثر من ثلاثة آلاف عضو كرسوا ~~جهودهم لتطهير اسمه. # كان ريتشارد في عيون المدافعين عنه ضحية لحملة دعائية نظمها هنري السابع، أول ملوك أسرة تيودور ~~الذين خلفوا بطلهم في الحكم. ويرسم هؤلاء «الريتشارديون» صورة مختلفة على نحو مذهل لريتشارد: فهو ~~جندي شجاع، وملك مهموم بالحكم، وأخ مخلص. كما أن لهم أفكارهم الخاصة بشأن قاتل أميري البرج. ~~••• # كان الرجل المسئول عن النظرة التقليدية لريتشارد ~~كتجسيد للشر، بما يفوق شكسبير، هو توماس مور؛ فهو من وضع الحبكة الأساسية التي اتبعها شكسبير والكتاب ~~التيودوريون. وقد قام مور بتأليف كتاب «تاريخ الملك ريتشارد الثالث» فيما بين عامي 1514 و1518 وقام ~~بتنقيحه في أواخر عشرينيات القرن السادس عشر. # نشأ ريتشارد الجلوستري - من جلوستر - كما كان معروفا قبل أن يصبح ملكا، في كنف شقيقه الأكبر ~~الملك إدوارد الرابع. وكان ريتشارد الأكثر إذعانا مخلصا لإدوارد، الذي كافأه في المقابل بالعديد من ~~الألقاب والممتلكات التي تمركزت بشكل أساسي في شمال إنجلترا. # وفي أبريل عام 1483، توفي إدوارد عن عمر يناهز الأربعين، بعد حياة من الإفراط في الطعام ~~والشراب والنساء، تاركا ابنين؛ إدوارد اثني عشر عاما، وريتشارد عشرة أعوام. وكانت أمنية الملك على ~~فراش الموت أن يصبح ابنه الملك إدوارد الخامس، على أن يكون أخوه (ريتشارد) «وصيا» على العرش حتى ~~يبلغ الصبي من العمر ما يؤهله لتولي الحكم بمفرده. # لم يرض هذا الترتيب زوجة إدوارد الرابع، إليزابيث وودفيل. وبينما كان ريتشارد في الشمال، نجحت ~~في إقناع المجلس الملكي في لندن برفض وصايته، ثم ms097 أرسلت رسالة عاجلة إلى أخيها أنطوني، تطلب منه إحضار ~~إدوارد الصغير إلى لندن حتى يمكن تتويجه في الحال. # ولدى معرفته بالمؤامرة، أسرع ريتشارد إلى الجنوب، معترضا سبيل أنطوني وودفيل وإدوارد. وبعد ~~مأدبة احتفالية في المساء، قام ريتشارد بالقبض على أنطوني وودفيل وإرساله إلى الشمال، حيث أعدم بعدها ~~بفترة وجيزة. بعد ذلك، اصطحب ريتشارد ابن أخيه الصغير إلى لندن؛ حيث أسكنه برج لندن، الذي كان آنذاك ~~قصرا ملكيا وليس سجنا. # ولكن استمرت الخطط في اتجاه تتويج الملك الصغير، وأقنع ريتشارد الملكة بأن تدع ابنها الأصغر ~~يلحق بإدوارد ليحضر مراسم التتويج. وتعهد ريتشارد بإعادة الصبي فور انتهاء التتويج. وكان ما ساهم ~~أكثر في إقناعها بلا شك قوات ريتشارد التي أحاطت بحرم الملكة في دير ويستمينستر. # في غضون ذلك، كان ريتشارد في حاجة لذريعة ما للمطالبة بالعرش لنفسه. وظهرت تلك الذريعة بلا أي ~~جهد في يونيو، في صورة معروف أسداه روبرت ستيلينجتون، أسقف باث وويلز. فقد كشف ستيلينجتون للمجلس ~~الملكي عن أن زواج إدوارد الرابع بإليزابيث وودفيل كان باطلا؛ لأنه في وقت ما عقد قرانه بامرأة أخرى ~~هي إليانور باتلر. وبذلك يكون الأميران اللذان في البرج ابني زنا ... وأبناء الزنا لا يستطيعون وراثة ~~العرش. # ومع غرق جورج الأخ الآخر لإدوارد الرابع، في النبيذ المذكور آنفا، لم يكن هناك شخص آخر في ~~ترتيب وراثة العرش سوى ريتشارد الجلوستري. # شعر ريتشارد في تلك اللحظة أن التاج في قبضته. وفي أواخر يوليو أو أوائل أغسطس، أرسل خطابا إلى ~~سير روبرت براكنبري - مسئول الأمن بالبرج - يأمره بقتل الأميرين، إلا أن براكنبري رفض. # ومن ثم، أسند ريتشارد المهمة إلى جيمس تيريل، وهو مؤيد له ذو شخصية طموحة، وقد استعان ~~بتابعين أمينين في هذه المهمة. وبحسب رواية مور، انتظر تيريل بالخارج بينما تسلل الآخران إلى أعلى ~~حيث الأميران النائمان، «وعلى حين غرة قاما بلفهما داخل أغطيتهما»، وضغطا «بقوة على فميهما ~~بالحاشية الريش والوسائد»، ثم قام الرجال الثلاثة بدفن الجثمانين «أسفل الدرج في عمق الأرض وفق ~~مقاسات محددة تحت كومة ms098 كبيرة من الأحجار.» # إذا كان ريتشارد هو الشرير في قصة مور، فقد كان البطل هو هنري السابع، الذي ذبح ريتشارد عام ~~1435 في ساحة معركة بوسورث، واضعا نهاية لحرب الوردتين الدموية ومؤسسا لسلالة الملوك التيودوريين ~~السعيدة. # أو هكذا كتب مور. ولكن هل كان هذا صحيحا؟ ~~••• # كان من الصعب على الجميع حتى أنصار ريتشارد التشكيك في نزاهة سير توماس مور وأمانته. فقد كان في ~~النهاية الرجل الذي أعدم عام 1535 لأن ضميره لم يكن ليسمح له بأن يجاري خطة هنري الثامن لتطليق ~~كاثرين - من أراجون - والزواج من آن بولين. فقد كان مور كاتبا، وفيلسوفا، وقديسا (بعد تطويبه عام ~~1935) بالمعنى الحرفي إلى حد كبير. # لا تظهر اللوحات الأولى لريتشارد أي علامات للظهر المحدودب أو الذراع غير ~~المكتملة النمو، اللذين استخدمهما شكسبير ومور للتعبير عن تشوهه الأخلاقي والجسدي كذلك. (مكتبة ~~الكونجرس.) # ولكنهم شككوا. ففي عام 1768، وصف سير هورس والبول مور بأنه «مؤرخ قادر على توظيف الحقيقة فقط ~~كمادة لاحمة في نسيج من الخيال.» فلا يمكن إنكار أنه كان مخطئا في حقائق معينة، منها وصفه لتشوهات ~~ريتشارد. فلم يظهر الظهر المحدودب والذراع غير مكتملة النمو في أي مرجع معاصر آخر. # شكك أنصار ريتشارد كذلك في مصادر مور. فقد كان مور في الخامسة فقط من عمره حين اعتلى ريتشارد ~~العرش، وفي السابعة حين توفي؛ لذا من الواضح أن كتاباته لم تكن عن مشاهدة شخصية. ولعل الكاردينال ~~جون مورتون، الذي عاش مور صباه في منزله، كان أحد مصادره، وهو مصدر من الصعب أن نتخيل وجود مصدر آخر ~~أكثر تحاملا منه؛ فقد تعرض مورتون للسجن والنفي على يد ريتشارد الثالث. # إلى جانب أن مور لم ينته من كتابه «تاريخ الملك ريتشارد الثالث» ولم ينشره، حسبما أشار أنصار ~~ريتشارد؛ ولذا خمنوا أنه ربما يكون قد تخلى عن المشروع عندما علم الحقيقة بشأن ريتشارد ~~وهنري. # والأهم من ذلك، فقد ذهب أنصار ريتشارد إلى أن رواية مور لم تكن منطقية؛ فلو كان المجلس الملكي ~~قد حكم بالفعل بأن الأميرين أبناء ms099 زنا ومن ثم لا يمكنهما وراثة العرش، فلماذا اضطر ريتشارد لقتلهما؟ ~~ولو أن هنري قد وجد أن الأميرين غير موجودين حين استولى على البرج في عام 1485، فلماذا لم تثر ~~ثائرته بشأن ذلك، أو على الأقل يبحث عن الجثمانين؟ # كل ذلك في نظر أنصار ريتشارد يشير إلى أن هنري هو المجرم؛ فذهبوا إلى أن دافعه كان في قوة دافع ~~ريتشارد على الأقل. فباعتباره ابن عم بعيد إلى حد ما لكل من ريتشارد والأميرين، فقد كانت حجته ~~في المطالبة بالعرش أضعف كثيرا من ريتشارد ... وميئوسا منها إلى حد كبير لو كان أي من الأميرين ~~على قيد الحياة. # كان لكل هذه الأسئلة إجابات لدى أتباع المذهب ~~التقليدي. فما من شك أن مجلس ريتشارد قد أعلن عدم شرعية الأميرين، ولكن ريتشارد كان يعلم أن هنري ~~السابع يمكنه بنفس السهولة إقناع مجلسه بنقض القرار. وما داما على قيد الحياة، فبإمكان الأميرين ~~دائما أن يكونا مصدر تهديد لعرشه وسببا لتجمع أعدائه. # أما بالنسبة إلى هنري، فقد كان هناك العديد من الأسباب التي تفسر احتمال عدم قيامه بأي شيء ~~بشأن الأميرين بعد الاستيلاء على العرش. لعله لم يكن يعلم يقينا بما حدث لهما. وربما يكون قد اعتقد ~~أن الجميع يلقون بالمسئولية في ذلك على ريتشارد. وربما خشي لو اعترف بأنه لا يعرف مكان الأميرين أن ~~يؤدي ذلك إلى ثورات من أجلهما. # وهناك بالفعل ما يدعم هذا الخوف. ففي أثناء حكم ~~هنري، توحدت القوى المناهضة للحكم التيودوري مرتين حول قائدين زعما أنهما الأميران. وقد اتضح أن ~~«إدوارد» الذي قاد ثورة شعبية اندلعت عام 1487 هو لامبرت سيمنيل، ابن نجار بأكسفورد وصانع لآلات ~~الأرغن. وفي عام 1491، زعم رجل أنه الأمير الأصغر ليتضح بعد ذلك أنه بركين وربك؛ فربما يكون قد ~~اكتسب بعض المعلومات المفيدة من والده، الذي كان في وقت ما يكسب قوت يومه من توريد السجاد للبلاط ~~الملكي. # وهكذا فإن الحجج المؤيدة والمعارضة لكل من ريتشارد وهنري قد تم تداولها على مدى قرون، وكان ~~المقام الرفيع لكل من ms100 مور وشكسبير بشكل عام يعطي ثقلا للتقليديين، إلا أن ريتشارد قد حظي بدفاع ~~قوي، منذ وقت مبكر يرجع إلى عام 1619، من سرد تاريخي تصحيحي للسير جورج باك. شيء واحد فقط هو ما بدا ~~أكيدا: أن نفس الحقائق يمكن أن تؤدي إلى استنتاجات مختلفة. # بعد ذلك، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، تبدلت الحقائق. ~~••• # في عام 1933، خضع دير ويستمينستر أخيرا لضغوط من جانب أنصار ريتشارد لفتح المقبرة التي يفترض ~~أن رفات الأميرين مدفون بها. وكان قد حدث في عام 1674، وبحسب تعليمات من تشارلز الثاني لإخلاء موقع ~~بالقرب من البرج الأبيض، أن اكتشف عمال صندوقا يحتوي على هيكلين عظميين صغيرين. وعلى الفور أعاد ~~الموقع للأذهان وصف مور لمكان الدفن، وخلص تشارلز إلى أن العظام كانت للأميرين. وأضافت قطعة من ~~المخمل وجدت وسط العظام مصداقية واعتمادا للاستنتاج؛ إذ لم يكن أحد يرتدي المخمل سوى أفراد ~~الطبقات العليا. # وأمر تشارلز بإعادة دفن الجثمانين في دير ويستمينستر، حيث ظلا هناك لمدة 259 عاما ~~أخرى. # وقد كانت الدراسة التي أجريت عام 1933 على يد ~~لورانس تانر، مسئول أرشيف ويستمينستر، وويليام رايت - رئيس الجمعية البريطانية للتشريح - قديمة ~~للغاية على نحو لم يسمح بالتأريخ بالكربون، فضلا عن تقنية الحمض النووي. ولكن تانر ورايت استطاعا ~~استخدام الأدلة الخاصة بالأسنان لتقدير أن الطفل الأكبر كان في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، ~~والأصغر فيما بين التاسعة إلى الحادية عشرة. وقد كان إدوارد في الثانية عشرة وريتشارد في العاشرة حين ~~اختفيا. # ولم يكن ذلك دليلا قاطعا على أن ريتشارد كان قاتلا، إلا أنه يعزز على الأقل جانبا من ~~رواية التقليديين. # بعد ذلك بعام، ظهر دليل آخر، وهذه المرة في المكتبة المحلية بمدينة ليل، وكان عبارة عن تقرير ~~كتبه راهب إيطالي يدعى دومينيك مانشيني عام 1483. وعلى عكس مور، كان مانشيني في لندن خلال الشهور ~~العصيبة التي تولى فيها ريتشارد مقاليد الحكم. وقد أوضح الراهب نيته مسبقا: «سأعرض كتابة ~~المكائد التي حصل بها ريتشارد الثالث على العرش.» # وصف مانشيني كيف انتقل الأميران إلى الغرف الداخلية للبرج ms101 وكيف كان معدل ظهورهما يقل ويقل ~~تدريجيا، إلى أن غابا عن الأنظار تماما. أما فيما يتعلق بالطريقة التي توفي بها الملك الشاب، ~~فلم يذكر مانشيني سوى أنه «كان هناك بالفعل اعتقاد أنه قد تم التخلص منه.» # استفاد أنصار ريتشارد من حقيقة أن مانشيني لم يتهم ريتشارد بجريمة القتل بشكل صريح ومباشر. ~~وأشاروا أيضا إلى أن ما ذكره ربما لم يكن سوى نميمة. ولكن يظل التقرير، على أقل تقدير، دليلا على ~~أن الروايات بشأن قسوة ريتشارد لم تكن مجرد تلفيقات لمسئولي الدعاية اللاحقين في العهد التيودوري. ~~حتى في زمنه، كان واضحا أن هناك الكثير من الناس كانوا يظنون أن ريتشارد قد قتل الأميرين. # لم تكن مكاشفات القرن العشرين كافية في نظر الغالبية العظمى من المؤرخين لإدانة ريتشارد. فقد ~~كانت الأدلة جميعها عرضية، وقليل من المؤرخين هم من أنكروا على أنصار ريتشارد شكهم المنطقي. ولكن ~~التاريخ ليس بساحة قضاء؛ فلا بد للمؤرخين أن يعكفوا على دراسة الاحتمالات، وليس الأمور الممكنة. لقد ~~كان لدى آخرين دوافع للتخلص من الأميرين، ولكن أيا منها لم يكن قويا كدافع ريتشارد. كان لدى ~~آخرين فرصة أيضا، وكذلك ريتشارد، ومن الصعب أن نتخيل شخصا آخر يتخلص من الأميرين دون أن يعلم ~~ريتشارد شيئا عن ذلك. # ولكن إذا كان معظم المؤرخين قد خلصوا إلى أن ريتشارد مدان على الأرجح بجريمة القتل، فبإمكان ~~أنصاره أن يجدوا بعض العزاء في إجماع رأي يقضي بأنه لم يكن بأي حال ذلك الوحش المنقطع النظير الذي ~~صوره مور وشكسبير. لقد كان ريتشارد في قتله للأميرين يحذو حذو سوابق مماثلة راسخة؛ فقد اغتيل ~~إدوارد الثاني بناء على أوامر زوجته، التي تولت زمام الحكم نيابة عن ابنها إدوارد الثالث، فيما ~~ترك ريتشارد الثاني يتضور جوعا حتى الموت على يد هنري الرابع، وقتل هنري السادس بناء على أوامر ~~إدوارد الرابع. # لقد استدعى ريتشارد إلى الأذهان كل هذه الاغتيالات. فلم تكن إنجلترا في العصور الوسطى قد عرفت ~~ملكا مخلوعا، وأغلب الظن أن تلك كانت نظرة ريتشارد لابني أخيه؛ ms102 لذا فمن المرجح للغاية أن يكون ~~«العنكبوت الأحدب» الذي وصفه شكسبير رجل عصره. # لمزيد من البحث # Dominic Mancini, # The Usurpation of Richard ~~III ~~(Oxford: Clarendon Press, 1969). Mancini may have filled his report with bias ~~and gossip; nevertheless, he was there. Translated and with an introduction by C. A. J. ~~Armstrong, who discovered the ~~document ~~. Paul Kendall, ed., # Richard III ~~(New ~~York: W. W. Norton, 1965). Brings together the two most prominent early antagonists in the ~~debate, with the full texts of More’s # History of King Richard ~~III ~~, first published in 1543, and Horace Walpole’s # Historic Doubts on the Life and Reign of King Richard the Third ~~, first published ~~in 1769 ~~. # Lawrence Tanner and William Wright, “Recent Investigation Regarding the ~~Fate of the Princes in the Tower,” # Archaeologia # 84 (1935). ~~If only they conducted a DNA test ... # Josephine Tey, # The Daughter of Time ~~(New York: Macmillan, ~~1951). A ~~20th-century Scotland Yard inspector concludes that Richard was framed in a novel that’s a ~~fine detective story but less convincing as history ~~. Paul Kendall, # Richard the Third ~~(New ~~York: W. W. Norton, 1955). A readable and sympathetic biography that points the finger at the ~~duke of Buckingham ~~. # Elizabeth Peters, # The Murders of Richard ~~III ~~(New York: Warner Books, 1986). A moderately entertaining English country ~~house mystery, originally published in 1974, in which a bunch of Ricardians dress up as their ~~heroes, then find themselves living through-or rather, dying through- reenactments of his ~~crimes ~~. # Charles Ross, # Richard III ~~(Berkeley: ~~University of California Press, 1981). A comprehensive portrait of Richard’s life and his ~~very bloody times ~~. # Alison Weir, # The Princes in the Tower ~~(New York: Ballantine Books, 1992). The most recent and one of the most persuasive cases ~~against Richard ~~. # Bertram Fields, # Royal Blood ~~(New York: ~~Regan Books, 1998). Fields, a Hollywood lawyer, would definitely have gotten his client off ~~on the grounds that there’s reasonable ms103 doubt about his guilt, but he’s less convincing when ~~he tries to prove Richard’s innocence ~~. # الفصل الرابع عشر # | هل كان كولومبوس يقصد اكتشاف أمريكا؟ # على عكس الخرافة الشهيرة، لم يواجه كولومبوس أدنى صعوبة في إقناع ملك إسبانيا وملكتها - أو أي ~~شخص آخر - بأن العالم مستدير. فقد كانت تلك معلومة شائعة بين المثقفين الأوروبيين قبل عام 1492 بزمن ~~طويل. لقد كان رفض خطة كولومبوس يتعلق بفكرة مختلفة وأكثر راديكالية بكثير؛ أنه قد تمكن من اكتشاف ~~طريق جديد إلى آسيا بالإبحار غربا من أوروبا. # كانت الحكمة السائدة تقول إنه لو كان يمكن الوصول إلى آسيا عبر البحر، لكان ذلك بالدوران حول ~~أفريقيا والاتجاه شرقا عبر المحيط الهندي. ولما كانت آسيا تقع في الواقع شرق أوروبا، فإن هذه الخطة ~~تعد منطقية تماما، وقد آتت ثمارها عام 1499 حين وصل المستكشف البرتغالي فاسكو دي جاما إلى الهند. في ~~المقابل، لم تكن «مغامرة كولومبوس إلى جزر الهند» منطقية؛ فلو أن جزر الهند (مثلما سميت آسيا ~~آنذاك) تقع في مكان ما عبر الأطلنطي، فقد كانت تلك رحلة طويلة للغاية بالنسبة إلى بحار من القرن ~~الخامس عشر. وقد قدر عالم الجغرافيا الأكثر تعاطفا مع كولومبوس، باولو دل بوزو توسكانيلي، أن جزر ~~الهند كانت تقع على بعد أكثر من 3500 ميل غرب جزر الكناري، وكان معظم الباحثين على قناعة بأنها كانت ~~أبعد كثيرا. # ولكن كما يعلم الجميع، لم يكن كولومبوس ليعدل عن قناعته. فقد حسب أن 2760 ميلا فقط من المياه ~~المفتوحة تفصل بين أوروبا وآسيا، وأقنع فرديناند وإيزابيلا - ملكي إسبانيا - بأن الأمر يستحق منهما ~~تمويل رحلته البحرية. وعلى ذلك، أبحرت السفن نينا وبينتا وسانتا ماريا في سبتمبر عام 1492 من جزر ~~الكناري. وبعد خمسة أسابيع فقط - في نفس البقعة التي تنبأ بأنه سيجد فيها أرضا - هبط كولومبوس على ~~الشاطئ. # بالطبع كانت المفارقة التي شابت هبوط كولومبوس الناجح أنه لم يهبط بالقرب من آسيا بأي حال. ~~وكان الرأي المتفق عليه بخصوص ذلك صائبا تماما: لقد كانت آسيا أبعد ms104 ب 6000 ميل غربا من جزر ~~البهاما التي كان كولومبوس يقف على إحداها آنذاك. ولولا وجود قارتين وعدد هائل من الجزر الأخرى بين ~~أوروبا وجزر الهند، لاختفى كولومبوس وطاقمه بشكل شبه مؤكد وسط البحار. # ولأكثر من أربعمائة عام، ظلت هذه القصة عن كولومبوس هي المتداولة على جانبي الأطلنطي، قصة ~~مكتشف أمريكا البطل ذي العزيمة، وإن أخطأ خطأ جسيما. ولكن بدءا من مطلع القرن العشرين تقريبا، ~~خضعت القصة لتدقيق واستقصاء شابه الشك بشكل متزايد. # راح كثير من المؤرخين يتساءلون: كيف يمكن أن يكون كولومبوس قد أخطأ إلى هذا الحد؟ وكيف ~~تمكن من الاستمرار في الادعاء بأن الأراضي التي عثر عليها هي جزر الهند وأن شعبها هم «الهنود»، على ~~الرغم من الأدلة الساحقة على أنها لم تكن الصين أو اليابان؟ خلص بعض المؤرخين إلى أن كولومبوس لم يكن ~~يقصد مطلقا الذهاب إلى آسيا وأن «مغامرته في جزر الهند» كانت مجرد خدعة لتضليل المستكشفين الآخرين. ~~كما يزعم المؤرخون أن هدف كولومبوس من البداية كان اكتشاف عالم جديد. ~~••• # لا شك أن ما قاله كولومبوس للعالم هو أنه كان متجها صوب جزر الهند، وقد صدقه المؤرخون ~~المعاصرون. وكان من أبرز هؤلاء بارتولومي دي لاس كاساس؛ فهو لم يكتب السجل التاريخي الأكثر شمولا ~~لرحلات كولومبوس البحرية فحسب، بل أدرج فيه أيضا أجزاء من يوميات كولومبوس (علما بأن النسخ ~~الأصلية قد فقدت). تبدو افتتاحية يوميات كولومبوس، كما سجلها لاس كاساس، وصفا مباشرا جدا ~~لنوايا ومقاصد كولومبوس. فقد كتب المستكشف إلى فرديناند وإيزابيلا: «لقد قرر سموكما إرسالي، أنا ~~كريستوفر كولومبوس، إلى أراضي الهند لمقابلة حكامها ومشاهدة البلدات والأراضي وتوزيعها، وغيرها من ~~الأشياء الأخرى ... وأمرتماني بألا أتجه شرقا برا، كما هو معتاد، ولكن بأن أتخذ طريقي غربا؛ حيث ~~لم يرتده إنسان قبل اليوم بحسب علمنا.» # كيف يمكن لأشهر بحار عبر العصور - والذي يقع بصره في هذه اللوحة لأول مرة على العالم الجديد ~~- ألا يكون لديه فكرة عن ماهية ما ينظر إليه؟ (مكتبة الكونجرس.) # سجل كولومبوس في دفتر يومياته بتاريخ ms105 21 أكتوبر، بعد أن هبط على ما وصفه بجزيرة نائية، أنه كان ~~لا يزال مصمما على الوصول إلى البر الرئيسي الآسيوي كي يسلم ل «الخان الأعظم» - الإمبراطور الصيني - ~~خطابات تعريف من فرديناند وإيزابيلا. وفي طريق عودته إلى إسبانيا، كتب كولومبوس إلى فرديناند ~~وإيزابيلا أن الحصن الذي أنشأه سيكون ملائما «لكل أنواع التبادل التجاري مع أقرب بر رئيسي وكذلك ~~مع ... الخان الأعظم.» # لم يكن يبدو أن أيا من ذلك سيترك مجالا للشك بشأن وجهة كولومبوس، أو الوجهة التي كان يعتقد ~~أنه وصل إليها. # كان ثاني أهم مؤرخ معاصر هو فرديناند كولومبوس، نجل المستكشف، وكان على نفس القدر من التعنت ~~بشأن الوجهة التي كان والده يقصدها. فلم يكتب فرديناند أول سيرة ذاتية لكولومبوس فحسب، بل أيضا ~~احتفظ بكتب أبيه، التي كان من ضمنها ملاحظات هامشية لم تكن تقدر بثمن للمؤرخين في المستقبل. وتشير ~~هذه الملاحظات إلى أن كولومبوس قد عرف بشأن آسيا عن طريق ~~قراءة أعمال كتاب العصور الوسطى مثل ماركو بولو وجون ماندفيل. وفيما يبدو أيضا أنه قد استشار أرسطو ~~وسينيكا، اللذين ناقش معهما إمكانية الإبحار غربا إلى جزر الهند. ويقدم كتابان من العصور الوسطى ~~كانا في مكتبة كولومبوس - هما كتابا «صورة العالم» لبيير دايي، و«تاريخ العالم» للأب بيوس الثاني - ~~تخمينات متعددة بشأن مدى ضيق المحيط، وكانت الفقرات المتعلقة بذلك موضوعا تحتها خطوط، ربما من قبل ~~كولومبوس نفسه. # ضمت ترجمة فرديناند لسيرة أبيه الذاتية أيضا نسخا من المراسلات بين أبيه وبين توسكانيلي، ~~الجغرافي الإيطالي الذي زودت تقديراته للمسافة بين أوروبا وآسيا كولومبوس بدعم إضافي لنظريته. وقد ~~كتب فرديناند أن خطاب توسكانيلي «قد ملأ الأميرال بحماس أعظم تجاه الاكتشاف.» والأمر الأكثر إثارة، ~~كما كتب لاس كاساس، أنه قد «شحذ قريحة كولومبوس.» # ولكن على الرغم من أن لاس كاساس وفرديناند كولومبوس لم يكن لديهما أي شكوك بشأن وجهة كولومبوس ~~المقصودة، فقد أدرج كلاهما قصة ألقت ضوءا مختلفا تماما على «مغامرة» كولومبوس. كان أول ظهور للقصة ~~في شكل مطبوع في عام 1539، في تاريخ جونثالو ms106 فيرنانديث دي أوبييدو عن اكتشاف أمريكا. وبحسب رواية ~~أوبييدو لها، أبحرت سفينة في طريقها من البرتغال إلى إنجلترا وسط طقس سيئ وجرفت بعيدا نحو الغرب، ~~لتصل في النهاية إلى بعض الجزر المأهولة بأناس عراة. وأثناء رحلة العودة، مات الجميع عدا القبطان. ~~وجرفته الأمواج إلى شاطئ جزيرة ماديرا، حيث كان كولومبوس يعيش أحيانا خلال مطلع ثمانينيات القرن ~~الخامس عشر. وسرعان ما توفي القبطان أيضا، ولكن قبيل وفاته مباشرة كان قد رسم خريطة تبين ~~أين كان وأعطاها لكولومبوس. # إذا كانت قصة «القبطان المجهول» حقيقية، فإن كولومبوس إذن لم يبحر إلى المجهول العظيم مدعوما ~~فقط بنظرية غير موثقة. فإذا كان لديه خريطة، فقد كان لديه فكرة جيدة إلى حد ما عن وجهته؛ وسبب مقنع ~~للغاية للتشكك في أنها لم تكن جزر الهند. ولكن أوبييدو، أول من روى القصة، استنتج أنها على الأرجح لم ~~تكن حقيقية، ولم يصدقها فرديناند كولومبوس كذلك. أما لاس كاساس، فكان أكثر سذاجة وسرعة في تصديقها ~~نوعا ما، بالنظر إلى أن القصة كانت متداولة على نطاق واسع، ولكن ذلك بالتأكيد لم يزعزع اعتقاده بأن ~~كولومبوس كان يبحث عن جزر الهند. وقد اتبع المؤرخون اللاحقون خطاهما بإنكارهم للقصة، إن ذكروها من ~~الأساس. # وما كان مطلع القرن العشرين حتى وجد القبطان المجهول نصيره. ~~••• # كانت أطروحة هنري فيجنود المذهلة، التي عرضت بجرأة في عدد من الكتب التي نشرت في أوائل القرن ~~العشرين، تتمثل في أن كولومبوس لم يكن ينوي الذهاب إلى جزر الهند مطلقا، وأن القبطان المجهول أخبر ~~كولومبوس بشأن أمريكا، فأراد تلك الأراضي لنفسه. ومن منطلق معرفته الشديدة بأن جزر الهند كانت بعيدة ~~عن متناوله، اخترع قصة «مغامرته» لمجرد ضمان ألا يسبقه أحد إلى أمريكا. وما إن ترسخت خرافة ~~كولومبوس، بحسب زعم فيجنود، لم يجرؤ المؤرخون على تحديها؛ خوفا من أن «تختزل المهمة العظيمة ~~التي نظمها، كما أكد كولومبوس، من أجل تنفيذ فكرة علمية ... إلى أبعاد رحلة استكشافية عادية.» # بعبارة أخرى، كان كولومبوس كاذبا؛ ولم يكن القبطان المجهول - وفقا لفيجنود وأتباعه - هو ms107 الشيء ~~الوحيد الذي كذب بشأنه. # كانت اليوميات مزيفة، أو على الأقل أعيدت صياغتها وزورت بما يكفي (إما على يد كولومبوس أو ~~لاس كاساس) لإخفاء الدافع الحقيقي لكولومبوس. وكذلك زورت مراسلات توسكانيلي (إما من قبل كولومبوس ~~أو نجله)؛ ففي النهاية، كان الدليل الوحيد على رسائلهما أحدهما للآخر في ترجمة فرديناند، وهي ترجمة ~~معتمدة إن كانت موجودة من الأساس. # كذلك أبرز المشككون أمثال فيجنود بعض الوثائق ~~الخاصة بهم، التي كانت حتى هذا الوقت متجاهلة أو على الأقل منحاة جانبا. وكان أهم هذه ~~الوثائق العقد المبرم بين كولومبوس والملك والملكة الإسبانيين، والمعروف باسم «الامتيازات». تطرقت ~~اتفاقية الامتيازات إلى قدر كبير من التفاصيل بشأن نصيب كولومبوس من أرباح رحلته، ولكنها لم تورد ~~ذكرا لجزر الهند مطلقا. والأكثر إثارة للريبة أن الامتيازات قد مكنت كولومبوس من «اكتشاف» أية ~~جزر يعثر عليها «والاستحواذ عليها»، وهي عبارة لم يكن إمبراطور الصين ليقدرها بالتأكيد. والواقع أنه ~~من الصعب تخيل الإمبراطور يسلم أية جزيرة لثلاث سفن إسبانية مسلحة تسليحا خفيفا. وكان فيجنود يعتقد ~~أن الأمر الأكثر ترجيحا هو أن كولومبوس «وفرديناند وإيزابيلا» كانوا يخططون لاكتشاف منطقة ما جديدة، ~~ومجهولة للأوروبيين، والاستحواذ عليها. # وانتفض التقليديون للدفاع عن كولومبوس. فتحت قيادة صامويل إليوت موريسون، الذي كانت سمعته ~~كبحار إضافة هائلة لمصداقيته كمؤرخ، رد التقليديون بأنه على الرغم من أن اتفاقية الامتيازات لم ~~تذكر جزر الهند صراحة، فإن الإشارات إلى نصيب كولومبوس من اللآلئ والأحجار الكريمة والتوابل - أي كل ~~منتجات آسيا - تشير بوضوح إلى أنها كانت وجهته. # أما فيما يتعلق بقصة القبطان المجهول، فقد سخر موريسون من البحارة القليلي الخبرة الذين صدقوها ~~تماما. وهنا ظهرت فائدة خبرة المؤرخ في الإبحار؛ فقد ذهب إلى أن القصة مستحيلة من حيث الطقس؛ إذ إن ~~الرياح السائدة لم تكن لتدفع سفينة عبر الأطلنطي من الشرق إلى الغرب. # وأقر موريسون بأنه من المؤكد أن كولومبوس ربما يكون قد سمع حكايات عن جزر تقع غربا، وعن حطام ~~السفن الغريب الذي انجرف إلى الشاطئ على جزر تقع تحت السيطرة ms108 البرتغالية. ومن الوارد أن يكون ~~المستكشف قد تأثر ببعض قصص البحر التي سمعها. ولكن لم يكن هناك خريطة سرية أو قبطان مجهول؛ وفي ذلك ~~كتب موريسون أن قصة أوبييدو لم تظهر شيئا أكثر من «النزعة المؤسفة لسلب مجد العظماء.» ~~••• # كانت سمعة موريسون ومعرفته بمنزلة ضمان لعدم إسقاط كولومبوس من على عرشه. ولكن فيجنود وأتباعه ~~نجحوا بالفعل في إثارة قدر كبير من الريبة والشك بشأن القصة التقليدية، لا سيما أنها كانت تتعلق ~~برحلات كولومبوس اللاحقة. # كانت رحلة كولومبوس الاستكشافية هي الأولى فقط من بين أربع رحلات قام بها للعالم الجديد؛ فقد ~~عاد في عام 1493، ثم عاد مجددا في عامي 1498 و1502. ويؤكد أتباع فيجنود أنه لا بد أن يكون قد لاحظ ~~في مكان ما في الطريق أن الجزر التي عثر عليها لا تشترك في الكثير من العناصر مع أي شيء مما وصفه ~~ماركو بولو وجون ماندفيل. أين كانت تقع إمبراطوريتا الصين واليابان العظيمتان؟ أين كانت الشوارع ~~الرخامية والأسقف المبنية من الذهب؟ فلم يكن هناك سوى قرى بدائية. # لعل رحلته الثالثة هي التي شهدت اقترابه لأقصى حد من إدراك الحقيقة. ففي يوليو من عام 1498، ~~وصل لما يعرف الآن بشبه جزيرة باريا بفنزويلا، وبدأ الشك يتسرب إليه في أن هذه الجزيرة أكثر من ~~مجرد جزيرة على ساحل الصين. فتطلع إلى الدلتا العريضة لنهر أورينوكو واستنتج على نحو صائب أن مثل ~~هذا القدر الهائل من الماء العذب يمكن أن يأتي فقط من بر رئيسي ذي حجم مهول. وكتب كولومبوس في ~~يومياته، كما دونها لاس كاساس: «أعتقد أن هذه قارة ضخمة لم تعرف حتى اليوم.» # ولكن بعد هذه اللحظة القصيرة من الوضوح، قفز كولومبوس إلى استنتاج أكثر استحالة بكثير من ~~«مغامرة جزر الهند» الأصلية. فقد قرر أن القارة الجديدة لا بد أنها «الفردوس الأرضي»؛ جنة عدن ~~الأسطورية. وكان خطابه التالي إلى فرديناند وإيزابيلا مزيجا غريبا من اللاهوت والجغرافيا؛ إذ أوضح ~~قائلا: «لدي قناعة تامة في ذهني بأن الفردوس الأرضي يقع في المكان الذي ذكرته»؛ لأنه ms109 «فوق خط ~~الاستواء مباشرة، وهو المكان الذي طالما ذهبت أفضل المراجع إلى وجود الفردوس به.» # ثم ورد مفهوم أكثر غرابة؛ فقد أوضح كولومبوس أن الأرض ليست مستديرة، ولكنها «تتخذ شكل ثمرة ~~الكمثرى، التي تتخذ شكلا مستديرا للغاية في مجملها عدا عند العنق؛ حيث تكون ناتئة ... ويعد هذا ~~الجزء عند العنق هو الأعلى والأقرب للسماء.» وهذه النقطة الأقرب للسماء هي التي وجد عندها كولومبوس ~~جنة عدن. # هل فقد كولومبوس صوابه؟ ربما؛ فقد كان يرزح تحت ضغط كبير، وكان مريضا في ذلك الوقت. ولكن ~~الأرجح في رأي معظم المؤرخين أن «فردوسه الأرضي» قد انبثق من قناعة كان يحملها بداخله منذ زمن طويل ~~بأن رحلاته كانت بوحي إلهي. علاوة على ذلك، كان اعتقاد كولومبوس بأنه قد وجد الفردوس لا يتعارض بأي ~~حال مع ادعائه بأنه في طريقه إلى آسيا. فكما كتب للملكين الإسبانيين، كان الفردوس في المكان الذي ~~قالت المراجع إنها يقع فيه بالضبط؛ والواقع أن العديد من كتاب العصور الوسطى المسيحيين الذين ~~استشهد بهم في كتاب «صورة العالم» - أحد أكثر الكتب المطلع عليها في مكتبة كولومبوس - قد حددوا ~~مكان جنة عدن عند أبعد نقطة من الشرق الأقصى. # وعلى أي حال، فقد تخلى كولومبوس عن فكرة الفردوس الأرضي فيما بعد. ففي عام 1502، في أثناء ~~رحلته البحرية الرابعة والأخيرة للعالم الجديد، أعلن أنه كان بصدد البحث عن مضيق يستطيع من خلاله ~~اجتياز هذه القارة الجديدة للوصول إلى آسيا. # وقد شدد معظم المؤرخين، الذين كانوا لا يزالون ~~يحذون حذو لاس كاساس وفرديناند كولومبوس وموريسون، على أن كولومبوس لم يدرك قط مدى اتساع هذه ~~القارة الجديدة، بل لم يعتبرها مطلقا قارة حقيقية؛ بل إنه قد استقر في ذهنه أنها امتداد لشبه جزيرة ~~الملايو. لقد كانت بالتأكيد أكبر مما توقع، ولكن آسيا تقع وراءها مباشرة، فقط لو كان قد تمكن من ~~إيجاد طريق للمرور عبرها أو من حولها. # وأغلب الظن أن كولومبوس توفي وهو على اعتقاد بأنه قد وصل إلى جزر الهند. وإذا كان الأمر ~~كذلك، فهذا ms110 يعني أن كولومبوس كان على قدر غير عادي من العناد والعزم؛ وإلا فمن المستحيل أن يكون ~~قد تجاهل الأدلة التي توصل إليها في رحلاته الأخيرة؛ أو حتى رحلته الأولى. إذن كان الأمر يتطلب رجلا ~~على قدر غير عادي من العناد والعزيمة لإقناع فرديناند وإيزابيلا بتمويل رحلته البحرية، والإبحار ~~عبر المجهول. # لمزيد من البحث # John Cummins, # The Voyage of Christopher ~~Columbus ~~(New York: St. Martin’s Press, 1992). The most recent translation of ~~Columbus’s journal is especially interesting because it incorporates the sections recorded by ~~Ferdinand Columbus as well as those preserved by Las Casas ~~. # Ferdinand Columbus, # The Life of The Admiral ~~Christopher Columbus by his Son Ferdinand, # trans. Benjamin Keen (New Brunswick, ~~N.J.: Rutgers University Press, 1959). Ferdinand, known as a somewhat bookish man, had a ~~tendency to overemphasize the scholarly basis of his father’s Enterprise of the Indies, ~~sometimes at the expense of his father’s more businesslike qualities. But he’s still a ~~remarkable biographer as well as son. The book was first published in 1571, thirty-one years ~~after Ferdinand’s death ~~. # Henry Vignaud, # The Columbian Tradition on the ~~Discovery of America ~~(Oxford: Clarenden Press, 1920). Columbus was a fraud, and ~~historians were his dupes. # Samuel Eliot Morison, # Admiral. of the Ocean ~~Sea ~~(Boston: Little, Brown, 1942). Still the definitive ~~biography ~~. # Samuel Eliot Morison, # The Great ~~Explorers ~~(New York: Oxford University Press, 1978). The section on Columbus ~~includes a summary of the traditional view on Columbus’s intended destination. While you’re ~~at it, read the rest of the book; there was no better historian of the sea than ~~Morison ~~. # Kirkpatrick Sale, # The Conquest of Paradise ~~(New York: Alfred A. Knopf, 1990). Sale offers one of the latest (and ~~best) presentations of the Vignaud position as part of a more general attack on Columbus, in ~~which he blames the explorer for just about everything that went wrong with America, from ~~enslaving ms111 blacks and Indians to destroying the environment. Not always convincing, but always ~~lively and provocative ~~. # John Noble Wilford, # The Mysterious History of ~~Columbus ~~(New York: Alfred A. Knopf, 1991). An absorbing survey of the ways ~~historians from Columbus’s time on have mythologized, debunked, and otherwise interpreted the ~~man and his journeys ~~. # Valerie I. J. Flint, # The Imaginative Landscape of ~~Christopher Columbus ~~(Princeton, N. J.: Princeton University Press, 1992). A ~~fascinating, though somewhat academic, interpretation of the medieval sources of Columbus’s ~~view of the world; here is, Flint writes, “not the New World Columbus found, but the Old ~~World which he carried with him in his head.” # William D. Phillips Jr. and Carla Rahn Phillips, # The Worlds of Christopher Columbus ~~(Cambridge, Eng.: Cambridge University Press, ~~1992). A balanced ~~history of the explorer’s life and times, especially strong on his time in ~~Spain ~~. # Miles H. Davidson, # Columbus Then and ~~Now ~~(Norman: University of Oklahoma Press, 1997). A provocative but poorly ~~organized critique of Columbus biographies ~~. # الفصل الخامس عشر # | هل عاد مارتن جير؟ # تبدأ قصة مارتن جير بشكل عام بزواجه في عام 1538 من برتراند دي رول؛ وكان الهدف من هذا الزواج ~~هو عقد رابطة بين آل جير وآل رول - وهما عائلتان ريفيتان موسرتان في قرية أرتيجا في جنوب غرب فرنسا ~~- ولكن الزواج بدأ بداية عصيبة. # أغلب الظن أن المشكلة كانت تكمن في عمري العروس والعريس، على الرغم من أن كلتا العائلتين ألقتا ~~باللوم على أعمال السحر والشعوذة؛ فقد كانت برتراند لم تتجاوز التاسعة أو العاشرة، في حين كان مارتن ~~في الرابعة عشرة. وقد استغرق الأمر ثمانية أعوام لإتمام الزواج، وهو تأخير كان مهينا لمارتن بلا شك. ~~وما أهانه بالمثل أيضا اندلاع مشاجرة عائلية ضخمة - عام 1548 - اتهمه خلالها والده بسرقة بعض ~~الغلال. وبعد ذلك بفترة وجيزة، هجر الشاب زوجته واختفى بلا أثر. # بعدها بثمانية أعوام، بعد وفاة والديه، عاد مارتن جير إلى أرتيجا، وأوضح أنه عبر ms112 جبال البرانس، ~~والتحق بالجيش الإسباني، وحارب في هولندا. وعلى ما يبدو أن التجربة قد غيرته: فقد صار شخصا أكثر ~~ثقة بنفسه، وتأقلم بسهولة مع دوره الجديد كرب للعائلة، وصار زوجا أكثر رقة وحبا. وكانت عودته ~~مثار سعادة وبهجة لعائلته وزوجته. # بعد ذلك، وفي أواخر عام 1558، طالب مارتن عمه - بيير جير - بنصيبه من أرباح مزرعة العائلة أثناء ~~غيابه. ولم يرق ذلك لبيير؛ فراح يشير في غضب إلى أنه على مدار ثمانية الأعوام التي غاب خلالها ~~مارتن، لم يكن يدير المزرعة فحسب، بل قام أيضا برعاية زوجة ابن أخيه وابنه. وتزايدت شكوك بيير في ~~الابن الضال في العام التالي، حين قال جنديان كانا يمران عبر القرية إنهما خدما مع مارتن جير في ~~الجيش وإنه فقد إحدى ساقيه خلال الحرب. ولكن مارتن الذي كان موجودا في أرتيجا كان بساقيه. # فأضحى بيير حينئذ على قناعة بأن غريمه ليس جشعا فحسب، بل محتالا أيضا. وأدى النزاع بينهما ~~إلى سلسلة من المحاكمات وصلت إلى ذروتها في جلسة استئناف أمام محكمة تولوز في عام 1560. وقد ألف ~~أحد القضاة هناك، ويدعى جون دي كورا، كتابا عن تلك القضية يظل المصدر الأساسي لمعظم ما يعرفه ~~المؤرخون عنها. # كانت إجراءات التقاضي تسير على نحو غريب. فقد استدعي معظم سكان أرتيجا وكثيرون من القرى ~~المحيطة للشهادة. وكان من بين من شهدوا ضد المدعى عليه بيير، وأبناؤه، ووالدة برتراند (التي كانت ~~قد تزوجت من بيير آنذاك)، وإسكافي القرية (الذي صرح بأن قدمي مارتن «الجديد» كانتا أصغر بشكل لا يمكن ~~تفسيره من قدمي مارتن «القديم»). وكانت من بين الشهادات التي أضرت به ضررا كبيرا شهادة عدد من ~~سكان بلدة لوبا القريبة؛ فقد تعرفوا على المدعى عليه بوصفه أحد أبناء بلدتهم فيما سبق، وهو شخص ~~وضيع ووغد يدعى أرنو دو تيل، وكان مشهورا باسم بانسيت. # كان هناك أيضا الكثير من الشهادات التي جاءت في صالح المدعى عليه. فقالت شقيقات مارتن ~~الأربع إن الرجل الماثل أمام المحكمة هو شقيقهم بلا أدنى شك. وأجاب المدعى عليه ms113 نفسه عن كل ~~الأسئلة الموجهة إليه بثقة، مسترجعا أحداثا من طفولته وصباه بشكل مفصل. وكان الأهم من كل ذلك ~~شهادة برتراند - على الرغم من أنها قد شاركت بيير في التوقيع على الشكوى التي أدت إلى المحاكمة - ~~إذ رفضت وقتذاك أن تقسم بأن المتهم ليس زوجها. # ووقع القضاة، بمن فيهم كورا، في حيرة من أمرهم، ولكنهم تنبهوا إلى أن النزاع المالي بين بيير ~~والمدعى عليه قد خلق دافعا قويا لتلفيق العم اتهاما كاذبا. كما تأثروا باسترجاع المدعى ~~عليه الذكريات على نحو بارع وبحقيقة أن برتراند - أكثر من كانت تعرفه - قد تراجعت عن اتهامها. وكتب ~~كورا أن القضاة كانوا «أكثر ميلا ليقفوا في صف السجين ضد المدعو بيير جير.» # ثم جاء حل لعقدة القصة كان سيترك جون جريشام يهز رأسه في عدم تصديق. فبينما كان القضاة على ~~وشك إعلان قرارهم، إذا برجل له ساق خشبية يدخل قاعة المحكمة ويقول إنه مارتن جير. # اعترض المدعى عليه بشدة، وزعم أن بيير قد رشا أحدهم بالضرورة كي يلعب هذا الدور، وراح يمطر ~~الوافد الجديد بالأسئلة، بدا الشاهد أقل معرفة ببعضها من المدعى عليه. ولكن حجة المدعى عليه ~~راحت تنهار أمام ناظريه؛ إذ هجرته شقيقات مارتن ورحن يعانقن الوافد الجديد، ثم استدعيت برتراند إلى ~~قاعة المحكمة، وبعد نظرة واحدة، بدأت في الارتعاد والبكاء، وهرعت نحو الوافد الجديد تعانقه وتتوسل ~~إليه أن يغفر لها انخداعها في هذا المحتال. # لم يعد لدى كورا وزملائه القضاة أي شك؛ فقد أدين أرنو دو تيل، الشهير ببانسيت، «بالتدليس ~~وانتحال اسم الغير وصفته»، وأدين كذلك بالزنا وحكم عليه بالإعدام شنقا. وتم تنفيذ الحكم في ~~أرتيجا بتاريخ 16 سبتمبر عام 1560. # وقبيل موته مباشرة، اعترف أرنو دو تيل، فقال إن فكرة الجريمة قد واتته لأول مرة حين خلط بعض ~~معارف مارتن الحقيقي بينه وبين نفسه، وإنه بعد ذلك عرف أقصى ما استطاع من المعلومات عنه. وما إن ~~تقبلته برتراند، استطاع أن يعرف المزيد منها، وإن كانت لم تدرك تماما ما كان يفعله. # وعلى الرغم ms114 من ذلك تبقى الأسئلة قائمة. كيف استطاع أرنو أن يخدع قرية بأسرها، بما في ذلك زوجة ~~مارتن وعائلته؟ هل كانت برتراند مخدوعة تماما كما زعمت؟ وما الدافع وراء عودة مارتن في الوقت ~~المناسب، بينما بدت قضية بيير خاسرة؟ ~~••• # كان تفسير كورا للسؤالين الأولين أن أرنو كان محتالا موهوبا على نحو رائع، وتوضح روايته ~~لتفاصيل المحاكمة إعجابا يشوبه الاستياء بشرير هذه القصة. فكتب القاضي: «لقد كانت بحق مأساة لهذا ~~الريفي البارع؛ بل أكثر من مأساة لأن النتيجة كانت مدمرة؛ بالأحرى قاتلة.» كان من السهل كذلك تفسير ~~سذاجة برتراند وغفلتها، بالنظر إلى «ضعف بنات جنسها اللاتي يخدعن بسهولة بدهاء الرجال ومكرهم.» ~~علاوة على ذلك، وبحسب اعتقاد كورا، فقد كانت ستنحي جانبا أي شكوك بداخلها؛ بسبب إخلاصها للرجل الذي ~~اعتقدت أنه زوجها، وربما بسبب امتنانها لعودته. # مشهد من قاعة المحكمة لمحاكمة مارتن جير، وهو شخص ريفي عاش في القرن السادس عشر وأثارت قصته ~~تساؤلات أكثر من أي أمير عاش في تلك الفترة. (بتصريح من قسم المجموعات الخاصة، مكتبة كلية ~~هارفرد للحقوق.) # أما بالنسبة إلى ظهور الرجل ذي الساق الواحدة في الوقت المناسب، فقد اعترف كورا أن الأمر بدا ~~أشبه بمعجزة. وخلص إلى أن ذلك كان من تدبير الله. # نالت رواية كورا للأحداث رضا قرائه من القرن السادس عشر، وكثير ما هم. فقد أعيدت طباعة كتابه ~~«قرار لا ينسى» خمس مرات خلال السنوات الست التي أعقبت نشره، وظهرت طبعات أخرى عديدة باللغتين ~~الفرنسية واللاتينية في وقت لاحق من نفس القرن. كذلك نشرت رواية للأحداث سردها محام شاب يدعى ~~جيوم لوسيور في عام 1561 وقدمت سردا مماثلا للقضية على نحو واسع. # غير أن معلقا معاصرا واحدا على الأقل قد أبدى بعض الشكوك بشأن ما إذا كان كورا قد اكتشف ~~القصة الكاملة أم لا. كان هذا هو كاتب المقالات المعروف ميشيل دي مونتين، الذي أشار إلى أنه كان ~~الأجدر بكورا أن يحذو حذو الأثينيين القدماء، الذين عندما كانوا يجدون صعوبة خاصة في قضية ما، ~~كانوا يطلبون ms115 من أطرافها العودة خلال مائة عام. بعبارة أخرى، كان مونتين يرى أن حكم الإعدام قاس، ~~بالنظر إلى الأسئلة التي لم تجد إجابة. # ولكن ظلت رواية كورا، لا رواية مونتين، هي الرواية السائدة لأكثر من أربعمائة عام. بعد ذلك، وفي ~~ثمانينيات القرن العشرين، قام صانع أفلام فرنسي ومؤرخ إنجليزي بقلب الرواية التقليدية رأسا على ~~عقب. ~~••• # كانت ناتالي زيمون ديفيس، مؤلفة كتاب «عودة مارتن جير» الصادر عام 1983، تعمل أيضا مستشارة ~~لكاتبي السيناريو، جون كلود كاريير ودانيال فينياه، في الفيلم السينمائي الذي أنتج عام 1982 عن ~~نفس القصة . وفي كل من الفيلم والكتاب، تحولت برتراند تحولا دراميا. فلم تعد ضحية احتيال أرنو، ~~بل صارت شريكة حياته الناضجة. إنها الآن أقرب لبطلة من زمن ما قبل المساواة؛ امرأة وصفتها ديفيس ~~بأنها تتسم ب «استقلالية عنيدة، وواقعية ثاقبة بشأن كيفية محاولتها تحقيق هدفها في ظل القيود ~~المفروضة على واحدة من جنسها.» # كانت برتراند، في نسخة ديفيس، تعلم من البداية أن أرنو محتال، ولكنها رأت فيه الفرصة للهروب من ~~دورها الذي يشوبه عدم الاستقرار وعدم الراحة كامرأة مهجورة، لا هي بزوجة ولا هي بأرملة. ولما تبين ~~لها أن أرنو رجل أكثر رقة وحبيب أفضل من مارتن، جعله هذا بمنزلة «حلم تحقق، ورجلا تستطيع الحياة ~~معه في سلام وصداقة ... وحب.» ولذلك زودت أرنو بكل ما احتاج لمعرفته من تفاصيل عن حياة مارتن، ~~وتأكدت من أن كل من في القرية يعرفون أن هذا الرجل هو زوجها بلا أدنى شك. # غير أنه بمجرد أن انقلب بيير على أرنو، عاد موقف برتراند مرة أخرى في خطر؛ ومن ثم لجأت إلى خطة ~~ماهرة؛ إذ تظاهرت بالانحياز إلى بيير وذلك بالانضمام إليه في التوقيع على الشكوى المقدمة ضد أرنو. ~~وبهذه الطريقة، في حال فوز بيير، ستتجنب سخطه وغضبه. وفي الوقت نفسه، كانت تحاول - بشكل غير ملحوظ، ~~حتى لا يعرف بيير - أن تقوض حجته في المحكمة برفض القسم على أن المدعى عليه ليس زوجها. ربما ~~يكون بيير، شأنه شأن كورا، قد عزا هذا ms116 التحوط من جانبها إلى ضعف المرأة، ولكنها في الواقع كانت ~~تمثيلية محسوبة وعبقرية. # والحق أنه لولا ظهور مارتن الحقيقي في غير وقته، لربما نجحت خطة برتراند، واستطاعت هي وأرنو أن ~~يعيشا في سعادة للأبد. وهكذا، أدركت أن عودة مارتن جير الحقيقي قد حكمت بالهلاك على أرنو؛ لذا سرعان ~~ما هجرت حبيبها وعانقت زوجها. # كان الشيء الأبرز بشأن قلب ديفيس للرواية التقليدية أنها لم تعتمد على اكتشاف تفاصيل جديدة ~~للمحاكمة تناقض ما قصه كورا. وعلى الرغم من أن ديفيس اعتمدت على سجلات أخرى عديدة من سجلات ~~المحكمة، فقد كانت روايتها قائمة إلى حد كبير على إعادة قراءة متأنية لكتاب كورا. # وجدت ديفيس في كتاب كورا تناقضا عميقا بشأن الحجة التي تغاضى عنها المعلقون السابقون، والتي ~~ربما يكون كورا نفسه قد حاول قمعها. على سبيل المثال، في معرض تفسيره لأسباب تبرئة برتراند من أي ~~تآمر مع أرنو، شدد كورا على الحاجة لعدم التفريق بين زوج وزوجة. فكتب يقول: «في المواقف التي ~~تكتنفها الشكوك، يقضي القانون بأن القرينة التي تصب في صالح الزواج تغلب على أي قرينة أخرى.» ويبدو ~~ذلك في وقعه أقرب للإعفاء أو الغفران من كونه إعلانا مدويا يقضي ببراءة برتراند. # أشارت ديفيس كذلك إلى أن مارتن جير الحقيقي - الرجل ذا الساق الخشبية - كانت تراوده شكوك بالغة ~~بشأن براءة زوجته. وأمام توسلات برتراند له بأن يغفر لها انخداعها بحيلة أرنو، ظل جير (ولا يزال ذلك ~~بحسب كورا) «قاسيا وشرسا». فدون حتى أن يعبأ بالنظر إلى زوجته، أجاب قائلا: «لا تجدي لنفسك ~~العذر متحججة بأخواتي أو عمي؛ فلا يوجد أب، أو أم، أو عم، أو أخت، أو أخ ينبغي أن يعرفوا الابن، ~~أو ابن الأخ، أو الأخ أكثر مما ينبغي للزوجة أن تعرف زوجها. ولا أحد يتحمل وزر الكارثة التي حلت ~~بمنزلنا سواك.» # كانت ديفيس تعتقد أن وراء تناقض كورا بشأن أرنو وبرتراند شكوكا دينية. فقد كانت البروتستانتية ~~منتشرة عبر جميع أنحاء جنوب غرب فرنسا، وعلى الرغم من أن سكان قرية أرتيجا ms117 قد ظلوا كاثوليكيين، فقد ~~انجذبت برتراند لمبدأ الدين الجديد الذي يقضي بأن الزوجة التي هجرها زوجها لها الحرية في أن تتزوج ~~ثانية بعد عام. بالطبع لم يكن هذا هو موقفها في المحاكمة؛ حيث ادعت أن أرنو هو زوجها مارتن. ولكن في ~~الخفاء، ربما تكون هي وأرنو قد اعتمدا على أفكار بروتستانتية لتبرير أفعالهما. # كان كورا أيضا، رغم أنه كاثوليكي اسما فقط، متعاطفا بالتأكيد مع البروتستانتية، وكانت ديفيس ~~تعتقد أن ذلك قد لعب دورا في نزوعه الأولي لتبرئة برتراند، على الرغم من الشكوك الكبيرة التي بدأت ~~تساوره. وقد أصبحت ميول كورا البروتستانتية فيما بعد أكثر علانية؛ حتى إنه في أكتوبر من عام 1572، ~~وأمام نفس المحكمة في تولوز حيث حكم على أرنو دو تيل بالموت، حكم على كورا نفسه بالإعدام بتهمة ~~الهرطقة. ~~••• # لم تلق رواية ديفيس قبولا على المستوى العام؛ إذ اعتقد المؤرخون أنها كانت تستنتج من نص كورا ~~ما لم يكن موجودا به، وأن كتابها كان قصة رومانسية تاريخية أكثر منه كتابا في التاريخ. وانتقد ~~البعض كلا من الرواية التقليدية ورواية ديفيس لتقبلهما فكرة أن الرجل ذا الساق الخشبية هو مارتن ~~جير الحقيقي بسهولة مبالغ فيها. فمثلما فعل أرنو أمام المحكمة، ذهب هؤلاء إلى أن بيير ربما يكون قد ~~استطاع العثور على رجل بساق واحدة، ودفع له للظهور في اللحظة المناسبة. # ولكن بشكل عام، تقبل معظم الباحثين ما قدمته ديفيس من إعادة تأويل. فقال أحد أبرز مؤرخي تلك ~~الفترة، وهو إيمانويل لو روي لادوري، إن كتاب «عودة مارتن جير» كان كتابا رائعا، بل وفيلما ~~سينمائيا أفضل. حتى روبرت فينلي - الذي يعد واحدا من أشرس ناقدي ديفيس - أشاد بكتابها بأنه ~~«مبتدع بأسلوب أسطوري، وبليغ الحجة، وجذاب في حد ذاته.» # ولعل من أكثر الجوانب الجذابة في كتاب ديفيس أنها نفسها تقر بأن تأويلها خاضع للشك؛ فالواقع أن ~~كتابها يعد - إلى حد كبير - تأملا في الصعوبات التي تواجه المؤرخين في محاولة تحديد ما هو حقيقي ~~وما ليس حقيقيا. وتتضاعف تلك الشكوك بقضية مثل قضية ms118 مارتن جير؛ حيث قد يكون لدى أرنو ~~وبرتراند - حتى لدى كورا نفسه - أسباب وجيهة للغاية لإخفاء ~~الحقيقة. # ومن الممكن ببساطة أن تسري الكلمات الأخيرة لكتاب ديفيس على معظم المؤرخين الآخرين الذين تم ~~تناولهم في هذا الكتاب. فقد كتبت تقول: «أعتقد أنني قد كشفت النقاب عن الوجه الحقيقي للماضي، أم إن ~~بانسيت قد فعلها ثانية؟» # لمزيد من البحث # Jean de Coras, ~~“A Memorable decision of the High ~~Court of Toulouse, containing the prodigious story of our time of a supposed husband, ~~enriched by one hundred and eleven fine and learned annotations ...” # An English ~~translation by Jeannette K. Ringold appears in # Triquarterly # 55 (Fall 1982). The original was published in ~~1561 ~~. # Michel de Montaigne, “Of Cripples,” in # The ~~Complete Essays of Montaigne ~~, trans. from the French by Donald M. Frame ~~(Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1965). Montaigne’s comments on the Guerre case ~~appear, fittingly, in an essay on our limited ability to discern the truth. The essay was ~~originally published in 1588 ~~. # Janet Lewis, # The wife of Martin Guerre ~~(San Francisco: Colt Press, 1941). Lewis’s quaint novel has little in common with Davis’s ~~historical account, except that it portrays an independent-minded ~~woman ~~. # Natalie Zemon Davis, # The Return of Martin ~~Guerre ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1983). Who would have thought ~~that a scholarly study of sixteenth-century peasant life could also be a tragic love ~~story? # Robert Finlay, “The Refashioning of Martin Guerre,” # American Historical Review # 93, no. 3. In Finlay’s view, Davis has ~~perpetrated a fraud almost as ingenious as Arnaud’s. “The virtues of # The Return of Martin Guerre # are clear,” he ~~writes. “Unfortunately, none of the central points of the book-the knowing Bertrande, the ~~devious court strategy, the tragic romance, the Protestant justification, the self-fashioning ~~peasants, the conflicted judge, the 'multivalent’ text-depend ~~on the documentary record.” # Natalie Zemon Davis, “On the Lame,” # American ~~Historical Review # 93, no. 3. Davis’s ms119 response to Finlay ~~. # Anthony Guneratne, “Cinehistory and the Puzzling Case of Martin Guerre,” # Film & History # 20, no. 4. Guneratne suggests that Pierre may have worked with Arnaud in an effort to consolidate his landholdings. Later, after ~~their falling out, Pierre may have found another impostor to stage the last-minute courtroom ~~drama ~~. # الفصل السادس عشر # | هل قتلت ملكة اسكتلندا زوجها؟ # لا بد أنه كان من السهل على ماري ستيوارت أن تجد زوجا مناسبا. # فقد كانت شابة (في الثانية والعشرين من عمرها)، وجميلة (كتب عنها سير والتر سكوت أن: «لها ملامح ~~لم نعرف لها وجودا من قبل»). وعلى عكس ابنة عمها إليزابيث - ملكة إنجلترا - كان لتفكيرها طابع أنثوي ~~تقليدي، على الأقل إلى الحد الذي جعلها تتوق لرجل تستطيع الاعتماد عليه. ولعل أكثر مقوماتها ~~جاذبية، لأي خاطب محتمل، هو المهر الذي ستقدمه له: فلما كانت ماري ملكة على اسكتلندا، فإن زوجها ~~سيصبح ملكا بالتبعية. # غير أن الرجل الذي تزوجت منه في يوليو 1565 - وهو هنري ستيوارت، إيرل دارنلي - كان فقيرا لأقصى ~~درجة. لا شك أنه كان يحظى ظاهريا ببعض السمات الرائعة؛ فقد كان شأنه شأن ماري شابا وسيما وابن ~~عم لإليزابيث. وكانت إليزابيث قد وضعته في مرتبة قريبة خلف ماري في تسلسل العرش الإنجليزي؛ ما ولد ~~لدى ماري سببا لتمني أن يزيد الزواج من أحقيتها في أن تكون خليفة إليزابيث. # ولكن للأسف، كما أدركت ماري سريعا، كانت صفات هنري الطيبة ظاهرية فحسب. فقد تبين أنه مدلل، ~~وكسول، وليس له أي نفع على الإطلاق حين تعلق الأمر بحكم البلاد. وبنهاية عام 1565، كانت ماري قد ~~تجاهلت زوجها واعتمدت بشدة على نصائح مستشارين آخرين، لا سيما شخص من إيطاليا كان يعمل موسيقيا في ~~وقت ما يدعى دافيد ريتسيو. # كان هنري، من جانبه، في غاية الاستياء من تأثير ريتسيو ونفوذه، مثله مثل كثيرين آخرين في طبقة ~~النبلاء الاسكتلنديين. وكان مما أثار حفيظة الكثير من اللوردات البروتستانت بشكل خاص أن ريتسيو كان ~~أجنبيا، ومثل ماري كاثوليكيا. وفي مارس عام 1566، اقتحمت ms120 مجموعة منهم قصر الملكة، وراحوا يجرون ~~ريتسيو وهو يصرخ، وظلوا يسددون له الطعنات حتى الموت. لم يشارك هنري ذاته في الجريمة، ولكنه قطعا ~~كان ضالعا في المؤامرة. وحتى لا يتركوا أي شك بشأن تورطه، ترك القتلة خنجر هنري بحرص في جثة ~~ريتسيو. # غير أن ماري استمرت في تقمص دور الزوجة الوفية. فعلى الرغم من أن هنري كان يعاني من مرض الزهري، ~~فقد أقنعته أن يعود إليها من مسكن عائلته القريب من جلاسجو. وفي فبراير من عام 1567، انتقل هنري إلى ~~كيرك أوفيلد، وهو منزل يقع على أطراف إدنبره، حيث قامت ماري بتمريضه بكل إخلاص حتى استرد ~~صحته. # ولكن المصالحة الملكية كانت قصيرة الأجل؛ ففي التاسع من فبراير، تركت ماري المنزل لحضور حفل ~~زفاف لأحد الخدم في المدينة، وبعد بضع ساعات، وقع انفجار في كيرك أوفيلد. ووجدت جثة هنري في ~~الحديقة؛ فعلى ما يبدو أنه قد هرب من الانفجار ليلقى حتفه مختنقا بالدخان الكثيف بالخارج. # كان معظم المراقبين على قناعة بأن الرجل الذي وقف وراء عملية الاغتيال هو عدو هنري جيمس هيبورن، ~~إيرل بوثويل، الذي استمرت عداوته لوقت طويل. ومن ثم، لم تكن مفاجأة حين تم اتهام بوثويل بقتله في ~~أبريل. ولكن الموضوع الأكثر جدلا هو دور ماري في الجريمة. فقد هب كتاب معاصرون كاثوليك، مثل ~~الأسقف جون ليسلي، لنصرتها والدفاع عنها، واصفين إياها بأنها أكثر براءة من مريم العذراء. أما الكتاب ~~البروتستانت، وأبرزهم جورج بيوكانن وجون نوكس، فكانوا على نفس القدر من الحماس لكونها مذنبة. # أما عن ماري نفسها، فقد أنكرت أية صلة لها بموت زوجها، وبدا الكثيرون على استعداد لتصديقها. ~~ولكن سرعان ما انهارت مصداقيتها؛ ففي 15 مايو، وبعد ثلاثة أشهر فقط من اغتيال الملك، تزوجت الملكة ~~مرة أخرى. ولم يكن الزوج الجديد سوى إيرل بوثويل، المشتبه به الأول في قتل هنري. ~~••• # أدى زواج ماري من بوثويل إلى نهاية حكمها، ربما أكثر من جريمة قتل هنري. ورغم أن بوثويل كان ~~لوردا صاحب نفوذ، فإنه لم يكن يملك شبكة تحالفات مع ms121 النبلاء الآخرين، والتي كانت في غاية الأهمية ~~لملك اسكتلندي في القرن السادس عشر. أما بالنسبة إلى ماري، فقد تبخر تماما بعد الزواج ما كانت تحظى ~~به من دعم - قوي دائما - بين اللوردات البروتستانت. ومما اعتبره كثيرون محاولة يائسة لاستعادة ~~سمعتها، أن ماري زعمت أنها تزوجت من بوثويل لأنه اختطفها واعتدى عليها، وهي القصة التي لم يصدقها سوى ~~قليلين. # كانت ماري في أعين المدافعين عنها في براءة مريم العذراء ... وهذا ما جعل من الصعب تفسير ~~زواجها من الرجل المتهم بقتل زوجها. وفي الصورة المبينة هنا لوحة معاصرة تصور مشهد الاغتيال. ~~(مكتب السجلات العامة.) # وفي يونيو عام 1567، وبدعم قطاع كبير من عامة الاسكتلنديين، هزمت مجموعة من النبلاء الغاضبين ~~قوات ماري وبوثويل، وقاموا بسجن الملكة في قلعة لوكليفن. وبعد شهر، وافقت على التنازل عن العرش تحت ~~وطأة عجزها عن مقاومة تهديداتهم. فتنازلت عن العرش إلى ابنها الطفل جيمس، الذي ترأس حكومته أخو ماري ~~غير الشقيق جيمس ستيوارت، إيرل موراي. وبعد عام، فرت ماري من لوكليفن وحاولت استعادة عرشها، ولكن ~~قوات موراي هزمت قواتها مجددا، في هذه المرة في معركة حاسمة بالقرب من جلاسجو في 13 مايو 1568. وبعد ~~ثلاثة أيام، هربت ماري إلى إنجلترا على أمل إقناع إليزابيث بمساعدتها في إعادتها للعرش. # غير أن وجود ماري أدى إلى ارتباك المشهد بالنسبة إلى إليزابيث. فمن ناحية، كانت رؤية ملكة أطيح ~~بها من على عرشها كفيلة بأن تجعل ملكة إنجلترا تشعر بالقلق والانزعاج. ومن ناحية أخرى، كانت إعادة ~~ماري إلى العرش ستتطلب هزيمة الحزب الموالي للبروتستانت والإنجليز في اسكتلندا، وهو الأمر الذي كانت ~~إليزابيث تمقت حدوثه. فقررت تعيين لجنة للتحقيق في القضية بأسرها، على أن يفيدوها بتقريرهم بعد ~~ذلك. # كانت اللجنة هي الفرصة الأولى التي حظي بها كلا ~~الطرفين لعرض حججهما. (فقد ألقت محاكمة بوثويل في جريمة الاغتيال - في أبريل 1567 - قليلا من الضوء ~~على الجريمة؛ في ظل حصار المحكمة بقرابة مائتين من أنصاره المسلحين؛ ما جعل براءته مضمونة وغير ~~منطقية.) واجتمع أعضاء اللجنة الإنجليز على ms122 مدار عامي 1568 و1569 في يورك في البداية، ثم في ~~ويستمينستر، وأخيرا في محكمة هامبتون. # وصل موراي نفسه إلى ويستمينستر في ديسمبر عام 1568 ليرفع دعواه ضد ماري. ولكن لم تكن حججه هي ما ~~ألهبت وقائع المحاكمة بقدر ما جلبه من أدلة. فقد أحضر موراي معه ما كان حتى وقتذاك مجرد شائعة؛ أحضر ~~مجموعة من الخطابات والقصائد، التي زعم أن ماري كتبتها لبوثويل، وعبرت فيها عن حبها العميق له ~~وكراهيتها الشديدة لهنري. # كان من بين ما اقتطف من الخطابات ما كتبته ماري لبوثويل عن أنها لا تريد سوى أن تكون «بين ~~أحضانك يا حبيب العمر» (وكان ذلك بينما كان هنري على قيد الحياة). كانت على استعداد لأن تفعل أي ~~شيء يطلبه منها؛ كل ما كان عليه فقط هو - حسب ما ورد - أن «ترسل لي أوامر بما ينبغي أن أفعل.» أما ~~بالنسبة إلى هنري، فكانت مشاعرها التي عبرت عنها في الخطاب تجاهه واضحة؛ إذ قالت: «تبا لهذا المريض ~~الذي يسبب لي كل هذا الإزعاج.» # كانت الخطابات تحمل إدانة بالغة؛ إذ بينت أن ~~ماري قاتلة وعاهرة على حد سواء. ولكن ماري أنكرت أن الخطابات تخصها، وبادر المدافعون عنها في وصفها ~~بأنها مزيفة. والحق أنه كان هناك قدر كبير من الشك بشأن هذه الخطابات. فطالب أنصار ماري بمعرفة لماذا ~~ظلت الخطابات مختفية حتى اجتماع أعضاء اللجنة. # بحسب موراي، كانت الخطابات بحوزة حكومته منذ يونيو 1567، حين قاموا بالقبض على خادم بوثويل، ~~جورج دالجيش، الذي قادهم بدوره إلى «صندوق مجوهرات» فضي كان يحوي الوثائق. ولكن كما أشار أنصار ~~ماري، فقد انتظر موراي أكثر من عام قبل أن يعلن هذا الدليل الدامغ؛ الأمر الذي كان سيمنحهم قدرا ~~وافرا من الوقت لتزوير الوثائق، ثم تقديمها لأعضاء اللجنة في اللحظة المناسبة تماما. علاوة على ~~ذلك، ففي الوقت الذي وصل فيه موراي إلى ويستمينستر، كان دالجيش - الشخص الوحيد الذي كان بوسعه دحض ~~هذه القصة - قد أعدم بالفعل لمعاونة بوثويل في قتل هنري. # كان محتوى الخطابات أيضا محل شك. فلم ms123 يكن أي منها يحوي تاريخا أو توقيعا؛ ومن ثم لم يكن ~~هنالك طريقة للتأكد من أن ماري هي من كتبت الخطابات، وليس عشيقة أخرى لبوثويل. أما قصائد الحب، فكانت ~~مكتوبة بأسلوب مختلف تماما عن شعر ماري المعروف، ويبدو أن الشاعرة، أيا كانت هويتها، كانت معجبة ~~بثراء بوثويل، وهي عاطفة من غير المحتمل أن تراود الملكة التي كانت تفوق بوثويل ثراء إلى حد بعيد. ~~كل ذلك أقنع العديد من أنصار ماري بأن خطابات الصندوق كانت مزيجا من وثائق مزورة بشكل صريح وأخرى ~~حقيقية تم التلاعب فيها لتبدو خاصة بماري. # لم يقرر أعضاء لجنة إليزابيث رسميا قط مصداقية الوثائق، وكذلك إليزابيث نفسها. بدلا من ذلك، ~~قرروا أنه لا يوجد دليل على أن موراي أو ماري قد أتيا بفعل مشين. وكان ذلك غير منطقي وفقا للقانون، ~~ولكن كان له مدلول سياسي، على الأقل على المدى القصير. واستطاع موراي العودة إلى اسكتلندا حيث تمكن ~~من الاستمرار في الحكم باعتباره حليفا بروتستانتيا لإنجلترا. وظلت ماري في إنجلترا، وفي الواقع ~~ظلت بالسجن، إلا أن إليزابيث على الأقل لم تصدر أي حكم ضدها من شأنه أن يثير حفيظة الكاثوليك ~~سواء بالداخل أو بالخارج. # غير أن إليزابيث على المدى الطويل ظلت تواجه مشكلة. فما دامت ماري على قيد الحياة، فمن الممكن ~~أن تظل محورا لمخططات الكاثوليك لاستعادة العرش البريطاني والاسكتلندي أيضا. وقد شاركت ماري طواعية ~~في ثلاث على الأقل من هذه المؤامرات، تضمنت الأخيرة خطة لاغتيال الملكة البريطانية. وكانت هذه هي ~~القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى إليزابيث؛ ففي وجود أدلة ساحقة على دور ماري في مكيدة ~~الاغتيال، أمرت بإعدامها على مضض، بقطع رأسها في 8 ~~فبراير 1587. # أما فيما يتعلق ببوثويل، فكانت نهايته أكثر ترويعا. فقد لجأ للدنمارك؛ حيث لم يكن الملك سعيدا ~~برؤيته كما لم تكن إليزابيث سعيدة برؤية ماري. فألقى به الملك في حصن دراوسهولم، حيث قيد السجين ~~بعمود في نصف طوله. وقادت الظروف القاسية بوثويل إلى الجنون، وظل كذلك حتى وفاته في أبريل ~~1578. ~~••• # على ms124 مدار حياة إليزابيث، ظلت ماري تصور بطرق متناقضة تماما. فكانت في نظر الكتاب ~~البروتستانت متآمرة كاثوليكية، وفي نظر الكاثوليك شهيدة بريئة. وبمجرد وفاة إليزابيث، ليخلفها جيمس ~~نجل ماري، أفسحت هذه الرؤى المتناقضة مجالا لشيء أقرب لحل وسط، تمخضت عنه صورة، لا تزال مألوفة ~~حتى اليوم، لبطلة رومانسية هزمها الحظ السيئ والحب التعيس. # وقد خدمت الصورة الجديدة جيمس على نحو جيد. فباعتباره ملكا بروتستانتيا يحكم دولتين ~~بروتستانتيتين (إنجلترا واسكتلندا)، استطاع بمشقة أن يسمح لماري الشهيدة بالاستمرار كإلهام لأحلام ~~وآمال الكاثوليك. في الوقت نفسه، كان يجد الوصف البروتستانتي الحاقد الذي وضعه بيوكانن ونوكس ~~مستهجنا بالقدر نفسه؛ فقد كانت هذه والدته تلك التي كانوا يتحدثون عنها رغم كل شيء. # وهكذا ظهر حل وسط ملائم ولائق. ولكن على الرغم من أنه قد لبى الاحتياجات السياسية الراهنة، ~~فقد طمر قضية كون خطابات الصندوق حقيقية أم مزيفة. وكما هو متوقع تماما، حاول جيمس أن يقضي على ~~القضية بالتخلص من الدليل. وفي وقت مبكر من فترة حكمه، وبينما كانت الخطابات في حوزة حكومته، إذا بها ~~قد اختفت ولم تقع عليها عين منذ ذلك الحين. # لم يمنع ذلك المؤرخين اللاحقين من التفكر بشأنها. وفي ظل عدم وجود أي دليل جديد، نزع معظمهم ~~إلى ترديد نفس الحجج التي أثارها موراي وماري أمام أعضاء لجنة إليزابيث. وكان معظم مؤرخي القرن ~~العشرين، الذين سردوا التناقضات في أساليب ومضامين الخطابات، يميلون نحو الاعتقاد بأنها مزيج من ~~وثائق مزورة بشكل صريح وأخرى تم التلاعب فيها. ولكن مع اختفاء الخطابات الأصلية، لا يمكن إيجاد ~~حل قاطع للغز الخطابات. # كان المؤرخون أقل ترددا للحكم على القضية الأهم الخاصة بدور ماري في مصرع هنري، والتي يوجد ~~عليها الكثير من الأدلة خلاف خطابات الصندوق. ومعظم هذه الأدلة تجعل لماري صلة بالجريمة؛ فهناك ~~تزلفها لهنري من أجل العودة إلى إدنبره، على الرغم من دوره في اغتيال ريتسيو ومعاناته من مرض ~~الزهري، ومغادرتها المنزل قبيل ساعات فقط من الانفجار، وزواجها من بوثويل بعد شهور فقط من ~~الحادث؛ كل ذلك ms125 يشير فيما يبدو إلى أن ماري كانت على علم بأن شيئا ما سوف يحدث. حتى لو لم تكن على ~~دراية بمخطط تفجير كيرك أوفيلد، فلا بد أنها كانت تعلم أن شيئا ما يدور. علاوة على أن مشاركتها ~~الحماسية في المخططات اللاحقة للتخلص من إليزابيث إنما تشير إلى أن ماري لم يكن لديها أي تأنيب ~~ضمير إزاء الاغتيالات السياسية. # هذا لا يعني أنها كانت الوحش الذي صوره بيوكانن ونوكس. لقد كانت السياسة الملكية في القرن ~~السادس عشر مجالا قذرا، ولم يكن سلوك ماري أقذر من سلوك العديد من نظرائها، بمن فيهم إليزابيث. كان ~~الفارق أن إليزابيث مارست اللعبة بمهارة وكتب لها الفوز، ولم تستطع ماري، بكل ما كان لها من جمال ~~وسحر، أن تساير ابنة عمها مطلقا. # لمزيد من البحث # George Buchanan, # The Tyrannous Reign of Mary ~~Stewart, # trans. and ~~ed. W. A. Gatherer ~~(Edinburgh: University Press, 1958). Includes Buchanan’s 1571 # A Detection of Mary Queen of Scots # and the relevant ~~sections of his 1582 # History of Scotland ~~. A pretty good ~~idea of Buchanan’s attitude toward Mary can be gauged from his tale (completely invented) of ~~how Mary’s servant was ordered to haul a half-naked Bothwell up by a rope out of his wife’s ~~bed and directly into that of the queen ~~. # James Emerson Phillips, # Images of a ~~Queen ~~(Berkeley: University of California Press, 1965). How her contemporaries ~~turned Mary into a symbol of everything good and everything evil ~~. # M. H. Armstrong Davis, # The Casket ~~Letters ~~(Washington, D.C.: University Press of Washington, D.C., 1965). The most ~~recent book-length study of the letters, in which Armstrong Davis argues that they were ~~forged to frame Mary. So certain is Armstrong Davis of Mary’s innocence that he also argues, ~~much less persuasively, that the Kirk O’Field explosion that killed the king was actually ~~Henry’s botched attempt to kill Mary ~~. # Antonia Fraser, # Mary Queen of Scots ~~(New York: ms126 Delacorte Press, 1969). The best biography to date, at once scholarly and ~~romantic ~~. # Gordon Donaldson, # The First Trial of Mary, Queen ~~of Scots ~~(New York: Stein & Day, 1969). A thorough study of the York, ~~Westminster, and Hampton Court hearings, with a somewhat less sympathetic view of Mary than ~~Fraser’s ~~. # Ian Cowan, ed., # The Enigma of Mary ~~Stuart ~~(London: Victor Gollancz, 1971). A useful collection of too-short excerpts ~~from various works on Mary, from the sixteenth century to the ~~twentieth ~~. # Jean Plaidy, # Mary Queen of Scots ~~(New ~~York: G. P. Putnam’s Sons, 1975). Not surprisingly, since Plaidy is also a best-selling ~~writer of romance fiction (under the pseudonym Victoria Holt), this biography presents the ~~Mary of romance, a woman who unwisely let her heart prevail over her ~~head. # Jenny Wormald, # Mary Queen of Scots ~~(London: George Philip, ~~1988). A portrait of ~~Mary as abject failure, so devoid of political judgment and will that she drove her opponents ~~to take action against her ~~. # الفصل السابع عشر # | من كتب مسرحيات شكسبير؟ # كتب مارك توين في عام 1909 أن السير الذاتية لشكسبير كانت أشبه بالبرونتوصور الذي يقف في متحف ~~التاريخ الطبيعي: «كان لدينا تسعة عظام منه، وشيدنا بقيته من جبس باريس.» # كانت تلك مبالغة من توين كدأبه دائما، ولكن كان لديه منطق وراء ذلك؛ فرغم كل ملايين الكلمات ~~التي كتبت عن شكسبير، فإن المعروف عنه ليس كثيرا. الأمور الوحيدة التي أمكن لكاتبي سيرته الجزم ~~بها يقينا أنه عاش في بلدة ستراتفورد أون إيفون، وأنه كان ابنا لصانع قفازات، وأنه صار ممثلا ~~للأدوار الصغيرة، وأنه قد استثمر، بنجاح كبير، في شركة للتمثيل المسرحي عرفت باسم كينجز من. وهناك ~~سجلات توثق تعميده، وزواجه، وقضاياه، وضرائبه، ووفاته. وهذا كل ما نعرفه؛ أما البقية، كما وصفه ~~توين، فكانت من جبس باريس. # لا شيء في السجل الوثائقي لستراتفورد يعطي أية ~~إشارة إلى أن شكسبير كان كاتبا، فضلا عن كونه أعظم كتاب العالم. ولا يوجد ms127 مخطوطات بخط يده، أو ~~حتى خطابات. لا يوجد توقيعات، فيما عدا ستة بخط مهتز غير واضح. ولم يرد ذكر في وصيته لكتب، أو ~~مخطوطات، أو أي شيء أدبي على الإطلاق. ولا يوجد أي سجل يذكر التحاقه بمدرسة في ستراتفورد تعلم فيها ~~اللاتينية واليونانية، أو أنه قد سافر للخارج، أو كان له أي علاقات وثيقة بأي شخص في بلاط الملكة. ~~غير أن شكسبير اكتسب بطريقة أو بأخرى معرفة واسعة بإيطاليا، والعائلة المالكة، والفلسفة، والأدب، ~~والتاريخ، والقانون، والطب، كما يتبين من مسرحياته وقصائده. # شكسبير كما يظهر في طبعة فوليو 1623. ولا تحوي فوليو أية معلومات عن حياته. (بتصريح من ~~مكتبة فولجر شكسبير.) # كانت الصلة الوحيدة الواضحة بين الرجل القادم من ~~ستراتفورد وبين الكاتب المسرحي هي الاسم: شكسبير. ولكن حتى ذلك أثار الشكوك. ففي وثائق ستراتفورد، ~~يرسم الاسم إملائيا بطرق شتى؛ شاكسبير، وشاجسبير، وشاكسبر. أما في النسخ المنشورة من أعماله ~~وفي الإشارات المرجعية المعاصرة لها، فدائما ما ترسم شكسبير. # يرى توين أن التفسير واضح: فالكاتب المسرحي والشاعر لم يكن هو نفسه ابن صانع القفازات. ولم ~~يستطع توين أن يجزم يقينا بهوية من قام بكتابة المسرحيات تحديدا. ولكن ثمة آخرون استطاعوا ذلك. ~~فعلى مدار السنين، اقترحوا أعدادا كبيرة من المرشحين، من بينهم الملكة إليزابيث، والملك جيمس، ~~ووالتر رالي، وكريستوفر مارلو، وشيخ عربي يعرف بالشيخ صبار (وفيما يبدو توصل لذلك بناء على ~~افتراض أن كلمة شيخ تنطق كالمقطع الأول من الاسم شكسبير). ~~••• # ربما كانت هناك شائعات عن شكسبير في القرنين الأولين بعد وفاته، ولكنها لم تخلق جلبة حقيقية حتى ~~بدايات القرن التاسع عشر. فقد شهدت هذه الفترة قمة ازدهار الرومانسيين، الذين كانوا يعتبرون شكسبير ~~تجسيدا للشعر، وكلما زاد إجلالهم لأعمالهم، واجهوا صعوبة أكبر في المواءمة بين مسرحياته وقصائده ~~وبين حياة مؤلفها البسيطة العادية في ستراتفورد. حتى الشكسبيريون المتحمسون من أمثال كولريدج أصابتهم ~~الدهشة من ذلك؛ إذ قال: «إن أعمالا من هذه النوعية لا بد أن تكون قد جاءت من رجل كانت حياته على نفس ~~الشاكلة.» # ومع ms128 مضي القرن، التف أنصار أن من كتب المسرحيات والقصائد ليس شكسبير القادم من ~~ستراتفورد، حول مرشح واحد هو فرانسيس بيكون. كان بيكون يملك كل المؤهلات التي افتقدها شكسبير؛ فقد ~~كان بيكون فيلسوفا، وعالما، ومحاميا، وسياسيا كثير التردد على بلاط كل من إليزابيث وجيمس. وقد ~~وجد أكثر مؤيديه حماسا في سيدة أمريكية تدعى ديليا بيكون (لا توجد صلة بينهما)، والتي كانت مقتنعة ~~بأن الأوراق التي تثبت حقوق رفيقها - الذي يحمل نفس لقبها - في تأليف الأعمال مدفونة في حفرة عميقة ~~أسفل شاهد قبر شكسبير في ستراتفورد. وفي سبتمبر عام 1856، شوهدت هناك وبيدها مجرفة. وفي اللحظة ~~الأخيرة خانتها شجاعتها، وتركت رفات شكسبير يرقد في سلام دون إزعاج. ولكنها استمرت في نشر معتقدها ~~هذا لجمهور متزايد من مصدقيها. # وفيما بعد ترك أنصار بيكون البحث عن المخطوطات المدفونة وصبوا تركيزهم بدلا من ذلك على ~~المخطوطات الموجودة. غير أنه كان تركيزا ضيق الأفق بشكل غريب. فقد وضع أنصار بيكون جل تركيزهم ~~تقريبا على اكتشاف الشفرات، والرموز السرية، والأكواد - ومن المفترض أن جميعها يكشف أن بيكون هو ~~شكسبير - التي كان يفترض أنها مطمورة وسط النصوص. وكان المحلل الرئيسي للرموز في هذا الصدد هو ~~إجناتيوس دونيلي، وهو عضو بالكونجرس من مينيسوتا كان يتبنى شتى أنواع القضايا الغريبة، من بينها ~~قضية بيكون. # يتسم قدر كبير من كتاب دونيلي الصادر عام 1888 عن هذا الموضوع بالتعقيد الشديد؛ ما يتعذر معه ~~متابعته؛ إذ يتضمن شتى أنواع العمليات الحسابية القائمة على جمع وطرح وقسمة وضرب أرقام الصفحات ~~والسطور وعدد ورود العديد من الكلمات في النص، مثل «فرانسيس»، و«ويليام»، و«شك»، و«سبير». غير أن ~~القليل فقط من نتائجه كان واضحا ومباشرا؛ على سبيل المثال، لاحظ دونيلي أنه في الفوليو الأول - وهو ~~مجموعة من مسرحيات شكسبير صدرت عام 1623 - ظهرت كلمة «بيكون» في صفحة 53 في الأعمال التاريخية وأيضا ~~في صفحة 53 في الأعمال الكوميدية. ورأى دونيلي أن هذا لا يمكن أن يكون محض مصادفة؛ فلا بد أن تلك ~~كانت وسيلة المؤلف للإفصاح عن هويته ms129 الحقيقية. # حذا آخرون حذو دونيلي، من منطلق قناعتهم - فيما يبدو - بأن الشخص الذي كتب مسرحيات وقصائد ~~شكسبير - أيا كان - كان مهتما في الأساس بخلق ألغاز صعبة للأجيال القادمة كي يقوموا بحلها. ~~فقام والتر بيجلي، على سبيل المثال، بدراسة البيتين الأخيرين من إحدى قصائد شكسبير، وأشار إلى أننا ~~إذا دمجنا أول حرفين من الكلمة الأخيرة في البيت الأخير وأول ثلاثة حروف من الكلمة الأخيرة في السطر ~~قبل الأخير، نكتشف المؤلف الحقيقي للقصيدة (إذ جاءت الحروف باسم بيكون). ومثلما فعل دونيلي، تجاهل ~~بيجلي دور المصادفة؛ ففيما يبدو أنه لم يخطر بباله أن الحروف في اسم بيكون كلها مشتركة إلى حد ما ~~في كلمات كثيرة ويمكن أن تتواجد معا في الكثير من النصوص الأخرى، الشكسبيرية وغير ~~الشكسبيرية. # وحتما انجذب محللو الشفرات بشكل خاص إلى كلمة لا معنى لها استخدمها مهرج في مسرحية شكسبير ~~«الحب مجهود ضائع». كانت الكلمة - وهي # honorificabilitudinatibus ~~- ~~تتألف من عدد كاف من الحروف التي تجعلها تحوي توليفة هائلة من الرسائل السرية. وجاء واحد من أفضل ~~«الحلول» في عام 1910، حين أعاد إدوين ديرنينج لورانس ترتيب الحروف لكي تنطق # Hi ~~ludi F. Baconis nati tuiti orbi ~~، والتي إذا ترجمت من اللاتينية تعني «هذه ~~المسرحيات، لأبناء فرانسيس بيكون، محفوظة من أجل العالم.» وما تجاهله ديرنينج لورانس بمنتهى السلاسة ~~هو أن الكلمة الأصلية كانت متداولة لفترة قبل ظهورها في مسرحية «الحب مجهود ضائع»؛ ما جعل بيكون لا ~~يمكن أن يكون قد صاغها بحيث يخفي رسالته المشفرة. # وبحلول عام 1920، كان حماس أنصار النظرية البيكونية للرسائل السرية قد كلفهم الكثير من ~~مصداقيتهم، حتى بين أولئك المشككين في أصالة تأليف شكسبير للأعمال. وقد رفض معظم باحثي شكسبير أنصار ~~النظرية البيكونية باعتبارهم أشخاصا غريبي الأطوار ومعتوهين ولم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التعليق على ~~أعمالهم. ولكن مع انحسار الحقبة البيكونية، ظهر مرشح جديد وأكثر مصداقية - هو إدوارد دي فير، إيرل ~~أكسفورد السابع عشر - في الصدارة. ~~••• # بدت الحجة المؤيدة لدي فير، والتي قدمت في عام ~~1920 على يد معلم إنجليزي ms130 يحمل الاسم البائس جيه توماس لوني (فكلمة لوني # Looney # تعني مجنونا)، حجة قوية، فإلى جانب كونه إيرل أكسفورد، كان دي فير ابن عم ~~للملكة إليزابيث، وتحت وصاية ويليام بيرلي، مسئول الخزانة، وزوج ابنته فيما بعد. كل هذا منحه أكثر ~~من مجرد إلمام عابر بحياة رجال الحاشية الملكية. وفوق كل ذلك، كان دي فير شاعرا وكاتبا مسرحيا ذا ~~باع؛ ففي عام 1598، قام أحد النقاد المعاصرين، ويدعى فرانسيس ميرس، بتصنيف دي فير باعتباره «الأفضل ~~على مستوى الكوميديا بيننا جميعا.» # على عكس بيكون، كان دي فير يملك أسبابا وجيهة لإخفاء حقيقة كونه المؤلف الحقيقي سرا، لما ~~كان المسرح يعتبر مكانا سيئ السمعة في الدوائر التي كان يظهر فيها أثناء ترحاله. إلى جانب أن ~~بعضا ممن كانوا في بلاط إليزابيث ربما لم يرق لهم الأسلوب الذي صوروا به هم أو أجدادهم؛ لذا ~~استخدم دي فير اسما مستعارا، مثلما ذهب لوني. ولكن الإيرل لم يستطع مقاومة التلميح ببعض الإلماعات ~~عن هويته السرية؛ لذا اختار اسما مشتقا من إحدى شاراته، التي كانت تصور أسدا يحرك رمحا (وهي ~~الترجمة الحرفية لمقاطع اسم شكسبير بالإنجليزية). # ولما كان الإيرل من النبلاء، فقد كانت حياته موثقة أكثر من حياة شكسبير؛ ومن ثم وجد لوني ~~الكثير لربطه بدي فير وأعماله المزعومة. فكان معلوما، على سبيل المثال، أن دي فير قد سافر إيطاليا ~~في عام 1575، وتوقف في بادوا، وجنوة، وفينيسيا، وفلورنسا. ومن الممكن أن يكون هذا تفسيرا للمعرفة ~~التفصيلية بهذه المناطق التي تجلت في مسرحيات شكسبير. # وكان لوني يعتقد أن الدليل الأقوى قد يكمن في أشهر مسرحيات شكسبير، أو بالأحرى مسرحيات دي فير. ~~فمثل والد هاملت، توفي والد دي فير صغيرا؛ ومثل والدة هاملت، سارعت والدة دي فير بالزواج ثانية. ~~وحدث ذات مرة أن قام دي فير بطعن أحد خدم بيرلي، وهي الطريقة التي قتل بها هاملت بولونيوس. وتعرض دي ~~فير، مرة أخرى مثل هاملت، للأسر على يد القراصنة، الذين أبقوا عليه حيا بعد ذلك. ومع انتهاء لوني ~~من تحليله، بدت تراجيديا ms131 شكسبير سيرة ذاتية لدي فير كتبها بنفسه. # وجد لوني انعكاسات لحياة دي فير في شخصيات شكسبيرية أخر أيضا. فمثل الملك لير، كان دي فير ~~أرملا له ثلاث بنات، كانت كبيرتاهن متزوجتين. ومثل فولستاف، كان معروفا بذكائه الحاد. ومثل ~~بروسبيرو في «العاصفة»، واجه دي فير أجواء عاصفة - وإن كان بشكل مجازي - في حياته. # أما فيما يتعلق بقصائد شكسبير، فقد خلص لوني إلى أن هنري ريوثيسلي، إيرل ساوثمبتون، يصلح لدور ~~«الشاب الوسيم» في القصائد. وفيما بعد، تقدم الأكسفورديون بهذه خطوة للأمام، بتخمينهم أن ريوثيسلي ~~كان ابن دي فير وأن «الشاب الوسيم» كان إشارة توري عن «الشاب فير». ~~••• # بحلول منتصف القرن العشرين، سحق الأكسفورديون البيكونيين ليبسطوا سيطرتهم على الموقف الذي لا ~~يعزي الأعمال إلى شكسبير. ولكن المدعين الجدد - من منظور المؤسسة الأكاديمية - لم يكونوا أقل ~~غرابة من البيكونيين. # والواقع أن جهود الأكسفورديين لإيجاد أوجه تشابه بين حياة دي فير وأعمال شكسبير قد شابها نفس ~~النزعات الاستحواذية وغياب القدرة على التمييز مثل نظرية فك الشفرات التي تبناها البيكونيون. فقد كان ~~الأكسفورديون عازمين على تحويل الشخصيات الخيالية إلى شخصيات تاريخية بالقوة، ولكنهم فعلوا ذلك بشكل ~~انتقائي للغاية. على سبيل المثال، وكما أشار الكثير من الباحثين التقليديين، تجاهل الأكسفورديون ~~تماما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن شكسبير، لا دي فير، هو من سمى ابنه هامنت. # ثمة مشكلة أخرى كبيرة تكتنف النظرية التي تقول إن إيرل أكسفورد هو كاتب مسرحيات شكسبير، وهي ~~تتعلق بتواريخ مسرحيات شكسبير. فبحسب معظم الباحثين، استمرت شركة كينجز من في إنتاج مسرحيات جديدة ~~لشكسبير حتى عام 1614. ولكن دي فير توفي في عام 1604. وفي تلك المرحلة، لم تظهر سوى ثلاث وعشرين ~~من أصل ثمان وثلاثين مسرحية من مسرحيات شكسبير في طبعات منشورة أو أشير إليها في مصادر مطبوعة. ومن ~~ثم، فإن هناك خمس عشرة مسرحية - من ضمنها الملك لير، وماكبث، وأنطونيو وكليوباترا، وحكاية شتاء، ~~والعاصفة (وهي بالتأكيد بعض من أنجح أعمال الكاتب المسرحي) - لم تمثل على المسرح إلى بعد وفاة دي ~~فير. # رد بعض الأكسفورديين ms132 على مشكلة التأريخ بالإشارة إلى أنه لا بد أن يكون دي فير قد بدأ تأليف ~~المسرحيات قبل وفاته، ثم أنهاها شخص آخر. وذهب آخرون لأبعد من ذلك بادعاء أن التواريخ المنسوبة ~~للمسرحيات كانت خاطئة وأن جميعها تقريبا قد كتب قبل عام 1604. فقد استفاد الأكسفورديون، مثل جميع ~~المناهضين الآخرين لنظرية نسب الأعمال إلى شكسبير، من ندرة التوثيق العامة التي ابتلي بها كل ~~كاتبي السير الذاتية التقليديين. لقد كانوا على صواب في تأكيدهم أن بعضا من تواريخ المسرحيات كانت ~~قائمة على بعض التخمين والتقدير الاستقرائي، ولكنهم كانوا مخطئين في زعمهم بأنها لذلك كانت ~~اعتباطية. # إن التواريخ التقليدية، على العكس من ذلك، قائمة على مجموعة متنوعة من الإشارات المرجعية ~~المعاصرة لشكسبير وأعماله. على سبيل المثال، يذكر كتاب فرانسيس ميرس الصادر عام 1598 اثنتي عشرة ~~مسرحية ويشيد بأعمال شكسبير باعتبارها «الأكثر امتيازا» على مستوى الكوميديا والتراجيديا. وهذا هو ~~ميرس نفسه، الذي التف حوله الأكسفورديون، كما تتذكر، لإشادته بدي فير ككاتب. ولكنهم يحطون من قدر ~~شهادته بمنتهى السلاسة حين تستخدم لدعم التأريخ التقليدي. علاوة على ذلك، يثير عمل ميرس سؤالا ~~محرجا آخر بالنسبة إلى الأكسفورديين: إذا كان رجلهم هو من كتب مسرحيات شكسبير، فلماذا يناقش دي ~~فير وشكسبير كل على حدة في نفس العمل؟ # ثمة إشارات مرجعية معاصرة أخرى إلى شكسبير من شأنها تعزيز حجة التقليديين. فيذكر روبرت جريني ~~شكسبير في كتيب صدر عام 1592، وكذلك يذكره بن جونسون في عدد من الأعمال. وقد ذهب الأكسفورديون ~~إلى أن ميرس وجرين وجونسون ربما كانوا جميعا يستخدمون الاسم المستعار لدي فير، مثلما قد نشير نحن ~~إلى صامويل كليمنز باسم مارك توين، ولكن هذا يبدو غير وارد. فرثاء جونسون لشكسبير الذي كتبه عام ~~1623 يشير إليه ب «بجعة إيفون العذبة»، ومن الصعب تخيل أنه كان يفكر في أي شخص آخر سوى الرجل ~~القادم من ستراتفورد أون إيفون. ويرى معظم الباحثين أن كلمات جونسون تدعم الحجة المؤيدة لكون شكسبير ~~هو شكسبير. # ولكن يظل الأكسفورديون والبيكونيون - على الأقل أولئك الذين لم ms133 تجرفهم انفعالاتهم - جديرين ~~بالإشادة لتنويههم عن الثغرات الموجودة في السجل التاريخي وإثارتهم لأسئلة كانت المؤسسة الشكسبيرية ~~تفضل تجاهلها. وفي العقد الماضي، حظيت أعمال أكسفورديي العصر الحديث، أمثال تشارلتون أوجبيرن ~~وجوزيف سوبران، ببعض الاحترام المشوب بالاستياء من الباحثين التقليديين، وقد صار الأكاديميون بشكل ~~متزايد يأخذون على عاتقهم مهمة الرد على الرافضين لنسب أعمال شكسبير إليه، وكانت هذه الردود في ~~حد ذاتها مفيدة ومثيرة للفكر. # غير أن ذلك لا يعني أن الأكسفورديين قد اجتذبوا العديد من الشكسبيريين إلى صفهم. فالغالبية ~~العظمى من الباحثين يرون أن السجل التوثيقي، برغم محدوديته، واضح وكاف. وكما يمزح الشكسبيريون في ~~الغالب، كان الرجل الذي كتب مسرحيات شكسبير هو شكسبير. # وقد اتهم الأكسفورديون الأكاديميين بازدرائهم والتغطرس عليهم لأنهم هواة، ولكن التغطرس الأقبح ~~يكمن في افتراض أن الأرستقراطي الجامعي هو فقط من يمكن أن يصبح عبقرية أدبية. ولا ينبغي أن ننكر على ~~شكسبير إنجازه لمجرد أنه كان ابنا لصانع قفازات في بلدة صغيرة. # لمزيد من البحث # Delia Bacon, # The Philosophy of Shakspere’s Plays ~~Unfolded ~~(London: Groombridge & Sons, 1857). Nathaniel Hawthorne, who wrote ~~the preface to Bacon’s book, was apparently moved by her sincerity but disheartened by her ~~increasingly obsessive need to haunt the graveyards where she was convinced proof of Bacon’s ~~authorship would be found. His preface concludes that “it is for the public to say whether my ~~countrywoman has proved her theory.” Later Hawthorne came to regret even that tepid support, ~~stating that “this shall be the last of my benevolent follies, and I never will be kind to ~~anybody again.” # Ignatius Donnelly, # The Great Cryptogram: Francis ~~Bacon’s Cipher in the So-Called Shakespeare Plays ~~(Chicago: R. S. Peale, 1888). ~~According to Donnelly, Bacon wrote not just Shakespeare’s plays but also (in his spare time) ~~Spenser’s # The Faerie Queene # and Sidney’s # Arcadia ~~. # Mark Twain, # Is Shakespeare Dead? ~~(New ~~York: Harper & Brothers, 1909). Twain was actually as concerned with the general ~~question of ms134 literary immortality (including his own) as he was with Shakespeare’s. But he’s ~~always delighted to insult the experts, whom he calls “these Stratfordolators, these ~~Shakesperiods, these tugs, these bangalores, these troglodytes, these herumfordites, these ~~blatherskites, these buccaneers, these bandoleers ...” # Edwin Durning-Lawrence, # Bacon Is ~~Shakespeare ~~(New York: John McBride Company, 1910). Say what you will about ~~Durning-Lawrence, he was a good loser. So confident was he that he’d solved the # honorificabilitudinatibus # problem ~~that he offered a hundred guineas to anyone who came up with another anagram with the same ~~qualities. A Mr. Beevor proposed Abi Inivit F. Bacon Histrio Ludit, which translated as “Be ~~off, F. Bacon, The actor has entered and is playing.” Durning-Lawrence paid him the ~~money ~~. # J. Thomas Looney, ~~“Shakespeare” ~~Identified ~~(New York: Frederick A. Stokes Company, 1920). The Oxfordian Looney ~~should not be confused with George Battey the Baconian ~~. # Calvin Hoffman, # The Murder of the Man Who Was ~~Shakespeare ~~(New York: Julian Messner, 1955). The case for Marlowe, which starts ~~off with the great advantage that he was a much more important writer than de Vere. But, like ~~the Oxfordians, the Marlovians have to get around the basic problem of their hero’s death, in ~~this instance a much-publicized murder in 1593. Hoffman’s answer is that Marlowe faked his ~~own death to avoid being prosecuted for heresy ~~. # Frank Wadsworth, # The Poacher from ~~Stratford ~~(Berkeley: University of California Press, 1958). A fair and succinct ~~summary of the rival claims up to that time ~~. # James McManaway, # The Authorship of ~~Shakespeare ~~(Amherst, Mass.: Folger Shakespeare Library, 1962). The establishment ~~position, as issued by the establishment ~~. # S. Schoenbaum, # Shakespeare’s Lives ~~(Oxford: Clarendon Press, 1991). A scholarly yet highly readable survey of Shakespeare’s ~~biographers ~~. # Charlton Ogburn, # The Mysterious William ~~Shakespeare ~~(McLean, Va.: EPM Publications, 1992). Ogburn, the leading Oxfordian, ~~inherited the mantle from his parents, both of whom also wrote books ms135 on the subject. Ogburn ~~has been more successful than any of his predecessors in forcing the academic establishment ~~to pay attention, and his book even earned a respectful response in the mainstream journal # Shakespeare Quarterly ~~. # Irvin Leigh Matus, # Shakespeare, in Fact ~~(New York: Continuum, 1994). A systematic rebuttal of the anti- Stratfordian ~~arguments ~~. # John Michell, # Who Wrote Shakespeare? ~~(London: Thames & Hudson, 1996). The most recent and most compelling case that ~~Shakespeare’s works were a group effort involving Bacon, de Vere, Marlowe, and Shakespeare ~~himself ~~. # Joseph Sobran, # Alias Shakespeare ~~(New ~~York: The Free Press, 1997). The latest and one of the best of the pro-Oxford ~~books ~~. # Mark Anderson, “The Countenance Shakes Spears,” # Harper’s, # April 1999. A description of the work in progress of Roger ~~Stritmatter, an Oxfordian who has found that passages underlined in a Bible that once ~~belonged to de Vere show up in various forms in Shakespeare’s plays. Traditionalists have ~~responded that the Oxfordians are, once again, being misleadingly ~~selective ~~. # الفصل الثامن عشر # | هل كان كابتن كيد قرصانا؟ # في ديسمبر عام 1698، وفي محاولة لاستدراج القراصنة للخروج من البحار، عرض ويليام الثالث ملك ~~إنجلترا العفو عن أي شخص يستسلم. وكان هناك قرصانان تم استثناؤهما من هذا العفو، لشناعة جرائمهما ~~إلى الحد الذي لا يصلح معه افتداء؛ أحدهما هو لونج بن إيفري، والآخر كابتن ويليام كيد. # استمرت شهرة كيد لوحشيته وهمجيته في الانتشار، حتى بعد إعدامه شنقا عام 1701. والكثير من ~~الأغاني الشعبية تسترجع أفعاله وجرائره؛ فقد جعلته إحداها يروي كيف تخلص من أحد أفراد الطاقم ~~المتذمرين: «قتلت ويليام مور/وتركته غارقا في دمه/على بعد بضع فراسخ من الشاطئ.» كما كانت كل ~~قصص القراصنة التي كتبها واشنطن إيرفنج، وإدجار آلن بو، وروبرت لويس ستيفنسون مستوحاة، في جزء منها ~~على الأقل، من كيد. # كان كيد - الذي روي عنه في الأسطورة - سيئ الطباع، شديد القوة، جشعا لا يشبع. وكان ثريا ~~أيضا، ومات دون أن يفصح عن المكان الذي دفن فيه ms136 كنزه. وخلال القرون الثلاثة التي مرت منذ ذلك الحين، ~~قتل صائدو الكنوز الشواطئ بحثا وجرفوا قيعان الأنهار والبحار من نيويورك إلى جزر الهند، شرقا ~~وغربا. وفي عام 2000، قامت قناة ديسكفري بتمويل بعثة استكشافية إلى الساحل الأفريقي، حيث عثر ~~الغواصون على ما قد يكون حطام بارجة الأميرال كيد. أما فيما يتعلق بالكنز، فقد خرجوا خالي ~~الوفاض. # كان كيد، من جانبه، دائما ما ينكر وجود أي كنز، وكان ينكر أيضا - بمزيد من الحماس والتعصب - ~~أنه قرصان. فكان يدعي أن مغامراته بالكامل كانت في خدمة بلاده وأن رحلته البحرية كانت تحت رعاية ~~مسئولين رفيعي المستوى، كان من بينهم الملك ويليام نفسه. # وقال كيد بعد أن أصدرت ضده هيئة محلفين بلندن حكما بالإعدام بتهمتي القرصنة والقتل: «يا إلهي، ~~إنه حكم في منتهى القسوة ... أنا أكثر براءة من أي بريء.» # والمدهش أن الكثير من المؤرخين قد توصلوا لنفس النتيجة. ~~••• # لا يزال سجل محاكمة كيد، التي بدأت في 8 مايو عام 1701 وانتهت في اليوم التالي، موجودا، ويقدم ~~نظرة عن كثب للرجل وأفعاله. # اتفق كل من الادعاء والدفاع على بعض الحقائق الأساسية. كان كيد قد وصل إلى لندن في عام 1695، ~~للبحث عن شخص ما لرعاية بعثة قرصنة تفويضية. ومثل القراصنة، كانت سفن القرصنة التفويضية تسطو على ~~السفن في البحر، ولكن مع فارق كبير؛ أنها مصرح لها بذلك من إحدى الدول، وتقتصر هجماتها على سفن الدول ~~المعادية. وبنهاية القرن السادس عشر، كانت القرصنة التفويضية قد صارت طريقة شائعة إلى حد ما وغير ~~مكلفة لتقويض تجارة العدو. وكان كيد قرصانا مفوضا محترفا، بعد أن شن هجمات على العديد من ~~السفن الفرنسية في الكاريبي. # وفي لندن، اكتسب كيد دعم لورد بيلومونت، وهو أحد أعضاء البرلمان وشخصية بارزة في حزب الويج ~~الحاكم. أقنع بيلومونت أربعة آخرين من أعضاء الحزب بتمويل إحدى السفن، ومنحه ديوان البحرية رخصة ~~قرصنة تفويضية. ووافق الملك على تمويل السفينة بثلاثة آلاف جنيه، ثم خالف كلمته وسحب المال، ولكنه ظل ~~يقدم الدعم في مقابل 10 بالمائة من ms137 الأرباح. # كان تكليف كيد غير مألوف نوعا ما من حيث إنه لا يخول له فقط أسر سفن العدو، بل أيضا سفن ~~القراصنة. وربما كان هذا البند قد أضيف لجعل مهمة كهذه، الملك متورط فيها، تبدو أبعد قليلا في ~~وقعها عن أنشطة المرتزقة، على الرغم من أنه أشار أيضا إلى أن الحكومة باتت تضيق ذرعا بشكل متزايد ~~من القراصنة الذين يعوقون التجارة البريطانية. # أبحر كيد من لندن على متن السفينة أدفنتشر جالي المزودة بأربعة وثلاثين مدفعا. وفي يناير 1697 ~~وصل إلى مدغشقر، إحدى القواعد المعروفة للقراصنة على الساحل الشرقي لأفريقيا. كان هناك ما يقرب من ~~مائتي قرصان، من بينهم القبطانان هور (الأشيب) وشيفرس (المرتعد)، وكانا اسمين على مسمى، ولكن كيد ~~لم يبذل أي جهد لأسرهما. # بعد قرابة عام، وبعد أن جاب سواحل أفريقيا وآسيا، لم يحصد شيئا سوى بعض السفن الصغيرة، وبدأ ~~القلق يساور أفراد طاقمه وأنصاره. وشارف أفراد الطاقم - الذين كانوا قد وقعوا للمشاركة في المهمة ~~مقابل الحصول على نصيب من الغنيمة، وألا ينالوا أتعابهم ما لم يأسروا شيئا - على التمرد وشق عصا ~~الطاعة. وعند العودة إلى لندن، تسلل القلق إلى الحكومة من أن كيد سوف يتجاوز قريبا الحد الفاصل ~~ما بين القرصنة التفويضية والقرصنة الإجرامية؛ إن لم يكن قد تجاوزه بالفعل. فلم تقم أدفنتشر جالي بأي ~~تحركات ضد أي من القراصنة في مدغشقر أو في أي مكان آخر، وفرت من سفن البحرية البريطانية التي ~~لاقتها على الساحل الأفريقي. # ومع تسرب المياه إلى السفينة ونقص المؤن، تصاعدت وتيرة التوتر على متنها. وفي 30 أكتوبر 1697، ~~وبحسب شهادة أفراد طاقم السفينة أثناء محاكمة كيد، دخل الكابتن في مشاجرة مع مدفعي يدعى ويليام ~~مور. فنعته كيد ب «الكلب القذر»، وكان رد مور: «إذا كنت كلبا قذرا، فأنت من جعلتني هكذا. لقد ~~دمرتني ودمرت الكثير غيري.» فما كان من كيد سوى أن التقط دلوا وانهال به بقوة على رأس مور، ليلقى ~~مصرعه في اليوم التالي. # بعد ذلك، وفي 30 يناير 1698، ظهر أمل في الأفق ms138 في صورة السفينة كوده ميرشانت، التي كان على ~~متنها حمولة تزن أربعمائة طن. فها هي قد ظهرت أخيرا غنيمة تستحق الاستيلاء عليها. كانت السفينة ~~التجارية، التي رفعت علما أرمينيا على متنها، متجهة نحو الشمال ومحملة بالحرير، والكاليكو، ~~والسكر، والأفيون، والمدافع، والذهب. فطاردها كيد وفي النهاية استولى عليها بما تحمله. # عند هذه النقطة تباينت قصص الادعاء والدفاع حسبما قدمت في محاكمة كيد. فقد كان هذا بالنسبة إلى ~~المدعين عملا من أعمال القرصنة بشكل واضح لا لبس فيه؛ إذ كان قائد السفينة كوده ميرشانت إنجليزيا، ~~وكان على متنها بضائع مملوكة لعضو بارز في بلاط الإمبراطور الهندي، والذي كانت له صلات قوية مع شركة ~~الهند الشرقية وهي شركة إنجليزية. الأدهى من ذلك أن كيد لم يأخذ السفينة أو البضائع إلى الوطن لكي ~~يقدر له مكافأة قانونية، مثلما نص العقد مع أولياء نعمته من حزب الويج. وبدلا من ذلك، قام بتوزيع ~~بعض من الغنيمة بين أفراد طاقمه واحتفظ بالبقية لنفسه. وقد شهد أفراد طاقم كيد بكل هذا، مستغلين ~~عرض الحصانة الذي قدمه الملك. # أما كيد، فأصر من جانبه على أن كوده ميرشانت لم تكن سفينة إنجليزية، بالرغم من أن قبطانها، ومن ~~كانوا على صلة بها، إنجليز. فقد أطلعه قبطانها على «جواز فرنسي»، وهو وثيقة أشارت بوضوح إلى أن ~~السفينة فرنسية. وزعم كيد أن الجواز الفرنسي سوف يثبت أن استيلاءه على السفينة كان قانونيا ~~تماما. # وقام كيد باستجواب أفراد طاقمه السابقين الذين اعترفوا بأنهم قد سمعوه يتحدث عن جواز المرور، ~~وإن لم يروه بالفعل. ومرارا طلب كيد من هيئة المحكمة تأجيل محاكمته حتى يتمكن المحلفون من فحص جواز ~~المرور الفرنسي بأنفسهم. # غير أن القضاة رفضوا طلبه. ولم يظهر جواز المرور مطلقا في المحكمة، ومضت المحاكمة قدما بشكل ~~سريع. ولم يستغرق المحلفون سوى ساعة لإدانة كيد بقتل مور، ونصف ساعة أخرى لإدانته بالقرصنة. ~~••• # لم يكن المؤرخون واثقين من ذلك. # فعلى الرغم من أن كيد لم يبرز جواز المرور الفرنسي، فقد كان هناك قدر كبير من الأدلة ms139 ~~المدعمة بالقرائن تشير إلى احتمال وجوده. فلقد كان من الممكن أن يختبئ كيد في مدغشقر أو في ملاذ ~~آخر للقراصنة، ولكنه اختار العودة إلى أمريكا، على الرغم من أنه كان يعلم بصدور أمر بالقبض عليه. ~~لماذا؟ بحسب كيد، كان ذلك لعلمه أن جواز المرور سوف يثبت براءته. # بعد إعدامه شنقا، عرض جثمان كابتن كيد على نهر التيمز، كتحذير للقراصنة الآخرين. فلماذا ~~كان كل هذا الانتباه منصبا على رجل - بحسب وصف أحد المؤرخين - «لم يضرب عنقا أو يدفع أحد ~~ضحاياه للسير على لوح خشبي ممتد من السفينة ليكون مصيره الغرق، ولم يكن سوى قرصان من الدرجة ~~الثالثة أو الرابعة»؟ (مكتبة الكونجرس.) # قال كيد إنه قبل وصوله إلى بوسطن، أرسل جواز المرور إلى لورد بيلومونت؛ شريكه وحاكم ولاية ~~ماساتشوستس المعين حديثا. فرد بيلومونت بخطاب طمأنة، قال فيه إنه ليس لديه أي شكوك في قدرته ~~على إصدار عفو من الملك عن كيد. وعندئذ فقط سلم كيد نفسه، واثقا من أن ولي نعمته سوف يحميه. ولكن ~~بيلومونت خانه، وزج به في سجن بوسطن ثم شحنه إلى لندن مكبلا بالأغلال. # أقنع خطاب بيلومونت المرسل إلى كيد، والذي ورد فيه ذكر جواز المرور الفرنسي صراحة، الكثير من ~~المؤرخين بأن كيد لم يختلق تلك القصة. وفيما يبدو أن الحاكم كان في موقف حرج للغاية. وباعتباره ~~شريكا لكيد، كان يحب أن يرى كوده ميرشانت وهي تعلن غنيمة قانونية؛ إذ كان سيحصل على نصيبه من ~~الأرباح في هذه الحالة. ولكن بصفته حاكما، لم يستطع تحمل ثمن إظهار تعاطفه تجاه قرصان مدان. فقد ~~كان منصبه السياسي في النهاية أهم بالنسبة إليه من الأرباح؛ ومن ثم ألقى القبض على كيد. # كانت سمعة كيد السيئة تشكل حرجا هائلا ليس فقط لبيلومونت، بل أيضا لرفاقه من المستثمرين، ~~وكانوا جميعا أعضاء بارزين بحزب الويج. فكان خصومهم بالحزب التوري، الذين رأوا في ذلك فرصة للزج ~~بأعضاء الويج في فضيحة، يطالبون بإصدار قرار باللوم عليهم. ومن جانبهم، سارع أعضاء الويج إلى تصوير ~~كيد كقرصان تفويضي تحول ms140 إلى قرصان مجرم، لتوضيح أنه قد سار في طريق الشر بعد أن أبرموا اتفاقهم معه. ~~ومما زاد موقف كيد سوءا أن شركة الهند الشرقية أرادت أن تجعل منه عبرة، لردع القراصنة الآخرين ~~وتهدئة أصدقائهم في الهند. # إذن لم يكن كيد، في نظر الكثير من المؤرخين، قرصانا مخيفا، وإنما مجرد بيدق شطرنج في لعبة ~~سياسية. وظن الكثيرون أن بيلومونت، أو ربما شخصا آخر ذا مكانة رفيعة في الحكومة، قد أخفى جواز ~~المرور الفرنسي عن كيد لضمان حكم بالإدانة. وفي عام 1911، وأثناء البحث في مكتب السجلات العامة في ~~لندن، وجد كاتب يدعى رالف بين الدليل: فهناك، وعلى مرأى من الجميع، وجد جواز المرور الفرنسي ~~الذي استولى عليه كيد من سفينة كوده ميرشانت. وفيما يبدو أنه كان قابعا في مكتب السجلات العامة على ~~مدى قرنين منذ محاكمة كيد. # أقنع جواز المرور بين بأن كيد كان رجلا بريئا. صحيح أن كيد لم يتبع الخطوات القانونية لإعلان ~~كوده ميرشانت غنيمة مشروعة، ولكن حدث ذلك لأن أفراد طاقمه قد تمردوا وهربوا بالكثير من الغنيمة. ~~وصحيح أيضا أن أدفنتشر جالي قد مضت تأسر سفنا أخرى من الواضح أنها لم تكن فرنسية، ولكن ذلك أيضا ~~كان من تدبير أفراد الطاقم المتمردين وليس الكابتن. وصحيح أن كيد قد ضرب ويليام مور، ولكن فقط لأنه ~~كان واحدا من المتمردين. إلى جانب أنه في زمن كان القباطنة دائما ما يجلدون البحارة بالسوط لأتفه ~~المخالفات، كما ذهب بين، فقد كانت ضربة كيد محكومة بشكل بحت. # لقد لاقى كابتن كيد، في نظر بين، «معاملة غير عادلة من قبل أوليائه، وامتهن من قبل أفراد ~~طاقمه الأوغاد، وافتري عليه كذبا من قبل أجيال لاحقة ساذجة.» ~~••• # ومنذ عهد قريب، تبنى المؤرخون بشكل عام نظرة أكثر ~~توازنا تجاه كيد، مصورين إياه في صورة لا هي صورة القرصان الوحشي المذكور في الأسطورة، ولا هي صورة ~~الضحية البريء لساسة عديمي الضمير. ولا شك أنه من الظلم الصارخ ما حدث من إخفاء جواز المرور الفرنسي ~~عنه، والذي كان سيعزز من ms141 دفاعه ضد تهمة القرصنة فيما يتعلق بالسفينة كوده ميرشانت. ولكن بحسب شهادة ~~العديد من أفراد طاقمه، فقد رفع كيد علما فرنسيا على أدفنتشر جالي لخداع قبطان كوده ميرشانت كي ~~يظهر له جواز المرور الفرنسي. (فقد كان مألوفا للسفن التجارية أن تحمل أوراقا لجنسيات متعددة، ~~على أمل أن تساهم الجنسية الصحيحة في إبعاد أي قرصان وإن كان مفوضا.) لذا، وحسبما أكد أفراد ~~الطاقم هؤلاء، كان كيد يعرف جيدا أن السفينة لم تكن فرنسية، حتى ولو كان لديها جواز مرور ~~فرنسي. # علاوة على ذلك، كان هناك مسألة السفن الأخرى، وإن كانت أصغر حجما، التي تم الاستيلاء عليها ~~بعد كوده ميرشانت. فقد اتهم كيد - وأدين - بأربع تهم قرصنة أخرى. وكان دفاعه في كل واحدة منها ~~واحدا؛ أن أفراد طاقمه قد تمردوا وتصرفوا دون إذنه. ولكن لم يكن هناك حقا سبب آخر لتصديق رواية ~~أكثر من قيام أفراد طاقمه بالشهادة ضده. # ويتفق غالبية المؤرخين الآن على أن كيد كان قرصانا، وإن لم يكن قرصانا ناجحا بشكل ~~استثنائي. وكانت نكبته، بحسب آخر كاتبي سيرته الذاتية روبرت سي ريتشي، أنه قد تجاوز الحد الفاصل ~~بين القرصنة والقرصنة التفويضية في نفس الوقت الذي كان احتمال التسامح فيه مع الأخيرة أقل ما يمكن. ~~وكان هذا يرجع جزئيا إلى الصراع الدائر بين أعضاء الويج والتوري في البرلمان. ولكن ريتشي بين أن ~~توقيت كيد السيئ قد تجاوز ذلك. # وخلال أواخر تسعينيات القرن السابع عشر، تزايد عزم كلا الحزبين - الويج والتوري - على القضاء ~~على التهديد الذي يشكله القراصنة على تجارة الإمبراطورية البريطانية. وهذا ما دفع الملك ويليام إلى ~~عرض العفو عن القراصنة. وهذا هو ما دفع الوزراء المنتمين لحزب الويج لتفويض كيد لأسر القراصنة وكذلك ~~سفن العدو. وهذا هو ما جعل قرصنة كيد، برغم بعدها التام عن أسوأ جرائم القرصنة السائدة في عصره، ~~تثير ضده غضب الحكومة البريطانية. # لم يحرز الجهد المشترك للحكومة البريطانية لوضع نهاية للقرصنة نجاحا فوريا، ولكن كيد لم يكن ~~القرصان الوحيد الذي عانى؛ فقد اتخذت قوات البحرية ms142 الملكية إجراءات مشددة عبر جميع أنحاء ~~الإمبراطورية، وكذلك فعلت القوات المحلية. ففي عام 1718، على سبيل المثال، احتشدت ~~قوات ولايتي فيرجينيا وكارولينا عند ملجأ القرصان إدوارد ~~تيتش، والمعروف أيضا باسم بلاكبيرد، الذي لقي حتفه في هجوم عنيف. وبحلول عام 1730، كان قد انتهى ~~ذلك العصر الذي كان فيه القراصنة يجوبون البحار بحرية. # وماذا عن كنز كيد المدفون؟ # للأسف كان المتوافر عن هذا الأمر أقل من المتوافر عن بقية الأسطورة. لقد ترك كيد إحدى عشرة ~~حقيبة من الذهب والفضة مع جون جاردينر - وكان من جزيرة جاردينر الواقعة على ساحل لونج أيلند - ربما ~~لعدم ثقته الكاملة في بيلومونت. ولكن جاردينر لم يرد الاشتباك مع بيلومونت، وبعد القبض على كيد قام ~~بتسليم كل شيء للحاكم، الذي أرسله بدوره إلى إنجلترا. # ربما يكون معظم كنز كيد قد انتهى به المطاف إلى أيدي طاقمه، الذين تركه الكثير منهم قبل وصوله ~~إلى بوسطن بفترة طويلة. وسواء كانوا متمردين أم لا، فقد وقع الرجال على الاتفاقية على أمل تحقيق ~~الثراء، ومن الصعب تخيل أنهم قد تركوه ورجعوا بخفي حنين. وبمجرد أن أصبح المال بين أيديهم، صار ~~احتمال إنفاقه أكبر من دفنه. # لمزيد من البحث # Graham Brooks, ed., # The Trial of Captain ~~Kidd ~~(Edinburgh: William Hodge, 1930). Transcripts of the trial, with a balanced ~~commentary by Brooks ~~. # Daniel Defoe, # A General History of the Pyrates ~~(Columbia, S.C.: University of South Carolina Press, 1972). Originally ~~published in 1724, this classic history was originally attributed to a “Captain Charles ~~Johnson.” Only in the twentieth century did most (but not all) scholars conclude that it was ~~written by Defoe, the author of # Robinson Crusoe # and # Moll Flanders ~~. # Ralph Paine, # The Book of Buried ~~Treasure ~~(New York: Macmillan, 1922). As the title indicates, Paine was more ~~interested in searching for treasure than a French pass, but it was the latter that he ~~discovered ~~. # Willard Bonner, Pirate Laureate ~~(New ~~Brunswick, N.J.: Rutgers University Press, 1947). Traces the growth of the ms143 Kidd legend, from ~~sailors’ ballads to the works of Irving, Cooper, Poe, and Stevenson ~~. # Alexander Winston, # No Man Knows My ~~Grave ~~(Boston: Houghton Mifflin, 1969). The fine line between privateering and ~~piracy, as exhibited in the lives of Henry Morgan, Woodes Rogers, and William ~~Kidd ~~. # Robert C. Ritchie, # Captain Kidd and the War ~~Against the Pirates ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1986). How the ~~British Empire brought an end to the golden age of pirates ~~. # David Cordingly, # Under the Black Flag ~~(New York: Random House, 1995). An informative and entertaining survey of pirates in fact and ~~faction, based on a 1992 exhibit at the London Maritime Museum ~~. # الفصل التاسع عشر # | هل مات موتسارت مسموما؟ # بعد وفاة زوجها بفترة قصيرة، روت كونستانس موتسارت قصة غريبة عن «القداس الجنائزي»، وهو موسيقى ~~قداس لأرواح الموتى كان موتسارت يعكف عليها قبيل وفاته في ديسمبر 1791. # في وقت مبكر من ذلك العام، كما تتذكر كونستانس، ~~وصل رسول غامض إلى شقة موتسارت في فيينا. وتساءل عن كون موتسارت على استعداد لكتابة «القداس ~~الجنائزي» في مقابل مبلغ مجز من المال. فسارع الموسيقار - الذي كانت أحدث أعماله الأوبرالية، دون ~~جيوفاني، قد فشلت وكان في أمس الحاجة للمال - بالموافقة. وقام الرسول بدفع النصف الأول من المبلغ، ~~ثم غادر. فلم يمكث عنده سوى ما يكفي من الوقت لتحذيره من محاولة معرفة هوية من أمر بتأليف ~~المقطوعة. # راح موتسارت يعمل على تأليف «القداس الجنائزي» واصلا الليل بالنهار. وصار مهووسا به، حتى إنه ~~قد تعرض للإغماء عدة مرات ولكنه لم يستطع التوقف عن التأليف. وقد وصفت كونستانس حالة زوجها الذهنية ~~لفريدريش روخلتس، الذي نشر مجموعة من النوادر عن موتسارت في عام 1798. فكتب روخلتس يقول: «كان دائما ~~ما يجلس في هدوء غارقا في أفكاره. وفي النهاية لم يعد ينكر هذه الأفكار؛ لقد كان يعتقد يقينا أنه ~~يكتب هذه المقطوعة من أجل جنازته.» # كان أحد كاتبي سيرة موتسارت الأوائل، وأحد كاتمي أسرار كونستانس، هو فرانس نيمتشك. وقد روى ms144 ~~القصة على هذا النحو أيضا في عمل نشره عام 1798 بقوله: «بدأ موتسارت في الحديث عن الموت، وصرح ~~بأنه يكتب «القداس الجنائزي» من أجل نفسه. وتساقطت دموع هذا الرجل المرهف الحس، ثم واصل قائلا: ~~«لدي شعور قاطع بأنني لن أعيش لأطول من ذلك. أنا واثق من أنني قد تعرضت للتسمم».» # كان موتسارت مقتنعا بأنه يكتب مقطوعته الشهيرة «القداس الجنائزي» من أجل جنازته. (مكتبة ~~الكونجرس.) # لم ينته موتسارت من تأليف مقطوعة «القداس الجنائزي»، وإن كانت تعتبر تحفة فنية حتى في شكلها ~~غير المكتمل. ولا شك أن قصة كونستانس قد أضافت للهالة المحيطة بالعمل ومؤلفه؛ فها هو موتسارت يدفع ~~إلى أعلى قمم الإبداع، ثم يساق في النهاية إلى الموت، بواسطة قوى لم يستطع هو ولا الآخرون فهمها ~~بشكل كامل. فهل من نهاية أنسب من تلك لحياة موتسارت العبقرية القصيرة (إذ كان في الخامسة والثلاثين ~~فقط)؟ # إنها قصة مقبولة تماما، ولم يكن هناك أدنى شك في أن كونستانس اختلقتها؛ فقد قال كل من روخلتس ~~ونيمتشك إنهما قد سمعاها منها، وكذلك فعل فينسنت وماري نوفيلو اللذان نشرا رواية مشابهة في عام ~~1828. ولكن ظلت هناك أسئلة بديهية؛ من كان ذلك الغريب الغامض الذي كلف موتسارت بتأليف «القداس ~~الجنائزي»؟ ومن الذي سمم موتسارت، إن كان هناك من سممه؟ ~~••• # ظهرت الشائعات الخاصة بأن موتسارت قد قتل بعد وفاته بفترة قصيرة، حتى قبل ظهور روايات روخلتس ~~ونيمتشك في عام 1798. ففي عشية رأس السنة لعام 1791، أفادت جريدة برلينية أنه «نظرا لانتفاخ جثته ~~بعد الوفاة، فإن الناس يظنون أنه قد تعرض للتسمم.» وكان من أوائل المشتبه بهم فرانس هوفديميل، زوج ~~إحدى تلميذات موتسارت. فقد تعدى هوفديميل على زوجته وانتحرت في يوم جنازة موتسارت؛ ما دفع البعض ~~لتخمين أن زوجته كانت حبلى بطفل من الموسيقار، ولكن لم يكن هناك دليل حقيقي يربط هوفديميل بموت ~~موتسارت. # ظهر مشتبه به أكثر معقولية في عشرينيات القرن التاسع عشر في شخص موسيقار سابق بالبلاط ~~الإمبراطوري النمساوي، هو أنطونيو ساليري. يظهر اسم ساليري في عدد من ms145 المواضع في «دفاتر المحادثة» ~~الخاصة ببيتهوفن، والتي كان ضيوفه يستخدمونها من أجل التواصل مع الموسيقي الأصم. فقد كتب كارل نجل ~~بيتهوفن، وزائر آخر يدعى أنطون شيندلر، في المفكرات أن ساليري اعترف بتسميم موتسارت؛ في حين دون ~~آخرون أن شائعة قيامه بذلك قد انتشرت في كل أنحاء فيينا. # ماذا كان دافع ساليري؟ # الحقد. فقد أدرك ساليري - أو هكذا خرج من طاحونة الشائعات - عبقرية موتسارت؛ ولذا أضمر له ~~الكراهية. فلم يطق ساليري أن يشاهد موتسارت يتفوق عليه ليصبح الموسيقار الأبرز في البلاط الفييني، ~~لا سيما أن موتسارت كان دائما فظا ومتغطرسا، في حين كان ساليري دائما لطيفا ومهذبا. وكانت تلك ~~الفكرة مقنعة للغاية، على الأقل كفكرة أدبية. وكان أول من نقب عنها واكتشفها مسرحيا ألكسندر ~~بوشكين في مسرحية عرضت عام 1830. أما أحدث التجسيدات، فكانت مسرحية «أماديوس» لبيتر شافر التي نجحت ~~نجاحا كبيرا على مسرح برودواي عام 1980، وتحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي، والتي قدمت ساليري ~~مجددا كموسيقار عادي ولكنه بالغ الخطورة لم يستطع تحمل منظر موتسارت ذي العبقرية المختلطة ~~بالفظاظة. وقرر شافر ألا يصور ساليري كقاتل سمم موتسارت؛ بدلا من ذلك، يظهر الموسيقار الملكي ~~كمجرد أداة للتعجيل بموت موتسارت من خلال عدة مكائد تترك ضحيته في ضعف ويأس. # والمشكلة في الحجة المقامة ضد ساليري، سواء كقاتل أو متآمر، هي نفس مشكلة الحجة المقامة ضد ~~هوفديميل: لا يوجد دليل. فالاعتراف المزعوم المذكور في دفاتر المحادثة الخاصة ببيتهوفن لم يتكرر في ~~أي مكان آخر؛ بل إن ساليري، بحسب يوميات عازف البيانو إجناتس موشيليس، أحد تلاميذ بيتهوفن، قد أنكر ~~صراحة تسميم موتسارت. صحيح أن موشيليس مضى بعدها يقول إن ساليري «قد دمره معنويا من خلال المؤامرات ~~والمكائد؛ ومن ثم سمم له ساعات عدة من حياته»، ولكن فيما عدا بضعة المراجع الأخرى المماثلة القائمة ~~على القيل والقال، لا يوجد دليل حقيقي على أن ساليري كان يضمر بغضا لموتسارت، فضلا عن قتله. ~~••• # لم يكن القاتل التالي الذي تم اقتراحه فردا، بل منظمة، هي منظمة الماسونيين أو البنائين ms146 ~~الأحرار. # كان الماسونيون يصلحون كمشتبه بهم فاسدين؛ نظرا لكونهم جمعية سرية تمارس كل أنواع الطقوس ~~الغامضة التي كانت تبدو، لغير الأعضاء، أقرب لأعمال السحر والشعوذة. وكان موتسارت قد انضم لمحفل ~~ماسوني صغير بفيينا في عام 1784. وكان عضوا نشطا؛ إذ قام بتأليف عدد من المقطوعات تدور حول أفكار ~~ماسونية، من ضمنها «الناي السحري»، وهو آخر عمل مكتمل له. # حتى منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن الباحثون يدركون الإيحاءات الماسونية في «الناي السحري». ~~على سبيل المثال، يلعب الرقم 18، الذي له مدلول كبير في الطقوس الماسونية، دورا مهما أيضا في ~~أوبرا موتسارت. ففي بداية الفصل الثاني، يوجد ثمانية عشر كاهنا وثمانية عشر مقعدا، ويقسم الجزء ~~الأول من الكورس الذي يغنونه إلى ثمانية عشر فاصلا. علاوة على ذلك، تحتوي المقدمة الأوركسترية لهذا ~~المشهد على ثماني عشرة مجموعة من النغمات. # وتقدم الطبعة الأصلية لنص كلمات الأوبرا في عام 1791 دليلا آخر أكثر وضوحا على أن موتسارت ~~وواضع كلمات أوبراه (وهو أحد رفاقه الماسونيين) إيمانويل شيكانيدير كانا يقصدان أن تكون الأوبرا قصة ~~رمزية ماسونية، ولو بشكل جزئي. فتضم صفحة عنوان النص الأوبرالي نجمة ذات خمسة رءوس، ومربعا، ومالج ~~بناء، وساعة شمسية؛ وكلها رموز ماسونية. # كان أول من طرح ضلوع الماسونيين في تسميم موتسارت هو جي إف دومر، وذلك في عام 1861. فذهب إلى أن ~~موتسارت قد عادى رفاقه الماسونيين بإفشاء بعض أسرارهم في «الناي السحري»؛ لذا عمد الماسونيون - أو ~~بالأحرى دائرة داخلية من الماسونيين - حسبما ذهب دومر إلى الانتقام. وقد تبنى هذه النظرية العديد ~~من كتاب القرن التاسع عشر والقرن العشرين. # غير أن نظريات المؤامرة الماسونية لم يكن خلفها ~~دليل حقيقي يدعمها، شأنها شأن نظريتي هوفديميل وساليري. صحيح أن معظم الباحثين (وليس كلهم) قد تقبلوا ~~فكرة أنه كان هناك عنصر ماسوني في «الناي السحري»، ولكن لم يكن هناك مبرر لتصديق أن الماسونيين لم ~~يكونوا راضين تمام الرضا عن ربطهم بالأوبرا ومؤلفها. بل إنه بعد وفاة موتسارت أقام محفله احتفالية ~~تأبين، وطبعوا نسخا من الخطبة التي ألقيت على ms147 شرفه. كذلك لم يتمكن واضعو نظريات المؤامرة قط من ~~تفسير قيام الماسونيين بقتل موتسارت وليس شيكانيدير الذي كان، ككاتب نصوص أوبرالية، مسئولا بنفس ~~القدر على الأقل عن العناصر الرمزية للأوبرا. # وتعد نظرية المؤامرة افتراء ظالما على الماسونيين، الذين على الرغم من كونهم طائفة ذات ~~أيديولوجية دينية خاصة بلا شك، كانوا يضمون بينهم بعضا من أكثر مواطني فيينا احتراما. بل إن ~~المحافل الماسونية كانت ملتقى للكثير من النخبة الفكرية بالمدينة. بالمثل، كان الماسونيون في أمريكا ~~يضمون بين أعضائهم جورج واشنطن، وبنيامين فرانكلن، وتوماس جيفرسون، وفي فرنسا انضم إليهم الكثير من ~~الجمهوريين البارزين. # غير أن النزعة الجمهورية عند الكثير من الماسونيين كانت بالكاد مطمئنة للإمبراطور ليوبولد ~~الثاني إمبراطور النمسا؛ فقد كان ليوبولد يراقب الثورات التي اندلعت بالخارج بمزيد من القلق، وتمثل ~~رد فعله في أنه قام بالتضييق على الماسونيين في الداخل. فأغلق الكثير من محافلهم، وجعل الشرطة ~~تراقب البقية عن كثب. وخمن بعض المؤرخين أن موتسارت وشيكانيدير قد قررا إنتاج أوبرا ماسونية كرد ~~فعل لهذا الضغط. وكان أملهما أن تساهم «الناي السحري» في إقناع العامة، والحكومة المحافظة، بأنه ليس ~~هناك ما يدعو للخوف من الماسونيين. # وإذا كان الأمر كذلك، فقد ذهب أملهما أدراج الرياح؛ فبحلول منتصف تسعينيات القرن الثامن عشر قام ~~ليوبولد بحظر الماسونيين كلية، وتقلص تأثيرهم وتضاءلت عضويتهم. ولكن موتسارت ظل ماسونيا مخلصا ~~حتى وفاته. ولدينا كل سبب لتصديق أن رفاقه الماسونيين ظلوا على نفس القدر من الولاء والإخلاص ~~له. ~~••• # لو كان موتسارت قد تسمم، فأغلب الظن أن المجرمين هم أطباؤه على الأرجح، وإن لم يكن عن ~~عمد. # فقد روت كونستانس واقعة واحدة على الأقل عن تسبب الأطباء في «إنزافه»، وربما كان هناك وقائع ~~أخرى؛ نظرا لأن هذا العلاج كان لا يزال شائعا في أواخر القرن ~~الثامن عشر. وفي حالة موتسارت الصحية الهزيلة، خاصة لو كان يعاني من مرض بالكلى، مثلما يعتقد ~~الكثير من المؤرخين، فمن الوارد كثيرا أن يكون العلاج قد ساهم في موته. # وبخلاف النزيف، لا يملك المؤرخون الطبيون ms148 الكثير لزعمه. فقد أدرجت شهادة وفاة موتسارت سبب ~~الوفاة بأنه «حمى دخنية شديدة»، وهو تشخيص لا يعني شيئا لأطباء اليوم. فقد وصف زوار ~~موتسارت، من ضمنهم كونستانس، ما كان يعانيه من أعراض بشكل متفاوت ومبهم للغاية، حتى إنه ربما كان ~~يعاني من أي عدد من العلل، من بينها التهاب الشغاف البكتيري، ومتلازمة هينوخ شونلاين، واللوكيميا، ~~والالتهاب الشعبي الرئوي بالعنقوديات، ونزيف المخ. # وفي المنتدى الطبي الذي عقد عام 1991، بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لوفاة موتسارت، كان على ~~رأس أسباب الوفاة الفشل الكلوي والحمى الروماتيزمية، ولكن لم يكن هناك إجماع واضح بين الخبراء؛ ~~فيما عدا أنه لم يظن أحد منهم أنه تعرض للتسمم. # أما بالنسبة إلى اعتقاد موتسارت الشخصي بحدوث العكس، فمن الممكن أن يكون ببساطة نتيجة لهذيان أو ~~اكتئاب تسبب فيه أي من الأمراض التي أدت لوفاته. ولا شك أيضا أن زيارة الرسول الغامض الذي ~~اتفق معه على تأليف «القداس الجنائزي» كانت تركز ذهنه على التفكير في الموت، وموته هو تحديدا. ~~فمن السهل تخيل الموسيقار الهزيل وهو يحول الرسول الغامض إلى رسول موت. بل إن شافر أشار إلى أن ~~ساليري قد تنكر في شخصية الرسول ليدفع خصمه إلى حافة الجنون، في ظل علمه بانشغال موتسارت الشديد ~~بفكرة الموت. # كانت الحقيقة بشأن الرسول، والتي تكشفت أخيرا بعد 173 عاما من وفاة موتسارت، أقل شرا، ~~ولكن ليست أقل غرابة. ففي عام 1964، نشر أوتو دويتش وثيقة اكتشفت في أرشيفات بلدة فينر نيوشتات، وهي ~~بلدة تقع على بعد قرابة ثلاثين ميلا جنوب فيينا. كانت الوثيقة بعنوان «التاريخ الحقيقي والتفصيلي ~~للقداس الجنائزي لدبليو إيه موتسارت، بدءا من تأليفه عام 1791 حتى الفترة الحالية من عام 1839»، ~~وكانت بقلم أنطون هيرتسوج، وهو موسيقي كان يعمل لدى كونت فون فالسيك، أحد كبار ملاك الأراضي في ~~المنطقة. # أوضح هيرتسوج أن الكونت كان محبا للموسيقى لحد الولع، وكان يحب شراء أعمال الموسيقيين ~~الواعدين وتقديمها على أنها من تأليفه. وفي فبراير من عام 1791 توفيت زوجة الكونت الشابة، فقرر ~~إحياء ذكرى موتها بقداس ms149 مهيب مميز؛ لذا أرسل أحد الخدم إلى موتسارت، بنفس عرضه السخي المألوف ونفس ~~التحذير المعتاد أيضا ألا يحاول معرفة هوية المكلف بالعمل. # كان هيرتسوج ورفاقه الموسيقيون يسايرون سيدهم، فيتذكر هيرتسوج قائلا: «كان معروفا لنا جميعا ~~أن الكونت كان يريد تضليلنا، مثلما فعل مع المقطوعات الأخرى التي اتفق عليها. ففي حضورنا كان دائما ~~ما يقول إنها من تأليفه، ولكنه كان يبتسم حين يقول ذلك.» # وهكذا اتضح أن تحفة موتسارت الفنية الأخيرة لم تؤلف لتنذر بالموت على نحو مخيف، ولكن ألفت ~~من أجل لص غريب الأطوار يسرق أعمال الغير. ولأن كونستانس ليست حمقاء، فربما تكون قد نشرت قصة ~~الرسول المجهول على أمل أن تعزز سمعة زوجها الراحل، والتي كانت تتنامى بشكل سريع؛ فضلا عن قيمة ~~مؤلفاته الآخذة في التزايد على نحو متسارع. وإذا كان هذا هو الحال، فقد حققت نجاحا يفوق أحلامها؛ ~~إذ صار «القداس الجنائزي» يعتبر واحدا من روائع موتسارت. ولا يزال كذلك، بغض النظر عن كيفية ~~تأليفه. # لمزيد من البحث # Otto E. Deutsch, # Mozart: A Documentary ~~Biography, # trans. from the German by Eric Blom, Peter Branscombe, and Jeremy ~~Noble (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1965). An extensive selection of primary ~~sources ~~. Paul Nettl, # Mozart and Masonry ~~(New ~~York: Da Capo Press, 1970). Originally published in 1957, this remains the most comprehensive ~~treatment of the subject ~~. # Wolfgang Hildesheimer, # Mozart, # trans. ~~from the German by Marion Faber (New York: Farrar, Straus, & Giroux, 1982). Originally ~~published in Germany in 1977, this is more an extended essay than a traditional biography. ~~The portrait of Mozart as a frivolous boor, albeit a brilliant one, may have partly inspired ~~Shaffer’s # Amadeus ~~. Peter Shaffer, # Amadeus ~~(New York: ~~Harper & Row, 1980). A flop with historians, but a hit with theater and ~~moviegoers ~~. # H. C. Robbins Landon, # 1791: Mozart’s Last ~~Year ~~(New York: Schirmer Books, 1988). A lively chronicle of the year that ~~portrays Mozart, partly in response to the ~~Hildesheimer/Shaffer image, as a responsible husband and ms150 citizen ~~. # Gernot Gruber, # Mozart and Posterity, # trans. from the German by R. S. Furness (Boston: Northeastern University Press, 1991). How ~~Mozart has been interpreted, from the eighteenth century through the ~~twentieth ~~. # William Stafford, # The Mozart Myths ~~(Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1991). Debunks the myth of foul play, as well ~~as various other myths about Mozart-such as that he was a social reformer or a ~~nationalist ~~. # Dalhousie Review ~~(Summer 1993). Most of ~~the issue’s contents are devoted to papers given at a 1991 symposium titled “Medicine in the ~~Age of Mozart.” # Maynard Solomon, # Mozart ~~(New York: ~~HarperCollins, 1995). A psychoanalytically influenced biography that focuses, quite ~~persuasively, on Mozart’s relationship with his father ~~. # الفصل العشرون # | لماذا تخلى فرويد عن نظرية الإغواء؟ # ذكر فرويد في قصة حياته التي كتبها بنفسه عام 1925: «لا بد أن أذكر خطأ وقعت فيه لفترة، وربما ~~كان له عواقب وخيمة على كل أعمالي.» # كان «خطأ» فرويد هو «نظرية الإغواء» التي وضعها وكان يؤمن بها بشغف خلال مطلع التسعينيات من ~~القرن التاسع عشر. كان اسم النظرية مضللا؛ إذ لم يكن لها أدنى صلة بالإغواء، بل بالتعدي الجنسي على ~~الأطفال. فقد صاغ فرويد نظرية الإغواء أثناء علاج ثمانية عشر مريضا يعانون من مجموعة من الاضطرابات ~~العصبية. وعلم فرويد أن كلا من هؤلاء المرضى قد تعرضوا لتحرش جنسي أثناء الطفولة. # كان فرويد في قمة الإثارة والفرح لظنه أنه قد حدد جذور الكثير من الأعراض التي يعانيها ~~المرضى. وفي ورقة بحثية قدمت لجمعية فيينا للطب النفسي وطب الأعصاب، في أبريل من عام 1896، عقد ~~فرويد مقارنة بين نتائجه وبين اكتشاف منبع نهر النيل. وكتب لصديقه وزميله في مجال الطب فيلهيلم فليس ~~خطابا شخصيا قائلا إنه يتوقع أن تجلب له نظريته في الإغواء شهرة وثراء. # غير أنه في سبتمبر 1897، تبدل موقف فرويد بشكل ~~مثير، فكتب في خطاب آخر لفليس يقول: «أريد أن أفشي لك على نحو مباشر السر الكبير الذي ظل يتكشف ~~لي طوال الأشهر القليلة الماضية. فأنا ms151 لم أعد أومن بنظريتي عن الإغواء.» اعترف فرويد بأن من ~~مشكلات النظرية أن المكاشفات الخاصة بالتعرض للاعتداء في ~~الطفولة لم تؤد إلى علاج ناجح لأي من مرضاه؛ إذ ظلوا يعانون من نفس الأعراض. ولكن الخلل الأكبر ~~تمثل في أن هذه الأعراض كانت شائعة للغاية. ولو أن كل شخص عانى منها قد تعرض لاعتداء في الطفولة، ~~لكان ذلك يعني - كما أدرك فرويد حينها - أن الاعتداء على الأطفال كان متفشيا بشكل مستفحل في المجتمع ~~الفييني. بل إن فرويد لا بد أن يكون قد اعتدي عليه وهو طفل، إن كانت نظرية الإغواء صحيحة، بما أنه ~~نفسه كان يشارك مرضاه في العديد من أعراضهم. # وفي مواجهة هذه التداعيات، تخلى فرويد عن نظرية الإغواء، ولكنه ظل مؤمنا بأن هناك شيئا في ~~القصص التي أخبره بها مرضاه. ففي عام 1905، في كتابه «ثلاث مقالات في نظرية الجنس»، أعلن فرويد عن ~~نظرية جديدة وأكثر ثورية. فقد أكد أن مرضاه لم يتعرضوا لاعتداءات جنسية بالفعل في الطفولة، بل إن ~~ما يكبتونه بداخلهم وما زالوا يكبتونه هو خيالات طفولتهم. إن المرضى لم يمارسوا الجنس، ولكنهم كانوا ~~«يرغبون» في الجنس. وبشكل أكثر تحديدا، كان المرضى يرغبون أثناء الطفولة في مضاجعة آبائهم (إذا ~~كانوا فتيات)، وفي مضاجعة أمهاتهم (إذا كانوا صبية). # وهكذا نشأت «عقدة أوديب»، وجاء معها مفهوما جنسانية الأطفال والعقل الباطن، اللذان يعدان ~~عمودي علم التحليل النفسي الجديد الذي وضعه فرويد. وكل هذا حدث، بحسب فرويد، لأنه اضطر للتخلي عن ~~نظرية الإغواء التي كانت يوما ما محببة إليه. # ووافق إرنست جونس، تلميذ فرويد وكاتب سيرته الذاتية، على أن تلك كانت نقطة التحول الحاسمة في ~~تفكير فرويد، وحذا المؤرخون الفكريون الآخرون حذوه. وبحلول خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كان ~~فرويد قد اكتسب مكانة رفيعة بين أعظم المفكرين عبر العصور، وكان تخليه عن نظرية الإغواء المثال ~~الأول والرئيسي لشجاعته وأمانته الفكرية. # غير أنه في سبعينيات القرن العشرين انهار ذلك الإجماع بشأن فرويد. وقاد أنصار المساواة الهجوم، ~~تحت وطأة غضبهم من بعض أفكاره المعادية للمرأة ms152 (مثل أن القوة الدافعة في سلوك النساء هي حسد القضيب). ~~وتبعهم باحثون آخرون بنقد تراوح بين تعاطي فرويد للكوكايين إلى عدم فاعلية التحليل النفسي. ولكن ~~تمثلت الصدمة الكبرى لأتباع فرويد في سلسلة من الأعمال التي دحضت رواية فرويد عن انطلاقته العظيمة . ~~فعقدة أوديب، بحسب هؤلاء من أنصار التعديلية، لم تنبثق من أنقاض نظرية الإغواء؛ أي إن تلك القصة لم ~~تكن سوى كذبة. والأسوأ، كما أكد منتقدوه، هو مبرر فرويد للكذب. فقد كذب حتى لا يعلم أحد قط مبرره ~~الحقيقي - والمخزي بحق - للتخلي عن نظرية الإغواء. ~~••• # هال الفرويديين التقليديين أن يكون واحد من أكثر النقاد صخبا قد جاء من بين صفوفهم. كان ~~هذا هو جيفري ماسون، وهو محلل نفسي أمريكي شاب، كان حتى عام 1980 الوريث الشرعي لمدير أرشيفات ~~فرويد بمكتبة الكونجرس. # وكانت تلك هي المرحلة التي بدأ فيها ماسون في تفحص خطابات فرويد لصديقه فليس. كانت مجموعة ~~مختارة منها، حررتها آنا - ابنة فرويد - قد نشرت في عام 1950، ولكن معاينة ماسون للأرشيفات ~~أظهرت أن العديد من خطابات فرويد لفليس قد محيت. ومن خلال معاينة أدق تبين أن المادة المفقودة ~~كانت ذات صلة بأفكار فرويد عن نظرية الإغواء. وأدرك ماسون أن هذه الخطابات قد أظهرت أن فرويد لم ~~يتخل عن النظرية بسرعة أو بشكل مؤكد كما أشار فيما بعد؛ على العكس، فقد استمر لشهور، وربما لسنوات، ~~في التمسك ببعض الأمل في أن يتمكن من إثبات صحتها. # سأل ماسون آنا لم قامت بحذف هذه المادة، فقالت إنها لم ترد إرباك القراء بكشف شكوك والدها. ~~وكان ماسون يرى أن هذه الشكوك لها دلالة تاريخية. فلم تظهر الخطابات أن فرويد قد استمر في ~~الاعتقاد بأن مرضاه قد أخبروه الحقيقة بشأن تعرضهم للاعتداء فحسب، بل أظهرت أيضا أن نظرية الإغواء ~~كانت بالفعل صحيحة. فكان ماسون يعتقد أن مرضى فرويد قد تعرضوا للاعتداء. # إذن لماذا انصرف فرويد عن نتائجه؟ وفقا لماسون، فقد صدم زملاء فرويد من الذكور بالنظرية ~~وادعاءاتها الضمنية بانتشار الاعتداء الجنسي؛ لذا تراجع فرويد في ms153 ظل استماتته لنيل استحسانهم. وعن ~~ذلك كتب ماسون في كتابه الصادر عام 1984: «بأكبر قدر من الامتعاض، أدركت تدريجيا أن تخلي فرويد ~~عن فرضية الإغواء كان قصورا في الشجاعة.» # وجد ماسون دليلا إضافيا يدعم موقفه في خطابات فرويد لفليس بشأن مريضة تدعى إيما ~~إيكشتاين. كانت إيكشتاين تعاني من عدم انتظام أو آلام في الحيض. فقام فرويد بإحالتها إلى فليس، الذي ~~قرر بدوره أنها بحاجة إلى جراحة في أنفها. وبالنظر إلى الماضي، يتضح أن فليس، الذي كان يعتقد أن ~~الأنف هو العضو المهيمن على الجسم وأنه مصدر مشاكل الحيض التي تعاني منها إيكشتاين، كان دجالا. ومما ~~زاد الأمور سوءا أن فليس أجرى العملية بغير إتقان بأن ترك قطعة من الشاش في الجرح. وعانت إيكشتاين ~~من نزيف شديد، واستمرت في النزف لفترة طويلة بعد أن أنهى فليس عمله. # وصف تقرير فرويد عن حالة إيكشتاين، في خطاب كتبه لفليس بعد الجراحة، النزيف المتواصل كحالة ~~سايكوسوماتية (نفسية جسدية). وأضاف أنها نتيجة لرغبة إيكشتاين الجنسية تجاه فرويد. وقد كان هذا ~~تشخيصا منافيا للعقل بشكل واضح، وأقرب لمحاكاة هزلية للمفاهيم الفرويدية عن الجنسانية المكبوتة ~~والطرح أو التحويل. ورأى ماسون أن مثل هذا التشخيص المنافي للعقل أظهر أيضا إلى أي مدى كان ~~فرويد يتملق إلى زميل، وإلى أي مدى كان يسارع إلى نسب أعراض أي مريض إلى الخيالات لا لحدث ~~فعلي صادم. كان القياس التمثيلي مع نظرية الإغواء واضحا، فلم يكن فرويد قادرا على مواجهة فليس ~~بالحقائق المزعجة المتمثلة في خطأ نظريته الأنفية وأنه أجرى الجراحة بغير إتقان، مثلما لم يستطع ~~مواجهة زملائه الفيينيين بالحقائق المزعجة بالقدر نفسه عن أن الاعتداء على الأطفال مستشر وأن ~~نظرية الإغواء صحيحة. # أحدث كتاب ماسون قدرا هائلا من الجدل. وأطلقت عليه جريدة نيويورك تايمز «ووترجيت علم ~~النفس»، وتبناه الكثير من أنصار المساواة وآخرون ممن يعتقدون أن الاعتداء على الأطفال، خاصة ~~الفتيات، قد استهين به وظل متجاهلا لفترة طويلة للغاية. وأصبح ماسون، الذي فصل من عمله في ~~أرشيفات فرويد، بطلا بالنسبة إلى حركة ms154 مناهضة الاعتداء الجنسي. # غير أن رد الفعل العلمي لم يكن إيجابيا بشكل عام، وليس فقط من جانب الفرويديين التقليديين. ~~حتى الكثيرون ممن تحرروا من أوهام فرويد أو التحليل النفسي لم يقتنعوا بشكل عام بحجج ماسون؛ فقد ~~ذهبوا إلى أن حالة إيكشتاين كانت قياسا تمثيليا وليست دليلا. فليس معنى أن فرويد كان مفرطا في ~~مراعاة الآخرين، بل ربما كان جبانا في علاقته بفليس، أن فرويد كان يتصرف على النحو ذاته في المواقف ~~الأخرى. # في الواقع، إن التخلي عن نظرية الإغواء، كما أشار الكثير من الباحثين، كان تصرفا ينم عن ~~شجاعة جمة؛ إذ كانت الفكرة التي حلت محل الإغواء - أن الأطفال يتخيلون أنهم يمارسون الجنس مع ~~آبائهم وأمهاتهم - من الصعب أن تقرب فرويد على الأرجح إلى المؤسسة الطبية. فقد كانت عقدة أوديب ~~فكرة لا تقل تطرفا عن فكرة انتشار الاعتداء على الأطفال، بل إنها كانت أكثر تطرفا ومغالاة، في ظل ~~إدراك الكثير من الأطباء أن هناك حالات اعتداء جنسي على الأطفال قد وقعت بالفعل، في حين لم يفكر أحد ~~في أوديب بوصفه أي شيء سوى مجرد خرافة إغريقية قديمة. # فرويد (إلى اليسار) مع صديقه المقرب ومستشاره في وقت ما فيلهيلم فليس، الذي كان دجالا ~~يعتقد أن بإمكانه حل معظم مشكلات المرضى بعمليات في الأنف. (إيه دبليو فرويد وآخرون، شركة ~~سيجموند فرويد كوبي-رايتس.) # ثمة نقطة واحدة فقط كانت فيها الغلبة لماسون. فقد أقنعت الرسائل المنشورة حديثا لفليس معظم ~~الباحثين بأن فرويد استمر في التمسك بأمله في إنقاذ نظرية الإغواء بعد أن شجبها في خطابه المرسل في ~~سبتمبر 1897 إلى فليس. وبعد ماسون، بات من الصعب المجادلة بأن عقدة أوديب كانت نتيجة مباشرة للتخلي ~~عن نظرية الإغواء؛ بدلا من ذلك صار واضحا أنه قد تخلى تدريجيا عن نظرية ليتبنى الأخرى. أما ~~بالنسبة إلى مبرره للتخلي عن نظرية الإغواء، فقد صمدت الرواية التقليدية، التي ظن فيها فرويد أن ~~مرضاه لم يتعرضوا لاعتداء فعلي، في وجه التحدي الذي أثاره ماسون. ~~••• # إذا كان الفرويديون المخلصون قد ظنوا ms155 أن بإمكانهم ~~أن يتنفسوا الصعداء بعد أن ردوا هجوم ماسون، فقد كانوا مخطئين تماما. فقد كان لا يزال هناك هجمة ~~جديدة وأكثر استمرارية في الطريق، وهذه المرة من مجموعة متنوعة من العلماء، والفلاسفة، والنقاد ~~الأدبيين. وربما يكون الناقد الأدبي فريدريك كروز هو من أشعل الجدل الأكبر من بين هذه المجموعة؛ وهو ~~ما يرجع بشكل جزئي إلى ظهور عمله لأول مرة في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، التي تعتبر منذ زمن ~~معقلا فرويديا. # في مقالات نشرت في عامي 1993 و1994، اتفق كروز في الرأي مع ماسون على أن فرويد قد كذب بشأن ~~سبب تخليه عن نظرية الإغواء. ولكن على عكس ماسون، الذي كان يعتقد أن فرويد قد تراجع عن قصص مرضاه ~~عن الاعتداء الجنسي من منطلق الخوف، اتهم كروز فرويد بتلفيق تلك القصص من الأساس. فقد كان فرويد، ~~بحسب كروز، في أشد اللهفة لإثبات صحة نظريته، لدرجة أنه شجع مرضاه على تذكر تعرضهم للاعتداء الجنسي ~~في الطفولة. وتفضل المرضى، الذين كانوا في حالة من عدم الاتزان ومتلهفين لإرضاء طبيبهم، بتقديم ~~وصف للاعتداء الذي لم يحدث في الحقيقة. # ولإثبات حجته، تعمق كروز في أوراق فرويد البحثية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر. ووجد اعترافات ~~متكررة بأن مرضى فرويد، قبل الخضوع للتحليل، لم يكن لديهم أدنى فكرة أنهم قد تعرضوا للاعتداء أثناء ~~الطفولة كما يفترض. وفي ذلك كتب فرويد عام 1896 يقول: «وحدها قوة العلاج القهرية هي التي تستطيع ~~حثهم على الشروع في إحياء مشاهد الاعتداء.» وقد قال كروز إنه لا يقصد أن فرويد قد لفق القصص ~~متعمدا، ولكن يقصد أنه لم يقدر قدرته على التأثير في مرضاه بإيحاءاته حق قدرها. # غير أن فرويد أدرك بالتدريج أن قصص الاعتداء الجنسي في الطفولة التي كان يسمعها لم تكن صحيحة. ~~وربما يكون قد أدرك أيضا أن هذا هو سبب عدم جدوى علاجه النفسي، أو ربما أدرك أن بعضا من المرضى قد ~~تراجعوا عن قصصهم. ولكن إدراكه هذا جاء بعد فوات الأوان؛ فقد كان فرويد قد طرح ms156 نظرية الإغواء على ~~زملائه، وكان في غاية الحرج من الاعتراف بأن ما توصل إليه من نتائج كانت نتاجا لشكل شابه خلل ~~خطير من أشكال العلاج النفسي. ووقع فرويد في مصيدة؛ فإذا استمر في الادعاء بأن قصص الاعتداء الجنسي ~~حقيقية، فقد يبدأ بعض من مرضاه الذين تحرروا من الأوهام في مناقضته ودحض ادعاءاته علنا. ولكن إذا ~~اعترف بأنه قد غرس قصص الاعتداء الجنسي في عقول مرضاه، فسوف تكون تلك فضيحة له كمعالج نفسي. # ثم وجد فرويد المخادع المخرج من ورطته. فقام بتلفيق نظرية تسلم بأن الاعتداء لم يحدث ~~مطلقا، ولكنها ظلت تنسب القصص للمرضى، وليس للمعالج. فأوضح فرويد أن القصص كانت نتاجا لعقل المرضى ~~الباطن ورغباتهم المكبوتة. وهكذا نشأت عقدة أوديب بحسب كروز. # كانت نسخة كروز لأصول التحليل النفسي أكثر إزعاجا من نسخة ماسون. فقد استبدل الجبان في ~~نظرية ماسون وحل محله مخادع صرف. لقد كان فرويد باختصار مخادعا ومحتالا. ونتيجة لذلك ظل ~~المرضى وآخرون غيرهم في معاناتهم حسبما أكد كروز. # كان أحد اهتمامات كروز الخاصة صعود ما بات يعرف بعلاجات «استرجاع الذاكرة»، في ثمانينيات ~~وتسعينيات القرن العشرين. فقد كان العديد من علماء النفس يحثون الكبار على استرجاع ذكرى ما تعرضوا له ~~من اعتداء في الطفولة، مستغلين مفهوم فرويد عن الذكريات الجنسية المكبوتة؛ ما أدى إلى مقاضاة الكثير ~~من المعتدين المزعومين. وكان منتقدو تلك العلاجات، ومن بينهم كروز، يعتقدون أن قدرا كبيرا من هذا ~~الاعتداء لم يحدث، وأن الذكريات المسترجعة كانت نتاجا لإيحاءات المعالج شأنها شأن قصص مرضى ~~فرويد. # بدا هذا الهجوم بالنسبة إلى أنصار فرويد مثيرا للسخرية وجائرا أيضا. فمن ناحية، كانوا قد ~~تخلصوا أخيرا من ماسون الذي اتهم فرويد بالتخلي عن ضحايا الاعتداء الجنسي في الطفولة. بعدها جاء ~~كروز، الذي ألقى اللوم على أفكار فرويد لتشجيعها المرضى على «استرجاع» ذكرى اعتداء لم يحدث من ~~الأساس. كيف يمكن أن يكون فرويد مسئولا عن ترك المعتدين ليفلتوا بفعلتهم وعن اتهام أبرياء بالاعتداء ~~في نفس الوقت؟ أشار بعض أنصار فرويد الساخطون إلى ms157 أن الهجومين يبطل كل منهما الآخر. # وللأسف لم يكن نبذ المنتقدين بهذه السهولة بالنسبة إلى أنصار فرويد. فالهجمات المتعددة التي ~~شنت ضد فرويد دمرت مكانة المحللين النفسيين ونشاطهم على حد سواء. صحيح أن انخفاض عدد المرضى ~~الذين يعالجون بالتحليل النفسي كان له صلة كبيرة بالعلاجات الدوائية الجديدة - إذ كان بروزاك أسرع ~~وأرخص من التحليل النفسي - إلا أن الهجمات ضد الدعائم الفكرية للتحليل النفسي كان لها ضررها أيضا. ~~فإذا لم يكن من الممكن الوثوق بفرويد في إخبار الحقيقة بشأن أصول التحليل النفسي، فكيف يمكن أن نتوقع ~~من المرضى أن يأتمنوا خلفاءه على صحتهم الشعورية؟ # إن مكانة فرويد كواحد من أهم المفكرين عبر العصور لا تزال في مأمن، على الرغم من إنكار أكثر ~~منتقديه حماسا. لقد نجح النقاد في إثبات أن نسخة فرويد من إنجازه العظيم لم تكن دقيقة؛ إذ لم يكن ~~تخليه عن نظرية الإغواء فوريا ولا كاملا كما ادعى. ولكن معظم المؤرخين الفكريين عزفوا عن أن ~~ينسبوا لفرويد دوافع دنيئة كتلك التي افترضها ماسون أو كروز. ويرى بعض الباحثين أن هناك احتمالا ~~مماثلا أن يكون فرويد قد أفرط في التبسيط - وأساء عرض الحقيقة - من أجل قصة درامية. # علاوة على ذلك، وبصرف النظر عن أصول أفكار فرويد، وبصرف النظر حتى عن الخير أو الشر الذي صنعته، ~~فإن تأثيرها المتواصل على العلم، والفلسفة، والفن، والأدب - وعلى طريقة تفكيرنا في أنفسنا - لا يمكن ~~إنكاره. فسواء قبلت بذلك أم لا، فلا أحد، بعد فرويد، اضطر لقراءة سوفوكليس لمعرفة شيء عن ~~أوديب. # لمزيد من البحث # Sigmund Freud, # The Standard Edition of the ~~Complete Psychological Works of Sigmund Freud, # trans. under the general ~~editorship of James Strachey in collaboration with Anna Freud (London: Hogarth Press, ~~1953-1974). Of these twentyfour volumes, the most relevant are volume 7 ( # Three Essays on the Theory of Sexuality ~~, published in 1905 and ~~including the first public retraction of the seduction theory) and volume 20 ( # An Autobiographical Study ~~, published in 1925 and ms158 with a subtly ~~different recollection) ~~. # Jeffrey Masson, ed., # The Complete Letters of ~~Sigmund Freud to Wilhelm Fliess, # trans. from the German by Masson (Cambridge, ~~Mass.: Belknap Press, 1985). The unexpurgated version and, regardless of whether you find ~~Masson’s interpretation persuasive, a revealing look at Freud’s thoughts in the ~~making ~~. # Ernest Jones, # The Life and Work of Sigmund ~~Freud ~~(New York: Basic Books, 1953-1957), three volumes. Jones, himself an ~~important figure in the history of psychoanalysis, wrote what remains the most comprehensive ~~biography ~~. # Jeffrey Masson, # The Assault on Truth ~~(New York: Farrar, Straus, & Giroux, 1984). Some sense of the Freudians’ reception to ~~Masson can be gauged from Janet Malcolm’s description of him as “a veritable Iago, papered ~~over with charm yet filled with motiveless malignity.” Peter Gay, # Freud ~~(New York: W. W. ~~Norton, 1988). An authoritative biography that, though it fails to directly address most of ~~the recent Freud critics, reaffirms its subject’s intellectual importance and ~~integrity ~~. Paul Robinson, # Freud and His Critics ~~(Berkeley, Calif.: University of California Press, 1993). A vigorous defense of ~~Freud ~~. # Frederick Crews, # The Memory Wars ~~(New ~~York: A # New York Review # Book, 1995). Includes not just ~~Crews’s lively essays but also many of the equally interesting responses that also appeared ~~in the # New York Review of Books ~~. # Frederick Crews, ed., # Unauthorized ~~Freud ~~(New York: Viking, 1998). A collection of essays by many of the leading ~~anti-Freudians, including the literary critics Mikkel Borch-Jacobsen and Stanley Fish, the ~~philosophers Frank Cioffi and Adolf Grunbaum, the psychoanalyst Rosemarie Sand, the biologist ~~Frank Sulloway, the psychologist Malcolm Macmillan, and the mathematician Allen Esterson. The ~~range of contributors shows from how many different sides Freud is under ~~attack ~~. # الفصل الحادي والعشرون # | هل كان من الممكن إنقاذ تيتانيك؟ # في ليلة 18 أبريل عام 1912، دخلت السفينة الصغيرة كارباثيا العابرة للمحيطات، بقيادة القبطان ~~آرثر روسترون، ميناء نيويورك. وكان في استقبالها ms159 قارب سحب السفن الخاص بعمدة المدينة وأسطول من ~~القوارب الأخرى، وكانت جميعا تطلق أجراسها وصافراتها وأجهزة الإنذار. وكان أكثر من أربعين ألف شخص ~~ينتظرون على الرصيف، من ضمنهم لفيف من المراسلين الصحفيين الذين سرعان ما أحاطوا بالركاب وهم يهبطون ~~من على سلم السفينة. # كان هؤلاء الركاب هم الناجين من السفينة تيتانيك؛ السفينة غير القابلة للغرق التي غرقت قبل بضعة ~~أيام بشكل لا يصدق. # سمعت السفينة كارباثيا استغاثة تيتانيك أول مرة بعد منتصف ليلة 14 أبريل. وفي الحال، قام ~~روسترون بتغيير المسار لإنقاذ السفينة العملاقة. وعلى الرغم من أنه اضطر لشق طريقه عبر نفس الكتلة ~~الثلجية التي حطمت السفينة تيتانيك، فقد رفع سرعة كارباثيا إلى سبع عشرة عقدة، وهي سرعة تفوق أية ~~سرعة أبحرت بها سفينته من قبل. # بعد أربع ساعات، بلغت كارباثيا موقع آخر إشارة أرسلتها تيتانيك عن موقعها؛ وصلت متأخرة قرابة ~~ساعة ونصف؛ فقد كانت تيتانيك قد غرقت ولا يزال على متنها 1502 شخص، ما بين ركاب وأفراد الطاقم. ~~وأمضى روسترون الساعات الأربع التالية في البحث عن ناجين. وبحلول الساعة الثامنة صباحا، كان قد ~~التقط ال 705 ركاب الذين قفزوا في قوارب النجاة التابعة لتيتانيك. # وعند تلك المرحلة، وصلت سفينة القبطان ستانلي لورد، كاليفورنيان، إلى موقع الأحداث. وفي غمرة ~~لهفة روسترون المبررة لنقل الناجين إلى نيويورك، ترك للورد مهمة إجراء بحث أخير عن ناجين وانطلق. ~~ولم يجد لورد ناجين آخرين، وعاد إلى مساره الأصلي. وبعد تسع ساعات من رسو كارباثيا في نيويورك، ~~دخلت كاليفورنيان بوسطن في هدوء. # لم يكن لورد ليتحاشى الأضواء لفترة طويلة؛ فلم يكد يمر بضعة أيام حتى تحول انتباه العالم من ~~كارباثيا إلى كاليفورنيان. فأفاد عدد من صحف بوسطن، بعد الحديث إلى أفراد طاقم كاليفورنيان، بأن ~~السفينة كانت أقرب كثيرا إلى تيتانيك الغارقة من كارباثيا؛ والواقع أنه في قرابة الساعة الحادية ~~عشرة في ليلة 14 أبريل، كان لورد وطاقمه قد رأوا السفينة بالفعل على بعد بضعة أميال فقط إلى الجنوب ~~الشرقي. وبعد فترة قصيرة، رصد بعض ms160 ممن كانوا على متن تيتانيك سفينة في اتجاه الشمال الغربي. # بعدها، وبعد منتصف الليل بقليل (وأيضا بعد اصطدام تيتانيك بالجبل الجليدي المميت بقليل)، رأى ~~ضباط السفينة كاليفورنيان ما بدا وكأنه صاروخ انطلق فوق السفينة الأخرى. وعلى مدار الساعتين ~~التاليتين، وبينما كانت تيتانيك تطلق إشارات استغاثتها، شاهد ضباط كاليفورنيان وأفراد طاقمها سبعة ~~صواريخ أخرى تنطلق في السماء. # غير أن لورد لم يحرك ساكنا. كانت كاليفورنيان ستسجل في ~~التاريخ - بحسب ما قال المؤرخ ليسلي ريد - بوصفها «السفينة ~~التي وقفت بلا حراك.» ولم يقم لورد بضبط المسار في اتجاه الموقع النهائي لتيتانيك إلا بعد الساعة ~~الخامسة صباحا. # ومنذ ذلك الحين راح المؤرخون يتساءلون: هل كان بإمكان كاليفورنيان إنقاذ من كانوا على متن ~~تيتانيك؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يفعل لورد شيئا؟ ~~••• # من ضمن من كانوا في استقبال السفينة كارباثيا في نيويورك السيناتور ويليام ألدن سميث - من ~~ميشيجان - الذي لم يضع وقتا في تشكيل لجنة فرعية للتحقيق في الكارثة. ففي يوم 19 أبريل؛ أي بعد ~~يوم من رسو كارباثيا، كان سميث بالفعل يجري مقابلات مع الناجين في والدورف أستوريا. وما إن ~~كشفت التقارير في بوسطن أن السفينة كاليفورنيان قد رأت إشارات استغاثة السفينة الغارقة، قام سميث ~~باستدعاء لورد وطاقمه إلى المحكمة. # السفينة تيتانيك في أولى (وآخر) رحلاتها. (مكتبة الكونجرس.) # كانت السفينة كاليفورنيان، بحسب شهادة قبطانها وأفراد طاقمها، في طريقها من لندن إلى بوسطن حين ~~وجدت نفسها، في ليلة 14 أبريل، في نفس الجزء المحمل بالجليد من شمال الأطلسي مثل تيتانيك. وعلى عكس ~~قبطان تيتانيك، إدوارد سميث، الذي قاد سفينته إلى الهلاك بزيادة سرعته رغم وجود الجليد، كان قبطان ~~كاليفورنيان رجلا في غاية الحرص والحذر، فأمر بإيقاف السفينة ليلا. # في قرابة الساعة الحادية عشرة مساء، قام عامل اللاسلكي بالسفينة كاليفورنيان، سيريل إيفنز، ~~بإرسال رسالة غير رسمية إلى تيتانيك، التي كان يعلم أنها في مكان ما في المنطقة: «نحن محاطون ~~بالجليد وتوقفنا.» # انزعج عامل اللاسلكي على متن تيتانيك، جاك فيليبس، من المقاطعة. فقد كان مشغولا ms161 طوال اليوم ~~بإرسال رسائل لركاب السفينة الأثرياء، ولم يكن لديه وقت للثرثرة. فرد قائلا: «اصمت! اصمت! أنت تشوش ~~علي!» # فما كان من إيفنز، الذي كان مستيقظا طوال اليوم وربما يكون قد أحبط قليلا من الرد الجاف ~~الذي تلقاه، سوى أن أغلق جهازه وذهب للنوم. ولما لم يكن على متن كاليفورنيان سوى عامل لاسلكي واحد ~~فقط، كانت السفينة في هذا الوقت خارج نطاق الاتصال. وحين بدأت تيتانيك في إرسال نداء استغاثتها، في ~~قرابة الثانية عشرة والربع صباحا، لم يكن هناك أحد مستيقظ يستطيع سماعها على متن ~~كاليفورنيان. # ولكن ماذا عن الصواريخ؟ لماذا لم تستجب كاليفورنيان لإشارات استغاثة تيتانيك؟ # شهد لورد بأنه لم ير سوى صاروخ واحد ينطلق، ثم ذهب هو نفسه للنوم. وحين أبلغه ضباطه فيما بعد ~~بأنهم قد شاهدوا صواريخ أخرى، كان شبه نائم؛ ومن ثم لم يدرك أنها قد تكون إشارات استغاثة. ولما ~~لم يشدد الضباط على الأمر، عاد للنوم. # أخبر لورد السيناتورات أنه، إلى جانب ذلك، كان لا يزال غير واثق من أنها إشارات استغاثة. فقد ~~كانت السفن تستخدم أنواعا شتى من الإشارات المضيئة بشكل روتيني لتحية السفن المارة. وعادة كانت ~~إشارات الاستغاثة أكبر وأكثر ضوضاء، ولم يسمع أحد على متن كاليفورنيان أي شيء أثناء الليل. ولم يكن ~~لورد لديه أية فكرة لم كانت إحدى السفن ترسل صواريخ في تلك الليلة، ولكنه لم يكن لديه مبرر، على ~~الأقل حينها، للاعتقاد بأن السفينة في مأزق. # وأردف لورد أنه في الواقع كان واثقا من أن السفينة التي رآها هو وضباطه «لم» تكن تيتانيك. لقد ~~كانوا على علم بوجودها في المنطقة بالطبع، لما كان إيفنز على اتصال بها عبر الراديو. ولكن السفينة ~~التي رصدها لورد كانت صغيرة للغاية، ورأى ضباطه الدخان ينطلق منها - بطريقة ملائمة للغاية - في قرابة ~~الثانية صباحا؛ ولذلك لم يخطر على بال أحد في كاليفورنيان أن يوقظ إيفنز ليتحقق من وجود نداء ~~استغاثة. ولم يقدم ضباط لورد على إيقاظ إيفنز إلا في قرابة الساعة الرابعة صباحا، ربما ~~لاستشعارهم ms162 شيئا من القلق وعدم الارتياح بشأن الصواريخ، ليعرف من السفن الأخرى بعد ذلك أن تيتانيك ~~قد اصطدمت بجبل جليدي. وبمجرد إخطار لورد، أمر على الفور بأن تتحرك كاليفورنيان. # لم يرض تفسير لورد السيناتور سميث، الذي طلب من البحرية الأمريكية التحقق من وجود سفينة أخرى ~~هناك بالقرب من كاليفورنيان وتيتانيك في تلك الليلة، وقالت البحرية إنها لم يكن لديها علم بوجود أي ~~سفن أخرى. وقام سميث بمراجعة سجل الرحلة الخاص بكاليفورنيان في تلك الليلة، ولم يجد إشارة لمشاهدة أي ~~صواريخ، على الرغم من شهادة لورد وضباطه. ومما أثار مزيدا من الشكوك أن مدخل يوم 15 أبريل في ~~المسودة المبدئية لسجل الرحلة - التي تنقح بعد ذلك في سجل رسمي - قد فقد. وبدا لسميث أن ~~لورد قد حاول التستر على تقاعس كاليفورنيان غير المبرر عن اتخاذ أي إجراء، في ظل توقعه بأن تحقيقا ~~سوف يجرى بشأن ما اتخذته السفينة من إجراءات. # وخلص سميث إلى أن السفينة الغامضة التي وصفها لورد وضباطه لم يكن لها وجود على الإطلاق، ~~مصرحا أن «الجليد لم يعق حركة سوى سفينتين؛ تيتانيك وكاليفورنيان.» # وأدان تقرير اللجنة الفرعية لمجلس الشيوخ لورد بشكل قاس؛ إذ جاء فيه: «إن اللجنة قد توصلت ~~مجبرة إلى الاستنتاج الحتمي بأن كاليفورنيان ... كانت أقرب إلى تيتانيك من التسعة عشر ميلا التي أقر ~~بها قبطانها، وأن ضباطها وطاقمها قد رأوا إشارات الاستغاثة التي أطلقتها تيتانيك، وتقاعسوا عن ~~الاستجابة لها وفقا لما تمليه الإنسانية، والعرف الدولي، والقواعد القانونية.» # وأتبع ذلك جلسة استماع أمام المجلس البريطاني للتجارة في وقت لاحق من الشهر، وأدانه المجلس بنفس ~~القدر. فقد خلص لورد تشارلز ميرسي إلى أنه: «حين رأت كاليفورنيان الصواريخ لأول مرة، كان من الممكن ~~أن تسرع عبر الجليد إلى المياه المكشوفة دون أي مجازفة خطيرة؛ ومن ثم تهرع لنجدة تيتانيك. ولو ~~أنهم فعلوا ذلك، لربما أنقذوا العديد من الأرواح التي فقدت، إن لم يكن جميعها.» ~~••• # لم يتلق لورد كل ذلك وهو مكتوف الأيدي، كما وجد الكثير من المناصرين. فقد كان الكثير ms163 من ~~البحارة، على وجه الخصوص، مقتنعين بأن المؤسسة الملاحية قد قررت أن تجعل من لورد كبش فداء، على أمل ~~صرف الأنظار عن الإهمال الجسيم من جانب وايت ستار لاين، الشركة المالكة لتيتانيك، والمجلس البريطاني ~~للتجارة الذي كان مسئولا عن سلامة السفن في البحار. # وما من شك في أن كلتا المؤسستين كان لديهما الكثير لتجيبا عنه. # بادئ ذي بدء، كانت هناك حقيقة أن القبطان سميث قد ~~أمر بأن تظل تيتانيك على سرعتها التي تقدر باثنتين وعشرين عقدة، وهي أكبر سرعة سارت بها على ~~الإطلاق، على الرغم من تلقي ثماني رسائل من سفن أخرى (من بينها كاليفورنيان) عن الجليد الموجود ~~بالقرب منها. وربما بدا من غير اللائق نوعا ما أن يتعرض سميث - الذي لم يغادر سفينته وغرق بها ~~بشجاعة برغم كل شيء - للنقد، ولكن بدا لكثيرين أن القبطان لورد يتحمل الكثير من اللوم على خطأ ~~القبطان سميث. # كان الأسوأ هو ذلك الشك الذي ظل عالقا ومفاده أن سرعة سميث المتهورة كانت نتاج ضغط، إن لم ~~تكن بسبب أمر مباشر، من بروس إزماي، المدير الإداري لشركة وايت ستار لاين وأحد الركاب الذين كانوا ~~على متن تيتانيك. ولم يكن المدافعون عن لورد هم فقط من تساءلوا إن كان إزماي - على إثر لهفته لإثبات ~~أن تيتانيك لم تكن فقط أكبر وأفخم سفينة، بل الأسرع أيضا - قد ألح على سميث لزيادة سرعته، بل كانت ~~هناك أيضا تقارير تفيد بأن إزماي قد سكت عن أحد التحذيرات بشأن الجليد، حتى لا يبطئ سميث من ~~سرعته. # كانت نجاة إزماي من حادث تحطم السفينة في حد ذاتها مدعاة للحرج؛ إذ كان ذلك في عصر لا يزال ~~يأخذ فكرة «الأطفال والنساء أولا» بجدية شديدة. ولما كان أكثر من 150 سيدة وطفلا قد لقوا حتفهم على ~~متن تيتانيك (إلى جانب أكثر من 1300 رجل)، فقد شعر كثيرون أن إزماي، شأنه شأن سميث، كان لا بد أن ~~يغرق مع السفينة، أو على الأقل لم يكن ينبغي أن يقفز على أي من قوارب النجاة ms164 حتى يتأكد من عدم وجود ~~أي سيدات أو أطفال آخرين على متن تيتانيك. ولكن إزماي على الأقل كانت لديه فرصة لإنكار الاتهامات ~~التي وجهت إليه بالتأثير بأي شكل على قرارات سميث، ولم يجده مجلس الشيوخ ولا جلسة الاستماع ~~المنعقدة بالمجلس البريطاني للتجارة مدانا بأي شيء سوى كونه واحدا من الناجين المحظوظين. # وإذا كانت الشركة قد أفلتت بسهولة، من وجهة نظر مناصري لورد، فقد كان مجلس التجارة أوفر حظا. ~~كان مجلس التجارة قد حدد عدد قوارب النجاة اللازمة لأية سفينة بمعادلة قائمة على وزن السفينة؛ ~~ومالكو تيتانيك تجاوزوا شروط المجلس بوضع 14 قارب نجاة عاديا و4 قوارب قابلة للطي على متن ~~السفينة. وكان بإمكان هذه القوارب الثمانية عشر أن تسع 1178 شخصا إجمالا. غير أن تيتانيك نفسها كان ~~بإمكانها حمل أكثر من 3500 شخص، وكان هناك أكثر من 2100 شخص على متنها في باكورة رحلاتها. # وأيا ما كان الشيء أو الشخص الذي يتحمل المسئولية آنذاك، فقد كان واضحا أن لوائح المجلس التي ~~عفى عليها الزمن بشكل صارخ، كانت مسئولة أيضا. علاوة على ذلك، كان تفويض الوكالة بالتحقيق يهدف ~~إلى زيادة مصالح الملاحة البريطانية، وكانت وايت ستار لاين ضمن أقوى أعضائها؛ لذا لم يكن من ~~المستغرب أن يستشيط أنصار لورد غضبا من أن هذه الوكالة هي المفوضة بالحكم على قبطان ~~كاليفورنيان. # ولكن إنصافا لكل من مجلس التجارة ولجنة السيناتور سميث الفرعية، لم تكن جلستا الاستماع ~~البريطانية أو الأمريكية هي التمويه الذي ادعاه أنصار لورد. فكلتا الجلستين قامت بفحص أخطاء سميث، ~~ووايت ستار لاين، واللوائح. وعلى الرغم من أن هذه الأخطاء لم يسلط عليها الضوء بالجرأة البالغة ~~التي سلط بها الضوء على أخطاء القبطان لورد، فلم يتم التستر على أي منها، بل إن كلتا ~~الحكومتين الأمريكية والبريطانية قد سارعت إلى تمرير تشريع جديد يلزم السفن بحمل ما يكفي من قوارب ~~النجاة لتسع كل الركاب وأفراد الطاقم. كذلك كان لمأساة تيتانيك - بالأخص صورة سيريل إيفنز وهو نائم ~~في سرير المبيت الخاص به في حين ms165 كانت تيتانيك تغرق على مقربة منه - دورها في إقناع كلتا الحكومتين ~~أيضا بالمطالبة بتوفير مراقبة للراديو على مدى الأربع والعشرين ساعة. # كانت هذه التغييرات جيدة بلا شك للسلامة الملاحية، ولكنها لم تفعل شيئا لستانلي لورد. وبعد ~~فصله من قبل مالكي كاليفورنيان، ظل يدعي أن السفينة التي شوهدت من كاليفورنيان لم تكن تيتانيك، ~~وأن السفينة التي شوهدت من تيتانيك لم تكن كاليفورنيان. ~~••• # توفي لورد في عام 1962، وهو نفس العام الذي تمكن فيه أوفى المدافعين عنه، ليسلي هاريسون، من ~~تحديد ما كان يعتقد أنها السفينة الغامضة التي شوهدت من كل من تيتانيك وكاليفورنيان في تلك ~~الليلة. # كان هاريسون السكرتير العام لجمعية خدمات البحرية التجارية، التي كانت تمثل قباطنة السفن ~~وتناصر قضية لورد. وكانت السفينة الغامضة، بحسب هاريسون، هي زورق صيد أيسلندي يدعى سامسون. وكدليل ~~على صحة كلامه، قدم هاريسون ما زعم أنه جريدة قديمة اعترف فيها أحد أفراد طاقم سامسون بأن سامسون ~~كانت بين تيتانيك وكاليفورنيان. وقد خشيت سامسون، التي كانت تصطاد الفقمات بما يخالف القانون، أن ~~تضبطها تيتانيك أو كاليفورنيان بما عليها من بضائع؛ لذا أسرعت بعيدا عن كلتيهما بأسرع ما ~~يمكن. # غير أن حجة هاريسون ضعفت حين رصد محققون آخرون وجود سامسون في أيسلندا في يومي 6 أبريل و20 ~~أبريل. وكان من المستحيل لقارب صغير بهذا الشكل أن يقوم برحلة لمسافة ثلاثة آلاف ميل عبر الأطلسي ~~ويعود في أربعة عشر يوما فقط. # ظن أنصار لورد أنهم قد استراحوا أخيرا في عام 1985، حين تحدد مكان حطام تيتانيك بفضل جهود ~~أمريكية وفرنسية مشتركة بقيادة عالم المحيطات روبرت بالارد؛ إذ تبين أن السفينة كانت أبعد تجاه ~~الشرق مما أوضحت إحداثيات آخر نداء استغاثة أصدرته؛ ما وضع تيتانيك على بعد قرابة واحد وعشرين ميلا ~~من موقع كاليفورنيان المحدد بسجل الرحلة في تلك الليلة؛ وهو ما يعد أبعد من أن يراه لورد أو ضباطه. ~~ولكن إذا كانت تيتانيك قد انجرفت شرق المكان الذي ظن ضباطها أنها متواجدة به، حسبما أشار بالارد، ~~فعلى الأرجح أن يكون ms166 قد حدث الشيء نفسه لكاليفورنيان؛ ما يجعل كلتيهما مرة أخرى على مرأى إحداهما من ~~الأخرى. # وقد حث اكتشاف تيتانيك، إلى جانب ضغط هاريسون بإصرار، وزارة النقل البريطانية في النهاية على ~~إعادة فتح القضية. وحمل تقرير الوزارة، الصادر في عام 1992، تبرئة جزئية للورد. فقد خلص إلى أن ~~كاليفورنيان كانت على الأرجح على بعد سبعة عشر إلى عشرين ميلا من تيتانيك، فيما يعتبر مسافة بعيدة ~~للغاية يتعذر معها رؤية السفينة الغارقة وقد يتعذر معها أيضا الوصول إليها في الوقت المناسب، حتى لو ~~كان لورد قد بدأ الانطلاق في الحال بعد رصد أول صاروخ. # لقد استغرق الأمر من لورد أكثر من ساعتين للوصول إلى كارباثيا في صباح يوم 15 أبريل، وهناك سبب ~~منطقي للاعتقاد بأن الأمر كان سيستغرق مدة أطول للتحرك عبر الجليد في الظلام. وبعد ساعتين من انطلاق ~~أول صاروخ، كانت تيتانيك قد غرقت بالفعل؛ ومن ثم لم يكن بإمكان لورد إنقاذ أي شخص على متن ~~السفينة، حسبما ذكر التقرير. # غير أن التقرير أوضح أيضا أن تقاعس لورد لم يكن له مبرر. فحتى لو لم يكن بإمكانه إنقاذ ~~تيتانيك، فلا شك أنه كان عليه المحاولة. وحتى لو لم يكن قد رأى تيتانيك، فقد رأى أحد الصواريخ، ورأى ~~ضباطه سبعة أخرى. ولا يمكن لبحار محنك أن يخطئ في إدراك هذه الصواريخ بأنها أي شيء آخر سوى ~~إشارات استغاثة، غير أن لورد وضباطه لم يكلفوا أنفسهم عناء إيقاظ عامل اللاسلكي لمعرفة ما ~~الخطب. # وقد اتفق أحدث مؤرخي تيتانيك مع تقرير 1992. فأغلب الظن أن الصواريخ التي شوهدت من على متن ~~كاليفورنيان كانت آتية من تيتانيك؛ فلا دليل على وجود أية سفينة أخرى غيرها في الجوار. وحتى لو لم ~~تكن آتية من تيتانيك، فقد جاءت من سفينة في حاجة لمساعدة؛ ولم يكن من لورد سوى أن خلد لفراشه. كانت ~~هناك أسباب متعددة لبقاء لورد في الفراش. ربما كان جبانا. أو ربما كان في غاية الحزم والصرامة لدرجة ~~أن ضباطه كانوا يخشون إزعاجه حينما رأوا مزيدا من ms167 الصواريخ. أو ربما لم ير أن عليه أن يعرض ~~سفينته للخطر لمجرد أن شخصا آخر كان أكثر تهورا منه فيما يتعلق بالإسراع عبر الجليد. # وأيا ما كان مبرر لورد، فإنه لم يكن مقنعا بما يكفي. # لمزيد من البحث # Tom Kuntz, ed., # The Titanic Disaster ~~Hearings ~~(New York: Pocket Books, 1998). Transcripts of the 1912 Senate ~~hearings. # Walter Lord, # A Night to Remember ~~(New ~~York: Holt, Rinehart, & Winston, 1955). A real page-turner about the disaster by a ~~popular historian who was no relation and in fact one of the harshest critics of Captain ~~Lord ~~. # Leslie Harrison, # A Titanic Myth ~~(London: William Kimber, 1986). The case for Captain Lord ~~. # Walter Lord, # The Night Lives On ~~(New ~~York: William Morrow, 1986). Lord revisits the Sinking, in the light of new evidence and ~~theories that emerged after # A Night to ~~Remember ~~. # Robert Ballard, # The Discovery of the ~~Titanic ~~(New York: Warner Books, 1987). A firsthand account of the twelve-year ~~search for the sunken liner, with stunning and eerie photos by the ~~divers ~~. # Michael Davie, # Titanic: The Death and Life of a ~~Legend ~~(New York: Alfred A. Knopf, 1987). A journalist’s thorough investigation ~~into the many things that went wrong, from the shortage of lifeboats to the lack of ~~binoculars for the lookouts ~~. # Don Lynch, # Titanic ~~(New York: Hyperion, ~~1992). Illustrated with haunting paintings by Ken Marshall as well as hundreds of photographs ~~that evoke the ship’s Edwardian splendor ~~. # Leslie Reade, # The Ship That Stood Still ~~(New York: W. W. Norton, 1993). The case against Captain Lord ~~. # Robin Gardiner and Dan van der Vat, # The Riddle of ~~the Titanic ~~(London: Weidenfeld & Nicolson, 1995). The central mystery of ~~the # Titanic # saga, according to Gardiner and van der Vat, ~~is why Captain Smith, who knew there was ice ahead, continued at high speed. The book pursues ~~a conspiracy theory that the White Star Line hoped to ms168 sink the ship (which was actually not ~~the # Titanic # but her sister and near twin, the # Olympic ~~) as part of an insurance scam. After tantalizing readers ~~with the evidence supporting the theory, Gardiner and van der Vat ultimately (and reasonably) ~~reject it as highly improbable ~~. # Daniel Butler, ~~“Unsinkable” ~~(Mechanicsburg, Pa.: Stackpole Books, 1998). A straightforward retelling of the # Titanic ~~’s story that strips away many myths, not just about,the # Californian # but also about how and why the ship sank, and ~~how various individuals and classes behaved that night ~~. # الفصل الثاني والعشرون # | هل نجا أي من عائلة رومانوف؟ # انتهت سلالة رومانوف ذات الثلاثمائة عام نهاية دموية في يوليو عام 1918. # كانت ظروف العائلة قد تدهورت منذ مارس 1917، حين تخلى القيصر نيقولا الثاني عن العرش كرها، ~~تاركا الحكومة في أيدي ذوي البشرة البيضاء المعتدلين التابعين لألكساندر كيرينسكي. كان العديد من ~~أصحاب البشرة البيضاء - على عكس الحمر البلاشفة - يفضلون الملكية الدستورية كنظام للحكم؛ ومن ثم ~~كانت معاملتهم للقيصر السابق وعائلته مهذبة، وإن كانت حذرة. تحددت إقامة عائلة رومانوف في قصرهم ~~بالقرب من سانت بطرسبرج، ولكن بخلاف ذلك، استمرت الحياة كما كانت قبل الثورة إلى حد كبير؛ فقد ~~انخرطت العائلة في أسلوب حياة ملكية متكرر؛ حيث الدروس، وجولات السير، والتنس، وحفلات الشاي. غير أن ~~العالم بالخارج كان قد تغير. وبحلول أغسطس، أجبر خطر اقتحام القصر من قبل الغوغاء الغاضبين ~~كيرينسكي على إجلاء العائلة وترحيلهم إلى بلدة توبولسك السيبيرية. # في نوفمبر 1917، وبعد أن صار زمام الأمور في يد البلاشفة، اتخذت حياة آل رومانوف منحنى حادا ~~إلى الأسوأ؛ فلم يعد هناك وجود للروتين الملكي والحرس المتعاطف معهم من ذوي البشرة البيضاء، وصارت ~~العائلة تأكل الخبز الأسمر والحساء، في حين قام الحرس البلشفي المعادي لهم بطلاء زجاج النوافذ، ~~واستولوا على مقتنيات العائلة، وكتبوا نقوشا بذيئة على الجدران. وفي مايو 1918، تم نقل العائلة ~~إلى بلدة يكاتيرينبيرج، وهناك، وفي الساعات الأولى من صباح يوم 18 يوليو، لقوا حتفهم فيما ~~يبدو. # وصف ms169 أحد الحرس، ويدعى بافل مدفيدياف، المشهد فيما بعد للمحققين ذوي البشرة البيضاء؛ إذ ~~قال إنه قد تم إيقاظ أفراد العائلة من نومهم وأمروا بالنزول إلى قبو المنزل. حضر القيصر السابق ~~نيقولا أولا، حاملا ابنه المريض أليكسي ذا الثلاثة عشر عاما. بعد ذلك حضرت زوجته ألكسندرا، ~~وأعقبها بناتها الأربع؛ أولجا ذات الثانية والعشرين، وتاتيانا ذات الحادية والعشرين، وماريا ذات ~~التسعة عشر، وأنستاسيا ذات السبعة عشر عاما. تواجد أيضا طبيب العائلة، والطاهي والخادمة، والخادم ~~الخاص. وكان الضابط البلشفي المسئول عن الحراسة، ويدعى ياكوف يوروفسكي، قد رتب أن يكون ظهور ~~السجناء الأحد عشر للحائط، وكأنه سيلتقط صورة للعائلة. بعدها استدعى فرقة الإعدام وأبلغهم بأن لجنة ~~الأورال التنفيذية المركزية قد قررت إعدامهم. وفي تلك اللحظة، أطلق يوروفسكي النار على القيصر السابق ~~ليلقى مصرعه في الحال. # خصص لكل عضو في فرقة الإعدام ضحية، إلا أن الغرفة كانت صغيرة للغاية حتى إنهم لم ~~يستطيعوا اتخاذ الوضع الصحيح لإطلاق النار، وفشلت تصويباتهم الأولى في قتل الملكة السابقة وبناتها. ~~وطال عذابهن أكثر بصفوف الماس التي خبأنها في مشدات الخصر؛ فقد ارتدت طلقات الرصاص عنها ~~وتبعثرت عبر الغرفة. وفي النهاية، أجهز عليهن الحرس باستخدام حرابهم ومؤخرات بنادقهم. # عمت الفوضى مراسم دفن العائلة بالقدر نفسه؛ وكان ذلك يرجع في جزء منه إلى اهتمام الحرس ~~بالاستيلاء على الماس أكثر من اهتمامهم بالتخلص من الجثث. فقد ألقوا بهم في البداية في مهوى منجم ~~قريب، ثم عادوا في اليوم التالي للبحث عن مكان أكثر استتارا يدفنونهم فيه. وعندما علقت شاحنتهم في ~~الوحل، قرروا دفن الجثث حيثما كانوا. # لم يذكر الإعلان الرسمي عن موت القيصر السابق أيا من تلك التفاصيل الدموية. ففي 20 يوليو، ~~أفادت جريدة البرافدا بأن نيقولا قد أعدم بناء على أوامر المجلس المحلي بيكاتيرينبيرج. وأضاف ~~بنفس الاقتضاب أن بقية أفراد العائلة قد «أرسلوا إلى مكان آمن.» # تركت تلك العبارة الأخيرة العالم يتساءل عن مصير العائلة. ففي النهاية لم يكن هناك سوى شاهد ~~العيان الوحيد، مع ملاحظة أن مدفيدياف كان قد أدلي ms170 بشهادته لذوي البشرة البيضاء، الذين كانت لهم ~~مصلحة شخصية في تصوير البلاشفة كسفاحين وقتلة. وبشكل شبه فوري، انتشرت قصص عن هروب واحدة أو أخرى من ~~أفراد العائلة، في الغالب بمساعدة أحد الحرس الرحماء. وقد ~~كان من السهل نبذ معظم من ادعين أنهن الهاربات باعتبارهن محتالات، ولكن ليس جميعهن؛ إذ إن البعض ~~منهن قد حصلن على دعم من أقارب ومعارف العائلة الملكية الباقين على قيد الحياة. # وفي ظل عدم وجود أي جثث لإثبات أنهن قد متن، بدا مستحيلا ترك آل رومانوف يرقدون في ~~سلام. # القيصر نيقولا وبناته في محبسهم بسيبيريا، في وقت ما في مطلع 1918. (مكتبة بينيك للكتب ~~النادرة والمخطوطات، جامعة ييل.) ~~••• # ومن بين مدعيات الانتماء لأسرة رومانوف الكثيرات، برزت واحدة. كانت تعرف بأسماء متعددة في ~~مراحل مختلفة من حياتها، ولكنها كانت بالنسبة إلى مؤيديها دائما أنستاسيا. # جذبت هذه السيدة أنظار العالم إليها لأول مرة في فبراير 1920، بعد أسبوعين من محاولتها الانتحار ~~بالقفز في قناة لاندفير ببرلين. وبعد إنقاذها، روت حكاية غريبة عن جندي بولندي أخرجها محمولة من ~~القبو في يكاتيرينبيرج وهي فاقدة للوعي، ولكن على قيد الحياة. وتمكنت بمساعدته من عبور روسيا في ~~عربة. ووصلت إلى رومانيا، ثم قررت التوجه إلى برلين لطلب المساعدة من عمتها الأميرة أيرين من ~~بروسيا. ولكنها يئست من إقناع أيرين بهويتها وقررت بدلا من ذلك إلقاء نفسها في النهر. # وقد لاقت قبولا من عدد مذهل من الروسيين المنفيين، بعد ملاحظة الشبه الملحوظ بين السيدة التي ~~تم إنقاذها من القناة وأنستاسيا التي يفترض أنها ماتت. وكان من بين من صدقوها ابن عم نيقولا ~~الثاني من الدرجة الأولى، الجراندوق أندريه. وابنة عم أنستاسيا نفسها، الأميرة زينيا. وفي نيويورك، ~~حيث اتخذت اسم آنا أندرسون، كانت المدعية محل إعجاب واسع؛ فكانت تدعى للشراب وتناول الطعام ~~من جانب العديد من وجهاء المجتمع الأثرياء المتلهفين لأن يشاهدوا برفقة الجراندوقة ~~المزعومة. # ولكن سرعان ما وقف معظم أفراد عائلة رومانوف الأحياء ضد أندرسون. وفي أكتوبر عام 1928، وقع ~~اثنا عشر فردا من أسرة رومانوف ms171 وثلاثة من أقارب ألكسندرا إعلانا مشتركا ينص على أن «السيدة التي ~~تعيش الآن في الولايات المتحدة ... ليست الجراندوقة أنستاسيا.» وعلى عكس ما يشاع، رفضت الإمبراطورة ~~العجوز، جدة أنستاسيا، مقابلتها أو حتى سماع ذكر اسمها. # في عام 1938، توجهت أندرسون بقضيتها إلى المحكمة، في محاولة للحصول على نصيبها مما تبقى من ~~أملاك رومانوف. وكانت الأدلة ضدها قوية؛ فلم ينبذها معظم أقاربها فحسب، بل إنه في عام 1927 تعرفت ~~عليها سيدة تدعى دوريس وينجندر، وأقرت بأنها فرانشيسكا شانتسكوسكا، وهي عاملة بولندية بأحد ~~المصانع عاشت معها حتى عام 1920. # كانت أندرسون بطلة صعبة المراس بالنسبة إلى شخص يزعم أنه عاش حياة توازي ما يقرأ عنه في قصص ~~الجنيات. فكثيرا ما كانت تتصرف بغطرسة وتعجرف، وتعادي حتى أقوى مؤيديها. وكانت ترفض التحدث ~~بالروسية؛ ما عمق الشكوك تجاهها بأنها محتالة. وقد قدم مؤيدوها تفسيرات منطقية لذلك؛ فلم ينبغي ~~ألا تكون متغطرسة؟ فقد نشأت في العائلة الملكية. لم ينبغي أن تتحدث الروسية؟ لقد كانت هذه هي اللغة ~~التي ربطت بينها وبين الاغتيال الصادم لوالديها وأشقائها. # غير أن كل ذلك لم يشكل سوى حجة واهية. وبعد عدة تأجيلات، رفضت محكمة ألمانيا الغربية العليا ~~استئنافها عام 1970. ~~••• # كانت قضية آنا أندرسون في نظر معظم المؤرخين حدثا ثانويا؛ فقد كانت الأحداث الأساسية تكمن في ~~التحقيقات الدائرة داخل الاتحاد السوفييتي نفسه. وكان أول هذه التحقيقات هي تلك التي تولاها ذوو ~~البشرة البيضاء، الذين استردوا يكاتيرينبيرج بعد ثمانية أيام فقط من أحكام الإعدام التي يفترض ~~وقوعها. وكلفت حكومة ذوي البشرة البيضاء نيقولا سوكولوف، وهو محقق محترف، بالتحقيق لمعرفة ما حدث ~~لعائلة رومانوف. # استغرق سوكولوف ستة أعوام للانتهاء من تحقيقه. وفي ذلك الوقت بالطبع لم يكن البلاشفة قد استردوا ~~يكاتيرينبيرج فحسب، بل استردوا روسيا بأكملها، وكان لزاما أن ينشر تقرير سوكولوف في باريس. وأعلن ~~الكتاب الذي نشر عام 1924 أن إعلان البلاشفة الحمر المبدئي لم يكن سوى كذبة؛ فقد زعم سوكولوف ~~أن القيصر السابق لم يكن هو فقط من قتل يوم 18 يوليو، بل جميع ms172 أفراد العائلة. فبادئ ذي بدء، هناك ~~شهادة الحارس بافل مدفيدياف، الذي ادعى عدم مشاركته في إطلاق النار، ولكنه سمع صوت الطلقات وشاهد ~~الجثث في القبو. أشار سوكولوف أيضا إلى أن مجموعة كبيرة من المجوهرات والمقتنيات الأخرى الخاصة ~~بعائلة رومانوف قد عثر عليها في موقع إطلاق النار ومهوى المنجم القريب. وكانت هناك أيضا برقية ~~بتاريخ 17 يوليو، تم الاستيلاء عليها، وفيها يخبر البلاشفة الحمر بيكاتيرينبيرج موسكو بأن ~~«العائلة قد شهدت نفس مصير رأسها.» # بعد عامين من صدور تقرير سوكولوف، أصدر السوفييت تقريرهم الذي كتبه بافل بيكوف. كان بيكوف ~~متفقا بشكل ملحوظ في الرأي مع سوكولوف؛ وكان الفارق المؤثر الوحيد في روايتهما للحدث أن سوكولوف قد ~~قال إن الجثث أحرقت، بينما قال بيكوف إنها ووريت الثرى. وقد دحض تقرير بيكوف ما أنكره السوفييت ~~على مدار ثماني سنوات؛ إذ أقرت الحكومة حينها بأن جميع أفراد العائلة قد ماتوا في يكاتيرينبيرج، رغم ~~أن بيكوف قد واصل الادعاء بأن القرار قد جاء من المجلس المحلي بيكاتيرينبيرج وليس من موسكو. وقد كان ~~بيكوف نفسه عضوا من أعضاء المجلس المحلي. # أقنع تقريرا سوكولوف وبيكوف غالبية العالم بأنه لا أحد من أفراد الأسرة الملكية قد نجا من ~~المذبحة. وقرر معظم المؤرخين أنه إذا كان ذوو البشرة البيضاء والحمر قد تمكنوا من الاجتماع على قصة ~~واحدة، فقد كان ذلك وحده سببا وجيها لتصديقها. ولكن ظلت هناك شكوك لدى البعض، بعد ملاحظة أن ~~سوكولوف وكذلك بيكوف لم يعثرا على أي رفات للجثث ذاتها. # كان من بين المشككين صحفيان بريطانيان؛ هما أنتوني سامرز وتوم مانجولد، اللذان بحثا عن الملفات ~~التي بنى عليها سوكولوف تقريره. فوجدا أن سوكولوف قد «أدرج بدقة كل الأدلة التي أيدت فرضيته بأن ~~المذبحة قد طالت سائر أفراد العائلة ... إلا أنه حذف الأدلة التي كانت تلمح أو تقرر بشكل قاطع أن ~~شيئا آخر قد حدث.» وكان من ضمن هذه الأدلة شهادة مواطنين محليين بأن الملكة السابقة وبناتها قد ~~رصدن داخل يكاتيرينبيرج وحولها «بعد» 18 يوليو. # وخلص سامرز ومانجولد ms173 إلى أن الإعلان السوفييتي الأصلي - الذي يفيد بأن القيصر السابق وحده هو من ~~قتل - كان صحيحا في الواقع. ففي محاولة منه لتصوير الحمر كوحوش متعطشة للدماء، تجاهل سوكولوف ~~الأدلة التي تفيد بنجاة بعض أفراد الأسرة. ولكن لماذا يريد بيكوف، الذي يكتب نيابة عن لينين والقيادة ~~السوفييتية، إخفاء حقيقة أن البلاشفة «لم» يقتلوا بقية أفراد العائلة؟ # كانت الإجابة، بحسب سامرز ومانجولد، تتعلق بمفاوضات سرية بين السوفييت والألمان عقدت في مطلع ~~عام 1918. كان الألمان يريدون إنقاذ ألكسندرا، التي كانت ابنة عم للقيصر فيلهلم. وكان لينين على ~~استعداد تام لاستخدام العائلة كورقة مساومة لانتزاع تنازلات من الألمان. فأمر بإجلاء العائلة من ~~يكاتيرينبيرج، ولكن بعد ذلك انهارت الصفقة الألمانية، ولم يعد للعائلة أي نفع. وفي تلك اللحظة هرب ~~آل رومانوف أو قتلوا؛ لم يكن سامرز ومانجولد متأكدين أيهما حدث. وفي كلتا الحالتين، كان الأمر ~~برمته مصدر حرج للينين؛ لذا كان من الأسهل بالنسبة إلى بيكوف أن يكتفي بمجاراة قصة سوكولوف عن عملية ~~إعدام حدثت في يكاتيرينبيرج. وكان الأفضل من ذلك أن يعترف بأن لينين قد استخدم أفراد العائلة ~~كوسيلة، ثم قتلهم أو فقدهم. # رفض معظم المؤرخين فرضية سامرز ومانجولد. فقد كانت الأدلة على المفاوضات الألمانية عرضية على ~~أقصى تقدير، وبعضها أشار إلى أن المحادثات، إن كانت قد حدثت من الأساس، قد أخفقت قبل يوليو. وكان هذا ~~من شأنه أن يترك للينين الكثير من الوقت لتغيير خططه والسماح بالمضي في تنفيذ أحكام الإعدام في ~~يكاتيرينبيرج. أما بالنسبة إلى ملفات سوكولوف التي عثر عليها مؤخرا، فقد أشار الكثير من المؤرخين ~~إلى أن المحقق ربما يكون قد حذف من تقريره شهادات برؤية أفراد العائلة؛ لأنه ببساطة لم يصدقها. فنظرة ~~واحدة عن كثب إلى الشهادة أشارت إلى أن الشهود كانوا «يعتقدون» أنهم رأوا بعض أفراد العائلة، ولكنهم ~~لم يكونوا على يقين تام من رؤيتهم. # غير أن سامرز ومانجولد قد منحا أملا جديدا للحالمين الذين كانوا يأملون أن يكون أحد ورثة عرش ~~رومانوف قد نجا بطريقة أو بأخرى. وكانت ms174 الوسيلة الوحيدة لوأد هذا الأمل هي العثور على جثث الضحايا، ~~وفي سبعينيات القرن العشرين قرر صانع أفلام روسي معروف، يدعى جيلي رابوف، أن يقوم بذلك. ~~••• # جاءت الانطلاقة الكبرى لرابوف في عام 1978، حين اقتفى أثر الابن الأكبر لياكوف يوروفسكي، الرجل ~~الذي كان مسئولا عن حراسة آل رومانوف في يكاتيرينبيرج. ومما أسعد رابوف أن يوروفسكي الصغير منحه ~~نسخة من تقرير والده عن عملية الإعدام. وأكد التقرير نسخة بيكوف، التي جاء فيها أن الجثث قد دفنت ~~ولم تحرق. والأفضل من ذلك أنه تضمن وصفا دقيقا لمكان الدفن؛ على بعد قرابة اثني عشر ميلا شمال ~~غرب يكاتيرينبيرج. # جاءت الانطلاقة الثانية حين كون فريقا مع أحد السكان المحليين، ويدعى ألكسندر أفدونين، ~~الذي كان على دراية بيكاتيرينبيرج ولديه نفس القدر من الاهتمام بالعثور على الجثث. وفي 30 مايو عام ~~1979، ولدواعي سعادته وفزعه أيضا، اكتشف رابوف ثلاث جماجم ومجموعة متنوعة من عظام بشرية أخرى في نفس ~~المكان الذي قال تقرير يوروفسكي إن الجثث موجودة به. ولكن رابوف وأفدونين أصابهما الاضطراب والقلق ~~حينها؛ فقد كانا لا يزالان في عصر ما قبل الجلاسنوست، ولا يعرفان تماما كيف يكون رد فعل السلطات ~~إزاء اكتشاف رفات آل رومانوف، إن كان هو بالفعل. وقرر رابوف وأفدونين إعادة الرفات إلى مدفنه، وأقسما ~~على ألا يخبرا أحدا بما وجداه إلى أن تتغير الحال. # ولم يكن إلا بعد عشر سنوات لاحقة أن قرر رابوف أن الوقت بات مناسبا. وفي 10 أبريل عام ~~1989، نشرت صحيفة موسكو نيوز الأسبوعية خبر العثور على رفات آل رومانوف في مستنقع بالقرب من ~~يكاتيرينبيرج. وبعد عامين، وصلت القوات الروسية إلى الموقع، واستخرجوا الرفات الذي أعيد دفنه، ~~ووجدوا أيضا بعض الجماجم، والضلوع، والفقرات، وعظام سيقان وعظام أذرع. # هل كان هذا الرفات لآل رومانوف؟ لمعرفة ذلك يقينا، اضطر العلماء إلى مقارنة الحمض النووي ~~المستخلص من الرفات بالحمض النووي المأخوذ من دم أحد أقارب رومانوف الأحياء. ولجأ العلماء ~~البريطانيون، من بين آخرين، إلى الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث الذي تصادف أيضا أن كان حفيد ms175 شقيق ~~ألكساندرا؛ في ظل عالم الملكية الأوروبية المترابط. ووافق الأمير وتبرع بدمه. وفي يوليو عام 1993، ~~وبعد عشر سنوات من العمل، أعلن بيتر جيل وبافل إيفانوف أن الدليل المعتمد على الحمض النووي أكد لهم ~~بنسبة 98,5٪ أن هذا الرفات هو رفات آل رومانوف. وأشارت اختبارات لاحقة إلى درجة أعلى من ~~اليقين. # أظهرت اختبارات الحمض النووي أيضا، بشكل نهائي وقاطع، هوية آنا أندرسون. كانت أندرسون قد ~~توفيت في عام 1984، بعد أن تزوجت من طبيب ثري في تشارلوتسفيل، بولاية فيرجينيا. ولكن جيل استطاع ~~الحصول على عينة من أنسجتها من أحد مستشفيات تشارلوتسفيل التي احتفظت بها بشكل روتيني بعد أن أجرت ~~أندرسون عملية جراحية فيها. وقارن جيل الحمض النووي المأخوذ من الأنسجة بالحمض النووي المأخوذ من ~~الرفات الذي عثر عليه في يكاتيرينبيرج ولم يجد أي تطابق بينهما. بعد ذلك، قارن الحمض النووي ~~لأندرسون بعينة من مزارع ألماني يدعى كارل ماوخر، الذي كان حفيد أحد أشقاء القروية البولندية ~~فرانشيسكا شانتسكوسكا، وكانت نسبة التطابق بينهما 100 بالمائة. # ظل هناك لغز واحد فقط. كانت مقابر يكاتيرينبيرج تؤوي أجزاء من تسعة هياكل عظمية، على الرغم ~~من أن العائلة الملكية كانت تتألف من أحد عشر شخصا - أفراد العائلة السبعة، والطبيب، والخدم - مما ~~جعل اثنين من أفراد العائلة الملكية مفقودين دون أي توضيح بشأنهما. كان واضحا أن إحدى الجثتين ~~المفقودتين هي جثة أليكسي؛ إذ لم يكن أي من الهياكل العظمية لصبي في الثالثة عشر. واختلف العلماء ~~حول الهيكل العظمي الآخر؛ واستنتج فريق روسي أنه لماريا، في حين أصر فريق أمريكي زائر على أنه ~~لأنستاسيا. وفي أي من الحالتين، فقد ترك ذلك باب الاحتمالات مفتوحا أن يكون أحد ورثة العرش الروسي ~~قد نجا من المذبحة التي وقعت في يكاتيرينبيرج. # ولكنه حتى الحالمون والمناصرون للملكية (الذين لا يزال كثيرون منهم في روسيا) اضطروا للتسليم ~~بأنه احتمال ضعيف للغاية. فقد وصف تقرير يوروفسكي، شأنه شأن تقرير مدفيدياف، مشهدا شديد الدموية ~~تستحيل معه نجاة أليكسي؛ أو ماريا أو أنستاسيا. كذلك قدم تقرير يوروفسكي تفسيرا ms176 للجثتين المفقودتين؛ ~~إذ إنه تحت تأثير الارتباك، حسبما تذكر كبير السجانين، تم دفن جثتين بمعزل عن بقية الجثث. ولو تم ~~اكتشافهما، كما يظل محتملا، لأمكن إزالة أي شكوك باقية. # في غضون ذلك، في يوليو 1998، أعيد دفن رفات نيقولا، وألكسندرا، وثلاثة من فتياتهما، وهذه ~~المرة في سانت بطرسبرج، وفي احتفال مهيب؛ وإن لم يكن ملكيا. كان العديد من المؤرخين يرون أن موت آل ~~رومانوف كان علامة على قدوم إرهاب الدولة وملايين الوفيات الأخرى التي ستصم الحكم الروسي، في حين ~~كان معنى عودة آل رومانوف إلى سانت بطرسبرج أقل وضوحا بكثير. # لمزيد من البحث # Mark Steinberg and Vladimir Khrustalev, # The Fall ~~of the Romanovs ~~(New Haven, Conn.: Yale University Press, 1995). A useful ~~collection of documents including letters between Nicholas and Alexandra, parts of their ~~diaries, minutes of government meetings, and other official papers ~~. # John F. O’Conor, # The Sokolov ~~Investigation ~~(New York: Robert Speller & Sons, 1971). Includes translations ~~of sections of Sokolov’s report, along with a harshly critical ~~commentary ~~. # Anthony Summers and Tom Mangold, # The File on the ~~Tsar ~~(New York: Harper & Row, 1976). An impressive investigation of the ~~investigator, even though the discovery of the Romanov bones ultimately disproved the ~~Summers-Mangold theory ~~. Peter Kurth, # Anastasia ~~(Boston: Little, ~~Brown, 1983). An entertaining albeit overly credulous investigation of Anna ~~Anderson ~~. # Edvard Radzinsky, # The Last Tsar, # trans. ~~from the Russian by Marian Schwartz (New York: Doubleday, 1992). Radzinsky is a prominent ~~Russian playwright, and that’s both the book’s strength and its weakness. As literature, it’s ~~engrossing and evocative; as history, it’s frustratingly vague and ~~undocumented ~~. # Marc Ferro, # Nicholas II, # trans. from ~~the French by Brian Pearce (New York: Oxford University Press, 1993). A solid though ~~uninspired biography that’s undermined by Ferro’s belief that some family members ~~survived ~~. # Robert K. Massie, # The Romanovs ~~(New ~~York: Random House, ~~1995). A thrilling ~~historic and scientific detective story that’s especially good at describing the DNA ms177 evidence ~~and the rivalries among the Russian, British, and American scientists ~~. Peter Kurth, # Tsar ~~(Boston: Little, ~~Brown, 1995). A magnificently illustrated portrait of the lost world of Nicholas and ~~Alexandra; even a Marxist historian couldn’t help but be moved by the snapshots of the family ~~before and during their imprisonment ~~. # Orlando Figes, # A People’s Tragedy ~~(New ~~York: Viking, 1996). A comprehensive history of the Russian Revolution, from the end of the ~~nineteenth century to the death of Lenin. Figes is scholarly and fair, yet he captures the ~~passions of the period ~~. # الفصل الثالث والعشرون # | هل قتل هتلر ابنة أخته؟ # في صباح يوم 19 سبتمبر 1931، عثر على امرأة في الثالثة والعشرين من عمرها، تدعى جيلي ~~راوبال، مقتولة في شقة أدولف هتلر بميونيخ. وكانت وفاة ~~راوبال - وهي ابنة أخت هتلر غير الشقيقة - بطلق ناري من ~~مسدسه، ووجد السلاح بجوار الجثة. # بالنسبة إلى هتلر، كان ذلك التوقيت هو الأسوأ على الإطلاق؛ فقد كانت الانتخابات التي جرت في ~~العام الماضي قد زادت من عدد النازيين في الرايخستاج أو البرلمان من 12 إلى 107 أعضاء؛ ما جعل الحزب ~~على أعتاب السلطة. وكان بإمكان فضيحة كهذه في ذلك التوقيت - خاصة إذا كان يتخللها اتهامات بالجنس ~~والقتل، وهو الشكل الذي اتخذته تلك الواقعة - أن تعيد هتلر والنازيين سريعا إلى هامش الحياة ~~السياسية الألمانية. # وبالفعل لم تتوان الصحف المناهضة للنازية عن تناول القصة بشراسة. وسرعان ما ترددت قصص عن أن ~~السيدة ذات الثلاثة والعشرين ربيعا كانت عشيقة هتلر وابنة أخته أيضا. وقد أفادت جريدة بوست الصادرة ~~بميونيخ بأن راوبال كانت مصابة بكسر في الأنف؛ ما يشير ضمنا إلى أن هتلر قد قتلها في نوبة غضب؛ ربما ~~لأنه علم بأنها تضاجع شخصا آخر غيره، أو ربما لأنها هددته بفضح بعض ممارسات خالها الجنسية الشاذة ~~أمام الرأي العام. وأشار البعض إلى أن راوبال قد دفعت إلى الانتحار، إما بسبب غيرة هتلر القاتلة ~~أو مطالبه الجنسية. # وباستجواب المحققين له، أفاد هتلر - الذي كان ms178 على ما يبدو مرتبكا وفزعا - بأنه قد رآها آخر ~~مرة في اليوم السابق للعثور على الجثة. ودار بينهما جدال حول خطتها للحصول على دروس في الغناء في ~~فيينا، وما اعتراها من غضب لأنه قد منعها من الذهاب إلى هناك بمفردها، إلا أنها هدأت فيما بعد. ~~وأردف هتلر أنه غادر من أجل المشاركة في اجتماع عام للحملة في نورنبرج. وهناك علم بوفاتها. وعلى ~~الفور هرع عائدا إلى ميونيخ، ولم يتوقف إلا لأخذ مخالفة لتجاوز السرعة المسموحة، بالقرب من نصف ~~المسافة. # لم يكن لدى طاقم العاملين في شقة هتلر الكثير لإضافته لقصة هتلر. فقد ذكروا أن راوبال هرعت ~~خارجة من غرفة نوم هتلر، وكان واضحا عليها الضيق، ولكن لم يكن لديهم أدنى فكرة عما ضايقها أو ما حدث ~~بعد ذلك. # لم تجد الشرطة أي علامات لكسر في الأنف، أو أي دليل على أن راوبال قد تعرضت لأي اعتداء. ~~وقرروا أن الوفاة نتيجة انتحار. ولكن لما كان هناك الكثير من النازيين المتعاطفين يشغلون مناصب ~~عليا في وزارة العدل البافارية، ظن كثيرون أن الشرطة تعرضت لضغوط لاختصار التحقيقات . وقد يكون ~~العاملون في المنزل قد تعرضوا أيضا لضغوط من قبل مسئولين نازيين، لا سيما أن المسئولين بالحزب ~~كانوا متواجدين بالفعل في مسرح الأحداث لدى وصول المحققين. # لذا ظل التحقيق مفتوحا، على الأقل من وجهة نظر المؤرخين، وقادهم بحثهم عن دليل يثبت أنه قد ~~قتل راوبال إلى أعماق عقل أدولف هتلر الشديدة الظلام. ~~••• # كان من بين من ظنوا أن هتلر قتل راوبال بعض الأعضاء السابقين في دائرته الداخلية. وأبرزهم أوتو ~~شتراسر، الذي قام بإصدار جريدة نازية مؤثرة، وكان شقيقه جريجور نائب زعيم الحزب. وقد قتل جريجور، ~~الذي نافس هتلر فيما بعد على زعامة الحزب، في عام 1934؛ بينما هرب أوتو إلى سويسرا. # في كتابه الصادر عام 1940 بعنوان «هتلر وأنا»، أورد أوتو شتراسر ثلاثة أدلة على ارتكاب هتلر ~~الجريمة؛ الأول: حوار دار بينه وبين أحد القساوسة أخبره فيه بأنه قد دفن راوبال حسب المراسم ~~الكاثوليكية، وهو شيء ms179 لم يكن ليسمح بفعله لو كان يعتقد أنها انتحرت؛ الثاني: حوار مع شقيقه جريجور ~~الذي قال إنه قد سمع من هتلر مباشرة أنه قتل راوبال؛ وأخيرا: قصة (لم يذكر شتراسر مصدرها) عن أن ~~فريتس جيرليش، وهو محرر معروف مناهض للنازية، كان يخطط لنشر تحقيق كبير عن الجريمة في عدد 12 مارس ~~1933 من جريدته. ولكن في 9 مارس، اقتحم جنود فرقة الانقضاض النازية مكاتب الجريدة، ودمروا جميع ~~الملفات، وألقوا القبض على جيرليش. وقد لاقى جيرليش نفس مصير جريجور شتراسر؛ حيث قتل في عام 1934. ~~لم يوضح أوتو شتراسر دافعا لقتل راوبال، ولكنه أشار بشكل ضمني إلى أنه كان نتيجة غضب هتلر من ~~مواعدتها رجالا آخرين. # هتلر وإيفا براون، التي أصبحت عشيقته بعد وفاة ابنة أخته (وعشيقته السابقة بحسب العديد من ~~التقارير) جيلي راوبال. (حقوق الطبع لبالدوين إتش وارد وكاثرين سي وارد/كوربيس.) # قدم إرنست هانفشتنجل، الذي كان في وقت من الأوقات سكرتير هتلر للدعاية الخارجية، المزيد من ~~التفاصيل؛ فقد قال إن راوبال لم تكن تواعد رجالا آخرين فحسب، بل حملت من أحدهم أيضا. وكان الأب ~~المحتمل للطفل مدرس رسم . والأسوأ، من وجهة نظر هتلر، أنه كان يهوديا. كانت راوبال قد التقت مدرس ~~الرسم عام 1928، وكانت ترغب في الزواج منه. وقد كان قمة الإذلال والعار على المستوى الشخصي والسياسي ~~أن يأتي يهودي لينتزع منه ابنة أخته؛ وحبيبته؛ لذا أرغم هتلر راوبال على الانتحار كما أفاد ~~هانفشتنجل. ولم يتضح من روايته كيف فعل ذلك، وإن كان قد أشار ضمنيا إلى أن الأمر يتعلق بتهديدات ~~بشأن والدتها. وأضاف هانفشتنجل أن العائلة بأكملها قد اعتبرت هذه القصة حقيقية على أي حال؛ بل إنه ~~نفسه علم بهذا من بريدجيت هتلر، زوجة شقيق هتلر ألويس. # في كتابه الصادر عام 1944 بعنوان «الفوهرر»، ذهب المؤرخ الألماني كارل هايدن إلى أن قائد وحدات ~~إس إس (أو شوتزشتافل) هاينريش هيملر، وليس هتلر نفسه، هو من كان مسئولا عن موت راوبال. وفي الحقيقة، ~~كان هتلر يحب راوبال، كما ذهب هايدن، وأراد الزواج ms180 منها. ولكن هيملر أراد تجنب فضيحة، إما لظنه ~~أن راوبال كانت تضاجع شخصا آخر، أو لأنها هددت بفضح ممارسات خالها الجنسية. ولم يكن هايدن متأكدا ~~من كونها قد قتلت أو دفعت إلى الانتحار، ولكنه كان واثقا من أن المسئولية تقع على النازيين. وقال ~~إن مصدر معلوماته هو صديقة لوالدة راوبال. # كانت المشكلة في كل هذه الروايات أنها كانت جميعا قائمة على شائعات لا دليل عليها، روج ~~معظمها أقارب هتلر ومعارف سابقون، والذين كانوا في الغالب أقل اهتماما بالحقيقة من تسوية الأحقاد ~~وإعفاء أنفسهم من المسئولية. وكان أولئك هم الأشخاص الذين اعتبرت شهادتهم محل شك من قبل ~~المؤرخين اللاحقين، وهو ما كان منطقيا لحد كبير. (وإنصافا لهايدن، لا بد أن نضيف سريعا أنه ~~طالما كان عدوا لهتلر، على عكس شتراسر أو هانفشتنجل. ولكن قصته جاءت أيضا من أحد الأقارب ~~البائسين.) # علاوة على ذلك، فقد وفرت مخالفة تجاوز السرعة القصوى لهتلر حجة تبرهن على وجوده في مكان ~~آخر. بالتأكيد لم تكن حجة منيعة، بالنظر إلى أن الشرطة والشهود الآخرين على المخالفة ربما كانوا ~~متعاطفين مع النازيين أو خائفين منهم، ولكن لم يكن هناك دليل لدحضها أيضا. أما فيما يتعلق باتهام ~~هايدن لهيملر بأنه المسئول عن الجريمة، فقد بدا خاليا من المنطق؛ فلو كان دافعه في قتلها هو تجنب ~~فضيحة، فما كان ليترك الجثة في شقة هتلر، أو يترك مسدس هتلر بجوارها. # لذا، وعلى الرغم من عدم إمكانية استبعاد وقوع جريمة قتل، فقد بدا حكم الشرطة بأن الحادث كان ~~انتحارا هو الأرجح. ولكن ظل هناك بعض الأسئلة الجوهرية (والمثيرة): هل دفع هتلر ابنة أخته إلى ~~الانتحار؟ وماذا كانت طبيعة علاقتهما؟ ~~••• # لم يكن هناك أدنى شك عند هايدن في أن نوايا هتلر تجاه راوبال كانت أكثر من نوايا خال تجاه ابنة ~~أخته. # كانت إحدى القصص التي رواها هايدن، دون تسمية مصدره، تتعلق بخطاب كتبه هتلر إلى راوبال؛ وفيه ~~«عبر عن مشاعر يمكن توقعها من رجل له ميول مازوخية ومولع جنسيا بالغائط، ويشارف على ... الولع ms181 ~~الجنسي بالبول.» ولمزيد من الصراحة، كان ما يقصده هايدن أن هتلر قد أصبح يستمد الإثارة الجنسية من ~~تبول امرأة عليه. لم يصل هذا الخطاب إلى يد راوبال مطلقا، بل وقع بدلا من ذلك في يدي أحد المبتزين. ~~وفي عام 1929، بحسب هايدن، دفع فرانز شفارتز أمين صندوق الحزب النازي للمبتز واسترد ~~الخطاب. # روى هانفشتنجل قصة محاولة ابتزاز مختلفة، وقد وقعت بعد ذلك بعام. فقد تذكر حين هرع إلى شوارتس ~~في عام 1930، بعد أن اشترى أمين الصندوق من أحد المبتزين مجموعة من الرسوم الإباحية التي رسمها هتلر ~~لراوبال. ألقى هانفشتنجل نظرة خاطفة على الرسومات، وهاله ما رآه، واقترح على شفارتز أن يمزقها، ولكن ~~شفارتز قال إنه لا يستطيع ذلك؛ إذ كان هتلر يرغب في استردادها. # لم يكن هايدن يعرف أن هتلر قد تجاوز مرحلة التخيل فيما يتعلق بابنة أخته، ولكن هانفشتنجل كان ~~يعتقد أنه قد تجاوزها بالفعل. واستشهد بمحادثة - لم يسمعها ~~إلا عن طريق مصدر ثالث باعترافه - أخبرت فيها راوبال إحدى صديقاتها أن خالها كان «وحشا»، و«لن تصدقي ~~أبدا الأشياء التي يجعلني أقوم بها.» وحسبما أشار هانفشتنجل، كانت هناك سابقة زنا محارم في العائلة؛ ~~فقد كان والدا هتلر أبناء عمومة من الدرجة الثانية (كان زواجهما يعتبر زنا في ثقافة ذلك البلد)، ~~وكانت والدة هتلر، التي كانت أصغر من أبيه باثنين وعشرين عاما، تناديه ب «عمي». # وعلى خطى هانفشتنجل، لم يكن لدى أوتو شتراسر شك في أن العلاقة بين هتلر وراوبال كانت علاقة ~~كاملة، وأنها لم تكن بأي حال علاقة جنسية طبيعية. ففي حوار أجراه عام 1943 مع عملاء في مكتب ~~الخدمات الاستراتيجية (سلف وكالة الاستخبارات المركزية وقت الحرب)، كان شتراسر واضحا بشأن مسألة ~~الولع الجنسي بالبول. فقد زعم أنه سمع عنها مباشرة من راوبال، وأنها كانت ترى الأمر برمته ~~«مقززا». # وكما هو الحال مع مزاعم القتل، كان من الضروري التعامل مع هذه القصص حول حياة هتلر الجنسية ببعض ~~الشك. فلم يكن هانفشتنجل أو شتراسر مصدرا موثوقا به بشكل خاص، وكانت مصادرهما في ms182 الغالب غير مسماة ~~أو حتى أقل موثوقية منهما. ولم يعبأ شتراسر بتفسير اختيار راوبال المفترض له - لكونه في ذلك الوقت ~~زميلا مقربا للرجل المفترض أنها كانت ترغب في الهرب منه - لتأتمنه على أسرارها؛ لذا لم يكن ~~مستغربا أن يعبر أكثر كاتبي سيرة هتلر الذاتية احتراما على مدى الجيلين السابقين - آلان بولوك في ~~عام 1952، وإيان كيرشو في عام 1998 - عن شكوك جدية بشأن وجود علاقة جنسية كاملة بين هتلر وراوبال، ~~فضلا عن الانخراط في أي نوع من الممارسات الجنسية الشاذة. فلم تكن الأدلة كافية. # غير أن شائعات وجود علاقة جنسية شاذة بينهما، على عكس الاتهام بالقتل، كان لها منطق معين. فقد ~~كان كاتبو السيرة النفسية، خاصة الفرويديين، يميلون لرؤية الأسرار الجنسية مندسة في كل مكان؛ ومن ~~ثم كانت لديهم نزعة خاصة لإيجادها في شخص سيكوباتي مثل هتلر. وكان ويليام لانجر، وهو طبيب نفسي ~~أعد تقرير مكتب الخدمات الاستراتيجية الصادر عام 1943 عن هتلر، يعتقد أن راوبال وشتراسر كانا ~~صادقين بشأن الولع بالبول. كذلك أورد لانجر لقاءات مع امرأة أخرى، وهي الممثلة السينمائية، ريناتي ~~مولر، التي تحدثت عن لقاءات جنسية بغيضة بنفس الشكل مع هتلر في عام 1932. فكتب لانجر: «من خلال دراسة ~~كل الأدلة، يبدو أن شذوذ هتلر الجنسي كان كما وصفته جيلي.» # ولذا لم يكد يكون من الممكن العيب على الفرويديين لأنهم اعتبروا انتحار أو محاولة انتحار ست من ~~النساء السبع - اللاتي أقررن بأنهن قد مارسن الجنس مع هتلر في وقت من الأوقات - أمرا ذا أهمية. ~~(كانت راوبال من ضمن هؤلاء الست، على فرض أنها لم تقتل، وكذلك إيفا براون التي ماتت مع هتلر عام ~~1945.) فيبدو أنه أيا ما كان هتلر يفعله بالنساء اللاتي ضاجعهن، فإنه كان يسبب لهن بؤسا ~~شديدا. # ولكن مثلما أشار كتاب سيرة هتلر ذوو النزعة الفرويدية الأقل شدة، لم يثبت أي من ذلك أن ~~المسائل الجنسية كانت أصل المشكلة بالنسبة إلى هتلر، أو للنساء اللاتي ضاجعهن. فلم يكن على المرء أن ~~يصدق أن هتلر كان شاذا جنسيا ms183 لتفسير إقدام هؤلاء النسوة على الانتحار؛ فمن الواضح أنه كان لديه ~~الكثير من الصفات المقيتة الأخرى، على سبيل التلطف في التعبير، بل إن المرء ليعتقد - إلى حد كبير ~~- أن أية امرأة اختارت الانخراط في علاقة مع هتلر كانت تعاني بالفعل من بعض المشكلات الخطيرة. # وبالطبع لم يكن هتلر من اختيار راوبال؛ فقد انتقلت للعيش مع خالها لأنه لم يكن لديها هي ~~ووالدتها مكان آخر تعيشان فيه، وظل الحال هكذا طوال حياتها. لقد أسرت في منزل رجل انجذب إليها أيما ~~انجذاب، ولم يأل جهدا لمنعها من رؤية أي شخص آخر سواه. وقد كان رفضه ذهابها إلى فيينا مجرد ~~حلقة في سلسلة من القيود المتصاعدة التي فرضها على ابنة أخته منذ انتقلت للعيش معه في عام ~~1929. # لم يكن من الضروري الاعتقاد بأنه كان يجبرها على ممارسة نوع من الشذوذ الجنسي لتخيل معاملته ~~القاسية لها، ولم يكن حتميا أيضا اعتقاد أنهما قد مارسا الجنس معا من الأساس لتصديق أنه دفعها ~~إلى الانتحار. # كان ذلك هو الاستنتاج الذي خلص إليه بولوك وكيرشو، وحذا حذوهما غالبية المؤرخين. فهتلر، في ~~رأي الغالبية، ربما لم يقتل راوبال . وربما لم يمارس معها الجنس (وإن كان الإجماع على هذه النقطة أكثر ~~ضعفا)، أو إذا كان قد فعل، فعلى الأرجح أن طبيعة الجنس الذي مارسه معها لم يكن السبب المباشر ~~لموتها. ولكنه كان طاغية؛ طاغية منزليا في عام 1931، حتى قبل أن يصبح طاغية قوميا بعد ذلك ~~بعامين. # لا بد أن الموت بدا لجيلي راوبال المناص الوحيد. ~~••• # كانت وفاة راوبال في نظر كثيرين - ومنهم كاتبو المذكرات من النازيين السابقين - نقطة تحول حاسمة ~~بالنسبة إلى هتلر. فقد كتب هانفشتنجل، على سبيل المثال، أن «بموتها صار الطريق خاليا للتحول النهائي ~~له ليصبح شيطانا.» وردد المصور الرسمي لهتلر، هاينريش هوفمان، تلك المشاعر؛ إذ استرجع ذكرياته ~~قائلا: «في هذه الفترة بدأت بذرة الوحشية في النمو والتبرعم داخل هتلر، فازدادت شهيته للذبح والقتل ~~بشكل مهول فقط بعد وفاة جيلي.» وقد كان هذا النوع من التحليل يخدم ms184 مصالح ذاتية بكل وضوح؛ فلو أن ~~هتلر قد أصبح وحشا فقط بعد موتها، فمن الممكن إذن أن يغفر لهؤلاء الرجال تحالفهم معه خلال فترته ~~الأولى، التي يفترض أنها كانت أكثر عقلانية. # ولكن لم يكن النازيون السابقون فقط هم من كانوا يعتقدون أن وفاة راوبال قد أحدثت تحولا في حياة ~~هتلر. فالعديد من كتاب السير الذاتية الفرويديين، الذين كان دافعهم بالتأكيد أنقى من دافع النازيين ~~السابقين، كانوا يميلون إلى النظر إلى موت راوبال على أنه أداة حاسمة في تطوره ~~إلى سفاح. فقد ذهبوا إلى أنه حتى لو لم يكن قتلها، فإن ~~ضياع المرأة التي كان مهووسا بها ساهم بطريقة أو بأخرى في إطلاق الوحش الذي بداخله. وقد كان النفوذ ~~الفرويدي كبيرا؛ فحتى بولوك، على الرغم من أنه كان يرى أن الأدلة على وجود علاقة بينهما ليست كافية، ~~فقد كان يعتقد أن موت راوبال غير من هتلر وأنه كان هناك «دافع جنسي على الأرجح» في معاداة هتلر ~~للسامية. # غير أن وفاة راوبال في نظر معظم المؤرخين لا تكفي لتفسير طموحات هتلر للإبادة الجماعية. وكذلك ~~لم يرض معظم المؤرخين - لا سيما مؤرخي الهولوكوست - بالتفسيرات العديدة الأخرى القائمة على الجنس؛ ~~والتي كان من ضمنها فقدانه إحدى الخصيتين، وعلاقة جنسية يزعم أن هتلر أقامها مع عاهرة يهودية مصابة ~~بالزهري. والواقع أن إرجاع موت الملايين إلى سبب وحيد إنما يبرز مشكلات أخلاقية وكذلك عملية لا ~~يزال المؤرخون والفلاسفة يعانون منها. # ثمة شيء واحد واضح؛ أن وفاة راوبال، مهما كان تأثيرها على هتلر عميقا، لم تحوله إلى قاتل؛ فقد ~~كانت يداه ملطخة بالدماء بالفعل. فعلى الرغم من الذكريات المنتقاة بشكل ملائم من جانب كاتبي المذكرات ~~من النازيين السابقين، كان السفاحون النازيون قد قتلوا واعتدوا بالضرب على المئات، إن لم يكن الآلاف، ~~من الناس قبل سبتمبر 1931، بعلم وموافقة هتلر بلا شك. ولم يكن انتحار جيلي راوبال هو الوفاة الأولى ~~التي كان هتلر مسئولا عنها. # لمزيد من البحث # Otto Strasser, # Hitler and I, # trans. ~~from the German by Gwenda ms185 David and Eric Mosbacher (Boston: Houghton Mifilin, 1940). Part ~~history, part self-justification-a combination that’s undeniably titillating but by no means ~~trustworthy ~~. # Konrad Heiden, # Der Führer, # trans. from ~~the German by Ralph Manheim (New York: Lexington Press, 1944). Full of details that made it ~~an important source for later historians ~~. # Ernst Hanfstaengl, # Hitler ~~(London: Eyre ~~& Spottiswoode, 1957). Like Strasser’s book, an ex-Nazi’s ~~apologia/memoir ~~. # Walter Langer, # The Mind of Adolf Hitler ~~(New York: Basic Books, 1972). The OSS report from 1943-making this, in a way, the official ~~u.s. government position on Adolf Hitler ~~. # Joachim Fest, # Hitler, # trans. from the ~~German by Richard and Clara Winston (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1973). The best ~~German biography of Hitler ~~. # John Toland, # Adolf Hitler ~~(Garden City, ~~N.Y.: Doubleday, 1976). An anecdotal and very readable biography. As for Raubal, Toland’s ~~theory was that it was her jealousy, not Hitler’s, that led to her suicide. He came to this ~~conclusion after interviewing a couple of the surviving household staff members. They told ~~him that just prior to her death, Raubal had been very upset because she’d found a letter ~~from Eva Braun to Hitler ~~. # Alan Bullock, # Hitler and Stalin ~~(New ~~York: HarperCollins, 1991). Bullock’s 1952 biography of Hitler remains a classic, even though ~~this more recent dual biography incorporates new research ~~. # Ronald Hayman, # Hitler and Geli ~~(London: ~~Bloomsbury, 1997). Hayman is the latest to argue that Hitler shot ~~Raubal ~~. # Ian Kershaw, # Hitler ~~(London: Allen ~~Lane, 1998). The latest and arguably the best biography of Hitler to ~~date ~~. # Ron Rosenbaum, # Explaining Hitler ~~(New ~~York: Random House, 1998). An entirely fascinating and often brilliant mix of intellectual ~~history and piercing interviews. Rosenbaum reveals the underlying motivations of historians, ~~and in doing so makes an important contribution to our understanding of Hitler. This chapter ~~is heavily indebted to Rosenbaum ~~. # الفصل الرابع والعشرون # | لماذا طار هس إلى اسكتلندا؟ # لا تزال معركة ms186 بريطانيا تذكر بوصفها «الساعة الفضلى» في تاريخ الأمة، لكونها فترة جمعت ما بين ~~المشقة والبطولة. ففي 10 مايو 1941، ألحقت قنابل اللوفتواف دمارا هائلا بقلب لندن. وفي نفس الليلة، ~~تسلل طيار ألماني بمفرده عبر الدفاعات الساحلية لبريطانيا، وهبط بالمظلة على الأرض، على مسافة ~~ليست ببعيدة من مزرعة دوق هاملتون في لاناركشير باسكتلندا. # عثر مزارع اسكتلندي على الطيار وهو يضمد كاحله الذي أصيب بالتواء، وتحفظ عليه ولم يكن ~~معه أي سلاح سوى مذراة. ولم يقل الطيار سوى أنه في «مهمة خاصة»، ولا بد أن يلتقي الدوق. # وصل الدوق في العاشرة من صباح اليوم التالي. وأخبر الطيار هاملتون، متحدثا الإنجليزية، أن ~~هتلر يرغب في وقف القتال، وأنه قد سافر جوا إلى إنجلترا لإجراء محادثات سلام مع هاملتون وآخرين من ~~الإنجليز المتفهمين. كذلك قدم الطيار نفسه لهاملتون؛ فهو رودولف هس، نائب زعيم الرايخ ~~الألماني. # وكما كان متوقعا، نتج عن رحلة هس عناوين صحفية مثيرة حول العالم. فقد كان هس رئيس الحزب ~~النازي، والمؤلف المشارك الفعلي لكتاب «كفاحي»، وأحد أعضاء دائرة هتلر الداخلية. والمدهش أن ردود ~~الأفعال الرسمية التي سرعان ما توالت من برلين ولندن كانت واحدة إلى حد كبير: هس رجل مجنون، على ~~الرغم من أنه قد يكون مثاليا. لقد تصرف من تلقاء نفسه تماما، دون علم أو تشجيع هتلر أو تشرشل أو ~~أي شخص مسئول في أي من الحكومتين. # منذ البداية، شكك كثيرون في التصريح الرسمي بأن هس قد تصرف من تلقاء نفسه. فقد اعتقد البعض أن ~~هتلر أرسل صديقه ورفيقه القديم لعقد اتفاق سلام مع إنجلترا، لعله يستطيع أن يوجه جيوشه ضد روسيا ~~بدلا منها. وظن البعض أن هناك سرا أكثر غموضا؛ وهو أن هس، بعيدا عن فكرة وصوله المفاجئ، كان ~~لديه سبب وجيه للاعتقاد بأنه سيقابله أصدقاء، من ضمنهم مسئولون رفيعو المستوى في الحكومة ~~البريطانية. ~~••• # لو كان هتلر يعلم أي شيء عن مهمة هس مسبقا، فهو لم يبين ذلك. فقد وصفت روايات شهود العيان ~~من منتجعه الجبلي، حيث استدعى معاونين رفيعي ms187 المستوى للتعامل مع الأزمة، زعيمهم بأنه كان محزونا، ~~والمشهد بالارتباك الشديد. وكتب رئيس هيئة أركان الحرب الجنرال فرانز هالدر في يومياته أن هتلر «كان ~~في حالة من الذهول التام.» # وما إن صار واضحا أن هس بين أيدي البريطانيين، حتى سارعت برلين بإصدار سلسلة من التصريحات ~~الصحفية تأسف فيها ل «هلاوس» هس، وتؤكد للعالم بأنها لن يكون لها أدنى تأثير على الحرب. # أمر هتلر باعتقال الكثير من رفاق هس، من بينهم خادم نائب الزعيم، كارلهينز بينتش، وصديقه ~~ومستشاره غير الرسمي ألبريشت هاوسهوفر، الذي اعترف إلى الجيستابو بأنه ناقش مع هس المصالح المشتركة ~~لهم في السلام مع بريطانيا، ويعتقد معظم المؤرخين أنه من زرع فكرة القيام بمهمة سلام في رأس هس. ~~كذلك اعترف هاوسهوفر بأنه قد تحدث إلى هس عن أصدقائه البريطانيين الكثيرين، الذين كان من بينهم دوق ~~هاملتون. # كذلك تم القبض على منجمين وعرافين من جميع أنحاء ألمانيا. فوفقا لتقارير صحفية نازية، ربما ~~يكون الاضطراب العقلي الذي كان هس يعاني منه قد تركه عرضة لتأثيرهم. # من الصعب تحديد القدر الحقيقي من هذه الأحداث، والقدر الاستعراضي منها. فلا شك أن النازيين ~~كانوا أساتذة في الدعاية، وتطلبت منهم قضية هس كل مهاراتهم. فقد كان إقدام الألمان على إرسال مبعوث ~~سلام ومعركة بريطانيا على أشدها، فضلا عن إرسال مبعوث رفيع المستوى مثل هس، سيفسر حتما بأنه ~~علامة ضعف؛ لذا كان من الضروري بشكل واضح أن ينأى هتلر بنفسه عن هس. # ظن بعض الشهود، من بينهم بينتش، أن هتلر يمثل، وأنه يعرف عن هذه المهمة أكثر بكثير مما ~~صرح به. وقال كل من هاوسهوفر وزوجة هس - إلزا - إنهما كانا يعتقدان أن هس قد ناقش الفكرة العامة ~~الخاصة بالقيام بمهمة سلام مع هتلر، رغم أنه لم يزعم أي منهما معرفة هتلر بأي تفاصيل. واسترجع ~~آخرون فيما بعد اجتماعا عقد في 5 مايو بين هتلر وهس تعالت خلاله الأصوات؛ ربما لقيام هس بإخبار ~~هتلر عن خطته. # كان ستالين من بين أولئك الذين لم يقتنعوا بالقصة الرسمية التي ms188 أعلنت. فعلى الرغم من معاهدة ~~عدم الاعتداء التي وقعها عام 1939 مع ألمانيا، لم يكن يثق بهتلر. وحين أغارت القوات الألمانية على ~~روسيا في يونيو، بعد شهر فقط من رحلة هس، نظر إلى الأمر كدليل على أنه كان على حق. فقد كان يعتقد ~~أن هس حتما جزء من مؤامرة ألمانية بريطانية لإنهاء معركة بريطانيا والتعاون معا في تدمير ~~البلاشفة. # ولم يتخل ستالين عن شكوكه قط. فحسبما استرجع تشرشل في روايته لتاريخ الحرب عام 1950، واجهه ~~ستالين بشأن هس في عام 1944، خلال لقائهما في موسكو. وكرر تشرشل التصريح الرسمي: هس «حالة مرضية» ~~ورعونته ليس لها علاقة بسير الأحداث. وتحت وطأة انزعاجه من شكوك ستالين، أصر تشرشل على أنه قد عرض ~~الحقائق كما يعرفها وأنه يتوقع أن تلقى القبول. فرد ستالين بقوله: «هناك أمور كثيرة تحدث حتى هنا ~~في روسيا وليس بالضرورة أن يخبرني بها جهاز استخباراتنا السري.» # وكان مضمون ذلك واضحا: لم يكن الألمان وحدهم هم من تورطوا في مؤامرة هس، بل كان هناك جواسيس ~~بريطانيون أيضا. ~~••• # مع انهيار الاتحاد السوفييتي وفتح الكثير من أرشيفات جهاز الاستخبارات السوفييتية، استطاع ~~المؤرخون الغربيون لأول مرة استخلاص لمحة عن نوع المعلومات الاستخباراتية التي كانت تعزز شكوك ~~ستالين. ففي عام 1991، نشر المؤرخ البريطاني جون كستيلو نتائج دراسته لملفات هس بجهاز الاستخبارات، ~~وخلص إلى أن ستالين كان على حق على طول الخط. # ضمت الملفات تقريرا من عميل سوفييتي وصف رحلة هس بأنها «ليست تصرفا ينبع من رجل مجنون ... بل ~~كانت تنفيذا لمؤامرة سرية من جانب القيادة النازية لعقد اتفاق سلام مع بريطانيا قبل بدء الحرب مع ~~الاتحاد السوفييتي.» وبدأ عميل آخر تقريره بالقول صراحة بأن «القصة المذاعة عن وصول هس إلى إنجلترا ~~دون سابق إنذار غير صحيحة.» # وبحسب جواسيس سوفييت، كان هس يراسل دوق هاملتون منذ فترة طويلة، على الرغم من أن هاملتون لم يكن ~~يعلم بذلك، ففيما يبدو كان جواسيس بريطانيون يعترضون سبيل خطابات هس إلى هاملتون، ثم يرسلون الردود ~~باسم هاملتون، مشجعين هس على الحضور. ms189 فقد كان الأمر برمته خدعة بريطانية وقع فيها نائب الزعيم الذي ~~لم يخامره أي شك. # وجد كستيلو نظريات مشابهة في أحد ملفات الاستخبارات العسكرية الأمريكية يرجع تاريخه لعام 1941 ~~رفعت عنه السرية في عام 1989. لقد كانت التقارير الأمريكية والسوفييتية متشابهة إلى حد كبير في ~~الواقع، حتى إن كستيلو استنتج أنها كانت حتما مستقاة من نفس المصدر. فقد ساقت كلتاها، على سبيل ~~المثال، نفس المقولة التي ذكرها طبيب فحص الطيار الألماني بعد أسره مباشرة. وحين أعلن الطيار أنه ~~رودولف هس، داعبه الطبيب قائلا إن المستشفى أيضا به مريض يظن نفسه سليمان. # رأى كستيلو أن الأدلة الجديدة دمرت أكذوبة صمود إنجلترا البطولي بشجاعة ضد الهجوم النازي، ~~وحلت محلها صورة للحكومة البريطانية وهي مترددة إزاء الحرب، في ظل وجود حزب مهم يسعى لتحقيق ~~السلام، ويعمل على قدم وساق لاستبدال تشرشل ليحل محله رئيس وزراء أكثر ميلا لاسترضاء هتلر. لم يكن ~~لدى خصوم تشرشل سوى بصيص من الأمل في إمكانية هزيمة هتلر؛ فبالنظر إلى أن الوصول إلى ميناء بيرل ~~هاربر كان لا يزال يتطلب شهورا وإلى معارضة الانعزاليين الأمريكيين القوية للحرب، كان الشيء الوحيد ~~المؤكد أن الاستمرار في القتال بمفردهم كان سيعني استمرار نزيف الأرواح والممتلكات. ولم يكن منطقيا ~~في نظر كستيلو أن يكون هس قد هبط من السماء دون سبب للاعتقاد بأن دوق هاملتون سوف يكون في انتظاره ~~للاجتماع به، مهما كان أهوج، أو ساذجا، أو معتوها. # رأى آخرون، وأبرزهم المؤرخ البريطاني بيتر ~~بادفيلد، أن الأدلة على استدراج البريطانيين لهس إلى إنجلترا مقنعة، إلا أنهم خلصوا إلى أنها ربما ~~كانت عملية من تدبير جهاز الاستخبارات السري، وليس مخططا ضد تشرشل. فعلى خطى ستالين، ظن بادفيلد أن ~~مهمة هس كانت جزءا من حملة بريطانية صممت لإقناع هتلر بالتخلي عن معركة بريطانيا وتركيز قواته ~~على روسيا بدلا منها. وخمن بادفيلد أن هتلر أيضا كانت لديه أسبابه لإرسال نائبه إلى إنجلترا. ~~فربما يكون هتلر قد فكر أنه في حال فشل المهمة، كان ستالين سيعتقد أن ذلك ms190 يضمن استمرار معركة ~~بريطانيا. وكان من شأن ذلك أن يمنح هتلر الفرصة للانقضاض على السوفييت بغتة. # وبموجب هذه النظرية، كان هس لعبة في يد كل من تشرشل وهتلر؛ كان تشرشل يأمل في إقناع هتلر ~~بالاتجاه شرقا، بينما كان هتلر يأمل في إقناع ستالين بأنه سيتوجه غربا. ~~••• # كان ستالين، بصفة خاصة، يعتقد أن رحلة رودولف هس إلى اسكتلندا لم تكن تصرف رجل مجنون، بل ~~جزءا من مخطط نازي بريطاني سري لتوحيد القوات ضد الاتحاد السوفييتي. وفي الصورة يظهر هس في ~~محبسه عام 1945. (مكتبة الكونجرس.) # لأنهما أثارا جدلا واسعا مثل كتبهما، لم ينجح كستيلو أو بادفيلد في تغيير إجماع الرأي بخصوص ~~مهمة هس. ولعل من أسباب ذلك أن مجرد اتفاق الجواسيس الأمريكيين والسوفييت على شيء لا يعني أنه كان ~~صحيحا. فالأرجح، بحسب معظم المؤرخين، أن كليهما اعتمد على نفس المصادر، وأن هذه المصادر كانت خاطئة. ~~وقد تتكشف القصة كاملة في عام 2017، حين تفتح كل ملفات الحكومة البريطانية الخاصة بهس. # غير أنه من ملفات الجهاز الاستخباراتي السري البريطاني التي فتحت بالفعل، يتضح أن صديق هس، ~~ألبريشت هاوسهوفر (وليس هس نفسه) كان على اتصال بدوق هاملتون. فبعض خطابات هاوسهوفر تشير إلى علاقة ~~وثيقة بين هاوسهوفر وهاملتون؛ وثيقة لدرجة أن كستيلو لاحظ دلالات على المثلية الجنسية. # ففي سبتمبر 1940، كتب هاوسهوفر لهاملتون، داعيا «أصدقاءه ذوي ~~النفوذ» ل «إدراك الأهمية التي تنطوي عليها حقيقة تساؤلي عما إذا ~~كان بوسعكم توفير بعض الوقت لنتحدث معا.» فقد كان هاوسهوفر، بعلم هس على الأرجح، يستشعر بشكل واضح ~~إمكانية إجراء محادثات سلام. # غير أن خطاب هاوسهوفر لم يصل إلى يد هاملتون. فقد اعترضته الاستخبارات البريطانية، وتحفظت ~~عليه لمدة خمسة أشهر. وليست واضحة أسباب قيامهم بذلك. ربما لأن تشرشل قد أوضح بشكل قاطع أن إجراء ~~محادثات سلام أمر محال. أو ربما لأن جهاز الاستخبارات السوفييتية السري قد رد باسم هاملتون، بقصد ~~إلقاء طعم لهاوسهوفر ثم اصطياد هس بدلا منه. # وأيما كان الطعم، فمن الواضح أن نائب الزعيم كان متلهفا لالتقاطه. فقد كان ms191 هس يعلم مدى إعجاب ~~هتلر الممتزج بالاستياء من بريطانيا ويعلم أيضا بكراهيته التامة لبلاشفة روسيا. وبصرف النظر عن ~~مناقشته الأمر مع هتلر صراحة، فقد كان هس يعلم أن مهمة سلام ناجحة ستكون من دواعي سرور الزعيم. ~~علاوة على ذلك، كانت هذه فرصة لهس لاستعادة بعض من نفوذه الذي شعر بأنه يتلاشى. فقد كان هس رجل ~~هتلر الثاني في الأيام الأولى للنازية، ولكن بحلول عام 1941 بات نفوذه يتقلص نتيجة ظهور منافسين على ~~شاكلة مارتن بورمان، ونتيجة أيضا لتركيز هتلر على الأمور العسكرية. # ولا يزال أفضل تفسير على الأرجح لدوافع هس هو ذلك الذي كتبه تشرشل عام 1950. فبعد وصف غيرة هس ~~من الجنرالات الذين طغوا عليه، راح يتخيل أفكار هس: «إن لديهم أدوارهم ليلعبوها. ولكن أنا، رودولف، ~~سوف أتفوق عليهم جميعا بفعل ينم عن الإخلاص الباهر وأحضر لزعيمي كنزا وارتياحا أعظم من كل ما ~~يجلبونه له جميعا. سوف أذهب وأعقد سلاما مع بريطانيا.» # كانت خطة هس للسلام مصيرها الفشل. فبدافع من الولاء والطموح، وربما بخدعة من جهاز الاستخبارات ~~السري البريطاني، أخفق في إدراك أنه بحلول عام 1941 كان أوان السلام قد ولى. فلم يكن تشرشل وحده هو ~~من صار الآن ملتزما بالحرب بقوة، بل الشعب البريطاني أيضا. # أدرك تشرشل أن مهمة هس لم يكن لها أية صلة بمسار ~~الحرب، وهو ما بدا جليا منذ أول لحظة علم فيها بهبوط هس على أرض بريطانيا. وبعد أن التقى الدوق ~~هاملتون بهس، هرع الدوق لتقديم تقريره إلى رئيس الوزراء. وراح تشرشل، الذي كان يخطط لمشاهدة فيلم ~~سينمائي في ذلك المساء، ينصت في نفاد صبر، ثم رد قائلا: «حسنا، سواء أتى هس أم لم يأت، سوف أذهب ~~لمشاهدة الإخوة ماركس.» # لمزيد من البحث # Winston Churchill, # The Grand Alliance ~~(Boston: Houghton Mifflin, 1950). Volume 3 of Churchill’s magnificent history of World War ~~II, full of not just the author’s recollections but also his directives, telegrams, and other ~~documents that illuminate the British government’s pursuit of the war ms192 ~~. # Ilse Hess, Prisoner of Peace ~~(London: ~~Britons Publishing Co., 1954). Hess’s letters to his wife and son from England, Nuremberg, ~~and Spandau Prison ~~. # James Douglas-Hamilton, # Motive for a ~~Mission ~~(London: Macmillan, 1971). As the son of the Duke of Hamilton, ~~Douglas-Hamilton grew up immersed in the Hess mystery. Surprisingly, though, his book is more ~~about Haushofer than either Hamilton or Hess. Haushofer emerges as a fascinating and tragic ~~figure: with ties to both the Nazis and the resistance, he ended up despising himself and ~~welcoming his death at the hands of the Gestapo ~~. # W. Hugh Thomas, # Hess: A Tale of Two ~~Murders ~~(London: Hodder & Stoughton, 1988). ~~Thomas, a British surgeon who examined Spandau’s inmate, discovered to his amazement that he ~~had none of the scars that should have remained from Hess’s World War I injuries. Thomas ~~concluded that the man who died in prison in 1987 couldn’t have been Hess. His theory was ~~that Himmler shot down the real Hess over the North Sea, then sent his carefully schooled ~~double to England. Thomas’s 1979 book # The Murder of Rudolf ~~Hess # makes many of the same arguments. A 1989 Scotland Yard report reasonably ~~concluded otherwise ~~. # John Costello, # Ten Days to Destiny ~~(New ~~York: William Morrow, 1991). Though Costello didn’t succeed in overturning the traditional ~~view of the Hess mission, his book makes a convincing case that at least some British leaders ~~were not averse to a deal with Hitler ~~. Peter Padfield, # Hess ~~(London: ~~Weidenfeld & Nicolson, 1991). Hess as the pawn of # both # Hitler and Churchill ~~. # Louis Kilzer, # Churchill’s Deception ~~(New York: Simon & Schuster, 1994). Goes even farther than Costello in arguing that some ~~inside the British government were behind the German invasion of Russia. Though provocative, ~~Kilzer (like Stalin) is too eager to explain everything by conspiracies. Sometimes (though, ~~of course, not always) the official story also ms193 turns out to be the real ~~story ~~. # الفصل الخامس والعشرون # | هل كان جورباتشوف جزءا من انقلاب أغسطس؟ # حمام البخار هو النظير الروسي لغرف أمريكا الأسطورية كثيفة الدخان، وهو المكان الذي يعقد فيه ~~الساسة صفقاتهم السرية؛ لذا لم يبد غريبا، في 17 أغسطس 1991، أن يجتمع بعض من أقوى الشخصيات ~~نفوذا في الاتحاد السوفييتي لأخذ حمام في مبنى جهاز الاستخبارات السوفييتي الفاخر بموسكو. # كان الحاضرون هم رئيس الوزراء فالنتين بافلوف، ووزير الدفاع دميتري يازوف، وسكرتير اللجنة ~~المركزية لشئون الدفاع أوليج باكلانوف، وسكرتير اللجنة المركزية لشئون الأفراد بالحزب الشيوعي أوليج ~~شينين، ورئيس الأركان فاليري بولدين. وكان مضيفهم، بحسب شهادة الستة جميعا فيما بعد، هو رئيس ~~جهاز الاستخبارات السوفييتية فلاديمير كريوتشكوف. # كان من المستحيل رؤية زعيمهم الرئيس السوفييتي ميخائيل جورباتشوف وسط البخار؛ فقد كان في إجازة ~~مع أسرته في شبه جزيرة القرم. وسمع لأول مرة عن الاجتماع في اليوم التالي له، حين وصل باكلانوف ~~وبولدين إلى المنزل الذي يقضي به إجازاته والمعروف باسم فوروس. وكان برفقتهما الجنرال فالنتين ~~فارنيكوف، قائد القوات البرية السوفييتية، والجنرال يوري بليخانوف من جهاز الاستخبارات ~~السوفييتية. # كان جورباتشوف، حسبما روى القصة فيما بعد، عاكفا على كتابة المسودة النهائية لإحدى الخطب ~~حين أخبره مدير الأمن أن لديه ضيوفا. كان ذلك مثيرا للقلق؛ إذ لم يكن الناس يعرجون على منزل الرئيس ~~السوفييتي هكذا دون سابق إنذار. وكان أول رد فعل لجورباتشوف أن حاول الاتصال بكريوتشكوف لمعرفة ما ~~يحدث، ليكتشف أن خط الهاتف معطل، وكذلك خطوطه الأربعة الأخرى. # عند هذه النقطة، دخل الوفد القادم من حمام البخار الغرفة. وقام باكلانوف بإبلاغ جورباتشوف أنهم ~~يمثلون «لجنة الدولة المعنية بحالات الطوارئ». فأجاب جورباتشوف بأنه لم يصرح بإنشاء لجنة كهذه ~~مطلقا. فقال باكلانوف لجورباتشوف بأن عليه التوقيع على مرسوم يعلن فيه حالة الطوارئ أو ينقل ~~صلاحياته إلى نائب الرئيس جينادي ياناييف. فرفض جورباتشوف. # ووصف الموقف فيما بعد قائلا: «أخبرتهم إلى أين يذهبون مستخدما اللغة الأكثر حدة التي دائما ~~ما يستخدمها الروس في مثل هذه الظروف.» # على ms194 مدار الأيام الثلاثة التالية انقطع جورباتشوف عن العالم الخارجي، غير قادر على إجراء أو ~~استقبال أية مكالمات وكان محاصرا بطوق مزدوج من الحراس. واستطاع أن يشاهد على شاشة التلفزيون ~~المؤتمر الصحفي الذي عقد في اليوم التالي في موسكو، والذي أعلن خلاله أعضاء لجنة الطوارئ أنه، ~~نظرا لمرض الرئيس، يتولى نائب الرئيس ياناييف مهامه. # وبالاستماع إلى محطة بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا على راديو ترانزستور، استطاع جورباتشوف متابعة ~~بعض الأحداث الخطيرة التي أعقبت ذلك. واستنكر الرئيس الروسي بوريس يلتسين الاستيلاء على الحكم بوصفه ~~انقلابا غير شرعي ونادى بالمقاومة الشعبية. فأعلنت اللجنة الأحكام العرفية وأمرت بنزول أعداد ~~كبيرة من الدبابات وحاملات الأفراد المدرعة إلى موسكو. # ومع انتصاف الفترة الصباحية ليوم 19 أغسطس، حوصر مبنى الحكومة الروسية المعروف بالبيت الأبيض ~~بكل من القوات السوفييتية، وعشرات الآلاف من المواطنين الروس. وشكل البعض سلاسل بشرية لمنع ~~الدبابات من التقدم للأمام. وفي الظهيرة، اعتلى يلتسين إحدى الدبابات في مشهد مثير ليعلن ولاءه ~~للحكومة الروسية المنتخبة، وليس للجنة الطوارئ. # ومع نهاية اليوم، بات واضحا أن الجنود غير مستعدين لإطلاق النار على المواطنين الروس. وبعد ~~يومين انسحبت القوات، وعاد جورباتشوف إلى موسكو، وتم القبض على قادة الانقلاب. وانشرحت صدور ~~الديمقراطيين: فمع نهاية العام، تفكك الاتحاد السوفييتي، وتنحى جورباتشوف على مضض، وخلفه بوريس ~~يلتسين - أول رئيس منتخب ديمقراطيا - بوصفه أقوى شخصية في البلاد. # سائقا دبابتين سوفييتيان يحيط بهما المتظاهرون في ميدان مانيزنايا في 19 أغسطس، 1991. ~~(حقوق الطبع محفوظة لرويترز/كوربيس.) # لاقت هذه القصة المباشرة - إلى حد ما - لانقلاب أغسطس 1991، والتي تصور جورباتشوف كضحية ~~ملحمية ويلتسين كبطل ديمقراطي، قبولا لدى معظم الزعماء، والصحفيين، والمؤرخين الغربيين، بل إن ~~جورباتشوف نفسه أعاد سرد القصة في العديد من اللقاءات وفي كتابين. غير أن الشعب الروسي، حتى عندما ~~احتفل بسقوط الانقلاب، كان أكثر تشككا بكثير. فقد كان لديه الكثير من الأسئلة عن الأدوار التي لعبها ~~كل واحد من أبطال القصة، ولا تزال هذه الأسئلة تؤرق جورباتشوف ويلتسين. ~~••• # كان من بين أول من تحدوا رؤية ms195 جورباتشوف للانقلاب أعضاء لجنة الطوارئ، وهو الأمر غير ~~المستغرب. # ولكن لم يكن جميعهم في موضع يؤهلهم لهذا التحدي. فقد أقدم اثنان منهم على الانتحار - هما وزير ~~الشئون الداخلية بوريس بوجو، والمستشار العسكري لجورباتشوف مارشال أكروميف - قبل القبض عليهما. ~~واثنان آخران - هما بافلوف وياناييف - كانا في حالة سكر شديد لدرجة أعجزتهما عن قول أي شيء منطقي ~~في البداية. # وما إن أفاقا، حتى انضما إلى شركائهما المتآمرين في الإصرار على أنهم قد حصلوا على الإذن بفرض ~~حالة الطوارئ من جورباتشوف نفسه. وبحسب أعضاء لجنة الطوارئ، فقد توجهوا إلى شبه جزيرة القرم لإبلاغ ~~جورباتشوف بأن كل شيء جاهز. بعد ذلك، ولدهشتهما، تراجع مدعيا أنه مريض. # وكما أخبر بافلوف المدعين الروس: «قرر جورباتشوف أن يلعب لعبة لا يمكن أن يخسر فيها. فإذا ظل ~~هناك (في فوروس) وأفلحت حالة الطوارئ، كان سيأتي إلى موسكو فيما بعد، بعد أن يتعافى من مرضه ويتولى ~~المسئولية. وإذا لم تفلح، كان بإمكانه أن يأتي ويعتقل الجميع، ويعود لتولي المسئولية مرة أخرى ~~بصفته رئيسا.» # اعتمدت حجة أعضاء اللجنة على إثبات أن الرئيس لم يمنع من الاتصال بالعالم الخارجي في فوروس، ~~على عكس ادعائه. وقد ساعدهم في ذلك وجود بعض البلبلة بشأن التوقيت؛ فقد قال أحد المصادر إن خطوط ~~الهاتف قد قطعت في الساعة 4:32 مساء في يوم 18 أغسطس، بينما قال آخر إن وقت حدوث ذلك كان الساعة ~~5:50 مساء. وتذكر أحد حلفاء جورباتشوف المقربين فيما بعد أنه قد تحدث إلى الرئيس في الساعة ~~السادسة مساء في ذلك اليوم؛ أي بعد قطع الخطوط كما يفترض. # بالطبع كان لدى جميع المتآمرين سبب مقنع لإلقاء مسئولية الانقلاب على جورباتشوف؛ فلو أنهم ~~استطاعوا إقناع الناس بأنهم كانوا فقط يتبعون أوامر الرئيس، لصار من الصعب اتهامهم باغتصاب السلطة ~~منه. غير أن الكثير من الروس وجدوا في نسختهم من القصة نفس القدر من المصداقية التي توفرها نسخة ~~جورباتشوف. # من أسباب ذلك أن المتآمرين كانوا جميعا رفاقا مقربين للرئيس، بل إنه قام بتعيينهم وترقيتهم، ~~على الرغم ms196 من حقيقة أنهم كانوا جميعا يكنون عداء واضحا نحو سياسات البيروسترويكا والجلاسنوست. ~~وكثيرا ما كان كريوتشكوف ينفذ ما يؤمر به في العلن؛ فكان يتحدث عن إنشاء مؤسسة أكثر انفتاحا (بل ~~إنه قد دعم مسابقة للجمال كانت الفائزة بها تنال لقب «ملكة جمال الاستخبارات السوفييتية»)، ولكنه في ~~السر لم يكن يخفي اعتقاده بأن إصلاحات جورباتشوف قد جاوزت الحد بشكل بالغ. # كان جورباتشوف يتلقى الكثير من التحذيرات من أن وزراءه لا يمكن أن يكونوا مصدر ثقة. ففي ديسمبر ~~1990، قدم وزير الخارجية إدوارد شيفردنادزه، الليبرالي البارز في حكومة جورباتشوف، استقالته على ~~نحو مؤثر بسبب النفوذ المتزايد للقوى الرجعية في الحكومة؛ إذ قال: «فلتعتبر احتجاجي - إن شئت - ~~إسهاما مني في مواجهة بدء العصر الديكتاتوري.» # وفي يونيو، تلقى السفير الأمريكي جاك ماتلوك تحذيرا أكثر تحديدا من عمدة موسكو جافرييل بوبوف، ~~وهو أحد الديمقراطيين البارزين. فقد أشار بوبوف لماتلوك إلى أن الغرفة مكتظة بعملاء المخابرات ~~السوفييتية وأنهما لا يستطيعان التحدث بحرية. بعد ذلك سلم العمدة السفير رسالة صغيرة تقول: «هناك ~~انقلاب يرتب له لإبعاد جورباتشوف عن الحكم.» # وعلى نفس الورقة تساءل ماتلوك عمن وراءه. فكتب بوبوف أسماء بافلوف، وكريوتشكوف ويازوف، وأناتولي ~~لوكيانوف، المتحدث باسم مجلس السوفييت الأعلى، وجميعهم تورطوا في الانقلاب الذي وقع بعد ذلك بشهرين. ~~بعدها نقل ماتلوك التحذير إلى جورباتشوف. ولأن ماتلوك لم يكن يملك أي شيء سوى ما أدلى به له بوبوف ~~كي يعتمد عليه، لم يذكر أسماء أي من المتآمرين، وهو ربما ما أسهم في التقليل من تأثير تحذيره. غير ~~أن رد فعل جورباتشوف كان فاترا بشكل مزعج (ومثير للريبة في عقول البعض)؛ فقد اكتفى بتوجيه الشكر ~~للسفير لاهتمامه وأخبره بألا يقلق بشأن ذلك. # حتى في العلن، لم يكن المتشددون يحاولون دوما إخفاء معارضتهم الشديدة لإصلاحات جورباتشوف. وكان ~~بافلوف صريحا بشكل خاص في انتقاده لمعاهدة جديدة كان جورباتشوف يتفاوض بشأنها مع زعماء الجمهوريات ~~السوفييتية، والتي كان من شأنها تقليص نفوذ الحكومة المركزية بشكل حاد. وقال العديد من المتآمرين ~~فيما بعد إنهم كانوا ms197 يعملون من أجل تلافي توقيع المعاهدة والذي كان قد تقرر له يوم 20 ~~أغسطس. # كيف أمكن لسياسي بدهاء جورباتشوف تجاهل مثل هذه العلامات التحذيرية الواضحة؟ كانت إجابة بافلوف ~~على هذا السؤال منطقية بالنسبة إلى أولئك الذين تعاطفوا مع المتشددين في اللجنة؛ لا بد أن جورباتشوف ~~نفسه كان وراء الانقلاب. ربما يكون قد تراجع في اللحظة الأخيرة، أو ربما أراد أن يدع أعضاء اللجنة ~~يقومون بفعلتهم القذرة. ولكن سواء أشارك بشكل فعال في التخطيط أم شجع المتآمرين فحسب، فإنه لم ~~يكن ضحيتهم البريء. # كان تفسير التعديليين للانقلاب قاسيا على يلتسين أيضا. ففي خطاب منشور إلى الرئيس الروسي، ~~اتهمه كريوتشكوف بالتخطيط لمسرحية الدفاع البطولي عن البيت الأبيض لتعزيز سمعته. وأنكر كريوتشكوف ~~قيامه بإصدار أمر بشن هجوم على البيت الأبيض. وكتب إلى جانب ذلك أن يلتسين كان على دراية تامة ~~بذلك؛ إذ كان رئيس جهاز الاستخبارات السوفييتية قد استدعاه شخصيا ليخبره بالأمر. # ومثل الهجمات التي شنت على جورباتشوف، كان وراء انتقاد يلتسين مصالح شخصية إلى حد كبير. ~~فربما كان أعضاء اللجنة يشعرون بالحرج من تصوير أنفسهم كبلهاء وقعوا ضحية مناورات وألاعيب جورباتشوف ~~ومسرحيات يلتسين. ولكن هذه الصورة، على الصعيد السياسي والقانوني، كانت أفضل بكثير من النظرة ~~التقليدية لهم كجوعى للسلطة، ومتعطشين للدماء، وممثلين للرجعية الستالينية الجديدة. ~~••• # جلبت المحاكمة الجنائية للمتآمرين المزعومين مزيدا من الإحباط لمؤيدي جورباتشوف ~~ويلتسين. # في البداية، اتهم المدعون قادة الانقلاب بخيانة الاتحاد السوفييتي. ولكن مع نهاية عام 1991، ~~تفكك الاتحاد السوفييتي إلى دول مستقلة. ودفع ممثلو الدفاع بعدم وجود أساس قانوني لاتهام موكليهم ~~بخيانة دولة لم يعد لها وجود. # في النهاية، استقر المدعون على تهم التآمر، إلا أن المحاكمة تأجلت مرارا وتكرارا بسبب ~~ظهور حجج قانونية إضافية ومرض الكثير من المدعى عليهم. وأخيرا، وفي ديسمبر 1993، أصدر البرلمان ~~الروسي الجديد - الذي كان يهيمن عليه في ذلك الوقت ائتلاف مناهض ليلتسين من القوميين والشيوعيين ~~السابقين - عفوا عن جميع المدعى عليهم. # من بين المدعى عليهم الخمسة عشر، رفض واحد فقط العفو. فلعدم رغبته في ms198 الاعتراف بارتكابه أية ~~جريمة تستوجب العفو عنه، طالب الجنرال فارنيكوف بمحاكمة. كذلك كان فارنيكوف بلا شك على دراية بأن ~~المجلس العسكري للمحكمة الروسية العليا - شأنه شأن البرلمان المنتخب حديثا - يكتظ بأعداء كل من ~~جورباتشوف ويلتسين. # جرت المحاكمة في أغسطس 1994. واعتلى جورباتشوف منصة الشهود غاضبا، منكرا أية صلة له ~~بالانقلاب. وتجاهلت المحكمة شهادته وبرأت فارنيكوف. # استنكر جورباتشوف وأنصاره الحكم، مقارنين إياه بمحاكمات ستالين الصورية التي جرت في ~~الثلاثينيات. وكان للاتهام قدر كبير من الاستحقاق؛ فقد كان كل من البرلمان الجديد والمحكمة ~~انعكاسا للتغير الشديد الذي طرأ على السياسة الروسية منذ نشوة ما بعد الانقلاب. فقد دفع الاقتصاد ~~الكارثي والاضطراب السياسي بين صفوف الديمقراطيين إلى السلطة مجموعة من القوميين المتطرفين ومؤيدي ~~الشيوعيين، الذين كانوا يشتركون في أمور كثيرة مع أعضاء لجنة الطوارئ أكثر من يلتسين أو ~~جورباتشوف. # وبحلول منتصف التسعينيات، احتفي بالمشاركين في الانقلاب كأبطال في دوائر المحافظين؛ بل إن ~~اثنين من أعضاء اللجنة كانا من ضمن نواب البرلمان الجديد. وصار البيت الأبيض، الذي كان يوما ما ~~رمزا لمقاومة يلتسين للانقلاب، تحت سيطرة أعدائه. وظل يلتسين رئيسا حتى نهاية العقد، ولكن مع ~~اضمحلال شديد لنفوذه وسمعته. # أما جورباتشوف، فقد واصل الدفاع عن موقفه، رغم أنه لم يكن أحد في روسيا ينصت إليه فيما يبدو. ~~وكان عزاؤه الوحيد أنه ظل بطلا في الخارج، لا سيما في نظر زعماء الغرب أمثال جورج بوش ومارجريت ~~ثاتشر، اللذين اعتبراه شريكا لهما في إنهاء الحرب الباردة. # كذلك ظل الصحفيون والمؤرخون الغربيون على إعجابهم بجورباتشوف، ولكن مع الابتعاد قليلا عن ~~السياسة السوفييتية وتحري المزيد من الموضوعية إزاءها. فقد كانوا يشددون على أنه أيا ما كانت مثالب ~~جورباتشوف، فقد أحدث الرجل تحولا كاملا في السياسة السوفييتية الخارجية، وأدخل للاتحاد السوفييتي ~~درجة غير مسبوقة من الحرية، تضمنت انتخابات شبه ديمقراطية ونظاما قائما على التعددية ~~الحزبية. # ولا يمكن إنكار أنه أجرى كل أنواع التسويات وقطع وعودا مع المتشددين في حكومته، إلا أن ذلك ~~لم يجعله واحدا منهم. ربما كان بعض وزرائه ms199 المحافظين يعتقدون حقا أن بوسعهم إقناع جورباتشوف ~~بمجاراة انقلابهم، أو على الأقل تمسكوا ببعض الأمل أنه سيفعل. ولا شك أن جورباتشوف قد ارتكب خطأ ~~فادحا في تقدير حدود قدرتهم على إيقاف إصلاحاته، ولكن ذلك مختلف تماما عن إثبات رغبته في أن يكون ~~له أي صلة بالانقلاب. # تقدم مذكرات جورباتشوف - برغم ما يشوبها غالبا من مصلحة شخصية ونفاق - دفاعا مقنعا ضد ~~اتهامه بالتواطؤ مع المتآمرين. فقد كتب فيها: «تحويل البلاد إلى اتحاد ديمقراطي قابل للبقاء، وكذلك ~~الخطة العامة للبريسترويكا، والإصلاحات الشاملة، وتطبيق أسلوب تفكير جديد في مجال السياسة الدولية؛ ~~كل هذه الأمور باتت شغلي الشاغل في الحياة.» ~~«فلماذا إذن أرغب في إفسادها؟» # لمزيد من البحث # Mikhail Gorbachev, # The August Coup ~~(New ~~York: HarperCollins, 1991). Inevitably, since it appeared just months after the coup, much of ~~the book consists of reworked previous statements and speeches, but these still make for a ~~useful document ~~. # David Remnick, # Lenin’s Tomb ~~(New York: ~~Random House, 1993). Intimate and revealing vignettes from the last days of the Soviet ~~Empire ~~. # John Dunlop, # The Rise of Russia and the Fall of ~~the Soviet Empire ~~(Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1993). Dunlop ~~makes a strong case that the plotters had reason to believe Gorbachev could be convinced to ~~side with them. Somewhat academic in its style but still compelling ~~. # Victoria Bonnell, Ann Cooper, and Gregory Freidin, eds., # Russia at the Barricades ~~(Armonk, N.Y.: M. E. Sharpe, 1994). A ~~collection of documents, interviews, and eyewitness accounts of the ~~coup ~~. # Valery Boldin, # Ten Years That Shook the ~~World ~~(New York: Basic Books, 1994). A venomous and vindictive portrait of ~~Gorbachev, written by his chief of staff while he awaited trial for his part in the ~~coup ~~. # Boris Yeltsin, # The Struggle for Russia ~~(New York: Times Books, 1994). Disorganized and sometimes disingenuous, but entertaining and ~~informative. Yeltsin has little good to say about his archrival, though he stops short ms200 of ~~accusing Gorbachev of planning or approving the coup. Instead Yeltsin concludes, somewhat ~~ambiguously, that Gorbachev was its “chief catalyst.” As for the revisionist attacks on ~~Yeltsin’s own role in the coup, he admits he had a telephone conversation with Kryuchkov ~~during which the KGB chief told him the emergency committee would not use military force. But ~~Yeltsin adds that there were good reasons not to believe him ~~. # Jack Matlock, # Autopsy on an Empire ~~(New ~~York: Random House, 1995). Matlock, who was the U.S. ambassador to Moscow under Reagan and ~~Bush, provides a firsthand account of the Soviet collapse. Unlike the works of most ~~diplomats, Matlock’s is not just a valuable historical document but also a valuable work of ~~history ~~. # David Pryce-Jones, # The Strange Death of the Soviet ~~Empire ~~(New York: Henry Holt, 1995). An unusual and often interesting mix of ~~interviews with former leaders, dissidents, and other Soviet ~~observers ~~. # Mikhail Gorbachev, # Memoirs ~~(New York: ~~Doubleday, 1995). Like its author, the book goes on too long but remains ~~important ~~. # Archie Brown, # The Gorbachev Factor ~~(Oxford: Oxford University Press, 1996). The best overall defense of Gorbachev’s record as a ~~genuine reformer-a better defense, in fact, than Gorbachev’s own ~~memoirs ~~. # Amy Knight, # Spies without Cloaks ~~(Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996). The first chapter is the most recent and ~~most thorough case against Gorbachev. The rest of the book argues that the postcoup KGB ~~continues to be a dangerous and independent force in Russia. # David Remnick, # Resurrection ~~(New York: Random House, 1997). A surprisingly hopeful view ~~of postcoup Russia, especially since most of the book chronicles the country’s descent into ~~chaos, corruption, and crime ~~. ms201