######OpenITI# #META# URI: 1450ShaymaTahaRaydi.MacnaHayatMuqaddimaQasira.Hindawi31581306 #META# Tags: philosophy #META# ID: 31581306 #META# Title: معنى الحياة: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 30406272 #META# Author: تيري إيجلتون #META# EditorID: 53609040 #META# Editor: هبة نجيب مغربي #META# TranslatorID: 72975737 #META# Translator: شيماء طه الريدي #META# Related_books: 1450TerryEagleton.MeaningOfLifeShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # تمهيد‏ # 1 - أسئلة وأجوبة‏ # 2 - إشكالية المعنى‏ # 3 - خسوف المعنى‏ # 4 - هل تكون الحياة كيفما نشكلها؟‏ # قراءات إضافية‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # تمهيد‏ # 1 - أسئلة وأجوبة‏ # 2 - إشكالية المعنى‏ # 3 - خسوف المعنى‏ # 4 - هل تكون الحياة كيفما نشكلها؟‏ # قراءات إضافية‏ # | معنى الحياة # | معنى الحياة # | ‏‏‏‏‏‏‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # تيري إيجلتون # ترجمة # شيماء طه الريدي # مراجعة # هبة نجيب مغربي # إلى أوليفر، الذي وجد الفكرة برمتها محيرة حيرة ~~بالغة # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # متعة فكرية مذهلة ... معالجة متأنية للموضوع ... يبدو وكأن إيجلتون قد نجح في فهم جوهر ~~القضية. # ماريو بيساني، «ذا فايننشال تايمز» # رحلة شخصية ساحرة ينطلق فيها المرء إلى أعماقه، ولا يسعني سوى أن أقول: إن الكتاب ~~تركني مغمورا بالدهشة والسعادة أيضا. # سايمون جينكنز # قائمة «تايمز ليتراري سابلمنت» # لأفضل كتب العام # إن مجرد قراءة اسم تيري إيجلتون يشعر القارئ بالطمأنينة بأنه يقدم على قراءة عمل ~~يتميز بالأسلوب الرائع والإبداع والإثارة والفكاهة وسعة الاطلاع، وفي بعض الأحيان يكون ~~العمل مباشرا ولاذعا. بعبارة أخرى، هذا الكتاب يمثل متعة ثقافية في قراءته ... ويتميز ~~بإيجازه الشديد. # جوردون بارسونز، «مورنينج ستار» # هذا الكتاب جوهرة صغيرة. # سوزان هارينجتون، «آيريش إيجزامنر» # هذا الكتاب رحلة سريعة وثرية لا تخلو من الإثارة والتحفيز حول المعالم الرئيسية ~~للفلسفة والأدب الغربيين ... كتاب استثنائي وممتع. # جون جراي، «ذي إندبندنت» # نقطة انطلاق مفعمة بالحيوية لبدء نقاش مطول في أمسية ثقافية. # جون كورنويل، «ذا صنداي تايمز» # كتاب لا تنتهي أعاجيبه. إنه يمثل الفلسفة المبسطة بكل ما بالكلمة من معان ... يحسن ~~المؤلف تقديم قضيته وبلمسة ساحرة ... لقد نجح في إقناعي. # سايمون جينكنز، صحيفة «ذا جارديان» # بشجاعة مذهلة وثقة شديدة ومهارة ورشاقة، ينتقل إيجلتون من التهكم الساخر والتفنيد ~~اللاذع إلى التأكيد الحازم. # مارينا وارنر # كتاب مبهر. # إدوارد سكيدلسكي، «ذا تابلت» # | تمهيد # من الأفضل لأي شخص لديه من روح المجازفة ما يكفي لتأليف كتاب بهذا العنوان أن يعد ~~نفسه لاستقبال حقيبة بريد مكتظة بخطابات مكتوبة بخط يدوي غريب ms01 تحوي رسوما تخطيطية ~~رمزية معقدة. فمعنى الحياة موضوع يناسب إما من بهم مس من الجنون أو الكوميديين، وأتمنى ~~أن أكون أقرب للمعسكر الأخير من الأول. لقد حاولت جاهدا أن أعالج موضوعا ذا أفكار سامية ~~بأكبر قدر ممكن من المرح والوضوح، مع التعامل معه بجدية في الوقت نفسه. ولكن يوجد شيء مبالغ ~~فيه بشكل سخيف بشأن الموضوع برمته، مقارنة بالنطاق المصغر للمعرفة العلمية الأكاديمية. قبل ~~سنوات حين كنت طالبا بجامعة كمبريدج، لفت انتباهي عنوان رسالة دكتوراه نصه: «بعض جوانب ~~الجهاز المهبلي للبرغوث». قد يخمن المرء أن هذا العمل لم يكن الأنسب لضعاف البصر؛ ولكنه ~~أظهر قدرا جذابا من التواضع الذي عجزت بشكل واضح عن التعلم منه. ولكن بإمكاني على ~~الأقل أن أدعي أنني قد ألفت واحدا من الكتب القليلة للغاية التي تتناول معنى الحياة ~~التي لم تسرد قصة برتراند راسل وسائق التاكسي. # أتوجه ببالغ الشكر والامتنان لجوزيف دن، الذي قرأ الكتاب في نسخته اليدوية وقدم بعض ~~الانتقادات والاقتراحات التي لا تقدر بثمن. # الفصل الأول # | أسئلة وأجوبة # يتسم الفلاسفة بعادة مثيرة للحنق، وهي تحليل الأسئلة بدلا من الإجابة عنها، وهذه هي ~~الطريقة التي أود أن أبدأ بها. # 1 # هل سؤال «ما معنى الحياة؟» سؤال حقيقي، أم أنه يبدو كذلك فقط؟ هل يوجد ما يمكن ~~اعتباره إجابة له، أم أنه حقا نوع من الأسئلة الزائفة، على غرار السؤال الأسطوري الذي ~~يرد في اختبارات أكسفورد الذي يفترض أن يكون نصه ببساطة «هل هذا سؤال جيد؟» # للوهلة الأولى، يبدو سؤال «ما معنى الحياة؟» شبيها بذلك النوع من الأسئلة على غرار «ما ~~عاصمة ألبانيا؟» أو «ما لون العاج؟» ولكن هل هو كذلك حقا؟ هل يمكن أن يكون أقرب إلى سؤال ~~«ما مذاق الهندسة؟» # ثمة سبب قياسي إلى حد ما يفسر لم يعتبر بعض المفكرين السؤال الخاص بمعنى الحياة ~~عديم المعنى في حد ذاته. إنها قضية أن المعنى هو مسألة لغة، وليس مسألة أشياء؛ إنها مسألة ~~الأسلوب الذي نتحدث به عن الأشياء، وليست سمة من سمات للأشياء ms02 في حد ذاتها، مثل الملمس أو ~~الوزن أو اللون . فنبات الكرنب أو جهاز رسم القلب ليس لهما معنى في حد ذاتهما؛ ويصبحان هكذا ~~فقط من خلال وجودهما في حديثنا. وبناء على هذه النظرية، يمكننا أن نضفي على حياتنا معنى من ~~خلال حديثنا عنها؛ ولكن لا يمكن أن يكون لها معنى في حد ذاتها، شأنها شأن سحابة في السماء. ~~فلن يكون منطقيا - على سبيل المثال - أن تتحدث عن سحابة باعتبارها إما حقيقية أو مزيفة. ~~فالحقيقة والزيف هما في الواقع وظائف لافتراضاتنا البشرية عن السحب. لكن ثمة مشكلات تكتنف ~~هذه الحجة، كما هو الحال مع معظم الحجج الفلسفية. وسوف ندرس بعضها لاحقا. # لنلق نظرة مختصرة على تساؤل أكثر إلحاحا من سؤال «ما معنى الحياة؟» لعل السؤال الأكثر ~~جوهرية الذي يمكن أن يثار هو «لم يوجد أي شيء على الإطلاق بدلا من لا شيء؟» لماذا يوجد ~~أي شيء يمكننا أن نتساءل «ما الذي يعنيه؟» من الأساس؟ ينقسم الفلاسفة فيما بينهم بشأن ما ~~إذا كان هذا السؤال حقيقيا أم زائفا، وإن كان علماء اللاهوت لا يواجهون أي انقسام في هذا ~~الشأن في معظم الأحيان. فالإجابة عن هذا التساؤل بالنسبة لمعظم علماء اللاهوت هي «الإله». ~~فيقال: إن الإله هو «خالق» الكون، ليس لأنه يعد أقرب لكونه صانعا خارقا، ولكن لكونه ~~السبب في وجود شيء بدلا من العدم. فهو - بحسب قولهم - أساس الوجود. وهذه الحقيقة ستظل ~~سارية بشأنه حتى لو لم يكن للكون بداية. وسيظل السبب في وجود شيء بدلا من لا شيء حتى لو ~~كان هناك شيء منذ الأزل. # إن سؤال «لم يوجد أي شيء بدلا من عدم وجود شيء؟» يمكن ترجمته بشكل تقريبي إلى «كيف نشأ ~~الكون؟» ويمكن اعتبار ذلك سؤالا عن السببية؛ وفي تلك الحالة كان سؤال «كيف نشأ؟» ليعني «من ~~أين نشأ؟» ولكن ذلك بالتأكيد ليس ما يعنيه السؤال. ولو أننا حاولنا الإجابة عن السؤال ~~بالحديث عن كيفية بدء الكون في المقام الأول، فإن تلك الأسباب حتما تمثل جزءا من كل شيء، ms03 ~~وبذلك نعود إلى حيث بدأنا. ولا يمكن سوى لسبب واحد فقط لم يكن جزءا من كل شيء - وهو سبب ~~يسمو فوق الكون، كما هو من المفترض مع الإله - أن يتجنب الاستدراج إلى نطاق الجدل بهذه ~~الطريقة. ومن ثم، فإن هذا في الواقع ليس سؤالا عن كيفية نشأة العالم، وكذلك ليس سؤالا عن ~~سبب وجود الكون - على الأقل بالنسبة لعلماء اللاهوت - إذ إن العالم في رأيهم ليس هدفا له ~~على الإطلاق. فالإله ليس مهندسا سماويا خلق العالم وفي ذهنه هدف محسوب استراتيجيا. إنه ~~فنان قام بخلق العالم لمتعته الذاتية الخاصة وحسب، ومن أجل المتعة الذاتية لعملية الخلق في ~~حد ذاتها. وهكذا، يصبح مفهوما لماذا يعتبر الكثيرون أن الإله لديه شيء من حس الدعابة ~~الملتوي. # إن السؤال «لم يوجد أي شيء بدلا من لا شيء؟» هو بالأحرى تعبير عن الدهشة من وجود عالم ~~من الأساس، في حين أنه كان يمكن ألا يكون هناك أي شيء ببساطة. ولعل ذلك جزء مما كان يدور في ~~ذهن لودفيج فيتجنشتاين حين أشار إلى أن «الغموض لا يكمن في كيفية نشأة العالم، ولكن يكمن في ~~وجوده أصلا.» # 2 # قد يدعي أحدهم أن تلك هي نسخة فيتجنشتاين مما يطلق عليه الفيلسوف الألماني ~~مارتن هايدجر «الكينونة» أو مسألة الوجود. إن سؤال «كيف نشأ الوجود؟» هو السؤال الذي يريد ~~هايدجر العودة إليه. فهو ليس مهتما بكيفية نشأة كيانات محددة بقدر اهتمامه بالحقيقة ~~المثيرة للعقل المتمثلة في وجود كيانات في المقام الأول. وهذه الأمور مفتوحة الآن لإدراكنا ~~واستيعابنا، مثلما لم تكن مفتوحة بسهولة من قبل. # غير أن سؤال «كيف نشأ الوجود؟» بالنسبة للعديد من الفلاسفة - لا سيما الفلاسفة الأنجلو ~~ساكسونيين - يعد نموذجا بارزا للأسئلة الزائفة. ففي رأيهم، لن يكون من الصعب - إن لم يكن ~~من المستحيل - الإجابة عنه فحسب؛ بل إن هناك ريبة عميقة في وجود شيء للإجابة عنه من الأساس. ~~في الواقع إنه - بالنسبة لهم - مجرد طريقة تيوتونية مملة لقول «يا للروعة!» ربما يصلح هذا ~~السؤال لشاعر أو متصوف، ولكنه ms04 لا يصلح للفيلسوف. والحواجز بين المعسكرين في العالم الأنجلو ~~ساكسوني على الأخص محصنة بصرامة. # في عمل مثل «تحقيقات فلسفية»، كان فيتجنشتاين يقظا للفارق بين الأسئلة الحقيقية والأسئلة ~~المزيفة. فيمكن لقطعة لغوية أن تتخذ الشكل النحوي للسؤال، ولكنها في الواقع ليست سؤالا. أو ~~يمكن لقواعدنا النحوية أن تضللنا وتدفعنا نحو الخلط بين نوع من الافتراضات وآخر. فعبارة مثل ~~«ماذا بعد يا بني وطني، ما إن ينتهي العدو ويختفي، ألا يمكننا أن نحقق إنجازات في ساعة ~~الانتصار؟» تبدو في وقعها كسؤال ينتظر إجابة، إلا أنه في الحقيقة سؤال بلاغي قد يكون من غير ~~الحكمة الرد عليه ب «لا شيء». فالكلام يلقى في شكل استفهامي ببساطة من أجل تعزيز قوته ~~الدرامية. والأسئلة على شاكلة «ماذا في هذا؟» و«لم لا تغرب عن وجهي؟» و«فيم تحدق؟» ~~تبدو كأسئلة في وقعها، ولكنها ليست كذلك في الواقع. كذلك قد يبدو السؤال «في أي موضع من ~~الجسم تقع الروح؟» كنوع معقول من الأسئلة لطرحها، ولكن فقط لأننا نفكر فيه على وزن سؤال مثل ~~«في أي موضع من الجسم تقع الكليتان؟» كذلك يتخذ السؤال «أين مركز الحسد لدي؟» شكل سؤال ~~مقبول، ولكن ذلك فقط لأننا نصوغه بلا وعي على وزن «أين إبطي؟» # شكل 1-1: لودفيج فيتجنشتاين، الذي يعتبره الكثيرون أعظم فلاسفة القرن العشرين. ~~(© Hulton ~~Archive/Getty Images) # وقد توصل فيتجنشتاين إلى الاعتقاد بأن الكثير جدا من الألغاز الفلسفية تنشأ من سوء ~~استخدام الناس للغة بهذه الطريقة. ولنأخذ - على سبيل المثال - عبارة «لدي ألم»، والتي ~~تتطابق لغويا مع عبارة «لدي قبعة»، إن هذا التشابه قد يضللنا بالاعتقاد بأن الآلام، أو ~~«الخبرات» بشكل عام، هي أشياء نمتلكها مثلما نمتلك القبعات. ولكن سيكون غريبا أن تقول ~~«فلتأخذ ألمي.» وعلى الرغم من أنه سيكون من المنطقي أن تقول «هل هذه قبعتك أم قبعتي؟» فسوف ~~يبدو غريبا أن تتساءل «هل هذا ألمك أم ألمي؟» ربما يوجد العديد من الأشخاص في إحدى الغرف ~~وهناك ألم ينتشر بين أرجائها؛ وعندما يتلوى كل شخص فيها بدوره من الألم ms05 الشديد، نصيح ~~قائلين: «آه، ها هو الآن بحوزته.» # يبدو هذا مجرد أمر سخيف، ولكنه في الواقع له بعض التداعيات الخطيرة نوعا ما. إن ~~فيتجنشتاين لديه القدرة على فصل القواعد اللغوية لعبارة «لدي قبعة» عن القواعد اللغوية ~~لعبارة «لدي ألم»، ليس فقط بطريقة تلقي الضوء على استخدام الضمائر الشخصية مثل «أنا» و«هو»، ~~وإنما أيضا بطرق تقوض الافتراض القديم الراسخ بأن خبراتي هي نوع من الملكية الخاصة. بل ~~إنها في الواقع تبدو كملكية خاصة ربما أكثر من قبعتي؛ إذ إن بإمكاني إهداء قبعتي للغير، ~~ولكن ليس ألمي. ويوضح لنا فيتجنشتاين كيف أن القواعد اللغوية تخدعنا بدفعنا نحو التفكير ~~بهذا الأسلوب، ولحجته تبعات متطرفة، بل تبعات متطرفة سياسيا. # إن مهمة الفيلسوف - في اعتقاد فيتجنشتاين - لم تتمثل في حسم هذه التساؤلات بقدر ما تمثلت ~~في «تبديدها»؛ أي إظهار أنها نابعة من خلط نوع من «الألعاب اللغوية» - مثلما أطلق عليها - ~~بآخر. فنحن مسحورون ببنية لغتنا، وكانت مهمة الفيلسوف هي تنويرنا من خلال الفصل بين مختلف ~~استخدامات الكلمات. فنظرا لوجود درجة حتمية من التجانس والتماثل بشأنها، تميل اللغة إلى ~~جعل أنواع مختلفة من الكلام تبدو متماثلة إلى حد كبير، مما حدا بفيتجنشتاين إلى التفكير في ~~تذييل كتابه «تحقيقات فلسفية» باقتباس من مسرحية «الملك لير»: «سوف أعلمك ~~الاختلافات.» # لم تكن تلك الرؤية مقتصرة على فيتجنشتاين وحده. فقد توقعها أحد أعظم فلاسفة القرن التاسع ~~عشر أجمع، وهو فريدريك نيتشه، عندما تساءل عما إذا كان السبب في فشلنا في التخلص من فكرة ~~الإله يعزى إلى قواعدنا اللغوية. فلما كانت قواعدنا اللغوية تتيح لنا تركيب وإنشاء الأسماء ~~- والتي تمثل كيانات متمايزة - فإنها تجعل من المقبول أيضا أن يكون هناك إمكانية لوجود نوع ~~من اسم الأسماء - أي كيان خارق يعرف باسم الإله - والذي بدونه قد تتداعى جميع الكيانات ~~الصغيرة الأخرى المحيطة بنا. غير أن نيتشه لم يكن يؤمن بالكيانات الخارقة ولا بالكيانات ~~العادية. فقد كان يعتقد أن مجرد فكرة وجود أشياء مختلفة - مثل الإله أو ثمار عنب الثعلب - ~~كانت مجرد تأثير ms06 تجسيدي للغة. ولا شك أنه كان يؤمن بذلك فيما يتعلق بالذات الفردية، والتي ~~لم يكن يراها أكثر من مجرد خيال مريح. وكما أشار ضمنا في الملحوظة المذكورة أعلاه، ربما ~~هناك قواعد لغوية بشرية لم تكن هذه العملية التجسيدية متاحة فيها. ربما تكون هذه هي لغة ~~المستقبل التي سيتحدث بها الإنسان الخارق الذي تجاوز كليا حدود الأسماء والكيانات ~~المنفصلة، ومن ثم تجاوز فكرة الإله والأوهام الميتافيزيقية المشابهة. ويتبنى الفيلسوف جاك ~~دريدا - وهو مفكر يدين بالكثير من أفكاره لنيتشه - نظرة أكثر تشاؤمية في هذا الصدد. ففي ~~رأيه - وكذا في رأي فيتجنشتاين - أن مثل هذه الأوهام والخيالات الميتافيزيقية هي جزء أصيل ~~من البنية الأساسية للغتنا ولا يمكن استئصالها. وينبغي على الفيلسوف ببساطة أن يشن ضدها ~~حربا متواصلة كحرب كانوت العظيم؛ وهي معركة يراها فيتجنشتاين كنوع من العلاج اللغوي، فيما ~~يطلق عليها دريدا «التفكيك». # 3 # ومثلما كان نيتشه يعتقد أن الأسماء لها تأثير تجسيدي، كذلك قد يعتقد أحدهم ذلك بشأن كلمة ~~«حياة» في سؤال «ما معنى الحياة؟» وسوف نتناول هذا بمزيد من التفصيل لاحقا. كذلك قد يعتقد ~~أن السؤال يغير من شكله دون وعي إلى نوع مختلف تماما من الأسئلة، وأن تلك هي النقطة التي ~~اتخذ فيها مسارا خاطئا. يمكننا أن نقول «هذا يساوي دولارا، وذاك أيضا، إذن كم يساوي ~~الاثنان معا؟» ومن ثم يبدو وكأن بإمكاننا أن نقول أيضا «هذا الجزء من الحياة له معنى، ~~وكذا ذلك الجزء، إذن ما مجموع المعنى الخاص بكل الأجزاء المختلفة؟» ولكن حقيقة أن الأجزاء ~~لها معنى لا تستتبع أن يكون للكل معنى يفوقها، مثلما لا يستتبع بالضرورة أن تؤدي الكثير من ~~الأشياء الصغيرة إلى تكوين شيء واحد كبير لمجرد أنها جميعا ذات لون وردي. # ولا شك أن كل هذا لا يقربنا ولو خطوة إلى معنى الحياة. غير أن الأسئلة تستحق البحث، إذ إن ~~طبيعة أي سؤال لها أهمية في تحديد ما قد يعتبر إجابة له. بل يمكن في الواقع الادعاء بأن ~~الأسئلة - وليس الإجابات - هي الشيء الصعب. ms07 فمن المعروف جيدا أي نوع من الإجابات يمكن ~~لسؤال تافه أن يثيرها ، فيما يمكن لطرح النوع المناسب من الأسئلة أن يفتح عالما كاملا ~~جديدا من المعرفة، مما يجلب تساؤلات حيوية أخرى تهرول في أعقابها. ويرى بعض الفلاسفة - من ~~المنتمين لما يدعى الحركة الفكرية التفسيرية - أن الواقع أيا كان شكله هو ما يقدم إجابة ~~لأي سؤال. والواقع - الذي يشبه مجرما محنكا لا يتكلم تلقائيا دون أن يتم استجوابه أولا ~~- لن يجيبنا إلا بما يتوافق مع نوعيات التساؤلات التي نطرحها عليه. وقد ذكر كارل ماركس ذات ~~مرة - بشكل غامض نوعا ما - أن البشر لا يثيرون مثل هذه المسائل إلا بالقدر الذي يستطيعون ~~حله؛ بمعنى أنه ربما إذا كان لدينا العتاد المفاهيمي اللازم لطرح السؤال، يكون لدينا ~~مبدئيا الوسيلة لتحديد إجابة له. # ويعزى هذا جزئيا إلى أن الأسئلة لا تطرح بمعزل عن السياق المحيط، صحيح أن إجاباتها لا ~~تكون مربوطة بسهولة في أذنابها، ولكنها تلمح إلى نوعية الاستجابة التي من شأنها على الأقل ~~أن يعتد بها كإجابة لها. إنها توجهنا في نطاق محدود من الاتجاهات، مشيرة لنا للموضع الذي ~~يجب أن نبحث فيه عن حل. لن يكون من الصعب أن تكتب تاريخ المعرفة في إطار نوعية الأسئلة التي ~~رأى الرجال والنساء أنه من الممكن أو من الضروري طرحها. وليس كل سؤال متاح في أي وقت. فلم ~~يستطع رامبرانت أن يتساءل ما إذا كان التصوير الفوتوغرافي قد جعل الرسم الواقعي إسهابا ~~فائضا عن الحاجة. # بالطبع لا نقصد بهذا الإيحاء بأن جميع الأسئلة يمكن الإجابة عنها. فنحن نميل إلى الاعتقاد ~~بأنه حيثما وجدت مشكلة فلا بد أن يكون هناك حل، مثلما نميل بشكل غريب نوعا ما إلى تخيل أن ~~الأشياء المفككة إلى شظايا وأجزاء صغيرة لا بد دائما من جمعها مرة أخرى في كيان واحد. ولكن ~~هناك الكثير من المشكلات التي لن نجد لها حلولا مطلقا على الأرجح، إلى جانب أسئلة ستظل ~~بلا إجابة إلى الأبد. فلا يوجد سجل بعدد الشعرات التي كانت تزين رأس ms08 نابليون حين وفاته، ولن ~~يتسنى لنا الآن أن نعرف ذلك مطلقا. ربما لا يكون المخ البشري مؤهلا ببساطة لحسم أسئلة ~~معينة، مثل أصل الذكاء. ولعل هذا يعزى لعدم وجود حاجة تطورية لدينا للقيام بذلك، وإن كان لا ~~يوجد لدينا أيضا حاجة تطورية لفهم كتاب «صحوة فينيجان» أو فهم قوانين الفيزياء. كذلك توجد ~~أسئلة لا نعرف إجابتها لأنه في الحقيقة لا توجد لها إجابات، مثل عدد أبناء السيدة ماكبث، أو ~~ما إذا كان شرلوك هولمز لديه شامة صغيرة في الجزء الداخلي من فخذه. فلا يمكننا أن نجيب عن ~~ذلك السؤال الأخير بالنفي مثلما لا نستطيع الإجابة عنه بالإثبات. # إذن من الممكن أن يكون هناك بالفعل إجابة للسؤال الخاص بمعنى الحياة، ولكننا لن نعرف ~~مطلقا ما هي. وإذا كان الأمر كذلك، فنحن إذن في موقف أشبه بموقف راوي قصة هنري جيمس ~~«الصورة في السجادة»، والذي أخبره مؤلف شهير، يكن له الأول إعجابا، أن هناك مقصدا ~~خفيا في عمله، وهو مقصد ضمني غير ظاهر في كل صورة مجازية وفي كل تعبير. ولكن يموت المؤلف ~~قبل أن يتمكن الراوي الحائر ذو الفضول الجامح من اكتشاف ماهية هذا المقصد. وربما كان المؤلف ~~يخدعه، أو ربما كان يعتقد أن هناك مقصدا خفيا في عمله، إلا أنه لم يكن هناك أي مقصد. أو ~~لعل الراوي يرى هذا المقصد بطريقة ما طوال الوقت دون إدراك حقيقة أنه قد أدركه. أو ربما كان ~~أي مقصد ينجح هو نفسه في إنشائه من شأنه أن يفي بالغرض. # بل إنه من المفهوم أن عدم معرفة معنى الحياة هو جزء من معنى الحياة، مثلما يساعدني عدم ~~حساب عدد الكلمات التي أنطق بها حين ألقي كلمة عقب حفل عشاء على إلقاء تلك الكلمة. فلعل سر ~~استمرار الحياة يكمن في جهلنا بمعناها الأساسي، مثلما هو حال الرأسمالية بالنسبة لكارل ~~ماركس. وقد كان الفيلسوف آرثر شوبنهاور يظن شيئا من هذا القبيل، وكان هذا هو الحال بشكل ما ~~بالنسبة لسيجموند فرويد. كذلك يرى نيتشه في كتابه «مولد ms09 المأساة» أن معنى الحياة رهيب ~~بالنسبة لنا بشكل نعجز عن التعايش معه ، وهو ما يفسر حاجتنا لأوهامنا المواسية إذا أردنا أن ~~نواصل المسيرة. فما نسميه «حياة» ما هو إلا وهم ضروري، وبدون مزيج ضخم من الخيال، كان ~~الواقع ليصل إلى نقطة جمود. # توجد أيضا مشكلات أخلاقية ليس من الممكن أن يكون لها حل. فلما كان هناك صنوف مختلفة من ~~الفضائل الأخلاقية - مثل الشجاعة والشفقة والعدل، وما إلى ذلك - ولما كانت هذه القيم غير ~~قابلة للمقارنة مع بعضها البعض أحيانا، فمن الممكن أن تدخل في صراع مأساوي مع بعضها. وكما ~~علق عالم الاجتماع ماكس فيبر بأسلوب ينم عن البؤس: «إن التوجهات الممكنة نحو الحياة غير ~~قابلة للمصالحة، ومن ثم فإن صراعها لا يمكن الوصول به إلى نهاية حاسمة.» # 4 # ويكتب إيزايا برلين في نبرة مشابهة أن «العالم الذي نواجهه في الواقع هو عالم ~~نواجه فيه اختيارات مطلقة بنفس الدرجة، وإدراك بعضها يعني حتما التضحية بالأخرى.» # 5 # قد يقول أحدهم إن ذلك يعكس توجها مأساويا بعينه لليبرالية، والذي هو - على ~~العكس من عقيدة يومنا الساذجة المتمثلة في «الاختيارات» أو «الخيارات» - معد لتقدير الخسائر ~~المدمرة لالتزامها بالحرية والتنوع. كما يتعارض مع نوع أكثر تفاؤلا من الليبرالية تمثل له ~~التعددية منفعة أصيلة والصراع بين القيم الأخلاقية مصدرا للتحفيز بشكل دائم. ولكن الحقيقة ~~هي أن هناك مواقف يمكن أن يخرج منها المرء بأيد مدنسة. فمع الضغط الشديد، يبدأ كل قانون ~~أخلاقي في التفكك والانهيار. وقد كان الروائي توماس هاردي مدركا تماما أن بإمكان المرء أن ~~يوقع نفسه في مآزق أخلاقية دون قصد، سوف يضار فيها شخص ما ضررا بالغا، مهما كان الأسلوب ~~الذي تتحرك به. فلا توجد ببساطة إجابة للسؤال الخاص بأي من أبنائك يجب أن تضحي إذا ما أمرك ~~جندي نازي بتسليم أحدهم لكي يقتل. # 6 # ثمة شيء من هذا القبيل يسري على الحياة السياسية أيضا. فمن الواضح بلا شك أن الحل الوحيد ~~للإرهاب هو إقامة العدالة السياسية. والإرهاب بهذا المعنى - مهما بلغ من ms10 الوحشية - ليس ~~أمرا لاعقلانيا: فهناك حالات مثل أيرلندا الشمالية يدرك فيها من يستخدمون الإرهاب ~~للترويج لأهدافهم وغاياتهم السياسية أن مطالبهم بالعدالة والمساواة تلبى ولو بشكل جزئي على ~~الأقل، ويستنتجون أن استخدام الترويع والإرهاب قد أصبح الآن يأتي بنتائج عكسية، ويتفقون على ~~نبذه. أما فيما يتعلق بالشكل القائم للإرهاب الأصولي الإسلامي، فنجد من يدعون أنه حتى لو ~~لبيت مطالب العرب - أي إذا تم تطبيق حل عادل للقضية الفلسطينية الإسرائيلية، وتم إبعاد ~~القواعد العسكرية الأمريكية من المنطقة العربية، وما إلى ذلك - فلسوف تستمر عمليات ذبح ~~وتشويه المدنيين الأبرياء. # ربما ستستمر، ولكن هذا قد لا يعني أكثر من أن المشكلة قد تصاعدت الآن لتتجاوز جميع الحلول ~~الممكنة. وليس بالضرورة أن يكون هذا حكما انهزاميا، بل واقعيا ببساطة. فالقوى الهدامة ~~التي تنبثق من القضايا القابلة للمعالجة يمكن أن تتخذ قوة دافعة مميتة من نفسها لن يكون ~~هناك ما يوقفها في النهاية. ربما يكون قد فات أوان إيقاف انتشار الإرهاب، وهو ما يعني عدم ~~وجود حل لمشكلة الإرهاب؛ وهو افتراض سيكون مستحيلا على معظم السياسيين التعبير عنه علانية، ~~ولن يكون مستساغا لدى معظم الأشخاص الآخرين، لا سيما الأمريكيين المدمنين للتفاؤل. ومع ذلك ~~فقد تكون هذه هي الحقيقة. فلم ينبغي لأحد أن يتخيل أنه حين توجد مشكلة دائما ما يوجد ~~حل؟ # ولعل من أقوى الأسئلة المرتبطة بمعنى الحياة التي ليس لها حل متفائل هو ما يعرف ~~بالتراجيديا. فمن بين جميع الأشكال الفنية، تعد التراجيديا هي الشكل الذي يواجه مسألة معنى ~~الحياة بأكبر قدر من الاستقصاء والإصرار، ولديه الاستعداد لتناول أبشع الإجابات الخاصة به ~~بشجاعة واستبسال. إن التراجيديا في أرقى صورها هي انعكاس شجاع للطبيعة الأساسية للوجود ~~الإنساني، وتعود أصولها إلى الثقافة الإغريقية القديمة، التي تتسم فيها الحياة بأنها هشة ~~ومحفوفة بالمخاطر، وحساسة بشكل مثير للاشمئزاز. فالعالم في منظور التراجيديين القدماء قابل ~~للاختراق بشكل متقطع من قبل الضوء الهزيل للعقل، وأفعال الماضي تلقي بظلالها على طموحات ~~الحاضر لخنقها في مهدها، والرجال والنساء يجدون أنفسهم يئنون في قبضة ms11 قوى انتقامية بشكل ~~وحشي تهدد بتمزيقهم إربا. ولا يمكنك أن تأمل البقاء سوى من خلال توخي الحذر بينما تبحث عن ~~طريق محفوف بالمخاطر لتسير فيه عبر حقل ألغام الوجود الإنساني، معلنا الولاء والتبعية ~~لآلهة متقلبة بشكل وحشي نادرا جدا ما تستحق الاحترام الإنساني، ناهيك عن الإجلال ~~والتوقير الديني. والقوى البشرية الأساسية التي قد تسمح لك بإيجاد موطئ قدم لك في تلك الأرض ~~المقلقلة دائما ما تهدد بالخروج عن نطاق السيطرة، لتنقلب عليك وتطرحك أرضا. وتلك هي ~~الظروف المخيفة التي أصدر فيها كورس مسرحية «أوديب ملكا» لسوفوكليس حكمه النهائي الكئيب: ~~«لا تصف رجلا بأنه سعيد إلا عندما يموت خاليا من الألم في النهاية.» # قد يكون ذلك إجابة لمشكلة الوجود الإنساني، ولكنه بالكاد يعتبر حلا لها. فغالبا ما لا ~~توجد إجابة - في منظور التراجيديا - تفسر لماذا تتعرض حياة الأفراد للتحطم والتشويه بشكل ~~يفوق الاحتمال، أو لماذا يبدو أن الظلم والاضطهاد يتوليان دفة السيطرة في الشئون الإنسانية، ~~أو لماذا ينخدع البشر بما يدفعهم لأكل لحم أطفالهم المذبوحين مشويا. أو بالأحرى إن ~~الإجابة الوحيدة تكمن في المرونة التي تواجه بها هذه القضايا، والعمق والبراعة اللذين تصاغ ~~بهما. فالتراجيديا في أقوى صورها هي سؤال بلا إجابة، مما يحرمنا بشكل متعمد من إيجاد السلوى ~~الأيديولوجية. وإذا كانت تظهر في كل إيماءة وإشارة أن الوجود الإنساني لا يمكن أن يستمر على ~~هذا النحو، فإنها بذلك تتحدانا لإيجاد حل لعذابه وهذا لا يعدو كونه حلقة أخرى من التفكير ~~التواق، أو الإصلاح التدريجي، أو الإنسانية العاطفية، أو علاجا مثاليا عاما. ومن خلال ~~تصويرها لعالم في حاجة ملحة للخلاص، فإنما تلمح في الوقت ذاته إلى أن فكرة الخلاص قد تكون ~~مجرد وسيلة أخرى لتشتيت أنفسنا عن إرهاب يهدد بتحويلنا إلى حجارة. # 7 # ويذهب هايدجر في كتابه «الوجود والزمن» إلى أن البشر يتميزون عن المخلوقات الأخرى بقدرتهم ~~على وضع وجودهم رهن التساؤل والتشكيك. فهم المخلوقات التي يمثل لها الوجود في حد ذاته - ~~وليس مجرد سمات معينة به - إشكالية. فهذا الموقف أو ms12 ذاك قد يثبت أنه محل إشكالية لخنزير ~~وحشي أفريقي، ولكن - بحسب النظرية - البشر هم تلك الحيوانات غريبة الأطوار التي تواجه ~~موقفها كسؤال، أو مأزق، أو مصدر للقلق، أو باعث للأمل، أو عبء، أو هبة، أو خوف، أو سخف. ~~ويصح ذلك بشكل خاص نظرا لوعيهم بأن وجودهم متناه، ربما على عكس الخنازير الأفريقية. فربما ~~يكون البشر هم الحيوانات الوحيدة التي تعيش في الظل الأبدي للموت. # ومع ذلك، فهناك شيء «عصري» بشكل مميز فيما يتعلق بحجة هايدجر. وهذا الشيء بالطبع ليس أن ~~أرسطو أو أتيلا الهوني لم يكونا على وعي بأنهما بشر فانون، رغم أن الأخير كان على الأرجح ~~أكثر وعيا بفنائية الآخرين من فنائيته. ومن الصحيح أيضا أن البشر - لا سيما بسبب امتلاكهم ~~للغة - لديهم القدرة على إضفاء طابع موضوعي مادي على وجودهم بطريقة لا تستطيع السلاحف ~~اتباعها على الأرجح. بإمكاننا الحديث عن ما يسمى «الحالة البشرية»، في حين أنه من المستبعد ~~أن تحضن السلاحف بيضها في حماية أصدافها بحكم حالتها كسلاحف. والسلاحف في هذا السياق تشبه ~~على نحو لافت أتباع حركة ما بعد الحداثة، الذين يعتبرون فكرة الحالة البشرية فكرة غريبة ~~بالقدر نفسه. بعبارة أخرى، تتيح لنا اللغة ليس فقط فهم أنفسنا، بل أيضا وضع تصور لموقفنا ~~ككل. ونظرا لأننا نعيش بالرموز التي تجلب معها القدرة على التجريد، فإن بمقدورنا أن نفصل ~~أو نبعد أنفسنا عن سياقاتنا المباشرة، ونحرر أنفسنا من سجن حواسنا الجسدية، والتفكير في ~~الموقف الإنساني في حد ذاته. غير أن قوة التجريد - شأنها شأن النار - هبة يكتنفها الغموض؛ ~~فهي تارة إبداعية، وتارة هدامة. وإذا أتاحت لنا التفكير في إطار مجتمعات كاملة، فإنها تتيح ~~لنا أيضا تدميرها بالأسلحة الكيماوية. # ولا يقتضي هذا النوع من الإبعاد الانسلاخ من جلدنا، أو تأمل العالم من نقطة مراقبة ~~أوليمبية. فالتأمل في وجودنا في العالم هو جزء من أسلوب وجودنا في هذا العالم. وحتى لو تبين ~~أن «الموقف الإنساني في حد ذاته» مجرد سراب ميتافيزيقي، كما يصر فكر ما بعد الحداثة، فإنه ~~يظل ms13 موضع تأمل ممكن. إذن فلا شك أن هناك معنى في زعم هايدجر. فقد تكون الحيوانات الأخرى ~~قلقة مثلا بشأن الهروب من الوحوش الضارية، أو إطعام صغارها، ولكنها لا تظهر انزعاجها مما ~~أطلق عليه «القلق الوجودي»: أي شعور المرء (المصحوب أحيانا بثمالة شديدة على نحو خاص) ~~بأنه كائن سطحي بلا فائدة؛ «عاطفة بلا جدوى» بحسب تعبير جان بول سارتر. # ومع ذلك، فإن الحديث عن الخوف والقلق والغثيان والسخف وما شابه باعتبارها سمات تميز ~~الحالة البشرية أكثر شيوعا بين فناني وفلاسفة القرن العشرين من نظرائهم في القرن الثاني ~~عشر. فما يميز الفكر الحديث على مدار تاريخه هو الاعتقاد بأن الوجود الإنساني أمر «عرضي»؛ ~~أي ليس له أساس أو هدف أو اتجاه أو ضرورة، وأن نوعنا البشري ربما كان من السهل ألا يكون له ~~وجود على الكوكب مطلقا. وهذه الاحتمالية من شأنها أن تفرغ وجودنا الفعلي، مقحمة خلاله الظل ~~الأبدي للموت والخسارة. فحتى في أكثر لحظاتنا نشوة ومرحا، نكون واعين قليلا بأن الأساس ~~غير مستقر تحت أقدامنا؛ بمعنى أنه لا يوجد أساس موثوق لا غبار عليه لهويتنا وما نفعله، مما ~~قد يجعل أروع لحظاتنا أكثر قيمة، أو قد يعمل على التقليل من قيمتها بشكل بالغ. # وليست هذه من وجهات النظر التي كانت لتلقى الكثير من التأييد والدعم بين فلاسفة القرن ~~الثاني عشر، الذين كان لديهم أساس قوي للوجود الإنساني يعرف بالإله. ولكن حتى بالنسبة لهم، ~~لم يكن ذلك يعني أن وجودنا في العالم كان ضروريا. بل إن الاعتقاد في ذلك كان ليعتبر من ~~باب الهرطقة. فالادعاء بأن الإله يفوق خلقه يعني القول - من بين أشياء أخرى - بأنه لم يكن ~~بحاجة لخلقه. لقد فعل ذلك من منطلق الحب، وليس من منطلق الحاجة؛ وهذا يشمل خلقنا نحن أيضا. ~~فالوجود الإنساني لا مبرر له - أي مسألة فضل وهبة - وليس أمرا حتميا لا مفر منه. فقد كان ~~بمقدور الإله الاستمرار والنجاح من دوننا، وكان ليحظى بحياة أكثر هدوءا وسكينة لو كان قد ~~فعل. ومثل أب لطفل صغير ms14 مزعج، ربما وصل لحد الندم على قراره بالإقدام على الأبوة. فقد عصى ~~البشر قوانين الإله في البداية، ومما زاد الطين بلة أنهم فقدوا إيمانهم به تماما بعد ذلك ~~مع استمرارهم في الاستهزاء بأوامره. # إذن قد يكون هناك اتجاه معين يمثل فيه التساؤل عن تفاصيل معنى الحياة شيئا ممكنا دائما ~~للبشر؛ بل جزءا مما يجعلنا ما نحن عليه الآن من المخلوقات. فيثير أيوب في العهد القديم ~~السؤال بنفس إصرار جان بول سارتر تقريبا. غير أن السؤال - بالنسبة لمعظم العبرانيين ~~القدماء - كان على الأرجح سؤالا في غير محله؛ نظرا لوضوح الإجابة. فقد كان ~~يهوه (رب العبرانيين) وقوانينه هم معنى الحياة، ~~وعدم إدراك ذلك كان أمرا لا مجال للتفكير فيه تقريبا. وحتى أيوب - الذي كان يرى أن الوجود ~~الإنساني (أو على الأقل الجزء الخاص به منه) خطيئة مريعة يجب محوها في أسرع وقت ممكن - ~~يعترف بوجود يهوه كلي القدرة. # ربما كان السؤال «ما معنى الحياة؟» سيبدو في نظر العبراني القديم سؤالا غريبا شأنه شأن ~~سؤال «هل تؤمن بالإله؟» فالسؤال الأخير، بالنسبة لمعظم الناس اليوم، بمن فيهم الكثير من ~~المؤمنين الأتقياء، مصاغ بلا وعي على غرار أسئلة مثل «هل تؤمن ببابا نويل؟» أو «هل تؤمن ~~بظاهرة الاختطاف الفضائي؟» وبناء على هذه النظرية، فإن هناك كيانات بعينها، بدءا من الإله ~~وحيوان الييتي، وصولا إلى وحش بحيرة لوخ نيس وطواقم الأجسام الطائرة مجهولة الهوية، قد ~~يكون أو لا يكون لها وجود. والأدلة فيما يتعلق بهذا الأمر ملتبسة والآراء منقسمة، ولكن أي ~~عبراني قديم لم يكن ليتخيل على الأرجح أن سؤال «هل تؤمن بالإله؟» يعني أي شيء من هذا ~~القبيل. فلما كان وجود يهوه معلنا ومصرحا به من السموات والأرض، فإن السؤال يعني فقط: «هل ~~تؤمن به؟» لقد كانت مسألة ممارسة، وليس افتراضا فكريا. لقد كان يسأل عن علاقة، وليس عن ~~رأي. # إذن ربما كانت شعوب ما قبل الحداثة بشكل عام - على الرغم من ادعاءات هايدجر شديدة ~~العمومية - قد ابتليت بدرجة أقل بسؤال معنى الحياة منا نحن ms15 الشعوب المعاصرة. ولم يكن ذلك ~~يرجع فقط لأن معتقداتهم الدينية كانت أقل عرضة للتساؤل، ولكن أيضا لأن ممارساتهم ~~الاجتماعية كانت أقل إشكالية. ربما كان أساس معنى الحياة في مثل هذه الظروف يكمن إلى حد ما ~~في القيام بما كان يفعله أجدادك، وما كانت تتوقعه منك الأعراف الاجتماعية العتيقة. فالدين ~~والأساطير متواجدان من أجل توجيهك فيما هو مهم بشكل أساسي. وفكرة أن من الممكن أن يكون هناك ~~معنى فريد لحياتك بالنسبة لك - يختلف إلى حد كبير عن معنى حياة الآخرين - لم تكن لتحصد ~~الكثير من الأصوات المؤيدة. فمعنى حياتك يتألف بشكل عام من وظيفته ضمن كيان كلي أعظم. وخارج ~~هذا السياق أنت مجرد دلالة جوفاء لا معنى لها. فكلمة «فرد» تعني في الأصل «لا يتجزأ» أو «لا ~~ينفصل عن». ويبدو أن شخصية أوديسيوس التي رسمها هوميروس تشعر بهذا تقريبا، فيما يبتعد ~~هاملت شكسبير عن هذا الشعور بشكل شبه مؤكد. # إن الشعور بأن معنى حياتك هو وظيفة ضمن كيان أعظم لا يتعارض إطلاقا مع امتلاك إحساس قوي ~~بالفردية. فمعنى الفردية - وليس حقيقتها - هو ما على المحك هنا. وهذا لا يعني أن الناس في ~~عصر ما قبل الحداثة لم يكونوا يسألون أنفسهم عن هويتهم أو ماذا يفعلون هنا. إن ما نعنيه ~~ببساطة أنهم كانوا فيما يبدو أقل حماسا بشكل عام إزاء هذا السؤال من ألبير كامو أو تي إس ~~إليوت على سبيل المثال، ويرتبط ذلك بشكل كبير بإيمانهم الديني. # ولو أن ثقافات ما قبل الحداثة بشكل عام كانت أقل انشغالا بمعنى الحياة من فرانز كافكا، ~~لكان الشيء نفسه قد انطبق فيما يبدو على ثقافات ما بعد الحداثة. ففي المناخ البراجماتي الذي ~~يتمتع بالقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة الذي تتميز به رأسمالية ما قبل الحداثة ~~المتقدمة، بتشكيكها في الصور الكبيرة والسرديات الكبرى، وتحررها الواقعي من كل ما هو ~~ميتافيزيقي، تعتبر «الحياة» واحدة ضمن سلسلة كاملة من الكيانات الكلية غير الموثوق بها. ~~فنحن مطالبون بالتفكير على نطاق محدود بدلا من التفكير على نطاق كبير ms16 وطموح؛ في الوقت ~~الذي يفعل فيه بعض ممن يسعون لتدمير الحضارة الغربية العكس تماما، وهو ما يثير السخرية. ~~وفي إطار الصراع الدائر بين الرأسمالية الغربية والإسلام المتطرف، نجد ندرة في الإيمان في ~~مواجهة وفرة بالغة منه. فيجد الغرب نفسه في مواجهة هجوم ميتافيزيقي عنيف بالتزامن مع ~~المرحلة التاريخية التي تجرد فيها من الأسلحة الفلسفية إن جاز التعبير. وفيما يتعلق بمسألة ~~الإيمان، تفضل حركة ما بعد الحداثة التنقل بأقل عدد من الأحمال: فلا شك أن لها معتقدات، ~~ولكن ليس لديها إيمان. # حتى «المعنى» يتحول إلى مصطلح مشكوك فيه لدى مفكري ما بعد الحداثة مثل الفيلسوف الفرنسي ~~جيل دولوز. فهذا المصطلح يفترض أن شيئا واحدا يمكن أن يمثل أو يرمز لآخر، وهو افتراض يجده ~~البعض باليا. وهكذا تسقط فكرة التأويل فريسة للهجوم. فالأشياء بصراحة شديدة تعبر عن نفسها ~~فقط، وليست رموزا مبهمة لشيء آخر؛ فما تراه هو ما يصل إليك. أما المعنى والتأويل، فيتضمنان ~~رسائل وآليات خفية؛ أعماق متراصة أسفل أسطح، ولكن هذا النموذج الكلي للسطح/العمق - من منظور ~~فكر ما بعد الحداثة - يبدو مشابها لميتافيزيقا عتيقة الطراز. ونفس الشيء مع الذات، التي لم ~~تعد مسألة ثنايا سرية وأعماقا داخلية، ولكنها الآن مفتوحة للفحص والمشاهدة باعتبارها شبكة ~~لا مركزية وليست روحا مراوغة بشكل غامض. # لم يكن هذا ينطبق على طريقة ما قبل الحداثة في تفسير العالم التي نعرفها بالقصص الرمزية. ~~فالأشياء من منظور القصة الرمزية لا تحمل معانيها على وجوهها؛ بل لا بد من فهمها كرموز ~~«لنص» ضمني أو حقيقة متوارية من نوع أخلاقي أو ديني في الغالب. فيرى القديس أوغسطينوس أن ~~الاهتمام بالأشياء في حد ذاتها إنما يعكس أسلوبا شهوانيا منحلا للوجود؛ بل لا بد بدلا ~~من ذلك أن نقرأها في إطار الرموز والدلالات، باعتبارها تشير إلى النص الإلهي الذي هو الكون، ~~متجاوزة حدود نفسها. وتسير دراسة الرموز جنبا إلى جنب مع فكرة الخلاص، وينفصل فكر الحقبة ~~المعاصرة عن هذا النموذج في جانب، فيما يظل ملتزما به في آخر. فلم يعد المعنى ms17 جوهرا ~~روحانيا مدفونا أسفل سطح الأشياء. ولكنه يظل بحاجة للتنقيب عنه، إذ إن العالم لا يبوح به ~~من تلقاء نفسه. ومن بين الأسماء التي تطلق على هذه المغامرة التنقيبية العلم، والذي يسعى من ~~منطلق رؤية معينة له للكشف عن القوانين والآليات الخفية التي تعمل الأشياء بموجبها. ويظل ~~هناك أعماق، ولكن ما لديه تأثير فعلي منها الآن هو الطبيعة وليس الألوهية. # بعد ذلك دفعت حركة ما بعد الحداثة تلك الحركة العلمانية خطوة أخرى للأمام. فهي تصر على ~~أنه طالما لا يزال لدينا أعماق وجوهر وأسس، فإننا لا نزال في الحضرة المهيبة للإله، أي إننا ~~لم نتخلص من فكرة الإله تماما حقا، بل ببساطة منحناها مجموعة من الأسماء المهيبة ~~الجديدة، مثل الطبيعة والإنسان والعقل والتاريخ والنفوذ والرغبة، وما إلى ذلك. وبدلا من ~~تفكيك تلك المنظومة الكاملة العتيقة للميتافيزيقا واللاهوت، قمنا ببساطة بمنحها محتوى ~~جديدا. وليس بإمكاننا أن نتحرر إلا بالانفصال عن المفهوم الكلي للمعنى «العميق»، الذي ~~سيغرينا دوما بملاحقة وهم معنى المعاني. وقطعا، لا يعني أن نكون أحرارا أن نكون أنفسنا؛ ~~لأننا قمنا أيضا بتفكيك الجوهر الميتافيزيقي المعروف بالذات. ومن ثم يظل تحديد من سيمنح ~~تلك الحرية من خلال هذا المشروع نوعا من الألغاز إلى حد كبير. وربما تكون حركة ما بعد ~~الحداثة، بما لديها من نفور من الأسس المطلقة، قد قامت أيضا بتسريب مثل هذه القواعد ~~المطلقة إلى المناقشة سرا. وهذه القواعد بالتأكيد ليست الإله أو العقل أو التاريخ، لكنها ~~تتصرف على نفس النحو شبه المطلق. وعلى غرار القواعد المطلقة الأخرى، من المستحيل أن نتوغل ~~تحتها، وهو ما يعرف لدى حركة ما بعد الحداثة بالثقافة. ~~••• # تميل التساؤلات الخاصة بمعنى الحياة - حين تطلق على نطاق كبير - للظهور في الفترات التي ~~تقحم خلالها الأدوار والمعتقدات والأعراف المسلم بها في أزمة. وربما لا يكون من باب ~~المصادفة أن معظم الأعمال التراجيدية المتميزة تميل للظهور في تلك اللحظات أيضا. ولا يعني ~~هذا إنكار أن سؤال معنى الحياة قد يكون سؤالا ساريا دوما. ولكن بالتأكيد لا ms18 يوجد انفصال ~~بين ما يطرحه كتاب هايدجر «الوجود والزمن» من قضايا وبين حقيقة أن الكتاب قد تم تأليفه في ~~فترة من فترات اللغط التاريخي تلك، إذ ظهر في أعقاب الحرب العالمية الأولى. كذلك نشر كتاب ~~جان بول سارتر «الوجود والعدم» - والذي يتناول أيضا مثل هذه القضايا الخطيرة - في منتصف ~~فترة الحرب العالمية الثانية؛ فيما ازدهرت الوجودية بشكل عام - بما تشمله من وعي بسخافة ~~الحياة الإنسانية - خلال العقود التي أعقبت هذه الحرب. ربما يكون جميع الرجال والنساء ~~يتفكرون في معنى الحياة؛ ولكن لأسباب تاريخية وجيهة، يساق البعض إلى التفكر فيه بمزيد من ~~الإلحاح مقارنة بالآخرين. # إذا كنت مرغما على التحقيق في معنى ~~الوجود على نطاق موسع، فمن المحتمل أن تسير الأمور في اتجاه الفشل. أما التحقيق في معنى ~~وجود المرء نفسه فأمر مختلف، إذ قد يدعي أحدهم أن مثل هذا التأمل الذاتي جزء لا يتجزأ من ~~مسألة عيش حياة كاملة. ومن ثم سوف يبدو ذلك الشخص الذي لم يسبق له أن سأل نفسه كيف تسير ~~حياته وهل من الممكن أن تتحول إلى الأحسن مفتقدا للوعي الذاتي بشكل غريب. ومن المحتمل في ~~تلك الحالة أن يكون هناك جوانب عدة لا تسير فيها حياته بشكل جيد كما قد ينبغي. فحقيقة أنه ~~لا يسأل نفسه إلى أي مدى تتوافق الأشياء مع حياته إنما تشير إلى أنها لا تتوافق معها بشكل ~~جيد كما ينبغي. أما إذا كانت حياتك تسير بيسر بشكل رائع، فإن من بين أسباب هذا هو أنك - على ~~الأرجح - تفكر مليا من حين لآخر فيما إذا كنت بحاجة إلى إصلاح أو تغيير. # وعلى أية حال، فإن الوعي بحقيقة أنك تسير في حياتك بشكل جيد يعزز على الأرجح من إحساسك ~~بالسعادة؛ ويبدو من غير المعقول ألا تضيف هذه الميزة الإضافية المستحسنة إلى حالتك العامة ~~من السعادة والرضا. بعبارة أخرى، ليس صحيحا أنك تشعر بالسعادة فقط إذا كنت لا تدركها. ~~والتأمل الذاتي دائما ما يكون محبطا بشكل مميت لتلك الرؤية الرومانسية إلى حد السذاجة. ~~وهذا ms19 هو ما قد يطلق عليه المرء نظرية الاجتياز الخطر للهاوية في الحياة: فكر في الأمر وسوف ~~يصيبك الفشل في الحال. ولكن معرفة الكيفية التي تتوافق بها الأمور معك هو شرط أساسي لمعرفة ~~ما إذا كان عليك محاولة تغييرها، أم أن تبقي عليها كما هي تقريبا. فالمعرفة بمثابة عامل ~~مساعد للسعادة وليست غريما لها. # غير أن السؤال عن معنى وجود الإنسان في حد ذاته يوحي بأننا ربما قد نكون ضللنا طريقنا ~~بشكل جماعي، مهما كنا نرتحل فرادى. في فترة ما حوالي عام 1870 أو 1880 في بريطانيا، بدأت ~~خيوط بعض الحقائق اليقينية الفيكتورية بشأن هذا السؤال في التكشف؛ لذلك نجد أن توماس هاردي ~~وجوزيف كونراد مثلا يطرحان سؤال معنى الحياة بإلحاح من المستحيل تخيله في حالة ويليام ~~ثاكاري وأنتوني ترولوب. وبالمثل جين أوستن، التي سبقت هؤلاء الكتاب. بالطبع أثار الفنانون ~~السؤال قبل عام 1870، ولكن نادرا ما كانوا يطرحونه كجزء من «ثقافة» كاملة قائمة على ~~التساؤل والتشكيك. وبحلول العقود الأولى من القرن العشرين، اتخذت هذه الثقافة - بمخاوفها ~~الوجودية الملازمة لها - شكل الحداثة، وهي تيار أنتج بعضا من أبرز أعمال الفن الأدبي التي ~~شهدها الغرب على الإطلاق. ومع تحدي كل ما هو تقليدي من قيم واعتقادات ومؤسسات، باتت الظروف ~~مهيأة الآن للفن كي يطرح أكثر الأسئلة الاستقصائية عن مصير الثقافة الغربية في حد ذاتها، ~~ومصير الإنسانية نفسها. ولا شك أن أحد أتباع الماركسية السوقية من ذوي العقليات الكئيبة قد ~~يدرك وجود علاقة بين هذا الحراك الثقافي وبين الكساد الاقتصادي في نهاية العصر الفيكتوري، ~~واندلاع الحرب الإمبريالية العالمية في عام 1916، والثورة البلشفية، وصعود الفاشية، والأزمة ~~الاقتصادية في فترة ما بين الحربين العالميتين، وظهور الستالينية، وانتشار الإبادة ~~الجماعية، وما شابه. نحن أنفسنا نفضل أن نحصر تخميناتنا وأفكارنا بشكل أقل سوقية في الحياة ~~المعرفية والفكرية. # خلف هذا الأسلوب الخصب والمتمرد في التفكير آثارا لاحقة - كما رأينا - في الوجودية؛ ولكن ~~بحلول خمسينيات القرن العشرين تعرض للانحسار بشكل عام ليظهر على السطح مرة أخرى في موجة ~~لاحقة من ms20 الازدهار في الثقافات المضادة في ستينيات القرن العشرين؛ ولكن بحلول منتصف ~~السبعينيات تقلصت مثل هذه الطموحات الروحانية ، وبترت في الغرب بفعل انتشار مناخ سياسي حاد ~~وبراجماتي متزايد. وقد رفضت حركة ما بعد البنيوية - ومن بعدها حركة ما بعد الحداثة - جميع ~~المحاولات للتفكير في الحياة الإنسانية ككل باعتبار أنها موصومة بأنها «إنسانية»؛ أو ~~بالأحرى باعتبارها نوعية النظرية «الشمولية» التي قادت بشكل مباشر إلى معسكرات الموت في ~~الدولة الاستبدادية. فلم يعد هناك آنذاك ما يسمى بالإنسانية أو الحياة الإنسانية للتأمل ~~فيها؛ فلم يكن هناك سوى اختلافات، وثقافات محددة، ومواقف موضعية. # ولعل أحد الأسباب وراء إسهاب القرن العشرين في التفكير في معنى الوجود بأسلوب أكثر ~~ابتئاسا مقارنة بمعظم العصور الأخرى أنه قد اعتبر الحياة الإنسانية زهيدة وبلا ثمن بشكل ~~مثير للفزع. فقد كان هذا العصر أكثر العصور دموية على مدار التاريخ، بالنظر لملايين الأرواح ~~التي أزهقت بلا مبرر. فإذا كانت قيمة الحياة قد انحدرت بهذا الشكل العنيف في الواقع، فمن ~~الممكن إذن أن يتوقع المرء أن يقع معناها تحت طائلة الشك من الناحية النظرية. ولكن ثمة قضية ~~أكثر عمومية هنا أيضا. فمن الشائع في العصر الحديث أن ما قد يطلق عليه البعد الرمزي للحياة ~~الإنسانية يتعرض للتهميش بشكل مستمر ومنتظم. وقد كان هذا البعد يضم ثلاثة جوانب طالما كانت ~~حيوية: الدين، والثقافة، والجنس. وقد أصبحت هذه الجوانب الثلاثة جميعا أقل أهمية بالنسبة ~~للحياة العامة مع بزوغ العصر الحديث. أما في مجتمعات ما قبل الحداثة، فقد كانت في أغلب ~~الأحيان جزءا من المحيط العام وكذلك الخاص. فلم يكن الدين مجرد مسألة ضمير شخصي وخلاص ~~فردي، بل كان أيضا مسألة نفوذ دولة، وطقوس عامة، وأيديولوجيات قومية. وباعتباره عنصرا ~~أساسيا للسياسات الدولية، فقد شكل مصير الأمم على طول الطريق من الحروب الأهلية إلى زيجات ~~السلالات الحاكمة. ويوجد نذر شؤم تنذر بأن الفترة التي نعيشها قد تعود إلى ذلك الوضع في ~~نواح معينة. # أما بالنسبة للثقافة، فلم يكن الفنان شخصية منعزلة متقوقعة يتسكع في إحدى المقاهي ~~البوهيمية ms21 الماجنة بقدر ما كان موظفا عاما له دور محدد داخل القبيلة أو العشيرة أو ~~البلاط الملكي. وإن لم توظفه الكنيسة، فقد يعين من قبل الدولة أو أحد الرعاة ذوي النفوذ ممن ~~ينتمون للطبقة العليا. وقد كان الفنانون أقل ميلا للتفكر والتأمل في معنى الحياة حينما ~~كانوا يتقاضون عمولة مجزية لتأليف موسيقى قداس الموتى. إلى جانب ذلك، كان الإيمان الديني ~~يحسم المسألة إلى حد كبير بالنسبة لهم. أما عن الجنس، فكان آنذاك مسألة حب شهواني وإشباع ~~شخصي مثلما هو الآن. ولكنه أيضا كان محبوسا داخل أعراف النسب، والإرث، والطبقة ~~الاجتماعية، والملكية، والسلطة، والمكانة بشكل أعمق مما هو عليه الآن بالنسبة ~~لمعظمنا. # وليس المقصود من هذا إضفاء مثالية على الأيام الخوالي. فالدين والفن والجنس ربما كانوا ~~أكثر أهمية للشئون العامة أكثر من اليوم؛ ولكن من الممكن أيضا أن يكونوا بمثابة الخدم ~~المطيعين للسلطة السياسية، ولنفس الأسباب إلى حد كبير. وبمجرد أن استطاعوا الخروج من قبضة ~~هذه السلطة، استطاعوا الاستمتاع بدرجة من الحرية والاستقلال لم يحلموا بها من قبل. غير أن ~~ثمن هذه الحرية كان باهظا. فقد استمرت هذه الأنشطة الرمزية في أداء أدوار عامة ذات أهمية؛ ~~ولكنها عموما كانت تقصى بشكل متزايد إلى المجال الخاص، حيث لم تكن تخص أي شخص سوى ~~صاحبها. # كيف يرتبط ذلك بالسؤال عن معنى الحياة؟ الإجابة هي أن هذه بالضبط هي المجالات التي كان ~~الرجال والنساء يتجهون إليها عادة حين يتساءلون عن معنى وقيمة وجودهم. فكان من الصعب أن تجد ~~أسبابا أكثر حيوية وجوهرية للعيش أكثر من الحب، والإيمان الديني، والقيمة النفيسة لعشيرة ~~الفرد وثقافته. في الواقع، كان هناك عدد ضخم من الناس على مدى القرون على استعداد للموت، أو ~~مستعدين للقتل، باسمها. وقد اتجه الناس إلى هذه القيم بشكل أكثر حماسا ولهفة حين أصبح ~~الميدان العام نفسه مجردا من المعنى بشكل متزايد. فقد بدا أن الحقيقة والقيمة قد انفصلا، ~~تاركين الأولى شأنا عاما، والأخيرة شأنا خاصا. # وكما اتضح، فقد أثقلت الحداثة الرأسمالية كاهلنا بنظام اقتصادي وسيلي ms22 بشكل بحت. فقد كان ~~عبارة عن أسلوب حياة مكرس للنفوذ والربح والبقاء المادي، وليس لتنمية قيم المشاركة والتكافل ~~الإنسانيين. وكان المجال السياسي مسألة إدارة ومناورة أكثر من كونه تكوينا مشتركا لحياة ~~مشتركة. حتى المنطق ذاته انحدرت قيمته حتى أصبح مجرد حسبة تحكمها المصلحة الذاتية. أما ~~بالنسبة للأخلاقيات والفضيلة، فقد أصبحت أيضا شأنا خاصا بشكل متزايد، يرتبط بغرف النوم ~~أكثر من ارتباطه بقاعة الاجتماعات. وتنامت أهمية الحياة الثقافية من جانب، لتتطور إلى صناعة ~~كاملة أو فرع من فروع الإنتاج المادي. غير أنها - على جانب آخر - تضاءلت لتصبح مجرد تزيين ~~لواجهة نظام اجتماعي لم يكن لديه سوى وقت محدود للغاية لأي شيء لم يكن بإمكانه تسعيره أو ~~قياسه. فقد انحصرت الثقافة آنذاك إلى حد كبير في كيفية شغل انتباه الناس بدون ضرر حين لم ~~يكونوا يعملون. # غير أنه كانت هناك مفارقة في هذا الشأن. فكلما أجبرت جوانب الثقافة والدين والفن والجنس ~~على العمل كبدائل لقيمة عامة مضمحلة، قلت قدرتها على القيام بذلك. وكلما تركز المعنى في ~~المجال الرمزي، كان ذلك المجال ينحرف عن المسار الصحيح بفعل الضغوط التي كان ذلك يفرضها ~~عليه. ونتيجة لذلك، بدأت الجوانب الثلاثة للحياة الرمزية جميعا في إظهار أعراض مرضية. ~~فتحول الجنس إلى هوس غريب، بل وكان أحد المصادر القليلة للمذهب الحسي التي ما زالت متبقية ~~في عالم منهك القوى. فحلت الصدمة والغضب الجنسيين محل اقتتال سياسي مفقود. وبنفس القدر أصبح ~~الفن متضخما في قيمته؛ إذ أصبح في نظر الحركة الجمالية آنذاك لا يقل عن كونه نموذجا ~~للحياة، فيما كان الفن - في رأي بعض أتباع حركة الحداثة - يمثل المأوى الهش الأخير للقيمة ~~الإنسانية في الحضارة الإنسانية؛ تلك الحضارة التي نبذها الفن نفسه في ازدراء. غير أن هذا ~~كان ينطبق فقط على أثر شكل الفن. ونظرا لأن محتواه كان انعكاسا حتميا للعالم المادي من ~~حوله، فلم يكن باستطاعته تقديم مصدر دائم للخلاص والنجاة. # شكل 1-2: تجمع لحركة «العصر الجديد» في ستونهنج. ~~(© Matt ~~Cardy/Alamy) # في غضون ذلك، كلما لاح الدين ms23 كبديل للنزيف المستمر للمعنى العام، كان يدفع في اتجاه ~~أشكال قبيحة متعددة من الأصولية. أو إن لم يكن ذلك، كان يدفع في اتجاه هراء أنصار حركة ~~العصر الجديد. باختصار أصبحت الروحانية إما جامدة أو فاترة بلا روح. ومن ثم أصبحت مسألة ~~معنى الحياة بين أيدي المرشدين الدينيين والموجهين الروحانيين، والمتخصصين في خلق الإحساس ~~بالسعادة، ومعالجي النفس. ومن خلال التقنيات الصحيحة، كان يمكنك أن تضمن نفض غبار انعدام ~~المعنى عنك في غضون فترة بسيطة لا تتجاوز الشهر. واتجه المشاهير الذين فسدت عقولهم بفعل ~~المداهنة إلى الكابالا والساينتولوجي. وكان مصدر إلهامهم في هذا هو ذلك الاعتقاد الخاطئ ~~والتافه بأن الروحانية لا بد بالطبع أن تكون شيئا دخيلا وسريا، وليس شيئا عمليا ~~وماديا. وفي نهاية المطاف، كانت المادة - في شكل الطائرات الخاصة ومجموعات الحرس الخاص - ~~هي ما كانوا يحاولون - على الأقل ذهنيا - الهروب منها. # بالنسبة لتلك النوعيات، كان الجانب الروحاني هو الجانب الآخر للمادة. فقد كان مجالا من ~~الغموض المختلق الذي ربما كان فيه تعويض عن عبث الشهرة الدنيوية. وكلما كان غامضا - وكلما ~~كان أقل شبها بحسابات وكلائك ومحاسبيك المجردة من المشاعر الإنسانية - بدا أكثر معنى. وإذا ~~كانت الحياة العادية قاصرة في المعنى، فسيكون لزاما أن يتم إكمالها صناعيا بالمادة. ومن ~~الممكن تطعيمها من وقت لآخر بقدر ضئيل من علم التنجيم أو استحضار الأرواح، مثلما قد يضيف ~~الإنسان الفيتامينات إلى نظامه الغذائي. وقد أحدثت دراسة أسرار قدماء المصريين تغييرا ~~محببا من تلك المسألة المرهقة الخاصة بالعثور لنفسك على قصر آخر به خمسين غرفة نوم. علاوة ~~على ذلك، فلما كانت الروحانية تكمن في العقل بشكل كامل، فإنها لم تتطلب منك أي نوع مزعج من ~~الأفعال، كتحرير نفسك من عبء إدارة قصورك من خلال التبرع بمبالغ ضخمة من المال ~~للمشردين. # يوجد جانب آخر للقصة. فإذا كان المجال الرمزي مفصولا عن المجال العام، فقد اجتيح من ~~قبله أيضا. لقد غلف الجنس كسلعة مربحة في السوق، فيما كانت الثقافة تعد في أغلب الأحيان ~~من أجل وسائل الإعلام ms24 المتعطشة للربح. أما الفن، فكان مسألة مال وسلطة ومكانة ورأس مال ~~ثقافي. لقد كانت الثقافات آنذاك تغلف وتوزع بشكل مثير للدهشة بواسطة صناعة السياحة. حتى ~~الدين حول نفسه إلى صناعة مربحة، عندما احتال المبشرون التليفزيونيون على الفقراء السذج ~~الورعين واستولوا على أموالهم التي كسبوها بشق الأنفس. بعد ذلك ابتلينا بأسوأ ما في كلا ~~العالمين. فالأماكن التي كان فيها المعنى عادة في أقصى مخزون له لم تعد تؤثر كثيرا على ~~العالم العام؛ ولكنها أيضا احتلت بشكل عدواني من قبل قواها التجارية، ومن ثم أصبحت جزءا ~~من تسرب المعنى الذي كانت يوما تسعى لمقاومته. وأجبر هذا النطاق من الحياة الرمزية - الذي ~~أصبح الآن مخصخصا - على تقديم أكثر مما يستطيع. ونتيجة لذلك، كان إيجاد المعنى حتى في ~~المجال الخاص يزداد صعوبة. ولم يعد العبث وإضاعة الوقت بينما الحضارة تحترق، أو الاهتمام ~~بشئونك الخاصة بينما التاريخ ينهار من حولك، تبدو كخيارات عملية كما كانت من قبل. # شكل 1-3: المبشر التليفزيوني الأمريكي جيري فالويل في عرض أصولي حماسي مكتمل. ~~(© Wally ~~McNamee/Corbis) # وتعد الرياضة بلا شك في وقتنا هذا واحدة من أكثر فروع صناعة الثقافة شعبية وتأثيرا. فإذا ~~تساءلت عما يقدم معنى ما في الحياة هذه الأيام لقطاع كبير من الناس - لا سيما الرجال - فلا ~~بأس أن تكون إجابتك هي «كرة القدم». ربما لن يكون الكثير منهم على استعداد للاعتراف بذلك ~~بنفس الدرجة، ولكن الرياضة - وفي كرة القدم البريطانية على وجه الخصوص - تحل محل جميع تلك ~~القضايا النبيلة - من الإيمان الديني، والسيادة القومية، والشرف الشخصي، والهوية العرقية - ~~التي كان الناس على مدار قرون على استعداد للتضحية بأرواحهم في سبيلها. فالرياضة تتضمن ~~ولاءات وعداوات قبلية، وطقوسا رمزية، وأساطير رائعة، وأبطالا رموزا، ومعارك ملحمية، ~~وجمالا حسيا، وإشباعا بدنيا، وإشباعا فكريا، واستعراضات مهيبة، وإحساسا عميقا ~~بالانتماء. كذلك تقدم التضامن الإنساني والتجسيد اللحظي اللذين لا يوفرهما التليفزيون. ~~ولولا هذه القيم، لصارت حياة الكثيرين خاوية بلا شك. فالرياضة - وليس الدين - هي أفيون ~~الشعوب الآن. والحق أن الدين الآن في عالم الأصولية ms25 الإسلامية والمسيحية لم يعد أفيون ~~الشعوب بقدر ما هو كوكايين الشعوب. # شكل 1-4: الألم والنشوة: مشجع رياضي. ~~(© Rex ~~Features) # وقد صار المعلمون الدينيون المزيفون والحكماء الكاذبون في عصرنا هذا يحلون محل الكيانات ~~المقدسة الأكثر تقليدية التي أثبتت فشلها وعجزها. فالفلاسفة - على سبيل المثال - تم تحويلهم ~~فيما يبدو إلى خبراء تقنيين في اللغة. صحيح أن فكرة الفيلسوف كمرشد هاد لمعنى الحياة هي ~~اعتقاد خاطئ رائج، ولكنك على الرغم من ذلك قد تتوقع منه أن يقوم بما هو أكثر من محاولة ~~إثناء الأشخاص عن الانتحار قفزا من النوافذ عن طريق الإشارة إلى أن التركيب النحوي لعبارة # nothing matters # يختلف عن التركيب النحوي لعبارة # nothing chatters ~~(زعم الفيلسوف جلبرت رايل بجامعة ~~أكسفورد ذات مرة أنه أقنع أحد الطلاب بالعدول عن الانتحار عن طريق شرح هذا الفارق له). في ~~الوقت نفسه، أصبح علم اللاهوت فاقدا للثقة بفعل تسلل العلمانية إليه، وكذلك بفعل جرائم ~~وحماقات الكنائس. وجاء علم الاجتماع الوضعي وعلم النفس السلوكي - إلى جانب العلوم السياسية ~~الخالية من أي رؤية - ليكملا خيانة النخبة المثقفة. فكلما سخرت العلوم الإنسانية لخدمة ~~احتياجات الاقتصاد، ازداد تخليها عن دراسة وفحص القضايا والمسائل الجوهرية؛ ومن ثم هرع ~~بائعو بطاقات التاروت، والعرافون، وأفاتارات أتلانتس، ومتخصصو تنقية الروح لشغل مكانها. ~~وهكذا أصبح معنى الحياة صناعة مربحة. وهكذا كانت كتب على شاكلة «الميتافيزيقا للتجار ~~المصرفيين» تلتهم سريعا. واتجه الرجال والنساء ممن تحرروا من وهم العالم المهووس بصنع ~~المال والثروة إلى متعهدي الحقيقة الروحانية، الذين كونوا ثروة طائلة من توريدها. # لم يجب أيضا أن يطل سؤال معنى الحياة برأسه في عصر الحداثة؟ قد يظن المرء أن هذا يرجع ~~بشكل جزئي إلى أن مشكلة الحياة العصرية تكمن في وجود الكثير من المعنى والقليل منه في الوقت ~~نفسه. فالحداثة هي الحقبة التي شهدت خلافا بيننا فيما يتعلق بجميع القضايا الأخلاقية ~~والسياسية الجوهرية. ومن ثم وجد في الحقبة الحديثة عدد كبير من المتنافسين والخصوم يتحاربون ~~في حلبة معنى الحياة، دون أن يكون لدى أحدهم القدرة على ms26 توجيه ضربة قاضية للآخرين. وهذا ~~يعني أن أي حل وحيد للمشكلة سوف يبدو حتما مثيرا للريبة والشك، نظرا لوجود عدد هائل من ~~البدائل المغرية. وهكذا نجد أنفسنا هنا فيما يشبه الدائرة المفرغة. وما إن تبدأ المعتقدات ~~التقليدية في الانهيار في مواجهة أزمة تاريخية، يبدأ سؤال معنى الحياة في دفع نفسه إلى ~~السطح. ولكن حقيقة أن هذا السؤال قد صار بارزا للغاية يثير مجموعة كبيرة من الإجابات له؛ ~~ومن ثم يعمل هذا التنوع في الحلول على تقليص مصداقية أي منها. وهكذا فإن الشعور بأهمية طرح ~~سؤال معنى الحياة يعد دلالة على أن الإجابة عليه ستكون أمرا عسيرا. # في هذا الموقف يكون من الممكن دائما للبعض أن يجدوا معنى الحياة، أو على الأقل جزءا ~~كبيرا منه، وسط هذا التنوع الشديد في الآراء بشأن الموضوع. والأشخاص الذين يراودهم مثل هذا ~~الشعور يعرفون بشكل عام بالليبراليين، على الرغم من أن البعض منهم هذه الأيام يعرف أيضا ~~بأتباع ما بعد الحداثة. والعثور على إجابة قاطعة لسؤال معنى الحياة لا يهم هؤلاء بقدر ~~اهتمامهم بحقيقة وجود العديد من الطرق المتنوعة بشكل غير مألوف للإجابة عليه. والواقع أن ~~الحرية التي يدل عليها ذلك قد تكون في حد ذاتها المعنى الأكثر قيمة الذي سنعثر عليه على ~~الإطلاق. ومن ثم فإن ما يراه البعض تفتتا محبطا، يعتبره الآخرون تحررا مبهجا. # إن ما يشكل أهمية في المقام الأول بالنسبة ~~لمعظم أولئك المنخرطين في سعي حامي الوطيس وراء معنى الحياة هو الهدف محل المطاردة نفسه. ~~غير أن موطن الاهتمام بالنسبة لليبراليين وأتباع مذهب ما بعد الحداثة هو الجلبة الممتعة ~~التي يثيرها الحوار الدائر حوله في حد ذاته، والتي تحمل في نظرهم على الأرجح قدرا من ~~المعنى يساوي كل ما سنكتشفه على الإطلاق. فمعنى الحياة يكمن في البحث عن معنى الحياة. وثمة ~~عدد كبير من الليبراليين يميلون لتفضيل الأسئلة عن الإجابات، إذ يعتبرون الإجابات مقيدة ~~بشكل مفرط. فالأسئلة تتمتع بالحرية والانسيابية، فيما لا تعد الإجابات كذلك. والفكرة وراء ~~ذلك هي أن يكون ms27 لديك عقلا فضوليا، لا أن تغلقه نهائيا بإجابة قاطعة إلى حد كئيب. صحيح ~~أن هذا الأسلوب لا يجدي كثيرا مع أسئلة على غرار «كيف يمكننا أن نجلب لهم الطعام قبل أن ~~يتضوروا جوعا؟» أو «هل ستكون هذه وسيلة فعالة لمنع جرائم القتل العنصرية؟» ولكن ربما يكون ~~لدى الليبراليين أنواع أسمى من الأسئلة في أذهانهم. # غير أن التعددية الليبرالية لها حدودها؛ لأن بعض الإجابات المقترحة لسؤال معنى الحياة لا ~~تتعارض معا فحسب، ولكنها متناقضة فيما بينها. فقد تؤمن بأن معنى الحياة يكمن في الاهتمام ~~بالمستضعفين، فيما قد أصر أنا على أنه يكمن في التنمر على أكبر عدد يمكن أن تطوله يدي من ~~الكائنات المريضة التي لا تقوى على الدفاع عن نفسها. وعلى الرغم من أن كلينا قد يكون ~~مخطئا، فلا يمكن أن يكون كلانا على حق. حتى الليبرالي يجب أن يكون محددا بشكل صارم، بحيث ~~يستبعد أي حل - مثل بناء دولة استبدادية - قد يقوض التزامه نحو الحرية والتعددية. فلا يجب ~~أن يسمح للحرية بتدمير أسسها، على الرغم من أن الراديكاليين سوف يجادلون بأنها تفعل ذلك في ~~كل يوم من أيام الأسبوع في ظل الأجواء الرأسمالية. # وللتعددية حدودها أيضا في هذا الإطار، إذ إنه إذا كان هناك ما يسمى بمعنى الحياة، فإنه ~~لا يمكن أن يكون مختلفا لدى كل منا. يمكنني أن أقول إن «معنى حياتي هو أن أتناول قدرا من ~~الويسكي يكفي لأن يجعلني قادرا على الزحف فقط»، ولكن لا يمكنني أن أقول إن «معنى الحياة ~~بالنسبة لي هو تناول الكثير من الويسكي»، ما لم تكن تلك مجرد طريقة أخرى للتعبير عن الادعاء ~~الأول. فسوف يكون الأمر وكأنني أقول: «لون الثلج بالنسبة لي فيروزي يشوبه لون أرجواني ~~خفيف»، أو أن أقول: «معنى «القناني الخشبية» بالنسبة لي هو «الزنابق المائية».» فلا يمكن أن ~~يكون المعنى هو ما أقرره أنا. فإذا كان للحياة أن تملك معنى، فسوف يكون هذا هو معناها ~~بالنسبة لك ولي ولكل شخص آخر، مهما كان معناها في اعتقادنا، أو ms28 المعنى الذي نود أن يكون ~~معناها. وعلى أية حال فقد يكون للحياة عدد من المعاني. لماذا يجب أن نتخيل أن للحياة معنى ~~واحد؟ فمثلما يمكننا أن ننسب لها عدة معان مختلفة، فقد يكون لها مجموعة من المعاني ~~الفطرية، هذا إن كان لها معان فطرية من الأساس. ربما يكون هناك أهداف عديدة مختلفة في ذلك، ~~بعضها متناقض فيما بينها. أو ربما أن الحياة تغير هدفها من آن لآخر مثلما نفعل نحن. لا يجب ~~أن نفترض أن كل ما هو منسوب أو فطري يجب دائما أن يكون ثابتا وفرديا. ماذا لو أن للحياة ~~هدفا بالفعل، ولكنه هدف يتعارض تماما مع مشروعاتنا؟ ربما يكون للحياة معنى، ولكن الغالبية ~~العظمى من الرجال والنساء الذين وجدوا في هذه الحياة قد أخطئوا فهمه. فإذا كان الدين ~~زائفا، فهذا هو الموقف في الواقع. # شكل 1-5: مايكل بالين في دور قس أنجليكاني متملق في فيلم «معنى الحياة» لفريق ~~مونتي بايثون. ~~(© Photo12.com ~~/Collection ~~Cinéma) # غير أنه من المحتمل أن يشكك الكثيرون من قراء هذا الكتاب في عبارة «معنى الحياة» مثلما ~~يشككون في وجود بابا نويل. فهو يبدو كمفهوم من نوع غريب، يتسم بالبساطة والروعة في الوقت ~~ذاته، ويصلح للخضوع للانتقاد التهكمي لفريق مونتي بايثون. # 8 # ويعتقد عدد كبير من المثقفين في الغرب اليوم - على الأقل خارج نطاق الولايات ~~المتحدة المتدينة بصورة تثير الدهشة - أن الحياة عبارة عن ظاهرة تطورية عارضة ليس لها معنى ~~متأصل أكثر من تقلب هوائي أو قعقعة في المعدة. غير أن حقيقة أنها ليس لها معنى محدد تمهد ~~الطريق للأفراد من الرجال والنساء لتكوين أي معنى يمكنهم تكوينه لها. وإذا كان لحياتنا ~~معنى، فإنه شيء يمكننا من خلاله استثمار هذه الحياة، وليس شيئا تأتي مجهزة به. # وتأسيسا على هذه النظرية، ما نحن إلا حيوانات تجيد التأليف لنفسها، فلا نحتاج لتلك ~~الفكرة التجريدية التي تعرف باسم الحياة لتكتب لنا قصصنا. فمن منظور نيتشه أو أوسكار وايلد، ~~يمكننا جميعا - فقط لو امتلكنا الجرأة - أن نكون فناني أنفسنا البارعين؛ ms29 قطعة صلصال في ~~أيدينا في انتظار تشكيل أنفسنا في شكل فريد إلى حد الإتقان. وأنا أعتبر أن الحكمة التقليدية ~~في هذا الشأن هي أن معنى الحياة لا يشكل مقدما، وإنما يبنى؛ وأن كل واحد منا يمكنه أن ~~يفعل ذلك بطرق مختلفة تماما. لا شك أن هناك قدرا كبيرا من الحقيقة في تلك المسألة؛ ولكن ~~لأنها أيضا مسألة مملة وعديمة الإثارة، فإنني أود أن أجعلها محل تركيز بالغ في هذه ~~الصفحات. ومن ثم فإن جزءا من هذا الكتاب سوف يخصص لفحص هذه الرؤية لمعنى الحياة باعتبارها ~~مشروعا خاصا من نوع ما، لكي نرى إلى أي مدى يمكن لهذه الرؤية أن تصمد. # | هوامش # الفصل الثاني # | إشكالية المعنى # إن سؤال «ما معنى الحياة؟» هو واحد من تلك الأسئلة النادرة التي تمثل كل كلمة فيها ~~إشكالية في حد ذاتها، وهذا يشمل حتى الكلمة الأولى منه، نظرا لأن معنى الحياة بالنسبة ~~لملايين لا تحصى من ذوي الإيمان الديني لا يتجلى في شيء وإنما في شخص. فربما كان أحد ~~النازيين المخلصين ليتفق مع ذلك بأسلوبه الخاص، من خلال إيجاد معنى الحياة في شخص أدولف ~~هتلر. وقد لا يتجلى لنا معنى الحياة إلا مع نهاية العالم، في شكل مسيح يبدو أنه يأخذ وقته ~~في الوصول. أو قد يتحول الكون إلى ذرة في ظفر إبهام عملاق كوني. # غير أن الكلمة المثيرة للجدل بحق هي كلمة «معنى». فنحن نميل هذه الأيام للاعتقاد بأن معنى ~~أية كلمة يتمثل في استخدامها في شكل معين من أشكال الحياة؛ ولكن كلمة «معنى» في حد ذاتها ~~لها مجموعة كاملة من مثل هذه الاستخدامات، فيما يلي بعض منها: # إن كلمة Poisson # تعني «سمك» (وهي تختلف عن الكلمة الإنجليزية Poison # والتي تعني ~~سم). # هل كنت تعتزم خنقه؟ # هذه السحب تعني هطول أمطار. # حين أشارت إلى «الحمار العجوز ذي الجلد المرقط»، هل كانت تعني ذلك الحمار في الحقل العشبي الصغير هناك؟ # ما معنى تلك العلاقة المشينة؟ # لقد كنت أعنيك أنت، وليس هي. # صابون الاستحمام برائحة اللافندر يعني ms30 الكثير له. # الأوكرانيون يعنون العمل. # هذه اللوحة مقدر لها ألا تقدر بثمن. # لافينيا تعني خيرا، ولكن يوليوس ليس كذلك على الأرجح. # حين طلب المتوفى من النادل «سما»، هل من المحتمل أنه كان يعني «سمكا»؟ # لقد بدا أن لقاءهما كان شبه مخطط. # إن ثورته العارمة لا تعني شيئا. # كان من المعتزم أن تعيد كورديليا المثقاب بحلول وقت الغداء من يوم الأحد. # يمكن القول بأن هذه الاستخدامات للكلمة تقع ضمن ثلاث فئات. إحدى هذه الفئات تتعلق باعتزام ~~شيء أو التخطيط له في العقل؛ والواقع أن كلمة «معنى» ترتبط في أصلها بكلمة «عقل». ثمة فئة ~~أخرى تتعلق بفكرة الدلالة على شيء، فيما تتحرك الثالثة في سياق الفئتين السابقتين معا، من ~~خلال الإشارة إلى فعل الاعتزام، أو نية الإشارة إلى شيء ما. # إن عبارة «هل كنت تعتزم خنقه؟» تعد بشكل واضح تساؤلا عن نواياك، أو ما تعتزمه في عقلك في ~~تلك اللحظة، وكذلك الحال في عبارة «لقد كنت أعنيك أنت، وليس هي.» أما فيما يتعلق بكون ~~اللقاء قد بدا «مخططا» بشكل ما، فهذا يعني أن اللقاء يبدو مقصودا بشكل غامض، ربما من ~~تدبير القدر. أما عبارة «لافينيا تعني خيرا»، فتعني أن لديها نوايا طيبة، وإن كانت على ~~الأرجح لا تترجم دائما إلى فعل عملي. في حين تعني عبارة «كان من المعتزم أن تعيد كورديليا ~~المثقاب» أننا كنا نخطط أو (نتوقع) أنها ستفعل ذلك. أما عبارة «الأوكرانيون يعنون العمل»، ~~فهي عبارة تتحدث عن أهدافهم أو نواياهم الجادة. أما عبارة «هذه اللوحة مقدر لها ألا تقدر ~~بثمن»، فهي مرادفة تقريبا لعبارة «يعتقد أنها لا تقدر بثمن»، بمعنى أن هذا هو «رأي» ذوي ~~الخبرة. وهذا المعنى لا يقع ضمن مفهوم الاعتزام والنية إلى حد كبير، ولكن معظم الأمثلة ~~الأخرى تقع ضمنها. # على النقيض من ذلك، لا تشير عبارتا «هذه السحب تعني هطول الأمطار» و«صابون الاستحمام ~~برائحة اللافندر يعني الكثير له» إلى نوايا أو حالات نفسية. فالسحب لا «تنتوي الإشارة» إلى ~~الأمطار؛ ولكنها فقط تشير إليها. ولما كان ms31 صابون الاستحمام برائحة اللافندر لا عقل له، فإن ~~القول بأنه يعني الكثير لشخص ما يعني ببساطة أنه يمثل له الكثير. ونفس القاعدة تنطبق على ~~عبارة «ما معنى هذه العلاقة المشينة؟» والتي تعد تساؤلا عما تدل عليه العلاقة. ولاحظ أن ~~المقصود هنا ليس ما يحاول الأفراد المنخرطون في العلاقة الإشارة إليه، بل دلالة الموقف ~~نفسه. في حين أن عبارة «إن ثورته العارمة لا تعني شيئا» تعني أنها لا تدل على شيء، ولكن ~~ليس بالضرورة ألا يكون الشخص بصدد محاولة الإشارة إلى شيء ما بها. أما الفئة الثالثة - كما ~~رأينا - فلا تشير إلى النية فقط، أو إلى الدلالة فقط، ولكنها تشير إلى اعتزام الدلالة على ~~شيء. وتشمل هذه الفئة أسئلة على غرار «ماذا كانت تعني بالحمار العجوز المرقط؟» أو «هل كان ~~حقا يعني سمكا؟» # من الأهمية بمكان التمييز بين المعنى كمدلول محدد، والمعنى كفعل يعتزم الدلالة على شيء. ~~فكلا المعنيين يمكن إيجادهما في جملة مثل «لقد كنت أعني (أقصد) طلب سمك، ولكن الكلمة التي ~~خرجت مني فعليا تشير إلى السم.» إن سؤال «ماذا تعني؟» يعني «ما الذي كنت تعتزم الإشارة ~~إليه؟» بينما سؤال «ماذا تعني الكلمة؟» يستفسر عن القيمة الدلالية التي تحملها الكلمة في ~~سياق منظومة لغوية معينة. وأحيانا ما يشير دارسو اللغة إلى دلالتي «المعنى» المختلفتين على ~~أنهما تعنيان «الفعل» و«البنية». وفيما يتعلق بالحالة الأخيرة، فإن معنى أية كلمة هي مسألة ~~بنية لغوية؛ ومن ثم فإن كلمة «سمك» تتخذ معناها من موضعها في سياق منظومة لغوية، وعلاقاتها ~~بالكلمات الأخرى داخل هذه المنظومة، وما إلى ذلك. وعلى ذلك، فإذا كان للحياة معنى، فقد يكون ~~معنى نحن أنفسنا ما نضفيه عليها بنشاط، فيما يشبه استثمار مجموعة من العلامات السوداء في ~~صفحة ما بمعنى ما؛ أو قد يكون معنى تملكه بالفعل على أي حال رغم نشاطنا، وهو ما يعد أكثر ~~تطابقا مع فكرة المعنى كبنية أو وظيفة. # غير أنه مع مزيد من التركيز، يتضح أن هاتين الدلالتين لكلمة «معنى» ليستا مختلفتين في ~~النهاية. فالواقع ms32 أن بمقدورك أن تتخيل وجود علاقة بينهما أشبه بالعلاقة بين الدجاجة ~~والبيضة. إن كلمة «سمك» تعني مخلوقا بحريا حرشفيا، ولكن ذلك يرجع فقط إلى أن هذه هي ~~الطريقة التي استخدمت بها الكلمة من قبل عدد لا حصر له من مستخدمي اللغة. فيمكن النظر ~~إلى الكلمة في حد ذاتها كمستودع أو ترسب لمجموعة كاملة من العمليات التاريخية. ولكن على ~~النقيض، يمكنني فقط استخدام كلمة «سمك» للإشارة إلى مخلوقات بحرية حرشفية؛ لأن هذا هو ما ~~تدل عليه الكلمة في سياق بنية لغتي. # إن الكلمات ليست مجرد قشور ميتة في انتظار متحدثين أحياء لبث معنى فيها. فما يمكن أن ~~أعنيه (بمعنى أعتزم قوله) مقيد بالمعاني التي أجدها متاحة في اللغة التي أتحدث بها. فلا ~~يمكن أن «أعني» مجموعة من الكلمات ليس لها معنى على الإطلاق، رغم أنه بإمكاني أن أشير بها ~~إلى شيء ما، كما سنرى بعد قليل. ولا يمكنني كذلك أن أعتزم قول شيء خارج تماما عن نطاق ~~لغتي، مثلما لا يستطيع شخص أن يعتزم أن يصبح جراح مخ إذا لم يكن لديه مفهوم جراح المخ من ~~الأساس. فلا يمكنني أن أجعل كلمة تعني ما أريد أن تعنيه. حتى لو استدعيت صورة ذهنية نابضة ~~بالحياة لسمكة رنجة مدخنة بينما أنطق كلمات عبارة «منظمة الصحة العالمية»، فإن ما قلته يظل ~~معناه «منظمة الصحة العالمية». # إذا فكرنا في المعنى باعتباره وظيفة الكلمة داخل منظومة لغوية، فمن الممكن أن نقول عن أي ~~شخص استطاع إتقان هذه المنظومة إنه يفهم معنى أية كلمة. فإذا سألني أي شخص كيف عرفت معنى ~~عبارة «الطريق إلى جهنم»، فقد يكون كافيا أن أجيب بأنني أتحدث اللغة التي قيلت بها الجملة. ~~ولكن هذا لا يعني فهمي لاستخدام معين للعبارة، إذ يمكن أن تستخدم الكلمة في ظروف مختلفة ~~للإشارة إلى أشياء مختلفة؛ ولمعرفة ما «تعنيه» في «هذا» الإطار، أحتاج لأن أضع في اعتباري ~~المعنى المقصود من قبل متحدث معين أو متحدثين بعينهم في سياق معين. باختصار سوف أحتاج ~~لمعرفة كيفية تطبيق العبارة ms33 على المستوى المادي، مع العلم بأن مجرد معرفة المعنى المعجمي ~~للكلمات الفردية ليس كافيا هنا. فما تشير إليه كلمة أو تعرفه في سياق معين ليس من السهل ~~تحديده دائما. فقد كانت إحدى كلمات الأستراليين الأصليين للدلالة على كلمة # alcohol # هي كلمة # ducking ~~؛ لأن السكان الأصليين التقطوا الكلمة لأول مرة ~~في سياق تناول أنخاب الولاء «للملك» من قبل قادتهم الاستعماريين. # من الممكن أن أقول عن شخص ما: «لقد فهمت كلماته، ولكنني لم «أع» كلماته.» فقد كنت على ~~دراية كافية بالمدلولات التي كان يستخدمها، ولكنني لم أستوعب كيفية استخدامه لها؛ أي ما كان ~~يشير إليه، ونوع التوجه الذي كان يلمح إليه، وما أرادني أن أفهمه بكلماته، ولماذا أراد أن ~~أفهم ذلك، وما إلى ذلك. ومن أجل تبين كل ذلك، أحتاج لوضع كلماته مجددا في سياق معين؛ أو ~~سأحتاج لفهمها كجزء من قصة، وهو ما يعد مشابها لما سبق. والتعرف على المعنى المعجمي ~~للكلمات لن يفيد كثيرا في هذا الصدد. ومن ثم فإننا نتحدث في تلك الحالة الأخيرة عن المعنى ~~كفعل؛ كشيء يفعله الناس، أو كممارسة اجتماعية، أو كمجموعة متنوعة من الطرق، التي تتسم ~~أحيانا بالغموض والتناقض، والتي يوظفون بها دلالة بعينها في شكل معين من أشكال ~~الحياة. # إذن ما الضوء الذي تلقيه تلك المعاني المختلفة لكلمة «معنى» على سؤال «ما معنى الحياة؟» ~~أولا: يوجد اختلاف واضح بين «ما معنى الحياة؟» وبين «ما معنى «بوتلاتش»؟» فالسؤال الأول ~~يستفسر عن معنى ظاهرة، فيما يستفسر الثاني عن معنى كلمة. إن كلمة «حياة» ليست هي مصدر ~~الحيرة والإرباك بالنسبة لنا، وإنما الشيء نفسه. من جانب آخر، يمكننا أن نلاحظ أنه عندما ~~يشكو أحدهم قائلا «حياتي بلا معنى»، فإنه لا يقصد أنها بلا معنى مثلما لا يحمل هذا التركيب ~~*&$£%” # أي ~~معنى. فانعدام المعنى هنا أقرب لانعدام المعنى في عبارة مثل «في سبيل تأكيدنا بأقصى قدر من ~~الإخلاص على خالص اهتمامنا المتسم بالاحترام طوال الوقت، سوف نظل خدمك المطيعين الأوفياء ~~...» إن الأشخاص الذين يرون الحياة بلا معنى لا ms34 يشكون من ~~عجزهم على تحديد نوعية المادة التي تتكون منها أجسامهم، أو من عدم معرفتهم ما إذا كانوا في ~~ثقب أسود أم تحت المحيط. فالرجال والنساء ممن تفتقد حياتهم للمعنى في هذا الإطار للكلمة ~~مصابون باضطراب عقلي ، وليس مجرد اكتئاب. في الواقع إنهم يعنون أن حياتهم تفتقد «المدلول»، ~~وافتقاد المدلول يعني افتقاد الغاية والجوهر والهدف والجودة والقيمة والاتجاه. ومثل هؤلاء ~~لا يقصدون أنهم عاجزون عن فهم الحياة، ولكنهم يقصدون أنهم لا يملكون شيئا يعيشون من أجله. ~~فليس المقصود أن وجودهم غامض وأجوف. ولكن إدراك هذا الخواء يتطلب قدرا كبيرا من التفسير، ~~ومن ثم قدرا كبيرا من المعنى. إن عبارة «حياتي بلا معنى» هي عبارة وجودية، وليست عبارة ~~منطقية. والشخص الذي تبدو حياته بلا معنى يكون أقرب للوصول لحبوب الانتحار من الوصول ~~للمعجم. # إن ماكبث في مسرحية شكسبير ليس مضطرا للانتحار، إذ إن غريمه ماكدوف يرسله إلى الخلود ~~بطعنة سيف؛ ولكن الغاصب الاسكتلندي ينتهي به الحال في هذه الحالة الذهنية اليائسة: ~~... لتنطفئي، لتنطفئي أيتها الشمعة قصيرة الأجل! # فما الحياة سوى ظل عابر، ممثل بائس # يختال ويقلق في ساعته على خشبة المسرح # ثم لا يسمع صوته للأبد؛ إنها حكاية # يرويها أحمق ملؤها الصخب والغضب # ولكنها بلا دلالة. # الفصل 5، المشهد 5 # إن الفقرة في مضمونها محيرة أكثر مما تبدو في ظاهرها. فماكبث في الواقع يشكو من جانبين ~~للحياة - وقتيتها وخوائها - وبإمكانك أن ترى الصلة بين الاثنين. فالإنجازات تفرغ من مضمونها ~~من خلال حقيقة أنها تزوي وتضمحل بسرعة بالغة. غير أن وقتية الأشياء ليست بالضرورة أن تكون ~~أمرا مأساويا: فمن الممكن النظر إليها ببساطة كجزء من طبيعتها، ليس له أي تداعيات محزنة ~~حتميا. فإذا كانت مآدب العشاء الفاخرة تزول، فكذلك الحال بالنسبة للطغاة وآلام الأسنان. ~~هل يمكن لحياة إنسان ليس لها حدود وتطول إلى ما لا نهاية، أن يكون لها شكل ذا معنى؟ ألا يعد ~~الموت في هذه الحالة واحدا من الشروط المسبقة لكي يكون للحياة معنى من الأساس؟ أو هل يمكن ~~لحياة كهذه ms35 أن تظل ذات معنى بدلالات أخرى للكلمة خلاف «امتلاك شكل ذا معنى»؟ على أية حال، ~~إذا كانت الحياة حقا زائلة إلى هذا الحد، فلماذا ينبغي أن يضطرك مجرد التفكير في هذا لأن ~~تجعلها أكثر زوالا ووقتية (لتنطفئي، لتنطفئي أيتها الشمعة قصيرة الأجل!) # شكل 2-1: جون جيلجود في دور ماكبث مذعورا. ~~(© Hulton ~~Archive/Getty Images) # وعلى غرار عرض درامي - مثلما توحي السطور - لا يستمر الوجود الإنساني طويلا. ولكن الصورة ~~المسرحية تهدد بتقويض الفكرة الكامنة وراءه، إذ إن من طبيعة أية مسرحية ألا تستمر لفترة ~~طويلة، فنحن لا نرغب في الجلوس في قاعة المسرح للأبد. فلماذا إذن لا تكون فكرة قصر الحياة ~~مقبولة بالقدر ذاته؟ أو ربما - في هذا الإطار - مقبولة بقدر أكبر؛ بما أن قصر الحياة أمر ~~طبيعي، بينما الدراما ليست كذلك؟ إلى جانب ذلك، فإن حقيقة خروج الممثل من المسرح لا يلغي كل ~~شيء فعله أو قاله على خشبة المسرح. بل على العكس، فخروجه جزء من هذا المعنى؛ فهو لا يغادر ~~المسرح بشكل عشوائي. وفي هذا الإطار أيضا، تتعارض الصورة المسرحية مع فكرة أن الموت يضعف ~~إنجازاتنا ويوقفها أيضا. # بالتأكيد ليس من باب المصادفة أن شكسبير عندما يضطر لاستدعاء رؤية سلبية في ذهنه، فإنه ~~يقدم لنا شخصية ممثل ناشئ يبالغ في أدائه المسرحي. فالرجال في النهاية هم من دمروا سمعته ~~ورصيده البنكي أغلب الظن. ومثل ممثل بائس (و«بائس» هنا ربما تعني «غير كفء» و«مثير للشفقة» ~~على حد سواء)، تفتقر الحياة للمعنى؛ لأنها مصطنعة ومزيفة ومتخمة عن آخرها ببلاغة محملة ~~بالنذر والتي هي في الحقيقة مجرد هراء. إن أي ممثل لا «يعني» بالفعل ما يقوله، وكذلك الحال ~~بالنسبة للحياة. ولكن أليست هذه المقارنة تزييفية؟ أليست هذه مجرد نظرية المعنى الخاصة ب ~~«نية القول»، والتي - وكما رأينا - تنطبق بشكل غير مؤكد فقط على الحياة في المقام ~~الأول؟ # وماذا عن عبارة «إنها حكاية يرويها أحمق»؟ تعد هذه العبارة - من جانب ما - عبارة عزاء ~~ومواساة. فقد تكون الحياة حمقاء وسخيفة، ولكنها على الأقل تشكل قصة ms36 تتضمن بنية أولية غير ~~متطورة من نوع ما. قد تكون محرفة ومنقوصة، ولكن هناك راو وراءها، حتى وإن كان راويا أحمق. ~~في إنتاج تلفزيوني لمحطة بي بي سي للمسرحية قبل بضع سنوات، لم يلق الممثل الذي يؤدي دور ~~ماكبث هذه السطور الختامية بتمتمة متقطعة، وإنما ألقاها في دفقة غاضبة من الاستياء، صارخا ~~بها في غضب عارم أمام كاميرا رأسية قصد بها بشكل واضح أن تحل محل الإله. لقد كان الإله هو ~~ذلك الراوي الأحمق. وكما هو الحال بالنسبة لرؤية شوبنهاور للعالم والتي سنتناولها هاهنا، ~~كان هناك بالفعل مؤلف لهذه المسرحية الهزلية الرهيبة، ولكن ذلك لم يكن يعني أنها مفهومة. ~~على العكس، فقد أضفى ذلك لمحة مقززة من السخرية على سخافتها ولا معقوليتها. غير أن ثمة ~~غموضا هنا: هل الحكاية تافهة بطبيعتها، أم أنها تافهة لأن من رواها أحمق؟ أم الاثنين معا؟ ~~قد توحي الصورة ضمنا - ربما دون رغبة كبيرة في القيام بذلك - بأن الحياة هي الشيء الذي ~~«يمكن» أن يكون له معنى منطقي، مثلما يمكن أيضا اعتبار أن كلمة «حكاية» توحي بذلك. فكيف ~~يمكن لشيء لا يدل على شيء بكل ما في الكلمة من معنى ويظل يشكل حكاية؟ # وعلى غرار الخطب الرنانة، تبدو الحياة ذات معنى ولكنها في الواقع مملة وسخيفة. وكما هو ~~الحال مع ممثل أخرق، تدعي الحياة أنها ذات معنى، ولكنها تفتقر إليه. فموجة من الدلالات ~~(ملؤها الصخب والغضب) من شأنها إخفاء غياب المدلولات (ولكنها بلا دلالة). ومثل قطعة بلاغية ~~رديئة، فإن الحياة هي مسألة ملء للفراغ الذي هو الحياة ذاتها بشكل مبهرج وصاخب؛ فهي خادعة ~~وعديمة القيمة كذلك. لذا فإن ما على المحك هنا هو التحرر المرير من الأوهام، مثلما تتحول ~~طموحات الملك الزائف السياسية إلى رماد لا قيمة له. غير أن الصور المجازية - مرة أخرى - تعد ~~خادعة جزئيا، فالممثلون في النهاية أشخاص حقيقيون كأي أشخاص آخرين. فهم يبتكرون قصصا على ~~نحو صادق، وخشبة المسرح التي يمارسون عليها ذلك حقيقية بالقدر نفسه. (فالاستعارة - ربما على ~~عكس مقاصدها ms37 - توحي ضمنا بأن العالم (أو خشبة المسرح) وكذلك الممثل ليس لهما أساس في ~~الواقع، بينما يمكنك دائما أن تدعي أن الحياة الإنسانية زائفة ولكن بيئاتها المادية ~~المحيطة ليست كذلك). والممثلون الذين «لم يسمع صوتهم للأبد» قابعون في كواليس المسرح، وليس ~~في القبور. # يوجد على الأقل نظريتان لانعدام المعنى تظهران في القطعة، إحداهما وجودية وتتمثل في كون ~~الوجود الإنساني ما هو إلا مسرحية هزلية أو جوفاء. فهناك معان جمة، ولكنها خادعة. أما ~~النظرية الأخرى، فيمكن أن نطلق عليها نظرية دلالية، توحي ضمنا بأن الحياة لا معنى لها كشأن ~~قطعة من الثرثرة المبهمة. تلك هي الحكاية التي يرويها أحمق، دون أن يكون لها أي دلالة. ~~فالحياة مبهمة وتافهة، إلا أنك في الواقع لا تستطيع تفعيل المعنيين معا؛ لأنه لو كان ~~الوجود مبهما بحق، لاستحال تمرير أحكام وآراء أخلاقية بشأنه، مثل الحكم بأنه خال من ~~المدلول، مما يجعل الأمر أشبه برفض كلمة من لغة أجنبية باعتبارها هراء، في حين أننا لم ~~نستطع حتى ترجمتها. # إذا كان السؤال الخاص بمعنى الحياة ليس كمحاولة فهم قطعة من الهراء واللغو، فإنه أيضا ~~ليس كسؤال مثل «ما معنى كلمة # Nacht # في الإنجليزية؟» إنه ليس ~~كما لو كنا نطلب مكافئا في منظومة لغوية لمصطلح في منظومة أخرى، مثلما نفعل حين نطلب ترجمة ~~من هذا النوع. في السلسلة الروائية «دليل المسافر إلى المجرة»، يكتب دوجلاس آدامز عن ~~كمبيوتر يطلق عليه «التفكير العميق» والذي يطلب منه التوصل للإجابة النهائية للغز الكون، ~~ويستغرق 7,5 مليون عام لتنفيذ المطلوب، وفي النهاية يتوصل للإجابة: «42». بعد ذلك تعين ~~تصنيع كمبيوتر أكبر للتوصل للسؤال الفعلي. ويذكرنا هذا بالشاعرة الأمريكية جيرترود شتاين، ~~التي أشيع عنها أنها ظلت تسأل مرارا وهي على فراش الموت «ما الإجابة؟» قبل أن تتمتم في ~~النهاية «ولكن ما هو السؤال؟» ويبدو أن التساؤل عن سؤال مطروح بالفعل بينما يرفرف الإنسان ~~على حافة العدم رمز مناسب للوضع الحديث. # الشيء المضحك بشأن رقم «42» الذي توصل إليه كمبيوتر التفكير العميق لا يكمن فقط في ~~تفاهته، ms38 وهو مفهوم سوف نتناوله لاحقا. ولكنه يكمن أيضا في لامعقولية افتراض أن رقم «42» ~~يمكن حتى أن يعتد به كإجابة للسؤال، والذي سيكون أشبه بتخيل أن «عبوتين من البطاطس ~~المقلية وبيضة مسلوقة» يمكن الاعتداد بها كإجابة لسؤال «ما الذي يحتمل أن تعده الشمس ؟» فنحن ~~هنا بصدد التعامل مع ما يطلق عليه الفلاسفة خطأ التصنيف، مثل السؤال عن كم عدد الانفعالات ~~التي يتطلبها إيقاف شاحنة، وهو ما يعد أحد الأسباب وراء كونها مضحكة. ثمة سبب آخر لكونها ~~مضحكة وهو أننا بذلك نحصل على حل ملتبس وغير قاطع لسؤال طالما تاق الكثيرون لإيجاد إجابة ~~له، ولكنه حل لا يمكننا الانتفاع به إطلاقا. فرقم «42» ببساطة لا يتناغم مع أي شيء. إنه ~~ليس إجابة يمكننا أن نجد لها استخداما. قد يبدو كحل جازم لمشكلة، ولكنه حقا أشبه ~~بالاكتفاء بقول كلمة «بروكلي» فقط. # ثمة جانب كوميدي آخر لتلك الإجابة وهو أنه يعامل سؤال «ما معنى الحياة؟» وكأنه من نفس ~~نوعية الأسئلة على غرار «ما معنى كلمة # Nacht ~~؟» فمثلما تنشأ ~~علاقة تكافؤ بين كلمة # Nacht # الألمانية والكلمة الإنجليزية # night ~~، كذلك توحي فانتازيا آدامز الهزلية بأن الحياة ~~يمكن ترجمتها إلى منظومة دلالية أخرى (ولكنها منظومة رقمية هذه المرة وليست لفظية)، وهو ما ~~يؤدي إلى التوصل إلى رقم يدل على معنى الحياة. أو قد يكون الأمر وكأن الحياة لغز أو أحجية ~~أو كتابة مشفرة يمكن فك شفرتها مثل لغز كلمات متقاطعة لتقديم هذه الإجابة السريعة المفاجئة. ~~إن الاختباء خلف الدعابة هو فكرة الحياة كمشكلة، بمعنى مسألة رياضية لها حل شأنها شأن ~~المسائل الأخرى. فهو يفعل معنيين مختلفين لكلمة «مسألة» معا لإحداث تأثير كوميدي: لغز ~~رياضي أو كلمات متقاطعة وظاهرة إشكالية مثل الوجود الإنساني. إن الأمر يبدو كما لو كان من ~~الممكن فك شفرة الحياة في لحظة من لحظات التجلي والاكتشافات المفاجئة، مما يسمح لكلمة خطيرة ~~- مثل سلطة، جينيس، حب، جنس، شيكولاتة - بأن تومض فجأة عبر إدراكنا الواعي للحظة ~~آسرة. # هل يمكن لكلمة «معنى» في عبارة «معنى الحياة» أن تحوي ms39 شيئا على غرار المعنى الذي تحويه ~~في فئة «ما يقصد شخص ما الإشارة إليه»؟ بالتأكيد لا، ما لم تكن (على سبيل المثال) تؤمن بأن ~~الحياة هي كلمة الإله؛ لافتة أو حديث يحاول من خلاله أن ينقل لنا شيئا مهما بالنسبة لنا. ~~وهذا هو بالضبط ما كان الفيلسوف الأيرلندي الأسقف بيركلي يؤمن به. وفي تلك الحالة، يشير ~~معنى الحياة إلى «فعل» المعنى؛ إلى أية دلالة يقصد الإله (أو قوة الحياة، أو روح العصر) ~~التعبير عنها من خلاله. ولكن ماذا لو كان أحدهم لا يؤمن بأي من هذه الكيانات المهيبة؟ هل ~~يعني هذا أن الحياة لا بد وأنها عديمة المعنى؟ # ليس بالضرورة؛ فالماركسيون - على سبيل المثال - عادة ما يكونون ملحدين، ولكنهم يؤمنون بأن ~~الحياة الإنسانية - أو ما يفضلون تسميته ب «التاريخ» - لها معنى من حيث إنها تظهر نمطا ذا ~~دلالة. كذلك يرى من يناصرون ما يطلق عليه «نظرية الويج» عن التاريخ، والتي تقرأ قصة ~~الإنسانية بوصفها التكشف المتواصل للحرية والتنوير، وترى الحياة الإنسانية كذلك بوصفها تشكل ~~نمطا ذا دلالة، وإن كان نمطا لم يمسه أي كيان أسمى. صحيح أن تلك السرديات الكبرى لم تعد ~~رائجة هذه الأيام، ولكنها مع ذلك تبرز فكرة أنه من الممكن أن تؤمن بانعدام معنى الحياة دون ~~ادعاء أن هذا المعنى قد نسب إليها عن طريق فاعل محتمل. ولا شك أن كلمة معنى في إطار النمط ~~ذي الدلالة ليست ككلمة «معنى» في إطار فعل انتواء قول شيء ما، أو في إطار أن الإشارة ~~الحمراء تعني «قف». غير أن من المؤكد أننا أحيانا ما نقصد شيئا واحدا فقط بكلمة «معنى». ~~فلو لم يكن في الحياة الإنسانية أنماط ذات دلالة، حتى لو لم يكن هناك فرد واحد يقصدها، ~~لتوقفت مجالات كاملة من العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان. فقد يشير عالم ~~ديموجرافي إلى أن توزيع السكان في منطقة معينة «له معنى»، على الرغم من أن لا أحد ممن ~~يعيشون في تلك المنطقة قد يكون واعيا بهذا النمط. # إذن من ms40 الممكن الاعتقاد بأن هناك قصة ذات دلالة راسخة في الواقع، رغم عدم وجود مصدر إلهي ~~لها. فلم تكن الروائية جورج إليوت - على سبيل المثال - مؤمنة دينيا، ولكن رواية مثل «ميدل ~~مارش» - شأنها شأن الكثير من الأعمال الأدبية الواقعية - تفترض أن هناك مقصدا ذا معنى ~~متأصلا في التاريخ ذاته. إن مهمة الكاتب الواقعي الكلاسيكي لا تكمن في ابتداع قصة خرافية ~~بقدر ما تكمن في تفسير المنطق الخفي لقصة راسخة في الواقع. قارن ذلك بمؤلف معاصر مثل جويس، ~~الذي يرى أن النمط يجب أن يكون مجسدا داخل الكون وليس مستخرجا منه. فرواية «أوليسيس» ~~لجويس مبنية بشكل تام ومعقد على أساس الأسطورة الإغريقية المشار إليها في عنوانها؛ ولكن ~~جزءا من الدعابة يكمن في أن أي أسطورة أخرى ربما كانت لتفيد بنفس القدر في تسريب مظهر من ~~مظاهر النظام إلى عالم فوضوي خارج نطاق التوقعات. # في هذا المعنى الفضفاض لكلمة «ذي معنى» والذي مفاده «إفشاء نية ذات دلالة»، يمكننا أن ~~نتحدث عن معنى شيء ما دون افتراض أن هذا المعنى له من أبدعه؛ وتلك نقطة تستحق الإشارة ~~إليها حين يتعلق الأمر بمعنى الحياة. ربما لا يكون الكون قد صمم عن وعي، وبالتأكيد لا يكافح ~~من أجل قول أي شيء، ولكنه أيضا ليس فوضويا فحسب. بل على العكس، فقوانينه الأساسية تظهر ~~جمالا وتناسقا وتنظيما قادرين على إبكاء العلماء. ومن ثم فإن فكرة أن العالم إما أنه ~~يمنح معنى من قبل الإله، أو أنه عشوائي وتافه تماما، تعد تضادا زائفا. فحتى هؤلاء الذين ~~يؤمنون بأن الإله هو المعنى المطلق للحياة ليس بالضرورة أن يؤمنوا بأنه بدون هذا الأساس ~~الإلهي الوطيد، لما كان هناك معنى متماسك على الإطلاق. # إن الأصولية الدينية هي ذلك القلق العصابي من فكرة أنه دون وجود «معنى المعاني» فليس هناك ~~معنى على الإطلاق، وهي ببساطة الجانب الآخر للعدمية. وأساس هذا الافتراض هو تلك النظرة ~~للحياة باعتبارها بيتا من ورق: أزل الورقة التي بالأسفل، وسوف ينهار ذلك البناء الهش ~~بأكمله. والشخص الذي يفكر بهذا ms41 الأسلوب هو مجرد أسير لصورة مجازية. والواقع أن الكثير جدا ~~من الذي يعتنقون إيمانا دينيا يرفضون هذه الرؤية؛ فما من شخص مؤمن دينيا يتسم بالحس ~~المرهف والذكاء يتخيل أن غير المؤمنين غارقون لا محالة في وحل التفاهة واللامعقولية، وليسوا ~~ملزمين أيضا بأن يؤمنوا بأن وجود إله يعني أن يصبح معنى الحياة واضحا بشكل جلي. على ~~العكس؛ فبعض ممن لديهم إيمان ديني يؤمنون بأن وجود إله يجعل العالم أكثر غموضا وليس أقل. ~~فإذا كان لدى الإله هدف بالفعل، فهو هدف غير مفهوم إطلاقا. وفي هذا الإطار لا يكون الإله ~~هو الإجابة لأية مشكلة؛ فهذا يميل إلى تعقيد الأشياء بدلا من جعلها بديهية وواضحة ~~بذاتها. # في معرض دراسته لكل من الكائنات الطبيعية والأعمال الفنية، كتب الفيلسوف إيمانويل كانط ~~عنها في كتابه «نقد ملكة الحكم» باعتبارها تعرض ما أسماه «الغائية دون غاية». فجسم الإنسان ~~ليس له غاية، إلا أن بإمكانك الحديث عن أجزائه المتنوعة باعتبارها ذات «معنى» من حيث موضعها ~~داخل الكل. وتلك ليست مدلولات نقوم باختيارها واتخاذ قرار بشأنها بأنفسنا. فلا أحد قام ~~بتصميم قدم الإنسان، ولا شك أن الحديث عن «الغاية» منها المتمثلة في مساعدتنا على الركل ~~والسير والركض سيكون بمثابة إساءة استخدام للغة. ولكن القدم لها وظيفة داخل النظام الكلي ~~للجسم، ومن ثم سيكون منطقيا بالنسبة لشخص يجهل التشريح الإنساني أن يسأل عن دلالتها. وكما ~~أن من التعريفات التي نعرف بها كلمة «معنى» أنه وظيفة أية كلمة ضمن منظومة ما، كذلك نستطيع ~~أن نقول بتحريف بسيط للغة إن القدم لها معنى داخل الجسم ككل، وإنها ليست مجرد سديلة أو مفصل ~~عشوائي في نهاية الساق. # لنأخذ مثالا آخر: لن يكون مستغربا لدرجة أن تسأل «ما معنى تلك الضوضاء؟» عندما تسمع صوت ~~الرياح وهي تعصف بشكل غريب عبر الأشجار. من المؤكد أن الرياح لا تحاول التعبير عن أي شيء، ~~ولكن صوتها «يدل» على ذلك. ولإرضاء فضول المتحدث أو التخفيف من انزعاجه، نمضي في سرد قصة ~~صغيرة عن ضغط الهواء، وعلم السمع، وما ms42 إلى ذلك. مرة أخرى، ليست هذه دلالة نستطيع اتخاذ قرار ~~بشأنها. بل سيكون ممكنا أن نقول عن شكل عشوائي لمجموعة من الحصى إنها تعني شيئا؛ كأن نقول ~~مثلا إنها ترمز بلا قصد لعبارة «كل القوة للسوفييت»، على الرغم من أنه لم يضعها أحد هناك ~~لهذا الهدف. # 1 # ويمكن لشيء حدث مصادفة - مثلما فعلت الحياة على ما يبدو - أن يوحي بوجود تصميم مقصود. ~~فكلمة «مصادفة» لا تعني «مبهم». فحوادث السيارات ليست مبهمة؛ فهي ليست أحداثا غريبة تفتقر ~~تماما للإيقاع أو المنطق، ولكنها نتيجة لأسباب معينة. كل ما في الأمر أن هذه النتيجة لم ~~تكن مقصودة من قبل أطرافها. ربما تبدو عملية ما صدفة في وقت حدوثها، ولكنها تندرج تحت نمط ~~ذي دلالة بأثر رجعي. وقد كانت تلك هي نظرة هيجل لتاريخ العالم تقريبا. فقد يبدو بلا معنى ~~إلى حد ما بينما نعيشه، ولكنه من منظور هيجل له معنى منطقي تماما عندما تنظر «روح العصر» ~~خلفها - إن جاز التعبير - وتلقي نظرة إعجاب على ما صنعته. ويرى هيجل أنه حتى حماقات التاريخ ~~وطرقاته المسدودة تساهم في النهاية في ذلك المقصد الرائع. أما الرؤية المضادة لتلك الرؤية، ~~فهي تلك الكامنة في الدعابة القديمة «حياتي مليئة بالشخصيات الرائعة، ولكن يبدو أنني عاجز ~~عن فهم الحبكة الدرامية لها.» فقد تبدو ذات معنى من لحظة لأخرى، ولكن لا يبدو أنها تتراكم ~~معا لتكون معنى كاملا. # كيف يمكننا أيضا أن نفكر بشأن المعاني غير المقصودة؟ قد تقوم فنانة برسم كلمة «خنزير» ~~على لوحتها القماشية، ليس للتعبير عن مفهوم «الخنزير»؛ ليس لكي «تعنيه»، ولكن ببساطة ~~لافتتانها بشكل الكلمة. غير أن الشكل سوف يعني «خنزيرا» رغم ذلك. على النقيض من ذلك، نجد ~~الكاتب الذي يقحم قدرا كبيرا من الرطانة المبالغة غير المفهومة في أعماله. فلو كان لذلك ~~هدف فني، لربما نقول: إن الكلمات ذات معنى من حيث إن لها دلالة، حتى لو كانت بلا معنى بمعنى ~~الكلمة. فقد تدل مثلا على هجوم من الحركة الدادائية على الوهم الرتيب بثبات المعنى. ms43 قد ~~«يقصد» المؤلف شيئا ما بهذا التصرف، حتى لو كان ما «قصد قوله» لا يمكن نقله والتعبير عنه ~~إلا بكلمات ليس لها أي معنى في إطار منظومته اللغوية. # نحن نتحدث عن شبكة المعاني المعقدة لإحدى مسرحيات شكسبير دون الافتراض دائما أن شكسبير ~~كان يفكر بهذه المعاني في رأسه في نفس لحظة تدوينه للكلمات. فكيف يمكن لأي شاعر لديه مثل ~~هذا الخيال الخصب المذهل أن يضع في ذهنه كل الدلالات الممكنة لمعانيه؟ والقول بأن «هذا معنى ~~محتمل للعمل» أحيانا ما يعني أن هذا هو الشكل الذي يمكن به تفسير معنى العمل بشكل منطقي ~~ومعقول. فما كان المؤلف «يقصده» بالفعل ربما يكون غير قابل للاستعادة، حتى بالنسبة له. ~~والكثير من المؤلفين أظهرت لهم أنماط من المعنى في أعمالهم لم يكونوا يقصدون وضعها بها. ~~وماذا عن المعاني اللاشعورية التي لم تقصد عن عمد كما يتضح من اسمها؟ يعلق فيتجنشتاين في ~~هذا الصدد بقوله: «إنني أفكر بقلمي حقا؛ لأن عقلي غالبا لا يعرف شيئا عما تكتبه ~~يدي.» # 2 ~~••• # مثلما يمكن الاعتقاد بأن شيئا ما - حتى «الحياة» ذاتها - قد يكون له مقصد أو اتجاه ذو ~~دلالة لم يقصده أي شخص، يمكنك أن تعتقد أن الوجود الإنساني فوضوي وبلا معنى، ولكن هذا أيضا ~~كان متعمدا في الواقع. ربما يكون ذلك نتاج قدر حاقد أو إرادة خبيثة. وبشكل عام، تعد هذه هي ~~رؤية الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، ذلك المفكر شديد التشاؤم حتى إن أعماله تمثل أحد ~~الروائع الهزلية العظيمة في الفكر الغربي، وإن كان ذلك بشكل غير متعمد إلى حد كبير (بل إن ~~هناك شيئا مضحكا بشأن اسمه، إذ يجمع بين اسم «شوبنهاور» الفخم الذي يملأ الفم، وبين اسم ~~«آرثر» الأكثر شيوعا). يرى شوبنهاور أن الواقع بأسره (وليس الحياة الإنسانية وحدها) هي ~~النتاج العارض لما يطلق عليه «الإرادة». والإرادة - التي تعد قوة مفترسة عنيدة - لديها نوع ~~من التعمد بشأن ذلك؛ ولكن إذا كانت تولد كل شيء قائم هناك، فإن ذلك لا يرجع لسبب أنبل من ~~الحفاظ على ms44 وجودها. فعن طريق إعادة إنتاج الواقع، تعمل الإرادة على إعادة إنتاج نفسها، وإن ~~كان ذلك ليس له أدنى هدف. إذن هناك بالفعل جوهر أو آلية مركزية للحياة؛ ولكن هذه حقيقة ~~مريعة أكثر من كونها سامية، إذ إنها تخلق فوضى ودمارا وتعاسة أبدية. فليست كل السرديات ~~الكبرى مثالية حالمة. # ولما كانت الإرادة حرة تماما في تقرير مصيرها، فإن غايتها تكمن في نفسها بشكل تام، مثل ~~رسم ساخر خبيث للإله. وهذا يعني أنها ببساطة تستخدمنا وبقية الخلق لخدمة أغراضها الغامضة ~~الخاصة. قد نعتقد أن حياتنا لها قيمة ومعنى؛ ولكن الحقيقة هي أننا متواجدون كمجرد أدوات ~~بائسة وضعيفة لإعادة إنتاج الذات الأعمى وعديم الجدوى للإرادة. غير أن تحقيق ذلك يحتم على ~~الإرادة أن تخدعنا باستدراجنا نحو افتراض أن حياتنا لها معنى بالفعل؛ وهي تفعل ذلك عن طريق ~~تطوير آلية خرقاء للخداع الذاتي بداخلنا تعرف بالوعي، والتي تجيز لنا التوهم بامتلاك غايات ~~وقيم خاصة بنا، وتغرر بنا للاعتقاد بأن شهيتنا ملك لنا كذلك. وفي هذا الإطار، يكون كل الوعي ~~في نظر شوبنهاور وعي زائف. ومثلما كان يقال عن اللغة يوما ما إنها موجودة حتى يمكننا إخفاء ~~أفكارنا عن الآخرين، كذلك يتواجد الوعي لكي يخفي عنا العبث المطلق لوجودنا. وإلا لكنا ~~تخلصنا من أنفسنا بالتأكيد ونحن نواجه المشهد الشامل لدمار وجدب ما يعرف بالتاريخ الإنساني. ~~غير أنه حتى الانتحار يمثل انتصارا خبيثا للإرادة، التي يتضح خلودها بشكل درامي عند ~~مقارنتها بفنائية الدمى التي تحركها من البشر. # شكل 2-2: آرثر شوبنهاور، عابسا كرؤيته للحياة. ~~(© Hulton ~~Archive/Getty ~~Images) # ومن ثم فإن شوبنهاور ينتمي لسلالة من المفكرين يعتبرون أن الوعي الزائف، بعيدا عن كونه ~~ضبابا ينقشع بسطوع الضوء المبهر للعقل، جزء لا يتجزأ من وجودنا. وقد كان نيتشه - الذي تأثر ~~في كتاباته الأولى بشوبنهاور - مفكرا آخر من المنتمين لتلك النوعية. وقد كتب في كتابه ~~«إرادة القوة»: «الحقيقة قبيحة؛ ونحن نتمسك بالفن خشية أن نفنى من الحقيقة.» # 3 # وكان سيجموند فرويد مفكرا آخر من تلك السلالة تأثر تكوينه بشكل ms45 عميق ببني وطنه ~~المتشائمين. فما أسماه شوبنهاور بالإرادة، أعاد فرويد تسميته بالرغبة. يرى فرويد أن الخيال ~~والإدراك الخاطئ وقمع ما هو حقيقي هي مقومات أساسية للنفس، وليست عناصر عرضية لها. ولولا ~~هذا النسيان المنقذ، لما استطعنا النجاة من أي مصاعب. إذن، ماذا لو كان للحياة معنى بالفعل، ~~ولكنه معنى يفضل لنا ألا نعرفه؟ إننا نميل للاعتقاد بأن اكتشاف معنى الحياة سيكون شيئا ~~قيما بطبيعة الحال، ولكن ماذا لو كان هذا خطأ؟ ماذا لو كان الواقع شيئا مهولا ورهيبا ~~من شأنه أن يحولنا إلى حجارة؟ # بإمكاننا دائما في النهاية أن نتساءل لما ينبغي على أي شخص أن «يرغب» في معرفة معنى ~~الحياة. هل هو على يقين من أنه سيساعده على الحياة بشكل أفضل؟ فقد عاش رجال ونساء حياة تبدو ~~رائعة دون امتلاك هذا السر. أو ربما كانوا يمتلكون سر الحياة طوال الوقت دون إدراك ذلك. ~~ربما يكون معنى الحياة شيئا أفعله ببساطة في الوقت الراهن، شأنه شأن التنفس، دون أدنى وعي ~~به. ماذا لو كان محيرا، ليس لكونه خفيا، ولكن لكونه قريبا للعين بشكل يتعذر معه رؤيته ~~بوضوح. فربما لا يكون معنى الحياة هدفا يصلح للسعي وراءه، أو حقيقة لا يفضل ذكرها، بل ~~شيئا يتجلى في فعل العيش نفسه، أو ربما في أسلوب معين للحياة. فمعنى أي سردية - في النهاية ~~- لا يكمن فقط في غايتها أو نهايتها، ولكن في عملية السرد ذاتها. # ويعبر فيتجنشتاين عن هذه الفكرة بشكل جيد في قوله: «لو كان لأي شخص أن يعتقد أنه قد حل ~~إشكالية الحياة، ويرغب في إخبار نفسه بأن كل شيء قد صار يسيرا الآن، فيمكنه أن يدرك أنه ~~مخطئ فقط بتذكر أنه قد مر به وقت لم يكن هذا «الحل» قد اكتشف بعد؛ ولكن لا بد أن الحياة ~~«آنذاك» كانت ممكنة أيضا، والحل الذي اكتشف الآن يبدو عرضيا بالنسبة لما كانت عليه ~~الأمور آنذاك.» # 4 # وخلف هذا الرأي تختبئ قناعة فيتجنشتاين بأن معنى الحياة - إذا كان موجودا من ~~الأساس - ليس سرا ولا ms46 «حلا»، وهي أفكار سوف نتناولها لاحقا. في الوقت ذاته، يمكننا أن ~~نتساءل مرة أخرى: ماذا لو كان معنى الحياة شيئا يجب «ألا» نكتشفه مهما كلف الأمر؟ # ليست تلك نوعية الأفكار التي كانت لتخطر بسهولة على ذهن مفكري عصر التنوير، الذين كانوا ~~يرون أن الخطأ يجب أن يحارب بشجاعة عن طريق الحقيقة. غير أنه مع انتهاء القرن الثامن عشر ~~وبداية القرن التاسع عشر، بدأ مفهوم الكذب المنجي أو الخيال الصحي في الظهور تدريجيا. ~~فربما كان الإنسان ليفنى ببساطة بفعل الحقيقة، إذ يذوي تحت وطأة وهجها القاسي الذي لا يرحم. ~~وربما كانت الخيالات والأساطير ليست مجرد أخطاء يجب محوها، وإنما أوهام مفيدة تتيح لنا ~~النجاح والازدهار. وقد لا تكون الحياة أكثر من حادثة بيولوجية، ولا حتى حادثة كانت تنتظر ~~الحدوث؛ ولكنها طورت بداخلنا ظاهرة عشوائية تعرف بالعقل، والذي يمكننا استخدامه لوقاية ~~أنفسنا من المعرفة المخيفة بعرضية وجودنا. # يبدو الأمر وكأن طبيعة تستخدم المعالجة المثلية قد تفضلت بتزويدنا بالترياق إلى جانب ~~السم، وكلاهما يعرف باسم الوعي. فيمكننا أن نوجه عقولنا نحو التخمينات الكئيبة في ظل ما ~~يبدو من عدم اهتمام تلك الطبيعة بالحياة الفردية في خضم اهتمامها بالنوع ككل. أو يمكننا أن ~~نصرف أفكارنا نحو بناء أساطير وخرافات واهبة للحياة - كالدين والإنسانية وما شابه - والتي ~~قد تسبغ علينا مكانة وأهمية في هذا الكون القاسي. إن مثل تلك الأساطير قد لا تكون حقيقية من ~~منظور علمي، ولكننا ربما نكون قد أحدثنا جلبة أكبر من اللازم حول الحقيقة العلمية، مفترضين ~~أنها النوع الوحيد المتاح من الحقيقة. وعلى غرار العلوم الإنسانية بشكل عام، يمكن القول بأن ~~مثل هذه الأساطير والخرافات تحوي نوعيتها الخاصة من الحقيقة؛ تلك الحقيقة التي تكمن في ~~النتائج التي تخلقها أكثر مما تكمن في الافتراضات التي تقدمها. فإذا أتاحت لنا التصرف بحس ~~من القيمة والهدف، فربما إذن تكون حقيقية بما يكفي لكي تستمر. # بوصولنا إلى أعمال منظر القرن العشرين الماركسي لوي ألتوسير، كان هذا الأسلوب في ~~التفكير قد تسرب إلى الماركسية، بمعارضتها الصارمة ms47 للوعي الزائف للأيديولوجية. فماذا لو ~~كانت الأيديولوجية ذات ضرورة حيوية؟ ماذا لو كنا بحاجة إليها لإقناع أنفسنا بأننا فاعلين ~~سياسيين قادرين على التصرف باستقلالية؟ ربما تكون النظرية الماركسية على وعي بأن الفرد ليس ~~لديه درجة كبيرة من التماسك أو الاستقلالية، أو حتى الواقعية؛ ولكن الأفراد أنفسهم يجب أن ~~يثقوا أنهم يملكون ذلك إذا كان مقدرا لهم أن يتصرفوا بشكل فعال. ويرى ألتوسير أن مهمة ~~الأيديولوجية الاشتراكية هي تأمين ذلك الوهم المنقذ. وينطبق ذلك بشكل مماثل - من منظور ~~فرويد - على الأنا، التي لا تتجاوز كونها فرعا من اللاشعور، ولكنها شديدة التنظيم بحيث ترى ~~العالم بأكمله يتمحور حولها. فالأنا تعامل نفسها ككيان متماسك مستقل، يعرفه التحليل النفسي ~~بأنه وهم؛ ولكنه وهم صحي، رغم ذلك، لم نكن سنستطيع العمل والتصرف بدونه. # وهكذا يبدو أنه بعيدا عن الحديث عن معنى الحياة، قد نواجه باختيار بين المعنى والحياة. ~~فماذا لو كانت الحقيقة مدمرة للوجود الإنساني؟ ماذا لو كانت قوة ديونيسية مهلكة، كما كان ~~يعتبرها نيتشه في بداياته؛ أو إرادة ضارية كما في تخمينات شوبنهاور الكئيبة؛ أو رغبة مجردة ~~مفترسة عديمة الرحمة كما يرى فرويد؟ يرى الفيلسوف والمحلل النفسي جاك لاكان أن الفاعل ~~الإنساني يمكن إما أن «يعني» شيئا أو «يفعل» شيئا، ولكنه لا يمكن أن يفعل الاثنين معا. ~~وما إن ندخل إلى عالم اللغة، ومن ثم إلى إنسانيتنا، ينقسم ما قد يسميه المرء «حقيقة ~~الفاعل»، أو طبيعة وجوده، إلى سلسلة لا متناهية من المعاني الجزئية. ولا نبلغ المعنى إلا ~~على حساب فقدان الوجود. # كان أول دخول لهذا الشكل من التفكير للكتابات الإنجليزية على نطاق واسع على يد الروائي ~~جوزيف كونراد، الذي استشعر تأثير كل من نيتشه وشوبنهاور. فباعتباره شكوكيا فلسفيا ~~متحمسا، لم يكن كونراد يؤمن بأن مفاهيمنا وقيمنا ومثلنا لها أي أساس في عالم ليس له معنى ~~شأنه شأن الأمواج. غير أن هناك أسبابا أخلاقية وسياسية ملحة تحتم علينا التصرف و«كأنها» ~~راسخة على أساس متين. فإذا لم نفعل، قد تكون الفوضى الاجتماعية واحدة من العواقب ms48 غير المرحب ~~بها لذلك. بل إن هناك إطارا تقل فيه أهمية ما نؤمن به عن حقيقة إيماننا في حد ذاتها. وقد ~~انتقل هذا النوع من الشكلية بعد ذلك تدريجيا إلى الوجودية، التي ترى أن حقيقة التزامنا - ~~وليس المحتوى الدقيق لهذا الالتزام - هو السبيل لوجود حقيقي. # ويعد أبطال الكاتب المسرحي آرثر ميلر مثالا على ذلك. فشخصيات مثل ويلي لومان في «وفاة ~~بائع متجول»، أو إيدي كاربون في «مشهد من الجسر»، ملتزمة بنسخة معينة من هوياتها، ومن ~~العالم من حولها، والتي تعتبر من منظور موضوعي نسخة زائفة. على سبيل المثال، يعتقد ويلي أن ~~ما يهم في الحياة هو أن تحظى بالاحترام على المستوى الاجتماعي والنجاح على المستوى ~~الاقتصادي. غير أن ما يشكل أهمية مع هذه الشخصيات التي أعمت نفسها - كما هي الحال مع بعض من ~~أبطال إبسن التراجيديين - هو القوة التي استثمروا بها في هذا الالتزام. فالصلابة البطولية ~~التي ظلوا مخلصين بها لصورهم الذاتية الملتوية هي ما تشكل أهمية في النهاية، على الرغم من ~~أنها تقودهم إلى الضلال والموت. فأن تعيش بإيمان - ربما أي إيمان قديم - يعني أن تبث في ~~حياتك دلالة وأهمية. وبناء على هذه النظرية، يكون معنى الحياة هو مسألة الأسلوب الذي تعيش ~~به هذه الحياة، وليس مسألة محتواها الفعلي. # من الحقائق البديهية لشوبنهاور أن الأحمق فقط هو من يتخيل أن الحياة تستحق أن تعاش. وفي ~~نظره الرمز الأنسب للمشروع الإنساني هو خلد الماء ذو الحوافر: # إن مهمته في الحياة هي الحفر بقوة بقدميه الحافرتين الضخمتين؛ يحيطه الظلام ~~الدامس دائما ... فعلام يحصل من هذا الأسلوب الحياتي المليء بالمتاعب والمجرد من ~~المتعة؟ الغذاء والتناسل، أي فقط الوسائل اللازمة للاستمرار والبدء من جديد في ~~المسار الكئيب نفسه في صورة الفرد الجديد. # 5 # إن المشروع الإنساني برمته لهو خطأ مريع كان يجب إلغاؤه منذ زمن طويل. ولا يمكن لأحد أن ~~يتخيل عكس ذلك إلا أولئك الحمقى المضللين لأنفسهم، الذين يواجهون بركام التاريخ. لقد كانت ~~القصة الإنسانية واحدة من قصص البؤس المتواصل التي لم ms49 يستطع أحد أن يفكر أنها تستحق تحملها ~~سوى من خدعوا بالخبث الوضيع الذي تمارسه الإرادة. # ثمة شيء هزلي في رأي شوبنهاور بشأن تلك السلالة المختالة بنفسها إلى حد الغرور من ~~المخلوقات، الذي أقنع كل واحد منهم نفسه بقيمته الرفيعة السامية، والساعين وراء هدف تنويري ~~سرعان ما سيصبح عديم القيمة. فلا يوجد هدف عظيم لهذا الصخب والغضب الفارغ؛ ليس هناك سوى ~~«إشباع لحظي، ومتعة عابرة مشروطة بالاحتياجات، ومعاناة جمة وطويلة، وكفاح مستمر، وحرب الكل ~~ضد الكل، كل شيء قناص وكل شيء يقتنص، وضغط، وعوز، واحتياج، وقلق، وصراخ وعواء؛ ويتواصل هذا ~~لعصور وعصور أو حتى تتحطم قشرة الكوكب مرة أخرى.» # 6 # وبحسب ما يستطيع شوبنهاور الجزم به «لا أحد لديه أدنى فكرة عن أسباب وجود ~~الكوميديا التراجيدية، لأن ليس لها جمهور، والممثلين أنفسهم يتحملون قلقا لا حد له، ولا ~~يستمتعون إلا قليلا وتكون متعة سلبية فحسب.» # 7 # فالعالم ما هو إلا رغبة ملحة عقيمة، دراما سيئة بشكل صاعق، سوق ضخمة أو ساحة ~~قتال داروينية تسعى فيها أشكال الحياة لسحق بعضها البعض. # إن صحبة الآخرين موجودة دائما بالطبع؛ إلا أن شوبنهاور يرى أن مجرد الملل هو الذي يدفعنا ~~للبحث عنها. وفيما يتعلق بالإرادة، لا يوجد اختلاف بارز بين البشر والبوالب المرجانية، إذ ~~إن كليهما أدوات لديناميكيتها اللامبالية بشكل صريح. ففي صميم جوهر البشر تتحرك قوة - هي ~~الإرادة - تمثل أساس جوهرنا الداخلي، ولكنها قوة عديمة الشعور ومجهولة شأنها شأن القوة التي ~~تحرك الأمواج. والذاتية هي أقل مسمى يمكننا أن نطلقه على القوة التي بداخلنا. فنحن نحمل ~~داخلنا حمولة خاملة من انعدام المعنى، وكأن البشرية تحمل في أحشائها دائما الوحوش؛ وهذه ~~الحمولة - التي تعتبر من نشاط أو تأثير الإرادة بداخلنا - تشكل الجوهر الأساسي لذاتيتنا. ~~وكل شيء مشحون بالشهوة؛ فالبشر مجرد تجسيد يمشي على الأرض لغرائز آبائهم الجنسية، وأساس كل ~~هذا الاشتهاء العقيم يكمن في العوز والنقص. وفي ذلك يقول شوبنهاور: «كل «الرغبة» تنبع من ~~العوز، ومن النقص، ومن ثم من المعاناة.» # 8 # والرغبة شيء أبدي، ms50 بينما الإشباع زهيد ومتقطع؛ فقد لا يكون لتلك العدوى القاتلة ~~التي نعرفها بالرغبة نهاية طالما بقيت النفس. وحده الإيثار الذي يتمتع به التأمل الجمالي - ~~إلى جانب نوع من نكران الذات البوذي - هما ما يمكن أن يطهرانا من التشويه البصري الذي تولده ~~الحاجة، ويتيحا لنا رؤية العالم كما هو على حقيقته. # ولسنا بحاجة لأن نقول: إن هناك قصة أخرى يجب أن نرويها. ولكن إذا كان شوبنهاور لا يزال ~~يستحق القراءة، فإن ذلك لا يعزى فحسب إلى مواجهته لاحتمالية أن يكون الوجود الإنساني لا ~~معنى له بأكثر الطرق هزلية وازدراء، بشكل أكثر صراحة وقسوة من أي فيلسوف آخر تقريبا، بل ~~يعزى أيضا إلى أن جزءا كبيرا مما يقوله صحيح بكل تأكيد. فالتاريخ الإنساني - بوجه عام - ~~كان عبارة عن قصة ندرة وبؤس واستغلال أكثر من كونه أسطورة أخلاق وتنوير. ومن يعتقدون أن ~~للحياة معنى لا محالة - بل ومعنى راق - عليهم أن يواجهوا تحدي شوبنهاور الكئيب. فأعماله ~~تجبرهم على الكفاح بكد لكي يجعلوا رؤيتهم تبدو أي شيء أكثر من مجرد مواساة مسكنة. # | هوامش # الفصل الثالث # | خسوف المعنى # تأمل هذا الحوار المقتضب في مسرحية أنطون تشيكوف «الشقيقات الثلاث»: # ماشا: # ألا يوجد معنى؟ # توزنباخ: # معنى ... انظري هناك، إن الثلج يتساقط. ما معنى هذا؟ # إن الثلج ليس تعبيرا أو رمزا. وهو ليس مجازا للتعبير عن حقيقة أن السماء حزينة، حسبما ~~نستطيع القول؛ إنه ليس محاولة لقول أي شيء، مثلما تخيل فيليب لاركن عن الربيع: # ها هي أوراق الأشجار تتفتح # وكأن شيئا ما يقال ... # من قصيدة «الأشجار» # غير أن قول: «انظري هناك، إن الثلج يتساقط» يتضمن بعض المعاني بالفعل. ~~فالثلج «ذو معنى» في إطار كونه جزءا من عالم ملموس وواضح، عالم تؤسسه لغتنا وتفتح آفاقه. ~~إنه ليس مجرد نوع من الألغاز العجيبة. ولن يكون غريبا تماما أن يتساءل شخص ما لم يسبق له ~~أن رأى الثلج: «ما معنى هذا؟» وعلى الرغم من أن الثلج ليس رمزا لأي شيء، فقد يمكن اعتباره ~~لفظا دالا؛ فقد يدل على قدوم الشتاء. ms51 وبذا فهو ينتمي إلى منظومة جوية تديرها قوانين ~~نستطيع فهمها. وقد نلاحظ أن هذا النوع من المعنى «متأصل» وليس «منسوبا»؛ فالثلج يعني أن ~~الشتاء قادم بغض النظر عن اعتقادنا بشأن ما يعنيه ذلك. كذلك يمكن «استخدام» حقيقة تساقط ~~الثلوج كدال، والواقع أن هذا هو بالضبط ما يفعله توزنباخ، إذ يشير إلى الثلج (بشكل ساخر بما ~~يكفي ) كدلالة على انعدام المعنى. أو قد يتعجب شخص ما قائلا: «انظر إلى الثلج؛ الشتاء قادم! ~~من الأفضل لنا أن نتجه إلى موسكو»، مما يجعل الثلج ذا دلالة ضمن مشروع إنساني، وأساسا ~~لرسالة بين الأفراد. وفي جميع هذه الدلالات، لا يؤخذ تساقط الثلج على أنه مجرد انهمار ~~للثلوج. # لعل توزنباخ يحاول الإيحاء بأن العالم سخيف ولا معقول. ولكن «اللامعقولية» تعد معنى كذلك؛ ~~فالصياح: «ولكن هذا لا معقول»، يستثير احتمالية ما للفهم وإضفاء معنى متماسك. فاللامعقولية ~~تصبح معقولة فقط في حالة مقارنتها بمثل هذه العملية من إضفاء المعنى، مثلما يصبح الشك ~~منطقيا وذا معنى فقط في وجود خلفية من اليقين. وبإمكاننا الرد سريعا على شخص يدعي أن ~~الحياة بلا معنى بقول: «ما هذا الذي بلا معنى؟» ولا بد أن يكون رده مصاغا في إطار المعاني. ~~فعادة ما يتساءل الأشخاص الذين يتحرون عن معنى الحياة عن معنى كل مواقفها المتنوعة؛ ولما ~~كان تحديد موقف في حد ذاته يحمل معنى، فلا يمكنهم أن يتحسروا لعدم وجود معنى على الإطلاق. ~~وكما أن الشك في كل شيء يعد شيئا بلا معنى، من الصعب كذلك أن تدرك كيف يمكن للحياة أن تكون ~~تافهة ولا معقولة على طول الطريق. فقد تكون الحياة بلا جدوى على طول الخط - بمعنى أنها ~~تفتقر إلى غاية أو هدف معين - ولكن لا يمكن أن تكون تافهة بمعنى كونها حمقاء ما لم يكن هناك ~~منطق ما يمكننا به قياس تلك الحقيقة. # غير أن الحياة قد تكون تافهة مقارنة بمعنى اعتادت أن تكتسبه، أو تعتقد أنها طالما ~~اكتسبته. ولعل من الأسباب التي جعلت أتباع الحداثة أمثال تشيكوف ينشغلون إلى ms52 هذا الحد ~~بإمكانية انعدام المعنى أن حركة الحداثة قديمة بما يكفي لتذكر فترة ما كان المعنى فيها لا ~~يزال وافرا، أو هكذا كان يشاع على الأقل. لقد كان المعنى متواجدا حتى عهد قريب بما يكفي ~~بالنسبة لكل من تشيكوف، وكونراد، وكافكا، وبيكيت وزملائهم، مما جعلهم يشعرون بالذهول ~~والإحباط من تضاؤله. ولا تزال الأعمال الفنية التي تنتمي إلى حركة الحداثة تطاردها ذكرى كون ~~منهجي منظم، ومن ثم لديها من الحنين ما يكفي للشعور بخسوف المعنى باعتباره كربا، أو فضيحة، ~~أو حرمانا لا يطاق. ولذا نجد مثل هذه الأعمال في أغلب الأحيان تتحول فجأة نحو فكرة من ~~الغياب المحوري، أي فجوة غامضة أو فترة صمت تميز النقطة التي تسرب منها الفهم وإضفاء ~~المعنى. فتجدنا نفكر في موسكو في مسرحية تشيكوف «الشقيقات الثلاث»، وقلب الظلام الأفريقي ~~لدى كونراد، أو منارة فيرجينيا وولف الغامضة، أو كهوف مارابار الخاوية لدى إي إم فورستر، أو ~~نقطة تي إس إليوت الثابتة من العالم المتحول، أو اللامواجهة في صميم مسرحية «أوليسيس» ~~لجويس، أو جودو بطل بيكيت، أو جريمة جوزيف كيه المجهولة لدى كافكا. وفي خضم هذا التوتر بين ~~الحاجة المستمرة للمعنى والإحساس المزعج بمراوغته، يمكن للحداثة أن تكون تراجيدية ~~بحق. # أما حركة ما بعد الحداثة - في المقابل - فهي ليست قديمة بما يكفي لاسترجاع فترة تواجد ~~فيها الحقيقة والمعنى والواقع، وتتعامل مع مثل هذه الأوهام والضلالات بجزع الشباب الفظ. فلا ~~جدوى من الحسرة على أعماق لم يكن لها وجود مطلقا. وحقيقة أنها تبدو أنها تلاشت لا تعني أن ~~الحياة سطحية، إذ إنه لا يمكن أن يكون لديك أسطح إلا إذا كان لديك أعماق لتقارنها بها. إن ~~معنى المعاني ليس أساسا قويا، بل وهما طاغيا ثقيل الوطأة. والحياة دون الحاجة لمثل هذه ~~الضمانات تعني الحرية. ويمكنك أن تجادل بأنه بالفعل كان هناك يوما ما سرديات كبرى (مثل ~~الماركسية) كانت مماثلة لشيء واقعي، ولكننا تخلصنا منها؛ أو يمكنك أن تصر على أن هذه ~~السرديات لم تكن طوال الوقت سوى وهما، ومن ms53 ثم لم يكن هناك شيء لنفقده مطلقا. فإما أن ~~العالم لم يعد قائما على قصة، أو أنه لم يكن كذلك من الأساس. # وعلى الرغم من سذاجة جزء كبير من فكر ما ~~بعد الحداثة فيما يتعلق بهذه المسألة، هناك نقطة واحدة يحمل فيها دلالة بكل تأكيد. إن غثيان ~~جان بول سارتر أو التحدي التراجيدي لألبير كامو، حين يواجه عالما من المفترض أنه بلا معنى، ~~هو بحق جزء من المشكلة التي يعد إجابة لها. فليس من المحتمل أن تشعر بأن العالم عديم القيمة ~~إلى حد الغثيان - في مقابل انعدام قيمته بشكل عادي قبل ذلك - إلا إذا كان لديك له توقعات ~~مبالغ فيها من الأساس. إن كامو وسارتر - إن جاز التعبير - متقدمان في السن بما يكفي لتذكر ~~فترة كان العالم يبدو فيها ذا معنى؛ ولكن إذا كانا يعتقدان أن هذا كان وهما حتى في ذلك ~~الوقت، فما الذي فقد تحديدا باختفائه؟ ربما لا يكون للحياة هدف متأصل فيها، ولكن هذا لا ~~يعني أنها عقيمة وبلا جدوى. فالعدمي هو مجرد ميتافيزيقي تحرر من الأوهام. والخوف هو الجانب ~~الآخر للإيمان. والأمر نفسه ينطبق على الرومان الكاثوليك المرتدين، الذين يميلون للتحول إلى ~~ملحدين بشكل محض بدلا من أن يكونوا أنجليكيين متمسكين بالتقاليد والطقوس. وهذا يعزى فقط ~~إلى أنك قد تخيلت خطأ أن العالم يمكن أن يكون بشكل ما ذا معنى في جوهره - وهي فكرة تراها ~~حركة ما بعد الحداثة بلا معنى - وهو ما تسبب في تدميرك حين وجدت أنه ليس كذلك. # من الممكن اعتبار أن أعمال صمويل بيكيت قد ~~انحصرت في مكان ما بين قضايا الحداثة وقضايا ما بعد الحداثة. ففي إدراكه للمراوغة المفرطة ~~للمعنى (إذ أشار ذات مرة إلى أن كلمته المفضلة هي «ربما»)، يعتبر بيكيت حداثيا ~~كلاسيكيا. فكتاباته محبوكة من البداية للنهاية بإدراك لوقتية المعنى، مدركا - وهذا من ~~المفارقات - أنه ربما لم يكن له وجود من الأساس. وهذا هو ما يجعله يبدو موجودا بشكل سطحي ~~«فحسب»؛ فهو يحوم بشكل محفوف بالمخاطر على حافة الصياغة ms54 اللفظية، قبل أن يهوي بلا مبالاة ~~بعيدا إلى ظلام يفتقر إلى الكلمات. إنه واه ومتسق مع حقيقة كونه مدركا بالكاد. فالمعنى ~~يتوهج ويضمحل، ويمحو نفسه بمجرد ظهوره تقريبا. فتجد قصة بلا هدف تشق طريقها بصعوبة نحو ~~السطح، فقط لتجهض في منتصفها لصالح قصة أخرى على القدر نفسه من العبث. ولا يوجد حتى ما ~~يكفي من المعنى لإطلاق تسمية على الخطب الذي بنا. # إن كل شيء في عالم ما بعد معسكر الأوشفيتز غامض وغير محدد. فكل مقترح هو فرضية تجريبية، ~~ومن الصعب التأكد ما إذا كان أي شيء يحدث أم لا؛ فماذا في هذا العالم يعتد به كحدث؟ هل ~~انتظار جودو يعد حدثا، أم إرجاء لحدث؟ إن فعل الانتظار ذاته يندرج تحت اللاشيء؛ فهو بمثابة ~~تأجيل أبدي للمعنى، أو ترقب للمستقبل الذي يعتبر أيضا أسلوب حياة في الحاضر، وهو ما يشير ~~إلى أن عيش الحياة يعني أن ترجئ أو تعلق الوصول إلى معنى نهائي؛ وعلى الرغم من أن فعل تأجيل ~~المعنى يجعل من الصعب تحمل الحياة، فقد يكون هذا أيضا هو ما يجعلها تستمر. كيف لك - في ~~عالم تتسم فيه عملية تحديد المعنى بهذا القدر من الوهن والتمزق - أن تدرك مثل هذا المعنى ~~المتألق؟ لعل شخصيتا فلاديمير واستراجون في «في انتظار جودو» قد فشلا في إدراكه بالفعل؛ ~~ربما كان بوزو في حقيقة الأمر هو جودو (لعلهم قد أخطئوا سماع الاسم) ولا يدركان ذلك. أو ~~ربما أن كل هذا التجمد المؤلم والهزلي للزمن هو تعبير عن قدوم جودو، مثلما يشير خواء ~~التاريخ بالنسبة للفيلسوف والتر بنجامين بنوع من الإنكار والرفض إلى الوصول الوشيك للمسيح. ~~ربما سيكون وصول جودو تحررا صحيا من الوهم، بما يوحي بأنه لم يكن هناك حاجة إليه من ~~الأساس؛ أنه لم يكن هناك شيء جلل واحد يصرخ من أجل الخلاص، ولكن هذا الاعتقاد في حد ذاته ~~جزء من وعينا الزائف. وقد يكون ذلك مقاربا لرؤية والتر بنجامين للمسيح الذي سيغير العالم، ~~ولكنه سيفعل ذلك بإحداث تعديلات ثانوية بسيطة. # شكل ms55 3-1: فلاديمير واستراجون في مشهد من مسرحية صمويل بيكيت «في انتظار جودو». ~~(© Robbie Jack/Corbis) # إذا كان العالم مبهما، فإن اليأس غير ممكن. فواقع غامض لا بد بالتأكيد أن يترك مجالا ~~للأمل. ولعل ذلك أحد أسباب عدم إقدام المتشردين (ولكن من قال إنهم متشردون؟) على قتل ~~أنفسهم. فلا وجود للموت في أدب بيكيت، فقط عملية لا تنتهي من الانحدار والتدهور الجسدي؛ من ~~تيبس الأطراف، وتشقق الجلد، وتشوش مقلة العين، وثقل السمع، وهو تدهور يبدو أنه سيستمر للأبد ~~على الأرجح. ويبدو أن غياب جودو قد غمر الحياة في حالة من الغموض المتطرف، ولكن هذا يعني ~~أنه لا يوجد تأكيد على أنه لن يأتي. فإذا كان كل شيء مبهم وغامض، فلا بد أن هذا يسري أيضا ~~على معرفتنا به، وفي هذه الحالة لا يمكننا استبعاد احتمالية وجود حبكة سرية وراء كل ذلك. ~~حتى الكآبة لا يمكن أن تكون مطلقة في عالم بلا ثوابت مطلقة. فيبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك ~~خلاص في عالم من هذا النوع، رغم أنه يبدو لنا أنه المكان الذي قد لا تزال فيه فكرة الخلاص ~~فكرة منطقية ذات معنى؛ ولكن في هذه الحالة قد لا توجد حاجة مطلقة إليها أيضا. وعلى أية ~~حال، من ذا الذي يمكن أن يقول إن هذا المشهد من التشوهات والإعاقات وأجزاء الجسم الخالية من ~~الشعر - إذا شوهد من منظور مختلف كلية - ليس تأرجحا على حافة التغيير؟ # باختصار، يبدو ذلك مستبعدا إلى حد كبير. غير أن حقيقة أن لا شيء في أدب بيكيت محدد ~~ونهائي، وأن كل دال منقوص ينقلنا إلى ما يليه، لا يمكن اعتبارها رمزا لرغبة فحسب، بل رمزا ~~لمعنى. فالمعنى أيضا عملية منقوصة بشكل لا نهائي؛ انتقال من دلالة إلى أخرى دون خوف من ~~الوصول لنهاية أو أمل في ذلك. يمكننا أن نكون واثقين من شيء واحد على الأقل بشأن أي معنى، ~~وهو أن هناك دائما المزيد من المعاني حيثما ينبثق ذلك المعنى. فلم يكن من الممكن منطقيا ~~أن يكون هناك ms56 معنى نهائي يضع نهاية لعملية التفسير والتأويل، نظرا لأن ذلك المعنى سيحتاج ~~إلى تفسير. ولما لم يكن للدلالات معنى إلا في إطار الدلالات الأخرى، فلم يكن من الممكن أن ~~يكون هناك دلالة كبرى واحدة نهائية مثلما لم يكن من الممكن أن يكون هناك عدد واحد أو شخص ~~واحد في العالم. # في عالم بيكيت، تعني حقيقة أن هناك دوما مزيدا من المعاني من حيث يأتي المعنى مزيدا من ~~المعاناة بشكل عام. غير أن تقهقر فكرة المعنى المطلق توفر نوعا من التمكين أيضا، إذ إنها ~~تخلق المساحة التي يمكننا البقاء فيها من لحظة للحظة. صحيح أن البقاء والازدهار يتطلبان ~~ضمانات أكثر من تلك المتاحة في عالم بيكيت المستنزف؛ إلا أن الضمانات الأقوى من اللازم تميل ~~لإعاقة ازدهارنا أيضا. وقد كانت كلمة «ربما» - من بين أشياء أخرى - هي استجابة بيكيت ~~للسيطرة الفاشية التي حارب ضدها بمنتهى الشجاعة، بوصفه أحد أفراد المقاومة الفرنسية. فإذا ~~كان صحيحا أننا بحاجة لدرجة من اليقين للمضي في طريقنا، يصبح صحيحا أيضا أن القدر ~~المبالغ فيه من اليقين يمكن أن يكون مهلكا. في الوقت نفسه، هناك شيء يبدو أنه لا يمكن ~~القضاء عليه يستمر في الحدوث ولكنه يتميز بكل ما تتمتع به عملية الهضم من رتابة وافتقار إلى ~~المرونة وعدم تمييز. # ويعد تبخر فكرة المعنى الثابت أحد الأسباب ~~وراء صعوبة وصف أعمال بيكيت بالتراجيدية، إذ تبدو غير محددة بشكل يتعذر معه وصفها بهذا ~~الوصف. ثمة سبب آخر يتمثل في تفاهتها البالغة، وأسلوبها الأيرلندي الساخر الذي يميل لفضح ~~الزيف وبث الإحباط. إنه نوع من الأدب المضاد، الذي يقوض لغة الإنجاز المسكرة. إنها كتابات ~~تحتفظ بميثاق اتفاق سري مع الفشل؛ مع تلك المسألة المرهقة والمضجرة الخاصة بالبقاء بلا هدف. ~~إن شخصيات بيكيت الإنسانية المفرغة من الداخل والفاقدة للذاكرة لا ترقى حتى لمنزلة الأبطال ~~التراجيديين، والتي كانت لتصبح على الأقل دلالة ثابتة من نوع أو آخر. إنها حتى ليست على قدر ~~كاف من التنظيم لكي تعدم نفسها. فنحن في حضرة مسرحية هزلية ms57 متدنية أو كرنفالية سوداء وليست ~~دراما مرتفعة المستوى. وكما هو الحال مع الحرب العالمية الثانية، فإن الغلو هو السمة ~~السائدة. فيبدو أننا لا نستطيع حتى أن ننسب معاناتنا لأنفسنا، إذ إن الفاعل الإنساني قد ~~انهار داخليا مع التاريخ الذي ينتمي إليه. ولكي ننسب ذكرى أو تجربة لهذا الفاعل الإنساني ~~دون غيره، فإن ذلك يتطلب درجة من الثقة والتأكيد لم يعد من السهل الحصول عليها. # والقليل جدا من كتابات بيكيت هو ما يتسم ~~بالثبات أو التناغم الذاتي؛ وحينئذ يكمن اللغز في كيف يمكن للأمور أن تكون متقلبة ومؤلمة ~~بشكل مستمر في الوقت ذاته إلى هذا الحد. غير أن المفارقة في أعماله هي احتفاظها بحنينها إلى ~~الحقيقة والمعنى، على الرغم من وجود موضع عميق في منتصفها لا يشغله سوى المعنى. والوجه ~~الآخر للمراوغة والغموض هو إخلاص بيكيت الرهباني للدقة، وللحركة المدرسية العقلية ~~الأيرلندية. وما يبدو غريبا بشأن كتاباته هو أسلوبها المتفلسف الذي لا يحوي سوى قشور ~~وبقايا من المعنى، ونقشها الدقيق للخواء المحض، ومحاولتها الثاقبة إلى حد الجنون لاستيعاب ~~ما هو عصي على الوصف. ففنه يأخذ مجموعة من المسلمات، وبأسلوب شبه بنيوي يدعها تمر ~~بتعديلاتها الميكانيكية المتنوعة، إلى أن تستنفد العملية بالكامل ويتولى الأمر مجموعة أخرى ~~من التعديلات على نفس القدر من انعدام المعنى. وهناك أعمال درامية كاملة تصنع من إعادة ~~ترتيب نفس البقايا والقصاصات القليلة. ربما يكون عالم بيكيت محيرا وغامضا، ولكن أسلوب ~~معالجته له أسلوب توضيحي محايد. فتتقلص لغته إلى حد التقشف عند النقاط غير الجوهرية، إذ ~~تتضاءل وتتقطع إلى أبعد حد، وتظهر عداء بروتستانتيا لكل ما هو زخرفي وغير ضروري. وربما ~~يكون الزهد في الكلمات هو أقرب ما يمكن للحقيقة. فالقارئ يوجه إلى الفكرة بشكل أكثر رداءة، ~~ولكن بمزيد من الصدق. وما يلفت انتباهنا هو التدقيق البالغ الذي ينسج به الهراء واللغو في ~~أعماله، والمنطق الصارم الذي تتعامل به في التلميحات والسخافات. ربما تكون مواد بيكيت خاما ~~وعشوائية، ولكن معالجته لها تتبع أسلوبا معينا بشكل ساخر، بتأنق أشبه بخطوات ms58 الباليه ~~واقتصاد في استخدام الإشارات والرموز. يبدو الأمر كما لو كانت المنظومة الشكلية للحقيقة، ~~والمنطق، والعقل بأكملها تظل كما هي دون مساس، على الرغم من أن محتوياتها قد تسربت. # غير أن الجانب الآخر لأعمال بيكيت أقرب للفلسفة الوضعية لحركة ما بعد الحداثة، التي لا ~~تعتبر الأشياء مراوغة ومحيرة بشكل لا متناه، ولكنها مراوغة بشكل فظ. وكما كتب معاصره ~~الباريسي جان بول سارتر في كتابه «الوجود والعدم»: «إن الوجود في حد ذاته لم يخلق، وما من ~~سبب لوجوده، وما من صلة له بأي كيان آخر، ومن ثم فهو فائض لا ضرورة له للأبد.» # 1 # ويعكس هذا الجانب من بيكيت الذي يعتبر العالم قائما وله وجود مهما كان الحال، ~~جانب الفنان المنبهر بالمادية الجامدة المحضة للأشياء مثل الحصى أو القبعات، والذي يقاوم ~~محاولة فرض دلالة استثنائية عليها. (لا رمز حيثما لا يوجد أي رموز مقصودة على حد قوله). ~~وعلى رأس تلك الأشياء الجامدة يأتي الجسد - وإن كان لا يتمتع بمكانة مميزة - والذي لا يبدو ~~أن هناك معنى يلتصق به. فالجسد ببساطة هو آلية تتحرك بتثاقل، نجثم بداخلها مثلما يجلس شخص ~~داخل آلة رافعة. فالأشياء في عالم بيكيت إما متوارية بحيث تبدو غامضة إلى حد مفرط، أو محصنة ~~ضد المعنى بشكل صريح وحاد. فالواقع إما سطح جامد لا يقدم أي دعم لإضفاء أي معنى، أو وميض ~~غامض من المدلولات. إنه مبهم وزائل، ولكنه أيضا مكان يحوي حواف حادة وأوزانا ثقيلة، ~~وينطوي على آلام جسدية مبرحة، وعظام متكسرة. # ومن منطلق هذا المنظور «ما بعد الحداثي» الثاني، فإن الحياة ليست ذات معنى، ولكنها أيضا ~~ليست بلا معنى. والادعاء بأن الوجود مجرد من المعنى بهذا الشكل الكئيب العابس يعني البقاء ~~أسيرا لوهم أنها قد تكون ذات معنى. ولكن ماذا لو لم تكن الحياة من تلك النوعية من الأشياء ~~التي يمكن الحديث عنها في أي من هذين الإطارين؟ فإذا كان المعنى شيئا يفعله الناس، كيف لنا ~~أن نتوقع أن يكون العالم ذا معنى أو بلا معنى في ms59 حد ذاته؟ ولماذا ينبغي إذن أن نشعر بالأسى ~~على حقيقة أنه لا يقدم لنا نفسه كعالم يفيض بالمعنى؟ إنك لم تكن لتتحسر على حقيقة أنك لم ~~تولد مرتديا قبعة صوفية صغيرة. فالأطفال الذين يولدون متأنقين بقبعات صوفية صغيرة ليس من ~~نوعية الأشياء التي يفترض للإنسان توقعها. ولا جدوى من الشعور بغصة في حلقك بشأن ذلك. ~~فالقدوم إلى الدنيا عاري الرأس ليس سببا لإبداء خوف تراجيدي؛ فهذا ليس نقصا تعيه إلى حد ~~يجلب لك الكآبة بينما تمضي في متابعة شئون حياتك اليومية. # لا شيء مفقود هنا، مثلما لا يوجد شيء مفقود حين أقول: «لأنني وضعتها على الموقد» في معرض ~~إجابتي عن سؤال «لماذا تغلي الغلاية؟» غير أن أحدهم قد يظن أنني لم أفسر له سبب غليان ~~الغلاية ما لم أشرح له العمليات الكيميائية التي تقف وراء هذا، ثم القوانين التي تقف وراء ~~ذلك، وهكذا إلى أن نصل إلى طريق مسدود حيث تنتهي جميع الأسئلة. وما لم يكن هناك أساس مطلق، ~~سيكون هناك حتما شيء مفقود. لا بد أن يترك كل شيء معلقا في الهواء بشكل مقلقل. وهذا هو ~~الحال بالنسبة للمعنى في منظور البعض. فلا شك أنه إذا كان المعنى هو مجرد شيء نتوصل إليه، ~~فإنه لا يستطيع أن يعمل كبنية تحتية أكيدة للواقع. فالأشياء يجب أن تكون ذات معنى بطبيعتها، ~~لا أن يكون لها معنى فقط لمجرد أننا جعلناها كذلك. وكل هذه المعاني لا بد أن تفضي لمعنى عام ~~واحد. فما لم يكن هناك معنى للمعاني، فلا يوجد معنى على الإطلاق. فإذا كانت حقيقة أن الثلوج ~~تتساقط لا تدل على أن الإله يسعى لأن يلف العالم بمعطف ناعم من النسيان، فلا بد أنها مجرد ~~حقيقة تافهة. # ما هو المعنى «المتأصل» على أي حال؟ إن المعاني لا «تكمن» في الأشياء مثلما يتواجد الحبر ~~في الزجاجة. فقد يكون هناك مقصد ذو دلالة في مكان ما من العالم لا نعرفه (مثل ندفة ثلج غير ~~مرئية، أو نمط اجتماعي لم يكتشف بعد)؛ ولكن المعاني ms60 بالدلالات الأكثر شيوعا للكلمة ليست ~~كذلك بالطبع. إنها تفسيرات للعالم، ومن ثم فهي تعتمد علينا. إن الحديث عن المعاني ~~«المتأصلة» يتلخص في الحديث عن محاولة وصف ما هو قائم بالفعل في الواقع. ولكن نحن من نقوم ~~بعملية الوصف. بعد ذلك يمكننا أن نقارن هذا بالمعاني «المنسوبة» مثل «الأرض الخضراء». هناك ~~أيضا معان ذاتية بالتأكيد، مثل «بالنسبة لي، يمثل لي خط أفق شيكاغو صورة الإله»، أو ~~«حينما أسمع كلمة «حوض» يتوارد إلى ذهني دائما أبراهام لنكولن.» # سوف نرى لاحقا أن بإمكاننا الحديث عن المعاني باعتبارها مدمجة في الأشياء بشكل ما، أو ~~بوصفها الطبيعة التي تكتسبها. غير أن المعاني «المتأصلة» في معظم الأحيان هي ببساطة أجزاء ~~اللغة التي تهدف لإدراك ما هو قائم هناك. وفي بعض الأحيان يكون هناك مواقف، مثل ما حدث ~~للسفينة «ماري سيليست» - أيا كان ما حدث - والتي لا نعرف فيها ما يحدث هناك، وأين قد تكون ~~الحقيقة، بخلاف جميع تفسيراتنا الحالية. كيف يؤثر ذلك على النقاش بشأن معنى الحياة؟ من ~~الممكن أن يكون للحياة معنى «متأصل» في إطار معنى لا يعرف أي منا شيئا عنه؛ معنى مختلف ~~تماما عن المعاني المتعددة التي نصوغها منها في حياتنا الفردية. فقد كان سيجموند فرويد - ~~على سبيل المثال - يعتقد أن معنى الحياة هو الموت، وأن كل الجهد الذي تبذله «الإيروس» أو ~~غرائز الحياة يهدف للعودة إلى حالة من الركود الأشبه بالموت، حيث لا يعود بالإمكان أن تتعرض ~~الأنا لأي أذى. فإذا كان ذلك صحيحا (وبالطبع قد لا يكون كذلك)، فإن ذلك يستتبع أنه كان ~~صحيحا قبل أن يكتشف فرويد الحقيقة، وصحيح أيضا الآن حتى بالنسبة لمن لا يعرفونها. إن ~~دوافعنا ورغباتنا قد تشكل نمطا لا نعيه، ولكنه نمط يحدد بشكل جوهري معنى وجودنا. وعلى ذلك ~~فقد يكون هناك معنى للحياة نجهله (أو كنا نجهله) كلية، ولكنه معنى لم يصغ من قبل قوة ~~خارقة مثل الإله أو روح العصر. ولصياغة هذه الفكرة بأسلوب أكثر تخصصا قليلا: التأصل ليس ~~بالضرورة أن يدل ضمنا على ms61 السمو والتفوق. فالمعنى الذي يصاغ للحياة من قبل الإله، والمعنى ~~الذي نكونه بأنفسنا، قد لا يكونا الاحتمالين الوحيدين. # وفيما يتعلق بالصراع الواضح بين المعاني «المتأصلة» و«المنسوبة»، سنتناول مسألة اللغة. ~~طالما كان هناك نقاش دائر في مجال النقد الأدبي بشأن ما إذا كان معنى أية قصيدة موجود بها ~~بالفعل بشكل ما، في انتظار القارئ لكي يأتي ويلتقطه، أو ما إذا كان شيئا نجلبه نحن القراء ~~للقصيدة. إذا كنا نحن من يضفي معنى على القصيدة، إذن ألسنا ببساطة نأخذ منها ما وضعناه ~~فيها؟ في تلك الحالة، كيف يمكن للقصيدة أن تدهشنا، أو تجعلنا نشعر أنها تقاوم الطريقة التي ~~نحاول قراءتها بها؟ ثمة تشابه هنا مع فكرة أن الحياة تكون كيفما تشكلها. هل يعني هذا أننا ~~نأخذ من الحياة ما نضعه فيها؟ في ذلك كتب نيتشه يقول: «في النهاية لا يجد الإنسان في ~~الأشياء شيئا سوى ما أورده إليها هو نفسه.» # 2 # إذن فإن وجدت أن حياتك خاوية، فلماذا لا تملأها فحسب، مثلما تملأ الثلاجة عندما ~~ينفد منك مخزون الطعام؟ لماذا نملأ الدنيا نواحا على الحقيقة عندما يكون الحل متاحا بين ~~يدينا بكل وضوح؟ غير أن هذه النظرية الخاصة بالمعنى تبدو نرجسية بشكل مثير للضيق. ألا نخرج ~~مطلقا من نطاق عقولنا؟ ألا يدخل في عداد المعاني الحقيقية ذلك المعنى الذي نشعر بأننا ~~نواجه صعوبة معه، ذلك المعنى الذي يمكن أن يقاومنا أو يصدنا، ذلك المعنى الذي يفرض علينا ~~فهمه بقدر معين من الحتمية؟ فإذا كان مقدرا للحياة أن يكون لها معنى، فمن المؤكد أنه لا ~~يمكن أن يكون أي معنى نضفيه عليها حسب هوانا. فلا شك أن الحياة نفسها لا بد أن يكون لها رأي ~~في تلك المسألة، أليس كذلك؟ # سوف نتناول معا كيف يمكن للحياة أن تقاوم ~~المعنى الذي نحاول أن نضفيه عليها حالا. وفي غضون ذلك، يمكننا أن نستعرض عن كثب أكبر فكرة ~~كون المعنى كامنا «داخل» قصيدة. إن القول بأن المعنى في عبارة مثل «هل أشبهك بيوم صيف؟» ~~يكمن «داخل» ms62 الكلمات نفسها، يعني القول بأن الكلمات لها معنى متفق عليه في اللغة، وهو اتفاق ~~يتجاوز حدود المعنى الذي قد أرغب في أن تعنيه الكلمات أيا كان بشكل أعمق بكثير، والذي ~~يرتبط بشكل جوهري بمشاركة صورة عملية من صور الحياة. وحقيقة وجود اتفاق هنا لا تعني أننا لا ~~يمكننا أن نتجادل بشأن ما تعنيه تلك الكلمات في هذا السياق بعينه. ربما كانت كلمة «هل؟» هنا ~~تعني «هل تريدينني أن أفعل؟» أو قد تعني «هل صحيح أنني سأقارنك في المستقبل بيوم صيف؟» إن ~~الأمر كله يتلخص في أن ما نتجادل حوله ليست معان ننسبها اعتباطيا للكلمات. ومع ذلك، فإن ~~هذه المعاني موجودة فقط «داخل» الكلمات بسبب الأعراف الاجتماعية التي تقرر حقيقة أن حروف ~~كلمة يوم (ي. و. م) يجب أن ترمز للوقت ما بين شروق الشمس وغروبها، وأن حرف «ك» يرمز لضمير ~~المخاطب، وهكذا. وهذه الأعراف اعتباطية بالتأكيد حين ينظر إليها من الخارج، مثلما قد توضح ~~مقارنة لكلمتي «يوم» وضمير المخاطب «ك» بنظيريهما في اللغة البلغارية. ولكنها ليست اعتباطية ~~حين ينظر إليها من الداخل، شأنها شأن قواعد الشطرنج. # والقول بأن المعنى «متأصل» - بمعنى أنه مدمج في الأشياء أو المواقف بصورة ما، وليس ~~مفروضا عليه - قد يكون أسلوبا مضللا في الحديث؛ ولكن من الممكن، رغم ذلك، أن يكون له ~~معنى ما. فبعض الأشياء - على سبيل المثال - يمكن القول بأنها تعبر عن المعاني أو تجسدها في ~~حضورها المادي الفعلي. والحالة النموذجية لذلك هي الأعمال الفنية؛ فالشيء الغريب بشأن ~~الأعمال الفنية أنها تبدو مادية وذات معنى في الوقت نفسه. كنت قد استعرضت في بداية هذا ~~الكتاب قضية أن الأشياء مثل جهاز تخطيط القلب لا يمكن أن تكون ذات معنى في حد ذاتها؛ لأن ~~المعنى مسألة لغة، وليس مسألة أشياء. ولكن نظرا لأن جهاز تخطيط القلب هو شيء من صنع ~~الإنسان - على عكس الكرنب مثلا - فمن الممكن بالتأكيد القول بأن له معان ومقاصد مدمجة به. ~~فهو في النهاية له وظيفة معينة في عالم الطب، مستقلة تماما ms63 عن أية وظائف قد أختار أن ~~أنسبها له. فبإمكاني دوما أن أستخدمه لإبقاء النافذة مفتوحة في يوم حار خانق، أو استخدامه ~~ببراعة شديدة لصد شخص مصاب بجنون القتل؛ ولكن يظل ما أستخدمه في القيام بذلك هو جهاز تخطيط ~~القلب. # يرى أولئك الذين يؤمنون بوجود الإله - أو بأية قوة ذكية أخرى تقف وراء وجود الكون - أن ~~الحياة لها معان وأهداف مقترنة بها، لأنها في حد ذاتها شيئا مصنوعا. لا شك أنها عمل رديء ~~بشكل مفزع من عدة جوانب، صنع فيما يبدو على عجل في لحظة من الإلهام المتدني لأحد الفنانين. ~~ولكن بإمكانك الحديث عن المعنى المتأصل هنا، مثلما يمكنك أن تفعل مع كرسي ذي مسندين. فالقول ~~بأن كرسيا ذا مسندين هو منتج «مقصود» لا يوحي بأنه يأوي رغبات وأمنيات خفية، ولكن يوحي ~~بأنه صنع بغرض تحقيق نتائج معينة؛ تحديدا لجلوس الناس عليه. وهذا يمثل معنى أو وظيفة ~~يكتسبها الكرسي بمعزل عما قد أرغب في أن يعنيه، ولكنه ليس معنى مستقلا عن الإنسانية بشكل ~~تام. فهو مصنوع على هذا النحو؛ لأن أحدهم صممه على هذا النحو. # حين نتساءل عما إذا كان موقفا بعينه يعد مثالا للعنصرية مثلا، إنما نتساءل عن الموقف ~~نفسه، وليس فقط عن مشاعرنا تجاهه، أو اللغة التي نستخدمها لوصفه. فالنظر إلى معان على غرار ~~«متحيز» و«تمييزي» كمعان «متأصلة» في الموقف هو مجرد أسلوب مصطنع لقول إن الموقف عنصري ~~حقا. أما إذا لم نر ذلك - إذا فكرنا على سبيل المثال أن «العنصرية» هي مجرد مجموعة من ~~المعاني الذاتية نضفيها على الحقائق المجردة لما يحدث - فإننا إذن لا نرى الموقف كما هو ~~عليه. فأي وصف له يفتقر إلى مصطلحات مثل «تمييزي» - وهو الوصف الذي يحاول مثلا أن يكون ~~«خاليا من أية قيمة» - لن يرصد ما يدور بشكل كاف. وسوف يخفق كوصف، وليس فقط كتقييم. وهذا ~~لا يعني بالضرورة أن معنى الموقف واضح تمام الوضوح؛ فقد يتضح أن تحديد ما إذا كان الموقف ~~عنصريا أم لا أمر مستحيل. ولا شك أن هذا ms64 ما يعنيه الناس حين يدعون أن من الممكن «بناء» ~~الموقف بطرق متضاربة. فكلمات مثل «عنصرية» تجسد تأويلات قابلة للجدل، ولكن ما نتحدث عنه هو ~~حقيقة الموقف، وليس معنى تأويلاتنا. # دعنا نتناول الأمر من الزاوية المعاكسة. دعنا لا نتساءل عما يبدو عليه المعنى «المتأصل»، ~~ولكن ما يعنيه الادعاء بأن المعاني هي ما «نشكل» العالم عليها. هل يوحي ذلك ضمنا بأن ~~بمقدورنا «بناء» المعنى بأية طريقة قديمة نشاؤها؟ بالطبع لا. فلا أحد يعتقد هذا فعليا، لا ~~سيما لأن الجميع يتفقون على أن تأويلاتنا يمكن أحيانا أن تكون خاطئة. كل ما في الأمر أن ~~الأسباب التي يسوقها الناس لتبرير ذلك تميل للاختلاف. غير أن جميعهم يتفقون على أنه لن يكون ~~«مجديا» لنا أن «نصور» النمور على أنها خجولة ورقيقة. ومن بين أسباب ذلك أن بعضنا لن يظل ~~على قيد الحياة على أثر ذلك التصور. وسوف يشير بعض المفكرين إلى أن هذا التصور لا يتناسب ~~ببساطة مع بقية تأويلاتنا، فيما سيذهب آخرون إلى أن هذا التصور للنمور لن يسمح لنا بالقيام ~~بالأشياء الملائمة المعززة للحياة، مثل الهرب منها بأسرع ما يمكن حين تكشر عن أنيابها. ~~وسوف يذهب بعض المنظرين - الذين يعرفون بالواقعيين - إلى أننا لا نستطيع النظر إلى النمور ~~كمخلوقات رقيقة لأن الحقيقة الواقعة هي أن النمور ليست رقيقة. كيف عرفنا ذلك؟ لأن لدينا ~~أدلة قوية على أنها ليست كذلك، وهي أدلة تأتينا من عالم منفصل عن تأويلاتنا له. # أيا كان موقف الشخص هنا، يبدو صحيحا أن الفرق بين «المتأصل» و«المنسوب» مفيد بما يكفي ~~لبعض الأغراض، ولكنه قابل للتفكيك والتجريد من نواح أخرى. فالقليل للغاية مما يسمى المعاني ~~المتأصلة - مثل المفاهيم الوثنية للقضاء والقدر، أو النموذج المسيحي للخلاص، أو فكرة هيجل ~~الشاملة - تتضمن أن يفهم الناس حياتهم. وبناء على هذه الرؤية، لا يكون الرجال والنساء مجرد ~~دمى متحركة في يد حقيقة مهيبة، مثلما هم من منظور شوبنهاور. توجد حقيقة من هذا النوع في هذه ~~النماذج؛ ولكنها لن تتكشف دون مشاركة فعالة من الرجال والنساء ms65 فيها. إن جزءا من مصير أوديب ~~المأساوي أنه يساعد بشكل نشط - إن لم يكن أعمى - في حدوث فجيعته. وفي العقيدة المسيحية، لن ~~تحل مملكة الرب ما لم يتعاون البشر في خلقها، على الرغم من أن حقيقة أنهم يفعلون ذلك مفترضة ~~بالفعل في الفكرة الأساسية للمملكة. ويرى هيجل أن العقل يدرك نفسه في التاريخ فقط من خلال ~~الأفعال الحرة الحقيقية للأفراد؛ والواقع أنه يكون في أقصى درجات واقعيته حين يكونون في ~~أقصى درجات حريتهم. كل هذه السرديات الكبرى تفكك الفرق بين الحرية والضرورة؛ بين صياغة ~~معانيك وبين تقبل معنى ما متواجد بالفعل في العالم. # إن كل المعاني عبارة عن أعمال من صنع الإنسان، والمعاني «المتأصلة» ما هي إلا تلك الأعمال ~~التي تنجح في رصد شيء من حقيقة الأمر. فالعالم لا ينقسم نصفين إلى هؤلاء الذين يؤمنون بأن ~~المعاني «متأصلة» في الأشياء كما تتضمن البطن الزائدة الدودية، وهؤلاء الأشخاص غريبو ~~الأطوار الذين يعتبرون فكرة «وجود زائدة دودية» مجرد «تركيب اجتماعي» لجسم الإنسان. (لأسباب ~~طبية صحيحة، ليس كل هؤلاء الأشخاص يظلون على قيد الحياة أيضا). وهذا النوع من «التركيبات» ~~هي نوع من الحوار من طرف واحد مع العالم، نحن من نملي فيه الشكل الذي يسير عليه، مثلما يفعل ~~الأمريكيون في العراق. ولكن المعنى في الواقع هو نتاج تفاعل بيننا وبين الواقع، إذ يكون ~~هناك اعتماد متبادل بين النصوص والقراء. # وبالعودة إلى نموذج السؤال والإجابة الخاص بنا: يمكننا أن نطرح أسئلة على العالم، وهي ~~بالتأكيد أسئلتنا نحن وليست أسئلته. ولكن الإجابات التي قد يأتي بها العالم هي إجابات ~~توجيهية؛ لأن الواقع دائما ما يكون أكثر بكثير مما تتوقعه أسئلتنا. إنه يتجاوز تأويلاتنا ~~له، ولا يتورع عن توجيه تحية لها من آن لآخر بإشارة وقحة، أو تفريغها من محتواها. لا شك أن ~~المعنى هو شيء يفعله الناس؛ ولكنهم يفعلونه من خلال حوار مع عالم واضح ومحدد له قوانين ليست ~~من اختراعه، وإذا كان لمعانيهم أن تكون صحيحة وسارية، فلا بد أن يحترموا مزاج وتركيب هذا ms66 ~~العالم. وإدراك ذلك يستوجب غرس حس معين من التواضع، يتعارض مع تلك الحقيقة البديهية ~~«البنائية» التي مفادها أنه حين يتعلق الأمر بالمعنى، نصبح نحن الأهم. وهذا المفهوم المتطرف ~~ظاهريا متواطئ سرا في الواقع مع أيديولوجية غربية لا تهتم سوى بالمعنى الذي نسبغه على ~~العالم وعلى الآخرين لخدمة أهدافنا الخاصة. # وقد كان شكسبير على وعي بهذه القضايا، كما يوضح هذا الحوار في مسرحية «ترويلوس وكريسيدا»، ~~حول قيمة هيلين الطروادية: # ترويلوس: # ألا ينحصر كيان الشيء في قيمته؟ # هكتور: # ولكن قيمة شخص بعينه لا تتحدد في إرادة بعينها: # إنها تتوقف على القيمة التي يحظى بها والمكانة التي يتبوأها # وهو عزيز في ذاته كما هو في أعين من يقدره ... # الفصل 2، المشهد 2 # إن ترويلوس من نوعية الوجوديين الذين يعتبرون الأشياء في حد ذاتها عديمة القيمة والمعنى؛ ~~ولا تكتسب قيمة ومعنى إلا من خلال الطاقات الإنسانية المستثمرة فيها. إن هيلين في رأيه ذات ~~قيمة غالية؛ لأنها كانت السبب وراء حرب مجيدة، وليس أنها تسببت في حرب نظرا لقيمتها ~~الغالية. في المقابل، يتمسك هكتور الأقل اندفاعا بنظرية أكثر «جوهرية» للقيمة: فالقيمة من ~~منظوره هي مزيج من المنسوب والمتأصل. فالأشياء ليست عالية القيمة وحسب، ولكنها تكون ثمينة ~~أو عديمة القيمة في ذاتها. ولا شك أنه محق إلى حد ما؛ فالصحة والسلام والعدالة والحب ~~والسعادة والدعابة والرحمة، وما إلى ذلك كلها معان مرشحة للدخول ضمن فئة المعاني ذات ~~القيمة المتأصلة. وكذلك الحال بالنسبة لأشياء مثل الطعام والماء والدفء والمأوى، والتي ~~نحتاج إليها من أجل البقاء. ولكن الكثير مما قد يعتقد هكتور نفسه أنه ذو قيمة متأصلة - ~~كالذهب مثلا - هو قيم بالفعل بموجب الاتفاق المشترك فقط. ويعي شكسبير جيدا أوجه التشابه ~~بين القيمة والمعنى. ودائما ما تركز مسرحياته على مسألة ما إذا كانت المعاني متأصلة أم ~~نسبية. فقد عاش في نقطة تحول تاريخية من إيمان بالأولى إلى إيمان بالأخيرة، وتربط مسرحياته ~~هذا التحول بالغ الأهمية إلى تحول اقتصادي من القيم «المتأصلة» إلى «القيم التبادلية» التي ~~أفرزتها قوى السوق. # 3 ms67 # يعود تاريخ النزاع بين أنصار «التأصلية» ~~وأنصار «البنائية» لما بعد العصر الإليزابيثي. وفي دراسة تنويرية، يرجع فرانك فاريل تاريخ ~~هذا النزاع إلى نهاية حقبة العصور الوسطى، والصراع بين اللاهوت الكاثوليكي واللاهوت ~~البروتستانتي. # 4 # المشكلة هي أنه إذا كان الإله مطلق القوة، فلا يمكن السماح للعالم بأن يكون له ~~معان متأصلة أو أساسية، بالنظر إلى أن هذه المعاني كانت لتقيد حرية التصرف لديه لا محالة. ~~ولا يمكن السماح للخلق بأن يمارس أية مقاومة ضد خالقه، ولا يمكن أن يكون له عقل واستقلالية ~~خاصة به. ومن ثم بدا أن الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حرية الإله وقدرته المطلقة هو تصفية ~~العالم من المعنى المتأصل. ووفقا لذلك رأى المفكرون البروتستانت وجوب الحد من قوة الواقع، ~~وتجريده من القوة التي نسبها إليه علماء اللاهوت الكاثوليكيون أمثال توما الأكويني. فقد كان ~~لزاما أن يكون مبهما بشكل جذري، بحيث يصبح حينها مجرد مادة طيعة يستطيع الإله أن يحولها ~~إلى أي شكل يشاء حسب هواه. وبذلك لن يكون عليه بعد ذلك أن يضع اعتبارا لحقيقة أن المرأة ~~امرأة مثلا، إذ يستطيع بسهولة كبيرة أن يجعلها تتصرف كقنفذ إذا استهوته الفكرة. وهكذا يصبح ~~العالم - كما هو الحال بالنسبة لما بعد الحداثة - جراحة تجميل ضخمة. # وعلى ذلك وجب أن تختفي الماهيات؛ أي فكرة أن الأشياء - بما فيها البشر - لها طبائع محددة ~~وواضحة. فلو أنها استمرت، لاعترضت طريق قوة الإله العظمى. وقد كان «الواقعيون» الذين يؤمنون ~~بمثل هذه الطبائع الواضحة في حالة تشاحن بالغة مع «الاسميين» الذين اعتبروها مجرد خيالات ~~لفظية. وعلى ذلك، فإن هذا النوع من البروتستانتية ما هو إلا شكل أولي من النزعة اللاماهوية. ~~وكما هو الحال مع نوع ما من النزعة اللاماهوية السائدة اليوم، فإنها تسير جنبا إلى جنب مع ~~نوع من فلسفة الإرادية، أو عقيدة الإرادة. وما إن تختفي الطبائع الواضحة، سيتمكن الحكم ~~المطلق للإله من النجاح أخيرا. وحينئذ سوف تصبح الأشياء على ما هي عليه لأن الإله أمر ~~بذلك، وليس لذاتها. وفي هذا الصدد تستبدل حركة ms68 ما بعد الحداثة البشر بالإله. فالواقع ليس ~~قائما بذاته، وإنما يتخذ الشكل الذي نمنحه إياه. # ويرى أنصار الفلسفة الإرادية أن التعذيب أمر خاطئ أخلاقيا؛ لأن إرادة الإله قد حكمت بأن ~~يكون كذلك، وليس لأنه خطأ في حد ذاته. بل إنه لا يوجد شيء صواب أو خطأ في حد ذاته. فقد كان ~~بإمكان الإله بكل سهولة أن يقرر جعل العجز عن تعذيب أحدنا للآخر جريمة تستحق العقاب. ولا ~~يمكن أن يكون هناك مبرر لقراراته؛ لأن المبررات من شأنها أن تعوق حريته المطلقة في التصرف. ~~وهكذا تسير اللاماهوية جنبا إلى جنب مع اللاعقلانية. وعلى غرار كل الطغاة، فإن الإله ~~لاسلطوي؛ لا تحكمه قوانين أو منطق. فهو مصدر قوانينه ومنطقه، والتي وجدت لخدمة نفوذه ~~وسلطانه. ومن ثم كان من الممكن إجازة التعذيب إذا تناسب مع أهدافه. وليس من الصعب التعرف ~~على ورثة هذه العقائد في عالمنا السياسي. # غير أن تطهير العالم من الماهيات قد لا يخلي الطريق أمام الإرادة المطلقة. فماذا لو وجدت ~~أثناء التخلص من الماهيات أنك قد أطحت بالنفس معها؟ إذا لم يكن للنفس طبيعة واضحة ومحددة ~~أيضا، فإن إرادتها وشعورها بالقوة يدمران بشكل مميت. وعند الوصول لنقطة انتصارها الأعظم، ~~تصاب بالخواء. وحقيقة عدم وجود معنى محدد للحياة حقيقة مبهجة ومزعجة في الوقت نفسه. فالنفس ~~الفردية الآن قد اضطلعت بدور الإله كمشرع أعلى؛ ولكن يبدو أنها تشرع في الفراغ، على غرار ~~الإله. فأوامرها الاستبدادية تبدو اعتباطية وبلا جدوى تماما مثل الأوامر الإلهية. وفي ~~الأمور الأخلاقية، أحيانا ما يتخذ ذلك شكل ما يعرف بالفلسفة «القرارية»: فقتل الأطفال خطأ؛ ~~لأنني - أو لأننا - اتخذنا قرارا أخلاقيا أساسيا ترتب عليها مثل هذه المحظورات. وكما ~~يشير نيتشه: «الفلاسفة الحقيقيون ... هم قادة ومشرعون، فهم يقولون: هكذا يجب أن يكون ~~الأمر!» # 5 # إن النفس التي كانت ذات يوم مستقلة وغالبة، أصبحت اليوم المصدر الأوحد للمعنى ~~والقيمة في عالم جرد من الدلالة المتأصلة. غير أن انعدام المعنى هذا يبدو أيضا أنه قد ~~اجتاح حرمها الداخلي. فهي تملك الحرية - شأنها ms69 شأن الإله - لنقش معانيها الخاصة على صفحة ~~الكون البيضاء؛ غير أنه بالنظر لعدم وجود سبب موضوعي يبرر انتهاجها سلوكا معينا دون ~~الآخر، يتضح أن هذه الحرية فارغة ومبددة لذاتها. حتى الإنسانية نفسها أصبحت نوعا من ~~اللامعقولية. # إن النفس البروتستانتية لم تعد تشعر ~~بالراحة والألفة في العالم؛ فلم يعد هناك أية روابط بين الاثنين. ولما كان الواقع عديم ~~المعنى بطبيعته، لم يعد بمقدور النفس إيجاد انعكاس لها في الواقع، المصنوع من مادة مختلفة ~~تماما عن مادتها. ومن ثم لا يمر وقت طويل قبل أن تقدم على الشك في وجودها - مثل شخص منبوذ ~~- وتحرم من أي شيء خارج نطاقها قد يؤكد هويتها. إن «الإنسان» هو المصدر الأوحد للمعنى في ~~العالم؛ ولكن العالم رفض عملية إضفاء المعنى تلك، محولا إياها إلى عملية اعتباطية وبلا ~~مبرر. ونظرا لعدم وجود معنى أو منطق في الأشياء، فإنها أيضا لا يمكن التنبؤ بها. ولذلك ~~فإن النفس البروتستانتية تتحرك بخوف في عالم مظلم من القوى العشوائية، يطاردها إله خفي، وهي ~~غير واثقة من خلاصها. # لا شك أن كل هذا كان في الوقت نفسه عملية تحرر ضخمة. فلم يعد هناك ببساطة طريقة واحدة ~~صحيحة لقراءة الواقع. ولم يعد الكهنة يحتكرون مفاتيح مملكة المعنى. وصارت حرية التأويل ~~متاحة. كذلك لم يعد الرجال والنساء مضطرين للخضوع للمعاني الجاهزة التي مزجها الإله في ~~العالم. وتدريجيا أفسح النص المقدس للكون - والذي كانت فيه العناصر المادية تشكل رموزا ~~مجازية للحقائق الروحانية - المجال لظهور نص دنيوي. فبعد أن أفرغ الواقع من المعاني ~~الموضوعة مقدما، صار بالإمكان تأويله وفقا لاحتياجات ورغبات الإنسانية. وما كان فيما سبق ~~معاني ثابتة صار بالإمكان تفكيكها وتجميعها بطرق خيالية جديدة. وقد كان القس البروتستانتي ~~فريدريك شلايرماخر هو من ابتكر علم الهرمنيوطيقا، أو التفسير. بل إن هناك جدلا حول وجود ~~جذور إنجيلية راسخة لهذه الرؤية. فقد جاء في (سفر التكوين 2 : 19): «جبل الرب الإله من ~~الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به ms70 ~~آدم ذات نفس حية فهو اسمها» (النسخة القياسية المنقحة). ولما كان فعل التسمية في الثقافة ~~اليهودية القديمة فعلا إبداعيا أو أدائيا دوما، فإن هذا يشير إلى أن الإنسانية هي ~~مصدر المعنى، بينما يهوه رب العبرانيين هو مصدر الوجود. فالإله يخلق الحيوانات، ويقدمها ~~للإنسان، وتصبح ما يصنعه منها. # هل ينبغي أن يكون تخبط الروح البروتستانتية الوحيدة في الظلام مصحوبة بخوفها سببا للقلق ~~بالنسبة لمن يؤمنون بأننا قادرون على تشكيل الحياة كيفما نشاء؟ نعم ولا: لا؛ لأن جعل حياتك ~~ذات معنى - بدلا من توقع أن يكون معناها موجودا سلفا - يعد فكرة منطقية تماما. ونعم؛ من ~~حيث إنها يجب إلى حد ما أن تعمل بمثابة تحذير واقعي ومتعقل من أن تشكيل المرء لمعنى حياته ~~بنفسه لا يمكن أن يكون مجرد مسألة صياغة أي معنى يستهويك. فهو لا يعفيك من تبرير أيما شيء ~~يجعل لحياتك معنى في إطار الاعتقاد العام. فلا يمكنك أن تكتفي بقول: «أنا عن نفسي، أجد أن ~~معنى الحياة يكمن في حيوان الزغبة الخانقة»، وتأمل في الإفلات بما قلت. # ولا يمكن أيضا أن يكون مسألة خلق من عدم. فالبشر مخلوقات حرة الإرادة؛ ولكن فقط على أساس ~~اعتماد أعمق على الطبيعة والعالم وأحدهم على الآخر. وأيا كان المعنى الذي قد أصوغه ~~لحياتي، فإنه مقيد من الداخل بهذا الاعتماد؛ فلا يمكننا البدء من الصفر. إنها ليست مسألة ~~تخلص من المعاني الممنوحة من قبل الإله من أجل صياغة معانينا الخاصة، مثلما تخيل نيتشه على ~~ما يبدو؛ فنحن غارقون في عمق المعنى، مهما كان الموضع الذي قد نجد أنفسنا فيه. فنحن نتشكل ~~من معاني الآخرين؛ معان لم نخترها قط، ولكنها توفر لنا المصفوفة التي نتوصل داخلها لفهم ~~أنفسنا والعالم. وفي هذا الإطار - إن لم يكن جميع الأطر - فإن فكرة أن بإمكاني تحديد معنى ~~حياتي تعد وهما. # ولكن ما يفهمه الآخرون من حياتهم ليس الشيء الوحيد الذي يقيد ما يمكنني أن أفهم من حياتي. ~~فهي تتشكل أيضا من تلك السمات من وجودي التي تنبع من كوني ms71 عضوا في جنس طبيعي، والتي تصل ~~لأقصى درجات الوضوح في الطبيعة المادية لجسمي. فلا يمكن أن يكون جزءا من معنى الحياة أن ~~أقفز بلا أية وسيلة مساعدة من على ارتفاع 30 قدما في الهواء ثلاث مرات يوميا. وأي خطة ~~حياة ذات معنى تفشل في احتواء حقائق القرابة والنشاط الاجتماعي والنشاط الجنسي والموت ~~واللهو والحزن والضحك والمرض والعمل والتواصل وما إلى ذلك لن يقودنا للكثير . صحيح أن هذه ~~الجوانب العامة من الحياة الإنسانية تمارس بشكل مختلف تماما باختلاف الثقافات؛ ولكن يجدر ~~بنا أن نشير إلى أن لها وزنا وأهمية في سياق أي وجود فردي. فالكثير من السمات الأساسية ~~للحياة الشخصية ليست شخصية على الإطلاق. فنظرا لأننا ببساطة حيوانات مادية، فإن قدرا ~~ضخما قد تحدد لنا بالفعل، لا سيما الطرق التي نفكر بها؛ نظرا للارتباط الوثيق بين أسلوبنا ~~في التفكير وطبيعتنا الحيوانية. # 6 # ولعل ذلك جزء مما كان يدور بذهن فيتجنشتاين حين أشار إلى أنه لو استطاع أسد أن ~~يتكلم، لما استطعنا فهم ما يقول. وما لم يكن معنى الحياة يشمل جسدي المادي وعضويتي في النوع ~~البيولوجي، فلا يمكن القول بأنه يشملني. وسوف نوضح بعضا من تداعيات ذلك في الفصل ~~التالي. # | هوامش # الفصل الرابع # | هل تكون الحياة كيفما نشكلها؟ # حتى الآن تناولنا المعنى أكثر من تناولنا للحياة، غير أن كلمة «حياة» تمثل إشكالية تماما ~~مثل كلمة «المعنى»، وليس من الصعب إدراك السبب وراء ذلك. ألا يمكن أن يكون السبب وراء عدم ~~قدرتنا على الحديث عن معنى الحياة هو عدم وجود ما يسمى الحياة من الأساس؟ ألا نعتبر ~~هنا - مثلما قد يقول فيتجنشتاين - مسحورين ~~بقواعدنا اللغوية التي يمكن أن تصوغ كلمة حياة في صيغة المفرد مثلما يمكن أن تفعل مع كلمة ~~طماطم؟ ربما أن وجود كلمة «حياة» لدينا يرجع فقط إلى كون لغتنا تجسيدية بطبيعتها، وكما يشير ~~فيتجنشتاين: # 1 ~~«القواعد اللغوية تعبر عن الماهية.» فكيف يمكن بحق السماء الاعتقاد بأن كل شيء ~~يندرج تحت عنوان الحياة الإنسانية، من الولادة إلى رقصة القبقاب، يدل ms72 على معنى واحد؟ أليس ~~هذا بالضبط هو الوهم الذي ينتاب المصابين بجنون الشك، الذين يعتبرون أن كل شيء يفترض أن ~~يكون صدى لكل شيء آخر بشكل يحمل نذرا، ومرتبط معا داخل منظومة كلية واضحة إلى حد مرهق؟ أو ~~وهم الفلسفة - إذا كنت تفضل ذلك التشبيه - الذي يعتبر ما يكون لجنون الشك مثلما علق فرويد ~~عابثا ذات مرة؟ حتى حياة واحدة فردية لا تشكل كلا موحدا. صحيح أن بعض الناس يرون أن ~~حياتهم تشكل قصة رائعة على طول الطريق من المقدمة إلى الخاتمة، ولكن ليس كل شخص يرى نفسه ~~كذلك. إذن كيف يمكن لملايين لا تحصى من الحيوات الفردية أن تفضي إلى منظومة كلية متماسكة ~~ومتكاملة، إن لم يكن بإمكان ولو حياة واحدة أن تفعل ذلك؟ إن الحياة بلا شك لا تملك قالبا ~~كافيا ولا حتى لتكوين لغز. # إن «معنى الحياة» قد يعني «ما تدل عليه الحياة برمتها»، وفي تلك الحالة سينظر فعلا إلى ~~الولادة ورقصة القبقاب كجوانب لوحدة كاملة واحدة ذات دلالة، وهو ما يتخطى حدود توقعاتك حتى ~~من أكثر الأعمال الفنية تميزا وتكاملا. حتى أعظم السرديات التاريخية لا تتخيل أن بإمكانها ~~استخلاص معنى من كل شيء. فالماركسية ليس لديها شيء لتقوله عن غدد الرائحة الشرجية لدى ~~السنور، وهو صمت لا ترى فيه ما يعيبها. ولا يوجد موقف بوذي رسمي بشأن شلالات ويست يوركشاير. ~~فمن المستبعد بشكل كبير أن يشكل كل شيء في الحياة الإنسانية جزءا من نموذج متماسك. إذن هل ~~يكفي القيام بذلك على مدار معظمها؟ أو هل «معنى الحياة» يعني أكثر «الدلالة الأساسية ~~للحياة»؛ أي إنها لا تعني ما تدل عليه ضمنا بقدر ما تعني خلاصتها؟ إن عبارة مثل «معنى ~~الحياة هو المعاناة» لا تشير إلى أن المعاناة هي كل الحياة، أو أنها فكرة وهدف الحياة، ~~ولكنها تشير إلى أنها السمة الأهم أو الأكثر حيوية لها. ومن خلال تتبع هذا الخيط تحديدا، ~~يمكننا فهم المقصد الكلي المحير. # إذن هل توجد ظاهرة تسمى «الحياة الإنسانية» والتي يمكن أن تكون ms73 حاملة لمعنى متماسك؟ ~~حسنا، لا شك أن الناس يتحدثون عن الحياة أحيانا بمصطلحات عامة كهذه. فالحياة مضحكة، أو ~~دنيئة، أو ملهى ليلي، أو واد من الدموع، أو مفروشة بالورود. قد تبدو هذه المجموعة من ~~المصطلحات البالية ليست كافية لبناء حجة. غير أن افتراض أن جميع العبارات التي تتضمن شرحا ~~ذاتيا عن الحياة الإنسانية فارغة هو نفسه افتراض فارغ. ليس صحيحا أن الحقائق المادية ~~المحددة هي فقط ما تملك أية قوة. فماذا مثلا عن التعميم بأن معظم الرجال والنساء في ~~التاريخ قد عاشوا حياة من الشقاء والكدح العقيم البائس؟ لا شك أن هذا أكثر إثارة للانزعاج ~~من الافتراض القائل بأن معظم الناس في مقاطعة ديلاوير قد عاشوا تلك الحياة. # ربما من المستحيل أن نستخدم التعميم فيما يتعلق بالحياة الإنسانية بشكل ذكي؛ لأن القيام ~~بذلك يستدعي الخروج من نطاقها، وهو ما سيكون أشبه بمحاولة الانسلاخ من جلودنا. لا شك أن لا ~~أحد يستطيع استطلاعها ككل ويرى ما إذا كان لها معنى سوى شخص من خارج الوجود الإنساني كليا ~~مثل الإله؟ # 2 # إن هذه القضية قريبة لحجة نيتشه في كتابه «أفول الأصنام» من أنه لا يمكن تقييم ~~الحياة على أنها ذات قيمة أو عديمة القيمة في حد ذاتها، إذ إن المعايير التي سنستند إليها ~~من أجل تقرير ذلك ستكون هي ذاتها جزءا من الحياة. ولكن هذا الأمر خاضع للشك قطعا. فأنت ~~لست بحاجة للوقوف خارج إطار الوجود الإنساني لكي تصدر عنه تعليقات ذات معنى، تماما مثلما ~~لا تحتاج لأن تكون في نيوزيلندا من أجل انتقاد المجتمع البريطاني ككل. صحيح أن لا أحد قد ~~سبق له أن رأى المجتمع البريطاني ككل بشكل فعلي، تماما مثلما لا أحد قد وقعت عيناه على ~~حركة الكشافة؛ ولكن بإمكاننا أن نتوصل إلى استدلالات منطقية من الوقائع التي نلم بها عن ~~الوقائع التي لا نلم بها. إنها ليست مسألة رؤية الشيء بأكمله، وإنما مجرد مسألة رؤية ما ~~يكفي لتمييز ما يبدو نمطيا عما لا يبدو كذلك. # إذا كان من ms74 الممكن أن تكون التعميمات بشأن الإنسانية صحيحة، فإن ذلك يرجع - من بين أشياء ~~أخرى - إلى أن البشر بانتمائهم لنفس الجنس الطبيعي، لديهم قدر ضخم من الأشياء المشتركة فيما ~~بينهم. وهذا لا يعني إغفال الفروق والاختلافات الرهيبة بينهم على المستوى السياسي. ولكن على ~~مفكري ما بعد الحداثة الذين يطربهم الاختلاف، ويجدونه أينما ذهبوا بتشابه مخيف، ألا يغفلوا ~~سماتنا المشتركة أيضا. إن الاختلافات بين البشر أمر حيوي، ولكنها ليست أساسا متينا ~~بالشكل الكافي بحيث يصلح لبناء أخلاقيات أو سياسات عليه. # إلى جانب ذلك، حتى لو لم يكن باستطاعة المرء الحديث عن «الحالة الإنسانية» في عام 1500، ~~فلا شك أن بإمكانه القيام بذلك في عام 2000. وهؤلاء الذين يجدون تلك الفكرة غير مستساغة ~~يبدو أنهم لم يسمعوا بالعولمة من قبل قط. إنها رأسمالية تتخطى الحدود القومية ساعدت على ~~تحويل الإنسانية إلى كيان واحد. إن ما نشترك فيه الآن على الأقل هو إرادة البقاء في وجه ~~التهديدات المتعددة التي تواجه وجودنا، والتي تلوح في كل جانب. وهناك دلالة في أن من ينكرون ~~حقيقة الحالة الإنسانية ينكرون أيضا ظاهرة الاحترار العالمي. فلا شيء يفترض أن يوحد نوعا ~~من الأنواع بشكل فعال كاحتمالية انقراضه. فنحن نتوحد على الأقل في الموت. # إذا كان معنى الحياة يكمن في «الهدف» المشترك للبشر، فلا يبدو ثمة شك بشأن ماهيته. فالشيء ~~الذي يكافح الجميع من أجل بلوغه هو السعادة. ولا شك أن كلمة «سعادة» من الكلمات الواهنة ~~المرتبطة في الأذهان بمعسكرات الإجازات، وتثير فيها صورة الضحكات الهستيرية وقفزات الفرح في ~~سترة متعددة الألوان. ولكن كما يقر أرسطو في كتابه «الأخلاق النيقوماخية»، فإنها تعمل ~~بمثابة قاعدة من نوع ما في حياة الإنسان، بمعنى أنه لا يمكنك أن تسأل بشكل عقلاني ومنطقي ~~«لماذا» يجب أن نسعى لأن نكون سعداء. إنها ليست وسيلة لبلوغ شيء آخر، مثلما هو الحال ~~بالنسبة للنفوذ أو المال، إنها أقرب للحاجة لنيل الاحترام، والرغبة فيها تبدو كجزء من ~~طبيعتنا. إذن نحن هنا أمام مصطلح تأسيسي من نوع ما. المشكلة هي أنه ms75 مصطلح مبهم تماما. ~~ففكرة السعادة تبدو حيوية وفارغة على حد سواء. فما الذي يدخل في عداد السعادة؟ ماذا إذا ~~وجدت السعادة في ترويع النساء العجائز؟ قد يقضي شخص ما يعتزم أن يصبح ممثلا ساعات بلا جدوى ~~في تجارب الأداء بينما يعيش على الفتات، ويقضي معظم وقته قلقا، ومحبطا وجائعا نوعا ما. ~~إنه لا يدخل في عداد من نطلق عليهم سعداء. فحياته تخلو من أي متعة أو هناء ؛ غير أنه - إن ~~جاز التعبير - على استعداد للتضحية بسعادته في سبيل سعادته. # في بعض الأحيان ينظر إلى السعادة كحالة ذهنية، ولكن ليس هذا منظور أرسطو لها. فالسعادة هي ~~ما قد نطلق عليه حالة روحانية، والتي لا تنطوي في رأيه على حالة داخلية من الوجود فحسب، ~~ولكنها تنطوي أيضا على ميل للتصرف بأسلوب معين. وكما أشار لودفيج فيتجنشتاين ذات مرة، فإن ~~الصورة المثلى للروح هي الجسد. فإذا أردت أن تراقب «روح» أحدهم، فلتنظر إلى ما يفعل. ~~وبالنسبة لأرسطو، يمكن بلوغ السعادة عن طريق الفضيلة، والفضيلة في المقام الأول ممارسة ~~اجتماعية أكثر منها توجه عقلي. والسعادة جزء من أسلوب عملي للحياة، وليس حالة من الرضا ~~الداخلي الخاص. وبناء على هذه النظرية، يمكنك مراقبة سلوك أحدهم على مدار فترة من الزمن ~~وتصيح قائلا: «إنه سعيد!» كما لا يمكنك أن تفعل مع نموذج أكثر ازدواجية من البشر، ولن يكون ~~لزاما أيضا أن يكون على وجهه ابتسامة عريضة أو يقفز فرحا. # شكل 4-1: تمثال للفيلسوف اليوناني أرسطو. ~~(© ~~Bettmann/Corbis) # في معرض مناقشة جوليان باجيني للسعادة في كتابه «عم يدور الأمر؟» فشل فشلا ذريعا في ~~التعبير عن هذه الفكرة. فمن أجل توضيح أن السعادة ليست جوهر الحياة أو هدفها المطلق، يذهب ~~إلى أنك إذا كنت على وشك الانطلاق في سعيك نحو السعادة ورأيت شخصا يغرق في الرمال ~~المتحركة، فبالطبع سيكون من الأفضل أن تنقذه عن أن تسعى وراء سعادتك. # 3 # إن اللغة في عبارة «الانطلاق في سعيك نحو السعادة» موحية بالتأكيد؛ فهي تجعل ~~السعادة تبدو كمسعى خاص من ناحية، وتجعلها ms76 تبدو كليلة ممتعة تقضيها في الخارج في المدينة من ~~ناحية أخرى. والواقع أنها تجازف بجعل السعادة تبدو أقرب للمتعة، ومن ثم فإن إنقاذ شخص من ~~الرمال المتحركة لا يمكن أن يكون جزءا منها؛ لأنه بالطبع ليس أمرا ممتعا. بل إن باجيني ~~يعترف في موضع آخر في كتابه - مشتركا في ذلك مع معظم الفلاسفة الأخلاقيين - بأن المتعة ~~شعور عابر، بينما السعادة في أفضل صورها عبارة عن حالة مستمرة من الوجود. يمكنك أن تمر ~~بحالة من المتعة الغامرة دون أن يكون لديك أدنى قدر من السعادة؛ ومثلما يبدو أن بإمكانك أن ~~تكون سعيدا لأسباب مشبوهة (مثل ترويع السيدات العجائز)، يمكنك أيضا أن تشتهي متعا مشينة ~~أخلاقيا، مثل الشماتة في ألم عدو. # على ذلك يتجلى لنا أحد الاعتراضات الواضحة على المثال الذي أورده باجيني. ألا يمكن أن ~~يكون إنقاذ شخص من الرمال المتحركة «جزءا» من سعادة الفرد، وليس انصرافا عنها نابعا من ~~الإحساس بالواجب؟ لا يكون ذلك واضحا فقط إذا كان تفكير الشخص في السعادة يسير في سياق ~~المتعة، وليس السعادة بالمفهوم الأرسطي. فالسعادة من منظور أرسطو مرتبطة بممارسة الفضيلة؛ ~~وعلى الرغم من أنه لم يكن لديه شيء محدد يدلي به بشأن إنقاذ الناس من الرمال المتحركة، فإن ~~هذا كان ليعد قطعا دلالة على السعادة في نظر خليفته المسيحي العظيم توما الأكويني. فقد ~~كان بالنسبة لتوما الأكويني مثالا للحب الذي لا يتعارض في منظوره مع السعادة. وهذا لا يعني ~~القول بأن أرسطو يرى السعادة والمتعة متضادين. على العكس، فالأشخاص الفاضلون في رأيه هم ~~الذين يحصدون المتعة من فعل الخير، أما هؤلاء الذين يفعلون الخير دون الاستمتاع به، فهم في ~~نظره ليسوا ذوي فضيلة بحق. ولكن لا شك أن مجرد متعة شخص أحمق أو متعة يحظى بها حاكم مستبد ~~منحل تتناقض مع السعادة. # تتجلى فكرة باجيني عن السعادة - البعيدة نوعا ما عن النموذج الأرسطي - في سيناريو اقتبسه ~~من الفيلسوف روبرت نوزيك. لنفترض أنك قد تم توصيلك بآلة أشبه بالكمبيوتر الخارق في فيلم ~~«المصفوفة»، أتاحت ms77 لك تجربة افتراضية من السعادة الكاملة المتواصلة. ألم يكن معظم الناس ~~ليرفضون هذه السعادة المغرية بداعي عدم واقعيتها؟ أولسنا نرغب في أن نعيش حياتنا بشكل ~~حقيقي، دون خداع، واعين بأنفسنا باعتبارنا مؤلفي قصة حياتنا، وبأن كفاحاتنا - وليس آلة ~~مصنعة - هي المسئولة عن إحساسنا بالإنجاز؟ يعتقد باجيني أن معظم الناس سيرفضون آلة السعادة ~~لهذه الأسباب، وهو محق بالتأكيد. ولكن أكرر مرة أخرى أن فكرة السعادة التي يعرضها لنا هنا ~~ليست أرسطية . إنها حالة مزاجية أو حالة من الوعي أكثر منها أسلوب حياة. بل إنها نفس نوعية ~~المفهوم الحديث للسعادة الذي ربما وجده أرسطو غامضا، أو على الأقل غير مستساغ. ففي رأيه ~~أنك لا تستطيع أن تحظى بالسعادة بالجلوس داخل ماكينة طوال حياتك؛ ليس فقط لأن تجربتك سوف ~~تكون مسألة محاكاة أكثر منها مسألة واقع، ولكن لأن السعادة تنطوي على صورة عملية واجتماعية ~~من صور الحياة. إن السعادة من منظور أرسطو ليست نزعة داخلية قد تظهر فيما بعد في أفعال ~~معينة، ولكنها أسلوب تصرف يخلق نزعات وميولا معينة. # يرى أرسطو أن السبب وراء عدم قدرتك على الشعور بسعادة حقيقية بالجلوس داخل ماكينة طوال ~~حياتك يتشابه إلى حد كبير مع السبب وراء عدم قدرتك على الشعور بسعادة كاملة وأنت حبيس كرسي ~~متحرك أو رئة فولاذية. بالطبع لا يعني ذلك أن المعاقين لا يستطيعون إدراك إحساس غال بالرضا ~~الذاتي كأي شخص آخر؛ بل يعني ببساطة أن الإعاقة هي أن تكون قدرة الشخص على إدراك قوى وقدرات ~~معينة مقيدة. ومثل هذا الإدراك في تعريف أرسطو المتخصص، هو جزء من سعادة الفرد. ثمة معان ~~أخرى «للسعادة» يمكن فيها للأشخاص المعاقين أن يكونوا سعداء تماما. غير أن أسلوب العزوف عن ~~إفشاء الحقائق السائد حاليا وإنكار أن المعاقين هم معاقون حقا - وهو نوع من خداع الذات ~~يبرز بشكل خاص في الولايات المتحدة التي تعتبر العجز مصدر حرج وأن لا شيء يكفي سوى النجاح - ~~يعد شكلا من النفاق الأخلاقي شأنه شأن العادة الفيكتورية في إنكار أن الفقراء أقرب لأن ms78 ~~يكونوا تعساء، وترجع جذوره إلى ميل غربي عام لإنكار الحقائق المزعجة، أو رغبة ملحة لإزاحة ~~المعاناة أسفل السجادة. # ربما تكون تضحية الفرد بسعادته من أجل سعادة شخص آخر هي أروع تصرف أخلاقي يمكن للمرء أن ~~يتخيله. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه الصورة النموذجية للحب أو أكثر أنواع الحب قبولا. ~~إنه ليس أكثر أنواع الحب قبولا؛ لأنه للأسف شيئا ضروريا وأساسيا في المقام الأول، ~~وليس الصورة النموذجية لأن الحب في أقصى صورة نموذجية له ينطوي على أقصى قدر ممكن من ~~التبادلية، كما سأوضح بعد قليل. فقد يحب شخص أطفاله الصغار إلى حد الاستعداد للموت في ~~سبيلهم عن طيب خاطر؛ ولكن لما كان الحب في أشمل معانيه هو شيء سوف يتعين على الأطفال أنفسهم ~~تعلمه، فإن الحب بينك وبينهم لا يمكن أن يكون النموذج الأساسي للحب الإنساني، شأنها في ذلك ~~شأن علاقة أقل قيمة، مثل عاطفة شخص تجاه خادم عجوز مخلص. فالعلاقة في كلتا الحالتين ليست ~~متكافئة بالقدر الكافي. # إذن فالسعادة في رأي أرسطو تنطوي على إدراك إبداعي للملكات الإنسانية النمطية للفرد. إنها ~~شيء تمارسه قدر ما هي شيء تكونه. ولا يمكن ممارسته بمعزل عن الآخرين، وهو ما يعد من ضمن ~~الاختلافات بينها وبين السعي وراء المتعة. فالفضائل الأرسطية هي في أغلب الأحيان فضائل ~~اجتماعية. إن فكرة تحقيق الذات يمكن أن يقترن بها إحساس بالقوة والحيوية والتوهج، وكأننا ~~نتحدث عن تمارين رياضية للروح. والواقع أن نموذج أرسطو الأخلاقي للشخص «رائع الروح» أشبه ~~كثيرا بالوصف التالي: سيد أثيني ثري لا يعرف الفشل والخسارة والمأساة؛ وهو أمر مثير ~~بالنسبة لمؤلف واحدة من أعظم الأطروحات العالمية عن الموضوع الأخير. إن الرجل الصالح ~~بالنسبة لأرسطو غالبا ما يبدو أشبه ببيل جيتس، أكثر من القديس فرانسيس الأسيزي. صحيح أنه ~~ليس مهتما بأن يكون ناجحا مثل هذه النوعية من الأشخاص أو تلك - كرجال الأعمال مثلا أو ~~الساسة - ولكنه مهتم بأن ينجح كإنسان. فكونك إنسانا - من وجهة نظر أرسطو - هو شيء يجب أن ~~تجيده، والأشخاص ذوو الفضيلة إنما ms79 هم مبدعون في فن الحياة. ومع ذلك، هناك شيء خاطئ في نظرية ~~عن السعادة قد تعتبر أن فكرة المرأة السعيدة تحمل تناقضا وزيفا منطقيا. وكذلك الحال ~~بالنسبة لفكرة الفاشل السعيد. # غير أن تحقيق الذات في رأي كارل ماركس - أحد الفلاسفة الأخلاقيين المنتمين لسلالة أرسطو - ~~يشمل أيضا الاستماع لرباعية وترية، أو التلذذ بمذاق ثمرة خوخ مثلا. ربما كان «لإشباع ~~الذات» رنين أقل قوة من «تحقيق الذات». فالسعادة هي مسألة إشباع للذات ، والتي لا يجب الخلط ~~بينها وبين أيديولوجية الكشافة أو دوق إدنبرة المتعلقة برؤية الحياة كسلسلة من الحواجز يجب ~~تخطيها وإنجازات يجب حصدها. فالإنجازات تكتسب معنى داخل السياق النوعي للحياة بأكملها، وليس ~~(كما في أيديولوجية الحياة لدى متسلقي الجبال) كقمم منعزلة من بلوغ الأهداف. # إن الناس - بشكل عام - إما يشعرون بالرضا أو لا يشعرون به، وهم يعون تلك الحقيقة بصفة ~~عامة. وبالتأكيد لا يمكن لأحد أن ينكر تأثير ما يعرف بالوعي الزائف هنا. فقد يتم خداع العبد ~~ليعتقد أنه سعيد عندما يعكس سلوكه حقيقة أنه ليس كذلك. فنحن نملك موارد رائعة لتبرير ~~تعاستنا وبؤسنا. ولكن على سبيل المثال حين يخبر نسبة 92٪ من الأيرلنديين - وهي نسبة مثيرة ~~للدهشة - منظمي استطلاعات الرأي أنهم سعداء، لا يملك المرء شيئا سوى تصديقهم. صحيح أن ~~الأيرلنديين من عادتهم إظهار الود والترحاب للغرباء، ومن ثم فقد يدعون السعادة لمجرد إشعار ~~منظمي استطلاعات الرأي بالسعادة، ولكن لا يوجد سبب حقيقي يدعو لعدم تصديقهم. غير أنه فيما ~~يتعلق بالسعادة العملية أو الأرسطية، تكون مخاطر خداع الذات أكثر حدة. فكيف لك أن تعرف أنك ~~تعيش حياتك بأسلوب أخلاقي؟ لعل صديقا أو مراقبا خارجيا قد يكون حكما أكثر موثوقية في ~~هذا الصدد من نفسك. وفي الواقع، قد يكون من بين الأسباب التي دفعت أرسطو لتأليف كتبه عن ~~الأخلاق هو تصحيح إدراك الناس بشأن المفهوم الحقيقي للسعادة. ربما كان يفترض وجود قدر كبير ~~من الوعي الزائف في هذا الصدد. وإلا فمن الصعب أن نعرف لما كان ينبغي أن ينصح بوجود هدف ~~يسعى ms80 وراءه الرجال والنساء أجمع على أية حال. # وإذا كانت السعادة حالة ذهنية، فإنها إذن قد تعتمد على ظروف الشخص المادية. من الممكن أن ~~تدعي أن بإمكانك أن تنعم بالسعادة على الرغم من تلك الظروف، وهي حالة ليست بعيدة عن حالة ~~الفيلسوف باروخ سبينوزا أو الرواقيين القدماء. غير أنه من المستبعد إلى حد كبير أن يكون ~~بإمكانك الشعور بالسعادة عند العيش في معسكر للاجئين مكتظ وغير صحي، بعد فقدان أطفالك ~~مباشرة إثر كارثة طبيعية. غير أن ذلك يكون أكثر وضوحا بناء على إحدى النظريات الأرسطية ~~للسعادة. فلا يمكنك أن تكون شجاعا وجديرا بالاحترام وسخيا ما لم تكن شخصا حر الإرادة ~~بشكل معقول يعيش في ظروف سياسية تدعم هذه الفضائل. ولذلك يرى أرسطو أن الأخلاق والسياسة ~~بينهما رباط وثيق. فالحياة الصالحة تتطلب حالة سياسية من نوع معين؛ وهي في رأيه حالة مزودة ~~بقدر جيد من العبيد والنساء الخاضعات، للقيام بالأعمال والمهام الشاقة بينما تنطلق أنت ~~سعيا وراء حياة التميز. إن السعادة قضية مؤسسية؛ فهي تتطلب نوعية من الظروف الاجتماعية ~~والسياسية تحظى فيها بالحرية لممارسة قدراتك الإبداعية. ويكون ذلك أقل وضوحا حين ينظر ~~أحدهم للسعادة بشكل أساسي كقضية داخلية أو فردية، مثلما يفعل الليبراليون. فالسعادة حالة ~~ذهنية قد تتطلب بيئة هادئة خالية من الاضطرابات، ولكنها لا تتطلب نوعا بعينه من ~~السياسات. # إذن فقد تشكل السعادة معنى الحياة، ولكنها ليست قضية بسيطة ومباشرة. فقد رأينا - على سبيل ~~المثال - أن أحدهم قد يدعي أنه يستمد السعادة من انتهاج سلوك حقير. بل قد يدعي بأسلوب لا ~~أخلاقي أنه يستمدها من التعاسة، كما في عبارة «إنه يشعر بالسعادة أكثر ما يشعر بها عند ~~الشكوى.» بعبارة أخرى، هناك دائما مشكلة الماسوشية أو التلذذ بتعذيب الذات. فقد تكون حياة ~~المرء - فيما يتعلق بالسلوكيات الحقيرة - ذات معنى شكليا؛ من حيث كونها منظمة ومتماسكة ~~ومخططة بشكل جيد، ومليئة بالأهداف المحددة بشكل جيد، فيما تتسم بالتفاهة أو حتى الانحطاط في ~~محتواها الأخلاقي. بل قد يكون الاثنان متصلين فيما بينهما، كما في متلازمة ms81 البيروقراطي ذي ~~القلب الضامر. بالطبع توجد عناصر أخرى مرشحة لتشكيل معنى الحياة: القوة، والحب، والاحترام، ~~والحقيقة، والمتعة، والحرية، والعقل، والاستقلالية، والدولة، والأمة، والإله، والتضحية ~~بالنفس، والتأمل، والحياة وفقا للطبيعة، وتحقيق السعادة القصوى لأكبر عدد من الأشخاص، ~~ونكران الذات، والموت، والرغبة، والنجاح الدنيوي، وتقدير الرفاق، وحصد أكبر عدد ممكن من ~~الخبرات القوية، والاستمتاع، وما إلى ذلك. إن الحياة تصبح ذات معنى بالنسبة لمعظم الناس - ~~على الصعيد العملي إن لم يكن دائما على الصعيد النظري - بعلاقاتهم بأقرب الأشخاص إليهم، ~~مثل شركاء الحياة والأطفال. # ثمة عدد من العناصر المرشحة الأخرى سوف تبدو للعديد من الناس إما بالغة التفاهة، أو ~~وسيلية أكثر من اللازم، لكي يعتد بها كمعنى للحياة. وتندرج كل من القوة والثروة بشكل واضح ~~إلى حد ما إلى فئة العناصر الوسيلية، وأي شيء يستخدم كوسيلة لا يمكن أن يتسم بالسمة ~~الأساسية التي يتطلبها معنى الحياة؛ إذ إنه يتواجد من أجل شيء أكثر جوهرية من نفسه. وليس ~~بالضرورة أن يساوي ذلك بين ما هو وسيلي وبين ما هو أدنى: فالحرية - على الأقل في بعض من ~~تعريفاتها - وسيلية، ولكن معظم الناس يتفقون على قيمتها النفيسة. # ومن ثم فإن إمكانية أن تكون القوة هي معنى الحياة قد يبدو أمرا محل شك؛ غير أنها مورد ~~بشري ثمين، كما يعي من لا يملكونها. وكما هو الحال بالنسبة للثروة، فإن هؤلاء الذين يملكون ~~القوة هم فقط من يملكون ازدراءها. فكل شيء يعتمد على من يستخدمه، والأغراض التي يستخدمه ~~فيها، وفي أي مواقف. ولكنها لا تبدو غاية في حد ذاتها أكثر من الثروة؛ ما لم تتعامل مع ~~«القوة» بالمعنى النيتشوي، الذي يعد أقرب لفكرة تحقيق الذات منه إلى فكرة السيطرة والهيمنة. ~~(هذا لا يعني أن نيتشه كان يحمل أي بغض لجرعة قوية من الأخيرة). إن «إرادة القوة» في فكر ~~نيتشه يعني نزعة كل الأشياء لإدراك وتوسيع وتقوية نفسها؛ ومن المنطقي أن ننظر إلى هذا كغاية ~~في حد ذاتها، مثلما ينظر أرسطو إلى ازدهار ونجاح الإنسان كغاية في حد ذاته. ms82 وقد كانت نظرة ~~سبينوزا للقوة مشابهة إلى حد كبير. كل الفرق هو أن هذا التزايد المتواصل للقوى في رؤية ~~نيتشه الداروينية للحياة تشمل القوة أيضا كهيمنة، إذ يسعى كل شكل من أشكال الكائنات الحية ~~إلى إخضاع الأشكال الأخرى. وهؤلاء الذين يستهويهم النظر إلى القوة في إطار الهيمنة كغاية في ~~حد ذاتها لا بد أنهم يستدعون إلى الأذهان الصورة الغريبة والبشعة لمالك الصحيفة البريطانية ~~الراحل روبرت ماكسويل، والذي كان محتالا ومتنمرا والذي كان جسده يمثل صورة قذرة ~~لروحه. # أما بالنسبة للثروة، فإننا نعيش في حضارة تنكر أنها غاية في حد ذاتها بدافع من الورع، ~~وتتعامل معها في الواقع العملي بالطريقة نفسها بالضبط. إن من بين أقوى الاتهامات الموجهة ~~للرأسمالية أنها تدفعنا لاستثمار معظم طاقاتنا الإبداعية في أمور هي في واقع الأمر نفعية ~~بشكل بحت. وبذلك تصبح وسائل المعيشة هي الغاية. إن السمة الأساسية للحياة تتمثل في إرساء ~~البنية التحتية المادية للمعيشة. ومن المدهش أن النظام المادي للحياة في القرن الحادي ~~والعشرين يزداد حجما مثلما كان في العصر الحجري. فرأس المال الذي يمكن أن يخصص لتحرير ~~الرجال والنساء - ولو بدرجة متوسطة - من الحاجة الملحة للعمل يخصص بدلا من ذلك لمهمة ~~تكديس المزيد من رأس المال. # شكل 4-2: قابض الأرواح: لقطة ساكنة من فيلم «معنى الحياة» لمونتي بايثون. ~~(© Photo12.com ~~/Collection ~~Cinéma) # إذا كان السؤال الخاص بمعنى الحياة يبدو ملحا في هذا الموقف، فإن ذلك يرجع من جانب إلى ~~أن عملية التكديس برمتها في النهاية غير مجدية وبلا هدف، مثل الإرادة لدى شوبنهاور. فعلى ~~غرار الإرادة، يتمتع رأس المال بقوة دافعة خاصة به، ويتواجد بشكل أساسي لأجل نفسه، ويستخدم ~~الأفراد كأدوات لتطوره الأعمى. كما أن به شيء من الدهاء الدنيء الذي تتسم به الإرادة، إذ ~~يقنع الرجال والنساء الذين يستخدمهم وكذلك العديد من الأدوات بأنهم متفردون وذوو قيمة غالية ~~وإرادة حرة. وإذا كان شوبنهاور يطلق على هذا الخداع مسمى «الوعي»، فإن ماركس يطلق عليه ~~الأيديولوجية. # بدأ فرويد رحلته بالاعتقاد بأن معنى الحياة هو الرغبة، ms83 أو خدع اللاوعي خلال فترة اليقظة ~~من حياتنا، وتوصل للاعتقاد بأن الموت هو معنى الحياة. ولكن هذا الادعاء يمكن أن يكون له عدة ~~معان مختلفة. فهو يعني لدى فرويد نفسه أننا جميعا في النهاية عبيد لدى «ثاناتوس» أو غريزة ~~الموت. ولكنه يمكن أن يعني أيضا أن الحياة التي لا تحوي شيئا، لدى الفرد الاستعداد للموت ~~في سبيله، من غير المحتمل أن تكون مثمرة. أو يمكن أن يشير إلى أن الحياة في ظل الوعي ~~بفنائيتنا يعني العيش بالواقعية والسخرية والمصداقية وإحساس تأنيبي بمحدوديتنا وضعفنا. وعلى ~~هذا الصعيد على الأقل، فإن التمسك بإيماننا بأكثر ما هو حيواني فينا يعني العيش بمصداقية. ~~فسوف نكون أقل ميلا لخوض مشروعات متغطرسة تجلب الأسى لنا وللآخرين. فالثقة اللاواعية في ~~خلودنا هي مصدر جزء كبير من دمارنا. # ومن خلال التنبه المرير لفنائية الأشياء، سوف نتوخى الحذر من التشبث بها بشكل استحواذي. ~~ومن خلال هذا الانفصال التمكيني، تتحسن قدرتنا على رؤية الأشياء على حقيقتها، وكذا ~~الاستمتاع بها بشكل أكبر. وفي هذا الإطار، نجد أن الموت يدعم الحياة ويعززها، بدلا من ~~تجريدها من القيمة. هذه ليست وصفة للاستمتاع باللحظة، ولكن العكس تماما. فالتلذذ المحموم ~~بالاستمتاع باللحظة، وإمتاع النفس، والاحتفال بتناول نخب إضافي، والعيش وكأن الغد لن يأتي، ~~إنما هو استراتيجية بائسة للتحايل على الموت تسعى بلا جدوى لخداعه وليس فهمه. وفي خضم بحثها ~~المستعر عن اللذة، إنما تضفي جلالا على الموت الذي تحاول إنكاره. وعلى كل ما تتسم به هذه ~~الرؤية من براعة وإتقان، فإنها تشاؤمية، بينما تقبل الموت يعد رؤية تفاؤلية. # إلى جانب ذلك، فإن الوعي بحدودنا - التي يبرزها الموت بشكل قاس لا يرحم - يعني أيضا ~~الوعي بالطريقة التي نعتمد بها على الآخرين وطريقة تقييدهم لنا. فحين يعلق القديس بولس ~~بأننا نموت في كل لحظة، فربما يكون جزء مما كان يدور بخلده هو حقيقة أننا لا يمكننا العيش ~~بشكل جيد إلا بتكريس النفس لتلبية احتياجات الآخرين، فيما يعد نوعا من الموت الأصغر. وفي ~~قيامنا بذلك، إنما نتدرب على ms84 ذلك النكران الأخير للذات الذي هو الموت ونتصوره قبل حدوثه. ~~وبهذه الطريقة يكون الموت في إطار الاحتضار المتواصل للنفس هو مصدر الحياة الصالحة. وإذا ~~كان ذلك يبدو نوعا من الخنوع ونكران الذات غير المقبول، فإن ذلك يعزى فقط لأننا ننسى أنه ~~إذا كان الآخرون يفعلون ذلك أيضا، تكون المحصلة نوعا من الخدمات المتبادلة التي توفر ~~السياق لكل نفس لكي تزدهر. والاسم التقليدي لهذا التبادل هو الحب. # غير أننا أيضا نموت في كل دقيقة بمعنى أكثر حرفية نوعا ما. فنحن نعيش بنوع من الإنكار ~~المستديم، إذ نبطل موقفا بإلقاء أنفسنا داخل آخر. وهذا السمو الذاتي الدائم - الذي لا يتاح ~~سوى للبشر - يعرف باسم التاريخ. غير أنه على مستوى التحليل النفسي يسمى الرغبة، وهو ما يعد ~~أحد الأسباب التي تجعل الرغبة مرشحا مقبولا لمعنى الحياة. فالرغبة تطفو على السطح حين ~~يكون هناك شيء مفقود. إنها مسألة عوز ونقص، تفرغ الحاضر من مضمونه من أجل نقلنا إلى مستقبل ~~مفرغ بشكل مماثل. فمن ناحية، يعتبر الموت والرغبة خصمين؛ لأننا إذا توقفنا عن الرغبة، فسوف ~~يتوقف التاريخ. ولكن من ناحية أخرى، فإن الرغبة - التي يعتبرها الفرويديون القوة الدافعة ~~للحياة - تعكس في نقصها الداخلي الموت الذي ستقودنا إليه في النهاية. وفي هذا الإطار تكون ~~الحياة أيضا توقعا مسبقا للموت؛ فالشيء الوحيد الذي يمنحنا القدرة على مواصلة الحياة هو ~~أننا نحمل الموت في داخلنا. # شكل 4-3: الطريق إلى الخلود يبدأ من هنا. ~~(© Mark Power/Magnum Photos) # وإذا كان الموت يبدو إجابة كئيبة للغاية للسؤال عن معنى الحياة، والرغبة فكرة شهوانية ~~للغاية، فماذا عن التأمل الفكري؟ من أفلاطون وسبينوزا إلى الزعيم الديني المنتمي للمحافظين ~~الجدد ليو شتراوس، كان لفكرة أن التأمل في حقيقة الوجود هو أنبل أهداف الإنسانية إغراؤها؛ ~~لا سيما بين المفكرين. ومن اللطيف أن تشعر بأنك قد بلغت معنى الكون بمجرد الدخول إلى مكتبك ~~بالجامعة كل صباح. يبدو الأمر كما لو كان يفترض بمصممي الأزياء - حين يسئلون عن معنى ~~الحياة - أن يجيبوا: «بنطلون رائع بحق»، فيما ينبغي ms85 أن يقترح المزارعون المحصول الوفير ~~كمعنى للحياة. حتى أرسطو، على كل اهتمامه بصور الحياة العملية، كان يعتقد أن هذا هو أسمى ~~أشكال الإنجاز. غير أن فكرة أن معنى الحياة يكمن في تأمل معنى الحياة تبدو أشبه بالدوران في ~~حلقة مفرغة. فهي تفترض أيضا أن معنى الحياة هو افتراض من نوع ما مثل «الأنا عبارة عن وهم»، ~~أو «كل شيء مصنوع من لباب الخبز.» بعد ذلك قد يكون الحظ حليفا لنخبة صغيرة من الحكماء - ~~الذين كرسوا حياتهم للتفكر في هذه الأمور - ويتوصلوا إلى حقيقة القضية أيا كانت. وتلك ~~ليست القضية بالنسبة لأرسطو، الذي يعتبر مثل هذا التخمين - أو التأمل - هو نفسه نوعا من ~~الممارسة؛ ولكنه خطر يمكن للقضية أن تجلبه. # ولكن إذا كان للحياة معنى، فإنه بالتأكيد ليس من هذا النوع التأملي. فمعنى الحياة ليس ~~افتراضا بقدر ما هو ممارسة. إنه ليس حقيقة خفية، ولكنه «صورة» محددة من صور الحياة. ومن ~~الممكن أن تصبح معلومة فقط خلال الحياة. ربما كان هذا هو ما يدور في ذهن فيتجنشتاين حين ~~أشار في «الرسالة الفلسفية المنطقية» إلى «أننا نشعر أنه حتى لو وجدت جميع الأسئلة العلمية ~~الممكنة إجابات لها، فإن مشكلات الحياة لم تعالج جميعا بعد. بالطبع لا يكون هناك حينها أية ~~أسئلة متبقية، وتلك هي الإجابة بالضبط. فحل مشكلة الحياة يدرك في اختفاء هذه المشكلة» ~~(6,52، 6,251). # ما المعنى الذي يمكننا استخلاصه من تلك المقولات الغامضة؟ إن فيتجنشتاين على الأرجح لا ~~يقصد أن معنى الحياة هو مسألة زائفة، بل يقصد أنه مسألة زائفة فيما يتعلق بالفلسفة. لم يكن ~~فيتجنشتاين يكن الكثير من الاحترام للفلسفة، والتي كان يتمنى أن يضع لها كتابه «الرسالة ~~الفلسفية المنطقية» نهاية. فقد كان يعتقد أن جميع الأسئلة الحيوية تقع خارج إطار حدودها ~~الصارمة. فليس معنى الحياة شيئا يمكن أن يقال في شكل افتراض واقعي؛ وقد كان هذا النوع من ~~الافتراضات هو النوع المنطقي الوحيد بالنسبة لفيتجنشتاين في بداياته. ويمكننا أن نلمح شيئا ~~من معنى الحياة حين ندرك أنه ليس ms86 من هذا النوع من الأشياء التي يمكن أن تمثل إجابة لسؤال ذي ~~معنى على المستوى الفلسفي. إنه ليس «حلا» على الإطلاق. وما أن ندرك أنه يتجاوز حدود جميع ~~مثل هذه الأسئلة، ندرك أن «هذه» هي إجابتنا. # إن كلمات فيتجنشتاين التي استشهدت بها فيها في موضع سابق في الكتاب - «الغموض لا يكمن في ~~كيفية نشأة العالم، ولكن يكمن في وجوده أصلا» - ربما تعني أن بإمكاننا الحديث عن هذه ~~الظروف أو تلك في العالم، ولكن ليس عن قيمة أو معنى العالم ككل . وهذا لا يعني أن فيتجنشتاين ~~قد رفض هذا الحديث باعتباره لغوا فارغا، مثلما فعل الوضعيون المنطقيون. على العكس، فقد ~~كان يعتقد أنه أهم بكثير من الحديث عن الظروف الواقعية. كل ما في الأمر أن اللغة لم تستطع ~~تمثيل العالم ككل. ولكن على الرغم من عدم إمكانية التعبير لفظيا عن قيمة ومعنى العالم ~~ككل، فقد كان بالإمكان إظهارهما. وتمثلت إحدى الطرق السلبية لإظهارهما في توضيح ما «لم» يكن ~~بإمكان الفلسفة قوله. # إن معنى الحياة ليس حلا لمشكلة، ولكنه مسألة العيش بأسلوب معين. إنه ليس مسألة ~~ميتافيزيقية، بل مسألة أخلاقية. إنه ليس شيئا منفصلا عن الحياة، ولكنه الشيء الذي يجعلها ~~جديرة بأن تعاش؛ أي أنه يمثل سمة وعمقا ووفرة وقوة معينة للحياة. وفي هذا الإطار يكون معنى ~~الحياة هو الحياة ذاتها ولكن بعد إدراكها بطريقة بعينها. ويشعر المتاجرون بمعنى الحياة ~~بالإحباط بشكل عام نتيجة هذا الزعم، إذ لا يبدو غامضا وفخما كفاية. بل إنه يبدو عاديا ~~ومفهوما أكثر من اللازم، أي إنه أكثر تنويرا بدرجة طفيفة من الإجابة «42». بل أكثر من ~~الشعار المكتوب على القمصان القطنية الذي يقول: «ماذا لو كان الأمر كله يدور حول الهوكي ~~كوكي؟» إنه يأخذ السؤال الخاص بمعنى الحياة من أيدي زمرة من الخبراء الجهابذة أو المتخصصين ~~ويعيده إلى الوجود اليومي. وتلك هي نوعية السخافات التي أسسها متى في إنجيله، حيث يظهر ~~عودة ابن الإنسان في مجده محاطا بالملائكة من أجل يوم الحساب. وعلى الرغم من هذه الصور ms87 ~~المجازية الكونية الجاهزة، يتبين أن الخلاص قضية مملة بشكل مثير للحرج؛ إنه مسألة إطعام ~~الجوعى، وتقديم الشراب للظمأى، والترحيب بالغرباء، وزيارة المساجين. إنه لا يحمل أي سحر أو ~~عبير «ديني» مميز أيما كان؛ فبإمكان أي شخص أن يقوم به. فيتضح أن مفتاح الكون لا يكمن في ~~إدراك مزلزل، ولكنه شيء يفعله الكثير من الناس على أية حال دون أدنى تفكير. إن الخلود لا ~~يكمن في حبة رمل، ولكن في كوب من الماء. فالكون يقوم على مواساة المرضى والتسرية عنهم. وحين ~~تسلك هذا النهج، فإنك تشارك في الحب الذي أنشأ النجوم. والعيش بهذه الطريقة لا يعني امتلاك ~~حياة فحسب، بل امتلاكها بوفرة. # ويعرف هذا النوع من النشاط بالحب، ولا علاقة له بالمشاعر الشهوانية أو حتى العاطفية. إن ~~وصية المحبة مجردة من الذاتية بشكل بحت؛ فنموذجها الأساسي هو حب الغرباء، وليس هؤلاء الذين ~~ترغب فيهم أو تعجب بهم. إنه ممارسة أو طريقة حياة، وليس حالة ذهنية. ولا صلة له بالمشاعر ~~الدافئة أو العلاقات الشخصية الحميمة. إذن، فهل الحب هو معنى الحياة؟ لا شك أنه كان المرشح ~~المفضل لعدد من المراقبين الفطنين، لا سيما الفنانين. إن الحب يشبه السعادة في أنه يبدو ~~كمصطلح قاعدي، أي غاية في حد ذاته. وعلى غرار السعادة، يبدو الحب جزءا من طبيعتنا؛ فمن ~~الصعب أن نقول لماذا يجب أن نعبأ بإعطاء الماء للظمأى، لا سيما إذا كنت تعلم أنهم سيفارقون ~~الحياة في غضون دقائق على أية حال. # غير أنه على أصعدة أخرى يوجد تصادمات بين القيمتين. فالشخص الذي يقضي حياته في الاعتناء ~~بطفل معاق إعاقة بالغة إنما يضحي بسعادته في سبيل حبه، حتى لو كانت هذه التضحية تبذل أيضا ~~باسم السعادة (سعادة هذا الطفل). كذلك قد يؤدي بك القتال من أجل العدالة - والذي يعد شكلا ~~من أشكال الحب - إلى الموت. إن الحب قضية مرهقة ومثبطة للهمة، تمتزج بالمعاناة والإحباط، ~~وتختلف تماما عن الرضا الأحمق المشع بالبهجة والإشراق. ولكن يظل من الممكن أن تجادل بأن ~~الحب والسعادة ينتهي بهما ms88 الحال كتوصيفات مختلفة لنفس أسلوب الحياة. ولعل أحد أسباب ذلك أن ~~السعادة في واقع الأمر ليست رضا أحمق يشع بالبهجة، ولكنها (على الأقل بالنسبة لأرسطو) ~~الحالة التي تنبع من الازدهار الحر لقدرات وقوى الفرد. ويمكن القول بأن الحب هو نفس الحالة ~~ولكن مع النظر إليها بكلمات قريبة الشبه؛ إنه الحالة التي يتأتى فيها ازدهار الفرد من ~~ازدهار الآخرين. # كيف لنا أن نفهم هذا التعريف للحب، برغم ابتعاده عن كل من كاتولوس وكاثرين كوكسون؟ بادئ ~~ذي بدء، يمكننا العودة إلى مقترحنا السابق بأن احتمالية أن يكون للحياة الإنسانية معنى مدمج ~~فيها لا تعتمد على إيمان بقوة خارقة من نوع ما. فمن المحتمل أن تطور البشر كان عشوائيا ~~وعرضيا، ولكن لا يترتب على ذلك بالضرورة ألا يكون لهم طبيعة ذات نوعية خاصة. والحياة ~~الصالحة بالنسبة لهم قد تكمن في إدراك تلك الطبيعة. فالنحل قد تطور بشكل عشوائي أيضا، ولكن ~~بالتأكيد يمكن القول بأن له طبيعة محددة؛ فالنحل يفعل الأشياء الخاصة بالنحل. ويكون هذا أقل ~~وضوحا بكثير في حالة البشر، إذ إن جزءا من طبيعتنا - على عكس النحل - أننا حيوانات ~~ثقافية، والحيوانات الثقافية مخلوقات شديدة الغموض. ومع ذلك، يبدو واضحا أن الثقافة لا ~~تلغي «كياننا النوعي» أو طبيعتنا المادية. فنحن بحكم طبيعتنا - على سبيل المثال - حيوانات ~~اجتماعية يجب أن تتعاون وإلا تموت؛ ولكننا أيضا كائنات فردية تسعى لتحقيق إشباعها الذاتي. ~~فتحقيق الهوية الفردية هو نشاط لكياننا النوعي، وليس حالة تتعارض معه. فلم نكن لنستطيع ~~تحقيقها - على سبيل المثال - لولا اللغة، التي هي ملك لي فقط لأنها ملك للنوع البشري الذي ~~أنتمي إليه أولا. # إن ما كنا نطلق عليه حبا هو الطريقة التي يمكننا بها التوفيق بين بحثنا عن الإشباع ~~الفردي وبين حقيقة كوننا حيوانات اجتماعية. فالحب يعني خلق المساحة التي يستطيع فيها شخص ~~آخر تحقيق الازدهار، في نفس الوقت الذي يفعل فيه هذا الشخص المثل لك. وبذلك يصبح تحقيق ~~الذات الخاص بكل فرد هو الأساس لتحقيق ذات الآخر. وحين ندرك طبيعتنا بهذا الشكل، ms89 نكون في ~~أفضل حالاتنا. ويعزى هذا جزئيا إلى أن تحقيق الذات بطرق تتيح للآخرين تحقيق ذلك أيضا ~~يمحو القتل والاستغلال والتعذيب والأنانية وما شابه. أما تدمير الآخرين فيؤدي بنا على المدى ~~الطويل إلى تدمير تحقيقنا لذاتنا، الذي يعتمد على حرية الآخرين في المساهمة فيه. ولما كان ~~متعذرا أن يكون هناك تبادل حقيقي سوى بين الأنداد، فإن الاضطهاد واللامساواة يعملان على ~~إحباط الذات على المدى الطويل أيضا. ويتعارض كل ذلك مع النموذج الليبرالي للمجتمع، الذي ~~يكفيه أن لو كان ازدهاري الفردي الفريد محصنا من التداخل مع ازدهار شخص آخر. فالآخر ليس ما ~~يمنحني الوجود في المقام الأول، بل يمثل تهديدا محتملا لوجودي. ويسري هذا أيضا بالنسبة ~~لأرسطو، بكل ما عرف عنه من إيمانه بأن البشر حيوانات سياسية. فهو لا يعتبر الفضيلة أو ~~السعادة مرتبطتين بشكل فطري. صحيح أنه يرى من وجهة نظره أن الآخرين يعتبرون عنصرا أساسيا ~~إلى حد ما لازدهار الفرد، وأن الحياة المنعزلة لا تصلح سوى للآلهة والوحوش، غير أن الإنسان ~~الأرسطي - كما علق ألسدير ماكنتاير - غريب على الحب. # 4 # ولا يزال افتراض أن معنى الحياة هو مسألة فردية في المقام الأول حيا يرزق. فيكتب جوليان ~~باجيني قائلا: «إن البحث عن المعنى مسألة شخصية في الأساس»، يتطلب «القوة وتحمل مسئولية ~~اكتشاف وتحديد المعنى لأنفسنا.» # 5 # ويتحدث جون كوتنجهام عن الحياة ذات المعنى بوصفها «حياة ينخرط فيها الفرد في ~~أنشطة قيمة بحق تعكس اختياره العقلاني كفرد مستقل.» # 6 # ليس من بين ذلك ما هو خاطئ، ولكنه يعكس تحيزا فرديا مألوفا بالنسبة للعصر ~~الحديث؛ فهو لا يرى معنى الحياة كمشروع مشترك أو تبادلي، ويعجز عن الإشارة إلى استحالة أن ~~يكون هناك أي معنى - سواء للحياة أو لأي شيء آخر - يقتصر علي وحدي. فإذا كنا نظهر للوجود ~~في أحدنا الآخر وعبر أحدنا الآخر، فلا بد أن يكون لذلك تداعيات قوية بالنسبة لقضية معنى ~~الحياة. # وبناء على النظرية التي اقترحتها للتو، فإنه لا يوجد أي تعارض نهائيا بين اثنين من ~~أقوى المتنافسين في ms90 رهانات معنى الحياة؛ ألا وهما الحب والسعادة. فإذا كانت السعادة ترى ~~بعين أرسطية بوصفها الازدهار الحر لملكات المرء، وإذا كان الحب هو نوعية التبادل التي تتيح ~~لذلك أن يحدث على النحو الأمثل له، فلا يوجد صراع حاسم بينهما. ولا يوجد أيضا صراع بين ~~السعادة والفضيلة، بالنظر إلى أن معاملة عادلة ورحيمة للآخرين تعد على النطاق الواسع للأمور ~~واحدة من شروط الازدهار الشخصي للفرد. ومن ثم تقل الحاجة للقلق بشأن نوعية الحياة التي تبدو ~~ذات معنى من حيث كونها إبداعية وديناميكية وناجحة ومكتملة، ولكنها تتألف من تعذيب الآخرين ~~أو سحقهم. وبناء على هذه النظرية أيضا، فإن الفرد ليس مرغما على الاختيار بين عدد من ~~المرشحين المختلفين من أجل تحقيق الحياة الجيدة، مثلما يشير جوليان باجيني إلى حتمية هذا ~~الاختيار. فيقدم باجيني مجموعة من الاحتمالات لمعنى الحياة - السعادة والإيثار والحب ~~والإنجاز وفقدان أو نكران الذات والمتعة والخير الأصلح للنوع - ويشير بأسلوبه المتحرر إلى ~~وجود قدر من الحقيقة فيها جميعا. ومن هذا المنطلق يقترح نموذج للاختيار والمزج. وهكذا على ~~طريقة المصممين، يمكن لكل منا أن يأخذ ما يريد من هذه العناصر المتنوعة ويمزجها مكونا منها ~~حياة ملائمة له بشكل متفرد. # شكل 4-4: فريق بوينا فيستا سوشيال كلوب. ~~(© Road Movie Productions/The Kobal Collection) # غير أنه من الممكن أن نرسم خطا فاصلا بين العناصر التي اقترحها باجيني وننظر إلى ~~معظمها بوصفها عناصر قابلة للدمج مع أحدها الآخر. لنأخذ فريقا لموسيقى الجاز كصورة مجازية ~~للحياة الجيدة. # 7 # إن فريق الجاز الذي يمارس الارتجال يختلف بشكل واضح عن الأوركسترا السيمفوني؛ ~~نظرا لأن كل فرد فيه إلى حد كبير يمتلك حرية التعبير عن نفسه كيفما يشاء. ولكنهم يفعلون ~~ذلك بحساسية متفتحة لعروض الموسيقيين الآخرين المعبرة عنهم. والتناغم المعقد الذي يصوغونه ~~لا يأتي من العزف من نوتة جماعية، ولكن من التعبير الموسيقي الحر لكل عضو بالفريق والذي ~~يعمل بمثابة الأساس للتعبير الحر للآخرين. ومع تطور الطلاقة الموسيقية لكل عازف، يستمد ~~الآخرون الإلهام من ذلك، ويتولد لديهم الحافز لبلوغ مستويات ms91 أعلى. ولا يوجد هنا صراع بين ~~الحرية وبين «منفعة الكل»، إلا أن الصورة الذهنية الحاضرة هنا هي عكس الصورة الشمولية. فعلى ~~الرغم من أن كل عازف يساهم في «الخير الأسمى للكل»، فإنه يفعل ذلك ليس بتضحية متبرمة ~~بالذات، وإنما من خلال التعبير عن النفس ببساطة. فهناك تحقيق للذات، ولكن يتم من خلال فقدان ~~الذات في الموسيقى ككل. وهناك إنجاز، ولكنه ليس مجرد مسألة نجاح للتفاخر والتباهي. فالإنجاز ~~- المتمثل في الموسيقى نفسها - يعمل بمثابة وسيلة لبناء العلاقة بين العازفين. وهناك متعة ~~تجنى من هذه البراعة الفنية، وهناك أيضا سعادة تتأتى من الإحساس بالازدهار؛ نظرا لوجود ~~إشباع أو تحقيق حر للقدرات والإمكانيات. ونظرا لأن هذا الازدهار تبادلي، بإمكاننا حتى ~~التحدث من بعيد وبشكل قياسي عن نوع من الحب. ولا بأس بالتأكيد من اقتراح مثل هذا الموقف ~~بوصفه معنى الحياة؛ من حيث إنه هو ما يجعل للحياة معنى، وأيضا - وهو الأمر الأكثر إثارة ~~للجدل - من حيث إننا عندما ننتهج هذا المسلك، فإننا ندرك طبيعتنا في أروع صورها. # إذن، هل موسيقى الجاز هي معنى الحياة؟ ليس بالضبط. فالهدف سيكون إذن بناء مجتمع من هذا ~~النوع على نطاق أوسع، وهو ما يمثل مشكلة سياسة. ولا شك أنه طموح مثالي إلى حد الخيال، ولكن ~~ليس في ذلك ما يسوء. إن الهدف وراء مثل هذه الطموحات هي الإشارة إلى اتجاه ما، بغض النظر عن ~~استحالة بلوغنا هذا الهدف مع الأسف. إن ما نحتاج إليه هو صورة من صور الحياة لا هدف لها ~~إطلاقا، مثلما يخلو عرض الجاز من أي هدف. فبدلا من خدمة هدف نفعي أو غاية ميتافيزيقية ~~جدية، فهو متعة في حد ذاته؛ فهو لا يحتاج إلى تبرير يتجاوز نطاق وجوده. وفي هذا الإطار، ~~يقترب معنى الحياة بشكل مثير من انعدام المعنى. والمتدينون الذين يرون هذه النسخة من معنى ~~الحياة هادئة أكثر من اللازم حتى إنها لا تمثل لهم مصدرا للارتياح يجب أن يذكروا أنفسهم ~~بأن الإله أيضا هو غاية نفسه، وأساسه، وأصله، ومنطقه، ومتعته الذاتية، ms92 وأن العيش على هذه ~~الوتيرة هو وحده ما يجعل بالإمكان القول بأن البشر يشاركون في حياته. أحيانا ما يتحدث ~~المتدينون وكأن أحد الفروق الأساسية بينهم وبين غير المتدينين يكمن في أنهم يرون أن معنى ~~وهدف الحياة يكمنان خارجها. ولكن هذا ليس صحيحا تماما حتى بالنسبة للمتدينين. فالإله - من ~~منظور اللاهوت الكلاسيكي - يفوق العالم، ولكنه يبرز بداخله كعمق. وكما يشير فيتجنشتاين في ~~موضع ما: إذا كان هناك ما يسمى بالحياة الأبدية، فلا بد أن تكون هي الحياة الحاضرة الآن. ~~فاللحظة الحالية هي صورة للخلود، وليست تتابعا لانهائيا لمثل هذه اللحظات. # إذن هل غطينا السؤال على نحو حاسم؟ إن من سمات الحداثة أنه نادرا ما تتم تغطية أي سؤال ~~مهم بشكل تام. فالحداثة - كما أشرت من قبل - هي الحقبة التي ندرك فيها أننا عاجزون على ~~الاتفاق حتى على أهم القضايا وأكثرها جوهرية. ولا شك أن مجادلاتنا المستمرة حول معنى الحياة ~~سوف يثبت أنها مثمرة. ولكن في عالم يحيق بنا فيه خطر داهم، فإن إخفاقنا في إيجاد معان ~~مشتركة يعد مصدر تحفيز بقدر ما هو مصدر إزعاج. # | هوامش # | قراءات إضافية # (1) أرسطو وأخلاق الفضيلة # The text of Aristotle most relevant to this book is the # Nicomachean Ethics ~~, available in Penguin Classics ~~in an edition by Jonathan Barnes (Harmondsworth, 1976). Jonathan Barnes has also ~~published a useful introduction to Aristotle in the Very Short Introduction ~~series (Oxford, 2000), though not much of it deals with his ethical thought. See ~~also D. S. Hutchinson, # The Virtues of ~~Aristotle ~~(London, 1986), and Jonathan Lear, # Aristotle: The Desire to Understand ~~(Cambridge, ~~1988). # More general studies of ethics relevant to the book’s argument can be ~~found in Alasdair MacIntyre, # A Short History of ~~Ethics ~~(London, 1968) and # After ~~Virtue ~~(London, 1981). A more recent, illuminating study is ~~Rosalind Hursthouse, # On Virtue Ethics ~~(Oxford, 1999). ~~(2) شوبنهاور # Schopenhauer’s major work, and the only one referred to in this ~~study, is # The World as Will and ~~Representation ~~, ed. E. ms93 F. J. Payne, 2 vols. (New York, 1969). ~~Useful introductions to Schopenhauer are to be found in Patrick Gardiner, # Schopenhauer ~~(Harmondsworth, 1963), and ~~Brian Magee, # The Philosophy of Schopenhauer ~~(Oxford, 1983). A briefer account is to be found in Terry Eagleton, # The Ideology of the Aesthetic ~~(Oxford, ~~1990), ch. 7. ~~(3) نيتشه # Works by Nietzsche cited in this study are # The Will to Power ~~(New York, 1975), # Beyond Good and Evil ~~, and # The Birth of ~~Tragedy ~~. The latter two works can be found in Walter Kaufmann ~~(ed.), # Basic Writings of Nietzsche ~~(New York, ~~1968), a convenient selection of Nietzsche’s texts. Classic introductions to his ~~thought are Walter Kaufmann, # Nietzsche: Philosopher, Psychologist, and Antichrist ~~(New York, 1950); R. J. Hollingdale, # Nietzsche: The Man and his Philosophy ~~(London, 1964); and Arthur C. Danto, # Nietzsche as Philosopher ~~(New York, 1965). See also Keith Ansell Pearson, # Nietzsche ~~(London, 2005), and Michael ~~Tanner, # Nietzsche ~~(Oxford). A more ~~substantial study is Richard Schacht, # Nietzsche ~~(London, 1983). ~~(4) فيتجنشتاين # The # Tractatus ~~Logico-Philosophicus ~~, first published in London in 1961, is available ~~in abridged form in Anthony Kenny (ed.), # The ~~Wittgenstein Reader ~~(Oxford, 1994). See also Wittgenstein’s Philosophical Investigations ~~, trans. G. ~~E. M. ~~Anscombe (Oxford, 1953), and # Culture and Value ~~, trans. Peter Winch (Chicago, ~~1980). # For introductions to Wittgenstein’s thought, see D. F. Pears, # Wittgenstein ~~(London, 1971), and Anthony ~~Kenny, # Wittgenstein ~~(Harmondsworth, 1973). ~~Two more recent introductions, both lucid and helpful, are A. C. Grayling, # Wittgenstein ~~(Oxford, 1988), and Ray ~~Monk, # Wittgenstein ~~(London, 2005). Monk is ~~also the author of an excellent biography, # Ludwig ~~Wittgenstein: The Duty of Genius ~~(London, 1990). A more advanced ~~but equally rewarding study is G. P. Baker and P. M. S. Hacker, # Wittgenstein: Understanding and Meaning ~~(Oxford, ~~1980). ~~(5) الحداثة وما بعد الحداثة # There are various allusions throughout the book to these cultural ~~movements, which the reader might like to have further elucidated. For ~~modernism, Peter Conrad’s monumental # Modern Times, ~~Modern Places ~~(London, 1998) is worth dipping in and out ms94 of. An ~~excellent theoretical study is Marshall Berman, # All that ~~is Solid Melts into Air ~~(London, 1982). See also Raymond ~~Williams, # The Politics of Modernism ~~(London, ~~1989), and T. J. Clark, # Farewell to an Idea ~~(New Haven and London, 1999). # For postmodernism, see Jean-François Lyotard, # The Postmodern Condition ~~(Minneapolis, 1984); Ihab Hassan, # The Postmodern Turn ~~(Ithaca, NY, 1987); ~~David Harvey, # The Condition of Postmodernity ~~(Oxford, 1990); and Perry Anderson, # The Origins of Postmodernity ~~(London, 1998). Briefer studies of the trend are to ~~be found in Alex Callinicos, # Against Postmodernism ~~, and Terry Eagleton, # The ~~Illusions of Postmodernism ~~(Oxford, 1996). A more difficult and ~~substantial study is Fredric Jameson, Postmodernism, or, ~~the Cultural Logic of Late Capitalism ~~(Durham, NC, ~~1991). ~~(6) ماركس # Marx’s views on 'species being’ and human nature are to be found ~~mainly in his # Economic and Philosophical ~~Manuscripts # of 1844. This is reprinted among other places in L. ~~Colletti (ed.), # Karl Marx: Early Writings ~~(Harmondsworth, 1975). For commentaries on these matters, see Norman Geras, # Marx and Human Nature ~~(London, 1983), and ~~Terry Eagleton, # The Ideology of the Aesthetic ~~(Oxford, 1990), ch. 8. The essay by Louis Althusser most relevant to my argument ~~is 'On Ideology and Ideological State Apparatuses’, in # Lenin and Philosophy ~~(London, 1971). ~~(7) فرويد # Freud’s # Introductory Lectures on Psychoanalysis ~~(Harmondsworth, 1973) is one of the best ~~introductions to some of his general concepts. His discussion of the death drive ~~is to be found among other places in # Beyond the Pleasure Principle ~~, trans. J. Strachey, International Psycho-Analytical ~~Library, ed. E. Jones, 4 (London, 1950). The theme is developed by Norman O. ~~Brown in # Life Against Death ~~(London, 1959). ~~For more general accounts of Freud, see Philip Rieff, # Freud: The Mind of the Moralist ~~(Chicago and London, 1959), and Paul Ricoeur, # Freud and Philosophy ~~(New Haven ~~and London, 1970). ~~(8) أعمال أخرى # The following works are also referred to in the book: # Julian Baggini, # What’s It All ~~About? ~~(London, 2004). # Isaiah Berlin, ms95 # Four Essays on ~~Liberty ~~(Oxford, 1969). # John Cottingham, # On the Meaning ~~of Life ~~(London, 2003). # Terry Eagleton, # Against the ~~Grain: Selected Essays 1975-1985 ~~(London, 1986); # William Shakespeare ~~(Oxford, ~~1986); and # Sweet Violence: The Idea of the ~~Tragic ~~(Oxford, 2003). # Frank Farrell, # Subjectivity, ~~Realism and Postmodernism ~~(Cambridge, ~~1996). # Martin Heidegger, # Being and ~~Time ~~(New York, 1962). # Alasdair MacIntyre, # Dependent ~~Rational Animals ~~(London, 1998). # Jean-Paul Sartre, # Being and ~~Nothingness ~~(London, 1958), and # Nausea ~~(Harmondsworth, ~~1963). # Roger Scruton, # Modern Philosophy ~~(London, 1994). # Max Weber, # Essays in ~~Sociology ~~, ed. H. H. Gerth and C. Wright Mills ~~(London, 1991). ms96