######OpenITI# #META# URI: 1450ShaymaTahaRaydi.ManzarMinSakhratQalca.Hindawi58691480 #META# Tags: literature #META# ID: 58691480 #META# Title: المنظر من صخرة القلعة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 72975737 :: 81305726 #META# Translator: شيماء طه الريدي :: محمد جبريل زناتي #META# Related_books: 1450AliceMunro.ViewFromCastleRock (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير‏ # الجزء الأول: أبرشية بلا ميزة‏ # أبرشية بلا ميزة‏ # المنظر من صخرة القلعة‏ # إلينوي‏ # براري بلدة موريس‏ # العمل من أجل كسب العيش‏ # الجزء الثاني: المنزل‏ # الآباء‏ # الاستلقاء أسفل شجرة التفاح‏ # الأجيرة‏ # التذكرة‏ # المنزل‏ # لماذا تريد أن تعرف؟‏ # خاتمة‏ # الرسول‏ # تصدير‏ # الجزء الأول: أبرشية بلا ميزة‏ # أبرشية بلا ميزة‏ # المنظر من صخرة القلعة‏ # إلينوي‏ # براري بلدة موريس‏ # العمل من أجل كسب العيش‏ # الجزء الثاني: المنزل‏ # الآباء‏ # الاستلقاء أسفل شجرة التفاح‏ # الأجيرة‏ # التذكرة‏ # المنزل‏ # لماذا تريد أن تعرف؟‏ # خاتمة‏ # الرسول‏ # | المنظر من صخرة القلعة # | المنظر من صخرة القلعة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # شيماء طه الريدي # محمد جبريل زناتي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إهداء إلى دوجلاس جبسون، الذي كان نعم العون لي في كثير من المواقف ~~الصعبة، والذي قاده تحمسه لهذا الكتاب على وجه الخصوص إلى أن يتجول ليلا في جبانة ~~كنيسة إتريك، والمطر - في الغالب - ينهمر عليه. # | تصدير # بدأت منذ عشرة أعوام أو اثني عشر عاما تقريبا أهتم أكثر بتاريخ فرع من فروع عائلتي، ~~الذي كان اسمه «ليدلو». لقد كانت المعلومات التي لدي عنهم كثيرة، بل أكثر من المعتاد إذا ~~ما أخذنا في الاعتبار أنهم كانوا غير معروفين وغير أثرياء، وكانوا يعيشون في وادي إتريك ~~الذي يصفه السجل الإحصائي الاسكتلندي لعام 1799 بأنه «بلا ميزة». عشت في اسكتلندا بضعة ~~أشهر بالقرب من وادي إتريك؛ وهو ما مكنني من الوصول إلى أسماء هذا الفرع من العائلة، من ~~خلال الاطلاع على السجلات المحلية للمنطقة في المكتبات العامة الموجودة في سيلكيرك ~~وجالاشيلز، والتعرف على ما قاله جيمس هوج عنه في مجلة «بلاكوودز ماجازين». كانت أم هوج من ~~أبناء عائلة ليدلو، واصطحب هوج والتر سكوت ليريه أمه، عندما كان سكوت يجمع القصائد والأغاني ~~الشعبية لعمله «قصائد وأغاني مناطق اسكتلندا الحدودية». (أعطته أم هوج بعضا من هذه القصائد ~~والأغاني، وإن كانت قد شعرت بالاستياء بعد ذلك عندما علمت أنها طبعت في كتاب.) وكنت ~~محظوظة؛ إذ كان كل جيل من أجيال عائلتنا يخرج منه فيما يبدو شخص يكتب ms001 رسائل طويلة وجريئة، ~~بل وفاضحة أحيانا، وتأملات حافلة بالتفاصيل الدقيقة. كانت اسكتلندا هي البلدة التي قرر ~~فيها جون نوكس ضرورة أن يتعلم كل طفل القراءة والكتابة، في أي شكل من أشكال المدارس ~~القروية؛ ليتمكن الجميع من قراءة الكتاب المقدس. # ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. # تراكمت لدي كل هذه المعلومات على مر السنين، وبدأت تتشكل، من هنا وهناك، في صورة ~~أقرب ما تكون إلى القصص، وذلك دون أن ألاحظ ذلك على الإطلاق. بدا لي بعض شخصيات تلك القصص ~~من خلال كلماتهم، وبعضهم خرج من رحم مواقفهم. تجمعت كلماتهم وكلماتي، في عملية إعادة خلق ~~مثيرة لحياتهم، في مواقف محددة لا تقل صدقا عن أصدق تصوراتنا عن الماضي. # في خلال تلك الأعوام، كنت أكتب أيضا مجموعة قصصية خاصة. ولم أضم هذه القصص التي تشكلت ~~داخلي في الكتب الأدبية التي كنت أكتبها على فترات زمنية منتظمة. لم لا؟ لأنني شعرت أنها لا ~~تتلاءم معها. صحيح أنها لم تكن عبارة عن مذكرات أو سيرة ذاتية، لكنها كانت أقرب إلى حياتي ~~الخاصة من القصص الأخرى التي ألفتها، وحتى تلك التي كتبتها بضمير المتكلم، والتي اعتمدت ~~فيها على معلومات شخصية، لكنني لم أفعل بها أيا مما كنت أريد؛ ذلك لأن جل ما كنت أسعى ~~إليه هو تأليف قصص. أما في هذه القصص، فلم أكن أفعل ذلك بالضبط، بل كنت أفعل شيئا أقرب إلى ~~ما تفعله المذكرات؛ ألا وهو سبر أغوار حياتي الشخصية، لكن ليس بطريقة بالغة الدقة أو ~~شديدة الواقعية؛ فقد كنت أضع نفسي في قلب القصة، وأكتب عنها، منقبة فيها ما استطعت. إلا أن ~~الشخصيات المحيطة بهذه النفس كانت تظهر على حقيقتها، ولكنها تفعل أشياء لم تكن تفعلها في ~~الواقع؛ إذ التحق البعض بجيش الخلاص، وقال آخرون إنهم كانوا يعيشون في شيكاجو فيما مضى. ~~إحدى هذه الشخصيات صعقت نفسها بالتيار الكهربي، وأخرى قتلت نفسها رميا بالرصاص في إسطبل ~~تملؤه الخيول. بل إن بعض هذه الشخصيات تغير كثيرا عما كان عليه في البداية، حتى إنني لا ms002 ~~أستطيع أن أتذكر ملامحهم الأصلية. # هي «قصص» وحسب. # تستطيع القول إن تلك القصص تولي اهتماما أكبر بحقيقة حياة الشخصيات أكثر مما يفعله الأدب ~~في الغالب، غير أن هذا الاهتمام ليس كبيرا للغاية. وأجزاء هذا الكتاب الذي بين يديك، التي ~~تتعلق بتاريخ عائلتي، قد نسجت بالكامل في عالم الخيال الأدبي، لكن دون الخروج دوما عن ~~الإطار السردي الحقيقي. وباتباع هذا الأسلوب، اقترب تيارا الحقيقة والخيال معا على نحو ~~كاف؛ حتى بدا لي أنهما يتدفقان في قناة واحدة، كما يفعلان في هذا الكتاب. # الجزء الأول # | أبرشية بلا ميزة # | أبرشية بلا ميزة # ليس لهذه الأبرشية أي ميزة؛ فالتربة فوق تلالها، في مواضع كثيرة منها، تكسوها ~~الطحالب ولا تصلح لأي شيء، والهواء رطب في الغالب؛ والسبب في هذا ارتفاع التلال ~~التي لا تجذب السحب باستمرار، والبخار الذي لا ينقطع عن الانبعاث من التربة المكسوة ~~بالطحالب ... وأقرب بلدة بها سوق منتظمة تبعد 15 ميلا، والطرق المؤدية إليها يكاد ~~يستحيل السير عليها بسبب وعورتها، والجليد كذلك يسبب متاعب كبيرة أحيانا؛ إذ ~~غالبا ما نقضي شهورا كثيرة دون أي اتصال بالناس من حولنا. ومن بين العيوب الخطيرة ~~في هذه الأبرشية نقص الجسور؛ حتى إن المجاري المائية إذا فاضت أعاقت حركة الناس ~~تماما ... ولا يكاد يزرع هنا غير البطاطس والشعير والشوفان، ولم تجرب زراعة ~~القمح ولا الجاودار ولا اللفت ولا الكرنب أبدا ... # يمتلك أراضي هذه الأبرشية عشرة من الملاك، لكن لا يقطن أي منهم بها. # مساهمة قس أبرشية إتريك بمقاطعة سيلكيرك للسجل الإحصائي الاسكتلندي عام ~~1799 # يقع وادي إتريك على بعد حوالي 50 ميلا جنوب إدنبرة و30 ميلا - أو ما يقرب من ذلك - ~~شمال حدود إنجلترا، التي تمتد بالقرب من السور الذي بناه هادريان ليعزل القبائل الهمجية ~~عن الشمال. وفي أثناء حكم أنطونيوس، وصل الرومان إلى أماكن أبعد، وشيدوا سورا حصينا ~~بين خليجي كلايد وفورث، إلا أنه لم يدم طويلا. وقد احتل الأرض الواقعة بين ~~السورين لفترة طويلة شعوب شتى؛ منها السلتيون الذين جاء بعضهم من أيرلندا، وكان ms003 يطلق ~~عليهم السكوتس، والأنجلو ساكسون الذين جاءوا من الجنوب، والنورديون الذين جاءوا من شتى ~~أنحاء بحر الشمال، وربما احتلها كذلك بعض من فلول البكتيين. # كنا نطلق على المزرعة المرتفعة، التي يغطي أرضها الحصى، التي كانت تقيم فيها عائلتي ~~لبعض الوقت في وادي إتريك؛ اسم فار-هوب. وكلمة «هوب» - كما هي مستخدمة في الجغرافيا ~~المحلية - كلمة قديمة من الكلمات النوردية؛ فالكلمات النوردية والأنجلو ساكسونية ~~والغيلية تمتزج جميعا، بعضها مع بعض، في هذه المنطقة من الدولة - كما هو متوقع - مع ~~بعض الكلمات البريثونية القديمة للإشارة إلى الوجود الويلزي القديم هناك. وكلمة «هوب» ~~تعني الخليج، لكنه ليس خليجا مليئا بالمياه، بل خليج تملؤه الأرض وتحيط به التلال ~~جزئيا، وهي في هذه الحالة التلال القاحلة المرتفعة؛ أي المرتفعات القريبة من منطقة ~~النجود الجنوبية، حيث توجد التلال الثلاثة الضخمة؛ بلاك نو وبودزبيك لو وإتريك بن، ~~وكلها تحتوي في أسمائها على كلمة «تل» ولكن بثلاث لغات مختلفة. والآن يعاد تشجير بعض ~~هذه التلال بأشجار التنوب السيتكي، ولكن كانت هذه التلال على مدار القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر قاحلة، أو معظمها كان قاحلا؛ فغابة إتريك العظيمة التي كانت ساحة يمارس ~~فيها ملوك اسكتلندا رياضة الصيد قطعت أشجارها، وتحولت إلى مرعى أو أرض خلاء قبل ذلك ~~بقرن أو قرنين من الزمان. # ويعتبر الحد المائي فوق فار-هوب، الذي يظهر عند طرف الوادي، بمنزلة العمود الفقري ~~لاسكتلندا، الذي يمثل علامة الفصل بين المياه التي تتدفق جهة الغرب إلى خليج سولواي ~~والمحيط الأطلنطي والمياه التي تتدفق جهة الشرق إلى بحر الشمال. ويقع على بعد 10 أميال ~~ناحية الشمال أشهر شلال في البلاد، وهو شلال جراي ميرز تيل. ويقع على بعد 5 أميال ~~من بلدة موفات - وهي بلدة تنعقد فيها سوق منتظمة يأتي إليه السكان الذين يعيشون في ~~الجزء المرتفع من الوادي - صدع ديفيلز بيف تب، وهو صدع عظيم في التلال يعتقد الناس ~~أنه كان مخبأ للماشية المسروقة؛ الماشية الإنجليزية التي كان يستولي عليها اللصوص ~~إبان القرن السادس عشر، حيث كانت تسود الفوضى ms004 وغياب القانون. يقع في الجزء السفلي من ~~وادي إتريك بلدة أيكوود، وهي مسقط رأس مايكل سكوت، الفيلسوف والساحر الذي عاش في ~~القرنين الثاني عشر والثالث عشر، والذي يظهر في قصيدة دانتي الملحمية «الجحيم». وإذا لم ~~يكن كل ما سبق كافيا، فيقال إن ويليام والاس البطل الاسكتلندي الشهير قد اختبأ هنا من ~~الإنجليز، ويروي الناس قصة عن مطاردة رعاة الأغنام الإتريكيين للساحر ميرلين وقتله في ~~الغابة القديمة. ~~(لقد كان أجدادي جيلا بعد جيل - بحسب علمي - رعاة أغنام إتريكيين. ربما يبدو غريبا ~~للبعض أن يتم توظيف رعاة أغنام للرعي في الغابة، إلا أن غابات الصيد - على ما يبدو - ~~كانت في أماكن كثيرة عبارة عن ساحات مفتوحة.) # ومع ذلك، جعلني الوادي أشعر بخيبة أمل عندما رأيته لأول مرة. عادة ما تترك الأماكن ~~مثل هذا الشعور عندما ترسمها في مخيلتك قبل أن تزورها. لقد زرته في أول الربيع، وقد ~~اكتست التلال باللون البني أو ما يشبه البني الأرجواني الفاتح، وهو ما ذكرني بالتلال ~~المحيطة بمدينة كالجاري. كان نهر إتريك يتدفق بسرعة وصفاء، إلا أنه لا يتجاوز اتساعه ~~اتساع نهر ميتلاند، الذي يمر بالمزرعة التي تربيت وترعرعت فيها في مقاطعة أونتاريو. ~~كانت دوائر الحصى، التي ظننت في بادئ الأمر أنها من آثار الديانة السلتية المثيرة ~~للاهتمام، كثيرة جدا ومنظمة جيدا، لا لشيء إلا ليسهل استخدامها في حظائر ~~الأغنام. # كنت مسافرة بمفردي، وقد جئت من سيلكيرك مستقلة حافلة المتسوقين، التي تعمل مرتين في ~~الأسبوع، والتي لم تأخذني إلى ما هو أبعد من جسر إتريك، حيث تجولت في جنبات المكان ~~منتظرة ساعي البريد، والذي قيل لي إنه سوف يأخذني إلى أعلى الوادي. ولعل أهم ما يراه ~~الناظر في جسر إتريك لافتة على محل مغلق تروج لشيء اسمه سيلك كت. ولم يتسن لي أن ~~أعرف هذا الشيء، لكن تبين لي أنه علامة تجارية معروفة خاصة بالسجائر. # وبعد فترة وجيزة جاء ساعي البريد، وركبت معه إلى كنيسة إتريك. وحينها كانت السماء قد ~~بدأت تمطر، وبغزارة. كانت الكنيسة مغلقة، وهو ms005 ما أصابني بخيبة أمل مرة أخرى؛ فبالرغم من ~~أن تلك الكنيسة قد شيدت في عام 1824، فإنه لا يمكن مقارنتها، من حيث الشكل التاريخي أو ~~الطابع المعماري الباهت، بالكنائس الأخرى التي كنت قد زرتها بالفعل في اسكتلندا. ~~عندها شعرت بالغربة وعدم الراحة والبرد. احتميت بالجدار إلى أن هدأ المطر قليلا، ثم ~~تفقدت فناء الكنيسة حيث الحشائش الطويلة المبتلة التي بللت قدماي. # وجدت هناك - أول ما وجدت - شاهد قبر ويليام ليدلو، جدي المباشر الذي ولد في نهاية ~~القرن السابع عشر، والذي كانت كنيته ويل أوفوب. وهذا الرجل اكتسب - على الأقل محليا ~~- شيئا من التألق الأسطوري، وتمكن من ذلك في آخر لحظة يمكن لأي رجل أن يفعل ذلك فيها ~~من لحظات التاريخ؛ أي تاريخ سكان الجزر البريطانية. كان شاهد القبر يحمل أيضا اسم ~~ابنته مارجريت ليدلو هوج التي سبق أن هاجمت السير والتر سكوت، واسم روبرت هوج زوجها ~~الذي كان مزارعا مستأجرا في إتريكهول. ثم رأيت على اليمين شاهدا آخر للكاتب جيمس هوج ~~الذي كان ابنهما وحفيد ويل أوفوب. وكان معروفا بين الناس ب «راعي أغنام إتريك». وفي ~~مكان ليس ببعيد عن هذا الشاهد يوجد شاهد قبر القس توماس بوستون الذي كان مشهورا في ~~جميع أنحاء اسكتلندا بكتبه ووعظه، وإن لم تشفع له هذه الشهرة في الوصول إلى أي منصب ~~كهنوتي مهم. # وجدت كذلك - بين أبناء عائلة ليدلو الكثيرين - شاهد قبر يحمل اسم روبرت ليدلو، الذي ~~مات في هوبهاوس في التاسع والعشرين من يناير عام 1800، عن عمر ناهز 72 عاما، وهو ابن ~~ويل، وأخو مارجريت، وعم جيمس، والذي ربما لم يعرف أبدا أن الناس سوف يتذكرونه بسبب ~~قرابته لهؤلاء الأشخاص تماما كما لم يكن له أن يعرف تاريخ موته. # إنه جدي الأكبر. # وعندما كنت أقرأ هذه النقوش الموجودة على تلك الشواهد، إذا بالمطر يعود مرة أخرى، ~~ولكنه كان متقطعا هذه المرة، وظننت أنه من الأفضل أن أبدأ بالعودة مشيا إلى توشيلو؛ ~~حيث ينبغي أن ألحق بحافلة المدرسة كي أعود إلى سيلكيرك. ولم يكن ms006 بمقدوري أن أتلكأ؛ لأن ~~الحافلة قد تأتي قبل موعدها، وقد يزداد المطر. # عندها أصابني شعور يألفه - على ما أظن - كثير ممن ترجع أصولهم لبلد بعيد جدا عن ~~البلد الذي نشئوا فيه. كنت شخصا ساذجا من أبناء أمريكا الشمالية بالرغم من معرفتي ~~المتراكمة؛ فالماضي والحاضر الماثلان ها هنا أفرزا واقعا مألوفا، ولكنه واقع مقلق ~~أكثر مما كنت أتخيل. ~~(1) رجال إتريك ~~(1-1) ويل أوفوب # ها هنا يرقد جسد ويليام ليدلو المشهور بويل أوفوب، الذي لم يكن يضاهيه من ~~رجال زمانه أحد في مرحه وذكائه وقوته ... # نقش كتب على قبر ويل أوفوب في جبانة كنيسة إتريك على يد حفيده ~~جيمس هوج # اسمه ويليام ليدلو، وشهرته ويل أوفوب، وفوب هو الاسم المحلي للمزرعة فار- هوب ~~التي سكن فيها في أعلى وادي إتريك. ويبدو أن تلك المزرعة كانت مهجورة لسنوات ~~قبل أن يسكن بها ويل. أما منزل المزرعة، فقد كان مهجورا بسبب موقعه المرتفع ~~عند طرف الوادي البعيد، وكانت تهب عليه أسوأ عواصف الشتاء الموسمية، وكانت ~~تتساقط عليه الثلوج بشدة. وبجوار هذا المنزل يوجد منزل بوتبيرن، الذي يقع في ~~منطقة أقل ارتفاعا، والذي قيل إلى وقت قريب إنه أكثر المنازل التي تم العيش ~~فيها في جميع أنحاء اسكتلندا. غير أنه صار مهجورا الآن، اللهم إلا من عصافير ~~الحسون والدوري التي تطوف حول ملحقاته. # لم يكن ويل ليملك الأرض الخاصة بالمزرعة، بل ولم يكن ليستأجرها، إنما كان له ~~أن يستأجر المنزل أو يحصل عليه باعتباره جزءا من أجره كراعي أغنام؛ إذ لم يكن ~~يسعى أبدا وراء المتع الدنيوية. # المجد وحده هو ما كان يسعى إليه. ~~••• # لم يكن ويل من سكان الوادي الأصليين، وإن كان أفراد من عائلة ليدلو يسكنون ~~هناك، وذلك منذ أن دونت سجلات الوادي الأولى. وأقدم رجل يحمل لقب العائلة ~~هذا عرفته هنا وجدته في سجلات المحكمة التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث ~~عشر، وكان متهما بقتل فرد آخر من أفراد عائلة ليدلو الآخرين. لم يكن ثمة ~~سجون في تلك الأيام، بل كانت هناك أبراج ms007 محصنة يحتجز فيها بالأساس المنتمون ~~للطبقة العليا أو أصحاب المكانة السياسية الذين يختلفون مع الحكام، كما كانت ~~هناك عمليات إعدام فورية، ولكنها كانت تحدث في الغالب في أوقات الاضطرابات ~~الكبرى كالتي حدثت أثناء الغارات الحدودية في القرن السادس عشر، حيث كان من ~~الممكن أن يشنق اللصوص على أبواب منازلهم، أو في ميدان سيلكيرك، كما حدث عندما ~~أعدم 16 لصا من لصوص الماشية، وكلهم من عائلة إيليوت، في يوم واحد. إلا أن ~~ويل أفلت من العقاب بدفع غرامة. # قيل إن ويل كان «واحدا من أفراد عائلة ليدلو القدامى الذين سكنوا قرية ~~كريك»، والذين لم أستطع معرفة أي شيء عنهم على الإطلاق، باستثناء ما عرفته عن ~~كريك؛ فهي قرية اختفت تقريبا، تقع على طريق روماني قد اختفى تماما في واد من ~~الأودية القريبة إلى جنوب إتريك. لا بد أنه انتقل عبر التلال - شأنه في ذلك شأن ~~أي فتى في سنوات المراهقة - باحثا عن عمل. لقد ولد في عام 1695، وقتئذ كانت ~~اسكتلندا لا تزال بلدا منفصلا، وإن كانت تدخل تحت لواء مملكة واحدة مع ~~إنجلترا. ولا بد أنه كان يبلغ من العمر 12 عاما في وقت الاتحاد المثير للجدل ~~بين إنجلترا واسكتلندا، وصار شابا عند وقوع تمرد اليعاقبة الذي فشل فشلا ~~ذريعا في عام 1715، وصار رجلا في منتصف العمر عند وقوع معركة كلودن. ولا توجد ~~أي رواية تسجل رأيه في هذه الأحداث، وإن كان يراودني شعور بأنه عاش حياته في ~~عالم منعزل ومتحفظ يحتفظ بأساطيره وعجائبه المحلية. وكان هو نفسه جزءا من ~~هذه العجائب والأساطير. ~~••• # إن أول ما حكي عن ويل كانت براعته في العدو. وكان رعي الأغنام أول عمل ~~يمتهنه في وادي إتريك لصالح رجل يدعى السيد أندرسون، وقد لاحظ السيد أندرسون ~~كيف كان يجري ويل على نحو مستقيم وسريع وراء الأغنام دون أن يتخذ طرقا ملتوية ~~عندما كان يريد الإمساك بها، وعرف من ذلك أن ويل عداء سريع. وعندما جاء إلى ~~الوادي بطل إنجليزي من أبطال العدو راهن السيد أندرسون بويل ms008 ضد هذا البطل ~~بمبلغ كبير من المال. سخر البطل الإنجليزي، وسخر مشجعوه من ذلك، وفاز ويل في ~~السباق. وقد جمع السيد أندرسون كومة كبيرة من النقود، وكان نصيب ويل معطفا ~~رماديا وجوربا. # قال إن هذا ليس ظلما؛ حيث إن المعطف والجورب كانا يعنيان له ما تعنيه كل هذه ~~الأموال لرجل مثل السيد أندرسون. # وإليكم قصة كلاسيكية سمعت لها روايات شتى بأسماء مختلفة وجوانب مختلفة ~~عندما كنت طفلة أترعرع في هورون بمقاطعة أونتاريو. القصة تقول إن شخصا ~~أجنبيا شهيرا يتفاخر بقدراته جاء إلينا، إلا أنه هزم على يد البطل المحلي ~~الذي هو شخص طيب لم يكن يطمع حتى في الحصول على أي مكافأة. # تكررت عناصر تلك القصة في قصة قديمة أخرى ينتقل فيها ويل عبر التلال حتى ~~يصل بلدة موفات لإنجاز مهمة ما، غير مدرك أن هذا اليوم هو يوم السوق، وقد ~~أقنعه الناس بأن يشارك في سباق عام. لم يكن يرتدي ملابس تتناسب مع السباق، وفي ~~أثناء العدو سقط منه سرواله الريفي، لم يعبأ بسقوطه، وشق طريقه من دونه، ~~وواصل العدو وهو لا يرتدي إلا قميصا، وفاز بالسباق. كان ثمة اهتمام ~~كبير به، وتلقى دعوة لتناول العشاء في فندق البلدة مع النبلاء والنبيلات. ~~حينها، كان من المفترض أن يكون قد ارتدى سرواله، ولكنه كان يشعر بالخجل على أي ~~حال، ولم يقبل الدعوة مدعيا أنه يشعر بالإحراج الشديد أمام تلك ~~النبيلات. # ربما كان الأمر كذلك بالفعل بالنسبة إليه، غير أن إعجاب النبيلات برياضي، شاب ~~وسيم مثله، بطبيعة الحال يعتبر محور القصة الفاضح والممتع. # تزوج ويل في وقت غير معلوم لي، من امرأة تدعى بيسي سكوت، وبدآ معا في ~~تكوين أسرتهما. وفي أثناء هذه الفترة تحول البطل الشاب إلى رجل عادي، وإن ~~كانت هناك أعمال بطولية أظهرت مواهبه ولا يزال يفتخر بها؛ فقد أطلق على ~~إحدى البقاع على نهر إتريك «قفزة ويل» تخليدا لذكرى قفزة قفزها لجلب مساعدة أو ~~إحضار دواء لشخص مريض. ومع ذلك، لم يتكسب ويل ماديا من وراء أي ms009 عمل من تلك ~~الأعمال، ويبدو أن ضغوط كسب لقمة العيش لإعالة أسرته، إضافة إلى حبه للخمور، ~~حولته إلى مهرب للخمور. وكان منزله في موقع مناسب يمكنه من استلام الخمور ~~المهربة عبر التلال من بلدة موفات. ومما يدعو للدهشة أن هذه الخمور لم تكن من ~~الويسكي، بل كانت من البراندي الفرنسي الذي لا شك أنه كان يدخل البلد بطريقة ~~غير قانونية عن طريق خليج سولواي، وهو الوضع الذي سيستمر على ما هو عليه بالرغم ~~من جهود روبرت بيرنز الشاعر ومحصل الضرائب في مواجهة هذا الفعل في أواخر ذلك ~~القرن. وصار فوب مشهورا بالعربدة أو على الأقل بالحفلات الصاخبة. وما زال اسمه ~~كبطل مرتبطا بالسلوك النبيل والقوة والكرم، ولكنه لم يعد مرتبطا بالرزانة ~~والوقار. # ماتت بيسي سكوت في سن صغيرة بعض الشيء، وربما بدأت هذه الحفلات بعد موتها. ~~وأغلب الظن أن الأولاد قد نقلوا إلى مبنى خارجي ملحق بالبيت أو إلى الطابق ~~العلوي المخصص للنوم. ولا يبدو أن الرجل قد ارتكب جرما كبيرا أو خسر احترام ~~الناس له. ومع ذلك، ربما يجدر بنا أن نشير إلى البراندي الفرنسي في ضوء ~~المغامرات التي مر بها ويل في سنوات نضجه. ~~••• # خرج إلى التلال والنهار يلج في الليل، وأخذ يسمع صوتا كصوت زقزقة أو دندنة. ~~غير أنه كان يعرف كل الأصوات التي يمكن أن تصدرها الطيور، وكان يدرك أن هذا ~~الصوت ليس بصوت طائر. وبدا له أن هذا الصوت خرج من حفرة عميقة غير بعيدة؛ لذا ~~أخذ يزحف ويزحف برفق إلى حافة الحفرة، ثم انبطح أرضا، ورفع رأسه بالقدر الذي ~~يمكنه فقط من رؤية ما أمامه. # لم ير بالأسفل سوى مجموعة من المخلوقات لم يبلغ طول أي منها طول طفل في ~~عامه الثاني، إلا أنه لم يكن بينهم طفل على الإطلاق؛ إنهن نساء صغيرات ذوات ~~طلة جميلة ويرتدين فساتين خضراء اللون. وكن مشغولات بشدة؛ فبعضهن يخبز الخبز ~~في تنور صغير، وبعضهن يصب الخمور من براميل صغيرة في أوعية زجاجية، وغيرهن ~~يمشطن شعر أخريات، وكن يدندن ms010 ويزقزقن طوال الوقت، ولا ينظرن إلى أعلى ~~أبدا ، ولا يرفعن رءوسهن أبدا، ولا ينظرن إلا على ما يقمن به. لكن كلما ~~واصل الإنصات إليهن، ظن أنه يسمع شيئا يألفه، ثم اتضح الصوت - أو الأغنية ~~القصيرة التي كن يغنينها - أكثر فأكثر. وأخيرا، صارت واضحة كدقات ~~الجرس. ~~«ويل أوفوب، ويل أوفوب، ويل أوفوب.» # الكلمة الوحيدة التي كن ينطقن بها هي اسمه. ولم تعد تلك الأغنية عذبة كما ~~بدت له عندما سمعها لأول مرة؛ فقد صارت كلها قهقهات، غير أنها قهقهات غير ~~لطيفة جعلت ظهره يتصبب عرقا باردا. وتذكر في الوقت نفسه أن تلك الليلة كانت ~~ليلة عيد القديسين أو ما يسمى بالهالوين؛ وفي هذا الوقت من كل عام تفعل هذه ~~المخلوقات ما يروق لها مع أي مخلوق بشري؛ لذا نهض وركض عائدا إلى بيته بسرعة ~~كبيرة لا تمكن أي عفريت من اللحاق به. # وظل طوال الطريق يسمع أغنية «ويل أوفوب، ويل أوفوب» ترن خلف أذنيه ~~مباشرة دون أن يعلو الرنين أو يخفت أبدا. وصل إلى البيت، ودخله وأغلق الأبواب ~~وجمع أولاده كلهم حوله، وبدأ يصلي لربه بأعلى صوت، ولم يكن يسمع هذه الأغنية ~~طوال صلاته. لكنه عندما سمح لنفسه أن يتوقف قليلا عن الصلاة ليلتقط أنفاسه، ~~وجد أن الصوت يأتي إليه من المدخنة، ومن شقوق باب البيت، بل وصار أعلى بينما ~~تشوش هذه المخلوقات عليه صلاته وتخالطها، ولم يجرؤ أن يستريح حتى حلول منتصف ~~الليل عندما دعا ربه قائلا: «رحماك ربي!» وسكت بعدها. لم يسمع بعد ذلك صوت هذه ~~المخلوقات أبدا، ولو زقزقة واحدة. أما خارج البيت، فلم يزل الوقت ليلا كأي ~~ليلة، وكان سلام الرب يغشى الوادي من أقصاه إلى أقصاه. ~~••• # ثم في مرة أخرى في الصيف، ولكن في ساعة متأخرة ليلا وبينما هو في طريقه إلى ~~البيت بعد أن أغلق الحظيرة على الأغنام؛ ظن أنه يرى بعض جيرانه على مسافة ~~منه، وخطر بباله أنهم راجعون إلى البيت من سوق بلدة موفات، حيث كان ذلك اليوم ~~يوم سوق موفات حقا؛ لذا ms011 ظن أنه سوف ينتهز الفرصة ويسرع قليلا ليتحدث إليهم ~~ويعرف أخبارهم وكيف كان يومهم في السوق. # وما إن اقترب منهم بالقدر الكافي، حتى نادى عليهم. # لكن لم ينتبه أي منهم له؛ لذلك نادى عليهم مرة أخرى، ولكن لم يستدر أو ~~ينظر إليه أي منهم. يستطيع أن يتبينهم جيدا من ظهورهم، بملابسهم الريفية ~~وقبعاتهم، رجالا ونساء بأحجامهم الطبيعية، لكنه لم يكن بإمكانه النظر إلى ~~وجوههم؛ إذ كانوا ما يزالون يعرضون عنه. ولم تكن تبدو عليهم العجلة، بل كانوا ~~يتلكئون ويتسامرون ويثرثرون، وكان بإمكانه سماع كلامهم وإن لم يستطع تفسير ما ~~يقولونه على وجه التحديد. # لذا أسرع الخطى في تتبعهم، وفي النهاية ركض خلفهم حتى يلحق بهم، لكنه لم ~~يستطع مهما زاد من سرعته، وإن كانوا لا يسرعون في خطاهم على الإطلاق، وما زالوا ~~يتسكعون وحسب. ولم يخطر بباله - وهو مشغول بالتفكير في اللحاق بهم - ولو لبرهة ~~أنهم غير متجهين إلى بيوتهم على الإطلاق. # إنهم كانوا لا يسيرون باتجاه الوادي، بل باتجاه واد جانبي صغير وضيق بعض ~~الشيء به جدول صغير يتدفق إلى وادي إتريك. ومع خفوت الضوء، كانت الرؤية تزداد ~~ضبابية وتشويشا ويزداد عددهم، وهو أمر يدعو للغرابة! # ومن سفح التلال خرج تيار هواء بارد، وإن كان المساء مساء صيف ~~دافئ. # عندئذ أدرك ويل الأمر، أدرك أن هؤلاء ليسوا جيرانه، وأنهم لا يقودونه إلى أي ~~مكان يريد أن يصل إليه، وكما ركض خلفهم من قبل ليلحق بهم، ها هو الآن يركض ~~ولكن في الطريق المعاكس. ولما كانت هذه الليلة ليلة عادية وليست كعشية عيد ~~القديسين، فلم يكن في مقدورهم أن يتعقبوه. لكن كان خوفه مختلفا عن الخوف الذي ~~شعر به في المرة السابقة، وتملكه نفس الشعور بالبرد؛ لأنه كان مؤمنا بأنهم ~~أشباح بشر تحولوا بفعل السحر إلى جن. ~~••• # يجانبني الصواب إن اعتقدت أن كل الناس كانوا يؤمنون بمثل هذه القصص، ولا شك أن لتناول البراندي دورا في ذلك، إلا أن أكثر الناس - سواء كانوا يؤمنون ~~بها أم لا - كانوا يسمعون هذه ms012 المخلوقات ويشعرون بخوف شديد. ربما كانوا يشعرون ~~ببعض الفضول وتساورهم بعض الشكوك، إلا أنهم في الغالب كانوا يشعرون بذعر واضح. ~~لم يكن حينها يتم الجمع أبدا بين الجن والأشباح والدين تحت مسمى ما (ربما ~~«القوى الروحية»)، كما جرت العادة في الوقت الحاضر. فالجن لم يكن مرحا ~~وآسرا، وكان ينتمي إلى العصور السحيقة، وليس إلى الفترات التاريخية القديمة ~~الخاصة بمعركة فلودن التي قتل فيها كل رجال سيلكيرك، اللهم إلا من كان يأتي ~~بالأنباء، أو تلك الخاصة بالخارجين عن القانون الذين كانوا يغيرون ليلا عبر ~~الأراضي المتنازع عليها بين إنجلترا واسكتلندا، أو عصر الملكة ماري - أو حتى ~~ما قبل ذلك من عصور؛ عصر ويليام والاس، أو عصر أرتشيبالد دوجلاس، أو مارجريت ~~سيدة النرويج - وإنها عصور الظلام بحق، ما قبل بناء سور أنطوني وما قبل وصول ~~المبشرين المسيحيين الأوائل عبر البحر قادمين من أيرلندا. لقد كان ينتمي إلى ~~عصور قوى الشر والفتن، ونياته كانت عادة خبيثة، بل ومدمرة. ~~(1-2) توماس بوستون # أقام هذا الشاهد جمهور ممتن ومتدين كنوع من التقدير لصاحب الفضيلة ~~القس توماس بوستون، الذي يكن الجميع لشخصيته احتراما جما، والذي ~~استفاد من جهوده العامة الكثيرون، والذي ساهمت كتاباته كثيرا في ترسيخ ~~الدين المسيحي وانتشاره. # اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق؛ فإني أقول لكم إن كثيرين سيطلبون ~~أن يدخلوا ولا يقدرون. # إنجيل لوقا، الإصحاح الثالث ~~عشر، الآية الرابعة والعشرون # ولا شك أن مشاهدات ويل لم تكن مقبولة على الإطلاق بالنسبة إلى الكنيسة، ولا سيما خلال الجزء الأول من القرن الثامن عشر، عندما كانت الكنيسة تحظى بنفوذ ~~عظيم في أبرشية إتريك. # وكان قس الكنيسة في هذا الوقت الواعظ توماس بوستون، الذي يتذكره الناس - ~~هذا إن تذكروه أصلا - بكتابه «الطبيعة البشرية في صورها الأربع»، والذي قيل ~~إنه كان يوضع بجوار الكتاب المقدس في بيوت المتدينين في اسكتلندا. والمقصود ~~بالمتدين في اسكتلندا هو ذلك الذي يتبع الكنيسة المشيخية التي كانت تفتش ~~باستمرار في الحياة الخاصة للناس وتجدد إيمانهم على نحو معذب من أجل أن ~~يهتموا ms013 بالتدين والورع. لم يجد هؤلاء راحة في الشعائر ولا المراسم الدينية. ~~والصلاة لم تكن شكلية فحسب، بل شخصية كذلك ومعذبة. وكان استعداد أرواحهم ~~للحياة الأبدية محل شك وخطر على الدوام. # واصل توماس بوستون هذا العذاب دون أن يلتمس أي هدنة لنفسه ولغيره من أبناء ~~الأبرشية؛ إذ يتحدث في سيرته الذاتية عن معاناته المتكررة، وأوقات فتور ~~إيمانه، وشعوره بالضآلة والكآبة حتى في أثناء الوعظ بالإنجيل أو في أثناء ~~الصلاة في دراسته؛ إذ كان يتضرع طالبا الرحمة والفضل من الرب. وكان يعري ~~صدره باتجاه السماء - وإن كان على نحو رمزي على أقل تقدير - في أوقات اليأس. ~~وكان مستعدا دون أي تردد أن يجرح نفسه بسوط شائك إن كان هذا السلوك لن ~~يجعله يتشبه بأفعال الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ولن يشكل خطيئة ~~أكبر. # تارة يجيب الرب دعاءه وتارة لا يجيب. ولم يكن شوقه للرب يفارقه أبدا، ولم ~~يكن أبدا يشعر بالشبع والرضا في هذا الشأن. وكان من الممكن أن ينهض من نومه ~~مغمورا بالروح القدس، ويدخل في عمليات وعظ طويلة، ويرأس قداسات العشاء ~~الرباني التي يرى نفسه فيها أنه وعاء الرب ويشهد تغير الكثير من الأرواح. غير ~~أنه لم يكن مهتما بإرجاع الفضل لنفسه في هذه التحولات، ويعلم أنه قادر تماما ~~على ارتكاب خطيئة التفاخر، ويعلم أيضا كيف يمكن أن يسحب الرب الرحمة منه ~~فجأة. # كان يجتهد ويخطئ، ويعود للظلام واليأس مرة أخرى. ~~••• # في تلك الأثناء، كانت المياه تتسرب من سقف بيته، والرطوبة تنتشر في جدرانه، ~~والمدخنة يتسرب منها الدخان، وزوجته وأبناؤه، وهو نفسه، كثيرا ما يمرضون ~~بالحمى. وكانوا يعانون من التهابات بكتيرية في الحلق وآلام روماتيزمية، بل مات ~~بعض أبنائه. وقد ولدت أول ابنة له وهي تعاني - على ما يبدو لي - من انشقاق ~~العمود الفقري، وقد ماتت بعد ولادتها بقليل. وكانت زوجته تعاني اضطرابا ~~نفسيا، وعلى الرغم من أنه كان يفعل ما بوسعه لتهدئتها وتوفير سبل الراحة لها، ~~فإنه كان يشعر بأنه مضطر أيضا إلى توبيخها؛ لتذمرها من إرادة الرب. وكان عليه ~~أيضا ms014 أن يؤنب نفسه بعدما كان يرفع غطاء التابوت ليلقي نظرة الوداع الأخيرة ~~على وجه ابنه المحبب إليه البالغ من العمر ثلاث سنوات. يا لها من خطيئة وضعف من ~~جانبه أن يحب هذه القطعة الخطاءة من اللحم، وأن يجادل على أي نحو في حكمة ~~الرب في أخذها! لا بد أن هذا سيعقبه مزيد من الصراعات ولوم النفس والصلاة ~~والدعاء. # صراعات ليست مع كآبة روحه فحسب، بل مع معظم زملائه من القساوسة؛ إذ صار يبدي ~~اهتماما عميقا بأطروحة اسمها «جوهر اللاهوت المعاصر». وقد اتهموه بأنه مؤيد ~~لتلك الأطروحة، وأنه على شفا اعتناق فكرة الأنتينومانية (أي مناهضة الناموس)، ~~التي كانت نتاجا منطقيا لمذهب الجبرية، وهي تطرح سؤالا بسيطا ومباشرا؛ ~~ألا وهو: لماذا - إن كنت منذ خلقك واحدا من المختارين - لا تستطيع فعل ما تريد ~~دون محاسبة؟ # لكن مهلا، مهلا. أما بالنسبة إلى كون المرء واحدا من المختارين، فمن يدريه ~~أنه كذلك؟ # والمشكلة بالنسبة إلى بوستون ليست بالتأكيد هي فعل أي شيء يريده دون محاسبة، ~~ولكنها تتعلق بالرغبة الملحة، الرغبة الملحة العظيمة، في تتبع ما تقوده ~~إليه خطوط تفكير وتأمل معينة. # ولكن في الوقت المناسب يرجع عن الخطأ، ويكف عنه ويشعر بالأمان. # وفي خضم ولادة الأطفال وموت بعضهم والعناية بمن تبقى منهم ومشاكل السقف ~~والمطر البارد الذي لا ينقطع؛ تغلب مرض عصبي على زوجته، وجعلها لا تستطيع ~~مغادرة الفراش. كان إيمانها قويا، ولكن به خلل في جانب أساسي، حسب قوله، إلا ~~أنه لم يذكر هذا الجانب. لقد كان يصلي معها. ونحن لا نعرف كيف كان يدير البيت. ~~ويبدو أن زوجته - كاثرين براون التي كانت جميلة فيما مضى - لازمت الفراش لسنوات ~~طويلة فيما عدا الفترة التي مرض فيها كل أفراد الأسرة بعدوى مؤقتة، حينها نهضت ~~من فراشها، واعتنت بهم جميعا دون تعب وفي حنان وبنفس القوة والتفاؤل اللذين ~~كانت تبديهما أيام شبابها عندما وقع في حبها بوستون أول مرة. الجميع شفي من ~~المرض لتعود هي طريحة الفراش. وعلى الرغم من تقدمها في السن، فإنها كانت ms015 ما ~~تزال على قيد الحياة في الوقت الذي كان يحتضر فيه زوجها، ونأمل أن تكون قد ~~نهضت حينها وذهبت لتعيش في بيت غير رطب مع بعض الأقارب اللطفاء في بلدة متحضرة؛ ~~عندها سوف تحافظ على إيمانها، ولكن ربما تنحيه جانبا بعض الشيء حتى تستمتع ~~بقدر ضئيل من السعادة الدنيوية. # كان زوجها يعظ من نافذة حجرته عندما صار أضعف وأقرب إلى الموت، بدلا من أن ~~يذهب إلى الكنيسة ويصعد منبر الوعظ. وكان يعظ بشجاعة وحرارة كما كان طوال عمره، ~~وتلتف الجموع حتى تسمعه كالعادة برغم المطر. # وهذا النوع من الحياة هو الأكثر بؤسا وكآبة من وجهة نظر غير إيمانية. من ~~خلال وجهة النظر الإيمانية فقط، يمكن للمرء أن يجد فيها الثواب الكبير إلى جانب ~~الصراع، والسعي الحثيث من أجل التقوى الخالصة والاستمتاع بنفحة من نفحات الرب ~~وفضله. # لذا، يبدو غريبا بالنسبة إلي أن توماس بوستون كان القس الذي كان يستمع ~~لوعظه ويل أوفوب في كل يوم أحد في شبابه، وربما القس الذي زوجه لبيسي ~~سكوت. من المفترض أن جدي - وهو رجل شبه كافر، محب للمرح، مدمن للبراندي، ~~رجل تعقد عليه المراهنات، رجل يؤمن بالجن - قد استمع إلى قيود هذا الدين ~~الكالفني القاسي وآماله البعيدة المنال وآمن بها. بل عندما تتبعت بعض ~~العفاريت ويل عشية عيد القديسين، ألم يطلب الحماية من نفس الرب، الذي كان يدعوه ~~بوستون، بأن يرفع الأحمال عن كاهله؛ أحمال الفتور والشك والحزن؟ إن الماضي ~~يعج بالتناقضات والتعقيدات - التي ربما لا تختلف عن تناقضات الحاضر ~~وتعقيداته - وإن كنا لا نعتقد ذلك في الغالب. # كيف يمكن لهؤلاء الناس ألا يأخذوا الدين مأخذ الجد وهو يهددهم بأن النار ~~لن ينجو منها أحد، وأن الشيطان يمكر بهم مكرا شديدا، وأنه لا يفتر عن ~~إغوائهم، وأن أهل الفردوس قلة قليلة؟ لقد فعلوا كذلك، أخذوه بالفعل مأخذ الجد. ~~لقد استدعوا ليجلسوا على كرسي الاعتراف ليعترفوا بخطاياهم ويحملوا خزيهم - ~~عادة بسبب علاقة جنسية يشار إليها عقائديا بالزنا - أمام جمع من المصلين. ~~استدعي جيمس هوج من ms016 قبل إلى هذا المقعد مرتين على الأقل للرد على ادعاء ~~بنتين من بنات البلدة بأنه أبوهما. وقد اعترف بسهولة بحالة واحدة، وقال في ~~الحالة الأخرى إنه ربما يكون بالفعل أباها. (وعلى بعد 80 ميلا أو ما يقرب من ~~ذلك ناحية الغرب، في بلدة موكلين بأيرشاير، عانى روبرت بيرنز الذي يكبر هوج ~~بإحدى عشرة سنة، نفس الإذلال العلني.) وكان المسئولون في الكنيسة يتنقلون من ~~بيت لآخر حتى يتأكدوا من عدم طبخ الأهالي يوم الأحد، ودائما ما يستخدمون ~~أياديهم القاسية في عصر صدر أي امرأة يشكون في ولادتها طفلا غير شرعي ~~عصرا عنيفا، حتى إذا خرجت نقطة لبن من صدرها تأكدوا من أنها كذلك. إلا أن ~~حقيقة تعاملهم مع هذا الحذر على أنه ضروري تبين أن هؤلاء المؤمنين متأثرون ~~بالطبيعة على نحو سلبي يعوقهم عن ممارسة حياتهم بالأسلوب الصحيح، كما هو الحال ~~مع الناس دائما. ويروي مسئول في كنيسة بيرنز قائلا: «لم تحدث سوى 26 واقعة ~~زنا فقط منذ آخر سر مقدس.» كما لو كان هذا الرقم يعد في واقع الأمر خطوة ~~في الاتجاه الصحيح. # علاوة على ذلك، هؤلاء المؤمنون يتأثرون بالطبيعة أيضا في طريقتهم في ممارسة ~~الدين، بل ويتأثرون كذلك بنتاج عقولهم من أفكار، بالحجج والتأويلات التي من ~~المفترض أن تثار. # لا بد أن هذا الأمر له علاقة بكونهم أكثر أهل الريف ثقافة وتعلما في ~~أوروبا. لقد أراد جون نوكس أن يكونوا متعلمين؛ حتى يستطيعوا قراءة الكتاب ~~المقدس، وقد قرءوه عن إيمان وشغف على حد سواء؛ كي يكتشفوا أوامر الرب ~~وتدبيره. وقد وجدوا كثيرا من الألغاز في هذا التدبير. شكا بعض القساوسة ممن ~~كانوا يعيشون في زمن بوستون من الولع الشديد بالجدل الذي كان عليه أهالي ~~الأبرشية، «حتى النساء منهم» (لم يذكر بوستون أي شيء عن هذا الأمر؛ بسبب كثرة ~~انشغاله بلوم نفسه). إنهم كانوا لا يقبلون - في هدوء - ما جاءهم به من العظات ~~التي كانت تستمر لساعات، ولكنهم كانوا يعتبرونها نوعا من الغذاء الفكري، ~~ويحكمون عليها كما لو أنهم ملتزمون ms017 بخوض نقاشات أبدية وجادة للغاية. وكانوا ~~دائما ما يشعرون بالقلق حيال موضوعات في العقيدة ومقتطفات من الكتاب المقدس، ~~وهو ما يرون أنه من الأفضل - كما يقول لهم كهنتهم - عدم الخوض فيها وتركها ~~للأشخاص المدربين على التصدي لمثل هذه الأمور. ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل إن ~~بعض القساوسة المدربين كانوا يصلون في بعض الأحيان إلى استنتاجات يرفضها ~~قساوسة آخرون. والنتيجة هي أن الانقسامات كانت تعصف بالكنيسة، وأن رجال الدين ~~في حالة مستمرة من التناحر بعضهم مع بعض، كما اتضح من المشكلات التي وقع فيها ~~بوستون. وربما كان اتهامه بأنه مؤيد لأطروحة «جوهر اللاهوت المعاصر» وبأنه ~~متبع لأفكاره التي لم يستطع أن يتحاشاها هما ما جعلاه يبقى في وادي إتريك ~~النائي ولا ينقل إلى مكان مريح إلى حد ما حتى يوم وفاته. ~~(1-3) جيمس هوج وجيمس ليدلو # كان دائما يتمتع بشخصية فريدة ومسلية للغاية تتمسك بكل فكرة قديمة ~~ومدحضة في العلم والدين والسياسة ... وما من شيء أثار غضبه أكثر من النظرية ~~التي تقول بدوران الأرض حول محورها ودورانها حول الشمس ... ~~... وقد كان يتحدث ويقرأ عن أمريكا على مدار سنوات، حتى تملك الحزن منه، ~~وفي النهاية، عندما ناهز الستين من عمره، شرع بالفعل في البحث عن بيت ~~مؤقت يعيش فيه وقبر يدفن فيه في هذا العالم الجديد. # جيمس هوج، كاتبا عن ابن عمه جيمس ليدلو # هوج، هذا الرجل المسكين، قضى معظم حياته في اختلاق الأكاذيب ... # جيمس ليدلو، كاتبا عن ابن عمه جيمس هوج، الشاعر والروائي الذي ~~عاش في اسكتلندا في بداية القرن التاسع عشر # كان رجلا مرهف الإحساس للغاية، رغم كل الهراء الذي كتبه ... # تيبي شيل، صاحب إحدى الحانات، الذي دفن أيضا في جبانة كنيسة ~~إتريك، متحدثا عن جيمس هوج # كان جيمس هوج وجيمس ليدلو أبناء عمومة مباشرة، ولدا وتربيا في وادي ~~إتريك، وهو مكان غير ملائم لمن هم على شاكلتهما؛ أي لهؤلاء الذين يحبون ~~الظهور ولا يفضلون الحياة الهادئة. # أما إذا صار أحد هؤلاء مشهورا، فتلكم قصة أخرى بالطبع. فإن كان على ms018 قيد ~~الحياة، فإنه يطرد، وإن كان ميتا، فهو مرحب به. أما بعد مرور جيل أو ~~جيلين، فتلكم قصة أخرى. # هرب هوج إلى إدنبرة متقمصا الدور الصعب للمهرج الساذج العبقري الريفي، ثم ~~هرب - عندما ألف عمله «اعترافات مذنب معذور» - إلى شهرة دائمة رحبة الآفاق. ~~أما ليدلو، وإن كان يفتقد المواهب التي كان يحظى بها ابن عمه، فإنه لم يكن ~~يفتقر - فيما يبدو - إلى الاستعراض وحب الظهور وإبراز أنه بحاجة إلى مكان آخر ~~غير حانة تيبي شيل لاستعراض مواهبه. وكان له بعض التأثير عندما رفع من شأن أكثر ~~أفراد عائلته خضوعا وإذعانا وجعلهم ينتقلون للعيش في أمريكا - أو بالأحرى ~~كندا - عندما كبر في السن، حسبما أشار هوج، حتى إنه كان على وشك الموت. # إن حب الظهور واستعراض الذات صفة مرفوضة من قبل عائلتنا. والآن عندما ~~أتأمل هذا المصطلح، أتذكر أنهم لم يكونوا يستخدمونه كذلك على وجه التحديد، بل ~~كانوا يستخدمون مصطلح «جذب الانتباه»؛ أي «أن يجذب المرء انتباه الآخرين ~~إليه.» ولم يكن التواضع هو المقابل الدقيق لهذا المصطلح؛ بل كان الوقار وضبط ~~النفس الشديدين، أو نوعا من الرفض؛ رفض الشعور بالحاجة لتحويل حياتك إلى قصة ~~من أجل الآخرين أو من أجل نفسك. وعندما أمعنت النظر في الأفراد الذين أعرف ~~معلومات عنهم في العائلة، بدا لي أن بعضهم يشعر بتلك الحاجة على نحو كبير، لا ~~يقاوم، بالنحو الكافي الذي يجعل الآخرين يشعرون بالإحراج والضيق. من أجل ذلك ~~كان يجب أن يعلن الحكم عليهم أو التحذير من أمرهم على نحو متكرر. ~~••• # أفل عالم ويل أوفوب تقريبا، لما صار حفيداه - جيمس هوج وجيمس ليدلو - ~~شابين. كان هناك وعي تاريخي بهذا الماضي الحديث؛ إما إعجابا به وإما ~~استغلالا له، وهو أمر ممكن فقط عندما يشعر الناس بأنهم منبوذون لا محالة. وهذا ~~بالضبط ما شعر به جيمس هوج، وإن كان ينتمي بشدة لإتريك. يرجع الفضل إلى كتاباته ~~في كل ما عرفت عن ويل أوفوب. لقد كان هوج عالما بما يحدث ببلدته وفي الوقت ~~نفسه غريبا عنها، وكان ms019 يجتهد في صياغة قصص أهله وتسجيلها، ويحدوه الأمل إلى ~~استثمار ذلك على نحو مربح. ولقد وجد في أمه مارجريت ليدلو - أكبر بنات ويل ~~أوفوب - مصدرا رائعا في هذا الشأن، وهي التي تربت وترعرعت في فار-هوب. وكان ~~هوج يتولى تهذيب المعلومات التي يجمعها وتجميلها، وهو نوع من الكذب البارع ~~الذي نتوقع من الكتاب أن يضمنوه في كتبهم. # كان والتر سكوت غريبا عن بلده، ولكن على نحو مختلف؛ إذ كان محاميا في ~~إدنبرة ثم عين في منصب رفيع في المنطقة التي كانت تعيش فيها عائلته. إلا أنه ~~كان قد أدرك أيضا - كما يفعل الغرباء في بعض الأحيان - مدى أهمية شيء كان ~~يتلاشى. عندما أصبح القاضي المحلي لسيلكيرك شاير، بدأ يتنقل في أنحاء البلاد ~~ليجمع الأغنيات والقصائد الشعبية القديمة التي لم تدون من قبل، ونشرها في ~~كتابه «قصائد وأغاني مناطق اسكتلندا الحدودية». أما مارجريت ليدلو هوج، فقد ~~اشتهرت محليا بسبب القصائد الكثيرة التي كانت تحفظها. وأما هوج - الذي كانت ~~عينه على الأجيال القادمة وما سيحصل عليه من مكاسب في الوقت الحاضر - فقد سعى ~~لاصطحاب سكوت ليرى أمه. # أنشدت مارجريت كثيرا من القصائد، بما في ذلك «قصيدة جوني أرمسترونج» ~~المكتشفة حديثا، التي قالت إنها حصلت عليها هي وأخوها «من أندرو مور العجوز، ~~الذي حصل عليها بدوره من بيبي متلين (أو ميتلاند) التي كانت مديرة منزل أول ~~لوردات توشيلو.» ~~(تصادف أن أندرو مور هذا كان خادما لبوستون وهو من قال إن بوستون قد «طرد ~~الشبح» الذي ظهر في إحدى قصائد هوج. وهذا بعد جديد في شخصية القس.) # اعترضت مارجريت هوج بشدة عندما رأت الكتاب الذي ألفه سكوت عام 1802 وبه ~~إسهاماتها. # وأظن أنها قالت إن هذه القصائد «كتبت كي تنشد لا كي تطبع، وإنها لن ~~تغنى بعد هذا اليوم على الإطلاق.» # واعترضت أيضا قائلة إن القصائد «لم تدون تدوينا صحيحا، وهجاؤها ليس ~~سليما»، وإن بدا أن هذا الحكم غريب أن يخرج من شخص قدم - من قبل نفسه أو ~~من قبل هوج - على أنه امرأة ريفية ms020 عجوز وبسيطة لم تحصل إلا على الحد الأدنى من ~~التعليم. # ربما كانت بسيطة وشديدة الذكاء على حد سواء. فقد كانت تعرف ماذا كانت تفعل، ~~لكنها لم تستطع منع نفسها من الندم على ما قامت به. ~~«ولن تغنى بعد هذا اليوم أبدا.» # وربما كانت تستمتع بإظهار أن الأمر كان يحتاج لأكثر من كتاب مطبوع، ولأكثر من ~~تدوين القاضي المحلي لسيلكيرك، كي يترك انطباعا جيدا لديها. وأظن أن كل ~~الاسكتلنديين كذلك. كل أفراد عائلتي كانوا كذلك. ~~••• # وبعد مرور 50 عاما على جمع ويل أوفوب لأبنائه حوله ودعائه ليلة عيد القديسين ~~لأن يشمله الرب بالحماية، التقى هوج عددا من أبناء عمومته من الذكور - الذين ~~لم يذكر أسماءهم - في نفس البيت المرتفع في مزرعة فوب. وكان البيت يستخدم ~~آنذاك كنزل يسكنه أي راع أعزب يرعى أغناما تحتاج إلى طعام كثير. وقد اجتمع ~~المجتمعون في هذا البيت، لا ليسكروا ويحكوا قصصا بل من أجل «قراءة مقالات». ~~ويصف هوج هذه المقالات بأنها حماسية ورنانة. ومن تلك الكلمات ومما قيل بعد ~~ذلك، يبدو أن هؤلاء الشباب الذين لم يخرجوا عن نطاق إتريك قد سمعوا عن عصر ~~العقل - وإن كانوا ربما لم يطلقوا عليه ذلك - وعن أفكار فولتير ولوك وديفيد ~~هيوم، الاسكتلندي الذي ينتمي لمنطقة الأراضي المنخفضة. نشأ هيوم في ناينويلز ~~التي تبعد حوالي 50 ميلا عن قرية تشيرنسايد، تلك القرية التي عاد إليها مرة ~~أخرى عندما كان يعاني من انهيار عصبي في سن الثامنة عشر، وهو أمر ربما تغلب ~~عليه مؤقتا بسبب ما رآه هناك من تنقيب في الحياة الشخصية للناس. وقد كان ما ~~زال على قيد الحياة وقت ولادة هؤلاء الشباب. # يمكن بالطبع أن يكون تخميني في غير محله؛ إذ ربما كان ما يسميه هوج مقالات ~~هو في واقع الأمر قصص؛ حكايات عن مطاردة المعاهدين في اجتماعاتهم السرية ~~الخارجية من قبل فرسان المشاة الذين يرتدون سترات حرب حمراء، وحكايات عن ~~الساحرات وعن الموتى الذين يسيرون على أقدامهم. وكان هؤلاء الشباب يحاولون ~~قراءة أي مؤلف، نثرا كان ms021 أم شعرا. مدارس جون نوكس أدت ما عليها، وقد بدأ ~~حب الأدب والشعر ينتشر في جميع المراحل الدراسية بتلك المدارس. ولما كان هوج في ~~أقل منزلة له، حيث كان يعمل راعيا للأغنام على تلال نيثسدال الموحشة ويعيش في ~~كوخ صغير يصعب العيش فيه؛ جاءه الأخوان آلان كانينجهام، الشاعر والمتدرب لدى ~~البناء بالحجر، وأخوه جيمس - بعد أن اجتازا مسافة طويلة عبر الريف حتى ~~يقابلاه ويعبرا له عن إعجابهما به. (أصاب هوج الذعر في بداية الأمر؛ إذ ظن ~~أنهما أتيا إليه يتهمانه بإثارة مشكلة ما مع إحدى النساء.) ترك ثلاثتهم الكلب ~~هيكتور يحرس الأغنام وجلسوا يتحدثون عن الشعر طوال اليوم، ثم دخلوا إلى الكوخ ~~كي يحتسوا الويسكي ويتحدثوا عن الشعر طوال الليل. # وقد عقد اجتماع رعاة الأغنام شتاء في مزرعة فوب، وهو الاجتماع الذي ادعى ~~هوج أنه لم يتمكن من حضوره على الرغم من وجود مثل هذا المقال في جيبه. كان الجو ~~دافئا على غير العادة، إلا أن عاصفة هبت في هذه الليلة، وسرعان ما تبين ~~أنها أسوأ عاصفة منذ نصف قرن مضى. تجمدت الأغنام من البرد في حظائرها، وحوصرت ~~الخيول والرجال وتجمدوا على الطرق، ودفنت المنازل حتى أسقفها في الجليد، ~~واستمرت العاصفة على مدار ثلاثة أو أربعة أيام، وهي تزمجر وتدمر، ولما انتهت، ~~ونزل رعاة الأغنام الشباب إلى الوادي أحياء، هدأت عائلاتهم وتنفست الصعداء، ~~ولكنها لم تكن راضية عنهم على الإطلاق. # قالت أم هوج لابنها بوضوح إن العاصفة كانت عقابا حل بالمنطقة كلها بسبب ~~العمل الشيطاني المتمثل في أي مطالعة أو مناقشة جرت في المزرعة في تلك الليلة. ~~ولا شك أن كثيرا من الآباء ظنوا كما ظنت أم هوج. # وبعد مرور بضع سنوات، كتب هوج وصفا دقيقا لهذه العاصفة، ونشر هذا الوصف في ~~مجلة «بلاكوودز ماجازين». وكانت هذه المجلة من المجلات المحببة للأختين ~~برونتي وهما صغيرتان في بيت أبيهما القسيس الكائن في قرية هاوورث، وعندما ~~اختارت كل منهما بطلا لتجسيده في ألعابها، اختارت إيميلي شخصية راعي أغنام ~~إتريك، جيمس هوج (أما ms022 الأخت شارلوت، فقد اختارت دوق ويلنجتون). وتبدأ رواية ~~«مرتفعات ويذرينج»، وهي الرواية الشهيرة لإيميلي ، بوصف عاصفة هوجاء مرعبة. ~~وكثيرا ما تساءلت إن كان ثمة رابط بين هذا الوصف ومقال هوج. ~~••• # لا أعتقد أن جيمس ليدلو كان واحدا من الموجودين في مزرعة فوب في تلك ~~الليلة؛ فخطاباته التي قرأتها له لا توحي بأن له عقلا كعقل المتشككين أو ~~المنظرين أو الشعراء. وبالطبع، فإن الخطابات التي قرأتها كتبها عندما صار ~~عجوزا. فالناس يتغيرون بلا شك. # ولا شك أنه كان خفيف الظل في أول لقاء لنا معه هنا - حسب رواية هوج - في ~~حانة تيبي شيل (التي ما زالت موجودة، والتي تبعد عن مزرعة فوب مسافة أكثر من ~~ساعة مشيا عبر التلال، تلك المزرعة التي ما زالت موجودة أيضا، وقد تحولت ~~الآن إلى كوخ صغير عام على ممر ساوثذرن أبلاند واي للمشي). وكان يقدم عرضا ~~فنيا قد يراه البعض نوعا من الكفر. لقد كان نوعا من الكفر، ومحفوفا ~~بالمخاطر، ومضحكا. كان يركع على ركبتيه ويصلي للكثير من الحضور. كان يطلب ~~العفو ويتحدث عن الخطايا المعلق أمر توبتها، بادئا كلا منها بعبارة «إن ~~صح أن ...» ~~««إن صح أن» الطفل قد ولد لأسبوعين بعد أن أصبح لزوجة فلان طلة ~~مبهرة عن كذا، فهل سترحم يا ربي كل الضالعين ...؟» ~~««إن صح أن» فلانا غش فلانا في عشرين قطعة من الفضة في سوق الأغنام ~~الأخيرة بقرية سانت بازويلز، فندعوك يا رب، على الرغم من هذا الفعل الشيطاني، ~~أن ...» # لم يكن بالإمكان منع بعض من ذكر أسماءهم من الهجوم عليه، واضطر أصدقاؤه ~~إلى إخراجه قبل أن يمسه سوء. # ربما كان في هذا الوقت أرملا، رجلا حرا بلا قيود، أفقر من أن ترضى أي ~~امرأة بالزواج منه. أنجبت له زوجته بنتا وخمسة أولاد ثم ماتت وهي تضع مولودها ~~الأخير. سمى البنت ماري، وسمى الأولاد: روبرت، وجيمس، وأندرو، وويليام، ~~ووالتر. # عندما كان يكتب لجمعية مختصة بالهجرة إبان اندلاع معركة ووترلو، كان يقدم ~~نفسه على أنه شخص مناسب للهجرة؛ لأن لديه خمسة ms023 أولاد أقوياء كان سيصطحبهم إلى ~~العالم الجديد. لا أعرف إن كان قد حصل على مساعدة للهجرة أم لا. ولكنه على ~~الأرجح لم يحصل؛ لأننا سمعنا بعد ذلك أنه كان يمر بمشاكل في جمع تكاليف ~~السفر. ثم حل الكساد بعدما وضعت الحروب النابليونية أوزارها، وانهارت أسعار ~~الأغنام. ولم يعد يتفاخر بأولاده الخمسة. رحل الابن الأكبر روبرت إلى منطقة ~~الأراضي المرتفعة الاسكتلندية، وذهب جيمس إلى أمريكا - التي كانت كندا جزءا ~~منها آنذاك - بمفرده تماما، ويبدو أنه لم يرسل خطابا يخبر فيه أباه عن مكانه ~~أو عما يفعل. (كان في نوفا سكوشا ويعمل معلما بإحدى المدارس في منطقة اسمها ~~إيكونومي، وإن كان لا يتمتع بأي مؤهلات تؤهله لشغل هذه الوظيفة باستثناء ما ~~تعلمه في مدرسة إتريك وربما ذراعه اليمنى القوية.) # أما ابنه قبل الأخير ويليام - الذي كان ما زال صبيا لم يتجاوز مرحلة ~~المراهقة بعد، والذي سيصبح جد جدي فيما بعد - فقد رحل أيضا. ولما سمعنا عنه ~~بعد ذلك، عرفنا أنه استقر في منطقة الأراضي المرتفعة الاسكتلندية، وكان ~~عاملا في إحدى مزارع الأغنام الجديدة التي أخليت من المستأجرين. وكان ~~يمقت مسقط رأسه مقتا شديدا، وهو ما ظهر في خطابه إلى الفتاة التي تزوجها ~~فيما بعد، الذي قال فيه إنه لا يمكن أن يفكر في العيش مرة أخرى في وادي ~~إتريك. # ويبدو أن الفقر والجهل أصاباه بالحزن الشديد؛ فالفقر بدا له متعنتا، والجهل ~~- حسبما رأى - كان جاهلا حتى بوجوده. كان رجلا عصريا. # | المنظر من صخرة القلعة # كان أندرو يبلغ من العمر عشر سنوات عندما زار إدنبرة لأول مرة في حياته. في ذلك ~~الوقت، سار أندرو بصحبة والده ورجال آخرين في شارع زلق أرضيته سوداء. وكانت السماء ~~تمطر ورائحة الدخان المنبعثة من المدينة تملأ الهواء، وكانت الأبواب النصفية مفتوحة ~~وتظهر منها الأجزاء الداخلية للحانات المضاءة بنور نيران المدافئ التي كان يتمنى أن ~~يدخلها؛ لأنه كان مبللا تماما بالماء. ولكنهم لم يدخلوها، بل توجهوا إلى مكان آخر؛ ~~إذ كانوا في بداية فترة ما بعد الظهيرة في ms024 ذلك اليوم في مكان يشبه تلك الحانات، إلا أنه ~~لم يكن إلا فجوة داخل جدار بها بعض ألواح الخشب التي توضع عليها الزجاجات والكئوس ~~والعملات المعدنية. وقد حشر أكثر من مرة بين الجالسين؛ مما كان يؤدي إلى دفعه خارج ~~هذا المكان إلى الشارع، ومنه إلى البركة الصغيرة التي صنعتها قطرات الماء المتساقطة من ~~الرف الموجود أعلى المدخل. ولكي يمنع حدوث ذلك، زج بنفسه تحت العباءات والسترات ~~المصنوعة من جلد الأغنام وحشر نفسه بين الثملة وتحت أذرعهم. # تفاجأ بعدد الناس الذين بدا أن والده كان يعرفهم في مدينة إدنبرة. وربما ظن أن ~~الناس الذين يجلسون في الحانة غرباء بالنسبة إليه، لكن اتضح له أن الأمر ليس كذلك. كان ~~صوت أبيه هو الأعلى بين كل الأصوات الغريبة المجادلة والهائجة. قال أبوه: «أمريكا!» ثم ~~ضرب بكفه على أحد الألواح الخشبية ليجذب انتباه من حوله، وهو نفس الشيء الذي اعتاد أن ~~يفعله في بيته. سمع أندرو هذه الكلمة بنفس هذه النبرة قبل فترة طويلة من إدراكه أنها ~~أرض تقع عبر المحيط. كانت هذه الكلمة تقال من باب التحدي وباعتبارها حقيقة لا جدال ~~فيها، لكنها كانت تقال أحيانا - في غياب والده - على سبيل التهكم والمزاح. كان أخواه ~~الأكبر سنا يسأل كل منهما الآخر قائلا: «هل ستذهب إلى أمريكا؟» عندما يرتدي أحدهما ~~وشاحه ليخرج ويؤدي عملا ما كأن يئوي الأغنام إلى الحظيرة؛ أو «لماذا لا تذهب إلى ~~أمريكا؟» عندما يدخلان في جدال ويريد أحدهما أن يظهر الآخر على أنه أحمق. # كان إيقاع صوت أبيه في كلامه الذي تلا هذه الكلمة إيقاعا مألوفا للغاية، وقد طغى ~~الدخان على أعين أندرو حتى إنه لم يستغرق وقتا طويلا قبل أن ينام واقفا. استيقظ على ~~وقع تدافع عدد من الأشخاص أثناء خروجهم من المكان وكان أبوه واحدا منهم. قال أحدهم: ~~«أهذا ولدك أم هو عابر سبيل دخل إلى هنا حتى يسرقنا؟» فما كان من والده إلا أن ضحك ومسك ~~يده وبدآ في الصعود. تعثر رجل ووقع آخر عليه وسبه. مررت ms025 امرأتان سلتين على ~~الجمع بازدراء شديد ليضعوا فيهما النقود، وأطلقتا بعض التعليقات بكلام غير مألوف لم ~~يفهم منه أندرو سوى عبارتي: «أجسام جميلة» و«ممرات عامة للمشاة.» # ثم ذهب أبوه ومن معه من الأصدقاء إلى شارع أوسع بكثير مرصوف بقوالب كبيرة من الحجر، ~~وكان في حقيقة الأمر عبارة عن ساحة. استدار الأب عندئذ وتوجه بالحديث إلى ~~أندرو. # ثم قال: «أتعلم أين أنت يا بني؟ أنت في ساحة القلعة، قلعة إدنبرة التي ظلت صامدة ~~على مدار عشرة آلاف عام، وسوف تظل صامدة لعشرة آلاف عام أخرى. وقعت ها هنا أحداث شنيعة. ~~كانت الدماء تسيل على هذه الأحجار.» ثم قال ذلك رافعا رأسه حتى يصغي الجميع إلى ما ~~يقول: «أتعلمون ذلك؟» # ثم أضاف: «إن الملك جيمي هو من دعا نبيلي دوجلاس إلى العشاء معه، وعندما جلسا ~~واطمئنا في جلستهما، قال لرجاله: أوه، نحن لا نرغب في العشاء معهم، خذوهم إلى الساحة ~~واقطعوا رءوسهم. وقد فعلوا. كل هذا حدث ها هنا في هذه الساحة التي نقف عليها ~~الآن.» # ثم واصل حديثه قائلا: «غير أن الملك جايمي مات متأثرا بالجذام.» قال ذلك متنهدا ~~ثم متأوها؛ مما جعل الجميع يهدءون ليفكروا في هذا المصير. # ثم هز رأسه. # ثم قال: «آه، لا، ليس هو. إنه الملك روبرت ذا بروس من مات وهو أبرص. صحيح أنه مات ~~ملكا، لكنه مات وهو أبرص أيضا.» # لم يستطع أندرو أن يرى شيئا سوى أسوار حجرية كثيرة وبوابات مؤصدة، وجنديا يرتدي ~~سترة حمراء ويسير ذهابا وإيابا. على أي حال، لم يمهله أبوه كثيرا من الوقت حتى يتأمل ~~المكان، ودفعه إلى الأمام، ثم قال لمن معه أثناء عبور ممر مقنطر: «أخفضوا رءوسكم أيها ~~الرجال! فقد كان الرجال في ذلك الوقت صغار الحجم وقصار القامة، مثلهم مثل بوني الفرنسي ~~(نابليون)، وكان ثمة قتال وتشاحن كبيران بين هؤلاء الرجال الضئيلي الأجسام.» # كانوا يصعدون درجات حجرية غير مستوية، يبلغ ارتفاع بعضها ارتفاع ركبتي أندرو، الذي ~~كان عليه أن يزحف من حين لآخر، داخل ما اعتقد أنه ms026 برج بلا سقف. صاح أبوه قائلا: «هل ~~الجميع معي الآن؟ هل الجميع يصعدون معي؟» وردت عليه أصوات قليلة متفرقة. لكن تكون ~~لدى أندرو انطباع بأن عدد من كانوا يتبعون أباه ليس كما كان أثناء سيرهم معه في ~~الشارع. # تسلقوا إلى أن وصلوا إلى درج دوار، وفي نهايته ظهرت صخرة جرداء، جرف صخري، ~~تنحدر عنده الأرض انحدارا شديدا. وكان المطر قد توقف عن الهطول بحلول ذلك ~~الوقت. # قال والد أندرو: «آه، قد وصلنا. والآن أين كل من كانوا يسيرون في أعقابنا وصولا ~~إلى هنا؟» # رد عليه أحد الرجال الذين وصلوا توا إلى القمة: «ثمة اثنان أو ثلاثة منهم ~~انسلوا حتى يلقوا نظرة على مدفع ميج.» # قال والد أندرو: «آلات الحرب! كل ما يريدون أن يروه هو آلات الحرب. لا تدعهم يذهبوا ~~حتى لا ينسفوا أنفسهم.» # وقال آخر وهو يلهث: «الأرجح أنه ليست لديهم القوة التي تمكنهم من صعود الدرج.» ~~فرد الأول ضاحكا: «إنهم يخافون من صعود كل هذا الدرج حتى يصلوا إلى هنا. إنهم ~~يخافون من السقوط من هذا المكان المرتفع.» # صعد رجل ثالث - وكان آخرهم - وأخذ يترنح عبر الجرف الصخري كما لو كان متعمدا ~~ذلك. # ثم صرخ قائلا: «أين هو إذن؟ ألم نصل إلى مقعد آرثر؟» رد والد أندرو قائلا: «كلا، ~~لم نصل. انظر خلفك.» # ها هي الشمس قد أشرقت الآن لتتألق فوق مجموعة المنازل والشوارع الحجرية الموجودة ~~أسفلهم، وكذلك فوق الكنائس التي لم تصل قممها المستدقة إلى هذا الارتفاع، وبعض الأشجار ~~الصغيرة والحقول، ومساحة فسيحة من الماء بلون الفضة. ووراء هذا كله أرض لها لون ~~أخضر باهت وأزرق يميل إلى الرمادي، بعضها يصل إليه ضوء الشمس والبعض الآخر يغشاه ~~الظل، وهي أرض باهت لونها كالضباب، تتوارى في غيابات السماء. # قال والد أندرو: «ألم أقل لكم؟ إنها أمريكا. هذا ليس سوى جزء صغير منها؛ شاطئها فقط. ~~هناك يجلس كل رجل وسط أملاكه، حتى المتسولون يتنقلون من مكان لآخر مستخدمين ~~العربات.» # قال الرجل الذي توقف عن الترنح: «حسنا، لا يبدو لي ms027 أن البحر عريض جدا بقدر ما ~~ظننت. ولا يبدو أنه سوف يستغرق منك أسابيع حتى تعبره.» # رد الرجل الواقف بجوار والد أندرو: «إن هذا هو تأثير الارتفاع الذي نحن عليه الآن. ~~إذ إن هذا الارتفاع يجعل عرض البحر يبدو أصغر.» # رد والد أندرو قائلا: «إنه يوم مثالي لرؤية هذا المنظر. فكم مرة يمكن للمرء أن ~~يصل إلى هذا الارتفاع وما يرى إلا الضباب!» # ثم استدار ووجه كلامه إلى أندرو قائلا: «ها قد وصلت يا بني، وها أنت تنظر إلى ~~أمريكا. اللهم هب له يوما يراها من مسافة أقرب ويتفقدها ويعايشها بنفسه.» ~~••• # ذهب أندرو إلى القلعة مرة واحدة منذ ذلك اليوم وبصحبته مجموعة من الفتية من إتريك ~~كانوا يريدون جميعا رؤية مدفع مونس ميج الكبير. لكن لم يعد شيء - على ما يبدو - في نفس ~~مكانه آنذاك، ولم يستطع أندرو أن يجد الطريق الذي اتخذوه من قبل حتى يصعدوا إلى الصخرة. ~~بل رأى مكانين مغلقين بألواح، أحدهما قد يكون هذا الطريق. غير أنه لم يحاول أن ينظر عبر ~~أي منهما؛ إذ لم يكن يرغب في إخبار من معه عما يبحث عنه. وحتى عندما كان عمره عشر ~~سنوات، أدرك أن الرجال الذين كانوا مع والده آنذاك كانوا سكارى، وإذا لم يكن يدرك أن ~~والده كان ثملا؛ نظرا لثبات خطى والده وعلمه بما يفعل وسلوكه القيادي، فقد كان ~~يدرك بلا شك أن شيئا ما ليس صحيحا. كان يعلم أنه لم يكن ينظر إلى أمريكا، وإن كان هذا ~~قد حدث قبل سنوات قليلة من إلمامه بالخرائط بالقدر الذي يكفي لأن يعرف أن ما كان ينظر ~~إليه هو مقاطعة فايف. # ومع ذلك، لم يكن يعرف إن كان هؤلاء الرجال الذين قابلهم في الحانة كانون يهزءون ~~بوالده أم أن والده كان يمارس خدعة من خدعه عليهم. ~~••• # جيمس الأب، وأندرو، ووالتر، وأختهم ماري، وأجنيس زوجة أندرو، وجيمس الابن - ابن أندرو ~~وأجنيس - الذي لم يبلغ عامه الثاني بعد. # ركب كل هؤلاء لأول مرة في حياتهم سفينة، وذلك من ميناء ms028 ليث في الرابع من يونيو عام ~~1818. # ذكر جيمس الأب هذه الحقيقة للشخص المسئول عن التحقق من أسماء الركاب على ظهر ~~السفينة. # قال له: «إنها أول مرة في حياتي كلها. نحن من وادي إتريك، إنه جزء غير ساحلي من هذا ~~العالم.» # عاجلهم الرجل بكلمة غامضة، غير أنها كانت واضحة في معناها؛ قال لهم: «تحركوا للأمام!» ~~ووضع علامة على أسمائهم. تحركوا بالفعل للأمام أو دفعوا للأمام، وكان جيمس الابن ~~محمولا على خصر ماري. # قال جيمس الأب: «ما هذا؟» في إشارة منه إلى تزاحم الناس على ظهر السفينة. وتساءل: ~~«أين سننام؟ ومن أين جاء كل هؤلاء الأوباش؟ انظر إلى وجوههم، هل هم من الزنوج؟» # قال ابنه والتر: «أغلب الظن أنهم سكان منطقة الأراضي المرتفعة من السود.» كانت ~~هذه مزحة تمتم بها حتى لا يسمعه والده؛ حيث كان هؤلاء من الذين كان يحتقرهم ~~أبوه. # ثم واصل الأب حديثه قائلا: «الناس ها هنا كثيرون للغاية. السفينة ستغرق.» # رد والتر - وبصوت عال هذه المرة - قائلا: «لا، لا تغرق السفن في العادة بسبب كثرة ~~الموجودين عليها. هذا ما كان يفعله ذلك الرجل هناك؛ كان يحصي الركاب.» # لا يكاد يوجد على ظهر السفينة من يحاول التصرف بتكلف سوى هذا الفتى البالغ من ~~العمر سبعة عشر عاما، وقد أخذ يعارض والده. ويبدو أن التعب والدهشة وثقل المعطف الذي ~~كان يرتديه جيمس الأب منعه من أن يصفع هذا الفتى. # لقد علمت العائلة كل ما يتعلق بالوجود والتصرف على متن السفينة. وكان جيمس الأب ~~العجوز هو من أخبرهم بكل هذه المعلومات؛ إذ كان هو الشخص الوحيد الذي يعرف كل شيء عن ~~المؤن، وأماكن المبيت، وأصناف البشر التي قد تسافر على متن هذه السفن؛ الاسكتلنديين ~~والأشخاص المحترمين فقط، وليس سكان منطقة الأراضي المرتفعة الاسكتلندية أو ~~الأيرلنديين. # غير أنه صرخ الآن قائلا إن السفينة تشبه سرب نحل تكالب على جثة ~~أسد. # ثم أضاف: «هذه مصيبة، مصيبة بالفعل. أوه، هذا ما دعانا إلى أن نترك وطننا.» # رد أندرو: «لم نتركه بعد. ما زال ميناء ms029 ليث باديا لنا. حري بنا أن ننزل لأسفل ~~لنبحث عن مكان نمكث فيه .» # وهنا ظهر المزيد من الامتعاض. الأسرة ضيقة، ما هي إلا ألواح خشبية عليها فراش خشن ~~وشائك، قماشه مصنوع من شعر الخيول. # قال أندرو: «أفضل من لا شيء.» ~~«أوه، لم يخطر ببالي قط أن نأتي إلى هنا، على ظهر هذا القبر العائم.» # قالت أجنيس في نفسها: ألا يسكته أحد؟ سوف يستمر على هذا المنوال، كما لو كان ~~واعظا أو معتوها، وهذا هو الحال الذي يكون عليه عندما تأتيه النوبة. لم تكن ~~باستطاعتها تحمل هذا؛ فحجم الألم والمعاناة الذي كانت تشعر به أكبر مما يمكن أن ~~يدركه. # قالت: «حسنا، هل سنجد مكانا للمبيت هنا أم لا؟» # علق بعض الناس أوشحتهم وشالاتهم حتى يصنعوا أماكن شبه خاصة لعائلاتهم وذويهم. ~~وما كان منها إلى أن خلعت ما تلبسه من لفاح فوق ملابسها وفعلت مثلما فعلوا. # كان جنينها يتحرك حركات عنيفة في بطنها، ووجهها تخرج منه الحرارة كما تخرج من قطعة ~~فحم مشتعلة، ورجلاها كانتا ترتجفان، واللحم المنتفخ الموجود بينهما - الشفرتان اللتان ~~سوف يندفع من خلاهما قريبا جنينها ليأتي إلى الوجود - كان مصدرا لآلام شديدة. لعل ~~أمها كانت تعلم ما كان ينبغي عليها فعله في مثل هذه الظروف؛ إذ لعلها كانت تعلم أي ~~أنواع الأعشاب يجب أن تهرسها حتى تصنع منها لبخة مسكنة لهذه الآلام. # ولما تذكرت أمها، تملكها هذا العناء والشقاء، حتى إنها كانت تريد أن تركل أي ~~شخص. # نشر أندرو وشاحه حتى يصنع مقعدا مريحا لوالده. جلس الرجل العجوز وتأوه ثم وضع ~~يديه على وجهه حتى تخرج كلماته وكأنها تخرج من أعماقه. # ثم قال: «لن أرى المزيد من هذا بعد الآن. ولن أصغي إلى أصواتهم العالية أو كلماتهم ~~الشيطانية. ولن أدخل في جوفي أي شيء - ولو طعاما قليلا - حتى أرى شواطئ ~~أمريكا.» # ويبدو أن أجنيس كانت تقول في نفسها إنه كان لديهم نفس هذا الشعور. # لماذا لم يتحدث أندرو صراحة إلى والده ويذكره بمن كان صاحب هذه الفكرة ومن بالغ ms030 ~~في الحديث عن الأمر واستدان وتوسل حتى يصلوا إلى ما هم فيه الآن ؟ # لم يكن أندرو ليفعل، ووالتر كان يمزح فقط، أما ماري، فقلما كانت تنبس بكلمة في وجود ~~أبيها. # انحدرت أجنيس من عائلة كبيرة من النساجين ينتمون إلى بلدة هويك، يعملون الآن في ~~مصانع بعد أن ظلوا يعملون لأجيال في المنازل. ولما كانوا يعملون في هذه البلدة، فقد ~~تعلموا كل فنون الجدال والتعامل مع الآخرين ووضع الآخرين في حجمهم الحقيقي ~~والنجاة في المواجهات والمواقف الصعبة. غير أن الدهشة كانت لا تزال تعتريها من طباع ~~أفراد عائلة زوجها القاسية وخنوعهم وسكوتهم. ظنت منذ البداية أنهم صنف غريب من البشر، ~~وكانت ما زالت تظن بهم هذا الظن. هم كانوا لا يقلون فقرا عن عائلتها، غير أنهم كانوا ~~يتصورون أنهم أفضل من الآخرين. ما الذي كان لديهم لدعم هذا التصور؟ كان الرجل العجوز ~~أضحوكة في حانة بلدته على مدار أعوام عديدة، وابن عمهم كان شاعرا كذوبا يرتدي ثيابا ~~مهترئة، واضطر للانتقال إلى نيثسدال عندما لم يجد أحدا في إتريك يثق به ويوليه رعي ~~الأغنام. تربوا كلهم على أيدي ثلاث من العمات اللاتي كن يشبهن الساحرات، ~~واللاتي كن يفزعن من الرجال لدرجة أنهن كن يجرين ويختبئن في حظيرة ~~الأغنام إن مر رجل من غير رجال العائلة بالقرب منهن على الطريق. # كما لو لم يكن من المفترض من الرجال أن يكونوا هم من يهربون منهن. # عاد والتر بعدما حمل مقتنياتهم الثقيلة ووضعها في مكان ما في باطن السفينة. # قال والتر والدهشة تعتريه: «إنكم لم تروا مثل هذا الجبل من الصناديق والحقائب ~~وأجولة الطعام والبطاطس في حياتكم أبدا. على المرء أن يتسلق كل هذه الأكوام حتى يصل ~~إلى أنبوب المياه. ولا يسع المرء إلا أن يسكب الماء في طريق عودته، وهو ما سوف يؤدي إلى ~~بلل الأجولة وعطب ما بها.» # قال أندرو: «لم يكن عليهم جلب كل هذه الأشياء. ألم يتعهدوا بأن يطعمونا عندما سددنا ~~لهم قيمة الرحلة؟» رد الرجل العجوز قائلا: «بلى، ولكن هل ms031 من الملائم لنا أن ~~نأكل؟» # قال والتر، الذي ما زال يحافظ على حالته المزاجية المازحة من أي شيء: «إذن، حسنا ~~فعلت أن أحضرت قطع الكعك معي.» نقر بإحدى قدميه على الصندوق المعدني الصغير ~~والمرتب والمملوء بكعك الشوفان الذي أعطته إياه عماته باعتباره هدية خاصة؛ لأنه كان ~~الابن الأصغر، ولأنهن كن لا يزلن ينظرن إليه على أنه يتيم الأم. # قالت أجنيس: «ستدرك معنى السعادة عندما نتضور جوعا.» كان والتر كالبلاء بالنسبة لها، ~~شأنه في ذلك شأنه الرجل العجوز. كانت تعرف أنه على الأرجح لا يوجد أي احتمال بأن ~~يتضوروا جوعا؛ لأن أندرو كان يبدو ضجرا فقط وليس قلقا. وبطبيعة الحال كان من ~~الصعب أن يتسلل القلق إلى أندرو بسهولة. وبدا أنه كان غير قلق عليها؛ لأنه فكر أول ~~ما فكر في أن يوفر مقعدا مريحا لوالده. ~~••• # عادت ماري بجيمس الابن مرة أخرى إلى سطح السفينة؛ إذ استشفت أن الخوف قد انتابه في ~~هذا المكان شبه المظلم بأسفل. فلم يكن ينبغي له أن يتذمر أو يشكو؛ فهي كانت تدرك ~~مشاعره من طريقة دفع ركبتيه الصغيرتين في خصرها. # تم لف أشرعة السفينة بإحكام. قالت ماري وهي تشير إلى أحد البحارة بأعلى السفينة ~~وهو مشغول بتجهيز السفينة وربط الصواري والقلوع: «انظر إلى أعلى، انظر إلى أعلى.» وأصدر ~~الطفل الذي كان محمولا على خصرها صوتا أشبه بصوت طائر. قالت: «البحار-صو صو، ~~البحار-صو صو.» قالت المسمى الصحيح لوظيفة هذا الرجل، وهي بحار، ولكنها استخدمت ~~كلمته هو التي كان يعبر بها عن الطائر. لقد كانت تتواصل معه بلغة نصفها من اللغة ~~العادية ونصفها الآخر من ابتكاره هو. كانت تعتقد أنه أحد أمهر الأطفال الذين ولدوا في ~~العالم بأسره. ولأنها كانت أكبر الأبناء سنا في عائلتها، ولأنها كانت الفتاة الوحيدة ~~بينهم؛ فقد كانت تعتني بكل إخوتها وترعاهم، وكانت فخورة بهم جميعا في السابق، لكنها لم ~~تر طفلا كهذا الطفل. لا أحد غيرها كان يعرف مدى براعته واستقلاليته وذكائه؛ فالرجال ~~لا يهتمون كثيرا بالأطفال في هذه السن الصغيرة، وأمه ms032 أجنيس لا صبر لها معه. # كانت أجنيس تقول له: «تحدث كما يتحدث البشر!» وإن لم يفعل ذلك، كانت تضربه. ~~وكانت تقول له: «ماذا أنت؟ هل أنت من البشر أم من العفاريت؟» # كانت ماري تخشى من طبع أجنيس، ولكنها نوعا ما كانت لا تلومها على ذلك؛ إذ كانت تظن ~~أن النساء اللائي مثل أجنيس - سواء كن زوجات أم أمهات - يعشن حياة عصيبة؛ ~~أولا، فيما يتعلق بما يفعله الأزواج معهن - حتى وإن كانوا في مثل طيبة أندرو - ~~وثانيا، بما يجدن من الأطفال عند ولادتهم. لم تكن لتنسى أمها التي لازمت الفراش وفقدت ~~عقلها من الحمى، ولم تستطع التعرف على أي منهم حتى أتاها الموت بعد ثلاثة أيام من ~~ولادة والتر. وكانت تصرخ خوفا من الإناء الأسود المعلق فوق المدفأة؛ لأنها كانت تظن ~~أنه مليء بالشياطين. # يطلق إخوة ماري عليها «ماري المسكينة». وفي واقع الأمر، أدى خنوع الكثير من النساء ~~وضعفهن في عائلتهم إلى إلحاق هذه الكلمة بأسمائهن التي أعطين إياها عند تعميدهن؛ وهي ~~الأسماء التي غيرت إلى أسماء أقل قبولا واحتراما. فصار اسم إيزابيل تيبي المسكينة، ~~ومارجريت ماجي المسكينة، وجين جيني المسكينة. وكان الناس في إتريك يعتقدون أن جمال ~~المظهر وطول القامة أمران يخصان الرجال فقط. # تبلغ ماري من الطول أقل من خمس أقدام، ولها وجه مشدود قليلا، وذقن ناتئ، وجلد ~~معرض دوما للإصابة بحالات طفح التهابي لا يزول إلا بعد مرور فترة طويلة. عندما ~~يتحدث إليها أحد، يجد فمها ينتفض كما لو أن الكلمات امتزجت كلها بلعابها وأسنانها ~~الصغيرة المعوجة، ويكون ردها عبارة عن كلام مختلط بالرذاذ، وكانت نبرة صوتها ~~منخفضة وكلماتها متلعثمة جدا حتى يصعب على الآخرين ألا يظنوا أنها متأخرة عقليا. ~~كما كانت تعاني من صعوبة بالغة في النظر إلى وجوه الآخرين أثناء الحديث معهم، حتى مع ~~أفراد عائلتها. وكانت لا تقدر على أن تتحدث حديثا متسقا وواضحا على نحو ما إلا ~~عندما ترفع الولد الصغير إلى أعلى خصرها النحيف، وعندها يكون معظم كلامها موجها ~~إليه. # ها هو شخص ms033 ما يقول شيئا لها. إنه شخص يكاد يشبهها في النحافة؛ رجل أسمر ضئيل الجسم، ~~إنه أحد البحارة، له شارب رمادي اللون، وليس له أي أسنان. كان ينظر إليها نظرة ~~مباشرة، ثم ينظر إلى جيمس الابن، ثم يعود وينظر إليها مرة أخرى، وذلك في وسط هذا الحشد ~~المتدافع أو المتسكع أو الحائر أو المتسائل. ظنت في بداية الأمر أن الرجل كان يتحدث ~~لغة أجنبية، ثم ما لبثت أن التقطت كلمة # cu ~~(بقرة). وقد ~~وجدت نفسها ترد بنفس الكلمة، وضحك الرجل ولوح بذراعيه مشيرا إلى مكان بعيد بمؤخرة ~~السفينة، ثم أشار مرة أخرى إلى جيمس وهو يضحك أيضا. لا بد أن هناك شيئا ما يجب أن ~~تأخذ جيمس حتى يراه. وكان عليها أن تقول: «حسنا، حسنا» حتى توقفه عن الكلام، ثم أن ~~تسير في ذلك الاتجاه حتى لا تغضبه. # أخذت تتساءل: من أي منطقة من البلاد، بل من العالم، يمكن أن يكون قد جاء هذا الرجل؟ ~~ثم أدركت أنها كانت تتحدث لأول مرة في حياتها مع شخص غريب. ولولا ما كانت تجده من صعوبة ~~في فهم ما كان يقوله، لتمكنت من الحديث إليه بسهولة أكبر مما لو كانت تتحدث إلى ~~جار لها في إتريك أو حتى إلى والدها. # سمعت صياح بقرة قبل أن يكون بإمكانها رؤيتها. أخذ احتشاد الناس من حولها ومن حول جيمس ~~يزداد ويشكل سورا من أمامها ويحشرها من خلفها. ثم سمعت صوت صياح بقرة في السماء، ~~وعندما نظرت إلى أعلى، رأت بقرة بنية اللون معلقة في الهواء موضوعة في قفص من ~~الحبال، وهي ترفس وتزمجر على نحو جامح. البقرة مربوطة في خطاف على ونش كان يسحبها ~~الآن بعيدا عن الأنظار. والناس من حولها كانوا يصيحون ويصفقون. تحدث طفل بصوت عال ~~باللغة التي كانت تفهمها، وكان يريد أن يعرف إن كانوا سيلقون بالبقرة في البحر أم لا. ~~رد عليه رجل بالنفي، وقال له إنها سوف تسافر معهم على سطح السفينة. ~~«هل سيحلبونها إذن؟» # رد الرجل زاجرا: «نعم، الزم الصمت! نعم، ms034 سيحلبونها.» # وجاء صوت رجل آخر ليهيمن بصخب على صوت هذا الرجل، وقال : «سوف يحلبونها بعنف لدرجة ~~أنهم سيضربونها بالمطرقة حتى تنتج المزيد من اللبن، ومن ثم، ستحصلون على بودنج الدم ~~كطعام على العشاء.» # والآن نتابع الدجاج وهو يتأرجح في الهواء داخل الأقفصة، وهو يصيح ويرفرف بجناحيه في ~~محبسه وينقر بعضه بعضا متى استطاع حتى خرج بعض الريش وتهاوى في الهواء إلى أسفل. وبعد ~~ذلك، رفع خنزير مربوط كما رفعت البقرة، وكان يصيح بصوت بشري معبرا عن وجعه وحزنه، ~~ويتغوط بقوة في الهواء حتى ارتفع صياح الناس من أسفله غضبا وفرحا، حسب مكانهم بين ~~هؤلاء الذين وقع عليهم غائط الخنزير أو بين هؤلاء الذين رأوا آخرين وقد وقع عليهم هذا ~~الغائط. # ضحك جيمس أيضا وقد تعرف على غائط الخنزير وصاح معبرا عن ذلك بكلمته الخاصة، ألا وهي ~~«كخ». # ربما تذكر كل هذا في يوم ما، وقال في نفسه: «لقد رأيت بقرة وخنزيرا يطيران في ~~الهواء.» وربما تساءل إن كان هذا حلما. ولن يكون معه أحد في ذلك الوقت - هي لن تكون ~~معه بالتأكيد - لإخباره بأن ذلك لم يكن حلما، وأنه حدث بالفعل على سطح السفينة. سوف ~~يعرف أنه كان على متن سفينة في يوم من الأيام لأنه سيقال له هذا، لكن ربما لن يرى ~~سفينة مثل هذه السفينة مرة أخرى في حياة اليقظة. لم تكن تعرف إلى أين سيذهبون عندما ~~يصلون إلى الجانب الآخر من البحر، لكنها تتخيل أنه سيكون مكانا داخليا وسط التلال، ~~مكانا يشبه إتريك. # لم تكن تظن أنها سوف تعيش طويلا، أيا كان المكان الذي كانت ستذهب إليه؛ فقد كان ~~يصيبها السعال في الصيف والشتاء، وعندما كانت تسعل كان صدرها يؤلمها بشدة. وكانت تعاني ~~كذلك من شحاذ في العينين، وتقلصات في البطن، وقلما كانت تأتيها الدورة الشهرية، ~~ولكنها إن جاءت قد تستمر شهرا كاملا. ومع ذلك، كانت تتمنى ألا تموت وجيمس لا يزال ~~صغيرا يجلس على خصرها أو في حاجة إليها، وهذا ما سيكون عليه الوضع لبعض الوقت. ms035 وكانت ~~تعرف أنه سيحين الوقت الذي سيعرض عنها فيه، كما أعرض عنها إخوتها، وذلك عندما يعتريه ~~الخجل من علاقته بها. هذا ما كانت تقوله لنفسها أنه سيحدث، ولكن لم يكن باستطاعتها أن ~~تصدقه، شأنها في ذلك شأن كل محب. ~~••• # في رحلة قصيرة إلى بيبلز قبل أن يغادروا منزلهم، اشترى والتر لنفسه دفترا حتى يكتب ~~فيه، ولكنه - على مدار عدة أيام - انشغل بعدة أمور مهمة، ولم تكن ثمة مساحة أو هدوء ~~كافيين على سطح السفينة ليتمكن حتى من فتح دفتره. وكان لديه أيضا قارورة من الحبر ~~ملفوفة في جراب من الجلد ومربوطة بحزام في صدره تحت قميصه. وقد كانت هذه هي الحيلة ~~التي كان يستخدمها ابن عمه، جايمي هوج الشاعر، عندما كان يخرج إلى براري نيثسدال يرعى ~~الأغنام. وما إن تخطر ببال جايمي قصيدة شعرية، حتى يسحب قطعة ورق من بنطاله، ثم ينزع ~~سدادة الحبر، الذي حالت حرارة جسمه دون تجمده، ويدونها بالكامل، بغض النظر عن ~~المكان الذي هو فيه أو حتى حاله وقتها. # أو هكذا قال. فكر والتر في تجربة هذه الطريقة، ولكن تبين له أن الأمر قد يكون ~~أسهل بين الأغنام منه بين الناس. كذلك، فإن قوة الريح في عرض البحر يمكن بالتأكيد أن ~~تكون أكبر من قوتها في نيثسدال. وكان من المهم له بالطبع أن يكون ذلك على غير مرأى من ~~عائلته؛ إذ قد يسخر منه أندرو بلطف، لكن أجنيس كانت ستسخر منه بوقاحة؛ إذ تغضبها مجرد ~~فكرة قيام أي شخص بعمل لا تريد هي القيام به. أما ماري، فبالطبع ما كانت لتتفوه بكلمة ~~كعهدها، لكن الطفل الذي يجلس على خصرها، والذي تحبه بشدة وتدلله، كان كل همه إمساك ~~القلم والورق والعبث بهما وإتلافهما. ناهيك أنه لا يمكن أن يعرف أي نوع من التدخل كان ~~سيأتي من جانب والده. # ها هو قد وجد مكانا ملائما على سطح السفينة بعدما تحقق هنا وهناك. ولما كان غلاف ~~الدفتر سميكا، فلم يكن بحاجة إلى منضدة. والحبر الدافئ المربوط على صدره كان ms036 يتدفق في ~~سلاسة كالدم. ثم كتب ما يلي: # صعدنا على متن السفينة في اليوم الرابع من شهر يونيو، ثم بتنا في الأيام ~~الأربعة التالية في مرسى ليث، نحرك السفينة إلى المكان، حيث نستطيع أن نبدأ ~~الإبحار، وبدأنا الإبحار بالفعل في التاسع من يونيو. عبرنا منعطف فايفشاير ~~دون أي مشكلات، ولم يحدث أي شيء يستحق الذكر حتى صباح يوم الثالث عشر من يونيو، ~~عندما استيقظنا على صرخة من بيت جون أوجروتس. كان باستطاعتنا رؤية البيت بوضوح، ~~وقد كان الإبحار جيدا عبر خليج بنتلاند، وكانت الريح والمد في صالحنا، ولم ~~يبد البيت على أي نحو خطيرا كما كنا نسمع. ومن بين ما سمعناه أن طفلا قد ~~مات هناك، اسمه أورميستون، وقد تم التخلص من جثته بإلقائها في البحر بعد أن ~~لفت في قطعة من قماش الكتان مع وضع قطعة كبيرة من الفحم عند قدميه ~~... # توقف قليلا عن الكتابة ليفكر في الجوال الثقيل الموضوع فيه الطفل الميت وهو ~~يسقط إلى عرض البحر. المياه كان يزداد لونها دكانة أكثر فأكثر، وكان سطحها يلمع على ~~نحو خافت مثل السماء في الليل. هل كانت قطعة الفحم الكبيرة ستؤدي بالمهمة المطلوبة ~~منها، وهل كان الجوال يسقط إلى قاع البحر مباشرة؟ أو هل كان تيار البحر قويا بالقدر ~~الكافي بحيث يستمر في رفعه على سطح البحر ثم إسقاطه ودفعه جانبيا، آخذا إياه إلى ~~مكان بعيد جدا مثل جرينلاند، أو ناحية الجنوب حيث المياه الاستوائية المليئة بالأعشاب ~~الكثيفة؛ بحر سارجاسو؟ أو ربما عثرت على الجوال سمكة مفترسة وقطعته والتهمت الجثة ~~الموجودة فيه حتى قبل أن يترك سطح البحر والمنطقة المضيئة منه. # لقد رأى رسوما لأسماك لا تقل في حجمها عن حجم الخيول، أسماك لها قرون أيضا، وعدد ~~هائل من الأسنان التي تشبه السكاكين التي يستخدمها تجار الجلود. وبعضها كان أملس ~~ومبتسما، ومشاكسا على نحو شرير، له صدر كصدر المرأة، لكنه لم يكن يشتمل على الأجزاء ~~الأخرى من الصدر التي يذهب فكر الرجل إليها عندما يتخيله. كل هذا كان موجودا ms037 في كتاب ~~مليء بالقصص والنقوش، والذي حصل عليه من مكتبة بيبلز. # لم تصبه هذه الأفكار بأي ضيق؛ إذ كان يعد نفسه دائما للتفكير بوضوح في أكثر ~~الأمور بغضا وترويعا، والتخيل الدقيق لها إن أمكن؛ وذلك حتى يقلل من تأثيرها عليه. ~~وكما كان يتخيل الأمر الآن، فالطفل كان يؤكل. لم يبتلع مرة واحدة كما حدث مع ~~النبي يونس، بل يمضغ إربا إربا مثلما يمضغ هو قطعة لذيذة من لحم الأغنام المسلوق. ~~لكن يبقى شأن روح الطفل. الروح تفارق الجسد في لحظة موت الشخص مباشرة، لكن من أي ~~عضو من أعضاء الجسم تخرج؟ أين هو موضعها على وجه التحديد في الجسد؟ أفضل تخمين هو أن ~~الروح - على ما يبدو - تخرج مع آخر نفس، بعد أن كانت مختفية في موضع ما في الصدر في ~~محيط منطقة القلب والرئتين. هذا على الرغم من أن والتر قد سمع مزحة تعودوا أن يسردوها ~~عن رفيق قديم لهم في إتريك، مفادها أنه من شدة قذارته خرجت روحه من مؤخرته عندما مات، ~~وسمعوا أنها خرجت بصوت عال. # هذه هي نوعية المعلومات التي قد يتوقع الناس أن يعطيها لهم الوعاظ؛ هم لا يذكرون ~~بالطبع شيئا من قبيل خروج الروح من المؤخرة، لكنهم يخبرونك بشيء عن المكان الصحيح ~~لوجود الروح وخروجها. غير أنهم يتحاشون الحديث عنها. كما أنهم لا يسعهم توضيح - أو ربما ~~لم يسمعهم أحد أبدا يوضحون - كيفية بقاء الأرواح خارج الأجساد حتى يأتي يوم الحساب، ~~وكيف تجد كل روح في ذلك اليوم جسد صاحبها وتميزه، وكيف يتحد الروح والجسد من جديد، ~~وإن كان الجسد لا يشبه الهيكل العظمي كثيرا عندئذ، «وإن كان ترابا». لا بد أن ~~ثمة أشخاصا قد درسوا من المواد ما يكفي لأن يعرفوا كيفية حدوث تلك الأمور كلها، ~~لكن ثمة أناس آخرون أيضا - وهو ما علم به منذ وقت قريب - ممن درسوا وقرءوا ~~وفكروا حتى وصلوا إلى نتيجة مفادها عدم وجود أرواح على الإطلاق. لا يعبأ أي أحد ~~بالحديث عن هؤلاء أيضا، بل إن مجرد ms038 التفكير فيهم أمر مخيف ومفزع. كيف يمكنهم العيش في ~~ظل الخوف من جهنم وكذلك اليقين من وجودها؟ # كان ثمة رجل من هؤلاء، جاء من بيرويك، وكان يدعى ديفي البدين؛ لأنه كان يجد ~~صعوبة في الجلوس أمام الطاولة لتناول الطعام لفرط بدانته. وعندما مات في إدنبرة، حيث ~~كان يعمل باحثا في مجال ما، وقف الناس في الشارع خارج منزله ينتظرون ليروا إن كان ~~الشيطان سيأتي لحصد روحه أم لا. فقد ألقيت عظة في إتريك عن هذا الموضوع، زعمت - ~~حسبما فهم والتر - أن الشيطان لا يقوم بمثل هذه الأمور، وأنه لا يؤمن بذلك سوى ~~الدهماء من الناس ومن يؤمنون بالخرافات والرومان الكاثوليك، وأن أخذه للروح كان ~~أكثر رهبة بكثير على الرغم من ذلك، وألوان العذاب التي تصاحبه كانت أكثر دهاء وبراعة ~~مما قد يخطر على بال أي من هؤلاء. ~~••• # وفي اليوم الثالث على متن السفينة، استيقظ جيمس الأب، وبدأ يسير في أرجاء المكان. ~~أصبح الآن يقضي كل وقته في المشي. كان يتوقف ويتحدث مع أي شخص يبدو له أنه على ~~استعداد لأن يسمعه. كان يخبره باسمه ويقول له إنه من إتريك، من وادي وغابة إتريك؛ حيث ~~اعتاد ملوك اسكتلندا الأوائل أن يمارسوا الصيد. # وكان يقول: «يقال إنه في أرض فلودن، بعد انتهاء المعركة، كان بإمكان المرء أن يتحرك ~~هنا وهناك بين الجثث ويتعرف على مقاتلي إتريك وجنودها؛ لأنهم كانوا أكثر المقاتلين ~~طولا وقوة ووسامة. لدي خمسة من الأولاد وكلهم أقوياء ومؤدبون، لكن لا يوجد معي ~~الآن سوى اثنين منهم. ذهب أحدهم إلى نوفا سكوشا، وكان اسمه كاسمي وآخر ما سمعت عنه ~~أنه كان في مكان اسمه إيكونومي، لكن لم نعرف عنه شيئا منذ ذلك الوقت، ولا أعرف إن كان ~~حيا أو ميتا. أما أكبر أولادي، فقد هاجر ليعمل في منطقة الأراضي المرتفعة ~~الاسكتلندية، وأما الابن قبل الأخير، فقد قرر الرحيل إلى هناك هو الآخر، ولن أرى ~~أيا منهما مرة أخرى. خمسة أبناء، كلهم - بفضل الرب - صاروا رجالا، غير أن ~~الرب لم يشأ ms039 أن يظلوا معي. ماتت أمهم بعدما وضعت آخرهم؛ إذ أصابتها حمى، ولم تقو ~~على النهوض أبدا من فراشها بعدما ولدته. إن حياة المرة مليئة بالأحزان. لدي أيضا ~~بنت واحدة، وهي أكبرهم، غير أنها أقرب ما يكون إلى الأقزام. طارد أمها كبش عندما كانت ~~تحملها. وعندي ثلاث أخوات كبيرات كلهن نفس الشيء، قزمات.» # ارتفع صوته فوق كل الضجيج الذي تعج به الحياة على سطح السفينة، وكان أولاده كلما ~~سمعوا صوته يذهبون في إحراج شديد في غير الاتجاه الذي كان يأتي منه صوته. # وفيما بعد ظهيرة يوم الرابع عشر من يونيو، هبت ريح من ناحية الشمال، وأخذت ~~السفينة تهتز كما لو كان كل ما فيها من ألواح خشبية سوف تتفكك بعضها من بعض. ~~شعر الناس بالغثيان وفاضت الدلاء التي كانوا يتقيئون فيها، وأخذت محتوياتها ~~تتسرب وتنتشر في كل مكان على سطح السفينة. وصدر أمر لجميع الركاب بأن ~~يتركوا سطح السفينة، غير أن الكثير منهم سقط عند سور السفينة، ولم يعبأ إن كان ~~سيغمره الماء أم لا. ومع ذلك، لم يصب أي من أفراد عائلتي بالغثيان، وها هي ~~الريح قد هدأت، والشمس قد أشرقت، ونهض الذين لم يكونوا يعبئون إن كانوا ~~سيموتون في القذارة أم لا منذ فترة قليلة، وأخذوا يجرجرون أنفسهم حتى يغتسلوا؛ ~~حيث كان البحارة يسكبون دلاء المياه في جميع الأرجاء على سطح السفينة. وكانت ~~النساء مشغولات في غسل الملابس المتسخة وشطفها وعصرها. لقد كانت هذه أسوأ ~~وأسرع معاناة أراها في حياتي كلها ... # وقفت فتاة صغيرة عمرها عشرة أعوام أو اثنا عشر عاما تشاهد والتر وهو يكتب. وكانت ~~ترتدي ثوبا رائعا وقلنسوة، وكان لها شعر مجعد لونه بني فاتح، غير أن وجهها لم ~~يكن جميلا كالوجه الصغير الجميل. # قالت: «هل أنت أحد نزلاء الكبائن؟» # رد والتر: «لا، لست كذلك.» ~~«أعرف أنك لست منهم؛ إذ لا توجد سوى أربع كبائن، الأولى لأبي ولي، والثانية لقبطان ~~السفينة، والثالثة لأمه، وهي لا تخرج من غرفتها أبدا، والرابعة لسيدتين. لا يجوز لك ~~الجلوس في هذا ms040 الجزء من سطح السفينة إلا إذا كنت أحد نزلاء الكبائن.» # رد والتر دون أن يهم بترك المكان قائلا: «حسنا، لم أكن أعرف ذلك.» ~~«لقد رأيتك من قبل وأنت تكتب في دفترك.» ~~«لم أرك.» ~~«لا، كنت تكتب؛ ولذلك لم تلحظ وجودي.» # قال والتر: «حسنا. لقد انتهيت من الكتابة الآن على أي حال.» # قالت دون أن تبالي بشيء، كما لو كان الأمر مسألة اختيار وأنها قد تغير رأيها: «أنا ~~لم أخبر أحدا عنك». ~~••• # في نفس ذلك اليوم - لكن بعد ساعة، أو ما يقرب من ذلك - خرجت صيحة عالية من ناحية ~~الميناء تقول إن هذا هو آخر جزء من اسكتلندا ستمر عليه السفينة، وبعدها ستختفي ~~اسكتلندا عن الأنظار. صعد كل من والتر وأندرو إلى السطح حتى يلقيا النظرة الأخيرة ~~على البلد، وهكذا فعلت ماري وجيمس الابن الذي كانت تحمله على خصرها، وغيرهم كثيرون. لم ~~يذهب جيمس الأب، ولا أجنيس لأنها كانت تأبى التحرك من مكانها إلى أي مكان آخر، لا لسبب ~~آخر سوى العناد. حث أولاد جيمس أباهم على الذهاب، لكنه قال: «الأمر لا يعني أي شيء ~~بالنسبة إلي. لقد ألقيت آخر نظرة على إتريك، وهو ما يعني أنني قد ألقيت بالفعل آخر ~~نظرة على اسكتلندا.» # وتبين أن صيحة الوداع هذه قد أطلقت قبل موعدها؛ إذ ظلت تظهر في الأفق حافة ~~رمادية من الأرض، وذلك لعدة ساعات. كان كثيرون يتعبون من كثرة النظر إليها؛ فهي ليست ~~سوى قطعة من الأرض، كأي أرض أخرى، لكن البعض لم يغادروا سور السفينة حتى تلاشى آخر جزء ~~منها، مع بزوغ الفجر. # قال جيمس الأب مخاطبا أجنيس: «يجب أن تذهبي إلى هناك كي تودعي وطنك وأبيك وأمك؛ ~~لأنك لن تري أيا منهم مرة أخرى. وما زال ينتظرك ما هو أسوأ. نعم، هذا صحيح، ما زال ~~أمامك لعنة حواء (آلام الولادة).» قال ذلك وهو يتلذذ كتلذذ الوعاظ، غير أن أجنيس قالت ~~في نفسها إنه حقير، ولم تكن لديها طاقة حتى كي تعبس في وجهه. ~~«حقير. أنت ووطنك.» ~~••• # وفي النهاية، ms041 كتب والتر جملة واحدة، وهي: # وفي هذه الليلة من عام 1818، غابت اسكتلندا عن أنظارنا. # بدت الكلمات مهيبة بالنسبة إليه، وتملكه شعور بالعظمة والوقار ~~والأهمية الشخصية. # أما يوم السادس عشر من يونيو، فكان يوما عاصفا تأتي الريح فيه من الناحية ~~الجنوبية الغربية. وارتفع المد على نحو كبير جدا، وتحطمت ذراع ساري مقدمة ~~السفينة بفعل الرياح العنيفة. وفي هذا اليوم، أدخلت أختنا أجنيس إلى إحدى ~~الكبائن. # كتب كلمة «أختنا» كما لو لم يكن فارق بينها وبين ماري المسكينة بالنسبة إليه، لكن ~~الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق؛ كانت أجنيس فتاة طويلة، قوية البنية، شعرها أسود غزير، ~~وعيناها سوداوان، يأخذ الاحمرار الذي يعتلي إحدى وجنتيها شكل بقعة كبيرة ذات لون بني ~~فاتح في حجم بصمة اليد. لقد كانت وحمة يأسف الناس لوجودها؛ إذ لولاها لصارت أجنيس ~~أجمل. لا يكاد والتر يتحمل النظر إلى تلك الوحمة، ليس لأنها قبيحة المنظر؛ بل لأنه ~~كان يشتاق إلى لمسها، إلى أن يتحسسها بأطراف أصابعه. لم تكن تبدو مثل الجلد العادي، ~~ولكن مثل قطعة من القطيفة على جلد غزالة. ومن شدة اضطراب مشاعره تجاه أجنيس، كان لا ~~يستطيع أن يتحدث إليها إلا حديثا منفرا، هذا إن تحدث إليها من الأساس. وما كان ~~منها إلا أن تبادله بقدر مناسب من الازدراء. ~~••• # كانت أجنيس تعتقد أنها في الماء وأن الأمواج تارة ترفعها إلى أعلى وتارة تلقيها إلى ~~أسفل. كل مرة كانت تلقيها فيها الأمواج إلى أسفل كانت أسوأ من المرة التي قبلها، ~~وكذلك أعمق وأبعد، وكانت لا تشعر بالراحة إلا لبرهة قبل أن تلتقطها الأمواج مرة أخرى، ~~التي كانت تستجمع قواها لتتقاذفها مرة أخرى. # أحيانا كانت تعرف أنها ترقد في فراش، فراش غريب في شكله وفي نعومته، لكنه سيئ جدا؛ ~~لأنها عندما كانت تغوص فيه، لم تكن تجد أي مقاومة؛ لا تجد موضعا صلبا حيث يتوقف معه ~~الألم. وهنا، أو في المياه، لا ينقطع الناس عن الاندفاع جيئة وذهابا من أمامها. كانت ~~تراهم كلهم من الجانب، وكانوا واضحين تماما، يتحدثون ms042 بسرعة كبيرة، حتى إنها لم تستطع ~~أن تتبين ما يقولونه جيدا، وكانوا يتجاهلونها، وكان هذا خبثا منهم. رأت أندرو في ~~وسطهم اثنين أو ثلاثة من إخوتها. بل رأت من بينهم كذلك بعض الفتيات التي كانت تعرفهن، ~~وهن صديقاتها اللائي اعتادت أن تمرح معهن في بلدة هويك. ولم يهتممن بالنظر إليها أو ~~حتى إعطائها بنسا واحدا لما هي فيه من شدة الآن. # صرخت فيهن طالبة منهن الابتعاد عنها، ولكن لم تعرها أي منهن أي انتباه، ورأت ~~المزيد منهن قادمات عبر الحائط مباشرة. لم تكن تعرف من قبل أن لها أعداء كثيرين ~~جدا. لقد كانوا يسحقونها ويتظاهرون بأنهم لا يفعلون شيئا البتة. حركتهم هذه كادت ~~تسحقها حتى الموت. # مالت أمها نحوها وقالت بصوت بارد وضعيف ومتثاقل: «أنت لا تحاولين، يا بنيتي! لا بد ~~أن تحاولي بقوة أكبر.» كانت أمها ترتدي ملابس مهندمة، وتتحدث بأسلوب لطيف مثل سيدات ~~إدنبرة. # سكبت مادة رديئة الطعم في فمها، وأخذت تحاول أن تلفظها معتقدة أنها سم. # تقول في بالها: سوف أنهض وأتخلص من كل هذا. حاولت سحب نفسها بعنف من جسدها، كما لو ~~كانت عبارة عن كومة من الثياب البالية الموضوعة في النار. # سمعت صوت رجل يصدر أمرا ما. # قال الرجل: «امسكها!» ثم فرج بين ساقيها وأصبحتا مكشوفتين على العالم ونار ~~المدفأة. # قال الرجل: «آه، آه، آه!» وهو يلهث كما لو كان يجري في سباق. # ثم صعدت بقرة ثقيلة جدا مليئة باللبن وهي تصيح ثم جلست على بطن أجنيس. # قال الرجل: «الآن، الآن»، وتأوه بكامل قوته وهو يحاول أن يخرج الطفل. # الحمقى، الحمقى، هم من تركوه يدخل. # لم تتحسن حالتها إلا في يوم الثامن عشر من يونيو عندما ولدت بنتا. وحيث إننا ~~كان معنا جراح على سطح السفينة، فلم يحدث شيء. لم يحدث أي شيء حتى يوم الثاني ~~والعشرين من يونيو، الذي كان أصعب يوم مررنا به في ذلك الوقت. تحطم في هذا ~~اليوم ذراع ساري مقدمة السفينة للمرة الثانية، ولم يحدث بعدها أي شيء يستحق ~~الذكر، ms043 وكانت أجنيس تتعافى على نحو طبيعي، حتى حل علينا التاسع والعشرون من ~~نفس الشهر عندما رأينا سربا ضخما من خنازير البحر، وكان البحر في الثلاثين من ~~نفس الشهر (أي بالأمس) عاتيا جدا، وكانت الريح تهب من ناحية الغرب، وأخذت ~~السفينة تتقهقر بدلا من أن تتقدم للأمام ... # قال جيمس: «لدينا في إتريك ما يرى الناس أنه أعلى بيت في اسكتلندا، ولكن البيت الذي ~~عاش فيه جدي كان أعلى بكثير من هذا البيت. المكان اسمه فوهوب، وكان الناس يطلقون عليه ~~فوب، وكان جدي اسمه ويل أوفوب، وقبل خمسين عاما مضت، لو أنك جئت من أي مكان جنوب ~~خليج فورث أو شمال الأراضي المتنازع عليها بين إنجلترا واسكتلندا؛ لكنت سمعت ~~به.» # يقول والتر في نفسه: ما لم يسد المرء أذنيه، فما عساه أن يفعل إلا أن يستمع ~~إليه؟ يوجد أناس يلعنون عندما يرون الرجل العجوز قادما إليهم، لكن يبدو أن ثمة ~~آخرين يسعدون بأي نوع من التسلية. # كان يتحدث عن ويل والسباقات التي دخلها والمراهنات التي كانت تعقد عليه، وغير ذلك ~~من الحماقات التي لم يكن والتر يستطيع تحملها. # وأضاف: «وتزوج من امرأة اسمها بيسي سكوت، وكان أحد أولاده اسمه روبرت وهذا هو والدي. ~~نعم، والدي. وها أنا ذا أقف أمامكم.» # وقال أيضا: «استطاع ويل في وثبة واحدة لا غير أن يعبر نهر إتريك، ومكان القفزة صار ~~من بعد ذلك معلما.» ~~••• # رفض جيمس الابن أن يترك خصر ماري على مدار اليومين أو الأيام الثلاثة الأولى. كان ~~جريئا بالقدر الكافي، طالما كان جالسا على خصرها. وعند حلول الليل، ينام في عباءتها ~~بجانبها، طاويا ذراعيه وساقيه بالقرب من جسده، وكانت تستيقظ من الألم في جنبها الأيسر؛ ~~لأنها كانت تضطجع دون أن تتقلب طوال الليل كي لا تزعجه. وفي صباح يوم من الأيام، تركها ~~وحاول التجول في المكان، وعندما حاولت أن تمسكه، ركلها برجليه. # كل شيء على سطح السفينة كان يسترعي انتباهه، حتى إنه في أثناء الليل كان يحاول أن ~~يتسلق عليها ويجري في الظلام. ولهذا، ms044 كانت تستيقظ من نومها متألمة، ليس من وضعية نومها ~~المقيدة، بل من عدم النوم على الإطلاق بسببه. غلبها النعاس في إحدى الليالي، وتسلل ~~الطفل منها، ولكنه تعثر لحسن الحظ في جسم أبيه وهو في طريقه للهروب. أصر أندرو منذ ~~هذه اللحظة على أن يربطه أثناء الليل. كان الطفل يبكي بشدة بطبيعة الحال عند ربطه، إلا ~~أن أندرو كان يهزه ويصفعه، ثم يظل الولد ينشج بالبكاء حتى ينام. كانت ماري تنام ~~بالقرب منه، وتشرح له في لطف ضرورة ربطه حتى لا يسقط من السفينة في المحيط، لكنه كان ~~ينظر إليها في مثل هذه الأوقات على أنها عدوة له، وكانت إذا وضعت يدها على وجهه ~~لتتحسسه، يحاول أن يعضها بأسنانه الصغيرة. كان ينام كل ليلة وهو غاضب، ولكن عندما ~~يحل الصباح وتفك رباطه، وهو ما يزال شبه نائم ومفعما بلطف الأطفال، كان يتعلق ~~بها والنعاس يغشاه وهي في غمرة من مشاعر الحب تجاهه. # الحقيقة أنها كانت تحب حتى بكاءه وغضبه ورفسه وعضه. بل كانت تعشق روائحه القذرة ~~والمتخثرة، كما تعشق رائحته وهو نظيف. وما إن تركه النعاس حتى كانت عيناه الزرقاوان ~~الصافيتان وهما تنظران إلى عينيها يملؤهما ذكاء عجيب وعناد شديد، الأمر الذي يبدو ~~لها وكأنه هبة من السماء. (هذا على الرغم من أن دينها يقول لها دائما إن العناد يأتي ~~من الاتجاه المعاكس؛ أي من الشيطان.) كانت تحب إخوتها أيضا عندما يكونون ظرفاء ~~ومشاكسين، وكان يتحتم عليها أن تحافظ عليهم من الوقوع في جدول المياه، ولكنها لم تكن ~~بالطبع تحبهم كحبها الجم لجيمس. # وذات يوم، تاه منها جيمس. كانت تقف في صف طويل تنتظر دورها في الحصول على ماء ~~للغسيل، وعندما استدارت لم تجده بجانبها. تحدثت ببعض الكلمات إلى المرأة التي كانت ~~تسبقها في الصف، وأجابتها عن سؤال سألته عن أجنيس وعن الطفلة، وذكرت لها اسم الطفلة - ~~إيزابيل - وفي هذه اللحظة ضاع منها. وعندما كانت تنطق باسم إيزابيل، شعرت برغبة مفاجئة ~~في حمل هذه الحزمة الجديدة الخفيفة والناعمة. وبينما هي تتخلى ms045 عن مكانها في الصف ~~وتذهب هنا وهناك بحثا عن جيمس، بدا لها أنه حتما شعر بعدم إخلاصها له فاختفى عقابا ~~لها. # وتبدل الحال في لمح البصر، وتغيرت طبيعة العالم من حولها، أخذت تجري هنا وهناك ~~وتصرخ بأعلى صوتها منادية على جيمس. سألت الغرباء والبحارة الذين سخروا من توسلها ~~لهم وهي تقول: «هل رأيت طفلا صغيرا؟ هل رأيت طفلا صغيرا طوله هكذا وعيناه ~~زرقاوان؟» # رد عليها رجل قائلا: «لقد رأيت ما يقرب من خمسين أو ستين طفلا بمثل هذه ~~الأوصاف في الدقائق الخمس الفائتة.» وقالت امرأة حاولت أن تكون لطيفة معها إنه سوف ~~يظهر، وإن ماري يجب ألا تقلق؛ إذ لا بد أنه كان يلعب مع غيره من الأطفال. وأخذ بعض ~~النساء ينظرن هنا وهناك كما لو كن يساعدنها في البحث، لكن لم يستطعن مساعدتها بطبيعة ~~الحال؛ بسبب ما لديهن من مسئوليات. # رأت ماري بجلاء، في لحظات الشدة والحزن هذه، أن العالم الذي تحول إلى شيء مرعب لها ~~لا يزال هو نفس العالم العادي بالنسبة إلى الآخرين من حولها، وسوف يظل كذلك حتى وإن ~~اختفى جيمس بحق، حتى وإن حبا إلى سور السفينة - رمقت بعينيها كل الأماكن التي يحتمل ~~أن يكون قد ذهب إليها - وسقط في المحيط. # فأكثر الأحداث بشاعة بالنسبة إليها، والتي لم تكن تستطيع تصورها، قد تبدو لكثير غيرها ~~مجرد حادثة حزينة ولكنها عادية. الأمر وارد بالنسبة إليهم. # أو هكذا يبدو بالنسبة إلى الرب. فعندما يخلق الرب طفلا جميلا على نحو ملحوظ ~~ونادر، ألا يتوق لاستعادة هذا المخلوق، وكأن العالم لا يستحقه؟ # لكنها كانت تصلي له طوال الوقت. في البداية، دعت باسم الرب، غير أنه عندما أصبح ~~البحث أكثر تحديدا، وأصبح أكثر غرابة نوعا ما - حيث شرعت تبحث بجنون تحت حواجز ~~الملابس التي أنشأها الناس ليتمتعوا ببعض الخصوصية، ولم تتردد في مقاطعة أي عمل يقوم ~~به الناس، وأخذت تفتش في صناديقهم وتطيح بأغطية أسرتهم، بل إنها حتى لم تسمعهم ~~وهم يسبونها وهي تفعل ذلك - أصبحت صلواتها أكثر تعقيدا وجرأة. ms046 حاولت أن تفكر في شيء ~~ما كنذر شيء يمكن أن تتخلى عنه في مقابل أن يعود إليها جيمس. ولكن ما الذي كانت ~~تملك؟ لم تكن تملك أي شيء؛ لم تكن تملك حتى الصحة أو فرصا في المستقبل أو أي شيء ~~يعتبره الناس ذا قيمة، ولا حتى شيئا من الحظ أو الأمل، كل ما كانت تملكه هو ~~جيمس. # وكيف لها أن تتخلى عن جيمس مقابل عودته هو نفسه؟ # كان هذا هو كل ما كان يجول بخاطرها. # لكن ماذا عن حبها لجيمس؟ الحب المبالغ فيه الذي قد يصل إلى حد العبادة أو الذي ~~قد يكون نوعا من الشر لمخلوق آخر. هي الآن مستعدة أن تتخلى عن ذلك، كانت على استعداد ~~للتخلي عنه عن طيب خاطر، في مقابل ألا يكون قد تاه، في مقابل أن يعثر عليه، في مقابل ~~ألا يكون قد مات. ~~••• # تذكرت كل هذا بعد ساعة أو ساعتين من لمح أحد الأشخاص للولد وهو يظهر جزئيا من تحت ~~دلو فارغة كبيرة ويستمع إلى الضجيج. تراجعت على الفور عن نذرها الذي نذرته، وأمسكت ~~به بين ذراعيها وضمته إليها بقوة، وأخذت أنفاسا عميقة متأوهة، بينما كان هو يحاول ~~التملص منها. # فكرتها عن الرب ضحلة وغير مستقرة، والحقيقة أنها لم تكن تتذكره إلا في أوقات ~~الخوف كتلك التي شهدتها لتوها. شعرت دائما أن الرب أو حتى مجرد التفكير فيه بعيد ~~عنها أكثر من بعده عن غيرها من الناس. وكانت لا تخاف من عقابه بعد الموت كما كان ينبغي ~~عليها، ولم تكن حتى تعرف السبب وراء ذلك. كانت لديها حالة من اللامبالاة والعناد في ~~عقلها لا يعرف عنها أحد شيئا. قد يتصور الجميع في الواقع أنها متدينة بداخلها؛ إذ ~~ليس لديها خيارات كثيرة. غير أنهم كانوا مخطئين تماما؛ فبعد أن عاد جيمس إليها مرة ~~أخرى، لم تشكر الرب، ورأت كم كانت ساذجة وكيف أنه من المستحيل أن تتخلى عن حبها ~~للولد، الحب الذي لن تتخلى عنه ما دام لها قلب ينبض. ~~••• # وبعد ذلك، أصر أندرو ms047 أن يربط جيمس ليس فقط أثناء الليل، بل أثناء النهار أيضا، ~~وذلك بعمود السرير أو بحبل الملابس خاصتهم على سطح السفينة. رغبت ماري أن يربط جيمس ~~معها بحبل، لكن أندرو أخبرها أنها قد تصاب بأذى بسبب ركلات صبي كهذا. ضرب أندرو الولد ~~بشدة بسبب حيلته، لكن نظرة في عيني جيمس تقول إن حيل ذلك الولد لم تكن ~~لتنتهي. ~~••• # إن هذا التسلق إلى قمة قلعة إدنبرة، هذا المنظر الذي رآه عبر البحر، لم يكن بالأمر ~~الذي يذكره أندرو حتى لإخوته؛ حيث كان الحديث عن أمريكا حينها موضوعا شائكا. فأخوه ~~الأكبر روبرت رحل إلى منطقة الأراضي المرتفعة الاسكتلندية، بمجرد أن كبر، تاركا ~~البيت دون كلمة وداع ظهر يوم ما كان والده فيه بحانة تيبي شيل. وقال صراحة إنه قد ~~فعل هذا حتى لا يصاحب أباه في أي مغامرة قد يقوم بها. ثم رحل أخوه جيمس على عكس ما كان ~~متوقعا إلى أمريكا بمفرده، قائلا إنه على الأقل بقيامه بهذا يمكن أن يوفر على نفسه ~~سماع أي أخبار حول هذا الموضوع. ثم تلاهم ويل - الذي على الرغم من أن سنه أصغر من ~~أندرو، فإنه كان دائم الخلاف والصراع مع أبيه - الذي هرب كذلك ليلحق بروبرت. ولم يبق ~~سوى والتر، الذي كان لا يزال طفوليا في تفكيره بحيث لا تشغل المغامرات فكره، والذي ~~كبر وهو يعتقد أنه سوف يذهب للقتال ضد الفرنسيين؛ وربما يعتقد الآن أنه سيحارب ~~الهنود. # ثم نأتي إلى أندرو نفسه، الذي منذ اليوم الذي كان فيه على الصخرة أحس تجاه أبيه ~~بشعور عميق وغريب من المسئولية، وهو شعور أقرب ما يكون إلى الشعور بالأسى ~~والحزن. # لكن حينها شعر أندرو بالمسئولية تجاه كل أفراد عائلته؛ تجاه زوجته الصغيرة السن ~~العصبية في معظم الأوقات التي جعلها عرضة للخطر مرة ثانية، وتجاه إخوته البعيدين عنه ~~وأخيه الذي يوجد بجانبه، وتجاه أخته المثيرة للشفقة وابنه المتهور. كان هذا عبئا ~~بالنسبة إليه؛ فلم يخطر بباله أبدا أن يسميه حبا. ~~••• # ظلت أجنيس تطلب ملحا حتى خشي من ms048 معها أن تصيبها حمى من فرط عصبيتها وألمها. ~~وكانت السيدتان اللتان ترعيانها من نزلاء إحدى الكبائن، وكانتا من إدنبرة، وقد ~~تطوعتا للقيام بهذه المهمة. # قالتا لها: «اهدئي الآن! أنت لا تعلمين كم أنت فتاة محظوظة؛ لأن السيد سوتر كان ~~على متن السفينة.» # أخبرتاها أن الطفل لم يكن في الوضع المناسب للولادة، وأنهما كانتا تخشيان أن يضطر ~~السيد سوتر لفتح بطنها، الأمر الذي قد يكون فيه هلاكها. إلا أنه تمكن من إدارة الجنين ~~حتى يتمكن من إخراجه. # قالت أجنيس: «أنا بحاجة إلى الملح من أجل الرضاعة»، التي لم تكن لتسمح لهما بالحط ~~من قدرها من خلال توبيخهما لها وطريقة حديثهما الراقية الخاصة بإدنبرة. فقد كانت ترى ~~أنهما حمقاوان على أي حال. كان عليها إخبارهما أنه ينبغي أن تمتزج أول نقطة لبن يحصل ~~عليها الرضيع بقليل من الملح؛ حيث تضع الأم بضع ذرات من الملح على إصبعها ثم تعصر أحد ~~ثدييها لتنزل منه قطرة أو اثنتين من اللبن على هذا الملح، ثم تعطي الخليط للطفل قبل أن ~~يبدأ في الرضاعة الفعلية. ومن دون هذه الاحتياطات، فهناك احتمال كبير أن يكون الرضيع ~~غبيا حين يكبر. # قالت إحداهما للأخرى: «هل هي أصلا مسيحية؟» # قالت أجنيس: «أنا مسيحية مثلكما تماما!» ولكن بسبب تفاجئها وشعورها بالهوان، أخذت في ~~البكاء بصوت عال، وبكى الرضيع بشدة معها، تعاطفا معها أو بسبب الجوع. وما زالت هي ~~ترفض إطعامه. # أتى السيد سوتر ليسأل عن حالها، وسأل عن سر كل هذا الحزن البادي عليها، فأخبرتاه ~~بالأمر. ~~«كيف يمكن إعطاء رضيع حديث الولادة قليلا من الملح؟ من أين أتت بهذه ~~الفكرة؟» # قال: «أعطوها الملح!» ثم ظل يرقبها وهي تعصر أحد ثدييها ليخرج لبنا على إصبعها ~~الذي عليه الملح، ثم تضع هذا الإصبع في فم الطفل، ثم تلقمه حلمة ثديها. # سألها عن السبب، فأخبرته. # سألها: «وهل يجدي ذلك في كل مرة؟» # أخبرته أن ذلك لم يفشل ولو لمرة واحدة، ودهشت قليلا عندما اكتشفت أنه في غباء ~~السيدتين، وإن كان أكثر لطفا منهما. ~~«هل ms049 هذا معناه أن المكان الذي جئت منه يتمتع أهله كلهم بقدر عال من الذكاء؟ وهل ~~الفتيات هناك كلهن قويات وجميلات مثلك؟» # أخبرته أنها لا تعلم حقا. # أحيانا كان بعض الشباب الزائرين لبلدتها، المتعلمين القادمين من المدينة، يقتربون ~~منها ومن صديقاتها ويثنون على حسنهن، محاولين بدء حديث معهن، وكانت دائما ما تعتقد ~~أن أي فتاة تسمح بأن يحدث هذا هي فتاة حمقاء، حتى لو كان الرجل وسيما. والسيد سوتر ~~أبعد ما يكون عن الوسامة؛ فهو أيضا نحيف جدا، ووجهه تغطيه البثور تماما؛ مما جعلها ~~لأول وهلة تظن أنه رجل عجوز. غير أن له صوتا عطوفا جعلها تغفر له حتى لو حاول ~~مغازلتها قليلا. فلن يكون بوسع أي رجل أن يغازل امرأة بعد أن كان هو القائم على ~~توليدها ورأى منها ما رأى. # سألها: «هل تشعرين بالألم؟» نظرت إلى خديه التالفين فلاحظت ظلا عليهما؛ قليلا من ~~حمرة الخجل. أخبرته أنها ليست أسوأ مما ينبغي. أومأ برأسه وأمسك برسغها، ضاغطا بقوة ~~عليه ليقيس نبضها. # قال لها: «قوية مثل فرس السباق.» قال هذا وما تزال يده عليها، وكأنه لا يعرف أين يضع ~~يده بعد ذلك. ثم قرر أن يزيح شعرها إلى الوراء ويضغط بأصابعه على صدغيها، وكذلك خلف ~~أذنيها. # ستتذكر لمسته هذه، تلك الضغطة الغريبة، الرقيقة، المثيرة، مع مزيج مشوش من الازدراء ~~والاشتياق، لسنوات عديدة قادمة. # قال لها: «جيد! لا أثر للحمى.» # وأخذ لوهلة يراقب الرضيع وهو يرضع من ثديها. # ثم قال لها بتأوه: «كل شيء على ما يرام بالنسبة لك الآن. لديك بنت جميلة يمكنها ~~أن تتباهى طوال حياتها أنها ولدت في البحر.» ~~••• # وصل أندرو لاحقا ووقف عند مؤخرة السرير. لم يرها على سرير كهذا من قبل (كان ~~سريرا عاديا، وإن كان مربوطا بالحائط). احمر وجهه خجلا أمام السيدتين، اللتين ~~أتيتا بحوض حتى تغتسل. # قال لها: «لقد انتهت الولادة، أليس كذلك؟» قال هذا وهو يومئ تجاه كومة اللحم التي ~~بجانبها، دون أن ينظر إليها. # ضحكت بطريقة تنم عن الضيق وكأنها تسأله: وماذا تعتقد ms050 أنت؟ كان هذا كافيا لينزل من ~~عليائه غير المستقر، وينهي تظاهره بالهدوء ورباطة الجأش. الآن بدأت علامات التوتر تظهر ~~عليه، وازداد وجهه احمرارا من الخجل، وكأنه وضع في النار. ولم يكن ذلك بسبب ما ~~قالته فحسب، وإنما كان بسبب المشهد ككل ورائحة الطفل ولبن الرضاعة والدماء، وفوق ذلك ~~كله بسبب الحوض وقطع القماش والسيدتين الواقفتين بنظراتهما الملائمة التي يمكن أن تبدو ~~لأي رجل معاتبة ومليئة بالازدراء. # لم يجد كلمة أخرى يقولها، فكان عليها أن تطلب منه - بنوع من اللطف الصارم - الخروج؛ ~~لأن لديهن عملا هنا يجب أن يقمن به. # اعتاد بعض الفتيات على القول بأنه عندما تستسلم امرأة في النهاية لرجل وتقيم علاقة ~~جنسية معه - حتى لو اعتقدت أنه لم يكن الاختيار الأفضل - فإن ذلك يعطيها شعورا بقلة ~~الحيلة، لكنه أيضا شعور هادئ ولطيف. لكن أجنيس لم تتذكر أنها أحست بشعور كهذا مع ~~أندرو، فكل ما شعرت به هو أنه رجل مخلص، وأنه هو الشخص المناسب لظروفها، وأنه ليس ~~الشخص الذي يمكن أن يفكر في الهرب وتركها على الإطلاق. ~~••• # ظل والتر يذهب إلى نفس المكان الخاص الذي يكتب فيه في دفتره ولم يره أحد هناك، ~~بالطبع سوى الفتاة التي تحسنت علاقته بها الآن. وذات يوم ذهب إلى هذا المكان، وكانت ~~قد سبقته إلى هناك وأخذت تنط حبلا ذا شرابات حمراء. وعندما رأته، توقفت عن النط ~~وأخذت تلهث. وبمجرد أن التقطت أنفاسها، بدأت في السعال لدرجة أنها أخذت عدة دقائق قبل ~~أن تتمكن من التحدث إليه. رمت بنفسها على كومة من القماش التي كانت تحيط بالمكان الذي ~~كانت فيه، واحمر وجهها، وامتلأت عيناها بالدموع اللامعة من كثرة السعال. وظل هو ~~واقفا يراقبها، وانزعج من نوبة السعال هذه، ولم يكن يدري ما عساه أن يفعل. # سألها: «هل تودين أن أحضر إليك إحدى السيدتين؟» # إنه الآن على علاقة طيبة بالسيدتين اللتين من إدنبرة، بسبب أجنيس، واللتين كان لديهما ~~اهتمام وعطف تجاه الأم والرضيع وماري وجيمس الابن، وكانتا تعتقدان أن الأب العجوز خفيف ~~الظل. ms051 كما راق لهما أندرو ووالتر، اللذين بدا لهما أنهما خجولان للغاية. لم يكن والتر ~~في واقع الأمر خجولا كما كان الحال مع أندرو، غير أن موضوع الولادة برمته كان يصيبه ~~بالفزع أو الاشمئزاز الشديد (رغم أنه كان معتادا على هذا الأمر عند ولادة الأغنام). ~~وقد فقدت أجنيس الكثير من جاذبيتها المتجهمة بسبب هذا الأمر. (هذا ما حدث من قبل عندما ~~وضعت جيمس الابن، لكن بعد ذلك استعادت قواها الشرسة تدريجيا؛ مما جعله يظن أن هذا ~~لن يحدث مرة أخرى. فهو كان قد رأى الكثير في هذا العالم بحلول ذلك الوقت، وعلى متن هذه ~~السفينة رأى الكثير من النساء.) # أخذت الفتاة التي كانت تسعل تهز رأسها ذا الشعر المجعد بعنف تعبيرا عن ~~الرفض. # قالت عندما أصبح بإمكانها التحدث وهي لاهثة: «لست بحاجة إليهما، ولم أخبر أحدا أبدا ~~أنك تأتي إلى هنا؛ لذا عليك ألا تخبر أحدا بشأني.» # قال لها: «أنت موقفك سليم.» # هزت رأسها مرة أخرى تعبيرا عن الرفض، وأومأت له أن يصبر حتى تستطيع أن تتحدث على ~~نحو أكثر سهولة. # قالت: «ما أعنيه أنك رأيتني أنط الحبل. وقد خبأ والدي حبل النط، لكنني وجدته حيث ~~خبأه، غير أنه لم يعرف ذلك.» # قال لها والتر بتعقل: «هذا ليس يوم الأحد. فما الخطأ إذن في أن تنطي الحبل؟» # أجابته مستعيدة نبرتها الوقحة: «وكيف لي أن أعرف؟ ربما يعتقد أني قد كبرت على هذا. ~~فهل تقسم ألا تخبر أحدا بهذا؟» ثم ضمت إصبعي السبابة لتصنع شكل الصليب. كان يعرف أن ~~المشهد بريء، لكنه مع ذلك صدم؛ فقد كان يعرف كيف يمكن أن ينظر بعض الناس إلى ~~الأمر. # غير أنه أخبرها أنه مستعد للقسم. # قالت له: «أنا كذلك أقسم أنني لن أخبر أحدا بأنك تأتي إلى هنا.» # بعد أن قالت ذلك بجدية شديدة، تجهمت. # ثم أردفت قائلة: «رغم أنني لم أكن لأخبر أحدا عنك في كل الأحوال.» # يا لها من كائن صغير معتد بنفسه وغريب! لم تتحدث عن أحد سوى أبيها، الأمر الذي ~~جعله ms052 يستنتج أن ليس لديها إخوة أو أخوات، ومثله تماما، ليس لديها أم . وهذا ربما هو ~~الذي جعلها مدللة ووحيدة في الوقت نفسه. ~~••• # بعد هذا القسم المتبادل، أصبحت هذه الفتاة - واسمها نيتي - كثيرة التردد على والتر ~~حينما كان يكتب في دفتره. كانت دائما تقول له إنها لا تود إزعاجه، ولكنها بعد أن تظل ~~صامتة على نحو متباه لنحو خمس دقائق، كانت تقاطعه بسؤال عن حياته أو تخبره شيئا عن ~~حياتها. وتبين حقا أنها بلا أم، وحيدة أبيها، ولم تذهب إلى مدرسة قط. أكثر حديثها ~~كان عن حيواناتها الأليفة - سواء تلك التي ماتت أو التي تحتفظ بها في منزلها في إدنبرة ~~- وكذلك عن امرأة تدعى الآنسة أندرسون، كانت تسافر معها وتعلمها. وبدا من طريقة ~~حديثها أنها سعدت برحيل هذه السيدة عنها، وبالتأكيد الآنسة أندرسون نفسها سعدت بالرحيل، ~~خاصة بعد كل المكائد التي كادتها لها الفتاة؛ بداية من الضفدع الحقيقي الذي وضعته في ~~حذائها، وانتهاء بالفأر المصنوع من الصوف الذي يشبه الفأر الحقيقي، والذي وضعته على ~~سريرها. وكذلك وطؤها بقدميها الكتب التي لم تكن تروق لها، وتظاهرها بالصمم والغباء كلما ~~أصابها الملل من أداء تمرينات الهجاء. # ذهبت إلى أمريكا ثلاث مرات وعادت؛ فقد كان أبوها بائع خمور يقتضي عمله أن يسافر إلى ~~مونتريال. # أرادت أن تعرف كل شيء عن حياة والتر وأهله، وكانت أسئلتها وقحة جدا بمعايير أهل ~~الريف. ولكن والتر لم يكن يهتم؛ ففي عائلته، لم يكن أبدا في موضع يسمح له بإعطاء ~~الأوامر أو بتلقين شخص أصغر منه سنا أو إثارة حنقه، وقد كان سعيدا على نحو ما بطريقة ~~كلامها. # لكن من المؤكد أنه في العالم الذي جاء منه لم يكن ليفلح أحد بمثل هذا التطاول ~~والجرأة والفضول البادي على هذه الفتاة التي تدعى نيتي؛ فقد كانت تسأله أسئلة كثيرة؛ ~~على غرار: ماذا كنتم تتناولون في المنزل على العشاء؟ وكيف تنامون؟ وهل كنتم تحتفظون ~~بحيوانات في المنزل؟ وهل كنتم تطلقون أسماء على أغنامكم؟ وما هي أسماء الكلاب التي ~~تحرس الأغنام؟ وهل ms053 كان من الممكن أن تتخذها لنفسك باعتبارها حيوانات أليفة لك؟ ولم ~~لا ؟ وكيف يجلس التلاميذ في حجرة الدراسة؟ وعلى أي شيء يكتبون؟ وهل المعلمون قساة؟ وماذا ~~تعني بعض الكلمات التي لم تكن تفهمها منه؟ وهل الناس في البلد التي جاء منها يتحدثون ~~بنفس طريقته؟ # أجابها والتر: «أوه، نعم. حتى صاحب العظمة الدوق؛ دوق باكلو.» # ضحكت وأخذت تضرب بقبضتها الصغيرة بحرية على كتفيه. # ثم قالت: «أنت الآن تغيظني، أليس كذلك؟ فأنا أعلم أن الدوق لا نصفه بصاحب العظمة. ~~ليس ثمة دوق يوصف بذلك.» # ذات مرة أحضرت معها ورقا وأقلام رصاص للرسم. قالت إنها أحضرتهما لتنشغل بشيء حتى لا ~~تكون مصدر إزعاج له. وأخبرته أنها ستعلمه الرسم إذا أراد ذلك. ولكن محاولاته للرسم ~~أثارت ضحكها، وأخذ عن قصد يرسم أسوأ فأسوأ، حتى ضحكت بشدة، ومن فرط ضحكها أتتها إحدى ~~نوبات السعال التي كانت تصيبها (لم يعد ينزعج كثيرا من نوبات السعال هذه؛ لأنه وجد ~~أنها كانت تبدو على دراية بكيفية التعامل معها). ثم أخبرته أنها سترسم له بعض ~~الرسومات في الصفحات الأخيرة من دفتره حتى تذكره بهذه الرحلة البحرية كلما نظر إليها. ~~رسمت أشرعة سفينة ترفرف في السماء، ودجاجة هربت من قفصها بطريقة ما، وتحاول أن تسافر ~~كطائر بحري فوق الماء. وكذلك رسمت من ذاكرتها كلبا لها قد مات اسمه بايرت. في البداية ~~زعمت أن اسم الكلب كان والتر، غير أنها ندمت واعترفت فيما بعد أنها لم تكن تقول ~~الحقيقة. وكذلك رسمت صورة للجبال الجليدية التي رأتها في رحلات بحرية سابقة لها مع ~~أبيها، والتي كانت أكثر ارتفاعا من المنازل. حينها سطعت شمس الغروب عبر تلك الجبال؛ ~~مما جعلها تبدو - حسب قولها - وكأنها قلاع من ذهب، ذات لون وردي وذهبي. # قالت له: «كنت أتمنى أن تكون معي علبة ألواني؛ فأريك كيف سيكون شكل هذه الرسومات. ~~لست أدري أين وضعتها. على أي حال أنا لست خبيرة في التلوين، لكنني في الرسم ~~أفضل.» # لقد كان كل ما رسمته، بما في ذلك الجبال الجليدية، يبدو ms054 ساذجا وساخرا في نفس ~~الوقت، ويعبر عنها تعبيرا دقيقا. ~~••• ~~«كنت قد حدثتكم قبل أيام عن هذا الرجل الذي يدعى ويل أوفوب وهو جدي في الوقت نفسه، ~~لكن ما زال يوجد الكثير عنه مما لم أخبركم به. فأنا لم أخبركم أنه كان آخر رجل في ~~اسكتلندا يتحدث إلى الجن. لا شك أنني لم أسمع أبدا أن أحدا غيره فعل ذلك، سواء في ~~عصره أو من بعده.» # اضطر والتر لسماع هذه الحكاية التي سمعها بطبيعة الحال مرات ومرات، وإن لم يسمعها ~~برواية أبيه. كان يجلس عند ركن من أركان السفينة حيث يصلح بعض البحارة الأشرعة ~~الممزقة. كان بعضهم يتحدث إلى بعض من حين لآخر - ربما باللغة الإنجليزية، لكنها ليست ~~الإنجليزية التي كان يفهمها والتر - وفي أحيان أخرى، كان يبدو أنهم يستمعون إلى بعض ما ~~كان يحكيه جيمس الأب. واستطاع والتر أن يخمن، من خلال الأصوات التي كان يسمعها أثناء ~~حكاية القصة، أن جمهور المستمعين لأبيه - ممن لا يستطيع تمييزهم - كان معظمه من ~~النساء. # لكن، ثمة رجل طويل مهندم الثياب - لا شك أنه أحد نزلاء الكبائن - توقف ليستمع ~~للحكاية على مرأى من والتر. يوجد شخص بالقرب من الجانب الآخر لهذا الرجل، وفي لحظة من ~~لحظات الحكاية؛ إذ بهذا الشخص يبحث بعينيه هنا وهناك عن والتر، وأدرك أنها نيتي. بدا ~~عليها أنها كانت على وشك الضحك، لكنها وضعت إحدى أصابعها على شفتيها كما لو كانت تطلب ~~من نفسها - ووالتر - السكوت. # لا بد أن هذا الرجل هو أبوها، وقد وقف الاثنان هناك يصغيان إلى الحكاية في هدوء حتى ~~نهايتها. # ثم استدار الرجل وتحدث مباشرة، على نحو معتاد وإن كان وديا، إلى ~~والتر. # وقال له: «لم تقل أي شيء عما حدث لأغنام هذا الرجل. أتمنى ألا يكون الجن قد ~~أخذوها.» # انزعج والتر ولم يعرف ماذا يقول. لكن نيتي نظرت إليه بسكينة تدعو إلى الهدوء، وقد ~~ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، ثم نظرت بعيدا، وانتظرت بجوار أبيها كما هو المفترض ~~من آنسة صغيرة رزينة. # سأله الرجل وهو ms055 يشير إلى دفتره: «هل تدون ما يمكن أن تستفيد منه من هذه ~~الحكاية؟» # رد والتر ردا جامدا قائلا: «إنني أكتب يوميات الرحلة.» ~~«الآن الأمر شائق. تلك حقيقة مثيرة؛ لأنني أيضا أكتب يوميات هذه الرحلة. إنني أتساءل ~~إذا كنا نشترك في نفس الأشياء التي نجدها تستحق التدوين.» # قال والتر، وهو يريد أن يوضح أن هذه مهمة موكلة إليه، وليست متعة فارغة: «إنني ~~أكتب فقط ما يحدث.» كان لا يزال يشعر بالحاجة إلى تقديم مزيد من التبرير، فأضاف: «إنني ~~أكتب كي أسجل تفاصيل كل يوم من أيام الرحلة، بحيث أستطيع في نهايتها أن أرسلها في ~~رسالة إلى أهلي.» # أصبح صوت الرجل أكثر نعومة وأسلوبه أكثر لطفا من أي أسلوب اعتاده والتر. وأخذ والتر ~~يسأل نفسه إن كان هذا الرجل يستهزئ به بأي نحو، أو إن كان والد نيتي من نوعية الأشخاص ~~الذين يسعون بسرعة إلى التعرف على الآخرين على أمل الاستحواذ على أموالهم لاستثمارها في ~~أشياء عديمة الفائدة. # لا يبدو من مظهر والتر ولا أسلوب لبسه أنه يمكن أن يكون أحد الضحايا المحتملين لهذا ~~الرجل. ~~«لذلك، أنت لا تصف ما تراه، أليس كذلك؟ تصف فقط - حسب قولك - ما «يحدث»؟» # كان والتر على وشك أن يقول لا، لكنه قال نعم؛ إذ خطر بباله توا أنه إذا كتب في ~~يومياته أن ريحا عاتية قد هبت، أفلا يكون هذا وصفا؟ ولسان حاله يقول: المرء لا ~~يعرف كيف يميز مواقفه مع هذا النوع من الناس. # فسأله: «ألم تكتب عما قد سمعناه لتونا؟» ~~«لا.» ~~«ربما الأمر يستحق. ثمة أناس الآن يتنقلون بين كل أنحاء اسكتلندا ويدونون كل ~~ما يقوله أولئك العجز من أهل الريف. إنهم يعتقدون أن الأغاني والقصص القديمة في ~~طريقها للاختفاء وأنها تستحق التدوين. إنني لا أعرف الكثير عن هذا الأمر، فهو شأن لا ~~يخصني. لكنني لن أندهش إن كان من يدونون كل هذا يجدون أن ما يفعلونه يستحق العناء؛ ~~أقصد أن أقول إن هذا الأمر سيجلب لهم المال.» # وهنا تتحدث نيتي على غير المتوقع. ms056 ~~«أوه، كفى يا أبتي! ها هو الرجل العجوز يبدأ كلامه من جديد .» # ليس هذا ما ينبغي بأي ابنة أن تقوله لأبيها من وجهة نظر والتر، لكن الرجل بدا ~~مستعدا للضحك وهو ينظر إليها بإعجاب. # قال الرجل: «شيء واحد آخر أريد أن أسأل عنه، ماذا تعتقد فيما يخص الجن؟» # رد والتر: «أعتقد أن كل هذا هراء.» # وعادت نيتي تقول متبرمة: «لقد بدأ من جديد.» # في الواقع، كان صوت جيمس مسموعا في تلك الأثناء ليقاطع بإصرار وتوبيخ مستمعيه الذين ~~ربما ظنوا أن هذا الوقت قد يكون هو الوقت المناسب للحديث بعضهم مع البعض. ~~«... ومرة أخرى، لكن في أيام الصيف ذات النهار الطويل، وفوق التلال في نهاية النهار، ~~ولكن قبل حلول الظلام الدامس ...» # أومأ الرجل الطويل برأسه، لكنه بدا كما لو كان ما زال لديه شيء ليسأل عنه والتر. ~~رفعت نيتي يدها لأعلى ووضعتها على فمه. ~~«وسوف أقول لكم وأقسم بحياتي إن ويل لم يكن ليكذب ولو لمرة واحدة؛ فقد كان في أيام ~~شبابه يذهب إلى الكنيسة التي يعظ بها توماس بوستون، الذي زرع مخافة الرب مثل السكين ~~في قلب كل رجل وامرأة حتى يوم مماتهم. لا، أبدا. لم يكن ليكذب أبدا.» ~~••• # قال الرجل الطويل، في هدوء وقد تأكد أن القصة قد انتهت: «أكان كل ذلك هراء؟ ~~حسنا، إنني أميل لموافقتك الرأي. لك طريقة تفكير مستنيرة، أليس كذلك؟» # أجاب والتر بالإيجاب، كان تفكيره هكذا، وكان يتحدث بطريقة أكثر جرأة وعنادا من ذي ~~قبل. لقد سمع تلك الحكايات التي كان يتحدث عنها أبوه، وما شابهها من حكايات على مدار ~~حياته كلها، لكن الغريب أنه لم يسمع هذه الحكايات من والده مباشرة حتى اعتلوا متن هذه ~~السفينة. وكان على يقين من أن والده، الذي كان يعهده إلى وقت قريب، لم يكن ليؤمن ~~بالخرافات الموجودة بتلك الحكايات. # اعتاد أبوه أن يقول: «ما أفظع هذا المكان الذي نعيش فيه! فلا تجد عن هؤلاء الناس إلا ~~الهراء والعادات السيئة، وحتى صوف الأغنام الذي نملكه لا نستطيع أن نبيعه ms057 لرداءته. ~~والطرقات من سوئها لا يستطيع أي حصان أن يقطع عليها أكثر من أربعة أميال في الساعة. ~~والناس هنا يستخدمون المجرفة أو المحراث الاسكتلندي القديم في حرث الأرض، وإن كان يوجد ~~محراث أفضل مستخدم في أماكن أخرى منذ خمسين عاما. وإذا سألتهم عن السبب في ذلك، ~~قالوا: حسنا، لكن الأرض شديدة الانحدار ها هنا، وصعبة الحرث.» # وقال أيضا: «أن يولد المرء في إتريك معناه أن يولد في مكان متخلف، حيث يؤمن جميع ~~الناس بالحكايات القديمة ورؤية الأشباح، وأقول لك إن من اللعنة أن يولد المرء في ~~إتريك.» # وأغلب الظن أن هذا ما قاده للهجرة إلى أمريكا؛ حيث اجتمعت كل مزايا الاختراعات ~~الحديثة ليستفيد منها الناس الذين لا يتوقفون عن تحسين الحياة من حولهم. # لكن استمع إليه الآن. # قالت نيتي: «أنا لا أعتقد أن ما رآه كان من الجن.» # رد أبوها: «إذن هل تعتقدين أنهم كانوا يجاورونه طوال الوقت؟ هل تعتقدين أنهم كانوا ~~يخدعونه؟» # لم يسمع والتر من قبل أبا يتحدث إلى ولده بمثل هذا التساهل. ورغم إعجابه بنيتي، لم ~~يستطع أن يستحسن ذلك؛ إذ يمكن أن يجعلها هذا تؤمن بأنه لا توجد على وجه الأرض آراء ~~تستحق أن يصغى إليها سوى آرائها. # ردت: «لا، أنا لا أعتقد ذلك.» # فيسأل الأب: «ماذا إذن؟» ~~«أعتقد أنهم موتى.» # سألها أبوها بشيء من الصرامة: «ماذا تعرفين عن الموتى؟ الموتى لا يبعثون إلا يوم ~~القيامة. أنا لا أريدك أن تستخفي بأمور كهذه.» # تقول نيتي بتهاون: «أنا لا أستخف بشيء.» # تدافع البحارة بسرعة تاركين أشرعتهم، وأخذوا يشيرون إلى السماء، إلى أقصى ~~الغرب. لا بد أنهم كانوا يرون شيئا ما يثير حفيظتهم. تجرأ والتر وسأل: «هل هم من ~~الإنجليز؟ أنا لا أستطيع فهم ما يقولون.» ~~«بعضهم إنجليزي، والبعض الآخر من أماكن تبدو لغاتها غريبة بالنسبة إلينا. بعضهم ~~برتغاليون. لكنني لا أستطيع أن أفهمهم أيضا، أظنهم يقولون إنهم يرون طيور الروتش. ~~كلهم يتمتعون بنظر حاد جدا.» # كان والتر يعتقد أن لديه أيضا عيونا حادة، لكن الأمر استغرق منه ms058 لحظة أو لحظتين قبل ~~أن يتمكن من رؤية هذه الطيور، تلك التي تسمى الروتش. انطلقت أسراب متعددة من طيور ~~البحر هذه بسرعة مرتفعة فوق الرءوس، فبدت كأنها نقط لامعة في الهواء. # قال والد نيتي: «يجب ألا تغفل ذكر تلك الطيور في يومياتك. لقد رأيتها عندما قمت ~~بهذه الرحلة من قبل. تتغذى هذه الطيور على السمك، وهذا أفضل مكان لها. سترى قريبا ~~الصيادين أيضا. ولكن رؤية طيور الروتش وهي تملأ السماء العلامة الأولى على أننا حتما ~~في جراند بانكس في نيوفاوندلاند.» # ثم قال لوالتر وهو يتركه: «يجب أن تصعد إلى سطح السفينة وتتحدث إلينا. لدي عمل ~~مشغول به، وهذا يجعلني أنشغل كثيرا عن مصاحبة ابنتي. كما أنها ممنوعة من الجري واللعب؛ ~~لأنها لم تشف بعد من نزلة البرد التي أصابتها في الشتاء، ولكنها مولعة بالجلوس ~~بالخارج والحديث مع الآخرين.» # قال والتر بشيء من الارتباك: «أعتقد أنني لا يجوز لي الصعود إلى سطح ~~السفينة.» ~~«لا، لا، هذا ليس بالأمر المهم. ابنتي وحيدة، تحب القراءة والرسم، ولكنها أيضا تحب ~~الرفقة. يمكنها أن تعلمك الرسم، إن أحببت. وهذا سيضيف كثيرا إلى يومياتك.» # إذا تهلل وجه والتر، فلن يلاحظ ذلك. بقيت نيتي متزنة ومتماسكة تماما. ~~••• # وهكذا اعتادوا الجلوس بالخارج يرسمون ويكتبون، وأحيانا كانت تقرأ له بصوت مرتفع من ~~كتابها المفضل «قادة اسكتلندا»، ولكنه كان يعرف بالفعل الكثير مما حدث في تلك الرواية ~~- فمن الذي لا يعرف ويليام والاس؟ - ولكنها كانت تقرأ بسلاسة وبسرعة مناسبة، وكانت ~~نبرة قراءتها في بعض المواضع نبرة مهيبة، وفي أخرى مرعبة، وفي أخرى فكاهية؛ مما جعله ~~يقع في أسر الكتاب، تماما كما كانت هي أيضا، على الرغم من أنها قالت إنها قد قرأته ~~من قبل اثنتي عشرة مرة. # بات يفهم الآن على نحو أفضل قليلا لماذا كانت تسأله كل هذه الأسئلة؛ كان يذكرها هو ~~وأهله ببعض الناس في كتابها، هؤلاء الذين كانوا يعيشون على التلال وفي الأودية في ~~العصور القديمة. ماذا سيكون موقفها إذا عرفت أن هذا «الرجل العجوز»، راوي القصص ms059 ~~القديمة، الذي يسرد قصصه في كل أرجاء السفينة، ويجبر الناس على الاستماع إليه كما لو ~~أنهم كانوا أغناما وهو الكلب الراعي لهم؛ هو والد والتر؟ # ربما ستكون مسرورة جدا، وسيزيد فضولها أكثر من ذي قبل بشأن عائلة والتر. لن تنظر ~~إليهم باستعلاء، وإنما على نحو خارج عن سيطرتها أو لا تستطيع فهمه. # وصلنا إلى مناطق الصيد في نيوفاوندلاند في الثاني عشر من يوليو، ورأينا في ~~التاسع عشر البر، وبعث هذا المنظر البهجة في نفوسنا. كانت تلك الأرض جزءا ~~من نيوفاوندلاند. أبحرنا بين نيوفاوندلاند وجزيرة سانت بول، ونظرا لأن الريح ~~كانت جيدة في يومي الثامن عشر والتاسع عشر، وجدنا أنفسنا في النهر في صباح يوم ~~العشرين، والبر الرئيسي لأمريكا الشمالية على مرمى بصرنا. أيقظونا في الساعة ~~الواحدة صباحا، وأعتقد أن كل راكب كان بحلول الساعة الرابعة صباحا قد ~~استيقظ وأخذ يحد النظر في البر، المغطى كله بالغابات، وكان هذا منظرا جديدا ~~علينا تماما. كانت هذه الأرض جزءا من نوفا سكوشا، وبلدا مرتفعا جميلا. ~~رأينا في ذلك اليوم حيتانا عديدة، وهي مخلوقات لم أرها من قبل في ~~حياتي. # كان هذا هو يوم العجائب؛ الأرض كانت تغطيها الأشجار كغطاء الشعر للرأس، والشمس كانت ~~تشرق في خلفية السفينة مفترشا ضوءها قمة الأشجار العالية. السماء كانت صافية ومشرقة ~~كطبق مصقول، والماء كانت تداعبه الرياح فيضطرب على نحو لعوب. لقد ذهب كل غمام الضباب، ~~وامتلأ الهواء بالرائحة الراتنجية للأشجار. وأخذت الطيور البحرية تطير بسرعة فوق ~~الأشرعة، التي كانت كلها ذهبية اللون وكأنها مخلوقات من الجنة، لكن البحارين ~~أطلقوا بعض الطلقات ليبعدوها عن حبال الأشرعة والصواري. # همت ماري برفع جيمس الابن لكي يتذكر دائما هذا الظهور الأول للقارة التي ستكون ~~وطنه للأبد. أخبرته باسم هذه الأرض؛ نوفا سكوشا. # ثم قالت له: «يعني الاسم اسكتلندا الجديدة.» # سمعتها أجنيس، فسألتها: «إذن، لماذا لا يسمونها هكذا؟» # ردت ماري: «إن هذا الاسم باللغة اللاتينية، بحسب اعتقادي.» # نخرت أجنيس بضجر. كانت الطفلة قد استيقظت في وقت مبكر بسبب الضجيج والاحتفال، وقد ~~أصبحت ms060 الآن حزينة، تريد أن ترضع طوال الوقت، وكانت تبكي كلما حاولت أجنيس التوقف عن ~~إرضاعها. لاحظ جيمس الابن كل هذا عن قرب، وقام بمحاولة ليرضع من الثدي الآخر الذي لا ~~ترضع منه أخته، فضربته أنجيس بشدة مما جعله يترنح. # ثم صرخت فيه قائلة: «غلام شقي!» صرخ باكيا قليلا، ثم زحف من ورائها وقرص أصابع ~~قدم الطفلة. # ضربة قوية أخرى. # قالت والدته: «إنك حقير، حقير فعلا. ثمة شخص أمعن في تدليلك حتى ظننت أنك صرت ~~رجلا بحق.» # كان صوت أجنيس العالي يجعل ماري تشعر دائما وكأنها على وشك أن تأخذ صفعة ~~منها. # جلس جيمس الأب معهم على سطح السفينة، ولكنه لم يعر هذا الخلاف العائلي أي ~~انتباه. # قالت ماري في حيرة: «هل ستأتي وتنظر إلى البلد يا أبي؟ تستطيع أن ترى المنظر على نحو ~~أفضل من خلال السور.» # رد جيمس الأب قائلا: «أستطيع أن أراه على نحو جيد بالقدر الكافي.» لم تكن نبرة ~~صوته تحمل أي شيء يدل على أن ما يرونه من مناظر مرض بالنسبة إليه. # قال جيمس: «كانت إتريك في قديم الزمان مغطاة بالأشجار. سكنها الرهبان في البداية، ~~وبعد ذلك أصبحت الغابة الملكية. كانت هي غابة الملك، وكانت مليئة بشجر الزان، وشجر ~~البلوط، وشجر الغبيراء.» # ردت ماري، وقد أصبحت أكثر جرأة من المعتاد بسبب الأمور الجديدة وغير المعتادة التي ~~بدت لهم في ذلك اليوم: «هل كانت توجد أشجار كثيرة كهذه؟» ~~«أشجار أفضل من تلك، وأقدم. وكانت مشهورة في جميع أنحاء اسكتلندا باسم «غابة إتريك ~~الملكية».» # وأكملت ماري حديثها قائلة: «ونوفا سكوشا هي المكان الذي يعيش فيه أخي جيمس.» # فرد: «ربما نعم وربما لا. من السهل أن يموت المرء هنا دون أن يعرف أحد عن موته ~~شيئا. من الممكن أن يكون قد أكلته حيوانات مفترسة.» # قالت أجنيس لجيمس الابن الذي يحوم حولها وحول الطفلة، متظاهرا بأنه غير عابئ بهما: ~~«اقترب من هذه الطفلة مرة أخرى، وسأعاقبك عقابا شديدا.» # كانت أجنيس تعتقد أنه استحق ما حدث له، ذلك الشخص الذي لم ms061 يكلف نفسه حتى عناء ~~وداعها قبل أن يغادر. لكنها كانت تتمنى ظهوره في وقت ما ليراها متزوجة من أخيه، وذلك ~~حتى يتعجب، ويدرك أيضا في النهاية أنه لم يستطع النيل منها. # تعجبت ماري كيف لأبيها أن يتكلم بهذه الطريقة، كيف يتحدث عن أن الحيوانات المتوحشة ~~ربما تكون قد أكلت ابنه! هل هذا يبين كيف يستحوذ حزن السنين على المرء، فيحول ~~قلبه إلى حجر، وذلك حسب كلمات الأغنية القديمة؟ ثم هب الأمر كذلك، فإلى أي مدى من ~~الازدراء واللامبالاة يمكن أن يتحدث عنها، وهي التي لم تكن تعني له ولو جزءا ضئيلا ~~مما يعنيه له أولاده؟ ~~••• # لقد أحضر شخص ما آلة كمان إلى سطح السفينة، وأخذ يضبطها ليعزف عليها. وقد شتتت ~~أصوات العزف هذه انتباه الذين كانوا عالقين على سور السفينة، يشير كل منهم إلى الآخر، ~~لما كان بإمكان أي منهم رؤيته بنفسه - إضافة إلى تكرار الاسم الذي بات يعرفه الجميع ~~الآن؛ نوفا سكوشا - ثم بدءوا يتنادون من أجل الرقص. ذكروا أسماء الرقصات الشعبية ~~الاسكتلندية التي يريدون من عازف الكمان أن يعزف موسيقاها. تم إخلاء مكان للرقص، ~~واصطف كل اثنين للرقص بنوع من الترتيب، وبعد فترة تعالت فيها صيحات التشجيع النافد ~~صبرها وصرير ضبط الكمان المزعج، بدأ العزف وانتظم اللحن وبدأ الرقص. # الرقص في الساعة السابعة صباحا. # صعد أندرو من أسفل حاملا ما يحتاجونه من الماء. وقف قليلا يشاهد الرقص، ثم فاجأ ~~ماري بأن طلب منها الرقص معه. # قالت أجنيس على الفور: «ومن الذي سيعتني بالولد؟ لن أقوم من فراشي لأجري وراءه ~~وأمسك به.» لقد كانت مغرمة بالرقص، ولكن لا يمكنها الرقص الآن، ليس فقط بسبب رضاعة ~~الطفلة، ولكن بسبب تقرح أعضاء جسدها التي تأثرت بشدة أثناء الولادة. # رفضت ماري من جانبها، قائلة إنها لن تستطيع أن تشاركه الرقص، ولكن أندرو قال: ~~«سنربطه بأمه بحبل.» # ردت ماري: «لا، لا، ليس لي حاجة بالرقص.» كانت ماري تعتقد أن أندرو يشفق عليها، ~~متذكرا كيف اعتادت أن تترك وحيدة دون أن تشارك في الألعاب ms062 المدرسية وفي الرقص، على ~~الرغم من أنها كانت تستطيع بالفعل الجري والرقص على نحو رائع. كان أندرو هو الوحيد من ~~بين إخوتها القادر على مثل التعاطف، ولكنها كانت تفضل لو عاملها مثلما يعاملها إخوتها ~~الآخرون، وتركها وحيدة كما كانت دائما؛ فالشفقة تغضبها. # بدأ جيمس الابن في التبرم بصوت عال، بعدما سمع كلمة «حبل». # قال له أبوه: «اهدأ، اهدأ وإلا سأضربك بقوة.» # ثم فاجأ جيمس الأب الجميع بصرف انتباهه إلى حفيده. ~~«أنت، أيها الغلام الصغير! أنت ستجلس بجواري.» # قالت ماري: «أوه، إنه لن يجلس. سيجري، ولن تستطيع الجري وراءه يا أبي. سأجلس أنا ~~معه.» # قال جيمس الأب: «سيجلس.» # قالت أجنيس لماري: «حسنا، احسمي الأمر. اذهبي أو ابقي معه.» # نظر جيمس الابن لأجنيس ثم لماري، وتنشق بحذر. # قال جده: «ألا يعرف حتى أبسط الكلمات؟ اجلس هنا يا غلام.» # ردت ماري: «إنها كلمات كثيرة. يعرف اسم ذراع ساري مقدمة السفينة.» # كرر جيمس الابن: «ذراع الساري.» # قال جيمس الأب: «لا تتكلم واجلس هناك.» طأطأ جيمس الابن رأسه على مضض، وجلس في ~~المكان المشار إليه. # أشار جيمس الأب إلى ماري: «الآن، اذهبي.» مضت ماري وهي على وشك البكاء، والحيرة تعلو ~~وجوه الجميع. # قالت أجنيس: «لقد جعلت منه غلاما سيئا.» لم تقل ذلك بالطبع أمام والد زوجها، ولكن ~~بعيدا عنه. كانت تتكلم بقدر من اللامبالاة، وهي تمازح وجنة طفلتها بحلمة ~~ثديها. ~~••• # لم يكن الناس يرقصون على إيقاع الرقص وخطواته، بل يشذون عنهما تماما، وذلك بطول سطح ~~السفينة. كانوا يمسكون بأي شخص ويجعلونه يدور كجزء من الرقص. حتى إنهم كانوا يجتذبون ~~بعض البحارة ويرقصون معهم عندما يتمكنون من ذلك. كان الرجال يرقصون مع النساء، ~~بينما رقص بعض الرجال مع رجال آخرين، ورقص بعض النساء مع نساء أخريات، ورقص ~~الأطفال بعضهم مع بعض، أو كل بمفرده، وذلك دون مراعاة لخطوات الرقص، أو مع اعتراض ~~البعض لطريق الآخرين؛ حيث كان يعترض كل منهم طريق الآخر، وهذا لا يهم. كان بعض ~~الأطفال يرقصون في مكان ما، وأخذوا يدورون مع تشبيك ms063 أذرعتهم معا في الهواء، حتى شعروا ~~بدوار شديد، فسقطوا على الأرض. وبعد ثانيتين، وقفوا على أقدامهم، متعافين من الدوار ~~الذي كان قد أصابهم، ومستعدين للشروع في نفس الأمر من جديد. # أمسكت ماري يد أندرو، وها هي تدور حوله، ثم تنتقل للآخرين، لمن ينحني لها ويدفع جسدها ~~الصغير في الهواء. غاب جيمس الابن عن بصرها، ولم يعد بإمكانها معرفة إن كان قد بقي مع ~~جده أم لا. ترقص منخفضة في مستوى الأطفال، على الرغم من أنها أقل جرأة وبهجة. وفي ظل ~~كثرة الأجساد كانت عديمة الحيلة، أصبحت غير قادرة على التوقف؛ يجب أن تتحرك مع أنغام ~~الموسيقى وتدور معها وإلا ستسقط على الأرض. ~~••• # قال جيمس الأب: «أنصت؛ الآن تنصت وسأقص عليك القصة. هذا الرجل العجوز، ويل ~~أوفوب؛ جدي - كان جدي كما أنني جدك - كان يجلس خارج منزله في المساء مسترخيا، وكان ~~الطقس صيفيا معتدلا. كان بمفرده. وكان هناك ثلاثة أولاد صغار أكبر منك قليلا، ~~أتوا إلى منزل ويل. وألقوا عليه تحية المساء قائلين: «مساء الخير يا ويل ~~أوفوب.» # فرد عليهم: «مساء الخير يا صغار، كيف يمكنني مساعدتكم؟» # أجابوه قائلين: «هل يمكنك أن تعطينا سريرا نبيت عليه الليلة أو مكانا لننام ~~فيه؟» قال: «نعم، نعم. أعتقد أنه لا توجد مشكلة في توفير مكان لثلاثة من الصغار مثلكم ~~للمبيت فيه.» ودخل المنزل وهم من ورائه، ثم قالوا: «بالمناسبة، هل يمكن أن تعطينا ~~المفتاح أيضا؛ المفتاح الفضي الكبير الذي أخذته منا؟» أخذ ويل ينظر حوله، ويبحث عن ~~المفتاح، وهو يقول في نفسه: أي مفتاح هذا؟ ثم التفت ليسألهم: أي مفتاح هذا؟ لأنه ~~كان يعرف أنه لم يكن لديه هذا الشيء في حياته، لم يكن لديه من قبل مفتاح كبير ~~أو مفتاح فضي. وعندما التفت ليسألهم لم يجدهم! فخرج من المنزل، وأخذ يبحث عنهم ~~حول المنزل، ثم في الطريق. لكن لم يجد لهم أثرا. فنظر في التلال بحثا عنهم. لم يكن ~~لهم أي أثر.» ~~«ثم أدرك هول الأمر. هم لم يكونوا أولادا صغارا على الإطلاق. ms064 آه، لا. لم يكونوا ~~صغارا على الإطلاق!» # لم يصدر جيمس الابن أي صوت. وجد خلفه الحائط السميك الذي يفصلهم عن الراقصين ~~والجلبة التي يحدثونها، وإلى الجنب أمه، موجودة مع وحش صغير يعض في جسدها. وكان ~~يجلس أمامه الرجل العجوز بصوته العالي، اللافت ولكن البعيد، ونفخات نفسه الكريه ~~الرائحة، وشعوره بالاستياء والأهمية الذي يحاكي بالضبط شعور الطفل، وطبيعته الجائعة ~~والماكرة والظالمة. هذه هي المواجهة الواعية الأولى لجيمس الابن مع شخص متمركز حول ذاته ~~تماما مثله. # استطاع بالكاد أن يركز ليظهر أنه لم يهزم تماما. # وقال: «المفتاح. المفتاح؟» ~~••• # لمحت أجنيس أندرو وهي تشاهد الرقص، فوجدت احمرارا في وجهه وثقلا في حركته، وكان ~~يرقص ممسكا بيد العديد من النساء المرحات. إنهم يؤدون الآن رقصة «ستريب ذا ويلو». لا ~~توجد فتاة واحدة يثير شكلها أو رقصها حفيظة أجنيس. كما أنها لم تكن لتقلق من أندرو على ~~أي حال. ولكنها رأت ماري تدور، والتورد في وجهها، على الرغم من أنها كانت خجولة جدا ~~وقصيرة جدا بحيث كانت لا تقوى على النظر لأي شخص في وجهه. ورأت المرأة التي لا أسنان ~~لها تقريبا التي كانت تشبه الساحرات، والتي ولدت طفلا بعدها بأسبوع، وهي ترقص مع ~~زوجها صاحب الخدين الغائرين. فلم تكن تعاني من تقرح في أعضاء جسدها. لا بد أنها قد ~~أسقطت الطفل بسهولة كما لو كان جرذا، ثم أعطته لواحدة من بناتها النحيفات كي تعتني ~~به. # ورأت أيضا السيد سوتر، الجراح، وهو يلهث، مبتعدا عن امرأة تريد الإمساك به، ~~متملصا من الرقص وقد أتى ليلقي عليها التحية. # تمنت ألا يفعل ذلك. فها هو الآن سيعرف من هو والد زوجها، وقد يضطر إلى سماع ~~ثرثرة ذلك العجوز الأحمق. كان سيلقي نظرة على أغراضهم وملابسهم الريفية التي هي الآن ~~غير نظيفة. كان سيرى أجنيس على حقيقتها. # قال: «إذن، ها قد وجدتك. ها أنت مع كنزك.» # لم تسمع أجنيس من قبل هذه الكلمة تستخدم للإشارة إلى طفل. بدا وكأنه يتحدث إليها ~~بالطريقة التي قد يتحدث بها إلى شخص ms065 من معارفه، ربما سيدة راقية، وليس كطبيب يتحدث ~~إلى مريضة. أربكها هذا السلوك، ولم تعرف كيف ترد عليه. # قال لها: «هل طفلتك بخير؟» كان لا يزال يلتقط أنفاسه بعد الرقص، ووجهه، رغم أنه غير ~~متورد، غطاه عرق خفيف. ~~«نعم.» ~~«وأنت؟ هل استرددت عافيتك؟» # هزت كتفيها قليلا، لكيلا تنزع حلمة ثديها من طفلتها. ~~«بشرتك صافية على أي حال، وهذه علامة جيدة.» # اعتقدت أنه كان يتنهد أثناء قوله هذا الكلام، وتساءلت هل هذا ربما يرجع لكون بشرته ~~هو، عندما ترى في ضوء الصباح، تكون شاحبة كشرش اللبن. # ثم سألها إن كانت تأذن له بالجلوس والتحدث إليها لبعض الوقت. وارتبكت للمرة الثانية ~~بسبب رسميته، ولكنها ردت عليه قائلة إنه لا مانع لديها. # نظر والد زوجها إلى الجراح - وإليها أيضا - نظرة ازدراء، ولكن السيد سوتر لم ~~يلحظها، ربما لم يدرك حتى أن هذا الرجل العجوز، والولد ذا الشعر الأشقر الذي يجلس ~~مستقيم الظهر ومواجها للرجل العجوز؛ لهما علاقة بها. # قال: «إن الرقص رائع جدا. ولا تسنح للمرء فرصة أن يقرر مع من يرقص. وإنما يجري ~~اجتذابه من قبل الجميع ومن قبل صنوف شتى من البشر.» ثم سألها: «ماذا ستفعلين في غرب ~~كندا؟» # بدا السؤال لها أسخف ما يكون. هزت رأسها وفكرت ماذا عساها أن تقول؛ سوف تغسل ~~وتخيط وتطبخ، وبالتأكيد سترضع أطفالا أكثر. ولن يمثل المكان الذي ستقوم فيه بكل هذا ~~أهمية كبيرة بالنسبة إليها. سيكون في منزل ما، ليس أحد المنازل الأنيقة. # عرفت الآن أن هذا الرجل معجب بها، وكيف ذلك؟ تذكرت أصابعه وهي تمر على جسدها. ~~ما الضرر الذي يمكن أن يحدثه ذلك لامرأة لديها طفلة ترضعها؟ # شعرت بأن عليها إظهار قليل من اللطف له. # فقالت له: «ماذا ستفعل أنت؟» # ابتسم وقال إنه يعتقد أنه سيواصل العمل فيما قد تدرب على فعله، وأن الناس في ~~أمريكا - كما سمع - في حاجة إلى أطباء وجراحين تماما مثل غيرهم في جميع أنحاء ~~العالم. # وأضاف: «لكنني لا أريد أن أقيد بالإقامة في إحدى المدن. أود أن ms066 أذهب بعيدا حيث ~~نهر المسيسيبي، على الأقل. لقد كان كل شيء خلف هذا النهر تمتلكه فرنسا، كما تعلمين، ~~أما الآن، فهو ملك لأمريكا، والباب الآن مفتوح على مصراعيه، حيث يستطيع أي شخص أن يذهب ~~إلى هناك، غير أنه من الممكن أن يصطدم بالهنود. ولا يقلقني هذا الأمر أيضا. فحيثما ~~يكون قتال مع الهنود، تصبح الحاجة إلى جراح أشد.» # لم تكن تعرف أي شيء عن نهر المسيسيبي الذي يتحدث عنه، لكنها كانت تعرف أنه لا ~~يبدو كمقاتل؛ فهو لم يكن يبدو وكأنه يستطيع أن يصمد في شجار مع الأولاد الصغار ~~المشاغبين في هويك، ناهيك عن معركة مع الهنود الحمر. # تمايل راقصان على مقربة كبيرة منهما، بحيث جلبا الهواء على وجهيهما. كانت فتاة ~~صغيرة، طفلة في واقع الأمر، أخذت تنورتها تطير، ولم يكن الشخص الذي يرقص معها سوى أخي ~~زوجها، والتر. انحنى والتر على نحو سخيف لأجنيس والجراح ووالده، ودفعته الفتاة ~~وجعلته يدور، وأخذ يسخر منها. فقد كانت متأنقة في ملبسها مثل السيدة الصغيرة، وقد وضعت ~~أشرطة في شعرها. كان وجهها منيرا من السعادة، وخداها لامعان مثل المصابيح، وكانت ~~تتعامل مع والتر بأريحية كبيرة، كما لو أنها كانت ممسكة بدمية كبيرة. # قال السيد سوتر: «هل هذا الفتى صديقك؟» ~~«لا، إنه أخو زوجي.» # لم تتمالك الفتاة نفسها من الضحك، عندما تسببت هي ووالتر؛ بسبب عدم اكتراثها، في ~~إسقاط راقصين آخرين أثناء الرقص. ولم تستطع الوقوف من شدة الضحك، واضطر والتر ~~لمساعدتها على النهوض. ثم اتضح أنها لا تضحك، ولكنها في نوبة سعال، وفي كل مرة ~~تكون النوبة على وشك التوقف، كانت تضحك، فتعود النوبة مرة أخرى. ضمها والتر إليه ~~وتحرك بها وهو شبه حامل لها إلى سور السفينة. # قال السيد سوتر، وقد تحولت عيناه بسرعة إلى الطفلة الرضيعة قبل أن يركز مرة أخرى ~~على الفتاة: «توجد فتاة واحدة هنا لن يكون لها أبدا طفل ترضعه من صدرها. أشك أن ~~تلك الفتاة ستعيش لفترة طويلة بالقدر الكافي بحيث ترى الكثير في أمريكا. أليس لديها ms067 ~~أحد ليعتني بها؟ كان يجب ألا يسمح لها بالرقص.» # وقف كي يتمكن من رؤية الفتاة بينما يمسكها والتر عند السور. # وقال: «لقد أوقفت هناك. لا يوجد نزف، ليس هذه المرة على الأقل.» # لم تكن أجنيس تهتم بأغلب الناس، لكنها كانت تستطيع أن تشعر بأي رجل يهتم بها، وكانت ~~تستطيع أن ترى الآن أنه راض عن رأيه الذي صرح به بشأن هذه الفتاة الصغيرة. وكانت ترى ~~هي أن هذا مرجعه حتما إلى حالته الشخصية؛ لا بد أنه كان يعتقد أن حاله لم يكن بالغ ~~السوء بالمقارنة مع حال تلك الفتاة. # كان يوجد صراخ عند سور السفينة، ولم يكن الأمر متعلقا بالفتاة ولا بوالتر. ثم ~~صرخة أخرى، وانصرف الكثير من الناس عن الرقص مسرعين لينظروا إلى الماء. نهض السيد سوتر ~~من جلسته وتحرك بضع خطوات في ذلك الاتجاه، تابعا الحشد، ثم عاد. # وقال: «حوت. يقولون إنهم شاهدوا حوتا يبتعد من هذا الجانب.» # صرخت أجنيس بصوت غاضب قائلة: «اجلس أنت هنا»، وقد التفت إليها مندهشا. لكنه رأى ~~أنها كانت توجه كلماتها إلى جيمس الصغير، الواقف على قدميه. # قال السيد سوتر وكأنه قد اكتشف شيئا غير عادي: «إنه ولدك إذن، أليس كذلك؟ هل يمكنني ~~أن أحمله ليلقي نظرة؟» ~~••• # وهكذا رأت ماري - التي تصادف أن رفعت وجهها لأعلى وسط حشد الركاب - جيمس الابن، ~~وزاد ذهولها، وهي تراه محمولا عبر سطح السفينة بين ذراعي رجل غريب مسرع، رجل أسود ~~الشعر شاحب الوجه ورابط الجأش على الرغم من دماثته الماكرة والذي كان يعد بالتأكيد ~~غريبا. سارق أطفال أو قاتل أطفال، متجه إلى سور السفينة. # صرخت صرخة مدوية كان من شأنها أن تجعل أي شخص يعتقد أنها في قبضة الشيطان، وقد ~~أفسح الناس الطريق لها كما يفعلون أمام كلب مجنون. # صرخت قائلة: «اقبضوا على هذا اللص، اقبضوا على هذا اللص. خذوا الولد منه. أمسكوه! ~~جيمس، جيمس! اهرب منه!» # دفعت نفسها بقوة للأمام وأمسكت كاحلي الطفل، وأخذت تجذبه بعنف، مما جعله يصرخ بخوف ~~وغضب. كاد الرجل الذي كان يحمله ms068 أن يسقط ولكنه لم يترك الطفل. تمسك الرجل بالطفل ~~ودفع ماري بقدمه . # صرخ فيمن حولهما: «امسكوا ذراعيها!» وأخذ يلهث. ثم أضاف: «إنها مصابة بنوبة.» # شق أندرو طريقه بين الناس الذين كانوا ما زالوا يرقصون والآخرين الذين توقفوا عن ~~الرقص ليشاهدوا المأساة. استطاع بطريقة ما الإمساك بماري وجيمس الابن، وأوضح أن هذا ~~الطفل هو ابنه، وأن السيدة هي أخته، وأن الأمر لا علاقة له بالنوبات المرضية. أفلت جيمس ~~الابن نفسه من والده وذهب إلى ماري، ثم أخذ في ركلها لتتركه. # شرح السيد سوتر باختصار كل ما حدث مقدما اعتذاره واحترامه لهم. وخلال ذلك، وبعد ~~أن استعاد جيمس الابن نشاطه، إذا به يصرخ أكثر من مرة قائلا إنه لا بد أن يرى الحوت. ~~أصر جيمس على هذا وكأنه كان يعرف تماما ما هو الحوت. # أخبره أندرو بما سيحدث له إذا لم يوقف الجلبة التي كان يحدثها. # قال الجراح: «لقد توقفت لدقائق قليلة لأتكلم مع زوجتك، لأسألها إن كانت بصحة جيدة ~~أم لا. لم يكن لدي وقت لأودعها؛ لذلك يجب أن تودعها نيابة عني.» ~~••• # كان ثمة حيتان كثيرة استطاع جيمس الابن أن يشاهدها طوال اليوم، وكذلك شاهدها ~~الجميع حتى أصابهم الضجر. فقد مل الناس من النظر إلى الحيتان. # قال جيمس الأب موجها حديثه إلى السماء: «هل من أحد غير هذا الوغد المهندم كان ليجلس ~~هكذا يتحدث إلى امرأة عارية الصدر؟» # ثم اقتبس من الكتاب المقدس آيات تتحدث حول الحيتان: ~~«هناك تجري السفن. لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه»، ~~«الحية الهاربة. لوياثان الحية المتحوية ويقتل ~~التنين الذي في البحر.» # لكنه لم يكن ليكلف نفسه عناء الذهاب وإلقاء نظرة عليها. # ظلت ماري غير مقتنعة بقصة الجراح. بالطبع، كان لا بد أن يقول لأجنيس إنه سيأخذ ~~الطفل ليلقي نظرة على الحوت، لكن هذا لا يجعل القصة حقيقية بالنسبة إليها. فحين كانت ~~تبرز فجأة في عقلها صورة هذا الرجل الشرير وهو يحمل جيمس الابن، وكانت تشعر في داخلها ~~بقوة صرختها، كانت تندهش وتشعر بالسعادة. كانت لا تزال تعتقد ms069 أنها هي التي ~~أنقذته. ~~••• # كان والد نيتي يدعى السيد كاربرت. وكان يجلس أحيانا ويستمع إلى نيتي وهي تقرأ ~~لوالتر أو تتحدث معه. وفي اليوم التالي للاحتفال والرقص، عندما كان الكثير من الناس ~~في حالة مزاجية سيئة بسبب الإنهاك والبعض الآخر بسبب شرب الويسكي، ولا تكاد ترى شخصا ~~واحدا ينظر إلى الشاطئ، بحث السيد كاربرت عن والتر ليتحدث إليه. # وقال له: «إن نيتي منجذبة إليك جدا، حتى إنها ترى أنك لا بد أن تأتي معنا إلى ~~مونتريال.» # ضحك ضحكة اعتذارية، وضحك والتر أيضا. # رد والتر: «لا بد أنها تعتقد أن مونتريال توجد في غرب كندا.» ~~«لا، لا. أنا لا أمزح. بحثت عنك لأتحدث معك متعمدا ألا تكون حاضرة معنا. أنت رفيق ~~جيد لها، ويسعدها أن تكون معك. وأرى أنك فتى ذكي وعاقل وسوف تبلي بلاء جيدا إذا ~~عملت معي.» # قال والتر، وقد اندهش بشدة حتى كان في صوته نبح بسيط: «أنا هنا مع أبي وأخي. سنحصل ~~على أرض.» # رد قائلا: «حسنا. إذن، أنت لست الابن الوحيد لوالدك. ربما لا توجد أراض جيدة ~~تكفيكم كلكم. وقد لا تريد أن تظل مزارعا طيلة حياتك.» # قال والتر في نفسه: هذا صحيح. # قال: «في رأيك، كم عمر ابنتي الآن؟» # لم يستطع والتر التفكير. وهز رأسه تعبيرا عن عدم معرفته بالأمر. # قال والد نيتي: «هي في الرابعة عشرة من عمرها أو تقترب من الخامسة عشرة. لن تظن أن ~~هذا هو عمرها، أليس كذلك؟ لكن هذا لا يهم، ليس هذا هو ما أردت أن أتحدث عنه. وأنا لا ~~أتحدث عنك ولا عن نيتي، ولا عن أي مما سيحدث في السنوات القادمة. هل فهمت هذا؟ لا تهم ~~السنوات القادمة. لكنني أطلب منك أن تأتي معنا وأن تجعلها الطفلة التي هي عليها الآن ~~وتسعدها بصحبتك. ثم إنني بالطبع سأكافئك على ذلك، وسيكون لك عمل أيضا، وإذا صار كل شيء ~~على ما يرام، فيمكنك أن تتوقع المزيد من التقدم.» # رمق كل منهما في تلك اللحظة نيتي وهي تتقدم تجاههما. أخرجت ms070 لسانها لوالتر، بسرعة ~~شديدة، حتى إن أباها لم يلحظ ذلك على ما يبدو. # قال والدها: «دعنا نتوقف الآن عن الحديث في هذا الأمر. فكر جيدا، وخذ وقتك قبل ~~أن تخبرني برأيك. لكن الأفضل ألا تتأخر في تحديد موقفك.» # توقفت سفينتنا لقلة الرياح في يومي الحادي والعشرين والثاني والعشرين، أما في ~~يوم الثالث والعشرين فكانت الريح أكثر، ولكن فيما بعد الظهيرة فزع الجميع بسبب ~~هبوب ريح شديدة صاحبها رعد وبرق، وكانت مخيفة جدا، وأدت للمرة الثانية ~~إلى تمزيق أحد الأشرعة الرئيسية بالسفينة، والتي كان قد تم تصليحها توا. ~~استمرت الريح الشديدة لنحو 8 أو 10 دقائق. وفي يوم الرابع والعشرين كانت ~~الرياح معتدلة؛ مما سهل لنا التقدم باتجاه النهر، حيث أصبح الطريق أكثر ~~ضيقا، بحيث رأينا اليابسة على جانبي النهر. ولكننا توقفنا بسبب قلة الرياح مرة ~~ثانية حتى يوم الحادي والثلاثين، عندما هبت ريح خفيفة استغرقت ساعتين فقط ~~... # لم يستغرق والتر وقتا طويلا ليتخذ قراره. كان يعرف قواعد اللياقة جيدا، فشكر السيد ~~كاربرت، ولكنه قال له إنه لم يفكر في العمل في مدينة ما، أو في أي وظيفة داخلية. كان ~~يعني أنه أراد أن يعمل مع عائلته حتى يبنوا منزلا ويحصلوا على أرض للزراعة، ثم بعد ذلك ~~عندما لا يحتاجون إلى مساعدته، كان يفكر في أن يتاجر مع الهنود، مستكشفا من نوع ما. ~~أو أن يصبح عامل منجم ذهب. # قال له السيد كاربرت وهما يمشيان عدة خطوات معا، جنبا إلى جنب: «كما تشاء. يجب أن ~~أعترف أنني ظننتك أكثر جدية من ذلك. لحسن الحظ أني لم أقل شيئا لنيتي.» # لكن نيتي كانت على علم بموضوع كلامهما معا. وقد أخذت تلح على والدها حتى أخبرها ~~بما حدث، فأخذت تبحث عن والتر حتى وجدته. # وقالت له بصوت أكثر نضجا مما اعتاد أن يسمعه منها قبل ذلك: «لن أتحدث معك مرة ~~أخرى من الآن فصاعدا. ليس هذا لأني غاضبة، ولكن فقط لأنني إذا استمررت في الحديث إليك، ~~فسأضطر للتفكير طوال الوقت في أنني قريبا ms071 ما سأودعك. لكني إذا توقفت عن الحديث إليك ~~الآن، فسأكون قد ودعتك بالفعل، بحيث ينتهي الأمر كله قريبا.» # قضت الوقت المتبقي في المشي برزانة مع أبيها وهي مرتدية أفخم ثيابها. # كان والتر يشعر بالأسى عند رؤيتها - ففي عباءاتها وقلنسواتها النسائية، كانت تبدو ~~بائسة وأكثر طفولية من ذي قبل، كما كانت طريقتها في إظهار الغطرسة مؤثرة - لكن كان ~~ثمة الكثير من الأمور التي تستحوذ على انتباهه، حتى إنه نادرا ما كان يفكر فيها ~~عندما لا تكون أمام عينيه. # سوف تمضي السنون قبل أن تعاود الظهور في عقله، ولكن عندما يحدث ذلك، فإنه سيجد أنها ~~كانت مصدرا للسعادة، وستظل كذلك حتى يوم وفاته. وأحيانا سيسلي نفسه بالتفكير فيما كان ~~من الممكن أن يحدث إذا ما قبل عرض والدها. ومن الأمور التي سيستعيدها في ذهنه بأكبر ~~قدر من التكتم والخصوصية تخيله لها وقد استعادت صحتها ونضارتها واكتسبت جسدا طويلا ~~وأنثويا، وحياتهما معا. وهو كرجل قد يخفي مثل هذه الأفكار المضحكة في نفسه. # أتت قوارب عديدة من اليابسة بمحاذاة سفينتنا، بها سمك وشراب رم وأغنام حية ~~وتبغ وأشياء أخرى، باعوها لنا بأسعار عالية جدا. في الأول من أغسطس، هبت ~~ريح خفيفة. وفي صباح يوم الثاني مررنا بجزيرة أورليانز، وفي الساعة السادسة ~~صباحا تقريبا كانت كيبك بادية لنا، وكنا في حالة صحية جيدة، حسبما أعتقد، ~~كالوقت الذي تركنا فيه اسكتلندا. ومن المفترض أن نبحر إلى مونتريال غدا في ~~سفينة بخارية ... ~~••• # كتب أخي والتر في الجزء السابق من هذا الخطاب يوميات طويلة، أسعى إلى ~~تلخيصها في دفتر صغير. قضينا رحلة بحرية رائعة جدا، وقد حافظنا فيها على ~~صحتنا جيدا. مات ثلاثة فقط من أصل ثلاثمائة مسافر، كان اثنان من الثلاثة ~~مريضين عندما غادرا بلادهما، والثالث طفل ولد في السفينة. وظلت عائلتي ~~على متن السفينة تتمتع بحالة صحية جيدة، كالتي كانت عليها في اسكتلندا. لا ~~يمكننا التعليق بعد على الوضع في البلد الجديد. ثمة أعداد كبيرة من الناس ~~يهاجرون إلى هنا، ولكن العائد جيد. لا يمكنني أن ms072 أنصح الناس بالمجيء أو عدم ~~المجيء إلى هنا. الأراضي شاسعة جدا هنا، وعدد سكانها ضئيل جدا. أعتقد أننا ~~رأينا أرضا كثيرة يمكن أن تكفي كل سكان بريطانيا، وهي غير مزروعة ومغطاة ~~بالغابات. سنكتب لكم مرة أخرى بمجرد استقرارنا. # عندما أضاف أندرو هذه الفقرة، أقنع جيمس الأب بأن يضيف توقيعه إلى توقيع ~~ولديه قبل أن يقفل هذا الخطاب ويرسل إلى اسكتلندا، من كيبك. فهو لم يكن ليكتب ~~شيئا آخر، وقال في هذا الشأن: «ما الذي عسى أن يمثله هذا الأمر من أهمية بالنسبة إلي؟ ~~إنه لا يمكن أن يكون وطني. إنه ليس سوى المكان الذي سأموت فيه.» # رد أندرو: «إنه سيكون كذلك لنا جميعا. وفي يوم ما، سننظر إليه أكثر كوطن ~~لنا.» ~~«لن أعيش حتى أفعل هذا.» ~~«هل أنت بصحة جيدة يا أبي؟» ~~«أنا كذلك، ولست كذلك.» # أخذ الآن جيمس الابن يلتفت على نحو متقطع إلى الرجل العجوز؛ فقد كان يقف أحيانا ~~أمامه وينظر مباشرة إلى وجهه قائلا له كلمة واحدة، بإصرار قوي، كما لو أنه لا يسعه ~~إلا أن يفتح باب الحديث. # كان يختار نفس الكلمة في كل مرة؛ كلمة «مفتاح». # قال جيمس الأب: «إنه يزعجني. إني لا أحب جرأته. سيعيش هنا لفترة طويلة ولن يتذكر ~~شيئا عن اسكتلندا، المكان الذي ولد فيه أو السفينة التي سافر عليها، وسيبدأ في ~~التحدث بلغة أخرى بالطريقة التي يتبع الناس عندما يذهبون إلى إنجلترا، فقط ستكون أسوأ ~~من طريقتهم. إنه ينظر إلي نظرة تشي بأنه يعرف أنني قد انتهيت أنا وعصري.» # قالت ماري: «سيتذكر العديد من الأمور.» أصبحت ماري أكثر جرأة وانفتاحا في حديثها ~~داخل العائلة منذ فاصل الرقص الذي أقيم على سطح السفينة وحادثة السيد سوتر. # ثم أضافت: «وهو لا يقصد أن تكون نظرته جريئة. إنها تعني فقط أنه مهتم بكل شيء. ~~إنه يفهم ما تقول، على نحو أبعد مما تعتقد. إنه يستوعب كل شيء ثم يفكر فيه. قد يصبح ~~واعظا عندما يكبر.» # على الرغم من نظرتها القاسية لدينها وبعدها عنه، فإنه ms073 ما زال أكثر شيء مميز ~~يمكن أن تتخيل أن يرتبط به شخص ما. # امتلأت عيناها بدموع الحماس، ونظرت إلى الطفل بتحفظات رصينة. # كان جيمس الابن يقف وسطهم؛ زاهي العينين، أشقر، قويا، مفتخرا بنفسه قليلا، ~~متحفظا بعض الشيء، رزينا على نحو غير عادي، كما لو أنه قد شعر بالفعل أن أعباء ~~المستقبل قد ألقيت على عاتقه. # شعر الكبار أيضا بدهشة اللحظة، كما لو أنهم قد حملوا في الأسابيع الستة الماضية ~~ليس على متن سفينة ولكن على موجة واحدة كبيرة، قد أنزلتهم بقوة وسط هذا الضجيج العارم ~~باللغة الفرنسية وصيحات طيور النورس ورنين أجراس الكنائس الكاثوليكية الرومانية؛ صخب ~~كافر تماما. # فكرت ماري في انتزاع جيمس الابن والهرب به إلى داخل جزء ما من مدينة كيبك الغريبة ~~والعمل كخياطة (عرفت من خلال الأحاديث التي دارت على متن السفينة أن تلك المهنة مطلوبة) ~~والتكفل بتربيته بمفردها، كما لو أنها والدته. # فكر أندرو في حال المرء كيف سيكون إذا جاء إلى هنا بمفرده، دون زوجة أو والد أو ~~أخت أو أطفال، دون عبء واحد على ظهره، ماذا يستطيع أن يفعل حينئذ؟ قال في نفسه إنه لا ~~فائدة من التفكير في ذلك. # لقد سمعت أجنيس نساء على القارب يقلن إن الضباط الموجودين في الشوارع هنا هم ~~بالطبع أوسم الرجال الذين يمكن أن تقابلهم أي امرأة في أي مكان في العالم، ورأت الآن أن ~~هذا الكلام حقيقة مؤكدة. ستضطر كل فتاة لأخذ حذرها عندما تكون معهم. لقد سمعت أيضا ~~أن عدد الرجال في أي مكان هنا أكبر من عدد النساء بعشرة أضعاف أو عشرين ضعفا. وهذا ~~يعني بالضرورة أنك تستطيعين أن تحصلي على ما تريدين منهم. الزواج؛ الزواج من أحد ~~الرجال الأغنياء يجعلك تتنقلين في عربة وتشترين أدوات تجميل لتغطي أي وحمة موجودة على ~~وجهك، وترسلين هدايا إلى أمك. هذا إذا لم تكوني متزوجة بالفعل، وتجرين خلفك ~~طفلين. # قال والتر في نفسه إن أخاه قوي، وكذلك أجنيس، التي يمكنها أن تساعده في الأرض، بينما ~~ترعى ماري الطفلين. ms074 إذن، ما الذي يوجب عليه أن يكون مزارعا؟ فعندما يذهبون إلى ~~مونتريال، سيذهب ويلتحق بشركة هدسون باي، وسوف يرسلونه إلى الحدود حيث سيجد الثروة ~~والمغامرة كذلك. ~~••• # لقد شعر جيمس الأب بأنه قد تخلى عن بلده، وها هو قد بدأ في التحسر عليه علانية: ~~«كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟» ~~••• # لكنه تمالك نفسه، وها هو، بعد سنة أو نحو ذلك، في العالم الجديد، في مدينة يورك ~~الجديدة التي كان اسمها على وشك التغيير ليصبح تورونتو. ها هو يكتب رسالة إلى ابنه ~~الأكبر روبرت: ~~... يتكلم الناس هنا لغة إنجليزية جيدة جدا، ويوجد الكثير من كلماتنا ~~الاسكتلندية التي لا يستطيعون فهمها، كما أنهم يعيشون مستقلين إلى حد ~~كبير، بعد انتهاء حكم الملك جورج ... يوجد طريق يتجه شمالا مباشرة من مدينة ~~يورك بطول 50 ميلا، وبيوت المزارع كلها تقريبا تتكون من طابقين. البعض ~~لديه نحو 12 بقرة و4 أو 5 من الخيول؛ لأنهم لا يدفعون سوى مبلغ ضئيل جدا ~~كضرائب، ويتنقلون في عرباتهم الخفيفة مثل اللوردات ... لا يوجد كاهن مشيخي في ~~هذه المدينة حتى الآن، لكن توجد كنيسة إنجليزية كبيرة وكنيسة ميثودية ... يقرأ ~~الكاهن الإنجليزي كل ما يقوله فيما عدا بكائه الدائم في نهاية كل نقطة ~~قائلا: «يا ربي العظيم، نجنا!» في حين أن الكاهن الميثودي يصلي بأعلى ~~صوت عنده، ويكون جميع الناس في الصلاة جاثين على ركبهم يصرخون قائلين: ~~«آمين»، حتى إنك بالكاد تسمع ما يقوله الكاهن، ولقد رأيت بعضهم يقفز لأعلى كما ~~لو أن روحهم وأجسادهم ستصعد إلى الجنة، ولكن أجسادهم كانت عائقا نجسا لهم؛ ~~لأنهم دائما ما كانوا يسقطون مرة أخرى بالرغم من صراخهم: «يا يسوع، يا يسوع»، ~~كما لو أنه هناك وسيسحبهم إليه لأعلى من خلال علية الكنيسة ... الآن، أنصحك يا ~~روبرت بعدم المجيء إلى هنا. اسمع، ربما تكون قد اتخذت قرارك عندما لم تأت معنا ~~إلى هنا، ولا أتوقع أبدا أن أراك مرة أخرى ... فليهبك الرب رضا الساكن ~~في العليقة ... لو كنت أعلم أنك ستتركنا، ما كنت لآتي ms075 إلى هنا، كان هدفي ~~أن تكونوا جميعا بالقرب مني، لقد جعلتني آتي إلى أمريكا، ولكن أفكار الناس ~~باطلة ؛ لأنها أبعدتك عني تماما، لكن لا يمكنني تحمل هذا الآن ... لن أقول ~~المزيد، لكن أرجو أن يكون رب يعقوب هو ربك، وأن يكون دأبك دائما هو صلاتك ~~المخلصة لأبيك المحب حتى الموت ... # ما زال ثمة الكثير من الكلمات في هذا الخطاب الذي نقل كاملا بتواطؤ من هوج، ~~ونشر في مجلة «بلاكوودز»، حيث أستطيع أن أبحث عنه اليوم. # وبعد ذلك بوقت طويل، كتب خطابا آخر وجهه إلى محرر جريدة «ذا كولونيال ~~أدفوكيت»، ونشر الخطاب في الجريدة. في هذا الوقت، كانت الأسرة قد استقرت في ~~إسكوسنج، بغرب كندا. ~~... يتعامل الاسكتلنديون الذين يعيشون هنا بطريقة جيدة مع كل شيء في هذا ~~العالم، ولكنني أخشى أن القليل منهم فقط هم الذين يفكرون فيما سيحصل ~~لأرواحهم عندما يأتي الموت بعد نهاية أيامهم هنا؛ لأنهم قد وجدوا هنا ما ~~يسمونه الويسكي، وقد أعجبهم، وأخذوا يشربونه، حتى إنهم في بعض الأحيان ~~يكونون أسوأ من الثيران أو الحمير ... أستطيع الآن أن أخبرك سيدي ببعض القصص، ~~ولكنني أخشى أن تضع اسمي في جريدتك «كولونيال أدفوكيت»، فأنا لا أحب أن يظهر ~~اسمي في منشورات مطبوعة. ذات مرة، كتبت خطابا صغيرا لابني روبرت في ~~اسكتلندا، ونشره صديقي الشاعر جيمس هوج في مجلة «بلاكوودز»، وعرفني الجميع عبر ~~أمريكا الشمالية قبل أن أعرف أن خطابي قد وصل إلى وطني ... قضى هوج، الرجل ~~الفقير، معظم حياته في اختلاق الأكاذيب، وإذا كانت قراءتي للكتاب المقدس ~~صحيحة، فأنا أعتقد أنه يقول إن جميع الكاذبين سيكون جزاؤهم الإلقاء في البحيرة ~~المتقدة بنار وكبريت. ولكنني أظن أنهم يجدونها تجارة رابحة؛ لأنني أعتقد أن ~~هوج ووالتر سكوت قد حصلا على أموال من الكذب أكثر مما حصل بوستون العجوز ~~والإرسكينيين من كل العظات التي كتبوها ... # وأنا بالتأكيد أحد الكاذبين الذين تحدث عنهم الرجل العجوز، فيما كتبته عن الرحلة ~~البحرية. فإن القصة كلها من تأليفي باستثناء يوميات والتر والخطابين. # أما عن قصة رؤية ms076 فايف من صخرة القلعة، فقد رواها هوج؛ لذلك لا بد أنها صحيحة. ~~••• # ترقد أجساد هؤلاء المسافرين - جميعهم فيما عدا واحد - في جبانة كنيسة بوستون في ~~إسكوسنج في مقاطعة هالتون، تقريبا على مرأى ومسمع الطريق السريع رقم 401 شمال ميلتون، ~~الذي قد يكون في هذا المكان أكثر الطرق ازدحاما في كندا. # الكنيسة - التي بنيت على ما كان في السابق مزرعة أندرو ليدلو - سميت بالطبع على ~~اسم توماس بوستون. وهي مبنية من قوالب سوداء من الحجر الجيري. الجدار الأمامي للكنيسة ~~أكثر ارتفاعا من بقية أجزاء المبنى - ربما على غرار الواجهات الرئيسية للمباني التي ~~كانت توجد في الشوارع الرئيسية القديمة - كما أن لها مدخلا مقنطرا أعلاها، وليس برجا ~~من أجل جرس الكنيسة. # يوجد هنا جيمس الأب. في الحقيقة هو هنا مرتين، أو على الأقل اسمه، مع اسم زوجته، ~~التي كان اسمها هيلين سكوت ودفنت في إتريك عام 1800. يظهر اسمهما على نفس شاهد القبر ~~الذي يحمل اسمي أندرو وأجنيس. ولكن الشيء المدهش هو أن نفس الاسمين مكتوبان على شاهد ~~آخر يبدو أنه أقدم من بقية الشواهد الأخرى في الجبانة؛ فهو عبارة عن لوح حجري أسود ~~ملطخ كالذي يمكن أن تراه في جبانات الجزر البريطانية. قد يتساءل أي شخص يحاول أن ~~يفهم هذا الأمر إن كانوا قد حملوا هذا اللوح عبر المحيط واسم الأم عليه، منتظرين أن ~~يضيفوا إليه اسم الأب؛ وهل كان حملا كبيرا، لف بخيش وربط بحبل متين، نقله ~~والتر إلى مخزن السفينة؟ # ولكن لماذا يتحمل أحد عناء إضافة اسمي الأب والأم لهذا الشاهد الجديد الموضوع ~~على قبر أندرو وأجنيس؟ # يبدو الأمر كما لو أن موت مثل هذا الأب ودفنه أمر يستحق التدوين ~~مرتين. # يوجد قبر ماري المسكينة بالقرب من قبري أبيها وأخيها وزوجته أجنيس، وقد تزوجت في ~~النهاية، ودفنت بجانب زوجها روبرت موراي. كانت النساء قليلات ومن ثم مقدرات ~~في البلد الجديد. لم تنجب ماري وروبرت أطفالا، لكن بعد موت ماري المبكر، تزوج ~~روبرت امرأة أخرى، وأنجب منها أربعة أولاد، توجد قبورهم ms077 هنا أيضا، وقد ماتوا في ~~سن الثانية والثالثة والرابعة والثالثة عشرة على التوالي. ويوجد قبر الزوجة الثانية ~~هنا أيضا ، وقد كتب على شاهد قبرها: «الأم». في حين كتب على شاهد قبر ماري ~~«الزوجة». # وهنا قبر الأخ جيمس، الذي سافر من نوفا سكوشا ليلحق بهم أولا في يورك ثم في إسكوسنج، ~~ويساعد أندرو في الزراعة. أحضر زوجة معه، أو تزوج واحدة من المجتمع الجديد. ربما ~~ساعدت أجنيس في تربية أبنائها قبل أن تلد هي الأخرى؛ فأجنيس حملت عدة مرات، وربت ~~الكثير من الأطفال. وذكر أندرو، في خطاب كتبه لأخويه روبرت وويليام في اسكتلندا، ~~لإعلامهما بوفاة والدهم عام 1829 (بسبب السرطان، الذي لم يسبب له ألما كبيرا إلا ~~عندما اقترب من الموت، بالرغم من «أنه أكل جزءا كبيرا من خديه وفكه»)؛ أن زوجته ~~كانت تشعر بالضعف في السنوات الثلاث الماضية. قد تكون هذه طريقة ملتفة لقول إنها ~~ولدت في هذه السنوات طفلها السادس والسابع والثامن. لا بد أنها قد استردت صحتها ~~بعد ذلك؛ لأنها عاشت حتى تجاوزت الثمانين من عمرها. ~~••• # وهب أندرو الأرض التي بنيت عليها الكنيسة، أو ربما باعها لمن بنى الكنيسة؛ فمن ~~الصعب أن تقيس التدين مقابل المنطق التجاري. يبدو أنه كان ميسور الحال، وإن لم ~~يعش الحياة المترفة التي عاشها والتر؛ فوالتر تزوج من فتاة أمريكية من مقاطعة ~~مونتجوميري في ولاية نيويورك، كانت في الثامنة عشرة عندما تزوجته، وقد توفيت في ~~الثالثة والثلاثين من عمرها بعد ولادة طفلها التاسع. لم يتزوج والتر مرة أخرى، ولكنه ~~عمل في الزراعة بنجاح، وربى أبناءه وضارب في الأراضي، وكتب خطابات إلى الحكومة ~~يشتكي الضرائب المفروضة عليه، وأيضا ليعترض على انضمام المقاطعة إلى أحد الطرق السريعة ~~المقترحة؛ قال إن الفائدة ستعود في المقام الأول على الرأسماليين في بريطانيا. # وعلى الرغم من ذلك، فمن الثابت أنه هو وأخوه أندرو كانا يدعمان الحاكم البريطاني ~~السيد فرانسيس بوند هيد، الذي كان يمثل بكل تأكيد هؤلاء الرأسماليين، ضد ~~التمرد الذي قاده مواطنهم الاسكتلندي ويليام ليون ماكينزي، عام 1837. كتبوا ms078 إلى ~~الحاكم خطاب تملق، بأكثر طريقة ذليلة في عصرهم. ربما يود بعض أحفادهما ألا يكون ~~هذا الأمر صحيحا، لكن لا يوجد ما نستطيع فعله فيما يتعلق بالأمور السياسية لأقاربنا، ~~سواء الأحياء منهم أو الأموات. # وقد استطاع والتر أن يقوم برحلة إلى اسكتلندا، حيث صور نفسه وهو يرتدي ملابس ~~اسكتلندية ويمسك طاقة من الزهور الشائكة. # يظهر أيضا على شاهد القبر الخاص بأندرو وأجنيس (وجيمس الأب وهيلين) اسم ابنتهما ~~إيزابيل، التي ماتت مثل والدتها أجنيس وهي طاعنة في السن. كان تحمل اسم زوجها، ولكن لا ~~توجد إشارة أخرى إليه. # وقد كتب بجانب اسمها: «المولودة في البحر». # ويوجد على هذا الشاهد أيضا اسم أول مولود لأندرو وأجنيس، الأخ الأكبر لإيزابيل، ~~وكذلك تاريخ ميلاده ووفاته. # مات جيمس الابن في غضون شهر من وصول العائلة إلى كيبك. اسمه موجود هنا، لكن لا يمكن ~~بالطبع أن يكون جسده هنا. لم يكونوا قد حصلوا على أرضهم عندما مات، بل إنهم لم يكونوا ~~قد رأوا حتى هذا المكان. ربما يكون قد دفن في مكان ما بطول الطريق من مونتريال إلى ~~يورك أو في مدينة يورك الجديدة المحمومة. ربما في مكان مؤقت بدائي للدفن قد تم ~~رصفه الآن، ربما من دون شاهد في جبانة بحيث يمكن وضع أجساد أخرى يوما ما فوق ~~جسده. مات بسبب حادثة ما في الشوارع المزدحمة لمدينة يورك أو بسبب حمى أو زحار، أو ~~أي من الأمراض أو الحوادث التي كانت تعد الأسباب الشائعة لوفاة الأطفال الصغار في ~~ذلك الوقت. # | إلينوي # في يوم ما في أوائل ثلاثينيات القرن الثامن عشر، تلقى ويليام ليدلو في منطقة ~~الأراضي المرتفعة الاسكتلندية خطابا من أخويه، وقد اشتكيا فيه من عدم مراسلته لهما على ~~مدار ثلاث سنوات، وأخبراه أن والده قد توفي. وما إن تأكد من هذا الخبر، لم يتوان ~~عن الإعداد للذهاب إلى أمريكا. طلب من صاحب العمل الذي يعمل لديه، الكولونيل مونرو ~~(الذي ربما كان واحدا من كثيرين من ملاك الأراضي في منطقة الأراضي المرتفعة ~~الاسكتلندية، الذين تيقنوا ms079 من جدوى تربية الأغنام على يد الرجال الذين يعيشون على ~~الحدود الجنوبية)؛ أن يعطيه خطاب تزكية، وقد وافق على ذلك . انتظر حتى تلد ماري ابنها ~~الرابع - وهو جد جدي توماس - ثم أخذ أسرته وبدأ رحلته. كان أبوه وإخوته يتحدثون عن ~~السفر إلى أمريكا، لكن كانت كندا هي ما يقصدون بالفعل. غير أن ويليام كان يقصد أمريكا ~~على وجه التحديد. وقد ترك وادي إتريك من أجل منطقة الأراضي المرتفعة دون أي ندم، والآن ~~كان على أتم الاستعداد للخروج من كنف الدولة البريطانية كلية؛ فقد كان يقصد ~~إلينوي. # استقر به الحال في جوليت، بالقرب من شيكاجو. # توفي ويليام متأثرا بمرض الكوليرا في جوليت في الخامس من شهر يناير لعام 1839 أو ~~1840، وفي نفس اليوم وضعت زوجته ماري بنتا. # أرسلت خطابا إلى أخويه في أونتاريو - إذ ماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟ - وفي أواخر ~~ربيع ذلك العام عندما جفت الطرق وزرعت المحاصيل، وصل أندرو في عربة تجرها الثيران ~~حتى يحملها هي وأولادها وأغراضهم عائدين إلى إسكوسنج. # قالت ماري: «أين الصندوق المعدني؟ كان آخر ما رأيته قبل أن أهجع إلى النوم. هل نقل ~~بالفعل إلى العربة؟» # أجاب أندرو بالنفي. كان قد عاد لتوه من تحميل لفتين من فرش الأسرة ~~مغطاتين بقماش من الكتان. # قالت ماري في حدة: «بيكي!» بيكي جونسون كانت موجودة هناك، تتأرجح للأمام والخلف ~~فوق كرسي خشبي والطفلة على ذراعيها، وذلك بثبات شديد؛ لأنها كانت ستتكلم إن كانت ~~تعرف مكان الصندوق. غير أن مزاجها كان متعكرا، ولم تنطق ولو بكلمة واحدة في هذا ~~الصباح. والآن لم تكن تفعل شيئا سوى هز رأسها هزة خفيفة نافية معرفتها بمكان ~~الصندوق، وكأن الصندوق وحزم الأغراض وتحميلها والرحيل، الذي كانوا قريبين منه، كل ~~ذلك لا يعني لها أي شيء. # قال أندرو: «هل تفهم ما تقولين؟» كانت بيكي من أصل هندي، وقد ظن أنها خادمة إلى أن ~~أوضحت ماري له أنها جارة لها. # قال أندرو، وكأن بيكي لا أذن لها: «ونحن عندنا جيران أيضا، لكنهم لا يأتون ms080 إلينا ~~ويجلسون في بيوتنا هكذا.» # ردت ماري محاولة أن تسكته: «لقد كانت تساعدني أكثر من أي شخص آخر. وكان أبوها ~~رجلا أبيض.» # قال أندرو: «حسنا»، كما لو أنه كان يريد أن يقول إن ثمة طريقتين للنظر إلى هذا ~~الأمر. # قالت ماري: «لا أعرف كيف يمكن أن يختفي الصندوق من أمام عيني هكذا؟!» # ثم أدارت وجهها عن أخي زوجها ونظرت إلى ابنها الذي كان قرة عين لها. # ثم قالت له: «جوني، ألم تر الصندوق المعدني الأسود؟» # كان جوني يجلس على السرير السفلي في السرير المتعدد الطبقات - الذي كان خاليا من ~~الفرش - ليعتني بأخويه الأصغر منه روبي وتومي كما طلبت منه أمه. ابتكر لعبة، وهي ~~أن يسقط ملعقة بين شرائح أرضية المكان الخشبية ثم يرى من منهما يستطيع أن يخرجها قبل ~~الآخر. وكان من الطبيعي أن يفوز دائما روبي، حتى عندما يطلب جوني منه أن يتباطأ قليلا ~~وأن يعطي فرصة لأخيه الصغير. كان تومي في حالة من الإثارة حتى إنه لم يكن يعبأ - فيما ~~يبدو - بما يحدث؛ إذ قد اعتاد على مثل هذه المواقف من قبل لكونه الابن الأصغر. # هز جوني رأسه نافيا رؤية الصندوق، وكان ذهنه مشغولا، ولم تنتظر ماري منه ما هو ~~أكثر من ذلك. غير أنه تحدث فجأة كما لو كان قد استجمع للتو سؤالها الذي ~~طرحته. # وقال: «جيمي يجلس عليه، بالخارج في فناء البيت.» # ولما خرجت ماري مهرولة، وجدته لا يجلس عليه فحسب، بل غطاه بمعطف والده، وهو ~~المعطف الذي تزوج به ويل. لا بد أنه جاء بهذا المعطف من صندوق الملابس الذي كان ~~موجودا في العربة بالفعل. # صرخت ماري كما لو كانت لا ترى ماذا يفعل الولد، وقالت: «ماذا تفعل؟ ليس من المفروض أن ~~تلمس هذا الصندوق. ثم ماذا تفعل بمعطف والدك بعدما كنت قد وضعته في الصندوق؟ يجب أن ~~أضربك.» # كانت تدرك أن أندرو كان يشاهد كل ما يدور، وربما ظن أن ما حدث منها ما هو إلا ~~توبيخ بسيط. كان قد طلب من جيمي أن ms081 يساعده في تحميل الصندوق إلى العربة، وقد فعل جيمي ~~ذلك وإن كان على مضض منه، ولكنه اختفى خلسة بدلا من أن ينتظر ليرى ما بوسعه أن ~~يساعد فيه خلاف ذلك. عندما وصل أندرو بالأمس، تظاهر الولد بأنه لم يكن يعرفه؛ إذ قال ~~لأمه: «يوجد رجل خارج البيت على الطريق، ومعه عربة وعدد من الثيران»، كما لو لم يكن ~~ينتظر ذلك وكما لو كان لا يعبأ به أبدا. # سألها أندرو إن كان الولد على ما يرام، وكان يقصد إن كان عقل الولد سليما أم ~~لا. # قالت: «إن وفاة أبيه كانت أمرا صعبا عليه.» # رد أندرو وقال: «أقدر ذلك.» ثم عاد وأضاف أن هذا الأمر قد مر عليه وقت طويل ~~الآن. # كان الصندوق مغلقا، وكان مفتاحه مع ماري ترتديه حول عنقها. تساءلت إن كان جيمي يبغي ~~الدخول في الصندوق، وهو لا يدري ذلك. وكانت على وشك البكاء. # وما كان منها إلا أن قالت له: «ضع المعطف في صندوق الملابس كما كان.» # كان في الصندوق المعدني مسدس ويل، والأوراق التي كان يحتاجها أندرو، والتي تتعلق ~~بالبيت والأرض، والخطاب الذي كتبه الكولونيل مونرو قبل أن يتركوا اسكتلندا، وخطاب آخر، ~~وهو خطاب أرسلته ماري بنفسها إلى ويل قبل أن يتزوجا. وكان خطابها هذا ردا على خطاب ~~من خطاباته، وكان أول كلمات تسمعها منه منذ أن ترك إتريك قبل ذلك بسنوات، وقد قال فيه ~~إنه يتذكرها جيدا، وقد كان يظن أنه سيسمع عن زفافها. وكان ردها أنها كانت ستبعث ~~إليه دعوة لحضور زفافها لو أن الأمر كان كذلك. # كتبت تقول: «سأصبح عما قريب مثل التقويم القديم المهمل على الرف، الذي لن يشتريه ~~أحد.» (غير أنها أحست بالخجل عندما أراها هذا الخطاب بعد ذلك بوقت طويل؛ حيث اكتشفت ~~أنها أخطأت في هجاء إحدى الكلمات؛ ذلك أن حياتها معه التي كانت محاطة فيها بالكتب ~~والمجلات كانت قد منحتها قدرة جيدة على الهجاء.) # صحيح أنها كانت تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما عندما كتبت هذا الخطاب، غير أنها ~~كانت ms082 ما تزال واثقة من جمالها؛ إذ لا تجرؤ أي امرأة تشعر بالنقص في هذا الجانب على ~~عقد مقارنة كهذه. وقد أنهت خطابها بدعوته دعوة صريحة لا تخطئها كلماتها؛ إذ قالت: «إذا ~~كنت ستأتي لتخطبني في ليلة قمراء، فأظن أن الأفضلية ستكون لك على من سواك.» # قالت له عندما أراها الخطاب: «يا لها من فرصة يجب انتهازها! ألم يكن عندي أي ~~كبرياء؟» # رد عليها قائلا: «ولا عندي.» ~~••• # وقبل أن يرحلوا عن المكان، أخذت ماري الأولاد إلى قبر ويل لإلقاء نظرة الوداع. حتى ~~الطفلة الصغيرة جين التي لم تكن لتتذكر هذا، غير أنهم كان من الممكن أن يخبروها فيما ~~بعد أنها كانت هناك. # قالت بيكي، وهي تحاول الإبقاء على الطفلة في أحضانها لبضع دقائق أخرى: «هي لا تفهم ~~أي شيء.» لكن ماري أخذت الطفلة من بين ذراعيها، وهذا ما جعل بيكي تتركهم، بل وتخرج ~~من البيت دون حتى أن تودعهم. لقد كانت موجودة عندما ولدت الطفلة، وقد اعتنت بها ~~عندما كانت ماري بمفردها، ولكنها الآن لا تطيق أن تنتظر لتودعهم. # أمرت ماري الأولاد أن يلقوا نظرة الوداع على قبر أبيهم، الواحد تلو الآخر، حتى إن ~~تومي ودع أباه، وكان حريصا على أن يحذو حذو الآخرين. أما جيمي، فكان صوته متعبا ~~وخاليا من أي تعبير، كما لو أن أحدا ما أمره أن يقرأ شيئا ما في المدرسة. # تضجرت الطفلة في ذراعي ماري؛ ربما لأنها افتقدت بيكي ورائحتها. في ظل هذا كله ~~وتفكيرها في أندرو، الذي كان ينتظرها في عجلة من أمره حتى يبدأ الرحلة، ووعيها ~~بنفسها وضيقها من نبرة صوت جيمي وهو يودع قبر أبيه؛ كان وداع ماري سريعا ورسميا، ~~لا عاطفة فيه. ~~••• # كان جيمي يعرف جيدا كيف كان والده يرى هذا الأمر، حيث يقفون هناك يودع الواحد منهم ~~تلو الآخر حجرا. لم يكن والده تروق له تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وما كان له إلا ~~أن يرى الحجر حجرا، وإذا كانت ثمة طريقة للتحدث إلى الميت والاستماع إليه، ~~فإنها ليست هذه الطريقة. # كانت ms083 أمه كاذبة، وإن لم تكن تكذب بالمعنى الصريح للكلمة، فإنها كانت على الأقل تخفي ~~بعض الأمور؛ قالت إن عمه قادم، ولكنها لم تقل - كان متيقنا من أنها لم تقل - إنهم ~~سوف يعودون معه. وعندما ظهرت الحقيقة، ادعت أنها أخبرته بذلك من قبل. والأمر الأكثر ~~كذبا وحقارة أنها قد ادعت أن مثل هذا الأمر هو ما كان يريده أبوه. # عمه كان يكرهه، وكان هذا دون أي سبب. عندما قالت أمه، بطريقتها المتفائلة، ~~الغبية: «هذا هو رجل البيت الآن»، رد عمه: «أوه، نعم»، كما لو كان يريد أن يقول ~~إنها محدودة الأفق، لو أن هذا هو كل ما يمكن أن يتفتق ذهنها عنه. ~~••• # استغرقهم الأمر نصف يوم حتى غادروا البراري بأوديتها الضحلة والكثيفة. وكان هذا ~~على ظهر الثيران التي لا تزيد سرعتها في المشي عن سرعة الإنسان العادي، ولا حتى نصف ~~سرعة جيمي في المشي الذي كان يختفي عنهم متقدما ثم يعود ويظهر مرة أخرى عند المنعطفات، ~~ثم ما يلبث أن يختفي مرة أخرى، وظل على ما يبدو يتقدم عليهم. # سأل جوني عمه قائلا: «أليس لديكم خيول في بلدكم؟» وكانت عربات تجرها خيول ~~تتجاوزهم بين الفينة والأخرى محدثة دوامة من الغبار. # رد عمه بعد توقف: «الثيران حيوانات قوية»، وأردف قائلا: «ألم يخبرك أحد أن ~~تصمت وألا تتكلم حتى يطلب منك الكلام؟» # قالت أمه وصوتها تملؤه نبرة تجمع بين التحذير والاستعطاف: «لأن لدينا مثل هذه ~~الحمولة من الأمتعة يا جوني، وعندما تتعب من المشي، اصعد إلى هنا وسوف تجرك الثيران ~~معنا أيضا.» # كانت قد جذبت بالفعل تومي ووضعته على ركبتها، وكانت تضع الطفلة على الركبة الأخرى. ~~سمع روبي ما قالته وفهمه على أنه دعوة له بالصعود؛ لذا رفعه جوني حتى يتسلق على الأغراض ~~الموجودة بمؤخرة العربة. # قال عمه: «هل تريد أن تركب معهم؟ الآن لك أن تتكلم إن أردت.» # هز جوني رأسه نافيا رغبته في الركوب معهم، لكن يبدو أن عمه لم يره؛ لأنه قال ~~له بعد ذلك: «عندما أتحدث إليك، أحتاج إلى ms084 رد.» # رد جوني وقال: «لا، يا سيدي»، وذلك بطريقة الحوار التي تعلمها في المدرسة. # قالت أمه: «لا، عمي أندرو»، وهو ما أربك الأمور أكثر؛ لأن هذا العم لم يكن ~~عمها، بالتأكيد. # أعرب العم أندرو عن استيائه. # فقالت أمه: «جوني يحاول دوما أن يكون ولدا لطيفا»، وبالرغم من أن هذا الكلام كان ~~ينبغي أن يسعد جوني، فإنه لم يسعد به. # دخلوا غابة من أشجار البلوط العملاقة، التي كانت فروعها تتلاقى وتتداخل فوق الطريق. ~~كان في مقدور المرء أن يسمع، وأحيانا أن يرى، في هذه الفروع طيور الصفارية الزاهية ~~الألوان وطيور الكاردينال وطيور الشحرور ذات الأجنحة الحمراء، وهي تطير. وقد أنتجت ~~نباتات السماق أزهارها البيضاء، وكانت نباتات التوسيلاجو والأكيلاجيا تزهر، وكان نبات ~~البوصير يقف ثابتا كما الجندي. أما أشجار العنب البرية، فقد التفت حول بعض ~~الشجيرات بكثافة، حتى إن المرء قد يظن أن هذه الشجيرات ما هي إلا فرش من الريش أو ~~سيدات عجز. # قالت ماري مخاطبة أندرو بصوت يشوبه القلق: «ألم تسمع أي قصص عن القطط البرية؟ ~~أعني، عندما مررت بهذا الطريق من قبل؟» # رد أندرو قائلا: «إن كنت قد سمعتها، فلم أعرها أي اهتمام. أتفكرين في الفتى ~~الصغير الذي يسبقنا؟ إنه يفكرني بأبيه.» # لم تجب ماري. # عاد أندرو يقول: «لن يستطع أن يواصل السير لنهاية الطريق.» # صدق كلامه؛ عندما اقتربوا من المنعطف التالي، لم يروا جيمي أمامهم. لم تذكر ماري ~~أي شيء عن هذا؛ خوفا من أن يظن أندرو أنها حمقاء. ثم أتيحت لها رؤية مسافة لا ~~بأس بها من الطريق المستوي، ولكنه لم يكن موجودا. وعندما قطعوا مسافة أخرى، قال أندرو: ~~«أديري رأسك وكأنك تنظرين إلى الصغار في العربة، لا عليك بالطريق.» فعلت ماري ما ~~قاله ورأت شخصا يتبعهم. غير أنه كان بعيدا جدا، حتى إنها لم تستطع أن تتبين وجهه، ~~لكنها عرفت أنه جيمي، وقد كان يجر قدميه ببطء شديد. # قال أندرو: «اختفى بين الأشجار المتشابكة حتى مررنا به. هل أنت على ما يرام الآن ~~فيما يتعلق بالقطط ms085 البرية؟» ~~••• # توقفوا في المساء بالقرب من حدود إنديانا، عند نزل يقع عند مفترق طرق. لم تقطع ~~أشجار الغابات منذ زمن بعيد ، لكن كان يوجد بعض الحقول المسورة والمباني أو مخازن ~~الحبوب أو المنازل المبنية من جذوع الأشجار أو الخشب. قطع جيمي الطريق كله مشيا على ~~قدميه، واقترب من العربة، مع اقتراب زوال فترة الظهيرة. حدث ذلك بسرعة تحت غطاء من ~~الأشجار، وعندما خرجوا من بين الأشجار، تفاجئوا بمقدار ما بقي من ضوء النهار. استيقظ ~~الأولاد الموجودون على العربة - وقد صعد جوني إلى العربة أيضا بمجرد حلول الظلام - ~~وعم الصمت الجميع، وقد بدءوا في تفحص المكان الجديد ومن حولهم من أناس. كانوا ~~يعرفون أن ثمة نزلا في جوليت - وقد قيل لهم إن ثمة ثلاثة منها هناك - غير ~~أنه لم تتح لهم أبدا الفرصة لأن يتجولوا في أرجاء هذه الأماكن. # تحدث أندرو إلى الرجل الذي خرج من النزل وطلب منه توفير غرفة لماري وطفلتها ~~والولدين الصغيرين، وقد رتب مكانا للنوم فوق الرواق له وللولدين الكبيرين ~~الآخرين. ثم ساعد ماري في الترجل من العربة، وقد قفز الأولاد، ثم أخذ العربة إلى الخلف ~~حيث قال المسئول عن النزل إنه مكان آمن لوضع أغراضهم. أما الثيران، فيمكن تركها في ~~المرعى. # كان جيمي يتوسطهم، وقد علق حذاءه حول عنقه. # قال روبي بجدية: «قطع جيمي كل الطريق مشيا.» # وجه جوني كلامه إلى ماري وقال: «كم المسافة التي قطعها جيمي مشيا؟» # قالت ماري إنها لا تعرف، ثم أضافت: «بما يكفي لإنهاك نفسه على أي حال.» # قال جيمي: «لا، ليس الأمر كذلك. لست متعبا. أستطيع أن أقطع ما قطعته مره أخرى ولا ~~أصاب بإرهاق.» # أراد جوني أن يعرف إن كان جيمي قد رأى قططا برية أم لا. # قال جيمي: «لا.» # تمشى الجميع عبر الرواق، حيث كان يجلس بعض الرجال على كراسي أو فوق الدرابزين وهم ~~يدخنون. قالت لهم ماري: «مساء الخير»، ورد عليها الرجال قائلين: «مساء الخير»، وهم ~~ينظرون إلى أسفل. # قال جيمي وهو يمشي بجوار أمه: «لقد رأيت ms086 شخصا ما.» # رد جوني متسائلا: «من هو؟ وهل هو شخص شرير؟» # غير أن جيمي لم يعره انتباها على الإطلاق. قالت ماري : «لا تضايقه يا ~~جيمي!» # ثم أضافت وهي تتنهد: «أظن أن عليك رن هذا الجرس»، ففعل، وخرجت امرأة من غرفة ~~خلفية. أخذتهم هذه المرأة إلى الطابق العلوي ثم إلى غرفة نوم، وقالت إنها سوف تحضر ~~ماء لماري حتى تغتسل. وقالت إن الأولاد يستطيعون الاغتسال خارج النزل بالخلف عند حوض ~~الماء، وتوجد هناك مناشف معلقة فوق شماعة. # قالت ماري لجيمي: «اذهب وخذ جوني معك، وسوف أبقي روبي وتومي هنا معي.» # قال جيمي: «لقد رأيت شخصا تعرفينه.» # كانت حفاضة الطفلة مبتلة، وكان على ماري أن تغيرها على الأرض وليس على الفراش. ~~قالت ماري وهي جاثية على ركبتيها: «من هذا؟ من هذا الذي أعرفه؟» ~~«رأيت بيكي جونسون.» # قالت ماري وقد أرجعت ظهرها إلى الوراء: «أين؟ أين بيكي جونسون؟ أهي هنا؟» ~~«رأيتها في الغابة.» ~~«إلى أين كانت ذاهبة؟ وماذا قالت؟» ~~«لم أكن قريبا منها بالقدر الكافي لأتمكن من الحديث إليها. ولكنها لم ترني ~~قط.» # قالت ماري: «أرأيتها بالقرب من المنزل؟ تذكر الآن، هل رأيتها بالقرب من المنزل أو ~~بالقرب من حيث نحن الآن؟» # قال جيمي وهو يفكر: «كانت أقرب إلى حيث نحن الآن. لماذا تقولين بالقرب من المنزل ~~طالما أنك قلت إننا لن نعود إلى هناك مرة أخرى؟» # تغاضت ماري عن ذلك، وسألت: «إلى أين كانت تذهب؟» # هز رأسه وكأنه رجل عجوز، وقال: «كانت تسير في هذا الاتجاه، وتوارت عن نظري في ~~لحظة، ولم تكن تحدث أي صوت.» # ردت ماري وقالت: «هكذا يفعل الهنود. ألم تحاول أن تتتبعها؟» ~~«كانت تطأطئ رأسها وهي تمشي بين الأشجار، ولم أتمكن من رؤيتها بعد ذلك، وإلا لكنت ~~قد تتبعتها، وسألتها إلى أين تسير.» # قالت ماري: «لا تفعل ما فعلت مرة أخرى. إنك لا تعرف الغابة كما يعرفونها، فربما ~~تضل الطريق إذا فعلت.» كانت تتحدث إليه في تحد، ثم شغلت نفسها بالطفلة مرة أخرى ~~وقالت: «أظن أنها كانت ذاهبة ms087 في شأن خاص بها. الهنود لهم شئونهم الخاصة التي لا يعرف ~~أحد عنها شيئا، فهم لا يخبروننا عن كل ما يعزمون على القيام به، حتى بيكي. لكن لماذا ~~من المفترض أن تخبرنا؟» # دخلت عاملة النزل ومعها إناء ضخم به ماء، ثم قالت لجيمي: «ماذا بك؟ هل ثمة ~~أطفال غرباء بالخارج أنت خائف منهم؟ إنهم أولادي فقط ولن يؤذوك.» # كلامها جعل جيمي ومن بعده جوني يهرولان إلى أسفل، ثم تبعهما الطفلان الصغيران إلى ~~الخارج أيضا. # نادت ماري وقالت: «تومي! روبي!» غير أن السيدة قالت: «إن زوجك موجود بالخارج، وسوف ~~يعتني بهما.» # لم تكترث ماري بأن تقول أي شيء؛ إذ ليس من شأن أي شخص غريب أن يعرف أنها ليس ~~لديها زوج. ~~••• # نامت الطفلة وهي على صدرها، فوضعتها ماري في الفراش، ووضعت وسادتين كمسند على ~~جانبيها حتى إذا تقلبت لا تقع. ونزلت ماري إلى الطابق السفلي حتى تتناول العشاء وأحد ~~ذراعيها الذي كان يؤلمها أخذ يتدلى خاليا ومستريحا بعد عناء حمل الطفلة طوال اليوم. ~~كان طعام العشاء يتكون من لحم خنزير ومعه كرنب وبطاطس مسلوقة، وكانت هذه البطاطس آخر ~~الموجود من بطاطس العام الماضي، وكان اللحم مكسيا بطبقة سميكة من الدهن. ملأت بطنها ~~بالفجل والخضراوات الورقية الطازجة والخبز الطازج اللذيذ، ثم أتبعت ذلك ببعض الشاي ~~الثقيل. وأكل الأولاد على منضدة أخرى بمفردهم، وكانوا سعداء، حتى إنهم لم ينظروا إليها ~~ولو نظرة واحدة، حتى تومي لم ينظر إليها أيضا. ومن شدة الإعياء والتعب كانت تنام وهي ~~جالسة، وأخذت تتساءل إلى متى ستبقى مستيقظة قبل أن يناموا. # كانت توجد امرأة أخرى فقط بالغرفة بالإضافة إلى السيدة المسئولة عن النزل التي كانت ~~تحضر الطعام إليهم. لم ترفع هذه المرأة رأسها أبدا والتهمت العشاء التهاما وكأنها ~~كانت تتضور جوعا. لم تخلع قلنسوتها، وبدت وكأنها أجنبية. كان زوجها الأجنبي يتحدث ~~إليها بهمهمات جدية بين الحين والحين. أما الرجال الآخرون، فكانوا يتحدثون حديثا لا ~~ينقطع باللهجة الأمريكية المرهقة والصعبة، التي بدأ يقلدها أولاد ماري. وكان هؤلاء ~~الرجال لديهم ms088 الكثير من المعلومات، غير أنهم كانون متناقضين مع أنفسهم كثيرا، ولوحوا ~~بسكاكين وشوكات الأكل في الهواء. دخل هؤلاء في نقاش حول أمرين أو ثلاثة؛ الأول: عن ~~الاضطراب الحادث في المكسيك، والثاني: عن وجهة خط السكة الحديد، وتداخل هذا الحديث مع ~~حديث آخر عن إضراب عمال مناجم الذهب. كان من بينهم من يدخن السيجار وهو جالس إلى ~~المنضدة، وكانوا يستديرون ويبصقون على أرضية المكان إذا كانت المبصقة بعيدة عنهم. حاول ~~الرجل الذي كان يجلس بجوار ماري أن يبدأ حوارا يلائم سيدة، وسألها إن كانت قد ذهبت من ~~قبل إلى اجتماع الخيمة. لم تفهم في بادئ الأمر أنه كان يتحدث عن ملتقى لإحياء الروح ~~الدينية، لكن عندما فهمت ما كان يرمي إليه قالت له إنها لا تجد أي جدوى في مثل هذه ~~الأمور، فما كان منه إلا أن تأسف لها ولم يقل المزيد. # ظنت أنه ما كان عليها أن تتحدث حديثا قصيرا مع الرجل، لا سيما أنها كانت تعتمد ~~عليه في تمرير الخبز لها. لكن على الجانب الآخر، كانت تدرك أن أندرو الذي كان يجلس إلى ~~الجانب الآخر منها لم يكن ليروق له أن يراها تتحدث، ليس فقط مع هذا الرجل، بل مع أي شخص ~~آخر. كان أندرو مطأطئ الرأس طوال الوقت، وكانت إجاباته عن الأسئلة التي توجه إليه ~~قصيرة ومقتضبة، مثلما كان يفعل بالضبط عندما كان صبيا في المدرسة. ولطالما كان من ~~الصعب أن يعرف المرء إن كان الكلام لا يروق له أم أن الأمر لا يتعدى كونه ~~خجلا. # أما ويل، فكان أكثر تحررا منه. وربما كان يريد أن يسمع من الرجال عن المكسيك طالما ~~أنهم يعرفون عما يتحدثون، وكثيرا ما كان يظن أن الناس ليسوا كذلك. وعندما ينظر ~~المرء إلى هذه السمة في ويل، يعرف أن ويل لا يختلف كثيرا عن أندرو ولا أسرته، وهذا ما ~~كان يظنه هو نفسه. # لم يكن للدين أي ذكر بين الناس ها هنا، اللهم إلا إذا كنت تريد أن تعتبر أن ملتقى ~~إحياء الروح ms089 الدينية من أمور الدين، وهذا ما لم تظنه ماري كذلك. فلم يكن ثمة أي ~~جدال عنيف حول العقيدة ولا ذكر للأشباح أو الزوار الغرباء، كما كان يحدث فيما مضى في ~~إتريك. الأمر كله ها هنا يدور حول الواقع وحسب؛ عما تستطيع أن تجده وتفعله وتفهمه ~~فيما يتعلق بهذا العالم الذي بين يديك، وظنت ماري أن ويل كان سيستحسن الأمر على هذا ~~النحو؛ فقد كان هذا هو العالم الذي ظن أنه كان متوجها إليه. # شقت طريقها إلى خارج المكان بصعوبة، وأخبرت أندرو أنها منهكة بشدة حتى إنها لا ~~تستطيع أن تأكل لقمة واحدة أخرى، ثم توجهت إلى الصالة في الباحة الأمامية. # وبينما هي عند الباب السلكي، لفحت آخر نسمة من الرياح الخفيفة بشرتها وملابسها ~~المتربة المبللة بالعرق، واشتاقت إلى الليل بسكونه العميق، وإن كان لا يوجد مثل هذا ~~الليل - على الأرجح - في الأنزال. وإلى جانب الصخب الموجود في غرفة الأكل، استطاعت أن ~~تسمع قرقعة في المطبخ وصوت تطاير فضلات الطعام خارج الباب الخلفي، التي كانت تلقى ~~بكميات كبيرة في المكان المخصص لأكل الخنازير، هذا إلى جانب صوت الخنازير وهي ~~تتلقفها. وكانت تسمع في الفناء أصوات الأطفال العالية ومن بينهم أطفالها. كانت تسمعهم ~~يقولون: «سوف أمسك بك بكل تأكيد سواء أكنت مستعدا أم لا.» # صفقت صائحة: «روبي، تومي! جوني أحضر الأولاد الصغار إلى الداخل.» # عندما رأت أن جوني قد سمعها، لم تنتظر، بل استدارت وصعدت السلم. ~~••• # نظر جوني إلى أعلى وهو يجر إخوته إلى الداخل ليرى أمه وقد صعدت إلى أعلى السلم، ~~وقد كانت تنظر إليه نظرة فيها فزع وبرود، كما لو كانت لا تعرفه أصلا. نزلت درجة من ~~درجات السلم ثم تعثرت ثم عدلت وضعها على الفور وأمسكت بالدرابزين. رفعت رأسها ونظرت ~~إليه في عينيه، لكنها لم تستطع أن تتحدث. صرخ وصعد السلم مهرولا وسمعها تقول بصوت ~~لاهث تقريبا: «الطفلة ...» # قصدت أن الطفلة اختفت. لم تتبعثر الوسادتان ولا الغطاء الذي وضع بينهما فوق ~~اللحاف. التقطت الطفلة بعناية وخطفت. # أدى صراخ جوني ms090 إلى تجمع الناس على الفور. وانتقل الخبر من شخص لآخر. وصل أندرو إلى ~~ماري وقال لها: «هل أنت متأكدة؟» ثم واصل طريقه متجاوزا إياها إلى الغرفة. صرخ توماس ~~بصوت الطفل الصغير الحاد قائلا إن الكلاب قد أكلت طفلته. # صرخت المرأة المسئولة عن النزل، كما لو أنها تتعامل مع رجل كبير قائلة: «هذا ~~كذب، هذه الكلاب لم تؤذ أحدا في حياتها من قبل، فهي لم تكن لتقتل حتى جرذ ~~الأرض.» # قالت ماري: «لا، لا.» جرى توماس إليها، ووضع رأسه بين رجليها، ثم جلست منهارة على ~~درجات السلم. # قالت إنها تعرف ما حدث. حاولت أن تلتقط أنفاسها، ثم قالت إنها بيكي جونسون. # رجع أندرو بعد أن نظر في غرفة النوم وتأكد من صحة ما تقول، ثم سألها ماذا ~~قصدت. # قالت ماري إن بيكي جونسون كانت تتعامل مع هذه الطفلة تقريبا كما لو كانت ابنتها، ~~وكانت تريد بشدة أن تحتفظ بهذه الطفلة معها؛ مما دفعها لأن تأتي إلى هنا ~~وتسرقها. # قال جيمي شارحا لمن حوله من الناس في أسفل السلم: «إنها أمريكية من الهنود الحمر. ~~وقد كانت تتبعنا اليوم، لقد رأيتها بنفسي.» # أراد كثير من الحاضرين، وأشدهم أندرو، أن يعرفوا أين رآها وهل كان متأكدا أنها ~~هي، ولماذا لم يقل شيئا عن هذا الأمر. قال جيمي إنه أخبر أمه. ثم كرر ما قاله ~~تقريبا لماري. # قالت ماري: «لم أكترث كثيرا عندما أخبرني.» # قال أحد الأشخاص إن الأمريكيات من الهنود الحمر مشهورات بسرقة البنات البيض ~~الرضع. # وأضاف: «إنهن يربينهن كهنود ثم يذهبن ويبعنهن إلى زعيم قبيلة أو غيره من أجل قدر ~~وافر من المال.» # قالت ماري التي ربما لم تسمع حتى عن هذا من قبل: «ليس مثلها من لا يعتني بالطفلة. ~~إن بيكي هندية طيبة.» # سأل أندرو عن أي الأماكن التي يحتمل أن تذهب إليها بيكي الآن، وقالت ماري إنها ربما ~~عادت إلى بلدها. # قالت: «أعني إلى جوليت.» # قال صاحب النزل إنهم لن يستطيعوا أن يسلكوا هذا الطريق ليلا، وإن أحدا لا ~~يستطيع أن ms091 يسلكه، إلا الهنود. اتفقت معه زوجته في هذا الكلام. أحضرت لماري كوبا من ~~الشاي، ثم ربتت على رأس تومي بلطف. قال أندرو إنهم سيبدءون في الرجوع مرة أخرى ~~بمجرد أن يظهر ضوء الصباح. # قالت ماري: «أنا آسفة.» # قال إن الأمر خارج عن سيطرة الجميع، مضيفا بينه وبين نفسه أن ذلك شأنه شأن الكثير من ~~الأمور. ~~••• # كان الرجل الذي أسس ورشة نشر الخشب في هذه المستوطنة يمتلك بقرة، وتركها تتجول في ~~أنحاء تلك المستوطنة، وكان يرسل ابنته سوزي في المساء لإحضارها وحلبها. وكانت سوزي ~~دائما في صحبة صديقتها ميجي، ابنة مدرس المدرسة المحلية. وكانت إحداهما تبلغ من ~~العمر ثلاثة عشر عاما والأخرى اثني عشر عاما، وكانت تربطهما علاقة وطيدة، تحفل بطقوس ~~سرية ونكات خاصة ووفاء شديد. صحيح أنه لا توجد أي فتاة أخرى في مثل عمرهما يمكن أن ~~يصادقاها، ولكن هذا الأمر لم يمنعهما من الشعور كما لو كانت كل منهما قد اختارت ~~الأخرى دون سواها من بقية هذا العالم. # كان من بين الأمور التي تحبان فعلها هي تسمية الأشخاص بغير أسمائهم الصحيحة. فكان ~~ذلك يتم أحيانا في صورة عملية إبدال بسيطة، مثل أن تطلقا على شخص ما اسمه جورج «توم»، ~~أو بنتا اسمها ريتشيل «إيديث». وكانتا تركزان في بعض الأحيان على صفة معينة مميزة في ~~الشخص، مثلما كانتا تسميان صاحب النزل «أبا ناب»؛ بسبب ناب الفك العلوي الطويل ~~القابض على شفته، أو أحيانا تختاران الاسم المضاد تماما للاسم الذي قد يريده الشخص ~~لنفسه؛ مثلما حدث مع زوجة صاحب النزل، التي كانت تعتني جدا بنظافة مرايلها، فكانتا ~~تطلقان عليها «المزيتة المشحمة». # وكان الولد الذي يعتني بالخيل يسمى فيرجي، لكنهما كانتا تسميانه بيردي. وهذا الأمر ~~كان يضايقه كثيرا. كان بيردي قصيرا وبدينا، له شعر أسود مجعد وعينان بريئتان ~~متباعدتان، وقد أتى من أيرلندا منذ عام أو نحو ذلك. كان يجري وراءهما عندما تقلدان ~~طريقته في التحدث. ولكن أفضل شيء دبروه له، كان عندما كتبوا خطاب حب له ووقعتا ~~عليه باسم روز - الاسم ms092 الحقيقي لابنة صاحب النزل، كما تصادف - وتركوه على غطاء ~~الحصان الذي كان ينام تحته في الإسطبل، ولكنهما لم تكونا تعرفان أنه لا يعرف القراءة. ~~عرض بيردي الخطاب على بعض الرجال الذين أتوا إلى الإسطبل، فكان الأمر بمنزلة أضحوكة ~~وفضيحة كبيرة. أرسلت روز بعد فترة وجيزة إلى خارج المستوطنة لتتعلم تصميم القبعات ~~النسائية، على الرغم من أنها لم تكن محل شك بالفعل في أن تكون قد كتبت هذا ~~الخطاب. # ولم تطل الشكوك كلا من سوزي وميجي. # وكانت النتيجة أن ذهب فتى الإسطبل إلى والد ميجي وطلب منه أن يتعلم ~~القراءة. # جلست سوزي، وهي الأكبر سنا، على كرسي بلا ظهر أو ذراعين تنتظر لتحلب البقرة، بينما ~~كانت ميجي تتجول وتلتقط آخر حبات الفراولة البرية المزروعة وتأكلها. كان المكان ~~الذي اختارته البقرة لترعى فيه في نهاية ذلك اليوم قريبا من الغابة، على مسافة قريبة ~~من النزل. كان بين الباب الجانبي للنزل والغابة الفعلية مجموعة من شجر التفاح، ~~وبين آخر شجر التفاح هذا وشجر الغابة كوخ صغير بابه لا يغلق. كان هذا المنزل يطلق ~~عليه معمل التدخين، على الرغم من أنه لم يستعمل لهذا الغرض أو لأي غرض آخر في ذلك ~~الوقت. # ما الذي جعل ميجي تتفقد الكوخ في ذلك الوقت؟ لم تعرف أبدا. ربما لأن الباب كان ~~مغلقا، أو مسحوبا للأمام ليبدو وكأنه شبه مغلق. وما أن بدأت في تحريك الباب لتفتحه ~~حتى سمعت بكاء رضيع. # حملته وعادت به إلى سوزي، وما إن غمست أصابعها في اللبن المحلوب الطازج وقدمت ~~إحداها للرضيع، حتى توقف عن البكاء وبدأ في مص اللبن بقوة. # قالت: «هل هذا الطفل ولد لأحد ثم خبأه هنا؟» هزأت بسوزي - كما كانت بإمكانها أن ~~تفعل بين الحين والآخر، بمعلوماتها الأكيدة التي تفوقها كما - وقالت لها إن هذا ليس ~~طفلا ولد لتوه، إنه أكبر سنا من ذلك. كما أن ملابسه لا تشي بأنها ملابس لرضيع ~~أراد أحد الأشخاص التخلص منه. # قالت ميجي: «حسنا. ماذا سنفعل معه؟» # هل كانت تقصد ما هو الإجراء ms093 الصحيح الذي سنتخذه معه؟ وهو السؤال الذي ستكون الإجابة ~~عنه أن يأخذوه إلى منزل أي منهما، أو إلى النزل الذي هو أقرب مكان لهما. # لم يكن هذا هو ما قصدته تماما. # لا، بل كان ما تقصده هو كيف نستطيع أن نستغل هذا الأمر؟ كيف يمكننا أن نستخدمه بأفضل ~~ما يكون لعمل مزحة، أو لخداع أحد الأشخاص به؟ ~~••• # لم تكتمل خطط جيمي أبدا. أدرك عندما تركوا المنزل أن والده - الذي لم يكن تحت شاهد ~~ذلك القبر، بل كان في الهواء أو يتمشى بطول الطريق على نحو غير مرئي وينقل له وجهات ~~نظره كما لو أنهما كانا يتكلمان معا - لا يؤيد ذهابهم. كان على والدته أن تعرف هذا ~~الأمر أيضا، لكنها كانت مستعدة للاستسلام لما يريده هذا الشخص الوافد الذي يشبه والده ~~بل ويتكلم مثله، ولكنه كان نسخة زائفة تماما. قد يكون بالفعل أخا والده ولكنه في ~~نفس الوقت نسخة زائفة منه. # حتى عندما بدأت في حزم الأمتعة، اعتقد أن شيئا ما كان سيوقفها، وما إن وصل «العم ~~أندرو» حتى أدرك أنه ما من شيء سيمنعهم من الرحيل، وأنه يجب أن يفعل شيئا. # ثم عندما تعب وهو يحاول أن يسبقهم بمسافة كبيرة ونزل إلى الغابة، بدأ يتخيل أنه ~~كان هنديا، كما كان يفعل غالبا من قبل. إنها كانت فكرة تتبادر إلى ذهن المرء على ~~نحو طبيعي من الطرق التي يجدها، أو إيحاءات الطرق التي توجد بجانب الطريق أو بعيدا ~~عنه. وأثناء محاولته بذل ما في وسعه كي يتسلل دون أن يسمعه أو يراه أحد، تخيل صحبة ~~من الهنود، ووصل به الأمر حتى ظن تقريبا أنه رآهم، وفكر في بيكي جونسون، وكيف يمكن ~~أن تكون قد تتبعتهم لوقت طويل، محاولة أن تجد فرصة لتخطف الطفلة التي تحبها حبا ~~جنونيا. ظل في الغابة حتى توقف الآخرون أمام النزل، ورأى هذا الكوخ، وتفقده ~~قبل أن يواصل طريقه بين شجر التفاح. حمته هذه الأشجار نفسها عندما خرج من الباب ~~الجانبي بالطفلة النائمة الخفيفة جدا على ذراعيه، ms094 التي تتنفس بضعف شديد، والتي ~~يصعب تخيل أنها إنسان. كانت عيناها مفتوحتين قليلا وهي نائمة. كان يوجد في الكوخ ~~رفان ظلا كما هما ولم يسقطا، فوضعها على الرف العلوي، حتى لا يدركها الذئاب أو ~~القطط البرية إذا تصادف وجود أي منهما. # أتي متأخرا للعشاء ولكن لم يلاحظ أحد ذلك. كان قد رتب أن يقول إنه كان في دورة ~~المياه، لكن لم يسأله أحد. كان كل شيء يسير بسلاسة تامة، كما لو كان ما زال في ~~خياله. # وبعد الصخب عندما اكتشف أن الطفلة فقدت، لم يرد أن يختفي بسرعة شديدة؛ لذلك انتظر ~~حتى دخل الليل تقريبا كي ينصرف تحت الأشجار ليلقي نظرة على الطفلة في الكوخ. تمنى ~~ألا تكون جائعة، ولكنه قال في نفسه إنها إذا كانت كذلك، فسيبصق على إصبعه ويدعها تمصها، ~~وربما لن تعرف الفرق بين ذلك وبين اللبن. # جرى التخطيط للعودة، تماما كما توقع، وما كان يعتمد عليه هو أنه بمجرد عودتهم، ~~ستفهم والدته بطريقة ما أن محاولاتهم للمغادرة محكوم عليها بالفشل، وأنه سيخبر «العم ~~أندرو» أن يدعهم وشأنهم. # ولأنه الآن قد أرجع الفضل إلى والده في وضع الخطة كاملة في رأسه، افترض أن والده يجب ~~أن يكون قد توقع أن هذا تماما ما سيحدث. # لكن كان ثمة خلل ما؛ لم يضع والده في رأسه أي فكرة عن كيفية إعادة الطفلة إلى ~~هناك، غير حملها طوال الطريق، والسفر عبر الغابة كما فعل جزءا من الطريق اليوم. وماذا ~~سيحدث بعد ذلك؟ عندما يتضح أنها ليست عند بيكي جونسون، عندما يظهر في الواقع أن بيكي ~~جونسون لم تغادر منزلها على الإطلاق؟ # عليه أن يجد حلا لذلك. يجب أن يجد حلا. يمكنه بالتأكيد حمل الطفلة، فلا يوجد خيار ~~أمامه الآن، والابتعاد عنهم بقدر كاف حتى لا يسمعوا البكاء، لكنها ستكون جائعة ~~حينها. # هل يستطيع إيجاد طريقة لسرقة بعض اللبن من النزل؟ # لم يستطع مواصلة التفكير في هذه المشكلة؛ لأنه لاحظ شيئا ما. # كان باب الكوخ مفتوحا، وقد اعتقد أنه قد أغلقه. ms095 # ليس ثمة بكاء، ولا أي صوت. # وليس ثمة طفلة. ~~••• # أخذ أغلب الرجال الموجودين في النزل غرفا ليناموا فيها، ولكن القليل، مثل أندرو ~~مع ابني أخيه جيمس وجون، كانوا يرقدون على الحصر على الأرضية الخشبية للرواق ~~الطويل. # استيقظ أندرو قبل منتصف الليل بقليل لرغبته في التبول. قام ومشى بطول الرواق، وألقى ~~نظرة خاطفة على الولدين ليتأكد من أنهما نائمان، ثم تراجع، وقرر، من باب اللياقة، ~~أن يخرج ويمشي خلف المبنى، حتى الحقل حيث استطاع أن يرى في ضوء القمر أن الخيول نائمة ~~على أقدامها وهي تمضغ الأكل في أحلامها. ~~••• # سمع جيمس وقع أقدام عمه وأغلق عينيه، لكنه لم ينم. # إما أن تكون الطفلة قد سرقت بالفعل هذه المرة، وإما سحبت وجرحت، ويحتمل ~~أن حيوانا ما قد التهم جزءا منها. لم يكن يوجد أي دليل على تورطه في الأمر، ولم ~~يكن من الممكن أن يلام بأي طريقة. قد تلام بيكي جونسون بطريقة ما إذا أقسم أنه قد ~~رآها في الغابة. ستقسم أنها لم تكن هناك، لكنه سيقسم أنها كانت هناك. # لأنهم سيعودون، بالتأكيد. سيضطرون إلى دفن الطفلة إذا وجدوا شيئا منها موجودا، أو ~~حتى إذا لم يجدوا، فسيقومون بعمل مراسم جنازة لها، أليس كذلك؟ وهكذا، فإن ما أراده ~~سيحدث. لكن أمه ستكون في حالة سيئة. # ربما يبيض شعرها فجأة. # وإذا كانت هذه الطريقة هي طريقة والده الحالية في ترتيب الأمور وتنظيمها، فهي أشد ~~قسوة من أي شيء كان يفكر فيه عندما كان لا يزال حيا. # وهل كان أبوه، وهو يرتب له الأمور بهذا الأسلوب العشوائي الذي لا رحمة فيه، سيكترث ~~حتى بأن اللائمة ستلقى على جيمي؟ # كذلك، قد ترى والدته أنه متورط بطريقة ما في الأمر، وأن لديه شيئا لم يخبر عنه. ~~يمكن أن تفعل ذلك أحيانا، بالرغم من أنها قد صدقت الكذبة عن بيكي جونسون بسهولة. إذا ~~عرفت، أو حتى شكت في أي شيء قريب من الحقيقة، فستكرهه للأبد. # يمكنه أن يصلي، إذا كانت صلاة الكاذب لها أي قيمة. يمكنه أن ms096 يدعو أن يكون قد أخذ ~~الطفلة أحد الهنود، ولو لم تكن بيكي جونسون، وأنها ستربى في معسكر هندي، وتأتي في أحد ~~الأيام إلى باب بيتهم تحاول بيع بعض الحلي الهندية الصغيرة، وستكون جميلة جدا، ~~وستعرفها أمه في الحال وتصرخ فرحة وتبدو بالطريقة التي اعتادت أن تبدو بها قبل ~~وفاة والده. # كفى! كيف له أن يفكر في شيء بهذا الغباء الشديد؟ ~~••• # تجول أندرو في ظل الإسطبل، ووقف هناك يتبول. وبينما كان يفعل ذلك، إذا به يسمع ~~صوتا حزينا ضعيفا غريبا. اعتقد أنه لأحد حيوانات الليل، قد يكون فأرا في مصيدة. ~~وعندما زرر ثيابه، سمع هذا الصوت مرة أخرى، وهو الآن واضح بقدر كاف بحيث يستطيع أن ~~يتتبعه. حول الإسطبل، عبر الفناء إلى أحد المباني الملحقة الذي له باب عادي وليس باب ~~للخيل. ارتفع الصوت أكثر الآن، واستطاع أندرو، الوالد لعدة أطفال، أن يميز حقيقة ~~الصوت. # قرع الباب مرتين، وعندما لم يجبه أحد حاول تحريك المزلاج. لم يكن بالمزلاج لسان، ~~وتمايل الباب للداخل منفتحا. تسلل ضوء القمر إلى الداخل من خلال إحدى النوافذ، ~~فكشف عن وجود طفل. إنه طفل، بلا شك، يرقد هناك على سرير صغير مكون من بطانية خشنة ~~ووسادة مسطحة، لا بد أنه سرير أحد الأشخاص. الخطاطيف معلقة على الحائط وعليها قليل من ~~قطع الملابس ومصباح. لا بد أن يكون هذا هو المكان الذي ينام فيه الفتى المسئول عن ~~الإسطبل. لكنه لم يكن في غرفته، إنه ما زال بالخارج؛ ربما كان في الفندق الآخر الأكثر ~~سوءا، الذي كان يبيع الجعة والويسكي، أو كان يتسكع مع إحدى الفتيات. # في غرفته وعلى سريره، يوجد هذا الطفل الجائع. # التقط أندرو الطفل، ولم يلاحظ الورقة الصغيرة التي سقطت من ملابسه. إنه ما كان ~~لينتبه كثيرا لشكل طفلة ماري ولم يسعه الانتباه الآن. لم يكن فقدان طفلين في نفس ~~الليلة بالمصادفة الكبيرة. لم يهتم كثيرا بهذا، ولكنه حمل الطفل بكل ثقة وذهب به إلى ~~النزل. كان قد توقف عن البكاء تماما، عندما حمله. # لم يكن ms097 أحد موجودا في الرواق أثناء صعوده درجات السلم، وقد واصل الصعود حتى غرفة ~~ماري. فتحت الباب قبل أن يطرقه، كما لو أنها سمعت خنة نفس الطفل، وتكلم في الحال، ~~بهدوء، ليوقفها عن الصراخ. ~~«هل هذا هو الطفل الذي فقدته؟» ~~••• # وجد فتى الإسطبل الورقة على الأرض عندما عاد. واستطاع أن يقرأها: # هدية من إحدى حبيباتك. # لكنه لا يرى أي هدية، ولا حتى على سبيل الدعابة، في أي مكان حوله. ~~••• # سمع جيمي عمه قد صعد الرواق، ثم دخل النزل. سمعه الآن يخرج، سمع آثار أقدامه ~~المتأنية والمخيفة تأتي من هذا الطريق، بدلا من الطريق الآخر. دق قلبه بشدة مع ~~الدرجات. علم أن عمه كان واقفا هناك ينظر إليه. حرك رأسه يمينا ويسارا وفتح ~~عينيه بتردد، كما لو أنه قد استيقظ. # قال عمه ببساطة: «لقد أخذت لتوي أختك لأعلى إلى والدتك. ظننت أن هذا سيريح ~~بالك.» ثم استدار ليذهب إلى مكان نومه. ~~••• # وهكذا، لم تكن ثمة حاجة للعودة، وقرروا استئناف رحلتهم في الصباح. ظن أندرو أنه ~~من الأفضل ألا يتدخل في قصة المرأة الهندية، وألا يقول إن رأيه هو أنها قد خافت وتركت ~~الطفلة في سرير فتى الإسطبل. لم يكن يعتقد أن فتى الإسطبل كان بأي حال متورطا في ~~الأمر، وظن أن جيمس متورط، ولكنه ترك الأمر دون تحقيق. كان الصبي ماكرا ومثيرا ~~للمشاكل، ولكن بالشكل الذي كان عليه ليلا ربما يكون قد تعلم درسا. # لقد كانت ماري سعيدة جدا برجوع الطفلة مما جعلها لا تهتم كثيرا بما قد حدث. هل ~~كانت ما تزال تلقي باللائمة في هذا الأمر على بيكي؟ أو أن لديها أكثر من مجرد شك حول ~~ميول ابنها الأكبر؟ ~~••• # الثيران هي الحيوانات الأكثر تحملا والأكثر اعتمادية. والمشكلة الحقيقية الوحيدة ~~معها هي أنها بمجرد أن تأتي إليها خاطرة بالمكان الذي تريد أن تذهب إليه، فإنه من الصعب ~~جدا أن تغير ما في رأسها. إذا اكتشفت بركة مياه تذكرها بمدى العطش الذي هي فيه ~~وكيف أن المياه سائغة، فربما تدعها تذهب إليها. ms098 وهذا ما حدث في منتصف النهار تقريبا ~~بعدما تركوا النزل. كانت البركة هي إحدى البرك الكبيرة القريبة من الطريق، وخلع ~~الولدان الكبيران ملابسهما وتسلقا شجرة ذات فرع متدل ثم قفزا منها في المياه، المرة ~~تلو الأخرى. أما الولدان الصغيران، فأخذا يحركان أيديهما وأرجلهما على حافة الماء، في ~~حين نامت الطفلة على الحشيش الطويل في الظل وأخذت ماري تبحث عن حبات ~~الفراولة. # راقبهم لبعض الوقت ثعلب أحمر حاد الوجه من طرف الغابة. رآه أندرو، لكنه لم يقل ~~لأحد شيئا عنه، شاعرا بأنه قد كان هناك ما يكفي من الإثارة في هذه الرحلة ~~بالفعل. # كان يعرف، أكثر منهم، ما كان بانتظارهم: الطرق الأكثر سوءا، والنزل الأقل جودة من ~~أي شيء رأوه من قبل، والغبار المتصاعد دائما، والأيام التي يزداد حرها، والانتعاش ~~المصاحب لرذاذ المطر الأول ثم المأساة الناتجة عنه، والطين الموحل الذي يملأ الطريق ~~واتساخ كل ملابسهم به. # رأى كثيرا من اليانكيز ليعرف ماذا أغرى ويل بالعيش معهم: عنفهم وصخبهم وغلظتهم ~~والحاجة لاتباع التيار السائد. رغم أن بعضهم كانوا مهذبين بالقدر الكافي، والبعض الآخر، ~~الذين ربما يكونون من أسوئهم، كانوا اسكتلنديين. كان داخل ويل شيء ما يجذبه لمثل هذه ~~الحياة. # قد ثبت خطأ هذا. # عرف أندرو بالطبع أن المرء يمكن أن يموت بسبب مرض الكوليرا في كندا العليا تماما ~~كما في ولاية إلينوي، وأنه من الحماقة إرجاع موت ويل إلى الجنسية التي اختارها. لم يفعل ~~ويل ذلك، ولكن كان ثمة شيء ما وراء كل هذا الاندفاع؛ محاولة التحرر الكامل من ~~الأسرة ومن الماضي. كان الأمر ينطوي على شيء من التهور والثقة بالنفس، وهو ما قد لا ~~يساعد المرء على الإطلاق، بل يعرضه كثيرا لمثل هذه الحادثة، لمثل هذا القدر. ويل ~~للمسكين! ~~••• # وأصبحت هذه هي الطريقة التي يذكره بها إخوته الأحياء حتى يوم وفاتهم، والصورة التي ~~أخذها أولادهم عنه. ويل المسكين! لم يذكره أبناؤه، بطبيعة الحال، بأي شيء غير لقب ~~«أبي»، بالرغم من أنهم أيضا بمرور الوقت ربما كانوا يشعرون بأن غمامة حزن ms099 ويأس ~~تغطيهم عند أي ذكر لاسمه. لم تكن ماري تذكره تقريبا، وكان ما تحس به نحوه أمرا ~~لا يخص أحدا غيرها . # | براري بلدة موريس # نشأ ولدا ويليام في بلدة إسكوسنج بين أبناء عمومتهما، وكانا يلقيان معاملة حسنة. ~~ولكن لم يكن ثمة ما يكفي من المال لإرسالهما إلى المدرسة الثانوية أو الجامعة إذا ~~أراد أي منهما ذلك أو إذا قيم بأنه مؤهل للذهاب إلى هناك. ولم يكن ثمة ~~أرض لتورث لهما؛ ومن ثم، بمجرد أن كبرا بما يكفي انطلقا لاستيطان أرض جديدة في ~~البراري، وصاحبهما أحد أبناء عمومتهما، وهو أحد أبناء أندرو، وكان يدعى روب الكبير؛ ~~لكونه يحمل نفس اسم الابن الثالث لويل وماري، الذي كان يسمى آنذاك روب الصغير. وقد ~~تبنى روب الكبير العادة أو الواجب العائلي المتوارث الخاص بكتابة مذكراته حين بلغ ~~المشيب، حتى تعرف الأجيال التالية في العائلة كيف كانت تبدو الأمور. # في يوم الثالث من نوفمبر عام 1851، وضعت أنا وابنا عمي، توماس ليدلو المقيم ~~الآن في بليث، وشقيقه جون، الذي ذهب إلى كولومبيا البريطانية منذ عدة أعوام، ~~صندوقا يحوي أغطية أسرة وبعض أواني الطهي في عربة تجرها الخيول، ~~وانطلقنا من مقاطعة هالتون لنجرب حظوظنا في براري بلدة موريس. # لم نتجاوز برستون في اليوم الأول؛ نظرا لشدة وعورة الطرق وسوئها عبر بلدتي ~~ناساجاوايا وباسلينتش. وفي اليوم التالي وصلنا إلى قرية شكسبير، وبعد ظهيرة ~~اليوم الثالث وصلنا إلى ستراتفورد. كانت الطرق دائما ما تزداد سوءا كلما ~~اتجهنا غربا؛ لذا اعتقدنا أنه من الأفضل أن نرسل حقائبنا ومقتنياتنا الصغيرة ~~إلى كلينتون بواسطة عربة السفر النظامية. ولكن تلك العربة توقفت عن السير، حتى ~~تجمدت الطرق؛ لذا تركنا الخيول والعربة تعود، حيث جاء معنا ابن عم آخر لنا ~~ليعيدها. حملت أنا وجون ليدلو وتوماس فئوسنا على أكتافنا وذهبنا إلى موريس ~~سيرا على الأقدام. حصلنا على مكان لنسكن فيه، وإن كنا قد اضطررنا للنوم على ~~الأرض متدثرين بلحاف. كان الطقس باردا بعض الشيء لقرب حلول الشتاء، ولكننا ~~توقعنا أننا سنضطر لمواجهة بعض الصعاب ms100 وقد واجهناها على نحو أفضل، قدر ~~استطاعتنا. # بدأنا في نشر شجيرات ونباتات دغلية صغيرة عبر طريق مؤد إلى منزل جون، ~~لما كان المكان الأقرب إلى حيث أوينا، ثم قطعنا أخشابا من أجل بناء كوخ ~~وتعريشات كبيرة لتسقيفه. كان الرجل الذي نقيم عنده يملك ثورين يقرن بينهما ~~بنير، وقد سمح لنا باستخدامهما لجر ألواح الخشب والتعريشات. بعدها استعنا ~~ببعض الرجال للمساعدة في إقامة الكوخ، ولكن كان عددهم قليلا جدا؛ إذ لم يكن ~~يوجد سوى خمسة مستوطنين فقط في البلدة. غير أننا نصبنا أعمدة الكوخ جيدا، ~~ووضعنا فوقه التعريشات. وفي اليوم التالي، شرعنا في ملء الفراغات بين ألواح ~~الأخشاب بالطين، حيث لم تكن الألواح متراصة على مقربة شديدة بعضها من بعض، كما ~~ملأنا الفراغات بين التعريشات بالطحالب. وفرنا للكوخ ما جعله يبدو مريحا إلى ~~حد ما، ولما أصابنا الإرهاق من السير عبر الجليد كل يوم وكان الفراش صلبا ~~وباردا، توجهنا إلى بلدة جودريتش لمحاولة الحصول على عمل لبضعة أيام، ولنرى إن ~~كانت صناديقنا وأواني الطهي قد وصلت أم لا. # لم نلتق أحدا يرغب في مساعدة منا، على الرغم من أن ثلاثتنا كنا نتسم ~~بحسن الطلعة. صادفنا رجلا أراد منا تقطيع بعض الحطب له ولكنه لم يكن ~~سيتولى إيواءنا، مما جعلنا نقرر العودة إلى موريس؛ إذ كان هناك الكثير من ~~أعمال تقطيع الحطب التي يمكننا ممارستها هناك. وقررنا تجميع الأعمال والقيام ~~بها دفعة واحدة بطريقة ما. # ابتعنا برميلا من السمك في جودريتش وحملنا جزءا من محتوياته على ظهورنا. ~~وبينما كنا نمر ببلدة كولبورن، تحصلنا على بعض الدقيق من أحد الرجال، ~~ولما كان في طريقه إلى جودريتش قال إنه سيوصل لنا بقية السمك وبرميلا من ~~الدقيق حتى مانشستر (أوبرن الآن). والتقينا به هناك، ونقل السيد إلكينز ~~العجوز السمك والدقيق عبر النهر وكان علينا أن نحملهما من هناك. ولم أكن أحب ~~حمل مؤننا. # توجهنا نحو كوخنا، وأحضرنا بعض أفرع الشوكران لنصنع منها سريرا، ولوحا ~~كبيرا من خشب شجرة دردار لنصنع منه بابا. ذات مرة، قال ms101 رجل فرنسي من كيبك ~~لجون إن المدفأة في الأكواخ المشيدة من خشب الأشجار يجب أن تكون في منتصفها؛ ~~لذا قال جون إنه سيجعلها في منتصف الكوخ. أقمنا أربعة أعمدة وأخذنا نبني ~~المدخنة فوقها. وضعنا شرائح خشبية فوق الأعمدة، على شكل منزل، معتزمين لحامها ~~معا بالطين من الداخل ومن الخارج. وحين خلدنا إلى سريرنا المصنوع من خشب ~~الشوكران، أشعلنا نارا ضخمة، وحين استيقظ بعضنا خلال الليل كانت النار قد ~~اشتعلت في الألواح الخشبية للكوخ بأكملها وكانت بعض التعريشات تشتعل بسرعة ~~رهيبة أيضا. ومن ثم، فككنا المدخنة، ولم تكن التعريشات صلبة لكي يتم ~~تفكيكها، حيث كانت من خشب شجر الزيزفون الأخضر. وكانت تلك هي آخر مرة نسمع فيها ~~عن بناء مدفأة في وسط المنزل. وبمجرد أن بزغ ضوء النهار شرعنا في بناء المدخنة ~~في نهاية المنزل، إلا أن توماس كثيرا ما كان يسخر من جون ويتهكم عليه بشأن ~~مسألة بناء المدفأة في منتصف الكوخ. غير أننا أقمنا المدخنة، وأنجزت مهمتها ~~على نحو جيد. وحققنا تقدما أكبر بكثير في تقطيع الأخشاب، بعد أن أزيحت ~~الأشجار الصغيرة والأفرع من الطريق. # وهكذا كنا نتقدم بخطى بطيئة، حيث كان توماس يتولى الخبز والطهي؛ لأنه ~~كان أفضل ثلاثتنا في ذلك. ولم نكن نغسل أي صحون على الإطلاق، وكان لدينا طبق ~~جديد لكل وجبة. # أرسل لنا رجل يدعى فالنتاين هاريسون، كان يعيش على الطرف الجنوبي لقطعة ~~الأرض رقم 3، منطقة الامتياز رقم 8؛ جلد جاموس كبيرا جدا، لنبسطه فوقنا ~~على السرير. كنا قد صنعنا هيكلا خشنا للسرير وربطنا أجزاءه معا باستخدام ~~أغصان الأشجار الرفيعة بدلا من الحبل، إلا أن الأغصان تدلت على نحو سيئ في ~~منتصف السرير، ومن ثم أحضرنا عمودين ووضعناهما على نحو طولي أسفل أفرع ~~الشوكران، بحيث أصبح لكل منا نصيبه من السرير، ولم نكن نتقلب على الجزء ~~الذي في المنتصف؛ مما أدخل تحسنا على سرير العزاب هذا. # أخذنا نتقدم ببطء على هذا النحو، إلى أن وصلت صناديقنا وأواني الطهي ~~خاصتنا إلى كلينتون، واستعنا برجل بثوريه وزلاجته لإحضارها ms102 من هناك. ~~وعندما حصلنا على أغطية الأسرة خاصتنا، خطر لنا أننا كنا نرقد وسط ~~البرسيم؛ حيث إننا قد نمنا على أفرع الشوكران لخمسة أو ستة أسابيع. # قطعنا شجرة دردار ضخمة وقطعناها إلى شرائح، وصنعنا منها أرضية لكوخنا، ~~وهكذا كنا نضفي على الأشياء شكلا أفضل. # كنا في أوائل فبراير تقريبا حين أحضر أبي والدة وشقيقة جون وتوماس ~~للإقامة معنا. وقد عانوا بشدة للمجيء عبر هوليت؛ إذ لم يكن هناك أي جسور تعلو ~~الجداول المائية الكثيرة المنتشرة، ولم تكن تلك الجداول المائية متجمدة. ثم ~~وصلوا إلى كينيث بينز، حيث توجد بليث الآن، وترك أبي الخيول وزوجة عمي وابنة ~~عمي هناك وجاء ليصطحب ثلاثتنا كي نقودهم لبقية الطريق. استطعنا التحرك من هناك ~~بصعوبة ولم نواجه سوى مشكلة واحدة، وهي أن الخيول كانت في قمة الإرهاق؛ إذ كان ~~الجليد عميقا جدا حتى إنها كانت تتوقف كثيرا في الطريق. وأخيرا وصلنا إلى ~~الكوخ، وأدخلنا الخيول إلى مأوى خاص بها، وشعرنا بالارتياح نوعا ما لما ~~أحضره أبي معه من مؤن. # أراد أبي أن يأخذ معه حمولة من السمك وهو عائد إلى بيته؛ لذا ذهبنا إلى ~~جودريتش في اليوم التالي وأحضرنا السمك. وفي اليوم التالي انطلق عائدا إلى ~~بيته. # عدت إلى موريس حيث كانت زوجة عمي وابنته قد رتبتا الأشياء على نحو رائع. ~~وتحلل توماس من أعباء مهمة الخبز والطهي وشعرنا جميعا بتغيير ~~للأفضل. # واصلنا العمل وقطعنا بعضا من الأشجار الضخمة، لكننا لم نكن معتادين كثيرا ~~على العمل والجليد يزداد عمقا، وكان المشي عليه بطيئا جدا. وفي بداية أبريل ~~1852، تكونت قشرة شديدة الصلابة على الجليد، بحيث كان بمقدور أي شخص أن يركض ~~عليها في أي مكان. # ولما كنت بصدد البحث عن قطعة أرض من أجل جار مسن، فقد بدأنا في الخامس ~~من أبريل في تفقد بعض الأراضي الخالية المعروضة للبيع. كنا على بعد خمسة ~~أو ستة أميال من كوخنا حين هبت عاصفة ثلجية عنيفة، وتسببت الرياح الشرقية ~~في تغطية العلامات الهادية للطريق على الأشجار بالجليد، وواجهنا صعوبة ms103 كبيرة في ~~إيجاد طريقنا إلى المنزل. وسعدت زوجة عمي وابنته كثيرا لرؤيتنا حين وصلنا؛ ~~لأنهما اعتقدتا أننا قد أصبحنا حتما في عداد المفقودين. # لم أفعل أي شيء بمنزلي في ذلك الشتاء، وكذلك توماس، الذي عمل مع جون لبضع ~~سنوات. أما أنا فعدت إلى هالتون في الربيع، وعدت إلى موريس في خريف عام ~~1852، وبدأت في التجهيز لكوخي الخاص، وقطع جزء من الخشب اللازم له في ذلك ~~الشتاء. تعاونت مع ابني عمي في العمل معا في الأماكن التي كانت في أشد الحاجة ~~إلى عملنا. # وقد ساعداني في قطع بعض الأشجار في خريف عام 1853، ولم أحضر إلى موريس مجددا ~~حتى ربيع عام 1857 حين حظيت بزوجة تشاركني محني وأفراحي وأحزاني. # لقد عشت هنا (ونحن الآن في عام 1907) لستين عاما، وواجهت بعض المحن ~~والصعاب، وشهدت الكثير من التغييرات في كل من السكان والقرية. فخلال الأشهر ~~القليلة الأولى كنا نحمل مؤننا لمسافة سبعين ميلا، أما الآن فقد صار هناك ~~طريق سكك حديدية على بعد أقل من ربع ميل منا. # في الخامس من نوفمبر عام 1852، قطعت أول شجرة على أرضي، ولو كان لدي ~~أشجار عليها الآن، كتلك التي كانت موجودة آنذاك، لصرت أغنى رجل في بلدة ~~موريس. # انتقل جيمس ليدلو، الأخ الأكبر لجون وتوماس، إلى موريس في خريف عام 1852. ~~تولى جون مهمة بناء كوخ لجيمس والدي، الذي أصبح حماه فيما بعد. وذهبت أنا ~~وجيمس لمساعدة جون في البناء، وبينما كنا نسقط إحدى الأشجار، إذا بأحد ~~فروعها ينكسر خلال عملية السقوط، ويسقط في اتجاه عكسي مرتطما برأس جيمس ~~ليرديه قتيلا في الحال. # كان علينا أن نحمل جثمانه لمسافة ميل وربع ميل إلى أقرب منزل، وكان علي ~~إبلاغ زوجته ووالدته وشقيقه وشقيقته بهذا الخبر السيئ. كانت تلك هي المهمة ~~الأكثر حزنا في حياتي. واضطررت للاستعانة بمساعدة لحمل الجثمان إلى الوطن؛ ~~إذ لم يكن يوجد سوى ممر للمشاة عبر الأحراش، وكان الجليد غاية في العمق ~~والنعومة. وكان ذلك في الخامس من أبريل عام 1853. # لقد شهدت الكثير من الأفراح والأتراح ms104 منذ قدمت إلى موريس. لا يسكن منطقة ~~الامتياز هذه إلا ثلاثة من أوائل من استوطنوا الأرض هنا، وذرية خمسة آخرين ~~كانوا أيضا من أوائل المستوطنين هنا. بعبارة أخرى، لا توجد هنا سوى ثماني ~~عائلات يعيشون على الأراضي التي شغلها آباؤهم ما بين والتون وبليث، وهي مسافة ~~تصل لسبعة أميال ونصف. # فارق ابن عمي، جون، الذي كان واحدا من الثلاثة الذين جاءوا إلى هنا في عام ~~1851، الحياة في الحادي عشر من أبريل عام 1907. ورحل جميع عجز آل ليدلو ~~تقريبا، ولم يعد على قيد الحياة الآن (في عام 1907) من هؤلاء الذين كانوا ~~أوائل من جاءوا إلى موريس سواي أنا وابن عمي توماس. # والمكان الذي يعرفنا الآن لن يعرفنا عما قريب، بعد أن أصبحنا جميعا كائنات ~~ضعيفة بلغت من العمر أرذله. # مات جيمس ليدلو، الذي كان في وقت ما يدعى جيمي، مثل والده في مكان لم تكن توجد فيه ~~بعد سجلات دفن موثوق بها. ويعتقد أنه قد دفن في ركن من الأرض التي قام هو ~~وشقيقاه وابن عمه بتسويتها وإخلائها من الأشجار، وفي وقت ما في حوالي عام 1900 نقل ~~جثمانه إلى جبانة بليث. # كان روب الكبير، كاتب هذه القصة عن الاستيطان في موريس، والدا للعديد من الأبناء ~~والبنات؛ سايمون، وجون، ودنكان، وفوريست، وساندي، وسوزان، وماجي، وآني، وليزي. ترك ~~دنكان المنزل مبكرا (هذا الاسم صحيح، ولكنني لست واثقة تماما من الأسماء الأخرى)؛ فقد ~~ذهب إلى جويلف، وقلما كانوا يرونه. أما الآخرون، فقد ظلوا بالمنزل؛ فقد كان المنزل ~~كبيرا ويتسع لهم جميعا. في البداية كان والدهم ووالدتهم يعيشان معهم، بعدها ولعدة ~~سنوات لم يعش معهم سوى الأب، وفي النهاية أصبحوا يعيشون بمفردهم، ولم يكن الناس ~~يذكرون أنهم كانوا صغارا قط. # لقد أداروا ظهورهم للعالم؛ فالتزمت النساء الشعر المفروق من المنتصف الملتصق ~~بشدة برءوسهن، رغم أن الموضة الشائعة حينها كانت تتجه إلى الشعر الملفوف ~~والمهدب. وكن يرتدين ثيابا داكنة اللون منزلية الصنع ذات تنانير ضيقة. وكانت ~~أياديهن حمراء؛ إذ كن يدعكن أرضية مطبخهن المصنوعة من ms105 خشب الصنوبر بالبوتاس كل يوم، ~~ما جعلها لامعة كلمعان المخمل. # كان بمقدورهن الذهاب إلى الكنيسة - وهو ما كن يفعلنه كل يوم أحد - والعودة ~~إلى المنزل دون التحدث مع أي شخص. # كانت ممارساتهن الدينية نابعة من إحساس بالواجب، ولكن لم يكن للعاطفة دور فيها على ~~الإطلاق. # كان الرجال مضطرين للتحدث أكثر من النساء عند ممارسة أعمالهم في الطاحونة أو مصنع ~~الجبن، ولكنهم كانوا لا يهدرون كلمات ولا وقتا. كانوا أمناء ولكن صارمين في كل ~~معاملاتهم. وإذا ما اكتسبوا مالا، فلم يكونوا أبدا يهدفون إلى شراء آلات حديثة أو ~~تقليل تعبهم أو إضافة رفاهيات لأسلوب معيشتهم. وكانوا لا يقسون على حيواناتهم، ولكن لم ~~يكونوا يكنون أي مشاعر عاطفية نحوها. # كان الطعام المقدم في المنزل بسيطا جدا، وكان الماء هو شرابهم في الوجبات بدلا ~~من الشاي. # وهكذا ودون ضغط من المجتمع أو من عقيدتهم الدينية (كانت العقيدة المشيخية لا تزال ~~جدلية ومتشددة، ولكنها لم تكن تفرض حصارا على الروح بالعنف والشراسة التي كانت ~~عليهما في أيام القس بوستون)، خلقوا لأنفسهم حياة تشبه حياة الرهبنة دون أي ثواب إلهي ~~أو لحظات من التسامي. ~~••• # في عصر يوم أحد في الخريف طلت سوزان من إحدى النوافذ لترى فوريست يسير جيئة ~~وذهابا في الحقل الأمامي الكبير، حيث لم يكن هناك سوى بقايا حصاد القمح. كان يمشي ~~بتثاقل، ثم يتوقف وينظر فيما كان يفعله. # ولكن ماذا كان ذلك الشيء الذي يفعله؟ لم تكن لتمنحه نشوة السؤال. # وتبين لها أنه قبل هطول الصقيع كان قد شرع في حفر حفرة كبيرة. كان يحفر ~~بالنهار، ويحفر في الليل على ضوء المصباح، إلى أن حفر لعمق ستة أقدام، ولكن الحفرة كانت ~~أكبر من أن تكون قبرا. لقد كانت معدة في الحقيقة لكي تكون قبوا لمنزل. كان ينقل ~~التراب في عربة صغيرة تجر باليد، مستفيدا من ممر منحدر كان قد بناه. # سحب بعض الأحجار الكبيرة من كومة الأحجار الموجودة في الحظيرة، وهناك، وبعد أن انتهى ~~فصل الشتاء، عكف على تشذيب تلك الأحجار بواسطة ms106 أزميل الحجارة لكي يصنع بها جدران ~~قبوه. لم يتوقف عن أداء نصيبه من أعمال الحقل، ولكنه كان يعمل على هذا المشروع ~~المنفرد في جوف الليل. # في الربيع التالي، وما إن جفت الحفرة حتى قام بتمليط الحجارة وتثبيتها ليصنع جدران ~~القبو. وركب الماسورة من أجل الصرف، وبنى الخزان، ثم وضع على نحو واضح للعيان ~~الأساس الحجري لمنزله. كان من الممكن إدراك أن ما يخطط له ليس كوخا من غرفتين، بل كان ~~منزلا حقيقيا وفسيحا، وكان سيحتاج إلى طريق للدخول، وقناة للصرف، إلى جانب أنه كان ~~سيشغل أرضا زراعية. # وأخيرا تحدث إليه أشقاؤه، فقال إنه لم يكن سيحفر قناة الصرف حتى مجيء الخريف، حين ~~يتم حصاد المحصول. أما بالنسبة إلى الطريق، فلم يفكر قط في إنشاء طريق، وكان يعتقد ~~أن بإمكانه السير من المنزل الأساسي على طريق ضيق، بحيث لا يحرمهم من أي قدر من ~~الحبوب أكثر من اللازم. # قالوا إنه لا يزال من الضروري التحدث جديا بشأن المنزل؛ أي بشأن الأرض التي ~~سيقتطعها المنزل منهم، فكان قوله إن هذا صحيح، وإنه سيدفع مبلغا لا بأس به في ~~مقابلها. # من أين كان سيأتي بالمال؟ # كان المقابل الذي سيقدمه هو قيمة العمل الذي قام به بالفعل في المزرعة، مع خصم نفقات ~~المعيشة، إلى جانب تنازله عن نصيبه في الميراث، وهما معا كانا من المفترض أن يمثلا ~~مقابلا لحفرة في الحقل. # وعرض أن يتوقف عن العمل في المزرعة على أن يحصل على وظيفة في مشغل سجح الألواح ~~الخشبية. # لم يستطيعوا أن يصدقوا آذانهم، مثلما لم يستطيعوا أن يصدقوا أعينهم، إلى أن نسق ~~تلك الأحجار الضخمة والمشذبة معا، فما كان منهم إلا أن قالوا: حسنا إذن، إذا أردت أن ~~تجعل من نفسك أضحوكة، فعليك إذن أن تفعل ما تريد. # ذهب للعمل في مشغل سجح الألواح الخشبية، وفي الأمسيات الطويلة كان يباشر نصب هيكل ~~منزله. كان يفترض أن يكون المنزل بارتفاع طابقين، ويضم أربع غرف للنوم، ومطبخا ~~أماميا وخلفيا، وحجرة للمؤن، وأدوات المائدة، وغرفتي معيشة. كان ms107 من المزمع أن ~~تكسى الجدران بألواح من الخشب مطعمة بطبقة خارجية من الطوب. بالطبع كان سيضطر لشراء ~~الطوب، أما الخشب الذي كان يخطط لاستخدامه في الجدران أسفل الطوب، فكان من تلك الأخشاب ~~المكدسة في الحظيرة، المتبقية من السقيفة الخارجية القديمة التي هدمها هو وأشقاؤه ~~حين بنوا الحظيرة الجديدة ذات الطابقين. هل كانت هذه الأخشاب ملكا له كي يستغلها؟ ~~قطعا لم تكن ملكا له، ولكن لم يكن من المزمع استخدامها بأي نحو آخر. وكان ثمة بعض ~~القلق داخل العائلة من نظرة الناس لهم إذا ما دب بينهم الشجار والتشاحن حول تلك ~~الأشياء. فقد كان فوريست بالفعل يتناول عشاءه في أحد الفنادق ببليث بسبب ملاحظات أبدتها ~~ساندي حول تناوله للطعام على مائدة الأسرة قائلة إنه يأكل من عمل الآخرين وكدحهم. ~~لقد تركوه يأخذ الأرض اللازمة لبناء المنزل حين طالب بها باعتبارها حقه؛ لأنهم لم ~~يشاءوا أن يدينهم الناس لرفضهم إعطاءه إياها، ومن نفس المنطلق تركوه الآن يأخذ ~~الأخشاب. # في خريف ذلك العام، بنى السقف على الرغم من أنه لم يكسه بالخشب، وركب موقدا. ~~وقد استعان في كلتا المهمتين بمساعدة رجل يعمل معه في المشغل. وكانت تلك هي المرة ~~الأولى التي يؤدي فيها أي شخص من خارج العائلة أي عمل في الأماكن التابعة لها، فيما ~~عدا عند تشييد الحظيرة في حياة الأب. فقد غضب والدهم من بناته في ذلك اليوم؛ لأنهن ~~وضعن كل الطعام على الطاولات ذات الحاملين في الفناء ثم اختفين، بدلا من مواجهة ~~خدمة الغرباء. # لم ينجح الزمن في أن يجعلهن أكثر سلاسة في التعامل، فبينما كان الرجل الذي يعاونه في ~~البناء هناك - ولم يكن غريبا بحق، بل كان مجرد رجل من البلدة لم يسبق له أن ذهب إلى ~~كنيستهم - لم تخرج ليزي وماجي إلى الحظيرة قط، على الرغم من أنه كان دورهما في حلب ~~الأبقار، واضطرت سوزان للذهاب. كانت دائما من تتولى الحديث حين يضطررن لدخول متجر ~~وشراء شيء ما. وكانت هي من تقود أشقاءها حين يكونون بالمنزل. وكانت هي ms108 من سن ~~قاعدة ضرورة عدم مساءلة فوريست خلال المراحل الأولى من مشروعه. واتضح أنها كانت تعتقد ~~أنه سيتخلى عنه لو لم يلق اهتماما أو محاولة لرده. كانت تقول إنه يفعل ذلك فقط من أجل ~~لفت الأنظار إليه. # وبالتأكيد كان كذلك، لم يلفت أنظار أشقائه وشقيقاته - الذين كانوا يتجنبون النظر من ~~النوافذ على ذلك الجانب من منزلهم - بقدر ما لفت أنظار الجيران، بل وأهل البلدة الذين ~~كانوا يمرون بعرباتهم خصوصا لمشاهدته في أيام الأحد. لقد كانت حقيقة أنه قد حصل على ~~وظيفة بعيدا عن نطاق المنزل، وأنه كان يتناول طعامه في الفندق على الرغم من أنه لم ~~يقدم قط على تناول شراب هناك، وأنه قد انفصل فعليا عن عائلته؛ مثار حديث واسع ~~النطاق؛ فقد كان مثل هذا الانفصال عن كل ما كان معروفا عن بقية العائلة بمنزلة فضيحة ~~(كان رحيل دنكان عن المنزل حينئذ قد طواه النسيان بطريقة أو بأخرى). كان الناس ~~يتساءلون عما حدث، من وراء ظهر فوريست في البداية، ثم صاروا يسألونه مباشرة. # هل تشاجرتم؟ كلا. # حسنا، حسنا. إذن، هل يخطط للزواج؟ # لو كانت هذه دعابة، فإنه لم يكن يعتبرها كذلك. لم يقل لا أو نعم أو ربما. # لم تكن ثمة مرآة في منزل العائلة، عدا تلك المرآة الصغيرة المموجة التي كان ~~الرجال يحلقون أمامها؛ فقد كان بإمكان الشقيقات أن تسأل كل منهن الأخرى عن ~~مظهرها. أما في الفندق، فكانت توجد مرآة ضخمة خلف طاولة الدفع، وكان بإمكان فوريست أن ~~يرى فيها أنه شاب على قدر كاف من الوسامة في أواخر العقد الثالث من عمره، أسود ~~الشعر، عريض المنكبين، طويل القامة. (في الواقع كانت الشقيقات أبهى وأكثر حسنا من ~~الأشقاء، ولكن لا أحد كان ينظر إليهن عن كثب بما يكفي لكي يدرك ذلك؛ وكان هذا نتاج ~~سلوكهن وأسلوبهن في الحياة.) # فلماذا إذن يفترض ألا يفكر في الزواج، إن لم يكن قد فكر في ذلك ~~بالفعل؟ # في ذلك الشتاء كان يعيش وحيدا مع الجدران الخشبية التي تفصله عن الطقس بالخارج، ms109 ومع ~~الألواح الخشبية المؤقتة التي كانت تغلق المساحات المخصصة للنوافذ. وبنى الفواصل ~~الداخلية والسلالم والخزانات ووضع ألواح الأرضيات النهائية المصنوعة من خشب البلوط ~~والصنوبر. # في الصيف التالي، قام ببناء المدخنة الطوبية لتحل محل أنبوب الموقد البارز من ~~السقف. وغطى البناء بأكمله بطوب أحمر جديد منسقا إياه معا بإتقان كأي عامل ~~متخصص في هذا. وركبت النوافذ، وأزيلت الأبواب الخشبية وحلت محلها أبواب جاهزة ~~في الأمام والخلف. وركب موقد حديث، له فرن للخبز وفرن للتسخين وخزان لتسخين ~~الماء، وركبت الأنابيب في المدخنة الجديدة. وكانت المهمة الكبيرة المتبقية هي تغطية ~~الجدران الداخلية بالجص، وكان مستعدا للقيام بذلك حين يزداد الطقس برودة. في ~~البداية وضع طبقة من الجص الخشن، ثم وضع الجص الأملس فوقها بدقة. كان يدرك أن ورق ~~الحائط يجب أن يغطي كل ذلك، ولكنه لم يفكر في كيفية اختياره. في غضون ذلك، كانت كل ~~الغرف تبدو زاهية على نحو رائع، حيث كان الجص يلمع بالداخل بينما الثلج بالخارج بلا ~~لمعان. # كانت الحاجة إلى مفروشات بمنزلة مفاجأة صادمة له. ففي المنزل حيث كان يعيش مع أشقائه ~~وشقيقاته كان الطراز الأسبرطي هو السائد. فلا وجود لستائر، فقط ستائر خشبية ذات لون ~~أخضر داكن، وأرضيات دون سجاجيد، وكراسي صلبة، ولا وجود لأي أرائك، مع وجود أرفف ~~بدلا من الخزانات. كانت الثياب تتدلى من خطافات مثبتة خلف الأبواب بدلا من ~~وضعها داخل خزانات الملابس، وكانوا يعتبرون الملابس التي تزيد عن سعة الخطافات نوعا ~~من الإسراف. لم يكن يرغب بالضرورة في استنساخ هذا النمط، ولكن خبرته بالبيوت الأخرى ~~كانت محدودة، حتى إنه لم يعرف كيف يمكنه التعامل مع الأمر بطريقة أخرى. ولم يكن في ~~متناوله أن يجعل المكان يبدو كالفندق، ولم تكن تلك رغبته. # واكتفى في الوقت الراهن بالأشياء القديمة الموجودة بالحظيرة؛ كرسي فقدت منه ~~عارضتان، بعض الأرفف القديمة، طاولة كان الدجاج ينتف ريشه عليها، سرير صغير وضعت ~~عليه أغطية الخيول كمرتبة. وقد وضع كل ذلك في نفس الغرفة التي يوجد بها الموقد، فيما ~~تركت الغرف الأخرى ms110 جرداء خاوية على عروشها. ~~••• # أصدرت سوزان، حين كانوا جميعا يعيشون معا، أوامرها بأن على ماجي أن تهتم بثياب ~~ساندي، فيما تهتم ليزي بملابس فوريست، وآني بملابس سايمون، فيما عليها هي الاهتمام ~~بثياب جون. وكان هذا يعني كيها وإصلاحها ورفو الجوارب، وغزل الأوشحة والصديريات، ~~وحياكة قمصان جديدة حسبما تقتضي الحاجة. لم يكن منوطا بليزي أن تستمر في الاعتناء ~~بملابس فوريست - أو أن تكون لها أي صلة به على الإطلاق - بعد رحيله. ولكن، حان وقت - ~~بعد خمس أو ست سنوات من اكتمال منزله - قررت فيه أن تعرف كيف يدبر أموره. كانت سوزان ~~مريضة في ذلك الوقت، وأصابها وهن شديد جراء إصابتها بأنيميا خبيثة، ومن ثم لم ~~تكن قواعدها تطبق دائما. # ترك فوريست عمله بمشغل سجح الألواح الخشبية، وكان السبب في ذلك، حسبما قال الناس، أنه ~~لم يستطع تحمل سهام السخرية التي كانت توجه إليه بشأن مسألة الزواج. فقد راجت على ~~الألسنة القصص والأقاويل حول ذهابه إلى تورونتو بالقطار، وجلوسه في محطة يونيون ستيشن ~~طوال يوم كامل باحثا عن امرأة تنال قبوله دون جدوى. وتناقلت كذلك قصة عن مراسلته لإحدى ~~وكالات الزواج في الولايات المتحدة، واختبائه في قبوه حين جاءت إحدى السيدات البدينات ~~تطرق بابه. وكان زملاؤه الأصغر منه سنا في المشغل يؤذون مشاعره بصفة خاصة بنصائحهم ~~المستحيلة. # حصل على وظيفة حارس بالكنيسة المشيخية، حيث لم يكن مضطرا لرؤية أي شخص سوى ~~القس أو أحد الأعضاء الفضوليين للمجلس القائم على شئونه من آن لآخر؛ ولم يكن أي ~~من هؤلاء من النوعية التي تبدي ملاحظات وقحة أو شخصية. ~~••• # اجتازت ليزي الحقل في عصر أحد أيام الربيع، وطرقت باب منزله دون مجيب، غير أنه لم يكن ~~مغلقا؛ ما دفعها للدخول. # لم يكن فوريست نائما، كان مستلقيا بكامل ثيابه على السرير واضعا ذراعيه خلف ~~رأسه. # قالت ليزي: «هل أنت مريض؟» إذ لم يكن أي منهم يستلقي خلال النهار هكذا ما لم يكن ~~مريضا. # كان جوابه بالنفي. لم يعنفها لدخولها بلا استئذان، ولكنها لم تكن كذلك موضع ms111 ترحيب ~~منه. # كانت الرائحة المنبعثة من المنزل كريهة. لم يوضع أي ورق حائط على الجدران قط، وكان ~~لا يزال هناك أثر لرائحة جص خام، إلى جانب رائحة أغطية الخيول ورائحة ملابس لم ~~تغسل لفترة طويلة، إن كانت قد غسلت من الأساس. وكذا رائحة دهن قديم في المقلاة ~~وأوراق شاي مرة في القدر (فقد كان فوريست قد اتخذ تلك العادة المرفهة لشرب الشاي ~~بدلا من مجرد الاكتفاء بالماء الساخن). كانت النوافذ غائمة في شمس الربيع والذباب ~~الميت يرقد على حوافها. # قال فوريست: «هل أرسلتك سوزان؟» # قالت ليزي: «كلا، إنها ليست على ما يرام.» # لم يكن لديه أي شيء ليقوله في هذا الشأن: «هل أرسلك سايمون؟» ~~«لقد جئت من تلقاء نفسي.» وضعت ليزي الصرة التي كانت تحملها، وراحت تبحث عن ~~مكنسة، ثم قالت وكأنه قد سأل: «نحن جميعا بخير في المنزل، فيما عدا سوزان.» # كانت الصرة تحوي قميصا جديدا من القطن الأزرق، ونصف رغيف من الخبز وقطعة من ~~الزبد الطازج. كان كل الخبز الذي تصنعه الشقيقات رائعا، وكان الزبد طيب المذاق؛ لكونه ~~مصنوعا من حليب أبقار جيرزي. وكانت ليزي قد أخذت تلك الأشياء دون استئذان. # كانت هذه بداية نزعة جديدة تتكون لدى العائلة. استجمعت سوزان عافيتها حين عادت ليزي ~~إلى المنزل بما يكفي لكي تخبرها بأن عليها الاختيار بين الرحيل أو البقاء. فقالت ليزي ~~إنها سترحل، ولكن لدهشة سوزان والجميع، طلبت نصيبها من المقتنيات الموجودة بالمنزل. ~~فصل سايمون ما تعين أن تحصل عليه، بعدالة بالغة، وكانت تلك هي الطريقة التي أثث ~~بها منزل فوريست أخيرا ولو على نحو ضئيل. لم يلصق ورق حائط أو تعلق ستائر، ولكن ~~أصبح كل شيء يشع نظافة وبريقا. طلبت ليزي بقرة وستا من الدجاج وخنزيرا ~~لتربيتها، وشرع فوريست في العمل بالنجارة مرة أخرى، وبنى حظيرة بمربطين ومخزنا للتبن. ~~وعند وفاة سوزان، اكتشفوا أنها مدخرة مبلغا كبيرا من المال، وخصص لهما نصيب ~~من ذلك المبلغ أيضا. وتم شراء حصان وعربة، وتزامن ذلك تقريبا مع المرة الأولى التي ~~أصبحت ms112 فيها السيارات أمرا معتادا على هذه الطرق. ولم يعد فوريست يذهب إلى عمله سيرا ~~على الأقدام. وفي ليالي السبت كان هو وليزي يستقلان العربة معا إلى البلدة للتسوق. ~~وأصبح لليزي السيطرة والهيمنة في منزلها كأي امرأة متزوجة. # في إحدى ليالي عيد القديسين - وكان عيد القديسين في تلك الأيام وقتا لتدبير الحيل ~~والمكائد الخطيرة أكثر من كونه مناسبة لإغداق الصدقات - تركت صرة على باب منزل ~~ليزي وفوريست. كانت ليزي أول من فتحت الباب في الصباح. كانت قد نسيت عيد القديسين ~~الذي لم يكن أي من أفراد العائلة يعيره أي انتباه، وحين رأت شكل الصرة صرخت ~~بصوت أقرب إلى الدهشة منه إلى الاستياء والضيق. في لفافاتها الصوفية المتهرئة رأت ما ~~أشبه بطفل رضيع، وكانت قد سمعت من قبل عن رضع يتركون أمام عتبات أبواب الأشخاص ~~الذين قد يعتنون بهم. وخطر لها للحظة أن هذا هو حتما ما حدث معها، وأنها قد اصطفيت ~~من دون الآخرين لهذه الهدية وهذا الواجب الإنساني. حينئذ أقبل فوريست من خلف المنزل ~~ليراها تنحني وتلتقط الصرة، وعلى الفور عرف ما بها، مثلما عرفت هي أيضا بمجرد أن ~~تحسستها. كانت عبارة عن كومة من القش ملفوفة في خيش مربوط بحبال بحيث تشبه طفلا ~~رضيعا، وكان الوجه مرسوما بأحد ألوان الشمع في الموضع المناسب على الخيش لإظهار وجه ~~طفل رضيع. # أدرك فوريست المعنى الضمني لذلك، لكونه أقل براءة وسذاجة من ليزي، فانتزع الصرة ~~منها ومزقها إربا وألقى بقطعها الممزقة داخل الموقد. # ارتأى أن هذا كان شيئا من الأفضل ألا تسأل عنه ليزي أو حتى تورد له ذكرا في ~~المستقبل، ولم تفعل مطلقا. ولم يذكره هو أيضا، وبقيت القصة مجرد شائعة ومثارا ~~للتساؤل والتدبر من قبل من تناقلوها. ~~••• ~~«لقد كرس كل منهما حياته للآخر»، هكذا قالت أمي التي لم يسبق لها أن قابلتهما ~~مطلقا، ولكنها بصفة عامة كانت تشجع العلاقات الأخوية بين الشقيقات والأشقاء غير ~~المدنسة بالجنس. # كان أبي قد رآهما في الكنيسة حين كان طفلا، وربما يكون قد زارهما بضع ms113 مرات مع ~~والدته. فقد كانا أبناء عمومة من الدرجة الثانية لوالده، ولم يكن يعتقد أنهما قد سبق ~~لهما أن زارا منزل والديه. # لم يكن معجبا بهما، ولم يعتب أيضا عليهما، بل كان مندهشا بشأنهما. # كان يقول: «إذا تأمل المرء ما فعله أسلافهما والشجاعة التي احتاجوها لكي يبادروا ~~ويعبروا المحيط، فسيتساءل ما الذي حطم معنوياتهما بهذه السرعة الشديدة.» # | العمل من أجل كسب العيش # حين كان أبي في الثانية عشرة من عمره وقد اجتاز ما استطاع اجتيازه من سنوات دراسة في ~~المدرسة الريفية، اتجه إلى البلدة لخوض مجموعة من الاختبارات، كانت تسمى اختبارات ~~القبول، ولكنها كانت تعرف عموما باسم «القبول». كانت كلمة «القبول» تعني حرفيا ~~القبول بالمدرسة الثانوية، ولكنها كانت تعني أيضا، على نحو غير محدد، الدخول إلى ~~العالم، عالم الحياة المهنية مثل مجال الطب أو المحاماة أو الهندسة أو التدريس. كان ~~الصبية القرويون يدخلون ذلك العالم في السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى على نحو ~~أسهل من الجيل التالي لهم. فقد كانت تلك الفترة فترة ازدهار ورخاء في مقاطعة هورون ~~وفترة توسع في البلاد. كان ذلك في عام 1913، ولم يكن عمر البلاد قد تجاوز خمسين عاما ~~بعد. # اجتاز أبي اختبارات القبول بتقديرات مرتفعة والتحق بالمدرسة التكميلية في بلدة ~~بليث. كانت المدارس التكميلية تمنح أربع سنوات من الدراسة الثانوية دون السنة النهائية ~~التي كانت تسمى المدرسة العليا أو السنة الخامسة؛ إذ كان عليك أن تذهب إلى بلدة أكبر ~~من أجل ذلك. كان يبدو وكأنه في طريقه لتحقيق ذلك. # خلال الأسبوع الأول لأبي في المدرسة التكميلية، سمع المعلم يقرأ المقطع الشعري ~~التالي: # Liza Grayman Ollie Minus, # We can make Eliza blind. # Andy Parting, Lee Beehinus. # Foo Prince in the Sansa Time. # اعتاد أن يقرأ هذا المقطع علينا كدعابة، ولكن الحقيقة أنه لم يسمعه كدعابة. ففي ~~نفس الوقت تقريبا، دخل إلى المكتب وطلب دفتر ملاحظات لمادة العلوم قائلا: # Signs Snow Paper # والتي كان النطق الصحيح لها # Science notepaper ~~. # وسرعان ما دهش عندما رأى القصيدة مكتوبة ms114 على السبورة: # Lives of Great Men all remind us, # We can make our lives sublime. # And, departing, leave behind us # Footprints on the Sands of Time. # وترجمة تلك الأبيات هي: # حياة العظماء تذكرنا جميعا، # أن في وسعنا الارتقاء بحياتنا. # والرحيل، يخلف وراءنا # آثارا على رمال الزمن. # لم يكن يأمل أن يتم مثل هذا التوضيح المنطقي، ولم يكن ليحلم بأن يطلبه؛ فقد كان ~~يرغب بشدة في أن يمنح الطلاب في المدرسة الحق في أن تكون لهم لغة غريبة أو منطق ~~غريب. لم يطلب منهم أن يتحروا المنطق في كلماته؛ فقد كان لديه لمحة من الكبرياء ربما ~~كانت تبدو أقرب إلى الإذعان، وهو ما جعله خائفا وحساسا وعلى استعداد للانسحاب. أعرف ~~ذلك تمام المعرفة؛ فقد صنع هناك لغزا، صنع هيكلا عدائيا من القواعد والأسرار ~~تجاوز حدود ما كان موجودا بالفعل. كان يشعر عن قرب بحس السخرية القاسي، وكان يبالغ في ~~تقدير المنافسة، وحينها خطر له التحفظ العائلي والحكمة الريفية ليقولا له: ابق ~~بعيدا. # في تلك الأيام كان الناس في البلدة بوجه عام يتعالون على القرويين وينظرون إليهم على ~~أنهم أكثر منهم اتصافا ببطء الفهم وانعقاد اللسان والهمجية، وأكثر انصياعا نوعا ما ~~رغم ما لهم من قوة. وكان القرويون يرون أن قاطني البلدات يتمرغون في الحياة السهلة ~~المرفهة، ومن غير المحتمل أن ينجحوا في تجاوز المواقف التي تتطلب الجلد والاعتماد ~~على النفس والكد والاجتهاد. كانوا يؤمنون بذلك على الرغم من حقيقة أن الساعات التي ~~يقضيها الرجال في العمل داخل المصانع أو المتاجر كانت طويلة والأجور متدنية، على الرغم ~~من حقيقة أن العديد من البيوت في البلدة ليس بها ماء جار أو مراحيض دافقة أو كهرباء. ~~ولكن الناس في البلدة كانوا يحظون بإجازة في أمسيات أيام السبت أو الأربعاء وكامل يوم ~~الأحد، وكان هذا كفيلا بألا يكونوا جلدين. أما المزارعون، فلم يحظوا ولو بيوم إجازة ~~واحد في حياتهم، ولا حتى من ينتمون إلى الكنيسة المشيخية الاسكتلندية؛ فحتى الأبقار ~~لا تحصل على راحة يوم الأحد. ms115 # حين كان أهل الريف يأتون إلى البلدة بغرض التسوق أو الذهاب إلى الكنيسة، فغالبا ما ~~كان يبدو عليهم الخجل والرسمية الشديدة. ولم يكن أهل البلدة يدركون أن هذا قد ينظر ~~إليه باعتباره سلوكا يدل على السمو والترفع؛ السلوك الذي يسعى صاحبه من ورائه إلى عدم ~~السماح لأحد منهم بأن يجعل منه أضحوكة. ولم يكن المال يحدث فارقا كبيرا. وربما كان ~~المزارعون يحافظون على مخزونهم من الكبرياء والحذر في وجود المواطنين الذين لهم سيطرة ~~عليهم. # قال أبي فيما بعد إنه قد التحق بالمدرسة التكميلية في سن صغيرة جدا، لم تمكنه ~~من معرفة ما كان يفعل، وإنه كان عليه أن يبقى هناك، وكان عليه أن يجعل من نفسه شيئا ذا ~~قيمة. ولكنه قال إن هذا كان أمرا شكليا تقريبا، كما لو أنه لم يكن بالأمر الذي ~~اهتم به كثيرا. ولم يكن الحال وكأنه قد ترك المنزل مع أول إشارة إلى أن ثمة ~~أشياء لم يكن يفهمها. لم يكن واضحا تماما فيما يتعلق بالمدة التي مكثها هناك. ربما ~~ثلاثة أعوام وجزء من الرابع، أو عامان وجزء من الثالث. ولم يترك المدرسة فجأة؛ فلم ~~تكن المسألة مسألة الذهاب إلى المدرسة في أحد الأيام ثم التخلف عن الحضور في اليوم ~~التالي وعدم الذهاب مجددا. بل بدأ في قضاء المزيد والمزيد من الوقت في الأحراش ووقتا ~~أقل في المدرسة، حتى قرر والداه أنه لا جدوى من التفكير في إرساله إلى بلدة أكبر لقضاء ~~عامه الدراسي الخامس، وأنه ليس ثمة أمل كبير في أن يلتحق بالجامعة أو يدخل الحياة ~~المهنية. كان بإمكانهما تحمل نفقات ذلك - وإن لم يكن بسهولة - ولكن كان واضحا ~~أن تلك لم تكن رغبته. ولم يكن بالإمكان اعتبار ذلك خيبة أمل كبيرة؛ فقد كان ابنهما ~~الوحيد، وكانت المزرعة ستئول إليه. # لم يكن يوجد ريف بري في مقاطعة هورون حينذاك أكثر مما يوجد الآن. ربما كانت مساحته ~~أقل؛ فقد قطعت أشجار المزارع تماما في الفترة ما بين عامي 1830 و1860، حين كان يتم ~~افتتاح منطقة ms116 هورون. وجرف العديد من الجداول المائية؛ وكان الشيء التالي الذي يجب ~~القيام به هو تعديلها لكي تجري مثل القنوات المحددة المسار فيما بين الحقول. كان ~~المزارعون الأوائل يكرهون رؤية منظر أي شجرة، ويعجبهم منظر الأرض الزراعية المنبسطة. ~~وكان الأسلوب الذكوري في التعامل مع الأرض إداريا وديكتاتوريا. النساء وحدهن هن ~~من كن مسموحا لهن بالاعتناء بالطبيعة وعدم التفكير دوما بشأن ترويضها ~~وإنتاجيتها، فقد كانت جدتي، على سبيل المثال، معروفة بأنها قد أنقذت صفا من أشجار ~~القيقب الفضي بطول الشارع الموجود به منزلنا، كانت هذه الأشجار تنمو بجوار حقل زراعي، ~~وكانت تزداد ضخامة وهرما، حتى إن جذورها كانت تتداخل مع عملية الحرث، وكانت تظلل ~~جزءا أكبر مما ينبغي من المحصول. فخرج جدي وأبي في صباح أحد الأيام وعزما على قطع أولى ~~هذه الأشجار. ولكن جدتي رأت من نافذة المطبخ ما كانا على وشك أن يفعلاه، وأسرعت وهي ~~ترتدي مريلتها وعارضتهما على نحو غاضب، ووبختهما، ومن ثم اضطرا في النهاية لحمل ~~فأسيهما ومنشار القطع المتعارض الخاص بهما ومغادرة المكان. وبقيت تلك الأشجار وأفسدت ~~المحصول على حافة الحقل حتى جاء شتاء عام 1935 الفظيع وأجهز عليها. # ولكن القانون كان يلزم المزارعين بتخصيص قطعة أرض في الجزء الخلفي من مزارعهم ~~لزراعة الأشجار. وكان بإمكانهم تقطيع الأشجار هناك بغرض الاستخدام والبيع على حد ~~سواء. وبالطبع كان الخشب هو محصولهم الأول؛ فاستخدم خشب الدردار التوماسي في صناعة ~~ضلوع السفن الهيكلية، والصنوبر الأبيض في صناعة صواريها، حتى إنه لم يعد متبقيا أي ~~من هذين النوعين من الأخشاب إلا فيما ندر. وفي ذلك الحين، صارت هناك حماية قانونية لما ~~تبقى من أشجار الحور والدردار والقيقب والبلوط والزان والأرز والشوكران. # عبر الأرض المخصصة لزراعة الأشجار - وتسمى الأحراش - في الجزء الخلفي من مزرعة ~~جدي، كان يتدفق جدول بليث، الذي كان قد جرف منذ زمن طويل حين قطعت أشجار المزرعة ~~لأول مرة. جرفت الأرض ثم كونت ضفة عالية نمت عليها أجمات كثيفة من أشجار الأرز. ~~كان هذا حيثما بدأ أبي الصيد بالشراك. ms117 فقد ترك المدرسة وبدأ يقتحم عالم صيد حيوانات ~~الفراء. كان يمكنه تتبع جدول بليث لعدة أميال في أي من الاتجاهين حتى منبعه في ~~بلدة جري أو المكان الذي يصب فيه في نهر ميتلاند الذي يصب في بحيرة هورون. في بعض ~~الأماكن - على الأخص في قرية بليث - كان الجدول يصير مرئيا للعيان لبعض الوقت، ولكن ~~معظمه كان يجري عبر الأجزاء الخلفية من المزارع، حيث تصطف الأحراش على كلا جانبيه، ومن ~~ثم كان من الممكن أن تتبعه دون أن يقع ناظريك على المزارع، والأرض المقطوع شجرها، ~~والطرق الممهدة، والأسوار؛ كان من الممكن أن تتخيل أنك وسط الغابة مثلما كانت قبل ~~مائة عام مضت، ولمئات الأعوام قبل ذلك. # كان أبي قد قرأ كثيرا من الكتب في ذلك الوقت، الكتب التي وجدها في المنزل وفي مكتبة ~~بليث وفي مكتبة مدرسة الأحد. كان قد قرأ كتبا لفينيمور كوبر، واستوعب الخرافات وأشباه ~~الخرافات عن البرية التي لم يكن معظم الصبية القرويين من حوله يعرفون عنها شيئا، لما ~~كان قليلون منهم فقط هم من كانوا يمارسون القراءة. كان معظم الصبية الذين أشعلت ~~خيالاتهم نفس الأفكار التي كان يتبناها يعيشون في المدن، وإذا كانوا أثرياء بالقدر ~~الذي يسمح لهم بالسفر شمالا كل صيف مع عائلاتهم، فقد كانوا يذهبون في رحلات ~~بالقوارب وفيما بعد في رحلات لصيد الأسماك والحيوانات. وإذا كانت عائلاتهم أثرياء ~~بحق، فإنهم كانوا يجوبون أنهار الشمال الأقصى بصحبة مرشدين من الهنود. كان الناس ~~الذين يسعون لهذه التجربة في البرية يمرون بسياراتهم على ريفنا دون أن يلاحظوا وجود ولو ~~جزء من البرية هناك. # ولكن الصبية المزارعين من مقاطعة هورون، الذين كانوا يعلمون بالكاد بشأن هذا الريف ~~الكبير العميق الذي يشكل جزءا من منطقة الدرع الكندي الذي يرجع إلى عصر ما قبل ~~الكمبري والأنهار البرية؛ منجذبون إلى الأحراش المنتشرة بطول الجداول المائية، على ~~الأقل البعض منهم لفترة؛ حيث كانوا يصيدون الأسماك والحيوانات ويشيدون الطوافات وينصبون ~~الأشراك. وحتى لو لم يكونوا قد قرءوا كلمة واحدة عن ذلك النوع من ms118 الحياة، فقد كانوا ~~على الأرجح لهم مغامراتهم فيها. ولكن سرعان ما كانوا يهجرون تلك الحياة لكي يشرعوا في ~~عمل حياتهم الواقعي الشاق كمزارعين. # وكان من جملة الفروق بين المزارعين آنذاك، والآن، أنه في تلك الأيام لم يكن أحد ~~يتوقع أن يلعب الاستجمام دورا منتظما في الحياة الريفية. # ولم يتخل أبي، بوصفه صبيا قرويا لديه ذلك الإدراك الزائد، سواء الملهم أو ~~الرومانسي (لم يكن أبي ليكترث لتلك الكلمات)، والتعطش الذي غرسه فيه فينيمور كوبر؛ عن ~~تلك المغامرات الشبابية في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة أو العشرين. وبدلا من ترك ~~الذهاب للأحراش، اعتاد الأمر على نحو أكثر مثابرة وجدية. وبدأ الآخرون يتحدثون ~~عنه، وينظرون إليه كصائد بالشراك أكثر منه مزارعا شابا، وكشاب محب للعزلة ~~وغريب الأطوار بعض الشيء، وإن لم يكن شخصا محل خوف أو بغض بأي حال. فقد كان ~~يبتعد تدريجيا عن حياة المزارع، مثلما ابتعد من قبل عن التعليم والدخول إلى الحياة ~~المهنية. كان يقترب نحو حياة ربما لم يستطع بلورتها في خياله بوضوح، حيث إنه كان على ~~دراية أفضل بالأشياء التي لم يكن يريدها عن تلك التي كان يريدها. # كيف كان يمكن تدبير الحياة داخل الأحراش البعيدة عن البلدات، على حافة ~~المزارع؟ # حتى هنا، حيث كان الرجال والنساء في أغلب الأحيان يرضون بما يقسم لهم أيا كان، ~~تمكن بعض الرجال من تدبير الحياة وإدارتها. حتى في هذه القرية المستأنسة كان هناك ~~بعض الزاهدين، بعض الرجال الذين ورثوا مزارع ولم يبقوا عليها، أو كانوا مجرد واضعي يد ~~جاءوا من أماكن لا يعلمها إلا الرب. كانوا يصيدون الأسماك والحيوانات ويرتحلون، وكانوا ~~يرحلون ثم يعودون، أو يرحلون بلا عودة؛ على عكس المزارعين الذين كانوا كلما غادروا ~~مواضعهم ذهبوا في عربات ذات خيول أو زلاجات أو بالسيارة كما هو سائد الآن، للقيام ~~بمهام معينة في وجهات محددة. # كان يتكسب من عمليات الصيد بالشراك التي يقوم بها؛ إذ كان من الممكن لبعض جلود ~~الحيوانات التي يصطادها أن تجلب له ما يعادل أجر عمل ms119 لمدة أسبوعين في مجموعة لدرس ~~الحنطة. ومن ثم لم يكن بإمكان من في المنزل إبداء أي تذمر مما كان يفعله؛ فقد ~~كان يدفع نفقات إقامته، وكان يساعد والده حين كانت تستدعي الضرورة. لم يكن هو ووالده ~~يتحدثان معا قط؛ فقد كان من الممكن أن يعملا طوال الصباح في قطع الأخشاب في الأحراش ~~دون أن ينبسا بكلمة، إلا حين يضطران للحديث عن العمل. لم يكن لوالده اهتمام بالأحراش ~~إلا بوصفها منطقة للأشجار. كانت بالنسبة إليه أشبه بحقل من الشوفان مع فارق أن ~~المحصول كان حطبا. # كانت والدته أكثر فضولا. كانت تسير نحو الأحراش في عصر أيام الأحد، وكانت امرأة ~~طويلة ذات قامة منتصبة ومهيبة الطلة، ولكن كانت لها مشية ذات خطى واسعة تشبه مشية ~~الصبية؛ حيث كانت تلملم تنورتها وتحرك قدميها بخبرة وتمكن فوق الأسوار. ~~وكانت خبيرة بالأزهار البرية وثمار التوت، كما كان بإمكانها أن تخبرك باسم أي طائر ~~من تغريده. # أطلعها على شراكه حيث كان يصيد الأسماك، وانزعجت لهذا الأمر؛ لأنه كان من الممكن أن ~~يوافق وقوع الأسماك في الشراك يوم الأحد، وهذا أمر مكروه دينيا؛ فقد كانت غاية ~~في الصرامة بشأن جميع القواعد والالتزامات الدينية الخاصة بالكنيسة المشيخية. وقد كان ~~لهذه الصرامة قصة غريبة؛ لم تكن تنشئتها مشيخية على الإطلاق، بل عاشت طفولة وصبا ~~تملؤهما السعادة وعدم التشدد كأحد رعايا الكنيسة الأنجليكانية، والمعروفة أيضا باسم ~~كنيسة إنجلترا. لم يكن ثمة الكثير من الأنجليكانيين في ذلك الجزء من البلاد، ~~وأحيانا ما كانوا يعتبرون أقرب إلى الرومان الكاثوليك، وأقرب أيضا للملحدين. فقد ~~كانت عقيدتهم الدينية غالبا ما تبدو في مجملها للآخرين عبارة عن مجموعة من الانحناءات ~~والردود، تتخللها عظات قصيرة، وتفسيرات سهلة، وقساوسة دنيويين، والكثير من الأبهة ~~والعبث. كانت عقيدة تروق لوالدها، الذي كان أيرلنديا محبا للصحبة، ~~وقاصا، وشاربا للخمر. ولكن حين تزوجت جدتي أغرقت نفسها في عقيدة زوجها ~~المشيخية، وأصبحت أكثر تشددا من الكثيرين ممن نشئوا فيها. لقد كانت أنجليكية ~~المولد، خاضت سباق الاستقامة للعقيدة المشيخية مثلما ولدت متشبهة بالصبية، ms120 وخاضت سباق ~~ربة المنزل الريفية، بكل طاقتها. ربما تساءل الناس هل فعلت هذا بدافع الحب؟ # لم يكن أبي وهؤلاء الذين كانوا يعرفونها جيدا يعتقدون ذلك. فلم يكن ثمة توافق ~~بينها وبين جدي على الرغم من أنهما لم يكونا يتشاجران. فقد كان هو متأملا صامتا، ~~وكانت هي مفعمة بالحيوية واجتماعية. كلا، لم يكن ما فعلته من أجل الحب، بل من أجل ~~الكبرياء؛ لكيلا تكون في موقف المهزوم أو تنتقد على أي نحو، ولكيلا تدع أحدا يقول ~~إنها قد ندمت على قرار اتخذته، أو أرادت أي شيء لم تستطع نيله. # بقيت على صداقتها مع ولدها على الرغم من مشكلة أسماك الأحد التي لم تكن تطهوها. ~~كانت مهتمة بجلود الحيوانات التي كان يريها إياها، وكانت تسمع عن قدر ما يحصل عليه من ~~مال مقابلها. كانت تغسل ملابسه ذات الرائحة الكريهة، التي كان مصدرها طعم الأسماك ~~الذي كان يحمله، وأيضا الأحشاء والفراء. من الممكن أن تكون ناقمة على ذلك، ولكنها ~~كانت متسامحة معه كما لو كان ابنا أصغر سنا بكثير مما هو عليه. وربما كان بالفعل ~~يبدو أصغر في عينيها، بأشراكه وجولاته عبر الجدول المائي، وانطوائه؛ فلم يكن أبدا يسعى ~~وراء الفتيات، وفقد تدريجيا الاتصال بأصدقاء الطفولة الذين كانوا يفعلون ذلك. وهي ~~لم تكترث لذلك. ربما يكون سلوكه قد ساعدها على تحمل خيبة الأمل التي شعرت بها بسبب ~~عدم استمراره في المدرسة، وكونه لن يصبح طبيبا أو قسا. ربما كان بمقدورها أن تتظاهر ~~بأنه ما زال يمكنه أن يفعل ذلك، وأن الخطط القديمة - التي وضعتها من أجله - لم تنس، ~~ولكن أرجئت فقط. على الأقل لم يتحول إلى مجرد مزارع صامت، ولم يصبح نسخة من ~~والده. # أما من جهة جدي، فلم يدل بأي رأي، ولم يقل إن كان موافقا أو رافضا. فقد كان ~~له طبع يقوم على الانضباط والصمت. لقد ولد في موريس واستقر فيها ليصبح مزارعا، ~~وكان عضوا في حزب الأحرار الكندي وأحد أتباع الكنيسة المشيخية. ولد معارضا لكنيسة ~~إنجلترا، ومجموعة ميثاق العائلة، والأسقف ms121 سترون والحانات، ومؤيدا للحق العام في ~~الانتخاب (ولكن ليس للنساء)، والمدارس المجانية، والحكومة المسئولة، وجماعة تحالف يوم ~~الرب. ولد ليعيش وفقا لنظم قاسية وكيانات رافضة. # انحرف جدي بعض الشيء؛ فقد تعلم العزف على الكمان، وتزوج من الفتاة الطويلة ~~القامة، المتقلبة المزاج، الأيرلندية ذات العينين المختلفتين في اللون. وبعد أن فعل ~~ذلك، انسحب من الحياة، وظل لما تبقى من حياته مخلصا ومنظما وهادئا. وكان ~~هو الآخر محبا للقراءة. فكان في الشتاء ينتهي من أداء جميع أعماله - على النحو الأمثل ~~- ثم يعمد للقراءة. لم يكن يتحدث قط عما كان يقرؤه، ولكن كان كل من حوله يعرفون ~~ذلك. ولقد كانوا يحترمونه ويوقرونه لذلك. وهذا أمر غريب؛ إذ كانت هناك امرأة تحب ~~القراءة أيضا، وكانت تستعير كتبا من المكتبة طوال الوقت، ولم يكن أحد يكن لها ~~أدنى قدر من الاحترام؛ فقد كان الحديث دائما يدور حول كم الغبار المتراكم تحت ~~أسرتها، وعن تناول زوجها للعشاء باردا. ربما كان ذلك لأنها كانت تقرأ الروايات ~~والقصص، فيما كانت الكتب التي يقرؤها جدي كبيرة ورصينة. كانت كذلك، حسبما كان يتذكر ~~الجميع، ولكن لم يكن أحد يتذكر عناوينها. كان يستعير الكتب من المكتبة، التي كانت في ~~ذلك الوقت تضم مؤلفات بلاكستون، وماكولي، وكارلايل، ولوك، وكتاب هيوم «تاريخ ~~إنجلترا». وماذا عن كتاب «بحث في الفهم الإنساني»؟ وماذا عن فولتير؟ كارل ماركس؟ من ~~الممكن أن يكون قد قرأ لهؤلاء. # والآن، ترى لو كانت السيدة التي تتراكم كتل الغبار تحت أسرتها تقرأ تلك الكتب ~~الرصينة، فهل كانت ستنال احترام الناس؟ لا أظن ذلك. لقد كانت النساء هن من ~~قيمنها، وأحكام النساء على النساء كانت أكثر قسوة من أحكام الرجال على النساء. ~~كذلك لا بد من تذكر أن جدي كان ينتهي من أداء عمله أولا؛ فكانت أكداس الخشب لديه ~~منظمة وإسطبله منسقا، فلم تؤثر القراءة على سلوكه على أي نحو. # ثمة شيء آخر كان يقال عن جدي، وهو أنه كان على قدر من الثراء. ولكن الثراء لم ~~يكن شيئا يسعى وراءه، أو ms122 يفهم، في تلك الأيام مثلما هو الآن. أذكر جدتي حين قالت ~~لي: «حين كنا نحتاج إلى القيام بشيء - حين ذهب والدك إلى بليث للالتحاق بالمدرسة ~~وكان في حاجة إلى كتب وملابس جديدة وما إلى ذلك - كنت أقول لجدك: حسنا، علينا أن نربي ~~عجلا آخر أو شيئا من هذا القبيل ليدر علينا دخلا إضافيا.» ولكن، يبدو أنهما لو ~~عرفا كيف يأتيان بهذا الدخل الإضافي، لكان في وسعهما أن يتحصلا عليه دوما. # وهذا يعني أنهما دوما في حياتهما العادية لم يكونا يتكسبان من المال ما كان في ~~وسعهما تكسبه فعلا؛ فلم يكونا يستغلان طاقاتهما وجهدهما لأقصى درجة. لم ينظرا إلى ~~الحياة من هذا المنطلق، وكذا لم يرياها من منظور ادخار ولو جزءا من طاقاتهما لأوقات ~~السراء أسوة ببعض جيرانهما الأيرلنديين. # إذن كيف كانا يريان الأمر؟ أظن أنهما في الغالب كانا يريانه كطقس، موسمي ~~وجامد، شبيه جدا بأعمال المنزل. ربما لم تكن تستهويهما الأمور التي من شأنها أن تجعل ~~حياتهما أيسر، مثل محاولة كسب المزيد من المال أو رفع المكانة وتحسين وضعيهما. # هذا تغير في المنظور عن منظور الرجل الذي ذهب إلى إلينوي. لعله كان تأثيرا ~~ممتدا من هذا التراجع على سلالته الأكثر خجلا أو الأكثر تأملا. # لا بد أن هذه هي الحياة التي كان أبي يراها في انتظاره؛ حياة لم تكن جدتي آسفة تماما ~~أن وجدته يتجنبها، على الرغم من خضوعها وإذعانها الشخصي لها. # ثمة تناقض واحد هنا، فحين تكتب عن أناس حقيقيين، فإنك دائما ما تكون في مواجهة ~~تناقضات؛ لقد كان جدي صاحب أول سيارة على طريق موريس الثامن، كانت من طراز جراي-دورت، ~~وامتلك أبي في فترة المراهقة راديو ذا مكشاف بلوري، شيئا كان كل الصبية يريدونه. ~~بالطبع قد يكون قد دفع ثمنه من ماله الخاص. # ربما يكون قد دفع ثمنه من المال الذي كان يتحصل عليه من الصيد. # كانت الحيوانات التي يصيدها أبي بالشراك هي فئران المسك، والمنك، والخر، ومن آن ~~لآخر الوشق الأحمر، إلى جانب ثعلب الماء وابن عرس ms123 والثعالب. كان يصيد فئران المسك في ~~الربيع؛ لأن فراءها يكون في ذروة نقائه حتى نهاية أبريل، فيما تكون جميع الحيوانات ~~الأخرى في أفضل حالاتها بدءا من نهاية أكتوبر حتى دخول الشتاء. أما ابن عرس الأبيض، ~~فلا يبلغ فراؤه نقاءه الأقصى حتى العاشر من ديسمبر تقريبا. كان أبي يخرج للصيد مرتديا ~~حذاء الجليد خاصته. وكان ينصب أشراكه الثقيلة بدائرة إطلاق تتخذ شكل الرقم 4، وينصبه ~~بحيث تقع ألواح الخشب وأفرع الشجر على فأر المسك أو المنك. وكان يثبت أشراك ابن عرس ~~في الأشجار. كان يربط ألواح الخشب معا ليصنع شراكا على شكل صندوق مربع تعمل بنفس ~~فكرة الأشراك الثقيلة؛ ولم يكن هذا بالأمر المعتاد لدى الصيادين الآخرين. أما الأشراك ~~الفولاذية المخصصة لفئران المسك، فكانت تثبت بحيث يمسك بالحيوان عادة عند طرف ~~سياج منحدر من خشب الأرز. كان الصبر والبصيرة والمكر عناصر أساسية في هذا الأمر. فكان ~~يضع للحيوانات النباتية قطعا لذيذة من التفاح والجزر الأبيض، أما آكلات اللحوم، مثل ~~المنك، فكان لها طعم أسماك سائغ يمزجه بنفسه ويتركه ليعتق في برطمان في الأرض. ~~وكان هناك مزيج لحوم مماثل للثعالب يدفن في يونيو أو يوليو ويستخرج في الخريف؛ ~~فكانت تنبش لاستخراجه من الأرض للتدحرج عليه، مستمتعة بالرائحة النتنة المنبعثة ~~منه. # كانت الثعالب هي الأكثر إثارة بالنسبة إليه، فكان يتتبعها من الأنهار الصغيرة حتى ~~التلال الرملية الصغيرة الوعرة التي أحيانا ما كانت توجد بين الأحراش والمرعى؛ فقد ~~كانت تحب الإيواء إلى التلال الرملية ليلا. وتعلم أن يغلي مصائده في الماء ولحاء ~~القيقب الأملس للقضاء على رائحة المعدن. وكانت مثل هذه الأشراك تنصب في العراء ~~وتنخل فوقها كمية من الرمال. # كيف يقتل ثعلب أوقع في شرك؟ لا يمكن بالطبع إطلاق النار عليه؛ لأن أثر ~~الجرح في الجلد ورائحة الدم يفسدان الشراك. # يقتل الثعلب بضربه ضربة شديدة من عصا طويلة وقوية، ثم بوضع قدمك على قلبه. # عادة ما تكون الثعالب في البرية حمراء اللون، ولكن من حين لآخر سوف يظهر ثعلب أسود ~~بينها كطفرة وراثية تلقائية. ms124 لم يسبق لأبي أن اصطاد واحدا من تلك الثعالب السوداء، إلا ~~أنه كان يعرف أن بعضا منها قد سبق اصطياده في أماكن أخرى، وتربيته على نحو انتقائي ~~لزيادة ظهور الشعيرات البيضاء عبر منطقتي الظهر والذيل، وحينئذ كانت تسمى الثعالب ~~الفضية. وكانت تربية الثعالب الفضية قد بدأت لتوها في كندا آنذاك. # في عام 1925 ابتاع أبي زوجا من الثعالب الفضية، ذكرا وأنثى، وبنى حظيرة لهما بجوار ~~الإسطبل. لا بد أنهما قد بديا في البداية مجرد نوع آخر من الحيوانات يربى في المزرعة، ~~مجرد شيء أكثر غرابة من الدجاج أو الخنازير أو حتى ديوك البانتام؛ شيء نادر ومبهرج ~~مثل الطاوس، يثير فضول الزائرين. لعل أبي حين اشتراهما وأقام لهما الحظيرة اعتبر هذا ~~دلالة على أنه كان يعتزم أن يظل كما هو، أن يكون مزارعا مختلفا قليلا عن غالبية ~~المزارعين الآخرين، ولكن يظل مزارعا. # ولدت أول مجموعة من الثعالب الصغيرة وكان عددها ثلاثة. بنى أبي مزيدا من ~~الحظائر، والتقط صورة لوالدته وهي تحمل الثعالب الصغيرة، كانت تبدو خائفة ولكن ~~جريئة. كان اثنان من تلك الثعالب ذكورا والثالث أنثى، وقد قتل أبي الذكرين في الخريف ~~حين أينع فراؤهما وباع الجلود بسعر خيالي. وبدأت عملية الصيد تبدو أقل أهمية من عملية ~~التربية هذه. # ثم جاءت امرأة شابة في زيارة لهم، كانت ابنة عم من الجانب الأيرلندي؛ مدرسة ~~مفعمة بالحيوية ومثابرة وجميلة، كانت تكبره ببضع سنوات. وسرعان ما أبدت اهتماما ~~بالثعالب، وليس كما اعتقدت والدته أنها كانت تتصنع الاهتمام بغرض جذبه للزواج منها. ~~(فقد تولدت كراهية شبه فورية بين والدته والزائرة، على الرغم من كونهما ابنتي عم!) ~~كانت قادمة من منزل أكثر فقرا، ومزرعة أكثر فقرا بكثير من هذه التي يعيشون فيها، وقد ~~صارت مدرسة بفضل جهودها الذاتية المستميتة. كان السبب الوحيد وراء امتهانها هذه ~~المهنة هو أن التدريس كان أفضل شيء للنساء صادفته حتى الآن. كانت مدرسة حكومية ~~مجتهدة في عملها، ولكن بعض الملكات التي كانت لديها، وتعلم أنها لديها، لم تكن ~~مستغلة. كان من ms125 بين هذه الملكات انتهاز الفرص وكسب المال، وهما ملكتان لم يكن ~~لهما مكان في منزل أبي مثلما لم يكن لهما مكان في منزلها، وكان يبدو أنهما ينظر ~~إليهما بازدراء واستنكار في كلا المنزلين، على الرغم من كونهما الملكتين الأساسيتين ~~اللتين تأسست عليهما البلاد (واللتين غالبا ما لم يكن يؤتى على ذكرهما كثيرا ~~كذكر الاجتهاد والمثابرة). أخذت تتطلع إلى الثعالب، ولم تر فيها أي صلة رومانسية ~~بالحياة البرية؛ بل رأت صناعة جديدة وفرصة لتحقيق الثراء . لم تكن تدخر سوى القليل من ~~المال كي تشتري مكانا يمكن أن تبدأ فيه هذا المشروع على نحو جاد. لقد أصبحت هذه ~~السيدة أمي. ~~••• # حين أفكر في والدي في الفترة التي سبقت مولدي، بعد أن اتخذا قرارهما بالزواج، ~~ولكن قبل أن يجعلا زواجهما - في تلك الأيام - قرارا لا رجعة فيه، لا يبدوان فقط ~~عاطفيين وقليلي الحيلة ومغررا بهما إلى حد مذهل، ولكنهما أيضا أكثر جاذبية مما ~~كانا عليه في أي وقت لاحق، وكأنه لا شيء في الحياة آنذاك كان محبطا ومعجزا، وكأن ~~الحياة كانت لا تزال تتكشف عن فرص، وكأنهما كانا يستمتعان بكل أنواع النفوذ والقوة قبل ~~أن يميل أحدهما نحو الآخر. لا يمكن أن يكون هذا حقيقيا بالطبع - لا بد أنهما كانا ~~قلقين بالفعل - فقد كانت أمي قلقة بشأن كونها في أواخر العشرينيات من عمرها ولم ~~تتزوج بعد. لا بد أنهما قد صادفا الفشل بالفعل، وربما اتجه كل منهما نحو الآخر ~~بتحفظات وليس بالتفاؤل الوافر الذي أتخيله، ولكنني أتخيله بالفعل، مثلما نحب ~~جميعا أن نفعل بلا شك، ومن ثم لن نفكر أننا قد ولدنا من نتاج عاطفة دائما ما ~~كانت شحيحة، أو مشروع دائما ما كان يفتقر إلى الحماس. أظن أنهما عندما جاءا واختارا ~~المكان الذي سيعيشان فيه لما تبقى من حياتهما، على نهر ميتلاند غرب وينجهام في بلدة ~~تيرنبيري في مقاطعة هورون، كانا يرتحلان في سيارة تسير على نحو جيد على طرق جافة في ~~يوم ربيعي ساطع، وكانا رقيقين ووسيمين وبصحة جيدة وواثقين من ms126 حظهما. ~~••• # منذ فترة ليست ببعيدة، كنت أستقل السيارة مع زوجي عبر الطرق الخلفية لمقاطعة جراي، ~~التي تقع إلى الشمال والشرق من مقاطعة هورون، مررنا بمتجر ريفي خاو عند مفترق طرق، ~~كانت له واجهات قديمة الطراز ذات ألواح زجاجية طويلة وضيقة. في الناحية الأمامية ~~بالخارج، كان ثمة منفذ لمضخات وقود لم تعد موجودة. وبالقرب منه، كانت توجد رابية ~~من أشجار السماق والكرمات المتشابكة وقد ألقيت بها كل أنواع النفايات. كانت أشجار ~~السماق بمنزلة المحفز لذاكرتي ، فنظرت مرة ثانية إلى المتجر. بدا لي أنني كنت هنا ~~يوما ما، وأن المشهد كان مرتبطا بشيء من خيبة الأمل أو الهلع. كنت أعلم أنني لم ~~أقد السيارة على هذا الطريق من قبل في حياتي الراشدة، ولم أكن أظن أنني من الممكن ~~أن أكون قد جئت هنا في طفولتي؛ فقد كان المكان بعيدا جدا عن المنزل. وقد كانت معظم ~~رحلاتنا بالسيارة خارج البلدة إلى منزل جدي في بليث؛ إذ كانا قد استقرا هناك بعد ~~أن باعا المزرعة. وكنا نذهب بالسيارة إلى البحيرة في جودريتش مرة في كل صيف. ولكن ~~بينما كنت أحدث زوجي بذلك تذكرت خيبة الأمل؛ الآيس كريم. حينها تذكرت كل شيء؛ ~~الرحلة التي قمت بها أنا وأبي إلى ماسكوكا في عام 1941، حين كانت أمي هناك بالفعل تبيع ~~الفراء في فندق باين تري الكائن شمال جرفينهيرست. # كان أبي قد توقف هناك للتزود بالوقود عند أحد المتاجر الريفية، واشترى لي آيس ~~كريم. كان المكان منعزلا، ولا بد أن الآيس كريم كان موجودا في الحاوية الخاصة به ~~لفترة طويلة، وربما يكون قد ذاب في مرحلة ما ثم أعيد تجميده؛ فقد كان به كسرات صغيرة ~~من الثلج، الثلج النقي، وكان مذاقه متغيرا على نحو يدعو للكآبة، حتى البسكويت المغلف ~~له كان ناعما وقديما. # قال زوجي: «ولكن لماذا كان عليه أن يسلك هذا الطريق إلى ماسكوكا؟ ألم يكن عليه أن ~~يسلك الطريق رقم 9 ثم يسلك الطريق السريع رقم 11؟» # كان محقا، تساءلت إن كان من الممكن أن أكون مخطئة، ms127 من الممكن أن يكون متجرا آخر في ~~مفترق طرق آخر حيث اشترينا الوقود والآيس كريم. # بينما كنا نقود السيارة غربا، متجهين صوب التلال الطويلة لمقاطعة بروس والطريق ~~السريع رقم 21، بعد الغروب وقبل حلول الظلام، تحدثت عن الشكل الذي ربما تبدو عليه أي ~~رحلة طويلة بالسيارة - تمتد لأكثر من عشرة أميال - بالنسبة إلى أسرتنا، وإلى أي مدى ~~كانت مرهقة ومربكة. أخذت أصف لزوجي - الذي كانت أسرته ذات النظرة الأكثر واقعية من ~~أسرتي يعتبرون أنفسهم من الفقراء الذين لا يمكنهم امتلاك سيارة - كيف جعل ضجيج ~~السيارة وحركاتها والاهتزاز والقعقعة وتقطع صوت المحرك وصوت التروس صعود ~~التلال وقطع الأميال الطويلة جهدا بدا أن الجميع يتقاسمونه. هل كان سيفرغ أحد ~~الإطارات، وهل سيغلي الماء في الرادياتور، وهل ستتعرض السيارة لعطل وتتوقف عن السير؟ ~~بدا الأمر مع استخدام كلمة «عطل» كما لو أن السيارة كانت ضعيفة وغير متزنة، مع إشارة ~~إلى ضعف بشري غامض. # قلت له إن الأمر لم يكن بالطبع ليبدو كذلك لو كان لديك سيارة أحدث، أو لو كان بإمكانك ~~تحمل نفقات إصلاح سيارتك والحفاظ عليها في حالة جيدة. # وتذكرت لما كنا متجهين إلى ماسكوكا عبر الطرق الخلفية. لم أكن مخطئة على ~~الإطلاق، لا بد أن أبي كان قلقا من قيادة السيارة عبر أي بلدة كبيرة أو على طريق ~~رئيسي؛ كانت بها مشكلات كثيرة جدا حتى إنها لم يكن ينبغي أن تسير على الطريق مطلقا. ~~وكانت ثمة أوقات لم يكن يستطيع فيها تحمل نفقات إصلاحها، ولا بد أن هذا كان واحدا ~~من تلك الأوقات. كان يفعل كل ما في وسعه لإصلاحها وجعلها تستمر في الحركة، وكان أحد ~~الجيران يساعده أحيانا في ذلك. أذكر أبي وهو يقول: «هذا الرجل عبقرية ميكانيكية»، ما ~~جعلني أرتاب في أنه نفسه لم يكن عبقريا في الميكانيكا. # عرفت الآن لماذا كان مثل هذا الشعور بالخطر والذعر مختلطا بذكرياتي عن الطرق غير ~~الممهدة، وأحيانا غير المحصبة - والبعض منها كان محززا لدرجة أن أبي كان يطلق ~~عليها الطرق المتعرجة - والجسور الخشبية ms128 ذات الحارة الواحدة. وبينما توالت الذكريات على ~~ذهني، استطعت أن أذكر والدي وهو يخبرني أنه ليس معه من المال إلا ما يكفي للوصول إلى ~~الفندق الذي كانت تقيم فيه أمي، وأنه لا يدري ماذا سيفعل إن لم يكن معها نقود. بالطبع ~~لم يخبرني بذلك في حينها، فقد اشترى لي الآيس الكريم، وأخبرني أن أضغط على لوحة القيادة ~~حين كنا نصعد التلال، وهو ما فعلته على الرغم من أنه كان آنذاك شيئا تقليديا، ~~مزحة، اعتقادا عفاه الزمن. كان يبدو لي وكأنه يسري عن نفسه. # لقد أخبرني عن ظروف الرحلة بعدها بسنوات، بعد وفاة أمي، حين كان يتذكر بعض الأوقات ~~التي مرا بها معا. ~~••• # لم يكن الفراء الذي تبيعه أمي للسائحين الأمريكيين (كنا دائما ما نتحدث عن السائحين ~~الأمريكيين وكأننا نعترف بأنهم الوحيدون من السائحين الذين كان من الممكن أن يكونوا ذوي ~~نفع لنا) فراء خاما، بل كان مدبوغا ومحاكا؛ فكانت بعض الجلود تقطع، وتحاك معا ~~في شكل قطع طولية لصنع قبعات؛ وأخرى كانت تترك كاملة ويفصل منها ما كنا نطلق ~~عليه أوشحة. كان وشاح فراء الثعلب يفصل من قطعة كاملة من الجلد، فيما كان وشاح فراء ~~المنك مؤلفا من قطعتين من الجلد أو ثلاث. كان رأس الحيوان يترك ويوضع له عينان ~~زجاجيتان زاهيتان بنيتان مائلتان إلى اللون الذهبي، وكذا فك صناعي، وكانت ~~العروات المعدنية تحاك على كفي الحيوان. أظن أنه في حالة المنك كان الفراء يربط ~~من الذيل إلى الفم، بينما كان وشاح فراء الثعلب يربط من الكف إلى الكف، وكانت قبعات ~~فراء الثعلب أحيانا ما تحاك بها رأس الثعلب في غير موضعها تماما، في منتصف الظهر، ~~كنوع من الزينة. # وبعد ثلاثين عاما وجدت هذه الأنواع من الفراء طريقها إلى محال الملابس المستعملة، ~~وربما كانت تشترى وترتدى على سبيل المزاح والدعابة. فمن بين كل موضات الماضي الغريبة ~~والباطلة، كان هذا الارتداء لجلود الحيوانات - التي لم تكن جلودا لحيوانات واضحة ~~المعالم - يبدو الموضة الأغرب والأكثر همجية. # كانت أمي تبيع أوشحة فراء الثعلب ms129 في مقابل خمسة وعشرين أو خمسة وثلاثين، أو أربعين أو ~~خمسين دولارا حسب عدد الشعيرات البيضاء، أو «الفضية»، في الفراء. كان سعر القبعات ~~يتراوح بين خمسين دولارا وخمسة وسبعين دولارا، وربما يصل إلى مائة دولار. بدأ أبي في ~~تربية حيوانات المنك وكذلك الثعالب في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، ولكن أمي ~~لم يكن لديها الكثير من أوشحة فراء المنك لبيعها، ولا أذكر السعر الذي حددته لها. ~~لعلنا كنا قادرين على التخلص منها بتوريدها لتجار الفراء في مونتريال دون تحمل أي ~~خسارة. ~~••• # احتلت مستعمرة حظائر الثعالب جزءا كبيرا من الأرض في مزرعتنا؛ إذ امتدت من خلف ~~الإسطبل حتى الضفة العالية المطلة على السهول الرسوبية المجاورة للنهر. كانت ~~للحظائر الأولى التي أقامها أبي أسقف وجدران من السلك الدقيق على هيكل من الأعمدة من ~~خشب الأرز، وكانت لها أرضيات ترابية. أما الحظائر التي بنيت فيما بعد، فكانت لها ~~أرضيات سلكية عالية. كانت جميع الحظائر متراصة بعضها بجوار بعض في «شوارع» متقاطعة، ~~بحيث تشكل بلدة منفصلة، وكان يحيط بتلك البلدة سياج واق عال. وبداخل كل حظيرة كان ~~هناك مأوى، وهو عبارة عن صندوق خشبي كبير به فتحات تهوية وسقف منحدر أو غطاء يمكن ~~رفعه. وكان هناك ممر خشبي منحدر عبر أحد جوانب الحظيرة لتريض الثعالب. ولما كانت ~~أجزاء المبنى قد أقيمت في أوقات مختلفة ولم يكن جميعها مخططا له من البداية، فقد ~~وجدت كل الاختلافات التي توجد في أي بلدة حقيقية؛ فقد كانت هناك شوارع عريضة وأخرى ~~ضيقة، وكانت هناك بعض الحظائر الفسيحة قديمة الطراز ذات الأرضيات الترابية وبعض الحظائر ~~الحديثة الأصغر ذات الأرضيات السلكية التي كانت تبدو أقل تناسبا، على الرغم من أنها ~~كانت صحية أكثر. وكان هناك اثنتان من البنايات الطويلة المقسمة إلى أقسام تسمى ~~«السقائف». كان للسقائف الجديدة ممشى مغطى بين صفين متقابلين من الحظائر، له أسقف ~~خشبية مائلة وأرضيات سلكية عالية. كانت السقائف القديمة مجرد صف قصير من الحظائر ~~المتصلة الملتصقة معا على نحو بدائي نوعا ما. أما السقائف الجديدة، ms130 فكانت مكانا ~~يعج بالضجيج البشع ويكتظ بالثعالب التي حان قتل معظمها لأخذ جلوده قبل أن يكمل سنة ~~من عمره. كانت السقائف القديمة عبارة عن حي فقير كان يضم سلالات سيئة لم تكن ليبقى ~~عليها لعام آخر. والثعلب الكسيح الذي يولد بين حين وآخر، بل - ولفترة ما - أنثى ثعلب ~~أحمر تميل إلى البشر كانت أقرب لأن تربى كحيوان أليف. كان جميع الثعالب الأخرى تعرض ~~عنها إما لهذا السبب، وإما بسبب لونها، وكان اسمها - إذ كان لجميع الثعالب أسماء - ~~السيدة العجوز. لا أعرف كيف جاءت إلى هنا؟ هل كانت طفرة بيولوجية شاذة ضمن إحدى ~~المجموعات؟ أكانت ثعلبا بريا شق الطريق الخطأ أسفل السياج الواقي؟ # حين كان التبن يحصد في حقلنا، كان بعضه يوزع فوق الحظائر لحماية الثعالب من ~~حرارة الشمس ولحماية فرائها من التحول إلى اللون البني، كان شكلها يبدو حقيرا خلال ~~فترة الصيف على أي حال؛ إذ كان الفراء القديم يسقط ويحل محله الفراء الجديد. وبحلول شهر ~~نوفمبر كانت تبدو متألقة؛ بأطراف أذنابها ذات اللون الأبيض الثلجي وفرائها الخلفي ~~الغزير الأسود، والطبقة العلوية ذات اللون الفضي. حينها تكون جاهزة للقتل؛ ما لم يبق ~~عليها لاستخدامها بغرض الاستيلاد. فكانت جلودها تفرد وتنظف وترسل لدبغها ثم إلى ~~البيع في المزادات. # حتى ذلك الوقت كان كل شيء تحت سيطرة أبي، إلا في حالة ظهور مرض ما، أو المخاطرة ~~باستيلاد سلالة معينة. كان كل شيء من صنع يده؛ الحظائر، المأوى، حيث كانت الثعالب ~~تستطيع الاختباء وولادة صغارها، وأطباق الماء - المصنوعة من الصفيح - التي كان تمال من ~~الخارج وتملأ مرتين يوميا بالماء النظيف، والخزان الذي كان ينقل عبر الشوارع، ~~حاملا الماء من المضخة، وحوض الطعام في الإسطبل، حيث يمزج الماء والطحين ولحم ~~الخيول المفروم، وصندوق القتل، حيث ترش، يرش على رأس الحيوان كمية كبيرة من ~~الكلوروفورم لقتله. بعد ذلك، وما إن يجفف الفراء ويتم تنظيفه ويقشر من على ألواح ~~الشد، حتى لا يصبح أي شيء داخل نطاق سيطرته. كان الفراء يرص على نحو مستو في ~~صناديق ms131 الشحن ويرسل إلى مونتريال، ولا يصبح بوسعه عمل شيء سوى الانتظار ومعرفة كيف ~~سيقيم وبكم سيباع في مزادات الفراء. وكان المال المتحصل من هذا هو المصدر الأساسي ~~للدخل، الذي يقتطع منه المال الذي يجب دفعه لسداد فواتير العلف، والمال الذي يجب ~~دفعه للبنك، والمال الذي عليه دفعه من القرض الذي حصل عليه من والدته بعد ترملها. ~~في بعض السنوات كان ثمن الفراء جيدا إلى حد ما، وفي بعض السنوات لا بأس به، وفي ~~سنوات أخرى كان مترديا للغاية. وعلى الرغم من أن أحدا لم يتمكن من رؤية ذلك في ~~حينها، فقد كانت الحقيقة هي أنه قد دخل هذا المجال متأخرا قليلا، ودون رأس مال كاف ~~للبدء على نطاق واسع خلال السنوات الأولى حين كانت الأرباح عالية. فقبل أن يبدأ مشروعه ~~بفترة قليلة، جاءت فترة الكساد العظيم. وكان تأثير هذا على مشروعه متقلبا، ولم يكن ~~سيئا على الدوام، كما قد تعتقد. ففي بعض السنوات كانت أحواله ميسورة أكثر قليلا مما ~~كان في المزرعة، ولكن سنوات الفقر كانت تفوق سنوات الرخاء. ولم تتحسن الأمور كثيرا ~~مع بداية الحرب؛ في الواقع كانت الأسعار في عام 1940 تصنف ضمن أسوأ الأسعار على ~~الإطلاق. لم تكن الأسعار السيئة خلال فترة الكساد صعبة التقبل - فقد كان بإمكانه أن ~~ينظر حوله ويرى أن الجميع تقريبا كانوا على نفس الحال - ولكن الآن، مع ظهور وظائف ~~الحرب وعودة الرخاء إلى القرية مرة أخرى، كان من الصعب جدا أن تعمل مثلما كان يعمل ~~دون أن تجني أي شيء. # قال لأمي إنه يفكر في الالتحاق بالجيش. كان يفكر في دبغ كل مخزونه من جلود الثعالب ~~وبيعه، والالتحاق بالجيش كتاجر. لم يكن كبيرا جدا على ذلك، وكان لديه من المهارات ما ~~يجعله نافعا في هذا الشأن؛ فكان بإمكانه أن يكون نجارا، بالنظر إلى جميع أعمال ~~البناء الي قام بها في مزرعته. أو كان بإمكانه أن يكون جزارا، بالنظر إلى كل الخيول ~~العجوزة التي ذبحها وقطعها للثعالب. # واتت أمي فكرة أخرى، اقترحت عليه ms132 الاحتفاظ بأفضل الجلود وعدم إرسالها إلى ~~المزادات بل دبغها وحياكتها - أي تحويلها إلى أوشحة وقبعات مزودة بالعيون والمخالب ~~- ثم أخذها وبيعها. وكان الناس حينذاك يملكون بعض المال. وكانت هناك نساء يملكن المال ~~والنزعة التواقة إلى التأنق، وكان هناك سائحون. كنا نعيش بعيدا عن المناطق التي ~~توجد بها الطرق والبلدات الرئيسية، ولكنها سمعت عن السائحين، وكيف أن المنتجعات ~~الفندقية بماسكوكا كانت تكتظ بهم. كانوا يأتون من ديترويت وشيكاجو وبحوزتهم المال ~~لشراء الخزف العظمي القادم من إنجلترا، وكنزات شيتلاند، وبطاطين خليج هدسون. فلم لا ~~ينفقونه في شراء فراء الثعالب الفضية؟ # حين يتعلق الأمر بالتغييرات والاجتياحات والاضطرابات، فإنك تجد نوعين من الناس؛ إذا ~~بني طريق سريع عبر الفناء الأمامي لبعض الناس، فستجد أن بعضهم يشعرون بالإهانة ~~والإساءة، وينعون خسارة خصوصيتهم، وجنبات الفاوانيا والليلك، وبعدا من أبعاد شخصيتهم. ~~أما البعض الآخر، فيرى في ذلك فرصة؛ إذ سوف يقيمون منفذا لبيع الهوت دوج، أو يحصلون ~~على امتياز لإقامة مطعم للوجبات السريعة، أو يفتتحون نزلا. وكانت أمي من الصنف ~~الثاني من أولئك الأشخاص؛ فقد ملأتها فكرة توافد السائحين بأموالهم الأمريكية إلى ~~الغابات الشمالية بالحيوية. # في الصيف، وكان آنذاك صيف عام 1941، انطلقت إلى ماسكوكا بحمولة الفراء التي ملأت ~~بها حقيبة السيارة. ووصلت والدة أبي لتتولى شئون منزلنا. كانت لا تزال ممشوقة القوام ~~ووسيمة، ودخلت عرين أمي وهي تحمل نذير سوء؛ فقد كانت تكره ما كانت تفعله أمي بشأن البيع ~~المتجول. كانت تقول إنها عندما كانت تفكر في السائحين الأمريكيين، كان كل ما تتمناه ~~ألا يقترب منها أحد منهم. وعلى مدار يوم مكثت هي وأمي في المنزل معا، وخلال تلك ~~الفترة تقمصت جدتي نسخة قاسية وكتومة من شخصيتها، لكن أمي كانت في حالة من الاضطراب ~~جعلتها لا تلقي بالا لذلك. ولكن بعد أن تحملت جدتي المسئولية وحدها، لان جانبها ~~وتخلت عن صرامتها، وقررت أن تغفر لأبي زواجه، مؤقتا، وكذلك مشروعه الغريب وفشله. ~~وقرر أبي أن يغفر لها الحقيقة المذلة؛ وهي كونه مدينا لها ببعض المال. كانت تصنع ~~الخبز ms133 والفطائر، وتستفيد على نحو جيد من خضراوات الحديقة، والبيض الجديد الذي يضعه ~~الدجاج، والحليب والقشدة الدسمين من البقرة الجيرزي (فعلى الرغم من عدم امتلاكنا ~~للمال، لم نكن نعاني مشكلة قط في الطعام). كانت تلمع الخزانات من الداخل وتزيل السواد ~~من قعر القدور، وكنا نظن أنه لن يزول أبدا. وكانت تحدد العديد من الأشياء التي ~~تحتاج إلى إصلاح، وفي المساء كانت تحمل دلاء الماء إلى أحواض الزهور والمكان المزروعة ~~به الطماطم. بعدها كان أبي ينتهي من عمله في الإسطبل وحظائر الثعالب ونجلس جميعا على ~~مقاعد الفناء أسفل الأشجار الكثيفة. # كانت مزرعتنا الممتدة على مساحة تسعة أفدنة - لم تكن مزرعة على الإطلاق من منظور جدتي ~~- تتمتع بموقع رائع؛ فكانت البلدة تحدها من الشرق، وكانت أبراج الكنيسة وبرج مبنى ~~مجلس البلدة يظهران للعيان حين كانت أوراق الأشجار تتساقط، وعلى بعد ميل أو نحو ذلك من ~~الطريق الواقع بيننا وبين الشارع الرئيسي كانت هناك زيادة تدريجية في عدد المنازل، ~~وتحول للممرات الترابية إلى أرصفة، وظهور لمصابيح الشوارع المنفردة، بحيث قد تقول ~~إننا نقطن في أقصى أطراف البلدة، وإن كان وراء حدودها البلدية الرسمية. ولكن إلى الغرب ~~لم تكن ترى سوى منزل ريفي واحد، وكان هذا المنزل نائيا، عند قمة تل يقع تقريبا في ~~المنتصف في الأفق الغربي. كنا دائما ما نشير إلى هذا المنزل بمنزل رولي جرين، ولكن ~~الشيء الذي لم أتساءل عنه أو أتخيله قط هو من قد يكون رولي جرين، أو الطريق الذي ~~يؤدي إلى هذا المنزل. لقد كان بعيدا جدا، عبر حقل فسيح مزروع بالذرة أو الشوفان ~~أولا، ثم الغابات والسهول الرسوبية النهرية المنحدرة نحو المنحنى الكبير الخفي للنهر، ~~ونمط التلال الجرداء أو الدغلية المتداخلة وراءها. كان من النادر جدا أن تتمكن من ~~رؤية قطعة من الريف بهذه الدرجة من الخواء، وبهذه الدرجة من إثارة الخيال، في منطقتنا ~~الزراعية الكثيفة السكان. # حين كنا نجلس للتطلع إلى هذا المشهد، كان أبي يلف سيجارة ويدخنها، ويتحدث هو ~~وجدتي عن الأيام الخوالي في المزرعة، ms134 وعن جيرانهم القدامى، والأشياء الطريفة - أي ~~الأشياء الغريبة والكوميدية على حد سواء - التي حدثت. كان غياب أمي قد جلب نوعا من ~~السلام؛ ليس فقط بينهما، بل لنا جميعا، وكأن لمحة ما من التيقظ والكفاح قد زالت؛ وكأن ~~سمة من الطموح وتقدير الذات وربما السخط والتذمر، قد غابت. لم أعرف حينها تحديدا ما هو ~~هذا الشيء المفقود، ولم أعرف أي حرمان، ولا ارتياح، هذا الذي سأعانيه إذا ذهب هذا ~~الشيء للأبد. # كان أخي وأختي الصغيران يضايقان جدتي كي تسمح لهما بالنظر عبر نافذتها. كان ~~لعيني جدتي لون بندقي، ولكن كانت في إحداهما بقعة كبيرة تشغل ما لا يقل عن ثلث ~~القزحية، وكان لون هذه البقعة أزرق. لذا كان الناس يقولون إن عينيها لهما لونان ~~مختلفان، على الرغم من أن تلك لم تكن الحقيقة مطلقا. كنا نطلق على البقعة الزرقاء ~~نافذتها. كانت تتظاهر بالغضب حين يطلب منها إظهارها، فكانت تطأطئ رأسها وتعنف من ~~يحاول النظر فيها، أو كانت تغلق عينيها بإحكام، فاتحة عينها ذات اللون البندقي الخالص ~~فتحة صغيرة لترى إن كانت لا تزال محل مراقبة. وكانت دائما ما تضبط في النهاية ~~وتستسلم للجلوس بلا حراك وعيناها مفتوحتان لينظر بداخلهما. كان اللون الأزرق صافيا ~~لا يعكره شذرة من أي لون آخر بداخله، كان لونا أزرق يزداد لمعانا بفعل اللون الأصفر ~~المائل إلى البني في أطرافه، مثلما تتألق سماء الصيف بنفحات السحب. ~~••• # كنا في المساء حين انعطف أبي إلى الطريق الخاص بالفندق، سرنا بين القوائم الحجرية ~~للبوابة، وكان الفندق أمامنا؛ كان عبارة عن مبنى حجري طويل ذي جملونات وشرفة بيضاء، ~~وله أصص متدلية مليئة بالأزهار. تجاوزنا المنعطف المؤدي إلى ساحة انتظار السيارات، ~~واتبعنا الممر شبه الدائري الذي أدى بنا إلى أمام الشرفة، مارين من أمام الناس ~~الذين كانوا يجلسون هناك على الأراجيح والكراسي الهزازة ولم يفعلوا شيئا سوى النظر ~~إلينا، على حسب قول أبي. ~~«لا يفعلون شيئا سوى التحديق ببلاهة.» # لمحنا اللافتة غير الظاهرة ووجدنا طريقنا نحو ساحة انتظار من الحصى بجوار ملعب ms135 التنس، ~~وترجلنا من السيارة. كانت السيارة مغطاة بالتراب، وتبدو أشبه بمتطفل خليع بين ~~السيارات الأخرى المتوقفة هناك. # كنا قد قطعنا الطريق بأكمله والنوافذ مفتوحة، وهبت علينا ريح ساخنة داخل ~~السيارة، وتسببت في تشابك شعري وجفافه. أدرك أبي أن مظهري ليس على ما يرام، وسألني ~~إن كان معي مشط، فعدت إلى داخل السيارة وأخذت أبحث عن واحد ووجدته أخيرا محشورا ~~في ظهر المقعد. كان متسخا وفقدت بعض أسنانه، فأخذت أحاول تمشيط شعري، وأخذ هو ~~الآخر يحاول، وفي النهاية قال: «ربما تنجحين إذا اكتفيت بدفعه خلف أذنيك.» بعدها أخذ ~~يمشط شعره وبدا عابسا بينما كان ينحني للنظر في مرآة السيارة. سرنا عبر ساحة انتظار ~~السيارات بينما أبي يتساءل بصوت عال إن كان علينا أن نجرب الباب الخلفي أم ~~الأمامي. يبدو أنه ظن أنني قد يكون لدي رأي مفيد بهذا الشأن؛ شيء لم يخطر له ~~مطلقا في أي ظروف مرت به من قبل، فقلت إننا ينبغي أن نجرب الباب الأمامي؛ لأنني ~~أردت أن ألقي نظرة أخرى على حوض الزنابق في المسطح الأخضر نصف الدائري الذي يحيط به ~~الممر. كان هناك تمثال لفتاة عارية الكتفين تلبس رداء مربوطا بإحكام عند ثدييها، ~~وتحمل على كتفها إبريقا؛ لقد كان هذا التمثال أحد أروع الأشياء التي رأيتها في حياتي ~~على الإطلاق. # قال أبي بصوت خفيض: «فلتتحملي العواقب»، وصعدنا درجات السلم، وعبرنا الشرفة أمام ~~أناس يتظاهرون بأنهم لا ينظرون إلينا. دخلنا الردهة، حيث الظلام الدامس لدرجة أن مصابيح ~~صغيرة قد أضيئت، في أغطية ناثرة للضوء من زجاج مسنفر، في موضع مرتفع على الخشب ~~اللامع الداكن للجدران. على أحد الجانبين كانت هناك قاعة الطعام، كانت مرئية عبر ~~الأبواب الزجاجية. كان كل شيء قد تم تنظيفه بعد انتهاء العشاء، وكانت كل طاولة ~~مغطاة بمفرش أبيض. وعلى الجانب الآخر، كانت هناك قاعة طويلة على طراز ريفي مفتوحة ~~الأبواب بها مدفأة حجرية ضخمة في نهايتها، وقد افترشت أرضيتها بجلد دب. # قال أبي: «انظري إلى ذلك، لا بد أنها في مكان ما هنا.» ms136 # كان ما لاحظه في ركن الردهة هو واجهة عرض زجاجية بارتفاع الخصر، وخلف زجاجها قبعة ~~من فرو ثعلب فضي معروضة بأسلوب جميل على ما بدا كقطعة من المخمل الأبيض، وعلى قمتها ~~وضعت لافتة كتب عليها: «الثعلب الفضي، الرفاهية الكندية»، بخط انسيابي كتب ~~بطلاء أبيض وفضي على لوحة سوداء. # كرر أبي قوله: «في مكان ما هنا.» أخذنا نحدق في القاعة ذات المدفأة، في حين رفعت ~~امرأة رأسها، كانت جالسة على أحد المكاتب تكتب، وقالت بصوت عذب ولكن بعيد نوعا ما: ~~«أظن أن أحدهم سيأتي إذا قرعت الجرس.» # بدا غريبا لي أن يوجهك شخص لم تره من قبل. # تراجعنا للخلف، وعبرنا الردهة في اتجاه بابي قاعة الطعام، وعبرنا المساحة التي ~~شغلتها الموائد البيضاء بأدواتها الموضوعة فوقها وزجاجها المفتوح وطاقات الزهور ومناديل ~~المائدة البارزة كأكواخ بيضاوية، رأينا شخصين؛ امرأتين تجلسان إلى إحدى الطاولات بالقرب ~~من باب المطبخ، تفرغان من عشاء متأخر أو تحتسيان شاي المساء. أدار أبي مقبض الباب ~~ورفعتا رأسيهما، ونهضت إحداهما وأقبلت نحونا بين الطاولات. # لم تكن اللحظة التي مرت دون أن أدرك فيها أن هذه السيدة هي أمي طويلة، ولكن كانت ~~ثمة لحظة على أي حال. رأيت امرأة في ثوب غير مألوف ذي لون كريمي مزدان بنقوش من ~~أزهار حمراء صغيرة، كانت التنورة ذات ثنيات وتصدر صوت حفيف من تطايرها، وكان القماش ~~المصنوعة منه رقيقا، كانت متألقة كتألق مفارش المائدة في القاعة ذات الألواح الخشبية ~~الداكنة. كانت السيدة التي ترتدي الثوب تبدو نشيطة وأنيقة، وكان شعرها الداكن مفروقا ~~في المنتصف ومزينا بإكليل منسق من الجدائل. وحتى عندما أدركت أن هذه السيدة هي أمي، ~~حين وضعت ذراعيها حولي وقبلتني، ناشرة رائحة عطرة غير معتادة وغير مظهرة لأي ~~من علامات العجلة والندم التي تميزها، ولا لأي من علامات عدم الرضا المعتاد عن مظهري ~~أو طباعي، ظل لدي شعور بأنها لا تزال شخصا غريبا نوعا ما. كان يبدو لي أنها قد ~~اقتحمت عالم الفندق بلا أدنى جهد، ذلك العالم الذي بدونا فيه كمتشردين ms137 أو فزاعتين؛ ~~بدا وكأنها كانت تعيش هناك دوما. في البداية شعرت بالدهشة، ثم بالخداع، ثم بالإثارة ~~والأمل، مع اتجاه أفكاري صوب المميزات التي سأجنيها لنفسي في هذا الموقف الجديد. # تبين لي أن السيدة التي كانت أمي تتحدث إليها هي مضيفة قاعة الطعام؛ كانت امرأة ~~لها بشرة ذات لون بني ضارب إلى الصفرة، يبدو عليها الإرهاق، تضع طلاء شفاه وطلاء ~~أظافر باللون الأحمر القاني، وتبين فيما بعد أنها تواجه العديد من المشكلات التي ~~أسرت بها لأمي. وسرعان ما نشأ بيني وبينها جو من الود، فأقحمت نفسي في حديث الكبار ~~للحديث عن كسرات الثلج والمذاق السيئ للآيس كريم، وذهبت إلى المطبخ وأحضرت لي طبقا ~~كبيرا من آيس كريم الفانيليا المغطى بصوص الشوكولاتة وتعلو قمته ثمرة كرز. # قلت لها: «أهذا صنداي؟» كان يبدو مثل آيس كريم صنداي الذي شاهدته في الإعلانات، ولكن ~~لما كانت تلك هي المرة الأولى التي أتذوقه فيها، أردت أن أكون واثقة من اسمه. # فقالت: «أظن أنه هو، صنداي.» # لم ينهرني أحد، بل ضحك والداي، ثم قدمت السيدة بعض الشاي الطازج وشطيرة ~~لأبي. # ثم قالت: «سوف أترككم لكي تتحدثوا معا»، وانصرفت وتركت ثلاثتنا بمفردنا في تلك ~~القاعة الفخمة التي يعمها الهدوء. وراح والداي يتحدثان، إلا أنني لم أعر الكثير من ~~الانتباه لحديثهما، ومن حين لآخر كنت أقاطعهما لأخبر أمي شيئا عن الرحلة أو عما كان ~~يدور في المنزل، وأريتها موضعا في ساقي حيث لسعتني إحدى النحلات. لم يطلب مني أي منهما ~~التزام الهدوء؛ بل كانا يجيبانني بمرح وصبر. قالت أمي إننا سننام جميعا الليلة في ~~غرفتها؛ فقد كانت لديها غرفة من الغرف الصغيرة الواقعة خلف الفندق، وقالت إننا سنتناول ~~الإفطار هنا في الصباح. # وقالت إنني عندما أنتهي لا بد أن أهرع إلى الخارج وألقي نظرة على حوض ~~الزنابق. # لا بد أنها كانت محادثة سارة؛ فقد عم أبي الارتياح، وعم أمي الانتصار، كانت قد ~~أبلت بلاء حسنا بعد أن باعت كل ما أحضرته معها تقريبا، وكانت المغامرة ناجحة، ~~وكان ذلك بمنزلة ms138 نجاح لها، وإنقاذ لنا جميعا. لا بد أن أبي كان يفكر فيما يجب القيام ~~به أولا؛ إصلاح السيارة في ورشة تصليح هنا، أم المغامرة بقيادتها مرة أخرى على الطرق ~~الخلفية واصطحابها إلى ورشة التصليح في قريتنا التي يعرف أصحابها؛ وأي فواتير يجب ~~سدادها في الحال، وأيها يجب سداده على نحو جزئي. ولا بد أن أمي كانت تتطلع إلى ~~المستقبل، وتفكر كيف يمكنها أن تتوسع، وما الفنادق الأخرى التي يمكنها تجربة هذا ~~بها، وما العدد الإضافي الذي يجب أن يصنعوه من الأوشحة والقبعات في العام القادم، وما ~~إذا كان من الممكن أن يتطور هذا المشروع إلى نشاط تجاري على مدار العام. # لم يكن بإمكانها أن تتنبأ بمدى قرب دخول الأمريكيين معترك الحرب، وكيف أن ذلك سوف ~~يجعلهم يلزمون ديارهم، وإلى أي مدى سيتسبب ترشيد توزيع الوقود في تقليص نشاط ~~المنتجعات الفندقية. ولم يكن بإمكانها التنبؤ بالهجمة التي سيمنى بها جسدها، ذلك ~~الهلاك الذي يتكون بالداخل. # ظلت أمي تتحدث بعد ذلك بسنوات عما حققته في ذلك الصيف، وكيف أنها قد عرفت الطريق ~~الصحيح للمضي فيه، دون إلحاح مبالغ فيه، وإظهار قطع الفراء وكأنها مصدر لمتعة بالغة لها ~~وليس مسألة مادية. ويبدو أن تقديم خصم على سعر المنتجات كان آخر شيء يخطر ببالها، ~~فكان من الضروري أن تظهر للقائمين على إدارة الفندق أنها لن تقلل من قيمة الانطباع ~~الذي كانت ترغب في تركه لديهم، وأنها ليست بائعة متجولة، بل سيدة محترمة أضافت ~~معروضاتها فارقا فريدا من نوعه. كان لا بد أن تصبح صديقة للإدارة والموظفين وكذلك ~~النزلاء. # ولم يكن ذلك بالمهمة الشاقة بالنسبة إليها؛ فقد كانت تملك الغريزة الصحيحة التي ~~تؤهلها لمزج اعتبارات الصداقة باعتبارات العمل؛ تلك الغريزة التي يملكها جميع الباعة ~~البارعين. لم يكن عليها مطلقا أن تحسب مكسبها وتبني عليه بفتور وجمود. فكل شيء كانت ~~تفعله بتلقائية، وكانت تشع بحماس حقيقي في قلبها حيث تكمن مصالحها. ها هي تلك السيدة ~~التي طالما كانت تعاني في حياتها مع والدة زوجها وعائلته، التي ms139 كان جيراننا يرونها ~~متعجرفة ومغرورة، وكان نساء البلدة بالكنيسة يظنونها حادة بعض الشيء، ها هي قد وجدت ~~عالما من الغرباء شعرت كأنه عالمها في الحال. ~~••• # لكل هذا، ومع تقدمي في العمر، كان يراودني شعور أقرب إلى الازدراء. كان بداخلي ~~ازدراء للفكرة الكاملة لاستخدام المرء مهاراته بهذه الطريقة، وجعل نفسه معتمدا على ~~استجابة الآخرين، واستخدام التملق والمداهنة بهذه البراعة والتلقائية لدرجة أنك حتى لا ~~تدرك أنه تملق، وكل ذلك من أجل المال. كنت أرى مثل هذا السلوك مشينا، مثلما كانت ~~تراه جدتي بالطبع، وسلمت بأن أبي كان لديه نفس الشعور على الرغم من أنه لم يظهره. ~~كنت أومن - أو ظننت أنني أومن - بالعمل الحثيث والفخر، وعدم الاكتراث بكون المرء ~~فقيرا، بل وامتلاك شعور بالازدراء تجاه هؤلاء الذين يعيشون حياة مترفة. # حينئذ أسفت لفقدان الثعالب، لا أعني النشاط التجاري، ولكن الحيوانات ذاتها بأذنابها ~~الجميلة وعيونها الذهبية الغاضبة. ومع تقدمي في العمر، وازديادي تحفظا وعزلة عن أساليب ~~الريف، وحتميات الريف، بدأت لأول مرة في تفنيد حبسها، والشعور بالأسف لقتلها، ~~وتحويلها إلى أموال. (لم أصل أبدا إلى حد الشعور بأي شيء من هذا القبيل تجاه حيوانات ~~المنك، التي كانت تبدو لي حقيرة وأشبه بالجرذان وتستحق مصيرها.) كنت أعرف أن هذا ~~الشعور نوع من الرفاهية، وحين كنت أذكره لأبي، في السنوات اللاحقة، كنت أتحدث عنه بلا ~~مبالاة، وبنفس الأسلوب كان يقول إنه يعتقد أن ثمة ديانة ما في الهند تقر بأن كل ~~الحيوانات تدخل الجنة. كان يطلب مني أن أتخيل ماذا سيحدث إذا كان ذلك صحيحا؛ أي ~~أعداد من الثعالب الهادرة سوف يلتقيها هناك، ناهيك عن جميع الحيوانات ذات الفراء الأخرى ~~التي اصطادها، وحيوانات المنك، وكذلك الخيول الصاخبة التي كان يذبحها من أجل ~~لحومها. # ثم قال، وإن لم يكن بهذا الحد من اللامبالاة: «أتعرفين، أنت تتعمقين في الأمور، يبدو ~~أنك لا تدركين ما تتعمقين فيه.» # في تلك السنوات الأخيرة، بعد وفاة أمي، كان يتحدث عن اشتغال أمي بالبيع وكيف أنها ~~أنقذت الموقف، كان يتحدث عن ms140 كيف أنه لم يكن يعرف ماذا سيفعل، في نهاية هذه الرحلة، لو ~~اتضح أنها لم تجمع أي أموال. # قال: «ولكنها فعلت، لقد نجحت.» وأقنعتني النبرة التي كان يتحدث بها بأنه لم يكن ~~يشاركني أنا وجدتي أبدا تحفظاتنا، أو أنه تخلص بعزم من مثل هذا الشعور بالخزي، إن ~~كان قد أحس به من الأساس. # إنه خزي عاد إلى منبعه، ليصبح في النهاية مخزيا في حد ذاته بالنسبة إلي. ~~••• # في مساء أحد أيام الربيع في عام 1949 - الربيع الأخير ، بل الفصل الأخير الذي عشت فيه ~~في المنزل - استقللت دراجتي إلى المسبك لتسليم رسالة إلى أبي. كنت نادرا ما أركب ~~دراجتي في هذا الحين، فلفترة، ربما طوال فترة الخمسينيات، كان ركوب أي فتاة لدراجة ~~يعتبر أمرا غريبا بعد أن تكبر بما يكفي - لنقل - لارتداء حمالة صدر، ولكن من ~~أجل الوصول إلى المسبك كان بإمكاني التنقل عبر الشوارع الخلفية، ولم أكن مضطرة للمرور ~~بالبلدة. # كان أبي قد بدأ العمل في المسبك في عام 1947، كان قد أصبح واضحا في العام السابق أن ~~مجال تربية الحيوانات ذات الفراء بأسره، وليس فقط مزرعة الثعالب خاصتنا، يتراجع بسرعة ~~رهيبة. ربما كان لحيوانات المنك أن تساعدنا على التغلب على الأزمة لو كنا قد توغلنا ~~أكثر في تربيتها، أو لو لم نكن مدينين بالكثير من المال لشركة الأعلاف، ولجدتي، وللبنك. ~~كان بإمكان حيوانات المنك أن تنقذنا، ولكن أبي ارتكب نفس الخطأ الذي وقع فيه العديد ~~من أصحاب مزارع الثعالب في تلك الفترة؛ فقد كان يعتقد أن نوعا جديدا أكثر شحوبا من ~~الثعالب، يسمى بلاتينيوم، سوف ينقذ الموقف، وبالأموال المقترضة اشترى أبي ذكرين ~~جديدين للتناسل، أحدهما بلاتينيوم نرويجي ذو لون أبيض أشبه بالثلج، والآخر يسمى ~~بلاتينيوم لؤلئي، وهو نوع جميل من الثعالب ذو لون رمادي يميل إلى الزرقة. كان الناس ~~قد سئموا من الثعالب الفضية، ولكن لا شك أنه مع هذه الأنواع الجميلة سوف تنتعش ~~السوق. # في ظل وجود ذكر جديد، كانت توجد بالطبع مجازفة فيما يتعلق بمدى جودة أداء هذا ms141 الذكر، ~~وعدد الأبناء الذين سيرثون لون أبيهم. أظن أنه كانت ثمة مشكلة على كلتا الجبهتين، ~~على الرغم من أن أمي لم تكن لتسمح بأسئلة أو أي حديث بالمنزل عن هذه الأمور. أعتقد أن ~~أحد الذكرين كان ذا طبيعة متحفظة، بينما كان الآخر ينجب ثعالب داكنة اللون في أغلب ~~الأحيان. لم يكن ذلك يهم كثيرا؛ لأن الموضة الرائجة كانت ضد الفراء الطويل الشعيرات ~~تماما. # حين ذهب أبي للبحث عن وظيفة، كان من الضروري أن يجد وظيفة مسائية؛ إذ كان مضطرا ~~لقضاء النهار بأكمله في تصفية مشروعه؛ فكان عليه دبغ جلود جميع الحيوانات وبيعها في ~~مقابل أي سعر يستطيع الحصول عليه، وكان عليه أن يفكك السياج الواقي، والسقائف القديمة ~~والجديدة، وجميع الحظائر. أعتقد أنه لم يكن مضطرا للقيام بذلك في الحال، ولكن لا بد ~~أنه كان يرغب في تدمير كل أثر للمشروع. # وحصل على وظيفة حارس في المسبك من الساعة الخامسة عصرا حتى العاشرة مساء. لم يكن ~~يحصل على الكثير من المال من هذه الوظيفة، ولكن كانت ميزتها أنه كان قادرا على القيام ~~بعمل آخر خلال هذه الفترة أيضا، كان هذا العمل الإضافي يسمى غربلة الأرضيات، لم يكن ~~ينتهي منها قط مع انتهاء نوبة عمله كحارس، وفي بعض الأحيان كان يعود إلى المنزل بعد ~~منتصف الليل. # لم تكن الرسالة التي أحملها لأبي رسالة مهمة، ولكنها كانت مهمة في حياتنا الأسرية، ~~كانت مجرد تذكرة له بأن يمر بمنزل جدتي في طريق عودته إلى المنزل، مهما تأخر في ~~العمل. كانت جدتي قد انتقلت إلى بلدتنا، بصحبة شقيقتها، حتى تستطيع أن تكون ذات نفع ~~لنا، فكانت تصنع الفطائر والمافن وتصلح ثيابنا وترفو جوارب أبي وأخي، وكان من المفترض ~~أن يتجه أبي إلى منزلها بالبلدة بعد العمل ليأخذ هذه الأشياء، ويتناول معها كوبا من ~~الشاي، ولكنه كثيرا ما كان ينسى. كانت تجلس تمارس الحياكة، وتغفو تحت الضوء، وتستمع ~~إلى الموسيقى إلى أن يتوقف إرسال محطات الراديو الكندي وتجد نفسها تلتقط تقارير إخبارية ~~لأماكن بعيدة، وموسيقى جاز. ms142 كانت تنتظر وتنتظر دون أن يأتي أبي، وكان هذا قد حدث في ~~الليلة الماضية، ما جعلها تتصل في وقت العشاء في تلك الليلة وتسأل بلباقة شديدة: «هل ~~كان من المفترض بأبيك أن يأتي الليلة أم الليلة الماضية؟» # فقلت: «لست أدري.» # دائما ما كان يراودني شعور بأن شيئا ما لا يحدث على النحو الصحيح، أو لا يحدث ~~مطلقا، حين كنت أسمع صوت جدتي، كنت أشعر بأن عائلتنا قد خذلتها، كانت لا تزال في ~~عنفوان نشاطها، وكانت تقوم على شئون منزلها وفنائه، وكان لا يزال بإمكانها حمل الكراسي ~~ذات المساند إلى الطابق العلوي، وكانت تنعم بصحبة خالتي الكبيرة، ولكنها كانت بحاجة ~~إلى المزيد من شيء ما؛ المزيد من الامتنان، المزيد من الطاعة، مما حظيت به ~~دائما. ~~«حسنا، لقد جلست أنتظره الليلة الماضية لكنه لم يأت.» ~~«لا بد أنه سيأتي الليلة إذن.» لم أرد أن أقضي المزيد من الوقت في الحديث إليها؛ ~~لأنني كنت أستعد لاختبارات الصف الثالث عشر، التي يتوقف عليها مستقبلي بأكمله. (حتى ~~الآن، في ليالي الربيع الساطعة الجميلة، والأوراق لا تزال تشق طريقها على الأشجار ~~للتو، بإمكاني أن أستشعر حماس الترقب المرتبط بهذا الحدث الجلل القديم، فأجد طموحي ~~يتحرك ويرتعش مثل شفرة جديدة للقائه.) # أخبرت أمي بمحتوى المكالمة وقالت: «أوه، من الأفضل أن تستقلي دراجتك إلى أبيك ~~وتذكريه وإلا وقعت مشكلة.» # كانت أسارير أمي تتهلل كلما كانت تضطر للتعامل مع مشكلة حساسية جدتي، وكأنها قد ~~استعادت بعضا من مهاراتها أو أهميتها في أسرتنا، فقد كانت تعاني من داء باركنسون، كان ~~المرض قد باغتها لفترة ما بأعراض غير واضحة، ولكن حالتها شخصت مؤخرا، وصرح ~~الأطباء أنها مستعصية ولا علاج لها، وكان انتباهها يقل شيئا فشيئا، فلم يعد ~~بإمكانها السير أو الأكل أو التحدث بصورة طبيعية؛ إذ كان جسدها يتيبس على نحو يصعب ~~السيطرة عليه. ولكن كان لا يزال متبقيا في حياتها فترة طويلة. # حين كانت تقول شيئا كهذا عن الوضع مع جدتي - حين كانت تقول أي شيء يكشف عن وعي ~~منها ms143 بالآخرين، أو حتى بالعمل الدائر في أرجاء المنزل - كنت أشعر بقلبي يرق لها. ~~ولكن حين كانت تنهي الحديث بإشارة إلى نفسها، مثلما فعلت هذه المرة («وهذا سوف يثير ~~ضيقي»)، أعود إلى قسوتي مجددا، وأغضب منها لاستعلائها، وأشمئز من اعتدادها بنفسها ~~الذي بدا غاية في الفظاعة ولا يليق تماما بأن يكون في أم. # لم يسبق لي الذهاب إلى المسبك خلال العامين اللذين عمل أبي خلالهما هناك، ولم أكن ~~أعرف أين أجده. كانت الفتيات في نفس سني لا يحمن حول أماكن عمل الرجال، وإذا ~~فعلن ذلك، أو إذا ذهبن بمفردهن في نزهات طويلة سيرا عبر طريق السكك الحديدية أو ~~النهر، أو قدن الدراجات وحدهن على الطرق الريفية (وكنت أفعل الشيئين الأخيرين)، كن ~~أحيانا ما يقال عنهن إنهن «يبحثن عن المتاعب». # لم يكن لدي الكثير من الاهتمام بعمل أبي في المسبك على أي حال، لم أكن أترقب ~~أبدا أن تجلب لنا مزرعة الثعالب خاصتنا الثراء، ولكنها على الأقل جعلتنا متفردين ~~ومستقلين، وحين كنت أتخيل أبي يعمل في المسبك، كنت أشعر أنه قد عانى الكثير. ونفس ~~الشعور كان يراود أمي، كانت تقول: إن والدك رقيق جدا بحيث لا يتحمل هذا. ولكن بدلا ~~من موافقتها الرأي، كنت أجادلها، ملمحة إلى أنها لا تحب أن تكون زوجة عامل عادي ~~وأنها مغرورة. # كان أكثر ما يثير حنق أمي هو الحصول على سلة الفاكهة والمكسرات والحلوى التي كان ~~المسبك يرسلها لهم في أعياد الكريسماس؛ فلم تكن تطيق أن تكون الطرف المتلقي، وليس ~~المانح، في مثل تلك الأمور، وفي أول مرة حدث فيها ذلك اضطررنا لوضع السلة في ~~السيارة واستقلال السيارة لإعطاء السلة لإحدى الأسر التي نعرف أنها تحتاج إليها بشدة. ~~وبحلول الكريسماس التالي كانت هيمنتها قد وهنت وانتزعت السلة، معلنة أننا بحاجة إلى ~~هدايا ومتع شأننا شأن أي شخص آخر، فكفكفت دموعها بسبب نبرتي القاسية، وأكلت ~~الشوكولاتة التي كانت قديمة وهشة ولونها يميل إلى الرمادي. # لم أر أي مصدر للضوء في مباني المسبك، كانت النوافذ مطلية باللون الأزرق ms144 من ~~الداخل؛ ربما لم يكن لأي ضوء أن ينفذ بسبب ذلك، كان المكتب عبارة عن منزل قديم من ~~الطوب يقع في نهاية المبنى الأساسي الطويل، وهناك رأيت ضوءا عبر الستائر الفينيسية، ~~وظننت أن المدير أو أحد أفراد طاقم المكتب لا بد أنه كان يعمل لوقت متأخر، واعتقدت ~~أنني إذا طرقت الباب، فإن هذا الشخص سيخبرني بمكان أبي، ولكن حين نظرت عبر النافذة ~~الصغيرة الموجودة بالباب، رأيت أن من بالداخل هو أبي، كان وحيدا، وكان يدعك ~~الأرضية. # لم أكن أعلم أن دعك أرضية المكتب كل ليلة من مهام الحارس (هذا لا يعني أن أبي قد ~~تعمد إخفاء ذلك؛ ربما لم أسمعه وهو يخبر أمي بذلك). اندهشت لأنني لم أره من قبل ~~يقوم بأي عمل من هذا النوع؛ أعني الأعمال المنزلية. فالآن وبعد أن مرضت أمي صارت مثل ~~هذه الأعمال مسئوليتي، ولم يكن لديه وقت لذلك. إلى جانب ذلك، فقد كان ثمة عمل ~~للرجال وعمل للنساء، وكنت مقتنعة بذلك، وكذلك كل من كنت أعرفهم. # كانت الآلة التي يستخدمها أبي في الدعك مختلفة عن أي شيء يملكه أي شخص بالمنزل ~~للقيام بنفس المهمة؛ فقد كان لديه اثنان من الدلاء على حامل، يتحرك على عجلات، وله ~~ملحقات على كلا الجانبين لحمل المماسح وفرش التنظيف. كان يدعك بقوة وبراعة؛ ولم يكن له ~~إيقاع نسائي مستكين وتقليدي، كان يبدو في حالة مزاجية جيدة. # اضطر للقدوم وفتح الباب كي يدخلني. # وتغير وجهه حين رأى أن الطارق هو أنا. ~~«لا توجد مشكلة في المنزل، أليس كذلك؟» # فقلت: لا. مما جعل أساريره تنفرج: «ظننتك توم.» # كان توم هو مدير المصنع، وكان الجميع ينادونه باسمه الأول. ~~«حسنا إذن، هل جئت لتري إن كنت أفعل هذا على نحو صحيح أم لا؟» # فناولته الرسالة، وهز رأسه. ~~«أعلم، لقد نسيت.» جلست على ركن من المكتب مؤرجحة ساقي بعيدا عن طريقه. قال إنه ~~تقريبا انتهى من عمله هنا، وإنه سوف يأخذني في جولة عبر المسبك إذا أردت أن أنتظر، ~~فقلت إنني سأنتظر. # حين قلت ms145 إنه كان في حالة مزاجية جيدة هنا، لم أكن أقصد أن مزاجه كان معكرا في ~~المنزل، وأن التجهم والانفعال يسيطران عليه هناك، ولكنه الآن كان يظهر مرحا ربما ~~لم يكن يبدو لائقا في المنزل. في الواقع، كان يبدو وكأن عبئا قد زال عن كاهله ~~هنا. # حين انتهى من الأرضية بالشكل الذي يرضيه، علق الممسحة إلى الجانب، ودحرج الآلة عبر ~~ممر منحدر يربط المكتب بالمبنى الرئيسي، وفتح بابا عليه لافتة. ~~«غرفة الحارس.» ~~«إنها منطقتي.» # أفرغ الماء من الدلوين داخل حوض حديدي، ثم غسلهما بالماء وأفرغهما من جديد، ونظف ~~الحوض. وعلى أحد الأرفف فوق الحوض بين الأدوات والخرطوم المطاطي والصمامات الكهربية ~~وزجاج النوافذ الاحتياطي كانت توجد العلبة الخاصة بغدائه، التي كنت أضع فيها غداءه كل ~~يوم حين أعود من المدرسة، كنت أملأ الترموس بالشاي الأسود الثقيل، وأضع فطيرة من ~~المافن المصنوع من النخالة، مع الزبد والمربى وقطعة من الفطير إن توافر لدينا، وثلاث ~~شطائر سميكة من اللحم المقلي مع الكاتشب. كان لحم أطراف كتف الخنزير أو نقانق بولونيا، ~~وهما أرخص أنواع اللحوم التي كان يمكن للمرء شراؤها. # قادني إلى داخل المبنى الرئيسي. كانت المصابيح الموقدة هناك مثل مصابيح الإنارة ~~بالشارع؛ أي إنها تلقي بضوئها على تقاطعات الممرات، ولكنها لا تضيء المبنى من الداخل ~~بأكمله، حيث كان ضخما وعاليا لدرجة ولدت بداخلي إحساسا بأنني في غابة ذات أشجار ~~داكنة كثيفة، أو في بلدة ذات مبان طويلة متساوية. أوقد أبي مزيدا من المصابيح، ~~وتقلصت الأشياء قليلا، فصار بإمكانك الآن أن ترى الجدران المشيدة من الطوب، ~~المسودة من الداخل، ولم تكن النوافذ مطلية فحسب، بل كانت مغطاة بشبكة سلكية ~~سوداء. وكان مصطفا على الممرات أكداس من الصناديق، الواحد فوق الآخر في مستوى أعلى ~~من رأسي، وصواني معدنية كبيرة ومتماثلة. # وصلنا إلى مساحة مفتوحة، على أرضيتها كومة كبيرة من الكتل المعدنية، تشوه شكلها ~~كلها بما بدا أشبه بالثآليل أو البرنقيل. # قال أبي: «إنها المسبوكات. إنهم لم ينظفوها بعد، إنهم يضعونها في أداة غريبة تسمى ~~ماكينة العجلات ms146 الكاشطة التي تطلق شظايا نحوها، مزيلة كل النتوءات عنها.» # بعدها رأيت كومة من الغبار الأسود، أو الرمل الأسود الناعم. ~~«يبدو ذلك كتراب الفحم، ولكن أتعرفين ماذا يسمونه؟ الرمل الأخضر.» ~~«الرمل «الأخضر»؟!» ~~«إنه يستخدم لتشكيل القوالب المعدنية. إنه رمل يحتوي على عامل التصاق، مثل ~~الصلصال، أو زيت بذر الكتان أحيانا. هل أنت مهتمة على أي نحو بكل هذا؟» # فقلت: نعم، وكان ذلك - في جزء منه - حفظا لكبريائي، فلم أشأ أن أبدو كفتاة غبية، ~~وقد كنت مهتمة بالفعل، ولكن لم أكن مهتمة كثيرا بالإيضاحات الخاصة التي بدأ أبي في ~~تزويدي بها، كما في المؤثرات العامة؛ الظلام، التراب الناعم المنتشر في الهواء، فكرة ~~وجود أماكن مثل هذه في جميع أنحاء البلاد، في كل بلدة وكل مدينة، أماكن ذات نوافذ ~~مطلية، كنت تمر بها في سيارة أو على متن قطار ولا تفكر أدنى تفكير فيما يدور ~~بالداخل، شيء كان يتعلق بحياة أناس بأسرها، إنها عملية متكررة لا تنتهي وتستنفد ~~الانتباه والحياة. # قال أبي: «المكان هنا يبدو كالقبر»، وكأنه التقط بعضا من أفكاري. # ولكنه كان يقصد شيئا آخر. ~~«يبدو كالقبر مقارنة بما يكون عليه أثناء النهار، لا يمكنك تخيل الضجيج الذي يسود ~~المكان أثناء النهار، حتى إنهم يحاولون أن يجعلوهم يرتدون سدادات الأذن، ولكنهم لن ~~يفعلوا ذلك.» ~~«ولم لا؟» ~~«لست أدري، إنهم مستقلون أكثر من اللازم، إنهم لن يرتدوا مآزر النار أيضا. انظري ~~هنا، يوجد هنا ما يسمونه الدست.» # كان ذلك عبارة عن أنبوب أسود ضخم له قبة فوقه. أراني أين يعدون النار، والمغارف ~~التي يستخدمونها لحمل المعدن المصهور وسكبه داخل القوالب. وأراني قطعا من المعدن كانت ~~أشبه بأفرع قصيرة سميكة غريبة الشكل، وأخبرني أن تلك هي أشكال التجاويف الموجودة في ~~المسبوكات؛ ما يعني أن الهواء الذي في التجاويف يتجمد. كان يخبرني بهذه الأشياء وفي ~~صوته نبرة من الرضا والإعجاب، وكأن ما أفشاه لي قد منحه متعة موثوقة. # انزوينا إلى أحد الأركان، ومررنا على عاملين، وكان كل منهما يرتدي فقط قميصه ~~وسرواله السفليين. # قال أبي: ms147 «ها هما اثنان من الزملاء المجدين الطيبين. أتعرفين فيرج؟ أتعرفين ~~جوردي؟» # كنت أعرفهما، أو على الأقل أعرف من هما، فقد كان جوردي هول يوزع الخبز، ولكنه ~~اضطر للعمل بالمسبك ليلا من أجل الحصول على مزيد من المال؛ نظرا لكثرة أطفاله. كانت ~~ثمة دعابة منتشرة عن أن زوجته جعلته يعمل لكي تبعده عنها. أما فيرج، فكان رجلا ~~أصغر سنا تراه يجوب البلدة، لم يكن بإمكانه اجتذاب الفتيات لوجود كيس دهني على ~~وجهه. # قال أبي بنبرة من الاعتذار الممزوج بالدعابة: «إنها ترى كيف نعيش نحن العمال.» كان ~~يعتذر لهم نيابة عني، كان يملأ الدنيا اعتذارات طريفة. ذاك كان أسلوبه. # كان العاملان يعملان معا بحرص، وباستخدام خطافات طويلة، رفعا قالبا مصبوبا ~~ثقيلا وأخرجاه من صندوق رمل. # قال أبي: «هذا ساخن للغاية. لقد سبك اليوم، عليهما الآن أن يعدا الرمل ~~ويجهزاه من أجل عملية الصب التالية، ثم تكرار ذلك مرة أخرى. إنه عمل بالقطعة ~~كما تعلمين، ويدفع الأجر لكل عملية صب.» # وانصرفنا. # قال لي: «الاثنان يعملان معا هنا منذ فترة، كانا دائما يعملان معا، إنني أقوم بنفس ~~الوظيفة وحدي، تلك هي أثقل مهمة قاما بها هنا. لقد استغرق مني الأمر فترة لأعتاد تلك ~~الوظيفة، ولكنها لا تؤرقني الآن.» # كان الكثير مما رأيته في تلك الليلة على وشك الاختفاء عما قريب؛ الدست، المغارف ~~التي ترفع باليد، الغبار القاتل. (لقد كان قاتلا بالفعل؛ ففي كل أنحاء البلدة، وفي ~~شرفات المنازل الصغيرة الأنيقة، كان هناك دوما بضعة رجال جلدين ذوي وجوه صفراء ~~يعرف الجميع ويتقبل أنهم يحتضرون بفعل «داء المسبك»، من الغبار الذي يملأ رئاتهم.) ~~الكثير من المهارات والمخاطر الخاصة كانت على وشك التلاشي، الكثير من المخاطر ~~اليومية، إلى جانب قدر كبير من الكبرياء الأهوج، والإبداع والارتجال العشوائيين. لقد ~~كانت الأساليب التي رأيتها أقرب على الأرجح إلى أساليب العصور الوسطى منها إلى أساليب ~~العصر الحالي. # وأتخيل أن الشخصية الخاصة للرجال الذين كانوا يعملون في المسبك كانت على وشك ~~التغير، مثلما تغيرت الأساليب المتبعة في العمل، فلن يختلفوا ms148 كثيرا عن ~~العاملين في المصانع، أو في وظائف أخرى. حتى الفترة التي أتحدث عنها كانوا يبدون أقوى ~~وأكثر غلظة من العمال الآخرين؛ فقد كانوا أكثر إباء، وربما كانوا أكثر ميلا ~~للتضخيم من صفاتهم ومميزاتهم من الرجال الذين لم تكن وظائفهم قذرة أو خطيرة لهذه ~~الدرجة. كان لديهم من الكبرياء والإباء ما منعهم من المطالبة بأي حماية من المخاطر التي ~~كان عليهم مواجهتها، بل إنهم في حقيقة الأمر، حسبما كان يقول أبي، كانوا يحتقرون أي ~~حماية تعرض عليهم . وكان يقال إنهم كانوا أكثر إباء من أن يشغلوا أنفسهم بتأسيس ~~نقابة. # كان البديل لذلك هو السرقة من المسبك. # قال أبي بينما كنا نسير معا: «سأقص عليك حكاية عن جوردي.» كان «يقوم بجولة» ~~الآن، وكان عليه وضع بطاقته في ساعات تسجيل وقت العمل في أجزاء متعددة من المبنى، ثم ~~تنظيف أرضياته. ثم أضاف: «يحب جوردي أن يأخذ معه إلى المنزل بعض الخشب والعوارض ~~والقليل من صناديق الشحن أو أي شيء، أي شيء يعتقد أنه قد يفيد في إصلاح المنزل أو ~~بناء سقيفة خلفية؛ لذا في الليلة الماضية أخذ حمولة من الأشياء وخرج بعد حلول الظلام ~~ووضعها في مؤخرة سيارته حتى تكون هناك حين ينصرف من العمل، ولم يكن يعلم أن توم كان في ~~المكتب، وتصادف أنه كان واقفا بجوار النافذة وراح يراقبه. لم يكن توم قد أحضر ~~السيارة؛ إذ كانت السيارة مع زوجته وذهبت بها إلى مكان ما، وجاء توم سيرا لتوه لأداء ~~القليل من العمل أو لأخذ شيء نسيه، ورأى ما كان جوردي يعتزمه، وانتظر حتى رآه يهم ~~بالانصراف من العمل ثم خرج وقال: يا هذا، يا هذا! هل من الممكن أن توصلني إلى البيت؟ ~~وقال له إن زوجته قد أخذت السيارة. ومن ثم ركبا سيارة جوردي وبقية الزملاء الآخرين ~~واقفين عاجزين عن النطق، وجوردي يتصبب عرقا، فيما لم ينبس توم ببنت شفة. جلس توم ~~يصفر بينما يحاول جوردي تشغيل السيارة، وترك جوردي يوصله إلى المنزل دون أن ينطق ~~بكلمة، ولم يلتفت ms149 أو ينظر للخلف مطلقا، بل لم ينتو ذلك مطلقا، فقط تركه يغرق في ~~عرقه، وحكى كل ما حدث في كل أرجاء المسبك في اليوم التالي.» # كان من السهل أن تولي الكثير من الاهتمام لهذه القصة وأن تفترض أن يكون بين الإدارة ~~والعمال نوع من الألفة والتسامح، بل وتقدير أحدهم لمحن الآخر. وقد كان هناك قدر ~~من ذلك بالفعل، ولكن ذلك لم يكن يعني أنه لم يكن هناك أيضا الكثير من الضغينة والقسوة ~~وبالطبع الغش. ولكن الدعابات كانت مهمة، فكان الرجال الذين يعملون في نوبات المساء ~~يتجمعون في غرفة أبي الصغيرة؛ غرفة الحارس، في أغلب الأوقات - ولكنهم كانوا يتجمعون ~~خارج الباب الرئيسي حين يكون الطقس حارا في المساء - ويدخنون ويتحدثون بينما يأخذون ~~راحتهم غير المصرح بها. كانوا يحكون عن الدعابات التي ظهرت مؤخرا وفي السنوات ~~الفائتة، كانوا يتحدثون عن الدعابات التي قيلت من وعن أشخاص فارقوا الحياة منذ زمن، ~~وفي بعض الأحيان كانوا ينخرطون في حديث جاد كذلك. كانوا يتجادلون بشأن وجود الأشباح ~~من عدمه، ويتحدثون عمن ادعى رؤيته لأحدها، كانوا يتناقشون بشأن المال؛ من كان ~~يملكه، ومن فقده، ومن كان يترقبه دون أن يأتيه، وأين يحتفظ به الناس. وأخبرني أبي ~~عن تلك الأحاديث بعد سنوات. # ذات ليلة تساءل أحدهم: ما أفضل وقت في حياة الرجل؟ # قال البعض إنه حين يكون طفلا ويستطيع التسكع طوال الوقت ويذهب إلى النهر في الصيف ~~ويلعب الهوكي على الطريق في الشتاء وكل ما يفكر فيه هو التسكع وقضاء وقت طيب. # أو حين يكون شابا يخرج ويتنزه دون أن يكون على عاتقه أي مسئوليات. # أو حين يتزوج لأول مرة إذا كان مولعا بزوجته، وبعد ذلك بقليل أيضا حين يكون الأطفال ~~صغارا يلعبون حوله ولم يظهروا أي سمات سيئة بعد. # ثم أدلى أبي برأيه وقال: «هذه المرحلة من العمر، أعتقد أن أفضل وقت قد يكون هذه ~~المرحلة من العمر.» # فسألوه عن السبب. # فقال: لأنك لم تصبح عجوزا بعد، قد تعاني تدهورا في شيء أو شيئين، ولكنك في ms150 سن ~~كبيرة تكفي لأن تستطيع أن تدرك أن ثمة أشياء عديدة ربما قد ترغبها في الحياة ولن ~~يتسنى لك الحصول عليها أبدا. كان من الصعب إيضاح كيف يمكن للمرء أن يكون سعيدا في مثل ~~هذا الموقف، ولكن في بعض الأحيان كان أبي يعتقد في سعادة المرء في مثل هذه ~~المواقف. # عندما أخبرني عن هذا الأمر، كان يقول: «أعتقد أن الصحبة هي ما كنت أستمتع به، فحتى ~~ذلك الحين كنت وحيدا، ربما لم يكونوا من الصفوة، ولكن هؤلاء كانوا من أفضل الزملاء ~~الذين قابلتهم على الإطلاق.» # كذلك أخبرني أنه في ليلة ما بعد فترة ليست بالطويلة من تسلمه العمل بالمسبك حدث أن ~~ترك العمل في حوالي منتصف الليل ووجد عاصفة ثلجية كبيرة تجري مجراها، فقد كانت الطرق ~~مغطاة تماما بالثلوج، والثلج يهب بقوة وسرعة شديدتين، لدرجة أن جرافات الثلج لم ~~تكن لتخرج حتى الصباح، فاضطر لترك السيارة حيث هي؛ فإنه حتى لو كان استطاع إخراجها من ~~وسط الجليد، لم يكن ليستطيع التعامل مع الطرق، وبدأ الرحلة إلى المنزل سيرا. كانت ~~مسافة قدرها حوالي ميلين. كان السير شاقا، وسط الثلج المتراكم حديثا، والرياح تهب ~~في اتجاهه من الغرب. كان قد انتهى من تنظيف عدة أرضيات في تلك الليلة، وكان على وشك ~~الاعتياد على العمل، وخرج وهو يرتدي معطفا ثقيلا من معاطف الجيش الضخمة، كان قد أعطاه ~~إياه أحد جيراننا عندما لم يكن يجد له استخداما حين عاد من الحرب. ولم يكن والدي ~~يرتديه كثيرا أيضا، كان عادة ما يرتدي سترة قصيرة ثقيلة. لا بد أنه قد ارتداه في تلك ~~الليلة نظرا لانخفاض درجة الحرارة لما دون برودة الشتاء المعتادة، ولم تكن توجد مدفأة ~~في السيارة. # أخذ يجر قدميه ويتحرك بصعوبة ضد الرياح، وعلى بعد ربع ميل تقريبا من المنزل ~~وجد أنه لم يكن يتحرك. بل كان واقفا في منتصف ركام جليدي ولم يكن بمقدوره أن يحرك ~~ساقيه، كان بالكاد يمكنه الوقوف ضد الرياح. كان منهكا، وظن أن قلبه ربما كان في ~~طريقه ms151 للتوقف، وراح يفكر في موته. # سيموت تاركا زوجة مريضة مشلولة لا تستطيع حتى الاعتناء بنفسها، وأما عجوزا ~~مليئة بالإحباط وخيبة الأمل، وابنة صغرى، دائما ما كانت صحتها واهنة، وابنة كبرى لديها ~~ما يكفي من القوة والذكاء، ولكن غالبا ما كانت تبدو أنانية وعاجزة على نحو غامض، ~~وابنا يتوسم فيه المهارة وإمكانية التعويل عليه، ولكنه لا يزال صبيا صغيرا. سوف ~~يموت محاصرا بالديون، وقبل حتى أن ينتهي من هدم الحظائر التي سوف تبقى هناك - أسلاك ~~متدلية على أعمدة من خشب الأرز التي قطعها في مستنقع أوستن في صيف عام 1927 - شاهدة ~~على فشل مشروعه. # قلت حين أخبرني بهذا: «أهذا كل ما كنت تفكر بشأنه؟» # فقال: «ألم يكن ذلك كافيا؟» ومضى يخبرني كيف اقتلع إحدى ساقيه من الثلج ثم الأخرى؛ ~~خرج من هذا الركام ولم يكن هناك أي ركامات ثلجية أخرى شديدة العمق، وقبل أن يمر وقت ~~طويل كان في حماية أشجار الصنوبر الواقية من الرياح التي زرعها بنفسه في نفس العام الذي ~~ولدت فيه. ثم وصل إلى المنزل. # ولكني كنت أقصد: ألم يفكر في نفسه؛ في ذلك الصبي الذي كان يمارس الصيد عبر نهر بليث، ~~ألم يكن يكافح من أجل نفسه؟ أعني هل كانت حياته آنذاك مجرد شيء ينتفع به ~~الآخرون؟ ~~••• # كان أبي دائما ما يقول إنه لم ينضج بحق حتى ذهب للعمل في المسبك. لم يكن يرغب قط ~~في الحديث عن مزرعة الثعالب أو مشروع الفراء، إلى أن صار عجوزا واستطاع بسهولة أن ~~يتحدث عن أي شيء تقريبا. ولكن أمي التي كانت حبيسة شلل متزايد، طالما كانت متلهفة ~~لاسترجاع ذكريات فندق باين تري، والأصدقاء، والأموال التي جمعتها هناك. ~~••• # وكان بانتظار أبي عمل آخر، حسبما تبين. لست أتحدث عن عمله بتربية الديوك الرومي، ~~الذي جاء بعد العمل بالمسبك واستمر حتى بلغ السبعين أو أكثر، والذي ربما قد ألحق ~~ضررا بقلبه؛ إذ كان يجد نفسه يصارع ويحوم حول طيور تزن من خمسين إلى ستين رطلا. جاء ~~اشتغاله بالكتابة بعد أن تخلى عن ms152 مثل هذا العمل. فبدأ يكتب مذكراته ويحول بعضا ~~منها إلى قصص نشرت في مجلة محلية ممتازة، وإن كانت لم تستمر طويلا. وقبل وفاته ~~بفترة قصيرة كان قد انتهى من رواية عن حياة الرواد بعنوان «عائلة ماكجريجور». # أخبرني أن كتابة هذه الرواية كانت بمنزلة مفاجأة له؛ فقد اندهش أنه قد تمكن من ~~أداء شيء كهذا، واندهش من أن أداءه استطاع أن يجعله غاية في السعادة، وكأن مستقبلا ~~كان ينتظره. # فيما يلي مقتطف من قسم بعنوان «الأجداد»، الذي كان جزءا مما كتبه أبي عن جده توماس ~~ليدلو، نفس الشخص الذي جاء إلى موريس وهو في سن السابعة عشرة وأوكلت إليه مهمة الطهي في ~~الكوخ. # كان رجلا مسنا واهنا أشيب الشعر، ذا شعر طويل وخفيف وبشرة شاحبة. كان ~~يبدو شاحبا للغاية نظرا لكونه مصابا بالأنيميا. كان يتعاطى فيتا-أور، وهو ~~عقار مسجل حظي بقدر كبير من الدعاية. لا بد أنه قد حسن من حالته؛ لأنه ~~قد عاش حتى بلغ الثمانين من عمره ... حين أصبحت واعيا به لأول مرة كان قد عاد ~~إلى القرية وأجر المزرعة لأبي. كان يزور المزرعة، أو يزورني، كما كنت ~~أعتقد، وكنت أزوره أيضا. كنا نذهب للتمشية معا، كان ثمة إحساس ~~بالأمان. كان يتحدث بانسيابية وسهولة فاقت أبي بكثير، ولكن لا أذكر أننا قد ~~أسهبنا في الحديث معا بأي حال، كان يوضح الأمور وكأنه يكتشفها بنفسه في ذات ~~الوقت. لعله كان ينظر إلى العالم من منظور طفل نوعا ما. # لم يتحدث مطلقا بصرامة، فلم يكن يقول أبدا: «انزل عن هذا السور»، أو «انتبه ~~لتلك البركة الطينية!» كان يفضل أن يدع الطبيعة تأخذ مجراها حتى أتمكن من ~~التعلم بتلك الطريقة، كانت حرية التصرف تثير قدرا معينا من الحذر، ولم يكن ~~ثمة أي تعاطف مبالغ فيه حين أصاب بجرح أو نحوه. # كنا نسير معا بخطى بطيئة رصينة؛ لأنه لم يكن يستطيع السير بسرعة كبيرة. ~~كنا نجمع أحجارا تضم حفريات لمخلوقات غريبة من عصر آخر؛ نظرا لكونها قرية ~~حصوية قد توجد بها مثل هذه ms153 الأحجار. وكان لكل منا مجموعته الخاصة في هذا الشأن، ~~وقد ورثت عنه مجموعته عند وفاته واحتفظت بكلتا المجموعتين لسنوات عديدة، ~~كانت بمنزلة رابط يصلني به، كنت لا أرغب على الإطلاق في الانفصال عنه. # كنا نسير عبر خطوط السكك الحديدية القريبة صوب السد الضخم الذي يحمل ~~الخطوط عبر سكة حديدية أخرى وجدول كبير، كانت ثمة قنطرة ضخمة من الحجارة ~~والأسمنت فوق هذه الأشياء. كان بإمكانك أن تنظر إلى أسفل من ارتفاع مئات ~~الأقدام على السكك الحديدية الواقعة أسفلها . كنت قد ذهبت إلى هناك مؤخرا، لقد ~~تقلص السد على نحو غريب؛ فلم تعد السكك الحديدية تمر عبره. لا تزال خطوط ~~السكك الحديدية التابعة لشركة «كانديان باسيفيك» موجودة هناك، ولكنها ليست ~~عميقة، وصار الجدول أصغر كثيرا ... # كنا نذهب إلى مشغل سجح الألواح الخشبية القريب ونشاهد المناشير وهي تدور ~~وتصدر أصواتا عالية. كانت تلك هي أيام كل أنواع الأعمال الخشبية الأنيقة التي ~~تستخدم لتزيين أركان المنازل وحوافها، أو الشرفات، أو أي مكان يمكن زخرفته. ~~كان هناك جميع أنواع المشغولات ذات التصميمات المثيرة التي يمكنك أن تأخذها ~~للمنزل. # في المساء كنا نذهب إلى المحطة، محطة جراند ترانك القديمة، أو محطة الزبد ~~والبيض، كما كانت تعرف في لندن. كان بإمكانك أن تركز سمعك مع السكك الحديدية ~~وتسمع دمدمة القطار وهو قادم من بعيد، بعدها يأتيك صوت صافرة من بعيد ويضطرب ~~الهواء بالترقب والانتظار، وتصبح الصافرات أقرب وأعلى، وفي النهاية يصل القطار ~~مندفعا أمام العيان، فترتج الأرض، وتتفتح السماوات، لينزلق الوحش العملاق ~~وهو يهدر بمكابحه المعذبة ليتوقف في المحطة ... # كنا نشتري الجريدة اليومية المسائية هناك، كانت ثمة جريدتان لندنيتان، ~~«ذا فري بريس» و«ذي أدفرتايزر». كانت الثانية تابعة لحزب الأحرار الكندي فيما ~~كانت الأولى تابعة لحزب المحافظين. # لم يكن هناك حل وسط في هذا الشأن، فإما أن تكون على صواب وإما على خطأ. كان ~~جدي ليبراليا صرفا من مدرسة جورج براون القديمة ويأخذ جريدة «ذي أدفرتايزر»؛ ~~ومن ثم صرت أنا أيضا ليبراليا أنتمي إلى نفس الحزب، وما زلت ms154 كذلك حتى ~~الآن ... وهكذا كانت الحكومات تختار في ظل هذا النظام الذي يعد أفضل الأنظمة ~~جميعا وفقا لعدد الليبراليين الصغار أو المحافظين الصغار الذين بلغوا السن ~~الكافية للتصويت ... # كان المحصل يمسك بمسند اليد بجوار السلم، ويصيح قائلا: «بورت»، ويشير ~~بيده. فانطلق البخار عبر المحركات، وصلصلت العجلات وزمجرت وتحركت للأمام، أسرع ~~فأسرع، أمام وحدات الوزن، وأمام الحظائر، وعبر القناطر، وظل يتضاءل ويتضاءل ~~مثل مجرة منحسرة حتى اختفى القطار عن الأنظار متوجها نحو الشمال حيث العالم ~~المجهول ... # ذات مرة كان لدينا ضيف، يحمل نفس اسمي من تورونتو، وهو أحد أبناء عم ~~جدي. كان هذا الرجل العظيم معروفا بكونه مليونيرا، ولكنه كان مثيرا ~~للإحباط، وليس به ما يثير الإعجاب تماما، مجرد نسخة أكثر لطفا قليلا وأكثر ~~تهذيبا من جدي. جلس العجوزان تحت أشجار القيقب أمام منزلنا يتحدثان. ربما كانا ~~يتحدثان عن الماضي مثلما يفعل العجز، فيما بقيت في الخلفية ملتزما الهدوء. ~~لم يقل جدي على نحو صريح، ولكنه ألمح في رقة إلى أن الأطفال يرون ولا ~~يسمعون. # في بعض الأحيان كانا يتحدثان باللهجة الاسكتلندية العامة الدارجة في المنطقة ~~التي جاءا منها. لم تكن اللهجة الاسكتلندية التي تتميز بصوت الراء # R # اللهوي التي نسمعها من المطربين ~~والممثلين الكوميديين، ولكنها كانت لهجة ناعمة وشجية ذات إيقاع خفيف وغنائي مثل ~~اللهجة الويلزية أو السويدية. # هنا أشعر بأنه من الأفضل أن أتركهم؛ فها هو أبي صبي صغير لا يجرؤ على الاقتراب ~~أكثر، والعجوزان يجلسان في عصر يوم صيفي على مقعدين خشبيين وضعا أسفل واحدة من أشجار ~~الدردار السخية الشاهقة التي كانت دائما ما تظلل منزل جدي الريفي. هناك كانا ~~يتحدثان بلهجة سنوات طفولتهما - التي نبذاها عندما صارا رجلين - التي لم يكن بمقدور ~~ذريتهما فهمها. # الجزء الثاني # | المنزل # | الآباء # كان هناك في الربيع صوت يعم كل جنبات الريف الذي سرعان ما كان يتلاشى، لعله كان ~~سيتلاشى تماما لولا الحرب، كانت الحرب تعني أن من يملكون المال لشراء جرارات لا ~~يستطيعون إيجاد أي جرارات لشرائها، والقلة التي تملك جرارات ms155 بالفعل لا تستطيع دائما ~~إيجاد الوقود اللازم لتشغيلها؛ ومن ثم كان المزارعون يخرجون إلى أرضهم بخيولهم من ~~أجل حرث الربيع، ومن آن لآخر، في جهات قريبة وبعيدة، كان بإمكانك أن تسمعهم يصدرون ~~أوامرهم التي تتخللها درجات من التشجيع، أو نفاد الصبر، أو التحذير. ليس بوسعك أن تسمع ~~الكلمات على نحو محدد، مثلما لا يمكنك أن تفهم ما تقوله طيور النورس عندما تهبط على ~~الأرض، أو تتابع مشاجرات الغربان. ولكن من نبرة الصوت، كان يمكنك بصفة عامة أن تحدد ~~ألفاظ السباب التي كانت تقال. # كان ثمة رجل يسب طوال الوقت، لم يكن مهما أي كلمات كان يستخدمها. كان من ~~الممكن أن يقول «زبد وبيض»، أو «شاي المساء»، وتكون الروح التي تلفظها واحدة، وكأنه ~~يغلي بنيران سافعة من الغضب والاشمئزاز. # كان اسمه بانت نيوكام، امتلك أول مزرعة على الطريق الريفي المنعطف ناحية الجنوب ~~الغربي من البلدة. كان بانت (وهي كلمة تعني نطحة، على الأرجح هي كنية أطلقت عليه في ~~المدرسة لأنه كان يمشي ورأسه منخفض) على استعداد لنطح أي شخص برأسه ودفعه جانبا. كان ~~اسما صبيانيا احتفظ به منذ الصغر، ولم يكن في الواقع ملائما لسلوكه، أو سمعته، ~~كرجل ناضج. # أحيانا ما كان الناس يتساءلون ما خطبه؟ فلم يكن فقيرا؛ إذ كان يمتلك مائتي فدان ~~من أجود الأراضي، وإسطبلا مبنيا على منحدر له صومعة بارزة، وجراجا خاصا، ~~ومنزلا مربعا متينا مبنيا من الطوب الأحمر. (وإن كان المنزل، مثل صاحبه، ذا ~~مظهر يوحي بحدة الطبع. فكان هناك ستائر حاجبة ذات لون أخضر داكن منسدلة على النوافذ ~~لأغلب الوقت، أو طوال الوقت، ولا توجد ستائر ظاهرة، وأثر واضح على الحائط الأمامي من ~~جراء إزالة الشرفة الأمامية. أما الباب الأمامي الذي كان حتما يفتح على تلك الشرفة، ~~فقد صار الآن يفتح على حشائش وبقايا حجارة ارتفاعها ثلاثة أقدام.) ولم يكن سكيرا ~~ولا مقامرا؛ إذ كان شديد الحرص على أمواله لدرجة يتعذر معها أن يكون أحد الاثنين. ~~وكان بخيلا ودنيء الخلق؛ فقد كان يسيء معاملة خيوله، ms156 وبالطبع يسيء معاملة أفراد ~~أسرته. # في الشتاء كان يأخذ علب اللبن خاصته إلى البلدة على زلاجة يجرها عدد من الخيول؛ ~~إذ كان هناك نقص آنذاك في كاسحات الجليد في الطرق الريفية، شأنها شأن الجرارات. كان ~~ذلك يتم خلال فترة الصباح حين يكون الجميع في طريقهم إلى المدارس، ولم يكن يبطئ ~~مطلقا مثلما كان المزارعون الآخرون يفعلون للسماح لأي أحد بالقفز على ظهر الزلاجة من ~~أجل الحصول على توصيلة. بدلا من ذلك، كان يلتقط السوط. # لم تكن السيدة نيوكام ترافقه قط، سواء على الزلاجة أو في السيارة. كانت تذهب إلى ~~البلدة سيرا على الأقدام، مرتدية حذاء فوقيا مطاطيا قديما - حتى عندما يكون ~~الطقس دافئا - ومعطفا طويلا باهت اللون، ووشاحا فوق شعرها. كانت تتمتم بالتحية ~~دون حتى أن ترفع عينيها وتنظر إلى الشخص الذي تحييه، أو أحيانا كانت تشيح بوجهها ~~بعيدا، دون أن تنطق ببنت شفة. أظنها قد فقدت بعض أسنانها، فقد كان هذا شائعا آنذاك ~~أكثر من الآن. وكان شائعا كذلك أن يظهر الناس حقيقة طباعهم دون أي تكلف، في ~~حديثهم، وملبسهم، وإشاراتهم، بحيث يبدو كل شيء متعلق بهم وكأن لسان حاله يقول: ~~«أعلم كيف ينبغي أن يكون مظهري وسلوكي، وإذا لم أفعل، فهذا شأني»، أو «لا أهتم إن ~~كانت الأمور قد بلغت مداها معي؛ فلتظن ما شئت!» ~~••• # ربما تعتبر السيدة نيوكام اليوم حالة خطيرة، كشخص مصاب باكتئاب مزمن، فيما قد ~~تنظر بعين القلق والشفقة إلى زوجها بأساليبه الفظة الوحشية، ولسان حالك يقول: «هذان ~~الشخصان بحاجة إلى المساعدة.» أما في تلك الأيام، فكان ينظر إليهما كما هما، وكان ~~يترك لهما عيش حياتهما كما يحلو لهما دون أدنى تفكير في التدخل من قبل أي شخص، بل ~~كانا في الواقع يعتبران مصدرا للإثارة والتسلية. ربما كان يقال - وقد قيل بالفعل - ~~إنه ليس لديه عزيز وإن عليك أن تشعر بالأسف تجاهها. ولكن كان ثمة شعور بأن بعض ~~الناس خلقوا لإتعاس الآخرين والبعض الآخر مخلوق بحيث يسمح للآخرين بإتعاسه. لقد كان ~~هذا ببساطة قدرا، ولا ms157 شيء كان يمكن فعله تجاهه. # أنجب الزوجان نيوكام خمس بنات، ثم ولدا. كانت أسماء الفتيات هي أبريل، وكورين، ~~وجلوريا، وسوزانا، وداليا. كنت أراها أسماء جميلة ورائعة، وتمنيت لو كان شكلهن ~~متماشيا معها، وكأنهن بنات غول في إحدى القصص الخيالية. # تركت أبريل وكورين المنزل منذ فترة، ولذا لم يتسن لي معرفة شكلهما. أما جلوريا ~~وسوزانا، فكانتا تعيشان في البلدة. كانت جلوريا متزوجة، وخرجت من المشهد مثلما تفعل ~~الفتيات المتزوجات، أما سوزانا، فكانت تعمل في متجر للأدوات المعدنية، وكانت فتاة ~~ممتلئة مصابة بحول بسيط في عينيها، وخلت من أي مسحة من الجمال، ولكن كان شكلها ~~طبيعيا للغاية (إذ كان الحول شكلا من الأشكال الطبيعية للعيون، ولم يكن يمثل ~~فاجعة في ذلك الوقت، ومن ثم لم يكن بالشيء الذي يجب علاجه، شأنه شأن الطباع). لم ~~تكن بأي حال تبدو خاضعة مثل والدتها أو فظة قاسية مثل أبيها. أما داليا، فكانت ~~تكبرني بعامين، وكانت أول من التحق بالمدرسة الثانوية من بين أفراد عائلتها، لم تكن ~~هي أيضا بجمال ابنة الغول ذات العينين الواسعتين والشعر المموج، ولكنها كانت حسنة ~~الطلعة وقوية البنية، وذات شعر كثيف وأشقر، ومنكبين قويين، ونهدين قويين وبارزين، كانت ~~تحصل على درجات رائعة للغاية، وكانت بارعة في الرياضة، لا سيما كرة السلة. # خلال أشهري القليلة الأولى في المدرسة الثانوية، وجدت نفسي أسير معها لجزء من ~~المسافة إلى المدرسة. كانت تسير بطول الطريق الريفي وتعبر الجسر لتصل إلى البلدة. وكنت ~~أعيش في نهاية الطريق الذي طوله نصف ميل والموازي لهذا الطريق، على الجانب الشمالي ~~للنهر. حتى ذلك الحين، يمكن أن تقول إننا كنا نعيش على مسافة قريبة إحدانا من ~~الأخرى، ولكن المناطق التعليمية كانت مقسمة بطريقة معينة جعلتني دائما ألتحق بمدرسة ~~البلدة، بينما بنات عائلة نيوكام كن يلتحقن بمدرسة ريفية أبعد على الطريق الريفي. ~~خلال العامين الأولين لداليا في المدرسة الثانوية، بينما كنت أنا لا أزال في المدرسة ~~الإعدادية، كان لا بد أن تتخذ كلتانا نفس الطريق، وإن لم نكن لنسير معا؛ فلم ms158 يجر ~~العرف أن يسير طلاب المدرسة الثانوية والمدرسة الإعدادية معا. ولكن الآن وقد صرنا ~~نذهب إلى المدرسة الثانوية، كنا عادة ما نلتقي حيثما يلتقي الطريقان، وإذا حدث ورأت ~~إحدانا الأخرى قادمة، كانت تنتظرها. # هكذا كان الحال بالنسبة لي في خريفي الأول في المدرسة الثانوية. لم يكن السير معا ~~يعني أننا قد أصبحنا صديقتين، كل ما في الأمر أنه كان من الغرابة أن تسير كل منا ~~بمفردها بعد أن أصبحت كلتانا في المدرسة الثانوية ونسلك نفس الطريق. لست أدري عما ~~كنا نتحدث، أعتقد أنه كانت ثمة فترات طويلة من الصمت تعمنا، نظرا لترفع ~~داليا النابع من أنها أكبر مني سنا، ولجفاف في طبعها جعل من المستبعد إمكانية إجراء ~~أي حوار سخيف بيننا. لكن لا أذكر أنني كنت أجد تلك الفترات الصامتة غير مريحة. ~~••• # في صباح أحد الأيام لم أرها، فمضيت في طريقي، ووجدتها تقول لي في حجرة إيداع ~~المعاطف والقبعات: «لن أسلك هذا الطريق بعد ذلك؛ لأنني أقيم الآن في البلدة لدى ~~جلوريا.» # ولم نتحدث معا مرة أخرى إلا بالكاد إلى أن جاء يوم في بداية الربيع؛ ذلك الوقت الذي ~~أنا بصدد الحديث عنه، حين كانت الأشجار عارية من الأوراق ولكنها ضاربة إلى الحمرة، ~~والغربان وطيور النورس مشغولة، والمزارعون يصيحون في خيولهم. وجدتها تتجه نحوي، حيث ~~كنا نهم بمغادرة المدرسة، وقالت: «هل ستتجهين إلى المنزل مباشرة؟» فأجبت بنعم، ~~وما لبثت أن سارت بجواري. # سألتها إن كانت قد عادت للإقامة في منزلها مجددا، فأجابت قائلة: «كلا، ما زلت ~~أقيم لدى جلوريا.» # وعندما مضينا في المسير قليلا، قالت: «أنا ذاهبة إلى هناك فقط لأرى ما ~~يحدث.» # كان أسلوبها وهي تقول ذلك واضحا ومباشرا، وليس به أي أسرار أو خصوصية. ولكنني ~~أدركت أن كلمة «هناك» لا بد أنها تعني منزلها، وأن عبارة «ما يحدث»، وإن كانت غير ~~محددة، كانت تعني شيئا سيئا. # خلال الشتاء الماضي كانت قد ارتفعت مكانة داليا في المدرسة؛ لكونها أفضل لاعبة في ~~فريق كرة السلة، وكان الفريق قاب قوسين أو ms159 أدنى من الفوز ببطولة المقاطعة. وكان السير ~~معها والحصول منها على أي معلومات كانت ترغب في إعطائها لي يمنحني شعورا بالتميز. لا ~~أستطيع أن أتذكر بالضبط، ولكنني أظن أنها لا بد قد بدأت دراستها في المدرسة ~~الثانوية وكل شئون عائلتها تطاردها. كانت البلدة صغيرة بما يكفي بحيث بدأن جميعا ~~نفس البداية، بعوامل إيجابية نعيش وفقا لها، أو ظل ما نعيش في كنفه. ولكن الآن ~~صار متاحا لها، إلى حد كبير، أن تتحرر. كان استقلال الروح، تلك الثقة التي يجب أن ~~تكون لدى أي أحد في جسده لكي يصبح بطلا رياضيا، هو ما جعلها تنال احترام الآخرين ~~وأثنى أي شخص يفكر في إيقافها. كانت أنيقة أيضا؛ لم يكن لديها سوى القليل جدا من ~~الملابس ولكنها كانت رائعة للغاية، لم تكن كتلك الملابس الوقورة التي تتداولها ~~الشقيقات فيما بينهن، والتي غالبا ما كانت فتيات الريف ترتدينها، أو أطقم الملابس ~~المصنوعة منزليا التي كانت أمي تكدح من أجل حياكتها لي. أتذكر كنزة حمراء ذات ~~فتحة عنق مثلثة غالبا ما كانت ترتديها، وتنورة رويال ستيوارت ذات ثنيات. ربما كانت ~~جلوريا وسوزانا تنظران إليها بوصفها ممثلة العائلة ومصدر فخرها، فخصصتا جزءا من ~~مواردهما لشراء ملابس لها. # كنا خارج البلدة قبل أن تتحدث إلي مجددا. # قالت: «لا بد أن أتابع ما يفعله والدي العجوز، أتمنى ألا يعتدي بالضرب على ~~رايموند.» # كان رايموند أخاها. # قلت: «أتعتقدين أنه قد يفعل ذلك؟» شعرت وكأن علي أن أتظاهر بأنني أعرف أقل مما ~~كنت أعرفه - وكان الجميع يعرفونه - بالفعل عن عائلتها. # فقالت في تأمل: «أجل، أجل. قد يفعل، لقد كان رايموند يجيد الإفلات من عقابه أكثر ~~منا، ولكن الآن لم يبق في المنزل غيره وأخاف عليه بشدة.» ~~«أكان يضربك؟» # قلت ذلك على نحو شبه عارض، محاولة ألا يبدو في صوتي سوى قدر معقول من الاهتمام، وألا ~~أبدي أي هلع بأي حال. # فنخرت قائلة: «أتمزحين؟ قبل أن أرحل آخر مرة، حاول أن يسحق رأسي بالمجرفة.» # وبعد أن تقدمنا قليلا في المسير، قالت: ms160 «أجل، وطلبت منه أن يتقدم ليقتلني، تعال ~~لتقتلني، فلتقتلني وبعدها سوف تعدم. ولكنني حينئذ أفلت منه؛ لأنني فكرت أنه لو ~~قتلني، فلسوف أحرم من متعة مشاهدته معدوما.» # وأخذت تضحك. فقلت بنبرة تشجيعية: «أتكرهينه؟» # قالت دون أن يرتسم على وجهها أي تعبير أكثر من ذلك الذي كانت ستبديه لو قالت إنها ~~تكره النقانق: «بالطبع أكرهه، لو أخبرني أحدهم أنه يغرق في النهر، لذهبت ووقفت على ~~ضفة النهر وأخذت أهلل.» # لم يكن من الممكن أن أعلق على ما قالت ، ولكنني قلت: «ماذا لو أمسك بك ~~الآن؟» ~~«لن يراني، سوف أتلصص على ما يفعله فقط.» # وحين وصلنا إلى مفترق طريقينا، قالت بشبه ابتهاج: «أتودين أن تأتي معي؟ أتريدين أن ~~تري كيف أتلصص عليه؟» # سرنا معا عبر الجسر ورأسانا منخفضان في هدوء واتزان، ننظر عبر الشقوق الفاصلة ~~بين الألواح الخشبية للجسر على النهر ذي الفيض المرتفع، ويملؤني الانزعاج والإعجاب في ~~آن واحد. # قالت: «اعتدت أن آتي هنا في الشتاء، كنت معتادة أن أقف أمام نوافذ المطبخ تماما ~~حين يعم الظلام بالخارج. أما الآن فالأجواء تظل مضيئة لوقت متأخر للغاية. واعتدت أن ~~أفكر أنه سيرى آثار حذائي في الثلج ويعرف أن أحدهم كان يتلصص عليه وأن ذلك سوف يدفعه ~~إلى الجنون.» # سألتها إن كان والدها يمتلك بندقية. # قالت: «بالتأكيد. إذن ماذا لو خرج وأطلق علي النار؟ سوف يطلق علي النار ويعدم ~~ويذهب إلى الجحيم. لا تقلقي؛ إنه لن يرانا.» # قبل أن يصبح منزل آل نيوكام على مرأى منا، تسلقنا منحدرا يقع على الجانب الآخر من ~~الطريق، حيث كان هناك نمو كثيف من أشجار السماق متاخمة لمجموعة من أشجار التنوب ~~المزروعة لصد الرياح. عندما كانت داليا تبدأ في السير رابضة أمامي كنت أفعل المثل، ~~وعندما كانت تتوقف كنت أتوقف أنا أيضا. # كان الإسطبل وفناؤه ممتلئين بالأبقار، وأدركت أننا نسمع صوت وطء الأبقار وصياحهم ~~فور توقفنا عن عمل أي ضجيج ونحن نسير بين فروع الأشجار. وعلى عكس معظم المزارع الريفية، ~~لم يكن لمزرعة آل نيوكام ممر خاص ms161 بها؛ فكان المنزل والإسطبل وفناؤه تقع جميعا على ~~الطريق مباشرة. # لم يكن ثمة ما يكفي من الحشائش الناضرة للأبقار لكي ترعى خارج الإسطبل بعد - فقد ~~كانت المناطق المنخفضة في المروج لا تزال معظمها غارقة في الماء - ولكنها كانت تترك ~~للخروج من الإسطبل للتريض قبل الحلب المسائي. ومن خلف حاجز أشجار السماق الذي كنا ~~نختبئ وراءه، كان بإمكاننا النظر عبر الطريق والنظر كذلك إلى أسفل إلى الأبقار وهي ~~تصطدم بعضها ببعض وتتخبط وسط الروث، في حالة من الاضطراب والتذمر بسبب ضروعها ~~الممتلئة، حتى إذا قصفنا فرعا من الفروع، أو تحدثنا بأصواتنا الطبيعية، فقد كان ~~ثمة الكثير مما يدور هناك لدرجة لا يستطيع معها أي شخص سماعنا. # جاء رايموند، وهو صبي في حوالي العاشرة من عمره، بالقرب من الإسطبل. وكان معه عصا، ~~ولكنه كان ينقر بها فقط على مؤخرة الأبقار دافعا إياها وهو يقول: «شي، شي» بإيقاع هادئ ~~ويحثها على التحرك نحو باب الإسطبل. لم تكن تلك الأبقار من نفس النوع أو لها نفس ~~اللون، وهو الأمر الذي كان موجودا في معظم المزارع في ذلك الوقت، كانت ثمة بقرة ~~سوداء، وبقرة حمراء ضاربة إلى البرتقالي، وبقرة ذهبية اللون إلى حد ما، لا بد أنها ~~تنتمي على نحو ما لسلالة الجيرزية، إلى جانب أبقار أخرى ذات بقع بنية وبيضاء، وسوداء ~~وبيضاء، وذلك بجميع أنواع التوليفات. كانت لا تزال محتفظة بقرونها، وهو ما منحها مظهرا ~~مهيبا وشرسا افتقدته الأبقار الآن. # جاء صوت رجل، وكان صوت بانت نيوكامب، ينادي من الإسطبل. ~~«أسرع. لم التأخير؟ أتظن أن أمامك الليل بأكمله؟» # فرد رايموند صائحا: «حسنا، حسنا!» لم تكن نبرة صوته تشير لشيء بالنسبة إلي، ~~فيما عدا أنه لم يكن يبدو خائفا. ولكن داليا قالت بصوت خافت: «رائع، إنه يحدثه ~~بوقاحة! عظيم.» # خرج بانت نيوكام من باب آخر للإسطبل، كان يرتدي بدلة العمل وسمقا مشحما، بدلا من ~~المعطف الثقيل الذي ظننته كان يلبسه دائما، وكان يتحرك بأرجحة غريبة لإحدى ~~ساقيه. # قالت داليا بنفس الصوت الخافت ولكن طرأ عليه ms162 رضا بالغ: «إن لديه ساقا عرجاء. ~~سمعت أن بيل قد رفسته، ولكن أظنه أمرا جيدا لدرجة يصعب تصديقها. من المؤسف أنها لم ~~تكن رأسه.» # كان يحمل مذراة، ولكن بدا أنه لم يعتزم إلحاق أي أذى برايموند. كان كل استخدامه ~~للمذراة مقتصرا على إخراج روث الأبقار من ذلك الباب، بينما كانت تساق الأبقار إلى ~~الداخل من الباب الآخر. # ربما كان مقته للابن أقل من مقته لبناته. # قالت داليا: «لو كان معي بندقية، لاستطعت النيل منه الآن. كان يجب أن أفعلها بينما ~~كنت لا أزال صغيرة بما يكفي حتى لا يئول بي المآل بأن أعدم.» # قلت: «كان سيزج بك في السجن.» ~~«وماذا بعد؟ إنه يدير سجنه الخاص به. ربما لم يكونوا ليستطيعوا الإمساك بي مطلقا، ~~وربما ما كانوا ليعرفوا أنه أنا من فعلها.» # لم يكن من الممكن تصديق أنها كانت تعني ما تقول؛ فلو كانت لديها مثل هذه النية، ألم ~~يكن من الجنون أن تبوح بها لي؟ إذ من الممكن أن أشي بها، لم أكن أعتزم ذلك بالطبع، ولكن ~~قد يستدرجني أحدهم ويعرف هذا مني. غالبا ما كنت أفكر، بسبب الحرب، كيف يكون شكل ~~التعذيب، ما القدر الذي يمكنني تحمله منه؟ وذهبت بفكري إلى عيادة الطبيب حينما يضرب ~~عصبا، فكرت في نفسي قائلة: لو استمر ألم كهذا بلا نهاية ما لم أشي بمكان اختباء ~~أبي مع المقاومة، فماذا كنت سأفعل؟ # حين استقرت جميع الأبقار بالداخل وأغلق رايموند وأبوه بابي الإسطبل، عدنا عبر ~~أشجار السماق، وكنا لا نزال رابضين، وما إن توارينا عن الأنظار، حتى نزلنا إلى ~~الطريق. ظننت أن داليا قد تقول الآن إن الجزء الخاص بإطلاق النار كان مجرد مزاح، ~~ولكنها لم تفعل. وتساءلت لماذا لم تقل أي شيء عن والدتها، عن قلقها عليها مثلما كانت ~~قلقة على رايموند. حينئذ خطر لي أنها ربما كانت تحتقر والدتها لما تحملته ولما آل ~~إليه مصيرها. كان عليك أن تبدي بعض الجرأة لتجاري داليا في شجاعتها، ولم أكن لأرغب في ~~أن تعرف أنني كنت ms163 خائفة من الأبقار ذات القرون. # كان على إحدانا أن تودع الأخرى حين اتخذت هي طريقها عائدة إلى البلدة إلى منزل ~~جلوريا، فيما اتخذت أنا طريقنا المسدود، ولكن ربما تكون قد واصلت السير وتركتني. ظللت ~~أفكر فيما لو كان من الممكن حقا أن تقتل أباها، وراودتني فكرة غريبة بأنها صغيرة ~~للغاية بحيث لا يمكن أن تقدم على فعلة كهذه؛ وكأن قتل نفس مثل قيادة سيارة أو ~~التصويت أو الزواج، لا بد أن تصل إلى سن معينة لكي تتمكن من القيام به. وراودتني ~~فكرة أخرى كذلك - وإن لم أكن لأعرف كيف لي أن أعبر عنها - وهي أن القتل لن يكون ~~سببا في أي راحة لها؛ إذ كانت كراهيتها له قد وصلت لحد أن أصبحت عادة. كنت أتفهم ~~أنها قد اصطحبتني معها، لا لكي تأتمني على سرها أو لكوني بأي نحو صديقة حميمة لها؛ ~~لقد أرادت فقط أن يراها شخص ما وهي تمارس كراهيتها له. ~~••• # ربما كان يقع على طريقنا فيما مضى اثنا عشر منزلا، كان معظمها منازل صغيرة ورخيصة ~~للإيجار، حتى تصل إلى منزلنا الذي كان أقرب إلى منزل ريفي عادي في مزرعة صغيرة. كان بعض ~~هذه المنازل يطل على السهل الفيضي للنهر، ولكن قبل بضعة أعوام، إبان فترة الكساد ~~العظيم، كانت جميعها مأهولة. ثم جاءت وظائف الحرب، جميع أنواع الوظائف، لتأخذ تلك ~~الأسر بعيدا، ونقلت بعض المنازل إلى مكان آخر لتكون بمنزلة جراجات أو حظائر ~~للدجاج. أما تلك التي تركت مكانها، فكان منها اثنان خاويين، فيما كانت البقية ~~يسكنها في الغالب أشخاص مسنون؛ الأعزب العجوز الذي يسير إلى البلدة كل يوم لمتجر ~~الحدادة خاصته، والزوجان المسنان اللذان كان لديهما متجر للبقالة ولا يزال على ~~نافذتهما الأمامية ملصق مشروب البرتقال كراش، والزوجان المسنان الآخران اللذان ~~يتاجران في بضائع محظورة قانونا، وكان يقال إنهما يخفيان أموالهما في علب الطلاء ~~في الفناء الخلفي لمنزلهما. هذا إلى جانب العجز اللاتي تركن بمفردهن: السيدة كوري، ~~والسيدة هورن، وبيسي ستيوارت. # كانت السيدة كوري تربي كلابا كانت تتسابق ms164 في النباح على نحو جنوني طوال اليوم في ~~حظيرة سلكية، وفي الليل كانت تساق إلى داخل منزلها الذي كان مبنيا جزئيا في منحدر ~~أحد التلال، والذي لا بد أنه كان مظلما وذا رائحة كريهة جدا. أما السيدة هورن، فكانت ~~تربي زهورا، وكان منزلها وفناؤها الصغيران يبدوان في الصيف كقطعة قماش مطرزة؛ ~~فترى فيها كرمات الياسمين البري، وزهرة شارون، وكل أنواع الورود والفلوكس ~~والدلفينيون. أما بيسي ستيوارت، فكانت ترتدي ثيابها الأنيقة وتتجه إلى أعلى البلدة ~~فيما بعد الظهيرة لتدخين السجائر وتناول القهوة في مطعم باراجون. ورغم أنها لم تكن ~~متزوجة، فقد كان يقال إن لها صديقا. # كان أحد المنازل الخاوية تسكنه، ولا تزال تملكه، السيدة إدي. كانت تسكن هذا المنزل ~~منذ فترة قصيرة - منذ أعوام؛ أي أربعة أو خمسة أعوام قبل أن ألتقي داليا، وكانت فترة ~~طويلة في حياتي - عائلة تسمى وينرايت، وكانت تربطهم صلة قرابة بالسيدة إدي وتركتهم ~~يعيشون هناك، ولكنها لم تكن تعيش معهم، فقد نقلت إلى المكان الذي نقلت إليه، وكان ~~يدعى كير. # قدم السيد والسيدة وينرايت من شيكاجو، حيث كانا يعملان في تزيين المعروضات ~~وتنسيقها في الواجهات لدى أحد المتاجر الكبيرة المتعددة الأقسام. أغلق هذا المتجر ~~أبوابه، أو تقرر أنه لا يحتاج إلى تزيين الكثير من واجهاته؛ أيا كان ما حدث، فقد ~~فقدا وظيفتيهما وجاءا إلى هنا للإقامة في منزل السيدة إدي وحاولا تأسيس شركة للصق ورق ~~الحائط. # كان لديهما ابنة تدعى فرانسيس، كانت تصغرني بعام واحد، وكانت ضئيلة الجسم ونحيفة ~~سرعان ما تلهث بسبب إصابتها بالربو. في أول يوم لي في الصف الخامس، خرجت السيدة وينرايت ~~واستوقفتني في الطريق، بينما فرانسيس كانت تسير خلفها ببطء، طلبت مني أن أصطحب فرانسيس ~~إلى المدرسة وأريها مكان قاعة الدراسة الخاصة بالصف الرابع، وأن أكون صديقة لها؛ لأنها ~~لم تكن تعرف أي شخص بعد، أو مكان أي شيء. # وقفت السيدة وينرايت تتحدث إلي على قارعة الطريق مرتدية لباس بيت حريريا ذا ~~لون أزرق فاتح. وكانت فرانسيس متأنقة في ثوب قطني ms165 ذي نقوش مربعة وقصير للغاية ~~ومكشكش عند الجزء السفلي وشريط شعر ذي نقوش مربعة يتماشى معه. ~~••• # وسرعان ما أصبح مفهوما أنه يتوجب علي السير إلى المدرسة مع فرانسيس ثم العودة إلى ~~المنزل معها بعد ذلك، كانت كلتانا تحمل غداءها إلى المدرسة، ولكن لم يطلب مني صراحة ~~أن أتناول الغداء معها، ومن ثم لم أفعل هذا قط. # كانت ثمة فتاة أخرى في المدرسة تعيش على مسافة بعيدة جدا من المدرسة مما جعلها ~~مضطرة لإحضار غدائها معها، كان اسمها واندا لويز بالمر، وكان والداها يملكان قاعة ~~الرقص التي تقع في جنوب البلدة ويعيشان فيها هما والبنت أيضا، كنت أنا وهي دائما ما ~~نأكل معا، ولكن لم نعتبر أنفسنا مطلقا أصدقاء، ولكن الآن نشأ بيننا نوع من الصداقة، ~~كان قائما بالكامل على تجنب فرانسيس. كنت أنا وواندا نتناول الطعام في البدروم ~~المخصص للفتيات، خلف ساتر من المقاعد المدرسية القديمة المحطمة التي كانت مكدسة ~~في أحد الأركان. وما إن نفرغ من طعامنا، حتى ننسل إلى الخارج تاركين المدرسة كي ~~نجوب الشوارع القريبة أو نذهب إلى وسط البلدة ونشاهد واجهات المتاجر. كان من المفترض أن ~~تكون واندا رفيقة مسلية لكونها تعيش في قاعة الرقص، ولكنها كانت تميل للغاية إلى ~~نسيان ما كانت تقوله لي (رغم أنها لم تكن تتوقف عن الحديث) لدرجة جعلتها مملة جدا. ~~كان كل ما يجمعنا حقا هو اتحادنا ضد فرانسيس، وضحكاتنا البائسة التي نستميت في ~~كبحها حين ننظر عبر المقاعد المحطمة ونراها وهي تبحث عنا. # بعد فترة لم تعد تفعل ذلك، وصارت تتناول غداءها بمفردها في الطابق العلوي في غرفة ~~إيداع المعاطف والقبعات. # أود الاعتقاد بأن واندا هي من جعلت فرانسيس، حين كنا نقف في صف استعدادا ~~للتوجه إلى الفصل، تلاحظ أنها الفتاة التي نحاول دائما تجنبها، ولكن من الممكن أن أكون ~~أنا من فعل ذلك، وبالطبع استمررت في ذلك، وكنت سعيدة لكوني أحد هؤلاء الذين يقومون ~~بأمور من قبيل رفع الحواجب والعض على الشفاه وكتم الضحكات العالية؛ وإن كنت لا ms166 ~~أكتمها بالدرجة الكافية. كان العيش في نهاية ذلك الطريق، مثلما كان حالي، وسهولة ~~التعرض للحرج ولكن مع حب الظهور، مثلما كان مستبعدا أن أكون، كل ذلك جعلني لا ~~أستطيع الدفاع عن أي شخص يهان، لم يكن بوسعي التسامي فوق الشعور بالارتياح لكوني ~~لست من يهان. # أصبحت شرائط الشعر جزءا من هذا، فكان مجرد الصعود إلى فصل فرانسيس وقول: «يعجبني ~~الشريط الذي تضعينه في شعرك، من أين جئت به؟» واضطرارها للرد في ارتباك بريء قائلة: ~~«من شيكاجو»، مصدرا دائما للسعادة. ولفترة أصبحت عبارة «من شيكاجو» أو كلمة «شيكاجو» ~~فقط هي الإجابة لكل شيء. ~~«أين ذهبت بعد المدرسة أمس؟» ~~«شيكاجو.» ~~«أين لجأت شقيقتك لتمويج شعرها؟» ~~«أوه، إلى شيكاجو.» # كانت بعض الفتيات يزممن أفواههن لدى سماع الكلمة، وكانت صدورهن تهتاج، أو يدعين ~~إصابتهن بالفواق حتى يملن. # لم أكن أتجنب السير إلى المنزل مع فرانسيس، وإن كنت بالتأكيد قد أذعت أن الأمر ~~لم يكن باختياري، بل كنت أفعل ذلك بناء على طلب من والدتها. لم أكن أعلم قدر ما كانت ~~تدركه من هذا الاضطهاد الخاص الأنثوي للغاية، ربما ظنت أن ثمة مكانا ما تذهب ~~إليه فتيات فصلي دوما لتناول الغداء، وأنني أفعل ذلك مثلهن. ربما لم تدرك مطلقا ~~السبب وراء تلك الضحكات العالية، ولم تكن تسأل عن ذلك مطلقا. حاولت أن تمسك يدي ~~ونحن نعبر الشارع، ولكنني انتزعت يدي وأخبرتها ألا تفعل. # قالت إنها دائما ما كانت تمسك يد سادي حين كانت سادي توصلها سيرا على الأقدام ~~إلى المدرسة في شيكاجو. # وأضافت: «ولكن هنا الأمر مختلف؛ فلا يوجد ترام.» # في أحد الأيام قدمت لي كعكة محلاة بقيت من غدائها، فرفضت حتى لا أشعر بأي ~~التزام مزعج تجاهها. # قالت: «فلتأخذيها، لقد وضعتها أمي من أجلك.» # حينها فهمت؛ لقد وضعت والدتها تلك الكعكة الإضافية من أجلي لكي أتناولها حين نتناول ~~غداءنا أنا وابنتها معا. إنها لم تخبر والدتها قط بأنني أختفي في وقت الغداء، وأنها لا ~~تستطيع معرفة مكاني، لا بد أنها كانت تتناول الكعكة الإضافية، ms167 ولكن عدم الأمانة تؤرقها ~~الآن. ومن ثم صارت منذ ذلك الحين تقدمها لي كل يوم في اللحظة الأخيرة تقريبا ~~وكأنها تشعر بالحرج، وفي كل يوم كنت أقبلها. # بدأنا نتجاذب أطراف الحديث على نحو محدود، ويبدأ ذلك عندما نبتعد تقريبا عن ~~البلدة، كان لدينا اهتمام مشترك وهو نجوم السينما، كانت قد شاهدت أفلاما أكثر بكثير ~~مما شاهدت؛ ففي شيكاجو كان يمكنك أن تشاهد أفلاما بعد ظهيرة كل يوم، واعتادت سادي أن ~~تصطحبها إلى السينما، أما أنا فكنت أمر من أمام السينما وأنظر إلى «أفيشات» الأفلام ~~في كل مرة تتغير فيها، ومن ثم كنت أعرف عنها شيئا. كان لدي في المنزل مجلة ~~سينمائية واحدة تركتها إحدى قريباتنا حين كانت في زيارة لنا، وكانت تحوي صورا لزفاف ~~ديانا دوربين. ومن ثم أخذنا نتحدث عن ذلك، وعن الشكل الذي نرغبه لحفل زفافنا؛ فستان ~~الزفاف، وفساتين الوصيفات، والزهور، وملابس شهر العسل. كانت نفس القريبة قد أعطتني ~~هدية؛ دفتر صور مقصوصة لفتيات زيجفيلد. كانت فرانسيس قد شاهدت فيلم «فتاة زيجفيلد» ~~وتحدثنا عن أي فتاة من فتيات زيجفيلد تود كل منا أن تكون، واختارت جودي جارلاند ~~لأنها تستطيع الغناء، فيما اخترت أنا هيدي لامار لكونها الأجمل. ~~«كان أبي وأمي يغنيان في جمعية الأوبرا الكوميدية. كانا يغنيان في أوبرا «قراصنة ~~بنزانس».» # لم يكن نطقها لكلمتي الأوبرا الكوميدية وقراصنة بنزانس صحيحا؛ لذا احتفظت ~~بالكلمتين في ذاكرتي ولكن لم أكن لأسألها عن معنيهما. لو كانت قد قالتهما في المدرسة، ~~أمام الآخرين، لكانتا بمنزلة ذخيرة لا تقاوم للهجوم عليها. # حين كانت والدتها تخرج لتحيتنا - طابعة على وجه فرانسيس قبلة العودة مثلما كانت ~~تقبلها عند وداعها صباحا - كان من الممكن أن تسأل إن كان بإمكاني الدخول واللعب ~~معها، ودائما ما كنت أقول إن علي التوجه مباشرة إلى المنزل. ~~••• # قبيل احتفالات الكريسماس، سألتني السيدة وينرايت إن كان بإمكاني القدوم لتناول ~~العشاء معهم يوم الأحد القادم. قالت إنه سيكون حفل شكر صغير وحفل وداع استعدادا ~~للرحيل عن المنطقة. كنت على وشك أن أقول إنني ms168 لا أعتقد أن والدتي سوف تسمح لي بالذهاب، ~~ولكن عندما سمعت كلمة «وداع»، تغير منظوري للدعوة؛ فعبء فرانسيس سوف يرفع عن ~~كاهلي، ولن يكون ثمة أي التزام بعد الآن، ولا ألفة مفروضة علي. قالت السيدة ~~وينرايت إنها كتبت رسالة صغيرة لوالدتي؛ إذ لم يكن لديهم هاتف. # كانت والدتي ستحبذ الأمر أكثر لو كانت الدعوة لمنزل إحدى فتيات البلدة، ولكنها ~~وافقت، وقد وضعت في الاعتبار أيضا مسألة رحيل آل وينرايت. # قالت لي: «لا أعرف فيما كانوا يفكرون بمجيئهم هنا؛ فأي شخص يمكنه تحمل تكاليف ~~شراء ورق الحائط سوف يلصقه بنفسه.» # سألت فرانسيس: «إلى أين ستذهبون؟» ~~«برلينجتون.» ~~«أين يقع هذا المكان؟» ~~«في كندا أيضا، سوف نقيم مع عمتي وعمي، ولكن سيكون لنا مرحاضنا الخاص بالطابق العلوي ~~وحوض خاص ولوح تسخين. سوف يحصل أبي على وظيفة أفضل.» ~~«ماذا سيعمل؟» ~~«لست أدري.» ~~••• # كانت شجرة عيد الميلاد خاصتهم تقف في أحد الأركان؛ فقد كانت للغرفة الأمامية نافذة ~~واحدة فقط، ولو أنهم وضعوا الشجرة هناك لحجبت كل الضوء. لم تكن شجرة كبيرة أو حسنة ~~الشكل، ولكنها كانت مغطاة بكثافة بخيوط الزينة اللامعة والخرز الذهبي والفضي وزخارف ~~متشابكة جميلة. وفي ركن آخر من الغرفة كان ثمة مدفأة تستخدم الخشب كوقود لها، وبدا ~~أن النار قد أوقدت فيها توا. وكان الهواء لا يزال باردا وشديدا يحمل رائحة أشجار ~~الغابة. # لم يكن السيد أو السيدة وينرايت واثقين بشأن نار المدفأة، وأخذ الرجل في البداية ~~وتبعته زوجته بعد ذلك في العبث بالصمام الخامد، ومدا أيديهما بجرأة نحو القضيب ~~المعدني الخاص بتزكية النار، وأخذا يضربان الأنبوب ضربا خفيفا لمعرفة ما إذا كان يسخن ~~أم لا، أو ما إذا كان ساخنا أكثر من اللازم بأي حال. كانت الرياح عاتية في ذلك اليوم، ~~حتى إنها أحيانا ما كانت تنفخ الدخان عبر المدخنة. # لم يكن لذلك أي أهمية لدي أنا وفرانسيس؛ فعلى طاولة للعب الورق نصبت في منتصف ~~الغرفة كانت ثمة لعبة دامة صينية جاهزة لكي يلعبها شخصان، ومجموعة من المجلات ~~السينمائية، وفي الحال ms169 انقضضت على المجلات، لم يمر بخيالي قط أن أجد مثل هذه الوليمة ~~من المجلات. لم يكن مهما بالنسبة إلي أنها لم تكن جديدة ولا أن بعضها كان شبه ~~ممزق من كثرة تصفحه. وقفت فرانسيس بجوار مقعدي، مفسدة علي متعتي قليلا بإخباري ~~بما سأجده بعد ذلك في المجلة التي بين يدي وما تحويه أخرى لم أفتحها بعد. كانت ~~المجلات فكرتها بالطبع، وكان علي التحلي بالصبر معها؛ فقد كانت ملكا لها، ولو ~~قررت انتزاعها لعصف بي الحزن أكثر مما حدث لي عندما أغرق أبي قططي الصغيرة. # كانت ترتدي ثوبا ربما يكون قد خرج من واحدة من تلك المجلات؛ كان رداء حفلات لإحدى ~~النجمات السينمائيات من الأطفال، وكان من القماش المخملي ذي اللون الأحمر القاني وله ~~ياقة من الدانتيل الأبيض وشريط أسود متدل عبر الدانتيل. كان رداء والدتها مماثلا ~~لردائها تماما، وكانت تسريحة شعرهما واحدة؛ الشعر متموج من الأمام ومنسدل من الخلف. ~~كان شعر فرانسيس خفيفا وناعما، وفي غمرة حماسها وقفزها هنا وهناك لتريني الأشياء كان ~~تموجه قد انحل بالفعل. # كانت الغرفة تزداد ظلاما، وكانت ثمة أسلاك بارزة من السقف ولكن دون مصابيح، ~~فأحضرت السيدة وينرايت مصباحا ذا سلك طويل ووضعت قابسه في مقبس بالحائط، فتألق ضوء ~~المصباح عبر الإطار الزجاجي الأخضر الفاتح لتنورة نسائية طويلة. ~~«إنها تنورة سكارليت أوهارا. أهديتها أنا وأبي إلى أمي في عيد ميلادها.» # لم نجد وقتا للعب الدامة الصينية، وبعد فترة أزيلت لوحة اللعب الخاصة بها، ونقلنا ~~المجلات إلى الأرض، وبسطت قطعة من القماش المطرز - لم تكن مفرش مائدة بالمعنى ~~المفهوم - عبر الطاولة، ثم تبع ذلك وضع الأطباق عليها. كان من الواضح أني أنا وفرانسيس ~~سوف نتناول طعامنا هنا بمفردنا. انشغل كلا الأبوين في تجهيز الطاولة؛ وكانت السيدة ~~وينرايت ترتدي مريلة رائعة فوق ردائها المخملي الأحمر بينما ارتدى السيد وينرايت قميصا ~~وصدرية الجزء الخلفي منها مصنوع من الحرير. # حين انتهى إعداد كل شيء دعينا إلى الطاولة. توقعت أن يترك السيد وينرايت تقديم ~~الطعام لزوجته؛ والحق أنني قد اندهشت ms170 جدا حين رأيته يتحرك حول المائدة بالسكاكين ~~والشوك، ولكنه حينئذ كان يجذب لنا مقاعدنا لنجلس، وأعلن أنه سيلعب دور النادل. حين ~~اقترب مني لتلك الدرجة، استطعت أن أشم رائحته وأسمع صوت أنفاسه. كانت أنفاسه تبدو ~~متلهفة، مثل أنفاس كلب، وكانت تفوح منه رائحة بودرة التلك واللوسيون التجميلي، ~~ذكرتني برائحة الحفاضات النظيفة وأوحت بحميمية مثيرة للاشمئزاز. # قال: «والآن آنساتي الجميلات، سوف أحضر لكما بعض الشامبانيا!» # وإذا به يحضر إبريقا به عصير ليمون ويملأ كئوسنا منه. راودني شعور بالقلق إلى أن ~~تذوقته؛ فقد كنت أعرف أن الشامبانيا مشروب كحولي، ولم يكن لمثل تلك المشروبات مكان في ~~منزلنا ولا في منزل أحد ممن نعرفهم. وراح السيد وينرايت يرقبني وأنا أتذوقه وبدا ~~أنه كان يخمن ما أشعر به. # قال: «هل ثمة مشكلة؟ ألست قلقة الآن؟ هل كل شيء ينال رضا سيادتك؟» # ثم انحنى لي. # وأردف قائلا: «والآن، ماذا تحبين أن تتناولي من صنوف الطعام؟» وراح يسرد قائمة ~~من الأصناف غير المألوفة؛ كان كل ما فهمته منها هو لحم الغزال، الذي لم يسبق لي أن ~~تذوقته بالتأكيد، وانتهت القائمة بالحلويات، فضحكت فرانسيس وقالت: «سوف نتناول حلويات ~~من فضلك، مع البطاطس.» # توقعت أن تكون الحلويات مثل اسمها؛ نوعا من الكعك المزين بالمربى أو السكر ~~البني، ولكن لم يتسن لي أن أعرف لم سيكون معها بطاطس. ولكن ما وصلنا كان عبارة عن ~~قطع صغيرة من اللحم محوطة بلحم خنزير مقدد مقلي وحبات بطاطس صغيرة بقشرها، قلبت ~~في الزبد الساخن وقليت في المقلاة. وكان يوجد أيضا جزر مقطع إلى أعواد رفيعة وله ~~نكهة مسكرة قليلا. لم أكن أحب الجزر، ولكنني لم أتذوق في حياتي بطاطس بهذا الطعم ~~اللذيذ ولا لحما بتلك الطراوة. كان كل ما أتمناه هو أن يبقى السيد وينرايت في ~~المطبخ بدلا من أن يحوم حولنا ليصب لنا عصير الليمون، ويسألنا إن كان كل شيء ينال ~~إعجابنا. # أما الحلوى، فتلك أعجوبة أخرى؛ كانت عبارة عن بودنج أملس من الفانيليا عليه شيء أقرب ~~إلى الغطاء من السكر ms171 المخبوز حتى اكتسب لونا بنيا ضاربا إلى الذهبي، ومعه كعكات ~~صغيرة مغطاة من جميع الجوانب بشوكولاتة غنية شديدة الدكانة. # جلست في حالة من الامتلاء فيما لم يتبق لعقة أو فتات. أخذت أتأمل الشجرة ~~المستوحاة من إحدى القصص الخيالية بزيناتها التي ربما كانت على شكل قلاع مصغرة أو ~~ملائكة. كانت تيارات الهواء تأتي عبر النافذة وتحرك الفروع قليلا، جاعلة شرائط ~~الزينة الكثيفة تتموج والزينات تميل قليلا لتظهر نقاطا جديدة من الضوء. بدا لي حين ~~امتلأت معدتي بذلك الطعام الغني الشهي وكأنني في حلم رأيت فيه كل شيء قويا ~~ومأمونا. # كان من الأشياء التي رأيتها ضوء النار؛ وهجا متثاقلا بلون الصدأ يتصاعد من ~~الأنبوب، فقلت لفرانسيس بلا أدنى انزعاج: «أعتقد أن أنبوب مدفأتكم يحترق.» # فأخذت تصيح بروح من الإثارة التي غمرتها على إثر الحفل: «الأنبوب يحترق!» ليدخل ~~السيد وينرايت، الذي كان قد ذهب أخيرا إلى المطبخ، وخلفه السيدة وينرايت على مسافة ~~قريبة. # قالت السيدة وينرايت: «يا إلهي، بيلي! ماذا سنفعل؟» # فقال السيد وينرايت: «أعتقد أن علينا غلق وحدة تنظيم تدفق الهواء.» كان صوته رفيعا ~~حادا ويبدو فيه الخوف، بما لا يليق بأب. # فعل ذلك، ثم أخذ يصرخ وينفض يده التي كانت قد احترقت لا محالة، ووقف الاثنان وجعلا ~~ينظران إلى الأنبوب الذي تلون بحمرة النار، ثم قالت بصوت مرتجف: «ثمة شيء من ~~المفترض أن تضعه عليه. ما هو؟ بيكربونات الصوديوم!» فهرعت إلى المطبخ وعادت ومعها ~~علبة بيكربونات الصوديوم وهي شبه باكية. صاحت قائلة: «ضعها على ألسنة اللهب مباشرة.» ~~كان السيد وينرايت لا يزال يفرك يده ببنطاله؛ لذا لفت مريلتها حول يدها واستخدمت رافع ~~المدفأة وراحت تنثر المسحوق على النيران. كان ثمة صوت أشبه بصوت البصق عندما بدأت ~~النيران تخمد ويتصاعد الدخان داخل الغرفة. # فقالت: «يا فتيات، يا فتيات! من الأفضل أن تسرعا بالخروج من هنا.» وكانت تبكي بالفعل ~~في تلك اللحظة. # وتذكرت شيئا من أزمة مماثلة حدثت في منزلنا. # فقلت: «يمكن أن تلفي مناشف مبللة حول الأنبوب.» # قالت: «مناشف مبللة! تبدو فكرة ms172 جيدة، نعم.» # فهرعت إلى المطبخ حيث سمعناها وهي تضخ المياه، وتبعها السيد وينرايت وهو ينفض يده ~~المحترقة أمامه، وعاد الاثنان وقطرات الماء تتساقط من المناشف. ربطت المناشف حول ~~الأنبوب، وما إن كانت تبدأ في السخونة والجفاف حتى كانت توضع أخرى في مكانها. وبدأت ~~الغرفة تمتلئ أكثر وأكثر بالدخان، وشرعت فرانسيس في السعال. # قال السيد وينرايت: «فلتحصلي على بعض الهواء النقي!» واستغرق منه الأمر بعض الوقت ~~ليفتح الباب الأمامي غير المستخدم بقوة بيده السليمة، تاركا بقايا الجرائد القديمة ~~والممسحات المتعفنة التي كانت متراكمة حوله لتتطاير بالداخل. وكانت ثمة كومة ثلج ~~بالخارج، فدخلت موجة بيضاء الغرفة. # قالت فرانسيس بينما لا يزال صوتها يبدو مبتهجا بين نوبات السعال: «فلنقذف الثلج على ~~النار!» وأخذنا معا في التقاط حفنات من الثلج وقذفها نحو المدفأة. كان بعضها يصيب ~~ما تبقى من النيران، والبعض يخطئ الهدف وينصهر وينسكب في البرك الصغيرة التي خلفتها ~~قطرات الماء المتساقطة من المناشف على الأرض. لم يكن ليسمح لي بإحداث مثل هذه الفوضى ~~في المنزل. # في وسط هذه البرك، وبعد أن انتهى الخطر، وأخذت البرودة تلف الغرفة أكثر فأكثر، ~~وقف السيد والسيدة وينرايت وكل منهما يلف الآخر بذراعه، يضحكان ويواسي كل منهما ~~الآخر. # قالت السيدة وينرايت: «يا ليدك المسكينة! وأنا التي لم أشعر بذرة تعاطف نحوها! ~~لقد كنت في أشد الخوف من أن يحترق المنزل.» وحاولت تقبيل يده، فقال: «آه، آه!» كانت ~~الدموع في عينيه هو أيضا من الدخان أو من الألم. # ربتت على ذراعيه وكتفيه وحتى على ردفيه قائلة: «يا لحبيبي المسكين!» وأشياء من هذا ~~القبيل، بينما ضم هو شفتيه وقبلها قبلة قوية، ثم ضمها من الخلف بيده ~~السليمة. # بدا وكأن حلقة الملاطفة تلك قد تستمر لبعض الوقت. # قالت فرانسيس وقد عم الاحمرار جسدها من أثر السعال والإثارة الممزوجة بالسعادة: ~~«أغلقوا الباب، الجو متجمد.» لو كانت تقصد أن يقوم والداها بذلك، فهما لم يلقيا بالا ~~لشيء سوى الاستمرار في ذلك السلوك المريع الذي لم يبد أنه يسبب لها أي حرج أو ms173 حتى ~~يستحق اهتمامها. فأمسكت كلتانا الباب ودفعناه في عكس اتجاه الرياح التي كانت تثير تيار ~~الهواء وتقذف مزيدا من الثلج إلى داخل المنزل. ~~••• # لم أتحدث عن أي من هذا لأهلي عندما عدت إلى المنزل، على الرغم من أن الطعام ~~والزينات والنيران كانت غاية في الإثارة والتشويق. كانت هناك الأشياء الأخرى التي لم ~~يكن بوسعي وصفها مما جعلني أشعر باختلال التوازن، والغثيان قليلا؛ ومن ثم لم أشأ على ~~نحو ما أن أذكر أيا منها؛ الطريقة الرائعة التي يعامل بها الوالدان الطفلتين. لعبة ~~النادل التي مارسها السيد وينرايت، ويداه السميكتان البيضاوان كقطعة صابون، ووجهه ~~الشاحب، وشعره الناعم اللامع ذو اللون البني الفاتح. الثبات - القرب المبالغ فيه - في ~~خطواته الناعمة وهو يرتدي شبشبا منتفخا ذا نقوش مربعة، ثم تأتي تلك الضحكات التي لا ~~تليق تماما بالكبار، عقب كارثة كانت وشيكة، والأيدي الوقحة والقبلة المدوية. كان ~~ثمة تهديد زاحف بشأن كل هذا، بداية من أكذوبة دفعي إلى لعب دور الصديقة الصغيرة - ~~كانت كلتاهما تصفانني بهذا - في حين لم أكن أي شيء من هذا القبيل، ومعاملتي كفتاة ~~طيبة وبريئة، في حين لم أكن كذلك أيضا. # ماذا كان هذا التهديد؟ هل كان مجرد تهديد الحب أو المودة؟ لو كان الأمر كذلك، لكان ~~عليك أن تقول إنني قد أدركته بعد فوات الأوان. وقد جعلني هذا الشرود الذهني أشعر ~~بالحرج والمهانة، كما لو كان أحدهم قد نظر داخل سروالي، حتى الطعام الرائع غير ~~التقليدي شابته الشكوك في ذاكرتي. وحدها المجلات السينمائية هي ما أفلتت من وصمة ~~الشك. # بنهاية إجازات الكريسماس، كان منزل آل وينرايت قد خوى من سكانه. كان الثلج شديدا ~~للغاية في ذلك العام حتى إن سقف المطبخ قد انهار. وحتى بعد حدوث ذلك لم يشغل أحد نفسه ~~بهدم المنزل أو وضع لافتة «ملكية خاصة، ممنوع التعدي». ولسنوات كان الأطفال - وكنت أنا ~~من بينهم - يتسكعون حول الأنقاض المحفوفة بالخطر لمجرد أن يروا ما يمكنهم أن يجدوه ~~هناك. كان يبدو أن لا أحد يخشى بشأن الإصابات أو المساءلة. ms174 # ولم تظهر أي مجلات سينمائية. ~~••• # حكيت لأسرتي عن داليا. في ذلك الوقت كنت قد أصبحت شخصا مختلفا تماما، من وجهة ~~نظري، عن تلك الفتاة التي كانت في منزل آل وينرايت. ففي بداية سنوات المراهقة كنت قد ~~أصبحت مصدر التسلية في المنزل، لا أقصد بذلك أنني كنت دائما ما أحاول إضحاك أفراد ~~عائلتي - رغم أنني كنت أفعل ذلك أيضا - بل أقصد أنني كنت أنقل الأخبار والنمائم، كنت ~~أخبرهم بأشياء حدثت في المدرسة، ولكن أيضا بأشياء حدثت في البلدة ، أو كنت أكتفي فقط ~~بوصف شكل الأشخاص الذين رأيتهم في الشارع أو حديثهم. وقد تعلمت القيام بذلك بأسلوب ~~تهكمي أو ساخر، لم يكن ليعرضني للتوبيخ، أو لأن يقال لي إنني شديدة الذكاء لدرجة تضر ~~بي. فقد أتقنت تصنع الوجه الجامد، بل والأسلوب الوقور الرزين الذي كان يمكن أن ~~يضحك الآخرين حتى عندما يظنون أنهم ينبغي ألا يضحكوا والذي يجعل من الصعب تحديد ما ~~إذا كانت نياتي بريئة أم خبيثة. # تلك كانت الطريقة التي تحدثت بها عن زحف داليا بين أشجار السماق للتلصص على والدها، ~~وعن كراهيتها له، وحديثها عن قتله. وكانت هي الطريقة التي كان يجب أن تروى بها أي قصة ~~عن عائلة نيوكام، وليس فقط الطريقة التي كان يجب أن أرويها بها؛ فأي قصة عنهم كان ~~ينبغي أن تؤكد، بما يرضي الجميع، كيف كانوا يؤدون أدوارهم بإتقان وصدق، وها هي داليا ~~الآن هي الأخرى صار ينظر إليها على أنها تنتمي إلى هذه الصورة. التلصص، التهديدات، ~~الميلودراما، مطاردته لها بالمجرفة، أفكارها عن كونه سيعدم حال قتلها، وعدم إمكانية ~~إعدامها، لو قتلته بينما كانت لا تزال حدثا. # واتفق والدي مع هذا. ~~«من الصعب أن تجعلي أي محكمة هنا تصدر حكما بإدانتها.» # وقالت أمي إن ما فعله مثل هذا الرجل بابنته لهو عار. # يبدو لي غريبا الآن أننا قد استطعنا خوض هذا الحديث بتلك السهولة، دون أن يخطر لنا ~~أن أبي كان يضربني، في بعض الأحيان، وأنني كنت أصرخ معلنة رغبتي لا في قتله، ولكن ms175 في ~~الموت، وأن هذا لم يحدث منذ فترة بعيدة - فقد حدث ثلاث أو أربع مرات، حسبما أعتقد، حين ~~كنت تقريبا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وقد حدث ذلك في الفترة ما بين معرفتي ~~بفرانسيس ومعرفتي بداليا. كنت أعاقب في تلك المرات لخلاف نشب بيني وبين أمي، أو ~~لرد وقح، أو للغو كي أبدو ذكية، أو لعناد مني. فكانت أمي تأتي بأبي من عمله للتعامل ~~معي، وكنت أنا أنتظر وصوله، بغضب مثبط في البداية، ثم بيأس مثير للاشمئزاز، كنت أشعر ~~وكأن نفسي ذاتها هي التي كانا يسعيان وراءها، وأعتقد أن الأمر كان كذلك على نحو ما. ~~لقد كان الجزء المعتد بذاته المولع بالجدل من نفسي هو ما كان يجب أن يضرب ضربا ~~مبرحا، حين كان أبي يشرع في نزع حزامه - كانت تلك هي وسيلته في ضربي - كنت أبدأ في ~~الصراخ: «لا، لا»، وأدافع عن نفسي بأسلوب يفتقر إلى التماسك، بطريقة بدت تدفعه ~~لازدرائي. والحق أن سلوكي حينها كان مثيرا للازدراء؛ إذ كان لا يظهر طبيعة من ~~الإباء أو حتى احترام النفس، ولم أكن أعبأ بذلك. وحين كان الحزام يرفع - في اللحظة ~~السابقة لنزوله علي - كانت هناك لحظة من المكاشفة العصيبة، وكان الظلم هو ما يسود. لم ~~يكن بإمكاني مطلقا أن أروي الجانب الخاص بي من الأمور؛ إذ كان لاشمئزاز أبي مني اليد ~~العليا. كيف كان يمكن ألا أجد نفسي أنوح في وجه مثل هذا الانحراف في الطباع؟ # أنا على يقين من أن أبي لو كان حيا الآن، لقال إنني أبالغ، وإن الإهانة التي كان ~~يقصد إنزالها بي لم تكن شديدة لتلك الدرجة، وإن أخطائي كانت مربكة، وإنه لا توجد طريقة ~~أخرى غير ذلك للتعامل مع الأطفال. لقد كنت أسبب له متاعب وأسبب حزنا لأمي، وكان ~~يجب أن أقتنع بضرورة تغيير طريقتي. # وقد فعلت؛ فقد كبرت، وأصبحت مصدر نفع في المنزل؛ تعلمت ألا أتكلم بوقاحة، ووجدت ~~طرقا لأجعل نفسي مقبولة ومستحسنة من قبل الآخرين. # وحين كنت مع داليا أنصت لما تقول، ms176 وحين كنت أسير إلى المنزل بمفردي، وحين كنت ~~أروي القصة لأسرتي، لم أفكر ولو لمرة أن أقارن موقفي بموقفها. بالطبع لا! لقد كنا ~~أسرة محترمة؛ فلم تكن أمي، رغم ما كان يصيبها من كدر في بعض الأحيان من سلوك أسرتها، ~~تذهب إلى البلدة بشعر أشعث، أو ترتدي حذاء فوقيا مطاطيا مترهلا. ولم يكن أبي ~~سبابا؛ فقد كان رجلا ذا احترام وكفاءة وروح دعابة، وكانت لدي رغبة شديدة في ~~إرضائه أكثر من أمي. لم أكن أكرهه، لم أكن أستطيع حتى التفكير في كراهيته. بل كنت أرى ~~ما كان يكرهه في؛ فقد كان في طبيعتي غطرسة مرتعشة، شيء وقح ولكنه جبان، كانت توقظ ~~بداخله ذلك الغضب العارم. # إنه الخزي؛ الخزي من تعرضي للضرب، والخزي من الانكماش خوفا من الضرب. إنه الخزي ~~الدائم، الفضح. وثمة شيء يربط هذا، كما أستشعره الآن، بالخزي، إنه الاضطراب الذي ~~تسلل إلي حين سمعت وقع قدمي السيد وينرايت المكتسيتين بالشبشب المنتفخ، وصوت ~~أنفاسه. كانت ثمة متطلبات بدت غير لائقة، كانت ثمة انتهاكات مريعة، منها ما كان ~~مسترقا ومنها ما كان صريحا؛ البعض منها كان يمكن أن يثير حفيظتي، والبعض الآخر ~~يجعلني أنكمش خجلا. كل ذلك كان من مخاطر الحياة التي لاقيتها في الطفولة. # وكما يقول المثل الدارج، عن هذه المسألة المتعلقة بما يشكلنا أو يغلفنا: إن لم ~~يكن هذا الأمر، فسوف يكون غيره. على الأقل كان هذا من أقوال الكبار في تلك الأيام، بما ~~اكتنفه من غموض، وإزعاج، وعدم توجيه أي اتهام. # في صباح يوم الجمعة الماضي، لقي هارفي رايان نيوكام، وهو أحد المزارعين ~~المعروفين في بلدة شيلبي، مصرعه صعقا بالكهرباء. والفقيد كان الزوج المحب ~~للسيدة دورثي (موريس) نيوكام، وأبناؤه هم: السيدة جوزيف (أبريل) ماكوناهاي من ~~مدينة سارنيا، والسيدة إيفان (كورين) ويلسون من قرية كاسلو، كولومبيا ~~البريطانية، والسيدة هيو (جلوريا) وايتهيد من البلدة، والآنستان سوزانا وداليا، ~~من البلدة أيضا، ورايموند، الذي يعيش بمنزل العائلة. كما أن له سبعة من ~~الأحفاد. وقد شيعت الجنازة بعد ظهر الإثنين من مركز ms177 ريفي براذرز للمراسم ~~الجنائزية وتمت مراسم الدفن في جبانة بيثل. # تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وسوف أريحكم. # لم يكن من الممكن أن يكون لداليا نيوكام أي صلة بالحادث الذي تعرض له والدها، فقد ~~وقع حين مد يده ليضيء مصباحا في مقبس معدني متدل، بينما كان يقف على أرضية مبتلة ~~في إسطبل أحد الجيران، حيث أخذ إحدى بقراته إلى هناك ليلقحها الثور، وكان يتشاجر ~~بشأن ما سيدفعه مقابل ذلك. ولسبب ما لم يتسن لأحد فهمه، لم يكن يرتدي حذاءه المطاطي ~~الطويل، الذي قال الجميع إنه ربما كان سينقذ حياته. # | الاستلقاء أسفل شجرة التفاح # على الجانب الآخر من البلدة كانت تعيش سيدة تدعى ميريام ماكالبن، كانت تربي خيولا. ~~لم تكن هذه الخيول ملكا لها، بل كانت ترعاها وتدربها من أجل أصحابها، الذين كانوا من ~~هواة سباق عربات الخيول الخفيفة ذات العجلتين المسماة بالصلكية. كانت تعيش في منزل ~~كان المنزل الريفي الأصلي، بالقرب من حظائر الخيول، مع والديها المسنين اللذين ~~نادرا ما كانا يخطوان خارج باب المنزل. ووراء المنزل والحظائر كان ثمة مضمار ~~بيضاوي الشكل كان من الممكن أن تشاهد فيه ميريام، أو عامل الإسطبل، أو أحيانا أصحاب ~~الخيول أنفسهم، من آن لآخر على المقعد المنخفض لصلكية رديئة الشكل، التي كانت خيولها ~~تنطلق بقوة مثيرة الغبار من حولها. # في أحد حقول المرعى الخاصة بالخيول، بجوار شارع البلدة، كانت توجد ثلاث من أشجار ~~التفاح، كانت مما تبقى من بستان قديم، كانت اثنتان منهما صغيرتين ومنحنيتين، والثالثة ~~كبيرة جدا مثل شجرة قيقب شبه بالغة. لم تكن تلك الأشجار تقلم أو تسقى، وكانت ~~ثمار التفاح جربة لا تستحق السرقة، ولكن في معظم السنين كان ثمة إزهار وفير، ~~وكانت أزهار التفاح المتفتحة تتدلى في كل مكان، ومن ثم كانت الأفرع تبدو من مسافة ~~قريبة متجمدة تماما بالثلج. ~~••• # كنت قد ورثت دراجة، أو على الأقل كان لدي حق الانتفاع بواحدة، تركها عاملنا ~~الذي كان يعمل لدينا بدوام جزئي حين رحل من أجل العمل في أحد مصانع ms178 الطائرات. كانت ~~دراجة رجالية، بالطبع؛ إذ كان مقعدها مرتفع، وكانت خفيفة الوزن، وكان تصميمها ذا شكل ~~غريب توقف إنتاجه منذ فترة طويلة. # قالت لي شقيقتي حين بدأت في التدرب على قيادة الدراجة عبر ممرنا: «إنك لن تذهبي بها ~~إلى المدرسة، أليس كذلك؟» كانت شقيقتي تصغرني سنا، ولكن أحيانا ما كانت تعاني القلق ~~نيابة عني، لإدراكها - ربما قبلي - للطرق المتعددة التي يمكن أن أجازف بها بجعل نفسي ~~أضحوكة للآخرين. لم تكن تفكر في شكل الدراجة فحسب، ولكن أيضا في حقيقة أنني في ~~الثالثة عشرة وفي عامي الأول في المدرسة الثانوية، وأن هذا العام يعد عاما حاسما ~~فيما يتعلق بقيادة الفتيات للدراجات إلى المدرسة؛ فقد كان لزاما على جميع الفتيات ~~اللاتي يردن إثبات أنوثتهن التخلي عن ركوبها. وكانت الفتيات اللاتي يستمررن في ركوبها ~~إما يسكن في مكان ناء للغاية في الريف بما يتعذر معه السير - ولهن آباء لا ~~يستطيعون تحمل تكاليف إقامتهن في البلدة - وإما كن ببساطة غريبات الأطوار ولا ~~يستطعن أن يأخذن في اعتبارهن قواعد معينة غير معلنة ولكنها أساسية. وقد كنا ~~نعيش فيما وراء حدود البلدة تماما، ولو ظهرت وأنا أركب دراجة - وخاصة تلك الدراجة - ~~لكنت سأضع نفسي في فئة أولئك الفتيات اللاتي كن يرتدين أحذية أكسفورد النسائية ~~والجوارب القطنية المغزولة ويموجن شعورهن. # فقلت: «لن أذهب بها إلى المدرسة.» ولكنني بدأت بالفعل في الانتفاع بالدراجة بركوبها ~~إلى الريف عبر الطرق الخلفية فيما بعد ظهيرة أيام الأحد. كانت الفرصة آنذاك لمقابلة أي ~~شخص أعرفه تكاد تكون معدومة، وأحيانا ما كنت لا ألتقي أي أحد. # كنت أهوى القيام بذلك؛ إذ كان لدي شغف داخلي بالطبيعة، وقد أتى لي هذا الشعور من ~~الكتب في البداية؛ جاء من قصص الفتيات التي كتبها الكاتب إل إم مونتجمري، الذي كان ~~غالبا ما يقحم بعض العبارات التي تصف حقلا مغطى بالثلوج تحت سنا القمر أو غابة ~~صنوبرية أو بركة ساكنة تعكس سماء المساء. وبعد ذلك، اندمج مع شغف آخر خاص لدي بأبيات ~~الشعر؛ فقد كنت أغوص وسط ms179 كتبي المدرسية بنهم وحماس من أجل استكشاف معانيها قبل أن ~~تقرأ في الفصل وتصب عليها اللعنات. # وكان إفشاء أي من هذين الشغفين، سواء في المنزل أو في المدرسة، يضعني في حالة ~~دائمة من الضعف ويجعلني عرضة للهجوم، وهي الحالة التي كنت أشعر بأنني أعيشها بالفعل ~~بدرجة ما. كان كل ما على أحدهم أن يقوله، بصوت معين: «سوف تفعلين ...»، أو: «ما رأيك ~~في ...»، فأشعر بالسخرية، الهواء الطاهر، الأبيات وقد رسمت أمامي. ولكن الآن صارت معي ~~الدراجة، وبإمكاني قيادتها في عصر أيام الأحد داخل بقعة بدت في انتظار نوعية الولاء ~~الذي أردت تقديمه. كانت توجد هنا صفحات الماء القادمة من الجداول المغمورة بالماء التي ~~تتألق على الأرض، وأكداس نباتات التريليوم أسفل الأشجار ذات الأزهار الحمراء، كما ~~كانت توجد أشجار كرز فيرجينيا، والكرز الأحمر، في الشريط المجدب على جانبي السور، ~~وهي تنقسم إلى أجزاء صغيرة رقيقة من الزهرة قبل أن تنمو عليها أي ورقة. # دفعتني أزهار الكرز للتفكير في الأشجار بحقل ميريام ماكالبن، كانت لدي رغبة في ~~النظر إليها وهي تزهر، وليس النظر إليها فحسب - مثلما يمكنك أن تفعل وأنت سائر في ~~الشارع - بل والدخول أسفل تلك الأفرع والاستلقاء على ظهري مسندة رأسي إلى جذع الشجرة ~~ومعرفة مدى ارتفاعه، وكأنه قد خرج من جمجمتي، سيرتفع إلى أعلى ويستغرق تماما داخل بحر ~~مضطرب من الأزهار المتفتحة، ولمعرفة أيضا إن كانت ثمة أجزاء من السماء تظهر خلال ~~ذلك، حتى أستطيع أن أغلق عيني بشدة لكي أجعل تلك الأجزاء مشهدا أماميا وليس خلفية، ~~أجزاء ذات لون أزرق زاه على هذا البحر الأبيض العريض. كان في هذه الفكرة شيء أشبه ~~بطقس طالما اشتقت إليه؛ فقد كان أشبه تقريبا بالركوع في الكنيسة، وهو الشيء الذي لم ~~نكن نفعله في كنيستنا. كنت قد فعلته مرة واحدة، حين كنت صديقة لداليا كافانا ~~واصطحبتنا والدتها إلى الكنيسة الكاثوليكية في أحد أيام السبت لإعداد الزهور. رسمت ~~إشارة الصليب وجثوت على ركبتي في أحد المقاعد، وقالت داليا، من دون حتى أن تهمس: ~~«لماذا ms180 تفعلين هذا؟ ليس من المفترض بك أن تفعلي هذا، إنه لنا نحن فقط.» ~~••• # تركت الدراجة ممددة وسط الحشائش. كنا في المساء، وكنت قد اتخذت طريقي نحو ~~البلدة بالدراجة عبر الشوارع الخلفية، ولم يكن هناك أي أحد في فناء الإسطبلات أو حول ~~المنزل، فتسلقت السور، وحاولت بأقصى ما لدي من سرعة، من دون ركض، أن أجتاز الأرض حيث ~~كانت الخيول تأكل الحشائش المبكرة. خفضت رأسي أسفل أفرع الشجرة الكبيرة وظللت أنحني ~~وأتعثر، وأحيانا ما كانت الأزهار تصطدم بوجهي ، إلى أن وصلت عند جذع الشجرة واستطعت ~~القيام بما جئت للقيام به. # استلقيت على ظهري في انبطاح، كان ثمة جذر من جذور الشجرة له نتوء صلب تحتي؛ ~~ما اضطرني للاستلقاء في الوضع المعاكس. وكان ثمة بقايا من تفاح العام الماضي، داكنة ~~كقطع اللحم المجفف، حتى إنني اضطررت لإزاحتها من طريقي قبل أن أتمكن من ~~الاستلقاء. وحتى بعد ذلك، حين استجمعت هدوئي، كنت أشعر بجسدي في وضع غريب وغير ~~طبيعي، وحين نظرت لأعلى إلى كل البتلات اللؤلئية المتدلية بلونها الوردي الباهت، كل ~~طاقات الزهور الصغيرة المعدة مسبقا، لم أكن قد استغرقت تماما في تلك الحالة ~~الذهنية من التعبد التي كنت أرجوها. وكانت السماء غائمة قليلا، وذكرني ما استطعت ~~رؤيته منها بقطع الخزف الداكنة من اتساخها. # لم يكن ذلك بالأمر الذي لا يستحق الإقدام عليه، على الأقل - حين بدأت أدرك حين نهضت ~~وخرجت من هناك في اندفاع وتعجل - كان أمرا يستحق القيام به. وقد كان ذلك أقرب ~~لاعتراف، وليس تجربة. اجتزت الحقل في عجالة، ثم تسلقت السور، واستعدت دراجتي، ~~بل كنت قد بدأت في التحرك بالدراجة حين سمعت صفيرا عاليا واسمي ينادى. ~~«يا هذه، أنت؟ نعم، أنت!» # كانت هذه هي ميريام ماكالبن. ~~«تعالي إلى هنا دقيقة واحدة.» # فاستدرت بالدراجة. وهناك في الممر الكائن ما بين المنزل القديم وحظائر الخيول كانت ~~ميريام تتحدث إلى رجلين، لا بد أنهما كانا في السيارة المتوقفة بجانب الطريق. كان ~~كل منهما يرتدي قميصا أبيض، وصديري بذلة، وبنطلونا، مثلما يرتدي أي ms181 رجل كان يعمل ~~في مكتب أو خلف خزينة في تلك الأيام منذ أن يرتدي ملابسه في الصباح حتى يخلع ملابسه ~~للخلود إلى النوم. وبجوارهما كانت ميريام في بنطال العمل الخاص بها وقميص فضفاض ذي نقوش ~~مربعة، وكانت تبدو كصبي مزهو بنفسه في الثانية عشرة من عمره، على الرغم من أنها كانت ~~امرأة بين الخامسة والعشرين والثلاثين من عمرها. كانت تبدو كذلك، أو كانت تبدو أشبه ~~بفارس، بشعرها القصير للغاية، وكتفيها المحدبين، وبشرتها الجافة. رمقتني بنظرة جمعت ما ~~بين التهديد والاستهزاء. # قالت: «لقد رأيتك في حقلنا.» # لم أنطق بشيء؛ فقد كنت أعلم السؤال التالي وكنت أحاول التفكير في إجابة له. ~~«حسنا، ماذا كنت تفعلين هناك؟» # قلت: «كنت أبحث عن شيء.» ~~«تبحثين عن شيء! حسنا، ما هو؟» ~~«سوار.» # لم أكن قد امتلكت سوارا في حياتي. ~~«ولم ظننت أنه هناك؟» ~~«ظننت أنني قد أضعته هناك.» ~~«حسنا، أضعته هناك. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟» # فقلت وقد انتابتني حالة من الارتباك: «لأنني كنت هناك قبل أيام للبحث عن فطر ~~الموريل، وكنت أرتدي السوار آنذاك وظننت أنه ربما قد خلع من يدي.» # كنت صادقة بما يكفي في أن الناس كانوا يبحثون عن هذا الفطر تحت أشجار التفاح في ~~الربيع، وإن كنت لا أعتقد أنهم كانوا يرتدون أساور وهم بصدد ذلك. # فقالت ميريام: «حسنا، وهل وجدت أيا منه؟ وتشاماكالوم؟ أو موريل؟» # فأجبت بالنفي. ~~«عظيم؛ لأنها كانت ستصبح ملكا لي.» # راحت تنظر إلي من أعلى إلى أسفل وقالت ما كانت ترغب في قوله من البداية: «لقد بدأت ~~مبكرا، أليس كذلك؟» # كان أحد الرجلين ينظر في الأرض، ولكن ظننت أنه كان يبتسم. أما الآخر، فكان ينظر ~~إلي مباشرة، رافعا حاجبيه قليلا في توبيخ هزلي. فلم يكن الرجلان اللذان كانا ~~يعرفان من أنا، واللذان كانا يعرفان والدي، على الأرجح ليسمحا لنظراتهما بأن تقول ~~الكثير. # وأدركت الأمر؛ لقد كانت تعتقد - بل كانوا جميعا يعتقدون - أنني كنت تحت الشجرة، ~~مساء أمس أو مساء يوم آخر، مع رجل أو صبي. # قالت ميريام: «اذهبي ms182 إلى منزلك. اذهبي إلى منزلك أنت وأساورك ولا تعودي للعبث في ~~أملاكي في المستقبل! اذهبي.» # كانت ميريام ماكالبن معروفة بنزعتها للصياح في الآخرين بصوت عال؛ فقد سمعتها ذات ~~مرة في متجر البقالة تصيح بأعلى صوتها بسبب بعض ثمار الخوخ المعطوبة. كانت الطريقة التي ~~عاملتني بها متوقعة، وبدت الشكوك التي راودتها بشأني وقد أثارت داخلها شعورا واضحا لا ~~التباس فيه من الاشمئزاز الشديد الذي لم يمثل أي مفاجأة لي. # كان الرجلان هما من أصاباني بالغثيان؛ بنظراتهما التي رمقاني بها والتي جاءت موحية ~~بالاستنكار المستحق والتخمين الحقير، والتهدل والغلظة السمجين في ملامح وجهيهما، مع ~~ارتفاع مستوى الأفكار القذرة في رأسيهما. # خرج عامل الإسطبل وسط هذه الأحداث، كان يقود فرسا مملوكا لأحد الرجلين أو كليهما، ~~وتوقف في الفناء ولم يقترب قيد أنملة. لم يكن يبدو أنه ينظر إلى مخدومته، أو إلى ~~صاحبي الفرس، أو إلي، ولا يعير أي اهتمام للحدث من الأساس؛ فقد كان معتادا على ~~أسلوب ميريام في تعنيف الآخرين. # كانت أفكار الآخرين بشأني - ولا أقصد فقط نوعية الأفكار التي ربما راودت الرجلين أو ~~ميريام، فقد كان لكل نوع خطورة شديدة في حد ذاته - وأي أفكار على الإطلاق، تبدو لي ~~كتهديد غامض، ووقاحة شديدة؛ فقد كنت أكره حتى أن أسمع شخصا يقول شيئا ليس به ~~نسبيا ما يسوء. ~~«لقد رأيتك تسيرين في الشارع قبل أيام، وقد بدوت حالمة.» # كانت كل الأحكام والتخمينات مثل سرب من البق يحاول التسلل إلى فمي وعيني. كان ~~بإمكاني أن أسحقها، أتفلها. ~~••• # همست لي شقيقتي حين عدت إلى المنزل قائلة: «دنس. هناك دنس على ظهر ~~بلوزتك.» # شاهدتني وأنا أخلعها في الحمام، وأدعكها بقطعة من الصابون. لم نكن نشغل الماء ~~الساخن إلا في الشتاء، ومن ثم عرضت علي أن تحضر لي بعض الماء الساخن من الغلاية. لم ~~تسألني من أين جاء هذا الدنس، كان كل ما تتمناه هو التخلص من الدليل وتجنيبي ~~المتاعب. ~~••• # في ليالي السبت دائما ما كان ثمة تجمع في الشارع الرئيسي. في ذلك الوقت لم يكن ms183 ~~يوجد ما يسمى بالمركز التجاري في أي مكان في البلدة، ولم تتحول ليلة التسوق ~~الكبرى إلى يوم الجمعة إلا بعد الحرب بعدة سنوات. أتحدث عن عام 1944، حين كان لا يزال ~~لدينا بطاقات تموين، وكان ثمة الكثير من الأشياء التي لا يمكنك شراؤها - مثل ~~السيارات الجديدة والجوارب الحريرية - ولكن كان المزارعون يأتون إلى البلدة وبحوزتهم ~~بعض المال، وكانت المتاجر قد انتعشت بعد حالة الركود التي أصابتها خلال فترة الكساد ~~العظيم وكان كل شيء يظل مفتوحا حتى العاشرة مساء . # كان معظم أهل البلدة يتسوقون خلال الأسبوع وفي فترة النهار. وما لم يكونوا يعملون ~~في المتاجر أو المطاعم، فإنهم كانوا يقبعون في المنازل في ليالي السبت يلعبون الورق مع ~~جيرانهم أو يستمعون إلى الراديو. أما المتزوجون حديثا، والمخطوبون، والمرتبطون ~~عاطفيا، فكانوا يتعانقون في دار السينما، أو يتوجهون بسياراتهم، حال استطاعوا ~~الحصول على كوبونات الوقود، إلى إحدى صالات الرقص على شاطئ البحيرة. كان أهل الريف هم ~~من كانوا يستولون على الشارع، وكان المتحررون من الرجال والفتيات من قاطني الريف هم ~~من كانوا يذهبون إلى نيديز نايت آول، حيث كانت منصة الرقص منصوبة فوق أرض وحلة، ~~وكانت كل رقصة تتكلف عشرة سنتات. # وقفت بالقرب من المنصة مع بعض الأصدقاء ممن هم في نفس عمري. لم يكن أحد يأتي ~~ليدفع لأي منا عشرة سنتات، ولا عجب في ذلك. كانت ضحكاتنا تتعالى، وننتقد الرقص، ~~وتسريحات الشعر، والملابس. وأحيانا ما كنا ننعت إحدى الفتيات بالداعرة، أو رجلا ~~بالجني، وإن لم يكن لدينا تعريف محدد لأي من الكلمتين. # التفت نيدي، الذي كان يبيع التذاكر، بنفسه إلينا وقال: «ألا تعتقدن يا فتيات ~~أنكن بحاجة إلى بعض الهواء المنعش؟» ابتعدنا في خيلاء وتبختر، وإلا لكنا ~~سنمل وسنبادر بالرحيل من تلقاء أنفسنا. اشترينا آيس كريم وأعطت كل منا لعقة ~~للأخرى لتجربة النكهات المختلفة، وسرنا عبر الشارع في خيلاء وزهو، دائرين حول زمر ~~المتحدثين، وعبر حشود الأطفال الذين يرش بعضهم بعضا بالماء من نافورة الشرب. لم ~~يكن أحد يستحق أن نعيره اهتمامنا. # لم ms184 تكن الفتيات المشاركات في تلك المسيرة من المنتميات إلى الطبقة العليا، كما كانت ~~أمي تقول بنبرة حزينة وساخرة قليلا؛ فلم يكن لدى واحدة منهن في منزلها غرفة مشمسة، أو ~~أب يرتدي بذلة في أي يوم سوى يوم الأحد. فالفتيات من تلك النوعية كن في ذلك الوقت ~~قابعات في البيوت، أو في منازل إحداهن يلعبن لعبة مونوبولي، أو يعددن حلوى الفدج، أو ~~يجربن تصفيفات جديدة للشعر. وكانت أمي تشعر بالأسف لكونها لا تراني مقبولة في هذه ~~الزمرة. # ولكن لم يكن الأمر يسبب لي أي ضيق؛ فبهذه الطريقة كان بإمكاني أن أكون زعيمة ~~وأستمتع بالصخب والثرثرة. لو كان ذلك تنكرا، فقد كان تنكرا أجيده بسهولة، أو ربما لم ~~يكن تنكرا، ولكن مجرد واحدة من الشخصيات المفككة والمختلفة بالكامل التي يبدو أنها ~~كانت تشكلني. # في قطعة أرض خاوية في الطرف الشمالي من البلدة وضع بعض أعضاء منظمة جيش الخلاص ~~لافتاتهم. كان ثمة واعظ وجوقة صغيرة من المنشدين لإنشاد الترانيم والتراتيل، وصبي ~~بدين على الطبلة، وكذا صبي طويل القامة للعزف على الترومبون، وفتاة للعزف على ~~الكلارنيت، وبعض الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بعد مزودين بآلات رق. # كان أفراد منظمة جيش الخلاص من طبقة اجتماعية أقل من الفتيات اللاتي كنت بصحبتهن. ~~فالرجل الذي كان يقوم بالوعظ هو سائق العربة الذي يتولى نقل الفحم، لا شك أنه كان قد ~~اغتسل جيدا، ولكن لا يزال على وجهه آثار غبار رمادية. كانت قطرات العرق تتساقط منه ~~من إجهاد الوعظ، وبدا عرقه وكأنه رمادي أيضا. كانت بعض السيارات تطلق نفيرها لكي ~~تشوش عليه أثناء مرورها. (فعلى الرغم من تبديد الوقود، كان ثمة بعض السيارات التي ~~تقاد، بواسطة بعض الشباب، من بداية الشارع حتى الطرف الشمالي، ومن نهاية الشارع حتى ~~الطرف الجنوبي، مرارا وتكرارا.) كان معظم الناس يمرون به وعلى وجوههم الضيق ولكن ~~مع التزام الاحترام، ولكن البعض كان يتوقف للمشاهدة، مثلما كنا نفعل نحن؛ انتظارا ~~لشيء كي نضحك عليه. # كانت الآلات الموسيقية تستعد لعزف إحدى الترانيم، ورأيت أن الصبي ms185 الذي كان يرفع ~~الترومبون هو نفسه عامل الإسطبل الذي كان واقفا في الفناء بينما كانت ميريام ماكالبن ~~تصب علي وابل التوبيخ. ابتسم لي بعينيه حين بدأ في العزف، وبدا أن ابتسامته لم تكن ~~لتذكره إهانتي، ولكن كانت نابعة من سعادة تعذر كبحها، وكأن رؤيتي قد أيقظت ~~لديه ذكرى شيء مختلف كثيرا عن ذلك المشهد؛ سعادة طبيعية. # أخذت الجوقة تغني: «هناك قوة، قوة، قوة، قوة، قوة في الدم.» كانت آلات الرق يلوح ~~بها فوق رءوس العازفين، وانتقلت عدوى البهجة والحيوية إلى المتفرجين، حتى إن معظم ~~الناس قد شرعوا في الغناء معهم بسخرية مرحة. وتركنا أنفسنا لمشاركة الآخرين ~~الغناء. # بعد ذلك بقليل انتهى القداس. كانت المتاجر بصدد إغلاق أبوابها، واتخذت كل منا ~~طريقا منفصلا للعودة إلى منزلها. كان ثمة طريق مختصر يمكنني أن أسلكه، وكان عبارة ~~عن جسر مشاة فوق النهر. وحينما شارفت على الوصول إلى نهايته، سمعت صوت ركض شديد، ~~أقرب إلى صوت ارتطام مكتوم، من خلفي، حتى إن ألواح الجسر قد اهتزت تحت قدمي. ~~استدرت جانبا وظهري بمواجهة سور الجسر، وقد تملكني القليل من الخوف حرصت على ألا ~~أظهره. لم يكن هناك أي أضواء بالقرب من الجسر وكانت الأجواء مظلمة للغاية آنذاك. # حين اقترب صاحب الصوت أدركت أنه عازف الترومبون مرتديا زيه شديد السواد. كانت ~~حقيبة الترومبون هي مصدر صوت الارتطام حيث كانت تصطدم بالسور. # قال لي لاهثا: «لا عليك، إنه أنا. كنت أحاول فقط اللحاق بك.» # قلت: «كيف عرفتني؟» ~~«بإمكاني الرؤية قليلا، وكنت أعرف أنك تسكنين في هذه الناحية، واستطعت أن أحدد ~~أنه أنت من خلال مشيتك.» # تساءلت: «كيف؟» مع معظم الناس، كان مثل هذا الافتراض المسبق يجعلني في قمة الغضب ~~بدرجة تعوقني عن التساؤل. ~~«لا أعلم، إنها مشيتك فحسب.» ~~••• # كان اسمه راسل كريك، كانت عائلته تنتمي إلى منظمة جيش الخلاص، فكان والده هو الواعظ ~~سائق العربة، ووالدته واحدة من منشدي الترانيم. ونظرا لأنه كان يعمل مع والده ومعتادا ~~على التعامل مع الخيول، وظفته لديها ميريام ماكالبن بمجرد أن ms186 ترك المدرسة، وكان ذلك ~~بعد اجتيازه الصف الثامن، وكان هذا الأمر شائعا جدا بين الصبية في تلك السنين. ~~فنظرا لظروف الحرب، كان ثمة العديد من الوظائف لشغلها بينما هم - وهو معهم - في ~~انتظار أن يكبروا بحيث يلتحقوا بالجيش. وكان سيبلغ السن التي ستؤهله لذلك في ~~سبتمبر. # لو كان راسل كريك قد أراد اصطحابي للخروج معه بالطريقة المعتادة، للذهاب إلى السينما ~~أو للرقص، لما كانت هناك فرصة لقبول عرضه؛ فقد كانت أمي ستقول إنني ما زلت صغيرة جدا ~~على ذلك. وعلى الأرجح أنها لم تكن لتشعر بضرورة أن تقول إنه عامل إسطبل ووالده ينقل ~~الفحم وعائلته بأكملها كانت ترتدي ملابس جيش الخلاص ويشاهدون في الشارع باستمرار. ~~وكانت تلك الاعتبارات تعني شيئا لي أنا أيضا، إذا تعلق الأمر بالظهور معه علنا ~~باعتباره رفيقي. لقد كانت تعني شيئا على الأقل حتى يلتحق بالجيش ويصبح حسن المظهر ~~بحيث يكون من اللائق تقديمه إلى الآخرين. ولكني في الواقع لم أكن مضطرة للتفكير في أي ~~من ذلك. فلم يكن باستطاعة راسل اصطحابي إلى السينما أو إحدى صالات الرقص؛ لأن دينه كان ~~يمنعه هو نفسه من الذهاب إلى هناك. لقد كانت العلاقة التي نشأت بيننا تبدو سلسة، وشبه ~~طبيعية، بالنسبة إلي؛ لأنها كانت في بعض جوانبها - وليس كلها - تشبه كثيرا تلك العلاقة ~~العادية المعترف بها بالكاد ذات الطبيعة المؤقتة التي تنشأ بين الأولاد والفتيات في ~~مثل سني، وليس سنه. # كنا نركب الدراجات لسبب ما، فلم يكن راسل يمتلك سيارة ولم يكن أمامه من سبيل ~~للحصول على واحدة، على الرغم من إجادته للقيادة؛ فقد كان يقود شاحنة إسطبل الخيول. لم ~~يكن يأتي ليصطحبني من منزلي ولم أطلب منه ذلك مطلقا، بل كنا نخرج من البلدة بالدراجات ~~كل بمفرده بعد ظهيرة يوم الأحد ونلتقي دائما في نفس المكان، عند مدرسة تقع عند مفترق ~~طرق على بعد ميلين أو ثلاثة أميال من البلدة. كان لجميع المدارس الريفية أسماء تعرف ~~بها وليس أرقاما رسمية تنقش على أبوابها، فلم تكن هناك أبدا ms187 مدرسة اسمها إس رقم 2، ~~أو إس إس رقم 5، بل كانت هناك مدرسة لامبس، ومدرسة بروسترز، ومدرسة ريد بريك ومدرسة ~~ستون. وكانت المدرسة التي وقع عليها اختيارنا، والتي كانت معروفة لي مسبقا، تسمى ~~مدرسة فلوينج ويل (النبع المتدفق)، وكانت تلك التسمية تعزى إلى وجود نبع ضيق من الماء ~~يتدفق باستمرار من إحدى المواسير في ركن من أركان فناء المدرسة. # كانت تحيط بذلك الفناء، الذي كانت حشائشه تجز دائما حتى في الإجازات الصيفية، ~~أشجار قيقب يانعة تلقي بظلال شبه سوداء. وفي أحد الأركان كان ثمة كتلة من الحجر ~~ينمو منها بعض الحشائش الطويلة، حيث كنا نخبئ دراجتينا. # كان الطريق أمام فناء المدرسة نظيفا ومفترشا بالحصى، إلا أن الطريق الجانبي، الذي ~~كان يؤدي لأحد التلال، لم يكن يعدو أكثر من ممر ضيق في حقل، أو درب غير ممهد. على ~~أحد جانبيه كان ثمة مرعى مغطى بالزعرور البري والعرعر، وعلى الجانب الآخر مجموعة ~~من أشجار البلوط والصنوبر يفصل بينها وبين ضفة الطريق حفرة. كان في هذه الحفرة مقلب ~~نفايات؛ ليس مقلب النفايات الرسمي للمنطقة، وإنما مجرد مقلب نفايات غير رسمي صنعه أهل ~~المنطقة. وكان هذا يثير اهتمام راسل، وفي كل مرة كنا نمر به كان لا بد أن نميل فوقه ~~ونحملق في الحفرة لنرى إن كان به أي شيء جديد أم لا. ولم يكن المقلب يحوي أي جديد ~~قط؛ إذ كان في الغالب لم يستخدم لسنوات، ولكن كثيرا ما كان يتمكن من التقاط شيء ~~لم يكن قد لاحظه من قبل. ~~«أترين؟ هذه شبكة رادياتور محرك في-8.» ~~«أترين أسفل عجلة العربة؟ ذاك راديو قديم يعمل بالبطارية.» # كنت قد ارتدت من قبل هذا الطريق بضع مرات بمفردي، ولم أر مقلب النفايات هناك ولو ~~لمرة، ولكنني كنت أعرف أشياء أخرى. كنت أعرف أننا حين نجتاز هذا التل، سوف تختفي ~~أشجار البلوط والصنوبر لتحل محلها أشجار التنوب والطمراق والأرز، وكذلك المرعى ~~الوعر، وكل ما نراه، لفترة طويلة، سيكون نباتات سبخية على كلا الجانبين، مع وجود ~~بسيط لأشجار التوت ms188 البري الأحمر العالية التي لم يكن يستطيع أحد الوصول إليها، وبعض ~~الزهور القرمزية ذات الشكل الجميل التي لم أكن أدري اسمها؛ أظن أنها كانت تسمى ~~حشيشة الغراب البرتقالية. وعلى فرع من فروع شجرة الأرز علق أحدهم جمجمة حيوان صغير، ~~كان راسل ينتبه إليها، متسائلا في كل مرة نمر عليها إن كانت جمجمة ابن مقرض، أم ~~ابن عرس، أم منك. # كان يقول إن ذلك على أي حال دليل على أن ثمة من ارتاد هذا الطريق قبلهما. ~~وعلى الأرجح أنه كان ماشيا، ومن غير المرجح أنه كان في سيارة؛ فقد كانت أشجار الأرز ~~نامية على مقربة شديدة من بعضها، وكان الجسر الخشبي المار فوق الجدول الصغير عند أدنى ~~مستوى للمستنقع بدائيا؛ إذ كان مرنا أسفل أقدامنا وبلا سور. وفيما وراء ذلك كانت ~~الأرض ترتفع ببطء، واختفت الأرض الموحلة لتظهر في النهاية حقول زراعية على كلا ~~الجانبين يلمحها الناظر عبر أشجار الزان الضخمة. كان ثمة الكثير من تلك الأشجار ~~الثقيلة، حتى إن ضوءها الرمادي الناعم بدا وقد أحدث تغييرا فعليا في الهواء؛ إذ ~~جعله باردا وكأنك قد دخلت قاعة أو كنيسة عالية الجدران. # كان هذا الطريق ينتهي بعد أن امتد لميل وربع، مؤديا إلى طريق مستقيم آخر مفروش ~~بالحصباء. كنا نستدير ونعود أدراجنا من نفس الطريق. # كان بالكاد يسمع صوت أي طيور في حرارة منتصف النهار، ولم يكن يرى أي منها، ولم ~~يكن ثمة الكثير من البعوض؛ نظرا للجفاف الذي طال البرك في الأرض المنخفضة. ~~ولكن كان ثمة يعاسيب أعلى الجدول، وسرب من الفراشات المتناهية الصغر ذات اللون ~~الأخضر الباهت حتى إنك لتظن حين تراها أنها ربما تكون مجرد انعكاس لأوراق ~~الشجر. # كان الشيء الوحيد الذي كان مسموعا في كل مرحلة من جولتنا هو صوت راسل الهادئ ~~المفعم بالسعادة. كان يتحدث عن عائلته؛ كان له أختان يكبرانه تركتا المنزل، وأختان ~~تصغرانه، وأخ أصغر، وكانوا جميعا موسيقيين؛ إذ كان كل منهم يعزف على آلة ما. كان ~~الأخ الأصغر يدعى جاكي، وكان يتعلم العزف على ms189 الترومبون ليتسلم الراية من راسل. ~~وكانت الأختان الصغريان اللتان بقيتا بالمنزل تدعيان مايفس وآني، وكانت أيونا وإيزابيل ~~هما الشقيقتان الكبريان. كانت أيونا متزوجة من رجل يعمل في شركة هيدرو لخطوط ~~الكهرباء، فيما كانت إيزابيل عاملة نظافة في أحد الفنادق الكبيرة. وكان له شقيقة أخرى، ~~تدعى إيدنا، توفيت إثر إصابتها بشلل الأطفال داخل رئة حديدية بعد معاناة استمرت ~~ليومين فقط وهي في الثانية عشرة من عمرها. كانت الوحيدة بين أفراد الأسرة التي كان لها ~~شعر أشقر. وكان الأخ الأصغر جاكي على وشك الموت هو الآخر؛ إثر إصابته بتسمم الدم ~~جراء الخطو على لوح به مسمار صدئ. وكان راسل نفسه يعاني من خشونة القدمين بسبب الخروج ~~حافي القدمين في الصيف؛ فكان يستطيع السير على الحصى أو الأشواك أو الجذامة دون أن ~~تصيبه أي جروح من أي نوع. # في الصف الثامن حدثت له طفرة مفاجئة في الطول؛ إذ وصل تقريبا إلى نفس الطول الذي ~~أصبح عليه الآن، وحصل على دور علي بابا في الأوبريت المدرسي، وكان ذلك لقدرته على ~~الغناء، ولطول قامته أيضا. # كان قد تعلم قيادة سيارة عمه حين كان عمه يأتي من مدينة بورت هورون. كان عمه ~~يعمل في مجال السباكة، وكان يقايض سيارته بسيارة جديدة كل عامين. وكان يسمح لراسل ~~بقيادة السيارة قبل أن يبلغ السن القانونية للحصول على رخصة القيادة بكثير. ولكن ميريام ~~ماكالبن لم تكن لتدعه يقود شاحنتها إلى أن حصل على الرخصة، فكان يقودها الآن بعربة نقل ~~الخيول ومن دونها، إلى إلميرا، وهاميلتون، وقادها ذات مرة إلى بيتربورو. كانت قيادتها ~~صعبة؛ لأن عربة نقل الخيول كان يمكن أن تنقلب. كانت ميريام تذهب معه في بعض الأحيان، ~~ولكنها كانت تترك له مهمة القيادة. # كان صوته يتغير حين كان يتحدث عن ميريام ماكالبن. فكان يصير متحفظا ونصف هازئ ونصف ~~مستمتع. كان يقول عنها إنها كانت شخصا مخيفا، ولكن لا بأس بها إن كان المرء يعرف ~~كيف يتعامل معها. كانت تحب الخيول أكثر من حبها للناس. وكانت ستصبح متزوجة الآن ms190 لو ~~كان لها أن تتزوج بحصان. # لم أكن أتحدث كثيرا عن نفسي ولم أكن أنصت إليه بهذا الحد من الإمعان؛ فقد كان حديثه ~~أشبه بحاجز من المطر السلس الرقيق بيني وبين الأشجار، والضوء والظلال على الطريق، ~~والجدول الذي يتدفق بانسياب، والفراشات، والجزء مني الذي كان يولي انتباهه إلى هذه ~~الأشياء لو كنت بمفردي. كان الجزء الأكبر مني مختفيا، مثلما كان الحال مع صديقاتي في ~~ليالي السبت، ولكن التغيير الآن لم يكن متعمدا وطوعيا إلى هذه الدرجة. لقد كنت شبه ~~منومة مغناطيسيا، ليس فقط بفعل وقع صوته، ولكن بفعل منكبيه العريضين ~~المتألقين في قميص نظيف قصير الأكمام، وعنقه الأسمر وذراعيه الممتلئتين. كان يغتسل ~~بصابون لايفبوي - فقد كنت أعرف رائحته مثلما كان يعرفه الجميع - ولكن كان اغتساله بنفس ~~مستوى اغتسال معظم الرجال في تلك الأيام؛ إذ كانوا لا يعبئون بالعرق الذي سيتراكم في ~~المستقبل القريب. ومن ثم، كان بإمكاني أن أشم تلك الرائحة أيضا، وكذا رائحة ~~الخيول، والألجمة، والحظائر، والتبن بنفس الدرجة المحدودة. # حينما لم أكن معه، كنت أحاول أن أتذكر؛ هل كان وسيما أم لا؟ كان جسده نحيلا نوعا ~~ما، ولكن كان ممتلئ الوجه قليلا، وكانت لشفتيه تقطيبة توحي بالتحكم والسيطرة. وكانت ~~عيناه المتسعتان الزرقاوان الصافيتان تشي بشيء أشبه بسذاجة متعنتة، واحترام بريء ~~للنفس، وكلها أمور ربما لم أكن لأهتم بها كثيرا في شخص آخر. # قال: «إنني أصر بأسناني ليلا، ولم يوقظني ذلك قط، ولكن ذلك يوقظ جاكي ويشعله ~~غضبا؛ فيركلني ركلة تجعلني أتقلب في نومي، وهذا كفيل بإنهاء هذا الأمر؛ لأنني أقوم ~~بذلك فقط عندما أكون مستلقيا على ظهري.» # قال: «هلا ركلتني؟» ثم مد يده في المسافة الفاصلة بيننا التي قاربت القدم أو نحو ~~ذلك، وكان ضوء الشمس يغمرها، وأخذ يدي. قال إنه يشعر بالحرارة في الفراش مما يجعله ~~ينفض كل الأغطية عنه، وكان هذا يثير غضب جاكي أيضا. # أردت أن أسأله إن كان يرتدي الجزء العلوي من بيجاماته أم الجزء السفلي فقط، أم ~~كليهما، أم لا شيء على الإطلاق، ms191 ولكن الاحتمال الأخير جعلني أشعر بأنني ضعيفة جدا ~~بحيث لا أقوى على فتح فمي. تشابكت أصابعنا معا، من تلقاء نفسها، حتى تعرقت على نحو ~~جعلها تستسلم وتفترق بعضها عن بعض. # لم يسترع السبب وراء تمشينا معا، وأحسبه السبب الوحيد بقدر ما استطعت فهمه، جل ~~انتباهنا حتى دنونا من فناء المدرسة وعدنا أدراجنا إلى البلدة كل بمفرده. كان يجذبني ~~إلى الظل ويطوقني بذراعيه ويبدأ في تقبيلي. وبعيدا عن قارعة الطريق، كان يضمني ~~إلى جذع شجرة ونتبادل القبلات باحتشام في البداية، ثم بمزيد من الحرارة، ويلتحم جسدانا ~~معا - بينما لا نزال واقفين - في عجلة متقلقلة. وبعد ذلك - كم من الوقت؟ - بخمس أو ~~عشر دقائق، كنا نفترق ونلتقط دراجاتنا ويودع كل منا الآخر. كان فمي يتحرق من ~~شدة الاحتكاك ووجنتاي وذقني تسحج من الشعيرات الخشنة القصيرة الخفية في وجهه. وكان ~~ظهري يتألم من كثرة دفعه إلى جذع الشجرة، وكان الجزء الأمامي من جسدي يتوجع من ضغط ~~جسده. كان لبطني، بالرغم من كونه مستويا للغاية، القليل من المرونة وقابلية الانضغاط، ~~ولكنني لاحظت أن بطنه لم يكن كذلك. كنت أظن أن الرجال لا بد أن تتسم بطونهم بالصلابة بل ~~والبروز أيضا، ولم يكن ذلك ليتضح جليا إلا عندما يحتضنك أحدهم بقوة. # يبدو غريبا للغاية أنني لم أدرك ماهية هذا الضغط بالرغم من كم ما أعرفه. كانت ~~لدي فكرة دقيقة نوعا ما عن جسد الرجل، ولكن بطريقة ما أغفلت المعلومات المتعلقة ~~بوجود ذلك التغير في الحجم والحالة. يبدو أنني كنت أعتقد أن القضيب يكون في أقصى حجم ~~له طوال الوقت، وفي شكله التقليدي، ولكن على الرغم من هذا يمكن أن يكون متدليا داخل ~~ساق البنطال، ولا يرتفع للضغط على جسد شخص آخر بهذه الطريقة. سمعت الكثير من الدعابات ~~في هذا الشأن، ورأيت حيوانات تتزاوج، ولكن بطريقة ما يمكن أن تظهر فجوات، حين يكون ~~مصدر المعرفة غير رسمي. ~~••• # بين الحين والآخر كان يتحدث عن الرب، كانت نبرة صوته في مثل هذه الأوقات صارمة ~~وواقعية، وكأن الرب ضابط ms192 كبير، وكانت في بعض الأحيان ودودة، ولكنها في الغالب كانت ~~تتسم بانعدام المرونة والجزع، بطريقة ذكورية. وحين وضعت الحرب أوزارها وترك الجيش (كان ~~يقول بابتهاج: «إذا لم أقتل») ظلت هناك أوامر الرب وجيشه ليذعن لها ويحسب لها حسابا ~~كبيرا. ~~«سوف يتحتم علي أن أفعل ما يريدني الرب أن أفعله.» # أثار ذلك دهشتي، فيا له من انقياد وإذعان رهيب ذلك الذي تطلبه الأمر منه لكي يكون ~~بهذا القدر من الإيمان! # أو ما تطلبه الأمر منه - حين تتأمل الحرب والجيش العادي - لكي يكون رجلا ~~فقط. # ربما خطر بباله مستقبله؛ لأننا لاحظنا على جذع شجرة من أشجار الزان - تلك الأشجار ~~التي كان لحاؤها الرمادي مكانا مثاليا للرسائل - وجها وتاريخا منقوشين عليه. كان ~~العام هو 1909. ومنذ ذلك التاريخ فصاعدا، أخذت الشجرة تنمو، ويتسع جذعها، ومن ثم ~~كانت ملامح الوجه قد اتسعت من الجانبين لتصبح عبارة عن بقع أعرض من الوجه نفسه. أما ~~بقية التاريخ، فقد محي تماما، وربما كانت أرقام العام على وشك أن تفقد وضوحها أيضا ~~عما قريب. # قلت: «كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى، ربما يكون من نقشها في عداد الموتى الآن، ~~وربما يكون قد لقي حتفه في تلك الحرب.» # ثم أضفت في عجالة: «أو يمكن أن يكون ميتا بأي طريقة أخرى.» # أظن أننا في ذلك اليوم كنا نشعر بالحر الشديد في طريق عودتنا حتى إننا قد خلعنا ~~أحذيتنا وجواربنا ونزلنا عن الألواح لكي نقف في مياه الجدول الصغير التي كانت ترتفع حتى ~~مستوى الركبة، وبللنا أذرعنا ووجهينا بها. # قلت على نحو مفاجئ لي: «أتذكر تلك المرة التي ضبطت فيها وأنا أخرج من تحت ~~شجرة التفاح؟» ~~«أجل.» ~~«لقد أخبرتها أنني كنت أبحث عن سوار، ولكن لم يكن ذلك صحيحا، لقد كنت هناك لسبب ~~آخر.» ~~«أهذا صحيح؟» # في تلك اللحظة تمنيت لو لم أخض في ذلك. ~~«لقد أردت أن أكون أسفل الشجرة الضخمة حين تكون مزهرة بالكامل وأنظر إليها من ~~أسفل.» # فضحك وقال: «هذا مضحك، لقد أردت أن أفعل ذلك أيضا، لم أفعله ms193 قط، ولكنني فكرت ~~فيه.» # كنت مندهشة، ونوعا ما لم أكن سعيدة بهذه الدرجة لأن أجد تلك الرغبة الملحة مشتركة ~~بيننا. ولكن بالتأكيد لم أكن لأخبره لو لم أكن قد تمنيت أن يكون هذا شيئا من شأنه ~~أن يفهمه. # قال: «لتأتي إلى منزلنا لتناول العشاء.» ~~«أليس عليك أن تسأل والدتك إن كان ذلك مقبولا؟» ~~«إنها لا تهتم.» # كانت والدتي ستهتم لو كانت قد علمت، ولكنها لم تكن تعلم؛ لأنني كذبت عليها وقلت ~~إنني ذاهبة إلى منزل صديقتي كلارا . والآن، وقد صار على أبي أن يكون بالمسبك في الخامسة ~~تماما - حتى في أيام الأحد نظرا لكونه الحارس - وكانت والدتي كثيرا ما تشعر بالتوعك، ~~أصبح العشاء في منزلنا غير منتظم. حين كنت أنا من يتولى الطهي، كانت هناك أشياء ~~أحب إعدادها، منها شرائح الخبز والجبن التي يصب فوقها الحليب والبيض المخفوق وتخبز ~~في الفرن. وكان من الوصفات الأخرى المخبوزة في الفرن أيضا رغيف من اللحم المعلب ~~المغطى بالسكر البني، أو أكداس من شرائح البطاطس النيئة التي تقلى حتى تصبح مقرمشة. ~~حين كان شقيقي وشقيقتي يتركان وشأنهما، كانا يعدان عشاء مكونا من أشياء مثل ~~السردين على البسكويت المالح أو زبد الفول السوداني على رقائق البسكويت. كان يبدو أن ~~تآكل العادات التقليدية في منزلنا كان يجعل تحايلي أسهل. # ربما لو كانت والدتي قد علمت، لوجدت طريقة لتقول لي بها إنني ما إن أدخل بيوتا ~~بعينها كند وصديق - وكان هذا صحيحا حتى لو كانت بيوتا غاية في الاحترام نوعا ما - ~~حتى أبرهن على أن القيمة التي أضفيها على نفسي لم تكن عالية للغاية، ومن ثم سيبدأ ~~الآخرون في تقييمي على هذا الأساس. كنت سأجادلها، بالطبع، وعلى نحو قوي لأنني أعلم أن ~~ما تقوله صحيح فيما يتعلق بالحياة في تلك البلدة؛ فقد كنت على أي حال من يختلق أي ~~عذر الآن؛ لكيلا أمر مع صديقاتي أمام الناصية التي كان راسل وعائلته يتمركزون عندها ~~في ليالي السبت. # أحيانا ما كنت أتطلع وكلي أمل إلى الوقت الذي سيضع فيه ms194 راسل زي الفرقة ~~الموسيقية الكوميدي بعض الشيء ذا اللونين الأحمر والأزرق الداكنين جانبا ويستبدل زي ~~الجيش الكاكي به. بدا وكأن التغيير قد يطال ما هو أكثر بكثير من الزي، وكأن هوية ~~في حد ذاتها سوف تنسلخ لتتألق محلها هوية جديدة عصية على الهجوم والنقد بمجرد ~~أن يرتدي زي المقاتل. ~~••• # كانت عائلة كريك تعيش في شارع ضيق مائل يعادل طوله طول بناية، لا يبعد كثيرا عن ~~حظائر الخيل. لم يكن لدي أي سبب قط للسير عبر هذا الشارع من قبل. كانت البيوت قريبة ~~من الرصيف وقريبة أحدها من الآخر، دون مساحة بينها لممرات للسيارات أو أفنية جانبية. ~~كان على الأشخاص الذين يملكون سيارات أن يوقفوا جزءا منها على الرصيف والجزء الآخر على ~~مساحات الحشائش التي كانت بمنزلة حدائق أمامية. كان منزل آل كريك الخشبي الكبير مطليا ~~باللون الأصفر - كان راسل قد أخبرني أن أبحث عن المنزل الأصفر - ولكن كان الطلاء ~~متقشرا بفعل الجو. # كان مثل الطلاء البني الذي كان يوما ما، بغير تفكير وروية، يغطي الطوب الأحمر ~~لمنزلنا الذي كنت أسكنه. ولم تكن الفوارق كبيرة بين عائلتينا حين يتعلق الأمر بالمال. ~~في الواقع لم يكن ثمة أي فارق كبير على الإطلاق. # كانت هناك فتاتان صغيرتان تجلسان على السلم الأمامي، ربما جلستا هناك حال نسيت ~~وصف المنزل. # غير أنهما قفزتا دون أن تنطقا بكلمة واحدة، وهرعتا إلى داخل المنزل كما لو كنت قطة ~~برية تطاردهما. وأغلق الباب السلكي في وجهي بقوة، وتركت وحدي أحملق عبر مدخل ~~طويل خاو. سمعت ضجيجا خافتا خلف المنزل، ربما كان يخص الشخص الذي يفترض أن يأتي ~~للترحيب بي. عندئذ جاء راسل بنفسه عبر درجات السلم وشعره داكن من أثر تبليل حديث، ~~وأدخلني إلى المنزل. # قال: «إذن، قد وصلت إلى هنا بلا مشكلة!» وامتنع عن ملامستي. # لم يكن السيد والسيدة كريك يرتديان زيهما الخاص بمنظمة جيش الخلاص في المنزل. لست ~~أدري لم ظننت أنهما كانا سيفعلان ذلك! أقبل الأب بعد ذلك نظيفا متأنقا برأس أصلع ~~لامع - وهو الذي ms195 كان وعظه المتجول دائما ما يميل إلى الشراسة والسخط حتى حين كان يتمسك ~~بالأمل في الرحمة والخلاص، وكانت تعبيراته حين كان يجلس منحنيا على عربة الفحم دائما ~~ما كانت تميل إلى السخط والغضب - ورحب بي كما لو كان سعيدا بالفعل لرؤيتي في منزله. ~~كانت الأم طويلة القامة، مثل راسل، ضخمة الجثة ومسطحة الجبهة، وذات شعر أشيب تم ~~قصه حتى كان يصل لمستوى أذنيها فقط. اضطر راسل لأن يخبرها باسمي مرتين، عبر الضجيج ~~الذي كانت تحدثه أثناء هرسها للبطاطس، قبل أن يتمكن من لفت انتباهها كي تستدير إلينا. ~~مسحت يدها على مريلتها وكأنها تفكر في مصافحتي، ولكنها لم تفعل، وقالت إنها سعيدة ~~للقائي. كان صوتها حين كانت تنشد الترانيم في الشارع عميقا وعذبا، إلا أنها حين تحدثت ~~الآن حوله الخجل والحرج إلى صوت حاد أجش كصوت صبي في سن المراهقة. # كان والد راسل متأهبا للقيام بعمل ليس من اختصاصه. سألني إن كان لدي أي خبرة مع ~~دجاج البانتام، فأجبت بالنفي، فقال إنه كان يظن أنني ربما يكون لدي خبرة بها لكوني ~~قد نشأت في مزرعة. # قال: «إن الدجاج هوايتي. تعالي لتلقي نظرة!» # عاودت الفتاتان الظهور وكانتا تتسكعان على مقربة من المدخل. كانتا على وشك أن ~~تتبعا والدهما وراسل وإياي إلى داخل الفناء الخلفي، لولا أن والدتهما نادتهما. ~~«آني ومايفس! لتبقيا هنا وتضعا الصحون على الطاولة.» # كان ديك البانتام يدعى الملك جورج. # قال السيد كريك: «هذه دعابة؛ لأن جورج هو اسمي.» # كانت الدجاجات مسماة على اسم ماي ويست، وتاجبوت آني، وديزي ماي وشخصيات أخرى من ~~الأفلام السينمائية، أو القصص الهزلية المصورة، أو الفلكلور الشعبي. وقد أدهشني هذا؛ ~~نظرا لحقيقة أن الأفلام كانت من محظورات هذه العائلة، وأن السينما كانت ترى في عظات ~~السبت على أنها مكان بغيض على نحو خاص. وكنت أظن أن القصص الهزلية من ضمن المحظورات ~~أيضا. ربما كان مستساغا أن تطلق مثل هذه الأسماء على دجاجات تافهة. أو لعل عائلة ~~كريك لم تكن دوما منتمية إلى منظمة جيش الخلاص. ms196 # قلت: «كيف لكم أن تميزوا بعضها عن بعض؟» لم تكن بديهتي حاضرة معي تماما، وإلا ~~لرأيت أن كلا منها كانت لها علامة تميزها، ولها نمطها الخاص من الريش الأحمر ~~والبني والبني الضارب إلى البرتقالي والذهبي. # ظهر شقيق راسل من مكان ما، وكان يضحك ضحكة مكبوتة. # قال الأب: «أوه، هل تريدين أن تعرفي؟» وبدأ في تحديد كل واحدة منها لي، ولكن الدجاج ~~كان يهيج بسبب الانتباه الموجه إليه، وتبعثر في أرجاء الفناء حتى لا نستطيع الإمساك ~~بها. كان الديك جريئا وأخذ ينقر في حذائي. # قال والد راسل: «لا تنزعجي، إنه يستعرض نفسه لا أكثر.» # كان سؤالي الأحمق التالي هو: «هل يضع هذا الدجاج بيضا؟» ~~«أوه، أجل، أجل، ولكنها واقعة لا تحدث كثيرا. إنها حتى لا تضع ما يكفي لمائدتنا؛ ~~إنها سلالة من سلالات الزينة، ذاك هو تعريفها؛ سلالة زينة.» # قال راسل لشقيقه من وراء ظهري: «سأضربك بشدة.» # على العشاء، أومأ الأب لراسل برأسه لتلاوة صلاة مباركة الطعام، وفعل راسل ذلك. كانت ~~صلوات المباركة هنا تتلى بتأن وتؤلف في حينها لتلائم المناسبة، وكانت بعيدة ~~تماما عن الصلاة التي اعتدنا أن نتمتم بها على مائدتنا في المنزل حين كنا نتناول ~~الطعام معا كأسرة؛ «بارك لنا يا رب طعامنا هذا ليفيد أجسادنا، وباركنا لنكون في ~~خدمتك.» كان راسل يتحدث ببطء وثقة، وذكر اسم كل من كانوا على المائدة، وفيهم ~~أنا داعيا أن يجعلني الرب موضع ترحيب. وخطرت لي تلك الفكرة المرعبة من أن الحرب ربما ~~لا تغيره تماما، وأنه حين ينتهي منها قد يعود إلى الجيش الآخر ويرتدي زيه القديم، ~~وأنه ربما قد تكون لديه موهبة وتعطش للوعظ العام. # لم تكن ثمة أطباق من الخبز والزبد، فقد كنت تضع شريحتك على المشمع أو على جانب ~~طبقك الكبير، وتمسح طبقك بقطعة من الخبز قبل أن توضع عليه الفطيرة. # ظهر الديك عند المدخل، ولكن السيد كريك أمره بأن يبتعد، ما دفع مايفس وآني إلى الضحك ~~ثم كتم فميهما. # قال راسل: «اجعلا الطعام يقف في حلقكما لتأخذا ms197 درسا قاسيا.» # كانت السيدة كريك تتجنب النطق باسمي - فكانت تقول لراسل في همس فظ: «مرر لها ~~الطماطم» - ولكن بدا ذلك نابعا من الخجل الشديد، وليس سوء نية. استمر السيد كريك في ~~إظهار إحساس ثابت لا يتزعزع بأننا في مناسبة اجتماعية، سائلا إياي عن صحة والدتي، وعن ~~عدد ساعات عمل أبي في المسبك، وعن رأيه في العمل هناك، وهل وجده مختلفا عن أن يكون ~~مدير نفسه؟ كان أسلوب حديثه معي أقرب إلى أسلوب معلم أو صاحب متجر، أو حتى رجل ~~مهني في البلدة، من أن يكون أسلوب رجل يعمل على عربة فحم. وفيما يبدو أنه كان ~~يسلم يقينا بأن عائلتينا كانتا على قدم المساواة وعلى معرفة وطيدة إحداها بالأخرى. ~~وكان ذلك قريبا من الصواب، فيما يتعلق بنقطة المساواة، وكان صحيحا أيضا أن والدي ~~كان على معرفة وطيدة بالجميع تقريبا. غير أن ذلك أثار لدي شعورا بالضيق والحرج، بل ~~وبقليل من الخزي؛ لخداعي لهذه العائلة ولعائلتي؛ لقد كنت على هذه المائدة وأنا أخفي ~~حقيقة أمري. # ولكن بدا لي بعد ذلك أني أنا وراسل كنا نخفي حقيقة أمرنا على أي مائدة عشاء عائلية، ~~كنا نضطر للجلوس عليها وكأننا لا نهتم بشيء سوى الطعام وأي حديث يثار أيا ما ~~كان، وبينما كنا في الواقع لا نفعل شيئا سوى الانتظار، حيث لم تكن احتياجاتنا الأساسية ~~لتلبى هنا، وكان اهتمامنا الأوحد هو أن يكون كل منا في قرب الآخر. # لم يخطر ببالي قط أن رفيقين شابين في موقفنا كانا في موقعهما الطبيعي، وأننا قد دخلنا ~~المرحلة الأولى من حياة سوف تجعلنا، عما قريب، أبا وأما. ربما كان والدا راسل ~~يعلمان هذا، وربما يكون قد هالهما ذلك سرا، ولكنهما كانا إما يرجوان خيرا وإما كانا ~~مذعنين لراسل. فقد كان راسل مركز قوة في الأسرة، ولم يكونا يملكان زمامه. وكان راسل ~~يعلم ذلك، إن كان قادرا في تلك اللحظة على الذهاب بتفكيره إلى هذا الحد، فقد كان ~~بالكاد ينظر إلي، ولكن حين فعل، كانت نظرة هادئة رصينة، ترسم ms198 ادعاء بامتلاكه لي، ~~وقد أصابتني ورجع صداها وكأنني طبلة. # كنا في أواخر الصيف آنذاك، وكانت فترات المساء قصيرة. كان المصباح مضاء في المطبخ ~~حين كنا نغسل الصحون، كان وعاء تنظيف الصحون موضوعا على الطاولة، بينما كان الماء ~~يسخن على الموقد، وكانت تلك هي نفس الطريقة المتبعة حين أغسل الصحون في منزلنا. ~~كانت الأم تغسل الصحون، بينما كنا أنا والشقيقتان نجففها. قالت والدة راسل بعض ~~العبارات، ربما على أثر شعورها بالارتياح لانتهاء الوجبة وأنني كنت سأتركهم عما ~~قريب . ~~«دائما ما يتطلب الأمر صحونا أكثر مما تظنين لإعداد وجبة.» ~~«لا تشغلي نفسك بالقدور، سوف أضعها على الموقد.» ~~«يبدو أننا على وشك الانتهاء الآن.» # كانت تلك العبارة الأخيرة تبدو في وقعها نوعا من الشكر الذي لم تعرف كيف تعبر ~~عنه. # لم تجرؤ مايفس وآني على الضحك لقربهما الشديد مني ومن والدتهما. وحين اعترض بعضنا ~~طريق البعض عند لوح تصفية الصحون، قالتا لي في صوت خفيض: «معذرة.» # أقبل راسل بعد الانتهاء من مساعدة والده في وضع دجاج البانتام في حظيرته، وقال: ~~«أعتقد أنه قد حان الوقت لتوصيلك إلى المنزل»، وكأن توصيلي إلى المنزل كان مجرد مهمة ~~ليلية أخرى، بدلا من أول تمشية مترقبة لنا في الظلام معا؛ فقد كان التفكير في تلك ~~التمشية يتنامى في صمت وترقب شديدين، من جانبي، طوال عملية تجفيف الصحون، بل وحول ~~ذلك إلى تقليد نسائي ارتبط على نحو غامض بما هو قادم. ~~••• # لم تكن الأجواء مظلمة جدا كما تمنيت؛ فلكي أصل إلى المنزل، كان لزاما علينا ~~المرور بالبلدة من الشرق إلى الغرب، وكانت الأنظار سترقبنا على نحو شبه مؤكد. # ولكن لم يكن ذلك هو الطريق الذي كنا سنسلكه؛ ففي نهاية هذا الشارع القصير وضع راسل ~~يده على ظهري، بضغط سريع وعملي ليدفعني ليس في اتجاه المنزل، ولكن في اتجاه إسطبل خيول ~~ميريام ماكالبن. # استدرت لأرى ما إذا كان أحد يتتبعنا. ~~«ماذا لو كان شقيقك أو شقيقتاك يتتبعوننا؟» # فقال: «لن يفعلوا، وإلا قتلتهم.» # كان الإسطبل مطليا باللون الأحمر، وكان اللون ms199 ناصعا في الظلام الخفيف. كانت أبواب ~~الإسطبل في الطابق السفلي بالخلف. وعلى أبواب الإسطبل العلوية، والتي كانت مواجهة ~~للشارع، رسم حصانان أبيضان يتبختران. كان هناك ممر من الحجارة والتراب مبنيا ~~للصعود إلى تلك الأبواب، وكان ذلك هو الطريق الذي كانت شحنات التبن تنقل عبره. وفي ~~أحد هذه الأبواب العلوية الكبيرة كان هناك باب بالحجم العادي، مثبت بإحكام بحيث لا ~~تراه إلا بالكاد، وعليه صورة لحافر وجزء من الساقين الخلفيتين لحصان. كان الباب ~~موصدا، ولكن راسل كان معه المفتاح. # جذبني إلى الداخل وراءه، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى صرنا فيما كان في البداية ~~ظلاما دامسا. كان كل ما حولنا، ويكاد يخنقنا، هو رائحة التبن الجديد لذلك الصيف. ~~اقتادني راسل من يدي بثقة شديدة كما لو كان يرى كل شيء وسط هذا الظلام. كانت يده ~~أكثر حرارة من يدي. # بعد لحظة استطعت أن أرى شيئا بنفسي، كانت حزم التبن موضوعة بعضها فوق بعض مثل ~~قوالب طوب عملاقة. كنا فيما يشبه العلية التي تطل على الإسطبل. حينها استطعت أن ~~أشم رائحة خيول قوية، وكذا رائحة تبن، وأن أسمع على نحو منتظم صوت جرجرة أقدام ومضغ ~~بصوت طاحن، وصوت اصطدام خفيف داخل المرابط. كانت معظم الخيول تخرج إلى المرعى طوال ~~الليل في هذا الوقت من العام، ولكن هذه الخيول كانت على الأرجح من القيمة بحيث لا ~~تترك بالخارج في الظلام. # وضع راسل يدي على درجة سلم كان يمكننا من خلاله الصعود إلى قمة حزم ~~التبن. # همس لي قائلا: «أتريدينني أن أصعد قبلك أم بعدك؟» # لم الهمس؟ هل كنا سنزعج الخيول؟ أم يبدو من الطبيعي دائما أن نتهامس في الظلام؟ أو ~~حين يداهم الضعف ساقيك، ولكن يوجد ألم وإصرار في جزء آخر من جسدك؟ # عندئذ حدث شيء ما، اعتقدت للحظة أنه كان انفجارا، أو ضربة برق، أو حتى زلزالا. ~~بدا لي أن الإسطبل بأكمله اهتز حين ملأه الضوء. بالطبع لم يسبق لي الوجود بالقرب من ~~موقع انفجار، أو على مقربة من مكان ضربه البرق، ms200 ولم أشعر بهزة واحدة لزلزال. ~~سمعت طلقات رصاص، ولكنها كانت دائما بالخارج وعلى مسافة بعيدة مني. لم يسبق لي أن ~~سمعت صوت إطلاق نار بالداخل تحت سقف عال. # كان ذلك هو ما كنت أسمعه الآن. كانت ميريام ماكالبن تطلق نيران بندقيتها، مصوبة ~~إياها داخل مخزن التبن، ثم فجأة أضاءت كل أنوار الإسطبل. هاجت الخيول، وراحت تصهل ~~وتقذف نفسها في الهواء، وتركل جوانب مرابطها، ولكن ظل بإمكاني سماع صوت صياح ~~ميريام. ~~«أعلم أنك هنا. أعلم أنك هنا.» # همس راسل في أذني قائلا: «عودي إلى المنزل.» ودار بي نحو الباب. # قال في غضب، أو على الأقل في إلحاح أشبه بالغضب: «عودي إلى المنزل»، وكأنني كلبة ~~تتبعه، أو واحدة من شقيقتيه الصغيرتين، التي ليس لها الحق في الوجود هنا. # ربما كان يقول ذلك في همس أيضا، وربما لا؛ ففي وسط الضجيج الذي كانت تحدثه الخيول ~~وميريام معا، لم يكن ذلك ليهم. ودفعني دفعة واحدة قوية وقاسية، ثم أدار وجهه نحو ~~الإسطبل وأخذ يصيح: «لا تطلقي النار، إنه أنا ... مهلا يا ميريام، إنه أنا.» ~~«أعلم أنك هناك ...» ~~«إنه أنا. أنا راس.» وركض نحو مقدمة مخزن التبن. ~~«من هناك؟ راس؟ أهذا أنت؟ راس؟» # لا بد أنه كان هناك سلم مؤد إلى الإسطبل؛ إذ سمعت صوت راسل وهو ينزل عبره. بدا ~~في صوته جريئا ولكن مهتزا، وكأنه لم يكن واثقا كثيرا من أن ميريام لن تبدأ في إطلاق ~~النار مجددا. ~~«إنه أنا. أنا قادم في الطريق العلوي.» # قالت ميريام في غير تصديق: «لقد سمعت صوت أحدهم.» ~~«أعرف. كان أنا. لقد جئت فقط لألقي نظرة على لو، لأرى كيف حال ساقها.» ~~«أكان هذا أنت؟» ~~«أجل. لقد قلت لك ذلك.» ~~«لقد كنت في مخزن التبن بالأعلى.» ~~«لقد دخلت من الباب العلوي.» # بدا صوته الآن وقد صار أكثر سيطرة، فقد كان قادرا على أن يطرح سؤالا. ~~«منذ متى وأنت هنا؟» ~~«لقد دخلت لتوي، كنت في المنزل وفجأة خيل لي أن ثمة خطبا ما في ~~الإسطبل.» ~~«علام كنت تطلقين النار؟ ms201 كان من الممكن أن تقتليني.» ~~«أردت أن ألقي الرعب في قلب أي شخص قد يكون هنا.» ~~«كان بإمكانك أن تنتظري، كان يمكن أن تصرخي أولا، كان من الممكن أن ~~تقتليني.» ~~«لم يخطر ببالي أنه أنت.» # حينئذ صاحت ميريام ماكالبن مرة أخرى، وكأنها قد ضبطت متطفلا جديدا. ~~«كان يمكن أن أقتلك. أوه، راس. لم أفكر في ذلك قط. كان من الممكن أن أصيبك.» # قال راسل: «لا عليك، اهدئي. كان من الممكن أن تقتليني ولكنك لم تفعلي.» ~~«كان من الممكن أن تكون مصابا الآن وبيدي أنا.» ~~«لكنك لم تفعلي.» ~~«ولكن ماذا لو كنت قد فعلت؟ رباه، رباه، ماذا لو فعلت؟» # كانت تبكي وتقول شيئا على غرار ذلك مرارا وتكرارا، ولكن بصوت مكتوم، وكأن شيئا ~~قد حشر في فمها. # أو كأنها كانت تحتضن أو تدفع بفعل شيء أو شخص ما، ربما أراحها وهدأها. # كان صوت راسل، المفعم بالسيطرة والبراعة، هو مصدر التهدئة لها. ~~«لا بأس. أجل. لا بأس يا حبيبتي. لا بأس.» # كان هذا هو آخر شيء سمعته. يا لها من كلمة غريبة يخاطب بها ميريام ماكالبن، ~~«حبيبتي»، نفس الكلمة التي اعتاد أن يخاطبني بها أثناء نوبات تقبيلنا. كانت كلمة عادية ~~وشائعة بما يكفي، ولكنها كانت تبدو لي حينئذ كشيء عذب كالعسل أستطيع أن ألعقه. لم ~~يقولها الآن بينما لم أكن بالقرب منه؟ وبنفس الطريقة، نفس الطريقة. # كانت شفتاه تنطقها عبر شعر ميريام ماكالبن وفي أذنها. # كنت واقفة بجوار الباب. كنت أخشى أن يكون صوت فتحه مسموعا بالأسفل على الرغم ~~من الضوضاء التي كانت لا تزال صادرة عن الخيول. وإلا أكن لم أفهم بحق أن وجودي هنا ~~أصبح غير مرغوب وأن دوري قد انتهى. كان علي أن أخرج الآن، لم أكن أعبأ بما لو سمعا، ~~ولكني لا أعتقد أنهما قد سمعاني. فأغلقت الباب، ثم ركضت عبر الممر ومنه إلى الشارع. ~~كنت سأواصل الركض، ولكني أدركت أن أحد الأشخاص قد يراني ويتساءل عن الأمر، كان علي ~~أن أكتفي بالسير بأقصى سرعة. كان من الصعب ms202 أن أتوقف ولو للحظة، حتى أعبر الطريق ~~السريع الذي كان أيضا الطريق الرئيسي للبلدة. ~~••• # لم أر راسل مجددا بعد ذلك؛ فقد التحق بالجيش. لم يقتل في الحرب، ولا أعتقد أنه ~~قد استمر في منظمة جيش الخلاص. وفي الصيف الذي تلا كل تلك الأحداث رأيت زوجته؛ ~~فتاة كنت أعرفها بالشكل فقط في المدرسة الثانوية، كانت تسبقني بعامين، وتركت ~~المدرسة لتعمل في مصنع الألبان. كانت مع السيدة كريك وكانت في شهور الحمل الأخيرة، كانا ~~يتفحصان صندوقا به بضائع متنوعة ذات أسعار مخفضة خارج متجر ستيدمان في عصر أحد ~~الأيام. بدت مغتمة وعادية؛ ربما كان ذلك من تأثير الحمل، رغم أني كنت أراها عادية بما ~~يكفي قبل ذلك، أو على الأقل متواضعة الجمال وخجولة. كانت لا تزال تبدو خجولة، وإن بدت ~~متواضعة الجمال بالكاد، كان جسدها يبدو غريبا ولكنه مدهش ومبهر. وسرت في جسدي رعشة ~~من الحسد الجنسي والاشتياق لدى رؤيتها والتفكير في الطريقة التي وصلت بها إلى ما هي ~~عليه. هذا الخضوع، هذا الاحتياج. # في فترة ما بعد أن عاد راسل من الحرب، اشتغل بالنجارة، ومن خلال هذا العمل أصبح ~~مقاولا؛ حيث كان يشيد بيوتا للتقسيمات الفرعية الدائمة التزايد حول تورونتو. ~~تأكدت من هذا لأنه ظهر في حفل للخريجين القدامى في المدرسة الثانوية، وقد ظهرت عليه ~~مظاهر الثراء الشديد، وراح يمزح بشأن عدم أحقيته في الوجود في هذا الحفل لكونه لم يلتحق ~~بالمدرسة الثانوية قط. وقد وصلتني تلك الأخبار من كلارا التي كانت على اتصال ~~بي. # قالت كلارا إن زوجته أصبح شعرها أصفر الآن، وبدينة نوعا ما، وكانت ترتدي فستانا ~~صيفيا خفيفا عاري الظهر. كانت هناك كعكة من الشعر الأشقر بارزة من فتحة في قمة ~~قبعتها الشمسية. لم تتحدث كلارا إليهما؛ ومن ثم لم تكن على يقين مما إذا كانت تلك ~~هي نفس الزوجة أم زوجة جديدة. # على الأرجح أنها لم تكن نفس الزوجة، وإن كان من المحتمل أن تكون هي نفسها. تحدثت ~~أنا وكلارا عن كيف أن حفلات الخريجين القدامى أحيانا ms203 ما تظهر إلى أي مدى عصفت ~~الحياة بهؤلاء الذين كانوا يعيشون في رغد أو قللت من شأنهم نوعا ما، وإلى أي مدى ~~ازدهر هؤلاء الذين كانوا على الهامش، وكانوا ينحنون ذلا ويطلبون الصفح. وربما يكون ~~هذا هو ما حدث مع الفتاة التي رأيتها أمام متجر ستيدمان. # ظلت ميريام ماكالبن بإسطبل الخيول إلى أن احترق. لا أعرف ما السبب، لعله نفس السبب ~~المعتاد؛ التبن الرطب والاشتعال التلقائي. تم إنقاذ جميع الخيول، إلا أن إصابة لحقت ~~بميريام، وبعد ذلك عاشت على معاش للإعاقة. ~~••• # كان كل شيء طبيعيا حين عدت إلى المنزل في ذلك المساء، كان هذا في الصيف الذي ~~تعلم فيه شقيقي وشقيقتي لعبة سوليتير، وكانا يلعبانها في كل فرصة تتاح لهما. كانا ~~يجلسان في تلك اللحظة عند طرفي طاولة غرفة الطعام، وكانا في عمر التاسعة والعاشرة، ~~ولكن فيهما وقار ورصانة رفيقين كبيرين، وكانت أوراق اللعب منشورة أمامهما. كانت ~~أمي قد أوت بالفعل إلى فراشها، كانت تمضي ساعات عديدة في الفراش، ولكن لم يكن يبدو ~~أنها تنام مثل الآخرين؛ إذ كانت تغفو فقط لفترات قصيرة من النهار والليل، وربما كانت ~~تنهض لاحتساء بعض الشاي أو لترتيب أحد الأدراج. كانت حياتها قد توقفت عن الارتباط ~~الشديد بحياة الأسرة. # نادت من الفراش لتسألني إن كنت قد حظيت بعشاء لطيف في منزل كلارا، وماذا تناولت ~~كتحلية. # قلت: «بودنج الكاسترد.» # ظننت أنني لو قلت أي جزء من الحقيقة، أي لو قلت «فطيرة»، لفضحت نفسي على الفور. ~~لم تكن هي تعبأ بذلك؛ كان كل ما تريده أن تحظى ببعض الحديث، ولكن لم أستطع أن أوفر ~~لها ذلك؛ فطويت اللحاف جيدا حول قدميها، بناء على طلبها، ونزلت إلى الطابق السفلي، ~~ودخلت إلى غرفة المعيشة، حيث جلست على المقعد المنخفض الذي بلا مسند أمام خزانة ~~الكتب وأخرجت كتابا. جلست هناك أمعن النظر في الكلمات المطبوعة في الضوء الخافت ~~الذي كان لا يزال قادما من النافذة التي كانت بجواري، إلى أن اضطررت للنهوض وإضاءة ~~المصباح. وحتى حينها لم أعبأ بالجلوس ms204 في كرسي عادي لكي أستريح، بل ظللت جالسة في ~~انحناء على المقعد الذي بلا مسند، أملأ عقلي بجملة تلو الأخرى، مرددة إياها في رأسي ~~بقوة فقط كي لا أضطر للتفكير فيما حدث. # لا أعرف أي كتاب كان ذلك الذي التقطته، فقد قرأتها جميعا من قبل، كل ~~الروايات التي كانت في خزانة الكتب تلك، ولم يكن ثمة الكثير منها؛ «الشمس هي ~~هلاكي»، «ذهب مع الريح»، «الرداء»، «نم في سلام»، «ولدي، ولدي»، «مرتفعات ويذرنج»، «آخر ~~أيام بومبي». لم تكن المجموعة تعكس أي ذوق معين، وفي الواقع غالبا ما كان والداي لا ~~يستطيعان تحديد كيف وجد أي كتاب طريقه إلى هناك؛ بالشراء، أم بالاستعارة، أم أن ~~شخصا ما قد تركه. # ولكن لا بد أنه كان يعني شيئا في هذا المنعطف من حياتي أن ألتقط كتابا. فعلى مدار ~~السنوات التالية كانت الكتب هي مكمن عشاقي الذين كانوا رجالا وليس صبية، وكانوا ~~رابطي الجأش وساخرين، مع لمحة من الشراسة، ومخزون من الكآبة والأسى. لم يكن من بينهم ~~إدجار لينتون، ولا أشلي ويلكز؛ فلم يكن أي منهما يصلح للمرافقة أو رقيقا. # لم يكن ذلك يعني أنني قد هجرت العاطفة؛ فقد كانت العاطفة، العاطفة الصادقة، حتى ~~العاطفة الجامحة، هي ضالتي التي كنت أبحث عنها. كنت أبحث عن الحاجة والخضوع، ولم ~~أستثن شكلا بعينه من أشكال القسوة والوحشية، ولكن لا وجود للحيرة، أو الخداع، أو أي ~~نوع متدن من المفاجأة أو الإذلال. قلت في نفسي إن علي الانتظار وسوف يأتيني كل ما ~~أستحق عندما أنضج. # | الأجيرة # كانت السيدة مونتجوي تريني كيف أضع القدور والآنية في أماكنها، فقد كنت أضع بعضا ~~منها في غير موضعه. # كانت تقول إن أكثر ما تبغضه هو أن تكون الخزانة مبعثرة. # قالت: «ستهدرين الكثير من الوقت، ستهدرين الكثير من الوقت في البحث عن شيء ما؛ ~~لأنه لم يكن حيث كان آخر مرة.» # فقلت: «هكذا كان الحال مع الأجيرات في منزلنا؛ ففي الأيام القليلة الأولى كن دائما ~~ما يضعن الأشياء حيثما لم نكن نستطيع إيجادها.» ms205 # وأضفت قائلة: «كنا نطلق على خادماتنا أجيرات. هكذا كنا نسميهن في منزلنا.» # فقالت: «حقا؟» ومرت لحظة من الصمت، ثم قالت: «والمصفاة معلقة على ذلك الخطاف ~~هناك.» # لماذا كان علي أن أقول ما قلت؟ لم كان من الضروري أن أذكر أننا كان لدينا أجيرات ~~في منزلنا؟ # كان بإمكان أي شخص أن يدرك السبب؛ لكي أضع نفسي في موضع قريب من مستواها، وكأن ذلك ~~كان ممكنا؛ وكأن أي شيء كان لدي لأقوله عن نفسي أو عن المنزل الذي جئت منه كان ~~يمكن أن يثير اهتمامها أو يبهرها. ~~••• # غير أن تلك كانت الحقيقة بشأن الأجيرات؛ ففي صباي عمل لدينا عدد كبير منهن؛ كانت ~~هناك أوليف، تلك الفتاة الناعمة الناعسة التي لم تكن تحبني؛ لأنني كنت أدعوها أوليف ~~أويل (زيت الزيتون)، وحتى بعد أن جعلوني أعتذر لها عن ذلك ظلت لا تحبني. لعلها لم تكن ~~تحب أيا منا لكونها تنتمي إلى الطائفة الميثودية؛ ما جعلها سيئة الظن ومتحفظة. ~~اعتادت أن تغني عندما كانت تغسل الصحون وأتولى أنا تجفيفها، كانت تغني: «كان ~~يوجد بلسان في جلعاد ...». وكانت تتوقف لو حاولت مشاركتها الغناء. # بعدها جاءت جيني، التي كنت أحبها؛ لأنها كانت فتاة جميلة، وكانت تلف لي شعري ~~بمشابك الشعر ليلا بعد أن تنتهي من لف شعرها، وكانت تحتفظ بقائمة للصبية التي كانت ~~تواعدهم، وكانت تضع علامات غريبة بعد أسمائهم: # x x x o o ⋆ ~~⋆ ~~. ولم تستمر معنا طويلا. # ولم تستمر طويلا أيضا دورثي، التي كانت تعلق الملابس على حبل الغسيل بطريقة ~~غريبة - فكانت تعلقها من الياقة، أو أحد الكمين، أو من إحدى الساقين - وتكنس ~~القاذورات إلى أحد الأركان وتضع المكنسة فوقها لكي تخفيها. # وحين ناهزت العاشرة أصبحت الأجيرات شيئا من الماضي. لا أعرف إن كان ذلك لكوننا قد ~~أصبحنا أكثر فقرا، أم بسبب أنني اعتبرت كبيرة بما يكفي لكي أكون مصدر عون دائما ~~في أعمال المنزل. كلا الأمرين صحيحان. # كنت قد صرت في السابعة عشرة وقادرة على أن أعمل لدى الآخرين، وإن كان في الصيف ~~فقط؛ ms206 لأنني كان يتبقى لي عام في المدرسة الثانوية. أما شقيقتي فكانت في الثانية عشرة؛ ~~ومن ثم، كان يمكنها أن تتولى شئون المنزل. ~~••• # اصطحبتني السيدة مونتجوي من محطة القطار في بوان أوباريل، وأقلتني في قارب ذي ~~محرك خارجي إلى الجزيرة. كانت السيدة التي تعمل في متجر بوان أوباريل هي من ~~رشحتني للوظيفة. كانت صديقة قديمة لوالدتي؛ إذ كانتا تدرسان بالمدرسة معا. كانت ~~السيدة مونتجوي قد سألتها إن كانت تعرف فتاة ريفية معتادة على القيام بأعمال المنزل ~~وتكون متاحة في الصيف، واعتقدت السيدة أن ذلك سيكون الشيء الأنسب لي، وكان ذلك هو ~~اعتقادي أنا أيضا؛ فقد كنت متلهفة لمشاهدة المزيد من العالم. # كانت السيدة مونتجوي ترتدي شورتا بلون الكاكي وقميصا وضع بداخله. وكان شعرها ~~القصير الذي بيضته الشمس خلف أذنيها. قفزت على متن القارب مثل الصبية، وأدارت المحرك ~~بقوة، وأخذنا ننطلق عبر مياه الخليج الجورجي المسائية المتقلبة. وعلى مدى ثلاثين أو ~~أربعين دقيقة، كنا نقطع طريقنا متفادين الجزر الصخرية والحجرية بأكواخها المنعزلة ~~وقواربها التي تتمايل بجوار أرصفة القوارب. وكانت أشجار الصنوبر بارزة بزوايا غريبة، ~~مثلما تكون في اللوحات. # تشبثت بجوانب القارب وأخذت أرتجف في ردائي الخفيف. # قالت السيدة مونتجوي بأقصر ابتسامة ممكنة: «أتشعرين بالغثيان قليلا؟» كان هذا بمنزلة ~~الإشارة للابتسام، حين لا يبرر الموقف ذلك. كانت لها أسنان بيضاء كبيرة برزت وسط وجه ~~طويل ضارب إلى السمرة، وبدا التعبير الطبيعي المرتسم على وجهها أقرب إلى جزع مكبوح ~~بالكاد. لعلها كانت تعرف أن ما كنت أشعر به هو الخوف، وليس الغثيان، وألقت هذا السؤال ~~علي حتى لا يكون هناك داع لي - ولها - للشعور بالحرج. # كان هذا العالم مختلفا بالفعل عن العالم الذي اعتدت عليه؛ ففي ذلك العالم، كان ~~الخوف شيئا عاديا، على الأقل للإناث؛ فكان من الممكن أن تخاف من الأفاعي، والعواصف ~~الرعدية، والمياه العميقة، والمرتفعات، والظلام، والثيران، والطريق المنعزل وسط ~~المستنقع، دون أن يظن بك أي شخص سوءا. أما في عالم السيدة مونتجوي، كان الخوف عارا ~~وشيئا يجب التغلب عليه دوما. # كان ms207 للجزيرة التي كنا نقصدها اسم هو نوسيكا. كان الاسم مكتوبا على أحد الألواح في ~~نهاية رصيف القوارب. فرددته عاليا محاولة أن أظهر شعوري بالاطمئنان والهدوء ~~والامتنان الشديد، فقالت السيدة مونتجوي بقليل من الدهشة: «أوه، نعم. كان ذلك هو ~~اسمها حين اشتراها أبي. إنه اسم شخصية بإحدى مسرحيات شكسبير.» # فتحت فمي لكي أقول لا، ليس شكسبير، ولأخبرها أن نوسيكا هي الفتاة التي كانت على ~~الشاطئ تلعب الكرة مع رفيقاتها وتفاجأت بيوليسيس حين استيقظ من غفوته. كنت قد تعلمت ~~آنذاك أن معظم الناس الذين عشت بينهم لم يكونوا يرحبون بهذا النوع من المعلومات، ~~وكنت ألتزم الصمت على الأرجح حتى لو سألنا المدرس في المدرسة، ولكن كنت أعتقد أن ~~الناس في العالم الخارجي - العالم الواقعي - سيكونون مختلفين. وفي الوقت المناسب ~~أدركت حدة نبرة صوت السيدة مونتجوي حين قالت «شخصية بإحدى مسرحيات شكسبير»؛ الإشارة ~~أن نوسيكا وشكسبير وكذا أي ملاحظات من جانبي، كانت أشياء يمكنها الاستغناء عنها إلى ~~حد كبير. # كان الرداء الذي ارتديته في يوم وصولي هناك من صنع يدي، وكان من القطن المخطط ~~القرنفلي والأبيض. كانت الخامة رخيصة، وكان السبب وراء ذلك أنها في الواقع لم تكن ~~معدة لتفصيل رداء، بل لبلوزة أو رداء للنوم، وأن التصميم الذي اخترته - التصميم ذا ~~التنورة الطويلة والخصر الضيق الذي كان منتشرا في تلك الأيام - كان خاطئا؛ فحين كنت ~~أسير، كان القماش يتجعد ويتجمع بين ساقي، وكنت مضطرة لفرده طوال الوقت. كان ~~اليوم هو أول يوم أرتدي فيه هذا الرداء، وظللت أعتقد أن المشكلة قد تكون مؤقتة؛ فمع ~~جذب قوي بما يكفي قد تفرد الخامة بالشكل الملائم. ولكن عندما خلعت حزامي اكتشفت ~~أن حرارة النهار وسخونة القطار أثناء ركوبي إياه قد خلفتا مشكلة أسوأ. كان الحزام ~~عريضا ومزودا برباط مرن وذا لون خمري، وقد بهت على الرداء، فصارت منطقة الخصر ~~محوطة بصبغة حمراء. # اكتشفت هذا عندما هممت بخلع ملابسي في علية مستودع القوارب التي كان علي ~~مشاركتها مع ابنة السيدة مونتجوي ذات الأعوام العشرة؛ ماري آن. ms208 # قالت ماري آن: «ماذا حدث لردائك؟ هل تتعرقين كثيرا؟ هذا سيئ جدا.» # فقلت لها إنه رداء قديم على أي حال وإنني لم أشأ أن أرتدي شيئا غاليا في ~~القطار. # كانت ماري آن ذات شعر أشقر وبشرة منمشة، ووجه طويل مثل والدتها. ولكن لم يكن لها ~~طلة والدتها المعبرة عن الأحكام السريعة التي تحتشد على السطح وتكون على استعداد ~~للقفز في وجهك. كان تعبير وجهها لطيفا وجادا، وكانت ترتدي نظارة ذات عدسات سميكة ~~حتى حين كانت تجلس في الفراش. وقد أخبرتني بعد فترة وجيزة أنها قد أجرت عملية جراحية ~~لعلاج الحول الذي كان في عينيها، ولكن مع ذلك ظل بصرها ضعيفا. # قالت: «لقد ورثت عيني والدي، وورثت ذكاءه أيضا. يا له من شيء غاية في السوء ~~أنني لم أكن صبيا.» # وكان هذا اختلافا آخر بين العالمين؛ فقد كان ثمة اعتقاد عام في موطني أن ~~الصبية أقل ذكاء من الفتيات، وإن لم يكن في ذلك ميزة خاصة لهؤلاء أو أولئك. فكان ~~بإمكان الفتيات أن يمضين في طريقهن ليصبحن معلمات، وكان ذلك أمرا لا بأس به - وإن ~~كان قطار الزواج كان يفوتهن في أغلب الأحيان - ولكن كان استمرار الصبية في الدراسة ~~عادة ما كان يعني أنهم مخنثون. # كان بإمكانك طوال الليل أن تسمع المياه تصطدم بألواح مستودع القوارب. وجاء الصباح ~~مبكرا. تساءلت ما إذا كنت قد ابتعدت إلى شمال موطني بما يكفي لكي تشرق الشمس سريعا ~~هكذا، فنهضت ونظرت إلى الخارج، وعبر النافذة الأمامية رأيت المياه الحريرية التي كان ~~سطحها يرتد وميض ضوء السماء منه ليضيء قاعها. رأيت الشواطئ الصخرية لهذا الخليج ~~الصغير، والقوارب الشراعية الراسية عليها، والقناة المفتوحة خلفها، ورابية جزيرة أخرى ~~أو اثنتين، والشواطئ والقنوات القابعة خلف ذلك. وخطر لي أنني لن أكون قادرة، وحدي، ~~على أن أجد طريقي للعودة إلى البر الرئيسي مرة أخرى. # لم أكن قد أدركت بعد أنه يجب ألا تجد الخادمات طريقهن إلى أي مكان؛ فهن يقبعن حيثما ~~يكون العمل. وحدهم الأشخاص الذين يوجدون العمل هم من ms209 يستطيعون المجيء ~~والذهاب. # كانت النافذة الخلفية تطل على صخرة رمادية أشبه بجدار مائل، ذات منحدرات وصدوع ~~حيث كانت تنمو أشجار صنوبر وأرز صغيرة وشجيرات توت أزرق. وأسفل قاعدة ذلك الحائط كان ~~ثمة طريق - سلكته فيما بعد - عبر الغابة يؤدي إلى منزل السيدة مونتجوي. كان كل ~~شيء هنا لا يزال رطبا وشبه مظلم، رغم أنك لو مددت عنقك، لأمكنك أن ترى قطعا من ~~السماء تتألق ببياضها عبر الأشجار القابعة أعلى الصخرة. كانت جميع الأشجار تقريبا ~~متجهمة، دائمة الخضرة، ولها رائحة، ولها أغصان كثيفة لم تكن تسمح بنمو أي نباتات ~~أسفلها؛ فلم يكن ثمة نمو غزير لنباتات الكرم، والعليق، والشجيرات مثلما كنت ~~معتادة في غابة أشجار الخشب الصلب. وقد لاحظت هذا عندما نظرت من القطار في اليوم ~~السابق؛ لاحظت كيف أن ما كنا نسميه الدغل قد تحول إلى شكل الغابة الأكثر ~~واقعية، والتي قضت على كل النباتات الغزيرة والفوضى والتغييرات الموسمية. بدا لي أن هذه ~~الغابة الحقيقية مملوكة لأناس أثرياء - كانت بمنزلة الملعب اللائق لهم رغم كآبتها - ~~وللهنود الذين كانوا يعملون لدى الأثرياء كمرشدين وتابعين غريبين، الذين كانوا يعيشون ~~بعيدا عن العين وبعيدا عن العقل، في مكان لم يكن يمر به القطار. # غير أنه في ذلك الصباح كنت أنظر خارج النافذة في لهفة وكأن هذا المكان هو المكان ~~الذي سوف أعيش فيه وسوف يصبح كل شيء فيه مألوفا بالنسبة إلي. وقد أصبح كل شيء ~~مألوفا بالفعل، على الأقل في الأماكن التي كان عملي فيها وحيثما يفترض أن أذهب، ولكن ~~كان ثمة حاجز قائم، ربما تكون كلمة «حاجز» كلمة أقوى من اللازم؛ فلم يكن ثمة ~~أي تحذير أكثر من مجرد شيء كومضة في الهواء، مجرد تذكرة بليدة. «ليس لك»، لم ~~يكن ذلك بالشيء الذي يجب أن يقال، أو يوضع على لافتة. ~~«ليس لك». وعلى الرغم من استشعاري لها، فلم أكن لأعترف لنفسي بوجود مثل هذا الحاجز، ~~لم أكن لأعترف بأنني قد شعرت حتى بالذل أو الوحدة، أو بأنني كنت خادمة حقيقية. ~~ولكنني توقفت ms210 عن التفكير في مغادرة الطريق، والاستكشاف بين الأشجار. فلو أن أحدا قد ~~رآني، لاضطررت إلى توضيح ما كنت أفعله، ولم يكن ذلك ليعجبهم؛ وأقصد بذلك السيدة ~~مونتجوي. # وإحقاقا للحق، لم يكن هذا مختلفا كثيرا عما كانت عليه الأمور في موطني؛ حيث كان ~~الاستكشاف غير المجدي للأماكن المحيطة بك، أو إضاعة الوقت في تأمل الطبيعة - أو حتى ~~استخدام تلك الكلمة، كلمة «الطبيعة» - يمكن أن يعرضك للسخرية من جانب ~~الآخرين. ~~••• # كانت ماري آن تحب التحدث حين نكون مستلقيتين على أسرتنا الصغيرة ليلا. ~~أخبرتني بأن كتابها المفضل هو «كون-تيكي»، وأنها لم تكن تؤمن بالرب أو ~~بالجنة. # قالت لي: «لي أخت متوفاة، ولا أصدق أنها تهيم في مكان ما في رداء نوم أبيض، إنها ~~ميتة، إنها مجرد عدم.» # وأضافت: «كانت أختي جميلة، كانت كذلك مقارنة بي على أي حال، لم تكن أمي جميلة على ~~الإطلاق، وأبي كان بحق قبيحا. كانت عمتي مارجريت جميلة في السابق ولكنها الآن بدينة، ~~وجدتي كانت جميلة ولكنها الآن عجوز. وصديقتي هيلين جميلة، ولكن صديقتي سوزان ليست كذلك. ~~وأنت جميلة ولكن لا يهم لأنك الخادمة. هل قولي هذا يؤذي مشاعرك؟» # فأجبت بالنفي. ~~«أنا فقط الخادمة حينما أكون هنا.» # لم أكن أقصد بذلك أنني الخادمة الوحيدة على الجزيرة؛ فقد كان الخادمان الآخران ~~زوجين، هنري وكوري. لم يكن عملهما يجلب لهما الشعور بالمذلة والدونية، بل كانا ~~راضيين به. كانا قد قدما إلى كندا من هولندا قبل بضعة أعوام ووظفهما السيد ~~والسيدة فولي، وهما والد ووالدة السيدة مونتجوي واللذان كانا يمتلكان الجزيرة، وعاشا في ~~البيت الكبير الأبيض ذي الطابق الواحد، بمظلاته وشرفاته، والذي كان يوجد فوق أعلى نقطة ~~من الأرض. كان هنري يجز الحشائش ويعتني بملعب التنس ويطلي مقاعد الحديقة ويساعد السيد ~~فولي في شئون القوارب وتنظيف الممرات وإصلاح رصيف القوارب. أما كوري، فكانت تتولى ~~الأعمال المنزلية وطهي الوجبات والاعتناء بالسيدة فولي. # كانت السيدة فولي تمضي كل صباح مشمس جالسة بالخارج على مقعد على سطح القارب، ~~وكانت تمد قدميها لتغمرهما الشمس بأشعتها، وكان ms211 ملحقا بالمقعد مظلة لتحمي ~~رأسها. كانت كوري تخرج وتغير لها وضعيتها مع تحرك الشمس، وتأخذها إلى الحمام، ~~وتحضر لها أكواب الشاي وكئوس القهوة المثلجة. وقد كنت شاهدة على ذلك حين كنت ~~أصعد إلى منزل آل فولي قادمة من منزل آل مونتجوي في مهمة ما، أو لوضع أو أخذ شيء ~~ما من الثلاجة؛ فقد كانت الثلاجات المنزلية لا تزال ابتكارا حديثا نوعا ما وضربا من ~~الرفاهية في ذلك الوقت، ولم تكن ثمة واحدة في منزل آل مونتجوي. # كنت أسمع كوري تقول للسيدة فولي: «لا تمصي مكعبات الثلج.» ومن الواضح أن السيدة فولي ~~لم تكن تلقي بالا لها وأخذت تمص أحد مكعبات الثلج، فقالت كوري: «هذا سيئ. كلا. ~~الفظيه. الفظيه فورا في يد كوري. هذا سيئ. أنت لا تفعلين ما تقوله كوري.» # قالت لي بينما كانت تلحق بي على الطريق المؤدي إلى داخل المنزل: «أخبرتهم بأنها قد ~~تختنق حتى الموت، ولكن السيد فولي دائما ما يقول لي: أعطيها مكعبات الثلج، فهي تريد ~~شرابا كأي شخص آخر؛ لذا أظل أخبرها وأخبرها ألا تمص مكعبات الثلج. ولكنها لا ~~تفعل ما أقول.» # في بعض الأحيان، كنت أرسل لمساعدة كوري في تلميع الأثاث أو جلي الأرضيات، وقد كانت ~~كثيرة المطالب ومنهكة للغاية، فلم تكن تمسح مناضد المطبخ فقط، بل كانت تجليها. وكانت ~~كل حركة تقوم بها تحمل طاقة وتركيز شخص يجدف بقارب ضد التيار، وكل كلمة تنطق بها ~~تنطلق وكأنها في رياح عالية من المعارضة. وحين كانت تعصر ممسحة تنظيف، كانت تبدو ~~وكأنها تلوي عنق دجاجة. كنت أفكر أنه قد يكون مثيرا لو استطعت استدراجها للحديث عن ~~الحرب، ولكن كان كل ما تقوله أن الجميع كانوا جائعين جدا وأنهم قد احتفظوا بقشر ~~البطاطس لإعداد حساء. # وقالت: «لا جدوى. لا جدوى من الحديث عن ذلك.» # كانت تفضل المستقبل؛ فكانت هي وهنري يدخران أموالهما لبدء عمل خاص بهما. كانا ~~يعتزمان إنشاء دار للمسنين. قالت كوري ملقية رأسها للخلف وهي تعمل للإشارة إلى السيدة ~~فولي وهي جالسة بالخارج في ms212 الحديقة: «هناك الكثير من الناس مثلها. وقريبا ما سيكون ~~هناك المزيد والمزيد؛ لأنهم يعطونهم الأدوية التي تؤخر موتهم. فمن الذي سيعتني ~~بهم؟» # ذات يوم نادتني السيدة فولي بينما كنت أجتاز الحديقة. # قالت لي: «إلى أين أنت ذاهبة بهذه السرعة؟ تعالي واجلسي بجواري واستريحي ~~قليلا.» # كان شعرها الأبيض قابعا تحت قبعة مرنة من القش، وحين مالت إلى الأمام تخللت ~~الشمس فتحات القبعة المرصعة البقع ذات اللون القرنفلي والبني الباهت بوجهها ببثور ~~من الضوء. كان لعينيها لون شبه منقرض لم أستطع تمييزه، وكان شكلها غريبا؛ صدر ضيق ~~مسطح ومعدة منتفخة تحت طبقات من الملابس الباهتة الفضفاضة. وكان جلد ساقيها اللتين ~~كانت تمدهما في الشمس لامعا وباهتا ومغطى بتشققات شاحبة. # قالت: «معذرة لعدم ارتداء جواربي. أخشى أن أكون شاعرة ببعض الخمول اليوم، ولكن ألست ~~فتاة رائعة لكي تقطعي كل هذه المسافة بمفردك، هل ساعدك هنري في حمل البقالة من رصيف ~~القوارب؟» # لوحت لنا السيدة مونتجوي التي كانت في طريقها إلى ملعب التنس لتعطي ماري آن حصة في ~~لعب التنس. كانت تعطي ماري آن حصة كل صباح، وعلى الغداء كانتا تناقشان معا ما ~~ارتكبته ماري من أخطاء. # قالت السيدة فولي في إشارة إلى ابنتها: «ها هي تلك السيدة التي تأتي كي تلعب التنس. ~~إنها تأتي كل يوم؛ لذا أعتقد أنه لا بأس تماما في ذلك. يمكنها أيضا أن تستخدمه إذا ~~لم يكن لديها ملعب خاص بها.» # قالت لي السيدة مونتجوي فيما بعد: «هل طلبت منك السيدة فولي أن تأتي وتجلسي معها ~~على الحشائش؟» # فقلت لها: «نعم، كانت تعتقد أنني شخص أحضر البقالة.» ~~«أعتقد أنه كان ثمة فتاة لتوصيل البقالة كانت تدير قاربا لتوصيل البضائع، لم ~~يعد هناك أي خدمة توصيل للبقالة منذ سنوات. إن الأمور تختلط على السيدة فولي بين الحين ~~والآخر.» ~~«لقد قالت إنك سيدة تأتي للعب التنس.» # فقالت السيدة مونتجوي: «أقالت ذلك حقا؟» ~~••• # لم يكن العمل الذي كان علي القيام به هنا شاقا بالنسبة إلي؛ فقد كنت أجيد ~~الخبز، وكي الملابس، وتنظيف ms213 الموقد. لم يكن أحد يخطو بقدمه الملطخة بوحل ~~الفناء المجاور للإسطبل داخل المطبخ، ولم تكن ثمة ثياب عمل ثقيلة خاصة بالرجال ~~للتصارع معها عبر العصارة، كان هناك فقط تلك الأعمال المتعلقة بوضع كل شيء في مكانه ~~تماما، إلى جانب القيام ببعض التلميع؛ فكنت ألمع إطارات شعلات الموقد بعد كل ~~استخدام، والصنابير، والباب الزجاجي الموصل إلى الساحة الأمامية إلى أن يبدو وكأنه ~~لا يوجد زجاج فيه، حتى إن الناس يكونون عرضة لخطر اصطدام وجوههم به. # كان منزل آل مونتجوي ذا طابع عصري ، وكان له سقف مسطح وساحة أمامية تمتد فوق الماء ~~والكثير من النوافذ التي كانت السيدة مونتجوي تحب رؤيتها، وقد أصبحت غير مرئية مثل ~~الباب الزجاجي. # كانت تقول: «ولكن لا بد لي أن أكون واقعية. فأنا أعلم أنك إذا فعلت ذلك، فلن يكون ~~لديك الوقت الكافي للقيام بالأعمال الأخرى.» لم تكن بأي حال من أرباب العمل ~~الجائرين. كانت نبرتها معي أثناء الحديث صارمة ومنفعلة قليلا، ولكن ذاك كان ~~أسلوبها مع الجميع. وكانت دائما تنتبه إلى الإهمال أو القصور الذي كانت تبغضه كثيرا، ~~وكانت كلمة «مهمل» هي كلمتها المفضلة للتعبير عن الاستنكار، وكان من الكلمات الأخرى ~~المفضلة لديها «تافه» و«غير ضروري». فكان الكثير من الأشياء التي يفعلها الناس غير ~~ضروري، والبعض منها أيضا كان تافها. ربما كان يستخدم الآخرون كلمات مثل «مصطنع»، أو ~~«منطقي»، أو «متساهل». وكانت السيدة مونتجوي تطيح بكل هذه الاختلافات والفروق. # كنت أتناول وجباتي وحدي فيما بين فترات تقديم الطعام لمن يأكل في الساحة الأمامية ~~للمنزل أو في غرفة الطعام. وكدت أرتكب خطأ مريعا في هذا الشأن؛ فعندما ضبطتني السيدة ~~مونتجوي وأنا متجهة إلى الساحة الأمامية ومعي ثلاثة أطباق - محمولة على الطريقة ~~الاستعراضية المتباهية للنادلات - لأول وجبة غداء، قالت لي: «ثلاثة أطباق هناك؟ أوه، ~~حسنا، اثنان على الساحة الأمامية وطبقك أنت هنا. أفهمت؟» # كنت أقرأ أثناء تناول الطعام؛ إذ كنت قد وجدت كومة من المجلات القديمة - مجلات ~~«لايف»، و«لوك»، و«تايم»، و«كوليرس» - خلف خزانة المكانس. كان بإمكاني الجزم بأن ms214 السيدة ~~مونتجوي لم تكن تحبذ فكرة الجلوس وقراءة المجلات أثناء تناول غدائي، ولكنني لم أعرف ~~على وجه التحديد لماذا، هل لأن القراءة أثناء الأكل ليست من آداب الطعام، أم لأنني لم ~~أكن أستأذنها؟ على الأرجح أنها قد رأت أن اهتمامي بأشياء لم تكن لها صلة بعملي شكل ~~واضح من أشكال السفاهة، فذاك شيء غير ضروري. # كل ما كانت تقوله لي في هذا الشأن هو: «لا بد أن تلك المجلات القديمة مغبرة على ~~نحو مريع.» # فأقول إنني دائما ما أمسح عنها الغبار. # في بعض الأحيان، كانت تحل علينا ضيفة على الغداء؛ صديقة كانت تأتي من إحدى الجزر ~~القريبة. سمعت السيدة مونتجوي تقول: «... لا بد أن تجعلي فتياتك سعيدات وإلا فسوف يرحلن ~~إلى الفندق ثم إلى الميناء، ويمكنهن الحصول على وظائف هناك بسهولة، لم تعد الأمور كما ~~كانت في السابق.» # فقالت السيدة الأخرى: «هذا صحيح تماما.» # قالت السيدة مونتجوي: «لذا، عليك إعطاؤهن بعض الامتيازات، عليك أن تبذلي أقصى ما ~~لديك من جهد معهن.» استغرق مني الأمر لحظات كي أدرك عمن تتحدثان. عني. لقد كانت ~~كلمة «فتيات» تعني الفتيات أمثالي. حينئذ تساءلت ما هي تلك الامتيازات التي تعطيني ~~إياها كي أكون سعيدة وراضية عن عملي، هل هي اصطحابي في رحلة مزعجة بالقارب بين الحين ~~والآخر حين تذهب السيدة مونتجوي للحصول على مستلزماتها؟ أو السماح لي بارتداء بنطال ~~قصير وبلوزة، أو حتى صديرة، بدلا من زي رسمي بياقة وأساور بيضاء؟ # وأي فندق هذا؟ وأي ميناء؟ ~~••• # قالت ماري آن: «ما أكثر ما تجيدينه؟ ما الرياضات التي تفضلينها؟» # قلت بعد لحظات من التفكير: «الكرة الطائرة.» كان علينا أن نمارس الكرة الطائرة في ~~المدرسة. لم أكن بارعة جدا فيها، ولكنها كانت رياضتي المفضلة؛ لأنها كانت الرياضة ~~الوحيدة المتاحة. # قالت ماري آن: «أوه، لا أقصد الرياضات الجماعية. أقصد أي رياضة «تجيدينها» أكثر؟ ~~التنس، أم السباحة، أم ركوب الدراجات أم ماذا؟ إن رياضتي المفضلة حقا هي ركوب ~~الدراجات؛ لأنها لا تعتمد كثيرا على قوة الإبصار. إن رياضة العمة مارجريت ms215 المفضلة ~~هي التنس، وكذلك جدتي، وجدي دائما ما كان يمارس رياضة ركوب القوارب الشراعية، وأبي ~~يمارس السباحة على ما أعتقد، والعم ستيوارت يمارس الجولف ورياضة ركوب القوارب ~~الشراعية، وأمي تمارس الجولف والسباحة والقوارب الشراعية والتنس وكل شيء، ولكن ربما ~~يكون التنس هو أفضل ما تجيده من بينها جميعا. لا أعرف الرياضة التي كانت شقيقتي جين ~~ستفضلها لو لم تكن قد ماتت، ولكن ربما كانت السباحة؛ لأنها كانت تستطيع السباحة بالفعل ~~وهي لم تتجاوز الثالثة.» # لم أكن قد وطئت بقدمي ملعب تنس في حياتي من قبل، وكانت فكرة الخروج في قارب شراعي ~~أو امتطاء حصان تجعلني أرتعد. كنت أستطيع السباحة، ولكن لم أكن أجيد ذلك. كان الجولف ~~بالنسبة إلي شيئا يمارسه الرجال البلهاء في أفلام الكارتون. لم يكن الكبار ممن كنت ~~أعرفهم يمارسون أي ألعاب يتخللها نشاط بدني؛ فقد كانوا يجلسون وينالون قسطا من ~~الراحة حينما كانوا يكفون عن العمل، وهو الأمر الذي لم يكن يحدث كثيرا. وإن كانوا ~~في أمسيات الشتاء ربما كانوا يلعبون ألعاب الورق، مثل اليوكر واللوست إير. كانوا ~~يمارسون أنواعا من ألعاب الورق لم تمارسها السيدة مونتجوي من قبل قط. # قلت لها: «كل من أعرفهم يعملون بكد شديد؛ ما يتعذر معه ممارسة أي رياضات. إننا ~~حتى ليس لدينا ملعب للتنس في بلدتنا ولا ملعب جولف كذلك.» (في الواقع كان لدينا كلا ~~هذين الملعبين يوما ما، ولكن لم يكن يوجد المال اللازم لصيانتهما والحفاظ عليهما أثناء ~~فترة الكساد ولم يجددا منذ ذلك الحين.) وأضفت: «لا أحد ممن أعرفهم لديه قارب ~~شراعي.» # ولم أذكر أن بلدتي ليست بها حلبة للهوكي ولا ملعب للبيسبول. # قالت ماري آن في تأمل: «حقا؟ وماذا يفعلون إذن؟» ~~««يعملون.» ولا يملكون أي أموال قط طوال حياتهم.» # بعد ذلك، أخبرتها أن معظم الناس الذين أعرفهم لم يروا مرحاضا دافقا ما لم يكن في ~~بناية عامة، وأنه في بعض الأحيان كان المسنون (أي الأشخاص الذين وصلوا إلى سن يعجزون ~~معها عن العمل) يضطرون لملازمة الفراش طوال الشتاء ms216 لكي يبقوا دافئين. وكان الأطفال ~~يسيرون حفاة الأقدام حتى يأتي الصقيع للحفاظ على جلد أحذيتهم، وكانوا يموتون من آلام ~~المعدة التي كانت في الحقيقة التهابا في الزائدة الدودية؛ لأن آباءهم لم يكونوا ~~يملكون أي أموال يدفعونها للطبيب. وفي بعض الأحيان، كان الناس لا يأكلون شيئا سوى ~~أوراق الهندباء البرية على العشاء. # لم تكن أي من هذه العبارات - حتى تلك الخاصة بأوراق الهندباء البرية - غير صحيحة. ~~فقد سمعت عن مثل هذه الأمور. وربما تكون تلك المتعلقة بالمراحيض الدافقة هي الأقرب إلى ~~الحقيقة، ولكنها كانت تنطبق على أهل الريف، وليس أهل البلدة، ومعظم من كانت تنطبق عليهم ~~كانوا من الجيل السابق على جيلي. ولكن بينما كنت أتحدث إلى ماري آن، كانت تتكشف لي في ~~عقلي كل الوقائع المفردة والقصص الغريبة التي كنت قد سمعتها، حتى إنني كدت أصدق ~~أنني كنت أسير بقدمين حافيتين مزرقتين على الوحل البارد؛ أنا التي استفدت من زيت ~~كبد الحوت واللقاحات وكنت أتدثر بالملابس الدافئة وأنا ذاهبة إلى المدرسة، وكنت أنام ~~وأنا جائعة فقط لرفضي تناول أصناف مثل حلوى اللبن المخثر المحلى أو بودنج الخبز أو ~~الكبدة المقلية. وبدا هذا الانطباع المزيف الذي كنت أعطيه أن يكون له ما يبرره، وكأن ~~المبالغات أو شبه الأكاذيب التي كنت أقولها كانت بدائل لشيء لم أستطع توضيحه. # كيف لي أن أوضح، على سبيل المثال، الفارق بين مطبخ آل مونتجوي ومطبخنا في المنزل؟ لم ~~يكن يمكنك أن توضح ذلك ببساطة بالإشارة إلى أسطح الأرضيات الجديدة واللامعة لأحدهما ~~ومشمع الأرضيات البالي للآخر، أو حقيقة أن الماء اليسر كان يضخ من خزان إلى ~~الحوض مقارنة بالماء الساخن والبارد الذي يتدفق من الصنابير. كنت ستقول إن لديك في ~~حالة من الحالتين مطبخا يتبع بدقة مطلقة المفهوم الحديث لما ينبغي أن يكون عليه ~~المطبخ، وفي الأخرى مطبخا كان يتغير بين الحين والآخر مع الاستخدام والارتجال، ولكنه ~~لم يتغير مطلقا من عدة جوانب، وكان مملوكا لعائلة واحدة وللسنوات والعقود التي ~~امتدت عبرها حياة تلك العائلة. وحين فكرت ms217 في ذلك المطبخ، بموقده الذي كان يعمل ~~بالخشب والكهرباء الذي كنت أصقله بأغلفة الخبز الورقية المشمعة، وصفائح التوابل القديمة ~~الداكنة اللون بحروفها الصدئة التي يحتفظ بها من العام إلى العام في خزانات المطبخ، ~~وملابس الإسطبل المعلقة بجوار الباب، بدا وكأن علي أن أحميه من الازدراء؛ كأن علي ~~أن أحمي أسلوبا معيشيا قيما وحميما، وإن لم يكن مبهجا، من الازدراء. لقد كان ~~الازدراء هو ما كنت أتخيله في الانتظار دائما، يتأرجح على حبال متحركة، تماما تحت ~~الجلد وفيما وراء مدارك الناس من أمثال آل مونتجوي. # قالت ماري آن: «هذا ليس عدلا. هذا بشع. لم أكن أعلم أن الناس يمكن أن يأكلوا أوراق ~~الهندباء البرية.» ولكن بعد ذلك تهلل وجهها وقالت: «لماذا لا يذهبون ويصيدون بعض ~~الأسماك؟» ~~«لأن الناس الذين ليسوا بحاجة إلى لأسماك جاءوا واصطادوها جميعا بالفعل، أعني ~~الأثرياء، على سبيل اللهو.» # بالطبع كان بعض الناس في موطني يصطادون الأسماك عندما يكون لديهم وقت، على الرغم من ~~أن البعض الآخر، بمن فيهم أنا، وجدوا أن الأسماك الموجودة في نهرنا هزيلة جدا. ولكنني ~~اعتقدت أن ذلك كان سيسكت ماري آن، لا سيما عندما علمت أن السيد مونتجوي كان يذهب ~~في رحلات لصيد الأسماك مع أصدقائه. # ولم تستطع الكف عن التفكير في المشكلة. وقالت: «ألم يكن باستطاعتهم الذهاب إلى جيش ~~الخلاص؟» ~~«إنهم غاية في الإباء والاعتداد بالنفس.» # فقالت: «أشعر بالأسف والأسى من أجلهم. إنني أشعر بالأسف حقا من أجلهم، ولكنني أظن ~~أن هذا غباء منهم. فماذا عن الرضع والأطفال الصغار؟ كان لا بد أن يفكروا بشأنهم. ~~هل الأطفال أيضا غاية في الاعتداد بالنفس؟» ~~«الجميع معتدون بأنفسهم.» ~~••• # عندما كان السيد مونتجوي يأتي إلى الجزيرة في عطلات نهاية الأسبوع، دائما ما كان ~~ثمة قدر كبير من الضجيج والحركة. كان بعض من ذلك يعزى إلى وجود ضيوف كانوا يأتون ~~بالقارب للسباحة وتناول الشراب ومشاهدة سباقات القوارب الشراعية. ولكن الكثير منه كان ~~مصدره هو السيد مونتجوي نفسه؛ فقد كان له صوت عال صاخب كالعاصفة وجسد مكتنز ذو ms218 بشرة ~~لم تكتسب أي سمرة من قبل قط؛ ففي عطلة كل أسبوع كان يتحول لونه إلى الأحمر بفعل ~~الشمس، وخلال الأسبوع كان الجلد المسفوع يتقشر تاركا إياه بلون وردي يعكره النمش ~~وجاهزا للسفع مرة أخرى. وحينما كان يخلع نظارته، كان بإمكانك أن ترى أن إحدى عينيه ~~تطرف بسرعة وبها حول، والأخرى ذات لون أزرق جريء ولكنها تحمل نظرة بائسة، وكأنه قد ~~وقع في شرك. # كان صياحه غالبا ما يكون بشأن أشياء وضعها في غير موضعها، أو أوقعها ، أو اصطدم بها. ~~فكان يقول: «أين ... بحق الجحيم؟»، أو «ألم يتصادف أن رأيت ...؟» ولذا بدا لي أنه كان ~~أيضا يخطئ حتى، أو يعجز من الأساس، عن إدراك اسم الشيء الذي كان يبحث عنه. ولكي يواسي ~~نفسه، قد يأخذ حفنة من الفول السوداني أو قطع البسكويت المملح أو أي شيء قريب منه، ~~ويظل يأكل الحفنة تلو الأخرى إلى أن تنتهي جميعا. بعدها كان يحملق في الطبق الخاوي ~~وكأن في ذلك ما أدهشه أيضا. # في صباح أحد الأيام سمعته يقول: «والآن أين بحق الجحيم ذلك ...؟» وكان يجوب الساحة ~~الأمامية للمنزل محدثا الكثير من الضجيج. # قالت السيدة مونتجوي في نبرة من السيطرة الرائعة: «كتابك؟» وكانت تتناول قهوة ما قبل ~~الظهر. # فقال: «أظن أنه هنا، فقد كنت أقرؤه.» # فقالت: «أتقصد كتاب الشهر؟ أظن أنك قد تركته في غرفة المعيشة.» # وكانت على حق؛ فقد كنت أنظف غرفة المعيشة بالمكنسة الكهربائية، وقبل بضع لحظات كنت ~~قد التقطت كتابا دفع جزء منه تحت الأريكة. كان عنوانه «سبع حكايات قوطية»، ~~وعنوانه جعلني أرغب في فتحه، وحتى بينما كنت أسترق السمع لحديث الزوجين مونتجوي كنت ~~أقرأ، حاملة الكتاب مفتوحا في يد وبالأخرى أوجه المكنسة الكهربائية. لم يكن ~~بإمكانهما أن يرياني من الساحة الأمامية للمنزل. # قالت ميرا: «كلا، أنا أتحدث من القلب. لقد كنت أحاول لوقت طويل أن أفهم ~~الرب. والآن صرت صديقة له. ولكي تحبه بحق، لا بد أن تحب التغيير، ولا بد أن ~~تحب الدعابة، لكون تلك هي النوازع الحقيقية لقلبه.» ms219 # قال السيد مونتجوي الذي دخل إلى الغرفة بغرابة، دون أصوات القرع والارتطام المعتادة ~~منه، أو أنني على الأقل لم أسمع أيا منها: «ها هو هناك. يا لك من فتاة طيبة! لقد ~~وجدت كتابي. تذكرت الآن. في الليلة الماضية كنت أقرؤه على الأريكة.» # فقلت: «كان على الأرض، لقد التقطته لتوي.» # لا بد أنه قد رآني وأنا أقرؤه. وقال: «إنه نوع غريب من الكتب، ولكن أحيانا ما ~~ترغبين في قراءة كتاب ليس ككل الكتب الأخرى.» # قالت السيدة مونتجوي التي دخلت حاملة صينية القهوة: «لم أستطع أن أفهم منه شيئا. ~~علينا الخروج من هنا لندعها تستكمل التنظيف.» # عاد السيد مونتجوي إلى البر الرئيسي، وإلى المدينة، في مساء ذلك اليوم. كان يعمل مدير ~~بنك، وعلى ما يبدو أن ذلك لم يكن يعني أنه كان يعمل في بنك. وفي اليوم التالي لرحيله ~~أخذت أبحث في كل مكان؛ بحثت أسفل الكراسي، وخلف الستائر، لعله قد ترك ذلك الكتاب، ~~ولكن دون أن أتمكن من العثور عليه. ~~••• # قالت السيدة فولي: «دائما ما كنت أرى أنه سيكون من اللطيف أن أعيش هنا طوال العام ~~مثلما تفعلون أنتم.» لا بد أنها قد تعرفت علي بوصفي الفتاة التي تحضر البقالة. وفي ~~بعض الأيام، كانت تقول لي: «أنا أعرف الآن من أنت. أنت الفتاة الجديدة التي تساعد ~~السيدة الهولندية في المطبخ. ولكن أنا آسفة، لا أستطيع أن أتذكر اسمك.» وفي أيام ~~أخرى، كنت أمر بجانبها دون أن تلقي علي أي تحية أو تظهر أدنى اهتمام ~~بي. # كانت تقول: «لقد اعتدنا أن نأتي إلى هنا في الشتاء؛ فالخليج يتجمد ويكون ثمة ~~طريق عبر الجليد. وكنا معتادين أن نتزلج بحذاء الثلج. لم يعد الناس يفعلون ذلك الآن. ~~أليس كذلك؟ أيتزلجون بحذاء الثلج؟» # لم تنتظر مني إجابة. فمالت نحوي وقالت في حرج، متحدثة بصوت شبه هامس: «أيمكنك أن ~~تخبريني بشيء؟ هل يمكنك أن تخبريني أين جين؟ لم أرها تجري حولي هنا منذ زمن ~~طويل؟» # فقلت لها إنني لا أعرف. فابتسمت كما لو كنت أهزأ بها، ms220 ومدت إحدى يديها لتلمس وجهي. ~~كنت منحنية لكي أسمعها، ولكن حينئذ اعتدلت في وقفتي، ولامست يدها صدري. كان يوما ~~حارا وكنت أرتدي صديرتي؛ ومن ثم تصادف أن لمست جلدي. كانت يدها خفيفة وجافة ~~كنشارة الخشب، ولكن الظفر خدشني. # فقالت: «أنا واثقة من أن كل شيء على ما يرام.» # بعد ذلك، كنت أكتفي بالتلويح بيدي لها عندما كانت تتحدث إلي وأمضي في طريقي ~~مسرعة. ~~••• # في عصر أحد أيام السبت في نهاية شهر أغسطس، أقام آل مونتجوي حفل كوكتيل . أقيم الحفل ~~على شرف الأصدقاء المقيمين لديهم في عطلة ذلك الأسبوع؛ السيد والسيدة هاموند. كان ~~ثمة الكثير من الشوك والملاعق الفضية الصغيرة التي ينبغي تلميعها استعدادا لهذا ~~الحدث؛ لذا قررت السيدة مونتجوي أن جميع الفضيات يمكن أن تلمع في نفس الوقت. فقمت ~~بالتلميع وكانت تقف بجانبي وأنا أفعل ذلك. # في يوم الحفل وصل المدعوون في قوارب بخارية وقوارب شراعية، وذهب البعض منهم ~~للسباحة، ثم جلسوا حول الصخور بملابس السباحة، أو استلقوا على رصيف القوارب تحت ~~الشمس. فيما صعد آخرون إلى المنزل مباشرة وراحوا يشربون ويتحدثون في غرفة المعيشة ~~أو في الساحة الأمامية للمنزل. وجاء بعض الأطفال مع آبائهم، وجاء أطفال أكبر سنا ~~بمفردهم، في قواربهم الخاصة. لم يكونوا أطفالا في سن ماري آن التي اصطحبت للجلوس ~~مع صديقتها سوزان في جزيرة أخرى. كان ثمة بعض الأطفال الصغار للغاية، الذين جاءوا ~~مزودين بمهاد قابلة للطي وأقفاص لعب، إلا أن معظمهم كانوا في نفس سني، صبيان ~~وفتيات في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وقد قضوا معظم فترة ما بعد الظهيرة في ~~الماء، يصيحون ويغوصون ويتسابقون للوصول إلى الطوف. # كنت أنا والسيدة مونتجوي منشغلتين طوال فترة الصباح في إعداد مختلف أنواع الأطعمة، ~~والتي كنا نرتبها في أطباق ونقدمها للضيوف. كان إعداد الطعام عملا شاقا ~~ومنهكا؛ من حشو لخلطات متنوعة في وحدات عيش الغراب، ووضع شريحة صغيرة من أحد ~~الأصناف فوق شريحة صغيرة من صنف آخر فوق قطعة مضبوطة من التوست أو الخبز. كان يجب ~~أن ms221 تكون كل الأشكال مضبوطة؛ مثلثات مضبوطة، ودوائر ومربعات مضبوطة، ومعينات ~~مضبوطة. # دخلت السيدة هاموند إلى المطبخ عدة مرات وأبدت إعجابها بما كنا نفعله. # فقالت: «كم يبدو كل شيء رائعا! لعلكما تلاحظان أنني لم أعرض المساعدة، فأنا جاهلة ~~تماما في مثل هذه الأمور.» # أعجبني أسلوبها في قول ذلك، «أنا جاهلة تماما»، أعجبني صوتها الأجش، ونبرتها المرحة ~~المشوبة بالتعب، وطريقتها التي بدت بها تشير إلى أن أشكال الطعام الهندسية الدقيقة لم ~~تكن ضرورية، بل وقد تكون سخيفة وتافهة. تمنيت لو كنت هي، برداء سباحة أملس أسود ~~اللون، وسمرة تشبه التوست الأسمر، وشعر داكن ناعم منسدل حتى كتفيها، وأحمر شفاه ذي ~~لون أرجواني خفيف. # لم يكن هذا يعني أنها بدت سعيدة، ولكن طابع التجهم والتذمر الذي تميزت به بدا ~~لي جذابا، وتلميحاتها الدرامية الكئيبة كانت مثار حسد من جانبي. كانت هي وزوجها ~~نوعية مختلفة تماما من الأثرياء مقارنة بالسيد والسيدة مونتجوي؛ فقد كانا أقرب إلى ~~الأشخاص الذين كنت أقرأ عنهم في الأخبار بالمجلات وفي الكتب على شاكلة كتاب «الباعة ~~المتجولون»؛ أي من تلك النوعية من الناس الذين يكثرون من الشرب ولهم الكثير من ~~العلاقات الغرامية ويذهبون إلى الأطباء النفسيين. # كان اسمها كارول، وكان زوجها يدعى إيفان. كانا يردان بخاطري باسميهما الأولين، ~~وهذا شيء لم أحاول قط فعله مع آل مونتجوي. # طلبت مني السيدة مونتجوي أن أرتدي ثوبا، فارتديت الثوب القطني ذا الخطوط القرنفلية ~~والبيضاء، موارية الجزء الملطخ عند الخصر أسفل الحزام ذي الرباط المرن. كان جميع ~~الحاضرين يرتدون بناطيل قصيرة وأردية السباحة. وأخذت أمر بينهم أقدم الطعام. لم ~~أكن أعرف كيفية القيام بذلك؛ ففي بعض الأحيان كان الناس يضحكون أو يتحدثون بحرارة ~~بالغة لدرجة أنهم لم يكونوا يلاحظونني، وكنت أخشى أن تتسبب حركات أيديهم في الإطاحة ~~بقطع الطعام؛ لذا كنت أقول: «معذرة، أتود واحدة من هذه؟» بصوت مرتفع بدا غاية في ~~الحسم أو حتى التعنيف. حينها كانوا ينظرون إلي بتندر مشوب بالدهشة، وراودني شعور ~~بأن مقاطعتي قد أصبحت مزحة أخرى لهم. # قالت السيدة ms222 مونتجوي: «كفى مرور الآن.» وجمعت بعض الكئوس وطلبت مني غسلها، قائلة: ~~«الناس لا يلقون بالا لكئوسهم إطلاقا. من الأسهل أن تغسليها وتحضري كئوسا نظيفة. ~~حان الآن وقت إخراج كرات اللحم من الثلاجة وتسخينها، هل يمكنك القيام ذلك؟ راقبي ~~الموقد؛ فالأمر لن يستغرق طويلا.» # وبينما كنت مشغولة في المطبخ، إذا بي أسمع السيدة هاموند تنادي: «إيفان! إيفان!» ~~كانت تجوب الغرف الخلفية للمنزل. ولكن السيد هاموند دخل عبر باب المطبخ المؤدي إلى ~~الغابة، ووقف هناك ولم يجبها. وأقبل نحو النضد وصب بعضا من خمر الجين في ~~كأسه. # قالت السيدة هاموند قادمة من غرفة المعيشة: «أوه، إيفان، ها أنت هنا.» # فقال السيد هاموند: «ها أنا هنا.» # فقالت: «وأنا أيضا.» ودفعت كأسها عبر النضد. # ولم يلتقطها، بل دفع زجاجة الجين نحوها وتحدث إلي قائلا: «هل تستمتعين بوقتك يا ~~ميني؟» # فأطلقت السيدة هاموند ضحكة أقرب إلى العواء قائلة: «ميني؟ من أين جاء لك أن اسمها ~~ميني؟» # فقال السيد هاموند، إيفان، متحدثا بصوت حالم مصطنع: «ميني، هل تستمتعين بوقتك يا ~~ميني؟» # قلت بصوت قصدت أن أجعله مصطنعا كصوته: «أوه، نعم.» كنت مشغولة برفع كرات اللحم ~~السويدية الصغيرة من الموقد وأردت أن أزيح السيد هاموند من طريقي تحسبا لوقوع بعضها ~~مني؛ فقد كانا سيعتقدان أن تلك مزحة كبيرة وقد يبلغان عني السيدة مونتجوي، التي ~~بدورها ستجعلني ألقي كرات اللحم التي سقطت وتنزعج من الفاقد من الكرات. فلو كنت وحدي ~~حين حدث ذلك، لكان بإمكاني أن أزيلها عن الأرض بالجاروف فحسب. # قال السيد هاموند: «عظيم.» # قالت السيدة هاموند: «لقد كنت أسبح حول المنطقة. إنني أطور أدائي لكي أسبح حول ~~الجزيرة بأكملها.» # فقال السيد هاموند: «تهانئي لك»، وقالها بنفس الأسلوب الذي قال به «عظيم.» # تمنيت لو لم يكن صوتي بهذه النبرة المرحة والمضحكة، كنت أتمنى لو حاكيت نبرته ~~الشديدة الارتياب والحنكة. # قالت السيدة هاموند، كارول: «حسنا إذن، سوف أترك الأمر لك.» # كنت قد بدأت في وضع أعواد الأسنان في كرات اللحم وترتيبها على أحد الأطباق حين قال ~~إيفان: «أتريدين ms223 بعض المساعدة؟» وحاول أن يفعل مثلما أفعل، ولكن أعواد الأسنان الخاصة ~~به لم توضع على نحو مناسب، مفككة كرات اللحم على النضد. # فقال: «حسنا»، ولكنه بدا وقد فقد تسلسل أفكاره؛ ومن ثم انصرف بعيدا وتناول ~~كأسا أخرى، وقال: «حسنا يا ميني.» # كنت أعرف شيئا ما عنه. كنت أعرف أن السيد والسيدة هاموند كانا هنا في إجازة خاصة؛ ~~لأن السيد هاموند قد فقد وظيفته. كانت ماري آن هي من أخبرني بذلك، حيث قالت: «إنه ~~مكتئب جدا بسبب ذلك ، ولكنهما لن يصبحا فقراء؛ فالعمة كارول ثرية.» # لم يكن يبدو لي مكتئبا، بدا جزعا نافد الصبر - لا سيما مع السيدة هاموند - ولكن ~~بصفة عامة كان سعيدا بنفسه. كان طويل القامة نحيل القوام، وله شعر داكن ممشط إلى الخلف ~~من عند الجبهة في خط مستقيم، وكان شاربه عبارة عن خط مثير للضحك فوق شفته العليا. ~~حين كان يتحدث إلي، مال للأمام، مثلما رأيته يفعل في وقت سابق حين كان يتحدث إلى ~~السيدات في غرفة المعيشة، حتى إنني فكرت حينها أن الوصف الذي ينطبق عليه هو أنه ~~«مجامل». ~~«أين تذهبين للسباحة يا ميني؟ هل تمارسين السباحة؟» # قلت: «أجل، بجوار مستودع القوارب.» وقررت أن اسم ميني الذي يدعوني به كان بمنزلة ~~دعابة خاصة بيننا. ~~«أهو مكان جيد؟» # فأجبت: «أجل.» كان جيدا بالنسبة إلي؛ لأنني كنت أفضل أن أكون قريبة من رصيف ~~القوارب، ولم يسبق لي مطلقا، قبل ذلك الصيف، أن سبحت في مياه تعلو مستوى ~~رأسي. ~~«هل دخلت المياه من قبل دون ارتداء رداء السباحة خاصتك؟» # قلت: «كلا.» ~~«لا بد أن تجربي ذلك.» # وجاءت السيدة مونتجوي عبر مدخل غرفة المعيشة متسائلة إن كانت كرات اللحم ~~جاهزة. # قالت: «هذا الجمع جائع بالتأكيد، إن هذا من أثر السباحة. كيف حالك يا إيفان؟ لقد ~~كانت كارول تبحث عنك للتو.» # قال السيد هاموند: «كانت هنا.» # أخذت السيدة مونتجوي تنثر البقدونس هنا وهناك بين كرات اللحم، ثم قالت مخاطبة إياي: ~~«والآن أظن أنك قد انتهيت من كل ما يجب عليك فعله ms224 هنا. أعتقد أن بإمكاني تسيير ~~الأمور بعد ذلك، فلماذا لا تصنعين لنفسك شطيرة وتهرعين إلى مستودع القوارب؟» # فقلت إنني لست جائعة. أعد السيد هاموند لنفسه كأسا من الجين مع بعض مكعبات الثلج ~~ودخل إلى غرفة المعيشة. # قالت السيدة مونتجوي: «حسنا، من الأفضل أن تأخذي شيئا معك؛ لأنك سوف تشعرين ~~بالجوع لاحقا.» # كانت تقصد أنني لن أعود. # في طريقي إلى مستودع القوارب التقيت اثنتين من الضيوف؛ فتاتين في نفس سني، ~~حافيتي الأقدام وفي أردية السباحة المبتلة وتضحكان في لهاث. لعلهما كانتا تسبحان حول ~~الجزيرة وخرجتا من الماء عند مستودع القوارب. كانتا في تلك اللحظة تتسللان لمفاجأة شخص ~~ما. فأفسحا مكانا لي في حياء كي لا تتساقط منهما قطرات ماء علي، ولكنهما لم تكفا ~~عن الضحك. وبينما كانتا تفسحان مجالا لي، لم تنظرا إلى وجهي ولو بلمحة خاطفة. # كانتا من نوعية الفتيات اللاتي كن سيصحن بصرخات حادة ويحدثن جلبة من حولي، لو ~~كنت قطة أو كلبة. ~~••• # استمر ضجيج الحفل في التصاعد، فاستلقيت على سريري دون أن أخلع ثوبي، فلم أكف عن ~~الحركة منذ الصباح الباكر وكنت متعبة، ولكن لم أستطع أن أسترخي، وبعد فترة وجيزة ~~نهضت من سريري واستبدلت بثوبي ثوب السباحة ونزلت للسباحة. نزلت من السلم إلى داخل ~~الماء بحذر مثلما كنت أفعل دائما - فقد كنت أظن أنني سأهبط مباشرة إلى الأعماق ولن ~~أخرج أبدا لو قفزت - وأخذت أسبح في الظل. جعلتني المياه التي كانت تغسل أطرافي أفكر ~~فيما قاله السيد هاموند؛ ومن ثم فككت أربطة ثوب السباحة خاصتي، وأخيرا جذبت ذراعا ~~تلو الأخرى حتى يستطيع ثدياي أن يطفوا بحرية. وأخذت أسبح على هذا النحو بينما المياه ~~تنشق بعذوبة عند حلمتي ... # جال بخاطري أن من الممكن أن يأتي السيد هاموند للبحث عني، تخيلته يلمسني. (لم ~~أستطع أن أفكر تحديدا كيف كان سيدخل الماء؛ فلم أكن أعبأ بتخيله وهو ينزع عن نفسه ~~ملابسه. ربما كان سيجلس القرفصاء على السطح وأسبح أنا نحوه.) كانت أصابعه تمس جلدي ~~العاري مثل شرائط من الضوء. كانت ms225 فكرة أن أكون مرغوبة من رجل في هذا العمر - ترى في ~~الأربعين أم في الخامسة والأربعين؟ - وأن يلمسني فكرة مثيرة للاشمئزاز بطريقة ما، إلا ~~أنني كنت أعرف أنني كنت سأستمد منها المتعة، مثلما قد تجد متعة في أن تمس من قبل ~~تمساح مستأنس. ربما كان جلد السيد هاموند - إيفان - أملس، ولكن السن والمعرفة ~~والفساد الأخلاقي كانت ستصبح أشبه ببثور وحراشف غير مرئية عليه. # واتتني الجرأة كي أرفع نفسي من الماء على نحو جزئي، متشبثة بالرصيف بإحدى يدي . ~~أخذت أصعد وأهبط في تمايل وأرتفع في الهواء مثل عروس البحر. كنت كالوميض الذي يبرق في ~~الهواء دون أن يراني أحد. # بعدها سمعت صوت خطوات، سمعت صوت شخص ما قادم، فغطست داخل الماء وظللت هناك بلا ~~حرك. # اعتقدت للحظة أنه السيد هاموند، وأنني قد دخلت بالفعل عالم الإشارات السرية، عالم ~~الهجمات المفاجئة والصامتة للرغبة. لم أغط نفسي، وإنما انكمشت أمام الرصيف في لحظة ~~تعجيزية من الذعر والخضوع. # أضيئ مصباح مستودع القوارب، واستدرت في هدوء داخل الماء ورأيت أن هذا الشخص كان ~~السيد فولي العجوز، والذي كان لا يزال في ثياب الحفل المكونة من بنطال أبيض وقبعة ~~بحرية وسترة. جلس لتناول كأسين من الشراب وأوضح لجميع الحضور أن السيدة فولي ليست ~~مؤهلة لإجهاد رؤية العديد من الناس، ولكنه أبلغ أطيب تمنياتها للجميع. # كان يفتش في الأشياء الموجودة على رف الأدوات، وسرعان ما وجد ما أراد، أو ربما ~~يكون قد أعاد ما كان يعتزم إعادته، وأطفأ النور وغادر المكان دون أن يدري مطلقا ~~بوجودي هناك. # رفعت ثوب السباحة خاصتي لأعلى وخرجت من الماء وصعدت الدرج. كان جسدي يبدو كثقل ~~بالنسبة إلي لدرجة أنني كنت ألهث حين وصلت إلى أعلى. # تواصل صوت ضجيج الحفل، وكان علي أن أفعل شيئا لكي أتمالك نفسي أمامه، فما كان ~~مني سوى أن بدأت في كتابة خطاب إلى صديقتي داونا التي كانت أقرب صديقاتي إلي في ذلك ~~الوقت. ورحت أصف الحفل بألفاظ شنيعة؛ أشخاص يتقيئون على سور رصيف القوارب، وامرأة ~~أغمي ms226 عليها؛ ما جعلها تخر ساقطة على الأريكة بطريقة جعلت جزءا من ثوبها ينزلق ~~كاشفا عن ثدي عجوز ذي حلمة بنفسجية اللون. وتحدثت عن السيد هاموند وقلت عنه إنه ~~رجل شهواني، وإن كنت قد أضفت أنه وسيم جدا. أخبرتها أنه كان يلاطفني في المطبخ ~~بينما كانت يداي منشغلتين بكرات اللحم وأنه فيما بعد تبعني إلى مستودع القوارب وأمسك ~~بي على الدرج، ولكنني ركلته حيثما لن ينسى؛ مما جعله يتراجع، وهو ما عبرت عنه بكلمة ~~«عدا مسرعا». # واصلت الكتابة قائلة: «احبسي أنفاسك للحلقة التالية التي بعنوان «مغامرات منحطة ~~لخادمة مطبخ»، أو «اعتداء على صخور الخليج الجورجي».» # حين رأيت أنني قد كتبت «اعتداء» بدلا من «اغتصاب»، خطر لي أن بإمكاني أن أتغاضى عن ~~التصحيح؛ لأن داونا لم تكن لتدرك الفارق مطلقا. ولكنني أدركت أن الجزء الخاص بالسيد ~~هاموند كان مبالغا فيه، حتى بالنسبة إلى ذلك النوع من الخطابات، وحينها، ملأني الخطاب ~~بأكمله بالخزي وبإحساس من الفشل والوحدة، وما لبثت أن قطعته. لم يكن ثمة أي مغزى ~~من كتابة هذا الخطاب سوى طمأنة نفسي بأن لدي اتصالا بالعالم وأن أشياء مثيرة - أو ~~بالأحرى أشياء جنسية - قد حدثت لي. ولم يكن هذا أو ذاك صحيحا. ~~••• # بينما كنت أنا والسيدة مونتجوي نلمع الفضيات، أو بالأحرى حينما كانت تراقبني وأنا ~~ألمعها، أخبرتها قائلة: «لقد سألتني السيدة فولي عن جين، أكانت جين واحدة من ~~الفتيات اللاتي كن يعملن هنا في الصيف؟» # للحظة ظننت أنها ربما لن تجيب، ولكنها أجابت. # قالت: «جين هي ابنتي الأخرى، شقيقة ماري آن، وقد ماتت.» # فقلت: «أوه، لم أكن أعرف. أوه، أنا آسفة.» # ولما لم يكن لدي من الذكاء، أو بالأحرى الكياسة، لكيلا أستمر في الحديث، وجدتني ~~أقول: «أتوفيت بسبب شلل الأطفال؟» وفي تلك الأيام كان الأطفال لا يزالون يموتون ~~بسبب شلل الأطفال كل صيف. # قالت السيدة مونتجوي: «كلا، لقد لقيت مصرعها حينما كان زوجي يحرك التسريحة في غرفة ~~نومنا؛ كان يبحث عن شيء ظن أنه ربما يكون قد أوقعه خلفها، ولم يكن يعلم ms227 أن جين في ~~طريقه، فاشتبكت إحدى عجلات التسريحة بالسجادة ووقعت بأكملها عليها.» # بالطبع كنت أعلم كل شيء عن هذا الأمر؛ إذ كانت ماري آن قد أخبرتني به سابقا. بل ~~أخبرتني به حتى قبل أن تسألني السيدة فولي عن جين وتخدش صدري. # قلت: «يا للبشاعة!» ~~«حسنا. إنه واحد فقط من تلك الأشياء.» # أصابني ما مارسته من خداع عليها بالاضطراب، ما جعلني أوقع شوكة على الأرض. # فالتقطتها السيدة مونتجوي. ~~«لا تنسي أن تغسلي هذه مرة أخرى.» # كم كان غريبا أنني لم أشك في حقي في التدخل والتطفل وإثارة هذا الأمر مرة ~~أخرى، لا بد أن جزءا من السبب كان يكمن في المجتمع الذي جئت منه، والذي كانت مثل هذه ~~الأمور لا تدفن فيه للأبد، ولكنها تثار كنوع من الطقوس الدينية، وكانت مثل هذه ~~الفظائع بمنزلة شارة يرتديها الناس - أو ترتديها النساء في الأغلب - على مدار ~~حياتهم. # كذلك قد يعزى ذلك إلى أنني لم أكن لأهدر الفرصة قط حين يتعلق الأمر بحميمية قاسية، ~~أو على الأقل نوع من المساواة، حتى ولو كانت مع شخص لم أكن أحبه. # كانت القسوة شيئا لم أكن أعترف به في نفسي، فلم أظن نفسي ملومة هنا، ولا في ~~تعاملاتي مع هذه العائلة. وكل ذلك لكوني صغيرة، وفقيرة، وعلى دراية بأمر ~~نوسيكا. # لم تكن لدي الرغبة أو الجلد لكي أكون خادمة. ~~••• # في آخر يوم أحد لي مع آل مونتجوي، كنت بمفردي في مستودع القوارب أحزم أشيائي في ~~الحقيبة التي كنت قد أحضرتها، وكانت نفس الحقيبة التي كانت مع أبي وأمي في رحلة ~~زفافهما وحقيبة السفر الوحيدة التي كانت لدينا في المنزل. حين سحبتها من أسفل سريري ~~وفتحتها، فاحت منها رائحة المنزل؛ عبق الخزانة الكائنة في نهاية ردهة الطابق العلوي ~~حيث موضعها المعتاد، بالقرب من معاطف الشتاء المنثورة بكرات النفتالين والغطاء المطاطي ~~الذي كان يستخدم على أسرة الأطفال. ولكن حين كنت أخرجها في المنزل، دائما ما ~~كانت تفوح منها رائحة خفيفة للقطارات ونيران الفحم والمدن؛ رائحة الأسفار ~~والرحلات. # سمعت خطوات ms228 على الممر، صوت خطوة متعثرة داخل مستودع القوارب، وطرقا على الحائط. ~~كان السيد مونتجوي. ~~«هل أنت هناك؟ هل أنت هناك؟» # كان صوته هادرا ومرحا مثلما سمعته من قبل حينما كان يشرب، وكان بالطبع يشرب؛ حيث ~~وجد زوار مرة أخرى للاحتفال بنهاية الصيف؛ فصعدت إلى قمة الدرج، كان يتكئ ~~بإحدى يديه على الحائط لكي يوازن نفسه؛ إذ كان ثمة قارب يمر بجوارنا عبر القناة ~~ويبعث بأمواجها نحو مستودع القوارب. # قال السيد مونتجوي وهو ينظر إلي بتركيز مشوب بالتجهم والعبوس: «انظري هنا. ~~انظري هنا. فكرت أنني يمكنني أن أنزل هذا وأعطيك إياه بينما كنت أفكر به. هذا ~~الكتاب.» # كان يحمل كتاب «سبع حكايات قوطية». # وأردف قائلا: «لقد رأيتك تطلعين عليه في ذلك اليوم، وبدا لي أنك كنت مهتمة به. ~~والآن بعد أن انتهيت منه، أظن أنني يمكنني أن أعطيك إياه. لقد خطر لي أن أعطيك ~~إياه. أعتقد أنك قد تستمتعين به.» # فقلت: «أشكرك.» ~~«إنني على الأرجح لن أقرأه مرة ثانية رغم أنني أظنه مشوقا جدا. إنه بعيد تماما ~~عن المألوف.» ~~«شكرا جزيلا لك.» ~~«لا عليك. أعتقد أنك قد تستمتعين به.» # قلت: «أجل.» ~~«حسنا إذن. أتمنى ذلك.» ~~«أشكرك.» # فقال: «حسنا إذن، وداعا.» # فقلت: «أشكرك. وداعا.» # لماذا كنا نقول وداعا في حين أننا كنا على يقين من أن أحدنا سيرى الآخر مرة ~~أخرى قبل أن أغادر الجزيرة، وقبل أن أستقل القطار؟ ربما كان يعني أن هذه الواقعة، ~~واقعة إعطائي الكتاب، سوف تبقى طي الكتمان، ولن أذكرها لأحد أو أشير إليها، وهو ما ~~لم أفعله، أو ربما كان كل ما في الأمر أنه كان ثملا ولا يدرك أنه سيراني لاحقا. ~~وسواء كان ثملا أم لا، فإنني أراه الآن منزها عن أي أغراض، عندما كان متكئا على ~~حائط المستودع وأعطاني الهدية، كان مجرد شخص استطاع أن يظنني جديرة بهذه الهدية؛ جديرة ~~بهذا الكتاب. # غير أنني في لحظتها لم أشعر بسعادة أو امتنان خاص، على الرغم من تكرار شكري له؛ فقد ~~راودني شعور بالغ بالذهول، وبالإحراج نوعا ms229 ما، كانت فكرة تسليط الضوء على جانب صغير ~~مني وأن أجد من يفهمني بحق تثير انزعاجي مثلما كان عدم الانتباه لي يثير استيائي، ~~وربما كان السيد مونتجوي على الأرجح هو أقل شخص أثار اهتمامي، وأكثر من كان تقديره لا ~~يعني لي الكثير من بين كل من قابلتهم خلال ذلك الصيف. # وغادر المستودع وسمعته يمشي بتثاقل وجلبة عبر الممر عائدا إلى زوجته وضيوفه. ~~دفعت الحقيبة جانبا وجلست على السرير، وفتحت الكتاب في أي موضع مثلما فعلت في ~~المرة الأولى وبدأت في القراءة. # كانت جدران الغرفة مطلية فيما سبق باللون القرمزي، ولكن مع الوقت بهت ~~اللون متحولا إلى تدرجات وفيرة من الألوان، مثل كوب مليء بالزهور الذابلة ... ~~كان ثمة مزيج من أوراق الورد المجففة تحترق على الموقد الطويل، الذي ~~على جانبيه كان يقود نبتون، ومعه رمحه الثلاثي الأسنة، فريقه من الخيول عبر ~~الأمواج العالية ... # نسيت السيد مونتجوي على نحو شبه فوري. وبسرعة، اعتقدت أن هذه الهدية دائما ما ~~كانت ملكا لي. # | التذكرة # أحيانا ما أحلم بجدتي وشقيقتها، خالتي تشارلي، التي لم تكن خالتي بالطبع، بل خالتي ~~الكبيرة. أحلم بأنهما لا تزالان تعيشان في المنزل الذي كانتا تعيشان به على مدى عشرين ~~عاما أو نحو ذلك، حتى وفاة جدتي ونقل خالتي الكبيرة للإقامة في دار للمسنين، والذي حدث ~~بعد ذلك بفترة قصيرة. تصيبني الصدمة لاكتشاف أنهما كانتا على قيد الحياة، وأذهل ~~وأشعر بالخجل حين أفكر أنني لم أكن أزورهما، ولم أكن قريبة منهما طوال كل هذا الوقت ~~الذي ناهز أربعين عاما أو أكثر. إن المنزل كما هو، وإن كان يغطيه الظلام، وهما ~~نفساهما على القدر نفسه من الجمال والحسن، وترتديان نفس الفساتين والمآزر ولهما نفس ~~تسريحات الشعر مثلما كانتا دائما. نفس الشعر الملفوف والمنسدل الذي لم يكن يعرف ~~لمصففي الشعر طريقا، ونفس الفساتين المصنوعة من الحرير الصناعي الداكن أو القطن ~~المطبوعة عليه أزهار صغيرة أو أشكال هندسية، دون وجود لبدلات، أو شعارات لاذعة، أو ~~أقمشة بلون فيروزي أو أصفر بلون زهرة الحوذان أو ms230 قرنفلي بلون نبات الفاوانيا. # ولكن يبدو جسداهما وقد تفلطحا، وقد صارتا شبه عاجزتين عن الحركة تماما، وتتحدثان ~~بصعوبة. أسألهما كيف تسيران أمورهما، كيف تحضران بقالتهما على سبيل المثال؟ هل ~~تشاهدان التليفزيون؟ ألا تزالان على صلة بالعالم الخارجي؟ فتقولان إنهما على خير ما ~~يرام. لا تقلقي. ولكنهما في كل يوم كانتا تنتظران؛ تنتظران لتريا إن كنت سآتي ~~لرؤيتهما أم لا. # إن الرب يعيننا في كل يوم. وحتى الآن وأنا في عجلة من أمري، ولا أستطيع البقاء، ~~فأخبرهما أن لدي الكثير جدا من المهام للقيام بها، ولكني سأعود قريبا. فتقولان ~~نعم، نعم، سيكون هذا رائعا. إلى اللقاء قريبا. ~~••• # كان من المفترض أن يتمم زواجي خلال فترة أعياد الكريسماس، وأذهب بعد ذلك للإقامة ~~في مدينة فانكوفر. كان ذلك في عام 1951. كانت جدتي والخالة تشارلي - وكانت إحداهما أكبر ~~والأخرى أصغر مما أنا عليه الآن - تحزمان حقيبتي السفر اللتين سآخذهما معي. كانت ~~إحداهما حقيبة متينة محدبة الظهر توارثتها العائلة على مدى زمن طويل، والتي ~~تساءلت بصوت عال إن كانت قد عبرت المحيط الأطلنطي معهما. # فقالت جدتي: من يعلم! # لم يكن التعطش للتاريخ، حتى التاريخ العائلي، يمثل لها الكثير؛ فقد كان هذا النوع من ~~الأمور مجرد ترف ومضيعة للوقت؛ مثل قراءة القصة المسلسلة في الجريدة اليومية، وهو ~~الشيء الذي كانت هي نفسها تفعله، ولكن ظلت مستنكرة له. # أما الحقيبة الأخرى، فكانت جديدة، ذات أركان معدنية، وقد اشتريت خصوصا لغرض ~~الزواج. كانت هدية من الخالة تشارلي؛ فقد كان دخلها أكبر من دخل جدتي، وإن كان ذلك ~~لا يعني أنه كان كبيرا جدا. كان دخلا كافيا بحيث يمكن أن يكفي للمشتريات ~~الفجائية العارضة؛ ككرسي ذي مسندين لغرفة المعيشة منجد بقماش مطرز بلون السلمون ~~(ومغطى بغطاء بلاستيكي لحمايته، ما لم يكن هناك زوار)، أو مصباح قراءة (ظلته ~~ملفوفة أيضا بالبلاستيك)، أو حقيبة زواجي. # كان زوجي سيقول لاحقا: «أهذه هدية زفافها لك؟ «حقيبة سفر؟»» فقد كان شيء على شاكلة ~~حقيبة السفر في عائلته من الأشياء التي تذهب لشرائها عند الحاجة ms231 إليها، لا شيئا تقدمه ~~كهدية. # كانت الأشياء الموجودة في حقيبة السفر المحدبة الظهر قابلة للكسر، وملفوفة في ~~أشياء لم تكن قابلة للكسر. كانت عبارة عن أطباق، وكئوس، ودوارق، وزهريات ملفوفة في ورق ~~جرائد ومحمية بمناشف صحون، ومناشف حمام، ومناديل مائدة وأغطية أفغانية من الكروشيه، ~~ومفارش أطباق مطرزة. كانت الحقيبة الكبيرة المسطحة شبه مكتظة بملاءات السرير، ~~ومفارش المائدة (والتي كان أحدها من الكروشيه أيضا)، وألحفة، وأكياس الوسائد، وكذلك ~~بعض الأشياء الكبيرة المسطحة القابلة للكسر مثل لوحة ذات إطار رسمتها ماريان شقيقة جدتي ~~والخالة تشارلي، التي توفيت صغيرة. كانت لوحة لعقاب يقف على فرع شجرة منفرد، ~~وأسفله بحر أزرق وأشجار خفيفة الأوراق. كانت ماريان قد نسختها في سن الرابعة عشرة ~~من تقويم، وفي الصيف التالي توفيت جراء حمى التيفود. # كانت بعض هذه الأشياء هدايا زفاف من أفراد عائلتي، وصلتني مبكرا، ولكن أغلبها كان ~~أشياء صنعت من أجلي لكي أبدأ بها إدارة المنزل، كالألحفة، والأغطية الأفغانية، ~~ومشغولات الكروشيه، وأكياس الوسائد بتطريزها الخشن الخادش للوجنات. لم أكن قد جهزت ~~شيئا، ولكن جدتي والخالة تشارلي كانتا منشغلتين بهذا الأمر، حتى على الرغم من أن ~~توقعاتي بدت كئيبة لفترة طويلة نوعا ما. وكانت والدتي قد وضعت بعض كئوس الماء ~~الرائعة، وبعض الملاعق الصغيرة، وطبق تقديم كبيرا بنقوش الصفصاف من الفترة الوجيزة ~~المتهورة التي تاجرت خلالها في التحف، قبل أن يتسبب تيبس وارتعاش أطرافها في ~~جعل أي عمل - إلى جانب القيادة، والمشي، وأخيرا حتى الكلام - بالغ الصعوبة ~~بالنسبة إليها. # غلفت الهدايا المقدمة من عائلة زوجي في المحلات التي اشتريت منها، وشحنت ~~إلى فانكوفر، وكانت عبارة عن أطباق تقديم فضية، ومفارش مائدة سميكة، وست كئوس نبيذ ~~من الكريستال. كانت تلك هي نوعية الأدوات المنزلية التي كانت متوافرة لدى أصهاري ~~وصديقاتهن. # لم يصب أي خدش أيا من الأشياء الموجودة في حقيبتي؛ فقد كانت كئوس والدتي من ~~الزجاج المضغوط، وكان طبق التقديم المنقوش بالصفصاف من خزف المطبخ السميك. لم تصبح مثل ~~هذه الأشياء موضة شائعة إلا بعد سنوات، ولم تكن ms232 شائعة تماما لبعض الناس. ولم تكن ~~الملاعق الصغيرة الست، التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، من الفضة الخالصة. ~~وكانت الألحفة مناسبة لسرير ذي طراز قديم، والذي كان أضيق من السرير الذي اشتراه لنا ~~زوجي. أما الأغطية الأفغانية ومناديل المائدة وأغطية الوسائد، وبالطبع اللوحة المنسوخة ~~من تقويم، فكانت أقرب إلى دعابة هزلية. # ولكن زوجي أقر بأننا قد قمنا بعمل جيد فيما يتعلق بتحزيم الحقائب؛ فلم ينكسر أي ~~شيء. كان محرجا ولكن يحاول أن يكون لطيفا. وفيما بعد حينما حاولت وضع بعض تلك ~~الأشياء في مكان يمكن لأي شخص يأتي إلى منزلنا أن يراها منه، اضطر للتحدث صراحة. ~~وأنا نفسي أدركت السبب في ذلك. ~~••• # كنت في التاسعة عشرة حين تمت خطبتي، وفي العشرين في يوم زفافي. كان زوجي هو أول ~~رفيق لي. لم يكن المشهد مبشرا بخير؛ ففي نفس ذلك الخريف، كان أبي وأخي يقومان ~~ببعض الإصلاحات في غطاء البئر في فنائنا الجانبي، حين قال أخي: «من الأفضل أن نقوم ~~بعمل جيد هنا؛ إذا سقط ذلك الرجل في البئر، فلن تجد غيره أبدا.» # وصارت تلك دعابة مفضلة في العائلة. ضحكت أنا أيضا بالطبع عليها. ولكن ما كان ~~يثير قلق من حولي كان مثار قلق لي أنا أيضا، ولو على نحو متقطع على الأقل. ما الذي ~~كان يعيبني؟ لم تكن مسألة شكل، كان شيئا آخر، شيئا آخر واضحا كجرس إنذار كان يطيح ~~بالرفقاء والأزواج المحتملين لي من طريقي. ومع ذلك، كان لدي إيمان بأن هذا الشيء ~~أيا كان سوف ينتهي ويزول بمجرد أن أخرج من المنزل ومن هذه البلدة. # وقد حدث ذلك؛ فجأة وعلى نحو ساحق، فقد وقع مايكل في حبي وعزم على الزواج بي، ~~شاب طويل القامة حسن الطلعة قوي البنية أسود الشعر ذو ذكاء وطموح علق آماله ~~علي. اشترى لي خاتما من الألماس، ووجد لي وظيفة في فانكوفر التي كانت ستقودني حتما ~~إلى أشياء أفضل، وألزم نفسه بإعالتي وإعالة أطفالنا لبقية حياته. فلم يكن شيء ليجعله ~~أسعد من ذلك. # كان ms233 هو من قال ذلك، وصدقت أنه حقيقي. # قليلا ما كان يمكنني الوثوق بحظي. لقد كتب لي أنه يحبني، ورددت عليه بأنني أحبه ~~أيضا. فكرت كم هو وسيم وذكي وجدير بالثقة، وقبيل رحيله مباشرة ضاجعني - مارسنا ~~الجنس معا على الأرض الوعرة أسفل إحدى أشجار الصفصاف بجوار حافة النهر - واعتقدنا أن ~~ذلك أمر مهم كأي من مراسم الزواج؛ لأننا الآن لم يعد بإمكاننا على الأرجح أن نكرر ~~الشيء نفسه مع أي شخص آخر. ~~••• # كان ذلك هو أول خريف منذ أن كنت في الخامسة لا أقضي فيه أيام الدراسة في المدرسة. ~~فقد مكثت في المنزل أقوم بالأعمال المنزلية؛ إذ كان المنزل في أشد الحاجة إلي؛ فلم ~~تعد أمي قادرة على الإمساك بيد مكنسة أو فرش الأغطية على الأسرة، كان لزاما أن ~~يوجد شخص آخر للمساعدة بعد رحيلي، ولكن في الوقت الحالي كنت آخذ الأمر كله على ~~عاتقي. # كان الروتين يحاصرني، وسرعان ما صار من الصعب أن أصدق أنني كنت قبل عام واحد فقط ~~أجلس إلى طاولة المكتبة في صباح أيام الإثنين، بدلا من الاستيقاظ مبكرا لتسخين الماء ~~على الموقد لملء غسالة الملابس ثم وضع الملابس المبللة في العصارة ونشرها على حبل ~~الغسيل في النهاية. أو أنني كنت أتناول عشائي على نضد صيدلية وكان عبارة عن شطيرة ~~أعدها شخص آخر غيري. # كنت أغطي مشمع الأرضيات البالي بالشمع، وأتولى كي مناشف الأطباق وأردية النوم ~~إلى جانب القمصان والبلوزات، وجلي القدور والأواني القديمة، وتنظيف الأرفف المعدنية ~~المسودة وراء الموقد بقطعة من الليف السلكي. كانت تلك هي الأشياء المهمة آنذاك في ~~منازل الفقراء، ولم يكن شخص يفكر في تبديل ما هو موجود هناك، فقط كانوا يفكرون في ~~الحفاظ على كل الأشياء في حالة جيدة لأطول فترة ممكنة، ثم الحفاظ على بعض منها. ~~وكانت مثل هذه الجهود تضع خطا فاصلا بين الكفاح المحترم والانكسار المهين. وكان ~~اهتمامي بهذا يزداد كلما اقترب موعد تركي لهذا المكان. # وجدت تقارير وأخبار إدارة شئون المنزل طريقها إلى خطاباتي لمايكل وكان منزعجا ~~وغاضبا ms234 لذلك؛ ففي خلال زيارته القصيرة لمنزلنا رأى الكثير مما أدهشه على نحو غير ~~سار؛ وهو ما جعله أكثر إصرارا وعزما على إنقاذي. والآن ولما لم يكن لدي شيء آخر ~~للكتابة عنه، ولرغبتي في توضيح سبب قصر خطاباتي، فقد كان مرغما على أن يقرأ كيف أنني ~~كنت أغرق نفسي في الأعمال اليومية في المكان والحياة اللذين من المفترض أنني أتعجل ~~الرحيل عنهما. # كان يرى من وجهة نظره أنني ينبغي أن أكون متلهفة لنسيان كل شيء متعلق بمنزل عائلتي ~~وحياتي فيه، وأن أركز على الحياة وعلى البيت اللذين سنبنيهما معا. # كنت بالفعل آخذ ساعتين راحة بعد الظهر في بعض الأيام، ولكن ما كنت أفعله خلال هذا ~~الوقت لم يكن ليرضيه كثيرا إن كتبت له عنه؛ فقد كنت أضع أمي في فراشها للحصول على ~~قيلولتها الثانية خلال النهار، وأمسح أسطح المطبخ المسحة الأخيرة، وأمشي من منزلنا على ~~أقصى أطراف البلدة إلى الشارع الرئيسي، حيث أقوم ببعض التسوق، وأذهب إلى المكتبة ~~لإعادة كتاب واستعارة آخر؛ فلم أكن هجرت القراءة، رغم ما بدا من أن الكتب التي أقرؤها ~~الآن لم تكن صعبة أو مرهقة مثل نظيرتها التي كنت أقرؤها قبل عام. كنت أقرأ القصص ~~القصيرة لإيه إي كوبارد، وكان لإحداها عنوان دائما ما كنت أجده مغريا، رغم أنني لا ~~أستطيع تذكر أي شيء آخر بشأنه، وكان هذا العنوان هو «روث السمراء». وقرأت أيضا ~~رواية قصيرة لجون جالزوورثي، والتي تضمنت سطرا في صفحة العنوان أبهرني: # شجرة التفاح، والغناء، والذهب ... # بعد الانتهاء من مهامي في الشارع الرئيسي، كنت أذهب لزيارة جدتي والخالة تشارلي، ~~وفي بعض الأحيان - بل معظمها - كنت أفضل التمشية بمفردي، ولكنني كنت أشعر أنني لا ~~أستطيع إهمالهما مع كل ما كانتا تبذلانه من أجل مساعدتي. ولم أكن أستطيع على أي حال ~~أن أتجول هنا في حالة من الاستغراق الحالم مثلما كنت أفعل في المدينة حيث كنت أذهب ~~إلى المدرسة. في تلك الأيام لم يكن أحد في البلدة يذهب للتمشية، فيما عدا بعض العجز ~~الذين كانوا ms235 يجوبون الطريق لإبداء ملاحظاتهم على أي مشروعات بلدية وانتقادها. فقد كان ~~مؤكدا أن الآخرين سيرونك إذا ما لوحظ وجودك في جزء من البلدة ليس لديك سبب ~~وجيه للوجود فيه؛ فحينها كان أحدهم سيقول: «لقد رأيناك منذ أيام ...» وسيكون من المفترض ~~بك أن تقدم تفسيرا. # ولكن البلدة كانت مغرية بالنسبة إلي، بأجوائها الشاعرية الحالمة في تلك الأيام ~~الخريفية؛ كانت أجواء كالسحر بضوء من الوحشة ينعكس على الجدران ذات الطوب الرمادي أو ~~الأصفر، وقد ساد سكون غريب بعد أن هاجرت الطيور إلى الجنوب وسكت صوت ماكينات الحصد ~~المنتشرة عبر الريف. في أحد الأيام، وبينما كنت أصعد التل بشارع كريستينا في اتجاه ~~منزل جدتي، إذا بي أسمع سطورا تتردد في رأسي من بداية إحدى القصص. ~~«كانت الأوراق تتساقط عبر أرجاء البلدة، في صمت وخفة كانت تتساقط الأوراق ~~الصفراء؛ إنه الخريف.» # وبالفعل كنت قد بدأت في كتابة قصة في ذلك الحين أو في وقت ما لاحقا تبدأ بتلك ~~العبارات؛ لا أذكر عم كانت تدور. لولا أن أحدهم قد أشار إلي أنه من الطبيعي أن ~~يكون ذلك في الخريف، وأنه من الخيال الشعري الأحمق والمتكلف أن أقول ذلك؛ فأي شيء ~~آخر يجعل الأوراق تتساقط، ما لم تكن الأشجار في البلدة قد أصيبت بنوع من الأوبئة التي ~~تطيح بالأوراق؟ ~~••• # كان لدى جدتي مهرة سميت على اسمها حين كانت صغيرة، وكان ذلك على سبيل التكريم، ~~كان اسم المهرة واسم جدتي هو سيلينا. وكان يقال عن المهرة إنها «عالية الخطوة»، فيما ~~يعني أنها مفعمة بالحيوية والطاقة والنشاط ومحبة للتبختر على طريقتها الخاصة. إذن لا ~~بد أن جدتي نفسها كانت عالية الخطوة. كان ثمة الكثير من الرقصات آنذاك كان من ~~الممكن إظهار تلك النزعة فيها؛ كالرقصات التربيعية، ورقصات البولكا والشوتيش. وكانت ~~جدتي شابة جذابة على أي حال؛ فقد كانت طويلة القامة، ناهدة، نحيلة الخصر، بساقين قويتين ~~طويلتين وشعر أحمر داكن ذي تموجات غجرية، إلى جانب تلك البقعة الجريئة ذات اللون ~~السماوي الموجودة في قزحية إحدى عينيها ذات اللون البندقي. ms236 # كل هذه الأشياء تجمعت، وأضيف إليها شيء ما في شخصيتها، لتصبح بلا شك الشيء ~~الذي حاول الرجل التعليق عليه حين جاملها بتسمية مهرته على اسمها. # لم يكن هذا هو الرجل الذي كان يعتقد أنه يحبها (والذي كان يعتقد أنها تحبه)، فقط ~~كان جارا لها يكن لها إعجابا. # لم يكن الرجل الذي أحبته هو الرجل الذي تزوجته أيضا؛ أي لم يكن جدي، وإنما كان ~~رجلا كانت على معرفة به طوال حياتها، وفي الواقع إنني قد قابلته مرة واحدة . وربما ~~أكثر من مرة، حين كنت طفلة، ولكن لا أذكر مقابلته سوى مرة واحدة. # كان ذلك حين كنت أقيم مع جدتي في منزلها في داوني، وكان ذلك بعد أن أصبحت أرملة، ~~وقبل أن تصبح الخالة تشارلي أرملة هي الأخرى؛ فحين أصبحت الاثنتان أرملتين انتقلتا ~~معا إلى البلدة التي كنا نعيش خارجها. # عادة ما نكون في الصيف حين كنت أقيم في داوني، ولكن كان ذلك في يوم شتوي كانت ~~الثلوج الخفيفة تتساقط فيه. كنا في بداية الشتاء؛ إذ لم يكن ثمة أي ثلوج على ~~الأرض. كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، واضطر أبي وأمي لتركي هناك في ذلك اليوم، ~~لعلهما كانا ذاهبين لحضور جنازة، أو كانا يصطحبان شقيقتي الصغيرة، التي كانت تعاني ~~من الضعف ومن حالة متوسطة من مرض السكري، لزيارة طبيب بالمدينة. # سرنا عبر الطريق فيما بعد الظهيرة لندخل أراضي المنزل الذي كانت تعيش فيه هنرياتا ~~شاربلس. كان أكبر منزل دخلته على الإطلاق، وكان ممتدا من شارع إلى آخر. كنت أتطلع ~~لدخوله؛ إذ كان مسموحا لي بأن أنطلق وأنظر إلى أي شيء يعجبني، وكانت هنرياتا دائما ~~ما تحتفظ بطبق ممتلئ بحلوى الطوفي الملفوفة في غلاف أحمر أو ذهبي أو بنفسجي لامع. لم ~~تكن هنرياتا لتهتم إذا تناولتها جميعا، إلا أن جدتي كانت تراقبني وتضع لي ~~حدا. # في ذلك اليوم أخذنا منعطفا. وبدلا من التوجه إلى باب منزل هنرياتا الخلفي، ~~انعطفنا نحو كوخ على أراضيها بجوار منزلها. كان للسيدة التي فتحت لنا الباب ms237 كتلة ~~منتفخة من الشعر الأبيض، وبشرة قرنفلية متوهجة، وبطن عريض ملفوف في مئزر من النوع الذي ~~كان معظم السيدات يرتدينه آنذاك داخل المنزل. وقد طلب مني أن أدعوها بالخالة مابل. ~~جلسنا في مطبخها، الذي كان شديد الحرارة، ومع ذلك لم نخلع معاطفنا؛ لأنها ستكون مجرد ~~زيارة قصيرة. كانت جدتي قد أحضرت معها شيئا في طبق مغطى بفوطة مائدة وأعطته للخالة ~~مابل؛ ربما كان بعضا من فطائر المافن الطازجة، أو بسكويت الشاي، أو صوص التفاح الساخن، ~~ولم يكن إحضارنا له يعني أن الخالة مابل كانت تحتاج إلى صدقة خاصة؛ فحين كانت سيدة ~~تخبز أو تطهو شيئا، غالبا ما كانت تأخذ معها جزءا منه حين تذهب إلى منزل جيرانها. ~~وأغلب الظن أن الخالة مابل قد اعترضت على مثل هذا السخاء، كما جرت العادة، ثم قبلته ~~وراحت تثني على نحو مبالغ فيه على رائحته الطيبة ومدى روعة مذاقه، أيا كان. # بعدها ربما انشغلت في محاولة تقديم شيء ما من صنعها، وأصرت على إعداد شيء ولو ~~كوبا من الشاي، ويتراءى لي أنني أسمع جدتي ترفض وتقول إننا جئنا في زيارة قصيرة ~~فقط. وربما تكون قد أسهبت في التوضيح بالإشارة إلى أننا كنا في طريقنا إلى منزل شاربلس. ~~ربما لم تكن لتذكر الاسم، أو أننا كنا ذاهبين في زيارة محددة. ربما اكتفت فقط بقول ~~إننا لن نستطيع المكوث أكثر من ذلك، وإن لدينا مجموعة من المهام التي علينا قضاؤها؛ ~~فقد كانت دائما ما تخفي زيارتها لهنرياتا بأن تقول إن لديها مجموعة من المهام التي ~~عليها قضاؤها، حتى لا يبدو أبدا أنها تزهو بهذه الصداقة؛ فهي لم تكن تهوى التفاخر ~~مطلقا. # كان هناك ضجيج في سقيفة الحطب الملحقة بالكوخ، ثم دخل رجل متورد الوجنتين إما من ~~البرد وإما من ممارسة الرياضة، وألقى التحية على جدتي وصافحني. كنت أكره طريقة الرجال ~~المسنين في تحيتي سواء بوكزة في البطن أو بدغدغة أسفل الذراعين، ولكن هذه المصافحة ~~بدت ودودة ولائقة. # كان ذلك هو كل ما لاحظته بشأنه، فيما عدا ms238 أنه كان طويل القامة ولم يكن ممتلئا عند ~~البطن مثل الخالة مابل، وإن كان له شعر أبيض كثيف مثلها. كان اسمه العم ليو. كانت يده ~~باردة، ربما من تكسير الحطب من أجل مدافئ هنرياتا، أو من وضع أكياس حول شجيراتها ~~لحمايتها من الصقيع. # غير أنني لم أعلم بشأن قيامه بهذه المهام من أجل هنرياتا إلا فيما بعد. كان يقوم ~~بأعمالها الشتوية الخارجية؛ من كسح للثلج، وتكسير للكتل الجليدية المتدلية، والحفاظ ~~على مخزون الحطب، إلى جانب تقليم أسياج الشجيرات وجز الحشائش في الصيف. وفي مقابل ذلك ~~كانت تؤجر الكوخ له وللخالة مابل بلا مقابل، وربما كان يتقاضى أجرا كذلك. وظل يقوم ~~بهذه المهام لعامين إلى أن توفي جراء إصابته بالتهاب رئوي، أو سكتة قلبية، تلك ~~الأشياء التي يتوقع أن تؤدي إلى الوفاة لدى الناس في هذه السن. # طلب مني أن أدعوه بالعم، مثلما طلب مني أن أدعو زوجته بالخالة، ولم أجادل في هذا ~~أو أتساءل عن صلة قرابتهما بنا؛ فلم تكن تلك هي المرة الأولى التي أتقبل فيها عما ~~أو خالة غامضين وهامشيين بالنسبة إلي. # ربما لم يكن العم ليو والخالة مابل يعيشان هنا من زمن طويل، بالنظر إلى نظام عمل ~~العم ليو، قبل الزيارة التي قمنا بها أنا وجدتي لهما. فلم نكن قد انتبهنا من قبل لوجود ~~الكوخ، أو لمن يعيشون به في زياراتنا السابقة لهنرياتا؛ ومن ثم بدا محتملا أن ~~تكون جدتي قد اقترحت على هنرياتا هذا الإجراء، «توصية» كما يقول الناس. ولكن أهي توصية ~~لأن العم ليو كان «وضعه المالي سيئا للغاية»؟ # لست أدري. فلم أسأل أي شخص قط. وما لبثت الزيارة أن انتهت، حتى كنت أنا وجدتي ~~نعبر ممر السيارات المفروش بالحصى ونطرق الباب الخلفي، وكانت هنرياتا تنادي عبر ثقب ~~المفتاح قائلة: «ابتعد، أستطيع أن أراك، ماذا تبيع اليوم؟»، ثم فتحت الباب وضمتني بين ~~ذراعيها الهزيلتين وصاحت قائلة: «أيتها الشقية الصغيرة! لماذا لم تقولي إنه أنت؟ من ~~هذه السيدة الغجرية العجوز التي جئت بها معك؟» ~~••• # لم تكن ms239 جدتي توافق على تدخين السيدات أو معاقرة أي شخص للكحوليات. # وكانت هنرياتا تدخن وتتناول الكحوليات. # كانت جدتي تعتقد أن البناطيل للسيدات أمر مستقبح، وأن النظارات الشمسية نوع من ~~التكلف والحذلقة. وكانت هنرياتا ترتدي الاثنتين. # كانت جدتي تلعب اليوكر، إلا أنها كانت تعتقد أنه من التكبر أن تلعب البريدج، وكانت ~~هنرياتا تلعب البريدج. # والقائمة تطول؛ فلم تكن هنرياتا امرأة غير عادية في زمانها، ولكنها كانت امرأة غير ~~عادية في تلك البلدة. # كانت هي وجدتي تجلسان أمام نيران المدفأة في غرفة المعيشة الخلفية وتتحدثان وتضحكان ~~طيلة فترة ما بعد الظهيرة، بينما كنت أنا أجوب المنزل، أتمتع بمطلق الحرية لتفحص ~~المرحاض المنقوش بالأزهار الزرقاء في دورة المياه، أو النظر عبر الزجاج الأحمر الداكن ~~لباب خزانة الصيني. كان صوت هنرياتا عاليا، وكان حديثها هو ما كنت أستطيع سماعه في ~~معظم الوقت، وكان تتخلله نوبات من الضحك الساخر، يشبه إلى حد كبير ذلك النوع من ~~الضحك الذي يصاحب اعتراف امرأة بارتكاب حماقة كبيرة أو قصة من قصص الخيانة التي ~~تفوق حد التصديق. # فيما بعد سمعت حكايات عن هنرياتا، وعن الرجل الذي هجرته، والرجل الذي وقعت في حبه - ~~وكان رجلا متزوجا ظلت تقابله طوال حياتها - ولا أشك في أنها كانت تتحدث عن ذلك، ~~وعن أشياء أخرى لا أعرفها، ولعل جدتي كانت تتحدث عن حياتها الخاصة، ربما ليس بهذه ~~الصراحة، أو بصوت أجش، ولكن ظلت تتبع نفس الأسلوب، فكانت تحكيها كقصة تذهلها، ~~وبالكاد تستطيع أن تصدق أنها تخصها. كان يبدو لي أن جدتي كانت تتحدث في ذلك المنزل ~~مثلما لم تكن تفعل - أو لم تعد تفعل - في أي مكان آخر، ولكنني لم يتسن لي مطلقا أن ~~أسأل هنرياتا عما كان يسر به وعما يقال بينهما لأنها ماتت في حادث سيارة - ~~فطالما كانت متهورة في قيادتها - قبل وفاة جدتي بفترة، ومن غير المحتمل أنها كانت ~~ستخبرني على أي حال. ~~••• # هذه هي القصة، أو ما أعرفه منها. # كانت جدتي، والرجل الذي أحبته - ليو - والرجل الذي تزوجته - جدي - يعيشون جميعا ms240 ~~على بعد أميال قليلة بعضهم من بعض. كانت تذهب إلى المدرسة مع ليو الذي كان يكبرها ~~بثلاث أو أربع سنوات فقط. ولكن لم تكن تذهب مع جدي الذي كان يكبرها بعشر سنوات. كان ~~الرجلان أبناء عمومة ويحملان نفس اللقب، لم يكن بينهما أي تشابه في الشكل، وإن ~~كان كل منهما وسيما حسبما أستطيع أن أجزم. كان جدي في صورة زفافه يقف منتصبا؛ فقد ~~كان أطول قليلا من جدتي التي أنقصت حجم خصرها إلى أربع وعشرين بوصة من أجل المناسبة، ~~وكانت تبدو محتشمة ورزينة في ردائها الأبيض ذي الكشكشة. كان جدي عريض المنكبين، قوي ~~البنية، غير مبتسم، وذا هيئة توحي بالذكاء والاعتداد بالنفس والالتزام الجاد بأي شيء ~~يطلب منه. ولم يتغير كثيرا في اللقطة المكبرة التي لدي له، والتي التقطت ~~له حين كان في الخمسينيات أو أوائل الستينيات من عمره. كان في هذه الصورة رجلا لا يزال ~~يحتفظ بقوته وقدراته، إلى جانب قدر ضروري من اللطف وقدر كبير من التحفظ، رجلا ~~يحترم، وليس لديه من الإحباط أكثر مما يمكن أن يتوقع أن يكون لدى أي شخص في ~~سنه. # تعود ذكرياتي عنه إلى العام الذي قضاه ملازما الفراش، العام السابق على وفاته أو، ~~كما قد تقول، العام الذي كان يحتضر فيه. كان في الخامسة والسبعين، وكان قلبه يزداد ~~ضعفا شيئا فشيئا. كان والدي في نفس السن وفي نفس الحالة واختار أن يخضع لعملية ~~جراحية، ومات بعدها ببضعة أيام دون أن يسترد وعيه. أما جدي، فلم يكن لديه هذا ~~الخيار. # أذكر أن سريره كان في الطابق السفلي، في غرفة الطعام، وكان يحتفظ بكيس من النعناع ~~أسفل وسادته، ربما كان يخفيه عن جدتي، ويعطيني بعضا منه حين تكون مشغولة في مكان ~~آخر. كانت له رائحة طيبة من رغوة الحلاقة والتبغ (كنت أقلق من رائحة كبار السن، وأشعر ~~بارتياح حين لا تكون كريهة)، وكان أسلوبه معي رقيقا وعطوفا، ولكن لم يكن به أي ~~تطفل. # بعد ذلك مات، وذهبت لحضور جنازته مع أبي وأمي. لم أشأ ms241 النظر إليه؛ ومن ثم لم أكن ~~مضطرة لذلك. كانت عينا جدتي حمراوين من البكاء، وكان الجلد حولهما مجعدا. كان ~~الاهتمام الذي توليه لي قليلا؛ ما دفعني للخروج والتدحرج على التل العشبي فيما بين ~~المنزل والرصيف، كان ذلك من الأشياء المفضلة لدي عند الإقامة هناك، ولم يكن أحد ~~يبدي أي اعتراض على ذلك قط. ولكن في هذه المرة نادتني أمي للدخول، وراحت تنفض بعض ~~الحشائش عن ردائي. كانت في حالة من السخط تعني أنني كنت أسلك سلوكا سوف تلام ~~عليه. # ماذا كان اعتقاد جدي بشأن حقيقة أن جدتي في شبابها كانت تحب ابن عمه ليو؟ هل كان ~~يحبها آنذاك؟ هل كان يأمل أن تحبه، وهل تحطمت آماله على صخرة الحب المتقد الدائر ~~أمام عينيه؟ تحطمت لكونه متقدا؛ فقد كانت قصة حب ظاهرة للأبصار استمرت ما بين ~~المشاحنات والمصالحات التي كان مضطرا هو وجميع من حولهما أن يكونوا على وعي بها. ~~فكيف كان لقصة حب أن تستمر في تلك الأيام إلا على نحو علني إذا كانت الفتاة ~~محترمة؟ لم تكن التمشية إلى الغابة واردة، وكذلك التسلل من الرقصات. وكانت الزيارات ~~لمنزل الفتاة تشمل جميع أفراد العائلة، على الأقل حتى تتم خطبة الحبيبين. وكانت ~~النزهات في عربة مفتوحة ترصد من كل نافذة مطبخ عبر الطريق، وإذا تم التخطيط ~~لنزهة بعد حلول الظلام، كانت تصبح في نطاق زمني محدود جدا. # غير أن الممارسات الحميمية كانت ممكنة؛ فقد كانت شقيقتا جدتي الصغريان، تشارلي ~~وماريان، ترسلان معها رقيبتبن عليها، ولكن أحيانا ما كانتا تخدعان ~~وترشيان. # قالت الخالة تشارلي حين تحدثت إلي حول هذا الأمر: «لقد كانا مغرمين كل منهما ~~بالآخر مثلما يمكن لأي حبيبين أن يكونا. لقد كانا شيطانين.» # دار ذلك الحديث خلال الخريف الذي سبق زواجي، وقت تحزيم الأمتعة. كانت جدتي قد ~~أجبرت على أخذ إجازة من العمل، وكانت في الطابق العلوي في الفراش تعاني من الالتهاب ~~الوريدي. كانت منذ سنوات ترتدي ضمادات مرنة لدعم أوردتها المنتفخة المصابة بالدوالي، ~~كانت الضمادات والأوردة غاية في القبح ms242 في رأيها، حتى إنها كانت تكره أن يراها أي ~~شخص. وقد أسرت لي الخالة تشارلي أن الأوردة كانت ملتفة حول ساقيها كأفاع سوداء ~~كبيرة. فبعد كل اثني عشر عاما أو نحو ذلك يلتهب أحد الأوردة، بعدها تضطر لملازمة ~~الفراش خشية أن تتحرك إحدى الجلطات الدموية وتشق طريقها نحو قلبها. # على مدار الأيام الثلاثة أو الأربعة التي لازمت فيها جدتي الفراش، لم تكن الأمور تسير ~~على نحو جيد مع الخالة تشارلي فيما يخص حزم الأمتعة؛ فقد اعتادت أن تكون جدتي هي ~~من يتخذ القرارات. # قالت دون استياء: «سيلينا هي القائد. لا أعرف ماذا أفعل من دون سيلينا.» (وقد ثبت ~~بالدليل صحة ذلك؛ فبعد وفاة جدتي سرعان ما ضعفت قدرة الخالة تشارلي على السيطرة على ~~مجريات الحياة اليومية، وصار لزاما أن تنقل إلى دار المسنين، حيث توفيت عن عمر ~~يناهز الثامنة والتسعين، بعد فترة صمت طويلة.) # بدلا من القيام بالعمل معا، كنت أنا وهي نجلس إلى طاولة المطبخ ونتناول القهوة ~~ونتحدث، أو بالأحرى نتهامس؛ فقد كان للخالة تشارلي طريقة في الهمس، وفي هذه الحالة ~~ربما كان ثمة سبب - فقد كانت جدتي بسمعها السليم موجودة في الطابق العلوي فوقنا ~~مباشرة - ولكن غالبا ما لا يكون ثمة سببا محددا. يبدو أن همسها كان فقط من أجل ~~ممارسة سحرها وجاذبيتها - فالجميع تقريبا يرونها جذابة - لكي تستدرجك إلى نوع ~~أكثر دفئا وأهمية من الحديث، حتى لو كانت الكلمات التي تتفوه بها مجرد شيء عن ~~الطقس، وليس - كالآن - حياة جدتي العاصفة في شبابها. # ماذا حدث؟ كنت أتأرجح ما بين الأمل والخوف من أن أكتشف أن جدتي، في تلك الأيام التي ~~لم تحلم فيها قط بأن كانت ستصبح جدة لي، قد وجدت نفسها حبلى. # ولكن بقدر جموحها وبقدر ما يجعل الحب المرء ماكرا، لم يحدث ذلك. # ولكن فتاة أخرى كانت حبلى، أو بالأحرى امرأة أخرى، مثلما قد تقول؛ لأنها كانت أكبر ~~بثماني سنوات من الأب المتهم. # ليو. # إنها السيدة التي كانت تعمل في متجر الأقمشة في البلدة. # قالت ms243 الخالة تشارلي وكأنها كانت مكاشفة مؤسفة تخبرني بها على مضض: «ولم تكن سمعتها ~~طيبة.» # كثيرا ما كانت هناك فتيات وسيدات أخريات، وكان هذا هو محور المشاحنات بينهما؛ فقد ~~كان ذلك ما دفع بجدتي إلى ركل خطيبها في رجليه ودفعه من عربته والعودة إلى المنزل ~~بمفردها بحصانه. وكان هو ما جعلها تقذف علبة شوكولاتة في وجهه، ثم داست عليها حتى لا ~~يكون بإمكان أحد أن يلتقطها من الأرض ويستمتع بها، حال كان بهذه الدرجة من اللامبالاة ~~والطمع لكي يحاول القيام بذلك. # ولكنها هذه المرة كانت باردة كالجبل الجليدي. # كان كل ما قالته هو: «حسنا، سوف تضطر للزواج منها، أليس كذلك؟» # فقال إنه لم يكن واثقا تمام الثقة من أنه طفله. # فقالت له: «ولكنك لست واثقا من أنه ليس طفلك.» # فقال إنه من الممكن إصلاح كل شيء إذا اتفق معها على أن يدفع نفقات إعالة الطفل، وقال ~~إنه واثق تماما من أن هذا هو كل ما تسعى إليه. # قالت سيلينا: «ولكنه ليس كل ما أسعى إليه أنا.» ثم قالت إن ما كانت تسعى إليه هو ~~أن يفعل ما هو صواب. # وقد تحقق ما أرادت؛ ففي خلال فترة قصيرة جدا، تزوج هو وسيدة متجر الأقمشة. ~~ولم يمر وقت طويل على هذا الزواج حتى كانت جدتي - سيلينا - قد تزوجت هي الأخرى من جدي. ~~واختارت لزفافها نفس التوقيت الذي اخترته أنا، وهو منتصف الشتاء. # ولد طفل ليو - إن كان طفله، وفي الغالب أنه كان كذلك - في نهاية الربيع وتوفي ~~فور ولادته، ولم تستمر والدته في الحياة بعده لأكثر من ساعة. # وبعد فترة وجيزة وصل خطاب موجه إلى تشارلي، ولكنه لم يكن لها على الإطلاق؛ فقد ~~كان بداخله خطاب آخر من المفترض أن تحمله إلى سيلينا. # قرأت سيلينا الخطاب وأخذت تضحك وقالت: «أخبريه أنني حبلى»، على الرغم من عدم ظهور ~~أي معالم عليها، وكانت تلك هي أول مرة تعرف فيها تشارلي بأمر حملها. ~~«وأخبريه أن آخر شيء أحتاج إليه هو تلقي مزيد من الخطابات البلهاء من ms244 شخص ~~مثله.» # كان الطفل الذي تحمله آنذاك هو أبي، الذي ولد بعد عشرة أشهر من الزفاف في ولادة ~~متعسرة إلى حد كبير للأم. وكان الطفل الوحيد الذي ولد لها ولجدي. سألت الخالة ~~تشارلي عن السبب، هل ثمة إصابة ما لحقت بجدتي، أم كانت هناك مشكلة وراثية جعلت في ~~الإنجاب خطورة كبيرة على حياتها؟ قلت إنها بالطبع لم تكن تعاني من مشكلة في الحمل، ~~وإلا ما كانت قد حملت بأبي بعد شهر من الزواج. # ساد بعض الصمت، ثم قالت الخالة تشارلي: «لا أعرف شيئا عن ذلك.» لم تكن تهمس، بل ~~تحدثت بصوت طبيعي مرتفع وبعيد قليلا، ظهرت به نبرة بسيطة من الجرح أو ~~التوبيخ. # لم هذا الانسحاب؟ ما الذي جرحها؟ أعتقد أنه سؤالي الطبي، واستخدامي لكلمة مثل ~~«حمل». فقد كنا على أعتاب عام 1951، وكان زواجي وشيكا، وها هي تخبرني للتو بقصة عن ~~الحب وحمل غير موفق. ولكن لم يكن ليجدي نفعا، ولم يجد نفعا، لامرأة شابة - بل ~~لأي امرأة - أن تتحدث بهذا البرود، والاطلاع، والوقاحة، عن تلك الأشياء، ~~«الحمل». # ربما كان ثمة سبب آخر لرد الخالة تشارلي لم يدر بخلدي وقتها. فلم ترزق ~~الخالة تشارلي والعم سيريل بأطفال قط، وحسب علمي لم يكن ثمة حتى حمل؛ لذا ربما ~~أكون قد تعثرت بمنطقة حساسة. # بدا للحظة وكأن الخالة تشارلي لم تكن تعتزم مواصلة قصتها. كانت تبدو وكأنها قد ~~قررت أنني لست جديرة بمعرفتها. ولكن بعد لحظة لم تستطع أن تتمالك نفسها واستمرت في ~~سردها. # بعد ذلك سافر ليو، وحقق نجاحا كبيرا في حياته. فعمل مع فريق لتجارة قطع الأخشاب ~~وإعدادها للتصنيع في أونتاريو الشمالية. وذهب للعمل في الحصاد وأصبح أجيرا في الغرب. ~~وحين عاد بعد سنوات، جاء وبصحبته زوجة، وفي مكان ما تعلم نجارة المنازل وتسقيفها؛ ~~ومن ثم عمل في هذا المجال. كانت الزوجة شخصية لطيفة، وكانت تعمل بالتدريس. في مرحلة ~~ما من رحلتهما معا، أنجبت طفلا، ولكنه توفي مثل طفل ليو السابق. عاشت هي وليو في ~~البلدة، ولم يكونا يذهبان إلى ms245 أي كنيسة محلية؛ إذ كانت تنتمي إلى ديانة غريبة من نوعية ~~الديانات التي لديهم في الغرب؛ ومن ثم لم يتسن لأحد أن يتعرف عليها عن كثب، حتى ~~إن أحدا لم يعرف أنها مصابة بسرطان الدم إلا قبل وفاتها به بفترة قصيرة. وكانت تلك هي ~~أول حالة سرطان دم سمع بها الناس في هذا الجزء من البلاد. # استمر ليو في حياته هنا، وحصل على عمل. وأخذ يكثر من زياراته لأقاربه، واشترى ~~سيارة وكان يذهب بها لزيارتهم. وانتشرت الأقاويل عن عزمه الزواج للمرة الثالثة، وأنها ~~كانت أرملة من مكان ما بالقرب من ستراتفورد. # ولكن قبل هذا كان قد جاء إلى منزل جدتي في عصر أحد الأيام. كان ذلك في الوقت الذي تلا ~~نزول الصقيع ولكن قبل هطول الثلج الشديد. وحينها كان جدي وأبي، الذي كان قد أنهى دراسته ~~بالمدرسة في ذلك الوقت، يجران الحطب من الغابة. لا بد أنهما قد شاهدا سيارة ليو، ~~ولكنهما واصلا ما كانا يفعلانه. ولم يصعد جدي إلى المنزل ليرحب بابن عمه. # وعلى أي حال لم يمكث ليو وجدتي في المنزل الذي كان يمكنهما الاستئثار به بأكمله، فقد ~~رأت جدتي أنه من اللائق أكثر أن ترتدي معطفها وأن يخرجا إلى السيارة. ولم يجلسا فيها ~~طويلا أيضا، بل انطلقا بها عبر الممر الضيق ثم خرجا عبر الطريق إلى الطريق السريع، ~~حيث انعطفا وعادا أدراجهما. وفعلا ذلك عدة مرات على مرأى أي شخص كان ينظر عبر نوافذ ~~أي منزل ريفي يقع على الطريق. وفي ذلك الوقت كان كل شخص على الطريق يعرف سيارة ~~ليو. # خلال هذه الجولة طلب ليو من جدتي أن تهرب معه، أخبرها أنه لا يزال غير مرتبط، ولم ~~يلتزم بأي التزام مع الأرملة. وربما يكون قد ذكر أنه لا يزال يحبها، يحبها هي، يحب ~~جدتي، سيلينا. # فذكرته جدتي أنها لم تكن غير مرتبطة مثله، أيا كانت حالته هو، وهو ما لا يجعل ~~لمشاعرها دخل في الأمر. # قالت الخالة تشارلي بإيماءة أو إيماءتين صغيرتين مضطربتين برأسها: «وكلما احتدت ms246 ~~في الحديث، كان قلبها يزداد تحطما. بالتأكيد كان الأمر كذلك.» # أوصلها ليو إلى منزلها، وتزوج بالأرملة، وكانت تلك السيدة هي التي طلب مني أن ~~أدعوها الخالة مابل. # قالت الخالة تشارلي: «لو عرفت سيلينا أنني قد أخبرتك بأي شيء عن هذا الأمر، لغضبت ~~مني بشدة.» ~~••• # كان لدي ثلاث زيجات لأتأملها عن كثب نوعا ما في هذا الجزء المبكر من حياتي؛ ~~زواج والدي، وأعتقد أنك قد تقول إنها كانت الأقرب، ولكنها على نحو ما كانت الأكثر ~~غموضا وبعدا؛ بسبب الصعوبة الطفولية التي كنت أجدها في التفكير في وجود أي علاقة ~~بين والدي سوى تلك التي كانت تربطهما في شخصي؛ فقد كان أبي وأمي، كمعظم الآباء ~~والأمهات الذين عرفتهم، يتناديان بأبي وأمي، وكانا يفعلان ذلك حتى في الحوارات التي لم ~~تكن لها صلة بأطفالهما. كان يبدو وكأن كلا منهما قد نسي اسم الآخر. ولما لم يكن ~~ثمة أي تفكير لدي في طلاقهما أو انفصالهما - إذ لم أكن أعرف أي والدين، أو ~~زوجين، فعلا ذلك - فلم أكن مضطرة للحكم على مشاعرهما أو الانتباه الحثيث للأجواء ~~بينهما مثلما يفعل غالبا الأبناء هذه الأيام؛ فقد كانا من وجهة نظري رعاة في المقام ~~الأول؛ رعاة للمنزل، والمزرعة، والحيوانات، ونحن الأبناء. # حين سقطت أمي فريسة للمرض - المرض الدائم، وليس مجرد معاناة من أعراض فردية - ~~انقلبت الموازين. حدث هذا حين كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة تقريبا. ومنذ ذلك ~~الحين فصاعدا صارت عبئا على كاهل الأسرة، فيما كنا نحن - أي أنا وأبي وأخي وأختي - ~~نحاول أن نحافظ على استقرار الأمور وتوازنها؛ ومن ثم بدا أبي مرتبطا بنا أكثر مما ~~كان مرتبطا بها، فقد كانت تكبره بثلاث سنوات على أي حال؛ ما يعني أنها قد ولدت في ~~القرن التاسع عشر فيما ولد هو في القرن العشرين، ومع تطور مرضها الطويل، بدأت تبدو ~~كأمه أكثر من زوجته، وصارت بالنسبة إلينا أقرب إلى قريب مسن يعيش في كنفنا وتحت ~~رعايتنا من كونها أما لنا. # كنت أعلم أن كون والدتي أكبر من ms247 والدي كان أحد الأشياء التي كانت جدتي تراها غير ~~مناسبة منذ البداية. وسرعان ما تكشفت أشياء أخرى، مثل حقيقة أن والدتي قد تعلمت ~~قيادة السيارات، وأن طراز ملبسها من الطراز الحديث، وأنها قد انضمت إلى معهد السيدات ~~العلماني وليس إلى الجمعية التبشيرية للكنيسة المتحدة، والأسوأ من ذلك كله أنها قد شرعت ~~تجوب الريف لتبيع الأوشحة والقبعات المصنوعة من فراء الثعالب التي كان زوجها يربيها، ~~ثم اتجهت إلى مجال التحف حين بدأت صحتها تضعف. وبقدر ما كان التفكير على هذا النحو قد ~~يكون جائرا - وهي نفسها كانت تعرف أنه جائر - ظلت جدتي عاجزة عن منع نفسها من النظر ~~إلى هذا المرض، الذي ظل مجهولا لفترة طويلة، وكان نادرا لمن هم في سن أمي، ~~كمظهر آخر من مظاهر التعمد والافتعال، وسعي آخر وراء جذب الأنظار. # أما زواج جدي، فلم أشهده عمليا، ولكن سمعت عدة روايات له؛ من أمي التي لم تكن ~~تهتم بجدتي مثلما لم تكن جدتي تهتم بها، ومع تقدمي في العمر سمعت روايات من أناس ~~آخرين أيضا لم يكن لديهم أي تحيزات؛ فكان الجيران الذين كانوا يمرون بمنزل جدي في ~~طريقهم إلى منازلهم عائدين من المدرسة عندما كانوا صغارا يحكون عن حلوى المارشميلو ~~المنزلية التي كانت تصنعها جدتي بيديها، وعن مضايقاتها للآخرين وضحكها، ولكنهم قالوا ~~إنهم كانوا يخشون قليلا من جدي. لم يكونوا يقصدون أنه كان سيئ الطباع أو وغدا؛ ~~فقط كان صامتا. فقد كان الناس يكنون احتراما كبيرا له؛ فقد خدم لسنوات في مجلس ~~البلدة، وكان معروفا بأنه الشخص الذي يلجأ إليه الآخرون حين يضطرون لطلب المساعدة ~~في ملء وثيقة، أو في كتابة خطاب عمل، أو حال احتاجوا إلى شرح لإجراء حكومي جديد. ~~كان مزارعا ماهرا، ومديرا ممتازا، ولكن لم يكن هدف إدارته هو كسب المزيد من المال، ~~بل لإفساح مزيد من الوقت للقراءة. كان صمته يجعل الناس في حالة اضطراب، وكانوا يعتقدون ~~أنه لم يكن بالرفيق المناسب لامرأة مثل جدتي؛ فقد كان يقال إنه لم يكن ثمة أي ms248 وجه ~~شبه بينهما وكأنهما قد جاءا من جانبين مختلفين للقمر. # لم يقل أبي قط إنه قد وجد هذا البيت الصامت الذي نشأ فيه غير مريح على نحو خاص؛ ~~فدائما ما يوجد الكثير للقيام به في أي مزرعة. وقد كان إنجاز الأعمال والمهام ~~الموسمية هو ما كان يشكل محتوى أي حياة - أو كان كذلك آنذاك - وكان هذا هو أهم ما ~~في معظم الزيجات. # غير أنه لاحظ كيف أن والدته قد أصبحت شخصا آخر مختلفا، وكيف أنها كانت تنفجر فرحا ~~عند قدوم رفقة. # كان ثمة آلة كمان في الردهة، وكان أبي قد نضج وكبر قبل أن يعلم سبب وجود هذا ~~الكمان، وأنه يخص والده، وأن والده اعتاد العزف عليه. # كانت أمي تقول إن حماها كان رجلا نبيلا عجوزا يتميز بالرقة والهيبة ~~والمهارة، وإنها لم تكن تتعجب من صمته؛ لأن جدتي كانت دائما ما تغضب منه لأتفه ~~الأشياء. ~~••• # لو كنت قد سألت الخالة تشارلي صراحة عما إذا كان جداي قد نعما بالسعادة معا، ~~لعادت إلى نبرة التعنيف والتوبيخ مرة أخرى. سألتها عن سمات جدي الأخرى خلاف الصمت، ~~وقالت إنها لا يمكنها تذكره جيدا في واقع الأمر. ~~«كان غاية في الذكاء والعدل، رغم أنه كان عنيفا في غضبه.» ~~«كانت أمي تقول إن جدتي كانت دائما ما تضجر منه.» ~~«لا أعرف من أين أتت والدتك بهذا الكلام.» ~~••• # لو نظرت إلى صورة العائلة التي التقطت حين كانوا صغارا، وقبل وفاة شقيقة جدتي ~~ماريان، لقلت إن جدتي قد خطفت معظم الأنظار وسط العائلة، بطول قامتها، ووقفتها المعتدة ~~بنفسها، وشعرها الرائع؛ فهي لا تبتسم إلى المصور فقط، بل تبدو ضاحكة ضحكة مقتضبة. ~~كانت في قمة الحيوية والثقة، ولم تتغير هيئتها، ولم تقصر قامتها أكثر من نصف بوصة فقط. ~~ولكن في هذا الوقت الذي أتذكره (وقت كانت كلتاهما فيه في نفس عمري تقريبا) كانت ~~الخالة تشارلي هي مثار حديث الناس الذين كانوا يصفونها بالسيدة العجوز الحسناء؛ فقد ~~كانت لها عينان زرقاوان صافيتان، بلون أزهار نبات الشيكوريا، وخفة كبيرة في ms249 حركاتها، ~~وميلة رأس لطيفة. لعل أفضل كلمة تصفها هي أنها كانت «فاتنة». # كان زواج الخالة تشارلي هو أكثر الزيجات التي استطعت رصدها؛ لأن العم سيريل لم يفارق ~~الحياة حتى بلغت الثانية عشرة. # كان رجلا قوي البنية مفتول العضلات ذا رأس كبير زاده حجما شعره المجعد ~~الضخم، كان يرتدي نظارة كانت إحدى عدستيها من الزجاج ذي اللون الكهرماني الداكن لتخفي ~~العين التي كانت قد أصيبت حين كان طفلا. لا أعرف إن كان لا يبصر تماما بتلك العين ~~أم لا؛ فلم تتسن لي رؤيتها مطلقا، وكنت أشعر بالغثيان من مجرد التفكير فيها؛ فقد ~~رسمت في خيالي ركاما صغيرا من هلام داكن يهتز. أتيحت له قيادة سيارة أيا كان، ~~وكانت قيادته سيئة جدا. أذكر ذات مرة حين عادت أمي إلى المنزل، وقالت إنها قد رأته ~~والخالة تشارلي في البلدة وكان قد دار بسيارته للخلف في منتصف الشارع ولم تكن لديها ~~أدنى فكرة كيف سمح له بالإفلات بهذه الفعلة. ~~«إن تشارلي تخاطر بحياتها في كل مرة تطأ قدماها تلك السيارة.» # سمح له بالإفلات بفعلته هذه، وأعتقد أن ذلك لكونه شخصا مهما على المستوى ~~المحلي، ومعروفا ومحبوبا، واجتماعيا، وواثقا بنفسه. كان مثل جدي مزارعا، ولكنه ~~لم يكن يقضي وقتا كبيرا في الزراعة. كان كاتب عدل، وكاتب البلدة التي كان يعيش ~~فيها، وكان عضوا مهما في حزب الأحرار الكندي. وكان يملك بعض الأموال التي لم يتحصل ~~عليها من الزراعة، ربما كانت من الرهون العقارية؛ فقد كانت ثمة أقاويل حول امتلاكه ~~استثمارات. كان هو والخالة تشارلي يملكان بعض الأبقار، ولكن لم يكونا يملكان أي ~~ماشية أخرى. أذكر أنني رأيته في الإسطبل يدير فاصل القشدة مرتديا قميصا وصدرية ~~بذلة، وقد علق قلمه الحبر وقلمه الرصاص الإيفرشارب بجيب الصدرية. لا أذكر رؤيته ~~فعليا وهو يحلب الأبقار؛ فهل كانت الخالة تشارلي تضطلع بهذه المهمة على نحو تام، أم ~~كان لديهم خادم يقوم بها؟ # لم تكن الخالة تشارلي تظهر انزعاجها من قيادته قط إذا انزعجت منها؛ فقد كانت قصة ~~غرامهما قصة ms250 أسطورية. لم تكن كلمة «حب» تستخدم لوصف ما بينهما، كان يقال إنهما ~~«مغرمان كل منهما بالآخر». وكان أبي قد علق لي بعد فترة من وفاة العم سيريل أن ~~العم سيريل والخالة تشارلي كانا بحق مغرمين كل منهما بالآخر. لست أدري ما الذي ~~أثار هذا الحديث؛ فقد كنا نقود السيارة في أحد الأوقات، وربما كان ثمة تعليق - أو ~~دعابة - عن قيادة العم سيريل. وشدد أبي على كلمة «بحق»، وكأنما يقر بأن هذا هو ما ~~كان يفترض بالأزواج أن يشعروا به بعضهم تجاه البعض، وأنه من الممكن حتى أن يدعوا ~~هذا الشعور، ولكن في الواقع كانت مثل هذه الحالة نادرة الوجود. # أحد الأسباب هو أن العم سيريل والخالة تشارلي كان يدعو كل منهما الآخر باسمه ~~الأول، وليس أبي وأمي؛ ومن ثم وضعهما عدم الإنجاب في مكانة مميزة عمن حولهم وربط ~~بينهما ليس بدورهما، ولكن بذاتيهما الدائمتين. (حتى جدي وجدتي كان كل منهما يشير ~~إلى الآخر، على الأقل حسبما كنت أسمع، بجدي وجدتي، ليصعدا بالدور لدرجة أعلى.) لم ~~يستخدم العم سيريل والخالة تشارلي ألفاظا توددية أو أسماء حيوانات أليفة مطلقا ولم ~~أرهما قط يلامس أحدهما الآخر. لكنني أعتقد الآن أنه كان ثمة انسجام، سيل من الرضا، ~~فيما بينهما كان يكسب الجو من حولهما إشراقة وتألقا كان بوسع الجميع إدراكه حتى ~~ولو كان طفلا متمركزا حول ذاته. ولكن ربما كان هذا هو ما قيل لي فقط، وما أعتقد أنني ~~أتذكره. ومع ذلك، فأنا على يقين من أن المشاعر الأخرى التي أذكرها - إحساس الالتزام ~~والحاجة الذي نما على نحو وحشي فيما يتعلق بأبي وأمي، وجو الانفعال السخيف ~~والاضطراب الراسخ الذي أحاط بجدي وجدتي - كانت غائبة عن تلك الزيجة، وهو ما كان ينظر ~~إليه بوصفه شيئا يستحق التعليق، كيوم رائع في فصل غير مستقر. ~~••• # لم تكن جدتي ولا الخالة تشارلي كثيرتي الحديث عن زوجيهما الراحلين؛ فكانت جدتي قد ~~صارت آنذاك تدعو زوجها بعد وفاته باسمه؛ «ويل». كانت تتحدث دون ضغينة أو أسى، وكأنها ~~تتحدث عن شخص ms251 تعرفه من المدرسة. أما الخالة تشارلي، فربما كانت تتحدث إلي عندما ~~نكون بمفردنا وفي غياب جدتي من حين لآخر عن «عمك سيريل». كان كل ما يمكن أن يكون ~~لديها لتقوله أنه لم يكن يرتدي جوارب صوفية على الإطلاق، أو أن البسكويت المفضل لديه ~~كان بسكويت دقيق الشوفان المحشو بالتمر، أو أن أول شيء كان يحب تناوله في الصباح هو ~~كوب من الشاي. وعادة ما كانت تستخدم همسها المكتوم؛ كان ثمة إيحاء بأن هذا الشخص ~~كان شخصا بارزا تعرفه كل منا، وأنها عندما قالت كلمة «العم»، إنما كانت تمنحني شرف ~~الانتساب إليه بصلة قرابة. ~~••• # اتصل بي مايكل، وكانت تلك مفاجأة لي؛ فقد كان حريصا على نقوده، ومدركا للمسئوليات ~~القادمة الملقاة على عاتقه، وفي تلك الأيام كان الناس الحريصون على نقودهم لا يجرون ~~مكالمات هاتفية لمسافات بعيدة ما لم يكن ثمة خبر خاص ومهم في ~~العادة. # كان هاتفنا في المطبخ، وقد جاء اتصال مايكل قرب وقت الظهيرة في يوم سبت، وكانت أسرتي ~~جالسة على بعد بضع أقدام قليلة مني، يتناولون وجبة منتصف اليوم. بالطبع، كانت الساعة ~~التاسعة صباحا فقط في فانكوفر. # قال مايكل: «لم أستطع النوم طوال الليل. كنت قلقا جدا لأنني لم أتلق منك أي ~~خطابات. ما الخطب؟» # قلت: «لا شيء.» حاولت أن أتذكر آخر مرة كتبت له خطابا فيها، بالتأكيد لم يمر ~~أكثر من أسبوع. # قلت: «لقد كنت مشغولة، وكان لدي الكثير من المهام التي كان علي إنجازها.» # كنا قبل بضعة أيام قد ملأنا القادوس بنشارة الخشب. كان هذا هو ما نحرقه في موقدنا؛ ~~فقد كان أرخص وقود يمكن شراؤه. ولكن عندما وضعنا أول قدر منه في القادوس، خلف ~~سحبا من غبار ناعم جدا انتشر أثره في كل مكان حتى على أغطية الفراش. ومهما حاولت ~~منع ذلك، لم يكن بوسعك أن تمنع دخوله إلى المنزل عبر حذائك، وكان التخلص منه يتطلب ~~الكثير من الكنس والنفض. # قال لي: «هذا ما استنتجته.» رغم أنني لم أكن قد كتبت له أي شيء عن ms252 مشكلة نشارة ~~الخشب، ثم أردف قائلا: «لم تقومين بكل هذا العمل؟ لم لا يحضرون مديرة منزل؟ ألن ~~يضطروا لذلك بمجرد رحيلك؟» # قلت: «لا عليك، أتمنى أن يعجبك ثوبي، هل أخبرتك أن الخالة تشارلي هي من يصنع لي ثوب ~~الزفاف؟» ~~«ألا يمكنك التحدث؟» ~~«ليس بالضبط.» ~~«حسنا. فقط اكتبي لي.» ~~«سوف أفعل. واليوم.» ~~«إنني أطلي المطبخ.» # كان يعيش في علية بها لوح تسخين للطهي، ولكن كان قد وجد مؤخرا شقة بغرفة ~~نوم واحدة نستطيع أن نبدأ فيها حياتنا معا . ~~«ألا تهتمين حتى بمعرفة لون الطلاء؟ سوف أخبرك على أي حال، أصفر مع أشغال خشبية ~~بيضاء. خزانات بيضاء، لكي تدخل إليه أكبر قدر ممكن من الضوء.» # قلت: «يبدو هذا لطيفا حقا.» # حين أغلقت الهاتف قال أبي: «أنا واثق من أنها ليست مشاجرة حبيبين، أليس كذلك؟» كان ~~يتحدث بأسلوب بدا فيه التصنع والممازحة فقط ليكسر الصمت الذي كان يلف الغرفة. غير ~~أنني شعرت بالإحراج. # فضحك أخي ضحكة مكبوتة. # كنت أعلم رأيهم في مايكل. كانوا يعتقدون أنه غاية في البشاشة، وذو بشرة حليقة ~~وحذاء لامع، وغاية في الخلق والأدب بكل ما في الكلمة من معنى. ومن غير المحتمل أن ~~يكون قد نظف إسطبلا من الروث أو أصلح سياجا؛ فقد كانت لهم عادة من عادات الفقراء - ~~ربما عادة يختص بها الفقراء المثقلين بذكاء يفوق ما تؤهلهم له مكانتهم المتواضعة - هي ~~عادة، أو بالأحرى ضرورة، تحويل من هم أعلى منهم، أو هؤلاء الذين يشكون في أنهم ~~يعتقدون أنفسهم أعلى وأفضل منهم، إلى مثل هذه الشخصيات الكاريكاتورية. # لم تكن أمي على هذه الشاكلة؛ فقد كانت موافقة على مايكل، وكان يعاملها معاملة طيبة، ~~وإن كان لا يشعر بالارتياح في وجودها، نظرا لكلامها القانط الجامد وأطرافها المرتعشة ~~والطريقة التي قد تخرج بها حركة عينيها عن السيطرة؛ ما يجعلها تزوغ لأعلى. فلم يكن ~~معتادا على المرضى، أو الفقراء. ولكنه كان يبذل أقصى جهده خلال زيارة لا بد أنها كانت ~~تبدو له مرعبة، وأقرب إلى معتقل موحش. # معتقل كان يتلهف لإنقاذي منه. ms253 # كان هؤلاء الأشخاص الجالسون إلى المائدة - ما عدا أمي - يعتقدون إلى حد كبير أنني ~~خائنة لعدم بقائي حيثما أنتمي؛ أي البقاء في هذه الحياة، على الرغم من أنهم في واقع ~~الأمر لم تكن لديهم رغبة في ذلك أيضا؛ فقد كانوا يشعرون بالارتياح أن ثمة شخصا ~~يريد أن يتزوجني. ربما كانوا يشعرون بالأسف أو بقدر يسير من الخزي أنه لم يكن أحد ~~الشباب ممن كانوا في محيط موطننا، إلا أنهم كانوا يتفهمون كيف أن ذلك لم يكن ممكنا ، ~~وأن هذا سيكون أفضل بالنسبة إلي من جميع النواحي. كانوا يريدون أن يمازحوني بأسلوب ~~حاد بشأن مايكل (كانوا يقولون إنه مجرد مزاح فقط)، ولكن بوجه عام، كانوا يرون ~~أنني يجب أن أتمسك به. # وقد كنت عازمة على التمسك به، وتمنيت لو استطاعوا أن يتفهموا أنه بالفعل لديه ~~حس من الدعابة، وأنه ليس مغرورا كما يظنون، وأنه لا يخشى العمل. كما كنت أود منه أن ~~يتفهم أن حياتي هنا ليست بهذه الدرجة من البؤس أو الحقارة كما كانت تبدو له. # كنت عازمة على التمسك به وبعائلتي أيضا، كنت أفكر أنني سأظل على ارتباطي بهم دوما ~~ما حييت، وأنه لا يستطيع أن يعيب علي أو يجادلني من أجل الابتعاد عنهم. # وكنت أعتقد أنني أحبه. كان الحب والزواج في خيالي مساحة مستحبة ومضيئة تدخل ~~إليها ويتوافر لك بداخلها الأمان، لم يظهر العشاق الذين تخيلتهم في صورة ضوار ~~جريئة مجنحة، وربما لم يكن لهم وجود، واستطعت بالكاد أن أرى نفسي ندا لهم على أي ~~حال. # لقد كان مايكل حقا يستحق من هي أفضل مني. لقد كان يستحق قلبا كاملا خالصا ~~له. ~~••• # في عصر ذلك اليوم ذهبت إلى البلدة كالعادة. كانت الحقيبتان قد امتلأتا تقريبا، ~~وكانت جدتي قد انتهت لتوها من تطريز كيس وسادة، كان واحدا من اثنين قصدت جدتي ~~إضافتهما إلى مجموعة الأشياء التي سآخذها إلى بيتي الجديد، وكان ذلك بعد أن برئت من ~~آلام الالتهاب الوريدي. فيما كانت الخالة تشارلي قد كرست وقتها لحياكة ثوب زفافي. ms254 ~~فنصبت ماكينة الحياكة في النصف الأمامي من غرفة المعيشة والذي كان مفصولا بأبواب ~~جرارة من خشب البلوط عن النصف الخلفي حيث كانت الحقيبتان موضوعتين. كانت حياكة ~~الملابس هي الشيء الذي تجيده، ولم تستطع جدتي قط أن تضاهيها أو تتداخل معها في هذه ~~النقطة. # كان مزمعا أن يكون طول ثوب زفافي حتى الركبتين ومصنوعا من القماش المخملي ذي ~~اللون الخمري، وذا تنورة مكشكشة وخصر ضيق وما يسمى بتقويرة قلبية، وأكمام ~~منتفخة. الآن أدرك أنه بدا منزلي الصنع؛ ليس لأي خطأ في حياكة الخالة تشارلي، ولكن ~~فقط بسبب التصميم، الذي كان فخما في حد ذاته، ولكن لم يكن فيه أي ابتكار؛ فكان ~~مجرد ثوب منسدل على نحو عادي يفتقر إلى أي تميز في تصميمه. وقد كنت معتادة على ~~الملابس المنزلية الصنع حتى إنني لم أع ذلك. # بعد أن جربت الثوب وبينما كنت أرتدي ملابسي العادية مرة أخرى، دعتنا جدتي للمجيء ~~إلى المطبخ وتناول القهوة. لو كانت هي والخالة تشارلي وحدهما، لكانا قد تناولا الشاي، ~~ولكنهما اعتادتا شراء النسكافيه من أجلي. وكانت الخالة تشارلي هي من بدأت ذلك حين ~~كانت جدتي تلازم الفراش. # أخبرتني الخالة تشارلي أنها ستلحق بنا خلال لحظات؛ إذ كانت تحل بعض خيوط ~~التسريج. # وبينما أنا بمفردي مع جدتي، سألتها عما كانت تشعر به قبل زفافها. # فقالت وهي تشير إلى النسكافيه: «إنه مركز جدا.» وهمت أن تقف على قدميها بتلك ~~النخرة البسيطة التي صارت تصاحب أي حركة مفاجئة لها. وشغلت الغلاية للحصول على ~~مزيد من الماء الساخن. ظننت أنها لن تجيبني، ولكنها قالت: «لا أذكر شعوري حينها على ~~الإطلاق على أي حال، أذكر أنني لم أكن آكل لأنني اضطررت لإنقاص مقاس خصري لكي يتناسب ~~مع ذلك الثوب؛ لذا أتوقع أنه كان شعوري حينها هو الجوع.» ~~«ألم تشعري قط بالخوف من ...؟» أردت أن أقول «من أن تعيشي حياتك مع ذلك الشخص.» ولكن ~~قبل أن أتمكن من قول أي شيء آخر، أجابت بخفة وسرعة: «هذا الأمر سوف يحل نفسه بنفسه ~~بمرور الوقت، ms255 فقط لا تشغلي بالك.» # ظنت أنني أتحدث عن الجنس، ذلك الأمر الذي كنت أعتقد أنني لم أكن بحاجة لأي إرشادات ~~أو طمأنة بشأنه. # وأوحت إلي نبرتها أنه ربما كان ثمة شيء منفر في إثارتي لهذا الموضوع وأنها لا ~~تنوي تقديم أي إجابة كاملة بشأنه. # كان انضمام الخالة تشارلي إلينا كما فعلت في تلك اللحظة سيجعل إصدار أي تعليق آخر ~~أمرا غير محتمل على أي حال. # قالت الخالة تشارلي: «ما زلت قلقة بشأن الأكمام. ترى هل ينبغي أن أقصرها ربع ~~بوصة؟» # بعد أن تناولت قهوتها، عادت وقامت بذلك، وفكت تسريج كم واحد فقط لترى كيف ~~سيبدو. ونادتني لكي آتي وأجرب الثوب مرة أخرى، وعندما فعلت، فاجأتني وراحت تنظر ~~بتمعن في وجهي بدلا من ذراعي. كانت تطبق على شيء في قبضة يدها كانت تريد أن ~~تعطيه لي؛ ففردت يدي وهمست لي قائلة: «خذي هذا.» # أربع ورقات من فئة الخمسين دولارا. # قالت وهي لا تزال تتحدث بهمس مرتعش متعجل: «إذا غيرت رأيك؛ إذا كنت لا ~~ترغبين في إتمام الزواج، فسوف تحتاجين إلى بعض المال للهروب.» # حين قالت «إذا غيرت رأيك»، ظننت أنها تمازحني فقط، ولكن حين وصلت لعبارة «فسوف ~~تحتاجين إلى بعض المال»، أدركت أنها كانت جادة فيما تقول. وقفت متحجرة في ثوبي ~~المخملي يراودني شعور بالألم في صدغي، وكأني قد تناولت جرعة من شيء بارد أو حلو ~~جدا. # شحبت عينا الخالة تشارلي من الانزعاج مما قالته لتوها، ومما كان لا يزال لديها ~~لتقوله، بمزيد من التشديد، رغم أن شفتيها كانتا لا تزالان ترتعشان. ~~«ربما لا تكون تلك هي التذكرة المناسبة لك.» # لم يسبق لي أن سمعتها تستخدم كلمة «تذكرة» بهذه الطريقة من قبل؛ فقد بدت وكأنها كانت ~~تحاول التحدث بأسلوب فتاة شابة، كان الأسلوب الذي كانت تعتقد أنني أتحدث به، ولكن ~~ليس لها. # كان بوسعنا سماع صوت الحذاء الأكسفوردي الثقيل الخاص بجدتي في الردهة. # فهززت رأسي ووضعت النقود تحت قطعة من قماش ثوب الزفاف كانت فوق ماكينة الحياكة. لم ~~تبد لي حتى ms256 كنقود حقيقية؛ فلم أكن معتادة على شكل العملات فئة الخمسين ~~دولارا. # لم أكن أستطيع أن أدع مخلوقا يكتشف طبيعتي الحقيقية، ناهيك عن شخص ببساطة الخالة ~~تشارلي. # انحسر الألم والوضوح اللذان كانا في الغرفة وفي صدغي. ومرت لحظة الخطر كنوبة من ~~الفواق. # قالت الخالة تشارلي في صوت مبتهج وهي تقبض على الكم بإحكام: «حسنا إذن، لعل ~~الأكمام كانت ستبدو أفضل بالشكل الذي كانت عليه.» # كان ذلك موجها إلى أذني جدتي. أما أنا، فكان موجها إلي بعض الهمس ~~المتقطع . ~~«إذن لا بد - لا بد أن تعديني - «لا بد أن تكوني زوجة صالحة».» # فقلت: «بالطبع»، وكأنه لم يكن ثمة داع للهمس، ودخلت جدتي الغرفة ووضعت يدها على ~~ذراعي. # وقالت: «أخرجيها من هذا الثوب قبل أن تفسده، لقد بدأت تعرق.» # | المنزل # أعود إلى المنزل مثلما فعلت عدة مرات خلال العام الماضي، مسافرة عبر ثلاث حافلات؛ ~~الحافلة الأولى كبيرة ومكيفة الهواء وسريعة ومريحة، ولا يولي المسافرون على ~~متنها الكثير من الانتباه بعضهم لبعض؛ فتجدهم ينظرون عبر النوافذ إلى حركة المرور ~~على الطريق السريع والتي تجتازها الحافلة بسهولة بالغة. في هذه الحافلة نسافر غربا ثم ~~شمالا من المدينة، وبعد خمسين ميلا أو نحو ذلك نصل إلى بلدة كبيرة تتميز بالرخاء ~~السوقي والصناعي. وهنا أنتقل إلى حافلة أصغر مع الركاب المسافرين في نفس اتجاهي، ~~والتي تكون ممتلئة نوعا ما بالمسافرين الذين تبدأ رحلتهم في هذه البلدة؛ ما بين ~~مزارعين مسنين جدا بحيث لم يعد بمقدورهم القيادة، وزوجات المزارعين من جميع ~~الأعمار، وطلاب التمريض وطلاب كلية الزراعة العائدين إلى منازلهم لقضاء عطلة نهاية ~~الأسبوع، وأطفال يتنقلون بين آبائهم وأجدادهم. تسكن هذه المنطقة شريحة كبيرة من ~~المستوطنين الألمان والهولنديين، وبعض من كبار السن يتحدثون بلغة من هاتين اللغتين. ~~في هذه المرحلة من الرحلة، قد ترى أن المسئول بمحطة الحافلات يسلم سلة أو طردا ~~لشخص ما ينتظر عند بوابة إحدى المزارع. ~~••• # تستغرق رحلة الثلاثين ميلا إلى البلدة التي يتم فيها آخر تغيير للحافلة نفس الوقت ~~الذي تستغرقه رحلة الخمسين ميلا ms257 من المدينة أو أطول. وبحلول موعد وصولنا إلى تلك ~~البلدة يكون العدد الكبير من ذوي الأصول الألمانية ذوي الحس الدعابي، والهولنديين ~~الأحدث عهدا، قد نزلوا من الحافلة، وازداد ظلام المساء توغلا وبرودة، وكف ~~المزارعون عن العمل ورعاية ماشيتهم. أسير عبر الطريق مع واحد أو اثنين من المتبقين ~~من الحافلة الأولى، واثنين أو ثلاثة من الثانية؛ وهنا يبتسم أحدنا للآخر مع إدراكنا ~~لوجود زمالة أو تشابه لم يكونا ليتضحا لنا في الأماكن التي بدأنا منها رحلتنا؛ فنصعد ~~على متن الحافلة الصغيرة المنتظرة أمام إحدى محطات الوقود؛ إذ ليس ثمة محطة ~~للحافلات هناك. # كانت هذه الحافلة حافلة مدارس قديمة ذات مقاعد غير مريحة تماما لا يمكن تعديلها بأي ~~شكل من الأشكال، ونوافذ تقطعها إطارات معدنية أفقية؛ ما يجعل من الضروري أن تنحني أو ~~تجلس في وضعية مستقيمة للغاية وتمد عنقك لكي تحظى برؤية لا يعوقها شيء. وهو ما ~~أراه أمرا مؤرقا؛ لأن الريف هنا هو أكثر ما أود مشاهدته؛ أشجار الخريف المخضبة ~~بالحمرة، والحقول الجافة المليئة ببقايا الحصاد، والأبقار المحتشدة في مداخل الحظائر. ~~طالما كنت أعتقد أن مثل هذه المشاهد غير اللافتة، في هذا الجزء من القرية، هي آخر شيء ~~سوف أعبأ بمشاهدته في حياتي. # ولدهشتي أن هذا الأمر قد يتضح أنه حقيقي، وبأسرع مما توقعت، مع قيادة السائق للحافلة ~~بما يبدو أنها سرعة متهورة؛ حيث يقفز وينحرف على مدى العشرين ميلا المتبقية من الطريق ~~شبه الممهد. # وهذا المكان يعد مرتعا خصبا للحوادث؛ فالصبية الذين لم يبلغوا بعد سن الحصول ~~على رخصة قيادة يأتون للقيادة الحمقاء على سرعة 90 ميلا في الساعة على طرق مفروشة ~~بالحصى تضم تلالا أو منحدرات غير واضحة للعيان. ويملأ السائقون المحتفلون الجو ~~ضجيجا بنفير سياراتهم عبر القرى في وقت متأخر من الليل دون إضاءة مصابيح سياراتهم، ~~ويبدو أن معظم الرجال البالغين قد نجوا على الأقل مرة واحدة من الاصطدام بعمود ~~هاتف محطم والانقلاب في المصرف. ~~••• # قد يخبرني أبي وزوجته عن هذه الخسائر في الأرواح حين أعود إلى ms258 المنزل. فأبي يتحدث ~~ببساطة عن حادث بشع، فيما تتولى زوجته سرد التفاصيل، من انفصال الرأس عن الجسد، ~~وتهشم الصدر من اصطدامه بعجلة القيادة، وتحطم الوجه بسبب الزجاجة التي كان أحدهم ~~يشرب منها. # فيكون ردي المقتضب: «حمقى.» ليس الأمر فقط أنني لا أملك ذرة تعاطف نحو المتسابقين ~~على الطرق الحصوية، والثملة؛ فأنا أرى هذه المحادثة، بما تلاها من إفاضة واستمتاع من ~~جانب زوجة أبي، قد تكون مصدر إحراج لأبي. غير أنني سأتفهم لاحقا أن الأمر ربما لا ~~يكون كذلك . # ترد زوجة أبي قائلة: «هذا أبسط وصف لهم. حمقى. يجب ألا يلوموا إلا أنفسهم.» # أجلس مع أبي وزوجة أبي - واسمها إرلما - إلى طاولة المطبخ نحتسي الويسكي، فيما يرقد ~~كلبهما باستر عند قدمي إرلما. يصب أبي شراب الجاودار في ثلاث كئوس عصير حتى ~~تمتلئ إلى ثلاثة أرباعها، ثم يكملها بالماء. حين كانت أمي على قيد الحياة، لم تكن ~~ثمة زجاجة شراب واحدة في هذا المنزل، أو حتى زجاجة من الخمر أو الجعة؛ فقد أخذت ~~على أبي عهدا قبل زواجهما ألا يقرب الخمر مطلقا. لم يكن هذا بسبب معاناتها من الرجال ~~السكيرين في منزلها؛ لقد كان ذلك فقط العهد الذي كانت تشترطه العديد من النساء ~~اللاتي يحترمن أنفسهن قبل أن يهبن أنفسهن لرجل في تلك الأيام. # كانت طاولة المطبخ الخشبية التي كنا دائما نأكل عليها، والمقاعد التي كنا نجلس ~~عليها، قد نقلت إلى الحظيرة، فلم تكن المقاعد ملائمة؛ إذ كانت غاية في القدم، وكان ~~اثنان منها يفترض أنهما قد جاءا مما كان يسمى مصنع الكراسي - ربما كان مجرد ورشة لا ~~أكثر - في صن شاين، وهي قرية اختفت من الوجود بنهاية القرن التاسع عشر. وعلى ذلك فإن ~~لدى أبي استعدادا تاما لبيعها بلا مقابل، أو التبرع بها إذا كان أحد يريدها؛ فهو ~~لا يستطيع قط أن يتفهم أي إعجاب لما يسميه الخردة القديمة، ويعتقد أن المشتغلين ~~فيها ما هم إلا مدعون. كان هو وإرلما قد اشتريا طاولة جديدة ذات سطح بلاستيكي ~~يبدو أشبه بالخشب ولا ms259 تعلق به أي علامات أو آثار للأشياء، وأربعة مقاعد بوسائد ~~مغطاة بالبلاستيك بها نقوش من أزهار صفراء، والحق أنها مريحة في الجلوس أكثر بكثير ~~من المقاعد الخشبية القديمة. # أما وقد أصبحت الآن أعيش على بعد مائة ميل فقط، صرت أعود إلى المنزل كل شهرين ~~أو نحو ذلك. قبل ذلك، ولفترة طويلة، كنت أعيش على بعد أكثر من ألف ميل وتمر سنوات ~~دون رؤية هذا المنزل. كانت فكرتي عنه آنذاك كمكان ربما لن أراه مرة أخرى أبدا، وكانت ~~ذكراه تحرك مشاعري كثيرا. كنت أجوب غرفه في ذهني، التي كانت كلها صغيرة وكما هو ~~مألوف في المنازل الريفية القديمة ليست مصممة للاستفادة من المساحة الخارجية، بل ~~لتجاهلها إن أمكن. ربما لم يرد الناس أن يهدروا وقت راحتهم أو مأواهم في النظر إلى ~~الحقول التي يجب أن يعملوا بها، أو إلى أكوام الجليد التي يتعين عليهم إماطتها من ~~الطريق من أجل إطعام ماشيتهم. أما الأشخاص المغرمون بالطبيعة - أو حتى هؤلاء الذين ~~يتمادون ويستخدمون كلمة «طبيعة» - فكانوا يعتبرون مجانين بعض الشيء. # حين أكون بعيدة عن المنزل، كنت أشاهد في ذهني أيضا سقف المطبخ المؤلف من ألواح ~~ضيقة ملطخة بالدخان ومزودة بلسان وحز، وإطار نافذة المطبخ الذي قرضه كلب كان ~~محبوسا هناك قبل ميلادي. كان ورق الحائط به بقع باهتة من أثر مدخنة راشحة، وكان مشمع ~~الأرضية يعاد طلاؤه كل ربيع على يد أمي ما دامت توافرت لديها القدرة على ذلك. كانت ~~تطليه بلون داكن - بني أو أخضر أو كحلي - ثم باستخدام قطعة من الإسفنج ترسم عليه ~~تصميما تتخلله نقاط صغيرة لامعة باللون الأصفر أو الأحمر. # توارى هذا السقف الآن خلف قوالب من القرميد الأبيض، واستبدل بإطار النافذة الخشبي ~~المقروض إطار معدني جديد. وتم تركيب زجاج جديد للنافذة أيضا لا يضفي أي خطوط ~~تموجية أو حلزونية غريبة على ما تشاهده عبره. وعلى أي حال لم يعد ما ينتظرك لرؤيته ~~عبر تلك النافذة هو تلك الشجيرة ذات الوهج الذهبي التي كانت نادرا ما تقطع والتي ~~كانت ms260 تغطي كلا اللوحين الزجاجيين السفليين، أو البستان ذو أشجار التفاح الجرب ~~وشجرتا الكمثرى اللتان لم تحملا الكثير من الثمار قط، كونهما في أقصى الشمال. لم يعد ~~هناك الآن سوى حظيرة طويلة رمادية بلا نوافذ للديوك الرومي، وفناء لها، باع أبي ~~قطعة أرض من أجل بنائهما. # ركب ورق حائط جديد للغرف الأمامية - ورق حائط أبيض ذو تصميم مبهج ولكنه تصميم ~~أحمر بارز تقليدي - وغطيت الأرضية بأكملها بالموكيت الأخضر بلون الطحالب. لما كان ~~أبي وإرلما قد نشآ وعاشا جزءا من حياتهما في مرحلة النضج في منازل تضاء بمصابيح ~~الكيروسين، فإن الضوء يغطي كل أرجاء المنزل؛ فتجد مصابيح للسقف، ومصابيح موصلة ~~بالكهرباء، ومصابيح فلورسنت طويلة تتوهج بالضوء، ولمبات تعمل بجهد مائة واط. # حتى خارج المنزل، الطوب الأحمر الذي كانت رياح شرقية تخترق مونته المفتتة، سيغطى ~~بألواح معدنية بيضاء. ويفكر أبي في تركيبها بنفسه؛ ومن ثم يبدو أن هذا المنزل الغريب ~~- بمطبخه المبني جزء منه في ستينيات القرن الثامن عشر - يمكن أن يذوب، بطريقة ما، ~~وينصهر داخل منزل عادي مريح على الطراز الحديث. # إنني لا أتحسر على هذه الخسارة كما كنت سأفعل ذات مرة. بل أقول إن الطوب الأحمر له ~~لون ناعم وجميل، وإنني قد سمعت عن أناس (من أهل المدن) يدفعون مبالغ باهظة من أجل ~~شراء هذا الطوب القديم، إلا أنني في أغلب الأحيان أقول ذلك لاعتقادي أن أبي يتوقعه. ~~فأنا الآن من أهل المدينة في نظره، ومنذ متى كنت شخصا عمليا؟ (وهذا لا يعد خطيئة ~~كما كان من قبل؛ لأنني شققت طريقي، على عكس التوقعات، وسط أناس ربما يفتقرون إلى ~~العملية مثلي.) وهو يسعد الآن بإعادة توضيح قصة الريح الشرقية وتكلفة الوقود وصعوبة ~~الإصلاحات. وأنا أعلم أنه يقول الحقيقة، وأعلم أن المنزل الذي سيختفي ليس بالمنزل ~~الجميل أو الأنيق بأي حال؛ فهو أحد منازل الفقراء، الذي تمتد درجات سلمه دائما ~~بين حائطين، وغرف نومه مفتوحة كل منها على الأخرى؛ منزل يعيش فيه أناس في عوز ~~لما يزيد على المائة عام. إذن، فإن ms261 كان أبي وإرلما يتمنيان الراحة بدمج معاشي ~~تقاعدهما معا؛ ما يجعلهما أكثر ثراء ورغدا من أي وقت مضى في حياتيهما، وإذا كانا ~~يبغيان أن يكونا «عصريين» (وهي الكلمة التي كانا يستخدمانها دون علامات اقتباس، ~~ببساطة وعلى نحو إيجابي)؛ فمن أنا لكي أتذمر من خسارة بعض قوالب الطوب القرنفلية، ~~وجدار محطم؟ # ولكن يظل صحيحا أيضا أن أبي بطريقة ما يريد بعض الاعتراضات، بعض الحماقة مني. وأنا ~~أشعر بأنني ملزمة بأن أخفي عنه حقيقة أن المنزل لا يمثل لي الكثير مثلما كان في ~~يوم من الأيام، ولا يعنيني حقا شكل التغييرات التي يضفيها عليه الآن. # يقول لي بنبرة اعتذارية، ولكنها لا تخلو من الرضا: «أعلم مدى حبك لهذا المكان.» ~~لا أخبره أنني لا أعرف الآن ما إذا كان لدي حب لأي مكان أم لا، وأن ما أحببته هنا ~~هو نفسي؛ نفس انتهت كل صلة لي بها، وفي الوقت المناسب. # لا أدخل الآن الغرفة الأمامية للتفتيش في مقعد البيانو عن النوت الموسيقية والصور ~~الفوتوغرافية القديمة. ولا أذهب للبحث عن كتبي المدرسية القديمة في المرحلة الثانوية، ~~وقصائد الشعر اللاتينية، ورواية «ماريا تشابدلين»، أو أكثر الكتب مبيعا لعام ما في ~~أربعينيات القرن التاسع عشر حين كانت والدتي تنتمي إلى نادي كتاب الشهر؛ وكان عاما ~~رائعا للروايات التي تدور حول زوجات هنري الثامن، وللروائيات ذوات الأسماء الثلاثية، ~~ولفهم الكتب التي تتحدث عن الاتحاد السوفييتي. لا أفتح «الكلاسيكيات» المجلدة ~~بجلد مقلد ضعيف، والتي اشترتها أمي قبل زواجها، فقط لأرى اسمها قبل الزواج مكتوبا ~~بخط اليد الجميل التقليدي لمعلمة على الورقة الأخيرة المجزعة بعد تعهد الناشر: ~~«أيها الإنسان العادي، سأكون معك، وسأرشدك، في أقصى لحظات احتياجك إلى وقوفي ~~بجانبك.» # ليس من السهل العثور على أشياء تذكرني بأمي في هذا المنزل، على الرغم من هيمنتها ~~عليه لزمن طويل بما كان يبدو لنا من طموحاتها المحرجة، ثم بشكاواها المحرجة بنفس القدر ~~وإن كان لها ما يبررها. فلم يكن المرض الذي كانت تعاني منه معروفا على نحو كبير ~~آنذاك، وكان غاية ms262 في الغرابة في تأثيراته، حتى إنه بدا مجرد شيء ربما تكون قد اختلقته، ~~بدافع الحماقة وحاجتها الحقيقية إلى الاهتمام، ولأبعاد أكبر في حياتها؛ فإن الاهتمام ~~الذي كانت عائلتها تمنحها إياه كان بدافع الضرورة، صحيح أنه لم يكن يمنح كرها منهم، ~~ولكنه كان يمنح على نحو روتيني حتى إنه قد بدا باردا، ومتبرما، وخاليا من الحنان ~~والحب، والذي لم يكن أبدا، أبدا، كافيا بالنسبة إليها. # جمعت إرلما الكتب التي دائما ما كانت تتناثر تحت الأسرة وعلى الطاولات في جميع ~~أرجاء المنزل وأقحمتها في خزانة الكتب الموجودة بالغرفة الأمامية وأغلقت عليها أبوابها ~~الزجاجية. ويقول أبي، المطيع لزوجته، إنه لم يعد يقرأ تقريبا لكثرة مشاغله. (على الرغم ~~من أنه يحب بالفعل الاطلاع على «الأطلس التاريخي» الذي كنت أرسلته إليه.) إن إرلما لا ~~تهتم بمنظر الناس وهم يقرءون لأنه شيء غير اجتماعي، وما الطائل من وراء ذلك في ~~النهاية؟ إنها تعتقد أنه من الأفضل أن يمارس الناس ألعاب الورق، أو يصنعوا أشياء؛ ~~فبإمكان الرجال أن يقوموا بأعمال خشبية، وبإمكان السيدات أن يصنعن ألحفة ويغزلن ~~أبسطة، أو يقمن بأعمال كروشيه أو بالتطريز؛ فهناك دائما الكثير للقيام به. # على النقيض من ذلك، تكن إرلما احتراما لما يقوم به أبي في شيخوخته من كتابة؛ إذ ~~قالت لي: «إن كتابته رائعة فيما عدا عندما يكون متعبا للغاية، إنها أفضل من كتابتك ~~على أي حال.» # استغرق مني الأمر لحظة لإدراك أنها كانت تتحدث عن تدوين الأفكار والذكريات؛ ~~فدائما ما كان هذا هو ما تعنيه «الكتابة» هنا في هذا المنزل، أما المعنى الآخر، فكان ~~التأليف أو هكذا يسمى. وهما في نظرها متصلان بطريقة ما دون أن تثير أي اعتراضات، ~~على أي مما يكتب. # تقول: «إنها تنشط عقله.» # كذلك تعتقد أن لعب الورق له نفس الأثر. ولكنها دائما لا تملك الوقت الكافي للجلوس ~~واللعب معه في منتصف اليوم. # يتحدث إلي أبي عن تغطية خارج المنزل بألواح، فيقول لي: «أحتاج إلى مهمة كهذه ~~لتعيدني إلى لياقتي التي كنت عليها قبل عامين.» # كان ms263 قد أصيب قبل حوالي خمسين شهرا بأزمة قلبية خطيرة. # تعد إرلما أكواب القهوة، وطبقا من رقائق البسكويت المالح، وبسكويت جراهام، ~~والجبن والزبد، ومافن النخالة، وبسكويت مسحوق الخبيز، وقطع الكعك الطيب المغطى ~~بطبقة السكر المغلية. # وتقول: «هذا ليس كثيرا، أراني أزداد كسلا في شيخوختي.» # فأقول إن هذا لن يحدث أبدا؛ فلن يصيبها الكسل أبدا. ~~«أخجل من أن أخبرك أنه حتى الكعك مصنوع من خليط جاهز. بعد ذلك، سنشتري الكعك ~~جاهزا.» # فأقول: «إنه جيد. بعض الخلطات الجاهزة تكون جيدة حقا .» # فتقول إرلما: «حقا.» ~~••• # في اليوم التالي يزورنا هاري كروفتون - الذي يعمل بدوام جزئي في مزرعة الديوك ~~الرومي التي كان والدي يعمل بها - في وقت الغداء، وبعد بعض الاعتراضات الضرورية ~~والمتوقعة يقتنع بالبقاء معنا. يحين موعد الغداء في الظهيرة، ونتناول فيه قطع لحم ~~مستديرة تم دقها وتغطيتها بالدقيق وطهيها في الفرن، والبطاطس المهروسة في صوص ~~اللحم، والجزر الأبيض المسلوق، وسلطة الكرنب، والبسكويت، وكعك الزبيب، والتفاح الحامض ~~المحفوظ، وفطيرة القرع العسلي بطبقة المارشميلو، إلى جانب الخبز والزبد، والعديد من ~~المقبلات، والقهوة الفورية والشاي. # ينقل هاري رسالة فحواها أن جو تومس، الذي يعيش عند النهر في كارافان، ولا يوجد لديه ~~هاتف، سوف يكون ممنونا لو زاره والدي ومعه جوال من البطاطس، وبالطبع سوف يدفع ثمنه. ~~كان سيأتي ويأخذه بنفسه لو كان يستطيع، ولكنه لا يستطيع القدوم. # تقول إرلما: «أراهن أنه يستطيع.» # فيحاول أبي صرف الانتباه عن هذه السخرية بأن يقول لي: «إنه شبه أعمى هذه ~~الأيام.» # يضيف هاري: «إنه بالكاد ما يجد طريقه إلى متجر الخمور.» # فيضحك الجميع. # فتقول إرلما معقبة: «إنه يستطيع أن يجد طريقه إلى هناك عن طريق أنفه.» ثم تعيد ما ~~قالته بحس من الاستمتاع كعادتها: «إنه يجد طريقه إلى هناك عن طريق أنفه.» # إرلما امرأة بدينة ذات وجه متورد، وضفائر مصبوغة باللون البني الذهبي، وعينين ~~بنيتين لا يزال بهما لمعان، وطلة من الاستعداد العاطفي، والوقوف دائما على شفا ~~المرح الصاخب. أو على شفا الجزع الذي يتحول تدريجيا إلى غضب وثورة؛ فهي ms264 تحب إضحاك ~~الآخرين، وإضحاك نفسها. وفي أوقات أخرى تجدها تضع يديها على وركيها دافعة رأسها إلى ~~الأمام لتطلق عبارة لاذعة، وكأنها تتمنى لو أثارت شجارا، وهو السلوك الذي تربطه ~~بكونها أيرلندية وبكونها قد ولدت على متن قطار. ~~«أنا أيرلندية، كما تعلم؛ لذا أتشاجر على الطريقة الأيرلندية. وولدت على متن قطار ~~متحرك، لم أستطع الانتظار، كان القطار يسير على خط كيكينج هورس (بمعنى الحصان الرافس) ~~للسكك الحديدية، أتعلم ماذا يعني ذلك؟ إن كونك مولودا على ظهر حصان رافس يعني أنك ~~تعرف كيف تدافع عن نفسك، وتلك حقيقة.» بعدها، وسواء رد مستمعوها بنفس الطريقة أو ~~تراجعوا في صمت مرتبك، سوف تطلق ضحكة يشوبها التحدي. # تقول موجهة الحديث لهاري: «ألا يزال جو يعيش برفقة تلك السيدة التي تدعى ~~بيجي؟» # أنا لا أعرف بيجي؛ ومن ثم سألت عنها. # فيرد هاري في نبرة تعنيف قائلا: «ألا تذكرين بيجي؟» ثم يخاطب إرلما قائلا: «أنت ~~تراهنين أنه لا يزال يعيش معها.» # كان هاري يعمل لدينا حين كان أبي يملك مزرعة الثعالب وكنت أنا صغيرة. كان يعطيني حلوى ~~العرقسوس من غياهب جيوبه الضبابية، وحاول أن يعلمني قيادة الشاحنة، وكان يدغدغني عند ~~رباط بنطالي المرن. # يقول لي: «بيجي جورينج؟ كانت هي وشقيقاها يعيشون بجوار السكك الحديدية الواقعة على ~~هذا الجانب من شركة كندا باكرز؟ إنهم من أصول هندية. هيو وبد جورينج. هيو الذي كان ~~يعمل في مصنع الألبان؟» # يتدخل أبي قائلا: «كان بد هو الحارس في مبنى مجلس البلدة.» # فتقول إرلما بشيء من الحدة: «أتتذكرينهم الآن؟» فمن الممكن أن يبدو نسيان الأسماء ~~والحقائق في محيطك شيئا متعمدا، وسلوكا وقحا غير لائق. # فأقول إنني قد تذكرتهم، رغم أن الواقع غير ذلك. # تقول: «لقد رحل هيو ولم يعد مطلقا؛ ما جعل بد يغلق المنزل، ويعيش في الغرفة ~~الخلفية منه فقط. إنه يتقاضى المعاش الآن، ولكنه بخيل لدرجة أنه لا يدفئ المنزل ~~بأكمله.» # فيقول أبي: «لقد صار غريب الأطوار بعض الشيء مثل بقيتنا.» # يقول هاري الذي يعرف ودائما ما كان يعرف كل ms265 قصة وكل شائعة وكل فضيحة، وربما ~~الأنساب في نطاق أميال عديدة: «إذن هل تذكرت بيجي؟ بيجي التي كانت رفيقة جو؟ قبل ~~سنوات. ولكن بعد ذلك رحلت وتزوجت من شخص آخر، وكانت تعيش في الشمال. وبعد فترة ~~رحل جو إلى هناك وعاشا معا، ولكن دبت بينهما مشاجرة كبيرة ورحل إلى الغرب.» يضحك في ~~صمت مثلما كان يفعل دائما، وبكم كبير من السخرية المكتومة التي تبدو مكبوتة ~~بداخله؛ ما يجعلها تولد رعشة تسري عبر صدره وكتفيه. # تقول إرلما: «هكذا كان حالهما. هكذا استمرا.» # يواصل هاري حديثه قائلا: «بعد ذلك انطلقت بيجي غربا وراءه وانتهى الأمر بأن عاشا ~~معا هناك، ويبدو أنه كان يعتدي عليها بالضرب المبرح لدرجة أنها استقلت القطار في ~~النهاية وعادت إلى هنا. ويبدو أنه قد ضربها بعنف قبل أن تستقل القطار، لدرجة أن ~~الناس اعتقدوا أنهم سيضطرون للتوقف ونقلها إلى المستشفى.» # تقول إرلما: «كم أود أن أرى ذلك. أود أن أرى رجلا يجرب فعل ذلك ~~معي.» # يقول هاري: «أجل، حسنا. ولكن لا بد أنها قد تحصلت على بعض المال أو جعلت بد يدفع ~~لها مقابل نصيبها في المنزل؛ لأنها اشترت لنفسها الكارافان. ربما ظنت أنها ستسافر. ~~ولكن ظهر جو مرة أخرى ونقلا المقطورة إلى النهر وتزوجا. لا بد أن زوجها الآخر كان ~~قد مات.» # تقول إرلما: «لقد تزوجا حسبما يقولون.» # فيقول هاري: «لست أدري. إنهم يقولون إنه لا يزال يمعن في ضربها حين تواتيه الرغبة في ~~ذلك.» # تقول إرلما: «ليت أي شخص يجرب فعل ذلك معي، وسوف أضربه. سوف أضربه في مكان ~~حساس بجسده.» # يقول أبي في ذعر هازئ: «اهدئي، اهدئي.» # يقول هاري: «ربما يكون لجذورها الهندية دخل في ذلك؛ فهم يقولون إن الهنود يضربون ~~نساءهم بين الحين والآخر وهذا يجعلهن يحببنهم أكثر.» # أشعر بأنني مضطرة لأن أقول: «أوه، هكذا يتحدث الناس عن الهنود.» وتقول إرلما - ~~التي سرعان ما يتسلل إليها شيء من السمو أو التميز - إن ما يقوله الناس عن ~~الهنود به قدر كبير من الحقيقة، وإنني يجب ms266 ألا أعبأ بالأمر. # يقول أبي: «حسنا، إن هذه المحادثة مشوقة أكثر من اللازم لعجوز مثلي، أعتقد أنني ~~سأذهب للاضطجاع في فراشي قليلا في الطابق العلوي.» ~~••• # تقول إرلما بعد أن نسمع خطوات أبي البطيئة على الدرج: «إنه ليس كعادته؛ فهو يشعر ~~بالإرهاق منذ يومين أو ثلاثة الآن.» # أقول وبداخلي شعور بالذنب لعدم ملاحظتي ذلك: «حقا؟» يبدو لي الآن مثلما يبدو لي ~~دائما حين تجمعني زيارة مع إرلما؛ مضطربا ومتوجسا بعض الشيء، وكأن عليه أن يكون ~~يقظا، كأن الأمر يتطلب بعض الطاقة لكي تشرح كل منا موقفها وتدافع عنه أمام ~~الأخرى. # تقول إرلما: «إنه ليس على ما يرام. أستطيع أن أجزم بذلك.» # تلتفت لهاري الذي كان قد ارتدى سترته. # تقول له وقد حالت بينه وبين الباب لتعترض طريقه: «فقط أخبرني بشيء قبل أن تخرج من ~~هذا الباب. أخبرني كم من الحبال يلزم لتقييد امرأة؟» # يتظاهر هاري بالتفكير ويقول: «امرأة ضخمة أم رفيعة؟» ~~«أي امرأة من أي حجم.» ~~«أوه، لا أستطيع أن أخبرك. لا أستطيع.» # تقول إرلما: «خصيتان وقضيب.» ويطالنا بعض الرذاذ البعيد من مدى الضحكة المكبوتة التي ~~شعر بها هاري. ~~«إرلما، أنت فظيعة.» ~~«أنا كذلك. أنا فظيعة. أنا كذلك.» ~~••• # أذهب مع أبي في السيارة لتسليم البطاطس لجو تومس. ~~«ألست على ما يرام؟» ~~«لست في أفضل حال.» ~~«ما وجه هذا الشعور؟» ~~«لا أعلم، لا أستطيع النوم، لن أفاجأ إذا أصبت بالأنفلونزا.» ~~«هل ستستدعي الطبيب؟» ~~«إذا لم أشعر بتحسن، فسوف أستدعي الطبيب. لكن إذا استدعيته الآن فأنا فقط أضيع ~~وقته.» # جو تومس، الذي يكبرني بحوالي عشر سنوات، رجل واهن ومرتجف على نحو مثير للانزعاج، ~~وذو ذراعين طويلتين هزيلتين، ووجه وسيم فاسد وغير محلوق، وعينين ضعيفتين. لا ~~أستطيع أن أدرك كيف يمكنه ضرب أي شخص، يتلمس طريقه ليقابلنا ويأخذ جوال البطاطس، ~~ويحثنا على الدخول إلى الكارافان المليء بالدخان. # يقول: «أعتزم أن أسدد لك ثمنه هنا. فقط أخبرني كم يساوي؟» # فيقول أبي: «لا عليك.» # تقف امرأة بدينة عند الموقد تقلب شيئا في قدر. # فيقول أبي: «بيجي، ms267 هذه ابنتي. إن هذا الذي تطهينه رائحته طيبة.» # لا تجيب، فيقول جو تومس: «إنه أرنب قدم إلينا كهدية. لا جدوى من الحديث إليها؛ ~~فهي لن تسمعك. إنها صماء وأنا كفيف. أليس هذا من فعل الشيطان؟ إنه مجرد أرنب، ولكننا لا ~~نرفض الأرانب؛ فالأرانب طعام نظيف.» # يتضح لي الآن أن السيدة ليست بدينة على الإطلاق. فقد كان الجزء العلوي من ذراعها ~~المتاخم لنا لا يتناسب مع جسدها؛ إذ كان متورما كالفطر النفاث. كان الكم منزوعا من ~~ردائها، تاركا منطقة الإبط منسلة تتدلى منها الخيوط، جاعلا لحمها المتورم مكشوفا ~~ومتلألئا في وسط دخان وظل الكارافان. # يقول أبي: «يكفي هذا الأرنب.» # يقول جو: «أعتذر لأنني لم أقدم لك شرابا، ولكن لا يوجد شراب هنا في المنزل، فلم ~~نعد نشرب على الإطلاق.» ~~«أصدقك القول، إنني أيضا أشعر بأنني لا أقوى عليه.» ~~«لم يعد ثمة أي شراب منذ التحقنا بالمعبد المورموني أنا وبيجي. أسمعت ~~بانضمامنا إليه؟» ~~«كلا يا جو، لم أسمع بذلك.» ~~«لقد فعلنا هذا. وكم من راحة جلبها لنا ذلك.» ~~«عظيم.» ~~«أدرك الآن أنني قد قضيت حياتي في الطريق الخطأ، وبيجي أيضا تدرك ذلك.» # فيقول أبي في تأمل: «امممم.» ~~«أحدث نفسي بأن لا غرابة في أن الرب قد سلبني بصري، لقد جعلني ضريرا، ولكني أرى ~~حكمته في ذلك. إنني أرى حكمة الرب؛ نحن لم ندخل المنزل قطرة واحدة من الشراب منذ أول ~~عطلة نهاية أسبوع في شهر يوليو، كانت تلك هي آخر مرة. الأول من يوليو.» # يقرب وجهه من وجه أبي. ~~«أترى حكمة الرب؟» # فيقول أبي وهو يتنهد: «أوه يا جو. جو، أعتقد أن كل ذلك ما هو إلا هراء.» # اندهش من ذلك؛ لأن أبي عادة ما كان رجلا لديه قدر كبير من الدبلوماسية والقدرة ~~على بعض المراوغة الرقيقة؛ فلطالما كان يتحدث إلي، بأسلوب شبه تحذيري، عن الحاجة ~~إلى التوافق مع الناس وعدم استفزازهم. # وكانت دهشة جو تومس أكبر من دهشتي. ~~«أنت لا تقصد قول ذلك، لا تقصده. أنت لا تعرف ما تقول، أليس ms268 كذلك؟» ~~«نعم، أعرف.» ~~«إذن عليك أن تقرأ كتابك المقدس، وعليك أن ترى كل ما يقوله.» # فيضرب أبي بيديه على ركبتيه في عصبية أو نفاد صبر. ~~«من الممكن لأي شخص أن يتفق أو يختلف مع الكتاب المقدس يا جو؛ فالكتاب المقدس مجرد ~~كتاب مثل أي كتاب آخر.» ~~«من الإثم أن تقول ذلك. لقد كتب الرب الكتاب المقدس وخطط العالم وخلقه وخلق كل ~~واحد منا يعيش هنا.» # يقول أبي وهو يزيد من ضرب يده على ركبتيه: «لا أعرف شيئا عن ذلك يا جو، لا أعرف، ~~وإذا تحدثنا عن تخطيط العالم، فمن قال إنه لا بد أن يكون قد خطط له من ~~الأساس؟» ~~«حسنا، فمن الذي خلقه؟» ~~«لا أعرف الإجابة، ولا أهتم بذلك.» # أرى أن وجه أبي على غير عادته؛ فلا يبدو عليه القبول والاستساغة (اللذان كانا أكثر ~~تعابيره شيوعا) ولا العبوس أيضا. يبدو عليه العناد والتعنت ولكن من دون تحد، كان ~~فقط منغلقا على نفسه في كلل متعنت، وكأن شيئا بداخله قد تجمد ووصل إلى نقطة ~~توقف. ~~••• # يقود أبي السيارة متجها إلى المستشفى، وأنا أجلس بجواره وعلى ركبتي علبة صفيح ~~قديمة، على استعداد لحملها له حال اضطر للوقوف على جانب الطريق وشعر بالغثيان مرة ~~أخرى؛ فقد ظل ساهرا طوال الليل وتقيأ كثيرا، وفي الأوقات التي تخللت ذلك جلس ~~إلى طاولة المطبخ يتطلع في «الأطلس التاريخي». يعرف هذا الرجل الذي قلما غادر ~~مقاطعة أونتاريو بعض المعلومات عن أنهار آسيا والحدود القديمة في الشرق الأوسط، ويعرف ~~أين يقع أعمق خندق في أرضية المحيط، ويعرف مسار فتوحات الإسكندر الأكبر، ومسار فتوحات ~~نابليون، وأن الخزر قد أنشئوا عاصمتهم عند التقاء نهر الفولجا ببحر ~~قزوين. # قال إنه يعاني من ألم في كتفيه وظهره، وما كان يسميه عدوه القديم؛ ألم ~~البطن. # في حوالي الساعة الثامنة صعد إلى الطابق العلوي ليحاول النوم، وقضيت أنا وإرلما ~~الصباح في الحديث والتدخين في المطبخ، آملتين أن يكون قد فعل ذلك. # راحت إرلما تتذكر ما كان لها من تأثير على الرجال، والذي بدأ ms269 مبكرا حين حاول أحد ~~الرجال التغرير بها حين كانت تشاهد إحدى المسيرات ولم تزل في التاسعة من عمرها. وخلال ~~السنوات الأولى من زيجتها الأولى وجدت نفسها تسير في أحد شوارع تورونتو تبحث عن مكان ~~كانت قد سمعت عنه يبيع قطع غيار للمكانس الكهربائية. فقال لها رجل، وكانت لا تعرفه: ~~«دعيني أسد إليك نصيحة يا سيدتي الصغيرة، لا تسيري في المدينة وعلى وجهك مثل هذه ~~الابتسامة؛ فقد يسيء الناس فهمها.» ~~«لم أكن أعرف كيف كنت أبتسم. لم أكن أقصد أي سوء؛ فقد كنت دوما ما أبتسم أكثر مما ~~أعبس. لم أذهل في حياتي قط مثلما ذهلت حينها.» «لا تسيري في المدينة وعلى وجهك مثل ~~هذه الابتسامة.» تنحني إلى الوراء في مقعدها، فاتحة ذراعيها في قلة حيلة، ~~وتضحك. # تقول: «كم كنت مثيرة! ولم أدر حتى ذلك.» # تخبرني بما كان أبي يقوله لها، كان يقول لها إنه كان يتمنى لو كانت هي من صارت ~~زوجته من البداية وليس أمي. ~~«هذا ما قاله. قال إنني أنا من كانت ستناسبه، وإنه كان من المفترض أن يكون هو أول ~~من يتزوجني.» # وهذه هي الحقيقة، على حد قولها. ~~••• # حين نزل أبي، قال إنه قد تحسن، وإنه قد نال قدرا قليلا من النوم وإن الألم قد ~~تلاشى، أو على الأقل ظن أنه يتلاشى. كان بإمكانه أن يحاول تناول شيء؛ فقدمت له إرلما ~~شطيرة، وبيضا مقليا، وصوص تفاح، وكوبا من الشاي. حاول أبي أن يتناول كوب الشاي، ثم ~~تقيأ وظل يتقيأ مادة صفراء. # ولكن قبل أن يغادر إلى المستشفى كان عليه أن يصطحبني إلى الحظيرة ليريني مكان ~~التبن، وكيف أضعه للأغنام. يربي هو وإرلما 24 رأسا أو نحو ذلك من الأغنام، لا أعرف ~~لماذا يفعلان ذلك؛ فلا أظن أنهما يتكسبان من الأغنام ما يكفي من المال لكي يكون هذا ~~العمل الذي يتكبدانه بسببها يستحق العناء. ربما يكون من قبيل الطمأنة فقط أن يكون ~~ثمة بعض الحيوانات حولهما. كان لديهما كلب باستر بالطبع، ولكنه ليس من حيوانات ~~المزرعة بالمعنى الدقيق؛ ms270 فالأغنام تولد مهاما؛ أعمالا حقلية تظل بحاجة إلى ~~القيام بها، وهو نوع العمل الذي عرفاه طوال حياتهما. # الأغنام لا تزال ترعى بالخارج، ولكن الحشائش التي تتغذى عليها فقدت بعضا من قيمتها ~~الغذائية - إذ كانت هناك عاصفتان من الصقيع - لذا لا بد أن تتناول التبن كذلك. ~~••• # أجلس في السيارة بجواره حاملة العلبة ونتبع ذلك الطريق القديم المعتاد ببطء - شارع ~~سبنسر، شارع الكنيسة، شارع ويكسفورد، شارع ليدي سميث - نحو المستشفى. البلدة لا تزال ~~على حالها إلى حد كبير على عكس المنزل ؛ فما من شخص يسعى لتجديدها أو تغييرها. غير ~~أنها تغيرت في نظري. لقد كتبت عنها واستهلكت كل مكان فيها؛ فلا تزال هنا على ~~نحو أو آخر نفس البنوك ومتاجر الأدوات المعدنية والبقالة وصالون الحلاقة وبرج مجلس ~~البلدة، غير أن كل رسائلها البلدة الكثيرة والسرية التي كانت تبعث بها إلي تلاشت ~~جميعا. # ولكن لم تتلاش بالنسبة إلى أبي؛ فقد عاش هنا وليس في أي مكان آخر، ولم يهرب من ~~الأشياء عن طريق مثل هذا الاستخدام. ~~••• # يحدث أمران غريبان بعض الشيء عند اصطحابي لأبي إلى داخل المستشفى؛ يسألونني عن عمره، ~~وأجيب على الفور: «اثنان وخمسون»، وهو عمر رجل تربطني به علاقة حب. فأضحك وأعتذر ~~وأهرع إلى السرير الذي يرقد عليه في قسم الطوارئ، وأسأله إن كان عمره اثنين وسبعين أم ~~ثلاثة وسبعين؛ فينظر إلي وكأن السؤال قد أثار استغرابه هو الآخر، ويقول: «معذرة.» ~~بأسلوب رسمي لكي يكسب وقتا للتركيز، ثم يستطيع أن يخبرني بأنه في الثانية والسبعين. ~~تسري رعشة بسيطة عبر جسده بأكمله، إلا أن ذقنه يرتعش على نحو ملحوظ مثلما كان يحدث مع ~~أمي. وفي خلال الفترة القصيرة منذ دخوله المستشفى حدث بعض الاستسلام. بالطبع كان يعرف ~~أنه سيحدث، وهذا ما جعله عازفا عن القدوم. تأتي الممرضة لقياس ضغط الدم لديه ويحاول أن ~~يشمر كم قميصه ولكنه لا يستطيع؛ فتضطر هي للقيام بذلك بدلا منه. # تقول لي الممرضة: «يمكنك الذهاب والجلوس في الغرفة بالخارج؛ فالجلوس هناك مريح ~~أكثر.» # أما الشيء الغريب الثاني، ms271 فيتصادف أن الطبيب باراكولام، طبيب أبي الخاص - والمعروف ~~محليا بالطبيب الهندوسي - هو الطبيب المتأهب للاستدعاء في قسم الطوارئ. يصل بعد ~~فترة وأسمع أبي يبذل جهدا لتحيته بطريقة دمثة لطيفة. وأسمع الستائر تسدل حول ~~السرير. وبعد الفحص يخرج الطبيب باراكولام ويتحدث إلى الممرضة التي كانت وقتها مشغولة ~~على المكتب الموجود في الغرفة التي أنتظر فيها. ~~«حسنا. أدخلوه. في الطابق العلوي.» # يجلس الطبيب قبالتي بينما تتحدث الممرضة في الهاتف. # تقول عبر الهاتف: «لا؟ حسنا إنه يريده هناك. لا. حسنا، سوف أبلغه .» ~~«يقولون إنه سيضطر لدخول عنبر 3ج؛ فلا توجد أسرة.» # فيقول الطبيب: «لا أريده في قسم الحالات المزمنة، أريده في قسم الرعاية المركزة، ~~أريده بالطابق العلوي.» ربما يتحدث إليها بطريقة أكثر تسلطا، أو بنبرة أقرب إلى شخص ~~مغلوب على أمره، من طبيب نشأ في هذه البلاد. # فتقول: «حسنا، إذن، ربما عليك أن تتحدث إليهم. أتريد التحدث إليهم؟» # إنها ممرضة طويلة نحيلة، في منتصف العمر، مرحة وذات لهجة عامية، وتتصرف قليلا ~~كالرجال، ونبرتها معه أقل تحفظا، وأقل لياقة واحتراما من النبرة التي توقعت أن ~~تعتمدها ممرضة مع طبيب. ربما هو ليس بالطبيب الذي يحظى باحترام من حوله. أو ربما أن ~~نساء هذه البلاد والبلدة الصغيرة، اللاتي يتسمن عامة بالتحفظ الشديد في آرائهن، ~~يمكن في الغالب أن يكون أسلوبهن متسلطا وجريئا. # يلتقط الطبيب باراكولام سماعة الهاتف. ~~«لا أريده في قسم الحالات المزمنة. أريده في الطابق العلوي. حسنا، ألا تستطيعون - ~~نعم أعرف. ولكن ألا تستطيعون؟ - هذه حالة - أعلم. ولكنني أقول - نعم. نعم حسنا. حسنا. ~~فهمت.» # ويضع السماعة ويقول للممرضة: «أنزليه إلى عنبر 3ج.» وتأخذ سماعة الهاتف لترتيب ~~الأمر. # قلت له: «ولكنك تريده في قسم الرعاية المركزة»، ظنا مني أنه لا بد أن ثمة ~~طريقة ما يمكن بها أن تكون لاحتياجات أبي الغلبة. ~~«نعم، أريده هناك، ولكن ما من شيء بإمكاني فعله إزاء ذلك.» لأول مرة ينظر إلي ~~الطبيب مباشرة وربما صرت أنا الآن عدوته، وليس الشخص الذي على الهاتف. إنه رجل أنيق ~~قصير القامة، وذو ms272 بشرة بنية، وعينين كبيرتين لامعتين. # قال لي: «لقد بذلت أقصى ما في وسعي. ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك في ظنك؟ ما ~~قيمة الطبيب؟ لم يعد الطبيب يساوي شيئا الآن.» # لا أعلم من يظن أنه الملام في ذلك - الممرضات، أم المستشفى، أم الحكومة - ولكنني لم ~~أعتد رؤية الأطباء بهذا الانفعال، وآخر شيء أريده منه هو الاعتراف منه بالعجز وقلة ~~الحيلة؛ فهذا يبدو نذير شؤم على أبي. # فقلت: «أنا لا ألومك ...» ~~«حسنا إذن. لا تلوميني.» # تفرغ الممرضة من الحديث عبر الهاتف ، وتخبرني بأن علي التوجه إلى قسم الإدخال وملء ~~بعض الاستمارات، وتقول: «أمعك بطاقته؟» ثم تخاطب الطبيب قائلة: «إنهم يدخلون شخصا ~~صدمته سيارة على طريق لاكناو السريع. وبقدر ما فهمت، حالته ليست سيئة جدا.» ~~«حسنا، حسنا.» ~~«إنه يومك!» ~~••• # يودع أبي في عنبر مكون من أربعة أسرة، أحدها خاو، وفي السرير المجاور له، ~~بجانب النافذة، يوجد رجل عجوز ينام مستلقيا على ظهره ويتلقى الأكسجين ولكن يستطيع ~~التحدث. يقول إنه خلال العامين المنصرمين خضع لتسع عمليات جراحية، وأمضى معظم ~~العام الفائت في مستشفى المحاربين القدماء في المدينة. ~~«لقد استأصلوا كل شيء استطاعوا استئصاله ثم أتخموني بحبات الدواء وأرسلوني إلى ~~المنزل كي أموت.» يقول هذا وكأنه دعابة ألقاها عدة مرات بنجاح. # في حوزة هذا الرجل راديو كان يشغله على محطة لموسيقى الروك. ربما هذا هو كل ما ~~استطاع الوصول إليه، وربما كان يحبها. # على الجانب الآخر من أبي كان ثمة سرير لمسن آخر كان قد نقل منه ووضع على ~~كرسي متحرك. هذا الرجل له شعر أبيض قص على نحو قصير للغاية، ولكن لا يزال ~~كثيفا، وله الرأس الكبير والجسد النحيل المميز الذي لطفل سقيم. يرتدي رداء مستشفى ~~قصيرا ويجلس في الكرسي المتحرك وساقاه متباعدتان، كاشفا عن خصيتين بنيتين جافتين. ~~توجد صينية في مقدمة الكرسي مثل تلك الموجودة في كرسي الأطفال العالي، وكان قد أعطي ~~منشفة وجه ليلعب بها. يلف هذا الرجل المنشفة على هيئة أسطوانة ويطرقها ثلاث مرات ~~بقبضة يده، ثم يحلها ويعاود ms273 لفها مجددا بعناية، ويطرقها مرة أخرى. كان دائما ~~يطرقها ثلاث مرات، مرة عند كل طرف من طرفيها ومرة في المنتصف. ويستمر هذا الفعل ~~طوال الوقت. # يقول أبي بصوت خفيض: «ديف إيلرز.» ~~«أتعرفينه؟» ~~«بالتأكيد، إنه عامل السكة الحديد العجوز.» # يرمقنا عامل السكة الحديد العجوز بنظرة سريعة، دون أن يوقف ما يقوم به، ويقول ~~بنبرة تحذير: «ها.» # فيقول أبي دون سخرية كما بدا: «لقد تدهورت حالته.» # فأقول: «حسنا، أنت أجمل رجل في الغرفة والأكثر أناقة أيضا.» # حينئذ يبتسم بوهن وإرهاق. كانوا قد سمحوا له بارتداء بيجامته المقلمة باللونين ~~الكستنائي والرمادي التي أخرجتها إرلما له من علبتها، حيث كانت هدية تلقاها بمناسبة ~~الكريسماس. ~~«ألا تشعرين أن حرارتي مرتفعة قليلا؟» # ألمس جبهته لأجدها ملتهبة من الحرارة. # فأميل نحوه هامسة: «ربما قليلا، سوف يعطونك شيئا، أعتقد أيضا أنك قد حصدت ميزة ~~الدخول المبكر في نطاق الخطر الفكري.» # فيقول: «ماذا؟ أوه.» وينظر حوله، ثم يردف قائلا: «ربما لا أستطيع أن أحتفظ بها.» ~~وحتى بينما يقول هذا يرمقني بتلك النظرة العاجزة التي تعلمت تفسيرها اليوم، وعلى ~~الفور أنتزع الحوض الصغير من الحامل القابع بجوار السرير وأحمله له. # وبينما أبي يحاول التقيؤ، إذا بالرجل الذي أجرى تسع جراحات يرفع صوت الراديو على ~~أغنية تقول: # جالس على السقف # أنظر من أعلى إلى أسفل # أشاهد جميع الناس # وهم يدورون ويدورون. # أعود إلى المنزل وأتناول العشاء مع إرلما. وسأذهب إلى المستشفى مجددا بعد العشاء، ~~على أن تذهب إرلما غدا؛ فقد قال أبي إنه من الأفضل ألا تأتي إرلما الليلة. # قال: «انتظري حتى تصبح حالتي تحت السيطرة، لا أريد أن أزعجها.» # تقول إرلما: «إن باستر في مكان ما بالخارج. لا أستطيع أن أناديه ليعود. وإذا لم ~~يأت إلي، فلن يذهب إلى أي شخص آخر.» # باستر هو كلب إرلما في الأساس؛ فهو الكلب الذي أحضرته معها حين تزوجت أبي. كان نصفه ~~شيبرد ألمانيا والنصف الآخر كولي اسكتلنديا، وهو كلب عجوز جدا وله رائحة كريهة، ~~وكئيب على نحو عام. إن إرلما على حق؛ فهو ms274 لا يثق بأحد سواها. ومن وقت لآخر خلال ~~أكلنا، تنهض وتناديه من عند باب المطبخ. ~~«تعال إلى هنا يا باستر. باستر، باستر. عد إلى المنزل.» ~~«أتودين أن أخرج وأناديه؟» ~~«لن يجدي ذلك. فلن يلقي بالا لك.» # يبدو لي صوتها أضعف وأكثر إحباطا عند مناداتها على باستر عما تسمح له أن يكون حين ~~تتحدث مع أي شخص آخر. تصفر له، بأقوى ما تستطيع، ولكن تصفيرها أيضا يفتقد الحيوية ~~والقوة. # تقول: «أراهنك أنني أعرف أين ذهب. عند النهر.» # يدور بخلدي أنني سأضطر لارتداء حذاء أبي العالي المطاطي وأذهب للبحث عنه بصرف ~~النظر عما تقوله. حينئذ، ودون أي ضجة أستطيع سماعها، ترفع رأسها وتهرع إلى الباب ~~وتنادي: «تعال هنا أيها العجوز باستر. ها هو هناك. ها هو هناك. فلتحضر الآن. تعال ~~يا باستر. ها هو العجوز هناك.» # تقول وهي تنحني وتحتضنه: «أين كنت؟ أين كنت أيها الشقي العجوز؟ أعلم، أعلم. لقد ~~ذهبت وبللت نفسك في النهر.» # تفوح من باستر رائحة عفن وأعشاب النهر. ويتمطى على السجادة ما بين الأريكة وجهاز ~~التليفزيون. # تقول وهي تحتضنه في المنشفة التي تستخدمها لتنظيفه: «لقد عاوده اضطراب معدته مرة ~~أخرى، هذا كل ما في الأمر. هذا ما جعله ينزل إلى الماء؛ إنه يسبب له حرقة ما تجعله ~~ينزل الماء ليخففها. ولكنه لن يشعر بأي راحة حقيقية حتى يخرجها. لا، لن يشعر ~~براحة. مسكين هذا العجوز.» # توضح لي مثلما فعلت من قبل أن الاضطراب المعوي الذي يعاني منه باستر سببه التسكع ~~في حظيرة الديوك الرومي والتهام أي شيء يجده هناك. ~~«إنه يأكل بقايا الديوك النافقة والتي بها بعض الريش، فتدخل جسمه ولا يستطيع إخراجها ~~مثلما يفعل الكلب الأصغر منه سنا؛ فهو لا يستطيع التعامل معها، فتتجمع في أمعائه ~~وتسبب انسدادا هناك ولا يستطيع إخراجها ويظل يتألم. فقط أنصتي له.» # وبالفعل باستر ينخر ويتأوه، ويدفع نفسه باتجاه قدميه. ~~«ربما يظل على ذلك طوال الليل. لا أعرف. ربما لا يستطيع إخراجها على الإطلاق. ولا ~~يسعني عمل شيء إزاء ذلك سوى الخوف. ms275 أنا أعلم إن أخذته إلى العيادة البيطرية أنهم لن ~~يساعدوه. سوف يكتفون بقول إنه عجوز جدا، ولن يرغبوا في حجزه.» # ويستمر باستر في التأوه. ~~••• # يقول السيد إيلرز، عامل السكة الحديد: «لا أحد يعبأ حتى بالقدوم لوضعي في السرير.» ~~إنه في السرير يجلس مسندا. كان صوته أجش وقويا، ولكنه لم يشأ إيقاظ أبي. جفنا أبي ~~يرتعشان، وطاقم أسنانه قد نزع؛ ما جعل فمه يهبط عند الأركان، فيما تختفي شفتاه ~~تقريبا. ترتسم على وجهه النائم نظرة من الإحباط الثابت المستعصي على التغيير. # يقول السيد إيلرز مخاطبا الردهة الساكنة: «أخرسوا تلك الضجة هناك. أخرسوها وإلا ~~غرمتكم مائة وثمانين دولارا.» # فيقول الرجل صاحب الراديو: «فلتخرس أنت أيها المعتوه العجوز.» ثم يشغل ~~الراديو. ~~«مائة وثمانين دولارا.» # يفتح أبي عينيه ويحاول الجلوس في السرير ويضطجع في استرخاء، ويقول لي في نبرة شابها ~~بعض الإلحاح: «كيف يمكننا أن نجزم بأن النتاج النهائي إنسان؟» ~~«أخرج يديك من جيبي ...» # يقول أبي: «إنه التطور. ربما نكون قد أخطأنا فهم الموقف فيما يتعلق بذلك. ثمة ~~شيء يدور لم نعرفه في البداية.» # ألمس جبهته فأجد حرارته مرتفعة كالعادة. ~~«ما رأيك في ذلك؟» ~~«لا أعرف يا أبي.» # لأنني لا أفكر في أمور كهذه. فعلتها مرة واحدة، ولكن لم أكررها مجددا أبدا؛ فكل ~~تفكيري الآن في عملي وفي الرجال. # كانت قدرته على الحديث في طريقها إلى النفاد. ~~«ربما تكون قادمة؛ عصور مظلمة جديدة.» ~~«أتعتقد ذلك؟» ~~«لقد تفوقت علينا إرلما نحن الاثنين.» # يبدو صوته رقيقا بالنسبة إلي، ولكن مشوبا بالحزن. بعدها يبتسم ابتسامة واهنة. ~~أظن أن الكلمة التي ينطق بها هي ... «عجيبة». ~~••• # ترحب بي إرلما لدى عودتي إلى المنزل قائلة: «لقد تجاوز باستر الأزمة.» وعلا وجهها ~~بريق من الارتياح والانتصار. ~~«أوه، هذا رائع.» ~~«بعد أن ذهبت إلى المستشفى مباشرة، خلا إلى المهمة. سوف أعد لك فنجانا من ~~القهوة حالا.» تشغل الغلاية، وكانت قد وضعت على الطاولة شطائر لحم خنزير، ومخللات ~~بالمستردة، وجبنا، وقطع بسكويت، وعسلا أسود وأبيض، رغم فراغنا من العشاء قبل ساعتين ~~فقط. ~~«لقد ms276 بدأ ينخر ويجوب المكان جيئة وذهابا ويتململ على السجادة. كاد يجن من البؤس ~~ولم يكن بيدي شيء أفعله. بعدها وفي حوالي السابعة والربع سمعت صوت التغيير. يمكنني ~~أن أحدد من الصوت الذي يحدثه حين ينزوي إلى مكان أفضل حيث يمكنه أن يحاول التبرز. ~~لا يزال هناك فطيرة متبقية، فنحن لم ننته منها. هل تفضلين تناول الفطيرة؟» ~~«لا، أشكرك؛ فهذا جيد.» # ألتقط شطيرة لحم. ~~«لذا أفتح الباب وأحاول إقناعه بأن يخرج حيث يمكنه التبرز.» # تصدر الغلاية صفيرها، وتصب الماء على قهوتي الفورية . ~~«انتظري دقيقة. سوف أحضر لك بعض اللبن الحقيقي، ولكن فات الوقت؛ فقد تبرز على ~~السجادة هناك. كانت كتلة ضخمة كهذه.» تطبق قبضتيها معا وتريني إياهما، ثم تردف ~~قائلة: «وهي صلبة. يا مسكين. لا بد أن تريها. إنها تشبه الصخرة.» # وتضيف: «وكنت على حق؛ فقد كانت ممتلئة عن آخرها بريش الديك الرومي.» # أقلب القهوة الداكنة. # تقول مخاطبة باستر الذي رفع رأسه: «وبعد ذلك تسارع الصوت مع نزول الفضلات اللينة. ~~لقد حطمت السد.» ثم تقول وهي تدير ظهرها لي: «لقد نشرت رائحة كريهة عبر المكان. ~~ولكن أغلبها كانت على السجادة؛ لذا أخرجتها وسلطت خرطوم الحديقة عليها، ثم أخذت ~~الصابون وفرشاة الحك ثم شطفتها بالخرطوم مرة أخرى، ثم دعكت الأرضية أيضا ورششتها ~~بالليزول، وتركت الباب مفتوحا. لا يمكن أن يصل إلى أنفك أي رائحة لها هنا الآن، أليس ~~كذلك؟» ~~«كلا.» ~~«لا شك أنني كنت سعيدة حين رأيته وقد تخلص من معاناته. مسكين هذا العجوز. لو كان ~~بشرا لكان عمره الآن أربعة وتسعين عاما.» ~~••• # خلال أول زيارة قمت بها لأبي وإرلما بعد أن انفصلت عن زوجي واتجهت شرقا، ذهبت ~~للنوم في الغرفة التي كانت غرفة نوم أبي وأمي؛ حيث صار أبي وإرلما ينامان في الغرفة ~~التي كانت غرفتي. وحلمت بأنني قد دخلت لتوي هذه الغرفة التي كنت نائمة فيها بالفعل، ~~ووجدت أمي جاثية على ركبتيها. كانت تطلي إزار الحائط باللون الأصفر. فقلت لها: ألا ~~تعلمين أن إرلما سوف تطلي هذه الغرفة باللونين الأزرق ms277 والأبيض؟ فقالت أمي: بلى أعلم، ~~ولكن أعتقد أنني لو أسرعت وانتهيت منها بالكامل، فسوف تدعها وشأنها ولن تكلف نفسها ~~عناء طلائها من جديد، ولكنك ستضطرين لمساعدتي. سوف يكون عليك مساعدتي في الانتهاء من ~~الطلاء؛ لأن علي أن أفعل ذلك بينما هي نائمة. # وقد كانت على نفس هذه الشاكلة بالضبط في الماضي؛ فكانت تبدأ شيئا بدفقة كبيرة من ~~الطاقة، ثم تحشد الجميع لمساعدتها؛ بسبب نوبة مفاجئة من الإرهاق والعجز. # فقالت لي موضحة: «أنا ميتة كما تعلمين، لذا علي أن أقوم بذلك وهي نائمة.» ~~••• ~~«لقد تفوقت علينا إرلما نحن الاثنين.» # ماذا كان أبي يقصد بذلك؟ # أيقصد أنها لا تعرف سوى الأشياء النافعة لها، ولكنها تعرف تلك الأشياء جيدا؟ أنها ~~كان يمكن الاعتماد عليها في الحصول على ما تحتاج إليه، تحت أي ظروف؟ كونها شخصا لا ~~يفند رغباته، لا يشكك في أنه على صواب في أي شيء يشعر به أو يقوله أو يفعله؟ # قلت في وصفي لها لأحد الأصدقاء إنها شخص على استعداد لفعل أي شيء من أجل مصلحتها. ~~وبعدها بالطبع قلت، ما العيب في ذلك؟ ~~«... عجيبة.» ~~«إنها عجيبة.» ~~••• # حدث شيء أشعر إزاءه بالخجل. حين قالت إرلما ما فعلته بشأن أمنية أبي أن لو كان قد ~~عاش معها طوال حياته، وعن تفضيله لها عن أمي، قلت لها بنبرة باردة متزنة - تلك النبرة ~~المهذبة التي تحوي بداخلها قدرة على إيذاء المشاعر - إنني لا أشك في كونه قد قال ~~ذلك. (وأنا لست كذلك. فأنا وأبي تجمعنا عادة - ليست محمودة جدا - تجعلنا كثيرا ما ~~نقول للناس ما نعتقد على نحو أو آخر أنهم يرغبون في سماعه.) قلت إنني لم أكن أشك في ~~كونه قد قال ذلك، ولكن لا أظن أنه من الكياسة أن تخبرني بذلك. «كياسة»، نعم. تلك هي ~~الكلمة التي استخدمتها. # كانت مندهشة من أن أحدا قد استطاع أن يحاول صفعها على هذا النحو، في الوقت الذي كانت ~~فيه سعيدة بنفسها وفي أوج زهوها. وقالت إنه لو كان ثمة شيء لا تستطيع تحمله، فهو ~~الناس ms278 الذين يسيئون فهمها، الناس بالغو الحساسية، واغرورقت عيناها بالدموع. ولكن ~~حينئذ نزل أبي ونسيت شكواها - على الأقل نسيتها مؤقتا - في خضم لهفتها للعناية به، ~~وتقديم شيء له يستطيع تناوله. # في خضم لهفتها؟ أستطيع أن أقول: في خضم حبها؛ فقد تهلل وجهها وتورد وبش ~~وتخضب بالحب. ~~••• # أتحدث إلى الطبيب باراكولام عبر الهاتف. ~~«ما سبب هذا الارتفاع في درجة حرارته في اعتقادك؟» ~~«إنه يعاني من عدوى في مكان ما.» الكلمة التي لم يقلها هي «من الواضح». ~~«هل يأخذ ... حسنا، أعتقد أنه يأخذ مضادات حيوية لذلك، أليس كذلك؟» ~~«إنه يأخذ كل شيء.» # لحظة صمت. ~~«حسب رأيك، أين توجد العدوى ...» ~~«إنني أجري له تحاليل اليوم. تحاليل دم، ورسم قلب آخر.» ~~«أتظن أنه قلبه؟» ~~«نعم. أظن أنه هو في الأساس. هذه هي المشكلة الأساسية؛ قلبه.» ~~••• # في عصر يوم الإثنين، تذهب إرلما إلى المستشفى. كنت سأصطحبها إلى هناك - فلم تكن تجيد ~~القيادة - لولا أن جاء هاري كروفتون في شاحنته وقررت أن تذهب معه، حتى يتسنى لي ~~البقاء بالمنزل؛ فهي وأبي ينزعجان من فكرة «عدم وجود أحد بالمنزل». # أخرج إلى الحظيرة، وأحضر حزمة من التبن وأقطع الخيط المحيط بها وأقسم التبن ~~وأوزعه. # حين آتي إلى هنا، عادة ما أمكث من ليل الجمعة حتى ليل الأحد، لا أكثر، والآن وقد ~~امتدت إقامتي للأسبوع التالي، فيبدو لي أن شيئا في حياتي قد خرج عن نطاق السيطرة. لا ~~أشعر بالثقة كثيرا في كونها مجرد زيارة؛ فلم تعد الحافلات المتنقلة من مكان إلى مكان ~~تبدو مرتبطة بي. # أرتدي صندلا مفتوحا من جلد جاموس الماء الرخيص. هذا النوع من النعال يرتديه الكثير ~~من النساء ممن أعرفهن، ويعتبر دلالة على تفضيل للحياة الريفية، وإيمان بكل ما هو ~~بسيط وطبيعي. ولكنه غير عملي حين تقوم بعمل مثل الذي أقوم به الآن؛ فقد كانت أجزاء ~~من التبن وروث الأغنام، الذي كان أشبه بحبات زبيب سوداء كبيرة، تسحق بين أصابع ~~قدمي. # تأتي الأغنام لتحتشد نحوي. ولما كان صوفها قد اجتز في الصيف، فقد عاد للنمو ~~مجددا، ms279 ولكنه لم يكن طويلا جدا بعد. بعد جز صوفها مباشرة، تبدو الأغنام من بعيد ~~كالماعز على نحو مثير للدهشة، بل وتفتقر إلى النعومة والثقل. فتبرز عظام الوركين ~~الكبيرة والجباه المقلمة. أتحدث إليها في خجل نوعا ما وأنا أنشر التبن، وأضع لها ~~الشوفان في الحوض الطويل. # يقول بعض من معارفي إن هذا النوع من الأعمال مجدد للنشاط وذو مهابة فريدة وخاصة، ~~ولكنني جبلت عليه، وشعوري تجاهه مختلف؛ فمن الممكن أن يحاصرني الزمان والمكان، ومن ~~الممكن بسهولة للغاية أن أبدو وكأنني لم أهرب أبدا من هنا، وأنني قد قضيت حياتي ~~بأسرها هنا. كأن حياتي في مرحلة النضج كانت أشبه بحلم لم يتحقق له السيطرة علي ~~مطلقا. لا أرى نفسي مثل هاري وإرلما، اللذين كان عليهما أن يزدهرا في هذه الحياة إلى ~~حد ما، أو مثل أبي، الذي أقلم نفسه لكي يتلاءم معها، بل أشبه بواحدة من هؤلاء ~~الأسرى المقيدين، الذين لا يتوافقون معها - ممن لا نفع لهم، ويعيشون وحدهم دون شريك، ~~وكأن الصدأ قد طالهم - الذين كان ينبغي أن يغادروها، ولكن لم يفعلوا، أو بالأحرى لم ~~يستطيعوا، وباتوا لا يصلحون لأي مكان قط. أتخيل رجلا ترك أبقاره تتضور جوعا حتى ~~الموت ذات شتاء بعد وفاة والدته، لا لأنه قد تجمد من الحزن، بل لأنه لم يكن يعبأ ~~بالخروج إلى الحظيرة لإطعامها، ولم يكن ثمة أحد ليخبره بأن عليه أن يفعل ذلك. ~~بإمكاني تصديق ذلك، بإمكاني أن أتخيله. بإمكاني أن أرى نفسي كابنة في منتصف العمر ~~أدت واجبها، ومكثت في المنزل تعتقد أنها يوما ما ستواتيها فرصتها إلى أن أفاقت ~~وأدركت أنها لن تأتي. والآن صارت تقضي الليل بأكمله تقرأ ولا تجيب على من يطرق بابها، ~~وتخرج في غيبوبة عابسة لإعطاء التبن للأغنام. ~~••• # بينما أنا بصدد الانتهاء من إطعام الأغنام، تأتي كوني ابنة شقيقة إرلما وتدخل ~~بسيارتها إلى فناء الحظيرة، بعد أن أخذت ابنها الأصغر من المدرسة الثانوية وجاءت ~~للاطمئنان علينا. # كوني أرملة تعول ابنين وتملك مزرعة صغيرة تقع على بعد بضعة أميال. ms280 وتعمل ممرضة ~~مساعدة في المستشفى. وإلى جانب كونها ابنة شقيقة إرلما، فهي ابنة عم من الدرجة ~~الثانية لي؛ وفي ظني أن علاقة أبي بإرلما قد توطدت أكثر عن طريقها. لها عينان بنيتان ~~ولامعتان، مثل إرلما، ولكنهما أكثر مراعاة للآخرين وأقل مطالب. وجسدها قوي، وبشرتها ~~جافة، ولذراعيها عضلات قوية، وشعرها الداكن قصير جدا وعلى وشك المشيب. وصوتها وتعبير ~~وجهها يحمل سحرا متقطعا، ولا تزال حركتها كحركة راقص جيد. تضع أحمر شفاهها وتزين ~~عينيها قبل الذهاب إلى العمل ومرة أخرى عند انتهائه، ووجهها ينضح بما قد تصفه وصفا ~~غير كاف بمعنويات مرتفعة، أو حس دعابي جيد، أو رقة إنسانية، وهي نتاج حياة لم ~~تكن الاختيارات المتاحة فيها كثيرة، وليس بها قدر وافر من الحظ. # أرسلت ابنها ليغلق لي البوابة - كان ينبغي أن أفعل ذلك - لمنع الأغنام من الانحراف ~~نحو الحقل السفلي. # قالت إنها قد توجهت لزيارة أبي في المستشفى وإنه يبدو في حال أفضل كثيرا اليوم، ~~وانخفضت حرارته وتناول غداءه. # قالت لي: «لا بد أنك متلهفة للعودة إلى حياتك.» تقول ذلك وكأن ذلك هو الشيء الطبيعي ~~في العالم وهو نفس ما كانت ستريده هي ذاتها لو كانت في مكاني. ليس بإمكانها معرفة أي ~~شيء عن حياتي التي تتلخص في الجلوس في إحدى الغرف للكتابة والخروج أحيانا لمقابلة ~~صديق أو حبيب، ولكن لو كانت تعلم، لربما قالت إن لدي الحق في فعل ذلك. ~~«يمكنني أنا والصبيين أن نصعد ونفعل ما يجب أن نفعله للخالة إرلما. قد يمكث أحدهما ~~معها إذا لم ترغب في البقاء وحدها. يمكننا تدبير الأمور الآن على أي حال. يمكنك ~~الاتصال لمعرفة التطورات. ويمكنك أن تعودي مجددا في عطلة نهاية الأسبوع. ما ~~رأيك؟» ~~«هل أنت واثقة من أن كل شيء سيكون على ما يرام؟» # تقول: «لا أظن أن الأمر رهيب إلى هذا الحد. إنه يسير كما يسير عادة، لا بد أن تعاني ~~بعض المخاوف قبل أن يسدل الستار كما تعلمين. هذا هو المعتاد على أي حال.» # أفكر أن بإمكاني المجيء ms281 إلى هنا سريعا إذا اضطررت لذلك، وبإمكاني دائما أن أستأجر ~~سيارة. # فأردفت قائلة: «بإمكاني أن آتي لزيارته يوميا؛ فأنا وهو صديقان، وسوف يتحدث ~~إلي. سوف أطمئن عليه وأبلغك بأي شيء، أعني حال حدوث أي تغيير أو أي شيء.» # ويبدو أن هذا هو ما سيكون عليه الحال. # أذكر شيئا قاله لي أبي ذات مرة: «لقد أعادت لي إيماني بالنساء.» # كان يقصد الإيمان بغريزة النساء، غريزتهن الطبيعية، شيء عاطفي ونشط وواضح. شيء لا ~~أملكه، على حد اعتقادي؛ شيء مكبوت بداخلي. ولكنني بينما أتحدث الآن إلى كوني، أستطيع ~~أن أدرك المزيد مما كان يقصده بهذه المقولة، على الرغم من أنه لم يكن يتحدث عن كوني، ~~بل عن إرلما. ~~••• # حين أفكر في كل هذا فيما بعد، سوف أدرك أن ذلك الركن البعيد من الحظيرة حيث كنت واقفة ~~لتوزيع التبن، وحيث بدأ الذعر يحل بي، هو مشهد أول ذكرى واضحة في حياتي؛ فهناك في هذا ~~الركن سلم ذو درجات خشبية منحدرة تؤدي إلى مخزن التبن، وفي داخل المشهد أتذكر ~~جلوسي على الدرجة الأولى أو الثانية أشاهد أبي يحلب البقرة المرقطة بالأبيض والأسود. ~~أعرف ماذا كان هذا العام؛ فقد نفقت البقرة المرقطة بالأبيض والأسود إثر إصابتها ~~بالالتهاب الرئوي في أسوأ شتاء شهدته في طفولتي، وكان عام 1935. وكانت تلك خسارة ~~فادحة ليس من الصعب تذكرها. # ولما كانت البقرة لا تزال على قيد الحياة وأنا أرتدي ملابس ثقيلة نوعا ما، عبارة ~~عن معطف صوفي وبنطال ضيق، وفي وقت الحلب يكون قد حل الليل - حيث يوجد مصباح معلق ~~على مسمار بجوار المربط - فعلى الأرجح أننا في أواخر الخريف أو بدايات الشتاء. ربما كنا ~~لا نزال في عام 1934، قبيل حلول وطأة فصل الشتاء مباشرة. # المصباح معلق على المسمار. البقرة المرقطة بالأبيض والأسود تبدو كبيرة على نحو ~~ملحوظ ومميزة على نحو قاطع، على الأقل مقارنة بالبقرة الحمراء، أو البقرة الداكنة ~~الضاربة إلى الحمرة، الناجية من الشتاء المدمر، في المربط المجاور. يجلس أبي على ~~كرسي الحلب ذي الأرجل الثلاثة في ظل البقرة. ms282 بإمكاني أن أتذكر إيقاع سيلي اللبن ~~في طريقهما إلى الدلو، ولكن ليس الصوت ذاته. ربما شيء صلب وخفيف مثل كرات البرد؟ ~~وخارج المساحة الصغيرة من الحظيرة المضاءة بالمصباح توجد المعالف الممتلئة بالتبن ~~الخشن، وحوض الماء حيث ستغرق قطتي الصغيرة بعد بضعة أعوام في المستقبل؛ والنوافذ التي ~~يغطيها نسيج العنكبوت، والأدوات الكبيرة القاسية - المناجل، والفئوس، والجرافات - ~~معلقة بعيدا عن متناولي. وخارج تلك المساحة، يعم ظلام ليالي الريف حين كانت بعض ~~السيارات القليلة ترتاد طريقنا ولم تكن ثمة أي مصابيح خارجية. # وهناك البرد الذي لا بد وأنه كان يتراكم حتى في هذا الحين، متحولا إلى البرد ~~القارس الذي ساد ذلك الشتاء غير العادي الذي قتل كل أشجار الكستناء والعديد من ~~البساتين. # | لماذا تريد أن تعرف؟ # كنت قد رأيت السرداب قبل زوجي. كان على الجانب الأيسر، الجانب الذي يجلس فيه في ~~السيارة، ولكنه كان مشغولا بالقيادة؛ فقد كنا على طريق ضيق غير ممهد. # قلت: «ماذا كان ذلك؟ شيء غريب.» # كان ربوة كبيرة غير طبيعية مغطاة بالحشائش. # انعطفنا بمجرد أن استطعنا العثور على مكان للانعطاف، رغم أنه لم يكن لدينا الكثير من ~~الوقت؛ فقد كنا في طريقنا لتناول الغداء مع أصدقاء يعيشون على الخليج الجورجي. ولكننا ~~مهووسون بهذه القرية، ونحاول ألا نترك أي شيء يفوتنا منها دون أن نشاهده. # ها هو هذا الشيء يقبع هناك في منتصف جبانة ريفية صغيرة، مثل حيوان صوفي كبير، مثل ~~ومبت عملاق يجلس في استرخاء في مشهد من عصور ما قبل التاريخ. # تسلقنا ركاما ما ونزعنا خطاف إحدى البوابات وذهبنا لمشاهدة الطرف الأمامي لهذا ~~الشيء. كان ثمة حائط حجري بين قوس علوي وسفلي، وحائط من الطوب داخل القوس ~~السفلي. لا أثر لأسماء أو تواريخ، لا شيء سوى صليب رفيع منقوش بإمعان داخل الحجر ~~المركزي للقوس العلوي، كأنه منقوش بعصا أو إصبع. على الطرف السفلي الآخر للربوة، لم ~~يكن ثمة شيء سوى تراب وحشائش وبعض الأحجار الكبيرة البارزة، ربما وضعت هناك ~~لتثبيت التراب في موضعه. لا وجود لأي علامات عليها ms283 أيضا؛ لا دلائل على هوية ~~الشخص أو الشيء الذي ربما كان مختبئا بالداخل. # ثم عدنا إلى السيارة. ~~••• # بعد حوالي عام من تلك الواقعة، تلقيت مكالمة هاتفية من الممرضة التي تعمل في عيادة ~~طبيبي. كان الطبيب يرغب في رؤيتي، وتم تحديد موعد، علمت دون سؤال بما ستدور حوله ~~هذه المقابلة؛ فقبل ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، ذهبت إلى إحدى العيادات بالمدينة لإجراء ~~أشعة على ثديي. ولم يكن ثمة سبب خاص دفعني إلى ذلك، فلم تكن توجد أي مشكلة، كل ~~ما في الأمر أنني قد وصلت إلى السن الذي يحبذ فيه إجراء أشعة على ثديي كل عام. ~~غير أنني أغفلت عمل تلك الأشعة العام الماضي لانشغالي بالكثير من المهام ~~الأخرى. # وها هي نتائج الأشعة قد أرسلت إلى طبيبي الآن. # كانت ثمة كتلة صلبة في عمق الثدي الأيسر، لم أستطع أنا ولا طبيبي استشعار ~~وجودها، ولم نزل لا نستطيع تلمسها. قال طبيبي إنها ظهرت في الأشعة في حجم حبة ~~البازلاء، وحدد لي موعدا لزيارة طبيب بالمدينة لأخذ عينة منها. وبينما كنت على وشك ~~المغادرة، إذا به يضع يده على كتفي. كانت إشارة اهتمام أو طمأنة؛ فهو صديق لنا، وكنت ~~أعرف أن وفاة زوجته الأولى قد بدأت على هذا النحو بالضبط. ~~••• # كان لا يزال متبقيا عشرة أيام قبل أن أتمكن من زيارة طبيب المدينة؛ فشغلت تلك ~~الفترة بالرد على الخطابات وتنظيف منزلي وتفحص ملفاتي ودعوة الناس على العشاء. كان ~~شغل نفسي على هذا النحو بدلا من التفكير فيما قد تسميه أمورا أهم وأعمق بمنزلة ~~مفاجأة لي؛ فلم أمارس أي قراءة جادة أو أستمع إلى الموسيقى، ولم أدخل في شردة ~~مضطربة كما أفعل في الغالب، بالنظر من النافذة الكبيرة في الصباح الباكر مع تسلل ضوء ~~الشمس عبر أشجار الأرز. لم أشأ حتى أن أذهب للتمشية بمفردي، رغم أني أنا وزوجي اعتدنا ~~التمشية معا أو التنزه بالسيارة. # خطر ببالي فجأة أنني أود أن أرى السرداب مرة أخرى، وأن أعرف شيئا عنه؛ ومن ثم ~~انطلقنا واثقين - أو ms284 واثقين على نحو معقول - من أننا نتذكر الطريق الذي كان عليه. ~~ولكننا لم نجده. فأخذنا الطريق المجاور ولم نجده على هذا الطريق أيضا. قلنا إنه كان ~~يقع في بروس بلا أدنى شك، وكان على الجانب الشمالي من طريق غير ممهد يمتد من ~~الشرق إلى الغرب، وكان ثمة الكثير من الأشجار الدائمة الخضرة بالقرب منه. قضينا ~~فترة ما بعد الظهيرة على مدى ثلاثة أو أربعة أيام في البحث عنه، وانتابتنا حالة من ~~الحيرة والبلبلة. ولكن كعهدنا دائما كنا سعداء بوجودنا معا في هذا الجزء من العالم ~~نتطلع إلى الريف الذي نعتقد أننا نعرفه جيدا والذي دائما ما يفجر لنا مفاجأة من ~~نوع ما. ~~••• # إن المشهد هنا بمنزلة سجل لأحداث تاريخية قديمة؛ فقد تكون بفضل الثلج ~~المتصاعد، والثابت والمنحسر. فقد قام الثلج بغزوات وانسحابات هنا عدة مرات، وكان آخر ~~انحسار منذ حوالي خمسة عشر ألف عام. # منذ عهد قريب للغاية، كما يمكنك أن تقول، اعتدت طريقة بعينها في حساب التاريخ ~~وتقديره. # إن مشهدا جليديا كهذا معرض للخطر؛ فالعديد من معالمه الحدودية المتنوعة ~~مؤلف من الحصى، ومن السهل الوصول إلى الحصى، ومن السهل تفريغه، وهو مطلوب دائما؛ ~~فتلك هي المادة التي تجعل الطرق الخلفية مهيأة للمرور؛ الحصى المأخوذ من التلال ~~المتآكلة، والمدرجات الجبلية المستولى عليها، والتي تحولت إلى حفر في الأرض. وهي ~~أيضا وسيلة للتكسب لدى المزارعين. فمن أولى ذكرياتي ما فعله والدي حين باع الحصى ~~الكائن على السهول على النهر عندنا، واستمتاعنا بمشهد الشاحنات وهي تمر بنا طوال اليوم، ~~وبأهمية اللافتة المعلقة على بوابة منزلنا؛ «يوجد أطفال يلعبون.» كان هؤلاء هم نحن. ~~بعدها وحين رحلت الشاحنات، تلاشى الحصى ولم يتبق سوى المشهد الجديد للحفر والتجاويف ~~التي تحتفظ بداخلها، تقريبا خلال الصيف، ببقايا فيضانات الربيع. ومثل هذه الحفر ~~تنبت في النهاية كتلا من العشب المزهر الخشن، الذي يتحول بعد ذلك إلى حشائش ~~وشجيرات. # في الحفر الحصوية الكبيرة ترى التلال وقد تحولت إلى تجاويف، وكأن جزءا من المشهد ~~قد تمكن بطريقة عشوائية من قلب ms285 نفسه بطنا لظهر، وتتموج البحيرات الصغيرة حيث لم ~~يكن من قبل سوى مدرجات أو سهول على جانب النهر. وتنبت في الجوانب المنحدرة للتجاويف في ~~النهاية نباتات خضراء. ولكن مسارات النهر الجليدي تتلاشى إلى الأبد. # لذا فعليك أن تستمر في تبين ما يحدث، واستيعاب ما يحدث من تغييرات، ورؤية الأشياء ~~بينما تدوم وتبقى. # لدينا خرائط خاصة نصطحبها معنا عند السفر، وهي خرائط تباع بصحبة كتاب يسمى ~~«الجغرافيا الطبيعية لأونتاريو الجنوبية»، تأليف ليمان تشابمان ودونالد بوتنام، اللذين ~~نشير إليهما على سبيل رفع الكلفة ، التي لا تخلو من التبجيل والتوقير، ببوت وتشاب. ~~تبين هذه الخرائط الطرق والبلدات والأنهار المألوفة، ولكنها توضح أشياء أخرى كذلك؛ ~~أشياء كانت مفاجئة لي تماما حين رأيتها لأول مرة. # يكفي أن تنظر إلى خريطة واحدة منها - توضح قسما من أونتاريو الجنوبية جنوب الخليج ~~الجورجي - لتجد طرقا وبلدات وأنهارا تظهر، إلى جانب حدود المناطق. ولكن انظر ماذا ~~هناك أيضا؛ رقع بألوان الأصفر الزاهي، والأخضر اليانع، ورمادي البوارج ورمادي طيني ~~أكثر دكانة، والرمادي الفاتح للغاية، وبقع أو مساحات ممتدة أو أذناب رفيعة أو سميكة ~~باللون الأزرق والبني الضارب إلى الصفرة والبرتقالي والأرجواني والقرنفلي الوردي ~~والبني الخمري، إلى جانب مجموعات من النقاط الصغيرة، وشرائط باللون الأخضر تشبه ~~ثعابين العشب. وعلامات ضيقة متناثرة بقلم أحمر. # ما كل هذا؟ # يشير اللون الأصفر إلى الرمال، ليس بمحاذاة شاطئ البحيرة، بل البر المتماسك، الذي ~~غالبا ما يحد مستنقعا أو بحيرة جفت منذ زمن. أما النقاط، فليست مستديرة، بل على ~~شكل معين، وتظهر في المشهد مثل بيضات نصف مدفونة، يواجه طرفها غير الحاد تيار ~~الجليد. هذه النقاط هي كثبان جليدية، تظهر مجمعة في بعض الأماكن ومتفرقة في أماكن ~~أخرى. البعض منها يكون مميزا كتلال كبيرة ملساء، والبعض يخترق الأرض بالكاد. وهي ~~تعير اسمها للتربة التي تظهر بها (تربة الكثبان الجليدية - وتميز على الخريطة باللون ~~البني الضارب إلى الصفرة) وللتربة الأكثر خشونة نوعا ما التي لا تحوي أيا منها ~~بداخلها (التربة غير الجليدية - وتميز بلون رمادي البوارج). في ms286 الواقع إن النهر ~~الجليدي قد كونها هنا مثل البيض، ليتخلص بذلك من المادة التي التقطها في تقدمه ~~الجارف بطريقة متقنة واقتصادية. وحيثما لم يتمكن من ذلك، تكون الأرض أكثر خشونة ~~بطبيعتها. # أما عن الأذناب الأرجوانية، فهي ركامات جليدية طرفية وتظهر حيث توقف الجليد في رحلة ~~انحساره الطويلة، مكونا أخدودا من الحطام عند حافته. أما العلامات الخضراء ~~البارزة، فهي عبارة عن كثبان جليدية طولية، وهي أسهل ما يمكنك تمييزه من بين كل هذه ~~المعالم حين تنظر إليها عبر نافذة السيارة. هي أشبه بسلاسل جبلية مصغرة أو أخاديد ظهر ~~التنين؛ وتبين مسار الأنهار التي تسير تحت الجليد بزوايا قائمة حتى مقدمته. وهذه ~~الأنهار عبارة عن سيول محملة بالحصى تفرغه أثناء جريانها. وعادة ما يكون ثمة ~~جدول صغير هادئ يجري بجانب أحد الكثبان الجليدية الطولية؛ وهو فرع مباشر من ذلك النهر ~~القديم المنحدر. # يرمز اللون البرتقالي لقنوات التصريف، تلك القنوات الضخمة التي كانت تحمل الجليد ~~المذاب، فيما يبين اللون الرمادي الداكن المستنقعات التي تكونت في قنوات التصريف ~~ولا تزال موجودة هناك. أما الأزرق، فيوضح التربة الطينية، حيث تجمع الجليد ~~المذاب في بحيرات. وهذه الأماكن مسطحة ولكنها ليست ملساء، إلى جانب وجود سمة من ~~الحامضية والتكتل فيما يتعلق بالحقول الطينية؛ فالتربة ثقيلة، والحشائش جافة، ~~والصرف رديء. # أما الأخضر العشبي، فيرمز للتربة المشطوفة، ذلك السطح الأملس على نحو رائع الذي ~~قامت بحيرة وارين القديمة بتسويته وتمهيده في الرواسب الموجودة بمحاذاة ساحل بحيرة ~~هورون القائمة اليوم. # وبالنسبة إلى العلامات الحمراء والخطوط الحمراء المتقطعة التي تظهر على التربة ~~المشطوفة، أو على الرمال القريبة منها، فهي بقايا الأجراف والشواطئ المهجورة لتلك ~~البحيرات التي تنحدر منها البحيرات العظمى، التي لا يمكن تمييز حدودها الآن إلا من خلال ~~ارتفاع بسيط للأرض. تلك البحيرات التي سميت بأسماء حديثة تقليدية ذات وقع ~~رسمي؛ بحيرة وارين، وبحيرة ويتليسي. # على شبه جزيرة بروس يوجد حجر جيري أسفل تربة رقيقة (وهي المميزة بالرمادي ~~الفاتح)، وحول مدينة أوين ساوند وعلى كيب ريتش يوجد طفل في قاع ms287 جرف نياجرا ينكشف حيث ~~يتآكل الحجر الجيري، ذلك الصخر السهل التفتيت الذي يمكن تحويله إلى طوب بنفس اللون الذي ~~يظهر به على الخريطة؛ اللون القرنفلي الوردي. # والمعلم المفضل لدي من بين جميع أنواع معالم الريف هو ذلك الذي تركته حتى ~~النهاية؛ إنه التلال الركامية، أو تلال الركام الجليدي، التي لها اللون البني الخمري ~~على الخريطة وتظهر عموما في شكل فقاعات، وليس شرائط؛ فتجد فقاعة كبيرة هنا، وأخرى ~~صغيرة هناك. تظهر تلك التلال حيث توجد كومة من الجليد الميت، انفصلت عن بقية النهر ~~الجليدي المتحرك، وهي عبارة عن ترسبات ترابية تصب عبر جميع فتحاته وشقوقه. أو ~~أحيانا ما تظهر حيث ينفصل فصان من الجليد، ويمتلئ الشق المتكون بينهما. والركامات ~~الجليدية الطرفية منحدرة بطريقة معقولة فيما يبدو، وليست ملساء مثل الكثبان الجليدية، ~~ولكنها تظل متجانسة وذات إيقاع منتظم، بينما جميع التلال الركامية جامحة ووعرة ولا ~~يمكن التنبؤ بها، وذات شكل يوحي بمصادفات وأسرار. ~~••• # لم أتعلم أيا من هذا في المدرسة. أظن أنه كان هناك آنذاك بعض التوتر والنزق فيما ~~يتعلق بالاختلاف في الرأي مع الكتاب المقدس في مسألة خلق الأرض. لقد تعلمت هذا حين ~~أتيت للعيش هنا مع زوجي الثاني، العالم الجغرافي؛ حين عدت إلى حيث لم أتوقع أن ~~أكون، إلى الريف حيث نشأت؛ وهو ما جعل معلوماتي خالصة لا تشوبها شائبة؛ فأنا أجد متعة ~~بريئة وخاصة في مطابقة ما أراه على الخريطة مع ما يمكنني رؤيته عبر نافذة السيارة، ~~وكذلك من محاولة التوصل إلى الجزء الذي نحن فيه فيما حولنا، قبل النظر في الخريطة، ~~وصحة توقعاتي في كثير من الأحيان. إنها لمتعة مثيرة لي أن أستكشف الحدود، حين يتعلق ~~الأمر بسهول جليدية مختلفة، أو الموضع الذي تبدأ عنده التلال الركامية من الركامات ~~الجليدية الطرفية. # ولكن هناك دائما متعة أكبر من مجرد المتعة القوية المستمدة من الاستكشاف؛ فهناك ~~حقيقة وجود هذه النطاقات المستقلة، بما لكل منها من تاريخ وسبب مستقل بذاته، ~~ومحاصيلها وأشجارها ونباتاتها المفضلة - فأشجار البلوط والصنوبر، على سبيل المثال، ~~تنمو ms288 على الرمال، وأشجار الأرز وأشجار الليلك المتناثرة على الحجر الجيري - وما لكل ~~منها من شكل خاص، وصورتها الخاصة في الخيال؛ وحقيقة أن هذه القرى الصغيرة تظهر متلاصقة ~~دون إثارة أي شكوك، مثلما يمكن ولا يمكن للأشقاء أن يكونوا، في مشهد عادة ما يهمل، ~~أو ينبذ باعتباره غطاء زراعيا باهتا. إنها الحقيقة التي تعلق بذهنك. ~~••• # ظننت أن الموعد المحدد لي مع الطبيب كان من أجل أخذ عينة، ولكن اتضح أنه ليس كذلك. ~~كان موعدا لكي يقرر طبيب المدينة ما إذا كان سيأخذ عينة أم لا، وبعد فحص ثديي وفحص ~~نتائج أشعة الثدي، قرر أخذ العينة. لم يطلع إلا على نتائج أحدث أشعة ثدي لي؛ فلم ~~تكن تلك التي أجريت في عامي 1990 و1991 قد وصلت بعد من مستشفى القرية حيث أجريت. ~~تم تحديد موعد أخذ العينة بعد أسبوعين، وتم إعطائي ورقة بها تعليمات تتعلق ~~بكيفية الاستعداد لها. # قلت إن أسبوعين يبدوان فترة طويلة للانتظار. # فقال الطبيب إن فترة أسبوعين في هذه المرحلة من المشكلة غير ذات أهمية. # لم يكن هذا ما دفعت لاعتقاده. ولكنني لم أتذمر بعد أن ألقيت نظرة على بعض الناس ~~الجالسين في غرفة الانتظار. لقد تجاوزت الستين، وموتي لن يكون بالكارثة بالمقارنة بموت ~~أم شابة، أو عائل أسرة، أو طفل. فلم يكن ليبدو ككارثة. ~~••• # أصابنا الضيق لعدم تمكننا من العثور على السرداب؛ فوسعنا نطاق بحثنا. ربما لم ~~يكن في بروس ولكن في جراي المجاورة؟ في بعض الأحيان لم نكن على يقين من أننا على ~~الطريق الصحيح، ولكن دائما ما كنا نصاب بخيبة الأمل؛ فما كان مني سوى أن اتجهت إلى ~~مكتبة البلدة للاطلاع على أطالس المنطقة في القرن التاسع عشر، لأرى ما إذا كان من ~~المحتمل أن تكون الجبانات الريفية مؤشرة بعلامات على خرائط المنطقة. وبدا أنها ~~مؤشرة على خرائط هورون، ولكن ليس في بروس أو جراي. (لم يكن هذا صحيحا، مثلما ~~اكتشفت لاحقا؛ فقد كانت مؤشرة، أو كان بعضها مؤشرا، إلا أنني أغفلت حروف # C ~~(التي ترمز ms289 لكلمة جبانة بالإنجليزية) المكتوبة ~~بخط صغير جدا.) # في المكتبة قابلت صديقا زارنا الصيف الماضي لرؤيتنا بعد فترة قصيرة من اكتشافنا ~~هذا. كنا قد أخبرناه بشأن السرداب، وأعطيناه بعض الإرشادات التقريبية بشأن كيفية العثور ~~عليه؛ نظرا لكونه من المهتمين بالجبانات القديمة. وأخبرني آنذاك في المكتبة أنه قد ~~كتب الإرشادات بمجرد أن عاد إلى المنزل. وكنت قد نسيت تماما أنني قد أعطيته إياها، ~~فاتجه مباشرة إلى المنزل ووجد الورقة المدونة بها الإرشادات؛ وكان العثور عليها أشبه ~~بالمعجزة، على حد قوله؛ إذ وجدها وسط ركام مختلط من الأوراق الأخرى. وعاد إلى المكتبة ~~حيث كنت لا أزال أتفحص الأطالس. ~~«بيبادي، سكون، بحيرة ماكولا.» كان ذاك هو ما كتبه. # كان السرداب يقع في اتجاه الشمال في نقطة أبعد مما كنا نظن؛ خلف حدود المنطقة التي ~~قتلناها بحثا. # ومن ثم وجدنا الجبانة الصحيحة، وبدا السرداب الذي غطته الحشائش مدهشا ~~وبدائيا مثلما تذكرناه. وكان لدينا حينئذ الوقت الكافي لتفحص المكان. ورأينا أن ~~معظم ألواح البلاط القديم قد جمعت معا ووضعت في شكل صليب. وكانت جميع هذه ~~الألواح تقريبا عبارة عن شهود لقبور أطفال. وفي أي من هذه المقابر القديمة كانت ~~التواريخ تميل لأن تكون تواريخ وفاة أطفال، أو أمهات شابات فقدن حياتهن أثناء ~~الولادة، أو شباب لقوا حتفهم في حوادث عرضية؛ فمنهم من غرق، أو سقطت عليه شجرة، أو ~~قتله حصان جامح، أو تعرض لحادث أثناء تشييد حظيرة؛ فقلما كان هناك مسنون ليموتوا في ~~تلك الأيام. # كانت جميع الأسماء تقريبا ألمانية، والعديد من الكتابات المنقوشة على القبور ~~بالألمانية التي تبدأ بعبارة # Hier ruhet in Gott ~~(هنا ~~يرقد بسلام)، ثم # Geboren ~~(المولود في)، يتبعها اسم بلدة ~~أو مقاطعة ألمانية، ثم كلمة # Gestorben ~~(المتوفى في)، ~~يتبعها تاريخ في ستينيات أو سبعينيات القرن التاسع عشر. # كان مكتوبا على أحد الشواهد أن المتوفى توفي هنا في بلدة سوليفان بجراي في ~~إحدى المستعمرات الإنجليزية، في وسط الأحراش، ثم كتب ما يلي: # Das arme Herz hienieden # Von manches Sturm bewegt # Erlangt den renen ms290 Frieden # Nur wenn es nicht mehr schlagt. # دائما كان لدي اعتقاد بأنني أجيد القراءة باللغة الألمانية، على الرغم من عدم ~~إجادتي لذلك؛ فقد كنت أظن أن هذه العبارات تتحدث عن شيء يتعلق بالقلب، أو الروح، ~~أو الشخص المدفون أسفل هذه الأرض وقد أصبح الآن بعيدا عن كل شرور الدنيا، وصار في ~~مكان أفضل تماما؛ فقلما كان ثمة مجال للخطأ في فهم كلمات # Herz # و # Sturm # و # nicht mehr ~~. ولكن حين عدت إلى المنزل وتبينت ~~معاني الكلمات في قاموس إنجليزي-ألماني، ووجدت جميع الكلمات عدا كلمة # renen # التي كان من الممكن أن تكون مجرد خطأ في ~~تهجئة كلمة # reinen ~~، وجدت أن المقطع الشعري لم يكن ~~مريحا للدرجة؛ فقد بدا أنه يقول إن القلب المسكين المدفون هنا لن يهنأ بأي راحة حتى ~~يتوقف عن الخفقان. ~~«الموت أفضل.» # ربما كان هذا المقطع من كتاب للمقاطع الشعرية التي تنقش على شواهد القبور، ولم يكن ~~ثمة الكثير من الخيارات. # لم يكن ثمة كلمة واحدة على السرداب، على الرغم من أننا قد تعمقنا في البحث أكثر ~~مما فعلنا من قبل. لم يكن ثمة شيء سوى ذلك الصليب الوحيد المرسوم بلا إتقان. ولكننا ~~وجدنا مفاجأة في الركن الشمالي الشرقي من الجبانة. كان ثمة سرداب ثان أصغر ~~كثيرا من الأول، له قمة خرسانية ملساء. لا وجود لتراب أو حشائش، ولكن كانت توجد شجرة ~~أرز كبيرة تنمو من شق في الخرسانة التي كانت جذورها تتغذى على ما كان بداخل الشق ~~أيا كانت ماهيته. # قلنا إنه شيء أشبه بالركام الترابي الذي يوضع فوق القبور. لعله من الأطلال ~~الباقية في أوروبا الوسطى من عصور ما قبل المسيحية؟ ~~••• # في نفس المدينة المزمع أن تؤخذ فيها العينة، والتي أجريت فيها أشعة الثدي، توجد ~~كلية كنت أنا وزوجي طالبين فيها يوما ما. ليس مسموحا لي باستعارة كتب منها؛ لأنني ~~لم أتخرج فيها، ولكن بإمكاني استخدام بطاقة زوجي الجامعية، وبإمكاني البحث وسط أكداس ~~الكتب وقاعات المراجع كما أشاء. وأثناء زيارتنا التالية هناك دخلت قاعة المراجع ~~الإقليمية ms291 لقراءة بعض الكتب عن جراي وعرفت كل ما استطعت معرفته عن بلدة ~~سوليفان. # قرأت عن اكتساح للبلدة من جانب أسراب رهيبة من الحمام المهاجر الذي دمر كل ~~المحاصيل في أحد الأعوام في أواخر القرن التاسع عشر، وعن شتاء عصيب في أربعينيات ~~القرن الثامن عشر استمر لفترة طويلة جدا وصاحبه برد مهلك حتى إن ~~المستوطنين الأوائل كانوا يعيشون على كرنب البقر الذي كان يقتلع من الأرض. (لم أكن ~~أعرف شيئا عن كرنب البقر هذا - هل كان مجرد كرنب عادي تعلف به الحيوانات أم نباتا ~~بريا وأكثر خشونة مثل كرنب الظربان؟ وكيف كان يمكن أن يقتلع في مثل هذا الطقس ~~والأرض تشبه الصخر؟ هناك دوما ألغاز.) # وقرأت عن رجل يدعى بارنز مات جوعا ليدع عائلته تحصل على نصيبه من الطعام حتى ~~يبقوا على قيد الحياة. # وبعد ذلك ببضعة أعوام كتبت امرأة شابة لأحد أصدقائها في تورونتو عن أن ثمة ~~محصولا هائلا من التوت يفوق قدرة أي شخص على قطفه من أجل تناوله أو تجفيفه، وأنها ~~بينما كانت تقطف بعضا منه، إذا بها أمام دب كان قريبا منها لدرجة أنها استطاعت أن ~~ترى قطرات عصير التوت تلمع على شعيراته. قالت إنها لم تخف، وإنها كانت ستسير عبر ~~الأحراش لإرسال هذا الخطاب بالبريد، سواء كانت هناك دببة أم لا. # طلبت الاطلاع على السجلات التاريخية للكنائس، ظنا مني أنه قد يكون ثمة شيء ~~عن الكنائس اللوثرية أو الكنائس الكاثوليكية الألمانية من شأنه أن يساعدني. من الصعب ~~إبداء مثل هذه الطلبات في مكتبات المراجع؛ إذ غالبا ما ستسأل عما ترغب في معرفته ~~تحديدا، ولم تريد معرفته؟ بل في بعض الأحيان يكون حتى من الضروري أن تدون السبب ~~كتابة. إذا كنت بصدد بحث، أو دراسة، فبالطبع سيكون لديك سبب وجيه، ولكن ماذا لو كان ~~«مجرد اهتمام بالموضوع» من جانبك لا أكثر؟ ربما يكون أفضل شيء أن تقول إنك تتحرى ~~تاريخ عائلتك. فأمناء المكتبات معتادون على قيام الأشخاص بهذا - لا سيما من بلغوا ~~المشيب - ويعتقد عموما أنها طريقة ms292 معقولة لقضاء الوقت. أما عبارة «مجرد اهتمام ~~بالموضوع»، فتبدو ذات وقع تبريري، إن لم يكن مراوغا، وتعرضك لخطر النظر إليك ~~باعتبارك متسكعا تتسكع بلا هدف بين جنبات المكتبة، شخصا عاطلا بلا عمل وبلا ~~اتجاه محدد في الحياة، «وليس لديك ما هو أفضل من ذلك لتفعله». فكرت أن أكتب على ~~استمارتي: «بحث من أجل ورقة بحثية عن بقاء الركام الترابي للقبور في أونتاريو ~~القديمة». ولكن لم تواتني الشجاعة لذلك؛ فقد خطر لي أنهم قد يطلبون مني إثبات ~~ذلك. # وبالفعل حددت موقع كنيسة رأيت أنها قد تكون مرتبطة بجبانتنا، باعتبار أنها كانت ~~تقع على بعد قريتين غربا وقرية واحدة شمالا. كانت تسمى كنيسة سانت بيتر ~~الإنجيلية اللوثرية، لو كانت لا تزال موجودة. ~~••• # وأنت في بلدة سوليفان تتذكر كيف كانت تبدو الحقول الزراعية في كل مكان قبل دخول ~~الماكينات الزراعية الحديثة؛ فقد كانت هذه الحقول تحتفظ بالحجم الذي يمكن حرثه بالمحراث ~~الذي تقوده الخيول، والمحصدة الحازمة، وجزازة العشب. لا تزال الأسوجة ذات القضبان ~~موجودة - رغم وجود سور حجري في بعض الأماكن - وبطول هذه الحدود تنمو أشجار الزعرور ~~البري، وكرز الطيور، والقضبان الذهبية، والياسمين البري. # إن مثل هذه الحقول لا تتغير لعدم وجود أي ربح أو منفعة تجنى من التوسع فيها؛ ~~فالمحاصيل التي يمكن زراعتها فيها لا تستحق التعب؛ فهناك ركامان جليديان كبيران وعران ~~ينحدران عبر الجزء الجنوبي من البلدة - وهنا تتحول الشرائط الأرجوانية على الخريطة ~~إلى ثعابين منتفخة وكأن كل واحد منها قد ابتلع ضفدعا - تتوسطهما قناة تصريف ~~مستنقعية. وتتميز الأرض جهة الشمال بأنها طينية. ومن المرجح أن المحاصيل التي تزرع هنا ~~لم تكن أبدا ذات جودة عالية، على الرغم من أن الناس كانوا أكثر إذعانا للعمل في أرض ~~غير مربحة، وأكثر امتنانا لأي شيء يستطيعون نيله، مما هم عليه الآن. وحين ~~تستغل مثل هذه الأراضي على أي نحو الآن، تستغل كمرعى. أما الأجزاء الدغلية - ~~الأحراش - فهي بصدد عودة قوية لسابق عهدها؛ ففي ريف كهذا لم يعد الاتجاه السائد ~~نحو ترويض الطبيعة وزيادة ms293 السكان، وإنما العكس. لن تستعيد الأحراش السيطرة على نحو ~~تام مرة أخرى مطلقا، ولكنها بصدد طفرة جيدة؛ فقد استعادت الغزلان والذئاب، التي ~~كانت قد اختفت تماما في وقت من الأوقات، بعضا من مناطق سيطرتها. وربما سيكون ثمة ~~دببة قريبا تستمتع مرة أخرى بولائم التوت الأسود وتوت السلمون وسوف توجد في البساتين ~~البرية. وربما توجد هنا بالفعل. # ومع زوال فكرة الزراعة فيها، تقفز أعمال ومشروعات أخرى غير متوقعة لتحل محلها. ~~ومن الصعب أن تعتقد أنها ستدوم؛ فتجد لافتة متقشرة مكتوبا عليها «معرض البطاقات ~~الرياضية»، وأخرى مكتوبا عليها «بيوت للكلاب ببابين للبيع». مكان يمكن فيه إعادة ~~تقشيش الكراسي. «ساحة فاخرة للإطارات». معروضات من التحف وعلاجات التجميل. بيض بني، ~~شراب قيقب، دروس في عزف مزمار القربة ، تسريحات شعر للجنسين. # وصلنا إلى كنيسة سانت بيتر اللوثرية في صباح يوم أحد مع تعالي دقات الجرس إيذانا ~~ببدء مراسم الصلاة بينما الأيدي التي تعلو برج الكنيسة تشير إلى الحادية عشرة. (وقد ~~علمنا فيما بعد أن تلك الأيدي لا تشير إلى الوقت؛ إذ تشير دائما إلى الحادية عشرة. ~~موعد انعقاد الصلاة.) # كانت تلك الكنيسة كبيرة وأنيقة ومبنية من قوالب الحجر الجيري، وتعلو برجها قمة ~~عالية ويوجد رواق زجاجي حديث لصد الرياح والجليد. وملحقة بها أيضا سقيفة طويلة ~~للسيارات من الحجر والخشب، تذكرك بتلك الأيام حين كان الناس يذهبون إلى الكنيسة ~~مستقلين العربات ذات الأحصنة ومركبات الجليد. كما كان يوجد بيت حجري جميل، هو بيت ~~القسيسة، محاط بالأزهار الصيفية. # استقللنا السيارة في اتجاه ويليامزفورد على الطريق السريع رقم 6 لتناول الغداء، ~~ولإمهال القسيسة فترة مناسبة للاستراحة من مراسم الصلاة الصباحية قبل أن نطرق باب ~~منزلها لاستقاء المعلومات. وبعد ميل أو نحو ذلك على الطريق تعثرنا في اكتشاف محبط؛ ~~فقد اكتشفنا جبانة أخرى - جبانة كنيسة سانت بيتر نفسها بتواريخها القديمة وأسمائها ~~الألمانية - ما جعل جبانتنا، القريبة جدا منها، تبدو أكثر من لغز. # عدنا على أي حال إلى الكنيسة في الساعة الثانية تقريبا. وطرقنا الباب الأمامي لبيت ~~القسيسة، وبعد فترة ms294 ظهرت لنا فتاة صغيرة وحاولت فتح مزلاج الباب، إلا أنها لم تفلح، ~~وأشارت لنا كي نستدير نحو الباب الخلفي. وجاءت مسرعة لتقابلنا في الطريق. # أخبرتنا أن القسيسة غير موجودة بالمنزل؛ إذ كانت قد ذهبت لأداء الصلوات المسائية في ~~ويليامزفورد. لم يكن في المنزل سوى مجيبتنا وشقيقتها ترعيان كلب القسيسة وقططها. ولكن ~~إن أردنا معرفة أي شيء عن الكنائس أو الجبانات أو التاريخ، يجدر بنا التوجه إلى ~~والدتها التي تعيش على التل في المنزل الخشبي الجديد الكبير. # وأخبرتنا باسمها. ريتشل. ~~••• # لم يبد على والدة ريتشل أي معالم اندهاش لفضولنا أو انزعاج من زيارتنا؛ فقد ~~دعتنا لدخول منزلها، حيث كان يوجد كلب فضولي مزعج وزوج رابط الجأش كان يفرغ من غداء ~~متأخر. كان المنزل عبارة عن غرفة واحدة كبيرة يحظى بإطلالة بانورامية على الحقول ~~والأشجار. # أخرجت كتابا لم أره في قاعة المراجع الإقليمية. كان كتابا قديما ذا غلاف ناعم ~~عن تاريخ البلدة. كانت تعتقد أنه يحوي فصلا عن الجبانات. # والواقع أنه كان كذلك. وفي غضون وقت قصير كنت أنا وهي نقرأ جزءا عن جبانة مانرو ~~«المعروفة بسردابيها». كان ثمة صورة فوتوغرافية مجزعة للسرداب الأكبر حجما. ~~ورد في الكتاب أنه قد بني في عام 1895 لاستقبال جثمان صبي في الثالثة، وكان أحد ~~أبناء عائلة مانرو، وتوالى دفن جثامين أفراد آخرين من تلك العائلة هناك في السنوات ~~التالية. ودفن جثمانا زوج وزوجة من عائلة مانرو في السرداب الأصغر في أحد جوانب ~~الجبانة. وقد أصبحت الجبانة، التي كانت في الأصل جبانة عائلية، جبانة عامة ~~وتغير اسمها من مانرو إلى سيدارديل. # وكان السردابان مسقوفين من الداخل بالخرسانة. # قالت والدة ريتشل إنه لم يعد متبقيا من عائلة مانرو سوى واحد فقط يعيش في البلدة ~~اليوم، والذي يعيش في سكون. # قالت: «إنه يعيش في المنزل المجاور لمنزل أخي. أتعرفين أنه لا يوجد سوى ثلاثة منازل ~~في سكون؟ هذا كل ما يوجد. المنزل الأصفر المصنوع من الطوب ومنزل أخي، والمنزل ~~الأوسط، وهو منزل آل مانرو؛ لذا ربما يخبرونك بشيء ms295 آخر إذا ذهبت إلى هناك ~~وسألتهم.» ~~••• # بينما كنت أتحدث إلى والدة ريتشل وأنظر في كتاب التاريخ، جلس زوجي إلى الطاولة وراح ~~يتحدث إلى زوجها؛ فتلك هي الطريقة اللائقة التي تسير بها الأحاديث في هذا الجزء من ~~العالم. سأل الزوج من أين أتينا، ولدى سماعه أننا قادمون من هورون، قال إنه يعرفها ~~جيدا. قال إنه قد وصل إلى هناك حين رحل من هولندا بعد الحرب بفترة ليست بالطويلة، أي ~~في عام 1948، (فهو يكبر زوجته بكثير). وعاش لفترة بالقرب من بليث وعمل في إحدى مزارع ~~الديوك الرومي. # سمعته يقول هذا، وحين شارف حواري مع زوجته على الانتهاء سألته إن كانت المزرعة ~~التي عمل بها هي مزرعة والاس للديوك الرومي. # فقال نعم هي، وأضاف أن شقيقته كانت متزوجة من ألفين والاس. # فقلت: «كوري والاس.» ~~«هذا صحيح. إنها هي.» # فسألته إن كان يعرف أيا من أفراد عائلة ليدلو في تلك المنطقة، وكانت إجابته ~~بالنفي. # فأخبرته أنه إذا كان قد عمل في مزرعة آل والاس، فلا بد أنه كان يعرف بوب ~~ليدلو. # أخبرته قائلة: «كان يعمل في تربية الديوك الرومي أيضا، وكان على معرفة بعائلة ~~والاس منذ كانوا يذهبون إلى المدرسة معا، وقد عمل معهم في بعض الأحيان.» # فقال بنبرة متصاعدة: «بوب ليدلو؟ أوه، بالتأكيد، كنت أعرفه. ولكن أظن أنك قصدت من ~~حول بليث؛ فقد كان لديه منزل بالقرب من وينجهام، غرب وينجهام، بوب ليدلو.» # فأخبرته أن بوب ليدلو قد نشأ بالقرب من بليث على الطريق الثامن لبلدة موريس، ومن هنا ~~جاءت معرفته بالأخوين والاس، والد ألفين وعمه. كانوا جميعا يذهبون إلى مدرسة إس ~~رقم 1، بجوار مزرعة والاس مباشرة. # فنظر إلي عن كثب وضحك. ~~«هل تريدين أن تقولي لي إنه والدك؟ أنت لست شيلا، أليس كذلك؟» ~~«إن شيلا شقيقتي. أنا الشقيقة الكبرى.» # فقال: «لم أكن أعلم أن هناك شقيقة كبرى لها، لم أكن أعلم ذلك، ولكن كنت أعرف فقط بيل ~~وشيلا. كانا معتادين على النزول معنا لتجهيز الديوك قبل أعياد الكريسماس. لم تكوني ~~هناك، أليس ms296 كذلك؟» ~~«لم أكن بالمنزل آنذاك.» ~~«بوب ليدلو. بوب ليدلو كان والدك. حسنا. كان لا بد أن يخطر لي ذلك مباشرة. ولكن حين ~~قلت من حول بليث، لم أدرك الأمر. كنت أظن أن بوب ليدلو كان من مكان بالقرب من ~~وينجهام. لم أكن أعرف أبدا أنه كان من بليث في الأساس.» # وضحك ومد يده عبر الطاولة ليصافحني. ~~«حسنا. بإمكاني الآن أن أرى ليدلو فيك. أنت ابنة بوب ليدلو. أرى ذلك حول عينيك. ~~لقد مر زمن طويل. مر زمن طويل.» # لست أدري إن كان يقصد أنه قد مر زمن طويل منذ كان أبي وأبناء والاس يذهبون معا ~~إلى المدرسة في بلدة موريس، أم منذ كان هو نفسه شابا صغيرا قادما لتوه من هولندا، ~~وعمل مع أبي وشقيقي وشقيقتي في تجهيز الديوك الخاصة بالكريسماس. ولكنني اتفقت معه في ~~الرأي، وحينئذ قال كلانا إنه عالم صغير. قلنا ذلك، كما يفعل الناس عادة، بحس من ~~التعجب والانتعاش. (حين ينزعج الناس من اكتشاف مثل هذا، فإنهم عادة ما يتجنبون ~~القيام به.) أخذنا نستكشف الصلة بقدر ما طالت، وسرعان ما وجدنا أننا لن نجني الكثير من ~~وراء ذلك. ولكننا كنا سعداء. كان سعيدا أن ذكره أحد بنفسه في شبابه، وهو لا يزال ~~جديدا في القرية وقادرا على شغل أي عمل يعرض عليه، وكله ثقة في المستقبل الذي ~~بانتظاره، وبمنظر هذا المنزل الجيد البناء بمشهده الواسع الذي يطل عليه، وزوجته ~~الرائعة، وابنته الجميلة ريتشل، وجسده الذي لا يزال يقظا ونافعا؛ لقد بدا بالفعل وكأن ~~الأمور قد دانت له تماما. # أما أنا، فكانت سعادتي لعثوري على شخص لا يزال يمكنه أن يراني جزءا من عائلتي، ~~ويستطيع أن يتذكر أبي، والمكان الذي عمل وعاش فيه والداي طوال حياتهما الزوجية معا، ~~بالأمل في البداية ثم بالكفاح المشرف؛ المكان الذي نادرا ما أمر به وأستطيع بالكاد ~~أن أجد له رابطا بحياتي الآن، على الرغم من أنه لا يبعد عني أكثر من عشرين ~~ميلا. # لقد تغير بالطبع، بل تغير كلية، وتحول إلى مستودع ms297 للسيارات الخردة. الفناء ~~الأمامي والفناء الجانبي وحديقة الخضراوات وشرائط الأزهار، وحقل التبن، وشجيرات ~~البرتقال المكسيكي، وأشجار الليلك، وجذل شجرة كستناء، والمرج والأرض اللذان كانا ~~يوما ما مغطيين بحظائر الثعالب، سحقت جميعا تحت مد من أجزاء السيارات، وأجسام ~~السيارات المفرغة من أحشائها، والمصابيح الأمامية المهشمة، وشبكات الرادياتور، ~~ورفارف العجلات، ومقاعد السيارات المقلوبة بحشوها النتن المنتفخ، إلى جانب أكداس من ~~الأجزاء المعدنية المطلية والصدئة والمسودة واللامعة، كاملة كانت أو معوجة، ~~والتي لا تزال باقية وتقاوم عامل الزمن. # ولكن ليس هذا هو الشيء الوحيد الذي يجرده من معناه بالنسبة إلي. كلا. إنها ~~حقيقة أنه على بعد عشرين ميلا فقط، وكان بمقدوري أن أراه كل يوم لو شئت؛ فالماضي ~~بحاجة للتعامل معه من على بعد. # سألتنا والدة ريتشل إن كنا نود إلقاء نظرة على الكنيسة من الداخل قبل أن ننطلق ~~إلى سكون، فلم نمانع. فترجلنا من على التل واصطحبتنا في ترحاب إلى داخل الكنيسة ~~المغطى بالسجاد الأحمر. كانت رائحتها رطبة ونتنة قليلا كحال المباني الحجرية في ~~الغالب، حتى حين يحافظ على نظافتها إلى أقصى حد. # تحدثت إلينا بشأن أحوال هذا المبنى وجماعات المصلين المترددين عليه. # أنشئت الكنيسة بأكملها قبل بضع سنوات وأضيفت تحتها مدرسة الأحد والمطبخ. # كان الجرس لا يزال يدق لإعلان وفاة كل فرد من أفراد الكنيسة، فكان يدق دقات بعدد ~~سنوات حياة الشخص المتوفي. بإمكان كل شخص على مرمى السمع أن يسمع ويحصي عدد ~~المرات التي يقرع فيها ويحاول أن يتوصل إلى هوية الشخص الذي يقرع له. في بعض ~~الأحيان يكون ذلك سهلا؛ شخصا ينتظر موته. وفي أحيان أخرى يكون الأمر ~~مفاجأة. # ذكرت لنا أن الرواق الأمامي للكنيسة على الطراز العصري، كما لا بد أن نكون قد ~~لاحظنا. وحين أنشيء، نشب جدال كبير بين هؤلاء الذين كانوا يعتقدون أنه ضروري، بل ~~وكانوا معجبين به، وأولئك الذين عارضوا وجوده، وفي النهاية حدث انفصال؛ فانطلق هؤلاء ~~الذين لم يعجبهم إلى ويليامزفورد وكونوا كنيستهم الخاصة هناك، وإن كان بنفس ~~القسيسة. # ففي آخر مرة كان يجب ms298 تعيين قسيس أو قسيسة لتلك الكنيسة، كان خمسة من المرشحين السبعة ~~لشغل المنصب من النساء، وكانت هذه السيدة متزوجة من طبيب بيطري، وكانت هي نفسها طبيبة ~~بيطرية. كانت محبوبة من الجميع، على الرغم من أنه في إحدى المرات نهض رجل ينتمي إلى ~~الكنيسة اللوثرية في ديسبورو وغادر إحدى الجنازات حين وجدها تلقي عظة فيها؛ فلم يستطع ~~تحمل فكرة وجود امرأة تعظ. # فالكنيسة اللوثرية جزء من المجمع الكنسي بميسوري، وهذا هو أسلوبهم. # نشب حريق كبير بالكنيسة منذ فترة، أتى على قدر كبير من محتوياتها من الداخل، ~~ولكن لم يمس الهيكل. وبينما كانت الجدران الداخلية الناجية من الحريق تدعك بعد ذلك، ~~سقطت طبقات من الطلاء مع الدخان، وكانت ثمة مفاجأة أسفلها: نص باهت باللغة ~~الألمانية، بالكتابة القوطية الألمانية، الذي لم يكن قد أزيل بالكامل، وكان مختبئا ~~أسفل الطلاء. # وها هو قد ظهر. أزالوا الطلاء وها هو قد ظهر. # Ich hebe meine augen auf zu den Bergen, von welchen mir Hilfe ~~Kommt ~~. كان هذا هو ما كتب على أحد الجدران الجانبية، فيما ~~كتب على الحائط المقابل: # Dein Wort ist meines Fusses Leuchte und ~~ein Licht auf meinem Wege ~~. # وترجمة ذلك هي: ~~«سأرفع عيني إلى الجبال من حيث يأتي عوني.» ~~«سراج أهتدي به كلامك ونور لدربي.» # لم يكن أحد يعرف أو يتذكر وجود الكلمات الألمانية هناك حتى كشفها الحريق وما أعقبه ~~من عمليات تنظيف. لا بد أن الجدار قد طلي فوقها في وقت ما، وبعدها لم يورد أحد ~~لها ذكرا، وهكذا ذهبت ذكرى وجودها في هذا المكان طي النسيان. # في أي وقت حدث هذا؟ الاحتمال الأرجح أن يكون قد حدث في بداية الحرب العالمية ~~الأولى، التي امتدت فيما بين عامي 1914 و1918. فلم يكن ذلك وقتا مناسبا لإظهار ~~كتابة باللغة الألمانية أو حتى إلقاء نصوص مقدسة بها. وظل شيئا يجب عدم الإتيان ~~على ذكره لسنوات بعد ذلك. # كان وجودي في الكنيسة مع هذه السيدة كمرشدة يمنحني شعورا بالضياع قليلا، أو شعورا ~~بالحيرة والارتباك، شعورا ms299 بأن كل الأمور قد سارت في الاتجاه الخطأ. لقد مستني بشدة ~~الكلمات المنقوشة على الحائط، ولكنني لست مؤمنة وليس لهذه الكلمات أن تجعلني مؤمنة. ~~كانت تبدو وكأنها تفكر في كنيستها، بما فيها هذه الكلمات، وكأنها حارستها اليقظة. بل ~~إنها ذكرت بنبرة نقدية أن جزءا من الطلاء - في حرف # L # المزخرف في كلمة # Licht ~~- قد تلاشى أو تقشر، ولا بد من ~~استبداله. ولكنها كانت مؤمنة. كان يبدو وكأن عليك دائما أن تعتني بما هو فوق السطح، ~~وسوف يتولى ما خلفه، بضخامته وإزعاجه، الاعتناء بنفسه. # في ألواح منفصلة من النوافذ الزجاجية المتسخة ظهرت هذه الرموز: # الحمامة (على المذبح). # الرمزان ألفا وأوميجا (في الجدار الخلفي). # الكأس المقدسة. # حزمة القمح. # الصليب في التاج. # مرساة السفينة. # حمل الرب يحمل الصليب. # البجعة الخرافية، ذات الريش الذهبي، التي يعتقد أنها تطعم صغارها على ~~دم ثديها الممزق، كرمز لكنيسة المسيح. (البجعة الخرافية كما هي ممثلة هنا ~~تشبه البجعة الحقيقية من حيث كونها طائرا فقط.) # قبل بضعة أيام من خضوعي لعملية أخذ العينة، تلقيت اتصالا من مستشفى المدينة ~~لإبلاغي بأن العملية قد ألغيت. # ظل الموعد قائما على أي حال للتحدث مع طبيبة الأشعة، ولكن لم أكن بحاجة ~~للإسراع في الإعداد للعملية. # فقد ألغيت. # لماذا؟ هل وردت معلومات عن أشعتي الثدي الأخريين؟ # ذات مرة تعرفت إلى رجل دخل المستشفى لاستئصال ورم من عنقه. وضع يدي عليه، على ~~هذا الورم الصغير السخيف، وأخذنا نضحك من إمكانية أن نهول من خطورته ونجعله يحصل على ~~إجازة من العمل لمدة أسبوعين للذهاب لقضاء إجازة معا. تم فحص الورم، ولكن ألغيت ~~عملية أخرى كان من المقرر إجراؤها نظرا لاكتشاف وجود الكثير والكثير من الأورام ~~الأخرى، وصدر القرار النهائي بأن العمليات التي ستجرى لن تجدي نفعا. وعلى حين غرة ~~صار رجلا في دائرة الخطر. لم يعد يضحك؛ فحين ذهبت لرؤيته أخذ يحدق في بغضب شبه ~~أحمق لم يتمكن من إخفائه؛ فقد قالوا إن المرض «منتشر في كل جسده.» # اعتدت أن أسمع نفس الشيء يقال حين كنت ms300 طفلة، وكان دائما ما يقال بصوت خافت ~~للغاية بدا ينبئ، على نحو شبه طوعي، بفاجعة. شبه طوعي، حتى ولو كان بتلميح ~~مكشوف. ~~••• # توقفنا بالفعل عند المنزل الأوسط في سكون، ليس بعد زيارة الكنيسة، بل في اليوم ~~التالي لاتصال المستشفى. كنا نبحث عن شيء يسلينا. ثمة شيء ما تغير؛ فقد لاحظنا ~~كم بدأ المشهد الطبيعي لبلدة سوليفان والكنيسة والجبانات، وقريتي ديسبورو وسكون ~~وبلدة تشيسلي؛ يبدو مألوفا لنا، وكيف قصرت المسافات بين الأماكن. ربما نكون قد اكتشفنا ~~كل ما كنا قادمين لمعرفته. وربما كان هناك مزيد من الإيضاح والتفسير - فربما تكون ~~فكرة السرداب قد جاءت نتيجة عدم رغبة شخص ما في وضع طفل في الثالثة تحت الأرض - ولكن ~~أكثر ما كان ساحرا وجذابا مجسد الآن في نموذج لأشياء نعرفها. # لم يجب أحد الباب الخارجي. كان المنزل والفناء مرتبين. أخذت أنظر حولي إلى ~~أحواض الحوليات الزاهية وزهرة من شجيرة شارون وصبي أسود البشرة يجلس على جذل شجرة وفي ~~يده علم كندي. لم يكن ثمة الكثير من الصبية الصغار السود في أفنية منازل الأهالي ~~كما كان الحال من قبل. ربما كان الأطفال البالغون قاطنو المدن قد حذروهم منهم، وإن ~~كنت لا أعتقد أن أي إهانة عنصرية كانت تصدر عن عمد ووعي. لقد كان الأمر كما لو أن ~~الناس كانوا يشعرون بأن وجود صبي أسود يضيف لمسة من الصخب والسحر. # كان الباب الخارجي مفتوحا على رواق ضيق، فدخلت وقرعت جرس باب المنزل. كان ~~ثمة مساحة كافية للمرور من أمام كرسي ذي مسندين عليه غطاء أفغاني ملون وطاولتين ~~من الخيزران عليهما أصص نباتات. # ما من مجيب حتى الآن، ولكن استطعت أن أسمع صوت إنشاد ديني عاليا داخل المنزل. ~~كانت هناك جوقة تنشد: «إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون». وعبر النافذة التي كانت ~~بالباب رأيت المنشدين على شاشة التليفزيون في غرفة داخلية. ورأيت ثيابا زرقاء ~~والعديد من الوجوه المتمايلة على صفحة السماء في وقت الغروب. ترى أهم جوقة المعبد ~~المورموني؟ # أخذت أستمع إلى الكلمات التي اعتدت سماعها جميعا ms301 قبل ذلك. وفي تقديري أن هؤلاء ~~المنشدين كانوا في نهاية المقطع الغنائي الأول. # فتركت القرع على الجرس حتى يفرغوا. # أعدت المحاولة ثانية، وجاءت السيدة مانرو التي كانت امرأة قصيرة القامة ذات طلة ~~تنم عن البراعة والاقتدار وخصلات شعر مموجة مضغوطة ذات لون بني ضارب إلى ~~الرمادي، وترتدي بلوزة زرقاء مزينة بالأزهار لتلائم بنطالها الأزرق. # أخبرتني أن زوجها يعاني صعوبة شديدة في السمع؛ ومن ثم لن يجدي الحديث معه ~~كثيرا. وكان عائدا للتو من المستشفى قبل بضعة أيام؛ ومن ثم لم يكن يرغب في ~~الحديث، ولم تكن هي ذاتها لديها متسع من الوقت للحديث؛ إذ كانت تتأهب للخروج. كانت ~~ابنتها قادمة من تشيسلي لاصطحابها. كانتا ذاهبتين في نزهة عائلية للاحتفال بعيد ~~زواج والدي زوجها الخمسين. # ولكنها لم تكن لتمانع في إخباري بما تعرفه. # وعلى الرغم من أنها لم تتزوج إلا من داخل العائلة، فلم تكن تعرف الكثير ~~عنهم. # بل إن كلتيهما لم تكن تعرف الكثير على الإطلاق. # استرعى انتباهي شيء جديد في استعداد كل من هذه السيدة العجوز والسيدة الشابة ~~المفعمة بالحيوية في المنزل الخشبي وتأهبهما للمساعدة؛ فلم يبد عليهما أي استغراب ~~من أن يكون ثمة من يرغب في معرفة أمور ليس لها نفع معين أو أهمية عملية؛ فلم ~~تلمحا إلى أن لديهما أمورا أهم للتفكير فيها؛ أعني أمورا حقيقية، عملا حقيقيا. ~~فحين كنت في طور النضج لم تكن الرغبة النهمة في اكتساب أي معرفة غير عملية من أي نوع ~~تحظى بالتشجيع. لا بأس في معرفة أي حقل سوف يتناسب مع محاصيل بعينها، ولكن لم يكن ~~مقبولا تماما معرفة أي شيء عن الجغرافيا الجليدية التي ذكرتها. كان من الضروري أن ~~تتعلم القراءة، ولكن لم يكن مستحبا تماما أن ينتهي بك الحال إلى الاستغراق في قراءة ~~كتاب. وإن كان لا بد أن تتعلم التاريخ واللغات الأجنبية للنجاح في المدرسة، فكان الشيء ~~الطبيعي الوحيد أن تنسي مثل هذا النوع من الأمور بأسرع ما يمكن، وإلا أصبحت «مختلفا» ~~عن الآخرين، ولم تكن تلك بالفكرة ms302 الجيدة. وكان التساؤل عن «الزمن القديم» - ما الذي كان ~~موجودا هنا، ماذا حدث هناك، ولماذا، لماذا؟ - كانت طريقة مضمونة لكي تجعل نفسك ~~مختلفا. # بالطبع، كان بعض من هذه الأمور متوقعا لدى الغرباء، من أهل المدينة، الذين كان ~~لديهم متسع من الوقت لذلك. لعل هذه السيدة تعتقد أن هذا هو الحال بالنسبة إلي، ~~ولكن السيدة الشابة كان إدراكها مختلفا، ومع ذلك بدت لا تزال ترى أن لفضولي ما ~~يبرره. # قالت السيدة مانرو إنها اعتادت أن تتساءل، حين كانت في بداية زواجها؛ لماذا كانوا ~~يدفنون أهلهم هناك على هذا النحو، من أين جاءتهم الفكرة؟ لم يكن زوجها يعرف السبب؛ فقد ~~كان جميع أفراد آل مانرو يتعاملون مع الأمر على نحو مسلم به، لم يكونوا على دراية ~~بالسبب، كانوا يتعاملون معه على نحو مسلم به لأن ذلك هو ما كانوا يفعلونه دائما. ~~كانت تلك هي طريقتهم دائما، ولم يخطر لهم مطلقا أن يسألوا لماذا أو من أين أتت ~~عائلتهم الفكرة. # هل كنت أعلم أن السرداب بأكمله مسقوف بالخرسانة من الداخل؟ # لقد كان السرداب الأصغر من الخرسانة أيضا من الخارج. أجل. فلم تكن قد ذهبت إلى ~~الجبانة منذ فترة ونسيت كل شيء بشأن هذا السرداب. # تذكرت آخر جنازة أقاموها حين دفنوا آخر شخص في السرداب الكبير؛ آخر مرة فتحوه ~~فيها. كان من أجل السيدة ليمبكي التي كانت تنتمي إلى عائلة مانرو. لم تكن توجد مساحة ~~إلا لشخص واحد، وكانت هي هذا الشخص، ومن بعدها لم تعد ثمة مساحة لأي جثمان ~~آخر. # كانوا يحفرون عند الطرف ويرفعون قوالب الطوب، وحينئذ كان لك أن ترى بعضا مما كان في ~~داخل السرداب قبل أن يسجوا تابوتها داخله. كان بإمكانك أن ترى أنه كانت ثمة توابيت ~~هناك سبقت تابوتها على كلا الجانبين، ولا أحد يعرف متى بدأ هذا. # قالت: «لقد منحني هذا شعورا غريبا، حقا، فقد اعتدنا رؤية التوابيت حين تكون ~~جديدة، ولكن لم نعتد رؤيتها حين تكون قديمة.» # كانت هناك طاولة صغيرة قابعة في مقدمة المدخل مباشرة، ms303 في الطرف الأقصى، وعليها نسخة ~~مفتوحة من الكتاب المقدس. # وكان بجوار الكتاب المقدس مصباح. # كان مجرد مصباح عادي قديم الطراز، من النوع الذي اعتادوا إضاءته ~~بالكيروسين. # وقبع التابوت هناك كما هو في ذلك اليوم، وأغلق كل شيء بإحكام، ولن يراه أحد ~~مرة أخرى مطلقا. # قالت: «لا أحد يعرف لماذا كانوا يفعلون ذلك. لقد فعلوه فحسب.» # وابتسمت لي ابتسامة ودودة يشوبها شيء من الارتباك، واتسعت عيناها شبه الباهتتين ~~لتصبح كعيني البومة، بفضل نظارتها، وأومأت إلي برأسها إيماءتين مرتجفتين، وكأنها ~~تقول إنه أمر يتجاوز نطاق استيعابنا، أليس كذلك؟ ثمة أمور عديدة تتجاوز نطاق ~~استيعابنا. أجل. ~~••• # قالت طبيبة الأشعة إنها حين اطلعت على أشعتي الثدي الواردتين من المستشفى الريفي، ~~رأت أن الورم كان موجودا في عامي 1990 و1991، ولم يطرأ عليه أي تغيير، فهو لا يزال في ~~نفس المكان وبنفس الحجم، قالت إنني لا أستطيع مطلقا أن أكون متيقنة مائة بالمائة أن ~~مثل هذه الكتلة آمنة، ما لم تؤخذ عينة منها. وأضافت أن بإمكاني أن أطمئن؛ فأخذ العينة ~~في حد ذاته يعتبر إجراء تدخليا، وأنها لو كانت مكاني، لم تكن لتجريه. وبدلا ~~من ذلك قالت لي إنها سوف تجري لي أشعة أخرى على الثدي في غضون ستة أشهر أخرى، وإنه ~~لو كان ثديها، لظلت تراقبه، ولكن في الوقت الراهن كانت ستدعه وشأنه. # تساءلت لماذا لم يخبرني أحد من قبل عن هذه الكتلة حين ظهرت لأول مرة. # فقالت إنه لا بد أنهم لم يروها. ~~••• # إذن فتلك أول مرة تظهر. # ستظل مثل هذه المخاوف تظهر وتختفي. # وسيأتي الخوف الذي لن يختفي. الخوف الذي لن يختفي. # ولكن الآن، ها هي الذرة في الشرابة، وذروة الصيف على وشك الانتهاء، والوقت يتسع ~~ليفسح مجالا من جديد للمشاحنات الصغيرة والتفاهات. لم تعد للأيام حواف حادة، لم يعد ~~ثمة شعور بطنين القدر المزعج يسري في عروقك كسرب من الحشرات الصغيرة التي ~~لا ترحم. ها قد عدنا إلى حيث لا يبدو هناك أي تغيير كبير يرجى أكثر من تغيير ~~الفصول. وعادت ms304 نطاقات السماء والأرض تحمل قدرا من الاهتراء، واللامبالاة، بل وإمكانية ~~متقطعة للملل والسأم. ~~••• # ونحن في طريقنا إلى المنزل عائدين من مستشفى المدينة قلت لزوجي: «أتعتقد أنهم يضعون ~~أي زيت في ذلك المصباح؟» # وعلى الفور أدرك ما أتحدث عنه، وقال إنه كان يتساءل عن نفس الشيء. # | خاتمة # | الرسول # كتب أبي أن الريف الذي صنع بجهود الرواد الأوائل قد تغير قليلا في زمانه؛ ~~فكانت المزارع لا تزال بالحجم الذي كان يسهل التعامل معه في ذلك الوقت ومناطق الغابات ~~في نفس الأماكن، والأسوار لا تزال حيث كانت دائما، وإن كانت قد أصلحت عدة مرات. ~~والشيء نفسه بالنسبة إلى الحظائر الكبيرة ذات الطابقين؛ ليست تلك هي الحظائر الأولى ~~التي ظهرت، ولكن المباني التي شيدت قرب نهاية القرن التاسع عشر، وأقيمت في الأساس ~~من أجل تخزين التبن وحماية الماشية خلال الشتاء. والعديد من المنازل - المنازل المصنوعة ~~من الطوب التي خلفت المباني الخشبية الأولى - كانت هناك منذ فترة ما في سبعينيات ~~أو ثمانينيات القرن الثامن عشر. والواقع أن أبناء عمومة لنا قد احتفظوا بالمنزل الخشبي ~~الذي شيده أبناء ليدلو الأوائل في بلدة موريس، واكتفوا ببناء ملحقات له في فترات ~~مختلفة. كان المنزل من الداخل مدهشا وفخما، وله العديد من المنحنيات ودرجات سلم ~~قليلة. # الآن هدم المنزل، وهدمت الحظائر (وكذلك حظيرة الأبقار القديمة المبنية من ~~الخشب). والشيء نفسه حدث للمنزل الذي ولد فيه أبي، والمنزل الذي عاشت فيه جدتي ~~طفولتها، وكل الحظائر والسقائف. من الممكن تحديد الأراضي التي كانت هذه البنايات ~~قائمة عليها ربما من ارتفاع قليل في الأرض، أو بأجمة من أشجار الليلك؛ وفيما عدا ~~ذلك فقد أصبحت مجرد رقع زراعية. # قديما في مقاطعة هورون كان هناك رواج كبير لتجارة التفاح؛ فحسبما قيل لي، كانت مئات ~~الآلاف من البوشلات منه تشحن إلى الخارج، أو تباع لمصنع التبخير في كلينتون. غير أن ~~هذه التجارة اندثرت وتلاشت منذ عدة أعوام حين ظهرت البساتين في كولومبيا البريطانية، ~~بما كان لها من ميزة طول موسم نموها. ربما لم يتبق الآن ms305 سوى شجرة أو شجرتين من أشجار ~~التفاح بثمارهما الجربة القليلة، وشجيرات الليلك الدائمة النمو. هذا كل ما تبقى ~~من المزارع المفقودة ومبانيها؛ وفيما عدا ذلك لا تجد أي علامة تشير إلى وجود بشر ~~كانوا يعيشون هنا من قبل؛ فقد هدمت الأسوار أينما حلت المحاصيل الزراعية محل ~~الماشية. وبالطبع، ظهرت في العقد الأخير الحظائر المنخفضة التي تماثل في ارتفاعها ~~ارتفاع البنايات الحضرية، وتماثل الإصلاحيات في تحصينها وسريتها؛ إذ تئوى الماشية ~~بداخلها ولا تظهر مطلقا للعيان؛ لقد صار الدجاج والديوك الرومية والخنازير تربى ~~بالطريقة الحديثة التي تجمع بين الربح والفاعلية. # كان من تأثير إزالة العديد من الأسوار والبساتين والمنازل والحظائر في نظري أن جعلت ~~الريف يبدو أصغر بدلا من أن يبدو أكبر؛ مثلما تبدو المساحة التي كان يشغلها منزل في ~~وقت ما صغيرة على نحو مثير للدهشة بمجرد ألا ترى أمام عينيك سوى أساسه؛ فقد ذهبت كل ~~تلك الأعمدة والأسلاك والأسوجة ومصدات الرياح، تلك الصفوف من أشجار الظل ، تلك ~~الاستخدامات المتنوعة لقطع الأرض، تلك المستعمرات الخاصة من المنازل والحظائر ~~المأهولة والمباني الملحقة النافعة التي كنت تجدها كل ربع ميل أو نحو ذلك؛ كل تلك ~~التدابير والحماية التي كانت تتوافر لأرواح منها ما كان معروفا ومنها ما كان خفيا. ~~لقد جعلت كل ركن من سور أو منعطف في جدول ماء يبدو ملحوظا ومميزا. # وكأنه كان بإمكانك آنذاك أن ترى المزيد، رغم أن بإمكانك الآن أن ترى لمسافة ~~أبعد. ~~••• # في صيف عام 2004 قمت بزيارة إلى جوليت بحثا عن أي أثر أو ملمح لحياة ويليام ~~ليدلو، جدي الأكبر الذي توفي هناك. استقللنا السيارة من أونتاريو عبر ميشيجان على ما ~~كان يسمى في وقت ما شيكاجو تيرنبايك، وقبل ذلك كان الطريق الذي سلكه الرحالة ~~لاسال وعدة أجيال من رحالة شعوب كندا الأولى، وأصبح الآن يسمى الطريق السريع رقم ~~12، مارين ببلدات كولدووتر وستيرجيس ووايت بيجون القديمة. كانت أشجار البلوط غاية في ~~الروعة والتنوع ما بين البلوط الأبيض والأحمر والسنديان الكبير الثمار، بأفرعها ~~المنحنية التي تلقي بظلالها ms306 على شوارع البلدة ومساحات كبيرة من الطرق الريفية. هذا، ~~ناهيك عن أشجار البندق والقيقب الضخمة الوارفة الظلال بمنطقة الغابات الكارولينية التي ~~تعتبر غير مألوفة لي قليلا؛ كونها تقع جنوب المنطقة التي أعرفها. إن نباتات اللبلاب ~~السام هنا تنمو لارتفاع ثلاثة أقدام بدلا من افتراش أرض الغابة كالسجادة، فيما تبدو ~~كرمات العنب وكأنها تغلف كل جذع شجرة، وهو ما يجعلك لا تستطيع النظر داخل الغابات ~~المنتشرة على جانبي الطريق؛ فكل مكان مزين بجدائل وستائر خضراء. # كنا نستمع إلى الموسيقى على الراديو الوطني العام، وحين ضعفت إشارة البث رحنا نستمع ~~إلى واعظ يجيب عن أسئلة عن الشياطين. إن الشياطين قادرة على أن تسكن الحيوانات ~~والمنازل ومعالم الطبيعة وكذلك البشر، وأحيانا ما تسكن جماعات وطوائف بأكملها؛ ~~فالعالم يكتظ بهم والنبوءات تثبت أنهم سوف يكثرون وينتشرون خلال أيام العالم ~~الأخيرة التي تحل علينا الآن. # كانت الأعلام في كل مكان، واللافتات ترتفع بعبارة: فليبارك الرب أمريكا. # مررنا بعدها بالطرق الحرة جنوب شيكاجو لنجد إصلاحات بها، ونقاطا غير متوقعة ~~لتحصيل الرسوم، والمطعم الذي بني على معبر علوي وقد صار الآن خاويا على عروشه ~~ويعمه الظلام، بعد أن كان إحدى عجائب الزمن السالف. وصارت جوليت محاطة بمنازل حضرية ~~جديدة، مثل أي مدينة في هذه الأيام؛ فتجد المنازل تمتد على مدى أفدنة وأميال، تتشابه ~~فيما بينها سواء أكانت متصلة أم منفصلة. وحتى هذه المنازل، في رأيي، مفضلة عن ~~المنازل الجديدة الأكبر مساحة الموجودة هنا أيضا في أماكن مميزة، دون تشابه كبير ~~بينها من حيث الشكل ولكنها جميعا تشترك في بعض الأشياء؛ فلها سقيفة واسعة للسيارات ~~ونوافذ عالية تشبه نوافذ الكاتدرائية. ~~••• # لم تسجل أي وفيات في جوليت حتى عام 1843، ولم يكن أي من عائلة ليدلو مدرجا ضمن ~~قائمة المستوطنين الأوائل أو هؤلاء الذين دفنوا في الجبانات القديمة الأولى. يا لها ~~من حماقة مني أن آتي إلى مكان كهذا - أي إلى مكان عمه الرخاء، أو حتى حدث به ~~نمو، خلال القرن الماضي - على أمل الحصول على فكرة عما كانت عليه ms307 الأمور قبل أكثر من ~~مائة وخمسين عاما، وبحثا عن مقبرة وذكرى. ولم يلفت انتباهي في السجلات سوى شيء ~~واحد. ~~«مقبرة مجهولة.» # في ركن ما من بلدة هومر، توجد مقبرة لم يعثر فيها إلا على شاهدين فقط، ولكن كان ~~بها ما يقرب من عشرين شخصا في وقت ما حسبما يقال. يحمل الشاهدان المتبقيان، وفقا ~~للسجلات، أسماء أشخاص ماتوا في عام 1837. ويخمن أن بعضا من الأشخاص الآخرين ربما ~~كانوا من الجنود الذي قضوا نحبهم في حرب بلاك هوك. # هذا يعني أن ثمة مقبرة كانت موجودة قبل وفاة ويل. # فتوجهنا إلى هناك مستقلين السيارة في اتجاه الركن رقم 143 وبلدة باركر. في الركن ~~الشمالي الغربي، يوجد ملعب جولف، وعلى الركنين الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي منازل ~~حديثة البناء بساحات خارجية تطل على الشارع. وعلى الركن الجنوبي الغربي يوجد ~~منازل، جديدة نوعا ما أيضا، ولكن مع الفارق أن ساحاتها الخارجية التي تطل على ~~الركن لا تمتد إلى الشارع حيث يفصلها عنه سور عال . وبين هذا السور والشارع قطعة أرض ~~صارت مقفرة تماما. # تسلقت السور بصعوبة ورحت أزيح بيدي نباتات اللبلاب السام جانبا. وفي وسط الأشجار ~~نصف النامية والشجيرات الصغيرة التحتية التي لا يمكن اختراقها، جلست مختبئة عن الشارع ~~أحدق في كل ما حولي؛ لم أستطع أن أعتدل في وقفتي؛ بسبب أفرع الأشجار. لم أر أي ~~شواهد قبور مائلة أو منهارة أو محطمة، أو أي نباتات نامية - كشجيرات ورد على سبيل ~~المثال - قد تمثل علامة على وجود قبور هنا يوما ما. إنه مكان لا جدوى منه. ~~وتملكني الخوف من اللبلاب السام؛ فتلمست طريقي إلى الخارج. # ولكن لم بقيت الأرض المقفرة هناك؟ إن دفن البشر هو واحد من الأسباب القليلة ~~جدا لعدم استغلال أي أرض في نشاط بشري هذه الأيام حين تكون كل الأرض المحيطة ~~بها مستغلة. # واستطعت أن أقتفي أثر ذلك، هذا ما يفعله الناس، بمجرد أن يبدءوا سوف يتتبعون أي ~~خيط، فيغرق الناس الذين لم يمارسوا القراءة إلا قليلا طوال حياتهم أنفسهم وسط ~~الوثائق، والبعض ms308 ممن كانوا يجدون صعوبة في إخبارك بالسنوات التي بدأت فيها الحرب ~~العالمية الأولى وانتهت سوف يحتارون فيما يتعلق بالتواريخ التي من القرون الماضية. نحن ~~في حالة من الحيرة. هذا ما يحدث في أغلب الأحيان في مشيبنا، حين ينغلق مستقبلنا الشخصي ~~ولا نستطيع تخيل مستقبل أحفادنا، وأحيانا لا نستطيع الإيمان به؛ فليس بمقدورنا ~~مقاومة هذا التنقيب في الماضي، وغربلة الأدلة غير الموثوقة، وربط الأسماء الشاردة ~~والتواريخ المشكوك فيها والنوادر معا، والتشبث بالخيوط الرفيعة، والإصرار على ~~الارتباط بالموتى ومن ثم بالحياة. ~~••• # ثمة مقبرة أخرى في بليث، حيث نقل جثمان جيمس لدفنه بعد عقود من مصرعه إثر ~~سقوط شجرة عليه. وهنا دفنت ماري سكوت، التي كتبت خطابا من إتريك لاستمالة الرجل ~~الذي كانت ترغب في قدومه والزواج منها. وكتب على شاهد قبرها اسم ذلك الرجل، «ويليام ~~ليدلو». ~~«المتوفى في إلينوي». ولا أحد يعلم أين دفن سوى الرب. # وبجوارها رقد جثمان وشاهد قبر ابنتها جين، الفتاة التي ولدت يوم وفاة والدها، ~~ونقلت من إلينوي وهي رضيعة، وتوفيت وهي في السادسة والعشرين من عمرها وهي تلد ~~طفلها الأول. ولم تقض ماري نحبها إلا بعد وفاة ابنتها بعامين، ما يعني أنها قد تلقت ~~صدمة أخرى كان عليها أن تمتصها قبل أن تنتهي هي الأخرى. # وبالقرب من جين يرقد جثمان زوجها. كان اسمه نيل أرمور ومات شابا هو الآخر. وكان ~~شقيقا لمارجريت أرمور التي كانت زوجة لتوماس ليدلو، وهما أبناء جون أرمور، أول ~~مدرس بمدرسة إس إس رقم 1 ببلدة موريس، حيث كان العديد من أفراد عائلة ليدلو يدرسون. ~~وقد سمي الرضيع الذي كلف جين حياتها جيمس أرمور. # وهنا تأتيني ذكرى حية تخترق ذهني برعشة تسري عبره. جيمي أرمور. «جيمي أرمور». لست ~~أدري ماذا حدث له ولكني أعرف اسمه. وليس هذا فحسب، بل أعتقد أنني قد رأيته مرة أو أكثر ~~من مرة، رجل عجوز جاء في زيارة من المكان الذي كان يعيش فيه إلى المكان الذي ولد ~~فيه، كان عجوزا وسط عجز آخرين؛ جدي وجدتي وشقيقات جدي. ms309 والآن يخطر لي أنه لا بد أنه ~~قد تربى ونشأ مع هؤلاء الناس؛ أقصد جدي وعماتي الكبيرات، أبناء توماس ليدلو ومارجريت ~~أرمور؛ فقد كانوا أبناء عمومته من الدرجة الأولى، بل أبناء عمومة مزدوجة من الدرجة ~~الأولى. عمتي آني، وعمتي جيني، وعمتي ماري، وجدي ويليام ليدلو، الذي أشار إليه أبي ب ~~«الأب» في مذكراته الشخصية. # والآن، كل تلك الأسماء التي كنت أدونها ترتبط بالأحياء في ذهني، وبالمطابخ ~~القديمة التي لم تعد موجودة، بالإطارات المصقولة المصنوعة من النيكل على المواقد ~~السوداء الكبيرة، وألواح التصريف الخشبية ذات الرائحة الكريهة والتي لا تجف أبدا، ~~والضوء الأصفر لمصابيح الكيروسين. علب القشدة على الرواق، التفاح المخزن في القبو، ~~مداخن المواقد التي تمر عبر الفتحات في السقف، الإسطبل الذي يعمه الدفء في الشتاء من ~~أثر أجسام الأبقار وأنفاسها؛ تلك الأبقار التي كنا لا نزال نتحدث إليها بكلمات كانت ~~شائعة في زمن حرب طروادة. الردهة الباردة المغطاة بالمشمع حيث كان يوضع التابوت حين ~~يفارق الناس الحياة. # وفي واحد من هذه المنازل - لا أذكر منزل من - كان ثمة حاجز باب سحري عبارة ~~عن صدفة لؤلؤة كبيرة كنت أعتبرها كرسول يأتيني بالأخبار من كل مكان؛ لأنني كان ~~بإمكاني أن أضعها عند أذني - عندما لا يوجد من قد يستوقفني - وأكتشف ذلك التدفق ~~الهائل لدمي، وللبحر. ms310