######OpenITI# #META# URI: 1450ShirinYunus.FiIntizarSanta.Hindawi84806975 #META# Tags: literature #META# ID: 84806975 #META# Title: في انتظار سانتا #META# AuthorID: 86069048 #META# Author: شرين يونس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # المظلة‏ # الصيد‏ # الإغراء الحلو‏ # رسالة‏ # الخلطة السرية‏ # ترنيمة موسيقية‏ # في انتظار سانتا‏ # شغف صباحي‏ # في البحث عن بداية‏ # ريحة الكحك‏ # ترويض‏ # مركز ثقافي‏ # كيس مقرمشات‏ # بطاقة هوية‏ # رحيل‏ # في القفص‏ # الطابور‏ # البيت الرطب‏ # المقهى‏ # على الطريق‏ # دقات الساعة‏ # لقد أكلت البيض كله‏ # الساحر‏ # الحرز‏ # إهداء‏ # المظلة‏ # الصيد‏ # الإغراء الحلو‏ # رسالة‏ # الخلطة السرية‏ # ترنيمة موسيقية‏ # في انتظار سانتا‏ # شغف صباحي‏ # في البحث عن بداية‏ # ريحة الكحك‏ # ترويض‏ # مركز ثقافي‏ # كيس مقرمشات‏ # بطاقة هوية‏ # رحيل‏ # في القفص‏ # الطابور‏ # البيت الرطب‏ # المقهى‏ # على الطريق‏ # دقات الساعة‏ # لقد أكلت البيض كله‏ # الساحر‏ # الحرز‏ # | في انتظار سانتا # | في انتظار سانتا # تأليف # شرين يونس # | إهداء # كنت أجمل كثيرا مما تمنيت، أغويتني فطاوعتك؛ فبعثتني من جديد. # | المظلة # «صباحات الشتاء أكثر حميمية، وفي مدن العشاق يكون الصباح الشتوي أكثر بهاء وطهرا.» ~~هكذا قرأت دوما، ورغم ذلك فأنا أخاف الشتاء، أقتحمه دائما محتمية بمظلتي التي ما إن يبدأ ~~الشتاء حتى أسكنها. # ربما هي مخاوف أمي التي أودعتها لدي، وفزعها الأمومي، فجعلها تسد فسحة جسدي بطبقات ~~تدثرني بها؛ فتحبس أنفاسي ورؤيتي. # كم كانت سببا في صغري لتلقي سخرية أقراني بالمدرسة، «البطانية المتحركة»، هكذا لقبوني، ~~فما إن يلمحوني حتى يبدءوا عادتهم الصباحية في إحصاء عدد الطبقات على جسدي، وتساؤلاتهم ملء ~~شفاههم: «كيف تتحركين مقيدة بكل هذا الشغف القماشي؟!» # أصبح شتاء أمي يتربص بي، يتعلق بقمة مظلتي السوداء التي كبر محيطها مع كبري، تعجزه ~~تعويذات أمي عن الوصول إلي، فما جربت الشتاء يوما، بفعل المخاوف، والتعليمات؛ الشراب ~~الساخن صباحا ومساء، وجواربي وقفازاتي المثقلة بصوفها، معطفي الذي يجعل مني دمية بنصف ~~وجه. # مع الكبر عرفت وجوها أخرى للشتاء في مدينتي، جعلتني أبكر من نزولي إلى الشارع قبل ~~موعدي المعتاد للذهاب إلى مدرستي الثانوية ثم الجامعة، أرقب من تحت درعي القماشي طهارة ~~المدينة وهي تتكشف ببطء للصباح كانكشاف عذراء في ليلتها الأولى. # في تلك الصباحات السخية الجميع يتعرف على معنى الحميمية، البعض يحتمي بملابسه وكأنه ~~يكتشف لذة الستر للمرة الأولى، وعشاقك يا مدينتي ms01 يختلسون القبلات خلف مظلاتهم، يلتمسون بها ~~بضع درجات مئوية إضافية تشعل في أرواحهم وأجسادهم وهج اللذة. # أتابع كسل الحيوانات الضالة، وسكنها بالجدران والأعشاش وأسقف العربات التي تستعطفها ~~لتكون دفئا وسلاما على أرواحها. في ذلك الموسم لا أخشى كلابا أو حتى ذئابا، فهي تلحظني ~~وروائح الخوف تسبقني، فلا تأبه لمروري، وترد علي بخلاعة عيونها المتكاسلة. # في صباحاتك تعلمت متابعة الأحذية ذات الرقاب، ولعبت ألاعيب حسابية حول أطوالها، ~~وأعمارها، ونسجت القصص حول أصحابها. # وعندما رحلت جدتي ظللت أعواما أبحث عن وجهها بين الطرقات، مطمئنة أنني سأعثر عليها ~~يوما تائهة عن مسكنها الذي غابت عنه تفاصيل عنوانه بفعل ذلك المرض اللعين. # بدأ الشتاء هذا العام من دونك يا أمي، ورغم ذلك فصوتك يطن في رأسي، يشغل صباحاتي ~~الشتوية، يلح علي حتى لا أنسى مظلتي. تعمدت نثر تعليماتك على وريقاتي الملونة، أتعثر ~~فيها مواجهة لسريري، وعلى منضدة مطبخي، وعلى باب حجرتي ومسكني، أتابعها كل يوم كصلاة ~~يومية سادسة. # أتدثر بمعطفي، وأحتمي بمظلتي، أستقبل أول صباحات الموسم الشتوي محمية بصوت أمي ~~وتعويذاتها. ألحظ على بعد أطفالا في ملابسهم المدرسية، يشغلون طريقهم بنثر ضحكاتهم، ~~ومداعبة الطرقات كإحدى ألاعيبهم السحرية. # في شكل مسرحي يشير أحدهم إلى السماء، يأمرها فتطيعه، تتراقص زخاتها الأولى؛ فيبدءون ~~استعراضهم. أتابعهم وأمي تقف بيننا، تحول رؤيتي، فتمتد الأيادي الصغيرة تدعوني للمشاركة. ~~تلحظ أمي إقبالي؛ فتعنفني؛ فأحتمي برأسها. يفقدون الأمل؛ فينشغلون عني بلحنهم. وقبل أن ~~يرحلوا ألمح على جانب الطريق قطيطات في يومها الأول تتدثر بجسد أمها، وصوت موائها ~~الخجول برد يتردد في روحي؛ فأستأذن أمي، وقبل أن أسمع رفضها، أخلع مظلتي وأمنحها للأجساد ~~الصغيرة، وألحق بالصبية وأبدأ معهم الرقص على معزوفتي الخاصة، وصدى صوت أمي من بعيد ~~يلومني. # | الصيد # نظر خلسة يمنة ويسرة، وما لبث أن بلغ غايته، يمد يديه باحثا عن أمل، يرى كيسا ~~كبيرا مكوما، فيفتحه بلهفة ما تلبث أن يتعكر صفوها؛ فالعلب البلاستيكية التي ملأت ~~الكيس كانت فارغة. # انتظر لحظة، فالتقت عيناه مشاهد رواد المطعم؛ ظاهرهم لا يختلف كثيرا عنه ms02 ، ولكن ~~بالتأكيد لم يعصف بهم الحال الذي منعه من امتلاك بضعة دراهم تكفي لشراء وجبته ~~الخاصة. # امتعضت ملامحه لحظة، قبل أن تلمع عيناه مرة أخرى لهدف أكثر ثراء؛ فعلى الجهة الأخرى من ~~الرصيف أنوار متلألئة لمطعم شهير للأطعمة السريعة. أسرع الخطى وهو يطمئن نفسه بأن يكون ~~رواد هذا المطعم أكثر كرما في فضلاتهم. # يفتش الصندوق هذه المرة وسط نظرات مستهجنة من موظفي أمن المطعم، يتشبث بمحتويات العلب ~~البلاستيكية والورقية؛ بضع شرائح من البطاطس، وبقايا شطيرة بها فتات من لحم، وأوراق من ~~الكاتشاب. يحملها بين يديه، ويجلس غير بعيد، في نشوة، يتناول وجبته من صيد اليوم. # | الإغراء الحلو # تنزل بسرعة درجات الطوابق الثلاثة، تتشبث بتلك الورقة العشرينية داخل جيب بيجامتها ~~الكستور ذات اللون الفسفوري الباهت، تتردد في ذهنها تعليمات أمها: «امسكي الفلوس كويس، ~~اوعي تقع منك»؛ فتثقل مخاوفها وقع خطواتها. # اتجهت مباشرة إلى وجهتها، إلى دكان البقال على ناصية الشارع، حاولت أن تلعب مع نفسها ~~لعبة «الذاكرة»، فأخذت ترص للبائع طلبات أمها 1، 2، 3، 4، ... ثمة شيء خامس، هي متيقنة؛ فصورة ~~أمها وإشارتها لها بكل أصابع يدها مطبوعة في ذاكرتها، خسرت رهانها، فأخرجت القائمة المكتوبة ~~من جيبها الآخر وأعطتها للبائع. # دخل صاحب الدكان لتجميع طلباتها، فيما تلذذت عيناها بالنظر إلى كل تلك العلب ~~المتراصة، أصناف تعشقها رغم أن الكثير منها لم تذقه بسبب قواعد أمها الصحية الصارمة، يدور ~~بصرها بين لفائف اللبان، ولمعان أغلفة الشوكولاتة، وألوان ونكهات البسكويت، تثير العلب ~~لعابها. ~~«عايزة حاجة تاني؟» يطرح البائع سؤاله الختامي المغري فيما يلاحظ انشغالها، تجيبه بإيماءة ~~رفض، وعيناها لا تزالان معلقتين بمراكز الإغراء، فيعيد إليها البائع قائمتها الورقية وكيسا ~~به طلبات أمها. # تعود أدراجها منكسة الرأس، وإغراء الحلوى يمنحها مزيدا من الشجن، تسير ببطء هذه المرة ~~بفعل أحمالها. # تلحظه على بعد خطوتين، مستترا بوشاح الطريق، يظهر نصف وجهه المستدير، فيجذبها بلونه ~~الفضي ذي الإطار المذهب، فلا تنتبه لتلك الدراجة وسائقها الشقي الذي يشاكسها بحركته ~~اللولبية، يقترب منها، ثم يتفاداها في لحظته الأخيرة، مطلقا صفارة الساخر. # تعود ms03 إليه فتجده وقد خلع نقابه، وعادت إليه استدارته الكاملة، فتمسكه بقبضتها وتحكمها ~~عليه، تعود إلى البائع الذي يشاركها نصرها، فتختاره، وفي طريقها تتباطأ خطواتها بوقع ~~اللذة. ~~«جبت الحاجة كلها؟» تنتبه إلى صوت أمها، فتسلمها أشياءها ونقودها، وطعم القرمشة ما يزال ~~يداعب روحها. # | رسالة # تتابع بلهفة وميض شاشة الحاسوب، تعدل من وضع مقعدها في هذا المكان الذي اختارته بعناية ~~بعيدا عن أعين المتلصصين. # تخاطب ساعتها: خمس دقائق فقط ويحين موعدهما. ترى أسيكون في انتظارها أم سيلتزم بالموعد ~~كعهده معها منذ عرفته؟ # في عقلها تزدحم عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام التي صرعتها طوال اليومين الماضيين، منذ ~~آخر محادثة بينهما، حينما أبلغها في نهايتها بأنه سيخبرها المرة القادمة بأمر مهم يشغله ~~ويريد مشاركتها فيه. # لم تنفع معه عبارات الاستجداء، هو الملتزم جدا، والجاد جدا، هذا الالتزام الذي جعلها ~~ترتب أمور حياتها وفقا لموعديه الأسبوعيين اللذين حرص منذ تعارفهما على الالتزام بهما، ~~رافضا كل الأعذار لتغييرهما، حتى إنها طوعت حياتها وتراتيبها وفقا لهما، وله. # أسئلة عديدة: هل سيطلب أخيرا مقابلتها، بعد لقاءات «أثيرية» دامت ستة شهور؟ أم سيطلب أن ~~يطبع تقاربهما بالنهاية التي طالما تمنتها؟ هل أفلحت إشاراتها الخفية في أحاديثها معه عن ~~مكانته، وإطلاعه على مشاكلها وأحداث يومها المعتادة؟ # أتعبت عقلها وروحها كثرة الأسئلة، وفشلت محاولات التهدئة الزائفة في إقناع نفسها بأنه ~~ربما سيكون حديثه لشأن آخر لا يخصها. # أخيرا استكمل الجهاز استعدادته، وذيلت الصفحة بطلب كلمة السر لبريدها الإلكتروني، ~~التي غيرتها منذ فترة لتكون حروف لقبهما سويا على برنامج المحادثة الذي جمع بينهما، ~~وتاريخ أول لقاء. # ما إن انفتحت صفحتها الخاصة حتى ومضت الصفحة بإشعار عن رسالة باسمه، دق قلبها وتساءلت: ~~هل سيعتذر أم إنها مجرد تحية منه كما يفعل أحيانا، فلا يترك للوقت فرصة مداواة اشتياقها ~~له؟ لامت نفسها لأنها لم تتابع بريدها الإلكتروني خلال اليومين الأخيرين. # فتحت الرسالة، كانت سطرا واحدا: # سأرحل إلى دولة ... بعدما انغلقت الطرق أمامي في وطني، ~~حاولت أن أبقى لتوديعك، ولكنني لم أستطع، فأنا أكره ألم الوداع ms04 والفراق. # انطفأ وميض روحها، وأغلقت شاشتها دون أن تدري هل أغلقت حسابها الإلكتروني أم لا. # على الجهة المقابلة يتابع خطواتها المثقلة بخيبتها. في خروجها تلمحه، فترمقه هو والمكان ~~بنظرة باهتة، ينتظر لحظات ثم يقف بصعوبة بالغة، يلحظه عامل المقهى، فيأتيه، لمساعدته، كما ~~اعتاد أن يفعل، يتحمل ترنح ثقل جسده لثوان حتى يعدل موضع عكازه، ويلحقها، فيتبعها ~~حتى يختفي بهاؤها عن مدى بصره. # | الخلطة السرية # «مين هيعمل الفول؟» «بابا.» ترد الأفواه الخمسة في نفس واحد، فتبتسم الأم، وتفرغ دماسة ~~الفول متمتمة: «طازة ولسه مستوي حالا.» # يتحلق الأطفال الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين الاثني عشر والثلاثة أعوام حول أبيهم، ~~يتابعونه وهو يعد الطبق الرئيسي على مائدة إفطار يوم الإجازة الأسبوعي، بخلطته السرية ~~التي يمتاز بها. # بحرفنة، يقلب ويهرس حبيبات الفول حتى يروضها بين يديه، رشة كمون، وفص ثوم مدقوق، ~~شوية «زيت تموين»، «هو الأصل مش زيت الأيام دي، لا لون ولا طعم» كما يصفه، ليمونة كاملة، ~~وتكتمل الوصفة. # يبدأ الكل: «بسم الله.» الألسنة تلتهم اللقيمات بتلذذ تتبعها كلمات الإطراء. الأم تقول: ~~«الرك على تدميسة الفول.» بنبرة ساخرة يرد الأب: «الرك على النفس وأنت الصادقة.» ثم ~~يرمقها بنظرة متعالية، يخففها بكلماته: «مطرح ما يسري يمري.» # يغيب الأب لفرصة عمل بدولة خليجية، فتحاول الأم الحفاظ على العادة الأسبوعية، ولكن ~~الأطفال يعقدون المقارنات دائما بين الخلطتين؛ فتفشل المحاولات، ويبقى الفول في قدره ~~أياما حتى يجف. # اكتفى الجميع بشراء الفول الجاهز من المطعم، خاصة بعدما بدأ أصحابه استخدام خلاطات ~~الفول لهرسه، وابتكار الخلطات. # سنوات مرت، وكبر الأطفال، فعاد الأب، وانتظرت الأم عودة العادة الأسبوعية، قامت بتدميس ~~الفول في أول إجازة أسبوعية، وانتظرت إعداد الأب لخلطته السرية، ولكن الأب جاء محملا ~~بأكياس من السوبر ماركت، وبها كثير من الفول المعلب بخلطات مختلفة. # | ترنيمة موسيقية # على وقع أنفاس اللحن غزلنا سويا ترنيمتنا الخاصة، عشرون ثانية فقط هي عمر رقصتنا، ~~ينطلق اللحن بمجرد إضاءة المنصة. أنا وأنت فقط رغم العيون المتلصصة. # ينكشف أمامنا المدى، تدعوني فأتردد لحظة، فتحمل بين ms05 كفيك يدي، نتمايل معا على وقع ~~اللحن، فلا أعلم إن كنت أتوه في فلك عينيك أم بين ذراعيك. يرسم لنا اللحن خطواتنا المحسوبة؛ ~~فندور في دائرة عشقنا الأبدي. # تطلقني بأطراف أصابعك؛ فأسقط فريسة لاشتياقي، ثم ترفق بي فتلملمني مرة أخرى وتعيدني ~~لعوالمك المتمايلة. أغمض عيني وينتصب جسدي، ثم تتقوس أجسادنا وتنفرج لتكمل لوحة قلبينا ~~مطيعة أوامر النغمات. # تمتد يداك لخصري، ثم ترفعني لحدود أخرى، ترسم بعطرك لوحة أحلامنا، وتصبغها بألواني ~~المفضلة، ألوان بلا نهايات كرقصتي معك. # وفجأة يتوقف اللحن، وتشهق رقصتنا أنفاسها الأخيرة، وقبل إذعاننا للصمت، تطبع قبلتك ~~الأخيرة على جبيني. # ينطلق حماس طفولي بتصفيق عال، وتلح الطفلة على أمها بالسماح لها بالحصول على «رقصتنا»، ~~فتحملنا ملفوفين في ورق لامع، وتنطلق ووقع اللحن في أذنها. # | في انتظار سانتا # في تلك البلاد الباردة التي يتدثر أهلها بالعشق، يتابع وحده من شرفته سكان ~~المدينة. # تلك الليلة على الأخص، الوجوه مختلفة، تسير متخففة من ثقل الروتين النهاري وراء طقوس ~~احتفالية. اللون الأحمر مزدهر، والأخضر يعلن نفسه ملكا متوجا بتاج البهجة، والشجر ذو ~~الشكل المثلث يصبح فجأة بطل المدينة الأوحد. # حتى فقراء المدينة حاولوا المشاركة بطقوس تسول مبهجة؛ فلونوا وجوههم، وزينوا ~~صناديقهم الصغيرة، استقبلوا الهبات على وقع أغان ورقصات تناسب الاحتفال. # أما هو فشجرته فقيرة من البهجة والألون والأنوار، اشتراها من باب الوصال الرمزي مع ~~المدينة التي يسكنها منذ عقدين. # ينتظر سانتا كلوز يأتيه على عربته؛ ليحقق له أمنياته التي يحفظها له منذ سنوات، تأخر ~~موعده، ولكنه على يقين بمجيئه. هكذا أعلموه. # فجأة يطرق سانتا بابه، يبحث في جرابه الأحمر عن أمنياته، وبحركة سحرية يخرج له قناعا ~~مغلفا وصورتين، وساعة كبيرة منضبطة عقاربها على منتصف الليل تماما، ففهم أنه موعد ~~تحقيق أمنيته. فرح وهلل، واطمأن؛ لأن سانتا لم يكن كجني علاء الدين الذي وضع لطلباته ~~شروطا. # يعد نفسه فيرتدي أفضل ما لديه. حزن ولام نفسه لأنه لم يشتر رداء جديدا للعيد. يعيد ~~تنظيف شجرته، ويزينها ببعض الشرائط الملونة والورود الصناعية والمصابيح الصغيرة، ويخبز ~~فطائر ms06 العيد. # في تمام الثانية عشرة، يجلس مترقبا، فيزيح عن القناع غلافه؛ فيجد وجها أقل شيبة، رآه ~~قبل ذلك، معلقا في أحد إطاراته، إنه وجهه يوم أن جاء إلى هذه البلاد، كان في منتصف العقد ~~الثاني، حاول أن يرتديه، فلم يستطع؛ أبعاد وجهه تغيرت بفعل السنوات، حاول مرارا، ثم ~~أحبط، فوضعه جانبا. # فتح غلاف الصورة الأولى؛ كانوا جميعا فيها، أسرة كبيرة، فرح بداية، رغم التحيات الباردة ~~المتبادلة، وحين جلسوا اكتشف أنه لم يعرف معظم الوجوه؛ أطفال ومراهقون من أعمار مختلفة، ~~انشغل بعضهم بمتابعة حواسبهم وهواتفهم النقالة، وتحدثوا بلغة لم يستوعبها، فظن أن سانتا ~~قد أخطأ ومنحه أسرة غير أسرته. ~~«سأكتفي بالأمنية الأخيرة»، قالها لنفسه، وفتح الصورة الأخرى؛ معالم حفظها في دروس اللغة ~~العربية والتاريخ، قلعة صلاح الدين، وجامع محمد علي، والأهرامات، وتمثال أبي الهول. كتب ~~اسمه حسب تعليمات سانتا؛ فأصبح هناك. فاجأته نوبة سعال شديدة بفعل عوادم السيارات التي تملأ ~~المكان. # حاول أن يعبر الطريق، فبحث عن إشارة للمرور فلم يجد، انتظر طويلا فوجد الجميع يمرون، ~~بشرا وسيارات وحميرا، لمح نظرات السخرية من المارين به لانتظاره الطويل، وحينما حاول ~~المرور سقط في إحدى البالوعات المفتوحة، صرخ فلم يجد مجيبا، وجد سانتا يرحل بعربته. ناداه؛ ~~فابتسم سانتا، وأخبره أنه سيعود في العام القادم ليحقق أمنيته الجديدة. # | شغف صباحي # لا أتذكر متى ولد عشقي لك، أو كيف أصبح على مدى سنوات موعدك أهم طقوسي الصباحية، ~~أسرع من تناول إفطاري حتى لا أتأخر عنه، وأحيانا أكتفي ببضع لقيمات أو ملعقة عسل؛ فموعدك ~~مقدس لا يقبل التأخير. # أبدأ طقوس مقابلتك؛ أغلق ستائري، وزجاج شرفتي؛ لأهرب من المتلصصين. أسقي ورود شرفتي؛ زهور ~~الياسمين، ووريقات الريحان؛ فأنا أحب أن أختلي بك في شرفتي؛ ليكون ثالثنا ضوء السماء. آنس ~~بصحبتك؛ لترتوي روحي من عبقك. # حاضرة دائما في مسراتي وأحزاني، تتوسطين جلساتنا العائلية، وتشاركيننا سمرنا وضحكنا، ~~وفي أعياد الميلاد تحضرين دائما، فأنت «صاحبة واجب». # ولم تسأمي مني في فترات اكتئابي، رغم كثرتها، فكنت رفيقة دائما، وكنت خير شاهد على ms07 ~~إبداعاتي الكتابية. # زاد شغفي بك، فلم أعد أكتفي بلقاء واحد، ولم أعبأ يوما بهالاتي السوداء، أو ما تسببينه ~~من فقدان لشهيتي؛ فكلها أعراض معتادة للعشق. # سقطت يوما من أثر عشقك، فاستعرض لي الطبيب شكوى جسدي بفعل هواك، وصدمني بقراره: «لا بد ~~من إنهاء تلك العلاقة فورا.» حاولت مفاوضته؛ لقاءان في اليوم، أو لقاء واحد، فرفض وأصر. ~~أحزنني قراره، وسكنت سريري أياما، لا أعلم إن كان للتداوي من عشقك أم لفراقك. # أمر على الواجهات الزجاجية، أتغزل بشبيهاتك، وأتتبع رائحتك، وأتابع وجهك المستدير على ~~شاشة التلفاز، فأتعجب لهذا الكائن الصغير كيف له كل هذا السحر، أضعف، فأبحث عنك، وأتابع ~~بشغف فورانك البطيء، وأعد فنجانك، وأختلس لحظاتك في شرفتي على شرف رائحة الياسمين ~~والريحان. # | في البحث عن بداية # في رحلتي ألملم متاعي؛ ورقا، وحواسا أشحذها جيدا. أتلصص إلى ثرثرة الجميع؛ لألتقط ~~البدايات وأنسج بها الحبكات. أوصي هدهدي بتتبع الأخبار، وأن يأتيني بأنبائه ~~العظيمة. # أحمل في حقيبتي العديد من تذاكر الحافلات العامة، والميكروباصات والقطارات، تبدأ عادتي مع ~~الصباحات الجديدة، تلتقط عيني صور البؤس في الوجوه، وترتيبات الفقر التي تجيد مدينتي ~~نسجها. # أختبئ بين جناحي تلك الطائرة الورقية التي ورطتني صغيرة، فأبحر عبرها، وأتباهى بذاتي ~~وأنا أتطلع إلى ضآلة البشر. # يوسوس لي شيطاني باختلاس النظر إلى عهر الطرقات وعورات الشرفات المغلقة، وأكتب بها آلاف ~~الحكايات، فأجعل من ساكنة الخيمة المهترئة سندريلا هذا العصر، لن تنتظر الخادم ليحضر لها ~~حذاءها الضائع، وإنما ستبحث عنه في إشارات المرور وبين صناديق القمامة. # وهذا الطفل النائم مستترا بسقف العربة، يحاكم في أحلامه الجني عن عمره الذي سرقه تجار ~~الأزقة والطرقات. # أجيد مزاحمة الطوابير، فأمد أذني بامتداد الأيادي، أتابع ملامح العشق المولود، وثرثرات ~~النساء وخيباتهن، وأداعب الأطفال فوق الأكتاف، لأسرق براءتهم وأهبها لأبطالي. # وكلما حل دوري، أستعرض لطفا متكلفا، فأقدم علي هذا العجوز الذي قضى العمر في ~~صفوف لا تنتهي للحصول على الدعم، والدواء، وبعض الكسوة، أو ربة المنزل التي تختلس لحظات ~~العيش بين آلاف الفرص للموت جوعا وكمدا وقهرا ms08 . # وحينما يواجهني الخباز بانتهاء الطابور، أشتري رغيفا أو اثنين أسد بهما تربصه ~~وتحفزه. # أسافر في حقيبة علي بابا الذي اختار التصالح مع «الأربعين حرامي»، وشاركهم سرقتهم، ~~وناسبهم، وأنجب آلاف اللصوص. # في نهاية يوم أبحث عن هدهدي، وحينما أكتشف هروبه، أتوعده بعقاب لن أنفذه، ثم أجمع ~~أوراقي وأعد قلمي للمقصلة. أكتب جملا افتتاحية عدة، وأمارس ألاعيبي الكتابية. أتربص ~~بمرآتي وأسألها عن أفضل حكاياتي، وحينما تجيبني؛ أحطمها بغرور كتابي. أبدأ في محو بعض ~~الكلمات، ثم أمزق وجه ورقتي؛ فلا تعجبني البدايات، وأبدأ من جديد للبحث عن قصتي. # | ريحة الكحك # تراقص سيدات العائلة العجين باحتراف في طقس نسائي يتباهين به أمام رجالهن، تتوسطهن جدتي ~~كمايسترو، ورغم تهالك عظام يديها تبقى إشاراتها الأكثر سحرا. # تتابع وضع المقادير، وتشعر بعطش العجين أو ارتوائه، وتلقي بالتعليمات، فتكافئ أمي ~~بابتسامة، وتعاتب أخرى بإيماءة. # تجلس الصغيرات مسحورات بطقوس أمهاتهن، تتابع الأيادي، تتمطى كالأمواج في مدها وجزرها. ~~يتحول الطقس إلى سيمفونية لها موسمها السنوي الوحيد. # لم تؤمن جدتي يوما بالتكنولوجيا، رغم محاولات أبنائها إقناعها باستعمال خلاط العجين، ~~تجيبهم أن على المرأة الإحساس بما تقدمه لأهل بيتها، فحبها هو ما يضفي السحر على ~~طعامها. # هذا العام تضاف لجدتي مهمة إطلاعنا نحن الصغيرات على سر الخلطة، وأصول الطقس النسائي، ~~تجيب عن أسئلتنا البلهاء بصوتها المعطر بطيبتها. # تلاحظ انبهارنا فتمنحنا قطعة عجين، نحملها كقطعة ماسية نخشى خدشها، تدفعنا جدتنا لغرس ~~أسنان «المنقاش»، والضغط لإثبات النقشة، فتعلمنا النحت بدروس عملية. ترسم لنا بقبضة ~~يديها وانفراجها تعليماتها، لا يسكب الحليب مرة واحدة، ولكن مع العجن المستمر، عدم ~~الإكثار من الماء لكيلا يفقد الكحك ليونته. ~~«يعني إيه ريحة الكحك يا تيتة؟» تجيبني: «حاجة كدة صغيرة ميبقاش الكحك كحك من غيرها.» ثم ~~تبدأ اختبارها لها، تمنح كلا منا قليلا على يدها، تحثنا على إغماض عيوننا واختبار ~~طزاجتها، نقلدها بعيون نصف مغلقة، نتلصص عليها وهي تغازل ما بين يديها؛ فنتبادل الضحكات ~~المستترة؛ فتنتبه وتؤنبنا بابتسامتها. # ينتهي العيد ويودعنا هذا العام حاملا معه أجمل روائح العائلة، نودعه إياها ms09 كأفضل ~~أماناتنا. تبقى الأواني بأماكنها في الخزائن التي صنعت خصيصا لها، يسكنها الحزن والذكرى ~~بعدما فقدت رائحتها المميزة. ولبستنا نحن الصغيرات تلك العادة؛ نشتري بقليل من مدخراتنا ~~تلك الرائحة، نبسط كفوفنا، ونغمض عيوننا ونبدأ في الغزل. # | ترويض # لم يكن الأمر سهلا أبدا، هو الخوف الذي لا يمكن أن تتجاهله، علاقة بين نقيضين وثالثهما ~~الشك، قواعد اللعبة إما غالب أو مغلوب، نفهمها كذلك، حتى لو كان أحدنا بلا عقل. # تعاملني برأسك المغرور، فأعلن عصياني وتمردي، أنا الذي عاملت العالم بإحساسي وغريزتي ~~فكانت سببا لبقائي. # تعرفني بصوتي، وأعرفك برائحتك، والروائح مثيرة للذكريات، فتبقى في ركنها البعيد مستعصية ~~على النسيان. # تبحث عن ترويضي؟ من منا يحتاج إليه؟ أنت بغرورك، أم أنا بخوفي؟ تعلم أنني حساس مثلك، ~~تداعبني الألحان لحد الرقص، فلا تغضبني بغرورك؛ فغضبي يشبه العواصف، لا تطلب مني الثقة بك، ~~بل أطلب منك أنا أن تطلق لجامنا، وأن ننطلق معا، أن نتهادى فوق اللاحدود، حتى يملأ عيوننا ~~البياض. # دعك من صوتك، وصهيلي، فلا أعترف بالأصوات لغة، يمكنك الاكتفاء بالهمس، واربت على ظهري، ~~وحاور خصلي؛ فاللمس لغة لا يفقهها إلا أمثالي، ولا تخش؛ فقطعة سكر تكفي بالنهاية ~~كمكافأة. # | مركز ثقافي # جلست متململا في كرسيي، أحاول أن أواري سوءة خجلي، أسائل نفسي كيف طاوعت شيطاني للمجيء، ~~يجيبني عقلي ببراءة مصطنعة: «إنه الفضول.» فأرده بسخرية: «اعترف، ولا ترم صديقك بحجر ~~التحريض.» ثم أبدأ شماتتي، وأعدد له خطاياه؛ فلطالما ضبطت شياطينه وهي تحيك الحواديت ~~بمجرد المرور بهذا البناء. # يختلق ذهني الضحكات المستترة والآهات التي تعصف بها الرغبات، والشائعات التي رسمت في ~~خيالاتي صورة لساكنيه بجرأتهم وألوانهم الصاخبة. وتلك اللافتة بحروفها اللاتينية ~~المتراقصة، وهذا الهدوء النهاري الذي يعوض الصخب الليلي متفردا عما حوله من مؤسسات ~~حكومية. كلها أسباب دفعتني لترضية فضولي بالاطلاع على ما وراء هذا العالم الخلفي الذي يقبع ~~ساكنا «هائجا» في قاع المدينة، رغم بنائه في أحد أشهر شوارعها. # كان المكان هادئا على غير توقعي، لا ضحكات خليعة متناثرة، ولا أشباه عراة على جوانب ~~الغرف ms10 ، فقط أبواب مغلقة، راسمة جدرانا خرسانية عازلة للصوت والغرائز، هدوء هدم تلك ~~الخيالات والقصص في رأسي. # استقبلتنا امرأة في منتصف الثلاثينيات تبدو وكأنها تدير المكان، هادئة الملامح، تولى ~~صديقي التفاوض معها، وحينما دعاني، كان خجلي قد أنهى جولة عنتريتي المصطنعة لصالحه، فاكتفيت ~~بجلستي المتململة لحين عودة صديقي من جولته. # خوفا من جولة أخرى، وهزيمة متجددة؛ شغلت بصري بملاحقة المكان، وجلساته المستديرة، ~~الموضوعة بشكل يحفظ بعض خصوصيتها، وبعض المناضد العالية التي تسمى «البار» للزائرين ~~الفرادى، وضعت بحيث تقابل ظهورهم تلك الجلسات المستديرة. # على إحدى الأرائك لمحتها، بفستانها الذي بالكاد يغطي ركبتيها، والمنحسر عن أكمامها، ~~مظهرها لا يتناسب مع سيجارتها التي تمسكها بأطراف أصابعها وتنفثها بعصبية، وجهها باهت من ~~الألوان، ولكنه لا يخلو من حلاوة طبيعية، دخل أناس عدة ألقوا إليها نظرة سريعة ثم ما ~~لبثوا أن بلعتهم الأبواب المغلقة بعنفوانها. # انتبهت إلى نظراتي؛ فأشارت إلي بنصف ابتسامة، تاه ردها على فمي، فأجبتها بمزيد من ~~البحلقة، ترجمتها هي تجاوبا، فتبعتها بدعوة صريحة بإيماءة من رأسها. # عاد الصراع خفقانا في القلب وارتعاشة في اليد، حاولت أن أدير وجهي لإيقاف تطلعاتها، ~~وحينما ظهر إشعاع جرأة آخر؛ عدت بنظري إليها فوجدتها ما زالت على موقفها. # عرفت نوعي، توقعت ذلك حينما وجدتها تبادر بالقيام من مجلسها، وتقترب من مكاني، ألح ~~علي هذا اللعين لصيق حياتي بالهروب. كم أكرهه! كم من تجربة أضاعها علي! كم من جولات ~~فتتني فيها! لم تكن تعنيني مغامرة ليلية، ولكنني تمنيت فقط مغالبة غريمي، الذي جعلني ~~مضحكة بين أصدقائي. # قررت فض طهري بأكثر الطرق صخبا؛ حملت لها ابتسامة عريضة بدت بلهاء، شجعتها على ~~الحضور بخطوات متسارعة، ثم جلست بجانبي، وحينما مدت يدها لتلمسني؛ انتبهت إلى غريمي وقد ~~أعلن انتهاء الجولة. صفقت الباب ورائي وسط نظرات دهشتها المعجونة بخيبتها. ~~••• # ترددت لحظة ولحظتين قبل أن أعيد الطرق، حتى انتبهت إلى أن الباب مفتوح، دخلت ~~مترددا، لمحتها تجلس في ركن، بفستانها الذي يشبه بساطتها وجمالها الطبيعي. ما إن لمحتني ~~حتى باركتني بنصف ابتسامة، ثم عادت ms11 لتصفح هذا الكتاب بين يديها. # فحصت المكان بنظرات مضطربة؛ المنضدة ذاتها في استقبال الداخل، وهدوء تلك الجالسة وراءه ~~التي انشغلت بمتابعة بعض الملفات الورقية. # فوقها تماما تتوسط الحائط لافتة تبدو جديدة بإطاراتها المذهبة، وبخط نسخ جميل كتب عليها: # في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، تم افتتاح المركز القومي للتنمية ~~الثقافية. # وكأنها انتبهت فجأة لوجودي، سألتني: «أيوة يا فندم؟» فأجبتها: «من فضلك، أريد الاستفسار ~~حول ورشة كتابة القصة.» # | كيس مقرمشات # نظرت إلي بعيون مشاغبة خلف عباراتها المتوسلة، تعجبت لها. ورغم شغبها عسكت ملامحها ~~براءة لا تناسب من هم مثلها فقدت أرواحهم على جوانب الطرقات. # أشحت برأسي بعيدا عنها، وتظاهرت بعدم انتباهي لوجودها؛ فقد كنت عاهدت نفسي منذ زمن على ~~تجاهل المتسولين، مهما كانت أعمارهم وطرقهم المبتكرة للتسول. # أعطيت ابنتي كيس المقرمشات ألهيها به، فيما تسمرت قدماها هي عند باب الميكروباص، ~~ومدت نصفها الأعلى للأمام، فاستندت بذراعيها على المقعد المجاور. كنت الراكبة الأولى، ~~وكان اليوم عطلة، وبعيدا عن ساعة ذروته، فيما كان السائق منشغلا بكوب شايه، أو ربما بحكم ~~عشرتهما لهذا الميدان تجاهل وجودها. # مرت دقائق ظننت بعدها أنها رحلت، ولكنها كانت لا تزال هنا صامتة، تلتفت ثم تعود لتسمر ~~نظراتها على وجه ابنتي، يسكرها طربا صوت المضغ، وتلهيها بقايا الطعام على فم ابنتي عن ~~صياحات بعض الراكبين الذين بدءوا في التوافد، طالبين منها الابتعاد عن الباب. # ظلت واقفة، وظللت أدعي عدم الانتباه، وامتنعت هي عن ممارسة ألاعيبها اللفظية. سكننا ~~الصمت فشعرت بتقديسها للموقف، غلبتني بشبح ابتسامتها، وصمتها الرائق الذي لا يناسب مظهرها ~~الرث. # فتحت حقيبة يدي وأخرجت الكيس الآخر من المقرمشات، وحينما مددت يدي إليها؛ انفرجت ~~ابتسامتها وتحولت لفرح كبير تشوبه الدهشة. شعرت بترددها وهي تمد يديها، فطمئنتها ~~بابتسامة، فاحتضنت الكيس وانسحبت. # | بطاقة هوية # «ابقوا في منازلكم، ابقوا في منازلكم.» تتعالى وتتردد النداءات عبر مكبرات الصوت، دون ~~أن يكملوا عبارتهم: «الموت سيأتي لمضاجعكم؛ فلا تتعبوا أنفسكم، ولا تتعبونا»! هكذا علمتنا ~~السياسة والصراع. ~~«أنت بأمان.» أحاول أن أطمئن طفل جارنا الذي تعثرت ms12 به مختبئا بحديقتهم، عيناه تتهمني ~~بالكذب، بعدما تلطخ جسده بدماء أبيه الذي حاول أن يلهيهم عنه. # الوجوه متشابهة؛ فالملامح الغاضبة واحدة. تحمل العصا أو البندقية، لا يهم، فنية القتل ~~واحدة لا تقبل التأويل. # هل تستطيع غلق العيون وطمأنة تلك الوجوه المتكدسة في عربة محتمية خلف شعار الملاجئ ~~والمستشفيات، غير واعين أنهم أول الضحايا، فلا سعر أو قيمة لهم؟ # على الطريق قابلنا فريقا من أربعة يعتصرون تحت أقدامهم وعصيهم وسيوفهم إنسانية آخر، لا ~~يختلف عنهم كثيرا في ملامحهم، فيما تتواصل أحاديث البحث عن مخرج ومنقذ. # وحينما وصلنا إلى الفندق، كانت الحشود الجريحة تحاول اقتحامه للحصول على فرصة لمداواة ~~جروحهم وأرواحهم. تردد المدير خشية على سمعة فندقه ذي النجوم الخمس، وفي النهاية وافق ~~على منح بعضهم غرفتين من غرف الموظفين يداوون فيها تشوهاتهم. # تكدس الجميع، وحينما سألتهم عن هويتهم، أجابت عيونهم: «ليتنا نستطيع تمزيق بطاقاتنا ~~لتكون أضحية عن أرواحنا.» هذا الختم اللعين كان سببا لكل هذا، لو كان يدرك آباؤنا، ما ~~كانوا حاربوا طويلا من أجله. ولا تزال آذان الجميع تنصت إلى التلفاز حول مجهودات ~~الإنقاذ. # سألني عجوز في احتضاره: «لماذا البشر قساة لهذا الحد؟» وتوقفت الإجابة في حلقي، فيما ~~حلقت أنفاسه هو لحدود أخرى أكثر براحا. # على وقع الرصاص أرغمت على السير للحصول على مؤنة تضمن لنا الصمود بضعة أيام، تتحرك ~~الحافلة، أحاول أن أمني نفسي بحماية المتمردين أو الثوار أو القوات الحكومية أو ~~الأممية، ولكن هذا لا يمنح الحق في الحياة والاطمئنان. # في طريق العودة أرشدونا إلى طريق «نظيف»، وسارت بنا الحافلة تتهادى على وقع الجثث ~~الطازجة، أخبرونا أن الطريق آمن، ولكن كيف يأمنون أرواحا تلعنهم آلاف المرات تحوم حولنا ~~وحولهم. ~~«أتستطيع حمايتي؟» أردد السؤال على رئيس الشرطة، وحينما لاحظت تردده، تابعت: «أستطيع ~~أن أمنحك زجاجة جعة تشرب نخب دمائنا وأوطاننا، أو أعطيك عشرات من الدولارات التي ادخرتها من ~~أصدقائي حينما كنت في خدمتهم وقبل رحيلهم عند بدء القتال.» # نردد لأطفالنا: «سيأتون لإنقاذنا.» رغم الشك، نمني أنفسنا بها، ثم نستمر ms13 في متابعة ~~أجهزة الإذاعة والتلفزة، نتشبث بها كأمل أخير. الجميع يدلون بأحاديثهم حول مجهوداتهم، ~~ويتجاهلون مجهوداتنا في توفير الرشاوى التي تكفيهم. # أصدقاؤنا من خلف المكاتب يؤكدون تحركاتهم لتوصيل معوناتهم، وحينما جاءت أخيرا؛ حملوا ~~جميع اللحم الأبيض، ورحلوا. تركوا لنا فضلاتهم، ووطنا إما أن تصبح فيه قتيلا أو قاتلا، ~~وطنا أصبح سببا إضافيا للقتل. # | رحيل # أخيرا أعلنت المضيفة عن ضرورة ربط أحزمة الأمان، وبدء إقلاع الطائرة، أحاول جاهدة أن ~~أغمض عيني لأنال قسطا من الراحة التي خاصمتني طوال الأسبوعين الماضيين، وسط النوم ~~المضطرب والأحداث المتسارعة. # ينازعني النوم، فيأبى إطاعة أوامري؛ فأفتح النافذة وأتطلع بعيون نصف زائغة، فيما يطن في ~~أذني صوت محركات الطائرة. أودع المدينة التي عاشتني بتفاصيلها، ولهجاتها المتعددة، ووجوه ~~ساكنيها، ومبانيها الزجاجية، وناطحاتها، والتي جاء قرار الترحيل منها مفاجئا، ونصف سار ~~في الوقت ذاته. # ما زالت تفاصيل ذلك اليوم حاضرة في ذهني، أعيدها عشرات المرات، أحاول جاهدة أن أغير ~~بعض تفاصيله، ولكن تفاجئني النهاية ذاتها مع كل محاولة. # حينما جاء زوجي من عمله في موعده المعتاد، ولكن عينيه الزائغتين نبأتاني بأن يومه لم يكن ~~عاديا، سألته، فطلب تأجيل الحديث لما بعد الغداء، ولكنه أمام إلحاحي أخبرني بأن مديره ~~أبلغه بقرار إنهاء عمله، وضرورة ترحيلنا خلال عشرة أيام، دون أية تفاصيل؛ لأنه هو ذاته لم ~~يكن لديه سوى خطاب إنهاء الخدمة فقط. # في تلك اللحظة شعرت بأنني السبب، وألحت علي تحذيرات طالما سمعتها من زوجي وزملاء ~~العمل، بالكف عن التطرق إلى الكتابة في السياسة ومجاوزة الخطوط الحمراء، والاكتفاء ~~بالتقارير الثقافية أو الاقتصادية الاعتيادية، ولكنني في كل مرة كنت أتهمهم بالمبالغة في ~~المخاوف، وأكرر أن ما أكتبه ليس على هذه الدرجة من الأهمية. # ثم تذكرت ذلك التقرير الذي نشرته قبل بضعة أيام، والذي تلقيت بمجرد نشره تعليقات حامية ~~من أصدقائي وأفراد عائلتي، ولوما مستورا من زوجي. # أخبرته بهواجسي، فأجابني بأنه لا داعي لاستباق الأحداث، ولكن عندما عاد لعمله في اليوم ~~التالي، عرف بشكل سري أن تقريري هو السبب وراء قرار الجهة ms14 الأمنية بإنهاء وجودنا ~~بالبلد. # تلك الليلة طلب مني ولأول مرة منذ سنوات أن أترك ابنتي مع أمي التي تزورنا منذ أسبوع، ~~والخروج معه، فظننت أنه يريد أن يلقي على مسامعي لومه ومسئوليتي، خرجت معه متحفزة، فقد سمعت ~~من الأهل والأصدقاء طوال اليوم ما يكفي من اتهامات. # شعر باضطرابي، فاحتضنت يده يدي، وأشعرني بدفء مفقود في تلك الليلة الشتوية، فطمأنتني ~~لمساته وكلماته، وأخبرني بأن تقريري أهم عنده من مؤسسة خدمها تسع سنوات فلم تحفظ موظفيها ~~ولم تدافع عنهم. # وتوالت الأحداث سريعا، بين إجراءات تسليم لعهدته، وإنهاء لإجراءات سفرنا، وشحن ما تيسر ~~لنا، والبحث عن مشتر لما بقي لنا من أثاث وأجهزة، وسط سقوط لأقنعة من حولنا، وأصدقاء ~~ادعوا يوما تلك الصداقة، فمنهم من رفض الرد على اتصالاتنا، والبعض اكتفى بكلمات الوداع ~~الروتينية، وآخرون أجابوا عن رسائلي بطلب البحث عن فرص أخرى بالعمل بحجج واهية كسياسة ~~التوطين التي تنفذها مؤسساتهم، وصعوبة توظيف جنسيات معينة بفعل الأحداث السياسية في ~~بلدانهم. # تطاردني المخاوف في وطني؛ فلا عمل، وبيت نصف مجهز، وعائلة تتربص بلومها، وطفلة لم ~~يتعد عمرها سنوات أربع، فرحة بعودتها لأحضان عائلتها، ومتخوفة من مستقبل لها لم نخطط ~~له بعد. ينتفض جسدي قلقا، فيلاحظ اضطرابي، فيحمل يدي مرة أخرى يهدهدها بين يديه، وهو نصف ~~نائم ونصف مستيقظ، ويستمر الأزيز يطن في أذني. # | في القفص # خرجت من باب المستشفى، في مثل تلك الساعة التي دخلت فيها منذ أسبوعين، كانت الشمس ~~حامية والحرارة شديدة، ولكنها مع ذلك كانت تسير بخطى مسرعة، تحمل طفلها الوحيد بين ~~يديها، لا تصدق أنه نجا أخيرا من شبح المرض الذي سكن جسده الهزيل طويلا. # ورغم تأكيدات الطبيب لها بأن ابنها شفي تماما، فقد حرصت كل حين على أن تلمس جبينه وتلصق ~~أذنيها بصدره لتطمئن إلى انتظام ضربات قلبه. # تهبط فزعة الطريق الذي سبق أن صعدته وصولا إلى المستشفى، تتذكر ما عانته في هذا ~~المكان الذي يشبهها في بؤسها وفقرها، ثمنا لتمريض طفلها، فاتورة سددتها وهي تغسل وتمسح ~~بلاط العنابر القذرة ms15 ، وطرقات المستشفى التي أكلت جدرانها الرطوبة، وذكرتها ببيتها نصف ~~المتهدم. # تتذكر رعبها حينما أبلغوها في اليوم الأول لمجيئها بضرورة دفع ثمن أكياس الجلوكوز، ~~والمحاليل والأدوية لطفلها، وبكاءها للممرضة القاسية الملامح، والضخمة الجثة، وتشبثها ~~بسور السرير الحديدي، الذي وضعوا فيه طفلها، والذي غاب عن ملاءته لونها لكثرة مرضاها ولكثرة ~~ما ارتوت من أجسادهم. # دفع بكاؤها عجزا عن دفع ما طلبوه منها إحدى الممرضات الأصغر سنا للتوسط للممرضة ~~الضخمة، هامسة لها بأنه يمكن توظيفها في التنظيف تسديدا لثمن الأدوية، فرمقتها الممرضة ~~الضخمة بنظرة مشمئزة، طالبة منها أن تبدأ بتنظيف الأحواض والحمامات. # مكثت في العذاب أسبوعين، تسمع الأوامر وتطيعها، رضخت حتى لاستغلال الممرضات لها في القيام ~~بما يطلب منهن، طمعا للحصول على بعض سويعات الراحة، أو في الثرثرة أو في عدم الالتزام ~~بمواعيد دوامهم اليومي. # حملت التراب ونفايات المرضى وأهاليهم. حتى اسمها تنازلت عنه طوعا، حينما اكتفوا ~~بمناداتها بضميري «هي» و«أنت». # ورغم العمل طوال عشر ساعات، كان نومها متقطعا، فكانت تتابع بكاء الأطفال في العنابر ~~فيرتجف قلبها، محاولة بجهد التخفيف من بكائهم من خلال الكمادات وبعض الهدهدة التي ~~تخفف بها لوعتهم لفراق أهاليهم. # لم تصدق أذنيها وهي تستمع إلى الطبيب الشاب وهو يبشرها بشفاء ابنها، وأعادت عليه السؤال ~~متوسلة للتأكد من الشفاء، متوجسة أن تكون بشراه مجرد رغبة لإخلاء السرير لمريض ~~آخر. # وبعد تأكيدات الطبيب حملت طفلها، خرجت من باب المستشفى الذي جلس بجواره العديد من البشر ~~على الرصيف المتكسر، أو القرفصاء، انتظارا لسماع أسمائهم، أو لحين موعد الزيارة ~~الرسمي. # سارت وسط نساء أخريات متوشحات بسواد الفقر والبؤس، مكتفية بفوزها بطفلها، تحاول أن تقنع ~~نفسها بأنه هو سيكون مخلصها. # تتفاجأ بسيارة تقف بجوارها، يزعجها صوتها المرتفع الناتج عن وقوفها المفاجئ، نظرت فأطل ~~منها وجه الطبيب الشاب الذي سبق أن بشرها بشفاء طفلها: «تعالي أوصلك يا فاطمة.» للمرة ~~الأولى تسمع اسمها منذ أسابيع الشقاء، حلوا وهادئا ومثيرا للاطمئنان، عادت به إنسانيتها، ~~ورغم ذلك رفضت طلبه على استحياء، وتشبثت بحضن صغيرها، ورحلت. # | الطابور # الساعة السادسة ms16 صباحا، يأتي الصوت صاخبا من خلف نافذتنا الزجاجية، ألمح تلك الأجساد ~~المتراصة، أتعجب، وأسأل نفسي: «متى يبدأ هؤلاء يومهم؟» أتابع الصفوف التي تقوم بتمارين ~~صباحية ككتيبة عسكرية، ثم انتباههم الشديد لرئيسهم وهو يلقي عليهم تعليمات اليوم. # في طريقي تلفت انتباهي تلك الوجوه المحترقة بفعل العمل ساعات طويلة تحت أشعة الشمس ~~والحرارة التي تتعدى درجاتها الخمسين، والرطوبة التي تقترب نسبتها من الثمانين بالمائة، ~~فجعلت الجميع في هذا الزي الموحد، كدمى متراصة من مصنع واحد. # تزعجني تلك النظرات التي تلاحقني من بعضهم في فترات تناولهم الطعام، لا يهم ماذا أرتدي، ~~وكيف أسير، وحدي أم برفقة أحد؛ فالنظرات الجائعة تلاحق النساء المارات جميعا. # في بداية إقامتي بتلك المدينة كنت أضيق بتلك النظرات، فأردها احتقارا، ولكن بعد حين ~~التمست لهم ألف عذر حينما خبرت المزيد من الصحف وحكايات الأصدقاء عن هؤلاء الرجال وأمثالهم، ~~وكيف أنهم يعيشون على بضع مئات من الدراهم شهريا، يتجمع العشرات منهم في بيوت خالية من ~~التهوية، محرومين من صحبة الأهل، ومن الزواج، يتقاسمون حتى الطعام ليستطيعوا إرسال ما ~~تيسر لهم إلى أهاليهم. # مؤخرا فاجأني العمل بتلك المنطقة المواجهة لمسكني، فبت قريبة من بؤسهم، ألحظ طوابيرهم ~~الصباحية، وعملهم المستمر طوال اليوم، لا يهم صباحا أو مساء، شتاء أو تحت الشمس الحارقة، ~~متلفحين بالملابس الرسمية، والخوذات، والأحذية ذات الرقاب المرتفعة، التي تضيف ثقلا آخر ~~إليهم فوق ثقل العمل وثقل الفقر. # وفي فترات راحتهم تكتفي الأجساد بالتمدد متلاصقة تتظلل بالجدران الحديدية المبنية حول ~~منطقة العمل، أو أرضية الحدائق الرطبة، وفي أيام عطلتهم يكتفون بتجمعاتهم وافتراش الأرصفة ~~جلوسا. # في ذلك اليوم لم أسمع أصواتهم الصباحية الصاخبة، وفي طريق عودتي لاحظت الوجوه متجهمة، ~~ممتنعة عن العمل، بعضهم يجلس القرفصاء، والآخر يشوح بيديه بانفعال في أحاديث ~~جانبية. # استمر الامتناع عن العمل أياما، وبعدها بدأت اللافتات تظهر في موقع العمل، بداية على ~~استحياء، حتى ملأت المكان، صور لأشخاص بالسحنة نفسها تغطيها الدماء، سقطوا أثناء العمل ~~بفعل الإعياء الحراري، مذيلة بعبارات محتجة بلغات عدة، مطالبة بامتيازات إضافية : زيادة ms17 ~~ساعات الراحة، خاصة فترة الظهيرة بالصيف، ومساكن أكثر آدمية، وسائل تنقل تليق بالبشر، ~~ورواتب تفي بالحاجة. # تابعت الصحف المحلية الخبر بتغطيتها الخاصة، فوصفت الحادث بأنه أعمال شغب من قبل عمال، ~~منتقدة تلك الاحتجاجات بأنها نكران لجميل بلد آوتهم من الموت فقرا ببلدانهم، وأذاعت ~~مختلف وسائل الإعلام الأرقام الرسمية عن ملايين الدراهم التي تحول كل عام من «خير ~~البلد» بسبب أولئك الوافدين. # أخلي الموقع، واكفهرت المنطقة، وتوقف البناء، وبت أسمع بديلا من أصوات الطوابير ~~الصباحية، أصوات أزيز الآلات الضخمة والروافع الحديدية بفعل الرياح، وبعد أسابيع انتبهت ~~على صخب، نظرت من نافذتي، كانت هناك حافلات تحمل وجوها أخرى أكثر نضارة، تحمل في عيونها ~~بعض الأمل، تتبع أوامر بتنظيف المكان من النفايات، ثم توالت التمرينات الصباحية كل ~~يوم. # | البيت الرطب # تزعجني الأصوات الصاخبة التي تملأ أرجاء بيتنا، لم أتعود على هذا العدد من الضيوف، وتلك ~~المصابيح الملونة المتلألئة، والموزعة بأرجاء البيت وعلى سلالمه وواجهته، وجوه أعرفها من ~~جيراننا وأقاربنا، بعضهم ألقاه دوما بحكم المسكن القريب، والبعض يأتينا أحيانا أو نزورهم ~~في بلدة أمي. # أهرب من أغاني المذياع المرتفعة، وتحيات الضيوف، وتربيتاتهم على كتفي وتأكيدهم بأنني ~~«كبرت خلاص وبقيت راجل». أتسلل إلى غرفة أمي، أنظر إليها. لم أرها يوما بكل هذه الزينة، ~~أو هي لم تكن متزينة يوما، ودعت زينتها وألوانها منذ وفاة أبي منذ أربعة أعوام. يومها ~~لم أكن قد أكملت عامي السادس، ولم أكن أعرف ماذا تعني وفاة الأب، فقد فوجئت ببيتنا يلفه ~~السواد، وتلاوة القرآن لا تنقطع ليلا أو نهارا، كنت أضيق بها أحيانا لأنها تؤرقني ~~وتمنعني من النوم. # لم يكن لدي سوى ذكريات بعيدة عن أبي، ونسختين من صورته، تتوسط إحداهما غرفة صالوننا، ~~والأخرى منتصبة على المنضدة بغرفة أمي. # نظرات حزن رمقني بها المعزون، ومصمصات شفاه النساء، وثرثراتهن بأن «البنية لسه صغيرة ~~على الترمل، والصبي أصبح يتيما مبكرا، وما زال أمامه مشوار طويل ليكبر ويتحمل ~~المسئولية.» لم أكن أفهم يومها معنى اليتم، غير أنني حرمت من الحلوى التي كان يأتيني ms18 بها ~~أبي كل مساء أثناء عودته من عمله. # رغم غياب أبي، كان حضوره في سواد أمي الذي لم تخلعه، شعرت أنه زادها جفافا مع الوقت، ظهر ~~في تجاعيد مبكرة على وجهها، وبعض الشعيرات البيضاء، وأيضا في معاملتها لي التي ازدادت ~~خشونة. # ودخلت المدرسة، وشعرت حينها أن لليتم مزايا؛ فما إن يعلم مدرسي وزملائي بأنني يتيم، حتى ~~يخصوني بمعاملة ودودة، مزيد من الترحيب الصباحي، وتشجيع على المذاكرة، وتأكيد رجولتي ~~المبكرة. # منذ ما يقرب من شهر، دبت في بيتنا حركة أخرى غير ما اعتدتها، زارنا بداية أخوالي من ~~البلد، زيارات متقاربة لم أكن معتادا عليها، وعبارات كثر ترديدها في منزلنا: «رجل ملو ~~هدومه، أنت هتفضلي لامتى كده؟ الولد كبر ومحتاج أب يفهمه ويوعيه.» # حوارات جانبية ونسائية، كانت أمي تحرص على إبقائي بعيدا عنها، وتحثني على المكوث ~~بغرفتي، بمجرد إلقاء التحية على الضيوف. ثم خصني خالي الأكبر بحوار منذ أيام، وبعد مقدمة ~~طويلة حول تحمل أمي المسئولية في ريعان شبابها، وأنني بحاجة إلى أب يدخل ويخرج من البيت، ~~وأحكي له مشاكلي، أخبرني أن عريسا تقدم لوالدتي، وأنه بالسؤال عنه عرف أنه مناسب ~~لها. # لم أكن أستوعب ما قاله خالي، غير أن هناك رجلا آخر سيسكن بيتنا، وبطبيعة الحال فقد أصبح ~~أمرا واقعا، ولا خيار لي إلا مباركته. # النساء المتحلقات حول أمي يضفن مزيدا من الزينة إلى وجهها، يغطين الشعيرات البيضاء ~~بمزيد من الصبغ، تتفاجأ أمي بوجودي فيحمر خداها، تحتضنني، ثم تبلغني بضرورة الوقوف ~~خارجا مع «الرجالة» حتى تنتهي. # أتسلل إلى غرفتي غير عابئ بالضيوف، وأضيق بقطع أثاثنا التي كومتها أمي في غرفتي؛ ~~لتتسع صالتنا للكراسي التي استؤجرت للمناسبة. أحاول أن أفتح بعض كتبي المدرسية، ثم أغلقها ~~سريعا، وأكتفي بالتمدد على سريري والنظر إلى سقف غرفتي. # يزداد الصخب وتعلو زغاريد النساء، وأحد الصبية ينادي: المأذون حضر. يكتب الكتاب، ويبدأ ~~الجميع في الرقص والتصفيق، وأمي تجلس بكامل زينتها بجوار هذا الرجل الذي لا أعرفه، ولم أجلس ~~إليه سوى مرات قليلة أثناء الحديث عن ترتيبات الزواج. ms19 # يأخذني خالي إلى منزله بضع ليال، ثم أعود إلى بيتنا، فأرى أمي بوجه آخر، اختفت الخصيلات ~~البيضاء تماما، وازداد تورد وجهها، اختفى الأسود من بيتنا، فغاب أبي وحمل معه ~~صوره. # استيقظت قبل موعد يقظتي المعتادة، أذني تلتقط همهمات، وضحكات مستورة، وصوت مداعبات زوج ~~أمي، أحاول العودة إلى النوم الذي لا يأتيني، أحملق في سقف غرفتي، حتى يخرجني صوت منبهي من ~~تخيلاتي، أخرج على مهل، وألاحظ هدوء الأصوات. # أبحث في حقيبتي عن طعامي المدرسي فلا أجده، فأحاول أن أشغل نفسي بتناول كوب من الحليب ~~فتزعجني برودته، فقد عودتني أمي على تناوله ساخنا. # أتعثر بأمي خارجة من الحمام، تتفاجأ هي أيضا بي وكأنما تذكرت وجودي على حين غفلة. ~~رأيتها ندية، بنظرات خجولة، ألقت تحية صباحها على عجل، ثم دخلت غرفتها وأغلقت بابها ~~خلفها. # | المقهى # ينادي يوسف أو «جو» حسبما يلقبه زبائنه، عبد الله عامل القهوة الأقدم بين العاملين ~~لديه، ليسرع في رص ما بقي من أشياء مهمة في الصناديق المعدة لذلك. # يراقب جو عبد الله وهو ينزل الصور المعلقة بمختلف جدران المقهى التي يزيد عمر بعضها عن ~~سني عمره، يتحسس إطاراتها المذهبة القديمة كأحد كنوز علي بابا. هو يعلم بحزن عبد الله ~~لقراره ببيع المقهى، يتذكر محاولاته لثنيه عن قراره بطرق عدة؛ كإقناعه بأنه سيقوم بأعمال ~~التنظيف إلى جانب تقديم الطلبات، موفرا بذلك أجرة عامل، أو أن يقتطع جزءا من أجور العمال ~~من أجل تجديد المقهى لعل ذلك يزيد من رواده ويعيد زمنه الذهبي. # يوسف وعبد الله في العمر نفسه تقريبا، لا يعتبره يوسف مجرد عامل. بدأ ارتباطهما بالمقهى ~~منذ الصبا، ولكن بالطبع كان يوسف هو ابن صاحب المقهى، اليوناني، الذي ولد وتربى في مصر، ~~ورغم ذلك فقد كان لقبه دائما «الخواجة جو» تمييزا له عن «الخواجة» والده. # في صغرهما لم يملا أبدا من مراقبة والده وهو يعامل الزبائن، يتحرك بكد ونشاط، لا ~~يكتفي بمتابعة عماله، بل يسارع لخدمة زبائنه بنفسه، يتأكد من ضبط توابل الأطعمة التي ~~تقدم إليهم، ويشتري أفخم أنواع ms20 الشيشة، ويشرف على تنظيف الطاولات والأرضية بعد ذهاب كل ~~زبون. # اعتادا زيارة المخزن الصغير المرفق بالمقهى، والذي كان يضع فيه «الخواجة» الأجهزة ~~والأدوات التي لم تعد تستخدم؛ كالبكرج، والجرامافون، وأسطواناته السوداء. كانا مبهورين ~~بتلك التفاصيل، ينتشيان وهما يودعان آخر زبون مع أذان الفجر. وفي جلساتهما مع الأصدقاء ~~يتباهيان بمعرفتهما لمعاون النيابة والعمدة وابن المأمور الذين كانوا من رواد ~~المقهى. # كان مقهى «الخواجة» علامة مسجلة بالمنطقة، تميز خلال الخمسينيات والستينيات عن ~~المقاهي الشعبية الأخرى، يجتمع به الموظفون، وتقدم لهم «الشيشة» بدلا من «الجوزة» التي ~~تقدم بالمقاهي الشعبية، وكذلك المشروبات المغلية على البكرج، والجلاس، والأطباق ~~النظيفة التي تقدم بها وجبات خفيفة. # أما ليلة الخميس من أول كل شهر، فكانت ليلة تعلن فيها حالة الطوارئ بالمقهى؛ ~~استعدادا يليق بحفلة «الست» أم كلثوم، تزيد فيها المشروبات، وينظف الراديو من الغبار، ~~ويتم التأكد من نقاء الصوت حتى لا يعكر صفو المستمعين شيء طارئ. # وكان الخواجة بلكنته اليونانية ولهجته المصرية المكسرة، محبوبا من الجميع، يحرص على ~~استقبال زبائنه باحترام وإظهار تبجيله لهم، وهم يودعونه أسرارهم ويشاورونه في ~~مشكلاتهم. # وعندما دخلا، جو وعبد الله، مرحلة البكالوريا، مات والد عبد الله؛ فتوقف عن استكمال ~~دراسته، واكتفى بساعات إضافية في العمل بالمقهى، بينما أكمل جو تعليمه حتى حصل على ~~بكالوريوس التجارة. # افترق الصديقان، فلم يعد جو يزور المقهى إلا لماما، حتى أيام عطلته كان يقضيها بصحبة ~~أصدقائه بأحد المقاهي «المودرن» حسبما يسميها، فيما أصبح عبد الله جزءا من المكان، وكان ~~«الخواجة» يعتبره ساعده الأيمن. # مع مرور السنوات تقدم العمر بالخواجة، وأصبح متمسكا بالتقاليد القديمة علامة للمقهى، ~~استمر في شراء صور عبد الناصر والسادات وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وتوزيعها على جدران ~~المقهى، رغم تبدل الزمن. # في الوقت نفسه افتتحت مقاه أخرى، بداية بهذا المقهى ذي الأنوار النيونية الملونة، ~~كان أكثر حداثة من مقهى «الخواجة»، فكان أول من استعمل شرائط الكاسيت بالمنطقة، ثم ~~التلفاز، بينما اكتفى مقهى «الخواجة» بالمذياع سنوات طويلة، وانحازت المقاهي الجديدة إلى ~~المطربين الجدد، واستخدمت الكراسي ذات ms21 السيقان العالية المعدنية، التي يجلس عليها الزبائن ~~فيما يعرف ب «البار»، وتنوعت المشروبات المقدمة، وظل أكثرها محتفظا بأسمائها ~~الإنجليزية. # مات الخواجة واستلم ابنه إدارة المقهى، ورغم ذلك فقد احتفظت بشيخوختها وكأنها جزء من ~~الخواجة الأب، برزت على جدرانها آثار الرطوبة، وزادت شكاوى الزبائن من «الحمامات البلدي» ~~رغم وعود «جو» المتكررة لزبائنه بتغييرها، واكتفى المقهى بتقديم البسكويت الجاهز عوضا عن ~~قوالب الكيك التي كان يوصي بها الخواجة، والتي أصبحت تبقى أياما عدة بالثلاجة بعد انخفاض ~~عدد طالبيها. # كان رواد المقهى يتحدثون بداية همسا عن رغبتهم في «تجريب» المقهى الجديد، ذهب ~~الموظفون أولا، خاصة الجدد منهم بالمنطقة، ثم توالى الآخرون. فقد المقهى أيضا الكثير ~~من عماله بعدما جذبتهم تلك الألوان الصاخبة، والأرضية من السيراميك، وحوائط القيشاني ~~بالمقاهي الجديدة، وبالطبع الأجور الأعلى. # يتوجه عبد الله إلى جو طالبا منه أن يمنحه تلك الصورة القديمة للخواجة وهو يتوسطهما في ~~صغرهما، وفي خلفيتها يقف عمال المقهى بأزيائهم الزاهية النظيفة، بجانب البكرج والجرامافون. ~~يوافق جو على عجل، فقد لمح دخول المشتري في موعده المحدد. # | على الطريق # على جانب الرصيف يجلس منزويا يختفي أياما، ثم يظهر على حاله نفسها، ملتصقا بالزاوية ~~ذاتها من الطريق، دون أن يعلم أحد أو يهتم أين يذهب أو كيف يعرف طريق عودته، يبدو وكأنه ~~جزء من هذا الشارع، بملابسه التي اهترأت تشبعا لكثرة ما ارتوت من قسوة سنوات التيه على ~~جوانب الطرقات، وشعره الأشعث الذي لا تعلم إن كانت رماديته لشيبة أم بفعل مجالسة ~~الطريق. # يمضي غير عابئ بالنظرات المتسائلة أو بالخطوات التي ما إن تلمح مجلسه حتى تغير مسارها، ~~يتلفت يمينا ويسارا، باحثا حينا بين صناديق فضلات ساكني الحي، وأحيانا تراه جالسا ~~مزهوا، ينفث بقايا سيجارة ألقاها أحد المارين بالقرب من مجلسه. # لا يتحدث عادة، كل ما يسمع منه مجرد همسات لا تستطيع فهمها، تفسرها حينا بأنها سباب ~~للأطفال المشاكسين الذين يعبثون بوجبته، أو كدفاع عن نفسه حينما يلقون الحجارة عليه أثناء ~~نومه، أو تترجم إشاراته تسولا حينما يجيبها بعض المارة ms22 أو أصحاب السيارات بقليل من ~~الجنيهات أو أكياس بقايا الطعام. # لغة خاصة بينه وبين بائعي أكشاك البضائع تجعلهم يحتفون بمروره، تحية حارة منهم، يقابلها ~~بردود مقتضبة لا تزيد أحيانا عن بضع إشارات باليد أو هزات بالرأس. # لم يعد يتساءل الناس عن عمره، أو حاله الذي جعله أحد معالم هذا الشارع؛ فقد قضوا الكثير ~~من الوقت بحثا عن إجابات لأسئلتهم: من هو؟ ومن أين جاء؟ ومتى استوطن هذا الشارع، حتى أصبح ~~جزءا منه؟ # تناثرت الأحاديث؛ فالبعض يقول إن زوجته هجرته لقلة الرزق، فهام على وجهه بحثا عنها، ~~والبعض أكد أنه انتظر خطاب تعيين الحكومة سنوات طوالا، فهرب من نظرات التحسر، وآخرون ~~يقولون إنه ولد «مجذوبا» فألقى به أهله بالمستشفى العام، حتى ضاق بها وبمعاملة الأطباء له ~~كحيوان اختبار، وجشع الممرضين واستهزاء الطلبة به، فتركها واحتمى بالشارع. اجتهد كثيرون، ~~ولما خابت إجاباتهم، انشغلوا بحالهم وقبلوه على حاله. # اليوم يبدو مختلفا؛ يلتف حوله أصحاب الأكشاك، وبعض الباعة الجائلين، حتى الصبية ~~المشاكسون، يصفقون له تشجيعا، تتسع الدائرة مرحبة بالمشهد الجديد، تتعدد ~~التعليقات: «نعم متسعة قليلة لكنها مختلفة، أكثر نظافة، أثقل بعض الشيء مما يحتمل الطقس، ~~لكن لا يهم، يمكنه خلعها ليلا لافتراشها، أو أن يهش بها ذباب الطريق.» يقف مزهوا ~~بنفسه، مرتديا سترة نصف مهترئة، وجدها في صندوق القمامة القريب، ما زالت تحمل بقايا ~~ألوانها، يرد على تحيات الملتفين ببعض الابتسامات، ثم يعود لزاويته، وينفض ~~الجمع. # | دقات الساعة # لهاث يلاحقه لهاث، وأنفاس تتكسر على نصل حياة كالمتاهة الكبرى يدور فيها عمرك، لا ~~لسنوات عشر، أو عشرين أو حتى أربعين. # تتربص بك أحلامك، أنت دائما تجري، لتلحق بقطار أو موعد اختبار، أو اجتماع، والتأخير لا ~~ينتهي، بينك وبين سيارتك، أو باب غرفة الاجتماع أو الامتحان، خطوات قليلة وقدمك ترفض ~~الانصياع لك، ترجوها أن تتحرك أو تستعطف عقلك ليوقظك، وجميعهم يعلنون تمردهم. # تستيقظ متعبا من ثقل جبال الثلج على صدرك، تتعجب ما الذي أرهقك وأنت لم تبرح مكانك، ~~تحاول أن تتذكر ما كنت تفكر فيه أثناء ms23 نومك، فلا يطاوعك عقلك. فيما يشتد بك وقع أنفاسك، ~~ترفع بصرك إلى ساعتك التي تصم أذنيك بدقاتها، تتفاجأ وقد تنازلت طوعا عن عقربيها لثالثهما ~~الأسرع. # تنظر إلى المرآة فلا تكشف لك ملامحك، فتقنع نفسك أنها مجرد أضغاث أحلام، يزعجك استمرار ~~رنين المنبه رغم إغلاقك له مرات، تستحم وتتناول فنجانك من القهوة، هذه المرة تجربه بقليل ~~من السكر، فلا تجد فرقا بينه وبين الخالي منه، تتأنق أمام مرآتك، رغم غياب صورتك، فتتشكك ~~في تأثير قهوتك. # خطوات مثقلة بفعل الطين، تتعرف من خلاله على دخول مدينتك فصل الشتاء، تتناثر بقعه ~~البنية على ثيابك فتسب المدينة وساكنيها مرات ثم تستمر في السير. باستثنائك، الجميع من ~~حولك يركضون، فتتعجب، ثم يأتيك من فوق عدة طوابق صوت تلاميذ يتبارون في رفع أصواتهم وأيهم ~~أسرع استجابة لتعليمات معلمتهم بترديد عباراتها. # سائقو التوكتوك، والميكروباصات، لا يأبهون لتعرجات الطريق، يضيفون مزيدا من البقع على ~~ثيابك، وأنت ما زلت مقيدا بخطواتك. تمر حافلات مسرعة، تحاول أن تشير لسائقها بالتوقف، ~~ولكن حينما تجدها تنقل صفوفا من قطيع برءوس مخروطية لا تعرف من أي الكائنات هي، ترفض ~~نداءات السائق وتفضل السير. # يلفت انتباهك سقوط بعض الأحمال من سيدة مارة بسرعة، فتحاول مساعدتها، فتسبك وتستمر في ~~السير، ورءوس عديدة تتعارك، حينا على جنبات الطريق، وأخرى خلف أبواق الحافلات. # تصل عملك، تلقي التحيات للجالسين خلف مكاتبهم، كعادتك الصباحية، تفزع حين تراهم بأجسادهم ~~المترهلة وكروشهم المتدلية، وتلك الطرابيش المنحنية على رءوسهم. يتوه عقلك ويمتد بصرك ~~إلى «النتيجة» المعلقة لتعلم في أي عام أنت، فتجد التواريخ ممحية، ولكنك تتفاجأ بظهور ~~عقربي الدقائق والساعات وعودة إيقاع ساعتك إلى طبيعته؛ فتلهيك سعادتك عن بحثك. # يمر عليك الوقت متثاقلا، تتمنى لو عاد عقرب الثواني لسطوته. تختنق أنفاسك من الطربوش ~~الجاثم فوق رأسك، وجسدك الذي ملأ الكرسي، ثم تمتلئ الغرفة ببشر لا ترى سوى حدود وجوههم ~~الهندسية، الجميع جاء لحاجة، والغريب أنك والجميع ماكثون في أماكنكم وبالوضعية نفسها. تمتد ~~أيادي البشر أمام المكاتب دون قدرة على تلبية حاجاتهم . # تحاول ms24 أن تفتح شباك الغرفة لعله يسمح لمزيد من الهواء بالدخول حتى تنخفض حرارة الأنفاس ~~اللاهثة، يدخل دخان أسود، فيضيف مزيدا من السعال. # يرتفع فجأة صوت الساعة، إنها ساعة الانتهاء. الغريب أنه عند الخروج، تخلع الطرابيش ~~وتترك هامدة فوق المكاتب. # ما إن تظهر طرقات الشارع، حتى يعود الركض، المدينة تمر بجانبك، تتعداك، وأنت تستمر في ~~محاولاتك للتخلص من القيد، تفشل مرة ومرتين، وطنين الساعة التي فقدت عقلها في رأسك، ~~تنبهك أن ما بقي قليل، فيما الشارع ما يزال ممتدا. # | لقد أكلت البيض كله # بسيطة هي كعادتها، لكن شيئا ما نضب منها، وكأن سنوات الانتظار أهلكت ما بقي لها من نضارة ~~العمر. # جالسة متكومة في جانب البيت، عيناها حائرة ما بين الباب والنافذة، وجهها جفت حمرته، ~~ككل شيء في هذا المنزل، لن تشعر بوجودها إن لم تبدأها بالحديث، تجر كلماتها من فمها كحمل ~~ثقيل، وتكتفي بإجابات مقتضبة وعبارات من كثرة ترديدها ألفتها وحفظتها. # زهدت في كل شيء، حتى في أن تهيئ نفسها كما كانت تفعل في السابق بمجرد علمها بوجود بعض ~~الزائرين، وعملها الذي لم تعد تهتم بالمواظبة عليه، حتى إن رؤساءها في العمل تعاطفوا معها؛ ~~فتوقفوا عن سؤالها عن سبب التأخير أو الغياب، واكتفوا بالخصم من راتبها الذي لم تعد تهتم ~~بإحصائه عند أول كل شهر. # لم تعد تتذكر كم من السنوات انتظرت، كل ما تتذكره أنه بدأ مع تلك الزيارة التي أعدت ~~لها سيدات العائلة منذ سنوات. # زيارة فرضت ترتيبات عدة، اختيار توقيت مناسب تتواجد فيه كل بنات «العيلة»، واستعدت أمها ~~بأن أخلت صالة المنزل من أثاثه ليتسع للجميع، أزالت جميع الصور الخاصة بالعائلة أو التي ~~تصور أي كائنات حية كما «أمر» قبل حضوره، فيما أبرزت اللوحات القرآنية. # تعمدت أمهات العائلة إخفاء سبب الزيارة الحقيقي عن بناتهن حتى لا «تفتح عيونهن قبل ~~الأوان»، وتحججن بأن الزيارة فقط لرقية البيت والبنات من الحسد والعين، وإدخال البركة، فيما ~~كانت الفتيات تتندر على «تغفيل الأمهات لهن»، رغم أن عقولهن الصغيرة باتت كاشفة ، وحرصن ms25 ~~على إظهار عدم المبالاة للسبب الرئيسي، وادعين أن تواجدهن سيكون فقط من باب ~~الفضول. # هي فقط كان حديثها مقتضبا، صمتت، وتحمست لحماس أمها، وأذعنت لأوامرها، هي كانت تعلم أن ~~«نصيبها» بسيط مثل جمالها وتعليمها ووظيفتها، ورغم ذلك لم تطمع بالمزيد، أرادت هذا البسيط ~~أن يطرق بابها؛ لأنه ما يمكن أن ترضيه، خاصة وأن عداد العمر بدأ عمله، وساعة الرمل لا ~~يوقفها شيء. # حضر الجميع؛ الأمهات المهتمات بفك نحس البيت، والفتيات المتراوحة أعمارهن ما بين بداية ~~العقد الثاني ومنتصفه. # ثم جاء هو بلحيته الطويلة، وبنطاله الذي لا يبلغ كعبيه، وطلب منهن وهو غاض بصره ~~الاصطفاف أفقيا، وأطلق لسانه بالدعاء والأذكار وتلاوة القرآن، وطلب منهن أن يبلغنه إذا ~~ما شعرن بأي دوار، أو بأن هناك ما يدفعهن للخروج من الصف، ورغم النظرات الجانبية والضحكات ~~المستترة التزمت الفتيات بالتعليمات. # كانت هي أولى المترنحات؛ فأجلسها على الكرسي، وخصها ببعض الأدعية والأذكار، وفي نهاية ~~الجلسة أسر إلى الأمهات، بأن تأكل كل فتاة ثلاث أو خمس أو سبع بيضات مقروءا عليها بعض ~~الآيات القرآنية الحارسة. # في اليوم التالي وأثناء اجتماع الفتيات مساء، أخبرنها جميعا بأنهن لم يهتممن بأكل ~~البيض، فالأمر بالنسبة إليهن كان دعابة. لم تعرف إن كن صادقات أم لا، بينما لم تخجل هي من ~~الاعتراف بأنها أكلت البيض، رغم نظرات السخرية في أعين قريباتها. # بدأ الانتظار، وأعدت للتجهيز للزيارة المرتقبة، كانت تحرص على أن تكون في كامل زينتها ~~داخل المنزل وخارجه، اشترت كميات إضافية من مساحيق التجميل الرخيصة الثمن التي تناسب ~~ميزانيتها، ووفرت جزءا من راتبها لشراء ملابس جديدة. # تأخرت الزيارة، فألقت اللوم بداية على أمها لأنها لم تتبع التعليمات، وقامت بإعادة الصور ~~العائلية والبورتريهات إلى أماكنها على الحائط والمناضد، وأزالتها رغم اعتراض أمها. # ثم ظنت أنه عقاب لها؛ لأنها اكتفت في المرة الأولى بثلاث بيضات فقط؛ فتناولت هذه المرة ~~خمس بيضات، وبعد شهور أكملت السبع، ثم كررت محاولاتها كل بضعة شهور، ثم شكت في أن ~~وضوءها لم يكن صحيحا تماما عند قراءة الآيات ms26 على البيض، فأعادت محاولاتها، ثم خصصت ~~جزءا من راتبها للتبرع للمساجد والأولياء. # طال الانتظار، وانفض الجمع من حولها، وحضر جمع آخر، أكثر صخبا؛ ففتيات العائلة لم يعدن ~~يأتين بمفردهن، فكل واحدة عادت بأطفالها. في البداية كن يمزحن معها بعبارات حول عمى ~~الرجال عنها، وأنها «ست البنات»، وأن الأيام تخبئ لها الأفضل، ثم تعمدن الشكوى أمامها من ~~المسئولية و«وجع الدماغ» من العيال وتربيتهم، حتى اكتفين أخيرا بالصمت. # وفي يوم فاجأتها صديقة لها بالعمل بأن زميلا لها يريد زيارتهم بالمنزل؛ طار العقل، ~~وتردد السؤال: هل «وفى البيض بوعده؟» نزلت يومها لتشتري ملابس جديدة، وأعادت تنظيف ~~المنزل، واستبدلت المصابيح التي انطفأت أنوارها منذ زمن، وكست وجهها بمساحيقها التي ~~هجرتها. # جاء الزائر، نعم هو سمين بعض الشيء، راتبه لا يكفي لمسئولية بيت، ويسكن مع والدته، لكن لا ~~يهم كل ذلك، المهم أن انتظارها حانت نهايته، ولكن جاءت عباراته بما لا تشتهي أحلامها، نعم ~~جاء طالبا، ولكن ليد أختها الصغرى المتبقية معها بالبيت، والتي رآها في إحدى زياراتها لها ~~بالعمل، فتعلق قلبه بها. # حينها لم تدر بماذا أجابت، وإنما دخلت مسرعة إلى المطبخ وفتحت باب ثلاجتها، حملت كل ما ~~بها من بيض وألقت به في وجه مرآتها، وحينما رأت وجهها مكسوا ببياضه وصفاره، جلست باكية، ~~وارتفع صوتها: «لقد أكلت البيض كله! لقد أكلت البيض كله!» # | الساحر # يروق لك جلوسي بين مقاعد معجبيك، أتابعك مشدوها، فيأخذك غرورك، فتفتتني لمساتك وتعيد ~~تشكيلي. تسكنني على بياضك آلاف الأرواح، كعرائس الماريونيتات تحركني، تلبسني حينا وجه تلك ~~العجوز الشمطاء التي لا تعترف بصدق مرآتها، تغمرني بمساحيقها، وتضيف لوجهي ملامح أخرى أكثر ~~صخبا. # تثير ذعري سخريتك، فتعلقني بعنقود عنب يتدلى، فيظلل براءة طفولية تخطو أولى خطواتها ~~للعشق. وقبل أن يتسنى لي اختلاس النظر، تجلسني مرة أخرى بين جماهيرك، تأخذ رأسي ~~بألاعيبك العقلية، فاندفع فجأة بغضب التمرد بين جناحي خنفساء مرقطة، أنشغل بالتسلل ~~ضاحكة مستبشرة وسط ذعر ساكني البيوت، ومطارداتهم. # ترهقني خطواتك السريعة المتصارعة بين حباتك اللؤلؤية، وحكواتك عن الحنين والغربة ~~والصراعات ms27 اليومية، أتوه بين تفاصيلك وشخوصك وأعبائك التي تهيلها على قلبي. تغضبني فسحة ~~خيالك؛ فأعلن تمردي على أفكارك، وألملم دفتيك، أجلسك بين رفوفي، وأتابع زحف ذرات التراب ~~على وجهك. تطل علي بعيون حزينة، تستعطفني، فأشتاق إلى أحزانك، فأعود طفلة تداعبها، أو ~~كهذا العجوز الذي يطل من نافذته موزعا بسماته وضحكاته على المارين نظير كلمة أو تحية ~~يضيء بها ليله الطويل. # تتناسى عهدك وقربانك، وتعود لعصيانك، تستعرض عصاك وكرباجك أمام عيني، فأستحلفك تلك المرة ~~أن ترفق بعقلي، وأن تعيده إلي، فتأبى حتى تسقطني هامدة بين بياضك الممتد وأحبارك ~~السوداء. # | الحرز # الحركة بالمكان أصبحت غير المعتادة، قلق وتربص، وعيون مترنحة بين الوجوه، لم يعد ~~الطلبة يفترشون السلالم ومداخل الكليات كما كان الأمر منذ أيام، ولم تعد ضحكات فتيات «سنة ~~أولى» تسطو على القلوب والمكان. # بدأت تلك الحالة منذ صدور القرار الذي فاجأ الجميع؛ أساتذة، وطلبة، بعد مشاجرة بين عدد من ~~الطلبة استخدمت فيها «أسلحة بيضاء». # بقدر ما كانت المشاحنة صادمة لسقوط مصابين وقتيل، فإن القرار الذي اتخذه مجلس الجامعة، ~~بالاتفاق مع الجهات الأمنية، بتشكيل لجنة لتفتيش الطلبة المشتبه فيهم، كان هو أيضا لا يقل ~~رعونة. # قام فراشو الكليات بتعليق القرار على الجدران، ومداخل الجامعة، وداخل الحمامات، وعلى ~~أبواب القاعات، ولم تسلم الكافتيريات، وأشجار الحدائق، وأماكن تجمعات الطلبة، حتى لا ~~يتحجج أحد بعدم رؤيته للقرار. # تجمهر الطلبة على المكان المعلق به القرار وتعالت الصيحات وتناثرت الأحاديث الجانبية ~~الساخرة منه، تعددت التأويلات ما بين من رأى فيه مجرد حجة للتضييق الأمني على العمل ~~السياسي بالجامعة، مع «عدم وضوح آليات الاشتباه، أو الأشياء التي ستعتبر أحرازا مشبوهة»، ~~فيما سخر آخرون من القرار، ووصفوه بأنه «حبر على ورق»؛ فالأعداد التي تضمها الجامعة ستعوق ~~تنفيذه. وقال خبثاء آخرون: «إنه فرصة للتعرف على الخبايا والممنوعات لدى الطلبة»، وسط ~~ضحكات غير بريئة. # وامتعض بعض الأساتذة، وقالوا: «إنه مدخل إلى التدخل في عمل الجامعات، وإذا كان القرار ~~يقتصر على الطلبة حاليا، فقد يمتد ليشمل الأساتذة، وقد يفاجأ الأساتذة باقتحام محاضراتهم، ~~والتدخل ms28 في المناهج وفي عملهم بحجج مماثلة.» # مضت الأيام التالية للقرار خالية من أي تغيير، فلم تظهر اللجنة المذكورة، ولم تظهر سوى ~~بوابات إلكترونية على أبواب الجامعة، أشاعت جوا من المشاحنات المكتومة بين حراس الجامعة ~~والطلبة، وسكنت الوجوه نظرات الشك بين الجميع، خاصة مع عدم الإعلان عن أسماء كل أعضاء ~~اللجنة، ومخبريها. # اليوم، اقتحم أعضاء اللجنة محاضرة لأحد الأساتذة، مدججين بالقرار الإداري، فلم يستطع ~~الأستاذ الاعتراض. تقدموا بنظرات فاحصة للوجوه، مروا على المقاعد، وطالبوا ببطاقات ~~الهوية من بعض الطلبة، تحرشوا بحقائب الفتيات وسط نظرات بعضها مستنكرة وأخرى تتربص ~~للتعرف على أسرار الحقائب اللامعة. # في آخر القاعة كانت تجلس، متململة في مقعدها، تطل من جبينها قطرات الخوف، محتضنة شنطة ~~يدها في فزع. # التقت عيناها بعيني عضو اللجنة، مرة، مرتين، وفي الثالثة انتبه العضو لقلقها، فمال على ~~رأس كبيرهم، وأنصت الأخير إليه لحظات، تبعها تربص للعيون بها، ثم اتجهت الخطوات إليها ~~بتؤدة وهدوء مفتعلين، فأشاعت برودة زادت من قشعريرة جسدها. # في طريقه تفحصها كبير اللجنة، بمظهرها المتوسط الحال، ودفاترها الباهتة الألوان التي ~~تشبهها. فكر أنها من النوع الذي يسهل «اصطياده» من قبل الجماعات المتطرفة، أو ربما تكون ~~شنطتها عامرة بما اصطادته هي من الشنط الثمينة. # سألها أن تعطيه حقيبتها، فرفضت، فسألها ماذا تخبئ بها، فصمتت، والتزمت صمتها، وسط همهمات ~~زملائها. اقتادوها وهي متشبثة بحقيبتها، وبنظرات الحسرة على وجهها الذي حاولت أن تديره عن ~~نظرات الاستفهام من حولها. # في مكتب عميد الكلية، حاولوا أخذ الحقيبة، فرفضت بوجه دامع، مستعطفة أن يبقوها لها، ~~فطلبوا منها أن تبلغهم بما فيها، على أن يرفقوا بها إن أبلغتهم بمن حرضها على فعلها، ~~وهل قامت بالفعل بما طلب منها، أم أنها في مرحلة «التخطيط». # بعدما دارت بعقلها الأسئلة والاستجوابات، وافقت على منحهم سرها الأكبر، في شنطتها وجدوا ~~بقايا سندوتشات الطلبة التي تجمعها من الطاولات بالاتفاق مع عامل الكافتيريا، أو من مقاعد ~~الدراسة بعد انتهاء وقت المحاضرات. # تسمرت أعين أعضاء اللجنة على الحرز، فيما تعالت أصوات الاحتجاجات من زملائها خارج ms29 ~~المكتب، تدين اعتقالها وتضييق الحريات على الطلبة، وتطالب بالسماح بالعمل السياسي والحزبي ~~داخل الجامعة. ms30