######OpenITI# #META# URI: 1450ShirinYunus.SanduqLaYattasicLiAhlam.Hindawi53062838 #META# Tags: literature #META# ID: 53062838 #META# Title: صندوق لا يتسع للأحلام: مجموعة قصصية #META# AuthorID: 86069048 #META# Author: شرين يونس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # الطائر الملعون‏ ~~«سندريلا» تهرب‏ # نداء إلكتروني‏ # الوجه الخيزراني‏ # بائع الكلام‏ # التوقيت المناسب‏ # نصب تذكاري‏ # فقاعة الهواء‏ # انتصار‏ # قيلولة‏ # جمهورية المبروك‏ # قطعة سكر‏ # رائحة الدجاج‏ # المفكر الكبير‏ # في حضرة رجل‏ # رمادي‏ # فوبيا‏ # رقص منفرد‏ # صندوق لا يتسع للأحلام‏ # مدينة في حراسة موكب الملائكة‏ # ليلة العيد‏ # ذاكرة نظيفة‏ # بنت بأحلام نفاذة‏ # اسم معرف‏ # نظام غذائي، رجل منزوع الدسم‏ # واجهة زجاجية‏ # إهداء‏ # الطائر الملعون‏ ~~«سندريلا» تهرب‏ # نداء إلكتروني‏ # الوجه الخيزراني‏ # بائع الكلام‏ # التوقيت المناسب‏ # نصب تذكاري‏ # فقاعة الهواء‏ # انتصار‏ # قيلولة‏ # جمهورية المبروك‏ # قطعة سكر‏ # رائحة الدجاج‏ # المفكر الكبير‏ # في حضرة رجل‏ # رمادي‏ # فوبيا‏ # رقص منفرد‏ # صندوق لا يتسع للأحلام‏ # مدينة في حراسة موكب الملائكة‏ # ليلة العيد‏ # ذاكرة نظيفة‏ # بنت بأحلام نفاذة‏ # اسم معرف‏ # نظام غذائي، رجل منزوع الدسم‏ # واجهة زجاجية‏ # | صندوق لا يتسع للأحلام # | صندوق لا يتسع للأحلام # | مجموعة قصصية # تأليف # شرين يونس # | إهداء # أمي! # أردت يوما أن أكتب سيرتك الذاتية، ثم استصعبت الأمر، حتى اكتشفت تباعا أنك ~~تسكنين تفاصيل كل حكاياتي. # | الطائر الملعون # وقفنا جميعا، حشودا مجتمعة بالآلاف، في هذا اللقاء الأسبوعي، الرءوس تتعلق بالسماء، ~~وبهذا الواقف فوق تلته يخطب فينا. في حديثه سكينة، وعلى وجهه أمارات القداسة. أجواء ~~إيمانية خالصة. نرتفع بأيادينا لأعلى، وكأننا نطرق للسماء بابا. دعوات وصلوات تتلى وسط ~~تأمين جماعي. # مضت الدقائق تطهر ما علق بأبداننا ونفوسنا طوال الأسبوع من خطايا. نشعر بكلماته تتناثر ~~فوق رءوسنا كالتبر، فيزداد المشهد بريقا. # لا حاجة لبكاء أو نحيب؛ فكلها مظاهر دنيوية تسقط في هذا الطقس الإيماني بامتياز. لم تعد ~~الأقدام تتحمل صلابة الأرض، وكأن مراسم التوبة خففت من أثقال النفوس والأبدان، فصارت ~~الأرض تحتنا كبساط مخملي يمحو حدود الأرض بالسماء. وهو في ردائه الأبيض كرسول من السماء ~~جاء ليمنحنا بركته. # بعد انتهاء الخطبة يسأله المؤمنون، بحماسة، أمارة لقبول التوبة. يجيبهم بابتسامة ~~صافية، فتحمل إليه حمامة بيضاء. يهمس لها مانحا بركته، ويطلق سراحها. تتعلق النفوس ~~بجناحيها، فيختلط بياضها الثلجي ببياض السماء، فتزيد الجموع حماسة. # يقطع المشهد، يظهر فجأة كنقطة سوداء، ثم ms01 تقترب، وكلما اقتربت تزداد ضخامة. يتجه ~~حيثما الحمامة، وكأنه أراد بسواده حرماننا من اكتمال طقس توبتنا. نتابع المشهد مشدوهين. ~~تتعلق قلوبنا بالحمامة، أمارة قبول توبتنا، فتطلب قلوبنا العون لها. # يزيد الاضطراب بين الصفوف، ويبدأ المؤمنون صلاة أخرى لمساعدة ذات البياض الثلجي. تغلق ~~العيون رافضة ألا تقبل توبتها، فيما تقل المسافة بين الجسدين الطائرين، حتى يحط عليها ~~بمنقاره الضخم، فيختلط الأبيض بالأسود، ويرتفعان معا، وتبتلعهما السحب. # لحظات ثقيلة مرت، حاولنا البحث عن تفسير وسط غمزات المتشككين. وحينما فشلنا، انفض ~~الجمع منكسي الرءوس، وركب الجميع صمت يشوبه الفزع والإنكار. وحينما حاول الأطفال إعادة ~~رواية ما حدث، نهرهم آباؤهم، وأمروهم بالصمت؛ رغبة في محوه من ذاكرتهم. # حول أجهزة التلفاز، كان هناك اجتماع آخر لمن غاب عن الحدث لقلة إيمانه، أو لانشغاله. حان ~~وقت إعادة بث الحدث الإيماني. يتابع الجميع المشهد: الأيادي المرتفعة للسماء، والوجه ~~الساكن بقداسته؛ الحمامة المحمولة، والهمس، وإطلاق السراح. ولكن الحمامة طارت في هذه المرة ~~عاليا، تودعها الجموع بكلمات مقدسة، واختفت حيث أراد الجميع لها، واختلط بياضها ~~بالسحب دونما تعكير لصفو قبول التوبة. # اختفى النورس الأسود في إشارات البث وسط تساؤلات المؤمنين: هل كان حقيقيا أم اختلقته ~~أرواحهم الشريرة؟ وفي الأعوام التالية استخدم طائر إلكتروني لضمان ألا يتكرر ظهور هذا ~~الطائر اللعين. # | «سندريلا» تهرب # أكره ليالي الصيف؛ فرطوبتها تعيث في زينتي إفسادا. أتذكر «أيمان» البائعة وهي ~~تخبرني بثبات المساحيق، وها هي تذوب كذوبان الثلج، فألعنها ألف مرة. # أفتش في حقيبتي عن مرآتي لأسوي زينتي كل بضع دقائق، محاولة إخفاء زكامي بمزيد من ~~الألوان، وأزيل بمنديلي الورقي عدوان الشارع على حذائي. # أتعبني الوقوف أكثر من ساعتين، وهذا اللعين المشدود في وقفته على الرصيف المقابل تذكرني ~~نظراته بزحف شيخوختي. # أعقد يدي أمام صدري مرة، ومرات خلف ظهري حين أمل، وأستمر في السير ذهابا وإيابا ~~أمام زبائن هذا الفندق المتهالك كسني عمري. # على الجهة الأخرى من الطريق، تختال تلك الشابة ممشوقة القوام، تتبختر في خطواتها ~~برأسها المرفوع زهوا. تغريني نظراتها المتعالية وتلك المساحيق التي ms02 أبرزت مفاتنها ~~بإلقاء حجر فوق رأسها المرتب بعناية، فترتطم رغباتي بنظرات رجلنا ببزته الكالحة اللون ~~كزينتي الرخيصة الثمن. # يلح علي ألم هذا الكعب العالي، فألعن وقفتي، وأتمنى أن أكون «سندريلا»؛ فأرمي ~~بحذائي العالي وبزينتي في وجه أمرائي، وأهرب منهم أجمعين قبل حلول منتصف الليل، وأعود، عن ~~طيب خاطر، خادمة في منزل أبي، وأدعو لزوجته آلاف المرات. # من بعيد، تخترق أوهامي أبواق سيارة صاخبة، ومصابيحها المتلألئة تدمي عيني. أعرف بخبرتي ~~زبائن السيارات وسقف كفايتهم المرتفع عن إمكاناتي، وبالفعل صدقت توقعاتي حينما مرت ~~دقائق تحادثت فيها الفتاة ورجلها مع أصحاب السيارة، ثم رحلت بهم. # يشقني الملل ويهصرني. أشغل عقلي بمداعبة جامع القمامة الذي يرميني بنظراته الفضولية، ~~فأرسل إليه فيضا من الغمزات الجانبية، فيرتاب من تجاوبي ويسرع الخطى مبتعدا. # تمر دراجة بخارية، يطلق ركابها صفاراتهم المشاكسة كمراهقتهم، ونظرات رجلنا تكبل ~~رغباتي؛ فالتعليمات تأمرنا بعدم الانصياع لمداعبات المراهقين؛ فكلها ضرر ومضيعة ~~للوقت. # تداعبني كلماتهم الساخرة، أشعر بها أكثر صدقا، ترمي عني ثقل الزينة والرطوبة. يحاولون ~~إغرائي بما يملكون؛ كلمة، وسيجارة رخيصة السعر؛ فيأمرني رجلي بالرفض بحركة عنيفة من رأسه، ~~وحينما ييئسون، يتحلقون على جانب الطريق، ويطلقون العنان لنكاتهم وضحكاتهم ~~المجلجلة. # ألمح آخر يأتي على بعد أمتار، يتلفت يمينا ويسارا، وحينما لا يجد غيري تمتعض ملامحه، ~~وحينما يهم بالرحيل يسارع إليه رجلي، يفاوضه ويتودد له، ويطن في أذنه، ويرسل إلي ~~نظرات تستحثني على استعراض إمكاناتي. وحينما أهم بالتبختر، تستوقفني تلك الضحكات ~~المتناثرة على جانب الطريق، طليقة وحرة، تذكرني بضحكتي المسحولة كذبا وادعاء. أراهما ~~يحثان السير تجاهي، فأخلع هذا الكعب العالي وأسرع إلى الدراجة البخارية التي لا تلبث أن ~~تطير بي. ننطلق تحت نظرات الرجلين اللاعنة، وأستنشق بسعادة أول نسمة في هذه الليلة الرطبة، ~~رغم يقيني من عقابي المنتظر. # | نداء إلكتروني # المكان يعج بالبشر من كل الأطياف كلوحة فسيفساء، وينافس أكثر الأمكنة ارتفاعا في ~~معدل كثافتها السكانية. أتململ في جلستي ممتعضا، أهش عني أفكاري الشريرة التي تحاول ~~تلطيف أجواء الاختناق التي لا تناسب أجواء مارس الربيعية ms03 . # ككل تلك الآلات التي تقتحمنا فتحيلنا أجزاء معطبة بجانبها، صرنا في تلك القاعة ~~الصغيرة مجرد «عيون وآذان» ترضخ لهذا النداء الإلكتروني، وتتلفت بلهفة وغيرة لصاحب الرقم ~~المحظوظ. # بمجرد دخول رقم إضافي للقاعة، وكطقس نعتاده للتعارف ولقتل الوقت، نبدأ في تبادل النظرات، ~~وكأنه يحصي المنتظرين. تلتقط عيناه الرقم الوامض على الشاشة الإلكترونية، فتأتيه «الضربة ~~القاضية» ل «فارق النقاط»، ثم يجر قدميه لينضم إلى كومة الأرقام على مقاعد ~~الانتظار. # يرتفع معدل التأففات، والاعتراضات المكتومة مع اتساع الهوة بين حجم الأرقام ~~المتململة، وحركة الأرقام المضاءة البطيئة كسلحفاة. يغريني الوقت، فيطل هذا الفضولي ~~من رأسي، يحتك بأسرار الهواتف النقالة المفتوحة على مصاريعها، ويقتات على ما يصله من ~~أحاديث جانبية وثرثرات أثيرية يقتل بها الجميع مللهم. # ترصد عيني الأحذية، وقامات أصحابها المتباينة، ما بين الأحذية الرياضية ذات العلامات ~~التجارية المشهورة، والأخرى «المضروبة» المقلدة، والجامعي بحذائه «البانص» متحررا من ~~جوربيه، حسب آخر نداءات الموضة، وذات الحذاء الأحمر الناري بكعبه الحاد كطباعها البادية في ~~تأففها وعبارات اعتراضها المتكررة، وتلك المتخففة من أحمالها فاكتفت بالصندل. أتذكر ~~مقولة قرأتها في مجلة للموضة: «الحذاء علامة لفك رموز الشخصية.» # أتعوذ من شيطاني، وأحاول تهدئته ببعثرة محتويات هاتفي النقال، فتقطع محاولاتي تلك ~~الثرثارة بجانبي التي لم تفطن لأني غير معنية بمشكلات مديرها في العمل، وراتبه، وحوافزه ~~التي ترويها هاتفيا، فيما يتحول مقعدي تحت وطأة اهتزاز ساقيها إلى أرجوحة تصيبني ~~بدوار. # يختال أحد الأرقام، يدخل متكئا على استمارة إيداع، ومفاتيح فضية لسيارته الألمانية، ~~تتعثر به تلك السيدة الريفية التي تعاود النظر في ورقتها والرقم المضاء على الشاشة. «باقي ~~رقمين»؛ هكذا تمني نفسها بفرج الحال، فلا تنتبه لخطوه المتباهي. # تعتذر بتمتمة، وتعاود جر طفلها الباكي، تسر له بمكافأته بقطعة حلوى إذا ما كف عن ~~صراخه وهرجه. # بلهفة، تحادث الموظف البنكي المتشبث بسطوته. يخيب رجاءها بلا مبالاة، ويبلغها من ~~خلف حاجزه الزجاجي أن حوالة زوجها المسافر لم تصل. ورغم توسلاتها لمراجعة بياناته، ~~يخرسها النداء الإلكتروني بدعوة الرقم التالي. تتراجع وأطراف أصابعها تتحامل على الحاجز ~~الزجاجي ms04 ، وكأنها تشكو إليه حظها. # أسأم الوجوه، فأداعب أصابعي حينا، ويتراقص جسدي على وقع ألحان سماعتي أذني حينا ~~آخر، وحينما أنتبه لفضول جاري المسن بلحيته الصغيرة ونظراته المستنكرة، أطلق بلا ~~مبالاة سراح عيني للحائط الرمادي الذي يشبه ملامح الموظفين الباردة. # ترتطم نظراتي بإعلانات متشددة لغسل المخ والجيوب، «كيف تسترد 20٪ من مشترياتك؟» الأمر ~~يتوقف على مدى استنزافك. و«كن من الفائزين الستة أسبوعيا»، وشاشات أسعار العملات التي ~~تذكرك بانهيارات دولتك العتيقة. # تتقلص هوة الأرقام تدريجيا، بعد هروب/نجاة عدد من العملاء. يزداد توتري وتململي ~~مع تتابع الدقات الإلكترونية الرتيبة المفتتة للأعصاب كانتظارها. فجأة، يموت الصوت ~~الإلكتروني، وتتوقف الرنات، وتعتم الشاشات، وبهدوء يعلن الموظف انقطاع التيار ~~الكهربائي في البنك. # | الوجه الخيزراني # بيدين مرتعشتين، أتمسك بطرف السجادة. تنبهني أمي بنظرات يتطاير منها التحذير ألا ~~أفلتها، فأسقط بين ظلمات الخوف. # هل يمكن أن يتسبب شيء صغير في دوائر متعاقبة من الرعب، كل منها تسلمك لأخرى ~~أوسع؟ # أتابعها ترقد في سكون على وجه حائط مطبخنا، تصدمني بوجهها البيضاوي المتشابك كلما ~~حاولت غلق الباب، أو إحضار بعض الأدوات من الخزانة. # يقشعر بدني حينما أتذكر وظيفتها، فأنشغل بإحضار ما طلبته أمي مني من الخزانة ~~العلوية. أستطيل على أطراف أصابعي كي أصل إليها، فيرتطم كوعي بساقها، فتسقط، فأضطر إلى ~~حملها وإعادتها إلى موضعها. # يدور عقلي مع التواءات تلك الأسطوانات الرفيعة، فأتعجب لطبيعتها التي منحتها تلك ~~التقسيمات الأنثوية، ولمساتها السخية في نعومتها كوجه وليد، فتتداعى لذهني صور النبتة ~~المقعدة التي حرمت من سيقانها، فيما ظلت هذه وفية لجيناتها الصابرة والقادرة على ~~التحمل. # تفيقني أمي بصدى صوتها يتردد في جنبات المنزل، كأحد إجراءات هذا الطقس الأسبوعي. أتابع ~~شرر نظراتها، وأحاول تجنبها محتمية بأحلام يقظتي الصغيرة مثل عمري؛ فهي تفقد في يوم ~~التنظيف، بسبب تعبها وجسدها المتهالك، كثيرا من هدوئها الهش؛ فأحاول ألا أتدخل إلا ~~حينما تطلب، وفي حدود المسموح لي. # تأتي الدعوة آمرة من فم أمي، فتضيع كل رجاءاتي هباء. تتشبث أصابعي القصيرة بهذا الطرف ~~المنسوج وعناقيده المتدلية، ثم يبدأ الضرب ، فأرتطم ككرة ms05 صغيرة بمحيط دوائر الخوف ~~المثيرة والمتعاقبة. ماذا ستفعل بي لو أصابت أصابعي؟ هل يمكن أن يتطاير أحد أجزائه على ~~غرار الأفلام الأجنبية؟ وهل ستوبخني أمي حينها أم ستنشغل بالبحث عن الجزء الهارب ~~مني؟ # تستحيل أحلامي كوابيس مع بداية الارتعاش الذي تسببه الضربات في هذا السور الذي يحمل ~~سجادتنا كمقصلة لتنفيذ عقوبتها الأسبوعية، فأتمنى أن تصير قدمي وتدا مثبتا في الأرض، ~~فلا يخلعه أشد الاهتزازات، وتزداد وتيرة تساؤلاتي. # يزيد هلعي؛ فلا أفقه إن كان بسبب اهتزازات البلاط أم اختلاجات جسدي. تبدأ عيناي في ~~الذهول، ويغيب عقلي في ترنيمة أخرى؛ لعلها تهدئ من روعي. وأخيرا، لا أرى وجه أمي أو ~~خيزرانتها. # تهزني أمي بشدة، فأفتح عيني بتراخ. يواجهني هلعها وفي يدها زجاجة عطرها. تفتش في ~~أنحاء جسدي وروحي عن سبب لهذا العطب المفاجئ، بلا أمل للإجابة. # امتنعت أمي عن طلبها الأسبوعي منذئذ، ولم تعد تعلق على أحلام يقظتي، لكن هلعي من ~~الاهتزازات ما زال مستمرا. # | بائع الكلام # يبدأ المؤتمر الصحفي، يرسم على وجهه ملامح الجدية، يلقح حديثه بكلمات إنجليزية تناسب ~~بذلته «السينيه». على يساره ترتكز لوحة إلكترونية كبيرة، عليها رسومات بيانية، وأمامه ~~تستلقي أوراق، يخط بأحمره على أرقام وبيانات لتأكيد نجاحات المؤسسة. # تصله رزمة الأسئلة، وبحركة اعتيادية يفضها بتأن وهو يتابع بيانه. وسط القصاصات ~~يأتي دورها، لا تختلف في الشكل عن غيرها. يفتحها، فتصدم عينيه؛ جريئة وصريحة، والأسوأ أنها ~~تقطر صدقا. # يبحث بين الوجوه عن مرسلها، يقلب فيها عن إمضاء أو علامة تكشف كاتبها، وحينما تتكتم ~~يحاول تجاهلها، فيفاجئه شبح يأتيه مرة من خلف هذا العمود، أو من بين تلك الستائر ~~المخملية، ثم يطل برأسه من تجاويف الحواجز المبطنة. # يتلعثم، تتقطع كلماته، يتخلى عن رابطة عنقه الحريرية، وعيناه معلقتان بهذا الخط وبشبح ~~كاتبه. يستجدي الكلمات؛ لعلها تفضح صاحبها، فتطل عليه بسخرية وكأنها تبرز له ~~لسانها. # تباغته حشرجة، فيسارعون إليه بكوب ماء، تتبعثر قطراته كطفل. يحاول استعادة الثبات، ~~وإزاحة قطرات حرجه بمنديله، ثم يعيده لعناقه مع جيبه الأمامي. يطارده الشبح مرة أخرى، ~~يفرك ms06 عينيه من خلف نظارته الثمينة، لكن ذلك لا يمنع تناسخ شبحه بعدد حضور قاعته. # تستبد أسئلته بعقله، يلمح ثرثرة بين مقاعد الإعلاميين، فيشك أن أحدهم احتال على ~~النظام الذي وضعه لمنع تباهي الصحفيين المخبولين بجدلهم، بضبط إيقاع الأسئلة بالاتفاق مع ~~مندوبي الصحف الرئيسية، أو إرسالها مكتوبة إلى منصته. # يداعبه شبحه تلك المرة مرتديا وجوها لموظفين تجاوزهم نفاقا، ودهسهم بقاطرة طموحاته ~~وصعوده. أحدهم وشى بإحدى محادثاته الشخصية عن مديره، فنال هو ترقية استثنائية، ونظرة ~~عتاب من ضحيته قبل مغادرته الأخيرة للمبنى، وثان دس تقريرا عنه، وآخر دبر له فضيحة ~~فساد أخلاقي. # عادت أشباحه لهيئتها الأولى، ولكن رافعة شعارات رنانة اعتاد عليها ماضيا، حتى ثبت ~~عطبها، فخلفها في ركن قصي من عقله وقلبه، وعليها لافتة «منتهي الصلاحية». # تعيد له الورقة دهشة مرسومة على وجوه أصدقائه القدامى، وأسئلتهم حول وظيفته الجديدة. ~~توقفوا كثيرا أمام مسماها، «بائع كلام»! هكذا قال بلا مواربة، هو خريج كلية التجارة ~~الذي عمل بالتجارة حينا، فباع كثيرا من البضائع، وآخرها الكلام، و«كله تجارة، والتجارة ~~شطارة». هكذا سوغ لهم اقتحامه هذا المجال الجديد. # سألوه يومها عن متطلبات وظيفته، فأجاب بأريحية يفتقدها الآن: كالتجارة؛ كلام معسول، ~~ووجه واثق، وقدرة على التسويغ المستمر. ولا تنسوا البذلة، والشياكة، حتى الحذاء اللامع. ~~وكتب في التنمية البشرية تستحضر عناوينها في حديثك، ولا داعي لقراءتها، فيمكنك البحث عن ~~ملخصات لها، أو حتى قراءة أغلفتها الخلفية. # يتخيل الآن وجوههم وهم يتابعونه على شاشات التلفاز وكل تلك الميكروفونات تملأ منضدته، ~~فيقنع نفسه بأن الغيرة دفعت أحدهم لاقتحام حضوره بهذه الورقة اللعينة. # وقع أسيرا لغيابات توقعاته، تخلى عن ثباته، فحاول أن ينهي المؤتمر، وأن يعود إلى ~~مكتبه، فاتسعت الهوة أمامه، واختفت الدرجات المخملية من تحت قدميه. # | التوقيت المناسب # تمسك بهاتفها المحمول، تحتضنه بشدة، تراجع مستوى الصوت مرات للتأكد من ضبطه على ~~أعلاه، ثم تتلمس موضع سماعات أذنيها التي فرضتها عليها سنوات عمرها السبعون. # تنير أضواء شقتها لتخيب آمال «سلطان النوم» في الاستفراد بها. تحتمي بفنجان قهوتها ~~الثاني، فتستجديه لنصرتها ms07 عليه. # تنتهي من فنجانها، فترده إلى مكانه بالمطبخ، وأثناء عودتها تطرق الباب الوردي؛ جريا ~~على عادتها التي واظبت عليها رغم غياب ساكنة الغرفة. تتنهد، وتستنشق بعمق لتطهر ~~رئتيها بعطرها المحبب. # تختلي بالألوان والكتب المبطنة بلمسات الأنامل الصغيرة، وتعيد ترتيب الأوراق المحتفظة ~~بوجهها الفوضوي بفعل الشخبطة والحروف المتعرجة. # تبحث عن قطع «البازل» لتكمل أحلامها، ثم تصفر مع القطار ليبدأ رحلته للعودة إلى سنوات ~~حلوة، بطعم البراءة حينا، وبالصراخ والمناكفات حينا آخر. # تتبادل الأحاديث مع أبطال القصص المتراصة التي تعاتبها لغيابها الطويل، وتستعطفها ~~بإزاحة غبار سنوات زادتها شيبا، فتقدم لها الاعتذارات، وجولة تنظيف مجانية. # تطلب من بطلاتها أن تهبها بساطا سحريا يرسلها إلى شواطئ المحيط البعيد، أو أن تمنحها ~~حكايات تختصر بها دقائق من لياليها المملة، لكن البطلات يفاجئنها بنوبة نعاس طويل ~~لن يخرجها منه سوى لمسة من «الأميرة الوردية». # تسقط من الكتاب المصور الكبير صور صغيرة مقصوصة ل «ست الحسن»، بشعرها الطويل الذي ~~طالما حملها لأحلام أكثر براحا، ثم يعيدها مرة أخرى لأحضانها في موعدها. أما اليوم فهي ~~تود لو تكتفي بجدل ضفائر «الجميلة»، أو حتى قصه على الطريقة الحديثة؛ لعل ذلك يمنع ~~رحيلها مرة أخرى. # على الحوائط، ما زالت الآثار محفورة بفرحتها المقاسة بالسنتيمتر حتى جاوزت المائة ~~بقليل، فيما استطالت فرحتها اليوم بعيدا عن عظام كتفها الهشة. # تدق ساعتها وتعلمها بانتصاف الليل، فتتذكر هاتفها. يجرها عكازها لمكانه، فتعيد ~~النظر إليه، فترجع خائبة. # تنتظر وتنتظر، وتمني نفسها: ربما الساعة غير مضبوطة، أو لعل الخطوط مشغولة لضغط ~~الاتصالات، تنتظر فيما يزحف خوفها كالسوس ينخر جسدها كآلة صدئة. تنتظر وتنتظر، ربما ~~تأتيها «ذات الرداء الوردي» بكعكها المحبب. # يرن الهاتف الأرضي، يظل صراخه صاخبا، والجسد على مقعده منتظرا، وفي يديها تهمد ~~سماعات أذنيها، بينما يطل ثعلبها المكار مستعدا لانتفاضته. # | نصب تذكاري # كنت الشاهدة الأولى، نطفة في رحم الكون. عشت مخاضا طبيعيا طويلا، دوامات متتالية ~~من الانشقاقات والالتحامات، فراقا ثم لقاء يغريني بديمومته، حتى يفاجئني انفصال يبدو ~~لي حتميا هو أيضا. ترتطم بك تساؤلات عدة: ms08 هل كنت ذرة من جبل، أم قطرة من أول أمطار ~~عرفها الكون وارتوى بها؟ # أحاول أن أشحذ ذاكرتي البعيدة؛ حينما كان الجميع عطشى، وشهدت بداية الارتواء، نقطة ~~تلو أخرى، زخات متتالية، حتى تكون الطوفان الأكبر. # تمر اللحظات كألف سنة مما تعدون؛ ~~حيث الكون ينكشف رويدا رويدا، يفرك عينيه الناعستين، لأكتشف أنا آخرين يشبهونني، ولا يكتفون. ~~وبحركة إعجازية، تجمعنا، ولم يكن الأمر أكثر من مجرد كن فيكون. # حل الاستقرار أخيرا، فلم يعد للزمن قيمة، غرور يأخذني لمساحات متتالية من الأبيض. ~~إحساس بالتفرد المحسود، ولكنه يلبسك شعورا غير منطوق بالوحدة؛ حيث تطاولك كل المواسم، ~~ويصبح هدير الأمواج رفيقا مخلصا. # لا حدود، حتى يأتيني الزائر الأول، كالعروس البكر، أبتسم خجلا، فيفض بكارتي بمراسم ~~بدائية، فأحمل أول الأسماء، عشقا وولها، وأعاهده وفاء، ولكن يأتيني آخرون فلا تحفظ ~~حرمتي، ويكثر الآثمون. # زيارات متتابعة تنطق بالضحكات والابتسامات البلهاء واختراق للوحدة يبدو، للوهلة الأولى، ~~محببا، ثم ما يلبث أن يظهر وجهه الشرير، حينما يطول التدخل، وتنتهك الخصوصية بتشويه ~~متعمد للروح تحت مسميات زائفة للعشق. # ويزداد الكون من حولي رثاء، وتتوالى الأنفاس، ثم تتقطع وتختنق بفعل «الأسود»، ويزداد ~~الاحتكاك، وتتآكل مساحات «الأبيض»، ويحتل «الأصفر» بغروره وصخبه، ثم تختلط الألوان ~~بعنفوانها. # يرتفع المدى جنونا، وجلبة تحتلك، وترتطم حوافك باليابس. وعلى المدى، تحتل الصورة ~~الناقلات العملاقة، وأطنان الأسمنت، وسبائك الحديد. يستبدل بهديرك صخب الرافعات، ~~والشاحنات، وناطحات تأكل روحك، حتى تصبح بالنهاية مجرد «نصب تذكاري» على بطاقات ~~المعايدة. # | فقاعة الهواء # يتناول بجرعة واحدة كوب الفوار. تداعب فقاعاته أنفه، فيتمنى استمرار دغدغاتها بعض ~~الوقت؛ لتخفف حدة ضيقه. تفاجئه نوبة تسريح لغازات فمه، فيشعر بقليل من التحسن. ~~«كان علي مقاومة إغراء تلك الأصناف الدسمة، والانصياع لنصيحة الطبيب.» هكذا وبخ ~~نفسه، رغم يقينه بعودته لمجاراة ضعفه الأول. # يلقي النظرة الأخيرة على مظهره، فيسعد بنجاحه في عقد حزام بنطاله أضيق بثقبين، ليقلل ~~محيط كرشه المتدلي بقدر الإمكان، لكنه لم يستطع التمادي في طموحاته مع إلحاح صراع أمعائه، ~~فترك سترته مفتوحة؛ لعلها تهدأ . # بخطوات متراخية، يتجه ms09 إلى القاعة. يتمنى لو يتخلص من ثقل غازاته نوبة واحدة. ~~يستقبله أحد المنظمين، ويدله على طاولته التي يتفاجأ بجهله معظم وجوه ساكنيها، فيلعن ~~المنظمين لهذا الفخ. # يتابع، بحقد محبوس كغازاته، ذلك الرابض فوق منصة سطوته وهو يتبختر في خطواته كطاووس، ~~يصافح كبار المدعوين ويصاحبهم لطاولته، فيما يكتفي بتحية باردة له، فيتأسى لعراب ~~كان يوما خادما مطيعا، يقدم فروض نفاقه. «يا لغبائه حينما نصبه نائبا له!» تمتم ~~لشيطانه. # يهمز لجاره بأناقة مضيفه التي أصبحت موضع نميمة في صالونات الصحافيين، ويتساءل، ببراءة ~~مصطنعة، عن أي نوع من صبغات الشعر يستخدمها، غامزا له بأنه لاحظ انخفاضا في مستوى ذراعه ~~اليسرى، ربما كان سببه ثقل ساعته الذهبية المهداة له في زيارته الأخيرة لدولة النفط ~~السخية في عطاياها «لأصدقائها». # يتمنى لو كان بسطوته فيطلق أسراب هداهده بين الطاولات، ليشيعوا بين مريديه كيف أن ~~الصحيفة المرموقة انخفض عدد قارئيها بعد «طلاقه» لها، وأن موقعه المؤسس حديثا تعداها في ~~مؤشر «أليكسا»، وكيف أن الغربال الجديد يحاول جاهدا شد سير العمل، حتى إنه اضطر إلى ~~رفع الرواتب لضمان الولاء. # تلح عليه أمعاؤه المثقلة، فيتناول جرعة فوار أخرى. تمنى لو يصبح، مثل فقاعات دوائه، ~~خفيفا وشفافا، فيرتفع إلى ذلك النجم الساطع على شاشاته الفضائية؛ ليزيح منافسيه. ~~يتذكر صباه؛ حينما كان يستمتع بلعبة الفقاعات، وخاصة عندما كانت تنفجر في وجوه أصدقائه. ~~لم يكن يعلم حينها أن عملية التنظيف تعتمد، أيضا، على الفقاعات وقدرتها على فصل الأوساخ عن ~~سطح الملابس. ربما احتاج أن يكون إحدى تلك الفقاعات؛ ليطهر القاعة من نفاقها. # تغلق الأنوار، ويهدأ الصخب. تنار شاشة كبيرة، ويبدأ المضيف سرد نجاحاته خلال العام ~~الذي ربض فيه على قمة مؤسسته، وعدد مراسليه ونجوم السياسة الساطعين على صفحات جريدته. ~~تنفجر فقاعاته، وتتحرر معدته، ويتخفف في خطواته فور انطفاء الشاشة، وهو يسارع بمصافحة ~~نجم الحفل، وتحل ابتسامة عريضة على وجهه أثناء نوبات التصوير. # | انتصار # زفرة عميقة يطلقها، يخفف بها ملله، يكره هذا الإحساس الرطب، يستغيث بأربعه، ~~وبخطوات متثاقلة يتحامل عليها ، تتلمس أطرافه الأولى ms10 حرارة الحبيبات الناعمة، فتبعث في ~~نفسه بعض الدفء. # يداعب الوجه السخي، فيرسم خطوطا منحية وأخرى متكسرة، يمنح أطرافه حدودا لا ~~متناهية، يغوي بها هذا القرص المتلألئ في سماه، المزهو بحرارته، يطارده بنظرات ~~مضطربة، حتى تفاجئه موجة تزيحه خطوات، فتخفف من حرارة عجيزته. # على بعد ذراعين، يتداعبان، يرشان المياه من مسدس بلاستيكي، فتتناثر ضحكاتهما مع ~~حباته، وبقدر صفائها. يد تمتد للخصر الذي امتلأ بعض الشيء، فيما تلامس أطراف اليد ~~الأخرى نبتتهما الصغرى. # على بعد موجتين، يلمحها بجسد منتفخ، تغريه التواءاتها، زهوها السخي بألوانها، يجذبه ~~صمودها المنفرد، يتمطى مرة ومرتين، فيخزيه ضعفه. يتنهد بضيق وبرجاء، يستعطف تلك ~~الموجة الماردة، تقربه خطوة، فتداعبه الألوان وحلم التهادي. يطلق النفس عميقا، ~~ويشد العزم، فيخبط الوجه المتلألئ من تحت أقدامه، ويزيح بعصبية أطرافا تحاول منع ~~مروره. # على وقع الضحكات يداعبها. يهمس في أذنيها: هل تتذكرين المرة الأولى؟ تجيبه بنظرة ~~خجلى؛ تلك النظرة التي طالما سحرته وشاكسته. تتلامس الأطراف تلك المرة فتتدافع ضربات ~~قلبها، فلا يزال يحتفظ بحقه الأزلي في دغدغة مشاعرها. # تسقط بفعل موجة غادرة فيضجان بالضحك، ترتسم على وجهها ملامح الغضب حينما تخطو أخرى ~~أمامهما بملابسها التي تكشف مفاتنها، فتقارنها بردائها الذي صار فضفاضا ليخفي خصرها الذي ~~أثقل محيطه بضعة أرطال. # تلمح نظرة جانبية للساق الممشوقة الخالية من الزغب، كإحدى موديلات الإعلانات، يحتدم ~~صراعها الداخلي، فتعقد النية على مشادة حادة. ~~«ماما! بابا!» يلمحانه بنصف جسد، يرفعه الموج، فيحجبه عنهما، يظهر ظل كف مرفوعة كاستغاثة. ~~وبنظرة مذعورة، يبدآن العدو، حتى إذا ما هدأت الموجة ظهر هو بقدمين متشبثتين داخل ~~عوامة، وعلى وجهه علامات الزهو والظفر. # | قيلولة # حينما تحل تلك الساعة أتذكر صيحات أمي الغاضبة، ودعواتها التي تصلنا رغم وجهها ~~المكور تحت وسادتها، تأمرنا بالخضوع للنوم؛ احتراما لعادتها اليومية المقدسة. # كنا نحن الثلاثة، قبل أن يضاف إلينا رابعنا وخامسنا، نتحايل على محاولات «إرغامنا»، ~~فنشد ألحفتنا فوق رءوسنا، بينما تتواصل ألاعيبنا أسفلها، تتداعب أطرافنا الممتدة عبر ~~أبعاد سريرنا الأربعة، فنخلق من ملاءتنا أمواجا نركبها كقراصنة عتاة. # نتصارع أينا ms11 يسبق في لسع أحدنا أثناء لعبة «صلح»، محاولين إخفاء رنات ضحكاتنا ونحن ~~نتبادل الغمزات لمزيد من التمويه. وحينما تحثنا أمنا، بضربة من أطراف قدميها، على ~~الصمت، نبدأ في اختلاق النكات والمقالب، متخذين من مغامرات توم وجيري قدوة لنا. # تتساقط أعين إخوتي تباعا تحت وطأة سلطان النوم وضربات أمي المتتابعة من خلف ستائر ~~أحلامها، فيما يستعصي النوم على ذهني. أستلقي على يميني؛ تيمنا بنوم «الملائكة والرسل» ~~كما حدثنا أستاذ التربية الدينية، فأتساءل: هل تنام الملائكة حقا مثل البشر؟ # أزيح البحث عن الإجابة جانبا، حينما تداعب عيني خيوط أشعة الشمس وظلالها الترابية ~~المتسللة عبر فتحات شرفتنا نصف المغلقة، أعيق مرورها بيدي، كما أفعل مع أسراب النمل في ~~حديقة مدرستنا، ثم أتابع خيوطه وهي تواصل مرة أخرى مسارها. # ألمح فراشة تنتصب على ورود ستائرنا الزائفة، أتابع خيبتها ومحاولاتها امتصاص رحيق كاذب ~~لن يسد رمقها. # أجرب تلك المرة طريقة نوم الملوك والأمراء، فأستلقي على ظهري. لا أتذكر أين قرأت تلك ~~المعلومة، لكنني أظن أنني تقمصت بنجاح دور الأميرة مرات عدة، فأدخلت تعديلات على ~~مأساتها، وجعلتها أكثر جرأة في مواجهة زوجة أبيها وبناتها، وأخفيت تسجيلا صوتيا لهن في ~~طيات ملابسي لم يستطعن إنكاره أمام والدي، فخرجن بلا رجعة من مملكتي. # على الجدران، تتراقص خيوط ستائرنا مرة أخرى. أتبع نصائح مدرسة الرسم، فأرسم بها وجوها ~~لحيوانات وبشر بملامح فضفاضة. تلك أذن قنفذ، وأخرى لحمار وحشي، وذلك أنف مفلطح وجبهة ~~بارزة. للأسف، لم تخبرني كيف أبث فيها الروح على الورق؛ فقد سحبوا الحصة اليتيمة ~~أسبوعيا لصالح مادة الجغرافيا لإلحاح المنهج، ولأن الرسم ليس مادة نجاح ورسوب! # لم يبق أمامي خيار إلا الجهة اليسرى. هل أجربها رغم لعناتها حسب مفتينا وكتبنا ~~الدينية؟ تلفحني أنفاس أمي الهادئة كزخات الندى الصباحي، فأعجب لحرصها على ساعة قيلولتها ~~مهما كانت مشاغلها، فيما فشلت محاولاتي في إيقاف صرير الأفكار في ذهني. # اليوم، وبعد عشرين عاما، في الساعة نفسها، أستلقي على كرسيي الهزاز بشرفتي التي ~~جعلتها مرتعا للفراشات، تنهل من زهورها كيف تشاء، وبينما ms12 عيني لا تزال عصية على سلطان ~~النوم، تتهادى على الأريكة المقابلة أنفاس أمي مستسلمة لأشعة شمس خريفها الوادعة. # | جمهورية المبروك # بصوت جهوري، تفاجأت به حارتنا في عصر يوم شتوي. كلماته همهمات يطلقها لسانه الأعرج، ~~كأنه يحدث نفسه أو أشباحا لا يراها غيره. أزعجنا صوته الأجش، فلاحقناه ~~بلعناتنا. # اعتدنا حضوره في الوقت ذاته يوميا. نطلق التعويذات بمجرد ظهوره، وحتى رحيل آخر تردد ~~لصدى صوته بالشوارع المجاورة. بظهوره تتوارى الحوامل خشية على أجنتهن، فيما تتبعه ~~شياطين الشوارع؛ يقلدونه حينا، ويطلقون قذائفهم الرملية حينا آخر. # تعددت معاركه التي كانت لها جماهيرها من صبية الشارع وسيدات الحارة اللواتي يتلهفن ~~لحكايات يشغلن بها ثرثراتهن الصباحية عبر الشرفات. # في هذا اليوم كانت المعركة أكبر، وأشعلتها الشائعات، وزادتها سخونة، عندما تعثر به «عم ~~بدوي»، صاحب أحد المحلات، فأطلق العنان لسبابه، ووصف قدومه بالشؤم. # وفي الليل، كان صراخ «عم بدوي» يستبيح السكون ساعات عدة، حتى سكت صوته تماما. احتار ~~الأطباء في تشخيص مرضه، فقالوا إنه التهاب حاد بالحنجرة، ثم استدركوا: بل في الأحبال ~~الصوتية. # وحينما رفض الألم الخضوع لتوسلات المضادات الحيوية، التمس الأمل في الأعشاب الطبية؛ ~~وهو ما أسعد عطاري المنطقة الذين تفننوا في إبداع الخلطات والوصفات، لكن ذلك لم يجد ~~في نهاية الأمر. # وفي صلاة جمعة، تحدث إمام المسجد عن عقوبة الظالمين، وردد المثل الشعبي: «يا بخت من ~~بات مظلوما، ولم يبت ظالما.» وحذر المصلين من أن «دعوة المظلوم لا حجاب بينها وبين ~~الخالق». # يومها، وفي فترة العصاري، حين يحلو لعم بدوي، بعد تناول الغداء، الاستلقاء على سريره ~~وتناول شايه الذي استبدل به منذ مرضه كوبا من الأعشاب التي جلبتها زوجته من أسوان، فاتحته ~~امرأته بما في نفسها من شكوك. # على استحياء، لمحت له بأن مرضه ربما يكون تكفيرا عن ذنب، أو إشارة ربانية. وحينما ~~استجابت نظراته لشكوكها، ذكرته صراحة بمعركته مع الرجل المجذوب، ورده على سبابه الذي لم ~~يتجاوز الهمهمات التي كانت، حسب تفسيرها، دعوة في ساعة «مفترجة»، ثم طلبت منه بصراحة ~~تطييب خاطر المجذوب. # أمام ms13 إلحاح المرض وحديث أم العيال، و«وقف الحال» الذي أصاب البيت، خضع «عم بدوي»، وعند ~~أول بشارة لقدوم المجذوب فوجئ أهالي الحارة بلقاء حار، وأحضان وقبلات، ثم دعوة الرجل ~~«البركة» إلى الغداء. # لم يتم عم بدوي ليلته الثالثة على الصلح إلا وقد تعافى صوته، وعادت إليه شخطته التي ~~كادت ترج البيت والدكان، وأطلقت زوجته زغاريد في وضح النهار، وكأنها أرادت بها محو صراخ ~~الليل وألمه. # أغلظ «عم بدوي» الأيمان ببركة «شيخنا المبروك»، وذبح شاة على حس «بركته». # ومن حينها تبدلت الحال؛ ففي ساعة مرور الرجل «المبروك» يترجل الرجال، ويتوقف البيع ~~والشراء، وتتابع النساء من شرفاتهن الموكب المبروك. # بعد أسابيع، دعا «عم بدوي» كبار الحارة إلى اجتماع عاجل في دكانه بعد صلاة العشاء التي ~~أصبح مواظبا عليها، بل وأجبر صبيته على إغلاق دكانه لحين إقامتها. # افتتح «بدوي» حديثه بمقدمة طويلة عن عمل الخير، ووجوب الثبات عليه، وأهمية إدخال البركة ~~للحارة ولأهلها جميعا، ثم أطلق اقتراحه باستضافة «المبروك» بشكل دائم، وأن يقام له مجلس ~~في أحد أركان الحارة. # في البداية تلعثم الحضور، واعتبروا ارتباطه بالرجل «المبروك» مبالغا، لكن «عم بدوي» ~~أسكتهم بتذكيرهم بمرضه ثم شفائه، بعد حيرة الأطباء، بعد الصلح على مسمع ومرأى من الجميع، ~~مختتما حديثه بتحذير من ويلات رفضهم. # كانت موافقة بدت في أول الأمر على استحياء، ثم تحولت إلى حماسة تجلت في اجتماعات ~~تالية للحديث عن المكان المناسب، وتأثيثه، وتوزيع المهمات في دوريات استمرت ليلا ~~ونهارا. # الوحيد الذي سخر من مجهوداتهم كان «كبير عائلة المتعلمين»، «الأستاذ مصلح»، الموظف ~~المحال على المعاش، الذي حصل على لقبه لأنه الوحيد الذي حرص على تعليم أبنائه الثلاثة حتى ~~وصلوا إلى الجامعة، وتخرج الكبير فيها. # لم يقتنع «الأستاذ مصلح» بحججهم وحماستهم، فاحتجب عن اجتماعاتهم، ونفر من تصديق كرامات ~~«المبروك»، فانزوى في ركنه المعروف من المقهى، وانفض الجمع من حوله، وتحولت علاقته ~~بأهل الحارة إلى مشاحنات مكبوتة، يثيرها أصحاب المحلات، حين مروره، بتعمد الدعاء ~~للمبروك بصوت مرتفع. # أثناء جلوسه بالمقهى ذات صباح ، وبعدما استقر مقام «المبروك»، ms14 تجرأ «مصلح» وقرأ خبرا ~~من جريدته عن القبض على نصاب مشعوذ. استحال الخبر مشاحنة كبيرة، وبما أن «الأستاذ ~~مصلح» «صاحب ملك» في الحارة، فقد انتهى الأمر بقرار جماعي من أهل الحارة بطرد بائع الجرائد ~~الذي اعتبروه مشاركا في إشعال «الفتنة» بالحارة، وحظر بيع الصحف نهائيا. # تبدلت حال الحارة؛ بدءا من اسمها الذي حمل من «البركة» نصيبا. ولم يكن «المبروك» ~~يرد سائلا، ولكن إجاباته كانت دائما همهمات وأشباه كلمات، يفسرها كل حسب فقهه ~~الخاص، فصارت الحارة مبكى للتائهين الباحثين عن خلاص من مأساتهم، ورشد لتيههم. # لم يعد للحارة شاغل سوى «المبروك» وكراماته التي لا نعلم يقينا صدقها من كذبها، وصارت ~~حكاياته حاضرة في السهرات، مثل فك نحس ابنة «أم محمود»، ذات الخمسة والعشرين ربيعا، التي ~~توسلت إلى «المبروك» أن يمر بعتبة بيتها، لعل «ابن الحلال» يأتي ويطرق بابها، وهو ما ~~حصل بعد أيام. تلك البركة جرأت صبي المقهى المشاغب على اقتراح أن يرش من ماء ~~استحمام المبروك على عتبات أبواب الحارة للتبرك، وهو ما نفذه الجميع. # تحولت الحارة إلى بياض تام، بلون الجلابيب التي اتسع نطاق مرتديها، حتى حجب الرؤية. ~~بياض لم يعد يحتمله «الأستاذ مصلح» وأسرته، وهو الذي اعتاد اختلاف الألوان والأشكال، فحزم ~~أمتعته، بينما تظاهر رجال الحارة ونساؤها بأنهم لم يلحظوه، فرحل دون سلام أو وداع، ومع آخر ~~شعاع لمصابيح سيارة الأجرة التي ركبها، تنهد الجميع ورددوا: «استراح وأراح.» # صارت الحارة وكأنها تدور في حلقة دروشة لا تنتهي إلا بدوار وشعور بالغثيان. كم استمر ~~الأمر؟ وكم بقي «المبروك» بينهم؟ لا نعلم. الحكايات تؤكد وجوده سنوات طوالا، حتى جاءه ~~يوما بعض المتوسمين حلولا لخيباتهم، وحينما هموا بالدخول وجدوه جالسا متقوسا، ~~حاملا رأسه بين ركبتيه، فبقوا على بسطته ساعات طوالا. وحينما قلقوا لاستمراره على وضعه، ~~اقترحوا اقتحام خلوته. # وبعد مداولات على من يتولى إيقاظه، تطوع صبي المقهى بهزه، فسقط على الفور بين ~~قدميه. خرج الصبي لاهثا ينعيه لقومه، فركبهم الغم والحزن. وحينما أفاقوا على حقيقة الخبر ~~انشغلوا ثانية بدفنه، وتساءلوا: هل ms15 يغسلونه أم يدفنونه على حاله؟ وكيف يخلعون ثيابه ~~ويكشفون عورته؟ وهل هم أهل لذلك؟ ثم دثروه بعباءته، وأهالوا عليه التراب حينما بدأت رائحة ~~الموت تخيم على المكان. # عاشوا حدادا طويلا، لم يفارقوا فيه عتبته، ظلوا يرددون حكاياته وكراماته؛ ربما ~~خشية النسيان، أو فقدان ما كان يميزهم. وبعد تفكير، وحينما فشلوا في استيعاب فراقه، ~~أقاموا عند قبره مقاما ظل الناس يحجون إليه، وتطوع صبي المقهى بحراسته. # وبعد أسابيع، استيقظت الحارة على صوت جهوري يشبه صوت «المبروك»، وحديث يشبه كلماته ~~المتقاطعة. ظنوا، وهم يتخبطون في الظلام في طريقهم إلى مقامه، أن معجزة أخرى انشق ~~عنها قبر «المبروك». دخلوا، فلاحظوه في عباءته يدور في حلقات متتالية، ووجهه للسماء ~~يطلق همهماته، وحينما بدأت عيونهم تستبين الوجه، رأوا صبي المقهى الذي أخبرهم أن «مسا» ~~من المبروك قد جاءه ومنحه عباءته وبركته. ورغم المفاجأة، انفرجت أسارير الرجال لعودة ~~«المبروك» إلى حارتهم. # | قطعة سكر # بدأت كمداعبة منك، حتى أدمنت أنا تلك العادة، أحمل إليك مشروباتي، تزحف إلى شفتيك ~~لتختلس منها قطعة سكر. تضحكين، وتسألين بدلال عمن سرق قطعة السكر، وخبأها بين حباتك ~~اللؤلئية. أغار حينها من الكوب لحظه الوافر في أن ينهل من حلاوتك بلا رقيب. # أدغدغك، فتنثرين ضحكاتك الحلوة، تسكرينني ببراءتها. وحينما تبدئين ثرثرتك، أسجل ~~كلماتك المدللة، فيما تحاولين إخفاء وجهك عن عدستي، وأنت تشتكين عرج لسانك، فأذكرك ~~بخبث بغرورك مع جنية الأسنان، وإخفائك لسنك الساقطة واستئثارك به، فتردين ببراءة ~~إنك أردت إهداءه لدميتك؛ لفقر فمها. # الآن، أراقب مؤشرات ذلك الجهاز اللعين وهو يكشف سر حلاوتك المفرطة؛ وجهك الشاحب، وكل ~~تلك الأسلاك التي تذوب سكرك. من خلف هزالك، تسألينني بجزع هل تستطيعين الاستمرار في ~~عادتك؟ # ما زال الكوب يحتفط ببصمة شفتيك. أصبح باردا، شاخ على منضدته، ومرارته ملأت الحلق في ~~انتظارك. في انتظار قطعة السكر. # | رائحة الدجاج # بكفها البضة توقظني، أعرف تلك اللمسة الحريرية، «كف عز» كما تصفها دائما، قبل أن ~~تستطرد في حديثها عن الزبدة البلدية، والخضار الذي لم يضع مذاقه وفائدته بفعل المبيدات ~~وأشياء ms16 أخرى. مخيلتي مصمصة شفتيها وهي تترحم على أيام «خيرها». # تتوقف عن النداء الخافت حينما تتأكد من استيقاظي، وتحثني على الإسراع للحاق بها؛ حيث ~~أعلم جيدا أين سأجدها. # تنتظرني على مدخل مطبخها. بحرص شديد تمسك بيمينها «الكزرولة»؛ حيث ترقد بيضاتها في ~~سلام، وباليسرى ذلك الكرسي الخشبي ذا الأرجل المستطالة الذي صنعه جدي خصيصى ليرافقني ~~ويطيل قامتي في مهمتي الصباحية التي تتسبب في جرعات متتالية من توبيخات أمي؛ بسبب ~~تأخري عن موعد المدرسة، واتساخ ملابسي. # اعتادت جدتي أن تحتال على دجاجاتها، وتستعير منها بيضاتها، وتنقلها إلى «عيون الحمام» كما ~~كانت تسميها، بيضة واحدة لكل زوج حمام. في البداية، لم يعجبني الأمر، واعتبرت الأمر ~~«سرقة»، وأضفت بشكل استعراضي: السرقة حرام كما تخبروننا أنتم الكبار عادة، متسائلة في ~~حيرة حقيقية: ألا يسبب ذلك اضطرابا لفراخ الدجاج بين ولائها لأمهاتها الجينية والأخرى ~~بالتبني؟ # كانت جدتي تهدهدني، وتخبرني أن دفء الحمام يسرع من نمو الصغار، ويقلل من الفترة ~~التي يحتاجها البيض للفقس، كما أن الحمام حنون، فإذا أرادت الأم أخذ استراحة من الرقاد، ~~تناوب ذكرها معها على الرقاد بنفس راضية، أما الديك فأناني؛ يترك المهمة، مهما طالت، ~~للدجاجة. # ننتهي من المهمة الصباحية. حصاد اليوم عشر بيضات كاملة، اعتدت بعدها التسلل لأكشاك ~~الدجاجات، أهمس لها كي تطمئن على مصير بيضاتها. تستعجلني أمي لحلول موعد المدرسة، فأخرج ~~من العش وأنا أرمق هذا المختال بريشه وعرفه بنظرة حقد وعتاب. # تلتقط أذن جدتي نقر الحياة، وأول نداءاتها، فتناديني مسرعة: «تعالي! البيض بدأ يفقس.» ~~تنبهني للحذر، أحمل الفراخ الصغيرة، أدغدغ زغبها المنتشي، وأتحسس نعومته. كطفل جديد، ~~تحمله جدتي إلى أعشاش الكتاكيت المصنوعة خصيصى كحضانات للصغار، فيما أنشغل أنا بمواساة ~~الحمام. أشعر أن صغار الدجاج سترث منها حنانها وبعضا من روائحها؛ عرفانا ~~بجميلها. # تدلل جدتي صغارها؛ ربما لتعوض شيخوختها، أو تمرد أطفالها عليها. تحضر لهم البيض ~~المسلوق المفتت، والقمح، وبقايا الطعام، والخبز المبلول، طوال فترة حضانتهم، وحتى ~~انتقالهم إلى أعشاش الدجاج الأكبر سنا. # حينما كبرنا بعض الشيء، وكثر المتزوجون والأحفاد، استغنى جدي ms17 عن فيلته ذات الغرف ~~التي تشبه في اتساعها شقق الأفلام العربية القديمة، وأسقفها العالية، التي لا تحتاج ~~لتهوية اصطناعية، وحديقة تتسع لشغبنا نحن الأطفال، واستبدل بها عمارة ليحتل كل ابن شقة ~~فيها، نتقابل فيها بالصدفة على بسطات طوابقها وسلالمها. # حملت جدتي دجاجاتها، واكتفت بأعشاش لها من الخوص منتصبة فوق سطح منزلنا الجديد، وازدادت ~~تحذيرات أمي خشية علي من سور سطحنا، ومن صعودي السلم الخشبي الذي كان يربط الطابق ~~الأخير بالسطح. # كانت جدتي تسبقني إليه، بينما أبقى أنا بجانب درجته السفلى، ممسكة بعموديه لمنع تراقصه ~~تحت وقع خطواتها، حتى إذا اطمأننت لوصولها لقمته، أبدأ رحلتي في صعوده. # نعيد الكرة يوميا، نطلق سراح دجاجاتها، وننظف أعشاشها من مخلفاتها، ونستبدل بورق ~~الجرائد المفروش أسفلها آخر نظيفا، ونعيد ملء أحواض مياهها، وننثر حبيباتها، ونضع الخبز ~~الممزوج بالماء، ثم نحمل البيض، لا إلى «عيون الحمام»، فلم تعد باحتنا تكفي لأبراجها، ولكن ~~إلى «شقق» العائلة، كل حسب عدد أفراد أسرته. # يوما، عدت من مدرستي، وعلى ناصية الشارع انتفض جسدي على وقع صيحات وصرخات مصدرها ~~بيتنا، أكدت ظنوني تلك الجموع المتجمهرة على عتبته ومدخله. # علمت أن أحدهم اختار الانتحار حرقا فوق سطح منزلنا؛ لاعتقاده بأن طيور جدتي وعششها ~~الخشبية ستسرع من إنهاء حياته. تفحمت دجاجات جدتي، ولكن المنتحر، طبقا لشهود عيان رأوا ~~ملامحه المنتصبة رعبا، مات خوفا. ترى، هل الموت خوفا أسرع أم الحرق؟ # أسرعت أبحث عن جدتي، فوجدتها متكومة تحت السلم الخشبي، تنتحب لمنعها من الصعود ~~لإلقاء النظرة الأخيرة على طيورها قبل أن يجمعوا أجسادها المتصلبة في أجولة. # عاد الهدوء بعد أيام إلى منزلنا، وأصدر جدي فرمانا بحرمان جدتي من مزاولة عادتها فوق ~~السطح، مكتفيا ببناء قفص داخل شرفتها اليتيمة بشقتها. # كبرنا، وازدادت انشغالاتنا، وقلت نوبات تسللي إلى شقة جدتي. وحينما رحل جدي، وتعالى ~~الصغار على تناول البيض، واستبدلوا به الكورن فليكس والكرواسون، لجأت جدتي لبيع بيضها في ~~السوق القريب من شارعنا. # أصبحت رائحة جدتي تشبه رائحة طيورها، وانتقلت إليها عاداتها. كنا نتنادر نحن مراهقي ~~العائلة ms18 لأحاديثها مع طيورها، وإطلاقها عليها الأسماء والألقاب، واحتضانها وتفتيشها بين ~~ريشها عن الطفيليات. وقلت زيارات أبنائها لها؛ بحجة تأففهم من رائحة قاذورات طيورها. ~~كنت أتساءل: هل قلت الزيارات لهذا السبب فعلا، أم إن قلتها جعلت جدتي تستأنس ~~بدجاجاتها عوضا عنهم؟ # زحفت الشيخوخة على جسد جدتي وعقلها، أصبحت تنقر على بابنا، تشكو محاولات سرقة دجاجاتها، ~~واللص الذي أراد حرقة قلبها، فأشعل النيران في طيورها. تسمعها أمي غير مبالية وهي تقطف ~~أوراق الملوخية، وتدفعنا للدخول للمذاكرة وسط ضحكاتنا المستترة. # بعد سنوات، يجتمع الإخوة ويقررون الانتقال إلى أحياء أخرى، متعللين برائحة الدجاج ~~العالقة بجدران البيت. # تنشغل أمي بحزم أمتعتنا، وإخوتي يلتقطون صورا تذكارية لأركان منزلنا، وأتسلل إلى ~~الطابق الخامس، فتلفحني رائحة القمح والخبز العفن منذ سنوات، ألمح على الجدران ريشات ~~عالقة، أمنحها بضع زفرات تطلق سراحها. أجلس القرفصاء، وأجمع أطلال الأعشاش، وأحتفظ بأعواد ~~من الخوص، أخفيها في حقيبة يدي أثناء رحيلي. # | المفكر الكبير # بابتسامة خبيثة، قدمته: هو المفكر والكاتب والأكاديمي المخضرم، فلان الفلاني. ذكرت ~~حسناته، وقائمة طويلة من كتاباته وإسهاماته، ذيلتها بدراسة مهمة تركت بصمة في أصول ~~الفكر والعمل النقدي. وقدم ضيفي الآخر عرضا مستفيضا لهذه الدراسة، رغم صدورها منذ ~~سنوات طويلة، ولم ينس أن يذكر أنه رغم كتابة المؤلف لها في ريعان شبابه، فإنها كانت ~~تنبئ بحضور مهم لعقل مستنير. # انتهت الحلقة، وصافحني المفكر بشدة وهو يعدل عدسات نظاراته التي أصبحت الآن أكثر سمكا، ~~وخلع عنه سماعات الاستديو، وأعاد سماعاته الخاصة إلى موضعها. # أعطيته مظروف مكافأة الاستضافة وأنا أهمس في أذنه أن يشحذ ذاكرته ويراجع سنوات فكره ~~الأولى ليتذكر وجهي، حينما كنت طالبا لديه. نعم، كان وجهي أكثر نحافة بفعل الفقر ~~وامتصاص تلك الليالي الطويلة التي سهرت فيها على ضوء غرفتي اليتيم الأصفر، وأنا أكتب له ~~دراساته مقابل عشرين جنيها. # استمع إلي بثغر مفتوح، فأخبرته بسخرية، وأنا أنظر إلى مظروفه الراقد على راحته، أنني ~~لن أنسى تلك الفرحة حينما كافأني بمائة جنيه إضافية عن دراسته الضخمة التي خطت به أولى ~~خطوات المجد. ms19 ترك الاستديو متعرقا، وعدت أنا لكرسي المضيف منفوخ الصدر. # | في حضرة رجل # أسرع الخطى في محاولة بائسة لإثبات رجولتي المبكرة. أخفي أنفاسي المتلاحقة كدليل ~~إدانة على ضعفي. بجوار ذلك الحائط، ترتطم المخاوف والأحلام كما ترتطم الأجساد. # درجات السلم تمتد أمامي، أشعر بها قاسية، أصعدها تلك الليلة كعربة خربة تصعد ~~مرتفعا شديدا، أحمل قدمي فيما تخذلني هي. # تذهل أمي حينما تراني، تبقى في استسلامها، وتسألني دموعها المتحجرة: هل ذهب حقا؟ لا ~~أعطيها فرصة لمحاصرتي بأنينها، فأدخل الغرفة، وأغلقها كقبر علينا. # مسجى أمامي الآن، عاريا تماما من سطوته وغضبه ورجولته التي طالما استعرضها أمامي. ~~أتذكر صموده أمام بكائي، ورده بابتسامة باردة. هذا الصمود خذله، فتركه وحيدا في ~~لحظاته الأخيرة. # أقرأ المشهد في عينيه الثابتتين على نظرة الرعب الأخيرة. تذكرني بارتعادي أمام قوته، ~~وتحت حزامه الذي ترك آثاره على لحمي الغض. لعلها حلت أخيرا لحظة انتقامي الأول والأخير ~~منه. # الآن، أصبحت رجلا كما أراد، أصبحت دموعي عصية، يحلو لي انتقامي واستغلال لحظة ضعفه، ~~رغم توسلات نظراته، أعيد المشهد عليه كضربات لاعب محترف. # يعيد ذهني لعبتي القديمة؛ حينما كانت توهمني كوابيس رعبي بقدراته المارقة، فيضبطني في ~~نوبة نعاس أفتش في وجهه عن قناع المارد، فتوقظني صفعة من يده، ويزيحني عن أحلامي. الآن، ~~أعيد بحثي مطمئنا أنه لن يزعجني ولن أزعجه. # أجرده من أسلحته المتجبرة على ضعفي؛ حزام، ويد، وسباب، وركلات. أحكم دفنهم في طبقات ~~الأبيض، وأسد ثناياه كمارد محكوم عليه بالحبس في قمقمه. # أسمع تساؤلاتهم وثرثرات فضولهم: ماذا حدث؟ وكيف؟ ولماذا جاء متجردا؟ وأين ملابسه التي ~~انتفضت عنه؟ تستحلفني نظراتك ألا أخذلك هذه المرة، وأن أكون رجلا ولا أبيح سرك، وأن ~~أبقيك «ماردا» في ذاكرتهم، أن أمحو هذا الحادث ومفرداته، في استسلام تام. # الآن، سأكون أهدأ، سأجلس عند ناصيتك، أهمس إليك، أبثك أسئلتي، وظلال تلك النظرة ~~تلاحقني، هل كان الحادث عذرا لموتك أم لإحياء هذا الرجل الذي تمنيته؟ # | رمادي # المشهد لا يختلف كثيرا في مجمله، الجالسون على المقاهي لا يزالون في مقاعدهم يلقون ~~بالنرد، ms20 ويستنشقون أحجار النرجيلة، والنساء في شرفاتهن يتابعن حدث التنظيف اليومي، وشراء ~~خضرواتهن من البائعين الجوالين، ولكن كل ذلك يتم الآن بتواطؤ خفي من الصمت، لا ثرثرة ~~أو ضحكات، ولا حتى سخرية أو جدال أو مشاحنات متناثرة. # متى أصبح للصمت كل تلك السطوة، فصار كأذرع الأخطبوط، يمتد ليحتل النفوس، فيصبغها بلون ~~رمادي يشبه الموت في حياده؟ # ربما بدأ ذلك منذ اختفاء بعض الثرثارين. ذهب الأول، فاعتقد البعض بسفره، أو رحيله ~~المفاجئ دون وداع. ورغم تصريحات الارتياح لانخفاض حدة الصخب، فحينما تعددت حالات ~~الاختفاء ملأت التساؤلات الأذهان، ولكنها لم تجرؤ على تخطي حدود الأدمغة، ثم أصبح للخوف ~~سلطة عليا، فتوارت النظرات المشتبه بها، وزحف الصمت الثقيل بخوائه حتى امتلك ~~الجميع. # صارت تعبيرات الوجه جريمة، فالتزم الجميع حيادهم التام، وارتدت الوجوه أقنعة ثلجية. ~~خلت الأرصفة من مجالسها الليلية وصخبها النهاري، وخشيت الأمهات على أطفالهن من العقوبات، ~~فبدأن بفرض أطواق حول أعناقهم لمنع عبثهم. وحينما لم يلتزموا بشعائر الصمت، أقمن على ~~أفواههم سياجا. # ضبطت امرأة بتهمة الضحك علنا، فعوقبت بارتداء وشاح بلاستيكي لشهور عدة. وحينما ضاق ~~البعض وحاولوا الهرب، عوقبوا بالحبس داخل جحور؛ ليتأكدوا أن الحياة الرمادية أوسع مما ~~كانوا يتخيلون، وقيدت عقولهم بأصفاد؛ لردعهم عن معاودة التفكير في الهرب. # تواطأت الطبيعة مع الحكم الرمادي، فتوقف تعاقب الفصول. لم يعد هناك حر أو برودة، ~~أو رطوبة أو ربيع. خضعت الطبيعة وقدمت ولاءاتها للرمادي، وانتشر السعال وأصبح كالزفير ~~والشهيق. سكن الكسل الأجساد، والتزم الجميع الجمود. # في السابق، أدمن الجميع كتابة التقارير. وحينما زادت وطأة الصمت، لم تعد هناك أسرار ~~تستباح، فقلت التقارير، حتى اختفت ولم يعد لها معنى. # لم يعد هناك أشباح لعلاقات إنسانية عاطفية أو حتى حسية، هجرت بيوت المتعة، واشتكت ~~النساء، وزممن أفواههن اعتراضا على فتور رجالهن، حتى لبسهن اليأس، فخلعن لباس أنوثتهن، ~~واختفت ألوانهن الزاهية من فوق أحبال غسيلهن. # وفي يوم، استيقظت المدينة على صخب جديد؛ أبواق، ومنشورات توزع وتلصق على الجدران ~~تؤكد إمكانية التغيير. لم يصدق أحد تلك الشعارات، واعتبروها اختبارا ms21 للوفاء، فالتزموا ~~الصمت، وقدم الكثير قرابين طاعتهم، فطلوا المنازل بالرمادي، فضاقت المسافات وتآكلت ~~مساحات الفراغ. # | فوبيا # شعور بالتحرر يداهمني وأنا أعبر تلك البوابة. اللون الأخضر بسلامه يغويني، وصفحة ~~النيل أو ما تبقى منها قبل أن تتآكل بفعل الفنادق والمباني المتعددة النجوم والطوابق، ~~تستقبلني كأنها تبتسم لي، وتتمنى لي صباحا ممتلئا بالحواديت ككتابي الذي أضمه إلى صدري ~~كوديعة. # دعوة لقضاء صباح لا تقطعه نوبات بكاء صغيرتي وصراخها، أو جرعات لا تنتهي من الأعمال ~~المنزلية، تلقيتها من صديقتي إلى نادي جامعتها الموجود على شاطئ النيل. # أتاحت لي الدخول ببطاقة عضويتها، ثم انصرفت لأستمتع بخلوتي الخاصة، أنا وكتابي وثالثتنا ~~المتعة الحلال، أرتوي منها. حتى هذا العامل بلباسه الرمادي الكالح لم يزعجني، لعله ظنني ~~من رواد المكان المتشابهة هيئاتهم بفعل هيبتهم العلمية، الذين يأتون لمهمات مشتركة؛ إما ~~الانكفاء أمام شاشات الحاسوب للدراسة، أو تصحيح كراسات حفظ حجمها وشكل أغلفتها ~~الخارجية، أو لتدوين الملاحظات على الرسائل العلمية. # في النهاية، اكتفى العامل ببسمة رائقة عند جلوسي، ثم راح يستكمل تنظيف الطاولات وإحكام ~~غلق المظلات، أو فتحها حسب طلب القلة من رواد النادي في هذا الوقت المبكر. # بدأ الأمر على مهل. جاء الأول، فلملمت أشيائي، ونقلتها من الكرسي المقابل إلى المجاور. ~~دقات قلبي تتسارع وتيرتها، نظرة منه دامت لحظات ثم رحل، فانكأفت أنا على كتابي أواري ~~قلقي وتوتري. # دقائق مرت، نعمت فيها بمداعبة نسمات الهواء الربيعية الخالية من أتربة الخماسين ~~وغدر الموجات الحارة، أتابع هذا الغراب الذي يستعرض هيبته وهو ينفش ريشه تحت مياه خرطوم ~~الحديقة، أمام آخر، لعلها وليفته، غير آبه لتعويذات المتشائمين. # مرة أخرى، عادني رعبي مع عودتهما. اثنان هذه المرة، في تأن يلتفت بعضهما لبعض، واحدة ~~تتهادى بخلاعة، ثم تمرغ جسدها بإغراء كمحترفة، والآخر يمعن النظر إليها في غرور، ~~فيلاحظهما ثالث فيأتي متحفزا، ويقطع احتمالية الإغواء. # لحظات ثقيلة مرت وأنا أتخيل أجواء معركة قادمة، وأعد نفسي لخطة بديلة لإفساح ~~المكان لهم؛ فاحتمالية القراءة على أصداء المعركة، أو إجراء هجوم دفاعي من جانبي، أمران ~~مستبعدان ms22 تماما. # خابت توقعاتي برحيلهم، ولكنهم تركوا معدتي فريسة لتشنجاتها العصبية. متى بدأ كل هذا ~~الخوف؟ أتساءل مستهزئة بطولي الفارع وسنوات عمري التي تعدت الثلاثين، ولم تمنع ارتجافي ~~أمام هذا المخلوق الصغير. # أهدهد مخاوفي، وأبحث في عقلي الباطن عن سبب كل هذا الرعب بحسب التفسير الفرويدي؛ فلعله ~~هذا الكابوس الذي أفزعني طفلة، وهاجمني فيه قطيع منها، وما زالت تطاردني ذكراه حتى ~~اليوم، ويسطو على تعاملي مع هذا الكائن، وما زال بدني يقشعر من فروها وجسدها ~~الانسيابي. # وربما محاولات التسلل التي مارسها هذا المخلوق مرات أثناء المرحلة الابتدائية؛ حينما ~~فوجئنا به يتحرش بأقدامنا تحت مقاعد الدراسة، فتعالت صرخات بعضنا ونحن نحتمي بأسطح ~~المقاعد، وبعضنا استغل الفرصة للتفلت إلى ساحة الملعب، حتى نجح الفراش في طردها، وكانت ~~النتيجة عقابا جماعيا لنا بإرسال خطابات إنذار إلى أولياء أمورنا. # أتذكر سخرية زوجي وابنتي حينما انتفضت مرات عديدة عند دخول إحداها مجال جلوسنا في ~~الحدائق العامة أو المقاهي المفتوحة، واشتراطي على صديقة لي تمتلك إحداها ألا أدخل بيتها ~~إلا إذا حبستها في غرفتها فترة مكوثي ببيتها. # لعل فوبيا النظافة عند أمي هي ما أورثني هذا الرعب، أو لعلها أحاديث برامج الحيوانات عن ~~فصيلتها المستأسدة التي أصلت فيها الغدر بحسب ظني. ألعن العلماء وأطباء النفس ونظرياتهم ~~التي تهاجمني اليوم، تكفيني فوبيا واحدة في هذا الصباح. # في هذه المرة كان الهجوم أكثر جرأة؛ حيث جاءوا جماعة وتحرشوا بطاولتي، يبحثون بدهاء ~~عن صيد تحت قدمي المرتعشتين، حتى أصبح المكان مرتعا لأصداء المواء، فلملمت حقيبتي ~~ورحلت. # أطأطئ رأسي وأنا أجرجر هزيمتي أمام مخاوفي، وأثناء مروري أمام الكافتيريا سمعت عاملا ~~يشكو لآخر قسوة البشر بصوت مرتفع: «دي قطة، مش أسد، هي الناس جرى لقلوبهم إيه؟» # | رقص منفرد # في درب يشبهني في غلظته، أسير وأجواء عاصفة تعلن تمردها هي أيضا على تقارير الأرصاد ~~الجوية. أسير محتميا بمعطفي، متلحفا بأحزاني التي تشعل خطواتي. أستمع لأنشودة الريح ~~الشجية، تواسيني في عزفها فتشبه مايسترو تتبعه فرقته في انصياع تام. # لمحته ينازع الإهمال، يفترش الطريق مستنجدا ms23 به كطفل، تراوده الريح عن نفسه فيتمنع؛ ~~تغويه بعصاها فيطاوعها، ويبدآن رقصتهما. # تأتي الخطوات الأولي خجلى ومتعثرة. يداري عثرته بدوران قصير. يعاود قراءة نوتته ~~الموسيقية، ويطاوع إشارات قائده، وحينما يخدره اللحن يمتزجان معا، ويشتد وقع ~~خطواته، فيطلق العنان لخفته كراقصة محترفة. # يدور تلك المرة بمهارة صانعا دوامته. يداعب روحي في صعوده، فألمحه وهو يرتطم ~~بالجدران، وحينما أفصح عن شماتتي يسخر مني، ويهمس لي بأنه يتحرش بها ويوسوس لها ~~لمجاراته، ولكن يخزيه قعودها. # في الشرفة، يتابعه فضولي آخر، تغريه رقصته، فيعقد طائرته الورقية، يباركها بأحلامه ~~الوردية، ويحررها من قيدها لتصاحبه في صعوده. # يتحرران مع صعود اللحن، ترتقي معهما روحي، فتتخفف من أحمالها، وحينما أبدأ في التخلي ~~عن معطفي تفاجئنا الزخات الأولى رقيقة كالندى، يبتسم لها، ويأخذه غروره، فيتباهى بخفته ~~أمامها. # يزداد وقعها، تثقل القطرات وجهه، ومع توالي ضرباتها وشدتها يتخلى عن لحنه، يتوالى ~~سقوطه، فيلمح خلو مقعد المايسترو، فيقدم قرابين طاعته وخضوعه. # ألمحه يرقد هامدا في بركته، وبجانبه تخمد الطائرة الورقية، فأحكم غلق معطفي، وأسرع ~~خطاي. # | صندوق لا يتسع للأحلام # تمتد اليدان النحيفتان، تتهامسان عبر السورين المتباعدين، لحد العناق حتى ينتبها ~~للحظة الفراق على صوت أمهما تدعوهما إلى الذهاب. # هو يطلق روحه تسابقه على الدرج في هبوطه، لم تزعجه كسوره المتعددة، أو روائح ~~الرطوبة ودورات المياه وعفن المخلفات، ولم يشاكس تلك القطة مع صغارها كعادته، بل كان ~~كريما معها، فانسحب على أطراف أصابع قدميه، مانحا لها نصف وجبته المدرسية. # يحمل عنها حقيبتها المهترئة، ورغم ثقل الحقيبتين يحاول ألا يحني ظهره أمامها. يعقدان ~~كفيهما ويحملان بينهما قلبيهما. قبل خطوات من مدرستها يودعها، ثم يمنحها نصف وجبته ~~الآخر. تتعانق الأنامل الصغيرة لتبني أحلاما ليست بذات شروخ كبيوت الحارة ~~الكبيرة. # في طريق العودة، يعرفان مقصدهما جيدا، على جانب الطريق؛ حيث يقف هو بسحنته الطيبة، يحث ~~التلاميذ على سماع حكاياته، يبتسم للعشاق الصغار، متعجلا لهم بنهاية وردية كنهايات ~~قصصه. # الجسدان النحيفان يلتصقان، ويسألهما الرجل المسن ماذا يحبان أن يشاهدا. تجيب لأعين قبل الألسنة، كالعادة: «الشاطر ms24 حسن وست الحسن.» # تطل الأميرة بجدائلها الذهبية، تراقبها وهي تتبختر في زهوها وسط خدامها. الأميرة ~~ما زالت حزينة، والملك يطلق مناديه في المدينة يبحث عمن يفلح في إضحاك ابنته، أو ~~تطبيبها، بحسب رغبة الراوي، وفي كل مرة تساعد العرابة الطيبة الشاطر الفقير، فيهنأ ~~بالأميرة وبحسنها وبمملكتها. # لم يسأما من تكرار القصة رغم حفظهما لأحداثها، ورغم ازدياد خشونة صوت الراوي؛ بسبب ~~كهولته، وسعاله المتعدد لمكوثه الطويل بالطرقات، وانحناءة ظهره، وذاكرته التي أسقطت ~~تفاصيل عدة. # تطوق يداه كفها بلا كلام، يتمنى أميرته، فتتعثر قدماه في أوحال الحارة وضيقها، ~~كما تتعثر أحلامه وأفكاره. # يكبر الحبيبان، ويصبح للشاطر صندوق آخر مثبت على عربة «نصف نقل»، زينها بإطارين: ~~أحدهما لشهادته الجامعية، والآخر لصورته محتفيا باستلام مشروعه الخاص من رئيس ~~الحي. # صندوقه، أيضا، ممتلئ بالحكايات، مثل يومياته مع شرطة البلدية، وإنكار رجالاتها أوراقه ~~الثبوتية إلا حينما يضيف إليها ورقة بنكية من فئة العشرين؛ وفصاله مع زبائنه الذي لا ~~ينتهي، مهما كانت العلامة التجارية لسياراتهم؛ وسطوة «فتوات» العصر الحديث، وإتاواتهم ~~التي لا تنتهي، سواء أكان حصاده اليومي يقبل القسمة على مسئولياته وعليهم أم لا. # في نهاية يومه ينتظر أميرته. تأتيه وهي تجر قدميها، وقد تنازلت عن دور «ست الحسن»، ~~واكتفت ب «سندريلا»، بعدما خدعتها عرابتها، ولم تعد تعويذاتها السحرية تصلح لتعديل ~~هندامها أو تأدية مهامها اليومية عنها. تأتيه بعد انتهاء جولتها على المنازل، بعد ~~تلطمها في صناديق متعددة؛ بدءا من أتوبيسات النقل العام، وانتهاء بصندوق خشبي قابع ~~فوق سطح المنزل، يقال عنه بيتها. # تبتلعهما الحارة بضيقها وتلصص الجدران والعيون، وعبر سوريهما نصف المتهدمين يتابعان ~~سراب أحلامهما، وأنفاسهما المتقطعة، وزحف الشيب إلى روحيهما. لم تعد الدنيا باتساع ~~صندوق الحكايات، ولم يعد هو «الشاطر حسن»، ولم تعد هي «ست الحسن». # تختفي أميرته أياما، فيسأل عن السر. يعرف من أمها التي واسته أنه لم يعد في العمر ~~سنوات لتهدر. يتابعها في حليها وفستانها المنفوش تزف لأمير آخر، ربما لم يكن هو ~~بالنهاية سوى قضمة التفاحة السامة التي أصابت الأميرة بغيبوبة ms25 طويلة حتى أيقظها الأمير ~~المختار. # يعلم حينها أنه لم يكن محظوظا ك «الشاطر حسن»؛ فالأميرة ما عادت يكفيها دعابة لإضحاكها، ~~ولم يعد هناك عرابة لتنصحه بمكان دوائها، وأن والدها بنى أسوارا حول مملكتها لمنع ~~اختلاطها بالعامة. # بعد ليال من غلق صندوقه، تابعه المارة وهو يوزع بضائعه على المتسولين، ويحمل على ~~ظهره صندوقا آخر، وسط دهشة المتطفلين واتهامات بالجنون. وبالقرب من بوابة المدرسة ~~القديمة جلس، ونادى على العشاق الصغار: «صندوق الدنيا»؛ «الشاطر حسن وست الحسن»؛ «علاء ~~الدين والمصباح السحري»؛ «سندريلا»؛ «الأميرة النائمة». # | مدينة في حراسة موكب الملائكة # فتحت عيني في هزال. تحسست سريري فلم أجدك بجانبي كعادتك، سألتهم عنك، فأنكروا ~~معرفتك، حاولت وصفك، فاعتقدوا أنني أهذي من أثر المخدر. # لأول مرة نفترق، منذ لقائنا الأول بمباركة جدتي. أتذكر سعادتي وجذلي بحديثها عن أوجه ~~التشابه بيننا: العينان السوداوان المتسعتان، والمنفتحتان دائما على نظرة الاندهاش؛ ~~أطرافنا التي تشبه البراعم؛ خطواتنا الأولى المتعثرة؛ وألاعيبنا المبعثرة؛ وصرخات أمي ~~المتتابعة حينما تتعثر خطواتها بنا ونحن نختلس أدواتها المطبخية. # أعمار تتابع في جلساتنا؛ حينما أدعي أمومتي لك أنثر ضفائرك ثم أجدلها، وحينما تنفلت ~~شعورك من بين أناملي الصغيرة أستدعي مساعدة جدتي. أضع لك مساحيق تجميلية بألواني الحبرية، ~~حتى تبدي كمهرج السيرك، ثم أمنحك محاضرة كمحاضرات أمي عن النظافة وأهميتها، وأختمها ~~بجولة تنظيف بالماء والصابون. # أتذكر عندما بدأت تلك الأصوات في الانطلاق، كنا نلعب الغميضة؛ لعبتك المفضلة. ~~كنت تجيدين الاختباء وراء الستائر؛ تحت الأسرة؛ خلف الأبواب. حينها، كررت النداءات، ~~والتزمت أنت الصمت، فظننت أنها إحدى ألاعيبك. بحثت عنك حتى وجدتك تخفين وجهك بين ~~الملاءات، ورائحة الخوف تنبعث منك. احتضنتك وأخبرتك أنها مجرد «ألاعيب نارية». ضممت ~~يديك، وإلى شرفتنا تسللنا، جلسنا في حضرة روح جدتي، تداعبنا بلعبتها المفضلة. # كعادتنا، نتابع الأدخنة المنطلقة كزفير ينطلق من عشرات الأفواه، اجتمعت في مدينتنا، ~~تبث أخيلتنا الروح في الدخان المتصاعد. علمتنا جدتي ألا نخاف منها، قائلة إنها ترى ~~فيها موكبا من الملائكة يحرس مدينتنا. ونتبادل الأدوار تباعا. مرة رأيت وجه أمي ترسل ~~إلي ms26 قبلة بحجم السماء، ومرة رأيت أنت محلا للعب، ورفيقات تشبه الأميرات في زينتهن ~~على الأرفف، ورأت جدتي العذراء تدثر وليدها بتعويذاتها المباركة. يومها وجدت ملامح ~~جدتي مستنسخة عشرات المرات على وجوه ملائكتها. # تضيق الغرفة بزوارها، يتفوهون بكلمات عن الحرب والدمار، ويستنطقون مشاهد خربة ~~وبيوتا متهدمة وعوائل سقطت. أخفي وجهي بين كفي لأبتعد عن عدسات آلات التصوير. لا ~~أحب أضواءها، تذكرني بانتفاضاتك حينما كنت تسمعين أصوات زخات الطلقات المتتابعة ~~ليلا. ثم إني أتساءل: هل يمكنك التعرف إلى صورتي عند نشرها بالصحف؟ # حضر الزوار بدماهم، وملئوا بها المكان. ظنوا أنهم يعوضونني عنك، ولكنها لم تكن ~~بملامحك التي تسكنها روح جدتي. وحينما عاث في أجسادها الخراب، وبعثرت أطرافها، فتشوا في ~~جسدي عن آثار الهذيان، ظانين أنها خيالات صبيانية من أثر الصدمة. أسخر منهم وأتساءل: ~~ألا يرون أنني فقدت بغيابك أطرافا أخرى وخيالات لا حدود لها؟ وتتبعثر الأسئلة برأسي: ~~ترى، هل ما زالت مدينتي تحرسها الملائكة؟ وهل ما زالت تحتفظ بوجه جدتي؟ # | ليلة العيد # الأبخرة تتصاعد فتحجب الرؤية، وتسد الأنوف روائح مواد الفرد وأدوات الكي الرخيصة ~~السعر، فتجعل المكان كغرفة تحنيط. # أفواه لا تتوقف عن الطلبات، وقلوب لا تتوقف عن التطلعات من خلف طبقات من الأقنعة ~~الزائفة. # الحكايات هنا لا تنتهي، كصندوق كبير للحكي، يمكنني أن أتجول فيه كدمية، أشارك حينا ~~في صنعها، أو أكتفي بالمشاهدة، كتلك الطفلة التي صاحبت يوما أمها، فامتلأت عيناها ورأسها ~~بالأسئلة والقصص. وأحيانا، أصبح كصانع عرائس الماريونيتات، أحركها وأسطو عليها وأسحرها ~~وأمسخها. # أبدأ عملي بأسئلة عدة، وبكلمات بسيطة، فأبدو كصاحبة مقام، يأتينني طوعا، ليضعن وجوههن ~~وشعورهن وأطرافهن وأحلامهن كذلك تحت إمرتي؛ من أجل فرحة ترتسم على قلوبهن كوشم. ~~«ماذا تريدين؟ الوجه فقط؟ ما رأيك بتنظيف إضافي بالبخار، وإزالة للنقاط السوداء ~~المتطفلة على أنفك ووجنتيك؟ سأهديك معه قناعا من اللبن والعسل ونباتات طبيعية آتية ~~من بلاد الجمال والنور، سينير وجهك وينفس عن مسامه، ويعيد إليه ربيعه.» ألحظ أحلاما ~~وردية وكلمات معطرة ترتسم في المخيلة، فتدفع بزبونتي للرضوخ. ~~«قدماك تعانيان العطش، ms27 تتكسر أحجبتهما على طرقات المشقة والحرمان، تلهث خلف مسئوليات ~~الحياة، هي الآن تنتصب بين أصابعي وتتمدد كعروس تستيقظ للتو من غفوة طويلة.» # يتصبب عرقي وأنا أعدو خلف أدوات التزييف، أحصي بعيني الأجساد على مقاعد الانتظار، ~~فألعن العاملات الأخريات المتأخرات دائما عن موعد حضورهن، حتى في هذا اليوم. # في أرجاء المكان يتطاير السؤال، يعاد استنساخه عشرات المرات، كروح تسكن الجميع، ولا ~~مفر من طاعته. ما أسباب حضورهن اليوم؟ كيف سيقضين تلك الليلة؟ تدغدغ رغباتي قصصهن، ~~وضحكاتهن الخليعة الماكرة الخارجة لتوها معطرة من ذاكرة نسائية. # أستمع إلى همزات تلك التي اشترت قميصا بلون أحلامها الوردية لتجدد ليلة عرسها، رغم ~~مرور عشر سنوات كاملة، ثم دخولها في نقاش حاد حول الأسعار المبالغ فيها للانجيري، وآخر ~~موديلاته التركية التي أزاحت المصنوعات المصرية؛ لجدارة خامتها وأناقتها، مذكرة بشوارع ~~وسط البلد التي كانت عامرة بالمستورد من أفخم الموديلات. # ومدام منال التي كانت تستعد لحضور زوجها خلال أيام، بعد غياب أسابيع في مهمة عمل. جاءت ~~لمفاجأته بجلسة فرد وقصة شعر جديدة، ففاجأها هو بمكالمة تليفونية يخبرها بوصوله الآن، ~~فخرجت في حلتها الجديدة تجر خيبتها وتحذيراتي ترن في أذنيها: «الكيراتين سيحرمك من ~~الاستحمام لمدة 72 ساعة على الأقل!» # أرهقتني مفاوضات تلك العشرينية التي أمضت معظم وقتها في محادثة حبيبها، واستشارته في ~~لون وشمها ورسمته، ولون صبغتها وطول شعرها؛ استعدادا لمقابلة أولى مع والدته. # ثم حرضت مدام سلوى على طفلها البكر، حينما أبلغتني بأنها ستكتفي، استعدادا للاجتماع ~~العائلي، بتقليم أظافرها دون صبغها؛ لتتفادى سخرية ابنها وهو يسألها عن سبب «المانيكير» ~~لامرأة مسنة. ~~••• # تتأمل ضفائرها وهي مجدولة ومشدودة إلى دوبارتها، تتمنى لو تطلق سراحها حينا كتلك ~~الفتيات المتباهيات بخصلاتهن، وبألوانهن التي تشبه أعمارهن البضة. تنتفض أحلامها ~~الفضفاضة مع أذيال الفساتين والجونلات المتطايرة، فيما تحاول هي مقاومة هجوم أسراب ~~الذباب المتطفل بفعل أكوام القمامة القريبة. # تؤلمها جلستها، فتفرج عن ركبتيها، وتكتفي بفردهما، حينما تنغزها تلك التي بجانبها ~~متحفزة، فتستجيب لأوامرها. تلعن تلك الرائحة الكريهة، ووعود أمها البلهاء التي دفعتها ~~لهذه الجلسة ms28 في ذلك اليوم. # لا يعجبها العيد ذلك العام. هل يمكنها الإفصاح عن ذلك؟ هل سيغفر الله لها كرهها ذلك ~~الموسم المبارك؟ هل سيغضب منها، كما غضبت أمها حينما اعترضت على المجيء معها هذا العام ~~بسبب زواج أختها الكبرى التي كانت تتولى تلك المهمة، فدعت ألا يأتي أبدا هذا العيد، فجاء ~~رغم رجائها غير عابئ بكسر خاطرها؟ # من خلف أسوار تلك الحديقة، تابعت ببصرها أفواج الأطفال مع عائلاتهم؛ تلك الضحكات ~~الطليقة، والتحلق حول عربات غزل البنات والآيس كريم، والطراطير المفضضة. تتذكر الأعياد ~~الماضية؛ حينما كانت أمها تطلق سراحها لدى جارتها التي لا تعبأ بلعبها مع صبية البلد أو ~~فتياتها كما تفعل أمها. # اليوم بطوله تغيب أمها لتعود في آخر الليل منهكة القوى ورائحتها تشبه الذبيحة، وفي ~~يديها كيسان أو ثلاثة محملة بقطع اللحم، وقطع متباينة الطول والحجم من جلد وفرو كانت ~~تفرشها أياما في الشمس حتى تجف، ثم تبيعها في السوق. # مع حضور أول المانحين تنغزها أمها، وتدفعها للعدو إلى سيارته، تقف مع آخرين، وتمد ~~يديها. تخرج يد ملطخة بالدماء، تذكرها برائحة أمها عند العودة من رحلة العيد، فتنتابها ~~قشعريرة، وحينما تهم بالتراجع تدفعها أجساد أخرى وتقذفها عائدة إلى صاحب السيارة، يخرج ~~منها ويوزع أكياسه السوداء، ثم يعود أدراجه، وتعود هي إلى قرفصتها. # بعد حين دفعتها أمها للقيام. تحركت معها غير مبالية بين شوارع عدة، حتى وصلت إلى ~~صوان كبير. سدت أنفها رائحة الموت. جرتها أمها جرا. # وقفت تتأمل الجموع المنتصبة حول دائرة أصغر في المنتصف، أحدهم يقف وبيمينه أدوات حادة ~~تشبه السكين ولكنها أكبر، وتحت قدميه ينتحب خروف، يثبت أطرافه اثنان آخران، وبضربة من ~~قبضة يده الممسكة بالسكين يقطع أوردة رقبته، ثم يتركه في انتفاضته الأخيرة دقائق عدة قبل ~~سلخه. # لم أردد في هذا العيد تكبيراته، ولم أنتفض فرحة كبقية الصبايا، بل ازداد كرهي للعيد ~~مع كل هذه السيول الدامية، وأكوام جثث الخراف والبقر وبقاياها المتراصة. ترغمني أمي ~~على الانتظار، بينما تتطاير دموعي حزنا على الفقيد، فيما تنتصب سعادة في ms29 عين أمي حينما ~~تنال نصيبا أكبر كرما لأجلي، كما أخبرها صاحب «المأتم». ~~••• # أعيد رص بضاعتي. أشعر بها اليوم كعروس، أمسح أتربة وجهها اللامع بحرص مبالغ وكأنني ~~أزيل عنها الشيب. أتذكر توبيخات زوجتي لخروجي طيلة أيام العيد وتركها فريسة ~~لتعليقات جاراتها وأمها عن العائد من كل هذا، خاصة بعد تجاهلي نصائح الجميع بإضافة بعض ~~البضائع الحديثة، كالصواريخ والبمب، التي تلاقي رواجا في مثل تلك المناسبات. # أتذكر أنا وحدي ذعرها حين سمعت انفجاراتها لأول مرة، وانتفاضتها بين ذراعي في ليلة ~~تشبه هذا العيد. وحينما أخبرتها عن مصدرها كافأتني بقبلة على وجنتي؛ لأنني اكتفيت ~~ببضاعتي السلمية البريئة. # أعيد رسم ملامحها من تلك الوجوه الملائكية التي تعبث ببضائعي، مترددة في الاختيار بين ~~غطاء الرأس القرطاسي والبالونات وشرائط الشعر، أو الاكتفاء بغزل البنات والذوبان عشقا بين ~~بلوراته. # كانت تنتظرني في كل ليلة عيد، تتشبث بأطراف أناملها بشباكنا اليتيم، وتتعلق عيناها ~~بأكياس البضاعة، ثم تفضها متلهفة، وتختار عيديتها بنفسها. لونها المحبب ذلك العام ~~سيكون الأبيض بلون رداء دمية ابنة جارتنا الجديدة، أمنحها بالونا أبيض بلون براءتها، ~~وقبلة تنام ضاحكة على جبينها. # تقف هي بجانب عربتي الخشبية، أستلم أنا النقود، وهي تسلم الزبائن مشترياتهم. تفضل أن ~~تمنحهم هي الفرحة؛ لتشعر برعشة أناملهم، وهم يستلمون بالونا أو طرطورا يرتدونه كملوك ~~متوجين، وغزل بنات لا يضاهيها حلاوة. # منذ رحيلها، وأنا ما زلت أتعلق بهذا الشباك في كل عيد، وأحتفظ لها بأول بالون في جيبي. ~~ما زلت أحتفظ لها بالأبيض، ولكنه تلك المرة يذكرني بلون ردائها الأخير. ~~••• # جميلة هي شوارع المدينة في اليوم الرابع للعيد، يظللها هدوء من ساكنيها وأطفالها ~~وجزاريها ومذابحها ودمائها. أجر قدمي بعد أيام متواصلة من العمل، أشد وجوها، وأرفع ~~شعورا، وألون أحلاما كساحر، بينما وجهي أنا خال إلا من الخيبة والتعب، ترتد إلي ~~خطواتي كرصاص مجرد من الصوت رغم ما يبثه من أنين. # ألمحها تجر قدميها خلف أمها المتلحفة بردائها الأسود الريفي، تهش النوم عن جفونها ~~وهي تلاحقه ببضاعته فوق عربته الخشبية حيث يعيد ترتيبها في ms30 تؤدة، تشد طرف أمها، تهمس ~~لها برغبتها، فتسرع الأخرى خطواتها، وهي تحمل بيدها الأخرى مشنتها، تلحق بخطوات أمها، ~~ورقبتها تلتوي لهفة على تلك القراطيس اللامعة. # أسرع إليه، وأضع بين كفيه عملتين؛ ثمنا لقرطاس لامع تزينه شرائط وردية تشبه ~~عمرها، وأعدو خلفها. يتابعني هو مبتسما، وحينما أصل إليها أهديها تاجها، وتمنحني أمها ~~بضع دقائق أضيف لوجهها الملائكي قصة جديدة لشعرها. يأتينا بعربته، فيخرج من جيبه ~~بالونا أبيض ويمنحه لها عيدية. # | ذاكرة نظيفة # المكان ضيق بعض الشيء، ولكنه لا يزعجني. يضايقني، فقط، هذا الطنين الذي يشبه ~~وقعه مبرد طبيب الأسنان. أنشغل بهذا الضوء الذي ينسدل خافتا ملتحفا بألحان باهتة، ~~يدفعني لأرهف سمعي لأتبينها. # تعيد إلي الأصوات أحلاما ضمرت، وصورا باهتة يعاد تلوينها. ينبت لي جناحان، ~~فأتجول حرة بين سنواتي الماضية، أتلصص بين فصوص عقلي، فتعيدني إلى ضفائري المجدولة، ~~وبراءة الأعوام العشر. # يأتيني صوت فايزة أحمد «بالسلامة يا حبيبي بالسلامة، بالسلامة تروح وترجع بالسلامة»، وأم ~~كلثوم وهي ترطب الصبح بصوت ندي «يا صباح الخير ياللي معانا»، متداخلا مع تلاوة محمد ~~رفعت وقرآن السادسة صباحا. # يبهت الصوت أمام روائح أمي المتعددة، فتخدرني رائحة اللبن الساخن الطازج، قبل أن ~~يستبدل به اللبن المبستر، وتأفف أخي اعتراضا على هذا الطقس الصباحي، ثم تشجيني رائحة ~~الكي وظهر أمي المنحني أمام تلال ملابسنا. لم يمنعها الإنهاك من مناجاة أبي في غربته على ~~صدى صوت أم كلثوم «واحشني وأنت قصاد عيني، وشاغلني وأنت بعيد»، تقطعه ولولتها لفراق أبدي ~~لأحبائها على صوت عبد الباسط عبد الصمد، فأحاول صم أذني بوسادتي لأمنع وصول التلاوة ~~ونحيبها إلي. # أحاول أن أعيد ترتيب ذاكرتي؛ أن أحمل عصاي السحرية، كهذا الطبيب الذي يمسك بمشرطه ~~ويعبث برأسي. أتذكر ماجدة الرومي وهي تتوسل لطبيب حبيبها أن يرفق بالأسماء عندما يدخل ~~قلبه، للأسف لم تخبرنا؛ هل استمع الأطباء لنداءاتها أم فتنتهم أدواتهم الطبية المعقمة ~~جيدا، فأجادوا تنظيف قلبه من حكايتهما، كما يجيدون تنظيف وجوههم من التعبيرات ~~والعواطف؟ # أنا سأكون أكثر دهاء، سأكون مثل تلك المعتوهة التي رأيتها يوما ms31 بأحد المسلسلات ~~الأجنبية، تعرضت لحادث شوه وجهها، وحينما واتتها الفرصة لإجراء عملية تجميل اختارت ~~وجها خاليا من العيوب، تخلت عن أنفها المفلطح، وجبينها العريض، وجعلت شفتيها أكثر ~~اكتنازا كما فرضت آخر صرعات الموضة. # سأمارس بعض ألعابي السحرية، كالتي مارستها قديما مع جارتي التي تصغرني بأعوام عدة، ~~فجعلتها تصدق حكاياتي عن الجن ومحادثة الحيوانات، والقطة التي تصير عفريتا في المساء. ~~سأجعلهم يزيحون سطورا من ذاكرتي، ويعيدون ترتيب صفحات أخرى، وسأجمع كل وسائل الإعلام ~~وأعلن في «السوشيال ميديا» عن مؤتمر صحافي مهم، سيحملون وهم راحلون رسما لمخي يضم ~~ذكريات على مقاس أحلامي وشغبي. # سأوصيهم بحفظ لحظات سعادتي، ونقلها من فصه الأيمن إلى الأيسر؛ لعله يكف عن عطله، ~~ولتبقى الروائح أطول مدة ممكنة عالقة بين شعيرات أنفي. # سأتحمل في إصداري الجديد غضب أمي وخوفها، ولن أتمرد على تكرار نصائحها التي لا تنتهي، ~~لكنني لن أسمح لمعلمتي بالعبث في مخيلتي، ولن أكون رقيبة على الفصل. سأمحو كل الأسماء ~~التي كتبتها على السبورة، كأول فخ لي في كتابة التقارير، وسأخبئ ألاعيبهن في رأسي لأعبث ~~بها في أوقات فراغي التي ستلون صفحات كاملة بالأبيض. # سأكف عن أسئلتي حول «علي بابا والأربعين حرامي» ومدى شرعية ما قام به، ولن أتضامن بعد ~~اليوم مع الأميرة وانتظارها الطويل والبائس لأميرها، ولن ألتمس العذر للفأر جيري على قاعدة ~~أنه الأضعف؛ فالدهاء لا يعرف وزنا أو حجما. # لن أكون مهذبة جدا ومؤدبة جدا وهادئة جدا كما كانت معلماتي ووالدتي يفخرن بي، ~~سأعيد تعريف التهذيب وأنقل إلى قاموسه بعض الشغب. # سأتمرد على مناهجي الدراسية، ولن أشي بزميلاتي اللواتي اختلسن لحظات في الحمامات يحتسين ~~ممنوعاتهن من أجل لذة رائقة، سأشاركهن تلك المرة في سبيل تدوين لحظات انتشائي، ثم ألصق ~~لعناتها بإحدى بطلاتي، ثم أعاقبها في نهاية القصة. # سأعلن الأحكام العرفية على كل الصور الفوتوغرافية، سأضع خلفية صفحتي على «الفيس بوك» ~~مجرد شجرة تشبه أشجار عيد الميلاد، وسأترك لعشاقي حرية تعليق أشيائهم الثمينة بين فروعي، ~~وسأحتفظ بها دون فضها أو معرفة أسمائهم. # يقطع خططي ms32 أزيز حاد، يعبث بشريط أفكاري، يقدم لحنا ويؤخر آخر، ثم يعود فيمحوه ~~بكبسة واحدة بلا مبالاة. الأزيز يزداد قوة، وأنا أحاول التمسك بألحاني وروائحي، يزداد ~~الصوت الذي يصك أسناني، وينتفض شعر جسدي. # يطغى الطنين كممحاة تفسح للأبيض مساحة شاسعة يتربع بها على عرش عقلي، حتى يبتعد ~~اللحن سريعا حاملا معه كل الروائح القديمة، وتفشل خططي المشاغبة. # في مؤتمرهم الصحافي، يتباهى أطبائي بشفائي من ورم مخي إضافة إلى منحي ذاكرة نظيفة، ومن ~~بعيد يرقبني حبيب ماجدة الرومي حاملا قلبا جديدا زرعوه خاليا من الأسماء ~~والأحباب. # | بنت بأحلام نفاذة # هل كان خطأها أنها حملت قدرا كبيرا من اسمها؛ فكانت كلما سارت تركت عطرها خلفها يشي ~~بجريمتها الكبرى؟ # هي طفلة لم تعرف حدودا لابتساماتها. نبتت على حدود براءتها فروع تسلقتها خارج النص ~~المقرر لمنهاجها الحياتي. ذهبت يوما لأمها، ووشت في أذنها أن تبعثر ضفائرها، أسوة ~~بنساء تراهن في أحلامها، على أجسادهن ترقد أوشمة الجمال، وفي قلوبهن أرصدة عشق تكفي عشرات ~~الروايات، بين ثنايا شعورهن يتدلى العشاق والتائهون في مرساهن. # تحت وطأة ابتزاز ابتساماتها وإلحاحها خضعت أمها، وأطلقت عنان خصلاتها. لم تكن تعرف أنه ~~ستبنت لها على ضفاف ضفائرها أجنحة ستحملها إلى أحلام رحبة بعدد خصلاتها ~~المتحررة. # الطفلة حلمت بقصص الحب وخطاباتها. بعثرتها بين عينيها، وغرست على وجوه أحبائها قلوبا ~~أزهرت بساتين ربيعية بألوان قوس قزح. شرعت للحب وسائدها، وزينت به مفارشها. كتبت بحروفها ~~المتعرجة أحجية لزميلاتها، فصرن جميعا علامات موسيقية في نوتتها الخاصة، وأودعتها ~~درجها المدرسي. # لم تكن كالأميرة التي اكتفت بالجلوس بين جدران قلعتها تندب حظها، وتمشط خصلاتها ~~الذهبية، ولكنها اعتادت أن تتراقص بخصلاتها المتبعثرة، ورائحتها تشدو خلفها، فأثارت غيرة ~~أهالي المدينة الذين اعتادوا قياس طول شعرها ولهوها بمقياس حقدهم. # أرادوا هبة من جمالها وعطرها، فصارت كلما قبلت قدماها حيا امتدت الأيادي إلى ~~خصلاتها المتساقطة من فرط ما حملت من عشاقها، وحبسوا بين كفوفهم ومجساتهم الشمية ~~شيئا من رائحتها. # جربوا فيها خلطات وأعمالا سحرية؛ علهم ينالون جزءا من سحرها ، أو حتى لتعلق ms33 روائحها ~~بأجسادهم، ولكنها خابت جميعها، وما نالوا سوى زيادة أعداد مريديها الذين أثملتهم رائحتها، ~~فتبعوها لتأخذ قلوبهم وتلونها وتطعم بها إحدى قصصها. # يوما سقطت بين يدي معلمتها إحدى أحلامها المدونة. تتبعت بصمات روائحها، فدلتها على ~~درج مكتبها المدرسي، وما إن فتحته حتى طاردت كل عشاقها، وقيدتهم بجدول الضرب، وحاولت أن ~~تلقنهم التعليمات المدرسية. # أمسكت المعلمة بضفائرها، وخنقتها بشرائطها، ومشطت ألوانها ورائحتها، فصارت كتلك الشجرة ~~التي أفقدوها تيجانها لدواعي التشذيب، فوقفت تداري سوءاتها عاجزة. # اجتمع الأهل وأولياء الأمور. اتهموها بالفجور، واعتبروها تشجع أطفالهم على الإثم. ~~حملوا رائحتها التي التصقت بقلوب أبنائهم كدليل إدانة، وطالبوا بتطهير المدرسة والمدينة من ~~خيالاتها. # كان عليها أن تختار عقوبتها بنفسها، وكان هذا جزءا من العقاب، فأعادت ضفائرها إلى ~~محبسها، وتركت جسدها يلهث تحت سياط الشمس حتى تتخلص من رائحته. # | اسم معرف # تدخل أمي غرفتي، تتأملني وأنا أختال أمام مرآتي كزهرة عباد شمس، أزهو بقميص نومي الجديد ~~الذي أهدتنيه قريبة لي عائدة من الخارج في إجازتها الصيفية. # تستطلع أمي ردائي ذا الحمالتين بتحفز؛ حيث يتلصص على حوافه برعمان أبيضان، كطفلين ~~حديثي الولادة يستكشفان عالمهما. تقطب أمي جبينها وهي تأمرني بخلع الرداء. تخبطني بطرف ~~كفها علي نهدي بضربة خفيفة، وتغمز لي قائلة: «في البيت صبيان!» تتركني، وتغلق باب غرفتي ~~خلفها. # نعم أمي! أعلم أن لدي خمسة من الإخوة، ولكنك نسيت أن تذكري أن أكبرهم يصغرني بستة ~~أعوام. ما زالت تفاصيل يوم مجيئه محفورة في رأسي كنقش. # البيت تحول لما يشبه غرفة توليد الكهرباء، شحنات زائدة متطايرة في أرجاء المكان، ~~والجميع مضطرب، صرخات أمي المتواصلة، وتحركات أبي وأنفاسه المتقاطعة بطول الصالة وعرضها، ~~وجدتي التي تخرج كل حين لتطمئنه، وأنا أعلم ماذا يحدث، وإن كنت لا أستوعب لماذا منعوني ~~من الدخول لرؤية أمي. # صراخ آخر ليس كصراخ أمي، ليس كصراخ استغاثاتها، بل إنه يشبه طرق أبواب الحياة، شرع ~~له كل من في البيت كفوفهم مرحبين، استقبلوه بزغاريد، وأبي أسرع إلى غرفته، ففتح علبته ~~الفضية المخبأة بين طيات بذلته، وأخرج مسدسه، ms34 وحرر من سطح منزلنا طلقاته الست التي ~~رجت الحي كله، وهو يتلقى التهاني والمباركات، رغم تسببها في هروب أسراب الحمام ~~أياما عدة. # أستغرب جدا أن الجميع أصبحوا يكنون أمي بأخي الذي يصغرني ببضع سنوات. في البداية، ~~ظننت ذلك من بواعث فرحة والدي، بعد محاولات مضنية لإصلاح عطب لحق برحم أمي أثناء ~~ولادتي، وحينما استمر الوضع فسرته تكفيرا عن ذنبي؛ باعتباري السبب في تأخر الحمل، ~~فتقبلت العقاب كندبة، فيما حمله والدي كوسام زرعه على صدره. # لم يكتف والدي بذكر واحد، وأراد تأكيد رجولته، فأجبر أمي على المضي قدما، حتى ~~أصبحنا نصف دستة؛ خمسة ذكور وأنا. كانت أمي كلما شكت كثرة الأبناء وطلباتهم لكزها أبي، ~~وذكرها بوالدها الذي ظل طوال عمره عالقا باسم ابنه الذي مات طفلا في حادث، ورغم بناته ~~الأربع حمل جدتي مسئولية قطع نسبه في الدنيا، فهجرها وهي على ذمته ثلاثين عاما. # كان أبي كثيرا ما يتفاخر بنا ككتيبته الخاصة، يدخلنا في صف على ضيوفه وأقاربه من بلدته ~~الذين يزوروننا كل بضعة أعوام، وكانت أمي تنهره دائما بقولها: «داري على شمعتك تقيد، عندك ~~5 صبيان وفيه ناس نفسها في ظفر واحد!» # في البداية، كنت أقود كتيبة أبي. يستجوبني الأقارب على طريقتهم الصعيدية: «إنت بنت مين؟» ~~فأسرد نسب أبي الذي حرص على تلقينه لي، فيما يتباهى أبي بي، ثم أنسحب سريعا حسب تعليمات ~~أمي: «البنات لا يجالسن الكبار.» # بعد حين، تقهقر وجودي ضمن كتيبة أبي، ولم ينشغل والداي كثيرا ما دام إخوتي الصبية ~~يقومون بالواجب، وحينما يسأل أحد الضيوف عني لا أدخل إلا معلقة بطرف رداء أمي، وسط ثناء ~~الحضور لخجلي البكر. # كانت مشاحنات جدي وجدتي تنغص علينا حياتنا كمتوالية يومية، كانت تجرحني اتهاماته ~~لها كطلقات نارية. وفي يوم، أيقظنا طرقه الحاد على بابنا ملوحا بدليله لإدانتها؛ ~~ورقة مرسومة بها خطوط عجيبة، فسرها أحد المشعوذين بأنها «عمل سحري» نفذته جدتي ~~لتفشل محاولاته للزواج وإنجاب ذكر يحمل اسمه من بعده. # ما زال وجه جدتي على فراش موتها حاضرا نديا في ذهني، ms35 وهي تناجي ولدها البكر، ~~وتعتب عليه لطول الغياب و«بهدلتها» من بعده. رسمت قبلة لجدي، ثم شحب وجهها قبل أن ~~يتلقاها. # كبرت ورسمت لي صفا، جعلتني الأولى والوحيدة به. كنت الأولى في صفوفي الدراسية، ~~والوحيدة ذات الطبائع الغرائبية التي كانت محضرا لسخرية إخوتي، كذلك اليوم الذي حضر فيه ~~قريب لأبي، فحاول استجوابي كالعادة، ولكنه فوجئ بتمسكي باسمي منفردا، وحينما نهرني ~~والدي أخبرته بعنجهية أنني «لا أعرف بغيري»! # صرخاتي اليوم تذكرني بصرخات أمي. أشد على أصابعها، مصرة على ألا يدخل أبي وإخوتي؛ ~~لئلا يطلعوا على ضعفي. وحينما يتردد في الغرفة صريخ خافت، أحتضن طفلتي. يسألني الطبيب عن ~~اسمها ليدونه في بطاقتها الملفوفة حول معصمها، فأخبره باسمها معرفا باسمي، وليس باسم ~~والدها وسط ضحكة عاتبة من والدتي. # | نظام غذائي، رجل منزوع الدسم # أفضلك كشطيرة كبرى، أقضمها علي مهل حسب تعليمات طبيبي النفسي، يعجبني كثيرا هذا ~~الطبيب؛ فهو لا يمنعني من أطعمتي المفضلة خاصة مع إغراءاتها اللحوحة، هو فقط ينصحني ~~بالتهامها بترو، حتى تسأمني معدتي وتتركني لحالي. # يقول لي إن «الطعام دواء»، وأنا آكل حينما أمل، وحينما أكتئب، وحينما أحزن، وفي أوقات ~~فراغي، وحين تلاحقني نظراتك اللائمة وهي تراقب ازدياد محيط خصري، أو تعليقاتك على طبقات ~~الدهون المتراكمة على فخذي وأنا أريك قميص نومي الجديد. # لا أضع كثيرا من الملح؛ حتى لا أضطر لشرب جرعات متتالية من الماء؛ الماء يذكرني بك ~~حينما كنت ألجأ إليك وأخبرك باكتئابي، فتجيبني وأنت تعد قهوتك الصباحية: تناولي كوبا ~~من الماء. ثم تبتسم في سخرية وتتركني حتى لا يبرد فنجانك. # حتى الآن لا أجيد صنع شطائري، أو بالأدق أفضلها جاهزة مثلها مثل الخيبات التي ~~يأتينا بها الأحباء ويجيدون صنعها، رائحتها تكون دائما نفاذة، وتأتيني في أغلفة ~~متأنقة تليق بوجه الموديل في الإعلان التليفزيوني، يغريني بابتسامته ولسانه المتدلي ~~في إغراء وهو يلتهم شطيرته التي يعلن عنها. # تبا لهذا المعلن الذي جعل حواسي ترتعد كلما لامست هذا الساندويتش وكأنني تحت تأثير ~~قبلة من هذا الوسيم ذي الملامح اللاتينية . # أصبحت بالنسبة إلي ms36 كشطيرة اللحم الدسمة، معظمها دهون لا تصلح للحميات الغذائية، ~~وتخفي رداءة اللحم، ومن الأفضل ألا نتناولها مساء، وأنت لا تظهر إلا مساء، تأتيني بعطرك ~~الذي خرج للتو من مدخنة مطعم للوجبات السريعة، وسرعان ما سيتلاشى مذاقه من روحي فلا يترك ~~أثرا إلا تلبكا معويا حادا. سأتناول معك المرة القادمة شطيرة بدون مايونيز، يكفيني ~~حديثك اللزج. # طبيبي تلك المرة حاد جدا في حديثه، ينذرني ملوحا بتقارير طبية، وأشعة لا أجيد ~~قراءة رموزها، تؤشر لتراكم السكريات والدهون، ينصحني بتناول كمية كبيرة من السلطة بديلا ~~عن الأطعمة الدسمة، هل تكفي تلك المحادثات الأثيرية التي تأتيني عبر لغات ووجوه مختلفة حول ~~العالم لتهدئة معدتي؟ # أشعر الآن أنني أفضل حالا، امتنعت مؤقتا عن شطائر اللحم، واستبدلتها بشطيرة محشوة ~~بطبقات من الخس، تحتضن أصابع الجبن المقلي التي تعيد إلي وجهك حينما أخبرنا النادل عن ~~«الجبن المقلي» للمرة الأولى، قلت إنك لا تحب المفاجآت. هل كانت مفاجأة حينما أخبرتك أن ~~خاتمك الماسي محشو بشطيرة النقانق التي يتناولها هرك المدلل؟ # | واجهة زجاجية # حينما سمعت صوته الجهوري للمرة الأولى نافذا بنبرته الحادة من نافذة شقتنا التي تقبع ~~بالدور التاسع، أسكن في قلبي فزعا، أكدته تلك الملامح الجادة، وأوامره الصارمة ~~لأصحاب السيارات، غير عابئ بعلاماتها التجارية الفاخرة أو بمناصب أصحابها. # تملكت جسدي قشعريرة كلما مررت بمقعده القريب من جراج مسكننا، جعلتني أتجنب التعامل ~~معه، وترك مهمة الاحتكاك به للسائق الخاص. # زالت تلك الرجفة تدريجيا مع حكايات جارتنا التي أكدت طيبته، وأن «عم رشاد»، الصعيدي ~~الذي عرفه الحي وعايشه سنوات طوالا كحلها بنشاطه، هو رمانة الميزان للشارع، بدونه ~~سيختل ناموسه، وسيترك نهبا لرغبات ساكنيه بحسب مناصبهم وسطوتهم. # تسرد جارتنا، التي عاشت سنواتها العشر الأخيرة بهذا الشارع، أن «عم رشاد» يبدأ عمله منذ ~~السادسة صباحا صيفا، وقبلها بقليل خلال فترة المدارس، ينظف واجهات السيارات، وينظم ~~دخولها وخروجها في شارعنا الذي ضاق بالسيارات المركونة على صفيه. # بإشارة واحدة يمنع أو يسمح بمرور الحافلات المدرسية، ويرتب أولويات الدخول. يعطي ~~تنبيهاته للسكان ولسائقي الحافلات، ويحدد ms37 مدة الانتظار، وهو على المدخل الأمامي للشارع، ~~بالتنسيق مع ابنه المنتظر لأوامره على المدخل الآخر. # حكايات جارتي شجعتني على إلقاء التحية الصباحية عليه للمرة الأولى. استقبلها بابتسامة ~~عريضة، ثم ردها بمبادرة منه في اليوم التالي. # حينما ينتهي من مهمته الصباحية ينتظر على مقعده لا يبرحه، وعلى يمينه فوطته المبللة؛ ~~أداته التي لا تفارقه. يتابع ببصره هياكل السيارات ووجوهها الزجاجية. يختبر بنظرته ~~المواربة مدى إتقان عمله، فيسعد بنتيجة براقة. # علاقة خفية تربط «عم رشاد» بالسيارات، وخاصة بواجهاتها الزجاجية. يراها أكثر نقاء ~~وشفافية من البشر، لا تستطيع أن تخفي عيوبا أو خدوشا أو «نفاقا». تذكره بنقاء صفحة ~~النيل في قريته بالصعيد قبل نزوحه المديني، وبجلوسه طفلا ومراهقا على ضفته يتابع ~~ملامحه، ويسرد له أسراره وأحلامه التي تشبهه في بساطته. # كان «عم رشاد» كثير الشكوى من المتسولين الذين يحملون القطع القماشية بأنواعها كافة، ~~ويشرعون في تشويه واجهات السيارات، عوضا عن تنظيفها، أثناء وقوفها الاضطراري في إشارات ~~المرور وساعات الازدحام، فمنع دخولهم شارعنا. # كان ما بينه وبين البشر يشبه تلك الواجهة الزجاجية، فمن فوق كرسيه تابع الوجوه وهي ~~تتغير كما تتغير أبعادها بحسب قربها أو بعدها عن المرايا، كالمسئول الحكومي بوجهه المنتفخ ~~غرورا من خلف نظارته الشمسية التي تلازمه كملامح وجهه؛ والطالبة الجامعية الممتعضة ~~دائما لأتفه الأسباب، مثل حفر الطين المتخلفة في يوم ماطر؛ وهذا الجار الذي تتضاءل ~~ملامحه نفاقا أثناء تحيته للمسئول وانحناءته المبالغ فيها؛ وبعض الوجوه الأخرى التي لا ~~تستحق سوى غلق الزجاج لمحو صورتها من الذاكرة. # لم يخضع يوما لتلك الواجهات المزيفة، فتجاهل تحية أحد أبناء وزير سابق، حينما تحدث ~~إليه بطرف عينه، وبإشارات مغرورة، فتركت سيارته طويلا تبحث عن مأوى، حتى اضطر إلى ~~الاعتذار، وطلب توفير موقف لها وتنظيفها، بكلمات ملحة أقرب للرجاء. # كالزجاج الأصلي، صمد «عم رشاد» طويلا أمام العواصف الحياتية وألاعيب البشر، وزحفت ~~شيخوخته كما تزحف الخدوش على الواجهات بفعل الزمن. أصيبت روحه بخيبات عدة: ابنه البكر ~~الذي قبض عليه لأنه رفض إهانة أحد الضباط ، فحوكم عسكريا بالسجن ms38 ثلاث سنوات؛ وزوجته ~~التي مرضت، ثم ماتت وهي على قائمة انتظار العلاج؛ وابنه الأصغر الذي حصل على شهادة متوسطة، ~~وأضاع سنوات طرقا على أبواب العمل، حتى اضطر للعمل معه أخيرا. # استحالت الخدوش كسرا في أحد النهارات، حينما كان يساعد في دفع سيارة معطلة، فسقط «عم ~~رشاد»، وأصيب بكسر في إحدى ساقيه، واحتاج إلى دعامة جديدة. # مكث «عم رشاد» في المستشفى العام، وأجريت له العملية، ورغم بساطتها لم تظهر آثار ~~التداوي، وأضيفت إليه قرحة الفراش؛ نتيجة لإهمال عاث في جسده طيشا. وببطء، وعلى مدى 45 ~~يوما، امتدت آثار الكسر إلى روح «عم رشاد» وجسده، حتى صارت صدعا هائلا لا ينفعه لحام ~~أو دعامات. # كرسي «عم رشاد» أصبح اليوم خاليا، وفوطته تواسيه، تستلقي جافة على طرف مسنده، فيما ~~تنتظره السيارات التي أحالت شارعنا إشارة مرور معطلة، فيما أقف أنا خلف نافذتي أسترق ~~السمع لعله يصلني صوته الحاد. ms39