######OpenITI# #META# URI: 1450SuhaShami.CarrafatIstanbul.Hindawi72836402 #META# Tags: literature #META# ID: 72836402 #META# Title: عرَّافة إسطنبول #META# AuthorID: 92949694 #META# Author: مايكل ديفيد لوكاس #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 20926903 #META# Translator: سهى الشامي #META# Related_books: 1450MichaelDavidLukas.OracleOfStamboul (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # خاتمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # خاتمة‏ # | عرافة إسطنبول # | عرافة إسطنبول # تأليف # مايكل ديفيد لوكاس # ترجمة # سهى الشامي # مراجعة # هبة عبد المولى أحمد # | الفصل الأول # وفدت إلينورا كوهين إلى هذا العالم في وقت متأخر في يوم خميس من صيف عام 1877. # وسيذكر ~~أولئك الذين استيقظوا مبكرا في صبيحة ذلك اليوم أنهم رأوا سربا من الهداهد البنفسجية ~~والبيضاء تحلق فوق المرفأ؛ حيث تحوم في حلقات ثم تندفع فجأة كالأسهم كما لو كانت تحاول ~~أن ترتق خرقا في السماء. وسواء أباءت محاولاتها بالفشل أم حالفها النجاح، فإنها كانت ~~تبطئ انقضاضها في نهاية المطاف وتستقر في أنحاء المدينة وعلى أعتاب دار القضاء، وعلى السقف ~~المصنوع من القرميد الأحمر الذي يعلو فندق كونستانتسا، وعلى برج الناقوس الذي يعلو ~~أكاديمية القديس باسيليوس. جثمت الطيور في حجرة الإضاءة بالمنارة، وعلى مئذنة الجامع ~~الحجرية الثمانية الشكل، وعلى السطح الأمامي لسفينة بخارية تنفث دخانها في الأفق الصافي. ~~كست الهداهد المدينة مثل الجليد، وانتقلت عبر مزاريب المطر الناتئة من قصر الحاكم، ~~وغطت القبة المطلية بالذهب للكنيسة الأرثوذكسية. وفي الأشجار المحيطة بمنزل يعقوب وليئة ~~كوهين بدا ms001 السرب في حالة جذل ذات طابع خاص؛ إذ أخذت الهداهد تغرد، وترفرف بأجنحتها، ~~وتقفز من غصن إلى غصن كما لو كانت جمعا من الفلاحين المصطفين على جوانب شوارع ~~العاصمة بغية مشاهدة أحد العروض الإمبراطورية. وكثيرا ما ينظر إلى الهداهد على أنها ~~فأل خير، لولا الأحداث المشئومة التي تزامنت مع مولد إلينورا. # ففي وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، تحركت الفرقة الثالثة من سلاح الفرسان الملكي ~~التابع للقيصر ألكسندر الثاني من الشمال، وتجمعت على قمة التل المطل على ساحة ~~المدينة، وقد تألفت الفرقة من: ستمائة واثني عشر رجلا، وخمسمائة وسبعة وثلاثين جوادا، ~~وثلاثة مدافع، وأربع وعشرين خيمة رمادية باهتة من قماش القنب، ومطبخ ميداني، وعلم ~~قيصر المخطط أفقيا باللونين الأصفر والأسود. وطوال أسبوعين كانوا يتنقلون معظم ~~الوقت ولا يحصلون إلا على قليل من الطعام والراحة. ساروا وسط مدن كيليا وتولتشيا وباباداج ~~حيث مستنقعات التوت في دلتا الدانوب وحقول القمح الشاسعة التي تركت من غير زرع منذ ~~الشتاء، وكان مقصدهم النهائي هو مدينة بلفن، وهي مركز تجاري في قلب سهل الدانوب؛ حيث كان ~~المشير عثمان باشا وسبعة آلاف من القوات العثمانية يحاولون التصدي لهم. إنها ستكون ~~معركة مهمة، بل وربما نقطة تحول في مسار الحرب، لكن بلفن كانت لا تزال على مسيرة عشرة ~~أيام أخرى، وشعر رجال الفرقة الثالثة بالتململ والاضطراب. # وقد تركت كونستانتسا، التي كانت ترقد تحت أقدامهم كأنها وليمة جاهزة، شبه عارية ~~تماما من الحراسة؛ فعلى بعد مسافة لا تزيد على اثني عشر مترا من حافة قمة التل ترقد ~~أطلال جدار روماني قديم. في القرون الماضية، حمت هذه الأحجار ذات اللون الوردي ~~الباهت المدينة من الخنازير البرية وقطاع الطرق والبربر التراقيين الذين كانوا يحاولون ~~باستمرار شن الغارات على المرفأ. وكان الجدار الذي أعاد الرومانيون بناءه مرتين، ثم ~~البيزنطيون مرة أخرى، في حالة دمار شامل عندما وصل العثمانيون إلى كونستانتسا في نهاية ~~القرن الخامس عشر. وهكذا ترك مقوضا؛ فقد انتزعت أفضل أحجاره لاستخدامها في بناء ~~الطرق والقصور وجدران أخرى حول مدن ms002 أخرى أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. ولو كان ~~أحدهم قد فكر في ترميم الجدار، لربما حمى المدينة من وحشية الفرقة الثالثة، لكنه في ~~حالته الحالية لم يكن سوى حجر عثرة. # طوال هذا الصباح حتى وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة ورجال الفرقة الثالثة يعيثون ~~فسادا في شوارع كونستانتسا؛ يحطمون نوافذ المتاجر، ويروعون الكلاب الضالة، ~~ويدمرون كل ما تطوله أيديهم من تماثيل. أشعلوا النيران في قصر الحاكم، ونهبوا دار ~~القضاء، وحطموا الزجاج الملون الذي يعلو مدخل أكاديمية القديس باسيليوس. نهب متجر ~~الصائغ بكل ما فيه؛ وسرقت كل محتويات حانوت الإسكافي؛ وبعثر البيض المكسور والشاي في ~~متجر العاديات، وحطموا أيضا الواجهة الأمامية لمتجر السجاد الخاص بيعقوب كوهين، ~~وثقبوا الجدار بحرابهم. وباستثناء الكنيسة الأرثوذكسية التي وقفت شامخة في آخر اليوم لم ~~يمسسها أذى، كما لو كان الله نفسه قد حماها، كانت المكتبة هي البناية المحلية الوحيدة ~~التي نجت سالمة من وحشية الفرقة الثالثة؛ لا لأنهم يكنون تقديرا خاصا للمعرفة، ~~وإنما يعود الفضل كله في نجاة مكتبة المدينة إلى شجاعة حارسها؛ فبينما انكمش بقية ~~سكان المدينة رعدة تحت فراشهم، أو جثموا معا في الطوابق السفلية وفي خزانات الملابس، ~~وقف أمين المكتبة في جرأة على الدرج الأمامي لمملكته، حاملا نسخة مهلهلة من رواية ~~«يفجييني أونيجين» فوق رأسه، كما لو كانت تميمة سحرية. ومع أن رجال الفرقة الثالثة كانوا في ~~الغالب على جهل تام بالقراءة والكتابة، فقد استطاعوا تمييز شكل حروف لغتهم الأصلية ~~السيريلية، وكان هذا على ما يبدو كفيلا لهم كي يعفوا عن المبنى ويفلتوه من ~~براثنهم. # في تلك الأثناء، وفي منزل حجري صغير رمادي اللون بالقرب من قمة إيست هيل، اشتدت ~~آلام المخاض بليئة كوهين، وفاحت غرفة المعيشة برائحة خلاصة أزهار الويتشهازل والكحول ~~والعرق. وكان صندوق البياضات مفتوحا، وعلى الطاولة كومة من أغطية الأسرة الملطخة ~~باليود. ولما كان الطبيب المدرب الوحيد في المدينة مشغولا في مهمة أخرى، تولى رعاية ~~ليئة قابلتان تتاريتان تقطنان قرية مجاورة. لقد أحضرتهما العناية الإلهية إلى عتبة ~~منزل كوهين ms003 في اللحظة التي كانت ليئة في أمس الاحتياج إليهما؛ فقد قرأتا العلامات وقالتا ~~في ذلك: بحر من الجياد؛ ومحفل من الطيور؛ والنجم الشمالي بمحاذاة القمر. وذكرتا أن هذه ~~كانت نبوءة تنبأ بها ملكهم الأخير وهو يحتضر، لكن لم يكن أمامهما وقت للشرح. طلبت ~~القابلتان أن يصطحبهما أحد إلى غرفة النوم، ثم طلبتا أغطية أسرة نظيفة وكحولا ~~ومياها مغلية، ثم أغلقتا الباب وراءهما؛ وكل عشرين دقيقة تقريبا تهرول صغراهما ~~مندفعة خارج الغرفة حاملة وعاء فارغا أو كومة ملء الذراعين من الأغطية المستعملة. ~~وبخلاف هذه الرحلات القصيرة الخاطفة، ظل الباب مغلقا. # ولما لم يكن بيد يعقوب زوج ليئة ما يفعله، أو شيء آخر يشغله، فقد استسلم للقلق. ~~وشغل يعقوب - الذي كان ضخم البنية أزرق العينين، ذا شعر أشعث فاحم السواد - نفسه بنتف ~~أطراف لحيته، وخلط إيصالاته، وتعبئة غليونه. وبين الحين والآخر تتناهى إلى مسامعه ~~صرخة، أو بعض الكلمات المكتومة التي تحث على الدفع، أو صوت إطلاق النار والجياد الآتي ~~من بعيد. ولم يكن يعقوب رجلا متدينا بدرجة خاصة أو مؤمنا بالخرافات، ومع ذلك ~~همهم بما استطاع أن يتذكره من صلوات خاصة بولادة الأطفال، وقرع ثلاث مرات على الخشب ~~كي يطرد العين الشريرة. وقد حاول قصارى جهده ألا يستسلم للقلق، لكن ماذا عسى أب ينتظر ~~قدوم مولوده الجديد أن يفعل غير ذلك؟ # وبعد الغسق مباشرة، في تلك الساعة البالغة الرقة التي تتحول فيها السماء من ~~اللون البنفسجي إلى الظلام، صمتت الهداهد، وتوقف إطلاق النار، وخف وقع حوافر الجياد ~~حتى توقف تماما؛ وكأنما العالم بأسره توقف ليلتقط أنفاسه. في تلك اللحظة خرج من ~~غرفة النوم صوت تنهيدة متعبة، عقبها صوت صفعة على جسد ثم صرخة المولود الجديد. ~~عندئذ ظهرت القابلة الأكبر سنا، السيدة داماكان، حاملة صرة تحت ذراعها. وباستثناء صوت ~~الرضيع الخافت، غرقت الغرفة في الصمت. # همس يعقوب: «حمدا لله!» ثم مال ليقبل ابنته في جبهتها. كانت الطفلة رائعة، غريرة، ~~تتقد بالحياة الجديدة، ثم مد يده ليحملها بين ذراعيه، ولكن القابلة منعته. # قالت القابلة ms004 : «أيها السيد كوهين.» # رفع كوهين عينيه إلى خط فمها الدقيق. ~~«ثمة بعض المتاعب.» # لم يتوقف نزيف ليئة، وكانت واهنة بدرجة خطيرة. وبعد ساعات قلائل فحسب من الولادة أسلمت ~~الروح. وكانت الكلمة الأخيرة التي تفوهت بها هي اسم مولودتها، وما إن نطقت بها حتى انفتحت ~~السماء. # كان هطول المطر كما لم يشهده أحد من قبل في كونستانتسا؛ وابلا لا نهائيا من الأمطار ~~والرعد. تدفقت الأمطار في صورة سيول وأمواج وصفحات من المياه، فأخمدت النيران، وطمست ~~معالم الطرق، وغلفت ساحة المدينة بغطاء من الدخان الرطب. وعندما بلغت العاصفة أشدها، ~~أوت الهداهد إلى فتحات الأشجار اليابسة وتجاويفها. أما الفرقة الثالثة فشدت الرحال ~~جنوبا صوب بلفن، حاملين غنائمهم تتدلى مثل أعشاش العناكب على ظهور جيادهم. أمطرت ~~السماء طوال أربعة أيام اعتنت فيها السيدة داماكان وابنة أخيها بالمولودة الجديدة. ودفنت ~~ليئة في قبر جماعي يضم اثني عشر رجلا تقريبا قتلوا أثناء محاولاتهم الدفاع عن ~~ممتلكاتهم، وملأ يعقوب المنزل عويلا. وبنهاية الأسبوع، كانت النفايات قد سدت المرفأ، ~~واكتسى ميدان المدينة برماد رطب. # لكن الحياة لا بد أن تمضي، فعندما انقشعت السحب أخيرا، استقل يعقوب كوهين عربة إلى ~~تولتشيا، وبعث ببرقيتين؛ إحداهما إلى أخت ليئة في بوخارست، والأخرى إلى صديقه وشريك ~~أعماله في إسطنبول، وهو رجل تركي يدعى منصف باركوس الذي حصل مؤخرا على لقب ~~البكوية. وفي البرقية الأولى أخبر شقيقة زوجته بالمأساة، وطلب منها أن تقدم له ما في ~~استطاعتها من مساعدة. أما البرقية الثانية فقد بعثها بناء على طلب من السيدة داماكان ~~يوصي فيها بتعيينها هي وابنة أخيها في أي وظيفة شاغرة ربما تكون متاحة في منزل منصف ~~بك؛ إذ نوت السيدة داماكان وابنة أخيها - كما الحال مع معظم التتار الذين يقطنون القرى ~~المحيطة بكونستانتسا - الرحيل عما قريب والتطلع إلى حياة جديدة في إسطنبول؛ حيث يلقى ~~المسلمون المزيد من الحفاوة والترحاب. وحتى يأتي ذلك الحين، وافقتا على المكوث مع يعقوب ~~ومساعدته بأقصى استطاعتهما. # بعد بضعة أيام وصل الرد من منصف بك، الذي أشار فيه إلى ms005 أنه يسعده استقبال السيدة ~~داماكان، وأنه كان في الواقع يبحث عن خادمة جديدة. # أما الرد على برقية يعقوب الثانية فقد وصل بعدها بأسبوع، بمجيء روكساندرا؛ الأخت الكبرى ~~لزوجته ليئة. كانت الساعة السادسة مساء عندما توقفت عربتها في المرفأ. وكانت ~~روكساندرا، تلك المرأة النحيلة التي ترتدي ملابس السفر وقبعة من اللباد الأخضر الداكن، ~~ذات أنف حاد وذقن صغير وشامة في منتصف وجنتها اليسرى بدت كما لو كانت قمة بركان ~~وشيك الاندلاع. ترجلت روكساندرا من العربة وفي يسراها حقيبة سفر، وفي يمناها برقية مجعدة ~~مبللة بالعرق، ثم حاسبت السائق وبدأت تشق طريقها أعلى التل نحو منزل زوج أختها. # وبينما كانت روكساندرا ترتقي الدرج الأمامي من منزل كوهين، عدلت قبعتها ثم حدقت ~~إلى الوراء في لمعة روث الطيور الذي يغطي الممشى الأمامي، وحملقت في سرب الهداهد ~~البنفسجية والبيضاء الجاثم على شجرة الدلب فوقها، ثم التفتت نحو الباب وقرعته. ~~ولما لم يجب أحد، قرعت مرة أخرى وهي تميل برأسها للأمام كي تنصت إلى صوت أي ~~حركة بالداخل، ومرة أخرى لم يكن من مجيب هناك. ولأنها لم تكن ممن ينتظرون بالخارج في ~~الطقس البارد، فقد عدلت قبعتها وسمحت لنفسها بالدخول. # كان منزل كوهين بأكمله لا يزيد على حجرة الطعام الموجودة في المنزل الذي قضت فيه روكساندرا ~~وليئة طفولتهما في بوخارست. وكان يتألف من ثلاث غرف نوم، وحجرة للمؤن، ومطبخ، وغرفة ~~معيشة جدرانها عارية ما خلا لوحة فحمية صغيرة لليئة فوق المدفأة. وفي أحد أركان الغرفة ~~الرئيسة خزانة ومائدة طعام مصنوعة من خشب البتولا المحبب تغطيها كومة من الأطباق ~~المتسخة، وفي الركن الآخر زوج من المقاعد الجلدية البالية قبالة المدفأة. وكانت ~~أرضية غرفة المعيشة غارقة في بحر من السجاد الشرقي المفروش دون اعتبار للألوان أو الطراز، ~~بل أحيانا تجد ثلاثا من السجاد بعضها فوق بعض، كما لو كانت مدينة قديمة مبنية على ~~أنقاض حضارات أقدم. وبعد أن تخطت روكساندرا العتبة في حذر شديد، أنزلت حقيبة سفرها، ثم ~~أغلقت الباب الأمامي خلفها. # نادت روكساندرا: «مرحبا، هل من ms006 أحد هنا؟» # كان يعقوب جالسا طوال الوقت عند الطاولة ورأسه بين ذراعيه خلف كومة من الأوراق. وعندما ~~وقف ليحييها، كان واضحا كم هو في أمس الاحتياج إلى مساعدة روكساندرا؛ فقد كان ~~معطفه الطويل ملطخا ببقع في عدة أماكن، وأطلق لحيته في إهمال واضح، وكانت ~~عيناه شديدتي الحمرة. # قال كوهين مدهوشا لدى رؤيتها في غرفة معيشته: «يا روكساندرا، اجلسي من فضلك.» # سحبت روكساندرا مقعدا عند رأس الطاولة وجلست. # ثم قالت وهي تضع البرقية على المائدة ~~مبرهنة بها على سبب مجيئها: «لقد طلبت المساعدة، وها أنا ذا.» # أجاب يعقوب: «بالطبع. كيف حالك؟» # أجابت: «بالنسبة إلى الظروف الحالية، فأنا بخير. أشكرك. لكن الرحلة كانت طويلة، وأرغب ~~بشدة في تناول قدح من الشاي.» # بينما كانت روكساندرا تتحدث، اندفعت السيدة داماكان بظهرها من المطبخ يتدلى من فمها ~~خيط، حاملة إلينورا في ثنية ذراعها وهي مقمطة. وكانت إلينورا مستغرقة في النوم ~~ورموشها ترفرف مثل أجنحة حشرة اليعسوب، وقد قبضت يديها في سلام عند منتصف صدرها. # قالت روكساندرا وهي تميل فوق اللفافة: «لها فم أمها نفسه.» ثم نظرت إلى أعلى وقالت: ~~«هذه مرضعتها على ما أعتقد.» # رد يعقوب: «نعم، بشكل ما، لقد حضرت السيدة داماكان وابنة أخيها ميلاد إلينورا، وكان من ~~كرم أخلاقهما مساعدتي على مدار الأسابيع القلائل الماضية.» # قالت روكساندرا: «حسنا، لقد فهمت. أنت السيدة دالامان، أليس كذلك؟ هل تمانعين في إعداد ~~قدح من الشاي لي؟ شاي ثقيل من فضلك. لقد كانت رحلة طويلة.» # جلست روكساندرا على مقعدها مرة أخرى وراقبت السيدة داماكان وهي تخرج من الغرفة. # قالت روكساندرا: «إني أفضل بصفة عامة الدخول في صميم الموضوع مباشرة، سواء أكانت هذه ~~هي الطريقة الأكثر تهذيبا أم لا. وهذا أمر ينبغي أن تعرفه عني.» # أومأ يعقوب برأسه موافقا. # استهلت روكساندرا كلامها: «لقد تسلمت برقيتك، وها قد جئت لتقديم المساعدة التي ~~طلبتها. وللقيام بهذا الدور، فإنني مستعدة أن أمكث في كونستانتسا لمدة شهر على الأقل ~~للمساعدة في المهام المنزلية وما إلى ذلك.» # ثم أدارت نظرها في أرجاء غرفة ms007 المعيشة. ~~«لقد قلت إن السيدة دالاماتيان سوف تغادر قريبا، أليس كذلك؟» # أجاب يعقوب: «بلى، هي وابنة أخيها ستنتقلان إلى إسطنبول.» # دمدمت روكساندرا: «مدينة قذرة مليئة بالأتراك.» # قال يعقوب: «هما أيضا من الأتراك؛ التتار على وجه التحديد.» # قالت روكساندرا: «حسنا، لا يعنيني كنههما. ستغادران قريبا، أليس كذلك؟» ~~«إنهما تنويان الرحيل في نهاية هذا الأسبوع، مع أن استعداداتهما ضئيلة إلى حد ~~ما.» # قالت روكساندرا: «كما ذكرت، يسعدني أن أمكث هنا لمدة شهر، أو ربما حتى شهرين، لتقديم ~~المساعدة المطلوبة. ولكن إذا كنت تنتظر مني أن أمكث أكثر من بضعة أشهر، فأعتقد أننا ~~سنضطر إلى أن نتزوج.» # لطالما كانت روكساندرا الفتاة الإيثارية والابنة البارة؛ فقد اعتنت بأبويها أثناء ~~مرضهما وشيخوختهما حتى وفاتهما، بينما ذهبت أختها الصغرى إلى المدرسة لتتلقى تعليمها ~~وتزوجت. وبحلول الوقت الذي مات فيه أبوها، منذ ما يزيد قليلا على العام، كانت روكساندرا ~~قد اقتربت على نحو يدعو للقلق من سن الثلاثين، وقد آلمتها الحياة وصارت شديدة الامتعاض. ~~وعلى الرغم من أنها ورثت ثروة هائلة ستخول لمن يتزوجها الحصول على مهر كبير، فإنها ~~لم تستطع العثور على الزوج المناسب. ولم تكن تطمح في هذه المرحلة في إقامة علاقة رومانسية، ~~وإنما كل ما أرادته هو أن يكون لها بيت خاص بها، وزوج يصلح كي تتبادل معه الدعابات بعد ~~العشاء. # رد يعقوب بعد طول صمت: «هل تمانعين إذا احتفظت بردي حتى آخذ بعض الوقت ~~للتفكير؟» ~~«كلا البتة.» ~~«وماذا عن أغراضك؟ أهذا كل شيء؟» # ابتسمت روكساندرا ونظرت نحو الصندوق الصغير ذي الكسوة الجلدية الموضوع أمام ~~ساقيها. # قالت: «لا داعي للقلق بشأن أغراضي، لقد اتخذت ترتيباتي بالفعل.» # وفي صبيحة اليوم التالي وصل من بوخارست صندوقا أمتعة كبيران، وبدأت روكساندرا تتصرف ~~على سجيتها كأنها في منزلها؛ فبعدما أفرغت محتويات الصندوقين في غرفة النوم الثانية، ~~استعانت بمساعدة ابنة أخي السيدة داماكان في تنظيف الأسطح وغسل النوافذ ونفض السجاد ~~وإزالة الأتربة عن خزانات الكتب وإزالة الرماد من المدفأة. وعندما فرغتا من هذه المهام، ~~غسلت روكساندرا الممشى الأمامي، وحاولت ms008 ترويع سرب الهداهد التي اتخذت من شجرة الدلب ~~المجاورة للمنزل مأوى لها. ولكن كلما لوحت بذراعيها وألقت بالحجارة، تمسكت الهداهد ~~بمأواها. وبعدها بثلاثة أيام، كان الممشى مغطى بروث الطيور مرة أخرى. ورغم هذا الإزعاج ~~البسيط، استقرت روكساندرا في ارتياح في وضعها الجديد. كانت تطبخ وتنظف، وعندما كانت ~~السيدة داماكان وابنة أخيها منهمكتين في الإعداد لرحلتهما جنوبا بطول ساحل البحر ~~الأسود، اعتنت بإلينورا. وعندما رحلت القابلتان بنهاية الأسبوع الثاني لمجيء روكساندرا إلى ~~كونستانتسا، تولت الشئون المنزلية بالكامل. وبنهاية الأسبوع الثالث، قرع يعقوب باب ~~غرفة نومها، وقال إنه يوافق على الزواج منها؛ لأن في ذلك مصلحة الجميع، والحل الأمثل في ضوء ~~الظروف الراهنة. # أقيمت مراسم الزواج في تولتشيا؛ إذ كان معبد كونستانتسا لا يزال قيد الإصلاح. وقف ~~يعقوب وروكساندرا في مقدمة الغرفة مع الحاخام، وهو شاب ذو لحية حمراء كبيرة. وشهد على ~~زواجهما الأخوان الأصغران للحاخام، وفي مؤخرة الغرفة كانت إلينورا تصرخ بين ذراعي زوجة ~~الحاخام. وبعد مراسم الزواج تفقد يعقوب بعض الأعمال في تولتشيا، ثم استقلا عربة في الساعة ~~السادسة للعودة إلى كونستانتسا، والهداهد تتبعهما على مسافة معقولة فوق رأسيهما. # | الفصل الثاني # حدق سلطان الإمبراطورية العثمانية خادم الحرمين الشريفين وخليفة المسلمين وأمير ~~المؤمنين والخاقان الأعظم لممالك متعددة، جلالة السلطان عبد الحميد الثاني، إلى بلاط السقف ~~الأخضر والأزرق المتداخل، في حين رغى حلاق القصر وجهه بالصابون. وتناهى إلى مسامعه ~~من غرفة مجاورة نقر أوتار العود والثرثرة الخافتة للجواري. غرد بلبل من محبسه، ووقعت ~~شمس منتصف الصباح على قدميه في صورة شبكة من الظلال والأضواء. أغمض عبد الحميد عينيه، وأنصت ~~وهو يستنشق رائحة الياسمين المنبعثة من الصابون، إلى صوت نصل شفرة الحلاقة يتحرك على ~~عنقه. # دأب هذا الرجل نفسه على الحلاقة لعبد الحميد كل صباح طوال الثلاثين عاما الماضية، ~~منذ أن نبتت أولى شعيرات الرجولة في ذقنه الملكي، وقبل ذلك الحين خدم سبع سنوات في بلاط ~~والد عبد الحميد. كان الحلاق طاعنا في السن، ولكن يديه كانتا ثابتتين كيد الخطاط، ~~حتى بعد مرور ms009 كل تلك السنوات من الممارسة؛ فهو لا يزال يقدم على مهمة الحلاقة ~~الصباحية كما لو كانت أهم مهمة في حياته. وقد قدر عبد الحميد هذه الجدية كثيرا، ~~فمع كثرة المكائد والدسائس التي تحوم حول القصر، كان في حاجة إلى أن يثق في حلاقه ثقة ~~مطلقة؛ إذ لم يكن من المستجد أن يحاول أحد أفراد بلاط السلطان قتل السلطان؛ بل إن ~~ثلاثة من أقاربه البعيدين قد اغتيلوا بالفعل؛ وهم مورات الثاني ومصطفى دوزم وإبراهيم ~~الأول، على يد أفراد من العاملين لديهم ممن يفترض بهم الولاء. فقد اغتيل مورات على يد ~~طباخه، وقتل مصطفى حارسه الخاص، أما إبراهيم فقد كانت نهايته على يد حلاقه. # فتح عبد الحميد عينيه وشاهد حلاقه وهو يمسح شفرته في قطعة من الجلد، ثم أغمض عينيه مرة ~~أخرى وغاص أكثر في مقعده تاركا موسيقى العود الآتية من بعيد تنساب في أوصاله كما لو ~~كانت مياه البحر الدافق. كان ثمة حزن عميق في تلك الأوتار، أعوام عديدة من الأسى. وإذا لم ~~تخنه ذاكرته كان الفارابي هو من روى قصة اختراع العود؛ حيث استلهم مخترعه فكرة العنق ~~المنحني من هيكل عظمي كان متدليا من شجرة خروب. لمن كان هذا الهيكل العظمي؟ هذا ما ~~لا يستطيع عبد الحميد أن يتذكره. ربما كان للامك، أو لأحد أبناء نوح. على أي حال، كان ~~العود آلة موسيقية قديمة تقترن جذورها بالحزن والأسى. # ووسط غمرة هذه الأفكار، شعر السلطان بحضور أحدهم. ~~«جلالة السلطان؟» # كان هذا هو الصدر الأعظم جمال الدين باشا. كان وجهه محمرا من الإجهاد، وشاربه ~~مبروما بما يشبه خيطا من اللعاب. # قال وهو يجفف وجهه بمنديل: «جلالة السلطان، أعتذر عن مقاطعتك أثناء الحلاقة، لكن ~~لدي خبرا مزعجا للغاية.» # قال السلطان وهو يشير إلى الحلاق ليكمل: «تكلم من فضلك، فأخبار مملكتي ليست ضربا من ~~المقاطعة.» ~~«جلالة السلطان، لقد وقعت بلفن منذ ثلاثة أيام في قبضة الروس، وتقهقر عثمان باشا ومن ~~تبقى من رجاله إلى جابروفو.» # كان هذا أسوأ الأخبار حقا، ولم يكن مفاجئا بدرجة ms010 خاصة، ولكنه مع ذلك خبر مزعج. ~~تنهد السلطان وهو يشاهد بطرف عينه الحلاق وهو ينتزع الشعر النابت في منطقة عظم ~~وجنته. كانت بلفن هي الأخيرة في سلسلة طويلة من العوائق العسكرية، وعلى الأرجح سيعني هذا ~~نهاية الحرب، ثم عقد مؤتمر آخر للقوى العظمى، واختلاق حجة أخرى لتقسيم إمبراطوريته. ~~في حقيقة الأمر هو لم يكترث لفقدان السيطرة على بلغاريا أو رومانيا؛ فهو لا يأبه حتى إذا ~~ابتلعتهما الأرض، والأمر كذلك مع اليونان ودول البلقان. لم تكن الأرض هي ما يزعجه، بل ~~العار الذي سيلحق به؛ أنياب القوى العظمى التي يسيل لعابها وهي تحوم حول قصره مثل الذئاب. ~~وهو لا يكترث لبلغاريا ورومانيا، لكنه كان على دراية بأن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد؛ ~~فالروس ابتغوا الاستيلاء على قارص، ولطالما تاق الفرنسيون إلى اغتنام بلاد الشام، أما ~~اليونانيون، فلن يهدأ لهم بال حتى يحكموا قبضتهم القذرة على إسطنبول. ~~«يرى عثمان باشا أنه من الأفضل سحب رجاله إلى أدرنة، لكنه لن يفعل ذلك دون ~~موافقتك.» # استشار السلطان مستشاره. وكان لجمال الدين باشا، ذلك الرجل القصير السمين ذي الوجه الشديد ~~الحمرة، أنف كبير بدرجة لافتة، على جانبيه عينان تشبهان انحناءة سن القلم، ويختط تحته ~~شارب رفيع. ~~«وماذا ترى أنت؟» ~~«في هذه الحالة، يتحتم علي أن أتفق مع عثمان باشا؛ فأدرنة هي الموقع المثالي الذي ~~سيمكننا منه أن ندافع عن العاصمة إذا لزم الأمر، وأخشى أن هذا وارد الحدوث.» ~~«هذا هو رأيك؟» ~~«هذا هو رأيي يا جلالة السلطان، ولا يمكنني أن أرى غير ذلك.» # كان هذا هو العيب الأكبر في جمال الدين؛ فرغم أنه كان أفضل بمراحل، مشورة وولاء، من ~~الصدر الأعظم السابق لدى عبد الحميد، فإنه كثيرا ما دهسته عجلة الأحداث في خضم وقوعها، ~~وفتنته للغاية مكانته الخاصة في التاريخ. ومن وجهة نظره، كان كل تمرد بداية ثورة، ~~وكل تجسس بداية انقلاب، وكل حرب نقطة تحول في ميزان القوة. ومع أنه كان شديد ~~الذكاء، لم يكن جمال الدين باشا قادرا على النظر على المدى ms011 البعيد، والرجوع إلى الوراء ~~ومراجعة موقفه، ولكنه كان صائبا في هذه الواقعة على وجه الخصوص. فعلى المرء أن يدافع عن ~~إسطنبول مهما كلف الأمر. # قال عبد الحميد: «حسنا، لعثمان باشا مطلق الحرية في سحب قواته إلى أدرنة أو أي مكان ~~آخر قد يراه مناسبا. والآن أخبرني يا جمال الدين باشا، ماذا لديك من أخبار أخرى؟» # عدل الصدر الأعظم عمامته، وحدق إلى الدفتر الأسود الصغير الذي يحتفظ به في جيب سترته ~~العلوي، وبدأ يسرد أحداث الأيام الماضية. ~~«نحن مستمرون في تحقيقنا بشأن تمرد الضابط. وصل العميد الجديد لكلية روبرت إلى إسطنبول ~~منذ يومين، وثمة عدد هائل من التقارير حول التوتر الطائفي في سنجق نوفي بازار.» # شعر عبد الحميد بوخزة شفرة الموسى تحت أنفه وطرف بعينيه ليكتم عطسة. ~~«أخبرني المزيد عن هذا العميد الجديد.» ~~«بناء على أوامر جلالتك حاولنا ألا نزعجه أو نثير أي شكوك. وعليه، لم تكن ~~التحريات التي قمنا بها شاملة كما ينبغي أن تكون، ولكننا نعرف الحقائق الأساسية، وهي ~~الآتي: ولد في ولاية اسمها كونيتيكت، وتلقى تعليمه هناك، وبعدما أنهى تعليمه حصل على ~~وظيفة بالجامعة الأمريكية في بيروت، وظل هناك طوال السنوات السبع الماضية، وأحدث وظيفة ~~شغلها هي عميد شئون الطلبة.» # توقف الصدر الأعظم كي ينظر في دفتره. # ثم استطرد قائلا: «ثمة شائعات حوله، ولكنها غير مدعومة بالمرة بأي أدلة حتى الآن. ~~أشار بعض معارفنا إلى أنه جاسوس أمريكي، وأشار البعض الآخر إلى أنه شاذ جنسيا.» ~~«أليس هذان النشاطان متعارضين؟» ~~«نعم يا جلالة السلطان، ليسا بمتعارضين.» ~~«مع أن كليهما يتعارضان إلى حد ما مع مهنته.» ~~«بالفعل يا جلالة السلطان، وأقسمت لي أيضا مدام كورفيل، وهي إحدى معارفنا في القنصلية ~~الأمريكية، أنها التقت العميد من قبل باسم مختلف تماما عندما كانت تعيش في نيويورك، ~~لكنها لا تستطيع أن تتذكر اسمه في ذلك الحين، ولا الظروف التي التقته فيها.» # قال السلطان: «استمر في رصد تحركاته، وأحطني علما إذا اكتشفت أي شيء مثيرا ~~للانتباه.» ~~«سأفعل يا جلالة السلطان.» # وبينما جهز الحلاق وعاء ms012 مليئا برغوة الصابون، مال عبد الحميد إلى الوراء ووضع ساقا ~~على الأخرى، وحينها أدرك أنه غفل عن تبديل خفه المنزلي؛ فارتداء خف في هذا الجزء من ~~القصر كان بمنزلة خرق صغير لقواعد الإتيكيت وآداب التصرف. ولكن إذا كان الصدر الأعظم قد ~~لاحظ هذا، فإنه تكتم الأمر. ~~«قبل أن أهم بالرحيل يا جلالة السلطان، ثمة مسألة أخرى قد تكون ذات أهمية.» ~~«تفضل.» ~~«ثمة تقارير تفيد أن منصف باركوس بك قد أنشأ مؤخرا جمعية سرية جديدة، وهو ~~نفسه منصف بك الذي كان له دور نشط في حملة الترويج للدستور الذي كتب في ظل حكم ~~سلفك.» # رد السلطان وهو غارق في التفكير: «منصف بك! أذكر هذا الاسم جيدا. أظن أننا منحناه ~~وظيفة ما في ديار بكر.» ~~«هذا صحيح يا جلالة السلطان. ولعلك تذكر أيضا أن وظيفته انتقلت في اللحظة الأخيرة إلى ~~كونستانتسا.» ~~«التي تقع تحت سيطرة الروس الآن.» ~~«بالضبط، ولكن مدة بقاء منصف بك في منصبه انتهت للأسف العام الماضي، ومنذ ذلك ~~الحين عاد إلى إسطنبول.» # أومأ عبد الحميد برأسه في غموض، وزفر وهو يشاهد الضوء يحيك نسيجا من اللونين الأصفر ~~والأحمر على جفنيه. ~~«هل نعرف طبيعة جماعته الجديدة؟ هل تمثل خطرا؟ أم أنها مجرد حلقة أخرى من حلقات ~~القراءة الثيوصوفية التي يعقدها؟» ~~«من الصعب معرفة ذلك يا جلالة السلطان.» ~~«لننتظر ونر مجريات الأمور.» ~~«حسنا يا فخامة السلطان، ومرة أخرى أعتذر لمقاطعة جلالتك أثناء الحلاقة.» ~~«لا ضير في هذا مطلقا.» # وقبل أن يهم جمال الدين باشا بالرحيل أخبر السلطان بمعلومة أخيرة؛ حيث قال هامسا وهو ~~يميل نحو السلطان إن والدة جلالته كانت تبحث عنه طوال الصباح، وقد بدا عليها الاستياء ~~الشديد. شكر عبد الحميد - وهو يلمس انحناء فكه الأملس - مستشاره على هذه المعلومة، ونهض ~~على نحو مفاجئ قاصدا مكانا أكثر انعزالا. ولم يكن هذا لأنه كان يتحاشى لقاء والدته، بل ~~كل ما هنالك أنه أراد أن يفكر بمفرده في سقوط بلفن وعواقبه المتعددة قبلما ينشغل ~~بمخاوف أي شخص آخر. غادر السلطان مجمع الحمامات ms013 من باب جانبي، ثم شق طريقه حول حافة ~~حدائق الحريم، ومر بجدران سجن القصر، ثم سار وسط الحظائر الواقعة شمال الحديقة إلى ما ~~يعرف باسم «حديقة الفيل»، التي سميت بهذا الاسم لأسباب يجهلها. # كان مبتغاه الوصول إلى بقعة ضيقة من أشجار المشمش والكريز اللاذع في الركن الشمالي ~~الأقصى للحديقة، وهي بستان منعزل كثيرا ما يذهب إليه قصدا للتفكير. زرعت تلك ~~الأشجار منذ قرنين بناء على أمر من السلطان أحمد الثاني، وأصبحت بمرور السنين المكان ~~المفضل للسناجب والطيور الصغيرة الذي يعج بثرثرتها وضجيجها. اكتشف عبد الحميد البستان ~~الذي كاد يخلو دائما من الزوار من البشر عندما كان أميرا صغيرا في بلاط أبيه. والآن ~~بعدما صار هو نفسه سلطانا، وصار الآن أمره مطاعا من مدينة سالونيك حتى البصرة، يذهب عبد ~~الحميد إلى هناك كثيرا للقراءة ومشاهدة الطيور بموازاة الماء. # بعد أن تأمل السلطان عواقب انسحاب عثمان باشا، حمى عينيه من الشمس، ونظر بعيدا ~~لتلألئ مياه البوسفور؛ راجيا أن يمسك بجمهرة مبكرة من طيور اللقلق أو مجموعة ~~بعيدة المنال من طيور جلم الماء، ثم تتبع بنظراته سربا من طيور السمام وهي تنحني ~~فوق الممرات المائية الممتدة من برج جالاتا إلى محطة قطار حيدر باشا الجديدة في حي قاضيكوي. ~~وبخلاف طائر السمام، لم يكن يوجد ما يسترعي الانتباه بدرجة خاصة سوى التشكيلة ~~المعتادة من طيور النورس وغراب البحر والسنونو. ~~«ها أنت ذا.» # لم يكن عبد الحميد في حاجة لأن يلتفت، فهو يستطيع أن يميز صوت أمه في أي مكان. ومع ~~ذلك استدار بالفعل، وقبل يدها ثم تزحزح ليفسح لها مكانا على المقعد. وعلى الرغم من ~~أنها قد عمدت قصدا إلى قطع حبل أفكاره، وتجاهلت مرة أخرى أن تخاطبه باللقب الذي يليق ~~به، فإنها أمه. ~~«صباح الخير يا أمي. إنه صباح رائع، أليس كذلك؟» # قالت وهي ما زالت واقفة: «بلى، إنه صباح رائع. وأنا نادمة عن جد على مقاطعة استمتاعك ~~به.» ~~«من فضلك يا أمي اجلسي، فأنت تزيدين استمتاعي.» # قالت له: «لدي طلب صغير فحسب ms014 يا جلالتك، وعندئذ سأغادر.» # كانت أمه على قدر فائق من الجمال، حتى مع تقدمها في العمر. إنها قطعا فقدت قوامها ~~الرشيق، وسطرت الحياة علامات الخبرة على وجهها، ولكنه ما زال في إمكانه أن يرى آثار ما ~~جذب والده إليها بقوة. # استهلت كلامها وهي تقبض يديها خلف ظهرها قائلة: «كما تعلم، سيقيم القصر الأسبوع المقبل ~~عشاء على شرف السفير الفرنسي وزوجته.» # قطب عبد الحميد حاجبيه؛ لقد كان السفير الفرنسي رجلا متعجرفا واضح الأغراض بدرجة ~~مزعجة. ولم تكن زوجته أفضل منه حالا؛ فهي امرأة حمقاء بدينة كرست حياتها لإقامة ~~الحفلات ورد التفاهات الاجتماعية. ~~«أعلم أنك لا تميل إليه، لكن حفل العشاء تأخر طويلا، ونحن في حاجة إلى كل الدعم الذي ~~يمكننا الحصول عليه إذا ما أردنا أن نكون قوة موازنة للروس.» # قال السلطان: «نعم، بالفعل علينا ذلك.» # لم يستطع أن يستشف من تعليق والدته ما إذا كانت قد تلقت أخبارا عن هزيمة عثمان باشا ~~في بلفن أم لا. وتحسبا لعدم سماعها بالأمر، احتفظ عبد الحميد بأفكاره لنفسه. # استرسلت والدته قائلة: «لعلك تذكر أن السفير مغرم بكافيار البيلوجا على وجه الخصوص؛ فهو ~~كثيرا ما يأتي على ذكر هذه الحقيقة في مراسلاته معي ومع الصدر الأعظم.» ~~«أجل، أذكر أنه ذكر شيئا عن الكافيار. وإني متأكد أنك ستحرصين على تقديمه في ~~العشاء.» ~~«إنه في قائمة الطعام بالفعل يا جلالتك، ولكن لسوء الحظ أخبرني موسى بك هذا الصباح أن ~~كافيار بيلوجا نفد من المخزن، وقال إنه طلب شحنة جديدة، لكنها تأخرت بسبب أعمال العنف ~~المندلعة في المنطقة، ولن تصل إلا بعد انتهاء الحفل.» ~~«يا له من سوء حظ شديد يا أماه!» # لطالما احتدم الخلاف بين والدة السلطان وموسى بك، حارس مخازن القصر، منذ أن كان ~~السلطان أميرا صغيرا. وبالمقارنة بصراعات القصر، لم يكن هذا الخلاف خطرا نسبيا؛ بل ~~مجرد حرب استنزاف رغب كل طرف فيها فيما هو أكثر قليلا من مجرد مضايقة خصمه. وبدأ ~~عبد الحميد يشك مؤخرا أن نفور أمه العام من اليهود نبع من ms015 سنوات عراكها مع موسى ~~بك، مع أنه كان يمكن أن يكون العكس تماما بكل سهولة. # قالت: «توجد عشر علب من سمك الحفش في المخزن.» ~~«سيفي سمك الحفش بالغرض.» # واسترسلت قائلة: «هذا سيناريو أسوأ الفروض، وهو ليس شديد السوء في ضوء المعاناة الهائلة ~~حولنا، ولكن في ضوء ما نعرفه من امتداح السفير لكافيار بيلوجا على وجه التحديد، واحتمال ~~احتياجنا إلى مساندة حكومته في المستقبل القريب، رأيت أنه ربما يمكن أن أفتش جيدا عن ~~بضع علب في مخزن حفظ اللحوم خاصتك، غير أن موسى بك لن يسمح لي بالدخول؛ فقد قال إن ~~الدخول إلى هناك يقتضي أمرا صريحا من فخامة السلطان نفسه.» # حك السلطان أصابعه في الحبيبات الخشبية للمقعد. لماذا يأتيه الناس دائما بمثل سفاسف ~~الأمور هذه؟ هل سلطان الإمبراطورية العثمانية في حاجة بحق إلى أن يشغل نفسه ببضع علب من ~~الكافيار؟ لقد كانت لديه شئون أهم ليتفرغ لها؛ مثل شئون الدولة وشئون الحرب والعلاقات ~~الدبلوماسية الدولية. # قال السلطان باذلا قصارى جهده كي يحتوي غضبه: «سأطلب منه ذلك صراحة.» ~~«ثمة أمر آخر يا جلالة السلطان.» ~~«ما هو يا أمي؟» # قالت وهي تحدق إلى قدميه: «يبدو أن خفيك قد أفسدتهما رطوبة الحدائق. وإذا راق لك أن ~~أحضر لك خفا آخر أو حذاء فأنا في خدمتك.» ~~«كلا. شكرا لك يا أمي، لكن أظن أن لا حاجة لي بتغييره الآن.» ~~«حسنا.» هكذا قالت، ثم استدارت لترحل وهي منحنية. # | الفصل الثالث # على الرغم من جهود روكساندرا المتكررة لترويع الهداهد، جثمت الهداهد التي شهدت مولد ~~إلينورا على نحو دائم في شجرة تين خارج منزل كوهين، فأصبح الممر الأمامي مغطى دائما ~~بطبقة لزجة من فضلات الطيور الخضراء والبيضاء. في البداية لم يكن واضحا سبب الإصرار ~~الشديد للسرب على سكنى هذه الشجرة بعينها؛ لماذا يتحملون المكنسة والمواد ~~المبيضة والمياه المغلية في حين كان يوجد عدد كبير من المآوي القريبة الأكثر ترحيبا، ~~ولكن أصبح جليا بمرور الوقت أن انجذابهم ارتبط بطريقة ما بإلينورا، كما لو كانوا ~~يعتبرونها جزءا من سربهم ms016 ؛ الملكة التي من دونها تصبح حياتهم بلا معنى؛ فهم ينامون عندما ~~تنام، ويقفون حراسا لها عندما تستحم، وينفصل جمع صغير عن السرب ليتبعها عندما ~~تغادر المنزل. اتسمت هذه الطيور بالغرابة في مظهرها وسلوكياتها، ولكن في نهاية المطاف ~~بات سرب إلينورا جزءا من الحياة اليومية؛ شيئا ثابتا ومألوفا فوق إيست هيل. ولم يكن ~~أهل المدينة يعيرونه انتباها أكثر من الذي يعيرونه للحمام المصطف بطول مزاريب ~~فندق كونستانتسا. وفي نهاية الأمر استسلمت روكساندرا لتنظيف الممر الأمامي كل أسبوع ~~بالماء الساخن والمواد المبيضة. # ربما كان أمر الهداهد سيثير مزيدا من الغرابة ما لم تكن إلينورا نفسها مخلوقا ~~استثنائيا. فعندما كانت رضيعة بين ذراعي مرضعتها، كان يستطيع المرء أن يميز بالفعل ~~اللمحات الأولى التي ستزهر فيما بعد وتتحول إلى جمال أخاذ هادئ؛ متمثل في وجنتيها ~~الجذابتين الحمراوين اللتين تتوجهما بضع خصلات من الشعر المجعد، وعينين خضراوين ~~واسعتين بلون زجاج البحر، وأسنان لبنية كمعكبات العاج الصغيرة. وقلما كانت تصرخ، وقد ~~خطت خطواتها الأولى في الشهر الثامن، وفي عمر السنتين كانت تنطق بجمل كاملة. وكانت ~~تؤثر على المحيطين بها بمنطق طفولي، مع أنه اتسم بالدقة على نحو مذهل، وجذبت قوة ~~حضورها - ذلكم البهاء والنقاء الداخليان اللذان لا يمكن وصفهما - الناس إليها من كل ~~أنحاء السوق محملين برغبة لتقبيل جبهتها فحسب. ورغم هذا التفرد الذي لا شك فيه، كان ~~معظم طفولة إلينورا عاديا للغاية؛ فقد أمضت أيامها تنام وتأكل وتستكشف العالم من حولها، ~~وتلعب باستخدام الملاعق الخشبية والأواني في المطبخ، أو تستغرق في تأمل نقش على إحدى ~~السجاجيد في غرفة المعيشة. # ومن بين ذكريات إلينورا المبكرة الحكايات التي كان والدها يقصها عليها أحيانا بعد ~~العشاء. فعندما كانت تتسلق حجره، كانت تستطيع أن تشعر بملمس سترته الصوفية الخشنة ~~على ذراعها. صوت طقطقة النيران، ورائحة الجلد البالي للمقعد، وروكساندرا ترتق الملابس في ~~زاوية الغرفة. وقبل أن يستهل يعقوب قصته، يضع يده في جيب معطفه، ويخرج حفنة ضئيلة ~~من قطع التوباكو الصغيرة، ثم يحشوها في غليونه بالجانب المسطح من إبهامه ms017 . وكانت ~~فوهة الغليون على شكل رأس أسد لونه بني مذهب، منحوت من حجر يسمى المرشوم. ~~حبست إلينورا أنفاسها، بينما أخرج والدها علبة الثقاب من جيب معطفه، وأشعل أحد أعواد ~~الثقاب، وقربه من التاج الذي يعلو رأس الأسد. بدا هذا المشهد كما لو كان طقسا من الطقوس ~~القديمة وهم الوحيدون المتبقون لحراسة أسراره. وبعد أن سحب عدة أنفاس من الغليون ~~لإحمائه، وضع إحدى يديه على كتفها وسألها إن كانت تبتغي أن تسمع قصة. وبالطبع، كانت توافق ~~دائما. # كانت قصص أبيها تدور حول الحكماء والرحالة والتجار والحمقى، وكانت قصصا عن بوخارست ~~وباريس وفيينا وجميع المدن البعيدة الأخرى التي زارها في ريعان شبابه، ومدن أخرى مثل لانتشو ~~وأنديجان وبرسبوليس وسمرقند؛ مدن ذات حدائق معلقة، وبروج شاهقة تطاول عنان السماء، وناس ~~أكثر مما يمكنك أن تتخيل؛ مدن بها نمور تتربص في الظلال، وأفيال تدب وسط الشارع؛ مدن ~~قديمة قدم الجبال تعج بالسحر الخير والشرير. لقد زار والدها كل أنحاء العالم، وشاهد ~~أماكن أكثر مما يستطيع حصرها، لكن مدينته الفضلى عن كل المدن الأخرى كانت محور ارتكاز ~~القارات العريق، موطن آيو وجوستينيان، موضع حسد قنسطنطين وسليم، لؤلؤة البوسفور، الجوهرة ~~المتلألئة في مركز الإمبراطورية العثمانية. كانت مدينته الفضلى هي إسطنبول، وهناك دارت ~~أحداث أفضل حكاياته. # بخلاف قصص والدها، تمثلت أولى ذكريات إلينورا في واقعة حدثت بعد عيد ميلادها الرابع ~~مباشرة. كان عصر يوم كئيب هادئ في مطلع الخريف، عندما لاحظت للمرة الأولى قوة تركيزها. جلست ~~إلينورا القرفصاء تحت أقدام الطماطم المعترشة، وهي حافية القدمين، ترتدي ثوبا بسيطا ~~أحمر اللون مصنوعا من القطن، تحفر بأصابعها حفرة في الأرض الرطبة المتكتلة. هب على ~~التل نسيم دافئ، وكانت الهداهد تلغو فيما بينها، ومن الخلف يمكن للمرء أن يرى الطريق ~~المؤدي إلى نافوداري. وكانت قد أمسكت لتوها بحشرة رمادية لامعة، وأخذت تشاهدها وهي ~~تبسط جسدها في راحة يدها، بينما تناهى إلى مسامعها صوت خشخشة قادم من حافة الحديقة. كان ~~ظبي يطل في تردد برأسه من الغابة. شاهدته وهو يخطو خطوة ms018 للأمام نحو رقعة البصل، ثم نصف ~~خطوة إلى الوراء. ولم تكن رؤية ظبي في الحديقة بالشيء الغريب، لكن ثمة شيء ما في هذا الظبي ~~الصغير بعينه لفت انتباهها. وبعد مراقبته لبضع دقائق وهو يتحرك وسط أشجار الطماطم، ~~قررت أن تتبين أمره. # أعادت إلينورا الحشرة إلى حفرتها، ثم نهضت وعبرت الحديقة. لم يتحرك الظبي، مع أنه بدت ~~عليه أمارات القلق لكونه على هذه الدرجة من القرب من إنسان. وقفت إلينورا على حرف رقعة ~~البصل، على مسافة أقل من ذراع من الظبي، فاستطاعت أن تشعر بأنفاسه الدافئة الرطبة على ~~جبهتها. ونظرت إلى ثبات عينيه اللامعتين، ثم مدت يدها ببطء لتضعها عند الجزء السفلي من ~~رقبته. ظل الظبي ساكنا في مكانه. وبخلاف رجفة فتحتي أنفه وانبعاث نفسها الخفيف، ~~وقف كلاهما بلا حراك تماما. # عندئذ، وفي حركة واحدة، أخذ الظبي خطوة إلى الوراء وخفض قرنيه، رافعا ساقه اليسرى ~~كما لو كان جنديا يقدم سلاحه للمعاينة. وعلى الفور أدركت إلينورا سبب انزعاج الظبي، ~~وعرفت ما عليها أن تفعله. كانت توجد فوق حافره مباشرة شوكة؛ قطعة معدنية معقوفة مدفونة ~~على عمق كبير داخل اللحم. بدا الظبي وكأنه قد اخترق أحد الأسوار، أو لعلها أداة صيد علقت به. أزاحت ~~إلينورا خصلة شعر عن عينيها، ثم أمسكت بالطرف المجروح بيدها وتفقدت الجرح. كانت الأوردة ~~المحيطة به تنبض بشدة، وتجمعت رغوة بيضاء على القطعة المعدنية. انتصب شعر ساق الظبي حين ~~قربت إلينورا يدها الأخرى منها. ثم طرفت بعينيها، وبسحبة واحدة سريعة انتزعت ~~الشوكة. # بينما كانت إلينورا تشاهد الظبي وهو يقفز بعيدا عبر الغابة، اقشعر بدنها للتفكير ~~فيما فعلته توا. راحت الهداهد فوقها تغرد بصوت مبحوح، وبدا صوت انسحاق الأعشاب تحتها ~~كأنه تصفيق خفيف، ولكن الاحتفاء بها لم يدم طويلا؛ فبعدها بلحظة أمسكت من تحت ~~إبطيها وحملت إلى الحمام. # قالت روكساندرا وهي تنزع عنها فستانها: «ممنوع منعا باتا أن تفعلي هذا مرة أخرى، فلو ~~عرف هذا الخبر ...» # وقفت إلينورا مطأطئة رأسها ترتعش في منتصف الحمام، بينما كانت روكساندرا تعد لوفة ms019 ~~الاستحمام. لم يسبق أن رأت إلينورا خالتها في تلك الحالة؛ فقد بدت مرتجفة، بل كادت تكون ~~مرتعدة. ~~«ماذا تقصدين يا روكساندرا؟ ما الذي جنيته؟» # بدلا من أن تجيبها، أخذت روكساندرا تحك جسدها بقوة باستخدام لوفة مبللة بالصابون، ~~بادئة بالذراعين ثم اليدين، ولا سيما بين الأصابع. # قالت إلينورا منتحبة: «من فضلك، أخبريني ما الخطأ الذي اقترفته؟ لا أستطيع أن أكون ~~بحال أفضل ما لم أعرف ما الذي جنيته!» # توقفت روكساندرا عن حك جسدها. ~~«ليس من الجيد أن نلهو مع الحيوانات. أخشى أن يراك أحد من الناس! كفانا ما لدينا من مشكلات ~~بسبب شكوك الناس في اليهود واشتغال والدك في توريد السجاد باستمرار إلى إسطنبول. وآخر ما ~~نرجوه هو لفت المزيد من الأنظار إلينا.» # قالت إلينورا: «لكنه كان مجروحا. كانت توجد قطعة معدنية مغروسة في ساقه، وأرادني أن ~~أساعده.» # غمست روكساندرا اللوفة في الماء البارد، وأخذت تحك جسدها مرة أخرى. ~~«لا يعنيني ما ظننت أن هذا الظبي يريده. لا أريد أبدا أن أراك تفعلين شيئا كهذا مرة ~~أخرى، ولا أريدك أن تخبري أي شخص بهذا الموضوع، ولا حتى والدك. أتفهمينني؟» # كانت إلينورا أذكى من أن تعترض، وعندما فرغت من الاستحمام اعتذرت بشدة لروكساندرا ~~عما بدر منها، ووعدتها ألا تلهو أبدا مع الحيوانات مرة أخرى. وظنت إلينورا أن ~~الموقف قد انتهى عند هذا الحد، وقد كانت محقة من ناحية ما في ذلك؛ إذ لم تأت خالتها ~~قط على ذكر الواقعة مرة أخرى، إلا أن إلينورا لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في أن ~~ثمة علاقة ما بين الظبي وما أعلنته روكساندرا في صبيحة اليوم التالي وقت الإفطار؛ حيث قالت ~~إنه آن الأوان كي تبدأ إلينورا في تعلم مهارات التدبير المنزلي. فهذه المهارات سوف تنفعها ~~أيما نفع لبقية حياتها، وسوف تساعدها في جذب زوج مناسب، والأهم أن اليد البطالة ~~نجسة. ومع أن يعقوب أبدى بعض التحفظات بشأن هذه الخطة، فإنه خول سلطته في هذه المسألة ~~إلى روكساندرا، التي أكدت له أن إلينورا قادرة ms020 تماما على أداء المهمة. وهكذا حسم ~~الأمر. # قالت روكساندرا: «سيكون الدرس الأول تعلم الحياكة.» # وضعت روكساندرا يدها في جيب مئزرها الأمامي، وأخرجت أحد مناديل يعقوب القديمة وإبرة ~~وبكرة خيط. ~~«أترين هذا؟» # مالت فوق كتف إلينورا وأشارت إلى غرز عظام السمك الزرقاء بطول الحافة الخارجية للنسيج. ~~أومأت إلينورا برأسها إيجابا، ثم سندت مرفقيها على الطاولة وأسلمت ذقنها إلى راحة ~~يديها. ~~«كرري النقش نفسه بطول الحافة الداخلية. وإن كانت لديك أي استفسارات، فأنا في ~~المطبخ.» # نظرت إلينورا إلى الإبرة والخيط الملتف مثل ثعبان في منتصف النسيج. لن يكون هذا ~~ممتعا على الإطلاق، لكن لم يكن بوسعها أن تفعل أي شيء كي تعترض. أمسكت إلينورا بالإبرة ~~بين إبهامها وسبابتها، ثم حدقت إلى ثقبها. وبعد أن أغمضت عينيها نصف إغماضة، ضغطت طرف ~~الخيط بين الإبهام وسبابة اليد الأخرى، وبتركيز شديد تمكنت من أن تدخل الخيط في ثقب ~~الإبرة. تصير الحياكة سهلة بمجرد إدخال الخيط في الإبرة. صنعت إلينورا الغرزة الأولى ~~وهي حذرة كي لا توخز نفسها ثم سحبت الخيط بإحكام، ثم صنعت غرزة ثانية، وثالثة، ~~ورابعة. لم يكن النقش صعبا للغاية؛ فكل ما هنالك أنها تصنع الصفين نفسيهما مرارا ~~وتكرارا، ثم تكرر الشيء نفسه حول حافة النسيج. كان عملا مثيرا للضجر، لكنه لم يكن ~~شديد الصعوبة. # هكذا كان شكل حياة إلينورا في الأشهر التي أعقبت حادثة الظبي؛ كانت حياة مضجرة لكنها ليست ~~بالغة الصعوبة. كانت تساعد روكساندرا في الأعمال المنزلية؛ تمارس الحياكة وتقشر ~~الخضراوات، تنفض الأتربة وتنظف الممر الأمامي. وفي يوم الأربعاء من كل أسبوع تنظفان معا ~~الأرضيات، وفي أيام الآحاد تغسلان الملابس، أما يوم الإثنين فتنزلان إلى أسفل التل ~~لارتياد السوق حيث علمتها روكساندرا للمرة الأولى فن التفاوض على الأسعار. لم يكن ~~التدبير المنزلي بالسوء الذي توقعته إلينورا، وبصرف النظر عما كان يتعين عليها القيام ~~به في الصباح أو بعد الظهيرة، كانت على الدوام تتطلع إلى حلول الساعة السادسة، تلك الساعة ~~المبهجة التي تسمع فيها دون أن يخيب أملها أبدا صوت مقبض الباب ms021 وصرير وقع أقدام ~~والدها على العتبة. كانت إلينورا تركض نحوه وتدفن وجهها في سترته، مستنشقة الرائحة ~~التي تبدو كغبار الصوف الممزوج بشراب الكركديه، وكانت توقن في تلك اللحظات أن كل شيء ~~سيكون على ما يرام. # في الربيع الذي سبق عيد ميلاد إلينورا السادس، ذلك الوقت الذي كانت قد تعلمت بحلوله ~~أساسيات التدبير المنزلي جيدا إلى حد ما، اقترحت روكساندرا أنه ربما حان الوقت لأن تبدأ ~~إلينورا تعليمها الأكاديمي؛ فرجال هذا الزمن يريدون امرأة تستطيع القراءة والكتابة والحساب؛ ~~امرأة بمقدورها أن تراجع الحسابات وتطلب من القوائم. لم يمانع يعقوب في توسيع مدارك ~~ابنته، وهكذا حسم الأمر. وعليه، فقد بدأتا في هذا الصباح نفسه بأول كتاب قراءة كانت ~~تقرؤه روكساندرا في شبابها، وهو كتاب أخضر صغير كان بحالة جيدة على نحو مثير للدهشة. وفي ~~وقت الغداء، كانت إلينورا قد تمكنت من تعلم الحروف الأبجدية، وشكل كل حرف، والأصوات ~~المختلفة لكل حرف طبقا لموقعه في الكلمة. وبحلول وقت العشاء كانت قادرة على تركيب ~~الجمل. وفي مساء هذا اليوم، حفظت درسها الأول، وكان محاضرة حول عادات التماسيح. رددت ~~إلينورا، وهي تدير ظهرها للمدفأة ويداها متعانقتان أمامها، الدرس بأكمله أمام والدها ~~وروكساندرا. ~~«أكان هذا صائبا؟» # التفتت إلينورا إلى خالتها التي كانت تنظر في الكتاب لتتابع ما تقوله. # قالت خالتها ووجهها يكتسي باللون الشاحب الذي يدل على الدهشة: «أجل، بدقة ~~متناهية!» # أخرج يعقوب الغليون من فمه، وأمعن النظر في ابنته في فضول، كما لو كانت شخصا التقاه في ~~مكان ما منذ أمد بعيد ويحاول أن يتذكر اسمه. ~~«متى تعلمت هذا الدرس يا إيلي؟» ~~«اليوم بعد العشاء يا بابا.» ~~«وتعلمت هذه الفقرة بأكملها الآن فحسب؟» # أخذت إلينورا تحول نظرها من والدها إلى روكساندرا جيئة وذهابا. ~~«هل قلت شيئا خطأ؟» # شعرت إلينورا بدفء النيران في مؤخرتي ساقيها بينما كانت تنتظر ردا منهما. ~~«لا يا إيلي، لم تقولي شيئا خطأ على الإطلاق. كل ما هنالك أننا شعرنا بالذهول، أو أنا ~~على الأقل، من سرعة تعلمك للدرس.» # قالت روكساندرا وهي ms022 تقلب في صفحات الكتاب: «هذا غير معقول، كان ينبغي أن يستغرق هذا ~~شهرا على الأقل، ربما أسبوعين بالنسبة إلى طفل شديد الذكاء.» # أخذ يعقوب نفسا عميقا من غليونه، ثم التفت إلى ابنته. ~~«أخبرينا كيف فعلت هذا يا إيلي؟» # لم تعرف بم تجيب. كيف لها أن تفسر شيئا غاية في البساطة؟ لقد تعلمت الحروف، وبشيء ~~من التركيز قامت بذلك. # أجابت إلينورا وهي تخطو خطوة صغيرة مبتعدة عن المدفأة التي صارت شديدة السخونة على ~~نحو غير مريح: «فور أن تعلمت صوت كل حرف، فور أن أتقنت هذا، كنت أنظر إلى الكلمات ~~وأسمعها في رأسي. وما إن استطعت سماع الكلمات في رأسي، حتى كان من السهل حفظ الدرس.» # في تلك الليلة تناهى إلى مسامع إلينورا شجار دار بين والدها وخالتها، ولم تستطع أن تسمع ~~بالتحديد ما كانا يقولانه، لكن بين صوت طرق القبضات وصفق الأبواب، فهمت أن والدها كان مع ~~استمرار تعليمها، في حين أن خالتها كانت تعارض ذلك. وفي صباح اليوم التالي عند الإفطار، ~~صرح والدها أنه سيتولى تعليمها الأكاديمي في حين أن روكساندرا ستظل مسئولة عن تعليمها ~~المنزلي. أومأت روكساندرا برأسها باقتضاب وهي تغطي قطعة من الخبز بالزبد. ومنذ ذلك ~~الصباح، صار يوم إلينورا مقسوما بين هذين العالمين؛ ظلت أوقات الصباح وبعد الظهيرة ~~مشغولة بالإبرة والخيط ومنفضة الريش وفرشاة تنظيف الأرضيات، أما أوقات المساء فقد ~~خصصت للدروس الأكاديمية فحسب. # على مدار الأسابيع القلائل الأولى، انصب تعليم إلينورا الأكاديمي في المقام الأول على ~~حفظ الدروس من كتاب القراءة، ووصف العواصم الشهيرة، ومحاضرات حول عادات الحيوانات ~~المختلفة، وقصص قصيرة عن أطفال تستهويهم إثارة المتاعب والأفعال المشاغبة. لكن سرعان ما ~~بات جليا أنها على استعداد لتلقي مواد قراءة أكثر تقدما. وحينها انتقلا إلى المكتبة ~~التي تقع في ركن غرفة المعيشة؛ وهي ذات تصميم فخم من خشب الدردار يزينه على كلا ~~الجانبين زوج من القطط الصينية الخزفية، وأرففها مليئة عن آخرها بفيض غزير من الكتب ~~المجلدة بالأغلفة الحمراء والزرقاء والخضراء والسوداء، منها الطويل والقصير، والسميك ms023 ~~والرفيع، وكعوبها مزخرفة بكل أشكال الكتابة. وطوال الأشهر الستة التالية قرأت إلينورا ~~الكثير من الكتب الموجودة بالرف السفلي، فكانت تجلس على حجر والدها وهو يدخن ~~غليونه ويتخلل شعرها بأصابعه بين الحين والآخر. قرأت إلينورا «خرافات إيسوب»، و«رحلات ~~جليفر»، و«الفرسان الثلاثة»، و«روبنسون كروزو»، و«ألف ليلة وليلة». وبالإضافة إلى القراءة، ~~علمها والدها الكتابة والحساب وأصول اللغة التركية، وقد أتقنتها جميعا بسهولة ~~مذهلة. # ومراعاة لما أطلق عليه والدها مخاوف روكساندرا، أخبرت إلينورا مرارا وتكرارا ~~أنه يحظر عليها تحت أي ظرف التحدث عن دروسها خارج المنزل. ولم تع إلينورا الغرض من هذه ~~القاعدة، لكنها التزمت بها على أي حال؛ حيث إنها تعلمت منذ زمن طويل أنه من الأفضل ~~الامتثال لمخاوف روكساندرا، سواء أكانت منطقية أم لا. وعلى أي حال، لم تكن هذه قاعدة يصعب ~~الالتزام بها كثيرا؛ فبخلاف العطلات والنزهات التي يذهبون إليها بين حين وآخر، لم تكن ~~إلينورا تغادر المنزل سوى مرة واحدة أسبوعيا عندما تذهب روكساندرا للتسوق في سوق يوم ~~الإثنين. # وفي أحد أيام الإثنين، في مطلع الربيع في عام إلينورا السابع، كانت روكساندرا وإلينورا ~~تنهيان تسوقهما في متجر العاديات الخاص بالسيد سيداميت عندما بدأت السماء تمطر. ~~كانت عاصفة مفاجئة وشديدة، دفعت جميع من بالسوق إلى اللجوء إلى مأوى من المطر. وجد ~~باعة الفاكهة مأوى لهم في رواق صغير بعيدا عن ساحة المدينة، أما الهداهد التي كانت ~~تتبع إلينورا عبر التل فقد جثمت تحت سقيفة فندق كونستانتسا. واحتشد عدد من الناس ~~في متجر السيد سيداميت متظاهرين بالتفكير في شراء برطمان الشمندر هذا أو علبة البطارخ ~~هذه. وفاح المتجر برائحة السراويل المبللة، وامتلأ البرميل المتاخم للباب ~~بالمظلات. # قالت روكساندرا وهي تجذب إلينورا نحو الخزينة: «مساء الخير.» ومدت إلينورا عنقها فلفتت ~~نظر موظف شاب يدعى لورنتيو. # قال الموظف: «مساء الخير أيتها السيدة كوهين.» ثم انحنى فوق الخزينة وأعطى إلينورا قطعة حلوى ~~قائلا: «مساء كثير الخيرات أيتها الآنسة كوهين.» # يعمل لورنتيو - ذلك الصبي ذو الشعر الأشعث والابتسامة الودودة - في متجر السيد سيداميت منذ ~~وقت طويل ms024 على قدر ما تستطيع أن تذكر إلينورا. وكان يتميز بروح طيبة، رغم أنه كان بطيئا ~~في عمله، وأكثر من مرة وضع بضاعة أخرى خلاف ما تريدان في حقائبهما، وكانتا تضطران أن تهبطا ~~التل مرة أخرى لاستبدالها. # قالت روكساندرا: «نريد كيلوجراما من الفاصوليا، وقطعتين من هذا الصابون الأخضر الموجود ~~هناك بالأعلى، وكيلوجراما من العدس الأصفر، و...» ثم توقفت لتنظر في قائمتها، ثم استرسلت ~~قائلة: «بكرتي خيط، وعلبة حلوى، ومائة جرام من الكمون.» ~~«هل هذا كل شيء أيتها السيدة كوهين؟» ~~«أجل.» # بعد أن كرر لورنتيو القائمة على مسامعه، راح في أرجاء المتجر يجمع كل شيء طلبته ~~روكساندرا، مكوما الأغراض في ذراعه اليسرى، بينما كان يضع البضائع الكبيرة في أكياس ~~بيده اليمنى. وبعدها بلحظات عاد محملا بالأغراض، ملفوفة بإتقان في ورق بني ومربوطة ~~بحبل. ~~«روبلين بالتمام.» # أخرجت روكساندرا حافظة نقودها، وكانت تعد النقود في يدها عندما رفعت إلينورا يدها كي ~~تشد كم ثيابها. ~~«ينبغي أن يكون الحساب روبلا ونصفا يا خالتي روكساندرا.» # تظاهرت روكساندرا بأنها لم تسمع، وأعطت الفتى النقود. ~~«شكرا لك لورنتيو.» # أصرت إلينورا وهي تشد كم ثيابها بقوة: «لكن يا خالتي روكساندرا ينبغي أن يكون ~~الحساب روبلا ونصفا فقط.» # قالت روكساندرا وهي ترفع صوتها: «لا تكوني سخيفة. أتظنين أنك تعرفين الأسعار أفضل من ~~لورنتيو؟» # ولأن روكساندرا كانت تعي وجود الزبائن الآخرين، أحكمت قبضتها على إلينورا من ~~مؤخرة ياقة ثوبها، وهمت بجذبها نحو الباب، ولكن صوتا قادما من ناحية الخزينة الأخرى ~~أوقفهما. ~~«كم قلت إنه ينبغي أن يكون الحساب؟» # كان هذا صوت السيد سيداميت، وهو أحد أبناء إقليم دوبروجا، ذو وجه يشبه سدادة ~~القنينة، وكان يزورهم في المنزل بين الحين والآخر لاحتساء الشاي مع يعقوب بعد تناول ~~العشاء. # كرر السيد سيداميت سؤاله وهو ينحني نحوهما بأدب: «كم قلت إنه ينبغي أن يكون الحساب؟ ~~لا نريد أن نغرمك سعرا أكبر من السعر الحقيقي أيتها السيدة كوهين.» # شعرت إلينورا بارتخاء القبضة عن ياقتها. # قالت روكساندرا وهي تمط شفتيها استهجانا: «تكلمي ، أخبريه ماذا قلت.» # رفعت ms025 إلينورا عينيها مرة أخرى نحو خالتها قبل أن تهم بالكلام. # قالت إلينورا وهي تعدل ثيابها: «ينبغي أن يكون الحساب روبلا ونصفا فقط؛ فكيلو الفاصوليا ~~ثمنه أربعون قرشا، وثمن قطعة الصابون الواحدة عشرة قروش، والعدس الأصفر ثمنه خمسة وثلاثون ~~قرشا، وثمن بكرتي الخيط عشرون قرشا، وعلبة الحلوى بخمسة عشر قرشا، والمائة جرام من ~~الكمون ثمنها ثلاثون قرشا. إذن الحساب مائة وخمسون قرشا.» # استغرق السيد سيداميت لحظة ليراجع الحساب في رأسه. # قال السيد سيداميت مخاطبا المتابعين للموقف، وكذلك أولئك المستغرقين فيه: «إنها على ~~حق. ينبغي أن يكون الحساب مائة وخمسين قرشا. من فضلك يا لورنتيو، أعد إلى السيدة كوهين ~~نقودها.» # هز لورنتيو منكبيه تعبيرا عن اعتذاره، ومد يده فأخرج عملة قيمتها نصف روبل ~~وضعها على الطاولة، ولكن السيدة روكساندرا كانت في طريقها بالفعل إلى خارج المتجر. # قالت وهي تجذب إلينورا وسط الجمع: «أنا آسفة، هي لا تعرف عم تتحدث.» # كانت السماء لا تزال تهطل بشدة عندما غادرتا متجر السيد سيداميت، وقد غيمت السحب ~~السماء، ووصل الطين الذي كسا الطريق حتى كاحليها، ولكن روكساندرا لم تكن في حالة ~~مزاجية تسمح لها بملاحظة الأمطار، فقد أسرعت الخطى رافعة رأسها وحاملة أغراضها تحت ~~إبطها، لا تعير الوحل أو إلينورا انتباها، ولم تلتفت للخلف قط، ولم تتفوه ~~بكلمة حتى وصلتا إلى المنزل. # قالت روكساندرا وهي تصفق الباب بقوة هزت القطط الخزفية على قواعدها: «هذا ما ~~عنيته بالتحديد، هذا بعينه ما قلت إنه سيحدث. من أجل هذا تحديدا قلت إنه لا بد من ~~القضاء على هذه الدروس في مهدها. الآن سنصير حديث المدينة بأكملها، وآخر شيء نريده هو لفت ~~المزيد من الأنظار إلينا؛ الأرمل وأخت زوجته العاقر اليهوديان يزاولان أنشطة تجارية مع ~~الأتراك، والآن الابنة تجري الحسابات في ذهنها مصححة لعمال المتجر.» ~~«لكن يا خالتي روكساندرا، ظننت فقط أن النقود ...» # قاطعتها روكساندرا مطلقة ضحكة عبر أنفها: «النقود! لتذهبي أنت ووالدك والنقود إلى ~~الجحيم. سأخبرك شيئا واحدا فحسب أيتها الآنسة كوهين. لقد انتهت دروسك . لقد أخللت بالقاعدة؛ ~~كانت ms026 ثمة قاعدة واحدة وأنت أخللت بها.» # اعترضت إلينورا وصوتها يرتعش: «لكنني لم أخل بالقاعدة؛ فأنا لم أتفوه بشيء عن ~~دروسي.» ~~«لقد أخللت بالقاعدة نصا وروحا. والآن اذهبي إلى غرفتك ولا تخرجي منها إلى أن أسمح ~~لك بالخروج.» # عندما استيقظت إلينورا من نومها بعد مرور فترة غير معلومة من الوقت كانت مستلقية فوق ~~لحافها، والوسادة فوق رأسها، وإبهامها لاصقة في سقف فمها. كان الطقس باردا والسماء بالخارج ~~زرقاء لامعة. شعرت إلينورا كما لو كانت في عالم مختلف، أو على الأقل كما لو كانت شخصا ~~آخر في العالم نفسه. وبعد أن أخرجت رأسها من تحت الوسادة، أخرجت إبهامها من فمها وابتلعت ~~لعابها الجاف. وبينما هي في غرفة المعيشة، استطاعت أن تشم رائحة البطاطس المقلية ~~وفطيرة اللحم المفروم، وتناهت إلى مسامعها ضحكات روكساندرا وصوت احتكاك المقاعد بالجدران. ~~كانا يتحدثان، ولكنها لم تستطع أن تفسر تماما ما كانا يقولانه، ولكي تتمكن من السماع ~~بمزيد من الوضوح، تسللت من فراشها وألصقت أذنها بالباب. # قالت روكساندرا: «والأهم أن هذا في مصلحتها. هل تذكر قصة عمتي الكبرى شايدل؟ لم ~~أستطع أن أمنعها عن القراءة، وأمضت كل وقتها في المكتبة. وعندما حان وقت العثور على زوج، ~~لم يردها أحد. فما كان من الخاطبة إلا أن عاملتها كمعاقة. أهذا ما تريده لها؟ أهذا ما ~~تريده لابنتك؟» # ساد الصمت لبرهة، واستطاعت إلينورا أن تسمع صوت تقطيع اللحم. ~~«كل ما أريده أن تكون إيلي سعيدة.» ~~«نريد جميعا أن تكون إيلي سعيدة، ولكنها في حقيقة الأمر أخلت بالقاعدة.» # رد والدها بفم ملئ باللحم: «ربما نستمر في الدروس مرة كل يومين أو مرة واحدة في ~~الأسبوع.» ~~«لقد أخلت بالقاعدة. كانت توجد قاعدة واحدة فحسب، وقد أخلت بها.» # لم يجب والدها. ~~«ثمة شيء غريب بها، وأنت قلت هذا بنفسك. والآن الجميع يعرفون، والآن الكل قد ~~رآه.» # بعد لحظات من الصمت، سمعت إلينورا صوت جر مقعد بعيدا عن الطاولة، ثم تنحنح ~~والدها. ~~«سأذهب إلى غرفة المعيشة.» # استمرت إلينورا تنصت عبر ثقب الباب، بينما امتزج الدخان ms027 المتصاعد من غليون أبيها ~~بصوت غسل روكساندرا للأطباق. وبعد مرور بضع لحظات من هذا الصمت غير المريح، عادت إلى ~~فراشها، وبعد أن رقدت على جانبها كالجنين جالت بنظرها في أنحاء غرفتها الصغيرة؛ فاتجهت ~~نظرتها من حوض غسل الوجه المتداعي ذي الأرجل الثلاث إلى العيب الذي يشوب اللوح ~~الزجاجي بالنافذة وخزانة الملابس القصيرة العريضة أسفله. إنها لم تكن تنوي الإخلال ~~بالقاعدة، كما أنها لم تقصد أن تضايق روكساندرا. كل ما هنالك أنها أرادت أن تفعل ~~الصواب. استلقت إلينورا على ظهرها، ثم حدقت إلى السقف وشاهدت الظلال تتحرك في أنحاء ~~غرفتها. هل يشوبها شيء غريب حقا؟ هي لم تشعر بكونها غريبة أو مختلفة أو يشوبها أي شيء ~~بخلاف ما تظنه طبيعيا. أغمضت إلينورا عينيها وأنصتت إلى صوت الهدهدة الواهن الصادر عن ~~سربها، وانجرفت في أفكار حول روبنسون كروزو العالق وحيدا على جزيرة اليأس المهجورة. ~~إذا لم تستطع أن تواصل دروسها، فسيظل هو حبيسا هناك في عقلها إلى الأبد. # | الفصل الرابع # لم يكن مصير دروس إلينورا مسألة مطروحة للنقاش؛ فقد أخلت بأهم قاعدة، بل في حقيقة ~~الأمر القاعدة الوحيدة، ولا تكفي أي أعذار أو توسلات لإقناع خالتها كي تلين. ولكن ~~تقديرا لسلوكها المطيع في الأشهر التي أعقبت الحدث الذي وقع في متجر السيد سيداميت، ~~سمح لإلينورا أن تقرأ بغرض الاستمتاع بمعدل كتاب واحد في الشهر، وما زاد على ذلك سيفقد ~~متعته كما عللت خالتها. ورغم أن إلينورا اختلفت معها في هذا الرأي، فقد التهمت حصتها ~~الشهرية دون اعتراض، فكانت تكتفي قدر المستطاع بعدد محدود من الصفحات كل ليلة، وقرب ~~نهاية الشهر تبذل قدرا هائلا من الوقت والطاقة في اختيار الكتاب التالي. قضت ليالي ~~كاملة في موضع النظرة الخاوية للقطط الخزفية، متأملة محتويات المكتبة. وكانت تولي عناية ~~خاصة للكتب نفسها؛ لدرجة اللون، ونسيج التجليد، وجودة الورق، وشكل الحروف على كعب الكتاب، ~~كما لو كانت تلك الخصائص الخارجية قد تكشف إلى حد ما عن محتوى الكتاب. # ذات صباح ممطر في نهاية شهر سبتمبر، بعد عيد ms028 ميلادها الثامن بما يزيد قليلا على شهر، كانت ~~إلينورا تتأمل المكتبة كالعادة وهي في انتظار ارتفاع درجة حرارة المكواة. بدأت بالرف ~~السفلي كتابا كتابا وهي ترفع المكواة من على الفحم كل حين وآخر كي تفحص الحرارة. ~~وبينما كانت إلينورا تكبر وتثبت كفاءتها، عهد إليها تدريجيا ببعض المهام المنزلية ~~الأكثر صعوبة مثل تقطيع الخضراوات والحياكة، وكان الكي أحدث إضافة إلى مجموعة أدوارها، ~~وسرعان ما أصبح أحد مهامها المفضلة. كانت تحب رائحة الفحم الثقيلة، والمقبض الخشبي ~~الناعم، والخطوط المتموجة التي تصنعها وهي تضغط على سروال والدها. كانت مسئولية كبيرة، ~~ولكنها كانت كفؤا لها، فلم تحرق أيا من ملابس والدها قط، وكانت دائما شديدة الحرص وهي ~~تخرج الفحم من الموقد. وبالإضافة إلى ذلك، كان موقع الكي يتيح لها رؤية ممتازة ~~للمكتبة. # عندما ارتفعت حرارة المكواة بما يكفي، أخذت إلينورا سروالين من سراويل والدها من الخزانة ~~وبسطتهما، ونضحت حفنة من الماء على ثنية الساق، ولمست سطح المكواة السفلي بأطراف ~~أصابعها المبللة، وبدأت تعمل وهي تراقب البخار المتصاعد وهو يتلاشى. وعندما انتهت من ~~الساق اليسرى أعادت المكواة إلى مكانها على الفحم، وألقت نظرة أخرى على المكتبة. كانت قد قضت ~~شهر أغسطس في قراءة «جين إير»، ومعظم شهر سبتمبر في مغامرات ديفيد كوبرفيلد، وكانت شديدة ~~الحماس بشأن توقعاتها لشهر أكتوبر. تفحصت الرف العلوي محاولة استيعاب الخيارات ~~المتاحة لها. كانت قد قرأت «عائلة روبنسون السويسرية» في شهر أبريل، وكان ثمة مجلد من القصص ~~القصيرة لنيكولاي جوجول التي بدت مثيرة للاهتمام، ولكنها قصيرة جدا لا تستوعب شهرا بأكمله، ~~ثم وقعت عيناها على رواية بعنوان «تريسترام شاندي». رفعت المكواة عن الفحم، ومس غطاء من ~~البخار جبهتها مطلقا صوت الأزيز. كانت المكواة أكثر من ساخنة، فنضحت المياه على ثنية ~~الساق اليمنى، وهمت بالضغط مرة أخرى عندما نظرت لأعلى ثانية نحو الرف. «تريسترام ~~شاندي»، كان عنوانا جذابا، وبالطبع كتابا كبيرا بما يكفي كي يستوعب الشهر ~~بأكمله. # نحت إلينورا المكواة جانبا، ووقفت على أطراف أصابعها وجذبت «تريسترام شاندي » من على ~~الرف العلوي. ms029 وبعد أن قرأت بضع صفحات أدركت أنها ليست الرواية المناسبة التي تبحث عنها، ~~على الأقل ليس لهذا الشهر. وبينما كانت تمد يدها مرة أخرى كي تضعها في مكانها لاحظت ~~كتابا آخر يجذب الأنظار في المنتصف، وهو مجلد باللون الأزرق الداكن ذو كتابة باللون ~~الفضي على كعبه. استندت براحة يدها إلى الحائط ورفعت قدمها إلى الرف الثاني، ودفعت نفسها ~~إلى مستوى القطط الخزفية، ومن هذا الموقع استطاعت أن ترى أن الكتاب جزء من مجموعة أكبر، ~~فهو المجلد الرابع من «الساعة الرملية» كما يوضح الكعب. وخلف مجموعة دوستويفسكي كانت ~~المجلدات السبعة الأخرى، المجموعة الكاملة تقبع في صمت منتظرة أن يكتشفها أحد. جذبت ~~إلينورا المجلد الرابع، وفتحته على مؤشر خشبي رقيق في منتصف الفصل الثاني عشر، وأخذت تقرأ: # في صباح اليوم التالي خرج الملازم بروشوف - يخالجه شعور طفيف بالندم - إلى حاميته ~~العسكرية. وبينما كان يسير نحو الترام تعثر عقباه بالحصى مصدرين صوتا عاليا، ~~ونظر خلفه أكثر من مرة كي يرمق زوجته الجديدة عند المدخل بإعجاب. وكان أقصى مبتغاه ~~وقتها أن يستدير عائدا ويلقي بنفسه بين ذراعيها، وأن يقضي معها ذلك الصباح ~~الربيعي الممل، وأن يقضي معها بقية اليوم. ولكن وا أسفاه، فالحياة ليست كلها ~~رقصا وقبلات؛ فثمة أوراق كي توقع، وقضايا يختلف حولها، ومنتجات يجب أن ~~تصنع، وحروب يجب أن تخاض. إنه أمر مؤسف، هكذا كان يرى. لكنه حقيقي؛ فستكون ~~دائما ثمة حروب كي تخاض. # رفعت إلينورا رأسها عن الكتاب عندما استنشقت رائحة الصوف المحترق، فرأت أن المكواة قد ~~سقطت وأحرقت سروال والدها. حدقت إلى العلامة التي صنعتها المكواة، والتي كانت بقعة في ~~ثنية السروال بحجم حبة الفراولة زال عنها اللون، فتجمعت الدموع في عينيها. كانت ~~روكساندرا على حق؛ فهي مشتتة الذهن، غارقة في أفكارها الخاصة. لا شك أن الأمر لن ~~يمر بسلام، وربما لن يسمح لإلينورا بممارسة الكي مرة أخرى، وعلى الأرجح سوف تعاقب ~~بطرق أخرى أيضا؛ فقد تحرم من تناول العشاء، وقد تحرم من امتيازات القراءة التي ~~تتمتع بها. كل هذا ms030 من أجل خطأ صغير، من أجل علامة لن يلاحظها والدها. حتى إن ~~لاحظها، فلن يهتم. ألم يكن رأيه هو ما يهم؟ فهو ليس سروال روكساندرا. # بهذا المنطق، وقلبها يخفق كقرع الطبل، انتهت إلينورا من كي السروال وطيه، ووضعت ~~سروالا جديدا على طاولة الكي. وبعد لحظة سمعت صوت الباب الخلفي يفتح، ودخلت ~~روكساندرا حاملة حزمة من البصل الأخضر في يدها. وبدا كما لو كانت ستتفوه بشيء ما عن ~~البصل، ثم توقفت وتشممت الرائحة في اتجاه طاولة الكي. ~~«ما تلك الرائحة؟» # تشممت إلينورا الرائحة في الاتجاهين وقلصت أنفها. ~~«أي رائحة؟» # اقتربت إلينورا بوجهها من الطاولة. ~~«تبدو كرائحة الصوف المحترق.» # تشممت إلينورا السروال الجديد والهواء فوقه والمكواة نفسها وهي تغمض عينيها كما لو ~~كانت تحاول تحديد مصدر الرائحة. ~~«أعتقد أنها قد تكون المكواة.» # دست روكساندرا أنفها في نفس المكان ثلاث مرات، وبدت على وشك إصدار الحكم نفسه عندما ~~لمحت المجلد الرابع من «الساعة الرملية» مفتوحا على مقعد بجوار طاولة الكي. ~~«الساعة الرملية!» قالتها كما لو كانت تقابل صديقا قديما في بلد غريب. «أين وجدت هذا ~~الكتاب؟» # أشارت إلينورا إلى الرف العلوي من المكتبة. # ثم قالت: «خلف تريسترام شاندي، المجلد ~~الأخضر الضخم. توجد مجموعة كاملة هناك في الخلف.» # التقطت روكساندرا الكتاب من غلافه الخلفي وقلبته على الغلاف الأمامي، وبينما كانت ~~تقلب الورق تجعد كما لو كان قطعة من العجين الرقيق. ~~«كان هذا كتابي المفضل عندما كنت أصغر سنا.» # ومررت أصبعها على الغلاف الداخلي. ~~«أين وجدت هذا الكتاب؟» # أشارت إلينورا مرة أخرى إلى الرف العلوي من المكتبة. ~~«خلف تريسترام شاندي.» # وقفت روكساندرا صامتة تتأمل غلاف الكتاب فترة طويلة قبل أن تتجرأ إلينورا على طرح ~~سؤال. ~~«هل تلك الكتب ملكك؟» # فقالت روكساندرا: «إنها ملك لوالدتك، لقد أهداها والدي تلك المجموعة في عيد ميلادها ~~الرابع عشر، فقد كانت دائما طفلته الحبيبة أو نبتته الصغيرة كما كان يطلق عليها. وعلى ~~أي حال، لا بد أنها قد أخذتها معها عندما تزوجت يعقوب.» # وضعت روكساندرا البصل على المقعد الذي كان ms031 عليه الكتاب، وقلبته مرة أخرى على الغلاف ~~الأمامي. # وقالت وهي تقرأ اسم شقيقتها قبل الزواج بصوت عال: «ليئة ماندلسون.» # سرت رجفة في جسد إلينورا عندما سمعت روكساندرا وهي تتلفظ باسم والدتها. لم يكن هذا ~~الاسم ينطق إلا نادرا؛ ومن ثم أصبح وقعه شبه مقدس كاسم الرب الذي لا ينطق ~~إلا في أقدس الأيام تقديسا، وفي أقدس الحجرات، على لسان الكاهن الأكبر في المعبد في أقدس ~~المدن وهي القدس. كان اسم والدتها في ذهنها يصلح تعويذة أو سحرا ذا قدرة خفية. وقفت ~~إلينورا صامتة خلف طاولة الكي حتى رحلت روكساندرا، وعندما أصبحت وحدها مرة أخرى جلست ~~حاملة الكتاب وفتحته على الغلاف الأمامي الذي كان رسما محفورا لدرع وسيفين كتب تحته ~~بخط طفولي: «من مكتبة ليئة مندلسون.» افترضت أنه لا يمكن أن يكون إلا لوالدتها، فارتجفت ~~وأغلقت الكتاب. # بدأت إلينورا تقرأ المجلد الأول من «الساعة الرملية» يوم الثلاثاء التالي الموافق ~~الأول من أكتوبر. ومثل كل من حظي بمتعة قراءة تلك الرواية الساحرة ذات المجلدات السبعة، ~~التي تحكي عن عائلة مرموقة في بوخارست ينحدر بها الحال، استغرقت إلينورا سريعا في تيار ~~الأحداث والحفلات والحرب والانتقام والمأساة والعلاقات الغرامية المتعددة. ولأنها كانت ~~يافعة، فقد تأثرت بشدة بالرواية. كان للعديد من الكتب الأخرى تأثير كبير على خيالها، ~~ولكن لم يؤثر فيها كتاب كما فعل «الساعة الرملية». كانت إلينورا تحدق إلى الصفحة، ~~وتشعر أحيانا كما لو كانت فتاة ريفية متعلقة بنوافذ المنزل الكبير، آملة أن تلقي نظرة ~~خاطفة على الحفل. وبدا الأمر كما لو كانت قد اكتشفت بابا يقود إلى عالم آخر، عالم مليء ~~بالأحداث والتقلبات المفاجئة العنيفة للثروة والطمع والتلون والرغبة. وكان يخطر في ~~بالها أحيانا أنها تود لو كانت بارونة؛ تود لو كانت قد نشأت في بوخارست وقضت ~~أمسياتها في صالون أدبي. وخلال شهر أكتوبر ومعظم شهر نوفمبر، ظلت إلينورا طوال الوقت ~~تقرأ الكتاب باستغراق. كانت تقرأ قبل الإفطار، وبعد العشاء، وفي أي وقت يمكنها اختلاسه ~~على مدار اليوم. كانت تنتهز الوقت بين كل ms032 غرزة وأخرى من غرز الحياكة، فتسترق النظر ~~إلى بضع جمل، وتختلس فقرات كاملة في أوقات تقشير البطاطس. كانت شديدة الانغماس في الكتاب، ~~شديدة التعلق بوفاة والدي الآنسة هولفرت وخيانة النبيل أولاف وفرص الآنسة يونسكو ~~المتضائلة في الزواج، حتى إنها لم تلحظ القرارات التي تتخذ بشأنها. # كانت قد سمعت مصادفة أجزاء من حديث عن رحلة، وكثيرا ما رفعت عينيها عن الصفحة على ذكر ~~إسطنبول، ولكن رغم ذلك لم تكن إلينورا مستعدة على الإطلاق للخبر الذي سمعته في ذلك ~~المساء من أواخر شهر نوفمبر. كانت تجلس على مائدة العشاء حاملة المجلد الثالث، وكانت قد ~~وصلت إلى المشهد الشهير حيث يجمع الجنرال كرزاب من تبقى من أفراد عائلته كي يوبخهم ~~ويوزع الثروة التي اكتشف وجودها خلف خزانة والدته، بينما توقف والدها عند الباب الأمامي ~~راكبا عربة محملة بأربعة صناديق أمتعة. وعندما انتهى هو والسائق من تفريغ الصناديق في ~~ركن غرفة المعيشة، نظرت إليه إلينورا بفضول. ~~«ما كل هذه الصناديق يا بابا؟» ~~«إنها من أجل رحلتي.» # وضعت الكتاب مقلوبا على مائدة العشاء، ونظر أحدهما إلى الآخر في حيرة ~~متبادلة. # فقال لها: «ألا تذكرين؟ إنني ذاهب إلى إسطنبول الشهر القادم.» ~~«إسطنبول؟» # لم تكن إسطنبول بالنسبة إليها مجرد مكان يمكنك أن تقدم على زيارته فجأة، بل كانت ~~مدينة للأساطير، مدينة كبرى تعرضت للدمار تتلألأ عند حافة الصحراء، العاصمة المفقودة ~~لحضارة عتيقة، تحجرت على مدى قرون بسبب الإهمال، أو دفنت في مكان ما في قاع ~~المحيط. # فأوضح قائلا: «سوف أبيع السجاد، وقد أشتري بعضه. فالعمل لم يكن يسير على ما يرام في ~~الأعوام الأخيرة، وأعتقد أنني سأغدو أفضل حالا في إسطنبول.» ~~«وكم ستغيب؟» # فأجاب: «إنها ليست برحلة طويلة، ربما تستغرق أسبوعا أو أسبوعا ونصفا حسب أحوال الطقس، ~~ولكنني سوف أحتاج إلى الإقامة هناك أسبوعين على الأقل، أو ربما أكثر من ذلك. ولحسن الحظ، ~~فالشخص الذي أعرفه هناك كريم مضياف.» # كيف عساها أن تعلق على تلك الأخبار؟ عندما كانت إلينورا تبذل أقصى جهدها لاستيعاب ~~الفكرة، ظهرت روكساندرا من ms033 المطبخ حاملة وعاء من حساء الدجاج ووزعت ثلاثة أطباق. ~~وحدقت إلينورا إلى طبقها وقلبته بملعقتها. كانت شرائح من الجزر والكرفس والبصل ودوامات ~~من البقدونس المجفف تطفو في دوائر بطيئة تحت طبقة من الزيت. تركت إلينورا قطعة من صدر ~~الدجاج يميل لونها بين الوردي والأبيض تطفو في ملعقتها، وحاولت أن تتخيل شهرا دون ~~والدها؛ شهرا تقضيه وحيدة مع روكساندرا. وقد أصابها مجرد التفكير في ذلك بالغثيان. # فاندفعت قائلة: «بابا، أرجوك لا ترحل.» # وضع والدها ملعقته ونظر إليها وهو يلوك في فمه قطعة من الغضروف، فدفنت وجهها بين ~~ذراعيها. تمنت لو كان لديها ما تقوله كي تتمكن من إقناعه بالبقاء، ولكنها كانت تعلم أن ~~هذا لن يحدث؛ فقد حسم الأمر بالفعل. # قال: «سوف أفتقدك يا إيلي.» واتجه إلى الناحية الأخرى من المائدة ووضع يده على ظهرها ~~قائلا: «لكنني لن أغيب أكثر من شهر.» # رددت روكساندرا: «إنه مجرد شهر، ولدينا الكثير كي نفعله في المنزل في تلك الأثناء. سوف ~~يعود قبل أن تدركي أنه قد سافر بالفعل.» # نظرت إلينورا إلى والدها وخالتها روكساندرا، وشعرت كما لو كان عالمها بأسره يتداعى ~~حولها، كما لو كان يتصدع منذ أسابيع ولكنها لم تطلع على الموقف إلا الآن. ازدردت ~~لعابها بقوة، وعضت على شفتها السفلى. إن الشهر فترة طويلة للغاية، ثلاثون يوما أو ربما ~~واحد وثلاثون، وهي رحلة خطرة؛ فثمة لصوص وحيوانات مفترسة وانهيارات صخرية وقطاع طرق. ~~وماذا لو حدث له مكروه؟ تجمع الأسى في حلقها كموجة مالحة، لكنها أدركت أن البكاء لن ~~يجدي، بل سيزيد الأمر سوءا. وبدلا من الاستسلام للحزن، طردت إلينورا هذا الشعور من ~~رأسها. تذكرت الكلمات التي تفوهت بها الآنسة هولفرت إلى ابن عمها بعد وفاة والديها ~~المأساوية: «لم لا أقرر لنفسي كيف أشعر؟ فهي في نهاية الأمر مشاعري أنا. وإذا رغبت في أن ~~أبكي في وقت لاحق فسوف أفعل، ولكنني لا أرغب في ذلك اليوم.» # بعد تناول العشاء، استأذنت إلينورا في الانصراف، وذهبت مباشرة إلى الفراش. رقدت على ~~ظهرها وغطاؤها مطوي تحت ms034 عقبيها، وأنصتت إلى أصوات المنزل وهي تخفت. راقبت الظلال تتحرك ~~على السقف وهي تقارن بين صوت تنفسها وبين صليل حيوانات الليل. إنه عالم مختلف، عالم ~~الليل، قاع البئر، فتحة قد لا نخرج منها أبدا. وفي لحظة بدت حلما مر ظبي بجوار ~~نافذتها، ورمقها بعينين تعكسان بعض الضوء المختبئ كما لو كان سلسلة من المنارات تتضاعف ~~على الشاطئ، ثم اختفى مرة أخرى في الظلام. # عندما استيقظت إلينورا في صباح اليوم التالي كانت تعلم جيدا ما عليها أن تفعله، لم يكن ~~لديها خيار آخر. فاستمرت في حياتها كالمعتاد على مدار الأسابيع القليلة التالية. كانت تقرأ ~~وتقشر الخضراوات وتمسح الأرض، بل تستمع أيضا إلى بعض القصص التي يرويها والدها، ولكنها ~~في تلك الأثناء كانت تخطط لتفاصيل الهرب. قررت أن أهم شيء هو تحضير حقيبة من المؤن ~~كي تقيم أودها في الأيام الأولى حتى تتمكن من إيجاد وسيلة للحصول على الطعام. ~~واستخدمت للحقيبة غطاء وسادة قديما، مصنوعا من قماش قطني باللون الأزرق الفاتح، يزينه ~~صف من الورود الصفراء في الأعلى. وكان الحصول على المؤن أيسر كثيرا مما تخيلت، فقد ~~احتفظت ببقايا الشموع وأخفت قطعا من الجبن غير المأكول في جيبها، وكلما أتتها الفرصة ~~اختلست كميات قليلة من أغراض غير ظاهرة من حجرة المؤن. وكان عليها أن تجري تلك ~~الترتيبات في سرية تامة؛ فسوف يفسد الأمر برمته لو شعر والدها أو روكساندرا للحظة بما ~~تنوي فعله. # في اليوم السابق لرحيل يعقوب كانت أكثر مرة تعرضت فيها للخطر ونجت بأعجوبة. كان عصرا ~~صافيا، وهو أول يوم صاف منذ أسابيع، وأعلنت روكساندرا أنها ستخرج كي تنفض السجاد. راقبت ~~إلينورا خالتها وهي تحمل ما بدا عددا لا نهائيا من السجاجيد واحدة تلو الأخرى إلى ~~الحديقة، فأخذت مقعدا واتجهت نحو حجرة المؤن، وصعدت عليه كي تلقي نظرة على الأغراض: ~~اللحم المدخن وقوالب متراصة من الجبن وجميع أنواع المخللات والمربى وفاكهة مجففة وفطيرة ~~كبيرة باللحم المفروم. كان ثمة طعام يكفيها لمدة شهر. وفي نهاية الأمر، استقرت إلينورا ~~على برطمان من ms035 مربى العليق وقطعة من السمك المقدد المملح. كانت قد أخذت البرطمان تحت ~~ذراعها بالفعل، وكانت تحاول الوصول إلى السمك عندما شعرت بإضاءة المدخل تحجب. ~~«ظننت أنك قد تختلسين القليل من المربى؟» # فزعت إلينورا وأطاحت بالبرطمان على الأرض، ونظرت هي وروكساندرا إلى الزجاج المتهشم ~~ومربى العليق وهي تسيل ببطء كالحيوان الرخوي الذي دهسته الأقدام. ~~«بينما كنت مشغولة في الحديقة خطر لك أن تصنعي لنفسك شطيرة من المربى، أليس كذلك؟ كان ~~هذا هو آخر برطمان من مربى العليق، هل تعلمين ذلك؟» # بينما كانت روكساندرا تتحدث، نزلت إلينورا عن المقعد وخفضت رأسها في استسلام. لقد ~~ضبطت متلبسة، ولكن روكساندرا لم تكن لديها فكرة عما تنوي فعله بالمربى، والقصد هو ~~المهم. # قالت: «أنا آسفة أيتها الخالة روكساندرا.» وتسللت ابتسامة إلى شفتيها، ولكنها كتمتها ~~وتابعت قائلة: «كنت جائعة.» ~~«حسنا، سوف تظلين جائعة حتى موعد العشاء. والآن نظفي تلك الفوضى، ويفضل ألا ~~أراك تتسكعين في أرجاء حجرة المؤن مرة أخرى.» # في تلك الليلة أعدت روكساندرا وجبة الخريف المفضلة عند يعقوب: دجاج بصلصة البرقوق، ~~وحساء القرع، وفطيرة التفاح. ورغم أن إلينورا كانت تتضور جوعا، فإنها لم تتمكن من تناول ~~الطعام من شدة الاضطراب، فخلال أقل من اثنتي عشرة ساعة سوف تختبئ في السفينة المرتحلة ~~إلى إسطنبول. اضطربت معدتها للفكرة، وظلت تستمع إلى والدها وروكساندرا وهما يناقشان ~~التفاصيل الأخيرة لرحلته، ومتى تأتي سيارة الأجرة لتقله، وموعد رحيل الباخرة، وما إذا ~~كان قماش فيينا المطرز قد وصل، ومن سيكون رفيقه في الرحلة، وهكذا من أمور. وفي تلك ~~الأثناء، كانت تتسابق في عقل إلينورا صور إسطنبول وتفاصيل خطتها وكل المشاكل التي قد ~~تحدث. # بعد العشاء الذي لم تتناول منه شيئا تقريبا، استأذنت في الانصراف، متعللة بأنها ليست ~~على ما يرام. وأخبرها والدها الذي كان مشغولا بتعبئة حقائبه في اللحظة الأخيرة بأنه سوف ~~يطمئن عليها عندما ينتهي، وكالعادة كان صادقا في حديثه. # قال وهو يسترق النظر إلى الغرفة: «إيلي، هل أنت مستيقظة؟» # فانقلبت على جانبها وأغمضت عينيها . ورغم أنها لم تكن ms036 قد نامت، فقد رأت أنه من الأفضل أن ~~تتظاهر بذلك. كان والدها يرتدي حلته الرمادية الصوفية المعتادة، ولكنها بدت أكثر ~~تجعدا من المعتاد. وكان شاربه مهذبا، وثمة نبرة من التوجس في صوته. # قال وهو يضع قطعة من الفطيرة على خزانة الملابس: «لقد أحضرت لك هذه في حال شعورك ~~بالجوع، فقد لاحظت أنك لم تتناولي طعامك في العشاء.» # كان بوسع إلينورا أن تسمع صوت معدتها وهي تقرقر جوعا حول رئتيها، كما لو كانت بركانا ~~نافد الصبر. ~~«شكرا يا بابا.» # فقال وهو يداعب جبهتها: «إني راحل غدا، وخطر لي أن أودعك الآن كي لا أوقظك في ~~الصباح.» # نظرت إلينورا إلى والدها وهو ينحني على فراشها. كان الضوء القادم من الباب المفتوح يصنع ~~هالة حول رأسه، وبدا للحظة كما لو كان على وشك أن يتفوه بشيء، ولكنه لم يفعل. ~~«سوف أفتقدك يا إيلي.» ~~«وأنا أيضا يا بابا.» # انسالت دمعة من رموش عينيه كقطرات المطر التي تتجمع على حافة ورقة الشجر، ثم نهض ~~راحلا. ~~«تصبحين على خير.» # لم تشعر إلينورا بالارتياح تجاه ما تضمره من خداع والدها، ولكنها كانت تدرك أن ذلك هو ~~الأفضل؛ فعندما تكشف عن وجودها على متن الباخرة المتجهة إلى إسطنبول، عندما تصبح ~~العودة مستحيلة، سوف يضمها بين ذراعيه ويشكرها. وكانت تعلم أنه سيفعل ذلك. وإذا كان ثمة ~~درس مستفاد من «الساعة الرملية»، فهو أن تتبع ما يمليه عليك قلبك دائما، ف «لا حكيم ~~أعظم من أوامر قلبك.» هكذا صاغتها الآنسة يونسكو. فكرت للحظة فيما إذا كان قول الآنسة ~~يونسكو يتعارض مع قول الآنسة هولفرت، وقررت أن الإجابة بالنفي، بل إن كليهما يدفع القارئ ~~باتجاه النهاية نفسها؛ أن يغوص في أعماق قلبه ويحدد الأفضل ويفعله بلا ندم. # وبعد ساعات عديدة قضتها إلينورا قلقة متوجسة، وعندما تأكدت أن والدها وروكساندرا قد ~~استغرقا في النوم، تسللت من فراشها وارتدت ثياب السفر في صمت، واتجهت مباشرة إلى صف ~~صناديق الأمتعة بجوار الباب الأمامي. وبضغطة واحدة فتحت الصندوق الأقرب إليها ورفعت الغطاء، ~~وكما تخيلت وجدته ms037 محشوا بالسجاد، فلفت ذراعيها حول سجادة أرجوانية ضخمة صنعت في ~~هيريكي، واستندت إلى أسفل الصندوق ثم طوحت بها إلى الأرض بكل ثقلها. تحركت بأسرع ~~وأهدأ ما يمكنها، ساحبة السجادة عبر غرفة المعيشة إلى غرفة نومها، وجذبتها بكل قوتها إلى ~~فراشها، ودستها تحت الأغطية، ثم أخذت خطوة للخلف وتأملت المشهد. لم يكن مثاليا، ولكنه ~~يجب أن يجدي نفعا. # وعندما أوشكت على الرحيل، توقفت إلينورا كي تلقي نظرة أخيرة على غرفتها؛ خزانة ~~ملابسها، فراشها، والمجلد الخامس من «الساعة الرملية» على المنضدة. فكرت للحظة في أن ~~تأخذه معها، ولكن لم يكن ثمة مكان لأمتعة زائدة، وبدلا من ذلك فتحت الكتاب وأزالت المؤشر ~~الخشبي الذي وجدته في المجلد الرابع. وعندئذ، تأهبت للرحيل. حملت حقيبة المؤن على ظهرها، ~~وتسللت إلى غرفة المعيشة، ودست نفسها في صندوق الأمتعة القديم البالي إلى حد ما، ~~والممتلئ بالسجاد الذي ينوي والدها بيعه عند وصوله. # | الفصل الخامس # رفع الكاهن جيمس مولر قدمه إلى حافة فراشه، وانحنى كي يربط رباط الحذاء. «دار الأرنب ~~حول الشجرة ثم دخل إلى جحره.» كان على مشارف الأربعين، عالما ومعلما شهيرا، ولكنه هنا ~~كان يدندن لحن أغنية قد حفظها منذ ما يزيد على ثلاثين عاما. وكان هذا بذرة مقال عن العلاقة ~~بين الألحان والذاكرة، أو ربما بحثا عن الطقوس الطفولية للعظماء، وهو مقال آخر لم يكن لديه ~~الوقت ليكتبه. أزال قطعة من الوبر عن مقدمة حذائه، ثم نهض وعدل وضع معطفه على كتفيه. ~~يشير جدول اليوم إلى أنهم سيتوقفون في كونستانتسا لفترة وجيزة لأخذ الركاب الجدد، ~~ومنهم - حسبما تدل البطاقة الموضوعة على باب قمرته - السيد يعقوب كوهين، الرفيق الجديد الذي ~~سيشاركه الفراش المتعدد الطوابق على متن السفينة. لا شك أن السيد كوهين يهودي الديانة، ~~وهو ما لا يشكل مشكلة بالنسبة إلى الكاهن. فقد عرف نصيبه العادل من الصفوة في نيو هافن، ~~رغم أن السيد كوهين هذا لن يكون بالطبع خريج جامعة ييل. وتحسس جيبه العلوي بحثا عن ~~السجائر، وألقى نظرة على القمرة ، ولما لم يجد أي ms038 شيء محرج أو يدل على الفوضى تقدم ~~إلى سطح السفينة. # كان يوما شتويا مضيئا، باردا، ولكن في الوقت نفسه لطيفا. اختلطت رائحة الفحم ~~المحترق بالصنوبر، ودب النشاط في أرصفة الميناء، وأخذ جمهرة من عمال السفن ~~يحملون على ظهورهم الحقائب من عربات الركاب إلى بدن السفينة. وكان ثمة عدد قليل من ~~لحظات الوداع الباكية، وسائق عربة ركاب يلوح بذراعيه غاضبا على الأرجح بسبب أجرة ~~التوصيل الزهيدة التي تلقاها. وخلف أرصفة الميناء اصطفت كونستانتسا بين قمة تلين، ~~وتجمعت بضع مئات من المنازل الرمادية الحجرية في نصف دائرة حول إحدى ساحات المدينة غير ~~المميزة. أخذ جيمس نفسا عميقا، وأخرج سيجارة من جيب معطفه وأشعلها بحركة مسرحية ~~متباهية. لا تبدو كونستانتسا مكانا رهيبا للعيش بالنسبة إلى من لا يعرف أفضل منها؛ ~~فالمناخ لطيف بقدر كاف، وقد لعبت - حسبما يذكر - دورا ذا أهمية في سقوط الإمبراطورية ~~الرومانية. أخذ نفسا عميقا ونفض الرماد قبل أن يتذكر ذلك الدور: لقد قضى أوفيد أعوامه ~~الأخيرة البائسة في كونستانتسا التي كانت تعرف وقتها باسم توميس، أو كما أطلق عليها «آخر ~~منطقة نائية في نهاية العالم»، ولا بد أنها بدت هكذا لتلك الروح العذبة الذكية في ~~المنفى. # عندما فرغ الكاهن مولر من السيجارة، لاحظ طائرا غريبا حط بالقرب منه على السياج. بدا ~~هذا الطائر كما لو كان هدهدا، رغم أنه لم يشهد مثيلا له في ألوانه من قبل، فهو ذو لون ~~أرجواني فاتح مخطط بخطوط ناصعة البياض على الأجنحة والصدر. وعلى الرغم من أن الهداهد ~~عموما تميل إلى تجنب التواصل مع الإنسان، فإن ذلك الهدهد ظل محدقا بقوة غير عادية ~~كما لو كان يطلب شيئا. وبادله الرجل النظر، مركزا على الرقعة الأرجوانية التي تقع فوق ~~منقاره المدبب الرقيق مباشرة. وبعد مرور بضع لحظات، حلق الطائر منضما إلى اثنين من ~~رفاقه، وجثم ثلاثتهم فوق المقعد العلوي لعربة ركاب في انتظار إفراغ حمولتها. ألقى جيمس بعقب ~~السيجارة في الميناء، وانحنى على السياج الخشبي يشاهد عمال السفن وهم يفرغون العربة من ~~حمولتها من ms039 الأمتعة بينما يراقبهم رجل ممتلئ البنية ذو لحية سوداء كثيفة. لا شك أن الرجل ~~تاجر، ويبدو أنه يهودي. ربما كان هو السيد يعقوب كوهين، أو ربما يكون مجرد يهودي آخر. ~~وعندما تم تخزين الصندوق الأخير بسلام في بدن السفينة، اعتلى الرجل الملتحي متن ~~السفينة، وحلقت الهداهد أعلى التل. # انتابت جسد الكاهن مولر قشعريرة وهو يعتدل، فجذب معطفه حول جسده. وكان قد رحل عن ~~إسطنبول فصلا دراسيا كاملا، ولا بد أن لديه الكثير من الأعمال في انتظاره لدى عودته، ~~فسوف يبدأ الفصل الدراسي الجديد بعد عودته بأربعة أيام فقط، وثمة ثلاثة معلمين جدد في ~~المدرسة الثانوية، وعليه أن يكتب خطابا لحفل توزيع الشهادات. وبالإضافة إلى مسئولياته في ~~كلية روبرت، لديه مقال مطلوب منه في «سجلات التعليم»، ونائب القنصل الأمريكي يتلهف على ~~استلام تقريره عن حالة الأقليات الدينية في ظل النظام الخانع الجديد. وعلاوة على هذا ~~كله، كان مصدر إحباط للمسئولين عنه في وزارة الحربية؛ حيث مرت بضع سنين وهو لم ~~يتمكن بعد من كشف أي معلومات استخباراتية فيما يخص النفوذ الألماني في إسطنبول. ~~وكانت تلك المهمة الأخيرة أقصى ما يشعره بالقلق. كان على دراية بكتابة التقارير، وتدريب ~~المعلمين الجدد، وتحرير مقالات للنشر، ولكن لم تكن لديه فكرة عن كيفية جمع المعلومات. لم ~~يكن جاسوسا، أو على الأقل لم يتلق أي تدريب رسمي في هذا المجال، ولم يكن النجاح الذي ~~أحرزه في بيروت سوى نتاج حظ مثلما يعترف هو شخصيا، ولكن الأشخاص الرفيعي المستوى في ~~الوزارة قد اعتبروا صراحته تواضعا، وهكذا أصبح في هذا الموقف. # أشعل سيجارته الثانية، وأخذته أفكاره بعيدا نحو نيران يالطا الدافئة، وممراتها ذات ~~الرياح العاصفة، والواجهة الحزينة للمنازل الصيفية الخالية. كانت يالطا المكان المثالي الذي يقصده ~~للراحة من متاعب إسطنبول، بعيدا عن أحزابها، بعيدا عن خداعها ومكائدها، ولكنه كان يعلم ~~طوال الوقت أن عليه العودة. أسند سيجارته على السياج، وأخذ ينظر بلا مبالاة إلى مجموعة من ~~الركاب الجدد وهم يركبون السفينة، ووسط موجة من المناديل الملوحة بالوداع نفثت ms040 ~~السفينة دخانها راحلة من المرفأ. وبدأ يشعر بالندم لعدم اختياره الرحلة المباشرة من ~~سيفاستوبول إلى إسطنبول، فتلك السفينة البخارية المحلية تتوقف على الأقل مرة يوميا، ~~وأهم من ذلك أنه لم يكن على متنها من يمكن إجراء حوار هادف معه. أدرك هذا الصباح أنه ~~سوف يقضي ليلة رأس السنة في السفينة؛ ذلك لأنه لا أحد على متن السفينة يتبع التقويم ~~الغربي. أرغم جيمس نفسه على الابتسام وهو يتذكر شعار والدته المفضل: «لا يمكننا إلا ~~أن نستفيد قدر ما نستطيع من الموقف الذي يضعنا الله فيه.» ربت على جيبه العلوي ~~مودعا من تبقى على رصيف الميناء وداعا حارا، وإن كان تهكميا بعض الشيء، ثم هبط ~~إلى سطح المركب كي يقابل رفيقه الجديد في الغرفة. # كان رفيقه الجديد - حسبما اتضح - هو السيد يعقوب كوهين، نفس الشخص الملتحي الممتلئ البنية ~~الذي لاحظه الكاهن مولر وهو على ظهر السفينة. وعند دخول غرفتهما المشتركة، وجد الرجل يفرغ ~~محتويات حقيبة سفر بالية. ~~«أهلا بك.» # استدار السيد كوهين ومد يده. ~~«السيد مولر؟» # أجاب الكاهن كعادته عندما يتجاهل الناس لقبه: «يمكنك أن تدعوني جيمس، أو الكاهن ~~مولر إذا سمحت.» # فقال: «وأنا يعقوب كوهين.» ثم تصافحا، وأردف قائلا: «في طريقي إلى إسطنبول.» # فابتسم جيمس قائلا: «حسنا، أؤكد لك أنك في السفينة المناسبة.» # كان السيد كوهين يتحدث الإنجليزية بصورة مقبولة، بالإضافة إلى بعض الفرنسية ومعرفة ~~سطحية بالروسية. وبعد أن حاولا التفاهم بتلك اللغات بالإضافة إلى بعض اللغات الأخرى، ~~استقرا على التركية وسيلة للتواصل بينهما. وبينما كان رفيقه في الغرفة يفرغ أمتعته، ~~جلس جيمس أمام المائدة في زاوية الغرفة، وأخذا يتحدثان بحرية عن الرحلة. ومثلما توقع جيمس، ~~كان السيد كوهين يزور إسطنبول في رحلة عمل؛ حيث كان يعمل على وجه التحديد في تجارة ~~المنسوجات، وينوي تصفية بعض المخزون الزائد. ورغم أن كونستانتسا لم تعد تحت السيطرة ~~السياسية للدولة العثمانية، فما زال لإسطنبول تأثير اقتصادي على المنطقة. وأوضح السيد ~~كوهين أن التأثير الأكبر كان في تجارة المنسوجات على وجه الخصوص، فرغم أن أهل ms041 كونستانتسا ~~وروسيا يقدرون السجاد الشرقي، كما هو الحال في كل أنحاء أوروبا، فإن بعض الأنواع الأكثر ~~تميزا كانت أسهل في البيع في إسطنبول، أو هكذا كان يأمل. # دهش الكاهن مولر عندما وجد أن السيد كوهين أكثر ذكاء وخبرة بشئون الحياة مما يبدو، فقد ~~قضى معظم شبابه مرتحلا في وسط آسيا والشرق الأوسط، مستغلا ميراثا صغيرا كي يكون ~~رأس المال الذي بنى به مشروعه. وزار عشرات البلدان، ورغم أن تعليمه الرسمي لم يتجاوز ~~سن الثالثة عشرة، فقد كان مثقفا مطلعا كأي من معلمي كلية روبرت. وربما كانا ~~سيستمران في حديثهما وقت الغداء لولا وعكة السيد كوهين المفاجئة العنيفة. اعتذر بشدة، ~~وأوضح أنه مصاب بدوار البحر الذي يصيبه بالوهن، ورفض كل عروض المساعدة مصرا على ~~أن أفضل علاج هو الرقود والراحة حتى يهدأ البحر. # انتهز جيمس تلك الفرصة كي يخرج في جولة ويكتب بضعة خطابات في المكتبة، وعندما عاد إلى ~~الغرفة قبيل العشاء وجد السيد كوهين راقدا وظهره للباب في الفراش العلوي. كانت الغرفة ~~تفوح برائحة العرق الجاف ونكهة المرض. اقترب جيمس من الفراش ووضع يده على كتف السيد ~~كوهين وأيقظه برفق. ~~«أيها السيد كوهين، أهلا بك في عالم اليقظة.» # تمتم قائلا وهو ينقلب على ظهره: «السيد مولر.» # فاستدرك مصححا له: «جيمس، أو الكاهن مولر إذا سمحت.» # طرف يعقوب بعينيه وجال بلسانه في فمه. ~~«معذرة.» # فأجاب جيمس وهو يجلس على الفراش السفلي: «لا عليك، لا مشكلة على الإطلاق. أخبرني يا سيدي، ~~كيف حالك الآن؟» ~~«أفضل قليلا.» ~~«جميل أن أسمع ذلك.» # وبينما كانا يتحدثان، خلع جيمس حذاءه وارتدى سروالا جديدا. # تساءل السيد كوهين: «كم الساعة؟» # قال جيمس وهو يخرج الساعة من جيبه كي يتأكد: «إنها تمام السابعة، سوف يقدم ~~العشاء في غضون نصف ساعة.» # غسل جيمس يديه بسرعة، ونضح القليل من الماء على وجهه، ثم نظر لنفسه في المرآة. # ثم قال وهو يرتدي سترة العشاء: «كنت أخطط للنهوض مبكرا وحجز مائدة، ولكن إذا رغبت ~~في الانضمام إلي يسعدني أن أنتظرك.» # نهض يعقوب وهو ms042 مجهد قليلا ودلى ساقيه من حافة الفراش، منحنيا للأمام قليلا كي ~~يتجنب اصطدام رأسه بالسقف. بدا كما لو كان غجريا وهو يرتدي قميصه الداخلي وسرواله ~~المجعد، وكان شعره شعثا وعيناه الزرقاوان اللامعتان تجوبان أنحاء الغرفة. # قال وهو يمسح وجهه: «نعم، سيكون هذا لطيفا. شكرا لك.» # هبط يعقوب السلم المعدني الضعيف درجة تلو الأخرى، واستقر أمام المرآة. لم يكن ~~السيد كوهين في حالة مبشرة على الإطلاق، ولكن بنضحة من المياه وتمشيط للشعر وتبديل ~~للملابس تحول إلى شخص مقبول المنظر، على الأقل بالنسبة إلى مستوى السفينة. ورغم أن ~~الإفطار والغداء لم يكونا رسميين، فقد كان الطاقم يبذل كل ما في وسعه كي يضفي ~~جوا من الفخامة والرقي وقت العشاء. ولما كانت السفينة من الدرجة الثانية، فلا معاطف ~~طويلة أو ملابس للسهرة، ولا دبابيس مزخرفة مصنوعة من الزمرد ولا ثريات بلورية، ولكن ~~ببعض القماش الأحمر وأغطية الموائد المتجعدة وطباخ واسع الحيلة كانت الإجراءات تتم ~~على نحو مرض. # قضى جيمس ويعقوب معظم وقت العشاء في تلك الليلة الأولى يتبادلان الآراء حول قصص من ~~أسفارهما، وغني عن القول أن مبشرا دينيا وبائعا للسجاد ربما يقابلان شرائح مختلفة ~~من سكان المدينة. وظل جيمس مدهوشا من اختلاف حكاياتهما؛ ففي كل مرات زيارته إلى شيراز ~~لم يقابل قط عرافا أو لصا محترفا، ولكن في قصص يعقوب كانت المدينة تعج بكليهما. ~~ومن ناحية أخرى، لم يتناول يعقوب العشاء قط مع رئيس دولة أو سفير، رغم أنه أصر على كونه ~~مقربا من منصف بك عندما كان يشغل منصب الحاكم العثماني لكونستانتسا. ولم يكن ذلك ~~الاختلاف في التجربة حجر عثرة في طريق الحوار، بل إنه في حقيقة الأمر أضفى عليه ثراء. ~~وبعد تناول العشاء، ذهب الرجلان إلى غرفة جلوس تعرف باسم استراحة التدخين، حيث فتحا زجاجة ~~من النبيذ الأحمر وأخذا يتجاذبان أطراف الحديث بينهما بنفس الطريقة حتى وقت متأخر. # كان جيمس شديد الإعجاب بمدى معرفة رفيق غرفته بالمنسوجات، فقد كان بإمكانه أن يحدد ~~عيبا في القماش في الناحية الأخرى من الغرفة، ms043 وكان يعلم عن تاريخ صناعة السجاد أكثر من ~~أي بائع آخر في البازار الكبير. ولكن موهبته الكبرى كانت في البيع؛ فرغم أن بضائعه ~~مخزنة بأمان في بدن السفينة ولا يمكنها أن تخرج للعرض، فإن وصف يعقوب للسجاد وألوانه ~~الزاهية وتصميماته الكلاسيكية وروعة الصناعة، قد أقنع أكثر من مسافر بدفع عربون كي تصلهم ~~الشحنة لاحقا. وحتى جيمس الذي يعرف تأرجح البيع وتقلباته وكان حريصا على تقليل ~~الإنفاق بعد إجازة طويلة كهذه، اقتنع أن يدفع عشرة بالمائة من ثمن سجادة فخمة من طراز ~~هيركي باللونين الأبيض والأرجواني أخبره يعقوب أنها ستبدو جميلة في مكتبه ومناسبة ~~له. # كانت علاقتهما نموذجا مثاليا للصداقات التي يعقدها المرء على متن سفينة؛ حيث لا شيء ~~سوى الحديث، وليس المرء بحاجة إلى أن يراعي فوارق الطبقة والمكانة الاجتماعية. كان رباطا ~~متينا قويا من النوع الذي لم يعرفه جيمس منذ أيام صباه عندما كان طالبا. وبالطبع احتفظ ~~بأسراره الكئيبة لنفسه، ولكن مع مرور أيام الأسبوع قص على يعقوب قصة وفاة والده، وبعض ~~أسوأ أشكال الإذلال التي قابلها لدى وصوله إلى نيو هافن، والأحداث التي أدت إلى قراره ~~الحصول على شهادة من مدرسة اللاهوت. ومن جانبه شاركه يعقوب بعض التفاصيل الأصعب الخاصة ~~بنشأته، والقصة المأسوية لوفاة زوجته الأولى، وقصة الزواج الخالي من الحب التي ~~تبعتها. ولكنه لم يفصح عن ابنته إلينورا إلا في الليلة الأخيرة من الرحلة. # فضلا عن كونها الليلة الأخيرة على متن السفينة، كانت أيضا الليلة الأخيرة في عام ~~1885، وكانا يحتفلان. تراجعا إلى استراحة التدخين يحتسيان الزجاجة الأخيرة من نبيذ الكاهن ~~مولر ويدخنان الفتات الأخير من غليون يعقوب. وكان الوقت قد تأخر بالفعل، أو لعله كان ~~مبكرا، وكانت الغرفة لهما وحدهما. ارتفع دخان الغليون الأزرق فوق رأسيهما، ولم تتسلل ~~سوى النجوم الساطعة عبر الكوات الضبابية. # قال يعقوب وهو يعدل نفسه على كرسيه: «أود أن أستشيرك في أمر.» # فقال جيمس وهو يتكئ للخلف منصتا وقد وضع كاحلا فوق الآخر: «بالطبع.» ~~«إنه يخص ابنتي.» ~~«نعم، لقد ذكرتها في حديثك منذ ms044 بضعة أيام. اسمها إليانور، أليس كذلك؟» ~~«إلينورا.» # صمت يعقوب للحظة وهو يحدق في فوهة الغليون. # قال: «لقد ذكرتها، ولكنني لم أخبرك بأي شيء عنها.» # رشف جيمس رشفة من النبيذ ورفع ~~حاجبيه. # توقف يعقوب للحظات وهو ينظر ليده، ثم قال: «إن إلينورا ... إذا قابلتها فسوف تعلم على ~~الفور. يمكنك أن تطلق عليها عبقرية أو موهوبة، فلست أعلم ما الكلمة الصحيحة التي ~~تصفها.» # انحنى الكاهن مولر إلى الأمام واتكأ بمرفقيه على ركبتيه. كان قد قابل العديد من ~~الأطفال الاستثنائيين على مدار سنوات عمله، أطفال تعلموا القراءة مبكرا والقيام ~~بعمليات حسابية صعبة في رءوسهم، أو أطفال يعتادون اللغات الأجنبية بسهولة. وكان الموضوع ~~مشوقا من الناحية الاحترافية والشخصية، وكان قد فكر مرارا في جمع كتيب عن ~~الأشخاص العباقرة عبر التاريخ. ولكن معظم الأطفال الذين قابلهم لم يكونوا عباقرة، على ~~الأقل ليسوا على شاكلة بنتام أو مندلسون أو ميل. ~~«قلت من قبل إنك التحقت بالجامعة في سن السادسة عشرة؟» # قال جيمس: «نعم، قبيل عيد ميلادي السابع عشر.» ~~«أعتقد أنه بالتدريب والتوجيه المناسبين قد تتمكن إلينورا من الالتحاق بالجامعة خلال ~~عامين أو ربما ثلاثة أعوام. لست أرغب في ذلك، ولكنني أعتقد أن ذلك بوسعها.» ~~«كم عمرها؟» ~~«لقد أتمت عامها الثامن في شهر أغسطس.» ~~«هذا مذهل بالفعل.» # كان جيمس يثق في رفيقه في الغرفة؛ فقد كان رجلا صادقا لا يحب المظاهر أو الغرور، ~~ولكن يصعب تصديق تلك المزاعم دون الشك فيها. تحدثا طويلا عن إنجازات إلينورا ~~المتعددة، وعن الدروس التي أعدها لها يعقوب، ومخاوف روكساندرا بشأن مستقبل الطفلة، ~~بالإضافة إلى مخاوفها من رد فعل أهل المدينة إذا علموا بأمر قدرات إلينورا. فعل جيمس ما ~~بوسعه كي يساند صديقه، ولكن رغم أنه كان يرغب في تصديقه، فإنه لم يتمالك نفسه أن يعبر ~~عن بعض الشكوك التي تراوده. وفي كل مرة كان يفعل ذلك، كان يعقوب يأخذ نفسا عميقا ~~من غليونه وينفثه وهو يهز رأسه. # قال: «لو أنك قابلتها، لخبرت ذلك في لحظة.» # | الفصل السادس # حدقت إلينورا إلى السواد، ms045 حيث يحيط بها من كلا الجانبين ظلام مخملي شائك، وقد ثنت ~~ركبتيها وعقدت ذراعيها أمام صدرها دون قدرة على تحريكهما، ولم تستطع حتى أن تميز جدران ~~الصندوق الذي كانت محبوسة داخله. وفي مكان ما في أعماق السفينة، ارتفع صوت طقطقة المحرك ~~البخاري وصريره، ثم أصبح ضجيجا مرتفعا، ثم هدأ مرة أخرى كما لو كان عملاقا ~~متململا يغط أثناء نومه في كهفه. وكان يعلو شفتيها مذاق أحماض المعدة وتراب ~~الفحم. وتنامى ألم كالوخز بالإبر أسفل عظم كتفها، وارتعشت عضلات فخذها في قلق كما لو ~~كانت فراشات محبوسة تحت الجلد. شعرت إلينورا وهي تحرك أصابعها بألم جديد ينتشر من عند ~~الكتف، فأغلقت عينيها من الألم وازدردت لعابها ذا المذاق المر. لم تكن قد تناولت ~~شيئا منذ ظهر اليوم السابق، وكانت المؤن التي أحضرتها معها بعيدة عن متناول يدها خلف ~~كاحليها المثنيين. لو أنها تمكنت من الحركة وتغيير وضعها إلى وضع جديد، فسوف تتمكن ~~من تخفيف الألم في ظهرها، وقد تجد نفسها على مسافة ذراع من المؤن. لوت ذراعها اليسرى للخارج ~~جاذبة إياها من تحت قفصها الصدري وهي تزفر، ومالت بكتفها في المساحة الخالية ~~المتبقية. ولكن من هذا الوضع الجديد، كان أقصى ما تستطيع القيام به هو ترنح يائس إلى ~~وضع أكثر مشقة. وفي نهاية الأمر، كان من حسن حظها أن تمكنت من العودة إلى وضع ~~الجنين الأصلي. # لم يكن ذلك هو تخيلها عن الرحلة على الإطلاق، رغم أنها لم تستطع أن تتذكر ماذا كان ~~تخيلها بالضبط. فرغم أنها قد فكرت في التفاصيل الدقيقة المختلفة لخطتها، ورغم أنها ~~قد راجعت قائمتها مرارا وتكرارا، لم تتخيل إلينورا بالفعل معنى أن يحبس المرء ~~نفسه داخل صندوق أمتعة. وعندما كان ذلك الأمر يخطر في بالها، كانت تتخيل أن الوقت ~~سيمر سريعا، وأنها على غرار الأجزاء المملة في الروايات يمكنها أن تتجاوز الرحلة سريعا ~~وتصل إلى إسطنبول وهي لا تعاني سوى الإرهاق. ولكن الأمر لم يكن هكذا بالطبع، فالوقت يمر ~~ببطء شديد يجر أثقاله كما لو كان ms046 حصان نقل منهكا أجبر على السفر أياما طويلة ~~فوق طاقته. وإذا كانت حساباتها صحيحة، فقد مكثت في الصندوق ما يزيد قليلا على سبع ساعات. ~~ليست الساعات السبع بالوقت الطويل على مدار حياة المرء، ولكن تلك الساعات السبع مرت كما ~~لو كانت سبع سنوات. # في بادئ الأمر تغلب عليها الخوف. كانت قلقة من أن يكتشف أمرها، أو أن ينتابها السعال ~~أو العطس، أو تبتلع ريقها فيكتشف والدها أو روكساندرا وجودها. ولكن لا بد أنها قد استغرقت ~~في النوم في نهاية الأمر؛ لأن أول ما تتذكره بعد ذلك هو شحن الصندوق في حقيبة الأمتعة ~~لإحدى سيارات الأجرة واهتزازها أثناء هبوط التل. وبعد أن انتظرت فترة طويلة فيما افترضت ~~أنه أحد طوابير التفتيش الجمركي، فتحت حقيبة الأمتعة، وتسلل بصيص من الضوء خلال ~~الصدع الموجود في الغطاء، واعتقدت أنها سمعت صوت والدها. تزاحم حشد صاخب من الرجال ~~حول السيارة، وانتقل الصندوق من يد ليد كما لو كان كيسا من الرمل. ولا بد أن أمتعة ~~والدها كانت آخر ما وضع على متن السفينة، فبعد تحميلها سرعان ما أغلق بدن السفينة ~~بسلاسل حديدية أصدرت صريرا، ودار المحرك، ونفثت السفينة دخانها منطلقة بعيدا عن ~~المرفأ. وفي تلك اللحظة فقط، سمحت إلينورا لنفسها أن تطلق تنهيدة وتتأمل موقفها. كانت ~~خطتها قد نجحت نجاحا تاما، ولكن ها هي محبوسة، وألم حاد يسري في ظهرها، والجوع ~~ينهشها كالحمم البركانية. # صاحت وصوتها يتحشرج في حلقها: «مرحبا، هل يسمعني أحد؟» # لم يكن الأمر ذا جدوى، فلم يكن أحد هناك، حتى لو كان هناك أحد فلن يسمعها مع هدير ~~المحرك. ركلت قاعدة الصندوق بقوة؛ لشعورها بالإحباط من ناحية وأملا في أن تجد طريقا ~~للخروج من ناحية أخرى. ورغم أن الخشب ظل صلبا، سقط شيء من جيب إلينورا الأمامي أثناء تلك ~~الحركة المفاجئة السريعة، فحررت ذراعها من أسفلها ومرت بإبهامها على ذلك الشيء. كان ~~مؤشر الكتاب، وهو أحد المتعلقات الشخصية القليلة التي أخذتها والدتها معها من بوخارست ~~إلى كونستانتسا، أو على الأقل أحد المتعلقات ms047 القليلة التي تبقت. كان قطعة رقيقة من خشب ~~البلوط منقوشة عليها أشكال سداسية الأضلاع متداخلة، وبدا كما لو كان به ضوء داخلي ~~يخترق الظلام. تخيلت إلينورا والدتها وهي شاردة الذهن تلف خصلات شعرها حول المؤشر وهي ~~تعيد قراءة إحدى الفقرات المفضلة لديها من «الساعة الرملية». وبينما كانت إلينورا نفسها ~~تلف خصلات شعرها بين إبهامها وسبابتها، تذكرت ذلك المشهد الذي هربت فيه السيدة هولفرت ~~المسنة من سجن عمها عن طريق كسر أصفادها بواسطة دبوس شعر أطبقت عليه بين ~~أسنانها. # كان الأمر يستحق المحاولة، حتى وإن كان ذلك لأنه لا توجد خيارات أخرى لديها. ثنت ~~معصمها للداخل كما لو كانت دجاجة، وضغطت ذقنها إلى صدرها وأطبقت على أسنانها، وبإطباق ~~أسنانها وحافة لسانها تمكنت من تحريك المؤشر بمهارة مذهلة، وبعد بضع دقائق تمكنت ~~من إدخاله عبر الصدع بين غطاء الصندوق وجسمه. قطبت عينيها إمعانا في التركيز، ومررت ~~المؤشر للأمام وللخلف بطول المجرى حتى وصل إلى آلية الإغلاق، وبضغطة واحدة انزاح ~~الغطاء. # احتفظت إلينورا بالمؤشر بين أسنانها، وجلست تغمض عينيها وتفتحهما في غرفة الأمتعة ~~المظلمة التي تكتسي بتراب الفحم. وعلى وهج التنور القادم من بعيد استطاعت أن ترى ~~الشكل الخارجي لصندوقها الخاص وحفنة من الصناديق الأخرى يتغير لونها إلى الأسود ~~الحبيبي. استطاعت أن تميز الأشكال لا الألوان، والروائح لا مصدرها. وببعض المجهود خرجت ~~إلى الأرض المعدنية الدافئة، ومدت ذراعيها فوق رأسها، وانحنت كي تلمس أصابع قدميها. دلكت ~~موضع الألم لديها بمفصل إبهامها، وحركت رقبتها بحركة دائرية وهي ترتعش. وعندما تمددت ~~للدرجة القصوى جلست على صندوق قريب، وأخرجت حقيبة المؤن الخاصة بها وأخذت تتناول الطعام، ~~ملقية بكسرات الخبز وقطع الجبن في فمها كما لو كانت حيوانا جائعا. # وبينما بدأت عيناها تألف الظلام الحالك لبدن السفينة، رأت أنها محاطة بحشد من الأمتعة، ~~وصفوف متراصة من الصناديق وأقفاص الشحن والمنقولات التي لا يضيئها سوى وهج التنور. ~~عاينت المنظر الخرب، وبحثت عن إشارة تدلها على الصناديق التي يختبئ فيها السردين أو ~~الرقائق أو الكرز المجفف أو الجوز أو ms048 اللحم المفروم، فقد التهمت ما يزيد على نصف ~~المؤن التي أحضرتها في أكلة واحدة، وما زالت معدتها تطلب المزيد. وبالطبع لن يمانع أحد ممن ~~كتبت أسماؤهم على الأمتعة في إعطاء حصة من طعامهم لطفلة تتضور جوعا. اتجهت إلينورا ~~من صندوق إلى آخر، مستخدمة المؤشر كما لو كان أداة لفتح الأقفال، فاتحة الصناديق التي تمكنت ~~من فتحها ومبتعدة عن تلك التي لم تتمكن من فتحها، منقبة وسط الملابس والكتب ~~والحلي والعطور بحثا عن طعام. وجدت مجموعة من الأدوات المكتبية الفاخرة المزينة ~~بالنقوش، والكئوس البلورية، وآلة ساعة ضخمة، وحقيبة متخمة بالخطابات الغرامية، ولكنها لم ~~تجد ما تأكله. # وأخيرا، وجدت صفا من خمسة صناديق خشبية بمعزل عن بقية الأمتعة في ركن بعيد من ~~السفينة، كل منها بطول إلينورا ذاتها، ويحمل ختما ذهبيا بتوقيع الخطاط. ورغم فخامة ~~تلك الصناديق، أو ربما بسبب فخامتها، لم تكن تحمل أقفالا، بل كان التحصين الوحيد بها ~~مزلاجا ومسمارا خشبيين. كان الصندوق الأول الذي فتحته مليئا بالكتب، وخاصة ~~الروايات، التي كتبت بالفرنسية والألمانية والإنجليزية. ألقت نظرة عاجلة على عناوين ~~الكتب، ثم انتقلت إلى الصندوق التالي. قد تثير الكتب اهتمامها لاحقا، ولكنها الآن بحاجة ~~إلى الطعام. كان الصندوق الثاني مكدسا بالكافيار والسمك المدخن والرنجة ومئات العلب ~~الحمراء والذهبية التي تحمل كل منها بضع كلمات بالروسية أو صورة لسمكة. تلفتت إلينورا ~~حولها، ثم سحبت إحدى العلب من الصف العلوي وفتحت غطاءها كاشفة عن طبقة من الكرات ~~البرتقالية اللامعة. لمست بيض السمك بأصبعها الخنصر بحذر ثم تذوقته، فتقلص أنفها ~~اشمئزازا؛ لم يكن هذا المذاق اللاذع المالح هو ما تأمل فيه، ولكنه كان طعاما على أي ~~حال. وفي أقل من ساعة، كانت إلينورا قد التهمت ثلاث علب من الكافيار، مغترفة ~~حفنة تلو الأخرى حتى ثملت من البطارخ. # افترشت في تلك الليلة النسيج السميك لسجادة إيرانية فاخرة ولفافة مخملية. ألقت رأسها ~~على زاوية مطوية من السجادة وجذبت المخمل حول أكتافها، ثم أغلقت عينيها وشرد ذهنها. كان ~~عقلها يموج بالخوف والشك ، ولكن بقدر خوفها وبقدر ms049 شكها في مدى حكمة قرارها بالهرب، كانت ~~إلينورا متعبة للغاية. وبينما هدأت قرقرة الجوع واستقر التنور على صوت دقات ثابتة، ~~انزلق ذهنها إلى محيط النوم الدافئ المالح؛ مرتفعات وأمواج بيضاء، وطيور النورس تحلق فوق ~~الرءوس، وكل حين وآخر تلوح اليابسة من بعيد. وبينما كان التيار يجرفها بعيدا، تحول ~~البحر إلى طريق ريفي؛ بقرة وحيدة تجتر الأعشاب، والكوخ الحجري الذي يظهر من حين لآخر، ~~ومجموعة من أشجار السرو، وخلف ذلك كله رقع شاسعة من أراضي المزارع التي يتراوح ~~لونها بين الأصفر والأخضر. وسرعان ما تحولت الأكواخ إلى قرى، والقرى إلى مدن، واستطالت ~~المدن وأصبحت ذات شوارع عريضة وقباب بلورية وحدائق ليلية تعبق برائحة ماء الورد ~~والياسمين. # في باطن السفينة فقدت إلينورا شعورها بالوقت، فكانت حركة الأمواج وصوت الطقطقة المتقطع ~~للتنور هما العلامتين الوحيدتين على مرور الوقت. كانت تنام عندما تشعر بالتعب، وتتناول ~~الطعام عندما تشعر بالجوع، وتقضي حاجتها في زاوية خالية من السفينة كما لو كانت حيوانا ~~بريا محبوسا في طابق أرضي. وبمرور الوقت اعتادت عيناها ضوء التنور الخافت ~~القاتم، ورغم أنها كانت تصيبها نوبات كثيرة من السعال فإنها اعتادت غبار الفحم. وأكثر من ~~مرة جذبت كتابا من صندوق السلطان وحاولت أن تقرأ، ولكن الكلمات كانت تتداخل بعضها في بعض ~~وتتلاشى عبر الصفحة، متيحة لها أن تقرأ فقرة واحدة فحسب قبل أن يتمكن منها صداع مرهق. ~~ولما كانت القراءة مستحيلة، ولا توجد شمس، ولا توجد مهام تؤديها، فقد شغلت إلينورا ~~نفسها بتفحص أمتعة المسافرين، متذكرة كتبها المفضلة، ومتسائلة مثل ديفيد كوبرفيلد ~~عما إذا كانت ستصبح بطلة حياتها الخاصة أم أن تلك المكانة سيحتلها شخص آخر. # لم تكن إلينورا تعلم أن السفينة مخطط لها التوقف مرتين قبل إسطنبول، وهكذا فعندما ~~أبطأ المحرك لأول مرة وارتفع صوت النفير على سطح السفينة، ارتجف قلبها. هل مر أسبوع ~~بالفعل؟ وكي تؤمن نفسها أخفت فراشها واندفعت خلف صناديق السلطان. صدر صوت طقطقة ~~وصرير، ثم أخذ باب بدن السفينة يفتح. كان الوقت منتصف النهار والشمس تخترق الصدع ms050 ~~الذي يزداد اتساعا، والضوء ينصب في كهفها كما لو كان وابلا من السهام المشتعلة. كتمت ~~عطسة بينما شرع ثلاثة من عمال السفن في شحن الصناديق في مقدمة بدن السفينة وتفريغها. ~~وبينما كانوا يحضرون آخر قطعة من الأمتعة للشحن، تشمم أحدهم الهواء وصاح متفوها ~~ببعض الكلمات، فرد عليه زميله ضاحكا. ورغم أنها لم تفهم ما يقولونه، فقد جعل وقع ~~أصواتهم الدم يرتجف في عروقها. # ومع إغلاق الباب الكبير وتدفق المياه للخارج وقعقعة السلاسل الحديدية على نحو غير ~~منتظم، رفرف أحد هداهد إلينورا متجها إلى بدن السفينة. لم تلمح الطائر إلا للحظة ~~واحدة بطرف عينها، ولكن لم يكن لديها شك في أنه أحد أفراد سربها. حلق الطائر في دائرة ~~حول بدن السفينة مرة واحدة، ثم رحل مع إغلاق الباب بالضبط. وعندما تحركت السفينة مرة أخرى ~~في عرض البحر، وجدت إلينورا أن الطائر قد ترك لها هدية؛ برتقالة وضعت في منتصف ~~صندوقها بالضبط. كانت برتقالة كاملة بالساق والأوراق، وتألقت في راحة يدها كما لو كانت ~~شمسا صغيرة. ظلت تحملها فترة طويلة، تاركة دفأها يتدفق في أطرافها. ولما كانت تحمل ~~ثمرة الفاكهة في يديها، أدركت أن سربها ما زال معها؛ ترك أعشاشه في كونستانتسا كي يتبعها ~~عبر البحر، وكي يحرسها أثناء رحلتها. وعندما شعرت إلينورا بالجوع، قشرت البرتقالة ~~والتهمتها قطعة قطعة، متلذذة بانفجار كل جزء غزير العصارة بين لسانها وسقف ~~حلقها. # تلك كانت حياتها في بدن السفينة. ورغم أن معظم احتياجاتها الأساسية كانت تلبى، فإنها ~~لم تكن طريقة لطيفة للعيش، وكثيرا ما تمكن منها شعور بالحنين الجارف إلى منزلها ~~ووالدها، بل حتى إلى روكساندرا. وفي تلك اللحظات، لم تكن ترغب إلا في أن تفصح عن وجودها ~~وتتحسس الطريق إلى السطح، وترتمي بين ذراعي والدها. ولكنها كانت تعلم أنها لو أفصحت عن ~~وجودها مبكرا فسوف تفشل خطتها، وسوف يتخلص منها والدها في ميناء التوقف التالي ويرسل ~~برقية إلى روكساندرا، ولن تسفر كل استعداداتها ومعاناتها إلا عن بضعة أيام من التأخير. ~~وكان السؤال إذن كيف تعلم ms051 أن التوقيت مناسب، فلم يكن لديها ساعة أو تقويم أو معرفة واضحة ~~لمسار الرحلة، لم يكن لديها سوى حدسها كي يدلها، وشعور ضبابي بموقعها في ~~العالم. # كانت الليلة الأخيرة في رحلتهما، ليلة ما قبل الوصول إلى إسطنبول، عندما قررت إلينورا ~~أن تفصح عن وجودها. ولم تكن تعلم بالطبع أن السفينة سوف تدخل مصب البوسفور في ذلك ~~الصباح، ولكنها شعرت بتغيير طفيف في شدة الأمواج وانخفاض في قوة التنور، وبأن الوقت ~~قد حان. وبعد أسبوع طويل قضته في بدن السفينة، كانت متسخة، وكانت رئتاها مليئتين بالفحم، ~~وقد بدأت تشعر بألم في بطنها. تخيلت هيئتها، وخطر لها أن تحاول الاغتسال، وغسل وجهها ~~بطريقة ما، أو ابتكار رداء جديد من أحد أثواب النسيج، ولكن لم تكن ثمة مياه في بدن السفينة، ~~وأي رداء يمكنها ابتكاره سوف يفسد المزيد من بضاعة والدها. عليها أن تقدم نفسها كما ~~هي. # مشطت شعرها للخلف، وعدلت ثوبها، ورتبت المكان حول الصندوق، ثم شقت طريقها عبر ~~المنظر المألوف للأمتعة متجهة إلى الباب الحديدي الكبير الذي يؤدي إلى خارج بدن السفينة. ~~وقفت إلينورا أمام الباب، ومررت أصابعها على سطحه المعدني الذي تشبه تجاويفه البثور في ~~الباب المؤدي إلى علية السيدة براشوف. خلف هذا الباب يقبع والدها، وكل ألوان الطعام ~~ووسائل الراحة في النوم، والحساء الساخن، والوسائد المصنوعة من الريش، وهواء البحر النقي. ~~سرت رجفة من القلق في أناملها، وتوقفت كي تنظم أنفاسها. لقد حانت اللحظة. كانت أكثر ~~خوفا مما توقعت؛ خائفة من رد فعل والدها، ومن أن يلقى القبض عليها قبل أن تجده، ومن ~~أي كم من العواقب المخيفة التي لا يمكنها حتى أن تتخيلها. ولكن لم يكن لديها خيار ~~آخر. فلا مخرج آخر. أخذت نفسا عميقا كي تهدأ، وأمسكت بمقبض الباب بكلتا يديها، ثم ~~دفعته لتجد نفسها في ممر رطب خال يعد معتما وفقا للمعايير الطبيعية رغم أنه ساطع ~~الإضاءة مقارنة بظلام بدن السفينة. # فركت عينيها وسارت في الممر بضعة أمتار حتى وصلت إلى غرفة مليئة بالأزرار والروافع ~~والعجلات ms052 التي تطلق كلها أصوات صفير وطقطقة كما لو كانت مقهى مزدحما. وبينما وقفت ~~إلينورا كي تختار الباب الذي ستمر عبره من بين الأبواب الثلاثة المتاحة، سمعت مجموعة ~~من الكلمات، التي لم تتمكن من رؤية أصحابها، تعبر واضحة وسريعة كالملائكة. استمعت إلى ~~الأصوات وهي تقترب أكثر فأكثر حتى أصبحت أمام باب الغرفة تماما. # ارتفع صوت رجل وهو يفتح الباب: «لا بد أنه هنا في مكان ما.» # واستطاعت من موقعها خلف كتلة من الأنابيب أن تلمح رجلين؛ أحدهما أكثر ضخامة من الآخر، ~~وكان شارباهما وعمامتاهما تعكس ظلا منحنيا على الباب المفتوح خلفهما. ~~«أين قال إنه موجود؟» # وعندما تحدث الرجل الثاني، أدركت إلينورا أنهما يتحدثان بالتركية. لم تكن قد سمعت تلك ~~اللغة إلا في الدروس التي لقنها إياها والدها، ولكن بقليل من التركيز استطاعت أن تفهم ~~جيدا. ~~«قال إنه هنا.» ~~«أين؟» ~~«لو كنت أعلم ما كنا لنبحث عنه الآن.» # أخذ الرجل الأول خطوة صغيرة للخلف ورفع المصباح بحيث أضاء الغرفة. ~~«هل رأيت ذلك؟» ~~«كلا.» # ساد صمت طويل، وشعرت إلينورا بقلبها يخفق بين ضلوعها، وكان إحساس القبض عليها له مذاق ~~المعدن في حلقها. # قال الرجل الأول وهو يستدير راحلا: «لا أرى شيئا؛ فالمكان شديد الظلام هنا.» # عندما خرجت إلينورا من خلف الأنابيب كانت ترتجف، فلو كان هذان الرجلان قد لاحظاها فلا أحد ~~يعلم المتاعب التي كانت ستحدث لها. واستغرقت بضع لحظات كي تنتظم ضربات قلبها، ثم عدت حتى ~~الرقم ثلاثين وتقدمت عبر الباب الذي خرج منه الرجلان، مفترضة أنهما سوف يعودان إلى ~~الجزء الأساسي من السفينة. مرت عبر غابة من الأنابيب التي تقطر ماء والمصابيح التي ~~لطخها سواد الفحم، حتى وجدت نفسها أخيرا في ممر أكثر إضاءة. وكان هذا الممر ~~الجديد مبطنا بالسجاد والألواح الخشبية، وبه صف من الأبواب، كل منها تزينه نافذة ~~دائرية ولوحة نحاسية تحمل رقما. كانت الأبواب من 16 إلى 30 مغلقة جميعها، ولكنها بينما ~~كانت تشق طريقها أسفل الممر استطاعت أن تسمع سلسلة من الأصوات الخافتة المصاحبة للنوم ؛ ~~الهمهمة والغطيط ms053 والتقلب في الفراش، تلك الأصوات التي تميز رحلاتنا المتقطعة في ~~عالم الأحلام. وفي نهاية الممر، تسلقت درجا معدنيا وخرجت منه إلى مدخل ~~المطعم. # رفعت خصلة من شعرها خلف أذنها وألقت نظرة على الغرفة الخالية. كانت الموائد مطوية ~~ومكدسة في انتظار دخول السفينة إلى المرفأ، ومجموعة من أصص النباتات مكدسة في ~~الزاوية، والبيانو يقف مستندا إلى الحائط كما لو كان تلميذا مشاغبا. سال لعاب ~~إلينورا لدى تخيل الطعام. وأملا في أن تقودها تلك الأبواب الجلدية المزدوجة عند ~~البيانو إلى المطبخ، عبرت إلى الناحية الأخرى من الغرفة كي تستطلع الأمر. وعندما اقتربت، ~~استطاعت أن تسمع أصواتا قادمة من استراحة التدخين كما تؤكد اللوحة النحاسية المعلقة ~~على الحائط. وعندما اقتربت أكثر، شعرت بآثار دخان غليون والدها. ربما يكون غليون أي ~~شخص آخر في حقيقة الأمر، ولكن إلينورا لم تكن في موقف يسمح لها بالمراوغة. نحت ترددها ~~جانبا واقتحمت الأبواب، وها هو كما تخيلت. كان والدها يرتدي السترة نفسها التي كان ~~يرتديها ليلة رحيله، جالسا في مقعد ضيق يحتسي زجاجة من النبيذ بصحبة رجل متورد ~~البشرة يرتدي حلة زرقاء داكنة. ~~«بابا!» # في فترة الصمت الطويلة التي أعقبت ذلك، لاحظت إلينورا انعكاسها في المرآة المجاورة ~~لرأس والدها. كان ثوبها ملطخا بالطعام، وقد تمزق جورباها عند الركبتين، ووجهها ~~متسخ بغبار الفحم، وقد تدلت خصلة من الشعر الأشعث على عينيها. بدت مثل كيوبيد (إله ~~الحب عند الإغريق) وقد عاد إلى منزله عقب معركة، مهزوما مسحوبا عبر الأوحال وذقنه ~~للأرض وجناحاه متلاصقان بالطين. فتحت فمها كي تشرح الأمر، ولكن كل ما تدربت عليه وكل ~~تبريراتها ودوافعها ذهبت أدراج الرياح. وبدلا من ذلك، اندفعت عبر الغرفة وألقت بنفسها بين ~~ذراعي والدها، متسببة في سقوط زجاجته وانسكاب الخمر على السجادة. # قال وصوته يفصح عن شعوره بالدهشة وقدر لا يستهان به من الاستياء: «إيلي، ماذا تفعلين ~~هنا بحق السماء؟!» # | الفصل السابع # في الصباح التالي جلست إلينورا ووالدها على السطح الأمامي للسفينة يشاهدان إسطنبول وهي ~~تظهر للعيان من البحر. بدت المدينة ضبابية ms054 للوهلة الأولى، لا تتجسد إلا كشبح ينام تحت ~~الضباب، ولكن عندما اقتربت السفينة استطاعت أن ترى الخطوط العريضة للمدينة ومصابيح شوارعها ~~تومض كما لو كانت جمهرة من النيازك. لم يكن الفجر قد حل بعد، وتدثرت إلينورا ببطانية ~~من الصوف الخشن وهي جالسة على ساق والدها. كان لا يزال غاضبا منها، ففيما عدا تحية ~~الصباح واقتراح الصعود إلى السطح الأمامي للسفينة، لم يتبادل معها يعقوب أكثر من بضع كلمات ~~منذ أن أفصحت عن وجودها. شعرت بغضبه متجسدا في الوضع المشدود لساعده والشهيق المنتظم ~~الذي كان يستخدمه لتهدئة أفكاره. لم تستطع أن تستشف كنه تلك الأفكار، ولم تعلم هل كان ~~يخطط لإرسالها إلى كونستانتسا أم ينوي السماح لها بالبقاء معه في إسطنبول. لم تكن على ~~دراية بحدود غضب والدها، ولم تكن لديها أدوات تمكنها من تقدير حجم هذا الغضب، ولكنها ~~أدركت أنه من الأفضل ألا تخرق هذا الصمت. # أشرقت الشمس في موعدها من زاوية بعيدة في السماء، ومع شروقها انحسر الضباب. كان البوسفور ~~مزدحما بالفعل، مكدسا بمراكب الصيد وقوارب التجديف والسفن البخارية المتثاقلة التي ~~تمر بين حين وآخر. وعلى الشاطئ تحت ظلال أشجار السرو، أخذ أشخاص ضئيلو الجسم ينادون ~~على بضاعتهم محدثين هرجا ومرجا، يساومون في الأسعار ويعقدون الصفقات ويتوسلون. ~~تلألأت ثلاثة مساجد عملاقة ذات قباب على شكل السلحفاة في الشمس المشرقة ومآذنها ~~تخترق السماء كالحراب، وعند المصب كان يقبع أعظم مبنى شاهدته إلينورا في حياتها؛ حدائق ~~تعلوها حدائق، وقناطر، وأسوار، وجدران عالية يطوقها حائط من الرخام الأبيض اللامع، وتطل ~~عليها وحدة من الأبراج الزجاجية. إنه قصر توب كابي مقر جلالة السلطان عبد الحميد الثاني، ~~الذي يقبع على حافة القرن الذهبي دليلا على الثروة والسلطة اللتين تفوقان الخيال. # بينما كانت السفينة تدخل المرفأ، دوى نفير القبطان، وانطلقت مجموعة من الصيحات في آن ~~واحد على سطح السفينة. شرع فريق من العمال في ربط الحبال، وانفتح بدن السفينة بصعوبة، ~~وتقدم حشد من عمال السفن إلى السفينة محكمين تثبيت الصناديق والأقفاص والبراميل إلى ~~ظهورهم كما ms055 لو كانوا بغالا. وقبالة محطة القطار الجديدة كانت أحواض السفن تضم حشدا ~~هائجا من البشر، مزيجا من الطرابيش والعمائم والسترات والمعاطف. تزاحم المتسولون ~~الحفاة مع الباعة الجائلين الذين يلوحون ببضائعهم فوق رءوسهم، وفي أطراف الحشد أخذت ~~سيارات الأجرة تناور الجمال والكلاب الضالة محاولة الحصول على مكان. كان ذلك ما تعنيه ~~الآنسة يونسكو عندما أطلقت على محطة القطار في بوخارست «حشد سوقي من الرجال يخمشون ~~ويزعجون بعضهم بعضا تنافسا على وضع أكثر تميزا إلى حد ما في الحشد.» وبينما ~~لمحت إلينورا ما يبدو مؤخرة فيل يختفي في الزاوية، نشب شجار بين عاملين، واستطاعت ~~أن تشعر بذراعي والدها وهو يضمها بشدة كي يحميها. غاصت في حجره أكثر، واستنشقت الرائحة ~~المألوفة للكركديه ودخان الغليون قبل أن تجرؤ على توجيه سؤال. # قالت وهي تنظر إلى الجزء السفلي الكثيف من لحيته: «بابا، إلى أين نذهب الآن؟» # فأطلق تنهيدة. # ثم قال وهو يسحب علبة من التبغ من جيب سترته: «أول شيء سنفعله هو إرسال برقية إلى ~~روكساندرا، ثم يقلنا صديقي منصف بك في سيارته حتى منزله. كنت أنوي البقاء معه طوال ~~فترة رحلتي، وآمل أن يتمكن من استضافتك أنت أيضا.» # أشعل يعقوب غليونه تاركا لها الفرصة لاستيعاب مغزى تلك الكلمات. # قال وهو يسحب نفسا من الغليون: «لست أدري كيف خطر لك أنها فكرة جيدة، ولكن ها أنت ~~هنا، وعلنا نستفيد من هذا الوضع بأقصى ما يمكننا.» # بينما كان والدها يدخن، هبت رائحة مالحة لاذعة من أحواض السفن، فتذكرت إلينورا تلك ~~الأيام المظلمة في السفينة. ارتجفت للذكرى، ودفعت ذلك الخاطر بعيدا عن ذهنها. لم يطرح ~~عليها والدها أي أسئلة عن الوقت الذي قضته في السفينة؛ مما أشعرها بالسرور، فقد كانت على ~~يقين من أن بعض الأمور من الأفضل ألا تناقش. وعندما انتهى والدها من تدخين غليونه، ~~وقف حاملا حقيبته في يد بينما يقودها باليد الأخرى هابطا إلى المرفأ. ~~«هل تريد عربة يا سيدي؟ غرفة؟ حمل حقائب؟» # حتى قبل أن يغادرا سطح السفينة احتشد حولهما جمهرة من الباعة ms056 الجائلين والسماسرة ~~المتدافعين، وهم رجال ذوو وجوه ملطخة بالشحم يلوحون بالبطاقات ويحاولون انتزاع حقيبة ~~والدها. # وظل يعقوب يردد وهو يمر سريعا: «كلا شكرا، كلا شكرا.» # فقال أحدهم مطلقا ضحكة مكتومة: «فتاة لطيفة. هل هي ابنتك؟» # جذب يعقوب إلينورا عبر حشد الباعة والسماسرة إلى منطقة أقل ازدحاما بالقرب من محطة ~~القطار، ووضع حقيبته. لقد اختفى الكاهن مولر، ويبدو أن منصف بك لم يصل بعد. خطر لإلينورا ~~أن تسأل والدها عما إذا كانا سيرسلان البرقية إلى روكساندرا، ولكنه بدا متوترا، ولم ~~ترغب في إثارة المزيد من غضبه بأسئلتها. بحث وسط الحشود مرة أخرى قبل أن يدفعها برفق في ~~اتجاه مقهى صغير. ~~«تعالي هنا يا إيلي. هيا نجلس ونحتس فنجانا من الشاي.» # وفور أن طلبا الشاي انحدرت عربة نحو باب المقهى، مشتتة سربا من النوارس وبعض ~~المتطفلين غير المهذبين. كانت العربة ذات تصميم فخم، مكسوة بخشب البلوط، تقودها ~~أربعة جياد عربية رمادية اللون. توقفت العربة للحظات قبل أن يفتح الباب ويخرج منها رجل ~~طويل عريض المنكبين. حدست إلينورا أن هذا هو منصف بك. كان يرتدي سترة زرقاء داكنة، ~~ويعلو رأسه شعر أسود كثيف، وترتسم على وجهه بدقة تلك الملامح المحدبة التي تميز ~~المنمنمات الفارسية. يبدو أنه من ذلك النوع من الأشخاص الذين يقابلهم المرء في «الساعة ~~الرملية»، ذلك النوع الذي لن تدهش إذا وجدته يناقش أمورا ذات أهمية كبرى في قاعة استقبال ~~الكونت أولاف، أو يجلس مستمتعا في المقصورة الخاصة بفون هيرتزوج في الأوبرا. ~~«منصف بك!» # ابتسم الرجل وعانق والدها بحرارة. ~~«عزيزي يعقوب، لم أرك منذ زمن طويل.» # قال والدها: «حقا، منذ زمن طويل حقا.» # تعانقا مرة أخرى، ثم حول منصف بك انتباهه نحو إلينورا التي كانت لا تزال جالسة أمام ~~المائدة. # تساءل «وهذه؟ من هذه الفتاة الجميلة؟» # شعرت إلينورا بالدم يندفع إلى أذنيها، فرفعت بصرها وابتسمت لمنصف بك أفضل ابتسامة ~~يمكنها تقديمها. # قال يعقوب: «هذه ابنتي إلينورا، وآمل ألا يسبب وجودها أي إزعاج. كان من المفترض أن ~~أرسل برقية أخبرك فيها بذلك ms057 مقدما، ولكن علي أن أعترف أنها كانت مفاجأة لي ~~أيضا.» # قال منصف بك وهو يربت على معصم يعقوب محاولا تبديد مخاوفه: «لا عليك.» ثم استدار ~~فجأة وأشار إليهما أن يتبعاه، وتابع قائلا: «سوف تفيدنا الطفلة، وخاصة إذا كانت طفلة ~~ساحرة الجمال كابنتك.» # وهكذا تم الأمر، ففور أن شحنت صناديق يعقوب وجه منصف بك بضع كلمات إلى السائق ثم ~~رحلوا. وعلى غرار معظم العربات في إسطنبول، كانت نوافذ عربة البك مغطاة بسواتر خشبية ~~على هيئة تعريشة. وأوضح لهم الأمر قائلا إنه اختراع يحجب الشمس عن الركاب، بل أهم من ~~ذلك فهو يمنع الناس من رؤية السيدات وهن يتجولن في أنحاء المدينة. ولحسن الحظ، فهو ~~لا يمنع من بالداخل من رؤية ما بالخارج. وما إن استقرت إلينورا في المقعد المخملي ~~الأحمر، حتى وضعت يديها في حجرها متقاطعتين، وحدقت إلى الساتر المقابل لها، متابعة ~~صورا ومشاهد متعاقبة للمساجد والمباني المحلية، والقصور الخشبية التي تصدر ~~صريرا، وأشجار الدلب، وعربات نقل الخضراوات، وما يبدو أنه سربها يحلق فوقهم ~~منتصرا. # قال يعقوب وهو يضع ساقا على الأخرى: «لقد تغيرت المدينة كثيرا. بالطبع، فلم آت إلى ~~هنا منذ عشرة أعوام تقريبا.» # نظر البك من وراء كتف ضيفيه، وبدا كما لو كان قد استغرق للحظة في المشاهد ~~العابرة. # ثم قال: «ثمة مبان جديدة تظهر كل يوم؛ مقاه ومحلات ومدارس ومساجد وأسواق، ولكن الطابع ~~الأساسي لا يتغير. فمهما يكن من يعتلي العرش، ومهما بنيت محطات سكك حديدية جديدة، ~~ومهما تكن الدولة التي تحرس سفنها الحربية البوسفور، فسوف تظل إسطنبول هي إسطنبول، من ~~الآن وحتى نهاية الزمان.» # قال يعقوب وهو يرفع يده اليمنى كما لو كان يقترح نخبا: «تعبير رائع. نخب ~~إسطنبول.» # وسرعان ما توقفت العربة عند المدخل الأمامي لمنزل البك، وأخذ فريق من السائقين ينزلون ~~أمتعة يعقوب، ويفكون الجياد من العربة ويعيدونها إلى إسطبلاتها. كان منزل البك قصرا ضخما ~~باللونين الأصفر والأبيض يقع على حافة المياه، ويراقب حركة السفن العابرة برقي وهدوء، ~~كما لو كان رجلا عجوزا يرتدي حلة ms058 من ثلاث قطع ويطعم الحمائم وهو جالس على أريكة ~~الحديقة. وبينما كان منصف بك يقود ضيفيه إلى الباب الأمامي، ألقى نظرة فضولية على سرب ~~إلينورا الذي اتخذ من شجرة زيزفون تتدلى على الممر الخاص عشا له. # همس والدها: «لقد تبعك السرب. اعتقدت أنني رأيت أحدها خارج فارنا، ولكن السرب ~~بأكمله تبعك.» # دهشت إلينورا أيضا، لا لأنها تشك في وفاء سربها، ولكن لأنها مسافة طويلة ما بين ~~كونستانتسا وإسطنبول. وكانت تتخيل الرحلة التي قطعها سربها عبر البحر عندما دخلت غرفة ~~الانتظار في منزل البك حيث جذبت انتباهها الثريا البلورية الضخمة التي تتدلى من ~~منتصف السقف. كانت تصدر مجموعة كثيفة من الانعكاسات، وبدت كما لو كانت ستنهار في أي ~~لحظة تحت وطء ثقلها، وتتهشم على السلالم الرخامية أسفلها. وداخل الباب الأمامي على ~~يمينها مباشرة ثمة مائدة جانبية تناثرت عليها بطاقات الزيارة، وعلى يسارها تقف درع من ~~دروع الحرب حارسة دائما للغرفة، وبسطت تحت قدميها سجادة ضخمة من الحرير الأحمر والأزرق ~~والأخضر صنعت في هيريكي تمتد لأكثر من ثمانية أمتار من الباب الأمامي حتى أسفل الدرج. ~~كانت أروع سجادة رأتها في حياتها حقا، ذات حافة مزينة بالكثير من الورود تحيط ~~بثلاثة رسومات متداخلة تمكنت من أن تتبين فيها تصوير سفينة نوح وجنة عدن وأيام ~~الخلق السبعة. # قال البك وهو يخلع نظارته الأنفية ويمسحها في حافة سترته: «للأسف، فإن أجنحة النساء ~~مغلقة الأبواب، فلم تعد لدينا نساء يقمن هنا منذ فترة. ولكن إذا لم تمانع الآنسة كوهين ~~في الإقامة في جناح الرجال من المنزل، فإنني أنوي تخصيص غرفة تناسبها تماما.» # توقف ونظر إلى إلينورا ينتظر الحصول على الموافقة، ولمعت عيناه العسليتان في ضوء القمر ~~عندما ابتسم. # قالت: «لا بأس، سأكون ممنونة جدا.» ~~«حسنا، إنها ممتنة. لقد حسم الأمر إذن. أيها السيد كروم، من فضلك اصطحب الآنسة كوهين ~~إلى الغرفة الحمراء.» # وهنا ظهر كبير الخدم من الزاوية المخصصة له، واصطحب إلينورا إلى الطابق العلوي وهو ~~يمد راحة يده مبسوطة لأعلى مرتديا قفازا أبيض اللون. # قال ms059 وهو يمسك لها الباب: «غرفتك أيتها الآنسة كوهين. سوف أطرق الباب في الساعة الثامنة من أجل ~~اصطحابك إلى مائدة العشاء.» # كانت الغرفة الحمراء كما يوحي اسمها؛ مغطاة بورق حائط أحمر اللون من نفس درجة لون ~~الزخارف الموجودة خارج المنزل. ولتخفيف حدة ذلك اللون الأحمر، كانت الألواح الخشبية ~~بالغرفة مطلية باللون الأبيض العاجي، بالإضافة إلى السقف والزخارف التي تزين ~~النافذتين الكبيرتين ذواتي الستة عشر لوحا المقابلتين للباب. وعلى يسار إلينورا يوجد فراش ~~ذو أربعة أعمدة مغطى بستائر من الدانتيل، كما لو كان محفة إمبراطورية، وأمامها أسفل ~~النافذتين بالضبط مقعد جلدي باللون البني الفاتح، وطاولة كتابة من خشب البلوط تعلوها ~~محبرة بلورية، وعلى يمينها مكتب ومائدة للزينة، كل منهما به أدراج تسع أكثر مما تتخيل ~~أن تضعه داخلها. ظلت في المدخل فترة طويلة تتفحص الغرفة وأثاثها والسجادة اللامعة ذات ~~اللونين الأزرق والأخضر المفروشة على الأرض والتي صنعت في تبريز. لقد قضت أسبوعا في بدن السفينة؛ ~~ومن ثم كان يصعب عليها أن تتقبل وجود تلك الرفاهية، وأن تتقبل أيضا أن تلك الغرفة التي ~~تفوق مساحة منزلها في كونستانتسا بأكمله أصبحت لها في الوقت الراهن على الأقل. # سارت إلينورا بخطوات حذرة على حافة السجادة حتى مائدة الزينة، وقربت وجهها من المرآة. ~~راقبت أنفاسها وهي تتكون وتختفي على السطح الفضي، وقطبت وجهها في المنطقة المحيطة ~~بأنفها، ونفخت خدودها. ثم ابتعدت عن المرآة، ورتبت خصلة شعر فوق جبينها، وأمالت رأسها ~~إلى اليسار على نحو جذاب. كانت إلينورا قد شاهدت صورتها في المرآة من قبل لدى الخياط في ~~كونستانتسا، ولكنها لم تتح لها الفرصة قط كي تفحص نفسها عن قرب هكذا. اتكأت للأمام ~~مرة أخرى، واستندت بأنفها على سطح المرآة، بحيث لم يتسن لها أن ترى سوى عينيها والنصف ~~العلوي من وجهها. حاولت التركيز، ولكن كلما أمعنت النظر أصبحت الأشياء أكثر ضبابية. ~~تراجعت خطوة للخلف، ومسحت أنفاسها عن الزجاج، وتأملت نفسها عن بعد. لم يكن لديها شك في ~~أنها جميلة، فطالما أخبرها الناس بذلك طوال حياتها، ولكنها ms060 في تلك اللحظة بدت رثة قليلا. ~~فرغم أنها اغتسلت في الليلة السابقة وغسلت ملابسها ونامت على فراش ملائم، كان شعرها ~~ملبدا، وعيناها غائرتين في محجريهما، وثوبها مهلهلا لا شكل له. # اتجهت إلينورا إلى الجانب الآخر من الغرفة كي تفتش فيما يبدو أنه خزانة؛ علها تجد ~~ثوبا أنسب هناك. أدارت المقبض وفتحت الباب فتحة ضيقة، فوجدت أنها خزانة بالفعل، ~~ولكنها فارغة إلا من سترة وزوج من السراويل وطربوش يبدو أنه لصبي في مثل عمرها. مدت يدها ~~كي تلمس نسيج الطربوش بينما سمعت الباب يفتح، فاحتبست أنفاسها في حلقها واستدارت ببطء حتى ~~رأت أن الصوت صادر عن امرأة عجوز متغضنة الوجه ترتدي ثوبا أزرق داكنا. لم تكن المرأة ~~غاضبة من إلينورا لاختلاسها النظر في خزانة البك، بل إنها بدت هي نفسها خائفة قليلا. وضعت ~~كومة من المناشف على أحد المقاعد بجوار الباب، ورفعت وشاحها كي تغطي خصلة من الشعر ~~الأبيض، ومسحت جبهتها بكمها. # قالت بصوت منخفض: «إلينورا، لقد وصلت.» # لم تدر إلينورا كيف ترد على هذا التعليق، فانتظرت المرأة كي تكمل حديثها. # قالت وهي تعبر الغرفة: «أنا السيدة داماكان. عرفت والدك منذ عدة أعوام في كونستانتسا، ~~والآن أعمل لدى البك.» # أخذت يد إلينورا بين راحتيها وأمسكت بها لحظة قبل أن يبدو عليها أنها تذكرت الغرض من ~~وجودها في الغرفة. ~~«قال البك إنك قد تحتاجين إلى تبديل ثيابك كما فعل والدك.» # فقالت إلينورا: «نعم، أعتقد ذلك.» ~~«ولا ضير في الاستحمام أيضا.» # ابتسمت السيدة داماكان وقادت إلينورا عبر باب جانبي إلى الحمام الذي كان مفروشا ~~بالبلاط الأزرق والأبيض، مغلفا بالحرارة والرطوبة، يعبق برائحة شجر البتولا. كان حوض ~~استحمام خزفي يحتل إحدى زوايا الحمام، وفي الزاوية الأخرى قدر نحاسية ضخمة. حكت ~~الخادمة عنقها، وتمتمت ببضع كلمات رقيقة قبل أن تنحني وتخلع ثوب إلينورا من عند رأسها، ثم ~~أخذت القدر النحاسية تحت ذراعها وانصرفت مؤكدة أنها ستعود بعد قليل، تاركة إلينورا ~~وحيدة عارية في منتصف الحمام. ورغم أنها لم تكن تشعر بالبرد، فقد ارتجفت ولفت ذراعيها ms061 ~~بإحكام حول صدرها، وحدقت في شبح انعكاسها في أحد القوالب الزرقاء، ثم جلست على حافة ~~المغطس وانتظرت عودة السيدة داماكان، التي عادت حاملة لوفة استحمام ووعاء مليئا ~~بالماء الساخن. # قالت وهي تسكب الماء في المغطس: «عندما رحلت عن كونستانتسا، لم تكوني قد تجاوزت طول ~~ذراعي، والآن ها أنت شابة يافعة.» # نظرت إلينورا إلى نفسها واحمرت خجلا، فلم يرها أحد عارية منذ فترة طويلة؛ ففيما عدا ~~الأعوام الأولى من حياتها كانت تغتسل بنفسها وتبدل ثيابها وهي وحيدة في غرفتها. ولكن ذلك ~~الخجل سرعان ما تلاشى في دفء حضور السيدة داماكان. تمسكت إلينورا بالحافة الخزفية ~~الباردة، ودلت ساقيها في المغطس. كانت المياه أكثر سخونة مما توقعت، ولكن بعد بضع ~~لحظات من الشعور بالحرارة اللاسعة نزلت منزلقة للخلف، وبدأت تستمتع بالبخار على وجهها ~~والرائحة الزكية لصابون زيت الزيتون والماء الساخن يتخلل عظامها. أخذت السيدة داماكان ~~تفرك جسد إلينورا بلوفة مبللة بالصابون برقة في بادئ الأمر، أو تقريبا بحذر، ثم بقوة ~~متزايدة على ظهرها وساقيها وذراعيها ورقبتها وبطنها، وذلك بالقوة التي تجلي بها عاملة ~~غسل الأطباق القدر كي تزيل الأرز الملتصق بقاعها. # وبعد ذلك تدثرت إلينورا بمنشفة بيضاء سميكة، وشعرت كما لو كانت طفلة رضيعة ولدت من ~~جديد، وكأن المشقة والقلق اللذين عانت منهما الأسبوع الماضي قد ذهبا بالفرك، ويدوران ~~الآن في دوامة المصرف مع مياه الاستحمام. كانت لا تزال تشعر بالتعب وعظام فخذها بارزة ~~كأوتاد الخيمة، ولكنها شعرت كما لو كانت شخصا جديدا. ~~«والآن، نأمل أن يناسبك هذا.» # استدارت إلينورا ورأت السيدة داماكان تقف خلفها، وثوب أزرق مخملي جميل يتدلى على ~~ذراعها. وبعد أن أعطت إلينورا مجموعة جديدة من الملابس الداخلية، ساعدتها في ارتداء الثوب ~~وإغلاق أزراره من عند الظهر. وبينما كانت السيدة داماكان تغلق الكبشة الأخيرة، قرع السيد ~~كروم كبير الخدم الباب المفتوح، ودون أن يتفوه بكلمة أرشد إلينورا إلى غرفة الطعام ~~بالطابق السفلي. كان والدها والبك قد جلسا بالفعل، ولكنهما نهضا واقفين عندما ~~دخلت. # قال البك: «تبدين فاتنة.» وجذب المقعد المجاور ms062 له مشيرا إليها بأن تجلس: «هذا ~~الثوب بالفعل يناسبك تماما.» # شعرت إلينورا بالخجل من مجاملات البك، فجذبت ياقة ثوبها المصنوعة من الدانتيل بعيدا عن ~~عنقها، ونظرت إلى والدها. كان قد ارتدى أفضل ثيابه، وارتسمت على وجهه الذي اصطف فيه شارب ~~مهذب حديثا ابتسامة فخر وهو يعبر إلى الناحية الأخرى من المائدة كي يضغط على ~~يدها. ~~«تبدين جميلة يا إيلي.» # وبعد برهة خرج السيد كروم من المطبخ يحمل ثلاث دجاجات مشوية ترقد على مهاد من الأرز ~~بالزعفران. وبطبيعة الحال، كانت إلينورا ستولي المزيد من الاهتمام للحوار الدائر عن ~~العمل والمشهد السياسي في إسطنبول، ولكن لما كانت تتضور جوعا فقد اقتصر اهتمامها على ~~لحم الدجاجة الرطب المقرمش وحبيبات الزبيب الصغيرة المنتفخة المدفونة في الأرز. ورغم ذلك ~~فقد استمعت مصادفة إلى جزء من الحوار الذي كان والدها والبك يناقشان فيه ظروف ابنة أخي ~~السيدة داماكان التي ظلت في خدمة البك سنوات عديدة قبل أن تتزوج من شاب تتاري يعمل ~~حدادا خارج سميرنا. كان الثوب الذي ترتديه إلينورا في حقيقة الأمر يخص ابنة أخي السيدة ~~داماكان منذ زمن بعيد. وبعد تناول حلوى السفرجل، ذهب الرجلان إلى المكتبة وصعدت إلينورا ~~إلى الطابق العلوي مرهقة كي تخلد إلى النوم. # وفي الصباح التالي، بعد أن أخذوا قسطا من الراحة وجددوا نشاطهم، استقلوا عربة البك ~~إلى محطة جالاتا، وأرسلوا برقية إلى روكساندرا، ثم استقلوا عربة حمراء لامعة من عربات ~~القطار المعلق صاعدين التل حتى شارع لو جراند رو دو بيرا. وقفت إلينورا في منتصف الطريق ~~المنحني قليلا، وشعرت كما لو أنها قد ألقي بها في قلب بوخارست أو باريس، أو كأنها دخلت ~~في إحدى صفحات «الساعة الرملية» أو أي كتاب آخر على نفس القدر من الروعة. أخذت تراقب ~~السيدات الأوروبيات الأنيقات وهن ينتشرن في الزحام، وأغمضت عينيها واستنشقت الرائحة ~~العذبة للوز المغلف بالسكر التي تنبعث من أحد الباعة أمام مقهى أوروبا. # قال البك وكعباه يقرعان الحصى: «تعالي أيتها الآنسة كوهين، أعتقد أن الوجهة التي نقصدها ~~ستلقى اهتماما شديدا ms063 لديك.» # في حلته الرمادية المكونة من ثلاث قطع وطربوشه الصوفي الأحمر، كان منصف بك ذا ~~هيئة لافتة للنظر. حتى السيدات الأوروبيات راقبنه باستحسان صامت وهو يقود إلينورا ويعقوب ~~إلى الناحية الأخرى من الشارع، مارين ببائع خردوات وصيدلية واستديو تصوير، حتى توقفوا ~~أخيرا أمام محل مكتوب على واجهته بالذهب «مدام بواريه، خياطة للسيدات». وبينما كانوا ~~يدخلون، قرع جرس، ونظرت السيدة الجالسة إلى الطاولة - وعلى ما يبدو أنها مدام بواريه نفسها - ~~إليهم من خلف نظارتها الطبية. # قالت: «مساء الخير، هل من مساعدة يمكنني أن أسديها لكم؟» # قال البك وهو يجلس على أريكة أمام ثلاث مرايا: «نرغب في تفصيل ثوب للآنسة ~~الصغيرة.» # أدركت إلينورا أنها هي المقصودة بالآنسة الصغيرة. # فسعل والدها في منديله قائلا: «حقا يا منصف، لا داعي لذلك.» # قال البك: «ولكنني أعترض، فثمة حاجة ماسة لذلك.» ~~«إنها بحاجة إلى ملابس جديدة بالطبع، ولكنني أعتقد أن هذا المحل خارج حدود ~~إمكانياتنا.» # رفعت مدام بواريه حاجبيها وتخللت شعرها البني الذي وخطه الشيب بأصابع ~~يدها. # فاستمر يعقوب مخاطبا مدام بواريه: «يمكنني أن أؤكد أن منتجاتكم من الدرجة الأولى، ~~ولكنها مجرد فتاة صغيرة، ونحن لا نرغب في إثارة المتاعب لأحد.» # ظل البك جالسا على الأريكة ووضع ساقا على الأخرى، ثم جذب ساعة ذهبية من جيبه وفتحها ~~كي يلقي نظرة على الوقت. ~~«إنني مصر، وحقا ليس في الأمر أي متاعب. إننا محظوظون لأن السيدة داماكان وجدت هذا ~~الثوب، ولكن كل فتاة يجب أن تمتلك على الأقل ثلاثة أثواب جميلة. أليس كذلك أيتها الآنسة ~~كوهين؟» # أخذت إلينورا تعبث بالتموجات في خصر ثوبها. إنه محق، فلا يمكنها أن ترتدي نفس الثوب ~~طوال الوقت الذي ستقضيه في إسطنبول، والنماذج المعروضة في واجهة المحل شديدة الجمال بالفعل. ~~ولكن أكثر من رغبتها في ثوب جديد، كانت إلينورا ترغب بشدة ألا تثير استياء أي شخص، ~~لا والدها ولا البك بالطبع. # اعترضت مدام بواريه أخيرا: «بالطبع، فآنسة بلا ثوب جميل كالبجعة بلا ريش، ولا أعتقد أنها ~~ستكتفي بثوب واحد أو ثوبين . والآن أيتها ms064 الآنسة كوهين، يمكنك أن تجلسي كي نختار القماش الذي ~~يلائمك.» # فقال والدها وهو يجلس بجوارها: «حسنا، لقد هزمت.» # خرجوا بعد مرور بعض الوقت حاملين رزمة من اللفائف الورقية البيضاء، واستقلوا عربة ~~القطار المعلق هابطين التل. وبالإضافة إلى ثوب مسائي حريري رسمي ذي أكمام منتفخة ~~ورباط كبير، اشترى منصف بك لإلينورا ثلاثة أثواب للاستخدام اليومي، وحذاءين ومجموعة كبيرة ~~مما أطلقت عليه مدام بواريه أدوات الزينة الضرورية. # قال والدها وهم يتحركون على جسر جالاتا: «شكرا يا منصف، يمكننا تسوية الحساب بعد أن ~~نقوم بزيارة الحاج بكير.» # وقالت إلينورا: «نعم، شكرا. إنني أقدر ذلك بالفعل.» # فقال البك وهو يلوح بيده لهما في غير اكتراث: «عفوا، لا شكر على واجب.» # وقبيل مدخل البازار المصري صعدت العربة في زقاق ضيق شديد الانحدار يكتظ بالأكشاك ~~التجارية وعمال الشحن والتفريغ والبغال. انعطفوا يسارا ثم يمينا ثم يسارا مرة أخرى، ~~قبل أن يتوقفوا في أعلى طريق مسدود حقير يصطف على جانبيه تجار الذهب. ترجلوا ومروا ~~بصف من الرجال العجز الذين يحركون مسابح الصلاة وهم يحتسون الشاي ويلعبون الطاولة. ~~وفي مركز الطريق المسدود كان ثمة باب متهشم أخضر اللون يؤدي إلى مخزن أهم تجار السجاد ~~في المدينة، وهو رجل سوري يدعى الحاج بكير. كانت إلينورا قد سمعت قصصا من والدها عن ~~الحاج بكير ومخزنه الكبير من السجاد، ولكن رؤية المخزن بعينيها كانت أمرا مختلفا ~~تماما. كانت تلك الحجرة التي تشبه الكهف مضاءة بمصباح غاز واحد، وأي قدر من أشعة الشمس ~~يمكنه أن يشق طريقه عبر النوافذ العلوية المتسخة، وكانت مكدسة على الجانبين بأكوام ~~وأكوام من السجاد، كل منها في طول الإنسان. لا بد وأن ثمة ألف سجادة على الأقل في تلك ~~الغرفة وحدها، بالإضافة إلى المزيد في السراديب الملحقة بها. ~~«منصف بك.» # تراءى من خلف أحد الأكوام رجل بدين، تعلو وجهه البثور، يرتدي عباءة ناصعة البياض ~~وطربوشا أخضر اللون. رفع الحاج بكير يده بالتحية قبل أن يتحرك متثاقلا صوب ~~الناحية الأخرى من الغرفة. # قال البك وهو يسعل في قبضة ms065 يده: «أيها السيد كوهين، أود أن أعرفك بصديقي وشريكي في العمل، ~~الحاج الموقر عبد العزيز إبراهيم بكير.» # هز الحاج بكير رأسه ومد يده مصافحا يعقوب بقوة، ثم أشار إلى المقعد الطويل الذي ~~يمتد بطول أحد حوائط المتجر، وضم يديه وقال شيئا للبك. ولما كان الحاج بكير لا ~~يتحدث سوى العربية، فقد كان منصف بك مضطرا للترجمة. # قال منصف بك: «إذا لم تمانع فإن الحاج بكير يرغب في معاينة السجاد الذي أحضرته.» ~~«نعم، بالطبع.» # داعب والد إلينورا أطراف شاربه وهو يراقب المشهد بلا مبالاة، بينما أخذ فتى المتجر يفتح ~~صناديقه ويخرج محتوياتها. وفي الوقت الذي استغرقه احتساء أكواب الشاي الصغيرة العذبة ~~التي قدمها لهم الحاج بكير، كان الفتى قد أخرج كل السجاد ووضعه في كومتين في اتجاه ~~الحاج بكير. كز الحاج بكير على أسنانه، وخفض فكيه، ثم رمق السجاد الذي يصطف على جدران ~~مخزنه، ثم تنحنح مشيرا إلى الكومة الصغرى ووجه بضع كلمات إلى البك الذي بوغت إلى ~~حد ما وهم أن يطرح سؤالا، ولكن الحاج بكير هز رأسه وكرر تلك الكلمات الثلاث ~~مشوحا بيده نحو أنفه في حسم، كما لو كان يحاول إبعاد بعوضة عن وجهه. # قال البك: «يقول الحاج بكير إن سجادك شديد الجمال، ولكنه لن يأخذ هذه المرة سوى القطع ~~التي على يساره، وهو يعرض خمسمائة جنيه في المجموعة بأكملها.» # راقبت إلينورا رد فعل والدها بعناية. إن خمسمائة جنيه مبلغ كبير، ولكنها أدركت من ~~تعبير وجهه أن السجاد يستحق أكثر من ذلك. وفي الوقت نفسه ظنت أنه قد يوافق على هذا ~~الثمن؛ فالحاج بكير لا يبدو من ذلك النوع من الرجال الذي يرغب المرء في استفزازه، فقد هب ~~غاضبا مرتين في فتى المتجر ورفع يده كي يضربه قبل أن يتذكر الضيوف المجتمعين في صحبته. ~~حركت إلينورا إحدى الحواف غير المربوطة للسجادة بطرف حذائها وهي تشاهد والدها ينهض من ~~المقعد ويسير متمهلا نحو وسط الغرفة. ودون أن يلقي حتى مجرد نظرة على الحاج بكير، ~~جلس القرفصاء بجوار السجاد محل ms066 النقاش، وأخذ يرفعها من الكومة ويضعها برفق واحدة ~~تلو الأخرى كما لو كان مزارعا يعتني بمحصوله. وبينما لم ينظر الحاج بكير لكل قطعة ~~إلا لمدة عشر ثوان أو خمسة عشر ثانية، استغرق يعقوب وقتا طويلا يقلب الزوايا ويتشمم ~~النسيج. وعندما انتهى من فحص السجاد، اعتدل واقفا وزم شفتيه. وحدق الرجلان أحدهما إلى ~~الآخر لبرهة من الوقت قبل أن يتحدث يعقوب. ~~«لن أبيعها بأقل من تسعمائة.» # أخذ البك يترجم الكلام، ولكنه قوطع في الحديث، مبديا استياءه وعدم تصديقه، شاعرا ~~بالألم والإهانة. كرر الحاج بكير عرضه السابق، ثم قال إنه يمكنه رفع المبلغ إلى ستمائة، ~~وهذا هو العرض النهائي. # قال يعقوب: «ثمانمائة.» # وعندما ترجم البك عرضه المقابل، عض الحاج بكير على شفته السفلى وتمتم بشيء ما من ~~بين أسنانه، فانزعج البك. # تساءل يعقوب: «ماذا قال؟» # قال البك: «لا شيء ذا أهمية، بل كان يحدث نفسه.» # استمرت المساومة لمدة ساعة تقريبا، ~~وظل الحاج بكير يصيح ويلوح بذراعيه في الهواء بينما وقف والد إلينورا ثابتا لا يتزحزح ~~عن الرقم ثمانمائة. # وظل يردد مرة تلو الأخرى: «تلك هي قيمتها»، بينما ظل الحاج بكير يرفع السعر في ~~نوبات متقطعة. # وأخيرا، بينما بدا الحاج بكير على شفا الإصابة بانهيار عصبي، احمر وجهه وأخذ يلهث في ~~زاوية من الغرفة، عندما وصلا إلى حاجز في السعر لا يمكن تخطيه؛ ومن ثم استسلم ~~يعقوب. ~~«سبعمائة وخمسون.» # هنا خرج الحاج بكير من زاويته وصافح يعقوب، ثم بدأ يصدر الأوامر لفتى المتجر. وقبل أن ~~تصبح ثمة فرصة للتفكير مرة أخرى، رص السجاد وتم تبادل النقود، وكانا - يعقوب والبك - في طريقهما ~~للخارج. # وأثناء ركوب السيارة في الطريق إلى المنزل، بعد أن رفض البك مرة أخرى عروضه لرد ثمن ~~أثواب إلينورا، سأل يعقوب عما تمتم به الحاج بكير بصوت خفيض. # فقال البك: «يفضل ألا تعرف.» # فكر يعقوب مرارا وهز رأسه بالموافقة وهو ينظر إلى إلينورا. # وقال: «أنت على حق، ربما علينا ألا نعرف.» # | الفصل الثامن # زين سقف غرفة المقابلات الخاصة بالسلطان بتصميم مذهب باللونين ms067 القرمزي والأخضر، وهو ~~شبكة متداخلة من الدوائر تذكره دائما بذيل طاووس يبسط في ضوء الشمس. وبالمقارنة ببقية ~~القصر، كان المكان عبارة عن غرفة صغيرة، لا يزيد حجمها عن مسكن كبير الأطباء أو مطبخ صانع ~~الحلوى، ومع ذلك كانت هذه الغرفة تلعب دورا محوريا في شئون الإمبراطورية؛ ففيها يستمع ~~السلطان إلى الشكاوى والطلبات التي يحضرها رعاياه، وفيها يطالع التفاصيل اليومية لملكه ~~ويتواصل معها. جلس جلالة السلطان عبد الحميد الثاني على أريكته يحيط به من كلا الجانبين ~~زوج من حراس القصر الصم واضعا ساقا على الأخرى، منحنيا إلى الأمام كي يستمع إلى ~~سنجق بك - حاكم - نوفي بازار وهو يعرض طلبه. يبدو أن أحد جامعي الضرائب الريفيين قد ~~هوجم بشدة من قبل جمهرة من ملاك الأراضي وشنق في ميدان المدينة. وفي ضوء تلك ~~الأحداث، سعى السنجق بك في طلب المساعدة العسكرية من القصر؛ حيث أكد أن كتيبة أو ~~كتيبتين تكفيان لحفظ النظام. # كان من المستبعد أن تكلف القوات الملكية بفض نزاع بعيد كهذا لا علاقة لها به، ~~ولكن لما كان السنجق بك قد قطع كل تلك المسافة من نوفي بازار كي يطلب هذا الطلب بنفسه، ~~بدا صوابا أن يدعه يقدم التماسه. ولما كان الأمر يتطلب اتخاذ إجراء فوري، ظل ~~الضابط العسكري السابق ذو الوجه الشبيه بالماعز يستعرض الموقف في غرفة المقابلات، متوقفا ~~بين الحين والآخر كي يحك مؤخرة رأسه أو يمسح آثار اللعاب عن شفتيه. وقبل أن يكلف ~~السنجق بك بإدارة نوفي بازار، كان قد خدم ثلاثين عاما في الفرقة الثالثة من الجيش ~~العثماني؛ حيث اشتهر بالوحشية في المقام الأول؛ إذ يشاع - على سبيل المثال - أنه قد أمر ~~بارتكاب مذبحة لمدينة بلغارية بأكملها لرفضها إيواء قواته. لم يكن هذا السلوك بالنسبة ~~إلى السلطان عبد الحميد يستحق المكافأة، ولكن الجنرال سيبا أوغلو قد رشح السنجق بك ~~تحديدا للمنصب ووافق الصدر الأعظم. ولكن للأسف، أثبت السنجق بك عدم كفاءته حتى الآن في ~~الإدارة، فلم يكن قادرا على أي شيء حتى على قمع تمرد يعد الأبسط ms068 من نوعه بسبب ~~الضرائب. إنه موقف آخر كان الأفضل للسلطان فيه أن يستمع إلى صوت عقله فقط، مرة أخرى يخيب ~~أمله في مستشاريه. # اتكأ عبد الحميد على مرفقه للخلف وتفحص كم قفطانه، وفرك النسيج بين إبهامه ~~وأصبعه الوسطى مستشعرا الخيوط الحريرية خيطا خيطا. ثمة العديد من الأمور الأكثر أهمية ~~التي يمكنه هو وجمال الدين باشا أن يهتما بها. فبينما كانا يستمعان إلى طلب السنجق بك ~~المزعج على نحو متزايد، كانت الحرب بين الصرب وبلغاريا تتصاعد، وكان اليهود والبولنديون ~~يتعرضون للتهجير الجماعي من بروسيا. فلم يشغل نفسه بتمرد بشأن الضريبة في مكان ناء؟ ~~كان أكثر قلقا بشأن الخلية الوطنية اليونانية التي اكتشفها جمال الدين باشا في سالونيك، ~~أو التذمر المتصاعد للدستوريين الذين يدعون إلى تأسيس برلمان جديد. ولأنه ظل ذلك ~~الوحش في ثوب رجل الإدارة، ترك السلطان لعقله العنان متذكرا العام الماضي عندما كان ~~ينتقد كعادته مؤتمر القوى العظمى المثير للغضب الذي عقد في برلين. وبناء على طلب ~~شخصي من بيسمارك، أرسل عبد الحميد فريقا من أفضل الدبلوماسيين لديه لمساعدة سعد الله بك ~~في برلين، ولكن اتضح أن رجاله ليسوا سوى أحجار على رقعة الشطرنج، مجرد أصوات إضافية تدعم ~~موقف بروسيا وتسانده. فبينما كانت القوى العظمى تقسم غنائم القارة، كان مبعوثوه يدخنون ~~ويحتسون شراب «أكوافيت» الكحولي مع ممثلي السويد والنرويج. لقد أصبحت الإمبراطورية ~~العثمانية العظيمة سابقا، التي كانت حدودها تمتد من بوابات فيينا حتى شواطئ الخليج ~~الفارسي، والتي كانت موضع احترام ومهابة في جميع أنحاء العالم؛ أمة من الدرجة الثانية ~~من الصيادين والسكارى. # قال جمال الدين باشا مقاطعا طلب السنجق بك أخيرا: «كما تعلم، فقد طلبنا سابقا بعض ~~القوات لتسهيل جمع الضرائب في بلاد الشام وأجزاء من البوسنة، ولكنك سوف تتفهم بالطبع أن ~~قواتنا محدودة على نحو لا يمكننا من اتباع تلك السياسة في كل مرة.» ~~«بالطبع.» # تابع الصدر الأعظم قائلا وهو يهذب أطراف شاربه: «في عالم مثالي، نود لو نتمكن من ~~تقديم العون في كل مأزق يعرض علينا ، ونود لو ms069 نتمكن من إرسال المساعدة حيثما تكون ~~مطلوبة، ولكن كما تعلم لسنا في عالم مثالي.» ~~«نعم، على العكس.» # توقف جمال الدين باشا لحظات كي يدون بضع كلمات في مفكرته. ~~«آمل ألا تفسر عدم استجابتنا بأنه تجاهل.» ~~«على الإطلاق.» ~~«لا يعني ذلك أننا لا نهتم بالأحداث الأخيرة في نوفي بازار أو بجمع الضرائب، بل على ~~العكس، فإننا نهتم بكليهما، وإذا توافرت الظروف المثالية فلا شك أننا سوف نرسل ~~القوات التي طلبتها في الحال، ولكن في ضوء الموارد المحدودة علينا أن نرتب ~~الأولويات.» # قال السنجق بك: «بالطبع، شكرا يا جمال الدين باشا للسماح لي بالتعبير عن ~~مشاكلي.» ~~«على الرحب والسعة.» # فتابع السنجق بك وهو ينحني بشدة للسلطان: «وشكرا لك يا فخامة السلطان. يشرفني أن ~~تعطفتم ووافقتم على مقابلة شخصي المتواضع.» # فأجاب السلطان: «إنني حريص دائما على تحسين أحوال رعاياي، وخاصة أولئك الذين في الأقاليم ~~النائية.» ~~«نعم يا فخامة السلطان. يمكنكم أن تثقوا تماما في أن مواطني نوفي بازار يتقدمون بخطى ~~سريعة.» # فقال السلطان: «يسعدني سماع ذلك، ورجاء أن تعذرنا لمقاطعة مقابلتك.» # وهنا قاد أحد حراس القصر سنجق بك نوفي بازار، خارج غرفة المقابلات وأغلق الباب ~~خلفه. # عدل السلطان جلسته على الأريكة قبل أن يلتفت إلى الصدر الأعظم. ~~«أخبرني، ما الأعمال الأخرى التي علينا القيام بها قبل تناول الغداء؟» ~~«لقد تسلمنا خطابا آخر من فون سيمنز.» # فأطلق عبد الحميد نفخة من أنفه وأغمض عينيه. لم يكن من مركزه التعامل باستمرار مع ~~هؤلاء المصرفيين وأصحاب المصانع، ولكنه يدرك أن سكك حديد بغداد لا يمكن أن تبنى دون ~~مساندتهم. ~~«وكيف تقترح أن نجيب عليه؟» ~~«أقترح أن ندعوه إلى القصر، ويمكنكم الحديث معه بإيجاز في الأمور العامة، وتترك ~~التفاصيل لرؤساء الخزانة وإدارة الدين العام.» # مرر السلطان إبهامه على حافة الوسادة. # ثم تساءل: «وهل إدارة الدين العام معنية بالأمر؟» ~~«أعتقد أنهم سوف يرغبون في ذلك.» # كز عبد الحميد على شفته وهز رأسه، فإدارة الدين العام تعد انتهاكا صريحا ~~لسلطته، ولكن لم يكن ثمة ما بوسعه أن يفعله للإطاحة ms070 بها؛ فالإمبراطورية غارقة في الديون، ~~وتلك هي الشروط التي توصلوا إليها لسداد الديون، أو في حقيقة الأمر تلك هي الشروط التي ~~فرضت عليهم. # استأنف جمال الدين باشا حديثه قائلا: «إذا كنا نريد تطوير المناطق النائية، فعلينا أن نسهل ~~تدفق البضائع بانتظام.» # قال السلطان بحدة: «إنني على دراية بالحجج التي تؤيد بناء السكة الحديدية، كما ~~أدرك رغبة برلين في الربط بين إسطنبول وبغداد، تماما كما أدرك ميلك نحو القيصر. ~~ولكنني أطلب منك ألا تقاطع أفكاري.» ~~«معذرة يا فخامة السلطان، أعتذر لجلالتك.» ~~«يمكنك أن ترسل الدعوة. قم بذلك في الحال.» # فقال الصدر الأعظم وهو يهب واقفا: «حسنا، سأقوم بذلك يا جلالة السلطان.» # رغم أن السلطان كان يعلم أنه لا داعي للتمسك بالشكليات مع مستشاريه، فقد شعر ~~بالاضطراب إلى حد ما بعد هذا الحوار، وداهمته الرغبة في أن يخرج ليستنشق بعض الهواء ~~النقي. هز رأسه محييا حراس القصر على جانبي أريكته، وخرج من الباب الخلفي لغرفة ~~المقابلات، وأخذ منظاره الميداني الجديد من مكتبة أحمد الثالث، ثم تسلل بين حوائط جناح ~~الخدم إلى حديقة التوليب. كان صباحا مشرقا على غير العادة في ذلك الوقت من العام، ورغم ~~أن أزهار التوليب لم تكن قد تفتحت بعد، فقد أضفت أشعة الشمس الثابتة الدفء على ~~الأرض كما لو كانت عاشقا قديما. كان الهواء يلفح وجهه بشدة وهو يتجول بين أزهار ~~التوليب النائمة وحول ظلة بغداد وصولا إلى حديقة الفيل. إن الحاكم الناجح بحاجة ~~قبل كل شيء إلى أن يظل على مسافة مناسبة من الأحداث التي تقع داخل ملكه، فإذا ترك ~~نفسه فريسة للقلق بشأن تفاصيل كل معركة وكل مشروع للبنية التحتية، فلن يتمكن من ~~التركيز أبدا على القرارات المهمة. وللأسف، فإن الصدر الأعظم قد أثبت مرة تلو الأخرى ~~أنه عاجز عن إدراك ذلك المفهوم. # توقف عبد الحميد كي يسوي قفطانه، وجلس على المقعد أسفل أيكته المفضلة من شجر ~~القراصيا. لم يكن ذلك هو الوقت المناسب من العام لمشاهدة الطيور، ولكن من يدري؟ فتح ~~العلبة المبطنة بالحرير الأزرق، ms071 وأخرج منظاره الميداني وتفحص طول مضيق البوسفور. كان ~~هذا المنظار الميداني الجديد الذي صنعه إميل بوش نفسه بناء على أمر خاص، أكثر وضوحا ~~بمراحل من كل ما استخدمه من قبل، ولكن لم يكن ثمة الكثير مما يمكن رؤيته؛ بضعة نوارس تحوم ~~حول المجثم، وبرج جالاتا المزود بفتحات للرمي، ونسر ذو ذيل أبيض يجثم على مئذنة ~~مسجد علي باشا. كان السلطان على وشك أن يضع المنظار عندما رأى شيئا غريبا؛ سربا من ~~الهداهد على ما يبدو، ذا ألوان مميزة من الأرجواني والأبيض، يجتمع حول منزل بالقرب من ~~بيشكطاش بير. راقبه السلطان عدة دقائق، متعجبا مما جذب السرب إلى هذا المجثم ~~تحديدا. ففضلا عن اللونين الأصفر والأبيض الزاهيين للواجهة، لم يستطع أن يجد سببا يجذب ~~السرب إلى هذا المنزل، خاصة في ذلك الوقت من العام. # عندما أعاد السلطان منظاره إلى علبته، فوجئ بزوج من الهداهد الأرجوانية البيضاء ~~نفسها جاثم على فروع الشجرة القائمة فوقه. كانا يتحدثان ويتناولان فتات البراعم البيضاء ~~الوحيدة التي خدعت في دفء الأيام الماضية ظنا منها أن الربيع قد حل. حدق عبد ~~الحميد إلى أعلى ناظرا إلى الطائرين، وتتبع رفرفتهما من غصن إلى آخر. كان ~~مولعا بطائر الهدهد منذ رحلاته الأولى لمشاهدة الطيور عندما كان أميرا شابا؛ فهو طائر ~~ملكي رائع يتمتع بالعظمة والأناقة اللازمتين للملوك، ولكنه في الوقت نفسه أحد أنواع ~~الطيور الأكثر وعيا، لا يتحرج من الاغتسال في التراب أو بناء عشه من الفضلات. إنه ~~يذكر أن الهدهد هو ما كان حلقة الوصل بين ملكة سبأ والملك سليمان، والهدهد أيضا هو ما ~~أقنع الطيور الأخرى بالانطلاق بحثا عن سيمرج العظيم (في الأسطورة الفارسية، وهو وحش ضخم ~~مجنح على شكل طائر يعيش في الماء ويعتقد أنه يملك حكمة كل العصور)، وذلك في قصيدة فريد ~~الدين العطار الشهيرة. لم يكن عبد الحميد بارعا فيما يتعلق بالأسماء اللاتينية، ولكنه ~~كان دوما يتذكر الاسم اللاتيني للهدهد: أوبوبا إيبوبس. ~~«أوبوبا إيبوبس.» # وبينما كان يتلفظ بالاسم بصوت عال، وثب الطائر الأصغر إلى الغصن ms072 الذي يعلو رأسه ~~مباشرة، وحدق الاثنان أحدهما إلى الآخر لبرهة قبل أن يرفرف الهدهد لأسفل ويحط بجواره على ~~المقعد. أمال الطائر رأسه كما لو كان يترقب شيئا أو يتساءل عن شيء، ثم وثب مقتربا منه. ~~لم يكن عبد الحميد واثقا مما يريده الهدهد، ولكنه اقتطف برعما من الفرع الذي يعلوه ~~وقدمه له. وثب الطائر مرتين ثم حمل البرعم في فمه، كما لو كان هذا ما ينتظره بالضبط، ~~ثم حلق بعيدا عبر المضيق. # | الفصل التاسع # قضت إلينورا ووالدها بقية الأيام في إسطنبول على غرار اليوم الأول، فكل صباح بعد ~~تناول إفطار مكون من الخبز والعسل والزيتون وقطع الجبن الأبيض، كانا يستقلان عربة ~~منصف بك، ويركبان عربة القطار المعلق صاعدين التل إلى شارع لو جراند رو دو بيرا؛ ~~حيث يصر البك على شراء المزيد من الهدايا لإلينورا وكذلك ليعقوب. وكانا في بداية الأمر ~~يشعران بعدم الارتياح تجاه ذلك الموقف؛ بالنسبة إلى إلينورا فإنها لم تتلق هدايا قط من ~~أي شخص، وبالنسبة إلى والدها فلم يكن يرغب كما ردد مرارا في أن يثقل على مضيفهما. ~~حاول يعقوب أكثر من مرة أن يجازي البك صنيع معروفه، ولكن البك كان يقابل تلك المحاولات ~~بالرفض التام. أصر منصف بك على أن التسوق ليس إزعاجا على الإطلاق، بل إنه في ~~حقيقة الأمر متعة. فهو لم يكن لديه أطفال أو أبناء أشقاء أو أي شخص يمكنه شراء هدايا له؛ ~~ولذلك كان يستمتع بتلك الفرصة لإنفاق نقوده على آنسة حسناء كإلينورا. فما فائدة النقود على ~~أي حال؟ وعندما ينتهون من التسوق كانوا يجمعون أغراضهم ويتوقفون لتناول الغداء في ~~أحد المطاعم الراقية في الطريق، ثم يتوجهون أسفل التل إلى سوق الأقمشة حيث يرتب ~~منصف بك مجموعة من المواعيد ليعقوب، وفي المساء يعودون إلى منزل البك ويأخذون قسطا ~~من الراحة؛ حيث يهتم كل منهم بشئونه على حدة. # عادة ما كانت إلينورا تقضي ذلك الوقت في غرفتها بالطابق الأعلى تقرأ نسخة البك من ~~«الساعة الرملية» وهي مسترخية على المقعد المجاور للنافذة البارزة. ms073 كانت قد عثرت على ~~الكتاب مصادفة وهي تتصفح المكتبة في ليلتها الثانية في إسطنبول. كانت واقفة على سلم ~~في منتصف المسافة إلى أرفف الكتب تتصفح مجموعة البك الضخمة من دفاتر الخرائط عندما ~~خطف بصرها الغلاف المألوف ذو اللونين الأزرق والفضي لكتاب «الساعة الرملية». قضت بقية ~~الليلة وكل ليلة منذ ذلك الحين غارقة في المجلدات الأخيرة المعروفة باسم مجلدات تريستي من ~~الرواية الملحمية. تجلس إلينورا وقد ضمت أطرافها في مقعدها والساعة الرملية متوازنة على ~~حافة ركبتها، لا يمكن أن تكون أسعد من ذلك. كم يسعدها أن تقرأ بحرية وتستغرق في كتاب دون ~~أن تخشى أن تحدق إليها روكساندرا من الخلف. ورغم انهماكها في الكتاب، كانت تنظر بين حين ~~وآخر إلى النافذة متتبعة رفرفة سربها من الإفريز حتى الغصن، أو مداخن السفن البخارية ~~وهي تحلق بمحاذاة تلال البرتقال الداكنة. # انتهت من قراءة المجلد الأخير من «الساعة الرملية» قبل موعد رحيلها هي ووالدها من ~~إسطنبول ببضعة أيام. ورغم أنها تساورها رغبة قوية في العودة إلى المجلد الأول وقراءة الكتاب ~~بأكمله مرة أخرى وهي تضع المصائر النهائية للشخصيات في ذهنها، فقد رأت من الأفضل أن ~~تستريح الليلة. كان العشاء في تلك الليلة مكونا من الباذنجان ويخنة لحم الضأن بالصلصة ~~البيضاء. وعقب تناول العشاء قادهما البك أسفل البهو إلى المكتبة حيث تراصوا حول ~~المدفأة في ثلاثة مقاعد جلدية ذات لون بني فاتح. كانت المكتبة تشغل حيزا داكنا ~~مكسوا بألواح خشبية مزينا بكرات أرضية عتيقة وأدوات ملاحية، وكانت مغطاة من ~~الأرضية إلى السقف بالكتب؛ دراسات في فقه اللغة، وكتب جغرافية، وموسوعات، ومعاجم خاصة ~~بسير الأشخاص، وقصائد، وروايات، وبعض الأوراق الدينية مغلفة كلها بالجلد المغربي ~~الأحمر والأزرق والأخضر والبني. قدم لهم السيد كروم حلوى البقلاوة بالفستق وأكوابا من ~~الشاي على شكل أزهار التوليب، بينما جلس البك يستعد كي يلعب الطاولة مع يعقوب. كان لوح ~~الطاولة الخاص بالبك مزينا بتصميم رباعي الأضلاع على هيئة شجرة أرز صغيرة، وكان تحفة ~~دالة على البراعة والفخامة. جلست إلينورا تراقب يديه الكبيرتين ms074 وهما تنزلقان على سطح اللوح، ~~تدفعان القطع الزجاجية المصنوعة من العقيق في أماكنها، وحاولت أن تفهم اللعبة، ولماذا ترتب ~~القطع هكذا، وكيف تتحرك على سطح اللوح. # سألها البك عندما التقت عيونهما: «هل لعبت من قبل؟» # شعرت إلينورا بوجنتيها تتوردان خجلا. ~~«كلا.» ~~«يمكنني أن أعلمك إذا رغبت في ذلك. لن يستغرق الأمر وقتا طويلا.» ~~«أشكرك، ولكنني أفضل أن أشاهد اللعبة فحسب الآن، وذلك إذا لم يكن في الأمر ~~إزعاج.» # نظرت إلى البك ثم إلى والدها الذي كان مشغولا في ضبط السيجار. ~~«لا إزعاج على الإطلاق يا إيلي، وإذا كان لديك أي أسئلة يمكنك أن تطرحيها.» # رغم أن منصف بك ويعقوب كانا أرستقراطيين، فقد لعبا الطاولة بقوة مطلقة؛ حيث ~~أخذا يقرعان اللوح بالقطع ويقذفان زهري النرد العاجي بقوة في الزوايا. ومن وقت لآخر كانا ~~يتوقفان لأخذ رشفة من الشاي أو أخذ نفس من دخان السيجار ونفثه، ولكن ما يحكم إيقاعهما ~~كان اللعبة، وقرع العاج على الخشب، وخلط العقيق والزجاج. كانا يلعبان دون أن يتوقفا ~~للتفكير في تحركاتهما، بنفس الثقة اللامبالية لحداد سحق نفس القالب آلاف المرات. ~~ولم يتحدث أحدهما حتى الدور الأخير من اللعبة. # قال منصف بك وهو يهز زهري النرد بين راحتيه: «نسيت أن أذكر أنني مدعو غدا إلى ~~رحلة بحرية بمناسبة عيد الميلاد الخامس والسبعين لنائب القنصل الأمريكي.» # وضع والد إلينورا الرماد في المنفضة الفضية المجاورة له. # ثم قال: «أنا واثق من أنني وإيلي سوف نتمكن من شغل وقتنا، ربما نزور برج العذراء أو قلعة ~~روملي.» # فقال البك وهو يلقي زهري النرد رابحا اللعبة: «كلا، ما أعنيه أنني أرغب في أن تنضم ~~إلي أنت والآنسة كوهين، فلست أحضر تلك المناسبات عادة، ولكنني ظننت أنكما ربما ~~تستمتعان بها، وأؤكد لكما أن ذلك لا يعد إزعاجا. هذا حقيقي بالفعل في الظروف العادية. ~~أعني أنني ما كنت لأحضر تلك المناسبة، ولكن من المفيد لي أن أظهر في الأوساط ~~الاجتماعية.» # التقط يعقوب إحدى زهري النرد ونقر بظفر إبهامه عليه. # ثم قال وهو ينظر إلى ms075 إلينورا كي يتأكد من موافقتها على ما يقول: «إننا نقدر بالفعل ~~كل ما قمت به من أجلنا، وأعلم أن كلينا حزين لمغادرة إسطنبول.» # قطبت إلينورا عينيها وأمالت رأسها. كانت تعلم طوال الوقت أنهما سيضطران لا محالة إلى ~~مفارقة البك وإسطنبول والنمط اليومي الذي اعتادت عليه سريعا، ولكن إدراك المرء أنه يتحتم ~~عليه المغادرة يختلف تماما عن المواجهة بالرحيل الوشيك. فكل منا سوف يرحل مغادرا هذا ~~العالم يوما ما، ولكن من منا مستعد للرحيل؟ نظرت إلينورا للأسفل نحو حذائها الجلدي ~~الأسود الجديد وقرعت كعبي الحذاء معا. ~~«هل تلعب معي يا بابا؟» # لم تسأل لأنها ترغب في اللعب، بل لأنها خشيت أن تكون تلك فرصتها الأخيرة للعب على لوح ~~البك. وبينما ظل السؤال عالقا في الأثير بينهما، تزاحمت في عقلها فرص أخيرة أخرى ~~واحتمالات بعيدة، ولكن ما من مرات أخرى. # فاعترض البك قائلا: «سوف ألعب معك أنا، وذلك إذا لم تمانع يا يعقوب.» ~~«بالطبع لا أمانع، فلا ضير في القليل من لعبة الطاولة، كل ما في الأمر أنهما كانا ~~أسبوعين حافلين.» # قال البك: «بالطبع»، ثم أدار المائدة وشرع في الإعداد للعب مرة أخرى. «هل أنت متأكدة ~~من أنك تفهمين قواعد اللعبة جيدا؟» # فقالت إلينورا وهي تحدق بشدة إلى اللوح: «نعم، أعتقد ذلك.» # ناولها زهري النرد فأخذتهما، وبعد لحظة صمت استشعرت فيهما ملمس العاج البارد في راحة ~~يدها. ألقت بالزهرين، فحصلت على واحد-اثنين، وهو أسوأ استهلال ممكن. ألقت نظرة على والدها، ~~ومالت للأمام. فكرت في الخيارات المتاحة لديها، ثم حركت إحدى القطع ثلاث خانات ~~لليسار. # سألها البك: «هل أنت متأكدة من أنك تريدين ذلك؟ فتلك الخطوة تعرضك لخطر ~~الهجوم.» # فهزت رأسها. # تابع قائلا وهو يحرك القطع الخاصة به على نحو افتراضي نحوها: «انظري، إذا حصلت على ~~اثنين أو أربعة فسوف أصطدم بك.» ~~«إنني متأكدة.» # هز البك كتفيه، ثم التقط زهري النرد وألقى بهما: ثلاثة-خمسة. # فقال وهو يتناول الرشفة الأخيرة من الشاي: «حسنا، أعترف أنني أخطأت.» # بنهاية الدور الأول من اللعب كان يعقوب يغط ms076 في نومه، وهي تذكرة لطيفة متذمرة بأن ~~الوقت قد تأخر، ولكن رغم ذلك فقد أنهيا اللعبة التي ربحتها إلينورا، ثم ربحت لعبة ~~أخرى قبل أن تقرر أن موعد النوم قد حان. # صعدت إلينورا متثاقلة على ضوء مصباح زيتي إلى غرفتها، تلك الغرفة التي ستكون عليها ~~مغادرتها قريبا. في غضون أقل من ثماني وأربعين ساعة سوف تودع هذا المنزل والبك ~~والمدينة بأكملها. وإلام تتجه؟ رحلة بحرية عودة إلى المنزل والكدح المضجر للحياة في ~~كونستانتسا. وعندما تخطت العتبة، لاحظت أن إحدى النوافذ في غرفتها مفتوحة. هب عليها ~~نسيم معتم جعل المصباح يصدر حفيفا، فاقشعر بدنها. وعندما استدارت كي تغلق ~~الباب خلفها، هب طائر من أحد أعمدة الفراش وحط على حافة النافذة. كان أحد أفراد ~~سربها، ويبدو أنه كان يريد شيئا ما. وضعت إلينورا المصباح على عمود السرير، وعبرت الغرفة ~~إلى الجانب الآخر، ثم جثت على ركبتيها أمام حافة النافذة، متكئة بذقنها على ذراعيها. ~~كان الهدهد قد أحضر معه برعم كرز معظمه أخضر اللون، به بتلات بيضاء ظاهرة في أعلاه. ~~وبدلا من أن يطير مبتعدا، نظر إليها مباشرة وهو ينفض الريش المخطط باللونين ~~الأرجواني والأبيض في تاجه. # التقطت برعم الكرز ووضعته عند أنفها. # ثم تساءلت بصوت عال: «لم لا يمكننا البقاء في إسطنبول؟» # عندما سمع الهدهد صوتها، أمال رأسه إلى الجانب كما لو كان يرغب في الاستماع إليها بمزيد ~~من الاهتمام. ألقت إلينورا نظرة على المدينة الغارقة في الضباب، التي تلمع كما لو كانت ~~مجموعة شاردة من النجوم وقعت في شرك المضيق المظلم. وعندما أخذت نفسا عميقا كي ~~تتحدث، غرقت المدينة في صمت مترقب، وأبطأت الأرض من دورانها. ~~«أتمنى لو أبقى، أتمنى لو أبقى في إسطنبول إلى لأبد.» # وهنا وثب زائرها إلى حافة النافذة وطار محلقا في الظلام. رفرف بجناحيه وانحدر نحو ~~الماء، ثم انضم إلى السرب واختفى في ظلام الليل. # استيقظت في الصباح التالي على صورة السيدة داماكان وهي تقف في مدخل غرفتها حاملة كومة من ~~المناشف وقدرا نحاسية مليئة بالماء الساخن. ms077 ورغم أن إلينورا كانت متحفظة عندما ~~اغتسلت للمرة الأولى، فقد أصبحت تتطلع إلى زيارات السيدة داماكان والماء الساخن المزعج ~~والرائحة العذبة لصابون الياسمين والمنشفة الدافئة المنعشة في نهاية الأمر. وكان الجزء ~~المفضل لديها من هذا الطقس الروتيني يأتي بعد الاغتسال؛ فعندما تجفف إلينورا نفسها ~~وترتدي ملابسها كانت السيدة داماكان تجلسها على أحد المقاعد المخملية الحمراء المجاورة ~~للباب، وتمشط لها شعرها وهي تترنم بأغان من الفولكلور التتاري تستدعي ذكريات إلينورا ~~الأولى كما لو كانت حلما يعاد نسجه. لم تدرك إلينورا حتى ارتدت ملابسها واستعدت ~~لتناول الإفطار أن تلك قد تكون المرة الأخيرة التي تحممها فيها السيدة داماكان. # عندما وصلت إلينورا ووالدها والبك إلى بيشكطاش بير، كان سرب الهداهد بأكمله ينتظر في ~~صمت في أفرع شجرة تتدلى على المبنى. وبعد أن ركب ضيوف نائب القنصل وشقت المركب ~~طريقها بعيدا عن الرصيف، انفصلت مجموعة صغيرة من السرب وتبعتها من أعلى، ولكنها رغم ذلك ~~احتفظت بمسافة حذرة. ألقى منصف بك نظرة على الطيور، ثم على الشاطئ نحو منزله، هناك حيث ~~قضت الطيور معظم الأسابيع السابقة. هب نسيم قارس على البوسفور، واكتست السماء بنفس ~~لون البلاط الأزرق الزاهي في مسجد السلطان أحمد. أمسكت إلينورا بالسياج في يد ولوحت ~~بمنديل والدها الذي كانت تمسكه في اليد الأخرى لعمال السفن والبحارة المتجمهرين حول ~~المبنى. كانت ترتدي فستانا من اللون الأخضر الفاتح، ذا أكمام قصيرة منتفخة وشريط من نسيج ~~التفتة الحريري المتدلي للأمام، وهو نسخة معدلة من أحد التصميمات المعروضة في واجهة ~~محل مدام بواريه. كم تبدو بعيدة الرحلة الأولى إلى بيرا، ولكن في حقيقة الأمر لم يمض ~~على وجودهما في إسطنبول سوى أقل من ثلاثة أسابيع. كانت قد رأت الكثير من المدينة، والآن ~~مهما تقل ومهما تعترض فسوف يرحلان قريبا. كان التفكير في رحيلهما الوشيك أصعب مما تستطيع ~~احتماله، فطردته بعيدا عن ذهنها. # أشار البك إلى نادل عابر، ورفع كأسي شراب عن صينيته ثم أعطى يعقوب إحداهما. # قال وهو يرفع كأسه: «في صحتك .» # فرفع يعقوب كأسه أيضا ms078 وتبادلا قرع الكئوس. ~~«في صحتك.» # طبقا لرواية منصف بك، كان من بين الحاضرين في ذلك المساء الليدي كاترين دو برج، والملحق ~~العسكري البروسي، ورسام فييني ذو صيت واسع ينتمي للمدرسة التجريبية، والسفير الفرنسي، ~~ومدام كورفيل، وبالطبع نائب القنصل الأمريكي. لم يكن القنصل نفسه حاضرا، فقد استدعي في ~~ذلك الصباح في مهمة عاجلة تتعلق بترحيل الأجانب من بروسيا. اتكأت إلينورا بكتفها على ~~السياج وتابعت سير الحفل؛ الندل ذوو المعاطف الحمراء يقدمون الكافيار والمقبلات ~~عبر حشد من الملابس الرسمية للرجال والفساتين الواسعة المنفوشة، والشراب في أيدي الجميع، ~~وفي كل كأس من الشراب قطعة من الثلج تعكس ضوء الشمس. كان البك يتحدث مع سيدة أمريكية ~~عجوز عندما التقط يعقوب فطيرة من صينية أحد الندل العابرين، وذلك بعد أن فرغ من ~~تناول شرابه. وبينما كان يلوك قطعة من المقبلات في فمه، لاحظت إلينورا الكاهن جيمس مولر ~~وهو يشق طريقه نحوهما عبر الحشود. ~~«عزيزي السيد كوهين، يا لها من مفاجأة لطيفة!» # تصافحا بقوة، ثم أمسك يعقوب الكاهن من وجنتيه وقبله في جبينه. # وعندما فرغا من العناق قال يعقوب: «منصف بك، أود أن أعرفك على صديقي الطيب ~~ورفيق غرفتي السابق الكاهن جيمس مولر. إنه عميد كلية روبرت، وهو أمريكي من ولاية ~~كونيتيكت.» # قال البك وهما يتصافحان: «تشرفت بلقائك.» ~~«وهذا أيها الكاهن مولر أكرم مضيف وصديق وشريك عمل، منصف باركوس بك. لن تجد ~~تركيا أفضل منه في إسطنبول.» # فقال الكاهن: «منصف باركوس بك! إنني أسمع هذا الاسم منذ أن وطئت قدماي أرض إسطنبول، ~~وإنني سعيد للغاية أن قابلتك شخصيا.» ~~«إن سمعتك تسبقك أيضا أيها الكاهن مولر.» ~~«آمل أن تكون سمعة طيبة.» # ارتشف البك رشفة من شرابه وابتسم. ~~«في الأغلب طيبة.» ~~«هذا يكفيني.» # قال البك وهو يخطو جانبا كي يشرك إلينورا في الحديث الدائر: «أظن أنك تعرف الآنسة ~~كوهين الصغيرة، إنها آنسة رائعة بكل المقاييس، وكما اكتشفت بالأمس فإنها أيضا خبيرة في ~~لعب الطاولة.» ~~«حقا؟» # غضت إلينورا بصرها ونظرت إلى تباين الألوان بين حذائها الأخضر الفاتح وسطح ~~المركب. ms079 # قال البك: «لقد هزمتني مرتين متتاليتين بذكاء. أود لو أعزو نجاحها إلى الحظ، ~~ولكن كما يقال فالمرء لا يبحث عن الحظ، ولكن الحظ هو ما يبحث عنه.» # فقال الكاهن بالنبرة الجهورية التي يستخدمها في حالة الاستشهاد: «بالفعل، فالحظ ~~يؤثر على كل شيء. دع صنارتك ملقاة دائما، وفي النهر الذي لا تتوقعه سوف تجد ~~سمكة.» # فاعترض يعقوب قائلا: «لا أعتقد أنه حظ على الإطلاق، فكما أخبرتك على السفينة لقد قرأت ~~كل الكتب تقريبا.» # فردد الكاهن مولر: «كل الكتب؟» ونظر في عيني إلينورا مبتسما: «حسنا يا آنسة ~~كوهين، ما هو كتابك المفضل؟» # فقال والدها وهو يضع يده على كتفها: «هيا يا إيلي، أخبريه بكتابك المفضل.» # نظرت إلى الرجال الثلاثة وهي تقطب جبينها قليلا في الشمس؛ فالحقيقة أنها لم تقرأ سوى ~~العشرات من الكتب. # ثم قالت: «حتى الآن، كتابي المفضل هو الساعة الرملية.» # فانحنى الكاهن مولر إلى مستواها متسائلا: «كم قلت إنك تبلغين من العمر؟» ~~«ثماني سنوات.» # فردد: «ثماني سنوات وتقرئين الروايات؟ كم هذا مثير للإعجاب!» # كان الكاهن مولر على وشك الإسهاب في أفكاره عندما ربتت شابة مليئة بالحيوية على كتفه ~~وهمست شيئا في أذنه. كانت ترتدي ثوبا أخاذا بلون اليوسفي، والقماش البرتقالي الفاقع ~~مزين من أعلى بشريط أبيض يمتد إلى الخلف حتى يتجمع عند ظهرها الذي كان منفوشا ببطانة ~~ضخمة جدا. وخطر لإلينورا أنها تبدو كما لو كانت حلزونا غريب الشكل. # قال الكاهن: «أرجو المعذرة، فقد ذكرتني مدام كورفيل بأمر عاجل علينا أن نهتم به. لن ~~يستغرق الأمر سوى لحظات.» # فقال البك: «لا عليك. في الحقيقة كنت أعتزم الآن أن أري آل كوهين المشهد من مؤخرة ~~السفينة، فهو مشهد ساحر بالفعل. يمكنك الانضمام إلينا إذا أحببت.» # فقال الكاهن مولر: «عظيم.» واستدار إلى يعقوب قائلا: «صديقي العزيز، علينا أن نناقش ~~أمورا تتعلق بالعمل. ولا تظن أنني قد نسيت أمر تلك السجادة المصنوعة في تبريز التي ~~نصحتني بها لمكتبي.» ~~«نعم، سجادة هيريكي. يمكننا مناقشة ذلك الأمر فيما بعد.» # فقال الكاهن وهو يبتعد مع مدام ms080 كورفيل: «حسنا، أراكم لاحقا.» # كان المشهد من مؤخرة السفينة ساحرا بالفعل، فقد ألقت زرقة الصباح الفاتحة المشرقة ~~ببعض الظلال الصفراء، ولم تكن ثمة سحب في السماء على الإطلاق على مدى بصر إلينورا. تقلص ~~قصر توب كابي إلى حجم إبهامها على مسافة ذراع واحدة، واختفت كل المآذن خلف التلال فيما ~~عدا أطراف المآذن الطويلة. وفي ذلك المكان، كانت ضفاف البوسفور مغطاة برقعة كثيفة من ~~أشجار الصنوبر تقطعها كل بضعة كيلومترات قرية صغيرة ورصيف بحري وبضعة رجال ذوو ~~طرابيش رثة يحتسون الشاي. كان الهواء باردا مفعما بالدخان يحمل رائحة الصنوبر. ~~أخذت إلينورا نفسا عميقا، وتفحصت الرائحة ثم أودعتها ذاكرتها. فتلك هي الرائحة ~~التي ستتذكر بها إسطنبول. # ولكن الذاكرة متقلبة كالقدر. # وعقب أن أعادهم البك مرة أخرى إلى مؤخرة السفينة، اصطدمت السفينة بموجة هوجاء. تعلقت ~~إلينورا بذارع والدها عند الهزة الأولى، وتعلق هو بالسياج. أخفى يعقوب تقطيب جبينه ثم ~~استدار كي يتوجه إلى ابنته بسؤال. بدا كما لو كان قد انزعج لمقابلة شبح، فقد غارت وجنتاه ~~وأصبح وجهه شاحبا كلون فستانها، وتمتم بشيء عن دوار البحر، ثم أمسك بمعدته واندفع إلى ~~مقدمة السفينة، فكادت قدمه تزل على مجداف غير مربوط. ~~«معذرة.» # وبينما ابتعد وقع خطوات والدها، حملت الرياح صوت أغنية «عيد ميلاد سعيد» من مقدمة ~~السفينة. رمشت إلينورا بعينيها، وفتح البك فمه كي يتحدث، ثم ترنحت السفينة كما لو ~~كانت قد اصطدمت بصخرة، وبين الصرخات أسفل سطح المركب أخذت السفينة تغرق سريعا. # | الفصل العاشر # أتى الصباح مخنوقا في ركام من زغب الإوز والأشباح، واختلط وقع الخطوات الخافتة ~~بالهمسات، واندفع سرب صغير من غربان البحر فوق الماء كالدمى المتحركة، واختلط ~~نعيبهم بنداءات باعة الخبز في الصباح الباكر. وبمرور الوقت، اختفت تلك الصيحات المنعزلة ~~في زحام المدينة وقعقعة العربات وباعة السمك ودعاء المؤمنين عن بعد والنباح الحزين للكلاب ~~الضالة وكل ما يدل على أن الحياة وإسطنبول سوف تستمران. رغم كل شيء سوف تستمر الحياة، ~~وسوف تستمر إسطنبول. # بينما تسلل الصباح إلى غرفتها، رقدت إلينورا وقد ms081 ضمت أطرافها كورقة شاي جافة، ~~مغطاة بكومة متشابكة من المفارش وهي تتنفس الأنفاس القصيرة المتقطعة التي تميز ~~النوم المضطرب. جذبتها نقرة على الباب من عالم الأحلام، ولكنها أفاقت بما يكفي كي تعرف ~~أنها ترغب في العودة إلى النوم. سمعت صوت أكثر من خف منزلي عند الباب وطرقا معدنيا ~~مكتوما على حافة فراشها، ثم شعرت بيد السيدة داماكان النحيلة الخشنة تستند على مؤخرة ~~عنقها. ارتجفت إلينورا بينما انتشر دفء هذا الجسد في أطرافها. # قالت السيدة داماكان: «إفطارك على مائدة الفراش.» ثم جرت قدميها متثاقلة خارج ~~الغرفة. # انتظرت إلينورا إلى أن سمعت الباب يغلق ثم انقلبت على ظهرها مرة أخرى. كانت رائحة ~~البيض المسلوق والخبز المسطح تتسلل إليها من تحت غطاء صينية الإفطار، ولكنها لم تكن ~~تشعر بالجوع على الإطلاق. جذبت البطانية على رأسها، وأغلقت عينيها وضمت أطرافها مرة أخرى ~~على هيئة كرة. كان رأسها يرتج بقوة داخل عظام جمجمتها، وجدار معدتها يضطرب خوفا. ~~كانت قد استيقظت تماما الآن، ولكن ذكرى الليلة السابقة كانت لا تزال متذبذبة باهتة، ~~كما لو كانت قافلة جمال ترتفع فوق أفق كثيب ضخم من الرمال. برودة الماء العذبة، ~~وقنديل بحر يلدغ كاحلها، وذراع البك المشعرة الممتدة، وفجأة إدراك حقيقة أن والدها قد ~~مات. # شعرت بالغثيان، وبأن معدتها تصعد إلى حلقها، وأطلقت زفيرا حتى فرغت رئتيها من الهواء، ~~ثم ملأتهما بالهواء مرة أخرى. كانت ضربة قاضية، مأساة محطمة من النوع الذي نعزي أنفسنا ~~بأنه يحدث للآخرين فحسب، أو لأبطال الروايات، أو للجيران، أو للمساكين الذين نقرأ عنهم في ~~الصحف. ولكن ها هي المأساة تحدث لها. تشبثت بالوسادة عند بطنها، وحدقت إلى غطاء ~~الدانتيل الأبيض الذي يعلو فراشها. لقد توفي والدها، وهو يرقد الآن جثة هامدة في قاع ~~البوسفور، أو وسط كومة من الأجساد على الشاطئ، أو مدفونا لتوه في باطن الأرض، أو في مكان ~~آخر لا يمكنها أن تتخيله، ولكنه ميت على أي حال. قلبت الفكرة في ذهنها مرارا ~~وتكرارا من وجهات نظر مختلفة ، ولكن التفكير في ذلك ms082 كان كالنظر إلى الشمس، يجعلك تفقد ~~بصرك بينما تحاول الرؤية. # طوال ذلك الصباح ظلت دوامة من الأسئلة الخبيثة تحوم حول فراشها كالغربان، وتحط ~~بعنف كي تهمس في أذنها. ماذا عن الهدهد الذي أتاها على حافة النافذة؟ وماذا عن رغبتها في ~~البقاء في إسطنبول؟ أيمكن ألا يكون حادث السفينة ووفاة والدها وحوالي أربعة وعشرين شخصا ~~آخرين حادثا؟ أيمكن أن تكون أمنيتها ورغبتها الطفولية في البقاء في إسطنبول هما ما ~~تسببتا في كل ذلك؟ ارتجفت إلينورا وجذبت الوسادة على رأسها. كانت ترغب في أن تنام ~~وتستيقظ لتجد كل شيء قد عاد لطبيعته، أو على الأقل أن تبعد هذه الأسئلة عن ذهنها بضع ~~ساعات. ولكن مهما تكن رغبتها، فالقدر ثابت لا يتزحزح، وتبعتها تلك الدوامة السوداء ~~البغيضة إلى أحلامها بإلحاح ومرارة. # في وقت ما من ذلك المساء، أو ربما كان في مساء اليوم التالي، قرع البك باب غرفتها ~~وناداها باسمها. كانت مستيقظة ولكنها لم تجب، لم تكن تشعر بالرغبة في الحديث، بل إنها ~~لم تكن تشعر بالرغبة في أي شيء سوى أن ترقد في الفراش، وحتى ذلك لم يكن إلا لأنها لا تجد ~~خيارا أفضل. وبعد أن قرع الباب وناداها مرتين أخريين، فتح البك الباب. كان يرتدي ~~حلته وربطة عنقه الزرقاء المجعدة المعتادة، ولكن وجهه كان متغضنا وعيناه غائرتين ~~إرهاقا. لم يلاحظها في بادئ الأمر، فقد كانت غارقة تحت كم من الأغطية والوسائد كثعلب خائف ~~يختبئ في تجويف شجرة، ولكن أعينهما تلاقت أخيرا. تبادلا النظر فترة طويلة قبل أن يغلق ~~الباب خلفه ويجلس على المقعد المخملي الأحمر بجوار فراشها. ~~«لقد حاولت أن أتصل بخالتك روكساندرا.» # أطلت إلينورا برأسها من مدخل كهفها كي تتمكن من فهم ما يقوله البك على نحو ~~أفضل. # تابع قائلا وهو يشبك يديه أمام فمه: «لست متأكدا ما الذي تذكرينه من أحداث ~~أمس.» # ارتجفت شفتاها وهي تهز رأسها مؤكدة أنها تذكر ما حدث، إنها تعلم كل شيء. # قال وهو يضع يده على زاوية فراشها: «ما زالت السلطات تبحث عن ناجين، ms083 رغم أنه من ~~المحتمل إلى حد كبير ألا يجدوا أيا منهم.» # وخلال فترة الصمت التي أعقبت ذلك، نهض البك واقفا واتجه حتى النافذة التي تمنت ~~عندها إلينورا أمنيتها. أنعم النظر في الأنشطة الدائرة على صفحة الماء بالأسفل، ثم جذب ~~ساعته من جيب سترته وأخذ يفتحها ويغلقها بضع مرات. # كرر وهو يهذب أطراف شاربه: «لقد حاولت أن أتصل بخالتك، ولكنني للأسف لم أتلق ~~منها ردا.» # توقف البك كي يعطي إلينورا وقتا للرد. # ثم تابع قائلا: «بالطبع سوف ترد قريبا، وفي الوقت الحالي يمكنك البقاء هنا على ~~الرحب والسعة.» # هزت إلينورا رأسها، وخطر لها أن عليها أن تقول شيئا، من اللائق أن تقول شيئا ما؛ ولكن ~~فكرة الحديث والإفصاح عن أفكارها للعالم كانت أصعب من طاقتها على الاحتمال. ~~«هل لديك أي أقارب آخرين علي أن أحاول الاتصال بهم؟» # توتر ذقنها وشعرت بالدموع تتجمع على حافة رموشها. ليس لها أحد آخر. لقد أصبحت ~~يتيمة الآن، وحيدة في هذا العالم، ولا عائلة لديها سوى روكساندرا. أطلقت نشيجا، ثم عادت ~~مرة أخرى إلى كهفها وأخمدت نيران بكائها في ظلامه الدافئ. وعندما استيقظت مرة أخرى، كان ~~البك قد رحل. # قضت إلينورا معظم الأسبوع الأول في الفراش، تغفو وتفيق من نوم مضطرب تلوح فيه ~~الأشباح والكوابيس. كانت السيدة داماكان تأتي إلى غرفتها كل صباح ومساء حاملة صينية ~~الطعام، ثم تعود بعد ساعة كي تحملها سليمة لم ينقص منها سوى قطعة صغيرة من الجبن أو قضمة ~~من حافة البيضة. لم تكن إلينورا تغادر دفء فراشها إلا كي تقضي حاجتها أو تغسل وجهها، ~~وفيما عدا ذلك كانت تقضي الوقت نائمة، وتبذل قصارى جهدها كي تدفع عنها تلك الأفكار غير ~~المرغوب فيها. لم تتفوه بكلمة منذ الحادث، وبدأ الصمت يصبح عادة لديها، رداء ثقيلا ~~تختفي تحته. لم تكن لديها فكرة عما إذا كان سربها لا يزال معها أم لا، ولم تكن تهتم بذلك ~~كثيرا على أي حال. كانت تذكر بصورة ضبابية أنها لمحت وميضا أرجوانيا عند زاوية ~~نافذتها، ولكنه قد ms084 يكون حلما. # وذات صباح، قبيل بداية الأسبوع الثاني عقب الحادث، أتت السيدة داماكان إلى غرفتها حاملة ~~منشفة بدلا من صينية الإفطار. أدركت إلينورا أن الاستسلام هو الطريق الأقل مقاومة، فسمحت ~~للخادمة العجوز بأن تغريها لدخول الحمام وتنزع ملاءاتها القذرة وتنظف جسدها الضعيف. ~~وبعد الاغتسال غادرت السيدة داماكان الغرفة ووجدت إلينورا نفسها وحيدة أمام مرآة منضدة ~~الزينة الخاصة بها، وهي ترتدي نفس الثوب المخملي الأزرق الشائك الذي ارتدته في أول ليلة ~~لها في إسطنبول. كانت تشعر بالضعف، نظيفة ولكنها خاوية من الحيوية والطموح. تحركت إلى ~~الجانب الآخر من الغرفة، وفتحت النافذة البارزة لأول مرة منذ أسبوع. وبينما كانت تستنشق ~~الرائحة المؤقتة لبداية الربيع، تذكرت فقرة قرأتها في المجلد الثاني من «الساعة ~~الرملية» تصف حال السيدة هولفرت بعد مرور أقل من شهر على وفاة والديها ~~الحبيبين: # تفتحت أول براعم الربيع بلا ندم، واستحالت كل بتلة سكينا صغيرة تنغرس في ~~أغشية أعضائها الحيوية، مقطعة أوردتها كما لو كانت آلة درس الحنطة، ومعيدة فتح تلك ~~الجراح التي ظنت أنها قد شفيت. ولكن هذا هو أوان ذلك، ورغم جهودنا الحثيثة لإيقاف ~~نموها وإبطاء مسار تقدمها، فإن الحياة تستمر. ولما كانت صامدة، فهي تتهكم بقسوة على ~~ذكرى الموت؛ على الذكرى، وعلى الموت. # أغلقت إلينورا النافذة وأخذت نفسا عميقا حتى شعرت بحدة الهواء في رئتيها، ثم غادرت ~~الغرفة واتجهت إلى الطابق السفلي نحو غرفة الطعام. كان البك على وشك أن يفرغ من تناول ~~إفطاره عندما دخلت. وقفت متجمدة في مدخل الباب بين غرفتي الانتظار والطعام، حاملة قلم ~~حبر في يد وورقة في اليد الأخرى. كان فمها مطبقا بإحكام، وشعرها لا يزال رطبا من آثار ~~الاغتسال. ~~«صباح الخير أيتها الآنسة كوهين.» # هزت إلينورا رأسها وجلست في المقعد المقابل له، وتفرست وجهه ثم نزعت الغطاء عن قلمها ~~وكتبت ردها أعلى الورقة. ~~«صباح الخير.» # قرأ البك ما كتبته وهز رأسه، كما لو كان من الطبيعي التواصل بتلك الطريقة. ~~«هل ترغبين في تناول الإفطار؟» # فكتبت «نعم»، ثم أضافت «من فضلك». # كان ms085 الإفطار نفسه الذي تتناوله إلينورا كل صباح منذ قدومها إلى إسطنبول، ولكن رؤيته على ~~صينية الإفطار أمامها أصابتها بالغثيان، ولكنها كانت تعلم أن عليها أن تتناول شيئا. حدقت ~~إلى الطعام، ثم رفعت حبة زيتون إلى فمها، وكادت تتقيأ وهي تستشعر مذاق الزيتون الأملس ~~المالح وتبتلعه. أزالت النواة من فمها، ثم حاولت أن تتناول ملعقة من مربى التوت على ~~الخبز المسطح، ولكنها لم تحتمل بحاسة تذوقها الرقيقة مذاق بذور المربى المسكرة. ~~وهكذا كانت أيضا ملوحة الجبن الشديدة. رغم ما كتبته، لم يكن صباحا جيدا، ولم يكن بوسعها ~~أن تتخيل أن الصباح سيكون جيدا مرة أخرى على الإطلاق. # جلست قبالة البك في تلك الغرفة الباردة الخالية، وتسارعت ذكريات الحادث إلى ذهنها ~~كالفئران على منضدة المطبخ. كانت معه عندما غرقت السفينة، تتعلق معه بلوح خشب هائم ~~على وجهه. ولاحقا تدثرت ببطانية صوفية متسخة على الشاطئ، وتعلقت بشدة بذراعه ~~وعيناها متسعتان من صدمة البرودة والإدراك البطيء بأن حياتها قد تغيرت للأبد. جلس كل من ~~إلينورا والبك هناك على حافة الشاطئ حتى وقت متأخر من ذلك المساء، يرتجفان بينما فرق ~~الإنقاذ تعدو محاولة الوصول إلى مزيد من الناجين. ومع انقضاء الليل اتضحت حقيقة ~~الموقف؛ فكل الذين لم يحتشدوا على الشاطئ قد فارقوا الحياة. نائب القنصل الأمريكي، ومدام ~~كورفيل، والسفير الفرنسي، ومعظم طاقم السفينة، وجنرال روسي شهير يدعى نيكولاي كاراكوزوف، ~~ووالدها يعقوب، كلهم قد فارقوا الحياة. # قال البك: «ثمة أوقات في حياة المرء»، ثم توقف وبدا أنه يراجع أفكاره: «يمكنك البقاء ~~هنا على الرحب والسعة قدر ما تحبين. لقد كان والدك صديقا عزيزا، وإنني مدين له ~~بذلك على الأقل.» # تنحنح وابتلع الرشفة الأخيرة في فنجان القهوة، ثم قلب فنجانه على الصحن، وانتظر بضع ~~دقائق تاركا لحبيبات البن فرصة كي تترسب على جانب الفنجان، ثم رفعه عن الصحن واستغرق ~~في تفحص بقايا الخطوط التي تبدو كالأشباح. حدق إلى الحبيبات فترة طويلة وهو يتخلص من ~~البقايا الزائدة، مميلا ما تبقى نحو شعاع من الضوء ، قبل أن تلتقي عيناه ms086 بعيني ~~إلينورا. # قال ساخرا وهو ينهض من مقعده: «حظ سعيد! علي أن أنصرف. هل ترغبين في أي شيء أحضره ~~لك من الخارج؟ أي شيء؟» # فهزت رأسها. ~~«كلا، شكرا.» # حدق البك إلى عينيها للحظة، كما لو كان يوجه لها نفس السؤال مرة أخرى بلغة الصمت، ثم ~~تمنى لها يوما طيبا، وغادر المكان تاركا إياها وحيدة مرة أخرى. ظلت طويلا ~~تحدق إلى سطح المائدة، متأملة انعكاس وجهها الضبابي يتحرك على السطح المصقول، ~~والثريا تتدلى فوقها كنصل بلوري. وعندما نظرت لأعلى مرة أخرى، وجدت السيد كروم يقف ~~بجوار المائدة مضطربا مترقبا كما لو كان كلبا يبحث عن سيد جديد. يبدو أنه كان ~~ينوي تنظيف المائدة بعد الإفطار، ولكنه لم يرغب في مقاطعة أحزانها. حملت إلينورا الورقة ~~والقلم، ونهضت من أمام المائدة وانطلقت بعيدا عن غرفة الطعام. شقت طريقها عبر الرواق ~~الرئيس في المنزل، حيث تنظر إليها الوجوه الحزينة لأسلاف البك. كان أول باب وصلت إليه هو ~~باب المكتبة. وقفت تحدق إليه فترة طويلة قبل أن تختبر المقبض، فاستسلم في يدها وأصدرت ~~آلية الإغلاق صوتا. جلست في نفس المقعد البني الفاتح الذي جلست فيه ليلة الحادث. أحقا ~~كان والدها يجلس هنا في نفس هذا المقعد منذ أسبوع فحسب، يحتسي الشاي ويلعب الطاولة؟ ~~أحقا قد تغير الكثير في فترة وجيزة كهذه؟ أطلقت نشيجا ودفعت بأنفها إلى حافة المقعد، ~~محاولة أن تستعيد رائحة والدها، ولكنها كانت قد تلاشت في رائحة الجلد العطري. # على مدار الأسابيع التالية اكتسبت إلينورا برنامجا يوميا، ورغم أنه لم يفلح في تخفيف ~~أحزانها، فقد نجح على الأقل في إصباغ معنى على أيامها. كل صباح بعد الاغتسال، كانت تهبط ~~الدرج متثاقلة حتى غرفة الطعام وتحاول بأقصى جهدها تناول الإفطار الذي لا يزيد عادة على ~~قطعة من الخبز المسطح أو بيضة مسلوقة. وبعد الإفطار، عندما يخرج البك وتنظف المائدة، ~~كانت تشغل نفسها بالتجول في المنزل، وتأخذ غفوة على الأريكة الطويلة في قاعة الاستقبال، ~~أو تقرأ في غرفتها بالطابق الأعلى. قضت ساعات لا حصر لها ms087 جالسة بجوار النافذة البارزة، ~~تقرأ «الساعة الرملية» وهي مستندة على فخذيها وخصلة من شعرها تتدلى بين شفتيها، ~~محاولة أن تنقص من وقت المساء بالأدب الذي صار يشبه المخدر الممل بالنسبة إليها. ولما ~~كانت تقرأ الكتاب للمرة الثانية وهي تعلم مصائر الشخصيات في النهاية، فقد وجدت القليل من ~~العزاء في الشعور بأن مساراتنا في الحياة تتحدد طبقا لخطة أعظم مما يمكننا أن نتخيله ~~أو نفهمه. وكل حين وآخر كانت ترفع بصرها عن الكتاب وتستغرق في تأمل سحابة مارة. وفي نهاية ~~المساء، عندما تصل حركة السفن لذروتها، كانت تدع عينيها تسرح حالمة مع قوارب التجديف التي ~~تقطع المضيق أو التقدم البطيء للسفن البخارية التي تنفث دخانها نحو البحر الأسود، ولكنها ~~كانت تقرأ معظم الوقت. كانت تقرأ كي تلهي نفسها، كي تنسى نفسها في عوالم تريستي وبوخارست ~~البعيدة، ولا يذكرها شيء بأن الوقت في عالمنا يمر سوى الأذان والإظلام المتهادي ~~للسماء. # ولما مرت الأسابيع ولم يصل أي رد من روكساندرا على الإطلاق، اتضح أن إلينورا سوف ~~تظل مع منصف بك لفترة غير معلومة. لم يكن ثمة اتفاق رسمي أو عقد أو أي حديث بينهما ~~عن شروط هذا الاتفاق، ولكن كان مفهوما ضمنا بينهما أنها مرحب بها قدر ما ترغب في ~~البقاء. كانت تربطهما علاقة ودية، رغم أن كلا منهما يهتم بشئونه الخاصة معظم الوقت، ~~ولم يكن أي منهما يوجه أسئلة كثيرة للآخر. كل يوم بعد الإفطار، كان البك يغادر المنزل، ~~ولا يعود غالبا حتى وقت متأخر من المساء، وكانا يتناولان العشاء معا ثلاث مرات في الأسبوع ~~على الأقل. وفي الليالي التي يتناول فيها البك العشاء بالخارج، كان السيد كروم يحضر ~~وجبة خفيفة إلى غرفة إلينورا تتناولها بمفردها قبل أن تطفئ مصباحها وتخلد إلى ~~النوم. # خلال تلك الفترة، كانت السيدة داماكان هي الرفيق الأقرب والأكثر انتظاما لإلينورا؛ ~~فبالإضافة إلى الاغتسال الصباحي، كانت الخادمة تطمئن عليها على مدار اليوم كي ترى ما إذا ~~كانت بحاجة لشيء ما، واستيقظت إلينورا من غفوتها أكثر من مرة كي ms088 تجد المرأة العجوز جالسة ~~في المقعد المجاور لفراشها. وفي إحدى تلك الأمسيات، استيقظت إلينورا على صوت السيدة داماكان ~~وهي تترنم بلحن عذب خافت. # قالت بابتسامة صغيرة: «كنت أنشد لك هذا اللحن.» # توقفت السيدة داماكان عن الغناء، ولكن إلينورا ظلت تشعر باللحن يداعب حواف ذاكرتها ~~المرهقة، ثم اختفى كما لو كان طائرا وسط الضباب الكثيف. # | الفصل الحادي عشر # انطلق صوت جرس حديدي مكتوم من برج الكنيسة الذي يعلو كلية روبرت، موقظا الكاهن جيمس ~~مولر من غفوته في فترة الظهيرة بينما يتردد صداه عبر حوائط منزل الكاهن. كان ذلك جرس الغداء ~~الأول، حيث يقرع ثلاث مرات مشيرا إلى أن طلاب المدرسة الإعدادية عليهم أن يكونوا في ~~المقصف أو في طريقهم إليه. تثاءب الكاهن في مقعده الجلدي البارد الذي غلبه النعاس عليه، ~~وحاول أن يتذكر تفاصيل خطته لهذا المساء. كان مدعوا على العشاء لدى منصف بك، هذا كل ~~ما يذكره، ولكنه لا يتذكر موعد الدعوة. مسح فمه بظهر يده، ونهض واقفا، واتجه إلى الجانب ~~الآخر من مكتبه ذي الأرضية الحجرية، ثم جلس في كرسيه، وأخذ يقلب أوراقه للحظات قبل أن ~~يجد خطاب البك. # عزيزي الكاهن جيمس مولر # أكتب إليك كي أدعوك لتناول العشاء يوم الخميس القادم بصحبتي أنا والآنسة كوهين. لا بد ~~وأنك تدرك أن الآنسة كوهين تعيش حالة من الحزن والبؤس الشديدين عقب وفاة والدها، ولكنني ~~على يقين من أنها سوف تسعد باستقبالك. برجاء أن تعطي الرد للساعي الذي يحمل إليك هذا ~~الخطاب، فلديه تعليمات بأن ينتظر حسبما تدعو الحاجة. يقدم العشاء في السابعة ~~والنصف. # المخلص # منصف باركوس بك # إن السابعة والنصف موعد مبكر لتناول العشاء، ولكن لا يمكن تغيير الموعد الآن. بلل ~~حافتي أصبعيه الوسطى والسبابة، ورفع الخطاب لأعلى نحو شعاع الضوء الأصفر الصادر من مصباح ~~مكتبه وتفحصه بمزيد من الدقة. كانت العلامة المائية من مكتبة فاخرة في روما، ورغم أن ~~الخطاب حديث فإن الورق نفسه قد أصابه الاصفرار عند الحواف. ربما كان البك أقل ثراء مما ~~يفترض عموما عنه. وعلى ms089 أي حال، فإن تلك الدعوة تعد ضربة حظ ممتازة؛ فمع حادث ~~السفينة ووفاة نائب القنصل الأمريكي والمخاوف المستمرة من التمرد على الدستور، أصبح ~~منصف بك شخصا شديد الأهمية لأجهزة المخابرات العثمانية والأمريكية. وسوف يسعد الصدر ~~الأعظم ووزارة الحربية بالحصول على تقرير حول ظروف البك العائلية. لم يكن أحد يشك فيه من ~~أي ناحية سوى مجموعات القراءة التي ينشئها وإثارة الطبقات المثقفة عن طريق محاضراته ~~الحماسية عن روسو، ولكن تحت وطأة الضغط السياسي المتزايد لاكتشاف السبب وراء الحادث، يجب ~~تأمل أدق التفاصيل بما فيها تلك التي لا تحمل أي قدر من الخطورة. # بعد أن حدق الكاهن إلى الخطاب بضع لحظات إضافية، نحاه جانبا وأخذ يتصفح كومة من ~~المستندات التي كان قد حصل عليها منذ بضعة أيام في حفل عشاء في ضيافة قائد البحرية ~~الألماني الأميرال كروب. لم يبد أن تلك المستندات ذات أهمية خاصة؛ فهي بضعة خطابات وصك ~~قطعة أرض خارج شتوتجارت وبعض الملاحظات على هوامش صحيفة. ولكن لما كانت لغته الألمانية ~~ضعيفة، فقد رأى الكاهن أنه من الأفضل إعادة النظر فيها مستعينا بمعجم قبل أن يتخلص ~~منها، فالمرء لا يفهم أبدا تلك الأمور؛ فقد تكون تلك الملاحظات على هامش المقال في الصحيفة ~~إشارة ضمنية إلى برنامج تدريب بحري سري، أو خطط لمد سكك حديدية. # زفر الكاهن أنفاسه وطقطق رقبته في الاتجاهين. بالإضافة إلى مشروع الترجمة الصغير هذا ~~ومسئولياته المعتادة في كلية روبرت، ثمة عدد من المهام غير الضرورية التي بحاجة إلى ~~الاعتناء بها على المدى القريب. كانت غرفة مكتبه مثالا للفوضى، ولم تكن كتبه مرتبة ~~ترتيبا أبجديا، ومكتبه مغطى بعشرات الأكوام من الأوراق التي تستحق كل منها مراجعة ~~دقيقة. غمس قلمه في المحبرة التي تعلو المكتب، وكتب قائمة بالمهام التي يتعين عليه ~~إنجازها خلال الأيام الثلاثة المقبلة، ثم وضع القائمة في وسط مكتبه راضيا عن إنجازه وذهب ~~كي يعد نفسه للعشاء. # عندما انطلق الكاهن مولر في طريقه أخيرا كانت الشمس تغمس اللون البرتقالي في مجموعة من ~~أشجار الصنوبر خلف لو ms090 بيتي شون دو مورت، أو ما يعرف بطريق الموت الصغير. توقف عند ~~حافة نتوء جبلي يطل على البوسفور، وحجب وهج الشمس التي تتجه نحو الغروب عن عينيه، ~~وراقب سفينة حربية ألمانية مسلحة وهي تتجه ببطء نحو بحر مرمرة. وتحته مباشرة تطل من ~~أسفل النتوء الجبلي أنقاض مبنى قلعة روميل، وهو البرج الذي فرض منه محمد باشا الحصار ~~على إسطنبول منذ أكثر من أربعة قرون. كان أمناء كلية روبرت قد اختاروا موقعها بعناية، ~~ورغم أن لائحة الكلية تفرض عليهم «تعليم شباب الإمبراطورية العثمانية وإرشادهم إلى ~~أساليب العالم الحديث»، فلم يكن سرا أن العديد من الأمريكيين العاملين في كلية روبرت ~~يعملون تحت إمرة وزارة الحربية. ومن وجهة نظر الكاهن، لم يكن ذلك تناقضا في المصالح أو ~~النوايا؛ فإذا أمكن للمرء أن يخدم بلاده في الوقت الذي يعلم فيه أبناء الدول الأخرى، فذلك ~~أفضل وأفضل. # التف طريق الكاهن مولر وهو يهبط التل مرورا بمقبرة عتيقة أفسدتها الجاذبية. كان مشهدا ~~مروعا، شواهد القبور الضيقة التي أصبحت مبهمة بمرور الزمن، وكل منها يعلوه حجر مكلل بعمامة ~~صاحب القبر أو طربوشه. حاول قصارى جهده ألا يتخيل العظام الراقدة تحت قدميه، أو اللحم ~~الذي كان يكسو تلك العظام يوما ما، فحبس أنفاسه ومضى في طريقه هابطا التل. وعندما ابتعد ~~جيمس عن المقبرة، رأى منزل منصف بك وقد أصبح ظاهرا للعيان، وهو منزل شديد الضخامة، فخم، ~~عتيق، يطل على الماء، مطلي باللون الأصفر. لم يكن قد دخل هذا المنزل قط، ولكنه كثيرا ما ~~لاحظه من بعد، وكان مرآه يذكره دائما بالفيل الذي ركبه ذات مرة في كلكتا في تجربة ~~أصابته بالاستياء. وبينما كان يقترب، لاحظ أن المنزل مكلل بسرب من الهداهد الأرجوانية ~~المتطابقة تقريبا في اللون والعدد مع ذلك السرب الذي لاحظه على الرصيف البحري صباح الحادث. ~~كان على يقين أنه قد رأى هذا النوع من الهداهد حتى من قبل الحادث، ولكنه لم يتذكر أين كان ~~ذلك. # بالقرب من سفح الممر الخاص توقف الكاهن كي يلتقط أنفاسه. مسح ms091 جبهته بمنديل، وألقى ~~نظرة على الكتاب المهترئ ذي اللونين الأحمر والذهبي، الذي قرر في اللحظة الأخيرة أن ~~يحضره معه، وهو كتاب مترجم لهيرودوت. وبينما كان يتصفح الغلاف الداخلي للكتاب، نبح ~~كلب ففزع الكاهن. كانت لحظة ذات خصوصية، لحظة لم يكن ليفكر فيها مرة أخرى لو لم ~~ينظر عندئذ لأعلى ويرى إلينورا تراقبه من نافذتها. وعندما أدركت أنه رآها، لم تلوح بيدها ~~أو تبتسم، ولم تتراجع بعيدا، ولم تتظاهر حتى أنها تنظر إلى مكان آخر؛ بل استمرت تحدق ~~إليه بنفس النظرة البسيطة الخاوية. كانت طفلة فضولية حقا. وظلا ينظران أحدهما إلى ~~الآخر فترة طويلة قبل أن يتوجه الكاهن كي يقرع الباب الأمامي. # قال كبير الخدم: «مرحبا، أظنك الكاهن مولر، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» # فقال وهو يمسك بالباب: «تفضل، سوف أخبر منصف بك بأنك قد وصلت.» ~~«حسنا، أشكرك.» # على الرغم من الواجهة الخارجية المبهرجة لمنزل منصف بك، كانت غرفة الانتظار في ~~المنزل مزينة على نحو أنيق؛ حيث كانت مزيجا مصمما بعناية من طراز لويس السادس عشر ~~والطراز العثماني الكلاسيكي. سوى الكاهن ربطة عنقه وألقى نظرة على الرواق الرئيس. ~~ولعل الجاسوس الماهر كان سينتهز تلك الفرصة كي يفتش بعض الأدراج، أو على الأقل يفحص ~~قفل الباب الأمامي. نظر حوله، وقام بمحاولة تعوزها الحماسة للبحث في كومة بطاقات على ~~مائدة استقبال الزائرين. لا شيء ذا أهمية هنا، رغم أن المرء لا يتوقع أن يترك عميل ~~سري بطاقة عمله هكذا. وعندما رفع الكاهن رأسه مرة أخرى كانت إلينورا تقف أعلى الدرج ~~تحدق إليه بتلك النظرة الخاوية التي تحمل اتهاما خفيا. ورغم أنه كان واقفا على ~~بعد، استطاع أن يرى وجهها مهموما شاحبا، وعينيها غائرتين في محجريهما مخضبتين ~~باللون الأحمر. كانت تحمل في يدها اليمنى قلما وورقة، وهبطت الدرج بحذر يشوبه التوتر كما ~~لو كانت امرأة عجوزا. # أخذ الكاهن مولر خطوة نحو أسفل الدرج، ورسم على وجهه تعبيرا متعاطفا. ~~«إنني حزين لسماع نبأ وفاة والدك.» # ارتجف ذقن إلينورا قليلا، ولكنها لم تقل شيئا . # فتابع الكاهن قائلا: «كان ms092 رجلا أمينا، رجلا فاضلا، وكان يهتم لأمرك كثيرا.» # فلمست شفتيها بحافة أصبعها وهزت رأسها. ~~«لم تتحدث الآنسة كوهين منذ أن وقع الحادث.» # استدار الكاهن مولر على وقع الصوت، ورأى البك واقفا في مدخل الرواق الكبير. ~~«عندما ترغب في التعبير عن شيء، فإنها تكتبه على ورقة.» # فقال الكاهن: «حسنا.» ~~«ليس موقفا مثاليا، ولكنها لا ترغب في الحديث.» # حدق كلاهما إلى إلينورا التي كانت لا تزال واقفة أسفل الدرج، ثم تابع البك قائلا: ~~«والآن دعني أقدك إلى غرفة الطعام.» # جلس الكاهن على يسار مضيفه في الناحية المقابلة للآنسة كوهين، وحاول أن يتابع ~~المحادثة. # سألها وهو يبسط منديل المائدة على ساقيه: «أنت تعرفين الكتابة إذن. كم هذا مثير للإعجاب! ~~من علمك الكتابة؟» # نزعت إلينورا الغطاء عن قلمها وكتبت كلمة في أعلى الصفحة، ثم أدارت الورقة نحو الكاهن ~~مولر كي يقرأها: ~~«والدي.» # قال الكاهن وهو يبسط المنديل مرة أخرى: «حسنا، لقد فهمت. بالطبع هذا منطقي.» # وقبل أن يتوجه الكاهن بأي أسئلة أخرى، ظهر السيد كروم حاملا ثلاث صوان فضية، ووضع ~~واحدة أمام كل منهم. كان العشاء تلك الليلة مكونا من لحم الضأن المشوي مع الجزر ~~مقدما على طبقة من البرغل. ورغم الصحبة المتحفظة في الكلام، فقد كان العشاء نفسه ~~جيدا؛ فلحم الضأن مطهو بطريقة رائعة، مقرمش قليلا من الحواف وطري من الداخل، ~~والجزر لين كفاكهة الصيف، والبرغل بنكهة زهر البرتقال. وكان الشيء الوحيد المفقود في ~~هذا العشاء هو الحوار. فبعيدا عن المجاملات الضرورية وطلبات تبادل الملح والفلفل، ~~تناولوا الطعام في صمت، وأدوات المائدة تصدر أصواتا بينما انهمك الكاهن والبك في ~~تناول الطعام. # قال الكاهن محاولا استدراج مضيفه كي يخرج عن صمته: «إن الفترة الحالية مثيرة ~~للاهتمام.» ~~«حقا.» ~~«لم أر اضطرابا كهذا منذ الحرب الأهلية. إن المهديين والصرب والأرمن واليهود يحدثون ~~لغطا غير معلوم السبب. يبدو أن العالم بأسره يحدث لغطا.» # فهز البك رأسه بحكمة. ~~«إن اللغط قد ينهي نفسه بنفسه.» ~~«يقول البعض إنه فجر يوم جديد.» ~~«إن البعض يقولون أشياء كثيرة.» # قطع الكاهن قطعة ms093 من اللحم ومضغها بعناية قبل أن يحاول استدراج مضيفه مرة أخرى. ~~«ثمة من يقولون إن النظام السياسي سوف يعاد تنظيمه على نحو جذري قريبا.» # ابتسم البك في أدب، ولكن لم يبد عليه الاكتراث. كان واضحا أنه لا يرغب في الانخراط ~~في مناقشة سياسية، وهكذا فقد حول جيمس انتباهه نحو إلينورا. ~~«حسبما أذكر فأنت قارئة ممتازة. أخبريني عن أحد الكتب التي قرأتها مؤخرا.» # ارتبكت إلينورا، ولكن كما توقع فقد كانت أكثر أدبا من أن تمتنع عن الإجابة. ~~«إنني أعيد قراءة الساعة الرملية.» ~~«تعيدين قراءتها؟» ~~«نعم.» ~~«لأنك لم تفهميها من أول مرة؟» # فكتبت «كلا»، ثم أدركت أنها إجابة مقتضبة على نحو فظ بالنسبة إلى ضيفهما، فأضافت: ~~«ثمة بعض الكلمات التي لا أفهمها، ولكنني أستطيع عادة أن أفهمها من السياق.» # تأمل الكاهن تلك الإجابة، وبدلا من أن يستمر في خط الاستجواب أخرج كتاب هيرودوت ~~القديم الخاص به، واختار مقطعا قصيرا، ثم أعطى الكتاب عبر المائدة لإلينورا. # قال وهو يشير إلى بداية الفقرة: «أتمانعين في قراءة ذلك؟» # هزت رأسها كما لو كانت تأمل أن يكون ذلك فعلا معتادا وقت العشاء، وانحنت على الصفحة ~~وتتبعت الكلمات بأصبعها، ولكنها توقفت في منتصف الفقرة. # كتبت: «ماذا يعني الكاتب عندما يقول إن الأرض والسماء مليئتان بالريش؟» # اتجه الكاهن مولر إلى الناحية الأخرى من المائدة وأخذ منها الكتاب، وقرأ بصوت عال من ~~أجل مضيفه. ~~«يقولون إنه لا أحد في شمال البلدان المجاورة لهم يمكنه الرؤية أو الرحيل أبعد من ذلك؛ ~~وذلك بسبب وابل الريش، فالأرض والسماء مليئتان بالريش، وهو يعوق الرؤية.» # كانت فقرة غريبة، ربما ليست الاختيار الأمثل لاختبار فهم فتاة صغيرة، ولكنها كانت الفقرة ~~التي اختارها. قلب عدة صفحات للأمام حتى وصل إلى الجزء الذي يفسر فيه هيرودوت معنى ~~الريش. # قال وهو يقرأ بصوت عال مرة أخرى: «ها هي الإجابة. فيما يتعلق بالريش الذي يقول ~~السكوثيون إن الهواء يمتلئ به، وهو كثيف لدرجة أن لا أحد يمكنه الرؤية أو المرور خلاله، لدي ~~هذا الرأي : في شمال تلك البلاد ms094 يتساقط الثلج باستمرار، رغم أنه في الصيف أقل منه في الشتاء، ~~كما هو متوقع. ومن يرى الثلج يتساقط بكثافة بالقرب منه فسوف يفهم مقصدي؛ فالثلج كالريش. ~~وهكذا، فإنني أعتقد أن السكوثيون وجيرانهم يتحدثون عن الثلج على نحو مجازي، وهكذا فقد تحدثت ~~عن تلك الأماكن التي يقال إنها الأبعد على الإطلاق.» # أعطاها الكتاب مرة أخرى، وقرأت الفقرة لنفسها قبل أن تجيب. ~~«لماذا ينتظر كل تلك الصفحات حتى يخبرنا بأن الريش هو الثلج؟ يبدو ذلك بلا معنى على ~~الإطلاق.» # فاعترف الكاهن قائلا: «أنت على حق، يبدو ذلك بلا معنى.» # وضع جيمس أدوات المائدة الخاصة به على حافة طبقه. كانت موهوبة من الطراز الأول، على طراز ~~لوكريتيوس وميل ومندلسون، ولكن ثمة شيء آخر فيها أيضا؛ كانت ذات حضور نبيل ونظرة معذبة ~~تمتزج بانعدام كامل لتأمل الذات، أو هكذا يبدو على الأقل. وعلى أي حال، لم يكن السؤال هل ~~كانت طفلة استثنائية؟ ولكن السؤال كيف سيتم التعامل معها؟ # لسوء الحظ، لم تكن إسطنبول الأرض المثلى بالنسبة إلى عقل كعقلها؛ فلم تكن كلية روبرت ~~خيارا ممكنا بالنسبة إليها لعدة أسباب، ولم تكن مدرسة البنات في إسطنبول جادة بما ~~يكفي. ربما كان أفضل طريق هو أن تستأجر معلما خاصا يعلمها اليونانية واللاتينية وعلم ~~البلاغة والفلسفة والتاريخ، ولكن مرة أخرى كان المعلمون الخصوصيون في إسطنبول ذوو ~~مستوى متدن إلى حد ما. فكر الكاهن في الأمر قليلا قبل أن يتوصل إلى الحل ~~المثالي؛ سوف يعرض عليها أن يعلمها بنفسه، فمن المثير للاهتمام أن يراقب بنفسه الطريقة ~~التي يعمل بها عقلها. ويكفي اكتسابها للمفردات اللغوية الذي يستحق دراسة منفصلة، كما أن ~~مديريه سوف يسعدون بأي وضع يتيح له التواصل المستمر مع منزل منصف بك. # وبعد تناول الجبن، أتيحت للكاهن مولر فرصة لعرض خدماته. سمح البك لإلينورا بالانصراف، ~~واقترح أن يذهبا هما إلى المكتبة لتناول الكونياك وتدخين السيجار. # قال البك فور أن جلسا: «أتمنى أن تكون قد استمتعت بالطعام.» ~~«نعم، بشدة، كان اللحم رائعا، والبرغل أيضا . أكان ذلك ماء زهر ms095 البرتقال؟» # أدار البك كأس الكونياك الخاصة به، وراقب السائل الذهبي وهو ينحسر عن جدران كأسه. # وقال متجاهلا سؤال الكاهن: «أخبرني، كيف تبدو لك الآنسة كوهين من وجهة نظرك ~~الاحترافية؟» ~~«يبدو أنها متماسكة جيدا في ضوء الظروف التي مرت بها.» # فوضع البك كأسه على المائدة المجاورة له. ~~«إنني أقدر تأدبك في الحديث، ولكن ثمة وقت للمجاملة ووقت للمصارحة. إنها لم تتفوه ~~بكلمة منذ الحادث، وكما تعلم، فقد مر شهر تقريبا. إن هذا النوع من الحداد ليس طبيعيا، ~~أليس كذلك؟» # سحب الكاهن نفسا طويلا من سيجاره ثم نفض الرماد، وكان الصمت هو إجابته، وترك قلقه ~~يتوجه نحو حفيف النيران ومرونة الجلد الناعمة وصوت ركبة البك وهو يعيد وضع ساق على ~~ساق. # تساءل الكاهن أخيرا: «هل فكرت في تعيين معلم خاص لها؟ قد يساعدها ذلك في الحصول ~~على مادة أكثر جدية للقراءة وتوجيه تعليمها في الاتجاه الصحيح.» # فغطى البك أنفه بأصابعه وانحنى للأمام. ~~«كنت مقتنعا بأن القراءة جزء من المشكلة.» # فصحح له الكاهن: «ليست القراءة ذاتها، ولكن طبيعة ما تقرؤه. إنني لا أعطي قيمة كبرى ~~للروايات؛ فهي نوع أدبي لا يناسب سوى النساء التافهات والشباب الرومانسيين. وتلك التفاهات ~~حتى وإن كانت تحفة فنية مثل «الساعة الرملية»، لا يمكن أن يكون لها أي نفع حقيقي. ~~ولكنني أعتقد أنها لو حصلت على مواد أكثر جدية للقراءة مثل الفلسفة والتاريخ والبلاغة، ~~فقد يكون ذلك مفيدا لها.» # أنزل البك أصابعه من على أنفه وصب لنفسه كأسا أخرى. ~~«وهل تقترح لها معلما؟» # سرح جيمس بعينيه في أرفف الكتب التي تقع في الجانب الآخر من المكتبة، كما لو كان ~~يفكر في الأمر مليا قبل الإجابة. # ثم قال: «إذا رغبت في ذلك، يمكنني أن أتعهدها شخصيا. لقد كان والدها رجلا طيبا، ~~وإنني أدين بذلك لذكراه على الأقل.» # | الفصل الثاني عشر # غادر الملازم براشوف المعسكر فجرا، وأحكم تثبيت خرجه إلى حصانه ثم انطلق. ~~أربع عشرة ساعة عبر الأمطار والأنهار التي امتلأت بجثث الأبقار النافقة، ~~مارا بمستشفيات ميدانية غارقة في الماء، وحقول ms096 شمندر مغطاة بالملح. ظل يمتطي ~~الحصان ليلا ونهارا عبر الأمطار التي تشبه الأرز الذي ينسكب من حقيبة من الخيش، ~~عبر طرق مبتلة موحلة ومفارق طرق غارقة في الطين. ولم يكن قادرا معظم الرحلة ~~على أن يرى أبعد من أنف حصانه، ثم توقفت الأمطار، وبلا سابق إنذار انطمس بصيص ~~ضوء كان يلوح في السماء كالثقب، وسطع قمر أبيض ... ~~«آنسة كوهين.» # رفعت إلينورا رأسها عن كتابها، فوجدته السيد كروم. ~~«إن الكاهن مولر بالطابق الأسفل. لقد حضر من أجل الدرس. هل أخبره أن يقابلك في ~~المكتبة؟» # هزت إلينورا رأسها، وانتهت من الفقرة التي كانت تقرؤها، ثم أغلقت كتابها واضعة المؤشر. ~~انتظرت السيد كروم حتى يغادر قبل أن تنهض من المقعد، ورمقت نفسها في مرآة مائدة الزينة، ~~ثم اتخذت طريقها هابطة الدرج. لم تكن واثقة من جدوى تلك الدروس، ولكنها وعدت منصف بك ~~أنها ستجربها لمدة شهر على أقل تقدير. ظلت تجر يدها بامتداد السور الرخامي البارد، ~~وهبطت حتى غرفة الانتظار، ثم اتجهت إلى الجانب الآخر من الغرفة في اتجاه قطري. وعندما ~~وصلت إلى المكتبة، وقفت فترة طويلة في مدخلها تراقب معلمها الجديد وهو يتصفح كتابا. ~~كان ظهره باتجاه الباب، فلم تستطع أن تحدد ماذا كان يفعل، ولكن كان واضحا أنه يداعب ~~الحافة السفلى لفتحة أنفه بإبهامه. # قال الكاهن عندما لاحظها أخيرا: «مرحبا، يسعدني أن أقابلك مرة أخرى يا آنسة كوهين.» ~~كان وجهه يشي بالطيبة والصراحة، تزينه عينان دامعتان زرقاوان بلون أواخر الصيف. # لم يكن ثمة شيء محدد في الكاهن مولر يثير النفور منه؛ فثيابه نظيفة وأنفاسه تفوح ~~برائحة النعناع، وهو يتحدث دون أي بادرة من التكبر؛ ولكن لم تستطع إلينورا أن ~~تتخلى عن الشعور بأنهما ذوا أهداف متناقضة، رغم كل الأدلة التي تؤكد عكس ذلك. # قال وهو يشير إلى المقعد المجاور له: «تفضلي بالجلوس، إذا سمحت.» # ترددت إلينورا لحظة، ثم اتجهت إلى الجانب الآخر من الغرفة وجلست في المقعد المجاور له. ~~كانا جالسين على المائدة المصمتة المصنوعة من خشب البلوط التي يطلق عليها ms097 البك مكتب ~~الكولونيل؛ وذلك لأسباب لا تعلمها، وإن كانت ترجح أنها ذات صلة بمهنة مالكه ~~السابق. ~~«ما زلت لا تتحدثين؟» # فهزت رأسها إيجابا. ~~«سيصعب علينا القراءة بصوت عال.» # وجدت إلينورا ورقة في أحد أدراج المكتب، فأخرجت قلما من جيب عباءتها. # ثم كتبت: «يمكنني أن أسمع، ويمكنني أن أقرأ أيضا.» ~~«حسنا.» # قلب الكاهن حتى الصفحة الرابعة من كتاب قراءة مهترئ ذي غلاف باللونين الأحمر والذهبي، ~~يشبه كثيرا ذلك الذي أحضره على العشاء في تلك الليلة، وبدأ على الفور يقرأ متتبعا أسفل ~~الكلمات بأصبعه. ~~«منسا منسا منسام منساي منساي منسا.» # وفي نهاية العمود توقف واستدار نحو إلينورا. ~~«هل فهمت؟» # فهزت رأسها. ~~«إنها اللاتينية، لغة روما، لغة فرجيل وأوفيد وشيشرون وقيصر.» # كانت تعرف من هو أوفيد؛ فكل أهل كونستانتسا يعرفونه، وقيصر إمبراطور روماني، وفرجيل ~~هو من كتب «الإنيادة»، ولكنها لم تكن قد سمعت عن شيشرون. ~~«من هو شيشرون؟» # فأوضح الكاهن: «إنه ماركوس توليوس شيشرون، ربما يعد أعظم خطيب في العالم على الدوام. ~~سوف تقضين أنت وتولي الكثير من الوقت معا على مدار الأشهر القليلة القادمة، وأتوقع ~~أنكما ستصبحان صديقين.» # طبقا للخطة التي أعدها هو والبك، كان الكاهن مولر يأتي إلى المنزل مرتين أسبوعيا ~~يومي الإثنين والخميس بعد الإفطار. ورغم أن إلينورا ظلت متحفظة تجاهه، فقد استمتعت ~~بدروسها؛ تصريف الأفعال والأسماء، والترتيب الثابت لقواعد مبنية على أخرى، وصوت الكاهن ~~الأجش، وتلقت دروسها بسهولة ويسر. وكان بوسعها أن تتذكر كلمات أي نص قرأته منذ أسبوع، ~~وكانت تتابع النصوص الفلسفية المعقدة بإصرار عنيد، وتلاحظ أوجه ترابط لم يفكر ~~فيها الكاهن نفسه. ولكن من بين مواهبها الكثيرة، كان أكثر ما أثار إعجاب معلمها براعتها ~~في تعلم اللغات، فبالنسبة إليها كان تعلم لغة جديدة لا يزيد عن ملء مجموعة من ~~الفراغات. فخلال ثلاثة أسابيع من الدرس الأول، أصبحت على دراية بمبادئ اللغة اللاتينية ~~قراءة وكتابة. وخلال شهرين، أصبح بوسعها أن تترجم فقرات طويلة من «الإنيادة»، وتؤلف ~~الحجج التي تدحض بها آراء تولي. وسرعان ما عرفها الكاهن متشجعا بهذا ms098 النجاح في ~~اللغة اللاتينية على اللغة الإغريقية وأرسطو والبطالمة وهيرودوت وأسخيلوس والقديس ~~أوغسطين. # لم تغير دروس الكاهن سوى القليل في عادات إلينورا الخارجية، فظلت تقضي معظم أيامها ~~تقرأ في المقعد المجاور للنافذة البارزة تتناوب على قراءة «الساعة الرملية» والكتب التي ~~حددها لها الكاهن، وظلت ترفض الكلام أو مبارحة المنزل، ولكن حالها على المستوى ~~الداخلي كانت تتحسن تدريجيا، فكانت تستمتع بالمناقشات المشاكسة للقدماء، وتجد قدرا ~~من السحر في النثر حسن الصياغة. فسطر مثل ذلك، من حوار أفلاطون الذي يحمل عنوان ~~«فيدروس»: «ساحرات وجياد مجنحة تنطلق بسرعة»، سيجلب حتما ابتسامة إلى شفتيها. «ساحرات ~~وجياد مجنحة تنطلق بسرعة». ظلت تكرر الكلمات لنفسها عدة مرات حتى أصبحت الساحرات ~~معها، متجهمات الطلعة يحدقن على نحو مخيف، ويتحركن على أحصنة مجنحة. # ورغم استمتاعها الشديد بدروسها، لم تكن إلينورا تثق بالكاهن تمام الثقة. لم يكن ثمة حادث ~~محدد أثار ريبتها، ولكنه مجموع التفاصيل. كان كثيرا ما يغير مواعيد الدروس، ~~متعللا بأن لديه مواعيد مهمة لا يمكنه تغييرها، وكان يوجه لها أسئلة غريبة عن ~~البك، ووجدته أكثر من مرة يفتش في أدراج مكتب الكولونيل. ولكن الحادث الذي أكد شك ~~إلينورا على نحو دائم وقع بعد مرور بضعة أسابيع على بدء تعليمها اللغة الإغريقية. ~~وصل الكاهن متأخرا حوالي ساعة في ذلك الصباح، وعندما وصل بدا شارد الذهن. فتح الستائر ~~وأغلقها مرتين قبل أن يطلب منها أن تبدأ، وأخذ يعض على رأس قلمه وهو يذرع المكان ~~جيئة وذهابا، بينما كانت تقرأ لنفسها وأصبعها يتتبع الكلمات، وأخذ حفيف سرواله يشير ~~إلى مرور الوقت كما لو كان بندول إيقاع قلق. # وبعد فترة وجيزة، سرقت بعض الماشية من جزيرة وابية على يد أوتولايكس، وافترض يوريتوس ~~... # شعرت إلينورا بلمسة خفيفة من يد الكاهن على كتفها، فتوقفت عن القراءة. ~~«ماذا تذكرين عن أوتولايكس؟» # وبينما كان يغير وضعه، شعرت بكم قميصه يمس ذراعها على نحو أزعجها، فقطبت عينيها ~~ووضعت أصبعها تحت الكلمات. ~~«إنه إحدى شخصيات الأوديسا، جد أوليسيس لأبيه.» # حدقت إلى ورق الحائط الأحمر المزركش أمامها، ms099 وتذكرت الفقرة المناسبة، وكتبتها في ~~أسفل الصفحة: # وبالفعل، فور أن بدأت تحمم سيدها، علمت في الحال أن تلك هي الندبة التي سببها له ~~خنزير بري عندما كان يصطاد في جبل بارناسوس مع جده الرائع أوتولايكس، الذي كان أمهر ~~لص وشاهد زور في العالم بأسره. # ابتسم الكاهن قائلا: «نعم، بالضبط.» وتابع قائلا وهو يرفع يده عن كتفها ويغير اتجاهه: ~~«إذا لم يكن لديك مانع، لدي شيء جديد اليوم.» # جلس الكاهن مولر أمام مكتب الكولونيل، ومد يده في حقيبته فأخرج أنبوبا فضيا ~~صغيرا. تأمل النقوش بامتداد الحافة العلوية، وفتحه ثم أخرج قطعة ملفوفة من الورق، ~~وبسطها في منتصف المكتب، ثم ثبتها من الجانبين بمثقلة الورق. كانت الورقة مغطاة ~~تقريبا بالكامل بالحروف اليونانية، ولكن الكلمات لم تكن يونانية. لم يخبرها عن مصدر هذه ~~الورقة، ولا عن السبب الذي يدعوه ليحتفظ بها في أنبوب مزخرف كهذا. # قال الكاهن: «كما ترين، فتلك الحروف لا تصنع كلمات، حتى ولو كلمات مفهومة بالنسبة إلينا ~~على الأقل. ولكن ثمة نمط، نظام. وهدف هذه الأحجية هو اكتشاف النمط، وهذا هو درس ~~اليوم.» # أمسكت إلينورا برأسها بين راحتي يديها، وحدقت إلى الحروف. استجمعت تركيزها قدر ما ~~استطاعت في نقطة واحدة، وهو ما كانت تفعله عندما ترغب في تذكر شيء ما؛ استشهاد أو قاعدة ~~نحوية أو تاريخ أو كلمة جديدة. كانت بارعة في تذكر الأشياء، وحالما تلتقط شيئا في ذهنها ~~فإنه لا يهرب منها أبدا. ولكن اكتشاف حل تلك الأحجية كان مهمة مختلفة تماما، كتعلم ~~لغة جديدة بلا كتاب، أو كإدراك أن الريش هو الثلج دون أن يخبرك أحد بذلك. زفرت إلينورا ~~أنفاسها، واستقامت في جلستها، وتركت ذهنها يسترخي. وبدلا من التركيز على الحروف، تركت ~~تركيزها يتفرق إلى آلاف من الأشعة الصغيرة. أغلقت عينيها وأرخت إطباق أسنانها، وتركت ~~الحروف تتحرك عبر ساحة الضوء المستمرة التي تتراقص داخل جفنيها. اهتز كل حرف في ~~ذاته بالإضافة لاحتمالات كل الحروف الأخرى بكل اللغات التي تعرفها، وهكذا تكونت ~~الجملة: «الأربعاء وقت الظهيرة، خلف مقهى أوروبا.» ms100 # فتحت عينيها مرة أخرى فأبصرت المكتبة والكاهن بأنبوبه الفضي، ورفع الكاهن حاجبيه بينما ~~كانت تكتب الإجابة: # الأربعاء وقت الظهيرة، خلف مقهى أوروبا. ~~«كيف توصلت إلى ذلك؟» # هل تلك هي الإجابة الصحيحة؟ # فقال الكاهن وهو يعض على شفته السفلى: «نعم، أعتقد ذلك، ولكن ما يهمني أكثر من ذلك هو ~~كيف توصلت إلى الإجابة.» ~~«تأخذ الرقم المرتبط بكل حرف من الحروف اليونانية، ثم تطرح منه اثنين، ثم تحول الرقم ~~الجديد إلى الأبجدية العثمانية.» ~~«تماما!» # توقف للحظة كي يتأكد من الإجابة، ثم طوى الورقة وأعادها في حامل المستندات، ونهض ~~واقفا يعتذر لها لاضطراره إلى مقاطعة درس اليوم، مؤكدا لها أنه سيعوضه لها يوم ~~الخميس، ثم انصرف. # رغم أن دروس الكاهن قد قدمت لها القليل من العون، فقد كانت حرة في قضاء أيامها كما ~~تحب. اختارت أن تجلس معظم الوقت هادئة في غرفتها تقرأ كتابا، ولكن مع قدوم الصيف والزيادة ~~البطيئة لطول النهار، وعودة الطيور المهاجرة للوجود بانتظام بامتداد البوسفور، ازداد فضول ~~إلينورا بشأن الأشياء المحيطة بها. فرغم أنها لم تكن تنوي مبارحة منزل البك، فقد زادت ~~رائحة براعم المشمش المتفتحة من جرأة جولاتها في الأروقة والغرف الخالية. وذات ~~مساء في أحد أيام الأربعاء قبيل شهر يونيو، داهمتها رغبة مفاجئة في استكشاف جناح الحريم. ~~وضعت المؤشر عند الموضع الذي توقفت عنده في كتاب «التاريخ الطبيعي» لبليني، وهبطت ~~الدرج، ثم انعطفت يسارا أسفل الدرج. وفي نهاية القاعة الرئيسة وراء المكتبة وقاعة ~~الاستقبال وغرفة موسيقى اكتشفتها منذ بضعة أسابيع، وجدت إلينورا نفسها في مدخل جناح الحريم؛ ~~وهو باب شاهق الارتفاع ضيق ذو نقوش على هيئة أشكال سداسية متداخلة. # فتح الباب على ردهة معتمة تفوح برائحة الأتربة وبيوت العنكبوت. كانت غرفة الانتظار ~~لجناح الحريم غرفة رقيقة شاهقة الارتفاع تتناثر فيها قطع الأثاث غير المستخدم والبقايا ~~المهترئة لوسادات من نسيج السندس الوردي، ويسود أرجاءها جو مترب يوحي بالإهمال ~~استطاعت أن تستشعره حتى وهي ما زالت تقف في المدخل. عطست وخطت خطوة داخل الغرفة، ثم ~~أغلقت الباب خلفها. عطست ms101 مرة أخرى ومسحت أنفها بطرف كمها، وهنا فقط لاحظت سلما يمتد ~~متقاطعا أعلى الحائط الخلفي. كان هذا السلم يؤدي حسبما تعلم إلى ممر عائم تحت ~~السقف. لم تكن لديها فكرة إلى أين يؤدي الباب، أو ما الذي قد تكتشفه خلفه، ولكن أليس ذلك هو ~~الغرض من الاستكشاف؟ # استنشقت إلينورا الهواء الراكد، ثم عبرت الردهة وصعدت الدرج الخشبي. كانت تصدر ~~صريرا مع كل خطوة، فتشبثت بالدرابزين طلبا للدعم. وفي أعلى الدرج وجدت بابا ~~غير مزخرف مصنوعا من خشب الأرز، وحاولت أن تدير المقبض، فدار في يدها بيسر كاشفا ~~عن رواق مظلم يمتد مستقيما في الاتجاه المعاكس لجوف الحائط. ولم تستطع إلينورا أن ترى ~~من مكانها سوى غمامة من التراب ومجموعة من الفئران تعدو عبر العتبات. مسحت يدها في عباءتها ~~من الأمام، وأخذت بضع خطوات حذرة في الرواق، واستطاعت أن تتبين بقعة من الضوء على بعد. ~~وضعت ذراعيها أمام وجهها، وتوجهت نحو الضوء منحنية أسفل الأشعة، وأخذت تتوقف كل بضع ~~خطوات كي تزيل خيوط العنكبوت عن شعرها. # اكتشفت أن الضوء يتدفق في الأروقة عبر حاجز شبكي يشبه ذلك الذي رأته على نافذة عربة ~~البك. وضعت رأسها عند الحاجز، فشاهدت أسفل منها أرفف الكتب ومجسمات الكرة الأرضية ~~وموائد القراءة بالمكتبة، كما لو كانت تشاهد مسرحا، ووضعت يدها على قلبها الذي خفق ~~بشدة بين ضلوعها. كما علمت لاحقا، فإن تلك الأروقة أمر مألوف في إسطنبول، وهي ~~مصممة كي تتمكن سيدات المنزل من مشاهدة المناسبات الاجتماعية دون أن يعرضن شرفهن ~~للخطر، وهي مبنية في معظم القصور العتيقة الضخمة بامتداد البوسفور. ولكن عندما اكتشفت ~~إلينورا تلك الأروقة للمرة الأولى، كانت كمن وجدت الباب السحري لعالم آخر، أو صندوقها ~~الخاص الذي يمكنها من خلاله مراقبة كل غرفة في المنزل. # ربما كانت ستعود أدراجها لو لم تشعر عندئذ بتيار من الهواء البارد يخترق الظلام. مرت ~~بمفاصل أصابعها على الألواح الخشبية المكشوفة التي تغطي حوائط الرواق، وواصلت تقدمها ~~نحو مصدر الهواء. عبرت فوق غرفة الطعام وغرفة الانتظار؛ حيث رأت ms102 خيال السيدة داماكان يختفي ~~في جناح الخدم. وفي زاوية المنزل بجوار ما قدرت أنه موضع غرفتها، انحنى الرواق ~~انحناءة حادة وانفصل في اتجاه المطبخ. ومن هذا التقاطع وجدت سلما خشبيا ضيقا ~~يقود لأسفل. لم تكن إلينورا على يقين من ذلك، ولكن بدا كما لو كان الهواء يأتي من أسفل ~~الدرج. # أمسكت بالدرابزين بيدها الخالية، واتخذت طريقها بحذر أسفل الدرج إلى غرفة ذات باب ~~حديدي صغير مثبت في الحائط. لم يكن ارتفاع الباب أطول منها كثيرا، ولم يزد عرضه عنها ~~سوى ضعف واحد، وكان يعلوه الصدأ البرتقالي حول الأقفال، وتتجمد فوقه طبقة من الرطوبة ~~المختلطة بالغبار. كان ملمسه دافئا، وبدا كما لو أنه لم يفتح منذ فترة طويلة. وجدت ~~أن مصدر الهواء شق بين إطار الباب وخشب المنزل، ناتج عن استقرار المنزل في أساسه. كان ثمة ~~شعاع ضئيل من ضوء النهار يتسلل عبر الشق، ورائحة التبن تملأ المكان حولها. نظرت إلينورا ~~خلفها ثم قرعت منتصف الباب، فأصدر صوتا عميقا أجوف كما لو كان جرسا كبيرا. وضعت أذنها ~~على الباب، ولكن فيما عدا صدى قرع الباب فإنها لم تسمع أي شيء. وقفت إلينورا فترة طويلة ~~واضعة يدها على مقبض الباب قبل أن تقرر ألا تغامر، وأخبرت نفسها وهي تهرول صاعدة ~~الدرج وتتتبع خطواتها عبر الرواق، بأن ذلك الاستكشاف يكفي ليوم واحد، ذلك الاستكشاف ~~أكثر من كاف بالنسبة إلى يوم واحد. # | الفصل الثالث عشر # تسلل فصل الصيف إلى إسطنبول تحت غطاء أمطار منتصف النهار، واتخذ مستقرا له بالقرب من ~~قواعد جسر جالاتا، ثم اندفع في المدينة ككلب ضال. ظل الفصل الجديد يدخل الممرات الضيقة ~~ويخرج منها، وأعلن عن نفسه بوضوح في عناد ذبابة الفاكهة وهي تحوم حول جبل من ثمار ~~التين، وفي نبرة المؤذن ذات الثقة المتزايدة، وفي حدة الطبع المتزايدة لأصحاب المتاجر ~~في السوق التجارية. تفتحت براعم الأشجار وأزهرت وأثمرت، بينما امتلأ المضيق بالطيور ~~المهاجرة، واحتشدت موجة تلو الأخرى من الصقور واللقالق وطيور السنونو وغربان البحر في ~~أسراب فوق البوسفور في طريقها ms103 إلى أماكن التكاثر في أوروبا. كان بوسع المرء أن يتبين ~~قدوم الصيف في رائحة شراب الكرز الدبق والحمام المشوي وثمار السفرجل الفاسدة. كما لو ~~كان جلدا مدبوغا حديثا يتم شده أكثر فأكثر، كان كل نهار يزداد طولا عن النهار السابق ~~بفارق ضئيل، وكل صباح يأتي مبكرا أكثر، ووطيس الشمس يصير أقوى. # حدقت إلينورا إلى تلك الممرات المائية البطيئة في تدفقها، فشاهدت مجموعة من الصقور ~~التي يعلو رقبتها ريش أبيض تمتطي عصفات غير مرئية من الهواء الدافئ كما لو كانت مطبات ~~في الطريق. ورأت هجمة من الحدآن السوداء في الاتجاه بين قباب مسجد السليمانية، وحصارا من ~~طيور البلشون ذات الأعناق الشبيهة بالثعبان، التي تبسط أجنحتها على مداها كقوارب التجديف ~~بالأسفل. كانت قد اكتشفت في ذلك الصباح في المواضع الخلفية من مكتبة البك نسخة مغلفة ~~بجلد العجل من كتاب «عن التاريخ الطبيعي وتصنيف الطيور» لويليام سوينسون. وعندما طابقت صور ~~الكتاب بما رأته خارج النافذة، تمكنت من التعرف على الصقور والحدآن وطيور البلشون، ~~بالإضافة إلى مجموعة من النسور ذات الذيول البيضاء، وصقر شاهين وحيد يحمل طائرا بحريا في ~~مخالبه. # بينما هدأت الشمس وانحدرت وسط الأشجار خلف أوسكادار، لمحت إلينورا وميضا أرجوانيا ~~بطرف عينها، وحط هدهد أرجواني اللون ذو تاج من الريش المخطط بالأبيض على حافة ~~نافذتها. أمال الطائر رأسه إلى اليسار كما لو كان يشير إلى نقطة مهمة، وراقبت سربها وهو ~~يظهر حول انحناء القرن الذهبي. وبينما كانت أفراد السرب تتوجه نحوها وهي تحلق ~~وتنطلق عبر السماء التي يراوح لونها بين البرتقالي والرمادي، شعرت إلينورا بشيء ينهار ~~داخلها، كما لو كان تيارا جليديا يتحطم. وعندما فتحت النافذة، حلق المستكشف كي ~~ينضم إلى إخوته. # دفعت إلينورا خصلة من شعرها بعيدا عن عينيها، واستندت بمرفقيها إلى حافة النافذة، ~~وراقبت الغسق وهو ينتشر أسفل منها. كانت المدينة ذلك المساء مشحونة بالطاقة التي تنبعث ~~من هدف جديد؛ فبدلا من أن تهدأ حركة السفن مع غروب الشمس - كما تفعل غالبا - بدا أنها تزيد، ~~وبدا المسافرون متلهفين على الوصول ms104 إلى وجهتهم، ولاحظت فريقا من الرجال يعلقون ~~المصابيح بين مآذن المسجد الجديد، ورست سلسلة من الزوارق البخارية بامتداد بيشكطاش بير. ~~وعندما لمست الشمس قاع الأفق كانت المدينة قد أصبحت خالية، وتوقفت حركة السفن في ~~البوسفور، وخلت الطرق من العربات. صمت الباعة الجائلون، ولم تسمع صوتا سوى ثغاء خروف ~~مقيد خارج مسجد بيشكطاش. وعندما هرب آخر ضوء للنهار أسفل منحنى الأفق فور اختفاء الشمس، ~~انطلق صوت مدفع بالقرب من قصر توب كابي. سقطت إلينورا على الأرض خائفة، وغطت رأسها ~~بيديها وهي تقاوم أسفل مكتبها. فإذا كان ثمة المزيد من المدافع أو ثمة حرب، فهي ترغب في ~~الشعور بأقصى قدر من الأمان. # كانت في نفس الوضع عندما أتى السيد كروم إلى غرفتها حاملا العشاء. # سألها وهو يضع الصينية على المائدة الصغيرة المجاورة لفراشها: «هل كل شيء على ما ~~يرام؟» # مدت إلينورا يدها لأعلى، وأخرجت قطعة من الورق من الدرج العلوي، ثم كتبت: ~~«المدفع.» # فكتم السيد كروم ابتسامة. # قال وهو يساعدها في النهوض: «إن طلقة المدفع علامة على انتهاء فترة الصيام؛ فاليوم هو ~~الأول من رمضان. ألست تعلمين ذلك؟» # فهزت إلينورا رأسها. كانت تعلم بأمر رمضان؛ الصيام نهارا والوجبات الفاخرة ليلا، ~~ولكنها لم تسمع قط عن استخدام مدفع علامة على انتهاء فترة الصيام، فمن تبقى من ~~المسلمين في كونستانتسا كانوا يعينون رجلا صالحا يطوف بالمدينة وهو يقرع طبلة كبيرة ~~الحجم. # فقال السيد كروم وهو يتكئ على النافذة المفتوحة ويحدق إلى الزوارق البخارية: «حسنا، ~~سوف تستمتعين برؤية الألعاب النارية.» # تناولت إلينورا حساء العدس وهي تجلس وحيدة على مكتبها وتشاهد النجوم وهي تضيء الظلام ~~الخالي كما لو كانت شموعا صامتة. ظلت إسطنبول صامتة طوال الفترة التي تناولت فيها ~~عشاءها، ثم دبت فيها الحياة فجأة بينما كانت تتناول فطيرة التمر. أضيئت المصابيح ~~المعلقة بين مآذن المسجد الجديد حيث رسمت عبارة «رمضان كريم»، ونصب باعة المشروبات ~~وقارئو البخت المقاعد بامتداد المياه، ونصبت خيام ذات قماش أزرق وأحمر في ساحة كل ~~مساجد الحي، وامتلأت الشوارع بالأطفال الصغار وذويهم ms105 والأعمام وأبناء الأعمام والأولاد ~~الأكبر سنا حاملين حقائب مهترئة يشقون طريقهم وسط الحشود. وانطلقت أول مجموعة من ~~الألعاب النارية مع صوت مواء قطة، وكانت ذات ضوء أخضر، ثم انطلقت مجموعة أخرى بيضاء اللون، ~~فأطلقت الحشود هتافا فرحا. وانطلقت من الزوارق البخارية أسفل نافذة إلينورا صواريخ ~~حمراء وزرقاء وخضراء وبيضاء، فأضاءت سماء ليل رمضان بوميض دخاني، واستمرت الاحتفالات حتى ~~الفجر. # لم تعلم إلينورا ما إذا كان الأمر هو مرأى سربها في ذلك المساء أو بداية الصيف أو قدوم ~~شهر رمضان أو شيء آخر مختلف تماما؛ كل ما أدركته أنها يراودها شعور مختلف. وقفت أمام خزانة ~~ملابسها في الصباح التالي، ولمست أحد ألواح الأرض المكشوفة بطرف أصبع قدمها الكبيرة فارتجفت. ~~كانت قد استيقظت متأخرة وما زال النوم يداعب عينيها، ولكنها لم تستطع أن تنكر أن شيئا ما ~~بداخلها قد تغير. كان بحر الجليد يتفتت. ارتدت ثوبها الأرجواني الشاحب المفضل ~~وزوجا ملائما من الأحذية، ثم استدارت كي تنظر إلى نفسها في المرآة. لا يمكنها إحكام ظهر ~~الثوب بدون مساعدة السيدة داماكان، ولكنها هبطت الدرج رغم ذلك. كان ثمة شيء تنوي مطالبة ~~منصف بك بفعله الآن قبل أن تخونها جرأتها. ~~«صباح الخير أيتها الآنسة كوهين.» # كان البك قد بدأ بالفعل في تناول إفطاره، وكان يضع مربى الكرز على قطعة من ~~الخبز. # فكتبت على قصاصة من الورق: «صباح الخير.» ثم توقفت للحظة ونظرت إليه، ثم تابعت: «منصف ~~بك، هل يمكنني أن أذهب معك اليوم إلى بيرا؟ أعدك أنني لن أسبب إزعاجا.» # فضاقت عيناه ووضع السكين المغطى بالمربى على حافة طبقه. # وأجاب: «بالطبع، على الرحب والسعة. لست مصدر إزعاج أبدا، ولكنني أخشى أن تشعري ~~بالملل فحسب.» # لن أشعر بالملل على الإطلاق، وسوف أظل هادئة تماما. # فأمسك البك بالسكين مرة أخرى ودهن ما تبقى من المربى على حافة الخبز، ثم قطع شريحة ~~من الجبن الأبيض. # قال: «حسنا، ولكن عليك أن تعديني بأن تظلي هادئة تماما.» # فهزت رأسها بالموافقة، واستدار البك إلى السيد كروم . ~~«أخبر عمال الإسطبل أن ms106 يعدوا العربة، فسوف تكون الآنسة كوهين في صحبتي.» # فأجاب كبير الخدم وهو ينحني خارجا من الغرفة: «حسنا يا سيدي.» # وقبل أن يغير أي منهما رأيه، وجدت إلينورا نفسها جالسة في عربة البك تشاهد العالم ~~وهو يمر عبر الحاجز الشبكي. وبينما تراجع اللون الأصفر المميز لمنزله خلف مسجد بيشكطاش، ~~شعرت كما لو كان حبلا داخلها يشد ثم ينقطع. لقد خرجت، والهواء البارد يداعب جبهتها، ~~ورائحة البوسفور المالحة الحادة تملأ أنفها، والزهور البرية الأرجوانية تصطف على ~~حافة الطريق، والسحب في السماء بيضاء كحلوى القطن. طوت يديها في حجرها وهي تتابع المساجد ~~والمباني المحلية والقصور والنوافير وأشجار الدلب والصيادين، ومرا بحمار يجر عربة ~~محملة بتلال من فاكهة البشملة البرتقالية اللامعة، ومجموعة من خيام رمضان، ومخلفات ~~احتفالات الليلة الماضية. ألقت إلينورا نظرة على يديها، على راحتيها المفتوحتين، وغطت ~~بهما وجهها ثم استنشقت رائحة الصابون الهادئة. # قال البك والعربة تتوقف: «علينا أن نترجل هنا؛ فالشوارع بعد ذلك شديدة ~~الانحدار.» # كانت محطة القطار الجبلي المائل بجالاتا على بعد بضع خطوات فحسب من مكان توقف ~~العربة. وقفت السيدات الأوروبيات والحمالون التابعون لهم ومجموعة من الرجال المرتدين ~~زيا موحدا في مجموعات من شخصين أو ثلاثة مستظلين بكهف مطلي بالذهب مكسو ~~بالقرميد الوردي والأصفر. وكان المسافرون يختلسون النظر كل فترة إلى الكهف المظلم ~~الذي سيظهر منه قطارهم، متحدثين بصوت خافت، ويراقب بعضهم بعضا بارتياب. وبعد مرور بضع ~~دقائق، ظهر مصباح غاز في الحافة العلوية للنفق. وبصيحة من صفير الهواء المضغوط، ~~توقفت العربة المطلية باللون الأحمر أمامهما، فركبا في العربة الأمامية. ورغم أن ~~إلينورا لم تستطع أن ترى سوى القليل في الظلام، فقد ظلت طوال الطريق تلصق أنفها بالزجاج، ~~محاولة قدر جهدها أن تتبين ما يوجد أمامهما. # وعندما توقف القطار الجبلي المائل، أعلن البك: «لقد وصلنا»، وتوجهوا في طابور إلى ~~خارج المحطة. # كانت بيرا كما تذكرها إلينورا بالضبط؛ فالأروقة مكسوة بلافتات مطلية من ~~القماش، وتسابقت نوافذ المحلات في الإعلان عن البضائع الصيفية الجديدة، والسيدات الأنيقات ~~يتهادين في سيرهن في الطريق ms107 مرتديات ثيابهن الأنيقة ذات اللون العاجي. شعرت كما ~~لو كانت تطفو أخيرا على السطح بعد الغطس لفترة طويلة، كما لو كانت تخرج من أعماق نفسها ~~الصامتة الرقيقة إلى عالم تستشعر حرارته ومذاقه المالح. وبينما كانت تقف عند أسفل لو جراند ~~رو دو بيرا تتأمله بعينيها، شعرت بثقل حزن جديد يسحقها؛ كانت تقف مع والدها منذ بضعة ~~أشهر في نفس هذا المكان، كان يمسك بيدها ويسير معها أعلى الطريق. تجمعت الدموع في عينيها ~~وهي تتذكر رائحته، والشعور براحة يده خلف عنقها. وقفت هي والبك صامتين للحظة، وبعدها ~~مسحت إلينورا دموعها بطرف كمها. قدم لها البك أصبعين، فأمسكت بهما وسارا معا أعلى ~~الطريق متجهين إلى مقهى أوروبا. # أمسك البك الأبواب الحمراء المزدوجة لها، وقادها عبر غرفة المقهى الرئيسة المزدحمة التي ~~تملؤها سحب الدخان، وخرجا من الباب الخلفي، ثم هبطا درجا خشبيا منحدرا إلى رقعة ~~مرصوفة من أوراق الشجر يطلق عليها الحديقة الخلفية. وبينما كانا يهبطان، لاحظت إلينورا ~~قطعا من القماش الأخضر والأبيض تتدلى من الدرابزين، ربما كانت البقايا المتناثرة لأحد ~~احتفالات رمضان. كان عجوزان ذاويان يرتديان الطربوش يدخنان النارجيل تحت شجرة لوز، وأسفل ~~الدرج مباشرة جلس شاب أوروبي يرتدي نظارة يقرأ الجريدة، بينما رفيقه يدون ملاحظات ~~في كتاب صغير. اختار البك مائدة بالقرب من مؤخرة الحديقة بجوار مغطس خال للطيور، ~~وطلبا من النادل فنجانين من الشاي وقطعة من الكعك المحلى. وعندما انصرف النادل، ~~اقترب الشاب الذي كان يدون ملاحظات من مائدتهما حاملا لوح نرد تحت ذراعه. كان ~~رجلا نحيلا عصبيا، يرتدي سترة زرقاء قصيرة وسروالا رماديا فاتحا وقبعة تدخين ~~مخملية مزينة بأزهار صغيرة. لم تتمكن إلينورا من تحديد لهجته بالضبط، ولكنها كانت ~~قريبة من القوقاز. وبعد أن تبادل تحيات قصيرة مع البك، جذب مقعدا وأخذ يعد اللوح، وفي ~~تلك الأثناء قفز قط ناصع البياض ذو عين زرقاء وعين صفراء في حجره، فداعبه وهو شارد ~~الذهن بيد واحدة واستمرت الأخرى تعد اللعبة. # حدقت إلينورا إلى عيني القط غير المتجانستين على نحو غريب، وجلست ms108 على يديها حتى غاص ~~المعدن الأسود البارد للمقعد في راحتيها. لم يكن ذلك هو ما توقعت أن ترى عليه مقهى ~~أوروبا، هذه اللوحة الهادئة من الأثاث الحديدي والكروم. ولم تكن على يقين من تخيلها ~~بالضبط، ولكنه لم يكن هذا. على أي حال، من اللطيف أنها خرجت. ثمة أشياء كثيرة كانت قد ~~نسيتها؛ دفء الشمس على رقبتها ورائحة العنب. وبينما كانت تتأمل الأشياء المحيطة بها، ~~تردد صوت الأذان عبر المدينة كسحابة رقيقة منخفضة، وحط أحد أفراد سربها على حافة ~~المائدة. ظل واقفا لحظة، ثم ارتجف رأسه ناحية القط وحلق مبتعدا، ولكن البك ~~وخصمه لم يلاحظاه. # قال الشاب وهو يقرع أحد قطع البك خارج اللوح: «ثلاثة-أربعة.» # أمسك البك بالنرد ونفخ في تجويف راحة يده. كان بحاجة إلى خمسة أو واحد كي يعيد ~~القطعة المطرودة إلى اللعبة. # قال خصم البك مشيرا على ما يبدو إلى محادثة سابقة: «إن نائب الملك لديه بعض ~~الخيارات.» # فقال البك: «بالفعل!» وقذف النرد فحصل على ثلاثة-خمسة، ثم أعاد القطعة إلى اللوح، ~~وتابع قائلا: «ولكن ربما يكون الخيار الأفضل هو الانتظار.» ~~«لا يسع المرء سوى الانتظار.» # ظل الرجلان يلعبان في صمت عدة أدوار. كان البك يكسب، فالقطع الخاصة به غير مكشوفة ~~وتتحرك بثبات نحو الهدف. انحنت إلينورا وتركت نفسها تستغرق في إيقاع اللعبة وصوت حركة ~~القطع وقرع النرد، واختبأت فيه كما لو كان مناقشة فلسفية عميقة، تاركة حوائط اللوح ~~الخشبي البسيط تغلق عليها. وهب نسيم عبر الكروم، فشعرت بدفء المقعد أعلى ظهرها. # قال الشاب وهو يشير إلى الشاي والكعك: «يبدو أنك لست صائما في رمضان.» # فقلب البك الشاي وارتشف منه رشفة. ~~«كلا، لقد تركت تلك العادة منذ عدة سنوات، ولكنني أفضل ألا تخبر أيا من زملائي ~~بعدم مراعاتي لها. فصوم رمضان تماما مثل عادة دفع العشر للكنيسة؛ لا أحد يفعله في حقيقة ~~الأمر، ولكن المجتمع يعتمد على الوهم بأن الجميع يفعلونه.» ~~«إن الطبقات المهمشة تصوم بالطبع.» # فقال البك بعد تفكير وهو يفرك النرد : «ربما، ولكنني أؤكد لك أن لا ms109 أحد ممن ~~تعرفهم يصوم.» ~~«وماذا عن صديقتك الشابة؟» # كانت إلينورا تهم برفع قطعة من الكعك إلى شفتيها. ~~«ماذا عنها؟» ~~«أليست مسلمة؟» # فقال البك: «نعم، إنها يهودية.» # وتوقف كي يفكر فيما إذا كان هذا الشرح كافيا، وعندما رأى أنه غير كاف تابع قائلا: ~~«إنها ابنة شريكي السابق في العمل يعقوب كوهين. هل تذكر حادث السفينة منذ بضعة ~~أشهر؟» ~~«الحادث الذي أزعج القيصر؟» # فهز البك رأسه، ولم يكن بحاجة على ما يبدو لأن يوضح الأمر أكثر من ذلك. استمرت ~~مناقشتهما بنفس الطريقة لعدة أدوار، هجوم ودفاع لم تفهم إلينورا معناه تماما، ثم استدار ~~الشاب فأصبح في مواجهتها مباشرة. ~~«ما اسمك؟» # فنظرت حولها تبحث عن ورقة، ولكنها لم تجد أوراقا على المائدة. # فأوضح البك: «إنها لم تتفوه بكلمة منذ الحادث، ولكنها تتواصل عن طريق الكتابة.» ~~«أيمكنها الكتابة؟» # فقال البك بفخر واضح: «نعم، باللاتينية واليونانية والفرنسية والعثمانية.» # فقال الشاب: «حقا؟» وأخرج المفكرة من جيبه ثم أعطاها لإلينورا ومعها قلم قائلا: ~~«اكتبي شيئا.» # فأخذت المفكرة وفتحتها على صفحة خالية. # ماذا تريدني أن أكتب؟ # فقال: «أي شيء يعجبك، فقرة من فرجيل مثلا. هل تعرفين الإنيادة؟» # فهزت رأسها وبدأت تقرأ من البداية: # إن حديثي يدور عن شخص، بالقوة والحكمة يتصف، أجبره القدر، # وكراهية جونو المتغطرسة التي لا تلين، # على مغادرة شاطئ طروادة، منفيا ومطرودا. # أعطت إلينورا المفكرة للشاب كي يراجعها، وبينما كانت تفعل ذلك لمحت اسم الكاهن جيمس ~~مولر مكتوبا بحروف صغيرة وتحته خط في أعلى الصفحة المقابلة. # قال وهو ينظر إلى ما كتبته: ~~«حسنا، إنه مؤثر للغاية.» # واستدار إلى البك متسائلا: ~~«قلت كم تبلغ هي من العمر؟» # فقال البك: «ثمانية أعوام، أو قاربت على تسعة أعوام.» # فهز الشاب رأسه غير مصدق. ~~«لن تكف عن إدهاشي أبدا يا منصف بك.» # ثم نهض عن المائدة، واضعا القط تحت قدم إلينورا. لم تكن لعبتهما قد انتهت بعد، ولكن ~~لم يبد على أحدهما أنه يهتم. # قال الشاب وهو يخلع قبعة التدخين: «سوف يقابلك صديقنا بعد ظهر الغد في طريق لو ms110 بيتي شون ~~دو مورت.» # فهز البك رأسه وسلم له مظروفا عبر المائدة. ودون أن يتفوه الشاب بكلمة أخرى، وضعه ~~في جيبه وغادر الحديقة. # بعد أن رحل الشاب انتهت إلينورا من احتساء الشاي، ولعبت الطاولة بضع مرات مع منصف بك. ~~لم تتوجه إليه بأي سؤال عن ذلك الشاب الغريب، ولم تسأل لم كان اسم الكاهن مكتوبا في ~~مفكرته، ولم تسأل أيضا عمن سيقابله البك في طريق لو بيتي شون دو مورت. لم تسأل عن ~~أي شيء، رغم أنها تعجبت من أمور كثيرة. تساءلت تحديدا عما إذا كان ثمة صلة بين الشاب ~~والورقة التي أراها إياها الكاهن، تلك الحروف اليونانية التي تقول: «الأربعاء فترة الظهيرة، ~~خلف مقهى أوروبا.» لم يكن اليوم هو الأربعاء، ولكنهما كانا خلف مقهى أوروبا. ربما تكون ثمة ~~صلة بالفعل. فبقدر ما كانت تفهم عن العالم وتدرك الكثير، كان ثمة الكثير من الأمور التي ~~لم تكن تفهمها. # انحنت إلينورا كي تداعب القط الذي كان يذرع المكان جيئة وذهابا عند قدميها، ونظرت في ~~عينيه. كانت عيناه باردتين كحال القطط عادة، ولكن ثمة شيء غريب في سلوكه، وفي الطريقة ~~التي يقفز بها إلى حجرها ويموء لذلك الهدف. بدا الأمر كما لو كان القط يستحثها على ~~أن تتوقف عن الأسئلة، وأن تدع القلق وتنسى نفسها في فرائه الأبيض الناصع. # | الفصل الرابع عشر # وضع أمير المؤمنين جلالة السلطان عبد الحميد الثاني كتابه جانبا، وحدق في المدخل ~~المكسو بالقرميد الأخضر لجناح والدته. كانت ساحة جناحها هادئة على غير العادة، وثمة ~~جارية شابة تتمرن على استخدام الكمان في محراب بين عمودين، والماء يصدر خريرا عبر ~~فوهة النافورة الرخامية التي تتوسط الساحة. وبينما كان السلطان يشاهد الماء وهو ينسكب على ~~جانب الحوض العلوي، حط هدهد يجمع بين اللونين الأبيض والأرجواني على حافته وارتشف ~~جرعة ماء، ثم حلق بعيدا. كانت ألوان الطائر نفسها التي رآها منذ بضعة أشهر، أو ربما كان ~~الطائر نفسه. على أي حال، لم يكن هذا اللون مألوفا على الإطلاق. # رمق السلطان والدته، وحاول ms111 أن يقرأ بضع صفحات أخرى من كتابه، وهو رواية بوليسية إنجليزية ~~بعنوان «ذات الرداء الأبيض»، ولكن قرقرة معدته أفسدت تركيزه. كان اليوم هو الثاني من ~~رمضان فحسب، ولكن الجوع كان قد أضناه بالفعل على نحو لا يحتمل. ضحك عبد الحميد بينه وبين ~~نفسه ساخرا من المفارقة، فها هو خليفة المسلمين وخادم الحرمين، ولكن معدته تقرقر ~~جوعا في رمضان كأي شخص عادي. بالفعل، فإن ما ورد في سورة مريم صحيح: # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ~~. # وضع السلطان كتابه مرة أخرى وراقب والدته وهي تمارس تدريب الخط، ممسكة بالقلم بين ~~إبهامها وسبابتها، وهي تجلس على مائدة منخفضة من خشب الجوز وكتفاها متيبستان وساقاها ~~متقاطعتان. كانت قد بدأت دروس الخط منذ وصولها إلى بلاط والده السلطان أحمد الرابع. ~~وبينما كانت الفتيات الأخريات يضيعن الوقت في الثرثرة ونقر أوتار العود، كانت هي تجلس ~~وحيدة في مخدعها الخاص ترسم مجموعة لا نهائية من الدوائر والنقاط؛ آملة في تحسين ~~مستواها. لم تكن بحاجة لأن تبهر أحدا بالطبع الآن، فهي أم السلطان، وعندما تتحدث كانت ~~الفتيات يتفرقن كالغزلان. كان شيئا لا يصدق أن فتاة مثلها، فلاحة بسيطة من ~~سيركاسيا، اختطفت من أهلها وأحضرت إلى القصر في سن الثانية عشرة، يمكنها أن تصعد بقوة ~~الإرادة والجمال حتى تصبح أهم شخصية في الإمبراطورية. كانت قد تمكنت من محو آثار ~~تربيتها الفظة تماما، ولكن عبد الحميد كانت لديه القدرة على أن يستشعر آثار أسلافه ~~البسطاء في بعض الصفات الشخصية لوالدته؛ كغضبها على سبيل المثال. كان يدرك من وقفتها أنها ~~ما زالت غاضبة منه، وكان يعلم بالخبرة الطويلة أن عليه التنازل إذا أراد السلام. # قال مقاطعا فترة صمت طويلة: «إذا كان ذلك يعني لك الكثير، فسوف ألغي هذا ~~الاجتماع.» # أنهت والدته الكلمة التي كانت تكتبها قبل أن ترفع رأسها. ~~«لا يعني ذلك الأمر لي شيئا يا جلالة السلطان، ولست أهتم بمن تدعوهم إلى القصر، ~~ولكنني أشعر بالقلق فحسب من الانطباع الذي تخلفه اجتماعاتك لدى الآخرين ؛ ففور أن تبدأ ~~الإشاعات من الصعب ms112 أن تتوقف، وأنت تذكر بالطبع الصعوبات التي لاقاها عمك ~~جيهانكير.» # فهز السلطان رأسه بجدية كما هي عادته عندما يذكر اسم عمه. كان جيهانكير أكولا ~~نهما، ومتحررا غير مقيد بالتقاليد، ومصدرا للكثير من الإشاعات الماكرة. ~~وتوفي وهو جالس على مائدة الطعام وقد غرزت قطعة من لحم الضأن في قصبته ~~الهوائية. ~~«أوافقك الرأي يا أمي أن الإشاعات خطرة، ولكن مقابلة قارئ كف ليست كالتهام خروف ~~كامل.» # فقالت الأم: «لا يقتصر الأمر على قارئ الكف، بل يوجد سحرة الثعابين والمتصوفون والكلب ~~ذو الذيلين والببغاء المتحدث. ويردد الناس أنك تفضل مقابلة متسول عن الجلوس مع سفير ~~جنوة.» ~~«ليس هذا ما حدث.» # فرفعت الورقة وتفحصت مدى دقة خط يدها. ~~«أنت تعلمين يا أمي أن هذا ليس ما حدث.» # فقالت وهي تضع القلم: «لا يهم ما الذي حدث، ولكنني أخبرك بما يقوله الناس.» # وقف عبد الحميد واقترب كي يتفحص العمل الذي فرغت منه. كانت قد كتبت البيت الشهير الساخر ~~للمتنبي: «أرانب غير أنهم ملوك/مفتحة عيونهم نيام» بخط كوفي ~~متقن، وكان عملها لا تشوبه شائبة كالمعتاد. ~~«جميل جدا يا أمي.» ~~«شكرا يا فخامة السلطان. إنك أنت المقصود.» # فارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية. «أرانب غير أنهم ملوك/مفتحة ~~عيونهم نيام». لم تكن ضربة لطيفة؛ فالمتنبي كان معروفا بأبيات الشعر الماكرة التي ~~تنطوي على إهانة، والتي لم يسلم منها أحد حتى أولياء نعمته. ~~«لا يفوتني التلميح الذي تقصدين.» # فقالت وهي تنهض: «فخامة السلطان، أود أن أسأل عن أمر واحد قبل أن أنصرف.» # فهز رأسه لها كي تستمر. ~~«كنت أفكر مؤخرا في حادث السفينة المروع.» # هز عبد الحميد رأسه. كان ذلك الحادث قد اكتسب أهمية جديدة في الأسابيع الماضية، وانتهى ~~تحقيق القيصر في الأمر إلى أن التصادم ربما يكون عملا تخريبيا متعمدا. وطالبت سانت ~~بطرسبرج بتعويض مادي لوفاة الجنرال، قدره خمسون ألف جنيه، وهددت أيضا برفع دعوى ما لم ~~تستدرك الشكوى بدفع التعويض. كان السلطان على استعداد لدفع ضعف ذلك المبلغ سرا، ~~ولكن أحدهم قد سرب مطلب القيصر إلى الصحف، ولو ms113 دفع التعويض علنا فسوف يبدو ضعيفا، ~~وسوف يصطف الجميع مطالبين بالتعويض. وإذا لم يدفع، فسوف يجد القيصر حجة أخرى ~~لإعمال سيفه وشن الحرب. # فقال: «كانت مأساة مروعة، فقدا مأساويا للحياة، ولكن ماذا بوسعنا أن نفعل الآن؟ ~~وماذا كان بإمكاننا أن نفعل؟ لقد أرسلت تعازي الشخصية إلى عائلات الضحايا وإلى حكوماتهم، ~~وحضر جمال الدين باشا جنازة نائب القنصل الأمريكي والسفير الفرنسي، بل إننا اتخذنا إجراءات ~~لتدخل سرية بحرية إلى البوسفور كي تنقل جثمان نائب القنصل إلى نيويورك. وقدمت ~~للروسيين الفرصة نفسها بالنسبة إلى جنرالهم، ولكنهم رفضوا.» # فقالت والدته: «بالطبع إنها مأساة، وقد فعلت كل ما كان بوسعك فعله. إنني أتساءل عما ~~إذا كنت تراه حادثا.» # ثمة عدد من نظريات المؤامرة التي تحيط بالقصر. وكان قد استمع لتوه إلى نظرية الصدر ~~الأعظم المتمثلة في أنها مؤامرة بريطانية لإخافة الأمريكيين وجذب الانتباه بعيدا عن ~~بروسيا، ولم يكن في مزاج يسمح له بالانتظار حتى تنتهي والدته من الحديث. # فقال وهو لا يخفي ضيقه: «نعم، أعتقد أنه كان حادثا. فماذا يمكن أن يكون غير ~~ذلك؟» # فقالت وهي تنظر خلفها: «أعتقد أنه كان عملا تخريبيا خطط له ونفذه القنصل الأمريكي ~~نفسه.» # فأصدر السلطان صوتا معبرا عن السخرية وعدم التصديق. كان معتادا على نظريات المؤامرة ~~الخاصة بوالدته، ولكن ذلك كان منافيا للعقل تماما. ~~«ولم يغرق الأمريكيون سفينتهم؟ ولم يقتلون نائب قنصلهم؟» # فقالت وهي تبتسم بحياء: «ليس الأمريكيون، بل القنصل الأمريكي.» ~~«ولكن ...» ~~«كما تعلم، فإن القنصل الأمريكي ليس أمريكيا فحسب، بل يهودي صهيوني أيضا.» # فرمش عبد الحميد بعينيه. لم يكن ارتياب والدته في اليهود سرا؛ فقد نمت بذرة خلافها ~~مع موسى بك على مدار السنين حتى تحولت إلى شك في ولائه بالكامل. وبالنظر بعين الاعتبار ~~إلى شعورها نحو الأمر عموما، كان عبد الحميد يميل إلى رفض النظرية تماما، ولكن طبقا ~~لقانون النظريات فهي تنطوي على قدر من التميز. # فقالت وهي تضع ما كتبته بخط يدها على المائدة: «فكر في الأمر .» ثم غادرت ~~المكان. # وقف عبد الحميد في مدخل ms114 مخدع والدته الخاص يراقب مجرى لا نهائيا من المياه يتدفق ~~من أعلى نافورة. قرقرت معدته مرة أخرى، وشعر بوخز ألم حاد في كليته، فأمسك بجانبه ~~وشعر بموجة أخرى من الألم تجتاح أحشاءه، فحاول أن يتذكر الشروط التي تبيح الإفطار في ~~رمضان. لم يكن عاجزا أو مسافرا أو امرأة حاملا، ولكن ماذا لو كان الصيام يعوق قدرته ~~على الحكم الصحيح على الأمور؟ ماذا لو هدد قدرته على الاضطلاع بواجباته باعتباره ~~سلطانا؟ يلزم الإفطار في رمضان إذا كان الإفطار سينقذ حياة شخص، وبالطبع فإن القرارات ~~الخطيرة التي يتخذها كل يوم تؤثر على حياة الكثير من الأشخاص. وبهذا التبرير، نظر إلى ~~الساحة الخالية وتسلل إلى المطبخ المجاور لجناح والدته. # كانت الغرفة خالية، والقدور والمقليات مخزنة في الخزانات، وألواح التقطيع نظيفة. كانت ~~وجبة الإفطار تعد في مطبخ القصر الرئيس، مما جعل المطابخ الإضافية كمطبخ والدته غير ~~مستخدمة طوال الشهر، ولكن لا بد أن ثمة أي نوع من الطعام في خزانة حفظ المؤن. ربما لا ~~تكون دجاجة، بل مجرد كسرات من الخبز أو ثمرة مشمش جافة أو ثمرة بلح، أي شيء يمكنه من ~~أداء واجباته على نحو صحيح حتى يأتي وقت الغروب. نظر مرة أخرى إلى الخزانة الخالية، وفتح ~~أبواب خزانة حفظ المؤن، وأخذ يقلب في التوابل وعلبة من السردين وقطعة قديمة من الخبز ~~المسطح. كان على وشك أن يتناول الخبز عندما اكتشف في مؤخرة الخزانة صندوقا من ~~البقلاوة التي تلمع بالشراب على سطحها ويغطيها الفستق الأخضر المطحون. كان لدى ~~والدته ولع بالحلوى، ولا يفاجئه أنها قد أخفت الصندوق خصيصى كي يستهلك في رمضان. لم ~~تكن شابة صغيرة، وكان مرض السكر قد أصابها منذ فترة، ولكن على أي حال فلن تعلم أبدا ~~أنه هو من وجده. نظر خلفه، ثم طوح إحدى القطع في فمه ومضغها مرتين فحسب قبل أن يبتلعها، ~~أما القطعة الثانية فقد استغرق وقته فيها وهو يتلذذ بطعم العجين الحلو المقرمش والنكهة ~~المميزة للفستق المطحون . # لعق عبد الحميد أصابعه، ثم تسلل عائدا إلى ms115 مخدع والدته، حيث وجد الصدر الأعظم جمال ~~الدين باشا منحنيا فوق بيت الشعر الذي كتبته والدة السلطان بخط يدها. ونظر كل منهما ~~إلى الآخر في صمت للحظة، وكل منهما يدرك تماما ما الذي يفعله الآخر. # قال الصدر الأعظم: «فخامة السلطان، كنت أبحث عنك.» # قال السلطان وهو يشير إلى ما كتبته والدته: «إنه عمل فني بديع، أليس كذلك؟» ~~«بلى يا فخامة السلطان. طالما تمتعت والدة فخامتكم بخط كوفي رائع، حتى إن المرء قد ~~يظن أنها ولدت في فاس.» # ثم توقف كي يفحص البيت بمزيد من الدقة. ~~«رغم أنني كنت سأختار بيتا آخر من الشعر.» # لم يعبأ عبد الحميد بما عمد إليه جمال الدين باشا من الحض على انتقاد والدته، ~~واستمر في وجهته الأصلية، فعدل الصدر الأعظم من وقفته وأمسك برسغيه خلف ~~ظهره. ~~«وصلتنا تقارير هذا الصباح أن سنجق بك نوفي بازار تمكن من قمع تمرد ضريبي آخر، وللأسف ~~فإن القرية التي جعلها عبرة لباقي القرى تتكون في المقام الأول من المسيحيين الأرثوذكس، ولك ~~أن تتخيل يا فخامة السلطان ما سيستغله الروسيون في ذلك الموقف. فمنذ ثلاثة أيام فحسب أخبر ~~سفيرهم هشام باشا أن القيصر عازم على الدفاع عن الرعايا الأرثوذكس في إمبراطوريتنا كما لو ~~كانوا رعاياه.» # فقال السلطان وهو يمرر ظفر إبهامه على حافة المدخل: «هذا توقيت سيئ. هل ثمة أي ~~شيء يمكننا فعله لتهدئة القيصر؟» # فقال جمال الدين باشا: «يمكننا دفع التعويض الذي طالبوا به، ولكنني أشك أن ذلك ~~سيعمل على تهدئتهم. أعتقد أنهم سوف يصابون بالضيق الشديد، ولو ترامى إلى مسامع الصحف ~~الأوروبية ما حدث في نوفي بازار فسوف تعاد فظائع بلغاريا مرة أخرى.» # صمت السلطان لحظة وارتفع صوت قرقرة معدته. # ثم قال أخيرا مغيرا الموضوع: «دعنا نر كيف سيستجيب القيصر. والآن أخبرني ببعض ~~الأخبار الطيبة. ما مدى التقدم الذي يحرزه جواسيسنا؟» # كانت العمليات السرية هي الملعب الشخصي لجمال الدين باشا، وطالما كان يمكن الاعتماد ~~عليه كي يصف نجاحاته في هذا المجال. # قال الصدر الأعظم: «لدينا أخبار طيبة بالفعل ms116 فيما يتعلق بهذا الجانب؛ فقد تمكن رجالنا ~~الأسبوع الماضي من فض اجتماع ثوري في بيوجلو.» # هز السلطان رأسه. # فتابع الصدر الأعظم قائلا: «قد يكون من المهم أيضا أن تعلم أن الشفرة التي قادت ~~رجالنا إلى ذلك الاجتماع قد فكت رموزها فتاة صغيرة يتيمة عمرها ثماني سنوات.» ~~«فتاة صغيرة؟!» ~~«تدعى الآنسة إلينورا كوهين، وهي ابنة تاجر منسوجات يهودي من كونستانتسا، ويبدو أنها ~~موهوبة حقا. على أي حال فقد توفي والدها في حادث السفينة، وهي تعيش الآن مع منصف ~~باركوس بك.» # فردد السلطان: «منصف بك؟! أكان ذلك أحد اجتماعاته؟» # فابتسم جمال الدين باشا قائلا: «نعم، بالمصادفة، أو ربما كلا. بالطبع، فإن تنظيم ~~اجتماع ثوري لا يكفي لتوجيه تهم ضد شخص ذي نفوذ مثل منصف بك، ولكننا سوف نضع ذلك في ~~ملفه.» ~~«وكيف تمكنت الفتاة من فك الشفرة إذا كانت تعيش معه؟» # فقال الصدر الأعظم: «حسنا، إن أحد رجالنا هو معلمها الخاص، وقد أحضر الشفرة لها في الدرس ~~وأخبرها بأنها أحجية.» # فصمت السلطان لحظة. ~~«وماذا نعرف أيضا عن تلك الفتاة؟ أخبرني مرة أخرى ما اسمها؟» # فقال: «إلينورا كوهين. لقد أخبرت جلالتك بكل ما نعلمه، وسوف أسعى إلى كشف المزيد من ~~المعلومات إذا كنت فخامتك ترغب في ذلك. لن يكون ذلك صعبا.» # فقال السلطان: «نعم، إنني أرغب في ذلك.» # | الفصل الخامس عشر # بينما كان رمضان يمر متثاقلا عبر أيام الصيف الحارة التي تصيب المرء دائما ~~بالوهن، أذعنت إسطنبول لحالة من الاعتياد على مشقة الصيام. كانت السفن البخارية تبحر ~~متباطئة في المضيق معانقة ضفافه الظليلة، وصوت المؤذن يبدو مشروخا من العطش، بينما ~~جلست إلينورا عند حافة النافذة وبيدها كتاب تستخدمه كمروحة. كانت المشقة التي يحملها ~~كل يوم جديد تبدأ متأججة، ثم يهدأ لهيبها تدريجيا، ثم تخبو مع انطلاق مدفع الإفطار ~~عند الغروب. حتى من لا يصومون، مثل الأرمن واليونانيين والأوروبيين واليهود، كانوا يشعرون ~~بنفس الموجة من الارتياح في نهاية اليوم عندما تمتلئ الشوارع بباعة المثلجات وقارئي ~~الطالع والخيام الحمراء المكسوة بالغبار. وكانت المصابيح تعلق كل ms117 ليلة بين مآذن ~~المسجد الجديد تتمنى للجميع رمضانا كريما. واستمرت الألعاب النارية متسارعة، ولكن ~~حجمها كان يتناقص نوعا ما. وفي معظم الأمسيات كان البك يتناول إفطاره بالخارج مع ~~الأصدقاء أو الزملاء أو الأقارب البعيدين، وعرض على إلينورا أكثر من مرة أن يصطحبها ~~معه، لكنها كانت ترفض؛ فلم تحتمل التفكير في الاجتماع مع كل هؤلاء الناس وكل هذا الكم ~~من الطعام والضوضاء. كان ذلك كثيرا عليها، وكانت قانعة بالروتين الهادئ لدروسها وقراءتها ~~وتناول وجباتها وحيدة في غرفتها. ولكن كل ذلك تغير في يوم الثلاثاء من الأسبوع ~~الثالث من رمضان؛ ففي ذلك المساء وصل الكاهن مولر إلى منزل البك متأخرا بضع دقائق، ~~وبدا أكثر حيوية من المعتاد، فكان وجهه متوردا ومغطى بالشعر الناعم. # قال وهو يداعب شعرها: «مرحبا، ها هي الآنسة كوهين الصغيرة الشهيرة.» # ضحك على دعابة خاصة، ثم وضع كومة من الكتب في زاوية مكتب الكولونيل. ~~«خطر لي أن نقوم بشيء مختلف قليلا اليوم.» # أشار لها أن تجلس، ثم أخرج كتابا مهترئا ذا غلاف أخضر داكن. أمسكت به إلينورا وتفحصت ~~كعبه. كان كتاب «التحولات» لأوفيد. # قال الكاهن: «أنت تعلمين رأيي في الروايات وشعر الغزل، ولكن الروح الطيبة البارعة ~~لأوفيد ليست موضع لوم. وإذا لم أكن مخطئا، فأعتقد أنه قضى الأعوام الأخيرة من حياته ~~في كونستانتسا.» # كانت إلينورا ما زالت تحمل الكتاب، ففتحته على الصفحة الأولى. كانت مكتوبة بخط يد ~~مائل يوحي بالثقة: «إلى جيمي ذي اللسان المعسول، مايو 1865، نيو هافن.» # قال وهو يأخذ منها الكتاب ويتصفحه: «نعم، إنه هدية من أيام دراستي الجامعية.» # في ذلك المساء قاطع الكاهن قراءتها الصامتة عندما رغب أن يردد سطرا بصوت عال كي يسمعه ~~يتردد على لسانه. ظل يذرع المكان جيئة وذهابا خلفها، وتابع أصبعها السبابة التي كانت ~~تمر بها أسفل الكلمات، وهو يغمغم لنفسه شارد الذهن بينما هي تقرأ. ومع بداية قصة كاليستو، ~~هدأ حفيف سرواله. ظنت أنه ينوي توجيه سؤال لها، فاسترجعت السطور الأخيرة: «كان ثوبها ~~العلوي مرفوعا لأعلى وشعرها مربوطا، والآن كانت تحمل ms118 في يدها رمحا هزيلا، والآن ~~سرت في كتفيها رجفة خفيفة»، ثم نظرت خلفها. كان الكاهن مستغرقا في التفكير، وذراعاه ~~معقودتان على صدره، وعيناه مغلقتان، وشفتاه منفرجتان قليلا. وبعد لحظة فتح عينيه ورأى ~~أنها تنظر إليه. # قال: «بالطبع، استمري من فضلك.» # رغم أن سلوكه لم يكن عاديا، فإن إلينورا لم تستغرب، ولم يكن لديها ما يدفعها إلى ~~الشك في أن ثمة خطأ ما عندما أخبرها الكاهن بأنه سوف يبقى بعد الدرس كي يدون بعض ~~الخواطر. ففي الغالب كان يظل موجودا بعد الدرس لبضع دقائق فحسب، وفي تلك الأحيان كانت ~~إلينورا كثيرا ما تقرأ وهي جالسة على أحد المقاعد في الجانب الآخر من الغرفة، ولكن في ذلك ~~المساء لما رأت أن المكتبة خانقة بإفراط قررت بدلا من ذلك أن تستكشف الممرات التي تعلو ~~جناح النساء. ونظرا للظلام الذي يعم تلك الممرات، فإنها كانت تظل أكثر برودة من بقية ~~منزل البك؛ ومن ثم كانت إلينورا كثيرا ما تقضي أكثر الأوقات حرارة في اليوم تتجول ~~فيها. # كان قلب إلينورا يخفق مضطربا في حلقها في كل مرة تجر قدميها عبر أرضية الممرات ~~المشققة، حتى بعد أن زارتها حوالي اثنتي عشرة مرة. حملت حاشية ثوبها وانحنت قليلا، ~~والسقف فوقها يزداد انخفاضا كلما تقدمت، أو هكذا بدا. وفي تلك الممرات المظلمة ~~العفنة التي تفوح منها رائحة الخشب الرطب المتعفن، لم يكن بوسعها أن ترى أمامها أبعد ~~من يدها والحوائط التي يتناقص عرضها تدريجيا. توقفت عند رقعة الضوء المتفرقة فوق ~~المكتبة وجثت على ركبتيها، ثم انحنت للأمام وقبضت بأصابعها عبر الفتحات في الساتر ~~الشبكي، ونظرت للأسفل نحو الغرفة التي غادرتها توا. # كان الكاهن مولر لا يزال جالسا على مكتب الكولونيل، ومن موقعها أمكنها أن ترى حمرة ~~الشمس على مؤخرة عنقه، ورقعة صغيرة من الصلع تظهر في أعلى رأسه. لم تستطع أن تحدد في ~~بداية الأمر ما كان يفعله، ولكنها عندما انحنت للأمام رأت أنه قد فتح درجا من أدراج ~~المكتب وأخذ يفتش فيه خلسة. وبعد برهة من الوقت ms119 بدا أنه قد وجد ما كان يبحث عنه، ودسه ~~في حقيبته. مدت إلينورا عنقها إلى الأمام كي تدقق النظر أكثر، وبينما كانت تفعل ذلك ~~فاجأتها عطسة هائلة. # فنظر الكاهن لأعلى وتفحص الحجرة، ثم مرت فترة صمت طويلة. ~~«مرحبا، الآنسة كوهين؟!» # كانت إلينورا تسمع صوت قلبها يخفق في أذنيها، وشعرت بأنفاسها تحتبس في حلقها. أرادت أن ~~تهرب وتغادر المكان سريعا قدر الإمكان، ولكنها أدركت أنه من الأفضل لها أن تظل صامتة ~~وساكنة. أخذت تتنفس من فم مفتوح، وراقبت الكاهن وهو يقف وينادي اسمها مرة أخرى، ثم ~~تجول في الغرفة وهو يختلس النظر أسفل المقاعد والموائد. وعندما رأى أن الغرفة خالية، حمل ~~حقيبته وانصرف. # طوال ذلك المساء، وطوال فترة تناول العشاء، استرجعت إلينورا ذلك الحادث في ذاكرتها، ~~الدرج المفتوح والحقيبة، وصوت اسمها وهو يتردد. ثمة العديد من التفسيرات المقبولة لما ~~رأته، فربما يكون قد طلب من الكاهن مولر أن يحضر مستندا للبك، أو ربما كان يبحث عن ~~قلم مفقود أو ورقة خالية، ولكن بصرف النظر عن كم الاحتمالات التي استطاعت أن تستحضرها، ~~فقد وجدت صعوبة في إقناع نفسها بأي شيء سوى التفسير الأكثر وضوحا؛ لقد سرق الكاهن ~~البك. ومن وجهة نظر أخلاقية، لم يكن السؤال هو ماذا حدث؟ ولكن ما إذا كانت ستخبر الجميع ~~بما رأته. يبدو أن أفلاطون يرى أن عليها ذلك: «إن الحقيقة هي بداية كل خير للآلهة، وفيها ~~كل خير الإنسان.» ثم أتى دور ترتوليان: «إن الحقيقة تولد كراهية الحقيقة، وفور أن ~~تظهر فإنها تصبح العدو.» ظلت تقلب الأمر في ذهنها طوال فترة العشاء، وخلال الألعاب ~~النارية، وفي أحلامها. # وعندما هبطت الدرج في صباح اليوم التالي لتناول الإفطار كانت المشكلة لا تزال عالقة ~~معها. لم تكن هي والبك يتواصلان أكثر من التحيات والمجاملات الضرورية كالعادة، وأحضر لها ~~السيد كروم الإفطار، وتناولته كالمعتاد، ولكنها ظلت تشعر بالأمر معلقا في سماء الغرفة ~~كما لو كان رأس كركدن محنط صامت. لم تكن قد كذبت ، ولم تخن ثقة أي أحد، ولكنها رغم ~~ذلك ms120 كانت تشعر بأنها ارتكبت خطأ، أو أنها بالأحرى لم تقم بالفعل الصحيح حتى الآن. هل ثمة ~~فرق بين هاتين الخطيئتين؟ تناولا الطعام في صمت وإلينورا تحدق إلى ثمار الفراولة ~~المقطعة وهي تقطر عصيرا أحمر اللون في طبقها. كانت بحاجة إلى أن تقول شيئا، إلى أن ~~تقوم بالفعل الصحيح، ولكنها لم ترغب في أن تشهد شهادة زور ضد الكاهن. وضعت قطعة من ~~الفراولة في شوكتها، ومضغتها حتى ذابت في فمها. # قال البك وهو ينهض عن المائدة: «أيتها الآنسة كوهين، إنني لن أعود إلى المنزل حتى وقت متأخر من ~~هذا المساء، فقد دعيت إلى منزل الحاج بكير.» # حسمت ذكرى إلينورا عن الحاج بكير وعدم نزاهته ومزاجه الحاد بالنسبة إليها؛ الأمر، ~~فأخرجت ورقة وقلما من جيب ردائها. # هل يسمح وقتك بدقيقة؟ فلدي سؤال. # قال البك وهو لا يزال واقفا: «بالطبع، ماذا يدور في خاطرك؟» # فتابعت بعد تردد طويل: «بالأمس كنت في أروقة جناح الحريم»، ونظرت إليه كي تقيم ~~رد فعله. طبقا لمعلوماتها فلم يكن البك يعلم شيئا عن رحلاتها الاستكشافية، وسواء أكان ~~يعلم أم لا، فلم يبد عليه أنه بوغت على الإطلاق لإفشائها ذلك السر. # لقد اكتشفتها بالمصادفة، فأنا أصعد هناك أحيانا عندما أرغب في قضاء بعض الوقت بمفردي، ~~وأنا آسفة لو لم يكن مسموحا لي بالدخول إلى هناك. # فقال: «إنني أتفهم ذلك، هل هذا كل ما رغبت في قوله؟» # فرمقت إلينورا السيد كروم الذي كان يقف بجوار الصوان ويداه خلف ظهره. # كنت في الأروقة عندما رأيت الكاهن. كان ذلك بعد انتهاء الدرس، وكان قد ظل في المكتبة ~~كي يدون بعض خواطره. لم أكن أنوي مراقبته، ولكنني عندما نظرت إلى الأسفل رأيته يتصفح ~~محتويات أحد أدراج مكتب الكولونيل. # فزم البك شفتيه. ~~«هل هذا كل ما في الأمر؟» # لست متأكدة بسبب زاوية الرؤية، ولكنني أعتقد أنني رأيته يأخذ شيئا من الدرج ويضعه ~~في حقيبته. # فتساءل البك وهو مضطرب بطريقة لم ترها من قبل: «ما هو؟ هل هو قلم أم خطاب أم ~~ورقة؟» # شعرت إلينورا ms121 بوخز الندم يجتاحها حتى أخمص قدميها، ورأت أمامها جبلا من العواقب غير ~~المقصودة، جبلا يتداعى تحتها. وللحظة رغبت في أن تتراجع، لكنها لم تستطع، فقد خرج السر ~~منها، وكان عليها أن تخبر البك بكل شيء. # بدت كما لو كانت ورقة، أو ربما بضع ورقات، رزمة صغيرة. # ودون أن يتفوه البك بكلمة أخرى، خطا بخطوات سريعة نزولا من القاعة الرئيسة إلى ~~المكتبة، وتبعته إلينورا ببضع خطوات. # قال البك عندما وصلا وهو يجلس إلى مكتب الكولونيل: «أي درج هو؟ هل تذكرين؟» # فأشارت إلى الدرج العلوي، ونقب البك فيه، وعندما لم يجد ما كان يبحث عنه أزال ~~محتويات الدرج بالكامل. وضع الأوراق على المكتب، ونظر فيها واحدة تلو الأخرى. وعندما ~~انتهى من فحص كل الأوراق، دفن رأسه بين يديه. ~~«لم يكن علي أن أثق به، عميد كلية روبرت يعرض علي تعليم فتاة صغيرة!» # وقفت إلينورا عند المكتب بينما كان البك يتمتم بكلام غير مفهوم ورأسه بين ذراعيه. ~~انتابها شعور بالسقوط في الهاوية، وأن العالم يتهاوى بإرادتها الحرة. وفجأة رفع البك ~~رأسه وأمسكها من كتفيها، ونظر بقوة في عينيها. ~~«هل أنت على يقين تام من أنك رأيته يأخذ ورقة من هذا الدرج؟» # فهزت رأسها وهي تتحاشى النظر إلى عينيه اللامعتين بقسوة. ~~«إنه أمر غاية في الخطورة، وإذا كان ما تقولين صحيحا فلن نتمكن من استضافته في المنزل ~~تحت أي ظرف بعد الآن، ويجب أن تنتهي دروسك، وعلينا أن نقطع كل العلاقات معه.» # توقف البك وأرخى قبضته عنها، وبدا أنه تمالك نفسه. ~~«وفي الوقت نفسه، يجب أن تنتبهي إلى ألا تشهدي شهادة زور، فهي طبقا للنبي محمد على ~~الأقل إحدى الكبائر الأربع.» # نعم، أنا على يقين من ذلك. ~~«إذن، فليس لدينا سوى طريق واحد.» # فكتبت مترددة: أود أن أسأل ماذا كانت تحوي تلك الورقة؟ # أغمض البك عينيه وأخذ عدة أنفاس عميقة قبل أن يخرج ورقة وقلما من الدرج العلوي ~~للمكتب. ~~«ما أخذه الكاهن ليس ذا أهمية كبرى ، ولكن المشكلة أننا لا نستطيع أن نثق به ms122 بعد ~~الآن.» # بينما كانت إلينورا تنظر من فوق كتفه، كان البك يكتب خطابا قصيرا. # عزيزي الكاهن جيمس مولر # أخشى أننا لا نستطيع أن نواصل الدروس التي تعطيها للآنسة إلينورا كوهين. ونظرا لظروف ~~خارجة عن إرادتنا لا يمكننا للأسف أن نناقشها، فإنه علينا إنهاء تلك العلاقة في الحال. لقد ~~استمتعت الآنسة كوهين بالدروس التي كنت تعطيها إياها كثيرا، ونحن نتمنى لك كل خير ~~في المستقبل، ونأمل ألا يكون هذا القرار مصدرا لأي متاعب أو أضرار مفرطة بالنسبة ~~إليك. # المخلص # منصف باركوس بك # قرأ البك الخطاب ونظر إلى إلينورا كي يحصل على موافقتها قبل أن يطويه ويضعه في ~~مظروف. وهكذا انتهت دروسها. كانت تعلم أنها قامت بالفعل الصحيح، كانت تعلم ذلك، ولكنه لم ~~يبد شعورا صحيحا على الإطلاق. فبعد أن حاولت أن تقرأ في المكتبة لبضع ساعات، تناولت ~~الغداء وصعدت عائدة إلى غرفتها، ثم اندست في الفراش وهي تفكر في كلمات الجنرال كرزاب ~~إلى زوجته عن جوهر الحقيقة وماهيتها: «سمكة مراوغة تتلألأ قشورها في الماء، ومحارب شريف ~~معرض للخطر، ولكنها صماء كالرصاص في قاع السفينة.» # استيقظت إلينورا في صباح اليوم التالي على قرع الباب والموسيقى الخافتة للسيدة داماكان ~~وهي تترنم بلحن مألوف. تناثرت أحلامها في الزوايا البعيدة من الغرفة، تحت الأثاث، وفي ~~شقوق ألواح الأرضية. فركت عينيها، ثم تسللت من فراشها وتبعت السيدة داماكان إلى ~~الحمام. كان الهواء معبأ ببخار الماء ورائحة الصابون، وأطل الصباح بوجهه من النافذة ~~التي تعلو الحوض كما لو كان متسولا. شعرت إلينورا بقشعريرة في جسدها وهي تنزلق في ~~المغطس، واقتفت أثر حرف # S # على سطح بلاطة زرقاء مربعة. # رفعت إلينورا ذراعيها إلى حافة المغطس، وأمالت رأسها إلى الخلف وتركت السيدة داماكان ~~تكسو شعرها برغوة من الصابون. لم تكن لديها فكرة عما ستفعله الآن، فبلا دروسها كان المستقبل ~~يمتد أمامها كالأمواج، والأسابيع والشهور تعلو وتهبط في محيط غير متمايز من الوقت. لم ~~تندم على ما فعلته؛ فقد قامت بالفعل الصحيح، ولكنها كانت حزينة على فقدان دروسها، وخشيت ~~أن ms123 يكون اتهامها خاطئا. ربما تخيلت أن الكاهن يفتح ذلك الدرج، وربما كان فضوليا ~~فحسب. استرخت مع حركة الرغوة، وتركت كتفيها تنحنيان للأمام، ولفت ذراعيها حول ركبتيها. وفي ~~شفافية الحمام المعتمة، استطاعت أن ترى الخطوط العريضة لصورتها في المرآة وقد فرك جسدها ~~حتى أصبح وردي اللون، وعلا رأسها برج من الشعر المكسو بالصابون الأبيض كما لو كان كعكة ~~نمساوية، وخطر في بالها ورقة الزنبق وذقنها يلمس سطح الماء. ~~«إلينورا.» # نطقت السيدة داماكان اسمها بعناية، كما لو كان كتابة منقوشة على ظهر تميمة سحرية. رطبت ~~شفتيها بلسانها، وجذبت مقعدها إلى الواجهة الأمامية للمغطس. وكان غطاء رأسها قد أزيح ~~للخلف أكثر من المعتاد، كاشفا عن شعر أبيض خشن تتخلله خصلات من الشعر الأسود. # قالت: «لقد قمت بالفعل الصحيح، لقد قمت بالفعل الصحيح.» # لم تدر إلينورا كيف علمت الخادمة العجوز بما حدث، ولكن تصريحها الشديد الثقة بأن ~~إلينورا قد قامت بالفعل الصحيح قد أزال شكوكها، في الوقت الحالي على الأقل. # رددت السيدة داماكان: «لقد قمت بالفعل الصحيح.» # وعندئذ وقفت وجذبت السدادة، ثم جمعت أغراضها سريعا وتركت إلينورا وحيدة تراقب مياه ~~الاستحمام وهي تدور في دوامة وتهبط في المصرف. وعندما اختفت المياه الرمادية العكرة، ~~سرت قشعريرة من كتفيها إلى ركبتيها، وانتصب شعر جسدها بأكمله. # | الفصل السادس عشر # لم يغير انتهاء دروس إلينورا كثيرا من روتينها اليومي، فظلت تستيقظ في الموعد نفسه، ~~وتستحم ثم تنزل من غرفتها كي تتناول الإفطار مع البك، وتقضي أمسياتها غالبا جالسة في ~~مقعدها أو على مكتب الكولونيل وهي تلف خصلة من شعرها حول أصبعها بينما تقرأ. كانت مكتبة ~~البك ضخمة بما يكفي كي تشغلها لعدة أعوام مقبلة على الأقل، ولكن دون أن يكون الكاهن مولر ~~خلفها ودون الحث المستمر من معلمها، وجدت التركيز صعبا بالنسبة إليها. وبينما كانت ~~تقرأ وهي تتجول في سجلات التاريخ القديم والخطابة، مستخرجة المنافسات والنزاعات ~~التافهة الخاصة بالقرون الماضية، كانت أفكارها كثيرا ما تشرد بعيدا عن النص الموجود في ~~متناول يدها. حتى القراءات الخفيفة؛ مثل مجموعة الروايات ms124 البوليسية التي وجدتها بجوار ~~«الأعمال الكاملة لبلزاك»، كانت تجد صعوبة في الانتباه الكامل إليها. # ورغم أن مسألة الكاهن مولر كانت قد حسمت تماما، فقد استعادتها إلينورا مرة تلو ~~الأخرى. كانت تحدق إلى ورق الحائط أمامها وتسترجع ذكرى الحادث؛ الدرج المفتوح والكاهن ~~ينادي اسمها قبل أن يغادر الغرفة. كانت تعلم أن دورها في الأمر لا يستحق اللوم، فلا ~~شك أنها قد رأت الكاهن يفتش درج الكولونيل، ولا شك أنه قد وضع ورقة أو رزمة من ~~الورق في حقيبته، ولا شك أنها قد قامت بالفعل الصحيح عندما أخبرت البك. أخبرت نفسها أن ~~الأمر ليس معقدا، فقد سرق الكاهن مولر شيئا؛ ومن ثم فإن البك لم يعد يرغب في ~~استضافته في منزله، ولكن ما زال شيء ما في الأمر يزعجها؛ فلم تفهم السبب الذي دفع ~~الكاهن إلى سرقة شيء من البك في المقام الأول، ولا السبب في أن رد فعل البك كان بتلك ~~الحدة. ربما كان ذلك تأثير الروايات البوليسية التي كانت تقرؤها، أو ربما كان شعورها ~~الطبيعي بالفضول. وبصرف النظر عن مصدر ذلك الشعور، فلم تستطع إلينورا أن تتخلص من فكرة ~~ارتباط قضية الكاهن مولر بطريقة ما بالشاب الغريب في مقهى أوروبا، وربما أيضا بالرسالة ~~المشفرة التي أراها إياها قبل طرده ببضعة أسابيع. # في تلك الفترة، بين انتهاء دروسها ونهاية شهر رمضان، بدأ البك يقترح عليها القيام بعدة ~~رحلات قصيرة في أنحاء المدينة. فعندما كانا يتناقشان بشأن هوميروس، كان يذكر لها أن ~~أطلال طروادة قد اكتشفت مؤخرا على مسيرة أقل من يوم واحد من إسطنبول. وإذا وجهت ~~إليه سؤالا عن المهندس المعماري سنان، كان يمدح التصميم الداخلي لمسجد السلطان أحمد. ~~وأشار أكثر من مرة إلى منظر المدينة الرائع من أعلى قلعة روميليا، مضيفا أنها تعد ~~إلى حد بعيد أفضل مكان للتنزه في إسطنبول. ولكن لما كان منصف بك لا يرغب في الضغط ~~عليها، فلم يقترح مباشرة القيام بأي من تلك الرحلات، ولم ترفض إلينورا مباشرة أيضا. ~~ظل كل منهما يلمح ويعترض، ثم ms125 يعود مرة أخرى إلى نفس الموضع، كما لو كانا ملكا ورخا ~~في حصار أبدي في لعبة الشطرنج. كان البك يمتدح جمال اليوم، وإلينورا تهز رأسها بينما ~~فكرها مشغول بأمور أخرى. # وذات مساء، بينما كان شهر رمضان يوشك على الانتهاء، كانت إلينورا تجلس إلى مكتب ~~الكولونيل في المكتبة تقرأ كتابا لأرسطوفانيس. كانت السماء تمطر في الليلة الماضية، مجرد ~~عاصفة صيفية قصيرة. ولذلك فتحت السيدة داماكان الستائر حتى غمر ضوء الأصيل الغرفة، ~~مضفيا على الأثاث وصفحات الكتاب الذي في يديها صبغة غير معهودة من الكآبة: # أي هموم لم تنخر في قلبي؟ وكم كانت قليلة المتع في حياتي! أربعا تحديدا، بينما ~~متاعبي لا تعد ولا تحصى كعدد حبات الرمل على الشاطئ. # تنهدت إلينورا ونظرت إلى ورق الحائط الذي يمتد أمامها. كالعادة، كان هو التصميم نفسه ~~الأحمر الداكن المزركش ذا الشرائط الذهبية، ولكنها عندما حدقت إليه لاحظت للمرة الأولى ~~مجموعة من السيوف الذهبية الدقيقة المتناثرة عبر ورق الحائط المزركش. أمالت مقعدها إلى ~~الخلف حتى استقر على قائمتين فحسب كي تتمكن من ملاحظة ورق الحائط على نحو أفضل، فخدشت ~~ركبتها في جانب المكتب. نظرت للأسفل واستقرت عيناها على المقبض النحاسي المقوس ~~للدرج الأيسر، وتساءلت، وهي تحك ركبتها، كما تفعل دائما عما كان يبحث عنه الكاهن وما ~~إذا كان قد وجده أم لا. ولكن ذلك المساء لأسباب لا تستطيع شرحها حتى لنفسها فعلت ما هو ~~أكثر من التساؤل؛ فقد دفعت مقعدها بعيدا عن المكتب، ولفت أصبعين عبر مقبض الدرج ~~وجذبته. توقعت أن تجده موصدا، ولكنه فتح بسهولة، وهناك وجدت رزمة من الخطابات ~~مربوطة بعناية بخيط، كما لو كانت عشا من الطيور مختبئا وراء الجدار الأعلى ~~لكنيسة. # نظرت إلى باب المدخل، ثم فكت الخيط وسحبت الخطاب العلوي. كان مظروفا مربعا سميكا ~~يحتوي على دعوة موجهة إلى السيد منصف باركوس، وعنوان المرسل بارز على الغلاف الخلفي: ~~القنصلية الأمريكية في بيوجلو، وتحت تلك الكلمات صورة نسر يحمل العالم في مخالبه. رفعت ~~الغلاف وضغطت على حواف الخطاب حتى انزلقت الدعوة. ms126 «مطلوب حضور حامله في حفل تنكري في ~~القنصلية الأمريكية.» وأسفل الدعوة كان مدونا تاريخ أكتوبر 1883 منذ عامين تقريبا. ~~وضعت إلينورا الدعوة جانبا، ورفعت رزمة الخطابات بأكملها. كانت خليطا من المراسلات ~~الشخصية وبضع دعوات وخطابين رسميين من القصر، لا شيء فيهما يهم. كانت على وشك ~~العودة لأرسطوفانيس، عندما وجدت في قاع الرزمة خطابا لا يشبه الخطابات الأخرى. # كان مغطى بالبصمات الزيتية والغبار، مما أعطاه طابعا ريفيا. لم يكن ثمة طابع بريدي ~~أو عنوان مرسل، والدليل الوحيد على وجهته تلك الكلمات: «منصف باركوس بك، حاملته إليك ~~السيدة داماكان.» حملت إلينورا الخطاب أمام أنفها واستنشقت رائحة مألوفة، رائحة طريق ~~ريفي مدفونة في أعماق ذاكرتها. لم يكن هذا هو ما بحث عنه الكاهن بالطبع، ولكن الرائحة ~~لمست وترا بداخلها كما فعلت اليد الصغيرة المترددة في مقدمة الخطاب. أعادت بقية ~~الرزمة مكانها وأغلقت الدرج، ثم جلست مستقيمة وجذبت مقعدها نحو المكتب. أخرجت الخطاب ~~من مظروفه وتركته يسقط على ورق النشاف. كان ورقه مصفرا عند الحواف ومطويا على هيئة ~~مربع، وكان من ورقتين مغطاتين من الأمام والخلف بخط رديء متلهف. ~~«أيتها الآنسة كوهين.» # قبل أن ينطق منصف بك باسمها، سمعته إلينورا وهو يتنحنح، وأدركت من صوته أنه كان ~~يراقبها منذ فترة. اتجه إلى الجانب الآخر من الغرفة واتكأ على حافة مكتب الكولونيل، ~~فرأى الخطاب. كان ينظر إليه مباشرة، ولكن فيما عدا نظرته فإنه لم يعترف بوجوده. # سألها وهو يشير نحو الكتاب: «ماذا تقرئين؟» # فأدارت كعب الكتاب نحوه حتى تمكن من قراءة الاسم: «أرسطوفانيس.» # لم تجد ما تفعله بيديها، فعدلت الكتاب وحركته إلى وسط المكتب. # قال البك: «إنني أفكر في القيام برحلة إلى قلعة روميليا، سوف يكون ذلك ~~لطيفا.» # فهزت إلينورا رأسها وهي غير واثقة مما كان ينتويه من وراء تلك المحادثة، ولكنها سعدت ~~أنها لا تتعلق بالخطاب الموجود فوق النشاف. # فتابع قائلا: «إن الزهور البرية تتفتح، وليس لدي مواعيد أخرى هذا المساء. إنها مسافة ~~قصيرة، ويمكننا أن نأخذ معنا وجبة خفيفة.» # ألقت إلينورا نظرة على ms127 المكتبة ذات الستائر الحمراء المخملية التي تحجب الهواء ~~ومجسمات الكرة الأرضية والسجاد وأرفف الكتب التي يعلو بعضها بعضا. كم ساعة قضتها في ~~تلك الغرفة؟ كم صفحة قرأت؟ كان البك يرغب بشدة في الذهاب معها إلى قلعة روميليا، وهي تدين ~~له بذلك على الأقل، أليس كذلك؟ # سألها: «ما رأيك؟ هل ترغبين في الذهاب إلى قلعة روميليا اليوم؟» # نعم، سوف تكون نزهة لطيفة. # أعادت الكتاب مكانه على الرف، وفي خلال ساعة كانا قد انطلقا بمحاذاة الشاطئ الغربي ~~للبوسفور في اتجاه المصب الضيق للمضيق. كان يوما رائعا بالفعل؛ فشمس الأصيل تخبو، ~~وأرنب أبيض وبني اللون يقفز على جانب الطريق. وضعت إلينورا رأسها عند الساتر الشبكي، ~~فأمكنها أن ترى لمحات من سربها وهو يحلق فوقها. وكما وعد البك، فقد كانت مسافة ~~قصيرة. # قال وهما يتوقفان: «هذه هي قلعة روميليا. من ذلك البرج حاصر السلطان محمد الفاتح ~~إسطنبول واستولى على المدينة من البيزنطيين منذ أكثر من أربعمائة عام.» # كانت قلعة روميليا برجا حجريا قصيرا يرتفع على نحو عشوائي بين كومة من الأنقاض ~~والكلأ، ولم تبد للوهلة الأولى ذات قيمة على الإطلاق. ولكن عندما ترجلا وسددا النقود ~~للحارس وتسلقا السلالم المقوسة حتى وصلا إلى تاجه المحزز المزود بفتحات ~~للرمي، أدركت إلينورا أن البرج نفسه لا يهم، ولكن ما أضفى على قلعة روميليا أهميتها ~~موقعها عند مصب البوسفور والميزة التي يوفرها ذلك الموقع. في ذلك الوقت من العام، كانت ~~ساعة قلعة روميليا مغطاة بالزهور البرية الزرقاء الفاتحة، ونبتت باقات من الكلأ في شقوق ~~الحجر. كانت حرارة النهار قد هدأت حدتها، وهب نسيم خفيف من جهة البحر. وبينما كان ~~البك يعد الوجبة التي سيتناولانها في الهواء الطلق، والتي كانت تتكون من اللحم البارد ~~والخبز والجبن والزيتون، اندفعت الهداهد من مئذنة أحد المساجد القريبة وامتدت بطول المضيق، ~~وظلت رقعة من اللون الأرجواني تنكمش وتتمدد في مقابل سماء برتقالية زاهية كما لو ~~كانت رئة سماوية. لم تكن إلينورا على يقين مما تود الهداهد قوله ، ولكنها شعرت بوضوح أن ~~سربها يتحدث ms128 إليها. وبعد أن عبرت الطيور الماء عدة مرات، تفرقت في أيكة من أشجار ~~الصنوبر خلف أوسكادار. # استنشقت إلينورا نفسا عميقا وتركت المدينة تغمرها، فبدلا من المنظر المحدود الخالي ~~من الحياة التي كانت تراه من نافذتها البارزة، رأت تلك المدينة وهي نابضة بالحياة وتعج ~~بالبشر والصياح والموسيقى ورائحة الخبز. فهناك قبة المسجد الجديد التي على شكل ~~سلحفاة، والمآذن المدببة لمسجد السلطان أحمد، ومنزل البك الذي يحمل اللونين الأصفر ~~والأبيض، وعند ملتقى المياه يوجد قصر السلطان؛ الجوهرة التي تقع في قمة القرن الذهبي ~~بحوائطه الرخامية البيضاء اللامعة وأبراجه البلورية وحدائقه المزينة بزهور الوستارية. ~~عضت باطن وجنتها بينما كان آخر شعاع للشمس يختفي خلف منحنى التل ويطلي حوائط القصر ~~باللون البرتقالي الفاتح المائل نحو الوردي. وعندما اختفى آخر شعاع للشمس، انطلق صوت ~~مدفع من الجانب الآخر للمياه. # قال البك وهو يشير إليها أن تجلس وتشاطره الطعام: «منذ عدة سنوات حظيت بشرف زيارة ~~القصر.» # أعد لها طبقا وسلمها إياه عبر الغطاء الذي افترشه على الأرض المخصص لتلك ~~النزهات. ~~«ولكنك ربما تعلمين ذلك بعد قراءتك للخطابات اليوم.» # توقف ووضع ثمرة زيتون في فمه. ~~«عندما عرضت للمرة الأولى أن أستضيفك أيتها الآنسة كوهين، لا يمكنني القول بأنني كنت ~~مدفوعا بشيء سوى الواجب والوفاء لذكرى والدك. ولكن رغم أن الشهور الماضية كانت صعبة من ~~نواح عديدة، فقد أثبتت أنها من أمتع الأوقات التي يمكن لعجوز عزب مثلي أن يتذكرها.» ~~وتابع قائلا: «أي إنني مستاء من اختلاسك النظر في مراسلاتي، رغم أنني أتفهم الدافع. ~~إنني مدرك أن لديك عددا من الأسئلة حول الخطابات وقضية الكاهن مولر، ولكن قبل أن ~~تتوجهي بتلك الأسئلة أود أن أوضح لك بعض الأمور بقدر الإمكان.» # أخذ قضمة من الشطيرة التي صنعها لنفسه وابتلعها. ~~«هل قرأت شيئا لجان جاك روسو؟» # فهزت رأسها. # فأخذ البك يوضح: «عندما كنت شابا فتنت بأفكار روسو؛ العقد الاجتماعي والمجتمع ~~المدني والإرادة العامة للناس وما إلى ذلك. يمكنك القول إن أفكاره كانت مصدر إلهام بالنسبة ~~إلي، ولم أكن وحدي؛ ففي ms129 ذلك الوقت كان ثمة عدد من الشباب مثلي من أبناء رجال الأعمال ~~والمسئولين الحكوميين وضباط الجيش وملتزمي الجباية الذين تلقوا أفكار روسو وأشربوا بها ~~تماما. كونت مجموعة للقراءة تلتقي مرة شهريا، وأصبحت محبوبا بشدة، وكنت أكتب أيضا ~~عددا من المقالات القوية في الصحف مدافعا عن حقوق الإنسان.» # نظر البك في عينيها كي يتأكد من أنها تتابعه. ~~«وكنتيجة مباشرة لروسو ودفاعي عن آرائه أرسلت إلى كونستانتسا، وفي ذلك الوقت كنت ~~عضوا في البرلمان، وكان والدي رجل أعمال ذا شأن؛ حيث كان أحد كبار موردي المنسوجات إلى ~~الجيش. فبدلا من أن يضعني السلطان في السجن كما كان يحب أن يفعل بلا شك، كرمني بمنصب ~~دبلوماسي عند أطراف الإمبراطورية.» # فهزت إلينورا رأسها معبرة عن فهمها. ~~«قابلت والدك في كونستانتسا، وكونت العديد من علاقات العمل المهمة. ولكن قدر ~~استمتاعي بالحياة هناك، فإن إسطنبول هي وطني. وهكذا فعندما هدأ المناخ السياسي عدت مرة ~~أخرى. عدت شريطة ألا أشارك في السياسة مرة أخرى. وبالفعل لم أشارك. ما زلت أحتفظ بآرائي ~~نفسها، ولكن أساليبي تغيرت. فمنذ أن عدت والصدر الأعظم يراقب تحركاتي من كثب، ~~ويمكنني أن أؤكد لك أن شكوكه لا أساس لها من الصحة. إنني لا أدعو إلى ثورة على الدستور، ~~ولم أقم بذلك على الإطلاق من قبل، ولكنني أفهم السبب الذي ربما يدفعه إلى الرغبة في ~~مراقبتي، بسبب ماضي واللغط الذي أثير حول حادث السفينة. ولكنني رغم ذلك لم أشك في ~~الكاهن، ولا أدري لماذا فعل ذلك. ولكن إذا نظرت إلى الأمر بأثر رجعي فإنه يبدو ~~منطقيا. لست أدرى ما إذا كان يعمل لحساب القصر أو الأمريكيين أو كليهما، ولكن على أي ~~حال فلا يمكننا أن نستمر في الدروس. إنك تفهمين الأمر، أليس كذلك؟» # ابتلعت إلينورا طعامها ونظرت إلى البك. كانت تفهم ما يقول، ولكن طنين الأسئلة في عقلها ~~كان كمجموعة من الحشرات محبوسة في برطمان من المخللات. # | الفصل السابع عشر # بينما كان الكاهن يقترب من بوابة السلام، أخرج منديلا من جيب سترته ومسح العرق ms130 عن ~~جبهته. كانت تلك زيارته الأولى للقصر، ورغم أنه حاول جاهدا ألا يندهش بما يراه، فقد ~~اندهش بالفعل. كانت البوابة محاطة من الناحيتين بزوج من الأبراج الحجرية الضخمة، ولكن ~~الضخامة الشديدة للبوابة ورقة النقوش التي تزينها عكست الترحيب والعداء القوي في آن ~~واحد، وهو ما بدا له منطقيا. ورغم أنه افترض أنه موضع ترحيب في القصر، فإن المرء لا ~~يعلم متى يتبدل هذا الترحيب. طوى الكاهن منديله إلى أربعة أقسام وأعاده إلى جيب سترته، ~~وبينما كان يفعل ذلك اقترب منه الحراس ذوو المعاطف الأرجوانية وأشهروا أسلحتهم في ~~وجهه. # فتذمر قائلا: «بوابة السلام مغلقة في وجه الزائرين»، غافلا على ما يبدو عن ~~المفارقة الكامنة في هذه الفكرة. # ولكن عندما ذكر الكاهن اسم جمال الدين باشا، خفض الحارس سلاحه وتنحى جانبا، فلم يكن ~~أجنبي يقابل الصدر الأعظم بالشخص الذي يرغب المرء في إهانته. وأشار الحارس إلى حارس آخر ~~متمركز عند قاعدة المتراس، فرافق الكاهن مولر عبر سلسلة من الأبواب الخشبية السميكة إلى ~~الصومعة الداخلية للساحة الثانية بالقصر. # وعندما أصبح داخل حوائط القصر، اختفى التزاحم والفوضى اللذان يميزان إسطنبول. ظل يشعر ~~بحضور المدينة، كالقمر الذي يتدلى معلقا في سمائها الشاحبة، ولكن شئون القصر كانت ~~تنتمي لعالم آخر أكثر رقة. استمع الكاهن إلى تقطر الماء البارد على الرخام، ولمح ~~طائرا يعد العش قبل أن يحل الليل، واستنشق الرائحة الخافتة لأزهار الخطمي وهي ~~تتفتح. كانت حركة المرور في الساحة الثانية قليلة بينما كان الدبلوماسيون والطهاة ~~والموسيقيون ينصرفون قبل حلول الليل، سواء إلى عائلاتهم أو إلى المقاهي أو إلى أي ملهى ليلي. ~~وجه الحارس الذي رافقه عبر البوابات بضع كلمات إلى رسول السلطان الذي قاده صعودا في ~~إحدى الطرق المحاطة بالأشجار التي تتشعب من بوابة السلام. حتى ذلك الحين، كانت مقابلات ~~الكاهن مع الصدر الأعظم تتم في نهاية كل شهر في موقع سري مثل مقبرة أو حمام عام ~~خال. ولم تكن لديه فكرة عن سبب رغبة جمال الدين باشا في قدومه إلى القصر شخصيا. ربما سمع ms131 عن ~~طرده من عند البك، وربما كانت معاملاته الأخيرة مع الروس، أو ربما لا شيء. قد يكون الصدر ~~الأعظم متكاسلا عن مغادرة القصر فحسب. وبهزة رأس أومأ رسول السلطان إلى مجموعة أخرى من ~~الحرس لإفساح الطريق، وقاد الكاهن مولر عبر دهليز رخامي تصطف على جانبيه الأسلحة العتيقة. ~~وطبقا للرسول فإن تلك هي القاعة الكبرى لمجلس الوزراء، أما غرفة المقابلات الخاصة بجمال ~~الدين باشا فإنها تقع في نهاية القاعة إلى اليسار. # قال الرسول قبل أن يهرول مختفيا في إحدى الزوايا: «سوف تعرفها عندما تراها.» # وبالفعل فقد حدث ذلك. لم تكن مساحة غرفة المقابلات تزيد عن إحدى حجرات الدراسة في كلية ~~روبرت، ولكن سقفها ارتفع عاليا ككنيسة. وأمام الحائط البعيد أريكة مربعة من خشب ~~الماهوجني يتكئ عليها الصدر الأعظم. كان رجلا عصبيا يرتدي عباءة من الحرير الأبيض ~~وعمامة خضراء، ولديه هيئة حيوان قارض وعينان بلون العنب غير الناضج. وعندما دخل الكاهن مولر ~~الغرفة، نهض قليلا كنوع من التحية. ~~«مرحبا يا صديقي، أرجو أن تكون قد وصلت إلى هنا دون مشقة.» # فقال الكاهن: «نعم، أشكرك، فالحراس شديدو التعاون.» # شبك الصدر الأعظم يديه معا، وتجعد أنفه كما لو كان يفكر في تقلبات تلك الإجابة. ~~ركز تماما على ضيفه، ولكنه لم يعرض عليه الجلوس. وفي حقيقة الأمر، لاحظ الكاهن أنه ~~لا توجد مقاعد. لم يعرف ما إذا كان هذا ازدراء مقصودا أم لا، ولم يهتم أيضا. # سأله جمال الدين باشا: «هل ترغب في تناول كوب من الشاي؟ أم القهوة؟» ~~«كلا، شكرا لك.» # فألح قائلا: «إن القهوة في مطبخ القصر من أجود أنواع البن في العالم. أؤكد لك أنك ~~لن تندم.» # فقال الكاهن وهو يعدل ياقة ثوبه: «نعم، يمكنني أن أتخيل، ولكنني رغم ذلك أمتنع؛ فأنت ~~تعلم أنني أعاني من الأرق، وإذا تناولت القهوة الآن فلن أتمكن من الخلود إلى النوم. آمل ~~ألا ترى في ذلك إهانة.» ~~«كلا على الإطلاق.» # ربت الصدر الأعظم على جانب أنفه، ووجه بضع كلمات إلى أحد الحراس الذي اختفى عبر باب ms132 ~~مختبئ في الحائط الخلفي. ظلا صامتين حتى عاد الحارس بعد مرور بضع لحظات وهو يحمل كوبا ~~واحدا من الشاي على شكل زهرة توليب على صينية من الفضة. # قال جمال الدين باشا وهو يقلب ملعقة من السكر في الكوب: «والآن أظن أنك قد سمعت ~~أخبار موقفنا مع الروس.» # فقال الكاهن: «نعم، قرأت خبرا عنه أمس في الجريدة.» ~~«وأنا على يقين من أنك تتخيل مدى انزعاجنا من التلميحات التي وردت في تقرير القيصر. ~~ولكن إجمالا ليس ذلك أمرا ذا شأن خطير، ونود لو ننتهي منه بأسرع ما يمكن.» # فغمغم الكاهن تعبيرا عن موافقته. ~~«بالطبع، لا يمكننا الموافقة على مطالب القيصر.» # فقال الكاهن: «بالطبع لا.» # فقال الصدر الأعظم بلهجة تثير تساؤلا: «إن تهديداته خاوية.» ~~«يبدو أنها كذلك.» ~~«نرغب في التأكد من ذلك. أعتقد أنك لا تملك معلومات تساعدنا في تقييم احتمال تعرضنا ~~للانتقام في حالة رفض دفع التعويض الذي يطالب به.» # فقال الكاهن: «أجل، للأسف لا أعلم.» ~~«وليست لديك علاقات بالروس يمكننا استغلالها للحصول على مزيد من المعلومات؟» # فشبك الكاهن يديه أمامه. يبدو أن جمال الدين باشا يعلم بأمر اتصاله الأخير بالروس، ولكن ~~آخر ما يرغب فيه هو إدارة التفاوض بين هاتين الإمبراطوريتين الشرستين. ~~«ليس بينهم من يمكنه أن يفيد القصر.» # فابتسم جمال الدين باشا وربت على طرف أنفه. # ثم قال: «حسنا، أخبرني كيف تجري الأمور الأخرى؟» # فأجاب الكاهن: «بخير، ما زالت كلية روبرت كما هي، والمقال الذي كتبته عن الشعائر الدينية ~~لليزيديين قد حقق نجاحا، وثمة مجلد جديد من ترجماتي على وشك أن يصدر قريبا.» # هز جمال الدين باشا رأسه وحدق للأسفل إلى طيات عباءته، وزم شفتيه كما لو كان ~~يفكر في مسألة أخلاقية محيرة، ثم نظر لأعلى مرة أخرى إلى الكاهن مولر. ~~«يبدو أنك لا تحمل لي أي معلومات جديدة سوى أنشطتك الأكاديمية.» # فقال: «نعم، إنه كذلك بالفعل.» ~~«وماذا عن منصف باركوس بك؟» # ففك الكاهن تشابك يديه ووضعهما إلى جانبه. ~~«حسنا، لقد وقع تطور مؤسف في الأحداث فيما يتعلق بمنصف بك.» ms133 ~~«ماذا حدث؟» ~~«لقد قرر منصف بك والآنسة كوهين مؤخرا الاستغناء عن خدماتي باعتباري معلما ~~خاصا.» ~~«ولم ذلك؟» # توقف الكاهن كي يستجمع أفكاره. ~~«لظروف خارجة عن إرادتهما، هذا ما قالاه.» ~~«ألا تعلم ما تلك الظروف؟ ألم تطالبهما بمزيد من المعلومات؟» # لقد أبلغاني بذلك القرار في خطاب ذكر فيه بلهجة لا تحتمل الشك أنهما لا يستطيعان ~~مناقشة الظروف التي أدت إلى ذلك القرار. يبدو أنها أزمة مالية. # فضغط الصدر الأعظم على قصبة أنفه بين إبهاميه. ~~«هل يمكنك التفكير في أي سبب آخر يدعو إلى طردك؟ هل يمكن أن يكون منصف بك قد شك ~~في نواياك؟» # فقال الكاهن: «هذا ما تخيلته في بادئ الأمر.» # وعاد تفكيره إلى الحادث الذي وقع في ذلك المساء في المكتبة، فربما شاهده أي شخص وهو ~~يأخذ الأوراق من المكتب، مثل الآنسة كوهين أو السيد كروم أو السيدة داماكان. ولكن حتى إذا ~~كان أحد قد شاهده، أو حتى إذا كان يعلم يقينا أنه طرد بسبب التجسس، فلن يخبر الصدر ~~الأعظم بذلك. # تابع الكاهن قائلا: «بعد أن فكرت كثيرا في أنشطتي، توصلت إلى أنه لا يوجد ما يدعو ~~منصف بك إلى الشك في أمري.» ~~«لا يوجد أي شيء يعتمل في ذهنك؟» # فقال بعد توقف طويل يوحي بالتفكير العميق: «أجل، لا شيء.» # فقال جمال الدين باشا: «حسنا، إنه أمر يدعو للأسف. ولكن لحسن الحظ لدينا أناس آخرون ~~يراقبون منصف بك، أناس آخرون شديدو القرب منه.» # توقف كي يحتسي رشفة من الشاي، متيحا للكاهن فرصة للتساؤل عن هوية هؤلاء الواشين ~~الآخرين. ~~«والآن أخبرني ماذا تعلم عن الطالبة؟» ~~«الآنسة كوهين؟» ~~«نعم، الآنسة كوهين. لقد ذكرت من قبل أنها موهوبة نوعا ما.» # فأرخى الكاهن قبضته عن يديه المتعرقتين، سعيدا بانتهاء المجموعة السابقة من ~~الأسئلة. ~~«إن الآنسة كوهين تتمتع بقدرة خارقة على تعلم اللغات، وذاكرة شبه مثالية، وفهم للتاريخ ~~والفلسفة يفوق عمرها كثيرا. إنه أمر استثنائي بالفعل، فمنذ بضعة أسابيع سردت الكتاب الأول ~~بالكامل من الإلياذة من الذاكرة، وأعتقد أنني ذكرت أنني أنوي كتابة مقال ms134 عنها.» ~~«نعم، أعتقد أنك قلت ذلك بالفعل.» ~~«سيكون الأمر صعبا الآن بعد أن انتهت دروسنا، ولكنني أثق في أن لدي المعلومات الكافية ~~كي أستمر.» # ارتشف الصدر الأعظم رشفة أخرى من الشاي. ~~«هل يمكنك التفكير في أي طريقة يمكننا بها الاستفادة من الآنسة كوهين في ~~القصر؟» # عدل الكاهن مولر وقفته ناظرا للأرض كي يفكر. لم يرغب في توريط إلينورا في الصراعات ~~السياسية في القصر، ولكنه يرغب في المقام الأول في الحفاظ على مصلحته هو؛ فقد رأى ما يحدث ~~للجواسيس الذين يفقدون أهميتهم، وكانت لديه الكثير من الأمور التي يخفيها عن جمال الدين ~~باشا. # فاسترسل قائلا دون أن يدري كيف ينهي الجملة: «يمكنك ... يمكنك أن تستعين بها في مكتب ~~الترجمة.» ~~«لدينا بالفعل مترجمون أكثر مما نحتاج.» # فقال الكاهن: «إذن، فهل لديكم خبراء لفك الشفرات؟» ~~«نعم.» ~~«وهل ثمة أي شفرات لم يتمكنوا من فكها؟» # اتكأ الصدر الأعظم للخلف على وسائد الأريكة كما لو كان يمعن النظر في العرض. ~~«توجد بضع شفرات مستعصية.» ~~«بقليل من التدريب سوف تصبح الآنسة كوهين خبيرة ماهرة في فك الشفرات، سوف يصبح فك ~~الشفرة بالنسبة إليها في نفس سهولة تعلم لغة جديدة.» # فقال جمال الدين باشا وهو يدون بضع كلمات في المفكرة السوداء الصغيرة التي يحتفظ بها ~~دائما: «وماذا عن أقاربها؟ أعلم أنها تعيش مع منصف بك، ولكن هل لديها أي أقارب في ~~كونستانتسا؟» # فقال الكاهن مولر: «والدها متوفى، وأعتقد أنني سمعت ذات مرة ذكرا لخالة أو زوجة أب، ~~ولكنها هامشية التأثير.» # فتساءل الصدر الأعظم: «هل من شيء آخر يجب أن نعرفه عنها؟ ما هي انتماءاتها ~~السياسية؟» # فقال الكاهن: «حسب معلوماتي ليس لها أي انتماءات سياسية، فهي ما زالت مجرد ~~طفلة.» ~~«نعم، أفترض ذلك.» # فقال الكاهن: «ثمة شيء واحد آخر ربما تود معرفته عن الآنسة كوهين. إنها تحتفظ بخواطرها ~~ومشاعرها لنفسها، وهي خصلة استشرت فيها عن طريق رفضها الحديث.» # رفع جمال الدين باشا حاجبيه مشجعا الكاهن على استكمال حديثه. ~~«إنها لم تتفوه بكلمة منذ وفاة والدها في الحادث.» # حرك ms135 جمال الدين باشا شفتيه قليلا ثم كتب بضع ملاحظات أخرى في مفكرته ونهض واقفا. ~~يبدو أن المقابلة انتهت. أخرج رزمة من جيب عباءته وسلمها إلى الحارس الأقرب إليه، الذي ~~اتجه بدوره إلى الناحية الأخرى من الغرفة وأعطاها إلى الكاهن. # قال الصدر الأعظم: «آمل أن يعوضك هذا عن متاعبك، يجب أن يغطي الدخل الذي فقدته بانتهاء ~~الدروس، بل يزيد عليه.» # كانت الرزمة الجلدية الصغيرة تبدو أثقل من المعتاد. ~~«شكرا لك يا جمال الدين باشا، ذلك من دواعي سروري.» # تابع الصدر الأعظم قائلا: «إذا علمت أي شيء آخر عن منصف بك أو الآنسة كوهين، ~~فيرجى إخبارنا به في الحال، وفيما عدا ذلك فسوف نتصل بك نحن عندما نحتاج إلى ~~خدماتك.» # وبينما كان مضمون تلك الكلمات يتكشف للكاهن ببطء، رافقه أحدهم إلى الباب نزولا إلى ~~القاعة الكبرى لمجلس الوزراء إلى مخرج سري يقوده إلى خارج أسوار القصر. اختبأ خلف ~~الواجهة المظلمة لمحل أسماك مغلق على مصراعيه، وفتح الرزمة فوجد فيها خمسة عشر ~~جنيها، وهو ثلاثة أضعاف أجره العادي. يبدو أنه قدم لجمال الدين باشا شيئا ~~مهما. # | الفصل الثامن عشر # إنها تجدف في الحلم، والسحب ذات لون أرجواني ترابي، والنجوم خلفها ترتجف كقنديل ~~البحر، وثمة حشد من الناس اصطف بمحاذاة الشاطئ. إنهم يحاولون إخبارها بشيء ما، ولكنها ~~لا تنظر خلفها؛ فلو نظرت خلفها سيؤدي ذلك إلى تباطئها وهي بطيئة بالفعل. إن معها رسالة ~~للشخص الموجود في البرج، والرسالة مكتوبة على ورقة في يدها، وهي تجدف. # تبدو محطة حيدر باشا كعملاق ينام على حافة الأفق، كائن خرافي بعين واحدة يرقد في فتحة ~~كهفه ثم ينهض متثائبا. وتلك الممرات كالعروق التي تصل بين الأصابع والقلب، والقطارات ~~كالذراعين، والساعة هي عينه. وخلف المحطة توجد جزيرة بها برج أبيض مربع يبدو كالسجن، وهو ~~المكان الذي تقصده حاملة رسالتها. يغمز لها القمر بعينه، فتفهم الإيماءة. # إنه كيز كولاسي، برج العذراء، هكذا تعتقد. فالاسم يعلق بذهنها كالحلوى اللزجة، وتحاول ~~أن تتذكر قصة البرج. ثمة فتاة ووالدها السلطان، وثمة لعنة وأفعى ms136 سامة وسلة من العنب. ~~حبست الفتاة في البرج، وربما كانت أفروديت لها علاقة بالأمر، أم أن تلك قصة أخرى؟ هل يهم ~~ذلك أصلا؟ هي الآن تجدف عبر المضيق ذي القمم العنيدة والأمواج التي تحفل بقناديل البحر، ~~فهل تهم القصة؟ # الغريب في الأمر أنها لا تتذكر الرسالة، ولا تذكر ما من المفترض أن تقوله للشخص ~~المحبوس في البرج، ولم عليها أن تقوله، ولكنها تعلم أنه أمر هام، وهي تعلم أن الرسالة ~~مكتوبة على ورقة تحملها في يدها. تعبر محطة حيدر باشا ثم تقفز سمكة خارج الماء وذيلها يقطر ~~ماء، ثم تظهر سمكة أخرى ثم ثالثة، ثم تصبح المياه حية تعج بالسمك. ينثر السمك عليها ~~الماء وهو يتخبط كالممحاة المطاطية، وتجدف هي بأقصى طاقتها مرورا بمحطة القطار، عبر ~~السمك والمياه البطيئة. # جنح قاربها محدثا صريرا، وترنح البرج الشاحب الشديد الرطوبة كما لو كان ~~سكيرا يطعن الليل بعصاه. وعندما سمعت صرير قاربها وهو يجنح، رأت سربها؛ مئات ~~الهداهد الأرجوانية والبيضاء التي تدور في دوامات كآلات الكمان. إنها تقول شيئا، تحاول ~~إخبارها بشيء، ولكن حتى إذا أمكنها سماع الهداهد، وحتى لو فهمت فإنها لا ترغب في المعرفة. ~~ليس هذا ما أتت من أجله؛ لقد أتت حاملة رسالة للشخص المحبوس في البرج. # فتحت باب البرج فوجدت الدرج يمتلئ بالطيور. إنه رطب يرفرف فيه اللون الأرجواني، ~~كدوامة حماسية تملؤها الثرثرة. رفعت غطاء الرأس المثبت في معطفها وهزت خصلات شعرها. ~~إن الهداهد كلها تتحدث في آن واحد، كلها تحاول أن تخبرها شيئا. أهي تقوله أم تغنيه؟ ~~لا يمكنها أن تحدد. وتصعد الدرج مارة وسط الطيور متجهة نحو الغرفة التي توجد في ~~أعلى البرج. # وعند نهاية الدرج توقفت. لقد اختفت الطيور، وثمة حشد الآن، حشد من الأشخاص لا يبدو ~~منهم سوى الساق والجذع. إنهم يجتمعون حول الغرفة الموجودة في أعلى البرج في انتظار الرسالة. ~~أرتهم الرسالة، لوحت بالورقة أمامهم وأخبرتهم بأنها حاملة الرسالة. إنها تصرخ: «ها هي، ~~ها هي الرسالة التي تنتظرونها ، إنني الرسول.» ولكن لا أحد يستمع ms137 إليها. حتى إذا كانوا ~~يستمعون فإن ذلك لا يهم؛ وذلك لأن الورقة التي تحملها في يدها خالية. # عندما استيقظت إلينورا كانت جبهتها غارقة في العرق ووسادتها مبللة باللعاب. كان ~~الصباح قد انتشر في أرجاء المدينة كغطاء من الشاش، وأنامله الوردية البرتقالية تغشى ~~تجمعات الضباب والحراس الليليين النائمين. تقلبت إلينورا على ظهرها، وحدقت إلى ~~الغطاء المزركش الذي يعلو فراشها. كانت أحلامها لا تزيد عادة عن ذكريات متفرقة غير ~~مترابطة، مثل رائحة مادة مبيضة أو ظبي مجروح أو منظر ميناء بعيد، ولكن لا شيء كهذا على ~~الإطلاق. كان هذا الحلم مختلفا تماما، كالرؤيا التي رأتها بينيلوبي للإوز، وحلم بيب أنه ~~رأى نفسه هاملت، أو صراع يعقوب مع الملائكة. كان هذا الحلم حقيقيا، شيئا يمكنها الإمساك ~~به. وشعرت أنه يعني شيئا، ولكن ما هو ذلك الشيء؟ لا تدري. # لم تتمكن إلينورا من الخلود إلى النوم مرة أخرى، فتسللت من الفراش وارتدت ثوبها ~~المنزلي. جرت قدميها وهي تشعر بنسيج السجاد يلامس قدميها الحافيتين متجهة إلى الناحية ~~الأخرى من غرفتها صوب النافذة البارزة، وراقبت المدينة وهي تستيقظ. بدا كيز كولاسي مقارنة ~~بالصورة التي رأتها في الحلم مملا حزينا. كان برجا حجريا مربعا تعلوه غرفة مراقبة ~~وقمة مستدقة نحاسية رقيقة، وكان يستخدم فيما مضى سجنا ومنارة ومحطة جمارك. وطبقا ~~لمعلوماتها فهو خال الآن؛ فالجزيرة الصغيرة غير مسكونة إلا من الطيور. ثمة طائرا لقلق ~~أسودان يدسان منقاريهما في المياه الضحلة التي تحيط بالجزيرة، وحسون ذهبي وحيد على ~~عتبة غرفة المراقبة. وبينما كانت إلينورا تراقب الحسون وهو يقفز من أحد جوانب العتبة إلى ~~الجانب الآخر، خطر لها أنها رأت وميضا أرجوانيا داخل البرج. قطبت جبينها في اتجاه ~~الشمس، وانحنت للأمام وفتحت النافذة فتحة صغيرة كي تزيل سطوع الضوء، ولكن كل ما استطاعت ~~رؤيته هو الحسون. إذا كان ذلك أحد أفراد سربها داخل البرج، فقد رحل الآن. # عندما طار الحسون الذهبي، لاحظت إلينورا عربة تتوقف في الطريق الأمامي المؤدي إلى ~~منزل البك. كان هذا أمرا غريبا؛ فالبك نادرا ما ms138 يستقبل زائرين في المنزل، وخاصة في ~~هذا الوقت المبكر من الصباح. شدت حزام ثوبها عليها وراقبت العربة المزينة باللونين ~~الأرجواني والذهبي تبطئ حتى توقفت عند حافة الماء. وعندما توقفت الجياد فتح باب ~~العربة من الداخل، وخرج منها رجل يرتدي زيا رسميا أرجواني اللون، ودون أن ينظر إلى ~~أي من جانبيه تقدم مباشرة إلى الباب الأمامي للمنزل وقرعه. تمكن الفضول من ~~إلينورا، فارتدت ثوبا ملائما وهرعت إلى منبسط الدرج الذي يعلو غرفة الجلوس. حدقت عبر ~~قضبان الدرابزين، فشاهدت السيد كروم وهو يفتح الباب بطريقته المتكبرة المعتادة، ولكنه ~~عندما رأى الطارق تراجع خطوة إلى الخلف وانحنى على ركبة واحدة. # لم تتمكن إلينورا من سماع ما يقولانه، ولكن عندما وقف السيد كروم مرة أخرى نظر للخلف في ~~اتجاه غرفتها، وعندما رآها على منبسط الدرج ناداها. ~~«أيتها الآنسة كوهين، هل يمكنك أن تأتي إلى هنا للحظة؟ ثمة من يرغب في الحديث معك.» # بينما كانت إلينورا تهبط، ألقت للمرة الأولى نظرة فعلية على الرجل ذي الزي الرسمي ~~الأرجواني. كان يقف منتبها وصدره مشدود وقبعته مائلة، يرتدي معطفا من الحرير ~~الأرجواني مرصعا بأزرار بلورية. كان أثر رائحة الخزامى يفوح من حوله، وكان يحمل ~~في يده اليسرى أنبوبا فضيا بحجم ثمرة الخيار. أبقت عينيها على السجادة كي لا تحدق ~~إلى الرجل وهي تتجه إلى الجانب الآخر من غرفة الجلوس، وعندما وصلت إلى الباب بدأ السيد كروم ~~بتعريف رسمي. ~~«أقدم لك الآنسة إلينورا كوهين، ابنة يعقوب كوهين، من كونستانتسا سابقا وإسطنبول ~~حاليا، وهي الآن في رعاية منصف باركوس بك.» # استقام ظهر الزائر أكثر، وتنحنح قليلا. # ثم قال: «آنسة كوهين، إن خادم الحرمين الشريفين ~~خليفة المسلمين وأمير المؤمنين والخاقان الأعظم لممالك متعددة، فخامة السلطان عبد الحميد ~~الثاني، يطلب مقابلتك في القصر.» # مد يده بالأنبوب الفضي، فتناولته منه. # ثم تابع قائلا: «سوف نرسل لك عربة غدا صباحا في الموعد نفسه، أرجو أن يكون ذلك ~~مناسبا.» # نظرت إلينورا إلى الهدية الفاخرة التي حصلت عليها، وحملت الأنبوب في يديها كما لو كان ms139 ~~سيفا. كان منقوشا على شكل زهور متداخلة ويعلوه غطاء من العاج، وكان مشابها في مهارة ~~صنعه وتصميمه لحامل المستندات الذي استخرج منه الكاهن أحجيته. استطاعت أن تسمع تيارا ~~من الدم يتدفق في صدغيها، وبدت غرفة الجلوس كما لو كانت تضيق عليها. # سمعت السيد كروم وهو يقول: «نعم، بالطبع.» # وبحركة واحدة أخذ حامل المستندات من يد إلينورا، وأخرج الدعوة التي توجد داخله، وأعاد ~~الحامل الفارغ إلى الرسول. # قال وهو يتفحص الدعوة: «يشرفنا ذلك، إن الآنسة كوهين تتشرف باهتمام فخامة ~~السلطان.» # انقضى ذلك المساء في غيمة من عدم التصديق. كيف علم السلطان بأمرها؟ ولماذا يرغب في ~~مقابلتها من بين آلاف الأشخاص في إسطنبول، ومن بين ملايين الأشخاص في الإمبراطورية ~~العثمانية؟ لم تكن لدى إلينورا أي فكرة. كان الهواء في غرفتها ذلك المساء مليئا ~~بالأسئلة التي لا يمكن إجابتها، على الأقل ليس على يدها هي. ظلت تذرع المكان جيئة ~~وذهابا من الفراش إلى المكتب وهي تتصفح كتابها شاردة الذهن، وجلست في المقعد المجاور ~~للنافذة البارزة ويداها متشابكتان في حجرها، وحاولت جاهدة أن تستوعب ذلك الخبر. غدا سوف ~~تقابل السلطان زعيم الملايين، وحاكم الأراضي من سالونيك إلى البصرة، الذي يستطيع أن يقابل ~~أي شخص يرغب في لقائه، هو بنفسه قد طلب مقابلة إلينورا كوهين. # قدم العشاء مبكرا في تلك الليلة. جلست إلينورا في مقعدها المعتاد، وجلس منصف بك ~~في مقعده، وقدم لهما السيد كروم طبقا من لحم البقر المطهو مع الفول الأخضر. ظنت أنها ~~جائعة، ولكنها عندما قطعت قطعة من اللحم ورفعتها إلى فمها قرقرت معدتها بصوت مسموع. # قال البك وهو يبسط منديله على ساقيه: «إنه لشرف، لقد حظيت بشرف عظيم.» # فهزت إلينورا رأسها وهي تمضغ. لم تكن تفهم شيئا عن تلك الدعوة سوى ذلك. ~~«أنا نفسي دعيت إلى القصر مرتين من قبل، ولكن ليس لمقابلة رسمية مع فخامة ~~السلطان.» # قطع البك قطعة من اللحم وغرز فيها شوكته. ~~«ولكنني ما زلت أتساءل عن دوافع السلطان، إنه معروف باهتمامه الشديد ب ...» # وتوقف بحثا عن الكلمة ms140 المناسبة. ~~«بالأمور الغريبة؛ قارئي الطالع والطيور الناطقة وما إلى ذلك. في بادئ الأمر شككت في ~~أن هذا هو الدافع وراء تلك الدعوة؛ أنه قد سمع عن قدراتك الاستثنائية فيما يتعلق بالذاكرة ~~ويود مناقشتها معك.» # ابتلعت إلينورا طعامها ووضعت أدوات المائدة الخاصة بها على حافة طبقها منتظرة أن ~~يكمل البك طرح أفكاره. # تابع قائلا: «ولكنني أتساءل عما إذا كان الأمر له دوافع أخرى أيضا. ربما انتابه الفضول ~~بشأن علاقتنا، وربما يرغب في أن يتأكد مما إذا كنت قد رأيت أي شيء مثير للشك في ~~المنزل.» # لم تكن إلينورا قد فكرت في هذا الاحتمال، بل إنها في حقيقة الأمر لم تكن قد فكرت في ~~دوافع السلطان على الإطلاق. # تابع البك قائلا وهو يمد ذراعيه كما لو كان يدعو الجميع لتفتيشه: «أنت تعلمين أنه لا ~~يوجد لدي ما أخفيه. لقد تناقشنا في ذلك الأمر عندما كنا في قلعة روميليا، وأرغب فقط ~~لمصلحة كل منا أن تنتبهي جيدا لما تقولينه للسلطان غدا. لست أعني بأي حال أن ~~تخدعي أحدا، وخاصة فخامة السلطان أو الصدر الأعظم، ولكن احترسي فحسب، وفكري كيف تؤثر ~~كلماتك في الآخرين.» # فهزت رأسها معلنة عن فهمها. ~~«أنت ترين بالطبع كيف ارتبطت مصائرنا.» # التقطت إلينورا شوكتها ورفعت حبة فول خضراء إلى فمها. كانت ترى بوضوح شديد كيف ارتبط ~~مصيرها بالبك؛ فقد أصبح هو وخادمته وكبير الخدم في مقام عائلتها. كان كما تقول السيدة ~~يونسكو عن والدها: «القلعة الحجرية التي تطل على بساتيني، والمطر الذي يغذيها، وفريق ~~الجياد الذي يتعلق به محراثي.» كان آخر ما ترغب فيه إلينورا هو أن تأتي بأي فعل يؤثر ~~سلبا على مصيره، ولكن من الغريب أن يشدد في التأكيد على تلك النقطة. وبالطبع بوصفه ضحية ~~للاضطهاد السياسي ظلما في الماضي، فمن المفهوم قلقه بشأن دوافع السلطان. # بعد تناول العشاء، استأذنت إلينورا في الانصراف، وذهبت إلى غرفة نومها بالطابق الأعلى. ~~كان الوقت مبكرا، ولم تكن تشعر بالتعب على الإطلاق، ولكنها كانت ترغب في الاختلاء ~~بأفكارها. كانت قد اختارت بالفعل ms141 الثوب الذي سترتديه، ولكنها لم تكن واثقة من أمر ~~الحلي. فتحت الدرج العلوي من مائدة الزينة، ونظرت إلى مجموعتها الصغيرة من الأساور ~~والقلادات. ها هي قلادة الزمرد الكمثرية الشكل التي أهداها البك لها في يومها الثالث ~~في إسطنبول، وها هي الأساور التي ابتاعاها من بائع الذهب المتشنج في سوق الأقمشة ~~والمنسوجات. وبينما كانت إلينورا ترتدي الأساور، وقع بصرها على المؤشر الخشبي الذي أخذته ~~معها من كونستانتسا، مؤشر والدتها الذي استخدمته في فتح قفل صندوق والدها. التقطته من ~~الدرج وحملته كمرآة مكبرة، ونظرت في انعكاسها خلال الفراغات المعكوسة في الخشب. # كانت إلينورا تعلم من قراءتها لمكيافيلي أنها لا يمكنها تقديم النصيحة ما لم يطلب منها ~~السلطان، ولكنه إذا سألها فسوف تخبره بالحقيقة قدر استطاعتها. أما بشأن كيفية التصرف ~~فلم تكن لديها فكرة، فلا أحد من شخصيات «الساعة الرملية» قد حظي بشرف مقابلة الملك، ما عدا ~~السيدة هولفرت التي دعيت إلى نزهة بالخيل مع أحد أمراء آل هابسبورج. ولكن تلك الواقعة ~~انتهت نهاية كارثية - «كل ما تبقى من اليوم صندوق من الزهور البرية المجففة والدموع ~~وخطابات لم ترسل» - رغم أنها تصلح كمثال معاكس. لم تدر كم ظلت واقفة أمام المرآة ~~عندما فتح الباب ودخلت السيدة داماكان إلى الغرفة. لم تكن تحمل مناشف أو ملاءات، ولم تكن ~~لديها أي ذريعة أخرى للزيارة. فوضعت إلينورا المؤشر فوق مائدة الزينة وأغلقت ~~الدرج. # قالت السيدة داماكان وهي تضع يدها برفق على كتف إلينورا: «سوف تذهبين إلى القصر غدا، ~~إنه لشرف عظيم.» # نظرت إلينورا إلى الخادمة العجوز ولمحت في عينيها نظرة خبيثة. # رددت السيدة داماكان: «إنه لشرف عظيم، ولكنني أعتقد أنك متوترة.» ~~«لست أدري ...» # بعد عدة شهور من الصمت، كان صوتها ناعما مجروحا في حلقها. هزت السيدة داماكان ~~رأسها، منتظرة أن تكمل إلينورا حديثها. # همست قائلة: «لست أدري ماذا أقول.» # تركت السيدة داماكان يدها تنزلق على ذراع إلينورا وضغطت عليها برفق: «كيف يمكنك أن تعلمي ~~الإجابة قبل أن تسمعي السؤال؟ ثقي بنفسك، فأنت تعلمين أكثر مما تظنين.» ms142 # انحنت الخادمة العجوز للأمام وقبلت إلينورا على جبهتها، ثم استدارت وخرجت تتهادى من ~~الغرفة. # | الفصل التاسع عشر # وقفت العربة الملكية المزينة بالمطاط الذهبي والأسود على حافة الماء، ولمعت أبوابها ~~وسقفها وتروسها السفلية باللون الأرجواني البراق الذي يشبه ثمرة باذنجان غير ناضجة. ~~رفعت إلينورا ثوبها عن الحصى وهي تسير خلف الرسول عبر الطريق الخاص، وكانت قد ارتدت ثوبا ~~حريريا باللون الأزرق الفاتح، وحذاء من الجلد الأسود اللامع، وزينت شعرها بباقة صغيرة من ~~الزهور. انقضى ذلك الصباح بأكمله في الاستعداد، سواء الاستحمام أو اختيار الحلي والجلوس ~~بينما تضع السيدة داماكان الدبابيس في شعرها. لم تدرك حقيقة الموقف إلا الآن؛ هي - ~~إلينورا كوهين - ذاهبة إلى القصر لمقابلة السلطان، وإذا كان ثمة مجال للتراجع من قبل فقد ~~انتهى الآن. # في منتصف الطريق الأمامي، استطاعت إلينورا أن ترى جلود الجياد وهي تتلألأ بلمعة حجر ~~الغليون وأعينها كالرخام الأسود الحزين. وبينما اقتربت من تلك الخيول الضخمة، تصلبت ~~وقفتها ورفع كل منها قائمته الأمامية اليسرى كالجندي الذي يشهر سلاحه على سبيل ~~التحية. هزت رأسها تعبيرا عن شكرها لذلك التقدير، وتوهج منخار الجواد الأمامي علامة ~~على أن بقية الفريق يمكنه الاستراحة. فتح لها الحوذي الباب، ودخلت إلى العربة. وبينما ~~كانت تقوم بذلك صاح نورس على سقف منزل البك وانطلق مرفرفا بجناحيه عبر البوسفور ~~ومنقاره الأصفر البرتقالي يشير نحو القصر. # كانت العربة من الداخل مبطنة بالمخمل الأرجواني الداكن، ومجهزة بأثاث من العاج ~~وغرزة ذهبية حول حافة الجدار. سوت إلينورا ثوبها من الخلف وجلست مقابلة للرسول ووجهها ~~للخلف. وبينما كانت الجياد تخطو بمحاذاة الشاطئ، راقبت منزل البك وهو يختفي عن الأنظار ~~تدريجيا ويصغر حجمه أكثر فأكثر في النافذة الخلفية حتى اختفى خلف أحد منحنيات الطريق. ~~نظرت إلى حذائها والجلد الأسود اللامع الذي يضغط على أصابع قدميها، وأخذت نفسا عميقا كي ~~تهدئ نفسها. ~~«لقد حظيت بشرف عظيم.» # نظرت إلينورا إلى الرسول. كان أنفه محاطا بإطار بين عينيه الغائرتين في محجريهما، ~~ولديه شامة ضخمة فوق فتحة أنفه اليسرى. ظنت في بادئ الأمر ms143 أنه الشخص نفسه الذي استدعاها ~~بالأمس، ولكنها لم تكن متأكدة. وعلى أي حالة فهو يتوقع إجابة. # قالت: «نعم، لقد حظيت بشرف عظيم.» كانت تتحدث بهدوء، فهي ما زالت تعتاد على الشعور ~~بالاهتزاز في أحبالها الصوتية. ~~«إنه لشرف عظيم أن تحظي بمقابلة السلطان.» ~~«نعم، أتشرف بذلك.» # سارت العربة محدثة ضجيجا مرورا بالألواح الخشبية لجسر جالاتا، ثم استدارت يسارا عند ~~البازار المصري مفرقة حشدا من الحمام مقيما تحت القباب الخارجية للمسجد الجديد. ومن ~~الناحية الأخرى، استطاعت إلينورا أن ترى برج جالاتا وهو ينحني فوق المدينة كما لو كان ~~أصبعا منذرا. وها هي بيشكطاش تستلقي في كسل على الشاطئ: المرفأ ومسجد بيشكطاش ~~والمنازل التي تطل على الماء، وقد استطاعت أن تحدد من بينها بسهولة الواجهة الصفراء ~~لمنزل البك. انحنت مقتربة من نافذة العربة حتى لمست حافة أنفها الزجاج؛ هناك في ~~الطابق الثاني عند الفتحة الثالثة إلى اليسار تقع النافذة البارزة التي قضت خلفها العديد من ~~الأمسيات وهي تقرأ وتشاهد مرور السفن وتتخيل حياة الناس على الجانب الآخر من المياه. ~~ولكن إلينورا لن تعلم أبدا ما إذا كان أحد السكان في الجانب الآخر من المضيق، سواء باعة ~~السمك أو خادمة تبتاع الكركم من سوق التوابل أو صاحب متجر تقي يتوضأ في النافورة ~~العامة التي تقع خارج المسجد الجديد، قد نظر وفكر في حياتها. ~~«هل أنت على دراية كافية بأصول وقواعد البلاط الملكي؟» # فقالت وهي ترفع ذقنها للأمام: «كلا.» # فتنحنح الرسول قليلا وارتسم على وجهه تعبير شديد الجدية. ~~«في بلاط السلطان ثمة قواعد محددة عليك اتباعها. لقد كتبت كتب كاملة في هذا ~~الموضوع، وللأسف لا وقت لدينا الآن لتوضيح ذلك.» # فهزت إلينورا رأسها. ~~«أهم ثلاث قواعد عليك أن تتذكريها هي؛ أولا: الانحناء فور دخول غرفة المقابلات، ~~وعندما تنحنين يجب أن تلمس جبهتك الأرض.» # لمست جبهتها بإبهامها كي توضح أنها فهمت الأمر. ~~«ثانيا: عليك دائما أن تخاطبي السلطان إذا خاطبته بلقب فخامة السلطان.» # فرددت: «فخامته.» # فصحح لها قائلا: «بل فخامتك . عندما تخاطبين السلطان تطلقين عليه فخامتك، ms144 أما إذا ~~كنت تحدثين عنه شخصا آخر، وهو ما يجب ألا تقومي به، فسوف تطلقين عليه ~~فخامته.» ~~«فخامتك.» ~~«ثالثا: يجب أن تتذكري دائما أن تواجهي السلطان، مهما يكن من يتحدث إليك فلا تديري ~~ظهرك للسلطان.» # كررت إلينورا القواعد الثلاث لنفسها. ~~«تلك هي الأساسيات الثلاثة في البلاط الملكي. وثمة الكثير من القواعد الأخرى، فعلى سبيل ~~المثال عليك ألا تعارضي السلطان أبدا، وألا تقاطعي فخامته أثناء تحدثه، وألا ~~تقدمي له النصيحة ما لم تطلب منك صراحة. ولكننا لا نملك وقتا لتوضيح تلك ~~القواعد.» # وهنا انعطفت العربة إلى شارع منحدر ملتو مقحم وسط المحلات، مكتظ بموكب ~~مترب من المستجدين السائلين. أبطأت الجياد وهي تمر عبر الحشود - غطاء الرأس ~~المجعد الأبيض الخاص بالبدو، والسكاكين القوقازية المعلقة في أحزمة زاهية مزركشة، ~~والأوشمة الهندسية على ذقون النساء البربريات وجبهاتهن - الكل صاعد التل نحو القصر ~~محدثا الكثير من الضوضاء. كانت بوابة السلام معلما جديرا بالمشاهدة في حد ذاته؛ ~~حيث يعلوها سقف أخضر مكسو بالخشب على هيئة موجة، ويحرسها ستة من الحراس؛ اثنان منهم كي ~~يفتحا البوابة، وأربعة كي يمنعوا الزائرين من الدخول. وأمام الحشود لاحظت إلينورا فلاحا ~~مسنا يرتدي طربوشا أحمر اللون مهترئا، ويحمل خروفا تحت ذراعه ويلوح بعصاه في الهواء ~~مرددا إحدى الكلمات مرارا وتكرارا، كما لو كان التكرار سوف يصلح من أي خطأ قد ~~ارتكب من قبل. # تساءلت إلينورا وهما يترجلان من العربة: «ماذا يريد؟» # نظر إليها الرسول لحظة بوجه خال من التعبير، وعندما أدرك من تقصد أصدر صوتا دالا ~~على الاحتقار. ~~«إن طلبات الناس من فخامته لا تنتهي أبدا.» # كانت على استعداد لاستكمال المحادثة، ولكن في تلك اللحظة فتحت البوابات الداخلية ~~وقادهما حارس إلى القصر نفسه. كانت حدائق القصر تفوح برائحة الياسمين وأزهار اللوز، وكانت ~~منسقة على هيئة دوائر متحدة المركز ذات انحناءة خفيفة، كل منها مزروعة بمجموعة ~~مختلفة من أزهار الفاكهة المتفتحة. قاد الرسول إلينورا عبر ممر واسع تصطف على جانبيه ~~الأشجار المقلمة، مارين بالباشوات والإنكشارية الذين ينسلون صامتين كالثعابين في ~~الماء. كان ms145 يسير بسرعة، فلم يترك لها فرصة كي تتأمل بإعجاب النافورة الضخمة ذات اللونين ~~الأزرق والأبيض التي تقع في وسط الحدائق أو تتمهل أمام المباني التي تطل من بين أوراق ~~الشجر. توقف أخيرا في الطرف البعيد من الحدائق أمام بوابة بنفس حجم تلك التي عبرا منها ~~توا، يحرسها أربعة رجال يرتدون نفس الزي النظامي ذا اللون الأرجواني الزاهي الذي تحمله ~~العربة الملكية. كانوا بلا شك أضخم رجال رأتهم إلينورا حقا، فكل منهم يماثل ~~طوله ارتفاع الحصان، وتبرز عضلات ساقه من تحت الثياب. # قال الرسول وهو يشير إلى قطعة بالية إلى حد ما من القماش الأخضر تعلو كتلة من الحجر ~~الرملي المجاور للبوابة: «هذه هي راية النبي محمد عليه الصلاة والسلام.» # انحنت إلينورا مقتربة من الراية المطرزة بكتابة من الفضة: # بسم الله الرحمن الرحيم ~~«إنها تشير إلى مدخل الغرف الخاصة بفخامة السلطان. لا يمكنني المرور أبعد من ذلك.» # أشار إلى أحد الحراس، ثم ألقى تحية الوداع وأسرع متجها إلى ممر جانبي. وقفت ~~إلينورا بضع لحظات بجوار راية النبي محمد قبل أن تتحدث. # توجهت إلى الحرس متسائلة: «إذا سمحت، هل علي أن أقف هنا؟ أم أنتظر في مكان ~~آخر؟» # ظل الحراس صامتين يحدقون أمامهم في نقطة غير محددة في منتصف المسافة. لم تكن ~~إلينورا واثقة من صوتها بعد، فظنت أنها ربما لم تتحدث بصوت واضح بما يكفي. # أعادت السؤال بصوت أعلى: «هل علي أن أنتظر هنا؟» # ولكن الحراس لم يبدوا ما يدل على إدراكهم لوجودها، وكأنها لم تتحدث قط. ~~«إذا سمحت.» # خطت خطوة للأمام ولوحت بيدها أمام الحارس الأقرب إليها. كانت عيناه زرقاوين داكنتين ~~كالأحجار الكريمة الدقيقة، ولديه ندبة عريضة في وجنته من الصدغ حتى الفم. خفض بصره ~~ونظر إليها، ثم وضع يده على أذنه وهز رأسه؛ يبدو أنه أصم. ثم أشار إلى مقعد طويل عند ~~الجانب الآخر من البوابة واستأنف وقفته. # لم تشعر إلينورا برغبة في الجلوس؛ فقد كانت شديدة التوتر، ورغم ذلك فقد تتبعت أصبع ~~الحارس نحو المقعد الرخامي واستدارت ملقية ms146 نظرة على الحديقة التي أتت عبرها، وهنا لاحظت ~~مجموعة صغيرة من سربها وقد حطت على المستوى الأعلى من النافورة الرئيسة. ها هي أربعة ~~هداهد باللونين الأرجواني والأبيض تراقبها في هذا اليوم العظيم. كان وجودها وحده كافيا ~~كي يعطيها مزيدا من الثقة، وعندما اقتيدت عبر البوابة إلى غرفة مقابلات السلطان كانت ~~تعلم أنها تنتظرها بالخارج. # كانت حوائط غرفة المقابلات مزينة بالجبس المنحوت بالأخضر والأحمر والأزرق، وتضيئها من ~~أعلى حزم من الضوء تسقط من حاجز شبكي يعلوه سقف مزين بألوان الطاووس، وكانت الغرفة تفوح ~~برائحة زهر الليلك. كانت الغرفة أصغر كثيرا مما توقعت، تقريبا بنفس حجم غرفة نومها في ~~منزل البك. وقف صف منظم من الوزراء وموظفيهم بمحاذاة الحائط إلى يمينها، وإلى يسارها ~~جلس جمال الدين باشا الصدر الأعظم في مقعد خشبي ضخم. وفي منتصف الحائط الخلفي على أريكة ~~قرمزية ضخمة اتكأ فخامة السلطان عبد الحميد الثاني. جسمانيا كان السلطان رجلا نحيلا ~~ذا حاجبين داكنين كثيفين وشارب حاد وشفتين كالكرز المزدوج. كان شعورا غريبا رؤيته ~~شخصيا. شعرت إلينورا بالقشعريرة تسري في جسدها، ها هو سلطان الإمبراطورية العثمانية خليفة ~~المسلمين. كان أحد أقوى الرجال في العالم، ولكنه في الوقت نفسه رجل كسائر الرجال. # انحنت على ركبة واحدة كما علمها الرسول، وضغطت جبهتها على الأرض الرخامية الباردة. ~~وعندما وقفت مرة أخرى، ابتسم الصدر الأعظم واعتدل في مقعده. أعاد ضبط شريط عمامته، ثم ~~أخرج مفكرة صغيرة من ثنايا قفطانه. ~~«أيتها الآنسة كوهين، أنت بالطبع تدركين أننا مشغولون بالكثير من الأعمال كل يوم، ولكن رغم ~~ذلك فقد انبهر فخامته بما سمعناه عنك وعن دراساتك وعن قصة حياتك ...» ~~«بالطبع.» # بالكاد سمعت إلينورا ما قاله السلطان، ولكنه عندما تحدث غرقت الغرفة في الصمت. انحنت ~~مرة أخرى وسرت حمرة الخجل في جسدها بأكمله. أخبرت نفسها بأنه يخاطبها، وشعرت بالعرق ~~يتصبب في راحتيها. # بدأ قائلا: «هل تمانعين إذا توجهت إليك ببعض الأسئلة؟ لقد سمعنا عددا من الأمور ~~المذهلة عنك، ولكن يصعب أحيانا التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير ms147 حقيقي.» # قالت إلينورا بصوت أجش: «تفضل، شكرا يا فخامة السلطان.» ~~«هل صحيح أنك تقرئين بخمس لغات؟» # أحصت إلينورا العدد في ذهنها. لم تكن ترغب في معارضة السلطان، ولكن الحقيقة أنها تعرف ~~القراءة بسبع لغات: الرومانية واليونانية واللاتينية والتركية والفرنسية والإنجليزية ~~والعربية. ~~«بعد إذنك يا فخامة السلطان، هذا ليس صحيحا.» # فدون الصدر الأعظم شيئا في مفكرته. ~~«كم لغة تعرفين القراءة بها؟» ~~«سبع لغات يا فخامة السلطان.» # تابع السلطان بابتسامة ماكرة: «وهل صحيح أنك قرأت كل الكتب في مكتبة القائم عليك ~~صديقنا منصف باركوس بك؟» ~~«قرأت الكثير من الكتب في المكتبة يا فخامة السلطان، ولكنني لم أقرأها كلها.» # فهز السلطان رأسه. ~~«وأي من الكتب التي قرأتها هو كتابك المفضل؟» ~~«الساعة الرملية يا فخامة السلطان.» # ألقت نظرة على الصدر الأعظم الذي كان يدون إجاباتها في مفكرته. # قال عبد الحميد مفكرا: «الساعة الرملية! لا أعتقد أنني صادفت هذا الكتاب من ~~قبل.» ~~«إنه كتاب شديد الروعة يا فخامة السلطان.» # التفت السلطان إلى الصدر الأعظم. ~~«هل قرأت الساعة الرملية؟» ~~«كلا يا فخامة السلطان، لم أقرأه.» # ثم التفت إلى صف الوزراء على يساره. ~~«هل قرأ أحدكم الساعة الرملية؟» # ارتفع وابل من الهمسات المتوترة قبل أن يتحدث أحد الوزراء. ~~«لا أظن يا فخامة السلطان أن هذا الكتاب مترجم إلى التركية.» ~~«حسنا، علينا أن نأمر بترجمته ...» # وهنا دخل الرسول إلى الغرفة وهمس شيئا في أذن جمال الدين باشا، فهز رأسه وغادر الرسول ~~الغرفة بصمت كما دخلها. # تابع السلطان قائلا: «أنا شخصيا متحيز لروايات الغموض والتشويق، ومعظم مؤلفيها ~~بريطانيون. وأرى أن إدجار آلان بو وويلكي كولينز أفضلهم، رغم أنني معجب ببعض الكتاب ~~الفرنسيين أيضا.» # توقف ونظر إلى السقف. ~~«وبالطبع، فإنني منجذب أيضا لكبار شعراء العرب والفرس.» # قبل أن تجيب إلينورا، دخل رسول آخر إلى الغرفة وسلم برقية إلى الصدر الأعظم. # قال بعد أن قرأ البرقية: «فخامة السلطان، إنني آسف جدا لمقاطعة حديثنا مع الآنسة كوهين، ~~ولكن أمرا عاجلا غاية في الخطورة قد طرأ الآن .» # تقدم أحد الحراس كي يقود إلينورا ms148 خارج الغرفة، ولكن السلطان رفع يده مستوقفا ~~إياه. ~~«يمكنها أن تبقى، فأعتقد أن هذا الأمر لن يستغرق أكثر من بضع لحظات، ولا أحب أن أترك ~~ضيفتنا تنتظر بالخارج.» # قال جمال الدين باشا: «نعم يا فخامة السلطان، بالطبع.» # بسط البرقية على مفكرته وقرأها لنفسه مرة أخرى قبل أن يلخص محتواها للبلاط. ~~«تبلغنا البحرية الملكية الألمانية بأن السفينة ميسودي ما زالت تتعرض لمضايقات من ~~زوارق الطوربيد الروسية حتى بعد انسحابها في اتجاه سينوب، وهم يقولون إنهم قد قاموا ~~بمحاولات عديدة للاتصال بالقادة البحريين الروس في كل من سيفاستوبول وسانت بطرسبرج بلا ~~جدوى، ويبدو من الصمت الروسي أن ذلك عدوان رسمي.» # تنهد عبد الحميد وضغط على قصبة أنفه. ~~«إن هذه البرقية مرسلة من الجنرال فون كابريفي نفسه، وهو يقول إنه يتفهم دقة ~~الموقف ويحترم سيادتنا لأقصى الحدود، ولكنه يكرر توصيته بالرد العنيف.» # سأل السلطان: «وبم توصي أنت؟» ~~«أوصي بإعطاء قبطان ميسودي الحرية في الاستجابة بالكيفية التي يراها مناسبة؛ فزوارق ~~الطوربيد الروسية الجديدة بها بعض الأسلحة، ولكنها لن تصمد أمام نيران سفينة حربية ~~مدرعة.» ~~«أليس ثمة خيارات أخرى؟» ~~«أجل، لا أرى أمامي أي خيارات أخرى. أدرك أنك تتحفظ بشأن الطوربيدات الروسية يا فخامة ~~السلطان، ولكن تلك السفن قد أصبحت داخل المياه العثمانية. وإذا لم نرد على العدوان على ~~المياه الإقليمية، فسوف نفقد مكانتنا في البحر الأسود، وإذا لم نفعل أي شيء فسوف ينم ~~ذلك عن الخوف بالنسبة إلى سانت بطرسبرج وبرلين أيضا.» # فكر السلطان للحظة في نصيحة الصدر الأعظم، ثم التفت إلى صف الوزراء على يساره. ~~«هل تتفقون جميعا مع جمال الدين باشا؟» # ارتفع خليط من الهمهمة بالموافقة وهز الرأس. عقد عبد الحميد حاجبيه وأمسك بحافة ~~قفطانه، وبدا أنه نسي نفسه وهو يتحسس طراز القماش، ثم رفع رأسه ونظر إلى ~~إلينورا. ~~«وأنت ما رأيك؟ بم توصين؟» ~~«أنا؟» ~~«نعم، بصفتك ساكنة قديمة لمقاطعات البحر الأسود ودارسة للتاريخ، بم توصين؟» # سعل الصدر الأعظم بقوة في يده ودون بضع كلمات في مفكرته. # قالت إلينورا: «لا يمكنني أن ms149 أقول إنني أفهم الوضع جيدا.» # كان الرسول قد أخبرها بأنها يمكنها تقديم النصيحة للسلطان في حال أن طلبت منها النصيحة ~~صراحة، وقد طلب فخامته نصيحتها بوضوح؛ ولكنها لم تكن تعلم أي شيء عن السياسة ما عدا ما ~~قرأته في الكتب. عضت باطن صدغها وأخذت تفكر في كل الكتب التي قرأتها من قبل محاولة ~~أن تتذكر موقفا مشابها. # قالت أخيرا: «ربما كان هذا الموقف يا فخامة السلطان مشابها لموقف بيثينيا بعد صعود ~~الملك ميثريداتس.» # فقال السلطان: «استمري.» ~~«طبقا للمؤرخ أبيان، كانت كل من بيثينيا وروما مهددتين من الملك ميثريداتس، ولكن ~~تهديد ببيثينيا كان مباشرا. ولما كانت روما تعلم ذلك، فقد تمكنت من تحريض بيثينيا ضد ~~ميثريداتس. خسر البيثينيون المعركة وتكبدوا خسائر فادحة، ولكن خسارتهم أعطت الرومان وقتا ~~كي يستجمعوا قواهم.» # فكر السلطان للحظة. ~~«إذا أطلقنا النيران على زوارق الطوربيد الروسية، فسوف نشعل فتيل معركة تصب في صالح ~~ألمانيا ...» # قاطعها الصدر الأعظم قائلا: «فخامة السلطان، لقد استرعى انتباهي أمر غاية في الأهمية ~~والسرية. هل يمكنني الحديث معك على انفراد؟» # | الفصل العشرون # عندما أصبحت غرفة المقابلات خالية، نهض جمال الدين باشا من مقعده واقترب من أريكة ~~السلطان. ~~«ما الذي يدور في خاطرك يا جمال الدين باشا؟» ~~«أرجو ألا تمانع في أن أتحدث بصراحة يا فخامة السلطان.» ~~«تفضل.» ~~«أرجو أن تعذرني لمقاطعة مقابلتك مع الآنسة كوهين، ولكن علي أن أقول يا فخامة السلطان ~~إنني لا أظنه أمرا حكيما أن تطلب النصيحة من طفلة صغيرة.» # فربت عبد الحميد على الشعر خلف عنقه. ~~«ولم ذلك؟» ~~«أولا، وأهم ما في الأمر، أن الآنسة كوهين لا تفهم شيئا عن موقفنا السياسي أو علاقاتنا ~~بالروس والألمان؛ هي نفسها اعترفت بذلك. وثانيا، من غير اللائق أن يطلب ملك النصيحة من ~~طفلة صغيرة مهما تكن الظروف. وثالثا، فإننا لا نعلم شيئا عن اتجاهاتها السياسية، فربما ~~ترسل الآن معلومات إلى منصف بك أو للكاهن مولر، وقد تكون هي نفسها جاسوسة للروس أو ~~للرومانيين أو الفرنسيين ...» # قال السلطان: «أشكرك على وجهة نظرك في ms150 هذا الأمر. كالمعتاد فإنني أقدر نصيحتك، ولكنني ~~في تلك الحالة أختلف معك.» # نظر جمال الدين باشا مرة أخرى في البرقية. # تابع السلطان قائلا: «لم تسمع الآنسة كوهين اليوم شيئا لن تقرأه في صحف الغد، ولكنها ~~أثبتت من حصافة نصيحتها أنها تفهم الموقف السياسي جيدا. وبالنسبة إلى الحكمة في أخذ ~~النصيحة من طفلة، فإنني شخصيا أميل إلى الرأي القائل بأن النصيحة السديدة سديدة أيا ~~كان مصدرها، وأعتقد أنه عليك تقدير هذا الموقف كالجميع.» ~~«بالفعل يا فخامة السلطان.» ~~«بالإضافة إلى ذلك، فقد تصادف أن عبرت الآنسة كوهين عن نفس رأيي في الأمر. ولو كانت ~~متسولة أو قردة أو حتى قيصر روسيا نفسه، لكنت أيضا سأقبل نصيحتها.» # قال الصدر الأعظم: «يا فخامة السلطان، بعيدا عن مصدر النصيحة، يجب أن أعارضك بشدة بشأن ~~سياسة عدم الاشتباك.» # توقف كي يقيس رد فعل السلطان قبل أن يستفيض في إيضاح تلك النقطة. ~~«إذا لم نطلق مجرد طلقة تحذيرية، فإننا بذلك نتنازل فعليا عن البحر الأسود للروس، كما ~~أنني أخشى أن يفسر الجنرال فون كابريفي عدم اتخاذنا رد فعل بأنه إهانة مباشرة ~~لتحالفنا مع القيصر.» ~~«وما فائدة تحالف يجبرك يا صديقي على التصرف ضد مصالحك؟» ~~«كما تعلم يا فخامة السلطان فإن الألمان من أهم حلفائنا، فهم يملكون ثاني أقوى أسطول ~~بحري في العالم، وقد أقسموا على حماية مصالحنا أينما تتعرض للخطر.» ~~«ولم لا يحموننا من الروس الآن؟» # ودون أن ينتظر إجابة، أصدر عبد الحميد أمره النهائي. ~~«أخبر قبطان ميسودي بألا يطلق النيران ما لم تطلق عليه النيران، وأن يتجنب الاشتباك ~~المباشر قدر الإمكان.» # ظل الصدر الأعظم صامتا فترة طويلة قبل أن يجيب. ~~«إنني أتفهم يا فخامة السلطان أن ذكرى حادث تفجير السفينة أنتيكبا قد تجبر المرء على ~~تجنب إطلاق النار على زورق طوربيد روسي.» # قال عبد الحميد وهو ينهض واقفا من على أريكته: «إن أنتيكبا لا علاقة لها بقراري.» # ودون أن يتفوه السلطان بكلمة أخرى، غادر غرفة المقابلات. أغمض عينيه في وهج الشمس ~~الساطع، وسار عبر ممر الحديقة ms151 الخاص بمكتب الإندرون، من مكتبة أحمد الثالث حتى جناح الخدم ~~جيئة وذهابا. بصرف النظر عن مشاعره تجاه الاشتباك البحري، كان واضحا أن الروس يحاولون ~~إثارة رد فعل يمكنهم استغلاله ذريعة لمعركة أكبر، وكان واضحا أيضا على الرغم من كل ~~ما يؤكده جمال الدين باشا أن الألمان سوف يستفيدون بشدة من حدوث مناوشة عثمانية روسية ~~في البحر الأسود. وهكذا، فإن عدم الاشتباك هو أفضل رد في الوقت الحالي على الأقل بصرف ~~النظر عن توصيات الجنرال فون كابريفي. لم يكن عبد الحميد مستمتعا بالتنازل عن المعركة، ~~ولكن كما قال داريوس الأول بحكمة: «لا حاجة لاستخدام القوة حيث تفيد الحيلة.» # حتى لو كان عبد الحميد يرغب في استخدام القوة، فهو يعلم أن الإمبراطورية أضعف من أن ~~تحتمل حربا ممتدة مع الروس. وكان بالكاد ما يمكنه هو تزويد القصر بالموظفين، فضلا عن ~~الحكومات المحلية؛ والأقليات تصرخ مطالبة بمزيد من التمثيل، بل الحكم الذاتي في بعض ~~الحالات؛ وجيشه الذي كان يوما ما مصدر رعب لفيينا وبودابست يعاد تشكيله بواسطة ~~الجنرالات الأوروبيين. حتى مع إنشاء كلية الترجمة وتحديث الأسلحة العسكرية والسكة الحديدية، ~~وبرغم التعديلات الدستورية التي قام بها، فالإمبراطورية على شفا كارثة. كان عبد الحميد ~~يشعر كل يوم بالأغلال تضيق حوله. ولو كان بوسعه أن يسحب الإمبراطورية بعيدا عن سيطرة ~~القوى العظمى ويسدد ديونها ويلغي الامتيازات الأجنبية ويطرد المستشارين العسكريين ~~الأجانب، لتمكن عندئذ من استعادة السيطرة على البحر الأسود. ولكنه في تلك اللحظة كان ~~عليه التحلي بالحذر. # توقف عبد الحميد عند المزولة المجاورة لجناح الخدم، وتخلل بأصابعه التجاويف التي ~~تمثل ساعات اليوم. كان ظل الشمس يميل إلى مفاصل أصابعه مستمرا في طريقه. ورغم قوته كان ~~يعلم أن ثمة الكثير من الأمور التي تخرج عن نطاق سيطرته. على المرء أن يبذل أقصى ما في ~~وسعه ضمن حدود التاريخ. وتمنى في نفسه لو كان جمال الدين باشا يفهم ذلك، لو كان ~~مستشاروه يشبهون الآنسة كوهين، غير مكبلين بالتقاليد ولا يخشون الحديث بصراحة . توقف كي ~~يتأمل هدهدا باللونين الأرجواني ms152 والأبيض جاثما على السقف المقوس لغرفة المقابلات، ~~هز رأسه نحو اليسار ثم حلق عبر الماء. إنه هو. قرع السلطان عصا المزولة بمفصل أصبعه، ~~ثم توجه مباشرة إلى مكتبة أحمد الثالث. # وعندما دخل هناك، كاد أمين المكتبة يسقط عن السلم من الصدمة. # قال بعد أن هبط باحتراس وانحنى: «فخامة السلطان! يا لها من مفاجأة سارة! كيف يمكنني أن ~~أساعدك؟» ~~«لدي طلب بحاجة إلى أن يتم في سرية تامة.» ~~«بالطبع يا فخامة السلطان، تفضل.» ~~«أولا أريد منك أن تجمع لي كل الفرمانات والمراسلات المتعلقة بعلاقتنا مع القوى ~~العظمى، وخاصة الروس والألمان، ثم تصنع منها نسخا وترسلها إلى الآنسة إلينورا كوهين في ~~منزل منصف باركوس بك.» # توقف السلطان متيحا الفرصة لأمين المكتبة كي يدون تلك التفاصيل. ~~«عندما تنتهي من جمع المواد المطلوبة احضر إلي وسوف أعطيك خطابا ترفقه معها كغلاف. ~~هل هذا الأمر واضح؟» ~~«نعم يا فخامة السلطان، ولكن المشكلة الوحيدة أن حجم المواد التي تطلبها قد يزيد عن سعة ~~عربة كاملة.» ~~«ضع حدا أقصى لها ستة صناديق شحن، وأعط الأولوية للمستندات الأكثر أهمية.» ~~«نعم يا فخامة السلطان، على الفور.» # وفي فجر اليوم التالي انطلق السلطان في رحلته السنوية لمشاهدة الطيور عند بحيرة مانياس. ~~استغرقت الرحلة عبر بحر مرمرة معظم اليوم الأول، وفي ذلك المساء نصبوا مخيما بالقرب من ~~إحدى قرى الصيادين القوزاق عند الجهة الشمالية من البحيرة، وفي صباح اليوم التالي انطلقوا ~~إلى الشاطئ الشمالي ونصبوا مخيما لفترة أطول على مسافة بضعة كيلومترات من إحدى قرى ~~اللاجئين التتار. أرسل كل من القوزاق والتتار هدايا ترحيبا بزيارة السلطان، ولكن بصفة ~~عامة لم يهتم عبد الحميد وجماعته بسكان المنطقة، فبعد أن نصبوا المخيم قضوا معظم الوقت ~~مرتدين المنظار الميداني. لم يكن الصيف هو الوقت المثالي من العام لمشاهدة الطيور في ~~المنطقة، ولكن د. بينديكت عالم الطيور البريطاني المرموق الذي دعي كي يقود الرحلة كان ~~جدول أعماله مزدحما للغاية. # رغم أن هجرة الربيع كانت قد انتهت منذ بضعة أسابيع ، تمكنوا من ملاحظة عدد من الفصائل ms153 ~~وهي تصنع أعشاشها وتتكاثر. وبينما كانت مياه البحيرة تتراجع صنعت طيور الصداح والبلشون ~~الأبيض والبجع أعشاشها في الرقعة الشاسعة المكشوفة من نباتات الخيزران والزهور البرية. أشار ~~د. بينديكت وهو يقود جماعة السلطان بمحاذاة الشاطئ إلى عش عصفور الرميزية، وهو عش ~~متقن الصنع غريب الشكل على هيئة الكمثرى يتدلى من أفرع شجرة صنوبر، نسج من ~~خيوط العنكبوت المهملة وشعر الحيوانات والنباتات، وبه مدخل زائف وفتحة خفية لإرباك ~~الحيوانات المفترسة المحتملة. وعلى مدار الرحلة رأى السلطان أكثر من خمسين فصيلة من ~~الطيور: الإوز الأبيض الجبهة، وطائر الصفارية الذهبي، ومالك الليل الحزين، وأبو منجل المصقول، ~~وحشد من طيور أبو ملعقة وثلاثة أزواج من البجع الدلماسي ذي المنقار البرتقالي الزاهي. ~~وفي الليلة الخامسة والأخيرة من الرحلة قبيل الغسق، هاجم خنزير بري المخيم. وقبل أن ~~يفكر أي من المرشدين والمترجمين في التصرف، أطلق عليه د. بينديكت النار ببندقيته ~~فأرداه قتيلا. وأمر السلطان بسلخ الخنزير وشوائه تكريما لدكتور بينديكت، رغم أن السلطان ~~لم يشاركهم تناول الطعام. كان ختاما رائعا للرحلة، فبالإضافة إلى الخنزير دعيت جماعة ~~السلطان إلى السفرجل المحشو ولحم الضأن المشوي وحساء الشعير اللذيذ. # عندما عاد عبد الحميد إلى القصر متأخرا في ذلك المساء، أدرك على الفور أن ثمة شيئا ما ~~خطأ. ولكن لما كان الوقت قد تأخر كثيرا فقد خلد للنوم مباشرة، وعندما استيقظ وجد أن ~~حدسه كان صحيحا؛ وذلك لأن والدته كانت تجلس في صبر على مقعد بجوار باب مخدعه. ~~«صباح الخير يا أمي.» # قالت وهي تنهض كي تنحني: «سمعت أن رحلتك حققت نجاحا.» # فابتسم قائلا: «نعم، حققت نجاحا كبيرا. لقد رأيت ثلاثة أزواج من البجع الدلماسي ~~وعش عصفور الرميزية.» # رددت قائلة: «الرميزية، هذا رائع.» ~~«ولكنني لا أعتقد أنك جلست بجوار فراشي طوال الصباح كي تسأليني عن أخبار رحلتي.» ~~«أجل يا فخامة السلطان، علي أن أعترف بذلك.» ~~«ماذا يزعجك يا أمي؟» ~~«لا أود أن أفسد صباحك الأول بعد العودة بهمومي.» # فقال وهو يعتدل جالسا في الفراش: «إذا كنت مهمومة فأنا أيضا كذلك.» # فجلست ms154 في مقعدها مرة أخرى ووجهته نحوه. ~~«لقد سمعت إشاعة بالأمس أزعجتني كثيرا، وشعرت بالحاجة لأن أوقظ ابني الأكبر الحبيب من ~~نومه.» ~~«أخبريني يا أمي، ما الأمر؟» ~~«يقول الناس إنك طلبت النصيحة من تلك الفتاة المدعوة كوهين فيما يتعلق بأمر عسكري ~~دقيق، وإنك تخطط لإرسال مواد سرية إليها كي تقرأها.» # أكد صمته أن تلك الإشاعة صحيحة. # تابعت قائلة: «لا يعنيني من أين تحصل على النصيحة، فأنا أعلم أنني قد ربيتك جيدا بما ~~يكفي كي تعلم الفرق بين النصيحة الجيدة والرديئة، ولكن ما يعنيني هو سمعتك؛ فقد بدأ الناس ~~في القصر يتحدثون بالفعل عن الموقف بألفاظ مهينة.» # قال: «دعيهم يتحدثوا، فهم يتحدثون طوال الوقت.» ~~«وإتاحة المباحثات الداخلية الخاصة بالقصر بين يدي تلك الفتاة، وإعطاؤك معلومات حساسة ~~لطفلة يهودية لا نعلم عنها شيئا! في حقيقة الأمر إن هذا يقلقني أيضا.» # تقلب السلطان على ظهره. لقد انتشرت المعلومة سريعا، حتى على مستوى القصر. ~~«من أخبرك بذلك؟» ~~«جمال الدين باشا.» ~~«وكيف علم هو بذلك؟» ~~«لقد افترضت أنك أخبرته بنفسك.» # قال السلطان وهو يتقلب على جانبه: «كلا، لم أفعل.» # استأذن عبد الحميد من والدته، وأخبر الرسول الأقرب إليه أنه يرغب في تناول الإفطار في ~~مكتبة أحمد الثالث. كان ذلك طلبا غريبا للغاية، ولكن الرسول لم يتأخر ثانية قبل أن ~~ينحني ويهرول مسرعا كي يبلغ العاملين في المطبخ. وفي تلك الأثناء توجه السلطان نحو ~~المكتبة التي وجدها خالية كما يأمل. كانت الحركة الوحيدة تتمثل في عمود من ذرات التراب، ~~والصوت الوحيد صادرا عن حشرة السمك الفضي. جلس عبد الحميد إلى مكتب أمين المكتبة وانتظر، ~~وبعد مرور بضع لحظات قدم له إفطاره هناك. وبينما كان يتناول الإفطار أخذ يتصفح سجلا ~~ضخما أزرق اللون في منتصف المكتب؛ كان سجلا بكل الكتب التي طلبت واستعيرت من ~~المكتبة خلال الشهر الماضي، ورأى أن معظم المباحثات والمراسلات الرسمية التي تخص علاقة ~~الإمبراطورية مع برلين وسانت بطرسبرج قد طلبت استعارتها، ولكن لا شيء في السجل يشير إلى ~~أن السلطان هو من طلب تلك ms155 المستندات، وهكذا فقد رتب أمين المكتبة تلك النقطة على الأقل، ~~ولم يكشف الأمر. أغلق السلطان السجل، وعندما انتهى من احتساء الشاي دخل أمين المكتبة نفسه ~~إلى الغرفة. # قال ووجهه شاحب كحشرة السمك الفضي: «فخامة السلطان، ما سبب تشريفكم لي بالزيارة؟» ~~«كي أطمئن فحسب على الطلب الذي طلبته الأسبوع الماضي.» # اطمأن أمين المكتبة قليلا لهذا التفسير، ولكن ليس تماما. ~~«كدت أنتهي من إعداده يا فخامة السلطان، وآمل أن أحضر لك النتائج غدا صباحا. ستة ~~صناديق مليئة بالخطابات والفرمانات الرسمية.» # قال عبد الحميد وهو يلقي نظرة على السجل المغلق: «حسنا، لدي سؤال آخر.» ~~«تفضل يا فخامة السلطان.» ~~«ألم أخبرك بأن هذا الأمر سري؟» ~~«بلى يا فخامة السلطان.» ~~«لماذا إذن أيقظتني والدتي هذا الصباح وهي تخبرني أن هذه الخطة أصبحت معروفة ~~للجميع؟» # انبطح أمين المكتبة أمام السلطان وأطباقه الخالية وكاحلاه يرتجفان. ~~«لم أتفوه بكلمة لأحد، أقسم على ذلك يا فخامة السلطان.» # تأمل السلطان أمين المكتبة للحظة قبل أن يشير إليه بالوقوف. ~~«إنك رجل متدين، أليس كذلك؟» ~~«بلى يا فخامة السلطان، إنني أبذل قصارى جهدي.» ~~«إذن أحضر لي مصحفا.» # نفذ أمين المكتبة الأمر، وفتح عبد الحميد المصحف على السورة الأولى. ~~«هل تقسم بالمصحف وبالرسول عليه الصلاة والسلام وبالخلفاء الراشدين أنك لم تتحدث مع ~~أي شخص على الإطلاق عن ذلك الأمر؟» # فوضع أمين المكتبة يده على المصحف. # وقال وفتحتا أنفه تتسعان خوفا: «من المحتمل يا فخامة السلطان أنني لم أوضح ~~لأمين محفوظات القصر أو للكتبة الذين ساعدوني الطبيعة السرية لهذه المهمة. وإذا كان الأمر كذلك، ~~فإنني أتحمل المسئولية كاملة عن ذلك. وأنا على استعداد لتقديم استقالتي إذا كان ذلك ~~مناسبا.» ~~«وفيما عدا أمين محفوظات القصر والكتبة، هل أخبرت أي شخص بهذا الطلب؟» ~~«كلا يا فخامة السلطان، وكما ترغب فإنني أقسم بالمصحف الشريف وبالرسول عليه الصلاة ~~والسلام أنني لم أفعل.» # قال السلطان وهو ينهض من أمام المكتب: «حسنا، أرجو أن تحضر الصناديق إلى غرفتي فور ~~الانتهاء منها.» # وعندما غادر عبد الحميد الغرفة، انهار أمين المكتبة على ms156 ركبتيه ووضع جبهته على ~~الأرض. # | الفصل الحادي والعشرون # جلست إلينورا وحيدة على رأس مائدة طعام البك اللامعة تتأمل كسرات الخبز المتبقية ~~من طعام إفطارها. كان قد مر أكثر من أسبوع منذ مقابلتها السلطان، ولكن ذكرى تلك المقابلة ~~لا تزال حية تطفو على حافة ذاكرتها كبالون من الهواء الساخن. قلبت الرشفة الأخيرة ~~الفاترة من فنجان الشاي بأصبعها الصغير ولمسته بشفتيها. في الصباح الذي تلا المقابلة، ~~تناقشت هي والبك بالتفصيل في تجربة مقابلتها بالسلطان. وصفت له حديقة القصر، والحرس، ~~والوزراء وموظفيهم، والمأزق في البحر الأسود، ونصيحتها للسلطان. استمع البك إلى وصفها بفخر ~~واهتمام شديدين، وخاصة بعد أن اتضح أن السلطان قد عمل بنصيحتها. ولكن همه الأكبر ~~كان بشأن ما إذا كان السلطان أو الصدر الأعظم قد وجه إليها أي أسئلة عنه هو شخصيا ~~أو عن عاداته اليومية أو أي شيء من هذا القبيل. مسحت إلينورا فمها بمنديل، وقلبت ~~بإبهامها مجموعة من فتات الخبز حول حافة طبقها، محاولة أن تتذكر بعض التفاصيل الأدق ~~عن القصر: التقوس البسيط في سقف غرفة المقابلات، ورائحة الليلك واللافندر، والمثلثات ~~الفضية المتداخلة المطرزة على ياقة قفطان الصدر الأعظم، وأشكال الضوء التي تسقط من ~~خلال فروع أشجار الجوز حول النافورة الضخمة. # استغرقت في تلك الذكريات حتى سمعت قرعا على الباب الأمامي ووقع خطوات واثقة تدخل ~~المنزل، ورأت أن تلك الخطوات لمجموعة من حمالي القصر. راقبتهم من خلف عضادة الباب وهم ~~يسيرون عبر الباب الأمامي كموكب من الخنافس الأرجوانية، وكل منهم يحمل صندوقا ~~خشبيا بحجم صندوق الأمتعة. أزيحت السجادة الضخمة في غرفة الجلوس بعيدا، وكدست ~~الصناديق أزواجا في المساحة بين مائدة استقبال الزائرين والباب الأمامي. ظل السيد كروم ~~وأحد مندوبي القصر يراقبون الموكب في صمت، وعندما وضع الصندوق الأخير في مكانه أبرز ~~المندوب حامل مستندات فضيا من خلف ظهره. ~~«هذا للآنسة كوهين.» # قال السيد كروم: «سوف أتأكد أنه قد وصل إليها.» # فألقى المندوب نظرة على قفازه الممتد. ~~«لقد طالب فخامته بإعطاء هذا الخطاب للآنسة كوهين مباشرة، ولا أحد غيرها.» # فخرجت ms157 إلينورا من خلف عضادة الباب. ~~«بعد إذنك.» # استدار الجميع كي يشاهدوها وهي تعبر الغرفة سيرا مرتدية خفها ورداءها ~~المنزليين. وعندما وصلت إلى المندوب، خفض رأسه كما لو لم يكن واثقا مما إذا كان عليه ~~الانحناء. # قال وهو يفتح الأنبوب الفضي ويبسط ورقة ثقيلة الوزن: «علي أن أخبرك بأن هذا الخطاب ~~كتبه فخامة السلطان بيده.» # حملت إلينورا الخطاب بكلتا يديها. كان مكتوبا بالفرنسية بخط يد أنيق يوحي ~~بالثقة. # عزيزتي الآنسة كوهين # قبل أن أتناول أمر الصناديق، أود أن أعبر لك عن سعادتي الشديدة بالفرصة التي أتيحت ~~لي للتعرف عليك في ذلك اليوم. يمكن للمرء أن يؤكد من النظرة الأولى أنك شخص استثنائي ~~بالفعل، فيما يتعلق بذكائك وشخصيتك. وأرجو أن تكوني قد استمتعت بزيارتك للقصر، وآمل أن ~~نتقابل مرة أخرى في المستقبل. # أما عن الصناديق التي تكدست بلا شك أمام حائط غرفة جلوس البك، فسوف تجدين داخلها ~~خلاصة عشرة أعوام من التقارير الرسمية والمعاهدات والبيانات المالية والمراسلات الدبلوماسية ~~المتعلقة بأمر علاقتنا بالإمبراطوريتين الروسية والألمانية، بالإضافة إلى القوى العظمى ~~الأخرى مثل فرنسا وبريطانيا وإمبراطورية هابسبورج. أرجو أن تدرسي تلك المستندات بعناية، ~~وفي غضون أسبوعين سوف أرسل في طلبك مرة أخرى كي نناقش محتوياتها. ولست بحاجة لأن ~~أخبرك بأن تلك المستندات غاية في السرية، وأنه محظور عليك مشاركة محتوياتها مع أي شخص ~~مهما تكن الظروف. # أنتظر لقاءنا التالي بلهفة شديدة. # المخلص # عبد الحميد الثاني # وأخيرا وصلت الصناديق إلى مقرها في المكتبة، ورصت بعناية تحت صف من النوافذ ~~مواجهة لميناء بيشكطاش. وفي الجانب الآخر من الزجاج هبت رياح شديدة من الماء في غير ~~أوانها، محدثة اهتزازا عنيفا في فروع الأشجار، حتى أخذت طيور البحر تتقافز وتتشقلب في ~~حركات بهلوانية. ولكن بالداخل كان الجو هادئا، واختلطت طبقات كثيفة من دخان السيجار ~~بالرائحة العتيقة لجلود الكتب القديمة والكونياك، بينما ظلت أهداب الستائر الثقيلة ~~تداعب أسطح الصناديق كأزهار الهندباء البرية. أزاحت إلينورا غطاء الصندوق الذي يحمل رقم ~~واحد، وانحنت على مدخله وأخذت تقلب فيه بأصابعها. نزعت مجموعة متنوعة ms158 من الخطابات ~~مربوطة بخيط حريري وفكتها، كان الخطاب الأول مرفقا بمظروف مربع كبير موجها إلى ~~اللواء نيكولاي كاراكوزوف، وكان ملطخا من الجانب بما يبدو أنه مربى الفراولة. ولم يكن ~~ثمة عنوان للمرسل. دفعت إلينورا حواف المظروف وتركت الرسالة تنزلق للخارج. كانت دعوة ~~مكتوبة بخط اليد إلى حفل بمناسبة تجديد محل إقامة السفير الفرنسي. لم تجد شيئا يثير ~~الاهتمام الفوري في تلك الرزمة، فأعادتها إلى مؤخرة الصندوق وحملت أول ملفين إلى ~~مكتب الكولونيل. # كان الصندوق الأول خليطا من المراسلات بين إسطنبول وسانت بطرسبرج: خطابات شخصية ودعوات ~~وتهديدات مقنعة وأخرى صريحة، وعروض شكاوى واعتذارات، وبعض طلبات اللجوء السياسي. كانت ~~المراسلات في معظمها باللغة الفرنسية، مع استخدام كلمات تركية وروسية حسبما تدعو الحاجة. ~~وكان فحوى معظم الخطابات واضحا، رغم أن القنصل الروسي يشير أحيانا إلى اتفاقيات ~~ومحادثات ومسئولين غير معروفين لها. ظلت إلينورا تقرأ طوال اليوم باستثناء استراحة قصيرة ~~كانت تأخذها لتناول الغداء. وعندما طرق السيد كروم بابها لإبلاغها بحلول موعد العشاء، ~~كانت قد قرأت حوالي نصف الصندوق الأول، ورغم أنه ما زال هناك العديد من الأمور التي لا ~~تفهمها، فقد أدركت الآن الخطوط العريضة للعلاقة بين الروس والعثمانيين. # استغرقت إلينورا كل يوم على مدى أسبوعين في عالم الصناديق، في الأحداث العابرة الدقيقة ~~الخاصة بالدبلوماسية والعداء المتبادل والتحالفات المتقلبة. وبينما كانت تقرأ اتسع ~~فهمها للموقف الجيوسياسي الراهن؛ فقد أجبرت حرب 1878 ومعاهدة برلين التي تلتها ~~العثمانيين على التخلي عن سيطرتهم على معظم الأراضي في جنوب غرب أوروبا؛ وعادت موانئ شبه ~~جزيرة القرم إلى الروس، وأعطيت البوسنة لآل هابسبورج، وولدت بضع أمم بما فيها مملكتا ~~بلغاريا ورومانيا. وفي الوقت نفسه جثمت كل من فرنسا وبريطانيا تراقب المجزرة، ~~متحينة الفرصة المناسبة كالغربان على أعمدة السياج. ولما كان العثمانيون ~~محتجزين بين موسكو وفيينا، وبين لندن وباريس، فقد توجهوا إلى برلين. وبناء على أوامر ~~الصدر الأعظم، عين أمراء البحار الألمان في مناصب مستشارين عسكريين، واستقبل القيصر في ~~إسطنبول بعرض عسكري إمبراطوري، وحصلت الإمبراطورية على قرض ضخم من ms159 البنك الألماني بهدف ~~تمويل وصلة إسطنبول-بغداد من سكة حديد برلين-بغداد. وكان القيصر قد كتب في أحد الخطابات ~~الشخصية القليلة التي أرسلها إلى السلطان عبد الحميد الثاني قائلا إن هذا الشريان سوف يدعم ~~كلتا الإمبراطوريتين ويقوي العلاقة بينهما لأعوام عديدة قادمة، ومهر القيصر خطابه بختم ~~رسمي والتحية غير الرسمية على نحو غريب: مع تحيات التحالف، ويلي. # نامت إلينورا بعمق في الليالي الاثنتي عشرة الأولى، وعقلها مشغول بالعلاقات والاحتمالات، ~~ولكن في الليلة الأخيرة السابقة لزيارتها للسلطان لم تتمكن من الخلود إلى النوم. كانت ~~السماء صفحة سوداء حريرية عميقة، تتناثر فيها النجوم كالسكر المسكوب، وهادئة فيما عدا بضع ~~قطط ضالة وحيدة تتجول على الضفة. مرت مجموعة متناثرة من السفن عبر المضيق، وكان القمر ~~مفعما بالوهج المنعكس. تقلبت إلينورا على بطنها وجذبت الغطاء بإحكام حول كتفها. كانت ~~قد قرأت عن الأرق في رسالة أرسطو التي تحمل عنوان «عن النوم والأحلام»، وأيضا في «الساعة ~~الرملية»، وفي تلك الكتب كانت الكلمة تستحضر مشاهد رومانسية مثل الكولونيل الشاب المصاب ~~بالأرق رايسو وهو يتردد على حديقة منزل والده المتوفى حديثا حاملا في يده كوبا من ~~اللبن الدافئ ولحنا ما زال يتكون على شفتيه. ولكن تجربة الأرق نفسها كانت أمرا مختلفا ~~تماما؛ كان ميعاد نومها قد مضى منذ فترة طويلة، وشعرت بمزيج من التعب والقلق وكأن ثقلا ~~يزن خمسة كيلوجرامات معلق في مؤخرة عنقها. كانت ترغب بشدة في النوم، ولكن عقلها لم يستطع ~~التوقف عن العمل، وظلت أطرافها ترتجف في قلق انتظارا للصباح. # كانت قد قرأت محتويات الصناديق كلها، مئات الصفحات من المقارعة بالسيوف والعلاقات ~~الودية الحذرة، ولكنها ما زالت لا تدري كيف تفكر أو ماذا تقول عندما يطلب منها ~~السلطان النصيحة. ونظرا لأن الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية كانتا مقيدتين بلا رحمة ~~بحدود الجغرافيا، فقد كانتا متورطتين في المأزق الدموي نفسه لعدة قرون، تتصارعان على ~~رقع غير ذات أهمية من الأرض، تسلحان الجيوش وتسترضيان القوى العظمى. حتى إذا كانت تعلم ~~ما تقول، فكيف لها - هي إلينورا كوهين - أن تؤثر على ms160 تلك القوى الضخمة العنيدة؟ # انطلق نفير الضباب ثلاث مرات في تلك الليلة يهدي سفن الشحن اليقظة عبر المضيق، ~~ويقلق ساكني إسطنبول في أسرتهم. وبعد بزوغ الفجر مباشرة، أيقظت النفخة الرابعة ~~إلينورا من غفوة كانت قد استغرقت فيها منذ لحظات، وعلمت أنها لن تتمكن من الخلود إلى ~~النوم مرة أخرى. كان الوقت ما زال مبكرا على الإفطار، ولكن نيران المطبخ كانت قد ~~أشعلت بالفعل. صاح باعة الخبز في أول الشارع وآخره كطيور النورس التي انفصلت عن ~~أسرابها، وتسللت الهرر الباحثة عن فريسة في ممرات ضيقة كريهة الرائحة حاملة غنائمها. ~~وفي نهاية الأمر، أقنعت إلينورا نفسها بأنها لو لم تتمكن من الخلود إلى النوم ففي ~~استطاعتها على الأقل أن تلقي نظرة أخيرة على الصناديق. # لم تتفاجأ بوجود البك في المكتبة، رغم أن مظهره قد صدمها إلى حد ما. كان نائما في ~~مقعده بجوار المدفأة وحلته متجعدة وعيناه متدليتان كالكلاب الخاملة. وكان ثمة ~~فنجان شاي فارغ على المائدة بجواره، بالإضافة إلى مصباح جاز وكومة من الخطابات. أغلقت ~~إلينورا الباب وجلست في المقعد المقابل له، وجذبت ركبتيها نحو صدرها. وبينما كانت تراقبه ~~نائما، أحدث الجمر صريرا في المدفأة وتسللت هالة من ضوء الشمس عبر الستائر. وأخيرا ~~تحرك البك وفتح عينيه. ~~«الآنسة كوهين.» # خفت صوته وهو ينظر حوله في الغرفة. ~~«هل أتى الصباح؟» ~~«نعم يا سيدي، تقريبا.» # وقف وسوى حلته ومرر يده بطول كلا كميه. # قال وهو يلقي نظرة على اللوحة التي تعلو المائدة المجاورة له: «لم أستطع النوم.» # طوت إلينورا ساقيها تحت ثوبها المنزلي. ~~«وأنا أيضا.» # وفي فترة الصمت التي تلت ذلك، أخرج البك نظارته من جيب معطفه الداخلي وبحث عن ~~منديل، ولكنه لم يجد، فمسح نظارته في طرف قميصه، ثم أمسك بخطابين في أعلى الكومة المجاورة ~~له ومد يده إليها بهما، فأخذتهما منه. # قال: «كنت أرغب في أن أنتظر حتى تكبرين قليلا، ولكن الوقت قد حان.» # همست قائلة: «أشكرك، رغم أنني لا أدري ما الأمر.» # قال وهو يأخذ بقية الكومة: «سوف أتركك مع ms161 خواطرك.» ثم غادر الغرفة. # كان الخطاب العلوي هو نفس الخطاب الذي وجدته منذ بضعة أشهر في مكتب الكولونيل. كان مغطى ~~ببصمات الأصابع والتراب، ولم يكن يحمل طابع بريد أو ختما أو عنوان مرسل، بل فقط الكلمات ~~«منصف باركوس بك، حاملته إليك السيدة داماكان» على مقدمة الخطاب. رفعته إلينورا إلى ~~أنفها واستنشقت الرائحة. كان ورقه مصفرا عند الحواف ومطويا على هيئة مربع، وأمسكت به ~~بين راحتيها الصغيرتين المرتعشتين. وكان الحبر قد بدأ يميل للون البني، لكنها استطاعت ~~قراءته بسهولة في ضوء الصباح. # عزيزي منصف بك # آمل أن يصلك هذا الخطاب وأنت في سعادة وتتمتع بصحة جيدة، رغم أنه علي أن أعترف أن ~~الشكوك تساورني بشأن ما إذا كان هذا الخطاب سيصل إليك. لست أشك إطلاقا في أمانة السيدة ~~التي بعثت معها بتلك الرسالة، ولا في رغبتها الحارة في توصيلها، بل إنني في حقيقة الأمر ~~أكتب بناء على إلحاحها. ولكن إذا كان لامرأة أن تقطع تلك المسافة الشاسعة وحيدة في غمار ~~المعركة، فلا يسع المرء مع رسول كهذا إلا أن يكون له بعض التحفظات. ولكنني رغم ذلك فإنني ~~على يقين من أنه لا يوجد خيار آخر؛ فأسلاك التلغراف ما زالت معطلة، والخدمة البريدية قد ~~توقفت. # كما تعلم، فقد سقطت كونستانتسا منذ حوالي أسبوعين على يد سلاح الفرسان الملكي التابع ~~للقيصر، وفي أثناء ذلك رأيت أهوالا لم أتخيلها من قبل؛ السلب والنهب والحرق والتخريب ~~المتعمد للممتلكات والاغتصاب الوحشي المتكرر لنساء مدينتنا. لا وقت كي أصف تلك ~~الأحداث، رغم أنها قد حفرت في ذاكرتي للأبد. أعتقد أنه يكفي القول إن الحديث عن سمعة ~~جنود القوزاق ليس مبالغة على الإطلاق، فهم يتسمون بالفظاظة والغلظة والعنف والقسوة ~~والسكر. وللأسف فإن القوات العثمانية ليست أفضل حالا، فقد هرب هؤلاء المئات من الجبناء ~~المتمركزين في كونستانتسا في الليلة السابقة للهجوم تاركين المدينة بلا دفاع. ولكنني لن ~~أعطلك بتلك التفاصيل، فلا شك أنك قد سمعت العديد من الروايات المشابهة، وليس لدي سوى ~~مساحة محدودة كي أوضح لك أمرا غاية ms162 في الأهمية. سوف أدخل في الموضوع مباشرة. # في خلال تلك الأحداث العاصفة داهمت زوجتي العزيزة ليئة آلام المخاض، وبعد أن وضعت ~~طفلة تعرضت لنزيف شديد، وغطت صدمة وفاتها على كل مظاهر الفرحة بميلاد طفلتي الأولى؛ ~~فلم أتمالك قواي كي أكتب خطابا إلا الآن بعد مرور أسبوعين على الأحداث التي ذكرتها. أعلم ~~أن تصور سيناريوهات مغايرة لما حدث لا تفيد على الإطلاق، ولكنني لا أملك إلا أن أتساءل ~~ماذا كان سيحدث لو حضر الولادة طبيب المدينة د. هوسيك، الذي كان مشغولا بالعناية ~~بالجرحى؟ فقد حضرت ولادة إلينورا بدلا منه قابلتان تتاريتان أرسلتهما العناية الإلهية ~~إلى باب منزلنا فور أن بدأت آلام المخاض تداهم ليئة. # أخبرتاني بأن ما جذبهما إلى منزلي نبوءة قديمة أنبأت بها مجموعة من العلامات؛ طيور ~~وحلقة من الجياد وطور القمر، شيء من هذا القبيل. علي أن أعترف بأنني لا أفهم طبيعة تلك ~~العلامات، ولست أثق بها كثيرا. ولكنني أعلم أن هاتين المرأتين، وإحداهما حاملة الرسالة، قد ~~قدمتا لي مساعدة قيمة، ولست أدري ماذا كنت سأفعل من دونهما؛ فقد وافقتا على البقاء ~~معي ومساعدتي في إدارة شئون المنزل حتى موعد رحيلهما إلى إسطنبول. وكما ذكرت في برقيتي ~~التي أرسلتها منذ أسبوع، فسوف تبحث كلتاهما عن عمل عند وصولهما إلى إسطنبول، وأوصي ~~بتعيينهما في إدارة شئون أي منزل تراه مناسبا. # أما الآن وقد شارف هذا الخطاب على النهاية، أود أن أطلب طلبا صغيرا خاصا بي. فلما ~~كانت ابنتي قد أتت إلى العالم يتيمة الأم ولا تملك عائلة ممتدة، أشعر بالحاجة لإجراء ~~ترتيبات رسمية في حال حدوث أي مكروه لي. فكما أوضحت لك من قبل، فإنني أعتبرك من أشرف ~~الرجال الذين أعرفهم وأكثرهم استقامة وثباتا على المبادئ، وأتشرف بترك ابنتي في رعايتك ~~لو حدث لي أي مكروه. أرجو أن تدرس ذلك الطلب بمنأى عن الظروف التي وصلك فيها، وآمل أن ~~نلتقي قريبا في ظروف أفضل. # وحتى ذلك الحين سوف أظل # صديقك المخلص # يعقوب كوهين # عندما انتهت إلينورا من قراءة الخطاب، طوته ms163 كما كان ووضعته في المظروف. أعادت ربط ثوبها ~~المنزلي، ونظرت إلى الرماد المتبقي من نيران الليلة الماضية. يبدو أن والدها لم يكن يثق ~~كثيرا بعلامات السيدة داماكان، وهي تثق بوالدها أكثر من أي شخص في العالم. ولكن ها هي ~~في الصفحة؛ النبوءة، الجياد والطيور، مصير مكتوب سلفا، قدر عتيق لا تعلم طبيعته. كانت ~~لديها أسئلة كثيرة عن نفسها وعن والدها والسرب الذي يتبعها والسيدة داماكان والبك ~~ومولدها والقابلتين والنبوءة، ولم لم يخبرها أحد بذلك من قبل. كادت تنسى أمر الخطاب ~~الثاني الذي كان موجها أيضا إلى منصف باركوس بك ومختوما بتاريخ منتصف فبراير، وكان ~~أقصر كثيرا من الخطاب السابق. أخرجت الورقة من المظروف وقرأت سريعا. # منصف باركوس بك # أشكرك على التعازي القلبية المخلصة لوفاة زوجي العزيز يعقوب، وأنا أتقبلها وأقدرها ~~بشدة، فقد أخبرني كثيرا كم يحبك ويحترمك باعتبارك صديقا، وذكر لي أيضا ذات مرة أنه قد ~~طلب منك تولي مسئولية إلينورا وحمايتها في حال وقوع أي مكروه له. ورغم أنني كما قلت ~~خالتها وزوجة أبيها، فإنني أطلب التخلي عن تلك المسئولية التي أكد لي يعقوب أنك قبلت ~~تحملها بصدر رحب؛ فلست في موقف يسمح الآن بالعناية بطفلة صغيرة. وأما عن الشئون المالية ~~التي أشرت إليها في برقيتك السابقة، فيمكنك أن تستفيد من أي أموال قد جناها يعقوب أثناء ~~إقامته في إسطنبول، وسوف أتدبر أموري بطرق أخرى. # وأشكر لك تفهمك في هذا الوقت العصيب. # روكساندرا كوهين # وقفت إلينورا ووضعت الخطابين أمامها على المائدة. ولما كان والدها غائبا، لم يكن هناك ~~سوى شخص واحد في العالم تأمل أن يهدئ طوفان الأسئلة الذي يدور في عقلها. أدارت المقبض ~~وخرجت من المكتبة إلى الممر الذي يضيئه القمر، وبذلت أقصى جهدها كي تهدئ من أفكارها ~~وتركز على المهمة الحالية، فتوقفت ووضعت يدها على صدرها. كان قلبها يخفق بقوة عبر ~~القماش الرقيق لرداء نومها. أخذت نفسا عميقا وصفت ذهنها، وسارت خطوة بخطوة بطول محيط ~~غرفة الطعام تحت ضوء الثريا الخافت مرورا بباب المطبخ. # كان المطبخ باردا ms164 خاليا من السجاد، يفوح برائحة زيت الطهي والبصل. وفيما عدا سلسلة من ~~المقليات التي تتدلى من فوق الموقد، لم تكن ثمة أي زخارف تذكر. وفي الجانب ~~البعيد من الغرفة كانت توجد ثلاثة أبواب مثبتة بأدوات حديدية ثقيلة. كانت تعلم أن الباب ~~الذي يقع في الجانب الأيسر يقود إلى ساحة صغيرة بالخارج، والباب الذي يقع في الجانب الأيمن ~~يقود إلى حجرة المؤن، أما الباب الأوسط الذي يعلو البابين الآخرين بارتفاع بضع أصابع فهو ~~يقود إلى جناح الخدم. # انفتح الباب بسهولة كاشفا عن درج خشبي منحدر يتلاشى في ظل ضوء شمعة خافت. صعدت ~~إلينورا الدرجة الأولى محدثة صوت صرير، وأغلق الباب خلفها. وضعت يدها على الدرابزين ~~الحديدي البالي، وصعدت خطوة خطوة إلى ردهة في الأعلى. كان بوسعها أن ترى الآن أن ضوء ~~الشمعة يتسلل من أسفل أحد البابين. أملت بشدة أن تكون تلك غرفة السيدة داماكان، وإن ~~كانت غرفة السيد كروم فسوف تدعي أنها تبحث عمن يساعدها في شأن نسائي. لم تكن تعلم ما هو ~~ذلك الشأن النسائي، ولكنها تعلم أن ذلك سوف يقودها إلى مكان السيدة داماكان دون مزيد من ~~الأسئلة. أخذت إلينورا بضعة أنفاس مكتومة أمام الباب قبل أن تطرقه بهدوء شديد. مرت ~~برهة طويلة، ثم سمعت سعالا وصوت جرجرة قدمين على الأرض، ثم فتح الباب. إنها السيدة ~~داماكان. # صاحت في دهشة وهي تضع يدها على كتف إلينورا: «عزيزتي، ماذا تفعلين هنا؟» # حاولت إلينورا أن تجيب، ولكن طوفانا من المشاعر اجتاحها. بدأ الأمر بنشيج مكتوم ~~وشعور بالاختناق وانفجار في الدموع، ثم شعرت بارتياح يسري في أوصالها بدءا من جوفها ~~مرورا برئتيها وحلقها كما لو كان كائنا بحريا شاحب العينين يبرز إلى سطح الماء ~~أخيرا بعد عقود من سكنى الأعماق. وعندما فتحت فمها، ارتجف جسدها النحيل. ضغط الأسبوعين ~~الماضيين، والنبوءة، والسلطان، وكل الأسئلة التي تراودها، كل ذلك ظهر في صورة انهيار. ~~دفنت إلينورا وجهها في حضن الخادمة العجوز وبكت؛ بكت على والدها ووالدتها وعلى كونستانتسا، ~~وعلى السيدة داماكان وابنة أخيها، وعلى ms165 المعاناة التي لم تكن تدر شيئا عنها، ولكن في ~~المقام الأول بكت رثاء لحالها وعلى استبعاد وجودها والشك التام في موقعها في هذا ~~العالم. # وعندما أنهكت قوى إلينورا، جلست فترة طويلة على حافة الفراش تحدق في الشمعة. ظلت ~~السيدة داماكان تضمها وتداعب شعرها وهي تهمس بلغة لا تفهمها إلينورا. وأخيرا اعتدلت ~~إلينورا واعتذرت بصوت خافت. # قالت وهي تمسح دموعها في كم ثوبها: «أنا آسفة، آمل ألا أسبب لك إزعاجا.» ~~«كلا، على الإطلاق.» # نظرت إلينورا إلى يديها التي تختبئ في طيات ثوبها المنزلي. كان وجود السيدة داماكان ~~فحسب كافيا لتهدئتها. # قالت الخادمة العجوز وهي تداعب شعر إلينورا: «إنك طفلة شديدة التميز، وأنت تعلمين ~~هذا، أليس كذلك؟» # فتمتمت إلينورا تعبيرا عن الموافقة. ~~«أنت تعلمين أنك متميزة، ولكن أعتقد أنك لا تدرين كيف ذلك.» # فهزت إلينورا رأسها. # تابعت السيدة داماكان: «لآلاف الأعوام تناقل قومي نبوءة تنبأ بها آخر ملوكنا العظام ~~في ساعته الأخيرة على فراش الموت، بقدوم فتاة صغيرة تغير مجرى التاريخ وتحرر شعبنا. ~~وثمة علامات لمولدها: رقعة كبيرة من الجياد، ومحفل من الطيور، والنجم القطبي بمحاذاة القمر، ~~واثنان من شعبنا. وعن طريق تلك العلامات سوف نعرف أنها هي الفتاة المقصودة.» # نظرت السيدة داماكان إلى إلينورا بمزيج من الخوف والإجلال، ووجهها يظلله وميض ~~الشمعة. ~~«إنك هي.» # قاطعت إلينورا نظرة السيدة داماكان ونظرت للأسفل نحو بحيرة دموعها. سواء أكانت تصدق تلك ~~الكلمات أم لا، فقد ارتجف جسدها حتى النخاع لتلك الكلمات التي قيلت بهذا اليقين الذي لا ~~يتزعزع. # ولكنها أصرت قائلة: «وماذا عن السلطان والصناديق؟ ماذا يفترض أن أفعل غدا؟ لست أدري ~~ما أقول، وكيف لي أن أكون ذلك الشخص الذي تتحدثين عنه إذا لم أكن أعلم ماذا أقول؟» # ابتلعت السيدة داماكان لعابها وأغمضت عينيها. ~~«ثقي بنفسك، واستمعي إلى صوتك الداخلي. هذا كل ما لدينا الآن.» # | الفصل الثاني والعشرون # بينما كانت السيدة داماكان تثبت المشابك في ظهر ثوب إلينورا واحدا تلو الآخر كما لو كانت ~~درجات سلم غير ثابت، استغرقت إلينورا لحظة كي تتأمل ms166 نفسها في مرآة مائدة الزينة. كان ~~الإرهاق باديا عليها بوضوح، فعيناها ذابلتان عند الأطراف ووجنتاها شاحبتان كالخزف، ومهما ~~حاولت أن تهدئ من ارتجاف يديها فقد ظلتا ترتجفان قليلا إلى جانبها. لم تتناول أي شيء ~~في الإفطار ذلك الصباح، وشعرت أن معدتها ملساء كحوض استحمام خال. لم تتفوه هي أو ~~السيدة داماكان بكلمة عن الحوار الذي دار بينهما منذ بضع ساعات، ولكن ذكراه كانت تحوم ~~حولهما. كان خطاب والدها ودليل مادي على غيابه كافيين كي تفقد أعصابها، وبالإضافة إلى ذلك ~~كان عليها أن تستوعب روايته القاسية عن مولدها والنبوءة (مهما تكن صحتها) وخطاب روكساندرا. ~~رمقت نفسها في المرآة، وشعرت برعب الانتظار في أخمص قدميها وفي أعصابها كمجسات ~~كثيرة تتحسس العالم من حولها. لم تكن ترغب في الذهاب إلى القصر، ليس الآن، وليس وهي في تلك ~~الحالة، ولكن لا أحد يستطيع رفض طلب للسلطان؛ حتى لو كان ذلك ممكنا فقد تأخر الوقت ~~كثيرا. وبينما كانت السيدة داماكان تربط المشبك الأخير في عروته، توقفت العربة الملكية ~~عند منزل البك، وبعد مرور بضع لحظات طرق الباب الأمامي. # انطلقت العربة حاملة إلينورا ورسول السلطان صامتين مارة بالبحارة المتثائبين ~~والحراس الليليين وهم يراقبون الجمر الخامد في المجامر. مرا بمجموعة من طلبة المدارس ~~الثرثارين خارج البازار المصري، عبر مجموعة متناثرة من المستجدين السائلين صعودا ~~إلى بوابة السلام. وبينما كانت بوابات القصر الداخلية تفتح، لمس رسول السلطان ~~ركبتها. # قال وهو يجذب جفنه السفلي كاشفا عن حافته الممتلئة بالعروق: «خذي حذرك، فأنت كل ~~ما نملكه.» # ودون أن يتفوه بكلمة أخرى، ودون حتى أن يلقي نظرة خلفه، قاد الرسول إلينورا عبر حدائق ~~القصر حتى أودعها أمام راية النبي محمد عليه الصلاة والسلام. اقتيدت إلى غرفة المقابلات ~~مباشرة، ولاحظت وهي تنحني أن الغرفة شبه خالية. فبالإضافة إلى السلطان وهي شخصيا والقليل ~~من الحرس، لم يكن يوجد أحد سوى شخصين تعرفت على أحدهما؛ إنه الصدر الأعظم، والآخر ~~امرأة أكبر سنا لم ترها من قبل. ~~«صباح الخير أيتها الآنسة كوهين.» # عندما تحدث السلطان، ms167 توقف كل من في الغرفة عما يفعلونه والتفتوا نحوه. ~~«صباح الخير يا فخامة السلطان.» ~~«أرجو أن تكون رحلتك إلى القصر لطيفة.» ~~«نعم، كثيرا.» ~~«إنني سعيد لسماع ذلك.» # وتابع قائلا وهو يومئ إلى الصدر الأعظم: «هل قابلت جمال الدين باشا؟» ~~«نعم يا فخامة السلطان.» # لم تكن إلينورا والصدر الأعظم قد تعرفا رسميا حتى الآن، ولكنها تعرفت عليه من ~~المقابلة الماضية. # قال وهو يومئ إلى المرأة الأكبر سنا التي تقف على يساره: «ولكنني أعتقد أنه علي أن ~~أقدمك إلى أمي، السلطانة الأم. لقد تأثرت كثيرا بحديثي عن المقابلة الماضية ورغبت ~~في أن تحظى بالفرصة كي تقابلك شخصيا.» # كانت والدة السلطان إنسانة أنيقة راقية، تتدلى المجوهرات من عنقها، وجسدها غارق في ~~العطور. # قالت إلينورا وهي تنحني مرة أخرى: «تشرفت بمقابلتك.» ولكنها لم تكن انحناءة عميقة ~~كالسابقة عندما دخلت الغرفة. ~~«إن الشرف لي يا عزيزتي.» # قال السلطان وهو يطوي يديه تحت ذقنه: «قبل أن نشرع في عملنا الرسمي، أود أن أبلغك ~~أن فريق المترجمين لدينا قد انتهى من ترجمة المجلد الأول من «الساعة الرملية» إلى التركية، ~~وقد بدأت أقرؤها منذ بضعة أيام فحسب، ولكنني أدركت بالفعل سبب استمتاعك بها كثيرا إلى ~~ذلك الحد.» # هزت إلينورا رأسها. لم تكن متزنة بسبب سرعة الانحناء، وتدفق في رأسها طوفان من ~~المشاهد من «الساعة الرملية»: الآنسة هولفرت تختبئ متكومة على نفسها في قبو المنزل ~~الريفي الخاص بابن عمها، والملازم براشوف وهو يمر عبر المدن التي تتوهج بالمشاعل ~~والمدفعية الثقيلة، والقاضي رايكو وهو يضحك بطريقة لا يمكن التحكم بها في قاعة المحكمة ~~المزدحمة. مر كل ذلك في رأسها، ولكنها لم تستطع أن تفكر كيف تجيب السلطان؛ كل ~~ما تبادر إلى ذهنها هو أحد سطور المجلد الرابع: «جذبه خيط القدر عبر الدنس والأشواك ~~والمصاعب والمأساة وليالي الأرق التي لا تحصى. كان يبدو أحيانا كما لو كان صراعا غير ~~ذي جدوى، ولكنه عندما وصل إلى خط النهاية أخيرا فهم أن كل ذلك كان ضروريا .» ~~هل كانت كل حياتها السابقة مجرد إعداد ms168 لتلك اللحظة؟ أومضت بعينيها وتماسكت. ~~«نعم يا فخامة السلطان.» # قال السلطان وهو يتكئ على مرفقه: «ثمة أمر آخر، فكما تعلمين فإنني أهوى مشاهدة الطيور ~~منذ أعوام عديدة، وتعد إسطنبول ملتقى عدة أنواع من الطيور المهاجرة، ويوفر القصر ~~موقعا مثاليا لملاحظة حركاتها. وفي الشهور القليلة الماضية، لاحظت أكثر من مرة ~~سربا غريبا من الهداهد الأرجوانية الجاثمة حول منزل منصف بك. لن أزعجك ~~بملاحظاتي، ولكن تلك الطيور ليست مألوفة في المنطقة، وتشير الكتابات إلى أنها كائنات ~~منعزلة في المقام الأول. أرغب في معرفة خواطرك عن هذا الأمر، على الأقل لأن السرب ~~يبدو مرتبطا بك إلى حد ما.» # توقف متيحا لها الفرصة كي تجيب. # فقالت إلينورا: «إنه سربي؛ لقد كان معي عندما ولدت، وتبعني من كونستانتسا إلى ~~هنا.» # طبقا لخطاب والدها وحديث السيدة داماكان، فإن سربها يرتبط أيضا - على الأقل رمزيا ~~- بالنبوءة. ولكنها رأت أنه من الأفضل ألا تفصح عن هذا الارتباط؛ فهي شخصيا لا تفهمه ~~فهما تاما. # ردد السلطان: «سربك! إذن فالأمر بتلك البساطة.» # فابتسمت إلينورا مؤكدة هذا الأمر. # تابع السلطان مغيرا الموضوع: «على أي حال أعتقد أنك تصفحت المستندات التي ~~أرسلناها إليك، وأنك وجدتها مشوقة.» ~~«نعم يا فخامة السلطان، لقد قرأتها.» ~~«وماذا كان انطباعك عنها؟» # فبدلت إلينورا مكان قدميها على الأرض. # ثم قالت: «وجدتها ممتعة للغاية. ثمة بضعة خطابات لم أفهمها جيدا، ولكن بالنسبة إلى ~~معظم الخطابات فقد وجدتها ممتعة للغاية.» ~~«أي خطابات لم تفهميها؟» ~~«يصعب تحديد ذلك.» # وجهت حديثها إلى الصدر الأعظم الذي وجه إليها السؤال، ثم تذكرت قواعد البروتوكول ~~فالتفتت مرة أخرى إلى السلطان. ~~«كان ثمة خطاب، على سبيل المثال، من القنصل الروسي إلى القصر يحدد شروط تبادل الأسرى، ~~وكذلك كان ثمة مسودة أولية لمعاهدة سان ستيفانو. ولا أظن أنني أفهم السياق السياسي ~~لأي من الموقفين.» # طمأنها السلطان قائلا: «مع هذا الكم الكبير من المستندات وتلك السياسات المعقدة، لم ~~نتوقع منك أن تفهمي كل التفاصيل، رغم أنه بوسعنا بالطبع أن نقدم لك مستندات توضح ~~سياق كلا الموقفين.» # التفت إلى ms169 الصدر الأعظم قائلا: «هل ستتولى ذلك الأمر؟» ~~«نعم يا فخامة السلطان.» # واصل السلطان حديثه ملتفتا مرة أخرى إلى إلينورا: «والآن رغم أنك لم تحظي ~~بالفرصة لقراءة كل المستندات ذات الصلة بالموضوع، فإنني أود أن أسمع انطباعاتك عن ~~الموقف ككل، بالإضافة إلى أي نصيحة يمكنك تقديمها حول تصرفنا في المستقبل.» # أحكمت إلينورا إطباق قبضتيها وهي تغرس أظافرها في راحتيها. كانت صعوبة السؤال ~~الذي وجهه إليها السلطان تحيط بها كغيمة من البعوض. فتحت فمها كي تعتذر، كي تخبرهم ~~بأنها تشعر بالتعب الشديد، وبأنها بأمانة شديدة لا تملك انطباعا عن الموقف ككل، ولكن قبل ~~أن تتحدث اندفعت والدة السلطان قائلة: «أتعلمين أن نصيحتك السابقة للسلطان قد نفذت ~~بالفعل؟ وحتى الآن على الأقل فهي ناجحة.» # قالت إلينورا: «كلا، لم يكن لدي علم بذلك.» ~~«لقد نشر الأمر في الصحف المحلية.» ~~«ولكنني لا أقرأ الصحف المحلية.» # تابع الصدر الأعظم قائلا وهو يدون شيئا ما في مفكرته: «لقد نشر في الصحف ~~العالمية أيضا.» # قالت إلينورا: «إنني لا أقرأ أي صحف على الإطلاق، وأعتذر إذا كان من المفترض أن أقوم ~~بذلك، ولكنني ظننت أنه علي قراءة محتويات الصناديق فحسب.» # وضع الصدر الأعظم مفكرته جانبا. بدا كما لو كان سيطرح سؤالا، ولكنه جعد أنفه ~~فحسب. # قال السلطان: «لقد كانت خطتك ناجحة تماما؛ فعندما رأى الروسيون أننا لن نشتبك في القتال، ~~توقفوا عن مضايقتنا وعادوا إلى سيفاستوبول. وأما الألمان فقد شعروا بالضيق في بادئ ~~الأمر، ولكنهم في النهاية بدت عليهم السعادة لتجاهلنا اقتراحهم بالاشتباك في ~~القتال.» # توقف السلطان ونظر في عيني والدته. ~~«ولذلك السبب أود أن أسمع انطباعاتك عن موقفنا السياسي بوجه عام.» # مسحت إلينورا راحتيها في ظهر ثوبها وابتلعت لعابها. كما قالت السيدة داماكان، عليها أن ~~تثق بنفسها؛ ليس أمامها سوى ذلك، وتمنت لو كان في وسعها أن تفكر في اعتذار مناسب. ~~تزاحمت في عقلها صور الخلفاء والمفتين، والملوك القدامى والعواصم المهجورة. # قالت متشبثة بأول خاطرة مكتملة خطرت في بالها: «إن موقف الإمبراطورية بوجه عام لا ~~يختلف كثيرا في ms170 رأيي عن موقف الهيركانيين كما وصفه زينوفون في روايته ~~«سايروبيديا».» # توقفت إلينورا كي ترى مدى تأثير هذا التشبيه، ولكن لم يبد أن أحدا من الحاضرين يعلم ~~شيئا عن الهيركانيين، أو عن زينوفون من تلك الزاوية. ~~«كان الهيركانيون تابعين لجيرانهم الأكثر قوة - الآشوريين - الذين كانوا يستغلونهم أسوأ ~~استغلال في شئون السياسة، بالإضافة إلى الشئون العسكرية. وفي الموقف الذي يصفه زينوفون، ~~أعطيت الأوامر للفرسان الهيركانيين بحماية مؤخرة سارية آشورية، حتى إذا حل أي خطر ~~من الخلف يتحملون هم وطأته، ولكن ...» # توقفت إلينورا لحظة كي تبلل شفتيها بلسانها، وعندما فعلت ذلك أصيبت بدوار. انقشعت ~~غيمة عن أشعة الشمس التي أشرقت في الغرفة، مضيئة رقعة الرخام التي تقف عليها. # قالت محاولة ترتيب أفكارها: «وبينما هم ...» # وهنا انهارت إلينورا. جثت أولا على ركبتيها، ثم ارتجفت ارتجافة شديدة وانهارت حتى ~~سقطت على الأرض. وعلى الأرض في منتصف غرفة مقابلات السلطان دخلت في نوبة من التشنجات، ~~وتوقف عقلها عن العمل تماما. # رغم أن إلينورا كانت قد قرأت القرآن كاملا، بل وحفظته في الواقع، فإنها لم تلق بالا ~~لمسألة الوحي. وإذا لم تستحضره الظروف، فلم تكن تفكر في محتوياته إلا نادرا. ومن ~~العجيب أن سورة الغاشية كانت أول ما خطر ببالها عندما فتحت عينيها، وأغمضت عينيها ~~وفتحتهما مرة أخرى في محاولة لإدراك ما يحيط بها: # فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة ~~* وأكواب موضوعة * ونمارق ~~مصفوفة * وزرابي مبثوثة ~~. وعبر باب مفتوح استطاعت أن ترى ساحة واسعة تمتلئ بفتيات جميلات ينقرن على ~~الآلات الوترية ويهمسن بعضهن لبعض في نبرة ضاحكة. ها هي العين الجارية، والبسط الممدودة، ~~والنمارق المصفوفة. # كانت ترقد ووجهها للأسفل على أريكة مرتفعة في منتصف غرفة صغيرة متفرعة من الساحة، ~~وكان رأسها مسنودا بمجموعة من الوسادات المخملية، وقدماها حافيتان. شعرت بالخدر والوخز ~~في يدها اليمنى، وسرعان ما اكتشفت أنها عالقة بين جسدها والوسادة. وبصعوبة شديدة تمكنت ~~من جذب يدها من تحتها وانقلبت على ظهرها، وعندما فعلت ذلك رأت أن والدة السلطان تقوم على ~~رعايتها. حاولت أن تجلس، ولكنها ms171 عندما رفعت رأسها اخترقها ألم حاد من صدغها حتى ~~الجهة الأخرى. وهنا فحسب تذكرت نهاية السورة وبدت منطقية لها: # فذكر إنما أنت مذكر ~~* ~~لست عليهم بمسيطر ~~. ~~«ليس عليك أن تتحركي، اهدئي وارقدي هنا فحسب.» # لمست والدة السلطان جبهة إلينورا بظهر يدها ثم رفعت كأسا كبيرة إلى شفتيها. # قالت: «هيا، اشربي هذا.» # كانت الكأس تحتوي على شراب ذي لون أحمر داكن، وبنكهة الرمان ذي المذاق الحلو دون ~~الأنسجة القاسية. وعندما انتهت إلينورا من تناول الشراب وضعت والدة السلطان الكأس نصف ~~الفارغة على الأرض. ~~«لقد كنت عطشة.» # هزت إلينورا رأسها ووضعت يدها الخدرة المتعرقة على جبهتها. كانت ترغب في أن تسأل عن ~~مكانها وما حدث، وما إلى ذلك، ولكنها كانت تشعر بالتعب لدرجة تمنعها من الحديث، بل حتى من ~~التفكير. # قالت والدة السلطان: «إن السلطان مهتم جدا بصحتك، وفور أن قرر الطبيب أن حالتك ~~مستقرة أصر على إحضارك إلى هنا في جناحه الخاص؛ ظنا منه أنه أكثر الأماكن راحة كي ~~تستعيدي صحتك وتتعافي.» # حاولت إلينورا أن تتحدث مرة أخرى، ولكن الكلمات لم تخرج، بل فقدت في الطريق من عقلها ~~إلى فمها، وعندما كانت تدرك أن الكلمات ضاعت منها كانت تنسى ما ترغب في قوله. ~~«خذي رشفة أخرى من عصير الرمان، فسوف يمدك بالطاقة.» # وبينما كانت إلينورا تشرب، شعرت بالقوة تتدفق في عروقها، وبالسكر وهو يضخ في دمها، ~~ولكن رغم القوة كان عقلها مشوشا. # سألتها والدة السلطان وهي تداعب ظهر يدها: «ماذا تذكرين؟ هل تذكرين ما قلته ~~لنا؟» # رفعت إلينورا ذقنها كي تهز رأسها. ~~«ألا تذكرين أي شيء أخبرتنا به؟ حول الكاهن مولر والأحجية؟ حول منصف بك والشاب ~~الغريب في مقهى أوروبا؟» # همست بصعوبة قائلة: «كلا، ماذا قلت؟» فلم تكن تذكر شيئا سوى الهيركانيين. # قالت والدة السلطان: «ليس مهما.» وقفت وأزاحت خصلة من شعر إلينورا عن جبهتها، ثم ~~تابعت قائلة: «من الأفضل بالفعل أنك لا تذكرين شيئا.» # أراحت إلينورا رأسها على الوسادة ونظرت مرة أخرى إلى الساحة التي تضم الفتيات ~~وآلاتهن الوترية، وحاولت ms172 أن تتذكر ما قالته. وعندما لم تتمكن من ذلك، أعادت أفكارها ~~إلى الأمور المحيطة بها حاليا. # تساءلت إلينورا: «من هؤلاء؟ هل هن موسيقيات السلطان؟» # قالت والدة السلطان وهي تنظر خلفها كي تخفي ابتسامة: «نوعا ما، فالموسيقى نشاط شائع ~~بين من يعشن في جناح الحريم.» # سألت إلينورا: «وهن يعشن هنا؟ كلهن؟» # أجابت: «نعم، كلهن يعشن هنا.» ~~«وأين أهلهن؟» # توقفت والدة السلطان كما لو كانت لم تفكر في هذا السؤال من قبل. # قالت أخيرا: «معظمهن يتيمات، ومن أهلهن على قيد الحياة أرسلوهن إلى هنا كي يحسنوا ~~من وضعهن. فكما تعلمين، لقد كنت يوما جارية شابة في بلاط السلطان أحمد الرابع والد عبد ~~الحميد.» ~~«هل كنت يتيمة؟» # استغرقت والدة السلطان بعض الوقت كي تجيب عن هذا السؤال. # قالت أخيرا: «نعم، لقد فقدت والدي كليهما في سن مبكرة مثلك.» # في وقت لاحق من ذلك المساء أعيدت إلينورا إلى منزل البك، وقضت معظم الأسبوع التالي ~~راقدة في الفراش. ظلت الستائر مسدلة والأغطية محكمة حول ذقنها، وأخذت تتناول ~~الخبز المحمص المبلل بالشاي، وتشرب كميات كبيرة من عصير الرمان حتى اصطبغت أسنانها ~~بلون أرجواني عند الحواف. لم تكن مريضة أو جريحة، ولكنها أوضحت للبك وللسيدة داماكان ~~وللعدد اللانهائي من الأطباء الذين أرسلهم القصر، أنها فقدت قواها فحسب، كما لو كانت أصيبت ~~بثقب في قلبها فانسكبت منه كل طاقتها. وكان للأطباء تفسيرات أخرى أكثر علمية، تتراوح ~~بين الصرع إلى التهاب السحايا إلى مرض السكر، ولكن أحدهم لم يستطع الجزم بحالتها. والأمر لا ~~يهم في الحقيقة، فأيا كان ما أصابها فها هي الآن تتعافى. # في تلك الأثناء، كانت إسطنبول تتبادل الشائعات ما بين همهمة وغمغمة. ففي نفس اللحظة التي ~~كانت العربة الملكية تعيد فيها إلينورا عبر جسر جالاتا، كانت قصة النوبة التي أصابتها قد ~~تسربت عبر بوابات القصر وانحدرت أسفل التل نحو وسط المدينة. وإذا أصغيت السمع فسوف ~~تتمكن من سماع صوت الشائعات الواضح الذي هبط من أعلى كسرب من الجراد، وانطلق من منزل إلى ~~آخر وهو يحدث طنينا. ms173 ولما كانت الألسن تتناقله باستخفاف، فقد ظل يتحول وهو ينتشر. ~~لم تكن إلينورا قد ارتكبت خطأ أو أمرا مشاكسا أو لا أخلاقي، وهكذا فلم تكن فضيحة ~~بالمعنى الكامل للكلمة؛ ولكن في الوقت نفسه لا ينكر المرء أنها قصة مشوقة. ورغم أن ~~إسطنبول مدينة تضم مليوني نسمة وكثيرا من الأحياء السكنية، وتتحدث عشرات اللغات، فقد ~~كانت الشائعات تنتشر عبرها كما لو كانت قرية صغيرة. وعندما تسلقت إلينورا فراشها الأبيض ~~الدافئ واستغرقت في النوم، كانت الشائعة قد انقسمت بالفعل إلى فريقين متقابلين. # انتشر الفريق الأول الذي اعتقد أن إلينورا عرافة أو متنبئة بالمستقبل من نوع ما على ~~ضفاف البوسفور، متوقفا عند المنازل الصيفية للأثرياء في طريقه إلى جزر الأمراء. ظل ~~خبر الشائعة يحاك على جزر الأمراء بضعة أيام، يطوف بكل المهرجانات وحفلات العشاء قبل ~~أن يعود إلى إسطنبول نفسها على ظهور الخدم. أما الفريق الثاني الذي زعم أن إلينورا جاسوسة ~~بريطانية أرسلت كي تفسد التحالف العثماني الألماني، فقد انطلق عبر جسر جالاتا صاعدا ~~التل حتى بيرا، حيث تناقلته الجاليات الأجنبية فيما بينها همسا، ناظرين خلفهم بين حين ~~وآخر كي يتأكدوا من عدم وجود جواسيس آخرين يسترقون السمع إليهم. وداخل القصر سادت ~~الرواية الأولى، ودعمتها روايات من رأوا رأي العين النوبة التي داهمت إلينورا في غرفة ~~المقابلات، ولكن بعض الفصائل - ومنهم الصدر الأعظم - تمسكوا بالجزء الثاني من الشائعة ~~وظلوا يرددونه، مصرين أن إلينورا عميلة أجنبية. # | الفصل الثالث والعشرون # استمر سقوط منتظم لقطرات المطر حتى بداية الصباح، يزيل التراب عن الأسطح القرميدية ~~الحمراء لكلية روبرت، ويعيد بعض الرونق إلى أوراق النباتات الموجودة فيها. ورغم أن النوافذ ~~مغلقة بإحكام، كان مكتب الكاهن يفوح برائحة الأرض الرطبة وحبوب اللقاح، وهي نفس رائحة حقل ~~الهندباء البرية الذي يقع خلف القديس إغناطيوس. أطبق الكاهن على حافة القلم بأسنانه ~~متيحا لنفسه الاستغراق في حلم يقظة قصير. تدفق الماء في المزاريب، وبدا الضوء الذي ~~تسلل من زجاج النافذة الملطخ فوق مكتبه كما لو كان مغسولا، كما لو كان هو أيضا ms174 ~~مغمورا بالماء. ولكن رغم روعة الضوء، فعليه أن يركز في المهمة التي يقوم بها. بسط راحتيه ~~على كل من جانبي الخطاب الذي أمامه، وقرأ ما كتبه حتى الآن. # عزيزي دونالد # آمل أن يصلك خطابي وأنت تتمتع بموفور الصحة والسعادة، وأن تعذرني لغيابي ~~الطويل. # غطى الكاهن قلمه، وسار على مهل عابرا غرفة المكتب حتى المدفأة. كانت الكلمة ~~الصحيحة هي «تأخري» وليس «غيابي»، ولكنه لم يكن في مزاج يسمح له بإعادة كتابة الخطاب من ~~جديد. فعندما يتعلق الأمر بموضوعات ضرورية، فهو لا يهتم بما يقوله دونالد ستورك عن ~~أسلوبه في الرسائل وما إلى ذلك. أما السبب وراء استمرار المراسلات بينهما تلك الفترة ~~الطويلة، فهو أمر متعلق بالانصياع والمجاملة لا الصداقة، فلم يكن الكاهن بالطبع مهتما ~~بمغامرات دونالد في وول ستريت ولا الحفلات التي يحضرها هو وزوجته. وإحقاقا للحق، فإن جيمس ~~لا يتخيل أن دونالد يهتم بالأوضاع المعقدة في مجتمع إسطنبول أو بالتطور المنتظم ~~لكلية روبرت. استند الكاهن مولر على الحجر البارد للمستوقد، ولاحظ أن نباتاته أصبحت ذابلة. ~~وذكر نفسه أنه عليه التحدث إلى السيدة إسكي أوغلو بشأن الطريقة المناسبة للاعتناء ~~بنباتات الزينة، حتى وهو يسجل تلك الملحوظة في ذهنه كان يدرك أنها ستتوه في زحام ~~المهام التي عليه الاهتمام بها قبل تناول عشائه ذلك المساء مع فريدريك. # من بين كل أصدقائه في كلية ييل، كان فريدريك ساتون آخر من يتوقع جيمس أن يأتي إلى ~~زيارته. لا لأنهما لم يكونا صديقين مقربين، ولكن لأنه لما كان كلاهما ابنا لعائلة من الطبقة ~~العاملة، فقد كان هو وفريدريك يتشاطران مزيجا لا مفر منه من الانجذاب والتنافس، ولكن ~~أمواج الحياة قد جرفتهما في اتجاهين متقابلين؛ الكاهن مولر إلى النسيج، وفريدريك إلى ~~الكدح الوضيع في عالم الصحافة. ولكن بالإضافة إلى ذلك التباعد الوظيفي، لم يكن فريدريك ~~كاتب خطابات على مستوى عال. ظلا يتبادلان البطاقات البريدية بضعة أعوام بعد التخرج، ~~ولكن تلك المراسلات مع تفقد المستجدات في حياة كل منهما سرعان ما تلاشت حتى انتهت. ~~وظل الكاهن مولر ms175 يعلم أخبار فريدريك عن طريق أصدقاء آخرين أكثر اهتماما به، فعلم بأمر ~~الترقيات والعلاقات والانتقال إلى نيويورك، ولكنه لم يتلق أي خطاب من الرجل منذ عامين ~~على الأقل. حتى شهر مضى، عندما وجد برقية صفراء على مكتبه تحمل الرسالة التالية: # أحضر إلى إسطنبول في الثاني من أغسطس. على الخطوط الهولندية الأمريكية. أراك ~~في ذلك الحين يا صديقي. فريدريك ساتون. # على الرغم من جناح الضيوف الوثير المتاح في كلية روبرت، أصر فريدريك على البقاء في فندق ~~بيرا بالاس. شعر جيمس بالضيق إلى حد ما لقرار صديقه بالإقامة في فندق، ولكن في النهاية ~~ربما كان ذلك لصالحه؛ فلديه الكثير من العمل كي ينجزه خلال الأسبوعين التاليين، وآخر ما ~~يحتاجه هو ضيف يكرم وفادته. ذلك المساء على وجه التحديد، كان يرغب في أن ينهي خطابه ~~إلى دونالد ستورك، ويعد الخطوط العريضة للتقرير الذي سيرفعه إلى نائب القنصل الأمريكي ~~ويستعرض المسودة النهائية لمقاله حول المظاهر المختلفة للعبقرية أثناء الطفولة. ولكنه ~~قبل أن يستغرق في العمل مرة أخرى خطر له أنه من الأفضل الخروج في نزهة قصيرة سيرا على ~~الأقدام كي يصفي ذهنه. # كان الهواء بالخارج مشبعا ببخار الماء، والشمس تتسلل أشعتها عبر مجموعة من السحب ~~السريعة الحركة. كانت الأشجار تتدلى بالطحالب الندية، وخارج مكتبه بالضبط أخذت مجموعة ~~من طلاب السنة الأولى تمارس لعبة جماعية بالكرة. رفع يده ملقيا التحية على طلابه وهو ~~يعبر الساحة الرئيسة حتى موقعه المفضل للتأمل، وهو مقعد خشبي يطل على البوسفور. ~~بدا أن العاصفة قد أخلت الطريق حتى جزر الأمراء؛ حيث كان سرب من السفن يسير مسرعا تحت ~~ستارة منخفضة من السحب الرعدية. حجب عينيه من أشعة الشمس وقطب جبينه. ربما كانت إحدى ~~تلك السفن هي ما تقل فريدريك، لن يعلم أحد أبدا. وبعد ساعة تقريبا من التأمل، نهض ~~الكاهن وذهنه صاف، وقد أخذ قرارا جديدا بإنجاز ما يتحتم عليه إنجازه. كان يسير في ~~الممر الضيق بين الكنيسة ومكتبه وهو يخطط في ذهنه الجزء التالي من خطابه إلى دونالد ~~ستورك ms176 عندما استوقفه أحد الطلاب، وهو غلام نحيل كان قد استخدمه منذ عدة شهور كي يراقب ~~تحركات إلينورا. كان الصبي يلهث وياقة قميصه ملطخة بالعرق، واستغرق لحظة كي يلتقط ~~أنفاسه. # قال: «هل سمعت الأخبار يا سيدي؟» # هز الكاهن رأسه بلا مبالاة، معطيا الصبي الإذن كي يواصل حديثه. # قال: «الآنسة كوهين، لقد كانت في قصر السلطان أمس وسقطت مغشيا عليها، وأخذت ترتجف على ~~الأرض وتتحدث بلغة غير مفهومة.» # قال الكاهن بصوته الذي يحمل نبرة تحذير: «بني، فكر فيما تقول. ترتجف على الأرض؟ ~~تتحدث بلغة غير مفهومة؟ يصعب علي تصديق ذلك. أخبرني أين سمعت بالأمر.» ~~«الجميع يتحدثون عن ذلك يا سيدي.» # انحنى الكاهن حتى مستوى عيني الصبي ووضع يده برقة على كتفه. ~~«من هم الجميع؟» # قال الصبي وهو يمسح العرق عن شفته العليا: «لقد سمعت ذلك أمس من شقيقي، ثم سمعناه مرة ~~أخرى في المقهى، وقالت لي أمي إنها سمعته من صديقتها التي يعمل شقيق زوجها في ~~القصر.» ~~«هل هذا كل ما سمعته يا بني؟» # فهز الصبي رأسه. ~~«هل أنت على يقين من ذلك؟» ~~«نعم يا سيدي.» ~~«أشكرك، يمكنك الانصراف.» # راقب الكاهن مولر الصبي وهو يهرع في الممر، ثم فرك صدغيه وحاول أن يتخيل الآنسة ~~كوهين وهي ترتجف على الأرض وتتحدث بلغة غير مفهومة. كانت صورة غريبة، ولكنها لم تكن ~~مستحيلة؛ فقد رأى أمورا أغرب من ذلك بلا شك. والآن بعد أن فكر في ذلك الاحتمال، بدت ~~له فكرة أنها قد تكون مصابة باضطراب عصبي - كالصرع، أو ربما التهاب الدماغ - أقرب إلى ~~المنطقية، فتلك الحالة تفسر الارتجاف والحديث بلغة غير مفهومة. وإذا تعمق في بحث هذا ~~الأمر فقد يفسر أيضا قدراتها الخارقة فيما يتعلق بالذاكرة. ومع ذلك، فعلى المرء ألا ~~يصدق كل ما يسمعه في تلك المدينة. كان الكاهن قد تعلم هذا الدرس بالتجربة، بعد أن ~~أعطى مديريه معلومات زائفة أكثر من مرة. أحكم إطباق حزامه ونظر حوله. كان قد نسي ~~وجهته بالضبط، وفي الوقت نفسه كان وقت العشاء يقترب. # وبعد أن بدل ms177 جيمس ثيابه استقل عربة حتى طريق لو بيتي شون دو مورت، وسار عبر الشارع ~~العريض حتى فندق بيرا بالاس. كان مبنى ضخما مبهرجا على الطراز الفرنسي، مطليا ~~باللون الأصفر الشاحب، ومزينا بعدد من الزخارف الشرقية المدهشة. وجد فريدريك في بهو ~~الفندق محاطا بمجموعة من المسافرين الألمان الذين يبدو عليهم أنهم قد عادوا توا من نزهة ~~مسائية. # قال فريدريك وهو يشير بيده موضحا الأبعاد: «طوله أربع أقدام، وسمكه كذراعي. كان أضخم ~~ثعبان رأيته حقا، وعندما رأيته كان ملتفا حول رقبة جمل كالطوق.» # تساءل أحد المسافرين بلهجة بريطانية رصينة: «هل ذهبت إلى حي قارئي الطالع؟ لقد ~~اصطحبنا إلياس الترجمان الخاص بنا إلى هناك أمس.» # قال فريدريك وهو يومئ إلى الترجمان المسن: «أول مكان ذهبت إليه بعد النزول من السفينة ~~مباشرة. أخبرت عمال السفن بأن يحملوا حقائبي إلى بيرا بالاس، ثم يشيروا لي في اتجاه حي ~~قارئي الطالع. سوف يصدر مقالي عنه في صحيفة الأحد القادم.» # بينما كان الألمان يهزون رءوسهم بالاستحسان، لاحظ فريدريك جيمس مولر وهو يقف عند أطراف ~~المجموعة يستمع إلى الحديث الدائر. # صاح فريدريك وهو ينهض كي يعانقه: «جيمي، لقد مرت فترة طويلة للغاية منذ أن تقابلنا آخر ~~مرة يا صديقي.» # قادهما كبير الندل عبر مطعم الفندق الرئيس إلى طاولة لشخصين بالقرب من مدخل استراحة ~~المدخنين. لم تكن أفضل طاولة في الفندق بأي حال من الأحوال، ولكن في فندق مثل بيرا ~~بالاس فالكاهن مولر وصديقه الصحفي لا يعتبران شخصيات غاية في الأهمية. وفي طريقه عبر ~~المطعم، لمح الكاهن البارون فون فيتز - الملحق العسكري الأمريكي الجديد - ومجموعة من ~~الأطباء من المستشفى الإيطالي. على أي حال، فإن الإضاءة الخافتة نسبيا للطاولة سوف ~~تناسب أغراضهما أيضا. ذاب الجليد بينهما بسرعة وهما يتجاذبان أطراف الحديث بينهما حول ~~أحداث الأعوام الثلاثة الماضية، ويتبادلان النميمة عن الأصدقاء القدامى من نيوهافن. ولما ~~كان فريدريك يعيش في ألباني، فقد كان لديه المزيد من النميمة كي يشاطرها: انفصال آل هورنر، ~~وكتاب داربي الجديد، والنزاع القائم بين جاك والحاكم، رغم ms178 أن الكاهن كانت لديه بعض الأخبار ~~المشوقة الخاصة به، فهو لا يزال على اتصال وثيق بعدد من رفقاء الدراسة، وكما اكتشف فإن ~~الناس يبدون استعدادا أكبر لإفشاء أسرارهم إلى شخص مؤتمن يقطن بعيدا. # قال فريدريك عندما وضع الطبق الأول: «هذا رائع!» وكان سلطة تركية بسيطة متبلة بزيت ~~الزيتون وعصير الليمون. # اتكأ للخلف كي يقيم المطعم بمزيج من الغرور والسذاجة. ~~«إنه نسخة طبق الأصل من أحد فنادق الريفيرا، ولكن ثمة إيقاع شرقي أيضا. إنه مثالي ~~لمجموعتي.» # قال الكاهن وهو يضع قطعة خيار في الشوكة: «أخبرني مرة أخرى ما تلك ~~المجموعة؟» # قطع فريدريك قطعة من الطماطم نصفين وتفحصها من الداخل، كما لو كان يشك أنها في ~~الواقع صنف شرقي غريب من الخضار يتنكر في هيئة طماطم. ~~«لا شيء محدد، «صور وصفية من الخارج» هو اسم المجموعة. وفي الواقع، فإن الصحيفة ~~ترسل محررا إلى أوروبا كل عام كي يكتب عن مكان محدد أو يكتب بعض ملامح الحياة ~~المحلية في منطقة معينة، وربما يؤدي دورا ما في المجتمع على سبيل الهواية.» ~~«فهمت.» ~~«إنها مكافأة في حقيقة الأمر، تعويض عن الضرر الذي لحق بأنفي بسبب المطحنة في ألباني. ~~أربعة أعوام هناك في الوحل وسقوط المبنى الحكومي يكافئ شهرا من هذا.» # أومأ على نحو متكلف نحو الأشياء المحيطة به. ~~«بدأت أعتقد أنها مقايضة عادلة.» # قال جيمس: «إن بيرا مجرد البداية، مجرد لمحة صغيرة من إسطنبول، والمدينة ملأى بالألوان ~~إذا كان هذا ما تريده.» # قال فريدريك: «لهذا السبب تحديدا طلبت المجيء إلى هنا. حاربوني في بادئ الأمر، فلم ~~يعتقدوا أن القراء سيرغبون في مشاهدة صورة وصفية من آسيا. فأخبرتهم بأن نصف المدينة ~~يقع في أوروبا، وثمة سبب ثان؛ وهو أن هذا بالتحديد ما يريده القراء؛ إنهم يريدون ~~الدراويش والأفيال. انظر إلى فيرن، انظر إلى «ألف ليلة وليلة»؛ إن الناس يريدون لونا ~~شرقيا.» # رفع الكاهن كأسه مقترحا نخبا. ~~«نخب اللون الشرقي، والأصدقاء القدامى. مرحبا بك في إسطنبول.» # تبادلا قرع الكئوس وفرغا من تناولها. وبعد برهة وصل النادل حاملا ms179 الطبق الرئيس، ~~وهو دجاج بيرا. كان ذلك هو الصنف الذي اشتهر به الطاهي، وهو ربع دجاجة صغيرة مطهوة في ~~خلاصة عصير البرتقال والزيتون ومزينة بالقراصيا. # تساءل الكاهن بعد أن تناولا بضع لقيمات: «هل سمعت عن الدب المتكلم؟» ~~«بالطبع.» # شعر الكاهن مولر بشرارة التنافس القديم بينهما تشتعل داخله مرة أخرى، فبعد أقل من ~~يوم واحد في إسطنبول ها هو فريدريك يجلس كما لو كان يعرف مداخل المدينة ومخارجها. # تابع جيمس قائلا: «إنها مدينة نابضة بالحياة بالفعل، إسطنبول هي عاصمة الألوان حقا؛ ~~فثمة حي قارئي الطالع الذي ذهبت إليه، وسوق العبيد، وساحر الثعابين من أوسكادار، ~~بالإضافة إلى المعالم الأكثر شهرة؛ مثل البازار الكبير وآيا صوفيا وأطلال طروادة.» # قال فريدريك: «نعم، إننا بحاجة للذهاب إلى طروادة؛ فهي إحدى المقالات التي أصر ~~محررو الصحيفة التي أعمل فيها على الكتابة عنها. إنها ليست بعيدة عن المدينة، أليس ~~كذلك؟» ~~«إنها على بعد أقل من يوم بالسيارة.» # وبينما كانا ينتهيان من تناول الطبق الرئيس، مر نادل بطاولتهما حاملا إناء ~~برونزيا ضخما من القهوة التركية وصب لكل منهما فنجانا. # قال فريدريك وهو يتشمم الفنجان الذي لا تزيد سعته عن رشفة واحدة: «إن رائحتها ~~زكية. ما اسم هذا النوع من التوابل؟» ~~«الهال.» # قال فريدريك بلهجة منتصرة: «الهال! يمكنني كتابة مقال وصفي كامل عن القهوة ~~التركية.» # ظل الكاهن مولر صامتا للحظة. كان يرغب في إدهاش صديقه، وفي تعريفه بجانب من المدينة ~~لم يكن ليراه قط. # وأخيرا قال وهو يشعر بأثر الشراب في عنقه: «كما تعلم، فإن سحرة الثعابين وقارئي الطالع ~~أمور استعراضية فحسب، وكل ذلك للأجانب، ولكن إذا رغبت في مشاهدة لون حقيقي فلدي ~~طالبة سابقة ...» ~~«لا أقصد أن أكون وقحا يا جيمي، ولكنني لا أعتقد أن أحدا يهتم كثيرا ~~بطلابك.» # قال الكاهن وهو يراقب صديقه: «إنها فتاة عمرها ثمانية أعوام، وهي مستشارة ~~للسلطان.» # فقطب فريدريك جبينه. ~~«لقد درست لها بضعة أشهر، ولكن بعد فترة لم يعد لدي ما أعلمها إياه. وسمع ~~السلطان عن مهارتها في اللغات فدعاها إلى القصر. ms180 وأما ما حدث في القصر، فثمة روايات عديدة، ~~ويصعب تحديد أي منها كان حقيقة، فكما تعلم تلك هي مدينة الشائعات. ولكنني سمعت من مصدر ~~موثوق به إلى حد ما أنها كانت ترتجف على الأرض وتتحدث بلغة غير مفهومة.» # فرغ فريدريك من تناول قهوته ووضع الفنجان الخالي مقلوبا، كما لو كان أحد الندل سوف ~~يقرأ له الطالع. كان في وسع الكاهن أن يرى عقل صديقه وهو يعمل، ثم ارتسمت على وجهه ~~ابتسامة. # قال: «لقد وجدت العنوان بالفعل.» وقرع المائدة بطرف ملعقته متابعا: «إنه ~~مثالي.» # | الفصل الرابع والعشرون # رغم أن إلينورا كانت تستيقظ كل يوم بمزيد من النشاط الملحوظ عن اليوم الذي يسبقه ~~وشهيتها تتحسن والقوة تتدفق في أطرافها، كان تماثلها للشفاء أبطأ مما تتمنى. وطبقا ~~لأوامر الأطباء كانت تتناول الوجبات في غرفتها ولا تغادر الفراش إلا بغرض الذهاب إلى دورة ~~المياه، أو الجلوس في مقعدها المفضل بجوار النافذة البارزة. وقضت معظم فترة النقاهة ~~مستكينة في هذا المقعد، لا تقرأ ولا تفكر كثيرا، بل تراقب حياة المدينة وهي تمر أسفل ~~منها فحسب. كانت قد نسيت متعة مراقبة حركة السفن عبر البوسفور، ومرور السفن البخارية ~~المنتظم ذهابا وإيابا بين بحر مرمرة والبحر الأسود الذي تقطعه شبكة من قوارب الكاياك ~~تمتد من بيشكطاش حتى إمينونو وأوسكادار وحيدر باشا وأبعد من ذلك. ومن موقعها عند حافة ~~المضيق، كانت إلينورا ترى أنماطا لم تكن قد لاحظتها من قبل: سير المتسولين المتثاقل ~~من مسجد إلى آخر، وانجراف قناديل البحر والطمي مع التيار باتجاه الجنوب، والظلال الرقيقة ~~للمآذن تمتد عبر المدينة كما لو كانت عقارب ساعة عملاقة. # في صباح اليوم الخامس بعد إصابتها بالنوبة، غامرت إلينورا بالنزول إلى الطابق السفلي، ~~وتناولت الإفطار في غرفة الطعام مع البك، وعندما انتهت من الإفطار عادت إلى الطابق العلوي ~~حيث الخمول الخانق الذي يميز غرفتها. قضت صباح اليومين التاليين على نفس الوتيرة، ولكن ~~في صباح اليوم الثامن قررت فجأة أن تقضي يومها في المكتبة، فقد أصبح قضاء ساعة أخرى في ~~غرفتها أمرا ms181 غير محتمل بالنسبة إليها، ولم يكن ثمة سبب يجعل جلوسها في غرفتها يختلف عن ~~جلوسها في المكتبة. وهكذا، فبدلا من أن تجر إلينورا قدميها حتى الطابق العلوي كي تجلس ~~بجوار النافذة البارزة، نهضت من مقعدها وسارت من القاعة الكبرى حتى المكتبة. # وعند بلوغ وجهتها كانت قد شعرت بالتعب، وكل ما استطاعت فعله هو أن تنهار في المقعد ~~المجاور للمدفأة. وعندما استجمعت قواها، تفحصت الأشياء المحيطة بها. يبدو أن البك قد ~~قضى معظم الليلة الماضية جالسا على هذا المقعد نفسه، فقد كانت قاعدته غائرة لأسفل من ~~كثرة الجلوس عليه، وامتلأت الطاولة الجانبية بمتعلقات شخصية مبعثرة وأكواب الشاي وأعقاب ~~السجائر. وأسفل تلك الفوضى التي تمخضت عنها الليلة السابقة، عثرت إلينورا على نسخة يوم ~~الأحد من صحيفة لم ترها من قبل. طوت ساقيها تحتها كما لو كانت حشرة فرس النبي، ورفعت ~~صحيفة «نيويورك صنداي نيوز» بهدوء من أسفل زجاجة نصف خالية من الكونياك. وفتحت الصحيفة ~~وأخذت تتصفحها. ثمة مقال عن إعادة بناء فانكوفر، ومقال طويل يستعرض إنجازات الجمعية ~~الجغرافية الوطنية في عامها الأول، ولكن لم يستحوذ أي منهما على اهتمامها. كانت على وشك ~~أن تضع الصحيفة عندما عثرت بالمصادفة على مقال «صورة من الخارج» لهذا الأسبوع. احتل المقال ~~المقصود معظم الصفحة الخلفية، وزين بصورة بالنقش الصلب للبوسفور، وأسفل الصورة طبع ~~العنوان بخط كبير: «عرافة إسطنبول». # منذ عدة قرون في دلفي، في عصر هوميروس وأفلاطون، كانت الفتيات يتنبأن بأقدار كل ~~مواطن محظوظ تقع في حوزته بضع عملات معدنية ولديه القوة لمعرفة الحقيقة. وتحت لواء كلمتين ~~اثنتين فحسب - «اعرف نفسك» - كانت أولئك العرافات يتنبأن بمصائر الملوك والشعراء ~~والفلاسفة والتجار. وقصة الإسكندر وعرافة بيثيا معروفة أيضا، شأنها في ذلك شأن قصة ~~شيشرون وفيليب الثاني. قد يظن المرء أن الأمور قد تغيرت كثيرا منذ أيام قيصر، ولكن في ~~إسطنبول ما زال الملوك يتشاورون مع أصحاب العلم الباطني؛ فقد سمع مراسلكم أن سلطان الترك ~~العظيم عبد الحميد الثاني قد تشاور الأسبوع الماضي مع عرافة تشبه عرافات دلفي القدامى، ms182 ~~وهي فتاة يهودية قادرة على الاستبصار تدعى إلينورا كوهين، يزعم أنها قد دخلت في نوبة ~~تنبئية عند قدمي السلطان أثناء لقائهما. # قال البك وهو يغلق باب المكتبة خلفه: «إنه أمر مربك أن يقرأ المرء عن نفسه في ~~الجريدة.» # ورغم أنه كان يبتسم، فقد حمل بقية وجهه تعبيرا يوحي بخطورة المقصد؛ زاوية حاجبيه، ~~وتصلب يديه المطويتين عند خصره، وكل ما في مظهره كان يوحي بأن الأمر الذي يوشك على ~~مناقشته غاية في الجدية والخطورة. ~~«أنا شخصيا كنت محظوظا بما يكفي كي أحظى بمقالات كتبت عني تنقل الحقيقة، لا تخلو ~~من السباب ولكن معظمها حقيقي.» # لمست إلينورا رقبتها بأطراف أصابعها وطوت الجريدة نصفين. لم تكن ترغب في أن يظن البك ~~أنها لا تعيره انتباهها بالكامل. # قال وهو يجلس في المقعد المقابل لها: «منذ لقائك مع السلطان ظلت مجموعة من الشائعات ~~تنتشر.» # كان صعبا على إلينورا أن تتخيل أنها موضع اهتمام من أي شخص غير سكان منزل البك. ~~كانت قد جذبت انتباه السلطان بالطبع، ولكن ذلك كان أمرا استثنائيا بكل ما تحمله الكلمة ~~من معنى، ولم تتخيل قط أن ذلك الاهتمام قد يمتد إلى الآخرين. # قال البك وهو يلتقط الجريدة من فوق ساقيها: «رغم أن هذا المقال جانبه الصواب في بعض ~~الأمور، فإنه في حقيقة الأمر مقتطف دقيق من الشائعات، على الأقل كما سمعتها.» # تساءلت إلينورا وهي غير متأكدة كيف تجيب أو مما إذا كان يريد منها الإجابة: «وهل ~~تلك الشائعات حقيقية؟» # رفع البك حاجبه الأيسر، وبسط الجريدة ثم وضعها على ذراع مقعده. ~~«هذا بالضبط ما أود مناقشته معك. ففي الأيام القليلة الماضية لاحظت ~~عددا من الرجال غير المألوفين يحومون حول رصيف الميناء ومسجد بيشكطاش ومقهى أوروبا، وكل ~~ذلك يجعلني أثق في أن منزلنا، وأنا شخصيا، تحت المراقبة المشددة.» # غص حلق إلينورا وشعرت بحمرة الخجل تصعد إلى وجنتيها، فقد كان منصف بك شديد الطيبة ~~معها، وحماها في أوقات الحاجة وأشرف عليها وأعالها، دون أن يطلب شيئا في المقابل. وآخر ~~ما كانت ترغب فيه ms183 هو أن تزيد متاعبه. # تابع البك قائلا: «أعلم أن ذاكرتك ما زالت ضعيفة، ولكن من أجل سلامتك، ولصالح كلينا ~~أريدك أن تخبريني بكل ما تذكرينه عما قلت للسلطان.» # قالت: «لو تذكرت فسوف أخبرك، ولكنني حقا لا أذكر شيئا. كل ما أذكره هو ~~الهيركانيون.» ~~«الهيركانيون؟» ~~«لقد أخبرت السلطان، أو على الأقل شرعت أخبره، بقصة الهيركانيين والآشوريين من ~~زينوفون.» # ردد البك وهو يحدق إلى اتجاه كتبه: «زينوفون! أيا كان ما قلته فقد أثرت ~~كثيرا في تفكير السلطان، وهكذا فثمة عدد من القوى العظمى المهتمة بالأمر.» # وقف البك واتجه إلى الناحية الأخرى من الغرفة حتى وصل إلى رف يمتلئ بكتب التاريخ. كانت ~~الابتسامة ما زالت مرتسمة على وجهه، ولكن إلينورا استطاعت أن ترى قلقه واضحا في ~~ارتجافة فمه والشد في مؤخرة عنقه. وبعد أن تصفح نسخة من «الأعمال المختارة» ~~لزينوفون، عاد إلى مقعده. # قال وهو يتكئ على المقعد الجلدي: «إن الهيركانيين والآشوريين قياس مناسب.» # لم تجب إلينورا، ولم تدر كيف تفكر. وبعد فترة صمت طويلة، أعاد لها البك الجريدة ~~ووقف مرة أخرى. # قال وهو يقف عند مقعدها: «والآن أخبريني، هل تذكرين أنك قلت أي شيء للسلطان عن الكاهن ~~مولر، أو اللقاء الذي حضرته في مقهى أوروبا؟» # وضعت إلينورا الجريدة على ساقيها، وفي محاولة لتخفيف التوتر الذي بدأ يتراكم في ~~عينيها ضغطت جسر أنفها بين إبهامها وسبابتها. كان ذلك أقل ما بوسعها فعله - أن تتذكر ~~- ولكن ذلك الجزء من عقلها كان فارغا تماما. # قالت أخيرا: «بينما كنت أفيق في مخدع السلطان الخاص، سألتني والدته عما إذا كنت أذكر ~~أي شيء مما قلت. وعندما أجبتها بالنفي، سألتني عما إذا كنت أذكر أي شيء قلته عن ~~الكاهن مولر والأحجية أو لقائك مع ...» # توقفت ووضعت يدها على فمها مدركة ما فعلته؛ لقد أخبرت السلطان ووالدته والصدر الأعظم ~~بما كان البك يرغب في ألا يعلموه بالضبط. حتى لو لم يكن ذلك مقصودا، فقد خانت أعظم صديق ~~لها ومدافع عنها. نظرت إلينورا لأعلى نحو البك الذي كان يقف بجوار ms184 مقعدها، وقد زم ~~شفتيه كي يمنع ارتجافهما. # قالت: «لم أكن أقصد ذلك.» # قال وهو يضع يده على كتفها: «أعلم ذلك، أعلم أنك لم تقصدي.» # في وقت لاحق في ذلك المساء، بعد أن أخذت قيلولة عميقة تتخللها الدموع، تلقت إلينورا ~~القطرة الأولى من نهر من الرسائل سوف يصلها فيما بعد من معجبين في جميع أنحاء العالم. ~~ولما كان البك كثيرا ما تصله خطابات وبرقيات بعد العشاء، لم يفاجأ هو أو إلينورا ~~عندما قرع جرس الباب ودخل السيد كروم غرفة الطعام حاملا خطابين على صينية الرسائل، ~~ولكن بدلا من أن يفتح الخطابين ويسلمهما إلى البك كالمعتاد ذهب إلى الجانب الآخر من ~~المائدة ووضع الصينية بجوار إلينورا. كان المظروف الأقرب إليها ذا ورق أبيض كاللؤلؤ، وكان ~~اسمها مكتوبا بالكامل على وجه المظروف: الآنسة إلينورا كوهين. أما الخطاب الثاني، فكان ~~مكتوبا على ورق أكثر رداءة وموجها إلى عرافة إسطنبول. # تساءل السيد كروم وهو يقف ثابتا بطريقة رسمية: «هل ترغبين أن أفتحهما لك؟» # فقالت: «نعم، إذا سمحت.» # أخرج فتاحة الرسائل من جيبه العلوي، وبحركة بسيطة فتح المظروف بعناية من الجانب العلوي. ~~وكانت حركة قد رأته إلينورا يقوم بها عشرات المرات من قبل، ولكن رؤيته وهو يفتح هذا ~~الخطاب؛ أول خطاب موجه إليها شخصيا، قد حبست أنفاسها وجعلتها مضطربة. # قالت بعد أن تصفحت الخطاب: «إنها دعوة ودية لحضور حفل عشاء في السفارة ~~البريطانية.» # قال البك: «هذا غريب!» ولكنه لم يقل لماذا يظنه غريبا. # كان الخطاب الثاني طلبا من فتاة شابة توفي والدها فجأة قبل أن يدبر لها زواجا ~~مناسبا، والآن لديها ثلاثة خاطبين يدعي كل منهم حصوله على موافقة والدها المتوفى. ~~لم يكن واضحا ما تبغيه الفتاة من إلينورا بالضبط، رغم أنها أنهت الخطاب بالعبارة التالية: ~~إنني أثق في قدرتك على تقديم المساعدة. # على مدار الأيام الثلاثة التالية، غرقت إلينورا في طوفان من الدعوات وبطاقات الزيارة ~~والخطابات والبرقيات التي تطلب حضورها وإرشادها. كان معظم المرسلين يعيشون في إسطنبول، رغم ~~أن القليل منهم أتى من أماكن أبعد ms185 في الإمبراطورية العثمانية، من مدن مثل سيلونيكا ~~وترابزون، أماكن قد سمعت عنها ويمكنها تحديد موقعها على الخريطة، ولكنها باستثناء ذلك لا ~~تعلم عنها سوى القليل. وفي وقت لاحق من ذلك الأسبوع، بدأت البرقيات تصل من مناطق بعيدة؛ مثل ~~كوبنهاجن وشيكاجو. وأيا كان مصدر الرسائل، وبصرف النظر عن رداءة الورق أو جودته، كانت ~~إلينورا ترد عليها كلها بنفس الطريقة؛ كانت تعتذر بلطف عن تلبية الدعوات للحفلات ~~ولأمسيات العشاء، معللة بأنها لم تسترد كامل صحتها بعد، وكانت تبذل قصارى جهدها كي ~~تجيب طلبات الإرشاد بأفضل نصيحة يمكنها تقديمها، رغم أنها في الحقيقة كانت تواجه أياما ~~عصيبة في التعامل مع مشاكلها الخاصة. # | الفصل الخامس والعشرون # بنهاية شهر أغسطس، كانت إلينورا قد تعافت تماما من النوبة التي داهمتها في القصر. ~~ورغم تلك الانفراجة السعيدة، لم تستطع الهروب من الشعور بأن شيئا راسخا في حياتها قد ~~تغير. كان الأمر يشبه الجلوس أمام مائدة فاخرة تضم اللحم المشوي والسفرجل المحشو ~~وسلطة الشعير، وفجأة تكتشف أن أدوات المائدة غير موجودة. وكانت تدرك تماما منشأ ذلك ~~الشعور؛ فرغم أنها قد أخبرت البك بكل ما تذكره عن مقابلتها الثانية مع السلطان، ثم ~~إفاقتها لاحقا في جناح الحريم، ورغم أنها قد أوضحت له أكثر من مرة آراءها حول الصلة بين ~~الهيركانيين والإمبراطورية العثمانية، ورغم أنه قد سامحها عدة مرات، ورغم أنهما قد أصبحا ~~يتحدثان بصراحة أكثر وبمعدل أكبر مما كانا عليه من قبل؛ فقد شعرت إلينورا كما لو كان ~~جانب من علاقتها بالبك قد تغير إلى الأبد، حتى عندما يتحدث إليها عن أمور تافهة ~~كارتفاع الحرارة أو أسعار القطن أو توافر الكرز في السوق التجارية، كانت جبهته تصبح ~~مشدودة. قد تكون تلك أصداء شعورها بالذنب فحسب، ولكنها كانت تخشى أن شيئا ملموسا ~~أكثر من ذلك قد تغير. # ولم يقتصر الأمر على البك؛ فقد أصبح السيد كروم أكثر احتراما لها من ذي قبل، وأثناء ~~حمامها الصباحي أصبحت السيدة داماكان تنظفها كقطعة زجاج رقيقة تخشى إتلافها. حتى سرب ~~إلينورا قد تغير؛ فقد ms186 أصبح أكثر نشاطا وإصرارا كما لو كان يشعر بتحقق وعد مختبئ ~~في مكان ما أسفل طبقة الهواء الساخن. كانت تراقب السرب كل صباح وهو ينطلق واحدا تلو ~~الآخر من النتوء البارز أسفل نافذتها، وفي نهاية اليوم ترقب عودته واحدا تلو الآخر ~~بنفس الترتيب الذي رحل به. أين كانت تقوده طلعاته؟ وعم كان يبحث في براري المدينة؟ ~~لا يسع إلينورا سوى التخمين. # في فترة تماثلها للشفاء اعتادت إلينورا قراءة جريدة «ذا ستامبول هيرالد» كل صباح بعد ~~تناول الإفطار. وبينما كانت تقرأ الجريدة وحيدة على رأس المائدة والسيد كروم يرفع الأطباق ~~الفارغة، لم يسعها إلا أن تشعر بأن العالم بأسره يتغير أسفل منها. ففي خلال أسبوعين ~~فقط، قرأت عن هدنة متوترة بين البحرية البريطانية وإمبراطور الصين، وزلزال مدمر في ~~جنوب الولايات المتحدة، وتفشي وباء الكوليرا في إسبانيا، وعشرات من حالات الانتحار (ومنها ~~محاولة انتحار زائفة ومثيرة من أعلى أحد جسور نيويورك)، وأكثر من بضع طعنات، وسلسلة من ~~عمليات السطو السافرة على البنوك في جنيف. وبالإضافة إلى كل تلك الصراعات والأمراض، ~~فقد أكدت «ذا ستامبول هيرالد» أيضا أن فخامة السلطان عبد الحميد الثاني يعمل على تفكيك ~~تحالف الإمبراطورية القائم منذ القدم مع الألمان. ولم يتضمن المقال تفاصيل أكثر من ~~ذلك، رغم أنه عزا دافع السلطان إلى تأثيرات «مستشارته الشابة» عليه، وهي مفاجأة ~~بالفعل. # ولكن المفاجأة الكبرى أتت في صورة برقية وصلت في أواخر صباح أحد الأيام في ذروة الصيف، ~~بينما كانت إلينورا تتصفح الإعلانات المبوبة في الصفحة الخلفية من «ذا ستامبول هيرالد» ~~عندما دخل السيد كروم إلى غرفة الطعام حاملا كومة من الخطابات والبرقيات، ووضع ~~الرزمة وفتاحة الخطابات على المائدة بجوارها، وانحنى خارجا من الغرفة مدركا أنها ~~تفضل أن تفتح الخطابات بنفسها. وكعادتها، تفحصت الرزمة وفحصت كل مظروف منفردا ~~قبل أن تشرع في استخدام الفتاحة. كان يوجد بين الرزمة برقية من باريس وخطاب رديء نوعا ~~ما من ترابزون، وبضعة خطابات كانت قد أرسلتها لكنها أعيدت لسبب ما. وبالقرب من أسفل ~~الرزمة وجدت برقية ms187 غريبة لم تتمكن من فك لغزها في بداية الأمر، كانت مرسلة عن ~~طريق شركة بريطانية تدعى شركة المراسلات الملكية والعالمية المحدودة. وبصرف النظر عن ~~مصدرها، فلم تكن الرسالة مكتوبة بالإنجليزية، على الأقل ليس بإنجليزية مفهومة بالنسبة ~~إليها. حدقت إلينورا إلى المزيج الأرجواني المشوش للحروف، وأومضت بعينيها، ثم بسطت ~~الورقة على المائدة وتركت عقلها يسترخي، وركزت بأقصى حد ممكن، وسرعان ما توصلت إلى ~~الحل؛ فرغم أن البرقية مكتوبة بحروف أبجدية لاتينية، فقد كانت مكتوبة بلغتها ~~الأم: # لقد قرأت خبرا عنك في الجريدة. ألف مبروك. سأحضر إلى إسطنبول قريبا، وأرغب في ~~مقابلتك عندئذ. إن الأمور في كونستانتسا تسير بخير. خالتك روكساندرا. # بعد أن قرأت إلينورا البرقية مرتين، رفعت الورقة عن المائدة، ثم حدقت إلى السطح ~~اللامع الخالي وراقبت انعكاسها يتحول عبر حبيبات الخشب. خالتها روكساندرا. عضت على ~~شفتها السفلى وكورت البرقية إلى كرة زرقاء شاحبة صغيرة، وفعلت ما بوسعها كي تطردها من ~~ذهنها، ولكنها كانت تعلم أن ذلك مستحيل. فمهما فعلت، حتى إذا أحرقتها أو ابتلعتها أو ~~مزقتها إربا، فلن تتمكن من الخلاص من تلك الرسالة ولا ذكرى خالتها ولا معرفة كيف تخلى ~~عنها الجميع بقسوة. مهما فعلت إلينورا، فسوف تظل رائحة الحبر عالقة في يديها، وسوف تحفر ~~الحروف في ذهنها بحجم كبير. ~~«الآنسة كوهين؟» # انتبهت إلينورا إلى صوت السيدة داماكان، ولكنها لم ترفع عينيها للنظر إليها. ~~«هل تشعرين بالتعب أيتها الآنسة كوهين؟» # شعرت برجفة تسري في أطرافها؛ لم تكن تشعر أنها بخير على الإطلاق. أغمضت عينيها وأحكمت ~~إغلاق قبضتها على البرقية المكورة، وهي تشعر بحوافها تنغرس في راحة يدها. وقدر ما ~~كانت ترغب في أن تري السيدة داماكان الخطاب، وأن تحصل على نصيحتها وتعاطفها، لم تكن ترغب ~~في إزعاج أي شخص آخر بمشاكلها، فقد سببت مشاكل بالفعل للكثير من الأشخاص حتى ~~الآن. # قالت وهي ترفع رأسها: «إنه الحر، إذا لم تمانعي فأعتقد أن تناول كوب من الماء سيفي ~~بالغرض.» # سرت السيدة داماكان بتنفيذ الطلب ، وعندما عادت حاملة كوب الماء، تناولته إلينورا ms188 على ~~جرعتين كبيرتين. # ثم زفرت أنفاسها قائلة: «أشكرك، أشعر بتحسن الآن.» # وكان ذلك حقيقيا؛ فهي تشعر بتحسن بالفعل. ولكن مشكلة البرقية ما زالت ~~موجودة. # قالت وهي تحرص على إخفاء قبضتها المطبقة بإحكام: «أرغب في أن أتجول قليلا سيرا على ~~الأقدام حول المنزل.» # رفعت السيدة داماكان الكوب الفارغ عن المائدة. # وتابعت قائلة: «لو احتجت أي شيء ...» ~~«لو احتجت أي شيء، فسوف أخبرك بالطبع.» # وبينما كانت تستدير كي ترحل، رمقتها السيدة داماكان بنظرة استسلام حزينة؛ نظرة قد ~~يعطيها والد أمي لابن قد وبخه بالفعل. لم تقصد إلينورا تلك الحدة، فقد كانت تحب ~~السيدة داماكان كخالتها أو كوالدتها. ~~«أشكرك يا سيدة داماكان، إنني مضطربة فحسب.» # تجولت إلينورا في منزل البك بلا هدف محدد في ذهنها. سارت متمهلة حتى القاعة ~~الكبرى يحدق إليها آل باركوس بنظرة متجهمة، مارة بالمكتبة والمرسم. لم تشعر قط ~~بالوحدة إلى هذا الحد من قبل، ولأول مرة فهمت ما كان يعنيه الجنرال كرزاب عندما اشتكى من ~~«عبء المسئولية الثقيل؛ ذلك النير المرهق الذي يسعى صفوة البشر كي يحملوه على ~~عاتقهم.» # | الفصل السادس والعشرون # بسط فخامة السلطان عبد الحميد الثاني منديلا من القماش الأبيض على ساقيه، وخفض أنفه إلى ~~طبق الدجاج المشوي البارد على المائدة أمامه. رغم أنه كان يفهم جيدا أهمية آداب التصرف ~~والعظمة الملكية والبروتوكول، فإن الاهتمام المتواصل بالشكليات أحيانا ما يصيبه بالتعب. ~~وأحيانا لم يكن فخامته يرغب إلا في تناول طبق كامل من الدجاج المشوي البارد بيديه، وهو ~~ما كان ينوي فعله بالضبط، فهو السلطان على أي حال. ابتسم لنفسه ابتسامة عريضة ~~مستشعرا الرفاهية المثلى في تناول تلك الوجبة البسيطة، وفصل ساق الطائر المسكين ~~عن جسده ثم غاص بأسنانه في اللحم. كانت الدجاجة مشوية على طريقة إيجه، ومتبلة بمعجون الجوز ~~الحلو، حتى وهي باردة كان جلدها مقرمشا. وبعد أن فرغ عبد الحميد من التهام الساق ~~استخدم كسرة من الخبز المسطح كي ينتزع اللحم من الصدر والظهر والجانب السفلي. # وعندما فرغ من التهام الدجاجة، ترك هيكلها محطما على الطبق ms189 كما لو كانت عاهرة ملقاة ~~على قارعة الطريق. مسح يديه ووضع المنديل فوق العظام الخالية، ثم اتكأ في مقعده حاملا ~~قدحا من الشاي بالنعناع. وأطلق لنفسه العنان للاستغراق في حلم يقظة قصير قبل أن يشرع ~~مرة أخرى في تناول المجلد الثاني من «الساعة الرملية». كان بالفعل كتابا رائعا مليئا ~~بالأحداث والعلاقات المركبة والرومانسية والكبرياء والطمع. كانت ترجمة مثل هذا العمل ~~الأدبي العظيم خدمة لرعاياه وفخرا للغة التركية. وكانت مفيدة أيضا من حيث متعته الشخصية ~~في القراءة، ولكن تلك نتيجة ثانوية، مجرد مكافأة إلهية على كرمه. رفع عبد الحميد الكتاب بين ~~يديه مستندا على بطنه، وسرعان ما استغرق في خواطره. وبينما كان مستغرقا في مشهد ~~المعركة الرهيب بالقرب من نهاية المجلد، الذي يعلم فيه الملازم براشوف بوفاة شقيقه ~~المزعومة؛ لم يسمع السلطان صوت الباب وهو يفتح. ~~«فخامة السلطان.» # كان ذلك الصدر الأعظم الذي دخل وهو يلوح بجريدة مطوية كما لو كانت سيفا. ~~«ماذا هناك؟» ~~«فخامة السلطان، أعلم أنك طلبت ألا يزعجك أحد، ولكنني أعتقد أنك سوف تهتم برؤية ~~ذلك.» # اعتدل السلطان وجذب المنديل مغطيا عظمة دجاجة مكشوفة، ثم انحنى على المائدة كي يأخذ ~~الجريدة من يد مستشاره الممدودة إليه. # قال وهو ينظر إلى العنوان: «عرافة إسطنبول؟ ما هذا؟ مقال افتتاحي يطالب باستقالتي؟ ~~مطالبة أخرى بالحرية الدينية؟» ~~«بل أسوأ كثيرا يا فخامة السلطان، إذا لم تمانع في أن أقول ذلك.» # قرأ السلطان الفقرة الأولى التي استغرقت منه بعض الوقت؛ إذ لم يكن متمرسا في اللغة ~~الإنجليزية. سعل جمال الدين باشا ووضع يديه أمام جسده. # قال وهو يشير من بعد: «لقد شعرت بالاستياء تحديدا من الجزء الذي يتناول والدة فخامتك، ~~في منتصف الفقرة الرابعة.» # فقرأ السلطان بصوت مرتفع. ~~«ويشيع البعض أنها متحالفة مع والدة السلطان نفسه.» # اختتم نهاية الجملة بضحكة مرتفعة متقطعة. ~~«الآنسة كوهين متحالفة مع أمي؟ ضد من؟ وما الهدف؟» # ولكن جمال الدين باشا لم يضحك، وعلم عبد الحميد أنه لن يتمكن من العودة إلى كتابه حتى ~~يحل ذلك الأمر. ارتسم على ms190 وجهه مظهر جدي، ثم طوى الجريدة ووضعها بجوار بقايا ~~الدجاجة المقطعة الأوصال. # قال: «إنني أتفهم بالطبع وجه الإزعاج الذي تجده في هذا المقال، فهو تطاول على صلاحيتي ~~للحكم، علاوة على الجزء الخاص بوالدتي. ولكن ما الذي يمكننا فعله إزاء صحيفة تصدر في ~~نيويورك؟» ~~«لقد تتبعنا مؤلف المقال، وهو مقيم في فندق بيرا بالاس غرفة 307. وإذا رغبت ~~فخامتك، يمكنني استدعاؤه لمقابلة في القصر، ويمكننا بث الرعب في قلبه وإعطاؤه شيئا ~~مؤثرا يكتب عنه في العدد القادم، ثم شحنه في السفينة التالية المتجهة إلى ~~نيويورك.» # قال السلطان: «نعم، حسنا.» ~~«كما أقترح يا فخامة السلطان ألا تقابل الآنسة كوهين مرة أخرى في ضوء تلك ~~الشائعات.» # أغمض السلطان عينيه وضغط جسر أنفه بين إبهامه وسبابته. # ثم قال: «اعتقدت أنك ستقترح ذلك. من فضلك اترك الجريدة هنا، وسوف أقرؤها بتمعن ~~وأعطيك المزيد من التعليمات هذا المساء.» # قال الصدر الأعظم: «ثمة معلومة أخيرة يا فخامة السلطان، إذا لم تمانع.» ~~«كلا، على الإطلاق.» ~~«لقد اتصلت بخالة الآنسة كوهين، وهي تدعى روكساندرا كوهين، ويبدو أنها الفرد الوحيد في ~~العائلة الذي يمكن الاستعانة به. لم أكن أرمي إلا إلى أن أخبر الخالة بمكان ابنة ~~شقيقتها، ولكن في سياق حديثنا شعرت بأنني مضطر إلى أن أعرض عليها مساعدة القصر في حال ~~رغبت الآنسة كوهين في العودة إلى كونستانتسا.» # غمغم السلطان شيئا لنفسه ونهض واقفا من مقعده، مشيرا إلى نهاية اللقاء. ~~«كما قلت، سوف أعطيك المزيد من التعليمات هذا المساء.» # قال الصدر الأعظم وهو ينحني خارجا من الغرفة: «حسنا يا فخامة السلطان.» # عندما أغلق الباب، جلس عبد الحميد مرة أخرى وفتح الجريدة. كان عليه أن يعترف بأنه مقال ~~طريف، رغم أنه تعوزه الدقة في العديد من الجوانب ويمتلئ بتلميحات مدينة. يمكن للمرء أن ~~يتخيل الشائعات التي قد تنشأ عن تلك القصة. كان يعيد قراءة الجزء الخاص بالآنسة كوهين ~~ووالدته عندما اندفعت الوالدة نفسها إلى داخل الغرفة. وأيا كان مقصدها من الزيارة، ~~فقد انحرف عن المسار برؤية المقال. ~~«آمل أن يعاقب بشدة ms191 من كتب ذلك الهراء بما فيه من سب وتعريض.» # فطوى السلطان الجريدة إلى نصفين واعتدل في جلسته. ~~«مساء الخير يا أمي.» # فقالت وهي تنحني: «اغفر لي وقاحتي يا فخامة السلطان، ولكن الأمر ~~...» # قال: «لا تقلقي، فقد أخبرت جمال الدين باشا توا بأن يقتفي أثر ذاك المؤلف؛ ومن ثم ~~يعاقبه. ورأينا أن الترحيل كاف.» ~~«أظن أن الترحيل كاف، رغم أنه لن يصلح الضرر الذي أحدثه ذلك الحثالة.» # فقال السلطان آسفا وهو يرتشف البقايا الدافئة في قاع قدح الشاي: «إذن، فالسؤال الذي ~~ينبغي التفكير فيه الآن هو ما الإجراء الذي علينا اتخاذه للقضاء على تلك الشائعات؟» ~~«ماذا اقترح جمال الدين باشا؟» ~~«إنه لا يدري.» ~~«لا يدري؟» ~~«نعم، فقد قال إنه لا يملك رأيا قويا.» # كانت تلك كذبة بالطبع، فوالدته تعلم أكثر من أي شخص في العالم أن الصدر الأعظم لا يمكن ~~أن يقول لا أدري في أي موضوع، ولكنها لم تستطع أن تكذبه مباشرة، فحولت الحديث إلى ~~مسار آخر. # فقالت: «بالإضافة إلى معاقبة المؤلف والتعامل مع الشائعات، ثمة أمر الفتاة نفسها؛ يجب ~~أن نفعل شيئا بشأنها. أرى أنه لا داعي لمعاقبتها، فلم ترتكب خطأ، ولكن حتى نتخذ قرارا ~~بشأنها لن يكون في مقدورنا إبطال الشائعات.» ~~«وماذا تقترحين يا أمي؟» # رفعت يدها إلى عنقها ومررتها عليه بالكامل كما لو كانت تفكر في هذا السؤال للمرة ~~الأولى. ~~«في رأيي، ثمة مساران يمكننا اتخاذهما، كلاهما ليس مثاليا، ولكنهما سوف يخدمان ~~هدفنا.» # قال عبد الحميد وهو يرمق دوامات أوراق الشاي والنعناع في قاع القدح: «نعم، ~~استمري.» # فقالت: «المسار الأول هو الترحيل؛ أعدها إلى رومانيا وانس أمرها. والمسار الثاني هو ~~دعوتها للعيش هنا في القصر. يمكننا إيجاد غرفة لها في مكان ما عند حدود جناح الحريم، ~~وإعطاؤها دروسا في الموسيقى أو الخط. ولكلا المسارين متاعبهما بالطبع، ولكن كليهما ~~أيضا لهما مزاياهما.» # قال السلطان وهو يحك مؤخرة رأسه أسفل العمامة: «رائع. لا يمكنني أن أزعم أنني قد ~~فكرت في الخيار الثاني ، ولكنه خيار مثير للاهتمام. سوف أفكر في ms192 الأمر.» # لاحقا، في ذلك المساء، توقفت سلسلة من العربات الملكية في مدخل حمامات سمبرليتس، ~~وترجل منها السلطان. كان يرتدي قفطانا حريريا باللون الأزرق الفاتح يزين ~~حاشيته اللونان الأحمر والفضي، وتبعه إلى الحمام حاشية من الحلاقين وعاملات ~~التدليك وحاملي المناشف ومجموعة متنوعة من الخدم الآخرين. كان مجمع الحمامات يمتلئ ~~ستة أيام في الأسبوع بظهور العامة المشعرة وهم يغمغمون ويغطون أجسامهم بالصابون، ولكن في ~~اليوم السابع كان سمبرليتس يغلق أبوابه في وجه العامة. ففي أيام السبت، كان عبد الحميد ~~يستلقي وحيدا في منتصف الغرفة الرئيسة يشاهد خيوط أشعة الشمس وهي تسقط عبر البخار. ورغم ~~أن القصر به مجموعة من الحمامات الرائعة من أفخر التصميمات والمهارة في الصنع، فلم يكن ~~أحدها يضاهي سمبرليتس. # خلع السلطان ثيابه ودخل الغرفة الرئيسة المليئة بالبخار. كان السقف يتخذ شكلا ذا اثني ~~عشر وجها صاعدا بانحدار ضئيل، وينحني في مجموعات لا نهائية متكررة من القرميد صانعا ~~مشهدا مقببا لأشعة الشمس. وكان اثنا عشر صنبورا تملأ محيط الغرفة، وكلها تشير نحو ~~اللوح الرخامي الضخم ذي اللون الرمادي الفاتح في المنتصف. كان كمسجد مخصص لجسد الإنسان، ~~وبينما يرقد على ظهره في منتصف اللوح الرخامي كانت أشعة الشمس تسقط عبر البخار مضفية ~~عليه شعورا بشيء أكبر منه. وبعد مرور بضع دقائق من العزلة، استدعى عبد الحميد الفريق ~~المصاحب له، الذين شرعوا في تنظيف الجسد الملكي وتدليكه. كان عبد الحميد يتوصل لأفضل ~~أفكاره أثناء جلسات التنظيف تلك؛ فهو يتلقى العون في معية الله، وحواسه يغلفها ~~البخار، وفريق من الأيدي يدلك جسده، فكان عقله طليقا يتجول في مناطق غير مطروقة، ويسير ~~متمهلا بلا هدف في طريق المنطق. في هذا المكان فكر في طريق نقل الحجيج بالسكة ~~الحديدية، وتوصل إلى حلول للكثير من الخلافات مع إدارة الدين العام، وقرر أخيرا ~~كيفية التعامل مع الصفويين. # وفي هذا اليوم بالتحديد، كان المأزق بالطبع هو ما ينبغي فعله بشأن الآنسة كوهين. لم يكن ~~مقتنعا تماما بأن ثمة إجراء يجب أن يتخذه مع الفتاة نفسها، ولكن والدته والصدر ms193 الأعظم ~~قد أصرا. وهو يعلم أنه في تلك اللحظات النادرة التي يتفق فيها كلاهما، فإن الأمر يستحق على ~~الأقل التفكير في جميع الخيارات المتاحة. لقد صاغت والدته الأمر على نحو رائع؛ يمكنه إعادة ~~الآنسة كوهين إلى كونستانتسا، وهو مسار يبدو أن الصدر الأعظم يفضله، أو يمكنه دعوتها ~~للعيش في القصر وإعطاؤها بعض دروس الموسيقى أو وظيفة في أحد الدواوين وتركها تحيا حياة ~~مغمورة. لم يكن يرى أن جمال الدين باشا سوف يعجب بهذا الإجراء، فقد كان مستاء بالفعل من ~~تفكك التحالف الألماني، حتى إن السلطان كان يتساءل أحيانا عما إذا كان يمكنه إجراء ~~مهامه الأخرى بأمانة. ولكنه رأى أن يرجئ هذا السؤال ليوم آخر. أخذ السلطان نفسا ~~عميقا وأغلق عينيه، وتتبع شبكة الألوان التي صنعها الضوء داخل جفنيه، وركز انتباهه ~~بالكامل فيما سيفعل مع إلينورا كوهين. وعندما فتح عينيه مرة أخرى، أصبح الأمر ~~واضحا. # وهكذا وسط البخار ورائحة العنبر التي تملأ سمبرليتس، قرر عبد الحميد دعوة إلينورا كي ~~تعيش في القصر وتصبح مستشاره الخاص. فمن بين كل الخيارات المتاحة، كان ذلك الخيار ~~المنطقي الوحيد. وبالطبع، فإن وجودها في دهاليز السلطة سوف يشكل خطرا على مستشاريه ~~الآخرين، ولكنهم سوف يتعلمون التعايش معها كما تعلموا التعايش بعضهم مع بعض، وإذا لم ~~يتمكنوا من ذلك فعليهم أن يجدوا وظيفة أخرى مناسبة، فهو السلطان ويمكنه أخذ النصيحة عمن ~~يشاء. # | الفصل السابع والعشرون # اختلفت زيارة إلينورا الثالثة للقصر عن سابقتيها؛ وذلك من حيث الشكل والهدف معا. ~~عندما توقفت العربة الملكية أمام منزل البك، كانت بالطابق العلوي في غرفتها ترتدي ثيابها ~~بمساعدة السيدة داماكان وتفكر في خططها لهذا اليوم. كان قصف الرعد يدوي معظم ~~الصباح، وثمة كومة من الخطابات على مكتبها يتعين الرد عليها، بالإضافة إلى البرقية ~~المرسلة من خالتها روكساندرا التي كانت قد كورتها على هيئة كرة بجوار الكومة. ورغم ~~أنها لم تكن مستعدة بعد للعودة إلى نظام حياتها السابق، فإن فكرة القراءة قد بدأت ~~تروق لها للمرة الأولى منذ النوبة التي تعرضت لها، وخطر ms194 لها أنها قد تحب قضاء بعض ~~الوقت في استكشاف منزل البك، ولكن وصول العربة الملكية قد أفسد تلك الخطط بالطبع. ~~أغلقت السيدة داماكان الزر في ظهر ثوب إلينورا، وأسرعا إلى الطابق السفلي حتى غرفة الجلوس؛ ~~حيث كان رسول السلطان ينتظر ويداه متشابكتان عند حزامه، وكعبه يقرع الأرض في قلق. # قال وهو ينحني حتى خصره: «أيتها الآنسة كوهين، إن فخامة السلطان يطلب مقابلتك في أسرع وقت ~~ممكن.» # فترددت قائلة: «حسنا، بالطبع.» # استدارت إلى السيدة داماكان، ثم مرة أخرى إلى الرسول. ~~«هل تسمح لي بلحظة أبدل فيها ثيابي؟» # فقال الرسول: «يمكنك ذلك، ولكن علي أن أخبرك بأن فخامته قد أكد أنه يرغب في ~~مقابلتك فور أن تتمكني من ذلك، دون أن تلقي بالا لأمر الثياب أو الحالة التي أنت ~~عليها.» # شعرت إلينورا بالسيدة داماكان وهي تدفعها برفق من الخلف، وخرجت من الباب الأمامي تتبع ~~الرسول عبر الممشى. ودون أن يسمح الوقت بالتفكير في أي خاطرة أخرى، كانا قد استقلا ~~العربة وسارت بهما في الطريق، ولكن بدلا من أن تصعد التل نحو بوابة السلام سارت مع منحنى ~~البوسفور حول القرن الذهبي مرورا بنافورة عامة خضراء اللون ذات قمة نحاسية نحو الجانب ~~الشمالي الشرقي من القصر. كانت البوابة التي تحمي ذلك المدخل أصغر كثيرا من بوابة ~~السلام، ولكنها مهيبة في حد ذاتها. كانت فتحتها منحوتة من قطعة واحدة من حجر ~~البازلت، ومزينة بقرميد فيروزي اللون على هيئة نجوم؛ مما أعطى إلينورا الانطباع بأنها ~~حوت ضخم يفتح فكيه كي يبتلعهما بالكامل. # وعندما ترجلت من العربة اقتربت منها امرأة شابة هادئة تشبه كثيرا تلك اللواتي ~~لاحظتهن عندما كانت تتعافى من النوبة التي داهمتها في جناح السلطان الخاص. كانت ~~صغيرة السن لا تتجاوز السابعة عشرة، رغم أنها كانت تبدو امرأة في عباءتها القطنية ~~الواسعة. ودون أن تتفوه بكلمة أمسكت بيد إلينورا بين يديها، وقبلت أطراف أصابعها. ~~«إن السلطان ينتظر.» # كانت تملك عينين خضراوين لافتتين للنظر، لامعتين كالذهب، تستظلان بغطاء كثيف من ~~الرموش. أتاحت المرأة بعض الوقت لإلينورا ms195 كي تشعر بالارتياح لحضورها، ثم استدارت وقادتها إلى ~~القصر نفسه. أخذتا تهبطان وتصعدان، واستدارتا لليمين مرتين ولليسار مرة قبل أن تدخلا ~~قاعة مقببة تفوح برائحة الليمون والمسك. # قالت وهي تتوقف أمام باب مرتفع يحيط به اثنان من حراس القصر: «علي أن أتركك؛ فقد ~~طلب السلطان مقابلتك على انفراد.» # تنحى الحارسان جانبا، وشعرت إلينورا بالمرارة في حلقها، فأمسكت بيد الفتاة. ~~«بعد إذنك، هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالا؟» # رمقت الفتاة إلينورا بمزيج من الشفقة والتعاطف، كما لو كانت عصفورا صغيرا قد وجدته ~~يتجول وحيدا في الغابات. ~~«هل تعلمين فيم يرغب فخامته في الحديث معي؟» # فقالت: «كلا، لا أعلم، ولكن ثقي بأنه سوف يعاملك جيدا مهما يكن الأمر الذي يريدك ~~بشأنه.» # حاولت إلينورا أن تفكر في سؤال آخر، ولكن لم يخطر على بالها أي سؤال، وهكذا استدارت ~~الفتاة الشابة عائدة عبر القاعة. # كانت الغرفة التي اقتيدت إلينورا إليها تعرف باسم غرفة الزنبق، نسبة إلى التصميم ~~المحفور في الجبس حول مدخلها. كانت غرفة صغيرة ذات طابع بسيط إلى حد ما، والحائط البعيد ~~بها تشغل معظمه أريكة زرقاء نصف دائرية جلس عليها السلطان يقرأ. وبالإضافة إلى الأريكة ~~ومقعد خشبي محدب الشكل مرصع بعرق اللؤلؤ، لم تكن غرفة الزنبق تضم أثاثا سوى ~~مكتب ولوحة زيتية تصور صيد الثعالب. ظلت إلينورا تراقب السلطان بعض الوقت وهو يقرأ قبل ~~أن تتحدث. ~~«هل هذه الساعة الرملية؟» # قال وهو يضع كتابه على الأريكة مقلوبا: «نعم، لا أعلم كيف أشكرك لترشيحها لي ~~للقراءة.» ~~«إلى أين وصلت فيها؟» ~~«المجلد الثالث. عندما دخلت كنت قد وصلت إلى المشهد الذي يستدعي الجنرال كرزاب فيه ~~أفراد العائلة الباقين كي يوبخهم ويوزع الثروة التي اكتشفها في ظهر خزانة ~~والدته.» # قالت إلينورا مقتبسة كلمة الجنرال كرزاب الشهيرة التي مرت منذ بضع صفحات: «إن الحقيقة ~~سمكة مراوغة تتلألأ قشورها في الماء، ومحارب شريف معرض للخطر ~~...» # فابتسم السلطان وأكمل الاقتباس: ~~«ولكنها صماء كالرصاص في قاع السفينة.» # وبينما كان السلطان يتحدث، أدركت إلينورا أنها قد ارتكبت خرقا جسيما لقواعد ms196 السلوك ~~الخاصة بالقصر. فلم تكتف بمخاطبته مباشرة بلا ألقاب، بل إنها أيضا قد نسيت أن تنحني ~~عند دخولها الغرفة. غطت فمها وجثت على ركبتيها، حتى لمست جبهتها الأرض. # قال السلطان: «تفضلي.» # استدارت كي تنظر إليه وصدغها ما زال يلامس القرميد البارد. # قال وهو يشير نحو المقعد الخشبي المقعر على يمينه: «لا داعي لذلك، يمكنك الجلوس إذا ~~أردت.» # تحركت نحو المقعد بحذر خشية أن تخرق قواعد البروتوكول مرة أخرى، وجلست على حافته. ~~لاحظت عن قرب أن وجه السلطان يشبه كثيرا وجه البك، وخاصة الأنف والشفة العليا. ولكن ~~على النقيض من رائحة سيجار التبغ الأخضر الخاصة بالبك، كان السلطان يفوح بعبير الخزامى ~~وزهر الليلك مع لمسة من رائحة البرتقال. # بدأ السلطان قائلا: «أردت الحديث معك على انفراد، فلدي سؤال مهم أرغب في توجيهه ~~إليك، وأود الحصول على إجابتك الشخصية دون التعرض لضغط من البلاط. هل تزعجك الإجابة ~~عنه شخصيا؟ هل أنت مستعدة لاتخاذ قرار خطير قد يؤثر على مسار حياتك؟» # نظرت إلينورا إلى حذائها وهو يتأرجح فوق الأرض. ~~«نعم.» ~~«بالطبع، فإن القرار يخصك وحدك، ولكن أتمنى أن تضعي في الاعتبار أن اختيارك سوف ~~يؤثر على حياة الكثيرين.» # توقف كي ينظر إليها. كانت يداها مطويتين في حجرها، ووجهها يكتسي بتعبير من الهدوء ~~الشديد. ~~«ما أرغب في سؤالك عنه هو ما إذا كنت ترغبين في الحياة في القصر. سوف تقيمين هنا في ~~جناح الحريم، وربما في تلك الغرفة نفسها، وسوف تقضين أيامك في القراءة وعزف العود وتعلم ~~دورس الخط وأي نشاط يعجبك. وسوف تجاب كل طلباتك، وليس عليك القيام بشيء في المقابل ~~عدا مناقشة أحد شئون الدولة كل حين وآخر معي أو مع الصدر الأعظم.» # فكت إلينورا تشابك يديها وتخللت شعرها بأصابعها. كان سؤالا خطيرا بالفعل، وقد ~~أصابها بالمفاجأة إلى حد ما. كانت ثمة احتمالات وعواقب كثيرة كي تفكر بها. حاولت أن ~~تفكر في الأمر، ولكن بينما كانت تفعل سيطر عليها شعور ثقيل كأنها في دوامة، شعور لا يشبه ~~فقدان الوعي الذي أصابها قبل ms197 النوبة السابقة، فطرفت بعينيها وتمالكت نفسها. ~~«وماذا عن البك؟» ~~«البك؟ إن كل ما أظنه أن البك سوف يواصل حياته كما كان يفعل قبل قدومك.» ~~«ألن يستاء؟» # بدا السلطان حائرا إلى حد ما. ~~«لا يمكنني أن أتنبأ برد فعله، ولكنني أذكرك أن هذا القرار يخصك وحدك. ورغم ~~أنني أتفق معك في ضرورة التفكير في المحيطين بنا، فمن المهم أن تتذكري مصلحتك ~~الشخصية.» # فهزت رأسها بالموافقة على رأيه. ~~«وماذا سيحدث لي إذا لم أوافق على العيش في القصر؟» # قال السلطان: «حسنا، لا أحد يعلم بالضبط، ولكن هذا سؤال بارع؛ فهو يوضح أنك تفهمين ~~موقفك جيدا.» # توقف وهو يلوك في فمه قطعة من الكراميل. ~~«أظن أنك تعلمين أن خالتك في طريقها إلى إسطنبول، وأدرك أنها تنوي إعادتك معها ~~إلى كونستانتسا. وبالطبع فإذا اخترت العيش في القصر فسوف نجري ترتيبات أخرى ~~لها.» # بينما كان السلطان يتحدث عن الحياة في القصر ومقتنيات المكتبة الملكية، توجهت عينا ~~إلينورا إلى لوحة صيد الثعالب. كانت الجياد والكلاب تطغى على الصورة، لدرجة أن الأمر ~~استغرق منها لحظات كي تكتشف ذيل ثعلب صغير في تجويف شجرة في أسفل يمين الصورة. وأدركت أنها ~~قد ظلت صامتة بعض الوقت عندما نهض السلطان واقفا. ~~«أيمكنني أن أعرف ما الخيار الذي تميلين إليه؟» # لم تكن إلينورا تميل إلى أي من الخيارين، بل كانت ترغب في مواصلة حياتها كما هي في هدوء ~~مع منصف بك والسيد كروم والسيدة داماكان، ولكنها أدركت أن ذلك لم يعد خيارا متاحا ~~الآن، فقد أصبح وجودها يثير متاعب مفرطة للبك، ورفضها عرض السلطان لن يزيد تلك ~~المتاعب إلا سوءا. وبالطبع، فإن المرء لا يمكنه الإفصاح عن تلك الأفكار. # قالت: «إنني أميل نحو العيش في القصر، ولكنني أرغب في بعض الوقت كي أحسم ~~قراري.» # قال السلطان وهو يجلس مرة أخرى على المقعد: «حسنا، إنه قرار خطير، ولا أرغب في أن ~~تتسرعي في اتخاذه. سوف أرسل لك رسولا غدا صباحا، وإذا قررت الإقامة هنا أعدي ~~أمتعتك. أما في حالة الرفض، فإنني أتمنى ms198 أن ترسلي لي خطابا صغيرا بذلك.» ~~«حسنا.» # وقف السلطان مرة أخرى ورافقها حتى الباب. وللحظة وهما يقفان في مدخل غرفة الزنبق، بدا ~~كل منهما على حقيقته؛ مجرد طفلة صغيرة ورجل ضئيل الحجم في منتصف العمر. انحنى عبد الحميد ~~حتى خصره، وأمسك يدها وقبلها. # وفي رحلة العودة من القصر، رأت إلينورا إسطنبول بلون جديد: القصور الساحلية، والرجال ~~المسنين الذين يصطادون على جسر جالاتا، وحمى التبادل التجاري في الأسواق، حتى الطيور ~~البحرية التي تحلق فوق الرءوس؛ كل شيء قد أصبح مشبعا بعبق الاحتمالات. خطر لها ~~الجزء المفضل لديها من حديث الملازم براشوف لشقيقه قبل وفاته مباشرة: «مع كل خيار، حتى ~~خيار السكون واللانشاط، علينا أن نغلق الباب في وجه مجموعة من المصائر المستقبلية ~~البديلة. وكل خطوة نتخذها في طريق القدر تقلل من الاحتمالات، وتمثل وفاة عالم مواز.» ~~وعندما يفكر المرء في ثقل الخيارات المطروحة، حتى أكثر تلك الخيارات تفاهة، فإنه يصعب ~~تخيل الكيفية التي يقرر بها أي شيء في هذا العالم. # لم تكن إلينورا في مزاج يسمح لها بالحديث عند عودتها إلى المنزل، فقد كان لديها الكثير ~~لتفكر فيه، ولم يكن أمامها كثير من الوقت. وبعد أن أخبرت البك بفحوى زيارتها إلى القصر ~~وعرض السلطان، قضيا المساء غارقين في صمت متبادل، فجلس البك يتصفح جرائد ~~الأسبوع بينما كانت هي تهتم بالخطابات التي لم ترد عليها، ومنها خطاب من طفلة في باريس ~~كانت ترغب في معرفة الكتب التي درستها، وشكوى طويلة من راهب إيطالي يصف الموقف السياسي في ~~سيينا. وردت على بضعة خطابات قبل أن تستغرق في تأمل مجموعة بعيدة من السحب، وأدركت أن ~~الحقيقة أنها لا ترغب في أي شيء؛ لا حماية السلطان ولا البك، ولا كونستانتسا أو ~~روكساندرا، ولا نبوءة السيدة داماكان ولا كل هؤلاء الناس الذين يطلبون نصائحها، بل ما ترغب ~~فيه بشدة أن تصبح وحيدة طليقة مستقلة. ولكن للأسف لم يكن هذا أحد الخيارات المطروحة ~~أمامها. # وبعد تناول عشاء صامت من يخنة اللحم والأرز، انصرفت إلينورا وجرت قدميها إلى ms199 الطابق ~~العلوي حتى الفراش. وضعت شمعتها على المائدة المجاورة للفراش، واتجهت إلى الناحية الأخرى ~~صوب النافذة البارزة. كان المضيق يتلألأ كبلورات السكر عاكسا حبلا من المصابيح التي ~~تتدلى بين مآذن المسجد الجديد. استندت بمرفقيها على إفريز النافذة، وحدقت إلى حوائط ~~القصر الذي قد تصبح من سكانه غدا. كانت ترى هياكل سفن تعبر الماء كما لو كانت أشباحا ~~كثيرة، وسمعت على بعد صوت مكبح قطار وهو يتوقف في محطة سيركيزي. كان هذا الصوت يحمل ~~معه خاطرة تحط برقة على إفريز النافذة كما لو كانت طائرا بحريا عابرا للمحيط. ~~وبدا لها الحل المثالي، ولكن قبل أن تتمكن من دراسته قرع الباب. ~~«تفضل.» # كان البك يقف في المدخل وملامحه تبدو كالشبح. # قال: «آمل ألا أكون قد أيقظتك.» رغم أنه كان واضحا أنها لم تنم بعد. # قالت وهي تستدير كي تواجهه: «كلا، على الإطلاق.» ~~«كنت أود أن أخبرك بأنني سوف أبذل أقصى ما في وسعي كي أساندك وأدافع عن مصالحك، مهما ~~يكن قرارك.» # ظل صامتا للحظة وضوء الشمعة يتراقص بشدة على وجهه، ثم مد يده في جيب معطفه وأخرج ~~كيسا صغيرا. # قال وهو يحمل الكيس في راحته المفتوحة: «لقد ترك والدك هذا. كان مع أمتعته.» # وضع الكيس على الطاولة المجاورة للفراش وعاد إلى الردهة، وأخذت ملامحه الحادة تغيب ~~في الظلام. ~~«مهما يكن المسار الذي تختارينه، فسوف يكون مفيدا.» # قالت: «أشكرك، أشكرك على كل شيء.» ~~«لا شكر على واجب.» # أغلق الباب خلفه، وظلت إلينورا ثلاث دقائق كاملة تقف عند النافذة المفتوحة تحدق إلى ~~ظلام غرفتها وهي تفكر في خطتها، ثم أغلقت النافذة وخلعت ثيابها وتسللت إلى الفراش. وقبل ~~أن تطفئ الشمعة فكت الكيس الجلدي الناعم وحدقت بداخله. كانت به عملتا كوروس من فئة ~~العشرة، وخمس عملات من فئة المائة جنيه. لم تكن ذات خبرة كبيرة بالنقود، ولكنها أدركت أن ذلك ~~كاف. # رقدت إلينورا في الفراش تستمع إلى أصوات المنزل وهي تتلاشى، وصرير الأبواب وحركتها وهي ~~تهدأ مفسحة المجال لأصوات خارجية أكثر خفوتا مثل هبوب الرياح ms200 عبر أوراق الشجر ووقع ~~أقدام الحيوانات. بزغ القمر كمدينة بعيدة في الأفق مضيئا مكتبها ومقعدها ومائدة الزينة ~~الخاصة بها بالضوء الأبيض الذي يميز أواخر الصيف. سوف تفتقد تلك الغرفة كما افتقدت غرفتها ~~في كونستانتسا، ولكنها لن تستطيع البقاء. لا يمكنها ذلك. عندما ارتفع القمر إلى عنان السماء ~~وصمت المنزل، تسللت إلينورا من الفراش وسارت بحذر حتى خزانتها. نحت فساتينها جانبا ~~وأخذت السروال والقميص والطربوش والسترة التي لاحظت وجودها في يومها الأول في إسطنبول. وضعت ~~المشابك في شعرها، والقليل من غبار الكحل أسفل عينيها، فتمكنت من أن تظهر بمظهر ساع ذي ~~ملامح رقيقة بصورة مقنعة. # ثم أتى دور الخطاب. أخرجت ورقة من درج المكتب الأوسط، وغمست قلمها المفضل في ~~المحبرة، ثم كتبت كلمة واحدة في أعلى الصفحة: «الوداع»، ثم وقعت باسمها ووضعت بصمة ~~أصبعها. كان قلبها يخفق الآن أسرع، وأنفاسها تتلاحق. فتحت الدرج العلوي من خزانة الملابس ~~وأخرجت مؤشر والدتها، ووضعته في جيب معطفها الداخلي. مدت أصابع قدميها وطقطقت ~~فكيها، ثم وضعت كيس والدها الجلدي بجوار المؤشر. نظرت إلى نفسها مرة أخرى في المرآة، ~~ثم مدت رأسها في الردهة وغادرت غرفتها. # وعند أعلى الدرج توقفت ونظرت إلى غرفة الجلوس. كانت غرفة كالكهف ذات أركان مظلمة ~~وظلال تتراقص عند الحواف. أحكمت قبضة يدها على الدرابزين، وتسللت لأسفل الدرج على ~~أطراف أصابعها وهي تتنفس من فمها بينما كانت تستمع إلى وقع أقدامها. وعندما وصلت إلى ~~أسفل الدرج أصدر المنزل أنينا كما لو كانت قد خطت على جرح مفتوح، وامتدت السجادة ~~أمامها كبحيرة من النار تتلألأ بانعكاسات ضوء القمر في الثريا. لمست الكيس في جيب ~~معطفها وسرت رجفة في أوصالها، ثم واصلت طريقها أسفل القاعة الرئيسة حتى جناح الحريم ~~مرورا بالأروقة المظلمة المزدحمة نزولا بالدرج، ثم عبر الباب الحديدي الصغير الذي وجدت ~~أنه يقود إلى خارج إسطبلات البك. تركت الباب مفتوحا قليلا، وتسللت مرورا بمجموعة من ~~الجياد التي تصهل خارج بوابات الإسطبل. # أصبحت خارج المنزل. كان الهواء يداعب كاحليها ولا شيء فوقها سوى السماء، ms201 صفحة مظلمة ~~تتخللها لمحات من السماء الزرقاء التي تخفيها. تسلل قط أبيض في طريقها، وغمز لها ~~بعينه الزرقاء الواحدة، ففهمت الأمر. كان العالم كبيرا باردا يفوح بالاحتمالات. كان ~~سربها قد تشتت؛ فقد انتهت مهمته هنا. ألقت نظرة خلفها على منزل البك الأصفر الفخم، ~~وهرعت أسفل الطريق الرئيس. لم تكن واثقة مما إذا كانت قد رأت خيال السيدة داماكان ~~المنحني في نافذتها البارزة بالطابق الثاني، وشقت طريقها عبر الجسر المنير بضوء القمر ~~نحو محطة سيركيزي. من هنا يمكنها أن تستقل قطارا إلى أي مكان في أوروبا، إلى باريس أو ~~بودابست أو برلين أو سانت بطرسبرج أو براج. يمكنها أن تختبئ وتتسلل خارج التاريخ دون أن ~~يلاحظها أحد. # | خاتمة # في الثلاثين من أغسطس عام 1886، وبعد تسعة أعوام وأسبوع من مولد إلينورا كوهين، استيقظت ~~إسطنبول على خبر اختفاء عرافتها. شوهدت الهداهد الأرجوانية البيضاء وهي تجثم على ~~مدخل البازار المصري، وفي أفرع شجرة زيتون بالقرب من طريق لو بيتي شون دو مورت، وهي تعبر ~~فوق المستشفى اليوناني القديم خارج بوابة يديكول. وأمسك فتى مقدام من فتيان البلاط ~~بهدهد في سلة الخبز الخاصة بوالدته، ولكن للأسف سرعان ما مات الطائر عقب الإمساك به. ~~أما بقية الهداهد، فقد شوهدت متفرقة تحلق في اتجاهات مختلفة. # وبناء على أوامر فخامة السلطان عبد الحميد الثاني تم إيقاف جميع المواصلات المغادرة ~~للمدينة وتفتيشها، ووضعت الشرطة في حالة استنفار، وأعطي مسئولو السكة الحديدية في نطاق ~~خمسين كيلومترا حول إسطنبول أوصاف إلينورا، وأجريت عملية تفتيش موسعة في البوسفور، ~~وأعطيت رائحة إلينورا لمجموعة من كلاب كانجال من سيفاس. واعتقل كل من منصف بك ~~والسيد كروم والسيدة داماكان للتحقيق معهم، ولكن لم يبد أن أحدهم لديه أي فكرة عن مكان ~~إلينورا. لقد ذهبت. اختفت بلا أي أثر، ولم تخلف وراءها أثرا سوى خطاب وخزانة مليئة ~~بالثياب. # وفي نهاية الأمر أقيمت جنازة وعادت الحياة إلى مسارها الطبيعي؛ عادت روكساندرا إلى ~~كونستانتسا مع زوجها الجديد، وأنهى الكاهن مولر الفصل الدراسي في كلية روبرت، وحصل على منصب ms202 ~~في ييل، وعاد منصف بك إلى تنظيم لقاءاته في مقهى أوروبا، واستمر السيد كروم في إبلاغ ~~القصر بتقارير حول أنشطة سيده، وغادرت السيدة داماكان إسطنبول كي تحيا مع ابنة شقيقتها ~~في سميرنا. وقرر السلطان مرتين طرد جمال الدين باشا، ثم وافق بناء على توصية من ~~والدته على إعطائه فرصة أخيرة. وافتتحت مدرسة جديدة للفتيات في زيتينبورو، وأنشئ مسجد ~~يلديز حميدي، وأحبطت خطة سكة حديد برلين-بغداد، ونشر روبرت لويس ستيفنسون روايته «الحالة ~~الغريبة لدكتور جيكل ومستر هايد»، ونصب تمثال الحرية في ميناء نيويورك. وسار التاريخ في ~~مساره كما لو كانت إلينورا كوهين لم تعبره قط. # وعلى مدار العقد ونصف العقد التاليين، استمرت الأقليات في الإمبراطورية في التذمر، وكذلك ~~الدستوريون، ولكن السلطان تمكن من استرضائهم جميعا بمجموعة من الامتيازات التي أتت في ~~وقتها المناسب. وظلت القوى العظمى وإدارة الدين العام تحيط بالإمبراطورية كغربان ~~كثيرة، ولكن العلاقات الآخذة في التحسن بين إسطنبول ولندن منعت حتى أكثر الأطراف ~~المتربصة إصرارا من الاقتراب. ولما كان القيصر قد تعرض للصد في البحر الأسود، فقد ~~حول عدوانه إلى الشرق معززا السيطرة على كامشاتكا، وزاجا بالسفن الحربية اليابانية ~~في أول الحروب الروسية اليابانية الثلاث. وفي نهاية الأمر تخلت فيينا عن «تجربتها ~~الاستعمارية» في البوسنة، متنازلة عن السيطرة على المنطقة إلى حكومة انتقالية أنجلو روسية ~~عثمانية، والتي تنازلت بدورها عن السيطرة على المنطقة إلى تحالف السلاف الجنوبيين. ومع ~~نهاية القرن أدى التوتر المتصاعد بين لندن وبرلين إلى مجموعة من المناوشات البحرية ~~المتزايدة في العنف في بحر الشمال، ولحسن الحظ تم تفادي الحرب الكاملة. وكما يعلم ~~دارسو التاريخ جيدا، فقد أدى حل الصراع في بحر الشمال في نهاية الأمر إلى توقيع معاهدة ~~ديلاوير (المعروفة أيضا باسم معاهدة القوى السبع)، وهي اتفاق عالمي على نزع الأسلحة ~~البحرية اشتهر بالاسم الذي أطلقه عليه نائب الرئيس الأمريكي والأمين العام للبحرية ~~مستقبلا تيودور روزفلت «معاهدة إنهاء كل المعاهدات». ودخلت قصة إلينورا كوهين طي ~~النسيان، وأصبحت مجرد حاشية للتاريخ العثماني في أواخر القرن التاسع عشر، ms203 ثم خمد ذكرها ~~تماما للأبد. ms204