######OpenITI# #META# URI: 1450SuhaShami.DamirMuqaddimaQasira.Hindawi41590841 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41590841 #META# Title: الضمير: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 15281318 #META# Author: بول ستروم #META# EditorID: 46097241 #META# Editor: هبة عبد العزيز غانم #META# TranslatorID: 20926903 #META# Translator: سهى الشامي #META# Related_books: 1450PaulStrohm.ConscienceShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الضمير المسيحي‏ # 2 - علمانية الضمير‏ # 3 - ثلاثة نقاد للضمير: دوستويفسكي ونيتشه وفرويد‏ # 4 - هل الضمير حق مدني؟‏ # 5 - صوت الضمير: هل ما زال مسموعا؟‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الضمير المسيحي‏ # 2 - علمانية الضمير‏ # 3 - ثلاثة نقاد للضمير: دوستويفسكي ونيتشه وفرويد‏ # 4 - هل الضمير حق مدني؟‏ # 5 - صوت الضمير: هل ما زال مسموعا؟‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | الضمير # | الضمير # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # بول ستروم # ترجمة # سهى الشامي # مراجعة # هبة عبد العزيز غانم # | شكر وتقدير # أود أن أتوجه بالشكر إلى كل من روبرت ألتر وأكيل بيلجرامي وكريستوفر برادلي وأندرو ~~كول وكاثرين كوبر ومونيكا كورتون وهولي كروكر وأنتوني دي كيرتس وكارولين دينشو وميكالينا ~~إيفروز وجيس فين وكلير هارمان وبروس كوجوت وليديا ليو ومورا نولان ولورا بيريل وآسيا رو ~~وكاتي بوبكين وميري روبن وجيمس سيمبسون وأبراهام ستول وجون بي ستروم وأرفيند توماس وديفيد ~~والاس على تقديمهم للنصيحة والنقد. # | مقدمة # ظلت ظاهرة الضمير - المتغيرة والراسخة في آن واحد - حاضرة على امتداد عصور وإمبراطوريات ~~ومعتقدات وعقائد، وأثرت في السلوك البشري منذ ألفي عام وأكثر. وقد عرفها الرومان (وأطلقوا ~~عليها اسم «كونشينتيا»)، ثم استأثر بها المسيحيون الأوائل. وتساوى الإصلاحيون البروتستانت ~~والكاثوليك المخلصون في اعتمادهم على نصائح الضمير وتحذيراته. وفي القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر، أعاد الضمير اجتياز الحد الفاصل بين التدين والعلمانية، مبدلا موضع الاهتمام ~~من الكمال الديني إلى التحسين الأخلاقي والاجتماعي. واليوم يؤمن به المتدينون وغير ~~المتدينين على حد سواء. فهو يحظى بمكانة متميزة في علم اللاهوت والعبادات، ولا تقل مكانته ~~عن ذلك في الفلسفة والفنون. ويدعي السياسيون التصرف وفق تعاليمه، وهم يفعلون أحيانا. ومن ~~اللافت للنظر بالقدر ذاته اتساع نطاق الاحتكام إليه بين كل أطياف الناس وفئاتهم؛ فهو مبحث ~~أكاديمي عظيم القيمة يستخدمه أيضا عوام الناس، ويستشهد به الناس في كل مناحي الحياة بثقة ~~بوصفه أساسا لأفعالهم. # قد يبدو أن هذا الرسوخ المذهل الذي يتمتع به الضمير يشير إلى أنه كيان ثابت ووجهة نظر ~~أحادية لا تتغير بمرور ms001 الزمن. والحق أن الضمير يحيا في الزمن، ومن أشد خصائصه جاذبية قدرته ~~على التعديل الذاتي والتكيف مع الظروف الجديدة على نحو ثابت، وكذلك إدراكه اللامتناهي لشروط ~~الملاءمة الجديدة والملحة. وفي هذه «المقدمة القصيرة جدا»، لن أعتبر الضمير ثابتا لا ~~يتغير، بل سأعده منقبة من صنع البشر تحمل تاريخا مميزا وزاخرا بالأحداث. # يرفض الضمير أي محتوى ثابت أو غير متغير؛ فبإمكانه أن يبرر التضحية الكريمة بالذات وفي ~~الوقت نفسه يبرر حب الذات الذي ينطوي على أنانية، وبوسعه أن يحض على عمل للخير أو على عمل ~~إرهابي. وقد تكون إملاءات الضمير مسيحية أو وثنية، تستند إلى الدين أو شديدة العلمانية، ~~قومية أنانية أو دولية سخية. بل إن جنس الضمير يظل مجهولا: فقد يكون مذكرا أو مؤنثا، وقد ~~يكون صوتا روحانيا بلا جسد أو صوتا أبويا، بل إنه قد يتحدث بصوت جمعي كالرأي العام. ~~ولما كان الضمير متغيرا بالقدر نفسه فيما يتعلق بمصدره وموضعه، فإنه قد يصغى إليه بوصفه ~~صوتا محفزا من الداخل أو صوتا آمرا من الخارج، وغالبا ما يكون كليهما في آن واحد: كائن ~~خارق للطبيعة يعلم عنا كل شيء لكنه يدين بولاء خارجي؛ سواء لإله أو للصالح العام. فقد ~~فعلت أشياء رائعة وأخرى نكراء باسمه، كالإصلاح الاجتماعي الخاضع للعقل والاستثنائية ~~الجنونية العارضة. # قد يكون الضمير بطبيعته مزعجا، فعادة ما يشعر المرء الذي يحضره ~~الضمير - على الأقل في البداية - بأنه كان أفضل حالا ~~دونه. وبالإضافة إلى ذلك، إذا كان الضمير متغيرا من حيث موضعه أو مضمونه، تظل بعض العناصر ~~مما يمكن أن يوصف بأنه «شخصيته» ثابتة على نحو مؤسف. وأينما ووقتما قابلناه، نجد أن عادته ~~المميزة هي النخز والوخز والتملق والاستنكار والمضايقة عوضا عن التهدئة أو الطمأنة. ورغم ~~شيوعه فإنه يظل أقل الظواهر المعروفة بعثا للسرور في النفس. والسؤال هنا إذن: لماذا نحتاج ~~في حياتنا إلى ذلك المفهوم المتقلب والقاسي وشديد الصرامة؟ والإجابة التي أقدمها أن أحوالنا ~~في وجود الضمير أفضل كثيرا منها في غيابه. # لكنني توصلت إلى تلك الإجابة بعد ms002 مزيد من ~~التفكير المتواصل في مصدر الضمير، وفيمن سانده، وفيما عناه بالنسبة للأجيال المتعاقبة. ~~فالضمير له جذور تاريخية عميقة، وهو يتجدد ويكمل نفسه من تلك الجذور، وتكمن أقصى آماله ~~للاستمرار في المستقبل في تقدير قيمة هذه «المنظومة الجذرية» - التي تتكون من كل الأشياء ~~التي عناها الضمير ومثلها من قبل - كأساس لقابلية تطبيقه المستمرة والملحة على العالم ~~اليوم. # الجغرافيا الثقافية للضمير # أثر الضمير في أشخاص عظيمي الشأن في جميع أنحاء العالم، بداية من مؤسسي الجمهورية ~~الأمريكية ومرورا بغاندي ومانديلا وآخرين، لكن أصوله أوروبية أو مستمدة من الأوروبيين ~~(كما أنهم لا يزالون حتى الآن رعاته، إلى حد ما). # لا يحتكر الغرب الرقابة الذاتية الأخلاقية أو الرفض الداخلي المستند إلى المبادئ ~~للسلوك المستهجن أخلاقيا. وبالطبع فإن اللغات والمجتمعات كافة تملك مفاهيمها الخاصة ~~والمميزة للواجب أو المسئولية أو الخجل من الإخفاق في الوفاء بمعايير المجتمع أو الذات. ~~وعلى الرغم من أن العبرية القديمة لم يكن بها كلمة مرادفة تماما للضمير، فإن علم ~~اللاهوت العبري قد تعامل جيدا مع مفاهيم الإرادة والنية والواجب الأخلاقي والمسئولية ~~أمام إله يغرس الوصايا والتعاليم في قلب المؤمن (سفر التثنية 30 : 14، إرميا 31 : 33). ~~وعلى الرغم من أن المفاهيم العبرية لها أصول منفصلة عن أصول الضمير، فإن تلك المفاهيم ~~مثل الوصية الإلهية بالرقابة الذاتية الأخلاقية وتوطين قوة أخلاقية في الجسد كانت جزءا ~~لا يتجزأ من تشكيل الضمير المسيحي، فضلا عن أنها خدمت هذا الضمير كتأثير محسن وقضية ~~غائبة. (ومما يضيف مزيدا من الثراء لذلك التبادل، أن اللغة العبرية المعاصرة تضم في ~~الوقت الحالي كلمة # matzpun # التي تقترب من كلمة «الضمير» ~~من خلال علاقتها الاشتقاقية بالكلمة الإنجليزية التي تعني «داخلية» وأيضا بالكلمة ~~العبرية التي تعني «بوصلة».) وللكلمة اليونانية # syneidesis ~~«سينيديسيس» التي تعني «سمة داخلية ~~وأصيلة من سمات البصيرة الأخلاقية» خصائص مشتركة مع الضمير المسيحي، ويمكنها بالفعل أن ~~تتشارك مع الضمير في معنى انعكاسي يتمثل في معرفة الذات، أو معرفة الذات عن طريق ~~الذات. أما المرادفات البوذية والهندوسية فتقترب مما تطلق عليه اللغة ms003 الإنجليزية ~~المعاصرة «الوعي» أكثر مما تقترب من «الضمير»، لكن المفهومين كانا غير منفصلين في اللغة ~~الإنجليزية حتى القرن السابع عشر وأحيانا بعد ذلك. وتعني كلمة الضمير في اللغة الروسية # sovest ~~«سوفيست»، وهي كلمة مقتبسة من اللغة ~~اليونانية عبر «اللغة السلافية الكنسية القديمة»، وتشترك مع «الضمير» في معنى المعرفة ~~المشتركة، وكلاهما يرمز للوعي ذاتي الانعكاس بالمعرفة، ومن الناحية الاشتقاقية، يمكننا ~~المقارنة بين # con ~~(مشترك) + # scientia ~~(معرفة) ~~و # so- ~~(مع) + # vest ~~(معرفة). والمفهومان الكونفوشيوسيان «ليانجشن» (وتعني المشاعر الودية للقلب/للعقل) ~~و«ليانج شي» (وتعني الفكر الأخلاقي السليم أو حسن التمييز) يتشابهان تشابها مثيرا ~~للاهتمام مع الضمير في تأكيدهما على وضع ضوابط ذاتية، وقد أثريا المناقشات الدائرة حول ~~الضمير في القرن العشرين. وتضم اللغة العربية مفهوم «الزاجر» أو «المقيد» الذي يعرف ~~كالتالي: «واعظ الله في قلب المؤمن، النور الملقى فيه والذي يعيده إلى الحق»، وهو تعريف ~~مشابه للضمير في تأكيده على تحريم ارتكاب الآثام. # يقول المثل الذي يعود للقرون الوسطى «كل الطرق تؤدي إلى كومبوستيلا»، وتذكرنا تلك ~~النظم الأخلاقية المتنوعة بأن هدف الرقابة الذاتية الأخلاقية يوجد خارج تقليد الضمير ~~كما يوجد داخله. وعلى الرغم من أن تلك النظم البديلة تعمل على نحو مشابه للضمير، فإنها ~~ليست مطابقة له، فكل منها يحتوي على فروق دقيقة وتقليدية تجعل دراسة كل منها على ~~حدة دراسة مجزية. وقد افترضت الليبرالية الغربية في بواكيرها أن النظم الأخلاقية ~~العالمية من الممكن أن تنطبق على الضمير بسهولة تامة، وأنه لا توجد بينهما فروق مهمة ~~يجب الاعتراف بها. لكن اتضح أن هذا الأمر ليس دقيقا، وخاصة في سياق الإعلانات المقترحة ~~للضمير الدولي أو المبادرات المقترحة بين الثقافات والمفترض تنفيذها باسم الضمير. ~~فالاحترام المتبادل بين الثقافات لا يستفيد من التأكيدات العادية للتشابه مثلما يستفيد ~~من الاهتمام التقديري بالخصائص المميزة لكل نظام. # ومما لا شك فيه أن مبدأ المقارنة الدولية يقع خارج نطاق هذه الدراسة وخارج حدود معرفة ~~المؤلف. وسوف تركز هذه الدراسة على تعاليم الضمير الخاصة أثناء تطورها على مدى ألفي عام ~~في الغرب. إن ms004 الضمير - في أفضل أحواله وأفضل أحوالنا - يستحق السمعة التي اكتسبها بوصفه ~~أحد الإسهامات الغربية الباعثة على الفخر في مجال الكرامة الإنسانية. فهو، كما علق عالم ~~اللاهوت هنري تشادويك ذات مرة، يقف حصنا «في مواجهة انتقاص قدر الإنسان». وطبقا لما ~~تتضمنه وثائق مثل «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي أعلنته الأمم المتحدة وتقوم به ~~بعض المنظمات مثل «منظمة العفو الدولية» ومنظمة «رصد حقوق الإنسان»، فإن الضمير لديه ~~الكثير كي يقدمه للمناقشات الدائرة حول حقوق الإنسان في أنحاء العالم. لكن في حالة ~~التفكير في نشره للغات والثقافات الأخرى، فإن إدراك تطوره التاريخي - بما في ذلك حالات ~~إساءة استخدامه والموضوعات التي يعمى عنها وما به من تناقضات - سوف يشجع على الوصول ~~لدرجة التواضع المناسبة التي يمكننا بها تقديم هذا المفهوم للآخرين. # الفصل الأول # | الضمير المسيحي # الميراث الوثني # لما كانت الكنيسة في الماضي قد احتضنت الضمير سريعا وبلا عناء يذكر، فإنه غالبا ما ~~يظن أن مفهوم الضمير مسيحي في أصوله. لكن الكلمة اللاتينية كونشينتيا (الضمير) ~~كانت بالفعل مفهوما مزدهرا في فن الخطابة الإقناعي والمرافعات القانونية لدى الرومان ~~قبل مولد المسيح بفترة طويلة. وقد منح مفهوم الضمير عند الرومان الأفكار المسيحية ~~المبكرة عن الضمير قواما وثراء في الخيال، وسيلقي الكثير من خصائصه الضوء على ~~التصورات الكاثوليكية والبروتستانتية عن الضمير. ولما كان هذا المفهوم قد انتقل عبر هذه ~~التصورات، فقد ظل مؤثرا على رؤيتنا للضمير في العصر الحاضر. # كان أساس الضمير الكلاسيكي هو الرأي العام أو ما اتفق عليه المجتمع؛ ومن ثم فإن ~~الناس الذين كانوا على خلاف مع الرأي العام أو الاتفاق الجمعي يجدون أنفسهم عرضة لتأنيب ~~الضمير واتهاماته. وكان شيشرون في خطاباته الجماهيرية يستغل الآراء ويطوعها عن طريق ~~إدخال الضمير في سجالاته نيابة عن الموكلين وفي إداناته للمذنبين والمتكبرين. وفي خطابه ~~الذي يحمل عنوان «دفاعا عن مايلو»، يقول شيشرون إن الضمير هو المسرح الرئيس للفضيلة، ~~وفي ذلك المسرح يؤدي المرء دوره في كل الأحوال. وهو يقول إن موكله مايلو قد سلم نفسه ~~باختياره لأن قوة ms005 الضمير دعمته، كما أنها في الوقت نفسه ~~طاردته كما تطارد المذنبين بتصورات عن ~~العقاب. ويرى شيشرون أن الضمير السليم قد يكون أساسا للحصول على البراءة القانونية. ~~أما الضمير الفاسد فهو ينضم إلى العقوبة القانونية كي يعاقب من أخلوا بالمعايير ~~العامة. وهو يقول في خطابه الذي يحمل عنوان «دفاعا عن سيكستو روشو»: دعك من الغضب ~~الشديد؛ فالمذنبون يعذبون أنفسهم بالتفكير في أفعالهم الآثمة، وكل منهم يشعر بالتنغيص ~~ويكاد يجن لمعرفته بالجرم الذي ارتكبه وتروعه أفكاره وضميره الآثم. وقد حاول الخطيب ~~الجدلي كوينتيليان أن يثبت أن من يحد عن طريق الفضيلة يعاني معاناة مضاعفة، سواء من ~~العقوبة القانونية أو من الضمير المذنب. وفي كتابه الذي يحمل عنوان «الحروب الأهلية» ~~والذي يرجع تاريخه للقرن الأول قبل الميلاد، يخبرنا يوليوس قيصر عن الضباط الفاسدين ~~الذين يتحملون المهانة من رفاقهم وذويهم بالإضافة إلى العذاب الداخلي للعقل أو الروح من ~~الضمير. ومرة أخرى يخبرنا شيشرون عن قيصر في خطبته التي تحمل عنوان «عن الواجبات» ~~متسائلا: «ما الآثام التي تعتقد أن ضميره مثقل بها؟ وما الجراح التي تحملها روحه؟» ~~وتعد خصائص الضمير مألوفة حتى إن أحد كتب البلاغة المعاصرة والذي يحمل عنوان «البلاغة ~~لهيرينيو» ينصح المدعي بأن يقول إن خصمه قد أبدى علامات الضمير اليقظ، أي إنه شوهد ~~ووجهه يحمر خجلا أو يصبح شاحبا أو يتلعثم أو يتفوه بكلام غير مترابط أو يبدي علامات ~~الريبة أو يفضح نفسه. # وتلك اللغة التي يستخدمها الضمير - بما في ذلك قدرته على الخداع والجرح والوسم أو ~~الوصم - لها طابع مألوف، فالضمير ما زال بالفعل في محاولات مستمرة منذ ألفي عام لمضايقة ~~الأشرار ودعم الأخيار، وإصابة من يتجاهلون انتقاداته اللاذعة بالألم والرعب وشحوب الوجه ~~والرجفة. كانت تلك اللغة وذلك التصوير مناسبين للدين المسيحي الناشئ الذي واجهته مهام ~~متعددة تتمثل في هداية المترددين وتهذيب المؤمنين الجدد، بالإضافة إلى تشجيع المعرفة ~~الذاتية والإصلاح الشخصي في نظامه. ولما كان الضمير قد أثبت بالفعل كونه محفزا على ~~العمل ودافعا لتغيير الحياة، فقد كان قابلا للتكيف بسهولة ms006 مع التطلعات والاحتياجات ~~المسيحية، ولا عجب أن الناس قد تمسكت به واستفاضت في الحديث عنه بحماس شديد حتى إنه ~~أصبح أحد المكونات الأولى والرئيسة للرؤية المسيحية للعالم. # المذهب الكاثوليكي والضمير # كانت النتيجة الرئيسة لاستيلاء المسيحية على الضمير هو اختيار جيروم لكلمة ~~«كونشينتيا» اللاتينية في ترجمته للعهد الجديد من الإغريقية إلى اللاتينية في أواخر ~~القرن الرابع. ففي النسخة الإغريقية من العهد الجديد، تعتمد رسائل بولس على مصطلح # syneidesis ~~«سينيديسيس»، وهو مصطلح عام شامل يسبق ~~«كونشينتيا» في الإيحاء بمعنى المعرفة المشتركة أو المعرفة بواسطة الذات «التي تعرف ~~بذاتها». وعن طريق ترجمة الاسم «سينيديسيس» إلى «كونشينتيا»، قدم جيروم هذا المصطلح ~~الأخير في خطوة واحدة بوصفه نوعا شديد الأهمية من معرفة الذات في الديانة المسيحية. ~~وبالطبع فإن المصطلحين ليسا مترادفين تماما، فباختياره مصطلح «كونشينتيا» لم يستطع ~~جيروم تجنب بعض مدلولاته التي تكونت سابقا، فأولا كان تاريخ كلمة «كونشينتيا» يربطها ~~حتما بالتوقعات العامة والمجال العام. وبينما تعد «سينيديسيس» صفة داخلية متأصلة في ~~الفرد، تعد «كونشينتيا» مصطلحا ذا وجه مزدوج ينظر في اتجاهين: داخليا بلا ريب، لكن ~~أيضا خارجيا إلى الرأي العام والقيم المشتركة كما هو الحال في الفهم الشيشروني ~~والقانوني الكلاسيكي. وهكذا فقد أصبحت شخصية الضمير الإنجيلي والمسيحي شخصية مختلطة في ~~بداية نشأتها؛ حيث مزجت بين مبادئ الوعي الأخلاقي الخاص والتوقعات العامة. وكان هذا ~~المزج - أو ربما التشوش المحتمل - بين الجانبين الداخلي والخارجي يعني أن الضمير ~~المسيحي ربما سيظل يخدم سيدين للأبد: صاحبه أو الخاضع له من ناحية، والآراء المذهبية ~~أو اللاهوتية لراعيه الكنائسي من ناحية أخرى. # سوف تظل تصورات الضمير التي وردت في رسائل القديس بولس - كما نقلتها ترجمة جيروم ~~اللاتينية إلى الغرب - مقاييس ثابتة وأيضا أسبابا للجدال عبر التاريخ المسيحي اللاحق. ~~وتظهر أكثر هذه التصورات تأثيرا في رسالة القديس بولس إلى أهل رومية في الإصحاح الثاني ~~الآيات 14-16، التي يوضح فيها القديس بولس أن اليهود تحكمهم قوانينهم، أما غير اليهود ~~أو المسيحيين فهم يحكمون أنفسهم بالنواميس النابعة من أنفسهم، ويظهر أثر الناموس ~~محفورا ms007 في قلوبهم، حيث إن ضمائرهم تشهد عليهم. وهكذا يعد الضمير لدى القديس بولس جزءا ~~أساسيا من صاحبه؛ وهدية مباشرة وشخصية من الله إلى المؤمن؛ وهو رأي سوف يزداد أهمية ~~مع ظهور العديد من المذاهب البروتستانتية الحديثة الأولى. لكن الضمير لديه يؤدي أيضا ~~دورا قضائيا أعم، فهو يقضي بين الأفكار المختلفة، وأخيرا فهو يشهد أمام الله يوم ~~القيامة. # تظهر بعض العناصر شديدة الأهمية من الضمير المسيحي الحديث بالفعل في رواية القديس ~~أوغسطين من هيبو ريجيوس في أواخر القرن الرابع عن تحوله إلى الدين المسيحي. فقد ولد ~~أوغسطين وثنيا، وثقف نفسه في الأدب الكلاسيكي والفلسفة، وقضى بعض الوقت متنقلا بين ~~العقائد الإيمانية المختلفة قبل أن يتحول للمسيحية ويتبوأ مكانته كأحد مؤسسي الكنيسة ~~الرومانية. وهو يصف في صفحتي 397-398 من كتابه «الاعترافات» طريقه إلى التحول للمسيحية، ~~وهو طريق يتضمن الكثير من اللهو والتباطؤ. فحتى بعد أن تحول عدد من أصدقائه إلى ~~المسيحية، ظل مترددا ينتظر اليقين بشأن خياره. ويخاطبه ضميره وهو في تلك الحال، وهو ~~ضمير يقظ بالفعل بشأن تأخيره الذي لا داعي له: # لقد أتى اليوم الذي يجب أن أتجرد فيه أمام نفسي ويتمتم ضميري بداخلي قائلا: ~~«أين لساني؟ صحيح أنك قد ظللت تؤكد أنك لن تطرح عبء الكبر لأجل حقيقة غير ~~مؤكدة. لكن انظر، فالأمور الآن مؤكدة، ومع ذلك ما زلت مهموما بنفس العبء، ~~بينما الآخرون الذين لم يرهقوا أنفسهم هكذا في البحث عن الحقيقة ولم يقضوا عشرة ~~أعوام وأكثر يفكرون في الأمر قد تخلصوا بالفعل من أعبائهم.» وهكذا فقد أصبت ~~بالضيق الداخلي وشعرت بالحيرة العنيفة والخزي الشديد. # إن الضمير يتحدث من موقع مشترك مع النفس، لكنه يضم بعض العناصر ووجهات النظر الخارجية ~~على النفس. ويكمن أحد المفاتيح الرئيسة للتناقض بين موقع الضمير وسلوكه في أصل الكلمة ~~اللاتينية نفسها: «كون» + «شينتيا»؛ فكلمة ~~«شينتيا» تعني المعرفة، لكنها معرفة مشتركة، أو «كون». والضمير هو معرفة الذات، لكنه ~~يشير أيضا إلى المعرفة المشتركة مع شخص آخر أو أشخاص آخرين، أو انعكاسيا معرفة الذات ~~عن ms008 طريق الذات. وهكذا يبدو أن الضمير يتحدث إلينا من الداخل كمعرفة داخلية - معرفة يشعر ~~بها المرء في داخله - لكنه يدل أيضا على معرفة خارجية أكثر شمولا بشئون العالم، فهو ~~ينتبه على سبيل المثال لما يفعله «الآخرون» وما فعلوه، أو لحقيقة أن العديد من رفاق ~~أوغسطين قد تحولوا إلى المسيحية بالفعل. # كانت «شخصية» الضمير - التي يميزها نفاد الصبر وأيضا قدر من سرعة الغضب - مشكلة ~~بالفعل على نحو كامل وسليم. وعلى الرغم من أنه جزء جوهري من أوغسطين، فإنه نادرا ما ~~يعد محرضا له على الخطأ، وهو صوت «المعارضة المخلصة»، وهي مخلصة لكنها في الوقت ~~ذاته عنيفة. استخدم أوغسطين هنا كلمة # increpare # بمعنى ~~يتمتم، لكن من المعاني الأخرى للكلمة التوبيخ والتقريع، وهو ما يفعله ضمير أوغسطين ~~بكثرة، حيث كان يهاجم أوغسطين لمراوغته الروحية مستعرضا قدرته على «إزعاجه» وإثارة ~~شعوره بالخزي، وهي خصائص الضمير التي ما زالت تلازمه حتى اليوم. ولا تضم ترسانة أسلحته ~~من الحيل المميزة الإلحاح المستمر فحسب، بل أيضا المحاكاة القاسية لنوبات التردد لدى ~~أوغسطين وتبريراته. وأفضل ما يمكننا قوله عن الضمير أن قوته الدافعة إيجابية وحريصة على ~~التحسين الذاتي، وصوته يسعى إلى اتخاذ إجراءات، وهو لن يصمت حتى يحقق أهدافه. # لماذا يحتمل أوغسطين ذلك الوجود المشترك العنيد صعب الإرضاء؟ من ناحية لأن الضمير ~~موجود بالفعل داخل أسوار الذات، ويجب على أية حال أن يؤخذ في الاعتبار، ومن ناحية أخرى ~~لأنه يمتلك معرفة وسلطة خاصتين من نوع أكثر شمولا؛ فهي معرفة أكثر أهمية يجب أخذها في ~~الاعتبار. وبوسعنا أن نصوغ ذلك بطريقة مختلفة قائلين: إن الضمير يعلم كل ما يعلمه ~~أوغسطين (كل شيء عن أعوامه العشرة من المراوغة والتأخير) بالإضافة إلى المزيد (كل شيء ~~عن الطبيعة السامية للمعرفة المسيحية واستغلال أصدقاء أوغسطين لوقتهم على نحو أفضل). ~~ولما كان الضمير يستغل هذا الموقع الاستراتيجي الأسمى - على الحدود بين الذات والآخر - ~~استغلالا كاملا، فإنه ملائم تماما كي يدعو أوغسطين نحو مرحلة جديدة من الوعي بذاته ~~وبالخيارات التي كان يتخذها في العالم. # وعلى ms009 تلك الحال المتقلبة سلم الضمير المسيحي البدائي إلى الأجيال اللاحقة في الفترة ~~التي نطلق عليها الآن العصور الوسطى عندما ازدهر ووضحت بعض تناقضاته الغزيرة تحت رعاية ~~الكنيسة. وبوصفه صوتا يتأرجح ما بين الداخل والخارج، فهو يتناوب بين دوري الصديق ~~والعدو؛ حيث يقوم أحيانا بدور المشجع المؤيد وأحيانا أخرى يقوم بدور إصلاحي قاس. وهو ~~يعلم أسوأ نقاط ضعف المرء، لكنه يخاطبها في نطاق معايير شاملة وعقلانية، وهو في آن واحد ~~يؤسس شعورا قويا بالفردية من ناحية، وانقساما دائما لتلك الذات بين الميل الخاص ~~والإجماع العام من ناحية أخرى. ولما كان الضمير المسيحي متنوعا بالفعل منذ بداية نشأته ~~- وبذلك المعنى فهو حيوي ومتقلب في الوقت ذاته - فقد ضمن تاريخا طويلا لاحقا من ~~التأثير الضخم والخلاف العقائدي الدائم. # لكن من ناحية واحدة كان لاتحاد الكنيسة ~~والضمير في العصور الوسطى تأثير باعث على الاستقرار؛ فلأول مرة أصبح الضمير - بدلا من ~~التحول حسب تقلبات الموقف والرأي العام - مزودا بمحتوى راسخ في صورة اللاهوت المسيحي ~~والأمثلة الواردة من الإنجيل والممارسات المؤسسية. واحتفظ الضمير في العصور الوسطى ~~بقدرته على الحديث الداخلي ومخاطبة باطن المرء، لكن لا حاجة له في معظم الأحيان للتساؤل ~~عما يقول بالضبط. # وقد صورت تلك الحال التي «ينشأ» فيها الضمير ولديه معلومات بالفعل عن السلوك ~~القويم والإيمان الصحيح في إحدى دراسات القرون الوسطى الأكثر تفصيلا لذلك الموضوع، وهي ~~دراسة الراهب البنيدكتي بيتر من سيل التي تحمل عنوان «عن الضمير»، حيث يجري إعداد قاعة ~~احتفال رائعة لكن الضيف الرئيس لم يصل بعد: # تخيل مائدة عامرة بأصناف مختلفة من الطعام ... وهب أن كل شيء مهيأ بنظام تام ~~بحيث لا تعوزه الأناقة، ولا يكون زائدا عن الحاجة أو باعثا على الضجر. لكن في ~~الوقت الحالي هب أن أجمل الأماكن وأكثرها اتساعا - ذلك المخصص للملكة وربة ~~البيت - خاليا ... وأخيرا تصل المرأة التي يتوارى كل من الشمس والقمر رهبة ~~أمام جمالها، وبينما تجلس تغلق الأبواب ويكتمل ضيوف وليمة الزفاف. ويعلن ~~اسمها للبلاط الملكي: هذه السيدة تدعى «الضمير». # ولما كان ms010 الضمير مرسلا من الله إلى الروح المسيحية المتقبلة، فإنه لا يأتي خاوي ~~الوفاض، بل حاملا خزائن اللفائف التي لا تضم أوراق هويته ووصيته فحسب، بل أيضا ~~محتويات غرفته الممتلئة. وتتكون تلك المحتويات - هنا وفي أماكن أخرى - من آراء معروفة ~~على نطاق واسع يعتنقها كثير من الناس: كالشهادة الجماعية من القديسين وكهنة الاعتراف ~~والمجالس والمجامع الكنسية المخول لها تفسير نسخة الكتاب المقدس المكتوبة باللغة ~~اللاتينية. # بوسعنا تكوين ملاحظات مشابهة من الأعمال الكلاسيكية الإنجليزية التي ترجع للقرون ~~الوسطى والتي تتناول موضوع الضمير. ويوحي العنوان المثير «الإزعاج المتكرر للضمير» بنوع ~~من الإحساس بالذنب ينبع من الذات، لكن متن النص يتكون من سرد للملامح الخارجية والمتفق ~~عليها للتوبة والتي يمكن لجميع المسيحيين أن يعتمدوا عليها في تنظيم حياتهم، وهي: وصايا ~~الله والخطايا السبع المميتة وما يتفرع منها وقوانين الحياة التقية والصلاة الربانية ~~والفضائل الأساسية وممارسة الاعتراف. وينشأ الضمير عرضا بوصفه نتيجة ثانوية لممارسة ~~الاعتراف على نحو سليم، وعندئذ يقيم النادم تجربته طبقا للمعتقدات العامة للكنيسة؛ ~~ومن ثم يشعر بالأسف الشديد و«غالبا ما يبلل وسادته بدموعه». وعلى الرغم من ذلك العنوان ~~الذي يتضمن حسا صحفيا، فإن قصيدة «وخز الضمير» التي كتبت في القرن الرابع عشر أو ~~الخامس عشر لا تعد تحليلا للضمير الفردي أو الشخصي قدر ما هي بحث في العقيدة المعروفة ~~بالإجماع (الخوف من الموت والجحيم والمطهر وعلامات يوم القيامة والحساب ومكافآت ~~السماء). ولم يذكر الضمير سوى عرضا في القصيدة، مرة بوصفه أحد المتهمين الخمسة عشر ~~(إلى جانب الشياطين والملائكة والشهداء وما إلى ذلك) الذين يحضرون للشهادة ضد الأشرار ~~يوم الحساب، ومرة أخرى بوصفه أحد أنواع الآلام الأربعة عشر في الجحيم (بالإضافة إلى ~~البرد والجوع وما إلى ذلك). وكالعادة سوف يسبب الضمير مضايقة خاصة فريدة من نوعها - مثل ~~«الإزعاج» و«العض كالحيوانات الضارة» - لكن مضمونه مشترك على مستوى العالم وليس خاصا ~~بالفرد النادم وحده. # لا أرغب بالطبع في إطلاق أحكام عامة ~~غير ذات جدوى عن العصور الوسطى بوصفها حقبة من العقيدة التوحيدية؛ وذلك لأن الضمير ms011 في ~~العصور الوسطى كان مفهوما متحركا شديد المرونة، وحتى إذا كان الشكل الذي تتخذه نصائحه ~~قابلا للتنبؤ به عموما، فما زالت هناك كل الموضوعات المألوفة والمتعارضة الخاصة ~~بالتطبيق العملي. ويمكننا إيضاح عمق التفكير في مسألة الضمير في العصور الوسطى وتنوعه ~~عن طريق أحد أهم القصائد التي ترجع للقرن الرابع عشر والتي كتبها ويليام لانجلاند ~~بعنوان «الفلاح بيرس»، وهي قصيدة رمزية، تدعى الشخصية المحورية فيها باسم ويل، وهو شخص ~~تواجهه صعوبات وتحديات خاصة بالتمييز والاختيار. وتمثل العديد من شخصيات القصيدة بما ~~فيها الضمير (وهو الشخصية الوحيدة التي تظهر خلال معظم أجزاء القصيدة) صفات تقع داخل ~~عقل ويل وخارجه. ويتفاعل الضمير - الذي أصبح الآن مذكرا، فهو في حالة تغيير دائم للنوع ~~- مع ويل بعدة طرق بعضها أكثر تعقيدا من أن يعرض بالتفصيل هنا. وتعد مسئوليته ~~الأساسية إلقاء المواعظ والمحاضرات على ويل حول أمور العقيدة التي يجب أن يعلمها ~~وينفذها في سلوكه الشخصي. ومن ثم فإن نصيحته تتكون في الأساس من أمور معروفة: أمور يجب ~~على كل مسيحي أن يعلمها، وعلى ويل أن يضبط حياته وسلوكه طبقا لها. ويصور الضمير في ~~القصيدة بطرق متنوعة، فهو تارة حارس وتارة أخرى مستشار ودليل، أما رفيقه الدائم: ~~«العقل» فهو يشجعه ويسهل له مهمته. # لكننا لا نستطيع اعتبار الضمير في القصيدة شخصية ثنائية الأبعاد، حيث يكمن جزء من ~~أهميته في موقفه داخل عقل ويل وخارجه، فهو صوت في رأس ويل وفي الوقت ذاته شخصية مؤثرة ~~في العالم. والطبيعة الرسمية والعامة لواجباته تؤكدها قدراته وألقابه المختلفة: فهو ~~مستشار ودليل ويشغل منصب مسئول أمن قلعة الوحدة. وقد قادته تلك المشاركات الدنيوية إلى ~~صعوبات متكررة. ولما كان مجبرا على اتخاذ قرارات في عالم معرض للفضح، فإنه يكشف ~~الأخطاء التي كانت في ظروف أخرى لتمر دون أن يلاحظها أحد. وفي القصيدة، يعد الضمير ~~قائمة مريبة بالمدعوين لحفل عشاء تضم حامل دكتوراه في اللاهوت يتسم بالغرور، وفي ~~نهاية الأمر يحتاج إلى ترتيب أفكاره والاسترخاء فينصرف عن ضيوفه؛ ونراه في نهاية ~~القصيدة محاصرا ms012 بأعداء خارجيين، وعلى الرغم من التحذيرات فإنه يرتكب الخطأ الكارثي ~~المتمثل في السماح للرهبان بدخول قلعة الوحدة. وتوحي نهاية القصيدة بأنه قد يكون أفضل ~~حالا إذا رفض بعض المهام الموكلة إليه وشق طريقه في الحياة بطريقة أقل جمودا كأنه ~~عابر سبيل ورحالة في العالم. لكن في القصيدة كما هي بين أيدينا، فالضمير لا خيار لديه ~~سوى الصراع مع بدائل معيبة بينما يقوم بمسئولياته العليا بوصفه حكما للإجماع ~~المسيحي. # وهكذا فإن الضمير في قصيدة لانجلاند يثير قضايا ثابتة تتعلق بالتفسير والتطبيق، لكن ~~على الرغم من أن الضمير قد يهزم مؤقتا أو يخطئ في أمور تتعلق بخيار محدد، فإنه لا ~~يرتكب خطأ عقائديا صريحا أبدا ولا يدافع عن الآراء المنحرفة أو الشاذة التي تتشكل ~~خارج الكنيسة. ويقر القديس توما الأكويني وبعض المحللين الآخرين بإمكانية وجود ضمير ~~مهرطق أو مذنب، لكن في معظم التطبيقات اليومية يظل الضمير في القرون الوسطى ~~أورثوذكسيا وحسن النية. # لكن الفكرة الحديثة المألوفة القائلة إن الضمير يمكنه مواجهة كل سلطة معروفة وحده لم ~~تتبلور بعد. ويلزم لهذا التحول تصور وجود ضمير خاص داخلي يستطيع أن يضع نفسه في منافسة ~~مع الضمير العام أو الرسمي. وغالبا ما يقترن هذا التحول باسم مارتن لوثر وصعود نجم ~~البروتستانتية، لكن علاماته الأولى تظهر في أواخر العصور الوسطى، بل أيضا في النسخ ~~الأحدث من قصيدة لانجلاند. وقد كتبت قصيدة «الفلاح بيرس» على مراحل منذ الستينيات وحتى ~~الثمانينيات من القرن الرابع عشر، وتتضمن نسختها الأخيرة المعروفة باسم النص «ج» جزءا ~~إضافيا يخصص فيه لشخصية ويل (الذي يرتبط الآن أكثر من ذي قبل بالمؤلف ويليام ~~لانجلاند) ضمير شخصي بالإضافة إلى الضمير العام. والأكثر إثارة للاهتمام من ذلك أن ~~ضميره الشخصي والآخر المجازي يدخلان في مجادلة، وفي ذلك المقطع يوجه كل من العقل ~~والضمير الاتهام لويل بأنه يحيا حياة منغمسة في الملذات لا طائل منها. ويحدث هذا في ~~مقطع أضيف إلى بداية القسم الخامس من القصيدة، حيث يعترض كل من العقل والضمير على ~~الطرق المتكاسلة التي يتبعها ms013 ويل، ويرد ويل (على الضمير) قائلا: ~~... ~~أنت تعلم ما كان المسيح [يتمنى] أن تكتبه في ضميري # صلوات رجل مثالي وتوبة متواصلة # هي العمل [الأعلى قيمة] الذي يرضي الله. # لا يتأثر الضمير بتفسير ويل القائل إن ضميره الشخصي يوافق على ممارساته المعتادة من ~~التضرع للقديسين الأثرياء والتوبة من حين إلى آخر. وفي ذلك المقطع يفرض الضمير (بوصفه ~~كيانا مشتركا أو جماعيا) نفوذه على ضمير ويل (أو إدراكه الشخصي للصواب والخطأ)، لكن ~~حقيقة أن الضمير المؤسسي والضمير الشخصي قد يدخلان في مجادلة تعد تنبؤية على نحو ذي ~~دلالة؛ فضمير ويل «الخاص» ليس لديه أي شيء مبتكر بشدة كي يدلي به؛ بل إن الضمير الجماعي ~~في حقيقة الأمر يجد ملاحظاته (ملاحظات الضمير الخاص) عادية وسطحية وينحيها جانبا ~~وهو غاضب، وبالطبع ينتصر الضمير الجماعي في نهاية الأمر. ومع ذلك فإن هذا الخلاف بين ~~الضمير الخاص والعام ينذر بظهور وضع سوف يتكرر كثيرا في القرن الخامس عشر، ثم يصبح ~~منتشرا في القرن السادس عشر عندما ينشأ فرق بين الضمير الفردي ورؤية الضمير بشكل أكثر ~~شمولا وقبولا لدى العامة. وقد ينظر لهذا الفرق في قصيدة «الفلاح بيرس» التي كتبت في ~~أواخر القرن الرابع عشر بوصفه مساحة تخيلية أو محتملة، أو ثغرة لم يملأها بعد ضمير ~~شخصي أو إصلاحي بالفعل، لكن قد يتكون وينمو داخلها ضمير شخصي. # يظهر لجوء ويل للضمير الشخصي في موقف ينطوي على إكراه؛ إذ يجد ويل نفسه فيه تحت ضغط ~~شديد من العقل والضمير الجماعي. وهو أمر مفهوم، فالشخصية التي تقع تحت ضغط من سلطة عليا ~~- خاصة إذا كانت سلطة روحية أو دينية - تحتاج إلى ملجأ أو بديل، واللجوء إلى ضمير شخصي ~~يفتح على الأقل مساحة صغيرة لحجة مضادة تتسم بالحكمة. وقد شهد القرن الرابع عشر والخامس ~~عشر في إنجلترا وفي القارة بأكملها مضاعفة للتحديات الشخصية والعقائدية التي تواجه ~~الكنيسة المؤسسية (وبعضها، كتلك التي واجهت لانجلاند، سعت إلى تعديل بسيط لممارساتها، ~~والبعض الآخر قد ينظر إليه بوصفه نذيرا للسخط البروتستانتي في القرن السادس ms014 عشر). ~~ويجد الأشخاص العالقون في هذه التحديات عزاء متزايدا في فكرة الضمير الشخصي عوضا عن ~~الضمير الذي تراقبه المؤسسات. # وعلى الرغم من أن بعض الكتاب التقليديين في القرن الرابع عشر - مثل عالم اللاهوت ~~الشهير والتر هيلتون والسياسي الحزبي توماس أوسك - يحتكمون إلى مفاهيم الضمير الشخصي، ~~فإن المصدر الأقوى لذلك الاحتكام يوجد في كتابات عالم اللاهوت جون وايكليف وأتباعه ~~اللولارديين (نسبة إلى لولارد أحد أتباع وايكليف). وقد أثار هؤلاء المنشقون دينيا في ~~القرن الرابع عشر والخامس عشر عدة موضوعات سوف تصبح بارزة في الإصلاح البروتستانتي في ~~القرن السادس عشر. ولما كان وايكليف تحت ضغط على كل الجبهات من السلطة الكنائسية بشأن ~~موضوعات سوف تؤدي في نهاية الأمر إلى إدانته رسميا (وإلى نبش قبره وحرق جثته)، فقد ~~نادى في الخطبة التاسعة والأربعين بأنه يحسن بالفرد المسيحي أن يحكم على الفضيلة ~~بضميره الخاص بدلا من الاعتماد على آراء الآخرين، واستمر مؤكدا أن: المنبر الأخير ~~للفضيلة «يكمن في ضميري الخاص». وكان نص هذه الخطبة - على نحو ذي دلالة - وفي ضوء ~~التاريخ اللاحق على نحو تنبئي من رسالة الغلاطيين 6 : 5: «ليحمل كل فرد العبء الخاص ~~به.» # لكن العقود الأولى من القرن السادس عشر كانت الفترة التي برزت فيها رؤية فردية جديدة ~~للضمير في إنجلترا، وربما نجد الخطوة الأولى في هذا التحول في سلوك خصمين متكافئين على ~~نحو غريب. # هنري الثامن والمستشار مور # يعد القول بظهور رؤية جديدة تماما للضمير في القرن السادس عشر تقليلا من شأن الدقة ~~والتنوع اللذين اتسم بهما التفكير فيما يزيد عن ألف عام سابق، وبخسا لقدر التباين الذي ~~تحدث به تلك التغيرات. ومع ذلك فقد صعدت تيارات جديدة بارزة في القرن السادس عشر، وبدأ ~~الكثير من الناس، مدفوعين بعلم اللاهوت البروتستانتي الذي يؤكد على التواصل المباشر مع ~~الله وأهمية الإلهام الشخصي، يرون الضمير ملاذا للرأي الفردي، بل حتى الرأي الشاذ، ~~أكثر مما هو مسألة تتعلق بالإجماع الكنائسي الجدير بالثقة. وتماشيا مع هذا الطابع ~~الشخصي الجديد، فقد قل اعتبار الضمير مجموعة من ms015 المفاهيم الكنسية الوافدة من «الخارج ~~للداخل»، وازداد اعتباره مجموعة من المعتقدات الراسخة التي تتحدث من «الداخل للخارج». ~~وبدلا من اعتباره نصيرا للوحدة وتوحيد الآراء، فقد أصبح الضمير سلطة ربما تثير الشقاق ~~وحافزا داخليا عميقا ملحا قد يضع المرء في صراع مع المؤسسات وأنماط المعتقدات ~~المعترف بها، وهو ما قد يدفع بصاحب الضمير إلى مواقف شديدة الخطورة والمجازفة، لكنه على ~~الرغم من ذلك يجب أن يتبع خشية أن يغامر المرء باستقامة روحه وخلاصها ~~النهائي. # تتضح الخطوط العريضة لما يطلق عليه «الضمير الإصلاحي» في القارة الأوروبية في مطلع ~~العشرينيات من القرن السادس عشر وفي إنجلترا بعيد ذلك. وتعد التيارات البروتستانتية ~~التي بلغت ذروتها في تلك الحركات المعروفة باسم «حركات الإصلاح» أكثر تعقيدا من أن ~~توصف وصفا بسيطا، لكن بعض خصائصها بالإضافة إلى بعض عناصر رد الفعل الكاثوليكي يمكن ~~ملاحظتها في التصادم الشهير الذي وقع بين هنري الثامن والسير توماس مور (الذي عرف ~~لاحقا بالقديس توماس). لطالما اعتبر مور خصم هنري النصير الأول للضمير؛ إذ رفض من حيث ~~المبدأ قبول تأدية «قسم السيادة» للملك هنري ورفض قطع العلاقات مع كنيسة روما، لكن ~~هنري ذاته كان النصير الدائم على نحو مدهش لصورة جديدة أكثر تطرفا من الضمير الشخصي. # شكل 1-1: الملك هنري الثامن: رجل حي الضمير؟ بورتريه لهانز هولباين الأصغر، ~~عام 1537 تقريبا. # 1 # في ربيع وصيف عام 1527، بدأ هنري علاقته الغرامية بآن بولين وعقد النية على الحصول ~~على الطلاق من الملكة كاثرين التي كان قد تزوجها منذ زمن طويل. وكانت «دوافعه» أن يتبع ~~منهج الشرعية القانونية المستند إلى الكتاب المقدس، حيث اعتمد على عدم شرعية زواجه ~~بكاثرين أرملة شقيقه، لكن «حجته» تضمنت عذابات حيرة الضمير، وهو ضمير ليس مستندا إلى ~~موافقة بابوية أو سلطة كنسية أو آراء العامة ككل. # لا شك أن المناقشات السابقة حول الضمير قد بدأت في جلسات مغلقة، لكن طبقا للسجلات ~~المكتوبة فإنه في ديسمبر من عام 1527 أوضح وولسي لأحد رسل الملك قائلا: # إن الملك باجتهاده في الدراسة والعلم ms016 من ناحية، وتشاوره مع علماء اللاهوت من ~~ناحية أخرى، وجد أن ضميره مثقل إلى حد ما بزواجه الحالي، وسعيا إلى طمأنينة ~~روحه ثم إلى تأمين خلافته ... اعتبر إصراره على هذا الزواج إهانة لله وللإنسان، ~~وهو يشعر بتأنيب ضمير شديد؛ ذلك لأنه يحيا منذ زمن طويل مرتكبا إساءة بحق ~~الذات الإلهية. # لم ينحرف هنري عن هذا العذر، فعندما اقترب هذا الأمر من نهايته يقول تشابويس، مبعوث ~~الإمبراطور، في خطاب أرسله بتاريخ السادس عشر من أبريل عام 1533 يصف فيه مقابلة اتضح من ~~خلالها أن هنري شديد العناد، وأذاع فيها أنه قد تزوج آن بولين سرا، وقال تشابويس إنه ~~توسل إلى هنري أن يوقر الله على الأقل حتى إذا كان لا يوقر غيره من الرجال قائلا: «لقد ~~أخبرني بأنه فعل ذلك، وأن الله وضميره على علاقة طيبة.» # من يمكنه أن يؤكد ما إذا كان هنري مثقل الضمير «بالفعل» أو أن المشكلة كانت تكمن في ~~جزء آخر من جسده (وهو الاحتمال الأكبر)؟ وتكمن النقطة الأساسية في نشوء مناخ فكري جديد، ~~كان هنري يتفهمه ويدركه تماما، وقد أتاح هذا المناخ لمؤيدي أي موقف ملتبس أو غير شائع ~~بأن يظلوا على تأييدهم لهذا الموقف أو التوجه إذا أمكنهم أن يتوصلوا إلى حجة مقنعة ~~للإلحاح المستمر للضمير الشخصي. وحتى إذا كان حديث الضمير الخاص بهنري بأكمله مجرد ~~ذريعة، فقد نجح نجاحا باهرا في استخدام نفوذه بوصفه ملكا ومهاراته الجدالية في ~~اجتذاب الناس إلى المناقشة بشروط منحته حق التذرع بالضمير. وحصل هنري على تنازلات جزئية ~~- على الأقل في بداية الأمر - حتى من أشخاص ثابتين على موقفهم مثل الكاردينال جون فيشر، ~~ففي عام 1528 أو نحو ذلك كتب فيشر (منفعلا لكن في الوقت ذاته مفعما بالأمل) قائلا: ~~«إنني مقتنع بأن الرغبة الملكية لا تتمثل في رفض القوانين الإلهية، وأنه إذا كان الملك ~~قد استجاب لحيرة الضمير بناء على المحرمات اللاوية فسوف ينحيه جانبا حقا.» وقد أشيع ~~عن البابا نفسه أنه يفكر في مخطط قصير الأجل يمكن هنري من ms017 الزواج بامرأتين بهدف أن ~~يرتاح ضمير هنري. وهكذا أيضا نجد مور خلال فترة توليه منصب المستشار منذ عام 1529 وحتى ~~عام 1532 يميل نحو التسوية الجزئية، حيث كان موقفه المتلون إلى حد ما خلال فترة توليه ~~منصبه يتمثل في مساعدة الملك في الأمور التي لا يرفضها ضميره الخاص، لكن آخرين هم من قد ~~يتطوعون لملاحقة قضية الطلاق الكبرى وهم يضمون «فقط هؤلاء الذين لاحظ فيهم نيافته وجود ~~الضمير (وهم عدد كاف) وأقنعهم تماما بأداء هذا الدور». وكان مور يأمل في بداية الأمر ~~(وهو الموقف الذي سيتراجع عنه نادما خلال أحداث 1532-1534) أن يجد هنري طريقة «كي لا ~~يسبب لأي إنسان إزعاج الضمير أو اضطرابه أبدا» في تلك المسألة، وأن الضمير الخاص بكل ~~مشارك في هذا الأمر لن يمس. وهكذا نجد حتى كبار المتشككين مثل فيشر ومور مستعدين للميل ~~على الأقل جزئيا نحو الخطاب الناشئ حول قدسية الضمير الفردي. # كان التحول الذي مر به هنري من الضمير العام إلى الضمير الفردي مصحوبا بحملة ~~أيديولوجية طموحة. ففي مرحلة مبكرة جند مجموعة من علماء اللاهوت المشتركين في الجريمة ~~وأعطاهم تعليمات بأن يؤلفوا «سينشورا»، وهو منشور ظهر في عام 1531 عن القرارات المؤيدة ~~لطلاقه، وقد دعمت حججهم نظرية تتعلق بالضمير الخاص، وهي تعيد بعث المفاهيم السابقة ~~الخاصة بقدسية القانون الخاص الذي كتب في صدور الناس وتعمل على نشرها على نطاق ~~واسع. # وفيما يلي استشهاد بترجمة إنجليزية كتبت في الفترة نفسها تقريبا عن الأصل اللاتيني: # إن القانون العام هو ما أكدته كتابات البابوات، أما القانون الخاص فهو ما ~~كتب في صدور الناس عن طريق الوحي من الروح القدس كما قصد المصلحون الأخلاقيون ~~الذين يحملون القوانين الإلهية منقوشة في صدورهم بالضبط. # وبالنسبة لمفهوم القانون الخاص الذي كتب في صدور الناس، يمكننا العودة لتلك الفقرة ~~من رسالة الرومان في الآية 14 من الإصحاح الثاني، وهي فقرة لا تنسى بالطبع، لكنها ~~تكتسب اهتماما ملحوظا من جديد عن طريق مجموعة من المصلحين البروتستانتيين والمناهضين ~~للمؤسسات. فعندما يعلن المرء أنه ms018 قد تأثر بالتواصل المباشر الشخصي مع الروح القدس وأنه ~~صاحب قانون نقش في صدره على نحو فريد، فإن الاختبارات الخارجية في القانون العام أو ~~كتابات الكهنة أو أي عنصر آخر من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية ينسحب معترفا بالهزيمة: # إذا تتبعنا حركة الروح القدس وحركة ضمائرنا فلن نصبح خاضعين للقانون العام ~~الذي يجب دائما أن يفسح المجال للقانون الخاص، فبالنسبة للأمور التي يحرمها ~~القانون الإلهي علينا أن نطيع ضمائرنا، وفي الأمور الأخرى علينا أن نطيع ~~الكنيسة. # من الواضح أن النظرة الأكثر تقليدية للضمير بوصفه أداة للتأنيب لكن ليس للتمرد كان ~~لديها المزيد لتقدمه للكنيسة الرومانية التي كانت متورطة في صراعات في القرن السادس عشر ~~أكثر مما كان لدى الضمير الخاص الذاتي المنفلت - الذي فضله هنري ومستشاروه. فقد شارك ~~الكاردينال فيشر في الهجوم على الضمير الخاص في دفاعه الذي كتبه عام 1531-1532، أما مور ~~الذي دعم جزئيا من قبل موقف هنري في توقعه بأن الأفراد قد يسمح لهم باختيار برنامجه ~~أو الانسحاب منه، فقد دفعه كل من «قسم السيادة» و«مرسوم الخلافة» إلى اتخاذ موقف ~~تقليدي أكثر حسما. وفي خطاباته الأخيرة التي يرجع تاريخها إلى أعوام 1532-1534، اتخذ ~~موقفا ضد الضمير الفردي الجانح الذي أساء توجيهه شخص غريب الأطوار أو مهرطق بما يعارض ~~شئون العقيدة المتفق عليها. وقد كتب إلى ابنته مارجريت متحدثا عن ذلك الأمر في حالة ~~رجل «اتخذ موقفا معارضا من حقيقة واضحة تتجلى عن طريق العقيدة المسيحية المتفق عليها ~~بالاعتماد على عقله وحده، أو بالإضافة إلى القليل لكن ليس الكثير من الأشياء الأخرى»، ~~حيث توصل إلى أن «هذا الضمير ملعون بشدة». وخلال التقلبات اللاحقة التي مر بها مور، أكد ~~تأكيدا متزايدا على فكرة الاتفاق الخارجي على الاعتقاد الصحيح. فهو يوصي في «حوار ~~المواساة» على سبيل المثال بأن يخضع حكم الضمير للتصحيح الخارجي، حتى وإن كان ذلك في ~~شكل نصيحة من شخص آخر صالح فحسب. وفي الشهور الأخيرة التي قضاها في السجن والتي كان ~~فيها أشد عزلة وبعدا عن نصائح الرجال الصالحين، ms019 ضغطت الظروف على مور ضغطا أكبر من ~~المعتاد كي يعتمد على إيعازات ضميره الخاص فقط، لكنه وجد طريقة كي يستحدث درعا واقيا ~~من السلطة الخارجية؛ وهي أن يخلق صوته الداخلي أو الحكيم الخاص به وجمهوره أو مجتمعه ~~الخاص. وهذا المجتمع غير موجود، فهو لا يتكون من أشخاص كان يتمكن من الاشتراك في ~~أحاديثهم، لكن يتكون مما يعتبر هيئة «متحركة» من المجامع الكنسية والقديسين والمصلحين ~~الأخلاقيين الذين سعى إلى الحصول على موافقتهم، أو حتى تصويبهم، إذا اقتضت الضرورة ذلك. ~~وهو يصوغ تلك النقطة ببلاغة في خطبة ما بعد الإدانة كما هو مثبت في مذكرات تشاستلمان: # قاطعه المستشار قائلا: «ماذا هناك يا مور؟ هل ترغب في أن تعتبر أكثر حكمة ~~وذا ضمير أكثر يقظة من كل الأساقفة ونبلاء المملكة؟» وأجاب مور قائلا: «سيدي، ~~في مقابل أسقف واحد في رأيك لدي مائة قديس؛ وفي مقابل برلمان واحد من عندك - ~~والله أعلم بنوعه - لدي كل المجالس العامة لمدة ألف عام؛ وفي مقابل مملكة واحدة ~~لدي فرنسا وكل الممالك المسيحية.» # شكل 1-2: «السير توماس مور متأملا»، بريشة ويليام هيكمان سميث أوبري، عام ~~1890 تقريبا. # 2 # ضمير «إصلاحي»؟ # في حالتي هنري ومور نجد معاصرين لهما يشتركون في الإيمان بكلمة «الضمير» لكنهم يعنون ~~بها أمورا مختلفة. وقد أكد كل من هنري وكرومويل - خليفة مور - وإنجيليو منتصف القرن ~~المحيطين بإدوارد السادس - ابن هنري - تأكيدا غير مسبوق على الطبيعة الداخلية المتفردة ~~والمتشددة لمتطلبات الضمير الشخصي. كان لدى هنري أسبابه كي يفضل نزعات ضميره الخاص، لكن ~~معاصريه وخلفاءه الأكثر تعصبا طوروا الاعتماد على الضمير الخاص إلى هوية عامة جديدة ~~مولعة بالمظاهر نوعا ما. هل تعبر تلك الهوية عن ضمير «بروتستانتي» أو «إصلاحي» ~~مميز؟ ربما كان الأمر كذلك، بل أكثر من ذلك لأن هذا الضمير يدعمه ويضيف إليه المثال ~~الأوروبي. # يمكن تلخيص التيار القوي من الاهتمام البروتستانتي بالضمير والذي يتدفق في اتجاه ~~إنجلترا، في كتابات مارتن لوثر الذي يؤكد تأكيدا قاطعا على الضمير الشخصي، وقد ركز ~~على هذا التأكيد في إعلانه ms020 الشهير عام 1521 في مدينة فورمس الذي أعلن فيه أن ضميره لا ~~يخضع سوى لكلام الله مضيفا: «لا أستطيع أن أتراجع عن أي شيء مما قلته ولن أفعل، ~~فمعارضة الضمير ليست أمرا آمنا ولا فاضلا .» وجدير بالذكر أن فكرة أن يكون الإنسان ~~استنتاجا شخصيا خاصا بالضمير بناء على كلام الله الموجود في الكتاب المقدس فحسب؛ ~~ومن ثم يتخطي سلطة الكنيسة تماما - من الصعب أن تمر دون ملاحظة. وفي حقيقة الأمر، ~~ففور أن تحدث مارتن لوثر هتف يوهان إيك أمين الاجتماع، طبقا لروايته عن هذا الموضوع ~~قائلا: «فلتنح ضميرك جانبا يا مارتن! عليك أن تنحيه جانبا لأنه مخطئ.» لم يكن خلاف ~~إيك بالطبع مع الضمير بمفهومه التقليدي، لكن مع مفهوم جديد ضار للضمير بوصفه مرشدا ~~شخصيا شديد الخصوصية للسلوك. ولما كان لوثر واثقا في صحة موقفه طبقا للكتاب المقدس، ~~فلم يكن لديه النية لتنحية ضميره جانبا. # لم يكن الخلاف مع قراءة الإنجيل ذاتها، لكن مع إصرار لوثر على حقه في تكوين ~~استنتاجاته الخاصة حول توصياته. وتجنب لوثر منهج الإيمان بالذات عن طريق قبول نص الكتاب ~~المقدس بوصفه «أداة تحكم» خارجية، لكنه أصر على حقه في تفسير نص الكتاب المقدس. وكان ما ~~أصاب ممثلي البابا بالضيق هو رفضه منح السلطات الوسيطة - مثل استنتاجات المجالس ~~والمجامع الكنسية - أي دور تحكيمي في العلاقات بين الله والإنسان. كان لوثر يعلن مولد ~~فهم جديد للضمير، تحول من الضمير الملتزم تجاه المؤسسات في الكاثوليكية إلى ما يمكن ~~أن يطلق عليه الضمير «الإصلاحي» الذي لا يلتزم بأي شيء سوى بتواصله المباشر مع الله ~~فحسب كما هو موضح في الكتاب المقدس. ويعني هذا الإصرار على التفسير الشخصي بدلا من ~~التفسير المؤسسي أو الجمعي للكتاب المقدس أنه لن يكون ملتزما على الإطلاق من وجهة نظر ~~ممثلي الكنيسة الرومانية ذوي التفكير المؤسسي. وهكذا ففي كتابه الذي يحمل عنوان «حول ~~عبودية الإرادة» الذي صدر عام 1525 وكان جزءا من سجاله ضد أحد رواد الحركة الإنسانية ~~الكاثوليكي إراسموس، يصر لوثر على أن «الضمائر ms021 لا يقيدها سوى أمر من الله، وهكذا يصبح ~~استبداد البابوات وتدخلهم ... لا مكان له بيننا». وكان الأمر الحاسم بالنسبة للوثر يتمثل ~~في أن النفحات المباشرة للروح القدس قائمة على الاختيار الحر وليست آمرة، بينما احترام ~~إراسموس للمؤسسات - سواء أكانت كنائسية أم سياسية - لا يفهم منه سوى التقييد: ~~«فالقوانين البشرية لا يمكن اتباعها مع أوامر الله؛ لأن الأولى تقيد الضمائر، أما ~~الثانية فهي تحررها.» # شكل 1-3: مارتن لوثر في فورمس. # 3 # ولم تنتقص الادعاءات البروتستانتية بشأن الضمير بالطبع من ولاء الكاثوليكيين لفهمهم ~~الخاص لنفس المفهوم. لكن الآراء التي يطلق عليها «كاثوليكية» و«بروتستانتية» بدأت ~~تتباعد؛ حيث ادعى كل من إراسموس الكاثوليكي ولوثر البروتستانتي أن «الضمير» هو ما ~~فوضهما لتفسير الكتاب المقدس، ومن ثم فهو البوصلة التي يسترشدان بها في الحياة. إلا أن ~~لوثر يرسخ الادعاء الإنجيلي المعتاد بأن الضمير الشخصي هو أساس تفسيره للإنجيل، بينما ~~يزعم إراسموس، على نحو لا يخلو من المعقولية، أن ممارساته التفسيرية تعتمد على الضمير ~~وعلى القدرة على التمييز على حد سواء. ويرى إراسموس (بالإضافة إلى توما الأكويني ~~وعظماء آخرين في اللاهوت الكاثوليكي) الضمير مرتبطا بالحفاظ على القانون الأخلاقي، وهي ~~ملكة فطرية تتعلق بالاختيار العقلاني من بين الخيارات المتنافسة. لكن لوثر لا يعتقد ~~ذلك، فالضمير لديه كشرارة البرق، أي إنه رسالة استثنائية حارقة من الروح القدس تغير ~~حياة المرء، وهي رسالة بالكاد يتحملها الإنسان (ويتضح ذلك بشدة لدى كالفن). ويؤكد لوثر ~~- على النقيض من إراسموس - أن «الروح القدس ليس متشككا، وهو لم يضع في قلوبنا الشكوك ~~أو الأفكار فحسب، لكنه وضع تأكيدات أكثر يقينا من الحياة ذاتها ومن كل التجارب التي ~~مررنا بها». # شكوك حديثة # لكن الضمير الإصلاحي اصطدم بشكوك ومصاعب في نفس لحظة انتصاره الواضح. فقد كان تحرير ~~الضمير البروتستانتي من قيود المسلمات والعقيدة الجمعية بالطبع ذا دلالات توحي بالنصر ~~(وتتضح الدلالات الموحية بالنصر في اللوحات المعاصرة للوثر وهو يقود الضمير المحرر ~~حديثا بعيدا عن أنقاض الكنيسة الكاثوليكية). وما إن رسخت فكرة الضمير المستقل ~~المستوطن - وربما المعصوم ms022 من الخطأ - حتى سقطت فريسة لمجموعة ضخمة من الشكوك وأوجه ~~القصور الواضحة؛ حيث بدا فجأة للعديد من أقوى مؤيدي هذا الضمير الداخلي الشخصي أنه قد ~~لا يكون معصوما من الخطأ أو كفئا لتحمل المسئوليات المبالغ فيها التي وقعت على كاهله. ~~ويدور أحد التحديات - وهو تحد إنساني أكثر منه ديني - حول وقوع الضمير في شرك الجسد ~~وحيدا. أما الضمير الإصلاحي الذي يتريث أكثر ويكمن على عمق أكبر، والذي يظل بطبيعته ~~يقظا منعزلا في انتظار بيانات وتعليمات جديدة من الروح القدس، فكان غالبا ما يجد ~~نفسه في موضع الجاسوس المنعزل الذي هبط بالمظلة في أرض العدو حاملا جهاز استقبال يلتقط ~~الموجات القصيرة، وبطارية أوشكت على النفاد وظل ينتظر رسالة قد لا تأتي أبدا. وبصرف ~~النظر عما قد يقال أيضا عن الضمير المؤسسي الخاص بالكنيسة الكاثوليكية، فهو لم يكن ~~منعزلا قط ولا يفتقر إلى أدوات الدعم والتأييد الخارجية، سواء أكانت تاريخية أم ~~مؤسسية أم داخلية. وفور أن تحرر الضمير نفسه من القيود اللاهوتية والكنسية وأصبح ~~شخصيا تماما في عمله، تعرض لمجموعة متنوعة من الاختيارات والإغراءات. ولما كان ~~الضمير الشخصي قد أضحى مرتبطا بفكرة الفرد غير المعصوم من الخطأ، فقد أصبح مشكوكا في ~~أحكامه على أنها خداع الذات ونقص في العزيمة وشيء مشابه للفساد المادي. # لا تغيب هذه الشكوك الحديثة حول الضمير عن ملاحظة شكسبير القوية؛ فقد توصف «هاملت» ~~عمليا بأنها مسرحية تدور حول كيفية عمل الضمير، وهو ليس وصفا مشجعا على الإطلاق. ~~حيث يعاني كلوديوس من «سياط» الضمير لكنه لا يستطيع أن يتصرف طبقا له، ويصاب هاملت في ~~النهاية بالعجز بسببه بدلا من أن يستمد منه القوة. وفي مناجاته الأشهر التي يوازن فيها ~~بين العمل وفناء الذات، يتردد هاملت لخشيته مما بعد الموت: # ذلك ~~العالم المجهول، الذي لا يرجع من تخومه أحد # فتملكنا الحيرة، وتؤثر احتمال الشرور التي نعرفها # على الوثوب نحو أخرى نجهلها كل الجهل، # وهكذا أمكن لضمائرنا أن تجعلنا جميعا جبناء. ~~(3.1.78-82) # لا شك أن هذا الضمير المسبب للعجز يتكون بالتساوي ms023 من أول معنيين حديثين ~~للكلمة: الوعي (بمعنى المعرفة المزعجة) والضمير (الذي يسبب القلق للعقل بأفكار عن ~~القصاص في الآخرة بسبب الأفعال الآثمة). لكن سواء أكان هذا أم ذاك أم كلاهما، فإن ~~الضمير يقدم هنا بوصفه مشكلة شديدة التعقيد وعائقا بدلا من أن يكون حافزا ~~للعمل. # وتتضح هذه النظرة للضمير المشتبه به في ~~مسرحية «الملك هنري الثامن» لكل من فليتشر وشكسبير، والتي تستخدم فيها كلمة «الضمير» ~~24 مرة، وهو ضعف العدد الذي استخدمت فيه في أي من مؤلفات شكسبير الأخرى. وأصبح هذا ~~الضمير الخاص بهنري كما لو كان جزءا من جسمه مشبعا باشتهاء آن بولين. فضمير هنري ~~«قضيب حساس»، فهو يفكر في الموقف الذي «تبدت فيه حساسيته لأول مرة وتعرض للإثارة ~~والوخز»، وهي ليست تورية جنسية فحسب، بل هي إعادة صياغة لفهم القرون الوسطى الذي يقوم ~~فيه الضمير «بوخز» صاحبه المذنب، بينما يعد الضمير الآن عضوا قابلا للإثارة ومعرضا ~~لنفس النوع المنحرف من التجسيد. أما ضمير آن بولين فهو بدوره يشبه بأعضائها ~~التناسلية، فهو «ضمير رقيق ناعم» مصنوع من الجلد اللين قابل «للتمدد» بحيث يتسع لما ~~يقدمه هنري. # كان علم اللاهوت في ذلك الوقت مفعما بالحياة بالقدر ذاته في وصفه لهذا الضمير المجسد ~~حديثا، فقد ارتكب لوثر (في فقرة يستشهد بها إدوارد أندرو) خطأ تصويريا عندما قارن ~~الضمير برحم المرأة والعهدين بالخصيتين. وفيما يمكن أن يطلق عليه مركز جنيف الإصلاحي، ~~كان كالفن يواجه مشاكله الخاصة مع الضمير وتجسيده؛ فبينما أوكل دورا مهما للضمير، لم ~~يعد ينظر إليه بوصفه موضعا للتقييم الذاتي الهادئ والتقدير المنصف قدر ما هو أرض ملوثة ~~دمرتها الإثارة وخدرها الذعر. وفي سياق كتابه الذي يحمل عنوان «المؤسسات»، يشير ~~كالفن إلى عدة نقاط مألوفة حول الضمير (في ترجمة توماس نورث القديمة) مثل أنه «مطبوع ~~بواسطة الله في عقل الإنسان»، وأن ضميره يؤدي واجبا مألوفا في فضح الآثام أمام منصة ~~الحكم الإلهي. لكننا أيضا نقابل أمورا جديدة تدعو للقلق حول ما إذا كان هذا الضمير ~~المقيم أهلا للمهام الموكلة إليه ms024 أم لا، فهو أولا ضمير داخلي تماما لا يعتمد على ~~الدعم الخارجي أو المؤسسي، ويواجه كل أخطار التجسيد؛ من التحيز المفرط لصاحبه غير ~~المعصوم من الخطأ، بل والأسوأ من ذلك، «التأقلم» مع موطنه داخل الجسد. ويتخيل كالفن ~~ضميرا ملموسا ، ضميرا تبدو عليه «الجراح»، وبدلا من أن يستحث صاحبه على التحسن ~~الذاتي فإن هذا الضمير ذاته بحاجة إلى مساعدة، فهو يحتاج إلى الله بوصفه طبيبا كي ~~«يشفي آلامه». ولما كان هذا الضمير بالكاد منتصرا، فهو ضمير في محنة متزعزع في دخيلة ~~نفسه ويرتجف هلعا من غضب الله: «عندما لا ~~يبصر ضميرنا سوى السخط والانتقام، فكيف يمكنه ألا يرتجف ويرتعد خوفا؟» وهو ضمير قد فقد ~~ثقته بنفسه، بدلا من أن يكتسبها، وفقد قدرته على القيام بواجباته التحذيرية. ولا يتطلب ~~تلك المساعدة سوى «ضمير فاسد»، وفساده ذو علاقة وثيقة بالظروف التي نشأت عن مكوثه في ~~الجسد. ولم يعد الضمير لدى كالفن يمثل شرارة العقل أو الصديق المخلص أو حتى كاتب ~~الحسابات المحايد التابع لله، بل كان يجبن أمام الشكوك الإلهية التي في محلها. # ولدى كالفن وأتباعه يظل دائما الاحتمال النهائي وجود ضمير نقي، ليس بفضل جهوده ~~الخاصة لكن بفضل الله وحده. وتتمثل مشكلة الضمير الذي ترك وحيدا كي يتعامل مع خطايا ~~العالم، أو لم يدعمه سوى ما اعتبره كالفن آليات التوبة غير الكافية على الإطلاق في أن ~~جهوده قاصرة على نحو حتمي في مواجهة قوة الخطيئة اللامتناهية. وفي الجزء الثالث والأخير ~~من كتابه «المؤسسات»، يعرض كالفن حالة «الحرية المسيحية»، والتي يحل فيها تجلي رحمة ~~المسيح محل قيود القانون التي لا تجلب سوى الخوف الشديد للمسيحي الذي يحدد عقوبته ~~الملائمة أمام المنصة الإلهية. وفي حالة الرحمة تلك، يتجدد الضمير وينقى عن طريق رحمة ~~المسيح؛ حيث يتحرر من عوائق الإيمان الكاثوليكي بالأسرار المقدسة ويصبح أهلا لمواجهة ~~المشكلات كافة، لكن تلك الحالة من اليقين عرضة لأن تظل بعيدة عن إدراك عامة المسيحيين ~~الذين ما زالوا يقاومون المشكلات الإيمانية في العالم. # ومن أبرز ممثلي الضمير الكالفيني في ms025 إنجلترا في القرن السادس عشر آن فون لوك، التي ~~ترجمت خطب كالفن وكتبت مجموعة قصائدها الأولى باللغة الإنجليزية. وفي قصيدتها التي تحمل ~~عنوان «تأملات مذنب تائب، حول المزمور الحادي والخمسين»، تصف ضميرا واهنا عاجزا، ~~لكنه في الوقت ذاته قادر على النقد والجرح، وهو من ناحية مجروح مرتبك: # الرعب الذي يسببه ذنبي ينمو كل يوم # ويزيد من ضعف أملي في العفو الإلهي # وأنا أشعر وأعاني في روحي المستعبدة # من الندم الخفي وتآكل فؤادي. # لكن من ناحية أخرى، فإن ضميرها يحتفظ بالقدرة على المبالغة في رد الفعل والانتقام العنيف: # ضميري القاسي يشق قلبي الممزق # بسكين حاد ويطرح خارجا # الأسرار الكريهة لحياتي القذرة. # لا يزال هذا الضمير النادم محاصرا في ~~مكان ما بعيدا عن بشرى الحرية المسيحية، ويتقلب بالتبادل بين اتهام الذات المذعور ورد ~~الفعل المبالغ فيه. # ويبدي كل من لوثر وكالفن قلقا بشأن كفاءة الضمير وقدرته على أن يكون وعاء ~~للتوقعات المرجوة منه، لكن معاصريهما الذين تلقوا تشجيعا من قبل أفكار غير مؤكدة حول ~~الضمير كضمان لثورة جذرية كان من الصعب توقع أن يدركوا تلك الفروق الدقيقة أو أن ~~يستوقفهم تحذير لوثر بأن الضمير يجب أن يتلقى دعما من الكتاب المقدس في كل مرحلة، أو ~~تحذير كالفن بأنه ينتظر الخلاص على يد رحمة المسيح وفضل الله. ويمكن لي آراء كل من ~~لوثر وكالفن على يد المتعصبين البروتستانتيين مما يؤدي إلى نتائج مخيفة. وقد حذر ~~إراسموس الذي كتب إلى لوثر قبل اندلاع حرب الفلاحين التي وقعت عام 1525 بعام واحد من ~~الاضطرابات القادمة قائلا: «إنني أرى أواصر الصداقات تتمزق وأخشى أن تحدث اضطرابات ~~دموية.» ورد لوثر باحتقار قائلا إنه من المفترض أن تتسبب كلمة الله في حدوث فتنة، ~~مستشهدا بإنجيل متى 10 :34: «ما جئت لألقي سلاما بل سيفا.» وعندما واجه لوثر ~~الاضطربات الفعلية عام 1525، كان حاسما في تنصله منها وتوقعه لقمعها بواسطة السلطة ~~المدنية. ومع ذلك - وكما هو الحال مع الأنواع الأخرى من الأقوال المتطرفة - لم يكن لوثر ~~يتمتع بسلطة نهائية على كيفية ms026 فهم كلماته، وكان ثمة راديكاليون اجتماعيون حقيقيون ~~بالإضافة إلى المتطرفين الدينيين. وعلى الرغم من ملاحظات لوثر النقدية القائلة بالعكس، ~~فقد يعتبر توماس منتسر - منكر العماد المتمرد وأحد قادة حرب الفلاحين عام 1525 والذي ~~كان يعتقد أن المؤمنين الحقيقيين تحركهم روح الله التي تختلج في قلب الإنسان - بمثابة ~~ابن لوثر. وكما قال شتيفن أوزمنت: «عند تطبيق علم اللاهوت القلبي على المجتمع، فإنه ~~يصبح عقيدة ثورية حقا.» ومن تمرد أتباع جون هس في جمهورية التشيك في القرن الخامس ~~عشر وحروب الفلاحين في وسط أوروبا في القرن السادس عشر مرورا بالحرب الأهلية ~~الإنجليزية في القرن السابع عشر، نجد الضمير والآراء المتعارضة بشأن إملاءاته في قلب ~~الاضطراب الاجتماعي. # لا عجب أن بعض البروتستانتيين القلقين - مثل الإنجيلي ريتشارد هوكر في كتابه «قوانين ~~الدولة الكنسية» (1594) - قد سعوا إلى إعادة ترسيخ الضمير أو «تحليله» عن طريق إعادة ~~احتوائه في القيود المؤسسية. وينصب اهتمام هوكر على البيوريتانيين ومنكري العماد وأعضاء ~~الطوائف المتعلقة بهم الذين يفضلون ثمار «التنوير الخاص»، كما يتضح في الاعتماد على ~~«ضمائرهم الخاصة» في مواجهة أحكام المجالس والمجامع الكنسية والهيئات ذات الخبرة التي ~~توفر أساسا ملائما للاعتقاد. وهو يشير إلى الدور التقليدي للمجالس في الكنيسة، وهو ~~الموازنة بين الأمور موضع الخلاف والوصول إلى قرارات رسمية؛ مما يوفر «أساسا كافيا ~~لضمير أي شخص عاقل كي يبني عليه واجب الطاعة». ويمنح هوكر الناس الحق في مقاومة ~~القوانين التي يؤمنون في قرارة أنفسهم بأنها تعارض القانون الإلهي، لكنه يؤمن بأن تلك ~~المعارضة يجب التخلي عنها عند مواجهة خلاف «عندما يطرح على أي شخص ويتفهمه فلا يمكن ~~للعقل سوى أن يوافق عليه في قرارة نفسه». وهو يؤمن بأن تلك الحجج كافية لإبراء ذمة أكثر ~~الضمائر تشككا، «فالاستحسان العام الذي تبديه هيئة الكنيسة لتلك الأمور الثابتة يجعل ~~جودتها أمرا مرجحا». وليست تلك الحجة من السلطة الجمعية جديدة، فقد كانت حجر الزاوية ~~للسلطة في الكنيسة الرومانية، وتم التأكيد عليها بشدة في إنجلترا أثناء مقاضاة وايكليف ~~وأتباعه في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ms027 وهي حجة يعود لها هوكر الإنجيلي استجابة ~~لمفاهيم الضمير التي تخفي الرأي فيما يطلق عليه «غشاوة من العاطفة العميقة»، وهو هنا ~~يستبق ويعارض ما يصفه فيلسوف القرن العشرين الكاثوليكي ماكس شيلر بأنه «مبدأ الفوضى ~~الأخلاقية» الذي ينشأ عندما «يمكن لأي شخص ... الاحتكام إلى «ضميره» ومطالبة الآخرين ~~بالاعتراف المطلق بما يقوله». # بعض وجهات النظر المسيحية المستمرة # للضمير أبعاد روحية وأخلاقية، وقد استمر بوصفه مبدأ علمانيا أخلاقيا بلا دعم من ~~الاعتقاد الديني، لكن النظريات الروحية عن الضمير تظل قوة فاعلة في العالم اليوم، ~~فالدين غالبا حاضر ضمنيا حتى في العديد من نظم الاعتقاد التي تبدو علمانية. وتواجه ~~المفاهيم الروحية للضمير اليوم مشكلة مألوفة تتعلق بالتعريف، وهي الموازنة بين مطالبات ~~الوحي الشخصي الداخلي والسلطة العامة المؤسسية. # في كتابه الذي يحمل عنوان «النزعة الشكلية في الأخلاق» (1913-1916)، يبحث ماكس شيلر ~~عن نقطة وسط بين الضمير الشخصي إلى حد كبير من ناحية ومذهب الخلاص من ناحية أخرى. وهو ~~يجادل بحدة أن الضمير بالفعل لديه موجز صحيح لما «يصلح لك، ولك وحدك»، لكن مطالب الضمير ~~الفردي يجب أيضا أن تقدم في إطار التزام أكثر شمولا بالبصيرة الأخلاقية: # فقط التعاون بين الضمير ومبادئ السلطة ومضمون التعاليم بالتصحيح المتبادل ... ~~لمصادر شخصية للمعرفة يضمن [تلك البصيرة]. # وتتمثل وجهة نظره في أن الضمير المنعزل أو الادعاء بوجود ضمير مستنير على نحو مميز ~~يفضي إلى الفوضى الأخلاقية ما لم تمنح السلطة والتعاليم دورا ملطفا. # كان شيلر عالم لاهوت كاثوليكي، ومعروفا بذلك، إلا أن آراءه لم تكن تحظى بتأييد واسع ~~في الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة. وثمة منهج كاثوليكي سلطوي أكثر تشددا يتضح في كتابات ~~الكاردينال راتسينجر، الذي أصبح يعرف باسم البابا بينديكت السادس عشر، والذي يستكشف ~~التنويعات المحتملة للنسبية الأخلاقية ويهاجم السلطة المؤسسية بشدة ليس بوصفها أحد ~~عناصر النظرة المتوازنة فحسب، بل أيضا بوصفها أمرا متعلقا بالقرار النهائي. وفي ~~كتابه الذي يحمل عنوان «الضمير والحقيقة» (1991) يقلص راتسينجر من دور الضمير في نواح ~~عديدة، وهو يحاول أن يبرهن بعقلانية على أن الضمير الشخصي المجرد ms028 قد يخطئ، لكنه يعود ~~فيقترح على نحو أقل إقناعا أن الشعور بالذنب الذي بني على الضمير صورة خادعة وغير ~~ضرورية من صور الإدراك بحاجة إلى التعامل معها خارج نطاق الاختيار الأخلاقي الشخصي. وفي ~~رأيه، يملك الناس كافة حبا غريزيا للحقيقة والخير، لكنهم أحيانا ينسون تلك الميزة، ~~ولا يمكن أن نتوقع من البشر أن يستعيدوها بلا مساعدة. ويتمثل دور السلطة الكاثوليكية في ~~مساعدة الإنسان الضال كثير النسيان على إعادة اكتشاف هذه الميزة الخفية. وباختصار فإن ~~الضمير بحاجة للسلطة كي يصغي لنفسه أو يميز أهدافه الصحيحة. وبهذا المعنى فإن الضمير ~~ظاهرة ثانوية، والشعور بالذنب من جراء الآثام التي يقترفها المرء عاطفة خيالية ثانوية. ~~ويتمثل دور السلطة الكنسية في إعادة تعريف الضمير بالحقيقة السابقة، حتى وإن كان الشعور ~~بالذنب يمكن استئصاله بمزيد من الدقة عن طريق كفارة المسيح. # وعودة إلى ثالوث شيلر المكون من ~~الضمير والسلطة والتعاليم، أعتقد أن راتسينجر يبالغ في تقدير السلطة ويقلل من شأن ~~الضمير؛ مما يقلل من وصاية المسئولية الفردية في الاختيار الأخلاقي. (وفي مصادفة غريبة، ~~فهو يطابق هنا جزئيا حجة كالفن السابقة القائلة إن الضمير الذي لا يتلقى مساعدة، ~~وآلام الشعور بالذنب الناتج عن الضمير، غير قادرين على أداء مهامهما ما لم يخلصهما ~~العفو الإلهي.) ويمكن الدفع بالحجة المضادة القائلة إن عمل الضمير المسيحي السليم ~~بالتزامن مع بعض الشعور الشخصي بالذنب شرط كي يعمل بفاعلية. وفي أحد المقالات في كتاب ~~«الأخلاقيات وما وراءها»، يظل عالم اللاهوت البروتستانتي الليبرالي بول تيليك مخلصا ~~للتعاليم الإصلاحية المبكرة عن طريق محاولة إثبات أن الشعور الشخصي بالذنب هو في حقيقة ~~الأمر الحالة المفترضة للضمير. وهو يحاول أن يبرهن (بأسلوب مستوحى من نيتشه لكن مع ~~التوصل لاستنتاج مختلف) أن «الضمير المضطرب المنتقد الذي يوجه أصابع الاتهام هو الظاهرة ~~الأصلية، وأن الضمير السليم ما هو إلا غياب للضمير الفاسد ...»، وهو يؤكد أيضا أن ~~«الذات-الأنا والضمير ينموان بالاعتماد أحدهما على الآخر، وأن ... الذات تكتشف نفسها في ~~تجربة الانفصام بين ما هي عليه وما يجب أن تكون ms029 عليه»، وأن الذنب هو العرض الرئيس ~~لهذا الانفصام. لكن تيليك يعد مفكرا متفائلا، فبدلا من أن يستسلم لمخاوفه الخاصة فإن ~~ضميره المذنب يخضع للعمل البناء بوصفه حافزا إيجابيا للإصلاح الذاتي. # لا وجود لبابا بروتستانتي كي أستشهد به في تلك الموضوعات، لكن سيطرة كل من عالمي ~~اللاهوت الليبراليين بول تيليك وراينهولد نيبور في منتصف القرن العشرين تقترب بأقصى ~~درجة ممكنة من اللحظة التي يمكننا فيها أن نلمح إجماع البروتستانتيين المتعلمين حول ~~الذات واستخدامات الضمير. وبعد مراجعة «منهج» شيلر في اتجاه «الإجماع الاجتماعي ~~المستنير»، يعرض هذان العالمان الشخصية الاجتماعية للوجود والمطالبة الشرعية بالرفاهية ~~الاجتماعية العامة للحد من الإفراط الفردي في القيم الإيجابية التي قد ينجذب نحوها ~~الضمير المضطرب. ويصر تيليك على أن الموضوعات المتعلقة بالضمير «نوع من الحكم الذاتي ~~والإرشاد الذاتي الذي لا يمكنه أن يهدأ حتى يشير إلى وجود آخر جامع ومجتمع جامع»، وهو ~~يصر أيضا على أن وجود الله يمكن إدراكه وتمييزه - ولو على نحو ضعيف - في الطموح ~~الجامع. # ويحتمل أن يعتبر الإنجيليون المعاصرون تلك المواقف المجتمعية مطاطة ونسبية، وهم ~~يرتابون في حركة الإنجيل الاجتماعي المجتمعية والإيمان بالنية الحسنة المجتمعية الخاصة ~~بالبروتستانتية الليبرالية. وفي حقيقة الأمر فإن نيبور نفسه كان لديه قلق مماثل عبر ~~عنه في صورة اهتمام الإنسان العصري بالإرضاء المستمر «لضميره السليم». وفي كتابه الذي ~~يحمل عنوان «طبيعة الإنسان ومصيره» (1941)، يتأمل نيبور نفسه ملاحظا «عالمية الضمير ~~المطمئن لدى المعاصرين» ويتعجب من أن: # التاريخ المعاصر مليء بمظاهر نوبات الهستيريا والغضب لدى الإنسان وبأدلة على ~~قدرته وميله الشيطانيين لكسر إيقاع الطبيعة المتناغم وتحدي المبادئ الحكيمة ~~لضبط النفس العقلاني، لكن لا يبدو أن ثمة ذروة للدليل العكسي تغير من رأي ~~الإنسان المعاصر الإيجابي في نفسه. # لا شك أن فظائع الهولوكوست والمصائب ~~الأخلاقية الأخرى التي حدثت منذ أن كتب نيبور هذا الكلام في عام 1941 قد أضعفت من ~~الرضى الذي يتحدث عنه، لكن اللاهوت البروتستانتي الليبرالي يقع عرضة للاتهامات ~~بالإذعان المبالغ فيه والتكيف الاجتماعي. وتشير الدراسات إلى أن المادة التي تتكون منها ms030 ~~معظم المواعظ في الكنائس البروتستانتية التقليدية اليوم تتعلق بالتوافق الاجتماعي ~~ومساعدة الذات وليس بالموضوعات الروحية المتعلقة بارتكاب الخطايا والخلاص، ومن وجهة نظر ~~الأب بتلر في القرن الثامن عشر وصولا إلى الطوائف المعترف بها اليوم قد يتهم الضمير ~~ببعض «التخفيف»، وذلك بشأن مسئوليته عن قيادة المذنب الخاطئ نحو التوبة والخلاص. # ما زالت فكرة الضمير الشخصي العنيد ~~مهيمنة على المناطق الإنجيلية المعاصرة، دون أن تخضع لمراقبة السلطة أو التعاليم. وفي ~~أواخر القرن السابع عشر عندما استنكر جون لوك الحماس غير المنظم، كان المؤمن الإنجيلي ~~الحقيقي يستجيب لضوء في عقله الخاص ظنا منه بأنه من عند الله حتى وإن كان «مجرد قوة ~~اقتناعه الخاص». وتحتفظ الضمائر حامية الوطيس والأقل سلطة بقدرتها على إثارة الأفعال ~~غير المتوقعة في العالم، ويعظم الاقتناع الشخصي المستمر بالتفويض الإلهي من تأثيرها ~~مهما كانت الظروف. # قد يعتبر الضمير المسيحي منذ نشأته - وبالطبع الآن - ظاهرة تعددية إلى حد كبير ~~وليس ظاهرة فردية، لكن إنجازاته الكاثوليكية والبروتستانتية المتنوعة ما زالت تحتفظ ~~بقوة كبيرة في العالم اليوم، وإن لم تعد مقتصرة عليهما. # | هوامش # الفصل الثاني # | علمانية الضمير # عادة ما ينظر إلى تحرر الضمير من قيود الدين المؤسسي كنتيجة للعلمانية التي سادت في عصر ~~التنوير، لكنه قد يعتبر أيضا - على نحو أكثر تناقضا - نتيجة غير مقصودة للحماس الإنجيلي ~~الشديد في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وكانت هجمات كالفن على الضمير شديدة القسوة؛ حيث ~~صوره من ناحية ناقدا قاسيا على يقين من أن الجنس البشري لا يستحق الخلاص، ومن ناحية أخرى ~~ملكة تعاني من العقاب والخوف وتعجز عن أداء المهام الموكلة إليها وترتجف هلعا أمام ~~الله. ولم يقتصر تأثير نظرية كالفن اللاهوتية على تجنب نظم الاعتراف والتوبة الخاصة ~~بالكنيسة المؤسسية، بل أيضا على تجنب الضمير بوصفه أداة فعالة للخلاص، مفضلا أن يوكل ~~تحديد أمر الخلاص إلى مدى إيمان الفرد بالمسيح. وهكذا فقد نزعت صفة المؤسسية تماما عن ~~الضمير في البروتستانتية الإنجيلية، ولم يعد حافزا مؤيدا من الكنيسة لإصلاح الذات ~~وأعمال الخير. لقد ترك الضمير ms031 وحيدا كأنه شخص يائس يعمل مستقلا، أو ممثل ارتجالي يتناوب ~~استعطاف الله والشعور بخشيته، فأحيانا ما يشن هجوما على صاحبه وأحيانا أخرى يعترف صاغرا ~~بعجزه. # لكن العلاقة الخاصة بين الضمير والمعتقد الديني المؤسسي لم تنته تماما بالطبع، فالضمير ~~لا يحظى بدعم كبير في الطوائف المسيحية المنظمة حتى الآن فحسب، بل إن الله يظل كيانا ~~ضمنيا غامضا بوصفه راعيا أو كفيلا في العديد من نظم الإيمان المعاصر التي تبدو ~~علمانية. وحتى في وقتنا الحالي ما زالت العديد ~~من المواقف المتعلقة بالضمير التي لا يناشد فيها الله مباشرة تعتمد على التفويض الإلهي ~~بوصفه قضية غائبة أو عقوبة نهائية. ومع ذلك، فعلى الرغم من أن الإله قد يوجد في مكان ما في ~~جنبات المسرح المعاصر للضمير، فإن المشاركة الإلهية تتزايد النظرة إليها بوصفها «مرحلة ~~أخيرة» أو إقرارا رسميا لا نصل إليه أبدا، مثله في ذلك مثل الأنواع الأخرى من المراحل ~~المنطقية الأخيرة. # وقد أدى تفكك الروابط بين الشعائر الدينية والضمير الفردي إلى إيجاد وضع ملائم لظهور ضمير ~~أكثر «دنيوية»، أو لعلنا نستطيع أن نقول «إعادة ظهوره»، فرغم كل شيء كان الضمير لدى الرومان ~~اجتماعيا أكثر منه دينيا في بدايته، وهكذا فإن رؤية الضمير على أنه كيان مستقل جزئيا ~~أو حتى كليا عن الوازع الديني كانت دائما مطروحة وموجودة. ومنذ أواخر القرن السابع عشر، ~~بدأ الضمير العلماني في التنافس بشكل عملي مع الضمير المسيحي على التأثير على تنظيم شئون ~~البشر. # لكن إذا كان الضمير سيعمل دون مساعدة الكنيسة المؤسسية وتحكيمها، ودون أن يحظى بمركز ~~مضمون كمبعوث من الله، فإنه سيتعرض لخطورة التقليل من شأنه واعتباره شخصا فضوليا متطفلا ~~أو واشيا أو متعسفا سليط اللسان. ويلزم للحفاظ على الضمير العلماني للأبد إعادة تأسيس ~~المفاهيم وإعادة منحه سلطات واسعة كي يتمكن من التأثير في العالم. وقد تطورت مهمة إعادة منح ~~السلطات على مستويات ثقافية متعددة وبدرجات مختلفة من الشدة، لكن قدرا كبيرا من العمل ~~الشاق التوضيحي ألقي على عاتق مجموعة متعاقبة من فلاسفة التنوير وكتاب المقالات ms032 ورجال ~~الدين البارزين. # فصل الضمير عن الكنيسة # تلقى تحرير الضمير من إشراف أي طائفة دينية زخما منذ وقت مبكر من مناقشات القرن ~~السابع عشر حول التسامح الديني المتسع مع مجموعة من المعتقدات الدينية. وكانت تلك ~~المناقشات عادة توحيدية إلى حد بعيد، مثل «بحث عن السلطة المدنية في القضايا الكنسية» ~~لجون ميلتون، لكن تلك المناقشات من أجل حرية الاختيار الديني والاعتقاد الديني أوجدت ~~خلفية مناسبة للحرية الفكرية الموسعة من كل الأنواع، بما في ذلك الحرية المتزايدة ~~للضمير. # ويظهر اتساع كبير للمناقشة في اتجاه ~~الحرية العقلية في كتابات جون لوك بدءا من رسالته التي تحمل عنوان «خطاب حول التسامح ~~الديني» (1689). ونظرا لأن حجته في هذه الرسالة تنشأ عن القلق بشأن التعصب بين الطوائف ~~المختلفة للدين المسيحي، فإنها من الصعب أن تعتبر نصا ضد الدين أو غير ديني. ومع ذلك ~~فهي تقدم منظورا واسعا عن طريق تأسيس دفاعها عن حرية الضمير الديني على مفهوم الحقوق ~~الطبيعية. ويتمثل اقتراح لوك في أن الصراع الطائفي الذي عانت منه إنجلترا مؤخرا كثيرا ~~وكان ذا نتائج كارثية، لن يهدأ ما لم «تجبر الكنائس على جعل التسامح الديني أساسا ~~لتحررها وتعليم الناس أن حرية الضمير حق طبيعي لكل فرد منهم أو من المنشقين على حد ~~سواء». وعلى الرغم من أن الصراع الديني هو موضوع لوك، فإنه لا يقصر ما خلص إليه من ~~نتائج على هذا المجال، بل إنه يرى أن النتائج المتعددة للضمير يجب أن تعتبر طبيعية ~~وألا تمس سواء عن طريق السلطة المدنية أو السلطة الدينية لكنيسة معترف بها أو ~~مسيطرة. وتظل الممارسة الدينية مجالا خاصا من مجالات الضمير، لكن القانون المدني ~~تتاح له ممارسة حقوقه ومسئولياته في هذا الشأن. وتعد الحدود بين الممارسة الدينية ~~وإشراف الدولة ضبابية، حيث يظل الفرد المسيحي الذي يدفعه الاعتقاد الديني إلى انتهاك ~~القانون المدني معرضا للعقوبة المدنية وعليه أن يتقبل تلك العقوبة بوصفها نتيجة ~~لاختياره أو لأفعاله. وما زال الإله حاضرا في مكان ما في هذا الخليط، لكن القانون ~~المدني بدأ ms033 يستأثر بالسلطة عن جدارة، ممليا قواعد التسامح الديني والسلوك القويم. وكما ~~تصور رسالة «خطاب حول التسامح الديني»، فإن هذا الضمير المختلط لا يمكن وصفه بأنه يعمل ~~بطريقة «علمانية» تماما. وعلى الرغم من ذلك فإن لوك يضع نظاما للاستخدام السليم ~~للضمير في مجتمع يحكمه القانون المدني، وهو نظام يأخذ في الاعتبار رؤية الضمير بوصفه ~~محفزا من قبل الله، لكنه لا يصر على مثل هذا التحفيز كي يعترف به ضميرا. # وفي مقاله بعنوان «مقال عن الفهم البشري» (1690) يعود لوك إلى موضوعات مشابهة في إطار ~~أكثر علمانية وإثارة للجدل، ويفترض صورة مختلفة من القواعد للضمير، وهي أن يحكمه سمو ~~العقل البشري واستخدامه. وهو يرفض الادعاءات غير المدروسة بأن الضمير ينبع من الإيمان ~~الفطري (الذي يولد به الإنسان) أو أنه هدية مرسلة من الوحي الإلهي (أي إن الله هو من ~~أرسله)، بل يذهب إلى أن العقل هو الحكم الذي يفصل في شرعيته، وعليه أن يفصل في ذلك ~~الأمر بدلا من ادعاء الوحي الإلهي. وهو لا ينكر إمكانية التنوير الإلهي المباشر، ~~لكنه يؤكد أنه إذا أخفق ذلك التنوير في اجتياز اختبار العقل، فإن الادعاء بوجوده يصبح ~~موضع ارتياب. وعلى أية حال، فالوحي الإلهي ليس المصدر الرئيس للقيم الأخلاقية، لكنه ~~يؤكد قائلا: # بنفس الطريقة التي يعلم بها كثير من الناس عن أمور أخرى، فهم يوافقون على ~~العديد من القيم الأخلاقية ويقتنعون بالالتزامات التي تمليها عليهم. وقد يتفق ~~معهم في الرأي آخرون من نفس التعليم والجماعة وعادات البلاد والذين تساهم ~~معتقداتهم - أيا كانت الطريقة التي توصلوا بها إليها - في حث الضمير على ~~العمل، وما هي إلا آراؤنا أو أحكامنا الخاصة عن الاستقامة الأخلاقية لأفعالنا ~~أو فسادها. # وعلى الرغم من اختلافه مع توماس هوبز في معظم النقاط، فقد كان لوك يوافق على أن ~~الضمير قائم على «الرأي»؛ ومن ثم فإنه لا يمكن أن يكون موحدا أو متسلطا بالضرورة ~~في إملاءاته. ويبدو أن مسألة كون أحكام الضمير اليقظ غير كاملة ومرتبطة بالثقافة - ~~وليست تامة أو فطرية - كانت واضحة له ms034 من خلال الملاحظة. وهو يستشهد بأمثلة مكررة معظمها ~~بأسلوب ميشيل دي مونتين، والتي يترك الناس فيها أطفالهم الرضع في العراء لقتلهم أو ~~يربونهم لأكل لحومهم وما إلى ذلك، ويستنتج من تلك الأمثلة أنه «إذا كان الضمير برهانا ~~على المبادئ الفطرية، فقد تكون مخالفة المبادئ المتفق عليها من المبادئ الفطرية، حيث إن ~~بعض الناس يرتكبون من الأفعال ما يتجنبه آخرون بنفس الوازع من الضمير». وهو يؤكد مرارا ~~وتكرارا على أننا نواجه «جرائم منكرة ترتكب بلا ندم»؛ مما يوحي بأن الضمير ليس شيئا ~~واحدا بالنسبة لجميع الأطراف ولا يمكن أن يصبح كذلك. # ولذلك فهو لا يثق «بالمتعصبين» الذين يسعون إلى فرض الاستنتاجات الخاصة بمعتقداتهم ~~المتطرفة أو غير المتسامحة على الآخرين، ومهما كان المتعصب مقتنعا بأن آراءه نتاج ~~التنوير الإلهي، فمن المحتمل أن يجد الآخرين من ذوي المعتقدات المشابهة رغم اختلافها ~~قليلا يعارضونه: # إذا كان الضوء الذي يظن كل شخص أنه يحمله في عقله - ~~وما هو في تلك الحالة إلا قوة ~~اقتناعه - دليلا على كونه من عند الله، فإن الآراء المعارضة لها نفس الحق في ~~أن تعتبر وحيا، ولن يكون الله أبا الأنوار فحسب، بل أيضا أبا الحقائق ~~المتعارضة والمتناقضة. # وهو يستنتج من ذلك أن أي وحي مزعوم يجب تقييمه بناء على أسس معينة غير الاقتناع ~~العاطفي، ويجب أيضا باختصار أن «يحكم عليه بالعقل». وغالبا قد نجد عند البحث أن آراء ~~أكثر الناس اقتناعا «لم تبن على العقل أو الوحي الإلهي، لكنها تنشأ عن أوهام عقل ~~متحمس أو متعجرف ...». والعقل - وهو صورة من التجلي الطبيعي - هو الترياق الصحيح لتلك ~~الأوهام شديدة التطرف، ويجب أن نفضل النتائج التي يتوصل إليها. # شهد لوك شخصيا الصراعات البيوريتانية-الأنجليكانية والصراعات البرلمانية- الملكية في ~~إنجلترا في القرن السابع عشر، وهي سلسلة من الصراعات ادعت فيها أطراف شديدة التطرف ~~ذات قناعات راسخة على حد سواء أن الضمير هو دليلها. ولما كان لوك يحتقر ادعاءات ~~التنوير غير المدروسة وقدسية القناعات المطلقة، فقد شكل رؤية للضمير لا تعتمد فيها ~~ممارسته أو تقييمه النهائي ms035 على العقاب الإلهي بأي حال من الأحوال، رغم تقبلها لإمكانية ~~أن يقدم العقاب الإلهي دليلا مؤيدا للضمير. وبعد لوك، قد تدعي أي رؤية للضمير ~~امتلاكها للتفويض الإلهي أو لا تدعي ذلك، لكن الأكيد أنها ليست مضطرة لبناء دعواها ~~للاهتمام الأخلاقي على أي من تلك الادعاءات. ولأول مرة منذ عصر الرومان يعود الضمير ~~للعالم، وتعد دعائمه الأساسية العادات والإجماع واستخدام العقل. # ثمة مكسب وخسارة هنا، حيث تتمثل الخسارة في أن فصل الضمير عن الوحي الإلهي وتحويله ~~إلى ضمير متحيز يعتمد على الظروف ويخضع لاختبار العقل يجعل لوك ينتقص من سلطته المؤكدة، ~~أما المكسب فيتمثل في ترسيخ الضمير بوصفه نظاما محدودا لكنه مؤثر لصنع المعاني في ~~النطاق الأوسع من الشئون الإنسانية. إنه ضمير واضح لا مركزي؛ ضمير مجرد من غلافه من ~~العصمة الزائفة من الخطأ، لكنه أيضا ضمير مستعد للدخول في منافسة قوية في حلبة السلوك ~~الدنيوي. # تبع لوك في بعض الجوانب أنتوني أشلي كوبر، الإيرل الثالث لشافتسبيري، الذي كان يؤمن ~~بأن الناس يملكون «حاسة أخلاقية» فطرية، حتى وهو يرى أن تلك الحاسة قابلة للحكم عليها ~~وتصحيحها عن طريق العقل. وفي كتابه الذي يحمل عنوان «خصائص البشر والأشياء والآراء ~~والعصور» (1711-1714)، وضح مفهوم «العاطفة الطبيعية» الذي يدعمه الاستبطان الذاتي بوصفه ~~أساسيا للسلوك البشري. ويلقي شافتسبيري مسئولية ذلك الاستبطان على عاتق الضمير، وهو ~~ملكة تحدد السلوك الذي يستحق العقاب، ويجب تمييزها عن حساب المرء البسيط لمصالحه ~~الشخصية. والضمير بهذا التعريف شيء مشترك بين الجميع؛ فحتى مرتكبو الشر في رأيه يدركون ~~أنهم يستحقون الشر في مقابل ذلك. وهو يعلق بموضوعية إلى حد ما قائلا إن الضمير قد ~~يفهم على نحو أخلاقي أو ديني، لكنه يجد أن الضمير الديني يعتمد على الضمير الأخلاقي أو ~~الفطري، وهكذا فهما لازمان له كي يعمل. ولأننا لدينا ما يجعلنا نخشى العقاب الإلهي ~~عندما نعلم بالفعل أننا قد ارتكبنا فعلا يستحق اللوم، فإن تقديرنا لأفعالنا له ~~الأولوية على أية مخاوف قد نشعر بها حول الغضب الإلهي، أي إن تحديد السلوك ms036 الذي يستحق ~~اللوم أمر شخصي خاص بنا يرتكز على معايير التقييم الفطري. ويصور الإله مشاهدا ~~لعملية التقييم الذاتي التي نقوم بها؛ أو «كيانا مفترضا» يستحق التوقير بالفطرة، ~~لكنه ليس طرفا فاعلا ذا شأن في العملية نفسها: # ومع ذلك، فإن [للضمير] قوته التي يستمدها من الانحراف الأخلاقي للأفعال ~~وبشاعتها مع الاحترام الكامل للحضرة الإلهية والتوقير الفطري المستحق لهذا ~~الكيان المفترض. ففي مثل هذا الخيار يجب أن يكون للخزي الناتج عن الشر أو ~~الرذيلة قوته المستقلة عن الخوف الزائد من مثل هذا الكيان وتوزيعه للثواب ~~والعقاب في المستقبل. # وعلى الرغم من أن شافتسبيري يتحدث بقدر كبير من الاحترام الظاهر عن هذا الكيان، فإنه ~~أيضا يبذل جهدا كبيرا كي يبعده عن أي دور مهم، فهو يرى أننا نتخذ قرارنا النهائي ~~بشأن أفعالنا «باستقلالية» عن قدرات الله المسيطرة الخاصة بالثواب أو العقاب. وفي حقيقة ~~الأمر فإن الدين قد يكون له تأثير مشوه في نظام شافتسبيري، مثلما يحدث عندما نرتكب ~~فعلا يستحق العقاب نتيجة «لأية أوامر مزعومة من السلطات العليا». وبالإضافة إلى ذلك، ~~فهو يؤكد أن تلك السلطات غير ضرورية سواء للحث على أداء فعل ما أو تقييمه، بل إنه يقول ~~أيضا: «إذا ما استبعدنا كل الأفكار والشكوك في أي سلطات عليا للأبد»، فإن المذنبين ~~سيظلون يعاقبون من وجهة نظرهم، حتى ولو كان ذلك بالمعنى الثانوي أو غير المباشر المتمثل ~~في تعريض مصلحتهم أو سعادتهم للخطر. وعلى الرغم من أن ضمير شافتسبيري يصنف مع مفردات ~~التوحيد المخففة إلى حد ما، فإنه ضمير دنيوي وعلماني تماما - يقيم من خلال التفاعل ~~الاجتماعي ويعتمد على مفهوم الخزي الشخصي. # وقد كان لشافتسبيري بدوره تأثير كبير على جوزيف بتلر؛ وهو رجل دين تناول المسائل ~~المتعلقة بالضمير في مؤلفه «خمس عشرة موعظة ألقيت في كنيسة رولز» (عام 1726). وعلى ~~الرغم من أن سمعته قد تراجعت، إلا أنه قد يعتبر أكثر الخطباء شعبية في موضوع الضمير في ~~إنجلترا في القرن الثامن عشر، وبالطبع أثرت آراؤه في الآراء السائدة عن الضمير والتي ~~استمرت في ms037 القرن التاسع عشر وما زالت موجودة حتى اليوم. وهو يعترف بخشوع أن الضمير هبة ~~من الله أو ملكة «غرسها بداخلنا حاكمنا الفعلي» و«خصصها لنا خالق طبيعتنا»، لكن يبدو ~~أن تلك الهبة ما إن تمنح حتى تتوقف عن الاعتماد على الله في استمرار أدائها لعملها. ~~والضمير لدى بتلر هو صورة من «التفكير ... واستحسان بعض المبادئ أو الأفعال واستنكار ~~البعض الآخر». ويكمن هذا الضمير في طبيعتنا، ويجب أن يتيح عمله الصحيح غير المشوه لأي ~~شخص تفضيل «الإنسانية على القسوة» باعتبار ذلك أمرا طبيعيا. # وفي تحول ذي مغزى عن النظريات ~~اللاهوتية الإنجيلية السابقة التي كانت تعتبر الضمير هو ناموس الله المكتوب في قلب ~~الإنسان، يرى بتلر أن هناك العديد من النزعات مكتوبة في قلوبنا - بعضها إلى الخير ~~والبعض الآخر إلى الشر - ويضع الضمير في موضع الملكة التي تقوم بوظيفة «الشاهد» على ~~نزعاتنا وتتيح لنا التمييز بينها. وفي رأيه أن الأحكام التي تصدرها ضمائرنا جديرة بأن ~~«تدعم وتؤيد» من الله، لكنه يعطي الله دورا تقنيا أو تمهيديا فحسب، بالإضافة ~~إلى التأثير الإضافي الذي تثيره رغبتنا الطبيعية في استحقاق رأي الله الإيجابي فينا ~~(مثلما يرى شافتسبيري). وفي مزيد من التقييد للسبل التي يؤثر بها الله على قراراتنا ~~الأخلاقية، يعارض بتلر أي «استبداد» للمؤسسات الدينية على الضمير. وعلى الرغم من أنه ~~يؤمن بأن المؤسسة الدينية ضرورية لإنشاء الحكومة المدنية، فإنه يحاكي لوك في التماس ~~التسامح الديني وعدم التدخل في شئون الضمير: # أي مؤسسة دينية بلا تسامح ديني تعتقد أنها لا يمكنها في قرارة نفسها الالتزام ~~به هي في حد ذاتها دكتاتورية عامة؛ لأنها تزعم امتلاك سلطة مطلقة على الضمير، ~~وسرعان ما تتسبب في أصناف أخرى من الاستبداد من نوع أسوأ. # قد يبدو أن بتلر يكرر قول كالفن فيما يتعلق بسوء الظن في سيطرة المؤسسات الدينية على ~~الخيار الفردي، لكن بنغمة من الواضح أنها مختلفة. إلا أنه لا ينتقد القوة الجبرية ~~للكنيسة فحسب، بل إنه أيضا يتقدم إلى موقع كان ليفزع البروتستانتيين الإنجيليين ~~السابقين عن طريق تقييد ms038 الاتصال بين الله وقلب الفرد المسيحي؛ ومن ثم تأسيس الاختيار ~~على العقل وليس الوحي. ويعتقد بتلر أننا نعبر عن توقيرنا لله من خلال ممارسة سلطاتنا في ~~الاختيار العقلاني، وهو موقف يدل على الإيمان بالله بالفعل ما كان أي من الإنجيليين ~~ليعتبره دينيا على الإطلاق. # الضمير والإجماع الاجتماعي # أكد أهم فلاسفة القرن الثامن عشر تأكيدا متزايدا على مفاهيم العقل والعاطفة، ~~وأخيرا الإحساس، في الأمور المتعلقة بالاختيار الأخلاقي. إلا أن أي اختيار أخلاقي يتم ~~بالكامل داخل عقل صاحبه يظل عرضة للدوران في حلقة مفرغة وعرضة للسفسطة. والعقل وحده - ~~أو حتى بعد تطبيقه على الدليل التجريبي - غير كاف لمراقبة عمل الضمير، وخاصة عند ~~تطبيقه بواسطة الفرد المستقل، فهو يظل عرضة للخطأ أو للتأثر بالمصلحة الشخصية عندما ~~يستخدم في غياب سلطة خارجية أو قيد. وإذا كان ذلك القيد لن يوفره إله متدخل بقوة، أو ~~توفره أوامر الدين - ويعتقد كل من لوك وشافتسبيري أنه يجب ألا يحدث ذلك - فإن الميل ~~نحو القواعد الاجتماعية والإجماع يوفر أساسا بديلا لنظرية السلوك الأخلاقي. # وقد تناول إيمانويل كانت هذه الفكرة باختصار مقتصد في كتابه الذي يحمل عنوان ~~«ميتافيزيقا الأخلاق» (1797). ومن وجهة نظره، فالضمير يدير «محكمة داخلية في الإنسان»، ~~مخاطبا إياه بصوت لا يملك حتى الفاسد إلا أن يستمع إليه، وهذا الصوت يعبر عن نزوع ~~الإنسان لإصدار الأحكام، وهو مندمج في كيان الإنسان نفسه، لكن المشكلة في ذلك الصوت وفي ~~المحكمة الداخلية بالكامل أن المرء لا يمكنه الحكم على نفسه بموضوعية، ولا يمكنه أداء ~~أدوار المدعي وهيئة المحلفين والقاضي الحاسم دون أن يحدث تضارب في المصالح. ونظرا ~~لصعوبة تقييم المرء لسلوكه، عليه أن يضمن وضعا مميزا خارج نطاق الاختيار الشخصي يمكن ~~تقييم هذا الخيار منه. والحل الذي يقترحه كانت هو القول بأنه على الرغم من أن مسألة ~~الضمير تخص المرء وحده، فإن نتائجها يجب أن تعتبر كما لو كانت خاصة بشخص آخر: # نظرا لأن المهمة التي تقع على عاتق ضمير المرء هي أن يفكر في شخص آخر بخلاف ~~ذاته ... بوصفه ms039 حكما لأفعاله حتى لا يتعارض الضمير مع نفسه. # وهذا «الشخص الآخر» في النهج الذي ~~يسير عليه كانت قد يكون حقيقيا أو مجرد شخص خيالي ينسجه العقل من وحي خياله، ويعد ~~أعظم تجسيد له هو الله، لكن بوصفه مبدأ شخصيا وليس كيانا مستقلا بذاته: # يجب أن يعمل ذلك الشخص الخيالي (الحكم المعتمد للضمير) على تحري القلوب، ~~فالمحكمة قد نصبت «داخل» الإنسان، لكنه أيضا عليه أن «يفرض كل الالتزامات»، أي ~~أن يكون - أو يعتبر - شخصا تنسب إليه كل الواجبات أيا كانت باعتبارها أوامره ~~... ولما كان ذلك الكيان الافتراضي كلي القدرة هو الله، يجب أن يعتبر الضمير ~~هو المبدأ الشخصي المسئول أمام الله عن كل أفعال المرء. # وعلى الرغم من ذلك فهو يؤكد أن هذا مبدؤنا، ونحن ننشئه بأنفسنا: «في حقيقة الأمر فإن ~~المفهوم الأخير متضمن دائما ... في الوعي الذاتي الأخلاقي الخاص بالضمير.» وعلى الرغم من ~~أننا نجتهد داخليا كي ننشئه، فإن هذا المفهوم النقدي يعتمد على مواد خارجية عن ~~أنفسنا؛ ومن ثم فإنه وسيلة يتدفق بها الإجماع الاجتماعي والقيم الجماعية المشتركة ~~عائدين إلى تقييم الاختيار أو الفعل الشخصي. ~~«محكمة» الضمير # في محكمة إنجلترا العليا التي يطلق عليها أيضا محكمة الضمير، يمكن دراسة كل ~~وقائع القضية بقدر أقل من الإجراءات القانونية الشكلية. وهذا الارتباط بين المحكمة ~~والضمير له إيحاءات عديدة. وأيا كانت نقائصه (اقرأ «المنزل الكئيب»!) فإن نظام ~~العدالة في أفضل حالاته - مثله مثل الضمير في أفضل حالاته - يسعى إلى تحقيق التوازن ~~بين الصرامة والرحمة. وقد كثرت التشبيهات القضائية على مدى تاريخ الضمير، حيث وظف ~~الضمير مفاهيم الدفاع والمقاضاة وحكم المحلفين والحكم النهائي لتوضيح ~~إجراءاته. # كان الضمير لدى الرومان وثيق الارتباط بالمحاكمات القضائية، ففي أحد مرات ظهوره ~~الأولى في المسيحية يبدي الضمير استعداده «للشهادة» على صفاتنا الداخلية (رسالة ~~بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس، الآية 12 من الإصحاح الأول). ويتخيل كالفن ~~والبروتستانتيون الأوائل الضمير شاهدا ملكا لا يعرف الصفح يلقي القبض على ~~المذنبين و«يسحبهم بوصفهم متهمين إلى قفص المحاكمة أمام الله.» وينقل السير ms040 توماس ~~براون الدعوى القضائية إلى الداخل، متخيلا «محكمة قائمة داخلنا تقوم بالاستجواب ~~وتصدر أحكام البراءة والإدانة في محكمة الذات». ويضيف جوناثان سويفت إلى الاستعارة ~~قائلا إن الضمير «يمكن أن يطلق عليه بدقة مدعيا وقاضيا في الوقت ذاته»، وفي ~~حقيقة الأمر هو ليس مجرد مدع، لكنه مدع مخيف، «فعندما يتهمنا ضميرنا نكون بالطبع ~~مذنبين». ويرى إيمانويل كانت الضمير أيضا قاضيا، لكن مخاوفه تكمن في الاتجاه ~~المضاد، فهو يخشى أن تشجع المصلحة الشخصية على التساهل الزائد: «فإذا اعتبرنا أن ~~ثمة إنسانا يتهمه ضميره وهو في الوقت ذاته القاضي، فتلك طريقة عبثية لتمثيل ~~المحكمة، فبهذه الطريقة سوف يخسر المدعي طوال الوقت.» ويتمثل الحل لديه في إعادة ~~تسوية الملعب عن طريق دعوة صاحب الضمير إلى أن يفكر في «شخص آخر غير نفسه كي يكون ~~حكما على أفعاله». # إن الضمير مثل السلطة القضائية المستقلة؛ فلا نستطيع أن نتأكد من حكمه أبدا، ~~لكنه يمثل غاية آمالنا لجلسة استماع عادلة والحصول على البراءة في نهاية ~~الأمر. # كان الشخص الذي وضع كل ذلك على أساس ~~اجتماعي بطريقة لطيفة، وهو أساس لا يحتاج إلى إنكار مشاركة الله في الشئون المتعلقة ~~بالضمير لكنه لا يتطلب إطلاقا حضور الله - هو الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث. كان سميث ~~معاصرا لكانت وأصغر منه قليلا، ويمكننا أن نجد نموذجا سابقا لنظرة كانت للضمير ~~بوصفه مشاهدا موضوعيا في كتاب سميث الذي يحمل عنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية» ~~(1759)، وهو عمل كان كانت قد اطلع عليه بالطبع. ويعتبر سميث زعيم التغيير الجريء في أي ~~تاريخ ناشئ للضمير؛ حيث وسع من مجاله عن طريق إعادة تأسيسه بناء على الحكم الأخلاقي ~~والتعبير عن نظام للضمير مستقل تماما عن العقوبة الدينية. ولا يستبعد سميث الإله ~~تماما من نظامه، لكنه يقدمه في صورة ضعيفة لا تتيح له السيطرة مستقلا فيما يتعلق ~~بأحكام السلوك البشري، وهو يقر بأن حتى المشاهد الموضوعي - أو «نصف الإله الذي يكمن ~~داخل النفس» - أحيانا ما يخجل من الاستنكار العام لأفعال المرء. # وفي تلك الحالات، يكمن العزاء الفعلي الوحيد للإنسان ms041 الذليل المعذب في ~~الاستئناف أمام محكمة أعلى، أمام قاضي العالم البصير بكل شيء الذي لا يمكن ~~خداعه أبدا. # لكن الأساس الذي يرتكز إليه إيماننا بذلك الإله يتطلب المزيد من البحث، حيث يقول سميث ~~إن فكرة وجود عالم مستقبلي تصدر فيه الأحكام على نحو صائب بواسطة إله معصوم «تتملق عظمة ~~الطبيعة البشرية» إلى حد لا يمكننا فيه أن نستغني عنها، أي إنه لا يصرح بالضبط لكنه ~~يلمح إلى أن تلك النظرة الباعثة على العزاء لإله معصوم اختراع بشري. وهي في الحقيقة ~~مسألة تتعلق بالأولويات، حيث تتقدم أفكار الإنسان عن المساءلة البشرية على أفكاره عن ~~الإله وترشدها: # يجب عليه [الإنسان] أن يعتبر نفسه عرضة للمساءلة أمام رفاقه من البشر قبل أن ~~يكون فكرة عن الإله أو عن القوانين التي يستخدمها ذلك الرب في الحكم على ~~سلوكه. # وقد سبق سميث كانت في القول بأننا «نحاول مراقبة سلوكنا كما نتخيل أن أي مشاهد آخر ~~عادل موضوعي قد يراقبه». وهذا الفحص الذاتي التأملي لم يخرج ببساطة من عقل الإنسان، ~~لكنه بدوره اجتماعي: «فالإنسان وحده» كما يؤكد سميث «لا يمكنه التفكر في سلوكه»؛ ~~وبناء على ذلك فليس الله أو العقل الفطري هو ما يقدم معيارا للتقييم، لكنه المجتمع ~~ووضع المرء فيه: «أدخله في المجتمع، وسوف يزود في الحال بالمرآة التي طلبها من قبل.» ~~ويعد كيان المرء الأخلاقي مزدوج التكوين، حيث يتكون من الفرد وبالقدر ذاته من الآخر. ~~وهو يقول بشأن الحكم على السلوك الشخصي: # إنني أقسم نفسي - إذا جاز التعبير - إلى شخصين ... فأنا الباحث والقاضي أمثل ~~شخصية مختلفة عن تلك الأنا الأخرى؛ أو الشخص الذي يخضع سلوكه للفحص والحكم. ~~والأول هو المشاهد الذي أحاول مشاركته رأيه فيما يتعلق بسلوكي عن طريق وضع ~~نفسي في موقفه وتخيل كيف كان الموقف سيبدو بالنسبة لي ... وأما الثاني فهو ~~الفاعل أو الشخص الذي أطلق عليه نفسي حقا والذي أحاول تكوين رأي ما في سلوكه ~~وأنا في ثوب شخصية المشاهد. # أعيد تعريف الموضوعية حسب فهم سميث بأن ذاته الثانية تتحدث من ms042 منبر اجتماعي أكثر ~~اتساعا، يمثل المنظور الواسع ل «رجل الإنسانية في أوروبا» الذي يمتلك في حوزته إجابات ~~نموذجية موحدة. وهنا تقابلنا مشكلة، وهي أننا اليوم نشك في وجود مثل هذا الشخص، أو أنه ~~حتى لو وجد مثل هذا الشخص ذي الحس الإنساني المثالي، فإننا نشك في أن تعليمه ونوعه ~~والمعايير الغربية التي يرجع إليها تؤهله بالضرورة كي يكون حكما نهائيا على كل ~~المواقف الأخلاقية التي تنشأ في عالم متغاير. ويبدو اقتراح سميث بأن «نفحص سلوكنا ~~بالطريقة التي نظن أن أي مشاهد آخر عادل موضوعي قد يفحصه بها» جذابا في تعهده ~~بالرقابة الذاتية، لكن ذلك «المشاهد الموضوعي» يبدو عند الفحص إلى حد بعيد امتدادا ~~لقيم سميث الخاصة ويقل اعتباره وجهة نظر جديدة موضوعية لا غبار عليها. واستكمالا لتلك ~~السلسلة المهمة، تعد افتراضاته المطمئنة حول سهولة الوصول للموضوعية الكاملة غير مقنعة ~~من وجهة نظر علم النفس الحديث أو علم الأخلاق الحديث. # وعلى الرغم من تلك الاعتراضات، فإن ~~محاولته البحث عن معيار معتدل داخل الذات وخارجها، بالإضافة إلى تهذيب الميل الفردي بما ~~يتفق مع حكم الإجماع الاجتماعي، تظل جديرة بالثناء. ولا تعد وجهة نظره مبالغة أو عاطفية ~~على نحو مفرط، فما زال بإمكان ضميره الخدش والعض وقيادة الفرد نحو الإصلاح الذاتي كما ~~فعلت ربات الانتقام بعد أن استيقظن في مسرحية أورستيا. وهكذا، فحتى من يرتكب جريمة في ~~السر سوف يصدر على نفسه حكما معارضا لوجهة نظر المشاهد الموضوعي: «فتلك الآلام ~~الطبيعية للضمير الخائف هي الشياطين، أو ربات الانتقام، التي تطارد المذنبين في الحياة ~~الدنيا.» وعلى الرغم من إدراك سميث للضمير بوصفه أمرا متعلقا بالشعور المرهف، فإنه ~~يقدم وصفا رائعا لضمير يطمح إلى تأديب الذات، ضمير قوي يميل إلى التدخل ويشغل نفسه ~~بالعواقب. # مشكلة المبادئ الأخلاقية العامة # يرفض فلاسفة التنوير المفهوم الضيق للضمير ويفتحون مجال البحث فيه لآفاق الإجماع ~~الاجتماعي الأكثر اتساعا، وهذا المنظور الواسع ضروري لتكوين تصور سليم عن الضمير، على ~~الرغم من أنه يمثل صعوبة جديدة. فعن طريق قطع الصلة بين الدين ms043 والضمير تماما وإعادة ~~ترسيخ الضمير في الإجماع الاجتماعي، يخاطر سميث وآخرون يشاركونه نفس الرأي بترك الفرد ~~حي الضمير تحت رحمة تحيز الجمهور غير الخاضع للمساءلة. ومع ملء المبادئ الأخلاقية ~~العلمانية للفراغ الذي خلقه الدور المتناقص لله وللدين في رعاية الضمير، ينشأ احتمال أن ~~ينجرف الخيار الأخلاقي بتيار من الآراء الخارجية غير المفندة. وكان أساس الاحترام ~~الأحدث للضمير وجوده نصيرا للفرد المنعزل خلافا للآراء الثابتة الإلزامية، وهكذا فمن ~~الصعب أن يقنع المرء برؤية الضمير بوصفه مجرد تفسير لما «يعتقده الجميع». وقد تولى كل ~~من لوثر وأبطال الإصلاح البروتستانتي الآخرين الدفاع عن حقوق الضمير الفردي أو حتى ~~المنحرف (فيما يتعلق بالآراء السائدة) في مواجهة أشكال العبادة الثابتة ومؤسساتها على ~~نحو رائع وفعال، لكن ما زال الخلاف التالي دفاعا عن حقوق الضمير الفردي في مواجهة ~~الآراء الراسخة في مجتمع علماني لم يحسم بعد. # بدأ ذلك المأزق يظهر في القرن التاسع عشر عندما انتشرت آراء في الضمير - بعضها متزمت ~~والبعض الآخر عاطفي وشائع - في المجتمع المدني. وتبدو الرواية في القرن التاسع عشر ~~أحيانا مسرحا رائجا للضمير يستخدم فيه هذا المفهوم بكفاءة بوصفه آلية للحكم على ~~الخيارات والأفعال في المجتمع الإنساني. وبوصفها قالبا اجتماعيا، فإن الرواية مناسبة ~~تماما لتناول مشكلة الضمير في المجتمع وميله لأن يتخذ دائما دور المؤيد للمبادئ ~~الأخلاقية المتعارف عليها. # عندما كان بيب الصغير في رواية «آمال عظيمة» على وشك أن يسرق طعاما ومبردا من أجل ~~ماجويتش الهارب كان لديه ضمير كهذا، ضمير يسبب له الكثير من المتاعب لكنه أداة أكثر ~~تبلدا وتقليدية من أن تكون ذات نفع له في تحليل ورطته. فبعد أن أخفى شريحة من الخبز في ~~جيب سرواله كي ينجز المهمة التي كلف بها، تعرض للهجوم بعنف: # يعد الضمير شيئا رهيبا عندما يتهم رجلا أو طفلا، لكن في حالة الطفل ~~فعندما يتعاون هذا العبء الخفي مع عبء خفي آخر مخبأ في جيب سرواله، يعد ذلك ~~عقابا كبيرا (ويمكنني أن أشهد بذلك). # وفي طريقه لتأدية مهمته، يجد نفسه متهما من ms044 كل ما في الطبيعة ويغرق في الهلاوس: # اعترض طريقي ثور أسود يرتدي ربطة عنق بيضاء - وكان له بالنسبة لضميري ~~المستيقظ سيماء كهنوتية - ورمقني بثبات بعينين متصلبتين ... حتى إنني انتحبت ~~قائلا: «لم يكن بوسعي فعل شيء يا سيدي، فلم آخذه لنفسي!» # وبالتأكيد كان بيب سيغدو أفضل حالا بلا ضمير متمسك بالعرف كهذا على الإطلاق، فهو ~~متشبع تماما بمبادئ أخلاقية عامة غير ناقدة وطائشة، حتى إنها تعوق قدرته على تحليل ~~الموقف الغامض الذي وضع فيه بدلا من أن تحسن منها. # شكل 2-1: شخصية جيميني كريكيت تلهو بشارة الضمير («الضمير الرسمي»). # 1 # ولاحقا في نفس القرن يمثل هاكلبري فين - الشخصية التي رسمها مارك توين - ضحية أخرى ~~للمبادئ الأخلاقية العامة والضمير التقليدي، حيث يبدو أن اشتراك هاك في فرار جيم من ~~العبودية يعطيه أسبابا لاتهام الذات أقل من بيب الذي قد يكون مذنبا لسرقة طعام ~~العائلة من أجل شخص يبدو أنه مجرم، لكن هاك يوجه الاتهام لنفسه بخليط من التفسيرات ~~الأخلاقية التقليدية حول السرقة وحقوق الملكية والسلوك القويم والتدين الظاهري. وهنا ~~يوبخ هاك نفسه على السماح للظروف وتعلقه الشخصي بجيم بأن يطغى على الأخلاقيات العامة في ~~مساعدة جيم على الفرار: # من يلام على ذلك؟ يا للعار! أنا! لم أتمكن من انتزاع ذلك الأمر من ضميري بأية ~~طريقة أو كيفية، وأصبح مثيرا للضيق حتى عجزت عن الراحة، وعجزت عن البقاء ~~ساكنا في مكان واحد ... وحاولت أن أوضح لنفسي أنني لا لوم علي، فلم أساعد جيم ~~على الفرار من مالكه الشرعي، لكن ذلك لم يجد نفعا، حيث يستيقظ ضميري كل مرة ~~قائلا: «لكنك كنت تعلم أنه يفر من أجل الحصول على حريته» ... وهنا كان ضميري ~~يؤنبني ويسألني: «ماذا فعلت لك الآنسة واتسون المسكينة حتى ترى عبدها الزنجي ~~يرحل أمام عينيك ولا تتفوه بكلمة؟» # صرصور الليل المتكلم # لم تنجح شخصية «صرصور الليل المتكلم»، وهي إحدى الشخصيات في رواية «بينوكيو» ~~لكولودي التي كتبت في القرن التاسع عشر، حيث أعطى بينوكيو العديد من النصائح ~~المفيدة قبل أن تسحقه الدمية ms045 سريعة الغضب في الحائط بمطرقة خشبية. لكنه يعود في ثوب ~~«جيميني كريكيت» في نسخة عام 1940 التي أنتجتها شركة ديزني، ويرتقي على يد الجنية ~~الزرقاء إلى دور ضمير بينوكيو، وهي تذكره قائلة: «هو السيد المحافظ على معرفة ~~الصواب والخطأ، والمستشار في لحظات الإغواء الشديد ، والمرشد في الطريق المستقيم ~~الضيق.» ويبدأ جيميني العمل للمرة الأولى عندما تخبر الجنية الزرقاء بينوكيو بأن ~~عليه أن يتعلم الاختيار ما بين الصواب والخطأ، ويتساءل بينوكيو كيف له أن يعرف ~~الفرق بينهما، فتجيبه بأن ضميره سوف يخبره، فيتساءل: «وما الضمير؟» مشيرا إلى أن ~~تلك الملكة عليها أن تفعل أولا، وهنا يظهر جيميني قائلا: «ما الضمير؟ دعني ~~أخبرك، الضمير هو ذلك الصوت الضعيف الخافت الذي لا يستمع الناس إليه.» ويعد جيميني ~~متواضعا على نحو ملائم فيما يتعلق بقدراته، فهو يتحمل الهزائم المتتالية والتقريع ~~المتواصل (حيث يتوجه لامبويك لبينوكيو متسائلا: «أتعني أنك تتلقى الأوامر من ~~الجراد النطاط؟») لكنه يثابر ويحصل على شارة الضمير الذهبية تقديرا لجهوده. # وقد يكون جزء من مثابرته متوارثا؛ حيث إننا نقابل هذا الصوت لأول مرة في نسخة ~~الملك جيمس من الإنجيل حيث يعتقل إيليا من أجل حماسه الزائد: «وبعد الحريق صدر صوت ~~ضعيف خافت، وكان هكذا عندما سمعه إيليا، حتى إنه غطى وجهه بعباءة.» (الآية 12 و13 ~~من الإصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الأول). وفي المعتقدات البروتستانتية ~~التفسيرية، فهذا هو صوت الله يتحدث في قناع الضمير. وترفع تلك الخلفية المحترمة من ~~منزلة جيميني، مثلما يفعل نزوع غاندي إلى القول بأنه «لا يمكن للصوت البشري أن يصل ~~إلى المسافة التي يغطيها صوت الضمير الضعيف الخافت». # يقرر هاك أن يبلغ عن جيم، وبينما كان يكتب رسالة يكشف فيها عن مكان جيم ينتابه شعور ~~«طيب كما لو كان قد اغتسل من الخطيئة». لكنه عندما فكر مليا في الأمر قرر تمزيق ~~الورقة متقبلا اللعنة التي لا بد وأن تصاحب ~~مسلكه الضال، واختتم كلامه قائلا: «حسنا، سوف أذهب إلى الجحيم.» ثم مزقها. ويستخدم ~~هاك المفردات الأخلاقية الدينية، لكن ms046 بمعنى خاطئ طوال الوقت، وتعتبر حالته نموذجا ~~مثاليا للنقطة التي أثارها شافتسبيري حول إساءة استخدام الدين في الأمور المتعلقة بالضمير: # فخشية الله لأي سبب غير ارتكاب فعل يستحق اللوم هي في حقيقة الأمر خشية ~~للطبيعة الشيطانية وليست الإلهية، ولا تعني خشية الجحيم أو الأهوال الإلهية ~~الألف وجود الضمير أيضا. # وهنا تقدم صورة مشوشة للعقاب الإلهي بوصفه القوة التي تنفذ الأعراف الاجتماعية ~~المضللة، وفي حقيقة الأمر فمن سخافة الرأي العام المتخفي في صورة الدين أن البطلين ~~غير مزودين بضمائرهما الواهنة كي يقاوما. وتتطلب حالتا بيب وهاك أن نسعى للوصول إلى ~~وجهة نظر تساعد الفرد المستعد لتحدي القيم السائدة اليوم، حتى عندما تتخذ تلك القيم ~~هيئة الضمير ذاته. وفي كل من هاتين الحالتين، وتحديدا في حالة هاك، يوجه ضمير أكثر ~~صدقا (حتى وإن كان مجهولا) وأكثر عمقا خياراتهما الفعلية متحديا حتى الآراء ~~الاجتماعية المتعارف عليها أو المتفق عليها. وقد يوصف هذا التحدي بأنه «أخلاقي» وصادر ~~عن أخلاقيات الاختيار الشخصي وليس «معنويا» مستمدا من الافتراضات المجتمعية غير ~~المدروسة. # ويذكرنا وضع فرد محاط بالمشكلات على خلاف مع ضمير خائف واهن بأن الإجماع السائد لا ~~يعد بالضرورة أساسا كافيا للضمير، وأن الضمير الواقع تحت ضغط ليس حرا على الإطلاق، ~~وأن الضمير كي يؤدي المهمة التي نحترمه من أجلها عليه أن يعمل مستقلا عن التحيزات ~~ضيقة الأفق للآراء السائدة. ويحاول الفيلسوف النفعي جون ستيوارت ميل أن يبرهن على تلك ~~المعتقدات على نحو مقنع، وربما يعد ميل أكثر واضعي النظريات حول الضمير مسئولية عن ~~إدراكنا المعاصر لمهمته في حماية الأقلية من الأغلبية، وهو موقف غير شعبي لكنه مخلص ~~صادر من قوة الأغلبية المعادية أو الرأي السائد. وهو يطلب التسامح، لكنه يتجاوز ~~الخلافات السابقة التي وقعت باسمه جيدا. ويبدو التسامح الديني المجرد في الأشكال التي ~~دافع عنها لوك غير كاف بالنسبة له، فمن وجهة نظره يجب أن يمتد التسامح إلى كل أنواع ~~الآراء السياسية والاجتماعية، وهو يعارض على حد سواء استبداد السلطة الدينية ~~والسياسات الحكومية، معلنا أن «كل ms047 ما يقمع الشخصية الفردية يعد طغيانا أيا كان ~~الاسم الذي يطلق عليه، وسواء أكان يعترف بتطبيق إرادة الله أم أوامر الإنسان». ويتناول ~~مقاله الذي يحمل عنوان «مقال عن الحرية» (1859) صراحة «طبيعة السلطة التي يمكن للمجتمع ~~ممارستها على الفرد بطريقة شرعية وحدودها»، فالاستقلال الفردي والمبادرة الفردية قد ~~يقيدهما التحكم الخارجي عندما تتعارض المصلحة الفردية مع مصلحة الآخرين فحسب. وهو يؤكد ~~أن الحرية الفردية: ~~... تشمل أولا النطاق الداخلي للوعي، و«حرية الضمير» الملحة في أشمل معانيها، ~~وحرية الفكر والإحساس، وحرية الرأي والشعور المطلقة في كل الموضوعات العملية أو ~~النظرية أو العلمية أو الأخلاقية أو الدينية. وقد يبدو أن حرية التعبير عن ~~الآراء ونشرها تقع ضمن مبدأ آخر، حيث إنها تنتمي لذلك الجزء من السلوك الفردي ~~الذي يخص الآخرين، لكن لما كانت بنفس الأهمية تقريبا التي تتمتع بها حرية ~~الفكر ذاته وتعتمد إلى حد كبير على نفس الأسباب، فهي عمليا لا تنفصل عنها. ~~وثانيا، يتطلب المبدأ حرية التجربة والممارسة، وحرية وضع خطة لحياة المرء ~~تناسب شخصيته، وحرية القيام بما نحب أن نفعله شريطة الخضوع للعواقب التالية دون ~~أن يعوقنا الآخرون طالما ما نفعله لا يؤذيهم حتى وإن رأوا سلوكنا أحمق أو ~~ضالا أو خاطئا. # تحديد جنس الضمير # يقيم الأبطال المصورون في هذا الكتاب في مكان يشبه نادي الضمير الخاص بالسادة ~~النبلاء، وهو مكان يغلب عليه الطابع الذكوري. ولم يتفاجأ السير توماس مور الذي سجن ~~من أجل خلجات ضميره عندما رفض التوقيع على قسم الخلافة عندما أخبرته ابنته ~~مارجريت أنها قد وقعت عليه بالفعل، وهو عندما يقارنها بطريقة لطيفة - وفي الوقت ~~ذاته صادمة - بحواء الفاتنة المغوية فإنه يفترض اعتبارات للضمير غير ذات صلة ~~بحالتها. # لكن القرون الأخيرة شهدت تحريرا للضمير الأنثوي، حيث تقبلت النساء مزاياه ~~وأعباءه، مثل رواية برونتي «جين إير» التي يستجيب فيها كل من روتشستر وجين على ~~نحو فردي لمتطلبات الضمير. ويمتلك روتشستر قوة تقليدية يمكن أن يطلق عليها «ذكورية» ~~نظرا لاكتفائها بالعقل وقربها الوثيق منه، ففي مقابلته الأولى الطويلة مع جين يهنئ ms048 ~~نفسه على فصه الجبهي البارز قائلا «إنني أملك ضميرا» وهو يشير إلى «الأجزاء ~~البارزة في رأسه التي يقال إنها تدل على وجود تلك الملكة». وهو يقر بامتلاك جين ~~لضمير أيضا، لكنه يعتبره ضعيفا بالنسبة لموهبته. وعندما كان متنكرا في صورة ~~عرافة، قرأ خطوط جبينها مؤكدا أنها تدل على إصرارها على اتباع إرشادات «ذلك الصوت ~~الضعيف الخافت ...»، لكن ضمير جين له وجود مؤكد خاص به، فهي تقول بعد أن قررت أن تهجر ~~روتشستر رغم رغبتها في البقاء «تحول الضمير إلى طاغية يخنق العاطفة». وهذا الضمير ~~واضح تماما، وصوته ليس خافتا ولا ضعيفا، وهو يقول لها «عليك أن تنطلقي سريعا، ~~فلن يساعدك أحد، وعليك أن تقتلعي عينك اليمنى وتبتري ذراعك اليمنى بنفسك». ثم يظهر ~~ضميرها على هيئة امرأة متألقة في حلة أنيقة في ضوء القمر وتخاطبها بمزيد من الحدة ~~قائلة: «فري من الإغواء يا بنيتي!» وتجيب جين قائلة «سوف أفعل يا أماه.» ويبدو ~~جليا أن جين تمتلك ضميرا مميزا نشطا، وهو يتجسد على هيئة أنثى. # والضمير كما يتخيله ميل هو أحد جوانب «الوعي»، وبالطبع فهو يقصد هنا وجهة نظر حرة ~~طليقة وليس مجرد شعور مزعج بالواجب أو أيا من صفات الضمير الأخرى التي تنطوي على عقاب ~~ذاتي. وهو يتناول مباشرة المأزق الذي مر به كل من هاك وبيب ومجموعة من الشركاء ~~الآخرين في المجتمع الفيكتوري، معلنا معارضته لأشكال متعددة من الطغيان التي لا تتضح ~~في الدين والدولة فحسب، بل أيضا في الاستبداد الأكثر انتشارا للرأي الجمعي وتسلط ~~العادات. وفي الحقيقة فإن ميل يحاول أن يبرهن على أن مضمون الضمير الحر لا توفره ~~الكنيسة أو الدولة أو الرأي الجمعي، فالضمير مسألة تخص الفرد وحده، وتتضمن الموضوعات ~~التي يتناولها ميل بحماس شديد دعم المنشقين عن الآراء التي يشترك فيها معظم الناس مثل ~~ضرورة الإيمان بإله أو بالآخرة. # شكل 2-2: جون ستيوارت ميل. # 2 # وقد أضاف أتباعه إلى تلك الآراء في القرن التالي أمورا مثل الاعتراض وفقا لما يمليه ~~الضمير وحق المرء في عدم اتباع ms049 بلده في الحرب. وباختصار، يعتبر ميل مبادرا مهما ~~بالرأي السائد الآن القائل إن الضمير يرتبط ارتباطا وثيقا بالفردية والاستثناء، بينما ~~حقوق الضمير ترتبط ارتباطا وثيقا بحماية آراء المهمشين والأقليات. وبالإضافة لاهتمامه ~~بالضمير المعارض، يعمل ميل على مد الحماية من الاعتقاد إلى مجال الاختيار ~~والفعل - إلى «فعل ما نحب» - طالما لا يؤذي أحدا. ~~(وهو هنا يبدأ مناقشة مستمرة سوف نتناول المزيد منها لاحقا في # الفصل الرابع ~~.) # يعد المنهج الذي يمتد من لوك مرورا بميل - والذي عمل على توسيع رقعة الحقوق والحماية ~~للضمير الفردي في الشئون العلمانية والدينية على حد سواء - أحد الإنجازات العقلية ~~والأخلاقية الرائعة للجنس البشري. لكن على الرغم من بلاغة هؤلاء المدافعين وقوتهم ~~الإقناعية، فقد كان للضمير أيضا منتقدوه ومن ينتقصون من قدره. وفي تلك الفترة من منتصف ~~القرن التاسع عشر التي أشارت فيها كتابات ميل إلى تمكين الضمير بوصفه حصنا للحرية ~~والاستقلال الفردي، خضع الضمير لهجوم مستمر مركب مؤثر على يد بعض الكتاب والمفكرين ~~المسئولين عن تشكيل فكر القرن العشرين. # | هوامش # الفصل الثالث # | ثلاثة نقاد للضمير: دوستويفسكي ونيتشه وفرويد # خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دعا عدد من المفكرين، في مجال الدين مثل باتلر وفي ~~مجال الفلسفة مثل سميث، إلى نظرة متفائلة تدور حول ضمير يسهل اكتسابه ويسعى إلى تحقيق الخير ~~الاجتماعي. وقد تجلت تلك الآراء المتباينة في أعمال عديدة ذات شعبية في الأوساط الفكتورية، ~~مثل اللحظة الشاعرية التي جسدها الفنان هولمان هانت في لوحته المسماة «يقظة الضمير». ففي ~~هذه اللوحة، صور هانت لحظة تنوير استمدت إلهامها من الضمير عندما ضاعت آمال أحد الماجنين في ~~غواية امرأة شابة عند ظهور طيف أخلاقي لها. وفي لوحة هانت - بالإضافة إلى العديد من ~~الروايات والأعمال الفنية الخيالية المشهورة - يوجد خلط بين الضمير وما يسمى بالأخلاقيات ~~العامة؛ فبدلا من الموافقة على الخروج الوقح عن التوقعات العادية، يمثل الضمير الوتد الذي ~~تفرض من خلاله القيود والموانع المجتمعية نفسها على السلوك الشخصي للأفراد، لكن المحرك ~~القوي للضمير يعمل عملا لا يتناسب مع قدراته الهائلة ms050 إن اقتصر دوره على ضبط السلوك الشخصي ~~طبقا لقيم المجتمع، تلك القيم التي نربطها في الوقت الحاضر بكتب المساعدة الذاتية التي ~~تباع للمسافرين المشغولين في أكشاك الجرائد الموجودة بالمطارات. ولا تستطيع الآراء ~~المتفائلة المشوشة حول الضمير - باعتباره يمثل مصدرا يعول عليه للرقي الأخلاقي - سوى إزعاج ~~المزيد من المعلقين المتشككين في هذه الآراء. # شكل 3-1: لوحة «يقظة الضمير» للفنان ويليام هولمان هانت، عام 1853. # 1 # ينتمي النقاد الثلاثة الذين كتبوا عن الضمير - والذين يتناولهم هذا الفصل - بالكاد إلى ~~فريق واحد أو إطار فكري واحد (على الرغم من أن بعض خطوط التأثير يمكنها التوحيد بينهم)، ~~لكنهم يشتركون في احتقار فكرة الضمير بوصفه مسئولا عن التحسين الذاتي غير مثير للمشاكل أو ~~مدافعا كريما عن المبادئ الأخلاقية العامة. ويعرض النقاد الثلاثة مجموعة مترابطة من ~~المشكلات: ماذا لو كان الضمير يمثل عبئا زائفا وغير ضروري بدلا من أن يمثل صوت الله ~~الآمر أو الإجماع الاجتماعي المستنير؟ وماذا لو كان الضمير يمثل عبئا اخترعناه ونفرضه على ~~أنفسنا بلا داع؟ بل أسوأ من ذلك، ماذا إن قبلنا ما تمليه علينا التأثيرات الخارجية ~~المستبدة أو الزائفة وأضفينا عليها صفة ذاتية، مما يؤدي إلى ضمير يتشكل من التحيز الجاهل ~~والمنع غير المدروس؟ # الهجوم على الضمير # في رواية «الجريمة والعقاب» (1866) لدوستويفسكي، ينشغل بطل الرواية (أو على الأحرى ~~بطلها الذي لا يحمل الصفات المتوقعة من البطل) راسكولنيكوف مبكرا بفكرة أن الضمير - أو ~~في هذه الحالة صاحبه الملازم «الخوف الفطري» - قد يمثل بالفعل قيدا غير ضروري على ~~اختيارات الإنسان وأفعاله، فهو يتصور أن «الإنسان إن لم يكن يتصف بالنذالة في الحقيقة ... ~~لا يتبقى له سوى التحيز والخوف الفطري، ولا وجود للحواجز». ويكرس المؤلف بقية أحداث ~~الرواية لإظهار خطأ راسكولنيكوف وإثبات وجود الحواجز، لكنه لا يترك هذه الحواجز دون ~~تحديات؛ حيث تبحث الرواية في دراسة الشرعية المختلطة والمنقوصة غالبا لهذه القيود التي ~~نفرضها على أنفسنا. ويعترف بالضمير - وغيره من الأنواع الأخرى من القلق المصحوب بالشك ~~- بوصفه أحد هذه الحواجز، وتتعرض دوافع سلطته بشكل دائم ms051 إلى اختبار شديد التشكك. # يؤكد راسكولنيكوف موقفه من الضمير في مقال جدلي يزعم فيه أن «الإنسان «المتميز» له ~~الحق - وهو ليس حقا رسميا بل حقه الخاص - في السماح لضميره بتخطي عقبات معينة». ~~ويقدم صديقه رازوميخين اعتراضا أخلاقيا شديدا قائلا: «إنك في نهاية المطاف تسمح ~~بإراقة الدماء دون أن تشعر بالذنب ... ومن وجهة نظري، فإن هذا السماح بإراقة الدماء دون ~~الشعور بالذنب أو وجع الضمير أكثر فظاعة مما إذا كانت إراقة الدماء مسموحا بها رسميا ~~وقانونيا.» لكن النقد الأكثر حدة يظهر في النهاية على لسان بورفيري ~~قاضي التحقيق مع راسكولنيكوف، والذي يناقشه ~~في ادعاءاته الساذجة بالتميز، ثم يخلص إلى الملاحظة نافذة البصيرة بأن بعض هؤلاء ~~الأشخاص الذين يتسمون ظاهريا بالتميز قد يحققون أهدافهم، لكنهم (على لسان ~~راسكولنيكوف) «يبدءون في إنزال العقاب بأنفسهم». وقد تمكن راسكولنيكوف مؤقتا من كبت ~~هذا المبدأ التشريعي في عقله، والذي كان يمكنه منعه من اقتراف جريمته، لكن كل شيء له ~~ثمن «لقد قتلت نفسي وليس العجوز الشمطاء»، بالإضافة إلى أن هروبه من قسوة ضميره كان ~~هروبا مؤقتا وليس دائما. ومن خلال قياس عجز راسكولنيكوف عن الهروب من قسوة ضميره، ~~يقدم لنا دوستويفسكي شخصية سفيدريجيلوف غير الأخلاقية والذي يتناوب بشكل عشوائي القيام ~~بأعمال شائنة من الناحية الأخلاقية وأعمال أخرى تتسم بالكرم المطلق، والذي يصف ضميره ~~بأنه «في حالة خمول تام». ولا يستطيع راسكولنيكوف تبني هذا الموقف على الرغم من ~~تهديداته ب «تخطي» الحد الفاصل الأخلاقي، وعلى الرغم من جميع تخيلاته ~~النابوليونية. # سوف يتعرض راسكولنيكوف بالفعل للبعث من جديد في سيبيريا عند نهاية الرواية، لكن هذا ~~البعث لن ينشأ عن «تأنيب الضمير» الذي تتخيله دونيا المخلصة (لكنها ضعيفة الخيال). وحتى ~~وهو يندفع مهاجما نفسه لعجزه عن اتخاذ «الخطوة الأولى»، فإنه ما زال يعاني من كبريائه ~~الجريحة والانتقاد التأديبي لعجزه عن الهرب من أوجه قصوره أكثر مما يعاني من الضمير ~~نفسه، وتظل علاقته بالضمير متأرجحة ومتضاربة. وحتى وهو يحاول التغلب عليه بوصفه قوة ~~مؤثرة في حياته ويرفضه بثبات في نهاية ms052 الأمر، فهو يمثل مجموعة من «النتائج» خلال ~~الرواية، ويمكننا تفسيره بوصفه عبئا ضمنيا في انجذابه المبكر اللانهائي للاعتراف، ~~وفي إفراطه في النقد الذاتي إلى حد مرضي، وفي إقصائه النهائي لذاته الجريحة ~~وكبريائه المفرطة لصالح حب مذل مهين. # تمثل رواية «الجريمة والعقاب» دراسة للضمير وليس تبريرا له بالمعنى الدقيق، واستمرت ~~تلك الدراسة في كتابات دوستويفسكي الأخرى، وخاصة في روايته التي تؤكد نفس النقطة ~~«الإخوة كارامازوف» (1881). ويمكن القول إن الرواية بأكملها يمكن تفسيرها باعتبارها ~~دراسة «لمبادئ» الضمير، وهي تبدأ بتعريف «الضمير الكارامازوفي» التقليدي بوصفه اختزالا ~~لإدراك أخلاقي سطحي وغير مكتمل، ثم تطرح تساؤلات بلا إجابة شافية عن كيف وأين يمكننا أن ~~نجد رؤية أكثر استدامة للضمير. وانطلاقا من افتراضات الدين المؤسسي، يقدم رئيس الكنيسة ~~رؤية تقليدية لكنها إنسانية يحمي الضمير بموجبها المجتمع، ويمتلك القدرة على التغيير ~~الفردي بمقتضى «قانون المسيح فحسب الذي يتجلى في اعتراف المرء بضميره». وهذا النوع من ~~الضمير تديره الكنيسة، وهو يتيح الفرصة للإصلاح الداخلي الذي يمتلك القدرة على «تخفيف» ~~الشعور بالذنب. لكن هذا التداول للمسئولية بين الكنيسة المؤسسية والفرد الذي ينتقد ذاته ~~ليس صارما بالقدر الكافي من وجهة نظر رئيس محكمة التفتيش المدافع عن مؤسسة تعلم ~~احتياجات الأفراد أفضل مما يعلمونها هم أنفسهم. وتوحي وجهة نظر شيخ الكنيسة له بالتحرر ~~الذاتي، وهي في مرونتها «الغامضة غير العادية وغير المحدودة» لا تقدم أساسا مستقرا ~~لتهدئة ضمير لا يقنع ولا يشبع بطبيعته، ويقدم رئيس محكمة التفتيش ضميرا محدودا واضحا ~~في مطالبه تدعمه السلطة الكنسية في كل المواضع. # ومن جانبه فإن إيفان العاقل (لكن المهزوز) يتحالف مع الشيطان أكثر مما يتحالف مع رئيس ~~محكمة التفتيش، وتعد حوارات إيفان مع الشيطان بالطبع معبرة عن الشكوك والاحتمالات التي ~~تنشأ داخل عقله. وفيما يتعلق بالضمير، يمكن فهم هذا البديل الشيطاني باللغة الفرويدية ~~على أنه يقدم أكثر البدائل إغراء وإرباكا، متذرعا بصيغة النفي التي يصوغ بها هذه ~~البدائل؛ أي إن إيفان يسمح لنفسه بأن يقول ما يفكر فيه أو يخشاه بالفعل مدعيا أنه يمثل ~~إغواء ms053 شيطانيا. وفيما يتعلق بالضمير، يستأنف الشيطان العمل من حيث توقف راسكولنيكوف ~~مقتنعا بأن مهمة الإنسان المتميز تتمثل في تحرير نفسه من قيود الضمير. ويصيح إيفان في ~~أليوشا قائلا: # لقد سخر مني! وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلا: «الضمير! ما الضمير؟ إنني ~~أختلقه بنفسي، فلم أعاني إذن؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية البشرية ~~على مدار سبعة آلاف عام. دعنا إذن نتخلص من العادة، وسوف نصبح آلهة!» لقد قال ~~ذلك، لقد قال ذلك! # لكن إيفان، على غرار راسكولنيكوف، يغوي نفسه ويعذبها بأفكار لا يستطيع في نهاية الأمر ~~تحملها، وفي أكثر أفكاره جرأة فهو يدعي للقاتل الحقيقي سميردياكوف أنه لولا الله ~~«لكان كل شيء ... مباحا، مهما جرى في العالم، ومن الآن فصاعدا يجب ألا يصبح هناك أي شيء ~~ممنوع». وهو لا يستطيع أن يحتمل مواصلة التظاهر بالشجاعة، فهو على الرغم من كل شيء على ~~شفا اعتراف مدفوع بالذنب مخادع لذاته جزئيا باشتراكه في قتل والده، وتمتدحه الشخصيات ~~الأخرى لما يطلق عليه أليوشا «ضميره العميق»، وسوف تعلن كاتيا في المحكمة أنه ضحية ~~«ضمير عميق، عميق بشدة» يعذب نفسه، وتحييه في النهاية وهو يرقد مصابا بالحمى الدماغية ~~بوصفه «بطلا للشرف والضمير». لكن تلك المحاولات لامتداحه بوصفه نموذجا مجسدا للضمير ~~تسعى إلى فرض وجهة نظر تقليدية متخلفة على موقف لم يعد يدعمها. وفور أن وضحت فكرة ~~الضمير بوصفه اختراعا أو نظرية وعبئا غير ضروري مفروضا ذاتيا، حتى وإن كان ذلك عن ~~طريق متحدث رسمي سيئ السمعة كالشيطان ذاته، أو حتى بوصفه خيارا سيئا في أفكار إيفان ~~المحمومة، فسوف تظل مصدر إزعاج إضافي لمفهوم يلاقي الكثير من التحديات بالفعل. # عند اكتشاف ترجمة فرنسية لرواية «رسائل من أعماق الأرض» عام 1887، كتب نيتشه إلى ~~صديقه أوفربيك قائلا إن «غريزة القرابة (أم ماذا أطلق عليها؟) قد أعلنت عن نفسها بوضوح ~~في الحال». ويعتبر القول الذي وجهه إيفان إلى سميردياكوف «كل شيء مباح» أحد التعبيرات ~~النموذجية لنيتشه، وتشير حقيقة أن نيتشه قد كرر تلك الكلمات (حتى وإن كان ذلك مصادفة، ~~أو خاصة ms054 إن كان ذلك مصادفة) في كتابه «أصل الأخلاق وفصلها» إلى الخلفية المشتركة التي ~~يحملها هذان المفكران. وقد احتفى نيتشه بتأملات رجل الأعماق المروعة، وشاركه وجهة نظره ~~القائلة إن أقسى ألم داخلي مبرح موجه للذات كما هو مجسد في المبدأ الرئيس في كتاب «أصل ~~الأخلاق وفصلها» القائل إن «أنت وحدك الملام على شئونك الخاصة». ويعتمد على هذا المبدأ ~~اتجاه الاستياء كما يفهمه نيتشه، وهو انحراف عن الاتهام الموجه من الظروف الخارجية ~~المتمردة نحو اتهام للذات لا مبرر له لكنه ملح. ويمثل أبطال دوستويفسكي - الذين يتهمون ~~ذواتهم ويعاقبونها - أفضل كوكبة يمكن تخيلها من الأبطال على طراز نيتشه الذين يتهمون ~~ذواتهم أيضا. # ومن وجهة نظر نيتشه، فإن الضمير يحرض على هذا الاتهام الذاتي، وهكذا فهو يصبح جزءا ~~من المشكلة وليس الحل بالنسبة للجنس البشري. وفي كتابه «أصل الأخلاق وفصلها»، يحاول أن ~~يبرهن أنه بسبب هجمات القيود الدينية والاجتماعية فإن العدوانية الطبيعية التي يتصف بها ~~الجنس البشري والتلذذ بالانتقام قد أعيقا وأجبرا على التوجه للداخل؛ ومن ثم أصبح ~~الإنسان يعادي ذاته وترجم ذلك إلى ممارسات تعذيب الذات بنفس القسوة التي كان يمارسها ~~أسلافنا المتعطشون للدماء. والضمير هو متعهد هذا العقاب الذاتي المغروس لا شعوريا في ~~الذهن، وهو يقول: «إنني أنظر للضمير النادم بوصفه المرض الخطير الذي يصاب به الإنسان لا ~~محالة تحت ضغط أكثر التغييرات التي مر بها جذرية، وهو ذلك التغيير الذي حدث عندما وجد ~~نفسه في نهاية الأمر محاصرا داخل جدران المجتمع والسلام.» ولما كانت الإنسانية مقيدة ~~إلى هذا الحد وتعمل على توجيه إحباطاتها من جراء هذا التقييد للداخل، فقد ينظر إليها ~~كما لو كانت «حيوانا يحك جسمه بقضبان قفصه حتى يلحق بنفسه الأذى». ولما كان الجنس ~~البشري غارقا في شعور بالدين الذي لا يرد والندم غير المحدود، فقد «اخترع الضمير ~~الفاسد كي يؤذي نفسه بعد أن سد المتنفس الطبيعي لرغبته». # وبالطبع فإن أسطورة الأصل الخاصة بنيتشه خاطئة تماما وغير مقنعة على الإطلاق فيما ~~يتعلق بالتاريخ الحقيقي لهذا المفهوم، فهو يتخيل الضمير ms055 النادم كما لو كان تطورا ~~حديثا نتج عن حظر القسوة وحظر الاحتفالات بالعقاب التي كانت تلازم نقض العهود وخرق ~~العقود سابقا وتذيل النظام القضائي بأكمله، بينما في حقيقة الأمر فإن الضمير النادم ~~الذي يؤلم صاحبه ويزعجه ويجرحه ويهدده كان موجودا منذ البداية (كما أوضحت سابقا) في ~~القانون وفي القضاء الروماني، ومنذ تبني المسيحية له منذ القدم. ولا يمكن أن تكون ~~تخيلات نيتشه لعصر فردوسي كان فيه البشر يتقبلون عنفهم وقسوتهم ويحتفون بهما وكانت كل ~~الضمائر سليمة تخيلات حقيقية؛ وذلك لأنه منذ ظهور الضمير لأول مرة وهو يستنكر السلوك ~~السيئ ويطالب بالتحول إلى وضع أفضل. وكما أكد تيليك وآخرون، فإن الحالة الشعورية غير ~~المستقرة (ومن ثم شديدة «الندم») هي الوضع الافتراضي للضمير، والضمير «السليم» الذي ~~يشعر بالرضى عن أفعال صاحبه علامة أكيدة على وجود مشكلة أخلاقية. # الضمير: هل هو مثير للمتاعب أم ذات أخرى؟ # كانت هوية الضمير بوصفه «ذاتا أخرى» خارقة للطبيعة قد استقرت بالفعل عندما تهجم ~~ضمير أوغسطين عليه لفظيا في نهاية القرن الرابع، وكان ضمير أوغسطين يمثل جزءا ~~منفصلا عنه أو قسما منه أو موضع مراقبة يمكن للمرء منه أن يراقب تصرفاته. وقد علق ~~عالم اللاهوت ويليام بيركنز في كتابه الذي يحمل عنوان «خطاب الضمير» (1596)، بدهاء ~~على ما أطلق عليه تصرفي الفهم قائلا: «يفكر العقل في فكرة، ويتخطى الضمير ~~العقل ويعلم ما يفكر فيه ... وعن طريق هذا التصرف الثاني قد يشهد الضمير حتى على ~~أفكاره.» ويتعرض نظيره الأدبي شبه المعاصر، ريتشارد الثالث - من تأليف شكسبير - ~~لعملية تقسيم لجزأين متناقضين على نحو مشابه، حيث يعترف قائلا «إنني ... أكره نفسي؛ ~~نظرا للأفعال البغيضة التي ارتكبتها نفسي.» وفي القرن الثامن عشر أضفى آدم سميث ~~وإيمانويل كانت شكلا محددا على هذا الانعكاس، وذلك عن طريق نظرياتهما القائلة ~~بوجود متفرج موضوعي يعلم عنا كل شيء ويراقب أفعالنا. # ولما كانت هي النفس والآخر في الوقت ذاته، فإن تلك الذات الأخرى تمزج بين موضوعية ~~الغريب والألفة الشديدة مع أفكارنا، وتقدم لنا تلك «الذات الأخرى» مصدرا قيما ms056 ~~للتعقيد الأخلاقي لمعنى منقوص للذات بوصفها كاملة و«صحيحة»، لكن على حساب الانقسام ~~الداخلي. وقد وضع فرويد تلك القدرة في سلسلة تمثل مصدر إزعاج، معلقا في مقاله الذي ~~يحمل عنوان «عن النرجسية» أن الضمير «يمكننا من فهم ما يطلق عليه «أوهام الملاحظة» ~~... التي تعتبر أعراضا بارزة لأمراض جنون العظمة ». ولا داعي لأن يوصم صاحب الضمير ~~بجنون العظمة، حيث توفر تلك الذات الأخرى مصدرا محتملا للتوازن، لكن الفرد ~~المبتلى بالضمير يعلم بعض الشيء عن تجربة المصاب بجنون العظمة في الانقسام ~~الداخلي. # وعلى الرغم من ذلك فقد توصل نيتشه بالطبع إلى اكتشاف مهم، ويشبه هذا الكشف ما وسوس ~~به الشيطان لإيفان كارامازوف قائلا إن الدخول في حكم الضمير - حتى وإن لم يكن طوعا ~~تماما - فهو على الأقل أمر يجب أن نقوم به بأنفسنا. وسواء أكان موجودا منذ البداية ~~أم، كما يدعي، مفروضا متأخرا، فإن الضمير الباعث على الندم أمر يجب أن نصيب به ~~أنفسنا، أو على الأقل نسمح لأنفسنا بأن تصاب به. # اقترح كل من دوستويفسكي ونيتشه موضوعا أن الإنسان منقسم على ذاته، وأنه في مواجهة ~~مع صوت معاد أو عقابي قد اخترق بالفعل كل المجالات الدفاعية واستقر به المقام في ~~العقل. ويسمع إيفان كارامازوف هذا الصوت كما لو كان صوت الشيطان، على الرغم من أننا ~~ندرك أنه شكل مختلف عنيد لصوته هو. ويؤكد نيتشه أن مثل تلك الأفكار المؤذية للنفس يعبر ~~عنها صوتنا الخاص كما لو كانت أفكارنا نحن، ~~فنحن - كما يقول في مقدمة كتابه «أصل ~~الأخلاق وفصلها» - «غرباء عن أنفسنا»، أي إننا نعزل أنفسنا عن أنفسنا عندما نقدم ~~أفكارا عقابية أو أفكارا تجلد الذات كما لو كانت أقوالا شخصية أو خاصة. وهو يتفهم ~~جيدا - كما سيتفهم فرويد - أن هذا الصوت العقابي قد يقدم نفسه متخفيا في المظهر ~~اللطيف للإصلاح أو التأديب من أجل تحسين حالنا، لكنه في الوقت ذاته مصدر للعذاب ~~اللانهائي. # ويعلق نيتشه على الضمير قائلا: «تغلب عليه!» لكنه لا يتوقع أن نتغلب عليه في وقت ~~قريب، وسواء أكانت الظروف ms057 مواتية أم لا (وبالطبع سوف يقول نيتشه إن الظروف غير ~~مواتية)، فمن غير المحتمل أن ننجح في إبعاد هذا الصوت عن رءوسنا أو آذاننا. أما كيفية ~~تسلل هذا الصوت إلينا فهو موضوع تعلم عنه فرويد الكثير من كل من دوستويفسكي ونيتشه، ~~وهو يبني عمله على افتراضاتهما في نظريته الخاصة بالضمير بوصفه صوت الأب ~~المعاقب. # يعتبر إيفان كارامازوف حالة فرويدية نموذجية قبل ظهور فرويد، فعلى الرغم من أنه لم ~~يقتل والده، فإنه يعترف بالاشتراك في الجريمة لأنه تمنى موته، حيث تساءل أثناء محاكمته: ~~«ومن منا لا يتمنى وفاة والده ...؟» هذا إذن هو مولد الضمير، حيث يقوده شعوره بالذنب إلى ~~تخيل نفسه شريكا في جريمة لم يرتكبها. ولا عجب أن فرويد - الذي اعتبر «الإخوة ~~كارامازوف» أروع الروايات التي كتبت على الإطلاق - قد انصب اهتمامه عليها في مقاله ~~الذي يحمل عنوان «دوستويفسكي وجريمة قتل الأب»، حيث وجد في دوستويفسكي نموذجا ~~مرضيا لمن يحمل صوت والده الناهي في الأنا الخاصة به، لكنه لا يتحمل قيود هذا الصوت ~~ومن ثم يصبح مشهورا بقتل والده. وهو يقول عن الرواية: «لا يهم من ارتكب الجريمة ~~حقا، فعلم النفس لا يهتم سوى بمعرفة من رغب شعوريا في وقوعها ومن رحب بوقوعها عندما ~~تمت.» وهو في تلك الحالة ليس الأخ غير الشقيق القاتل سميردياكوف فحسب، بل أيضا ديميتري ~~وإيفان. # ومن المفاهيم الفرويدية الأساسية أن الشعور بالذنب - والضمير بوصفه محرضا له - أكثر ~~حرية في الحركة مما نتخيل، وأن علاقتهما بالفعل الإجرامي تختلف عما يفترضه الناس ~~غالبا. فبدلا من كونه نتيجة للفعل الإجرامي، فإن الشعور بالذنب المتولد عن الضمير ~~يمكن فهمه في النظام الفرويدي بوصفه حافزا للفعل الإجرامي؛ ومن ثم فإن الفاعل الذي ~~يشعر بالذنب نتيجة للعداء المكبوت أو أي نوع آخر من الاستياء يرتكب (أو يتوهم أنه قد ~~ارتكب) جريمة من أجل تقديم معادل موضوعي للشعور بالذنب. وهو ما يلقي الضوء على موضوع ~~معرفة فرويد الوثيقة بكتابات نيتشه وإعجابه به، حتى إنه ينسب إليه (في كتابه «أنواع ~~الشخصيات في التحليل ms058 النفسي») مفهوم «سبق الذنب للجريمة». وفي هذا الاتهام، يقل اعتبار ~~الضمير (وربيبه الشعور بالذنب) قادرا على السيطرة على الجريمة أو مبرئا منها، بل يرى ~~بوصفه أمرا متأصلا في الجريمة نفسها أو شعورا لا يهدأ بالاستياء من المرجح أن يؤدي ~~إلى ارتكاب جرائم أكثر مما يؤدي إلى السيطرة عليها أو التكفير عنها. # ويتطلب الأمر مقالا منفصلا لتتبع أوجه الشبه بين أفكار كل من فرويد ونيتشه عن ~~الكبت وبعض المفاهيم الأساسية الأخرى، لكنني أود الإشارة بوجه خاص إلى اعتماد فرويد ~~الضمني - وفي الوقت ذاته شديد العمق - على نظريات نيتشه عن الضمير المعاقب للذات في ~~صياغته لأفكاره الخاصة عن الأنا العليا أو الأنا المثالية وعدائها الفطري العقابي للأنا ~~وبالتالي للذات. ويمكن إيضاح هذا التشابه الشديد في اقتباس صغير من كتابات كل منهما: # ليس الضمير ... كما قد تعتقد، هو «صوت الله داخل الإنسان»، لكنه غريزة الوحشية ~~التي تتجه للداخل ما إن تعجز عن تفريغ شحنتها بالخارج. ~~(نيتشه، «ما الذي يجعلني أكتب تلك # الكتب ~~الممتازة»، «هو ذا الإنسان») # كلما تحكم الإنسان في عدوانيته، اشتدت الميول العدوانية للأنا المثالية ~~(الأنا العليا) لديه ضد الأنا. ~~(فرويد، «الأنا والهو») # وفي كل حالة، يؤدي انسداد مخرج المشاعر العدائية (عدم قدرة الوحشية على تفريغ شحنتها ~~أو تقييد العدوانية) إلى ارتدادها للداخل (توجيه الوحشية للذات أو العدوانية ضد ~~الأنا). # وتعمل الأنا المثالية لدى فرويد - ولاحقا في أعماله الأنا العليا - في حيز الضمير، ~~وتؤدي مهام التوبيخ والتقريع التي عادة ما توكل إلى الضمير. وكما يقول في كتابه الذي ~~يحمل عنوان «الأنا والهو»: # لا يمثل تفسير الشعور الطبيعي الواعي بالذنب (الضمير) أية مشكلة، فهو نتيجة ~~للصراع بين الأنا والأنا المثالية، وهو أيضا تعبير عن إدانة صريحة للأنا ~~تعلنها وظيفتها النقدية. # وتعد الوظيفة النقدية مرادفا لعمل الضمير، خاصة فيما يتعلق بعمله تحت غطاء من تحسين ~~الذات المزعوم، حتى وهو يثبت كونه عنيدا غير قابل للترضية في متطلباته. # وتتكون الأنا المثالية - من وجهة نظر فرويد - من المجتمع، حيث تتشكل «من تأثيرات ~~البيئة والمتطلبات التي تفرضها ms059 البيئة على الأنا والتي لا تتمكن الأنا دائما من الوفاء ~~بها» («علم النفس الجماعي»). ومن وجهة نظره، تمثل تلك المتطلبات ~~عادة - أو ربما دائما - استبطانا لوجهات نظر الأم ~~أو الأب، لكنها تزداد عن طريق الأصوات الأخرى المقيدة والتنظيمية في المجتمع ككل كما هو ~~موضح في «الأنا والهو»: # بينما يكبر الطفل، يتولى ~~المعلمون وآخرون في موقع السلطة القيام بدور الأب، وتظل قوة أوامرهم ونواهيهم ~~راسخة في الأنا المثالية، وتستمر في ممارسة الرقابة على الأخلاق في صورة ~~الضمير. # وتصطف في مواجهة الأنا القوة التراكمية لكل أشكال التحريم والاستهجان التي تعرض لها ~~الطفل خلال حياته؛ وهي بعبارة أخرى حالة حادة من عدم التكافؤ. ويستمر فرويد قائلا: ~~«يعاني المرء من الصراع بين متطلبات الضمير ومتطلبات الأنا الفعلية في صورة الشعور ~~بالذنب.» بمعنى آخر، فإن الأنا تشكل ذاتها أثناء عمليات التفاعل الاجتماعي، لكنها عرضة ~~للهزيمة على يد الثقل والتنوع الذي تتميز به القيود والاتهامات التي يجب على الأنا أن ~~تكافحها. ويمكن للمرء أن يفر إلى هذا الجزء من نفسه الذي يراقب الأنا ويحكم عليها ويجد ~~العزاء فيه، لكن كل شيء له ثمن، وهذا الثمن يتمثل على الأقل في الانقسام الذاتي. # وتكمن إحدى طرق إعادة الاندماج المحتملة - وسوف أبتعد هنا عن استنتاجات فرويد الخاصة ~~كي أفكر مليا في المواد التي عرضها على الناس - في الحقيقة القائلة إن قدرة الضمير ~~على مراقبة الذات أو الأنا المثالية تتميز بالحديث بضمير الغائب «عن النرجسية». وهو أمر ~~طبيعي إلى حد مقبول، فهو صوت مركب من كلمات ووجهات نظر خارج الموضوع، سواء أكانت ~~تعتمد على صوت المنع الأبوي أو أصوات سلطوية أخرى سمعناها في حياتنا. (ويؤكد ميل في ~~سيرته الذاتية أن الضمير كان يخاطبه بصوت والده، وليس ميل وحده من مر بهذه التجربة.) ~~ولما كان صوت السلطة مترددا بين الذات والآخر كما فعل الضمير في حالة أوغسطين، فهو ~~يخاطب صاحب الضمير بصيغة المخاطب أحيانا («يجب عليك» ...) ويتحدث بصيغة المتكلم («يجب ~~علي» ...) أحيانا أخرى. ألا تلمح أثرا للاطمئنان والتبشير بالنجاح في اتخاذ ms060 الضمير ~~صيغة المتكلم؟ قد يعتبر اتخاذ الضمير صيغة المتكلم تقدما في اتجاه نضج صاحب الضمير ~~الذي أصبح مستعدا الآن لتضييق الفجوة بين الأنا والمتطلبات المفرطة للأنا المثالية أو ~~القضاء عليها، بالإضافة إلى تحمل المسئولية الشخصية عن اختيارات المرء وأفعاله. # ولو نحينا تلك الأفكار جانبا، فإن فرويد يترك الأنا في مأزق خطر، حيث تبدو أنها ~~غير قادرة على تحرير ذاتها من سيطرة الأنا المثالية التي «تستشيط غضبا من الأنا بقسوة ~~شديدة» («الأنا والهو»)؛ مما يتسبب في شعور حتمي بالذنب. وينضم فرويد إلى دوستويفسكي ~~ونيتشه في إظهار عمليات الضمير في علاقته بالذات بوصفها ورطة لا مفر منها أكثر مما هي ~~مورد بشري حيوي. # بقاء الضمير # أثناء الهجوم على الضمير، نظرا لميله للانتقاد والشكوى واستيائه المتواصل من السلوك ~~الذي يعلق عليه وموقفه غير القابل للترضية، لا يتورط هؤلاء النقاد للضمير في أي تفسير ~~زائف له، فتلك هي خصائص الضمير الملحوظة منذ نشأته عند القصاص من المجرمين الرومان. ~~ويأخذ نقاد الضمير إحدى نزعاته المميزة ويضعون لها تقييما مختلفا، حيث يقل اعتبارهم ~~لها قوة لمعالجة الذات ويزيد اعتبارها نوعا من العقاب الذاتي غير الضروري. لكن حتى ~~هؤلاء النقاد الصارمون يجدون أنه من الصعب إلغاء الضمير أو إقصاؤه، ففي نهاية الأمر ~~يبدو أن كلا منهم يناقض نفسه جزئيا ويمنح الضمير احتراما على مضض. # وقد يكون أكثر التعليقات إثارة للدهشة ~~تعليق فرويد بعد كل ما قاله كي يشوه سمعة الضمير (بالإضافة إلى مترادفاته المتمثلة في ~~الأنا المثالية والأنا العليا) «علينا أن نعده - بالإضافة إلى الرقابة على الوعي ~~واختبار الحقيقة - من ضمن المؤسسات العظيمة للأنا» («الحداد والسوداوية»). لكن كيف ~~تتجلى تلك العظمة؟ وما وجه العظمة فيه؟ بلا ريب فإن فرويد يقترح أنه من بعض النواحي قد ~~تصبح الأنا العليا ملاذا وملجأ من الأنا المهزومة المستعبدة حقا: «فعندما لا يقتنع ~~المرء بذاته، يمكنه على الرغم من ذلك أن يجد الرضى في الأنا المثالية التي تختلف عن ~~الأنا» («علم النفس الجماعي»). ويمكن للأنا العليا/الأنا المثالية/الضمير في ظل الظروف ~~المناسبة أن ms061 تشكل قوة للتنظيم الذاتي وتقدير الذات المطلوبين، لكن توفير «منزل آمن» ~~مؤقت للأنا المرهقة لا يكاد يبدي صفات العظمة، خاصة عندما يمكن اعتبار الأنا العليا ~~المفرطة في الانتقاد أحد الأعداء الرئيسين لتقدير الأنا. ويمكننا العثور على تفسير ~~أكثر إقناعا لعظمة الأنا العليا في كتاب فرويد الذي كتبه في أواخر حياته بعنوان «قلق ~~في الحضارة» (1930)، والذي ينضم فيه الضمير للتسامي بوصفه إحدى الآليات النفسية التي ~~يمكن للمرء من خلالها تقييد الرغبات الغريزية (أو الأنانية على نحو فطري) بطريقة تعزز ~~مصلحة المجتمع بشكل عام، سواء أكان ذلك متعمدا أم لا. ولا يعني ذلك أن كبت الرغبة ~~بواسطة الضمير لم يعد أمرا شاقا على الفرد، لكنه ينطوي على فائدة عارضة - أو لعلها ~~أكثر من مجرد فائدة عارضة - للمجتمع. ويذهب فرويد بعيدا عند الإشارة إلى أن تطور الأنا ~~العليا - مع كون الضمير حليفا لها والشعور بالذنب عقابا لتجاهل انتقاداتها - يمكن أن ~~يكون مسعى للمجتمع بأكمله، وأن المجتمع بوسعه تطوير أنا عليا جماعية واستخدامها لتحقيق ~~أهدافه الثقافية: # قد يمتد التشابه بين عملية التحضر ومسار التطور الفردي في ناحية مهمة، حيث ~~يمكن التأكيد على أن المجتمع أيضا يطور الأنا العليا الخاصة به والتي يستمر ~~التطور الثقافي تحت تأثيرها. # ويكتشف نيتشه - الذي تبدو سخريته من الضمير بوصفه عقابا مفروضا ذاتيا لا نهاية ~~له، كما لو كانت لا تعرف حدودا أو تسويات - احتمالات إيجابية للضمير في بعض المواقف ~~المدهشة في أعماله، فهو يذكر في مقالته ضد المسيحيين التي تحمل عنوان «المسيح الدجال» ~~التعليقات المسيئة التي يتوقعها قارئه عن «تأنيب الضمير» بوصفه جزءا من «لغة الإشارة ~~الخيالية للخصوصية الدينية الأخلاقية». لكنه يسمح لنفسه بتخيل ضمير طاهر مثالي ليس لديه ~~نزعة للعقاب الذاتي الجبان، لكن للتهذيب والعقلانية والقيم المستنيرة (العلمية). ويدخل ~~هذا الخطاب الفرعي في مقالته كما لو كان أمنية تبدو مهملة بأن يمتلك كانت «ضميرا ~~عقلانيا» وافيا بدلا من إرباك العقل بتفسيرات أخلاقية قبلية. لكن مع تطور المقال، ~~فإنه يقدم الضمير بوصفه أداة حيوية في إماطة اللثام عن أشكال ms062 النفاق الديني: # إننا نعلم - كما يعلم ضميرنا اليوم - قيمة تلك البدع الخارقة للطبيعة التي ~~يخترعها القساوسة والكنيسة، وما الأهداف التي تخدمها في اختزال الجنس البشري ~~إلى حالة من انتهاك الذات قد يثير منظرها الغثيان. # ودفاعا عن أولوية العلم على الدين، فهو يتوق إلى سيطرة «انضباط الروح والنقاء ~~والصرامة في الأمور الروحية المتعلقة بالضمير وهدوء الروح النبيل وحريتها». وفي ذلك ~~التصور، يصبح الضمير الحر العلماني حكما ومقررا حاسما مهما وأداة يلتمس من خلالها ~~الوضوح الأخلاقي: # في النهاية، ما الذي تعنيه الاستقامة في شئون الروح؟ أن يقسو المرء على قلبه، ~~وأن يحتقر المرء «المشاعر الجميلة»، وأن «يحول المرء كل نعم ولا إلى أمر ~~متعلق بالضمير». # ويجب أن تدهشنا تلك الفكرة عن الضمير المحرر بوصفه حارسا للاستقامة، مع الوضع في ~~الاعتبار كل ما قاله نيتشه في المواضع الأخرى، لكن قوة الضمير طالما اعتمدت على قدرته ~~المدهشة على الحركة وقدرته على إعادة الصياغة وعلى إعادة الانخراط في أشكال وقضايا ~~جديدة، وهكذا فربما لا يكون ثمة داع لدهشتنا من تغير موقف نيتشه المفاجئ على ~~الإطلاق. # وينطبق نفس الأمر أيضا - وربما على نحو أقل إثارة للدهشة - على دوستويفسكي الذي ~~يتلاعب بفكرة أن الضمير قد يكون أمرا ملفقا ومفروضا ذاتيا بلا داع، لكنه يعود ~~فينظم تخيلاته مع مجموعة متنوعة من الشخصيات التي يحركها الضمير أكثر من قدرتها على ~~التعبير وتبدي معرفتها بالضمير تحت دوافع مختلفة لا تحمل حتى اسم الضمير. ويشترك كل ~~من راسكولنيكوف وإيفان في نفس النموذج، وهو إدانة الضمير والتلاعب بالخطط من أجل تجنب ~~انتقاداته، حتى ولو كانا يقدمان أنفسهما بوصفهما شخصين يحركهما الضمير. فبعد أن ارتكب ~~راسكولنيكوف جريمته، شعر في الحال برغبة في الاعتراف للسلطات وإبراز دليل ارتكابه للجريمة: # كان يشعر كأن مسمارا قد دق في قمة جمجمته. وراودته فكرة غريبة على حين غرة: ~~أن ينهض فورا فيقترب من نيكوديم فوميتش [وهو موظف حكومي بسيط] ويقص عليه ما ~~حدث في الليلة البارحة، كل ما حدث، حتى أدق التفاصيل، ويقوده بعد ذلك إلى ~~غرفته، فيريه ms063 الأشياء هناك، عند الركن، في الفتحة. وبلغت رغبته في ذلك من القوة ~~أنه نهض لينفذ ما فكر فيه. # وقد يبدو ذلك ببساطة ما أطلق عليه بو «شيطان الفساد»، وهو إلحاح للضمير في أشد حالاته ~~تدميرا للذات، فيما عدا أن راسكولنيكوف يقضي معظم الرواية في الاعتراف بشيء أو بآخر، ~~وتبدو رغبته النهائية في «معانقة الألم» - على الأقل ضمنيا إن لم تكن بوضوح - كما لو ~~كانت يحركها الضمير. وبالطبع فإن الآخرين لا يترددون في تصوير مأساته كما لو كانت ~~متعلقة بالضمير، على سبيل المثال عندما تؤكد دونيا قدرته على الشعور «بتأنيب الضمير» في ~~النهاية. وينطبق نفس الأمر على إيفان كارامازوف، فعلى الرغم من كل محاولاته الشخصية ~~لتجنب مطالبات الضمير ورفضه المتردد له، فإن الآخرين يرونه أحد أبطال الضمير، وقد يكون ~~كذلك بالفعل. وبالطبع فهو بطل للبحث النفسي الشخصي إلى حد ما، وبصيرته بموافقته ~~المضمرة أو رغبته الضمنية في وفاة والده تعد سببا مشروعا للشعور بالذنب، وهي ليست ~~فكرا فرويديا قبل ظهور فرويد فحسب، بل إنها أيضا تبين استعدادا أخلاقيا راقيا ~~لتحمل عبء العذاب الشخصي على نحو يناقض نقده الرافض للضمير. # وهكذا، فحتى النقاد المتزمتون للضمير يميلون ضمنيا ومن خلال العديد من الأبواب ~~الجانبية والخلفية إلى الاعتراف بمركزيته ويبدون عدم استعدادهم كلية لتنحية نفس المبدأ ~~الذي يهاجمونه جانبا. ولا داعي لأن تدهشنا على الإطلاق تلك النزعة التصحيحية التي تعيد ~~ذلك الضمير مشوه السمعة بالكامل فجأة إلى مكانته السابقة من الاحترام. فقد ذكرت سابقا ~~حالة كالفن الذي عاب بكل وسيلة ممكنة على أوجه قصور الضمير وعجزه عن الوفاء بالمهام ~~الموكلة إليه، لكنه غير اتجاهه لاحقا إلى رؤية جديدة للحرية المسيحية يتحرر فيها ~~الضمير من مهمة تطبيق الناموس ويتطهر بواسطة رحمة المسيح. وحتى أشد نقاد الضمير قسوة لا ~~يبدو أنهم يسعون إلى إبعاده تماما، لكن اهتمامهم الأساسي ينصب على حالات متخيلة لإعادة ~~تأهيله وعودته. # | هوامش # الفصل الرابع # | هل الضمير حق مدني؟ # يبدو أن بعض الناس يمضون في طريقهم دون أن يمتلكوا ضميرا على الإطلاق، قادرين ms064 طوال الوقت ~~على ارتكاب ما وصفه لوك ب «الأعمال الشائنة التي تمارس بلا ندم». وفي مسرحية «العاصفة»، ~~يقدم لنا شكسبير شخصية أنطونيو الوضيع المغتصب وهو يفكر في ارتكاب جريمة القتل، وعندما سئل ~~عن ضميره أجاب قائلا: # نعم سيدي، أين يكمن هذا الضمير؟ لو تورمت قدماي، ~~لشعرت بذلك # لكني لا أشعر بوجود هذا الكيان المقدس داخل صدري # ولو قام عشرون ضميرا بيني وبين حكم ميلان # لذابت جميعها كما يذوب السكر في الماء! # يفتضح أمر أنطونيو ويعاقب عقوبة خفيفة بالطرد من الإمارة التي استولى عليها، لكننا لا ~~نملك دليلا على انصلاح حاله. وبالطبع تعد فكرة أن يمتلك كل إنسان ضميرا فكرة نبيلة تنتج ~~عن أمنية (بأن يمتلك كل إنسان ضميرا) يعبر عنها في صورة استنتاج (بأن كل إنسان لديه ضمير ~~بالفعل). وبالطبع فإننا نتصرف بافتراض أن معظم الناس يمتلكون ضميرا، ومجرد الشك بأن أحد ~~المجرمين يفتقر إلى الضمير يمكنه أن يزيد من قسوة الحكم عليه، بينما قد يؤدي أي دليل (مهما ~~كان سطحيا) على وجود ضمير حي إلى الحث على التسامح. # لكننا عندما نفترض أن كل إنسان يمتلك ضميرا ونبني الأفعال والخيارات على أساس نصائحه، ~~تظهر مشكلة أخرى. فإذا كان الضمير أمرا حسنا، وإذا كان الناس يلاقون التشجيع للعمل ~~استجابة لتلقينه، فإلى أي مدى يجب أن نكن الاحترام لمسألة ما لأنها بنيت على أساس الضمير؟ ~~وبوجه خاص، إلى أي مدى يجب أن نكن الاحترام لمسألة يؤيدها الضمير ويتصادف أننا نختلف ~~معها؟ # سوف يتنازل معظمنا بعض الشيء في القضايا التي يؤيدها الضمير، وأحد الاختبارات الكاشفة ~~لقدرة المجتمع على هذا التسامح يقدمه رفض أداء الخدمة العسكرية بناء على أسباب متعلقة ~~بالضمير. فقد اعتبر هذا الرفض، بلا ريب، جريمة أحيانا، لكن أيضا في كثير من الأحيان - حتى ~~وسط آلام الحروب - ابتكرت الدول صورا للإعفاء أو الخدمة البديلة لمن يبدون اعتراضا ~~فلسفيا أو دينيا دائما على إزهاق الأرواح البشرية. # ويمكن تتبع آثار الاعتراض على الحرب في الفكر المسيحي القديم (على الرغم من أنه سرعان ما ~~تراجع ms065 أمام نظريات «الحرب العادلة» والحملات الصليبية الشرعية)، وأعيد إحياء القضية على يد ~~القائلين بتجديد العماد والمينونايت والكويكريين في القرن السابع عشر. وقد خدم بعض ~~الكويكريين القدامى في جيوش الكومنولث، لكن الصلة بين السلمية ومتطلبات الضمير قد ترسخت ~~بالطبع عندما نظم الكويكريون أنفسهم منشئين جمعية الأصدقاء وأضفوا صفة رسمية على رفض الخدمة ~~العسكرية بوصفها أحد معتقداتهم الأساسية. وقد ترك لنا أحد الكويكريين المعترضين الذي ضم ~~إجباريا لسلاح البحرية في ستينيات القرن السابع عشر رواية عن ربان متعاطف معه تولى الدفاع ~~عنه قائلا: # هذا الرجل أحد أفراد جماعة الكويكريين، ولأجل الضمير فهو يرفض العمل، ولذلك فأنا ~~... أتعهد أمام الله بألا أضرب أو أتسبب في ضرب أي من أفراد الكويكريين أو أي فرد ~~آخر يرفض إطاعة الملك لأجل الضمير. # وثمة تأثيرات للكويكريين أيضا في أمريكا ~~الشمالية، وخاصة في مناطق مثل بنسلفانيا ورود آيلاند حيث صدر قرار قصير الأجل لكنه معبر عام ~~1673 بإعفاء الرجال «المقتنعين في ضمائرهم بأنه لا يجوز لهم القتال بهدف إزهاق الأرواح» من ~~أداء الخدمة العسكرية. وكانت المعارضة طبقا لإملاءات الضمير شائعة في حرب الاستقلال ~~الأمريكية، حيث انقسمت الحركة إلى معسكرين سوف يستمران عبر القرون التالية: من قبلوا ~~بالخدمة البديلة ومن أصروا على المقاومة غير المشروطة (ومعظمهم من الكويكريين). وبرزت ~~المعارضة طبقا لإملاءات الضمير من جانب الكويكريين والمينونايت والإخوة والمجموعات الدينية ~~الأخرى المتمردة أيضا في الحرب الأهلية الأمريكية. وقد اتبعت ولايات ~~الاتحاد - ولاحقا الولايات الكونفيدرالية - شروط ~~الانسحاب الخاصة بالاعتراض طبقا لما يمليه الضمير، ومن جانب الاتحاد وضعت شروط للخدمة ~~البديلة في التمريض والرعاية الطبية في المستشفيات. # وبعيدا عن الإجبار على الخدمة في سلاح البحرية، كانت الخدمة العسكرية تطوعية تماما في ~~إنجلترا فيما بين الحروب الأهلية حتى عام 1916، عندما اشتد الجدال بشأن هذا الأمر مرة أخرى. ~~وفي الحقيقة، فكما أشار جون راي ظهر موضوع «الاعتراض طبقا لما يمليه الضمير» لأول مرة بهذا ~~الاسم في إنجلترا عام 1914 في سياق لا علاقة له بالخدمة العسكرية على الإطلاق، بل في وصف ~~المعارضة المنظمة ms066 والعنيفة للتلقيح الإجباري. وتضمن مشروع قانون الخدمة العسكرية لعام 1916 ~~مبدأ «الاعتراض طبقا لما يمليه الضمير»، لكن دون تفصيل دقيق عن أي مجموعة منظمة من ~~المعتقدات أو مدرسة للفكر الشخصي ينتمي إليها المعترض. وقد منحت مجموعات متعددة - بما فيها ~~الاشتراكيون وجماعة «بلومزبيري» وآخرون - مهلة لتسجيل مطالبات الضمير غير المرتبطة بالشعائر ~~الدينية الرسمية. ويتضح تعقيد المعايير التي تستخدم في التعرف على الاعتراض الحقيقي «طبقا ~~لما يمليه الضمير» في الأداء المختلط للمحاكم التي أنشئت للفصل في قضايا محددة، مثل محكمة ~~الإنصاف (والتي يطلق عليها أيضا «محكمة الضمير») في القرن السادس عشر، وقد واجهت تلك ~~الهيئات مشاكل الفصل فيما إذا كانت القرارات ناتجة بالفعل عن الميول الداخلية أم لا. ~~ويستشهد راي بوصف الكويكريين لمظاهر الحيرة والارتباك أثناء الشهادة أمام تلك الهيئات، وهي ~~الشهادة التي يجب أن يتصف فيها مقدم الطلب بما يلي: # الحماس والمثالية وأحيانا المبالغة في وصف قضيته، وأحيانا أخرى التقليل من ~~شأنها، وأحيانا يبدو خياليا ومرتبكا أمام الدوافع المختلفة - الدينية والسياسية ~~والاقتصادية والاجتماعية - حيث يرغب في الإخلاص لأكثر المفاهيم سموا، لكنه متورط ~~باستمرار في مناقشات غير ذات جدوى حول أشد المفاهيم وضاعة، ومحاط دائما بصعوبات ~~هائلة متعلقة بتفسير صحيح وعقلاني لقناعاته الخاصة. # شكل 4-1: بطاقة بريدية تعبر عن «سجن المعترض على أداء الخدمة العسكرية لأسباب ~~تتعلق بالضمير» بريشة جي بي ميكلرايت، 1917. # 1 # ويتضح إخفاق هذا النظام في الأداء المتقلب ~~للمحاكم المختلفة، حيث وجد حوالي ستة آلاف من المعترضين طبقا لما يمليه الضمير أنفسهم في ~~الخدمة العسكرية إما لأنهم لم يحظوا بجلسة استماع أو لأن جلسة الاستماع قد رفضت؛ مما عرضهم ~~فيما بعد للمحاكمة العسكرية، على نحو متكرر في الغالب، والإرسال للسجون الحربية. لكن من بعض ~~النواحي لاقى هذا النظام نجاحا مدهشا، حيث استمعت المحاكم إلى حوالي 16500 دعوى، وحصل 80٪ ~~منها على نوع من الإعفاء المشروط الذي عادة ما يتضمن الخدمة البديلة، ثم أدخل المزيد من ~~التحسينات على هذا النظام في قانون التدريب العسكري الصادر عام 1939 الذي سمح بالإعفاء من ~~الخدمة ms067 (بدلا من الحبس) للأشخاص الذين كانوا يرفضون أداء الخدمة أو يرتكبون مخالفة لأسباب ~~تتعلق بالضمير فور تجنيدهم في الجيش. ويمكننا تتبع نفس المسار العام في الولايات المتحدة ~~التي سمحت أثناء الحرب العالمية الأولى بالخدمة البديلة لمن كانوا يبدون توجها دينيا ~~وعقيدة مسالمة رافضة للعنف (لكن دون اقتصار محدد على أعضاء «كنائس السلام» التاريخية )، ثم ~~تحولت في عام 1948 إلى التأجيل الفوري للمعترضين طبقا لما يمليه الضمير، ثم عادت إلى سياسة ~~الخدمة البديلة أثناء الحرب الكورية. # وحتى مع اتساع الفهم العام للضمير كي يشمل الدوافع العلمانية والأخلاقية بالإضافة إلى ~~الدوافع الدينية والأدبية، فقد تحولت أيضا دوافع الاعتراض طبقا لما يمليه الضمير كي تشمل ~~القناعات التي تكونت خارج حدود الدين المؤسسي؛ فعلى سبيل المثال تفضل محكمة عليا أمريكية ~~الاعتماد على حدة الشعور مقياسا بلغة استخدمت في مناقشات الضمير عبر تاريخه، حيث تقبل مبدأ ~~الإعفاء «لكل من يشعرون بوخز الضمير بسبب معتقدات أدبية أو أخلاقية أو دينية، فلا تستريح ~~ضمائرهم إذا سمحوا لأنفسهم بأن يصبحوا جزءا من آلة للحرب» (398 الولايات المتحدة 33ف). ~~ويجب وضع مجموعة من المعتقدات - بعضها علماني - في الاعتبار أثناء اتخاذ القرار، طالما أنها ~~«تقوم بدور الدين في حياة المجند». # وعلى الرغم من ذلك، فإن حدود الإعفاء من ~~الخدمة العسكرية (أو بعض الواجبات المحددة في حالة المجندين بالفعل) ما زالت محل تفاوض ~~مستمر، وهنا تنشأ حالات الأشخاص الذين لا يعترضون على الحروب كلها، لكنهم يملكون اعتراضا ~~محددا أو وسواسا للضمير فيما يتعلق بحرب معينة أو نوع محدد من الخدمة، وبالطبع فكلما أصبح ~~الاعتراض أكثر تفصيلا زاد احتمال أن يصبح الأمر موضع خلاف. ويتمثل نموذج معاصر «للاعتراض ~~المستهدف» في حالة الجنود الإسرائيليين الذين كلفوا بالدفاع عن بلادهم في مواجهة الأعداء ~~المعتادين، لكن مع قصر خدمتهم على حدود 1967 ورفض أداء المهام في الأراضي المحتلة. ولاحقا ~~ظهرت دعاوى مضادة من جانب المحافظين الدينيين الذين رفضوا المشاركة في إغلاق المستوطنات ~~المحظورة في الضفة الغربية أو حتى أداء الخدمة العسكرية على الإطلاق وضعا في ms068 الاعتبار ~~المخاطرة التي تفرضها تلك المهمات. وما زالت تلك الأمور محل جدال محتدم في إسرائيل وأينما ~~يمارس التجنيد الإجباري، وعلى الرغم من ذلك فإذا تناولنا التاريخ الذي يبلغ خمسمائة عام من ~~الاعتراض طبقا لما يمليه الضمير ككل، فسنجد أنه يوحي باستعداد كبير لدى الأفراد في ~~المجتمعات الغربية للتكيف مع المعتقدات غير المألوفة وصعبة التوثيق التي يدرك الجميع أنها ~~ذات أساس في الضمير الشخصي. # ويمكننا قول نفس الشيء عن المناقشات الدائرة حاليا في الولايات المتحدة حول «بنود ~~الضمير» التي تؤكد حقوق مقدمي الرعاية الصحية في منع بعض الخدمات وخاصة الإجهاض والخدمات ~~المتعلقة به، لكن مع المزيد من التوسع مؤخرا بحيث يشمل كل الأمور المتعلقة بمنع الحمل. سعى ~~البعض إلى إيجاد العديد من التوازنات بين الاقتناع الشخصي والضرورة العامة، ومعظمها تحمي ~~حقوق مقدمي الرعاية في الرفض طبقا لما يمليه الضمير مع الإصرار على أن مصلحة المرضى تتطلب ~~قدرة سريعة على الوصول للخدمات البديلة (دون أن يقوموا بجولات طويلة مضنية في المستشفيات ~~الأخرى) وحماية المرضى من التعرض للمخاطر. وبالطبع فإن ثمة مشاعر قوية متبادلة من الطرفين، ~~وخاصة بين الكاثوليكيين والإنجيليين المعارضين للإجهاض من ناحية والعلمانيين وأصحاب ~~المعتقدات الأخرى الذين يصرون على الحريات الإنجابية من ناحية أخرى. وغالبا ما يتفاقم ذلك ~~الأمر إلى أزمة عند تناول موضوعات محددة خاصة بالطوارئ الشخصية، مثل تحديد النسل وتوفير ~~حبوب «صبيحة الجماع» لضحايا زنا المحارم والاغتصاب. # وقد أثير موضوع مقدمي الرعاية الصحية الذين يرفضون تقديم الخدمات المتعلقة بالإجهاض ~~مؤخرا في ولاية ماساتشوستس التي تمتلك قانونا «متوازنا نسبيا» يضمن تلبية «الاحتياجات ~~الدينية» لموظفي الرعاية الصحية بصورة معقولة، لكنه في الوقت ذاته يصر على تقديم الخدمات ~~عندما تتعرض صحة المريض أو سلامته للخطر عند رفض العلاج. وأصبح هذا الأمر «موضوعا ساخنا»، ~~حيث أخذ المرشحون السياسيون يقدمون تفسيرات مختلفة للقانون، واكتسح هذا الجدال مجال فضاء ~~المدونات مجتذبا العديد من التعليقات من الجانبين. ومن نماذج مواقف مؤيدي الإجهاض ما يلي: ~~«إذا لم تتمكن من أداء كل مهام وظيفتك بضمير مستريح، فلا تعمل ms069 بتلك المهنة.» بالإضافة إلى: ~~«لقد سئمت من قيام حكومة بلادي بإنشاء مجموعات محددة من الناس تمتلك حقوقا لا يشترك فيها ~~الجميع بصورة متساوية.» أما الموقف المضاد فيتمثل فيما يلي: «يجب عليك رفض القوانين ~~والأوامر غير الأخلاقية.» وقد أذيعت بالطبع العديد من التصريحات المتطرفة، لكن حتى في وسط ~~الفضاء الإلكتروني مجهول المصدر المشتعل سعى عدد لافت للنظر من المشتركين إلى إيجاد نوع من ~~التوازن والتوصل إلى حل وسط، حيث قال أحد الساعين إلى التوصل لحل وسط: «يكفي بالنسبة لي ~~التأكد من وجود أحدهم في المستشفى على استعداد لإجراء العملية.» وقال آخر: «رجاء الحوار.» ~~وقال ثالث يبدو كما لو كان ديفيد هيوم: «نحن بحاجة إلى حل نتفق عليه جميعا ولا يسبب سوى ~~أخف الأضرار.» # وقد تناول مقال في جريدة «أوبزرفر» البريطانية بتاريخ 5 سبتمبر 2010 موضوعات مشابهة فيما ~~يتعلق بآراء معالج جنسي رفض تقديم خدمات للمثليين بناء على أسباب تتعلق بالضمير، وتناول ~~واحد ممن أجري معهم التحقيق مسألة السماح للمسيحيين بالتملص من واجباتهم المهنية مدفوعة ~~الأجر لأسباب تتعلق بالضمير الديني بالطريقة التالية: # عندما تذهب للتسوق في المتجر قد تجد العاملين من الفئات التالية: مسلم لا يبيع ~~الكحوليات، وهندوسي لا يبيع اللحم البقري، ويهودي لا يبيع لحم الخنزير، وكاثوليكي ~~لا يبيع وسائل منع الحمل، ومسيحي لا يبيع أي شيء أيام الآحاد، وأحد أفراد كنيسة ~~اسكتلندا الحرة لا يبيع أسطوانات الموسيقى التي تنطوي على محرمات، ونباتي لا يبيع ~~أية منتجات حيوانية، ومعالج بالإيمان لا يبيع أية أدوية. # وتساءل أحد المشتركين الآخرين في التحقيق بلهجة محبطة قائلا: «عندما يسمح بالإعفاءات على ~~أساس «الضمير»، فإلى أين يمكن أن يقودنا ذلك؟» لكن حتى بعد تلك التعبيرات التي تدل على ~~السخط، فإن معظم الناس - وحتى كتاب تلك الخطابات أنفسهم - قد أبدوا على الأقل بعض ~~الاستعداد لقبول بعض المتاعب احتراما لوساوس الضمير من جانب مقدمي الخدمات، حتى عندما لا ~~يؤيدون الآراء المطروحة. # ويؤكد الباحثون عن الحلول الوسط في الحقيقة أن بعض الاحترام واجب لأصحاب الوساوس الدينية ~~أو الأخلاقية طالما ms070 هذا الاحترام لا يضر بحقوق المرضى في العلاج الآمن والفوري، أو حقوق ~~العملاء في الحصول على خدمات بديلة في الوقت المناسب؛ أي إن أعدادا ضخمة من الناس على ~~استعداد للإذعان لمواقف لا يتفقون معها - أو حتى قد يختلفون معها بشدة - عندما تتدخل «حقوق» ~~الضمير الفردي في الأمر، وذلك على الأقل إلى درجة معقولة ومحددة. وفي تلك الدرجة من الإذعان ~~يتجلى التقدير الحالي للضمير، بل إنه يتجلى بصورة أوضح لأنه كما في الاعتراض طبقا لما ~~يمليه الضمير على الخدمة العسكرية، تمتد حقوق الرفض المبني على الضمير لأبعد من نطاق ~~الاعتقاد الداخلي فحسب كي تشمل السلوك الفعلي. # والسؤال الآخر الذي يجب مواجهته هو ما إذا كانت القرارات الخاصة بحدود الاعتقاد المبني ~~على الضمير - وخاصة فيما يتعلق بالسلوك - يجب أن تتخذ على أساس مرتجل أم منفصل لكل حالة في ~~منبر الرأي العام، أو سواء ما إذا كان ثمة أساس للتفكير في أن تلك الأشكال من الحماية تستحق ~~أن تمتد كي تصبح حقا قابلا للتطبيق بواسطة القانون المدني أو الجماعي (كما في الاتحاد ~~الأوروبي) أو حتى القانون الدولي (فيما يتعلق بالأمم المتحدة). # الضمير ومشكلة «الحقوق» # يمكن تلخيص المشكلات التي نتجت عن محاولات ترقية حرية الضمير إلى حق واجب النفاذ في ~~الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة (والذي أقر عام 1948). ويتضمن ~~هذا الإعلان بندا قويا متعلقا بالضمير، حيث أوضح أن «تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها ~~قد أدى إلى ارتكاب أفعال همجية وحشية ازدرت الضمير الإنساني»، وأكد أيضا أن «لكل شخص ~~الحق في حرية الفكر والضمير والدين». وهي بالطبع وثيقة جديرة بالثناء، وعند تطبيقها في ~~منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش (منظمة رصد حقوق الإنسان) فإنها تمثل ~~قوة كبرى للتحسن في ظروف ضحايا التمييز السياسي والديني، لكنها مع ذلك تترك بعض القضايا ~~الخاصة بالتفسير والتطبيق عالقة. # وتتعلق إحدى تلك المشكلات بقابلية تطبيق مبدأ الضمير ذي الأصول الغربية على نطاق واسع ~~من الظروف الثقافية المختلفة. وتتضح مدى صعوبة هذه المشكلة من خلال مشكلة اللغة ms071 نفسها، ~~والخلافات التفسيرية التي تنشأ عندما تترجم تلك الوثيقة إلى 375 لغة مختلفة. وبالطبع ~~فإن كل لغة بشرية بها مصطلحات خاصة بالتقييم الأخلاقي والسلوك القويم، لكن القليل من ~~اللغات غير الأوروبية بها مرادفات دقيقة لكلمة «الضمير» كما تستخدم في الغرب المعاصر. ~~ومن الأمثلة البارزة التي نقلتها لي الأستاذة ليديا ليو أستاذ اللغات والثقافة الشرق ~~آسيوية مثال يخص وضع مسودة الإعلان نفسه: # عندما اجتمعت السيدة روزفلت ~~واللجنة التي شكلتها لوضع مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للأمم المتحدة ~~في أربعينيات القرن العشرين، جرت العديد من المناقشات حول «الضمير». وقد تمكن ~~أحد أعضاء اللجنة المهمين د. بي سي تشانج، وهو كاتب مسرحي ودبلوماسي صيني، من ~~إقناع اللجنة بتبني الفكرة الكونفوشيوسية ليانجزين (النزعة الأخلاقية ~~الفطرية) التي طرحها الفيلسوف منسيوس، ومن ثم فإن المصطلح الإنجليزي # conscience ~~«الضمير» كان في حقيقة الأمر ~~ترجمة لمفهوم ليانجزين الصيني في المادة الأولى من الإعلان وليس العكس! # وتضيف الأستاذة ليو أن إصرار تشانج على التوصل لفهم موحد لليانجزين والضمير كان ~~محاولة لصياغة ما أطلقت عليه «علامة رئيسة» رمزية ومتحررة من مدلولاتها المسيحية ~~الخاصة. ومن الواضح أن أحد الأعضاء الغربيين باللجنة قد جادل جدلا عنيفا ضد اقتراح ~~تشانج سعيا إلى التوصل لفهم للضمير أقرب للفكر الأوروبي والمسيحي. وتشير تلك المناقشة ~~تحديدا التي وقعت أثناء وضع الإعلان إلى التحديات التي ينطوي عليها تطبيق الإعلان، ~~والتي أوجدها استخدام 375 لغة في الوثيقة، والتي تتفرع فيها تفسيرات محلية وتقليدية ~~مختلفة للالتزامات الأخلاقية في طرق ثقافية مختلفة عن النموذج الأوروبي. # شكل 4-2: د. بي سي تشانج من الصين، نائب رئيس اللجنة، يحيي السيدة إلينور ~~روزفلت من أمريكا، رئيسة لجنة حقوق الإنسان، وذلك في الجلسة الأولى ~~للجنة الصياغة الخاصة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليك ساكسس، ~~نيويورك، 9 يونيو 1947. # 2 # وإذا وضعنا في الاعتبار تنوع ثقافات العالم واللغات التي تعبر عنها، فإن مطمح التوصل ~~إلى تعريف ومقياس معترف به عالميا للضمير لن يتحقق أبدا، حيث تعتمد مزاعم لعالميته ~~على الإيمان العاطفي الوهمي بالطبيعة البشرية المطلقة المتماثلة في ms072 كل العصور ~~والمجتمعات. واستجابة لتلك الافتراضات المطلقة، وخاصة تلك التي صيغت وانتشرت أولا في ~~الغرب، أثار أشخاص من ثقافات مختلفة مجموعة من الاعتراضات، بعضها لغوي كما في الفجوة ~~البسيطة بين الضمير والليانجزين، لكنها ليست لغوية فحسب؛ فاللغة تحدد الثقافة وتتحدد عن ~~طريقها، والبعض الآخر يعود إلى التاريخ السحيق للضمير مستنكرا ارتباطه التقليدي بالقيم ~~المسيحية. أما الاعتراضات الأخرى المنتبهة إلى الميراث الأقرب الخاص بالعقلانية في عصر ~~التنوير فهي تنتقد النزعة إلى الأفكار الغربية المتعلقة بذكر «الحقوق» بصورة عامة ~~ومطالبات الضمير بصورة خاصة نيابة عن الفرد المستقل. وينشأ ذلك القلق خوفا من أن يؤدي ~~فقد التوازن بين الحقوق والحريات الفردية إلى الاستخفاف بحقوق المجتمع ككل - وخاصة تلك ~~الحقوق الجمعية التي تقوم على ممارسات ثقافية أو دينية تقليدية - لكنه يصبح أكثر حدة ~~عندما تسعى البلدان الغربية إلى تصدير أفكارها حول الحريات الفردية وحقوق الضمير إلى ~~البلدان الأخرى. وكما لاحظ آر بانيكار فإن ~~تشريعات حقوق الإنسان غالبا ما ينظر إليها أفراد المجتمعات غير الأوروبية بوصفها تثار ~~«من أجل تبرير انتهاك حرية شخص آخر». # لو افترضنا أننا نعترف بحقيقة مخجلة: وهي أن أي تأكيد لحقوق الضمير يعتمد على الأرجح ~~على مبادئ نسبية تحددها الثقافة وليس على مبادئ مطلقة عالمية مهما بدت مقبولة. لا تختفي ~~تلك المشكلة عندما يضيق مجال النشاط المستند إلى الضمير من الدول والثقافات المتنافسة ~~إلى موضوعات متعلقة بالخيارات الفردية في مجتمع محدد متجانس نسبيا، وأود التأكيد على ~~«التجانس النسبي»؛ وذلك لأن كل دولة أو كيان سياسي أو حتى حي سكني يضم أفكارا ثقافية ~~متفاوتة ومتنافسة تشتق منها مفاهيم مختلفة للسلوك المبني على الضمير. وإذا كانت الدول ~~والثقافات تمتلك وجهات نظر مختلفة في الاختيار طبقا لما يمليه الضمير، فنفس الأمر ~~ينطبق على اللاأدري الغربي والمسلم السني، أو على الكويكري المؤيد للسلام وأحد حاملي ~~السلاح من الجمعية الوطنية الأمريكية للبنادق المناصرة لحقوق حاملي السلاح، حتى عندما ~~يتعايشون جنبا إلى جنب. # وإذا نحينا جانبا مسألة الاختلاف الثقافي، علينا الاعتراف بوجود عقبة أخرى أمام ~~القبول بزعم ms073 عالمية الضمير؛ فمهما كان الضمير حسن النية فإنه يخطئ أحيانا، وهو ما فكر ~~فيه القديس توما الأكويني: فهبة الله المتمثلة في التمييز العقلي لا تخطئ، لكن الضمير ~~الذي يجب عليه أن يتخذ قرارات عملية صعبة في العالم يخطئ طوال الوقت، بل إنه يساعد ~~أحيانا على الهرطقة بطريق الخطأ. وفي قصيدة «الفلاح بيرس» التي تعود للعصور الوسطى، ~~يرتكب الضمير الخطأ الكارثي المتمثل في السماح للرهبان بدخول قلعة الوحدة، وينتهي به ~~الأمر مضطرا إلى خوض الطريق باحثا عن الحقيقة وحده. ويتعثر الضمير المعاصر المثقل ~~بالعاطفة والمفسد بالتفسيرات الأخلاقية البرجوازية في المنطق المخطئ والتسويات ~~الأخلاقية. وقد رأينا بالفعل وصف مارك توين المميز لهاكلبيري فين وهو يوبخ نفسه شاعرا ~~بتأنيب الضمير - وإن كان شعورا خاطئا - نظرا لقيامه بمساعدة العبد الهارب جيم. وهناك ~~بالطبع أيضا تلك الأحداث التي لا يقبل فيها الضمير بتسوية مذلة فحسب، بل إنه أيضا ~~يحرض على ارتكاب جريمة ويخطئ الهدف تماما. وقد يجيب المرء قائلا إن تلك الحالات ~~للضمير الخاطئ لا تمثل الضمير على الإطلاق، لكنها مجرد صورة مزيفة خيالية منه، لكن ~~الحقيقة القاسية تتمثل في أن أحكام الضمير ليست صحيحة أو صالحة طوال الوقت، فمن أشهر ~~الأمثلة الصارخة التي لا تحتاج إلى ذكرها والتي خرج فيها الضمير عن السيطرة كما أوضحت ~~هانا آرندت أن النازيين لم يكونوا يعانون من أية مشاكل مع الضمير على الإطلاق، بل إنهم ~~كانوا يعتبرون أنفسهم ذوي ضمير «سليم» أو حي، وهو الضمير الذي - على الأقل من وجهة نظر ~~البعض - وافق على أفظع انتهاكاتهم. # وكثيرا ما تختلط أحكام الضمير مع الخيارات والأفعال الدنيوية التي تستند إلى الضمير، ~~ومن الخطأ الفادح أن نصر على أن كل خلاف يمكن حله ب «ورقة الضمير». وليس هذا انتقاصا ~~من قيمته الأخلاقية، أو الحافز الإيجابي للجدية الأخلاقية الذي تقدمه مطالب الضمير. لكن ~~يفضل أن يعتبر الإصرار على «حق» التصرف طبقا للضمير نقطة بداية للتفاوض وليس محطته ~~النهائية. # تعزيز مطالب الضمير # بناء على مجال المطلب وطبيعته، يحتمل أن تحقق بعض التأكيدات على ms074 حقوق الضمير ~~أهدافها أكثر من البعض الآخر. ويعتبر الاعتراف المتعقل بالعجز الذاتي أحد الطرق التي ~~تضمن الالتزام الأمثل بمطالب الضمير، فعندما يؤكد الإعلان أن «لكل شخص الحق في حرية ~~الفكر والضمير والدين»، فهو يشير إلى أمور تتعلق بالاعتقاد الداخلي وليس إلى الإجراءات ~~المتخذة في العالم. ولم يعد هناك من يعترض على حق الفرد في تلك الحرية الداخلية، فعندما ~~أكد جون لوك أن «حرية الضمير حق طبيعي لكل إنسان»، كان يشير إلى حرية الفكر والاعتقاد ~~الداخلي (وليس الفعل)، ويبدو أن هذا التأكيد لا يمكن دحضه اليوم. # لكن حتى تلك المعركة البدائية نسبيا ما زالت في انتظار الحسم. وفي حقيقة الأمر، ~~فعلى الرغم من أن دفاع لوك عن الضمير كان مقتصرا على المعتقدات وليس الأفعال، فإنه قد ~~سمح ببعض القيود الجادة، فهو لم يضع - على سبيل المثال - أية بنود خاصة بالحقوق ~~الطبيعية للمرأة، وأكد على إنكاره لمزايا التسامح الديني الممنوحة للمسلمين والملحدين ~~على حد سواء. وعلى الرغم من أن معتقدات المرء «الداخلية» قد تبدو لأول وهلة أمرا ~~شديد الخصوصية، فإن الدول التي اتبعت سياسة الإكراه قد أثبتت مرارا وتكرارا مهارتها ~~في صياغة أقسام الولاء والطقوس المطلوبة من أجل إبراز تلك المعتقدات والضغط عليها. ويعد ~~المثال الخاص بسلطة الدولة الرومانية التي كانت تطلب من المسيحيين الأوائل تقديم ~~القرابين للآلهة التقليدية حتى تكتشف ميولهم الداخلية مثالا شهيرا على هذا الانتهاك. ~~وفي روايته التي تحمل عنوان «ظلام في الظهيرة»، ألح المؤلف المناهض لستالين آرثر كوستلر ~~في الكتابة عن «المحاكمات الصورية» السوفييتية ونجاح تقنيات الاستجواب السابقة على ~~المحاكمة في تبديد الثقة بالنفس عن طريق مهاجمة أسس الاعتقاد المستقل. وما زال الاعتراف ~~والإنكار تحت الإجبار منتشرا في المجتمعات المعاصرة، وهو يمارس حاليا في إيران ~~وكوريا الشمالية ودول أخرى معادية للمعتقدات الخارجة عن المألوف. ونتيجة لذلك، ما زالت ~~حتى أبسط الحقوق الخاصة بالاعتقاد الشخصي موضع خلاف بصورة أخطر مما يتصوره البعض، وما ~~زال الدفاع عنها يتطلب حذرا مستمرا. # لكن الاختبار الحقيقي لمبادئ الإعلان يكمن في الخطوة التالية: عندما ms075 تجلب حقوق ~~الضمير إلى نطاق السلوك العام (في مقابل السلوك الخاص المحض). وعلى الرغم من أن القليل ~~يعترضون على الحق المطلق للفرد أو الجماعة في الاعتقاد طبقا لما يمليه الضمير، فإن ~~الأفعال المرتكبة طبقا لما يمليه الضمير تثير مشكلات أكثر تعقيدا؛ فالأفعال تؤثر على ~~الآخرين؛ وبناء على هذا التأثير قد لا يمكن اعتبار الفعل حقا قابلا ~~للتطبيق. # وفور قيامنا بتوسيع مفهوم الحقوق التي تعتمد على الضمير كي تشمل السلوك، علينا أن ~~نواجه المشكلات التي تنشأ عندما تتعارض أفعال المرء التي يقوم بها طبقا لما يمليه ~~ضميره مع حريات الآخرين وحقوقهم. وقد كان هذا الموضوع دائما حاضرا بدرجة أو بأخرى في ~~المناقشات حول الضمير. وقد تم التركيز عليه في وقت مبكر في كتاب ويليام تينديل الذي ~~يحمل عنوان «طاعة رجل مسيحي» (1528) الذي يدافع فيه عن استسلام المسيحي لسلطة العامة ~~مضطرا «بدافع من ضميره أولا ... [و] ثانيا بدافع من ضمير جاره»، موضحا أن الضميرين ~~متبادلان، وأن الأعمال التي ترتكب (أو تهمل) فيما يتعلق بأوامر الضمير لها تأثير حتمي ~~على ضمائر الآخرين. وبالطبع فإن حقوق أي فرد لا يمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية دون أن ~~تتصادم مع حقوق الآخرين من ذوي الميول المعارضة، مما يؤدي إلى خلق صراع في المجتمع ككل. ~~وإذا كانت مبادئ الضمير ستمتد من نطاق الاعتقاد الخاص إلى نطاق السلوك العام، تتمثل ~~المهمة في اكتشاف مبادئ تحظى بالإجماع عن طريق الموازنة بين الحد الأدنى من احتياجات ~~الحرية الفردية مع احترام مسئولية كل مجتمع (بما في ذلك المجتمعات الأخرى بخلاف ~~مجتمعنا) تجاه حماية الصالح الجماعي لأفراده. # عرف هنري شو - الباحث في حقوق الإنسان والقانون الدولي ~~- حقوق الإنسان تعريفا مفيدا فقال إنها ~~«الحد الأدنى من المتطلبات المعقولة المفترض على البشرية تقديمها لكل فرد». ويؤكد هذا ~~التعبير المتوازن توازنا ذكيا على حقوق الفرد، لكن مع وجود شرطين أساسيين؛ أولا: أن ~~تكون المتطلبات «معقولة»؛ بمعنى أن تجتاز اختبار «المنطق» مما يحد من التزامنا بالإذعان ~~للمطالب المتعصبة أو غير العقلانية التي بنيت على ms076 المصلحة الأنانية أو الوحي الإلهي ~~المتخيل، من النوع الذي وصفه لوك بأنه «ينتج عن غرور عقل مزهو بنفسه». وثانيا: إذا ~~كانت عملية الإصرار على المتطلبات سوف يترتب عليها القيام بعمل يؤثر على العالم (ولن ~~تقتصر على حرية الفكر الشخصي)، إذن يجب ألا تقتطع تلك المتطلبات من حقوق الآخرين - يجب ~~ألا تسبب ضررا، كما يقول ميل. # شكل 4-3: صعوبة فهم الضمير: رسم كاريكاتوري بعنوان «حسنا، جيميني الليبرالي !» ~~لمارتن روسون، بصحيفة الجارديان، 10 مايو 2010. # 3 # أما عن مسألة المعقولية، فلا ريب أن مطالب الضمير تحقق نجاحا هائلا عندما تتصل ~~بصورة واضحة بأمور تتعلق بالاعتقاد المشترك. فنحن نتعرض لأصعب الاختبارات لإيماننا ~~بالضمير - كإيماننا بكل الأمور المتعلقة بالحقوق والحريات المدنية - عندما نجد أنفسنا ~~مطالبين باحترام مطلب شديد الغرابة. لكن الأصل الاشتقاقي لكلمة الضمير # con + scientia ~~(أو المعرفة المشتركة) طالما أشار إلى ~~أن أهم نقاط قوته تكمن في علاقته بالميول المشتركة للمجتمع الأكبر، وهي نفس وجهة النظر ~~التي طرحها توماس هوبز في كتابه «اللوياثان» (1651) المتمثلة في أن الضمير يجب أن يكون ~~جمعيا تماشيا مع أصله الاشتقاقي وليس مجرد مجموعة من الأفكار الفردية السرية. وسعيا ~~للتوصل إلى أساس جمعي للضمير، استقر هوبز على المبدأ القائل إن «القانون هو الضمير ~~العام الذي تعهدت [الحكومة] بالفعل أن تسترشد به». وعلى النقيض من هوبز، يقدم لنا ~~التاريخ المعاصر أمثلة (في الهند والجنوب الأمريكي وجنوب أفريقيا وميدان السلام ~~السماوي) كان فيها العصيان المدني في مواجهة قانون فاسد يبدو عملا فاضلا، وفي تلك ~~الحالات كان الضمير اليقظ مفيدا في تحدي القانون الفاسد. وهكذا فقد عدل لوك وآخرون على ~~نحو مفيد من موقف هوبز عن طريق تذكيرنا بأن القوانين التي تتعارض مع الضمير الشخصي ~~يمكن عصيانها من قبل الأشخاص المستعدين لتقبل عقوبة مدنية ثمنا للعصيان القائم على ~~مبادئ، واضعين بذلك أحد الأركان الأساسية المهمة في ممارسات العصيان المدني. ومع ذلك ~~فإن اقتراح هوبز بأن يشكل القانون «ضميرا عاما» يعد اقتراحا مهما من حيث إشارته ~~إلى أن الضمير الشخصي يعمل بأفضل صورة عندما ms077 يجد نقطة اعتقاد مشتركة. # ولما كانت سلطة الضمير تدعمها مؤشرات الدعم العام كالقانون أو الدين الرسمي أو حتى ~~الرأي العام أو «المنطق السليم» المحض، فسوف يظل الضمير مستحقا موقعه المركزي في ~~مناقشاتنا الأخلاقية. أي إنه ما دام الضمير يستمد حيويته من المبدأ الإيثاري ويكرس نفسه ~~لصالح الجميع، فسوف يستحق موقعه المركزي في حياتنا. لكن استخدام التعبير الشرطي «ما ~~دام» هو الخدعة هنا، فالقول إن الضمير سوف يزدهر إذا تلقى دعما من العقل أو القانون أو ~~المنطق السليم يعني كل شيء ولا شيء في الوقت ذاته. ومهما كان الضمير جديرا بالثناء، ~~فهو في هذه الصيغة ما زال يقوم بدور الحجر في حساء الأحجار: فالحجر مضافا إليه بعض ~~الجزر والبطاطس والبصل سوف يكون مرقا لذيذا، تماما كما ينتصر الضمير مضافة إليه ~~المبادئ المتفق عليها والفكر الجلي. فإذا كان الضمير لا يملك مضمونا خاصا به ويعتمد ~~على المنطق السليم والمعرفة الجمعية لتكملته أو حتى لإعطائه هويته نفسها، ألن يتلاشى ~~ببساطة إذن وجوده كقوة مستقلة في العالم؟ وما الذي يتبقى ثابتا ومهما بشأن الضمير ~~نفسه؟ وما الدور الذي يتبقى له كي يقوم به؟ # سوف أعود إلى الدور الأساسي للضمير للحصول على إجابة، وتحديدا إلى الصلة الوثيقة بين ~~الضمير والإقناع. وقد بدأ هذا الفصل بأمثلة يعد احترام الضمير فيها مهما في إقناع ~~الأشخاص غير الملتزمين بشيء غير الضمير بمنح إجازة في «قضايا الضمير» التي تتضمن الخدمة ~~العسكرية والمهن الطبية. ومع ذلك، يعد الضمير أيضا فعالا بشدة في صورة أخرى من ~~الإقناع، وهي إقناع الذات ألا تؤمن بالمعتقدات فحسب، بل أيضا أن تعمل طبقا ~~لها. # ما فائدة الضمير؟ # في أفضل حالات الضمير وأنجحها، فإنه لا يحض على محاولة تهذيب الاعتقاد أو يفعلها ~~فحسب، بل إنه أيضا يترجم الاعتقاد إلى فعل والتزام. ويعد الضمير فعالا في جبهتين على ~~نفس القدر من الأهمية: حث الفرد على تحديد معتقداته بشأن السلوك القويم، ثم على نحو ~~شديد الأهمية تطبيق تلك المعتقدات على المواقف الطارئة. وقد وصف القديس توما الأكويني ~~هذا ms078 الجانب العملي من الضمير بذكاء في كتابه «الخلاصة اللاهوتية» الذي يرجع تاريخه ~~للقرن الثالث عشر. # يميز توما الأكويني بين فهم القانون الأخلاقي والضمير، ملاحظا أنهما كثيرا ما يخلط ~~بينهما. وهو يصف فهم القانون الأخلاقي بأنه ملكة غريزية أو عادة فطرية تقنعنا بالخير ~~وتقصينا عن الشر، وهو يتجسد في الأشياء «المعروفة بطبيعة الحال دون أي بحث من جانب ~~العقل كما لو كانت مشتقة من مبدأ راسخ». والضمير لا يعلم الأمور أو يدركها فحسب، لكنه ~~يتعلق بالتطبيق، وتحديدا تطبيق المعرفة على حالة محددة. ويستمر توما الأكويني، واصفا ~~الضمير بصفات مألوفة مثل كونه قوة محفزة، وموضحا أنه يشرع في العمل في تقييم الخيارات ~~والأفعال الشخصية: «يقال إن الضمير يشهد على صاحبه أو يلزمه أو يحثه، وهو أيضا ~~يتهمه أو يعذبه أو يوبخه، وكل ذلك يتبع تطبيق المعرفة على ما نقوم به.» ولست مهتما ~~الآن برأي توما الأكويني الخلافي القائل إن فهم القانون الأخلاقي أمر فطري (وهو ما أشك ~~فيه شخصيا)، لكنني أكثر اهتماما بوصفه للضمير بأنه يتعلق بتطبيق المبادئ المعروفة ~~على المواقف الواقعية. فمن وجهة نظره يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالأفعال التي يقوم ~~بها المرء، بل إنه قد يوصف بأنه نائم حتى يطلب منه تقييم الخيارات أو الأفعال التي ~~يعتزم المرء القيام بها أو التي قام بها بالفعل. وهكذا يستدعى الضمير في المواقف ~~الفعلية عند وجوب اتخاذ القرارات، ويخصص له دور شديد الأهمية في جوهر الخيار المستنير ~~بالمبادئ الأخلاقية. # وهكذا فإن الضمير يقوم بدور جسر مهم بين الاعتقاد والفعل. افترض أن أحدنا لديه رأي ~~صائب، وربما تظن أنت أن رأيك وحي إلهي، بينما أنا كونت رأيي على الأرجح من مقاطع ~~«دونزبيري» الهزلية أو من الإذاعة العامة الوطنية أو من مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس». ~~لكن مسألة أصل الرأي تلك أقل أهمية من الفعل، ومما إذا كنت أنت أو أنا سنحول رأينا إلى ~~فعل، وتلك هي مهمة الضمير: الإقناع والتأثير على الرأي والتهديد إذا لزم الأمر، لكن في ~~كل الأحوال التأكد من القيام بالفعل ms079 الصحيح. فالنوايا الحسنة، إذا ما احتفظ بها بسلبية ~~في العقل، فلن تفضي إلى استجابة نابعة تماما - أو كما ينبغي - من الضمير. # ويتناول مؤلف كتاب صدر حديثا حول موضوع «الحقوق» مجموعة من الانتقادات القوية، منها ~~نسبية الضمير الثقافية المزعومة ومحاباته المهيمنة للغرب وصعوبة إصدار الأحكام النابعة ~~من التعارض في الادعاءات المبنية على الحقوق. لكنه (بنبرة متحيرة قليلا) يعترف «بأن ~~لديه اعتقادا بأننا بحاجة إلى القليل من حقوق الإنسان الآن». ونفس الشيء ينطبق على ~~الضمير، فهو مفهوم مطاطي، وهو لا يتمتع بمجموعة فريدة من المبادئ أو بمحتوى ثابت خاص به ~~وحده. فمطالبات الضمير الخاصة بمن نختلف معهم قد تكون بالنسبة لنا ضارة أو حتى هدامة. ~~ومع ذلك، فنحن جميعا في حاجة إلى بعضها. ولا أعلم أي شخص يرغب في الحصول على قدر أقل ~~منها سواء لنفسه أو لغيره. وبالطبع فإن الشخص الذي يصيبه جنون مؤقت قد يرتكب عملا ~~وحشيا باسم الضمير، وتلك الانحرافات لا يمكن تجنبها تماما. لكن إذا اعتبرنا الضمير ~~هو مبدأ الاستياء الذي يحث على العمل بناء على أساس من الاعتقاد، والذي لن يسمح لنا ~~بالراحة حتى تتم مهمته، فعلينا أن نسلم بضرورة وجود المزيد منه في العالم. # أقوال توما الأكويني حول الضمير بوصفه «معرفة تطبيقية» # يدل الضمير طبقا لطبيعة الكلمة ذاتها على علاقة المعرفة بشيء ما: نظرا لأن كلمة ~~ضمير أو # conscience # بالإنجليزية يمكن تحليلها إلى # cum alio scientia ~~؛ أو تطبيق المعرفة على حالة ~~فردية ... # ويتضح نفس الشيء من الأمور التي تنسب للضمير، حيث يقال إن الضمير يشهد على صاحبه ~~أو يلزمه أو يحثه، وهو أيضا يتهمه أو يعذبه أو يوبخه. وكل ذلك يتبع تطبيق ~~المعرفة أو العلم على ما نقوم به، وهو التطبيق الذي يتم بثلاث طرق: أحدها بقدر ما ~~ندرك أننا قد قمنا بشيء أو لم نقم به؛ «ضميرك يعلم أنك كثيرا ما تحدثت بالسوء عن ~~الآخرين.» (سفر الجامعة، الإصحاح السابع، الآية 23)، وطبقا لذلك يقال إن الضمير ~~يشهد. وبطريقة أخرى، بقدر ما نحكم من خلال الضمير أن ms080 أمرا ما يجب أن يتم أو يجب ~~ألا يتم، هكذا يقال إن الضمير يحث الإنسان أو يلزمه بأن يفعل شيئا ما. أما ~~الطريقة الثالثة، فبقدر ما نحكم من خلال الضمير أن أمرا ما قد أنجز جيدا أو على ~~نحو سيئ، هكذا يقال إن الضمير يبرر لصاحبه أو يتهمه أو يعذبه. والآن يتضح أن كل تلك ~~الأمور تتبع التطبيق الفعلي للمعرفة على أفعالنا. ~~(«الخلاصة اللاهوتية»، الجزء الأول، المسألة 79، المادة ~~13) # | هوامش # الفصل الخامس # | صوت الضمير: هل ما زال مسموعا؟ # من الصعب تصديق أن أسوأ الرجال قد يرتكبون أسوأ الأفعال دون أي إحساس أو ندم ~~داخلي، وهو صوت ضمائرهم؛ لكن من السهل الاعتقاد بأنهم يخمدون هذا الصوت ويتخلصون ~~منه، وأنهم باعتياد ارتكاب الإثم قد يصيبهم الصمم بحيث لا يتمكنون من سماع هذا ~~الصوت الضعيف. ~~(إدوارد، إيرل كلاريندون، ~~«عن الضمير»، 1670) # صوت الضمير # نشأ الضمير في التراث الشفهي للقضاء والمرافعات في المحاكم الرومانية، واحتفظ بصفة ~~المداخلة الشفهية. ففي مقابلة أوغسطين الأولى مع ضميره والتي تمثل سابقة، كانت مسألة ~~استماعه إلى صوته لها تأثير كبير عليه. دعنا نعد للحظة إلى تلك الفقرة شديدة الأهمية: # لقد أتى اليوم الذي يجب أن أتجرد فيه أمام نفسي ويتمتم ضميري بداخلي قائلا: ~~«أين لساني؟ صحيح أنك قد ظللت تؤكد ~~أنك لن تلقي عبء الكبر لأجل حقيقة غير مؤكدة. لكن انظر، فالأمور الآن مؤكدة، ~~ومع ذلك ما زلت مهموما بنفس العبء ...» # لا تقدم لنا هذه الفقرة الضمير بوصفه صوتا فحسب، بل إنها أيضا تصف الضمير وهو يحث ~~نفسه، أي إنه حرفيا يكتشف صوته. وقد استخدم أوغسطين في عبارته كلمة # increpare # اللاتينية التي من معانيها «الحفيف»، وفي ~~هذا السياق تعني «يهمهم» أو «يتمتم». وليس هذا الحراك الأول للضمير حديثا منمقا ~~متطورا قدر ما هو حديث متلعثم أو نوع من التمتمة التي تسبق الحديث، ثم تأتي جملة «أين ~~لساني؟» حيث يطالب الضمير بالحق في التعبير عن نفسه. وتبرز أهمية الحديث بالنسبة ~~لاكتشاف الضمير لذاته في النزاع على ما إذا كان أوغسطين يملك لسانا ms081 أم لا. وقد قام أحد ~~المترجمين بترجمة هذه الجملة من اللاتينية إلى «أين لسانك؟» بدلا من «أين لساني؟» ~~والالتباس هنا مفهوم بالطبع. وإذا جاز التعبير، إذا أراد الضمير أن يجعل تأثيره ملموسا ~~فإن عليه أن يضمن حصوله على حق الحديث وأدواته من مكان ما خارج نطاق خبرة أوغسطين ~~المباشرة. # يؤكد الضمير بقوة على حقه في الحديث، وأنه لن يحرم منه، ومع ذلك فهو يتحدث بوصفه ~~صديقا ومستشارا وليس مغتصبا أو متنمرا، وهو يعبر عن كلماته داخليا ويظهر تأثير ~~هذه الكلمات أيضا داخليا. وتبدو صلته الحميمة بصاحبه واضحة في اختياره مخاطبة ~~أوغسطين بضمير المخاطب المألوف باللاتينية # tu # بدلا من ~~الضمير الرسمي الجاف # vos ~~. وعلى الرغم من كل تلك ~~الحميمية فإن الضمير لا يتنازل عن أدوات البلاغة وتقنيات الإقناع الشفهي، فهو يستفيد من ~~بعض التقنيات كالتهكم والمحاكاة الساخرة - أو كليهما في آن واحد - عن طريق إعادة ~~التلفظ بعبارات أوغسطين المميزة بنبرة ساخرة؛ حيث يضع الفعل «سوف تقول» في الزمن الذي ~~يشير إلى تكرار الأفعال في اللغة اللاتينية ليعني بها «أنت تقول دائما»، ثم يكرر أحد ~~مراوغات أوغسطين العبثية حول انتظار اليقين قبل اعتناق الدين الجديد بنبرة صوته ~~الخاصة. # تحتاج شخصية ضمير أوغسطين الناضجة إلى صوت ناطق كي ينقل انفعاله الغاضب ونفاد صبره ~~وحميميته وإلحاح رغباته الإصلاحية، وهكذا فقد استفاد الضمير مرارا وتكرارا من صوته ~~وتعبيره على مدار مسيرته الطويلة المقنعة المؤثرة. # وفي ثقافة أخرى ولاحقة، ومدفوعا بسلطة دينية مختلفة (الآن بروتستانتية)، نجد الضمير ~~يخاطب شخصية روبنسون كروزو التي ابتكرها الكاتب دانييل ديفو. فعندما سيطرت عليه الحمى ~~واليأس، اعترض كروزو على المعاملة التي يتلقاها من الله وتلقى إجابة حاسمة: # أنبني ضميري الآن ... وظننت أن صوته يخاطبني قائلا: «أيها التعس! أتسأل عما ~~فعلت؟ انظر للوراء إلى تلك الحياة البغيضة التي ضيعتها واسأل نفسك عما لم ~~تفعله.» # ويصدم هذا الصوت كروزو ملقيا به في حالة نفسية جديدة، وسوف يتمالك نفسه في نهاية ~~الأمر عن طريق علاج وصفه لنفسه يتكون من تناول التبغ وقراءة الإنجيل. وإذا ms082 نحينا ~~الاختلافات الثقافية جانبا، فما زال هذا الضمير يشترك في خصائص عديدة مع ضمير أوغسطين، ~~فضمير كروزو على نفس القدر من التوبيخ والإلحاح، وهو يخبره بما يعلمه بالفعل لكنه ظل ~~يتجاهله حتى أصبح واجبا أن يصدم بمعرفته. ويدفع هذا الضمير كروزو في اتجاه بحث روحاني ~~كان قد بدأه بالفعل، ومن تلك الناحية يبدو أنه امتداد لأفكاره الخاصة أو لملكة عقلية ~~كائنة فيه. وفي الوقت ذاته فهو يعلم أشياء لا يعلمها صاحبه ويتحدث بقوة ما كان كروزو ~~وحده ليتمكن من استجماعها. ومن تلك الناحية فالضمير يحتل نفس موقع القوة الذي كان يحتله ~~مع أوغسطين؛ حيث يمزج بين وعي دائم بالموقف وفهم مستمد من الخارج لما يجب فعله ~~حياله. # ويتضح هذا الغموض في إجابة كروزو: «أصابتني تلك الأفكار بالخرس كالمشدوه، ولم أستطع ~~أن أتفوه بكلمة، كلا، ليس من أجل التبرير لنفسي، بل نهضت حزينا مستغرقا في التفكير ...» ~~ولدينا هنا موقف مشابه للصراع بين أوغسطين وضميره على ما إذا كان يملك لسانا، وهو موقف ~~حواري تطلب فيه «نفسي» إجابة من «نفسي»، حيث يتحدث أحد الطرفين في حقيقة الأمر باسم ~~كروزو القديم أو المعتاد ويتحدث الآخر باسم بزوغ الوعي الجديد (والذي يحتمل على الأقل ~~أن يكون كثير المطالب). ويؤدي الضمير دور الذات الثانية التي تشبه كروزو لكنها ذات ~~التزامات مختلفة أكثر تأكيدا وتتحدث بصوته الخاص، لكنه صوت غيرته مسئوليات التبشير ~~والهيمنة. # وفي مثال أحدث من ذلك تقدم قصة روبرت لويس ستيفنسون القصيرة التي تحمل عنوان ~~«ماركهايم» ضميرا وضعه أكثر غموضا، فهو لم يعد مفوضا مباشرة من الله، بل إنه قد يكون ~~قادرا على ارتكاب القليل من الأذى الشيطاني، لكنه ما زال ضميرا ذا خصائص سوف نتعرف ~~عليها. ويقبل ستيفنسون بافتراض الضمير ذاتا ثانية أو بديلة، لكنه يطور تلك الفكرة ~~قليلا عن طريق منح هذه الذات ليس فقط صوتا، بل أيضا مظهرا خاصا بها حتى وإن كان ~~مؤقتا. وبطل القصة قاتل يقابل بعد أن ارتكب جريمته طيفا غريبا يشبهه ولا يشبهه في ~~الوقت ذاته: # وقف ms083 ماركهايم وحدق فيه بعينين مفتوحتين. ربما كانت هناك غشاوة على بصره، لكن ~~هيكل القادم الجديد بدا كما لو كان يتغير ويرتعش مثلما تفعل هياكل التماثيل في ~~ضوء الشموع المتراقص في المتجر. أحيانا كان يظن أنه يعرفه، وأحيانا أخرى كان ~~يظن أنه يشبهه، ودائما كان يكمن في صدره ككتلة من الرعب الحي اعتقاده بأن هذا ~~الكائن ليس من الأرض وليس من الله. ومع ذلك، كان هذا الكائن يبدو مألوفا بشكل ~~غريب وهو يقف ناظرا لماركهايم وقد ارتسمت البسمة على شفتيه. # ومثلما في حالة ضمير كل من أوغسطين وديفو، يرتبط هذا الطيف بعلاقة حميمية مع ~~ماركهايم، فهو بمثابة ماركهايم آخر، لكنه منفصل عنه أيضا على نحو ما. وبينما يصارع ~~أوغسطين للحصول على ملكية لسانه، ويجد كروزو نفسه في جدال مع نفسه، يتوهم ماركهايم وجود ~~طيف مشابه يرغب في الحوار معه، طيف خارق للطبيعة «شبيه» به يخاطبه بصوت يشبه صوته على ~~نحو مخيف. لم يكن ستيفنسون أول من ابتكر ضميرا متحركا متحدثا، فالضمير شخصية بارزة ~~في بعض القصائد التي ترجع للقرون الوسطى مثل قصيدة ويليام لانجلاند التي تحمل عنوان ~~«الفلاح بيرس»، وهو يظهر على خشبة المسرح باسمه في المسرحيات الأخلاقية التي كانت تعرض ~~في القرن الخامس عشر والسادس عشر. وفي كل تلك الأمثلة، يمتلك الضمير موهبة الخطاب ~~الإقناعي. # يحاول ماركهايم في بداية الأمر أن يمنع زائره المزعج من الاقتراب، وهو رد فعل معتاد، ~~فالضمير غير مرحب به تماما عند ظهوره، فهو لا يجلب وعيا ذاتيا ومعرفة جديدة فحسب، ~~بل إنه يجلب معه أيضا مسئوليات شاقة. # صاح ماركهايم قائلا: «أنت تساعدني؟ كلا، أبدا، ليس أنت! أنت لا تعرفني بعد، ~~حمدا لله أنت لا تعرفني!» وأجاب الزائر قائلا بنوع من الحدة أو الحزم الممتزج ~~بالحنان: «بل أعرفك، وأعرف دخيلتك جيدا.» # يرتكب ماركهايم الخطأ المتمثل في الدخول في حوار مع شبيهه، وينتج عن ذلك أنه يقتنع ~~بالاعتراف، وهو اعتراف قد يكون في مصلحته أو لا. وعند اعتراف ماركهايم تنتهي مهمة ~~الشبيه، فيختفي ويتلاشى تماما، ويترك القارئ ms084 كي يتساءل عن نواياه الأصلية نيابة عن البطل: # بدأت ملامح الزائر تخضع لتغير رائع جميل: فقد أشرقت وزادت نعومة وغمرتها ~~فرحة النصر الممزوجة بالحنان، وفي اللحظة نفسها التي أشرقت فيها بهتت ~~وتلاشت. # يعد ستيفنسون أقل تأكدا أو ثقة من أوغسطين أو ديفو في تقديره للضمير والولاء المنقسم ~~أو المهمة المزدوجة التي يلتزم بها الضمير، فحديث ضمير ماركهايم حديث مغر لا يحاول ~~إقناعه بالخلاص قدر ما يعد نوعا من العقاب الذاتي، لكنه يقوم بذلك بالكلمات وبالحديث ~~الإقناعي. # وعلى الرغم من أن تلك الأمثلة الثلاثة تختلف كثيرا في فحواها، إلا أن كلا منها ~~يتضمن شخصا في موقف خطير مستعد لاتخاذ قرار حاسم جديد، سواء الاهتداء في الحالتين ~~الأوليين أو الاعتراف في الحالة الثالثة. وهكذا يمكننا أن نتحدث عن «زيارة» الضمير التي ~~يقوم فيها الضمير بدور شخص آخر يملك معرفة خاصة أو «مطلعة» على المأزق الذي يمر به ~~البطل. فمنذ بضعة عقود كتب برونو سنيل كتابه العبقري «اكتشاف العقل» الذي أبدى فيه ~~ملاحظة ثاقبة بأنه عندما كان الإغريق القدماء يحتاجون إلى تفسير أحد التغيرات الكبرى في ~~وجهة النظر أو تبني قرار جديد، كانوا يميلون إلى الاستعانة بزيارة خارجية من إله أو أي ~~وسيط خارجي آخر - وسيط مطلع على الموضوع الحالي، لكنه أيضا لديه معلومات جديدة أو ~~بصيرة نافذة أو مجموعة من المطالب المعدلة - وكانت نتائج تلك الزيارة إما حوارا يغير ~~الرأي أو فرصة لإقناع الشخص المتردد أو الحائر بتغيير وجهة نظره. فقد تزور ربة الشعر ~~على سبيل المثال أحد الشعراء كي تخبره بمادة جديدة أو مصدر جديد للإلهام، أو قد تقنع ~~إحدى الآلهة تيليماخوس بالبحث عن والده. لدينا الآن العديد من اللغات الجديدة للعمليات ~~النفسية التي لم تكن متاحة لدى الإغريق القدماء، بما فيها الصراع بين الروح والجسد في ~~القرون الوسطى المسيحية أو الصراع الداخلي، والتحليل الذاتي والانعكاس لحركة الإصلاح ~~الديني، والوعي الفرويدي بالدوافع غير المعترف بها. لكن الوصف الأقدم للعمليات العقلية ~~يظل متاحا أيضا، وتتمتع خطابات الضمير بشبه واضح مع أكثر نماذج ms085 التفسير النفسي ~~احتراما، والتي يتلقى فيها الشخص الذي يواجه مأزقا لا حل له زيارة من محاور ~~مميز. # وما زال السؤال عالقا: لماذا يعبر عن زيارات الضمير في صورة أحاديث مباشرة؟ فكل من ~~تلك الأمثلة الثلاثة يقدم الضمير بوصفه كيانا «حديا»، أي إنه يعمل في الداخل والخارج ~~في آن واحد ويمتلك درجة مدهشة من المعرفة الداخلية والخارجية. وهكذا فإن الضمير يعمل ~~مراقبا-مشاركا؛ حيث يتوسط بين النفس والعالم. والحديث هو الأداة المناسبة للقيام بدور ~~الوساطة هذا، فالوساطة بين النفس والآخر بالطبع هي المهمة الأساسية للحديث ذاته. وعندما ~~نتحدث فإننا نقوي أنفسنا، حتى ونحن نستخدم اللغة لعرض تلك النفس على العالم. ويعد الفعل ~~اللغوي نفسه ملكية عامة، يعبر الفجوة بين الداخل والخارج أو بين المتحدث والمخاطب. وكما ~~قال الفيلسوف الألماني هيجل في مؤلفه الذي يحمل عنوان «علم ظواهر الروح» (1807): # الحديث هو الوعي بالذات الذي يبقى لدى الآخرين ... إنه الذات - وقد قسمت نفسها ~~إلى قسمين - التي تصبح موضوعية حيال نفسها ... محافظا على نفسه كتلك الذات بقدر ~~ما يندمج في الحال مع الآخرين ويصبح وعيهم بذواتهم. # يمكننا تطبيق وصف هيجل للحديث بأنه «الوعي بالذات الذي يبقى لدى الآخرين» بنفس الدقة ~~على الضمير وكل ما لاحظناه عنه حتى الآن. فالضمير - كالحديث نفسه - يربط بين الذات ~~الخاصة والعامة. لذلك، فإن الحديث هو الوسط الطبيعي للتعبير عنه. # وتكمن العديد من التعقيدات التي تحيط ~~بالضمير في اعتماده على الحديث واللغة، فاللغة ملكية خاصة وملك للآخرين في الوقت ذاته. ~~وإذا دخلنا عالم اللغة فنحن ندخل وسطا ذا تاريخ وبيئة ذات ميول متوارثة لا نستطيع ~~التحكم فيها تماما. فالكلمات على سبيل المثال يسبق وجودها وجود الاستخدامات المحددة ~~التي نضعها لها، وهي غالبا ما تملك معاني متضمنة لا تتأثر بأغراضنا. ويمكن مقارنة ~~المعنى الذي تخدم به اللغة استخداماتنا - وإن كان ذلك مؤقتا وبشكل غير كامل نظرا لأنه ~~يخدم سادة آخرين في الوقت ذاته - بموقف الضمير الذي يخاطب الاحتياجات والرغبات لكن ~~باستقلال مزعج. وفي إدراكه الخاص لتلك القناة التواصلية بين الداخل والخارج - أي ms086 ~~التقدير الخاص والتقييم العام - قد ينظر للضمير بوصفه حالة خاصة من الحديث نفسه: حديث ~~داخلي يخدم سيدين - إذا جاز التعبير - وهما الذات والآخر. وبناء على ذلك فهو يظل أداة ~~فعالة لإدراك الذات، لكنه أيضا قوة عنيدة لا يمكن التنبؤ بأفعالها. # صوت ضعيف؟ # في العقود المضطربة التي شهدها القرن السابع عشر، كتب إدوارد، إيرل كلاريندون (في ~~الاقتباس الذي ذكر في مطلع هذا الفصل) مشيرا إلى أن الضمير قد يستمر في الحديث لكن ~~بصورة ضعيفة أو واهنة. وقد يختفي صوت الضمير بطرق مختلفة، أحدها أن يسقط فريسة للعادة ~~(«عادة ارتكاب الخطيئة» كما يقول كلاريندون) أو الاستسلام المتكرر للنزعات المعارضة. بل ~~الأسوأ من ذلك هو الشك، الذي يتضح في طريقة تناول ستيفنسون لضمير ماركهايم، في أن ~~الضمير قد يكون غير جدير بالثقة أو فاسدا أو أن نصائحه تصطبغ بمصالح أخرى. وكان الضمير ~~دائما واثقا من نفسه، لكن ضمير ماركهايم شديد الوعي والفصاحة والخدمة لمصالح الآخرين ~~بدلا من مصلحته الخاصة، وصوته هو صوت الحية الخبيث المغوي في الجنة أو صوت الشيطان وهو ~~يغوي المسيح، صوت يغزو أفكار ماركهايم بطريقة تؤدي به إلى تدمير ذاته. # وتعد السخرية والولاء المشكوك فيه خصائص تشترك فيها تجسيدات متعددة للضمير في وسائل ~~الإعلام الجماهيرية، وهي ضمائر تغوي وتشمت وتهدد بتدمير أصحابها بطرق أخرى. وأنا أعتقد ~~أن هذا مثل «تأثير لامونت كرانستون»، وهو برنامج إذاعي كان يبث أيام طفولتي وكان يقدم ~~شخصية كرانستون «الظل»، وهو شخصية معاصرة تجسد الضمير، وكان شعاره «من يعرف ما الشر ~~الذي يكمن في قلوب البشر؟ الظل يعرف!» ويعقبه ضحكة ساخرة. وبالطبع كان الظل هو صاحب ~~الموقف الأقوى؛ حيث كان ضحايا سخريته (مثل ماركهايم) من الآثمين بلا ريب. لكن شيئا ما ~~في الابتهاج الخبيث للضمير كان ينفي أن يكون هدفه تعزيز الكمال الأخلاقي. والظل بدوره ~~له العديد من النسخ المقلدة في فئة أفلام الرعب الخاصة بالمراهقين والتي يتحدى فيها شخص ~~غير مرئي أو متنكر ضحيته ساخرا بشيء من قبيل «أعلم ما فعلت» أو تحديدا «أعلم ما ms087 فعلت ~~الصيف الماضي». ويمتلك الصوت الذي يتحدث من موقع قوة خارج الذات - لكنه ذو معرفة غير ~~عادية بالذات - موهبة خاصة في إحداث الدمار والمتاعب الشخصية. وفي حين أنه يعلم عنا كل ~~شيء، فهو يظل بمعزل عن مخططاتنا الهادفة للمصلحة الشخصية دون أية مبررات. وهكذا يمكن ~~لإحدى الخصائص الدائمة للضمير - وهي أنه غير محبوب ولا يمكن رشوته أو شراؤه وأنه يظل ~~بمعزل عن الأشخاص الذين يهتم بهم - أن تفسر تعطله الجزئي إلى حد ما. # ويستمر الضمير في عمل ما كان يعمله دائما، وعلى مستويات ثقافية متنوعة، لكنه أصبح ~~يحظى باحترام أقل. وما زال نداؤه مسموعا، لكن حديثه غالبا ما يبدو خافتا أو غامضا ~~أو فارغا من المحتوى الأخلاقي المقنع الذي يستحق الإعجاب. وفي أوساط فلسفية محددة ما ~~زال الضمير يملك صوتا ونداء، لكنه لا يستطيع الفرار من الشك في أن نداءه فارغ: فهو ~~نداء من الذات للذات، للوعي الذاتي - كما كان الأمر دائما بطريقة ما - لكنه الآن نداء ~~محاصر داخل الذات بطريقة ما، ولا تسمعه إلا الذات، وهو مجرد من أنواع المضمون الواضح ~~التي بوسعها أن تضمن قوته وأهميته الاجتماعية. وفي النظام الخاص بفيلسوف القرن العشرين ~~مارتن هايدجر، يعد نداء الضمير فارغا بطبيعته، فهو أكثر اهتماما بالتمييز الذاتي ~~للذات عن العامة من اهتمامه بأي مضمون أخلاقي مميز: «يوقظ الضمير الذات من ضياعها في ~~الآخرين.» ويدعو نداء الضمير الذات إلى الوعي الأخلاقي، ومع ذلك يظل غير محدد فيما ~~يتعلق بمضمون هذا الوعي (وربما كان ذلك ملائما للمعضلة التي تواجه مهنة هايدجر سيئة ~~السمعة). # ويمثل صاحب الضمير المهووس بذاته اليوم - والذي يمكننا أن نقول إنه من أتباع مذهب ~~هايدجر - شخصية كلامانس في رواية كامو التي تحمل عنوان «السقوط» (1956)، وهي شخصية ~~وصفها كامو في مكان آخر بأنها «نموذج دقيق لضمير نادم». ويتشكل ضمير كلامانس بسبب ~~«صرخة» أطلقتها امرأة تلقي بنفسها في نهر السين، وهي صرخة «انتظرتني حتى اليوم الذي ~~قابلتها فيه» و«كان علي أن أخضع لها وأعترف بذنبي». وهي صرخة لم يكن كلامانس في ms088 بداية ~~الأمر قادرا على الاستجابة لها، والآن يمنعه عجزه عن الاستجابة لها - حتى معرفة من أين ~~صدرت أو ماذا تريد منه بالضبط - من العودة إلى حياته الهادئة. ولا تعد محنته دعاية لقوة ~~الضمير التخليصية، فنحن نقابله ونتركه وهو في حالة من الشلل والضعف. # لكن صوت الضمير ما زال يصارع الظروف كي يكون مسموعا. كما في أغنية إمينم الشهيرة ~~«الضمير النادم» التي يسمع فيها صوت الضمير، بل يقدم أيضا بصورة محترمة، لكنه لا يحظى ~~سوى بنجاح محدود. وقد ألف مغني الراب الأمريكي إمينم ممثل الثقافة الشفهية المعاصرة ~~عرضا تمثيليا متعدد الأصوات يتم فيه تشجيع العديد من ممثلي المجتمع الأقل تمتعا ~~بالضمير بواسطة إمينم (بوصفه متحدثا باسم ثقافة الشارع والغريزة الأكثر انحطاطا)، ~~وتقييدهم من قبل إمبراطور الهيب هوب والمتحدث الأكبر سنا د. دري (في دور ~~الضمير). # وفي السيناريو الأول من بين ثلاثة سيناريوهات، نتعرف على شخصية إيدي وهو على وشك سرقة ~~متجر كحوليات: # المذيع ~~: # هذا هو إيدي، 23 عاما. # يائس من الحياة ومن الطريقة التي تجري بها الأمور، # فيقرر أن يسرق متجر كحوليات. # إيدي ~~: # لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك. لا أستطيع أن أتحمل. # المذيع ~~: # لكن في طريقه غير رأيه فجأة، # وفجأة استيقظ ضميره ... # إيدي ~~: # تبا! علي أن أقوم بذلك ... علي أن أقوم بذلك. # د. دري ~~: # حسنا، توقف. # إيدي ~~: # ماذا؟! # د. دري ~~: # الآن قبل أن تدخل من باب متجر الكحوليات، # وتحاول الاستيلاء على النقود من الدرج، # من الأفضل أن تفكر في العواقب. # إيدي ~~: # لكن من أنت؟ # د. دري ~~: # أنا ضميرك اللعين ... # ويتدخل إمينم (في دور سليم شيدي) كي يقاوم نصيحة الضمير الصالحة، مقترحا في تلك ~~الحالة أن يسرق إيدي المال و«يطلق الرصاص على تلك العاهرة». # ويعد د. دري - في دور صوت الضمير - عصريا جدا: فهو مقنع من ناحية لكنه ضعيف بعض ~~الشيء وليس من الصعب إطلاقا تنحيته جانبا. ويتنازع الضمير مع سليم على روح إيدي، ثم ~~في نهاية الأمر يلقي بحجة عتيقة الطراز حول التعقل والعواقب «حسنا، لكن إذا تم كل ms089 شيء ~~كما يفترض، فسوف يعرف الحي بأكمله ويفضحونك»، وهي حجة من المستبعد أن تنتصر في العالم ~~الأقل تقبلا الخاص براب العصابات. وعلى الرغم من أنه يلقي مواعظ أخلاقية لأبطال إمينم ~~المريبين، فإن دري لا يبلي بلاء حسنا في دور الضمير. ولما كان الضمير مجردا من ~~التفويض الإلهي، فهو نفسه عرضة للهجوم على شخصه، مثلما حدث عندما «يدعوه» سليم باسمه ~~ويستشهد بسيرته الذاتية المختلطة: # السيد دري؟ السيد إن دابليو ~~إيه؟ # السيد إيه كيه يخرج مباشرة من كومتون ... # كيف بحق الجحيم ستطلب من هذا الرجل ألا يكون ~~عنيفا؟ # وللمفارقة، كاد ذكر الماضي العنيف لدري/الضمير يعيد إليه مصداقيته، لكن في نهاية ~~الأمر أصبح كل ما يتعلق بالضمير مبتذلا، بما في ذلك حقيقة ذهاب هذا الدور إلى دري، وهو ~~شخصية موقرة لكنه أصبح الآن إحدى «الشخصيات الثانوية» في عالم الراب. وما زلنا نتعرف ~~على صوته عندما نسمعه ونثني على منطقه المدروس، لكنه لم يعد يملك الأثر القديم الذي ~~يسبب شحوب الوجه وارتجاف الساقين وكل الأعراض الأخرى التي كانت تصيب ضحايا الضمير في ~~الماضي. # منافسو الصوت # يمكننا دائما تكبير الصوت الخافت للضمير، كما حدث في مسرحية شكسبير «ريتشارد ~~الثالث». فعندما كان ريتشارد على وشك خوض معركة بوزوورث وتؤرقه الكوابيس، سمع ضميره ~~يتحدث بألف لغة: «ضميري له ألف لغة، وكل لغة تأتي بقصص عديدة، ~~وكل قصة تحكم علي بالشر.» وحتى إذا كان ~~الصوت مضاعفا أو مرتفعا، ففي بعض الأحيان لا يستطيع القيام بالمهمة وحده؛ إذ نحى ~~ريتشارد ضميره جانبا بوصفه «ليس سوى كلمة يستخدمها الجبناء» وهو بذلك نموذج يستدل به. ~~وهو مهزوم أمام الضمير، لكن في حالات أخرى عندما يخمد أو يخفض صوت الضمير قد تستدعى ~~مصادر اتصال أخرى. وكثيرا ما كانت الكتابة والتصوير البصري يخدمان أهداف الضمير، على ~~الرغم من أن علاقتهما به قد تكون أحيانا تنافسية بالإضافة إلى كونها تعاونية. # تعد الكلمة المكتوبة حليفا عنيدا - وفي الوقت ذاته مهما - للضمير، فلطالما كان ~~للضمير صلة مؤكدة بالكتابة. ومنذ سفر دانيال حيث كانت أصابع يد إنسان ms090 تكتب على حائط ~~بلشاصر ملك بابل، كان اتخاذ المطلب الأخلاقي صورة مكتوبة فكرة منتشرة. وبلا ريب فاليد ~~الخفية في سفر دانيال كانت تكتب نبوءة تتعلق بالإطاحة بالملك وليس أمرا شخصيا. لكن ~~رد الفعل الجسدي للملك الذي تتغير فيه ملامحه وتضطرب أفكاره وتصطك ركبتاه يبدي كل ~~العلامات التي عادة ما تصاحب هجوم الضمير في المعتقدات المسيحية اللاحقة. وعلى الرغم من ~~أن اللغة العبرية لم تكن بها كلمة واحدة مرادفة للضمير بعد، فسوف تبنى الصلة الضمنية ~~بين تلك الكتابة السحرية وإملاءات الضمير في نهاية الأمر ويعاد بناؤها. وفي أطروحة ~~شهيرة يرجع تاريخها للقرن السابع عشر تحمل عنوان «فتح كتاب الضمير وقراءته»، يربط جون ~~جاكسون بين كتابة دانيال «إملاءات الضمير على جدار، وهو جدار الضمير» وبين الجدار ~~النحاسي الذي يقاوم الإدانة الذاتية غير الضرورية وأطروحة «فتح كتاب الضمير وقراءته» ~~نفسها. وطوال تاريخه، سعى الضمير إلى أن يجعل نفسه ومبادئه شيئا مدونا أو مغروسا في ~~الذهن. # كانت فكرة «كتاب» الضمير قوية جدا حتى إنها قسمت نفسها إلى معتقدات متعددة، وطبقا ~~لأحد تلك المعتقدات فإن كتاب الضمير هو كتاب الله ذاته، الذي سوف يفتح عند الحساب، أي ~~إنه كدفتر أو سجل الشهادة الذي تسجل فيه أعمال المرء كما ذكر في الآية 12 من الإصحاح ~~العشرين من سفر الرؤيا الذي يستشار فيه كتاب الحياة ~~من أجل الحكم على الأرواح التي تمثل أمام ~~عرش الله: # ورأيت الأموات صغارا وكبارا واقفين أمام الله وانفتحت أسفار وانفتح سفر ~~آخر، هو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم ~~البحر الأموات الذين فيه وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما ودينوا كل ~~واحد بحسب أعماله. # في أيقونات الكنيسة الشرقية، في تراث التصوير بالفسيفساء الذي يبلغ ذروته في المثال ~~الرائع الذي يتجلى في كنيسة آيا صوفيا، هذا هو الكتاب الذي يحمله المسيح في يده. هذا هو ~~الكتاب الرسمي الخاص بإرميا دايك الذي يرجع تاريخه للقرن السابع عشر ويحمل عنوان ~~«الضمير الصالح» الذي يعلن فيه قائلا: # الضمير كتاب، وهو ms091 أحد الكتب التي سوف تفتح يوم الحساب وتوضع أمام الناس ~~ويحكم عليهم طبقا لها. # وثمة معتقد بديل يشجعه التأكيد الجديد على داخلية الاعتراف بعد القرن الثالث عشر ~~والممارسات العلمانية الناشئة الخاصة بحفظ السجلات المكتوبة، ويتخيل هذا المعتقد كتبا ~~عديدة - بمعدل كتاب لكل مسيحي - يقوم فيه ضميره بدور الكاتب طوال حياته محتفظا بنسخة ~~أمينة من أعماله. وهذا الرأي ثابت في كتاب دان ميشيل الذي يرجع تاريخه لأوائل القرن ~~الرابع عشر ويحمل عنوان «وخز الضمير» والذي يجد فيه المسيحي الضال خطاياه مذكورة في ~~«كتاب ضميره المقيد على مخطوطة أو على جلد الغنم». وهو أيضا «كتاب الحساب» الذي يطلبه ~~الموت من إفريمان (الذي يمثل الشخص العادي) في المسرحية الأخلاقية التي يرجع تاريخها ~~للقرن الخامس عشر، حيث يقول ديث: انظر إلى ... ~~... كتاب الحساب الخاص بك الذي تحضره أنت ... # وانظر فيه كي تتأكد من حسابك # فسوف تسأل أمام الله، وتعرض عليك # سيئاتك الكثيرة وحسناتك القليلة. # شكل 5-1: محاسبة الموتى المبعوثين الذين يحمل كل منهم «كتاب الضمير» الخاص ~~به، لوحة جدارية جصية في كاتدرائية ألبي يرجع تاريخها للقرن الخامس ~~عشر. # 1 # يعلن إفريمان أن كتابه غير جاهز للعرض ويطلب اثني عشر عاما كي يصلح من شأنه، وبالطبع ~~فلن يمنح تلك السنوات. ويظهر هذا التقليد الذي يجمع فيه كل ضمير مسيحي كتابه بنفسه في ~~سجل دائم في وصف يوم الحساب على اللوحة الجدارية في كاتدرائية «ألبي» التي ترجع لأواخر ~~القرن الخامس عشر، والتي نرى فيها الهالكين في حالة ضيق بالمجلدات التي تدينهم، وموكبا ~~من الناجين يعرضون كتبهم أمام العرش مفتخرين بها: «أمام العرش تفتح الكتب.» # يعد القاسم المشترك بين تلك المعتقدات أن الضمير الفردي - بعد أن يجمع ملاحظاته في ~~مجلد واحد شديد الخصوصية - يحول هذا المجلد والدليل عليه في نهاية الأمر إلى حساب عام. ~~وفي قصيدته التي تحمل عنوان «الفلاح بيرس» التي يرجع تاريخها للقرن الرابع عشر، يقدم ~~لنا ويليام لانجلاند ضميرا يقوم بدور «كاتب الإله وموثقه»، حيث يؤدي عمله من حصن داخل ~~الذات لكنه يدون الملاحظات ms092 حول سلوك الفرد كي تعرض في محكمة الإله الأخيرة. وتشكل تلك ~~الكتب الفردية كلها حلقات عديدة من مجموعة مقتطفات أدبية مجمعة يصفها روبرت بيرتون في ~~كتابه «تشريح السوداوية» بأنها «دفتر ضخم كتبت فيه كل خطايانا، وهو سجل يؤكد على ~~أهميتها». ويثبط المتهمون الآخرون من معنوياتنا، لكن «الضمير وحده هو من يعد ألف ~~شاهد يتهموننا». # وهكذا يعد الضمير الكاتب عاملا منقسما بطبيعته وعميلا مزدوجا ومستشارا مؤتمنا ~~في الوقت ذاته على مستحقات شخص آخر، وهو محاور يعود إلى مكانه كي يدون ما يعلمه عنا ~~ويعرضه مكتوبا أمام القاضي النهائي. وعلى غرار الصوت الذي يقع على الحدود بين الداخل ~~والخارج، قد يفيد الضمير المكتوب صاحبه أو يضره. وتبدو تلك الازدواجية في كتاب أندرو ~~جونز الذي يرجع تاريخه للقرن السابع عشر ويحمل عنوان «كتاب الضمير الأسود» الذي يقوم ~~فيه الضمير بدور «نائب الله داخل الروح»، حيث يدون ملاحظات مكتوبة لأهداف مستقبلية: ~~«ثمة ضمير داخل كل إنسان يرى كل أعماله ويراقبها ويحتفظ بسجل دقيق لها، وهكذا يصبح ~~شاهدا سواء مع الروح أو عليها يوم الحساب.» وسوف تقدم شهادته مرة أخرى في صورة كتاب: ~~«إن الضمير يلاحظ كل أعمالك ... ويدونها كلها في هذا الكتاب الأسود.» # وتماشيا مع نزعة السجل المكتوب للتملص من تحكم الكاتب أو حتى الفرار منه، يقوم ~~الضمير (الذي يسدي النصيحة لسبب ويسجل لسبب آخر) بعملية سرية إلى حد ما من خلال ~~مجموعة أدوار تتضمن خدع تجسس صريحة. وفي «رسالة العاطفة» التي كتبها إدوارد رينولدز في ~~القرن السابع عشر، «يهدف الضمير ... إلى مراقبة أفعالنا سرا» وتسجيل اكتشافاته بالحبر ~~السري: «عندما تعرض تلك الكتابة التي تبدو خفية وغير مقروءة كالحروف التي كتبت بعصير ~~الليمون أمام نيران الحساب الإلهي، فسوف تصبح شديدة الوضوح.» وعلى الرغم من الولاءات ~~المختلطة لصناعها والاحتمال الدائم للتفسيرات المختلفة، تظل الكتابة في نهاية الأمر ~~ثابتة لا يمكن محوها: فتأنيب الضمير «قد كتب بحروف يستحيل إزالتها ولن تمحى ~~أبدا». # وما زالت فكرة كون الكتابة وسيلة للتعبير عن الضمير فكرة قائمة حتى الآن، والمؤيد ms093 ~~العصري الواضح لفكرة الضمير المكتوب أو الضمير المعبر عنه من خلال الكتابة هو بالطبع ~~جيمس جويس الذي توضح روايته «بورتريه فنان شاب» (1914-1916) الطريقة التي تساعد بها ~~الكتابة على تشكيل الضمير الحقيقي. ومما لا جدال فيه تفضيل جويس للكلمة المكتوبة، لدرجة ~~أنه بالنسبة له يعد الضمير المعبر عنه كتابة منافسا قويا للضمير المعبر عنه ~~شفهيا، بل إنه يتفوق عليه في النهاية. وبالنسبة لشخصية ستيفن ديدلوس التي رسمها جويس، ~~لا بد وأن تنتصر الكتابة على تنافر الأصوات الذي يهاجم ستيفن باستمرار: ~~... كان قد سمع حوله الأصوات المستمرة لوالده ومعلميه يحثونه على أن يصبح ~~كاثوليكيا صالحا قبل أي شيء ... وسمع صوتا آخر يحثه على أن يصبح قويا ~~شجاعا صحيح البنية ... لكن صوتا آخر أمره أن يصبح مخلصا لبلده ... وصوتا ~~دنيويا يأمره بأن يرفع مستوى والده المتدني بجهده، وفي الوقت ذاته صوت رفاق ~~المدرسة يحثه على أن يصبح زميلا مهذبا ... وكان اللغط الذي تحدثه كل تلك ~~الأصوات الجوفاء هو ما أدى به لأن يتوقف حائرا. # يأتي في المقام الأول بين تلك الأصوات صوت الضمير التقليدي، وله موقف ثابت يتضح في ~~موعظة داخل الرواية: «كان لديك الوقت والفرصة كي تتوب لكنك لم تفعل ...» ويمكن مقارنة تلك ~~الأصوات المسببة للشلل بالأنا العليا لدى فرويد، فهي صوت داخلي ذو أصل أبوي مؤثر وغريب ~~عن صاحبه في مطالبه العنيدة ... ومن ثم فهي بالنسبة لجويس صوت أو أصوات يجب أن تستبدل. ~~وثمة صوت آخر محوري بالنسبة لستيفن، وهو صوت يخاطب روحه مباشرة، هو «نداء الحياة لروحه ~~لا الصوت الفظ المتبلد للعالم المثقل بالواجبات واليأس، ولا الصوت غير الإنساني الذي ~~استدعاه إلى صلاة المذبح الكئيبة». ويزين هذا الصوت الفن الإبداعي للكلمة المكتوبة ~~ويجيزها، فالكتابة هي الأداة التي يخاطب بها الضمائر الأكثر تقليدية لنظرائه ~~الأيرلنديين: «كيف يمكنه إزعاج ضمائرهم أو الإلقاء بظلاله على تخيلات بناتهم ...؟» ~~والإجابة الشهيرة بالطبع هي: «إنني أذهب للمرة المليون لأواجه حقيقة التجربة ولأصنع في ~~ورشة روحي الضمير الأزلي الخاص بالجنس الذي أنتمي إليه.» وللضمير هنا معنى ms094 مزدوج مشتق ~~من التاريخ القديم لكلمة # conscience ~~: حيث دمج معنى كل ~~من # consciousness ~~«الوعي» ~~و # conscience ~~«الضمير» في كلمة واحدة وهي «الضمير» ~~قبل القرن السابع عشر. (وما يعلمه جويس بالطبع أن كل كلمة تستمر في الاحتفاظ بمعانيها ~~إلى حد ما). وبالإضافة إلى «الوعي» فإن جويس يعني «الضمير» أيضا، وبالنسبة لجويس تعد ~~الأداة المميزة للتعبير عنه هي الكتابة وليس الحديث. # قد يضاف للضمير الصوتي والمكتوب - وأحيانا ينافسهما - المزيد من الدوافع الوثائقية ~~والمرئية للاستجابة التي تعتمد على الضمير. وفي تلك الصورة، بدلا من أن يتجسد الضمير ~~في الكلمة المنطوقة أو المكتوبة، فإنه يتجسد بالتصوير: سواء أكان تصويرا بالرسم أم ~~النحت أم صورة ملصقة في كتاب، لكن أيضا وخاصة في الأشكال الأحدث والأكثر إلحاحا بشكل ~~فوري للنسخ الإلكتروني. # للدوافع المرئية للضمير تاريخ طويل، حيث تصف صور صلب المسيح التي ترجع لأواخر القرون ~~الوسطى بالإضافة إلى التراث المشابه في فن الباروك وفن أمريكا الجنوبية بالتفصيل الدقيق ~~معاناة المسيح من أجل التماس رد فعل إنساني نادم. وغالبا ما كانت تلك الصور تجعل ~~مطالبها أكثر وضوحا بالنسبة للمشاهد عن طريق المزج بين وسائل العرض، بإضافة القصائد ~~والكتابات التي تخبر المشاهد بأن تلك الآلام قد احتملت لأجله، ومطالبته بإصلاح نفسه. ~~وقد زينت قنطرة المذبح في العديد من كنائس القرون الوسطى برسوم تصور مشاهد الصلب تبدو ~~فيها عينا المسيح المصلوب - على نحو مدهش - كما لو كانتا تنظران مباشرة إلى رعايا ~~الكنيسة كل على حدة، داعية كلا منهم إلى اتخاذ رد فعل شخصي تجاه المعاناة المصورة ~~فيها. وقد سعى كل من جويا وبارلاخ وكولويتز وديكس ومجموعة من الفنانين التشكيليين ~~الآخرين إلى استثارة الضمير وإثارة المشاعر السلمية عن طريق تصويرهم السخي لفظائع ~~الحروب. # تتقاسم رؤية صليب منحوت أو لوحة جدارية أو نقش أساسا مشتركا مع استقبال صورة ~~فوتوغرافية أو أي صورة سينمائية أو رقمية أخرى، لكن الإنتاج الميكانيكي والإلكتروني ~~يثير أيضا قضايا جديدة متعلقة بالكثافة والسرعة و«المقياس» المجرد. وقد حسنت الأشكال ~~الجديدة من التوافر والكمية وسهولة الإنتاج كثيرا من حالة ms095 الصورة المرئية بوصفها ~~منتجا للضمير وحافزا له. فالصور التي تلتقط بواسطة الهاتف المحمول تنتشر حول العالم ~~في دقائق أو ثوان معدودة، ولا يمكن التنبؤ بتأثيرها لكنه قد يكون ضخما. # وتتفق تلك السرعة والوفرة في الإنتاج وسرعة التأثير تماما مع رؤية للضمير طالما كانت ~~حاضرة ضمنيا، لكنها حققت هيمنة إضافية في القرون القليلة الأخيرة: أنه لا يعبر عن ~~نفسه في صورة تفكير هادئ لكن في لحظة خاطفة من البصيرة المفاجئة المدركة بالحدس. وعلى ~~العكس من منظر مثل جوزيف بتلر - الذي رأى في القرن الثامن عشر أن الضمير ناتج عن ~~التفكير الجيد في «ساعة هدوء» - رأى آخرون أن الضمير ملكة فطرية أو غريزية، مفاجئة ~~في مخاوفها، وقاطعة في مطالبها، فعلى سبيل المثال مرت بطلة لوحة هولمان هانت المسماة ~~«يقظة الضمير» بالتأكيد بهذه الهجمة من ضميرها. وتعد وسائل الإعلام الحديثة التي تتدفق ~~فيها الصور فجأة ثم تختفي فجأة بالطبع متجانسة تماما مع تلك الرؤية للضمير بوصفه قناعة ~~أكثر تسرعا (مع أنها ليست أقل يقينا). # تشترك الصور أو الصور الفوتوغرافية، حتى الإلكترونية التي تنتشر بسرعة البرق من ~~الهاتف المحمول إلى الشاشة مع الصوت والكلمة في القدرة على استدعاء رد فعل طبقا لما ~~يمليه الضمير. وفي بعض الحالات قد يكون ما تستدعيه الصورة ناتجا عن هدف ما - سواء هدف ~~المتحدث أو المؤلف أو المصور الفوتوغرافي الوثائقي. فعلى سبيل المثال، يصف روبرت كولز ~~الدافع الوثائقي بأنه راسخ في ضمير المصور الفوتوغرافي الوثائقي، مثل جيمس أجي «الذي ~~يشعر بالإثارة والتحدي نتيجة أوامر كل من وعيه الفني وضميره ومطالبهما». وهو يصف آلة ~~التصوير بأنها «سلاح» و«أداة» و«استدعاء للخدمة» تستخدم كلها ببراعة بواسطة مصور ~~فوتوغرافي له هدف معين ويحركه الضمير. لكن الصورة الفوتوغرافية فور التقاطها ونشرها ~~تصبح لديها قدرة هائلة على الانفصال عن الهدف منها، أو حتى إذا أبدت هدفها الأصلي ~~فلديها القدرة على العمل باستقلالية عن ذلك الدافع. ويتخيل المنظر المعاصر إم جيه تي ~~ميتشل أعمالا فنية لها رغبات مستقلة ولها أغراض معينة من مشاهديها ولها نوع خاص ms096 من ~~«تأثيرات ميدوسا». وكما يدرك ميتشل، فإن المصور الفوتوغرافي أيا كان هدفه يترك الصورة ~~الفوتوغرافية كي تقوم بعملها. ويعد هذا صحيحا بالطبع أيضا بالنسبة للحديث فور أن ~~يقال والكتاب فور أن يكتب، لكن الصورة التي تنتشر في الحال بسرعة البرق حول العالم ~~يقل ارتباطها أكثر بأهداف صانعها. وأيا كانت نية صانعها، فسوف تقبل الصورة في نهاية ~~الأمر - أو لا - نتيجة لرد فعل المشاهدين. وهكذا يتلقى صوت الضمير إضافة مهمة من وسائل ~~الإعلام المطبوعة والأحدث من ذلك ... لكنه أيضا يواجه خطر التغيير أو حتى الذوبان أثناء ~~تلك العملية. # خفوت صوت الضمير: أبو غريب # ثمة نموذج معاصر على كبت الضمير في صورة تقترب على نحو خطر من إخراسه التام يتمثل في ~~التقارير الخاصة بالفظائع التي ارتكبت في سجن أبو غريب. فقد عمدوا إلى استخدام ~~التسجيلات الصوتية والصور والمطبوعات، لكن بتأثير مشوه طوال الوقت. # شكل 5-2: سابرينا هارمان تشير بإصبعها بعلامة التشجيع بجانب جثة المعتقل مناضل ~~الجمادي في سجن أبو غريب. # 2 # فلنأخذ مثلا حالة سابرينا هارمان، وهي السيدة التي التقطت معظم صور أبو غريب، وتظهر ~~أيضا في العديد من تلك الصور مؤدية حركتها الشهيرة (الإشارة بإبهامها للأعلى علامة على ~~التشجيع) بجوار الجثث الممثل بها. وعند تقديم هذه الحالة للبحث، تبدو كما لو كانت تقترب ~~من حالة تطرقنا إليها بإيجاز عدة مرات خلال هذا الكتاب، وهي حالة شخص بلا ضمير. لكن ~~هارمان تظهر نفسها بأنها صاحبة ضمير معاصرة، فما زالت تزعجها العديد من صوره، كما أنها ~~ما زالت تشعر بالضيق في حالتها عديمة الضمير. # لم تكن صورها بالطبع نتيجة لأي مبادرة مبنية على الضمير إطلاقا، بل كانت دوافعها ~~توثيقية - لا على طريقة كولز أو أجي بالطبع - بل بنفس الطريقة التي تسعى بها صور ~~الحفلات التي يجري تحميلها على موقع الفيس بوك إلى توثيق لحظات المرح الصاخب والأفعال ~~الفاضحة، أو بالطريقة التي يتداول بها طلاب المدرسة الثانوية الآن الصور الخليعة على ~~الهواتف المحمولة. وهكذا ثمة شيء يتعلق بتجسيد الصورة الفوتوغرافية يمكنه أن يثير ~~التفسيرات ms097 أو حتى يشجع على إعادة النظر. تأمل رواية هارمان الخاصة عن نشأة الدافع ~~الوثائقي لديها: # لا يمكنني أن أنسى هذا الأمر. أهبط الدرج بعد أن أنفخ في الصافرة وأقرع ~~على الزنازين بعصا فأجد «سائق سيارة الأجرة» مكبل اليدين للخلف ومقيدا في ~~نافذته عاريا، بينما وضع لباسه الداخلي على رأسه ووجهه. كان يبدو كالمسيح، ~~وكنت في بداية الأمر أضحك ثم ذهبت لإحضار آلة التصوير والتقطت له صورة. ثم أخذ ~~أحد زملائي عصاي وبدأ في «لكز» عضوه التناسلي بها. وفكرت مرة أخرى في أن ذلك ~~يبدو طريفا، ثم صدمني الأمر: إنها صورة من التحرش. يجب ألا أفعل ذلك. فالتقطت ~~المزيد من الصور تلك المرة من أجل «تسجيل» ما يحدث. # يبدو أن شيئا من التأديب الذاتي وقع هنا، حيث تتكرر ردود أفعالها الأولية المرحة ثم ~~تتحول إلى أنواع أخرى من التصرفات. وهي تؤجل المسئولية أو تتخلى عنها عند حملها آلة ~~التصوير والتقاط الصور. وفي حقيقة الأمر تعد صورتها الأولى أحد الدلائل على الابتهاج ~~«الوحشي» بالنصر الذي تصفه سونتاج في كتابها الذي يحمل عنوان «عن التصوير الفوتوغرافي» ~~(1977): «كنت في بداية الأمر أضحك ثم ذهبت لإحضار آلة التصوير والتقطت له صورة.» لكن ~~دافعها بعد التفكير هو التقاط الصور «من أجل «تسجيل» ما يحدث». لكن هذا لا يمكن وصفه ~~بأنه خطة لاستثارة الضمير في الآخرين. وهي تقول في موضع آخر: «كنت أرغب فحسب في توثيق ~~كل ما أراه.» وفي موضع ثالث: «إذا جئتك وقلت لك «هذا ما يحدث» فلن تصدقني على الأرجح ... ~~لكن إذا قلت «هذا ماذا يحدث، وانظر لدي الدليل» فلا أعتقد أن بوسعك الإنكار.» والفكرة ~~المتعلقة بهذا النوع من التوثيق أنه لا يحقق سوى نصف المرجو من هذه الاستجابة المبنية ~~على الضمير؛ فهو لا يسمح باتخاذ أي إجراء إضافي، بل إنه يتطلب عدم اتخاذ أي إجراء، وكان ~~الدافع لديها «مجرد عرض ما يحدث وما يسمح بفعله». # ونجد في عبارتها «ما يسمح بفعله» تلميحا عن المشكلة الكبرى المتمثلة في الأزمة ~~الأخلاقية التي انتهت إليها تلك ms098 الأحداث: إهمال كبار المسئولين وغياب المجتمع الرادع - ~~بل الأسوأ من ذلك اشتراك المجتمع في الجريمة. ومع ذلك فإلى جانب المستويات الواضحة لندم ~~هارمان المغرض ومحاولتها التهرب ملقية اللوم على أطراف أخرى، يمكننا تمييز محاولتها ~~المتأخرة لالتماس موقف أخلاقي. ويقدم لنا الموقف مشهدا مزدحما موحيا تتدافع فيه ~~النزعة نحو التوثيق المرئي مع الابتهاج بالنصر والمرح في غير موضعه، والنزعة ~~الاستعراضية على الفيس بوك والسياحة والمذهب الحسي والتحرش الجنسي والسادية ومجموعة من ~~الدوافع والمثيرات الأخرى. وبمعنى آخر، يصعب الفصل بين الدافع لتوثيق الضمير وبين ~~مجموعة من الحوافز الأخرى للتصويرات «المرئية». ومع ذلك يبدو أن التقاط الصور قد ساهم ~~في تشكيل العقل الأخلاقي على الأقل بعض الشيء، حتى عندما بدأ نوعا من التسلية. # يمكننا رؤية نفس تتابع الأحداث في حالة جو داربي الذي قام بالإبلاغ عما حدث من ~~انتهاكات في سجن أبو غريب، حيث مر داربي أيضا بتجربة مماثلة بدأت بإحساسه بالبهجة عند ~~مشاهدة الصور، ثم بشعور من الاضطراب غير المألوف، وبلغ الأمر ذروته في لحظة أخلاقية ~~(«لا يبدو هذا الأمر مقبولا بالنسبة لي») ثم اتخذ قرارا بتسليم الصور إلى السلطات ~~التي قد توجد في ذلك الموقع الجهنمي: # كنت أتصفح الصور مراجعا تلك التي التقطها زميلي في مدينة الحلة حيث كنا نقيم ~~قبل أبو غريب عندما ظهرت تلك الصور الأخرى فجأة. وكي أكون صادقا، ظننت في بادئ ~~الأمر أنها صور شديدة الطرافة. أنا آسف، يمكن أن يغضب مني الناس إذا أرادوا، ~~لكني لست فتى كشافة، فبالنسبة لي كانت رؤية ذلك الهرم من العراقيين العراة لأول ~~وهلة أمرا طريفا للغاية، وعندما ظهر فجأة هكذا ضحكت قائلا: «يا للهول! إنني ~~أنظر إلى هرم من المؤخرات!» لكن بعض الصور الأخرى لم تكن مقبولة بالنسبة لي، ~~وهي الصور التي يظهر فيها السجناء وهم يتعرضون للضرب أو التي يبدو فيها رجل ~~عراقي عاريا يجثو على ركبتيه أمام رجل عراقي عار آخر، وبعض الصور الجنسية ~~الأكثر إباحية لإذلال السجناء - لم يكن هذا مقبولا بالنسبة لي. ولم أستطع ~~التوقف عن ms099 التفكير في هذا الأمر، وبعد حوالي ثلاثة أيام اتخذت قرارا بتسليم ~~الصور. # قد ينشأ وصفه للصور بأنها «غير مقبولة» وإظهار تدخله الإصلاحي من دافع آخر بخلاف ~~قوانين «الضمير»، وهو التزام البطل الأمريكي ~~ب «قانونه» أو شعوره بما إذا كان شيء ما لائقا أم لا. وشخصيات مثل ناتي بامبو بطل ~~روايات كوبر وهاكلبري فين - بالإضافة إلى عدد لا يحصى ~~من الغربيين المنعزلين مثل شخصيتي شين وويليام ماني في فيلم «غير المغفور له» - تعود ~~في نهاية الأمر إلى كتاب القواعد غير المدونة والمواثيق التي يجب ألا تخالف، ويمكننا ~~رؤية تفسير داربي الموجز نسبيا لصنيعه في ضوء ذلك. ومع ذلك فصنيعه يحمل علامات ~~الضمير، وخاصة الضمير المستثار عن طريق صورة تقدم دليلا دامغا على حدوث سلوك غير ~~مقبول. ولا يستخدم داربي نفسه كلمة «الضمير» كي يصف تجربته، لكن المحاور والمؤلف ويل إس ~~هيلتون يفعل، فقد استعان بها في عنوان مقاله «سجين الضمير». # ثمة شيء في الصور «لم يكن مقبولا»، وكان بمثابة وخزة أو وسيلة للحث على فعل لم يكن ~~داربي يفكر فيه في بادئ الأمر لكنه قام به في النهاية. وكأن شيئا في عملية التسجيل ~~يجسد الأحداث؛ ومن ثم فقد أتاح لهارمان أن ترى معاملة السجناء بهذا الشكل صورة من ~~صور «التحرش». لكن أين منظور الضمير أو صوته من كل ذلك؟ لقد قلت إنه سوف يكتم، وحدث ~~ذلك بالفعل، لكنه قد يكون بالكاد مسموعا في تعليقها عن «التحرش» - وهو مصطلح نقدي يبدو ~~أنها لم تكن أول من استخدمه، ربما علق في ذهنها من دورة تدريبية سابقة غير مكتملة، أو ~~ذكره محامي الدفاع. ويسمع صوت الضمير خافتا أيضا في جملة هارمان المتكررة «يجب عدم ~~فعل ذلك»، وهو صوت صادر من الخارج لكنه يسمع في الداخل، صوت الحظر المتأخر. وبالطبع ~~فإن الظهور المتأخر لصوت الضمير ينطوي على تنازل أخلاقي ما، يذكرنا بشرائط تسجيل المكتب ~~البيضاوي في عهد نيكسون التي اقترح فيها تدبير مكائد شريرة أثناء مناقشة بعض الأمور ~~المتعلقة بفضيحة ووترجيت، ثم تذكر أن الاجتماع ms100 قيد التسجيل فأضاف على عجل: «لكن هذا ~~سيكون خطأ». وعلى الرغم من ذلك، فقد يكون صوت الحظر المتأخر أفضل من لا شيء. # إذا استطعنا القول بأن صوت الضمير في أبو غريب كان مسموعا، فهو لم يكن مسموعا سوى ~~على نحو خافت ومتأخر؛ مما أفضى إلى نتيجة ضعيفة. والفكرة بشأن الضمير مرتفع الصوت أو ~~المعرفة المشتركة ~~(con-scientia) ~~- كما يوحي أصل الكلمة ~~- أن الضمير ينطوي على معرفة مشتركة أو اتفاق بشأن الرأي الاجتماعي أو الكنائسي الذي ~~يقنع الشخص المخطئ ويوبخه من أجل تعديل سلوكه. وكان هذا الأمر صحيحا بالنسبة للرومان ~~والكنيسة في القرون الوسطى، وفي صورة معدلة بالنسبة لآدم سميث ومؤيدي مذهب المنفعة. إلا ~~أن الصوت الذي تسمعه هارمان صوت وحيد منعزل، وهو لا يتحدث باسم أي جماعة مميزة على ~~الإطلاق. # ترك موظفو أبو غريب ليعملوا في فراغ اجتماعي ثقافي مربك، شبيه بذلك الذي وصفه ~~الروائي ويليام جولدنج في روايته «أمير الذباب» والتي يتدهور فيها حال مجموعة من ~~التلاميذ الإنجليز في ظل غياب الرقابة الاجتماعية. وكانت النزعة التوثيقية منقوصة، وعلى ~~أحسن تقدير كانت هدفا في حد ذاتها وليست مقدمة لفعل آخر، وكان اللجوء لوسائل الإعلام ~~المطبوعة (عبر الحوارات الصحفية) بهدف التبرئة الذاتية أكثر منه للشهادة طبقا لما ~~يمليه الضمير. وأخطر ما في الأمر أن الصوت القائل «لا يمكنك القيام بذلك» يحل «محل» ~~الضمير، لكنه لم يعد يسمى «ضميرا» ويفتقر إلى السلطة الممنوحة للضمير في تعاليمه ~~المتعددة. وهو لا يكفي أداة للمنع، ولم يعد يمثل «نداء» بأي معنى يمكن أن نتوقعه؛ حيث ~~يوجه «نداء» الضمير - على الأقل في الحالة المثالية - إلى شخص فاعل من المحتمل أن ~~يتصرف؛ أي شخص قد يقدم حقا على فعل شيء، بينما الأنشطة التي تمت في أبو غريب تحدث ~~دون أي استجابة. # وبالطبع يعد سجن أبو غريب حالة محدودة، وهو أكثر مكان غير ملائم يمكن تخيله للاستماع ~~إلى صوت الضمير أو البحث عن التوثيق طبقا لما يمليه الضمير أو عوامل تحفيز مكتوبة ~~للضمير. وقد عدت من هذا البحث الموجز ms101 ببعض الاكتشافات، لكنها اكتشافات ضئيلة بالفعل. ~~وثمة أمثلة أكثر تشجيعا يدوي فيها صوت الضمير على نحو أكثر تأكيدا في لحظات الأزمات ~~الأخلاقية والقرارات المؤلمة. فقد ضحى لازانثا ويكراماتونج - وهو صحفي شجاع من ~~سريلانكا - بحياته من أجل كشف الفساد، فكتب تقرير وداع كان شبيها بخطاب نعيه اختتمه ~~قائلا: «ثمة نداء أسمى من المنصب الرفيع والشهرة والربح والأمن، وهو نداء الضمير.» ~~وأوضح فريد دابليو ثيل الابن - العضو الجمهوري بمجلس ~~ولاية نيويورك - مفسرا أسباب تصويته لصالح مشروع قانون متعثر يبيح زواج المثليين ~~قائلا: «ثمة صوت ضعيف داخلك يخبرك متى فعلت شيئا صحيحا ومتى فعلت شيئا خاطئا ... وظل ~~هذا الصوت الضعيف يزعجني.» وصرح سلمان تيسير حاكم إقليم البنجاب في باكستان في مقابلة ~~تليفزيونية يوم الأول من يناير عام 2011 قائلا: «إن لم أؤيد ضميري، فمن سيفعل؟» وذلك ~~قبل ثلاثة أيام من اغتياله. كذلك أوضح آن كاو عضو الكونجرس الجمهوري الوحيد الذي صوت ~~لصالح مشروع قانون الرعاية الصحية الأمريكي الذي أثيرت حوله معركة - والذي هزم في ~~الانتخابات التالية - قائلا: «كان علي أن أتخذ قرارا طبقا لما يمليه علي ضميري ~~بناء على احتياجات أهالي دائرتي.» وثمة آخرون يتخذون يوميا قرارات صعبة من أجل ~~الضمير، لكن صوت الضمير - كما حدث في أبو غريب - لا يسمع غالبا إلا خافتا مشتتا، ~~وتخمد طاقته على التغيير وتتبدد وتضيع. # ربما كان الضمير دائما في أزمة، وسبب الأزمة قبل كل شيء هو الوسط الذي يعيش فيه ~~ويستدعى فيه فيصل أو يخفق في الوصول. لكن الضمير اليوم، نظرا لانفصاله عن جذوره ~~التقليدية في الفضيلة الرومانية والأخلاقيات المسيحية وفلسفة التنوير، وانجرافه في عالم ~~يحفل بحوادث الانتهاك، قد يكون مهددا أكثر من أي وقت مضى. لقد اعترفت بالفعل أن الضمير ~~يعاني مما قد يطلق عليه «مشكلة هوية»، فهو لا يملك أي مضمون ثابت أو متأصل خاص به، وقد ~~يحفز للدفاع عن موقف ما أو الموقف المضاد له على حد سواء. وثمة مجتمعات أخرى أدت ~~مهامها من الناحية الأخلاقية بلا أي ضمير على الإطلاق. فما الذي ms102 نفقده حقا إذن إن ~~وجدنا أنفسنا بلا ضمير مثل شخصية أنطونيو في مسرحية شكسبير الذي لم يشعر قط بوجود هذا ~~الكيان المقدس داخل صدره وكان يعتبره أقل أهمية من تورم إصبع قدمه؟ # ليس الشخص المحافظ على الأخلاق بحاجة إلى مفردات الضمير أو تعاليمه كي يشعر بالصدمة ~~والاستياء لرؤية إنسان عار مقيد مغطى الرأس يتعرض للتعذيب بمعزل عن الدعم البشري ~~وعرضة لكل أشكال السخط والسخرية، فبالطبع سوف يستنكر كل فرد محترم أخلاقيا في «أي» ~~مجتمع ذلك المشهد معبرا عن ذلك بالكلمات والمفاهيم المتاحة في ثقافته. وفي حقيقة ~~الأمر، لا يمكن القول إن التعاليم الغربية للضمير قد أيدت مرتكبي هذه الجرائم البشعة في ~~سجن أبو غريب، سواء في حالة المجندين الفاسدين الذين كان سلوكهم مخزيا وحقيرا إلى ~~أقصى درجة، أو الضباط، أو تساهل الحكومة مع تلك الأفعال أو حتى تشجيعها لها. لكن يظل ~~الضمير هو المجال الأخلاقي الذي تستند إليه في الغالب صرخات الغضب، وذلك بالنسبة ~~للتعاليم الأنجلو أمريكية والأوروبية. وعندما تضعف تعاليم الضمير ويخفت صوته أو لا ~~يسمع مثلما حدث في أبو غريب، سوف نصبح الأفقر أخلاقيا. # كنت قد أشرت في نهاية الفصل السابق إلى أن قوة الضمير الخاصة تكمن في التزامه بالفعل ~~الإصلاحي، وإذا ما قيمنا سجن أبو غريب بهذا المقياس، فسيتحتم علينا بالطبع أن نحكم ~~على أبو غريب بالفشل الذريع. لم يتم عقاب أي مسئول عالي الرتبة؛ وأغلق السجن ثم أعيد ~~فتحه تحت رعاية جهة أخرى؛ وأقرت الإدارة الأمريكية الحالية صورا جديدة من الاعتقال ~~الجبري؛ ولا يعلم أحد ما الذي حل ب «سائق سيارة الأجرة» الذي كان يتعرض للتعذيب. وكي ~~يزدهر الضمير ويكون على مستوى أفضل تعاليمه وأقواها، يجب ألا يقتصر على أحاسيس بغض ~~الخطأ الفطرية، بل عليه أن يتعلم من جديد القدرة على التعبير عن نفسه من خلال الأفعال ~~أيضا. # | هوامش # | المراجع # مقدمة # Henry Chadwick, # Some Reflections on ~~Conscience: Greek, Jewish and Christian ~~(London: Council ~~of Christians and Jews, 1968). I am indebted to conversations with ~~Robert Alter of ms103 University of California, Berkeley, on the Hebrew ~~conscience and the etymology of # matzpun. Philip J. Ivanhoe, # Ethics in the ~~Confucian Tradition ~~(Indianapolis: Hackett, 2002); # Confucian Moral Self-Cultivation ~~(Indianapolis: Hackett, 2000). I am indebted to conversations about # liangxin # with Lydia Liu of ~~Columbia University, and also Xiao Han. # On # al-zãjir ~~, see D. S. ~~Margoliouth, 'Conscience (Muslim)’, in # Encyclopaedia of Religion and Ethics ~~(New York, ~~1908). # I am indebted to Cathy Popkin of Columbia University for her ~~observations on Russian # sovest ~~. # الفصل الأول # My comments on # syneidesis # are informed by Dominic Mangiello, 'Conscience’, in # A Dictionary of Biblical Tradition ~~, ed. ~~David L. Jeffery (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1992). Also see ~~Mangiello’s excellent summary of traditions of conscience in works of ~~English literature. Peter of Celle, 'On Conscience’, # Selected Works ~~, tr. Hugh Feiss (Kalamazoo, MI: ~~Cistercian Publications, 1987). # A. V. C. Schmidt (ed.), # Vision of Piers Plowman: A Critical Edition of the B-Text ~~, 2nd edn. ~~(London: Everyman, 1995). # Derek Pearsall (ed.), Piers Plowman: ~~A New Annotated Edition of the C-text ~~(Exeter: University ~~of Exeter Press, 2008). # John Wyclif, Sermon 49, in # Sermones, ~~Latin Works ~~, vol. 7:3 (London, 1890). # On Fisher’s rejoinder, see Richard Rex, # The Theology of John Fisher ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1991). # More’s letters are cited from # The ~~Correspondence of Sir Thomas More ~~, ed. Elizabeth Frances ~~Rogers (Princeton: Princeton University Press, 1947). Henry’s # Censurae # are printed in # The Divorce Tracts of Henry VIII ~~, ed. ~~Edward Surtz and Virginia Murphy (Angers: Moreana, 1988). Other period ~~documents are cited from # Letters and Papers ... of ~~the Reign of Henry VIII ~~, vols 4:1 and 5 (The Stationery ~~Office, 1878-80). # Luther’s words are quoted from # D. ~~Martin Luthers Werke, kritische Gesamtausgabe ~~, vol. 7 ~~(Weimar: Böhlaus, 1897). # On Luther and Erasmus, see # Luther and ~~Erasmus: Free Will and Salvation ~~, ed. E. G. Rupp and P. ~~S. Watson (Philadelphia: Westminster Press, 1969). For Luther’s ~~comparison of conscience to sexual organs, see # Works ms104 ~~, ed. J. Pelikan, vol. 27 (St Louis: Concordia, ~~1955-96). For Calvin’s Institutes, see # Institution of Christian Religion ~~, tr. Thomas Norton, ~~1578 (EEBO). The full modern English text is available at ~~( # http://www.ccel.org/ccel/calvin/institutes ~~) ~~(accessed 31 January 2011). # I thank Katherine R. Cooper for introducing me to the sonnets ~~of Anne Vaughan Lock. See ~~( # http://newmedia.alma.edu/ottenhoff/psalm51/meditations.htm ~~) ~~(accessed 31 January 2011). # Richard Hooker, # Of the Laws of ~~Ecclesiastical Polity ~~, ed. Christopher Morris, vol. 1 ~~(London: Everyman’s Library, 1907). # Max Scheler, # Formalism in ~~Ethics ~~(Evanston, IL: Northwestern University Press, ~~1973); Person and Self-Value ~~(Dordrecht and Lancaster: Nijhoff, 1987). # Reinhold Niebuhr, # The Nature and ~~Destiny of Man ~~(New York and London: Nisbet, ~~1941). # For Tillich, see below. # الفصل الثانى # For Locke’s # Letter Concerning ~~Toleration ~~, see ~~( # http://www.constitution.org.jl/toleration.htm ~~). For ~~the # Essay Concerning Human ~~Under-standing ~~, see ~~( # http://www.oreganstate.edu/instruct/phl302/texts/locke/locke1/Essay_contents.html ~~) ~~(accessed 31 January 2011). # Anthony Ashley-Cooper, Earl of Shaftesbury, # Characteristiks ~~of ~~Men, Manners, Opinions, ~~Times ~~(1737), vol. 2, sec 1. ~~( # http://www.oll.libertyfund.org/index ~~) (accessed 31 ~~January 2011). # Joseph Butler’s celebrated 'cool hour’ occurs in Sermon 11, # Fifteen Sermons Preached at the Rolls ~~Chapel ~~, ed. W. R. Matthews (London, ~~1953). # Immanuel Kant, # The Metaphysics of ~~Morals ~~, ed. Mary Gregor (Cambridge Texts in the History ~~of Philosophy, 1996). # Adam Smith, # The Theory of Moral ~~Sentiments ~~, ed. Knud Haaksonssen (Cambridge Texts in the ~~History of Philosophy, 2002). # John Stuart Mill, # Essay on ~~Liberty: ~~( # http://etext.virginia.edu/toc/modeng/public/MilLib2.html ~~) ~~(accessed 31 January 2011). # الفصل الثالث # Fyodor Dostoevsky, # Crime and Punishment ~~, tr. R. Pevear (London: Vintage Classics, ~~1993); # The Brothers ~~Karamazov ~~, tr. R. Pevear (London: Everyman’s Library, 1990). # Cathy Popkinhas assisted me with comments on the intimate ~~relation of Russian # sovest ~~(etymologically, 'with’ + 'knowledge’) with Western (and, ultimately, ~~Greek and Greek Orthodox) ideas of conscience. # Basic Writings of ~~Nietzsche ~~, tr. Walter Kaufmann (New York: Modern Library, ~~2000). On the letter to Overbeck, see Kaufmann, # Nietzsche: Philosopher, Psychologist, Antichrist ~~(Princeton: Princeton University Press, 1950). # Freud’s various essays are found in the # Standard Edition of the Complete Psychological Works ~~of Sigmund Freud ~~, tr. J. Strachey (London: ms105 Hogarth Press, ~~1953-74). # الفصل الرابع # Among many pertinent studies of conscientious objection are Peter Brock (ed.), # Records of Conscience: Three ~~Autobiographical Narratives by Conscientious Objectors, ~~1665-1865 ~~(York: William Sessions, 1993); John Rae, # Conscience and Politics: The British ~~Government and the Conscientious Objector to Military Service, ~~1916-1919 ~~(Oxford: Oxford University Press, 1970); A. ~~Keim and G. Stoltzfus, # The Politics of Conscience: The Historical Peace Churches and America at War, 1917-1955 ~~(Scottdale, PA: Herald Press, 1988); Peter Brock (ed.), # Liberty and Conscience: A Documentary History of Conscientious ~~Objectors in America through the Civil War ~~(Oxford: ~~Oxford University Press, 2002). # I am indebted to # Records of ~~Conscience # for the instance of the objecting ~~Quaker. # On 'conscience clauses’, see especially Ben Smith, 'Coakley’s ~~Conscience Clause’, Politico ~~, 44, ~~( # http://www.politico.com/blogs/bensmith/0110 ~~) ~~(accessed 31 January 2011). # For the # Universal Declaration of ~~Human Rights ~~, see ~~( # http://www.un.org/en/documents/udhr ~~) (accessed 31 ~~January 2011). # Alan Gewirth, # Human Rights: Essays on ~~Justification ~~(Chicago: University of Chicago Press, ~~1982) contributed valuably to my thinking about this chapter. I am ~~indebted to him for the Supreme Court citation. See also Henry Shue, # Basic Rights ~~(Princeton: Princeton University Press, ~~1996). For a lively discussion ~~of 'rights’ as a basis for justice, see Joseph R. Slaughter, # Human Rights, Inc ~~(New York: Fordham ~~University Press, 2007). # R. Panikkar’s discussion of Western concepts of civil liberty ~~and their applicability to non-Western cultures appears in # Diogenes ~~, 120 (1982). # Hannah Arendt, # Eichmann in Jerusalem: ~~A Report on the Banality of Evil ~~(London: Penguin, ~~1977). # William Tyndale, # Obedience of a ~~Christian Man ~~, ed. David Daniell (London: Penguin, 2000). ~~I thank Holly Crocker for bringing Tyndale to my ~~attention. # For Hobbes on conscience, see # Leviathan ~~, ed. J. C. A. Gaskin (Oxford World’s Classics, ~~1996), especially part 1, chapter 7. A stimulating blog by Stanley Fish ~~adduces Hobbes as a proponent ~~of public (versus private) conscience in relation to discussions of ~~religiously based medical conscience clauses. In his acute analysis, ~~Fish ms106 observes that 'one can (and should) relax the obligations of faith ~~when one is not in church’. See # New York Times ~~Opinion ~~, 12 April 2009: ~~( # http://www.opinionator.blogs.nytimes.com/2009/04/12/conscience-vs- conscience ~~) ~~(accessed 31 January ~~2011). # For Aquinas, see St Thomas Aquinas, # Summa Theologica ~~, tr. Fathers of the Dominican Province, ~~vol. 1 (New York: Benziger Brothers, 1947), Part 1, Question 79, Article ~~13. # The commentator who wants 'a little human rights just now’ is ~~Slaughter, # Human Rights, Inc, # previously cited. # الفصل الخامس # Edward, Earl of Clarendon, # Miscellaneous Works ~~, 2nd edn. (London, 1751). I thank ~~Laura Perille for this reference. # Augustine’s # Confessions # is ~~available in numerous editions; the Latin text is conveniently found in ~~Loeb Classical Library, 2 vols (1989). # Robinson Crusoe # is also ~~widely available; see Oxford World’s Classics, ed. Keymer et al. ~~(2008). ~~'Markheim’, # The Complete Short ~~Stories of Robert Louis Stevenson ~~, ed. Barry Menikoff ~~(New York: Modern Library, 2002). # Seventeenth-century works by Andrew Jones, Jeremiah Dyke, and ~~John Jackson may be found in Early English Books Online (hereafter, ~~EEBO). # For a discussion of conscience 'written on the heart’, see ~~Eric Jager, # The Book of the Heart ~~(Chicago: University of Chicago Press, 2000). Pamela Gradon (ed.), # Ayenbite of ~~Inwit ~~, Early English Text Society, Original Series, no. ~~278 (Oxford, 1987). ~~'Everyman’, # Medieval ~~Drama ~~, ed. David Bevington (Boston: Houghton Mifflin, ~~1975). # Martin Heidegger, # Being and ~~Time ~~, tr. Joan Stambaugh (New York: SUNY Press, ~~1996). # Camus’s characterization of Clamance is from # Charles Rolo ~~, 'Albert Camus: A Good Man’, # The Atlantic Monthly ~~(May 1958), ~~32. # James Joyce, # A Portrait of the Artist ~~as a Young Man ~~(London: Penguin, 1992). # On documentary photography, see Robert Coles, # Doing Documentary Work ~~(Oxford: Oxford ~~University Press, 1997). For the agency of images, see W. J. T. ~~Mitchell, # What Do Pictures Want? ~~(Chicago: University of Chicago Press, 2005). # The Sabrina Harman quotations are from Philip Gourevitch and ~~Errol Morris, 'Exposure: The Woman Behind the Camera at Abu Ghraib’, # New Yorker ~~, 28 March 2008. Also ms107 ~~see Gourevitch and Morris, # The Ballad of Abu ~~Ghraib ~~(New York: Penguin, 2009). # Wil S. Hylton, 'Prisoner of Conscience’, appeared in # GQ # magazine, September ~~2006. # Susan Sontag, # On Photography ~~(New York: Anchor Books, ~~1990). # النصوص الواردة داخل إطارات # محكمة «الضمير» # In addition to works cited above, see J. Swift, 'On the Testimony of ~~Conscience’, # Irish Tracts and Sermons ~~, ed. ~~Louis Landa (Oxford: Blackwell, 1948). # صرصور الليل المتكلم # The Pinocchio of C. Collodi ~~, tr. ~~J. T. Teehan (New York: Schocken Books, 1985). # تحديد جنس الضمير # Jane Eyre # is available in many ~~editions; see Oxford World’s Classics (2008). # الضمير: هل هو مثير للمتاعب أم ذات أخرى؟ # See William Perkins, A # Discourse of ~~Conscience ~~, 1596; Early English Books Online. I thank Abraham ~~Stoll for this reference. # أقوال توما الأكويني حول الضمير بوصفه «معرفة ~~تطبيقية» # Thomas Aquinas, # Summa Theologica ~~, Part 1, Question 79, Article 13. # | قراءات إضافية # For the origins of conscience in legal pleading, I am indebted to ~~C. A. Pierce, # Conscience in the New ~~Testament ~~(London: SCM Press, 1955). This notably perceptive ~~study abounds in fresh insights and is especially to be ~~recommended. # Valuable observations on Christian traditions of conscience and ~~the predicaments of conscience today are to be found in Paul Tillich, the ~~'Transmoral Conscience’, in # Morality and ~~Beyond ~~(New York: Harper Torchbooks, 1966), pp. ~~65-81. # For a fine discussion of conscience in Luther’s early theology, ~~see Michael G. Baylor, # Action and Person: Conscience ~~in Late Scholasticism and the Young Luther ~~(Leiden: Brill, ~~1977). Some of the possible extremities of Protestant conviction are ~~discussed by Steven E. Ozment, # Mysticism and ~~Dissent: Religious Ideology and Social Protest in the Sixteenth ~~Century ~~(New Haven and London: Yale University Press, ~~1973). # Many of the writings considered in my second chapter, together ~~with other subjects of importance, are treated with impressive depth in ~~Edward G. Andrew, # Conscience and Its Critics: Protestant Conscience, Enlightenment Reason, and Modern ~~Subjectivity ~~(Toronto and ms108 London: University of Toronto Press, 2001). Highly recommended. # Especially pertinent to Kant, and also richly engaged with other ~~themes treated in this book, is Thomas E. Hill, 'Four Conceptions of ~~Conscience’, # Human Welfare and Moral Worth: Kantian Perspectives ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2002). # Additional perspectives on issues treated here are to be found in ~~Charles Taylor, # Sources of the Self ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1989) and Paul Ricoeur, # Oneself as Another ~~(Chicago and London: ~~University of Chicago Press, 1992). ms109