######OpenITI# #META# URI: 1450SuhaShami.SajinatTihran.Hindawi29036305 #META# Tags: biographies #META# ID: 29036305 #META# Title: سجينة طهران: قصة نجاة امرأة داخل أحد السجون الإيرانية #META# AuthorID: 26852930 #META# Author: مارينا نعمت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 20926903 #META# Translator: سهى الشامي #META# Related_books: 1450MarinaNemat.PrisonerOfTehran (TRANSL) #META#Header#End# # قالوا عن «سجينة طهران»‏ # عن الكاتبة‏ # إهداء‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # خاتمة‏ # ملحق‏ # سجينة طهران‏ # دليل قراء «سجينة طهران»‏ # حوار مع مارينا نعمت‏ # قالوا عن «سجينة طهران»‏ # عن الكاتبة‏ # إهداء‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # خاتمة‏ # ملحق‏ # سجينة طهران‏ # دليل قراء «سجينة طهران»‏ # حوار مع مارينا نعمت‏ # | سجينة طهران # | سجينة طهران # | قصة نجاة امرأة داخل أحد السجون الإيرانية # تأليف # مارينا نعمت # تقديم # فاطمة ناعوت # ترجمة # سهى الشامي # | قالوا عن «سجينة طهران» # كقصة صادمة من قصص ألف ليلة وليلة، تأتي «سجينة طهران» التي تحكي قصة مارينا نعمت ~~لتصور شجاعتها الواضحة، وحكمتها الباسلة، وكفاحها للحفاظ على شرفها وعائلتها في عالم ~~يعتبر النساء عبيدا. صاغتها يد روائية ماهرة، لتصور لنا عالما حقيقيا، حياة ~~النساء فيه زهيدة الثمن، عدا حياة تلك المرأة. # جاكلين ميتشارد، مؤلفة ~~«النهاية العميقة من المحيط» # و«قفص النجوم» # قصة نجاة غير عادية، تصور لنا كيف توصلت امرأة أخيرا للسلام الداخلي من خلال ~~الكتابة. # مجلة «إنترتينمنت ويكلي» # تصور تلك المذكرات الرائعة صراع مارينا نعمت من أجل الصفح عمن عذبوها وحكموا ~~عليها بالإعدام وهي في السادسة عشرة من العمر، لأنها جاهرت بمعارضة الحكومة. # مجلة «نيوزويك» # كتاب مارينا نعمت الجميل أشبه باعترافات القديس أوجستين ... عندما يلازمها شبح الحدث ~~الذي أنقذ حياتها - وهو زواجها السري ممن ~~اعتقلها - فإنها تقرر كتابة الحقيقة. الكتاب يوحي بالبسالة، وبالشفقة أيضا. كلماتها ~~المنمقة النابعة من القلب تصور مأساتها الصادمة والنظام الوحشي الذي حاول أن ~~يدنسها. ms001 # صحيفة «ذا جلوب آند ميل» ~~(تورونتو، أونتاريو) ~~«سجينة طهران» قصة مؤثرة رويت بأمانة عن زمان ومكان وأشخاص عاصروا المحنة ... إنها ~~قصة رائعة. # صحيفة «ميامي هيرالد» # رواية مهمة من شاهدة عيان. # مجلة «كيركس» ~~«سجينة طهران» رحلة مؤلمة ... قصة عن النضج في أحلك الظروف واختبار للإيمان في وجه رعب ~~بغيض. نسجت القصة نسجا ماهرا ممزوجا بالكثير من التشويق. # مجلة «كويل آند كواير» # قصة تستحق أن تجسد في فيلم مشوق. # صحيفة «ذا تامبا تريبيون» # مذكرات تفت القلوب. # صحيفة «ذا ستار فينيكس» ~~(ساسكاتون، ساسكاتشوان) # تحفل مذكرات مارينا نعمت الآسرة بالشخصيات المركبة ... إنها تسرد قصتها المشوقة ~~القابضة للصدور عن العفو والأمل والحب الخالد، وهي صوت لكثير من القصص التي لم ترو، ~~والتي أخرستها الثورة الإيرانية. # مجلة «ببليشرز ويكلي» ~~(مراجعة تقييمية حاصلة على عدة نجوم) # تتناول قصة مارينا المحزنة، عن الوقت الذي قضته في أحد السجون الإيرانية، قضايا ~~مهمة؛ على رأسها قدرة التعصب الديني على دفع الأخيار لارتكاب أعمال الشر. غير أن تميز ~~المذكرات وجمالها يعودان إلى أسلوبها البسيط، وكيفية تناولها عبء الذكريات، وحاجتها إلى ~~الإدلاء بشهادتها، وخبايا قلوب البشر. «سجينة طهران» رواية مذهلة. # مجلة «ماكلينز» # | عن الكاتبة # نشأت مارينا نعمت في طهران بإيران، وفي عام 1991 هاجرت إلى مدينة «تورونتو» بمقاطعة ~~«أونتاريو» الكندية حيث تقيم الآن مع زوجها أندريه وولديهما. # | إهداء # إلى أندريه، ومايكل، وتوماس. # إلى كل السجناء السياسيين في إيران؛ # وأخص بالذكر منهم «ش. ف. م.»، و«م. د.»، و«أ. ش.»، و«ك. م.». # وإلى زهرا كاظمي. # | شكر وتقدير # الحقيقة أني لا أدري كيف أو من أين أبدأ؛ ربما أحتاج إلى ابتكار كلمات جديدة، فعبارات مثل ~~«أشكرك» و«أود التعبير عن امتناني» تبدو عادية للغاية وغير ملائمة للتعبير عما أود قوله، ~~حتى إنها تشعرني وكأني أخون هؤلاء الذين أود شكرهم. # أندريه؛ حب حياتي: أنا على يقين من أنك أكثر الناس على وجه الأرض أمانة وإخلاصا، فالخير ~~الذي بداخلك يتحدى قوانين الطبيعة؛ لقد ساندتني وأعطيتني الأمل والقوة كي أظل على قيد ~~الحياة، وأعلم كم كان صعبا عليك أن ms002 أتبع ما يمليه علي قلبي وأكتب تلك المذكرات، لكن هذا ~~لم يثنك عن دعمك لي. أشكرك على صفحك وثقتك وحبك الذي لا يتزعزع. # مايكل وتوماس: شكرا أنكما معي؛ أنكما منحتماني نعمة الأمومة والحب؛ فبفضلكما أصبحت ~~إنسانة كاملة. شكرا على مشاركتي الحيوية والروعة وعلى صبركما أثناء الساعات الطويلة التي ~~قضيتها في الكتابة. # بيفيرلي سلوبن؛ وكيلي الرائع وصانع المعجزات: لقد أنقذتني، وحولت هذا الكتاب إلى حقيقة ~~وأتحته للعالم. نصائحك السديدة كانت خير عون في الأوقات الصعبة. لن تسعني الكلمات مهما ~~حاولت لأعبر عن مدى شكري وامتناني لك. # محرري وناشري الرائعين: ديان توربيد وديفيد دافيدار (بينجوين كندا)، إليانور بيرن ~~ورولاند فيليبس (جون موراي ببليشرز/المملكة المتحدة)، ليز ستين ومارثا ليفين (فري ~~بريس/الولايات المتحدة)؛ أشكر لكم دعمكم الهائل ~~وتعليقاتكم المدروسة وأسئلتكم الذكية. لقد اقتنعتم بضرورة سرد قصتي وساعدتموني ~~بحكمتكم. # جيم جيفورد: ظهورك في حياتي كان معجزة؛ شجعتني، وأصبحت معلمي وصديقي. إليك يرجع الكثير ~~من الفضل في تحول مخطوطتي إلى كتاب. سأظل مدينة لك بالفضل إلى الأبد. # ميشيل شيبرد: أتحت لي الفرصة لأن أعود خطوة للخلف وألقي نظرة على قصتي من خلال كلماتك. ~~ساعدتني على الغوص في أعماق ذكرياتي وتذكر تفاصيل بدا لي تذكرها مستحيلا، وعلى مواجهة ~~الذكريات التي حاول عقلي الباطن تجنبها. أكن لك معزة خاصة في قلبي. # راشيل مانلي: مهما حاولت أن أعبر لك عن مشاعري تجاهك، فلن أتمكن من ذلك، فلست معلمتي ~~فحسب، بل أكثر من ذلك كثيرا. لطالما كنت أما حنونا وصديقة عزيزة وأختا حبيبة. لن ~~أكف عن احترامك وتقديرك ما حييت. أشكرك على دعمك وعلى أجمل وأروع تقييم تلقيته عن هذا ~~الكتاب، فأنت كاتبة وشاعرة ومعلمة عظيمة وإنسانة حرة حقا. # سكوت سيمي: كلانا يعرف الكثير عن الحرمان والصراع والحزن، وكلانا قد وجد الحرية والسعادة ~~والعزاء في الكتابة وفي عبير الأزهار والنرجس الذي يهب على حين غرة؛ عبير يبعث الحياة ~~والدفء في الوحدة القاتلة التي يخلفها الموت. # جون كلارك: تستحق أن تكون ملاكا، لأني لا أجد سبيلا آخر أعبر به عن طيبتك. ms003 اهتمامك ~~بالتفاصيل غير عادي. ساعدتني على تنظيم ذكرياتي المتفرقة ما جعلني أقطع شوطا كبيرا في ~~كتابة المخطوطة. صداقتك نعمة غالية. # ستيفن بيتي: عندما انهارت آمالي، ظهرت من بين الأنقاض ومنحتني أملا جديدا. أشكرك على ~~إيمانك بهذا العمل وبقدرتي على إنجازه، وأشكرك أيضا على تصحيحاتك ونصائحك القيمة ودعمك ~~لي. # أوليف كوياما: شكرا على توجيهك الأسئلة الصحيحة لي وعلى تشجيعي. # لي جوان: علمتني الكثير مما أعرف عن الكتابة، وآمل أن أتمكن من الكتابة مثلك. رفعت ~~معنوياتي عندما كدت أفقد الأمل في إنجاز هذا العمل، وفتحت لي الأبواب التي قادتني إلى ما ~~وصلت إليه. أشكرك على طيبتك اللامتناهية وصداقتك الكريمة. # جيليان بارتليت: لقد ساعدتني على التحلي بالثقة عند الكتابة. لم أعرف أحدا في طيبتك ~~وحيويتك وكرمك وحكمتك قط. حبك للحياة يؤثر في كل من حولك ويجعل العالم مكانا أفضل ~~وأسعد. # كارينا دالين وكيم إكلين وكينت ناسي وكل أصدقائي ومعلمي في مدرسة التعليم المستمر ~~بجامعة تورونتو: لولا مساعدتكم ودعمكم لما كان هذا الكتاب حقيقة. كلكم تشاركونني نفس ~~الشغف بالأدب وتأثيره القوي والإيمان بأن الحديث بلا خوف أول خطوة في طريق مداواة عالمنا ~~المبتلى بالعنف. # مارثا باتيز زاك وسونيا ووروتينيك: أشكركما على الصداقة التي منحتماني إياها، وثقتكما في ~~عملي وآرائكما القيمة التي أضاءت لي الطريق وقت أن كنت تائهة. أشكركما على كل رسائل البريد ~~الإلكتروني التي أبقتني على صلة بالعالم وأنا أكتب المخطوطة؛ كلاكما منقذي. وأنت يا مارثا، ~~دائما ترفعين معنوياتي عندما أشعر بالإحباط. لو كنت بصدد اختيار شقيقة لي لوضعتك على رأس ~~القائمة. # عضوات نادي الكتاب؛ رومانا دولتشيتي وكارين إيكيرت ونيفا لورينزون وفلافيا سيلانو وجوان ~~تومسون ودوروثي ويلان: على مدار أربعة عشر عاما ونحن نقرأ معا، فيا لها من رحلة! لقد ~~رحبتن بي في مجموعتكن عندما كنت غريبة وحيدة، وعاملتنني كواحدة منكن، كأن بيننا صلة قرابة ~~وافترقنا زمنا. فتحتن لي قلوبكن، وشاركتنني نصائح العناية بالأطفال وأشهى وصفات الطعام، ~~وقرأتن أول مسودة لمخطوطة الكتاب، وأسبغتن علي الكثير من كلمات التشجيع والتأييد. # ماري لين فاندرفيلن: أشكرك ms004 على منحي شعورا بالانتماء، وعلى تحريرك الدقيق لمسودتي ~~الأولى. # لين توبين: أقدم لك جزيل الشكر، فقد كنت بمنزلة أخت لي؛ أعتز بصداقتنا. # جزيل الشكر لرئيسي وزملائي في العمل، وعملائي الدائمين في مطعم «سويس شاليه» على دعمهم ~~وتفهمهم ومودتهم. # زهرا كاظمي: أكدت لي وفاتك الوحشية أنه لا بد من كشف النقاب عن قصة السجناء السياسيين في ~~إيران؛ لقد منحتنا اسما ووجها، وبفضلك بات العالم على دراية بما يرتكب من أهوال داخل ~~سجن «إيفين». ليتغمدك الله برحمته. # أهدي هذا الكتاب إلى كل رفاقي. # ما زلت أذكركم جميعا، وأفتقدكم جميعا، وأحبكم جميعا. # أرجو أن تغفروا لي صمتي الطويل والعديد من الأخطاء الأخرى التي ارتكبتها. # وإذا صليت، فالصلاة الوحيدة # التي تحرك شفاهي: ~~«ذر القلب الذي أحمل بين الضلوع، # وهبني الحرية!» # نعم، وإنني إذ تدنو أيامي المسرعات من غايتها، # فكل ما أرجوه # في الحياة والموت، روحا طليقة، # وشجاعة كي أحتمل. # إميلي برونتي # | مقدمة # | محارة، وحبة رمل، ولؤلؤة # محارة حبلى بالأسرار، كان يجب أن تضربها حبة رمل، كيما تجتمع تلك الأسرار الحزينة ~~الدامية، الآتية من غور الذاكرة السحيق وشتاتها. تتكور الذكريات الكابية تلك، بعدما ~~تشف وتصفو وتتنقى من شوائبها المرة، وتتحرر من أثقالها الموجعة، ثم تستقر في ~~جوف محارتها ساكنة في نورها ونارها، حتى تخرج إلى العالم لؤلؤة مشعة، ناصعة الضوء، ~~مثل قطعة من الدر النقي من الطراز الممتاز. # فأما المحارة الحبلى بالذكريات؛ فليست إلا بطلة روايتنا الشابة الإيرانية التي ~~فرت إلى كندا بعدما أحكم الخميني والتيارات الإسلامية قبضتهم الغليظة على إيران، قبل ~~ثلاثين عاما. # وأما حبة الرمل التي ضربت قلب المحارة، وكانت المحفز الحاث لكي تخرج المحارة ~~خبيئتها اللؤلؤية إلى العلن؛ فهي المرأة الإيرانية باريسا التي التقت بطلة روايتنا في ~~كندا، وألمحت، بخوف، إلى أنها كانت، مثلها، أيضا من سجينات معتقل إيفين اللعين. حبة ~~الرمل تلك أطلقت شياطين الذاكرة من عقالها، تلك الشياطين الضارية، ~~التي ظلت تطارد بطلتنا بعدما كانت قد نجحت ~~في إسكات صوتها الوحشي سنوات طوالا، فما كان من سبيل للخلاص من ذلك ms005 العذاب سوى طرد ~~الذكريات من العقل بإشعالها، ما دامت لم تعد قادرة على إخمادها، كما تقول الكاتبة: «ما ~~دمت لا أستطيع النسيان، فربما يكون الحل في التذكر.» # وأما اللؤلؤة النقية التي نسيجها ذكريات موجعة، فليست إلا هذه الرواية العذبة التي ~~بين أيدينا الآن: «سجينة طهران». # هذه الكاتبة # بطلة روايتنا، الصبية الجميلة مارينا مرادي بخت، أو مارينا نعمت؛ فتاة مسيحية ~~إيرانية من طهران. كانت تلميذة في المرحلة الثانوية حينما بدأت رحلة عذابها؛ بعدما ~~انتزعت من دفء الأسرة إلى صقيع سجن إيفين ووحشته، لتجرب ألوان التعذيب الوحشي، ~~وتشهد كل يوم مقتل صبي أو صبية من ورود إيران النضرة. لم يبرحها الشعور بالإثم ~~طوال سنوات حياتها، لأنها نجت حين مات كثيرون من رفقة الصبا وزملاء الدراسة في ~~مدرستها؛ ممن تجاسروا أن يقولوا: «لا»، حين قال الآخرون: «نعم»، وتلك كانت جريرة وخطيئة ~~في عرف حكم الملالي الإيراني. # يضربها الوجع ويطاردها الشعور بالذنب كلما تذكرت أنها كان يجب أن تموت معهم حيث ~~ماتوا وحين قصفوا في عمر الزهور البريئة؛ لولا شجرة الأقدار البديلة التي ترسم خيوط ~~حياتنا على نحو لا يخلو من مصادفات وعبثية واعتباطية وافتقار للمنطق في كثير من ~~الأحيان! لهذا لم يبرحها يقين بأن حياتها تخص أولئك الموتى، أكثر مما تخصها هي. ~~ولم يكن من سبيل إلى تحررها الذاتي من الأسر وانعتاق روحها من الوزر، إلا بتحرير ~~تلك الذكريات من إسارها في سجن روحها وخبيئة ذاكرتها، ومن ثم إخراجها للنور إلى حيث ~~الذاكرة الكونية الجمعية، ذاكرات الناس، عبر هذه الرواية الجميلة، الموجعة؛ من أجل أن ~~تطرحها أمام الرأي العام العالمي، فيعرف من لم يكن يعرف، ما يجب أن يعرف، من أسرار لم ~~تخرج بعد من قلوب الذين قتلوا وعذبوا باسم الله! حاشاه! # هذه الرواية # قصة مارينا منذ قبض عليها عام 1982، لتسكن معتقل إيفين وتعاني الأمرين عامين ~~وشهرين عددا، مرورا بزواجها القسري من جلادها الإسلامي الذي أحبها ولم ~~تحبه، ثم إسلامها القسري أيضا، ثم تحررها بمصرع الزوج على يد جلاد إسلامي آخر، ~~ثم، أخيرا، ms006 زواجها من خطيبها المسيحي القديم رفيق الصبا حبيبها الذي انتظرها وانتظرته، ~~وحتى هروبها إلى كندا مع زوجها وطفلها عام 1991؛ هي حكاية جيل الثورة الإسلامية ~~الإيرانية بكل أوجاعها وجراحها وعصير ثمرها المر، والأحلام الموءودة لجيل من الشباب ~~شاخ قبل الأوان؛ تضعها مارينا، سجينة طهران الصغيرة، أمام المجتمع الدولي، مخضبة ~~بالدم النبيل الذي لا توقف قطره ضمادات العالم، مرهقة بالدموع التي لا تجففها إلا ~~يد السماء الحنون. هي الجزء غير المروي من حكاية طويلة تناولتها الألسن والفضائيات ~~والصحف والمجلدات وكتب التاريخ على نحو إعلامي منقوص، على نهج انتقائي غير موضوعي. هي ~~الشطر المسكوت عنه من بيت شعري نازف لا يعرف العالم عنه إلا ما أراد له الشاعر، ~~الفاشي، أن يعرفه من قصيدته الملحمية الدامية، مهما كان تقييمنا لأدائه الشعري ~~الموصوم بالظلم والقمع وسحق الإرادة. قصة الصبية والصبايا المراهقين في إيران، ممن ~~بدأ تشكل وعيهم بالحياة مع الأمل في صوغ إيران أجمل وأرقى وأكثر تحضرا، تظللها ~~الحرية والديمقراطية والسلام؛ فإذا بهم يقعون فرائس سهلة تحت أنياب التعذيب ومقاصل ~~القتل والاغتصاب وسحق الكرامة. إنها كواليس القصة التي راقبها العالم في صمت؛ إما عن ~~جهل بما يدور في الغرف الخلفية المغلقة، أو عن خوف من سماع أنين المعذبين وراء قضبان ~~السجون وظلامها، أو ربما عن عدم اكتراث بأرواح بريئة غضة تزهق كل ساعة خلف جدران ~~سجن إيفين العالية. رواية تكشف النقاب عن آلية سحق الأرواح باسم الله، وتحت مسمى ~~إعمال الخير والإصلاح في الأرض! وهي فوق كل هذا رواية «التحرر» من الخوف. فإن نحن ~~«كتبنا» مخاوفنا «قتلناها»، لهذا تختم الكاتبة روايتها بهذه العبارة: «الخوف أفظع ~~السجون على الإطلاق.» # قبل الدخول إلى الرواية # وقبل الدخول من بوابة هذه الرواية ~~المخيفة، لا بد من إطلالة سريعة على طبيعة الثورة الإيرانية وآلية حكم «الملالي»، أي ~~حكم بشر يزعمون التحدث ب «اسم الله»، بوصفهم ظلال الله على الأرض، كما يصورون ~~للناس، فيصدقهم البسطاء، ويرفضهم أولو الألباب! لا بد من معرفة: من أسس للثورة ، ومن ~~قام بها، ومن دفع الدم ms007 والروح والنفس والنفيس من أجلها، ثم من سرقها واستلب ثمارها، ~~ومن، في الأخير، استفاد منها. من أهرق الدماء من أجل وطنه وفقراء وطنه، ومن استثمر تلك ~~الدماء لتحقيق المغانم والمكاسب. من بذر بذورها في أرض بور، ومن الذي انتزع الأرض بعدما ~~خصبت، والتهم الثمر. # ما الثورة الإيرانية؟ # بعد الثورة الشعبية الإيرانية الشريفة (1979)، التي قام بها اليساريون والليبراليون ~~والعلمانيون والمثقفون والعلماء والمدنيون في إيران، ونجحت في الإطاحة بشاه إيران ~~المستبد، أملا في بناء إيران أكثر تحررا وتحضرا وديمقراطية وتصديرا للعلم، قفزت ~~التيارات الدينية على الثورة، كالعادة، وجاء آية الله الخميني ليركل بقدمه الديمقراطية ~~التي أجلسته على الكرسي، مثل منديل ورقي بال أدى وظيفته، وما عاد له إلا صندوق ~~القمامة. بعد توسله إياها، لفظت الديمقراطية، وحل محلها حكم الفرد، والتحدث باسم ~~السماء، والتغلغل المتسارع في مفاصل الدولة من مؤسسات حيوية وإعلام وتعليم وقضاء وجيش ~~وشرطة، ثم التصفية الجسدية للانتفاضات الشعبية العديدة التي ثارت على القمع، ثم دهس ~~القانون بالقدم، بعد إقصاء المعارضة، بل اعتقالها وتعذيبها وقتلها في أحد أشهر سجون ~~التاريخ وأبشعها؛ سجن إيفين، الذي لا تقل شهرته عن الباستيل الفرنسي، وأبو غريب ~~العراقي، وباجرام الأفغاني، ومعتقل جوانتانامو الأمريكي في كوبا. أما جلادو إيفين، ~~فهم الإسلاميون الذين ذاقوا الويل على يد رجال «السافاك»؛ جهاز الاستخبارات الإيراني ~~المخصص لمراقبة معارضي الشاه وتعذيبهم وتصفية قياداتهم، بذات السجن، في عهد محمد رضا ~~بهلوي، شاه إيران. وحينما ترفق بهم القدر وتمكنوا من السلطة، خرجوا ليذيقوا الويل ~~مضاعفا للشعب الذي حررهم، والويلين لمعارضي الخميني من المدنيين والليبراليين والثوار، ~~أو كل من يفكر في لفظ كلمة: «لا» للفاشية باسم الدين! # وجاء الحرس الثوري الإيراني (حراس الخميني ونظامه، وليسوا حراس الثورة في حقيقة ~~الأمر)، وشرعوا في اعتقال كل من تسول له نفسه «الأمارة بالسوء»، أن يمارس حقه ~~الذي فطر عليه في التفكير والتعبير والاعتراض، لدرجة تورطهم في اعتقال الصبية ~~الصغار بالمدارس إذا ما اعترضوا على المعلمين الجدد، الذين بدلا من أن يشرحوا المناهج ~~التعليمية؛ من رياضيات وعلوم وتاريخ وكيمياء، ms008 راحوا يشرحون مزايا ثورة الخميني ووجوب ~~طاعته التي هي من طاعة الله. وامتلأت عنابر سجن إيفين بمئات الآلاف من المواطنين ~~يجلدون بالسياط، ويذبحون ويشنقون على مدار الساعة منذ بداية الثمانينيات من القرن ~~الماضي وحتى اختفى تماما صوت آخر معارض لحكم الملالي. # الطريف في الأمر، أن الجلاد القاتل من ~~الحرس الثوري كان يقتل مجاهرا بأنه يسدي معروفا وجوديا وتربويا ونفسيا للمقتول! ~~كانوا يشنقون الناس في الشوارع قائلين: إنما نخدمهم بقتلهم؛ كيلا يرتكبوا مزيدا من ~~الآثام؛ لأنهم أعداء الله، ما داموا يعارضون آية الله الخميني؛ وذلك عملا بأحد شعارات ~~الإمام التي كانت تملأ شوارع طهران وميادينها وغيرها من المدن الإيرانية. نص الشعار ~~يقول: «لو سمح للكافر بالاستمرار في الحياة، لأصبحت معاناته النفسية أسوأ كثيرا. أما ~~لو قتل المرء ذلك الكافر، فيكون قد حال دون ارتكابه مزيدا من الخطايا، وبهذا يكون ~~الموت نعمة كبرى له!» # بطلة حكايتنا كانت إحدى ضحايا تلك الخطيئة السياسية؛ أن تقول: «لا»، حين خنع الناس ~~واطمأنوا بقولة «نعم»، حين بحثت عن المنطق، وقت ساد العبث وانعدم المنطق، تجرأت ~~الصبية الصغيرة، تلميذة الثانوي، واعترضت في الفصل على معلمة الرياضيات، التي أغفلت ~~شرح درس التفاضل والتكامل، وراحت تشرح وتفند روعة الحكم الخميني وبشاعة الخروج عليه. ~~طردت البنت من الفصل، وفي آخر النهار جاء إلى بيتها رجلان من الحرس الثوري وقبضوا ~~عليها، لتقبع وراء قضبان إيفين عامين وشهرين. حكم عليها بالإعدام، ثم نجت بمعجزة ~~اعتباطية، ثم خرجت من السجن بسلسلة من المعجزات الأخرى، قد لا تحدث إلا في الدراما ~~الهندية التي تقوم على سلسلة من المصادفات قلما تحدث في واقعنا المر ~~الممرور. # أدب السيرة الذاتية # أدب السيرة الذاتية، هو لون من أجناس الأدب، يؤرخ فيه المؤلف سيرته الشخصية، لما قد ~~تحمله من فلسفة ما أو حكمة أو موعظة أو تجربة قد يفيد منها العامة. وهو من فنون الأدب ~~التوثيقي التقريري. # الراوية السارد عادة ما يتكلم بضمير المتكلم، أو ضمير الغائب. قد يرويها صاحبها ~~بنفسه، مثل رواية «الأيام»، رائعة طه حسين، أو يكتبها ms009 كاتب عن حياة كاتب آخر، مثل أدب ~~التراجم. قد يضفر الكاتب الحقيقة بخيوط الخيال؛ من أجل تبرير أخطاء ارتكبها، كما فعل ~~جان جاك روسو في «الاعترافات»، أو، على النقيض، قد تخرج السيرة الذاتية اعترافية ~~المزاج، صادمة فجة، دونما شعور بالخطيئة، مثلما وجدنا في «مذكرات لص» للفرنسي ~~جان جينيه، أو «الخبز الحافي» للمغربي محمد شكري. أو قد تتمحور السيرة حول التجربة ~~الروحية والتحليل الفلسفي الاستقرائي الاستبطاني للنفس البشرية وأحوالها مثل ~~«اعترافات القديس أوغسطين». هذا على المستوى المضموني. أما على مستوى الشكل الفني ~~والأسلوبي، فقد تأتي رواية السيرة الذاتية نثرا، مثلما وجدنا لدى العقاد والمازني ~~وطه حسين وسواهم، وقد تكون ملحمة شعرية تحكي تجربة الإنسان الشخصية كما في قصيدة: ~~«الانعزالي» # The Recluse # للشاعر الإنجليزي وليام ~~وردزورث. # ونظرا لتعددية أجناس الكتابة الأدبية للسيرة الذاتية، فقد تتداخل أحيانا تلك ~~الألوان وتذوب الجدران الفاصلة بين السيرة الذاتية، والمذكرات، واليوميات، والرواية ~~الشخصية، وقصيدة السيرة الذاتية، والبورتريه الذاتي، ثم علاقة كل ما سبق بفن الرواية ~~كما نعرفها. إلى جانب أن نظرية «الكتابة عبر النوعية»، تساهم كثيرا في تداخل خيوط كل ~~ما سبق، ومن ثم الافتقار إلى معايير محددة حاسمة للفصل فيما بينها. على أن الملاحظ أن ~~السيرة الذاتية قد تقترب من سرد أحداث شخصية، بقدر ما تبتعد عن سرد الأحداث العامة، في ~~حين تركز المذكرات واليوميات غالبا على تدوين الأحداث، عامة أو خاصة، دون التعليق ~~على الحياة الشخصية لكاتب المذكرات. # على أن الزمن المروي في الرواية قد يعد معيارا للفصل بين السيرة الذاتية ~~واليوميات. فالسيرة الذاتية عادة ما تنسج خيوطها في فترة محددة من حياة الكاتب حدثت ~~فيها التجربة الأهم أو الأنصع، في حين تسبح اليوميات في لجة الأحداث يوما بيوم، دون ~~تراتب قيمي لأهمية هذا الحدث أو ذاك. على أن الجنسين عادة ما ينطلقان من الحاضر إلى ~~الماضي، ومن لحظة الكتابة صوب الفترة الزمانية للتجربة المعنية. لهذا فإن المساحة ~~الزمنية التي تفصل بين لحظة الكتابة وزمن التجربة تكون في السيرة الذاتية أوسع منها في ~~اليوميات. # المكان ms010 والزمان في سجينة طهران # مما سبق نجد أن «سجينة طهران»، تنتمي إلى «أدب السيرة الذاتية»، أو «رواية السيرة ~~الذاتية». تنطلق الأحداث من اللحظة الراهنة (لحظة الكتابة، أو اتخاذ قرار الكتابة)، ~~بعدما برئت الكاتبة، أو كادت أن تبرأ، من ذلك الكابوس الجاثم على ذاكرتها جراء رحلة ~~عذابها في معتقل طهران. لحظة الكتابة هنا جاءت بعد عشرين عاما من «الحدث»، أو محفز ~~الكتابة ومفجرها. # وأما مكان الكتابة، فلم يكن هو ذاته مكان الدراما، (عنبر رقم 246، أو الزنزانة ~~الانفرادية رقم 27، أو غرفة الإعدام التي نجت منها بأعجوبة)، بل كانت في المنفى ~~الاختياري، كندا، الذي فرت إليه مع زوجها الثاني، الزوج الحقيقي، وطفلها ابن ~~العامين. # على أن مسرح الأحداث الرئيس يظل هو طرقات المعتقل وعنابره وزنازينه، تناوشه أماكن ~~أخرى مثل كوخ العائلة على الشاطئ، وصخرة الصلاة، التي كانت تهرب إليها كلما أرادت أن ~~تذهب إلى الله، والتي سوف تخبئ في جوفها خاتم زفافها بعد موت الزوج الجلاد، مع ناي ~~أراش، والعقد الذي منعه الموت من أن يهديه لها، مع كل ما تخبئه فيها من أسرار صغيرة، ~~وكذلك فصول المدرسة الثانوية، وساحات التظاهرات، وغرفة جدتها الروسية في بيتهم بطهران، ~~والمكتبة المجاورة التي كان صاحبها الكهل الطيب ألبرت يزودها فيها بالقصص الملونة، وقد ~~كانت تلك الكتب رفيقتها الأثيرة، وربما الوحيدة في تلك المرحلة النقية، قبل خوض ~~التجربة المرة. # الذاكرة، البطل # مع أن «المكان» - سجن إيفين بأسواره العالية وزنازين تعذيبه وغرف إعدامه وجلاديه ~~ومعتقليه - يمكن أن يعد البطل الرئيس لهذه الرواية، فإنني أعتبر أن الذاكرة، ذاكرة ~~الكاتبة، هي البطل المحرك أو المحرض على فعل الكتابة. الذاكرة هي الريشة التي ~~دونت على الورق، والذكريات هي قطرات المداد التي تشكلت حروفا وكلمات ووجعا ~~وعذابات. # شلال الذكريات الحزينة الذي ظل يضرب عقل مارينا سنوات طوالا، لم يكن من علاج له إلا ~~أن يتمخض الوجع في الأخير عن فعل «كتابة». فحين لم تستطع أن «تنسى» كان الحل في أن ~~«تتذكر». فنحن نقتل ذكرياتنا بكتابتها. الأدق أننا نقتل «مطاردتها» لنا، حين نشل ms011 ~~حركتها ونجمدها على هيئة حروف فوق ورق، في دفتر، نحفظه في درج المكتب. وهذا ما كان. ~~حتى وإن كان في قتلها إحياء أبدي لها، وحفظ لها في ذواكر القادمين. # الذاكرة، والذاكرة المركبة # يعمل سرد الأحداث على مستويين من انهمار شلال الذكريات، مع ملاحظة أن لحظة فتح «صمام» ~~الشلال بدأت بعد عشرين عاما من انتهاء الأحداث في سجن إيفين؛ عملت الكاتبة على حفر ~~جدولين، لا واحد، تسري فيهما مياه الذاكرة الصافية؛ الجدول الأول تجري فيه فيوض ذكريات ~~المعتقل الذي نقلها فجأة من ميعة الصبا البريء إلى خشونة سجينة سياسية تعاين الذل ~~والقهر والتعذيب والزواج القسري وتغيير العقيدة إجبارا، وتتداعى في الجدول الثاني ~~ذكريات الطفولة الأولى اللاهية، لتتضافر مع مياه الجدول الأول كصبية تخبر لأول مرة ما ~~يعانيه الكبار من النشطاء السياسيين خلف أسوار المعتقلات. بوسعنا أن نسمي الجدول الأول: ~~«الذاكرة القريبة»، ونسمي الجدول الطفولي الآخر: «الذاكرة المركبة» أو العميقة. مع ~~التأكيد على أن الذاكرة القريبة عمرها عشرون عاما، لأن الكاتبة لم تحرر ذكرياتها إلا ~~بعد عقدين من هجرتها إلى كندا، ظلت خلالهما تلك التجارب حبيسة ذهنها الموجوع بأثقال ~~المحنة. # وجاء هذا التضافر «المركب»، على نحو مركب أيضا؛ فأحيانا ترد ذكريات الطفولة ~~متداخلة مع ذكريات المعتقل، وفي أحيان أخرى كانت الكاتبة تحكي عن طفولتها في فصول ~~مستقلة. # وسار هذا التكتيك الفني بالتوازي؛ ~~فصل كامل يحكي عن المعتقل، تشوبه لمحات خاطفة من الطفولة، على نهج «التداعي الحر ~~للأفكار» كما نهجه رواد تيار الوعي مثل جويس وبروست وفرجينيا وولف، يليه فصل كامل ~~تكرسه الكاتبة لسرد ذكريات طفولتها النقية الأولى مع جدتها الروسية وأمها وأبيها ~~وأشقائها وتجارب المراهقة السعيدة مع حبيبها أراش، عازف الناي المسلم الخجول الذي ~~شاهدها تمتطي دراجتها جوار كوخ العائلة على الشاطئ، وتصادقا، ثم تحابا، وظلت تذهب ~~معه إلى «صخرة الصلاة» ليصليا معا، بالرغم من اختلاف العقيدة. صخرة الصلاة تلك - كما ~~سمتها - ستظل تخبئ فيها أشياءها الثمينة، وهي تتساءل: هل بالجنة مكان نخبئ فيه ~~أشياءنا؟ واختفى أراش فجأة ، ولم تره من جديد ms012 إلا جثة سابحة في بركة من الدماء تكسو ~~أرض إحدى الثورات الإسلامية ضد شاه إيران. # غسل الذاكرة # ولأن الذاكرة هي بطل هذه الرواية، ولأن بطل الرواية هو محورها الذي تموت الدراما ~~عادة بموته، فإن الدراما غالبا تحافظ على ذلك العمود الفقري، الذي لو انكسر كتبت ~~الرواية كلمة «النهاية». على أن الحياة لا تنهج ~~ما ينهجه الكاتب من الحفاظ على روح «البطل» ~~حتى النهاية. أحيانا يكون للواقع رأي مخالف، علينا، شئنا أم أبينا، أن نحترمه ونحذو ~~حذوه. «سارة» صديقة مارينا وزميلتها في السجن، حافظت على «بطلها» الخاص، ذكرياتها، ~~بكتابتها فوق جسدها، وكانت ترفض الاستحمام كيلا تضيع ذاكرتها. لكنها في الأخير اضطرت ~~إلى قتل بطلها بالماء، حين تحممت. كذلك مارينا بطلتنا، حينما خرجت من المعتقل وعادت إلى ~~بيت أسرتها، وجدت أن أمها قد أغرقت دفتر ذكريات جدتها في الماء، كيلا يكون شاهدا على ~~أصولهم الروسية، خوفا من بطش الخميني. شهدت مارينا جنازة البطل المغدور، الذاكرة، بعد ~~عامين من قتله على يد الأم، فبكته بدمع جف من عينيها. لكنها حافظت على «بطلها» الخاص، ~~ذاكرتها وذكرياتها، بأن دونتها في هذه الرواية التي بين أيدينا. # كذلك أندريه، زوجها الثاني وحبها الوحيد وخطيبها السابق قبل الاعتقال، جهد أن يحفظ ~~«بطله» الخاص، ذاكرته مع حبيبته مارينا، فانتظرها حتى خرجت من السجن، بالرغم من زواجها ~~من الجلاد المسلم، ولم يسمح لهذا البطل أن يخدش. ‫انتظرها حتى عادت إليه، ولم يخفت ~~حبها في قلبه لحظة حتى التأم شملهما من جديد وتزوجا ورزقهما الله من ثمرات الحب ~~طفلين: مايكل، وتوماس، سوف يكبران ويعرفان يوما ما حدث لأمهما في طهران‬ على يد الحرس ~~الثوري الخميني.‬‬‬‬‬‬‬‬ # تعدد الرواة # مع أن الرواية مكتوبة على لسان «راوية» وحيد، هو مارينا، بطلة الأحداث وساردتها، ~~فلدينا في الواقع أكثر من مارينا واحدة. # لدينا مارينا «المرأة» الناضجة، الزوجة والأم التي فرت إلى كندا مع زوجها أندريه ~~وطفلها، ولم تقرر أن تفتح صندوق ذكرياتها إلا بعد سنوات طوال من التجربة؛ تلك هي ~~الراوية الرئيس للأحداث. # ولدينا مارينا «الصبية»، ms013 طالبة الثانوي المتفوقة التي انتزعت من دفء البيت إلى برودة ~~المعتقل؛ تلك راوية ثان. # ولدينا، في الأخير، مارينا «الطفلة»، التي كانت ترمي بخيوط من الذاكرة العميقة، بين ~~الحين والآخر، لتتداخل مع نسيج ذاكرة المعتقل. # مارينا «الناضجة» حين كانت تكتب، لم تستغل وعيها كامرأة ناضجة لتتدخل في الأحداث ~~المبكرة، بل تركت القلم لمارينا «الصبية» لتحكي تجربتها بوعي فتاة تخوض محنة المعتقل ~~لأول مرة في حياتها النقية، مثلما تركت مارينا «الطفلة» لتحكي عن مرح طفولتها بوعي طفلة ~~صغيرة تنتظر ظهور الملاك الطيب لينقذها، كلما مرت بأزمة صغيرة، مما يمر به الأطفال من ~~أزمات تليق بأعمارهم النحيلة. # كانت مارينا الطفلة قد شاهدت الملاك الطيب حين كسرت مطفأة السجائر الكريستال، فخافت ~~من عقاب الأم، وركضت لتختبئ تحت السرير مرعوبة، فجاءها الملاك الوسيم وانحنى لينظر ~~إليها في ظلمة المخبأ ويطمئنها أن كل شيء على ما يرام. ولكنه لم يأت حين نادته، وهي ~~مارينا «الصبية»، في محبسها بإيفين لينجدها؛ كانت قد كبرت، والملائكة الطيبون لا ~~يظهرون، فيما يبدو، إلا للصغار الأنقياء. # عقدة الرواية # لكل رواية عقدة # Climax # وهي ذروة تداعيات الأحداث في ~~الدراما، التي بعدها تبدأ تداعيات الهبوط وصولا إلى لحظة النهاية التي عندها تنتهي ~~الأحداث بحل تلك العقدة على أي نحو. ولدينا في «سجينة طهران» عدة ذرى بوسعنا أن نعدها ~~العقدة الرئيس. على أنني أعتبر أن لحظة الذروة في الحكاية الدرامية هي «زواجها» من ~~علي، الجلاد الذي هام بها حبا، وفعل المستحيل حتى انتزع لها قرارا من الخميني ~~بالعفو؛ ليتحول حكم الإعدام إلى سجن مدى الحياة، ثم أرغمها على قبول الزواج منه، ثم ~~أجبرها على الإسلام. لم تنجح مارينا في مبادلته الحب، بالرغم من كل ما منحها من حنو ~~وتفان في الاسترضاء، حتى إنها كرهت العفو الذي جاءها به لحظة الإعدام، وتمنت أن تموت ~~على أن يصحبها إلى عنبر السجن حية. أخفقت في حبه بالرغم من حبه وبالرغم من حنو ~~أسرته الطيبة عليها، وبالرغم من محاولاتها الحقيقية أن تبادله الحب. # هذا، على عكس رواية أخرى ms014 لسجينة ~~إيرانية أخرى بعنوان «كاميليا»، صدرت ترجمتها عن دار الساقي ببيروت. كاميليا انتخابي، ~~وهو اسم السجينة الصحفية، أحبت المحقق الذي كان يعذبها، وكافحت بكل ما تمتلك من سبل ~~إغراء امرأة وإغوائها، حتى بادلها الحب عشقا وولعا ورغبة محمومة. تقول كاميليا في ~~روايتها: «كنت أستخدم صوتي ويدي لأجذبه؛ صوتي الناعم والمعبر عن الندم أثناء ~~الاعتراف ويدي اللتين ترقصان كالبجع. كان في استطاعتي أن أحس بتغيره البطيء.» ~~«السبيل الوحيد للتحرر هو كسب ثقة مستجوبي. كان إيماني ومستقبلي بين يديه. كنت في حاجة ~~الى الحب وإلى قوة الحب لكي أغير وضعي اليائس، وكان أقرب شخص إلي هو الذي أراه في ~~كل يوم، مستجوبي. بدأت أحبه على طريقتي.» وبالفعل، أحبها المحقق وساعدها على الفرار ~~من المعتقل، ثم الهرب إلى أمريكا. # على عكس هذا رفضت بطلة روايتنا حب جلادها. وكانت صادقة في مشاعرها ورفضت أن تكون ~~ميكيافيلية برجماتية مثل كاميليا. لم تعبأ بكل ما قدم لها من عطايا على رأسها إنقاذ ~~عنقها من المشنقة، حتى بعدما غدت زوجته ظلت على نفورها منه. حملت منه جنينها كرها، ولم ~~تحبه، حتى حينما ضحى بعمره من أجلها واستلم بصدره الرصاصة التي صوبت إلى صدرها، شعرت ~~بالحزن العميق على موته، حتى إنها تمنت لو غاصت في أعماق الموت المظلمة لتعود به، وبكت ~~على قبره وغفرت له ما فعله بها، ولكنها أبدا لم تستطع أن تحبه. أسلمت مرغمة، حين هددها ~~علي بقتل أسرتها وحبيبها أندريه، فنطقت الشهادتين بشفتيها ولكنها لم تسلم بقلبها؛ ~~لهذا عادت إلى مسيحيتها بمجرد تحررها بموت زوجها، وتزوجت خطيبها القديم في الكنيسة، بما ~~يخالف القانون الذي لم تعبأ به، وحتى أيام إسلامها الصوري، كانت مسيحية المعتنق، حتى ~~إنها نادت على القديسين لكي ينقذوا صديقتها مينا حينما اشتعل قلقها عليها، ولم يبرح ~~السيد المسيح قلبها، حتى وهي تصلي صلاة المسلمين في السجن. وهذا منطقي؛ لأنه لا إكراه ~~في الدين. # المعرفية والمعلوماتية # تحفل الرواية بقدر لا بأس به من ~~المعلوماتية بسردها العديد من الأسرار التي ما كان لنا - كقراء ms015 - أن نعرفها إلا من خلال ~~سجينة خبرت العذاب وراء قضبان معتقل الخميني، ومن داخل أحد عنابر النساء. كيف كان ~~السجانون يضعون الكافور في الشاي كي ينقطع الطمث عند الفتيات، كيف كانت السجينات ~~يكافحن من أجل الحصول على حفنة ماء يستحممن بها، كيف كن ينمن على جوانبهن، ويحرمن من ~~الاستلقاء على ظهورهن لضيق المكان وازدحامه بالسجينات. تحكي لنا عن الجوع والبرد ~~والقهر، وتحكي لنا عن كتابات السجينات على الحوائط واستغاثاتهن، وكيف وجدت على جدران ~~إحدى الزنازين كلمات مكتوبة بطريقة «برايل» للعميان تقول: «هل يسمعني أحد؟» كتبتها ~~سجينة قديمة اسمها شيرين هاشمي عام 1982. وكيف كن لا يجدن الكتب للقراءة، إلا كتب ~~الدعوة الخمينية والولاء الخميني، إضافة إلى بعض الكتب في الدعوة الإسلامية. أما الحصول ~~على ورقة وقلم فكان من المستحيلات الكبرى، ولم يكن من سبيل له إلا عن طريق «السرقة»، ~~كما فعلت السجينة الصبية سارة لكي تكتب مذكراتها على جسدها بعد موت شقيقها سيرس، وكانت ~~ترفض الاستحمام كيلا تمحى يومياتها الموجعة. وكذلك تلقي الضوء على انعكاس الحرب ~~العراقية الإيرانية على الشارع الإيراني، وما خلفته الحرب على المواطنين من ويل. وأيضا ~~نتعرف من قرب على بعض فتاوى الخميني التي كانت تكتب كشعارات تملأ الميادين؛ مثل فتوى ~~«قتل الكافر»، والمقصود بالكافر هنا هو كل من لا يؤمن بالفكر الخميني. نتعرف أيضا على ~~الفروق بين عهدين من خلال مقارنة بين نزلاء عنبر في سجن إيفين في عهد الشاه وعهد ~~الخميني. في عهد شاه إيران كان عنبر 246 يضم حوالي خمسين سجينا، وفي عهد ثورة الخميني ~~بات يضم ستمائة وخمسين سجينة. نتعرف أيضا على قمع التلاميذ في المدارس على يد مؤيدي ~~الخميني من خلال مديرة المدرسة محمودي خانم، وماذا فعلت في بطلتنا وفي طالبة أخرى اسمها ~~نسيم، اتهمتها المعلمة القاسية بأنها نمصت حاجبيها لأنهما متساويان أكثر من اللازم، ~~وأكدت نسيم أنها لم تمس حاجبيها أبدا، لكن المديرة اتهمتها بالفجور فبكت. كانت نسيم ~~جميلة، ودافعت عنها الكثيرات من الطالبات، وشهدن أن تلك هي طبيعتها، لكنها أبدا لم ms016 ~~تتلق اعتذارا على ما حدث. نتعرف أيضا على طقوس السجينات في المناسبات المختلفة؛ مثل ~~عيد ميلادها السابع عشر، وكيف صنعت لها السجينات كعكة من الخبز والتمر، وطرزن لها ~~وسادة من قصاصات الأقمشة كهدية، وكيف ولدت شيدا طفلها في المعتقل، وكيف كانت السجينات ~~يلاعبن الوليد كاوه ويدللنه، فغدا له أمهات كثر، لا واحدة. # نتعرف أيضا إلى مفارقة أن ينجو زوجها الإسلامي علي في عهد الشاه العلماني، ثم ~~يقتل في عهد الخميني على يد متطرف إسلامي مثله! تطرح الكاتبة أيضا صورة إيران ~~الإسلامية كما تراها، بعدما قبض الخميني على مقاليد الحكم؛ حيث انقسمت إيران إلى شرائح ~~ثلاث بمجرد أن أحكم الإسلاميون قبضتهم: (1) الجهلاء يطيعون الخميني طاعة عمياء دون ~~تفكير ليدخلوا الجنة. (2) المثقفون التزموا الصمت خوفا من الإعدام أو الاعتقال. (3) ~~الانتهازيون كانوا يكرهون الخميني، لكنهم يؤيدونه طمعا في المناصب. # تحفل الرواية أيضا بقدر لا بأس به من «المعرفية»، حيث تفتح لنا كوة صغيرة ليتعرف ~~القارئ من خلالها على مبادئ الزرادشتية، وبعض مزامير داود، ولمحات من العقيدة المسيحية، ~~ونتعرف على ملامح جماعة مجاهدي خلق المتطرفة، في مقابل جماعة فدائيي خلق الشيوعية. ترسم ~~لنا الكاتبة أيضا ملامح من الحياة الإيرانية قبل الثورة الخمينية وبعدها، لنتعرف كيف ~~انقلب مجتمع منفتح إلى شرنقة منغلقة. تسلط الضوء أيضا على «أحادية» التفكير لدى ~~المتطرف الديني حين يظن أنه امتلك اليقين كاملا، واحتكر الطهر الكامل، وكل من عاداه ~~جاهل دنس. نلمس هذا حين صفع الجلاد حامد سجينته مارينا وقت قالت: «سوف يساعدني الله في ~~تجاوز محنة السجن.» ثم صرخ فيها: «لا تتلفظي باسم الله، فأنت دنسة!» تصحح الرواية أيضا ~~بعض المفاهيم المغلوطة؛ مثل تكرار الخطأ الكلاسيكي القائل إن الشيوعية تنادي بهجر ~~المعتقدات! أو باعتبارها معتقدا دينيا وليس مذهبا اقتصاديا ... إلخ. # الخيال الدرامي # لا يخلو عمل إبداعي، شعرا كان أم مسرحية أم رواية، من خيوط الخيال، وإلا كان سردا ~~تقريريا يخلو من الفن. وبعيدا عن اعتراف الكاتبة في بداية القص بأن الأسماء ~~الواردة بالرواية، من سجناء وسجينات، ليست هي الأسماء الحقيقية، ms017 بل أسماء وهمية حفاظا ~~على أرواح الشخوص الحقيقيين الذين ما زالوا أسرى إيران الخمينية، وبعضهم ما زال رهين ~~المعتقل، إلا أن أسلوب الصوغ ورسم الأحداث يشي بأن ظلالا أخرى من الخيال تناوش الأحداث ~~الحقيقية، ولو عبر الصور القلمية واللوحات الشعرية التي تصبغ السرد بروح الإبداع، حتى ~~وإن طغى الواقع المر على الخيال المحلق. ننصت أيضا إلى صوت الخيال في ذاكرة ~~«الطفلة» مارينا وهي تحكي لنا حكايا جدتها الروسية، وصندوق اللعب، ودفتر الذكريات ~~القديمة الخاصة بذكريات الجدة الروسية مع جدها، وصخرة الصلاة الطيبة التي لا تذيع ~~الأسرار، والملاك الطيب الذي ينقذ الأطفال من عقاب الأمهات القاسيات، وغيرها من اللقطات ~~العذبة. # الأسلوبية والصور الشعرية والفلسفية # تمتلك الكاتبة قلما رخصا يسيرا، يرسم الكلمات على نحو بسيط عفوي مشوق خال من ~~التقعر والمعاظلة اللغوية، وهذا يصب في خانة رشاقة الصوغ وسلاسته. # وتحفل الرواية بصور شعرية آسرة؛ كأن تقول: «كنت أحيانا أتخيل نفسي سحابة بيضاء ~~صغيرة تنجرف وسط السماء الزرقاء، أو راقصة باليه أمام حشد كبير من الناس، أو سفينة ~~تبحر في نهر سحري.» أو قولها: «كأنها كانت تهيم على وجهها عدة أيام في فلاة بلا ماء، ~~وأني نافورة تتدفق منها المياه.» أو حين كانت تغطي أذنيها وهي طفلة كلما سمعت ما لا ~~ترغب، على أنها حين حاولت صك أذنيها عن صراخ المعذبين في سجن إيفين، سمعت أصواتهم ~~كما في الأصداف. كذلك حينما سألها المحقق عن رأيها في الزواج، حلق عصفور ثم اختفى في ~~الشجر. كذلك ذهابها إلى بحر قزوين ومناجاته في حوار شعري بديع. # نصادف أيضا العديد من الصور الفلسفية مثل: «الصمت والظلام يتشابهان إلى حد بعيد، ~~فالظلام غياب للضوء والصمت غياب للأصوات.» وفي وصفها اللحظة الفارقة بين الموت ~~والحياة حينما اعتلت منصة المشنقة انتظارا لجذب الحبل الذي يفصلها عن غياهب الموت. ~~كذلك لها تأملات وجودية مثل تساؤلها: «هل من الممكن ألا يندم الإنسان على شيء لحظة ~~الوفاة؟» ومن المدهش أن نتعرف على لونها المفضل (الوردي) مع نهاية الرواية، بعدما أطلق ~~سراحها من إيفين، ms018 وكأن العامين والشهرين السابقين كانت جميعها خالية من الألوان، عدا ~~لون الظلال وحسب. # التداعي الحر للأفكار # تنتهج الكاتبة بعضا من تيمات «تيار الوعي»، كما أسلفنا، من حيث توسلها أسلوب ~~«المونولوج الداخلي»، و«التداعي الحر للأفكار». ومع أنها لم تنهج ما ينهجه السجناء عادة ~~من العيش على الذكريات الماضوية القديمة، ما دام الحاضر متوقفا أو مجمدا، والمستقبل ~~مقتولا غامضا مشكوكا في أمره، شأن ما يشعر به المرء تحت حكم السجن مدى الحياة، فقد ~~كانت ترفض استدعاء ذكرياتها الجميلة، كيلا تشوبها عتمة السجن، وتدنس بياضها وحشة ~~التعذيب والقهر. على أن الذكريات القديمة العذبة كانت أقوى من أن تغيب عن خاطرها، ~~فكانت تقتحم عقلها خلسة. تشاهد طفلة صغيرة في سيارة مع والديها، وهي في سيارة ~~الترحيلات في طريقها إلى المعتقل، فتتذكر أبويها وطفولتها بينهما، وتتساءل، ترى ماذا ~~يفعلان الآن؟ ثم يبدأ التداعي الحر للأفكار. تعاني ظلمة الحبس الانفرادي، فتتذكر أن ~~العقاب الأكبر الذي كانت تخشاه وهي طفلة هو أن تحبس وحيدة في شرفة الغرفة، عقاب أمها ~~الأثير لها حين تخطئ الطفلة؛ قبل أن تتعرف في إيفين على ألوان العذابات التي تفوق ~~الخيال. وعبر هذا التداعي الحر لأفكارها، نتعرف على طفولتها، وكيف كانت تهرب من قسوة ~~أمها بقراءة القصص والكتب التي تمنحها عالما أكثر اعتدالا وعدلا ورحمة وقابلية على ~~الفهم. وعبر عالم الكتب هذا، نتعرف على ألبرت، صاحب المكتبة العجوز الذي كان ملاذها ~~الآمن من غموض العالم الذي تحياه، ونتعرف على آخر لقاء بينها وبينه، حين دخلت المكتبة ~~المكتظة بالكتب لتجدها خاوية على عروشها، فيرتجف قلبها خوفا من مستقبل وشيك جاف دون ~~ونس الكتاب: «آخر مرة رأيت فيها ألبرت بعد عيد ميلادي الثاني عشر ببضعة أيام، كان يوما ~~ربيعيا جميلا يمتلئ بتغريدات الطيور والشمس الدافئة. فتحت باب المكتبة الزجاجي ~~مبتسمة وأنا أضم رواية «نساء صغيرات» إلى قلبي.» # وكلما مرت بأزمة تذكرت جدتها الروسية التي أخبرتها أن لكل إنسان ملاكا حارسا ~~يحميه، وبالفعل شاهدته مرة وهي مختبئة تحت السرير بعدما كسرت المطفأة، وخافت من عقاب ~~محبس ms019 الشرفة. وبعد موت أراش حبيبها، نزلت تحت السرير في انتظار الملاك، لكنه لم يأت ~~أبدا، مع أنها نادته. # عزيزي القارئ، أنت على موعد مع عمل إبداعي من الطراز الرفيع، كتبه قلم شابة موجوعة ~~بالتجربة، فأفرز مدادها الدامي در كلمات خالدة، ثم ترجمته إلى العربية شابة واعدة ~~امتلكت ناصية اللغة والبيان، لتقدمه لك دار «كلمات للترجمة والنشر» التي تنتصر للإبداع ~~الراقي، الذي ينتظر بدوره قارئا راقيا يعرف كيف يبحث عن الدرر وسط أكوام ~~الركام. # فاطمة ناعوت # كاليفورنيا-القاهرة # 31 يناير 2013 # مع أن الكتاب مأخوذ عن قصة واقعية، فقد غيرت الأسماء كي أخفي هوية رفيقات زنزانتي، ~~وأضفت تفاصيل قصص سجينات أخريات إلى قصصهن، أمزج بينها تارة، وأعيد تشكيلها تارة أخرى، مما ~~مكنني من التحدث بحرية عن الحياة والموت خلف أسوار «إيفين»، ورواية ما مررنا به بصدق دون أن ~~أعرض أي شخص للخطر أو أتعدى على خصوصية أحد، ولكنني على يقين من أن رفيقات زنزانتي لن ~~يجدن صعوبة في تمييز أنفسهن. # أثناء تأليف هذا الكتاب كان علي أن أعتمد على ذاكرتي، وهي كأي ذاكرة أخرى يصيبها الوهن ~~وأحيانا تخونني. ما زلت أتذكر بعض الأحداث بوضوح كأنها وقعت منذ أسبوع فحسب، لكن أحداثا ~~أخرى أصبحت ضبابية مشوهة؛ فقد مر أكثر من عشرين عاما عليها. # الحوار هو الوسيلة الرئيسة للتواصل في حياتنا اليومية، وأعتقد أن الذكريات لا يمكن أن ~~تستحضر بوضوح من دونه؛ لذا أعدت بناء الحوار في هذا الكتاب بأفضل ما استطعت، وبأقرب قدر ~~ممكن إلى الحقيقة. # | الفصل الأول # يقول المثل الفارسي القديم: «لون السماء لا يتغير أينما ذهبت.» لكن السماء في كندا كانت ~~تختلف عن سماء إيران؛ إذ كان لونها أكثر زرقة، وبدت بلا نهاية وكأنها تتحدى الأفق. # وصلنا إلى مطار بيرسون الدولي في تورونتو في الثامن والعشرين من أغسطس 1991، وكان يوما ~~صحوا مشمسا. كان شقيقي بانتظارنا. اتفقنا على أن نقيم أنا وزوجي وطفلنا البالغ من العمر ~~عامين ونصفا لديه حتى نتمكن من العثور على شقة، ومع أنني لم أكن رأيت شقيقي منذ ms020 اثني عشر ~~عاما - حيث كنت في الرابعة عشرة عندما سافر إلى كندا - فقد تعرفت عليه على الفور؛ لقد ~~وخط الشيب شعره الذي خف قليلا، وكان طوله يبلغ نحو مترين، وهكذا فقد برز رأسه وسط ~~الحشود المتحمسة القابعة في صالة الانتظار. # وبينما نبتعد عن بيرسون، نظرت من النافذة، فأدهشني اتساع المكان. كان الماضي قد ولى، ~~ومن مصلحة الجميع أن أتناساه. علي أن أبدأ حياة جديدة في تلك البلاد الغريبة التي آوتنا ~~عندما لم نجد مكانا نأوي إليه، علي أن أوفر طاقتي من أجل البقاء على قيد الحياة، وعلي ~~أن أفعل ذلك من أجل زوجي وولدي. # وبالفعل بدأنا حياة جديدة، فقد تمكن زوجي من العثور على وظيفة مناسبة، وأنجبنا طفلا آخر، ~~وتعلمت قيادة السيارات. وفي شهر يوليو من عام 2000، وبعد تسعة أعوام من الهجرة إلى كندا، ~~تمكنا أخيرا من شراء منزل مكون من أربع حجرات في ضواحي «تورونتو»، وأصبحنا مواطنين ~~كنديين من الطبقة المتوسطة، نهتم بالعناية بحديقة المنزل، ونصطحب أطفالنا إلى دروس السباحة ~~وكرة القدم والبيانو، وندعو أصدقاءنا إلى حفلات الشواء. # عندها فقدت القدرة على النوم ... # بدأ الأمر بذكريات متلاحقة تتدافع إلى ذهني كلما هممت بأن أخلد إلى النوم، وحاولت قدر ~~الإمكان أن أجتنبها، ولكنها كانت تهاجمني ليل نهار. أخذ شبح الماضي يطاردني حتى أوشك على ~~اللحاق بي، ولم أتمكن من إبعاده، بل علي أن أواجهه وإلا أصبت بالجنون. ما دمت لا أستطيع ~~النسيان، فربما يكون الحل في التذكر. وهكذا بدأت الكتابة عن الأيام التي قضيتها في ~~«إيفين» - وهو المعتقل السياسي الشهير سيئ السمعة بطهران - وعن العذاب والألم والموت وكل ~~صور المعاناة التي لم أتمكن من الحديث عنها قط، وتحولت ذكرياتي إلى كلمات نابضة بالحياة، ~~انطلقت من عقالها الذي فرضته عليها سنوات طويلة. كنت أظن أنني فور الانتهاء من الكتابة، ~~سأصبح في حال أفضل، لكنني كنت مخطئة، كنت بحاجة إلى ما هو أكثر من ذلك. لا يمكنني الاحتفاظ ~~بمخطوطة مذكراتي في درج بغرفة نومي إلى الأبد. كنت شاهدة، وعلي أن أدلي بشهادتي. ms021 # كان أول قرائي بطبيعة الحال زوجي، لم يكن هو أيضا على دراية بتفاصيل ما حدث لي بالسجن، ~~وعندما أعطيته مخطوطة المذكرات تركها بجوار الفراش ولم يمد يده إليها ثلاثة أيام. حز ذلك ~~الأمر في نفسي. متى سيقرؤها؟ هل سيتفهم الأمر؟ هل سيسامحني على إخفاء تلك الأسرار؟ # وعندما قرأها أخيرا توجه إلي متسائلا: «لماذا لم تخبريني من قبل؟» # كانت سبعة عشر عاما قد مرت على زواجنا. ~~- «حاولت، لكنني لم أستطع ... هل تسامحني؟» ~~- «لا يوجد ما أسامحك عليه. هل تسامحينني أنت؟» ~~- «علام؟» ~~- «على عدم السؤال.» # تبددت شكوكي حول ضرورة سرد ما حدث لي عندما قابلت زوجين إيرانيين في صيف 2005 أثناء حفل ~~عشاء. قضينا وقتا ممتعا، وأخذنا نثرثر بشأن الأمور اليومية؛ مثل وظائفنا وأحوال سوق ~~العقارات وتعليم أولادنا، وعندما اشتدت برودة الجو جلسنا في الداخل كي نتناول الحلوى. ~~سألتني المضيفة عن أخبار الكتاب الذي أعكف على كتابته حاليا وهي تقدم لنا القهوة، وأرادت ~~السيدة الإيرانية التي تدعى باريسا أن تعرف موضوع الكتاب، فأجبتها: «عندما كنت في السادسة ~~عشرة من العمر، قبض علي وقضيت عامين في سجن «إيفين».» # وهنا امتقع وجهها بشدة، فبادرتها: «هل أنت على ما يرام؟» # صمتت برهة، ثم أجابت بأنها قضت هي الأخرى بضعة أشهر في سجن «إيفين». # وهنا غرق الجميع في الصمت، وأخذوا يحدقون فينا. # اكتشفت أنني وباريسا كنا سجينتين في الوقت نفسه، في مكانين مختلفين من المبنى نفسه. ذكرت ~~لها أسماء بعض رفيقاتي في الزنزانة، ولكنهن لم يكن مألوفات لها، وذكرت هي أيضا أسماء ~~رفيقاتها في السجن، لكنني لم أتعرف على أي منهن، ومع ذلك فقد تبادلنا ذكريات بعض ~~الأحداث التي يعرفها كل نزلاء «إيفين»، وأخبرتني بأن تلك هي المرة الأولى التي تتحدث فيها ~~عن تجربتها في السجن. # قالت باريسا: «الناس لا يتحدثون عن هذا الأمر.» # إنه الصمت عينه الذي كبلني لما يزيد عن عشرين عاما. # عندما أطلق سراحي من «إيفين»، تظاهرت عائلتي بأن كل شيء على ما يرام، لم يذكر أحدهم ~~السجن بكلمة، ولم يسألني أحدهم عما ms022 حدث لي. كنت أتحرق شوقا كي أخبرهم عن حياتي في ~~«إيفين»، ولكنني لم أدر كيف أبدأ. انتظرت بلا جدوى أن يبادروا هم بالسؤال، أو أن يحدث أي ~~شيء يجعلني أعرف من أين أبدأ الحديث، ولكن الحياة استمرت كأن شيئا لم يكن. فكرت في أن ~~عائلتي تريدني أن أظل تلك الفتاة البريئة التي كانوا يعرفونها قبل دخولي السجن. كانوا ~~خائفين من الألم والرعب اللذين قد يثيرهما الماضي الذي مررت به، ولذلك تجاهلوه. # شجعت باريسا على أن تحدثني هاتفيا، وتبادلنا الحديث بالفعل بضع مرات. كان صوتها يرتجف ~~ونحن نتبادل ذكريات رفيقات السجن، ونتذكر الصداقات التي أعانتنا على الاستمرار في ~~الحياة. # وبعد بضعة أسابيع أخبرتني بأنها لا ترغب في الحديث معي أكثر من ذلك. لم تكن ترغب في أن ~~تتذكر ما حدث. # قالت لي: «لا أستطيع القيام بذلك. إنه شاق للغاية! إنه مؤلم للغاية!» واختنق صوتها ~~بالدموع. # تفهمت الأمر، ولم أجادلها. لقد اتخذت قرارها، واتخذت قراري أنا الأخرى. # | الفصل الثاني # ألقي القبض علي في الساعة التاسعة مساء يوم الخامس عشر من ~~يناير 1982. كنت وقتها في السادسة عشرة من ~~العمر. # في صباح ذلك اليوم استيقظت قبل الفجر، ولم أستطع أن أخلد إلى النوم ثانية. بدت لي غرفتي ~~أكثر ظلاما وبرودة من المعتاد، فظللت متدثرة بالغطاء المصنوع من وبر الجمال، وانتظرت شروق ~~الشمس، ولكن بدا لي أن شمس ذلك اليوم لن تشرق أبدا! وكنت أتمنى في مثل تلك الأيام الباردة ~~لو كان نظام التدفئة في بيتنا أفضل من ذلك، فلم تكن مدفأتا الكيروسين كافيتين، لكن والدي ~~كانا دائما يؤكدان لي أنني الوحيدة التي تشعر بأن البرودة في منزلنا لا تطاق في ~~الشتاء. # كانت غرفة والدي بجوار غرفتي، والمطبخ في الجانب الآخر من الممر الضيق الذي يصل بين ~~جانبي شقتنا المكونة من ثلاث غرف. أخذت أستمع إلى صوت والدي وهو يستعد للذهاب إلى العمل، ~~ومع أنه كان يتحرك بخفة وهدوء، فقد ميزت وقع أقدامه متجها إلى الحمام ثم إلى المطبخ ... ~~صوت براد الشاي وهو يغلي ... صوت ms023 الثلاجة وهي تفتح وتغلق ... ربما يتناول الخبز مع الزبد ~~والمربى. # وأخيرا تسلل ضوء خافت من نافذة غرفتي. غادر أبي المنزل متوجها للعمل، وأمي لا تزال ~~مستغرقة في النوم، فهي لا تنهض من نومها قبل التاسعة صباحا. أخذت أتقلب في الفراش أنتظر ~~شروق الشمس بلا جدوى، حاولت أن أخطط لما سأفعله في هذا اليوم، ولكنني لم أستطع، وشعرت أنني ~~أصبحت خارج حسابات الزمن، فنهضت من الفراش. كانت الأرض المغطاة بالمشمع أكثر برودة من ~~الجو، والمطبخ أكثر ظلاما من غرفتي. خيل إلي أنني لن أشعر بالدفء مرة أخرى على ~~الإطلاق، ربما لن تشرق الشمس مرة أخرى! بعد أن تناولت فنجانا من الشاي، كان كل ما استطعت ~~أن أفكر فيه هو الذهاب إلى الكنيسة، فارتديت المعطف الصوفي البني الطويل الذي صنعته لي أمي، ~~وغطيت رأسي بشال كبير بني فاتح، وهبطت السلالم الحجرية الرمادية الأربع والعشرين المؤدية ~~إلى الباب الأمامي، وخرجت إلى الشارع المزدحم بوسط المدينة. ما زالت المتاجر مغلقة، والحركة ~~المرورية خفيفة. انطلقت إلى الكنيسة دون أن أنظر حولي؛ إذ لم يكن يوجد ما يستحق المشاهدة. ~~كانت صور آية الله الخميني والشعارات التي تنضح بالكراهية، مثل: «الموت للولايات المتحدة» ~~و«الموت لإسرائيل» و«الموت للشيوعيين وكل أعداء الإسلام» و«الموت لأعداء الثورة»، تغطي كل ~~الحوائط. # مضت خمس دقائق قبل أن أصل إلى الكنيسة، وعندما وضعت يدي على الباب الخشبي الكبير، سقطت ~~كتلة رقيقة من الثلج على أنفي. تبدو طهران دائما مكسوة بمسحة جمالية بريئة تحت طبقات الثلج ~~الخادعة، ومع أن النظام الإسلامي حرم معظم الأشياء الجميلة، فإنه لم يستطع منع الثلج من ~~التساقط. فرضت الحكومة على النساء ارتداء الحجاب، وأصدرت قرارات بحظر الموسيقى، ومستحضرات ~~التجميل، ورسم صور النساء السافرات، والكتب الغربية، حيث أصبحت كلها رجسا من عمل الشيطان، ~~ومن ثم أصبحت حراما. ولجت في الكنيسة وأغلقت الباب خلفي، جلست في أحد الأركان، وأخذت أحدق ~~في صورة «المسيح» على الصليب. كانت الكنيسة خالية، وحاولت أن أصلي، لكن الكلمات تزاحمت في ~~ذهني بلا معنى ، ولم أستطع تكوين جملة ms024 مفيدة. بعد نحو نصف الساعة اتجهت إلى حجرة مكتب ~~الكنيسة كي ألقي التحية على القساوسة، فوجدت نفسي أقف في مواجهة أندريه عازف الأرغن الوسيم. ~~كنا قد التقينا منذ بضعة أشهر، وكثيرا ما كنت أراه في الكنيسة. الجميع يعلمون أن كلا منا ~~يكن مشاعر الإعجاب للآخر، لكن خجلنا الشديد منعنا من التصريح بذلك؛ ربما لأن أندريه كان ~~يكبرني بسبعة أعوام. سألته ووجهي تعلوه حمرة الخجل عن سر وجوده في هذا الصباح الباكر، ~~فأخبرني أنه أتى لإصلاح مكنسة كهربائية مكسورة. # قال لي: «أين كنت؟ لم أرك منذ عدة أيام. اتصلت بك في المنزل بضع مرات، لكن والدتك ~~أخبرتني بأنك لست على ما يرام. كنت أفكر في زيارتك اليوم.» ~~- «لم أكن على ما يرام. ربما أصبت بنوبة برد أو ما شابه.» # أخبرني أندريه أنني أبدو شاحبة وينبغي أن أستريح في الفراش بضعة أيام أخرى، ووافقته على ~~ذلك. عرض علي أن يقلني إلى المنزل، لكنني كنت بحاجة إلى الهواء النقي، فتوجهت إلى ~~المنزل سيرا. ولولا القلق والإحباط اللذان كانا يعتريانني، لأحببت قضاء بعض الوقت معه، لكن ~~منذ أن ألقي القبض على أصدقائي بالمدرسة سارة وجيتا وسيرس - شقيق سارة - وزج بهم في سجن ~~«إيفين»، لم أتمكن من ممارسة حياتي بطريقة طبيعية. كانت سارة صديقتي المقربة منذ أن كنا في ~~الصف الأول، بينما جيتا تربطني بها علاقة صداقة قوية منذ أكثر من ثلاث سنوات. لقد ألقي ~~القبض على جيتا في منتصف نوفمبر، أما سارة وسيرس فألقي القبض عليهما في الثاني من يناير. ~~تذكرت جيتا بشعرها البني الحريري الطويل وابتسامة الموناليزا التي ترتسم على وجهها وهي ~~تجلس على مقعد عريض في ملعب كرة السلة، وتساءلت عما حدث لرامين؛ الفتى الذي كانت تحبه. لم ~~تعرف عنه جيتا شيئا منذ صيف 1978 - الصيف الأخير قبل اندلاع الثورة - قبل أن يتغير نظام ~~العالم. إنها الآن في سجن «إيفين» منذ أكثر من شهرين دون أن يسمح لوالديها برؤيتها، كنت ~~أتصل بهما مرة أسبوعيا، ودائما كانت أمها تبكي وهي تحدثني. كانت تقف ms025 أمام باب منزلهم عدة ~~ساعات كل يوم تحدق في المارة منتظرة عودة جيتا. أما والدا سارة فقد ذهبا إلى السجن عدة مرات ~~وطلبا رؤية طفليهما، لكن طلبهما قوبل بالرفض. # كان «إيفين» سجنا سياسيا منذ زمن الشاه، واسمه يبث الرعب في القلوب، فهو مرادف للعذاب ~~والموت. مبانيه العديدة تمتد على مساحة كبيرة في شمال طهران عند سفح جبال «ألبرز». لم يتحدث ~~أحد عن «إيفين» قط؛ إذ كان محاطا بجدار من الصمت المخيف. # في الليلة التي ألقي فيها القبض على سارة وسيرس، كنت مستلقية في فراشي أقرأ ديوانا ~~شعريا بقلم فروغ فرخ زاد عندما انفتح باب غرفتي فجأة وظهرت أمي عند الباب. # قالت: «لقد اتصلت للتو والدة سارة.» # شعرت أني أتنفس قطعا من الجليد. ~~«ألقى «الحرس الثوري» القبض على سارة وسيرس منذ ساعة تقريبا، واقتيدا إلى سجن ~~«إيفين».» # فقدت الشعور بجسدي. # سألت أمي: «ما الذي فعلاه؟» # يا لهما من مسكينين سارة وسيرس! لا بد أنهما شعرا بالرعب، لكنهما سيكونان بخير ... لا بد أن ~~يكونا بخير. ~~- «أخبريني يا مارينا، ماذا فعلا؟» # أغلقت أمي باب الغرفة خلفها، واتكأت عليه. ~~- «لا شيء. سارة لم تفعل شيئا، لكن سيرس عضو في جماعة المجاهدين.» بدا صوتي واهنا ~~بعيدا. كانت منظمة «مجاهدي خلق» جماعة إسلامية يسارية تقف في وجه الشاه منذ الستينيات من ~~القرن العشرين؛ وبعد نجاح الثورة الإسلامية، عارض أعضاؤها السلطة المطلقة لآية الله الخميني ~~بوصفه المرشد الأعلى لإيران، ووصفوه بالطاغية، وهكذا أعلنت الحكومة الإسلامية أن «مجاهدي ~~خلق» جماعة محظورة. ~~- «إذن ربما ألقوا القبض على سارة بسبب سيرس.» ~~- «ربما.» ~~- «مسكينة والدتهما! كم كانت قلقة عليهما!» ~~- «ألم يقل الحرس أي شيء؟» ~~- «أخبروا والديهما ألا يقلقا، وأنهم يرغبون في إلقاء بعض الأسئلة عليهما فحسب.» ~~- «إذن ربما يطلقون سراحيهما قريبا.» ~~- «طبقا لما تقولين، فإنني على يقين من أنهم سيطلقون سراح سارة قريبا. أما سيرس ... كان ~~عليه أن يكون أكثر وعيا. لا داعي للقلق.» # غادرت أمي الغرفة، وحاولت أن أفكر، لكنني لم أستطع. شعرت بالإنهاك، فأغمضت عيني، واستغرقت ~~في نوم عميق. ms026 # على مدار الاثني عشر يوما التالية، كنت أقضي معظم وقتي نائمة. حتى القيام بأبسط المهام ~~بدا لي مرهقا ومستحيلا. لم أكن أشعر بالجوع أو العطش، ولم أرغب في القراءة أو الذهاب إلى ~~أي مكان أو الحديث مع أي شخص. كل ليلة تخبرني أمي أنه لم تصل أي أنباء عن سارة وسيرس. منذ ~~أن ألقي القبض عليهما، أدركت أنني سأكون التالية؛ فاسمي كان مدرجا في قائمة الأسماء ~~والعناوين التي شاهدتها معلمة الكيمياء باهمان خانم في حجرة مكتب ناظرة المدرسة محمودي ~~خانم التي تنتمي للحرس الثوري. كانت باهمان خانم امرأة طيبة، حذرتني من أن تلك القائمة ~~موجهة لمحاكم الثورة الإسلامية. لكن لا يوجد ما أفعله سوى الانتظار، فليس بوسعي الاختباء. ~~وأين عساي أن أذهب؟ الحرس الثوري مجموعة من قساة القلوب الذين لا يعرفون الرحمة؛ فعندما ~~يذهبون للقبض على أحد الأشخاص ولا يجدونه في منزله، فإنهم يلقون القبض على من يجدونه هناك. ~~لم أستطع المخاطرة بحياة والدي كي أنقذ نفسي. خلال الأشهر القليلة الماضية، ألقي القبض ~~على مئات الأشخاص بتهمة معارضة الحكومة بطريقة أو بأخرى. ~~••• # في التاسعة مساء ذهبت كي أستحم، وفور أن فتحت الصنبور وبدأت المياه الساخنة تتدفق، دق ~~جرس الباب، فانقبض قلبي. لم يكن أحد يطرق باب منزلنا في تلك الساعة. # أغلقت الصنبور، وجلست على حافة المغطس، وسمعت والدي يفتحان الباب. بعد مرور بضع ثوان ~~نادتني أمي، فخرجت من الحمام لأرى رجلين ملتحيين مسلحين من «الحرس الثوري» يرتديان زيا ~~عسكريا داكن الخضرة ويقفان في الردهة. صوب أحدهما السلاح نحوي. شعرت أنني انفصلت عن ~~جسدي تماما وأني أشاهد فيلما سينمائيا. لم يكن هذا يحدث لي، بل يحدث لأخرى لا ~~أعرفها. # قال الحارس الثاني لزميله: «ابق هنا ريثما أفتش البيت.» ثم التفت نحوي متسائلا: «أين ~~غرفتك؟» كانت رائحة البصل تنبعث من أنفاسه حتى إنني شعرت بالغثيان. ~~- «في هذه الردهة، الغرفة الأولى إلى اليمين.» # كانت أمي ترتجف، وشحب وجهها تماما. وغطت فمها بيدها كأنها تكتم صرخة مدوية. أما أبي فقد ~~ظل يحدق إلي كأنني ms027 أحتضر من مرض مفاجئ لا شفاء منه وهو عاجز عن فعل أي شيء لإنقاذي. ~~انهمرت الدموع على وجهه. لم أره يبكي منذ وفاة جدتي. # سرعان ما عاد الحارس الآخر وفي يده مجموعة من كتبي، وكلها روايات أجنبية. ~~- «هل هذه الكتب تخصك؟» ~~- «نعم.» ~~- «سنأخذ بعضها دليلا.» ~~- «دليل على أي شيء؟» ~~- «على أنشطتك المعادية للحكومة الإسلامية.» ~~- «أنا لا أتفق مع الحكومة، لكنني لم أفعل أي شيء ضدها.» ~~- «لست هنا لأقرر إن كنت مذنبة أم لا، بل أتيت لإلقاء القبض عليك. هيا ارتدي ~~الشادور.» ~~- «أنا مسيحية، ولا يوجد عندي شادور.» # فوجئا بسماع ذلك، فقال أحدهما: «حسنا، ارتدي غطاء رأس وهيا بنا.» # تساءلت أمي: «إلى أين تأخذانها؟» # أجابا: «إلى إيفين.» # تبعني أحدهما إلى غرفتي حيث أخذت الشال الكشمير ذا اللون البني الفاتح وغطيت رأسي به. ~~كانت ليلة قارسة البرودة، وفكرت في أن الشال سيساعد في تدفئتي. وبينما نهم بالخروج من ~~الغرفة، وقعت عيناي على مسبحتي القابعة على مكتبي، فأخذتها معي. # قال الحارس: «انتظري! ما هذا؟» ~~- «مسبحتي التي أصلي بها. هل يمكنني أخذها؟» ~~- «دعيني أرى.» # أريته المسبحة. تفحصها جيدا ممعنا النظر في كل حجر من أحجارها الزرقاء الباهتة ~~وصليبها الفضي. ~~- «يمكنك أخذها، فالصلاة هي ما ستحتاجين بالضبط في «إيفين».» # وضعت المسبحة في جيبي. # اقتادني الحارسان إلى سيارة مرسيدس سوداء واقفة أمام باب منزلنا، وفتحا لي الباب الخلفي ~~فدلفت إلى السيارة. عندما بدأت السيارة في التحرك، نظرت خلفي فلمحت النوافذ المضيئة لمنزلنا ~~تواجه الظلام، وشبحي والدي يقفان عند باب المنزل. كنت أدرك أنه من المفترض أن أشعر ~~بالرعب، لكنني لم أكن خائفة. كان يحيط بي فراغ قاس. # قال أحد الحارسين: «أود أن أوجه لك نصيحة؛ من مصلحتك أن تجيبي على كل الأسئلة التي توجه ~~لك بصدق، وإلا ستدفعين الثمن. لعلك سمعت أن لديهم في «إيفين» أساليبهم الخاصة لحمل ~~المتهمين على الكلام. يمكنك تجنب الألم إذا قلت الحقيقة.» # انطلقت السيارة مسرعة باتجاه الشمال نحو ~~جبال «ألبرز»، وفي تلك الساعة كانت الطرقات شبه خالية؛ فلم يكن بها أي ms028 مشاة، بل القليل من ~~السيارات فحسب. كانت إشارات المرور ترى على مسافة بعيدة، حيث تتغير من اللون الأحمر إلى ~~الأخضر والعكس. وبعد مرور نحو نصف الساعة رأيت في ضوء القمر الشاحب الأسوار الملتوية لسجن ~~«إيفين» تتخذ خطا متعرجا وسط التلال. كان أحد الحرس يخبر الآخر عن زواج شقيقته الوشيك. ~~كان فرحا للغاية؛ لأن العريس من كبار قيادات الحرس الثوري وينتمي لعائلة عريقة موسرة. ~~فكرت في أندريه، فشعرت بألم هائل في أحشائي تسلل بعدها إلى كل أنحاء جسدي؛ شعرت وكأن ~~شيئا خطيرا قد حدث له وليس لي. # دلفنا إلى شارع ضيق متعرج، وظهرت أسوار السجن المرتفعة المبنية بالطوب الأحمر على ~~يميننا. وكل بضع خطوات تغمر أضواء الكشافات الليل بضوئها الساطع من أبراج المراقبة. ~~اقتربنا من بوابة حديدية كبيرة وتوقفنا أمامها. رأيت في كل مكان رجالا ملتحين مسلحين، ~~بينما الأسلاك الشائكة التي تغطي أعلى السور تلقي بظلال متشابكة على الرصيف. ترجل السائق ~~من السيارة، وأعطاني الحارس الذي كان جالسا في المقعد الأمامي شريطا سميكا من القماش، ~~وطلب مني أن أعصب عيني قائلا: «أحكمي العصابة جيدا، وإلا جلبت لنفسك المتاعب.» مرت ~~السيارة عبر البوابة وعيناي معصوبتان، وتابعت سيرها دقيقتين أو ثلاثا قبل أن تتوقف مرة ~~أخرى. فتحت أبواب السيارة، وطلب مني أن أخرج منها، وقيد أحدهم معصمي بالحبال وسحبني، ~~فتعثرت ووقعت على الأرض. # سمعت صوتا يقول: «أأنت عمياء؟» وضحك أحدهم. # سرعان ما شعرت بالدفء، فأدركت أننا دخلنا أحد المباني. كان سنا ضوء بسيط يتسلل من ~~العصابة، ورأيت أننا نسير عبر أحد الأروقة. كان الجو مشبعا برائحة العرق والقيء، وأمرت ~~بأن أجلس على الأرض وأنتظر. شعرت بآخرين يجلسون إلى جواري، ولكنني لم أتمكن من رؤيتهم. الكل ~~صامت، لكن أصواتا مبهمة غاضبة كانت تسمع من خلف الأبواب المغلقة. ومن حين إلى آخر كنت ~~أميز بعض الكلمات، مثل: كاذب - أخبرني - الأسماء - اكتبها ... وأحيانا أسمع أناسا يصرخون من ~~شدة الألم. بدأ قلبي ينتفض بين أضلعي حتى إنها آلمتني، فوضعت يدي على قلبي وضغطت عليه بقوة. ~~وبعد لحظات ms029 جاء صوت صارم يأمر أحد الأشخاص بالجلوس إلى جواري؛ إنها فتاة تبكي. # سألتها هامسة: «لماذا تبكين؟» ~~- «أنا خائفة. أريد العودة إلى المنزل.» ~~- «أعلم ذلك، أنا أيضا أريد العودة إلى المنزل، لكن لا تبكي، فلن يفيد ذلك شيئا. أنا ~~واثقة أنهم سيطلقون سراحنا عما قريب.» كنت أعلم أني أكذب. ~~- «كلا لن يفعلوا! سأموت هنا! سنموت هنا جميعا!» # قلت: «عليك أن تتحلي بالشجاعة.» وشعرت بالندم على الفور. ربما تعرضت الفتاة للتعذيب، فكيف ~~أطالبها أن تتحلى بالشجاعة؟! # سمعت صوت رجل يقول: «كم أن هذا ممتع! مارينا، تعالي معي. تقدمي عشر خطوات للأمام ثم ~~استديري يمينا.» # بكت الفتاة بصوت عال، وفعلت ما طلب مني، فأمرني الرجل أن أتقدم أربع خطوات للأمام، ~~وأغلق الباب خلفي، ثم أمرني بالجلوس على أحد المقاعد. ~~- «أنت شجاعة جدا، وهي صفة نادرة الوجود في «إيفين». رأيت العديد من الرجال الأشداء ~~ينهارون هنا. هل أنت أرمنية؟» ~~- «كلا.» ~~- «لكنك أخبرت الحرس بأنك مسيحية!» ~~- «أنا مسيحية.» ~~- «إذن فأنت آشورية؟» ~~- «كلا.» ~~- «لا أفهم. المسيحيون هنا إما أرمن أو آشوريون.» ~~- «معظم المسيحيين الإيرانيين كذلك، لكن ليس جميعهم. جدتاي هاجرتا من روسيا إلى إيران عقب ~~اندلاع الثورة الروسية.» # كانت جدتاي قد تزوجتا رجلين إيرانيين يعملان في روسيا قبل الثورة البلشفية عام 1917، لكن ~~بعد الثورة أجبر زوجاهما على ترك الاتحاد السوفييتي لأنهما لا يحملان الجنسية الروسية، ~~واختارت الزوجتان أن تأتيا إلى إيران معهما. ~~- «إذن فهما شيوعيتان!» ~~- «لو كانتا شيوعيتين، فلم غادرتا بلدهما؟ لقد غادرا لأنهما كرهتا الشيوعية. كانتا ~~مسيحيتين متدينتين.» # أخبرني الرجل بأن في القرآن الكريم آيات تتحدث عن السيدة مريم والدة المسيح، وأن المسلمين ~~يؤمنون بأن المسيح كان نبيا عظيما، وأنهم يحترمون السيدة مريم كثيرا. وعرض علي أن ~~يقرأ لي ذلك الجزء من القرآن، وظللت أستمع إليه وهو يقرأ النص العربي، كان صوته عميقا ~~رخيما. # عندما انتهى من القراءة سألني عن رأيي في الآيات. كنت أرغب في أن يستمر في القراءة، لأنني ~~أدركت أني في أمان ما دام يواصل القراءة، ولكنني كنت أعلم أيضا أنه لا ms030 يمكنني الوثوق به، ~~فهو غالبا أحد رجال الحرس الثوري الغلاظ الذين يعذبون الأبرياء ويقتلونهم دون أدنى شعور ~~بالندم. ~~- «إنه بديع للغاية. درست القرآن، وقرأت تلك الآيات من قبل.» # خرجت الكلمات من فمي مضطربة قليلا. ~~- «أحقا درست القرآن؟ هذا يزيد الأمر تشويقا! مسيحية شابة شجاعة درست كتابنا! وما ~~زلت تعتنقين المسيحية بالرغم من أنك تعلمين عن نبينا وتعاليمه؟» ~~- «نعم، ما زلت أعتنق المسيحية.» # لطالما أخبرتني أمي أني أتحدث دون أن أفكر. كانت تقول ذلك عندما أجيب صدقا عن الأسئلة ~~التي توجه لي، وعندما أبذل كل ما بوسعي كي لا يخطئ أحد فهمي. # ضحك قارئ القرآن، وقال: «كم هذا ممتع! أود أن أستكمل تلك المحادثة ولكن في وقت لاحق، أما ~~الآن فالأخ حامد بانتظارك كي يلقي عليك بعض الأسئلة.» # بدا كأنني أثرت اهتمامه بالفعل، فربما أكون المسيحية الوحيدة التي رآها في «إيفين»، وربما ~~توقع مني أن أكون كمعظم الفتيات المسلمات اللواتي ينتمين إلى عائلات محافظة؛ أن أكون هادئة ~~خجولا مستكينة، لكنني لم أعرف أيا من تلك الصفات. # سمعته ينهض من مقعده ويغادر الغرفة. شعرت كأني فقدت الإحساس. ربما يكون هذا المكان خارج ~~حدود الخوف؛ مكان تختنق فيه المشاعر الإنسانية الطبيعية دون أن تحظى حتى بفرصة ~~المقاومة. # انتظرت وأنا أفكر في أنهم لا يملكون سببا لتعذيبي؛ فالتعذيب غالبا يستخدم لانتزاع ~~المعلومات. لم أكن أعلم أي شيء قد يفيدهم، ولم أكن أنتمي لأي جماعة سياسية. # فتح الباب ثم أغلق مرة أخرى، فقفزت من مكاني. عاد قارئ القرآن مرة أخرى، وعرف نفسه لي ~~على أنه علي، وأخبرني أن حامدا مشغول بالتحقيق مع شخص آخر. أوضح لي أيضا أنه يعمل لحساب ~~الفرقة السادسة التي تتبع «محاكم الثورة الإسلامية» التي تحقق في قضيتي. بدا لي هادئا ~~وصبورا، ولكنه أكد علي ضرورة قول الحقيقة. كان غريبا أن أتحدث مع شخص دون أن أتمكن من ~~رؤيته، ولم تكن لدي فكرة عن شكله أو عمره أو شكل الغرفة التي نحن فيها. # أخبرني أنه علم أني عبرت عن أفكار مناهضة للثورة ms031 في المدرسة، وأني كتبت مقالات ضد ~~الحكومة في صحيفة المدرسة، ولم أنكر ذلك، فلم يكن هذا سرا أو جريمة. سألني هل عملت لحساب ~~أي جماعات شيوعية، فأجبت بالنفي. كان يعلم بالإضراب الذي تزعمته في المدرسة، وكان مقتنعا ~~بأنه يستحيل على أي شخص لا يملك علاقات بأحزاب سياسية محظورة أن ينظم إضرابا. لكنني أوضحت ~~له أنني لم أنظم أي شيء، وهذه هي الحقيقة، كل ما في الأمر أني طلبت من مدرسة التفاضل أن ~~تدرس لنا مادة التفاضل بدلا من الحديث عن السياسة، فطردتني من الفصل، وعندما خرجت، انضم لي ~~زملائي، وسرعان ما علم معظم الطلاب في المدرسة بما حدث ورفضوا العودة إلى الفصول. لم يصدق ~~علي أن الأمر قد يكون بهذه البساطة، وأكد لي أن المعلومات التي لديه تشير إلى أنني على ~~صلة قوية بالجماعات الشيوعية. # قلت: «لا أدري من أين تستقي معلوماتك، لكنها خاطئة تماما. لقد درست الشيوعية مثلما ~~درست الإسلام، ولم أتحول إلى الشيوعية تماما مثلما لم أتحول إلى الإسلام.» # قال ضاحكا: «هذا الأمر ممتع حقا! إن أعطيتني قائمة بأسماء الشيوعيين وكل المناهضين ~~للثورة في مدرستك، فسأصدق أنك لا تكذبين.» # لماذا يطلب مني قائمة بأسماء زملائي في المدرسة؟ إنه على علم بأمر الإضراب وصحيفة ~~المدرسة، ولا بد أن محمودي خانم تحدثت إليه وأعطته قائمة الأسماء، لكن لا يمكنني المخاطرة ~~بإخباره أي شيء، لأنني لا أعلم شيئا عن الأسماء الأخرى التي تتضمنها القائمة بخلاف ~~اسمي. # قلت: «لن أعطيك أي أسماء.» ~~- «كنت أعلم أنك في صفهم.» ~~- «لست في صف أحد، ولكن إن أخبرتك بأسمائهم فسوف تلقي القبض عليهم، ولا أريد أن يحدث ~~ذلك.» ~~- «أجل، سوف نلقي القبض عليهم حتى نتأكد من أنهم لا يفعلون شيئا ضد الحكومة، وإن تأكدنا ~~من ذلك فسوف نطلق سراحهم. أما إن كانوا يتآمرون ضد الحكومة، فعلينا أن نوقفهم، وفي تلك ~~الحالة فلا يلوموا إلا أنفسهم.» ~~- «لن أعطيك أي أسماء.» ~~- «وماذا عن شهرزاد؟ هل تنكرين معرفتك بها؟» # ظللت هنيهة لا أدري عمن يتحدث. من تكون شهرزاد؟ لكنني ms032 سرعان ما تذكرت. كانت صديقة جيتا ~~وعضوا في جماعة شيوعية تدعى «فدائيي خلق». قبل ~~نحو أسبوعين من بدء الإجازة الصيفية طلبت جيتا مني أن أقابلها؛ أملا في أن تقنعني ~~بالانضمام إلى الجماعة، وبالفعل قابلتها مرة واحدة وأوضحت لها أنني مسيحية ملتزمة، ولست ~~على استعداد للانضمام لأي جماعة شيوعية. # أخبرني علي أنهم كانوا يراقبون شهرزاد، وأنها علمت بأمر المراقبة واختبأت، وهم يبحثون ~~عنها منذ فترة، ويعتقدون أنها ربما تكون قد قابلتني مرة أخرى، وأخبرني أيضا بأنه لا بد من ~~وجود سبب وجيه يدعو شهرزاد لمقابلتي غير دعوتي للانضمام للفدائيين، فوقتها أثمن من أن تضيعه ~~هكذا. حاولت كثيرا أن أؤكد له أنني لا علاقة لي بها، لكنه لم يصدقني. ~~- «لا بد أنك تعرفين مكانها.» ~~- «لا يمكنني أن أساعدك، لأنني لا أعرف مكانها.» # ظل علي هادئا أثناء التحقيق، ولم يرفع صوته قط. ~~- «مارينا، اسمعيني جيدا. أرى أنك فتاة شجاعة، وأحترم ذلك كثيرا، لكن لا بد أن تخبريني ~~بما لديك من معلومات. إذا لم تخبريني، فسوف تثور ثائرة الأخ حامد، وهو رجل يفتقر إلى الصبر. ~~لا أود أن أراك وأنت تتألمين.» ~~- «آسفة، لكن ليس لدي ما أخبرك به.» # قال: «آسف أنا أيضا.» ثم اقتادني خارج الغرفة عبر ثلاثة أو أربعة ممرات. سمعت صوت رجل ~~يصرخ. طلب مني أن أجلس على الأرض. أخبرني علي أن الرجل الذي يصرخ لا يرغب مثلي في ~~إطلاعهم على أي معلومة، ولكنه سيغير رأيه سريعا. # ملأت الصرخات الممزوجة بالألم المكان من حولي. كانت صرخات قوية عميقة بائسة تخترق جسدي ~~وتملأ كل خلية فيه. كان الرجل المسكين يمزق، وتحول العالم إلى لوح من الرصاص يجثم بثقله ~~على صدري. # كان وقع السوط المدوي يشق الفراغ، فيصرخ الرجل، ثم تأتي لحظة من الصمت، ثم تعاد الكرة ~~مرة أخرى. # وبعد مرور بضع دقائق سأل أحدهم الرجل هل هو على استعداد للكلام، فأجاب بالنفي، فبدأ فاصل ~~آخر من الجلد بالسياط. ومع أن يدي كانتا مقيدتين، فقد حاولت أن أغطي أذني بذراعي كي ~~لا أسمع الصرخات، ms033 ولكن الأمر لم يجد نفعا، واستمر الأمر ضربة وراء ضربة وصرخة بعد ~~صرخة. # في النهاية صاح الرجل الذي يخضع للتعذيب: «أرجوكم توقفوا، سوف أتحدث.» فتوقف ~~الضرب. # كل ما كان يشغل بالي أني قررت ألا أخبرهم بأي اسم. لست ضعيفة أو عاجزة، وسوف أخوض الحرب ~~للنهاية. # ارتفع صوت الرجل الذي كان يمارس جلسة التعذيب السابقة: «مارينا، كيف حالك؟ أخبرني علي ~~بكل شيء عنك. لقد أثرت إعجابه، حتى إنه لا يرغب في إلحاق الأذى بك، لكن لا مجال للعواطف في ~~العمل. هل سمعت ذلك الرجل؟ لم يكن يريد إخباري شيئا في بداية الأمر، لكنه فعل أخيرا. لو ~~أنه أخبرني بما أريد معرفته من البداية لأصبح الوضع أفضل كثيرا. والآن هل أنت مستعدة ~~للكلام؟» # أخذت نفسا عميقا وقلت: «كلا.» ~~- «يا للأسف! انهضي!» # أمسك الرجل بالحبل الذي يقيد معصمي وسحبني عدة خطوات، ثم دفعني على الأرض وانتزع ~~العصابة التي تغطي عيني. رأيت رجلا نحيفا ضئيل الحجم ذا شعر بني قصير وشارب، يقف أمامي ~~ويمسك بالعصابة في يده. كان في أوائل الأربعينيات من العمر، يرتدي سروالا بنيا وقميصا ~~أبيض. كانت الغرفة خالية إلا من فراش مكشوف ذي ظهر معدني، وفك هذا الرجل قيد معصمي وقال: ~~«لن تجدي الحبال، بل نحتاج شيئا أقوى.» وأخرج زوجا من الأصفاد من جيبه وقيدني به. # دخل رجل آخر الغرفة، طوله نحو مائة وثمانين سنتيمترا، ووزنه نحو تسعين كيلوجراما، وشعره ~~أسود قصير، ذو لحية سوداء مهذبة، في أواخر العشرينيات من العمر. # سأل: «هل تكلمت يا حامد؟» ~~- «كلا، إنها عنيدة للغاية، ولكن لا تقلق، فسوف تفعل قريبا.» # تحدث الوافد الجديد معي: «مارينا، تلك هي فرصتك الأخيرة.» تعرفت على صوته. إنه ~~علي؛ كان أنفه كبيرا بعض الشيء، وعيناه البنيتان معبرتين، وله رموش طويلة وكثيفة. ~~تابع: «سوف تتحدثين في نهاية الأمر على أي حال، من الأفضل أن تقومي بذلك الآن. هل ستخبريننا ~~بالأسماء؟» ~~- «كلا.» ~~- «أريد أن أعرف منك مكان شهرزاد.» ~~- «لا أعرف مكانها.» # قال حامد: «انظر يا علي! إن معصميها صغيران للغاية، وسوف ينزلقان ms034 من الأصفاد.» أدخل كلا ~~معصمي قسرا في صفد واحد، واقتادني إلى الفراش. كان الصفد المعدني يحطم عظامي، وأفلتت مني ~~صرخة، لكنني لم أقاوم؛ إذ كنت أعرف أني في موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا سوءا. ~~ثبت حامد الصفد الخالي في ظهر الفراش المعدني، وبعد أن خلع حذائي ربط قدمي في ~~الفراش. # قال حامد ملوحا في وجهي بسلك أسود سمكه أقل من سنتيمترين ونصف: «سوف أجلد باطن قدميك ~~بهذا السلك.» ~~«كم ضربة تلزمها للحديث في رأيك يا علي؟» ~~- «ليس كثيرا.» ~~- «في رأيي عشر ضربات ستكفي.» # شق صوت السلك الحاد المخيف الهواء، واستقر فوق باطن قدمي. # ما هذا الألم؟! لم أشعر بشيء كهذا قط، بل لم يكن بوسعي حتى أن أتخيله. انفجر الألم داخلي ~~كصاعقة من البرق. # الضربة الثانية: توقفت أنفاسي في حلقي. كيف يمكن لأي شيء في الوجود أن يؤلم هكذا؟ حاولت ~~أن أفكر في شيء يساعدني على تحمل الألم. لا يمكنني الصراخ، فلا يوجد هواء كاف في ~~رئتي. # الضربة الثالثة: صوت السلك يشق الهواء ثم أعقبه ذلك الألم المبرح. ولم يكن بإمكاني أن ~~أفكر إلا في تحية مريم العذراء. # توالت الضربات، وظللت أدعو وأصارع الألم. تمنيت أن أفقد الوعي، ولكن ذلك لم يحدث، بل إن ~~كل ضربة كانت تتركني منتبهة أترقب الضربة التالية. # الضربة العاشرة: توسلت إلى الله كي يخفف عني الألم. # الضربة الحادية عشرة: آلمتني أكثر من كل ما سبقها. # يا إلهي لا تتركني وحدي! لا أستطيع تحمل كل ذلك. # استمر العذاب بلا نهاية. # سوف يتوقفون عن تعذيبي إن أخبرتهم بضعة أسماء ... كلا، لن يتوقفوا، فهم يريدون ~~معلومات عن شهرزاد، وأنا لا أعلم عنها شيئا على أي حال. لا يمكن للضربات أن تستمر ~~إلى الأبد، وسوف أحتملها واحدة تلو الأخرى. # بعد الضربة السادسة عشرة توقفت عن العد. # لم أعد أشعر إلا بالألم. ~~- «أين شهرزاد؟» # لو كنت أعرف مكانها، لأخبرتهم. كنت سأفعل أي شيء كي أوقف هذا العذاب. # ضربة أخرى. # ذقت ألوانا أخرى من الألم من قبل؛ إذ كسرت ms035 ذراعي ذات مرة. لكن هذا الألم كان أسوأ ... ~~أسوأ كثيرا. ~~- «أين شهرزاد؟» ~~- «لا أعرف!» # ألم مبرح ... # أصوات ... # عندما توقف حامد عن الضرب، كان كل ما استطعت فعله هو أني أدرت رأسي ورأيته يغادر الغرفة. ~~فك علي الأصفاد وحرر قدمي. كانت قدماي تؤلمانني، ولكن العذاب اختفى، وحل محله شعور ~~بالفراغ أخذ ينتشر في عروقي. مرت دقيقة قبل أن أفقد الشعور بجسدي وأشعر بثقل في جفوني. ~~ارتطم شيء بارد بوجهي. إنها المياه. هززت رأسي. # قال علي: «أنت تفقدين الوعي يا مارينا، هيا انهضي!» # جذبني من ذراعي، فاعتدلت في جلستي. كانت قدماي تؤلمانني كثيرا كأن مائة نحلة لدغتهما. ~~نظرت إليهما فوجدتهما متورمتين ومصطبغتين باللونين الأحمر والأزرق، وتعجبت من أن جلدي لم ~~ينفجر. # سألني علي: «ألديك ما تقولينه لي الآن؟» ~~- «كلا.» # نظر إلي ساخطا وقال: «الأمر لا يستحق كل هذا العناء. هل تريدين التعرض للضرب مرة أخرى؟ ~~ستسوء قدماك أكثر إن لم تتكلمي.» ~~- «لا أعرف أي شيء.» ~~- «لم تعد هذه شجاعة! إنه الغباء بعينه! قد تعدمين لأنك لم تتعاوني مع الحكومة. لا تفعلي ~~هذا بنفسك.» # صححت كلامه: «لا تفعلوا هذا بي.» # نظر في عيني مباشرة للمرة الأولى، وأخبرني أن لديهم كل أسماء أصدقائي بالمدرسة. أعطتهم ~~محمودي خانم القائمة. أخبرني أن تعاوني معهم لن يغير شيئا من مصير أصدقائي، ولكنه سوف ~~ينقذني من العذاب، وأخبرني أيضا بأن أصدقائي سوف يلقى القبض عليهم سواء أعترفت أم لا، ~~ولكنني إذا ذكرت أسماءهم، فلن أضطر إلى احتمال العذاب أكثر من ذلك. # قال: «أصدقك فيما يتعلق بشهرزاد. لا تحاولي ادعاء البطولة، فربما تفقدين حياتك بسبب ذلك. ~~حامد على يقين أنك عضو في جماعة الفدائيين، لكنني لا أعتقد ذلك، فهم لا يستغيثون بالسيدة ~~مريم تحت وطأة التعذيب.» # لم أكن أدرك أنني دعوت بصوت مرتفع. # طلبت الذهاب إلى دورة المياه، فأخذ بيدي وساعدني على النهوض. شعرت بالدوار. وضع خفا ~~مطاطيا على الأرض أمام الفراش كي أرتديه. كان الخف أكبر من مقاس قدمي أربع مرات على ~~الأقل، لكنه كان صغيرا جدا بسبب ms036 تورم قدمي. ساعدني علي كي أسير عبر الحجرة، ولم يكن ~~من السهل أن أحفظ توازني. وفور أن وصلنا إلى الباب ترك ذراعي وأعطاني العصابة وطلب مني أن ~~أضعها، ففعلت كما طلب مني، ثم وضع حبلا في يدي وقادني إلى دورة المياه. وعندما دخلت دورة ~~المياه فتحت الصنبور وغسلت وجهي بالماء البارد، ثم شعرت فجأة بغثيان شديد وانقبضت أمعائي ~~فتقيأت. شعرت كأن سكينا قد شقني نصفين. ملأ صوت صفير عال أذني، ثم غرقت في ~~الظلام. # عندما فتحت عيني لم أدرك أين أنا، وعندما بدأ ذهني يصفو رويدا رويدا أدركت أنني لم أعد ~~في دورة المياه ولكنني أرقد على الفراش الخشبي الذي شهد تعذيبي. كان علي يجلس على مقعد ~~يراقبني. شعرت بأن رأسي يؤلمني كثيرا، وعندما تحسسته وجدت كدمة كبيرة على الجانب الأيمن من ~~جبيني. سألته عما حدث، فأخبرني أنني سقطت في دورة المياه مغشيا علي فارتطم رأسي بالأرض، ~~وأخبرني أيضا بأن الطبيب فحصني وأكد أن حالتي ليست خطرة، ثم ساعدني على الجلوس في مقعد ~~متحرك وعصب عيني مرة أخرى ودفعني خارج الغرفة. وعندما نزع العصابة عن عيني وجدت نفسي في ~~غرفة ضيقة بلا نوافذ وبها مرحاض وحوض في أحد جوانبها، بالإضافة إلى بطانيتين عسكريتين ~~رماديتين على الأرض. ساعدني على النوم وغطاني بإحداهما. كانت خشنة يابسة تفوح منها رائحة ~~العفن، لكنني لم أهتم، فقد كدت أتجمد بردا. سألني هل أشعر بالألم، فأومأت برأسي متعجبة من ~~حسن معاملته لي. تركني ثم عاد بعد بضع دقائق ومعه رجل متوسط العمر يرتدي زيا عسكريا ~~قدمه لي على أنه الطبيب الشيخ. # حقنني الطبيب في ذراعي، ثم غادر كلاهما الزنزانة. أغلقت عيني، وفكرت في منزلي. تمنيت لو ~~أن بإمكاني التسلل إلى فراش جدتي كما كنت أفعل وأنا طفلة لتخبرني بأنه لا يوجد ما يدعو إلى ~~الخوف، وأن كل ذلك ليس سوى كابوس. # | الفصل الثالث # عندما كنت طفلة صغيرة كنت أحب سكون طهران ~~وألوانها الزاهية في الصباح الباكر؛ إذ كنت أشعر بالحرية والخفة كأنني محجوبة عن الأنظار. ~~كان ms037 ذلك هو الوقت الوحيد من اليوم الذي يمكنني فيه التجول بحرية داخل صالون التجميل الذي ~~تمتلكه أمي؛ فكنت أتنقل بين مقاعد تصفيف الشعر ومجففات الشعر دون أن تغضب مني. ذات صباح ~~من شهر أغسطس 1972 وأنا في السابعة من العمر ~~أمسكت بمطفأة السجائر الكريستالية المفضلة لديها. كادت تصل في حجمها إلى حجم طبق الطعام، ~~وقد سبق وحذرتني أمي آلاف المرات من لمسها، لكنها كانت جميلة للغاية، وأردت أن أمرر أصابعي ~~على نقوشها الرقيقة. أدركت سر حب أمي الشديد لهذه المطفأة، فهي تبدو ككتلة ثلجية عملاقة لا ~~تذوب أبدا. وحسبما أتذكر، كانت المطفأة موضوعة في منتصف مائدة زجاجية، وكانت مرتادات ~~الصالون من السيدات - بأظافرهن الطويلة المطلية باللون الأحمر - يجلسن في مقاعد الانتظار ~~المغطاة بقماش أبيض وثير ويطفئن سجائرهن فيها، وكن أحيانا يخطئن التصويب فيتساقط الرماد ~~على المائدة. كانت أمي تكره اتساخ المائدة، وكلما أحدثت أي نوع من الفوضى صرخت في وجهي ~~وأمرتني بتنظيفها. لكن ما جدوى التنظيف إذا كانت الأشياء تتسخ طوال الوقت. # أمسكت بالمطفأة ورفعتها في يدي. كان شعاع ذهبي شفاف من الضوء يتسلل من النافذة الوحيدة ~~بالغرفة التي تحتل أكثر من نصف مساحة الحائط الجنوبي، والضوء ينعكس على السقف الأبيض ويتفرق ~~في ثنايا المطفأة الشفافة اللامعة. وبينما أميلها كي أنظر إليها من زاوية أخرى إذ انزلقت من ~~بين أصابعي، فحاولت أن ألتقطها، ولكن كان الأوان قد فات، فسقطت على الأرض وتحطمت. # صاحت أمي من غرفة نومها المجاورة للصالون: «مارينا!» # جريت إلى اليسار عبر الباب المؤدي إلى الممر المظلم الضيق، واندفعت إلى غرفتي، وتسللت ~~أسفل فراشي. كان الجو مشبعا برائحة الغبار التي أحرقت أنفي، فكتمت أنفاسي كي لا أسعل. ومع ~~أنني لم أر أمي، فقد سمعت صوت خفها المطاطي على مشمع الأرضية، وجعلني وقع خطواتها الغاضبة ~~أنكمش بجوار الحائط. نادتني عدة مرات أخرى، ولكنني ظللت ساكنة. وعندما دخلت غرفتي ووقفت إلى ~~جوار فراشي سمعت جدتي تتساءل عما حدث، فأخبرتها أمي أني كسرت المطفأة، ولكن جدتي قالت إنني ~~لم أكسرها، بل ms038 هي التي كسرتها أثناء تنظيف المكان. لم أصدق أذني، فقد أخبرتني جدتي بأن جهنم ~~مصير الكاذب بعد الموت. # سألتها أمي متعجبة: «أنت كسرتها؟!» # أجابت جدتي: «نعم، كنت أنظف المائدة من الغبار. كان حادثا، وسأنظف المكان على ~~الفور.» # بعد قليل شعرت بثقل جسد ارتمى على الفراش، فرفعت الملاءة القديمة ذات اللون البني الفاتح ~~عن الأرض، ورأيت خفي جدتي البنيين وساقيها النحيلتين. تسللت خارجة من تحت الفراش وجلست ~~بجوارها. كان شعرها الأشيب مشدودا بإحكام خلف رأسها، ترتدي تنورة سوداء وقميصا أبيض ~~مكويا بعناية، وتحدق في الحائط مباشرة. لم يكن يبدو عليها الغضب. # قلت: «جدتي، لقد كذبت!» ~~- «نعم، كذبت.» ~~- «ولكن الله لن يغضب منك.» # رفعت أحد حاجبيها، وقالت: «لماذا؟» ~~- «لأنك أنقذتني.» # علت البسمة وجهها. نادرا ما كانت جدتي تبتسم؛ فقد كانت امرأة جادة تعلم جيدا كيفية ~~القيام بكل شيء، ولديها دائما حلول لأصعب الأمور، فضلا عن أنها لم تخفق قط في معالجة آلام ~~المعدة. # إنها جدتي لأبي وتعيش معنا. تذهب للتسوق كل يوم في الثامنة صباحا، وغالبا ما أذهب معها. ~~في ذلك اليوم أخذت محفظتها وتبعتها على الدرج، وفور أن فتحت الباب الخشبي الوردي الذي ~~يقع أسفل الدرج، تدفق خليط من أصوات السيارات والمشاة والباعة إلى المدخل. أول ما وقعت ~~عليه عيناي الابتسامة الدرداء على وجه أكبر أغا الذي تخطى الثمانين من العمر ويبيع الموز ~~على عربة مكسورة. # سأل جدتي: «أتريدين موزا اليوم؟» # تفحصت جدتي الموز، فوجدته طازجا أصفر اللون لا تشوبه شائبة. أومأت برأسها وأشارت له ~~بثمانية من أصابعها، فأعطانا أكبر أغا ثماني موزات. # انعطفنا يسارا في شارع «رازي»، وهو شارع ضيق ذو اتجاه واحد أرصفته ترابية. وباتجاه ~~الشمال استطعت رؤية جبال «ألبرز» بلونها الرمادي الضارب إلى الزرقة تناطح السحاب. كنا في ~~أواخر الصيف، وقمم الجبال الثلجية قد اختفت منذ وقت طويل، فيما عدا جبل «دامافاند» ~~- البركان الخامد - الذي كانت مسحة من البياض ~~تعلو قمته. عبرنا الطريق وسرنا عبر سحابة من البخار مشبعة برائحة الكتان النظيف المكوي ~~المنبعثة من باب المغسلة المفتوح. ms039 ~~- «جدتي، لماذا لم تقولي ثمانية بالفارسية؟ فأنت تعرفينها.» ~~- «تعلمين جيدا أني لا أحب التحدث بالفارسية. الروسية أفضل كثيرا.» ~~- «أنا أحب الفارسية.» ~~- «ولكننا لا نتحدث إلا الروسية.» ~~- «عندما أذهب إلى المدرسة في الخريف القادم، سوف أتعلم القراءة والكتابة بالفارسية، وسوف ~~أعلمك.» # تنهدت جدتي. # تقدمتها في السير. كان الشارع هادئا يكاد يخلو من الزحام المروري. رأيت امرأتين تسيران ~~في الطريق تلوحان بحقائب التسوق الفارغة في يديهما. عندما دخلت متجر البقالة الصغير، كان ~~صاحبه أغا روستامي - ذو الوجه العطوف والشارب الأسود الكث الذي لا يتناسب ووجهه النحيل - ~~يتحدث إلى سيدة ترتدي شادورا أسود يغطيها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، لا يظهر منها سوى ~~وجهها، بينما سيدة أخرى ترتدي تنورة قصيرة وقميصا ضيقا بلا أكمام تنتظر دورها. كنا في زمن ~~الشاه، ولم يكن لزاما على النساء أن يلتزمن بالزي الإسلامي. ومع أن المحل كان ضيقا، ~~فالأرفف عامرة بمختلف أنواع البضائع مثل الأرز طويل الحبة، والتوابل، والأعشاب المجففة، ~~والزبد، واللبن، والجبن التبريزي، والحلوى، وحبال القفز، وكرات القدم البلاستيكية. ابتسم لي ~~أغا روستامي وهو يناولني عبوة من اللبن بالشيكولاتة ويناول المرأة التي ترتدي الشادور كيسا ~~ورقيا بني اللون. وبينما كنت أزدرد اللبن مستمتعة ببرودته العذبة، إذ تقدمت جدتي وأشارت ~~إلى كل ما نحتاجه. وفي طريقنا للعودة رأينا أغا طاغي؛ الرجل المسن الذي يجوب الشوارع في مثل ~~هذا الوقت من كل عام ينادي: «أمشط وبر الجمال والقطن.» فتفتح النساء النوافذ وتدعوه للدخول ~~كي يعد الأغطية للشتاء عن طريق تمشيط الصوف أو الألياف القطنية بداخلها. # عندما عدنا إلى المنزل، تبعت جدتي إلى المطبخ. كان الموقد ذو الشعلتين إلى اليسار، ~~والثلاجة البيضاء إلى اليمين، وخزانة الأطباق تستند إلى الحائط المواجه للباب. عندما نكون ~~معا داخل المطبخ، بالكاد يكون هناك مكان للحركة. كانت نافذة المطبخ الصغيرة قريبة من السقف ~~يتعذر وصولي إليها، وكانت تطل على ساحة مدرسة للبنين. وضعت جدتي الغلاية المعدنية ~~القديمة على الموقد كي تعد الشاي، ثم فتحت الخزانة. ~~- «دخلت أمك هنا مجددا، ولا يمكنني العثور على ms040 أي شيء! أين المقلاة؟» # تناثرت الأطباق والأواني من الجانب الآخر من ~~الخزانة على الأرض، فهرعت كي أساعد جدتي في إعادتها إلى أماكنها. كان المطبخ مملكة جدتي، ~~وهي من تعتني بي وتؤدي كل الأعمال المنزلية، في حين كانت أمي تقضي نحو عشر ساعات يوميا في ~~صالون التجميل، وكانت تكره إعداد الطعام. ~~- «لا تقلقي يا جدتي؛ سوف أساعدك.» ~~- «كم مرة أخبرتها أن تبتعد عن المطبخ؟» ~~- «عدة مرات.» # سرعان ما أصبح كل شيء في موضعه مرة أخرى. # نادت جدتي على أبي الذي كان يجلس في استوديو الرقص على الأرجح: «كوليا!» لكن لم يجبها ~~أحد. # قالت جدتي وهي تضع أغراض البقالة في الثلاجة: «مارينا، اذهبي واسألي أباك هل يرغب في ~~تناول الشاي.» # سرت عبر الممر المظلم أمام صالون التجميل الذي تمتلكه أمي حتى وصلت إلى استوديو الرقص ~~الخاص بأبي، وهو غرفة كبيرة على شكل حرف ~~“L” # أرضيتها مغطاة ~~بمشمع بني، وحوائطها مزدانة بصور لأزواج من الراقصين يرتدون ثيابا أنيقة. وفي منتصف ~~استراحة الانتظار - الضلع الأصغر من حرف ~~“L” ~~- كانت توجد ~~مائدة منخفضة مستديرة مغطاة بالمجلات وحولها أربعة مقاعد جلدية سوداء. كان والدي يجلس على ~~واحد من هذه المقاعد يقرأ الجريدة. كان يتمتع باللياقة، طوله 1,7 متر، أشيب الشعر، حليق ~~الوجه دائما، عسلي العينين. ~~- «صباح الخير يا أبي. جدتي تسألك هل تريد كوبا من الشاي.» # أجابني دون أن ينظر إلي: «كلا.» فاستدرت عائدة من حيث أتيت. # عندما أستيقظ في الصباح الباكر والكل نيام أذهب إلى استوديو الرقص، وأتخيل موسيقاي ~~المفضلة - الفالس - تصدح، وأشرع في الرقص والدوران حول الغرفة متخيلة والدي يقف في أحد ~~أركانها يصفق لي ويقول: «أحسنت يا مارينا! أنت ترقصين جيدا!» # عندما دخلت المطبخ، كانت جدتي تقطع البصل والدموع تنهمر من عينيها. بدأت أشعر بحرقة في ~~عيني. # قلت: «أكره البصل النيئ.» ~~- «سوف تقدرينه عندما تكبرين. عندما تكونين بحاجة للبكاء دون أن يعلم أحد أنك تبكين، ~~يمكنك تقطيع البصل.» ~~- «لكنك لا تبكين حقا، أليس كذلك؟» ~~- «كلا، بالطبع لا.» ~~••• # عندما تزوج والداي أثناء الحرب العالمية ms041 الثانية استأجرا شقة متواضعة في الجانب الشمالي ~~الغربي لتقاطع شارعي «شاه» و«رازي» في وسط طهران، عاصمة إيران وأكبر مدنها. وهناك افتتح أبي ~~- غلام رضا نيكولاي مرادي بخت - استوديو للرقص أعلى متجر صغير للأثاث ومطعم صغير. ولما كان ~~العديد من الجنود الأمريكيين والبريطانيين قد مروا بإيران أثناء الحرب، فقد انتشرت الثقافة ~~الغربية بين أفراد الطبقة العليا، وهكذا وجد والدي العديد من المتحمسين لتعلم الرقص على ~~المنوال الغربي. # وضعت أمي - رقية ناتاليا فكري - أخي في عام 1951، وعندما بلغ العامين، سافرت أمي إلى ~~ألمانيا - مع أنها لم تكن تتحدث الألمانية - للحصول على دورة تدريبية في تصفيف الشعر، ~~وعندما عادت بعد ستة أشهر، أصبحت بحاجة إلى مكان كي تفتتح صالون تجميل، وكانت الشقة ~~المجاورة لشقة والدي مطابقة لها، فاستأجراها هي الأخرى وضما الشقتين معا. # ولدت أنا في الثاني والعشرين من أبريل ~~1965. ومنذ عام 1941 كان محمد رضا شاه بهلوي الحاكم المستبد الموالي للغرب هو ملك إيران. ~~وقبل أربعة أشهر من مولدي اغتيل رئيس الوزراء الإيراني حسن علي منصور على يد أتباع الزعيم ~~الشيعي الأصولي آية الله الخميني الذي كان يطالب بإقامة دولة دينية في إيران. وفي عام 1971 ~~أقام أمير عباس هوفيدا - رئيس الوزراء آنذاك - احتفالا ضخما عند أطلال مدينة «برسيبوليس» ~~العتيقة لإحياء الذكرى السنوية الخمسمائة بعد الألفين لتأسيس الإمبراطورية الفارسية. حضر ~~الاحتفال خمسة وعشرون ألفا من المدعوين من كل أنحاء العالم، بينهم ملوك وملكات ورؤساء ~~دول ووزارات ودبلوماسيون، وبلغت تكلفته 300 مليون دولار. وأعلن الشاه أنه أراد بهذا ~~الاحتفال أن يظهر للعالم مدى التقدم الذي أحرزته إيران في السنوات الأخيرة. # عندما بلغت الرابعة من عمري غادر أخي المنزل كي يلتحق بجامعة بهلوي في مدينة شيراز بوسط ~~إيران. كنت فخورة للغاية بأخي الوسيم فارع الطول، لكنه لم يكن يأتي إلا نادرا، ولم يكن ~~يمكث معنا فترة طويلة. في المناسبات السعيدة التي كان يزورنا فيها، كان يسد باب غرفتي بجسده ~~وهو يبتسم ويقول: «كيف حال أختي الصغيرة؟» كنت أحب رائحة عطره الخلابة التي تملأ المكان. ms042 ~~كان هو وجدتي الوحيدين اللذين يعطيانني هدايا عيد الميلاد، أما والداي فكانا يعتقدان أن عيد ~~الميلاد مضيعة للوقت والمال. # كانت جدتي تصطحبني إلى الكنيسة أيام الآحاد، وكانت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الوحيدة ~~في طهران تقع على مسيرة ساعتين من منزلنا. كان الطريق إلى الكنيسة يقودنا عبر شوارع وسط ~~المدينة بطهران، حيث تصطف على جانبيها المتاجر والباعة وأشجار القيقب العتيقة. كانت الرائحة ~~العطرة لدوار الشمس وبذور اليقطين تملأ الجو، وكان شارع «نادري» الذي يضم متاجر اللعب ~~والمخابز هو الجزء المفضل لدي في تلك الرحلة، إذ كانت رائحة الفطائر الطازجة والفانيليا ~~والقرفة والشيكولاتة تشعرني بالنشوة. أيضا كانت هناك العديد من الأصوات التي يتداخل بعضها ~~مع بعض في الشارع: أبواق السيارات، والباعة الذين يعلنون عن بضاعتهم ويساومون زبائنهم، ~~والموسيقى التقليدية. لم تكن جدتي تؤمن بأهمية شراء اللعب، ولكنها كانت دوما تشتري لي هدية ~~صغيرة. # وفي أحد أيام الآحاد انطلقنا مبكرا كي نزور إحدى صديقات جدتي التي تسكن في شقة صغيرة. ~~كانت سيدة روسية عجوزا صعبة المراس، شعرها أشقر قصير مجعد، تضع دائما أحمر شفاه وظل عيون ~~أزرق، وتفوح منها رائحة الأزهار. كانت شقتها مليئة بالأثاث القديم والعديد من الحلي ~~الصغيرة، ولديها أروع مجموعة من التماثيل الخزفية الصغيرة على الإطلاق في كل مكان؛ على ~~الموائد الجانبية، وأرفف الكتب، وقواعد النوافذ، بل وعلى طاولات المطبخ. وكنت أحب على وجه ~~الخصوص تماثيل الملائكة بأجنحتها الرقيقة. قدمت لنا الشاي في أروع فناجين صينية رأيتها من ~~قبل؛ فكانت بيضاء لامعة، مرسوما عليها أزهار وردية. وضعت السيدة ملعقة ذهبية صغيرة بجوار ~~كل فنجان. كان يروق لي وضع مكعبات السكر في فنجاني ومشاهدة الفقاعات تعلو وأنا ~~أقلبه. # سألتها عن سبب امتلاكها لكل هذا العدد من التماثيل الملائكية، فأخبرتني بأنها تؤنس ~~وحدتها، وسألتني هل أعلم أن كل واحد منا لديه ملاك حارس، فأجبتها بأن جدتي قد أخبرتني بذلك. ~~أوضحت لي وهي تنظر إلي بعينيها الزرقاوين اللتين بدتا كبيرتين للغاية خلف نظارتها الطبية ~~السميكة أن كل واحد منا قد رأى ملاكه الحارس من ms043 قبل، ولكنه نسي كيف كانت هيئته. # قالت: «الآن أخبريني، هل حدث من قبل أن هممت بارتكاب خطأ ما فشعرت بهاتف يهمس في أذنيك ~~ألا تفعلي؟» # قلت وأنا أفكر في مطفأة السجائر: «نعم ... أظن ذلك.» ~~- «حسنا، كان هذا ملاكك الحارس يتحدث إليك. وكلما أنصت إليه، سمعته أفضل.» # تمنيت أن لو تذكرت شكل ملاكي الحارس، فاقترحت علي صديقة جدتي أن ألقي نظرة على كل ~~تماثيلها، وأكدت لي أن ملاكي يشبه التمثال الذي سينال إعجابي أكثر. تفحصت التماثيل برهة، ~~وأخيرا وجدت تمثالي المفضل؛ شاب وسيم يرتدي ثوبا أبيض طويلا، أخذته إلى جدتي كي أريها ~~إياه، فأخبرتني أنه لا يبدو كالملائكة لأنه لا يملك أي أجنحة، لكنني أخبرتها بأن أجنحته غير ~~مرئية. # قالت صديقة جدتي: «يمكنك الاحتفاظ به يا عزيزتي.» وهو ما أسعدني كثيرا. ~~*** # كانت جدتي تصطحبني إلى الحديقة العامة كل يوم، فهناك حديقة عامة فسيحة تدعى «حديقة ~~فالياد» على مسيرة نحو عشرين دقيقة من المنزل. كنا نقضي الساعات نستكشف الحديقة وننظر ~~بإعجاب إلى أشجارها العتيقة وأزهارها العطرة. وفي أيام الصيف الحارة، كنا نجلس على مقعد ~~طويل نتناول المثلجات. في منتصف الحديقة كانت توجد بركة ضحلة في وسطها نافورة تقذف بالمياه ~~عاليا في الهواء وحولها العديد من النافورات الصغيرة. كنت دائما أقف بجوار البركة وأدع ~~الرياح تنثر رذاذ المياه فوقي. حول البركة كانت توجد تماثيل برونزية لفتيان صغار يختلف شكل ~~كل منهم عن الآخر؛ فأحدها يقف شامخا ينظر إلى السماء، وآخر ينحني بجوار المياه كأنه يبحث ~~عن شيء ثمين مفقود، وثالث يشير بعصا نحاسية نحو المياه، ورابع يقف على ساق واحدة ويرفع ~~الأخرى في الهواء كأنه يستعد للقفز في البركة. جمعت مسحة من الحزن والوحدة بين هذه ~~التماثيل، فكانت تبدو وكأنها حقيقية لكنها تجمدت إلى الأبد في وضع ثابت كئيب أعجزها عن ~~التحرر. # كانت الأرجوحة متعتي الكبرى، كانت جدتي تعلم أنني أحب الانطلاق عاليا بها، وكانت دائما ~~تدفعني بأقصى قوتها، وكنت أحب مداعبة الرياح لخصلات شعري واختفاء العالم من تحتي. وفي عالمي ~~الصغير الذي ms044 لم يتجاوز الأعوام السبعة، كان يخيل إلي أن الحياة ستظل هكذا إلى ~~الأبد. # ذات يوم في فترة ما بعد الظهيرة، وبينما كنت أجري في الحديقة، نادتني جدتي من مسافة بعيدة ~~كي تخبرني بأن الوقت قد حان للعودة إلى المنزل، ولكنها نادتني باسم خطأ، حيث دعتني تامارا. ~~أسرعت نحوها حائرة وسألتها من تكون تامارا، فاعتذرت لي وأخبرتني أنه من الأفضل أن نعود إلى ~~المنزل لأنها لا تتحمل شدة الحرارة، فانطلقنا في رحلة العودة سيرا على الأقدام. بدت متعبة، ~~وتعجبت لذلك، لأني لم أرها مريضة أو متعبة من قبل. # سألتها مرة أخرى: «من تكون تامارا؟» ~~- «إنها ابنتي.» ~~- «لكن ليس لديك بنات يا جدتي، ليس لديك سواي أنا حفيدتك.» # أخبرتني أن لديها ابنة تدعى تامارا، أكبر من والدي بأربعة أعوام، وأني أشبهها كثيرا كأني ~~توأمها. تزوجت تامارا رجلا روسيا وهي في السادسة عشرة من عمرها، وعادت إلى روسيا معه. ~~سألتها لماذا لم تزرنا تامارا قط، فأخبرتني جدتي أنه غير مسموح لها بمغادرة روسيا؛ ~~فالحكومة السوفييتية لا تسمح لمواطنيها بالسفر إلى الدول الأخرى بسهولة. اعتادت جدتي أن ~~ترسل لتامارا الثياب الجميلة والصابون ومعجون الأسنان، لأن تلك الأشياء يصعب العثور عليها ~~هناك، إلى أن تلقت خطابا من جهاز «السافاك» - البوليس السري للشاه - يقول إنه غير مسموح ~~لها بالتواصل مع أي شخص في الاتحاد السوفييتي. # سألتها: «لماذا؟» ~~- «الشرطة هنا تعتقد أن روسيا دولة شريرة، ولذا أخبرونا أننا ممنوعون من مراسلة تامارا أو ~~إرسال أي شيء لها.» # وبينما كنت أحاول استيعاب تلك المعلومة الجديدة عن عمتي التي لم أعرفها قط، تابعت جدتي ~~الحديث كأنها تتحدث مع نفسها. لم أتمكن من فهم كثير مما قالت، فقد ذكرت أسماء أشخاص وأماكن ~~لم أسمع عنها من قبل، واستخدمت كلمات غريبة وغير مألوفة، فكنت ألتقط أجزاء متفرقة من ~~حديثها. أخبرتني أنها عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها وقعت في غرام شاب قتل فيما بعد ~~أثناء الثورة الروسية. أخذت تصف منزلا ذا باب أخضر يطل على شارع ضيق ونهر واسع وجسر ms045 كبير، ~~وتحدثت عن جنود يمتطون الخيول ويطلقون النار على أحد الحشود. ~~- «... استدرت فوجدته قد سقط أرضا. أصابته إحدى الرصاصات. كانت الدماء في كل مكان. احتضنته ~~فلفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعي ...» # لم أكن أرغب في سماع المزيد، لكنها لم تكن لتتوقف. لم أستطع تغطية أذني بيدي؛ فهو تصرف ~~غير لائق وسوف يغضبها. ربما يمكنني إسراع الخطى وترك مسافة بيني وبينها، ولكن هناك خطبا ~~ما، فهي ليست على ما يرام، وعلي أن أعتني بها. أخيرا بدأت أدندن وطغى صوتي على كلماتها. ~~لطالما كانت تحكي لي الحكايات قبل النوم، ولكنها جميعا كانت تنتهي نهايات سعيدة، ولم يكن ~~بها أي قتلى. كنت أعلم أن الأخيار يذهبون إلى الجنة بعد الموت، وهكذا لا يمكن أن يكون الموت ~~سيئا إلى هذا الحد، ولكنه ما زال يخيفني. إنه أشبه بالسير نحو ظلام دامس قد يصيبك فيه أي ~~مكروه، ولم أكن أحب الظلام على الإطلاق. # كنا نسير باتجاه المنزل عندما توقفت عن الكلام فجأة ونظرت حولها، وبدت تائهة حائرة. ومع ~~أننا كدنا نكون قد وصلنا، فقد كان علي أن آخذ بيدها وأقودها ما تبقى من الطريق. المرأة ~~القوية التي عرفتها طوال حياتي، الصديقة الحميمة التي كنت أعتمد عليها، المرأة التي كانت ~~دائما بجواري تساعدني أصبحت ضعيفة فجأة، أصبحت كطفلة مثلي تماما. جدتي التي كانت دائما ~~تستمع ونادرا ما تتفوه بأكثر من بضع كلمات في المرة الواحدة أخبرتني قصة حياتها. صدمتني ~~كلماتها عن الدماء والعنف والموت. لطالما كان ~~عالمي آمنا معها، لكنها أخبرتني أن كل شيء إلى زوال. شعرت أن جدتي تحتضر، رأيت ذلك في ~~عينيها كأن أحدهم همس به في أذني. # عندما عدنا إلى المنزل ساعدتها كي تستريح في الفراش. لم تتناول معنا عشاء ذلك اليوم، ولم ~~تنهض من فراشها في الصباح التالي. اصطحبها والداي إلى الطبيب في ذلك اليوم، وعند عودتهم ~~ذهبت جدتي إلى الفراش مباشرة، ولم يجب والداي على أي من أسئلتي بشأن مرضها. # ذهبت إلى غرفتها، ووجدتها نائمة، فجلست على مقعد بجوارها، وانتظرت فترة طويلة ms046 حتى تحركت ~~أخيرا ، وحينها فقط أدركت كم أصبحت هزيلة واهنة. # سألتها: «ما الخطب يا جدتي؟» # قالت: «أنا أحتضر يا مارينا.» كأنه أمر عادي يحدث كل يوم. # سألتها عما يحدث لنا بعد الموت، فطلبت مني أن أتأمل صورة معلقة على الحائط في غرفة نومها ~~منذ أن تفتحت عيناي على العالم، وأن أخبرها بكل ما أراه في الصورة. قلت إنها صورة عجوز ~~شعرها أشيب تتوكأ على عكاز وتسير في طريق في غابة مظلمة، وفي نهاية الطريق يوجد ضوء ~~ساطع. # أوضحت جدتي أنها تشبه تلك العجوز، فقد ظلت تسير طوال حياتها التي استمرت سنوات عديدة حتى ~~شعرت بالتعب، وأن حياتها كانت مظلمة وصعبة، وأنها واجهت العديد من العقبات لكنها لم تستسلم ~~قط. # قالت: «والآن، حان دوري كي أرى وجه الرب.» # عارضتها: «لكن يا جدتي، لم لا يمكنك رؤية وجه الرب وأنت هنا معي؟ أعدك بأن أدعك تستريحين، ~~ولن يتعين عليك الذهاب إلى أي مكان.» # ارتسمت على وجهها ابتسامة. تحسست أهداب عيني بأصابعها المرتجفة وقالت: «يا صغيرتي، لا ~~يمكننا رؤية وجه الرب بهاتين العينين، ولكن بأرواحنا. عليك أن تعلمي أن الموت ليس إلا خطوة ~~علينا أن نخطوها كي نصل إلى العالم الآخر ونحيا حياة مختلفة.» ~~- «لكني لا أريد لأي شيء أن يتغير، فأنا أحب كل شيء كما هو الآن.» ~~- «عليك أن تتحلي بالشجاعة يا مارينا.» # غير أني لم أكن أرغب في التحلي بالشجاعة. كنت خائفة، وحزينة، وبدا لي أن الشجاعة مثل ~~الكذب من حيث التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بينما الحقيقة غير ذلك. # أخذت جدتي نفسا متقطعا، وطلبت مني أن أذهب إلى خزانتها وأفتح الدرج العلوي الأيسر، ~~وأحضر لها صندوقا ذهبيا كان هناك، ثم طلبت مني أن أتسلل تحت فراشها وأحضر الحذاء الأسود، ~~حيث وجدت داخل الفردة اليسرى مفتاحا ذهبيا صغيرا. # أعطتني الصندوق والمفتاح والدموع تنهمر من عينيها. ~~- «مارينا، لقد كتبت قصة حياتي ووضعتها في هذا الصندوق، وهي ملكك الآن. أريدك أن تحتفظي ~~بها وأن تتذكريني. هل ستفعلين ذلك من أجل جدتك؟» ms047 # أومأت برأسي. ~~«ضعي الصندوق في مكان آمن. الآن اذهبي ولا تقلقي، فأنا بحاجة إلى الراحة.» # تركتها وأويت إلى غرفتي حيث شعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. خبأت الصندوق أسفل فراشي، ~~وفتحت الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة وخرجت إليها. كان الهواء ساخنا، والشارع مزدحما ~~كعادته دائما. بدا كل شيء مختلفا مع أن شيئا لم يتغير عما كان عليه. # لم تستيقظ جدتي بعدها أبدا. كان سرطان الكبد يفتك بها، وأخبرتني أمي أنها في غيبوبة. ~~وامتدت الغيبوبة أسبوعين ظل فيهما أبي يذرع الممر جيئة وذهابا ويبكي. كنت أجلس بجوارها ~~ساعتين على الأقل يوميا كي أؤنس وحدتها، وكي لا أشعر بالوحدة أنا أيضا. كان وجهها يشع ~~هدوءا وسكينة، وإن كان شديد الشحوب والهزال. وبمرور الأيام، كنت أغالب دموعي خوفا من أن ~~تصبح وفاتها حقيقة واقعة. # ذات صباح استيقظت مبكرا ولم أستطع النوم مرة أخرى، فذهبت إلى غرفة جدتي، وأضأت النور ~~فوجدتها في مكانها. كان وجهها شاحبا تماما. لمست يدها فوجدتها باردة، وقفت صامتة وقد ~~أدركت أنها توفيت ولكن لم أكن أعلم ماذا أفعل، أردت أن أقول لها شيئا، ولكنني لم أكن ~~متأكدة هل تستطيع سماعي؛ هل يمكنني اختراق الحاجز الذي أوجده الموت بيننا. ~~- «وداعا يا جدتي، أتمنى أن تحيي حياة طيبة مع الرب أينما كان.» # داهمني شعور غريب بوجود شخص آخر في الغرفة معنا. هرعت إلى غرفتي، وانزويت في فراشي أتلو ~~كل الصلوات التي أذكرها. # في اليوم التالي حملت جثة جدتي بعيدا. ظللت طوال اليوم أسمع بكاء والدي. غطيت أذني ~~بيدي ونظرت حولي، لم يكن هناك مكان أذهب إليه، فقد كانت جدتي ملاذي الآمن عندما يحدث خطب ~~ما، ولكنها الآن رحلت. في النهاية أمسكت تمثالي الملائكي من فوق خزانتي واختبأت أسفل فراشي ~~وبدأت أصلي: «السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنت في النساء، ~~ومباركة ثمرة بطنك يسوع، يا مريم القديسة، يا والدة الرب، صلي لأجلنا نحن الخطاة، الآن ~~وفي ساعة موتنا.» # ارتفع الغطاء عن جانب فراشي، وتدفقت موجة من ms048 الضوء وسط الظلام إلى البقعة التي ~~أختبئ فيها، فرأيت وجها غريبا ينظر إلي. كان وجه شاب ذي شعر أسود مجعد وعينين ~~شديدتي السواد. كان وجهه ناصع البياض مقارنة بشعره، وابتسامته دافئة حنون. أردت أن ~~أسأله من يكون، ولكنني لم أستطع. # قال: «مرحبا.» # كان صوته حنونا رقيقا أعطاني الشجاعة التي أحتاجها، فخرجت من أسفل الفراش. كان ~~يرتدي ثوبا أبيض طويلا وكان حافي القدمين. لمست أصابع قدميه فوجدتها دافئة. ~~انحنى، ورفعني، ثم جلس على فراشي، وأجلسني على حجره، فملأت أنفي رائحة زكية كعبير ~~أزهار النرجس في يوم مطير. # قال وهو يربت على شعري: «كنت تنادينني فأتيت.» أغمضت عيني، وتحركت أصابعه بين ~~خصلات شعري مذكرة إياي بنسائم الربيع وأشعة الشمس الدافئة وهي تداعب أغصان الأشجار. ~~ملت على صدره يخالجني شعور بأني أعرفه، كأننا التقينا من قبل، لكن لا أعلم متى أو ~~أين. نظرت إليه، فارتسمت على وجهه ابتسامة عميقة دافئة. # سألته: «لم لا ترتدي خفا في قدميك؟» ~~- «لا حاجة إلى الخف في المكان الذي أتيت منه.» ~~- «هل أنت ملاكي الحارس؟» ~~- «من تظنين أني أكون؟» # نظرت إليه لحظة. وحده الملاك يملك عينيين كهاتين. ~~- «أنت ملاكي الحارس.» ~~- «هذا صحيح.» ~~- «ما اسمك؟» ~~- «أنا ملك الموت.» # كاد قلبي أن يتوقف. ~~«أحيانا يكون الموت صعبا، لكنه ليس سيئا أو مخيفا. إنه رحلة إلى الله، ولأن ~~الناس لا يموتون إلا مرة واحدة، فهم لا يعرفون الطريق، ولذلك فأنا أرشدهم ~~وأساعدهم.» ~~- «هل أتيت لتأخذني معك؟» ~~- «كلا، ليس الآن.» ~~- «هل ساعدت جدتي؟» ~~- «نعم.» ~~- «هل هي سعيدة؟» ~~- «إنها في غاية السعادة.» ~~- «أتبقى معي قليلا؟» ~~- «أجل.» # ملت على صدره مرة أخرى وأغمضت عيني. لطالما تساءلت بم تشعر الطيور وهي تحلق في ~~الهواء وتغتسل بأشعة الشمس وتعانق السماء. الآن عرفت. # عندما استيقظت في الصباح التالي كنت في فراشي لا أرى أي ملائكة حولي. # | الفصل الرابع # استيقظت من نوم عميق على صوت يناديني بينما أشعر بألم حاد في كتفي الأيمن. كانت رؤيتي ~~مشوشة، وكان حامد يقف عند رأسي ويركل كتفي. تذكرت أن عليا قد تركني ms049 في تلك الزنزانة ، لكن ~~لم أكن أعرف كم من الوقت قضيته هنا. # قلت: «نعم، نعم.» ~~- «هيا انهضي!» # كانت ركبتاي ترتجفان، وقدماي تلتهبان ألما. # قال حامد: «ستأتين معي الآن كي تشاهدي إلقاء القبض على أصدقائك الذين حاولت حمايتهم. كنا ~~نعرف أسماءهم وعناوينهم منذ البداية، لكننا أردنا معرفة المزيد عنك، وقد أثبت لنا عداءك ~~للثورة. أنت خطر على المجتمع الإسلامي.» # عصبت عيناي مرة أخرى، وقيد حامد معصمي بحبل وسحبني إلى الأمام. زج بي داخل إحدى ~~السيارات، وبعد بضع دقائق أزيلت العصابة عن عيني. كنا قد غادرنا السجن، ولم أكن أعرف في أي ~~يوم أو في أي وقت من اليوم نحن، لكن بدا لي أننا في الساعات الأولى من الليل؛ إذ السماء ~~ملبدة بالغيوم لكنها لم تكن مظلمة تماما. اتجهنا جنوبا في شارع ضيق متعرج، وكدنا لا نرى ~~أيا من السيارات أو المارة. اصطفت الجدران الطينية والقرميدية القديمة على جانبي الشارع ~~تحيط بالعقارات الكبيرة ما جعل الطريق يبدو وكأنه مجرى نهر جاف. ارتفعت الأشجار الجرداء إلى ~~عنان السماء وأخذت تهتز بفعل الرياح. وسرعان ما دخلنا طريق جوردان السريع وواصلنا السير ~~جنوبا. كان ذلك الحي حديثا راقيا، ورأيت مبنى سكنيا شاهقا على أحد التلال تحيط به ~~منازل ثنائية الطوابق وأخرى أحادية الطابق كبيرة. نظرت إلى السائق؛ كانت له لحية سوداء ~~كثة ويرتدي الزي العسكري الأخضر المميز للحرس الثوري. جلس حامد في المقعد الأمامي، وكانا ~~صامتين ينظران أمامهما. وبينما كنا نتوقف عند إحدى إشارات المرور، ابتسمت لي فتاة - ربما في ~~الثالثة أو الرابعة من العمر - تجلس في المقعد الخلفي لسيارة بيضاء توقفت بجوارنا، وكان في ~~المقعدين الأماميين للسيارة رجل وامرأة يتحدثان، تساءلت عما يفعله والداي في تلك الساعة؛ ~~أيحاولان مساعدتي؟ أم أنهما فقدا الأمل؟ أعلم أنه ليس باستطاعتهما فعل أي شيء. ماذا عن ~~أندريه؟ هل يفكر في الآن؟ # دخلنا وسط المدينة حيث زادت الكثافة المرورية، وبدت الأرصفة والمتاجر مزدحمة بالناس. كانت ~~كل الجدران مغطاة بشعارات مؤيدة للحكومة الإسلامية وأقوال مأخوذة عن الخميني. استرعى أحدها ~~انتباهي: ms050 «لو سمح المرء لكافر أن يستمر في إفساد الأرض، فستصبح المعاناة النفسية للكافر ~~أسوأ كثيرا. أما لو قتل المرء هذا الكافر وحال ذلك دون ارتكابه الخطايا، فسيكون الموت نعمة ~~له.» القتل في عالم الخميني يمكن أن يعد عملا صالحا أو «نعمة»، وهكذا يمكن أن يصوب ~~حامد بندقيته إلى رأسي ويجذب الزناد معتقدا أنه قد أسدى إلي معروفا، وأنه قد يدخل الجنة ~~لقاء ذلك. # كان المارة يشقون طريقهم بين السيارات كي يعبروا الطريق، وعند أحد التقاطعات نظر شاب إلى ~~داخل السيارة، وعندما رأى الحارس الجالس أمام عجلة القيادة تراجع خطوة للخلف وحدق في. ~~وكان الثلج قد بدأ يتساقط. # توقفت السيارة عندما وصلنا إلى منزل مينو، وهي إحدى صديقاتي في المدرسة. وتوقفت بجوارنا ~~سيارة مرسيدس سوداء وخرج منها حارسان توجها إلى باب المنزل وقرعا الجرس. فتحت والدة مينو ~~الباب، ودخل الحارسان المنزل. استدار حامد وأعطاني ورقة بها نحو ثلاثين اسما أعرفهم ~~جميعا، فقد كانوا زملائي في المدرسة، وتعرفت على توقيع مديرة المدرسة عليها. كانت الورقة ~~التي أحملها في يدي قائمة بالأسماء التي تبحث عنها الشرطة في مدرستي. # قال حامد مبتسما: «لن نستطيع إلقاء القبض على الجميع اليوم، لكننا سننتهي من ذلك في غضون ~~ثلاثة أيام أو نحو ذلك.» # خرج الحارسان من المنزل بعد نحو نصف ساعة، ومينو معهما. ترجل حامد من السيارة وفتح ~~الباب الخلفي، وطلب منها أن تجلس بجواري. رأيت والدتها تبكي وهي تتحدث إلى أحد الحارسين، ~~وأخبر حامد مينو بأنهم ألقوا القبض علي منذ يومين، وطلب مني أن أنصحها بالتعاون معهم إن ~~لم أكن أود رؤيتها تحت وطأة التعذيب. # حدقت مينو في وقد اتسعت عيناها رعبا. # قلت لها وأنا أشير إلى قدمي: «أخبريهم بما يودون معرفته، فهم ...» # قاطعني حامد: «يكفي هذا.» # نظرت مينو إلى قدمي، ثم غطت وجهها بيديها، وأخذت تبكي. # سألها حامد: «لم تبكين؟» لكنها لم تجبه. # خيل إلي أننا مكثنا في السيارة ساعات؛ فقد تنقلنا من منزل إلى آخر، وألقي القبض ~~على أربعة من زملائي في المدرسة في ms051 تلك الليلة. أخبرت مينو همسا بأن عليها أن تخبر الحرس ~~ببضعة أسماء أثناء التحقيق، وأخبرتها أيضا أن لديهم قائمة بالأسماء، وأنهم يعرفون كل شيء، ~~ولكنني لم أكن واثقة من مدى استيعابها لما قلت. # عصبت أعيننا فور وصولنا إلى بوابة السجن، وعندما توقفت السيارة، فتح الباب المجاور لي ~~وأمرني حامد بالنزول. سرت خلفه أعرج حتى دخلنا أحد المباني، فطلب مني أن أجلس على الأرض في ~~الرواق. جلست هناك فترة طويلة أسمع بكاء السجناء وصرخاتهم. كان رأسي ينبض ألما، وشعرت ~~بالغثيان. # كان النعاس قد غلبني، وانتفضت واقفة عندما سمعت صوت حامد: «مارينا، انهضي!» # تمكنت من استعادة توازني بأن استندت إلى الحائط. طلب مني أن أتشبث بشادور فتاة تقف أمامي ~~ففعلت، وبدأت تسير وأنا أعرج خلفها. كانت قدماي تؤلمانني كأني أسير على زجاج مكسور. سرعان ~~ما خرجنا من المبنى وواصلنا السير والرياح الباردة تعصف بي. بدأت الفتاة التي أمامي تسعل، ~~وملأ الثلج الذي كسا الأرض خفي المطاطي فخدر قدمي وساعد في تخفيف الألم، لكنني كنت ~~أفقد الشعور بقدمي شيئا فشيئا، وكل خطوة تزداد صعوبة عن سابقتها. تعثرت في صخرة، فوقعت ~~أرضا. وبينما أستند برأسي على الأرض المتجمدة، لعقت الثلج محاولة تخفيف جفاف فمي ومرارته. ~~لم أشعر بالبرد أو العطش هكذا من قبل. كان جسدي يرتجف دون إرادتي، وأسناني يصطك بعضها ببعض ~~حتى ملأ صوتها رأسي. رفعتني أيد خشنة عن الأرض، وأجبرتني على الوقوف على قدمي. # ترى إلى أين يأخذونني؟ # صاح حامد: «سيري جيدا، وإلا أطلقت الرصاص عليك هنا!» # جاهدت كي أواصل السير إلى أن طلب منا التوقف أخيرا، وأزال أحدهم العصابة عن عيني. ~~وجه ضوء ساطع إلى وجهي فأعماني وخلف وراءه ألما تفجر في رأسي. وبعد بضع ثوان نظرت ~~حولي. كانت أضواء الكشافات تشق الليل كأنها نهر أبيض متلألئ، والتلال السوداء تحيط بنا ~~كظلال الأشباح. كنا في بقعة نائية لا تحيط بها أي مبان. كانت سماء الليل مرقطة بسحب تجري ~~على بساط من النجوم المتلألئة. طافت بضع من ندف الثلج في الهواء بخفة ms052 محاولة أن تطيل وجودها ~~البلوري قبل أن تلقى مصيرها على الأرض. كان معي أربعة سجناء آخرون؛ فتاتان وشابان، وأربعة ~~من الحرس الثوري يصوبون فوهات بنادقهم نحونا، وقد خلت وجوههم من أي تعبير. صاح حامد: ~~«تحركوا نحو الأعمدة!» فتردد صدى صوته بين التلال. وعلى بعد سبعة أمتار ارتفعت من الأرض ~~بضعة أعمدة خشبية في مثل طولي. نحن قاب قوسين أو أدنى من الإعدام، وشعور البرودة الذي ملأ ~~صدري يشلني. # هذه لحظة موتي. لا أحد يستحق الموت بهذه الطريقة. # بدأ أحد الشابين يرتل بالعربية، وبصوت جهوري قوي، آيات من القرآن يرجو فيها مغفرة الله، ~~أما الشاب الآخر فقد أخذ يحدق في الأعمدة. كانت إحدى عينيه متورمة ومغلقة، وقميصه الأبيض ~~ملطخا بالدماء. كرر حامد كلامه: «تحركوا بجوار الأعمدة الآن!» فأطعنا صامتين. كان الأسى ~~يجثم على صدري مثل حجر ثقيل ويعتصر فؤادي. # أيها الرب يسوع، ساعدني! لا تدع روحي تضيع في الظلمات. «إذا سرت في وادي ظل ~~الموت، لا أخاف شرا، لأنك أنت معي.» # بدأت إحدى الفتاتين تجري، فصاح أحدهم: «توقفي!» ولكنها واصلت الجري. شق طلق ناري سكون ~~الليل، ووقعت الفتاة على الأرض. أخذت خطوة للأمام، ولكن ساقي خذلتاني. تحركت الفتاة ~~على جنبها، وتقوس ظهرها ألما، وأخذت تئن: «أرجوكم ... أرجوكم لا تقتلوني!» كان الثلج الذي ~~يغطي الشادور الذي ترتديه يلمع في الضوء الساطع، ووقف حامد فوقها يصوب بندقية إلى رأسها، ~~فغطت الفتاة رأسها بذراعيها. # أخذت الفتاة الواقفة إلى جواري تبكي، وبدت صرخاتها العميقة كأنها تمزق صدرها، ثم جثت على ~~ركبتيها. # صاح حامد: «قيدوا الآخرين إلى الأعمدة!» # رفعني أحد الحراس عن الأرض وقيدني آخر إلى العمود، فانغرس الحبل في لحمي. # كنت منهكة للغاية. ~~«هل سيؤلمني الموت كما آلمني الجلد؟» # ما زال حامد يصوب بندقيته نحو الفتاة المصابة. ~~- «أيها الحراس! استعدوا!» # الموت ليس سوى مكان لم أذهب إليه من قبل. سوف يساعدني الملاك كي أجد طريقي. لا بد ~~أن يفعل. هناك ضوء خلف هذا الظلام الرهيب. في مكان ما خلف النجوم، تشرق ~~الشمس. # صوبوا بنادقهم نحونا، ms053 فأغمضت عيني. # أتمنى أن يعلم أندريه بحبي له. السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الرب معك ~~... # سمعت صوت سيارة تسرع نحونا، ففتحت عيني، وللحظة تخيلت أنهم سيدهسوننا بالسيارات. علا صرير ~~الفرامل، وتوقفت سيارة مرسيدس سوداء أمام الحراس مباشرة. ترجل علي منها، وتوجه نحو حامد ~~وأعطاه ورقة. تبادلا الحديث هنيهة، ثم هز حامد رأسه. أخذ علي يتقدم نحوي وعيناه مثبتتان ~~علي، أردت أن أجري، أردت أن يطلق حامد الرصاص علي وينهي حياتي. فك علي قيدي فخذلتني ~~قواي وسقطت على الأرض، حملني وسار بي نحو السيارة. شعرت بدقات قلبه، وحاولت بلا جدوى أن ~~أخلص نفسي من بين ذراعيه. ~~- «إلى أين تأخذني؟» # أجابني همسا: «لا تقلقي؛ لن أؤذيك.» # التقت عيناي بعيني الفتاة التي كانت مقيدة بجواري. # صرخت الفتاة: «يا إلهي ...» وأغمضت عينيها. # وضعني علي في المقعد الأمامي للسيارة وأغلق الباب، فحاولت أن أفتحه لكنه كان موصدا. ~~وثب إلى مقعد السائق. استجمعت قواي وأخذت ألكزه، ولكنه أعاق حركتي بيد واحدة، وبينما كنا ~~نبتعد سمعت صوت إطلاق الرصاص. ~~••• # فتحت عيني على ضوء مصباح يسطع فوق رأسي فرأيت سقفا رماديا. حاولت أن أتحرك، ولكنني لم ~~أشعر بجسدي. كان علي جالسا في أحد الأركان يحدق إلي، وكنت أرقد على الأرض في زنزانة ~~صغيرة. # أغمضت عيني وتمنيت أن يرحل، لكن عندما فتحتهما مرة أخرى بعد مرور دقيقتين وجدته ما زال ~~جالسا هناك. هز رأسه، وأخبرني أني جلبت المتاعب لنفسي بعنادي. قال إنه ذهب إلى آية الله ~~الخميني الذي كان صديقا مقربا لوالده كي يخفف عني الحكم من الإعدام إلى السجن مدى الحياة. ~~وهكذا أصدر آية الله أوامره بألا أعدم. # لم أرد أن ينقذني آية الله. لم أرد أن ينقذني أحد. كنت أريد الموت. # قال علي دون أن يرفع عينه عني: «سأحضر لك طعاما، فأنت لم تتناولي أي شيء منذ وقت ~~طويل.» لكنه لم يتحرك. شعرت بأن نظراته تخترق جسدي، فلففت الغطاء بإحكام حولي حتى بدأت ~~أصابعي تؤلمني. وأخيرا قام من مكانه، وتوترت كل عضلة في جسدي. # سألني: ms054 «هل أنت خائفة مني؟» # تمتمت: «لا.» ~~- «لا داعي للخوف.» # كان الشوق في عينيه عميقا صادقا، فشعرت بألم في معدتي، وبأن صرخة تتهيأ للخروج من حلقي، ~~لكنه استدار وغادر الزنزانة. كان جسدي يرتجف مع كل دمعة تنحدر من عيني. كنت أكرهه. ~~••• # عاد علي حاملا طبقا من الحساء وجلس إلى جواري. ~~- «أرجوك لا تبكي.» # لم أستطع حبس دموعي. ~~- «أتريدينني أن أرحل؟» # أومأت برأسي. ~~- «سوف أرحل إن وعدتني بأن تتناولي الحساء كله. هل تعدينني بذلك؟» # أومأت مرة أخرى. # توقف عند الباب، واستدار نحوي، وقال بصوت تبدو عليه آثار التعب: «سوف أطمئن عليك فيما ~~بعد.» # ماذا سيحدث لي؟ لماذا أنقذني من فرقة الإعدام؟ لست أدري. # آخر من خطر ببالي قبل أن أستغرق في النوم هي سارة، تمنيت أن تكون بخير، وكل ما استطعت ~~فعله هو الدعاء لي ولها ولسيرس وجيتا وكل أصدقائي الذين ألقي القبض عليهم. # منذ زمن ليس ببعيد كنا جميعا في المدرسة نلهو ونمرح. الآن أصبحنا سجناء سياسيين. # | الفصل الخامس # كانت المدرسة الابتدائية التي أذهب إليها في زمن الشاه ذات أسوار قرميدية حمراء مغطاة ~~بالكروم، وتبعد مسيرة عشر دقائق عن المنزل، فكنت أذهب إليها وأعود منها بمفردي. كان مبنى ~~المدرسة القديم في الأصل قصرا مكونا من طابقين، وأخبرني أصدقائي أن مديرة المدرسة مرتضوي ~~خانم التي التحقت بالجامعة في الخارج قد حولت هذا القصر لمدرسة فور عودتها إلى إيران. ومع ~~أن كل الفصول كانت بها نوافذ طويلة، فإن المكان كان مظلما بالداخل دائما بسبب بعض أشجار ~~القيقب العتيقة التي تنمو في فناء المدرسة، وكان لا بد من إضاءة الأنوار كي نتمكن من رؤية ~~السبورة. بعد انتهاء اليوم الدراسي كل يوم أخرج أنا وسارة من المدرسة ونعبر الشارع معا، ثم ~~تنعطف هي يسارا وأنا يمينا، ثم أستمر في السير جنوبا في شارع «رازي»، وأمر بالأسوار ~~القرميدية التي تحيط بسفارة الفاتيكان ومطعم «أشنا» الذي تفوح منه رائحة الأرز المميزة ~~واللحم المشوي، ثم أمر بمتجر صغير يبيع الملابس الداخلية يعرض مجموعة من ثياب النوم ~~الحريرية الناعمة. ms055 ولما لم تكن أمي معي تأخذ بيدي وتأمرني أن أعتدل في سيري، كنت أحيانا ~~أتخيل نفسي سحابة بيضاء صغيرة تنجرف وسط السماء الزرقاء، أو راقصة باليه أمام حشد كبير من ~~الناس، أو سفينة تبحر في نهر سحري. # ما دمت لم أتأخر في الوصول إلى المنزل، فلا داعي للعجلة، ولكنني كنت دوما حريصة على ألا ~~أغضب أمي؛ إن كان لديها زبائن فعلي الابتعاد عن الصالون، وإن لم يكن، فعلي التزام ~~الهدوء لأنها كانت تعاني من الصداع غالبا. كنت خرقاء، وكان علي أن أنتبه كي لا أكسر ~~شيئا أو أحدث فوضى عند إعداد شطيرة لنفسي، أو عند صب المياه الغازية أو الشاي المثلج في ~~الكوب. كانت أمي سريعة الغضب، وجميلة أيضا؛ فكانت لها عينان بنيتان وأنف دقيق وشفتان ~~ممتلئتان وساقان طويلتان، وكانت تحب ارتداء الفساتين ذات فتحات العنق الكبيرة كي تظهر ~~بشرتها البيضاء الناعمة. كل خصلة من خصلات شعرها القصير الداكن كانت في مكانها دائما. ~~وعندما أغضبها، كانت توصد باب الشرفة المتصلة بغرفتي علي وأنا بالخارج. كانت الشرفة ~~محاطة بستائر الخيزران التي تستند إلى عمودين أفقيين وبضعة أعمدة رأسية. ومن الشرفة كنت ~~أشاهد السيارات والمشاة يملئون الشوارع، والباعة يعلنون عن بضاعتهم، والمتسولين يستجدون ~~الناس. كان الشارع المرصوف ذو الحارات الأربع يغص بالزحام المروري في ساعات الذروة، والجو ~~يعبق برائحة العادم. وفي الجانب الآخر من الشارع، كان حسن أغا - البائع الأكتع - يبيع ~~البرقوق الأخضر الحامض في الربيع، والخوخ والمشمش في الصيف، والبنجر الأحمر المطهو في ~~الخريف، وأنواعا مختلفة من الكعك المحلى في الشتاء. كنت أحب البنجر المطهو على نار هادئة ~~في وعاء واسع مسطح على لهيب موقد متنقل، حيث تغلي عصارته اللزجة وتتصاعد منها الأبخرة لتملأ ~~الهواء برائحة حلوة. وفي الجانب الآخر من التقاطع يجلس رجل ضرير مسن يرتدي حلة ممزقة ~~متسخة، ويمد يديه الضامرتين للمارة وهو يصيح: «ساعدوني لوجه الله!» من طلوع الشمس حتى ~~غروبها. أمام شقتنا كان يوجد مبنى مكون من خمسة عشر طابقا، له نوافذ كبيرة من زجاج المرايا ~~تلمع ms056 في الشمس وتعكس حركة السحب. وفي الليل تضاء مصابيح النيون الساطعة أعلى المتاجر وتلون ~~الظلام بضوئها. # ذات يوم قررت أن أي عقاب سيكون أفضل من الحبس في الشرفة. نظرت إلى أسفل، ووجدت القفز ~~مستحيلا. كان بإمكاني أن أصرخ، لكنني لم أرغب في لفت الأنظار كي لا يعرف جميع الجيران أن ~~أمي حبستني داخل الشرفة. نظرت حولي، فوجدت الحقيبة البلاستيكية الصغيرة التي تضع فيها أمي ~~مشابك الغسيل، ونظرت إلى الرصيف المزدحم مرة أخرى. إذا أسقطت المشابك على المارة، فلن ~~تؤذيهم، لكن الفضول سيدفعهم إلى اكتشاف ما سقط على رءوسهم من السماء. عندها يمكنني أن ~~أخبرهم بأمر المشابك وأتوسل إليهم أن يدقوا الجرس ويطلبوا من أمي أن تسمح لي بالدخول. كنت ~~أعلم أن أمي ستغضب، لكني لم أهتم، فلم يكن بوسعي تحمل الحبس الانفرادي أكثر من ذلك. كنا في ~~الشتاء، والرياح الباردة بدأت تهب، وسرعان ما اختفت الشمس وراء السحب وأخذت ندف الثلج ~~تتساقط على وجهي. استجمعت شجاعتي وأمسكت مشبكا، واستندت إلى ستائر الخيزران التي تحيط ~~بالشرفة، وأخذت نفسا عميقا، وأسقطته، لكنه لم يسقط على أحد، بل سقط على الرصيف. أعدت ~~الكرة، ونجحت. توقفت امرأة في منتصف العمر ذات شعر بني طويل، وتحسست رأسها، ونظرت حولها، ~~ثم انحنت للأمام، والتقطت المشبك، وتفحصته؛ وأخيرا نظرت لأعلى وحدقت في عيني ~~مباشرة. # سألتني وملامح وجهها توحي بالغضب: «ماذا تفعلين أيتها الفتاة؟» ~~- «آسفة. لم أقصد إيذاءك، لكن أمي حبستني هنا في الشرفة، وأريد الدخول لأن الجو بارد. هلا ~~قرعت الجرس وطلبت منها أن تسمح لي بالدخول؟» # قالت وهي تبتعد: «بالطبع لا! لا دخل لي بالطريقة التي تعاقبك بها أمك. وعلى ما يبدو أنت ~~تستحقين ذلك.» لكني لم أكن لأستسلم. # في المرة التالية سقط المشبك على رأس سيدة أكبر سنا ترتدي شادورا أسود، فنظرت للأعلى ~~في الحال. # سألتني: «ماذا تفعلين؟» فأخبرتها بقصتي. # قرعت السيدة الجرس، وسرعان ما ظهرت أمي في الشرفة الأخرى التي لم يكن يفصلها عن شرفتي سوى ~~بضعة أمتار، ونظرت للأسفل متسائلة: «من هناك؟» # وبينما ms057 كانت السيدة تخبر أمي عما فعلت وعن سبب فعلتي هذه، رأيت عيني أمي تقدحان شررا، ~~وبعد دقيقة فتح باب شرفتي، لكني ترددت في الدخول. # قالت أمي وهي تكز على أسنانها: «ادخلي الآن.» فدخلت غرفة نومي. # قالت: «يا لك من طفلة مزعجة!» # ارتجفت خوفا، وتوقعت أن تصفعني، ولكنها بدلا من ذلك استدارت، وأخذت تبتعد وهي تقول: ~~«إني راحلة. لقد تعبت. أنا أكره هذه الحياة، ولا أرغب في رؤيتك مرة أخرى!» # شعرت بألم في أحشائي. لا يمكنها أن ترحل، أو هل يمكنها ذلك؟ كانت تبدو جادة. ماذا عساي أن ~~أفعل بلا أم؟ جريت خلفها وتشبثت بتنورتها، لكنها لم تتوقف. # توسلت إليها: «أرجوك لا ترحلي. أنا آسفة. أعدك أن أعود إلى الشرفة وأن أبقى هناك دون أن ~~أثير المتاعب. أعدك بذلك.» # لم تلتفت إلي، بل ذهبت إلى المطبخ، وأمسكت بحقيبة يدها، وتوجهت نحو السلم. شعرت ~~بالذعر، وبدأت أبكي، لكنها لم تتوقف. تشبثت بإحدى ساقيها، ولكنها استمرت في هبوط الدرج ~~تجرني خلفها. كان الدرج قاسيا شديد البرودة. توسلت إليها مرة أخرى أن تبقى، فتوقفت أخيرا ~~عند الباب. ~~- «إذا كنت تريدينني أن أبقى، فاذهبي إلى غرفتك وامكثي بها ولا تصدري صوتا.» # حدقت إليها. # صرخت في وجهي: «الآن!» فجريت إلى غرفتي. # بقيت فترة بعد تلك الواقعة، أجلس بجوار النافذة كلما خرجت أمي من المنزل للتسوق أو ~~الذهاب لأي مكان وأنا أرتجف خوفا، وأتساءل ماذا لو لم تعد أبدا؟ ~~*** # قررت أن أبتعد عن طريق أمي، وكان أفضل سبيل لذلك هو البقاء في غرفتي أطول وقت ممكن. عندما ~~أعود من المدرسة كل يوم، أتسلل على أطراف أصابعي إلى المطبخ كي أرى هل هي هناك أم لا. إذا ~~لم أجدها، أعد لنفسي شطيرة من السجق. وإذا وجدتها، ألقي عليها تحية سريعة ثم أذهب إلى غرفتي ~~وأنتظر حتى تغادر المطبخ. وبعد تناول الطعام أمكث في غرفتي أؤدي واجباتي المدرسية وأقرأ ~~الكتب التي استعرتها من مكتبة المدرسة والتي كان معظمها مترجما مثل: «بيتر بان»، و«أليس في ~~بلاد العجائب»، و«عروس البحر الصغيرة»، ms058 و «ملكة الثلج»، و«الرجل القصدير»، و«سندريلا»، ~~و«الجمال النائم»، و«هانزل وجريتل»، و«رابونزل». كانت مكتبة مدرستي صغيرة، وسرعان ما قرأت ~~كل الكتب التي تحتوي عليها، ليس مرة واحدة بل ثلاث أو أربع مرات. وكل ليلة كانت أمي تفتح ~~باب غرفتي مرتين لترى ماذا أفعل، وتبتسم عندما تجدني أقرأ. يمكنني القول إن الكتب أنقذتنا ~~نحن الاثنتين. # ذات يوم استجمعت شجاعتي، وسألت أمي هل من الممكن أن تبتاع لي بعض الكتب، فأخبرتني أنها لا ~~تستطيع أن تبتاع أكثر من كتاب واحد في الشهر، لأن أسعار الكتب مرتفعة ولا يمكننا إنفاق كل ~~ما نملك عليها. لكن كتابا واحدا في الشهر لم يكن كافيا. بعد بضعة أيام، كنت أنا وأمي ~~عائدتين إلى المنزل بعد زيارة جدي، فرأيت مكتبة صغيرة تحمل لافتة كتب عليها: «كتب ~~مستعملة». كنت أعلم أن كونها مستعملة يعني أنها رخيصة الثمن، لكني لم أجرؤ أن أطلب من أمي ~~أن تتأكد من ذلك. # بعد أسبوع أخبرتني أمي أن الوقت قد حان لزيارة جدي، فأخبرتها بأنني لست على ما يرام، ~~ووافقت على بقائي في المنزل. كان أبي في العمل؛ فعقب وفاة جدتي بوقت قصير أغلق استوديو ~~الرقص وحصل على وظيفة في وزارة الفنون والثقافة مع فرق الرقص الشعبي. أحب أبي وظيفته ~~الجديدة، وكان أحيانا يجوب أنحاء العالم مع الراقصين والراقصات الذين يمثلون إيران في ~~المسابقات العالمية. فور أن غادرت أمي المنزل، هرعت إلى غرفتها، وأخذت مفاتيح المنزل ~~الاحتياطية من درج خزانتها. كنت قد ادخرت كل النقود التي عادة ما أنفقها في شراء اللبن ~~بالشيكولاتة لمدة أسبوع، وتمنيت أن تكفي لشراء كتاب. # أسرعت إلى مكتبة الكتب المستعملة. كانت شمس أواخر الربيع تشرق على الأسفلت الأسود وتكون ~~موجات من الهواء الساخن تهب في وجهي. عندما وصلت إلى المكتبة كانت قطرات العرق تنحدر من ~~جبهتي وتحرق عيني، فمسحت وجهي بقميصي ودفعت الباب الزجاجي للمكتبة وخطوت داخلها. وما إن ~~اعتادت عيناي على الإضاءة الخافتة، لم أصدق ما رأيت. في كل مكان حولي كانت أكوام الكتب ~~مكدسة على الأرفف حتى ms059 السقف، تاركة بينها ممرات ضيقة اختفت وسط الظلام. كنت محاطة بآلاف ~~الكتب، والجو مشبع برائحة الورق؛ برائحة القصص والأحلام التي تحيا في كلمات مكتوبة. # ناديت: «أيوجد أحد هنا؟» # لم يجبني أحد. # كررت النداء بصوت أعلى: «أيوجد أحد هنا؟» # ومن أعماق أحد ممرات الكتب أتاني صوت رجل بلكنة أمريكية خالصة: «كيف يمكنني أن ~~أساعدك؟» # تراجعت خطوة للخلف وأنا أقول: «أين أنت؟» # ظهر أمامي في الحال شبح رمادي، فأطلقت شهقة. # ضحك الشبح. ~~- «آسف يا صغيرتي. لم أقصد إخافتك. ماذا تريدين؟» # كان علي أن أذكر نفسي بأن ألتقط أنفاسي. ~~- «أريد ... أريد أن أشتري كتابا.» ~~- «أي كتاب؟» # أخرجت كل النقود التي بحوزتي من جيبي وأريتها للعجوز النحيف الواقف أمامي. ~~- «لدي كل هذه النقود. المهم أن يكون كتابا ممتعا.» # ابتسم الرجل، وحرك أصابعه بين خصلات شعره الأشيب. ~~- «لم لا تذهبين إلى المخبز المجاور وتشترين بعض الكعك المحلى بدلا من ذلك؟» ~~- «ولكني أريد كتابا. ألا تكفي هذه النقود؟» ~~- «المشكلة يا صغيرتي أن كل الكتب هنا مكتوبة باللغة الإنجليزية. هل تتحدثين ~~الإنجليزية؟» ~~- «مستواي جيد جدا في الإنجليزية، فنحن ندرسها مدة ساعة يوميا في المدرسة، وأنا في ~~الصف الثالث الآن.» # قال متنهدا: «حسنا، دعيني أرى الكتاب المناسب لك.» ثم اختفى خلف تلال الكتب. # انتظرت وأنا أتساءل كيف سيجد شيئا وسط تلك الفوضى، لكنه ظهر بأعجوبة من بين الأكوام ~~المظلمة وهو يحمل في يده كتابا. قال وهو يعطيني إياه: «ها هو كتاب «الأسد والساحرة وخزانة ~~الملابس»، إنه كتاب رائع، وهو العدد الأول في سلسلة من الكتب.» # تفحصت الكتاب. كان ذا غلاف رمادي مائل إلى الزرقة، في منتصفه صورة أسد يقفز في الهواء ~~ويجلس على ظهره فتى وفتاة. بدا الكتاب قديما، ولكنه بحالة جيدة. ~~- «كم ثمنه؟» ~~- «خمسة تومانات.» # قلت وأنا أكاد أبكي: «لكنني لا أملك سوى أربعة تومانات.» ~~- «حسنا، تكفي أربعة.» # شكرته، وأسرعت إلى المنزل والسعادة تملؤني. ~~••• # بعد ثلاثة أيام، انتهيت من قراءة «الأسد والساحرة وخزانة الملابس» مرتين، وأحببتها ~~كثيرا. أردت المزيد، لكن لم يكن معي سوى تومانين، ولم أكن ms060 متأكدة هل سيكون صاحب المكتبة ~~كريما معي مرة أخرى. وخشيت أن أطلب من أمي نقودا، فقررت أن أبيع حافظة أقلامي لصديقتي ~~سارة. كانت سارة قد سألتني في بداية العام الدراسي عن المكان الذي اشتريتها منه، وأخبرتها ~~أن أمي اشترتها لي من المتجر الكبير الذي يقع في تقاطع شارعي «شاه» و«بهلوي»، لكن عندما ~~ذهبت والدة سارة لتشتري لها واحدة، وجدتها قد بيعت جميعها، وحزنت سارة كثيرا. كانت تلك ~~الحافظة علبة بلاستيكية زرقاء ذات قفل مغناطيسي يصدر صوتا عند إغلاقه. وفي اليوم التالي ~~قابلت سارة في طريقي إلى المدرسة. كانت عيناها بنيتين واسعتين، وشعرها أسود كثيفا مجعدا ~~يصل إلى كتفيها، ولديها ساعة فاخرة عليها صورة سندريلا والأمير وهو يضع حذاء زجاجيا في ~~قدمها، وسندريلا جالسة على مقعد تضع ساقا فوق الأخرى، وساقها تتحرك للأمام وللخلف كل ~~ثانية. كانت والدة سارة قد اشترت لها هذه الساعة عندما كانوا يقضون إجازتهم في إنجلترا. ~~سألتها هل ما زالت ترغب في الحصول على حافظة أقلامي، ~~فقالت نعم. أخبرتها أني على استعداد لأن أبيعها ~~لها، فتساءلت في ريبة عن السبب، فأخبرتها بأمر المكتبة. وافقت سارة أن تعطيني خمسة تومانات، ~~بشرط أن أعطيها ممحاتي المعطرة أيضا، وقبلت شروطها. # بعد انتهاء اليوم الدراسي استغرق الأمر أقل من خمس دقائق كي نصل جريا إلى منزل سارة الذي ~~يقع في شارع متعرج ضيق يضم كل منزل من منازله فناء صغيرا، وتحيط به جدر قرميدية مرتفعة كي ~~توفر الخصوصية للساكنين. كنت أحب الشارع الذي تقطن فيه، لأنه هادئ بلا سيارات أو متاجر أو ~~باعة أو متسولين. كان الجو مشبعا برائحة البصل والثوم المحمر الذي يثير الشهية؛ ربما كان ~~أحد الجيران يطهو العشاء. كانت سارة تحمل مفتاحا للمنزل، فوالداها يعملان ويعودان إلى ~~المنزل في وقت متأخر من اليوم. فتحت الباب، وخطونا إلى فناء المنزل. رأيت على يميننا ~~حوضا صغيرا من الزهور تملؤه زهور الجيرانيوم والبانسيه الحمراء والخضراء ~~والبنفسجية. # تمنيت أن أعيش في منزل كمنزل سارة. كانت والدتها ممتلئة الجسم ذات شعر أسود قصير، ms061 تعمل في ~~أحد البنوك، ودائما ما ترتدي بذلات أنيقة وأحذية سوداء لامعة عالية الكعبين. كانت تعانقني ~~كلما ذهبت لزيارتهم، وتبدي سعادة غامرة بزيارتي لهم. أما والد سارة فكان مهندسا قوي ~~البنية، دائما يطلق النكات المضحكة، ويضحك بصوت مرتفع، ويقرأ أشعارا قديمة جميلة. وكان ~~شقيق سارة الوحيد - سيرس - في الثانية عشرة من العمر، أي يكبرني أنا وسارة بثلاث سنوات، ~~وعلى النقيض من بقية أفراد أسرته كان شديد الخجل. كان منزل سارة على الدوام يعم بالصخب ~~والضحكات. # أعطيت سارة حافظة الأقلام وأعطتني النقود، ثم اتصلت بأمي، وأخبرتها أني ذهبت إلى منزل ~~سارة كي أساعدها في أداء واجباتها المدرسية. لم تمانع أمي، فشكرت سارة وانطلقت عدوا إلى ~~المكتبة، ووجدتها بنفس الحالة من الظلام والأتربة والغموض كما رأيتها أول مرة، ومرة أخرى ~~ظهر الرجل المسن فجأة من وسط الظلام. # قال وعيناه تضيقان: «دعيني أخمن: أنت لم تفهمي حرفا من الكتاب، وجئت الآن لتستردي ~~نقودك، أليس كذلك؟» ~~- «كلا، بل قرأته مرتين وأحببته كثيرا. هناك بضع كلمات لم أفهمها، لكني استخدمت معجم ~~أبي. أتيت كي أشتري الجزء الثاني من السلسلة. هل هو موجود؟ لقد بعت حافظة أقلامي وممحاتي ~~المعطرة لصديقتي سارة، ولدي ما يكفي من النقود هذه المرة.» # حدق العجوز في ولم يتحرك، فانقبض قلبي. ربما لا يكون الكتاب الثاني موجودا ~~لديه. ~~- «هل الكتاب موجود لديك؟» ~~- «نعم، ولكن ... لست مضطرة لدفع ثمنه. يمكنك استعارته إذا وعدتني بأن تعتني به وتعيديه لي ~~عند الانتهاء من قراءته ... مرتين.» # خطر في ذهني ملاكي الحارس. ربما يتظاهر بكونه رجلا مسنا هذه المرة. نظرت في عيني ~~الرجل، فبدت لي مثل عيني الملاك تماما، تتمتعان بنفس اللون الداكن والعمق والطيبة. نظرت ~~إلى الكتاب فوجدته يحمل عنوان «الأمير كاسبيان». # سألني: «ما اسمك؟» ~~- «مارينا. وأنت؟» ~~- «ألبرت.» # حسنا ... ملاك اسمه ألبرت. # ومنذ ذلك اليوم اعتدت على زيارة ألبرت واستعارة الكتب منه مرة على الأقل ~~أسبوعيا. ~~••• # التحقت بالمدرسة الإعدادية في سن الحادية عشرة. وفي ذلك الوقت كانت الحكومة تمول كل ~~المدارس والجامعات في إيران، ولكن بعض ms062 المدارس أثبتت أنها أفضل من غيرها، ومنها مدرسة ~~«أنوشروان دادجر»، وهي مدرسة فتيات زرادشتية إعدادية وثانوية. لم يقع اختيار والداي على هذه ~~المدرسة لأنها من أفضل المدارس، ولكن لأنها تقع على مقربة من منزلنا. # يتبع الزرادشتيون تعاليم نبيهم «زرادشت» الذي ولد في بلاد فارس منذ نحو ثلاثة آلاف ~~عام، ودعا الناس إلى الإيمان بالإله الواحد الأحد: «أهورا مازدا». وأثناء دراستي بالمدرسة ~~كانت أغلبية الطلاب إما من الزرادشتيين أو المسلمين، ولكن كان هناك أيضا بعض البهائيين ~~واليهود وثلاثة أو أربعة من المسيحيين. # الأسقف المرتفعة والنوافذ المتعددة للمدرسة التي شيدت منذ أربعين عاما جعلتها تبدو ~~فسيحة، والممرات الطويلة بدت كأنها بلا نهاية، وكان هناك درجان عريضان يوصلان الطابق ~~الأول بالثاني، وعمودان يبلغ ارتفاعهما طابقين يقفان على جانبي المدخل الرئيسي مكتوب ~~فوقهما بحروف كبيرة: «الأفكار الصالحة والأقوال الصالحة والأعمال الصالحة» وهو شعار الديانة ~~الزرادشتية. كان لدينا أيضا صالة للألعاب الرياضية بها ملاعب لكرة السلة والكرة الطائرة، ~~وكان فناء المدرسة الممهد محاطا بأسوار قرميدية مرتفعة. # على مدار ثلاثة أعوام كانت زياراتي لمكتبة ألبرت أهم حدث في حياتي. كان ألبرت قد قرأ مئات ~~الكتب المتراكمة بعضها فوق بعض في مكتبته، وكان يعلم جيدا مكان كل منها، ويحب الحديث ~~عنها. كان متزوجا ولديه ابن، وأخبرني أن ابنه - الذي كان متزوجا ولديه طفلان - قد انتقل ~~للعيش في الولايات المتحدة منذ عامين. وفي عيد الميلاد الأول بعد لقائنا، أعطاني ألبرت عبوة ~~مغلفة بورق أحمر، وعندما فتحتها وجدت سلسلة «سجلات نارنيا»، بالإضافة إلى حافظة أقلام زرقاء ~~جميلة ممتلئة بأقلام رصاصية ملونة ومماح معطرة برائحة العلكة. # آخر مرة رأيت فيها ألبرت بعد عيد ميلادي الثاني عشر ببضعة أيام. كان يوما ربيعيا ~~جميلا يمتلئ بتغريدات الطيور والشمس الدافئة. فتحت باب المكتبة الزجاجي مبتسمة وأنا أضم ~~رواية «نساء صغيرات» إلى قلبي. ~~- «مرحبا أل...» # طافت ذرات التراب فوق شعاع الشمس الذي تدفق على الأرضية المغطاة بالمشمع، ووجدت المكتبة ~~خالية تماما. شعرت كأني أقف على حافة صحراء، وأن رياحا قوية عنيفة هبت للتو في ms063 وجهي، ~~فأطلقت شهقة وحاولت أن ألتقط أنفاسي. كان ألبرت يجلس على صندوق كبير من الورق المقوى في ~~منتصف هذا الفراغ الرهيب وينظر لي بابتسامة حزينة تعلو وجهه. # سألته: «أين الكتب؟» # أخبرني أنه باع معظمها لمكتبة أخرى، لكنه احتفظ بكل كتبي المفضلة في الصندوق الذي يجلس ~~عليه، ووعدني بإحضارها إلى منزلي فيما بعد. أراد أن يخبرني بذلك سابقا، لكنه لم يستطع. كان ~~هو وزوجته على وشك الرحيل من إيران ليلحقا بابنهما في الولايات المتحدة. لم يكن ألبرت يرغب ~~في الرحيل، لكن زوجته لم تكن على ما يرام، وأرادت قضاء ما تبقى من أيامها مع ابنها ~~وأحفادها، وهو لم يستطع أن يرفض طلبها، فقد تزوجا منذ واحد وخمسين عاما، وتلك أمنيتها ~~الأخيرة. # أخرج ألبرت منديلا أبيض من جيب قميصه ومسح أنفه. شعرت بوهن حل فجأة على ذراعي ~~وساقي، وهنا نهض ألبرت، واقترب مني، ووضع يديه على كتفي. ~~- «لقد شاهدتك وأنت تكبرين، وقد منحتني البهجة والسعادة. سوف أفتقدك، فأنا أعتبرك ~~ابنتي.» # طوقته بذراعي وعانقته عناقا حارا، وبدا لي الرحيل للولايات المتحدة موجعا وأبديا ~~مثل الموت. # | الفصل السادس # استيقظت ومذاق حساء الدجاج في فمي. كنت جالسة، وبدا العالم كأنه مغطى بطبقة كثيفة من ~~الضباب وأنه يدور حولي. لم تكن هناك أي خطوط أو أشكال مجسمة، بل ألوان ضبابية فقط، وأحدهم ~~ينادي اسمي. حساء الدجاج في فمي مرة أخرى. سعلت. ~~- «ابتلعيه، إنه مفيد لك.» # تدفق السائل الساخن في حلقي، وكان مذاقه جيدا، فابتلعت جرعة أخرى. رأيت أمامي مربعا ~~أبيض مضيئا، فحاولت أن أركز انتباهي، ووجدته نافذة صغيرة ذات قضبان. كنت محمومة أشعر ~~بالألم. # قال صاحب الصوت: «هذا أفضل.» كان الصوت يأتي من خلفي، وحاولت أن أتحرك. ~~- «لا تتحركي، ابتلعي.» # كانت الحركة مؤلمة. ابتلعت الحساء، وتساقط بعضه على ذقني. # بدأت معالم الزنزانة تتضح تدريجيا. # قال صاحب الصوت الذي عرفت أنه علي: «سوف أدعك تستلقين الآن.» # كان جالسا على الأرض على بعد متر أو أقل ~~مني، وأخبرني أنه سيرسلني إلى عنبر للنساء في «إيفين» يطلق عليه «246»، حيث ms064 أرى بعض صديقاتي ~~وأكون في حال أفضل. أخبرني أيضا أنه يعرف إحدى الحارسات المسئولات عن عنبر «246» اسمها ~~الأخت مريم، وأنه سيطلب منها الاعتناء بي. # قال: «سوف أتركك بعض الوقت ...» ولكنه ظل يحدق إلي صامتا كأنه ينتظر مني أن أقول شيئا. ~~لم تكن لدي فكرة عن طبيعة المكان الذي سأنتقل إليه. هل أخبرني علي حقا أني أواجه ~~حكما بالسجن مدى الحياة، أم أنها كانت أضغاث أحلام؟ # سألته: «هل حكم علي بالسجن مدى الحياة حقا؟» # أومأ برأسه، وطاف بوجهه شبح ابتسامة حزينة. # حاولت ألا أبكي، لكني لم أستطع. أردت أن أسأله عن السبب الذي دفعه لإنقاذي من الإعدام. ~~أردت أن أخبره أن الإعدام أفضل كثيرا من السجن مدى الحياة. أردت أن يعرف أنه لم يكن لديه ~~الحق فيما فعل، لكنني لم أستطع. # وقف، وقال: «في رعاية الله.» ثم غادر المكان. # استغرقت في النوم، وبعد بضع ساعات عاد واصطحبني إلى غرفة صغيرة بها نحو عشرين فتاة يرقدن ~~جنبا إلى جنب على الأرض، وقال لي: «ستنتظرين في هذه الغرفة حتى يأتوا ويصطحبوك إلى عنبر ~~«246». انتبهي لنفسك، وسوف تتحسن الأمور. ضعي العصابة على عينيك بعد أن تجلسي.» # وقعت عيناي على مكان صغير خال في جانب بعيد من الغرفة. كنت أشعر بالدوار، وقدماي ~~تؤلمانني، فاستغرق الأمر جهدا كبيرا كي أصل إلى هذا المكان دون أن أطأ أحدا. لم أتلق ~~رد فعل على وصولي من أحد. لم يكن المكان كافيا للنوم، فجلست وضممت ركبتي إلى صدري واتكأت ~~على الحائط وأخذت أبكي. # بعد قليل نادى رجل عشرة أسماء بصوت عال كان من بينها اسمي، ثم أردف: «كل من سمعن أسماءهن ~~يرفعن العصابة قليلا كي يرون الطريق ويصطففن أمام الباب هنا. على كل واحدة منكن أن تتشبث ~~بشادور الفتاة التي تقف أمامها. تذكرن ألا ترفعن العصابة إلا قليلا. وإن رأيت إحداكن ~~تختلس النظر، فسوف تندم على ذلك. فور أن تصطففن في أماكنكن، ضعن العصابة مرة أخرى وتأكدن من ~~إحكامها.» # تشبثت بشادور الفتاة التي تقف أمامي، وتشبثت الفتاة التي تقف ms065 خلفي بالشال الذي أرتديه. ~~مررنا عبر رواقين، وسرعان ما خرجنا من المبنى. كان الجو باردا، ودعوت أن نصل إلى وجهتنا ~~سريعا لأنني على وشك الانهيار. كل ما أمكنني رؤيته الرصيف الرمادي وشادور الفتاة التي تسير ~~أمامي وقدماها. لم تكن قدماها متورمتين، ولكنها ترتدي خفا مطاطيا أكبر من مقاسها مرتين ~~على الأقل يشبه ذلك الذي أرتديه. تساءلت عما حدث لحذائي. دخلنا أحد المبانى وسرنا في ممر، ~~ثم صعدنا درجتي سلم، وطلب منا الحارس أن نتوقف، ثم نادى اسمي وطلب مني أن أخرج من الصف ~~وقال: «أمسكي بهذا الحبل، واتبعيني.» # أمسكت بالحبل، وتبعته عبر مدخل. ~~- «السلام عليكم أختاه. صباح الخير. لدي سجينة جديدة تدعى مارينا مرادي بخت، وها هي ~~الأوراق.» # فردت امرأة: «صباح الخير أخي. أشكرك.» # أغلق الباب محدثا صوت خافتا. كانت الغرفة معبأة برائحة الشاي الطازج، وأدركت أنني ~~أتضور جوعا. # قالت المرأة بلهجة آمرة: «مارينا، اخلعي العصابة.» فأطعت الأمر. كانت تبلغ من العمر نحو ~~خمسة وعشرين عاما، وأطول مني بنحو ربع متر، ذات عينين سوداوين واسعتين وأنف كبير وشفتين ~~رفيعتين؛ صفات اجتمعت معا كي تكون وجها شديد الجدية. كانت ترتدي شادورا أسود، وسألت ~~نفسي: هل ابتسمت في حياتها من قبل؟ # كان المكان أشبه بغرفة مكتب مساحتها نحو أربعة في ثلاثة أمتار ونصف، وبها مكتب وأربعة ~~مقاعد معدنية، بالإضافة إلى طاولة معدنية مستوية مغطاة بأكوام من الورق. ومن خلال النافذة ~~ذات القضبان الحديدية، تسللت شمس الصباح لتغطي أرضية الغرفة. # قالت المرأة: «مارينا، أنا الأخت مريم. أخبرني الأخ علي عنك.» أوضحت لي أن المبنى ~~الذي كنا فيه والذي يحمل رقم «246» مكون من طابقين؛ الطابق الأول به ست غرف، والطابق الثاني ~~به سبع غرف، وأني سأقيم في الغرفة «7» بالطابق الثاني. ثم نادت اسما في مكبر الصوت، وبعد ~~بضع دقائق دخلت فتاة في مثل عمري المكتب، وقدمتها لي الأخت مريم على أنها سهيلة. كانت سجينة ~~مثلي، ومندوبة عن الغرفة «7». # كانت سهيلة فتاة ذات شعر بني قصير، ترتدي سترة زرقاء وسروالا أسود، ولم تكن ترتدي ~~الحجاب. ms066 خمنت أنه لما كان مبنى «246» للنساء فقط، فليس لزاما علينا ارتداء الحجاب ~~طوال الوقت. كانت أبواب حجرة المكتب تطل على ردهة خالية يبلغ طولها نحو سبعة أمتار ونصف، ~~وعرضها أقل من ثلاثة أمتار، وبينما كنا نعبرها لاحظت السلم المؤدي إلى الطابق الأسفل. ظللت ~~أعرج خلف سهيلة حتى تأخرت عنها، فتوقفت ونظرت خلفها وحدقت إلى قدمي ثم قالت: «آسفة، لم ~~أدرك ذلك. ضعي ذراعك على كتفي، وسوف أساعدك.» # وصلنا إلى باب معدني مدعم بقضبان حديدية، دفعته سهيلة، ثم دلفنا إلى ممر ضيق. كانت هناك ~~فتيات في كل مكان. مررنا بثلاثة أبواب، وتبعنا الممر مع انعطافه بزاوية قائمة، ثم مررنا ~~بثلاثة أبواب أخرى، ودخلنا الباب الأخير الذي يحمل عنوان الغرفة 7. نظرت حولي، فرأيت مساحة ~~الغرفة نحو سبعة أمتار ونصف في خمسة أمتار، والأرض مغطاة بسجادة مهترئة بنية اللون. وفوق ~~مستوى نظري بقليل رف معدني بعرض الحائط وضعت فوقه أكياس بلاستيكية ممتلئة بالملابس وحقائب ~~أصغر منها معلقة بواسطة خطاطيف تحتها. كان الطلاء البني الفاتح الذي يغطي الجدران والأبواب ~~المعدنية رقيقا متسخا، وفي أحد الأركان فراش ذو طابقين. كانت البرطمانات والأوعية مختلفة ~~الأشكال والأحجام تغطي الطابق الأول من الفراش، والأكياس البلاستيكية الممتلئة بالملابس ~~تملأ الطابق الثاني. وفي ركن آخر بجوار النافذة المدعمة بقضبان حديدية، كانت البطاطين ~~العسكرية الرمادية مكدسة بعضها فوق بعض حتى كادت تصل إلى السقف. كانت الغرفة نظيفة مرتبة ~~على نحو يثير الدهشة. رأيت نحو خمسين فتاة يجلسن على الأرض في مجموعات مكونة من ثلاث أو ~~أربع يتجاذبن أطراف الحديث. كن كلهن في مثل عمري تقريبا، ونظرن إلي بفضول عندما دخلت ~~الغرفة. لم تقو قدماي على حملي أكثر من ذلك، فسقطت على الأرض. # صاحت سهيلة وهي تنحني إلى جواري: «أيتها الفتيات، افسحن لها مكانا كي تستريح.» ثم قالت ~~لي: «أعلم كم تؤلمك قدماك، لكنك ستكونين بخير. لا تقلقي.» # أومأت برأسي والدموع تملأ عيني. # هتف صوت مألوف: «مارينا!» # فرفعت بصري، وللحظة لم أميز الفتاة التي تقف أمامي. ~~- «سارة ! حمدا لله! كم كنت قلقة ms067 عليك.» # لقد ذوى عودها، وشحبت بشرتها التي كانت فيما مضى بيضاء متوردة، وأحاطت الهالات السوداء ~~بعينيها. تعانقنا عناقا حارا حتى أنهكت قوانا. # سألتني سارة وهي تنظر إلى قدمي: «هل أنت بخير؟» ~~- «أنا بخير، كان من الممكن أن يسوء الأمر عن ذلك.» # نزعت الشال عن رأسي، ومررت أصابعي بين خصلات شعري فوجدتها قد التصقت بعضها ببعض. لم أكن ~~بمثل تلك القذارة في حياتي من قبل. # سألتني سارة: «لم كتب اسمك على جبينك؟» ~~- «ماذا؟» ~~- «اسمك مكتوب على جبينك بقلم أسود.» # تحسست جبيني، وطلبت من سارة أن تحضر لي مرآة، لكنها أخبرتني أنه لا توجد مرايا هنا، وأنها ~~منذ أن دخلت «إيفين» لم تر أحدا كتب اسمه على جبينه. لم أستطع أن أتذكر كيف حدث ذلك. ~~ثم سألتني عن الكدمة في رأسي، فأخبرتها بأمر الإغماء في دورة المياه. # حدقت سارة في عيني على نحو لم أره من قبل؛ كأنها كانت تهيم على وجهها عدة أيام في فلاة ~~بلا ماء وأني نافورة تتدفق منها المياه، وسألت: «مارينا، كيف حال والدي؟ متى كانت آخر ~~مرة رأيتهما فيها؟» # أخبرتها عن مدى قلق والديها ومحاولاتهما لرؤيتها هي وسيرس، وسألتها هل تعلم شيئا عن مكان ~~سيرس وأحواله، فأجابت بالنفي، ثم سألتها هل تعرضت للجلد. # في الليلة التي ألقي القبض فيها على سارة وسيرس، أجبرها الحرس على مشاهدته وهم يجلدونه. ~~كانوا يريدون أسماء أصدقائه، لكنه رفض أن يخبرهم بشيء. أغلقت سارة عينيها كي لا تشاهد ما ~~يفعل بأخيها، لكنهم ضربوها وركلوها وأجبروها على المشاهدة. ثم حلوا وثاقه، وقيدوها هي في ~~الفراش، وأخبروا سيرس أنهم لن يجلدوها إذا أخبرهم بالأسماء، لكنه لم يتفوه بكلمة، وتعرضت ~~سارة هي الأخرى للتعذيب. سألوها هل تعرف أصدقاءه، لكنها لم تكن تعرف أيا منهم، فسألوها عن ~~أصدقائها هي. # قالت: «أخبرتهم باسمك يا مارينا ... أنا آسفة ... لكني لم أحتمل.» # لم ألمها على ذلك. كنت سأخبر حامدا بكل الأسماء التي يرغب في معرفتها إن زاد في تعذيبي ~~قليلا. # أخبرتها بأمر القائمة، ولم تصدق أن الحراس عذبونا كي ms068 نخبرهم بشيء يعرفونه بالفعل، وسألتني ~~لم لم أخبرها بأمر القائمة من قبل، فأوضحت لها أني لم أكن أعرف الأسماء التي تضمها القائمة ~~تحديدا، وأني لم أكن أرغب في إثارة قلق أحد. # سألتها: «هل رأيت جيتا؟» ~~- «قبل أن يعذبني الأخ حامد، أخبرني أن جيتا أعطتهم اسمي وعنواني، فصدقته وغضبت منها، ~~وظننت أنها السبب في إلقاء القبض علي. بعدها جلدني حامد وانتهى الأمر بي وأنا أخبره بكل ~~ما أعرف. كرهت نفسي لأني غضبت من جيتا.» # غطت سارة فمها بيدها كي تكتم الألم الذي لا بد أن يجد مخرجا، فطوقتها بذراعي، وصرخت في ~~صدري. # أخيرا رفعت رأسها وقالت: «قبل أن يرسلني حامد إلى هنا مباشرة، أخبرني أن جيتا قد أعدمت ~~الليلة السابقة، وأن سيرس سيلقى نفس المصير إن لم يتعاون معهم. وهكذا تأكدت أن حامدا كذب ~~علي عندما أخبرني بأن جيتا أخبرتهم باسمي وعنواني، فلو كانت جيتا اعترفت، لما أعدموها. لا ~~بد أنها رفضت الاعتراف. لم يكن هذا ذنبها.» ~~- «جيتا ماتت؟» # أومأت سارة برأسها. # لا يمكن أن يكون ذلك حقيقيا. # دوى هاتف في رأسي: «ما زلت على قيد ~~الحياة، وأنت لا تستحقين ذلك.» # أتذكر جيدا اليوم الذي تعرفت فيه على جيتا. كان هذا منذ ثلاثة أعوام ونصف، في صيف 1978، ~~في شمال البلاد، في المنزل الصيفي الذي تمتلكه أسرتي، وهو نفس الصيف الذي تعرفت فيه على ~~أراش. # | الفصل السابع # في العام الذي ولدت فيه، اشترى والداي منزلا صيفيا في مدينة صغيرة تدعى «غازيان»، ~~تقع في الجانب الآخر من جسر يمتد من «بندر بهلوي» على ضفاف بحر قزوين، حيث كانت الحياة ~~الهادئة المزهرة. ومع أن امتلاك منزل صيفي على ضفاف بحر قزوين كان دليلا على الثراء في ذلك ~~الوقت، فإن عائلتي لم تكن ثرية. كان والدي يحب الهدوء والجمال اللذين يتميز بهما شمال ~~طهران، حتى إنه قرر شراء المنزل الصيفي هناك بدلا من أن يشتري منزلا في طهران. ولكنه لم ~~يكن يملك أموالا كافية، فاشتراه مناصفة مع أحد أصدقائه، وهو رجل روسي أرمني مرح جهوري ms069 ~~الصوت، اسمه بارتيف، يملك مصنعا للصلب في طهران. لم يكن العم بارتيف - كما كنت أدعوه - ~~متزوجا، وكان مشغولا طوال الوقت، ولم يكن يأتي إلى المنزل الصيفي إلا نادرا، وهكذا ~~احتفظنا به لأنفسنا معظم الوقت. # كان المنزل يقع في منتصف قطعة أرض كبيرة محاطة بالأشجار خلف الميناء في شارع هادئ يؤدي ~~إلى الشاطئ، وكان مالكه الأول طبيبا روسيا وصديقا مقربا لوالدي، وبناه بنفسه مستخدما ~~الخشب الروسي المتين. كان يضم أربع حجرات نوم وحجرة للمعيشة ومطبخا صغيرا وحماما؛ جدرانه ~~الخارجية مدهونة باللون الأخضر الفاتح، وبه اثنتا عشرة سلمة حجرية تؤدي إلى الباب ~~الأمامي. # كانت الرحلة من طهران إلى المنزل الصيفي تستغرق نحو خمس ساعات بالسيارة. كنا نتجه غربا ~~ونواصل سيرنا في الأراضي المنبسطة حتى نصل إلى مدينة قزوين، ثم ينعطف الطريق نحو الشمال ~~باتجاه جبال «ألبرز» التي تبدو سدا منيعا يفصل بين صحاري وسط إيران وبحر قزوين. كنا نمر ~~بأنفاق وممرات ضيقة شديدة الانحدار ومنعطفات مقفرة يتخذها الطريق عبر سلسلة الجبال متبعا ~~وادي «النهر الأبيض»، حيث تغطي الغابات الكثيفة التلال، وتهب الرياح حاملة شذا حقول ~~الأرز. # كان سور معدني شفاف مدهون باللون الأزرق السماوي ويفوق طوله طول أخي يحيط بمنزلنا. وعند ~~وصولنا كان أبي يوقف سيارتنا الزرقاء من طراز أولدزموبيل عند البوابة، وأخرج من السيارة ~~وأفتح البوابة كي تمر السيارة. كان الممر الطويل غير المرصوف يمتد نحو المنزل الصيفي ويختفي ~~خلف أشجار القيقب والصنوبر والحور والتوت، وتحت قدمي يبرز الحصى الملون من بين الثرى ويلمع ~~في ضوء الشمس الذي يخترق الغطاء الكثيف من الأشجار. يؤدي الممر إلى فتحة تبدو ساطعة الإضاءة ~~دقيقة، ثم يظهر فجأة الدرج الحجري الأبيض المؤدي إلى المنزل. # كان المنزل دوما يستقبلنا برائحة رطبة مألوفة ملأت الهواء الراكد في المكان خلال أشهر ~~غيابنا. كانت هناك سجادة باللون الأخضر الداكن تغطي الأرض، وقبل دخولنا المنزل، تأمرنا أمي ~~بخلع أحذيتنا وتنظيف أقدامنا حتى لا نجلب الرمال معنا إلى الداخل. أثث والداي غرفة المعيشة ~~الصغيرة بطاقم حديدي اشترياه من مزاد متنقل. كان ms070 مطليا باللون الأبيض، وبه وسادات ~~أرجوانية مخملية ومائدة ذات سطح زجاجي، أما عن غرف النوم فكانت غاية في البساطة، فلم تكن ~~تحتوي إلا على أسرة عادية وخزانات خشبية قديمة، والستائر المعلقة في النافذة مصنوعة من ~~القماش المزين بالورود الزاهية الألوان. وعندما أخلد للنوم ليلا كنت غالبا أترك النوافذ ~~الثلاث في غرفتي مفتوحة كي تتسلل منها صيحات الديوك في الصباح. وعندما تمطر السماء يصيح ~~البط ويلعب في البرك الموحلة، ويفوح عبق أشجار الليمون البرية من أوراقها السميكة. # كان هناك مكان خاص في المنزل الصيفي أتلو فيه الصلاة كل صباح كما علمتني جدتي. من مسافة ~~يبدو ذلك المكان صخرة ضخمة مكسوة بالطحالب، ولكن كلما اقتربت منها تبينت أنها تتكون من ~~العديد من الأحجار الصغيرة. بلغ ارتفاع الصخرة نحو متر، وعرضها نحو مترين، وبها قضبان معدني ~~سميك صدئ يبرز من أحد جوانبها. تعود تلك الصخرة إلى العصور القديمة، عندما كان البحر يغطي ~~معظم الأرض، وكانت ذات يوم مكانا يربط فيه الصيادون زوارقهم، وبدت لي غريبة الشكل وفي غير ~~موضعها عندما اكتشفتها في ركن مهمل من المكان. كنت أحب أن أقف عليها وأفتح ذراعي للنسيم ~~العليل وأغلق عيني، وأتخيل أن البحر يحيط بي، وسطحه الشفاف يضطرم بالحياة ويمور محولا ~~أشعة الشمس إلى سائل ذهبي ينسل نحو الشاطئ، حيث تبدو التلال الرملية كبثرات على الأرض ~~الساخنة. أطلقت على هذا الأثر الغريب اسم «صخرة الصلاة». # كنت عادة أستيقظ مع شروق الشمس وأتجول بالخارج. نهر من الضباب يتدفق بين الأشجار ويرتفع ~~فوق العشب الطويل ويغطي ساقي. عندما أصل إلى «صخرة الصلاة» يبدو وكأن الشمس أطلقت أنفاسها ~~في الضباب فأكسبته اللون الوردي. كان السطح العلوي للصخرة جزيرة تستقر فوق بحر براق. كنت ~~أرقد على الصخرة وأدع أشعة الشمس تغطي جسدي وتشعرني بالخفة؛ كأني مخلوقة من ضباب ~~وضوء. # كل صيف أقضي أنا وأمي نحو شهرين في المنزل الصيفي، لكن لم يكن باستطاعة أبي الحصول على ~~إجازة طويلة كهذه من العمل، فلم يكن يقضي معنا سوى أسبوعين فقط، ثم يزورنا ms071 في عطلة نهاية ~~الأسبوع. ولعدة أعوام ظللت أقضي أيامي في المنزل الصيفي ما بين ركوب الدراجة، وبناء قصور من ~~الرمال، والسباحة، ومطاردة البط، واللعب مع الأطفال الذين يسكنون المكان. كنت أفعل ما يحلو ~~لي بحرية طوال النهار، ولم أكن أعود إلى المنزل إلا لتناول العشاء والنوم. وبمرور الأعوام ~~كبرت، وظلت أيامي الصيفية كما هي، فيما عدا أن مغامراتي اليومية قد اتسع نطاقها وأخذت ~~تبعدني عن المنزل أكثر؛ ففي سن الثانية عشرة كنت أقضي نصف النهار أستكشف المدينة على ظهر ~~الدراجة. كنت أسلك الشوارع القديمة الضيقة التي تصطف على جانبيها المنازل البيضاء الصغيرة ~~في طريقي إلى السوق. كان كعك الأرز والكعك المحشو بالجوز المفروم والسكر يقيم صلبي في ~~الأيام العديدة التي أفوت فيها وجبة الغداء. كانت أسواق السمك تغص بأصوات الباعة ~~المرتفعة ورائحة السمك النفاذة وعبق الأعشاب الطازجة. # من بين أماكني المفضلة ذلك الجسر الذي يصل ~~بين جانبي الميناء. كنت أقف على الجسر، وأشاهد القوارب والسفن وهي تعبر المياه، والمياه ~~الزرقاء تمتد نحو الأفق، والسفن الضخمة تشق سطح المياه مخلفة وراءها الزبد الأبيض، ~~بينما الهواء المشبع بالمياه المالحة يملأ رئتي. كنت أحب الضباب على وجه التحديد، فهو ~~يضفي هيئة حالمة غير حقيقية على الميناء. عندما يكون الضباب كثيفا يمنعني من الرؤية، كنت ~~أسمع صوت مجاديف الزوارق وهي تشق عباب المياه، ثم يظهر الزورق نفسه كأنه وجد من ~~العدم. # عندما كنت في سن العاشرة من العمر اشترت خالتي زينيا منزلا صيفيا يبعد نحو أربعة أميال ~~عن غازيان، ويقع في منطقة سكنية حديثة مجهزة بملاعب التنس وكرة السلة، والمطاعم، وحمامات ~~السباحة. كانت المنازل باهظة الثمن محاطة بحدائق خلابة وأسوار معدنية بيضاء يبلغ ارتفاعها ~~الخصر، تلمع بطلاء حديث الدهان، والأطفال يركبون دراجاتهم في شوارع نظيفة. # لم تكن خالتي زينيا تشبه أحدا من عائلتنا، فهي شقراء ذات عينين زرقاوين، وكل ما لديها ~~كان كبيرا؛ فلديها منزل كبير في طهران، وسيارة كبيرة، بل وسائق كبير أيضا. كان زوجها الذي ~~توفي في حادث سيارة بعد وفاة جدتي ms072 بعامين يملك مصنعا للحوم المصنعة في مدينة «رشت» التي ~~تبعد اثنين وعشرين ميلا عن منزلنا، وبعد وفاته تولت خالتي إدارة شئون العمل، وقامت بها على ~~خير وجه. كانت ابنتها التي تدعى مارينا أيضا، ويناديها الجميع باسم ماري، أثيرة عند أمي. ~~كانت تكبرني بعشرين عاما، وكانت ضئيلة الحجم، يبدو عليها التوتر دائما عند وجود أمها ~~بالقرب منها. كانتا عنيدتين صعبتي المراس، تتشاجران باستمرار على كل شيء. # عام 1978 وعندما كنت في الثالثة عشرة، قضت ماري وزوجها فترة الصيف بأكملها في منزل خالتي ~~الصيفي، وكنت أنا وأمي نزورهما كل يوم تقريبا. لم تكن خالتي زينيا تمكث في المنزل إلا ~~لماما، وكانت تقضي معظم وقتها إما في المصنع، حيث أعدت مكانا صغيرا مريحا للسكن، أو في ~~منزلها بطهران. # أثناء رحلاتي اليومية بالدراجة لاحظت أن المراهقين يقضون وقتهم في أحد ملاعب كرة السلة، ~~وكل يوم يجتمعون نحو الخامسة مساء، حيث يلعب الفتية كرة السلة بينما تجلس الفتيات في الظل ~~يثرثرن ويشجعنهم. قررت ذات يوم أن أقترب منهم. كانت نحو خمس عشرة فتاة يجلسن على العشب في ~~مجموعات من اثنتين أو ثلاث. تركت دراجتي بجوار شجرة ودنوت منهن، ولكن بدا أن أحدا لم ~~يلاحظ وجودي. وقعت عيناي على فتاة تجلس بمفردها فوق مائدة رحلات، وجلست بجوارها، فنظرت لي ~~وابتسمت. كان شعرها البني الفاتح الناعم يصل حتى خصرها، وترتدي سروالا أبيض قصيرا، ~~وقميصا أبيض بلا أكمام. بدا وجهها مألوفا، فقدمت نفسي لها، واتسعت عيناها ترحيبا بي. ~~اكتشفنا أننا كنا نذهب إلى نفس المدرسة، ولكنها تكبرني بعامين، ولم نتبادل الحديث من قبل ~~قط. كانت خالتها تملك منزلا صيفيا في الجوار مثلي، وتقضي بعض الوقت هي وأسرتها مع ~~خالتها. كان اسمها جيتا. # أحرز أحد الفتية هدفا، فصفقت الفتيات وهللن، واستدار الفتى ينادي فتاة تجلس بجوارنا: ~~«نيدا، هلا أحضرت لي زجاجة من الكولا؟ أكاد أموت عطشا.» # كان الفتى يبلغ من الطول نحو مائة وستين سنتيمترا، ذا عينين سوداوين تعلوان عظمتي خد ~~قويتين، وشعره الأسود الناعم يتطاير وهو يجري. وقفت ms073 نيدا على مضض، ونفضت العشب العالق ~~بسروالها الأبيض. كان شعرها البني الذي يصل إلى كتفيها مدسوسا خلف أذنيها. # نادت نيدا على الفتيات: «من ستأتي معي؟» فانضمت إليها بعض الفتيات، وسرن إلى الجانب الآخر ~~من الشارع الضيق حيث مطعم الوجبات السريعة «موبي ديك». # أشارت جيتا إلى شاب يقف في الجانب الآخر من الملعب. كان طوله نحو مائة وثمانين سنتيمترا، ~~ويزن نحو تسعين كيلوجراما، ويبدو في العشرين من عمره على الأقل. لم تكن الفتاة الشقراء ~~ضئيلة الحجم التي تقف بجواره تصل ولو إلى كتفه. أخبرتني جيتا أن اسمه رامين، وأنه أكثر ~~الرجال الذين رأتهم وسامة. # قالت: «سوف أحظى به يوما ما، إنه لي.» # كانت صديقاتي دوما يماثلنني في العمر، وخبرتي مع الفتيان محدودة؛ لم أفكر يوما في أن ~~«أحظى» بفتى. # ارتفع صوت من خلفنا: «مرحبا جيتا. ألن تعرفينا بصديقتك الجديدة؟» # كانت هذه نيدا، وقدمتنا جيتا إحدانا للأخرى. اكتشفت أن نيدا لها ابنة عم أعرفها جيدا، ~~فهي تذهب إلى نفس مدرستنا. وفي نهاية حديثنا، دعتني نيدا إلى حفل عيد ميلادها في اليوم ~~التالي. ~~••• # كان لدي الفستان المناسب لحفل عيد ميلاد نيدا، فمنذ بضعة أشهر كانت أمي قد قررت أن تطلب ~~بعض الملابس لنفسها من أحد الكتالوجات الألمانية، وعرضت علي أن تطلب لي بعض الملابس معها. ~~اخترت فستانا أبيض ليس باهظ الثمن ولكنه جميل. كانت فتحة عنقه كبيرة، وقماشه حريري خفيف. ~~كانت خطة حفل عيد ميلاد نيدا تقتضي أن نذهب للسباحة أولا، ثم نذهب إلى منزلها لتناول ~~العشاء والرقص، وطلبت مني جيتا أن أرتدي ثوب السباحة تحت ملابسي العادية، وأن أحضر فستاني ~~معي. # في يوم الحفل استيقظت مبكرا عن المعتاد، وقضيت ساعات في دورة المياه أجرب ارتداء كل ثياب ~~السباحة التي أملكها، وكل مرة كنت أحدق في صورتي في المرآة منزعجة من العيوب التي أراها، ~~فذراعاي نحيفتان، وفخذاي ممتلئتان، وصدري مستو للغاية. وأخيرا قررت أن أرتدي ثوب السباحة ~~الأبيض ذي القطعتين الذي أهدته لي ماري. كانت ماري قد ذهبت في رحلة إلى أوروبا واشترت ms074 ~~لنفسها مجموعة من أثواب السباحة الجديدة، وأعطتني مجموعتها القديمة. لففت حذائي الأبيض في ~~كيس بلاستيكي، ووضعت كل شيء في حقيبة بحر مصنوعة من الخيش. كانت الساعة العاشرة صباحا، ~~ونحن نذهب إلى منزل ماري نحو الساعة العاشرة والنصف في أغلب الأيام. لم تكن أمي تجيد ~~القيادة، ودائما كنا نستقل سيارة أجرة عندما لا يكون أبي موجودا. كان بوسعي أن أسمع صوت ~~أمي وهي تعبث بالأشياء في المطبخ، وهو أمر غريب، فهي لم تكن تدخل المطبخ في هذا الوقت من ~~اليوم. # قلت لها وأنا أقف عند باب المطبخ وأحمل حقيبة البحر في يدي: «أمي، أنا جاهزة.» # كان الجو يعبق برائحة السمك، وأمي تغسل لوح تقطيع كبير، ونظرت لي بطرف عينها. ~~- «جاهزة لأي شيء؟ لن نذهب لأي مكان اليوم.» # كانت طاولات المطبخ مغطاة بأوعية وقدور ومقال مختلفة الأحجام. ~~- «ولكن ...» ~~- «من دون اعتراضات! خالك إسماعيل وزوجته قادمان من طهران لزيارة ماري، وخالتك زينيا هنا ~~أيضا. وسوف يأتون جميعا لتناول الغداء والعشاء ولعب الورق معنا اليوم، وربما يبيتون معنا ~~الليلة. ~~- «لكني مدعوة إلى حفل عيد ميلاد اليوم!» ~~- «حسنا، لا يمكنك الذهاب.» ~~- «ولكن ...» # استدارت كي تواجهني، وشعرت بغضبها يملأ المكان. ~~- «ألا تفهمين معنى كلمة «لا»؟» # استدرت، وذهبت إلى غرفتي، واستلقيت على فراشي. كان بإمكاني أن أستقل سيارة أجرة بمفردي، ~~فقد كنت أملك النقود اللازمة، لكن أمي لم تكن لتسمح بذلك. ربما كان بوسعي أن أتسلل من ~~المنزل، لكن سيتعين علي أن أعود قبل حلول الظلام، وأنا ممنوعة من التأخر خارج المنزل ما ~~لم تكن أمي على علم بالمكان الذي أكون فيه. سمعت صوت سيارة تتوقف أمام منزلنا وإطاراتها ~~تصدر صريرا على الرمال المبتلة. نظرت من النافذة فرأيت مرتضى سائق خالتي زينيا - وهو رجل ~~مهذب في أواخر العشرينيات من العمر - يفتح الباب الخلفي لسيارتها الشيفروليه الجديدة. أسرعت ~~أمي إلى الباب الأمامي، وهبطت الدرج، وعانقت شقيقتها. فتح مرتضى صندوق السيارة وأخرج حقيبة ~~صغيرة، ثم توجهوا جميعا إلى المنزل. ظللت بجوار النافذة وقلبي يخفق من شدة الإحباط. # سمعت خالتي ms075 زينيا تقول لأمي بصوتها الحاد الآمر: «عزيزتي، أحضري لي كوبا من الماء ~~البارد. ذهبت ماري مع إسماعيل وكامي إلى المدينة، وسيأتون بعد قليل. أين مارينا؟ لقد أحضرت ~~لها مفاجأة.» ~~- «إنها هنا. لا بد أنها عابسة في غرفتها.» # انفتح باب غرفتي فجأة. ~~- «ما الأمر يا مارينا؟ ألن ترحبي بخالتك؟» # تقدمت نحوها، وعانقتها وقبلتها، ومع أن بشرتها كانت رطبة مبللة بالعرق، فإنها كانت تفوح ~~بعطر «شانيل رقم 5». عانقتني عناقا حارا، ووجدت نفسي أغرق في أحضانها. وعندما أطلقت ~~سراحي أخيرا، أخرجت سوارا جميلا من حقيبتها ألبستني إياه. كانت دوما تهديني هدايا ~~جميلة. مسحت عيني بظهر يدي. ~~- «كنت تبكين؟ لماذا؟» ~~- «أنا مدعوة إلى حفل الليلة، ولا أستطيع الذهاب.» # ضحكت وقالت: «ولم لا تستطيعين الذهاب؟» ~~- «الأمر ...» ~~- «لأني هنا؟» # أطرقت برأسي، وقلت: «نعم.» ~~- «ربما أكون كبيرة في السن، لكنني كنت صغيرة يوما ما. كنت صغيرة وجميلة. وما زلت أذكر ~~ذلك الشعور.» # كتمت أنفاسي. ~~- «سوف يصطحبك مرتضى إلى ذلك الحفل ويعيدك مرة أخرى.» ~~- «حقا؟» ~~- «نعم أيتها السندريلا. يمكنك الذهاب، ولكن عودي إلى المنزل قبل منتصف الليل.» ~~••• # شكرت مرتضى عندما أقلني إلى منزل نيدا، ووعدته أن أكون في انتظاره عند منتصف الليل، ~~ولوحت له وهو يبتعد. خطوت على الأحجار الرمادية الناتئة بين العشب في الفناء الأمامي ~~لمنزل نيدا، ووجدتها تقف في الشرفة المحيطة بالمنزل ذي الطابق الواحد تتبادل الحديث مع ~~فتاتين. كان الجانب الخلفي من المبنى يواجه البحر، واستطعت سماع صوت الأمواج وهي تضرب ~~الشاطئ الرملي، وسرعان ما وصل الجميع. تركت الفتيات حقائبهن في غرفة نيدا، وترك الفتيان ~~حقائبهم في غرفة أخيها، واندفعنا جميعا نجري نحو الشاطئ. لعبنا المساكة وكرة الماء حتى ~~تضور الكل جوعا، ثم عدنا إلى المنزل. عندما فتحت حقيبتي في غرفة نيدا كي أرتدي فستاني، ~~أدركت أنني لم أحضر معي ملابس داخلية. سوف أظل مرتدية ثوب السباحة. لا مشكلة في ذلك؛ فمع ~~أنه مبتل قليلا، فهو أبيض اللون ولن يظهر. # بعد أن تناولنا العشاء المكون من اللحوم الباردة والخبز الطازج والسلطات ، نحينا كل قطع ~~الأثاث ms076 الموجودة في غرفة المعيشة جانبا، وانطلقت موسيقى «بي جيز» في المكان. رقصت نيدا مع ~~أرام، وهو لاعب كرة السلة الوسيم الذي طلب منها أن تحضر له زجاجة الكولا عندما قابلتها لأول ~~مرة. بدا جسد نيدا البرونزي جميلا في فستانها الأبيض، ولاحظت أن أرام همس بشيء ما في أذنها ~~جعلها تضحك. وسرعان ما انقسم الجميع إلى ثنائيات، ووجدت نفسي أجلس وحيدة في أحد الأركان ~~أحتسي زجاجة من الكولا. وعندما فرغت، شغلت نفسي بفتح زجاجة أخرى وملء طبق برقائق البطاطس. ~~استمرت الأغاني واحدة تلو الأخرى، والتهمت الكثير من البطاطس حتى آلمتني معدتي، ولكن لم ~~يدعني أحد للرقص. رقصت جيتا مع رامين؛ ذلك الفتي ممتلئ الجسم من ملعب كرة السلة، ورأيته ~~يمرر يده على ظهرها فتورد وجهها خجلا. نظرت في ساعتي فوجدتها العاشرة. أقف هكذا منذ ساعة ~~دون أن يوجه أحدهم لي كلمة واحدة. شعرت بالعزلة والارتباك والحرج والحزن في آن واحد، ~~وأردت أن أخرج من الغرفة. # كان الباب المؤدي إلى الشرفة الخلفية يبعد عني خطوة واحدة، ففتحته وألقيت نظرة أخرى على ~~الغرفة، ولكن لم يبد أحدهم أي رد فعل، فخرجت من الغرفة. كان الهلال قد نشر أشعته الفضية ~~على البحر، والجو دافئ، وكنت بحاجة لفعل شيء. ربما بإمكاني أن أسبح قليلا، فالسباحة تجعلني ~~دائما في حال أفضل، وقد مارست السباحة ليلا عدة مرات من قبل. في ضوء القمر يتحد البحر مع ~~السماء ويتحول إلى كتلة فضية دافئة من الظلام. هبطت الدرج الذي يصل بين الشرفة وفناء المنزل ~~وبدأت أخلع فستاني، ولكنني جفلت عندما فاجأني صوت أحدهم والفستان ينزلق على الأرض: «ماذا ~~تفعلين؟» # رأيت شابا يقف بجوار كرسي الحديقة في أحد جوانب الفناء ويغطي عينيه بيديه. # قلت وقلبي يخفق: «لقد أخفتني! لماذا تختبئ هكذا؟» ~~- «لست مختبئا. كنت جالسا هنا على هذا المقعد أشم بعض الهواء النقي، وفجأة أتت فتاة ~~وبدأت تخلع ملابسها أمامي!» المضحك في الأمر أنه بدا مذعورا أكثر مني. كان يبدو على الأكثر ~~في السادسة عشرة، ولا يزال يغطي عينيه بيديه. ms077 ~~- «هل ارتديت فستانك؟» ~~- «ماذا دهاك؟ أنا لست عارية، بل أرتدي ثوب السباحة، وسوف أسبح قليلا.» # قال وهو يرفع يديه عن عينيه: «هل جننت؟ تريدين أن تسبحي في منتصف الليل في تلك المياه ~~المظلمة؟» ~~- «ليست مظلمة تماما، ثم إن القمر بازغ!» ~~- «لا، لا، سوف تغرقين، ولن أسامح نفسي أبدا.» ~~- «لن أغرق.» ~~- «لكني لن أسمح لك بالذهاب.» # كان قد اقترب مني، فلم يعد يفصلنا سوى نحو نصف متر. # قلت وأنا أرتدي فستاني: «حسنا، لن أذهب.» # نظر إلي بعينين داكنتين واسعتين تعلوان عظام خده الناتئة قليلا. كان فمه الطفولي ~~الصغير متناقضا مع بقية قسمات وجهه التي تشي بالقوة، وكان أطول مني بنحو خمسة سنتيمترات، ~~وشعره بني قصير. أدهشتني نظرة عينيه التي جعلتني أشعر بأنني مميزة، واستثنائية، وجميلة. كان ~~اسمه أراش. # قررت أن أجلس في الخارج ما دمت لا أستطيع السباحة، فجلست على أحد كراسي الحديقة الوثيرة، ~~لكني كنت مع أراش بكل حواسي، حتى إنني كنت أسمع صوت أنفاسه. بعد نحو عشر دقائق نهض واقفا، ~~فوثبت فزعة من مكاني. ~~- «هل تستمتع بإخافتي؟» ~~- «آسف، لم أقصد ذلك، ولكن علي أن أذهب. لا تسبحي بعد أن أرحل، اتفقنا؟» ~~- «اتفقنا.» # راقبته وهو يبتعد ويدخل المنزل، وبعد دقيقة خرجت نيدا وطلبت مني الدخول لأنها ستقطع كعكة ~~عيد ميلادها. ~~••• # بعد الحفل ببضعة أيام كنت أركب دراجتي متجهة إلى الشاطئ كي أقابل جيتا، وكانت هناك بعض ~~الرمال في الطريق نظرا لأعمال البناء، فانعطفت بسرعة كبيرة، فما كان من الدراجة إلا أن ~~انزلقت على أحد جانبيها وسقطت على الأرض. تمكنت من الوقوف، لكن وجدت أن الدماء تسيل من ~~ركبتي ومرفقي. كانت الساعة نحو الثانية ظهرا، والجو شديد الحرارة، ولذلك كان الشارع ~~خاليا. على الأقل لم يرني أحد وأنا أسقط هكذا. وبينما كنت أحاول جذب دراجتي بعيدا عن ~~الطريق شعرت بأحدهم يقف خلفي، فاستدرت. رأيت أراش، وبدا مندهشا مثلي. # سألته: «هل تظهر دائما على حين غرة؟» # فضحك وهو يتفحص جروحي، وقال: «وهل أنت ~~رعناء؟ علينا أن نطهر جروحك . هذا منزل عمتي.» وأشار ms078 إلى منزل صيفي في جانب الطريق. # حمل أراش دراجتي وتبعته. كانت جروحي تؤلمني، واغرورقت عيناي بالدموع، لكني أخذت نفسا ~~عميقا ولم أفتح فمي بالشكوى؛ إذ لم أكن أرغب في أن يظنني فتاة ضعيفة. # قال: «كنت جالسا في الشرفة أراقب الطريق، ثم أتيت أنت بسرعة هائلة ووقعت. من حسن حظك ~~أن عنقك لم ينكسر.» # كست الزهور الوردية وزهور الكوبية الزرقاء حوائط المنزل البيضاء، ولامست الأغصان الخضراء ~~الفضية لشجرة صفصاف عملاقة السقف الأحمر. # فتح أراش باب المنزل، ودخلت. كانت رائحة الكعك الطازج تنبعث من المكان. # صاح أراش: «جدتي، لدينا ضيفة.» # دخلت عجوز حسنة المظهر ذات شعر أشيب الحجرة آتية من المطبخ. كانت ترتدي فستانا أزرق ~~اللون وتجفف يديها المبللتين بمئزرها الأبيض، وتبدو شديدة الشبه بجدتي. # نظرت إلي ولاحظت الدم، فسألت بالروسية: «ماذا حدث؟» لم أصدق أذني؛ كانت تتحدث مثل جدتي ~~تماما. أخذتني من ذراعي وقادتني إلى المطبخ بينما كان أراش يخبرها بما حدث. كانت تهتم بأدق ~~التفاصيل مثل جدتي، وسرعان ما أدركت أنها طهرت الجرح وعقمته وضمدته. بعدها بقليل وضعت ~~فنجانا من الشاي وكعكة أعدتها بنفسها أمامي على المائدة. # قالت بالفارسية ولكن بلكنة روسية واضحة: «تفضلي.» # أجبتها بالروسية: «شكرا.» # اتسعت عيناها دهشة، وقالت بابتسامة عريضة: «فتاة روسية! هذا رائع! لديك الآن حبيبة، وليست ~~حبيبة عادية، بل فتاة روسية جميلة!» # احمر وجه أراش خجلا. ~~- «جدتي! يكفي هذا! إنها ليست حبيبتي!» # فضحكت. # قالت جدته: «قل ما تشاء، لكنه أمر لطيف للغاية. عظيم جدا. سأترككما وحدكما.» ثم رفعت ~~صوتها وهي تبتعد عن المطبخ: «يا له من أمر رائع!» عدة مرات. # قال أراش: «رجاء أن تعذري جدتي، فهي عجوز، وفي بعض الأحيان تختلط عليها الأمور.» # صاحت جدته من غرفة أخرى: «هل أريتها نايك؟» # تغير لون وجه أراش مرة أخرى. ~~- «أي ناي؟» ~~- «لا تشغلي بالك، فأنا أعزف على الناي من أجل التسلية فحسب.» ~~- «لم يسبق لي أن تعرفت على شخص يعزف على الناي من قبل. هلا عزفت من أجلي؟» # أجابني: «بالطبع.» لكن دون أن يبدو عليه الحماس. ms079 # اتبعته إلى غرفته حيث أخرج نايا فضيا من صندوق أسود مستطيل ومرر أصابعه على الآلة ~~الملساء، وسرعان ما امتلأ المكان بصوت أغنية حزينة. جلست على فراشه واتكأت على الحائط، ووقف ~~أمامي يتحرك جسده مع الموسيقى كأنها جزء منه. حدقت عيناه إلى الأمام كأنه يحلم، ويرى ما لا ~~يستطيع أحد غيره رؤيته. تراقصت الستارة القطنية البيضاء أمام النافذة المفتوحة، محدثة ~~دوامات يمتزج فيها ضوء الشمس بالظل. لم أستمع إلى موسيقى عذبة هكذا من قبل. نظر في عيني ~~عندما انتهى، لكني لم أقل شيئا. عرفت أنه قد كتب تلك المقطوعة الموسيقية بنفسه، لكنه كان ~~شديد التواضع بشأن ذلك الأمر. سألني هل أستطيع العزف على أي آلة موسيقية، فأجبت بالنفي. ثم ~~سألني عن عمري، وصدم عندما أخبرته بأنني في الثالثة عشرة، فقد كان يظن أني في السادسة عشرة ~~على الأقل، ودهشت عندما علمت أنه في الثامنة عشرة. # راقت لي الطريقة التي ينظر بها إلي عندما أتحدث معه، فقد كان يجلس مسترخيا في مقعده ~~مستندا بمرفقه على ذراع المقعد، واضعا يده أسفل ذقنه ويبتسم، وعيناه تنظران لي باهتمام ~~شديد. توقفه لحظات قبل أن يجيب عن أسئلتي كان يشعرني بأن حديثنا مهم له. عرضت عليه أن ~~يذهب معي في نزهة سيرا على الأقدام في الصباح التالي، ووافق. ~~••• # في الصباح التالي لوحت لنا جدته من شرفة المنزل. ~~- «إنها تدفعني نحو الجنون، فهي ما زالت تظن أنك حبيبتي وترغب في دعوتك على الغداء ~~اليوم.» ~~- «بكل سرور إذا لم تكن لديك مشكلة.» # نظر لي بعينين متسائلتين. ~~- «أعني أنه إذا كانت دعوتي فكرة جدتك وحدها وأنت لا ترغب في حضوري، فبإمكانك أن تخبرني ~~بذلك.» ~~- «بالطبع أود أن تأتي.» ~~- «عظيم، لأني أريد سماع عزفك على الناي مرة أخرى.» # سرنا حتى وصلنا مكانا هادئا منعزلا من الشاطئ. من بعيد كنت أرى عددا من الناس مستلقين ~~على الرمال وآخرين يسبحون. كانت الأمواج البيضاء ترتفع وتنكسر على الشاطئ، فخلعت حذائي ~~وتركت مياه البحر تتخلل أصابع قدمي. كانت المياه لطيفة وباردة. طلبت منه أن ms080 يخبرني المزيد ~~عن عائلته، فأخبرني أن والده رجل أعمال ووالدته ربة منزل، وأنهما يذهبان إلى أوروبا كل صيف، ~~بينما يأتي هو وشقيقه وجدته كي يقيموا مع خالته في منزلها الصيفي. وذكر لي أن شقيقه الذي ~~يصغره بعامين يدعى أرام. # قلت وقد أخذتني المفاجأة: «لا بد أنك تمزح! أرام شقيقك؟» ~~- «نعم، هل تعرفينه؟» ~~- «نعم، لقد قابلته. يبدو اجتماعيا، فهو دائما يخرج بصحبة الفتيان الآخرين، أما أنت ~~فلم أرك قبل حفل عيد ميلاد نيدا. أين كنت مختبئا؟» # أخبرني أنه ليس منبسطا مثل شقيقه، فهو يفضل قراءة الكتب أو العزف على الناي، وأنه أتى ~~إلى حفل عيد ميلاد نيدا لأنها كانت جارته في طهران ولأنها صديقة شقيقه فحسب. # كان أراش من المتفوقين في المدرسة الثانوية، وقد أنهى للتو عامه الأول في كلية الطب ~~بجامعة طهران. أخبرته أنني متفوقة أيضا، وأنني أرغب في دراسة الطب مثله، ودعوته للسباحة ~~معي، ولكنه أخبرني بأنه يفضل الجلوس على الشاطئ والقراءة. # كانت جدته إيرينا قد أعدت وليمة للغداء، وكان الجو جميلا، فوضعت المائدة في الفناء ~~الخلفي تحت شجرة الصفصاف متهدلة الأغصان. كانت المائدة مغطاة بمفرش أبيض مكوي بعناية. ~~راقبتها وهي تصب عصير الليمون في كأسي بينما نسيم البحر يداعب خصلات شعرها الفضي، ثم ملأت ~~طبقي بالأرز طويل الحبة والسمك المشوي والسلطة متجاهلة اعتراضاتي. ~~- «عليك أن تكثري من تناول الطعام يا مارينا، فأنت نحيفة جدا. يبدو أن والدتك لا تطعمك ~~جيدا.» # منذ أن اكتشفت إيرينا أنني أتحدث الروسية، لم تتفوه معي بكلمة واحدة بالفارسية. كانت مثل ~~جدتي معتدة بنفسها، ومع أنها تعرف الفارسية، فقد كانت ترفض الحديث بها إلا عند الضرورة ~~القصوى. لم أعد أجيد الروسية كما كنت من قبل. فمع أن والدي يتحدثان الروسية في المنزل، ~~فإني رفضت استخدامها منذ وفاة جدتي، لأني شعرت أنها شيء خاص نتشارك فيه أنا وهي، ولم أكن ~~أرغب في مشاركته مع أحد غيرها. لم تكن مهارات أراش اللغوية أفضل مني كثيرا، وهكذا لم أكن ~~أشعر بالحرج، وشعرت بالسعادة لاستخدامي الروسية مرة أخرى ms081 في الحديث مع إيرينا التي كانت ~~تذكرني بأيام طفولتي المبكرة. # بعد الغداء ذهبت إيرينا كي تغفو قليلا، وذهبت أنا وأراش إلى المطبخ كي نغسل الأطباق. ~~ملأت الحوض بالأطباق المتسخة بينما أراش يضع بقايا الطعام في أوعية بلاستيكية داخل الثلاجة. ~~عندما انتهى من حفظ بقايا الطعام وقف بجواري وفي يده قماشة لتجفيف الصحون. وعندما ناولته ~~أول طبق انتهيت من غسله كي يجففه التقت أعيننا، وقاومت الرغبة الملحة بداخلي في أن أمد يدي ~~وألمس وجهه. ~~••• # أخبرني أراش ذلك المساء ونحن جالسان في الفناء الخلفي لمنزله: «علي أن أصلي قبل غروب ~~الشمس.» ~~- «أيمكنني مشاهدتك؟» # قال لي: «يا لأفكارك الغريبة!» لكنه وافق، وراقبته دون أن أتفوه بكلمة. توجه نحو القبلة ~~وشرع يؤدي الصلاة، فأغلق عينيه، وتمتم بأدعية باللغة العربية، ثم ركع، ووقف، ولمس حجر ~~الصلاة بجبهته. # سألته بعد أن انتهى من صلاته: «لماذا أنت مسلم؟» # قال وهو يضحك: «أنت أغرب من قابلت في حياتي!» لكنه أوضح لي أنه مسلم لأنه يعتقد أن ~~الإسلام بإمكانه أن ينقذ العالم. # سألته: «وماذا عن روحك؟» # فوجئ بسؤالي، وأجابني: «بالطبع سوف ينقذ روحي أيضا. هل أنت مسيحية؟» ~~- «نعم.» ~~- «لماذا؟ هل لأن والديك مسيحيان؟» # أوضحت له أن والدي ليسا مسيحيين ملتزمين. # أصر على سؤاله: «لماذا إذن؟» # أدركت أنني لا أعرف الإجابة تحديدا. أخبرته أني درست الإسلام ولم أجده مناسبا لي، ولست ~~أدري لم راودني هذا الشعور. ربما كنت أعرف عن محمد أكثر مما أعرف عن المسيح، وقرأت من ~~القرآن أكثر مما قرأت من الإنجيل، لكن المسيح كان أقرب إلى قلبي، كان وطنا لي. ابتسم أراش. ~~أعتقد أنه كان يتوقع مني حجة قوية، لكنه لم يجد شيئا. كان الأمر في نظري مسألة ~~عاطفية. # سألته هل والداه متدينان، فأخبرني أن والده ينحدر من عائلة مسلمة ويؤمن بالله، لكنه لا ~~يؤمن بالرسل سواء محمد أم المسيح أم غيرهما. أما جدته إيرينا فتنحدر من عائلة مسيحية، لكنها ~~ليست متدينة على الإطلاق، وزوجها الذي توفي منذ عامين كان ملحدا، وهو جده لوالدته المسيحية ~~التي كانت ms082 تصلي في المنزل ولم تذهب إلى الكنيسة قط. كنت أرغب في معرفة رأي عائلته في ~~معتقداته الدينية، فأخبرني أنه يحرص على أداء الصلوات بانتظام منذ أن بلغ الثالثة عشرة، ~~لكنهم ما زالوا يعتقدون أنه يمر بمرحلة عابرة سوف تنقضي. # وفي مساء اليوم التالي جلست على السلالم الحجرية المؤدية إلى منزلنا الصيفي كي أشاهد ~~الغروب. تحولت السحب في الأفق إلى اللون الأحمر لما مرت بها الشمس، ثم تحول اللون الأحمر ~~إلى أرجواني حالم مع اقتراب الليل. لم أتوقف عن التفكير في أراش. كنت أشعر بالسعادة عندما ~~يكون معي؛ سعادة دافئة مبهجة تسمو على كل ما عداها وتجعل العالم بأسره يبدو ضئيلا تافها. ~~أغلقت عيني وأنصت إلى صوت الليل، سمعت رفرفة أجنحة الخفافيش وهي تبحث عن عشائها وبوق ~~سفينة في الميناء. كان أراش قد قرأ لي بعض الأشعار، وصوته الرخيم الرقيق جعل أشعار حافظ ~~وسعدي والرومي تبدو أكثر روعة مما لو قرأتها بنفسي. كان يلقي الشعر بثقة كأنه شعره، كأنه ~~صاغ كل كلمة فيه مثل لحن رائع. ربما يكون هذا هو الحب؛ ربما أحببته. # أردت أن يرى أراش الصخرة التي أصلي عليها، فدعوته إلى منزلنا ذات صباح. # سألني ونحن نجتاز البوابة باتجاهها: «لماذا تطلقين عليها «صخرة الصلاة»؟» ~~- «لأني صليت هناك مرة عندما كنت طفلة صغيرة، وراودني شعور مميز للغاية، فعاودت المجيء، ~~وأصبح مكاني المفضل.» # وسرعان ما بلغنا الصخرة. لم أكن قد أريتها لأي شخص من قبل، وللحظة لم أكن على يقين مما ~~إذا كنت قد فعلت الصواب، فالمكان في النهاية ليس سوى مجموعة غريبة من الصخور المكسوة ~~بالطحالب. # سألته: «هل تظنني مجنونة؟» ~~- «كلا، بل أعتقد أنك في أمس الحاجة مثلي إلى القرب من الله، وبينما أستخدم الناي وسيلة ~~لذلك، فأنت تصلين على هذه الصخرة.» # قلت: «دعنا نصلي معا. ربما يراودك نفس شعوري. إنها أشبه بنافذة تفتح على السماء.» # تسلقنا الصخرة ورفعنا أيدينا نحو السماء، ورددت جزءا من المزمور الثالث والعشرين من ~~مزامير داود: «الرب راعي فلا يعوزني شيء . في مراع خضر يربضني. ms083 إلى مياه الراحة يوردني. ~~يرد نفسي. يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه. أيضا إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف ~~شرا لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني.» # قال عندما انتهيت: «جميل! ما هذا؟» # أوضحت له أن مزامير داود جزء من الإنجيل. لم يكن قد سمع عنها من قبل، فأخبرته أن جدتي ~~كانت تقرؤها لي، وبأن ذلك المزمور هو المفضل لدي. # جلسنا على الصخرة وأمعن أراش النظر إلى الأمام، ثم سألني: «هل تساءلت من قبل عما يحدث ~~لنا بعد الموت؟» # أجبت بالإيجاب، فأخبرني بأن الموت لغز لا يمكن حله، فهو المكان الوحيد الذي لو زرناه لن ~~نتمكن من رواية ما جرى لنا فيه، ولا أحد يمكنه الفرار منه. # قلت: «أكره موت من نحب، فألم فراقهم لا ينقطع.» ~~- «الواقع أني لم أفقد أحدا من قبل، فقد توفي جدي وأنا صغير، ولا أذكر أي شيء عن ~~ذلك.» ~~- «لكني أتذكر وفاة جدتي.» # رأيت الدموع تترقرق في عينيه، ومرة أخرى راودتني الرغبة في أن أمس وجهه وأتحسس خطوطه ~~بأصابعي، بل راودتني الرغبة في تقبيله. غمرني هذا الشعور، فنهضت واقفة، ووقف هو الآخر، ~~وللحظة تلاقت شفاهنا، ثم تباعدنا كأن صاعقة برق ضربتنا. ~~- «أنا آسف.» ~~- «علام؟» ~~- «من المخالف للشريعة أن يمس رجل امرأة هكذا ما لم يكونا متزوجين.» ~~- «لا مشكلة.» ~~- «كلا، هناك مشكلة. أريدك أن تعلمي أنني أخاف عليك وأحترمك، ولم يكن علي فعل ذلك، ثم ~~إنك أصغر مني كثيرا، وعلينا أن ننتظر.» ~~- «هل تقصد أنك تحبني؟» ~~- «نعم أنا أحبك.» # لم أفهم تحديدا سبب شعوره بالذنب بسبب تلك القبلة، لكني أدركت أن للأمر علاقة بمعتقداته ~~الدينية. كنت قد رأيت في ذلك الصيف بعض الشباب والفتيات يتبادلون القبلات في أماكن هادئة، ~~وطالما تساءلت عما يشعرون به. لو كان الأمر بيدي لقبلته مرة أخرى، ولكنني لم أرد أن ~~أرتكب خطأ أو أن أغضبه. كان هو الأكبر سنا والأكثر خبرة، وكنت أثق به. ~~••• # قضيت تلك الليلة أنا وأمي في منزل خالتي زينيا. استيقظت في السادسة صباحا وتسللت ms084 على ~~أطراف أصابعي إلى المطبخ كي أعد لنفسي كوبا من الشاي. حملت الكوب في يدي وتوجهت إلى غرفة ~~المعيشة، لكني فوجئت بوجود خالتي زينيا تجلس على مائدة الطعام وقد اختفت خلف كومة من ~~الأوراق. تقدمت قليلا نحوها. كانت ترتدي ثياب نوم وردية قطنية مطرزة تناسب فتاة صغيرة وليس ~~امرأة كبيرة في الستينيات من عمرها، وكانت منشغلة بالكتابة في مفكرتها الصغيرة. ترددت في ~~إلقاء تحية الصباح عليها، إذ بدت مستغرقة تماما فيما تفعله. # سألتني بصوت مرتفع حتى كدت أسقط الشاي: «لماذا استيقظت مبكرا هكذا يا مارينا؟ أهو ~~الحب؟» # تمتمت: «صباح الخير خالتي زينيا.» # قالت دون أن تتوقف عن الكتابة: «أيبدو هذا صباح خير لك!» ثم سألتني: «هل تنوين ~~الخروج؟» ~~- «نعم.» ~~- «أين؟» # نادرا ما كانت أمي تسألني إلى أين أذهب. ~~- «في الجوار.» ~~- «هل تعرف أمك أنك تخرجين مبكرا هكذا؟» ~~- «لا أدري.» # نظرت إلي بعينيها الزرقاوين الشاحبتين، ثم قالت: «الأمر عسير، لكنك أهل له.» # نظرت إليها بنظرة متسائلة. ~~- «لا تتظاهري بالغباء، ولا تنظري لي هكذا، فأنت تعلمين قصدي جيدا. أمك وابنتي من نفس ~~النوعية. أحضري لي فنجانا من الشاي.» # استدرت، وفعلت ما طلب مني. وضعت الشاي على المائدة أمامها بيد مرتعشة قليلا. # أمرتني أن أجلس وعيناها تتفحصني من رأسي إلى أخمص قدمي، ثم سألتني: «كم عمرك ~~الآن؟» ~~- «ثلاثة عشر.» ~~- «ما زلت عذراء، أليس كذلك؟» # همست: «معذرة؟» # ابتسمت وقالت: «هذا جيد. إنني أفهمك أكثر من أمك، فأنا أنظر وأرى؛ أما هي فتنظر وترفض أن ~~ترى. أظن أن هذا أول يوم أراك دون كتاب في يدك. أتريدين أن أذكر لك أسماءها؟» ~~- «أي أسماء؟» ~~- «أسماء الكتب التي قرأتها.» # كنت أتصبب عرقا. ~~- «هاملت، روميو وجولييت، ذهب مع الريح، نساء صغيرات، آمال عظيمة، دكتور زيفاجو، الحرب ~~والسلام، وغيرها كثير. ماذا تعلمت إذن من كل هذه الكتب؟» ~~- «تعلمت الكثير.» ~~- «لا ترتكبي أفعالا حمقاء. لست متورطة في تلك الثورة، أليس كذلك؟» ~~- «خالتي زينيا، ما الذي تتحدثين عنه؟ أي ثورة؟» ~~- «أتحاولين خداعي؟» # هززت رأسي نفيا. لم يكن لدي أدنى فكرة عما ms085 تتحدث عنه. ~~- «أنا سعيدة لأنك تسمعين هذا الكلام مني، فأنا أعلم الكثير عن الثورات. والآن اسمعيني ~~جيدا. هناك شيء مفزع يحدث في هذا البلد؛ يمكنني أن أستشعره، فهو يفوح برائحة الدم ~~والكوارث. هناك احتجاجات ومظاهرات ضد الشاه منذ فترة. منذ سنوات وآية الله الذي لا أذكر ~~اسمه هذا يعارض الحكومة، وأؤكد لك أنه لا ينوي خيرا، فسوف يرحل نظام دكتاتوري كي يحل محله ~~نظام دكتاتوري آخر أسوأ مثلما حدث في روسيا مع اختلاف الأسماء، بل إن الأمر سيكون أكثر ~~خطورة، لأن تلك الثورة تتخذ من الدين قناعا تختبئ خلفه. المثقفون يتبعون آية الله هذا، بل ~~إن ماري وزوجها معجبان به. إنه في المنفى الآن، ولكن ذلك لم يثنه عن عزمه. عليك أن تبتعدي ~~عنه. إنه يقول إن الشاه فاحش الثراء، لكن الشاه هو الشاه؛ هو ليس مثاليا، ولكن من منا ~~هكذا؟ يقول آية الله أيضا إن هناك الكثير من الفقراء في إيران، لكن الفقراء موجودون في كل ~~مكان. لا تنسي ما حدث في روسيا، فقد قتلوا القيصر، ولكن هل تظنين أنهم أصبحوا أفضل حالا ~~الآن؟ هل تعتقدين أن أهل روسيا أصبحوا جميعا أحرارا أغنياء سعداء؟ الشيوعية ليست حلا ~~للمشاكل الاجتماعية، ولا الدين أيضا. هل تفهمين؟» # أومأت وأنا أشعر بالصدمة، ثم عادت خالتي تكتب في مفكرتها مرة أخرى. ~~••• # في وقت لاحق من هذا الصباح عندما شرعت أنا وأراش في نزهتنا سيرا على الأقدام، نادانا ~~أرام من الشرفة وسألنا إلى أين نذهب. # سأله أراش: «لماذا تريد أن تعرف؟» # أجاب أرام أنه يشعر بالملل ويرغب في أن يرافقنا، فطلب منه أراش أن يخلد إلى النوم، لكن ~~أرام أصر على المجيء، فاستسلمنا في نهاية الأمر. وبينما كنا نسير نحو الشاطئ سأل أرام عما ~~أفعله أنا وأراش طوال اليوم كل يوم، وهو ما أغضب أراش وأسفر عن مشادة بينهما جعلتني ~~أستغرق في الضحك. # وعلى الشاطئ جاء أرام ليسبح معي، لكن أراش لم يكن يحب البحر، بل دائما كان يقرأ بينما ~~أسبح . أخذت أراقبه وأنا في ms086 البحر، فوجدت أنه غير منتبه للكتاب الذي يقرؤه، ولكنه يراقبني ~~أنا وأرام. # ظل أراش هادئا طوال اليوم، وفي المساء ذهبنا لغرفته، وأنصت إليه وهو يعزف على الناي. ~~أغلقت عيني، لكنه توقف فجأة في منتصف مقطوعته المفضلة، ففتحت عيني ونظرت إليه في ~~دهشة. # سألته: «ما الأمر؟» ~~- «لا شيء.» # أطرق برأسه متفاديا النظر إلي. ~~- «أراش، أخبرني ما الأمر.» # جلس بجواري على الفراش وسألني: «هل تحبينني حقا؟» ~~- «نعم أحبك. أخبرني ماذا هناك.» ~~- «بدوت سعيدة للغاية مع شقيقي اليوم. كنت تستمتعين بوقتك، فخطر لي أنه ربما ... لا أدري ~~...» ~~- «خطر لك أني معجبة به.» ~~- «هل هذا صحيح؟» ~~- «من المفترض أنك تعرفني جيدا الآن. إنه مرح، لكنه ليس النوع الذي يروق لي.» ~~- «ماذا تقصدين بالنوع الذي يروق لك؟» ~~- أنت من تعجبني وليس هو. أنا لا أحب شقيقك، بل أحبك أنت.» ~~- «آسف. لا أدري ماذا دهاني. طالما كان أرام يتمتع بشعبية كبيرة، وكل الفتيات يحببنه، ولا ~~أريد أن أفقدك.» ~~- «لن يحدث هذا.» # ولكنه لم يبد سعيدا، فسألته: «ألا تصدقني؟» ~~- «بلى.» # ثم وقف وتوجه نحو النافذة. كانت الرياح عاصفة والأمواج تهدر لتطغى على كل الأصوات ~~الأخرى، وفجأة قال إنه يريد أن يخبرني بأمر مهم. لم يكن لدي أي توقعات عما يريد أن يخبرني ~~به، فقال إن هناك حركة كبيرة ضد الشاه، وإن هناك ثورة في مهدها، وهناك العديد من الاحتجاجات ~~والاعتقالات. أخبرته أن خالتي زينيا حدثتني عن الثورة في صباح ذلك اليوم. # سألته عن السبب الذي يدعو الناس للثورة ضد الشاه، فأوضح لي أن الشاه وعائلته وأفراد ~~الحكومة كلهم فاسدون، وأنهم يزيدون غنى في الوقت الذي يصارع فيه الشعب الإيراني الفقر. ~~أخبرته أيضا أن خالتي زينيا تعتقد أن نفس السيناريو الذي حدث في روسيا سوف يتكرر في ~~إيران. # قال أراش: «لكن الثورة الروسية لم تستند على أسس صحيحة؛ فالشيوعية كانت الحل الخاطئ ~~لمشاكلها، فضلا عن أن قادتها ما كانوا يؤمنون بالله، فسرعان ما طالتهم يد الفساد هم ~~أيضا.» ~~- «إذن كيف تجزم بأن من يحل محل الشاه سيكون أفضل ms087 منه؟» # سألني هل سمعت عن آية الله الخميني. ~~- «أخبرتني خالتي عن شخص يدعى آية الله، ولكنها لم تكن تذكر اسمه. من يكون ~~الخميني؟» # أخبرني أن الخميني رجل دين أمر الشاه بنفيه، وأنه يريد لشعب إيران أن يحيا وفقا للشريعة ~~الإسلامية، وأن توزع ثروات البلاد على الجميع، وألا تستأثر بها فئة صغيرة، وهو يقود الحركة ~~المضادة للشاه منذ عدة أعوام. # أخبرت أراش أنني لا أشعر بالارتياح حيال تلك الثورة. على حد علمي لم تكن عائلتانا ~~موسرتين، وآباؤنا لا يشغلون مناصب مهمة في الحكومة، لكننا نحيا حياة كريمة ونتلقى تعليما ~~جيدا مجانيا، وهو على وشك الالتحاق بالجامعة كي يصبح طبيبا، فلم نحتاج الثورة ~~إذن؟ # أجابني متحمسا: «لا يتعلق الأمر بنا فحسب يا مارينا، ولكنه يتعلق بمن يعانون من الفقر، ~~فالحكومة تجني أموالا طائلة من بيع النفط الذي هو ملك للشعب الإيراني، ثم ينتهي الأمر ~~بمعظم تلك الأموال في الحسابات الشخصية للشاه ومسئولي حكومته. هل تعلمين أنه منذ عدة أعوام ~~والسافاك - البوليس السري - يلقي القبض على معارضي الشاه ومنتقدي حكومته ويخضعونهم ~~للتعذيب، بل الإعدام؟» ~~- «كلا.» ~~- «حسنا، تلك هي الحقيقة.» ~~- «كيف علمت بكل ذلك؟» ~~- «قابلت بعض هؤلاء السجناء السياسيين. إنهم يتعرضون لأنواع وحشية من التعذيب في السجن؛ ~~سماعها وحده يصيبك بالغثيان.» ~~- «يا للبشاعة! لم تكن لدي فكرة عن ذلك.» ~~- «حسنا، الآن أصبحت لديك فكرة.» # سألته هل يعلم والداه بدعمه للثورة، فأكد لي أنه لا يستطيع إخبارهما بذلك، لأنهما لن ~~يتفهما الأمر. # قلت: «كثير من الناس يموتون في الثورات.» ~~- «سأكون بخير، عليك أن تتحلي بالشجاعة يا مارينا.» # شعرت بالقلق، ولم أكن أرغب في أن يصيبه مكروه. بدا علي الشعور بالخوف، فأمسك ~~يدي. ~~- «مارينا، أرجوك لا تقلقي. سأكون بخير، أعدك بذلك.» # حاولت أن أصدقه، وأن أتحلى بالشجاعة، غير أني لم أكن سوى فتاة في الثالثة عشرة من ~~عمرها. ~~*** # لم أدخل في أي نقاش سياسي مع أراش ما تبقى من الصيف. كنت أرغب في نسيان أمر الثورة. ظل ~~أراش يعزف لي على الناي كل يوم، وظللنا نذهب ms088 في نزهات طويلة سيرا على الأقدام، ونركب ~~الدراجات على الشاطئ، ونقرأ الشعر ونحن جالسان على الأرجوحة في الفناء الخلفي ~~بمنزله. # رحل أراش إلى طهران قبلي بأسبوعين. كنت أنا وأمي غالبا ما نعود إلى طهران في بداية ~~سبتمبر كي أتيح لنفسي وقتا كافيا للاستعداد للدراسة التي تبدأ في الحادي والعشرين من ~~سبتمبر؛ أول يوم من أيام الخريف. راقبت أراش وهو يقود سيارة والده البيكان البيضاء مبتعدا ~~عن منزل عمته، حيث تجلس جدته في المقعد الأمامي وشقيقه في المقعد الخلفي. لوحوا لي ~~يودعونني، فلوحت لهم بدوري حتى اختفوا عن ناظري. ~~••• # وصلت إلى طهران يوم الخميس السابع من سبتمبر، واتصلت بأراش على الفور، وقررنا أن نلتقي في ~~إحدى المكتبات يوم التاسع في العاشرة صباحا. # وفي يوم التاسع استيقظت قبل الفجر، ولما كنت أشعر بالقلق فقد خرجت إلى الشرفة. في تلك ~~الساعة المبكرة، كان الشارع المزدحم دوما مهجورا، والنسيم العليل يداعب الأوراق المتربة ~~لشجر القيقب محدثا حفيفا. أردت أن أتصل بأراش وأطلب منه الحضور مبكرا، ولكن هذا الأمر ~~كان ضربا من الجنون. كان علي أن أنتظر. ثم سمعت صوت صفير غريب، فحدقت في الظلام، ولمحت ~~في الجانب الآخر من الشارع شيئا يتحرك. دققت النظر، فوجدت شبحا مظلما يتحرك في ضوء ~~الشارع ويكتب شيئا ما على الحائط القرميدي لأحد المحلات مستخدما علبة من الطلاء الرشاش. ~~صرخ أحدهم: «توقف!» لم أدر من أين أتى الصوت، وذلك لأن الكلمة تردد صداها بين المباني. أخذ ~~الشبح المظلم يجري، ثم سمعت صوتا مدويا كقصف الرعد، واختفى الشبح في الجوار، ثم ظهر شبح ~~جنديين مسلحين، فجريت أختبئ بالداخل. # وبعد شروق الشمس عدت إلى الشرفة، فرأيت الحائط القرميدي الرمادي في الجانب الآخر من ~~الشارع وقد كتب عليه بحروف حمراء كبيرة: «ليسقط الشاه!» # وصلت إلى المكتبة مبكرا عن موعدي بضع دقائق وأخذت أتصفح الأرفف، وفي العاشرة والربع أخذت ~~أتلفت حولي. لم يتأخر أراش عن مواعيده من قبل. ظللت أنظر في الساعة باستمرار، وفي كل مرة ~~يفتح فيها الباب ويدخل أحدهم يراودني بصيص ms089 من الأمل، ولكنه لم يأت. انتظرت حتى الحادية ~~عشرة، وظللت أؤكد لنفسي أن الأمر على ما يرام، وربما يكون الزحام المروري هو ما منعه من ~~الحضور أو ربما تعطلت سيارته. # عدت إلى المنزل واتصلت بأراش على الفور، فأجاب أرام على الهاتف، وعرفت من صوته أن ثمة ~~خطبا ما. أخبرته أني كنت على موعد مع أراش في إحدى المكتبات لكنه لم يأت. # سألته بأقصى ما استطعت من الهدوء: «أرام، أين هو؟» # أخبرني أرام أنه لا يعرف. كان أراش قد خرج في صباح اليوم السابق، ومن المفترض أن يعود ~~لتناول العشاء، لكنه لم يعد. اتصل والداه بكل من يعرفونه، لكنهما لم يجدا أحدا يدلهما على ~~مكانه. كانت هناك مظاهرة احتجاجية حاشدة ضد الشاه في ذلك اليوم في ميدان «جاله»، نظمها ~~مؤيدو الخميني، وأطلق الجيش النار على المتظاهرين مما أدى إلى إصابة الكثيرين. أحد أصدقاء ~~أراش أخبر والده أنه ذهب مع أراش إلى ميدان «جاله» لكنهما افترقا هناك. اتصل والدا أراش ~~بجميع مستشفيات طهران، بل إن والده ذهب إلى «إيفين»، لكنه لم يتمكن من العثور عليه. ~~«السجناء السياسيون يتعرضون لأنواع وحشية من التعذيب في السجن؛ سماعها وحده يصيبك ~~بالغثيان.» أبعدت تلك الفكرة عن ذهني، وحصلت على وعد من أرام بأن يتصل بي فور أن تصله أي ~~أنباء. # شعرت بمسافة قاسية باردة بيني وبيني الغرفة التي أقف فيها، وكأن الحياة ذاتها قد دفعتني ~~بعيدا. بدت الأصوات المكتومة للسيارات وهي تسير في الطريق غريبة غير مألوفة. كنت أعرف ذلك ~~الألم؛ إنه الحزن. ~~••• # في صباح اليوم التالي قرعت جرس منزل أراش، وانتظرت. فتح أرام الباب. تعانقنا طويلا، ثم ~~فتحت عيني لأجد إيرينا تحدق إلينا. كان علي أن أتحلى بالقوة، فتركت أرام وعانقت إيرينا، ~~ثم ساعدتها في السير إلى غرفة المعيشة والجلوس على الأريكة. دخل والد أراش وعرفني أرام ~~به. كان أراش يشبه والده تماما. # قال لي والد أراش: «شكرا لمجيئك. أخبرني أراش بكل شيء عنك. كنت أتمنى أن ألقاك في ظروف ~~أفضل من هذه.» # جلست بجوار ms090 إيرينا وأمسكت يديها وهي تبكي، ثم دخلت والدة أراش فنهضت وقبلتها. كان ~~وجهها باردا وعيناها منتفختين. رأيت صورا عائلية في كل مكان. لم أكن أملك أي صور تجمعني ~~بأراش. # طلبت من أرام أن يريني غرفة شقيقه. كانت بسيطة للغاية بلا صور أو ملصقات على الجدران. ~~رأيت صندوق نايه الأسود على المكتب، وبجواره علبة مجوهرات بيضاء صغيرة أخذها أرام وأعطاها ~~لي. # قال: «لقد اشترى هذه لك منذ بضعة أيام.» # فتحت العلبة فوجدت عقدا ذهبيا جميلا بها، فأغلقتها مرة أخرى، وأعدتها مكانها على ~~المكتب. # قال أرام وهو يناولني ورقة: «وجدت خطابا في درج مكتبه. لم أكن أقصد التطفل على خصوصياته، ~~ولكن كان علي أن أبحث عن أي شيء يدلنا على مكانه.» تعرفت على خط أراش، وكان الخطاب موجها ~~إلى والديه وجدته وشقيقه ولي، وكتب في الخطاب أنه مقتنع بضرورة الدفاع عما يعتقد أنه ~~صواب، وأن عليه فعل شيء من أجل التصدي للشر، وأوضح أنه يساند الثورة الإسلامية ضد الشاه بكل ~~ما أوتي من قوة، وأنه مدرك تماما أنه متورط في أمر خطير. وكتب أيضا أنه لم يكن شجاعا من ~~قبل قط، لكنه يشعر الآن بضرورة تنحية خوفه جانبا، وأنه يدرك أنه قد يفقد حياته دفاعا عن ~~معتقداته. وفي النهاية ذكر أن قراءة هذا الخطاب تعني أنه غالبا قد مات، وطلب منا السماح ~~والمعذرة لأنه تسبب لنا في الشعور بالألم. # نظرت إلى أرام، فقال لي: «لم يكن والداي على علم بتورطه في تلك الثورة اللعينة، لكني كنت ~~أعلم، وحاولت أن أثنيه عن عزمه، غير أنك تعرفينه جيدا؛ فهو لا يستمع إلى قط، فأنا الشقيق ~~الأصغر الذي لا يعلم أي شيء.» # جلست على فراش أراش وأعدت الخطاب لأرام. كان هناك قميص أزرق على وسادة أراش، فأمسكت به. ~~كان أحد قمصانه المفضلة التي ارتداها مرارا في ذلك الصيف. شممت القميص، ووجدته لا يزال ~~يحمل رائحته. كنت أتوقع دخول أراش غرفته وعلى وجهه ابتسامته الدافئة وهو ينطق اسمي بصوته ~~الدافئ الحنون. # كنت قد شاهدت الأخبار الليلة ms091 الماضية، ولم تكن هناك أي إشارة لمظاهرة ميدان «جاله»، فكل ~~قنوات التلفاز مملوكة للدولة، ومن ثم تجاهلت معظم الأحداث والنكبات الأخيرة. لم أفهم لم قد ~~يعطي الشاه أوامره للجيش بإطلاق النار على المتظاهرين. لماذا لم يستمع إلى مطالبهم ويتحدث ~~إليهم؟ # توجهت إلى النافذة ونظرت للخارج، وتساءلت هل فكر أراش في من قبل وهو يقف في النافذة ~~يراقب الشارع الهادئ. وقف أرام بجواري يحدق إلى الشارع، وتمزق قلبي حزنا لأجله. كان هو ~~وشقيقه شديدي الاختلاف، لكن أيضا شديدي القرب أحدهما من الآخر. # وفي غرفة المعيشة، جذبت انتباهي صورة لهما معا: طفلان صغيران في عمر السابعة والتاسعة ~~تقريبا وذراع كل منهما تحيط بعنق شقيقه وهما يضحكان. # | الفصل الثامن # قالت لي سارة: «حان دور مبنانا في الحصول على المياه الساخنة الليلة.» كانت أول ليلة لي ~~في «246». أوضحت لي أننا نحصل على الماء الساخن مرة كل أسبوعين أو ثلاثة، وكل مرة لا تدوم ~~أكثر من ساعتين أو ثلاث، وسوف يحين دور غرفتنا في الاغتسال نحو الثانية صباحا. وأضافت: ~~«لكل منا عشر دقائق تغتسل فيها. سوف أوقظك عندما يحين الموعد.» # حان وقت النوم، وكانت أنوار الغرف تطفأ في الحادية عشرة كل ليلة، بينما تبقى أنوار ~~الممرات مضاءة طوال الوقت. عرفتني سارة بالفتاة المسئولة عن «الأسرة»، وحصلت كل منا على ~~ثلاث بطاطين. كان جميع الفتيات ينمن على الأرض جنبا إلى جنب، وكل منا لها بقعة مخصصة تتغير ~~باستمرار. كان عدد الفتيات كبيرا جدا، حتى إن البعض كان ينام في الممرات. وجدت مكانا ~~بجوار سارة في الغرفة، وطويت إحدى البطاطين ثلاث مرات كي أنام عليها واستخدمت الثانية وسادة ~~والثالثة غطاء. وعندما استقر الجميع في أماكنهن، لم يعد هناك مكان خال. كان الذهاب إلى ~~دورة المياه في منتصف الليل تحديا كبيرا؛ إذ كاد يستحيل الوصول إلى دورة المياه دون أن ~~تطأ إحداهن بقدميك. في عهد الشاه كان «246» بطابقيه العلوي والسفلي يضم نحو خمسين سجينا، ~~أما الآن فقد وصل العدد إلى نحو ستمائة وخمسين. # أيقظتني سارة كما وعدتني. شعرت ms092 في بادئ الأمر بالارتباك ولم أدر أين أنا، ثم أدركت أنني ~~لست في فراشي بالمنزل، بل في «إيفين». اختلط صوت المياه المتدفقة من الأدشاش بأصوات ~~الفتيات، وساعدتني سارة في النهوض، فنهضت وأنا أعرج. كانت غرفة الاغتسال أسمنتية الجدران ~~والأرضية مطلية باللون الأخضر الداكن، وتقسمها ألواح بلاستيكية سميكة إلى ست حجيرات منفصلة، ~~وعلى كل فتاتين مشاركة نفس الحجيرة مدة عشر دقائق. كان الجو مشبعا بالبخار ورائحة الصابون ~~الرخيص، وأخذت أنظف جسدي وأنا أبكي. # في تلك اللحظة التي خلعت فيها العصابة عن عيني في ليلة الإعدام تغيرت حياتي تماما. كنت ~~قد مررت بالعديد من التجارب الصعبة من قبل، ولكنها لم تؤثر في كنه حياتي؛ فقدت أحبائي، ~~وألقي القبض علي، وتعرضت للتعذيب، لكن تلك الليلة أخذتني إلى آفاق أبعد بكثير. كان وقتي ~~في هذا العالم قد انتهى، لكنني ما زلت على قيد الحياة. ربما يكون هذا هو الخط الفاصل بين ~~الحياة والموت، وأنا لا أنتمي لأي منهما. # ذهبنا إلى أماكن النوم بعد الاغتسال. كان المكان ضيقا للغاية، حتى إنني إذا استلقيت على ~~ظهري فسوف أضايق المجاورات لي، فواجهت سارة وحافظت على ركبتي مفرودتين قدر الإمكان. فتحت ~~سارة عينيها، وابتسمت. ~~- «مارينا، لا أقصد إزعاجك، وأعلم أن كلامي هذا قد يبدو غبيا، لكني سعيدة بوجودك هنا ~~معي، فقد كنت أشعر بوحدة شديدة قبل أن تأتي.» ~~- «أنا أيضا سعيدة لأننا معا.» # أغمضت عينيها، فأغمضت عيني أنا الأخرى. أردت أن أخبرها بأمر ليلة الإعدام، لكنني لم ~~أستطع. لا يوجد من الكلمات ما يصلح لوصفها، ولم أرد إخبارها أيضا بحكم السجن مدى الحياة، ~~لأنه سوف يثير حزنها. هل سيحتجزونني في «إيفين» إلى الأبد حقا؟ هذا يعني أنني لن أعانق ~~أمي، أو أرى أندريه، أو أذهب إلى الكنيسة، أو أرى بحر قزوين مرة أخرى. كلا، إنهم يودون ~~إخافتي وبث اليأس في نفسي فحسب. علي أن ألح في الدعاء والتضرع إلى الله كي ينقذني أنا ~~وسارة. سنعود أنا وهي إلى المنزل قريبا. # بدا لي كأننا لم ننم سوى دقائق عندما ms093 ملأ صوت المؤذن الغرفة عبر مكبرات الصوت: «الله ~~أكبر، الله أكبر ...» كان الوقت قد حان لصلاة الفجر. نهضت سارة ومعظم الفتيات واتجهن إلى ~~الحمام كي يؤدين فرائض الوضوء من غسل اليدين والذراعين والقدمين، وهو أمر يسبق كل صلاة. ~~أخيرا يمكنني النوم على ظهري. لمست إحداهن كتفي، ففتحت عيني ووجدتها سهيلة. # سألتني: «ألن تقومي إلى الصلاة؟» # ابتسمت، وقلت: «أنا مسيحية.» ~~- «أنت أول مسيحية أقابلها هنا! كان لدي ... أقصد لدى جيران مسيحيون في الشقة المجاورة ~~لنا واسم عائلتهم جالاليان، وأنا صديقة ابنتهم نانسي، وقد دعوني ذات مرة إلى منزلهم كي ~~أحتسي القهوة التركية معهم. هل تعرفين آل جالاليان؟» # أجبتها بالنفي. # اعتذرت لإيقاظي، وسألتني هل يصلي المسيحيون، فأوضحت لها أننا نصلي، ولكن ليس كصلاة ~~المسلمين، فالصلاة لدينا لا ترتبط بأوقات محددة. ~~••• # كان علينا أن نرتب الغرفة في السابعة صباحا، ودهشت من السرعة التي تم بها ذلك، وكيف ~~رصت البطاطين المطوية في أحد أركان الغرفة. فردت الفتاتان المسئولتان عن الطعام مفارش ~~رقيقة من البلاستيك يسمونها «السفرة»، عرضها نحو نصف المتر على الأرض، ووزعتا الملاعق ~~المعدنية والأطباق والأكواب البلاستيكية، ولم يكن لدينا أي شوك أو سكاكين، ثم ذهبت الفتاتان ~~إلى الردهة وعادتا حاملتين دورقا معدنيا أسطواني الشكل كبيرا يحتوي على الشاي. كان ~~الدورق ثقيلا، وكل واحدة منهما تمسك بإحدى يديه وهي تلهث. أحضرتا معهما أيضا حصتنا من ~~الخبز وجبن الفيتا. انتظمنا في صفوف كي نحصل على طعامنا، ثم جلسنا حول السفرة وأخذنا ~~نتناول الطعام. كنت أتضور جوعا، فالتهمت طعامي في ثوان معدودة. كان الخبز طازجا، وعلمت ~~أن السجن به مخبز خاص، وكان الشاي ساخنا ولكن رائحته غريبة. أخبرتني سارة أن هذه الرائحة ~~بسبب الكافور الذي يضعه الحرس في الشاي، وأنها سمعت أن الكافور يوقف الطمث لدى السجينات؛ ~~فمعظم الفتيات هنا قد انقطع الطمث لديهن تماما، لكن الكافور له أعراض جانبية، منها تورم ~~الجسم والاكتئاب. سألتها عن السبب الذي يدعو الحرس لإيقاف الطمث لدينا، فأخبرتني أن الفوط ~~الصحية باهظة الثمن. بعد الانتهاء من الطعام وضعت الفتاتان ms094 المسئولتان عن غسيل الأطباق ~~الأطباق المتسخة في صناديق بلاستيكية، وأخذتاها إلى غرفة الاغتسال، وغسلتاها بالماء ~~البارد. # سرعان ما ألممت بالقواعد العديدة للمكان؛ لم يكن مسموحا لنا تخطي الأبواب ذات القضبان ~~الحديدية الموجودة في نهاية الممر ما لم تنادنا إحدى الأخوات عبر مكبر الصوت، وهو ما لا ~~يحدث إلا في حالة استدعائنا للتحقيق أو للزيارة. الزيارات مسموح بها مرة واحدة في الشهر، ~~وموعد الزيارة التالية سيحل بعد أسبوعين. لم تستقبل سارة أي زائر بعد، لكنها كانت تأمل في ~~أن يسمح لوالديها بزيارتها قريبا. علمت أيضا أن أفراد العائلة المقربين فحسب هم المسموح ~~لهم بالزيارة وبإحضار ملابس لنا. في كل غرفة يوجد جهاز تلفاز، لكن البث يقتصر على البرامج ~~الدينية. توجد كتب أيضا، لكن كلها تتحدث عن الإسلام. # كان الغداء يتكون عادة من القليل من الأرز أو الحساء، أما العشاء فيتكون من الخبز والتمر. ~~من المفترض أننا نحصل على بعض الدجاج مختلطا بالأرز والحساء، لكن من كانت تعثر على قطعة ~~صغيرة من اللحم في طعامها تعتبر محظوظة وتتباهى بها أمام زميلاتها. كانت مندوبة الغرفة - ~~التي تختارها الفتيات أحيانا وأحيانا أخرى يعينها الحرس - تنظم توزيع الطعام، ومهام ~~التنظيف، وتبلغ الإدارة عن أي مرض أو مشكلة خطيرة. # ذات يوم، بعد نحو عشرة أيام من القبض علي، جلست في ركن من الغرفة وأخذت أراقب الفتيات ~~وهن يؤدين صلاة الظهر، ويقفن في صفوف تجاه الكعبة. كانت أول مرة أرى فيها صلاة المسلمين عن ~~قرب عندما راقبت أراش وهو يصلي في منزل عمته. أحببت أن أراه وهو يركع ويسجد ويهمس بكل ~~الأشياء التي يؤمن بها. هل كان سيوافق على تلك الحكومة الجديدة وما ترتكبه من أعمال وحشية ~~باسم الدين؟ كلا، لقد كان أراش طيبا حنونا، وما كان سيتقبل ذلك الظلم. وربما كان سينتهي ~~المطاف بكلينا في «إيفين.» # خاطبتني إحدى رفيقاتي في الغرفة، فتحركت فزعة. كان اسمها ترانه؛ فتاة نحيلة في العشرين من ~~عمرها، عيناها عسليتان واسعتان، وشعرها أصفر قصير، وتجلس في أحد جوانب الغرفة معظم الوقت ~~تقرأ ms095 القرآن، وفي كل مرة تقف فيها للصلاة تغطي وجهها بالشادور، وعندما تخلعه نجد عينيها ~~حمراوين منتفختين، لكن الابتسامة لم تكن تفارقها. # قالت لي: «تجلسين كالتمثال منذ وقت طويل حتى دون أن يطرف لك جفن.» ~~- «كنت أفكر.» ~~- «فيم؟» ~~- «في أحد الأصدقاء.» # سألتها لم ألقي القبض عليها، فأجابتني: «قصة طويلة.» ~~- «حسنا، يبدو أن لدينا الكثير من الوقت.» ~~- «ليس لدي وقت.» # ملأني شعور بالرهبة، كانت سارة قد أخبرتني أن فتاتين من غرفتنا محكوم عليهما بالإعدام، ~~لكن ترانه لم تكن إحداهما. ~~- «لكن سارة أخبرتني ...» # همست: «لا أحد يعلم ذلك.» ~~- «ولماذا لم تخبري أحدا؟» ~~- «وما الفائدة؟ حينها سيقلق الآخرون عليك ويشعرون بالأسى تجاهك، وأنا أكره ذلك. أرجوك لا ~~تخبري أحدا.» ~~- «ولماذا أخبرتني؟» ~~- «صدر بحقك حكم بالإعدام أنت أيضا، أليس كذلك؟» # انقبض قلبي. لم أستطع أن أكذب عليها، فاستجمعت شجاعتي وأخبرتها عن ليلة الإعدام وكيف ~~أنقذني علي في اللحظة الأخيرة، فسألتني عن السبب الذي دفعه لإنقاذي، فأخبرتها أني لا ~~أدري. حينها صارحتني أخيرا بما تود الاستفسار عنه. ~~- «هل لمسك من قبل؟» ~~- «كلا، ماذا تقصدين؟» ~~- «تعرفين ماذا أقصد؛ فمن المفترض ألا يمس رجل امرأة ما لم يكونا متزوجين.» ~~- «كلا!» ~~- «غريب!» ~~- «ما الغريب في ذلك؟» ~~- «سمعت كلاما.» ~~- «أي كلام؟» ~~- «أخبرتني فتاتان أنهما تعرضتا للاغتصاب، وتلقتا تهديدا بالإعدام إذا ما أخبرتا ~~أحدا.» # كانت فكرتي عما يعنيه الاغتصاب مبهمة. كنت أعلم أنه فعل مروع يرتكبه الرجل بحق إحدى ~~النساء؛ شيء لا يجب أن يتحدث عنه الناس. ومع أنني كنت أرغب في معرفة المزيد، فلم أجرؤ على ~~السؤال. # سألت ترانه: «وماذا عما سبق ليلة الإعدام؟ لم يلمسك أحد حينها؟» ~~- «كلا!» # اعتذرت مني على إزعاجي. حاولت ألا أبكي، وأخبرتها كم هو مؤلم أن أحيا في الوقت الذي ~~لاقى فيه الآخرون حتفهم، فقالت إن موتي لم يكن ليغير مصيرهم في شيء. ~~- «كيف عرفت عن حكم الإعدام الذي صدر بحقي؟» ~~- «عندما جئت إلى هنا، كان اسمك مكتوبا على جبهتك.» # لم أفهم شيئا. # قالت: «بعد أن ألقي القبض علي تعرضت للضرب مدة يومين، لكني رفضت ms096 التعاون معهم، وذات ~~ليلة سحبني المحقق للخارج ونزع العصابة عن عيني ... رأيت جثثا ... مغطاة بالدم. هؤلاء أعدموا ~~... كانوا نحو عشر أو اثنتي عشرة جثة. تقيأت، وأخبرني بأنني سألقى نفس المصير ما لم أعترف. ~~كان يحمل مصباحا يدويا في يده، فسلطه على وجه أحد الموتى. كان شابا، وكان اسمه مكتوبا ~~على جبهته: مهران كبيري.» # مع أنني أعلم جيدا أن كل ما حدث ليلة الإعدام كان حقيقيا، فقد تعاملت معه كأنه كابوس، ~~وحاولت جاهدة إبعاده عن ذاكرتي قدر الإمكان، ولكنه عاد الآن حيا. تثاقلت أنفاسي. قد تشاهد ~~ترانه ما شاهدته أنا تلك الليلة، ولم يكن بوسعي أن أساعدها بأي وسيلة. # أخبرتني ترانه أنها سمعت أن الحرس يغتصبون الفتيات قبل إعدامهن لأنهم يعتقدون أن العذارى ~~يذهبن إلى الجنة بعد الموت. # قالت: «مارينا، يمكنهم أن يقتلوني إذا أرادوا، لكني لا أريد أن أتعرض للاغتصاب.» ~~••• # كانت لدينا سجينة حبلى في غرفتنا تدعى شيدا. كانت في العشرين من عمرها تقريبا، وعليها ~~حكم بالإعدام أيضا، لكن تنفيذ الحكم تأجل، لأنه من المخالف للشريعة إعدام الحبلى أو ~~المرضع. كان لها شعر بني فاتح طويل، وعينان بنيتان، وزوجها ينتظر تنفيذ حكم الإعدام ~~أيضا. لم نكن نتركها وحدها قط كي لا ندع لها فرصة للقلق. فتاتان على الأقل كانتا تلازمانها ~~معظم الوقت. وبالرغم من هدوئها الدائم كانت الدموع تنهمر من عينيها في صمت من حين لآخر. كان ~~بوسعي أن أتخيل قدر معاناتها، فهي لم تكن قلقة على نفسها فحسب، بل أيضا على زوجها ~~وجنينها. ~~*** # ذات ليلة استيقظنا على صوت إطلاق النيران. نهضت جميع الفتيات، وجلسن في أسرتهن، وحدقن ~~في النوافذ. كل رصاصة كانت تعني حياة ضائعة؛ نفسا أخيرا؛ عزيزا تمزقت أشلاؤه بينما ~~أسرته تنتظره وتأمل في عودته. سوف يدفنون في قبور مجهولة بلا شواهد تحمل أسماء من ~~فيها. # همست سارة: «سيرس ...» # كذبت عليها: «سيرس بخير؛ أعلم أنه بخير.» # امتلأت عينا سارة السوداوان بالدموع، وأخذت تنشج وصوتها يعلو شيئا فشيئا. طوقتها بذراعي ~~وعانقتها، لكنها دفعتني بعيدا وأخذت تصرخ. # اقتربت منها بعض ms097 الفتيات محاولات تهدئتها: «اهدئي يا سارة. خذي نفسا عميقا.» # لكنها بدأت تضرب رأسها بيديها. حاولت أن أمسك معصميها، لكنها كانت قوية جدا. تمكن ~~أربع منا من إيقافها، لكنها ظلت تقاومنا. أضيئت الأنوار، وبعد دقيقة اندفعت الأخت مريم ~~وإحدى الحارسات وتدعى الأخت معصومة إلى غرفتنا. # سألت الأخت مريم: «ماذا يحدث هنا؟» # قالت سهيلة: «إنها سارة. كانت تبكي وتصرخ، ثم بدأت تضرب نفسها بقوة.» # صاحت الأخت مريم في الأخت معصومة: «أحضري الممرضة!» فاندفعت الأخت معصومة خارج ~~الغرفة. # وصلت الممرضة في أقل من عشر دقائق وحقنت سارة في ذراعها، وسرعان ما توقفت سارة عن ~~المقاومة وأغشي عليها. أمرت الأخت مريم بإيداع سارة مستشفى السجن كي لا تؤذي نفسها. وضعت ~~الأختان والممرضة سارة فوق بطانية وحملنها إلى الخارج. تدلت يدها الصغيرة من جانب ~~البطانية. توسلت إلى الله ألا تموت سارة، فأسرتها تتوقع عودتها مثلما كانت أسرة أراش تتوقع ~~عودته. # | الفصل التاسع # انتظرنا كلنا عودة أراش، مع أننا كنا نعلم أنه لن يعود. # ظل الشاه يقيل رئيس الوزراء ويعين مكانه آخر محاولا استعادة السيطرة على البلاد، وأخذ ~~يلقي الخطب ويخبر الشعب أنه قد سمع صرختهم من أجل تحقيق العدالة، وأنه سيعمل على إحداث بعض ~~التغييرات، ولكن بلا فائدة. تزايدت التجمعات والاحتجاجات ضد الشاه يوما بعد يوم، وفي العام ~~الدراسي 1978 / 1979 شعر الجميع بالقلق حيال المستقبل. العالم الذي نشأت فيه والقواعد التي ~~كنت أحيا وفقها وأظن أنها ثابتة كما الصخر بدأت تتهاوى أمام عيني. كرهت الثورة، فقد تسببت ~~في العنف وإراقة الدماء، وكنت واثقة أن هذه مجرد بداية. سرعان ما فرض حظر التجول العسكري، ~~وظهر الجنود والشاحنات العسكرية في كل الشوارع. هكذا أصبحت غريبة في عالمي. # وذات يوم اهتز منزلنا مصحوبا بصوت ضجيج مدو هزني من الأعماق، فنظرت من النافذة ورأيت ~~دبابة تتحرك في الشارع، فانتابني الخوف الشديد. لم أكن أعلم أن الدبابات تصدر صوتا مرتفعا ~~مخيفا كهذا، وعندما رحلت لاحظت أن عجلاتها تركت آثارا واضحة على الشارع المرصوف. # وبمرور الأسابيع ازداد الخوف ، ورحل العديد ms098 من شاغلي المناصب الحكومية أو العسكرية المهمة ~~عن البلاد، وأخيرا أغلقت المدارس في أواخر خريف 1978. كان شتاء باردا، ونظرا للإضرابات ~~في معامل تكرير النفط وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حدث نقص في وقود السيارات ~~والتدفئة، وهكذا لم نتمكن إلا من تدفئة غرفة واحدة فحسب. في محطات الوقود اصطفت الطوابير ~~أميالا، وكان الناس يقضون الليل في سياراتهم ينتظرون دورهم في التزود بالوقود. تركت وحدي ~~في المنزل لا شيء لدي أفعله طوال النهار سوى الارتجاف والتحديق من النافذة والشعور بالقلق. ~~شارعنا - شارع «شاه» - الذي كان يكتظ غالبا بالزحام المروري صار مهجورا معظم الوقت، وخلت ~~الأرصفة التي كانت فيما مضى تعج بالمارة ومرتادي المتاجر والباعة، بل ورحل المتسولون أيضا. ~~من حين لآخر تظهر مجموعات ما بين عشرة وعشرين رجلا يشعلون النار في إطارات السيارات، ~~ويكتبون «الموت للشاه» و«يحيا الخميني» على الحوائط مخلفين وراءهم الجو ملبدا بالدخان ~~وممتلئا برائحة الإطارات المحترقة. امتلأ الشارع بضع مرات بالمتظاهرين الغاضبين. كان ~~الرجال يتقدمون المسيرة والسيدات يتبعنهم مرتديات الشادور الأسود، ويلوحون جميعا ~~بقبضات أيديهم في الهواء مرددين شعارات ضد الشاه والولايات المتحدة، وحاملين أعلاما عليها ~~صور آية الله الخميني. # كنت أذهب أسبوعيا لزيارة أرام وأسرته. كنت أسير ملتصقة بالمباني التماسا للأمان - ~~فالرصاصات الطائشة كانت تصيب وتقتل الكثيرين - وأقطع الشارع بأقصى سرعة ممكنة بينما أتوخى ~~الحذر كيلا أقترب من المتظاهرين أو الجنود. وفور أن أركب الحافلة، أحاول الجلوس في مكان ~~آمن. كان أرام شديد الخوف من نزولي الشارع؛ نادرا ما كان يخرج من منزله، وطلب مني أن أبقى ~~في المنزل، لكني أوضحت له أن الشعور بالملل من الحبس في المنزل كفيل بأن يودي بحياتي، فطلب ~~مني أن أتصل به على الأقل قبل أن أغادر منزلي. # سألته: «وما الفائدة من اتصالي قبل مغادرة المنزل؟» ~~- «كي أفعل شيئا إن لم تحضري في الموعد.» ~~- «مثل ماذا؟» # حدق إلي وعلت وجهه نظرة مرتبكة. ~~- «سآتي وأبحث عنك.» ~~- «أين؟» # امتلأت عيناه بالألم، وأدركت كم كنت قاسية عليه. كان قلقا علي، ولم يشأ أن يعيد ~~التاريخ نفسه. ms099 # أمسكت بيديه وقلت: «أرام، أنا آسفة! سامحني! لست أدري ماذا حل بي، أنا غبية! سوف أتصل، ~~أعدك بذلك.» # فعلت وجهه ابتسامة مرتبكة. # طلبت من إيرينا أن تعلمني الحياكة كي أشغلها فحسب. عندما كنت أزورهم، كنا جميعا نجلس في ~~غرفة المعيشة نحتسي الشاي، ولأن محطات الإذاعة والتلفاز المحلية كانت خاضعة للرقابة، كنا ~~نستمع إلى إذاعة «بي بي سي» لنتعرف على ما يحدث في بلادنا. أحيانا كنا نسمع صوت إطلاق ~~الرصاص بعيدا، فيجعلنا الصوت المدوي نتوقف وننصت. أصاب الوهن إيرينا، وبدت والدة أرام أكثر ~~هزالا كل مرة، أما والده الذي كان يبلغ من العمر ستة وأربعين عاما فقد بدا عليه الهرم ~~فجأة، إذ ابيض شعره وظهرت التجاعيد واضحة على جبهته. # كنت أنا وسارة نتحدث في الهاتف يوميا، ونتبادل الزيارات أحيانا. وعلى النقيض من ~~والدي، كان والداها يؤيدان الثورة، بل إنهما اشتركا في عدد من الاحتجاجات، لكنهما لم ~~يصطحبا معهما سارة أو سيرس. أخبرتني سارة أن والدتها ترتدي شادورا أسود عندما تخرج في ~~المظاهرات. كان من الصعب أن أتخيل والدة سارة وهي ترتدي شادورا، فقد كانت أكثر النساء ~~اللواتي عرفتهن في حياتي أناقة. أخبرتني أيضا أن سيرس ينوي التسلل من المنزل ذات يوم كي ~~ينضم إلى إحدى المظاهرات، وأنها طلبت منه أن يصطحبها معه، لكنه رفض بحجة أنها صغيرة وأن في ~~الأمر خطورة عليها. توسلت إلى سارة ألا تذهب، وذكرتها باختفاء أراش، لكنها قالت إنه ~~حري بالناس أن ينبذوا الخوف ويقفوا في وجه الشاه الذي استغل نفط بلادنا لتكديس المزيد من ~~الثروات وبناء القصور وإقامة الحفلات المترفة وزيادة أرصدته في بنوك الدول الأجنبية، إضافة ~~إلى أنه سجن وعذب من انتقدوه. # قالت سارة: «عليك أن تأتي أنت أيضا من أجل أراش. الشاه لص وقاتل، ولا بد أن نتخلص ~~منه.» # ذات يوم اقتحم مجموعة من الناس المطعم الصغير الذي يقع أسفل منزلنا وهم يصرخون «فليسقط ~~الشاه»، وحطموا جميع النوافذ وأخذوا كل علب الجعة والمشروبات الكحولية الأخرى التي وجدوها، ~~ووضعوها في منتصف الطريق وأضرموا فيها النيران، ms100 فانفجرت علب الجعة، واهتزت نوافذ منزلنا إثر ~~ذلك. كنت أعرف أصحاب المطعم جيدا؛ كانوا أسرة أرمنية تسكن بجوارنا منذ أعوام. لم يصابوا ~~بجروح في الحادث، لكنهم شعروا بالذعر الشديد. ~~••• # تدريجيا قل وجود رجال الجيش في الشوارع، وأكد الجميع أن السبب في ذلك هو إدراك الشاه ~~أخيرا أن استخدام القوة المفرطة لن يؤدي إلا إلى إشعال المزيد من نيران الثورة. وذكر البعض ~~أيضا أن العديد من الجنود بدءوا يرفضون الأوامر بإطلاق النيران على المتظاهرين. الآن، ومع ~~أن الشاحنات العسكرية لا تزال تمر أحيانا، لم أعد أرى جنودا يصوبون بنادقهم نحو الحشود ~~المتظاهرة. # لم يبد على والدي الاهتمام بما يحدث في البلاد، ولم يأخذا الحركة الإسلامية على محمل ~~الجد، بل اعتقدا أنها فترة اضطراب وليست ثورة، وأن الشاه أقوى من أن يهزم على يد حفنة من ~~الملالي ورجال الدين. وهكذا مع أن أمي كانت تؤكد علي دائما ضرورة التزام الحذر عند ~~الخروج من المنزل، فإنها كانت تقول إن السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا. ~~••• # نفي الشاه من إيران في السادس عشر من يناير عام 1979. أطلق سراح السجناء السياسيين، ~~وأقيمت الاحتفالات في جميع الشوارع. راقبت من نافذتي الناس وهم يرقصون والسيارات وهي تطلق ~~أبواقها ابتهاجا. عاد الخميني إلى البلاد في الأول من فبراير بعد رحلته الطويلة في المنفى ~~ما بين تركيا والعراق وفرنسا. ومع اقتراب طائرته من إيران سأله أحد الصحفيين عن شعوره تجاه ~~العودة للديار، فأجاب أنه لا يشعر بشيء. أصابني الاشمئزاز من كلماته؛ كيف لا يشعر بشيء وقد ~~فقد الكثيرون حياتهم ليمهدوا الطريق لعودته أملا في أن تصبح إيران بلدا أفضل؟ بدا لي ~~وكأن ماء باردا يجري في عروقه بدلا من الدم. # فور عودة الخميني سمعت أن الجيش ما زال مخلصا للشاه. بقيت الدبابات والشاحنات العسكرية ~~منتشرة في الشوارع، وظل مستقبل البلاد غامضا تماما مدة شهر أو نحو ذلك. تولت حكومات ~~الطوارئ العسكرية إدارة معظم المدن، واستمر حظر التجول العسكري، بينما طلب الخميني من الناس ~~أن يصعدوا إلى أسطح المنازل في التاسعة ms101 من كل ليلة ويصيحوا «الله أكبر» لمدة نصف ساعة ~~متواصلة تعبيرا عن تأييدهم للثورة. لم أشترك أنا ووالداي قط في جلسات التكبير هذه، لكن ~~معظم الناس فعلوا، حتى أولئك الذين لم يكونوا داعمين حقيقيين للثورة. ساد البلاد شعور ~~بالتضامن، وتطلع الشعب إلى مستقبل أفضل ترفرف فيه أعلام الديمقراطية. ~~••• # وفي العاشر من فبراير عام 1979 نزل الجيش على إرادة الشعب الإيراني، وفي الحادي عشر من ~~فبراير أعلن الخميني عن قيام حكومة مؤقتة يرأسها مهدي بازركان. # سرعان ما انتشر الحرس الثوري المسلح وأفراد من الجماعات الإسلامية في كل مكان ينظرون في ~~ارتياب إلى الجميع، وألقي القبض على مئات الأشخاص بتهمة انتمائهم إلى السافاك - البوليس ~~السري التابع للشاه - وزج بهم في السجون وصودرت متعلقاتهم، وأعدم البعض بدءا من كبار ~~المسئولين في النظام السابق الذين لم يغادروا البلاد، ونشرت صور مفزعة للجثث المغطاة ~~بالدماء في الصحف. في تلك الأيام، تعودت ألا أرفع بصري وأنا أسير بجوار أكشاك الصحف. # لم يمر وقت طويل على اندلاع الثورة حتى أعلن تحريم الرقص وحظره، وفقد والدي وظيفته في ~~وزارة الثقافة والفنون، ليعمل بعدها مترجما وسكرتيرا في مصنع الصلب الذي يملكه العم ~~بارتيف. كان يعمل لساعات طويلة في اليوم ويعود إلى المنزل مرهقا حزينا، وكالعادة لم أكن ~~أراه إلا لماما، بل أقل مما سبق. وأثناء وجوده بالمنزل كان يقرأ الجريدة ويشاهد التلفاز ~~وعلى وجهه نظرة جادة يطالبني فيها بعدم الإزعاج، ولم نكن نتحدث إلا نادرا. # فتحت المدارس أبوابها من جديد واستأنفنا الدراسة، لكننا وجدنا مديرة المدرسة البارعة التي ~~كانت على صلة وثيقة بوزير التعليم السابق في زمن الشاه قد رحلت، وسمعنا أنها أعدمت. لقد ~~أثبتت تميزا في إدارة المدرسة أعواما عديدة، وشعرنا بغيابها من كل النواحي. انتشرت ~~الشائعات عن استبدال معلمين مؤيدين للحكومة بمعظم معلمينا، وما زاد الأمر سوءا أن مديرتنا ~~الجديدة - محمودي خانم - كانت فتاة متعصبة في التاسعة عشرة من عمرها تنتمي إلى الحرس ~~الثوري، وترتدي الحجاب الإسلامي الكامل. لم يكن الحجاب إلزاميا حينها، لكن بدا أن القواعد ms102 ~~على وشك أن تتغير. والحجاب هو الغطاء المناسب لجسد المرأة، وقد يتخذ أشكالا عديدة أحدها ~~الشادور. بعد أن أصبح ارتداء الحجاب إلزاميا في المدن الكبرى وخاصة طهران، كان معظم ~~النساء يرتدين - بدلا من الشادور - ثوبا طويلا فضفاضا يسمى العباءة، ويغطين رءوسهن ~~بأوشحة كبيرة؛ وهو ما كان شكلا مقبولا من أشكال الحجاب لو ارتدته المرأة على نحو ~~لائق. # ظلت حرية التعبير قائمة بضعة أشهر بعد اندلاع الثورة؛ ففي المدرسة كانت مختلف الجماعات ~~السياسية تبيع صحفها بحرية، وأثناء الاستراحة تدور المناقشات السياسية في فناء المدرسة. لم ~~أكن قد قابلت أي ماركسيين من قبل، ولكنهم أصبحوا الآن في كل مكان، وهناك أيضا منظمة ~~«مجاهدي خلق». كانت كل تلك الجماعات السياسية محظورة في زمن الشاه، لكنها ظلت تعمل سرا ~~عدة سنوات. لم أكن أعلم أي شيء عن المجاهدين، وبدا لي أن هناك الكثير لأعرفه عنهم. أخبرتني ~~صديقة ماركسية أن المجاهدين كانوا في الأصل ماركسيين ضلوا الطريق وآمنوا بالله واعتنقوا ~~الإسلام؛ كانوا مسلمين اشتراكيين يؤمنون بأن الإسلام بوسعه أن يقود إيران نحو العدالة ~~الاجتماعية ويحررها من التغريب. كانوا قد نظموا صفوفهم وتسلحوا في الستينيات، وقاتلوا من ~~أجل الإطاحة بالشاه، ولكنهم لم يكونوا أتباعا للخميني؛ فقبل أن يسطع نجم الخميني بعدة ~~سنوات كانوا قد شنوا العديد من الاحتجاجات ضد الشاه، وتعرض أعضاؤهم - الذين كان معظمهم من ~~طلبة الجامعة - للتعذيب والإعدام في «إيفين»، لكن كونهم جماعة إسلامية كان سببا كافيا ~~لأقرر عدم الانضمام إليهم. # كان أرام يذهب إلى مدرسة فتيان مجاورة لمدرستي اسمها «ألبرز»، وذات ظهيرة بعد أسبوع من ~~استئناف الدراسة كنت عائدة إلى المنزل عندما سمعته يناديني. كاد قلبي يتوقف، فقد ظننت أنه ~~يحمل أخبارا عن شقيقه، لكنه أخبرني أنه أراد رؤيتي فحسب، وعرض علي أن يسير معي إلى ~~المنزل، فتنفست الصعداء. بالرغم من يقيني أن أراش قد مات، فقد كنت أخشي سماع ذلك. # سألني عن أخبار مدرستي، فأخبرته أن مديرتنا الجديدة تنتمي للحرس الثوري، وأنني لم أتفاجأ ~~عندما سمعت أنها تحمل مسدسا في جيبها. # سألني: ms103 «لست متورطة مع أي جماعة سياسية، أليس كذلك؟» منذ اختفاء شقيقه ظهرت على أرام ~~ملامح النضج المشوب بالحزن. قبل الثورة لم يكن يفكر إلا في كرة السلة والحفلات، ولكنه الآن ~~أصبح يقلق من كل شيء، ويسديني النصح طوال الوقت، فقال: «أبي يؤكد أنها مرحلة خطيرة، وهو ~~يعتقد أن الحكومة تتيح للجماعات السياسية أن تقول وتفعل ما تشاء حتى يتسنى للحرس الثوري ~~تمييز الأصدقاء من الأعداء، وعاجلا أو آجلا سوف يلقون القبض على كل من فعل شيئا ضد ~~الحكومة.» # كانت خالتي زينيا قد اتصلت بي قبل أيام، وأخبرتني نفس الكلام، وأكدت علي ضرورة توخي ~~الحذر، لكن كان لدي الكثير من الفضول بشأن التعرف على الأيديولوجيات المختلفة؛ فكل يوم ~~أثناء الاستراحة كنت أحضر الاجتماعات والمناقشات التي ينظمها طلاب الصف الحادي عشر أو ~~الثاني عشر ممن يعملون مع الجماعات السياسية المختلفة. # وفيما عدا عدم إيمان ماركس ولينين بالله، كانت أفكارهما تروق لي كثيرا، فكلاهما أراد ~~تحقيق العدالة للجميع وبناء مجتمع تقسم فيه الثروات بالتساوي، لكن أساليبهما أثبتت خطأها ~~على أرض الواقع. كنت أعلم جيدا ما حدث في الاتحاد السوفييتي والمجتمعات الشيوعية الأخرى، ~~فالشيوعية لم تنجح، ومن ناحية أخرى كنت أراقب شكل المجتمع الإسلامي، وأؤمن بأن الخلط بين ~~الدين والسياسة أمر ينطوي على خطورة، فأي شخص ينتقد الحكومة الإسلامية سيعتبر مناهضا ~~للإسلام، ومن ثم عدوا لله. وفي الإسلام - على حد علمي - لا يستحق هؤلاء الأشخاص الحياة ما ~~لم يغيروا طريقة تفكيرهم. # قبل الثورة - على الأقل في الفترة التي عشتها - لم تكن معتقدات الناس وإيمانهم مشكلة قط. ~~كان لدينا في المدرسة فتيات يعتنقن أديانا مختلفة، لكن كان يتوقع منا أن ينصب اهتمامنا ~~على الدراسة، وأن نتحلى بالأدب والاحترام والرقي بعضنا مع بعض ومع المعلمين. أما الآن فيبدو ~~أن العالم قد انقسم إلى أربعة تيارات مائجة: الإسلام الأصولي، والشيوعية، والإسلام اليساري، ~~والملكية، ولم أكن أتفق مع أي منها. كان الجميع تقريبا ينتمون إلى تيار ما، ولكنني لم ~~أنتم إلى أي منها، مما خلف لي شعورا بالوحدة ms104 والضياع. # كانت جيتا آنذاك في الصف الحادي عشر، وانضمت إلى حزب شيوعي يدعى «فدائيي خلق»، أما سيرس ~~شقيق سارة فكان عضوا في المجاهدين الذين لاقت آراؤهم وأفكارهم تأييدا لدى سارة. ~~*** # ذات ليلة من شهر مايو عام 1979، بعد نحو ثلاثة أشهر من نجاح الثورة الإسلامية، كنت وحدي ~~في المنزل. ذهب والداي لزيارة أحد الأصدقاء ومكثت في المنزل كي أنهي واجباتي المدرسية. ونحو ~~الثامنة فتحت التلفاز الذي لم يكن به سوى قناتين في ذلك الوقت. ومنذ قيام الثورة قلما كان ~~يعرض فيهما شيء يستحق المشاهدة، لكن فيلما وثائقيا استرعى انتباهي. كان الفيلم يدور عن ~~مظاهرة ميدان «جاله» المضادة للشاه التي وقعت في الثامن من سبتمبر، ومع أنني كنت أعلم جيدا ~~أن أراش قد توفي، فما زلت غير قادرة على اعتبار هذا اليوم يوم وفاته، بل يوم اختفائه. ~~اقتربت من الشاشة أكثر والدموع تملأ عيني. كان الفيلم ذا جودة ضعيفة، فالمصور يجري معظم ~~الوقت ويقوم بحركات مفاجئة، وهكذا كانت الصورة عسيرة المتابعة. صوب الجنود بنادقهم نحو ~~الحشود وأطلقوا النيران، فأخذ الناس يفرون، ورأيت بعضهم يسقط على الأرض. ألقى الجنود بالجثث ~~فوق شاحنة عسكرية، وللحظة ... رأيته. كانت إحدى تلك الجثث لأراش. نهضت من مكاني وأنا أشعر ~~بالألم والفزع، لم أستطع أن أنطق، ولا أن أبكي، فدخلت غرفتي، وجلست على فراشي، وحاولت أن ~~أفكر. أخبرت نفسي أن ذلك ربما كان محض تخيل. ماذا يمكنني أن أفعل؟ علي أن أعرف الحقيقة. ~~رفعت سماعة الهاتف على الفور، واتصلت بأرام الذي استشعر الذعر في صوتي، ولم أدر كيف أخبره ~~بذلك. ~~- «مارينا، ما الأمر؟» # لم أقل شيئا. ~~«تكلمي، هل تريدين أن آتي إلى منزلك؟» # قلت: «كلا.» ~~- «أرجوك أخبريني ما الأمر؟» ~~- «كانوا يبثون فيلما وثائقيا عن مظاهرة الثامن من سبتمبر، وكان الجنود يلقون الجثث ~~فوق إحدى الشاحنات، وأظن أن إحداها كانت جثة أراش.» هأنذا قد قلتها أخيرا. # لا شيء سوى الصمت الرهيب. ~~- «هل أنت متأكدة؟» ~~- «كلا، وكيف يمكنني أن أتأكد؟ كانت لحظة فقط، كيف يمكننا أن نتأكد من الأمر؟» # اقترح ms105 أرام أن نذهب إلى محطة التلفاز في اليوم التالي بعد انتهاء اليوم الدراسي. أردت ~~الذهاب صباحا، لكنه أخبرني أننا إذا تغيبنا عن المدرسة فسوف يشعر أهلنا بالقلق، وهو لا ~~يريد أن يقول أي شيء لوالديه حتى نتأكد من صحة ما رأيت. # وفي اليوم التالي ركبنا الحافلة إلى محطة التلفاز، ولم نقل كلمة واحدة طوال الطريق. ~~قابلنا أولا موظفة استقبال في منتصف العمر، وشرحنا لها الموقف، فتعاطفت معنا كثيرا، ~~وأخبرتنا أنها فقدت ابن عم لها في مظاهرة الثامن من سبتمبر. وبعد إجراء بضع مكالمات هاتفية ~~اصطحبتنا إلى رجل ملتح يجلس في حجرة مكتب صغيرة. كان يرتدي نظارة سميكة ولم ينظر إلي قط ~~ونحن نتحدث، بل ظل يومئ باستمرار، ثم اصطحبنا إلى غرفة كبيرة مليئة بمختلف أنواع المعدات ~~حيث أخبرنا القصة لرجل في أواخر الأربعينيات يدعى أغا رضاي الذي وعدنا بأن يحضر لنا ~~الشريط، وبالفعل أوفى بوعده. # حدقت أنا وأرام في الشاشة حتى رأيناه، فطلبنا من أغا رضاي أن يثبت الصورة. لم يكن لدينا ~~شك في أنه أراش. كانت عيناه مغلقتين وفمه مفتوحا قليلا، وقميصه الأبيض ملطخا ~~بالدماء. # شعرت أن صخرة قد سحقت صدري، وتمنيت لو كنت معه لحظة وفاته عندما كان خائفا ~~وحيدا. # لم نستطع أن نحول بصرنا عن الشاشة فترة طويلة، وأخيرا نظرت إلى أرام فرأيت في عينيه نظرة ~~خاوية ذاهلة، كأنه يحاول مثلي إدراك الهوة القاتلة التي خلفها الموت، والسقوط الرهيب في ~~هاوية المجهول، والانتظار المفزع لأن تصطدم بالأرض الصلبة وتتمزق أشلاء صغيرة. لمست يده، ~~فاستدار نحوي ونظر إلي، فتعانقنا وشاركنا أغا رضاي البكاء. # قال أرام: «علي أن أتصل بوالدي. يجب أن يعرفا في الحال.» # حضر كلاهما في غضون ساعة يبدو عليهما أثر الانكسار، فبعد ثمانية أشهر من المعاناة علينا ~~مواجهة حقيقة موته. وجها لي الشكر. توقف عقلي ولم أستطع التفكير. عرضا علي أن يصطحباني ~~إلى المنزل لكنني رفضت. كنت أرغب في البقاء وحدي. # ركبت الحافلة وجلست في مقعد هادئ في أحد الزوايا وأخذت أصلي، وهل كان بوسعي فعل ms106 أي شيء ~~آخر؟ سأردد السلام الملائكي للعذراء مرارا وتكرارا؛ سأردده حتى أنال كفايتي؛ حتى أتمكن من ~~تعويضه على أني لم أكن معه في تلك اللحظة. لكن هل سيكفي هذا؟ كان الأسى الذي يجتاح نفسي ~~يتزايد سريعا دون أن يخالجني أي شعور بالصفح. علي أن أتقبله وأدعه يزداد ويفيض ويذهب ~~إلى أي مكان يشاء، وإلا سيدمر روحي ويحولها إلى عدم. # وعند باب منزلنا الأمامي حاولت وضع المفتاح في الباب بيد مرتجفة، ولكنني لم أتمكن من ذلك، ~~فقرعت الجرس، لكن أحدا لم يجب. كان الهواء الساخن المثقل بالغبار يختلط بأصوات السيارات ~~ويجثم على صدري، فأخذت نفسا عميقا وحاولت إدخال المفتاح مرة أخرى، وفي تلك المرة فتح ~~الباب، فأغلقته خلفي واتكأت عليه. كان الجو في مدخل البيت مظلما باردا ساكنا. كنت أشعر ~~بالإنهاك، ومشيت بخطى متثاقلة نحو السلم وبدأت أصعد، لكنني انهرت بعد بضع درجات. بقيت فترة ~~لا أشعر بشيء سوى برودة السلم الحجري الملامس لجسدي، ثم سمعت صوتا يناديني، وتحسس شيء دافئ ~~وجهي، فرفعت بصري ووجدت أمي تحدق إلي، ثم أخذت تهزني. ~~- «مارينا، انهضي!» # جذبت ذراعي، وأخيرا تمكنت من الوقوف على قدمي، واتكأت عليها حتى قادتني إلى غرفتي. ~~كانت تخاطبني، لكني لم أكن أعي حرفا مما تقول، بل كانت كلماتها كالضباب؛ كدخان يتصاعد في ~~الهواء، ويختفي في ضوء الشمس الذي يتسلل إلى غرفتي عبر النافذة. ساعدتني كي أجلس على فراشي. ~~كنت بحاجة لأن أفهم ما حدث، ولماذا مات أراش. حدقت في السماء الزرقاء من النافذة. # وعندما استعدت إدراكي لما حولي أخيرا، وجدت أمي تقف بجواري حاملة في يدها طبقا من طعامي ~~المفضل: يخنة اللحم بالكرفس والأرز. حل الظلام بالخارج، وأضيء المصباح في غرفتي. ألقيت ~~نظرة على ساعتي، فوجدتها قد تجاوزت التاسعة. مرت ساعتان وأنا جالسة على فراشي، وكأن حزني قد ~~فصلني عن العالم، مثل مقص يقتطع شكلا بسيطا من قطعة ورق. # قلت بصوت مرتفع: «لقد مات»، ولدي أمل في أن يساعدني قولها على فهم ما حدث. # قالت أمي وهي تجلس على حافة ms107 فراشي: «من؟» ~~- «أراش.» # أشاحت بوجهها بعيدا عني. ~~- «قتل في مظاهرة الثامن من سبتمبر. أطلق عليه الرصاص. مات.» # تنهدت وهزت رأسها: «يا للبشاعة! أعلم أنك كنت تحبينه. الأمر عسير للغاية، لكنك ~~ستجتازينه، وستصبحين أفضل حالا. سأعد لك كوبا من الشاي.» # غادرت أمي الغرفة. من حين لآخر كانت تمنحني لحظات خاطفة من الحنان، ولكنها لم تكن تدوم ~~طويلا، بل كانت تتوهج كالنجوم الساقطة ثم تختفي في الظلام. # استغرقت في النوم بعد احتسائي كوبا من شاي البابونج، غير أني استيقظت في منتصف الليل ~~وأنا أشعر بحرقة في صدري. كنت أحلم بأراش. هرعت إلى خزانتي وأخرجت تمثالي الملائكي وتسللت ~~أسفل الفراش. انطلقت من حلقي صرخات حادة، وكلما حاولت أن أهدئ نفسي ازداد الأمر سوءا، ~~فسحبت وسادتي من فوق الفراش وغطيت بها وجهي. كنت أتمنى أن يأتي الملاك ويخبرني لم يموت ~~الناس؛ أردته أن يخبرني لم يأخذ الموت أحباءنا، لكنه لم يأت مع أني ناديته. ~~••• # في السادس من سبتمبر عام 1979 توفيت إيرينا بسبب أزمة قلبية. كنت قد فقدت اثنين من أحبائي ~~قبلها، لكني لم أحضر جنازة في حياتي قط، فكانت جنازة إيرينا هي الأولى. وفي التاسع من ~~سبتمبر ارتديت ملابس سوداء ونظرت في المرآة، فكرهت مظهري في الثياب السوداء؛ إذ بدوت نحيفة ~~شاحبة مكسورة. حاولت أن أبدو قوية متماسكة، فخلعت الثياب السوداء وارتديت تنورتي البنية ~~المفضلة وقميصا كريمي اللون. لا بد أن إيرينا كانت ستفضل هذه الثياب أكثر. # وفي طريقي إلى موقف الحافلات، ذهبت إلى محل الزهور واشتريت باقة من الزهور الوردية، وفي ~~الحافلة جلست بجوار النافذة أشاهد الشوارع. اختفت كل الألوان ومظاهر البهجة من المدينة، ~~فالناس لا يرتدون سوى الثياب الداكنة الألوان وينظرون للأسفل وهم يسيرون في الطريق كأنهم ~~يتجنبون النظر بعضهم إلى بعض وإلى المناظر المحيطة بهم. كادت كل الجدران تعلوها شعارات تنمي ~~الشعور بالكراهية. # لم يكن هناك قساوسة بالكنيسة الروسية الأرثوذكسية بطهران، فأقيمت الجنازة بالكنيسة ~~اليونانية ودفنت إيرينا في المقبرة الروسية. شعرت بالغبطة لأنني تمكنت من حضور جنازة ~~إيرينا، فقد أصبحت ms108 أقدر قيمة الحصول على فرصة بأن أقول وداعا. # وبعد الجنازة طلبت من أرام أن يساعدني في البحث عن قبر جدتي، إذ لم أكن أعرف مكانه ~~بالتحديد. لم يصطحبني والداي إلى جنازتها، أو لزيارة قبرها قط. أردت أن أجد القبر وأصلي ~~لأجلها. لم تكن المقبرة كبيرة، وكانت محاطة بجدران من الطوب الإسمنتي، بينما القبور متجاورة ~~للغاية والأعشاب تنمو في كل مكان. رأيت العديد من شواهد القبور، وبدا لي أن العثور على شاهد ~~جدتي سيكون صعبا. تحركنا بحذر بين شواهد القبور، وكان قبرها هو الخامس أو السادس. بدا ~~كأنها هي التي عثرت علي. كنت قد احتفظت لها بزهرة وردية. # نظرت حولي، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب أغلق إلى الأبد. تنقلت بينها أقرأ الأسماء ~~وتواريخ الميلاد والوفاة. بعض الناس توفوا كبارا والبعض الآخر صغارا. كنت أرغب في التعرف ~~عليهم كافة، فهناك العديد من القصص التي لن تروى أبدا. هل يعرف الملاك كل هؤلاء الأشخاص؟ ~~هل استطاع مساعدتهم ومعرفة ما في قلوبهم عندما كانوا يحتضرون؟ ما آخر شيء فكروا فيه قبل أن ~~تغادر أرواحهم أجسادهم؟ ما أكثر شيء شعروا حياله بالندم؟ هل من الممكن ألا يندم الإنسان على ~~شيء لحظة الوفاة؟ ما أكثر شيء سأندم عليه إذا أتاني الموت في تلك اللحظة؟ # بدأت عائلة أرام وأصدقاؤه في مغادرة المقبرة، ولاحظت أن والديه ينظران باتجاهنا، وأدركت ~~أنهما يفكران في أراش. من حقهما أن يعرفا أين دفن، ومن حقه أن يدفن في قبر لائق. كنت أرغب ~~في غرس الورود من كل الألوان حول المكان الذي يحمل جسده، وما كنت سأدع الحشائش الضارة تنمو ~~حول قبره أبدا. ها قد مر عام كامل على وفاته؛ أربعة مواسم من الفقد والحزن. ~~••• # وفي الأول من نوفمبر عام 1979 طلب آية الله الخميني من شعب إيران التظاهر ضد الولايات ~~المتحدة التي أطلق عليها «الشيطان الأكبر»، وأخبرهم أن الولايات المتحدة هي المسئولة عن كل ~~أشكال الفساد على الأرض، وأنها هي وإسرائيل أشد أعداء الإسلام، فانطلق الآلاف من الناس في ~~الشوارع ms109 وأحاطوا بسفارة الولايات المتحدة. شاهدت التغطية الإخبارية للمظاهرات في التلفاز، ~~وتعجبت من أين أتت تلك الجماهير الغاضبة، فلم يشارك في تلك المظاهرات أحد أعرفه. تدفقت ~~الحشود فملأت الشوارع المحيطة بالسفارة التي تحيط بها أسوار قرميدية. # وفي الرابع من نوفمبر عام 1979 سمعنا أن مجموعة من طلاب الجامعة الذين يطلقون على أنفسهم ~~«أتباع الإمام» قد استولوا على مبنى السفارة الرئيسي واحتجزوا اثنين وخمسين من الأمريكيين ~~رهائن. كانوا يريدون من الولايات المتحدة أن ~~تعيد الشاه الذي ذهب إليها للعلاج من السرطان كي يحاكم في إيران. بدا الأمر لي ولكل من ~~تحدثت معه جنونا مطبقا، فالجميع يعلمون أن الشاه مريض للغاية. لم يكن اختطاف الرهائن ~~منطقيا على الإطلاق، لكن لم يكن هناك أي شيء منطقي منذ قيام الثورة. # | الفصل العاشر # في يوم الزيارة كانت جميع السجينات مبتهجات، ولأول مرة منذ إلقاء القبض علي أرى الفتيات ~~يضحكن بصوت عال. نادت الأخوات على أسماء السجينات حسب الترتيب الهجائي، وغالبا ما كن ~~ينادين خمسة عشر اسما في كل مرة. وكانت الفتيات اللاتي تنادى أسماؤهن يرتدين الشادور ~~ويذهبن إلى المكتب. لم أكن أنا وترانه نعلم هل مسموح لوالدينا برؤيتنا أم لا، فظللنا نذرع ~~الممر جيئة وذهابا. ألقي القبض على ترانه منذ شهرين، ولكن لم يزرها أحد بعد. كان اسم ~~عائلتها يبدأ بحرف الباء، ومن المفترض أن ينادى عليها قبلي. ~~- «... ترانه بهزادي ...» # قفزت كلانا من مكانها وصرخت. كانت منفعلة، حتى إنني اضطررت إلى أن أجري وأحضر لها الشادور ~~والعصابة. اختفت خلف الأبواب المدعومة بالقضبان الحديدية، وتابعت أنا ذرع المكان جيئة ~~وذهابا. معظم الفتيات كن يعدن من الزيارة باكيات، لكن ترانه عادت بعد نحو نصف ساعة وهي ~~هادئة رابطة الجأش. # سألتها: «هل رأيت والديك؟» ~~- «نعم.» ~~- «وكيف حالهما؟» ~~- «بخير على ما أظن. يوجد حاجز زجاجي سميك في غرفة الزيارة، ولا توجد هواتف. لا يمكنك ~~الحديث، لكننا استخدمنا شيئا أشبه بلغة الإشارة.» # نودي اسمي أخيرا، وأمرنا في حجرة المكتب بوضع العصابات على أعيننا. اتبعت طابور الفتيات ~~للطابق السفلي ثم للخارج، وسرنا ms110 نحو مبنى الزيارات، وقبل أن ندخل أمرنا بنزع العصابات. وقف ~~الحرس المسلحون في كل مكان، بينما قسم حاجز زجاجي سميك الغرفة إلى نصفين، وعدد من الرجال ~~والنساء يقفون في الجانب الآخر منه، بعضهم يبكي وأياديهم فوق الزجاج يحاولون العثور على من ~~جاءوا لزيارتها. وسرعان ما رأيت والدي، فاندفعا نحوي وشرعا في البكاء. كانت أمي ترتدي ~~معطفا أسود يغطي كاحلها، وتغطي رأسها بوشاح أسود كبير يصل حتى كتفيها. لا بد أنها اشترت ~~تلك الثياب خصيصا من أجل زيارة «إيفين»، فكل ما لديها من معاطف قبل إلقاء القبض علي قصير ~~يصل إلى ما بعد الركبة بقليل، وأغطية الرأس أصغر أيضا. # قرأت شفاه أمي وهي تقول: «هل أنت بخير؟» # أومأت وأنا أحبس دموعي. # ضمت راحتي يديها كأنها تصلي وقالت شيئا. # قطبت جبيني متسائلة: «ماذا؟» وأنا أستميت من أجل فهم كل كلمة تقولها. # قالت ببطء أكثر كي أستطيع متابعة حركة شفاهها: «الجميع يصلون من أجلك.» # انحنيت قليلا وقلت: «شكرا لكم.» # سألتني: «متى سيسمحون لك بالعودة إلى المنزل؟» لكني تظاهرت بعدم الفهم، فلم يكن بوسعي أن ~~أخبر والدي بأنني أقضي حكما بالسجن مدى الحياة، فربما يقضي عليهما هذا الخبر. كانا ~~مذعورين منكسرين، لكن على الأقل لديهما أمل في عودتي إلى المنزل ذات يوم. لم أدر بم ~~أخبرهما، وكنت أرغب في أن أعانق أمي ولا أتركها أبدا. # وبعد أن حدقت فيهما دقيقة، قلت أخيرا: «سارة بخير.» ~~- «ماذا؟» # فكتبت بأصابعي على الزجاج «سارة»، وتابعت أمي حركة أصابعي بأصابعها. # سألت: «سارة؟» ~~- «نعم.» ~~- «هل هي بخير؟» ~~- «نعم.» # وهنا صاح أحد الحرس: «انتهى الوقت!» # فقالت أمي: «تشجعي يا مارينا!» # دائما يكون السجن هادئا للغاية بعد أيام الزيارة. كانت كل واحدة تجلس في مكانها وحيدة، ~~نحاول ألا نفكر في حياتنا قبل «إيفين»، لكن الأمر كان مستحيلا، فالذكريات هي كل ما نملك. ~~لقد فقدنا أهلنا وحياتنا وما كنا عليه في السابق. لم يكن لدينا مستقبل؛ لا شيء سوى ~~الماضي. # في اليوم التالي للزيارة تسلمنا لفافات صغيرة تحتوي على بعض الملابس أرسلتها لنا ms111 ~~عائلاتنا . فتحت لفافتي فوجدت بها قمصانا وسراويل وملابس داخلية جديدة وسترة صوفية. كل ~~الملابس كانت تفوح برائحة المنزل؛ رائحة الأمل. كانت ترانه تتحسس سترة من الصوف الأحمر ~~أخبرتني أنها سترتها المفضلة، وأنها ستجلب لها الحظ، فقد حاكتها أمها منذ سنوات عندما تعلمت ~~الحياكة. أرادت ترانه وكل شقيقاتها الحصول عليها، وعندما قررت الأم إعطاءها لترانه شعرت ~~شقيقاتها بالحزن، فأوضحت لهن الأم أن عليها إعطاءها لإحداهن، وأن العدل يقضي بإعطائها ~~للشقيقة الصغرى، ووعدت كلا من شقيقاتها الثلاث بأن تحيك لها سترة شبيهة تماما، لكنها لم ~~تف بوعدها. كانت ترانه تؤمن بأن ارتداء تلك السترة يجلب لها الحظ كلما ارتدتها، وتساءلت هل ~~ما زالت تحتفظ بسحرها. ~~- «ترانه، سوف نعود إلى المنزل ذات يوم.» ~~- «أعلم ذلك.» ~~- «سنفعل كل الأشياء التي نحبها.» ~~- «سنذهب في نزهات طويلة سيرا على الأقدام، أليس كذلك؟» ~~- «نعم، وسوف نذهب إلى منزلنا الصيفي.» ~~- «سوف نذهب للتسوق.» ~~- «سوف نطهو ونخبز ونتناول كل ما نحب!» # وضحكنا معا. # جافاني النوم في تلك الليلة. فكرت كيف استطاع علي تخفيف عقوبتي؛ ربما بإمكانه تكرار ~~الأمر مع ترانه، وربما يستطيع مساعدة سارة أيضا، لكنه أخبرني أنه راحل، والحقيقة أني لم ~~أكن أرغب في رؤيته مرة أخرى. كنت أخشاه، وبصورة ما كان من الأيسر لي أن أتعامل مع حامد، ~~لأنني مع حامد أعرف ماذا أتوقع. أما مع علي، فالأمر مختلف. صحيح أنه لم يؤذني قط، غير أني ~~كنت أشعر بخوف شديد عندما يقترب مني. تذكرت ليلة الإعدام، وحاولت ألا أفكر فيها. كان عقلي ~~يرفض استدعاء تلك الصور المخيفة، لكني كنت أعرف أنها موجودة في ذاكرتي لم تعبث بها يد ~~الزمان. ما زلت أذكر النظرة التي رأيتها في عيني علي عندما أخذني إلى الزنزانة؛ نظرة ~~لهفة جعلتني أشعر وكأني محتجزة في قاع محيط متجمد. مع كل هذا لا بد أن أتحدث معه من أجل ~~ترانه. # ذهبت إلى حجرة المكتب في الصباح وقرعت الباب. كانت الأخت مريم تجلس خلف مكتبها تقرأ. نظرت ~~إلي بعينين متسائلتين. # سألتها: «هل يمكنني مقابلة الأخ ms112 علي ؟» # حدقت في وتساءلت: «لماذا تريدين رؤيته؟» # أوضحت لها كيف أنه أنقذ حياتي وأني أود أن أطلب منه الآن إنقاذ حياة صديقة لي.» ~~- «ومن هي؟» # ترددت. ~~«ترانه؟» ~~- «نعم.» ~~- «الأخ علي ليس هنا. إنه في الجبهة يحارب العراقيين.» # كانت إيران قد اشتبكت في حرب مع العراق منذ سبتمبر من ~~عام 1980. ~~- «ومتى يعود؟» ~~- «الله أعلم! لكنه حتى لو كان هنا، فلن يستطيع عمل شيء. أنت محظوظة للغاية، فعندما تصدر ~~محكمة إسلامية حكما بالإعدام على أي شخص، فالأمر الوحيد الذي قد ينقذ ذلك الشخص هو عفو ~~الإمام، لكن الإمام غالبا لا يتدخل في مثل تلك الأمور، فهو يثق في المحاكم وفي قراراتها. ~~الوحيد الذي يمكنه مساعدتها هو المحقق الذي يتولى التحقيق في قضيتها. ~~- «وهل هناك ما يمكننا فعله من أجلها؟» ~~- «لندع لها.» ~~••• # حاولت ألا أفكر في السعادة وفيما كانت عليه الأمور قبل الثورة وما تلاها من بشائع، وكأن ~~استدعاء الذكريات السعيدة سيجعلها تبهت كصور قديمة تناولتها الأيدي عدة مرات. لكن أحيانا ~~في منتصف الليل أشم عبير أشجار الليمون البرية، وأسمع حفيف أوراقها السميكة يحركها نسيم ~~البحر المالح، وأشعر أيضا بالأمواج الدافئة لبحر «قزوين» وهي تداعب قدمي، والرمال المبللة ~~اللزجة تغطي أصابعي. وفي أحلامي كنت أرقد في فراشي في المنزل الصيفي أراقب البدر وهو يطلع، ~~ثم أخطو على الأرض دون أن تصدر صريرا، وأتجول في المكان ولكنني لا أجد أحدا، وأحاول أن ~~أنادي أراش، لكن يأبى الصوت أن يغادر حلقي. # كنت أفكر في أندريه طوال الوقت. قبل إلقاء القبض علي كان حبي له ناشئا هشا، وكنت ~~أخشى الاستسلام لمشاعر الحب تجاهه خشية فقدانه هو الآخر، فضلا عن أني لم أكن أرغب في خيانة ~~أراش. الآن وبعد أن واجهت الموت أدركت أني أحب أندريه، ولا أتمنى شيئا من الدنيا سوى أن ~~أكون معه. ولكن هل يحبني هو؟ أعتقد ذلك. إنه أملي، وعلي أن أحيا من أجله، فهو الشخص الذي ~~أرغب في العودة إليه. # وذات ليلة في منتصف شهر مارس، جاء شيدا المخاض ونقلت إلى مستشفى ms113 السجن . وفي اليوم التالي ~~عادت ومعها طفل جميل موفور الصحة أطلقت عليه اسم كاوه؛ تيمنا باسم زوجها. اجتمعنا حولها هي ~~والطفل، وشعرنا بالفخر لأن معنا أما في الغرفة، ومنذ تلك اللحظة ونحن نطلق عليها «الأم ~~شيدا». سرعان ما أصبح الطفل مدللا، فقد كان محاطا بالعديد من الخالات المتحمسات للاعتناء ~~به. خفت نظرة القلق التي تعلو وجهها، وإن كانت لم تغادرها تماما. لقد منح هذا الطفل ~~الأمل ليس لأمه فحسب، بل لكل من حوله. # وعندما أتم كاوه أسبوعين أو ثلاثة من عمره، نقلت نحو سبعين سجينة من «246» إلى «قزل ~~حصار»، وهو سجن يقع بمدينة «كرج» التي تبعد خمسة عشر ميلا عن طهران. ذكرت معظم الفتيات ~~أن ظروف المعيشة في «قزل حصار» أفضل قليلا منها في «إيفين»، ولذا كانت السجينات المقرر ~~نقلهن سعيدات للغاية، بينما كنت سعيدة لأن صديقاتي المقربات لم يرحلن. بعدها أصبحت الغرفة ~~أقل ازدحاما، لكن الوضع لم يدم كثيرا، فكل يوم تنضم إلينا بضع فتيات، وسرعان ما ضاقت ~~أماكن النوم أكثر من ذي قبل. # كانت الموسيقى العسكرية تنطلق مرة في الأسبوع عبر مكبرات الصوت، يصاحبها إعلان بأن الجيش ~~قد انتصر في إحدى المعارك الكبرى، وأن قواتنا على وشك إنهاء الحرب مع العراق وتحقيق النصر ~~فيها، لكن أحدا منا لم يكن يهتم بالحرب، ليس لأنها لم تكن تمس طهران مباشرة فحسب، بل لأن ~~«إيفين» بدا كأنه كوكب آخر؛ عالم غريب تحكمه قوانين مبهمة يمكن بموجبها تعذيب أي شخص أو ~~الحكم عليه بالموت دون سبب. ~~••• # ذات مساء ونحن نتناول عشاءنا من الخبز والتمر دخلت سارة الغرفة، ودون أن تنزع الشادور أو ~~تقول شيئا أو تنظر لأي منا، ذهبت إلى ركن من الغرفة وجلست فيه، فذهبت إليها ووضعت يدي ~~على كتفها. ~~- «سارة!» # لكنها لم ترفع بصرها. ~~- «سارة، أين كنت؟ كنا قلقات عليك.» # قالت بصوت هادئ: «مات سيرس.» # حاولت أن أجد كلمات مناسبة كي أقولها، لكنني لم أجد ما يمكن قوله. # همست لي: «معي قلمان.» ~~- «ماذا؟» ~~- «لقد سرقتهما، ولا أحد يعلم بذلك.» # أخرجت ms114 قلما أسود من جيبها ورفعت كمها الأيسر، وأخذت تكتب على معصمها: «سيرس مات. ذهبنا ~~إلى «قزوين» ذات صيف ولعبنا الكرة على الشاطئ. كانت هناك ألوان متعددة، ورذاذ الأمواج ~~يتناثر ...» لاحظت وجود المزيد من الكتابة على ذراعها. كانت الكلمات صغيرة لكنها مقروءة. لقد ~~دونت ذكرياتها عن سيرس، وعائلتها، وحياتها. # سألتني: «هل لديك أي ورق؟» ~~- «سوف أحضر لك الورق، ولكن أين كنت؟» ~~- «قريبا لن أجد مكانا أكتب فيه، أرجوك أن تحضري لي بعض الورق.» # أحضرت لها ورقة، لكنها لم تكن كافية، فبدأت تكتب على الحوائط. كانت تكتب نفس الأشياء ~~مرارا وتكرارا عن المدرسة الابتدائية والثانوية التي ذهبنا إليها، والألعاب التي كنا ~~نلعبها، والإجازات الصيفية، ومعلمينا المفضلين، ومنزلها، والحي الذي كنا نقطنه، ووالديها، ~~وكل ما كان سيرس يحب فعله. # عندما حصلنا على الماء الدافئ أخيرا ذات ليلة رفضت سارة الاستحمام. ~~- «سارة، لا بد أن تستحمي؛ فسواء أستحممت أم لا سوف تتلاشى الكلمات. وإذا استحممت يمكنك ~~كتابتها مرة أخرى، أما إذا لم تستحمي فسوف تصبح رائحتك كريهة.» ~~- «الحبر ينفد من أقلامي.» ~~- «سأحضر لك أقلاما جديدة إذا استحممت.» ~~- «أتعدينني بذلك؟» # لم أشأ أن أعدها ما لم أكن متأكدة من قدرتي على الوفاء بالوعد، فذهبت إلى المكتب وشرحت ~~الأمر للأخت مريم، وأخبرتها أن سارة لا تكتب أي شيء له علاقة بالسياسة، بل تدون ذكريات ~~عائلتها فحسب. # أعطتني الأخت مريم قلمين، فهرعت إلى سارة وكأني عثرت على أعظم كنز في العالم. # عندما خلعت سارة ثيابها في غرفة الاغتسال، لم أصدق ما رأيت؛ فساقاها وذراعاها وبطنها ~~مغطاة تماما بكلمات مكتوبة بخط صغير. ~~- «لم أتمكن من الكتابة على ظهري، ولن أستحم إلا إذا وعدتني أن تكتبي لي على ~~ظهري.» ~~- «أعدك بذلك.» # غسلت سارة الكلمات عن جسدها؛ تلك الكلمات التي كانت كتابا حيا يتنفس ويشعر ويؤلم ويخلد ~~الذكرى. ~~••• # وبعد نحو ثلاثة أشهر من وصولي إلى «246»، نودي اسمي عبر مكبر الصوت، فتوجهت أنظار ~~الجميع نحوي بقلق بالغ، بينما وضعت الشال على رأسي بيد مرتجفة. # قالت ترانه وعيناها تشعان أملا: «أنا واثقة ms115 أن هناك أخبارا جيدة.» # أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب المؤدي إلى البهو. كانت الأخت مريم تنتظرني في المكتب، ~~واستشعرت قلقها. # سألتها: «إلى أين سأذهب؟» ~~- «أرسل الأخ حامد في طلبك.» ~~- «هل تعرفين السبب؟» ~~- «كلا، ولكن لا تقلقي، لا بد أنه يرغب في الاطمئنان عليك فحسب.» # وضعت العصابة على عيني، واتبعت إحدى الأخوات نحو المبنى الآخر، ثم انتظرت في الرواق حتى ~~ناداني حامد، فاتبعته إلى إحدى الغرف. أغلق الباب خلفنا، وطلب مني أن أخلع العصابة. لم ~~يتغير قط، فعيناه كانتا أشبه بكهفين باردين مظلمين. رأيت في الحجرة فراشا للتعذيب في أحد ~~الأركان، ومكتبا ومقعدين، وسوطا أسود غليظا يتدلى من ظهر الفراش، فتسارعت أنفاسي. # قال لي مبتسما: «مارينا، كم جميل أن أقابلك. اجلسي وأخبريني كيف حالك.» # كانت كلماته كلدغات النحل. # قلت وأنا أبتسم: «أنا بخير.» ~~- «لقد هربت مني في تلك الليلة، أتذكرين؟ هل تساءلت عما حدث لمن كانوا معك؟» # تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بأن رأسي سينفجر. ~~- «لم أهرب. علي هو الذي أخذني معه، وأعلم جيدا ماذا حل بالآخرين. لقد ~~قتلتهم.» # كانت هناك بقع دماء على فراش التعذيب لم أستطع أن أبعد عيني عنها. ~~- «مع أنك لا تروقين لي، أعترف بأنك تثيرين اهتمامي. هل تمنيت من قبل لو أعدمت معهم ~~في تلك الليلة؟» ~~- «نعم.» # لم تفارقه الابتسامة. ~~- «تعرفين أنك تقضين حكما بالسجن مدى الحياة، أليس كذلك؟» ~~- «نعم.» # إن بدأ في جلدي الآن، فلن يتوقف حتى يقتلني. ~~- «ألا يزعجك هذا؟ أعني أنك لم تقض وقتا ممتعا منذ بضعة أشهر، أليس كذلك؟ ماذا لو ~~استمر الوضع هكذا إلى الأبد؟» ~~- «سوف يساعدني الله في تجاوز تلك المحنة.» # وقف، وسار في الغرفة دقيقة، ثم تقدم نحوي وصفعني على خدي الأيمن بظهر يده صفعة شعرت معها ~~بأن عنقي قد انكسر، وظلت أذني اليمنى تصفر. ~~- «علي ليس هنا ليحميك بعد الآن.» # غطيت وجهي بيدي. ~~«لا تتلفظي باسم الله بعد ذلك، فأنت دنسة لا تستحقين ذلك. علي أن أغسل يدي لأنني لمستك. ~~بدأت أعتقد أن الحكم بالسجن مدى الحياة أفضل ms116 لك ، فسوف تعانين طويلا بلا أمل.» # وهنا قرع الباب، ففتحه حامد وخرج. لم أستطع التفكير بوضوح. ماذا يريد حامد مني؟ # ثم دخل الغرفة رجل لم أقابله من قبل، وقال: «أهلا مارينا. أنا محمد، وقد أتيت لأعيدك إلى ~~«246».» # نظرت إليه مشدوهة، ولم أصدق أن حامدا قد أطلق سراحي بتلك البساطة. # سألني محمد: «هل أنت بخير؟» ~~- «بخير.» ~~- «إذن ضعي العصابة، وهيا بنا.» # تركني في حجرة مكتب مبنى «246» حيث طلبت مني الأخت مريم أن أخلع العصابة فور أن وصلت، ~~وكانت الأخت معصومة جالسة خلف مكتبها تقرأ. # سألتني الأخت مريم: «لماذا وجهك أحمر هكذا؟» # رفعت الأخت معصومة بصرها، وأخبرتهما بما حدث. # قالت الأخت مريم: «حمدا لله أني تمكنت من العثور على الأخ محمد، فهو والأخ علي صديقان ~~مقربان، عملا معا في نفس المبنى. اتصلت به وأخبرته أن حامدا استدعاك، فوعدني بأن يعثر ~~عليك ويعيدك مرة أخرى.» # وهمست الأخت معصومة: «إنك محظوظة يا مارينا، فالأخ حامد لا يحتاج سببا ليمعن في إيذاء ~~الآخرين إن أراد.» # استدارت نحوي الأخت مريم وقالت: «كما ترين، فالأخت معصومة ليست على علاقة طيبة بالأخ ~~حامد، لكنها تعلمت أن تلتزم الصمت. ومع أنها كانت واحدة من «أتباع الإمام» الذين احتجزوا ~~الرهائن في السفارة الأمريكية وتعرف الإمام معرفة شخصية، فإن لديها مشاكل مع حامد. الوحيدان ~~اللذان يمكنهما التصدي له هنا هما الأخ علي والأخ محمد.» # قالت الأخت معصومة: «لا تقلقي يا مارينا، فالآن وبعد أن علم حامد أن الأخ محمد يحميك فلن ~~يجرؤ على التعرض لك مرة أخرى.» # فرحت جميع السجينات في الغرفة «7» بعودتي، وأردن معرفة سبب استدعائي، لكن فور أن رأين ~~الآثار الحمراء المتورمة على خدي أدركن أن لدي أخبارا سيئة. لم يكن لدي أمل في الحصول ~~على إطلاق سراح مشروط، ولكنني لم أكن على استعداد لليأس، فهذا ما يريده حامد. إنه يحاول أن ~~يسحق معنوياتي، وكاد أن ينجح في ذلك. # فكرت فيما قالته لي الأخت مريم عن الأخت معصومة. من الصعب أن أتخيل أنها كانت إحدى محتجزي ~~الرهائن في السفارة ms117 الأمريكية بطهران، فما زلت أذكر أخبار احتجاز الرهائن التي شاهدتها في ~~التلفاز عندما وقعت. حينها شعرت بالقلق على الرهائن، فلديهم عائلات في بلادهم وأشخاص ~~يحبونهم ويحتاجونهم وينتظرون عودتهم، لكن احتجازهم استمر 444 يوما، وأطلق سراحهم في ~~العشرين من يناير عام 1981. الآن وضعي أسوأ منهم بكثير؛ فقد كانوا مواطنين أمريكيين، ما ~~يعني أنهم ذوو شأن، وعلى الأقل فقد حاولت حكومتهم إنقاذهم، وعرف العالم بأسره بأمر الحادث ~~المروع الذي وقع لهم. هل يعرف العالم عنا أي شيء؟ هل يحاول أحد إنقاذنا؟ في أعماقي كنت أعلم ~~أن الإجابة عن كلا السؤالين هي «لا». ~~••• # كنت أفكر بالكنيسة دائما. كنت أشم رائحة الشموع تشتعل أمام صورة العذراء، وأضواؤها ~~تتراقص على أمل استجابة الدعاء. هل نسيتني؟ أذكر أن المسيح قال إنه بأقل قدر من الإيمان ~~يمكننا إلقاء جبل في البحر، لكني لم أكن أرغب في نقل جبل من مكانه، بل أرغب في العودة إلى ~~المنزل فحسب. # في يوم عيد ميلادي استيقظت مبكرا للغاية، قبل موعد صلاة الفجر. لقد بلغت السابعة عشرة. ~~عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة تمنيت أن أصبح في مثل هذا العمر. اعتقدت وقتها أن ~~ذوات السابعة عشرة يمكنهم فعل أي شيء، لكنني الآن سجينة سياسية محكوم عليها بالسجن مدى ~~الحياة. لمست ترانه كتفي، فاستدرت إليها؛ إذ كانت تنام بجواري. # همست لي: «عيد ميلاد سعيد.» ~~- «أشكرك، ولكن كيف عرفت أني مستيقظة؟» ~~- «من صوت أنفاسك. بعد أن تنامي بجوار أحد كل تلك المدة يمكنك أن تعرفي متى يكون نائما ~~بالفعل ومتى يتظاهر بالنوم.» # سألتني هل تحتفل عائلتي بأعياد الميلاد، فأخبرتها أن والدي كانا يحضران لي كعكة وهدية ~~صغيرة، لكنها أخبرتني أن أعياد الميلاد تحظى بأهمية بالغة لدى عائلتها، فقد كانوا يقيمون ~~حفلات كبرى ويغدقون الهدايا بعضهم على بعض. كانت تتنافس هي وشقيقاتها في حياكة الثياب بعضهن ~~لبعض، وفي كل عام تزداد الثياب أناقة. # قالت لي: «مارينا، إنني أفتقدهم.» # فطوقتها بذراعي، وقلت لها: «سوف تعودين إلى المنزل، وسوف يعود كل شيء كما كان.» # وبعد الغداء ms118 أحاطت بي ترانه وسارة وبعض صديقاتنا الأخريات، وأعطتني سارة قطعة مطوية من ~~القماش. فتحتها فوجدت غطاء وسادة مطرزا، شهقت لرؤيته إذ كان جميلا. تبرعت كل واحدة من ~~صديقاتي بقطعة صغيرة من ملابسهن أو أغطية رءوسهن لصنعه. تعرفت على كل مربع فيه. كان من ~~عادتنا في السجن أن نصنع حقائب صغيرة مخيطة تعلق في خطاف تحت الرف بالغرفة كي نخزن فيها ~~متعلقاتنا الشخصية الصغيرة، وكنت أنا أول من تحصل على غطاء وسادة. # وبعد العشاء أعددنا كعكة عيد الميلاد من الخبز والتمر، وتظاهرت بإطفاء شموع وهمية. # قالت ترانه: «نسيت الأمنية!» ~~- «سأتمناها الآن: أتمنى أن تحتفل كل منا بعيد ميلادها القادم في منزلها.» # صفق الجميع وهللن. # بعد يومين أو ثلاثة أعلن في مكبر الصوت أن على كل سجينات الطابق الثاني من مبنى «246» ~~ارتداء الحجاب والتجمع في الساحة. ومع أننا كنا نستطيع الخروج في أوقات محددة من اليوم، فإن ~~ذلك لم يكن إجباريا قط، وهو ما جعل الجميع يشعرن بالقلق. عندما وصلنا إلى الساحة أمرنا ~~بالوقوف بعيدا عن منطقة محددة في المنتصف. خرج أربعة من الحرس الثوري من المبنى يرافقون ~~فتاتين، إحداهما كانت رفيقتنا في الغرفة في التاسعة عشرة من عمرها، أما الأخرى فمن الغرفة ~~رقم «5»، وكلاهما ترتدي الشادور. طلب منهما الاستلقاء على الأرض في منتصف الساحة، وقيد ~~أحد الحرس أيديهما وأقدامهما بالحبال، ثم أعلن أنهما مارستا الشذوذ، ولذلك ستعاقبان طبقا ~~للشريعة الإسلامية. شعر الجميع بالذعر، وشاهدنا اثنين من الحرس يجلدان ظهر الفتاتين. لم ~~تستطع الكثيرات منا رؤية هذا المشهد، فغطين وجوههن بأيديهن وأخذن يدعين، لكني لم أغمض ~~عيني، بل ظللت أشاهد السياط وهي ترتفع وتشق الهواء بصوتها الحاد الثاقب، ثم تأتي لحظة من ~~الصمت يتوقف فيها قلب المرء وترفض الرئتان التنفس. لم تكن الفتاتان تصرخان، غير أني وددت لو ~~صرختا. كان جسداهما الضئيلان يهتزان مع كل ضربة سوط. تذكرت الألم الرهيب الذي شعرت به عندما ~~تعرضت للجلد بالسياط. وبعد ثلاثين ضربة سوط، حل وثاقهما واقتيدتا بعيدا بعد أن تمكنتا ~~من الوقوف، وتركنا نحن ms119 لنفكر فيما حدث لرفيقتينا. من المفترض أن تزيدنا المعاناة قوة، لكن ~~علينا أن ندفع الثمن أولا. # ذات يوم جاء دوري كي أساعد شيدا في غسل ملابسها، ولم يكن غسل الحفاضات القماشية بالماء ~~البارد مهمة يسيرة. غسلنا الحفاضات في الصباح وتركناها معلقة لتجف في الساحة، ومع أنه كان ~~على الجميع الانتظار حتى اليوم التالي كي يجمعن الغسيل الجاف، كانت شيدا الوحيدة المسموح ~~لها بالخروج في المساء. تقدمتني ببضع خطوات، وكان الجو ربيعيا والطيور تغرد من بعيد، ~~والشمس غربت لتوها، واصطبغت السماء باللون الوردي. كانت حبال الغسيل الخمسة في نهاية ~~الساحة، وكل منها مربوط في قضبان نوافذ الطابق الأول، وتمتد من جهة إلى أخرى في الساحة، ~~وكانت مغطاة بملابس متعددة الألوان. اختفت شيدا خلف صفوف الملابس، واتبعتها محاولة شق طريقي ~~بذراعي بين السراويل والتنانير والقمصان والشادورات، وفجأة سمعتها تصرخ. ~~- «مارينا! أسرعي، أحضري مقصا! أسرعي! الآن!» # لمحت شيدا تحمل شخصا يتدلى من بين قضبان إحدى النوافذ، فجريت إلى حجرة المكتب وقرعت ~~الباب بقوة، ففتحت الأخت مريم. ~~- «مقص! الآن! في الساحة!» # تناولت مقصا من مكتبها، وهرعنا إلى المكان الذي تركت فيه شيدا، فوجدناها ما زالت تحمل ~~الفتاة التي اتضح أنها سارة. لقد شنقت نفسها بحبل قصير مصنوع من أغطية الرأس. كان الحبل ~~معقودا فوق القضيب الأفقي العلوي لإحدى نوافذ الطابق الأول. ولو كانت سارة - القصيرة ضئيلة ~~الجسم - أطول قليلا، لما استطاعت فعل ذلك. كان جسدها يرتجف، فقطعت الأخت مريم الحبل. كانت ~~تتنفس، لكن وجهها تحول إلى اللون الأزرق. بقينا معها وذهبت الأخت مريم كي تحضر الممرضة. ~~كانت فاقدة الوعي، فأخذنا نتحدث إليها ونلمس وجهها، ولكنها لم تبد أي رد فعل. # وهكذا أخذت سارة بعيدا مرة أخرى. ~~••• # كنت أفقد بعض الأمل مع كل لحظة تمر. كنا في فصل الربيع، والنسيم العليل ينشر عبير ~~الأزهار، والحياة مستمرة خارج أسوار «إيفين». هل لم أعد سوى ذكرى لأندريه؟ ربما نسيني. ~~وضعوا لنا هواتف في منطقة الزيارة، وسألت والدي عنه، فأخبرتني أمي بأنه يزورهما دائما ~~ويفكر في طوال الوقت، ms120 ولكن ربما يقولان ذلك كي لا أشعر بالحزن. # بدا كل يوم كسابقه، مما جعل الوحدة والإحباط اللذين نشعر بهما أشق من أن يحتملا؛ فكل يوم ~~يبدأ بصلاة الفجر قبل شروق الشمس، والإفطار يبدأ في الثامنة صباحا، ثم نشاهد البرامج ~~الدينية التعليمية في التلفاز، ويسمح لنا بقراءة الكتب التي تتحدث كلها عن الإسلام، أو ~~السير جيئة وذهابا عبر الممرات الضيقة. لم نكن نتحدث في السياسة أو أنشطتنا السياسية قبل ~~«إيفين» إلا لماما، فقد كانت بعض الفتيات يقمن بدور المخبرات مع أن عددهن لم يكن كبيرا؛ ~~واحدة أو اثنتان فحسب في كل غرفة، وهكذا لم نكن نخاطر بقول أي شيء لا نرغب في أن يعرفه من ~~يتولون التحقيق معنا. # ولمدة ساعة يوميا يسمح لنا بالخروج في الساحة الصغيرة المحيطة بالمبنى. كان يتعين ~~علينا ارتداء الحجاب عند الخروج، لأن الحرس من الرجال منتشرون فوق الأسطح طوال الوقت ~~يراقبوننا، ولكن لم يكن علينا ارتداء الشادور في الساحة، بل مسموح لنا بارتداء العباءات ~~وأغطية الرأس. وأثناء وجودنا بالخارج لا يسمح لنا إلا بالسير في دوائر أو الجلوس بجوار ~~الحوائط ومشاهدة السماء فوقنا. كانت تلك الرقعة الزرقاء الصغيرة هي الجزء الوحيد الذي ~~يمكننا رؤيته من العالم الخارجي، وكانت تذكرنا بالمكان الآخر الذي عشنا فيه ذات يوم حيث ~~بيوتنا والأماكن التي كنا ننتمي إليها. كنت غالبا أجلس مع ترانه بجوار الحائط متكئتين على ~~سطحه الخشن نراقب السحب وهي تختفي عن ناظرينا وتذهب إلى أرض أخرى، كنا نتخيل أننا نجلس فوق ~~سحابة نستطيع توجيهها في أي اتجاه، وتخبر إحدانا الأخرى عن الأماكن المألوفة التي يمكن ~~رؤيتها من هناك؛ شوارع الأحياء التي كنا نسكن فيها، ومدارسنا، ومنازلنا حيث تنظر أمي وأمها ~~من النوافذ تتساءل كل واحدة عن مصير ابنتها التي أخذت بعيدا عنها. # ذات يوم وبينما يغمرنا دفء شمس الربيع وتراودنا أحلام اليقظة عن البيت، سألتني ترانه: ~~«كيف تورطت وانتهى بك الأمر هنا؟» لم نتحدث قط عن الأحداث التي أدت إلى إلقاء القبض علينا. ~~كانت الساحة مليئة بالفتيات اللواتي ms121 يسير معظمهن بسرعة كأنهن يقصدن وجهة معينة، والمعاطف ~~السوداء والزرقاء والبنية والرمادية يحتك بعضها ببعض، والخفاف البلاستيكية تتحرك بسرعة على ~~الأرض المرصوفة. أدركت أن المشهد الذي أراه وأنا جالسة هناك مشابه للمشهد الذي يراه أحد ~~المتسولين الجالسين في شارع مزدحم، ولكن المشهد الذي أراه أكثر محدودية وتواضعا عما يراه ~~المتسول. في تلك اللحظة لم يكن عالمي إلا مبنى مربعا بلا سقف، به مستويان من النوافذ ~~المدعومة بالقضبان الحديدية التي تطل على غرف مظلمة؛ عالم من الفتيات يسرن في دوائر. كان ~~أشبه بقصة خيال علمي غريبة للغاية. قلت وأنا أضحك: «كوكب السجينات.» # سألت ترانه: «ماذا؟» ~~- «يبدو لي الأمر وكأننا متسولات نجلس على الرصيف في كوكب آخر.» # ابتسمت ترانه، وقالت: «المتسول ملك إذا ما قورن بنا.» ~~- «بدأت مشاكلي في اليوم الذي انسحبت فيه من درس التفاضل ...» # | الفصل الحادي عشر # في مطلع عام 1980 أصبح أبو الحسن بني صدر أول رئيس منتخب للجمهورية في إيران. وقد شارك ~~قبل نجاح الثورة في تحركات مناهضة للشاه عدة سنوات وسجن مرتين، ثم تمكن من الفرار إلى ~~فرنسا والانضمام لآية الله الخميني. كانت الآمال تراودنا في أن يقود ذلك الرجل إيران نحو ~~الديمقراطية، لكن أثناء العام الدراسي 1979 / 1980 شعرت كأني أغرق في الظلام، فكل شيء أخذ ~~يتغير للأسوأ تدريجيا، وحلت الفتيات المتعصبات قليلات الخبرة محل معظم معلماتنا واحدة تلو ~~الأخرى، وأصبح ارتداء الحجاب إجباريا، وأصبح حتميا على النساء إما ارتداء أثواب طويلة ~~داكنة اللون وتغطية رءوسهن بأوشحة كبيرة أو ارتداء الشادور، وحظرت الجماعات السياسية التي ~~تعارض الحكومة الإسلامية أو حتى تنتقدها، وأعلن أن ارتداء ربطات العنق واستخدام العطور ~~ومساحيق التجميل وطلاء الأظافر «رجس من عمل الشيطان»، ومن ثم تعرض صاحبها للعقاب ~~الشديد. وقبل دخول الفصول كل يوم يجبر الطلبة على الانتظام في صفوف والهتاف بشعارات مفعمة ~~بالكراهية؛ مثل «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل». # كل صباح تقف محمودي خانم مديرة المدرسة ونائبتها كرخة خانم في مدخل المدرسة حاملتين دلوا ~~من الماء وقطعة قماش، حيث تتفحصان وجوه كل الفتيات ms122 أثناء دخولهن المدرسة، فإن وجدتا فتاة ~~تضع مساحيق التجميل فركتا وجهها حتى يؤلمها. وذات صباح أثناء التفتيش جذبت محمودي خانم إحدى ~~صديقاتي وتدعى نسيم، واتهمتها بأنها نمصت حاجبيها لأنهما متساويان أكثر من اللازم، فبكت ~~نسيم وأكدت أنها لم تمس حاجبيها قط، ولكن المديرة اتهمتها بالفجور. كانت نسيم جميلة بطبعها، ~~ودافعت عنها الكثيرات منا وشهدن أن تلك هي طبيعتها، لكنها لم تتلق اعتذارا قط على ما ~~حدث. # ويوما بعد يوم أخذ الغضب والإحباط يتزايدان بداخلي. كنت أعاني أثناء معظم الدروس، وخاصة ~~درس التفاضل؛ فمعلمة التفاضل الجديدة فتاة من الحرس الثوري لم تكن مؤهلة لتدريس المادة، بل ~~كانت تقضي معظم الوقت في الدعاية للحكومة الإسلامية والحديث عن الإسلام والمجتمع الإسلامي ~~المثالي الذي يقاوم التأثيرات الغربية والفساد الأخلاقي. وذات يوم بينما كانت تسترسل في ~~الحديث عن الأمور العظيمة التي فعلها الخميني من أجل البلاد، رفعت يدي. # سألتني: «ماذا هناك؟» ~~- «لا أقصد الإساءة، آنسة، ولكن هل يمكننا من فضلك العودة إلى موضوعنا الرئيسي؟» # رفعت حاجبها وقالت بنبرة تحد: «إن لم يعجبك ما أقول، يمكنك مغادرة الفصل.» # نظر الجميع نحوي، فجمعت كتبي وغادرت الفصل، وبينما كنت أسير في الممر سمعت صوت وقع خطوات ~~كثيرة من خلفي. استدرت فوجدت معظم زميلاتي في الفصل قد تبعنني، وأصبحنا نحو ثلاثين فتاة في ~~الممر. # وبحلول استراحة الغداء عمت الفوضى المدرسة، وذكر الجميع أني أشعلت شرارة الإضراب. ألغيت ~~معظم الدروس المسائية لأن نحو 90٪ من الطالبات ظللن في الفناء ورفضن العودة إلى الفصول، ~~فخرجت محمودي خانم حاملة مكبر صوت وطلبت منا العودة إلى الفصول، لكن لم يستجب أحد، فأخبرتنا ~~أنها ستتصل بأولياء أمورنا، لكننا لم نتحرك، وعندما هددتنا بالطرد، أخبرناها أنها تستطيع أن ~~تفعل ما تشاء. وأخيرا اختارتني الطالبات ومعي اثنتان أخريان كي نتحدث مع المديرة نيابة ~~عنهن، فأخبرناها أننا لن نعود إلى الفصول ما لم تعدنا المعلمات بالالتزام بمناهج التدريس ~~وتنحية السياسة جانبا. # عندما عدت إلى المنزل في ذلك اليوم نادتني أمي، وهو ما كان غريبا، فنادرا ما كانت تتحدث ms123 ~~معي قبل وقت الطعام . كانت في المطبخ تفرم بعض البقدونس. # وقفت عند الباب وأجبتها: «نعم يا أمي.» ~~- «لقد اتصلت مديرة مدرستك اليوم.» # لم تكن تنظر إلي، بل ظلت تنظر إلى لوح التقطيع. تحركت السكين بمهارة ودقة، وغطى ~~البقدونس المفروم يدها كاسيا إياها باللون الأخضر. # سألتني وهي ترمقني بنظرة سريعة حادة كالسكين: «ماذا تظنين أنك فاعلة؟» # فأخبرتها بما حدث. ~~- «من الأفضل لك أن تعالجي تلك المشكلة، فلا أريدها أن تتصل بي مرة أخرى. تعايشي معهم ~~فحسب، فتلك الحكومة لن تدوم طويلا، والآن اذهبي لأداء واجباتك المدرسية.» # ذهبت إلى غرفتي وأغلقت الباب خلفي. لا أصدق أني أفلت من غضبها بتلك السهولة. ربما كانت ~~أمي تكره الحكومة الجديدة مثلما أكرهها، ولذلك لم تبد رد فعل عنيفا كما توقعت. # استمر الإضراب يومين، وظللنا نذهب إلى المدرسة دون أن ندخل الفصول، بل كنا نقضي الساعات ~~نجوب الفناء سيرا أو نجلس في مجموعات صغيرة، وتدور معظم مناقشاتنا عما شهدناه في الشهور ~~الأخيرة. لم نكن نصدق أن الحياة تغيرت تغيرا جذريا هكذا، فمنذ عام واحد فقط لم نكن نتخيل ~~أن ملابسنا ستعرض حياتنا للخطر، أو أننا سنضرب عند الدراسة كي نتعلم التفاضل. وفي ثالث ~~أيام الإضراب استدعت محمودي خانم المندوبات عن الطالبات إلى مكتبها. # كان وجهها محتقنا من الغضب، وأخبرتنا أنها توجه لنا إنذارا أخيرا، وأننا إن لم نعد ~~إلى الفصول فلن يصبح لديها خيار سوى الاتصال بالحرس الثوري واستدعائهم إلى المدرسة كي ~~يتولوا الأمر، وأنها على يقين من أننا نعلم أن الحرس لن يصبروا علينا، وأن ذلك الأمر خطير ~~وقد يعرض البعض للأذى، وحذرتنا من أننا نعادي الحكومة الإسلامية، وأن عقوبة ذلك هي الإعدام، ~~وأعطتنا مهلة مدتها ساعة كي نعود إلى الفصول. # لقد قالت ما لديها؛ الحرس الثوري سيئو السمعة، وخلال الأشهر الماضية ألقوا القبض على مئات ~~الأشخاص الذين انقطعت أخبار العديد منهم، والذين تنوعت جرائمهم ما بين مناهضة الثورة أو ~~مناهضة الإسلام أو مناهضة الخميني. # وهكذا انتهى الإضراب. # لم يكن الحرس الثوري الوحيدين الذين يثيرون ms124 القلاقل، فهناك أيضا «حزب الله»، وهم مجموعات ~~من المدنيين المتعصبين مسلحين بالسكاكين والهراوات يهاجمون أي نوع من الاحتجاجات الشعبية. ~~كانوا ينتشرون في كل مكان ويمكن حشدهم في غضون دقائق. كانوا أكثر عنفا مع النساء اللاتي لا ~~يرتدين الحجاب كما ينبغي، وقد تعرضت العديد من النساء للاعتداء والضرب لأنهن يضعن أحمر ~~شفاه، أو لأن بضع خصلات من شعرهن تظهر من تحت غطاء الرأس. # بعد نحو شهر أو اثنين من الإضراب طلبت مني معلمة الكيمياء باهمان خانم الانتظار بعد ~~انتهاء الدرس، وأخبرتني أنها رأت قائمة تضم بعض الأسماء، ومن بينها اسمي، على مكتب محمودي ~~خانم. كانت باهمان خانم إحدى المعلمات القلائل اللاتي كن يدرسن لنا من قبل قيام الثورة ~~واستمررن في المدرسة، وتعرفني جيدا. وبينما كانت تتحدث ظلت عيناها تراقبان الباب كي تتأكد ~~أن أحدا لن يدخل فجأة. كانت تحدثني همسا، واضطررت أن أنحني كي أسمعها جيدا. # كنت أتوقع حدوث شيء كهذا. أدركت أني سأواجه المشاكل بعد كل ما قلت وفعلت، فبغضي للقواعد ~~الإسلامية الجديدة لم يكن سرا، ووقتها لم يكن بوسع أحد الحديث بحرية دون أن ينال عقابه. ~~وبالرغم من علمي بكل ذلك، فقد بدت الأخطار التي تتهددني بعيدة مبهمة. كنت أظن أن الأمور ~~السيئة تحدث للآخرين فحسب. # شكرت باهمان خانم على إخباري بأمر القائمة، فأخبرتني بضرورة مغادرتي البلاد، وسألتني هل ~~لي أي قريب في الخارج، فأوضحت لها أن أسرتي ليست ثرية ولا يمكنهم إرسالي إلى أي مكان، ~~فقاطعتني وهي ترفع صوتها والدموع تلمع في عينيها. ~~- «مارينا، أظن أنك لا تفهمينني جيدا. إنها مسألة حياة أو موت، ولو كنت مكان والدتك ~~لحاولت إبعادك عن هنا حتى وإن اقتضى الأمر أن أموت جوعا.» # كنت أحبها ولم أكن أرغب في إثارة قلقها، فأخبرتها أني سأتحدث مع والدي في هذا الشأن، ~~لكنني لم أكن أنوي ذلك. ماذا أقول لهم؟ أأخبرهم أنه سيلقى القبض علي قريبا؟ # كان شقيقي وزوجته قد غادرا البلاد عقب قيام الثورة، وهاجرا إلى كندا بعد أن أدركا أن لا ~~مستقبل أمامها ms125 في ظل الجمهورية الإسلامية ، وبعد رحيلهما بفترة وجيزة منعت الحكومة الإيرانية ~~مواطنيها من الهجرة إلى الدول الأخرى. أحببت اسم «كندا»، فهي تبدو بلادا بعيدة قارسة ~~البرودة ولكنها هادئة، وشقيقي وزوجته محظوظان لوجودهما هناك، فبإمكانهما أن يحييا حياة ~~طبيعية، وألا يقلقا إلا بشأن الأمور العادية. فكر والداي في إرسالي إلى شقيقي كي أقيم معه، ~~ولكن هذا الأمر لم يفلح، فكان علي أن أبقى وأحتمل المخاطرة. # وفي ذلك المساء وأنا في المنزل ظللت أراقب الطريق من شرفتي. لم يجلب النظام الجديد شيئا ~~سوى الدمار والعنف، وتحولت المدرسة التي كانت فيما مضى أفضل شيء في حياتي إلى قطعة من ~~الجحيم. كنت قد سمعت أن الحكومة تخطط لإغلاق كل الجامعات وإعادة هيكلتها فيما أطلقت عليه ~~اسم «الثورة الثقافية الإسلامية»، كل هذا وقد مات أراش ولم يبق لي شيء. ~~••• # كان معظم صيف عام 1980 هادئا، وسررت لأني ~~سأبتعد عن المدرسة فترة وسأذهب إلى المنزل الصيفي. وفي شهر يوليو، كان أرام ووالداه يقضيان ~~أسبوعين في المنزل الصيفي الذي تمتلكه عمته. كنت وحيدة أتطلع إلى مجيئهم، لكن عندما جاءوا ~~وجدت نفسي أفكر في أراش وأفتقده أكثر من ذي قبل. كنت أنا وأرام نقضي معظم وقتنا بالمنزل ~~نلعب الورق أو نمارس لعبته المفضلة «ماسترمايند»، وأحيانا نتنزه سيرا على الشاطئ، لكن لم ~~يكن بوسعنا السباحة معا، لأن الفتيات أصبحن ممنوعات من ارتداء ملابس السباحة علنا. كان ~~معظم أصدقائنا الذين تملك عائلاتهم منازل صيفية في المنطقة - بما فيهم نيدا - قد غادروا ~~البلاد. قابلنا بعض الأصدقاء القدامى، لكننا كنا جميعا نخشى الحرس الثوري وأعضاء الجماعات ~~الإسلامية الذين ينتشرون في كل مكان ويكرهون مرأى الفتية والفتيات معا، فطبقا للقوانين ~~الجديدة التي تحكم البلاد كان هذا الأمر غير أخلاقي. ~~••• # بدأت الحرب بين إيران والعراق في سبتمبر من عام 1980، وكنت قد عدت إلى المدينة. ذهبت في ~~ذلك اليوم إلى منزل إحدى صديقاتي، وكنا نجلس في المطبخ نتناول الشاي وكعك الأرز بينما تريني ~~حذاءها الرياضي الجديد الذي كان أبيض اللون بأشرطة حمراء على الجانبين. فجأة ms126 قطع حديثنا صوت ~~دوي هائل تكرر مرتين، ويبدو كالانفجار. كنا في المنزل وحدنا. # ثم توالت المزيد من الانفجارات. # نظرنا من النافذة، ولكننا لم نتمكن من رؤية أي شيء. كانت صديقتي تقطن الطابق الأخير من ~~بناية ذات خمسة طوابق تقع بالقرب من ميدان «جاله»، فقررنا الخروج سريعا إلى السطح، وفي ~~الممر اصطدمنا ببعض الجيران الذين كانوا في طريقهم إلى هناك أيضا، وما إن بلغنا السطح حتى ~~تمكنا من رؤية المدينة جيدا. كان اليوم صحوا مشمسا، وطبقة رقيقة من الضباب تغلف طهران، ~~ثم سمعنا صوت الطائرات. # وهنا صرخ أحدهم: «انظروا هناك!» # على بعد بضعة أميال جنوبا كانت طائرتان نفاثتان مقاتلتان تحلقان باتجاه الشرق، وفي الأفق ~~غربا تتصاعد أعمدة من الدخان في السماء. أحضر أحد الجيران مذياعا وفتحه، وسرعان ما أعلن ~~مذيع منفعل أن طائرات ميج العراقية قد قصفت مطار طهران، وأن فرقا عسكرية من الجيش العراقي ~~عبرت الحدود ودخلت إيران؛ لقد دخلت إيران الحرب. # قرأت عن الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الأهلية الأمريكية، وعن القنابل التي دمرت ~~المدن ولم تخلف سوى الحطام والجثث، لكن تلك الحروب كانت في الكتب، حتى وإن كانت تلك القصص ~~حقيقية فقد مر على حدوثها سنوات عديدة، أما الآن فقد اختلف العالم، ولن يسمح لأحد بتدمير ~~المدن وقتل الآلاف من الأشخاص. # لوح صاحب المذياع بقبضته في الهواء وقال: «سوف نلقنهم درسا، سوف نستولي على بغداد ~~ونرجم صدام بالحجارة. هؤلاء الأوغاد!» # أومأ الجميع. # عندما عدت إلى المنزل وجدت أمي تلصق أشرطة لاصقة على شكل علامة # X # كبيرة على النوافذ كي تحمي الزجاج من الانكسار في ~~حالة حدوث قصف، وأوضحت لي أن الإذاعة تحث الناس على اتخاذ احتياطاتهم، وأنهم وعدوا ألا ~~تستغرق تلك الحرب أكثر من بضعة أيام أو أسابيع بحد أقصى، وأن جيشنا سوف يهزم العراقيين في ~~لمح البصر. اشترت أمي أيضا قطعا من الورق المقوى الأسود كي تغطي النوافذ ليلا بحيث لا ~~ترى طائرات الميج أضواء منزلنا وتتخذنا هدفا. لكنني لم أشعر بالقلق الشديد، فلم يبد الأمر ~~خطيرا ms127 إلى تلك الدرجة. # مرت الأيام، وإنذارات الغارات الجوية تنطلق مرتين يوميا، غير أنه نادرا ما كنا نسمع ~~صوت انفجارات. كانت محطات الإذاعة والتلفاز تبث الموسيقى العسكرية طوال اليوم وتعلن أن ~~قواتنا الجوية قد هاجمت بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى، وأننا تمكنا من صد هجمات ~~العراقيين، وبدأت حملة تشجيع لكل الرجال - صغارا وكبارا بل ومراهقين أيضا - على الانضمام ~~للجيش والاستشهاد، فقد أعلنت الحكومة أن نيل الشهادة هو السبيل الأكيد للفوز بالجنة. كانت ~~حربا للخير ضد الشر. أبيدت مدينة «خرمشهر» التي تقع بالقرب من الحدود الإيرانية ~~العراقية عن آخرها ثم اجتاحها العراقيون. # سرعان ما أغلقت كل الحدود، ولم يعد مسموحا لأي شخص بمغادرة البلاد دون تصريح خاص، ولكن ~~هناك من كانوا يدفعون أموالا طائلة للمهربين كل يوم كي يغادروا إيران من أجل تجنب الخدمة ~~العسكرية أو الهرب من الاعتقال على يد الحرس الثوري، وكانوا يخاطرون بحياتهم كي يعبروا ~~الحدود إلى باكستان أو تركيا. # وفي أواخر الخريف سمعت من أصدقائي في المدرسة عن مظاهرة احتجاجية فقررت الانضمام إليها. ~~ومع أنني أعلم خطورة ذلك الأمر فقد بدا لي أنه عين الصواب. كانت المظاهرة ستبدأ في الرابعة ~~عصرا في ميدان «فردوسي» الذي يبعد مسيرة عشر دقائق عن المدرسة. # يوم المظاهرة وبعد انتهاء اليوم الدراسي خرجت أنا وجيتا وسارة من المدرسة فرأينا المئات ~~من الأشخاص معظمهم من الفتية والفتيات صغار السن يملئون الشوارع. انضممنا إلى الحشد الذي ~~ينطلق نحو ميدان «فردوسي». كان الجميع متنبهين ينظرون حولهم ويعرفون أن الحرس الثوري أو حزب ~~الله أو كليهما معا سيهاجموننا في نهاية الأمر، وتسارعت نبضات قلبي. تحول الشارع إلى نهر ~~ثائر يتدفق بالحياة، ولاحظت أن أصحاب المتاجر يغلقون متاجرهم ويرحلون. وفي ميدان «فردوسي» ~~حملت فتاة مكبر صوت في يدها، وتحدثت إلى الحشد عن الهجمات العنيفة التي يشنها حزب الله على ~~النساء متسائلة: «إلى متى سنسمح للمجرمين والقتلة بالاختباء تحت ستار الدين من أجل الهجوم ~~على أمهاتنا وأخواتنا وصديقاتنا والإفلات بجرائمهم؟» وقفت بجوارنا عجوز تحمل في يدها لافتة ~~من الورق ms128 المقوى أبيض اللون وقد ربطت الشادور الأبيض الذي ترتديه حول خصرها تاركة شعرها ~~الأشيب الخفيف مكشوفا، واللافتة تحمل في منتصفها صورة فتاة على وجهها ابتسامة عريضة كتب ~~تحتها: «أعدمت في إيفين». # وفجأة امتلأ الشارع بضجة صاخبة كدوي الرعد، وأخذ الناس يفرون. # صرخ أحدهم: «فوق أسطح المنازل!» # نظرت للأعلى فرأيت الحرس الثوري في كل مكان. سقط شاب كان يقف بجوارنا على الأرض متأوها ~~واضعا يديه على بطنه، بينما تدفق خط أحمر رفيع من بين أصابعه فسال على الرصيف. حدقت إليه ~~ولم أستطع التحرك. كان الناس يصرخون ويركضون في اتجاهات مختلفة والدخان يملأ الجو، وشعرت ~~بآلام حارقة في عيني. انعزلت عن صديقاتي، ولم يكن بوسعي ترك الرجل المصاب هكذا، فانحنيت ~~بجواره، ونظرت في عينيه، ورأيت سكون الموت. لقد مات أراش مثله وحيدا غريبا. لا بد أن هناك ~~من يحب هذا الرجل وينتظر عودته. # عندها سمعت صوتا مألوفا: «مارينا!» # أمسكت جيتا بيدي وجذبتني معها. كان الهواء مشبعا بالغاز المسيل للدموع، ورجال ملتحون ~~يرتدون ثيابا مدنية يلوحون بهراوات خشبية في الهواء يهاجمون بها الحشود الفارة، والناس ~~يصرخون، ونحن نجري وسط هذا المشهد الجنوني. # عندما عدت إلى المنزل دخلت الحمام وأوصدت ~~الباب خلفي، وتمنيت لو قتلت أثناء إطلاق النار. لم أكن أرغب في الحياة، وما جدوى كل هذا ~~العذاب؟ ذهبت إلى غرفة والدي وفتحت درج الأدوية الذي كان يحفل بأشكال وأحجام مختلفة من ~~الزجاجات والعلب، من أدوية السعال إلى مضادات الحموضة والأسبرين وأنواع مختلفة من مسكنات ~~الآلام. تفحصتها كلها فوجدت زجاجة شبه ممتلئة من الحبوب المنومة، أسرعت بها مرة أخرى إلى ~~الحمام. الموت في زجاجة. كل ما أحتاج إليه هو رفع الغطاء وابتلاع الحبوب، وسوف يأتي الملاك، ~~وسوف أخبره أني شاهدت الكثيرين يموتون. ملأت كأسا بالماء وفتحت غطاء الزجاجة، لكن في ~~أعماقي كنت أعلم أني أرتكب خطأ. ماذا لو قرر كل من يؤمن بالخير الانتحار من كثرة ما يلاقي ~~في هذا العالم من معاناة؟ أغمضت عيني ورأيت عيني الملاك. تمنيت أن تفخر بي جدتي وأراش ms129 ~~وإيرينا، وأن أفعل شيئا في حياتي ؛ شيئا صالحا ذا قيمة. لقد رأيت حياة شاب تسكب داخل ~~دائرة من الدماء على الرصيف. لا يمكنني الاختباء؛ الموت ليس مكانا للاختباء. أغلقت الزجاجة ~~وأعدتها إلى خزانة الأدوية. ربما يوجد ما أستطيع القيام به. هرعت إلى المتجر، وأحضرت لافتة ~~من الورق الأبيض المقوى، وكتبت عن هجوم الحرس الثوري على المظاهرة السلمية. # وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة مبكرا عن العادة فوجدت الممرات خالية، وثبت اللافتة ~~بشريط لاصق على أحد الجدران، ووقفت أمامها أتظاهر بقراءتها. بعد نحو نصف ساعة تجمعت ~~الطالبات، وسرعان ما تجمع حشد كبير يحاول قراءة القصة، ولم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى ~~ظهرت محمودي خانم التي اقتحمت الممر بخطوات سريعة غاضبة ووجهها أحمر من شدة الغضب. # صاحت: «تنحوا جانبا!» # أطعنا الأمر. قرأت بضعة أسطر ثم سألت عمن كتب هذا، وعندما لم يجبها أحد مزقت اللافتة وهي ~~تصيح: «إنها أكاذيب!» # اعترضت: «ليست أكاذيب، لقد كنت هناك.» ~~- «إذن أنت التي كتبتها.» # أخبرتها كيف أطلق الحرس الثوري النار على الأبرياء. # قالت وهي تشير بإصبعها نحوي: «أي أبرياء؟ وحدهم أعداء الثورة وأعداء الله والإسلام هم من ~~يشتركون في تلك المظاهرات، وأنت أصبحت في مشكلة كبيرة.» ثم استدارت وغادرت المكان، فثارت ~~ثائرتي. كيف تجرؤ على نعتي بالكذب! # بعد بضعة أيام اشتركت أنا ومجموعة من صديقاتي في إصدار صحيفة مدرسية صغيرة، وكل أسبوع ~~نكتب بضع مقالات قصيرة عن القضايا السياسية اليومية التي تهمنا وننسخها بخط يدنا ونوزعها في ~~المدرسة. # أغلقت الحكومة بعض الصحف المستقلة متهمة العاملين بها بالعداء للثورة الإسلامية، وشعرت ~~كأن البلاد بأكملها تغرق تدريجيا، فالتنفس يصبح أكثر صعوبة كل يوم عن سابقه، ولكننا ظللنا ~~متفائلين ومؤمنين بأنهم لا يستطيعون إغراق الجميع. # منذ بدء الحرب مع العراق والنظام الإسلامي يحملها مسئولية كل المشاكل، فقد تضاعفت ~~الأسعار وقننت حصص اللحوم ومنتجات الألبان وأغذية الأطفال وزيت الطعام. كانت أمي غالبا ~~تذهب إلى المتجر في الخامسة صباحا كي تنتظر دورها في الحصول على حصتنا من الغذاء وتعود في ~~الظهيرة. كل ms130 السلع كانت موجودة في السوق السوداء ، لكن بأسعار باهظة لا تقوى عليها الأسر ~~محدودة الدخل ومن ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، بينما كانت الحصص التي توزع ضئيلة ~~للغاية. # وفي طهران بدت الحرب بعيدة عنا، فلم نعد نسمع صوت صافرات الإنذار إلا نادرا. حتى وإن ~~سمعناها فلم يكن يتبعها شيء. أما المدن القريبة من الحدود الإيرانية العراقية فقد دفعت ~~الثمن غاليا، وكانت الخسائر تتصاعد، وكل يوم تعرض الصحف صور العشرات من جثث الشباب الذين ~~قتلوا في الجبهة، وبذلت الحكومة قصارى جهدها كي تستغل عواطف الناس لحثهم على الأخذ بالثأر، ~~وفي المساجد أخذ الملالي يصيحون عبر مكبرات الصوت معلنين أن الحرب لا تحمي إيران فحسب، بل ~~إنها تحمي الإسلام أيضا، فلم يكن صدام مسلما بحق ولكنه من أتباع الشيطان. # شيئا فشيئا أصبحت كل الأشياء التي أحبها في قائمة المحظورات، حيث أعلن أن الروايات ~~الغربية التي كانت ملاذي وسلوتي «رجس من عمل الشيطان»، وأصبح العثور عليها عسيرا، ثم ~~أخبرتني محمودي خانم في أوائل ربيع عام 1981 أني أحتاج إلى الحصول على درجات إضافية في مادة ~~التربية الدينية. كانت الأقليات الدينية معفاة من حضور دروس الدين الإسلامي أو الزرادشتي، ~~ولكن الآن علي إما أن أحضر دروسا في الدين الإسلامي أو أن أحضر شهادة من الكنيسة ~~أقدمها للمدرسة. ومع أنني حضرت دروسا في الدين الإسلامي في المدرسة طواعية من قبل فقد ~~أصبحت أرفض ذلك الآن. لقد حصلت على ما يكفي من التعليم الإسلامي، وبدا الحصول على شهادة من ~~الكنيسة فكرة مناسبة وعملية، ولكنها لم تكن كذلك في حالتي؛ إذ لم يكن هناك قساوسة بالكنيسة ~~الأرثوذكسية الروسية بطهران منذ وقت طويل. اتصلت أمي بإحدى صديقاتها اللاتي يذهبن للكنيسة ~~بانتظام، فأرشدتني إلى كنيسة كاثوليكية. ومع أن تلك الكنيسة على بعد شارعين من منزلنا، فلم ~~ألاحظ وجودها من قبل، لأنه من دون النوافذ الزجاجية الملونة التي تطل على الطريق، بدت ~~الكنيسة كئيبة كالمكاتب الحكومية والسفارات الأجنبية المحيطة بها. وهناك عرض علي القساوسة ~~المساعدة في دراستي وتقييم جهودي. # أخذت أذهب ms131 إلى الكنيسة مرة أسبوعيا لحضور دروس العقيدة ؛ كان علي قرع الجرس أمام الباب ~~المعدني الذي يصل بين الساحة الخلفية للكنيسة والشارع وأنتظر حتى يسمح لي بالدخول، ثم أغلق ~~الباب خلفي وأسير عبر ممر ضيق يقع بين الكنيسة والحوائط القرميدية التي تحيط بالساحة. كانت ~~الأرض مغطاة بالأسفلت، وحجرة مكتب الكنيسة ومحل إقامة القساوسة يقعان في مبنى منفصل مجاور ~~للكنيسة. كان القسيس يستقبلني بحفاوة شديدة، ثم نشرع في قراءة الإنجيل ومناقشته، وبعد ~~انتهاء الدرس أفتح الباب الخشبي الثقيل الذي يصل بين الساحة ومبنى الكنيسة، والذي كان ~~دائما يصدر صريرا يتردد صداه بين الجدران الشاهقة. كنت أحب الجلوس على أحد مقاعد الكنيسة ~~والنظر إلى صورة العذراء بثوبها الوردي الطويل وغطاء رأسها الأزرق وابتسامتها الهادئة التي ~~تعلو وجهها، بينما الشموع تتلألأ أمامها. لقد عرفت العذراء معنى الخسارة، وذاقت طعم الألم. ~~هنا كنت أشعر أني في بيتي. # | الفصل الثاني عشر # في وقت مبكر من مساء الأول من مايو عام 1982، استدعيت ترانه وخمس فتيات أخريات إلى ~~حجرة المكتب عبر مكبر الصوت، فخيم شبح الصمت على السجن. الكل يعلم أن الفتيات الخمس ~~الأخريات محكوم عليهن بالإعدام، بينما أنا الوحيدة التي تعلم بأمر ترانه. كانت ترانه تجلس ~~كعادتها في أحد الأركان تقرأ القرآن، وهي الوحيدة التي استدعيت في غرفتنا، فتجمد الجميع في ~~أماكنهن وحدقن إليها، ولكنها وقفت كأنها ذاهبة لتتجول في المكان قليلا. اتجهت نحوها، ~~لكنها نظرت إلي وهزت رأسها، ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة المعلقة في الخطاف وحقيبتها الكبيرة ~~الموضوعة أعلى الرف، واتجهت نحوي وأعطتني إياهما. ~~- «تعرفين أني لا أملك الكثير من الأغراض، فهذا كل شيء. أرجوك أن تجدي طريقة مناسبة ~~لإيصال تلك الأغراض لوالدي.» # أومأت برأسي، فارتدت الشادور وخرجت من الغرفة. كنت أعلم أن صديقتي ذاهبة لتلقى حتفها، ~~وإن صرخت حتى بح صوتي أو ضربت رأسي بالحائط حتى كسرته فلن ينقذها ذلك. وقفت في منتصف ~~الغرفة حاملة حقائب ترانه في يدي فترة طويلة حتى خذلتني ساقي. لم تنطق إحدانا كلمة طوال ~~اليوم، بل التزمنا الصمت وكأن بوسعه ms132 إنقاذ حياة أو تحقيق معجزة. انتظرنا، وصلينا ، وبكينا ~~سرا، وتحركت شفاهنا دون أن يصدر عنها صوت، لكن انتهى اليوم، وامتلأ الأفق باللونين الأحمر ~~والقرمزي، ثم تسلل الليل. أنصتنا كي نسمع صوت إطلاق النار، وسرعان ما سمعناه كأن سحبا ~~زجاجية تتساقط من السماء. # | الفصل الثالث عشر # بعد نحو أربعة أشهر ونصف من إلقاء القبض علي نودي اسمي في مكبر الصوت. ~~- «مارينا مرادي بخت، ارتدي الحجاب وتعالي إلى المكتب.» # لم أدر سبب الاستدعاء؛ ربما افتقدني حامد مرة أخرى. غطيت شعري بالشال وذهبت إلى ~~المكتب. # استقبلتني الأخت مريم بابتسامة وقالت: «لقد عاد الأخ علي، وسأل عنك.» # وضعت العصابة وتبعتها إلى مبنى آخر حيث انتظرت في الممر. شعرت بأن أنفاسي تقف كالحجارة في ~~حلقي. # سمعت صوت علي: «مارينا، اتبعيني!» فتبعته. أغلق الباب خلفنا وطلب مني أن أجلس وأخلع ~~العصابة. بدا لي أطول قليلا مما أتذكر؛ ربما لأنه فقد بعض الوزن. # نظرت حولي؛ كنا في غرفة بلا نوافذ، وبلا فراش للتعذيب، وعلى أحد الحوائط صورة آية الله ~~الخميني؛ ذلك الرجل الذي أخبرني علي بأنه أعطى الأمر بإنقاذ حياتي؛ حاجباه الداكنان ~~معقودان، يقطب جبينه وعيناه تحدقان في بغضب شديد. بدا لي عجوزا وضيعا. وبجوار صورة ~~الخميني صورة أخرى للرئيس آية الله خامنئي الذي كانت ملامح وجهه تشي بالطيبة مقارنة ~~بالإمام. # أحضر علي مقعدا من خلف مكتب معدني وهو يعرج، وأخذ يتفحص وجهي بعينيه. كدت أنسى شكله. ~~كان مصابا بندبة حديثة على خده الأيمن. ~~- «تبدين أفضل كثيرا من آخر مرة رأيتك فيها. كيف حالك؟» ~~- «بخير. وأنت؟» ~~- «هل هذا السؤال من باب الأدب أم أنك تودين أن تعرفي أخباري حقا؟» # قلت: «بل أود أن أعرف.» دون أن أعني ذلك. كل ما أردت هو الخروج من تلك الغرفة، والعودة ~~إلى «246». # أخبرني أنه قضى أربعة أشهر في الجبهة يقاتل العراقيين، لكنه عاد بعدما أصيب في ساقه بطلق ~~ناري. قلت إنني آسفة لسماع ذلك، وهو ما كنت أعنيه حقا. لم أتمن له أو لغيره الأذى ~~قط. # تفحصني باهتمام، واتخذت ابتسامته طابعا ms133 جديا. ~~- «مارينا، علي أن أتحدث معك في أمر مهم. أريدك أن تنصتي لي جيدا وألا تقاطعيني حتى ~~أنتهي من كلامي.» # أومأت وقد اعترتني الحيرة. قال إن السبب ~~الأساسي الذي دعاه لمغادرة «إيفين» هو رغبته في الابتعاد عني. كان يظن أن عدم رؤيتي سيغير ~~من مشاعره تجاهي، لكن ذلك لم يحدث. أخبرني أيضا أن مشاعره تحركت نحوي منذ اللحظة الأولى ~~التي التقينا فيها، وأنه حاول أن يتجاهل تلك المشاعر، لكن ذلك لم يزدها إلا قوة. وفي تلك ~~الليلة التي اقتادني فيها إلى الحمام شعر أن عليه إنقاذي بأي ثمن، وهو ما جعله يشعر بالخوف ~~الشديد. وعندما لم أخرج من الحمام ناداني لكنني لم أجب، فدخل كي يرى ماذا حدث فوجدني ~~ملقاة على الأرض. وللحظة ظن أنني مت، ولكنه عندما تحسس نبضي أدرك أنني ما زلت على قيد ~~الحياة. علم أن اسمي مدرج في قوائم الإعدام، وأن حامدا يكرهني. حاول التفاوض مع حامد، لكنه ~~لم يستمع إليه. السبيل الوحيد كي ينقذ حياتي هو الذهاب إلى آية الله الخميني صديق والده ~~المقرب منذ سنوات، وبالفعل ذهب إليه وتوسل إليه كي يعفو عني، موضحا له أني فتاة قليلة ~~الخبرة أحتاج فرصة كي تتغير أفكاري. أخبره آية الله بأن التهم الموجهة لي خطيرة بما يكفي ~~لأن تضعني على قائمة المحكوم عليهم بالإعدام، لكنه ظل يتوسل إليه، وفي النهاية وافق آية ~~الله على تخفيف الحكم الصادر ضدي إلى السجن مدى الحياة، فهرع علي إلى «إيفين» وسأل الحرس ~~عن مكاني، فأخبروه بأن حامدا اقتادني لتنفيذ حكم الإعدام، فدعا الله وأسرع إلى مكان تنفيذ ~~الحكم. # شعرت بموجة من الذعر تجتاحني. # قال إنه بعد الحديث مع آية الله قرر أن يرسلني إلى «246» مرة أخرى ويرحل بعيدا. فما دمت ~~قد حصلت على عفو الإمام، لن يستطيع حامد أن يؤذيني. حاول أن ينساني، لكنه وجد نفسه يفكر في ~~طوال الوقت، وسر عندما أصيب بطلق ناري، لأنه وجد سببا كي يعود. كان والده يخبره دائما ~~أن يؤجل اتخاذ القرارات المهمة في حياته ms134 حتى اليوم التالي ويفكر فيها جيدا، وقال إنه أجل ~~قرار الزواج بي وظل يفكر فيه أكثر من أربعة أشهر، وفي نهاية الأمر اتخذ قراره. # قال: «أريد الزواج منك يا مارينا، وأعدك أن أكون زوجا صالحا وأن أعتني بك. لا تجيبي ~~الآن. أريدك أن تفكري جيدا.» # حاولت أن أفهم ما سمعته، لكنني لم أستطع، فالكلام خلا من كل منطق. كيف يمكنه أن يفكر في ~~الزواج بي؟ لا أود الزواج منه، بل لا أرغب في البقاء معه في نفس الغرفة. # قلت بصوت مرتعش: «عليك أن تفهم يا علي أنني لا أستطيع أن أتزوجك.» ~~- «ولم لا؟» ~~- «لأسباب عديدة.» ~~- «أنا على استعداد لسماعها، ولا تنسي أنني فكرت في ذلك الأمر شهورا طويلة، ولكن من ~~يدري، فربما نسيت شيئا. هيا أخبريني بكل الأسباب التي تمنعك.» ~~- «أنا لا أحبك، ولست لك.» ~~- «لا أتوقع منك أن تحبيني، فالحب سيأتي مع الوقت، بعد أن تمنحيني الفرصة. تقولين إنك لست ~~لي، لمن أنت إذن؟ لأندريه؟» # تسارعت أنفاسي. كيف علم بأمر أندريه؟ # أخبرني أني كنت نائمة ذات مرة وسمعني أتلفظ باسم أندريه أثناء نومي، فأجرى بعض البحث وعرف ~~من يكون أندريه وأين يسكن. ومع أن أندريه لم يكن له ملف سياسي، فبوسع علي أن يعد له واحدا ~~إذا اضطر إلى ذلك. # مع أني أعلم أني أتحدث أثناء نومي أحيانا، فلم أستطع أن أصدق ما قاله. ربما كان يراقبني ~~قبل إلقاء القبض علي وهكذا علم بأمر أندريه. رباه! لقد تسببت في توريط أندريه في هذا ~~الأمر. ماذا عساي أن أفعل؟ # سألني علي: «هل تريدين رؤيته هنا؟ ربما تودين رؤيته على فراش التعذيب. دعيه يواصل حياته، ~~وعليك أن تتقبلي حقيقة أن حياتك قد تغيرت تماما بعد القبض عليك. ولا تنسي والديك أيضا، ~~فأنا على يقين أنك لا ترغبين في تعريضهما للخطر. لماذا تجعلينهما يدفعان الثمن؟ أعدك أنك ~~ستنعمين بالسعادة معي، وستتعلمين كيف تحبينني.» # أخبرته بأنه لا يملك الحق في ذلك، ولكنه أجابني بأنه يملك هذا الحق، وأني ربما أكون قد ~~نسيت أنه ms135 أنقذني من الموت المحقق. بوصفي عدوة للإسلام لم أكن أملك أي حقوق. كان يظن أنه ~~يسدي لي معروفا، وأنني لا أدرك مصلحتي جيدا. # حاولت يائسة البحث عن مهرب. يبدو أن موتي سيحل مشاكل كثيرة. # انتزعني صوته من أفكاري: «أنا أعرفك جيدا، وأعرف فيم تفكرين الآن؛ تفكرين في الانتحار. ~~يمكنني أن أرى ذلك في عينيك، لكنني أعلم أيضا أنك لن تفعلي ذلك، فلست ممن يستسلمون، فهذا ~~ليس من شيمك. أنت مقاتلة بطبيعتك مثلي. تحرري من أسر الماضي، وسوف نحيا حياة رائعة معا. ~~وعليك أن تعرفي أنك لو آذيت نفسك عن عمد، فسوف أعدم أندريه. سوف يدفع الثمن بدلا ~~منك.» # كيف يمكنني أن أحيا حياة «رائعة» معه وهو يهددني بإعدام أندريه والقبض على ~~والدي؟ ~~- «سأمهلك ثلاثة أيام حتى تفكري، ولكن تذكري ألا ترتكبي أي حماقة، فأنا جاد بشأن كل كلمة ~~قلتها.» # لقد عرضت أندريه ووالدي للخطر، وعلي أن أفعل كل ما بوسعي لحمايتهم، وعلي أن أتذكر ~~أيضا أنني أقضي حكما بالسجن مدى الحياة، وليس لي من مهرب. كدت أتمنى لو أني لم أقابل ~~أندريه قط. # | الفصل الرابع عشر # قابلت أندريه أول مرة حضرت فيها قداس الأحد في كنيستي الكاثوليكية الجديدة. في ذلك اليوم ~~وبعد انتهاء الصلاة ذهبت إلى حجرة المكتب الصغيرة كي أتحدث مع القساوسة، وفي أثناء انتظاري ~~دخل أندريه عازف الأرغن. ومع أني كنت أجلس في مؤخرة الكنيسة أثناء القداس، فقد لاحظت أنه ~~شديد الوسامة. والآن أدركت أني أنظر إلى النسخة المحتشمة من تمثال «داود» للفنان مايكل ~~أنجلو. كان وجهه بيضويا وأنفه طويلا، وخصلات من الشعر الذهبي تغطي جبهته العريضة، وعيناه ~~صافيتان كبحر «قزوين» في يوم صحو. كان جميلا؛ ولما كست حمرة الخجل وجهي أطرقت برأسي على ~~أمل ألا يكون وجهي فاضحا لأفكاري كما أخشى. عرف كل منا نفسه للآخر. # كان المترددون على الكنيسة عددا صغيرا من الناس، وهكذا يسترعي أي وافد جديد الكثير من ~~الانتباه والفضول. سألني هل أنا طالبة بالجامعة، فأجبته أني ما زلت بالصف العاشر، فتورد ~~وجهه خجلا. ms136 أخبرته عن جذوري الروسية، وأخبرني أنه يدرس الهندسة الكهربائية في جامعة طهران، ~~ولكن منذ أن أغلقت الجامعات من أجل «الثورة الثقافية الإسلامية» بدأ يعمل معلما للغة ~~الإنجليزية والطبيعة والرياضيات في مدرسة أرمنية. # وبينما نتحدث إذ شعرت بموجة من الابتهاج تجتاحني، كان متزنا معسول اللسان، وأخبرته أني ~~أستمتع بموسيقاه، فقال إنه مبتدئ. عندما استولت الحكومة بعد قيام الثورة على مدرسة الفتيان ~~التابعة للكنيسة، نفي العديد من القساوسة الذين كانوا يديرون المدرسة بتهمة التجسس. كان ~~أندريه يذهب لتلك المدرسة منذ اثني عشر عاما، وكان أحد القساوسة الذين ينتظرون الترحيل ~~يشغل منصب عازف الأرغن التابع للكنيسة منذ فترة طويلة، فأعطى أندريه الذي لم يمارس العزف ~~على أي آلة موسيقية من قبل بضعة دروس، وفور أن رحل تولى أندريه منصبه. # قال أندريه: «يجب أن تنضمي إلى الجوقة، فنحن نبحث عن أعضاء جدد الآن.» # أخبرته أني لا أستطيع الغناء. ~~- «ولم لا تحاولين؟ فالأمر ممتع. تدريبنا القادم في السادسة مساء يوم الأربعاء. ألديك ما ~~تنوين القيام به تلك الليلة؟» ~~- «كلا.» ~~- «حسنا، أراك مساء الأربعاء إذن.» # وقف، وصافحني. # ما إن انصرف حتى تمكنت من التقاط أنفاسي. ~~••• # ظل أرام يرافقني سيرا على الأقدام إلى المنزل مرة في الأسبوع على الأقل، وكان في الصف ~~الثاني عشر، أي في عامه الأخير بالمدرسة الثانوية. # أخبرني ذات مساء يوم ربيعي دافئ صحو أنهم يعتزمون الرحيل عن إيران خلال بضعة أشهر وينوون ~~الذهاب إلى الولايات المتحدة. كنت أدرك أن هذا اليوم آت لا محالة. نحن أصدقاء منذ أكثر من ~~عامين، ولا أود أن أخسره، لكني أدركت أن الأفضل له أن يرحل ويبدأ حياة جديدة بعيدا عن ~~الذكريات المؤلمة التي تشاركناها. # أخبرته أنني سعيدة من أجله، فتوقف عن السير ونظر لي بعينين دامعتين، وقال إنه يتمنى لو ~~أمكنني الذهاب معه لأنه يخاف علي، فقد ألقي القبض على العديد من زملائه في المدرسة وزج ~~بهم في سجن «إيفين»، وقد سمع أن أحدا لا يخرج من هناك حيا. أخبرته أنه متشكك أكثر مما ~~ينبغي، لكنه أكد ms137 لي أن الأمر لا علاقة له بالشك . # ألححت عليه: «أرام، لا داعي للقلق.» ~~- «كان أراش يردد نفس الكلام ... انتظري ثانية؛ خطرت لي فكرة، لكن كلا، لا يمكن ... ولكن من ~~ناحية أخرى ...» # توقف أرام في منتصف رصيف ضيق أمام متجر للمنتجات الغذائية، حيث الصناديق والسلال الملأى ~~بالخضر والفواكه تسد جزءا من الرصيف، والرائحة القوية للبقدونس الطازج والشبت والكراث ~~والريحان تملأ هواء تلك الظهيرة الحار. # فجأة سألني والدموع تكاد تسيل من عينيه: «أنت لا تفكرين في الانتحار، أليس كذلك؟» # أخبرته أني لا أملك أدنى نية للانتحار. # كانت هناك امرأة ممتلئة الجسم تحاول أن ~~تتجاوزنا كي تدخل المتجر، ويبدو أنها سئمت من انتظار انتهاء حديثنا، فقالت بلهجة يائسة: ~~«بعد إذنكما.» وكادت تدفعنا بصندوق كبير من البصل. عندما استعاد أرام توازنه نظر إلي، ~~فابتعدت عن الطريق وطمأنته مرة أخرى أنني سأكون بخير. وعندما واصلنا السير مددت يدي كي ~~أمسك يده، لكنه جذبها بعيدا، وقال وهو يتلفت حوله وقد احتقن وجهه: «ماذا تفعلين؟ سوف يقبض ~~علينا!» # قلت وأنا أغالب دموعي: «أنا ... أنا آسفة، إنني حمقاء، لم أفكر في ذلك.» ~~- «آسف يا مارينا، لم أقصد إزعاجك، لكن كيف أسامح نفسي لو تعرضت للجلد لأنك أمسكت ~~يدي؟» ~~- «آسفة.» ~~- «أترين؟ هذا سبب آخر يدفعك لمغادرة البلاد، فإمساك الأيدي ليس جريمة، وإن أخبرت أي شخص ~~يعيش في دولة طبيعية بذلك، فسيعتقد أنها مزحة سخيفة.» # بعد بضع دقائق تذكرت أنني أود سؤاله هل يعرف أي شخص يستطيع الترجمة من الروسية إلى ~~الفارسية، وأوضحت له أن جدتي دونت قصة حياتها وأنها أعطتني إياها قبل وفاتها، وأني بحاجة ~~إلى من يترجمها إلى الفارسية. سألني لم لم أعهد إلى والدي بتلك المهمة، فأخبرته بأن جدتي ~~ائتمنتني على تلك القصة، وربما لم تكن تود أن تصل إلى أيديهما، وأني أرغب في أن يساعدني في ~~ذلك الأمر شخص لا يعرفني. أخبرني أن إيرينا لديها صديقة غريبة الأطوار قليلا، ولكنها تعرف ~~لغات عديدة وتتحدث الفارسية والروسية بطلاقة، ووعدني أن يتصل بها. # كدنا نكون في منتصف الطريق ms138 إلى المنزل عندما لاحظت أن عاصفة على وشك الهبوب، فقد غطت ~~السحب السماء. كان غريبا أن يتبدل حال يوم مشمس جميل هكذا خلال بضع دقائق. سمعنا أول قصف ~~للرعد، ثم بدأت الأمطار تهطل. كنا بعيدين عن المنزل، ولا يوجد مكان نحتمي به من المطر. أخذت ~~الأمطار تتساقط ببطء في بادئ الأمر، واستطعت أن أرى كل قطرة من المطر وهي تسقط على الأرض. ~~ربما كان بوسعنا بلوغ المنزل قبل أن تشتد العاصفة، ولكن كلا، فات الأوان. انطلق هزيم الرعد ~~مدويا وامتزجت قطرات المطر الرائعة معا، وهبت رياح قوية أحنت الأشجار وحولت المطر إلى ~~موجة عاتية من المياه. اضطررنا إلى التوقف، وتلاشت ملامح الشارع المألوف لنا، واختفت ~~الألوان الدافئة. لم نستطع العثور على طريقنا، فوقفنا مرتبكين ندرك أنه لا بد من مواجهة ~~العاصفة. كان لا بد من أن نغلق أعيننا، ونقنع أنفسنا أنها ليست سوى لحظة عابرة. # في اليوم التالي اتصل بي أرام، وأخبرني أنه ~~تحدث مع صديقة لإيرينا تدعى آنا، وأنها وافقت على لقائي. وبعد يومين اصطحبني أرام إلى منزل ~~آنا الذي يقع في شارع هادئ متفرع من طريق «تخت الطاووس». قرعنا الجرس، فنبح كلب من خلف ~~الباب الذي يصل الساحة الأمامية بالشارع، وسمعنا صوت سيدة تقول بالفارسية: «من بالباب؟» ~~عندما أجبنا، فتحت آنا الباب؛ امرأة نحيفة طويلة في السبعينيات من عمرها، شعرها أسود كثيف ~~يصل حتى كتفيها، وعيناها رماديتان واسعتان، ترتدي قميصا حريريا أبيض اللون وسروالا من ~~الجينز الأزرق. حيتنا بالروسية، بينما تبعها كلبها الألماني. كان منزلها الصغير المكون من ~~طابقين مليئا بالنباتات الاستوائية من كل الأحجام، حتى إننا اضطررنا لدفع الأوراق بعيدا ~~عن طريقنا كي نتمكن من اتباعها نحو غرفة المعيشة حيث وجدنا ببغاء زاهي الألوان، وزوجا من ~~الكناري يغني في قفص، وقطة سوداء أخذت تتمسح في ساقي. كان الجو يعبق برائحة التربة الندية، ~~وكل حائط في الغرفة مغطى بخزانة مملوءة بالكتب. # سألتني آنا وهي تجلس: «أين النص؟» فأعطيتها إياه. أخذت تتصفح الأوراق، ثم تابعت: «سوف ~~أحتاج بضع ساعات ms139 لترجمة هذه الأوراق.» # ثم وقفت وأرشدتنا إلى الباب وهي تقول: «كانت إيرينا تحبك كثيرا يا مارينا. يمكنك العودة ~~مساء غد في الرابعة والنصف.» # في اليوم التالي فتحت لنا آنا الباب فور أن قرعنا الجرس، وأعطتني مذكرات جدتي ~~وترجمتها. # قالت وهي تغلق الباب خلفها: «ها هي يا عزيزتي. لقد كانت جدتك امرأة حزينة ولكنها ~~قوية.» # قال أرام وهو ينفجر ضحكا: «قلت لك إنها غريبة الأطوار إلى حد ما.» # قرأت الترجمة فور عودتي إلى المنزل. كانت تقع في نحو أربعين صفحة، ومكتوبة بخط أنيق، ~~وخالية من الأخطاء اللغوية. لو لم أكن أعلم مسبقا أن الفارسية ليست لغتها الأولى في ~~الكتابة، لما تخيلت ذلك مطلقا. # في سن الثامنة عشرة أحبت جدتي - زينا موراتوفا - فتى وسيما في الثالثة والعشرين من ~~عمره يدعى أندريه، كان شيوعيا ذا شعر أشقر وعينين زرقاوين واسعتين. توسلت إليه زينا ألا ~~يخرج في المظاهرات والاحتجاجات ضد القيصر، ولكنه لم ينصت إليها. لقد أراد أن يرى روسيا أعظم ~~مما هي عليه وأن يختفي الفقر. كتبت زينا أن أفكاره كانت جميلة ولكنها مستحيلة، وكان ساذجا. ~~بدأت الذهاب معه في المظاهرات كي تحميه، وأثناء إحدى المظاهرات أمر الجنود المتظاهرين ~~بالرحيل، ولكن أحدا لم يستمع إليهم، ففتح الجنود النار عليهم. # كتبت زينا: # أخذ الناس يفرون، واستدرت فوجدته ممددا على الأرض ينزف، فضممته بين ذراعي ~~حتى مات. أشفق الجنود علي، وتركوني أحمله إلى أمه، فسحبت جثته عبر شوارع موسكو، ~~وتطوع بعض الشباب كي يساعدوني، وحملوه نيابة عني. سرت خلفهم أشاهد دماءه تتقطر على ~~الأرض. جافاني النوم الهادئ بعد ذلك اليوم، وما زلت أستيقظ لأجد دماءه على ~~فراشي. # قابلت زينا زوجها المستقبلي - جدي عيسى - بعدها ببضعة أشهر. كان شابا طيبا يعمل ~~صائغا، ولم تدر متى أو كيف وقعت في حبه، وسرعان ما عرض عليها الزواج ووافقت، وبالفعل ~~تزوجا وأنجبا طفلة أطلقت عليها اسم تامارا. بعدها بقليل أجبرا على مغادرة روسيا والمجيء ~~إلى إيران. كان الأمر شاقا على زينا لأنها كانت حبلى في طفلها الثاني؛ أبي. عندما ms140 وصلوا ~~إيران ذهبوا أولا إلى مدينة «مشهد » حيث ولد أبي، ثم انتقلوا إلى مدينة «رشت» حيث كان ~~لعيسى بعض الأقارب. لم تدم إقامتهم في «رشت»، وانتقلوا إلى طهران التي كانت تختلف تماما ~~عن موسكو، وهو ما جعل زينا تشعر بالحنين إلى الوطن. كانت تفتقد أهلها وأصدقاءها، لكنها لم ~~تهتم بذلك كثيرا لأنها كانت تنعم بالسعادة مع عيسى، ولكن سعادتها لم تدم طويلا، فقد غادر ~~عيسى المنزل ذات صباح ولم يعد؛ قتله بعض اللصوص طمعا في المجوهرات التي كان ينوي بيعها كي ~~يشتري منزلا. # بعدها أصبحت حياة زينا صعبة، وشعرت بالوحدة والحنين للعودة إلى روسيا، لكنها كانت قد ~~فقدت كل شيء، حيث دمر منزلها ونمط حياتها بفعل ثورة متعطشة للدماء. لم تجد مكانا تأوي ~~إليه، وراودها شعور بأنها ستظل غريبة إلى الأبد. # أنشأت زينا نزلا، وعملت فيه باجتهاد. مرت الأعوام وكبر أبناؤها، فتزوجت تامارا رجلا ~~روسيا وعادت معه إلى روسيا، ثم قابلت زينا بيتر، وهو مجري كان يقيم في النزل الذي ~~تمتلكه، فساعدها وظل برفقتها. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عرض عليها الزواج ووافقت، ~~ولكنهما لم يحظيا بالفرصة قط، فقد انقسمت الدول في الحرب واتخذت المجر جانب هتلر، وأصبح كل ~~المجريين الذين يعيشون في إيران أسرى حرب، وأرسلوا إلى معتقلات خاصة بالهند، وتوفي بيتر ~~هناك إثر إصابته بمرض معد. # سالت دموعي عندما انتهيت من قراءة الترجمة، وأدركت كم كانت جدتي حزينة بائسة وحيدة. لقد ~~دمرت الثورات حياتي وحياتها، وكلا الثورتين الشيوعية والإسلامية أسفرتا عن نظام دكتاتوري ~~مريع. بدت حياتي كأنها نسخة مشوهة من حياتها. كل ما تمنيت أن يكون مستقبلي أفضل. وعلي أن ~~أتذكر أنها كافحت من أجل البقاء، وهو ما سأفعله أيضا. ~~••• # وفي مساء الأربعاء التالي ذهبت لتدريب الجوقة، فابتسم لي أندريه من موقعه أمام الأرغن، ~~بينما وقفت بجوار سيدة ذات صوت ساحر. وبعد انتهاء التدريب تقدم أندريه نحوي، وكان يرتدي ~~سروالا من الجينز الأزرق وقميصا عاديا، فتمنيت لو أني ارتديت ثيابا أكثر أناقة؛ فمع أن ~~الحجاب أصبح إلزاميا وعدم ms141 ارتدائه قد يسفر عن الجلد والسجن، كان باستطاعة النساء ارتداء ~~ما يشأن من ملابس تحت الحجاب؛ فعند ذهابي إلى الكنيسة أو لزيارة الأصدقاء أو الأقارب، كنت ~~أخلع الحجاب لدى وصولي. # قال أندريه: «صوتك جميل.» # أجبت ضاحكة: «كلا، كنت واقفة بجوار السيدة مسعودي، وهذا الصوت الجميل لها.» # سألته عن جذوره، فأخبرني أن والديه مجريان، لكنه هو وشقيقته ولدا في طهران. شقيقته في ~~الحادية والعشرين من عمرها، وانتقلت منذ قريب إلى «بودابست» كي تلتحق بالجامعة، أما هو ففي ~~الثانية والعشرين من عمره. # صدفة غريبة أن يكون مجريا، لكن عندما فكرت في الأمر قليلا أدركت أنه ليس غريبا إلى ~~ذلك الحد، فالمسيحيون أقلية في إيران، حتى إننا جميعا نرتبط بعضنا مع بعض بصلة ما. # سألني أندريه: «هل تودين العزف على الأرغن؟» ~~- «هل هو صعب؟» ~~- «إطلاقا! سوف أعلمك.» ~~- «حسنا، متى نبدأ؟» ~~- «ما رأيك أن نبدأ الآن؟» ~~••• # بالرغم من الأحداث المخيفة التي وقعت في مظاهرة ميدان «فردوسي»، فإنني حضرت العديد من ~~الاحتجاجات الأخرى التي نظمتها جماعات سياسية مختلفة من الشيوعيين إلى المجاهدين. كان هذا ~~أقل ما يمكنني فعله كي أظهر رفضي للحكومة وسياساتها، ولم أتفوه بكلمة عن ذلك الأمر ~~لوالدي أو لأرام أو لأندريه. كادت كل المظاهرات تكون متشابهة، حيث يجتمع الشباب في شارع ~~رئيسي حاملين اللافتات التي تدين الحكومة، ثم يبدأ الحشد في التحرك ويهتفون بالشعارات، وبعد ~~لحظات يملأ الغاز المسيل للدموع المكان فيدمع العيون ويحرق الحلوق، ثم ينطلق صوت الرصاص ~~إيذانا بوصول الحرس الثوري، ويفر الجميع هاربين بأقصى سرعة ممكنة، خافضين رءوسهم، مع ضرورة ~~تجنب أي زي عسكري أخضر، والابتعاد عن الرجال الملتحين. من الخطأ محاولة الهرب عبر الشوارع ~~الضيقة، فاحتمال التعرض للاعتقال أو الضرب فيها أكبر بكثير. كلما زاد عرض الشارع زادت فرصة ~~النجاة. اضطررت عدة مرات إلى الاختباء خلف صناديق القمامة كريهة الرائحة أو صناديق الطعام ~~الفاسد كي أهرب من الحرس، وفيما عدا المرة الأولى في ميدان «فردوسي»، لم أر أحدا يصاب ~~بطلق ناري، لكن أحدهم كان يخبرني دائما أنه رأى ms142 بعض الأشخاص يتساقطون قتلى أو بعض الدماء ~~التي تلطخ الرصيف. وفي كل مرة أعود إلى المنزل سالمة بعد المظاهرة يخفق قلبي من شدة ~~الانفعال. لقد فعلتها مرة أخرى. ربما كنت محصنة ضد الرصاص والهراوات. # ذات ليلة وقبل أسبوعين من بدء الإجازة ~~الصيفية زارتني جيتا، وكانت قد تخرجت من المدرسة الثانوية منذ عام وما زالت تنتظر إعادة فتح ~~الجامعات بعد «الثورة الثقافية الإسلامية»، وأخبرتني أن إحدى صديقاتها وتدعى شهرزاد ترغب في ~~رؤيتي. كانت شهرزاد طالبة جامعية تعرضت للاعتقال السياسي ثلاثة أعوام في زمن الشاه، وقد ~~سمعت عن الإضراب الذي أطلقت شرارته في المدرسة، وتعرف أيضا أني قرأت بضعة كتب خاصة ~~بجماعتها، بل إنها قرأت بعض المقالات التي نشرتها في صحيفة المدرسة. سألت جيتا لم تود ~~شهرزاد رؤيتي؟ فأخبرتني أنها ترغب في انضمامي إلى الفدائيين، لكني أخبرت جيتا أني لا أريد ~~الانضمام إليهم، فأنا أؤمن بالله وأتردد على الكنيسة بانتظام، وأفكاري تختلف عن ~~أفكارهم. # سألتني جيتا: «هل تؤيدين الحكومة؟» ~~- «كلا.» ~~- «إما أن تكوني معهم أو ضدهم.» ~~- «حتى لو كنت ضد الحكومة فهذا لا يجعل مني شيوعية. إنني أحترمك وأحترم معتقداتك، لكني لا ~~أريد أن أتورط في السياسة.» ~~- «أعتقد أنك متورطة بالفعل، حتى وإن كنت تظنين غير ذلك. أعطيها فرصة فحسب، فهي لا تريد ~~سوى الحديث إليك بضع دقائق. سوف نلحق بك في طريق العودة من المدرسة غدا.» # لم أرغب في الجدال مع جيتا، فوافقت على مقابلة شهرزاد. ~~••• # ظهرت شهرزاد وجيتا بجواري فور أن خرجت من المدرسة في اليوم التالي، وقدمت جيتا إحدانا ~~للأخرى ثم تركتنا في الحال متعللة بالذهاب إلى مكان ما. كانت شهرزاد تختلف عن أي فتاة ~~عرفتها من قبل، فعيناها حزينتان للغاية، وتتلفت حولها في قلق طوال الوقت. # قالت لي ونحن نتوجه نحو منزلي: «سمعت أنك تتمتعين بروح الزعامة، وقليل من الناس من يمتلك ~~تلك الموهبة، فالآخرون يستمعون إليك، وقد قرأت أيضا مقالاتك في صحيفة المدرسة ووجدتها ~~جيدة. بوسعك أن تصبحي مؤثرة. تلك الحكومة الإسلامية سوف تدمر البلاد، ويمكنك القيام ms143 بشيء ~~حيال ذلك.» ~~- «شهرزاد، إنني أحترم معتقداتك ، لكن لا يربطنا شيء مشترك.» ~~- «أرى عكس ذلك؛ فعدونا واحد، وهو ما يجعلنا أصدقاء.» # أخبرتها أني لا أستطيع النظر إلى الأمر من تلك الزاوية، فكل ما هنالك أني معتادة على أن ~~أتكلم بلا خوف، ولو كان لدينا حكومة شيوعية بدلا من الحكومة الإسلامية لربما انتقدتها ~~أيضا. # سألتني هل أرغب في إحداث التغيير، فأجبتها بأن التغيير الذي أنشده يختلف عما تريده هي. ~~توقفت شهرزاد فجأة وحدقت في شاب كان قد مر بجوارنا لتوه، ثم ألقت علي تحية الوداع ~~سريعا واختفت، ولم أرها مرة أخرى قط. ~~••• # أردت شراء ملابس جديدة بدلا من سراويل الجينز الباهتة والسترات البالية وأحذية الجري، ~~ولكن صادفتني مشكلة؛ فقد ارتفعت معدلات التضخم كثيرا بعد الثورة، وكنت أعلم أن والدي لا ~~يملكان أموالا لذلك، ولم يكن عمل الفتيات المراهقات مألوفا، فكان علي أن أتوصل إلى ~~طريقة مبتكرة كي أدبر المال اللازم، وخاصة أن الأحذية الأنيقة باهظة الثمن. # كان والداي وخالتي زينيا وعمي إسماعيل وزوجته يتقابلون مرة كل أسبوعين كي يلعبوا الورق، ~~وكانوا يلعبون مقابل النقود ويأخذون الأمر بجدية شديدة، فراقبتهم مرارا حتى أتقنت قواعد ~~اللعبة. ذات ليلة مرضت زوجة عمي ولم تتمكن من اللعب، فعرضت عليهم أن أحل محلها في اللعب، ~~وهو ما اعتبرته خالتي زينيا فكرة رائعة وجعلت الجميع يعطونني بعض النقود كي أبدأ اللعب. مع ~~انتهاء الليلة كانت المائة تومان التي بدأت بها قد صارت ألفين، وفي اليوم التالي ذهبت ~~للتسوق، فاشتريت سراويل من القماش وبعض القمصان وثلاثة أحذية عالية الكعاب، وفي اليوم ~~التالي ذهبت إلى الكنيسة وأنا أرتدي الملابس التي اشتريتها بالنقود التي ربحتها من القمار؛ ~~سروالا من القماش الأسود وقميصا حريريا أبيض وحذاء أسود مدبب الطرف. # عندما كانت جدتي على قيد الحياة وكان والداي يلعبان الورق مع الأصدقاء والأقارب في ~~منزلنا، كانت دائما تهز رأسها وتخبرني أن القمار خطأ، وأنه قد يؤثر بالسلب على الروابط ~~العائلية والصداقات، ولهذا السبب فهو مكروه عند الله ويندرج تحت الآثام. كنت أعرف ms144 كل ذلك ~~وشعرت بالذنب، لكني كنت واثقة أن الله مطلع على الموقف، ولمزيد من الحيطة قررت أن أعترف ~~بلعب القمار عندما أذهب للاعتراف في الكنيسة المرة التالية. # أحببت الطريقة التي يقرع بها حذائي الجديد الأنيق الأرض وأنا أسير عبر ممر الكنيسة كي أصل ~~إلى مقصورات الجوقة في المقدمة، وسررت عندما أخبرني أعضاء الجوقة همسا أني أبدو رائعة. ~~وعندما رآني أندريه أطال النظر إلي، ولاحظت أثناء القداس أنه يختلس النظر إلي بطرف ~~عينه. # كان أندريه مصرا على تعليمي العزف على الأرغن، لكنه كلما حاول أدركت أني لا أملك ~~الموهبة الموسيقية. كان يقضي معظم وقت فراغه بالكنيسة يجري صيانة لمختلف الأشياء بدءا من ~~الأرغن إلى الأجهزة وقطع الأثاث، وغالبا كان يطلب مني البقاء معه، وكنت أستمتع بذلك. حكى ~~لي عن حياته وعائلته وأصدقائه؛ فقبل الحرب العالمية الثانية جاء والده الذي كان يعمل نجارا ~~ويدعى ميهاي إلى إيران عندما كان شابا صغيرا كي يشارك في بناء قصر جديد للشاه، وترك ~~خطيبته جوليانا في «بودابست» على أمل أن يعود بعد الانتهاء من مهمته، ولكن الحرب حالت دون ~~عودته، فعندما اشتد أوار الحرب في أوروبا ووقفت المجر إلى جانب ألمانيا، دخل الحلفاء إيران ~~كي يرسلوا إمدادات إلى روسيا عن طريق الجنوب، وعلى غرار ما حدث لخطيب جدتي المدعو بيتر، ~~أرسل ميهاي إلى معسكر اعتقال في الهند، ولكن على النقيض من بيتر فقد نجا ميهاي، وبعد ~~انتهاء الحرب عاد إلى إيران بدلا من المجر التي أصبحت دولة شيوعية. لم يكن مسموحا ~~للمجريين في ذلك الوقت بمغادرة البلاد، وهكذا لم تتمكن جوليانا من اللحاق به واضطرت إلى ~~البقاء في المجر حتى اندلعت ثورة 1956 المضادة للشيوعية التي تسببت في فتح الحدود المجرية ~~وأتاحت لها دخول النمسا لاجئة، ثم تمكنت من اللحاق بحبيبها القديم في إيران بعد ثمانية عشر ~~عاما من الفراق، فتزوجا على الفور وأنجبا طفلين: أندريه وشقيقته التي تصغره بخمسة عشر ~~شهرا. توفيت جوليانا عندما كان أندريه في الرابعة وشقيقته لم تتجاوز عامين ونصف، وبعد ~~وفاتها ms145 جاءت إحدى شقيقات ميهاي - وهي امرأة عزباء في الستين من عمرها - إلى إيران كي تساعد ~~شقيقها في تربية أطفاله، وبمرور الوقت أثبتت جدارتها في أن تحل محل الأم الراحلة. # ذات يوم ونحن جالسان على منصة الأرغن في الكنيسة الخالية أخبرت أندريه بالمشاكل التي ~~أواجهها في المدرسة، مثل الإضراب والقائمة التي رأتها باهمان خانم في حجرة مكتب المديرة ~~والصحيفة المدرسية وكراهية محمودي خانم لي، فاتسعت عيناه الزرقاوان الواسعتان رعبا. # هز رأسه كأنما لا يصدق ما قلت: «أنت فعلت كل ذلك؟» ~~- «نعم، مشكلتي أني لا أستطيع التزام الصمت.» ~~- «يدهشني أنهم لم يلقوا القبض عليك بعد.» ~~- «وأنا أيضا.» # لمس يدي، فتوقف قلبي عن الخفقان لحظة. كانت يده باردة كالثلج. ~~- «عليك أن تغادري البلاد.» ~~- «أندريه، كن واقعيا، فمع كل تلك المتاعب التي أوقعت نفسي فيها من المحال أن يستخرجوا ~~لي جواز سفر، وعبور الحدود بطريقة غير قانونية ليس خطرا فحسب، بل إنه يتطلب الكثير من ~~النقود، ولن يستطيع والداي تحمل تلك النفقات.» ~~- «هل يعلم والداك بكل ذلك؟» ~~- «يعرفان بعضه.» ~~- «إذن فأنت تعنين أنك في انتظار إلقاء القبض عليك؟» ~~- «وهل لدي خيار آخر؟» ~~- «يمكنك الاختباء.» ~~- «سوف يعثرون علي، ثم أين يمكنني أن أختبئ؟ وهل من العدل أن أعرض الآخرين ~~للخطر؟» # أدركت أن صوتي قد ارتفع؛ إذ تردد صداه عبر السقف. جلسنا صامتين هنيهة، ثم أحاط أندريه ~~كتفي بذراعه، فاتكأت عليه وأنا أشعر بدفء جسده. عندما أكون معه يتملكني شعور عارم بالانتماء ~~وكأنه وطني؛ كأني وصلت وجهتي بعد رحلة محفوفة بالمخاطر. هأنذا أقع في الحب مرة أخرى، وهو ما ~~أورثني شعورا بالذنب. لم أكن أرغب في خيانة أراش، لكن للحب سلطانا على القلوب لا تقوى على ~~معاندته. إنه كالربيع يتسلل إلى سطح الأرض في نهاية الشتاء، وكل يوم ترتفع درجة الحرارة ~~قليلا، وتنمو البراعم الجديدة فوق أغصان الأشجار، ويطول بقاء الشمس في السماء دقائق عن ~~اليوم السابق، وقبل أن يدرك أحد ذلك، يغمر العالم الدفء والألوان. ~~••• # في أواخر يونيو من عام 1981، وبعد يومين من وصولنا أنا ms146 وأمي إلى المنزل الصيفي لقضاء ~~الصيف هناك، اتصل بي أرام وسألني هل سمعت أن البرلمان اتهم الرئيس بني صدر بالخيانة بإيعاز ~~من الخميني، وذلك بسبب معارضته لإعدام السجناء السياسيين وكتابته خطابات إلى الخميني يحذره ~~فيها من الدكتاتورية. لم أكن سمعت بذلك، فليس لدينا في المنزل سوى مذياع قديم لا يعمل ~~بكفاءة، وليس بإمكاننا الاستماع إلى إذاعة «بي بي سي»، ولم نكن نهتم بمشاهدة قنوات التلفاز ~~المحلية. وبعد مرور بضعة أيام أخبرني أرام أن بني صدر تمكن من الهرب إلى فرنسا، لكن ألقي ~~القبض على العديد من أصدقائه، ونفذت فيهم عقوبة الإعدام. # وفي الثامن والعشرين من يونيو فتحت أمي التلفاز قبل أن نجلس لتناول العشاء، فوجدنا أنه في ~~وقت سابق من ذلك اليوم انفجرت قنبلة في مقر «الحزب الجمهوري الإسلامي» أثناء انعقاد اجتماع ~~له، مما أدى إلى مصرع أكثر من سبعين من أعضاء الحزب معظمهم من مسئولي الدولة، بما فيهم آية ~~الله محمد بهشتي رأس السلطة القضائية والأمين العام للحزب، وأعلنت الحكومة مسئولية ~~«المجاهدين» عن الحادث. # وفي بداية شهر أغسطس تولى السلطة الرئيس محمد علي رجائي المعروف بأنه أحد قادة «الثورة ~~الثقافية الإسلامية». استمرت فترة رئاسته أسبوعين فقط، ففي الثلاثين من أغسطس انفجرت قنبلة ~~في حجرة مكتب رئيس الوزراء مما أدى إلى مصرع الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس شرطة طهران، ~~وأعلنت مسئولية «المجاهدين» عن هذا الحادث أيضا، لكني سمعت شائعات عن أن كلا الانفجارين ~~كان نتيجة للصراعات الداخلية بين الفصائل المتناحرة من داخل الحكومة. # بدا وكأن البلاد دخلت في حالة حداد دائم؛ ففي كل شارع تعلو مكبرات الصوت بالأناشيد ~~والموسيقى الدينية، وتسير مجموعات من الرجال في الشوارع يلطمون صدورهم بأيديهم أو يضربون ~~ظهورهم بالسلاسل الحديدية على الطريقة الشيعية، بينما يتبعهن النساء باكيات منتحبات. أصبت ~~بالصدمة من تلك الأحداث، واستغرقت أكثر في قراءة الكتب التي كانت تمنحني عالما أكثر ~~اعتدالا ورحمة وقابلية للفهم. # وقبل نهاية الصيف قررت ألا أعود إلى المدرسة. ما الفائدة من عودتي؟ لقد عجزت عن التكيف مع ~~القواعد الجديدة، وسأزج ms147 بنفسي في المزيد من المشاكل مع محمودي خانم والمعلمات. # فور عودتنا إلى طهران انتظرت اللحظة المناسبة كي أخبر أمي بقراري. كنت على يقين من صعوبة ~~الحصول على موافقتها، فهي شديدة الفخر بحصول شقيقي على شهادة البكالوريوس، ودائما تمتدح ~~أصحاب المؤهلات العليا، لكنها لا تستطيع إجباري على الذهاب إلى المدرسة، فأنا أعلم أن موقفي ~~سيزداد سوءا إن قضيت يوما آخر هناك. # كنا قد اشترينا بعض قطع الأثاث للغرفة التي كانت فيما مضى استوديو الرقص الخاص بأبي؛ ~~أربعة مقاعد كبيرة مغطاة بنسيج مخملي باللون الأخضر الداكن، ومائدتا قهوة باللون الأسود، ~~ومائدة طعام حولها ثمانية مقاعد، وخزانة جانبية لأدوات الطعام، بينما بقيت صالة الانتظار ~~كما هي، بها مائدة مستديرة في المنتصف حولها أربعة مقاعد جلدية سوداء، ومدفأة كيروسين بين ~~مقعدين لتدفئة الغرفة في الشتاء. تحب أمي الحياكة دائما، ومنذ نجاح الثورة أصبحت تقضي معظم ~~وقتها جالسة على المقعد الذي يقع إلى يسار المدفأة تحيك لنا السترات والمفارش وأغطية ~~الأسرة. عندما دخلت الغرفة في ذلك اليوم كانت تجلس مسترخية في مقعدها المفضل ترتدي ~~نظارتها، فجلست على المقعد المواجه لها، وظللت صامتة بضع دقائق أستجمع فيها شجاعتي كي أبدأ ~~الحديث. ~~- «أمي!» # أجابت دون أن تنظر إلي: ~~- «ماذا هناك؟» ~~- «لا يمكنني العودة إلى المدرسة، على الأقل هذا العام.» # تركت السترة التي تحيكها وحدقت إلي من خلف نظارتها. ومع أنها كانت في السادسة والخمسين ~~من العمر والتجاعيد بدأت تظهر حول عينيها وعلى جبهتها، فإنها ما زالت جميلة. ~~- «ماذا تقولين؟» ~~- «لا يمكنني العودة إلى المدرسة.» ~~- «هل جننت؟» # أخبرتها أننا لا ندرس شيئا مفيدا في المدرسة، وأنني إذا مكثت في المنزل فلن أضطر إلى ~~التعامل مع معلمات الحرس الثوري، ووعدتها أني سأذاكر دروس الصف الحادي عشر في المنزل وأذهب ~~إلى المدرسة لأداء الاختبارات فحسب. ~~- «تعلمين أنني أستطيع القيام بذلك، فلدي من العلم ما يفوق هؤلاء المعلمات ~~الجديدات.» # تنهدت وأطرقت برأسها. # أخذت أبكي وأقول: «أمي، لا تجبريني على العودة إلى المدرسة.» ~~- «سأفكر في الأمر.» # ركضت إلى غرفتي. # وفي صباح اليوم ms148 التالي عندما دخلت أمي غرفتي، كانت عيناي قد تورمتا من البكاء طوال الليل، ~~كأن شعوري بالحزن والإحباط قد تفجر. وقفت أمي بجوار باب الشرفة تشاهد الطريق. # قالت: «يمكنك البقاء في المنزل، ولكن لعام واحد فقط.» لقد تمكنت من الاتفاق مع والدي على ~~ذلك الأمر. ~~••• # اتصل بي أرام ذات ليلة في بداية شهر سبتمبر كي يودعني، لأنه سيغادر البلاد في اليوم ~~التالي. شعرت بأنه يبكي، لكني قلت بصوت متماسك: «سوف أفتقدك، اعتن بنفسك جيدا.» لم أكن قد ~~أخبرته بأمر أندريه، وشعرت بأن ذلك هو الوقت المناسب كي يعلم، فأوضحت له أنني تعرفت على فتى ~~في الكنيسة وأنني أحبه كثيرا. # دهش وسألني متى بدأ ذلك، فأخبرته أني تعرفت على أندريه في الربيع. ~~- «ولم لم تخبريني من قبل؟ ظننت أننا لا يخفي أحدنا شيئا عن الآخر.» ~~- «لم أكن متأكدة من مشاعري، ولم أرغب في الاقتراب من أي شخص أبدا.» # تفهم أرام الأمر. # كان لزاما على كل الذكور أداء الخدمة العسكرية بعد الانتهاء من المدرسة الثانوية ما لم ~~يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة أو يحصلوا على إعفاء رسمي من الحكومة لأسباب طبية أو لأي سبب ~~آخر، وكان والد أرام قد حصل لابنه على إعفاء من الخدمة العسكرية، لأن شقيقه استشهد وهو ~~الابن الوحيد لوالديه، وهكذا لم يكن يتعين عليه الذهاب إلى الحرب، لأن عائلته ضحت بأحد ~~أبنائها بالفعل. المفارقة هنا أن شقيق أرام المتوفى هو من أنقذ حياته؛ وهكذا أصدرت الحكومة ~~جواز سفر لأرام وسمح له قانونا بمغادرة البلاد. ~~••• # اتصلت بي سارة ذات يوم في نوفمبر من عام 1981 وأخبرتني أنها تود رؤيتي في الحال. كان ~~صوتها يرتجف، ولكنها رفضت إخباري بالمزيد عبر الهاتف، فركضت إلى منزلها ووجدتها تنتظرني ~~أمام الباب. لم يكن والداها وشقيقها بالمنزل، فاصطحبتها إلى غرفتها واستلقت على فراشها. ~~كانت عيناها حمراوين متورمتين من أثر البكاء. # أخبرتني سارة أنه منذ يومين ذهب الحرس الثوري إلى منزل جيتا لإلقاء القبض عليها، ولكنها ~~لم تكن في المنزل فألقوا القبض على أمها وشقيقتيها وأخبروا والدها ms149 أنه لو لم تسلم جيتا ~~نفسها في غضون أسبوع فسيعدمون إحدى شقيقتيها، وهكذا ذهبت جيتا إلى «إيفين» وسلمت نفسها كي ~~يطلقوا سراح أمها وشقيقتيها. ~~- «مارينا ... تعرفين كم هي عنيدة. سيقتلونها، فهي لا تمسك لسانها. وعلى الأرجح سوف يحين ~~دورنا. مؤكد أن سيرس هو التالي، لكنه يقول إن كل من جاهر بانتقاد الحكومة معرض لخطر ~~الاعتقال.» # كان سيرس محقا؛ كنت أعرف أنهم سوف يأتون للقبض علينا عاجلا أم آجلا، فلديهم أسماؤنا ~~وعناويننا. لم أكن قد أخبرت أحدا بأمر القائمة لأنني لم أكن أعلم بقية الأسماء بها، ولم ~~أرغب في إثارة ذعر الآخرين أو جلب المشاكل لباهمان خانم. ~~- «نعم، على الأرجح سيحين دورنا في المرة القادمة. إنها مسألة وقت لا أكثر، وليس بوسعنا ~~فعل أي شيء. لا يمكننا الهرب، فسوف يلحقون الأذى بآبائنا إن فعلنا.» ~~- «ولكن لا يمكننا الجلوس والانتظار.» ~~- «ماذا تريدين أن تفعلي؟» ~~- «يمكنني على الأقل أن أخبر والدي.» ~~- «سوف يصيبهما الذعر، ولن يكون بوسعهما فعل أي شيء ما لم تتمكنوا جميعا من الاختفاء. ~~إذا أخبرت والدي فلن يأخذا كلامي على محمل الجد. هدئي من روعك، فلا يمكن أن يكون الأمر ~~بهذا السوء؛ هناك قدر من المبالغة حتما. نحن لم نفعل شيئا، لكن جيتا متورطة مع جماعتها، ~~فلم يشغلون أنفسهم بنا؟» ~~- «أحسبك على حق، علينا ألا نشعر بالذعر، فنحن لم نفعل شيئا.» # | الفصل الخامس عشر # بعد أن عرض علي الزواج بي أعادني مجددا إلى «246». أحاطت بي صديقاتي فور أن دخلت ~~الغرفة، وأردن معرفة ما حدث، فأخبرتهن بأن عليا عاد وأراد معرفة أخباري فحسب. أدركت من ~~النظرة التي علت وجوههن أنهن لم يصدقنني. كن يشعرن بالقلق علي، لكن لا تستطيع إحداهن ~~مساعدتي. # لم أرغب في إخبار رفيقات الغرفة بأمر عرض الزواج، فقد شعرت بالإثم والخجل؛ لقد عرضت ~~أندريه ووالدي للخطر، ولم يكن لدي شك في جدية تهديدات علي، وهكذا علي أن أوافق على ما ~~يطلبه مني. # تذكرت اللحظة التي قبلت فيها أراش، كان أروع شعور في العالم لأني أحببت أراش. هل ~~سيقبلني ms150 علي؟ مسحت فمي بكمي، وتصبب العرق البارد من جسمي . # كانت ترانه قد قالت لي: «يمكنهم أن يقتلوني إذا أرادوا، لكني لا أريد أن أتعرض ~~للاغتصاب.» # مع أنني لم أكن أعرف معنى الاغتصاب تحديدا، فقد أقنعت نفسي أن هذا ليس اغتصابا، فعلي ~~يرغب في أن يتزوجني. حسنا، لا بأس في ذلك ... كلا ... لم أفكر في هذا الأمر من الأساس؟ لا ~~خيار لي سوى الموافقة. # يفترض بالزواج أن يكون أبديا، فهل يمكنني الحياة مع علي إلى الأبد؟ ربما يقصد زواجا ~~مؤقتا، فقد سمعت عن نكاح عند الشيعة، وهو زواج مؤقت قد تتراوح مدته ما بين دقائق معدودة ~~إلى أعوام، وأعلم أيضا أن المرأة في الزواج المؤقت ليس لها أي حق، ولكن ذلك الأمر ما كان ~~ليشكل أي فارق لي، فأنا سجينة وليس لي أي حق على أي حال. ربما يرغب في الزواج مني فترة ~~وجيزة ثم يتركني. إن كان الأمر كذلك فلا داعي لأن أخبر أحدا؛ علي أن أبقي هذا الزواج ~~سرا لأطول فترة ممكنة. # مرت الساعات، ولم أستطع تناول الطعام أو التفكير أو الحديث مع أي شخص، بل إنني لم أستطع ~~البكاء. كل ما استطعت فعله هو أن أذرع الممر جيئة وذهابا أثناء النهار حتى يغشى علي من ~~الإرهاق ليلا. # وأخيرا في اليوم الثالث ذهبت كي أتحدث مع الأخت مريم. كانت تعلم بأمر عرض الزواج الذي ~~تقدم به علي، وهكذا لم أقلق بشأن إفشاء سري. أخبرتها أني لا أرغب في الزواج من علي، ولكنها ~~أجابتني بأن كل الزيجات في عائلتها كانت تقليدية، وبأن كل الفتيات لا يرغبن في الزواج من ~~الرجل الذي يختاره لهن آباؤهن، وأن والدتها كانت تكره الرجل الذي اختاره لها والداها، ولكن ~~انتهى بها الحال لأن تصبح في غاية السعادة معه، فقلت لها إنني لا أدري كيف تولد السعادة في ~~مثل تلك الظروف، وأوضحت لها أن الفتيات في عائلتي يخترن أزواجهن بأنفسهن، لكنها قالت إنني ~~لم أعد أعيش مع عائلتي، وعلي أن أتذكر دائما أن عليا قد أنقذ ms151 حياتي. كنت من وجهة نظرها ~~صعبة المراس إلى حد كبير. ~~*** # انتهت الأيام الثلاثة التي منحها لي علي للتفكير، وفي اليوم الرابع استدعيت عبر مكبر ~~الصوت، وكان علي ينتظرني في المكتب. ~~- «لست بحاجة إلى العصابة، فسوف نتحدث في سيارتي.» # خرجنا من حجرة المكتب ودخلنا ممرا بلا نوافذ تملؤه المصابيح الفلورية. لم أكن حتى تلك ~~اللحظة قد رأيت «إيفين» من الداخل فيما عدا «246» وغرفة الاستجواب. كان كابوسا مخيفا من ~~الأصوات الغاضبة والجلد بالسياط والصراخ وإطلاق النيران وأصوات الخفاف المطاطية وهي تحتك ~~بالأرض المغطاة بالمشمع والأرض الصخرية، غير أن الممر الذي سرنا فيه كان عاديا شبيها بأي ~~مبنى حكومي أو مدرسة. نزلت الدرج خلف علي. مر بنا اثنان من الحرس الثوري في طريقهما إلى ~~أعلى وانحنيا قليلا أمام علي قائلين: «السلام عليكم» متجاهلين إياي تماما، فانحنى علي ~~بدوره لهما وحياهما. وفور أن وصلنا إلى نهاية الدرج فتح علي بابا حديديا رمادي اللون ~~وخرجنا. بدا كل شيء طبيعيا، حتى إني شعرت بالصدمة، فقد ذكرني «إيفين» بحرم «جامعة ~~طهران» الواقعة في شارع «انقلاب». الفرق بينهما أن «إيفين» يضم كثيرا من الأماكن المفتوحة، ~~وأن الجامعة محاطة بسور حديدي يتيح الرؤية من خلاله، أما «إيفين» فمحاط بأسوار قرميدية ~~شاهقة الارتفاع وأبراج مراقبة وحرس مسلحين، ومجموعات من أشجار القيقب العتيقة هنا وهناك، ~~وجبال «ألبرز» تطل علينا من كل جانب. # قادني علي عبر طريق ضيق مرصوف، ودرنا حول مبنى رمادي اللون حتى وصلنا إلى سيارة مرسيدس ~~سوداء تقف في ظل بعض الأشجار، ففتح الباب الأمامي ودخلت. بدت السيارة جديدة، وتحدر العرق ~~على جبيني. جلس علي في مقعد السائق ووضع يديه على عجلة القيادة، فلاحظت أن أصابع يديه طويلة ~~نحيلة وأظافره نظيفة مقلمة. كانت يداه أشبه بيدي عازف بيانو، لكنه كان محققا. # سألني وهو يحدق بمسبحة كهرمانية اللون تتدلى من مرآة الرؤية الخلفية: «إلى أي قرار ~~توصلت؟» # في تلك اللحظة حلق عصفور فوق إحدى الأشجار واختفى في السماء الزرقاء الفسيحة الخالية من ~~السحب. # سألته: «هل سيكون هذا زواجا مؤقتا؟» # نظر ms152 إلي في دهشة. ~~- «شعوري نحوك ليس انجذابا جسديا عابرا . أريدك إلى الأبد.» ~~- «علي، أرجوك ...» ~~- «هل توافقين أم ترفضين؟ ولا تنسي العواقب؛ أنا جاد للغاية بشأن ما قلت.» # قلت وأنا أشعر أني أدفن حية: «... سأتزوجك.» # ابتسم، وقال: «أنت فتاة عاقلة. كنت أعلم أنك ستتخذين القرار الصائب، وأعدك ألا تندمي على ~~هذا القرار. سوف أعتني بك جيدا. والآن علي عمل الترتيبات اللازمة وإخبار والدي. سوف ~~يستغرق الأمر بعض الوقت.» # تساءلت عن رأي والديه في زواجه من سجينة مسيحية، وماذا عن عائلتي؟ كيف سيكون رد ~~فعلهم؟ # قلت: «علي، لا أريد أن تعلم أسرتي بأمر هذا الزواج الآن. لم أكن يوما قريبة من والدي، ~~وأعلم أنهما لن يتفهما الموقف، وسوف يزيدان الوضع سوءا.» # لم أستطع مغالبة الدموع أكثر من ذلك. ~~- «مارينا، أرجوك لا تبكي. لست مضطرة لإخبار أحد حتى تكوني مستعدة لذلك، ولا يهم كم ~~يستغرق هذا الأمر من وقت. أدرك أن الأمر صعب عليك، وسوف أبذل كل ما بوسعي كي أجعله ~~يسيرا.» # ما دام أصدقائي وعائلتي لن يعرفوا بأمر هذا الزواج، فهناك فرصة لنجاة الفتاة التي كانوا ~~يعرفونها قبل دخولي «إيفين»؛ يمكنها أن تبقى وتحلم وتأمل وتحب مع أنها مضطرة للاختباء داخل ~~تلك الفتاة الجديدة: زوجة المحقق. لم أكن متأكدة كم ستصمد الفتاة الأولى أمام هذا الوضع، ~~لكني قررت أن أحميها؛ فهي ذاتي الحقيقية التي يحبها والداي وأندريه وينتظرون عودتها. # أعادني علي إلى «246»، وطلبت من الأخت مريم أن تنقلني إلى إحدى الغرف بالطابق السفلي؛ إذ ~~لم أرغب في تفسير أي شيء لرفيقاتي. كان الطابقان العلوي والسفلي منفصلين تماما بحيث لا ~~تستطيع السجينات التعامل معا، وأنا أرغب في البقاء وحيدة حيث لا يعرفني أحد، فوافقت وطلبت ~~من مندوبة الغرفة «7» أن تحضر متعلقاتي إلى المكتب، وهكذا انتقلت إلى الغرفة «6» في ~~الطابق الأول، وكانت على غرار غرفتي القديمة في الطابق الثاني تضم نحو خمسين فتاة. # وسرعان ما بدأت صحتي تتدهور، فأخذت أتقيأ كلما تناولت طعاما، وهاجمتني نوبات الصداع ~~المبرحة الآلام، وقضيت معظم وقتي أنام في أحد ms153 جوانب الغرفة وأنا أغطي وجهي ببطانية ولا ~~أستطيع الحديث . كانت أفكاري تتداخل وتتجه دائما نحو ترانه، كم أفتقدها! منذ أن اقتادوها ~~للموت وأنا أتجنب التفكير فيها تماما، لأني لم أكن أرغب في تخيل تفاصيل الساعات الأخيرة من ~~حياتها. لماذا ندير ظهورنا للواقع حين يصبح أشد قسوة من أن نحتمله؟ كان علي أن أخبر الأخت ~~مريم أني أود الموت مع ترانه. كان لا بد من محاولة إيقاف إعدامها. أعلم أني لم أكن لأفلح في ~~ذلك، لكن كان حريا بي أن أحاول. ألا تساوي حياة إنسان بريء خوض الحرب من أجلها، حتى ولو ~~كان مآل تلك الحرب الفشل؟ كنت مسئولة عن موتها لأني قبلت الاستسلام لمصيرها، لكن لماذا ~~التزمت الصمت؟ هل كنت أخشى الموت؟ لا أعتقد ذلك. ربما يكون الأمل؛ كنت آمل في العودة إلى ~~المنزل ذات يوم، فوالداي وأندريه ينتظرونني. كيف أختار الموت إذا كان دوري لم يحن بعد؟ ~~اختلط الصواب بالخطأ، ولم أدر أي طريق أسلك. ~~••• # وقفت وسط بقعة مظلمة؛ ساحة مفتوحة تحيط بها تلال سوداء، ووقفت ترانه بجواري ~~ترتدي سترتها الحمراء التي تجلب لها الحظ وتحدق أمامها. لمست يدها، فنظرت إلي ~~بعينيها العسليتين. ظهر علي من وسط الظلام، وسار نحونا ثم صوب بندقية إلى رأسي. ~~شلت حركتي، بينما قبضت ترانه بيدها الصغيرة على معصمه، وقالت: «كلا!» فصوب ~~البندقية إلى رأسها وجذب الزناد. غطت دماء ترانه جسدي فصرخت. # استيقظت على صرخة محبوسة في حلقي، وعجزت عن التقاط أنفاسي. ظهر وجه أحدهم فوقي مبهما غير ~~واضح المعالم، وامتلأت الغرفة بأصوات مرتفعة غير مفهومة، لكن عندما ينعدم الهواء، يكون أهم ~~شيء هو العثور عليه. حاولت أن أمد يدي وأمسك بأي شيء ينقذني من الاختناق؛ حاولت أن أقول ~~إنني لا أستطيع التنفس. رأيت وجه الأخت مريم؛ كانت تقول شيئا، لكن كلماتها بدت وكأنها تأتي ~~من مسافة بعيدة. تلاشت معالم الغرفة وكأن أحدهم أطفأ النور. # فتحت عيني فوجدت عليا يتحدث مع الطبيب الشيخ الذي كان يرتدي الزي العسكري الكاكي. ~~يمكنني التقاط أنفاسي الآن. كنت ms154 في غرفة محاطة بالستائر البيضاء أنام على فراش نظيف مريح ~~وأرتدي وشاحا أبيض وجسدي مغطى بملاءة بيضاء سميكة، وسائل شفاف ينساب من كيس بلاستيكي معلق ~~في خطاف معدني إلى أنبوب شفاف متصل بيدي. # أول من لاحظ أنني أفقت هو الطبيب الشيخ. # قال: «مرحبا مارينا، كيف حالك؟» # لم أتذكر شيئا مما حدث، ولم أدر أين أنا، فأخبرني الطبيب أني أصبت بالجفاف الشديد ~~ونقلت إلى مستشفى السجن، ثم اختفى عبر فرجة صغيرة في الستارة. نظرت إلى علي، ~~فابتسم. ~~- «سأذهب إلى المنزل كي أحضر لك بعض الطعام الذي تطهوه أمي، فطعامها يشفي كل الأسقام. ~~والآن خذي قسطا من الراحة، وسوف أوقظك عندما أعود. هل تريدين أي شيء آخر؟ هل أحضر لك أي ~~شيء من الخارج؟» ~~- «كلا.» ~~- «لماذا لم تخبري أحدا أنك مريضة للغاية هكذا؟» ~~- «الواقع أني لا أعرف ماذا حدث.» ~~- «أخبرت رفيقاتك الأخت مريم أنك تعانين من القيء منذ عدة أيام.» # امتلأت عيناي بالدموع، وقلت: «لطالما عانيت من مشاكل في المعدة، لا جديد في ذلك، ولكن تلك ~~المرة كان الأمر أسوأ قليلا من المعتاد، لكنني لم أكترث. ظننت أن هذه المرة ستمر بسلام ~~كسابقاتها. الكوابيس ونوبات الصداع ... لقد حاولت ...» وبدأ صدري يضيق. # انحنى علي بالقرب مني، واستند بيديه على حافة الفراش وقال: «لا تقلقي، كل شيء على ما ~~يرام، أنت مريضة، وهذا كل ما في الأمر. والآن يمكنك أن تستريحي وستكونين أفضل حالا. خذي ~~نفسا عميقا؛ عميقا جدا.» # فعلت كما طلب مني. ~~- «سوف يعطيك الطبيب دواء منوما، فأنت بحاجة إلى الراحة. لن تعاني صداعا أو كوابيس بعد ~~الآن.» ~~••• # استيقظت على صوت علي. كان يناديني وهو يحمل وعاء من حساء الدجاج الذي تفوح منه رائحة ~~الليمون. كنت دائما أضيف الليمون لحساء الدجاج في منزلي. أخبرني علي أن الطبيب يؤكد أن ~~الهواء النقي وتغيير المكان مفيد لصحتي، وعرض علي أن يصطحبني في نزهة بالسيارة، فسألته هل ~~يعني خارج أسوار «إيفين»، فأجاب بالإيجاب، وطلب مني أن أنتهي من تناول الحساء كي ~~نذهب. # فور أن انتهيت من ms155 تناول طعامي ساعدني كي أجلس في الكرسي المتحرك، وجذب الستارة البيضاء ~~التي تحيط بنا، فاكتشفت أننا في غرفة كبيرة بها العديد من الستائر البيضاء التي تقسمها إلى ~~أجزاء. اثنتان من تلك الستائر كانتا مفتوحتين وخلفهما فراشان، أحدهما خال والآخر ترقد عليه ~~فتاة في مثل عمري تقريبا ترتدي غطاء رأس أزرق داكنا، وتغطي جسدها بملاءة بيضاء سميكة، ولم ~~تكن بالغرفة نوافذ. دفعني علي بالكرسي المتحرك عبر الباب، واجتزنا ممرا ضيقا، ومرة أخرى ~~لم يضع على عيني العصابة، وفتح بابا فبهرتني حدة ضوء الشمس في العالم الخارجي، وأخذ يدفع ~~الكرسي نزولا على منصة منحدرة. # بدت السماء كبحر مقلوب؛ موجات من السحب مكسوة بالزبد تطفو فوق الأفق. مررنا ببعض الفتيات ~~معصوبات الأعين يرتدين الشادور الأزرق الداكن ويتبعن رجلا من الحرس الثوري في طابور واحد، ~~وكل منهن تتشبث بشادور الفتاة التي تسبقها، والحارس الذي يقودهن يمسك حبلا في يده ربط طرفه ~~بالقيد الذي يكبل يد أولاهن ساحبا إياها والأخريات يتبعنها. منذ بضعة أيام كنت مثلهن، ~~ولكنني الآن أتمتع بحماية علي، وأوضاعي تغيرت. شعرت بالخجل، فقد خنتهن، لقد خنت ~~الجميع. # على يميننا كانت أشجار القيقب العملاقة تحجب الرؤية، وعلى اليسار مبنى من القرميد مكون من ~~طابقين تقبع خلفه سيارة علي، وفور أن وصلنا إلى السيارة أدركت أنني لا أرغب في أن ينفرد بي ~~علي أبدا، وتسلل إلي دبيب الخوف. # قال لي وهو يأخذ بذراعي الأيسر ويحاول مساعدتي على الوقوف: «دعيني أساعدك.» فدفعت ~~ذراعه. ~~- «مارينا، لا تخافي مني. لم ولن أؤذيك.» # كان محقا؛ فهو لم يؤذني قط. ~~- «ثقي بي. حتى عندما نتزوج، سوف أحترم مشاعرك، فلست وحشا.» # لم يكن لدي خيار سوى الوثوق به. كانت عضلاتي واهنة، وشعرت بالدوار عندما وقفت، لكني تمكنت ~~من ركوب السيارة دون أن أفقد توازني. وعند باب الخروج أشار علي للحرس، ففتحوا البوابات، ~~وخرجنا من «إيفين». صدمت من سهولة الطريقة التي أخرجني بها؛ ربما يشغل منصبا مرموقا أكثر ~~مما ظننت. # كان الشارع خاليا مقفرا، ولكن بعدما ~~تحركنا بعيدا عن السجن بدأت ms156 الحياة تدب فيه تدريجيا، فظهر الناس والبيوت والمتاجر، وفي ~~قطعة أرض فضاء كانت مجموعة من الأطفال يركضون خلف كرة بلاستيكية ووجوههم مغطاة بطبقة رقيقة ~~من الغبار، والنساء تحمل مشترياتهن من البقالة عائدات إلى المنزل، والرجال ينتشرون هنا ~~وهناك يتحدث بعضهم مع بعض. بدت لي كل تلك الأمور البسيطة التي يقوم بها الناس كأنها ~~معجزات. # سألني علي بعد نصف ساعة: «ما هذا الهدوء الشديد؟ فيم تفكرين؟» ~~- «في الحياة التي تبدو طبيعية للغاية هنا.» ~~- «مع أن الأمر سيستغرق بعض الوقت، أعدك أننا سنحيا في نهاية الأمر حياة طبيعية. سوف أعمل ~~كي أعولك، وسوف تباشرين شئون المنزل وتذهبين للتسوق وتزورين الأصدقاء والأقارب، وسوف تصبحين ~~سعيدة.» # كيف يمكنه أن يتحدث عن عمله بهذه البساطة؟ إنه ليس معلما أو طبيبا أو حرفيا. ~~- «أصدقائي إما متوفون أو في السجن، ولست متأكدة هل سترغب عائلتي في رؤيتي مرة ~~أخرى.» ~~- «سوف تكونين صداقات جديدة. ولم تظنين أن عائلتك سترفض زواجنا إلى هذه ~~الدرجة؟» ~~- «لسبب واحد، وهو طبيعة عملك.» ~~- «مارينا، ثقي بي، هناك أمل. سوف يرون الاهتمام الذي سأغدقه عليك. لقد تخطيت العديد من ~~المصاعب كي أبقيك على قيد الحياة، والعديد من الأشخاص يعارضون زواجنا، ولا يزال هناك المزيد ~~من العقبات التي يجب علي تخطيها، لكنني سأتعامل مع كل تلك المشاكل، وسوف ترى عائلتك ~~الحياة الكريمة التي سأوفرها لك وعندها سيغيرون رأيهم. سنواجه عائلتك معا عندما تصبحين ~~مستعدة لذلك.» # لماذا اختارني أنا؟ لقد كنت تجسيدا لكل ما يعارضه؛ فأنا مسيحية ومناهضة للثورة وسجينة. ~~كان عليه أن يصارع من قبل كي ينقذني من الموت، والآن عليه أن يصارع مجددا كي يتزوجني. ~~لماذا يفعل هذا؟ ~~••• # ظللنا فترة نخرج في نزهة بالسيارة كل ليلة. عندما أكون معه في السيارة أحاول أن أتظاهر ~~بأني إنسانة طبيعية. حاولت أن أمنع نفسي من التفكير في الماضي أو المستقبل، وحاولت التركيز ~~في طنين المحرك والمقاعد الجلدية الوثيرة والشوارع التي تمتلئ بمظاهر الحياة التي تبدو ~~خالية من الهموم. ومع أن المدينة ظلت كما تركتها، فقد بدت لي ms157 كل المعالم وكل الروائح وكل ~~الأصوات غريبة. ارتفع صوت علي مغطيا على كل شيء وهو يخبرني عن عائلته؛ هو ابن وحيد وله ~~شقيقة واحدة متزوجة وتبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما. والدته حملت مرتين بعد أن وضعت ~~شقيقته، لكنها أجهضت في كلا المرتين. طبقا للشريعة الإسلامية يحق للرجل الزواج بأكثر من ~~امرأة، لكن والد علي، السيد حسين موسوي، ظل مخلصا لزوجته الوحيدة وطفليه؛ فالسيد موسوي رجل ~~متدين، ساعد آية الله الخميني لأعوام عديدة، وهو فخور بعلي لكونه جنديا شجاعا في الجهاد ~~ضد الشاه، وهو أيضا رجل أعمال ناجح كون ثروة كبيرة، لكنه لم ينقطع عن مساعدة المحتاجين. ~~منذ أعوام ووالدا علي يلحان عليه كي يتزوج، لكنه في الثامنة والعشرين ولم يتخذ تلك الخطوة ~~بعد. # قال علي أثناء إحدى جولاتنا الليلية ~~بالسيارة: «لقد أخبرت والدي عنك.» # سألته: «وماذا قالا؟» # أجابني ضاحكا: «لقد أصيبا بالذعر.» # ربما كان هناك أمل في ألا أتزوجه بالرغم من كل ذلك. # تابع: «ولكنني أخبرتهما أنك شريكة حياتي المناسبة، وأنني أريدك أكثر من أي شيء في العالم. ~~لطالما كنت ابنا بارا مطيعا لهما، لكني صاحب القرار هذه المرة، ولا يمكنني القبول بأقل ~~من ذلك. إنني في الثامنة والعشرين من العمر، وقد مررت بالعديد من التجارب في حياتي واتخذت ~~قراري. أريدك زوجتي وشريكة حياتي وأما لأبنائي.» ~~- «علي، نحن ننتمي لعالمين مختلفين، ولن يحبني والداك أبدا، بل سينتقدانني لاختلافي ~~عنهما.» # أخبرني أن والديه يتمتعان بالطيبة والكرم، وأنه لا يشك في أنهما سيحبانني. # أغمضت عيني وحاولت ألا أفكر في شيء. # بعد بضع دقائق أخبرني أن هناك أمرا آخر يود مناقشته معي، وأنه يعلم أنني لن أرحب بذلك ~~الأمر، ولكنه أصر على أنه إجراء شكلي فقط. «أخبرني والدي أنك إذا أسلمت فلن يعارض زواجنا، ~~بل إنه سيشجعه، وسوف يفخر والداي بأن تصبحي ابنتهما ويقدمان لك الدعم والحماية. مارينا، هذا ~~ما أتمناه، أريدك أن تنتمي لي، وأريد لعائلتي أن تحبك. منذ اللحظة التي رأيتك فيها أدركت ~~أننا يجب أن نظل معا.» # فقدت عائلتي، ms158 والرجل الذي أحبه، وحريتي، وبيتي، وآمالي، وأحلامي، والآن علي أن أتخلى عن ~~إيماني. # لم يبد علي اهتماما هل سأظل مسيحية في داخلي. رجوته أن يدعني وشأني، لكنه أكد لي أن ~~ذلك مستحيل. # سألته: «وماذا لو رفضت؟» # قال: «لا تصعبي الأمر على نفسك، فهذا لمصلحتك. مؤكد أنك لا ترغبين في تعريض من تحبين ~~للمعاناة من أجل كبريائك. ما زلت في السابعة عشرة، وما زال هناك العديد من الأمور التي لا ~~تفهمينها جيدا في العالم، وأعدك أنك ستعرفين معي معنى للسعادة لم تعرفيه من قبل.» # كيف يمكنني أن أجعله يفهم أني لن أصبح سعيدة معه أبدا؟ # أوقف علي السيارة في شارع هادئ. كنت أعرف تلك المنطقة، فهي قريبة من منزل عمتي زينيا. ~~سألته هل يدرك أنني سأضطر إلى نسيان أهلي وأصدقائي وكنيستي وأنهم سيكرهونني إلى الأبد، ~~فأخبرني بأنهم إذا كرهوني لأنني اعتنقت الإسلام فذلك يعني أنهم لم يحبوني قط. # خرج علي من السيارة وفتح الباب، فسألته: «ماذا تفعل؟» ~~- «تعالي، لقد اشتريت لنا منزلا.» # صعدنا بضع درجات قادتنا إلى الباب الأمامي لمنزل قرميدي كبير من طابق واحد. فتح الباب ~~ودخل، بينما ترددت في الدخول. # قال: «ماذا تنتظرين؟ ألا ترغبين في رؤيته؟» # تبعته إلى الداخل؛ بالمنزل غرفة استقبال، وغرفة معيشة وطعام، وأكبر مطبخ رأيت على ~~الإطلاق، وأربع غرف نوم، وثلاثة حمامات. كانت الحوائط مدهونة حديثا بألوان محايدة، لكن لا ~~يوجد أثاث. في غرفة النوم الكبرى وقفت أمام الباب المنزلق الذي يؤدي إلى الفناء الخلفي، ~~كان العشب أخضر كثيفا، وأزهار الجيرانيوم والبنفسج والأقحوان تنمو في مجموعات من الأزهار ~~الحمراء والبيضاء والبنفسجية والصفراء، وفراشة بيضاء تطير من زهرة إلى أخرى وتجاهد كي تحتفظ ~~باتزانها في وسط الرياح الشديدة، وحائط قرميدي مرتفع يفصل الفناء عن الشارع. كيف يمكن لكل ~~هذا الجمال أن يوجد في هذا العالم القاسي؟ # فتح علي الباب المنزلق، وقال: «هيا بنا نخرج، فالأزهار بحاجة إلى المياه.» # عندما خرجنا إلى الفناء شمر عن ساعديه وفتح الصنبور وأمسك الخرطوم. كانت الرياح تحمل ~~الرذاذ البارد فيلامس وجهي. ms159 روى علي النباتات وهو يحرص على ألا يبعثر التربة . ظهرت قطرات ~~كبيرة من المياه على أوراق النباتات فحبست أشعة الشمس الذهبية في جسمها اللؤلؤي. وأخذ يقتلع ~~الأزهار الذابلة وهو يدندن لحنا ويبتسم. يبدو طبيعيا كأي رجل آخر. هل قتل أحدا في ~~«إيفين» - وليس في الحرب - من قبل؟ هل سبق له أن جذب الزناد وأنهى حياة أحدهم؟ # سألني: «هل يعجبك المنزل؟» ~~- «جميل.» ~~- «زرعت تلك الأزهار من أجلك.» ~~- «علي، أنا أقضي عقوبة السجن مدى الحياة، فكيف يسمح لي أن أعيش هنا؟» ~~- «أقنعت المسئولين في «إيفين» بأن تبقي معي هنا كأنك قيد الإقامة الجبرية ووافقوا. ~~مارينا، هذا منزلنا أنا وأنت.» # منزلنا! لم أعد حتى أعرف من أنا. هذا المنزل ليس إلا امتدادا لسجن ~~«إيفين». # قلت: «إذن سأكون سجينة هنا.» ~~- «علينا أن نقوم بذلك بالطريقة الصحيحة، فأنت تعلمين جيدا أن هناك بعض المعارضين ~~لزواجنا مثل حامد وأنهم يراقبوننا، فلا يجب أن نرتكب أي أخطاء. لقد حكم عليك بالإعدام في ~~محكمة إسلامية و...» ~~- «لكني لم أحاكم قط!» # أخبرني علي ليلة الإعدام أني محكوم علي بالسجن مدى الحياة، لكني افترضت أن حامدا، ~~وربما آخرون غيره، قرروا إعدامي فحسب؛ فالمحاكمة في اعتقادي هي ما قرأت عنه في الكتب وشاهدت ~~في الأفلام: قاعة كبيرة بها قاض ومحلفون ومحام للدفاع ووكيل للنيابة. # أخبرني علي أني حوكمت غيابيا، ثم حصلت على عفو الإمام، وخفض الحكم الصادر ضدي إلى ~~السجن مدى الحياة. أخبرني أيضا أنه لن يكون من اللائق أن يذهب للإمام مرة أخرى، ولكن يحق ~~له طلب إعادة المحاكمة، وهو يعتقد أنه إذا أعيدت محاكمتي بعد اعتناق الإسلام والزواج به فلن ~~يزيد الحكم الصادر ضدي عن عامين أو ثلاثة. # سألته لم يكرهني حامد إلى هذا الحد، فأوضح لي أن حامدا وكثيرين غيره لا يهتمون لأمر من ~~يختلف عنهم. # تنهدت. لم يكن بوسعي فهم هذا المجتمع الإسلامي الغريب. # تابع علي: «سيكون كل شيء على ما يرام. لم أشتر أي أثاث بعد، لأني اعتقدت أنك قد ترغبين ~~في تجهيز البيت بنفسك. يمكننا ms160 البدء بالتسوق لشراء ما تحتاجينه للمنزل غدا، وغالبا سوف ~~يصبح جاهزا في موعده. أعلم أنك ما زلت قلقة بشأن رد فعل عائلتك، ولكن ثقي بي؛ عندما يرون ~~الحياة التي سأوفرها لك سوف يسعدون.» # ربما كان محقا؛ فنحن لم نكن أغنياء، ومنزل كهذا هو من أحلامنا بعيدة المنال. لم يؤمن ~~أبي بالله قط، ودائما يسخر من معتقداتي الدينية، لكن المال مهم له، والأشياء الثمينة ~~القيمة تبهره دائما. ربما يحب عليا يوما ما، فأبي يحب السيارات الفارهة، وعلي يملك ~~سيارة مرسيدس من أحدث طراز، أما أمي فلا تملك أي شيء ثمين، بل إنها تقيم في منزل بالإيجار ~~منذ زواجها، وهكذا ستحب هذا المنزل. هل أملك أي فرصة في الشعور بالسعادة مع علي؟ هذا الأمر ~~يعتمد عليه، ويعتمد علي أيضا. إنه يحبني بطريقته، ومع أن تلك الطريقة تختلف عن طريقتي ~~تماما، فبوسعي أن أرى الحب يطل من عينيه كلما نظر إلي. ~~••• # قال علي ونحن ننطلق عائدين إلى «إيفين»: «أعتقد أنك يجب ألا تعودي إلى «246»؛ زنزانات ~~«209» ستكون أفضل في الوقت الحالي، فسوف أستطيع التردد عليك أكثر وإحضار الطعام لك من ~~المنزل. ما رأيك؟» # أومأت. # وفي طريقنا للعودة توقفنا عند مطعم صغير، حيث أحضر علي لكل منا شطيرة من البيض وزجاجة ~~من المياه الغازية. كنت أحب البيض، ولم أتناوله منذ عدة أشهر. تناولنا الطعام في السيارة. ~~كان الخبز طازجا ومدهونا بالزبد، وبه شرائح من الطماطم بين شرائح البيض المسلوق. عندما ~~انتهيت من شطيرتي لم يكن علي قد أنهى نصف شطيرته بعد، وعرض علي أن أتناول شطيرة ثانية، ~~فوافقت، ثم اشترى لكل منا شطيرة أخرى. # عندما وصلنا «إيفين» أوقف علي السيارة أمام أحد المباني ودخلناه. امتد أمامنا ممر طويل ~~خافت الإضاءة به العديد من الأبواب المعدنية على الجانبين. تقدم أحد الحرس نحونا. ~~- «السلام عليكم أخ علي، كيف حالك؟» ~~- «بخير أخ رضا، الحمد لله. كيف حالك أنت؟» ~~- «بخير، الحمد لله.» ~~- «هل الزنزانة التي طلبتها جاهزة؟» ~~- «نعم، تفضل من هنا.» # تبعناه نحو باب يحمل الرقم «27» حيث أدخل مفتاحا ms161 في القفل وأداره، فأصدر الباب صريرا ~~مرتفعا تردد صداه في الممر. دخل علي الزنزانة وتفحصها، ثم خرج وطلب مني أن أدخل ففعلت. ~~كانت مساحة الزنزانة تبلغ نحو ثلاثة أمتار في مترين، وبها مرحاض وحوض صغير كلاهما من الصلب ~~المقاوم للصدأ، والأرض مغطاة بسجادة مهترئة بنية اللون، والنافذة الوحيدة التي يبلغ كل من ~~طولها وعرضها ثلاثين سنتيمترا مدعومة بقضبان حديدية وبعيدة عن متناول يدي. وقف علي عند ~~الباب. ~~- «ستكونين على ما يرام هنا، وسوف أحضر لك الإفطار في الصباح، والآن يمكنك الخلود إلى ~~النوم.» # راقبت الباب وهو يغلق، وسمعت صوت المفتاح وهو يدور مغلقا القفل، وبدا صوت إغلاقه كأنه ~~يقول «خائنة». # انطلقت الموسيقى العسكرية عبر مكبرات الصوت؛ يبدو أن هناك انتصارا آخر. لو أن كل تلك ~~«الانتصارات» حقيقية لكانت إيران قد غزت العالم بأكمله الآن. # نزعت غطاء رأسي، وذهبت إلى الحوض، وغسلت وجهي فشعرت بتحسن، وكررت ذلك نحو ثلاثين مرة حتى ~~شعرت بالخدر في وجهي. كان صوت المياه الجارية وبرودتها يشعرانني بالراحة؛ فالمياه تصلني ~~بالعالم بصورة ما، غير أن تلك الصلة - وإن كنت أشعر بها على بشرتي - بدت كذكرى بعيدة. ~~الارتياح الذي أشعر به عندما تلامس المياه جسدي لم يكن ينتمي إلى الحاضر وإنما إلى الماضي؛ ~~ارتياح بطعم الحنين والحزن. # شعرت بالإرهاق، ووجدت بطانيتين عسكريتين مطويتين في أحد الأركان، فبسطتهما على الأرض ~~ورقدت. كانت حوائط الزنزانة مطلية باللون البني الفاتح، ولكن بعض الطلاء كان متساقطا ~~كاشفا عن الجص تحته، وبقية الطلاء مغطى ببصمات الأصابع وعلامات غريبة زلقة بأشكال وأحجام ~~مختلفة، وبعض البقع باللون الأحمر الداكن التي اشتبهت أنها دماء، بالإضافة إلى بعض الكلمات ~~والأرقام المحفورة في الحوائط ومعظمها غير مقروء. تتبعت النقوش بأصابعي كأنها كتبت بطريقة ~~برايل. قرأت أحدها: «شيرين هاشمي، الخامس من يناير 1982. هل يسمعني أحد؟» # يوم الخامس من يناير كنت في منزلي بينما تلك الفتاة هنا. ترى أين هي الآن؟ ربما لقيت ~~حتفها. كم كان قدر ما لاقت من عذاب عندما كتبت هذه الكلمات: «هل يسمعني أحد؟» ~~- «كلا شيرين، ms162 لا أحد يسمعنا، فنحن هنا وحدنا.» # قرأت أسماء أخرى : مهتاب، وباهرام، وكتايون، وبيروز، بالإضافة إلى المزيد من التواريخ: 2 ~~ديسمبر 1981، 28 ديسمبر 1981، 12 فبراير 1982، وغيرها. تمكنت أيضا من قراءة جملة تقول: ~~«أحبك يا فيروز جان.» ترك السجناء السابقون بصماتهم على الجدران المحيطة بي. تتبعت خطا ~~وهميا - كطريق على الخريطة - يصل بين الكلمات والتواريخ والعبارات التي تحيط بي كشواهد ~~القبور. الموت حاضر هنا يلقي بظلاله على كل كلمة ليخلص إلى عبارة واحدة: «هل يسمعني أحد؟» # أنا خائنة، وأستحق هذه المعاناة، وهذا الألم، وهذه الزنزانة. في اللحظة التي دخلت ~~فيها «إيفين» حكم علي بخيانة نفسي. حتى الموت أدار ظهره لي. سوف يكرهونني؛ ~~والداي، وأندريه، والقساوسة، وأصدقائي. وماذا عنك يا الله؟ هل تكرهني أيضا؟ كلا، ~~لا أعتقد ذلك، وإن كنت لا أستبعده. ما هذا العبث؟ من أكون حتى أقرر كيف تفكر؟ لكنك ~~من وضعني هنا، أليس كذلك؟ كان من الممكن أن تتركني أموت، لكنني بقيت على قيد ~~الحياة. هذا إذن قرارك وليس قراري. ماذا كنت تتوقع مني؟ أرجوك، أتوسل إليك، قل ~~شيئا ... # لكن الله لم يقل شيئا. ~~*** # كما وعدني، أحضر علي إفطارا في الصباح مكونا من خبز البربري ومربى الكرز الحامض ~~المعدة في المنزل. كان الشاي موضوعا في كوب بلاستيكي وتفوح منه رائحة زكية ليست كرائحة ~~الكافور. قضيت النهار أفكر فيما يفعله أندريه ووالداي الآن. أكاد أجزم أن أمي تجلس الآن في ~~مقعدها المفضل تحيك الملابس أو تحتسي الشاي، وأن أبي في العمل، أما أندريه ... حسنا لا أدري ~~ماذا يفعل. كنا في أواخر فصل الربيع والدراسة انتهت، فلم يكن يعمل بالتدريس في ذلك الوقت ~~بالتأكيد. هل أصبحت ذكرى لديهم؟ أم ما زلت أتمتع بحضور حي، يدعون لي ويسامحونني؟ # هل يسمعني أحد؟ ~~••• # تلك الليلة اصطحبني علي في السادسة مساء، وأخبرني أننا ذاهبان لمقابلة والديه. لم يكن ~~المنزل بعيدا عن «إيفين»، وعندما وصلنا أوقف السيارة في الشارع الهادئ. كانت الحوائط ~~القرميدية العتيقة ترتفع على جانبي الطريق، وخلفها تقبع أشجار القيقب والصفصاف والحور ~~العتيقة الشاهقة، ولكنها ms163 تتضاءل كالأعشاب أمام ضخامة جبال «ألبرز» في الخلفية. كان حلقي ~~جافا ويداي باردتين مبللتين بالعرق، ومع أن عليا طمأنني لطيبة والديه الشديدة، فلم تكن ~~لدي فكرة عما قد أتوقعه. تبعته إلى باب معدني أخضر اللون، وانتظرت حتى قرع الجرس، ففتحت ~~لنا الباب امرأة ضئيلة الحجم ترتدي شادورا أبيض اللون، خمنت أنها فاطمة خانم والدة علي مع ~~أنني توقعتها أكبر من ذلك. # قال علي وهو يقبل جبينها: «السلام عليكم يا أمي. أعرفك بمارينا.» # ابتسمت وقالت: «السلام عليكم عزيزتي. أهلا بك.» كانت عيناها البنيتان الصغيرتان تدققان ~~في وجهي بفضول، ووجهها يشي بالطيبة. # دخلنا عبر الباب إلى الفناء الأمامي، فرأيت ممرا ضيقا مفروشا بحصى رمادية ينحرف إلى ~~اليمين ثم يختفي بين أشجار الجوز والقيقب العتيقة، وسرعان ما ظهر المنزل الكبير والكروم ~~يغطي جدرانه. أحاطت الأصص الفخار المزروعة بأزهار الجيرانيوم والأقحوان بالدرج العريض ~~الذي يؤدي إلى الشرفة الواسعة. # داخل المنزل رأيت السجاجيد الفارسية الجميلة الثمينة تغطي الأرض، وكانت شقيقة علي - أكرام ~~- هناك مع زوجها مسعود. كان وجهها مستديرا وعيناها بنيتين واسعتين ووجنتاها متوردتين. ~~ترددت بين معانقتها أو مصافحتها أو عدم فعل شيء على الإطلاق؛ بعض المسلمين المتعصبين ~~يعتبرون المسيحيين غير طاهرين، ولذا قررت ألا ألمسها كي لا تشعر بالضيق. عانق علي والده ~~وقبله على وجنتيه. كان أطول من علي بنحو خمسة سنتيمترات، ونحيلا ذا لحية رمادية مهذبة. ~~حيتني الأسرة أحسن تحية، لكني استشعرت عدم ارتياحهم، فهم لا يرون في فتاة مسيحية وسجينة ~~سياسية عروسا مناسبة لابنهم، ولم أكن ألومهم على محاولة معرفة ما جذب ابنهم في تلك الفتاة ~~الغريبة شاحبة الوجه. # انتقلنا إلى غرفة المعيشة التي كانت فسيحة ومزخرفة على نحو جذاب، وعلى كل موائد القهوة ~~وضعت بعض الفواكه والحلوى في أطباق كبيرة من الفضة والكريستال. جلست على أريكة بجوار ~~أكرام، وقدمت لنا والدة علي بعض الشاي المعطر، ولاحظت أنها تراقبني معظم الوقت، وشعرت بنظرة ~~شفقة في عينيها. أخذت أحتسي الشاي الذي صب في أكواب زجاجية أنيقة مذهبة الحواف، وبدأت ~~أشعر بالارتياح قليلا. بدا ms164 الأمر وكأني ذهبت إلى منزل أحد معارفي في زيارة عادية. قدمت لي ~~أكرام بعض كعك الأرز فتناولت واحدة، ثم شرع السيد موسوي يتحدث عن آخر أنباء عمله مع علي. ~~كان يملك متجرا في سوق طهران، ويعتمد على استيراد البضائع وتصديرها مثل السجاد الإيراني ~~والفستق. وسرعان ما قدم العشاء المكون من الأرز طويل الحبة بالزعفران والدجاج المشوي ويخنة ~~اللحم بالأعشاب والسلطة، ومع أن رائحة الطعام كانت شهية، لم أشعر بالجوع. ربما يتناول ~~والداي العشاء أيضا. # وبعد أن فرغنا من تناول الطعام قال السيد موسوي: «إنه موقف صعب يا مارينا، وعلي أن ~~أخبرك برأيي، فأنت بحاجة إلى إدراك حقيقة موقفك لا سيما وأنك ما زلت صغيرة.» # كان السيد موسوي بوصفه مسلما متدينا يتبع عادة غض البصر عن النساء من غير المحارم، فلم ~~ينظر في عيني مباشرة. # اندفع علي معترضا: «أبي، لقد ناقشنا هذا الأمر آلاف المرات من قبل.» ~~- «هذا صحيح، لكني لا أذكر أن مارينا كانت معنا في أي مرة من تلك المرات، فأرجو أن تصبر ~~قليلا ودعني أتحدث مع من ستكون زوجة لابني.» ~~- «حسنا يا أبي.» ~~- «ابنتي العزيزة، لا بد أن تعرفي أني أتفهم الصعوبات التي تواجهينها. سأسألك بضعة أسئلة ~~وأريدك أن تصدقيني القول في الإجابة عنها. هل توافقين؟» ~~- «نعم سيدي.» ~~- «هل أحسن ابني معاملتك؟» # أجبت وأنا أنظر نحو علي: «نعم يا سيدي.» فابتسم لي. ~~- «هل ترغبين في الزواج منه؟» ~~- «لا أرغب في الزواج منه، لكنه يرغب في الزواج مني، وقد تحمل متاعب عديدة كي ينقذ حياتي، ~~وأنا أتفهم وضعي الحالي، وقد وعدني أن يعتني بي جيدا.» # تمنيت ألا أكون قد أخطأت في شيء. # قال السيد موسوي إنني فتاة ذكية، وأبدو أكثر نضجا مما يقتضيه عمري، وأخبرني بأنني كنت ~~عدوة لله وللحكومة الإسلامية وكنت أستحق الموت، ولكن عليا تدخل لإنقاذ حياتي، لأنه آمن ~~أنني قد أتعلم من أخطائي وأتغير. تمنى السيد موسوي أيضا أن أدرك أن مارينا التي كنت أعرفها ~~قبل دخول «إيفين» قد ماتت، وأني سأبدأ حياة جديدة على دين ms165 الإسلام، وأن اعتناقي الدين ~~الإسلامي سوف يمحو ذنوبي وآثامي، وأخبرني أيضا بأنه يحمل ابنه مسئولية وعوده لي، فقد ~~حاول أن يثنيه عن عزمه على الزواج مني، لكن عليا رفض الاستماع له. لطالما كان علي ابنا ~~بارا ولم يفعل أي شيء ضد رغبة والده قط، لكنه لم يصر من قبل على شيء كهذا، وهو ما جعل ~~السيد موسوي يوافق على هذا الزواج شريطة أن أعتنق الإسلام. كان يدرك أن عائلتي قد تنبذني إن ~~تخليت عن ديني، فوعدني أن يعاملني كابنته، وأن يحميني شخصيا، ويعمل جاهدا على تحقيق ما ~~فيه الخير لي ما احترمت ديني الجديد واتبعت السلوك الإسلامي الحسن وكنت زوجة مخلصة ~~لابنه. # بعد أن أنهينا الحديث تساءل السيد موسوي: «هل اتفقنا جميعا على هذا الأمر؟» # أجاب الجميع: «نعم.» # فوجئت بالجهود التي يبذلها والد علي لحل هذا الموقف الصعب، ومع أن منظورينا للأمور ~~يختلفان تماما، فقد وجدت أني أحترم السيد موسوي. واضح أنه يحب عليا ويهتم بسعادته. لو ~~كان أخي هو الذي يرغب في الزواج من فتاة لا يوافق عليها والداي، ما كان والدي ليدعو إلى ~~انعقاد اجتماع عائلي، لكنه على الأغلب كان سيخبر أخي بأنه إن تزوج تلك الفتاة فلن يرغب في ~~رؤيته مرة أخرى. # قال السيد موسوي: «هكذا يا مارينا، أرحب بك فردا في عائلتنا. لقد أصبحت ابنتي الآن، ~~ونظرا للظروف الاستثنائية فسوف نقيم حفل زفاف محدودا هنا في منزلنا. لا تقلقي يا عزيزتي، ~~فلست مضطرة إلى إخبار عائلتك الآن، فنحن عائلتك الجديدة وسوف نقدم لك كل ما تحتاجين. وأنت ~~يا بني، لطالما كنت ابنا بارا ونتمنى لك السعادة في هذا الزواج. مبارك عليك يا ~~ولدي.» # وهنا نهض علي وقبل والده وشكره، بينما عانقتني والدته وهي تبكي. ~~••• # سألني علي أثناء عودتنا إلى «إيفين»: «ما رأيك في أسرتي؟ هل أحببتهم؟» ~~- «إنهم يحبونك كثيرا. أسرتي مختلفة.» ~~- «ماذا تقصدين بكلمة «مختلفة»؟» # أخبرته أني أحب والدي وأفتقدهما، لكنهما طالما كانا بعيدين عني، فلم نتناقش جديا بشأن ~~أي موضوع قط، فقال إنه يأسف لسماع ms166 ذلك، وإن والده جاد للغاية فيما يتعلق بانضمامي إلى ~~أسرتهم، ثم قال : «في غضون أسبوع سنقيم مراسم إشهارك للإسلام في إيفين، وسنقيم حفل زفافنا ~~يوم الجمعة بعدها بأسبوعين.» # كانت الأحداث تتوالي سريعا بطريقة لا يمكنني ملاحقتها، لكنه أكد لي أن لا داعي للقلق، ~~وأن كل ما علي أن أفكر فيه هو تجهيز أثاث المنزل. كان ينوي اصطحابي للتسوق في اليوم ~~التالي، لكنني لم أفهم كيف يمكن أن أذهب للتسوق. # كنت قد توقعت أن تعاملني أسرته معاملة قاسية دونية، لكنهم كانوا ودودين للغاية، بل كانوا ~~تجسيدا لكل ما أفتقده في أسرتي. كان من الصعب علي أن أتخيل عليا ابنا، لكني الآن أدرك ~~أنه قد أحب ونال حبا في المقابل. # قال: «بالمناسبة، كل من يعتنق الإسلام عليه أن يتلقى دروسا في الدين الإسلامي والقرآن، ~~وأن يختار اسما إسلاميا، وأنت قد درست الإسلام بالفعل منذ إلقاء القبض عليك، وهكذا لا ~~ينقصك سوى الاسم. أريدك أن تعرفي أني أرى اسمك جميلا وأحبه ولن أناديك بأي اسم آخر، لكن ~~عليك أن تختاري اسما من أجل الأوراق الرسمية فحسب. # وصل الحال بي إلى أني سأحمل اسما جديدا. بدا الأمر وكأنه يمزقني قطعة قطعة؛ كأنه ~~يشرحني وأنا على قيد الحياة. يمكنه أن يسميني ما يشاء. # قلت له: «يمكنك أن تختار لي اسما.» ~~- «كلا، أود أن تفعلي ذلك بنفسك.» # أول اسم خطر ببالي هو فاطمة، فقلته بصوت مسموع. ~~- «اسم أمي! كم سيسعدها ذلك!» # سوف أولي ظهري للمسيح، لا مفر من ذلك. خطر في بالي يهوذا، فقد خان المسيح أيضا. هل ~~أسير في نفس الطريق؟ لم يدرك يهوذا الخطأ الفادح الذي ارتكبه إلا في نهاية الأمر، فأنهى ~~حياته بيده. لقد فقد الإيمان والأمل واستسلم للظلام. ألم يكن ذلك خطأه الأكبر؟ ربما لو واجه ~~الحقيقة، ربما لو سأل الله العفو والمغفرة، لأنقذت روحه. عندما قبض على المسيح أنكر ~~القديس بطرس معرفته به ثلاث مرات، لكن القديس بطرس آمن بعفو المسيح وسأله إياه. الله محبة، ~~والمسيح خبير بمعنى العذاب، ولذا لن ms167 أوضح له أي شيء، فهو يعلم كل شيء. # علي أن أودع أندريه ؛ أودعه فقط دون أن أقول شيئا. علي أيضا أن أخبر والدي، ~~لكن يمكنني البدء بإخبارهما بأمر اعتناقي الإسلام وأرى كيف سيكون رد فعلهما. أرغب أيضا في ~~رؤية الكنيسة مرة أخيرة، وعندها ربما يمكنني الانتقال لحياتي الجديدة. # وفي اليوم التالي أحضر لي علي بعضا من خبز البربري والجبن للإفطار، وسألني بعد ~~الانتهاء من تناول الطعام: «هل أنت مستعدة للتسوق؟» ~~- «نعم، ولكن أود أن أطلب منك شيئا قبل أن نذهب.» ~~- «ما هو؟» ~~- «أتود حقا مساعدتي كي أحبك؟» # بدا مندهشا، وقال: «نعم.» ~~- «إذن اصطحبني إلى الكنيسة مرة أخيرة كي أودعها.» ~~- «حسنا سوف أصطحبك إلى هناك، وماذا أيضا؟» # أخبرته أن هناك أمرا آخر لن يعجبه، وأوضحت له أني أدرك أننا عقدنا اتفاقا وأني سألتزم ~~بوعودي، وسأبذل كل ما بوسعي كي أكون زوجة مخلصة له، لكني بحاجة لأن أودع أندريه. إن لم ~~أفعل، فلن يتركني شبح الماضي أبدا. # استشعرت من نظرة عينيه أنه لم يكن غاضبا. ~~- «حسنا، علي أن أقبل حقيقة أن قلبك لن يتغير بين عشية وضحاها. سوف أدعك ترينه مرة ~~واحدة، ولكن أريدك أن تعلمي أنني أفعل ذلك مرغما لكي أسعدك فحسب.» ~~- «أشكرك.» ~~- «سأجري الترتيبات اللازمة، وسوف يسمح له بزيارتك في موعد الزيارة، ربما ليس في المرة ~~القادمة ولكن في المرة التي تليها.» # شكرته وأخبرته أني أنوي إخبار والدي عن اعتناقي الإسلام في الزيارة القادمة. ~~- «وهل ستخبرينهما بأمر الزواج أيضا؟» ~~- «كلا، ليس الآن. سأمهد للأمر أولا.» ~~- «كما تشائين.» ~~*** # أشهرت إسلامي بعد ذلك بأسبوع. أقيمت المراسم بعد صلاة الجمعة التي تقام في الخلاء في ~~منطقة هادئة محاطة بالأشجار في «إيفين». كانت السجاجيد تغطي الأرض العشبية، وجلس الموظفون ~~والحرس في صفوف الرجال يتقدمون النساء، لكن أغلب الحاضرين كانوا من الرجال. جلس الجميع في ~~مواجهة منصة خشبية حيث يفترض أن يلقي آية الله جيلاني، إمام الجمعة في ذلك اليوم، الخطبة ~~ويؤمهم للصلاة. تبعت عليا إلى آخر صفين حيث تجلس النساء، كان الجميع جلوسا ما ms168 عدا امرأة ~~طويلة القامة كانت واقفة تتلفت حولها. نظرت لها فوجدتها الأخت مريم. ابتسمت وأمسكت يدي، ~~ودعتني للجلوس بجوارها، وسرعان ما وصل آية الله جيلاني وبدأ يلقي الخطبة، حيث تحدث إلى ~~الجمع عن شرور الولايات المتحدة، وأثنى على الجهود التي يبذلها الحرس الثوري وموظفو محاكم ~~الثورة الإسلامية من أجل حماية الإسلام، وبعد الصلاة نادى اسمي وطلب مني الذهاب إلى المنصة، ~~فضغطت الأخت مريم على يدي. نهضت من مكاني وأنا أشعر بالدوار، وأخذ الجميع يحدق إلي. سرت ~~بخطوات مرتجفة وتقدمت نحو آية الله، وطلب مني أن أنطق جملة بسيطة: «أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله»، وصاح الحاضرون «الله أكبر» ثلاث مرات، معبرين عن استحسانهم. ~~وهكذا لم أعد مسيحية. # ظلت العصافير تزقزق على فروع الأشجار المحيطة، ونسيم الجبل يداعب أوراق الشجر لتهتز أشعة ~~الشمس في طريقها إلى الأرض، وظلت السماء زرقاء كما هي. كنت أنتظر غضب الله؛ تمنيت أن تضربني ~~صاعقة من البرق وأنا واقفة في مكاني. كان علي جالسا في الصف الأول ونظرة الحب في عينيه ~~تضربني أسوأ من أي صاعقة برق وتثقل قلبي بالشعور بالذنب. قال المسيح: «أحبوا بعضكم بعضا ~~كما أنا أحببتكم»، فهل كان يتوقع مني أن أحب عليا؟ كيف يمكنه أن يتوقع شيئا كهذا؟ # نهض علي وأعطاني شادورا أسود مطويا. ~~- «لقد بكت أمي فرحا ودعت لك وهي تحيك هذا الثوب. كلنا فخورون بك.» # تمنيت لو شاركتهم نفس الشعور. ~~••• # في الزيارة التالية أخبرت والدي بأمر اعتناقي الإسلام. لم أتوقع منهما أن يسألاني عن ~~السبب، وبالفعل لم يفعلا؛ فلم يكن أحد يجرؤ أن يسأل عما يحدث في «إيفين». كل ما فعلاه أنهما ~~حدقا إلي وانفجرا بالبكاء. أعتقد أنهما كانا يدركان أن السجين في «إيفين» ليس ابنا أو ~~بنتا، ولا زوجا أو زوجة، ولا أما أو أبا، بل هو سجين فحسب. # أوفى علي بوعده واصطحبني إلى الكنيسة بعدها ببضعة أيام، وأتى معنا صديقه محمد، لأنه - ~~كما أخبرني علي - لم يذهب إلى كنيسة قط، ولديه فضول كي يرى ms169 واحدة من الداخل. أوقف علي ~~السيارة أمام المبنى، ووجدتها لم تتغير على الإطلاق، لكني شعرت بأني غريبة تماما عن ~~المكان. خطوت خارج السيارة وسرت نحو الباب الرئيسي فوجدته مغلقا، فذهبت إلى الباب الجانبي ~~وقرعت الجرس. # سمعت صوت القس الأب مارتيني عبر نظام الاتصال الداخلي يتساءل: «من بالباب؟» # انقبض قلبي وأنا أقول: «مارينا.» # اقتربت خطوات متسارعة من الباب، وفتح. وقف الأب مارتيني هنيهة بلا حراك من أثر الصدمة ~~والذهول. # وأخيرا قال: «مارينا، إنني سعيد جدا لرؤيتك. تفضلي ...» # تبعته عبر الساحة إلى حجرة المكتب الصغيرة، ~~وسار علي ومحمد خلفنا. # سأل الأب مارتيني عليا: «هل يمكنني الاتصال بوالدتها وصديقها أندريه كي يحضرا ~~لرؤيتها؟» # تبادلت أنا وعلي النظر، وكاد قلبي يتوقف. # أجاب علي: «نعم يمكنك ذلك.» وطلب من محمد أن يخرج معه. # عاد محمد بعد لحظة، ولكنني لم أر عليا، ربما كان ينتظر في السيارة، وأغلب الظن أنه لا ~~يريد رؤية أندريه. سألني الأب مارتيني عن أحوالي، وأخبرته أنني بخير. ظل ينقل بصره بيني ~~وبين محمد، وأدركت كم أصبح وجودي مخيفا في هذا المكان. لم أفكر من قبل في الخوف الذي يفرضه ~~وجودي، ومع أني أعلم أني لم أعرض القساوسة للخطر، فهم لا يعلمون ذلك. توقعت أن أشعر ~~بالسعادة والأمان هنا، ولكن بوسعي الآن أن أدرك أن السعادة والأمان قد ماتا في اليوم الذي ~~ألقي القبض علي فيه. # وصلت أمي ومعها أندريه خلال بضع دقائق. كم كنت أتمنى أن أخبرهما بالحقيقة كاملة، لكني ~~أدركت أني قد لا أتمكن من ذلك على الإطلاق. هل يمكنني أن أصوغ كل هذا الألم في كلمات؟ لقد ~~أتيت كي أقول وداعا، وهو الشيء الوحيد الذي ينبغي علي فعله. علي أن أمنحهما وأمنح نفسي ~~فرصة للمداواة والنسيان، وعلي أن أغلق الأبواب المؤدية إلى الماضي. # كانت أمي ترتدي وشاحا أزرق كبيرا يغطي رأسها، ومعطفا أسود على الطراز الإسلامي، ~~وسروالا أسود. عانقتني طويلا. كنت أشعر بأضلعها تحت أصابعي؛ لقد فقدت الكثير من الوزن، ~~وكالعادة كانت تفوح منها رائحة السيجار. # همست في أذني: ms170 «هل أنت بخير؟» # ظلت يداها تتحسسان ظهري وذراعي محاولة أن تتأكد من سلامة أعضائي، وأخيرا ابتعدت عنها، ~~وظلت عيناها تتفحصني من رأسي إلى أخمص قدمي، ولكن بسبب الشادور الأسود الذي أرتديه لم تستطع ~~رؤية الكثير، فلم يظهر مني سوى وجهي. # أجبتها مبتسمة: «أنا بخير يا أمي.» # تكلفت الابتسامة وسألتني: «كيف حصلت على هذا الشادور؟» # أخبرتها أن صديقة أعطتني إياه. # وهنا ملأ صوت محمد الغرفة: «تعرفون أن مارينا اعتنقت الإسلام، أليس كذلك؟» # ردت أمي والأب مارتيني في صوت واحد: «نعم.» # فتحت أمي حقيبتها، وأخرجت منديلا ورقيا جففت به دموعها. # سألني أندريه وهو ينظر إلي ثم إلى محمد: «أأنت واثقة أنك بخير؟» ~~- «أنا بخير.» # كان لدي الكثير مما أود قوله، لكني لم أستطع التفكير. # لمح أندريه الصراع في عيني، فسألني: «ماذا هناك؟» # تاهت الكلمات بداخلي، فقد تسببت الشهور الأخيرة من حياتي في خلق دائرة من الألم ~~والارتباك حولي جعلتني أسيرة، ليس داخل جدران «إيفين» فحسب، بل داخل نفسي أيضا. فتحت فمي ~~كي أتكلم، لكني لم أقل شيئا. # سألني: «متى ستعودين إلى المنزل؟» # همست: «لن أعود أبدا.» # قال بابتسامة ملؤها اليقين: «سوف أنتظرك.» # أحسست بالحب في عينيه على الرغم من كل شيء. لم أكن بحاجة إلى قول كلمة أخرى؛ أعلم أني لو ~~توسلت إليه أن ينساني فلن يفعل. عندما ينتظرك أحدهم، يعني ذلك أن هناك أملا. كان أندريه ~~حياتي قبل أن أدخل «إيفين»، وعلي أن أتشبث به كي أبقى على قيد الحياة. انهمرت الدموع من ~~عيني، فاستدرت وخرجت من المكان. ركبت السيارة أنا ومحمد، وقادها علي لكنه توقف بعد بضع ~~دقائق. # سألته: «لماذا توقفت؟» ~~- «لم أرك شاحبة هكذا من قبل.» ~~- «أنا بخير، وأشكرك على إحضاري إلى هنا. ~~لم تكن مضطرا لإحضارهما كي يرياني. أنا ممتنة لك، وأعلم أن هذا الأمر لم يكن سهلا ~~عليك.» ~~- «أنسيت أني أحبك؟» ~~- «لا أعرف كيف أشكرك.» ~~- «بل تعرفين.» # | الفصل السادس عشر # في يوم زفافنا، في الثالث والعشرين من يوليو 1982، اصطحبني علي بعد صلاة الفجر من ~~الزنزانة الانفرادية في ms171 مبنى «209»، حيث قضيت نحو شهر دون أي اتصال بالسجينات الأخريات. ~~جافاني النوم الليلة الماضية، وكان الخوف منقذي؛ إذ شل تفكيري وأفقدني الشعور بأي شيء. جلست ~~في أحد الأركان أحدق إلى النافذة الصغيرة المدعومة بالقضبان وأراقب خطوطها المعدنية ~~الرمادية وهي تتقاطع مع السماء الزرقاء الواسعة في الخلفية لتقسمها إلى مستطيلات مستوية ~~صغيرة. لطالما أحببت الصباح الباكر عندما يمحو الضوء تدريجيا ظلام الليل. لون أزرق داكن ~~يتسلل إلى ظلمة السماء كالمطر الذي يسيل في الصحراء، غير أن هذا الجمال بدا من هنا ~~زائفا. # قرع علي الباب قرعا خفيفا، فارتديت الشادور بيد مرتجفة ووقفت. دخل وهو ينظر في عيني ~~مباشرة وأغلق الباب خلفه، فنظرت للأرض. # اقترب مني أكثر، وقال: «لن تندمي على ذلك. هل نمت بالأمس؟» ~~- «كلا.» ~~- «ولا أنا أيضا. هل أنت مستعدة؟» # أومأت. # ذهبنا إلى منزل والديه صامتين، وفور أن وصلنا غادر علي ووالده المنزل. عانقتني والدته ~~وقبلتني، وأصرت على أن تعد لي إفطارا ~~شهيا. لم أكن أشعر بالجوع، ولكنها لم تقبل أيا من أعذاري. تبعتها إلى المطبخ، فطلبت مني ~~الجلوس وأعدت لي طبقا من البيض المقلي. وعلى النقيض من مطبخ أمي كان مطبخها فسيحا مضيئا. ~~أصدر القدر المعدني الكبير صوت أزيز قطع الصمت المزعج. # بعد دقيقتين قالت: «أراد أفراد العائلة والأصدقاء جميعا أن يحضروا حفل الزفاف. لدي ثلاث ~~شقيقات وشقيقان، وكلهم رزقوا بالأبناء الذين تزوج معظمهم وأنجبوا أيضا، أما السيد موسوي ~~فلديه ثلاثة أشقاء وشقيقة واحدة ولديهم أبناء أيضا، بالإضافة إلى العمات والخالات والأعمام ~~والأخوال وأبنائهم وبناتهم وأصدقاء العائلة. جميعهم حزنوا عندما علموا أننا لن ندعو أحدا ~~لحفل زفاف علي، لكننا أوضحنا لهم الأمر ومعظمهم تفهمه، وهم يرسلون إليك تحياتهم. عندما ~~تصبحين أنت وعلي مستعدين لذلك سأدعوهم لمقابلتك.» # كانت تتحدث في تأن، وتوقفت عدة مرات تحاول انتقاء كلماتها بعناية. # وعاد الصمت المزعج يخيم على المكان ثانية، لا شيء غير صوت الملعقة الخشبية وهي تحتك ~~بالمقلاة. # تنهدت والدة علي وتابعت وهي تقف أمام الموقد وتوليني ظهرها: «أعلم أنك خائفة. ما زلت أذكر ms172 ~~يوم زفافي للسيد موسوي، كنت أصغر منك الآن، وكان زواجا تقليديا، فكنت أشعر بالذعر. ~~أخبرني علي بأنك شجاعة، ومما سمعته ورأيته أعلم أنك كذلك، لكني أعلم أيضا أنك تشعرين ~~اليوم بالخوف، ولديك كل الحق في ذلك، خاصة وأن عائلتك ليست بجوارك، ولكن تأكدي أن عليا ~~طيب يشبه والده كثيرا.» # وعندما استدارت إلي كانت كل منا تبكي، فتقدمت نحوي وضمت رأسي إلى صدرها، وأخذت تداعب ~~شعري. لم أشعر براحة كهذه منذ وفاة جدتي. جلسنا معا نتناول البيض، وأوضحت لي أنه من ~~المعتاد أن تأخذ العروس حماما طويلا، وأخبرتني أيضا بأنها تتوقع وصول الماشطة - إحدى ~~صديقاتها المقربات - في غضون ساعتين. لم أكن قد أخذت حماما منذ عدة شهور، بل كنت أكتفي ~~بالاغتسال السريع. تذكرت الليلة التي لم يقدر لي أن أستحم فيها عندما ألقي القبض ~~علي. # قبل أن ترشدني إلى الحمام اصطحبتني إلى إحدى الغرف التي أخليت كي يوضع بها مفرش الزفاف، ~~وهو مفرش مائدة حريري أبيض يبسط على الأرض، وفي منتصفه مرآة كبيرة في إطار فضي، وعلى ~~جانبيها شمعدان بلوري كبير به شمعة بيضاء، وأمام المرآة نسخة من القرآن، بالإضافة إلى صحف ~~فضية ممتلئة بالحلوى والفاكهة تملأ بقية المفرش. علمت أن العادة تقتضي أن يؤدي الملا مراسم ~~عقد الزواج بينما يجلس العروسان على مفرش الزفاف. # في الحمام وجدت السيراميك الفاخر يلمع. ملأت حوض الاستحمام وجلست مسترخية في المياه ~~الساخنة، ومع أننا كنا في فصل الصيف فقد كنت أشعر بالبرد طوال النهار. عندما غمرني دفء ~~المياه الساحر أخذت عضلاتي تسترخي شيئا فشيئا، فأغمضت عيني. لقد منحني الله موهبة أنقذتني ~~كثيرا؛ إذ كان بوسعي التوقف عن التفكير عندما تصبح أفكاري عسيرة الاحتمال، وهكذا لم أفكر ~~فيما سيحدث تلك الليلة. # بعد قليل عندما فترت المياه قليلا، قرع باب الحمام قرعا خفيفا، وأخبرتني أكرام أن ~~الماشطة شيرين خانم قد وصلت، وأضافت: «لا داعي لارتداء الحجاب، فالرجال ما زالوا بالخارج، ~~ولن يعودوا حتى المساء.» ارتديت ملابسي وخرجت من الحمام. في غرفة نوم أكرام القديمة، كانت ~~امرأة ms173 ممتلئة الجسم تبسط ملاءة بيضاء على الأرض، وفور أن دخلت الغرفة تفحصتني عيناها من ~~رأسي إلى أخمص قدمي، وأضافت وهي تهز رأسها: «فتاة جميلة، لكنها نحيفة جدا. عليك أن تعتني ~~بتغذيتها جيدا يا فاطمة خانم، فسوف تزداد جمالا إذا امتلأ جسدها قليلا.» ثم تقدمت نحوي ~~ووضعت إصبعها أسفل ذقني وتفحصت وجهي، وقالت: «بشرتها صافية، لكن حاجبيها بحاجة إلى بعض ~~التهذيب.» # قالت والدة علي: «إذا احتجت أي شيء، فستجدينني أنا وأكرام في المطبخ.» وابتسمت لي وهما ~~تغادران الغرفة. # جلست شيرين خانم على الملاءة وقالت: «حسنا يا عزيزتي، أنا جاهزة. اخلعي ملابسك واجلسي ~~أمامي.» # لكني لم أتحرك من مكاني. # ضحكت وقالت: «ماذا تنتظرين؟ هيا! لا داعي للخجل، لا بد من القيام بذلك. ألا تريدين أن ~~تتزيني لزوجك؟» # قلت في نفسي: «كلا، لا أريد.» لكني لم أنطق بها. # خلعت ملابسي ببطء وأنا أرتجف، وجلست على الملاءة وضممت ركبتي لصدري، فطلبت مني شيرين ~~خانم أن أمد ساقي أمامي ففعلت. أمسكت خيطا طويلا، ولفت أحد طرفيه على إصبعها عدة مرات ~~وأمسكت بالطرف الآخر بين أسنانها، ثم انحنت على ساقي، وأخذت تحرك الخيط كالمقص بسرعة مذهلة ~~لإزالة الشعر الزائد. كان الأمر مؤلما، وعندما انتهت طلبت مني أن أغتسل بمياه باردة، وبعد ~~الاغتسال ضفرت شعري الذي كاد يصل إلى خصري وجمعته خلف رأسي. # في الظهيرة علا صوت المؤذن قادما من المسجد داعيا المؤمنين إلى الاستعداد للصلاة ~~الثانية في اليوم. توضأنا، وعندما انتهيت خرجت من الحمام لأجد والدة علي في انتظاري حاملة ~~صرة حريرية بيضاء في يديها. أعطتني إياها، فوجدتها سجادة صلاة جميلة صنعتها بنفسها، وشعرت ~~بأن حنانها يغمرني. # كان والدا علي قد خصصا غرفة للصلاة خالية من كل شيء إلا من السجاجيد الإيرانية السميكة ~~التي تغطي الأرض. وقفنا نستقبل القبلة، وبسطت كل منا سجادتها من أجل الصلاة عليها. كانت ~~سجادتي مزخرفة بخيوط وخرز فضي وذهبي. يبدو أنها قد قضت ساعات عديدة في صنع تلك ~~السجادة. # وبعد الصلاة أعدت أكرام المائدة بالأطباق الخزفية الفاخرة، وجلسنا نتناول الغداء المكون ms174 ~~من الباذنجان ويخنة اللحم بالأرز، وبعد الغداء احتسينا الشاي. وأنا أحتسي الشاي لاحظت أن ~~والدة علي تحدق النظر إلي وكأنها تود مصارحتي بشيء مهم، لكنها لا تدري من أين تبدأ، ~~فأطرقت برأسي. # وأخيرا قالت: «مارينا، هناك شيء أود إخبارك به عن علي، ولا أدري إن كنت على علم به أم ~~لا. هل أخبرك من قبل أنه كان سجينا في «إيفين» في عهد الشاه؟» # صدمت مما سمعت، وأجبتها: «كلا، لم يخبرني قط.» # قالت: «ألقى السافاك القبض عليه قبل اندلاع الثورة بثلاثة أعوام وثلاثة أشهر. خارت قواي، ~~ولم أصدق أنه قد ينجو، فقد كان مخلصا جدا للإمام ويكره الشاه وحكومته الفاسدة. توقعت أن ~~يلقوا القبض على السيد موسوي أيضا، لكنهم لم يفعلوا. لكني فقدت عليا. كنت أعلم أنه يلاقي ~~العذاب. ذهبنا إلى «إيفين» وطلبنا رؤيته، لكنهم لم يسمحوا لنا بالزيارة مدة ثلاثة أشهر، ~~وعندما سمح لنا بالزيارة أخيرا، بدا ابني القوي الوسيم هزيلا واهنا.» # سالت الدموع من عيني فاطمة خانم وهي تتابع: ~~«أطلق سراحه قبل نجاح الثورة بثلاثة أشهر دون أن يخبرونا أنهم سيطلقون سراحه. في ذلك اليوم ~~كنت في المطبخ عندما سمعت جرس الباب يدق. كان يوما خريفيا غائما، وأوراق الشجر تساقطت ~~لتفترش الفناء. هرعت نحو الباب أتساءل من الطارق، فلم يجبني أحد، لكني عرفت أنه هو. لا ~~أدري كيف عرفت، لكن هذا ما حدث. فتحت الباب ووجدته هو، فابتسم وعانقني طويلا. كان نحيلا ~~للغاية، حتى إنني أحسست بعظامه تحت أصابعي، وكانت ابتسامته مختلفة؛ إذ شابها الإرهاق ~~والحزن. كنت أعرف أنه مر بتجارب مؤلمة، وأن الحزن المطل من عينيه سيلازمه فترة طويلة. ~~استأنف حياته على الفور، لكنه تغير، فلم يفارقه الألم الذي يشعر به قط، وأحيانا كنت أشعر ~~به يتجول في المنزل طوال الليل. ومنذ بضعة أشهر عاد من العمل ذات يوم وحزم حقائبه وذهب إلى ~~الجبهة كي يحارب العراقيين دون أن يقدم لي أي تفسير. صدمت بذلك، فلم يكن هذا طبعه. لا ~~تسيئي فهمي؛ لم يفاجئني ذهابه إلى الجبهة، فقد ms175 ذهب إلى هناك من قبل، لكن التوقيت كان ~~غريبا. أدركت أن شيئا ما قد حدث، لكنه لم يخبرني ما هو. وفي الشهور الأربعة التي غاب فيها ~~جافاني النوم، وأخيرا تلقيت اتصالا ذات يوم أخبرت فيه بأنه قد أصيب بطلق ناري في ساقه ~~ويرقد في المستشفى، فحمدت الله آلاف المرات، وعندما ذهبت لرؤيته ابتسم لي كالأيام الخوالي ~~وكأنه عاد طفلا صغيرا، وأخبرني أن شيئا رائعا قد حدث له، فظننت في بادئ الأمر أنه فقد ~~عقله.» # إذن كان علي سجينا في «إيفين» وتعرض للتعذيب هناك، ربما لهذا السبب سألني بعد أن تعرضت ~~للجلد واقتادني إلى الزنزانة الانفرادية هل أحتاج شيئا يساعدني في تخفيف الألم، وطلب من ~~الطبيب أن يأتي لزيارتي؛ ربما فعل ذلك لأنه شعر بالمعاناة مثلي تماما. # بعد اندلاع الثورة رغب علي في الانتقام، فانضم للعمل في «إيفين»، وخلال الأشهر الأولى ~~بعد الثورة كان معظم سجناء «إيفين» من عملاء السافاك السابقين، فحصل على فرصته كي ينتقم ~~منهم؛ العين بالعين. لم يكونوا أعداء للإسلام فحسب، بل كانوا أعداءه الشخصيين أيضا، لكن ~~الأمور تغيرت، ومن كانوا يحاربون معه في زمن الشاه من «المجاهدين» و«الفدائيين» أصبحوا هم ~~الذين يلقى القبض عليهم. أنا متأكدة أنه لم يكن عسيرا عليه في بداية الأمر تبرير القبض ~~عليهم، فقد أصبح رفاق الزنزانة السابقين وأتباعهم أعداء للدولة الإسلامية، أو كما قال ~~الخميني أصبحوا أعداء لله ورسوله. نشأ علي مسلما متدينا، واعتاد اتباع الإمام حتى لو ~~كلفه ذلك حياته. ربما بدأ يرى أن ما يحدث في «إيفين» باسم الإسلام خطأ، لكن واجه صعوبة في ~~تقبل الحقيقة بسبب إخلاصه لدينه، ولم يدر كيف يتعامل معها. لقد أعماه إيمانه، غير أن ~~تجربته الشخصية ربما تدفعه أحيانا لأن يرى الموقف من وجهة نظر السجناء. كان والداه فخورين ~~بوجوده في الخط الأمامي للجبهة ضد أعداء الإسلام، ومن وجهة نظرهما كان عمله محققا من ~~أشرف الأعمال التي يمكن للمسلم توليها، فكل ما حدث في «إيفين» بعد الثورة كان مبررا؛ كانوا ~~يدافعون عن أسلوب حياتهم وقيمهم؛ ms176 كانوا ينظرون إليها على أنها حرب بين الخير والشر. ~~••• # وبعد أن انتهينا من تناول الطعام وتنظيف المائدة سألتني والدة علي هل أعرف الطهي، ~~فأجبتها: «نعم، ولكن ليس بنفس براعتك أنت وأكرام. تعلمت من كتب الطهي، فأمي لم تكن تحب ~~دخولي المطبخ.» ~~- «هل ترغبين في مساعدتنا في إعداد العشاء؟ علينا أن نبدأ في الحال، فسوف يحضر الملا أغا ~~في الساعة الخامسة، وسوف نتناول العشاء بعد حفل الزفاف.» # ساعدتهما في المطبخ، ففرمت وطهوت أنا وأكرام البصل والبقدونس الطازج والثوم وبعض الأعشاب ~~الأخرى، بينما قطعت والدة علي اللحم وسلقت الأرز طويل الحبة بعد أن تبلت قطع الدجاج في ~~خليط من الزبادي وصفار البيض والزعفران. أعددنا أيضا يخنة اللحم بالأعشاب، والتاكين (خليط ~~من الدجاج والأرز والزبادي وصفار البيض والزعفران). # وصل السيد موسوي وعلي ومسعود زوج أكرام نحو الساعة الرابعة، واقتادتني والدة علي إلى ~~الحمام وطلبت مني أن أغتسل مرة أخرى، لأن رائحة البصل تفوح مني. وبعد الاغتسال ارتديت ~~المعطف الإسلامي الأبيض، ووشاحا أبيض كبيرا، وسروالا أبيض، والشادور الأبيض الذي وضعته ~~لي والدة علي على الفراش، وسرعان ما وجدت أحدهم يقرع باب الغرفة، ونادتني أكرام: «مارينا، ~~لقد حان الوقت.» # فتحت الباب وخرجت دون أن أعطي نفسي فرصة للتفكير. كان علي جالسا على مفرش الزفاف، ~~فجلست بجواره وأنا أتساءل هل لاحظ أحد منهم أنني أرتجف. دخل الملا الغرفة، وردد بعض الجمل ~~باللغة العربية، ربما كنت سأفهمها لو كنت أكثر تركيزا، ثم سألني بالفارسية: «فاطمة خانم ~~مرادي بخت، هل تقبلين السيد علي موسوي زوجا لك؟» # كنت أعلم أنه من المعتاد ألا تجيب العروس على هذا السؤال في المرة الأولى، وعلى الملا أن ~~ينتظر الإجابة، وحين لا يحصل عليها يكرر السؤال مرتين أخريين، لكني أجبت في المرة الأولى؛ ~~إذ لم يكن يعنيني سوى الانتهاء من ذلك. ~~••• # بعد تناول العشاء ذهبت مع علي إلى المنزل الذي اشتراه لنا. ظل ممسكا بيدي اليسرى حتى ~~وصلنا إلى المنزل، وكانت أول مرة يلمسني بتلك الطريقة. # وبينما أخطو إلى منزلي الجديد وحياتي الجديدة ms177 الغريبة، قطعت على نفسي وعدا بألا أنظر ~~خلفي، وألا ألتفت إلى الماضي، لكنه وعد صعب الوفاء به. قادني علي إلى غرفة النوم حيث ~~تكدست الهدايا على الفراش، وقال: «افتحيها، بعضها مني والبعض الآخر من العائلة.» # فتحتها فوجدت العديد من الحلي، والأواني والكئوس الكريستالية، والأطباق والصحون المطلية ~~بالفضة، وجلس علي على الفراش بجواري ينظر إلي وأنا أفتح الهدايا. ~~- «أصبحت زوجك الآن، ولا داعي لارتداء الحجاب.» # تمنيت لو كان بوسعي الاختباء، لكنه جذب الوشاح الذي يغطي شعري بعيدا، فحاولت أن آخذه منه ~~مرة أخرى. ~~- «أتفهم قلقك، ولكن لا داعي له، فسوف تعتادين علي.» # ثم حل شعري المضفور، وتخلله بأصابعه. ~~- «شعرك جميل، إنه ناعم كالحرير.» # ثم ألبسني عقدا وأسورة، ونظرت إلى خاتم زواجي الذي تلمع به ماسة كبيرة. # قال علي وهو يطوقني بذراعيه ويقبل شعري وعنقي: «أردتك منذ أن وقعت عيناي عليك.» ~~لكني دفعته بعيدا. ~~- «مارينا، اهدئي قليلا. تعرفين كم انتظرت تلك اللحظة. الآن أصبحت لي أخيرا، ويمكنني ~~أن ألمسك. لا داعي للخوف، فلن أؤذيك، أعدك بذلك.» # فك أزرار قميصه، فأغمضت عيني وقد تجمدت من الرعب، وسرعان ما شعرت بأصابعه تفك أزرار ~~معطفي، ففتحت عيني وحاولت أن أقاومه، ولكنه ألقى بثقله علي فوق الفراش ومنعني من الحركة. ~~رجوته أن يتوقف، لكنه قال إنه لا يستطيع. مزق ملابسي فصرخت. تماس جسدانا، وشعرت بدفء ~~جسده الغريب وقد فاحت منه رائحة الشامبو والصابون. استجمعت قوتي وجاهدت كي أدفعه بعيدا ~~عني، لكن بلا فائدة، فقد كان ضخما قويا. تنامى داخلي شعور رهيب بالغضب والخوف والإذلال ~~كعاصفة لا تجد لها متنفسا، حتى لم يتبق لدي قدرة على المقاومة؛ حتى تقبلت حقيقة أن ~~لا مهرب من الأمر؛ حتى استسلمت له. شعرت بالألم، لكنه كان مفزعا لا يشبه ألم الجلد بالسوط. ~~عندما كنت أتعرض للتعذيب، تمكنت من الاحتفاظ بالشعور بالسيطرة؛ نوع غريب من القوة التي لا ~~يمكن للعذاب البدني أن يقضي عليها، أما الآن فقد أصبحت له. # بكيت طوال الليل، وكنت أحترق في داخلي، بينما يحيطني بذراعه. وقبل الفجر استيقظ ms178 للصلاة ~~ولكنني بقيت في الفراش. # جلس على حافة الفراش وقبل وجنتي وذراعي وقال: «يجب أن ألمسك كي أصدق أنك أصبحت زوجتي. ~~هل آذيتك؟» ~~- «نعم.» ~~- «سوف تتحسن الأمور.» # استغرقت في النوم بعد أن غادر الفراش، فقد كان النوم ملاذي الوحيد. ~~*** # نحو الساعة الثامنة ناداني علي من المطبخ: «الإفطار جاهز.» كانت الشمس قد تسللت عبر ~~الأبواب المنزلقة، فنهضت وفتحتها. هب النسيم حاملا تغريد العصافير. كانت الساحة الخلفية ~~جميلة، تفتحت فيها أزهار الجيرانيوم والأقحوان. نادت إحدى جاراتنا أطفالها كي يدخلوا لتناول ~~الإفطار. شعرت كأني أحيا حياة شخص آخر. كان يوما صيفيا رائعا خلت فيه السماء من السحب، ~~لكني تمنيت أن يغطي الثلج الأرض، فقد اشتقت للمسته الباردة على بشرتي الدافئة، وأردت أن ~~يسري الخدر في أصابعي وأن تؤلمني من لمس الجليد، وأردت أيضا أن تختفي كل درجات اللونين ~~الأخضر والأحمر تحت ثقل الشتاء بلونه الأبيض، كي أحلم وأؤكد لنفسي أن الأمور ستختلف في ~~الربيع. # سمعته يقول من خلفي: «أنت هنا؟ الإفطار جاهز والشاي سيبرد، وهناك خبز طازج على ~~المائدة.» # وجدت نفسي بين ذراعيه مرة أخرى، فهمس في أذني: «كم أنا سعيد!» أخبرني أنه عندما رآني أول ~~مرة كنت جالسة على الأرض في إحدى الممرات، ولكن على النقيض من كل السيدات اللواتي يرتدين ~~الشادور الأسود كنت قد غطيت رأسي بشال كشمير من اللون البني الفاتح، ومع أنني بدوت ضئيلة ~~الحجم، فقد كنت جالسة وظهري مستقيم على الحائط مما جعلني أبدو أطول من كل من حولي. كنت أرفع ~~رأسي نحو السقف، وشفتاي تتحركان برفق كأنني أردد دعاء ما، وبدوت هادئة وسط عالم الخوف ~~واليأس المحيطين بي، وحاول أن يصرف نظره بعيدا عني ولكنه لم يستطع. # في الأيام التالية أخذ علي يدللني حتى شعرت بعدم الارتياح، فقد اعتدت الاعتماد على ~~نفسي، ولم أرغب في أن أعامل كطفلة. الفتاة التي كنت عليها من قبل قد رحلت، وأنا الآن امرأة ~~متزوجة. لم يعد بوسعي الاختباء أسفل فراشي كما كنت أفعل. ربما كان علي ابتلائي الذي يجب ~~أن أرضى ms179 به، أو على الأقل يمكنني أن أحاول ذلك. كل ما أتمناه أن يتركني وشأني في الفراش، ~~ففي كل مرة يخلع فيها ملابسه ويلمسني أتوسل إليه أن يتوقف، وفي بعض الأحيان يوافق والبعض ~~الآخر يرفض ويقول لي إن علي الاعتياد على ذلك الأمر، فهو جزء مهم من الزواج، وإذا توقفت ~~عن مقاومته فسوف يصبح الأمر أقل إيلاما. # وأخيرا بعد مرور أسبوع على زواجنا نهضت من الفراش عند الفجر، وقررت أن أحيا وأكف عن ~~الشفقة على نفسي، فما حدث قد حدث وليس بإمكاني تغييره. شرعت في تنظيف المنزل وإعداد ~~الإفطار، وأخبرت عليا أني أرغب في دعوة والديه وشقيقته على العشاء، فظن أنني جننت، ~~وأخبرني أنه لم يفكر أني قد أكون على دراية بالطهو، لكني أكدت له أني تعلمت الطهو بالفعل، ~~فاستسلم في نهاية الأمر. # قال: «حسنا، سوف أدعو والدي وشقيقتي، ثم نذهب لشراء بعض الخضراوات والفاكهة. وهناك أمر ~~آخر يا مارينا.» ~~- «ما هو؟» ~~- «أود أن أشكرك.» ~~- «علام تشكرني؟» ~~- «على المحاولة.» # انشرح صدري قليلا عما كنت عليه منذ وقت طويل، وبدأت إعداد العشاء بعد تناول الغداء ~~مباشرة. خرج علي مدة ساعتين، وعندما عاد كان المنزل يعبق برائحة اللازانيا، ويخنة اللحم ~~وعيش الغراب، والأرز، وكنت قد بدأت للتو في إعداد كعك التفاح عندما دخل المطبخ وأخبرني أن ~~رائحة الطعام أثارت شهيته. سألني هل علمتني أمي الطهو، لكني أخبرته أن أمي لم تكن صبورة ~~لتعلمني أي شيء؛ كنت أحب الطهو، وتعلمت من الكتب. عرض علي أن يعد الشاي، ووضع الماء ~~في إناء كي يغلي، وبعد أن وضع بعض أوراق الشاي في إبريق الشاي الخزفي تقدم نحوي وأنا أعد ~~بعض البيض. ما زال يخيفني؛ ففي كل مرة يخطو فيها بقربي؛ في كل مرة أشعر بأنفاسه على جسدي؛ ~~في كل مرة يلمسني فيها أرغب في الهرب. أحاط وجهي بيديه وقبل جبيني، وتساءلت هل سأعتاد على ~~لمسته يوما. # وصل والدا علي وأكرام ومسعود، وسروا بكل ما أعددته. كانت والدة علي مصابة بالبرد، ~~فأعددت لها بعض الشاي بالليمون بعد ms180 أن تناولنا العشاء والحلوى، وأحضرت لها بطانية كي ترتاح ~~على الأريكة ، بينما دخلت أكرام المطبخ معي كي تساعدني في غسل الأطباق. # قالت أكرام بابتسامة متكلفة: «كان العشاء لذيذا.» # استطعت أن أشعر بعدم الارتياح في صوتها، لكنها حاولت التعامل معي بلطف، وقدرت لها ~~ذلك. ~~- «أشكرك، لست طاهية ماهرة، لكني أحاول. أنا على ثقة أنك أكثر مهارة مني في ~~الطهو.» ~~- «ليس إلى هذا الحد.» # ملأ الصمت الفراغ، وبدأت أضع بقايا الطعام في الثلاجة، وفجأة سألتني: «لماذا تزوجت ~~أخي؟» # نظرت في عينيها مباشرة، ولكنها تهربت من نظرتي. ~~- «هل أخبرك أخوك أي شيء عما حدث بيننا؟» ~~- «لم يخبرني بالكثير.» ~~- «ولم لا تسألينه؟» ~~- «لن يخبرني، وأود أن أسمع منك أنت.» ~~- «تزوجته لأنه أراد ذلك.» ~~- «هذا ليس كافيا.» ~~- «ولم لا؟ لم تزوجت أنت زوجك؟» ~~- «كان زواجي تقليديا، فقد اتفق والداي مع والدي زوجي على أن أتزوج ابنهما عندما أكبر، ~~لكنك تنتمين إلى عائلة مختلفة وثقافة مختلفة، ولو لم ترغبي في الزواج منه لكان بإمكانك ~~الرفض.» ~~- «ولم تظنين أني لم أرغب في الزواج منه؟» ~~- «لا أدري؛ أعلم ذلك فحسب، فالمرأة يمكنها أن تشعر بتلك الأشياء.» # أخذت نفسا عميقا وقلت لها: «لا تنسي أنني سجينة، وقد هددني علي بأنني إن لم أتزوجه ~~فسوف يلحق الأذى بمن أحب.» ~~- «لا يمكن أن يفعل علي شيئا كهذا!» ~~- «ولهذا السبب لم أرد إخبارك. كنت أعلم أنك لن تصدقيني لأنك تحبين أخاك.» ~~- «هل تقسمين على المصحف بأنه قد فعل ذلك؟» ~~- «نعم، تلك هي الحقيقة.» # انهارت على أحد المقاعد، وهزت رأسها. ~~- «إنه أمر فظيع! هل تكرهينه لهذا السبب؟» # لم أدر ماذا أقول، ليس لأنني لا أرغب في ~~قول الحقيقة، بل لأني أدركت أني لا أعرف الإجابة الحقيقية لهذا السؤال. منذ بضعة أيام كنت ~~أستطيع أن أقول باقتناع تام إنني أكرهه، لكنني لم أعد متأكدة من حقيقة مشاعري. شيء ما تغير؛ ~~ليس تغيرا جذريا، بل تغيرا طفيفا. لم أفهم سبب تغير مشاعري نحو علي قليلا، كل ما ~~كنت أعرفه أن لدي كل الحق في أن ms181 أكرهه. ~~- «كلا، لا أدري. كنت أكرهه، لكني لم أعد كذلك، فالكراهية كلمة كبيرة جدا.» # نظرت في عيني. ~~- «وهل اعتنقت الإسلام مضطرة أيضا؟» ~~- «نعم.» ~~- «إذن لم تكوني مقتنعة؟» ~~- «كلا، لكن لا تنسي أني صارحتك بالحقيقة لأنك أصررت على معرفتها، ولم أرغب في الكذب، لكن ~~الأمر قد انتهى الآن. لقد أصبحت مسلمة وزوجة لأخيك، وقد قطعت وعدا بأن أكون مخلصة له وسأفي ~~به. لا أرغب في الحديث عن ذلك الأمر، فما حدث قد حدث.» ~~- «ليوفقك الله ويمدك بالعون؛ لا بد أنه أمر عسير عليك.» ~~- «على الأقل يسعدني أن هناك من يفهم ذلك.» # أضاءت وجهها ابتسامة صادقة. # سألتها: «كم مضى على زواجك؟» ~~- «سبعة أعوام.» ~~- «وهل تحبين زوجك؟» # فوجئت بالسؤال، ونظرت لي وكأنها لم تفكر في مشاعرها نحوه قط. # قالت وهي تضحك وتحدق في خاتم زواجها متتبعة ماسته المتلألئة بأصابعها: «الحب كلمة كبيرة، ~~ولا أعتقد أنه موجود إلا في القصص الخيالية. زوجي طيب ومخلص لي، وأحيا حياة كريمة. يمكنك ~~القول إنني سعيدة فيما عدا ...» شردت نظرتها، وأدركت ألم الاشتياق الذي يشعر به من كابد آلام ~~الحرمان، مما جعل قلبي يرتجف. # همست: «فيما عدا ماذا؟» # قالت: «أنا لا أنجب.» ثم تنهدت وكأنها أصعب جملة تلفظت بها على الإطلاق. «لقد جربت كل ~~شيء. في بداية الأمر ظل الناس يسألونني عن الحمل، ولكن بعد مرور عامين أصابهم اليأس، والآن ~~أصبحت المرأة العقيم، ولكن كما أخبرتك فإن زوجي طيب للغاية. ومع أني أعلم كم يتوق لأن يرزق ~~بصبي، فإنه أكد لي أنه لن يتزوج امرأة أخرى.» # قاطعتنا والدة علي وهي تدخل المطبخ: «ماذا تفعلان هنا أيتها السيدتان؟ لن تنتهيا من ~~الكلام أبدا، وزوجاكما يريدان المزيد من الشاي.» # فور أن دخلنا غرفة الجلوس دق جرس الهاتف وأجاب علي. شعرت بأن تلك المكالمة من «إيفين»، ~~فقد ظل يستمع معظم الوقت وبدا عليه القلق، بينما خيم الصمت على الجميع. بعد انتهاء ~~المكالمة سألته ما الأمر. # قال: «نعلم منذ فترة أن «المجاهدين» يخططون لاغتيال بعض الأفراد ممن يشغلون مناصب مهمة في ~~«إيفين». ms182 كنا نحاول اكتشاف أصحاب تلك المؤامرة والقبض عليهم، وبالفعل ألقي القبض على عدد ~~منهم مؤخرا وخضعوا للتحقيق. كان محمد هو من يحدثني الآن، وأخبرني أن المعلومات التي حصل ~~عليها تفيد بأن اسمي مدرج في قائمة الاغتيالات. يعتقد زملائي وأصدقائي أن بقائي أنا ومارينا ~~في «إيفين» فترة سيكون أكثر أمانا لنا. لست قلقا على نفسي، لكني لا أرغب في تعريض حياة ~~مارينا للخطر.» # كنت قد خمنت أنه يشغل منصبا مهما في «إيفين»، والآن تأكد شعوري. # قال السيد موسوي وقد بدا عليه القلق: «أعتقد أن البقاء في «إيفين» فكرة جيدة، فمن الأفضل ~~توخي الحذر.» # لم أكن في ذلك الوقت على علم باغتيال بعض المسئولين الحكوميين واتهام «المجاهدين» في جميع ~~تلك الاغتيالات، وذلك لأنني لم أكن أشاهد التلفاز أو أستمع إلى المذياع أو أقرأ ~~الصحف. # سأل علي: «مارينا، هل توافقين على أن نبقى في «إيفين» فترة؟ المكان هناك أكثر ~~أمانا.» # قلت: «بالطبع» وأنا أعلم أن لا خيار لي حقيقة. ~~- «سوف أعوضك عن هذا عندما تتحسن الأوضاع.» ~~••• # ذهبنا للفراش بعد أن انصرف الضيوف. ~~- «علي، هل ترى إلى أين يقود العنف الناس؟ أنت تقتلهم، وهم يقتلونك. متى سينتهي كل هذا؟ ~~عندما يفنى الجميع؟» ~~- «أنت ساذجة. هل تظنين أننا لو طلبنا منهم بأدب أن يكفوا عن مناهضة الحكومة فسيفعلون؟ ~~علينا أن نحمي الإسلام والشريعة الإلهية والمسلمين من قوى الشر التي تعمل ضدها.» ~~- «الله لا يحتاج حماية من أحد؛ ما أقصده أن العنف لا يؤدي إلا إلى مزيد من العنف. لست ~~أدري ما الحل، لكني أعلم أن القتل ليس حلا.» # جذبني بين ذراعيه وقال: «ليس كل الناس في مثل طيبتك. إنه عالم شديد القسوة.» ~~- «نعم، إنه كذلك لأننا نكون قساة عندما يعامل بعضنا بعضا.» # ضحك وقال: «لن تستسلمي، أليس كذلك؟» ~~- «متى نعود إلى «إيفين»؟» ~~- «صباح غد، وأرجو أن تتفهمي أنه عند عودتنا إلى «إيفين»، لن تتلقي أي معاملة مختلفة مع ~~أنك زوجتي؛ فما زلت سجينة رسميا. هل ترغبين في البقاء في زنزانة انفرادية أم العودة إلى ~~«246» مرة ms183 أخرى؟» # أجبته أنه لا فارق عندي بين كلا الأمرين، وأخبرني أنه يرى الزنزانة الانفرادية خيارا ~~أفضل؛ نظرا لأنه سيستطيع قضاء المزيد من الوقت معي، ولم أجادله في ذلك؛ إذ لم أكن أرغب في ~~تفسير أي شيء لرفيقاتي في «246». # سألته: «هل وقع المزيد من الاعتقالات في الفترة الأخيرة؟» ~~- «نعم.» ~~- «يا للمساكين، لا بد أنهم يشعرون بالذعر.» ~~- «مارينا، العديد من هؤلاء إرهابيون.» ~~- «ربما بعضهم كذلك، لكنك تعلم أن معظمهم ما زالوا أطفالا، والعديد منهم لم يرتكبوا أي ~~أخطاء. إن دخلت زنزانة انفرادية، هل تسمح للفتيات الأصغر سنا بالبقاء معي أثناء فترة ~~التحقيق معهم؟ فهناك مكان يكفي لاثنتين في تلك الزنزانات. علي، أكره أن أكون بلا فائدة؛ ~~بإمكاني أن أساعدهم فأخفف عنهم وعن نفسي أيضا.» # ابتسم وقال: «سيكون هذا رائعا. حسنا، اتفقنا.» ~~- «لا تخبرهم أني زوجتك وإلا سيشعرون بالخوف مني.» # لما لم يكن هناك خير حولي، فربما كان علي أن أبادر أنا بفعل الخير. # سألته: «علي، أين سارة فرحاني؟» ~~- «كانت في مستشفى السجن منذ فترة طويلة، لكنه ليس نفس المستشفى الذي كنت فيه، فهناك ~~مستشفى آخر للسجناء الذين يعانون مشاكل نفسية، وهي الآن في زنزانة بمبنى «209».» ~~- «إنها بحاجة للذهاب إلى المنزل، فقد لاقت ما يكفي حتى الآن، وهي لم تفعل شيئا سوى أنها ~~تكلمت أكثر من اللازم. إنها لن تبقى على قيد الحياة في «إيفين».» ~~- «حامد هو المسئول عن قضيتها الآن، وتعلمين كم هو صعب المراس. لا أظن أن سارة ستذهب إلى ~~أي مكان آخر قريبا.» ~~- «هل أعدم شقيقها سيرس بالفعل؟» # قال كأنه يقرر حقيقة عادية: «نعم، لقد كان عضوا نشطا في جماعة «المجاهدين»، ورفض ~~التعاون معنا على الإطلاق.» ~~- «إذن فسياستك هي قتل كل من يقف في طريقك.» ~~- «لو حانت لسيرس الفرصة، لأطلق النار علي.» ~~- «كان بإمكانك أن تضعه في السجن بدلا من قتله.» ~~- «لم يكن هذا قراري، ولا أود الحديث عنه.» ~~- «هل يمكنني أن أرى سارة؟» ~~- «سوف أصطحبك إلى زنزانتها ما إن نعود.» # كان علي أن أوجه له السؤال الذي ظل يشغل ms184 بالي منذ فترة، لم يسبق أن كان الوقت مناسبا ~~لذلك، لكنه هكذا الآن. ~~- «علي، هل قتلت أحدا من قبل؟ لا أعني في الجبهة، بل في «إيفين».» # نهض من الفراش وتوجه نحو المطبخ، فنهضت وتبعته. فتح الصنبور وملأ كوبا بالمياه، ثم ارتشف ~~منه بضع رشفات. ~~- «لقد فعلت، أليس كذلك؟» ~~- «مارينا، لم لا تكفين عن الكلام في هذا الأمر؟» ~~- «إنني أكرهك!» # شعرت بمدى وقع كلماتي، لكني لم أندم على قولها، فقد أردت إيذاءه. كان انتقاما يستحقه. ~~لقد حاولت أن أتقبل موقفي وأن أتفهمه، لكني لم أستطع التظاهر بأني لا أعلم شيئا عن الفظائع ~~التي ارتكبها. # وضع الكوب على المائدة ببطء وحدق إليه، وعندما رفع رأسه نحوي كانت تطل من عينيه نظرة فيها ~~مزيج من الغضب والألم. تقدم نحوي، فتراجعت بضع خطوات للخلف حتى اصطدمت بإحدى الخزانات. حتى ~~لو حاولت الهرب، فلن أستطيع الذهاب بعيدا. قبض على ذراعي بقوة حتى انغرست أصابعه في ~~لحمي. ~~- «أنت تؤذينني.» ~~- «أنا أؤذيك؟» ~~- «نعم، أنت تؤذينني منذ أن رأيتك أول مرة، وتؤذين الآخرين، وتؤذين نفسك أيضا.» # ثم حملني إلى غرفة النوم، وظللت أصرخ وأركل بلا جدوى. ~~••• # وفي صباح اليوم التالي رفضت أن أنهض من الفراش. ناداني من المطبخ ثلاث مرات وقال إن ~~الإفطار جاهز، لكني جذبت الغطاء على رأسي وظللت أبكي. أصدر الفراش صريرا، ففتحت عيني ~~ورأيته عبر الملاءة القطنية الرقيقة يجلس بجواري على حافة الفراش ومرفقاه يستندان على ~~ركبتيه ويداه معقودتان، لكني لم أتحرك. # مرت بضع دقائق قبل أن يقول: «مارينا.» # لكني لم أجب. ~~«آسف لانفعالي عليك؛ لك كل الحق في أن تلقي باللوم علي، ولكن عليك أن تفهمي أن الأمور ~~تسير هكذا. لا أحب ما أقوم به، لكن العالم مليء بالقسوة والعنف، وهناك بعض الأمور التي يجب ~~علينا القيام بها. أعلم أنك تختلفين معي، لكن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئا، ولست أنا ~~من جعل الأمور كذلك. يمكنك أن تكرهينني إذا أردت، لكني أحبك، ولم أقصد إيذاءك الليلة ~~الماضية. هيا بنا نتناول الإفطار.» # لكني لم ms185 أبد أي رد فعل. ~~- «هيا أرجوك، ماذا أفعل كي أرضيك؟» ~~- «دعني أذهب إلى منزلي.» ~~- «مارينا، أنت زوجتي، ومنزلك يكون حيث أكون. عليك أن تتقبلي تلك الحقيقة.» # ارتفع صوت بكائي ونشيجي، فجذب الملاءة عن وجهي وحاول أن يأخذني بين ذراعيه، لكني دفعته ~~بعيدا. ~~«عليك أن تعتادي الآن على حقائق الأمور. أهناك أي مطلب معقول أفعله لأرضيك؟» # كان علي أن أجد بعض الخير في هذا الألم وإلا أغرقني. ~~- «قدم المساعدة لسارة.» ~~- «حسنا.» # كان يرتدي سروال المنامة دون قميص، ورأيت خطوطا بيضاء دقيقة تغطي ظهره العاري. إنها ~~ندوب، وهناك الكثير منها. إنها آثار الجلد بالسياط. لم أكن قد لاحظتها من قبل، لأنني كنت ~~أغمض عيني كلما بدأ في خلع ملابسه. # لمست ظهره وقلت: «لديك ندوب ...» # وقف، وارتدى قميصه. # ولأول مرة شعرت برباط يشدنا معا؛ شعرت بصلة بيننا. لم أكن أرغب في وجود تلك الصلة، ~~ولكنها كانت ملموسة كالملاءة التي تغطيني؛ حقيقية كالندوب التي يحمل أثرها جسدانا. كان ~~إدراكا حزينا لا يحتاج كلمات كي تعبر عنه؛ إنما يقال كل شيء عنه من خلال نظرة صامتة أو ~~لمسة حانية. # وأخيرا قال: «هيا بنا.» وذهبنا نتناول الإفطار. # بعد نحو ثلاث ساعات كنت في زنزانتي الانفرادية القديمة، ولا أستطيع القول إنني اشتقت ~~إليها. أحضر لي علي مجموعة كبيرة من الكتب كلها عن الإسلام، وأخبرني أنه سوف ينشغل كثيرا ~~في الفترة القادمة. ذكرته بالوعد الذي قطعه على نفسه بأن يجعلني أزور سارة، فاصطحبني إلى ~~زنزانتها، لكنه حذرني من أنها تتعاطى جرعات مكثفة من الأدوية، وربما لا تستجيب لي كما ~~ينبغي. ~~- «يمكنك البقاء معها ساعة أو ساعتين على الأكثر، فلا أريد إغضاب حامد.» # كانت سارة تكتب على الحائط عندما دخلت زنزانتها، وقد فقدت المزيد من الوزن وازداد وجهها ~~شحوبا. وضعت يدي على كتفيها، ولكنها لم تبد أي رد فعل. ~~- «سارة، لقد افتقدتك كثيرا.» # كانت الجدران مغطاة بالكلمات التي أعادتني إلى حياتنا القديمة: منزل سارة الذي يضم مشتلا ~~للأزهار، ووالدتها تجلس على أرجوحة في الساحة، ووالدها يقرأ أشعار حافظ، وسيرس ms186 يلعب كرة ~~القدم مع أصدقائه، ومدرستنا ذات النوافذ المرتفعة، والعودة إلى المنزل سيرا على الأقدام من ~~متجر روستامي أغا وأنا ألعق المثلجات. كتبت سارة المزيد والمزيد من الكلمات، حتى إنها لم ~~تنس الكتابة عن حافظة أقلامي. لم أكن أرغب في استحضار كل تلك الذكريات، فالالتفات إلى ~~الماضي يعصر قلبي ألما ويزيد اشتياقي للعودة إلى المنزل؛ المنزل الذي بدا كأنه بعيد آلاف ~~الأميال، لكنه موجود في مكان ما بعيدا عن «إيفين»، حتى ولو كان أعلى قمة «إفرست» لتسلقتها، ~~ولتسلقت عشر قمم مثلها كي أصل إليه. ~~- «سارة، أعلم أنك تسمعينني، ومعظم ما كتبت من ذكريات تخصني أيضا. ما زالت بيوتنا ~~موجودة، وعليك أن تنجي من «إيفين» حتى تعودي. ما زال منزلك هناك في انتظارك، ولا تنسي أن ~~الغد يأتي دائما، لكن عليك أن تكوني موجودة لتعيشيه؛ حتى سيرس يريد منك ذلك. خوضي تلك ~~المعركة لأجله، ولأجل أمك وأبيك.» # أمسكت كتفي سارة وأدرت وجهها لتواجهني. ~~«حامد هو من يرغب في بقائك على تلك الحال كي تخسري، فلا تعطيه تلك الفرصة. سوف تعودين إلى ~~المنزل. لو تعلمين ما فعلته أنا! النوم في فراش ~~علي صعب، لكن عليا يختلف عن حامد، فبداخله طيبة، وهو يحبني ... لكنه أمر صعب؛ أصعب مما ~~تتخيلين.» # طوقتني سارة بذراعيها أكثر فأكثر، وعانقت إحدانا الأخرى وانخرطنا في البكاء. ~~••• # بعد نحو أسبوعين قضيت معظمهما في القراءة، فيما عدا الأوقات التي كنت أقضيها مع علي، ~~انضمت إلي أول رفيقة في الزنزانة، وتدعى سيما. كانت عيناها بنيتين واسعتين، ومع أنها تبدو ~~في الثالثة عشرة على أقصى تقدير، فقد فوجئت بأنها في الخامسة عشرة. طلب منها الحارس الذي ~~أحضرها إلى الزنزانة أن تنزع العصابة قبل أن يغلق الباب خلفه، فنزعت العصابة وفركت عينيها ~~وضيقتهما، ثم حدقت إلي بعينين يطل منهما الذعر. # سألتني من أكون، فأخبرتها باسمي، وبأني سجينة مثلها، فبدت عليها علامات الارتياح قليلا، ~~ثم جلست وقد تركت مسافة كافية بيننا. كانت قدماها متورمتين قليلا، فسألتها هل ~~تؤلمانها. # بكت، وقالت: «لقد عذبوني!» # اقتربت منها أكثر ms187 وأخبرتها أني تعرضت للتعذيب أيضا ولفترة أطول منها، فسألتني كم لبثت في ~~«إيفين»، فقلت: «سبعة أشهر.» ~~- «سبعة أشهر؟ إنه وقت طويل جدا. هل قضيت كل هذا الوقت في هذه الزنزانة؟» # أوضحت لها أني كنت في «246»، وأنها قد تذهب إلى هناك أيضا بعد انتهاء فترة التحقيق ~~انتظارا لمحاكمتها. سألتني كم يستغرق ذلك الأمر من وقت، فأجبتها أنه قد يتراوح ما بين بضعة ~~أيام إلى بضعة أشهر، فعادت تسألني هل مثلت للمحاكمة. ~~- «نوعا ما.» ~~- «وما الحكم الذي صدر ضدك؟» ~~- «السجن مدى الحياة.» ~~- «يا إلهي!» # أخبرتني أنها لا تتخيل حياتها في «إيفين» أكثر من أسبوع. سألتها من تولى التحقيق معها، ~~فقالت إنه علي، وإنه كان دنيئا للغاية. # قلت: «هكذا يكون أحيانا، لكن هناك من هم أسوأ منه كثيرا.» # لم يكن إخبارها بالحقيقة ليفيد في شيء. # أرادت سيما معرفة الإجراءات في «إيفين» وكل شيء عن «246»، فأخبرتها بكل ما لدي من ~~معلومات. # قرع علي الباب نحو الثامنة مساء ونادى اسمي، فحملت الشادور واتجهت نحو الباب. # قالت سيما همسا: «ماذا يريد منك؟» # أجبتها وأنا أرتدي الشادور وأخرج من الزنزانة: «لا تقلقي، لن يؤذيني.» # سألني علي عن أحوال سيما، فأخبرته أنها قد تحسنت قليلا. سألته لم أمر بجلدها، فقال ~~إنه لم يكن لديه خيار آخر؛ إذ كان شقيقها عضوا في «المجاهدين» ومتورطا في اغتيال أحد ~~المسئولين الحكوميين، وهو يبحث عنه ويحاول القبض عليه منذ عدة شهور، وعليه أن يتأكد أن سيما ~~لا تعلم مكانه. ~~- «أرجو أن تخبرني بأنك لن تأمر بجلدها مرة أخرى؟» ~~- «لن أفعل، فهي لا تعلم أي شيء. سوف أرسلها إلى «246»، وسوف نطلق سراحها فور أن يسلم ~~شقيقها نفسه.» # سألته إلى أين يأخذني، فقال: «أي زنزانة أخرى، فأنا منهك وأحتاج إليك.» ~~••• # بعد صلاة الفجر عدت إلى الزنزانة فوجدت سيما مستغرقة في النوم. # سألتني فور أن استيقظت: «متى عدت بالأمس؟ لقد انتظرتك كثيرا، ويبدو أن النعاس ~~غلبني.» ~~- «الحقيقة أني تأخرت.» ~~- «وماذا كنت تفعلين طوال هذا الوقت؟» ~~- «الأمر ليس مهما.» ~~- «ألا تريدين الحديث عن ذلك؟» ~~- «نعم، لا ms188 تقلقي بشأني.» # كانت تبكي، فعانقتها وأخبرتها أن كل شيء سيصبح على ما يرام ما دامت لم تفقد الأمل، وأني ~~سمعت أن عليا سيرسلها إلى «246»، حيث تقابل صديقاتي القدامى اللاتي سيساعدنها، وطلبت منها ~~أن تخبرهن بأنني بخير. # في اليوم التالي أرسلت سيما إلى «246»، وشعرت بالسأم والوحدة يكادان يفترسانني، فطلبت ~~من علي أن يحضر لي بعض دواوين الشعر، وأجابني إلى طلبي، وهكذا قسمت وقتي بين القراءة، ~~وحفظ أشعار حافظ والسعدي والرومي، والنوم. # وبعد بضعة أيام اصطحبني علي من الزنزانة في المساء كي نذهب لتناول العشاء في منزل ~~والديه. توقفنا عند بوابة السجن ننتظر الحرس كي يسمحوا للسيارة بالمرور. فتح علي النافذة ~~كي يلقي التحية على الحرس الذين كانوا يتجاهلونني تماما بالرغم من ترحيبهم به، ولكن في تلك ~~المرة بعد أن ألقى الحارس عليه التحية هز رأسه لي وقال: «مساء الخير يا سيدة موسوي.» # نظرت حولي في ارتباك، وبعد لحظة أدركت أنه كان يخاطبني. لمس علي يدي فانتفضت ~~فزعة. # قال: «تبدو عليك الصدمة.» ~~- «لطالما تجاهلوني.» ~~- «لقد تقبلوك الآن، فهم يعلمون أننا متزوجان.» # فور أن وصلنا إلى منزل والدي علي عانقتني كل من شقيقته ووالدته التي وجهت اللوم لي وهي ~~تهز رأسها وتقول: «ما زلت شديدة النحافة.» تبعتها إلى المطبخ كي أساعدها في إعداد العشاء. ~~أخذت أكرام تعد اللحم المشوي في الفرن، وتولت والدة علي إعداد الشاي للرجال، وفي طريقها ~~لغرفة الجلوس سألتني هل أستطيع إعداد السلطة. كان هناك بعض الخس والطماطم والخيار في مصفاة ~~بجوار الحوض، فأمسكت بالسكين، وبينما أقطع الخضر تذكرت أنني حلمت بأكرام في الليلة ~~الماضية. # قلت لها: «حلمت بك في الليلة الماضية.» ~~- «وماذا كان الحلم؟» # توقفت محاولة أن أقرر هل علي أن أخبرها أم لا. ~~«هيا، أخبريني. هل كان حلما سيئا؟» ~~- «كلا، على الإطلاق.» ~~- «إذن ما هو؟ إنني أؤمن بالأحلام. هل تذكرين تفاصيله؟» # أخبرتها أنه حلم غريب إلى حد ما؛ فقد رأيتها في الكنيسة تشعل شمعة، وأخبرتني أني طلبت ~~منها أن تردد «السلام الملائكي» تسع مرات كل يوم مدة تسعة ms189 أيام كي ترزق بطفل. # علت الدهشة وجهها، وسألتني عن «السلام الملائكي »، فأخبرتها. # بعد أن تلوت عليها السلام سألتني: «هل تؤمنين حقا أن السيدة مريم هي أم الله؟» # أوضحت لها أن المسيحيين يؤمنون بأن الله أراد لابنه المسيح أن يتجسد في رحم السيدة مريم، ~~وأنها ليست امرأة عادية، بل إنها قد خلقت من أجل هذا. ~~- «نحن نؤمن بأن السيدة مريم امرأة عظيمة، لكنها ليست أم الله!» ~~- «لا أطلب منك أن تؤمني بشيء. لقد سألتني عن الحلم الذي رأيته، وأخبرتك به.» # أطرقت برأسها تفكر، ثم قالت: «سأقوم بذلك؛ سأتلو هذا الدعاء، فليس هناك ما أخسره، أليس ~~كذلك؟» ~~••• # بعد يومين أتى علي إلى زنزانتي في فترة ما بعد الظهيرة، ولم يكن هذا معتادا، فهو يأتي ~~دائما في المساء. كنت قد غفوت قليلا واستيقظت فزعة. جلس بجواري، واستند إلى الحائط، وأغمض ~~عينيه. # سألته: «هل أنت بخير؟» ~~- «نعم أنا بخير.» # وطوقني بذراعيه. ~~- «ما الأمر؟» # تنهد وقال: «أحضر الحرس فتاة منذ يومين في السابعة عشرة من العمر تقريبا. ألقي القبض ~~عليها وهي تكتب «الموت للخميني» و«الخميني قاتل» وعبارات مشابهة باستخدام علبة الطلاء على ~~أحد الجدران في شارع «انقلاب»، وعندما ألقي القبض عليها اعترفت بأنها تكره الإمام لأنه ~~تسبب في مقتل شقيقتها الصغرى، وما زالت تردد نفس الكلام هنا. أعتقد أنها فقدت عقلها. أغلظ ~~حامد في ضربها، لكنها ما زالت تردد نفس الكلام، وسوف تعدم قريبا ما لم تلتزم الأدب ~~وتتعاون معنا. هلا تحدثت معها؟ ربما تكون بحاجة إلى طبيب نفسي، لكن هذا لن يحدث. لا تقولي ~~شيئا، أعلم أن هذا ليس عدلا، وأعلم أيضا أنك ربما لا تتمكنين من إقناعها. لا أحب أن أفعل ~~هذا بك، ولكنني لا أرى حلا آخر.» ~~- «سوف أتحدث معها. أين هي؟» ~~- «في مبنى التحقيق. سوف أذهب لإحضارها.» ~~••• # بعد نحو نصف ساعة دفع علي مقعدا متحركا إلى زنزانتي، وكانت الفتاة الجالسة عليه ترتدي ~~شادورا من اللون الأزرق الداكن وتجلس مائلة إلى أحد جانبيه ورأسها يرتكز على أحد ~~كتفيها. # قال علي: «مينا، يمكنك ms190 أن تنزعي العصابة الآن.» لكنها لم تتحرك. جذب العصابة من فوق ~~وجهها، ففتحت عينيها قليلا. كانت وجنتها اليمنى زرقاء متورمة، وأدركت أنها لا ترى أو تسمع ~~أو تفهم الكثير، وأن كل شيء يبدو لها كابوسا بلا معنى. # قلت وأنا أنحني أمامها: «اسمي مارينا، وأنا سجينة مثلك. أنت الآن في زنزانة، وسوف أساعدك ~~كي تنهضي من المقعد. لا تخافي، فلن أؤذيك.» # جذبتها فانهارت بين ذراعي. ساعدتها على الجلوس على الأرض، فأخذ علي المقعد المتحرك وخرج ~~من الزنزانة. # همست مينا: «ليلى ماتت.» ~~- «ماذا؟» ~~- «ليلى ماتت.» ~~- «من ليلى؟» ~~- «ليلى ماتت.» # وبينما أبسط بطانية على الأرض لتنام عليها، رأيت قدميها، فشهقت فزعا؛ كانتا متورمتين ~~أكثر مما كانت عليه قدماي. ~~- «سوف أنزع عنك الخف برفق شديد.» # بدا جلد قدميها كأنه بالون منتفخ، لكني تمكنت من انتزاع الخف بسهولة. # صببت بعض المياه في كوب بلاستيكي ورفعته إلى شفتيها الجافتين المتشققتين، فارتشفت منه بضع ~~رشفات. ~~- «تناولي المزيد.» # هزت رأسها نفيا، فساعدتها كي ترقد وخلعت عنها الشادور والوشاح. كانت ترتجف، فبسطت ~~بطانيتين أخريين فوقها، وسرعان ما استغرقت في النوم، فجلست بجوارها أتأملها. كانت طويلة ~~نحيلة، شعرها البني المجعد أشعث متسخ من تغطيته بالحجاب فترة طويلة منذ القبض عليها. فكرت ~~في قدميها المنتفختين، فبدأت قدماي تؤلمانني. لم يكن الألم الذي تعرضت له في أيامي الأولى ~~في «إيفين» ذكرى فقط، بل حاضرا يحيا داخلي. # وبعد نحو أربع ساعات بدأت مينا تتأوه، فأمسكت كوبا من المياه وساعدتها على ~~الجلوس. ~~- «اسمعيني جيدا. أعلم بما تشعرين به، وأن كل شيء يؤلمك الآن، لكني أعلم أيضا أنك ~~ستصبحين في حال أفضل إذا شربت هذه المياه. لا تستسلمي.» # ارتشفت بضع رشفات وعيناها مثبتتان علي، ثم سألتني: «من أنت؟» ~~- «أنا سجينة مثلك، واسمي مارينا.» ~~- «ظننت أني قد مت وأنك ملاك.» # ضحكت وقلت: «أؤكد لك أنني لست ملاكا، وأنك ما زلت على قيد الحياة. لدي بعض الخبز ~~والتمر. يجب أن تتناولي الطعام، فجسمك بحاجة إلى القوة كي تستعيدي عافيتك.» # تناولت بضع تمرات والقليل من الخبز، ثم قرع ms191 أحدهم باب الزنزانة فور أن رقدت مرة أخرى، ~~وسمعت صوت علي من خلف الباب يقول: «مارينا، ارتدي الشادور واخرجي.» اصطحبني إلى زنزانة ~~أخرى حيث تناولنا بعض الخبز والجبن اللذين أحضرهما معه، ولم يسألني عن مينا. ~~- «ألا تريد أن تعلم ما حدث مع مينا؟» ~~- «الحقيقة أني لا أريد أن أعرف شيئا الآن، بل أود أن أريح ذهني تماما وأخلد إلى ~~النوم.» ~~*** # عندما عدت إلى الزنزانة في الرابعة صباحا وجدت مينا نائمة، ولم تستيقظ إلا بعد شروق ~~الشمس. # سألتها: «من ليلى؟» # سألتني كيف علمت بأمر ليلى، فأخبرتها بما قالته عند دخولها الزنزانة. ~~- «ليلى شقيقتي.» ~~- «وكيف ماتت؟» ~~- «أصيبت بطلق ناري في مظاهرة احتجاجية.» # أخبرتني أن إحدى صديقات ليلى، وتدعى داريا، قد تعرضت للاعتداء من أفراد «حزب الله» ذات ~~يوم بسبب ظهور خصلات من شعرها من تحت حجابها. كانت والدة مينا في طريقها إلى المتجر وشاهدت ~~واقعة الضرب. بعدها أجبروا داريا على الركوب في سيارة وانطلقوا بها بعيدا. حاول والداها ~~البحث عنها في كل مكان وكل مستشفى وكل جمعية إسلامية، ولكنها اختفت تماما. وبعد مرور شهرين ~~سمعت ليلى عن مظاهرة احتجاجية وقررت أن تنضم إليها، وشجعت مينا على الانضمام إليها أيضا. ~~حاولت مينا إقناعها بألا تذهب، لكن ليلى أكدت لها أنها ستذهب سواء انضمت لها شقيقتها أم لا، ~~وسألتها ماذا لو أن ما حدث مع داريا قد حدث معها هي شخصيا، وأخيرا استسلمت مينا وقررت أن ~~تذهب معها، لكن ليلى أخذت منها وعدا بألا تخبر والديهما بأمر المظاهرة. # قالت مينا: «وهكذا ذهبنا معا. كان هناك الكثير من الناس. بدأ الحرس الثوري بالهجوم علينا ~~وإطلاق النيران، وبدأ الجميع يفرون. قبضت على يد ليلى وحاولت أن أصل بها إلى مكان آمن، ~~ولكنها سقطت أرضا، واستدرت فوجدتها قد ماتت.» # أخبرت مينا بأمر المظاهرة الاحتجاجية في ميدان «فردوسي»، والشاب الذي أطلقت عليه النار، ~~وقراري بالانتحار عندما عدت إلى المنزل بعد المظاهرة، لكني بدلا من أن أتناول حبوب أمي ~~المنومة قررت أن أفعل شيئا إيجابيا بشأن ما شاهدته؛ قررت ms192 أن أفعل الصواب. ~~- «وماذا فعلت؟» ~~- «كتبت عن المظاهرة على لافتة من الورق المقوى ووضعتها على أحد حوائط المدرسة، ثم ~~أنشأت صحيفة مدرسية.» ~~- «اعتدت الخروج في وقت متأخر مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع والكتابة عما حدث لليلى على ~~الحوائط بالطلاء. كنت أكتب شعارات مضادة للخميني والحكومة، فكلهم قتلة.» ~~- «مينا، لقد كنت قاب قوسين أو أدنى من الإعدام، وسيعدمونك إن لم تتوقفي عن ترديد ~~الشعارات المناهضة للخميني وللحكومة. لقد فقدت بعض أصدقائي وأقدر شعورك جيدا، ولكن موتك ~~لن يفيد بأي شيء.» # ضيقت عينيها، وقالت: «إذن فقد تعاونت معهم ونجوت بحياتك!» ~~- «ليس تماما، فقد هددوني بإيذاء عائلتي وأحبائي، ولم أتحمل تعريضهم للخطر.» ~~- «فهمت، لكن عائلتي قد تحطمت على كل حال، فوالدي مصاب بمرض السكري والقلب، وهو يرقد في ~~المستشفى منذ فترة، وأمي لم تتبادل كلمة مع أي شخص منذ وفاة ليلى، وقد انتقلنا حديثا للعيش ~~مع جدتي التي تولت العناية بأمي. يمكن للحرس الثوري أن يهددوني كما شاءوا، فلا يمكن أن يسوء ~~الأمر عن ذلك. ثم إني أتحمل جزءا من المسئولية أيضا؛ كان علي أن أمنع ليلى من الذهاب ~~إلى تلك المظاهرة، فلولا ذهابها إلى المظاهرة لكانت بخير حتى الآن، ولكنا جميعا ~~بخير.» ~~- «لا تلقي باللوم على نفسك.» ~~- «لكنه خطئي.» ~~- «هل تظنين أن ليلى تريدك أن تعدمي؟» ~~- «أظن أنها تريدني أن أفعل الصواب.» ~~- «وهل الانتحار هو الصواب؟» ~~- «أنا لا أنتحر.» ~~- «إذا جادلت الحرس والمحققين فسوف يقتلونك، فلا تجادلي، أنقذي نفسك بقليل من ~~التعاون.» ~~- «لن أتعاون مع من قتلوا شقيقتي.» ~~- «سوف يقتلونك أنت أيضا، وبم سيفيد قتلك؟» ~~- «لن أستطيع الحياة بضمير مثقل بالذنب.» ~~- «لا تتخلي عن حياتك.» ~~- «لن تستطيعي تغيير رأيي. هل تعتقدين بالفعل أن تلك الحياة تستحق أن نحياها؟» ~~- «لا يمكنك أن تعرفي أبدا ما يخبئه لك المستقبل، وما الذي قد يحدث خلال شهرين أو خمسة ~~أو عشرة أشهر. يجب أن تمنحي نفسك فرصة، وقد منحك الله الحياة، فعليك أن تعيشيها.» ~~- «لا أؤمن بالله، وحتى إن كان هناك إله فهو قاس.» ~~- «حسنا، ms193 أنا أؤمن بالله ولا أعتقد أنه قاس، بل نحن من نمارس القسوة أحيانا، فسواء ~~أكنت موجودة أم لا، كانت ليلى ستحيا وتموت بنفس الطريقة التي قدر لها أن تحيا وتموت بها، ~~ولكن الله أنعم عليك بأخوتها ومحبتها وبالذكريات الجميلة التي شاركتها إياها، والآن يمكنك ~~أن تتذكريها، يمكنك أن تعيشي وتفعلي الخير إحياء لذكراها الطيبة.» # أشاحت بوجهها بعيدا عني، وقالت: «لا أؤمن بالله.» # ظلت مينا نائمة بقية اليوم. كان بوسعي أن أتفهم شعورها بالمرارة، فقد تحول غضبها إلى ~~كراهية تحرقها بنيرانها، أما أنا فقد أمدني إيماني بالله بالأمل وساعدني على الإيمان بوجود ~~الخير بالرغم من الشر المحيط بي. # وفي المساء أتى علي إلى باب الزنزانة ونادى اسمي، فلم تتحرك مينا أو تفتح عينيها، بينما ~~اقتادني علي إلى زنزانة أخرى كالمعتاد. حاولت أن أحدثه بشأن مينا، لكنه لم يكن راغبا في ~~الحديث. # كان الجو ما زال مظلما وصلاة الفجر لم يحن موعدها بعد عندما أعادني لزنزانتي، وبعد أن ~~أغلق الباب أصبح الظلام حالكا ولم أستطع رؤية أي شيء، فجلست على الأرض في الحال كي لا أخطو ~~على مينا، ولكنني لم أسمع أي صوت، فتقدمت للأمام ببطء متحسسة طريقي بيدي، ولكن مينا لم تكن ~~موجودة. # ناديت: «مينا!» # تسلل الضوء، وملأ صوت المؤذن المكان: «الله أكبر ...» ~~- «مينا!» ~~- «الله أكبر ...» # لقد اختفت مينا. كان علي معي في الزنزانة الأخرى طوال الليل. يا إلهي! لقد أخذها حامد ~~دون علم علي. حاولت أن أفكر، ربما هي حية، وماذا يمكنني أن أفعل؟ كنت على يقين من أن عليا ~~في طريقه لمبنى التحقيق، يمكنني أن أقرع باب الزنزانة وأطلب من أحد الحرس أن يناديه، لكن ~~سيبقيه بعيدا عن مبنى التحقيق. كان علي أن أنتظر. # ظللت أذرع الزنزانة جيئة وذهابا، ولم تستغرق مني سوى خمس أو ست خطوات كي أقطع طولها، ولم ~~يكن عرضها يزيد عن ثلاث خطوات. تدافعت في ذهني مشاهد من الليلة التي اقتادوني فيها لتنفيذ ~~حكم الإعدام، كنت قد شهدت اللحظات الأخيرة في حياة شابين وفتاتين لم ms194 أكن أعرف أسماءهم. هل ~~أخبر أحد عائلاتهم بأن أحباءهم قد أعدموا؟ أين دفنوا؟ ربما حدث لمينا نفس الشيء. قرعت ~~باب الزنزانة بقبضتي بأقصى قوة. # جاءني صوت أحدهم يتساءل: «هل هناك خطب ما؟» ~~- «هل يمكن من فضلك أن تبحث عن الأخ علي وتخبره أني أريد الحديث معه في الحال.» # وافق الرجل. ظللت أذرع المكان لبعض الوقت وقلبي يخفق بشدة. لم يكن لدي ساعة، ولم أدر ~~كم مر من الوقت. لم يكن أذان الظهر قد حان موعده بعد، وشعرت بالدوار فأخذت أترنح وأرتطم ~~بالحوائط. لا بد أن هناك المزيد مما يمكنني فعله، فبدأت أطلب العون من كل القديسين الذين ~~أعرفهم: «أيها القديس بولس أغث مينا، أيها القديس مارك أغث مينا، أيها القديس متى أغث ~~مينا، أيها القديس لوقا أغث مينا، أيتها القديسة برنادت أغيثي مينا، أيتها القديسة جان دارك ~~أغيثي مينا.» لم أستطع أن أتذكر أسماء أي قديسين آخرين، فقرعت الباب مرة أخرى. # أجابني نفس الصوت: «لقد أخبرته.» ~~- «وماذا قال؟» ~~- «قال إنه سيأتي في أقرب وقت ممكن.» # جلست في أحد الأركان وأخذت أبكي. # وهنا ارتفع صوت المؤذن لصلاة الظهر: «الله أكبر ... الله أكبر ...» # فتح باب الزنزانة، ودخل علي وأغلق الباب خلفه، ثم وقف يحدق إلي بضع ثوان. # وأخيرا قال: «تأخرت كثيرا، لقد ماتت بالأمس أثناء التحقيق.» ~~- «كيف؟» ~~- «قال حامد إنها تطاولت عليه في الرد فصفعها، فسقطت على الأرض وارتطم رأسها بشيء ~~ما. ~~- «يا إلهي! وهل صدقته؟» ~~- «لا يهم هل صدقته أم لا.» # شعرت بحاجة إلى البكاء، لكني لم أستطع أن أبكي؛ وشعرت بحاجة إلى الصراخ، لكني لم أستطع أن ~~أصرخ؛ وشعرت بحاجة إلى أن أوقف الأمور الرهيبة التي تحدث، لكني لم أستطع أن أوقفها.» # جلس علي بجواري. # قال: «لقد حاولت.» # بكيت وقلت: «لم تحاول بما يكفي.» # فغادر المكان. ~~••• # لم يأت علي لرؤيتي خمسة أو ستة أيام قضيت معظمها نائمة يربكني موت مينا. وأخيرا ذات ~~صباح أحضر امرأة شابة تدعى بهار إلى زنزانتي، وكانت تحمل طفلا رضيعا بين ذراعيها. لم ~~يتبادل معي كلمة ms195 واحدة، ولكن أعيننا تقابلت، وشعرت أنه يرغب في الحديث معي ، ولكنه غادر ~~المكان في الحال. # كان ابن بهار طفلا جميلا اسمه إحسان، ويبلغ من العمر خمسة شهور. كانت بهار من رشت، وهي ~~مدينة تقع في شمالي إيران بالقرب من شاطئ بحر «قزوين»، في منطقة لا تبعد كثيرا عن منزلنا ~~الصيفي. كان شعرها أسود قصيرا مجعدا، ومع أني استطعت أن ألمح القلق في عينيها فقد كانت ~~تتحرك وتتكلم في ثقة وهدوء. كانت هي وزوجها عضوين في «الفدائيين»، وألقي القبض عليهما في ~~منزلهما، وأرسلا إلى «إيفين»، لكن بهار لم تتعرض للتعذيب أو الجلد أثناء التحقيق. # في تلك الليلة نادى علي اسمي من وراء الباب المغلق، وقبل أن أغادر الزنزانة أمسكت بهار ~~يدي بيديها وأخبرتني أنها واثقة أني سأكون بخير. كانت يداها أكبر من يدي أي امرأة رأيتها ~~في حياتي، وشعرت بدفء ملمسهما في مقابل يدي الباردتين. # وكالمعتاد اصطحبني علي إلى زنزانة انفرادية أخرى، ولكنه ظل هادئا وجلس في أحد الأركان ~~ينظر لي وأنا أخلع الشادور. # وفجأة قال: «لا تحكمي علي بتلك القسوة.» ~~- «لقد ماتت مينا، ماتت فتاة بريئة، وكل ما تفكر فيه هو حكمي عليك؟ بالطبع سوف أحكم عليك ~~بقسوة، وهل لدي خيار آخر؟ فأنت المسئول هنا.» ~~- «لست المسئول، حاولت أن أكون كذلك، لكني لست المسئول.» ~~- «من المسئول إذن؟» ~~- «مارينا، أنا أفعل كل ما بوسعي، وعليك أن تثقي بي. الأمر ليس سهلا، وأريدك أن تفهمي ~~أنني لا أرغب في الحديث عن ذلك.» ~~••• # كانت الرابعة صباحا عندما عدت إلى زنزانتي، وكان المكان هادئا للغاية، فخطوت على أطراف ~~أصابعي إلى مكاني. # قالت بهار بصوت ملأ الظلام: «هل أنت بخير؟» ~~- «أنا بخير، وأعتذر لك إن كنت قد أيقظتك.» ~~- «لا داعي للاعتذار، فقد كنت مستيقظة. هل ترغبين في الحديث؟» ~~- «عن ماذا؟» ~~- «عن أي شيء يخطر في بالك. حتى الآن كان معظم حديثنا يدور حولي أنا، والآن حان دورك، ولا ~~تخبريني أنك على ما يرام، لأنني واثقة أنك لست كذلك.» # حاولت أن أغالب دموعي. لقد فاجأتني من ms196 حيث لا أتوقع. من أين أبدأ؟ ~~- «أريد أن أخبرك، لكني لا أستطيع.» ~~- «حاولي؛ ليس عليك أن تخبريني بكل التفاصيل.» ~~- «أنا زوجة علي.» ~~- «غير معقول!» ~~- «إنها الحقيقة.» ~~- «كيف يمكن ذلك؟ ألقى القبض على زوجته؟» ~~- «كلا، لم أكن أعرفه قبل أن آتي إلى هنا، بل كان واحدا ممن حققوا معي، وعندما اقتادني ~~المحقق الآخر حامد للإعدام، أوقفه علي ثم هددني بأني إذا لم أتزوجه فسيؤذي أحبائي. لم يكن ~~لدي خيار آخر.» ~~- «هذا اغتصاب!» ~~- «لا تخبري أحدا بهذا الأمر، فأصدقائي في «246» لا يعلمون شيئا عنه.» ~~- «أهو نكاح متعة؟» ~~- «كلا، إنه زواج دائم.» ~~- «في مثل تلك الظروف لا أدري ما إذا كان الزواج الدائم ميزة أم عيبا، ففي الزواج المؤقت ~~على الأقل سيتركك وشأنك بعد فترة من الزمن، أما الآن ...» ~~- «أنا بخير.» ~~- «كيف يمكن أن تكوني بخير؟» # لم أستطع التحمل أكثر من ذلك، فأخذت أبكي حتى استيقظ الطفل. حملته بهار وأخذت تهدهده ~~وتغني له أغنية من تأليفها عن بحر قزوين وغابات الشمال الكثيفة والأطفال الذين يلعبون هناك ~~بلا هموم. # وجدت الحديث مع بهار سهلا، فأخبرتها عن جيتا وترانه ومينا وكراهيتي لنفسي بسبب عجزي عن ~~مساعدتهن، وأخبرتني أنها فقدت أصدقاءها هي الأخرى، وألقت باللوم على نفسها لأنها ظلت على ~~قيد الحياة. # سألتها عن الأحوال خارج «إيفين» قبل القبض عليها، فأخبرتني أن شيئا لم يتغير خلال العام ~~الماضي، وأن الحكومة الإسلامية قد نجحت في إحكام قبضتها، وأن الجهلة وأنصاف المتعلمين ~~يطيعون الخميني طاعة عمياء لأنهم يرغبون في دخول الجنة، بينما التزم المثقفون الصمت كي ~~لا يتعرضوا للسجن والتعذيب والإعدام، وهناك ~~أيضا من لا يصدقون الملالي والشائعات التي يرددونها، لكنهم يتبعونهم كي يحصلوا على فرص عمل ~~أفضل ورواتب مجزية. ~~••• # ذهبت بهار إلى «246» بعد أن قضت ثلاثة أسابيع معي في الزنزانة، وعاودني الشعور بالوحدة ~~مرة أخرى، وذات ليلة في منتصف سبتمبر بينما كنا نتناول العشاء الذي أحضره علي، والمكون من ~~الأرز والدجاج المشوي، طلبت منه أن يسمح لي بالعودة إلى «246» ووافق. # قال: «غدا إعادة محاكمتك.» # لم يشعرني ذلك ms197 بالسعادة أو الحماس، فأنا أعلم أني حتى لو حصلت على البراءة فلن يتغير ~~الأمر كثيرا، فأنا زوجة علي ويجب أن أظل معه إلى الأبد. # ثم أخبرني بأن علي أن أحضر تلك المحاكمة. ~~- «وهل علي أن أقول شيئا؟» ~~- «كلا، ما لم يوجه لك سؤال مباشر. سوف أحضر معك، لا تقلقي.» # وكانت لديه بعض الأنباء الأخرى؛ فسارة تتحسن وأعيدت إلى «246»، وصدر ضدها حكم بالسجن ~~ثماني سنوات. ~~- «ثماني سنوات؟ لقد وعدتني أنك ستساعدها!» ~~- «مارينا، لقد ساعدتها بالفعل، وموقفها كان سيصبح أسوأ من ذلك لولا أنني تدخلت في الأمر، ~~وعلى أي حال فلن تظل هنا طوال مدة العقوبة؛ سأحاول إضافة اسمها لقائمة إطلاق السراح ~~المشروط. ~~- «أنا آسفة يا علي، معك حق. لا أدري ماذا كنت سأفعل من دونك.» # ضحك وقال: «أظن أن هذا ألطف ما قلت لي حتى الآن.» وأدركت أنه كان محقا. ~~••• # في صباح اليوم التالي اصطحبني علي من الزنزانة إلى المحكمة التي تقع في مبنى آخر يبعد ~~مسيرة عشر دقائق. كان الموظفون والحرس يتدافعون من مبنى إلى آخر يجرون بعض السجناء خلفهم ~~أحيانا. وجه كل من قابلنا تقريبا التحية لعلي بانحناءة خفيفة وهم يضعون يدهم اليمنى ~~على قلوبهم، ثم يهزون رءوسهم باتجاهي ناظرين في الأرض. يجب على النساء المسلمات أن يغضضن ~~البصر عند رؤية الرجال فيما عدا أزواجهن وآباءهن وإخوتهن وبعض الأقارب الآخرين، وقد طبقت ~~تلك القاعدة بكل سرور. انحنى علي أيضا لأصدقائه وزملائه وحياهم بكلمات ودية. دخلنا ~~المحكمة؛ مبنى قرميدي مكون من طابقين ذوي نوافذ مدعومة بالقضبان وممرات مظلمة. قرع علي ~~بابا مغلقا فأجاب صوت جهوري «تفضل.» دخلنا فوجدنا ثلاثة من الملالي جالسين خلف مكاتبهم. ~~وقف الثلاثة وصافحوا عليا فور أن دخلنا الغرفة، وعندما حيوني نظرت إلى الأرض ولم أقل ~~سوى «السلام عليكم»، وطلبوا منا الجلوس. # قال الملا الذي يجلس في المنتصف: «بسم الله الرحمن الرحيم، تنعقد الآن رسميا محكمة ~~العدل الإسلامية. كان قد حكم على السيدة مارينا مرادي بخت بالإعدام في يناير من عام 1982، ~~ولكنها حصلت على عفو الإمام وخفف ms198 الحكم الصادر ضدها إلى السجن مدى الحياة، ومنذ ذلك الحين ~~تغيرت حالتها تغيرا جذريا؛ إذ اعتنقت الإسلام وتزوجت من السيد علي موسوي الذي طالما ~~دافع عن الإسلام بكل ما أوتي من قوة، وأظهر قدرا كبيرا من التضحية على وجه التحديد في ~~خدمة الإمام في مواقف عديدة. وفي ضوء كل تلك التغيرات أعادت المحكمة النظر في قضيتها ورأت ~~تخفيف الحكم الصادر ضدها إلى السجن ثلاث سنوات قضت منها بالفعل ثمانية أشهر.» # وقف جميع الملالي وصافحوا عليا مرة أخرى، ودعونا إلى تناول الشاي، وهكذا انتهت ~~المحاكمة. ~~••• # بعد بضعة أيام عدت إلى الغرفة رقم «6» في الطابق الأول من «246»، وفور أن دخلت الغرفة ~~وجدت شيدا وسارة تقفان أمامي. تعانقنا كأننا شقيقات لم ير بعضهن البعض منذ حين، وفجأة ~~وجدت سيما وبهار تعانقاننا عناقا حارا، حتى إننا توسلنا إليهما أن تتركانا. لم أصدق كم ~~كبر كاوه ابن شيدا، فعمره الآن ستة أشهر. # سألت شيدا عندما جلسنا في ركن هادئ: «ماذا تفعلين بالطابق الأسفل؟» ~~- «لقد نقلت إلى هنا منذ أسبوعين. أين كنت؟» ~~- «في الزنزانات الانفرادية بمبنى «209».» ~~- «لماذا؟» ~~- «كانت تنتابني الكثير من نوبات الصداع ولم أستطع احتمال الضوضاء هنا، فنقلت إلى ~~«209».» ~~- «حسنا.» # أعلم أنها لم تصدقني، ولكنها لم ترغب في توجيه المزيد من الأسئلة. أخبرتني أن الحكم ~~الصادر ضدها قد خفف إلى السجن مدى الحياة، ولكن زوجها لا يزال في قائمة المحكوم عليهم ~~بالإعدام. ~~- «أفكر في إرسال كاوه إلى والدي، مع أنه مسموح لي بإبقائه معي حتى يبلغ الثالثة من ~~العمر، لكني أظن أن بقاءه معي سيكون فيه أنانية من جانبي، فهو لم ير شجرة أو وردة أو ~~أرجوحة أو أي طفل آخر قط.» # كانت على حق، فالأسوار المرتفعة والأسلاك الشائكة والحرس المسلحون هي مفردات عالمه، ولم ~~يكن يستحق ذلك. لكن في كل مرة تفكر شيدا فيها في إرساله إلى والديها ينفطر قلبها، ولم تدر ~~هل ستقوى على البعد عنه. ~~••• # بدأت أعمل مع سارة في مصنع صغير للحياكة افتتح في السجن لصناعة القمصان الرجالية، وسررنا ~~بالعمل هناك ms199 لأنه أبقانا مشغولتين طوال اليوم. أخبرنا الحرس أننا سنحصل على أجر مقابل ~~عملنا قبيل إطلاق سراحنا، لكن الأجر كان زهيدا للغاية، حتى إننا لم نفكر فيه. بدت علامات ~~التحسن على سارة، ولكن كلما أتيحت لها الفرصة كتبت على جسدها وعلى كل الأسطح القابلة ~~للكتابة عليها، بيد أنها كانت تركز في عملها أثناء فترة العمل. # في تلك الفترة ظللت أدعو أن يمل علي مني، ولكن ذلك لم يحدث، فقد استمر استدعائي عبر ~~مكبر الصوت نحو ثلاث مرات في الأسبوع، وبعد قضاء الليل معه في إحدى الزنزانات بمبنى «209» ~~كنت أعود إلى «246» وقت صلاة الفجر. لم تسألني معظم الفتيات قط أين أذهب طوال الليل، ولكن ~~عندما توجه إحداهن لي هذا السؤال أخبرها بأنني أتطوع للعمل في مستشفى السجن. كانت ثلاث أو ~~أربع فتيات أخريات في «246» يستدعين بانتظام ليلا، وكن يعدن أيضا قبل شروق الشمس. تجنب ~~بعضنا الحديث مع بعض، لكني خمنت أن وضعهن مشابه لوضعي. # مرت بنا الأيام والأسابيع والشهور في «إيفين»، ومع كل لحظة تمر تتسرب حياتنا قبل السجن ~~منا شيئا فشيئا، ومع أن الأمل في العودة إلى المنزل أخذ يتضاءل رويدا رويدا حتى أصبح ~~أشبه بالحلم، فقد احتفظنا به في قلوبنا ورفضنا أن ندع ذلك الحلم يموت. # | الفصل السابع عشر # ذات ليلة من شهر فبراير قال لي علي وابتسامة مشرقة طفولية تعلو وجهه: «لدي أنباء ~~سارة؛ لقد اتصلت بي أكرام هذا الصباح وأخبرتني أنها حبلى!» # سررت من أجلها كثيرا. ~~- «وأخبرتني أيضا عن الحلم والدعاء، وهي تعتقد أن الفضل في سعادتها يعود إليك، وأجبرتني ~~على أن أعدها بأن أصطحبك إلى منزلها في الحال.» # لم أتفوه بشيء، فنظر إلي علي وهو يبتسم. # سألني: «وماذا فعلت أيضا دون علمي؟» ~~- «لم أفعل أي شيء دون علمك.» ~~- «ولم لم تخبريني بذلك؟» ~~- «كان شأنا خاصا بين امرأتين.» ~~- «لم تعودي خائفة مني، أليس كذلك؟» ~~- «وهل يفترض أن أخاف منك؟» ~~- «كلا، على الإطلاق. قد نختلف في التفكير، لكني نوعا ما أثق بك أكثر مما أثق بنفسي، وإن ~~عاش هذا ms200 الطفل فستكون أكرام مدينة لك إلى الأبد.» ~~- «لقد استجاب الله لدعوات أكرام، وليس للأمر علاقة بي.» ~~••• # كانت أكرام تشعر بسعادة غامرة لم أرها على أحد من قبل. # قالت ونحن نعد العشاء: «عندما اتصل علي وأخبرني أنك قادمة لزيارتنا، طلبت من مسعود أن ~~يذهب إلى المخبز ويشتري كعك الكريمة من أجلك، فما زلت أذكر أنك تحبينه كثيرا.» وأخرجت ~~صندوقين كبيرين لونهما أبيض من الثلاجة. ~~- «يا للهول! لديك ما يكفي لإطعام جيش كامل!» ~~- «مسعود يشعر بالسعادة، حتى إنه قد يشتري المخبز بأكمله إذا طلبت منه ذلك.» ~~- «هل أخبرته بأمر الدعاء؟» ~~- «لقد أخبرت الجميع.» ~~- «ألم يغضب مني؟» ~~- «ولم يغضب منك؟» ~~- «لا أدري، إنه دعاء مسيحي.» ~~- «لا يهم، فقد نجح الدعاء، أليس كذلك؟ سوف نرزق بطفل، وهذا كل ما يهم، وقد أخبرني بأن ~~السيدة مريم امرأة عظيمة ورد ذكرها في القرآن ولا حرج في طلب العون منها.» # كانت سعادة أكرام كصفعة على وجهي، ولكنني لم أرغب في أن أشعر بالتعاسة بسبب ~~سعادتها. ~~- «ماذا هناك يا مارينا؟ هل علي غاضب منك؟ إن كان كذلك فسوف ...» ~~- «علي ليس غاضبا.» # بدأت أرص الحلوى في طبق التقديم، وكانت رائحتها طازجة شهية. لا يحق لأكرام أن تشعر بكل ~~تلك السعادة في الوقت الذي تعاني فيه أمهات أخريات مثل شيدا في «إيفين». هذا ليس ~~عدلا. ~~- «لكن يبدو عليك الحزن الشديد يا مارينا، ماذا هناك؟» ~~- «آسفة، إنني سعيدة للغاية من أجلك، لكني لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في صديقة لي ~~تدعى شيدا. كانت حبلى عندما ألقي القبض عليها هي وزوجها وحكم عليهما بالإعدام. وضعت شيدا ~~ابنها كاوه في السجن، وعما قريب سيصبح الطفل الجميل وحيدا. خفف الحكم الصادر ضد شيدا إلى ~~السجن مدى الحياة، لكن زوجها لا يزال محكوما عليه بالإعدام، وهي ترغب في إرسال طفلها إلى ~~منزل والديها، لكنها لا تستطيع الاستغناء عنه، فهو كل حياتها، أما الطفل المسكين قد تربى في ~~«إيفين» ولم ير العالم الخارجي قط.» ~~- «هذا أمر فظيع، ولم دخلت السجن؟» ~~- «لا أدري تحديدا، فنحن ms201 لا نتحدث في هذا الأمر، وإن كنت أعتقد أنها من مؤيدي ~~«المجاهدين».» ~~- «لكن المجاهدين إرهابيون أشرار يا مارينا.» ~~- «شيدا ليست شريرة، بل هي امرأة حزينة، وهي أم، بالإضافة إلى أن الاعتقاد بأن أحدهم شرير ~~لا يعطينا الحق في فعل ما نشاء به أو ارتكاب الشر بدورنا، فالخطأ يظل خطأ مهما كانت الزاوية ~~التي تنظرين إليه منها، وأنا على يقين من أن شيدا لا تستحق حكما بالسجن مدى ~~الحياة.» ~~- «سوف أخاطب عليا في هذا الشأن، فربما كان بوسعه أن يفعل شيئا من أجلها.» ~~- «حسنا، لا ضرر من الحديث معه، لكني لا أظن أن بوسعه فعل أي شيء لها، فهو ليس المسئول ~~عن قضيتها، وقد حاول أن يساعد البعض من قبل لكنه لا ينجح دائما.» # علا صوت الماء وهو يغلي. ~~- «هيا يا مارينا، فلنتناول بعض الشاي والحلوى.» # عانقتها وأخبرتها أني أحبها كثيرا، وأن هناك الكثير من الألم والحزن في «إيفين»، حتى إني ~~نسيت كيف يكون طعم الفرح. ~~••• # بعد نحو أربعة أشهر دعانا والدا علي إلى منزلهما لتناول العشاء معهما في ذكرى زواجنا، ~~وكنا نزورهما نحو مرتين شهريا في السنة الماضية، وظلا يعاملانني بمنتهى الطيبة واللطف. ~~كان حمل أكرام على ما يرام، وكانت على وشك أن تضع مولودها خلال ثلاثة أشهر. # وبعد تناول العشاء سأل السيد موسوي عليا: «هل اشتريت هدية لزوجتك في ذكرى ~~زواجكما؟» # قال علي إنه قرر أن يصطحبني لقضاء بضعة أيام على شاطئ بحر «قزوين». # سألته: «أليس هذا خطرا؟» ~~- «لا يعلم أحد أننا ذاهبان سوى والدي، وسوف نقيم في منزل عمي الصيفي الذي يقع في منطقة ~~منعزلة، وهو نفسه لا يعلم أننا سنذهب إلى هناك، بل إنه يظن أن والدي هما اللذان سيذهبان، ~~ولن يذهب إليهما لأنه مسافر في رحلة عمل. ما رأيك إذن؟ هل ترغبين في الذهاب؟» # هززت رأسي بالموافقة، فأخبرني أننا نستطيع الذهاب في الحال، فقد أعدت لي والدته حقيبة ~~السفر. # أخذنا سيارة السيد موسوي، وهي سيارة بيضاء من طراز بيجو، وبدأنا رحلة السفر قبل الساعة ~~العاشرة. # سألته: ms202 «كيف توصلت إلى تلك الفكرة؟» ~~- «لقد ذكرت لي مرة أنك تحبين بحر «قزوين»، وأنا أرغب في قضاء بعض الوقت معك وحدك. كلانا ~~بحاجة للبعد عن «إيفين». هذا المنزل الصيفي كان ملكا لأحد وزراء الشاه قبل الثورة، وقد ~~غادر الرجل وعائلته البلاد مع رحيل الشاه، فصادرت محاكم الثورة الإسلامية منزله - أو ربما ~~يجدر بي أن أقول: قصره - في طهران، ومنزله الصيفي الذي يقع بالقرب من «رامسر» وعرضتهما ~~للبيع، فاشترى عمي المنزل الصيفي بسعر مناسب.» ~~- «لا بد أنه جميل.» ~~- «هذا صحيح، وسوف ترينه بنفسك. لماذا تحبين شواطئ «قزوين» إلى هذا الحد؟» # أخبرته أني قضيت أوقاتا سعيدة هناك طوال أعوام. كان كل شيء في طهران باهتا فاقد الحياة، ~~بينما كل شيء على شاطئ البحر كان مفعما بالحياة والحيوية. # ظل الهواء البارد يداعب وجهي عبر النافذة المفتوحة. في بداية الرحلة لم أكن أستنشق سوى ~~الغبار وعوادم السيارات، لكن عندما سلكت السيارة الطريق المتعرج الذي يصعد مع جبال «ألبرز» ~~امتلأ الليل برائحة جداول المياه الصافية وأشجار الحور والقيقب؛ كانت تلك رائحة العالم ~~المفقود، رائحة الحرية والسعادة وكل المعاني الجميلة التي لم تعد موجودة. ~~- «عندما كنت في الجبهة وكنت أنا في «246»، اكتشفت أن إحدى صديقاتي وتدعى ترانه بهزادي ~~محكوم عليها بالإعدام.» ~~- «ترانه بهزادي؟ لا يبدو لي الاسم مألوفا.» ~~- «لم تكن أنت من يتولى التحقيق معها، فقد أخبرتني بأن المحقق يدعى حسينا من الفرقة ~~الرابعة، وتخيلت أنك تستطيع مساعدتها، فطلبت من الأخت مريم أن تدعني أتحدث معك، ولكنها ~~أخبرتني بأنك في الجبهة.» ~~- «مارينا، لا يمكنني أن أتدخل في شئون الإدارات الأخرى، فمع أنني كنت أحد من يتولون ~~التحقيق معك فلم يكن سهلا أن أخفف الحكم الصادر ضدك.» ~~- «لكنها ماتت، أعدمت.» ~~- «أشعر بالأسف من أجلها.» ~~- «هل تشعر بالأسف حقا؟» ~~- «نعم، أشعر بالأسف لأن الأمور وصلت معها إلى ذلك الحد. للإسلام قوانينه وهي خالفتها ~~فلاقت جزاءها.» ~~- «وهل كانت جرائمها خطيرة إلى درجة تبرر إعدامها؟» ~~- «ليس من شأني أن أقرر ذلك، بل إني لا أعرفها أصلا ولا أعلم ماذا فعلت.» ms203 ~~- «الله وحده هو من يمنح الحياة، وهو من يمكنه سلبها .» ~~- «مارينا، لديك كل الحق في الشعور بالحزن، فقد كانت صديقتك وكنت ترغبين في مساعدتها، لكن ~~حتى لو كنت موجودا وقتها ربما استحال علي إنقاذها، فالمحققون يرتكبون بعض الأخطاء، بل إن ~~المحاكم ذاتها تفعل نفس الشيء. لقد تمكنت من مساعدة بعض الناس الذين شعرت أنهم حصلوا على ~~أحكام قاسية، ولكنني لا أنجح طوال الوقت في ذلك. حاولت أن أساعد مينا، أليس كذلك؟ لكنني لم ~~أستطع.» ~~- «لم تكن ترانه تستحق الموت.» # لم أكن أرى أمامي سوى عيني ترانه العسليتين الواسعتين وابتسامتها الحزينة، بينما ظل علي ~~منتبها للطريق. ~~- «لقد سمعت شائعة مفزعة، وأود أن أتأكد من حقيقتها.» ~~- «ما هي؟» ~~- «هل تعتقد أن العذارى يدخلن الجنة بعد الموت؟» ~~- «مارينا، أفهم إلام ترمين.» ~~- «أرجو أن تجيب عن سؤالي.» ~~- «كلا، لا أعتقد ذلك. الله وحده هو من يحدد أصحاب الجنة وأصحاب النار، وليس أنا، ~~والفتيات الصغيرات لا يغتصبن قبل الإعدام. لا تصدقي كل ما تسمعين.» # كان الظلام حالكا، فلم أستطع رؤية وجهه بوضوح، لكن أنفاسه أصبحت متلاحقة. ~~«أنت نفسك كنت على وشك أن تعدمي، فهل تعرضت للاغتصاب؟» # قلت: «كلا»، وتمنيت لو أضيف: «ليس قبل ليلة الإعدام، ولكن بعدها بستة أشهر»، لكني آثرت ~~الصمت. ~~- «مارينا، أتفهم حزنك على صديقتك، لكنني أؤكد لك أنها لم تتعرض للاغتصاب.» # غير أني لم أجد السلوى في كلماته. ~~••• # وصلنا إلى المنزل الصيفي نحو الثانية صباحا، فخرج علي من السيارة وفتح بوابة حديدية ~~كبيرة، ثم قاد السيارة عبر طريق مرصوف تظلله غابة من الأشجار. كانت المنطقة المشجرة أكبر ~~كثيرا من تلك الموجودة في منزلنا، ولكنها مشابهة لها إلى حد يثير الدهشة. تسللت أصوات ~~الحشرات عبر النوافذ المفتوحة، وهبت الرياح في دوامات بين أوراق الشجر وأغصانها تنشر ~~موجات من الظلال الفضية على زجاج السيارة الأمامي. لم أسمع صوت البحر إلا عندما أوقفنا ~~السيارة، حيث أخذت الأمواج ترتطم بالصخور وتملأ المكان بإيقاعها المألوف. # بلغت مساحة المبنى الأبيض المكون من طابقين ضعف مساحة منزلنا الصيفي، وكان ms204 به تمثال حجري ~~لأسد بحجم كلب كبير على جانبي المدخل . فتح علي الباب الأمامي ودخلنا، فوجدت غرفة الجلوس ~~قد زودت بمقاعد وموائد للقهوة ذات أسطح زجاجية على الطراز الفرنسي، والأرض مغطاة بالسجاد ~~الإيراني المصنوع من الحرير، ورأيت درجا عريضا ذكرني بفيلم «ذهب مع الريح» يقود إلى ~~الطابق الأعلى حيث وجدت ست غرف نوم اختار علي أكبرها وكانت تطل على البحر مباشرة، وفي ~~منتصف الغرفة فراش كبير ومنضدة للتزين ذات أدراج بأحجام مختلفة، ومنضدتان صغيرتان بجوار ~~الفراش. كان كل شيء نظيفا ولا توجد ذرة غبار واحدة، فخمنت أن عم علي وعائلته كانوا هنا ~~مؤخرا. أزحت الستائر البيضاء وفتحت إحدى النافذتين، فداعب هواء البحر المالح شعري، وتساءلت ~~عما حل بمالكي البيت الأصليين، فلا بد أنهم كانوا يحبون هذا المكان ويفتقدونه الآن كثيرا ~~أينما كانوا. # قال علي وهو يقف خلفي: «لقد أضيف اسمك إلى قائمة إطلاق السراح المشروط.» ~~- «وماذا يعني ذلك؟» ~~- «يعني أنك سوف تصبحين حرة رسميا في غضون ثلاثة أشهر.» # حرة رسميا! يا لها من كلمة غريبة! هل سأنال حريتي حقا يوما ما؟ لم أستطع أن أفهم ما ~~تعنيه كلمة «حرية» لي، فقد سلبني حريتي إلى الأبد، لكنني لم أتفوه بكلمة. ~~«ألست سعيدة لسماع ذلك؟» ~~- «لست أدري يا علي، فقد أصبحت عاجزة عن التفكير. وحتى لو أصبحت حرة رسميا، فلن أتمكن ~~من الذهاب إلى أي مكان.» ~~- «بل سنذهب إلى منزلنا؛ فالأوضاع تتحسن، وعندما يطلق سراحك سوف يصبح ذهابنا إلى المنزل ~~آمنا.» # أمسك بكتفي وأدارني لأواجهه ولمس وجنتي. ~~«لماذا تبكين؟» ~~- «لا أدري. ربما تكون الذكريات. الأمر ليس بيدي.» # كانت نظرة عينيه غامضة معظم الوقت، لكن تطل منهما أحيانا نظرة غريبة تشي بالرغبة الشديدة ~~التي تخيفني. أطرقت برأسي، وعندما رفعتها مرة أخرى كان ينظر من النافذة وظهره لي. # سألني وهو يستدير نحوي: «مارينا، أما زلت تكرهينني؟» ~~- «كلا، كرهتك في البداية، لكن لم أعد كذلك الآن.» ~~- «وهل هناك أمل أن تحبينني يوما؟» ~~- «لا أدري، لكني أعلم أنك ما دمت تعمل في «إيفين» حيث يقتضي عملك ms205 إيذاء الآخرين فلن ~~أستطيع أن أحبك، ولا تنس أنك أجبرتني على الزواج منك، فأنا أسيرتك.» ~~- «لكني لا أود أن تفكري في الأمر هكذا.» ~~- «إنها الحقيقة.» ~~- «كلا، إنه تصورك عن الحقيقة.» ~~- «ماذا تعني؟» ~~- «ألا تفهمين؟ لقد كنت على شفا الموت، وأنا أنقذتك منه. هل تعتقدين أنه كان بإمكانك ~~النجاة من ذلك الموقف؟ هل خطر لك أن حامدا والآخرين سوف يتقبلون ذلك؟ أنت ساذجة، صحيح ~~أني أردتك، لكنني لست أنانيا إلى هذا الحد. لو كانت هناك طريقة يمكنني بها إطلاق سراحك ~~لفعلت ثم أطلقت النار على نفسي. كلانا أسير بصورة أو بأخرى.» طوقني بذراعيه وتابع: «قبل ~~الثورة، كنت سجينا سياسيا مدة ثلاثة أعوام، وأعلم معنى الرغبة في العودة إلى المنزل، لكن ~~دعيني أخبرك بشيء؛ منزلك لم يعد كما تركته، وحتى لو كان، فأنت لم تعودي كما كنت، ولن ~~تتفهم عائلتك موقفك. سوف تبقين وحيدة طوال حياتك. ربما أضيع وقتي بإخبارك بكل ذلك، لأنك ما ~~زلت صغيرة وبريئة أكثر من اللازم، ولكن لا مكان لك تذهبين إليه، فالمكان الوحيد الذي تبقى ~~لك في هذا العالم معي، ومكاني الوحيد معك.» # ذهبنا إلى الفراش، ولكنني لم أستطع النوم، فأخذت أراقب ضوء القمر وهو يفترش الأرض. استغرق ~~علي في النوم وهو يوليني ظهره، وكان كتفه الأيسر يرتفع وينخفض مع كل نفس. كنت قد أخبرت ~~ترانه أنني لم أتعرض للاغتصاب قبل ليلة الإعدام، وتلك هي الحقيقة، لكن حامدا وبقية الحرس ~~كانوا يعلمون أنني مسيحية، ومن وجهة نظرهم سواء أكنت عذراء أم لا، فسوف أذهب إلى الجحيم على ~~أي حال. كانت ترانه تعرف ذلك، لكنها سألتني هذا السؤال لأنها بالرغم من تقبلها لحكم ~~الإعدام بنفس راضية كانت في أمس الحاجة إلى أن يطمئنها أحد أنها ستموت وكرامتها مصونة. ~~أخبرني علي بأن الفتيات لا يتعرضن للاغتصاب قبل أن يعدمن رميا بالرصاص، ولكنه لا يرى أنه ~~اغتصبني؛ من وجهة نظره فقد أجبرني على الزواج منه لصالحي. ربما يكون قد اغتصب فتيات أخريات ~~باسم نكاح المتعة دون أن ينعم النظر في ms206 الأمر. وددت لو أصدق أنه لم يفعل شيئا كهذا من ~~قبل، وأنني الوحيدة التي أجبرها على مثل هذا النوع من الزواج، لكن لم يكن بإمكاني معرفة ~~الحقيقة. # تسللت من الفراش وتوجهت نحو البحر. كانت الأمواج الصغيرة تهمس للشاطئ الصخري، والنجوم ~~تطفو بين السحب الفضية الرمادية وأضواؤها اللؤلؤية تنعكس على سطح المياه، وبحر «قزوين» ~~يناديني كأنه صديق قديم. ظننت أني مستعدة؛ أني قد أتحمل ألم الخسارة الذي يثقل كاهلي، لكني ~~لم أستطع تحديد الصواب. البحر يناديني، ولدي رغبة في تلبية ندائه. إنها الحاجة المخيفة، ~~والرغبة العارمة في التلاشي. تقدمت خطوات وسط الأمواج، وكانت دافئة كما عهدتها. هنا بإمكاني ~~أن أصبح ذكرى، لكن كل ما أحمله في قلبي سيضيع. # جاءني صوت الملاك: «الحياة غالية، فلا تستسلمي، بل عيشيها ثانية.» ~~- «كنت بحاجة إليك، وناديتك، ولكنك لم تأت، والآن تطلب مني ألا أستسلم؟ ألا أستسلم من ~~أجل ماذا؟» # الحياة غالية، فلا تستسلمي، بل عيشيها ثانية. ~~«وماذا ستفعل إن نزلت تحت المياه واستنشقتها بدلا من الهواء؟ هل ستدعني أموت وتلومني على ~~الاستسلام لليأس والحزن؟ أم ستبتسم وتجعلني أشعر بالذنب لما فعلت وما لم أفعل فتعيدني مرة ~~أخرى إلى هذا العذاب؟» # داعبتني الرياح، وهبت وسط الغابات وفي وادي «النهر الأبيض»، ثم اندفعت في هدوء عبر سكون ~~الصحراء كي تجد طريقها إلى المحيط. # عدت إلى المنزل مبللة فوجدت عليا واقفا عند البوابة المؤدية إلى الشاطئ يبكي. لماذا لا ~~أقوى على حبه ونسيان الماضي؟ كان علي أن أستسلم كطفل يكتشف كيف يطفو على الماء للمرة ~~الأولى. # قال: «استيقظت ولم أجدك.» ثم حملني من فوق الرمال المبللة إلى الداخل كأني طفلة. ~~*** # عدنا إلى «إيفين» بعد أن قضينا خمسة أيام في المنزل الصيفي ولم نجد شيئا تغير. مرت أربعة ~~أسابيع، وفي نهاية شهر أغسطس بدأت أشعر بالغثيان الشديد، وبعد أن ظللت أتقيأ بضعة أيام قرر ~~علي أن يصطحبني إلى الطبيبة المعالجة لوالدته، فطلبت مني بضعة فحوصات ثم أخبرتني أنني ~~حبلى في نهاية الشهر الثاني. لم تخطر ببالي مسألة الحمل، فعندما ms207 وافقت على الزواج من علي لم ~~أفكر إلا في تداعيات هذا القرار على حياتي وحياة والدي وأندريه، لكني لم أفكر قط في ~~الإنجاب. الآن هناك حياة أخرى ستتأثر؛ حياة طفل بريء، طفل يحتاج إلي ويعتمد علي، وسواء ~~أأحببت ذلك أم لا فهو يحتاج إلى والده. # كان علي ينتظرني في السيارة، وطار فرحا عندما أخبرته بهذا النبأ السعيد. # سألني: «هل أنت سعيدة؟» # أزعجني سؤاله؛ إذ لم أكن سعيدة، وهذا ليس عدلا، فالطفل الذي في أحشائي لا يعلم شيئا عن ~~حياتي، ولا يحتاج إلا إلى حبي واهتمامي، ونوعا ما كنت أنا ملاكه الحارس، فكيف يمكنني أن ~~أتخلى عنه؟ ~~- «سعيدة، لكني أشعر بالصدمة.» ~~- «فلنذهب إلى منزل والدي؛ أريدهما أن يعلما في الحال.» # كنت أدرك أن والدي يجب أن يعلما، وأندريه أيضا. من الذي سيلقي بالحجر الأول؟ # فور أن وصلنا إلى منزل والديه اتصل علي بأكرام. كاد والداه يطيران فرحا، وسررت ~~لرؤيتهما سعيدين إلى هذا الحد، وطوال المساء ظلت والدته تعطيني نصائح ومعلومات عن مراحل ~~الحمل المختلفة. شعرت أن علاقتي بوالدة علي قد توطدت أكثر من علاقتي بأمي. كنت في أشد ~~الحاجة لأن أحيا حياة طبيعية سعيدة، حتى إنني تمنيت أن أنسى نفسي وأحب عليا، لكن هذا كان ~~مستحيلا، فلا يمكنني أن أسامحه على ما فعله بي وبالآخرين. # قالت والدة علي: «يجب أن تبقي معنا هنا، فأنت بحاجة إلى الراحة والتغذية السليمة.» # رفضت العرض، ولكنها أصرت عليه، فتدخل السيد موسوي بقوله: «دعيها تقيم أينما تشاء. نرحب ~~بها بالطبع، فهذا منزلها كما هو منزل علي، ولكنها ربما تود البقاء مع زوجها، والحمل ليس ~~مرضا. لا تقلقي، فسوف تكون بخير.» # وصلت أكرام واستقبلتني بالعناق والقبلات. كانت على وشك الوضع خلال شهر، ونظرا لأنها ~~ضئيلة الحجم فقد بدا بطنها كبيرا للغاية. ذهبنا إلى غرفتها القديمة كي نتحدث وحدنا. ~~- «مارينا، لم أشعر بمثل تلك السعادة قط. يا له من أمر رائع! سوف يكبر طفلانا معا عاما ~~بعد عام، وسيكونان في عمر واحد تقريبا.» # أشحت بوجهي بعيدا عنها. ~~- «ماذا ms208 هناك؟» ~~- «لا شيء، أشعر بالغثيان طوال الوقت فحسب.» ~~- «ألست سعيدة بالحمل؟» # لم أكن أرغب في سماع ذلك السؤال ولا في الإجابة عنه، ففؤادي يعتصر ألما لأنني لا أشعر ~~بالسعادة. حاولت أن أشعر بالسعادة، ولكنني لم أستطع. لم أكن أرغب في هذا الطفل، وكان شعورا ~~مؤلما. ~~- «ألا تريدين هذا الطفل؟» ~~- «نعم، لا أريده، ولا يروق لي هذا الشعور. الله يعلم أنني حاولت.» ~~- «إنه ليس خطأك، فأنت خائفة. ضعي يدك هنا واشعري بحركة الجنين.» # وضعت يدي على بطنها، فشعرت بالجنين وهو يتحرك. ~~«سوف ينمو طفلك داخل أحشائك ويتحرك بداخلك هكذا، وهو أروع شعور في العالم. أعطي نفسك ~~فرصة فحسب، وإنني على ثقة من أنك ستحبينه أكثر مما تخيلت، وسأبقى معك لمساعدتك في كل شيء. ~~مارينا، لا داعي للقلق، فعلي يحبك كثيرا، وأنت كل شيء له.» # أصبحت أكرام أختا لي، وسواء أأحببت ذلك أم لا فقد أصبحت جزءا من عائلة علي. شعرت معهم ~~بالحب والاهتمام أكثر مما شعرت به في حياتي السابقة، وجعلني حبهم أشعر بالإثم، لأنني أدركت ~~أنني أحبهم بدوري. لا يفترض بالحب أن يورث المرء شعورا بالإثم، فهو ليس خطيئة، لكنه أصبح ~~كذلك من وجهة نظري. هل يعني ذلك أنني يوما ما سأشعر بالحب تجاه علي؟ هل يعني ذلك أنني قد ~~خنت أهلي وأندريه؟ ~~••• # قضيت تلك الليلة أنا وعلي مستيقظين في الظلام في إحدى الزنزانات. ~~- «مارينا، سأقدم استقالتي من العمل غدا.» # فوجئت بسماع ذلك، لكني كنت أتوقعه. مع أن عليا لم يكن يتحدث معي بشأن عمله إلا نادرا، ~~فإنني كنت أعيش في «إيفين» وأرى بنفسي كم أصيب بالإحباط، خاصة بعد وفاة مينا. كنت قد وجهت ~~له اللوم على ما حل بها، واعتقدت أنه كان عليه بذل المزيد من الجهد لإنقاذها، لكني شعرت ~~بعجزه أيضا. لقد تعرض للهزيمة على يد حامد. # سألته: «لماذا؟» # لم يكن يرغب في الحديث بشأن هذا الأمر، لكني قلت إنه من حقي أن أعرف، فأخبرني أنه دخل في ~~صدام كبير مع النائب العام بطهران أسد الله لاجيفاردي المسئول ms209 عن «إيفين». قال: «كنت أنا ~~وأسد الله صديقين منذ عدة أعوام، وهو أيضا كان سجينا في «إيفين» في عهد الشاه، لكنه تجاوز ~~المدى. لقد حاولت تغيير بعض الأمور في «إيفين»، لكني لم أستطع، فلم يكن يستمع ~~إلي.» # رأيت لاجيفاردي مرتين؛ الأولى عندما أتى في جولة يتفقد فيها مصنع الحياكة الذي أعمل به، ~~والأخرى عندما خرجت من سيارة علي وكان هو يهم بركوب سيارته، فتقدم نحونا وحيانا. قدمني ~~علي له، وقال إنه قد سمع عني وإنه سعيد بمقابلتي، وتمنى لنا السعادة، وأكد لي أنه فخور ~~باعتناقي الإسلام. # قال علي: «وعدتك بحياة كريمة عندما نتزوج، وهذا ما سنحققه بعيدا عن هذا المكان. سوف أعمل ~~مع والدي، وسنحيا حياة طبيعية. لقد أثبت لي أنك قوية صبورة شجاعة كما عهدتك دائما، والآن ~~حان وقت الذهاب إلى المنزل. يلزمني ثلاثة أسابيع فقط كي أرتب أموري.» # فجأة أصبحت مغادرة «إيفين» حقيقة، ولكنني لم أشعر بالسعادة؛ فما دمت زوجة علي فسوف أظل ~~سجينة طوال الوقت. # قلت له: «علي أن أخبر والدي.» لم أكن أستطيع إبقاء زواجنا سرا إلى الأبد، وخاصة مع ~~وجود الطفل. # سمعنا صوت إطلاق نيران بعيدا، وأخبرني علي أنه يفكر كثيرا في الليلة التي كنت فيها ~~على وشك الإعدام. ~~- «لو كنت وصلت متأخرا بضع ثوان فحسب لوجدتك ميتة. لم أخبرك بهذا قط، لكني أحيانا أرى ~~كوابيس عن تلك الليلة، ونفس الكابوس يتكرر دائما: أصل إلى هناك متأخرا، فأجدك ميتة غارقة ~~في دمائك.» ~~- «هذا ما كان يجب أن يحدث.» ~~- «كلا، لقد أعانني الله على إنقاذك.» ~~- «وماذا عن الآخرين؟ كان هناك من يحبهم أيضا ويريدهم على قيد الحياة مثلما أردت أنت أن ~~تبقيني على قيد الحياة.» ~~- «لقد جلب معظمهم المتاعب لأنفسهم.» # وددت لو أهزه بعنف وقلت: «كلا، أنت مخطئ، فلست إلا بشرا. هل يمكنك القول إنك تعلم كل ~~شيء عنهم؟ إن اتخاذ قرارات بشأن الحياة والموت يحتاج إلى فهم شامل للعالم لا نملكه نحن، ~~والله وحده هو من يمكنه اتخاذ قرارات كهذه، لأنه الوحيد العليم بكل شيء.» ms210 # كانت دموعي قد سالت، واضطررت إلى الجلوس كي أتمكن من التقاط أنفاسي. # قال علي: «أنا آسف، لا أدافع عن العنف، ولكننا أحيانا لا نملك خيارا آخر، فإن صوب ~~أحدهم بندقية إلى رأسك وحصلت على فرصة كي تطلقي الرصاص وتدافعي عن نفسك، فهل ستنتهزينها أم ~~تفضلين الموت دون أن تقاومي؟» ~~- «لن أقتل إنسانا مثلي.» ~~- «إذن فسوف ينتصر الشر وتخسرين.» ~~- «لو كان الفوز يقتضي القتل فأنا أفضل الخسارة. وحتى لو حدث ذلك فسوف يدرك من يشهدون ~~وفاتي أو يسمعون عنها أنني مت لأني رفضت الاستسلام للكراهية والعنف، وربما يعثرون على طريقة ~~سلمية لهزيمة الشر.» ~~- «مارينا، إنك تعيشين في عالمك المثالي الذي لا تربطه بالواقع أي صلة.» # بقيت مستيقظة في تلك الليلة بعد أن استغرق علي في النوم. يبدو أنه قد بدأ يدرك أنه لا ~~طائل من العنف، وأن تعذيب المراهقين وإعدامهم لن يؤدي إلى أي خير، ولا يرضي الله بأي حال. ~~ربما يكون هذا هو السبب الذي جعله ينقذني من الموت ويتزوجني، فأنا وسيلته الغريبة اليائسة ~~في التمرد على كل ما يحدث في «إيفين». ~~••• # في يوم الاثنين السادس والعشرين من سبتمبر، ذهبت أنا وعلي إلى منزل والديه لتناول العشاء، ~~وكان قد مر أسبوعان على استقالته. أخبرني أثناء تناول العشاء أننا سنغادر «إيفين» خلال ~~أسبوع ونعود إلى المنزل الذي اشتراه من أجلنا. # وفي الحادية عشرة مساء ألقينا تحية المساء ~~على الجميع وخرجنا من المنزل. كان الجو باردا، فلم يخرج معنا والداه لتوديعنا. أصدر الباب ~~المعدني الذي يربط بين ساحة المنزل والشارع صريرا وعلي يدفعه، وأصدر القفل صوتا مرتفعا ~~وهو يغلق خلفنا. توجهنا نحو السيارة على بعد نحو 25 مترا في مكان أكثر اتساعا. نبح كلب ~~على بعد، وفجأة ملأ صوت دراجة بخارية المكان. رفعت رأسي فوجدتها قادمة نحونا من أحد الشوارع ~~الجانبية وعليها شبحان. فور أن شاهدتها أدركت في الحال ما سيحدث، وأدرك علي أيضا في نفس ~~اللحظة ما سيحدث، فدفعني جانبا. فقدت توازني وسقطت على الأرض، وسمعت صوت إطلاق رصاص، ~~وللحظة قضيتها ms211 بين الحياة والموت لم أر سوى الظلام، ثم انتشر ضوء خافت في عيني وشعرت بألم ~~في عظامي، وكان علي يرقد فوقي. استطعت التحرك بالكاد، والتفت نحوه. ~~- «علي، هل أنت بخير؟» # تأوه وهو ينظر إلي بعينين ملؤهما الصدمة والألم، وشعرت بدفء غريب في جسدي وساقي كأنني ~~متدثرة ببطانية. # هرع والداه نحونا. # صرخت: «الإسعاف! اطلبوا الإسعاف!» # هرعت والدته إلى الداخل وقد سقط الشادور الأبيض الذي ترتديه كاشفا عن شعرها الأشيب، ~~وانحنى والده بجوارنا. # سألني علي: «هل أنت بخير؟» # كان جسدي يؤلمني قليلا، ودماؤه تغطيني. ~~- «أنا بخير.» # أمسك بيدي، وقال بصعوبة: «أبي، أعدها إلى أهلها.» # عانقته وتركت رأسه يرتاح على صدري. لو لم يدفعني بعيدا لأصبت أنا أيضا. لقد أنقذ حياتي ~~مرة أخرى. # صرخت: «يا إلهي، لا تدعه يموت!» # فابتسم. # لقد كرهته، وغضبت منه، وحاولت أن أسامحه، وعبثا حاولت أن أبادله الحب. # حاول جاهدا التقاط أنفاسه، وأخذ صدره يرتفع وينخفض حتى سكن تماما. كان العالم يتحرك من ~~حولنا، لكن عالمنا قد توقف. وددت لو كان بوسعي الوصول إلى الأعماق المظلمة للموت كي أعيده ~~مرة أخرى. # أضواء سيارة الإسعاف البراقة ... ألم حاد في بطني ... ثم اختفى العالم المحيط بي ولفني الظلام ~~... ~~••• # وقفت في غابة مورقة حاملة طفلي بين ذراعي، كان صبيا جميلا ذا عينين واسعتين ~~داكنتين ووجنتين متوردتين، مد يده الصغيرة وأمسك شعري وهو يقهقه فضحكت، ورفعت بصري ~~فرأيت ملاك الموت، فجريت نحوه. حياني بابتسامته الدافئة المألوفة، وتسلل إلي عطره ~~المحبب. شعرت كأنني رأيته في اليوم السابق؛ كأنه لم يفارقني قط. # قال لي: «هيا بنا نسير قليلا.» وسلك طريقا اختفت معالمه وسط الغابة، فاتبعته. كان ~~يوما صحوا، وبدا كأن الأمطار قد توقفت للتو، فأوراق الأشجار المحيطة تلمع بقطرات ~~المطر. أحاطت بنا شجيرات من الزهور الوردية في كل مكان، وكان الجو جميلا دافئا. كنت ~~قد تخلفت عنه حتى اختفى خلف شجرة، فزدت من سرعتي كي ألحق به، ووجدته جالسا على صخرة ~~الصلاة فجلست بجواره. # قال لي: «ابنك جميل.» # بدأ الطفل يبكي، ولم أدر ماذا أفعل. ms212 # قال الملاك: «ربما يكون جائعا، عليك أن تطعميه.» # أعطيت الطفل ثديي فالتقمه بفمه الدافئ الصغير، كأنني فعلت ذلك آلاف المرات من ~~قبل. ~~••• # فتحت عيني، فوجدت سائلا ينزل قطرة قطرة من كيس بلاستيكي شفاف إلى أنبوب. تابعت الأنبوب ~~بعيني فوجدته متصلا بيدي اليمنى. كانت الغرفة مظلمة فيما عدا مصباحا ليليا خافتا، وأنا ~~أرقد على فراش أبيض نظيف. رأيت هاتفا على مائدة صغيرة بجوار الفراش، فحاولت الوصول إليه ~~بيدي اليسرى، فشعرت بألم حاد في بطني، فتراجعت وأخذت نفسا عميقا حتى خف الألم. وضعت ~~السماعة على أذني لكنها كانت معطلة، فانهمرت الدموع من عيني. # فتح الباب وأضيء نور ساطع، ودخلت امرأة متوسطة العمر ترتدي وشاحا أبيض ومعطفا ~~أبيض. # سألتها: «أين أنا؟» ~~- «لا تخافي يا عزيزتي، فأنت في المستشفى. ماذا تذكرين؟» ~~- «توفي زوجي.» # توفي زوجي! يا إلهي! لماذا يؤلمني هذا الأمر هكذا؟ # غادرت المرأة الغرفة فأغمضت عيني. لقد مات؛ رحل، وأصبحت أشعر بالوحدة؛ أشعر بالوحدة ~~القاتلة. إنه نفس الشعور الذي راودني عندما رأيت الجنود يقذفون بجثة أراش في الشاحنة، ~~ولكنني أحببت أراش، ولم أحب عليا قط. ماذا دهاني؟ # كان شعورا بالحزن أنكرته، لكنه كان حاضرا وقويا. # نادى أحدهم اسمي ففتحت عيني، ورأيت رجلا متوسط العمر ذا لحية رمادية ورأس أصلع. أخبرني ~~بأنه الطبيب وسألني هل أشعر بالألم، فقلت لا، ثم أخبرني أنني قد فقدت جنيني، فانهار ما تبقى ~~مني. # وطوال اليومين التاليين ظللت تائهة بين الكوابيس والأحلام والواقع، ولم أعد أفرق بينها. ~~وذات مرة بين الصور الضبابية المشوهة والأصوات الغامضة رأيت السيد موسوي جالسا في فراشي. ~~لمست كتفه ونظر إلي، ثم ملأ ضوء الشمس الغرفة. # قال لي وهو يبكي: «هذا يفوق احتمالنا جميعا، ولكن علينا أن نستسلم لإرادة الله.» # تمنيت لو استطعت أن أفهم إرادة الله، ولكنني لم أستطع. # واصل السيد موسوي حديثه، لكن صوته أخذ يخفت حتى اختفى تماما. حلمت بأنني أنا وأندريه ~~نسير على الشاطئ وأحدنا ممسك بيد الآخر، ومعنا ترانه وسارة وجيتا وأراش. بعد دقيقة كنت أقف ~~على باب منزل والدي ms213 الصيفي أنظر نحو الطريق، وعلي يسير مبتعدا عني ملوحا لي بالوداع ، ~~فجريت مذعورة كي ألحق به وأنا أنادي عليه، لكنه اختفى. # استيقظت وأنا أشعر بشيء بارد على جبهتي؛ إنها أكرام تقف بجوار فراشي وتضع يدها الباردة ~~علي، وهي تبكي في صمت والهالات السوداء تظلل عينيها. لم أستطع أن أتذكر أين أنا، ~~فذكرتني بأنني في المستشفى، وسألتها هل مات علي بالفعل، فأكدت لي ذلك. تسللت بجواري في ~~الفراش وهي تبكي، وطوقت كتفي بذراعها. # وعندما استرددت وعيي قليلا أخبرني السيد موسوي بأنه سوف يجري الترتيبات اللازمة لإطلاق ~~سراحي، لكنهم أخبروه بأن عليه إعادتي إلى «إيفين» بعض الوقت، وأخبرني أيضا بأن عليا كتب ~~وصية قبل وفاته ببضعة أيام ترك لي فيها كل ممتلكاته، لكني أخبرت السيد موسوي أنه ليس من حقي ~~أن أرث أيا من ممتلكات علي. # سألني: «ألا ترغبين في إخبار عائلتك بأمر زواجك؟» # فلم أجبه. ~~- «لقد منحت ابني السعادة، ومن حقك أن تبدئي حياة جديدة.» # جلس على مقعد بجوار فراشي ممسكا بمسبحة كهرمانية اللون في يده تعرفت عليها في الحال، فقد ~~كانت تخص عليا. سألته عن أحوال فاطمة خانم، فأخبرني أنها رابطة الجأش. # سألته: «وكيف حال أكرام؟» ~~- «لقد أتت لزيارتك منذ يومين وحاولت أن تتحدث معك، لكنك لم تكوني على ما يرام.» # فتذكرت: «نعم لقد كانت هنا ...» # علت وجهه ابتسامة خافتة فخورة وهو يقول: «لقد وضعت طفلها. إنه صبي.» ~~- «متى حدث ذلك؟» ~~- «جاءها المخاض بعد أن أخبرناها بوفاة علي.» # كانت أكرام في نفس المستشفى الذي كنت به، فقد نزفت كثيرا، لكنها الآن بخير؛ والطفل أصيب ~~باليرقان، لكن حالته تتحسن. # قبل أن يعيدني السيد موسوي إلى «إيفين»، اصطحبني لأرى أكرام وطفلها الذي أطلقت عليه اسم ~~علي، وفي طريقنا لغرفة أكرام مررنا بنافذة كبيرة الحجم يرقد خلفها نحو ثلاثين طفلا بعضهم ~~نائم والبعض الآخر يبكي. أشار السيد موسوي إلى طفل ضئيل الحجم ذي وجه متغضن أحمر اللون يصرخ ~~غاضبا؛ إنه علي الصغير. طلبت أن أحمله، فأحضرته لي الممرضة، وتوقف عن البكاء ما إن ms214 بدأت ~~أهدهده بين ذراعي، وأخذ يمتص معطفي. إنه جائع. لم أتمكن من حبس دموعي، فأخذته إلى أكرام ~~التي ألقمته ثديها. # لقد مات طفلي. كنت سأحبه إن بقي على قيد الحياة، لكنني الآن لن أطعمه أبدا، ولن أغير له ~~الحفاضات، ولن ألعب معه، ولن أشاهده وهو يكبر. ~~••• # عندما دخلت حجرة مكتب «246» ونزعت العصابة وجدت حارسة لم أقابلها من قبل تحدق إلي. كانت ~~في منتصف الأربعينيات من العمر، وتعلو وجهها ابتسامة ساخرة. ~~- «مارينا الشهيرة، أم أقول فاطمة مرادي بخت؟ أخيرا تقابلنا. تذكري أنني المسئولة هنا ~~الآن، ومن الآن فصاعدا لن تحظي بأي معاملة مختلفة، بل ستعاملين على قدم المساواة مع ~~الجميع. هل فهمت؟» # أومأت: «أين الأخت مريم؟» ~~- «أعيد توزيع الأخوات التابعات للحرس الثوري في «إيفين». اسمي الأخت زينب، وأنا عضو في ~~«اللجان الإسلامية»، ونحن المسئولات هنا. هل لديك أي أسئلة أخرى؟» ~~- «كلا.» ~~- «إذن اذهبي إلى غرفتك.» # كان للحياة سبلها في إثبات خطئي؛ فها هي الأمور قد تسوء أكثر وأكثر، لكنني كنت متعبة، حتى ~~إنني لم أستطع أن أذرف دمعة واحدة. وفي الغرفة «6» التفت جميع الفتيات حولي، وارتفع صوت ~~بهار حتى غطى على صوت الجميع. ~~- «أيتها الفتيات، اتركن لها مساحة كي تتنفس. مارينا، هل أنت بخير؟» # نظرت في عينيها، ثم تلاشت كل الأصوات. # عندما استعدت وعيي، وجدت نفسي أرقد على الأرض في أحد الأركان وفوقي بطانية، وبهار تجلس ~~بجواري تقرأ القرآن. ~~- «بهار.» # ابتسمت، وقالت: «ظننتك في غيبوبة. أين كنت؟» # أخبرتها بأمر اغتيال علي، فصدمت. # قالت: «لقد نال جزاءه.» ~~- «كلا يا بهار، لم يكن يستحق ذلك.» ~~- «ألم تكرهيه لما فعله بك؟» # لماذا يسألني الجميع هذا السؤال؟ ~~- «لم يكن الشر به خالصا، بل كان به بعض الخير. كان حزينا وحيدا؛ أراد أن يتغير وأن ~~يساعد الناس، لكنه لم يكن يعرف السبيل المناسب لذلك، أو ربما كان يعرف لكنه لم يستطع، لأن ~~أشخاصا مثل حامد لم يسمحوا له بذلك.» ~~- «كلامك غير منطقي. لقد اغتصبك مرة بعد مرة.» ~~- «كنت زوجته.» ~~- «وهل كنت تريدين الزواج منه؟» ~~- «كلا.» ~~- «لقد ms215 أجبرك.» ~~- «نعم.» ~~- «لا يزال الاغتصاب تحت ستار شرعي اغتصابا.» ~~- «بهار، ما من شيء منطقي في العالم. أشعر أن اللوم يقع علي في كل شيء.» ~~- «لكنك لم تخطئي في أي شيء.» # سألتها عن ابنها إحسان، فقالت إنه نائم. لم تكن تعرف أي شيء عن زوجها. ~~••• # بعد نحو أسبوعين استدعيت عبر مكبر الصوت، ووجدت السيد موسوي ينتظرني في المكتب. طلبت ~~منه الأخت زينب أن يوقع تعهدا بإعادتي قبل العاشرة ليلا. # قال لي فور أن خرجنا من المكتب: «سوف أصطحبك إلى منزلي لتناول العشاء.» ~~- «أولئك الأخوات الجديدات لسن ودودات مع الآخرين.» ~~- «كلا، على الإطلاق.» # بدا السيد موسوي ذاهلا ونحن نتجه نحو السيارة. # عندما اجتزنا البوابات سألني هل أشعر بتحسن، فقلت نعم. أخبرني أنه هو وعائلته يشعرون ~~بتحسن أيضا، فقد أمدهم الله بالقوة وشغلهم ابن أكرام، ثم أخذ نفسا عميقا وأخبرني أنه حصل ~~على معلومات تؤكد أن اغتيال علي كان ترتيبا داخليا، فلم أصدق ما سمعته. # سألته: «حامد؟» ~~- «نعم، إنه أحدهم، لكن لا يمكن إثبات ذلك.» # قلت إن عليا كان قد أخبرني بأنه يواجه بعض المشاكل مع أسد الله لاجيفاردي، وأكد لي ~~السيد موسوي أنه يعتقد أن لاجيفاردي هو من أمر بتنفيذ عملية الاغتيال. # سألته: «وهل هناك ما يمكنك فعله كي تقدم المسئولين عن تلك العملية للمحاكمة؟» ~~- «كلا، كما قلت لك لا يمكنني إثبات أي شيء، فلن يتقدم الشهود للإدلاء بشهادتهم ~~أبدا.» # فقد السيد موسوي ابنه الوحيد، والقتلة - زملاء ابنه - سيفلتون من العقاب، وهو ما آلمه ~~كثيرا. وجدتها مفارقة محزنة أن يموت علي بنفس الطريقة التي يعدم بها الشباب والفتيات في ~~«إيفين»؛ نفس أعضاء فرقة إطلاق النار الذين أنهوا حياة كل من جيتا وترانه وسيرس هم من ~~جذبوا الزناد الذي أنهى حياته. # قال السيد موسوي: «هناك أمر آخر يجب أن أصارحك به يا مارينا. إنني أحاول إطلاق سراحك، ~~ولكنني لم أتمكن من ذلك حتى الآن.» ~~- «لماذا؟» ~~- «لأن المتشددين من أمثال لاجيفاردي الذين يتمتعون بنفوذ قوي في «إيفين» يؤكدون أنه ~~ينبغي ألا يسمح لك بالعودة ms216 إلى نمط حياتك القديم، فهم يرون أن تلك الخطوة سوف تعرض إيمانك ~~للخطر، ولأنك زوجة شهيد اغتيل على يد «المجاهدين» فعليهم أن يحموك من الكفار ويزوجوك من أحد ~~المسلمين الصالحين في أقرب وقت ممكن.» # لم أصدق ما كنت أسمعه، فقلت: «ولكنني أفضل الموت على أن يحدث ذلك.» # فهز رأسه وقال: «لا داعي لذلك يا مارينا، فقد وعدت ابني بأن أعيدك إلى منزلك، وسوف أفي ~~بوعدي. سأذهب لمقابلة الإمام، وأنا على يقين من أنني سأتمكن من إقناعه بإطلاق سراحك. سوف ~~ينزعج البعض، ويبذلون كل ما بوسعهم من أجل تعقيد الأمر، وهكذا قد يستغرق الأمر وقتا أطول ~~مما كنت أتوقع، لكنك ستكونين على ما يرام، وعليك أن تتحلي بالقوة. قد لا أستطيع تقديم قتلة ~~علي للمحاكمة، ولكنني أتعهد بحمايتك لأن عليا أراد ذلك.» # سألته: «هل تصطحبني لزيارة قبر علي؟» # فوعدني بذلك. # فجأة سألني: «مارينا، هل شعرت نحوه بالحب في أي وقت؟» # فوجئت بهذا السؤال؛ إذ لم أكن أتوقع أن يحدثني بتلك الصراحة. # أجبته: «لقد سألني قبل وفاته بقليل هل أكرهه، فقلت لا. لا يمكنني القول إنني أحببته، ~~ولكنني كنت أهتم لأمره.» # كانت هذه أول مرة أذهب فيها إلى منزل والدي علي دون أن يكون معي. كل بضع دقائق ينتابني ~~شعور قوي أنه سيدخل الغرفة علينا. # بعد أن تناولنا العشاء أخبرتني والدة علي أنها ترغب في الحديث معي على انفراد، فذهبنا إلى ~~غرفة أكرام القديمة. أغلقت الباب خلفنا، وجلست على الفراش، وأشارت لي أن أجلس بجوارها، ثم ~~أخبرتني بأن السيد موسوي يبذل كل ما بوسعه كي يعيدني إلى أهلي، وأخبرتها أني على علم ~~بذلك. ~~- «أعلم أنه أخبرك، لكني أردت أن أخبرك بنفسي. لقد كانت أمنية علي الأخيرة أن تعودي إلى ~~المنزل، وهذا يعني الكثير لنا.» # قالت إنها لم تكن تتوقع أن ينجو علي عندما ألقى «السافاك» القبض عليه وسجن في «إيفين» ~~قبل الثورة. كانت تعلم أن استشهاد ابنها سيكون فخرا لها، لكنها شعرت بالذعر؛ إذ لم تكن ~~ترغب في أن تفقد ابنها الوحيد. ms217 وعندما ذهب إلى الجبهة تسلل إليها الخوف مرة أخرى، وشعرت ~~بالارتياح عند عودته ظنا منها أنه سيصبح آمنا في طهران. # قالت وهي تبكي: «لكن انظري ماذا حدث، فقد ~~غدر به زملاؤه، أولئك الذين يفترض أن يقدموا له الحماية، أولئك الذين وثق بهم، ولا يوجد ما ~~يمكننا القيام به الآن. لقد نجا في عهد الشاه وأثناء الحرب كي يلاقي حتفه بتلك الطريقة. كل ~~ما يمكننا فعله الآن أن ننفذ أمنيته الأخيرة، وأعدك أننا سنفعل ذلك، وأؤكد لك أيضا أننا ~~نعلم جيدا أن أكرام تدين لك بالفضل في إنجابها لهذا الطفل. علي الصغير هو معجزتنا، وهو ~~أملنا الآن.» # وهنا قرع أحدهم الباب ودخلت أكرام حاملة ~~عليا الصغير بين ذراعيها. كان قد كبر قليلا عما رأيته في المستشفى، وكانت له وجنتان ~~متوردتان وعينان داكنتان واسعتان. إنه طفل جميل. حملته بين ذراعي وتذكرت طفلي، وشعرت ~~بالامتنان لأنني حملته بين ذراعي، حتى وإن كان حلما. ~~••• # بعد بضعة أيام اصطحبني السيد موسوي إلى مقبرة «بهشت زهرا» التي دفن فيها علي، وتقع جنوبي ~~طهران بجوار الطريق السريع المؤدي إلى مدينة «قم» الشهيرة بالمدارس الدينية الإسلامية. ~~رافقتنا أكرام، وجلست بجواري في المقعد الخلفي للسيارة، وطوال الطريق الذي استغرق ساعتين ~~ظلت إحدانا تمسك يد الأخرى دون أن نتبادل كلمة واحدة. كان الطريق مظلما نظيفا يقسم ~~الصحراء إلى نصفين، وكانت الأمطار قد هطلت في الليلة السابقة، لكن السماء صافية الآن. اتكأت ~~برأسي على ظهر المقعد، وتركت أمواج الظلال والأضواء تغمرني. لقد فقدت أصدقاء وأحباء لي من ~~قبل، لكن عليا لم يكن يشبه أيا منهم؛ لم يكن يشبه أيا ممن عرفتهم من قبل. لم يكن ~~بوسعي تغيير ما فعله بي أو ما حدث بيننا. لكنه توفي بعدما بدأ يتغير ويتخلى عن هويته ~~السابقة. لقد أزهقت العديد من الأرواح البريئة خلف أسوار «إيفين» ودفنت في قبور مجهولة، ~~وكان علي مسئولا عن الفظائع التي ارتكبت هناك، ولكن الحقيقة أنه مات مظلوما، فقد قتله ~~أولئك المتشددون لأنه أصبح مصدر تهديد لهم؛ لأنه حاول أن ms218 يغير الأوضاع إلى الأفضل؛ لأنه ~~حاول التحرر من قيودهم. # عندما وصلنا إلى المقبرة لم أستطع أن أجمع شتات أفكاري، فقد أصبح العالم خليطا من الصور ~~التي لا تربط بعضها ببعض صلة، لكنني استعدت انتباهي عندما أخبرتني أكرام أننا وصلنا إلى ~~الناحية المخصصة للشهداء في المقبرة. كاد النهار ينتصف، وبالرغم من هبوب نسمات رقيقة باردة، ~~كانت الشمس لافحة وأخذت أتصبب عرقا. تناثرت شجيرات صغيرة هنا وهناك، ولكن على امتداد البصر ~~كانت الأرض مكسوة بشواهد قبور من الرخام والأسمنت وضعت أفقيا على القبور. أحاطت بنا النصب ~~التذكارية المصنوعة من القصدير ذات النوافذ الزجاجية، وهي أضرحة للمتوفين. معظم من دفنوا ~~هنا كانوا من ضحايا الحرب، ومعظمهم كانوا في سن صغيرة للغاية عند وفاتهم. # توقف السيد موسوي وأكرام أخيرا؛ لقد وصلنا إلى قبر علي. انحنى والده على ركبتيه ووضع يده ~~على القبر، ثم أخذت كتفاه ترتجفان، وتساقطت دموعه على السطح الحجري اللامع حتى امتزجت ~~بالكتابة المحفورة عليه: # السيد علي موسوي # جندي الإسلام الشجاع # 21 أبريل 1954 إلى 26 سبتمبر 1983 # وضعت أكرام يدها على كتف والدها وغطت وجهها بالشادور. # وداخل النصب التذكاري الذي شيد أمام القبر وضعت ثلاث صور لعلي. كان يبلغ من العمر في ~~الصورة الأولى ثمانية أو تسعة أعوام ويقف مبتسما يضع قدمه اليمنى على كرة قدم ويديه على ~~فخذيه. وفي الصورة الثانية كان في نحو السادسة عشرة تعلو وجهه لحية صغيرة وتبدو عليه علامات ~~الجدية، أما في الصورة الثالثة فكان كما عرفته: رجلا ذا شعر داكن ولحية كثيفة مهذبة وأنف ~~كبير وعينين داكنتين حزينتين. كانت بعض الورود الصناعية الحمراء قد ألصقت بالصور، وعلى كلا ~~جانبي النصب التذكاري وضع أصيص من أزهار الأقحوان الحمراء. انهمرت دموعي بلا توقف، وجلست ~~على الأرض المفروشة بالحصى بجوار القبر وتلوت «السلام الملائكي» عشرات المرات من أجله؛ من ~~أجل زوجي؛ من أجل رجل مسلم دفن في «ساحة الشهداء». تمنيت لو أعفو عنه، ولكن العفو لا يأتي ~~دفعة واحدة كهدية مغلفة بشريط أحمر؛ إنما يأتي تدريجيا. بالإضافة إلى ms219 ذلك فلن يمحو العفو ~~عنه آثار الألم الذي سببه لي؛ سوف يلازمني هذا الألم ما حييت، لكن هذا العفو سيساعدني على ~~أن أتسامى على الماضي وأواجه كل ما حدث. كان علي أن أصرفه عن ذهني كي أحرر نفسي من ~~قيده. # وعلى بعد بضعة قبور إلى يميننا أخذت امرأة عجوز ضئيلة الحجم محدودبة الظهر تنظف شاهد قبر ~~رخامي بإسفنجة صفراء اللون يقطر منها الماء والصابون، ثم صبت عليه الماء النظيف من زجاجة ~~وجففته بقطعة قماش بيضاء اللون، وبعد أن أصبح شاهد القبر نظيفا انتقلت إلى القبر التالي ~~وكررت نفس الشيء. جلس رجل مسن نحيف يرتدي قميصا أبيض وسروالا أسود من القماش في الجزء ~~المتسخ بين القبرين وأخذ يردد شيئا ما وهو يحرك مسبحة في يده ويراقب السيدة. # لن يغسل أحد قبر ترانه أو سيرس أو جيتا أو يبني لهم أضرحة في مقبرة يتمكن فيها أصدقاؤهم ~~وعائلاتهم وحتى الأغراب من زيارتهم والدعاء لهم، لكنني أتذكرهم، ولأنني بقيت على قيد الحياة ~~فعلي أن أعثر على طريقة أحيي بها ذكراهم؛ فحياتي تخصهم أكثر مما تخصني. # وقفت وفتحت النافذة الزجاجية لنصب علي التذكاري، وأخرجت مسبحتي من جيبي وتركتها له هناك. ~~نظرت أكرام إلى المسبحة، وسألت: «ما هذا؟» ~~- «مسبحتي.» ~~- «كم هي جميلة! لم أر مثلها قط.» ~~- «أدعو بها العذراء.» # وبينما نتوجه إلى السيارة، نظرت إلى شواهد القبور التي نظفتها المرأة بعناية شديدة، ~~فوجدتها قد رحلت هي والرجل المسن. كان أحد القبور يخص رضا أحمدي والآخر لحسن أحمدي، وقد ~~ولدا وتوفيا في نفس اليوم؛ كانا توأما قتلا في الجبهة معا. # أدركت كم اعتدت على الموت، ووجدته يصيب صغار السن أكثر مما يصيب كبار السن في نطاق من ~~أعرفهم. # وبعد أن أعدنا أكرام إلى منزلها أعادني السيد موسوي إلى «إيفين»، وأخبرني أنه سيبذل أقصى ~~ما بوسعه كي يعيدني إلى منزلي في أقرب وقت ممكن. ~~••• # وفي أواخر أكتوبر أرسلت شيدا ابنها كاوه خلال إحدى الزيارات إلى والديها. كان قد بلغ من ~~العمر عاما ونصفا، وصار طفلا لطيفا مليئا بالحيوية ms220 أدخل البهجة إلى حياتنا. لم يكن ~~يستطيع نطق اسمي بطريقة صحيحة، فكان يطلق علي الخالة مانا. عندما عادت شيدا من الزيارة ~~بدونه بدت كأن روحها انتزعت منها، فجلست في أحد الأركان وظلت تهتز للأمام وللخلف عدة ~~ساعات حتى استغرقت في النوم. # بعد بضعة أيام أعطيت كل متعلقات ترانه التي طلبت مني توصيلها لوالديها إلى صديقة أوشكت ~~مدة عقوبتها التي تبلغ عاما ونصفا على الانتهاء، لأني فقدت الأمل في العودة إلى ~~المنزل. # وفي ليلة عيد الميلاد من عام 1983 تساقطت الثلوج، وفي الصباح الباكر أخذت أشاهد الكتل ~~الثلجية الخفيفة عبر النافذة ذات القضبان وهي تتراقص جيئة وذهابا بفعل الرياح. سرعان ما ~~تجمدت الثياب المعلقة على حبال الغسيل، وعندما جاء وقت الخروج للساحة دخلت معظم الفتيات بعد ~~جمع الملابس المغسولة في الحال، لأن البرد كان قارسا، ولم تكن الخفاف المطاطية التي ~~نرتديها توفر لنا الحماية من الطقس القارس. تطوعت بإحضار ملابس بهار وسارة. كان الجو أشد ~~برودة مما تخيلت، لكنني أحببت ملمس الكتل الثلجية على وجهي. لا يوجد أحد بالخارج؛ خلعت ~~جوربي وخفي ووقفت ساكنة، احتوتني ثلوج الشتاء تماما، حيث غطتني وملأت الفراغات الصغيرة ~~بين أصابع قدمي. إنه يوم عيد الميلاد؛ يوم ميلاد المسيح؛ يوم للفرحة والاحتفال؛ يوم لترديد ~~الترانيم وإقامة الولائم الضخمة واستقبال الهدايا. كيف يواصل العالم حياته وكأن شيئا لم ~~يحدث؟ وكأن كل هؤلاء الأشخاص الذين فقدوا حياتهم لم يولدوا قط؟! # وبعد فترة بدأت قدماي تؤلمانني، ثم سرى الخدر فيهما. رأيت نفسي ليلة الإعدام عندما كنت ~~مقيدة إلى عمود في انتظار الموت. لقد أخذني «إيفين» بعيدا عن منزلي، وانتزعني من هويتي، ~~وأدخلني في عالم خارج نطاق الخوف شعرت فيه بآلام لا يطيقها بشر. عانيت الخسارة والحرمان من ~~قبل، وعرفت الحزن، لكن الحزن هنا صار كيانا جامحا لانهائيا من الظلام، يبقي ضحاياه في ~~حالة اختناق دائمة. كيف يفترض بالمرء أن يعيش حياته بعد أن يخرج من هنا؟ # كان علي أن أتوقف عن التفكير، فلن تجلب لي تلك الأفكار سوى اليأس. علي ms221 أن أؤمن بأنني ~~سأعود إلى منزلي يوما ما. ~~••• # بعد نحو ثلاثة أشهر، في صباح السادس والعشرين من مارس عام 1984 استدعيت عبر مكبر ~~الصوت. ~~- «مارينا مرادي بخت، توجهي إلى المكتب.» # قد يعني هذا الاستدعاء أي شيء؛ فربما يطلقون سراحي أو يعدمونني رميا بالرصاص، وربما كان ~~السيد موسوي يرغب في مقابلتي. # قالت بهار: «مارينا، سوف تعودين إلى منزلك؛ أشعر بذلك.» ~~- «من الصعب التنبؤ بأي شيء هنا.» # قالت شيدا: «مارينا، بهار محقة.» # عانقتني سارة وهي تضحك والدموع تنهمر من عينيها، وقالت لي: «مارينا، اذهبي لأمي وأخبريها ~~أني بخير وسأعود إلى المنزل يوما ما.» # وصاحت الفتيات وهن يدفعنني عبر الممر: «هيا يا مارينا، انطلقي!» # اجتزت الباب المدعوم بالقضبان، وقبل أن أصعد الدرج نحو حجرة المكتب التفت خلفي، فرأيت ~~أيادي صديقاتي تمتد عبر القضبان ملوحات لي بالوداع، فبادلتهن التحية، وفور أن خطوت إلى ~~حجرة المكتب استدعت الأخت زينب مندوبة الغرفة «6» عبر مكبر الصوت، وطلبت منها أن تحضر ~~متعلقاتي. # قالت الأخت زينب: «لقد انتصرت أخيرا، لم أتخيل أنهم سيسمحون لك بالعودة إلى المنزل بهذه ~~السرعة.» ~~- «فقدت أصدقائي، وزوجي، وجنيني، وتظنين أنني انتصرت؟» # فأطرقت برأسها. # سأعود إلى المنزل. أخيرا سأعود إلى المنزل. ~~••• # كان والدا علي وأكرام وطفلها بانتظاري في غرفة صغيرة عند البوابة. ابتسم لي السيد موسوي ~~وقال: «لقد وفيت بوعدي لك، أليس كذلك؟» ~~- «بلى، ولكن كيف تمكنت من ذلك؟» ~~- «لقد تحدثت مع الإمام. كان لاجيفاردي قد سبقني وعارض ذلك الرأي، ولكنني أقنعت الإمام في ~~نهاية الأمر بأن إطلاق سراحك هو عين الصواب.» # توقف قليلا ثم قال: «هل ستذكرينني بالخير؟» ~~- «بالطبع، وماذا عنك؟ كيف ستذكرني؟» # أجاب وهو يمسح دموعه: «ابنة قوية شجاعة.» طلب مني أن أتصل به إذا واجهت أي مشكلة، وأخبرني ~~أنه سيحتفظ بالمال الذي تركه علي باسمي في البنك مدة عام في حال إذا ما غيرت رأيي وقررت ~~أخذه. ومع أنه حاول أن يهون الأمر علي، فقد أوضح لي أنني سأظل ممنوعة من السفر خارج ~~البلاد بضعة أعوام، فهكذا جرت العادة على من يطلق ms222 سراحهم من «إيفين». # أخبرت السيد موسوي أن عليا وعدني بأن يساعد سارة، وطلبت منه أن يطلب من محمد الاعتناء ~~بها، ووعدني بأن يفعل. # قال السيد موسوي: «أود أن أقدم لك نصيحة واحدة، لا تذهبي لزيارة كل أسر أصدقائك ~~المسجونين، بل يمكنك أن تكتفي بزيارة أسرة واحدة أو اثنتين فقط. لن يكف حامد عن مراقبتك، ~~وإن أعطيته أدنى سبب كي يلقي القبض عليك مرة أخرى فلن يتردد في ذلك، وإن حدث ذلك فلن ~~أتمكن من مساعدتك مرة أخرى. عليك أن تمكثي في المنزل ولا تلفتي الأنظار إليك.» ~~- «سأبقى في المنزل.» # عرض علي السيد موسوي أن يقلني إلى «لونا بارك» حيث تنتظرني أسرتي، لكنني شكرته على ~~كرمه، وأخبرته أني أفضل السير، فقد كنت بحاجة إلى الهواء النقي وبعض الوقت كي أستعد نفسيا ~~لمقابلة والدي. # كانت «لونا بارك» التي تقع على بعد ميل ونصف من «إيفين» مدينة للملاهي، وقد استولت ~~الحكومة على جزء منها كي تستخدمه ساحة لإيقاف الحافلات التي تقل الزائرين إلى السجن، وعند ~~إطلاق سراح أحد السجناء تنتظره أسرته هناك أيضا. # خرجت من السجن. كان أغرب شعور عرفته أن يصبح بإمكاني العودة إلى المنزل. ما زلت لا أجرؤ ~~على الشعور بالسعادة. هبت في وجهي عاصفة من الرياح المحملة بقطرات المطر، فأعدت ضبط ~~الشادور الأسود الذي أرتديه بإحكام وخطوت بحذر على الدرج المؤدي إلى الشارع الضيق الهادئ، ~~ثم توقفت ورفعت بصري وراقبت السحب وهي تتحرك بفعل الرياح العاصفة، وللحظة ظهرت رقعة صغيرة ~~من السماء الزرقاء. كان منظرا خلابا، ومع أن لون السماء كان باهتا، فإنه كان جميلا ~~مقارنة بدرجات الرمادي المختلفة. تابعت الطريق بعيني، وظهرت سيارة بيضاء عند الناصية. ~~هدأ السائق - رجل في منتصف العمر - من سرعته وحدق إلي، ثم واصل السير. كان جورباي قد ~~تشبعا بالماء، وتجمدت قدماي من شدة البرد. # وقف حارس مسلح فوق أحد أبراج المراقبة يراقب الطريق، فناديته: «من فضلك يا أخي، أين ~~الطريق المؤدي إلى «لونا بارك»؟» فأشار لي إلى الطريق. # انتشرت البرك الموحلة في كل مكان، ms223 وظهرت على سطحها أمواج صغيرة جعلت انعكاس كل شيء يرتعش ~~ويهتز ويتلاشى. لا يوجد الكثير من المشاة ، ولكن من حين لآخر يمر أحدهم بخطوات سريعة ثابتة. ~~ظهرت مظلة سوداء في الهواء تتحرك بعيدا عني، وفي ملتقى شارعين وقف رجل كبير نحيف رث الثياب ~~أمام حائط قرميدي متهدم رافعا يديه المعروقتين بالدعاء. # ماذا أقول لوالدي؟ أقول إني في العامين الماضيين تعرضت للتعذيب، وشارفت على الموت، ~~وتزوجت، وترملت، وفقدت جنيني؟ كيف يمكنني أن أصوغ كل ذلك في كلمات؟ وماذا عن أندريه؟ أما ~~زال يحبني بالرغم من الهوة الزمنية التي باعدت بيننا؟ # لاحظت فتاة تسير أمامي على مسافة قريبة حاملة حقيبة بلاستيكية مشابهة لتلك التي أحملها ~~ومرتدية خفا بلاستيكيا أكبر من حجم قدميها بثلاثة قياسات على الأقل. كانت تتوقف كل بضع ~~خطوات وتنظر للخلف نحو الجبل، ويبدو أنها لم تنتبه إلي. وعندما وصلت إلى الطريق السريع ~~وأصبحت «لونا بارك» على مرمى البصر، ومع أن إشارة المشاة قد تحولت إلى اللون الأخضر، لم ~~تعبر الفتاة الطريق، توقفت خلفها ببضع خطوات، ولكنها ظلت واقفة عند نقطة عبور المشاة تشاهد ~~الإشارات وهي تتحول من الأخضر إلى الأحمر والعكس عدة مرات. انطلقت السيارات مسرعة ثم توقفت، ~~ثم عادت للانطلاق مرة أخرى. # سألتها: «لم لا تعبرين الطريق؟» ففزعت، واستدارت نحوي وحدقت إلي وسط الأمطار، فابتسمت ~~لها. ~~- «أنا عائدة من «إيفين» إلى المنزل مثلك، ويمكننا عبور الطريق معا.» # علت وجهها ابتسامة مترددة، وأمسكت إحدانا بيد الأخرى وعبرنا الطريق السريع. كانت يدها ~~أكثر برودة من يدي. # وعندما وصلنا إلى «لونا بارك» أوقفنا أحد الحرس الثوري وهو يلعن الأمطار الباردة، وسألنا ~~عن اسمينا، ثم أخرج ورقة مبللة من جيبه وتأكد من وجود أسمائنا، ثم سمح لنا بالمرور. نظرنا ~~حولنا؛ فيما عدا بعض الأكشاك الضخمة في الخلف بدا المكان كساحة خالية مخصصة لوقوف السيارات ~~في حماية الحرس الثوري. لم أر أي وجه مألوف، لكن رفيقتي هرعت نحو رجل وامرأة قد وصلا للتو ~~وكانا يبكيان. بعد مرور بضع دقائق رأيت والدي، فجريت نحوهما ms224 وعانقتهما طويلا، وبينما ~~نتجه نحو السيارة حاولت أمي فتح مظلتها، لكنها لم تتمكن من ذلك. ~~- «أمي، ماذا تفعلين؟» ~~- «لقد علقت تلك المظلة اللعينة.» ~~- «كدنا نصل إلى السيارة.» ~~- «لكنك مبللة، وأخشى أن تصابي بالبرد.» # إنها ترغب في حمايتي من المطر؛ فطوال العامين الماضيين لم يكن بوسعها أن تفعل أي شيء ~~لمساعدتي؛ كانت عاجزة، بل ربما كانت أكثر عجزا مني. وأخيرا فتحت المظلة، ومع أننا وصلنا ~~إلى السيارة أخيرا فقد أخذتها منها. # ركبت السيارة وأنا غارقة في مياه الأمطار، فوجدت أندريه يجلس في مقعد السائق، واستدار ~~نحوي وابتسم. كان وجوده يعني أنه قد وفى بوعده وانتظرني؛ أنه ما زال يحبني. أخيرا شعرت ~~بالسعادة. أمر غريب أن أحدنا لم يدرك حقيقة مشاعره نحو الآخر قبل أن يلقى القبض علي؛ لم ~~ندرك ذلك إلا بعد أن فقد أحدنا الآخر. # بدد صوت أمي الفراغ وهي تقول: «لماذا لم يسمحوا لنا بالحضور إلى بوابة السجن في هذا ~~الطقس الرديء كي نصطحبك؟ انظري إلى نفسك! سوف تمرضين بلا شك، اخلعي جوربيك.» ~~- «أمي، لا تقلقي، فأنا بخير، وسوف أبدل ملابسي فور أن نعود إلى المنزل.» ~~- «لقد صنعت لك ملابس جديدة، وكلها معلقة في خزانتك.» # عندما كنت في السجن انتقل والداي إلى منزل صديقة قديمة لهما، وهي امرأة طيبة تدعى زينيا ~~وتعيش بمفردها في منزل من طابق واحد به خمس غرف ويقع في حي راق. كان هذا الاتفاق مرضيا ~~لكلا الطرفين، فمن ناحية لن تشعر زينيا بالوحدة بعد الآن، ومن ناحية أخرى لن يضطر والداي ~~إلى سداد إيجار مرتفع القيمة في مقابل مساحة صغيرة، فقد ارتفعت أسعار المنازل كثيرا خلال ~~الأعوام التالية للثورة، ووجد أفراد الطبقة المتوسطة الذين لا يمتلكون منازل خاصة بهم صعوبة ~~في سداد إيجار المنازل. # سألت أمي: «كيف كان الانتقال؟» ~~- «كل شيء سار على ما يرام. اضطررنا فحسب إلى بيع بعض الأشياء، فزينيا لديها الكثير من ~~الأثاث، ولم يكن هناك مكان كاف لكل شيء. لم يتركنا أندريه قط، وساعدنا أثناء الانتقال. ~~حمدا لله أن لديه سيارة ms225 كبيرة؛ لا أدري ماذا كنا سنفعل من دونه. # سألت أندريه: «أما زالت لديك نفس السيارة؟» ~~- «نعم.» # فوجئت بذلك، لكنني أدركت عندئذ أنه مع أن الوقت الذي قضيته في «إيفين» قد بدا لي دهرا من ~~الزمن، فإنه لم يكن يزد عن عامين وشهرين واثني عشر يوما فقط. # | الفصل الثامن عشر # في منزل زينيا حصلت على غرفة نوم بها نافذة تكاد تكون بعرض الحائط تطل على الساحة ~~الخلفية. كانت الحوائط مطلية باللون الوردي، وهو لوني المفضل، وهناك مقعدان بالقرب من ~~النافذة. تحسست بأصابعي القماش الوثير الذي يغطي المقعدين، وتخيلت نفسي جالسة على أحدهما ~~أقرأ رواية أو ديوان شعر. وجدت منضدة صغيرة للتزين، كانت جزءا من وحدة أثاث جدارية، وعليها ~~صورتان لي موضوعتان في أطر يدوية الصنع من أصفهان. في إحدى الصورتين، كنت في الثامنة من ~~العمر أتكئ على سيارة أبي طراز أولدزموبل الزرقاء اللامعة أرتدي ثوبا صيفيا وأحدق في آلة ~~التصوير، وابتسامة غامضة متسائلة تعلو وجهي. هل كنت صغيرة هكذا يوما؟ وفي الصورة الأخرى ~~كنت في الثالثة عشرة أركب دراجتي أمام منزل عمتي الصيفي، وأرتدي قميصا أزرق اللون وسروالا ~~أبيض قصيرا، وأشتاق إلى الذهاب إلى الشاطئ كي أقابل أراش. كان أخي هو من التقط كلتا ~~الصورتين. # وبدلا من فراشي القديم وجدت أريكة تفتح فراشا مغطاة بنسيج من الصوف التويدي في أحد ~~الأركان. لمست كل قطعة أثاث، وبدا كل شيء حقيقيا. لماذا إذن أشعر وكأنني أحلم؟ بدا الأمر ~~وكأن حياتي الحقيقية لا تزال في «إيفين»، وأن هذا العالم الآخر الذي انتقلت إليه؛ هذا ~~المكان الذي كنت أدعوه منزلي وأتحرق شوقا للعودة إليه بدا لي غريبا غير حقيقي. «إنها ~~الحقيقة، لقد عدت إلى المنزل، انتهى الأمر، انتهى الكابوس، جميل أننا انتقلنا إلى منزل آخر، ~~إنها بداية جديدة، علي أن أنسى الماضي.» # أخرجت ملابسي المطوية من الحقيبة ~~البلاستيكية التي أحضرتها معي من «إيفين»، وخطر في بالي أن ألقي بكل محتوياتها في صندوق ~~القمامة، لكنني أدركت أني لا أستطيع القيام بذلك. كان وشاح الزفاف الأبيض يعلو ms226 كومة ~~الملابس، وكنت قد لففته حول خاتم الزواج. أخذت نفسا عميقا وفضضت طيات الوشاح الحريري، ~~ورأيت عليا بين ذراعي يحاول جاهدا التقاط أنفاسه. تمنيت لو كان العالم مكانا بسيطا ~~كل الناس فيه إما أخيار أو أشرار. أعدت طي الوشاح على الخاتم وخبأته في ركن مظلم من خزانتي، ~~ثم توجهت إلى النافذة. كان المطر قد توقف، وتدفقت أشعة الشمس عبر السحب على شكل شرائط ~~ذهبية. كانت الساحة الخلفية شديدة الخصوصية والانعزال، فهي محاطة بأسوار قرميدية مرتفعة، ~~وأحاطت بالمسبح الخالي الكثير من شجيرات الورد، وهنا سمعت أحدهم يقرع الباب برفق. # قلت وعيناي مثبتتان على الحديقة الهادئة: «تفضل.» # دخل أندريه ووقف خلفي ووضع يديه على كتفي، فشممت رائحة عطره وشعرت بدفء جسده. ~~- «توقعت أن تعودي حاملة طفلا بين ذراعيك، ومع ذلك لم أكن لأتوقف عن حبك، ولم يكن شيء ~~ليتغير.» # لم أتحرك من مكاني. لا يمكن أن يكون قد علم بأمر الطفل، لكنه قال ما أود سماعه تحديدا. ~~أظن أنه سمع أن الفتيات يتعرضن للاغتصاب في السجن. حاولت أن أحبس دموعي. ~~- «لا أحمل طفلا في أحشائي.» ~~- «هل تعرضت للتعذيب؟» ~~- «نعم. أتريد أن تعرف لماذا اعتنقت الإسلام؟» # كنت أود أن أخبره بما حدث، ولكنني لم أدر كيف. ~~- «لا يهمني ذلك الأمر. أعلم أنك كنت مرغمة، أليس كذلك؟» ~~- «نعم.» ~~- «أنا أحبك.» # استدرت إليه وقلت: «وأنا أيضا أحبك.» # كانت تلك أول مرة نتصارح بحبنا، فطوقني بذراعيه وتلاقت شفتانا، ولبضع لحظات شعرت بأن ~~«إيفين» لم يعد سوى ذكرى بعيدة؛ ذكرى لا يمكنها أن تبقيني أسيرة لها. ~~••• # وفي تلك الليلة جلسنا جميعا حول مائدة العشاء، وكانت أمي قد أعدت يخنة اللحم بالكرفس، ~~والأرز. في البداية خيم الصمت على الغرفة، فلم يكن يقطعه سوى صوت الملاعق وهي تحتك ~~بالأطباق الخزفية، أو صوت أحدنا يسعل. # قطعت زينيا الصمت بصوتها الدافئ العذب وقالت: «حمدا لله على هطول الأمطار اليوم، فقد ظل ~~الجو جافا فترة طويلة، والمروج ذابلة، ولكنها الآن تبدو أفضل كثيرا.» كانت زينيا امرأة ~~متوسطة الحجم ذات شعر أشقر قصير ms227 وعينين داكنتين. # أضاف هوشانج خان، وهو صديق لعائلة زينيا، كان يتناول العشاء معنا: «كلما استمر هطول ~~الأمطار تفتحت الزهور أكثر.» # قبعت سيسي - إحدى القطط الثلاث التي تمتلكها زينيا - تحت المائدة وأخذت تتمسح في ساقي، ~~فربت على رأسها وهي تموء راضية. # تسمرت عينا أبي على طبقه معظم الوقت، لكن بين الحين والآخر كان يدور بنظراته حول ~~المائدة ويستقر بها علي هنيهة. حاولت أن أفهم التعبير المرتسم على وجهه، لكنه كان خاليا ~~من التعبير كالعادة. كان يبدو محطما عند زيارتي في السجن، لكنني الآن عدت وعادت الأمور إلى ~~طبيعتها. ربما من الأيسر للجميع أن يتظاهروا بأن شيئا لم يحدث، وكأنني لم أسجن، لكن هل ~~صمتهم هذا رغبة في حمايتي أم في حماية أنفسهم؟ # كانت والدة علي قد صنعت يخنة اللحم بالكرفس والأرز في الليلة التي اغتيل فيها ابنها. كيف ~~يمكنني أن أخبر عائلتي بأمر علي وزواجي منه ووفاته؟ شعرت كأنني ضيفة غريبة لا أحد يهتم ~~لأمرها، وأنها دعيت إلى المنزل من منطلق الشعور بالواجب. عندما تنتهي الزيارة يفترض أن ألقي ~~على الجميع تحية المساء وأعود إلى منزلي، ولكن أي منزل؟ منزل أسرة موسوي؟ أم ~~«إيفين»؟ # لم أذق طعم النوم في تلك الليلة، وظللت أراقب الظلال غير المألوفة على الحائط. لقد ~~أنقذني علي مرتين في ليلة اغتياله؛ مرة عندما طرحني أرضا، وأخرى عندما طلب من والده وهو ~~يحتضر أن يعيدني لعائلتي، ولولا دعم السيد موسوي لكنت قضيت بقية حياتي في «إيفين»، أو ربما ~~حدث ما هو أسوأ من ذلك؛ فكما أخبرني السيد موسوي ربما زوجني حامد لأحد أصدقائه، وما كنت ~~لأتمكن من فعل أي شيء حيال ذلك سوى الانتحار. # عندما عاد علي من الجبهة أخبرني أنني إن لم أتزوجه فسوف يلقي القبض على والدي ~~وأندريه. صحيح أني صدقته حينها، أما الآن فتنتابني موجة من الشك. ماذا لو كان ذلك تهديدا ~~فقط؟ كان بإمكاني عندئذ أن أرفض عرضه دون أن أعرض حياة أي شخص للخطر. ماذا لو ~~رفضت؟ # الآن وأنا أرقد آمنة في فراشي، ms228 من السهل أن أتحلى بالشجاعة. ~~••• # في اليوم التالي بحثت عن كتبي، ومعظمها هدايا من ألبرت صاحب المكتبة العجوز، في كل مكان ~~بالمنزل، وعن الصندوق الذهبي الذي يضم سيرة جدتي، لكنني لم أعثر على شيء، فذهبت إلى أمي وهي ~~تجلس في غرفة المعيشة تدخن سيجارة. ~~- «أمي، أين كتبي؟» # هزت رأسها ونظرت لي كأنها سمعت أكثر الأسئلة تفاهة على الإطلاق. ~~- «أي كتب؟ يبدو أنك لم تتعلمي الدرس بعد، أليس كذلك؟ لقد كانت كتبك خطرة كقنبلة زمنية. ~~هل تدركين مقدار الفزع الذي شعرنا به عندما ألقي القبض عليك؟ لقد تخلصت من كل الكتب التي ~~لم يصادرها الحرس. استغرق الأمر مني أياما، لكني تخلصت منها كلها.» # لم تستطع إحراقها، لأنها لم تكن تملك مدفأة أو ساحة بالمنزل، وهكذا أخذت تمزق صفحاتها ~~صفحة صفحة وتغسلها في المغسلة حتى تتحول إلى عجين، ثم تخلط ذلك العجين بالقمامة شيئا ~~فشيئا. # تهاويت على أحد المقاعد وأنا أفكر في كتبي الجميلة التي تحولت إلى عجين قبيح ~~الشكل. # لقد غسلت الكتب؛ غرقت الكلمات المكتوبة، وأخرست إلى الأبد. # كان أكثر ما أفتقده «سجلات نارنيا» التي تحمل توقيع ألبرت. # سألت أمي: «كان هناك صندوق ذهبي صغير تحت فراشي، ماذا حل به؟» ~~- «تقصدين كتابات جدتك؟ فكري قليلا يا مارينا، لو كان الحرس قد أتوا إلى منزلنا مرة أخرى ~~ووجدوا أوراقا مكتوبة بالروسية، ماذا كانوا سيفعلون؟ كان الأمر سيستغرق منا أعواما كي ~~نثبت أننا لسنا شيوعيين.» # لم أستطع أن ألقي باللوم على أمي، فقد كانت خائفة. كل هذا كان نتاج الثورة ~~الإسلامية. # الحزن أمر غريب! إنه يتخذ أشكالا وألوانا متعددة. تساءلت هل تمكن أحد من تحديدها كلها ~~وإعطائها أسماء وهمية. ~~••• # سرعان ما حل عيد ميلادي التاسع عشر، ودعت أمي بعض الأصدقاء والأقارب للاحتفال بتلك ~~المناسبة. قبل وصول الضيوف تفحصت الملابس المعلقة في خزانتي، فوجدتها كلها كئيبة ذات أكمام ~~طويلة بألوان سوداء وزرقاء داكنة وبنية. لم أبلغ الثمانين من عمري بعد. أردت أن أرتدي ثوبا ~~زاهيا بلا أكمام، وأن أنظر في المرآة فأرى الفتاة التي ms229 كنت أعرفها من قبل؛ أردت ارتداءه ~~واستئناف حياتي من حيث انقطعت عنها. # ذهبت إلى أمي وأخبرتها أن الملابس التي صنعتها من أجلي أنيقة وتعجبني، لكنني أرغب في ~~ارتداء ثوب أكثر إشراقا لحفل عيد ميلادي، وطلبت منها أن تعطيني أحد أثوابها القديمة التي ~~كانت ترتديها في الحفلات؛ فلديها ثوب وردي مفتوح الكتفين يعجبني كثيرا. لا بد أنه سيكون ~~فضفاضا علي، لكن يمكنني ضبط مقاسه، فقد تعلمت الحياكة والتفصيل في «إيفين»، ووافقت ~~أمي. وبعد أن قضيت نحو نصف ساعة أمام ماكينة الخياطة، أصبح الثوب مناسبا لي تماما، ~~وانتعلت حذاء بكعب عال. كنت عازمة على استعادة حياتي مرة أخرى. # استقبلني الضيوف بالابتسام والعناق والقبلات، وأخبروني أنني أبدو رائعة. سعدت لرؤيتهم ~~جميعا، ولكن ظلت تفصل مسافة ملحوظة بيننا؛ بين الفتاة التي رحلت بعيدا، وبين من عاشوا ~~حياة طبيعية. تكررت فترات الصمت المزعجة في كل محادثة. # كان أحدهم يسأل: «مارينا، تبدين رائعة. كيف حالك؟» # فأجيب: «بخير.» # بعدها يتكلف الابتسام ويحاول إخفاء عدم الارتياح الذي يشعر به والذي يطل من عينيه واضحا ~~كالشمس. ~~- «تبدو تلك الفطائر لذيذة، هل أعدتها والدتك؟» # لم يكن الذنب ذنبهم، كانوا جميعا ودودين مهذبين معي، لكن الأمر كان ينتهي عند هذا الحد. ~~انضم إلينا أحد القساوسة ويدعى الأب نيكولا، وكان يعزف الأغاني الشعبية الروسية على ~~الأكورديون، وأخذ والداي يغنيان معه. كان جميلا أن أحاط بالوجوه المألوفة الباسمة للأقارب ~~والأصدقاء والألحان التي تعود ذكراها إلى أيام طفولتي، لكن عليا كان محقا، فالمنزل لم ~~يعد كما تركته، لأنني لم أعد كما كنت. اختفى العالم البريء الآمن الذي عشت فيه طفولتي إلى ~~الأبد. # بعد تناول العشاء جلست أمي الروحية سيران بجواري. كانت امرأة عاقلة حكيمة، وطالما أحببت ~~معرفة وجهة نظرها. # سألتني: «كيف حالك؟» ~~- «في أحسن حال.» # ضحكت وقالت: «يسعدني أنك لم تفقدي تميزك عن الآخرين.» كانت متأنقة كالعادة في قميصها ~~الأصفر الشاحب وتنورتها البنية الأنيقة. «يجب أن تفخري بنفسك، فمعظم من يخرجون من «إيفين» ~~يوصدون الباب على أنفسهم ولا يخاطبون أحدا فترة طويلة، لكنك ورثت ms230 القوة عن جدتك.» # صدحت موسيقى الفالس وبدأ الناس يرقصون. # سألتها: «لم لا يسألني أحد عما حدث لي في العامين الماضيين؟» ~~- «الإجابة بسيطة جدا، فنحن نخشى السؤال لأننا نخشى المعرفة. أظنه نوعا من الدفاع ~~الطبيعي عن النفس. إن لم نتحدث نحن في هذا الشأن وتظاهرت أنت بأنه لم يحدث، فربما يدخل ~~الأمر في طي النسيان تماما.» # توقعت أن تؤدي عودتي للمنزل إلى عودة الأمور لطبيعتها، لكن ذلك لم يحدث. كرهت الصمت ~~المحيط بي، ورغبت في أن أشعر بحب من حولي، ولكن كيف يجد الحب طريقه إلي وسط كل هذا الصمت؟ ~~إن الصمت والظلام يتشابهان إلى حد بعيد، فالظلام غياب للضوء، والصمت غياب للأصوات. كيف يمكن ~~للمرء أن يجتاز كل هذا التجاهل؟ ~~••• # بعد حفل عيد ميلادي قررت أن أحصل على شهادتي الثانوية؛ علي أن أواصل حياتي، ويمكنني أن ~~أستذكر دروسي في المنزل وأذهب إلى المدرسة لأداء الاختبارات. ومع أن أندريه كان يستكمل ~~دراسته في الهندسة الكهربائية فقد ظل يزورني كل يوم ويساعدني في دراسة التفاضل والفيزياء، ~~ويقص علي أنباء محاضراته وأساتذته وأصدقائه، ويصطحبني أحيانا لحضور التجمعات وحفلات ~~أعياد الميلاد في منازل أصدقائه، وبطريقة ما اعتبرنا تلك الفترة فترة خطبتنا. # في ذلك الوقت كانت لدى الحرس الثوري نقاط تفتيش في كل مكان بالمدينة، وكانوا يوقفون ~~السيارات في أوقات مختلفة من اليوم، وخاصة أثناء الليل، ويجرون تفتيشا عشوائيا. ولما ~~كان محرما على رجل وامرأة لا تربطهما صلة قرابة وثيقة أو خطبة أن ينفردا في السيارة، وكي ~~نتخذ احتياطاتنا لهذا الأمر، ومع أننا لم نتحدث في موضوع الزواج قط، فقد طلب أندريه من ~~القساوسة أن يعطونا ورقة رسمية تثبت أننا مخطوبان، واحتفظ بها في السيارة كي نستخدمها عند ~~الضرورة. # كنت أستذكر دروسي عشر ساعات يوميا، سواء في غرفتي أو وأنا أذرع المكان جيئة وذهابا حول ~~المسبح حاملة الكتاب في يدي. ربما أكون قد شغلت وقتي باستذكار الرياضيات والعلوم كي أتجنب ~~التفكير في الماضي. كان أبي يمكث في العمل طوال اليوم ستة أيام أسبوعيا، فما زال ms231 يعمل ~~موظفا لدى العم بارتيف، وأمي تقضي معظم وقتها في طوابير البقالة أو في المطبخ أو في ~~الحياكة، وكنت أتجنب الاحتكاك بها قدر الإمكان. # وذات يوم دافئ ونحن نجلس في الساحة الخلفية، نقل أندريه مقعده بجواري وطوق كتفي بذراعيه. ~~كانت العصافير تطير حولنا، والأزهار الحمراء والوردية والبيضاء تملأ الجو بعبيرها. # سألني: «متى سنتزوج؟» # كان محمد قد حذرني في «إيفين» من الزواج برجل مسيحي، فطبقا للشريعة الإسلامية لا يسمح ~~للمرأة المسلمة بالزواج من رجل مسيحي، ولكن الرجل المسلم يسمح له بالزواج من مسيحية، أما ~~حقيقة اعتناقي الإسلام مجبرة في ظروف استثنائية فلم تكن تشكل فارقا للحكومة. إن اعترفت ~~بالارتداد عن الإسلام والعودة إلى المسيحية، فسوف أعاقب بالموت طبقا لقواعد ~~الإسلام. # قلت له: «أنت تعلم أننا إن تزوجنا واكتشف الأمر، فسوف يحكمون علي وربما عليك أيضا ~~بالإعدام.» # قلبت الرياح صفحات كتاب الرياضيات الموضوع على المائدة. ~~- «هل تذكرين أول مرة التقينا فيها؟ يوم أن التقينا في حجرة مكتب الكنيسة؟ كان حبا من ~~النظرة الأولى، ومنذ تلك اللحظة أدركت أنك فتاتي. شعرت بأنه علي الاعتناء بك، وعندما ~~ألقوا القبض عليك كنت متأكدا من عودتك. كلانا ينتمي للآخر، تلك هي حقيقة الأمر.» # لمست شعره الأشقر الناعم ووجهه ثم قبلته. ~~- «خلال كل تلك الأيام التي قضيتها في «إيفين» كنت أرغب في العودة إليك. ومع أنني كنت ~~أعلم أن ذلك قد لا يحدث، فقد ظل الأمل يحدوني.» # أخبرني لأول مرة أنه في التاسع عشر من مارس؛ أي قبل إطلاق سراحي بأسبوع، تلقت عائلتي ~~اتصالا هاتفيا من «إيفين» في الصباح الباكر يبلغونهم فيه بأنهم سوف يطلقون سراحي في ذلك ~~اليوم. ذهب أندريه مع والدي إلى السجن في الحال وانتظروا طوال اليوم، ولكنهم أمروا ~~بالانصراف دون أن يعطيهم أحد أي تفسير. صدمت لسماع ذلك، لم لم يخبرني أحد بهذا من قبل؟ هل ~~كان هذا التأخير جولة أخرى من الصراع الذي دار بين لاجيفاردي والسيد موسوي؟ إذا كان الأمر ~~كذلك بالفعل، فقد بذل السيد موسوي جهدا كبيرا، وأنا على يقين ms232 من أنه لم يكن سيربح ذلك ~~الصراع لولا دعم آية الله الخميني. # قال أندريه: «شعرنا بالقلق الشديد ، ولم نعرف سبب تغيير رأيهم، ورفض الحرس الحديث معنا، ثم ~~اتصلوا بنا مرة أخرى في السادس والعشرين من مارس فهرعنا إلى السجن، وعند البوابة طلبوا منا ~~أن نذهب إلى حديقة «لونا بارك» وننتظرك هناك. أوقفت السيارة في ساحة مخصصة لوقوف السيارات ~~بالقرب من الحديقة، وذهب والداك سيرا إلى هناك بينما بقيت في السيارة. شعرت بالانفعال ~~الشديد، لكنني لم أكن على يقين من أي شيء، فحاولت ألا أعلو بسقف توقعاتي. وبعد أن غادر ~~والداك المكان ببضع دقائق، اقترب مني رجل ملتح يرتدي ثيابا مدنية وحياني بقوله: «السلام ~~عليكم»، فرددت التحية. تخيلت أنه يرغب في السؤال عن أحد الاتجاهات، لكنه مال علي وقال: ~~«لا تنس أنك لا تستطيع الزواج من مارينا.» فسألته عمن يكون وكيف عرفني، لكنه أجاب بأن ذلك ~~لا يهم، وأضاف: «إنني أحذرك، فهي مسلمة وأنت مسيحي، وهكذا لا يمكنكما أن تتزوجا.» ثم استدار ~~وغادر المكان.» # بعد الحديث مع هذا الرجل، شعر أندريه بالصدمة والقلق؛ فمع أنه يدرك أن الحرس يعلمون بأمر ~~علاقتنا منذ أن أتى لرؤيتي في الكنيسة عندما زرتها، فهو لم يدرك أن سلطات السجن تراقبه إلا ~~في تلك اللحظة. بعدها استحال خوفه إلى غضب، فلم يكن زواجه بفتاة معينة شأنا يخص أحدا ~~غيره. كان يحبني وهذا كل ما يهم في الأمر. # قال أندريه: «مارينا، إنني أتفهم الموقف، وأدرك أن زواجنا ينطوي على خطورة، لكني أريد ~~أن أفعل ذلك. لا يمكننا أن نستسلم، فنحن لا نرتكب خطيئة. كلانا يحب الآخر ويرغب في الزواج ~~منه. إلى متى سندعهم يتحكمون فينا؟ علينا أن نأخذ موقفا من ذلك الأمر.» # وكان محقا في ذلك. # أعتقد أن ذلك الرجل الملتحي كان محمدا. كنت أدرك جيدا أن ذلك الزواج قد يكون حكما ~~بإعدامي، ولكن المفارقة تكمن في أن علي المخاطرة بحياتي كي أستعيدها مرة أخرى. لقد كنت ~~على وشك الموت في «إيفين» وأنقذني علي، لكنه لم يعد ms233 حياتي إلي مرة أخرى، بل احتفظ بها ~~لنفسه. كانت حياتي هي الثمن الذي دفعته للبقاء على قيد الحياة، وعلي أن أحارب كي أستردها ~~مرة أخرى. # أخبرت والدي قراري بالزواج من أندريه، وظنا أنني قد فقدت عقلي، بل إن معظم القساوسة ~~أكدوا أننا يجب ألا نتزوج، ولكننا حددنا موعدا للزواج في الثامن عشر من يوليو عام 1985؛ أي ~~بعد نحو ستة عشر شهرا من إطلاق سراحي من «إيفين». حاول الأصدقاء والأقارب مرارا أن يثنونا ~~عن عزمنا، وفي محاولة أخيرة طلب والداي من هوشانج خان أن يحدثني في ذلك الشأن، فقد كان ~~رجلا طيبا حكيما، وكانا يدركان أنني أكن له احتراما كبيرا. عندما قرع باب غرفتي ذات ~~مساء كنت جالسة على فراشي منهمكة في القراءة، فدخل وأغلق الباب خلفه وجلس على أحد المقاعد ~~متكئا بمرفقيه على ركبتيه ونظر في عيني مباشرة. ~~- «لا تفعلي ذلك.» ~~- «ماذا؟» ~~- «لا تتزوجي من أندريه. أعلم أن أحدكما يحب الآخر، لكننا نمر بأوقات عصيبة، وقد تدفعين ~~حياتك ثمنا لذلك. تمهلي قليلا، فقد تتغير الأمور، ولا يستحق الأمر أن تفقدي حياتك من ~~أجله.» # لكن كلماته أطلقت العنان للغضب الذي أكتمه بداخلي. ~~- «أنتم لا تملكون الحق في أن تحددوا لي من أتزوجه؛ لا أنت ولا والداي ولا الحكومة ~~بالطبع. سأقوم بما أريد أن أقوم به، سوف أفعل ما أراه صوابا، وكفى تنازلات!» # لم أكن قد رفعت صوتي هكذا من قبل، ولم أكن قد خاطبت أحدا أكبر مني بتلك الوقاحة. أدركت ~~أنني أسأت التصرف، فقد امتقع وجه هوشانج خان وغادر الغرفة، بينما انفجرت باكية. لن أدع ~~الحكومة تخطط لي حياتي، لقد ألقوا بي في السجن وعذبوني معنويا وبدنيا، وأجبرت على ~~اعتناق الإسلام والزواج من رجل لا أعرفه، وشاهدت أصدقائي يلاقون العذاب ويموتون. كل ما ~~يهمني الآن أن أفعل الصواب وأثبت لهم أنه مع أنني أجبرت على اعتناق الإسلام فسوف أتزوج من ~~الرجل الذي أحبه حتى ولو كان ذلك سيعيدني إلى السجن ويعرضني لخطر حقيقي. لن أتنازل تلك ~~المرة، فلم يتمكنوا من تحطيمي، ms234 ولن ينجحوا في ذلك أبدا. # وفي اليوم الذي ذهبت فيه مع أندريه لشراء خاتم الزواج، حاولت أن أخبره بشأن علي، وكنت على ~~يقين من أنه سيتفهم الأمر. ظللنا ندور حول الواجهة الزجاجية لمحل المجوهرات نشاهد ~~المعروضات. كان من حقه أن يعرف، وكنت أريد أن أخبره. لفت انتباهي خاتم ذهبي يبدو كأنه ~~خاتمان متصلان، فطلبت أن أراه. أعجب كلانا بالخاتم، وعندما عدنا إلى السيارة وجدنا مخالفة ~~على زجاج السيارة الأمامي، وأخبرني أندريه بأن تلك المرة الأولى التي يحرر له فيها مخالفة ~~مرورية، واستغرقنا في الضحك. # وفي طريق العودة إلى المنزل، فكرت من أين أبدأ حديثي. كان علي أن أبدأ من البداية؛ منذ ~~اللحظة الأولى التي خطوت فيها إلى «إيفين»، ثم أسترسل في سرد كل لحظة وكل حدث مر بي؛ لكن ~~كلا، لا أستطيع القيام بذلك، لا يمكنني معايشة كل تلك الأحداث مرة أخرى. ~~••• # في ذلك الصيف ذهب والداي لقضاء بضعة أيام في المنزل الصيفي، ورافقتهما أنا وأندريه. كان ~~المنزل جميلا هادئا كما عهدته، ولكن السعادة التي كنت أستمدها من وجودي هناك لم تعد إلا ~~ذكرى. وفي الصباح الباكر من اليوم الأول جريت إلى «صخرة الصلاة» بينما لا يزال الجميع ~~مستغرقين في النوم. بدا كل شيء كما تركته؛ كانت الأشجار العتيقة تطاول عنان السماء وتتشرب ~~أوراقها أشعة الشمس المشرقة. تبلل حذائي وسروالي بالندى، ورقدت على الصخرة أستشعر ملمسها ~~الخشن الرطب على بشرتي، وتذكرت اليوم الذي صليت فيه أنا وأراش هنا. لقد تغير الكثير منذ ذلك ~~الحين. أخرجت خاتم زواجي الأول من جيبي، وانحنيت بجوار الصخرة وحاولت أن أنتزع أحد أحجارها، ~~ولكنها لم تتزحزح، حاولت جاهدة مرارا وتكرارا، ولكن الأحجار كانت متماسكة جدا، فآلمتني ~~أصابعي، جريت إلى المنزل، فلم أجد صوتا سوى غطيط أبي، مشيت على أطراف أصابعي إلى المطبخ ~~وأحضرت سكينا ثم عدت مسرعة إلى الصخرة، وتمكنت أخيرا من اقتلاع ثلاثة أحجار، ووضعت الخاتم ~~داخل التجويف المظلم وأعدت الأحجار مكانها، وتخيلت أن الخاتم محاط الآن بآلاف ~~الدعوات. ~~••• # عندما عدنا إلى طهران أخبرتني ms235 أمي بأن أبي قد تبرأ مني عندما اعتنقت الإسلام. كانت تغسل ~~الأطباق وهي تتحدث إلي ولم تنظر لي مباشرة، لم أفاجأ بذلك، لكني شعرت بالإهانة، توقعت أن ~~أجد الحماية والأمان في منزلي، ولكن الأبواب أوصدت في وجهي، ويبدو أن الهوة التي تفصل ~~بيننا قد زادت اتساعا. جففت أمي يديها وخرجت من المطبخ. حتى لو كنت قد صارحتها بأسراري، ~~لم تكن لتقدر على أن تمنحني ما أحتاجه منها، فهي بحاجة لأن تتفهمني. كانت تلك طريقتها؛ ~~نظرتها إلى العالم وأولوياته تختلف عن نظرتي تماما، لم أجرؤ على القول إنني المحقة وهي ~~المخطئة؛ كل ما هنالك أن إحدانا تختلف عن الأخرى. علي أن أتوقف عن توقع أن تفكر مثلي؛ علي ~~أن أتقبلها كما هي، لأنني أريدها أن تفعل نفس الشيء معي. لم أفهم لم أخبرتني برد الفعل ~~القاسي لأبي تجاه اعتناقي الإسلام، فلم يكن أبي قد تفوه لي بكلمة في هذا الشأن، لكني ظننت ~~أنها قررت أني أحتاج إلى معرفة حقيقة مشاعره في تلك المسألة. ~~••• # ساعدتني أمي في التزين يوم زفافي لأندريه، وصنعت إحدى خالاتي لي ثوب الزفاف. لم أستطع حبس ~~دموعي وأنا أخرجه من خزانتي، ولم أصدق أنني عشت حتى أشهد ذلك اليوم. نظرت من نافذة غرفة ~~نومي إلى الزهور الوردية في الساحة الخلفية، وتلوت صلاة من أجل كل أصدقائي الذين أحببتهم ~~وفقدتهم. كنت أفتقدهم جميعا. # طويت ثوب الزفاف على مقعد بجوار النافذة، وتذكرت يوم زفافي لعلي وكم كنت خائفة، لكن اليوم ~~كان مختلفا، فاليوم يومي أنا. # تساءلت هل سيقدر لي ولأندريه أن ننجب. كنت أخشى الحمل مرة أخرى، وفكرت كثيرا في ~~اللحظات التي قضيتها مع طفلي في الحلم بعينيه الباسمتين وضحكاته ويده الصغيرة التي تقبض على ~~شعري، وفمه الصغير الذي يمتص اللبن مني بنهم. # خرج أندريه في الصباح الباكر لشراء بعض الفواكه الطازجة والمشروبات الغازية كي نتناولها ~~في الكنيسة. دعونا الضيوف للبقاء معنا بعد حفل الزفاف لتناول بعض الكعك والمرطبات في قاعة ~~الكنيسة، وكي لا نلفت الأنظار قررنا أن أذهب إلى ms236 الكنيسة مبكرا وأرتدي ثوب الزفاف ~~هناك. # وبينما كان لحن الزفاف يصدح، اقتادني أبي عبر ممر الكنيسة، وشعرت بأن تلك أسعد لحظة في ~~حياتي على الإطلاق. كانت سلال الزهور الضخمة التي تفيض بأزهار الجلاديوس البيضاء قد وضعت ~~على المذبح، وأحاطت بنا الوجوه الباسمة. # التقطنا بعض الصور داخل الكنيسة وفي ساحتها ~~الخلفية، وتناولنا الكعك وتبادلنا الحديث مع الضيوف، وسرعان ما حان وقت الذهاب إلى الشقة ~~التي استأجرها أندريه بعد وفاة والده ورحيل عمته التي ربته إلى المجر. كانت الشقة تطل على ~~جبال «ألبرز»، وتقع شمال طهران في مبنى متعدد الطوابق على تلال جوردان، يقع في مواجهة طريق ~~جوردان. وقبل أن أخرج من الكنيسة ارتديت الوشاح والمعطف الإسلامي فوق ثوب الزفاف، ثم توجهنا ~~إلى سيارة أندريه الزرقاء من طراز فيات. كان كلانا يشعر بالسعادة والخوف، والأمل يحدونا في ~~غد أفضل، لأننا قررنا أن نحيا حياتنا كما نشاء. ~~*** # بعد زواجنا مباشرة حصل أندريه على وظيفة في مصنع الكهرباء بطهران، وبعد شهرين استأجرنا ~~شقة مشتركة مع والدي كي نتقاسم النفقات. كانت وتيرة الحرب التي دخلت عامها الخامس بين ~~إيران والعراق قد بدأت تتصاعد. منذ أن بدأت الاشتباكات في شهر سبتمبر من عام 1980 ظلت الحرب ~~بعيدة عن طهران، فالمسافة التي تفصل بينها وبين العراق مصدر حماية لنا. تغيرت أسماء الشوارع ~~في الأحياء المجاورة إلى أسماء الشهداء الذين لاقوا حتفهم على الجبهة. قبل أن أدخل «إيفين»، ~~كانت عملية تغيير أسماء الشوارع تحدث رويدا وريدا ولم تكن ملحوظة، ولكن بعد إطلاق سراحي ~~كان بوسعي أن أرى أن الكثير من أسماء الشوارع أصبحت تخليدا لذكرى شهداء الحرب. # قبل زواجي من أندريه بقليل بدأت الغارات الجوية على طهران وبعض المدن الكبرى الأخرى، وذات ~~يوم، وقع الانفجار الأول في الصباح الباكر دون أي إنذار، فقد انفجر صاروخ في أحد الأحياء ~~السكنية المجاورة التي تبعد عن منزل زينيا بأقل من ميلين، فأحدث ارتجاجا هائلا أيقظني من ~~النوم، ومع أنني لم أكن أعلم وقتها مصدر هذا الصوت، فقد أدركت أن شيئا رهيبا ms237 قد حدث، ومنذ ~~ذلك الحين ظلت صافرات إنذار الغارات الجوية تنطلق بضع مرات في اليوم وفي منتصف الليل ، ومع ~~أنه لم يكن هناك مخابئ للحماية من الغارات، ولم تهتم الحكومة ببنائها قط، فقد حاول الناس ~~اللجوء إلى أماكن آمنة بعيدا عن النوافذ، فمع كل هجوم بالصواريخ يتسبب الزجاج المحطم في ~~إصابة وقتل الكثيرين. # أصبح الموت جزءا من حياتي اليومية، ورحل من استطاعوا مغادرة المدينة إلى مدن وقرى صغيرة، ~~لكن معظم الناس لم يكن لديهم مكان آخر يلجئون إليه. وعلى غرار النهر الذي يشق طريقه دائما ~~إلى الأراضي المنخفضة حتى لو اضطر إلى شق الوديان، فقد عادت الحياة لطبيعتها بأقصر السبل في ~~محاولة عنيدة لتحدي الخوف. عاد الآباء إلى أعمالهم وأرسلوا أطفالهم إلى المدارس، ولكنهم ~~أصبحوا يطيلون فترة عناقهم قليلا ويودعونهم بمزيد من الحرارة. دمرت بعض المدارس بفعل ~~الغارات الجوية، وقتل المئات من الأطفال وهم يجلسون خلف طاولاتهم أو يلعبون في فناء ~~المدرسة، وعلى الجبهة بدأ صدام حسين يستخدم الأسلحة الكيميائية مثل غاز الأعصاب وغاز ~~الخردل، مما أدى إلى مصرع الآلاف من الأشخاص. # وعندما كنت أنا وأندريه نسير في المدينة كي نذهب إلى الكنيسة أو لزيارة أحد الأصدقاء، كنا ~~نرى فجوة ضخمة في المكان الذي كان يحتله أحد المنازل في اليوم السابق، وأحيانا كنا نرى ~~درجا رفض أن يتهدم بين الأطلال يؤدي في مشهد غريب إلى الفراغ، أو حائطا مغطى بورق ~~الجدران المزين بالأزهار يلقي بظلاله على رماد الأرواح المفقودة. ~~••• # ذات صباح أحد أيام الأربعاء، بعد إطلاق سراحي من «إيفين» بنحو عامين، دق جرس الهاتف ~~عندما كنت أستعد للذهاب للتسوق وأحمل حافظة نقودي في يدي. # أجابني صوت غير مألوف: «هل يمكنني أن أتحدث إلى مارينا؟» ~~- «أنا مارينا.» ~~- «مارينا، أنا أتصل من إيفين.» # توقف العالم من حولي؛ وضعت حافظة نقودي على الأرض واستندت إلى الحائط. ~~- «عليك أن تحضري إلى «إيفين» يوم السبت كي تجيبي على بعض الأسئلة؛ احضري أمام البوابة ~~الأمامية الرئيسية في التاسعة صباحا، ولا تتأخري.» ~~- «أي أسئلة؟» ~~- «سوف تعلمين. لا ms238 تنسي الموعد، التاسعة صباحا يوم السبت.» # لم أتمكن من الحركة، بل إنني لم أتمكن من وضع سماعة الهاتف مكانها، يبدو أن حياتي بعد ~~«إيفين» كانت حلما، والآن حان الوقت كي أستيقظ من الحلم وأعود إلى الواقع، لكنهم على الأقل ~~لم يطلبوا حضور أندريه. وأخيرا وضعت السماعة وذهبت إلى غرفة النوم. لم يكن أحد بالمنزل، ~~وقضيت بعض الوقت قبل أن أتمالك نفسي. حاولت أن أفكر فيما حدث، وأن أقنع نفسي بأن كل شيء على ~~ما يرام، وبأنهم يراقبونني فحسب، ولكنني لم أتمكن من ذلك، شعرت بالإرهاق، فرقدت على الفراش ~~واستغرقت في النوم، واستيقظت على صوت أمي وهي تناديني وتهز كتفي. ~~- «لماذا تنامين بالوشاح والمعطف؟» # للحظة لم أتذكر ما حدث، ثم أخبرتها بالسبب. # بدا وكأنها لم تفهم ما قلت جيدا، فتساءلت: «ماذا قلت؟» # أعدت كلامي على مسامعها، فامتقع وجهها. # لم أستطع القيام بشيء سوى النوم، لم أستطع التفكير في «إيفين»، فلن يفيد التفكير شيئا. ~~عندما كنت أستيقظ ليلا كي أذهب إلى دورة المياه أو أشرب، كنت أحيانا أجد أندريه جالسا ~~بجواري وعيناه تحدقان في الفراغ ووجهه شاحب ممتقع وجسده ساكن تماما. كان يدرك أن لا شيء ~~بيده، وأن عليه أن يدعني أذهب. حل السكون التام على المنزل، وبدا الصمت كأنه وحش مفترس قد ~~ابتلعنا. # صباح يوم السبت ودعت أندريه وداعا خاطفا دون أن تلتقي أعيننا، ورفضت أن أعانقه، لأنني ~~أعلم أنني لن أتركه إن عانقته. كنا قد اتخذنا قرارا، وعلينا أن نتحمل تبعاته، فبالرغم من ~~كل شيء كنت أدرك منذ البداية أن الأمور سوف تتطور إلى هذا الحد. أقلني أبي إلى بوابة ~~«إيفين» الرئيسية، إذ رأيت أن وجود أندريه معي يمثل خطرا كبيرا. ظل أبي هادئا، وطلبت منه ~~أن يرحل في الحال، وراقبت سيارته وهي تختفي في أحد الشوارع الجانبية. تساءلت هل سيعذبونني، ~~ولكن لم يعذبونني؟ من وجهة نظرهم كنت امرأة مسلمة ارتدت إلى المسيحية وتزوجت رجلا ~~مسيحيا، وهكذا فإنني أستحق الموت. لم يكونوا بحاجة لانتزاع أي معلومات مني، بل كان الأمر ms239 ~~يتعلق بعقوبة الإعدام. قلت لنفسي: «سوف أموت وكرامتي مصونة.» وما إن خطر في بالي ذلك حتى ~~أدركت أنني على حق ما دمت أفعل الصواب وأتبع ما يمليه علي إيماني، كنت على يقين أيضا ~~بأنه مهما كان ما حدث لترانه فلا ريب أنها ماتت مرفوعة الرأس أيضا. # أعدت إحكام الشادور وتقدمت نحو أحد الحرس الذين يقفون أمام البوابة وأخبرته بأمر ~~المكالمة الهاتفية، فسألني عن اسمي، ودلف إلى المبنى، ثم عاد بعد بضع دقائق وطلب مني أن ~~أتبعه. أغلق الباب المعدني الثقيل خلفي، ثم دخلنا غرفة صغيرة، فرفع سماعة الهاتف وطلب ~~رقما، وقال: «إنها هنا.» # قد يكون هذا يومي الأخير في تلك الحياة، ربما كان حامد في الطريق كي يستقبلني، لكنني قطعت ~~عهدا على نفسي بأن أحافظ على رباطة جأشي. وأخيرا فتح الباب ودخل محمد، فتنهدت ~~ارتياحا. ~~- «مارينا، أهلا بك. كيف حالك؟» ~~- «بخير، وكيف حالك أنت؟» ~~- «حمدا لله بخير. اتبعيني.» # فاتبعته، ولم يطلب مني أن أضع العصابة على عيني. كانت الأزهار تملأ المكان، وبدت في غير ~~موضعها في «إيفين». قادني إلى أحد المباني، ودخلنا غرفة بها مكتب وخمسة أو ستة مقاعد، ووجدت ~~صورة للخميني تحتل الحائط. ~~- «اجلسي وأخبريني عن أحوالك منذ أن خرجت من هنا. ماذا كنت تفعلين؟» ~~- «لا شيء، كنت أدرس معظم الوقت وحصلت على شهادتي الثانوية.» ~~- «حسنا، وماذا أيضا؟» ~~- «لا شيء.» # فابتسم وهز رأسه وقال: «لقد وقعت في المشاكل مرة أخرى، وأعتقد أنك تعلمين عم أتحدث، ~~ولكنك سعيدة الحظ لأن لديك بعض الأصدقاء هنا. كان حامد ينوي شرا بك، ولكننا تمكننا من ~~إيقافه.» ~~- «ماذا تعني؟» ~~- «لقد علم بأمر زواجك الثاني وحاول أن يستصدر حكما بإعدامك من محكمة الثورة الإسلامية، ~~لكنك كنت تعلمين أن هذا قد يحدث، أليس كذلك؟» ~~- «بلى.» ~~- «ومع ذلك أقدمت على تلك الخطوة؟» ~~- «نعم.» ~~- «أتسمين هذا شجاعة أم حماقة؟» ~~- «لا هذا ولا ذاك. الأمر أني فعلت ما رأيته صوابا.» ~~- «حسنا، لقد حالفك الحظ تلك المرة، فالمتشددون مثل حامد يفقدون بعض نفوذهم في «إيفين» ~~منذ فترة، وأعتقد أن اغتيال ms240 علي جعل البعض يدركون أن هؤلاء المتشددين قد تجاوزوا الحدود. ~~كان علي قد طلب مني أن أحميك من الأخطار إن أصابه مكروه، ومع أنني أعارض ما فعلته فإنني ~~أحترم رغبته، ولكنني لن أكرر ذلك مرة أخرى. لقد استدعيتك هنا كي أنبهك إلى ضرورة التفكير ~~قليلا قبل أن تتصرفي في المرة القادمة.» ~~- «أقدر لك ذلك.» ~~- «آل موسوي يسألون عنك منذ فترة، وقد أخبرتهم بأنك ستكونين هنا اليوم فأتوا ~~لرؤيتك.» # فتح الباب ودخلوا جميعا، وسررت لرؤيتهم كثيرا. كان علي الصغير قد كبر وأصبح طفلا ~~رائعا يتعلم المشي، وأخذ ينظر لي بارتياب، وعانقتني أكرام ثم جلسنا جميعا. # قال السيد موسوي: «إنني سعيد لرؤيتك بخير يا مارينا، هل أحوالك على ما يرام؟» ~~- «نعم، أشكرك.» ~~- «إذن فقد تزوجت مرة أخرى. هل أنت سعيدة؟» ~~- «نعم سيدي.» ~~- «أنت عنيدة جدا. كنت ستورطين نفسك في مشاكل عديدة لو لم نكن نراقبك.» ~~- «أعلم ذلك يا سيدي، وأشكرك شكرا جزيلا.» ~~- «ما زلت أحتفظ بنقودك، ويمكنك أخذها إن أردت.» ~~- «أشكرك، ولكنني لست بحاجة إليها.» # قالت أكرام لطفلها: «إنها خالتك مارينا يا علي، أعطها قبلة.» فتقدم نحوي ببطء. ~~- «تعال يا علي، ها قد كبرت!» # فاقترب مني وقبل وجنتي، ثم عاد مسرعا إلى والدته. # بكت السيدة موسوي، فعانقتها. لولا وفاة علي لاختلفت حياتي تماما. عندها كانوا سيظلون ~~عائلتي كما كانوا طوال خمسة عشر شهرا. لم أكن أرغب في إيذاء علي بأي طريقة، وشعرت بالذنب ~~لأنني لم أحبه ولم أكرهه، ولكن الأمر انتهى ولا يوجد ما يمكنني القيام به الآن، فقد ظلت ~~مشاعري تجاهه مزيجا من الغضب والإحباط والخوف والشك. # خرجت من «إيفين» وأوقفت سيارة أجرة. ما زلت على قيد الحياة. يبدو وكأن الموت يحاول أن ~~يدفعني بعيدا عنه، أن يحميني، ولم أستطع أن أفهم السبب. كان العالم يدور بي. لماذا بقيت ~~على قيد الحياة في الوقت الذي لقي فيه الكثيرون حتفهم؟ لم يطلق سراح سارة بعد، وكان يجب أن ~~أسأل السيد موسوي عنها، ولكنني لم أستطع التفكير بوضوح، وتساءلت هل سأتمكن من تقديم ms241 يد ~~العون لها. # وعندما عدت إلى المنزل وفتحت الباب المؤدي إلى الساحة وجدت نفسي بين ذراعي أندريه، ~~فعانقني عناقا حارا وهو يرتجف. ~~- «حمدا لله! حمدا لله! هل أنت بخير؟ لا أصدق أنهم سمحوا لك بالخروج! ماذا ~~حدث؟» # فأخبرته بأنهم يجرون تفتيشا روتينيا مع كل سجناء «إيفين» السابقين. ~~- «وهل سألوك عما إذا كنت قد تزوجت؟» # كذبت عليه وقلت: «كلا، إما أنهم لا يعلمون أو أنهم قد علموا ولا يهتمون.» ~~- «وهل يعني هذا أننا لن نتعرض لمضايقتهم مرة أخرى؟» ~~- «لا أدري، ولكننا سنكون على ما يرام فترة على الأقل. لكن لا تنس أنه لا يمكن التنبؤ ~~بما قد يفعلون غدا.» # كنت على يقين من أنه لو حصل المتشددون أمثال حامد على مزيد من السلطة والدعم في «إيفين»، ~~لتغير موقفي تغيرا جذريا. ~~••• # كنت مرعوبة من الحرب؛ ليس بسبب الهجوم الذي نتعرض له بالصواريخ فحسب، ولكن أيضا لأن ~~أندريه سوف يذهب لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية خلال بضعة أشهر. سمعنا عن برنامج حكومي ~~خاص يتيح للحاصلين على درجة الماجستير العمل بالتدريس في الجامعة في مناطق نائية مدة ثلاث ~~سنوات بدلا من أداء الخدمة العسكرية. كان هذا أملنا الوحيد كي يبقى أندريه بعيدا عن ~~الجبهة. كان قد حصل للتو على شهادة الماجستير، فقدم طلبا للالتحاق بالبرنامج وحصل على ~~الموافقة. # كان علينا الانتقال إلى «زاهدان» - وهي مدينة تقع في جنوبي شرقي إيران بالقرب من الحدود ~~الباكستانية والأفغانية - كي يعمل أندريه محاضرا في جامعة «سيستان وبلوشستان»، كان عليه أن ~~يسافر إلى «زاهدان» قبل نحو شهر من بدء العمل كي يعد الأوراق المطلوبة ويجري الترتيبات ~~اللازمة، وذهبنا معا لأنني لم أذهب إلى هذا الجزء من البلاد قط، وكان لدي فضول لرؤية ~~منزلي الجديد. # استغرقت الرحلة من طهران إلى «زاهدان» نحو ساعة ونصف. وبينما كانت الطائرة تهبط في ~~المطار نظرت من النافذة الصغيرة، بدا لي كأن الأرض دفنت تحت كفن من الرمال، لاحظت وجود ~~بقعة صغيرة خضراء على بعد وشاهدتها تكبر وسط هدوء الصحراء الشاسعة، ظهرت المباني القرميدية ~~والطينية من ms242 بين الرمال تطاول ظلال الأشجار القليلة المتناثرة. # هبطت الطائرة، وركبنا سيارة أجرة كي نشاهد المدينة. كانت أشعة الشمس - التي لم يقلل من ~~تأثيرها تلوث الهواء أو الرطوبة - حارقة إلى حد لا يمكن احتماله، أما الطريق الذي يربط ~~المطار بالمدينة فكان رائعا على نحو غير متوقع، حيث يشق استواء الأرض كأنه ندبة قديمة. وفي ~~وسط مدينة «زاهدان» وجدنا متاجر صغيرة على جانبي الشوارع الضيقة، وامتلأت الأرصفة برجال ~~ونساء يرتدون الزي التقليدي من سراويل فضفاضة وقمصان طويلة للرجال وفساتين مطرزة يدويا ~~تصل حتى الكاحل، وأوشحة كبيرة للنساء. لم أكن قد رأيت جمالا عن قرب من قبل، لكنني رأيت ~~جملا هناك يقف في الطريق يلوك شيئا ويراقب حركة المرور بعينيه الكبيرتين اللتين يطل منهما ~~الملل وكأنه قد رأى كل شيء من قبل. وفي الأحياء الحديثة الأكثر رقيا بنيت المنازل ~~بالقرميد عالي الجودة، لكن كلما ارتحلنا شمالا وجدنا المباني أصغر مساحة ومعظمها مبني ~~بالطوب اللبن، وعلى الحدود الشمالية للمدينة توجد تلال صخرية شاهقة يبدو كأن بها ثقوبا ~~كفتحات الكهوف، وأخبرنا السائق بأن الناس حفروا تلك الكهوف كي يقيموا فيها. شاهدت مجموعة من ~~الأطفال الحفاة يركضون خلف كرة بلاستيكية ممزقة تحت أشعة الشمس الحارقة وهم يضحكون، وسألنا ~~السائق عن سبب زيارتنا، فأوضح له أندريه أنه أتى للتدريس في الجامعة. # فقال السائق: «لقد بنى الشاه الجامعة هنا، وأفادتنا تلك الجامعة كثيرا، فهي تستقدم ~~المتعلمين إلى هنا من طهران والمدن الكبرى الأخرى كي يشرفوا على تعليم أطفالنا والأطفال ~~الآخرين القادمين من أماكن بعيدة.» ~~*** # في مارس من عام 1987، حزمنا حقائبنا أنا وأندريه وبدأنا رحلة الألف ميل إلى «زاهدان». بعد ~~ساعتين بدت سيارتنا الصفراء الصغيرة طراز رينو وكأنها وحيدة في العالم. كانت الرياح الساخنة ~~تلفح وجهي عبر النوافذ المفتوحة، وتطاير بحر من الرمال على الطريق محدثا موجات ذهبية، ~~وبعيدا باتجاه الأفق اختفت الأرض تحت موجات من السراب الفضي المتراقص. لم يتغير المنظر أو ~~ينعطف الطريق عدة ساعات، وعندما نتوقف كي نستريح أكتشف مدى هدوء الصحراء بدون طنين السيارة ~~المتواصل. ms243 على شاطئ البحر يسمع دائما خرير المياه حتى وإن كان الجو هادئا، وفي الغابة ~~يسمع حفيف أوراق الشجر حتى وإن قررت كل الحيوانات أن تلتزم الصمت، لكن هنا كان الصمت ~~مطبقا. وعند المغيب اختفت الشمس عند حافة الأرض، وحل الليل رويدا رويدا في صمت ملطفا ~~من حدة الرياح الساخنة. شعرت كأن بإمكاني لمس النجوم اللامعة التي تملأ سماء الليل بأجسامها ~~الدقيقة النابضة. لم يكن هناك أي انعكاس أو صدى للصوت، بل أرض بعيدة منسية، حتى إنها بدت ~~خارج حدود الزمن. # كانت جامعة «سيستان وبلوشستان» قد أنشأت منطقة سكنية للمحاضرين بها على أرضها. لم تكن ~~المنازل فاخرة، ولكنها مريحة ونظيفة وفي حالة جيدة. توفرت لدينا كل ضروريات الحياة، لكن ~~مياه الصنبور كانت مليئة بالمعادن ولم تكن صالحة للشرب، فكان علينا أن نذهب إلى مصنع تنقية ~~المياه الذي يبعد مسيرة عشر دقائق بالسيارة مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع كي نملأ بعض ~~الآنية الكبيرة بمياه الشرب. # انشغل أندريه كثيرا في عمله، فكان وقته موزعا بين التدريس وإعداد الدروس وتصحيح أوراق ~~الاختبارات عندما يكون في المنزل، وساعدني الوحدة والصمت اللذان تتمتع بهما الصحراء على أن ~~أدع الماضي جانبا، فقد انهمكت طوال اليوم في أعمال روتينية مثل التنظيف والطهو، وعندما كنت ~~أنتهي من أداء تلك الأعمال أبدؤها من جديد. نادرا ما كنت أستمع إلى المذياع، ولم أكن أشاهد ~~التلفاز أو أقرأ الكتب. لم تعد هناك كتب لأقرأها، وخلافا لما توقعت فإنني لم أفتقدها. كنت ~~مرهقة فحسب، كأنني عداءة في ماراثون ظلت تجري ساعات طويلة حتى تمكنت أخيرا من الزحف إلى ~~خط النهاية ثم انهارت. لم يكن عقلي يؤدي سوى المهام الضرورية، فكان يذكرني بالمهام ~~البسيطة؛ دائما كانت الملابس مغسولة والأرضيات نظيفة والطعام معدا على المائدة في الوقت ~~المحدد. # كان لأندريه زملاء عمل رائعون في الجامعة، وكنا نلتقي بهم وبأسرهم أحيانا، وكانوا ودودين ~~للغاية معنا. لم يكونوا يعلمون أي شيء عن ماضي، وكنت أتبادل الحديث معهم عن أحدث وصفات ~~الطعام وأحدث الأفكار لتزيين المنزل. # لم ms244 تكن الحرب قد وصلت إلى «زاهدان» التي كانت بعيدة تماما عن الحدود الإيرانية العراقية، ~~لكن الهجوم بالصواريخ على طهران وسبع مدن أخرى ظل مستمرا. كنت أتصل بأمي يوميا كي أتأكد ~~من أنها بخير، وعلى الرغم من روعة النوم الهادئ ليلا دون أن تقطعه أصوات الانفجار التي ~~تهدد حياتك، فقد شعرت كأني خائنة. ألححت على والدي أن يحضرا للإقامة معنا في «زاهدان» ~~فترة، لكن أبي رفض متعللا بأن عليه الذهاب إلى العمل، فطلبت منه أن يدع أمي تأتي على ~~الأقل، لكنه أكد لي أنه لا داعي للقلق، فطهران مدينة كبيرة تتضاءل فيها كثيرا احتمالات ~~الإصابة بأحد الصواريخ. وذات صباح اتصلت بي أمي. ~~- «أمي، هل أنت بخير؟» ~~- «أنا بخير، ولكنني انتقلت للإقامة مع ماري بضعة أيام، فالمكان أكثر أمانا هنا.» # كانت ماري تقيم في مبنى متعدد الطوابق لا يبعد عن شقة والدي بطهران، ولم يبد لي هذا ~~الكلام منطقيا. ~~- «عم تتحدثين يا أمي؟ المكان هنا في «زاهدان» أكثر أمانا. طهران ليست آمنة أينما ذهبت ~~بها.» ~~- «صدقيني، المكان هنا أفضل.» ~~- «أمي، أخبريني بما يحدث الآن، وإلا فسوف أستقل أول طائرة وآتي بنفسي.» ~~- «ضرب شارعنا صباح أمس.» # كان والداي يقيمان في ساحة صغيرة، ولو أن صاروخا ضرب الشارع وأمي في المنزل، فلست أفهم ~~كيف لم يصبها أذى. ~~- «أين هوى الصاروخ تحديدا؟» ~~- «على أول منزل عند الناصية.» # هذا يعني أنه سقط على بعد أربعة منازل. كيف لم يصبها أذى؟ ~~«لقد اختفى المنزل تماما، والآن لا يوجد مكانه سوى فجوة مظلمة كبيرة كأن المنزل لم يوجد ~~قط. لم أكن أعرف تلك العائلة. كل ما أعرفه أنهم هادئون وفي مثل عمرنا تقريبا. كان الرجل في ~~العمل وقتها، وقتلت زوجته وحفيده واثنان من المارة في سيارتهما، وأصيب بعض الجيران أيضا، ~~ولكنها ليست إصابات خطيرة، فلم يكن هناك الكثيرون في المنازل المجاورة، بل كان معظمهم إما ~~في العمل أو ذهبوا للتسوق.» # حاولت أن أتخيل المشهد الذي وصفته أمي، لكنني لم أستطع. # تابعت أمي: «عاد الرجل إلى المنزل، فوجد أسرته ms245 قد رحلت، ولا يوجد سوى فجوة. انطلقت صافرة ~~الإنذار قبل سقوط الصاروخ بدقيقتين. كنت في المطبخ أتبادل الحديث مع خالتك نيجار عبر ~~الهاتف، فقالت لي: «إنها صافرة الإنذار، أغلقي السماعة وابحثي عن مكان آمن.» فدسست نفسي بين ~~الثلاجة والخزانة، وحدث الانفجار. كان صوته مدويا، حتى إنني تخيلت أني قد انفجرت. بعدها ~~هدأ كل شيء حتى ظننت أني قد أصبت بالصمم، فخرجت لأجد الزجاج متناثرا في كل مكان وقد تحول ~~بعضه إلى غبار مفتت، ورشقت القطع الكبرى في الحوائط كالسهام. ظل المنزل في مكانه، ولكنه ~~تحول إلى خراب. لقد وجدت أجزاء من باب خزانتك في الساحة الأمامية.» ~~••• # وضعت الحرب أوزارها أخيرا في أغسطس من عام 1988 عندما كنت حبلى في الشهر الرابع، فقد ~~التزمت الحكومة الإيرانية بقرار مجلس الأمن، وأعلن وقف إطلاق النار بين إيران والعراق. لم ~~ينتصر أحد في تلك الحرب، بل أزهقت فيها أرواح أكثر من مليون شخص. # ومن منتصف الثمانينيات إلى أواخرها، جمعت منظمة «مجاهدي خلق» نحو سبعة آلاف من أعضائها في ~~العراق للانضمام إلى الجيش العراقي من أجل إضعاف الحكومة الإيرانية. لم أستطع أن أفهم كيف ~~يمكن للمجاهدين أن يؤيدوا رجلا مثل صدام الذي سفك دماء الكثير من الإيرانيين. وعقب وقف ~~إطلاق النار هاجم مجاهدو العراق إمارة كرمانشاه غربي إيران، معتقدين أن بإمكانهم حشد ~~التأييد اللازم لإسقاط النظام الإسلامي، لكن الحرس الثوري تمكن من تحقيق انتصار سهل عليهم، ~~فقتل الكثيرون منهم وانسحب الباقون إلى العراق، وبعدها أعدم المئات من سجناء «إيفين» بتهمة ~~التعاطف مع المجاهدين. ~~••• # شعرت بالغثيان الشديد في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، وظللت أتقيأ كثيرا، لكنني شعرت ~~بالتحسن مع بداية الشهر الرابع. أخذ الجنين ينمو، وسرعان ما بدأت أشعر بحركته داخلي، وبكيت ~~فرحا بتلك التجربة، لأنني أدركت أنني أحببته أكثر مما تخيلت. كنت أتمنى أن أنجب لأندريه ~~طفلا موفور الصحة. # عرضت علي أمي أن تأتي لتقيم معي بضعة أيام بعد الولادة. كان فراش الطفل جاهزا وملابسه ~~الصغيرة مطوية بعناية في الخزانة. # ذهبت إلى المستشفى كي ms246 أجري فحصا بالموجات فوق الصوتية في نهاية الشهر الثامن من الحمل. ~~كانت «زاهدان» مدينة صغيرة، وتصادف وجود طبيب أمراض النساء الذي كنت أتردد عليه بالمستشفى ~~وقتها. اكتشفنا أن رأس الجنين كبيرة للغاية، وأكد الطبيب أن الجنين مصاب بموه الرأس، وهي ~~حالة خطيرة تتجمع فيها المياه في جمجمة الجنين، أما طبيب الأشعة الذي أجرى الفحص بالموجات ~~فوق الصوتية فأكد أن الحجم الكبير للرأس ليس كافيا لتشخيص الإصابة بموه الرأس، وأن هناك ~~أعراضا أخرى لا بد من توافرها. رقدت على الفراش أستمع إلى الطبيبين وهما يتجادلان بشأن ~~جنيني. # قال طبيب أمراض النساء: «علينا أن نحدث ثقبا في الرأس، ثم نخرج الطفل، فالأمر لا يستدعي ~~إجراء عملية قيصرية.» # كنت قد نلت كفايتي أنا وأندريه. كنت خائفة وغاضبة، ولم أكن على استعداد لأن أدع طفلي يموت ~~مرة أخرى. أردت الذهاب إلى طهران لأستشير طبيبا آخر، لكنني كنت قد بلغت مرحلة متقدمة في ~~الحمل ولن يسمح لي بركوب الطائرة، في حين كانت العودة إلى طهران بالسيارة خطرا كبيرا، ~~فماذا لو قرر الطفل أن يخرج للحياة فجأة ونحن في الصحراء؟ # كان لأحد زملاء أندريه صديق في مكتب الخطوط الجوية، فتمكن مستغلا نفوذه من أن يحصل لنا ~~على تذكرتين للطائرة، وسرعان ما كنا في طريقنا إلى طهران حيث اصطحبتني إحدى بنات عمي إلى ~~طبيب النساء. # ذهبت من المطار إلى المستشفى مباشرة، فطلب مني الطبيب إجراء فحص آخر بالموجات فوق ~~الصوتية، ثم أخبرني بأن الجنين بخير، وكل ما في الأمر أن رأسه كبير قليلا، ولكنه لا ينصح ~~بالولادة الطبيعية، وهكذا حددنا موعدا لإجراء الولادة القيصرية في الحادي والثلاثين من ~~ديسمبر 1988، ولكنني لم أكن أشعر بالارتياح ~~التام. ماذا لو كانوا قد أخطئوا في التشخيص؟ كنت بحاجة ماسة لأن أحمل هذا الطفل بين ذراعي ~~في هذا العالم؛ بحاجة لأن أطعمه وأسمعه يبكي؛ بحاجة لأن تشعر تلك الروح الجديدة بالأمان ~~داخلي وأن تولد وأن تحيا. # ولد ابننا مايكل في الحادي والثلاثين من ديسمبر 1988. عندما فتحت عيني بعد الإفاقة كنت ~~أشعر بالألم ms247 الشديد والغثيان، وكان فمي جافا مريرا. أخبرني أندريه بأن الطفل بخير، ~~وعندما حملته بين ذراعي تذكرت شيدا وحزنها العميق عندما اضطرت لإرسال ابنها إلى والديها. ~~الآن أستطيع أن أدرك شعورها الرهيب. ~~••• # توفي آية الله الخميني في الثالث من يونيو ~~عام 1989؛ كان مريضا بالسرطان، وقد خضع لعملية جراحية لتوه، فأدرك الناس أن موته أصبح ~~وشيكا. كنت جالسة على فراشي في «زاهدان» أطعم مايكل الذي بلغ من العمر خمسة أشهر عندما ~~سمعت تلك الأنباء في المذياع، وكان المذيع يبكي. مر في ذهني شريط ذكريات العامين اللذين ~~قضيتهما في «إيفين» بسرعة البرق، كان من المفترض أن تقضي الثورة على سجن «إيفين»، لكنها لم ~~تفعل، بل زادت من وطأة الرعب الصامت الذي يمارسه ومن دمويته. كان الخميني مسئولا عن ~~الفظائع التي ارتكبت خلف تلك الأسوار، كان مسئولا عن وفاة جيتا وترانه وسيرس وليلى ومينا ~~وغيرهم الآلاف، مع ذلك لم يسعدني خبر وفاته، بل أشفقت عليه، فما الفائدة من إصدار حكم على ~~شخص ميت؟ كنت على يقين من أن الشر بداخله لم يكن خالصا، مثل علي، فقد سمعت أنه كان يستمتع ~~بالشعر بل ينظمه، لقد غير العالم، لكن أحدا لن يدرك عمق ذلك التأثير إلى أن يتسنى ~~للتاريخ الحكم على أفعاله ونتائجها بعد فترة مناسبة. دعوت لأراوح من فقدوا حياتهم بعد ~~الثورة أن ترقد في سلام ولعائلاتهم أن تجد الشجاعة والقوة اللازمتين لاستمرار الحياة، وأن ~~تجعل من إيران بلدا أفضل. # استغرق طفلي الوسيم مايكل في النوم لا يدرك أن رجلا يدعى الخميني قد غير حياة والديه، ~~تساءلت كيف ستؤثر وفاة الخميني فينا وفي إيران، فقد ظن كثيرون أن الحكومة الإسلامية ستنهار ~~دعائمها بعد وفاته، وأن الصراع على السلطة بين الطوائف المختلفة في الحكومة سوف يؤدي إلى ~~سقوط الجمهورية الإسلامية. # كان الحر قائظا يوم جنازة الخميني، وتدفق نحو تسعة ملايين شخص متشحين بالسواد في شوارع ~~طهران يقصدون الطريق السريع الذي يؤدي إلى مقبرة «بهشت زهرا». شاهدنا التغطية في التلفاز، ~~لم أشاهد حشدا كبيرا هكذا من قبل، ms248 أخذوا يبكون ويصرخون ويضربون صدورهم بأيديهم كعادة ~~الشيعة في بكاء شهدائهم. كل ما خطر في بالي وقتها تلك الأرواح البريئة الشابة التي أزهقت في ~~الثورة وخلف أسوار «إيفين»، لكن أولئك النائحين لم يبد عليهم التأثر بذلك الأمر، فقد كان ~~الخميني إمامهم وقائدهم وبطلهم والرجل الذي واجه الغرب بطريقته المميزة في التحدي والصمود. ~~حاولت أن أفهم لم يحبونه هكذا، هل وصلت كراهيتهم للغرب إلى هذا الحد حتى إنهم لا يمانعون ~~في تعريض أبنائهم الأبرياء للسجن والقتل؟ ربما لم يكن لارتباطهم به علاقة بالحب، لكنه ~~الإعجاب الممزوج بالرهبة نحو رجل من عائلة فقيرة تمكنوا من خلاله من الوصول إلى السلطة ~~والقوة لمواجهة العالم الذي طالما أرهبهم. # أحاطت الحشود بالشاحنة التي تحمل النعش الخشبي الذي يحتوي جسد الخميني، أراد الجميع ~~الإمساك بجزء من الكفن كي يلقوا نظرة أخيرة عليه، بدت الشاحنة كأنها تغرق وسط الحشود ~~المتشحة بالسواد، وجاهدت قوات الأمن كي تبعد الجموع الحزينة عن طريق رشهم بخراطيم المياه، ~~ولكن من دون فائدة. وتحت ستار من الضباب والغبار والحرارة غطى هدير طائرة مروحية على ~~الصرخات والنحيب وهي تقترب من الشاحنة وتهبط أمامها، وأخرج منها نعش الخميني كي ينقل إلى ~~الطائرة، ولكن الحشود تشبثت بالنعش حتى انكسر، وامتدت الأيدي تمزق أجزاء من الكفن الأبيض ~~حتى ظهرت ساق الخميني بارزة، وأخيرا نقلت جثته إلى الطائرة التي اضطرت إلى أن تتمايل إلى ~~أعلى وإلى أسفل كي تتخلص من الحشود التي تشبثت بها وتدلت من جانبيها. # وبعد بضع ساعات أجريت محاولة أخرى أكثر تنظيما لدفن جثة الخميني، وكانت محاولة ناجحة، ~~فقد اقتربت بضع طائرات مروحية عسكرية من الموقع، وخرج من أحدها تابوت معدني، ووضعت فيه جثة ~~الخميني المغطاة بالكفن، فالتقاليد الشيعية تحتم دفن الموتى في الأرض مباشرة بلا شيء سوى ~~الكفن، وأخيرا دفن الخميني بين آلاف الشهداء. ~~••• # مرت الشهور، ولم يتأثر النظام الإسلامي بعد وفاة الخميني، فقد حل محله آية الله علي ~~خامنئي بوصفه المرشد الأعلى للبلاد، وكان قد شغل منصب الرئيس لفترتين رئاسيتين، وهكذا استمر ~~عصر ms249 الرعب. قلت أعداد المعتقلين، ليس بسبب زيادة مساحة الحرية، ولكن لأن الجميع أصبحوا ~~يعلمون ضريبة معارضة النظام، أما من كانوا يجرءون على رفع صوتهم فكانوا غالبا يخرسون في ~~الحال. مرت أحوال المرأة بمراحل من الصعود والهبوط، فكل بضعة أشهر كان الحرس الثوري يحكمون ~~قبضتهم ولا يتهاونون إطلاقا في ارتداء الحجاب غير الشرعي أو وضع مساحيق التجميل، ثم تأتي ~~بضعة أسابيع يمكن للمرأة فيها أن تخرج وهي تضع أحمر الشفاه أو تظهر بضع خصلات من ~~شعرها. ~~*** # ومع أنني أنا وأندريه كنا على يقين من أننا لن نجد الأمان في إيران، فلم نتمكن من ~~مغادرتها؛ فعندما أطلق سراحي من «إيفين» أخبرت بأنه لن يسمح لي بمغادرة البلاد مدة ثلاثة ~~أعوام، ولم يرفع الحظر تلقائيا بعد انقضاء الأعوام الثلاثة، بل كان علي أن أقدم طلبا ~~للحصول على جواز سفر، ثم يعطيني مكتب الجوازات خطابا أحمله إلى «إيفين» كي أحصل على تصريح ~~بمغادرة البلاد، ولم يكن مسموحا لأندريه بمغادرة البلاد حتى يتم أعوامه الثلاثة في ~~«زاهدان»، بينما كان موقفي أكثر تعقيدا، ولكنني لن أتيقن من ذلك حتى أحاول. # تقدمت بطلب للحصول على جواز سفر، ورفض ~~الطلب كما توقعت، فأخذت الخطاب من مكتب الجوازات كي أقدمه إلى «إيفين»، حيث أخبرت بأنني لن ~~يسمح لي بمغادرة البلاد ما لم أدفع نصف مليون تومان، أي ما يوازي 3500 دولار أمريكي وديعة ~~لضمان عودتي، فإن عدت خلال عام سوف أستعيد نقودي، وإن لم أعد فسوف تذهب تلك النقود إلى ~~خزانة الحكومة. وفي ذلك الوقت لم يكن مرتب أندريه يتجاوز سبعة آلاف تومان في الشهر؛ أي ما ~~يوازي ستين دولارا أمريكيا، ومن ثم لم نكن نملك المال اللازم. # طلبت من أبي أن يقرضنا المال، فقد ظللنا ~~ندفع نصف إيجار المنزل لوالدي حتى بعد أن انتقلنا إلى «زاهدان» على سبيل المساعدة، وكان ~~والدي قد باع المنزل الصيفي، ويملك ضعف المبلغ الذي أحتاجه في البنك. ~~- «أبي، أرجو أن تقرضنا النقود التي نحتاجها، فأنا لم أطلب منك أي نقود من قبل، وعندما ms250 ~~نتمكن من العثور على دولة حرة تقبل استضافتنا ونجد عملا بها فسوف نرد الدين ~~تدريجيا.» ~~- «هل تظنين أن الحياة سهلة بالخارج؟ الحياة صعبة! فكيف تضمنين تحقيق النجاح؟» ~~- «أضمنه لأننا مجتهدان، ولأن الله عظيم، وسوف يساعدنا.» # فضحك والدي وقال: «سوف أقص عليك قصة بسيطة: ذات مرة انطلق صيادان في قارب صغير، وكان الجو ~~جميلا والبحر هادئا عندما غادرا الشاطئ، ولكن عندما أوغلا في البحر ساءت حالة الجو وسرعان ~~ما هاجمتهما عاصفة، فسأل أحدهما الآخر وقاربهما تتقاذفه الأمواج: «ماذا نفعل الآن؟» أجاب ~~الثاني: «علينا أن ندعو الله كي ينقذنا لأنه عظيم قادر على أن ينجينا من تلك الأزمة.» فأجاب ~~الأول: «قد يكون الله عظيما يا صديقي، ولكن القارب صغير بالتأكيد.» وغرق كلاهما في ~~البحر.» # لم أصدق ما سمعته من والدي، مع أنه لم يكن يعلم تفاصيل ما حدث لي في السجن، فقد كان يعلم ~~أني كنت سجينة سياسية، وأن لا مستقبل لي في إيران، كان علي أن أحيا خائفة، وبسبب ملفي ~~السياسي لم يكن مسموحا لي بالالتحاق بالجامعة، كنت بحاجة إلى المساعدة، وهو قادر على ~~مساعدتي، ولكنه رفض تقديمها لي. ~~- «أنت تهتم بالمال أكثر مما تهتم بي! لقد أخبرتك أنني سأسدد لك هذا الدين، ولم أكن لأطلب ~~منك هذا الطلب ما لم أكن في أمس الحاجة.» ~~- «كلا.» # كان علي أن أواجه حقيقة أبي المرة، فهو لن يقدم أي تضحيات من أجلي، ولم أكن أعرف ~~السبب الذي يجعله كذلك. طالما شعرت بمسافة تفصل بيننا، لكنني تجاهلتها لاعتقادي أنه لا ~~يستطيع التعبير عن مشاعره فحسب، فلا أذكر أنه أبدى عاطفة تجاه أحد، ولا حتى أمي أو أخي، ~~ظللت أراقب بطرف عيني آباء يحبون بناتهم ويعبرون عن مشاعرهم لهن علانية؛ آباء يقدمون تضحيات ~~هائلة لأبنائهم، ونبذت فكرة أن والدي يختلف عنهم، بل ظللت أتظاهر بأنه طيب كريم ~~محب. # خطر في بالي السيد موسوي، وكنت على يقين من أنني لو اتصلت به هاتفيا فسوف يعطيني النقود ~~التي تركها لي علي، ولكنني لم أكن أرغب في فعل ms251 ذلك، فأنا أريد طي صفحة الماضي. تمنيت لو ~~كانت عائلتي تعاملني مثل عائلة علي، ولكنني كنت على يقين من أن تلك الأمنية لن ~~تتحقق. # كان والد أندريه قد عمل في مصنع للأثاث في السنوات الأخيرة من حياته، وبمساعدة صاحب ~~المصنع تمكن هو وبعض العمال الآخرين من استثمار أموالهم في قطعة أرض لبناء مبنى سكني، ~~وعندما توفي والد أندريه لم يكن المشروع قد بدأ بعد، ولكن أندريه استثمر المزيد من الأموال ~~به. وذات يوم تلقينا مكالمة هاتفية من سيدة كانت تعمل في المصنع وأخبرتنا أن العمل في ~~المبنى قد بدأ، وعندما أخبرناها أننا نستعد لمغادرة البلاد وأننا نمر بضائقة مالية، عرضت أن ~~تشتري نصيبنا وتدفع لنا ما يزيد عن المبلغ الذي استثمرناه بنصف مليون تومان، وكان هذا كل ما ~~نحتاجه. # حصل أندريه على جواز سفره فور انتهاء أعوامنا الثلاثة في «زاهدان»، وذهبت إلى «إيفين» ~~فأودعت المبلغ وحصلت على جواز سفري. كنا قد سمعنا عن وكالة للاجئين في مدريد، وقررنا الذهاب ~~إلى إسبانيا، فاشترينا تذاكر الطائرة وبعنا ممتلكاتنا القليلة واشترينا بها دولارات ~~أمريكية. لم يكن هناك ضمان حقيقي لسفرنا، فقد سبق أن منع الحرس الثوري كثيرا من حاملي ~~جوازات السفر السليمة من مغادرة البلاد بعد وصولهم إلى المطار. لن نشعر بالحرية قبل أن تعبر ~~الطائرة الحدود الإيرانية. # تحدد موعد الرحلة صباح الجمعة السادس والعشرين من أكتوبر ~~عام 1990، واتفقنا مع والدي أن يصطحبانا إلى ~~مطار طهران في منتصف الليل. بكى مايكل الذي كان قد قارب الثانية من عمره وتذمر وأنا ألبسه ~~ثيابه، لكنه استغرق في النوم فور أن تحركت السيارة. كانت المدينة مهجورة، وراقبت الشوارع ~~المألوفة وهي تطوى بسرعة، بدءا من شوارع «داووديه» السكنية الضيقة حيث أقمنا بعد العودة من ~~«زاهدان»، إلى الشوارع الكبرى الرئيسية التي تصطف على جانبيها المتاجر. لدي ذكريات في كل ~~شارع وكل ركن، فقد ساهمت حياتي في إيران في تشكيلي، هأنذا أرحل تاركة خلفي أجزاء من قلبي ~~وروحي؛ لقد مات أحبائي في تلك البلاد، وعلي أن أغادرها، فلا مستقبل ms252 لنا هنا، لا شيء سوى ~~الماضي، كنت أود لو رأى أطفالي منزلي الذي نشأت به، والطريق الذي كنت أسلكه في الذهاب إلى ~~المدرسة، والحديقة التي كنت ألعب بها، والكنيسة التي أمدتني بالإيمان والطمأنينة، وددت لو ~~أريتهم بحر «قزوين» الأزرق، والجسر الذي يصل بين جانبي الميناء، وحقول الأرز التي تقع على ~~سفوح الجبال الشاهقة، وددت لو رأوا الصحراء وتعرفوا على ما تبثه في النفس من حكمة وعزلة، ~~ولكنني أدركت أنهم على الأرجح لن يروا أيا من ذلك، فلم نكن ننوي العودة. # ما إن اجتزنا ميدان «أزادي» بنصبه التذكاري الأبيض الشاهق - أحد معالم طهران، بني في عهد ~~الشاه وأصبح بوابة للمدينة - أدركت أنه الوداع الأخير، فألقيت نظرة أخيرة على قمم جبال ~~«ألبرز» المغطاة بالثلوج التي ظهرت بالكاد تحت سماء الليل. # وفي المطار أوقفنا السيارة وسرنا نحو البوابة صامتين. كنا قد ذهبنا مبكرين عدة ساعات بسبب ~~الإجراءات الأمنية الطويلة، فالحرس الثوري يفتحون الأمتعة ويفتشونها تفتيشا دقيقا، وكان ~~ممنوعا حمل الآثار أو الكثير من المجوهرات أو مبالغ كبيرة من المال خارج البلاد، لكن كل ~~شيء مر بسلام، ولوحت أودع والدي، ونحن جميعا نبكي. # أقلعت طائرتنا التابعة للخطوط السويسرية في الصباح الباكر، وبعد فترة وجيزة كنا قد عبرنا ~~الحدود، ونزعت معظم النساء حجابهن ووضعن مساحيق التجميل. ظللت أستمع إلى هدير المحركات ~~الرتيب، وأغلقت عيني وتساءلت هل بالجنة مكان توضع فيه «المفقودات»، فقد نسيت إحضار الكثير ~~من الأشياء، منها صندوق مجوهرات فضي كانت جدتي تستخدمه لتخزين السكر وتحتفظ به على مائدة ~~المطبخ، وكان هدية من زوجها، كنت على يقين من أنها في كل مرة تضيف فيها السكر إلى الشاي ~~تتذكر الأوقات التي قضياها معا، وهناك أيضا ناي أراش والعقد الذي لم تسنح له الفرصة ~~لإعطائي إياه، وخاتم زفافي الأول. ربما لم أفقد تلك الأشياء، ويوما ما سأعثر عليها جميعا ~~تحت «صخرة الصلاة» بأحجارها المغطاة بالطحالب في غابة غريبة تسكنها الملائكة. # | خاتمة # في الثامن والعشرين من أغسطس 1991، وبعد أن قضينا ثمانية أيام في مدريد وعشرة أشهر في ms253 ~~«بودابست» في انتظار مراجعة أوراقنا، أقلتنا طائرة تابعة للطيران السويسري نحو أحد مطارات ~~زيورخ، حيث انتظرنا دورنا كي نستقل الطائرة المتجهة إلى تورونتو. كنت قد علمت مايكل بعض ~~الكلمات باللغة الإنجليزية، وأخبرته عن بلد جميل يدعى كندا، حيث تتساقط الثلوج كثيرا في ~~فصل الشتاء، ويمكننا أن نبني رجل ثلج كبيرا، وحيث يصبح الجو دافئا في الصيف وتكتسي الأرض ~~بالحياة، ويمكننا أن نسبح في البحيرات الزرقاء. ظل واقفا بجواري متشبثا بيدي وعيناه ~~تلمعان من فرط الانفعال، بينما وقف بعض الطلاب الكنديين في نفس الطابور أمامنا، كنت أغبطهم، ~~وتساءلت عن شعور المرء عندما يكون مواطنا كنديا. # قال أحدهم: «أتحرق شوقا للذهاب إلى تورونتو.» # فرد عليه آخر: «وأنا أيضا، لقد قضينا وقتا رائعا هنا، ولكن لا مكان يضاهي أرض ~~الوطن.» # أدركت في تلك اللحظة وأنا أراقب هؤلاء الفتية بابتساماتهم المشرقة الخالية من الهم أننا ~~سوف نصبح على ما يرام في كندا، وأنها ستصبح وطننا الجديد حيث نشعر بالحرية والأمان، وحيث ~~يمكننا أن نربي أطفالنا ونراقبهم وهم يكبرون، وحيث نشعر بالانتماء. # | ملحق # توفيت زهرا كاظمي في «إيفين» في الحادي عشر من يوليو عام 2003. # في الثالث والعشرين من يونيو عام 2003، كانت المصورة الصحفية الكندية الإيرانية تلتقط ~~صورا خارج أسوار «إيفين» أثناء مظاهرات للطلبة عندما ألقي القبض عليها، وسرعان ما أشيع ~~أنها دخلت في غيبوبة. # وخلال الأيام القليلة التي أعقبت وفاتها طالب الرئيس الإيراني محمد خاتمي بإجراء تحقيق ~~داخلي، في حين طالب ابنها ومسئولون من وزارة الخارجية الكندية بعودة جثمانها إلى كندا. ~~اعترفت إيران بأن زهرا قد ضربت ضربا أفضى إلى الموت، ولكنها تجاهلت الضغوط الدولية ~~ودفنتها في طهران، ولم يسمح لأي طبيب مستقل بتشريح جثتها. ألقت السلطات الإيرانية القبض ~~على عدد قليل من أفراد الأمن الذين قيل إنه يشتبه في تورطهم في وفاة زهرا، لكن سرعان ما ~~أطلق سراحهم جميعا. # وفي نهاية الأمر اتهم أحد محققي المخابرات الإيرانية ويدعى محمد رضا أقدم أحمدي بقتل ~~كاظمي، لكنه حصل على البراءة. كان محامو عائلة زهرا بمن فيهم ms254 شيرين عبادي الحاصلة على جائزة ~~نوبل للسلام يعتقدون أن أحمدي لم يكن سوى كبش فداء. # وفي الحادي والثلاثين من مارس عام 2005، ~~أعلن الطبيب شهرام عزام - أحد أطباء قسم الطوارئ بمستشفى «بقية الله» بطهران - التفاصيل ~~المروعة التي أخبر بها أحد مسئولي الشئون الخارجية الكندية بالسويد قبل عام؛ فقد تعرضت زهرا ~~للاغتصاب الوحشي، ووجدت بجثتها آثار جروح ورضوض، بالإضافة إلى كسر اثنين من أصابعها، وكسر ~~أنفها، واقتلاع ثلاثة من أظافرها، وكسر في الجمجمة، وسحق أحد أصابع القدم اليسرى، وآثار جلد ~~على قدميها. ~~••• # لم أكن أعرف زهرا كاظمي، وفي منتصف يوليو من عام 2003 في نحو الساعة الثامنة صباحا فتحت ~~باب منزلي كي أحضر الجريدة. كان الجو صحوا والشمس مشرقة، والورود وأزهار الياسمين التي ~~زرعتها قد تفتحت، فقررت أن أقرأ الجريدة في الحديقة. أخرجتها من غلافها البلاستيكي الأزرق ~~وفتحتها، فوجدت صورة امرأة جميلة ذات ابتسامة عريضة وعينين مفعمتين بالحياة، تساءلت عمن ~~تكون تلك المرأة، وقرأت المقال الذي يحمل صورتها على الفور، ومع كل كلمة أقرؤها كنت أشعر أن ~~حبلا يضيق حول رقبتي. # كنت قد بدأت كتابة مذكراتي في يناير من عام 2002، وكنت قد انتهيت للتو من صياغة المسودة ~~الثالثة، وهكذا كانت ذكرياتي في «إيفين» لا ~~تزال حية، كنت أعلم أن ما مررت به في «إيفين» ما زال يحدث إلى الآن، لكن رؤية صورة زهرا ~~وابتسامتها الجميلة حولت تلك المعرفة إلى طاقة رهيبة مؤلمة شطرتني إلى نصفين؛ لقد ماتت ~~بنفس الطريقة التي ماتت بها مينا، ولكن صورة مينا لم تظهر في الصفحة الأولى لأي جريدة، لقد ~~استرعت زهرا انتباه العالم لأنها مواطنة كندية، ولو كان العالم قد التفت لذلك الأمر سابقا، ~~لو كان العالم قد اهتم قليلا، لم تكن زهرا لتلاقي ذلك المصير، ولاستطعنا إنقاذ الكثير من ~~الأرواح البريئة، ولكن العالم ظل صامتا! وأحد أسباب صمته هو خوف الشهود مثلي من عواقب ~~الحديث، ولكن يكفي ذلك، لن أدع الخوف يبقيني أسيرة بعد الآن. # وفي صباح الحادي والثلاثين من مارس عام 2005، اتصلت بي ميشيل شيبرد، ms255 وهي صديقة مقربة تعمل ~~مراسلة في صحيفة «تورونتو ستار» وتهتم بشئون الشرق الأوسط والإرهاب والموضوعات الأمنية. ~~سررت كثيرا لسماع صوتها، لكنها أخبرتني بأنها تحمل أنباء سيئة. # قالت: «أفضل لو جلست قبل أن تسمعي تلك الأنباء.» # ففعلت ما طلبت مني، ثم أخبرتني بأمر تقرير الدكتور شهرام عزام حول إصابات زهرا. تمنيت لو ~~استطعت إنقاذها، تمنيت لو لاقيت حتفي معها، لكن موتي لم يكن ليفيد أحدا، بل لدي قصة يجب ~~أن تروى. لقد منحت زهرا سجناء إيران السياسيين اسما ووجها، والآن حان دوري كي أمنحهم ~~الكلمات. # | سجينة طهران # دليل قراء «سجينة طهران» # حوار مع مارينا نعمت # نبذة عن هذا الدليل # يهدف «دليل القراء» و«الحوار مع المؤلفة» التاليان إلى إيجاد مداخل شائقة ~~ومفيدة لقراءة «سجينة طهران»، ونأمل أن تزيد تلك العناصر من تقدير القراء للكتاب ~~واستمتاعهم به. # | دليل قراء «سجينة طهران» # أسئلة للنقاش ~~(1) # التجارب التي مرت بها مارينا استثنائية حقا. هل أثر ذلك في ~~قدرتك على التعاطف معها؟ وما أكثر الجوانب الحياتية والشخصية التي ~~تتشابه معها فيها؟ وفي أي المواضع شعرت بعدم القدرة على التعاطف معها؟ ~~وما أكثر ما فاجأك في مارينا؟ ~~(2) # بعد أن أوصدت والدة مارينا باب الشرفة عليها عقابا لها، قررت مارينا ~~أن تتمرد وقالت: «كنت أعلم أن أمي ستغضب، لكني لم أهتم، فلم يكن بوسعي ~~تحمل الحبس الانفرادي أكثر من ذلك.» كيف ترى أن تجارب الطفولة قد أثرت ~~في تفاعل مارينا مع السجن؟ وهل كانت أكثر أم أقل استعدادا لاحتمال ~~الشروط والقيود المفروضة عليها في «إيفين» نتيجة للمعاملة التي عاملتها ~~بها أمها؟ ~~(3) # تقول مارينا بعد أن اكتشفت أن أراش متورط في أنشطة ثورية: «حاولت أن ~~أصدقه، وأن أتحلى بالشجاعة، غير أني لم أكن سوى فتاة في الثالثة عشرة ~~من عمرها.» إلى أي مدى أثر عمر مارينا على مدار الكتاب في قراءتك؟ ~~وهل نجحت مارينا الحالية في نقل مشاعر مارينا الفتاة وأفكارها؟ وهل ~~استشعرت الصدق في كلماتها عندما كانت مراهقة؟ ~~(4) # تقول مارينا عندما أنقذها علي قبل لحظات من إعدامها: «أخذ علي ms256 ~~يتقدم نحوي وعيناه مثبتتان علي، أردت أن أجري، أردت أن يطلق حامد ~~الرصاص علي وينهي حياتي.» لماذا تظن أن مارينا اعتبرت إنقاذ علي ~~لها أسوأ من الإعدام؟ وهل يعكس رد فعل مارينا على نحو أكثر اتساعا دور ~~المرأة في الثقافة الإيرانية؟ ~~(5) # تتميز مشاعر مارينا نحو علي بالتعقيد والتشوه، فيقول علي: «صحيح ~~أني أردتك، لكنني لست أنانيا إلى هذا الحد. لو كانت هناك طريقة ~~يمكنني بها إطلاق سراحك لفعلت ثم أطلقت النار على نفسي.» هل تصدقه، أم ~~أنك تعتقد أن الرغبة وحدها هي ما يحركه؟ أخبرت والدة علي مارينا أن ~~ابنها «رجل صالح»، فهل غيرت مشاعر مارينا نحو عائلة علي من رأيها ~~فيه؟ ~~(6) # تبدأ المذكرات بهبوط طائرة مارينا في كندا مع زوجها وطفلها، وهكذا ~~فنحن نعلم منذ البداية أن زواجها من علي قد انتهى وأنها تزوجت مرة ~~أخرى. كيف أثرت تلك المعرفة على رؤيتك للعلاقة بين مارينا وعلي؟ ولو ~~كان زواجهما قد استمر مدى الحياة، هل كنت ستنظر إلى العلاقة نظرة ~~مختلفة؟ ~~(7) # يتكرر على مدار الكتاب وصف الكلمات المكتوبة بأنها «قابلة للغسل»؛ ~~فعندما ترى مارينا جسد سارة مغطى بكلمات صغيرة تقول: «غسلت سارة ~~الكلمات عن جسدها؛ تلك الكلمات التي كانت كتابا حيا يتنفس ويشعر ~~ويؤلم ويخلد الذكرى.» وعندما تعود مارينا من «إيفين»، تعلم أن أمها قد ~~تخلصت من كتبها ومن قصة حياة جدتها: «لقد غسلت الكتب؛ غرقت الكلمات ~~المكتوبة، وأخرست إلى الأبد.» ما الذي نستخلصه من أن غسل الكلمات يقضي ~~عليها بدلا من أن ينظفها؟ وكيف تنطبق هذه الصورة المجازية في «الكلمات ~~المغسولة» على قصة مارينا؟ ~~(8) # يتجادل علي ومارينا بشأن إعدام السجناء السياسيين، حيث يؤيد علي ~~فكرة الدفاع عن النفس، بينما ترد مارينا: «لن أقتل إنسانا مثلي.» مع ~~من منهما تتفق؟ ولم تظن أن تجربتي مارينا وعلي المتماثلتين بوصفهما ~~سجينين سياسيين أسفرتا عن وجهتي نظر متعارضتين؟ وهل تعتقد أن اختلاف ~~الجنس له دور في رد فعل كل منهما؟ ~~(9) # عندما قرر أندريه ومارينا الزواج بما يخالف القانون، قال لها: «أدرك ~~أن زواجنا ms257 ينطوي على خطورة، لكني أريد أن أفعل ذلك. لا يمكننا أن ~~نستسلم، فنحن لا نرتكب خطيئة.» هل ترى قرارهما بالزواج بما يخالف ~~القانون شجاعة أم حماقة؟ وهل يشكل صدور تلك الكلمات من أندريه - الذي ~~لم يدخل السجن - بدلا من مارينا فارقا في الأمر؟ ~~(10) # عندما عادت مارينا بعد قضاء عامين في «إيفين»، شعرت بأنها ضيفة غريبة ~~في منزلها، وتساءلت هل إصرار الجميع على عدم سؤالها عن التجربة التي ~~مرت بها «رغبة في حمايتها أم في حماية أنفسهم.» يعيد ذلك الحوار إلى ~~الأذهان الحوار السابق بين مارينا وزوجها في بداية المذكرات عندما ~~اعتذر لها عن عدم سؤالها عن التجربة التي مرت بها. هل أراد أندريه ~~ووالدا مارينا حمايتها أم حماية أنفسهم أم كليهما معا؟ وهل تعتقد أن ~~مارينا كانت ستخبر العالم بقصتها لو تمكنت من إخبار المقربين منها بها ~~منذ البداية؟ ولماذا؟ # | حوار مع مارينا نعمت # أخبرينا عن عملية الكتابة. هل كانت عملية تلقائية، ~~بمعنى أنك جلست وبدأت تكتبين؟ أم أنك فكرت في التسلسل الزمني ~~للأحداث أولا؟ وهل استعنت بأي أدوات (مثل الصحف أو الصور أو الخطابات) ~~تساعدك في تذكر الأحداث، أم أنك اعتمدت على ذاكرتك فحسب؟ # لم أخطط لأي شيء؛ كنت أشبه ببركان خامل انفجر بعد سنوات طويلة. كتبت ~~أولا أجزاء متفرقة من ذكرياتي، ثم شعرت بالحاجة إلى تنظيمها فبدأت أكتب ~~وفق الترتيب الزمني للأحداث. كان علي أن أسترجع خطواتي، ولم يكن لدي ما ~~أعتمد عليه سوى ذاكرتي، ولكنني أدركت أن بوسعي الاعتماد عليها، فالأحداث ~~المؤلمة المؤثرة لا تمحى من الذاكرة أبدا. # في أولى صفحات الكتاب تتحدثين عن سيدة إيرانية أخرى ~~تدعى باريسا مرت بتجربة مماثلة في إيران وقررت ألا تتحدث عنها. هل شعرت ~~بالندم على قرارك بسرد قصتك؟ وكيف أثر سردها على علاقتك بزوجك ~~وأبنائك؟ # لم أندم على هذا القرار قط، بل شعرت كأني في غيبوبة حتى بدأت الكتابة؛ ~~كأني أسير نائمة منذ عدة سنوات. منذ إطلاق سراحي من السجن وحتى بدأت كتابة ~~قصتي، بدا لي العالم بعيدا غامضا، كنت ms258 قد أصبحت مجرد قوقعة تضم شخصيتي ~~الأصلية، وفور أن بدأت الحديث والكتابة عن ذلك الأمر، ومع أنه كان شديد ~~الصعوبة والإيلام، شعرت أخيرا بأنني حية. ولا شك أن كل ذلك قد أثر على ~~علاقتي بزوجي؛ فليس لدي الآن ما أخفيه، ولم أعد أشعر بالذنب لإخفائي ~~الحقيقة. لقد انزاح من فوق كاهلي ثقل الصمت. بعد أن قرأ أندريه المخطوطة، ~~نظر إلي كأنه يراني للمرة الأولى، ولكنه تفهم سبب صمتي وأهمية سرد ~~قصتي. أبنائي أيضا شعروا بالتغيير الذي حدث، وأعتقد أنهم يشعرون بالسعادة ~~لعودتي إلى نفسي الحقيقية. # في الجزء الأكبر من المذكرات تلعبين دور الراوية في ~~مرحلة المراهقة. كيف استعدت التواصل مع ذاتك في مرحلة المراهقة، وخاصة ~~أثناء الصراع مع تلك الذكريات المؤلمة؟ وإلى أي مدى تعتقدين أن ذكرياتك ~~وشعورك بالتجارب التي مررت بها قد تغيرا بعد أن أصبحت امرأة ناضجة؟ ~~وماذا كانت أكثر الذكريات صعوبة لك في معايشتها؟ # كنت أحمل ذاتي المراهقة داخلي طوال الوقت كما قلت سابقا، كأني في ~~غيبوبة، وكان النوم ملاذي دائما، وأعتقد أنني توصلت إلى أن جانبا مني قرر ~~ألا يستيقظ أبدا، ولكن جسدي ظل يعمل كالمعتاد، ويتظاهر كالجميع بأن كل شيء ~~على ما يرام. أعتقد أنني نضجت نوعا ما في سن الثالثة عشرة عندما اندلعت ~~الثورة وفقدت أراش، فالصدمة والحزن يرهفان حدة الذاكرة إلى حد مزعج، لكن ~~ردود أفعال من يعانون متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة تختلف، فبعضهم لا ~~يستطيع النسيان ويصاب بالكوابيس والاكتئاب، والبعض الآخر يغلق صندوق ~~ذكرياته ويظن أنه قد نسي الماضي، لكن الحقيقة أن تلك الذكريات لا تمحى، ~~ولا بد للمرء أن يواجهها كي ينجو منها. عندما واتتني الجرأة لفعل ذلك ~~استحوذت علي ذاتي المراهقة وفعلت ما كانت تتوق إلى فعله، ومع أن نظرتي ~~للعالم قد أصبحت أكثر نضجا، فإنني لم أتغير كثيرا عما كنت عليه وأنا في ~~الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة؛ الفرق الوحيد أني أصبحت أكثر فهما لنفسي ~~وثقة بها. # أثناء مراسم اعتناقك الإسلام قلت: «كنت أنتظر غضب ~~الله؛ تمنيت أن ms259 تضربني صاعقة من البرق وأنا واقفة في مكاني.» هل أثر ~~اعتناقك للإسلام قسرا على إيمانك بالمسيحية؟ وهل فوجئت برد فعلك ~~القوي تجاه اعتناقك الإسلام، وخاصة بشأن خوفك من العقاب الإلهي؟ وما ~~الدين الذي تعتنقينه حاليا؟ # كنت في السابعة عشرة عندما أجبرت على اعتناق الإسلام، وكان إيماني جزءا ~~مهما من شخصيتي دائما، فكنت أقرأ طوال حياتي قصصا خيالية يؤيد فيها ~~الأبطال الخير والصواب ويرفضون الاستسلام، واعتقدت أنني خنت الله عندما ~~تحولت عن ديني، مما جعلني أدرك أنني لست بطلة، فشعرت بالخزي، ورغبت في أن ~~يصيبني عقاب الله وغضبه لأنني شعرت بأنني أستحقه. أنا كاثوليكية، وهو ~~المذهب الوحيد الذي كنت وما زلت أعتنقه فعليا، ولكني أفضل القول إني ~~مسيحية، فأنا أؤمن بالحب والتسامح. أكن احتراما جما للإسلام أيضا، ~~والعديد من أصدقائي الرائعين مسلمون. في العصور الوسطى ارتكبت فظائع كثيرة ~~باسم المسيح والمسيحية، لكن هذا لا يجعل من المسيحية دين عنف، وأعتقد أن ~~نفس الشيء ينطبق على الإسلام. # خلال مذكراتك شعرت بالذنب لأنك أنقذت من الإعدام. ~~هل تمكنت من التغلب على هذا الشعور؟ وعند زيارتك لقبر علي، تذكرت ~~كلا من ترانه وسيرس وجيتا، وقلت إن «حياتي تخصهم أكثر مما تخصني». ~~أما زال يراودك نفس الشعور؟ # لا أعتقد أن ناجيا من الموت يمكنه أن يتغلب على الشعور بالذنب، لكنني ~~واجهته. أشعر بالذنب لأني عشت في الوقت الذي مات فيه كثيرون. هل كنت أستحق ~~الحياة أكثر منهم؟ كلا. هل كانوا يستحقون الموت؟ كلا. ظللت أعواما عديدة ~~أحاول الهروب من هذا الشعور بالذنب، حتى أدركت ذات يوم أن علي أن أستدير ~~وأن أواجهه بعيون مفتوحة. نعم، حياتي تخصهم، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي ~~تجعل لحياتي معنى، فقد عشت كي أتأكد من أن أحدا لن ينساهم. # في أواخر الكتاب تقولين عن علي: «ظلت مشاعري تجاهه ~~مزيجا من الغضب والإحباط والخوف والشك.» هل تغيرت مشاعرك تجاه علي ~~خلال الأعوام التالية؟ وبم تريدين أن تخبري القارئ عن علي وعلاقتك ~~به؟ # حتى الأشخاص «الطبيعيون» يصيبهم الارتباك أحيانا بشأن علاقاتهم، وما ms260 زال ~~يلتبس علي الأمر بشأن مشاعري تجاه علي، فقد أنقذني من الموت وأحبني ~~بطريقته الخاصة وهددني وتزوجني واغتصبني واعتنى بي وانتزعني من كل ما أحبه ~~ومنحني عائلة مساندة لي لم أحظ بها قط، ثم أنقذني مرة أخرى وهو يحتضر. ~~وأثناء الكتابة حاولت جاهدة أن أجعل القارئ يشعر بما مررت به، لا عن طريق ~~الاستنتاجات وإصدار الأحكام، ولكن عن طريق رواية الأحداث ورسم خريطة ~~المشاعر الإنسانية المعقدة التي غالبا ما تقدم لنا المزيد من الأسئلة لا ~~الإجابات. # لماذا تعتقدين أنك أحببت عائلة علي بالرغم من ~~شعورك بالذنب والارتباك؟ وهل أمدتك مشاعرك تجاههم بأمل في المستقبل ~~أم دفعتك إلى مزيد من اليأس؟ # أحببتهم لأنهم منحوني الحب والدعم في عالم بارد مظلم. كنت فتاة صغيرة ~~متلهفة على الحب والاستقرار، لكن حبي لهم لم يمدني بأي أمل في المستقبل؛ ~~على الأقل ليس المستقبل الذي كنت أتمناه لنفسي. في بداية الأمر كنت كمن ~~يغرق في الرمال المتحركة، فقد قاومت الشعور بحبهم، لكن ما إن أحببتهم حتى ~~اكتشفت أن هناك متنفسا، وهو ما أربكني إلى حد تعجز الكلمات عن ~~وصفه. # عندما أعطتك جدتك قصة حياتها، قالت: «أريدك أن ~~تحتفظي بها وأن تتذكريني.» كيف أثرت كتابة جدتك على كتابتك الشخصية؟ ~~وهل تعتقدين أنك كنت ستشعرين بالحاجة إلى كتابة قصتك لو لم تعطك ~~قصتها؟ # لقد شعرت بتأثير جدتي علي كثيرا، فمنذ أن ترجمت قصتها شعرت بأنني ~~أحيا حياتها مرة أخرى بطريقة ما، لكني أعتقد أنني حصلت على فرصة لتحسين ~~الأوضاع، وأعتقد أنني كنت سأكتب قصتي حتى لو لم تكن قد أعطتني قصتها، ~~فطالما كان الأدب جزءا مهما من حياتي. # عندما أطلق سراحك من «إيفين»، هل شعرت بأي قلق ~~يراودك بشأن حقيقة مشاعرك تجاه أندريه خارج أسوار السجن؟ وماذا كان ~~الجزء الأصعب في بداية علاقتك به؟ # طالما كان حبنا بريئا، ولم يكن مخططا له أو مقصودا بأي شكل. حالتنا ~~مختلفة، ومنذ أن التقينا أدركنا أن أحدنا ينتمي إلى الآخر. أثناء وجودي في ~~«إيفين» كان حبي لأندريه طاقة النور الوحيدة ms261 التي تمدني بالأمل وسط الظلام ~~الدامس. كان هو الشيء الوحيد الذي أملكه وأثق به، لكن مع كل هذا، ومع أنني ~~لم أجرؤ على الاعتراف لنفسي بذلك صراحة، فقد أدركت وأنا عائدة إلى المنزل ~~بعد خروجي من «إيفين» أن هناك احتمالا ألا يرغب في بعد الآن. كان وجوده في ~~الكنيسة عندما اصطحبني علي للزيارة هو ما منحني الأمل، فقد اختار أندريه ~~أن يذهب إلى هناك لأنه أراد ذلك، لا لأنه اضطر إلى ذلك، وهو تصرف شجاع منه. ~~أصعب ما واجهناه في استئناف علاقتنا بعد خروجي من السجن أنني لم أستطع ~~إخباره بحقيقة ما حدث لي في «إيفين»، فكانت هناك أسرار بيننا، وهناك جزء ~~مني لا يعلم عنه شيئا على الإطلاق، لكن بدا لي أن أحدا لا يريد معرفة أي ~~شيء عن الماضي، فتظاهرت بألا مشكلة في الاحتفاظ به لنفسي. # عندما هاجر ألبرت صاحب المكتبة إلى الولايات ~~المتحدة، قلت إنك شعرت بأن الفراق «موجع أبدي مثل الموت». هل راودك ~~نفس الشعور عند مغادرتك إيران؟ وهل ما زلت على اتصال بوالديك أو ~~أصدقائك بعد أن غادرت البلاد؟ وهل فكرت في العودة إلى إيران ~~مستقبلا؟ # بالفعل، شعرت بأن مغادرة إيران وداع أبدي، وراودني شعور بأنني لن أتمكن ~~من العودة أبدا، ليس لأنني لن أرغب في ذلك، ولكن لأنه لن يسمح لي بذلك ~~على الأقل دون أن أتعرض للسجن. ظللت على اتصال بوالدي، ولكنني توقفت عن ~~الاتصال بأصدقائي، لأنني لم أرغب في جلب المتاعب لأحد. ما زلت أزور إيران ~~كل ليلة تقريبا في أحلامي، فأذهب إلى منزل أسرتي الصيفي الذي يطل على بحر ~~«قزوين» كما كنت أفعل في الأيام الخوالي، وألتقي بأصدقائي الذين ماتوا منذ ~~أعوام طويلة والذين فقدت أخبارهم منذ زمن بعيد. توفيت أمي في مارس من عام ~~2000، وغالبا ما تزورني أيضا في الأحلام، حيث أتجول حول المنزل وأجلس على ~~«صخرة الصلاة» وأشاهد غروب الشمس وأنا واقفة على الشاطئ. # في الفصل العاشر، تسألين: «هل يعرف العالم عنا أي ~~شيء؟ هل يحاول أحد إنقاذنا؟ في ms262 أعماقي كنت أعلم أن الإجابة على كلا ~~السؤالين هي «لا».» هل ما زلت تعتقدين أن المجتمع الدولي ينقصه الإلمام ~~بقصتك وقصص مشابهة؟ وبم تشعرين حيال ذلك؟ وماذا تأملين من نشر قصتك؟ ~~وماذا يمكن لقرائك أن يفعلوا لزيادة الوعي؟ # بعد أن قضيت خمسة عشر ~~عاما في كندا، يضايقني أن الناس لا يعرفون سوى القليل عن حياة الآخرين في ~~دول أخرى. يتصدر الشرق الأوسط دائما عناوين الأخبار، ولكن ما لا يدركه ~~الناس أن الضحايا الذين يشاهدونهم على شاشات التلفاز بشر مثلهم لهم أحباء ~~ينتظرونهم، فهم إما أزواج أو زوجات أو أمهات أو آباء أو أشقاء أو شقيقات أو ~~أبناء، والتجربة الإنسانية هي الأهم، وما لم يعترف الجميع بتلك التجربة ~~التي غالبا ما تكون صادمة في معظم أنحاء الشرق الأوسط ويتعاملون معها ~~معاملة إنسانية رحيمة، فسوف تتحول إلى شعور بالغضب والكراهية والعنف وتقضي ~~على العالم تدريجيا بمرور الوقت. قصتي هي قصة جيل الثورة الإسلامية، أو ~~بالأحرى الجزء غير المروي منها. إنها قصة المراهقين الذين رغبوا في أن ~~يجعلوا إيران مكانا أفضل ولكنهم سقطوا بعدها في شراك حريق هائل خرج عن ~~السيطرة وجلب لهم السجن والتعذيب والموت بدلا من الحرية والديمقراطية، ~~بينما ظل العالم يشاهد الأحداث في صمت. أولا، أود أن تصبح قصتي تخليدا ~~لذكرى قتلى الثورة الإسلامية، قبل قيامها وخلاله وبعد أن قامت، وقبل كل ذلك ~~تشجيعا لكل الناجين من «إيفين» على الخروج عن صمتهم والحديث عما جرى لهم. ~~لا أمثل السجناء السياسيين في إيران بأي حال من الأحوال، بل إنني واحدة ~~منهم فقط، فأمر السجناء السياسيين في إيران معقد للغاية، وهو بحاجة للتناول ~~والدراسة من زوايا عديدة بقدر الإمكان بحيث نتمكن في نهاية الأمر من الحصول ~~على صورة واضحة لما حدث. وأود أيضا أن يعرف العالم أن «إيفين» ما زال ~~موجودا، وأن الناس ما زالوا يعانون ويموتون خلف أسواره، وعلى المجتمع ~~الدولي أن يطالب الحكومة الإيرانية بالاعتراف بسوء معاملة السجناء ~~السياسيين في إيران والتوقف عن ذلك على الفور، وربما يتحول «إيفين» ذات ms263 يوم ~~إلى متحف يصطحب الناس أطفالهم إليه كي يخبروهم عن فترة حالكة في تاريخ ~~إيران؛ عندما كان تعذيب المراهقين والشباب والفتيات وإعدامهم من أعمال ~~الخير التي تهدف إلى إرضاء الله. وأطلب من قرائي ألا يمنعهم الخوف من ~~الحديث صراحة عما يرونه خطأ، فالخوف أفظع السجون على الإطلاق. ms264