######OpenITI# #META# URI: 1450SuncAllahIbrahim.BayrutBayrut.Hindawi39426136 #META# Tags: novels #META# ID: 39426136 #META# Title: بيروت بيروت #META# AuthorID: 17162047 #META# Author: صنع الله إبراهيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبل أن تقرأ‏ # بيروت بيروت‏ # خاتمة‏ # قبل أن تقرأ‏ # بيروت بيروت‏ # خاتمة‏ # | بيروت بيروت # | بيروت بيروت # تأليف # صنع الله إبراهيم # | قبل أن تقرأ # واكبت سنوات مراهقتي نهاية العهد الملكي في مصر. كانت البلاد ~~تموج بدعوات التحرر الوطني من الوجود الإنجليزي العسكري، ~~والتحرر الاجتماعي من سيطرة الإقطاع، ومن الأمية والمرض والحفاء! ~~.. وشكلت هذه البيئة وجداني، وخاصة الحديث عن أن المعرفة هي كالماء ~~والهواء يجب أن تكون للجميع وبالمجان. # وفي مغرب يوم من سنة 1951م، كنا أنا وأبي عائدين من زيارة لأحد ~~أقاربنا في شرق القاهرة. توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ «الباص» إلى ~~غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم! كانت ~~مقاعد «الباص» آنذاك - والترام أيضا - مقسمة إلى درجتين بثمنين ~~متفاوتين للتذاكر التي يوزعها «كمساري» برداء أصفر مميز أثناء ~~مروره على الركاب. # جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت ~~في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقا في أفكاره التي ~~تثيرها دائما أمثال هذه الزيارات. # قلت بحماس طفولي: «سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح ~~الركوب بالمجان.» # تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفت: «والكتب ~~أيضا!» # تطلع إلي باستياء من سذاجتي: نعم! الكتب بالمجان؟ يا لها من ~~سذاجة! # ولم أتصور وقتها أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبي أنا متاحة ~~للقراءة بالمجان! وذلك بفضل مبادرة جريئة من مؤسسة مصرية ~~طموحة، فشكرا لها! # صنع الله إبراهيم # | بيروت بيروت # 1 # فتشوني مرتين؛ الأولى عند الحاجز الجمركي، والثانية أمام ~~البوابة المؤدية إلى أرض المطار. وبين الاثنتين مررت أنا ~~وحقيبة يدي الجلدية من دائرة تليفزيونية وبوابة إلكترونية. وكان ~~في انتظاري واحد منهم على باب الطائرة، جاس بيديه أسفل إبطي وبين ~~فخذي وداخل كل من حقيبة يدي وكيس السوق الحرة. وأخيرا سمح ~~لي بولوج الطائرة. # توقفت بجوار أول مقعد فارغ صادفني، فأودعت الكيس بالخزانة ~~المعدنية المثبتة في السقف، وجلست بعد أن وضعت الحقيبة على ~~الأرض، بين قدمي. # فصلني مقعد فارغ عن كرة زجاجية انسابت منها شمس العصاري ~~الواهنة، وبدت ms001 من خلالها اللافتة الضخمة التي تعلن عن ميناء ~~القاهرة الجوي. استرخيت في مقعدي ومددت ساقي أسفل المقعد ~~الأمامي. ولم ألبث أن أزحتهما جانبا مفسحا الطريق لراكب في ~~جلباب أبيض سابغ استقر إلى جواري. ولمحت بركن عيني «الغطرة» ~~السعودية تتدلى فوق كتفيه. # سمعته يزفر بشدة موجها الحديث إلي: يعاملون الواحد كأنه ~~إرهابي أو فدائي. # انهمكت في تثبيت حزام المقعد إلى وسطي، ولم أعبأ بالرد ~~عليه. # امتلأت الطائرة بعد لحظات، وانتشرت في أرجائها الجلاليب ~~والملابس الريفية الثقيلة، تعلوها وجوه سمراء ناطقة بالرهبة ~~والقلق، والتقطت عيناي البعض ممن ارتدوا ملابس أوروبية أنيقة، ~~وأخفوا عيونهم خلف نظارات شمسية داكنة، واستقرت فوق ركبهم ~~حقائب السامسونايت المحكمة. وكان ثمة نساء قليلات، كشف بعضهن ~~عن أذرع بضة تحمل حقائب يد أشبه بصناديق الأحذية أو ~~المجوهرات. ولم تكن بينهن فلاحة واحدة. # ارتفعت الطائرة أخيرا، ~~فختم جاري الابتهالات التي كان يغمغم بها في صوت مسموع. وبعد ~~قليل غاب الضوء عن الإشارة التي تطلب الامتناع عن التدخين، ~~وجاءنا صوت قائد الطائرة مقدما نفسه، معينا السرعة ~~والارتفاع، والمسافة الزمنية التي تفصلنا عن بيروت. # فككت حزام المقعد، وأخرجت علبة سجائري المصرية من جيبي، ~~وأشعلت واحدة. اكتشفت من أول نفس أن الدخان يتسرب من ثقوب ~~عديدة بها، فأطفأتها في منفضة المقعد. وقررت أن أؤجل التدخين ~~بعض الوقت، مقللا من احتمالات الإصابة بالسرطان. # خاطبني جاري كأنما يواصل حديثا بيننا: ألم تنته الحرب من ~~سنتين؟ لماذا إذن هذه الإجراءات؟ # لم أفهم لأول وهلة أية حرب وأية إجراءات يعني، ثم أدركت أنه ~~يشير إلى الحرب الأهلية اللبنانية، والتفتيش المتكرر الذي ~~تعرضنا له. # أدرت رأسي نحوه وقلت: احتياطات لا ضرر من ورائها. # طالعني وجه أسمر لكهل في الستين، تتوسطه عينان ماكرتان، ~~وتحف به لحية رمادية خفيفة، مدببة الطرف. # طافت عيناه بملابسي وشعري، وتمهلت عند إصبعي الخالي من خاتم ~~الزواج، وبشائر الشعر الأبيض فوق رأسي. وتجلى فيهما تركيز بالغ ~~وهو يتأمل الحقيبة الجلدية الملقاة بين قدمي. # شعرت بحاجة ماسة إلى الشراب، فأدرت رأسي إلى الناحية الأخرى، ~~وملت بها ms002 في الممر الفاصل بين المقاعد، ملتمسا إحدى المضيفات. ~~أحصيت في ذهني ما أحمل من دولارات مفردة. وقررت أن أطلب علبة ~~بيرة، ثم تذكرت أن ثمنها يتجاوز نصف الدولار دون أن يبلغه كله. ~~والغالب أن المضيفة لن تعيد إلي باقي الدولار؛ لأن الطائرة ~~عربية، ونحن جميعا عرب. وبهذا الدولار يمكنني أن أحصل على كأس من ~~الويسكي أو الجين، يبعث شيئا من الحيوية في عروقي. # استدار أحد ركاب الصف المقابل ناحيتي، قابضا على مسند مقعده ~~بأصابع يكسوها طلاء أصفر اللون، وخاطب راكبا خلفي بلهجة مصرية، ~~سائلا إياه عما إذا كان قد اشترى المسجلة من السوق الحرة. # أومأ السعودي إليه قائلا: هؤلاء ذاهبون للعمل في العراق. وهم ~~مضطرون للسفر عن طريق بيروت؛ فمطار بغداد مغلق ومطار عمان لم ~~يعد يحتمل المزيد. # اشتدت حاجتي إلى الخمر. ومرت المضيفة فطلبت منها كأسا من ~~الويسكي. ولم أعبأ بنظرة الاستهجان التي رماني بها السعودي. # سألني بعد لحظة: بيروت وجهتك أم ذاهب إلى مكان آخر؟ # قلت: لا، بيروت. ~~- الشرقية أم الغربية؟ # أوشكت أن أجيب تلقائيا بأنها الشرقية، ثم تذكرت أن بيروت ~~هي المكان الوحيد في عالم اليوم الذي تنقلب فيه المدلولات السياسة ~~للأوضاع الجغرافية. # قلت: الغربية، وأنت؟ # قال: عندي أشغال في أماكن كثيرة. # أحضرت لي المضيفة زجاجة صغيرة للغاية تضم كأسا واحدة، ~~وكوبا به قطع من الثلج. فتحت الزجاجة وصببتها في الكوب ثم ~~هززته عدة مرات ورفعته إلى شفتي. # سرت الحرارة في جوفي، فأشعلت سيجارة، وأخذت أنفاسها ~~ببطء. # سألني: سياحة أم عمل؟ # أجبت: عمل. ~~- أول مرة؟ ~~- لا. # أفرغت الكأس، وشعرت على الفور بالرغبة في كأس أخرى. # عاد يسألني: معك عقد أم ذاهب للبحث عن واحد؟ ~~- يمكنك أن تقول إني ذاهب للبحث. # سأل في اهتمام: ما هو عملك بالضبط؟ ~~- الكتابة. ~~- صحفي؟ ~~- ليس تماما. ~~- يعني لست ذاهبا للبحث عن عمل في إحدى الصحف؟ # هززت رأسي نفيا. # قال: إذن ستبحث عن جهة تكتب لها؟ ~~- أبدا، سأبحث عن ناشر لكتاب ألفته. # استغرق في التفكير، فسألته بدوري: وأنت .. ما عملك؟ ~~- أنا كما تقولون ms003 باللهجة المصرية مقاول. ~~- مقاول ماذا؟ ~~- كل شيء. # ولوح بيده مشيرا إلى ركاب الطائرة من المصريين وهو يضيف: عندي ~~مئات من هؤلاء في السعودية. # جعلت أتخيل الكأس الثانية. # سألني: هل تعرف مخرجا سينمائيا يدعى صبحي توفيق؟ # فكرت قليلا، ثم أجبت بالنفي. # قال: كان عندي هذا الصباح في الهيلتون. # لم أعلق بشيء. وسكت هو لحظة ثم واصل أسئلته: لماذا لم تنشر ~~كتابك في مصر؟ # أجبت: لا أحد يريد نشره. ~~- هل هو أول كتاب لك؟ ~~- لا. ~~- لا بد أنه كتاب سياسي. # قلت: بالعكس، إنه كتاب إباحي. # طرفت عيناه بسرعة ثم ركن إلى الصمت. وبعد قليل سألني في ~~تردد: هل تكسب .. هذه الكتب؟ # أجبت: أوهوه .. كثيرا. # أحسست أني أستحق كأسا أخرى، فقررت التضحية بدولار ثان. ~~وأفضيت بمطلبي إلى المضيفة عندما مرت توزع الصحف. # أخذت منها صحيفتين لبنانيتين، ناولت إحداهما لجاري. ولمحت ~~معها عدة صحف أمريكية فأخذت إحداها. ألقيت نظرة على النصف ~~الأسفل للصحيفة اللبنانية، فألفيته موزعا بين ثلاثة موضوعات ~~رئيسية؛ الأول عن المؤتمر الصحفي الذي عقده ريجان بعد انتخابه ~~رئيسا للولايات المتحدة. والثاني عن قصف إسرائيلي جديد للجنوب ~~اللبناني. أما الثالث فكان يتضمن تصريحا لوزير خارجية العراق ~~يدافع فيه عن الحرب التي شنتها بلاده على إيران قائلا إنها ~~ستحرر القوى الاقتصادية والعسكرية العراقية من «الشاغل» ~~الإيراني لتصبح قادرة على التصدي للخطر الإسرائيلي. # بسطت الجريدة فطالعني في صدرها عنوان كبير نصه: «قرارات ~~حاسمة بوقف إطلاق النار في بيروت الغربية». بحثت عن التاريخ ~~فوجدته السابع من نوفمبر، تشرين الثاني 1980، وهو تاريخ اليوم. ~~عدت إلى النبأ فقرأت ما يلي: ~~«تم في الساعات الأخيرة اتخاذ قرارات حاسمة لتطويق الاشتباكات ~~التي جرت في اليومين الأخيرين ببيروت الغربية، وذلك في أعقاب ~~سلسلة من الاتصالات بين قادة الأحزاب والهيئات اللبنانية، ~~والمنظمات الفلسطينية، والسلطات السورية.» # وقرأت أسفل ذلك التفاصيل الكاملة للأحداث المشار إليها. وقد ~~بدأت عندما كانت سيارة رئيس نقابة بائعي الخضر في بيروت ~~الغربية، ويدعى «منير فتحة»، تحاول العبور في أحد التقاطعات قبل ~~سيارة أخرى يقودها أحد أعضاء الحزب القومي الاجتماعي. ms004 وتبادل ~~السائقان الشتائم، ثم أشهر كل منهما مسدسه في وجه الآخر. وبادر ~~سائق السيارة الثانية بإطلاق النار فأصاب رئيس النقابة في مقتل، ~~وسارع بالفرار. # وما إن علم بالحادث ابن القتيل، وهو من قادة التنظيم الناصري ~~المعروف باسم «المرابطون» حتى شكل في الحال مجموعة عسكرية من ~~أعضاء التنظيم هاجمت منزل بشير عبيد، أحد زعماء الحزب القومي الذي ~~ينتمي إليه القاتل. ووجد المهاجمون لديه زعيما آخر من زعماء الحزب ~~هو الشاعر كمال خير بك، وابنة أخته الشابة ناهية بجاني، فأعدموا ~~الثلاثة. وتفجرت الاشتباكات بين أعضاء الحزبين على إثر ~~ذلك. # فتشت في أنحاء الصحيفة عن تفصيلات جديدة فلم أجد سوى إشارة ~~إلى افتتاحية لجريدة «السفير» اللبنانية تقول فيها إن الميليشيات ~~المسلحة في الغربية، سواء كانت تابعة أو محسوبة على الحركة ~~الوطنية أو المقاومة الفلسطينية أو الحكومة السورية، أو - بتعبير ~~الصحيفة - «فاتحة على حسابها»، هي المسئولة عن الانفلات الأمني ~~والتسيب، وما يقع في ظلهما من جنايات وجرائم، ابتداء من ~~القتل والسطو المسلح، إلى فرض الإتاوات واغتصاب الشقق والبنايات، ~~إلى تكدس النفايات. # وضعت الجريدة جانبا، وبسطت الجريدة الأمريكية. كانت بتاريخ ~~اليوم السابق. وعثرت في ذيل الصفحة الأول على مربع صغير ~~بعنوان: «الحرب التي لا تريد أن تنتهي». ومرت عيناي بسرعة على ~~السطور التالية: ~~«تعطي الاشتباكات المسلحة التي جرت أمس في بيروت الغربية ~~صورة بالغة الدلالة لما وصلت إليه الأمور في لبنان، منذ اندلاع ~~الحرب الأهلية في سنة 1975، بين أبناء هذا البلد الجميل (3 ملايين ~~نسمة قبل الحرب، انخفضوا إلى مليونين ونصف الآن).» # فمن الناحية الرسمية انتهت هذه الحرب عام 1977، بسيطرة قوات ~~الردع العربية التي تتألف غالبيتها من قوات سورية. لكن ~~الاشتباكات المختلفة لم تتوقف حتى الآن بصورة نهائية بين ~~الجانبين المتصارعين. والأكثر من ذلك أن هذه الاشتباكات تركزت ~~في الآونة الأخيرة بين القوى المختلفة داخل كل منهما، بصورة ~~تعيد إلى الأذهن صراع عصابات شيكاغو في العشرينيات ~~والثلاثينيات، والمعارك الدموية بين عائلات المافيا. # ففي 7 يوليو، تموز الماضي، قاد بشير الجميل (33 سنة)، القائد ~~العسكري الشاب ms005 لميليشيا الكتائب المارونية، والحاكم الفعلي لبيروت ~~الشرقية، حملة تصفية على مراكز شريكه في الجبهة المارونية، كميل ~~شمعون، أطلق عليها ساخرا لقب «الحركة التصحيحية»، وقتل في ساعات ~~قليلة أكثر من 500 من رجال ميليشيا «النمور» التابعة للأخير. ~~وبالنتيجة، وافق شمعون صاغرا على الاشتراك في اجتماعات المجلس ~~العسكري ل «القوات اللبنانية» بقيادة بشير الجميل، مقابل ~~استمرار حصوله على نصيبه من أرباح ميناء ضبية، بالإضافة إلى مليون ~~دولار نقدا. # وقبل أربعة شهور من مذبحة ~~النمور، انفجرت شحنة متفجرات، تعمل بالتحكم النائي، في سيارة ~~بشير الجميل، فأودت بحياة ابنته مايا (3 سنوات) التي ولدت عشية ~~هجوم آخر دبره أبوها على القصر الصيفي للرئيس السابق سليمان ~~فرنجية، في بلدة أهدن، راح ضحيته ابنه الأكبر طوني (36 سنة) ~~وزوجته فيرا (32 سنة) وابنتهما جيهان (3 سنوات). # وقد رافقت هذه المذابح صعود بشير الجميل، وسعيه لفرض زعامته ~~على الجبهة المارونية أو «الجبهة اللبنانية» كما تسمي نفسها، ~~والتي تتألف من قوات بيار الجميل (الكتائب) وشمعون (النمور) ~~وفرنجية (المردة)، فضلا عن شربل قسيس (المجلس الدائم للرهبانيات)، ~~وإتيين صقر (حراس الأرز). # وعلى الناحية الأخرى من الخط الأخضر الذي يفصل شطري العاصمة ~~اللبنانية، تدور معارك مماثلة بين القوى العديدة التي تتألف ~~منها الجبهة المضادة التي تسمى أحيانا بالإسلامية، وأحيانا ~~أخرى بالوطنية، وأحيانا ثالثة بالتقدمية، وأحيانا رابعة ~~باليسارية. # وبالإضافة إلى المنظمات الفلسطينية التي يرتبط بعضها ببلاد ~~عربية متناحرة مثل العراق وسوريا أو السعودية وليبيا، فإن هذه ~~الجبهة تتألف من أحزاب ناصرية يتوزع ولاؤها بين العراق وسوريا ~~وليبيا، وتنظيمين بعثيين يتبع أحدهما العراق، ويسير الآخر خلف ~~القيادة السورية، وآخرين شيوعيين يرفعان راية ماركس ولينين، ~~وحزب اشتراكي يعبر عن الأجنحة الليبرالية في طائفة الدروز، ~~وجماعات إسلامية متفرقة، يمثل بعضها الزعامات التقليدية ~~لطائفتي السنة والشيعة، وهي زعامات شبه إقطاعية تربطها خيوط ~~وثيقة بالأنظمة الملكية في العالم العربي، بينما يمثل البعض ~~الآخر زعامات جديدة لهاتين الطائفتين، يحظى بعضها بمساندة ~~الخميني، ويحظى البعض الآخر بدعم القذافي. # ومن السهل أن تنشب ~~المنازعات بين هذه الجماعات المتباينة، كرد فعل ms006 للصراعات ~~القائمة بين الأنظمة العربية، أو بسبب التنازع على مناطق النفوذ. ~~كما أن الشجار التافه في الطريق يمكن أن يؤدي إلى اشتباك واسع ~~النطاق؛ فكل شخص يتبع بصورة أو أخرى أحد التنظيمات أو إحدى ~~الجماعات. وبحكم التفكير العشائري القبلي السائد، لا بد أن ~~تهب الجماعات التي يتبعها إلى نصرته، ظالما أو مظلوما، ~~باللغة الوحيدة السائدة، وهي «لغة المسدس». # وختمت الصحيفة تعليقها قائلة: «إن الساعات القليلة القادمة ~~ستبين ما إذا كان يمكن تطويق الاشتباكات وفرض النظام، أو أن ~~البلاد ستواصل الانحدار إلى هاوية لا يعرف أحد لها ~~قرارا.» # كان السعودي يقرأ صحيفته باهتمام وهو يتطلع إلي بين الفينة ~~والأخرى في قلق، محاولا أن يستشف انطباعي، وتركت وجهي جامدا ~~حتى انتهيت من القراءة، فالتفت إليه وقلت: الظاهر أننا جئنا في ~~الوقت المناسب. # 2 # تناولت جواز سفري من ضابط الجوازات الملول، ودسسته في الحقيبة ~~المدلاة من كتفي، ثم حملت حقيبة السفر في يدي اليمنى، وكيس ~~السوق الحرة في اليسرى، وعبرت حاجز الجوازات إلى صالة المطار ~~الصغيرة، دون أن يحفل أحد بتفتيشي ولو من باب الحماية ~~الجمركية. # مضيت إلى نافذة البنك، فاستبدلت خمسين دولارا بسعر أربع ~~ليرات للدولار الواحد. واتجهت إلى الباب الخارجي للمطار، ~~فبلغته بعد خطوات معدودة. كان ثمة صف من سيارات الأجرة، ~~خارج الباب مباشرة، يشرف عليها شرطي يحمل دفترا. ولمحت ~~السعودي بجوار إحداها، وسمعته يطلب من السائق أن يأخذه إلى ~~المنطقة الشرقية. # تقدمت من السيارة التالية وذكرت وجهتي لسائقها، فغادر مقعده ~~ودار حول السيارة. تبعته وناولته حقيبة السفر ليودعها صندوق ~~السيارة الخلفي، ثم مضيت إلى الشرطي وسألته في صوت خافت عن ~~الأجرة التي يتعين علي دفعها، فقال: ثلاثين ورقة. # صاح السائق من مكانه عند السيارة: ثلاثين ما بتسوى، الكل بيدفع ~~أربعين. # زجره الشرطي برفق وهو يشير إلي أن أركب. # تمسك السائق بموقفه صائحا: ما بدي روح ع الغربية. # عنفه الشرطي: ولاك، ما تصرخ. بتركبه ولا ياخذ السيارة ~~اللي بعدك؟ # استسلم السائق وصاح بي: عجل يا زلمة. # ركبت في المقعد الخلفي، وانطلق ms007 السائق بالسيارة، وهو يغمغم ~~لنفسه مزمجرا، وقام بدورة سريعة وضعتنا على الطريق ~~الرئيسي. # بدا طريق المطار مهجورا أكثر من المتوقع. وقد انتشرت ~~الحفر وأكوام الأتربة على جانبيه. وأقبلنا على مجموعة من ~~الجنود توارت خلف أحد هذه الأكوام وأحاطت بمصفحة تحمل عبارة ~~«قوات الردع العربية». # غمغم السائق: هلق السوريين بيوقفونا. # توقفت سيارتنا أمام الجنود. وفحص أحدهم أوراق السائق ثم طلب ~~جوازي. وبعد أن ألقى نظرة فاحصة داخل السيارة سمح لنا بمواصلة ~~السير. # أشرفنا على مخيم برج البراجنة بمنازله المتواضعة المتلاصقة ~~التي لا تعلو عن طابقين. ومررنا بمجموعة من المسلحين، يحملون ~~شارات الكفاح المسلح الفلسطيني على أكتافهم، وقفوا خلف حاجز من ~~البراميل. أبطأ السائق؛ استعدادا للوقوف، لكنهم أشاروا لنا ~~بالمرور. # سألني السائق دون أن يرفع عينيه عن الطريق: وين ~~بالغربية؟ # قلت: الحمرا. عند سينما بيكاديللي. # بلغنا نهاية المخيم، فعبرنا ميدانا صغيرا، وسرنا في محاذاة ~~مخيم صبرا. اعترضنا ثلاثة رجال في ملابس متواضعة، أحاط أحدهم ~~رأسه بلفاعة من الصوف، وحمل الثاني «صرة» كبيرة من القماش في ~~يده. خاطب أحدهم السائق: المزرعة؟ # رفع السائق ذقنه إلى أعلى بالإيماءة اللبنانية الشهيرة التي ~~تعني النفي، وهم بمواصلة السير، فسأله ذو اللفاعة: إيش ~~طريقك؟ # أجاب: الحمرا. ~~- وليش ما تفوت م المزرعة؟ ~~- ما بدي. # تدخل عجوز امتلأ وجهه بالغضون: دخيلك يا شوفور. نحنا تأخرنا، ~~واللي بدك إياه خده. # صاح السائق: يا زلمة ما في أفوت من المزرعة، الإخوان هونيك ~~عالقانين. # قال حامل «الصرة»: ولك هادا عند جامع عبد الناصر. ليش ما ~~تفوت من هون دوغري للكولا؟ # فكر السائق ثم سأل: تنزلوا ع الكولا؟ # وافق الثلاثة، فطلب مني السائق أن أنتقل إلى المقعد الأمامي ~~ليجلس الثلاثة معا في الخلف. جلست إلى جواره واضعا حقيبة يدي ~~وكيس السجاير والخمر بيننا. # قال وهو يستأنف السير: هيك انتو يا فلسطينية، مغلبين ~~العالم. # لم يرد عليه أحد. وران الصمت على السيارة بقية الطريق. وبين ~~لحظة وأخرى كنت ألتقط نظرات العجوز في مرآة السائق وهي تنتقل ~~بيني وبينه في توجس. # أشرفنا على ميدان آخر. ms008 وبعد قليل انحرفنا إلى اليسار، ومررنا ~~بمبنى كبير تعرض لدمار بالغ ، فلم تبق من واجهته غير فجوات ~~مظلمة متجاورة. # تتابعت مناظر الدمار بينما كان الظلام ينتشر في سرعة. وكان ~~ثمة حوانيت مغلقة على جانبي الطريق الذي خلا من المارة. ~~وانحنى السائق في شارع جانبي ثم توقف بالقرب من جسر ~~علوي. # غادر الثلاثة السيارة، وجمعوا من أنفسهم عدة أوراق مالية ~~ناولها العجوز للسائق قائلا: الله معك. # تفحص السائق النقود ثم صاح: عشر ورقات؟ ما بتكفي. شو ~~فاكريني؟ # تبادل الرجال الثلاثة النظرات وقال أصغرهم سنا: هيك بندفع ~~كل مرة. ~~- استقر علينا فجأة كشاف قوي، واقتربت منا سيارة جيب ~~عسكرية. وعندما حاذتنا تبدت على جانبها شارة الكفاح المسلح ~~الفلسطيني. # سب السائق في صوت خافت، ووضع النقود في جيبه، ثم ضغط على ~~المسرع، وانطلقت بنا السيارة. # بلغنا أول الحمرا فهم بالوقوف قائلا: هون الحمرا. # قلت: بعد. سأنزل عند السينما. # مضى في الشارع الذي أغلقت حوانيته ومقاهيه، وإن ظهر به قليل ~~من المارة، ثم دلف إلى شارع جانبي. وبدت في عينيه نظرة شاردة ~~كأنما يفكر في معضلة. # هتفت: رايح فين؟ السينما في الشارع. # قال: هلق بنشوف. # مال من النافذة وصاح بسائق تاكسي عابر: احجز لي معك يابو ~~حسن. # سألته عما يريد أن يحجزه فقال: دور المطار. # جعل ينتقل بين الشوارع على غير هدى فقلت: لازم نطلع على شارع ~~الحمرا نفسه. السينما هناك. # لم يرد علي، واتجه إلى ناصية تجمع عندها عدد من الشبان ~~المسلحين بالمدافع الرشاشة. أبرز رأسه من النافذة صائحا: مرحبا ~~يا شباب، وين سينما بيكاديللي؟ # اقترب أحدهم منا وأراح مدفعه على حافة النافذة، ألفيته صبيا ~~صغير السن، لم يكد شاربه يتجلى. تأملني في إمعان، ثم تحول ~~إلى السائق وشرح له الطريق. # قال ونحن نستأنف السير: هادي الشوارع كلها مثل بعضها. # قلت محاولا تقليد اللهجة اللبنانية: باين عليك ما بتعرف شوارع ~~بيروت منيح. ~~- نحنا جينا من الجنوب في الثمانية وسبعين بعد الغزو ~~الإسرائيلي. # خرجنا إلى شارع الحمرا. وتبينت السينما بعد لحظات، فطلبت منه ~~أن ms009 يدخل الشارع المجاور لها. وتعرفت على الفندق الذي أقصده ~~بصعوبة؛ إذ كان الظلام يلف كل شيء. # استوقفته وغادرت السيارة، ثم استدرت لآخذ حقيبتي وكيسي، ~~فألفيت يده تجوس داخل الكيس، انتزعت الكيس منه في عنف وأنا ~~أقول: يا أخي عيب. # غادر مقعده صامتا ورفع باب الصندوق الخلفي، ثم أخرج حقيبتي ~~ووضعها على الأرض. # أحصيت ثلاثين ليرة ثم أضفت إليها خمس ليرات وأعطيتها له، ~~فوضعها في جيبه صامتا وانطلق بسيارته. حملت أشيائي وعبرت ~~الطريق. # كانت ردهة الفندق تضيئها أنوار خافتة. وتناثر عدد من ~~الشبان على مقاعد جلدية متآكلة. وكان بينهم بعض المسلحين. # عاملني موظف الاستقبال دون حماس. وطلبت أرخص غرفة بحمام، ~~فأعطاني واحدة بأربعين ليرة في الليلة. وحمل شاب صغير السن ~~حقيبتي في تثاقل وصحبني في مصعد إلى الطابق الرابع، ثم تقدمني ~~إلى غرفة ضيقة للغاية، امتد بساط ممزق فوق أرضها. # أعطيته ليرة فأخذها بغير اكتراث. وأغلقت الباب خلفه بالمفتاح، ~~ثم انحنيت على حقيبة الملابس ففتحت قفلها، ورفعت غطاءها ~~وأملته على الأرض. ركعت على ركبتي وتحسست بطانة الغطاء ~~بأصابعي، ثم جذبت إطارا رفيعا من الجلد يدور حول محيط الغطاء. ~~واستسلم الإطار لأصابعي؛ فانفصل عن الغطاء كما يفعل الشريط ~~اللاصق. # ظهر شق رفيع في بطانة الغطاء. مددت أصابعي داخله واستخرجت ~~ثلاثة مظاريف متوسطة الحجم، صفراء اللون. أعدت الغطاء إلى ~~مكانه وأغلقت الحقيبة. # أفرغت محتويات المظاريف الثلاثة من أوراق على الفراش، ~~ورتبتها وفقا لأرقام الصفحات، ثم جمعتها كلها في مظروف ~~واحد أودعته حقيبة يدي. # اغتسلت، وعلقت الحقيبة في كتفي، وغادرت الغرفة إلى أسفل. ~~تركت المفتاح لموظف الاستقبال، واتجهت إلى الخارج. وإذا بأحد ~~الشبان يستوقفني هاتفا: وين رايح يا أستاذ؟ # تطلعت إليه متسائلا، فأضاف: شو، جنيت؟ هلق الشوارع ~~خطرة. # ترددت قليلا وتلفت حولي. لمحت جهاز التليفون في أحد ~~الأركان، فاتجهت إليه وأنا أخرج مفكرتي من جيبي. # 3 # عرفت وديع مسيحة عندما التحقت بالمدرسة الثانوية. كنا ندرس في ~~نفس القاعة، لكنه كان يجلس بعيدا عني. وكنا جميعا نرتدي ~~البنطلونات القصيرة، عدا اثنين أو ثلاثة من الأولاد ms010 الكبار، ~~ونستمد لذة غامضة من احتكاك ركبنا العارية. وفي بعض الدروس ~~كنا نتبادل الأماكن لهذا الغرض، فيجلس كل واحد إلى جوار من يميل ~~إليه. وكنت أحرص في هذه المناسبة على مجاورته؛ فقد كانت ساقه ~~طويلة، ذات بطن ممتلئة، وإبط ناعم. # لم نكن نتبادل الزيارات المنزلية كثيرا؛ فلم تكن أمي ترحب ~~بمجيئه، كما أن بيته كان يثير في النفور والرهبة؛ فقد كان مظلما ~~في وضح النهار، مزدحما بقطع الأثاث القديم، لا يتردد به صوت، ~~وتفوح في أرجائه رائحة مميزة هي مزيج من زيت القلي والعفن ~~الناشئ عن رطوبة الجدران. # وذات مرة قلت له إنه «عظمة زرقاء» دون أن أفهم معنى العبارة. ~~وإذا بوجهه يشحب ويغضب مني، ثم يقاطعني. وبعدها بأسبوعين أقبلت ~~عليه صدفة بعد انصرافنا من المدرسة، وقد أحاط به عدد من الصبية ~~الكبار في صفنا وجعلوا يرددون: «عظمة زرقاء»، وروعتني ~~النظرة التي ارتسمت في عينيه. كانت ناطقة بذعر لم يسبق لي أن ~~رأيته في عيني إنسان. # تجددت علاقتنا في الجامعة التي دخلناها معا بعد قيام الثورة ~~بشهور؛ فقد ألفينا أنفسنا في مجموعة واحدة من شباب متحمس، نقرأ ~~سارتر وجوركي ولوفافر، ونهاجم طه حسين دفاعا عن الواقعية ~~الاشتراكية، وحكومة «العسكر» دفاعا عن الديمقراطية. ونذرع ~~شوارع القاهرة على أقدامنا، بأحذية مثقوبة. ثم نعتقل جميعا ~~عندما أحكم جمال عبد الناصر قبضته الحديدية في مارس (آذار) 1954م. ~~ودخلنا السجن معا بعد ذلك، في أوج معركة عبد الناصر مع ~~اليسار. # لكنه غادر السجن بعد أسبوع واحد فقط، بينما بقيت أنا به حتى ~~صدور العفو العام سنة 1964. ووجدت عملا بعد فترة في إحدى الصحف، ~~فألفيته يعمل بها. كان قد صار عضوا بارزا في التنظيم السياسي ~~الحكومي، الاتحاد الاشتراكي العربي، لكن الكل كانوا يسعون إلى ~~عضويته؛ ولهذا لم يكن من الصعب أن تتفق أفكارنا وآراؤنا. وكانت ~~صدمتنا واحدة عندما أسفر العدوان الإسرائيلي عام 1967 عن ~~هزيمتنا. # وفي العام التالي عين في مكتب الجريدة ببيروت. وكان السفر ~~وقتها حلمنا جميعا، والأسهل منه الخروج من ثقب الإبرة. ولم ~~أتمكن ms011 منه إلا بعد أن استقلت من الجريدة، واستعنت بوساطات ~~عدة. وذهبت إلى بيروت فاستضافني بضعة أسابيع. ثم غادرت لبنان ولم ~~أره لسنوات طويلة. لكني عرفت أنه تزوج من قريبة له، وأصبح ~~مديرا لمكتب الجريدة في العاصمة اللبنانية، ولم يدهشني ذلك؛ لأنه ~~كان قديرا في عمله، يقيم أوثق العلاقات بالشخصيات الهامة من ~~مختلف الأحزاب والاتجاهات، ويحتفظ بأرشيف دقيق لكافة ~~المعلومات. # ونقلته الجريدة إلى مقرها الرئيسي في القاهرة بعد حرب أكتوبر ~~(تشرين الأول) 1973. لكنه ظل يسعى حتى استعاد منصبه ببيروت في ~~منتصف 1976. وعندما استدعي إلى القاهرة بعد سنة رفض العودة، ~~واستقال من الجريدة، ثم التحق بصحيفة يمولها العراقيون، وانتقل ~~منها أخيرا إلى وكالة خاصة للخدمات الصحفية، يديرها صحفي ~~لبناني نشط يدعى نزار بعلبكي. # لم أجد صعوبة في الحصول على رقم تليفون مسكنه من مقر الوكالة. ~~وانتظرته في بهو الفندق حتى جاءني بعد ربع ساعة. تعانقنا بحرارة ~~وكل منا يدرس التغيرات التي طرأت على الآخر. وعلق على لون ~~شعري، بينما نددت بامتلاء جسده والنظارة الطبية التي غطت نصف ~~وجهه، ثم قادني إلى الخارج متجاهلا إشارتي إلى التحذيرات التي ~~وجهت إلي عن أخطار الطريق، قائلا: معي عدة هويات للمواقف ~~المختلفة، ثم إننا لن نذهب بعيدا. # ولجنا بارا في شارع قريب، خلا تماما من الزبائن. وسألني ونحن ~~نجلس: هل ستبقى طويلا؟ # قلت: بضعة أيام. على قد فلوسي. ~~- ستنشر شيئا؟ ~~- أجل، كتاب عند عدنان الصباغ. ~~- لكنه ليس الآن في بيروت على ما أظن. # تطلعت إليه في قلق وقلت: لقد تواعدنا على اللقاء هنا يوم ~~الإثنين. هل تظن أن الأحداث الأخيرة يمكن أن تفسد هذا ~~اللقاء؟ ~~- ما حدث شيء عادي يتكرر كل يومين. وقد تعود اللبنانيون ~~على ذلك، وأصبحت الحياة تسير بصورة طبيعية مهما حدث، بل هناك ~~شركة لطائرات الهليكوبتر تنقل الناس عبر المناطق المتحاربة حتى ~~لا تتعطل أعمالهم. # أحضر لنا النادل كأسين من الويسكي. وتطلعت حولي فوجدت أننا ~~ما زلنا الزبائن الوحيدين أسفل الأضواء الخافتة. وكان عامل البار ~~يتبادل حديثا هامسا مع اثنين من زملائه وهم ms012 يلتفتون إلى الباب ~~بين الفينة والأخرى. # جاءنا فجأة صوت رصاص متقطع في الخارج. وتوقف الحديث ~~الهامس عند البار. أنصتنا جميعا في رهبة. ومضت بضع دقائق دون أن ~~يتكرر الصوت، فعاد الهمس من جديد في تردد. # سألني وديع: أين تعمل الآن؟ # قلت: ولا في أي مكان. ~~- كيف تعيش إذن؟ ~~- من الكتابة. ~~- هل هذا ممكن؟ ~~- ممكن إذا حصرت احتياجاتك في أضيق الحدود، ثم إن زوجتي كانت ~~تعمل. ~~- سمعت أنكما انفصلتما. ~~- أجل، تباعدت الطرق بالرغم منا. ~~- كان يجب أن تفعل مثلي؛ فأنا وزوجتي لا نجتمع معا إلا في ~~الصيف. وهي تقضي بقية السنة مع الأولاد في القاهرة. ~~- لا أفهم سر إصرارك على عدم العودة إلى مصر. # نفض سيجارته في المنفضة وجعل يرسم بطرفها دوائر وهمية في ~~الهواء، ثم قال: كلما تخيلت نفسي هناك شعرت بالاختناق. # شرد كلانا بعض الوقت ثم سألني: ومن تقابل؟ # أجبت: القليلين. لم أعد شغوفا بالحركة كثيرا. # علت شفتيه ابتسامة ملتوية وقال: ابتعدت إذن عن أصدقائك ~~القدامى؟ # قلت: أنت تعرف المواصلات الآن وكيف أصبحت. السفر إلى بيروت ~~أسهل من الانتقال بين أحياء القاهرة. ~~- وكيف الأحوال بصورة عامة، الوضع كله؟ ~~- التطبيع مع إسرائيل يسير إلى الأمام. وبالمثل ارتفاع الأسعار ~~وانهيار الخدمات. النهب في اتساع. وعدد المليونيرات ازداد عدة ~~مئات. # تفرس في بإمعان ثم سأل: هل تنوي أن تقابل أحدا بالذات؟ ~~يوجد هنا كثير من الهاربين من مصر. ~~- لقد جئت لغرض واحد فقط، وبمجرد الانتهاء منه سأعود. ~~- حدثني عن كتابك. # أشرت بيدي إشارة مبهمة في الهواء وقلت: إنه عبارة عن رحلة حول ~~العالم العربي تشبه المقامات القديمة؛ فالبطل يظهر في كل بلد ثم ~~يطرد منه ليظهر في بلد غيره، وهكذا دواليك. # ابتسم في شيء من التهكم وقال: الثوري أم الفلسطيني؟ # أجبت: ليس بالضرورة. # ألقى نظرة على ساعة معصمه وقال: يحسن بنا أن ننصرف الآن قبل أن ~~تصبح الشوارع غير آمنة بالمرة. # دفع الحساب وغادرنا البار بعد أن علقت حقيبتي في كتفي. # قلت ونحن نخطو: سأتوه إن لم توصلني إلى الفندق. # قال: سنذهب ms013 الآن إلى منزلي، وفي الصباح نأخذ أغراضك من ~~الفندق. # قلت: ليست هناك ضرورة. لقد أحضرت معي حاجتي من النقود، ثم إني ~~سآخذ عربونا من عدنان خلال أيام؛ فهو موافق على نشر ~~الكتاب. # قال بحسم: ستأتي عندي. ~~- لا أريد أن أسبب لك إزعاجا. ~~- أنا أقيم وحدي؛ فزوجتي والأولاد في القاهرة. وهناك غرفة خالية ~~يمكن أن تستقل بها. # اخترقنا عدة شوارع مظلمة دون أن نلتقي بأحد. وعند أحد التقاطعات ~~برز إلينا مسلحان، ووجها إلينا فوهتي رشاشيهما. لكنهما لم ~~يعترضانا عندما واصلنا السير بثبات. # تنفس وديع بعمق عندما ابتعدنا، وقال في صوت خافت: إنهما ~~يتبعان منظمة جديدة استولت على هذا الشارع من أسبوعين. ولا أعرف ~~أحدا من أفرادها. # عبرنا ساحة أطلت عليها مبان محطمة، فأردف في صوته ~~الطبيعي: الآن صرنا في المنطقة التابعة للمرابطين، ومعي ما يفيد ~~أني عضو عندهم. # سألته: لماذا لا تشتري سيارة؟ # أجاب: عندي واحدة لكني أخاف ركوبها. # انطلقنا في شارع قامت على جانبيه عمائر حديثة البناء. ~~وتوقف وديع أمام واحدة تغطى مدخلها بشبكة معدنية متينة، ~~فدق عليها بقوة وهو يصيح مناديا: أبو شاكر. # كان ثمة باب في أقصى المدخل، انفرج عن عجوز ملتح، رث ~~الثياب، حمل في يده سلسلة من المفاتيح. وتبينت عندما اقترب ~~أنه يتمنطق بحزام عسكري يتدلى منه مسدس. # فتح لنا أبو شاكر في صمت. وأخذنا المصعد إلى الطابق الثالث، ثم ~~تبعت وديع إلى مسكن أنيق من غرفتين وصالة ممتدة، انتشرت ~~حشيات خان الخليلي في أرجائها، واستقر مكتب خشبي في ركن ~~منها. # قلت: شقة ظريفة. كم تدفع فيها؟ # قال: أربعة آلاف دولار في السنة. وهو ثمن رخيص؛ لأني أخذتها من ~~مدة. # جلست فوق أريكة مريحة في مدخل الصالة. وقرب وديع مائدة ~~صغيرة مني، ووضع فوقها زجاجة ويسكي وإناء من قطع الثلج ~~وكوبين. # قلت: أحضرت لك زجاجة ويسكي معي. # قال: الخمور هنا رخيصة؛ فهي تباع بأسعار السوق الحرة ~~تقريبا. # صب لي كأسا، وأضاف: المنظمات هي التي تجبي الرسوم الجمركية ~~من الموانئ الواقعة في مناطقها. ويلجأ الموارنة إلى تخفيض ms014 الرسوم ~~على السجائر والخمور وأجهزة التليفزيون؛ لإغراء التجار بالتعامل مع ~~موانيهم. ويضطر الآخرون إلى مجاراتهم. # نقلت البصر بين الأنتيكات الفرعونية والإسلامية التي انتشرت ~~فوق رفوف تغطي أحد الجدران، ولمحت بينها صليبا تدلت صورة ~~البابا شنودة من أحد أطرافه. # تطلعت إليه، فاحمر وجهه بشدة، وقال: زوجتي هي التي ~~علقتها. # صببت لنفسي كأسا واضطجعت إلى الخلف. # قلت: هل تذكر المرأة التي كانت تتردد عليك في 68؟ # قال: من تقصد؟ # قلت: تلك التي قالت إنها تتقاضى عادة خمسين ليرة في المرة، ~~ولأنها تحبك ستجعلها أربعين. # بدا أنه قد نسي الأمر تماما، أو تظاهر بذلك. وكان قد طلب مني ~~مرة أن أتغيب عن البيت أياما معينة في الأسبوع قائلا إنه ~~يستقبل سيدة لبنانية متزوجة. ولمحتها ذات مرة عند خروجي، فأثار ~~مظهرها شكوكي. وعندما ضيقت عليه الخناق قال إنها تحتاج إلى نقود ~~كي تستبدل الثلاجة، وأنها ذكرت له أنها تتقاضى عادة خمسين ليرة، ~~لكنها تحبه ولهذا ستخفضها إلى أربعين. وأبديت استعدادي لدفع ~~الليرات الخمسين، فعرض عليها الأمر، لكنها رفضت بإباء وغضبت منه؛ ~~فكيف يتصرف هكذا وهما يتبادلان الحب؟ # سألته: هل توجد مصريات هنا؟ # قال: طبعا، مغامرات وراقصات وباحثات عن أنفسهن. أعرف واحدة من ~~الطالبات اللاتي اشتركن في مظاهرات 73. حلت ببيروت أثناء الحرب. ~~وجاءتني في أحد الأيام بحثا عن مكان للمبيت. ولم تكن زوجتي ~~هنا. # سكت فسألته: وبعدين؟ # قال: حذرتني من أن أستغل الموقف، وقالت باعتداد إنها ستدعوني ~~من تلقاء نفسها إذا شاءت. ~~- ودعتك؟ ~~- مرة. لكني هربت منها. ~~- لماذا؟ ~~- خفت. # نهض واقفا وهو يقول: الآن موعد المياه النقية؛ فهي تأتي في ~~الصباح الباكر لمدة ساعتين، وتنقطع بقية اليوم عدا ساعتين قبل ~~منتصف الليل. سأملأ عدة زجاجات. # قلت وأنا أتبعه إلى المطبخ: أنت أسعد حظا منا في القاهرة؛ ~~فنحن لا نحصل على دقيقة واحدة من المياه النقية، فضلا عن انقطاع ~~المياه الملوثة نفسها معظم النهار. # 4 # أعطاني وديع غرفة ولديه، وبيجامة فضفاضة لم أستعملها. ورغم ما ~~كنت أشعر به من إرهاق، تقلبت في الفراش طويلا دون أن يغمض ms015 لي ~~جفن. وأخيرا غفوت بعد أن تناهى إلى سمعي ما خلته صوت انفجار ~~بعيد. لكني لم أنم غير ساعات قليلة، واستيقظت بمجرد أن انتشر ~~ضوء الشمس في الغرفة. # حاولت العودة إلى النوم دون جدوى فغادرت الفراش. ارتديت ~~القميص والبنطلون، وخرجت إلى الصالة. ألفيت وديع يقرأ صحيفة، وقد ~~قربها من عينيه المجردتين من النظارة. وجهت إليه تحية ~~الصباح، واتجهت إلى الحمام. كانت المياه باردة، وليس ثمة أثر ~~لجهاز تسخين رغم وجود صنبورين للحوض. # فتحت باب الحمام وهتفت: كيف تعيش في باريس الشرق دون مياه ~~ساخنة؟ # رد علي قائلا: التسخين مركزي يا أستاذ. افتح الصنبور ~~الأيسر. # أخذت حماما سريعا، ثم ارتديت ملابسي، ومشطت شعري، ومضيت ~~إلى الصالة. ناولني وديع الصحيفة قائلا: أنباء سيئة. # طالعني عنوان رئيسي عن اعتداءات إسرائيلية جديدة بطائرات ~~الفانتوم وسكاي هوك على مدينتي صور والنبطية في الجنوب، راح ~~ضحيتها 33 قتيلا وجريحا، وتهدم من جرائها 16 منزلا. وأسفل ~~ذلك عنوان رئيسي آخر عن عودة الحياة الطبيعية إلى بيروت ~~الغربية. # رمقته متسائلا؛ فأشار إلى الجزء الأسفل من الصفحة، ومضى إلى ~~المطبخ. # كان ثمة نبأ عن وصول وفد عسكري مصري إلى السعودية في زيارة ~~سرية للتنسيق المشترك مع الولايات المتحدة. ونبأ آخر عن حفل ~~تأبين يقام ظهر اليوم في إحدى كنائس الحمرا بعد الانتهاء من ~~تشييع جنازة بشير عبيد وكمال خير بك. وفي زاوية بنهاية الصفحة، ~~وجدت ما عناه وديع تحت عنوان: «انفجار مدو في الفجر». # كان النبأ موجزا للغاية؛ مفاده أن شحنة ناسفة انفجرت في الفجر ~~بدار النشر التي يملكها عدنان الصباغ، فأصابتها بأضرار جسيمة، ولم ~~يصب أحد. # جلست على أقرب مقعد، وأعدت قراءة الخبر ثم رفعت عيني إلى ~~وديع الذي كان يضع صينية الإفطار على الطاولة. # سألته: من تظنه فعلها؟ # هز كتفيه وأجاب: أي واحد، خذ عندك من العراقيين والسوريين ~~والأردنيين إلى الشيعة والإسرائيليين والليبيين ... إلخ، إلخ. ~~- هل عدنان مرتبط بجهة معينة؟ ~~- الإجابة صعبة؛ فقد مضى العهد الذي كان الواحد يرتبط فيه بجهة ~~محددة. الكل الآن ينوعون ارتباطاتهم تحسبا ms016 للمفاجآت. ~~- لكن لماذا ينسفون الدار وهم يعرفون بالتأكيد أنه ليس ~~بها؟ # قال وهو يصب الشاي من إناء خزفي ملون: ربما القصد هو التأديب ~~أو الإنذار. # تأملت الصينية التي حفلت، على الطريقة اللبنانية، بألوان ~~عديدة من المأكولات، من البيض المسلوق إلى الزيتون الأخضر والأسود ~~واللبنة والمربى والزعتر المخلوط بزيت الزيتون. # استطرد: على أي حال هو أحسن حظا من سليم اللوزي الذي اختطفه ~~السوريون وحرقوا يديه قبل أن يقتلوه. # تساءلت: ترى كيف يكون وقع الأمر عليه عندما يرى ما حدث ~~للدار؟ # أجاب: لا أظن أنه يغامر بالظهور في بيروت الآن. # أقبل على الأكل في حماس، وعندما رآني عازفا عنه قال: لا تبتئس، ~~يمكنك أن تتصل به في أوروبا عن طريق زوجته؛ فهي التي تشرف على ~~الدار في غيبته. وتأكد أن ما حدث لن يؤثر على استمراره في ~~العمل، بل ربما ساعده ذلك في الحصول على معونات جديدة، ثم هناك ~~عشرات من الناشرين غيره، هل أحضرت معك نسخة من المخطوطة؟ ~~- أجل، لحسن الحظ. ~~- إذن نصورها ونعرضها على عدد من الناشرين. ~~- لكن هذا سيستغرق وقتا طويلا. ~~- أسبوع على الأكثر. # قلت مستسلما: كنت أفضل التعامل مع عدنان فسمعته ~~طيبة. # قال: لا تكن ساذجا. كلهم مثل بعض. # أكلت قليلا، وتصفحت بقية الجريدة، ثم تطوعت لإعداد ~~القهوة، وأردت أن أنظف مخلفات الإفطار، فأصر أن أترك كل ~~شيء كما هو قائلا: هناك واحدة تأتي مرتين في الأسبوع للتنظيف. ~~واليوم موعدها. # مضيت إلى الغرفة، واستخرجت المظروف الأصفر السميك من حقيبة يدي ~~وحملته إلى الصالة. كان وديع قد انتقل إلى غرفته فلحقت به. ~~وجدته يرتدي ملابسه. ولاحظت أن الدهن غطى أماكن كثيرة من ~~جسده الذي كان ممشوقا في الصغر. # قلت وأنا ألوح بالمظروف: هل يمكن أن نصنع شيئا اليوم؟ ~~- أهذه هي المخطوطة؟ اليوم السبت. والجميع الآن في طريقهم لقضاء ~~الويد إند، لن نتمكن من شيء قبل يوم الإثنين، كل ما نستطيعه هو أن ~~نصورها. # حانت مني نظرة إلى الكومودينو المجاور لفراشه، فلمحت ~~مسدسا فوقه. ورأى اتجاه نظرتي فضحك قائلا: إنه ms017 للمنظر فقط؛ ~~فأنا لا أعرف كيف أستخدمه. # أشار إلى النافذة التي استبدل زجاج مصراعها بلوح من الكرتون ~~وقال: هل تتصور أن ثانيتين اثنتين فصلتا بيني وبين الموت؟ كنت ~~أقف هنا مثلما أنا الآن. وخطر لي أن أتكلم في التليفون، فغادرت ~~الغرفة. وعندئذ سمعت صوت الزجاج يتحطم، وشيء يتحرك في الغرفة ~~بعنف ويصطدم بالجدار. وبعد ذلك عثرت على بقايا قذيفة ~~صاروخية. # شاركنا المصعد الذي أقلنا إلى أسفل لبناني أنيق في بزة ~~حريرية بيضاء بلون شعر رأسه الذي صفف بعناية بالغة. وكان ~~برفقة شقراء خمسينية ترتدي بنطلونا أسود ضيقا ينتهي عند ~~ركبتيها، وتشده إلى أعلى حمالات رفيعة كشفت عن كتفيها ~~وصدرها. # مضينا في عكس الاتجاه الذي جئنا منه بالأمس، ومررنا بمجموعة ~~من المسلحين أسفل شرفة ارتفع فوقها علم «المرابطون»، وجلس بها ~~شاب طويل القامة شرس الملامح في ملابس عسكرية، أسند مدفعا ~~رشاشا على حاجز الشرفة، وانهمك في تنظيف شريط طويل من ~~الطلقات النحاسية اللامعة. وعلى بعد خطوات وقفت مصفحة تحمل ~~لافتة قوات الردع بجوار مكتب لسيارات الأجرة. وفي مواجهتها - ~~على الرصيف الآخر - صف أحد الباعة كميات من السجائر والخمور ~~والشكولاتة وموانع الحمل فوق صناديق من الكرتون أسفل مظلة ~~خشبية. # اخترقنا عدة طرقات هادئة، سدت أجولة الرمال مداخل منازلها، ~~واصطفت السيارات الخالية على جوانبها. وجذبني وديع من ذراعي ~~بعيدا عن حافة الرصيف قائلا: أي واحدة من هذه السيارات يمكن أن ~~تكون ملغومة وتنفجر فجأة. # انتقلنا إلى طريق زحمته مجموعة من المدرعات تحمل شارة قوات ~~الردع، اعتلاها جنود يرتدون الخوذات الحديدية. وكانت تقف أمام ~~مبنى ارتفعت عليه إحدى الرايات، وبدت آثار الدمار على الحوانيت ~~المغلقة أسفله. # خرجنا إلى ساحة وقفت في جانب منها سيارة نقل عسكرية، نصب ~~مدفع رشاش فوق كابينة سائقها، وأقعى خلفه جندي عاري الرأس. وظهر ~~وراءها حانوت مغلق تعلوه لافتة ممزقة بقيت منها كلمة ~~«ملحمة» التي اشتقها أهل الشام من اللحم. وفي امتداد الشارع الذي ~~جئنا منه، تأرجحت في الهواء بقايا لافتة أخرى تحمل حروفا ~~لاتينية ميزت منها كلمة «بار». # مرت ms018 بنا عدة سيارات عسكرية تحمل إشارة الكفاح المسلح ~~الفلسطيني. ومضينا من أمام فندق تحطمت واجهته، وانهمك عدد ~~من الشبان في إزالة الحطام. وجاوره حانوت ذو واجهة عارية من ~~الزجاج، كشفت عن رجل أنيق أحاطت به مصابيح العرض الحديثة التي ~~تتألف من قضبان معدنية قصيرة ولامعة تنتهي بأطراف دائرية ~~سوداء. وكان الرجل يجمع شظايا الزجاج بمكنسة ذهبية الشعر ~~ويكومها في أحد الجوانب. # بلغنا فندقي، فدفعت حساب الليلة وأخذت حقيبتي وجواز سفري، ~~وانطلقنا سيرا على الأقدام في اتجاه الحمرا. طالعتنا صور صدام ~~حسين على مجموعة من البنايات المتجاورة تبينت أنها تحيط ببنك ~~الرافدين العراقي. وبعد خطوات، تغطت الجدران بصور حافظ الأسد ~~والخميني والقذافي. واعترضتنا إشارة المرور أمام بناية غطتها ~~الأعلام الفلسطينية وصور ياسر عرفات والشهداء من ضحايا المعارك ~~والاعتداءات والكمائن. # تذكرت شوارع القاهرة على الفور عندما دلفنا إلى الحمرا؛ فقد ~~كان الشارع الذي يسير فيه المرور في اتجاه واحد قادما من المنطقة ~~الشرقية ومتجها إلى البحر، يضيق بأربعة أنهار من السيارات ~~المتلاصقة التي تتحرك ببطء. وازدحم الرصيف بالباعة والمارة ~~ورواد دور السينما وحوانيت الساندويتش والشاورمة ~~والمرطبات. # لاحظت قلة العنصر النسائي، والتباين الواضح بين مظهر أفراده ~~الآن ومظهرهم في بداية العقد؛ فقد اختفت الأناقة والفخامة ~~المستوردتان، اللتان كانتا من ملامح الستينيات وبداية السبعينيات. ~~لكن المقاهي الأنيقة ما برحت تحتفظ بواجهاتها الزجاجية العريضة. ~~وظل الزحام كما هو في المتاجر الفخمة التي تبيع الساعات والمجوهرات ~~والفضيات والملبوسات. # تمهلنا أمام بائع كتب ومجلات افترش بضاعته على الرصيف، ~~اشتريت نسخة من الترجمة العربية لكتاب مايلز كوبلاند «لعبة الأمم» ~~الذي كشف سر غرفة اللعب الشهيرة في البنتاجون. كما اشتريت بضعة ~~كتب ممنوعة من دخول مصر، منها واحد عن حرب أكتوبر ومعاهدة كامب ~~ديفيد. وكانت هناك عدة مجلات جنسية منها واحدة جادة باللغة ~~العربية قلبت صفحاتها ثم اشتريتها. # أشار وديع إلى كتاب لنجيب محفوظ في حجم غير مألوف، وآخر لجورجي ~~زيدان ذي غلاف رخيص باهت الألوان، وقال: هذان الكتابان ~~مزوران. # أبديت دهشتي فقال: إنهما مصوران عن الطبعة الأصلية. النشر ms019 هنا ~~لا يخضع لقواعد وليست له تقاليد، وأغلب الناشرين لصوص. إنهم يتفقون ~~معك على أن يطبعوا من الكتاب ثلاثة آلاف نسخة مثلا، ويطبعون في ~~السر خمسة، ثم يتملصون من دفع حقوقك معتذرين بأن كتابك لم ~~توزع منه غير نسخ محدودة. # واصلنا السير ثم انتقلنا إلى الشوارع الجانبية، ولجنا بناية ~~حديثة، وأخذنا مصعدها إلى الطابق الثاني، وتبعت وديع داخل ~~مسكن مفتوح، علقت فوق بابه لافتة باسم وكالة نزار ~~بعلبكي. # ضمت غرفة وديع مكتبين متقابلين، وخزانة معدنية للكتب ~~والملفات، وجهازا للتلفزيون، وكان الأثاث بادي الجدة ~~والأناقة. # سألت وأنا أضع حقيبتي بجوار الجدار: هل هي أموال نزار أم هناك ~~من يقف وراءه؟ # جلس إلى أحد المكتبين، وجذب كوما من الصحف والمجلات وجعل يقلب ~~فيه، ثم قال: مجموعة من أثرياء الخليج، حسب ما يقول. ~~- والحقيقة؟ ~~- ليبيا في الغالب. # ألقيت بحقيبة يدي فوق المكتب الآخر، وجلست إليه، وأخرجت المظروف ~~الذي يحتوي على مخطوطتي، فوضعته جانبا، والتقطت إحدى ~~المجلات. # أحضر لنا شاب فنجانين من القهوة، فأعطاه وديع المخطوطة وطلب ~~منه أن يأخذها إلى الأرشيف ليصوروا منها ثلاث نسخ، ثم قام بعدة ~~اتصالات تليفونية حصل منها في النهاية على رقم تليفون عدنان ~~الصباغ. وأدار الرقم عدة مرات دون أن يتلقى ردا. # انهمك وديع في الكتابة، بينما استعنت بالكتب الموجودة في ~~الخزانة على استخراج عناوين عدد من دور النشر وأرقام تليفوناتها. ~~وجاءتنا النسخ المصورة بعد ساعة، فعكفت على مراجعتها وبعد ~~ساعة أخرى انتهى وديع من الكتاب، فغادر الغرفة. وعاد بعد لحظات ~~فجرب الاتصال مرة أخرى بمنزل عدنان دون جدوى. # حمل عني حقيبة السفر، وغادرنا المكتب. أخذنا سيارة أجرة إلى ~~المنزل. وسبقته إلى أعلى بينما عرج على محل شواء قريب. # كانت الثلاجة مليئة بعلب البيرة فأخرجت اثنتين منها، ~~وحملتهما إلى الصالة. ووصل وديع بعد لحظات، فجلسنا نحتسي البيرة ~~بينما كان يدير مؤشر الراديو بحثا عن الأخبار. # قال: هناك على الأقل سبع إذاعات لبنانية تبث الآن وحتى ~~العاشرة مساء، واحدة للكتائب وأخرى لسليمان فرنجية وثالثة تشرف ~~عليها الكنائس الأمريكية، وتنطق ms020 باسم دويلة سعد حداد في الجنوب، ~~ثم رابعة ناصرية تذيع أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ والشيخ ~~إمام ويديرها المرابطون. هذا فضلا عن الإذاعة الرسمية. # جاءنا صوت فيروز فسألته عن هوية الإذاعة. قال: كل الإذاعات تذيع ~~أغاني فيروز. رغم أنها مارونية. # كانت الأخبار مطمئنة؛ فقد مرت جنازة الصباح في هدوء. وتبادلت ~~الأحزاب والتنظيمات التعازي وإعلان الرغبة في استتباب الأمن. وقالت ~~إذاعة المرابطون إن بشير الجميل، القائد العسكري للكتائب، يستعد ~~لإعلان دولة مارونية بالمنطقة الشرقية في عيد الاستقلال الذي ~~يحل بعد أسبوعين. أما الإذاعة الرسمية فقد اهتمت بأنباء ~~الحوادث والجرائم المتفرقة، وأهمها جريمة وقعت في قضاء جبيل، وهو ~~منطقة مسيحية فيما يبدو؛ فقد اعتدى إلياس الشامي على مريم في بلدة ~~عين القويني، وعندما حملت منه تخلى عنها، فقامت ضجة في البلدة، ~~ووافق أحد الأطباء على إجهاض الفتاة، ثم جرى الضغط على إلياس حتى ~~وافق على الزواج منها برغمه، ولم يلبث أن قتلها بسم المبيدات ~~الزراعية، وأسلم نفسه للكتائب. # شربت علبتي بيرة قبل أن يأتينا الطعام في صينية كبيرة ~~مغطاة بقماش نظيف. وكشف الغطاء عن أوان ورقية امتلأت بقطع ~~الشواء الصغيرة، وأطباق عديدة للسلاطة الخضراء والمزات منها ~~واحد للحمص بالطحينة، وآخر للنعناع الأخضر، وثالث للثوم المعجون ~~بالبطاطس، ورابع للخيار المخلل، وخامس للباذنجان المخلل المحشو ~~بالثوم والكزبرة الخضراء. وكانت هناك شوك وملاعق مغلفة بأوراق ~~شفافة، كان كل شيء نظيفا أنيقا يثير الشهية. # أكلنا ونحن نوزع انتباهنا بين الراديو والتليفزيون الذي اختتم ~~فترة الظهيرة بحلقة من مسلسل أمريكي. والتجأ كل منا إلى فراشه ~~لفترة القيلولة. لكني لم أتمكن من الإغفاء، فقمت إلى المطبخ ~~وأعددت كوبا من الشاي، ثم صنعت قهوة لي ولوديع عندما استيقظ. ~~ووضعت زجاجة الويسكي وإناء الثلج فوق المائدة. وجعلنا نقلب بين ~~قنوات التليفزيون، متنقلين بين حلقة بوليسية أمريكية وأخرى ~~مصرية بعنوان «وفاء بلا نهاية» ثم أخبار باللغة الفرنسية. وانتقينا ~~من برامج السهرة فيلما أمريكيا عن البيتلز، فأدرنا الجهاز على ~~القناة الخامسة، وصبرنا على فقرة طويلة من الإعلانات تخللتها ~~القائمة المعهودة من ms021 العطور والسجائر والمعاجين الأجنبية، فضلا عن ~~مزايا مروحة توشيبا ذات الريشات الأربع والمصباح الليلي، ~~والتغيرات الجذرية القادمة في المنطقة العربية كما تنبأ بها ~~العاهل الأردني في حديث شامل لإحدى المجلات. # بدأ الفيلم أخيرا فملأت كأسي، وقبل وديع أن يشرب على مضض. ~~وعندما بلغنا منتصف الفيلم كنا قد جرعنا عدة كئوس، وعدنا بالتدريج ~~إلى الستينيات؛ السجن وفيتنام وجمال عبد الناصر و67 وثورة الطلاب، ~~وشي جيفارا، وبريجيت باردو. وما لبث أن استولى علينا شعور جارف ~~بالاكتئاب. # 5 # حفلت صحف الأحد بأنباء الانفراج الأمني. وبشرت «السفير» بأن ~~الساعات الأربع والعشرين القادمة ستكون حاسمة بالنسبة للوضع ~~الأمني في المنطقة الغربية، وللمعالجة الجذرية والنهائية لما أسمته ~~«التجاوزات على الأمن الشخصي والكرامة والملكية، وعمليات الابتزاز ~~والتهديد، والخوة والنهب، فضلا عن الاشتباكات بين الأفراد ~~والمنظمات، والعناصر غير المنضبطة التي تروع السكان الآمنين ~~وتخطف منهم البقية الباقية من إصرارهم على التمسك بالأرض أو الوطن ~~أو القضية.» # ونشرت الصحيفة صور اللقاءات المتبادلة بين زعماء المنظمات ~~والأحزاب المختلفة في المنطقة الغربية مع زعماء كل من التنظيمين ~~المتقاتلين. وجمعت إحدى الصور بين الجميع وقد توسطهم ياسر ~~عرفات. كما كانت هناك صور لتأبين عبيد وخير بك في إحدى الكنائس، ~~وللجنازة التي تقدمتها صورة فتاة جميلة في العشرينات هي ناهية ~~بجاني. # شجعنا جو الصحف على الخروج بعد الظهر، فذهبنا إلى معرض ~~للصور الشخصية الفوتوغرافية في قاعة أمام الجامعة الأمريكية. كانت ~~الصور جميعا قديمة، من ذلك النوع الذي يعلق على جدران غرف ~~الاستقبال، أو يحفظ في ألبومات سميكة مغلفة بالجلد. واحتفظت صور ~~النوع الأول بإطاراتها العتيقة، الموشاة بالزخارف وماء الذهب، ~~أما الثانية فقد وضعت في إطارات حديثة بسيطة. وجمع بين الاثنين ~~عنوان واحد هو «لبنان أيام زمان». # تصدرت المجموعة الصورة التقليدية للعائلة الكبيرة؛ الجد في ~~الوسط بملابس عثمانية، وشاربين كثين تدليا مع لحيته الطويلة ~~فوق صدره. وإلى جواره الابن الأكبر الذي ألقى برأسه إلى الوراء في ~~كبرياء يليق بدرجته العائلية، مزيحا طربوشه إلى الخلف، وقد ~~انغرزت في ذقنه الحافة الصلبة لياقة غير مطوية دار ms022 بها شريط ~~رفيع ثبتت به ربطة عنق عريضة. وكان يرتدي سترة وصديريا من قماش ~~مربعات ملون، وبنطلونا مخططا يختفي عند الركبة داخل الرقبة ~~العالية للحذاء. # وإلى يسار الجد جلست زوجته أو ابنته الكبرى ثم الابن الثاني ~~الذي ميز نفسه بكتاب مغلف حمله في يده اليسرى، وبنطلون ~~وحذاء عاديين. وخلف الجالسين الأربعة اصطف ثلاثة شبان وثلاث ~~فتيات متشابهو الملامح، وألقت آخر فتاة في الصف يدها على كتف ~~حامل الكتاب في ألفة خاصة. وبين أقدام الجد اقتعد الأرض ولدان ~~صغيران، واستقرت بجوار أحدهما قبعة من القش. وبدا أن الصورة ~~التقطت في الهواء الطلق إذ كانت خلفيتها تتألف من ستارة أو ~~ملاءة فشلت في إخفاء جدار حجري. # لم تكن هناك أية بيانات بجوار الصورة أو في الكتالوج الذي ~~أخذناه من فتاة عند المدخل ترتدي جينز ضيقا للغاية، وتبرع وديع ~~ببعض الإيضاحات؛ فهذه ملابس الدروز، وهؤلاء من الشيعة أو سكان ~~الجبل، وهذه زوجة ثالثة أو رابعة للعجوز. # كان يشير إلى عجوز في جلباب بنصف ياقة، وطربوش قصير للغاية، ~~يكشف عن فودين أبيضين، وبجواره امرأة في عمر ابنته أو حفيدته في ~~ملابس قاتمة، تتألف من رداء سابغ وصديرية وطرحة. وبينهما وقف ~~طفل في السادسة من عمره يرتدي بزة كاملة وحذاء برقبة قصيرة. وحمل ~~العجوز على ساقيه طفلا آخر متطلعا إلى الكاميرا في وقار أبله. ~~أما المرأة فكانت موشكة على الابتسام، في أسى؟ أم زهو؟ أم تلبية ~~لرغبة المصور؟ # تبعت وديع إلى صورة لعدد من الشبان بشوارب رفيعة محفوفة لا ~~تكاد تبلغ جوانب الفم، وطرابيش طويلة مائلة إلى اليسار أو الخلف، ~~وسراويل داكنة وسترات تكشف عن قمصان بيضاء بلا ربطات للعنق، ~~تعلو جلابيب أو سراويل منتفخة. وكانوا يحيطون واقفين بشاب جلس ~~علي مقعد خشبي ذي قاعدة من القش مثل مقاعد المقاهي الشعبية، وقد ~~استقرت يدا اثنين منهم على كتفيه. كان يرتدي الملابس الأوروبية ~~الكاملة مع طربوش أقل طولا وأكثر ميلا إلى الأمام على الناحية ~~اليمنى، وربطة عنق ذات عقدة صغيرة تكاد تختفي أسفل ياقة القميص، ~~وشارب ms023 صغير أقرب إلى الشارب الهتلري. وكان يتطلع إلى المصور في ~~اعتداد، عاقدا ساقه اليسرى فوق اليمنى، وقد استقرت يده الممسكة ~~بعصا رفيعة فوق رقبة حذائه. # قال وديع: عنترة في زيارة سريعة لقريته. # بدا أن الركن الذي نقف فيه قد خصص لصور الريف والجبل؛ شاب ~~وسيم أوشك طرفا شاربه أن يبلغا أذنيه، وبرز خنجر من فتحة ~~صديريته المزركشة، أم متشحة بالسواد من قمة رأسها إلى قبل ~~قدميها بسنتيمترات، لا يظهر منها غير حاجبيها وعينيها وبداية ~~أنفها، وإلى جوارها طفل حافي القدمين. عشرة رجال يرتدي أغلبهم ~~الطرابيش المائلة والقمصان والبنطلونات، تحلقوا حول مائدتين ~~خشبيتين نصبتا في الهواء الطلق، وامتلأ سطحاها بأطباق المزات ~~وأقداح العرق الصغيرة، وأحدهم يصب الشراب من «بطحة» في حجم الكف، ~~بينما يشد آخر أنفاس «الأرجيلة». واضطجع ثالث إلى الوراء متطلعا ~~إلى المصور في نظرة عنترية، وقد ظهرت سيجارة فوق أذنه اليسرى. ~~ووقف خلفهم رجل في ملامح أوروبية لعله الأرمني صاحب ~~المكان. # انتقلنا إلى قاعة أخرى فكأنما عبرنا حدا فاصلا بين ~~عالمين. وقفت طويلا أمام صورة لمدخل مسكن برجوازي في المدينة؛ ~~الباب الخشبي العتيد المؤلف من مصراعين غطت الزخارف المحفورة ~~نصفيهما السفليين بينما تألف النصفان العلويان من نافذتين ~~زجاجيتين تكسوهما شبكات حديدية من زخارف متماثلة. أصص النباتات ~~المنزلية. الحصان الخشبي الملون المعهود المثبت إلى أرجوحة ~~خشبية، يركبه طفل في ملابس البحارة، وقد وقف إلى جواره في سمت ~~نابليوني، طفل آخر في نفس الملابس. # اقتصرت الصورة المجاورة على فتاة رقيقة الملامح في فستان ~~حريري ينساب حتى قدميها، وتصل أكمامه الضيقة إلى أطراف أصابعها، ~~التي استندت بها إلى الحافة النحاسية المزخرفة لأريكة. كان ~~شعرها مصففا على شكل «شينيون» بفضل القضيب المطاطي، الذي ~~خصص لذلك في الماضي. وتبينت في ركن الصورة توقيعا بالحروف ~~اللاتينية ميزت منه اسم «ماري». # عثرت في إحدى الصور على تاريخ 1918. أيام الثورة العربية على ~~الحكم التركي، وقبل عامين من هزيمة الجيش العربي أمام الفرنسيين ~~في ميسلون، والتي أعقبها فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. ~~وقبل عام واحد من الثورة ms024 المصرية الكبرى ضد الاحتلال الإنجليزي. ~~وكانت الصورة لأم صارمة الوجه ذات عينين ملونتين، جلست ~~بجوار ابنتها الكبرى بينما وقفت الابنة الصغرى خلف مقعديهما. ~~وعرى الثلاثة رءوسهن، وارتدين ملابس طويلة تميزت بكثرة ~~الطيات والزخارف. لكن الفتاتين انفردتا بألوان فاتحة ~~وأكمام من الدانتيل تنتهي أسفل المرفق مباشرة. # وفي صورة أخرى بيضاوية الشكل، تقارب رأسا فتاتين حتى التصقت ~~وجنتاهما. كانت إحداهما تتطلع إلى المصور في ثبات يعكس قوة ~~واضحة في الشخصية، أما الثانية التي اعتمدت بخدها على الأولى، ~~فقد رمت بنظراتها إلى المجهول في ابتسامة بلهاء. # وبدلا من تجمعات العرق والمقهى والعائلة الكبيرة، طالعتني ~~الصور الانفرادية لشبان متأنقين، شق أحدهم شعر رأسه ناحية ~~اليسار، مدليا خصلة خفيفة منه فوق جبينه، وطوى ياقة قميصه ~~الصلبة عند طرفيها، بحيث استقرت حافتاهما فوق ربطة عنق عريضة، ~~وثنى ساعده الأيسر ليمسك بسلسلة تدلت من جيب صداره. # وصفف آخر شعره إلى الوراء، وارتدى قميصا بياقة مزدوجة وربطة ~~عنق على شكل الفراشة، أسفل بزة ضيقة بصفين من الزراير، وحمل ~~في يده اليسرى قفازا، بينما اعتمد بمرفقه الأيمن على سياج خشبي ~~وتطلع إلى المصور في تأمل. وارتدى ثالث طربوشا متوسط ~~الطول، مائلا إلى اليسار، وياقة عالية صلبة، وسترة بصف واحد ~~من الزراير، وتدلت من يده مسبحة، بينما ارتفع طرفا شاربه ~~المدببان حتى وجنتيه. # ولم أملك نفسي من الابتسام وأنا أتأمل صورة لشاب عاري ~~الرأس، في ملابس السهرة ذات الياقة الصلبة العالية والفراشة، جلس ~~إلى مائدة تناثرت فوقها أوراق اللعب، منحنيا برأسه فوق اليد ~~اليسرى لفتاة أنيقة، التي رفعها إلى شفتيه بطرف إصبعه ~~السبابة؛ ليطبع فوقها قبلة والهة، وقد أسبل عينيه، بينما كانت ~~الفتاة تتأمله باسمة. # وكان ثمة وقار مشوب بالوجوم في صور الزفاف. أو على الأقل في ~~الصورتين اللتين أتيح لي تأملهما قبل أن يحل موعد الإغلاق. ~~في الأولى وقف شاب عاري الرأس، خفيف الشارب، يرتدي ياقة مطوية ~~ذات طرفين طويلين متقاربين بينهما عقدة صغيرة لربطة عنق ~~مخططة، ويحمل قفازا أبيض في يده اليمنى، خلف العروس الجالسة، ~~التي تزينت بثوب ms025 من الدانتيل عرى ساعديها من الكتف، وأوشك أن ~~يكشف ركبتيها، وتزينت بكميات من الحلي؛ صفان من اللآلئ فوق ~~جبينها ، وقلادات حول عنقها، وحول ذراعها في منتصف المسافة بين ~~الكتف والمرفق، وسوار من اللآلئ حول رسغها، ثم الخواتم حول ~~إصبعي الخنصر والبنصر من يدها الظاهرة التي استقرت في ~~حجرها. # وفي الصورة الثانية ارتدى العريس طربوشا واطئا مال بشدة إلى ~~اليمين حتى لمست حافته الحاجب، ومد شاربا كثا مدبب الطرفين ~~في خط مستقيم فوق شفتيه، وانسدلت سترته حتى أسفل ركبتيه، ~~كما اختفت يداه داخل قفازين أبيضين. # ووقفت العروس إلى يمينه، شابكة يدها المقفزة في ذراعه وقد ~~غطاها فستان الزفاف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. # كنا آخر من غادر القاعة من روادها المعدودين، ومضينا على ~~الرصيف المقابل للجامعة الأمريكية التي بدت كتلة من الظلام. ~~استنشقت بلهفة عبير الأشجار الرطبة المطلة من خلف سور الجامعة. ~~وتتبعت ببصري قضيبي الترام القديم اللذين امتدا إلى جور ~~السور، والتمعا في الضوء الباهر المنبعث من دار للسينما تعرض ~~فيلما ذا طابع جنسي. # تمهلنا أمام مبنى ينبعث منه ضوء خافت، وتبعت وديع فوق ~~درجات قليلة، وعبر باب زجاجي، إلى قاعة أنيقة توزعت ~~الموائد في جنباتها، وتغطت جدرانها الخشبية باللوحات ~~الفنية. # اخترنا مائدة بجوار الواجهة الزجاجية المطلة على الطريق، ~~فجلسنا متواجهين، وقد أعطى وديع ظهره للقاعة. # قال وهو يرسل البصر إلى الطريق فوق كتفي: هذا المكان من ~~الأماكن الفريدة في بيروت؛ فصاحبه نصف فنان ونصف سياسي، وهو ~~يقدم الوجبات الخفيفة والخمور والأخبار والمعارض الفنية. وإلى ~~هنا يأتي ثوار المقاهي، واللصوص، والمنفيون، والعشاق، ~~والقوادون، واللوطيون، والسحاقيات، والجواسيس. # أحضر لنا النادل كأسين من الويسكي، وصحنا من الفول السوداني ~~أو فستق العبيد كما يسميه أهل الشام، وآخر من شرائح البطاطس ~~المحمرة. وما لبث صاحب المكان أن انضم إلينا مرحبا بوديع. ~~ووجدته أربعينيا ذا عينين زرقاوين ذكيتين، وفم ~~حسي. # تبادل هو ووديع الأخبار والتعليقات الضاحكة. وانصرفت أنا إلى ~~تأمل اللوحات المعلقة على الجدران. وكانت لمصورين لبنانيين ~~معاصرين تنوعت مدارسهم وأساليبهم. ولاحظت أن أسماءهم ms026 تتراوح ~~بين أرمنية ومسلمة ومسيحية. وكانت الأسماء المسيحية فريقين؛ واحد ~~ذو طابع عربي مثل إلياس وصليبا، والآخر أوروبي مثل إيفيت وهيلين. ~~وبالمثل كانت موضوعات اللوحات؛ إذ تميز بعضها بجو أوروبي، ~~والقلة منها كانت ذات طابع محلي. # أعجبني لوحتان متجاورتان لنفس المصور، تميزتا بغنى الألوان، ~~ووحدة المصدر الشعبي. كانت إحداهما التي غلبت عليها الألوان ~~البنفسجية تمثل فارسين متقابلين على نسق الصور الشعبية للخضر ~~وذي القرنين. أما الثانية فاستمدت موضوعها من شكل الصليب الذي ~~احتوى السيدة العذراء في هيئة شمعة متوهجة. # تأملت شابا وفتاة جلسا متلاصقين في أحد الأركان وأمامهما ~~كأسان من المارتيني. وكان الشاب يهمس في أذن رفيقته بصورة متصلة. ~~وشعرت بصاحب المقهى يغادر مائدتنا، فتابعته ببصري وهو يشق ~~طريقه بين الموائد، ويوجه تعليقا ضاحكا إلى سيدة كبيرة الجسم ~~في ملابس سوداء، انفردت بإحدى الموائد، وظهرها إلى ~~ناحيتي. # خاطبني وديع: هل سمعت ما قاله؟ إنه يعتقد أن المكتب الثاني هو ~~الذي دبر الانفجار في دار عدنان، والظاهر أيضا أن له يدا في ~~حادث بشير عبيد. ~~- كيف؟ ~~- بشير عبيد مسيحي ماروني. وهو تقريبا الماروني الوحيد بين ~~قيادات الحركة الوطنية، وإزاحته تخدم الكتائب التي تريد الانفراد ~~بتمثيل الموارنة. # تساءلت: لكن «المرابطون» هم الذين قتلوه؟ # هز كتفيه وقال: هذا لا يمنع أن يكون الأمر من تدبير المكتب ~~الثاني لحساب الكتائب. ~~- ما هو المكتب الثاني بالضبط؟ ~~- جهاز المخابرات. وهو في تركيبه يعكس الوضع القائم؛ فيمكنك أن ~~تجد به ممثلين لكافة التيارات، فضلا عن أجهزة المخابرات ~~العالمية. # حانت مني نظرة إلى السيدة ذات الملابس السوداء، فوجدت أنها لم ~~تعد بمفردها؛ فقد جلست قبالتها امرأة أخرى في مقتبل الثلاثين، ~~جميلة الوجه، ترتدي بلوزة سماوية اللون بغير أكمام، كشفت عن ~~ذراعين بضتين. # سألت وديع: وعدنان؟ # قال: الاحتمالات واسعة؛ فربما كان من عملاء المكتب الثاني ~~وتمرد فأرادوا تأديبه، وربما قاموا بالأمر كله بالعمولة أي ~~لمصلحة جهة ما. # كنت أصغي إليه وأنا أتأمل ذات البلوزة الزرقاء. طالعني وجه ~~مستطيل ذو بشرة نضرة، وأنف مستقيمة، وشفتين ممتلئتين. وكان ~~شعرها فاحم السواد ms027 مرسلا فوق ظهرها. # استطرد وديع: منذ عشر سنوات لم يكن العمل يستقر بعدنان في مكان ~~أكثر من شهر أو شهرين ثم يفصلونه؛ فقد كانت أفكاره ثورية. ثم ~~تزوج لميا. وهي من أسرة عريقة وإن لم تكن شديدة الثراء. ونجح ~~الاثنان في جمع ثروة طائلة تقدر بملايين الليرات. # وضعت ذات البلوزة الزرقاء ساقا على ساق، فانحسرت جوبتها عن ~~استدارة جذابة، وجانب من فخذ مشدود، كانت تتكلم بصورة متصلة ~~ورفيقتها تصغي باهتمام، ثم كفت عن الحديث وانصرفت إلى تأمل ~~يدها المبسوطة فوق المائدة. ولمحت يد رفيقتها تستقر فوقها في ~~لمسة طمأنة وود. # انتبهت إلى صوت وديع: البترول هو الذي رفع عدنان؛ فقد مكنه من ~~أنه ينتقل من الكتب إلى المطابع والأفلام والشرائط. لكنه موهوب ~~أيضا. # نهضت المرأة واقفة فكشفت عن قامة ممشوقة تعلوها رقبة طويلة، ~~وألقت على كتفيها صديرية ذات كمين طويلين تدليا بجوار ~~ساعديها العاريين، وعبرت القاعة في خطوات ثابتة وخيلاء غير ~~متعمدة، وتبعتها زميلتها التي بدت أكبر منها في السن. كان ~~وجهها جذابا رغم ما به من ملامح رجولية أكدها خلوه من أي ~~أثر للزينة. # تتبع وديع اتجاه نظراتي، وإذا به يضع يده فجأة على يدي ويهتف ~~بصوت خافت: هناك مثل لبناني يقول: إذا جبت سيرة الديب لازم ~~تحضر القضيب. لميا. # نظرت إليه في تساؤل، فأضاف: لميا الصباغ، زوجة عدنان. ~~- ذات الملابس السوداء؟ ~~- لا، الأولى الطويلة. # قلت وأنا استعد للقيام: إذن تكلمها. # لم يتحرك من مكانه وهز رأسه قائلا: مثل لميا لا يكلمها أحد ~~في الشارع هكذا. لا بد أن تتصل بها أولا عن طريق التليفون. ~~الصباح رباح. # 6 # أسفر الصباح عن اختفاء المظاهر المسلحة من أمام المنزل. ~~وعندما خرجت إلى الشارع لم أجد أثرا لعلم «المرابطون». # ركبت إحدى سيارات السرفيس المتجهة إلى البحر. وجلست بجوار ~~شاب ملتح، فاحت رائحة الحشيش من سيجارته، واستغرق في قراءة ~~صحيفة. ومن فوق كتفه لمحت الصورة التي نشرتها أغلب الصحف، ~~وتمثل ثلاث جثث عارية لشبان مسيحيين، استخرجت من بئر في ~~بلدة حمانا. # اخترقنا منطقة ms028 الروشة الأنيقة ذات البنايات الحديثة العالية، ~~والملاهي التي لا تنام، والمقاهي والمطاعم الفاخرة. وخرجنا إلى ~~الشاطئ قرب الصخرة الشهيرة التي ألف العشاق الفاشلون أن يلقوا ~~بأنفسهم من فوقها. ورأيته محتلا بسيارات تبيع القهوة ~~والمرطبات، و«بسطات» من الملابس والأحذية والأدوات المنزلية ~~والخضراوات. # لمحت على الناحية الأخرى، واجهة مقهى «الدولشي فيتا»، الذي كان ~~رمزا للحياة البيروتية اللذيذة في الستينيات وبداية السبعينيات. ~~وبدت عليه مسحة من الإهمال والقدم، كما ظهرت المباني ~~المدمرة من حوله. # انفصلنا عن طريق البحر، وانطلقنا في شارع كورنيش المزرعة. ~~نزلت قرب السفارة السوفيتية بعد أن دفعت ليرة. وعبرت الطريق ~~إلى الناحية الأخرى، ومضيت من أمام سوبر ماركت ومتاجر حديثة ~~مختلفة، وأنا أطالع اللافتات المعلقة فوق مداخل البنايات ~~وطوابقها حتى عثرت على بغيتي. # استقبلني مدير دار «التقدم» في مكتب تصدرته صورة كبيرة ~~ملونة للينين. كان يتميز بطبيعة بالغة الهدوء، توحي بالحياة ~~المستقرة الناعمة، وقوى من هذا الانطباع امتلاء جسده، وأناقته ~~المفرطة. # أعطيته رسالة من أحد أصدقائي يطالب فيها ببقية حقوقه عن ~~كتاب له، قرأها بعناية ثم دق جرسا. وجعل يتأمل أظفاره ~~بإمعان إلى أن استجاب أحد الشبان للجرس، فطلب منه أن يحضر ~~البطاقة الخاصة بصديقي، وأن يأمر لي بقدح من القهوة. # جاء الشاب بالبطاقة المطلوبة فتأملها لحظة ثم ابتدرني ~~قائلا: كتاب صديقك لم يوزع منه حتى الآن غير 990 نسخة. وهو لا ~~يستحق دفعة أخرى من حقوقه إلا عندما يتجاوز التوزيع رقم ~~الألف. # قلت: الذي فهمته منه أنه لم يتم بينكما اتفاق على نصيبه من ~~عائد التوزيع. # قال: الحساب تم على أساس عشرة بالمائة. # قلت: أظن أنه يستحق خمسة عشر بالمائة. # قال: نحن لا ندفع للمؤلف أكثر من عشرة بالمائة، هذه ~~سياستنا. # قمت بحساب سريع لما سيعود علي من نشر كتابي طبقا لهذه ~~النسبة. وقررت ألا أقدم إليه المخطوطة التي حملت معي ~~نسخها. وعندما فرغت قهوتي قمت واقفا وأنا أقول: سأنقل إليه ~~كلامك. # كانت هناك دار أخرى تحمل اسم «الناشر المعاصر» بالقرب من جامع ~~جمال عبد الناصر، ترجع نشأتها إلى ms029 بداية الخمسينيات، واشتهرت ~~بنشر ترجمات الكتب الرائجة في الغرب. لكن رواج هذه الكتب لم ~~يستمر طويلا. ومن ناحية انتشرت الدور المنافسة المدعومة جيدا ~~من الدول العربية البترولية. وأدى هذا إلى تدهور أمرها في بداية ~~السبعينيات، حتى أوشكت أن تخرج نهائيا من سوق النشر. إلا أن ~~السنوات الأخيرة شهدت نشاطا مفاجئا لها، مما يعني أن صاحبها ~~قد عثر على مصدر جيد من مصادر التمويل. # لم أجد صاحب الدار في مكتبه، فتركت له صورة من المخطوطة مع ~~رسالة موجزة تتضمن رقم تليفون وديع. وأخذت سيارة أجرة إلى ~~الحمرا. ولم أجد صعوبة في الاهتداء إلى مقر الدار التي أسسها ~~صفوان ملحم منذ عامين. # استقبلتني فتاة سمراء، قصيرة القامة، ذات عينين واسعتين ووجه ~~صارم التقاطيع. وما لبث صفوان أن خرج إلي، فتعانقنا، ومضيت معه ~~إلى مكتبه. # شربنا القهوة، ونحن نتذاكر ظروف تعارفنا في نهاية الستينيات. ~~وكان وقتها محررا ضئيل الشأن في إحدى الصحف اللبنانية التي ~~كانت تمولها السفارة المصرية. # أعطيته رسالة مماثلة لتلك التي أعطيتها لمدير دار «التقدم»، ~~بشأن كتاب آخر لصديقي، نشره له صفوان في بداية نشاطه، فتناول ~~ملفا من خزانة خلفه، وقلب محتوياته، ثم دون بعض الأرقام ~~في ورقة، وقدمها إلي وهو يبتسم في أسف قائلا: ليس له شيء؛ فما ~~وزعناه من كتابه حتى الآن لم يتجاوز 990 نسخة. وبحساب ما وصله ~~فعلا من مال، يكون قد أخذ حقه وزيادة. # سألته: على أساس أي نسبة؟ # أجاب: خمسة عشرة بالمائة. # غادر مقعده وجذبني من ذراعي، فتبعته إلى غرفة جانبية ~~تكدست بها أكوام الكتب. قال وما زالت الابتسامة الآسفة على ~~شفتيه: التوزيع هو مشكلة المشاكل. والكتاب لا ينجح إلا إذا أخذت ~~منه إحدى الحكومات ألف نسخة. وهم طبعا ينتقون الكتب بمقاييس ~~دقيقة للغاية. وبعد ذلك يأتي دور المعاملات البيروقراطية ثم ~~الوسطاء العديدين. النتيجة أني في أزمة متصلة. # قلبت بين الكتب، فطلب مني أن آخذ ما يعن لي. اخترت كتابا ~~عن دور المملكة السعودية في دعم النظام الرأسمالي العالمي، وآخر عن ~~الثورة الإيرانية، وثالثا عن ms030 خطط إسرائيل لمستقبل المنطقة في ~~العقد القادم. # خرجنا إلى الصالة فدرت بعيني باحثا عن الفتاة السمراء، دون أن ~~أجدها. وعدنا إلى غرفته، فقال وهو يجلس إلى المكتب: لعلك تكون قد ~~أحضرت لي شيئا معك. # أخرجت مخطوطتي من حقيبة اليد، وقدمتها إليه قائلا: للأسف ~~أني وعدت بها عدنان الصباغ، فإذا لم يتمكن من نشرها، أعطيتها ~~لك. # تناول المخطوطة وقال: مسكين. لقد أصيب بخسارة فادحة. لكنه سيقف ~~على قدميه بسهولة؛ فهو مدعوم من مصادر كثيرة. # تساءلت: مثل؟ # أجاب: حبيبي. المصادر معروفة ولا داعي لذكرها. # دخلت علينا سيدة أربعينية، ترتدي سترة خضراء من الشامواه فوق ~~فستان مزركش، وتمسك في يدها بنظارة طبية. كانت بيضاء البشرة، ~~شقراء الشعر، لكني أدركت أنه مصبوغ. # ابتدرت صفوان قائلة: سأسافر صباحا. # قدمها إلي أنها كاتبة أردنية. ولم تعبأ بي إنما وجهت ~~حديثها إليه: هل أعددت العقد؟ # أجاب: سيكون جاهزا في المساء. # قالت: سأذهب الآن إذن. # سألته وأنا أشير برأسي ناحية الباب الذي خرجت منه: ماذا ~~تكتب؟ # قال: أشياء على طريقة تحت ظلال الزيزفون ومرتفعات ويذرنج. ولولا ~~أنها تدفع ثمن الورق وأجر المطبعة ما كنت نشرت لها شيئا. # قمت واقفا وأنا أقول: سأبلغك بموقف الصباغ من الكتاب خلال ~~يومين. ~~- إلى متى تنوي البقاء ببيروت؟ ~~- حتى نهاية الأسبوع في الغالب. ~~- لا بد أن تسهر عندي الليلة. ~~- لا أعرف البيت. وأخشى أن أتوه. ~~- سأمر عليك بسيارتي أو أرسل إليك واحدة في ~~السابعة. # استرشدت منه عن الطريق إلى مكتب وديع الذي يقع في شارع قريب، ~~ورافقني إلى الباب الخارجي. كانت السمراء منحنية على كتاب فوق ~~مكتبها. وشعرت بنظراتي، لكنها لم ترفع رأسها. # وجدت وديع في مكتبه ينصت إلى الراديو. قلت وأنا أرتمي في ~~مقعد: ما هي الأخبار؟ # قال: 68 كيلوجراما من الديناميت انفجرت هذا الصباح في ~~سيارتين ملغومتين بالمنطقة الشرقية. والضحايا 9 قتلى و80 جريحا، ~~بالإضافة إلى المتاجر والمنازل والسيارات التي تضررت. ~~- والفاعل؟ ~~- مجهول كالعادة، لكن النتيجة معروفة. ~~- كيف؟ ~~- عمل انتقامي ضد الغربية. # أحضر لي أحد الشبان علبة بيرة مثلجة جرعتها في ms031 ~~لهفة. # سألني وديع: وأنت؟ ماذا فعلت؟ # ذكرت له مقابلاتي باختصار. وعلق على قصة ال 990 نسخة بقوله: ~~هل اعتقدت حقا أنك ستأخذ منهم شيئا؟ # سألني بعد برهة: هل اتصلت بلميا؟ # قلت: لم أجدها فتركت لها اسمي ورقم التليفون. ~~- واضح أنك ستبقى معنا بعض الوقت. هذا عظيم. ~~- لماذا؟ ~~- عندي عمل لك. ~~- لست مستعدا لأي شيء. أنا مرهق وعاجز تماما عن ~~التركيز. ~~- الأمر سيهمك بالتأكيد. ~~- ما هو؟ ~~- كتابة التعليق لفيلم وثائقي عن الحرب الأهلية. ~~- لكني لا أفهم شيئا بالنسبة لهذه الحرب. حتى الآن لا أعرف من ~~مع من ومن يحارب من، ولماذا؟ ~~- هذه ليست مشكلة. يمكنك أن تفهم الحكاية كلها بسهولة. ~~- أليس من الأفضل أن يقوم بذلك كاتب لبناني، أو على الأقل واحد ~~عاصر الحرب؟ هناك كتاب كثيرون في بيروت. ~~- المخرجة تعتقد أنه من الأفضل أن يكون كاتب التعليق خارج ~~المشكلة، لتأتي نظرته موضوعية وطازجة. ~~- مخرجة؟ ~~- أجل، أنطوانيت فاخوري. ~~- سمعت عنها. هل هي جميلة؟ ~~- لا بأس بها. ~~- ومن المنتج؟ من الذي يقف خلف الفيلم؟ ~~- وماذا يعنيك من أمره؟ # قلت: لا أريد أن أجد نفسي في النهاية أداة بيد أحد ~~الأنظمة. # قال: وماذا في هذا؟ هل تذكر صديقك عبد السلام؟ لقد وضع مجلدا ~~عن سيرة القائد المعلم صدام حسين طبعت منه ملايين النسخ، ~~فانهالت عليه الدنانير. ومن حسن حظه أن صدام حسين تخلص من ~~أغلب رفاق النضال الذين ورد ذكرهم في الكتاب، فتم سحبه من ~~السوق. وعهد إليه بوضع كتاب جديد. وبذلك ضمن أن يصير غنيا عن ~~الحاجة إلى الأبد. ثم هناك صديقك الآخر الذي أشهر إسلامه على يد ~~القذافي. على أي حال الفيلم لا علاقة له بأي حكومة. المنتج هو ~~مجموعة تعاونية من السينمائيين اللبنانيين الشبان. ~~- وما هو اتجاههم السياسي؟ ~~- ليست لهم علاقة بأي حزب أو حركة، لكنهم يساريون بشكل ~~عام. ~~- متأكد أنه لا يوجد أحد خلفهم؟ ~~- اطمئن، الفيلم مسئولية أنطوانيت. وهي من النوع الذي يسمى ~~بالتقدمي النظيف؛ أي الذي ما زال غارقا في مثاليات ~~حمقاء. ~~- هل سيدفعون أم يعتبرون الأمر مساهمة ms032 مني في القضية؟ ~~- سيدفعون طبعا. كل شيء الآن بثمنه. ~~- كم تعتقد؟ ~~- لا أعرف. لكنه سيكون مبلغا معقولا. # فكرت قليلا ثم قلت: لا بد أن أرى الفيلم أولا. ~~- بون. كما يقول اللبنانيون المتفرنسون. سنذهب إليها بعد ساعة ~~ونصف. إنها تستخدم الأستديو التابع لمنظمة التحرير ~~الفلسطينية. # أكلنا ساندوتشات شاورمة، وشربت علبتي بيرة. وحوالي الثالثة ~~غادرنا المكتب، وأقلتنا سيارة أجرة إلى منطقة الفاكهاني الآهلة ~~بالسكان والحركة. # مررنا بالبناية العالية التي تضم مكاتب دائرة الإعلام ~~الفلسطينية، ثم تحولنا إلى شارع حفل بالمقاهي والمطاعم ~~الشعبية. وتوقفنا بالقرب من موقف لسيارات الأجرة ينطلق منه ~~نداء متكرر: واحد ع الشام. # ولجنا مبنى يحرسه مسلحان توليا تفتيشنا، بعد أن تأكدا ~~بالتليفون من صحة موعدنا. وأقلنا مصعد متسخ الأرضية إلى ~~الطابق الثالث؛ حيث شغلت أنطوانيت غرفة صغيرة بها مكتب وخزانة ~~للملفات، وعدة مقاعد. # كانت نحيلة، متوسطة الطول، في أواخر العشرينيات، ترتدي بزة من ~~الجينز. ومدت إلي راحة خشنة ضغطت بها على يدي في قوة تشي ~~بالجدية، بينما كنت أتطلع في عينين جميلتين تميلان إلى ~~الخضرة، ووجه شاحب ينطق بسوء التغذية أو الإرهاق والتوتر ~~العصبي. # قالت وهي تتقدمنا إلى غرفة جانبية تصدرتها مائدة المافيولا ~~التي تجرى عليها عمليات المونتاج السينمائي: للأسف لم أتمكن من ~~احتجاز صالة عرض. لكنك ستتمكن من تكوين فكرة عن الفيلم من ~~المافيولا. # كان هناك شاب ذو سوالف طويلة يجلس إلى المائدة، أمام لوحة من ~~الزجاج المصنفر تعلو مصباحا صغيرا، وتحيط بها عدة عجلات، حملت ~~إحداها شريط الصورة الأسود، وحملت ثانية شريط الصوت ~~البني. # جلست أنا ووديع على مقعدين متجاورين خلف الشاب. وانحنت ~~أنطوانيت فوقه تتابع يديه وهما تضمان الشريطين إلى بعض، ~~وتثبتهما فوق الأسنان المزدوجة لجهاز التزامن. # أطفأت مصباح الغرفة، فساد الظلام عدا الضوء الخفيف المنبعث من ~~المائدة. # ولمس الشاب بيده إحدى العجلات، فتحرك الشريطان المتطابقان، ~~وتسللت إلى أسماعنا حشرجة موسيقية، بينما تتابعت اللقطات على ~~الشاشة الصغيرة. # كانت الكادرات الأولى معتمة، وتبعتها أخرى مشوهة بعلامات ~~شطب ودوائر، ثم ظهر عنوان كبير في منتصف الكادر عليه علامة ms033 ~~شطب: # ماذا حدث للبنان؟ # وتتابعت لقطات للقرى ولشوارع بيروت بأحيائه الغنية والفقيرة، ~~ولواجهات الحوانيت وملصقات الجدران وإعلانات التليفزيون وصور ~~الزعماء. وتردد صوت فيروز الساحر في أكثر من أغنية. وأخيرا ظهر ~~العنوان الكبير مرة أخرى: # ماذا حدث للبنان؟ # ثم اسم أنطوانيت بصفتها المؤلفة والمخرجة، وأسماء الذين ~~عاونوها. وأخيرا بدأ الفيلم. # تمكنت في البداية من تتبع الأحداث المختلفة وتمييز بعض ~~الشخصيات. وساعدني على ذلك أن الفيلم لجأ إلى تقليد أفلام السينما ~~الصامتة في استخدام العناوين التي تملأ الشاشة؛ لإيضاح بعض ~~التفاصيل. لكني لم ألبث أن عجزت عن متابعة الأحداث المتلاحقة، ولم ~~أعد أميز بين الشخصيات أو الأماكن. # استمر العرض ساعة وربع الساعة. وعندما أضيء نور الغرفة، خلعت ~~أنطوانيت نظارة طبية، وقدمت إلي علبة سجائر أمريكية، فأخذت ~~سيجارة وأشعلت لها سيجارتها. # قالت وهي تبتسم في قلق: ما رأيك؟ # قلت: الفيلم يشد المتفرج بالتأكيد. وهو ذو قيمة سياسية ~~واضحة. لكني أكذب عليك إذا قلت إني فهمت كل شيء. # استرخت عضلات وجهها، ولمعت عيناها وهي تقول: هذه هي مشكلتنا؛ ~~فلن يستوعب الفيلم بهذا الشكل إلا من يعرف لبنان جيدا؛ ولهذا ~~لجأت من البداية إلى استخدام العناوين. والواضح أنها لم تحل ~~المشكلة، بل خلقت واحدة جديدة في توازن الفيلم. والحل الذي ~~توصلت إليه هو استبدال العناوين والموسيقى التصويرية بتعليق ~~صوتي مترابط يسد كافة الثغرات، ويساهم في دعم البناء ~~الدرامي للفيلم. # وأضافت وهي تحرك يدها بعصبية: شيء يلم الفيلم كله. # أومأت برأسي مؤمنا على حديثها، فاعتبرت هذا موافقة مني على ~~إعداد التعليق المطلوب، وقالت: بون. لقد أعددت لك بعض الكتب ~~والتقارير والمقتطفات الصحفية التي ستعطيك فكرة واضحة عن ~~المشكلة اللبنانية برمتها. اقرأها أولا ثم نتحدث بعد ~~ذلك. # عاونني وديع في حمل عدد من المجلدات والملفات إلى سيارة ~~تابعة لدائرة الاعلام، أقلتنا إلى المنزل، ثم أوصلت وديع إلى ~~مكتبه. # كانت الساعة تقترب من السادسة، فأخذت حماما سريعا، ~~واستبدلت ملابسي، ثم ملأت كأسا كبيرة من الويسكي، وجلست في ~~الصالة أمام التليفزيون. وحوالي السابعة والربع وصلت سيارة الأجرة ~~التي وعدني ms034 بها صفوان. # وجدت عنده الكاتبة الأردنية التي تعرفت عليها في الصباح، ~~والفتاة السمراء التي كانت في مكتبه، وشابين ليبيين من ~~السفارة. تجمعنا في صالة كبيرة تكدست بها قطع الأثاث الفخمة، ~~من كنبتين لوي كانز تحتل كل منهما مترا مربعا ونصف المتر، ~~إلى طاولات ضخمة محفورة يعلوها رخام أسود. # كان الليبيان يجلسان متجاورين في طرف إحدى الكنبات، وفي مواجهة ~~المرأتين. وبينما استرخت السمراء في مقعدها باطمئنان، وفي يدها ~~كأس من الويسكي، استقرت الأردنية فوق حافة المقعد، حاملة سلسلة ~~مفاتيح في يدها، كأنها مستعدة للقيام في أي لحظة. # جلست بالقرب من الليبيين، بحيث صارت السمراء أمامي مباشرة. ~~أحضر لي صفوان كأسا من الويسكي، ثم ظهرت زوجته تحمل عددا من ~~الأطباق. كانت أكبر منه في الحجم، وأصغر منه في السن بفارق واضح. ~~وكانت تتحرك بفتور ظاهر، وعندما صافحتني ابتسمت، لكن ~~الابتسامة لم تجاوز شفتيها. # سمعتهم يخاطبون السمراء باسم راندة. ورأيتها قد فرغت من كأسها ~~فملأته من جديد، ورفضت الأردنية أن تشرب، وجعلت تنقل البصر بين ~~الحاضرين، ثم قامت فجأة وقالت إنها مضطرة إلى الذهاب؛ لأنها ~~ستسافر في الصباح الباكر. # حاول صفوان أن يثنيها عن عزمها دون جدوى، فودعها إلى الباب. ~~وجلس إلى جوار الليبيين بعد أن أدار شريطا لفيروز. ولم تشترك ~~زوجته في الأكل أو الشراب، إنما جلست مكان الأردنية، وأمسكت ~~بذراع «أرجيلة» وأقبلت تدخن، وقد شردت نظراتها. # كانت راندة تجرع الويسكي بشراهة وثبات. وتطلعت إليها عدة ~~مرات، لكنها تجنبت نظراتي. # انتقلت فجأة إلى جوارها قائلا: تعجبني الطريقة التي تشربين ~~بها. # ضحكت ولم تعلق بشيء، ثم وجهت انتباهها إلى الحديث الذي كان ~~يدور بين صفوان والشابين الليبيين. # ملأت كأسي وسمعتها تقول لصفوان: سيأخذان ألف نسخة من كل ~~كتاب. # بادر أكبر الليبيين سنا يقول: لم نقرر بعد. # قال الآخر وقد بدا أثر الشراب في عينيه: الأستاذ تسبب في هرب ~~واحدة. وهو الآن يريد أن يطفش الثانية. # قالت راندة: اطمئن. لن يحدث شيء من هذا. # وقامت من جانبي، فدارت حول الطاولات حتى وقفت أمام الشابين ms035 ~~وقالت: أفسحا لي مكانا بينكما. # أطاع الاثنان في سرور، وقام صفوان فجلس إلى جواري. قرع كأسه ~~بكأسي، ثم قال: الحرب الإيرانية العراقية أصابتني بضربة قاصمة ؛ ~~فعندما قامت الثورة الإيرانية نشرت عنها عدة كتب، والنتيجة أن ~~العراقيين قاطعوا كل كتبي، بل ورفضوا أن يدفعوا لي ما ~~عندهم. # انضم إلينا شاب لبناني، أنيق الثياب، منتعش الوجه، يحمل ~~حقيبة سامسونايت. وتهللت أسارير زوجة صفوان لرؤيته. وبدا قريب ~~الشبه بصفوان وإن صغره في السن، وقدمه لي صفوان على أنه ~~شقيقه. # تركت زوجة صفوان أرجيلتها، وقامت فأحضرت للشاب كأسا من ~~الجين وطبقا من المزات. # سألته عما إذا كان يعمل في النشر بدوره، فبادرت زوجة شقيقه ~~قائلة: يكفي واحد في هذه المهنة التعيسة. # وقال الشاب إنه يعمل في شرائط الأغاني. # قال صفوان: إنه يكسب في يوم واحد ما أكسبه أنا في سنة. # لوت زوجته شفتها وخاطبته قائلة: أين هو الذي كسبته في السنة ~~الماضية؟ # لزم صفوان الصمت واستغرق في تأمل كأسه، ثم خاطبني قائلا: لم ~~تحدثني عن الحال في مصر. أنت تعرف أني لم أرها منذ عشر ~~سنوات. # قلت: لن تتعرف عليها لو رأيتها الآن؛ فكل شيء تغير في هذه ~~السنوات العشر. الهواء نفسه على رأي بعضهم. # سألني: كيف؟ # قلت: الشوارع ازدحمت بالسيارات الفاخرة والمباني السوبر لوكس ~~وبالحفر والأتربة والقاذورات والأجانب. المتاجر امتلأت بالسلع ~~المستوردة والأطعمة الفاسدة. والصحف بالأكاذيب. ومياه الشرب ~~بالديدان الحية. # قال: والناس. كيف يسكتون على ذلك؟ # قلت: الناس ملاحقون بطوابير الخبز والسجائر والدجاج، بالأوبئة ~~والضجة والقذارة، وبانقطاع المياه والكهرباء والتليفون، بالمواصلات ~~المستحيلة، وبسباق التظاهر. الواحد منهم يتبعثر كل صباح عدة مئات ~~من القطع، ويعجز عن لم نفسه في المساء مرة أخرى. حتى الكرامة ~~الوطنية لم يعد لها معنى عندهم، فماذا تنتظر منهم؟ ثم إن عبد ~~الناصر قتل فيهم كل قدرة على العمل الجماعي. # نهض الليبيان معربين عن رغبتهما في الانصراف. ونهضت راندة ~~معهما وانصرفت في صحبتهما. # أعلنت رغبتي في الانصراف بدوري، لكن صفوان ألح علي في البقاء، ~~وأراد أن يملأ لي كأسي، لكني ms036 اعترضته قائلا: عندي عمل في ~~الصباح. # وجه الحديث إلى زوجته: توصليه بالسيارة؟ لا أظن أني أستطيع ~~القيادة بعد كل ما شربته. # أجابته: لماذا تشرب عندما يكون لديك من تحب أن توصله؟ # تدخل الشقيق قائلا: سأوصله أنا. # نهضت واقفا فوقف الجميع. واقتربت زوجة صفوان من شقيقه وألقت ~~بيدها على كتفه قائلة: بكير، نم عندنا. # قلت: بوسعي أن آخذ سيارة أجرة. # قال الشقيق: في هذا الوقت؟ أنا مضطر للانصراف الآن لأني سأسافر ~~في الصباح الباكر إلى دمشق، شرف يا أستاذ. # تقدمته إلى باب المسكن. وتبعنا صفوان وزوجته في صمت. # 7 # لزمت البيت في اليومين التاليين، انقطعت خلالهما للكتب ~~والوثائق التي زودتني بها أنطوانيت. ولأول وهلة وجدت أني ضائع ~~بين مغزى الأحداث، ومدلولات الأسماء والأماكن. وضاعف من حيرتي ~~تعدد وجهات النظر، وتعارضها، فيما قرأته. كما أن كلا منها كان ~~مسلحا بترسانة من الحجج والبراهين القاطعة. لكني لم ألبث أن ~~تبينت فائدة ذلك؛ إذ أتاح لي أن اتخذ منهج المقارنة بين الآراء ~~المختلفة. وساعدني وديع بذاكرته ومشاهداته. وسرعان ما كنت أشق ~~طريقي في شيء غير يسير من الجهد. # كان لدي تصور ضبابي في السابق عن الحرب الأهلية اللبنانية، ~~مؤداه أنها حرب بين التقدميين والرجعيين يحركها الاستعمار، ~~وأن غالبية التقدميين من المسلمين، كما أن غالبية الرجعيين من ~~المسيحيين. لكني أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. وبدت ~~المشكلة اللبنانية مثل لفافة ضخمة من شرائط متعددة الألوان، ~~اشتبك بعضها ببعض حتى صار فصل إحداها عن الأخرى ضربا من ~~المستحيل. # على أني كلما تتبعت أحد الخيوط، انتهى بي إلى الانقسام ~~الطائفي الشامل، الذي ينفرد به لبنان بين البلاد العربية؛ ~~فاللبنانيون، الذين لم يزد عددهم في يوم من الأيام عن ثلاثة ~~ملايين نسمة، تتوزعهم قرابة العشرين طائفة، على رأسها الشيعة ~~والسنة والدروز، ثم الموارنة والكاثوليك والروم الأرثوذوكس، ~~والأرمن والسريان (كاثوليك وأرثوذوكس)، ثم البروتستانت والأشوريون ~~واليهود. وتسيطر على هذه الطوائف مجموعة محدودة من العشائر ~~والعائلات، تتوارث نفوذها جيلا بعد جيل. وكأنما لبنان بلد ~~«تجمد» عند لحظة من لحظات ms037 العصور الوسطى. # وفي ضوء التاريخ، بدت الحرب الأهلية التي اشتعلت في أبريل ~~(نيسان) 1975، وسقط فيها 75 ألف قتيل و140 ألف جريح (ليس بينهم ~~واحد يحمل اسم إحدى العائلات التي تؤجج القتال وتجني ثمن ~~الضحايا)، حلقة في سلسلة طويلة من الفتن والحروب. أما البداية فهي ~~موزعة بين اللحظة التي اكتشفت فيها العشائر المتنازعة بالمنطقة ~~مأوى مثاليا في جبل لبنان يحميها من أعدائها، وتلك التي رست ~~فيها سفن الغزاة الصليبيين تحت أقدام الجبل العتيد. # فأولئك المستعمرون الأوائل، الذين قدموا من أوروبا رافعين ~~رايات المسيح المقدسة، سعوا إلى إقامة علاقات خاصة مع بعض ~~الأقليات الدينية في المنطقة، ووجدوا ضالتهم في طائفة مسيحية ~~شرقية، تنتسب إلى القديس مار مارون، عاشت في رخاء نسبي نتيجة ~~احتكارها لإنتاج الحرير. ومن جانبها رأت الطائفة المارونية في ~~المساندة الأوروبية حماية لمصالحها الاقتصادية، وتدعيما ~~لها. # وطبق الأتراك نفس السياسة عندما حلوا بالشام عام 1516، في ظل ~~الراية الإسلامية، فقد عمدوا إلى احتضان طائفة السنة المسلمة ~~على حساب بقية الأقليات من مسلمة ومسيحية. وكان المصريون الذين ~~وجههم محمد علي إلى الشام بعد 1833، هم الذين ألغوا كافة ~~المظاهر التي فرضها الأتراك لتمييز المسيحيين من حيث الملبس، كما ~~فتحوا الوظائف العامة أمامهم. وبدا المشرق العربي كله على أبواب ~~مرحلة جديدة، تنقله من ظلام العصور الوسطى إلى آفاق العصر ~~الحديث. # لكن القوى الاستعمارية كانت بالمرصاد لمحمد علي. كما أشعل الصراع ~~البريطاني الفرنسي في المنطقة الفتنة الشهيرة عام 1840، بين الدروز ~~والموارنة؛ ذلك أن الأولين، وهم مسلمون يؤلهون الحاكم بأمر ~~الله (الشيعي)، قد اتبعوا مثال الموارنة، وأقاموا علاقة خاصة ~~ببريطانيا، يوازنون بها علاقة الموارنة بفرنسا. # اتسعت الفتنة بعد خمس سنوات بانضمام الأرثوذوكس والسنة ~~والشيعة إلى جانب الدروز، ثم تكررت عام 1860، عندما ثار ~~الفلاحون الموارنة على إقطاعييهم؛ فلم تكد محاولات التوفيق بين ~~الجانبين تشرف على النجاح، حتى هاجم فريق من مسيحيي المتن قرى ~~درزية، وأغار الدروز على قرى مارونية، وتحول الأمر إلى حرب بين ~~المسلمين والمسيحيين، انتهت بتدخل قوات الدول الأوروبية، ودخول ~~الجيش الفرنسي بيروت. # وينسب المؤرخون ms038 لنابليون الثالث دورا في إثارة هذه الفتنة؛ فقد ~~دخلت فرنسا في عهده، مرحلة جديدة من الآمال التوسعية، وأراد ~~الامبراطور أن يظهر في ثوب المدافع عن حقوق المسيحيين في ~~الشرق. # لكن الآمال الفرنسية لم تتحقق إلا في أعقاب سقوط الإمبراطورية ~~العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى؛ فقد تقاسم الإنجليز ~~والفرنسيون المشرق العربي، وهزموا قوات الأمير فيصل، الذي كان ~~بسبيل إنشاء الدولة العربية الموحدة من الأردن وسوريا ولبنان ~~وفلسطين. # تولت فرنسا سلطة الانتداب على إقليمي سوريا ولبنان، فحافظت ~~على النظام الطائفي، ودعمت مركز الموارنة، بإعطائهم امتيازات ~~عدة، وإتاحة الثقافة الأجنبية لأبنائهم؛ الأمر الذي هيأ لهم فرصا ~~اجتماعية لم تتوفر لغيرهم. # ولاح أمل الدولة العربية الموحدة من جديد عام 1952، عندما ~~نشبت الثورة التي بدأها الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، تحت ~~شعار وحدة البلاد السورية (الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين) ~~واستقلالها. لكن الفرنسيين قمعوا الثورة بالسلاح، كما قضوا على ~~جذوة الوحدة العربية بتأسيس دولة منفصلة لجبل لبنان. # ففي سنة 1926، أعلنت فرنسا قيام الجمهورية اللبنانية، وأعطتها ~~علما هو العلم الفرنسي ذاته وقد أضيفت إليه شجرة أرز. وأطلق ~~بعض الموارنة على الدولة الوليدة اسم «فرنسا الصغرى». # وبعد ثمانية عشر عاما، انتهى الانتداب الفرنسي على لبنان، ~~فأصبحت جمهورية مستقلة. وكان الموارنة قد أدركوا خلال ذلك أن عصر ~~الإمبراطورية الفرنسية قد ولى، فتبلور داخلهم اتجاه متحالف مع ~~البريطانيين، شكل مع عناصر من السنة والشيعة والدروز ما عرف ~~في تاريخ لبنان السياسي باسم «الكتلة الدستورية». # وولد الكيان اللبناني عمليا في حضن الإنجليز سنة 1943، وفقا ~~لصيغة تم الاتفاق عليها بين بشارة الخوري (المسيحي الماروني)، ~~ورياض الصلح (المسلم السني)، تنص على أن يتخلى المسيحيون عن ~~رغبتهم في طلب الحماية من «الأم الحنون» - كما كانوا يسمون ~~فرنسا - ويخرجوا من عزلتهم ليدخلوا في الجماعة العربية. ومقابل ذلك ~~يتخلى المسلمون عن السعي للانضمام إلى سوريا أو أي وحدة عربية ~~أكبر. # ووفقا لهذا الميثاق غير المكتوب، تم الاتفاق على توزيع مناصب ~~الدولة الرئيسية توزيعا طائفيا عادلا، على أن تكون نسبة ~~المسيحيين في المجلس النيابي ستة إلى ms039 خمسة مسلمين. وتضمن هذا ~~الاتفاق أن يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا، ورئيس الوزراء ~~مسلما سنيا، ورئيس النواب مسلما شيعيا. وأطلق على هذا ~~الوضع اسم التوازن اللبناني. # على أن الاتفاق كان منذ البداية، محملا ببذور الانفجار؛ فمن ~~ناحية، لم يكن التوازن بين الطوائف وحدها، فقد كان في الوقت نفسه ~~توازنا إقليميا، وتوازنا بين العائلات والعشائر والمؤسسات. ~~ومن ناحية أخرى، فإن الوضع المتميز الذي هيأه الفرنسيون ~~للموارنة أتاح لهم الازدهار، وجاء الاتفاق فأعطاهم الوظائف الخمس ~~الرئيسية في البلاد؛ رئيس الجمهورية، قائد الجيش، رئيس المكتب ~~الثاني، محافظ مصرف لبنان، مدير الأمن العام. # وكان من الطبيعي أن تشعر الفئات الاجتماعية العليا من الطوائف ~~الأخرى، مسيحية ومسلمة، بالغبن، وخاصة السنة الذين تتكون منهم ~~غالبية سكان بيروت، ويعملون بالتجارة من أقدم الأزمنة؛ فقد أصبحوا ~~يشعرون أنهم ليسوا أقلية، بعد أن تزايدت أعدادهم بصورة ~~واضحة. # بهذا لم يكن التوازن الطائفي مرحلة على الطريق إلى الوطن، بل ~~تأجيلا له؛ فقد صار الوطن هو الطائفة، أو بالأحرى صراع ~~الطوائف. # وتعددت قوانين الأحوال الشخصية نتيجة لهذا الوضع، حتى أصبحت ~~أغلب الأمور المتعلقة بالفرد من اختصاص الطائفة، وأصبحت كل ~~طائفة دولة ضمن الدولة، تتمتع بالشخصية المعنوية، وبحق التشريع ~~والقضاء في مسائل الأحوال الشخصية لرعاياها، فإذا لم يندرج الفرد ~~في إحدى الطوائف، حرم من حق العيش في ظل نظام للأحوال الشخصية، ~~وحرم بالتالي من الزواج على الأرض اللبنانية. # خلال ذلك أخذ لبنان يكتسب الطابع الذي عرف به دائما؛ فبنيته ~~الاقتصادية لم تقم في يوم من الأيام على أساس اقتصاد الإنتاج ~~بالمعنى الصحيح، باستثناء زراعة الحشيش والأفيون. وإنما قامت على ~~أساس اقتصاد الخدمات الذي يمثل سبعين بالمائة من الدخل القومي، ~~فعرف لبنان بأنه السوق المثالي للمنتجات الأوروبية ذات السعر ~~المنخفض. # وتدفقت على بنوك لبنان رءوس الأموال من مصادر البترول ~~العربية؛ فانتعشت السوق المالية والمصرفية التي تتكون من مصارف ~~أجنبية ومختلطة مهمتها هي نقل الأموال العربية إلى الأسواق ~~الدولية. وظهرت طبقة جديدة من رجال المال والأعمال ورجال ~~التخطيط والإدارة والمحاسبة المؤهلين للعمل في شركات ms040 البترول ~~بالبلاد العربية التي أقامت مكاتبها الرئيسية في بيروت. # واستتبع هذا انتعاش سياحي، فأصبحت بيروت مركزا للخدمات ~~بأنواعها بما فيها الخدمات الترفيهية. وأصبح الكسب السريع بكل صوره ~~وأشكاله هو الغاية، ولو تم على حساب القيم الأخلاقية بل والوطنية. ~~وتحولت بيروت إلى مركز للتآمر السياسي والجاسوسية، ووكر ~~لتجارة الرقيق الأبيض. # وبحكم الكيان الطائفي الذي تنتقل فيه الزعامات والمناصب مع ~~الثروات إلى الأبناء، تكدست الثروات العقارية المبنية وغير ~~المبنية والصناعية والتجارية في أيد معدودة، استغلت ضعف السلطة ~~المركزية وفقر أغلبية المواطنين. وأصبح نصف السكان يحصلون على 18 ~~بالمائة من الدخل القومي ويحصل النصف الآخر على 82 بالمائة منه، ~~بينما يستأثر عشرة بالمائة من النصف الأخير بالجانب الأكبر من هذه ~~النسبة. # هكذا انضم عنصر جديد، هو العنصر الاجتماعي، إلى الصراع الطائفي ~~الديني الذي أوشك أن يتطور إلى صراع قومي على هوية لبنان. ~~لكن كما ظل الصراع القومي محكوما بالطائفة، بقي الصراع الاجتماعي ~~أيضا في هذا الإطار. وظلت التكتلات والأحزاب السياسية - مهما ~~اتخذت من صور العقائد السياسية أو الاجتماعية - واجهات لطوائف، ~~وأحيانا عائلات وعشائر. # وكان من شأن المد القومي الذي اجتاح الشعوب العربية في بداية ~~الخمسينيات، تحت شعاري التحرر الكامل من الاستعمار والوحدة ~~العربية، إشعال الصراع القومي على هوية لبنان؛ فقد بلغت ~~الحركة القومية ذروتها بقيام ثورة الجزائر، وتأميم عبد الناصر ~~لقناة السويس. وعندما وقع العدوان الإنجليزي الفرنسي الإسرائيلي ~~على مصر سنة 1956، لم يخف الموارنة ورئيس الجمهورية كميل شمعون، ~~تعاطفهم مع العدوان، كما هللت له صحيفة حزب الكتائب. # ومن الطبيعي أن انتصار الحركة القومية بدحر العدوان الثلاثي، ~~أدى إلى تعزيز مواقع الجبهة المعادية للموارنة، كما أدى إلى ~~ظهور الولايات المتحدة على المسرح العربي في دور رئيسي. # وقد ذكر راندال، مراسل «واشنطون بوست»: «قال لي سفير أمريكي ~~سابق عن فترة الخمسينيات: إننا كنا نشتري الناس بالجملة في ~~لبنان، ولن أدهش إذا عرفت أن كل شخصية مهمة في لبنان تلقت ~~أموالا من المخابرات الأمريكية». # ولهذا فما إن افتتحت الولايات المتحدة تحركها لاحتلال مواقع ~~إنجلترا وفرنسا في ms041 المشرق العربي بمشروع أيزنهاور سنة 1957، حتى ~~كان لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي جرؤ على إعلان ~~قبوله. # لكن المد القومي استمر، فألغت الأردن معاهدتها مع بريطانيا، وفي ~~فبراير (شباط) 1958، أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا، فالتهبت مشاعر ~~العرب كافة. وتدفق آلاف اللبنانيين على دمشق؛ ليحظوا بنظرة من ~~«ناصرهم». # ووجد زعماء السنة والشيعة المتمسحون بجمال عبد الناصر ~~والقومية العربية، وعلى رأسهم السنيان صائب سلام - رجل السعودية ~~الأول في لبنان - ورشيد كرامي، والشيعي كامل الأسعد - المرتبط ~~بالسعودية أيضا - أن الوقت ملائم لاقتطاع جزء أكبر من الكعكة ~~التي يفوز الموارنة بنصيب الأسد فيها، بالرد على عصابات الاغتيال ~~السرية التي شكلها كميل شمعون (الذي افتضح رقمه السري في ~~المخابرات البريطانية في بداية السبعينيات)، فأشعلوا، بالتعاون مع ~~كمال جنبلاط زعيم الدروز، وحليف شمعون السابق ومنافسه على زعامة ~~جبل الشوف، ما عرف بعد ذلك ب «ثورة» 1958، مستندين إلى حماس ~~الشارع القومي، ولجأ المسلمون إلى السلاح رافعين صور جمال عبد ~~الناصر. # وفي 14 يوليو (تموز) 1958، بلغ المد القومي العربي أقصى مداه؛ إذ ~~سقط النظام الملكي في العراق، وانهار حلف بغداد في ثوان، وبدت ~~الوحدة العربية الكاملة في الأفق. وطار عبد الناصر، من عرض البحر ~~الأبيض المتوسط، إلى موسكو استعدادا لمواجهة شاملة مع ~~الاستعمارين؛ القديم والجديد. هنا استنجد شمعون بسفراء أمريكا ~~وبريطانيا وفرنسا. وجاءه الرد من واشنطون في الساعات الأولى من ~~صباح اليوم التالي. وفي الساعة ~~الثالثة من بعد ظهر اليوم ذاته - الخامس عشر من يوليو (تموز) - نزل ~~حوالي ألفان من مشاة الأسطول الأمريكي بملابس الميدان، على بعد ~~خمسة أميال إلى الجنوب من بيروت، بزعم حماية لبنان من جمال عبد ~~الناصر. وفي الأيام التالية وصل مجموع القوات الأمريكية في لبنان ~~إلى حوالي خمسة عشر ألف مقاتل. # انتهت «الثورة» باتفاق مصري أمريكي على انتخاب اللواء فؤاد شهاب ~~رئيسا جديدا للجمهورية. وانسحب مشاة الأسطول الأمريكي نتيجة ~~لذلك. إلا أن حزب الكتائب، الذي أنشأه الزعيم الماروني بيار ~~الجميل سنة 1939، على غرار واسم الحزب الفاشستي الإسباني، وفي ~~أعقاب اشتراكه في أولومبياد برلين الشهير ms042 سنة 1936، جاعلا له ~~شعارا ذا مغزى هو «الله والوطن والعائلة»، تمرد على الاتفاق. ~~وقام أعضاء الحزب باختطاف أنصار صائب سلام، وكي أجسادهم بعلامة ~~الصليب. ورد أولئك بنفس الأسلوب. ولم تنته الفتنة إلا بدخول ~~بيار الجميل وزيرا في حكومة جديدة. # وباشتراك الجميل في الوزارة بدأت الرحلة الدموية التي ~~قطعتها أسرته من أجل الاستئثار بزعامة الطائفة المارونية ~~والاستحواذ على الحكم. والواقع أنه حتى ذلك الحين، لم يكن ~~اللبنانيون قد أخذوا مأخذ الجد، ذلك الصيدلي الرياضي، ذا القامة ~~المنتصبة، والشعر الأبيض الملتصق بالجمجمة، والميليشيات المضحكة. ~~ومن فرط استهزائهم به، أطلقوا عليه «بيار مانع الحمل»، وهو لقب ~~جلبته له إدارته لصيدلية في ساحة الشهداء، على بعد خطوات من حي ~~الدعارة ببيروت. # لكن اشتراك الجميل في الوزارة كانت له أهمية أخرى؛ فقد جاء ~~بمثابة تطبيق للشعار الذي صكه الزعيم الإسلامي ذو السيجار ~~الهافاني، صائب سلام، ومؤداه: «لا غالب ولا مغلوب». ومعناه أن كل ~~ما جرى من أضرار وضحايا لم يعد ذا موضوع، ويجب نسيان الماضي، ~~وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل الأحداث، على أساس أن أيا ~~من الفريقين لم يحرز انتصارا على الفريق الآخر، ولا ينال تبعا ~~لذلك امتيازات خاصة. وصار هذا الشعار قاعدة لما يجري في ~~لبنان. # وبلغ لبنان في السنوات التالية قمة ازدهاره؛ فالاتجاه ~~الاجتماعي «الاشتراكي» الذي اكتسبته الحركة القومية بعد ~~التأميمات الناصرية الشهيرة، جعل أصحاب الأموال بمختلف البلدان ~~العربية يرتعدون خوفا من شعوبهم، ويودعون أموالهم في مصارف ~~لبنان، أو يشاركون في مشروعاتها. # ومن ناحية أخرى، فإن الطابع العسكري الديكتاتوري الذي صبغ ~~الأنظمة الوطنية والرجعية على السواء، جعل من بيروت المتنفس ~~الوحيد للاجئين السياسيين والمعارضين للأنظمة المختلفة، وميدان ~~معركة بين هذه الأنظمة وبعضها، وبينها وبين الدولة الاستعمارية، ~~وبين هذه الأخيرة ذاتها. # وأدرك اللبنانيون بحسهم التجاري الموروث، أنهم يستطيعون ~~الاستفادة من هذا الوضع إلى أقصى درجة، فازدهرت كافة المحرمات، ~~من الكتب إلى الدعارة، وأصبح لبنان كله سوقا حرة لكافة ~~الأفكار والسلع. وصدرت عشرات الصحف التي تمولها جهات مختلفة، ~~بل تكونت أحزاب وتنظيمات ms043 سياسية تمولها الجهات ~~المختلفة. # واكتسب المواطن اللبناني شخصية الوسيط؛ فلم يكن بحاجة إلى أكثر ~~من أن يرتدي - ولو عن طريق الاستدانة - أفخم الملابس وأحدث ~~الأزياء، ويستعين بأحدث الأجهزة، كي ينجح في ترويج البضاعة التي ~~استوردها من الغرب ويبغي إعادة تصديرها إلى العرب. وصار النائب ~~البرلماني يتباهى بالسفارة الأجنبية التي تدعمه. وشاع أن الذي ~~لا «يقبض» من جهة ما، هو إنسان فاشل غير جدير بالاحترام. # أما الرجعية العربية والدول الاستعمارية، فراحت تروج ل ~~«الرخاء والحرية الاقتصادية والديمقراطية» بصفتها منتجات لبنانية ~~ناجحة. لكن الواجهة البراقة لشارع الحمرا ما كانت لتخفي واقع ~~البلاد المتخلف؛ فمع ارتفاع البنايات الشاهقة وسط بيروت في ~~أحيائها الأرستقراطية، تكون حزام من عشش «التنك»؛ أي الصفيح، ~~حول المدينة. وفي عكار وجبل عامل والبقاع (وهي مناطق تسكنها ~~أغلبية شيعية)، عاش الفلاحون في حالة مزرية من الرق. ومن جرؤ ~~منهم على التمرد على الملاك «البكوات» حرم من التعيين في ~~الدرك، وعجز أولاده عن الالتحاق بالمدارس الحكومية، وإذا كان من ~~زارعي التبغ، حرم من البذور، ولم ينل محصوله سوى أبخس ~~الأسعار. # وجندت الدولة نفسها لخدمة مجموعة من العائلات القديمة بين ~~مارونية وسنية وشيعية، احتكرت أمور البلد وثرواتها. # وخلال ذلك كان عدد المسلمين في تزايد دائم، حتى أصبحوا ~~يشكلون غالبية السكان. ولم يعد الموارنة - باعتراف مجلة ~~«الإيكونومست» البريطانية - يشكلون أكثر من عشرين بالمائة من ~~إجمالي عدد اللبنانيين. وتحققت هذه الزيادة على يد الشيعة ~~بالذات، الذين أصبحوا - وفقا للمجلة الإنجليزية - يكونون ربع ~~السكان. وشهدت نهاية الستينيات بداية صعودهم تحت الزعامة ~~القوية للإمام الطموح موسى الصدر، الذي نجح في استقطاب جماهيرهم ~~في حركة «المحرومين»، قبل أن يختفي عام 1978 في ليبيا. # لكن الستينيات انتهت أيضا بوفاة جمال عبد الناصر، النصير القوي ~~للشارع الوطني في لبنان، والقلعة التي كانت تحتمي بها القيادات ~~الإسلامية وهي تطالب بإعادة توزيع الكعكة. وتلفت الجميع بحثا ~~عن نصير جديد، وسرعان ما وجدوه في المقاومة الفلسطينية. # ويرجع التلازم بين قضيتي لبنان وفلسطين إلى بداية الغزو ~~البريطاني للمنطقة؛ ففي نفس السنة التي احتل ms044 فيها الانجليز مصر ~~(1882م)، كان المستوطنون اليهود يبنون أولى مستوطناتهم على مشارف ~~نهر الليطاني. وفيما بعد، كانت المراسلات البريطانية مع زعماء ~~العرب، تتمسك دائما ب «الأوضاع الخاصة» لكل من اليهود في ~~فلسطين، والموارنة في لبنان. # ومن سخرية الأقدار أن لبنان يدين ب «ازدهاره» للقضية الفلسطينية، ~~وأن الثروات الهائلة التي جمعتها العائلات الحاكمة، قد تكونت ~~بفضل الصراع العربي الإسرائيلي، وما لحق بالعرب خلاله من هزائم ~~وانتصارات، على حد سواء. # فقد ترتب على هزيمة الجيوش العربية وقيام دولة إسرائيل سنة ~~1948، انتقال مركز النشاط الاقتصادي من فلسطين إلى لبنان، وخاصة ~~دور الوسيط الذي كانت تتولاه فلسطين من قبل في مجالات التجارة ~~والنقل والسياحة. وساهم الفلسطينيون اللاجئون في تطوير الخدمات، ~~وتدعم «الازدهار الاقتصادي» بالمقاطعة العربية لإسرائيل وإجماع ~~العرب على إخراج لبنان من دائرة الصراع العسكري مع إسرائيل وإعفائه ~~بالتالي من مصروفات التسلح. ومن ناحية أخرى، أدى الانتصار ~~العربي في أكتوبر 1973، إلى مضاعفة عائدات البترول وتدفق ~~الرساميل على لبنان، فارتفعت القيمة الخارجية لليرة اللبنانية إلى ~~2,30 للدولار الواحد مقابل 3,25 في أواخر 1970. # وفيما يتعلق بإسرائيل، فإنها لم تخف لحظة واحدة أطماعها في ~~لبنان؛ ففي فبراير (شباط) 1954، كتب بن جوريون إلى موسى شاريت ~~يقول: «... من الواضح أن لبنان هو أضعف حلقة في الجامعة العربية. إن ~~الأقليات الأخرى في الدول العربية كلها مسلمة، باستثناء أقباط مصر. ~~لكن مصر هي أكثر الدول العربية تآلفا وتماسكا .. إن خلق دولة ~~مسيحية في لبنان يعتبر عملا طبيعيا له جذور تاريخية .. إن ~~تحقيق شيء كهذا في الأوقات الطبيعية أشبه بالمستحيلات .. لكن في ~~أوقات الارتباك أو الثورة أو الحرب الأهلية تأخذ الأمور منحى ~~آخر.» # وعشية العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن عام 1967، ~~صرح ليفي أشكول، رئيس الوزراء الإسرائيلي لمندوب «لوموند» ~~الفرنسية بقوله: «لا يسع إسرائيل العطشى أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ~~تشهد مياه نهر الليطاني تذهب هدرا إلى البحر.» # وأمام ذلك قامت الحكومات اللبنانية بدور الذراع الإسرائيلية داخل ~~لبنان؛ ففي أعقاب قيام إسرائيل، هاجر مائة ألف فلسطيني إلى لبنان. ~~ومنحت الحكومة اللبنانية الجنسية ms045 لأربعين ألف مسيحي منهم، ~~وفرضت على الباقين حياة الكلاب في مخيمات يحكمها رجال ~~الأمن. # ووقعت هجرة فلسطينية جديدة في أعقاب استيلاء إسرائيل على الضفة ~~الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة عام 1967، وحل عدة آلاف جدد في ~~مخيمات الجنوب اللبناني وحول بيروت. # فرضت السلطات اللبنانية الحصار على المخيمات الفلسطينية، وحظرت ~~انتقال الفلسطينيين من مخيم إلى آخر، أو إلى المدينة، إلا بإذن ~~مسبق. وحرمت عليهم إقامة تنظيمات سياسية أو الاتصال بإحداها، ~~وطاردت وقتلت كل من حاول منهم التسلل إلى إسرائيل. كما حرمت ~~العمال الفلسطينيين من التمتع بالضمان الاجتماعي. وألفى هؤلاء ~~أنفسهم مرغمين على القيام بالأعمال الهامشية والشاقة، وبأجور أدنى ~~من تلك التي يحصل عليها أقرانهم من اللبنانيين. # وعلى حد تعبير أحد الكتاب، كان البؤس والفاقة والنزوح، جمرات ~~دفينة في أزقة المخيمات، وأسفل بيوت التنك. # لكن هزيمة القيادات العربية التقليدية في 1967، أتاحت ~~للفلسطينيين أن ينظموا أنفسهم في جماعات مسلحة. وعندما ~~حاولت السلطات اللبنانية تقييد العمل الفدائي في الجنوب، إثر ~~غارة إسرائيلية على مطار بيروت دمرت خلالها 13 طائرة مدنية ~~لبنانية دون تدخل من الجيش، وقع أول صدام كبير بين الجانبين ~~في 1969، انتهى بوساطة جمال عبد الناصر، وبتوقيع اتفاق القاهرة ~~السري في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام. وأعطى هذا الاتفاق ~~للفلسطينيين حق العمل والإقامة والتنقل في لبنان، والإشراف على ~~المخيمات، وإقامة نقاط للكفاح المسلح (الشرطة العسكرية) ~~داخلها. # تأجل الصدام في ظل هذا الاتفاق بين المقاومة الفلسطينية والقوى ~~المناوئة لها بعض الوقت. لكنه بدأ يتصاعد من جديد بعد أن قام ~~الملك حسين بتصفية قوات المقاومة في الأردن عام 1970؛ فقد ترتب ~~على ذلك نزوح آلاف جديدة من الفلسطينيين إلى لبنان، الذي أصبح ~~أيضا المنفذ الرئيسي إلى الأراضي المحتلة. # وخلال ذلك وجد الشارع الوطني والإسلامي في المقاومة الفلسطينية ~~حليفا قويا، كما أن المنظمات الفلسطينية كانت تنتمي إلى هذا ~~الشارع نفسه بحكم تكوينها وأهدافها. وكان عليها أن تحمي كيانها في ~~لبنان بأوسع تحالفات ممكنة. # ولعبت إسرائيل دورها في تصعيد التوتر بالتنسيق مع الموارنة ~~وحزب الكتائب بوجه خاص، فشنت ms046 هجوما عسكريا على مخيمي البارد ~~والبداوي في 1973، أشفعته بغارة كوماندوز في قلب بيروت، قتلت ~~خلالها ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعددا من ~~المدنيين، دون أن يحرك الجيش اللبناني ساكنا. # تفجر الموقف بصورة لم يسبق لها مثيل، وقامت مظاهرات وإضرابات ~~دعت لها القوى الوطنية، نددت بعجز السلطة عن حماية البلاد. ~~وطالبت القوى اليمينية من جانبها بنقل المخيمات الفلسطينية من حول ~~بيروت. ولم يكن سرا أن الرهبانيات التي تملك جانبا كبيرا من ~~أراضي هذه المخيمات، تسعى جاهدة لاستردادها بعد أن ارتفع ثمنها ~~كثيرا في السنوات الأخيرة. واضطلع رئيس الجمهورية، سليمان فرنجية، ~~بالمهمة. # وتصلح سيرة سليمان فرنجية موضوعا لفيلم مثير من أفلام ~~المافيا، كما أنها تعطي صورة دقيقة لطبيعة العمل السياسي في ~~الديمقراطية اللبنانية ذائعة الصيت. # فقد بدأ سليمان فرنجية حياته العملية في الأربعينيات، في ظل أخيه ~~الأكبر حميد فرنجية، الذي كان زعيما للعشيرة المارونية في بلدة ~~زغرتا، وممثلها في البرلمان والوزارة. وكانت مهام سليمان تشمل ~~إلى جنب الدعاية الانتخابية لأخيه، تدبير مقتل واحد من مسلمي ~~مدينة طرابلس كل شهر، كنوع من الإنذار المتجدد لأبناء المدينة ~~المجاورة ذات الأغلبية السنية. # وعشية انتخابات الرئاسة في سنة 1958، برز حميد فرنجية كمرشح ~~محتمل. وكان كميل شمعون يطمع في تجديد رئاسته للجمهورية، فقام ~~بمناورة ماكرة لإزاحة خصمه الماروني عن طريق إثارة النزاع بين ~~عائلتي فرنجية والدويهي. وكما قدر شمعون، تصاعد النزاع إلى ~~مواجهة بين العائلتين في قداس بكنيسة بلدة المزيارة، أطلق ~~النار خلالها على منافسيه، فأردى منهم عشرين. وعلى الفور أصدر ~~شمعون أمرا بالقبض على القاتل الذي هرب إلى سوريا ونزل ضيفا على ~~الحكومة السورية في أحد فنادق اللاذقية، حيث تعرف على الضابطين ~~حافظ الأسد ورفعت أسد اللذين أصبحا شركاء لعائلة فرنجية في عدد ~~من صفقات السوق السوداء - التجارية والسياسية - المربحة. # لم تمض سنة ونصف السنة حتى صدر عنه العفو. وخلال ذلك كان أخوه ~~قد أصيب بالشلل، فعاد سليمان ليدخل البرلمان مكانه، ويصبح زعيما ~~مبجلا للعائلة والعشيرة بفضل سجله الحافل بالقتلى (والذين ~~ارتفع عددهم على مر ms047 السنوات إلى سبعمائة قتيل). # وعندما حلت انتخابات الرئاسة الجديدة عام 1970، دارت المشاورات ~~التقليدية المعقدة بين العائلات الحاكمة؛ إدة، الجميل، شمعون، ~~جنبلاط، سلام، الصلح، حمادة، كرامي .. إلخ؛ بحثا عن مرشح يرضي ~~الجميع. وفي مكتب غسان تويني بالطابق التاسع من مبنى جريدة ~~«النهار» التي يملكها، تم الاتفاق على ترشيح سليمان فرنجية. # وفي يوم 17 أغسطس، آب، هبط خمسة آلاف من رجال فرنجية المسلحين ~~من زغرتا إلى بيروت، وأحاطوا بمبنى البرلمان؛ ليضمنوا انتخاب ~~زعيمهم. وأسفر الاقتراع الثالث عن خمسين صوتا له مقابل تسعة ~~وأربعين لمنافسه إلياس سركيس. وعندما أعلن صبري حمادة، رئيس ~~البرلمان، ضرورة إجراء اقتراع رابع، أطلق أنصار فرنجية في الخارج ~~النيران معلنين انتصار رجلهم. واندفع فرنجية شاهرا مسدسه إلى ~~حمادة صارخا، بينما اشتبك أولاد الأخير مع الأب دويهي (الذي أصبح ~~الآن من أنصار فرنجية). وتقدم حراس حمادة لحمايته رافعين مدافعه ~~الرشاشة، بينما أخرج رجال فرنجية، الذين نجحوا في التسلل إلى ~~المبنى قبل الاقتراع، مسدساتهم. # انسحب حمادة إلى مكتبه وتلفن للرئيس شارل حلو طالبا النصح، ~~فقال له الأخير: «إن معلوماتي تخول لي أن أقول لك إنه في حالة ~~إصرارك على موقفك، فإن أحدا لن يبقى حيا من الموجودين في ~~البرلمان، افعل ما تراه ضروريا لمنع تدمير البلاد.» # وبعد ذلك بثلاث سنوات استخدم سليمان فرنجية شعار «ما هو ضروري ~~لمنع تدمير البلاد» ليبرر الأمر الذي أصدره في مايو (آيار) ~~1973م إلى قائد الجيش بمهاجمة المخيمات المحيطة ببيروت لإنهاء ~~سيطرة المقاومة عليها. وقد وصف دبلوماسي أمريكي هذا الهجوم الذي ~~اشتركت فيه الطائرات بقوله: «كانت المرة الأولى التي أرى فيها ~~الجيش اللبناني يتحرك بفاعلية.» # لكن الجيش اللبناني فشل في مهمته، فشرعت الأحزاب المارونية ~~في تدعيم ميليشياتها المسلحة لتقوم بما عجز الجيش عن القيام به. ~~وتحملت جماعة «الكسليك»، وهي مجموعة من الرهبان والمثقفين ~~الموارنة، العبء الأكبر في جمع التبرعات لهذا الهدف، وتمكنت ~~من جمع 56 مليون ليرة؛ أي 21 مليون دولار بأسعار 73 / 74؛ ولهذا ~~الهدف أيضا زار بيار الجميل المملكة العربية السعودية في أول ~~أبريل (نيسان) ms048 1974، على متن طائرة سعودية خاصة، وأعدت الخطط ~~لتدريب ميليشيا الكتائب في ألمانيا الغربية وإسرائيل والأردن. وخرج ~~إسكندر غانم من قيادة الجيش ليتولى قيادة ميليشيا الكتائب. # وقد ذكر «أنتوني سامسون» ~~في كتابه «سوق السلاح» الذي صدر في منتصف 1977، أن الجبهة ~~المارونية اشترت كمية من السلاح يتراوح ثمنها بين 200 و600 ميلون ~~دولار، جاءت - على حد قوله - من البنوك التي نهبتها المليشيات ~~المارونية في لبنان ومن وكالة المخابرات الأمريكية، وإسرائيل، ~~وألمانيا الغربية، والفاتيكان، وشاه إيران، والدول العربية ~~الإسلامية. # ومن الطبيعي أن الطرف ~~الآخر - ابتداء من المقاومة الفلسطينية إلى الأعداء الدينيين ~~التقليديين للموارنة، مرورا بأصحاب البرامج الاقتصادية ~~والاجتماعية «التقدمية» - ما كان ليقف مكتوف الأيدي أمام هذه ~~الحملة الضخمة من التسليح، ووجد قادته الخزائن مفتوحة أمامهم في ~~بغداد وليبيا والسعودية أيضا، فسلح كمال جنبلاط رجاله من ~~الدروز، وكون الإمام الصدر جهازا عسكريا لحركة «المحرومين» ~~الشيعية، وتجمعت العناصر السنية الشابة في تنظيم «المرابطون» ~~الناصري المسلح، وشكل الشيوعيون والبعثيون ميليشياتهم ~~المسلحة. # ولم يعد ثمة مفر من الحرب. # 8 # ظلت هناك جوانب عديدة غامضة في نظري. لكن الوقت كان ضيقا. ~~وكنت أعرف بتجربتي أن الأمور تتضح دائما أثناء العمل ~~نفسه. # تلفنت أنطوانيت، واتفقت معها على موعد. وما إن وضعت السماعة ~~حتى دق جرس الجهاز، فرفعتها إلى أذني من جديد. # جاءني صوت أنثوي ناعم: أستاذ ... ؟ # قلت مقلدا اللهجة اللبنانية: مين عم بيحكي؟ # قالت صاحبة الصوت برقة: وحياتك .. احكي مصري. # ضحكت وقلت: حاضر. ~~- أنا لميا .. لميا الصباغ. ~~- أهلا وسهلا. لقد اتصلت بك أكثر من مرة. ~~- أعرف، لكني كنت في الضيعة، ثم انشغلت في ترميم ~~الهدد. ~~- آه! .. شيء فظيع. ~~- لا يهم. هذه أمور أصبحت عادية هنا. أستاذ .. اليوم حكى معي ~~زوجي من باريس. ~~- ألن يأتي إلى بيروت؟ ~~- لا أظن الآن .. المهم، حدث شيء سخيف؛ فقد أبلغني أن مخطوطة ~~كتابك فقدت منه قبل أن يتمكن من قراءتها. # لزمت الصمت ولم أعلق بشيء. # قالت في تردد: آلو .. يا ترى لديك نسخة أخرى منها؟ ~~- عندي. ~~- هل تتكرم بإحضارها لي. ~~- لترسليها إليه؟ ~~- نعم. ~~- كنت ms049 أريد الانتهاء من هذا الموضوع بسرعة. ~~- إلى متى باقي ببيروت؟ ~~- ربما أسبوع آخر. ~~- إذن سنرى. متى أراك؟ ~~- الوقت الذي يناسبك .. صباح الغد مثلا. في العاشرة؟ ~~- أوكي. سأنتظرك. أنت تعرف أين تقع الدار؟ # تساءلت مدهوشا: التي تحطمت؟ # ضحكت وقالت: الانفجار كان بالطابق الأرضي الذي يضم المخازن. ~~أما المكاتب نفسها فلم يلحقها ضرر كبير. وقد رممناها وعادت كما ~~كانت. ~~- بهذه السرعة؟ سأعرف كيف أصل إليها. # قالت: في العاشرة إذن. # أعدت السماعة إلى مكانها، وأشعلت سيجارة. كان النهار ما زال ~~في بدايته، لكني شعرت بالحاجة إلى قليل من الشراب، فأعددت ~~لنفسي كأسا من الجين. وجلست أقلب في صفحات مجلد كبير عن ~~وقائع الحرب الأهلية اللبنانية. # وقرب العصر اتصل بي وديع قائلا إنه سيتناول طعام الغداء مع أحد ~~أصدقائه. وطلب مني أن أستخدم محتويات الثلاجة في إعداد ~~طعامي. # أعددت قرصا من البيض ~~المقلي وأكلته مع قليل من الزيتون والسلاطة، وأنا أتصفح إعلانا ~~في صحيفة الأمس يدعو المواطنين العرب للانضمام إلى القوات ~~المسلحة لليبيا «النواة الثورية للدولة العربية المتحدة»، ~~لمواجهة «الانقضاض الوحشي الذي تتعرض له الأمة العربية من جانب ~~الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية». واكتشفت بجوار الإعلان ~~نبأ صغيرا عن اتساع حجم التدخل الليبي في تشاد إلى جانب رئيس ~~الحكومة عويضي، ضد منافسه حبري الذي تدعمه الولايات المتحدة. وكانت ~~هناك أيضا إشارة إلى افتتاحية لجريدة «الأهرام» القاهرية، ~~تطالب أمريكا «باستعادة هيبتها ومواقعها، وتحمل مسئولياتها في ~~حفظ السلام، ومواجهة العدوان، ووقف التوسع ورفض السيطرة وإرهاب ~~الشعوب بالغزو والتدخل». # شعرت بعد الأكل بالرغبة في شيء من الراحة. لكني تحاملت على ~~نفسي وارتديت ملابسي وغادرت المنزل. # أقلتني سيارة أجرة إلى مكتب أنطوانيت. ورافقني أحد المسلحين ~~إلى غرفتها، فوجدت معها رجلا ربعة في الخمسين، احتل مقعدا ~~مجاورا لمكتبها. # قدمتني إليه ثم قالت: أبو نادر، رئيس دائرة السينما ~~بالمنظمة، لعلك سمعت عنه. # صافحته بحرارة وأنا أقول: من لم يسمع عنه؟! # كانت العملية الفدائية التي قادها وسط تل أبيب من القصص التي ~~تروى. وقد قبض عليه الإسرائيليون بعدها وحكموا عليه بالإعدام، ~~لكنه ms050 تمكن من الفرار بعد أن أصيب إصابة بالغة أقعدته عن ~~الحركة مدة طويلة. # جلست في مواجهته، وواصل هو حديثا سابقا مع أنطوانيت: الحركة ~~في الملعب أصبحت محدودة، غدا ستثبت لك الأحداث قولي، أنت ~~تعرفين نبوءاتي وكيف تتحقق. إنه شيء كالحدس. هل حكيت لك عن ~~عملية تل أبيب؟ # أطرقت برأسها، لكنه واصل الحديث متوجها إلي: كان أمامنا ~~جندي إسرائيلي يحمل مدفعا رشاشا. وكانت يده على الزناد، ~~مستعدا لإطلاق النار في أية ثانية. لكني شعرت أنه لن يفعل، ~~وتقدمت منه في ثبات حتى لمست فوهة المدفع صدري، ثم مددت ~~يدي وأخذت المدفع. # غير الموضوع فجأة، وقال لي: كيف حال مصر؟ لقد زرتها مرة ~~واحدة في الثامنة والستين وقابلت جمال عبد الناصر. وكان المفروض ~~أن أذهب مرة أخرى في السبعين، لولا الروس. # تساءلت مدهوشا: كيف؟ أقصد لماذا؟ # ابتسم وقال: في أول عملية فدائية لي تسللنا إلى الأرض ~~المحتلة من الأردن. هل تعرف من الذي أطلق علينا النار؟ الأردنيون. ~~يومها قلت للإخوة: مصيبتنا ستأتي دائما من أصدقائنا لا من ~~أعدائنا. # قلت: لكن الروس ... # قاطعني: أعرف ما ستقوله. صدقني، نحن لا نأخذ منهم غير ~~الكلام. # تدخلت أنطوانيت في الحديث قائلة: السادات يقول نفس الشيء. ~~كأنما المفروض أن يحملوا السلاح بدلا منا. ~~- لسنا سوى قطع شطرنج في اللعبة بين الروس والأمريكان. # ردت عليه بحدة: لو سمعك بيجين لقفز من السعادة. # اتسعت ابتسامته وقال: عندما اعتقلوني سألوني عن موقفي من الروس، ~~فقلت لهم الحقيقة. ولم يمنعهم هذا من الحكم علي بالإعدام. ما ~~علينا. قالت لي أنطوانيت إنك معجب بالفيلم! # قلت: فعلا. # قال: هل تعتقد أنه ينجح إذا عرض في مصر؟ # قلت: الفيلم الوثائقي عموما ليس له جمهور في مصر، ثم إن ~~الإعلام الساداتي نجح في قتل اهتمام الناس بالقضايا ~~العربية. # وجه حديثه لأنطوانيت: ألم أقل لك إن الكتاب أفضل من ~~السينما؟ # وتحول إلي ثم أضاف: هل تعرف أني كتبت رواية كبيرة؟ كل ~~الذين قرءوها أعجبوا بها، وقالوا إني أخطأت طريقي في ~~الحياة. # أبديت اهتمامي قائلا: أتمنى أن ms051 تتيح لي قراءتها. # نقل البصر بيننا ثم نهض واقفا وهو يقول: سأذهب الآن، وأترككم ~~تعملون. # قالت أنطوانيت بعد انصرافه: أبو نادر شخص ممتاز وإن كانت له ~~آراؤه. هل أفادتك المواد التي أعطيتها لك؟ ~~- جدا. لكني أريد أن أرى الفيلم مرة أخرى. ~~- بالطبع. لقد حجزت لك اليوم قاعة العرض. # انتصبت واقفة وهي تجمع بعض الأوراق من فوق المكتب. كانت ترتدي ~~البنطلون الجينز الذي رأيتها فيه أول مرة، لكنها استبدلت ~~سترته ببلوزة مشجرة خفيفة بنصف كم. # تقدمتني إلى الخارج، وارتقينا الدرج إلى الطابق الأعلى. ~~ولجنا قاعة عرض في حجم غرفة معيشة. وكانت بها عدة صفوف من مقاعد ~~ذات مساند، تتوسطها طاولة صغيرة تحمل منفضتين للسجاير، ~~وتفصلها خطوتان عن الشاشة التي غطت حائطا بأكمله. # جلست فوق أحد المقاعد بالصف الأول، وأشعلت سيجارة. ومضت ~~أنطوانيت إلى كوة العرض فتحدثت مع العارض، ثم أطفأت النور ~~واستقرت في المقعد المجاور لي. # بدأ العرض على الفور. ووجدتني أكثر قدرة من المرة السابقة على ~~متابعة لقطات الفيلم. # كان الجو حارا، فخلعت سترتي، وألقيت بها على المقعد ~~المجاور. وأرحت ساعدي الأيمن فوق مسند مقعدي. كنت أرتدي قميصا ~~قصير الأكمام. وشعرت بساعدها العاري قريبا مني. ولدى أول حركة ~~منها تلامس ساعدانا. # ظل ساعدانا ملتصقين بعض ثوان، ثم أزاحت ذراعها بعيدا في ~~رفق. # وجهت اهتمامي إلى الفيلم، ولم ألبث أن اندمجت في صوره، ولم ~~أشعر بمرور الوقت إلى أن قرأت كلمة النهاية. # قامت أنطوانيت فأضاءت النور. ووضعت يديها في جيبي بنطلونها ~~وهي تستدير وتتقدم مني. وقفت أمامي وثنت إحدى ركبتيها ~~وأسندتها إلى حافة المقعد الذي كانت تحتله. ولحظت أن وجهها ~~الشاحب قد تضرج قليلا. # قدمت إليها سيجارة فأخذتها، وأخرجت ولاعة ذهبية من جيبها ~~قربتها مني. أشعلت سيجارتي وقلت: العناوين كثيرة، ولا بد من ~~دمجها في التعليق. لا بد أن أعمل وأمامي اللقطات. # قالت: يمكنك أن تعمل على المافيولا. # قلت: لا. المشكلة أني لا أستطيع أن أعمل في أي مكان أو أي وقت. ~~أليس لديك سيناريو؟ # قالت: مجرد خطوط عامة؛ فكل شيء ms052 هنا. # وأشارت إلى رأسها. # قلت: ولا حتى قائمة باللقطات؟ # قالت: عندي واحدة لن تنفعك؛ فهي عبارة عن أرقام ورموز. ~~- لم يبق إذن غير أن أعد قائمتي بنفسي؛ أسجل مضمون اللقطات ~~من المافيولا. ~~- لكن الفيلم ستة فصول غير المقدمة. ~~- سيكون الأمر مرهقا بالتأكيد وسيستغرق بعض الوقت. لكنه ~~سيضعني داخل الفيلم تماما. فقط لدي شرط. ~~- ما هو؟ ~~- ألا يتعرض ما سأكتبه لأي تعديل إلا بموافقتي. أنا أدرك ما ~~تمليه السينما من ضروريات، وسأحاول التلاؤم معها قدر الإمكان. ~~لكني لن أقبل أي محاولة لتحريف ما سأكتبه لصالح جهة ما ~~بالذات. ~~- هذا حقك. متى يمكن أن تبدأ؟ # تطلعت في ساعتي ثم قلت: الآن. نقوم بتجربة مع ~~المقدمة. # ارتديت سترتي، وهبطنا إلى مكتبها. وتبعنا العارض حاملا ~~العلب المعدنية المحتوية على الفيلم، فتعاونا في نقلها إلى ~~غرفة المونتاج. وتولت أنطوانيت تثبيت شريطي الصوت والصورة ~~بأصابع مدربة، ثم ناولتني بضع ورقات بيضاء وأطفأت النور بعد ~~أن ارتدت نظارتها. وجذبت مقعدا إلى جوارها ثم أخرجت قلمي من ~~جيبي. # تتابعت اللقطات الأولى المعتمة والمشوهة، وظهر اسم الفيلم ~~فوضعت سن القلم على الورقة دون أن أرفع عيني عن الشاشة الصغيرة، ~~وشرعت أسجل ما أراه: # لقطات عامة للطبيعة، الثلج يغطي قمة الجبل، أشجار الأرز ~~تبرز من تحت الثلج الذائب، سفح الجبل يتغطى بخضرة سابغة، أشجار ~~توت وتين وبرتقال، جدول ماء تحت شجرة جوز، أشعة الشمس ~~تلتمع فوق المياه، شجيرات التبغ الصغيرة الخضراء، أوراق التبغ ~~السمراء فوق قطع من القماش على حافة طريق إلى جوارها مزارعون في ~~ملابس بيضاء وسراويل منتفخة، رعاة ماعز، راديو ترانزستور فوق ~~حمار، فيروز تغني: يا طير الوروار. # الطريق يمتد صاعدا إلى ~~قصر كبير فوق ربوة، في شرفة واسعة جلس «البك» في ملابس ريفية ~~وفوق رأسه طربوش قصير مائل، على مقربة عدد من «القبضايات» ~~ينتظرون أوامره. # الطريق يخترق قرية، حوار ترابية وبيوت واطئة، أمام أحدها ~~تربع عجوز فوق مصطبة حجرية يدخن «الأرجيلة»، متجر به عدة ~~موائد خشبية يلعب حولها عدد من الصبية لعبة مثل الفليبرز. # القرية بالليل، شبان ms053 صغار في قمصان وبنطلونات يطوفون بطرقاتها ~~حاملين مصابيح اللوكس وهم يهتفون: بدنا الوحدة باكر باكر، مع ها ~~الأسمر عبد الناصر. # فيروز تغني: «حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتي.» # فيروز في أغنية أخرى تتميز بإيقاع سريع، غربي. # كانت باللهجة اللبنانية فلم أتمكن من تمييز كلماتها. وأشرت ~~إلى أنطوانيت أن تعود إليها، فأوقفت العرض. ومدت يدها إلى ~~طارة متصلة بمحور المافيولا، فحركتها ببطء، وعاد الفيلم إلى ~~الوراء. # بدت لي الأغنية مألوفة، لكني عجزت مرة أخرى عن تمييز كلماتها، ~~وأدركت بعد لحظة ما اجتذب انتباهي إليها؛ فقد كانت الموسيقى ~~لأغنية أوروبية شائعة. وبدا مزيج العامية اللبنانية والموسيقى ~~الغربية الراقصة غريبا. # أوضحت أنطوانيت: الأغنية اسمها «كان زمان». # أومأت برأسي فأدارت الفيلم، واستأنفت التسجيل: # شارع الحمرا في بيروت، الواجهات الزجاجية الأنيقة، اللافتات ~~البارزة بعرض الإفريز، السيارات الفارهة المسرعة، الأنوار ~~المتلألئة، متاجر المجوهرات والفليبرز، معاطف الفيزون، دور السينما ~~الفخمة، الميني جيب والميدي والماكسي، أنوار خافتة حمراء في ~~الشوارع الجانبية، مقهى الدولشي فيتا، مقاه متناثرة على البحر ~~حتى صخرة الروشة، زحام كيوم الحشر، الغطرة الخليجية والجلاليب ~~البيضاء، فتيات شقراوات شبه عاريات في استعراض فوق خشبة ~~مسرح. # ملصق يملأ فراغ الشاشة يحمل هذه الكلمات: # كازينو لبنان السياحي # يقدم كل مساء # أفخر المزات وأطيب المأكولات الشرقية # استعداد تام لتلبية كافة الطلبات # ملصق آخر: # لبنان واحة الحرية # صوت فيروز الملائكي: «زوروني كل سنة مرة، حرام تنسوني ~~بالمرة.» # مطار بيروت، طائرة قادمة من أفريقيا يغادرها خليط من الأفارقة ~~واللبنانيين، لبناني ممتلئ الجسم في بزة بيضاء، أصلع الرأس، ~~يتدلى بطنه فوق بنطلونه داخل قميص من الحرير الأبيض، سوالفه تصل ~~إلى منتصف وجنتيه، يحمل حقيبة سامسونايت، يتابع في لهفة وقلق نقل ~~صندوق كبير من الكرتون إلى خارج المطار. # قاعدة معدنية ترتفع عن الأرض قرابة المتر، تدور حول نفسها ~~حاملة نماذج ضخمة من الأجهزة الكهربائية؛ ثلاجة وستنجهاوس، ~~عصارة مولينكس، مكنسة هوفر. # سيارة حديثة خالية تدور حول نفسها فوق الحامل. # صوت رجل في لهجة مسرحية وإلقاء سريع: «استمتع بالحياة ~~اللذيذة مع السيارة الجديدة الرياضية، خمس سرعات، كمبيوتر ms054 لترشيد ~~الرحلة واستهلاك الوقود واختبار المحرك، مع ساعة رقمية وفتحة ~~بالسقف وراديو كاسيت.» # شاب في ملابس أوروبية حديثة، شعره غزير وناعم، مصفف ~~بعناية، يشبه الشبان الأوروبيين في كل شيء، يجلس على نفس الحامل ~~الدائري، ويدور معه بسرعة حول نفسه، يتوقف الحامل فجأة جاعلا ~~الشاب في مواجهة الكاميرا، يمد يده إلى ياقة سترته ليرينا ~~علامتها التجارية وهو يبتسم في فخر. # واجهة صالة لبيع المفروشات، سيدة متوسطة العمر في معطف ~~متواضع، رأسها مغطى بمنديل ملون، انعقد طرفاه أسفل ذقنها، ~~تلصق وجهها بالزجاج لتتأمل المعروضات، عيناها تنتقل بين مطبخ ~~«ستينليس ستيل» وأنواع الموكيتات، وكنبات «لوي كاتورز». # سيدات مثل السيدة السابقة يقلبن بأيديهن بين أكوام من الملابس ~~المختلفة وضعت فوق عربات خشبية في ساحة البرج. # أكواخ متجاورة من الصفيح، الأرض قذرة بها آثار مياه مستخدمة، ~~أطفال في ملابس متواضعة يحملون أواني من البلاستيك الملون فوق ~~رءوسهم، الأواني مليئة بالمياه التي يجلبونها من صنبور عام إلى ~~كل كوخ. # امرأة تغسل ملابس في بركة مياه منسابة من حطام ~~ماسورة. # صور جمال عبد الناصر فوق جدران الأكواخ. # صوت فيروز: «نطرتك بالصيف، نطرتك بالشتي.» # قصر فاخر تحيط به حديقة واسعة تغمرها الأضواء، مجموعات من ~~الرجال والنساء في ملابس السهرة، الموسيقى الراقصة التي استخدمت ~~في أغنية فيروز «كان زمان». # إعلان يغطي الشاشة: # أمعاء الخروف هي أكل الكلاب المفضل. وقد ~~أعددناها # لكم بعدة طرق تلائم الأمزجة المتنوعة # الحمرا ليلا، فتاة في جينز أبيض تعبر الشارع، الكاميرا تركز ~~على فخذيها تقترب منها، البنطلون ضيق للغاية، الكاميرا تقترب من ~~أعلى فخذيها، تتضح تفاصيل جسمها؛ الجوانب الممتلئة والشق في ~~المنتصف. # واجهة زجاجية لمتجر ملابس، تماثيل متقنة الصنع لنساء فاتنات ~~في ملابس داخلية شفافة وملونة، عدد من الشبان يحدقون في ~~المعروضات، الشبان يرتدون قمصانا مزركشة وأحذية ذات كعوب عالية، ~~سوالفهم طويلة، هيئتهم العامة توحي بأنهم من العمال أو ~~الفقراء عموما. # شاشة تليفزيون ملونة يظهر عليها إعلان عن كيلوتات رجالية، ~~يرتديها شبان ذوو أجسام ناعمة تخلو من الشعر. # إعلان آخر عن كريم جديد للرجال، عنوان ms055 يملأ الشاشة: # اعتن ببشرتك كما تعتني بسيارتك # عدد من الشبان تحلقوا حول كتب ومجلات مفروشة على إفريز ~~الشارع، جريدة في حجم نصف الصحيفة اليومية تتصدرها صورة كبيرة ~~لفتاة شبه عارية، تظهر من مانشيت الصفحة كلمة «اغتصاب». # أزقة متعرجة تمر بالأسواق القديمة ذات الطابع العثماني ، ~~كما تؤدي إلى حي الدعارة، ساحة الشهداء، مواقف سيارات السرفيس ~~المرسيدس المتجهة إلى طرابلس وعمان وحلب، ساحة البرج في المساء، ~~زحام أمام واجهات متواضعة لمتاجر ملابس وأحذية، مطاعم الفلافل ~~والحلوى، تلال «المعمول» و«البرازق»، وصواني البقلاوة خلف الواجهات ~~الزجاجية، الزحام مضاعف أمام مدخل ضيق لإحدى دور السينما، ~~لافتة عريضة تحمل صورة شبه عارية للنجمة الأمريكية «راكيل ~~والش». # داخل السينما أثناء العرض، سحب كثيفة من دخان السجاير، راكيل ~~والش على الشاشة في أسمال بالية تكشف فخذيها، صيحات وصفير من ~~القاعة. # جانب من أخبار الجرائم والحوادث في صحيفة يومية: ~~«جريمة برج حمود # حملت بدرية محمد طه سفاحا من شخص مجهول، # والتجأت إلى دير الراعي الصالح حيث وضعت طفلا. # ومنذ شهر ونصف أخذها أهلها بعد أن تعهدوا إلى # النيابة العامة بعدم إيذائها. وقبل عشرة أيام زوجوها إلى # كامل كرم طه، وهو عامل سابق في بلدية بيروت، فأحضرها # إلى العاصمة وأقاما في منزله بمحلة برج حمود. وبعد # خمسة أيام عثر عليها مقتولة إثر إصابتها بطلقتين ناريتين # في رأسها وصدرها انطلقتا من مسافة قريبة، واختفى # الزوج عن الأنظار.» ~~«الاعتداء على طفلة # استدرج وديع «ز» (17 سنة) الطفلة رجاء إلى غرفته الخاصة ~~وانتزع عنها ثيابها، ثم حاول الاعتداء عليها.» # شارع الحمرا بالنهار، محلات الويمبي، الموفنبيك، الهورس شو، ~~المودكا، كافي دي لاييه، مظاهرة وسط الشارع من شبان في ملابس ~~أنيقة، المظاهرة ترفع لافتات باللغتين؛ الإنجليزية والفرنسية، ~~تحمل شعارات يسارية تدافع عن الطبقات الشعبية. # ملصقات وشعارات حماسية على الجدران. # رسم بالزيت على أحد الجدران لصورة جمال عبد الناصر وتحتها ~~عبارته الشهيرة: «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.» # عدد من الشبان يحيطون بواحد منهم جلس إلى مائدة في مواجهة ~~الكاميرا، الشاب يرتدي قميصا مفتوحا يكشف ms056 عن شعر غزير وسلسلة ~~ذهبية، يتحدث في ميكروفون بلهجة نارية: «إن التحرك الإمبريالي ~~الصهيوني في المنطقة العربية بات يشكل تهديدا خطيرا ومباشرا ~~لمكاسب الثورة العربية وجماهيرها الصامدة وتطلعاتها القومية ~~الاشتراكية الديمقراطية التقدمية الوحدوي...» # فيروز في المقطع الحماسي الأخير من أغنية «زهرة ~~المدائن»: ~~«الغضب الساطع آت، # الغضب الساطع آت، وأنا كلي إيمان، # من كل طريق آت.» # صف من أجهزة التليفزيون والفيديو وغيرها، شاب ~~أنيق يبتسم للكاميرا يشير بيده إلى الأجهزة: «أكثر من أربعين لعبة ~~فيديو كلها إثارة وتشويق.» # إعلان آخر عن أجهزة مماثلة فوق شاشة التليفزيون، صوت من وراء ~~الشاشة: «الآن! عالم جديد من المشاهدة الملونة الثلاثية، ~~شاهد وسجل أشرطة الفيديو على مدى خمس ساعات! ابحث عن الصورة ~~التي تريدها وثبتها وتحكم في الجهاز كله وأنت جالس على ~~مبعدة!» # ملصق يحمل هذه الكلمات فوق خلفية من قمم جبلية تغطيها ~~الثلوج: # لبنان # أرض الترحيب والتسامح # ملتقى الحضارات # شبان في ملابس عسكرية سوداء وقبعات كبيرة من نفس اللون ~~يسيرون بخطوات منتظمة في أحد الشوارع وهم يصيحون: «هان دوي، هان ~~دوي» (أي واحد اثنين بفرنسية الشارع اللبناني). # ملصقات من أحجام مختلفة تحمل صورا فوتوغرافية لزعماء ~~لبنان. # عنوان يملأ الشاشة: # أمراء لبنان # صوت فيروز في أغنية «يا أنا أنا وياك»، ملحوظة لي: «موسيقى ~~الأغنية مقتبسة عن سيمفونية لموتسارت.» # الكاميرا تمر بصور كميل شمعون، سليمان فرنجية، بيار الجميل، ~~الأباتي شربل قسيس، البطريرك خريش، ريمون إدة، صائب سلام، المفتي ~~حسن خالد، كامل الأسعد، الإمام موسى الصدر، رشيد كرامي، إلياس ~~سركيس. # تتوقف الكاميرا عند صورة كمال جنبلاط. # عنوان: ~~«ورث كمال جنبلاط عن والديه نفوذا إقطاعيا ودينيا ~~كبيرا على طائفة الدروز. إلا أن ثقافته الواسعة ورحلاته ~~قادته إلى غاندي وماركس. أصبح صوفيا متعبدا يمارس ~~اليوجا ولا يأكل اللحم. ولم يمنعه هذا من الاشتراك بنشاط ~~في لعبة السياسة اللبنانية ووفقا لقواعدها، حتى وصف ~~بصانع الرؤساء ورئيس ~~حكومات الظل. اشتكى مرارا من أن الدروز لا يحق لهم - ~~طبقا لاتفاق التوازن الطائفي - الوصول إلى أكثر من منصب ~~وزير. كون الحزب الاشتراكي التقدمي، ms057 قبل خروجه من ~~منصبه كوزير للداخلية في أوائل السبعينيات رخص للحزب ~~الشيوعي بالعمل العلني. نال جائزة لينين للسلام. في سنواته ~~الأخيرة تزعم أولاد الشوارع ضد أبناء العائلات.» # مائدة مستديرة يتحلق حولها زعماء التنظيمات الناصرية والبعثية ~~والشيوعية، يتوسطهم كمال جنبلاط، بين الجالسين جورج حاوي، محسن ~~إبراهيم، إبراهيم قليلات، بشير عبيد، إنعام رعد، كمال ~~شاتيلا. # أغنية «مذنب» الفرنسية، موسيقى الأغنية هي التي اقتبست منها ~~أغنية فيروز الشهيرة «حبيتك بالصيف». # مدينة النبطية في الجنوب، مهرجان ديني في ذكرى عاشوراء، التي ~~يحتفل بها الشيعة في العاشر من شهر محرم كل عام، موكب من سيارات ~~المرسيدس والدراجات ترفع صور الخميني وموسى الصدر، صورة الأخير ~~تحمل هذه الكلمات: «دوري محدد من الله ومن تاريخ وطني وديني ~~وأمتي»، فوق سيارة المقدمة جلس شابان؛ أحدهما في قميص أبيض يحمل ~~هذه العبارة: «لبيك يا حسين»، الآخر في قميص أسود نقشت عليه ~~عبارة «الله أكبر»، حول رأس كل منهما عصابة سوداء تكاد تخفي ~~عيونهما. # ساحة وسط المدينة، عشرات الشبان يهوون بأكفهم فوق رءوسهم ~~المحلوقة على صورة دائرية، بعضهم يستخدم جوانب السيوف بدلا من ~~الأيدي ويواصل لطم الرءوس حتى تنبثق منها الدماء (التقليد ~~يعبر عن ندم الشيعة عن موقف أسلافهم منذ أكثر من ألف سنة، ~~عندما تخلوا عن الحسين، ابن الإمام علي، وتركوه يذبح على يد ~~أعدائه). # ابتهالات دينية لاتينية. # داخل كنيسة مهجورة خافتة الضوء، قسيس يصعد المنبر ويفتح الكتاب ~~المقدس، يتلو: «يا ليت لي في البرية مبيت مسافرين فأترك شعبي ~~وأنطلق من عندهم؛ لأنهم جميعا زناة، جماعة خائنين.» # داخل قفص اتهام في محكمة، قسيس ينهض واقفا، القضاة يجلسون أسفل ~~نجمة داود. # عنوان: ~~«في أغسطس (آب) 1974، اعتقلت إسرائيل المطران كبوجي، ~~زعيم الطائفة المسيحية في القدس، بتهمة الانتماء إلى ~~منظمة «فتح»، وتهريب الأسلحة للفدائيين، وحكم عليه ~~بالسجن اثني عشر عاما.» # كبوجي يعلن من داخل القفص: «قوميتي هي الأساس لمسيحيتي، ~~وما لم أكن عربيا حتى الدم فلست مسيحيا.» # ميناء حيفا في الأربعينيات، سفينة أوروبية احتشد فوقها ~~المهاجرون اليهود تقترب من الشاطئ وترسو بجواره. ms058 # عنوان: ~~«مصلحتنا في أن تكون في المنطقة دول طائفية عدة ~~لتبرر وجود إسرائيل.» # بن جوريون # الشاشة تنقسم إلى أربعة أقسام، في كل قسم تتتابع لقطات خاصة ~~بمشهد مستقل، اللقطات جميعا تمثل الدبابات والطائرات ~~الإسرائيلية أثناء القتال، أحد الأقسام يعود إلى تاريخ قديم، ~~ويبدو فيه الجنود الإسرائيليون وهم يهاجمون منازل قرية فلسطينية ~~بالسلاح الأبيض، في قسم آخر تبدو شوارع بورسعيد بعد تدميرها سنة ~~1956، في قسم ثالث الطائرات الإسرائيلية تغير على أطلال مدينة ~~السويس 1967، القسم الرابع يمثل الهجوم الإسرائيلي على مدينة ~~القنيطرة السورية 1973. # عنوان: ~~«لن يكون هناك سلام .. وستستمر الحرب بيننا وبين العرب ~~حتى ولو وقعوا معنا معاهدة صلح.» # مناحم بيجين # حقل ممتد، حافة طريق زراعي، أسرة عربية تخطو في بطء، الأسرة ~~مكونة من نساء وأطفال ولا يوجد بينها رجال، الجميع يحملون ~~لفائف وأغراضا مختلفة، يتطلعون إلى الأفق في وجل. # صوت مذيع البرنامج الفلسطيني الذي يذاع منذ ثلاثين عاما: «... ~~يطمئن الأهل أنه بخير ويطلب منهم تطمينه، نحن بخير طمنونا ~~عنكم.» # عنوان: ~~«اليهودي عندما يذبح فلسطينيا أو عربيا يتخلص من ~~مخاوفه، ويصبح جديرا بحمل رمز الذكورة.» # مناحم بيجين # أشلاء أسرة عربية كانت تلعب الورق، طفل قتيل ما زال يمسك ~~بورقة لعب في يده، شظايا القذيفة التي سقطت عليهم تختلط ببقايا ~~الأجسام وبقع الدماء، ملابس داخلية لطفل معلقة على حبل، باب ~~الثلاجة مفتوح. # عنوان: ~~«إن قلوبكم أيها الإسرائيليون لا يجب أن تتألم وأنتم ~~تقتلون عدوكم، ولا ينبغي أن تأخذكم بهم شفقة طالما ~~أننا، بعد، لم نقض على ما يسمى بالحضارة العربية، ~~التي سوف نبني حضارتنا الخاصة على أنقاضها.» # مناحم بيجين # صورة تذكارية من مذبحة دير ياسين سنة 1948. في طرف الصورة ~~مجموعة من اليهود الأوروبيين كما يتضح من ملامحهم وملابسهم، ~~يتطلعون في بهجة ظاهرة إلى جندي من عصابات الأرجون زفاي ~~الصهيونية وهو يحمل فوق السلاح الأبيض لبندقيته رأسا عربيا يسيل ~~منه الدم، في الطرف الآخر من الصورة سيارة شحن عسكرية تقل ~~مجموعة من النساء العربيات العاريات المقيدات بالحبال. # عنوان: ~~«إني أومن بتفوقنا الخلقي والفكري بحيث ms059 يستخدم ~~نموذجا لإصلاح الجنس العربي.» # بن جوريون # جامعة بيروت العربية، قاعة جمال عبد الناصر الضخمة وقد غصت ~~بالحاضرين، في الصف الأول أمام المنصة جلس كمال جنبلاط وزعماء ~~الأحزاب الوطنية والتقدمية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية، ~~ياسر عرفات يتقدم من المنصة في نشاط، يستدير إلى الحاضرين بوجه ~~متهلل، الجميع يقفون ويصفقون طويلا. # عنوان: ~~«ياسر عرفات أو أبو عمار، زعيم منظمة «فتح»، كبرى ~~المنظمات التي تتكون منها منظمة التحرير الفلسطينية، ~~والأمين العام للمنظمة الأخيرة، والقائد العام لقوات ~~الثورة الفلسطينية، كما يلقب في النشرات الرسمية، ~~و«الختيار» أي العجوز كما يناديه أعوانه.» # ياسر عرفات في حديث إلى الصحفيين: «لا نطلب إلا أن يؤمن ~~ظهرنا، ولا يساوم بنا أو علينا.» # صورة تذكارية لفيروز وعاصي الرحباني في شهر العسل بالقاهرة، سنة ~~1955. # عنوان: ~~«طوال الحرب الأهلية، كان القتال يتوقف تماما في ~~الساعة السابعة من مساء كل يوم، ليستمع كل اللبنانيين إلى ~~برنامج زياد الرحباني، ابن فيروز، من الإذاعة ~~اللبنانية.» # صوت زياد: «بعدنا طيبين». # زياد بوجهه النحيف السقيم، يرتدي بيجامة مخططة، ويتحرك فوق ~~خشبة مسرح، فوق مدخل المسرح لافتة تعلن عن المسرحية التي ألفها ~~واشترك في تمثيلها: # فيلم أمريكي طويل # عنوان يملأ الشاشة: # ماذا حدث للبنان؟ # يظل العنوان ثابتا بينما تتتابع على جانبيه أسماء العاملين في ~~إنتاج الفيلم. ~~••• # رفعت أنطوانيت يدها عن طارة المافيولا، فتوقف العرض. خلعت ~~نظارتها، وأراحت ساعديها على سطح المائدة وهي تتطلع إلي ~~باسمة في الضوء الضعيف، ثم نهضت في حركة سريعة ومضت إلى مفتاح ~~النور فأدارته. # تطلعت إلى ساعتي فوجدتها تقارب الثامنة. قلت وأنا أتأمل ~~شريطي الفيلم اللذين تجمعا في أكوام متداخلة داخل صندوق من ~~القماش بجوار المافيولا: استغرقت منا المقدمة ساعتين ونصفا ~~تقريبا. بهذا المعدل يمكن أن أنتهي من تفريغ جميع اللقطات في ~~أقل من أسبوع. # عادت إلى مكانها بجواري وقالت: وأسبوع آخر لكتابة التعليق؟ أليس ~~كذلك؟ # قلت: تقريبا. # قالت: هل يزعجك هذا؟ # وابتسمت في خبث. # قلت: أبدا. # انهمكت في لف شريطي الفيلم وإعادة كل منهما إلى علبته ~~بينما أشعلت سيجارة. وعندما انتهت عاونتها في ms060 حمل العلب إلى ~~غرفتها. وتركتني لحظة ريثما أحضرت سترة صوفية وحقيبة ~~يدها. # سألتني وهي تخرج مفتاحا من الحقيبة: أين أنت ذاهب ~~الآن؟ # قلت: إلى المنزل. # قالت وهي تتقدمني إلى خارج الغرفة، وتغلق بابها بالمفتاح ~~وراءنا: وأنا أيضا. # سألتها: أين تسكنين؟ # قالت: في المنطقة الشرقية. # تطلعت إليها مبهوتا فضحكت قائلة: استغربت؟ ~~- يعني تعودين إلى هناك في المساء وتأتين في الصباح؟ # قالت ونحن نخرج إلى الشارع الذي حفل بالأضواء والمارة: لا ~~تنس أنها مدينة واحدة. أثناء الحرب كنت آتي أيضا إلى هنا كل ~~يوم. أترك أهلي في بلوزة وجيبة أو فستان، وبمجرد وصولي ألبس ~~الأوفرول العسكري وأحمل الكلاشينكوف. وبالليل أغير ملابسي قبل ~~أن أعود إلى أهلي. ~~- هل هم ...؟ ~~- أجل، موارنة متعصبون. ~~- أنت مثل زياد الرحباني إذن؟ ~~- زياد كان متمردا على أمه. ~~- وأنت؟ ~~- أنا متمردة على الوضع كله. # فتحت حقيبة يدها وأخرجت سيجارة. وحانت مني نظرة إلى محتوياتها ~~فلمحت فوهة مسدس صغير الحجم. # أشعلت لها سيجارة، وأشعلت واحدة لي. وتقدمنا من سيارة فولكس ~~فاجن قديمة. # سألتني فجأة: هل تعرف وديع من مدة؟ # قلت: كنا في المدرسة معا؟ # عادت تلح في السؤال: هل تعرفه جيدا؟ # حرت في الإجابة، وجذبت هي باب السيارة وهي تقول: اركب معي. ~~سأوصلك. # 9 # كان الطلق الناري قريبا للغاية ومفاجئا حتى أوشكت كأس الويسكي ~~أن تقع من يدي. وكنت جالسا في الصالة مع وديع نشاهد فيلما ~~فرنسيا في التليفزيون. # قال وديع دون أن يرفع عينيه عن التليفزيون: الطابق الأعلى في ~~الغالب. # وضعت كأسي على الطاولة وأنا أتساءل: ماذا تظن؟ # هز كتفه وأجاب: أي شيء. # نهضت واقفا ومضيت إلى الشرفة فجذبت بابها. وخطوت إلى ~~الخارج فلفح الهواء البارد وجهي. ووقفت أتأمل الشارع الهادئ ~~الغارق في الظلام. وألقيت نظرة على ساعتي فوجدتها تشير إلى ~~منتصف الليل. # شعرت بوديع خلفي وسمعته يقول بصوت خافت: أفضل شيء في هذه ~~الظروف ألا نفعل شيئا على الإطلاق. # استدرت عائدا إلى الداخل، فتبعني وهو يضيف: ليست هذه أول ~~مرة، ولن تكون الأخيرة. منذ شهرين فقط دق ثلاثة ms061 من المسلحين باب ~~المسكن الذي يجاورني مباشرة. وعندما فتحه شاغله أطلقوا عليه ~~الرصاص. كان من الشيوعيين العراقيين. # أشعلت سيجارة وسألت: وهم؟ # قال: مخابرات عراقية. ~~- قتلوه وانصرفوا هكذا؟ ~~- كان القتيل في حماية أبو عمار؛ فقد تجنبه الشيوعيون ~~اللبنانيون حرصا على علاقتهم بصدام حسين. وعندما علم أبو عمار ~~بالحادث أصدر أمره إلى جهاز أمن «فتح»، فقام باعتقال عشرات من ~~عملاء البعث العراقي، ثم سوي الأمر فيما بعد بين جميع الأطراف ~~كالعادة. # تعالى صوت سيارة مسرعة في الطريق، وتوقف الصوت أمام منزلنا. ~~وارتفع صوت حوار بين عدة أشخاص. تباعد صوت المتحاورين ثم تردد ~~خافتا بعد قليل وانقطع. ودوى طرق على الأبواب في الطابق الذي ~~تحتنا، ثم ساد الصمت. # كان وديع قد خفض من صوت التليفزيون، فأوشكت أن أعيده إلى ما ~~كان عليه عندما اقترب وقع خطوات ثقيلة من باب المسكن ودق ~~الجرس. # شحب وجه وديع ثم قام وخطا نحو الباب وصاح: مين؟ # جاءنا صوت أبو شاكر: أنا يا أستاذ وديع. في إخوان من جماعة ال ~~17. # همس لي وديع: أمن «فتح». # أدار وديع مفتاح الباب، وجذب مصراعه في تردد كاشفا عن حارس ~~البناية وفي رفقته شابان مسلحان برشاشات الكلاشينكوف. كان ~~أحدهما متوسط الطول في العشرينات تبدو عليه علامات الارتباك، بعكس ~~زميله الذي كان يكبره في السن، وينم مظهره عن خبرة ونفوذ ~~واضحين. # تساءل الأخير في دماثة عن صاحب المسكن، فقدم وديع نفسه. ~~وأخرجت جواز سفري. سأل وهو ينقل البصر بين وجهينا: سمعتما ~~الرصاص؟ # قال وديع: سمعنا رصاصة واحدة ونحن جالسون هنا. ~~- ولم تعرفا من أين انطلقت؟ # هز وديع رأسه نفيا فطلب الشاب أن يلقي نظرة على السكن. تنحى ~~وديع عن الباب وصحبناه إلى غرفتي فألقى نظرة على محتوياتها دون أن ~~يمس شيئا، ثم انتقلنا إلى غرفة وديع. # كان المسدس ما زال في مكانه فوق الكومودينو المجاور للفراش. ~~لمحه الشاب فالتقطه وقرب فوهته من أنفه ثم حمله في يده ~~إلى الصالة. وأخرج دفترا صغيرا من جيبه فدون به علامات ~~المسدس وتركه على الطاولة، ثم انتزع ms062 ورقة بيضاء من دفتره، ~~وسجل عليها عدة أرقام وناولها لوديع قائلا: أرجو أن تتصل بأحد ~~هذه الأرقام إذا عرفت شيئا. # تناول وديع الورقة وهو يقول: أنا أعرف الرقم. سأفعل. # أعرب الشابان عن أسفهما لإزعاجنا، وغادرا المسكن فانضما إلى ~~أبي شاكر الذي سبقهما إلى باب المسكن المجاور. # أغلق وديع الباب بينما كنت أملأ لنفسي كأسا من الويسكي. # قال وهو يرتمي في أحد المقاعد: املأ لي واحدة أنا الآخر. # ملأت له كأسه، وناولتها له فرفعها إلى شفتيه ثم أعادها إلى ~~الطاولة وهو يقول: تذكرت. لقد قابلت هذا المسلح قبل الآن. ~~كان وقتها في الجبهة الشعبية. # تساءلت: ولماذا تركها إلى «فتح»؟ # هز كتفيه قائلا: من يعلم؟ ربما تشاجر مع رؤسائه، أو اختلف ~~معهم فكريا، أو ارتكب خطأ ما وأرادوا معاقبته. وقد يكون الراتب ~~هو السبب؛ ففتح تدفع أكثر لمقاتليها. # مددت يدي إلى المسدس فتناولته وقلبته في حذر قائلا: هل ~~تعرف أن هذه هي أول مرة في حياتي أمسك بمسدس حقيقي؟ لكني ~~تدربت جيدا على البنادق الروسية أيام العدوان الثلاثي. كان ~~يدربنا جندي عجوز. وكان يتعمد أن يتشدد معنا بسبب آرائنا. ~~وعندما دخلنا السجن نقل إليه، صدفة على ما أعتقد. وكان يستمتع ~~بالإشراف على تعذيبنا، ثم يجمعنا أمامه ويأمرنا بأن نجلس القرفصاء ~~ونهتف بحياة جمال عبد الناصر، كأنما الهتاف لعبد الناصر يتطلب كل ~~هذا العناء. # أعدت المسدس إلى مكانه. وحانت مني نظرة إلى جهاز التليفزيون، ~~فرأيت أن الفيلم انتهى، وأن المذيع يقرأ نشرة الأخبار الأخيرة، ~~فرفعت درجة صوته. # كان الموقف في بيروت هادئا، وعلى العكس من ذلك كان الوضع في ~~الخليج؛ فقد استأنفت القوات العراقية والإيرانية تدمير المنشآت ~~البترولية في البلدين. وبلغ عدد لاجئي الحرب من الطرفين أكثر من ~~مليون لاجئ. # كان النبأ الأخير من مصر، ومؤداه أن إحدى طائرات النقل ~~الأمريكية، تحطمت في الساعات الأولى من الصباح، أثناء هبوطها في ~~قاعدة غرب القاهرة الجوية، ضمن تدريبات قوات الانتشار السريع. ولقي ~~13 عسكريا أمريكيا مصرعهم. # شعرت بشيء من النشوة، فملأت لنفسي كأسا جديدة. # قال ms063 وديع وهو يرتشف من كأسه ببطء: أنت تشرب كثيرا. # أغلقت التليفزيون وقلت: لأتمكن من النوم. ~~- أعطيك قرص فاليوم. ~~- إنه يجعلني كالمسطول في الصباح. وأنت تعرف أني محتاج لكل ذرة ~~انتباه أثناء تسجيل اللقطات. # علت شفتيه ابتسامة ماكرة وقال: أراك صرت متحمسا للفيلم. ~~على العموم أنطوانيت فتاة هائلة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أقصد أنها غير معقدة، تذهب إلى الفراش بسرعة. # أشعلت سيجارة، واقتربت من رف الكتب وأنا أقول: هذا عكس ما ~~أريده تماما؛ فأنا أذهب إلى الفراش ببطء. # قلبت بين الكتب القليلة، والتقطت كتابا قديما لكولن ~~ويلسون. # قال: اقرأه، إنه يزعم أن إطالة مدة القذف ستحقق السعادة ~~الأبدية للبشر. # أعدت الكتاب إلى مكانه وتناولت غيره قائلا: هذه ليست ~~مشكلتي. ~~- ما هي مشكلتك إذن؟ # سألته: ماذا تشعر أثناء القذف؟ # قال: أحيانا أجأر من اللذة. # قلت: يا بختك! # تناولت مفكرتي وعلبة سجائري من فوق الطاولة وأنا أقول: سأحاول ~~النوم. تصبح على خير. # مضيت إلى غرفتي، فخلعت ملابسي واستلقيت على الفراش. ثبت ~~عيني على السقف وفكرت في زوجتي السابقة، ثم في أول فتاة ~~أحببتها، أو بمعنى أصح أحببناها؛ فقد كنت أنا ووديع، واثنان ~~آخران من أصدقائنا نحبها في وقت واحد. كان ذلك في الجامعة، في ~~بداية الخمسينيات، عندما كان الأغنياء والفرسان هم وحدهم الذين ~~يستطيعون كسر الحواجز الخفية القائمة بين الجنسين. كنا نحيط بها ~~طول الوقت ونتمشى معها ساعات طويلة. وعندما تنخفض درجة الحرارة، ~~كنا نلعب لعبة تدفئة الأيدي، فتضع يدها اليمنى في جيبي الأيسر، ~~ويدها اليسرى في جيب وديع الأيمن. # تذكرت أيضا أول مرة استمنيت فيها، والمرة التي شربنا فيها ~~أنا ووديع زجاجة نبيذ، واستمنى كل منا أمام الآخر. وتذكرت أول ~~فتاة نمت معها. وكنت أنا ووديع وثالث من مجموعة تدفئة الأيدي، ~~قد نجحنا في ادخار جنيهين، فالتقطناها من مكان مظلم على شاطئ ~~النيل، هو نفسه الذي يقوم عليه الآن قصر أنور السادات وفندق ~~الشيراتون. وذهبنا بها عند أحد أصدقائنا. وعندما جاء دوري وجدتها ~~غارقة في نوم عميق. وأيقظتها ثم لم أدر ماذا أفعل، فأرقدتني ms064 ~~على ظهري وركبتني. ولم يستغرق الأمر غير ثوان، ولم أشعر خلالها ~~بشيء سوى أني أحدثت قدرا كبيرا من البلل. وعندما غادرت الغرفة ~~كانت قد استأنفت النوم وعاد شخيرها يتردد في انتظام. # 10 # لم تذكر صحف الصباح شيئا عن حادث الطلق الناري. وبينما كنا ~~نتناول إفطارنا، دق أبو شاكر الباب ليبلغنا أن الرصاصة انطلقت ~~على سبيل الخطأ أثناء تنظيف مسدس بأحد مساكن الطابق ~~الأخير. # عكفت على تنظيف بزتي الزرقاء الداكنة بالفرشاة، ثم كويت ~~القميص الذي غسلته بالأمس. ودعكت حذائي بقطعة من القماش وجدتها ~~في المطبخ. وأخيرا علقت حقيبتي في كتفي، وانطلقت خلف ~~وديع. # أقلتنا سيارة أجرة إلى منطقة «عين المريسة» القريبة من نقاط ~~التماس مع المنطقة الشرقية. وطلب وديع من السائق التوقف أمام ~~مبنى حديث تبدو آثار الحريق في مدخله، فغادرت السيارة التي ~~كرت عائدة بوديع إلى مكتبه. # كانت آثار الحريق تمتد إلى متجر لبيع السجاير والحلوى، تتصاعد ~~منه رائحة البن المنعشة، وتتصدر مدخله مجموعة من الأواني ~~الزجاجية الكروية الشكل والمتماثلة الحجم، تضم أنواع البندق ~~واللوز المقشور، والفستق الحلبي الشهير. # اعترضني شابان مسلحان في مدخل المبنى، أصرا على تفتيش ~~حقيبة يدي، والاتصال من تليفون أمامهما بمكتب لميا قبل أن يسمحا ~~لي بالصعود. # ارتقيت درجات قليلة إلى كشك المصعد. ولم يكن موجودا ففضلت ~~أن أواصل صعود الدرج الذي ظهرت آثار الانفجار على جدرانه. ~~وعندما بلغت الطابق الثاني، رأيت لافتة «دار الثقافة» فوق باب ~~مفتوح، انتصب أمامه حامل معدني. وكان هناك عامل فوق قمة الحامل، ~~عكف على إضافة طبقات من خليط إسمنتي إلى السقف. # كان هناك عامل آخر بالداخل يطلي الجدران، يراقبه رجل طويل ~~القامة بصورة غير مألوفة، يتدلى مسدس من خاصرته. ولم يسمح لي ~~بالمرور إلا بعد أن اطلع على جواز سفري وتولى تفتيشي، ثم ~~أسلمني إلى سكرتيرة ممتلئة الجسم ضاحكة الوجه، أرشدتني إلى غرفة ~~في أقصى ممر على يمين المدخل. # طرقت الباب ودخلت، فطالعتني عينا لميا الواسعتان. كانت تجلس ~~خلف مكتب معدني في صدر غرفة رحبة. نهضت باسمة، ودارت حول مكتبها ms065 ~~ثم مدت يدها لي فتصافحنا. واحتفظت بيدي في يد رخصة، وهي ~~تقودني إلى كنبتين صغيرتين متعامدتين في ركن الغرفة، استقرت ~~بينهما طاولة زجاجية صغيرة، فجلس كل منا على واحدة. # كانت ترتدي رداء أخضر اللون، يتألف من بلوزة ذات كمين ~~قصيرين، وجوب على شكل البنطلون القصير. وملأت عيني من بشرتها ~~الموردة وشفتيها الممتلئتين الناعمتين. # خاطبتني في صوت رقيق: كيفك أستاذ؟ # قلت: منيح. # قالت: نحن نحب اللهجة المصرية ونفهمها بسهولة، فلا تتعب نفسك ~~في تقليد لهجتنا. # قلت وأنا أستخرج من حقيبتي المظروف الذي يضم نسخة من مخطوطة ~~كتابي: ماذا أفعل إذا كنت قد أحببت اللهجة اللبنانية؟ # تناولت مني المظروف بأصابع مستقيمة ذات أظفار طويلة مصبوغة ~~بلون بشرتها ووضعته على الطاولة قائلة: ماذا تشرب؟ قهوة أم ~~شيئا باردا؟ ~~- قهوة. ~~- مرة أم على الطريقة المصرية؟ # قلت وعيناي على شفتيها: كما ستشربينها أنت. # نهضت واقفة في حركة رشيقة. ومضت إلى مكتبها فانحنت فوقه ~~معطية ظهرها لي. ضغطت زر جهاز ديكتافون، وتحدثت فيه ~~بصوت شبه هامس. # لم أرفع عيني عن ردفيها المشدودين المتناسقين. والتقت ~~عيوننا عندما استدارت فجأة وخطت عائدة إلى الكنبة، ولمحت في ~~عينيها ظل ابتسامة خفيفة. # انضمت إلي على الكنبة الملاصقة، ووضعت ساقا على ساق وهي ~~تقول: حكى معي عدنان مرة أخرى اليوم. وهو يعتذر إليك بشدة عما ~~سببناه لك من إزعاج. وقد فوضني التصرف في أمر ~~كتابك. ~~- أصبح مصيري بين يديك. # ضحكت وقالت: ليس إلى هذه الدرجة. # قلت: هل تعرفين أنني رأيتك منذ أيام؟ ~~- أين؟ ~~- نسيت اسم المكان، مقهى قرب الجامعة الأمريكية. كانت معك ~~سيدة في فستان أسود. ~~- آه .. هذه صديقتي. # أحضرت السكرتيرة القهوة في صينية صغيرة من الفضة ثم انصرفت. ~~ورفعت فنجاني إلى شفتي وابتلعت رشفة من القهوة المرة، بينما ~~كانت عيناي تجريان على ساقي لميا حتى قدميها المتناسقتين، ~~وأظفارها الطويلة، الممتلئة. # لحظت اتجاه نظراتي، فحولت عينيها إلى قدميها. وفي هذه ~~اللحظة دق جرس التليفون، فنهضت من جديد. وسارت إلى مكتبها ثم ~~دارت حوله بحيث واجهتني. رفعت سماعة التليفون إلى أذنها وأنصتت ms066 ~~لحظة ثم ضغطت زرا في الجهاز. وقالت بنفس الصوت الهامس: ~~هالو. # رأيتها تقطب حاجبها قليلا وهي تنصت دون أن تنبس بشيء، ثم ~~غمغمت بكلمة لم أتبينها، وأعادت السماعة إلى مكانها في ~~بطء. # تشاغلت بالنظر إلى خزانة زجاجية احتوت على نسخ من منشورات ~~الدار في مجلدات فاخرة . وخاطبتني من خلف مكتبها وهي تومئ إلى ~~جهاز التليفون: هذه كانت صديقتي التي تحدثنا عنها. للأسف أنا ~~مضطرة للانصراف الآن. تحب أوصلك إلى أي مكان؟ # قلت: أنا ذاهب إلى الفاكهاني. # مالت على الديكتافون وضغطت زره ثم همست فيه بكلمتين. ~~وجذبت حقيبة يد صغيرة من فوق المكتب ونهضت واقفة. # وضعت فنجاني في الصينية، وتناولت حقيبتي وأنا أنهض بدوري، ~~وتبعتها إلى الخارج. # كانت السكرتيرة تنتظرنا وبجوارها الشاب الطويل الذي تقدمنا ~~إلى الخارج بنشاط. خطوت نحو المصعد، لكن لميا مدت يدها ولمست ~~ذراعي قائلة: ننزل الدرج أحسن. تعليمات الأمن. ~~- لماذا؟ ~~- المصعد يمكن أن يكون ملغما وينفجر. # نزل الشاب أمامنا على الدرج، ومالت لميا برأسها ناحيتي فلفح ~~عطرها أنفاسي. # قالت هامسة وهي تومئ إليه بعينيها: تعليمات الأمن أيضا ألا ~~أذهب إلى أي مكان دون حارس. # سبقنا المرافق إلى سيارة شيفرولية حديثة الطراز، احتل مقعد ~~قيادتها سائق في بزة ذات صفين من الزراير النحاسية اللامعة، ~~فجذب بابها الخلفي إلى الخارج، وانتظر حتى صعدت لميا، فأغلقه ~~ودار حول السيارة وأنا أسير في أعقابه. وفتح لي الباب الآخر، وبعد ~~أن أغلقه خلفي، أكمل دورته حول السيارة واحتل المقعد المجاور ~~للسائق. # قلت والسيارة تنطلق من أمام السفارة الأمريكية وتتجه إلى ~~الحمرا: يمكنك أن تقرئي المخطوطة على مهل؛ فسأبقى في بيروت عشرة ~~أيام أخرى على الأقل. # قالت مقلدة اللهجة المصرية: كويس قوي. وسأتصل بك بمجرد أن ~~أنتهي منها. # اخترقت السيارة شوارع ضيقة مزدحمة بالمارة، ثم توقفت ~~أمام مؤسسة الإعلام الفلسطيني. غادرت السيارة وسرت حتى المبنى ~~الذي يضم مكتب أنطوانيت. وبعد الإجراءات الأمنية المعتادة صعدت ~~إلى مكتبها. ووجدتها تنتظرني في غرفة المونتاج وقد انتهت من تثبيت ~~شريطي الفيلم. أخرجت أوراقي وقلمي، وبدأنا العمل على ms067 ~~الفور. # الفصل الأول من الفيلم # تشكيلات من طائرات حربية تحمل نجمة داود على جوانبها، ~~الطائرات في طلعات متلاحقة فوق منازل متواضعة وحقول ممتدة، ~~القنابل تنفجر وسط الحقول، المنازل تتهاوى. # عنوان: ~~«مع الساعات الأولى من عام 1975، ارتفعت حدة ~~الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني.» # دائرة حول فقرة من جريدة معاريف الإسرائيلية بتاريخ 31 يناير ~~(كانون الثاني) 1975، مردخاي جور رئيس الأركان الإسرائيلي، ~~يعلن: «يجب خلق وضع جغرافي سياسي جديد في ~~المنطقة.» # بلدة شتورة اللبنانية السياحية الجميلة، الثلوج تغطي ~~الشوارع وقمم المنازل الأنيقة، موكب الرئيس السوري حافظ الأسد ~~يخترق شوارع البلدة، الرئيس اللبناني سليمان فرنجية يهبط درج ~~قصره، ويتقدم لاستقبال الرئيس السوري. # متحدث رسمي يقرأ على الصحفيين بيانا عن اجتماع الرئيسين، ~~البيان يؤكد استعداد سوريا لدعم لبنان في مواجهة الاعتداءات ~~الإسرائيلية. # عنوان: ~~«وفي نفس الوقت ... # كميل شمعون يقف أمام مائدة مستطيلة التف حولها الجالسون ~~والواقفون، يرفع كأسا إلى شفتيه ليشرب نخب شركة ~~«بروتين».» # عنوان: ~~«تأسست شركة «بروتين» برساميل لبنانية وخليجية، ~~وقرض من شاه إيران، ومعونة تكنولوجية من عدة شركات ~~أجنبية. واختار المؤسسون شمعون رئيسا للشركة، فحصل ~~لها من حكومة صائب سلام على امتياز احتكار الصيد على ~~الشواطئ اللبنانية لمدة 99 سنة.» # مظاهرات احتجاج من صائدي الأسماك والأحزاب الوطنية ~~والتقدمية، لافتات تحمل شعارات متعددة بينها: «السمك ~~الكبير يأكل السمك الصغير»، «أبناؤنا الجنود للدفاع عن ~~الجنوب». # بلدة صيدا، مظاهرة حاشدة ترفع على الأعناق النائب الناصري ~~«معروف سعد»، الجيش يطلق النار على المظاهرة. # عنوان صحيفة لبنانية: «إصابة معروف سعد بطلق ناري». # بيروت، عدة آلاف من الطلبة والطالبات الموارنة في مظاهرة ~~تأييد للجيش، لافتات تطالب بسحب الأسلحة من ~~الفلسطينيين. # عنوان صحيفة لبنانية: مصرع معروف سعد. # مظاهرة هائلة ترفع صورة مجللة بالسواد لمعروف ~~سعد. # مقر وزارة الدفاع في بيروت، ممر هادئ طويل على جانبيه ~~أبواب مغلقة، ضابط كبير يبرز من إحدى الغرف ويصفق الباب ~~خلفه بشدة. # عنوان: ~~«رفض الجيش أن يسلم للمحاكمة الجندي الذي قتل ~~معروف سعد، وضابط المخابرات الذي أعطاه الأمر ~~بذلك.» # زعماء الأحزاب الوطنية واليسارية حول مائدة ms068 مستديرة، ~~يتوسطهم كمال جنبلاط، الصحفيون يسجلون بيان جنبلاط: «... إن ~~أهداف اغتيال معروف سعد هي إرهاب الحركة الشعبية والتحضير ~~لفتنة طائفية وجر المقاومة الفلسطينية إلى صراع داخلي ~~لبناني.» # طائرات إسرائيلية تسقط قنابلها على الجنوب ~~اللبناني. # تل أبيب، سيارة أمريكية فاخرة تقل شربل قسيس، زعيم ~~الرهبانيات المارونية اللبنانية، في ردائه الكهنوتي الأسود، ~~صليب ذهبي يتدلى من رقبته. # عنوان: ~~«وصل الأباتي شربل قسيس إلى إسرائيل في 5 أبريل ~~(نيسان).» # شربل قسيس يلوح بيد ازدانت بالخواتم الماسية والمجوهرات، ~~لقطة مكبرة لوجهه السمين وشفتيه الممتلئتين. يقول: «ماذا ~~يظن المسلمون أنفسهم؟ هل بعولهم أكثر فحولة من رجالنا؟ إن ~~لدينا في الجبل رجالا يمكن للواحد منهم أن ينجب عشرة ~~وعشرين.» # بيروت، مبنى المجلس الشيعي الأعلى في منطقة الحازمية، القلعة ~~المارونية في العاصمة اللبنانية، مدخل المبنى الأنيق، عشرون ~~ألف شيعي تجمعوا حول المبنى. # عنوان: ~~«في الأسبوع الأول من شهر أبريل (نيسان)، انتخب ~~المجلس الشيعي الأعلى الإمام موسى الصدر رئيسا مدى ~~الحياة.» # سيارة أتوبيس متوسطة الحجم، خالية من الركاب، آثار طلقات ~~الرصاص على جدرانها ونوافذها. # عنوان: ~~«بعد ظهر الأحد 13 أبريل (نيسان) 1975، كان هذا ~~الأتوبيس في طريق العودة من احتفال بذكرى ضحايا مذبحة ~~دير ياسين. وكان الأتوبيس يقل عددا من سكان مخيم ~~«تل الزعتر» من لبنانيين وفلسطينيين. وعند وصوله إلى ~~منطقة عين الرمانة، أطلقت عليه ميليشيا الكتائب ~~النار، فأردت 26 من ركابه - أغلبهم من الأطفال - ~~وأصابت 29 آخرين بجروح.» # جثث مغطاة بالأعلام الفلسطينية. # شارع الجميل، سيارة فولكس فاجن يقودها شاب، السيارة ~~تبلغ كنيسة سيدة الخلاص، أعيرة نارية تنطلق من داخل الكنيسة ~~على السيارة. # شارع مار مارون، سيارة فيات مسرعة تقل عددا من المسلحين ~~يلفون رءوسهم ب «الحطة» المزركشة، التي يرتديها عادة ~~الفلسطينيون وسكان الجنوب اللبناني، عدد من المسلحين ~~يحاولون إيقاف السيارة، لكنها تمر منهم عنوة، يتبادل ركاب ~~السيارة إطلاق النار مع المسلحين، يسقط أحد المسلحين على ~~الأرض، كما يصاب أحد ركاب السيارة. # سطح إحدى البنايات العالية، ثلاثة شبان خلف مدافع رشاشة ~~فوق حوامل، تستند إلى حافة السطح، بالقرب من ms069 الشبان إبريق ماء ~~وصفيحة، أحد الشبان يرتدي حذاء ذا كعبين من طراز قاع الكوب، ~~الشاب الثاني يرتدي سترة جلدية، الثالث لف حول ساقي ~~بنطلونه حزاما عسكريا. # لقطة بعيدة من خلال ~~منظار الرؤية لمدفع رشاش، المنظار يتحرك بحثا عن هدف، خطأ ~~تحديد الهدف، المتعامدان على شكل صليب يلاحقان جسما متحركا، ~~يقترب الجسم بالتدريج من نقطة التقاء خطي الرؤية، فيكشف عن ~~رجل متوسط العمر يغذ السير، المنظار يبتعد عن الرجل قليلا ~~ويستقر عند نقطة خلف قدميه، رصاصة تنطلق، المنظار يعود إلى ~~الرجل، يتابعه وهو يجري. رصاصة أخرى تنطلق على مبعدة قدم ~~أمامه، الرجل ينبطح أرضا، يزحف في رعب، ينهض فجأة واقفا ~~ويواصل الجري، المنظار يركز على يد الرجل، رصاصة تصيبها ~~وتحدث بها جرحا، الرجل يضع يده الأخرى على اليد المصابة ~~ويواصل الجري، المنظار يهتز في حركة شبه راقصة بحثا عن هدف ~~جديد، رصاصة تصيب الرجل في ساقه، يقع على الأرض، المنظار ~~يستقر على بطنه، رصاصة تصيب الرجل في بطنه. # أكياس الرمال على جوانب شوارع خالية، متجر تعلوه لافتة ~~«قطع مرسيدس أصلية، وكلاء فبارك وموزعون»، سيارة محطمة ~~أمام حانوت مغلق. # رصيف محطة بنزين مدمرة، لافتات صغيرة على الجدران لم ~~يتبق منها غير كلمة واحدة هي «سوبر»، شاب منكوش الشعر في ~~قميص وبنطلون ملقى على جانبه فوق الأرض. يزحف والدماء تسيل ~~منه. # القباب الداخلية المحترقة لمسجد المجيدية في ميناء الخشب، ~~جثة محترقة تظهر بها آثار الحبال التي كانت ~~تقيدها. # لوحة زيتية كبيرة الحجم للسيدة العذراء تحمل السيد المسيح ~~فوق ساقيها بعد صلبه وقد استقرت الأسهم في قلبها. آثار ~~الأعيرة النارية واضحة في أنحاء اللوحة. # العنوان الرئيسي لصحيفة النهار: «اتفاق على وقف إطلاق النار ~~وسحب المسلحين وإزالة المتاريس». # دائرة حول فقرة من مقال لبيار الجميل في صحيفة حزب ~~الكتائب: «لبنان أجمل بلد في العالم، وأفضل دولة في الشرق. ~~وللأسف فإن هذا الوضع بدأ يتشوه منذ أربع أو خمس سنوات عندما ~~بدأ سيل من الغرباء المجهولي الهوية والانتماء يتسلل إلى ~~لبنان.» # دائرة حول فقرة من مقال ms070 بجريدة «الثورة» السورية: «الثورة ~~الفلسطينية لا تقف وحدها في مواجهة أعدائها، والقيادة ~~الموحدة بين سوريا والمقاومة هي الرد.» # أمام مبنى مجلس النواب اللبناني، مصفحة تحمل لافتة «الأمن ~~الداخلي اللبناني»، عدد من الضباط، سيارة مرسيدس تحمل علما، ~~داخل المجلس، النواب مجتمعون، رئيس الوزراء، رشيد الصلح، ~~يتكلم: «من الواضح أن حزب الكتائب يتحمل المسئولية الكاملة ~~عن المجزرة، وعن المضاعفات التي أعقبتها، والضحايا والأضرار ~~المادية والمعنوية التي لحقت بالبلاد نتيجة لها.» # النائب أمين الجميل يجري خلف رئيس الوزراء ويجذبه من ~~ذراعه محاولا الاعتداء عليه. # واشنطون، هنري كيسينجر في مكتبه بالطابق السابع لمبنى وزارة ~~الخارجية الأمريكية يتحدث لصحفي أمريكي: «الوضع في لبنان ~~يشبه ما كان عليه في الأردن سنة 1970. كل ما يحتاج لمعالجته ~~هو أن ترسل سوريا لواء من قواتها.» # قاعة واسعة يتصدرها مفتي الجمهورية السني الشيخ حسن ~~خالد، على رأسه عمامة بيضاء، إلى يمينه يجلس وزير الخارجية ~~السوري عبد الحليم خدام، إلى يساره إمام الشيعة في عباءته ~~السوداء، ثم رئيس أركان الجيش السوري، ثم كمال جنبلاط الذي عقد ~~ذراعيه فوق صدره، وأغمض عينيه، إلى يسار الإمام الصدر زعيم ~~سنة طرابلس رشيد كرامي، وإلى جواره صائب سلام زعيم سنة ~~بيروت العجوز، ذو السيجار الهافاني. # دائرة حول خبر في صحيفة لبنانية: اعتمدت المملكة السعودية ~~أربعين مليون ليرة باسم صائب سلام لمحاربة الالحاد ~~والشيوعية. # عنوان رئيسي لصحيفة أخرى: حكومة جديدة برئاسة رشيد كرامي ~~وعضوية كميل شمعون للداخلية. # عنوان رئيسي في صحيفة أخرى: عدوان إسرائيلي على مخيمات ~~الجنوب، مصرع 11 وتهدم 60 منزلا في الرشيدية. # بيروت، منطقة المسلخ-الكارنتينا، عشش متلاصقة من الصفيح ~~(التنك)، أعلام فلسطينية ولبنانية، لقطة أخرى لنفس المكان ~~وقد تحول إلى دمار، مجموعة من القذائف التي سقطت عليه، ~~إحدى القذائف في حجم وارتفاع قامة صبي يافع، قذيفة أخرى ~~تحمل رمز المملكة السعودية الذي يتألف من سيفين متقاطعين ~~حول عبارة «لا إله إلا الله»، وجه عجوز مذهولة يتطلع من بين ~~الخرائب، طفلة حافية في رداء مزركش تحمل رضيعا فوق ~~ساعديها، وتجلس إلى جوار جدار متهدم، سيدة ms071 متوسطة العمر ~~تغطي رأسها بلفاعة بيضاء شفافة عقدتها حول عنقها ~~وأرسلت طرفا منها فوق صدرها، تبكي ويدها على خدها، إلى ~~جوارها فتاة تشبهها تبكي بدورها، أسرة تجري في الشارع وقد ~~حمل الأب لفافة على ظهره وأمسك بطفل في كل يد، طفل ثالث ~~يتقدمهم، عدد من الشبان بينهم من تلفع ب «الحطة» ~~المزركشة، يبتسمون للكاميرا وهم يرفعون أصابعهم بعلامة النصر، ~~إلى جوارهم جثث مغطاة بالأعلام الفلسطينية. # العنوان الرئيسي لصحيفة «السفير»: «الإمام الصدر يعلن ولادة ~~أفواج المقاومة اللبنانية «أمل» للدفاع عن الجنوب، الإمام ~~يحدد التزامه بتحقيق مطالب المحرومين من كل الطوائف، وإنهاء ~~التمييز الطائفي، والدفاع عن الثورة الفلسطينية.» # شاب يحمل مدفعا رشاشا فوق سطح منزل، يرتدي فانلة ~~بيضاء نقشت عليها كلمة «أمل» بالحروف اللاتينية. # لقطة طويلة لأحد الشوارع، برميلا بترول في عرض الطريق وإلى ~~جوارهما عدد من المسلحين، المارة قليلون، المسلحون ~~يستوقفونهم ويتفحصون هوياتهم، يحتجزون البعض ويطلقون ~~سراح الآخرين، يعصبون أعين المحتجزين. # أمام فرن محلة أبو شاكر، كتلة من الأحذية والشباشب المستعملة ~~تناثرت قرب الجدار، قرب الخط الأخضر، حفرة واسعة أصبحت ~~تستخدم جبانة للمسلمين، كوم من الجثث الملقاة حديثا، ~~الأعضاء التناسلية للرجال مقطوعة وتبرز من أفواههم. # عنوان: ~~«في مايو/آيار، قامت جماعة متطرفة من الشيعة ~~تسمي نفسها «فرسان علي» بقتل خمسين شخصا، بينهم ~~عدد من اليساريين.» # شبان يجرون وقد حملوا على أكتافهم لفائف كبيرة من ~~الخبز، ناصية شارع، سيدة في جوب قصيرة تجري في اتجاه سيارة ~~احتمى خلفها أحد المسلحين. # الصفحة الأولى من جريدة لبنانية، عنوان رئيسي: «قائد ~~كتائبي يعترف»، عنوان آخر: «سعيد نعيم الأسمر يقر بأنه عمل ~~قناصا في منطقة الشياح، ويقول إن مسلحي الكتائب بقيادة ~~جوزيف أبو عاصي هم الذين قاموا بمذبحة عين الرمانة»، عنوان ~~ثالث: «الأسمر يتهم عناصر رسمية من المكتب الثاني وأخرى من ~~المخابرات الأردنية بأنها تساعد الكتائب في عملياتها ~~العسكرية». # عنوان في صحيفة «النهار»: «قصف مدفعي إسرائيلي على ~~الجنوب». # عنوان في صحيفة «السفير»: «واشنطون تكشف النقاب عن صفقة ~~سلاح أمريكية أرسلت إلى لبنان أخيرا عن طريق السفارة ~~الأمريكية ms072 ببيروت». # عنوان آخر لنفس الصحيفة: «الإنتربول تحذر من وصول سبعة ~~إرهابيين أوروبيين من عملاء الصهيونية إلى بيروت». # بلدة بتغرين، شعارات على جدران المنازل: «كل الحمير تدعم ~~الثورة الفلسطينية»، شعار آخر: «تسقط فلسطين». # قصف إسرائيلي لمدينة صور من البر والبحر والجو. # عنوان صحيفة: «كيسينجر يتجه إلى مصر في جولته المكوكية ~~الحادية عشرة». # عناوين صحف: «توقيع اتفاقية سيناء بين مصر وإسرائيل في أول ~~سبتمبر (أيلول)»، «وكالة الأنباء الفرنسية تقول إن واشنطون هي ~~الفائز الأكبر في هذه الصفقة»، «ياسر عرفات يحذر: الاتفاقية ~~تترك السوريين والفلسطينيين يقفون وحدهم وتؤدي إلى حرب ~~أخرى، تخطئ إسرائيل وأمريكا واهمة إذا اعتقدتا أن الجيش ~~المصري سيقف مكتوف الأيدي إذا تعرضت الثورة الفلسطينية ~~للتصفية»، «الاتحاد السوفيتي يطلب رسميا من الولايات المتحدة ~~دعوة مؤتمر جنيف للانعقاد باشتراك منظمة التحرير ~~الفلسطينية». # الصفحة الأولى من مجلة «الكرازة» الصادرة عن الكنيسة القبطية ~~المصرية، صورة الأنبا صموئيل، مسئول العلاقات الخارجية للكنيسة ~~المصرية، في لقاء مع أعضاء مجلس الكنائس العالمي. # عنوان: ~~«فضحت تحقيقات الكونجرس الأمريكي، علاقة مجلس ~~الكنائس العالمي، الذي اشترك جون فوستر دالاس في ~~تأسيسه، بالمخابرات المركزية الأمريكية.» # فقرة عن مقال بمجلة ألمانية غربية عن الكنيسة المصرية، ~~صورة الأنبا صموئيل وتحتها هذه الكلمات: «قام الأنبا صموئيل، ~~وهو أحد أبرز قيادات الكنيسة القبطية، بدور هام في مساعدة ~~أبناء العائلات القبطية الغنية التي أضيرت بقرارات المصادرة ~~والتأميم الناصرية، مستغلا علاقاته الدولية الواسعة، وخاصة ~~في ألمانيا الغربية، فحصل للكثيرين منهم على مراكز مرموقة في ~~المؤسسات المصرفية والتجارية الأجنبية التي فتحت لها ~~سياسة السادات الأبواب.» # بيروت، الصحفيون يحيطون برشيد كرامي، رئيس الوزراء اللبناني ~~باسم الوجه في بزة بيضاء ورباط عنق ملون، يقول للصحفيين: ~~«الرئيس فرنجية زعيم عظيم، وأنا واثق أن آخر سنوات عهده ~~سيسجلها التاريخ.» # عنوان صحيفة لبنانية: «مسلحون من موارنة زغرتا، معقل ~~الرئيس فرنجية، يحتجزون 25 رهينة من مدينة طرابلس، معقل رئيس ~~الوزراء رشيد كرامي، ويقتلون 12 منهم». # عنوان صحيفة أخرى: «انفجار القتال في ثلاثة أماكن بالشمال، ~~الكتائب تطالب بإنزال الجيش، إذاعة صوت العرب المصرية تهاجم ~~المقاومة ms073 الفلسطينية، وتدعو الجيش اللبناني للنزول إلى الشارع ~~لضربها». # دائرة حول فقرة من افتتاحية جريدة «أخبار اليوم» المصرية: «... ~~الاشتباكات الحالية جزء من مؤامرة الرفض لإحباط التسوية ~~السلمية بين مصر وإسرائيل بهدف خلق وضع يضطر سوريا إلى ~~التدخل، وإذا حدث ذلك فإن إسرائيل ستضطر للتدخل.» # شارع مهجور في بيروت، النفايات والبراميل في كل مكان، ~~أقفال محطمة وملقاة أمام الحوانيت المغلقة، باب منزل ~~مفتوح، في الداخل غرف فارغة منهوبة، لص يحمل ثريا ~~كهربائية يجري في الشارع، يطارده أفراد من قوة «الكفاح المسلح ~~الفلسطيني». # النيران تشتعل في سينما ريفولي. # قصر الرئاسة في دمشق، رشيد كرامي يصعد الدرج. # جانب من اجتماع في بيروت؛ زهير محسن، قائد منظمة «الصاعقة» ~~الفلسطينية التابعة لسوريا في قميص حريري ملون وبنطلون ~~أبيض، يحمل في يده غليونا فاخرا، أبو الحسن مسئول أمن فتح، ~~ياسر عبد ربه من قادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ~~العقيد أنطوان الدحداح مدير الأمن العام اللبناني. # عنوان: ~~«تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، لكن الكتائب ~~فجرت الموقف في زحلة.» # بيروت، ساحة الشهداء، أنقاض الفندق العربي وتظهر بينها ساق ~~آدمية، رجل ملقى على وجهه في مدخل حانوت تبدو في واجهته ~~الزجاجية صناديق «نينكس»، الدم يلطخ ظهر الرجل. # رجل معصوب العينين يمشي بين اثنين من المسلحين. # عناوين صحف لبنانية: «خطف 307، وإعادة 200، العثور على 21 ~~جثة»، «مجموعة فلسطينية متطرفة تهاجم مطار بيروت، مصرع ثلاثة ~~أفراد في الهجوم، قيادة المقاومة تستنكر الهجوم وتسلم السلطة ~~أحد المهاجمين». # شاحنات تحمل مسلحين تغادر إحدى القرى وتنطلق على ~~الطريق الزراعي، تمر بقرية فتطلق النار على منازلها. # بيروت، شارع مهجور، عجوز بلا أسنان في بزة كاملة يسير ~~وهو يضم كيسا إلى صدره، تصيبه رصاصة قناص في فخذه فيقع ~~على الأرض، يرفع رأسه ويتطلع حوله ثم يزحف مستغيثا دون أن ~~يتخلى عن الكيس، رجل احتمى بمدخل منزل مجاور يعقد حبلا في ~~أنشوطة ويلقي بها إلى العجوز دون أن يغامر بإبراز رأسه من ~~مدخل المنزل، يجر العجوز بالحبل بعيدا عن مرمى القناص، ~~الكيس يسقط من يد العجوز وتتدحرج منه ms074 أرغفة خبز. # النار تشتعل في سوق سرسق القديم، الدمار يمتد إلى سوق الخضار ~~وسوق الأوبرا وسوق الصاغة. # أطفال ونساء في ثياب رخيصة ملونة ينقبون بين ركام ~~الأسواق والمتاجر، يشترك معهم في التنقيب بعض المسلحين، ~~شبان يحملون أكواما من الملابس واللفائف، آخرون يفرشون ~~سلعا مختلفة على أرصفة الحمرا والروشة. # منزل في حي البرجاوي اخترقت القذائف جداره ، أطلال مصنع ~~عسيلي للنسيج في الشياح، سيارة مرسيدس تحول ظهرها إلى منخفض ~~عميق بفعل قذيفة، سيارة أخرى محطمة تسلقها أحد المسلحين ~~ليقفز إلى نافذة منزل فخم، حطام مسكن، هياكل متفحمة ~~للسراير والعلاقات والمقاعد. # سيارة مسرعة فوق جسر فؤاد شهاب، متجهة إلى حي الأشرفية ~~المسيحي، رصاصة قناص تصيب قائدها فيصطدم بسياج الجسر وتميل ~~السيارة من فوقه. # الناس تحيط بسيدة مذهولة يتغطى رأسها بمنديل، إلى جوارها ~~مباشرة قتيل ملقى على الأرض. # مرسيدس يعكف سائقها على ربط حقائب الركاب فوق سطحه، أسرة ~~من سيدتين ورجل وطفلين يحملون الحقائب ويسيرون في طريق ~~يغلفه الغبار. # واجهة مبنى محطم أسفله متجر كبير مغلق يحمل لافتة ~~«تركيب جميع أنواع الزجاج والبللور»، غرفة داخل المبنى نسفت ~~الصواريخ حوائطها، رأس طفل وسط الحطام. # عنوان صحيفة: «جنبلاط يعلن أن الكتائب وحدها تتكلف مليون ~~ليرة يوميا في حالة الاستنفار العسكري، أقل مقاتل لديهم ~~يتقاضى من 500 إلى 900 ليرة، ورئيس المتراس 2000 ليرة، وآمر ~~الحي 3000 ليرة، بالإضافة إلى أجور المرتزقة الفرنسيين، ~~وتكاليف التأمين عليهم». # ياسر عرفات في ملابس عسكرية يضع يده على ذراع كميل شمعون ~~مبتسما في تودد، شمعون متجهم الوجه. # عنوان رئيسي بصحيفة لبنانية: «الاتفاق على إزالة المتاريس ~~والمسلحين في مناطق القتال بالعاصمة». # عنوان: ~~«وبعد أربعة أيام ...» # مدفع هاون عيار 21 ملم يقذف لهبه، حريق ودخان، الناس تهرول ~~إلى المخابئ، النساء بقمصان النوم والرجال حفاة. # عنوان رئيسي في صحيفة «السفير»: «الكتائب والنمور تقصف حي ~~اللعازارية وقلب بيروت يحترق». # سماء بيروت بالليل، القذائف المتطايرة بين الأحياء ~~تضيئها. # الإذاعة: معظم شوارع بيروت غير آمنة. # شارع تجاري طويل عند الغروب، الحوانيت مغلقة، ليس هناك ~~أثر لإنسان، المنازل ms075 التي تعلو الحوانيت تبدو كأن سكانها ~~هجروها، سواتر من أجولة الرمال في طرفي الشارع، القذائف ~~متبادلة بين الطرفين، ترتفع راية بيضاء أعلى كل ساتر ~~فيتوقف القتال، يتقدم مسلح من كل جانب حاملا الراية ~~البيضاء، يلتقي الاثنان في منتصف الشارع، يتبادلان حديثا ~~قصيرا ثم ينضم إليهما عدد من زملاء كل منهما، يتوزعون ~~إلى مجموعات من اثنين، واحد من كل طرف، تقوم باقتحام ~~الحوانيت الواقعة على جانبي الشارع، المسلحون ينقلون ~~محتويات الحوانيت إلى الخارج، الملابس والأحذية والأجهزة ~~الكهربائية والمواد الغذائية تتجمع في كوم كبير وسط ~~الطريق، يجري اقتسام الأغراض المنهوبة بين الطرفين، يحمل رجال ~~كل طرف نصيبهم إلى موقعهم، يستأنف القتال. # حي القنطاري الأرستقراطي المسيحي يحترق، الدخان يغطي سماء ~~بيروت، النيران تلتهم مطعم «ميرندوم هاوس» النمساوي، سيارة من ~~طراز «ألفا روميو» تحترق في عرض الطريق، النيران تلتهم مبنى ~~قديما من الطراز التركي، رجال ونساء يتدافعون في مداخل ~~المنازل، بين داخلين وخارجين، يحملون الحقائب واللفائف ~~ويلقون بها إلى الشاحنات والسيارات. # درج مبنى فخم، مسلحون يحملون سجاجيد فارسية، مدخل ~~مسكن ويبدو الأثاث الوثير محطما إلى قطع صغيرة. # عنوان: ~~«في 26 أكتوبر (تشرين الأول) أقر مجلس الوزراء ~~اتفاقا بوقف إطلاق النار.» # سيارات رانج روفر مدهونة باللون الأسود، تقل حوالي عشرين ~~مسلحا مقنعا، من ميليشيا النمور التابعة لوزير الداخلية ~~شمعون، تتوقف السيارات أمام فندق السان جورج، المسلحون ~~يقومون بإنزال صناديق الأسلحة والذخائر، داخل الفندق يقوم ~~عماله بجمع السجاد. # عنوان: ~~«في 29 أكتوبر (تشرين الأول) عقد اتفاق جديد لوقف ~~إطلاق النار ضمنه كل من رئيس الجمهورية ورئيس ~~الوزراء.» # سيارات شبه عسكرية مدهونة باللون الأسود تطلق زماميرها ~~أثناء السير، يقفز منها مسلحون في ملابس سوداء وقبعات ~~سوداء، من رجال الكتائب، يحملون البنادق الرشاشة، يركض أحدهم ~~من زاوية إلى أخرى وعلى صدره يتأرجح منظار ميدان، المسلحون ~~يصرخون في المارة ثم يبدءون بإطلاق النار في كل ~~اتجاه. # عنوان: ~~«في أول نوفمبر (تشرين الثاني) عقد اتفاق جديد ~~لوقف النار، وخرقته الكتائب والنمور بعد ثلاث ~~دقائق.» # وبعد يومين اجتمع ممثلو الأحزاب والفرق ms076 المتقاتلة من جديد، ~~واتفقوا على إزالة المظاهر المسلحة وإعادة جميع ~~المخطوفين. # وفي اليوم التالي ... # عنوان رئيسي لصحيفة: «حواجز متنقلة تقتل أكثر من خمسين ~~مواطنا على الهوية، العثور على عشرات الجثث، إلقاء قنبلتين ~~من سيارة على مقر الحزب القومي الاجتماعي». # عنوان رئيسي لصحيفة أخرى: «الحركة الوطنية والمقاومة ~~الفلسطينية يتهمان المكتب الثاني بالعمل على تخريب كل هدنة ~~بالقيام بأعمال إرهابية ضد كل الأطراف». # عنوان رئيسي لصحيفة ثالثة: «لجنة ارتباط من خبراء مدنيين ~~وعسكريين يمثلون حلف الأطلنطي، تعمل في غرفة عمليات وزارة ~~الدفاع اللبنانية». # مدينة طرابلس، مؤتمر صحفي في مستشفى المدينة العام يعقده ~~النقيب إسكندر نقولا المعلوف، يقول للصحفيين: «لقد انتدبت في ~~مهمة من جول بستاني، رئيس المكتب الثاني، مع ضباط آخرين، ~~لإلقاء القنابل في أماكن متفرقة من طرابلس من أجل إشعال ~~الفتنة». # صحيفة «الأهرام» المصرية، عنوان رئيسي: «حسني مبارك، نائب ~~الرئيس، يعلن أن الشيوعيين هم الذين يفجرون الأحداث في ~~لبنان، وأنه ليست هناك حركة وطنية وإنما مجرد تغطية لأهداف ~~الشيوعية الدولية». # القاهرة، مبنى مجلس الشعب، الدكتور صوفي أبو طالب رئيس ~~المجلس يؤكد أن هناك توجيها من الرئيس «المؤمن» أنور ~~السادات يجعل الشريعة الإسلامية أساسا لقوانين الدولة بحيث ~~تطبق على غير المسلمين، يقول لأحد الصحفيين إن هناك مشروع ~~قانون مقدما للمجلس عن «أحكام الردة» يقضي بالإعدام شنقا ~~لمن يخرج عن الدين. # بيروت، ممثلو الأطراف المتقاتلة حول مائدة مستديرة، ~~المجتمعون يتبادلون قوائم المخطوفين، يستخدمون التليفون في ~~العمل على إطلاق سراح أعداد كبيرة منهم، الجميع يصرحون ~~للصحفيين أنه لا توجد علاقة بينهم وبين حوادث الخطف. # عنوان صحيفة لبنانية: «قوة إسرائيلية تعبر الحدود وتقيم ~~حاجزا وتخطف مواطنين لبنانيين». # دائرة حول فقرة من صحيفة «واشنطون بوست»: «اليسار اللبناني ~~خرج من معركة بيروت الأخيرة أقوى عسكريا، لكنه أقل ~~تلاحما؛ فبعد سبعة شهور من القتال استطاع أن يحقق نصرا ~~واضحا على الكتائب.» # رشيد كرامي للصحفيين: «لا بد من تعديل نسبة تمثيل المسلمين ~~في مجلس النواب وجعلها مناصفة.» # الإذاعة اللبنانية: .. إلى الأهل، نحن بخير، طمنونا ~~عنكم. # عنوان: ~~«التقديرات الأولية لضحايا ms077 المعارك: 8 آلاف قتيل، ~~و40 ألف جريح.» # 11 # لم تكن أنطوانيت في غرفتها عندما ذهبت إليها في اليوم التالي. ~~وكان الباب مغلقا فاضطررت إلى انتظارها في غرفة المونتاج. ~~وقضيت الوقت في قراءة الصحف والمجلات، ثم جذبت جهاز التليفون، ~~ومددت يدي إلى جيب سترتي الأعلى حيث أحتفظ بمفكرتي عادة. كان ~~الجيب خاليا، ففتشت بقية جيوبي، وفي حقيبة يدي. وتذكرت ~~فجأة أني وضعتها على الكومودينو المجاور للفراش ، عندما كنت ~~أرتدي ملابسي، ونسيتها هناك. # وصلت أنطوانيت بعد ساعة برفقة شاب وسيم يصغرها في السن ~~بعامين أو ثلاثة. وكان وجهها مضرجا من الانفعال. اعتذرت عن ~~تأخرها، وقدمت لي رفيقها على أنه رسام سوري، ثم انصرفت ~~إلى إعداد القهوة. # عرض علي الشاب بيانا موجها إلى الحكومة السورية يطالب ~~بالإفراج عن عدد من المثقفين اليساريين الذين اعتقلوا أخيرا ~~في دمشق. وكان ثمة عدة توقيعات أسفل البيان. وسألني أن أضع ~~توقيعي، ففعلت. # شربنا القهوة، ثم حملنا علب الفيلم إلى مائدة المونتاج. ~~وغادرنا الشاب ليواصل جمع التوقيعات، فبدأنا العمل. # الفصل الثاني من الفيلم # الصفحة الأولى من جريدة «النهار» اللبنانية، صورة الرئيس ~~فورد، العنوان الرئيسي: «الرئيس الأمريكي يقول: الولايات ~~المتحدة ستعمل كل ما في وسعها للمحافظة على الحرية ~~والديمقراطية في لبنان». # صحيفة «نيويورك تايمز»، دائرة حول فقرة من مقال: «... السلاح ~~الغربي يتدفق على اليمين اللبناني، وتمويله بواسطة الكنيسة ~~المارونية والمملكة العربية السعودية». # مطار بيروت، كوف دي مورفيل، المبعوث الفرنسي، يهبط درج ~~طائرة. # دائرة حول فقرة من مجلة «ليكسبريس» الفرنسية: «فرنسا، عراب ~~الميثاق، تأتي اليوم لتؤكد أنها لم تتخل عن المسيحيين.» ~~فقرة أخرى من نفس المقال: «المبعوث الفرنسي يلمح إلى ~~مسئولية الفلسطينيين عن أزمة لبنان.» # صفحة من مجلة سويدية تتصدرها صورة فوتوغرافية لعدد من ~~الشبان الملتحين، في جلاليب بيضاء، يطاردون شبانا آخرين ~~في قمصان وبنطلونات، أحد الملتحين يلوح بمطواة من نوع «قرن ~~الغزال»، في الخلف تبدو ساعة جامعة القاهرة، الكاميرا تركز ~~على عبارة أسفل الصورة، بينما تظهر ترجمتها إلى اللغة العربية ~~على الشاشة «سلاح ذو حدين». # دائرة حول فقرة من ms078 الصفحة المذكورة، تظهر ترجمتها على ~~الشاشة: «استمع أنور السادات إلى نصيحة صديقه المليونير عثمان ~~أحمد عثمان، وعهد إليه هو والمحافظ عثمان إسماعيل، بتسليح عدد ~~من المتطرفين المسلمين ليرهب بهم معارضيه ويتقرب إلى ~~التيار الإسلامي بالبلاد، وما أغفله السادات هو أن المدى ~~سلاح ذو حدين.» # الصفحة الأولى من صحيفة إسرائيلية، صورة شيمون بيريز، وزير ~~الدفاع الإسرائيلي، أسفل عنوان مستمد من تصريح له يقول فيه: ~~«الحرب الأهلية اللبنانية حرب دينية، ودليل على استحالة ~~إنشاء دولة فلسطينية تشارك فيها جميع الأديان». # صحيفة النهار اللبنانية، عنوان رئيسي على الصفحة الأولى: ~~«لجنة الكسليك، تدعو إلى إعلان الحياد اللبناني بين العرب ~~وإسرائيل». # سرب من الطائرات الإسرائيلية يحلق على ارتفاع منخفض فوق ~~حقول تين وزيتون، أسراب أخرى فوق مخيمات ترفع الأعلام ~~الفلسطينية واللبنانية. # العنوان الرئيسي لصحيفة «السفير»: «30 طائرة إسرائيلية تغير ~~على الجنوب، مقتل 60 في المخيمات والقرى، وجرح 140، ~~وتهدم 70 منزلا». # مبنى الأمم المتحدة، اجتماع لمجلس الأمن، أمام أحد الجالسين ~~لافتة باسم منظمة التحرير الفلسطينية. # مذيع أمريكي متعجل: «لأول مرة تشارك منظمة التحرير ~~الفلسطينية، رغم المعارضة الأمريكية العنيفة، في مناقشات مجلس ~~الأمن حول الاعتداءات الإسرائيلية». # صحيفة «السفير»، صورة المطران «إيلاريون كبوجي»، العنوان ~~يقول: «كبوجي يضرب عن الطعام في سجنه»، عنوان آخر: «رسالة ~~مهربة من المطران السجين»، عنوان ثالث بنص الرسالة: «إلى ~~الأهل في الجنوب الصامد: ما زلنا على العهد، فلسطين في ~~القلب». # دمشق، بيار الجميل يصعد درج قصر الرئاسة. # عنوان: ~~«وفي اليوم نفسه ...» # بيروت الشرقية، نهر من السيارات المسرعة التي تدق أبواقها ~~بصورة متصلة وتتجه إلى المتحف، حيث نقطة العبور إلى المنطقة ~~الغربية، المارة يجرون، عدد من المسلحين في ملابس سوداء ~~يطاردونهم، موسيقى البوب تنبعث من أجهزة الراديو. # ساحة البرج، الفواكه وصناديق البيبسي كولا والسفن أب متناثرة ~~في عرض الطريق، رجال يجرون، أحدهم انكمش في ملابسه من البرد، ~~الآخر غطى رأسه بقلنسوة روسية، ثالث يضع طاقية شعبية، في ~~الخلف دار للسينما تعرض الفيلم المصري: «احترسي من الرجال يا ~~ماما». # عنوان: ~~«السبت الأسود # في يوم السبت 6 ms079 ديسمبر (كانون الأول) 1975، وبعد ~~فترة من الهدوء النسبي، أطلقت ميليشيا الكتائب ~~مقاتليها في ساحة الشهداء وباب إدريس، فقاموا بخطف ~~العشرات، وقتلوا أغلبهم، ثم حملوا الباقين إلى مقار ~~حزبهم، فذبحوهم أمام أبوابها. وقاموا بمهاجمة المكاتب ~~الحكومية، وخاصة شركة الكهرباء، حيث اغتالوا أكثر من ~~مائتي مسلم. كما هاجموا المرفأ وأطلقوا النار على ~~عماله، ثم ألقوا بجثثهم في البحر.» # مبنى شركة الكهرباء، المملوكة للدولة، في بيروت الشرقية، ~~الكاميرا تركز على نافذة في الطابق الثالث عشر. # عنوان: ~~«نجا رئيس الشركة، فؤاد بزري، المسلم السني، من ~~المذبحة بفضل علاقاته الوثيقة برئاسة الجمهورية؛ إذ ~~عمل من قبل مستشارا لاثنين من الرؤساء؛ فقد تلفن ~~لمساعد الرئيس فرنجية، واتصل هذا على الفور بقيادة ~~الكتائب، فتم تأمين حياته.» # مفترق طرق في بيروت، عربة يد ذات إطارات ثلاثة من ~~الكاوتشوك، صحون وأكواب وأدوات منزلية تغطي سطحها، يدفعها ~~صاحبها بسرعة وقد أحنى رأسه محتميا ببضائعه، قذيفة قوية ~~تصيبه فتطوح به فوق عربته والدماء تنزف منه. # الإذاعة اللبنانية: مجددا نحن معكم، لا تتحركوا من ~~منازلكم، كل الطرق غير آمنة. # سيارة فولكس فاجن انغرزت إطاراتها المثقوبة في الأرض، ~~هيكلها امتلأ بثقوب متجاورة متساوية الأحجام إلا عندما يلتحم ~~ثقبان منها. # ردهة مستشفى، أنين الجرحى، سلال مهملات يحوم حولها ~~الذباب، السلال تمتلئ بالأقدام المقطوعة والعيون ~~السائلة. # صحيفة «السفير»، العنوان الرئيسي: «قيادة الكتائب تعترف، ~~الميليشيا تمردت وخطفت وقتلت». # دائرة قلمية حول فقرة من مقال بصحيفة «ليموند» الفرنسية: ~~«دارت مذبحة يوم السبت في عدة أحياء من بيروت، وبطريقة ~~منظمة للغاية، فهل هم أنصار تقسيم لبنان، أم عملاء أجانب ~~إسرائيليون وأمريكيون، كما يقول الزعيم الماروني المستقل ~~ريمون إدة، أم متطرفون يحلمون بلبنان مسيحي صغير؟» # متراس من الأتربة، شاب في ملابس عسكرية انحنى فوق مدفع ~~كلاشينكوف، خلفه شاب ملثم ب «الحطة» الفلسطينية المزركشة، ~~يثبت صاروخا من صواريخ أر بي جي الروسية المضادة للدبابات، ~~استعدادا لإطلاقه، الشاب يحمل خزانة الصواريخ على ~~ظهره. # شاطئ البحر، النار والدخان يتصاعدان من فندق فينيسيا ~~الفخم. # العنوان الرئيسي لصحيفة «السفير»: «القوات الوطنية تقوم ~~بتطهير منطقة ms080 الفنادق». # شارع كورنيش المزرعة، مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، ~~مصفحة تابعة للجيش اللبناني تطلق النار على ~~المبنى. # العنوان الرئيسي لصحيفة «السفير»: «الانعزاليون يحتلون ~~حارة الغوارنة بعد أن أحرقوا 300 منزل، وأسروا النساء ~~والأطفال والشيوخ». # مستشفى الأمراض العقلية ~~جنوب بيروت، قرب طريق دمشق الدولي، داخل حديقة مسورة، عدد ~~من المرضى بملابسهم المخططة يتريضون في الشمس، الطريق ~~المؤدي إلى المستشفى، سيارة عسكرية تقبل مسرعة وتتوقف أمام ~~بوابة المستشفى، يغادرها عدد من المسلحين، يقتحمون المستشفى ~~عنوة ويخرجون بنزيل شاب، النزيل يبدو على صلة ما بأحد ~~المسلحين، عدد من المرضى ينتهزون الفرصة ويندفعون خارج ~~المستشفى، يمضون بخطوات سريعة في الطريق المؤدي إلى المدينة، ~~أحدهم كهل يضع على رأسه طاقية حمراء. # شارع وسط بيروت، جثث عارية مشوهة ملقاة على مسافات ~~متباعدة بعرض الطريق، فتاة عارية يتدفق الدم بين فخذيها، ~~إلى جوارها زجاجة يلوث الدم عنقها، شاب مجرد من أعضائه ~~التناسلية، إلى جواره شاب آخر يرقد على بطنه وتبرز من ~~مؤخرته الأعضاء التناسلية المقطوعة للآخر. # الطريق المؤدي إلى مستشفى الأمراض العقلية عند الغروب، ~~المريض الكهل ذو الطاقية الحمراء يهرول عائدا نحو البوابة ~~الحديدية للمستشفى. # دائرة حول فقرة من صحيفة أمريكية: «أسفرت الأيام ~~الأخيرة عن بوادر انقسام في صفوف جبهة الأحزاب «الوطنية ~~والتقدمية» في لبنان؛ فقد طالب رشيد كرامي بوقف الاقتتال، ~~بينما أعلنت الجبهة عزمها على الاستمرار في المعركة ضد ~~الوجود المسلح للمسيحيين، وإذا بمجموعة من الأحزاب ~~والتنظيمات المرتبطة بسوريا، بالإضافة إلى «المحرومين» أتباع ~~الإمام الصدر، تعلن تأييدها لكرامي، وتبدو المقاومة ~~الفلسطينية عازفة عن التورط في مزيد من القتال، وهي تبذل ~~لذلك مساعي مكثفة لعمل مصالحة بين كرامي وجنبلاط، واستئناف ~~الحوار من أجل وقف إطلاق النار.» # عنوان صحيفة: «طوني فرنجية زعيم ما يسمى ب «جيش التحرير ~~الزغرتاوي» يعلن: نحن مرتاحون في منطقتنا، ولسنا بحاجة إلى ~~العاصمة». # العنوان الرئيسي لجريدة «السفير»: «المقاومة الفلسطينية تبذل ~~المساعي لوقف القتال بين أهالي زغرتا وطرابلس». # دمشق، مدخل قصر الرئاسة، رشيد كرامي وجول بستاني، رئيس ~~المكتب الثاني اللبناني، يرتقيان الدرج. # بيروت، أجراس الكنائس، مقر ms081 البطريرك الماروني في بكركي، ~~سيارة دبلوماسية ترفع العلم الفرنسي أمام الباب. # عنوان: ~~«كالعادة، رأس سفير فرنسا القداس «القنصلي» في ~~عيد الميلاد.» # مطار دمشق، الملك خالد، ملك السعودية يهبط ~~درج طائرته. # عنوان: ~~«قدمت السعودية بالاشتراك مع دول الخليج، ثلاثة ~~مليارات من الدولارات لسوريا، كمساعدة مالية عن عام ~~1975، وبلغت ميزانية سوريا التقديرية لعام 1976 ستة ~~عشر مليارا من الليرات السورية؛ منها تسعة مليارات من ~~السعودية والخليج.» # العنوان الرئيسي لصحيفة سعودية: «متحدث باسم الملك خالد ~~يقول إن السعودية تؤيد الجهود العربية لحل الأزمة اللبنانية من ~~خلال سوريا وحدها». # دمشق، وزير الخارجية السوري للصحفيين: «لبنان كان جزءا من ~~سوريا، لو قسم سنضمه». # بيروت: كميل شمعون للصحفيين: «كنت أتمنى أن يتمكن من ~~استعادة الجولان قبل التفكير بضم لبنان». # جانب من صحيفة لبنانية تتصدره صورة زهير محسن، عنوان: ~~«رئيس منظمة الصاعقة يحذر من أي انتصار كبير على ~~الانعزاليين؛ لأنه سيستدرج تدخلا إسرائيليا». # العنوان الرئيسي لجريدة السفير: «الكتائب والأحرار بمساعدة ~~الجيش يقتحمون مخيم ضبية الفلسطيني الذي يبعد عشرين ~~كيلومترا عن بيروت، مصرع وإصابة 47 من سكان المخيم». # عنوان: ~~«يضم مخيم ضبية الصغير 200 عائلة فلسطينية ~~مسيحية.» # العنوان الرئيسي لجريدة «السفير»: «مذبحة في المسلخ ~~والكارنتينا يروح ضحيتها 500 قتيل، الكتائب تعلن سيطرتها ~~على الكارنتينا وتهجير أهلها». # لقطات عامة لعشش الصفيح والخشب التي تتألف منها منطقة ~~الكارنتينا، قرب مبنى المجلس الحربي ل «القوات اللبنانية» ذي ~~الطوابق الثلاثة. # عنوان: ~~«ضمت الكارنتينا ثلاثين ألفا من السكان، أغلبهم ~~من الأكراد وفقراء الشيعة المهاجرين من ~~الجنوب.» # صورة فوتوغرافية ثابتة لعدد من الشبان يرقصون فوق كوم من ~~الجثث، أحدهم يقوم بفتح زجاجة شمبانيا، وسطهم فتاة في بلوزة ~~وبنطلون تعزف على الجيتار. # صورة فوتوغرافية ثابتة لرجال من أعمار مختلفة، وقفوا ~~ووجوههم إلى جدار مبنى خلفهم عدد من المسلحين الذين تتدلى ~~الصلبان «الخشبية» الكبيرة من أعناقهم. # صورة فوتوغرافية ثابتة لموكب من النساء والأطفال يحمل ~~أفراده رايات بيضاء، ليس بينهم رجل بالغ واحد. # مصنع أثاث «سليب كومفرت» أي «نم في راحة». # عنوان: ~~«داخل هذا المصنع، تحصن بضع ms082 عشرات من الفلسطينيين ~~المسلحين، من سكان الكارنتينا، وصمدوا في وجه ~~الكتائب لمدة ثلاثة أيام حتى قتلوا عن ~~آخرهم.» # على جانب الطريق العام، جلست امرأة فلسطينية ذات عيون ~~واسعة وملامح قوية محددة، في وجه بيضاوي أحاط به منديل ~~مزركش عقد أسفل ذقنها، إلى جوارها حشد من الأطفال الحفاة ~~يتطلعون باسمين إلى الكاميرا وهم يرفعون أيديهم بعلامة ~~النصر. # عنوان: ~~«وبعد يومين ...» # بلدة الدامور، قصر كميل شمعون، مسكن فقير مهجور على حافة ~~البلدة، حجرتان من الحجر، موقد ، جهاز تليفزيون، أدوات زراعية ~~إلى جوار الجدار، صورة ملونة لمسيح حزين العينين ذي شعر ~~أشقر طويل. # عنوان: ~~«انتقاما لمذبحة الكارنتينا، هاجمت بعض القوات ~~الفلسطينية واللبنانية اليسارية المتطرفة، بلدة ~~الدامور المسيحية في الجنوب، التي تعتبر من معاقل ~~النمور والكتائب. وبعد أن حاصرت قوات الميليشيات ~~المارونية، طردت السكان من منازلهم وذبحت البعض ~~منهم بينما احتمى الآخرون بالكنيسة. وتدخلت قوات ~~«فتح» فحوطت الكنيسة لحماية من بها، ونقلتهم ~~سالمين إلى بيروت، كما نقلت شمعون وابنه في طائرة ~~هليكوبتر إلى بيروت الشرقية.» # الحدود السورية اللبنانية، ناقلات جنود سورية تعبر الحدود ~~إلى داخل لبنان. # جريدة كويتية: «ألفا فلسطيني يقودهم ضباط سوريون دخلوا ~~لبنان من سوريا، شمعون يرحب بالخطوة السورية». # جريدة النهار، صورة ريمون إدة فوق تصريح له: «رغبة كيسينجر ~~في التوصل إلى اتفاق بين سوريا وإسرائيل، تجعله يحاول ~~الحصول لسوريا على أجزاء من لبنان». # جريدة كويتية: «الجميل يعلن استعداده لإنهاء القتال على ~~أساس قاعدة لا غالب ولا مغلوب». # جريدة النهار، عنوان رئيسي: «وزارة الخارجية الأمريكية ~~تعلن اعترافها بالدور البناء الذي تلعبه الحكومة السورية ~~في لبنان بعد الوصول إلى اتفاق وقف النار». # جريدة «السفير»: «نايف الحواتمة، زعيم الجبهة الديمقراطية ~~لتحرير فلسطين يعلن: لا أظن أن هدف سوريا هو احتواء ~~المقاومة.» # جريدة فرنسية: «عناصر من منظمة الصاعقة التابعة لسوريا ~~هاجمت بالصواريخ الثقيلة جريدتي المحرر وبيروت اللتين ~~تمولهما العراق، وسقط 7 قتلى ضحية الهجوم بينهم الصحفي ~~المصري إبراهيم عامر». # جريدة أمريكية: «الجميل يصرح لوكالة أ. ب: نحن نستورد ~~أسلحة جديدة استعدادا لجولة أخرى.» # ريمون إدة ms083 لأحد الصحفيين: «إن حزب الكتائب الذي كان شعاره ~~الله والوطن والعائلة، خالف الوصايا الإلهية، وقضى بتصرفاته ~~على الوطن، وشرد عائلات الغير وهدم بيوتها، واستثمر الشعب، ~~وما زال يفرض الخوة ويحصل الإتاوات على مواقف السيارات، ~~ويجبي الرسوم التي مفروض أن تجيبها الدولة.» # أبو إياد، الرجل الثاني في فتح، لمندوب «السفير»: «هناك ~~حوادث سلب ونهب قامت بها عناصر محسوبة على الثورة ~~الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. لقد اغتنى بعض ~~الأفراد، واغتنت بعض التنظيمات على حساب الثورة.» # جريدة الوطن الكويتية، تصريح لزهير محسن، رئيس الدائرة ~~العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وزعيم منظمة الصاعقة ~~التي تمولها سوريا: «قيادة المقاومة في حاجة إلى دم ~~جديد.» # عنوان في صحيفة أخرى: «هل يحل زهير محسن محل ~~عرفات؟» # زهير محسن خارجا من مبنى منظمة التحرير في قميص ملون، في ~~يده سيجار. # عنوان: ~~«اشتهر زهير محسن باسم زهير عجمي، بسبب هوايته ~~للسجاد الذي كان يجمعه من المنازل المدمرة ~~والمنهوبة. وقد تزوج من ابنة تاجر سجاد، ثم اشترك ~~مع أحد زعماء الكتائب، شقيق سفير لبنان في فرنسا، في ~~تهريب الأسلحة قبل أن تغتاله رصاصات مجهولة على أبواب ~~كازينو القمار في مدينة كان الفرنسية.» # جريدة «ليموند» الفرنسية: «القذافي ينفي أنه قدم مساعدات ~~إلى أي من أطراف النزاع في لبنان». # جريدة النهار، صورة سليمان فرنجية وتحتها تصريحات له على ~~رأسها قوله: «لبنان مختبر إنساني فذ». # جريدة الأنباء، صورة كمال جنبلاط أسفل تصريح له: «أتمنى أن ~~يكون رئيس الجمهورية المقبل عنده شخصية ورجولة وثقافة ~~أكثر». # جريدة كويتية: ««جورج حبش» زعيم الجبهة الشعبية لتحرير ~~فلسطين يتهم سوريا بمحاولة فرض وصايتها على المقاومة، ويدعو ~~القوى الوطنية إلى إقامة السلطة الشعبية على جميع الأراضي ~~اللبنانية.» # جريدة السفير: «تمرد عسكري يقوده أحمد الخطيب مكونا ~~«جيش لبنان العربي».» # جريدة النهار: «جنود صربا يتمردون ويستولون على أسلحة ~~ومصفحات كتبوا عليها «جيش التحرير اللبناني»، ثم يقيمون ~~حواجز ذهب ضحيتها 15 قتيلا مسلما.» # أحد الشوارع المتفرعة من الحمرا، نهارا، مجموعة من الرجال ~~والنساء في ملابس تشي بانتمائهم للطبقة المتوسطة يقتحمون ~~سوبر ماركت سبينز، ms084 ينهبون محتويات الحانوت من أطعمة وأجهزة ~~كهربائية وخمور، يعودون بأحمالهم إلى حيث تركوا سياراتهم ~~فيفاجأ بعضهم بأنها سرقت، تنشب معركة بينهم يتبادلون ~~خلالها إطلاق الرصاص. # مطعم لي ريليه دي نورماندي، أثناء تناول طعام العشاء، ~~مسلحون يندفعون إلى الداخل، يجمعون نقود الجالسين وساعاتهم ~~ومجوهراتهم، يجبرون فتاتين على الخروج معهم. # جريدة السفير: «الأحزاب والقوى الوطنية تفوض كمال جنبلاط ~~اتخاذ كل المواقف باسمها بشأن موضوع الحكومة.» # جريدة النهار: «الإمام الصدر والمفتي حسن خالد يطالبان ~~بتعديل نسب توزيع المقاعد بين المسلمين والمسيحيين.» # جريدة الأنباء: «جنبلاط يقول: الزعماء التقليديون المسلمون ~~الذين يعادون العلمانية ليسوا أفضل من الانعزاليين.» # مدخل قصر المختارة في جبل الشوف، أسفل البوابة الضخمة ~~العتيقة وقف صفان من المسلحين في سترات وحطات مزركشة وقد ~~خفضوا فوهات مدافعهم الرشاشة، جنبلاط يرحب بوزير ~~الخارجية السوري عبد الحليم خدام. # صحيفة إسرائيلية، «مردخاي جور، رئيس الأركان الإسرائيلي، ~~يقول: الحرب الأهلية في لبنان أسفرت عن لبنان جديد يختلف عن ~~لبنان بصورته المعروفة. وهو سيشترك بصورة فعالة في أي ~~مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل.» # مؤتمر صحفي لكمال جنبلاط، يقول: «الناس يطلبون ثمنا لعشرة ~~آلاف قتيل وعشرين ألف جريح أكثر بكثير مما ورد في بيان رئيس ~~الجمهورية .. لا بد من تعديل الدستور وتبديل النظام السياسي ~~بكامله والقفز فوق عتبات التقليديين، والانعزاليين المسيحيين ~~والمسلمين على السواء، لغاية علمنة الدولة وإلغاء الطائفية ~~السياسية .. الحركة الوطنية يجب أن تشترك في حكومة جديدة ~~موسعة.» # صحيفة السفير: «66 نائبا من اتجاهات مختلفة بينهم رشيد ~~كرامي وصائب سلام وكمال جنبلاط يطلبون استقالة فرنجية». # مطار بيروت، طائرة مدمرة تابعة للخطوط الجوية ~~السورية. # صحيفة لبنانية: «جنبلاط يتهم المكتب الثاني بضرب الطائرة ~~السورية لدفع سوريا إلى التدخل العسكري». # صحيفة العمل الناطقة بلسان حزب الكتائب: «الوفد الكتائبي ~~يعود من دمشق بخطة جديدة أهميتها في سريتها». # ميناء بيروت، الكتائبيون ينهبون الميناء وينقلون محتوياته من ~~سيارات وأجهزة كهربائية وسجاد وأدوات مختلفة إلى ~~مخازنهم. # عنوان: ~~«قدرت المسروقات بمليار دولار. وأصبح في وسع أي ~~تاجر أن يدفع ستة آلاف دولار لأحد الكتائبيين مقابل أن ms085 ~~يملأ شاحنته بما يشاء من السلع المنهوبة. ثم قام ~~الكتائبيون بتقسيم الغنائم حسب أنواعها، وعقدوا لها ~~مزادا عاما في كلية الإخوة المسيحيين ~~بالجميزة.» # شارع المصارف في بيروت. # عنوان: ~~«تنقل شارع البنوك بين عدة أيد قبل انهيار الجيش، ~~لكن الإتاوات التي دفعها أصحاب البنوك بسخاء، ~~حمتهم من الأذى، إلى حين؛ فقد قام رجال الكتائب ~~والنمور بتجريد البنك الوطني مما به من نقد، ونهبت ~~منظمة الصاعقة بنك دي روما. واستولى مسلحو الجبهة ~~الديمقراطية لتحرير فلسطين على محتويات الخزائن الخاصة ~~للبنك البريطاني التي قدرت بأكثر من مائة وثلاثين ~~مليونا من الدولارات. وعند انصرافهم بالغنائم ~~اعترضهم مسلحو الصاعقة، فنشب قتال وجيز بين ~~الجانبين حسمته لصالح الجبهة الديمقراطية مدافع ~~ثقيلة وصلت محمولة فوق سيارات عسكرية.» # الهيكل الناقص لبرج المر، القذائف تنطلق من طابقه الرابع ~~والثلاثين وتسقط في منطقة الفنادق التي تحصن بها مسلحو ~~الكتائب. # واجهة فندق «هوليداي-إن»، ذي السبعة والعشرين طابقا، عمال ~~الفندق يدلون بملاءات بيضاء من نوافذ الطابق الثاني، الردهة ~~الداخلية للفندق، ثريات فخمة تتدلى من السقف. حشد من ~~المسلحين الفلسطينيين الشبان يتجمعون أمام الكاميرا في ~~صورة تذكارية، في أيديهم اليسرى مدافع كلاشينكوف، يرسمون ~~باليمنى شارة النصر. # العنوان الرئيسي لجريدة لبنانية باللون الأحمر، العنوان يحتل ~~أغلب النصف الأعلى من الصفحة الأولى: «سقوط الهوليداي-إن في ~~أيدي القوات الوطنية». # واجهة الفندق مرة أخرى، على الإفريز أمامها جثة عارية ~~منتفخة، هناك بقايا كيلوت فوق الفخذين، نفس اللقطة في صورة ~~فوتوغرافية بصحيفة، أسفل الصورة هذه الكلمات: «قناص ~~الهوليداي-إن الكتائبي، وقد سقط هكذا من الطابق الثاني ~~والعشرين للفندق». # النار تشتعل في فندق السان جورج، أمام الفندق دبابة تبدو ~~كلمة «الله» بجوار مدفعها، خلفها مصفحة تحمل صورة جمال عبد ~~الناصر فوق عبارة «الاتحاد الاشتراكي العربي». # مسلح يحمل علم الكتائب ويقف خلف مدفع دوشكا، يرمي العلم ~~ويجري تاركا المدفع. # عنوان صحيفة: «القوات الوطنية تحكم تطويق فندق الهيلتون ~~والنورماندي، وتدفع الكتائبيين إلى الخلف حتى ساحة ~~الشهداء.» # عنوان صحيفة: «جنبلاط يقول: وقف النار ليس واردا لدى الحركة ~~الوطنية». # دائرة حول فقرة من جريدة ms086 «البعث» السورية: «... والأخطر امتداد ~~اللعبة إلى بعض القوى الوطنية لتصبح طرفا في تثبيت تقسيم ~~لبنان كأمر واقع، وترتد المؤامرة ليقع صف من الجانب ~~الوطني في مقلب التقسيم والانعزال لهاثا وراء مكاسب آنية ~~بحتة.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «عرفات يعمل على تقريب وجهات النظر ~~بين جنبلاط ودمشق.» # عنوان في صحيفة أخرى: «جنبلاط يجتمع إلى الأسد تسع ~~ساعات.» # عنوان في صحيفة ثالثة: «فرنجية يهرب إلى جونية.» # عنوان في صحيفة رابعة: «جنبلاط يعلن: الطرف الآخر في طور ~~الانهيار.» # جبل لبنان، أحدث الأسلحة وأثقلها وسط أكوام الجليد، مصيف ~~عالية الجميل بشوارعه الدائرية وبيوته الحديثة الواطئة، ~~القتال يدور من شارع إلى آخر. # طرابلس، النيران تشتعل في المدينة. # صيدا، سيارة محترقة تسد مدخل المدينة. # الحدود الجنوبية، حشود إسرائيلية كثيفة. # عنوان صحيفة: «القوات الوطنية منتصرة». # جريدة حزب البعث اللبناني التابع لسوريا: «جنبلاط يخرب ~~المبادرة السورية لصالح المخطط الأمريكي». # عنوان في جريدة أخرى: «الموفد الأمريكي براون، الذي حضر ~~مذبحة الفلسطينيين في الأردن سنة 1970، يعلن تأييد بلاده ~~للمبادرة السورية.» # صحيفة واشنطون بوست، براون لمراسل الصحيفة في بيروت: «جنبلاط ~~قال لي إن الحل الوحيد للمشكلة اللبنانية هو ذبح 12 ألف ~~ماروني.» # مؤتمر صحفي لجنبلاط بعد اجتماع الأحزاب الوطنية ~~والتقدمية: ~~«جنبلاط: ليس هناك اتجاه لوقف إطلاق النار رغم الضغوط ~~السورية. # صحفي: هل تنوي الاستمرار في المعركة إذا قرر الفلسطينيون ~~وقف إطلاق النار؟ # جنبلاط: نحن حركة لبنانية مستقلة بأهدافها؛ لأن لنا ~~تطلعات لتبديل الدستور وتغيير النظام السياسي .. ليحل ~~محله نظام ديمقراطي حقيقي يلغي التصنيف السياسي للمواطنين ~~على أساس الأديان والمذاهب ويفصل بين الكنيسة والدولة .. لكن ~~يبدو أن الأنظمة العربية تخاف قيام دولة ديمقراطية علمانية ~~في الشرق؛ لأنه ليس هناك نظام سياسي عربي، باستثناء تونس، ~~تبنى مبدأ العلمنة .. لا نطالب بدولة اشتراكية ولا بتأميم ~~.. إننا نطالب بتغيير النظام السياسي الذي لم يعد يمكن ~~النخبة اللبنانية من الوصول إلى الحكم .. لن نوقف القتال قبل ~~استقالة رئيس الجمهورية». # كمال جنبلاط يغادر المؤتمر الصحفي فجأة، إثر اتصال ~~تليفوني، ويستقل سيارته إلى مقر عرفات، جنبلاط ينضم إلى ms087 اجتماع ~~من أبو عمار ونايف الحواتمة والمفتي حسن خالد، وأبو إياد ~~وإنعام رعد وبشير عبيد. # عنوان في صحيفة السفير: «بعد اجتماع استمر ساعتين ونصفا، ~~جنبلاط يقول: عرضنا الوضع مع عرفات ومدى الضغوط التي تمارس ~~على الفلسطينيين، ونأسف لتعرض المقاومة الفلسطينية لأي ضغوط ~~على صعيد التموين والأسلحة من أي دولة كانت». # عنوان: ~~«وفي اليوم التالي ...» # عناوين الصحف: «أبو ~~عمار يرحب بوقف إطلاق النار»، «الحركة الوطنية توافق على ~~هدنة عشرة أيام يتمكن خلالها مجلس النواب من الاجتماع ~~لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد». # شارع الحمرا بالقرب من بنك بيبلوس، زحام الناس والسيارات، ~~السلع المختلفة معروضة على الأرصفة، فتاتان صغيرتان وطفلة ~~اقتعدن الأرض إلى جوار الحائط الرخامي لمتجر مجوهرات، ~~الفتاتان تمدان أيديهما للمارة. # واشنطون، الملك حسين يرتقي درج البيت الأبيض، يتوقف ~~ليعلن للصحفيين: «إني أؤيد أي تدخل سوري محتمل في لبنان ~~لمواجهة محاولات المتطرفين تغيير تركيبة الحكم ~~لصالحهم.» # صحيفة أمريكية: «كيسينجر يصف دور سوريا السياسي بأنه: كبح ~~جماح العناصر اللبنانية الأكثر تطرفا». # صحيفة أمريكية بتاريخ 14 أبريل (نيسان): «كيسينجر يصرح ~~بأن الولايات المتحدة وإسرائيل متفقتان على أن التدخل السوري ~~لا يهدد إسرائيل». # مدرج دمشق، الرئيس حافظ الأسد يخطب: «إننا نملك حرية الحركة ~~بشكل كامل ونستطيع اتخاذ المواقف التي نراها دون أن يستطيع ~~أحد منعنا (تصفيق طويل وحاد)، نحن ضد من يصر على استمرار ~~القتال .. قيل لي: نريد أن نحسم عسكريا، قلت كما نقول في ~~العامية: بدكم عنب ولا تقتلوا الناطور؟ (تصفيق حاد).» # صحيفة كويتية: «فرنجية يبرق مهنئا الأسد على خطابه في ~~مدرج دمشق»، «الجميل يمتدح خطاب الأسد واشتراكيته ويهاجم ~~اليسار الدولي». # صحيفة إسرائيلية: «وزير الخارجية الإسرائيلي آلون: فيما ~~يتعلق بلبنان، فإن السكوت من ذهب»، «إسحق رابين: إسرائيل رسمت ~~خطا أحمر للقوات السورية هو نهر الليطاني». # صحيفة لبنانية: «الكتائب تخرق الاتفاق ال 35 لوقف إطلاق ~~النار». # الصواريخ تضيء سماء بيروت في الليل. # صحيفة لبنانية: «600 قتيل وجريح في يومين». # مكتب الأمن العام اللبناني، زحام من أجل جوازات السفر ~~للهجرة. # مؤتمر صحفي لإلياس سركيس يعلن فيه ترشيح ms088 نفسه لرئاسة ~~الجمهورية ويرحب بتأييد سوريا له. # عنوان صحيفة: «الأحزاب الوطنية والتقدمية تدعو إلى الإضراب ~~العام وتناشد النواب الامتناع عن حضور جلسة انتخاب ~~سركيس». # فندق بريستول في بيروت الغربية، سيارات مدرعة تتوافد على ~~باب الفندق ويهبط منها مدنيون يحملون حقائب يد متنوعة، ~~عدد من المسلحين يرافقونهم إلى داخل الفندق. # عنوان: ~~«في مساء 7 مايو (آيار) بدأت منظمة الصاعقة في ~~جمع أعضاء البرلمان في فندق بريستول، وأصبح معروفا أن ~~ملايين الليرات دفعت للأعضاء، منها ثلاثة ملايين ~~تقاضاها كامل الأسعد رئيس مجلس النواب، مقابل عقد ~~الجلسة وإحضار مجموعته البرلمانية. وأكد زهير محسن، ~~زعيم الصاعقة، أنه لم يدفع إلا للذين أحضرتهم ~~الصاعقة إلى مقر الجلسة، وأن هناك مصادر أخرى ~~دفعت. # وفي نفس المساء، اتصل الشيخ بيار الجميل بكميل ~~شمعون ووعده بإرسال شيك بمبلغ مليونين من الليرات ~~السورية مقابل حضوره هو ومجموعته البرلمانية. وأصر ~~شمعون أن يكون الدفع بالليرات اللبنانية؛ لأن السورية ~~أقل منها قيمة. كما طلب أن يكون الدفع نقدا، فاتصل ~~الجميل بمدير بنك لبنان-فرنسا، الذي أصبح وزيرا ~~للمالية بعد ذلك في حكومة سليم الحص، وطلب منه سحب ~~المبلغ من حساب صهره عضو مجلس إدارة البنك. وتوجهت ~~سيارة فولكس فاجن إلى مقر البنك، فحملت المبلغ في ~~حقائب، تحميها مجموعة من رجال الكتائب، إلى مقر شمعون ~~الذي تحرك مع مجموعته البرلمانية فور تسلمه ~~المبلغ.» # قصر منصور، المصفحات والمسلحون يحيطون بالمبنى الأثري، ~~ذي العمارة التركية، أصوات قصف ورصاص، اثنان من المصورين ~~الأجانب احتميا بهيكل سيارة، نائب متقدم في السن يعبر الطريق ~~إلى مدخل القصر جريا، خلف ثلاثة من الحراس المسلحين ~~بالمدافع الرشاشة، يجرون مطأطئي الرءوس، أمام مدخل القصر ~~وقف رجل ضخم الجثة أبيض شعر الرأس، شاهرا مسدسه ليحمي ~~باب سيارة خرج منه نائب محني القامة. # عنوان: ~~«وقبل انعقاد الجلسة بلحظات، فاجأ كامل الأسعد ممثل ~~منظمة الصاعقة بأن المبلغ الذي قبضه هو مقابل عقد ~~الجلسة وحضوره هو شخصيا، ولا بد من دفع مبالغ ~~أخرى إلى أعضاء مجموعته البرلمانية من أجل حضورهم، ~~واستكمال النصاب القانوني للمجلس وهو ms089 66 عضوا على ~~الأقل.» # إلياس سركيس يغادر قصر منصور في حماية عدد من الضباط ~~والجنود. # عنوان صحيفة: «انتخاب سركيس رئيسا جديدا ~~للجمهورية». # عنوان صحيفة أخرى: «جنبلاط يقول: الأنظمة العربية جميعا ~~رجعية حتى التي تدعي التقدمية، تحقيق العلمنة سيفجر ~~الأنظمة العربية كلها». # عنوان صحيفة ثالثة: «الإمام الصدر يقول: لا فرق بين دعاة ~~العلمنة والإسرائيليين». # عنوان صحيفة رابعة: «300 قتيل وجريح واشتباكات بين أنصار ~~العراق وأنصار سوريا». # عنوان صحيفة خامسة: «قيادة الثورة الفلسطينية تدين حوادث ~~العنف التي ارتكبتها عناصر من جيش التحرير الفلسطيني (التابع ~~لسوريا) والقوات السورية ومنظمة الصاعقة، وتطلب من القيادة ~~السورية رفع الحواجز التي أقامتها في مناطق مختلفة». # عنوان صحيفة إسرائيلية بتاريخ 13 مايو (آبار): «القوات ~~السورية قتلت من المخربين في الأسبوع الماضي أكثر مما قتلت ~~إسرائيل في العامين الماضيين». # مطار بيروت، طائرة سورية قادمة من دمشق، رئيس وزراء ليبيا ~~جلود يهبط درج الطائرة مع ياسر عرفات. # البيت الأبيض في واشنطون، جيسكار ديستان، رئيس جمهورية ~~فرنسا، يتحدث إلى الصحفيين في أحد الأبهاء: «من المحتمل أن ~~ترسل فرنسا قوة مسلحة إلى لبنان؛ لتوفير الأمن، وقد تقاتل ~~هذه القوة في بعض الأماكن الحساسة.» # مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، الزعيم الماروني ريمون إدة ~~في الفراش وفي مقعدين أمامه يجلس كمال جنبلاط ونايف ~~الحواتمة. # عنوان: ~~«في أعقاب محاولة فاشلة لاغتيال ريمون إدة، ذهب إلى ~~بيار الجميل في بكركي واتهمه بتدبير المحاولة، وفي ~~طريق عودته تعرض لإطلاق النار ومطاردة انتهت بإصابته ~~برصاصة في ساقه». # عنوان صحيفة: «اغتيال ليندا جنبلاط، مسلحون ملثمون ~~اقتحموا منزل شقيقة زعيم الحركة الوطنية بشارع سامي الصلح، ~~واغتالوها، وأصابوا ابنتيها بجراح خطيرة». # جنازة ليندا جنبلاط، الآلاف يشيعونها. # صحيفة واشنطون بوست: «ثمة شكوك لا يمكن تفاديها بأن ~~كيسينجر طرف أو شريك صامت فيما يشهده لبنان». # صحيفة لبنانية: «قوات من جيش لبنان العربي بقيادة ~~المعماري تهاجم قرى مسيحية في الشمال، المقاومة الفلسطينية ~~وجنبلاط يتهمان المعماري بخطة مشبوهة تهدف إلى تبرير دخول ~~قوات سورية إلى المنطقة.» # صحيفة لبنانية: «المعماري يصرح: أريد أن أسألهم ليدلوني ~~على فريق ms090 واحد في لبنان لا يتعاون مع إحدى الدول العربية، ~~فلماذا يريدون إذن أن أقاوم سوريا وأتصدى لها وهي كانت ~~وستظل قلب العروبة النابض؟» # إذاعة دمشق، برقيات استغاثة من بيروت إلى حافظ الأسد. # عنوان: ~~«وفي اليوم التالي وهو الأول من يونيو (حزيران) دخل ~~ستة آلاف جندي سوري منطقة زحلة، وقاموا بتجريد ~~الفدائيين الفلسطينيين من أسلحتهم.» # 12 # جففت جسدي، وارتديت ملابسي الداخلية، ثم غادرت الحمام بعد ~~أن أطفأت نوره. مررت بوديع جالسا أمام التليفزيون، وولجت ~~غرفتي. أضأت النور ووقفت أمشط شعري أمام مرآة الصوان . وعندما ~~تناولت قميصي وجدته مشبعا برائحة العرق، فألقيت به جانبا. ~~وخرجت إلى الصالة وسألت وديع أن يقرضني أحد قمصانه. # أعطاني قميصا نظيفا أوشكت ياقته أن تبلى. وكان من النوع ~~الذي لا يحتاج إلى كي، فلبسته على الفور. وأكملت ارتداء ملابسي ~~ثم فتحت باب الصوان، وجذبت حقيبة سفري، وتناولت منها الكيس الذي ~~أحتفظ فيه بملابسي المتسخة. وحانت مني نظرة إلى قاع الحقيبة ~~فلمحت طرف مفكرتي أسفل بعض الأوراق. # دفعت بالقميص المتسخ إلى داخل الكيس، والتقطت المفكرة وقلبت ~~صفحاتها. نقلت البصر بينها وبين قاع الحقيبة، ثم وضعتها في جيب ~~سترتي، وحملت الكيس إلى الحمام. # ملأت حوضا من البلاستيك بالمياه، وأفرغت فيه محتويات الكيس، ~~ثم خرجت إلى الصالة. أشعلت سيجارة وقلت: أخيرا وجدت ~~المفكرة. # قال وديع دون أن يرفع عينيه عن التليفزيون: ألم أقل لك إنها لن ~~تضيع؟! أين وجدتها؟ # قلت: في حقيبة السفر، لكني متأكد أني تركتها على الكومودينو ~~في الصباح. # قال في شيء من الحدة: جل من لا يسهو. # أطفأ التليفزيون وغادرنا المنزل. أخذنا سيارة أجرة إلى أحد ~~الشوارع المتفرعة من كورنيش المزرعة. وتركنا السيارة أمام مبنى ~~محطم، وولجنا مبنى مجاورا حديث البناء، ذا شرفات عريضة ~~زينتها النباتات. # قال ونحن نرتقي الدرج: هل تحب أن تصعد إلى الجبل غدا؟ سأذهب ~~مبكرا مع صحفية كندية. ويمكن أن أطلب منها إحضار صديقة ~~لها. # فكرت لحظة ثم قلت: لا أظن أني أستطيع؛ فلا بد أن ~~أعمل. # قال: غدا الأحد. # قلت: أعرف. سأعمل ms091 في البيت. # استقبلنا نزار بعلكي بوقار متكلف. وقادنا إلى صالة أنيقة ~~الأثاث، احتلت جانبا منها مائدة طويلة من الخشب الثقيل، حفلت ~~بزجاجات الشراب وأطباق الشواء والمزات. وأحاط بها عدد من الرجال ~~الذين انهمكوا في نقاش صاخب. # جلست إلى جوار قصاص عراقي يعمل بإحدى دور النشر البيروتية. ~~وكنت أعرف اثنين آخرين من الجالسين؛ أحدهما سينمائي سوري، ~~منع البعثيون عرض فيلم له عن تربية الأرانب. والثاني باحث ~~فلسطيني يحضر لدرجة الدكتوراه من جامعة القاهرة. # وضع نزار كأسا صغيرة فارغة أمامي وأخرى أمام وديع، وصب ~~فيهما ملء إصبع ونصف من العرق، ثم أضاف نفس القدر من الماء ~~وقطعة من الثلج. وابتلعت الكأس مرة واحدة. # تبينت أن النقاش يدور حول موقف الشيوعيين اللبنانيين أثناء ~~الحرب الأهلية. وكان ثمة رجل ضخم الجثة ذو شارب كث، يدعى ~~مروان، يتهمهم بالخيانة؛ لأنهم أضاعوا فرصة الاستيلاء على ~~السلطة. # كان يتحدث بحدة وعنف غير عاديين، ويستخدم كلمات من نوع ~~«الانتهازية اليمينية»، و«خيانة القضية». وعارضه بنفس الحدة ~~والعنف، كاتب لبناني، مؤكدا أن أحدا ما كان سيسمح لهم بذلك، ~~ابتداء من أطراف الجبهة اليسارية اللبنانية ذاتها حتى ~~إسرائيل. # لاحظت أن نزار يصغي في اهتمام دون أن يشارك في النقاش. ونقل ~~مروان هجومه إلى ميدان جديد قائلا: بماذا تفسر أنهم لا يرفعون ~~إصبعا واحدا للدفاع عن المعتقلين اليساريين في سوريا؟ # لم يتمكن اللبناني من الإجابة؛ إذ انضم إلينا في هذه اللحظة ~~الرسام حامل العريضة، الذي لقيته عند أنطوانيت، ومعه شاب ذو ~~سوالف طويلة وشفاه غليظة صافحني بحرارة، وأوشك أن يقبلني في ~~فمي لولا أني نحيت وجهي في اللحظة المناسبة. وسرت في جسدي ~~قشعريرة وأنا أرقبه يوزع قبلات الفم على الجالسين. # وجهت اهتمامي إلى صحن عريض من جمبري مشوي في أحجام كبيرة. ~~ملأت صحني منه وأنا أحاول أن أتذكر إن كنت أكلت في حياتي ~~جمبريا من هذا الحجم. # جرعت كأسا أخرى من العرق، وأقبلت أستمتع بملء فمي من اللحم ~~الأبيض الطري، ثم أشعلت سيجارة. ورآني وديع أبحث عن منفضة، فوضع ~~كأسه على طاولة ms092 صغيرة بجواره، ريثما التقط منفضة من فوقها ~~وناولها لي. # نهض نزار فجأة منفعلا، فأحضر منشفة وهرع إلى الطاولة الصغيرة، ~~فرفع الكأس من فوقها وجفف سطحها في عناية شديدة. # اضطرب وديع، ومد يده فتناول كأسه من نزار وهو يتمتم معتذرا، ~~ودققت النظر إلى سطح الطاولة الذي خلته من الفورمايكا ~~العادية. # خاطبني مروان بغتة: هل سمعت ما قاله السادات أمس لصحيفة ~~جيروزاليم بوست؟ # هززت رأسي نفيا. وأطرق وديع برأسه قائلا: أنا قرأته. ذكر ~~أنه يقوم بإعداد قرار سياسي هام. # قال مروان: ووصف القرار بأنه سيكون خطوة تاريخية. ترى ماذا ~~ينوي؟ # قلت: لم يبق إلا الانضمام إلى حلف الأطلنطي أو عقد اتفاقية ~~دفاع مشترك مع إسرائيل. # ذكر أحد الجالسين اسم زياد الرحباني، فتحول الحديث إلى مسرحيته ~~الجديدة المسماة «فيلم أمريكي طويل». واستفسرت من نزار عن مغزى ~~الاسم فقال إنه مشتق من برامج التليفزيون التي يوصف فيها فيلم ~~السهرة عادة بهذه العبارة. # عقب مروان بطريقته الحادة القاطعة: زياد انتهى تماما. لقد ~~فقد كل رصيده من أيام الحرب. # قال لي وديع موضحا: كان وقتها مع اليسار. # سألته: والآن؟ # أجاب: لا أحد يعرف أين يقف. # ملأت كأسي وأنا أنقل البصر بين الجالسين حول المائدة. ~~وتساءلت بيني وبين نفسي عن مدى انطباق عبارة وديع على كل واحد ~~منهم. # 13 # لم تكفل لي كمية الشراب التي احتسيتها نوما عميقا متصلا؛ فقد ~~شعرت بوديع عندما غادر المسكن في الصباح الباكر. ولم أتمكن من ~~النوم بعد ذلك. # تركت الفراش أخيرا في تثاقل، فاغتسلت وأفطرت، وأعددت كوبا ~~كبيرا من القهوة، ثم جلست أراجع المشاهد التي سجلتها من ~~الفيلم. وقبل الظهر بقليل دق جرس التليفون. # رفعت السماعة فجاءني صوت لميا: كيفك؟ هل أيقظتك من ~~النوم؟ # قلت: أبدا. # قالت: ماذا تفعل اليوم؟ هل ستتولى أمرك إحدى نساء ~~بيروت؟ # قلت: لا أعرف منهن غيرك. # ضحكت. # سألتها: هل قرأت الكتاب؟ # قالت: قرأت جزءا كبيرا منه. لكن نتكلم فيما بعد. ما رأيك ~~في أن أدعوك للغداء؟ # قلت: هذا شرف كبير لي. # قالت: سأمر عليك بعد ساعة ms093 بالتمام. # قلت: لكن من غير مرافق. # ضحكت وقالت: سأحاول. على أي حال اليوم عطلة عند ~~الجميع. # وصفت لها موقع المنزل وأعدت السماعة إلى مكانها. أشعلت ~~سيجارة وبحثت عن زجاجة من الكونياك الفرنسي كان وديع قد ابتاعها ~~منذ يومين، فأفرغت منها كأسا تشممتها في استمتاع. وأخذت ~~رشفة احتفظت بها في فمي لحظة قبل أن أبتلعها. # مضيت إلى الحمام فتأملت وجهي في المرآة وتحسست ذقني. ~~حلقت، لكن الصورة التي طالعتني لم تتحسن كثيرا. أخذت ~~حماما سريعا أحسست بعده بالانتعاش. كانت السماء ملبدة ~~بالغيوم، وثمة لسعة برد في الجو، فارتديت بزتي الكاملة، ~~وجلست أحتسي كأسي في الصالة. # فرغ كأسي فملأت واحدة جديدة. وما إن أتيت عليها حتى جاءني من ~~الشارع صوت «زمور» سيارة، كما يسميه اللبنانيون. وتكرر الصوت ~~فأسرعت إلى الشرفة. رأيت رأسها بارزا من نافذة السائق في سيارة ~~بيضاء من مقعدين. لوحت لها بيدي وأسرعت إلى الداخل بعد أن ~~أغلقت باب الشرفة. وتناولت رشفة من زجاجة الكونياك مباشرة، ثم ~~هبطت إلى الطريق. # فتحت لي باب السيارة، فلفحني عطرها وأحاط بي وأنا أستقر إلى ~~جوارها. كانت ترتدي بنطلونا أبيض وبلوزة حريرية من نفس اللون، ~~وتضع على كتفيها صديرية وردية اللون من الصوف. وكان شعرها ~~مضموما في خصلة واحدة استقرت على صدرها. وأحاطت بعنقها قلادة ~~عريضة من اللؤلؤ. # اتجهت السيارة إلى الروشة. وأتاني الهواء باردا من النافذة، ~~فممدت يدي بحثا عن المقبض الذي يرفع زجاجها، لكنها استوقفتني ~~قائلة: لا تتعب نفسك. # ومدت إصبعا ذا طرف قرمزي، فضغطت زرا أمامها. وبدأ الزجاج ~~«الفيميه» يرتفع من تلقاء نفسه. # ضغطت زرا آخر، فانسابت موسيقى فيلم «الأب الروحي». واسترخيت ~~في مقعدي أتأمل الشوارع الخالية والمتاجر المغلقة والهدوء ~~السائد. # قالت: لو بقيت معنا حتى الكريسماس ستستمتع بالثلج. # قلت: لا أحبه كثيرا. # قالت: أما أنا قأعشقه. أمنيتي أن أذهب إلى موسكو. # التفتت نحوي وتطلعت إلي كأنما تسألني رأيي. # قلت: موسكو مدينة تستحق أن ترى. # قالت: هل تحصل لي على دعوة؟ # نظرت إليها مدهوشا: من تظنينني؟ مندوب الكومينترن في الشرق ~~الأوسط؟ ms094 # ضحكت وقالت: ألا تقبض منهم؟ # قلت: طبعا. # اخترقنا عدة شوارع قبل أن يتجلى لنا البحر. وتوقفنا أسفل ~~لافتة بارزة تعلن عن مطعم. # سألتها إن كان لديها زر يفتح الباب، فضحكت قائلة: ليس ~~بعد. # غادرنا السيارة، وتقدمتني بخطوات رشيقة مغناجة إلى مدخل ~~المطعم. وتبعتها وأنا أتأمل حركة ردفيها في البنطلون ~~الضيق. # اجتزنا المدخل إلى حديقة واسعة، قسمت إلى خمائل مستقلة، ~~تضم كل منها عدة مقاعد مريحة وطاولة عريضة من القش. # كنا الزبائن الوحيدين تقريبا، فاحتفى بنا عدد من النوادل في ~~تهذيب بالغ. طلبنا عرقا وشواء. وسرعان ما امتلأت المائدة ~~بأطباق التبولة والكبة والحمص والطحينة والفجل الأحمر والنعناع ~~الأخضر واللبن. # جرعت كأسا من العرق، واكتفت هي برشفة واحدة ثم قالت: مشكلة ~~كتابك أن توزيعه يكاد يكون مستحيلا. ~~- لماذا؟ ~~- أنت لم تترك نظاما واحدا من الأنظمة العربية دون تعريض، ثم ~~إن هناك قدرا كبيرا من الجنس. # أشعلت سيجارة وقلت: لقد ذكرت كل هذا لعدنان في مراسلاتنا. ~~لكنه لم يعترض على شيء. ~~- لا أظن أنه تصور أنك ستتمادى إلى هذا الحد. ~~- والنتيجة؟ # مدت يدا حفلت بالخواتم الفضية، فوضعتها فوق يدي قائلة: لا ~~تنزعج. أنا لم أقرأه كله بعد، ثم إن عدنان له الرأي الأخير، ~~وأعتقد أنه مهتم بأن ينشر لك. ~~- إذن دعينا من هذا الموضوع وحدثيني عن نفسك. # رفعت حاجبيها: ليس هناك ما يحكى. ~~- حاولي. ~~- أنا أكذب كثيرا. ~~- لا بأس. # قالت وهي تدير كأس العرق بين أصابعها: كنت دائما أتمنى أن ~~أكون كاتبة. تزوجت عن حب. وزوجي تحسدني عليه الأخريات. عندي ~~بنت في السادسة. عملي مع عدنان يملأ حياتي. وقد حصلت عليه بعد ~~صراع طويل مع عائلته التي كانت تريدني في دور ربة المنزل .. هذا ~~هو كل شيء. # لم أرفع عيني عن بشرتها الموردة وشفتيها الناعمتين. # سألتني: وأنت .. متزوج؟ # أجبت: كنت. ~~- والآن لديك طبعا صديقة؟ ~~- زوجتي كانت صديقتي الوحيدة. ~~- معقول؟ # أشعلت سيجارة وقلت: بودي لو تجمعين شعرك إلى ~~الخلف. # رفعت يديها إلى شعرها وضمته إلى الخلف، ثم عقدته على هيئة ~~ذيل حصان. # استأذنت مني ms095 كي تغادر المائدة، وغابت بضع دقائق. وقالت بمجرد ~~عودتها: ما رأيك في أن ننصرف؟ # قلت: لكن القنينة لم تفرغ بعد. # قالت: لا بد أن أمر على المنزل من أجل ابنتي. # غادرنا المطعم وانطلقنا إلى وسط المدينة. وأدارت الراديو فجاءتنا ~~موسيقى غربية خفيفة، لكنها حركت المؤشر، وانتقلت به من ~~موسيقى كلاسيكية إلى نشرة الأخبار وبرنامج للأطفال. واستقرت به ~~أخيرا عند أغنية لفريد الأطرش. # ظل نحيب فريد الأطرش يتردد في أذني حتى وصلنا إلى قرب مبنى ~~التليفزيون. أوقفت السيارة أمام مبنى فخم ذي مدخل عريض، ~~يتألف من عدة طبقات من الدرجات الرخامية. # كان ثمة عدد من الحراس في ملابس مدنية، اصطحبنا أحدهم إلى ~~أحد المصاعد، وأخرجت لميا مفتاحا من حقيبة يدها، ففتحت باب ~~المصعد. ولجته خلفها ووقفت أتأمل لوحة الأزرار التي توسطها ~~زر واحد لا غير. # خطوت خلفها عندما توقف المصعد، فغاصت قدماي في طبقات من ~~السجاد الوثير. وألفيتني في ردهة فاخرة الأثاث. وتبعتها إلى ~~غرفة واسعة تغطي الأخشاب المزخرفة جدرانها. # قالت: لحظة. # وتركتني. # كان ثمة كنبة عريضة، ذات رياش سميك أبيض اللون تمتد بطول ~~أحد الجدران، تحمل عددا لا حصر له من الوسائد الصغيرة في ألوان ~~من درجات الأبيض والبني. وأمامها مقاعد من نفس الطراز. وطاولة ~~خشبية واطئة، ذات سطح مصقول وحافة سميكة. # وحل محل الجدار الثاني، مصراعان كبيران منزلقان من الزجاج، ~~ظهرت خلفهما قاعة أخرى، تدور بجدرانها مقاعد ذات ظهور عالية ~~مذهبة، ومزينة بالنقوش العربية، وطاولات صغيرة تعلوها صوان ~~من النحاس، استقرت بينها مرآة كبيرة، أوشكت أن تلمس ~~السقف. # أما الجدار المواجه للكنبة، فشغلته ثلاث لوحات زيتية ذات ~~أسلوب حديث، ومكتبة خشبية. # اقتربت من المكتبة، وقلبت بين كتبها. كانت هناك نسخة ~~فاخرة من القرآن، وعدة روايات لإحسان عبد القدوس، وطبعة جيب من ~~كتاب الدكتور سبوك عن رعاية الطفل، وترجمة إنجليزية لرواية ~~فرنسية تدعى «إنجيليك والسلطان»، بالإضافة إلى عدة مجلات ~~أمريكية، وأخرى نسائية فرنسية. وتبينت فيما خلته للوهلة ~~الأولى صفا من كتب الجيب الأمريكية، علبا من أفلام الفيديو، ~~تضم أحدث الميلودرامات ms096 المصرية. وكان الجهاز نفسه فوق رف مستقل. ~~وانفردت صورة فوتوغرافية متوسطة الحجم لعدنان الصباغ، في إطار ~~مذهب، برف آخر. # تأملت وجهه الباسم، ثم اتجهت إلى مقعد بمسندين إلى جوار ~~الكنبة، فغصت فيه. ورحت أتأمل واحدة من اللوحات الزيتية ~~تتألف من صفوف طولية متوازية من مربعات بيضاء صغيرة تحيط ~~بها مربعات حمراء أكبر منها حجما. وفي نقطة من منتصف اللوحة، ~~لا تتضح لأول وهلة، كان الحال ينقلب، فتصبح المربعات الحمراء ~~هي الأصغر داخل المربعات البيضاء. # أحضرت فتاة عادية الملامح، في ملابس نظيفة وحذاء ، صينية ~~الشاي. وكان الإبريق الخزفي على شكل عصري ذي خيوط انسيابية، ويد ~~عريضة مطلية بماء الذهب. وتألف إناء السكر من كتلة واحدة ~~يعترضها في المنتصف خط رفيع لا يكاد يبين، يفصل بين الإناء ~~وغطائه المذهب. # صببت لنفسي فنجانا، وقلبت محتوياته بملعقة مذهبة. وكنت ~~أهم بإشعال سيجارة عندما عادت لميا، فجلست على الكنبة، وسألتني ~~أن أعطيها واحدة. # قالت: هل أعجبك منزلي؟ # قلت: جدا. رغم أني لم أر غير جانب صغير منه. # قالت ضاحكة: سترى الباقي فيما بعد. # صببت لها الشاي وسألتها عن ابنتها فقالت: ذهبت إلى ~~عمتها. # أخذت من فنجانها رشفة ثم وضعته على المائدة ونهضت واقفة وهي ~~تقول: هيا بنا. # تبعتها إلى المصعد. وقالت ونحن نهبط: تحب أن نذهب إلى ~~المسبح؟ # قلت: في هذا البرد؟ # لم تعلق، وركبنا السيارة. وجعلت تقود وهي ساهمة. # سألتها بعد قليل: إلى أين؟ # قالت: لا أعرف، أين تريد أن تذهب؟ # قلت: ليس إلى مكان محدد. # مررنا بملصق يحمل إعلانا عن فيلم لروجيه فاديم تقوم ببطولته ~~«سيلفيا كريستيل». وكنت قد رأيتها في فيلم «إيمانويل» الذي قامت ~~فيه بدور امرأة تستمتع بكافة أشكال الجنس. # قالت لميا: لقد رأيتها شخصيا. # قلت: وجهها يعجبني جدا، تعالي نتفرج عليها. # قالت: لو رآني أحد معك في السينما تصير قصة. سأوصلك إلى ~~منزلك. # لزمت الصمت حتى بلغنا المنزل فقلت: ما رأيك في فنجان من ~~القهوة عندي؟ # قالت: تقصد عند وديع؟ # قلت: وديع في الجبل ولن يعود قبل المساء. # قالت بلهجة ms097 الأفلام المصرية: أوكي يا بيه. # كان هناك مكان فارغ أمام المنزل مباشرة، يتسع للسيارة. لكنها ~~قامت بعدة مناورات، لتقف في زقاق جانبي بمنأى عن الطريق ~~العام. # شعرت بقذارة المسكن والفوضى المتفشية في أرجائه بمجرد دخولنا. ~~أجلستها في الصالة ثم فتحت باب الشرفة، ورحت أجمع الكتب ~~والمجلات والملابس المتناثرة على المقاعد، ثم أحضرت زجاجة ~~الكونياك وكأسين. وضعت كأسا أمامها، فألقت بيدها فوقها وأتلعت ~~رأسها ناحيتي قائلة: القهوة. # صببت لنفسي كأسا جرعتها مرة واحدة، ومضيت إلى المطبخ ~~فأعددت القهوة. وتركتها تغلي بعض الوقت لتكتسب المرارة التي ~~يحبها أهل الشام، ثم حملتها في فنجانين فوق صينية مستديرة من ~~البلاستيك الملون. # سألتني وأنا أصب لها: ما هي أخبار الفيلم؟ # قلت: كيف عرفت؟ # قالت: بيروت مدينة صغيرة لا يخفى فيها شيء. # قلت: ستنتهي بعد أسبوع تقريبا. # ابتسمت في خبث وقالت: أنطوانيت مخرجة جيدة. # قلت وأنا أجلس في مواجهتها: فعلا. ~~- أرجو ألا يكون الفيلم عن بطولات الفلسطينيين وتضحياتهم. ~~- وماذا لو كان؟ # هزت كتفها وقالت: لا شيء. سوى أننا مللنا هذا النوع من ~~الأفلام، ثم إنهم سبب البلاء الذي نعيش فيه. # لم أعلق. وسألتها بعد لحظة: هل كنت في بيروت أثناء الحرب ~~الأهلية؟ # قالت: لا. كنت في لندن طول الوقت. # بدأت أشعر بالصداع فقمت أبحث عن قرص من الإسبرين. ووجدت ~~واحدا في حقيبتي، فابتلعته برشفة من الكونياك وعدت إلى ~~مقعدي. # تأملت شفتيها ثم قلت لها فجأة: نفسي أبوسك. # خرجت الكلمات من فمي ثقيلة بفعل الخمر. وتململت هي في مكانها ~~بخجل مفتعل، فانتقلت إلى جوارها على الكنبة وأحطتها ~~بذراعي. # قالت: الشرفة. # قمت إلى الشرفة فبسطت الستارة فوق بابها. وعدت إلى مكاني ~~بجوارها، ثم استدرت بكل جسدي نحوها. # رفعت إلي فمها، فوضعت شفتي عليه، واستمتعت بلمس شفتيها ~~الناعمتين. حركت فخذها وألصقته بي، ثم لمستني بركبتها بين ~~فخذي، وأمكنها أن تتبين أني لم أكن مشدودا. # تخلصت مني برفق دون أن تبعد ركبتها. وأردت أن أقول ~~شيئا، ففتحت فمي، وبدا لي أن لساني يتحرك بصعوبة ~~بالغة. # كان اليوم مليئا بالأخطاء؛ فقد ms098 بدأت الشراب في ساعة مبكرة، ~~ثم خلطت بين أنواعه. والآن أردت أن أقول لها شيئا فخاطبتها ~~باسم زوجتي السابقة. # ابتعدت عني وقد اتسعت حدقتاها وشحب وجهها. وحاولت أن أشرح ~~لها أن الحرف الأول من اسمها هو نفس الحرف الأول من اسم زوجتي، وأن ~~الخمر أثقلت لساني. وأجهدتني المحاولة فركنت إلى الصمت. # قالت بعد لحظة: الوقت تأخر ولا بد أن أنصرف. # قلت: ابقي قليلا. # قالت: معليش. ربما جاء وديع. يجب أن أذهب. # رحبت في أعماقي بذهابها، فقمت واقفا. تناولت حقيبة يدها ~~وسألتني عن مكان الحمام فأرشدتها إليه. # وقفت أنتظرها في الصالة حتى عادت بعد أن سوت شعرها وهيئتها. ~~وصحبتها إلى الباب فقالت: لا داعي. # وضعت يدي على ذراعها، فاقتربت مني، قبلتها في شفتيها، ~~وقلت بصوت حاولت أن أضفي عليه رنة الصدق: لا أريد أن ~~تذهبي. # التصقت بي، وقوست فخذيها حتى أمكنها أن تلمسني. لكن ~~شيئا هناك لم يكن قد تغير، فابتعدت عني قائلة: يجب أن ~~أذهب. # رفعت يدها إلى وجهي ولمست خدي بأصابعها، ثم أضافت: شربت ~~كثيرا اليوم. كلمني غدا. # قلت: سأفعل. # فتحت الباب، وهممت باستدعاء المصعد، فاستوقفتني قائلة إنها ~~تفضل الدرج. ولوحت بيدها هامسة: باي باي. # انتظرت حتى اختفت في منحنى الدرج، ثم دخلت وأغلقت الباب ~~خلفي. # 14 # ردت علي أنطوانيت تحية الصباح دون أن ترفع عينيها عن ~~الأوراق المتناثرة فوق مكتبها. وعندما جلست على مقعد أمامها، ~~اكتشفت أن جفونها متورمة، وأنها وضعت كمية كبيرة من الكحل ~~لتخفي التورم، وشعرت أنها متوترة للغاية. # قامت إلى المطبخ الصغير المجاور وهي تقول: نشرب القهوة ثم ~~نبدأ. # تناولت الصحف من فوق مكتبها، وألقيت نظرة سريعة على عناوينها. ~~كانت المحاولات ما زالت مستمرة لإنقاذ مؤتمر القمة العربية ~~المقرر عقده بعد أسبوع في عمان. وفي مسقط أعلن السلطان قابوس أن ~~الاتحاد السوفييتي هو المسئول عن عدم الاستقرار في منطقة الخليج، ~~وطالب دول الغرب بالتصدي لسياسة السوفييت التوسعية. وفي الخرطوم ~~بحث مسئول أمريكي متطلبات الدفاع السودانية. وفي واشنطون أعلن ~~بيجين أن حكومته لن تتخلى عن مرتفعات ms099 الجولان السورية المحتلة. وفي ~~باريس قالت الفيجارو إن سوريا أصبحت إثيوبيا أخرى في قلب الشرق ~~الأوسط بعد إبرام معاهدة الصداقة والتعاون بينها وبين الاتحاد ~~السوفييتي. # عادت أنطوانيت بالقهوة، فلمحتني أتثاءب. قالت: يبدو أنك ~~سهرت أمس. # قلت: أبدا. دخلت الفراش مبكرا. لكن نومي كان منقطعا، ربما ~~بسبب جو الأحداث المتلاحقة. # قالت وهي ترتشف من فجانها: عندما كانت المعارك على أشدها كنت ~~أنام بعمق. المسألة مسألة تعود. وصوت الرصاص يمكن التعود عليه ~~بسهولة، بعكس أشياء أخرى. ~~- مثل؟ # تطلعت داخل فنجانها وأجابت: أن تجلس لتأكل بعد أن تشهد عددا ~~من الجثث المتعفنة. أن تندلع الحرائق وتنطلق القذائف بينما ~~الراديو يذيع موسيقى البوب. أن يعترضك عدد من المسلحين ويطلبوا ~~منك هويتك ليعرفوا مذهبك الديني، دون أن تعرف أنت مذهبهم هم. أو ~~أن تقضي يوم الأحد بمفردك بين أربعة جدران. # قلت: أنا جربت حكاية الأحد هذه كثيرا. # أعادت فنجانها إلى طبقه، وتناولت حقيبة يدها، وتقدمتني إلى ~~غرفة المونتاج دون تعليق. عاونتها في حمل علب الفيلم من خزانتها، ~~وفي تثبيت البكرة التي سنشهدها، ثم أعددت أوراقي وقلمي، واتخذت ~~مكاني أمام شاشة المافيولا. # الفصل الثالث من الفيلم # عنوان: ~~«في نفس يوم التدخل السوري في لبنان، وهو أول ~~يونيو (حزيران) 1976، وفيما صورته وكالات الأنباء ~~الغربية على أنه دعم للتحرك السوري، وصل رئيس ~~الوزراء السوفييتي كسيجين إلى دمشق، على رأس وفد رسمي ~~كبير.» # مطار دمشق الدولي، أعلام الاتحاد السوفييتي في كل مكان، موكب ~~المسئول السوفييتي الكبير يتحرك من أمام المطار. # العنوان الرئيسي لصحيفة البعث السورية: «كسيجين بعد أول جولة ~~مباحثات مع الرئيس القائد حافظ الأسد: نؤيد استئناف مؤتمر ~~جنيف في أقرب وقت ممكن، مع اشتراك جميع الأطراف المعنية ~~مباشرة بأزمة الشرق الأوسط، ونؤيد القوى اللبنانية التي تناضل ~~من أجل الوحدة الوطنية ووحدة الأراضي وتسوية الأزمة بالطرق ~~السلمية». # عناوين متفرقة في الصحف اللبنانية: «المجلس الإسلامي ~~برئاسة شفيق الوزان يرحب بالتدخل السوري»، «كمال شاتيلا، ~~أمين اتحاد قوى الشعب العامل (الناصري)، يرحب بالخطوة ~~السورية، ويهاجم الرجعيين والانعزاليين والإقليميين الذين ~~يلتقون على العلمانية ms100 والحرية الجنسية والعداء للعروبة»، ~~«الشيعة وحراس الأرز والكتائب يرحبون بالتدخل السوري ~~ويباركون الرئيس السوري الشجاع»، «العراق يقدم ثلاثة ملايين ~~دولار للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية». # بيروت، مكتب لمنظمة الصاعقة في الشياح، قوات فتح تحاصر ~~المبنى، قوات أخرى من فتح تحاصر مكتبا لتنظيم كمال شاتيلا ~~في حي كراكاس. # عنوان: ~~«وردا على ذلك تحركت القوات السورية صوب بيروت، ~~فاستنجدت المقاومة بالليبيين والجزائريين طالبة وقف ~~القوات المتقدمة مقابل إعادة كل شيء إلى ما كان ~~عليه، وتم إخلاء مكاتب الصاعقة وشاتيلا.» # عنوان صحيفة لبنانية: «القوات السورية تحتل الشمال اللبناني ~~كله». # فقرة من صحيفة «برافدا» السوفيتية: «الصراع المسلح بين ~~الأطراف المتنازعة في لبنان أوشك على الانتهاء بفضل التدخل ~~السوري». # زهير محسن، زعيم الصاعقة، من راديو دمشق: «فتح تحولت من ~~أداة للثورة إلى خنجر موجه ضد شعب فلسطين.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «القوات السورية والصاعقة تمطر ~~بيروت والمخيمات بالصواريخ، 700 قتيل وجريح، تصدع نحو 4 آلاف ~~منزل، الصواريخ تتساقط بمعدل قذيفة كل ست دقائق». # موسكو، مقر وزارة الخارجية السوفييتية، مسئول سوفييتي يقرأ ~~بيانا عاجلا على الصحفيين: «بالنسبة لسوريا التي أعلنت أن ~~مهمة قواتها المساعدة على وقف النزيف في لبنان، الملاحظ أن ~~الدم ما زال يسيل في مزيد من الغزارة.» # دمشق، مدخل القصر الجمهوري، رئيس الوزراء الأردني وزيد بن ~~شاكر القائد العام للجيش الأردني برفقة مصطفى طلاس وزير الدفاع ~~السوري. # دائرة حول فقرة من صحيفة إسرائيلية: «القسم الأكبر من ~~القوات السورية التي رابطت في الأشهر الأخيرة بين دمشق ~~والخطوط الإسرائيلية سحب وأرسل إلى لبنان والحدود السورية ~~العراقية.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «القوات السورية تجرد المواطنين ~~من الأموال والممتلكات والمراد التموينية»، صورة برقية مرسلة ~~من الزعيم الماروني ريمون إدة إلى الرئيس حافظ الأسد: «الجيش ~~السوري سرق منزلي في صوفر .. ويعزيني أنه لم يستثن منزل ~~رشيد كرامي.» # صوفر، جندي سوري يتحدث إلى فريق التليفزيون الفرنسي: «نحن ~~ننتظر دورنا بفارغ الصبر، المجيء إلى لبنان كان دائما حلما ~~.. الحوانيت المليئة، والسلع المستوردة والأفلام والنساء، ~~يختاروننا من كل تشكيل في الجيش؛ ms101 كي لا نكون عصبة، وليشعر ~~الجميع في الوقت نفسه أن فرصة الذهاب إلى لبنان متاحة للجميع ~~على قدم المساواة.» # الرئيس حافظ الأسد يخطب في حشد جماهيري: «... هاجموا الجنود ~~السوريين الذين دخلوا لمساعدتهم .. اخترنا هؤلاء الجنود من ~~مختلف قطاعات الجيش، وتعمدنا أن نختار هذا الاختيار، ~~تعمدنا أن يذهب جنود كل تشكيل من تشكيلات الجيش السوري ~~لأسباب قومية؛ ليدافعوا عن المخيمات، ولتقوى روح الدفاع عن ~~القضية الفلسطينية وعن المخيمات في كل تشكيل من تشكيلاتنا ~~في سوريا.» # القاهرة، مذيع التليفزيون يقرأ موجز نشرة الأخبار: «وزراء ~~الخارجية العرب يقررون إحلال قوات أمن عربية محل القوات ~~السورية في لبنان.» # بيروت، حي الأشرفية في المنطقة الشرقية، عبد السلام جلود، ~~رئيس وزراء ليبيا، في سيارة أبو الحسن، مسئول أمن فتح، السيارة ~~تتوقف أمام منزل بيار الجميل. # عنوان: ~~«وبينما كان الحل اللبناني يشق طريقه إلى الوجود ~~تحت مظلة عربية، قام أعضاء منظمة يسارية صغيرة ~~تسمي نفسها حزب العمل الاشتراكي العربي، على صلة ~~بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يرأسها جورج حبش، ~~باختطاف السفير الأمريكي ومستشار السفارة، وسائقهما ~~اللبناني. ووقع الاختطاف في المنطقة الغربية، قبل أن ~~تصل سيارة السفير إلى الحد الفاصل بين المنطقتين، في ~~طريقها إلى مقر سركيس، وبعد ثلاث ساعات اكتشفت جثث ~~الثلاثة في محلة الجناح.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «الحكومة السوفييتية تقدم ~~مساعدة فورية من المواد التموينية والطبية إلى الحركة الوطنية ~~والمقاومة الفلسطينية عن طريق مطار بيروت والموانئ ~~الأخرى». # عنوان في صحيفة البعث السورية: «وزير الإعلام السوري ينفي أن ~~هناك قتالا بين القوات السورية وما يسمى بالقوات المشتركة ~~(اللبنانية والفلسطينية) ويقول: ما يجري في لبنان هو قتال بين ~~المنظمات الفلسطينية». # دائرة حول فقرة من صحيفة سوفيستكايا روسيا السوفييتية: ~~«بالرغم من التصريحات السورية المتكررة حول مساعدة لبنان على ~~وقف النزيف الدموي، فإن الدماء لا تزال تسيل في الواقع بصورة ~~أكبر منذ دخول القوات السورية هذا البلد، وهي التي تقصف في ~~كثافة المناطق التي تسيطر عليها القوات الوطنية وتقع بها ~~مخيمات الفلسطينيين.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «الرئيس فرنجية - قبل ms102 أيام من ~~مغادرته لمنصب الرئاسة - يعين كميل شمعون نائبا لرئيس ~~الوزراء ووزيرا للداخلية والبريد والبرق والهاتف والموارد ~~المائية والكهربائية والشئون الخارجية والمغتربين والتربية ~~الوطنية والفنون الجميلة والتصميم العام». # فتاة ممشوقة القوام في ملابس عسكرية، وقد انسدل شعرها على ~~كتفيها، تستعرض عددا من المسلحين والمسلحات، يحملون ~~جميعا شارة «نمور الأحرار»، ميليشيا شمعون. # مسلحون يحملون نفس الشارة، يقفزون في الهواء وهم يصرخون ~~صرخة الهجوم. # أزقة ضيقة تمتد مصارف المياه غير المغطاة في منتصفها، ~~أمام كوخ من الصفيح وقف شاب يصب الماء من علبة بلاستيكية ~~لشاب آخر أقعى أمامه على الأرض يغتسل. # ساعة الغروب في نفس المكان، عشرات الرجال من مختلف الأعمار ~~في ملابس متواضعة وخطوات منهكة، يظهرون في الطرقات قادمين ~~من الخارج، ويدخلون الأكواخ والمنازل الواطئة. # عنوان: ~~«يقع مخيم «تل الزعتر» في بيروت الشرقية، قرب ~~المنطقة الصناعية. وأغلب سكانه من الفلسطينيين ~~واللبنانيين، وفقراء الأكراد والمصريين والسوريين، ~~مسلمين ومسيحيين، بالإضافة إلى عدد من المنفيين ~~السياسيين من مختلف البلدان العربية. # وتحظى الرهبانيات المارونية بملكية النصيب الأكبر ~~من الأرض التي يشغلها المخيم. وكانت تسعى دائما إلى ~~إزالة المخيم من أجل استرداد الأرض التي ارتفع ~~ثمنها في السنوات الأخيرة. ومن ناحية أخرى، فإن موقع ~~المخيم يحول دول أن تصبح المنطقة الشرقية بكاملها، ~~تحت السيطرة المارونية الكاملة.» # منظر عام لمخيم «تل الزعتر»، مصفحات تحمل علامة ~~«النمور» تطوق المخيم من كل ناحية، القذائف والصواريخ ~~تتطاير فوق منازله، مدفع هاون فوق عربة مدرعة في القلعة ~~يصب نيرانه على المخيم. # شمعون، بشعره الفضي المصفف في عناية، ونظارته السوداء ~~بين أصابعه، يستمع جالسا إلى تقارير قادة «النمور» وهو ~~يبتسم. # عنوان في صحيفة لبنانية: «جنبلاط يقول: الهجوم على تل ~~الزعتر سباق على الزعامة المارونية بين شمعون ~~والجميل». # عناوين صحف لبنانية: «بيروت بلا ماء ولا كهرباء ولا بنزين»، ~~«الكاز 18 ليرة»، «حصار تمويني من القوات السورية»، «الدولار ~~يرتفع إلى 330 قرشا لبنانيا والمصارف الأمريكية والكندية ~~تحقق أرباحا بالمليارات». # عربة خشبية يجرها حمار وقد امتلأ صندوقها الخلفي ~~بالمواطنين، وحمل أحدهم لافتة عريضة فوقها هذه ms103 العبارة: «هكذا ~~كان أجدادنا. لسنا بحاجة للبنزين». # شارع في بيروت، مسلح فلسطيني يحمل شارة «فتح» يوزع ~~الدقيق من فوق شاحنة عسكرية، مئات الأيدي تمتد إليه. # مبنى شركة الكهرباء في بيروت الشرقية. # عنوان: ~~«بعد أن قطع المتحاربون الخطوط الثلاثة عشر التي ~~تغذي شطري المدينة بالكهرباء، نجح فؤاد بزري، رئيس ~~الشركة الذي أصبح يدعى «أبو النور»، في إتمام اتفاق ~~بين ياسر عرفات والكتائب، يرسل الزعيم الفلسطيني ~~بموجبه ناقلتين بحريتين صغيرتين محملتين بالوقود ~~الثقيل، إلى محطة الكهرباء في المنطقة المسيحية، على ~~مبعدة كيلومترات معدودة من بيروت، كي تتمكن من ~~تزويد قسمي المدينة بالتيار.» # عنوان صحيفة: «القوات الوطنية والفلسطينية تتقدم في اتجاه ~~عين الرمانة، بهدف تخفيف الضغط على تل الزعتر». # عنوان: ~~«وفي 27 / 6 أعلنت الكتائب دخولها معركة تل ~~الزعتر.» # مؤتمر صحفي للنائب أمين الجميل: «الكتائب اشتركت في ~~الهجوم على تل الزعتر؛ لأن الذين خططوا وبدءوا الهجوم عجزوا ~~عن الاستيلاء عليه». # ملصق يحمل توقيع «النمور»، ويحمل صورة فتاة حسناء، أسفل ~~الصورة بالفرنسية: «سعدة خياط، أول امرأة لبنانية تسقط في ~~ساحة الشرف أثناء الهجوم على تل الزعتر». # مؤتمر صحفي لجلود، رئيس وزراء ليبيا: «المؤامرة كبيرة ~~ودولية .. لقد استجلب الجيش السوري إلى المؤامرة ليضبط ~~العناصر الأساسية كلها في الساحة اللبنانية .. إن القوى ~~الوطنية والناس المؤمنين بعروبتهم، مسيحيين ومسلمين، والمؤمنين ~~بانتمائهم القومي والفلسطينيين .. رأيي أن يمشوا إلى تل الزعتر ~~صفوفا حتى يفقد الانعزاليون ذخيرتهم كلها، نصف مليون فلسطيني، ~~يبقى منهم مائة ألف، لا يهم. هذه نظرتنا حتى إلى إسرائيل. لو ~~كان العرب يريدون أن يموتوا لما كانت إسرائيل موجودة». # عنوان صحيفة: «المقاومة تأسر بشير الجميل بعد أن قتل ~~عددا من الفلسطينيين بيديه، الإفراج عنه بعد 8 ساعات في ~~أعقاب تدخل الرئيس سركيس والمكتب الثاني». # عنوان في صحيفة: «تل الزعتر يصد الهجوم رقم 49». # عنوان في صحيفة «العمل» الكتائبية: «قادة الكتائب والنمور ~~يتابعون سير المعارك في أرض المعركة مباشرة». # عنوان: ~~«وفي اليوم العشرين لصمود تل الزعتر ...» # عنوان في صحيفة لبنانية: «قيادة منظمة التحرير لمقاتلي تل ~~الزعتر: الساعات المقبلة مصيرية، ms104 وصمودكم هو الأساس». # عنوان في صحيفة لبنانية: «اتصالات بين عرفات والقذافي ~~ومحمود رياض، وبين جنبلاط والملك خالد والسادات وبومدين ~~والبكر، وبين الأسد وحسين». # عنوان في صحيفة لبنانية: «تل الزعتر يصد الهجوم رقم ~~51». # عنوان في صحيفة لبنانية: «إحباط هجوم جديد على تل الزعتر ~~استمر 7 ساعات». # عنوان في صحيفة لبنانية: «مذكرة سوفييتية في عشر صفحات ~~تحذر سوريا من المضي في ضرب المقاومة والحركة الوطنية ~~اللبنانية». # عنوان في صحيفة الأنباء اللبنانية: «جنبلاط لمؤتمر وزراء ~~الخارجية العرب: خدعكم تجار الفئة الانعزالية، وهم الأقرب ~~إلى ملوككم ورؤسائكم». # عنوان في صحيفة فرنسية: «مقتل وليم حاوي رئيس المجلس ~~العسكري الكتائبي خلال معارك تل الزعتر، أوساط المراسلين ~~الأجانب في بيروت تؤكد أن قتله تم بتدبير بشير الجميل ~~الذي حل محله في رئاسة المجلس العسكري للكتائب». # أمام مبنى المجلس العسكري للكتائب، بشير الجميل في ملابسه ~~العسكرية يحيط به أنصاره. # عنوان: ~~«تخرج بشير الجميل من مدارس الجزويت وجامعتهم؛ ~~حيث درس القانون. لكن السلطة كانت أكثر إغراء له من ~~المهنة المنتظرة. # تميز منذ صباع بالاندفاع والميل إلى العنف. وكان ~~يلتجئ بسهولة إلى قبضتيه عندما تواجهه مشكلة من ~~المشاكل، وتعددت هذه المشاكل عندما بلغ مرحلة ~~المراهقة؛ فقد امتلأ وجهه بالبثور، واكتشف أن قامته ~~قصيرة، وجسمه غير متناسق، ثم تبين بعد قليل أن ~~الزعامة العائلية محصورة بين أبيه القوي، وأخيه الأكبر ~~أمين، الذي تميز بالرشاقة والوسامة والمواهب ~~الذهنية. لكنه لم ييأس، والتجأ إلى الشارع، وطوال خمس ~~عشرة ساعة في اليوم، لا يكف خلالها عن التهام قطع ~~الشكولاتة، كان يحضر حفلات الزواج والتعميد والجنازات ~~والقداسات، متقربا إلى صغار الحرفيين، وأشباه ~~العمال، والموظفين الصغار، وبقية المحبطين، في ~~انتظار الفرصة الملائمة.» # مدرج جامعة دمشق، حافظ الأسد يخطب: «... يجب أن يفهم أولئك ~~الذي يطرحون من بعيد، أني لست من هواة السلطة، ولست إلا ~~فردا من أفراد هذا الشعب، ولن يبعدني شيء عن التحسس ~~بأحاسيس هذا الشعب، واتخاذ القرار الذي أشعر أنه يعبر عن ~~أحاسيس المواطنين في هذا البلد ورغباتهم. ~~... عندما بدأت أحداث لبنان منذ أشهر طويلة ms105 كان لنا تفسير ~~لهذه الأحداث .. وقلنا إن المؤامرة لا تستطيع أن تحقق ~~أهدافها إلا من خلال القتال. إذن لكي نحبط المؤامرة علينا أن ~~نوقف القتال، وانطلقنا نعمل من أجل ذلك. ~~... لكن هناك من يريد أن تبقى المشاكل هي إياها؛ لأنه يريد أن ~~يعمل؛ فبعض المسلحين الآن في لبنان ضد الأمن؛ فلو تحقق ~~لفقدوا العمل، وهذه مشكلة. ~~... واستقبلنا كمال جنبلاط، وقلت له إننا نريد أن تعلمونا ~~حقيقة ما تريدون .. تحدث عن العلمنة، دولة علمانية في لبنان. ~~قلت له إن الكتائب متحمسة للعلمنة. لقد قال لي الشيخ بيار ~~الجميل إنه لا يقبل للعلمنة بديلا. أنا مصر ومتمسك ~~بدولة علمانية في لبنان. لكن مفتي المسلمين وإمام الشيعة وبعض ~~رؤساء الوزراء ورؤساء مجلس النواب رفضوا العلمنة. # قال جنبلاط: خلونا نؤدبهم. لا بد من الحسم العسكري. من ~~140 سنة عم يحكمونا، بدنا نخلص منهم. هنا رأيت أن كل قناع ~~قد سقط. المسألة هي مسألة ثأر وانتقام. # الحسم العسكري في بلد كلبنان، بين فئتين في وطن واحد، ~~أمر غير ممكن. الحسم العسكري بالنسبة لأي مشكلة يعني تصفية ~~هذه المشكلة تصفية نهائية. وهذا المعنى في لبنان غير ممكن؛ ~~لأن عنصر القوة ليست الشرط الوحيد الذي يجب أن يوفر، وإنما ~~هناك عناصر أخرى يجب أن تتوافر وهي غير متوافرة الآن. أما ~~إذا كان الحسم العسكري المقصود هو أن يخلق حالا من القهر على ~~الساحة اللبنانية، فهذا سينتج عنه بروز مشكلة جديدة في لبنان ~~وفي هذه المنطقة. مشكلة شعب ما، دين ما، مشكلة لبنان أو جزء ~~من لبنان. مشكلة مقهورين سيتعاطف معها العالم. # كلنا نستطيع أن نتصور أن هذا الحل لن يكون إطلاقا إلا ~~بتقسيم لبنان، ستنشأ دولة يملؤها الحقد، دولة أكثر خطرا ~~وأشد عداء من إسرائيل. # شيء ثالث: الحسم العسكري بهذه الطريقة تقدرون جميعا أنه ~~سيفتح الأبواب على مصراعيها لكل تدخل أجنبي وخصوصا ~~التدخل الإسرائيلي. # وفي اليوم نفسه استدعيت ياسر عرفات، وقلت له هذا الكلام؛ ~~قلت له وأقول الآن: لا أستطيع أن أتصور ما هي العلاقة بين ~~أن ms106 يقاتل الفلسطينيون في أعلى جبال لبنان وتحرير فلسطين .. ~~تذكروا أيها الإخوان ما كان يتردد في العام 1970 في الأردن؟ ~~رفعوا آنذاك الشعارات. السلطة كل السلطة للمقاومة. فلسطين ~~نحررها من خلال عمان. الأمر من حيث الجوهر بيتكرر الآن في ~~لبنان. وعدني ياسر عرفات في ذلك اللقاء أن ينسحب من ~~القتال. ~~... سوريا هي بلد الصمود، فمن كان مع الصمود يجب أن يكون مع ~~سوريا. سوريا هي بلد التحرير، من كان مع التحرير يجب أن يكون ~~مع سوريا. سوريا هي بلد الوطنية والتقدم، من كان مع الوطنية ~~يجب أن يكون مع سوريا. سوريا هي بلد النضال الفلسطيني، من كان ~~مع النضال الفلسطيني يجب أن يكون مع سوريا. كل كلام عن تحرير ~~فلسطين من دون سوريا إنما هو جهل وتضليل للجماهير.» # عنوان: ~~«وفي نفس اليوم ألقى فيه الرئيس السوري بهذا الخطاب، ~~وجه إليه مفتي لبنان النداء التالي: # إننا اليوم بعد أن اشتد ضغط أزمة الجوع والعطش ~~والخوف والمرض، وباتت الأوبئة السارية تهدد حياة كل ~~مواطني بيروت وضواحيها، فضلا عن خطر انتشار عدواها في ~~كل لبنان .. بسبب استمرار حرب الخمسمائة يوم القذرة، ~~واشتداد الحصار علينا من كل مكان، من البر والبحر ~~والجو. ~~... نتوجه إليكم، مطالبين باسم الأخوة الإسلامية ~~والعربية، أن تلبوا نداء الواجب الوطني والقومي ~~الإنساني وذلك: # أولا: # بأن تتركوا طريق دمشق بيروت الدولية ~~مفتوحة أمام كل القوافل التي تحمل مواد ~~الغذاء والدواء والوفود من الدول العربية ~~الشقيقة عبر سوريا. # ثانيا: # أن تحولوا دون أي تهديد يمنع ~~وصول السفن إلى مبادئ صيدا ~~وطرابلس ...» # عنوان مستقل: ~~«وبعد يومين ...» # مقر الحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت، حشد من الصحفيين ~~والسياسيين، كمال جنبلاط، رئيس الحزب، يعقد مؤتمرا صحفيا، ~~الزعيم اللبناني يعلن إنشاء مجلس سياسي مركزي برئاسته يقوم ~~بمهام القيادة السياسية للأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية في ~~لبنان. # أمام مخيم تل الزعتر، حشود عسكرية، رتل من سيارات الصليب ~~الأحمر يقترب في بطء. # عنوان صحيفة: «القوات الانعزالية تطلق النار على بعثة ~~الصليب الأحمر التي حاولت إجلاء الجرحى من مخيم تل ~~الزعتر». # عنوان ms107 صحيفة: «تاس تتهم السعودية بأحداث لبنان». # عنوان صحيفة: «سيسكو يعلن احتمال تسوية الشرق الأوسط بعد ~~إضعاف المقاومة الفلسطينية في لبنان». # عنوان صحيفة «القوات السورية تعجز لمدة ثلاثة أيام عن اختراق ~~قوات المقاومة في بحمدون». # عنوان: ~~«وفي 29 يوليو (تموز) ...» # عنوان صحيفة: «اتفاق في دمشق بين المقاومة وسوريا لإنهاء ~~القتال». # دائرة حول فقرة من نفس الصحيفة: «... وأكد الجانب السوري ~~موقفه الثابت والمستمر الداعم لمنظمة التحرير الفلسطينية ~~ممثلة للشعب الفلسطيني في نضاله ضد العدو الإسرائيلي ومن أجل ~~التحرر، وأن سوريا كانت وستبقى قاعدة النضال لشعب فلسطين .. ~~كما أشاد الجانب الفلسطيني بموقف القطر العربي السوري من نضال ~~الشعب العربي الفلسطيني ومن القضية الفلسطينية ومن دعم القطر ~~السوري ومساندته للمقاومة الفلسطينية ...» # عنوان: ~~«وبعد يومين ...» # عنوان صحيفة بتاريخ 31 / 7: «إجلاء جرحى تل الزعتر، طبيب ~~سويدي يعلن أن عدد القتلى بالمخيم بلغ ألفا وأربعمائة قتيل ~~والجرحى أربعة آلاف». # حي النبعة قرب بيروت، ميليشيا الكتائب تطلق الرصاص في كل ~~اتجاه، تقوم بإجلاء السكان من منازلهم. # نقطة العبور بين المنطقتين الشرقية والغربية عند المتحف، ~~مئات من سكان حي النبعة المطرودين من المنطقة الشرقية ~~يتوافدون، شارع ضيق ينتهي بباص مقلوب، براميل مليئة ~~بالرمال، أنابيب مكسورة، نساء يحملن كل ما يملكنه فوق رءوسهن ~~ويجرجرن أطفالا خلفهن، طفلة تحمل دمية وأخرى تحمل موقد ~~كاز، الجميع يتقدمون من نهاية الشارع حيث يوجد حاجز المنطقة ~~الغربية. # عنوان: ~~«وفي اليوم الخمسين لحصار تل الزعتر، بعث ياسر ~~عرفات برسائل إلى الزعماء العرب يضعهم أمام مسئوليتهم ~~بشأن مصير المخيم. وفي نفس اليوم جرى الاتفاق عن ~~طريق الصليب الأحمر وقوات الأمن العربية على أن يتم ~~إجلاء 12 ألف مدني من المخيم، ينقلون إلى ~~البقاع وبيروت الغربية.» # وبعد يومين .. في 12 / 8 / 1976. # سيارات الصليب الأحمر أمام تل الزعتر، شاحنة تحمل شارة قوات ~~الأمن العربية، يصعد إليها عدد من النساء والأطفال ليس ~~بينهم أثر لرجل، أرض الشارع مغطاة بأعداد لا حصر لها من ~~مختلف أنواع الأحذية؛ شباشب، صنادل، أحذية نسائية بكعوب ~~وبدونها. شاحنة أخرى ذات جوانب من قضبان متشابكة ms108 مثل شاحنات ~~نقل الحيوانات. # أمام دار المعلمين في المنطقة الغربية، زحام، شاحنة صغيرة ~~تهبط منها سيدة باكية وأخرى ممزقة الثياب، وأطفال، سيدة ~~أخرى باكية تحتضن طفلين. # مستشفى الجامعة العربية، جريح بلا ساقين تنحني عليه سيدة ~~متقدمة في السن وتحتضنه. # عنوان: ~~«وأثناء إجلاء المدنيين اقتحم الكتائبيون والنمور ~~المخيم في أعداد كثيفة، وجرى القتال بينهم وبين ~~ثلاثمائة شاب فلسطيني ولبناني رفضوا الاستسلام ~~وواصلوا المقاومة حتى النهاية. وفي نهاية اليوم أعلن ~~سقوط تل الزعتر.» # 15 # كانت المرأة ساحرة حقا، وقد التفت بغلالة شفافة أبرزت ~~مفاتن جسدها، وأسفل الصورة قرأت هذه الكلمات: «الغرب المدهوش ~~بالشرق وغرابته، يجعل من مادته الخصبة، عصا سحرية، تحيلك إلى ~~امرأة الألف وجه». # حولت عيني عن الإعلان، وعدت أقرأ خبر الفيلسوف الفرنسي ~~العجوز ألتوسير، الذي خنق زوجته، ثم وضعت الصحيفة جانبا وتناولت ~~سماعة التليفون. # أدرت رقم دار الثقافة، ووجدت الخط مشغولا، فاتصلت بوديع في ~~مكتبه. # قلت حالما سمعت صوته: لم تأت الشغالة بعد، وأنا أريد ~~الخروج. # قال: لن تأتي اليوم ما دامت تأخرت إلى الآن، هل أنتظرك على ~~الغداء؟ # قلت: لا أظن؛ فأنا وأنطوانيت مدعوان لدى أحد المعارف ~~الفرنسيين في المساء. وربما ذهبنا إليه مباشرة من ~~الفاكهاني. # كانت الشمس ساطعة توحي بيوم دافئ، فاكتفيت ببلوفر من الصوف ~~فوق قميصي، وعلقت حقيبة يدي في كتفي، ثم أدرت رقم دار الثقافة ~~مرة أخرى، وعندما ألفيته ما زال مشغولا، غادرت المسكن. # وقفت أنتظر سيارة تقلني إلى مكتب أنطوانيت. وتوقفت أمامي ~~واحدة خالية، فطلبت من سائقها أن يذهب بي إلى عين ~~المريسة. # كان المرافق الفحل يجلس في مدخل المبنى، إلى جوار أحد الحارسين ~~المسلحين. وصحبني على مضض إلى أعلى، فأسلمني إلى السكرتيرة ~~التي خابرت لميا بالتليفون، وطلبت مني أن أنتظر. # جلست على مقعد في مواجهتها. وأصبحت أشرف على الممر الذي ~~تقع غرفة لميا في نهايته. وكان بابها مغلقا. # انفرج الباب بعد لحظات وبرزت منه. كانت ترتدي بلوزة مزركشة ~~بألوان زاهية ذات أكمام طويلة واسعة، وبنطلونا من القطيفة ~~رمادي اللون. وكان شعرها مجدولا في ضفيرتين ms109 كبيرتين فبدت ~~كفتاة مراهقة. # اقتربت مني في خطوات بطيئة وفي عينيها نظرة ساهمة كالمأخوذة. ~~ومدت يدها لي وهي تغتصب ابتسامة. # خاطبتني قائلة: شرف. # استدارت نحو غرفتها فخطوت في أعقابها. وعندئذ رأيت طرف ~~بلوزتها يتدلى خارج البنطلون. # طالعني وجه الصديقة التي رأيتها معها من قبل في المقهى. وكانت ~~تجلس فوق كنبة، واضعة ساقا على ساق، وهي تحتسي القهوة. # اتجهت لميا إلى مكتبها ودارت حوله ثم جلست إليه وهي تقول: ~~صديقتي جميلة. لقد سبق لك أن رأيتها. # أحنيت رأسي لها، ومضيت إلى مكتب لميا فجلست على مقعد أمامه، ~~ووضعت حقيبة يدي على الأرض. # تطلعت إلى جميلة وسألتها: تعملين في النشر أنت ~~أيضا؟ # ابتسمت وهزت رأسها نفيا. # قالت لميا: قريب من النشر. إنها مديرة بنك. # تحولت إلى لميا قائلا: اتصلت بك أمس. # بدرت منها نظرة سريعة إلى صديقتها ثم قالت: لم أكن ~~بالمنزل. # خاطبتني جميلة قائلة: أخذت مخطوطة كتابك من لميا وسأقرؤها ~~اليوم. # عقبت لميا بسرعة: لا تقلق؛ فلم يتبق لي سوى الفصل ~~الأخير. # قلت: لست قلقا. كل ما أريده هو أن أنتهي من هذا الموضوع قبل ~~سفري. # سألتني جميلة: متى تسافر؟ # أجبت: خلال أسبوع. # أحضرت السكرتيرة القهوة، فارتشفتها في صمت، بينما تشاغلت ~~لميا بأوراق على مكتبها، وتناولت صديقتها مفكرة من حقيبة يدها، ~~فجعلت تقلب بين صفحاتها. كان اللون الأحمر الساطع الذي طلت به ~~شفتاها متناسقا مع تكوين وجهها العريض، ولون بشرتها القمحي. وبدت ~~لي أكبر من لميا بعشر سنوات على الأقل. # انتهيت من قهوتي، فتناولت حقيبتي، ونهضت واقفا وأنا أقول ~~مخاطبا لميا: لا بد أن أنصرف الآن. سأتصل بك فيما ~~بعد. # لم تبدر منها محاولة لاستبقائي، ولم تودعني حتى الباب، ~~واكتفت بمصافحتي وهي جالسة. وغادرت الغرفة بعد أن أومأت برأسي ~~لصديقتها. # غالبت رغبة ملحة في الشراب، وأخذت سيارة أجرة إلى ~~الفاكهاني. # وجدت أنطوانيت في غرفة المونتاج. ولاحظت أنها صففت شعرها في ~~عناية، وصبغت أظفار يديها بلون شفاف. وكانت ترتدي بلوزة ~~صوفية ضيقة أبرزت صدرها الصغير. # أعددت أوراقي وقلمي، وأطفأت النور، ثم اتخذت ms110 مكاني إلى جوارها ~~أمام المافيولا. لمست طارة الآلة بيدها، فتتابعت أمامنا اللقطات ~~الخاصة بسقوط تل الزعتر. # أوقفت الآلة فجأة، وقالت: هل من الضروري أن تسجل الفصل ~~التالي؟ إنه مجرد شهادات لمجموعة من النساء اللاتي أفلتن من ~~المذبحة. وهي تغني عن كل تعليق. # فكرت لحظة ثم قلت: ربما. لكن لا بد لي من دراسة مضمون ~~الشهادات وإيقاعها وحجمها وارتباطها بما سبقها ويتلوها من لقطات. ~~وهذه الدراسة ستقرر مصير التعليق السابق عليها، هل يدمج فيها ~~أم ينتهي قبلها بذروة أو بدون ذروة. سأسجل كل شيء؛ لأتمكن من ~~العمل على راحتي. # قالت: كما تريد. # الفصل الرابع من الفيلم # نساء في مقتبل العمر أو أواسطه، الملابس بسيطة، الرءوس تحيط ~~بها أوشحة معقودة أسفل الذقون، أصواتهن جافة لا أثر فيها ~~لحياة، الكاميرا تستقر على كل واحدة منهن دون حركة حتى تنتهي ~~من شهادتها. # عنوان: # أم علي سالم، خمسون عاما. ~~«عندما هجرونا من فلسطين ذهبنا إلى الشام، ثم جئنا إلى تل ~~الزعتر. وكنا دائما مطاردين؛ فالرقيب أبو عبود من المكتب ~~الثاني اللبناني كان يتنصت علينا من تحت الشباك. وبعدها ~~حبسوا زوجي بسبب المنشورات. وكل أولادي انضموا للمقاومة وهم ~~صغار، وراحوا دورات تدريب ثم حملوا السلاح. ولم يبق عندي ~~أحد منهم. وأنا كنت أشارك في وحدات محو الأمية اللي كانت ~~تعمل بالمخيم، وكثيرا ما أخذ رجال المكتب الثاني زوجي وعذبوه؛ ~~ليدلهم على مكان الأولاد، وصاروا يحضروا كل يوم يفتشوا ~~البيت ويسألوا عن الأولاد، لكن كل هذا تغير بعد أن تولت ~~المقاومة الإشراف على المخيمات. # وأثناء الحصار، استشهد لي خمسة أولاد في المخيم، ولما ~~خرجنا من الزعتر أخذت معي قمصان أولادي الشهدا علشان أشم ~~ريحتهم الغالية .. وعرفت أنهم شحطوا زوجي بعد أن ربطوا كل رجل ~~من رجليه بحبل وكل حبل بسيارة ومشوا بالسيارات.» # عنوان: # زينب أم علي، أربعون سنة، أم لعشرة أطفال. ~~«كان أبو عبود يلاحقني أنا شخصيا. في يوم من الأيام في ~~الساعة الحادية عشرة ليلا طرق الباب. فتحت بعجلة فإذا هو أبو ~~عبود ومعه جورج حزيني. ms111 أول كف والثاني صرخت. قلت له يا ~~جبان. عندها خرج أولادي: شو بدك بأمي؟ أخذني عند أبو أحمد ~~العازوري، ضربني أبو أحمد بالكرباج خمس ضربات، بقيت إحدى عشرة ~~ساعة، نمت على الأرض مغمضة عيوني .. بقيت ثلاثة أيام عندهم ~~في السجن ... # ثم جاءت المقاومة وقضي على العملاء، وبدأت أعمل في معسكر ~~الأشبال .. وعندما بدأ حصار المخيم جاءت قذيفة استشهد بها ~~زوجي المريض كما استشهدت ابنتي بينما كانت ذاهبة لترى أباها ~~.. وفجأة أتى صبحي عراقي وحسن شحرور إلى الملجأ وقالوا بدنا ~~شباب لنجلب الشهيد نمر، فلم يتحرك أحد. ذهبت أنا وابني البالغ ~~من العمر ستة عشر عاما ورفعنا الشهيد نمر، وفي العودة ~~استشهد ولدي الوحيد الذي لا يوجد أغلى منه سوى فلسطين؛ لأنه ~~وحيد بين تسع بنات.» # عنوان: # نزهة حسن الدوقي، 65 سنة، أم لخمسة أبناء وجدة ~~لعشرة. ~~«... في بداية الأحداث حضر ابني أحمد وعمره 38 سنة من السفر، ~~وحمل هدية من صديق له إلى زوجته وأولاده في الجديدة ولم يعد. ~~وبعد ثلاثة أشهر وجدنا جثته في حشحاشة هناك. # وأثناء الأحداث استشهد ابني جلال بقذيفة. وفي أحد الأيام ~~ذهبت ابنتي فطوم لتملأ الماء ولم تعد؛ إذ أصابتها قذيفة ~~واستشهدت على الفور. # وعند سقوط الملجأ كان ولدي علي يعمل في رفع الأنقاض، ~~فاستهدفه الانعزاليون بقذيفة فسقط شهيدا. # وعند سقوط المخيم خرج زوجي وأبناؤه الثلاثة وأحفادي، ~~فاعترضهم الانعزاليون عند الكنيسة، وأوقفوا أولادي الثلاثة على ~~الحائط وأخذوا يضربوهم بمدقات الكبة على ظهورهم بكل قواهم ~~حتى سقطوا، كما قتلوا أحد أحفادي. بكيت وصرخت لكن أحفادي ~~رجوني أن أسكت؛ لئلا يأخذهم المسلحون .. وعند وصولنا إلى ~~الفندقية صاروا يتسلون علينا، فتارة يطلبون منا الصعود إلى ~~الطابق الثالث وزخات الرصاص تلاحقنا، وكنا نركض ونتدافع ~~ونختبئ ببعضنا البعض .. وأخيرا أخرجونا إلى الطريق العام، ~~وصعدنا إلى سيارات الشحن، ووقفت إلى جوار زوجي الذي أمسك ~~بحديد الشاحنة .. وأحضر المسلحون شبابا وقتلوهم مجموعات ~~أمامنا. وبكى زوجي فلمحه أحد المسلحين وأنزله من الشاحنة. ~~وأخذوا بتعذيب الشباب أمامه، ثم قتلوه فسقط على الأرض، فصرخ ~~أحفادي ms112 من الخوف، فأطلقوا علينا الرصاص، فنزلنا بسرعة من ~~السيارة دون وعي. وضاع أحفادي جميعهم، وها أنا أعيش وحدي فقط، ~~ولم يبق لي أحد.» # عنوان: # سعاد صالح، 42 سنة، أم لخمسة أولاد. ~~«عندما بدأ الحصار كان في بيتي 10 كيلوجرام دقيق فعجنتهم ~~وخبزتهم وبعثت بهم إلى المقاتلين. كما كنت أهيئ لهم الشاي ~~والقهوة ليلا. ثم قطعت الكهرباء فكنا نصنع الشمع للمستشفى، ~~وحصلنا على من مستودع قريب، فكان ابني يحضره ونسخنه على ~~النار لإذابته، ثم نصبه في علب اللحم والسردين ونضع خيطا ~~فيه، وبعد جفافه نقص العلبة ونخرج الشمع منها. وأخيرا ~~تقدمت صناعتنا فصرنا نحضر صور الأشعة نلفها ونربطها ثم ~~نصب الشمع بها. وبعد فكها نحصل على شمعة رشيقة جميلة ~~...» # عنوان: # فاطمة عوض، 22 سنة، ممرضة. ~~«منذ بداية الحصار وأنا أعمل ليل نهار لتأمين الطعام ~~والمياه للجرحى. وكان الكثيرون منهم يموتون لقلة الأدوية. ولم ~~يكن متوافرا لتعقيم الجروح سوى الماء والملح. وقبل سقوط ~~المخيم بعشرة أيام تواترت أنباء عن وصول الصليب الأحمر ~~لنقل الجرحى، لكنه لم يصل إلا بعد ثلاثة أيام، بعد أن وصلت ~~عزلة المخيم عن العالم 42 يوما .. فنقل حوالي 80 جريحا، وفي ~~اليوم 150 جريحا، وفي الثالث 750 جريحا، مع عدد من الأطفال ~~الرضع الذين أصيبوا بالجفاف. # وليلة سقوط المخيم قيل لنا إن هناك ضمانات من الصليب ~~الأحمر وقوات الأمن العربية، بنقل سكان المخيم دون التعرض ~~لمن يستسلم. وفي الصباح التالي انتظرنا من الساعة التاسعة ~~والنصف حيث كان متفقا أن يحضر الصليب الأحمر في التاسعة. ~~لكن في ذلك الوقت اشتد القصف بشكل جنوني ودخل الانعزاليون ~~المخيم. وقيل لنا إن سيارات الصليب الأحمر موجودة في ~~الدكوانة لنقل الجرحى والأهالي، فانطلقنا مجموعة من ~~الممرضين مع العديد من السكان إلى هناك، فاعترضنا حاجز من ~~رجال الكتائب فتشونا وهم يشتموننا. وفي الحاجز الثاني أخذ ~~الانعزاليون الممرضين الرجال وعذبوهم ثم قتلوهم أمامنا ~~...» # عنوان: # فاتن بدران، 23 عاما. ~~«اشتركت مع متطوعات أخريات في إنشاء مركز طبي بحي ~~القلعة برعاية أطباء الزعتر. وليلة سقوط القلعة في ms113 يد ~~الانعزاليين كنت مع جدتي في الملجأ. وكانت جميع العائلات في ~~الملجأ تحمل الجنسية اللبنانية إلا أنا وجدتي، فازداد ~~خوفنا. # ودخل الانعزاليون المنطقة فأخذوا يطلقون الرصاص من ~~الشبابيك والأبواب على الملاجئ المكتظة بالنساء والأطفال ~~والشيوخ؛ لأن الشباب التحقوا بمقاتلي تل الزعتر، ثم نقلونا إلى ~~مدخل بناية أخرى دون أن يعرفوا أننا فلسطينيون. وبعد قليل أتى ~~الانعزاليون بأشخاص تعرفوا على أصدقائهم بيننا فأخذوهم ~~ومضوا. ولم يبق سوى أنا وجارتي وجارة أخرى تدعى وداد قصور. ~~وهنا اشتد خوفي، فأخذت تطمئنني وتقول لي إن لها أصدقاء سوف ~~يحضرون ويأخذونها، وسوف تأخذنا معها. لكن القذائف انهالت ~~علينا ففرقتنا. وسرنا حتى التقينا بعائلة فلسطينية تحمل ~~الهوية اللبنانية فذهبنا معهم في سيارة، وسألنا السائق إذا كنا ~~إسلام أو مسيحية وهو يقول: إذا كنتم إسلام فسوف تنزلون في حي ~~سن الفيل المسيحي. لكني أقنعته بأن يأخذنا إلى حد فرن الشباك ~~الإسلامي.» # عنوان: # حياة فريحة، 20 سنة. ~~«في أوقات فراغنا كنا نعد المخازن لأسلحة المقاتلين. ~~واشتركت في عملية اقتحام مع الشهيدة سميرة بدران في موقع ~~متقدم بالحازمية، وعدنا سالمين بعد أن دمرنا مصفحة ~~وأصيب أحد شبابنا. أبدينا رغبتنا في التواجد عند الأسلحة ~~الثقيلة (المضادات) على تلة المير فوافقوا. وعندما أبديت ~~رغبتي في التدرب عليها ضحك المقاتلون، وأكدوا أن المرأة لا ~~تستطيع القيام بمثل هذه الأعمال، فقط تحكي. لكني صممت ~~لأثبت لهم جدارتي. وفعلا تدربت وقمت بإطلاق خمس عشرة ~~قذيفة على مركز مضاد، وازداد إيماني بثورتي. وأبدوا ~~استعدادهم لتدريب كتيبة مناضلات. # وعند سقوط المخيم دافعنا حتى آخر محور، وأخيرا أتلفت ~~سلاحي بناء على التعليمات، وذهبت مع أهلي إلى الدكوانة ~~...» # عنوان: # آمنة فريحة، 35 سنة. ~~«عندما قطعت المياه عن المخيم كنا نروح البئر حوالي خمس ~~عشرة امرأة ونرجع ستا؛ أي إن كوب الماء كان يعادل كوبا من ~~الدماء ...» # عنوان: # شيخة أحمد شحرور، 32 سنة، أم لطفلين. ~~«كنا نختبئ من بيت إلى آخر حتى نصل إلى الماء، وهناك كان ~~رجال الكتائب يحتلون الأماكن المرتفعة التي تشرف على ~~المياه من مسافة قريبة، ms114 فيصيحون علينا: واحد واحد بالصف. ~~وعندها يبدأ القنص. وفي بعض الأوقات نسهر طول الليل ونرجع دون ~~ماء، فيبدأ الأطفال بالبكاء والصراخ لحاجتهم إلى نقطة ماء ~~بدلا من الحليب. # ومرض ابني الصغير وعمره سنة واحدة، فأخذته إلى طبيب الهلال ~~الأحمر، فقال: لا يوجد عندنا دواء. وارتفعت حرارة ابني إلى ~~40 درجة، فأصبح عنده شلل في رجله، وكان زوجي مصابا في بطنه ~~ورجليه. وكنت في السابق أقول له: سافر وأمن لنا مستقبلنا. ~~فيقول لي: لن أخرج من تل الزعتر وبه حجر واحد. وقد وفى بوعده، ~~وبقي هناك حتى آخر لحظة، وحتى الآن لا أعرف إذا كان حيا أو ~~ميتا.» # عنوان: # عفاف محمد، 32 عاما، أم لسبعة أطفال بقي منهم 3. ~~«ذهبت إلى مستشفى الهلال الأحمر في الشارع الرئيسي للمخيم؛ ~~لأرى الجرحى. وقبل أن أصل وقعت قذيفة على باب الملجأ وأولادي ~~به، وبينهم ابنتي الكبرى آمال وعمرها 11 سنة، فاستشهدت مع ~~ستة أطفال في سنها. وبعدها تدهورت صحتي وكنت حاملا في الشهر ~~السادس. وجاع الأطفال ومات البعض من العطش. وأرضعت الأمهات ~~أطفالهن من ماء العدس المسلوق، وانتشرت الحمى بين الأطفال ~~ومات بعضهم بها، وآخرون أصابهم الجفاف. ولما حان موعد ولادتي ~~كان القصف قد اشتد فولدت طفلتي على الدرج. ولم أستطع أن أنام ~~لحظة واحدة.» # عنوان: # خزنة محمد صالح، 29 سنة. ~~«... في يوم سقوط المخيم أعطيت السلاح الذي أحمله بعد أن ~~أكدوا لنا وجود ضمانات من الصليب الأحمر وقوات الأمن ~~العربية. وتوجهت إلى الدكوانة مع عدد من النساء. وفي حاجز ~~قرب ستديو فوزي حاول أحد المسلحين تمزيق ثيابي، فأعطيته كل ~~ما أملك من فلوس. وعند مدرسة الفندقية رأيت امرأة من ~~الانعزاليين ترتدي السواد وهي تضرب فتى عمره حوالي خمسة عشر ~~عاما بالمسدس على رأسه ووجهه، ثم أخذته إلى مكان مليء ~~بالقاذورات وقتلته وهي تشتم الفلسطينيين. ووجدت أمي وإخوتي ~~في المدرسة. وحاولت أمي نقلنا في سيارة، وكان إخوتي يرتجفون ~~خوفا وجزعا، فدفعت مبلغا من المال للسائق وصعدنا ~~السيارة. ورأيت الانعزاليين يربطون حبلا حول عنق أحد الشباب ms115 ~~وشنقوه، ثم مشوا على جثته بالسيارة، فالتصق لحمه بالأرض. كل ~~ذلك أمام زوجته الجريحة وأطفاله الصغار الذين لم يستطيعوا ~~النطق بكلمة. # سارت بنا السيارة قليلا ثم توقفت، وهنا رأيتهم يحضرون ~~شابا اسمه محمد كروم. وبعد أن أشبعوه ضربا ربطوا رجليه ~~بسيارتين فانقسم جسمه إلى شطرين. أما زوجي الذي خرج عن طريق ~~الجبل فلم نعرف عنه شيئا حتى الآن.» # عنوان: # فريال شحرور، 18 سنة. ~~«لم نكن نأكل سوى العدس والتمر، وكانوا يغلون الشاي مع التمر ~~لقلة السكر فيصبح الشاي بلا مذاق. وكان الرجال يقاتلون طوال ~~النهار بالقليل من الأكل والشرب ويدخنون لفافات من غذاء ~~العصافير والعيزقان ...» # عنوان: # حورية مصطفى، 20 عاما. ~~«في يوم اشتد فيه القتال نزلت والدتي لتجلب الماء فإذا بها ~~تفاجأ بقتيل على الأرض. اقتربت منه وسط القذائف والصواريخ ~~فوجدته ولدها. نعم كان أخي. # وفي يوم سقوط المخيم نزلنا عن طريق الدكوانة، واقترب أحدهم ~~مني، وأخذ واحدا من إخواتي فضربه بالسلاح الذي بيده حتى نزفت ~~الدماء في وجهه، ثم أفرغ رصاص الكلاشن في رأسه، فتلفت علينا ~~كأنه يودعنا، وسقط على الأرض جثة هامدة. وأخذوا أخي الثالث ~~فتدخلت أمي لتنقذه وتقول لهم كفى اثنان، دعوه لي، إنه الصغير، ~~لكنهم لم يكترثوا، وأطلقوا النار عليه. # وحاولوا أن يأخذوني معهم، لكني رفضت. وظللت واقفة في ~~مكاني؛ لأني فضلت الموت. وتدخلت والدتي مستغيثة باكية. ~~لكنهم ساقوها وأطلقوا النار عليها فأردوها قتيلة، وانتهزت ~~الفرصة فحملت إخوتي الصغار وجريت هاربة ...» # عنوان: # فاطمة الموسى، 45 سنة، أم لثمانية أطفال. ~~«فقدت ثلاثة من أبنائي، مع العلم بأن زوجي هجرني، ولم ~~يساعدني بشيء.» # عنوان: # فاطمة بدران، 36 سنة، أم لتسعة أبناء. ~~«جرحت أثناء نقل المياه. وبعد يومين استشهد زوجي وابني ~~وعمره 16 سنة. واعتنت بي ابنتي سميرة. وكانت تشترك في نقل ~~الجرحى تحت القصف الشديد، فأصيبت في رقبتها واستشهدت على ~~الفور. # وعند سقوط المخيم خرجت مع أبي وأمي وبقية أطفالي، فأخذوا ~~أبي وقتلوه. والتفت لأراه فرأيته والدم يفور من جسده وفمه ~~وهو ينتفض على الأرض. وكذلك الشباب الثمانية ms116 الذين كانوا ~~يرافقوننا، قتلوهم جميعا. ورأيت شابا صغيرا برفقة أمه، ~~فأخذه المسلحون وكان يقف على الحائط حيث درزه المسلح على ~~رأسه حتى قدمه فصرخ، وصرخت المسكينة أمه، فضربوها بأعقاب ~~البنادق ودفعونا في اتجاه الفندقية. # بحثنا عن سيارة تأخذنا إلى المتحف، فطلب منا السائق 300 ليرة ~~للراكب. وكنا نرتجف من الخوف، ولم يكن معنا المبلغ، فانتظرنا ~~سيارة أخرى طلب سائقها 100 ليرة للراكب، فصعدنا وسار بنا حتى ~~المتحف. وهناك أوقفونا على الحائط، وأمرونا أن نهتف لبيار ~~الجميل، وأخذوا أربع فتيات. وكانوا يمسكون الفتاة من يدها ~~ورجلها ويرمون بها في السيارة، ثم أخذوا ابنة عمي إلى غرفة ~~مجاورة وكانت حاملا، فأجبروها على خلع ثيابها، وحاولوا شق ~~بطنها ...» # عنوان: # فوزية شحرور، 30 سنة. ~~«... رأيتهم يبقرون بطن حامل في شهرها الأخير، فخرج الطفل ~~أمامنا من بطنها، وماتت المرأة على الفور. وذعر الجميع، ولم ~~يستطع أحد النظر إلى الخلف ...» # عنوان: # زينب أم علي، 40 سنة، أم لعشرة أطفال (بقية). ~~«... أخذ مني بناتي ~~الاثنتين بعد أن هددني؛ وذلك ليعتدي عليهما، فعرضت عليه كل ~~ما عندي من مال، وجريت للمسئول عنهم قبلت رجله، وقلت له ~~كل شيء إلا الكرامة. بعد أن كان عرى بناتي أمام عيني ~~تماما. قلت له لماذا تفعل هذا، يكون ما عندك ضمير إذا ما ~~بترشنا نحن العشرة. أتى أحدهم وقال له اتركها. ثم جلبوا سيارات ~~الشحن. صعدنا في الشاحنة أنا وأولادي، ونحن مارون كانوا ~~يلقون علينا الماء الوسخ ويضربوننا بالأحذية. وكنا نمشي على ~~جثث الشباب والبنات. رشوا 18 شابا عند المتحف، ولم يتركوا ~~غير الأطفال والنساء. كانوا يسألون المرأة: كيف تريدين أن يموت ~~زوجك، رشا أم ذبحا؟ وكانت امرأة الدوقي تجر أولادها ~~فأوقفوها، وقالوا لها ضمي ابنك فلم تقبل وأخذت تبكي، فضربها ~~أحدهم بكعب الكلاشن وقتل ولدها. وجروا أبو ياسين وقتلوه وسط ~~الناس وحركوا السيارة عليه وفلخوه. وجلبوا سليمان المسئول ~~العسكري للجبهة وربطوا رجليه بالكميون وشمطوه ...» # عنوان: # واحدة خافت من ذكر اسمها. ~~«كنت أنا وزوجي وأهلي جالسين في المنزل فسمعنا صوت طيران، ~~فهرعنا ms117 نحن ومن حولنا من الجيران إلى الملجأ. وبعد قليل ~~رأيت زوجي ومعه ثلاثة شبان يقولون: لا تخافوا هذا ليس طيران ~~إسرائيلي، إنه طيران سوري. لا تخافوا، اخرجوا إلى منازلكم. ~~وخرجنا من الملجأ فكان الطيران يحلق فوقنا فلم نخف؛ لأننا ~~عرفنا أنه طيران سوري، وأخذنا ننظر إليه، ويا لهول ما كان ~~ينتظرنا! فقد أخذ يقصف تلة المير، وعندها بدأت ~~المجزرة.» # عنوان: # عفاف محمد، 32 سنة، أم لسبعة أطفال بقي منهم 3 ~~(بقية). ~~«... حملت طفلتي الصغيرة التي لم يكن عمرها أكثر من أسبوعين، ~~وابنتي سونيا وعبير التي عمرها سنتين فقط، والباقون أمسكوا ~~بذيل فستاني. وعلى الطريق أصبح أولادي بغير أحذية، مروا فوق ~~الردم والزجاج، وسال الدم من أرجلهم إلى أن وصلنا مدرسة ~~الفندقية. وهناك بقينا من الرابعة صباحا حتى الثانية بعد ~~الظهر. وجاع أولادي. ولن أنسى ما حييت صوت عبير وهي تقول لي: ~~ماما بدي زعتر بالصحن ...» # عنوان: # فاطمة محمود، 45 سنة. ~~«... أخذوا الشباب وصفوهم صفا واحدا ووجوههم إلى الحائط، ~~وبدءوا يضربوهم بمدقات الكبة على ظهورهم حتى وقعوا على الأرض ~~مغشيا عليهم. وأمروا البعض أن يركع، والبعض الآخر أن يقف ~~وظهره إلى الحائط، ورشوا النيران على الراكعين أمام ~~الواقفين، ثم أشعلوا النيران ووضعوا فيها قضبانا من الحديد ~~حتى احمر لونها، ثم وضعوها بشكل صليب على بطون الواقفين. ~~وبعدها ربطوهم في حبال وربطوهم بالسيارات وأخذوا يطوفون بهم ~~الشوارع، ونساء تلك المنطقة تزغرد لهم وتغني ...» # عنوان: # جميلة قاعور، 33 سنة، أم لأربع بنات. ~~«... وصلنا إلى المدرسة الحديثة، وقاموا بتفتيشينا وكان معهم ~~ضابط سوري، وجدوا معي 75 ليرة فأخذوها. ثم حضر الكميون وطلع ~~أولادي ثم والدتي ووالدي، وأخيرا أنا، فسألتهم عن بناتي ~~فقالوا: إن اثنتين منهما فقدتا بين حشود النساء والأطفال. ~~أخذت أبحث عنهما داخل الكميون بشكل جنوني وأنا أصرخ فزعا. ~~وبعد لحظات وجدتهما تحت الأرجل؛ الأولى كانت فارقت الحياة ~~وازرق جسدها، والثانية على وشك ذلك. فأخذت أسعفها حتى ~~استطعت إنقاذها. # أنزلونا عند السيار. وأردت أن أحضر جثة ابنتي من الكميون ~~فرفض المسلحون وهددوني بالقتل. ms118 ووضعوها في رأس الأرزة ~~وهم يقولون: تعالي خدي بنتك أعطيها لأبو عمار. ثم أخذوا يطلقون ~~الرصاص علينا رغم أننا كنا قريبين من السوريين والليبيين في ~~قوات الأمن العربية التي لم تحرك ساكنا، بل طلبنا من هذه ~~القوات قليلا من الماء للأطفال، فرفضوا وقالوا: الآن تعرضونا ~~للمشاكل، اشربوا من مكان آخر. فابتعدنا حتى حضرت سيارات ~~تابعة للمقاومة، فركبناها ونحن نصرخ ونبكي وننادي: خسارة على ~~شباب تل الزعتر.» # عنوان: # فوزية مصطفى حسين، 16 سنة. ~~«كان طفل يصرخ ويبكي من الجوع فطلبوا من والدته أن تسكته ~~لكنه لم يسكت، فقال لها الكتائبي: أنا سأسكته. أعطني إياه. ~~وأخذه منها ورماه بعيدا ليسقط جثة هامدة، ثم قال لها: الآن ~~سكت.» # عنوان: # عفاف محمد، 32 سنة، أم لسبعة أطفال بقي منهم 3 ~~(بقية). ~~«... أحضروا شاحنات كبيرة عالية لنقل الأهالي فهرعت النساء ~~مع أولادهن، ومن كثرة الأهالي الذين هرعوا إلى السيارة وقف ~~الكبار فوق الصغار. وعندما انتهيت من رفع أولادي إلى الشاحنة ~~حاولت أن أطلع أنا، لكن السائق سار، فرجوته، لكنه رفض، وقال ~~لي أن أطلع بشاحنة أخرى. وفعلا تم ذلك، ووصلت المتحف قبل ~~الأولاد، وانتظرت هناك حتى جاءت الشاحنة ونزل الجميع ما عدا ~~أولادي. وفي النهاية نزل أخي وعمره 12 سنة، وابني فيصل وعمره ~~خمس سنوات، وابنتي نورما وعمرها أربع سنوات. وسألت عن الباقي، ~~فقال أخي: إن الركاب داسوا عليهم مما أدى إلى استشهاد سهام ~~وعمرها 3 سنوات وعبير وعمرها سنتين. أما سونيا وعمرها تسع ~~سنوات فقد فقدت ولا أدري لغاية الآن أين هي، حية أم ميتة. ~~وبالمثل فقد زوجي.» # عنوان: # مريم يعقوب، 45 سنة. ~~«... يوم الخروج كان أولادي الاثنان معي، قلت لهم: امشوا ~~أمامنا. ورأيت فتاة مقتولة، وبعدها رأيت ابني مقتولا هو ~~وعدة شباب، فبكيت. وقال لي زوجي العجوز: الآن تبكين ولدنا ~~وبعد هذا تبكينني أنا. # وفي الفندقية فتشونا بحثا عن المال والذهب، ثم جاءت ~~الشاحنات لتقلنا، وصعد الانعزاليون مؤخرة الشاحنة ليروا إذا ~~كان هناك رجل بين النساء والأطفال، فأنزلوا زوجي وأخذوا ما معه ~~من ms119 مال ثم قتلوه. وعلى حاجز آخر أنزلوا الأطفال وبينهم ولدي ~~محمد، وعندما رأيت الانعزالي نزل من الجانب الآخر خبأته تحتي. ~~وجلست فوقه حتى مشت الشاحنة ...» # عنوان: # رندة إبراهيم الدرقي، 14 سنة. ~~«... كانت القطط في تل الزعتر سمينة جدا لأنها كانت تأكل ~~الجثث. وكانت خطرة؛ لأنها كان يمكن أن تهاجم الناس بعد أن ~~تعودت على أن تأكلهم. وكان مقاتلونا يطلقون عليها ~~النار.» # عنوان: # أم نبيل، 45 سنة، أم لعشرة أبناء. ~~«... كنت أقوم بعجين الخبز للمقاتلين مع مجموعة من نساء ~~المخيم عندما علمت باستشهاد ابني كايد وعمره 22 سنة، ~~فأكملت عجيني وذهبت إلى مكان جثته وقبلته وتركته ورجعت. ~~ولم أخبر إخوته حتى لا تنهار عزائمهم. # وبعد أسبوع علمت باستشهاد ابني فارس وعمره 25 سنة، ~~وتحملت. لكن قلب الأم لم يتحمل أكثر، فصبرت نفسي بنفسي؛ ~~لأني كنت قدوة لأمهات الشهداء. وخرج ابني نبيل عن طريق ~~الجبل. ولغاية اليوم لم أعرف عنه شيئا. واقتحموا المخيم ~~وأنا به وابني خالد وعمره 14 سنة، فصفوا الرجال وأخذوا ~~البنات وفتشوا النشاء تفتيشا مخجلا. وجاء دوري فسألوني من ~~أين لي مثل هذا الولد لأنه أشقر وعيونه خضر وأنا سمرة وقالوا: ~~حرام يكون عند الفلسطينيين مثله. فأجبتهم بصوت كله تحدي: هذا ~~فلسطيني، ابني أنا، ابن فلسطين، وما إن انتهيت من كلامي حتى ~~أطلقوا الرصاص عليه، ولم أهتز بل تسمرت في مكاني، وأمروني ~~أن أدوسه فرفضت، وقلت لهم أعرف هذه النهاية، وهذا قدرنا، ولن ~~نركع أبدا وما زال لنا طفل يرضع.» # عنوان: # مريم يعقوب، 45 سنة (بقية). ~~«... ووقفنا عند حاجز آخر وأنزلونا للتفتيش، وكان معي قليل من ~~السكر والملح داخل إبريق الشاي وكثير من الصور لأولادي وأوراق ~~أرضنا في فلسطين داخل علبة ...» # عنوان: # ثريا قاسم، 48 سنة، أم لخمسة أولاد. ~~«... كان عندي ولد الله يرحمه، اسمه محمد. وكان عمره يقبرني شي ~~18 سنة. وكان متحمس كثير، وما كان يشيل السلاح من إيدو. والله ~~كتبلوا يستشهد في 2 / 7 / 76، بساحة الشرف والبطولة، وبعدها شي ~~أسبوع استشهد ابني التاني إبراهيم، وكان بعد ms120 ما خلص ال 14 ~~سنة، حزنت كثير، حزنت عليهم حزن أي أم وكمان لأن ما عاد عندي ~~شباب أقدمهم ليقاتلوا ويدافعوا عن كرامتنا. زوجي رجال كبير ~~وحالته على قدو. # أما بناتي الله يستر عليهم مطرح ما هن، كان عندي ثلاث بنات؛ ~~لميا (20 سنة) وعايدة (22 سنة) وديية (17 سنة) كانوا يساعدوا ~~بنقط الإسعاف وبعدين طلعوا الجبل. ولحد الآن ما سمعت أي خبر ~~بالعاطل أو بالمنيح عنهن. مش عارفة إذا استشهدوا أو بعدهن ~~طيبين ...» # عنوان: # رندة إبراهيم الدوقي، 14 سنة (بقية). ~~«... في الليلة الأخيرة تمكنا من الاتصال بياسر عرفات ~~باللاسلكي وسألناه عما نفعل فقال: لا تستسلموا ...» # عنوان: # واحدة لم تذكر اسمها. ~~«... الزعتر كان آخر معقل في المنطقة المسيحية، وكان واضح أن ~~النصر للانعزاليين بسبب تأييد سوريا وإسرائيل لهم، وعزلة التل ~~عن مناطقنا. وكان من الممكن التفاوض على استسلام مبكر. وبدلا ~~من ذلك استشهد أكثر من ألفي فلسطيني ولبناني دون ~~ضرورة.» # عنوان: # وطفة شحادة ضاهر، 35 سنة، أم لسبعة أولاد. ~~«كان واضحا للجميع أن المخيم سيسقط؛ لأن الجرحى والشهداء ~~كانوا أكثر من المقاتلين، ولم يبعث لنا إخواننا في الغربية ولا ~~مقاتل واحد، أو ذخيرة للمدفعية والأسلحة الأخرى، بدلا من الذي ~~فقدناه في الهجمات الانعزالية التي زادت على 58 ~~هجوما.» # عنوان: # نزهة حسن الدوقي، 65 سنة، أم لخمسة أبناء وجدة لعشرة ~~(بقية). ~~«... شو عملنا عاطل يا خالتي ما بعرف، حتى إنه نموت عشان نرجع ~~بلدنا. ممنوع؟ شو بدهم منا .. يفنونا؟» # 16 # رحب بنا جاك ليروت وزوجته بحرارة، وجعل يردد بالعربية وهو ~~يضحك: أهلين .. أهلين. # كان متوسط القامة مثل أغلب الفرنسيين، في حوالي الخامسة ~~والثلاثين، تطل من عينيه الباسمتين نظرة ساخرة، ويضحك دائما ~~بلا سبب ظاهر. وكانت زوجته سوداء الشعر مليئة، تبدو أكبر منه في ~~العمر. # تقدمانا إلى غرفة متسعة، تضيئها المصابيح الجانبية. وصافحت ~~مروان، ذا الشارب الكث، وزميله السينمائي، وشابا آخر ذا لحية ~~ثقيلة غطت كل وجهه. # جلست في مقعد وثير ذي مسندين من الخشب المصقول. وخاطبني جاك ~~ضاحكا في عربية سليمة ms121 ليس بها أثر للكنة أجنبية: نحن نلتقي ~~دائما بالصدفة. # قلت: آخر مرة كنت تدرس مآذن القاهرة. # ضحك بصوت عال وقال: أنا أدرس الآن اللهجة اللبنانية. # وتحول إلى أنطوانيت متسائلا: كيف حال الفيلم؟ # أجابت: منيح، ماشي الحال. # قال غامزا بعينه في اتجاهي، وهو ينحني على طاولة صغيرة صفت ~~فوقها زجاجات الشراب: أكيد؟ # ملأ لكل منا كأسا من الجين، ثم تقدم من ستريو كبير يعلوه ~~غطاء من البلاستيك الشفاف وقال: فيروز أم أم كلثوم؟ # قلت: باخ. # ضحك وهو يقلب في مجموعة من الأسطوانات: هذا هو سر فشل اليسار ~~العربي؛ الجري وراء الثقافة الأوروبية والانفصال عن الشعب. # قلت محتجا: باخ ملك للجميع. # التقط إحدى الأسطوانات قائلا: ما رأيك في شيء معاصر قريب من ~~باخ ومن الموسيقى العربية أيضا؟ هل سمعت جاريت؟ # هززت رأسي نفيا، فوضع الأسطوانة فوق الجهاز، وثبت إبرته على ~~حافتها، ثم عاد إلى مقعده. # اشتبكت انطوانيت في حديث بالفرنسية مع زوجة جاك، ووجه الأخير ~~حديثه إلى مروان وهو يشير بإصبعه إلى ورقة استقرت فوق طاولة ~~أمامه: العريضة بهذه الصورة لن تنشرها صحيفة واحدة في ~~فرنسا. # تعلقت به عينا مروان في تركيز، بينما سأله الشاب الملتحي في ~~تحد: لماذا؟ # ضحك وأجاب: لأنها تتحدث عن اعتقال بضع عشرات من اليساريين ~~بينما هناك آلاف من المعتقلين الآخرين في سوريا، من الإخوان ~~المسلمين وغيرهم، ثم إنها لا تحدد المسئولية بوضوح. كلنا نعرف ~~أنه لولا الاتحاد السوفييتي لتهاوى النظام السوري. والعريضة لا ~~تشير إلى ذلك بحرف. # أطرق مروان برأسه قائلا: أنا معك. لا بد من تغيير صيغة ~~العريضة. # قال الشاب الملتحي بحدة: هذا مستحيل. # تدخلت أنطوانيت في الحديث قائلة: إذا تغيرت صيغة العريضة ~~فسأسحب توقيعي من عليها. # ضحك جاك وقال: ليس من الضروري تغييرها. يمكن إعداد صيغة مختلفة ~~للنص الفرنسي. # تابعت النقاش وأنا أنصت للموسيقى. كانت قريبة الشبه بمعزوفات ~~آلة القانون العربية. لكن بناءها كان مركبا، يتصاعد بين الحين ~~والآخر حتى ليوشك أن يبلغ الذروة، وعندئذ يتراجع إلى نقطة ~~البداية، ليبدأ محاولة جديدة لبلوغ القمة. # دعتنا ms122 زوجة جاك إلى مائدة صفت فوقها مجموعة كاملة من الصحاف ~~والأواني الخزفية ذات الحواف المذهبة. وبدأنا بالحساء ثم تتابعت ~~بقية الأصناف وفقا للترتيب الكلاسيكي. وانتهينا بالقهوة والكونياك ~~في الغرفة الأولى. # قال جاك وهو يلتقط لفافة صغيرة في حجم علبة الثقاب، من صندوق ~~للسيجار، ويضعها على الطاولة: هل تعرفون أن الذكرى الثالثة لزيارة ~~السادات للقدس تحل غدا؟ # تناول مروان اللفافة وفض غلافها الشفاف ثم قربها من أنفه ~~وقال: هذا نوع جيد. # عقب جاك: جاءني أمس من بعلبك. # التقط من صندوق السيجار مسمارا خشبيا قدمه إلى المخرج ~~السينمائي. وبحركة مدربة أولجه الأخير في طرف سيجارة، وجعل ~~يحركه إلى الداخل والخارج، ثم اقتطع من لفافة الحشيش حمصة، دعكها ~~جيدا بين أصابعه، وفتلها بين راحتيه، ثم دفعها داخل السيجارة في ~~الفراغ الذي صنعه المسمار. وقدم السيجارة إلى زوجة جاك وأشعلها ~~لها. # أخذت الفرنسية نفسا عميقا من السيجارة، جعل طرفها يتوهج ~~مسافة تربو على السنتيمتر، ثم أعطتها أنطوانيت وقالت: كنت في ~~القاهرة هذا الربيع عندما وصلها السفير الإسرائيلي. كان مشهد ~~سيارته وهي تجتاز وسط المدينة رافعة العلم الإسرائيلي مشهدا ~~مذهلا بحق. # سألها مروان بالفرنسية: وماذا كان موقف الناس؟ # قلبت شفتها وقالت: لم يكن هناك جمهور كثير. وكانت السيارة ~~تسير بسرعة. وكان رجال الشرطة يقفون على جانبي الطريق في أعداد ~~غفيرة. # قال السينمائي وهو يحرك المسمار في سيجارة جديدة: لو جاء إلى ~~دمشق لخرجت الجماهير مرحبة. # ضحك جاك وقال: كل هذا لأنهم منعوا لك الفيلم. # قال السينمائي: أي شيء أهون لدينا الآن من الأسد ~~وأعوانه. # أخذت نصيبي من السيجارة المحشوة وقدمتها إلى جاك فسألني: ~~هل وجدت ناشرا لكتابك؟ # قلت: ليس بعد. # قال وهو يرمقني بنظرة فاحصة: هذه هي الأنظمة العربية. # كانت دقات البيان ما زالت تجاهد للوصول إلى الذروة. ويبدو أنها ~~أشرفت عليها؛ فقد صاحبتها فجأة آهة بشرية ناطقة بالألم أو ~~اللذة أو كليهما معا. # سألت جاك: هل ستبقى طويلا في بيروت؟ # أجاب: ربما. لا أعرف. سأعود إلى فرنسا بعد شهرين لأشترك في ~~الحملة الانتخابية. # تطلعت ms123 إليه متسائلا، فقال: أنا عضو في الحزب الاشتراكي. ~~وهناك فرصة كبيرة أمامه هذه المرة. ولو نجحنا في الانتخابات لأصبح ~~ميتران رئيسا. # ضحك ثم أضاف: ماذا .. ألا يعجبك ميتران؟ # قلت: أليس هو الذي أعلن أن العدوان الإسرائيلي عام 1967، هو ~~حرب وقائية شنتها إسرائيل دفاعا عن النفس؟ ~~- لا تريد أن تنسى أبدا؟ أليس كذلك؟ ~~- ولماذا يجب أن ننسى؟ # تشاغل بتناول السيجارة من مروان، فجذب منها عدة أنفاس وقدمها ~~إلي. أخذت نفسين ومددت بها يدي إلى أنطوانيت. # استقرت أناملها فوق أصابعي لحظة، ثم أحاطت بالسيجارة وجذبتها ~~في بطء في اتجاه أظفاري دون أن تتخلى عن ملامستي. # تكررت الآهة البشرية المصاحبة لنغمات البيان. وكان الخدر قد ~~سرى في ساقي، وازداد إحساسي بالموسيقى إرهافا. # أعلنت أنطوانيت فجأة أنها مضطرة للانصراف كي تعود إلى منزلها ~~في المنطقة الشرقية. وعرضت عليها زوجة جاك أن تقضي الليلة عندهما، ~~فرفضت بإصرار قائلة إن أمها ستنزعج إذا تغيبت عن المنزل. ~~وتطلعت نحوي بعينين لامعتين فنهضت واقفا وأنا أقول: طريقنا ~~واحد. # أطرقت برأسها، وقالت: سأوصلك. # رافقنا جاك وزوجته إلى الباب الخارجي. وما إن خطونا إلى الشارع ~~حتى لفح الهواء البارد وجهينا، ترنحت أنطوانيت فأمسكت بذراعي ~~وأسندت رأسها إلى كتفي. # سألتني: هل يمكنك أن تقود السيارة؟ # أجبت: لا. لماذا؟ # قالت: أشعر بالدنيا تدور بي. ~~- نترك السيارة ونأخذ تاكسي. ~~- لن نجد واحدا في هذه الساعة. لا. سأقود أنا. # أخرجت سلسلة مفاتيح من حقيبة يدها وركبنا السيارة. بحثت طويلا ~~عن مفتاح المحرك إلى أن وجدته، فأدارته وانطلقت بالسيارة في ~~حركة مفاجئة دفعت بي إلى الخلف في عنف. # قلت: على مهلك. ~~- لا أظن أن سأتمكن من السير حتى الشرقية. ~~- باتي عندنا. # وجهت اهتمامي إلى الطريق متوقعا كارثة في أي لحظة. لكن ~~الشوارع كانت خالية، ولم نلبث أن عبرنا الحمرا، واتجهنا إلى مسكن ~~وديع. # أوقفت السيارة أمام المنزل، ومالت برأسها على المقود وهي ~~تقول: نفسي أنام. # قلت: اصعدي معي ونامي عندنا. # قالت: الظاهر أن هذا هو ما سيحدث. # خطوت إلى الخارج وانتظرتها حتى غادرت السيارة، وأغلقت ms124 ~~بابها بالمفتاح، ثم تقدمت من الباب وناديت على أبو شاكر، ففتح ~~لنا بعد لحظات. # كان المصعد في الطابق الأرضي فولجناه. وأمسكت بساعدها عندما ~~أوشكت أن تتعثر في العتبة، ثم أغلقت الباب وضغطت الزر. # أمالت رأسها على كتفي، فأحطتها بذراعي، ورفعت إلي وجهها ~~فتطلعت في عينيها. # قالت: متأكد أني لا أسبب إزعاجا لك أو لوديع؟ # قلت: متأكد. # كانت عيناها عاجزتين عن التركيز كعيون السكارى. وكان فمها ~~قريبا من فمي، وشفتاها منفرجتين، منداتين. # قالت: ألا تريد أن تقبلني؟ # توقف المصعد في هذه اللحظة، فجذبت مصراعه الزجاجي ثم دفعت ~~الباب الحديدي، وغادرنا المصعد وأنا أخرج مفتاح المسكن من ~~جيبي. # طرقت الجرس أولا، ثم وضعت المفتاح في قفل الباب وأدرته. ~~وشعرت بالباب يجذب من الناحية الأخرى، ثم انفرج كاشفا عن ~~وديع. # تهلل وجهه لرؤية أنطوانيت، وأفسح لها وهو يقول: أهلين. # خطت إلى الداخل قائلة: عليكم أن تتحملوني الليلة. # أحاطها وديع بذراعه وطبع قبلة على عنقها ثم قال: الليلة ~~فقط؟ # وجه إلي الحديث وهو ما زال يضمها إليه: أيام الحرب كان ~~الواحد إذا هبط الليل، يبيت أينما يكون. # تخلصت منه في رفق، واتجهت إلى الحمام دون أن تستفسر عن ~~مكانه. وتبعت وديع إلى الصالة بعد أن أغلقت باب المسكن، وشعرت ~~من حركاته أنه ثمل. # أمسك بزجاجة فودكا على الطاولة وسألني: أصب لك؟ # هززت رأسي نفيا وأنا أرتمي على الكنبة، فصب لنفسه كأسا ~~وأضاف إليها شيئا من عصير البرتقال. وقال بعد أن أخذ منها رشفة: ~~الليلة مفترجة. # عادت أنطوانيت من الحمام بعد أن غسلت وجهها، فعرض عليها ~~الفودكا لكنها اعتذرت. # قال: عندي حشيش لو أحببتما. # قالت: أفضل فنجان قهوة. # قمت واقفا وانا أقول: وأنا أيضا. سأعملها. # مضيت إلى المطبخ فأشعلت الموقد، ووضعت كنكة القهوة على النار. ~~وانتظرت حتى غلت فصببتها. وحملت الفناجين في صينية إلى ~~الصالة. # وجدت وديع منهمكا في إعداد سيجارة محشوة، بينما أسندت ~~أنطوانيت رأسها إلى راحتها وشردت. وضعت فنجانا أمامها، وجلست ~~على الكنبة أحتسي فنجاني. # انتهى وديع من حشو السيجارة فأشعلها وقدمها إلي. ms125 أخذت منها ~~نفسين وأعطيتها لأنطوانيت التي أخذت نفسا ثم أعادتها ~~إليه. # جذب عدة أنفاس في استمتاع، ثم قدم السيجارة إلي، فاعتذرت ~~قائلا: لقد دخنت بما فيه الكفاية، وأريد أن أدخل لأنام. # قالت أنطوانيت: أنا أيضا لا بد أن أنام الآن؛ لأتمكن من العمل ~~في الصباح. # أتى وديع على السيجارة، ثم قام إلى غرفته وعاد بجلباب واسع ~~قدمه إلى أنطوانيت. # قلت: سأترك غرفتي لأنطوانيت وأنام في الصالة. # قالت: لا يمكن أن أحرمك من غرفتك. # قال وديع: سأنام أنا في الصالة وتنام أنطوانيت في غرفتي. # قالت: المشكلة أني لا أستطيع النوم وحدي. لن يغمض لي جفن طول ~~الليل. # قال وديع وهو يحيط كتفها بذراعه: إذن تنامي معي في غرفتي، فيها ~~سريران. # كان في غرفتي أيضا سريران، لكني لم أفه بكلمة. وتركتهما إلى ~~الحمام فاغتسلت، ثم مضيت إلى غرفتي فخلعت ملابسي، وارتديت ~~البيجامة. # استلقيت على الفراش. وبعد قليل شعرت بالعطش فغادرت الغرفة ~~إلى الصالة ثم المطبخ. كان باب غرفة وديع مفتوحا والنور مضاء. ~~ولمحت أنطوانيت بملابسها الداخلية في منتصف الحجرة. وعندما كررت ~~عائدا بكوب من الماء، رأيت باب الغرفة مغلقا. # 17 # الفصل الخامس من الفيلم # جنين، نابلس، القدس، أريحا، بيت لحم، الخليل، الأعلام ~~السوداء ترفرف فوق مدن الضفة الغربية المحتلة لنهر الأردن، ~~لافتات تنعى شهداء تل الزعتر، عربات الجيش الإسرائيلي تجوب ~~الشوارع والميادين، سيارات اللاسلكي في الساحات وعند مفارق ~~الطرق (ملحوظة لي: أصبحت سيارات الجيب العسكرية الإسرائيلية، ~~ذات القاعدة المنخفضة، مميزة تماما بمثل ما كانت موتوسيكلات ~~الجستابو ذات المقاعد الجانبية). # الطريق المؤدي إلى جبل لبنان، مدرعات سورية تتقدم وهي ~~تطلق مدافعها. # دائرة حول فقرة من بيان لكمال جنبلاط في جريدة «الأنباء»: ~~«معركة الجبل تقترب فاحملوا السلاح واصمدوا؛ فإن الصمود يعني ~~ألا نهتز كثيرا لسقوط هذا الموقع أو ذاك.» # إلى جوار الفقرة السابقة عنوانان: «جنبلاط يستعجل عقد مؤتمر ~~القمة العربية»، «أبو إياد ينتقد الصمت العربي إزاء العمل ~~العسكري السوري في صف الكتائب». # واشنطون، دين براون يتحدث إلى الصحفيين: «نحن نسعى لمنع ~~تحول لبنان إلى ms126 اليسار.» و«إسرائيل عامل أساسي في الموقف، ~~وهي تزود الموارنة بالسلاح.» ~~- دائرة حول فقرة من مجلة تايم الأمريكية الصادرة في 3 ~~سبتمبر (أيلول) 1976م «في شهر مايو (آيار) الماضي نزل ~~الكوماندوز الإسرائيلي في ميناء جونية .. فانتشرت قوات ~~الطرفين على حد سواء، وعملت على تأمين مساحة للهبوط، ~~وارتفعت طائرة هليكوبتر على سطح سفينة شحن تقف قرب الشاطئ في ~~حراسة أسطول صغير، وكانت تحمل المسئولين الإسرائيليين؛ ~~وزير الدفاع بيريز ورئيس الوزراء رابين. وتم اللقاء مع ~~زعماء الموارنة في نقطة تحول حقيقية في علاقات ~~إسرائيل.» # بيروت، جنبلاط للصحفيين: «وضعنا رأسنا في كفة ~~الميزان.» # عنوان في صحيفة لبنانية: «أول بيان سوفييتي يدعو القوات ~~السورية إلى الانسحاب من لبنان». # تصريح لإيجال آلون في صحيفة دافار الإسرائيلية: «لقد أحرق ~~لهيب الحرب الأهلية في لبنان، الفكرة الخيالية لمنظمة التحرير ~~بشأن تصفية إسرائيل عن طريق إقامة الدولة العلمانية ~~الديمقراطية، العربية اليهودية، التي ستحل محل ~~إسرائيل.» # دائرة حول فقرة من مجلة أمريكية: «إن نساء القاهرة اللاتي ~~يتغطين من قمة الرأس إلى أخمص القدم ما زلن أقلية، وبالمثل ~~تلك الجماعات التي تدعو إلى معاملة الأقباط باعتبارهم «أهل ~~ذمة» كما كان الأمر في الإمبراطورية الإسلامية منذ عشرة قرون. ~~وهؤلاء كانوا محرومين من المواطنة الكاملة؛ أي كانوا مواطنين ~~من الدرجة الثانية، يدفعون الجزية أو يدخلون في ~~الإسلام.» # عنوان في صحيفة «صوت النمور» الناطقة باسم شمعون: «نظرية ~~التعايش في فلسطين سقطت في لبنان». # مبنى قوات النمور، شمعون يستعرض ثلاثة آلاف مقاتل كتائبي ~~بالملابس السوداء في حفل تخرجهم، يخطب قائلا: «الحرب ~~طويلة، وما زلنا في بداية الطريق.» # مسلح لبناني يحمل مدفعا ويحيط ساعده بشارة الأرز، يقول ~~بالفرنسية في مقابلة سينمائية تجريها الممثلة الإنجليزية ~~فانيسيا ريدجريف: «على كل لبناني أن يقتل ~~فلسطينيا.» # بيار الجميل وكميل شمعون وسليمان فرنجية يمرقون من بوابة ~~قصر قديم، ينضم إليهم شربل قسيس في بهو فاخر الرياش. # عنوان في صحيفة الكتائب: «تشكيل قيادة عسكرية موحدة ~~برئاسة بشير الجميل». # عنوان في «السفير»: «جنبلاط يدعو الفلسطينيين إلى الانتظام ~~وتشكيل حكومة مؤقتة». # عنوان في صحيفة: ms127 «جورج حبش، زعيم منظمة الجبهة الشعبية ~~لتحرير فلسطين، ينتقد تردد الحركة الوطنية في إقامة سلطة ~~شعبية». # عنوان في صحيفة: «موسكو تنتقد اليمين المتطرف واليسار ~~المتطرف في لبنان». # عنوان في صحيفة: «نايف الحواتمة، زعيم الجبهة الديمقراطية ~~لتحرير فلسطين، يقول: الحسم العسكري مستحيل». # عنوان في صحيفة: «حبش يقول: لا تسوية، وسنقيم هانوي ~~عربية». # عنوان في صحيفة: «إغلاق خامس صحيفة في الكويت بعد حل ~~البرلمان وتعطيل الدستور خوفا من اللبننة». # قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا، الرئيس الجديد إلياس سركيس ~~يصعد الدرج. # عنوان: ~~«في 21 / 9 / 1976، تسلم سركيس الرئاسة من فرنجية، ~~وعلى الفور دعا المقاومة الفلسطينية إلى الانسحاب من ~~الجبل.» # ياسر عرفات للصحفيين: «لا نطلب إلا أن يؤمن ظهرنا ولا ~~يساوم بنا أو علينا.» # عنوان في صحيفة: «نمور شمعون يطلقون النار على سيارة جنبلاط ~~بعد اجتماعه بسركيس». # عنوان في صحيفة: «اعتداء على السفينة التي أقلت جنبلاط إلى ~~قبرص». # دمشق، حافظ الأسد يخطب في جنود «سرايا الدفاع»: «جهودكم في ~~لبنان وتصديكم للمتآمرين حالت دون تقسيم لبنان.» # بيروت الغربية، طرابلس، صور، صيدا، احتفالات بالذكرى السادسة ~~لرحيل جمال عبد الناصر. # عنوان في صحيفة: «وكالة نوفوستي السوفييتية للأنباء في ذكرى ~~رحيل جمال عبد الناصر: غيابه ملموس بقوة». # عناوين صحف: «القوات السورية تدخل معظم قرى الجبل والقوات ~~الوطنية المشتركة تقاتل وتتراجع»، «حصار بحري إسرائيلي لصور ~~وصيدا يمنع وصول المؤن والأسلحة للقوات الوطنية»، «المجلس ~~السياسي للحركة الوطنية ينتقد الصمت العربي والقصور الدولي ~~التقدمي». «بشير الجميل يعلن: سنحرر لبنان حتى لو ~~توقف السوريون». # عنوان في صحيفة: «ياسر عرفات إلى المقاتلين: إلى السلاح؛ ~~فالنصر آت». # دمشق، الرئيس الأسد يوجه كلمة بالتليفزيون في ذكرى حرب ~~أكتوبر/تشرين: «مصممون على الاستمرار في مساعدة لبنان ~~لإنقاذه من آلامه والحفاظ على استقلاله ووحدته، وإنقاذ ~~المقاومة الفلسطينية.» # دائرة حول سطور من صحيفة سوفييتية: «أحداث لبنان وضعت موضع ~~الشك وطنية الأنظمة العربية تجاه فلسطين». # مطار الرياض، الملك خالد يستقبل السادات، الأسد، سركيس، ياسر ~~عرفات، أمير الكويت. # بيروت، جنبلاط للصحفيين: «الموقف الآن في أيدي دول ~~النفط.» # عناوين ضخمة لصحيفة لبنانية: ms128 «مؤتمر الرياض يقرر وقف ~~إطلاق النار في لبنان ابتداء من 21 / 10 / 76م. المؤتمر يقرر ~~تحويل قوات الأمن العربية إلى قوة ردع بإمرة سركيس. القوة ~~الجديدة تتألف من 30 ألف مقاتل، عمادها القوات السورية (21 ألف ~~مقاتل) بالإضافة إلى الكتيبتين السعودية والسودانية». # صورة فوتوغرافية في صحيفة لاجتماع بين جنبلاط وأبو جهاد ~~قائد القوات المشتركة في الجبل وأحد أبرز زعماء «فتح»، أسفل ~~الصورة عنوانان: «أبو جهاد: الكل في الحرب الأهلية خاسر»، ~~«جنبلاط: أطالب الفلسطينيين بموقف موحد». # عنوان: ~~«وأخيرا توقفت الحرب.» # مجموعات من أهالي بيروت ترحب بمصفحات قوات الردع، ترحيب ~~ونحر خراف في الشوف وكسروان وجبيل، قوات الردع تعسكر بجوار ~~المؤسسات الرسمية، دباباتها تجوب الشوارع المدمرة. # عناوين الصحف: «عودة الهاتف بين منطقتي بيروت، الكهرباء ~~تعود 8 ساعات يوميا». # شارع في بيروت، جرافة تعمل في إزالة الأنقاض، في منتصف ~~الشارع متراس يتألف من سيارتي ركاب محروقتين. # غرفة في مستشفى، في الوسط فراش وحيد يرقد عليه الزعيم ~~الماروني المستقل، ريمون إدة، يدخل جنبلاط زائرا، عند خروجه ~~يصرح لأحد الصحفيين: «أتوقع محاولات اغتيال ~~جديدة.» # عنوان في صحيفة: «منظمة الصاعقة تهاجم الجبهة ~~الديمقراطية لتسترد مقرها في مبنى الاستديو». # عنوان: ~~«أعلن الصليب الأحمر السويدي، أن 700 ألف لبناني قد تضرروا من الحرب، وأن هناك ~~عشرة آلاف مفقود في لبنان. # وقدرت خسائر البرق والهاتف ب 110 ملايين ليرة. # وخسائر رأس المال في عامي 75 و76 ب 700 مليون ليرة. # والخسائر غير المباشرة في الدخل القومي بقطاع الصناعة ملياران و274 مليونا من ~~الليرات. # وخسائر قطاع الاستيراد خمسة مليارات و350 مليون ليرة. # وخسائر قطاع الصادرات ملياران و225 مليون ليرة. # وأمكن حصر 9000 تأشيرة من أستراليا للبنانيين. # وقدر أن الحرب خلفت ربع مليون يتيم.» # كمال جنبلاط للصحفيين: «أمريكا دفعت في الحرب 250 مليون ~~ليرة.» # مقر الأمم المتحدة في نيويورك، التصويت يجري على قرار انسحاب ~~إسرائيل من المناطق العربية المحتلة، وإنشاء دولة فلسطينية، ~~أجيز القرار بأغلبية تسعين صوتا مقابل ستة عشر صوتا. # دمشق، عبد الحليم خدام، وزير الخارجية السوري، للصحفيين: ~~«نزع السلاح ms129 يشمل المقاومة، مقياس الوطنية هو العلاقة مع ~~سوريا.» # أمين الجميل للصحفيين: «الموقف السوري وفر علينا مراحل ~~صعبة جدا.» # الشارع الذي يقع فيه منزل كمال جنبلاط في بيروت، بقايا ~~سيارة متفجرة قرب منزله، قطع لحم فوق فروع الأشجار، ~~الدماء تلوث سيارة بيضاء على مقربة، سيارة إسعاف تنقل ~~ضحايا الانفجار، طبيب يعلن لأحد الصحفيين: حتى الآن قتيلان، ~~و24 جريحا. # عنوان في صحيفة: «عناصر من منظمة الصاعقة تهاجم مكاتب صحف ~~«المحرر»، و«بيروت»، و«الدستور»، والمخابرات السورية تهاجم ~~مكاتب «السفير» وتعتقل عددا من محرريها وتنقلهم إلى أحد سجون ~~دمشق». # عنوان في صحيفة: «جنبلاط يطالب باستقالة العقيد أحمد الحاج، ~~ضابط المكتب الثاني الذي عينه سركيس قائدا لقوات الردع ~~العربية». # عنوان في صحيفة: «الكتائب ترفض إغلاق إذاعتها». # زغرتا، قصر فرنجية، الرئيس السابق للصحفيين: «لن نلقي ~~بارودتنا قبل أن ترجع الطمأنينة.» # عنوان في صحيفة: «الحركة الوطنية تبلغ قيادة الردع بمكاني ~~تجميع أسلحتها». # أبو مازن للصحفيين: «المقاومة لن تسلم أسلحتها، لكنها ~~ستنقلها من المدن إلى الجنوب.» # مجلة نوفل أوبزرفاتور الفرنسية، دائرة حول فقرة من حديث ~~لجنبلاط: «الفلسطينيون مارسوا علينا نوعا من الانتداب؛ ~~الإدارة العسكرية ووسائل العيش والاتصال كانت بأيديهم.» # عنوان في صحيفة: «بدأت الرقابة على الصحف ~~اللبنانية». # عنوان في صحيفة: «قيادة سياسية موحدة بين مصر وسوريا، ~~الاتفاق على عقد مؤتمر جنيف قبل أبريل (نيسان)، على أن يمثل ~~فيه الفلسطينيون بوفد مستقل». # الإسكندرية، مبنى الكاتدرائية المرقصية الكبرى. # عنوان: ~~«في 17 يناير (كانون الثاني) 1977، عقد الأقباط ~~المصريون في الإسكندرية أول مؤتمر من نوعه في تاريخ ~~مصر الحديث، حضره البابا شنودة، الذي اكتسب منذ ~~انتخابه للكرسي البابوي سنة 1971، شعبية كبيرة بين ~~الأقباط. وقد لعب دورا بارزا في تنظيم هذا المؤتمر، ~~الأنبا صموئيل، المسئول عن العلاقات الخارجية للكنيسة ~~القبطية. وبحث المؤتمر «حرية العقيدة»، و«حرية ممارسة ~~الشعائر الدينية»، «حماية الأسرة والزواج المسيحي»، ~~«المساواة وتكافؤ الفرص وتمثيل المسيحيين في الهيئات ~~النيابية»، «خطر الاتجاهات الدينية المتطرفة». # وقدم المؤتمر إلى السلطات عدة مطالب منها: «إلغاء ~~مشروع قانون الردة»، «العدول عن التفكير في تطبيق ~~قوانين مستمدة من الشريعة ms130 الإسلامية على غير ~~المسلمين»، «إلغاء القوانين العثمانية التي تقيد حق ~~بناء الكنائس»، «استبعاد الطائفية في تولي وظائف ~~الدولة على كل المستويات».» ~~«وفي نفس اليوم ...» # الصحف المصرية تحمل عناوين ضخمة: «إلغاء الدعم عن بعض السلع ~~استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، قائمة بخمس وعشرين سلعة ~~«تحركت» أسعارها». # عنوان: ~~«وفي الصباح الباكر لليوم التالي، 18 / 1 / 1977، ~~خرجت مظاهرات الاحتجاج على الزيادات الجديدة في ~~الأسعار في مدينة الإسكندرية، ثم انفجرت بعد ساعات ~~في القاهرة، ولم يكد النهار ينتصف حتى كانت المظاهرات ~~تجتاح مصر من أقصاها إلى أدناها. # وفي اليوم التالي، انضمت إلى المظاهرات بعض ~~العناصر التي اندفعت إلى النهب والتدمير. وزحفت ~~الجماهير الغاضبة في أسوان على الاستراحة التي يوجد ~~بها أنور السادات، وهي مقره المفضل في الشتاء، ~~فاضطر إلى الفرار وعاد إلى القاهرة في حماية قوات ~~الأمن المركزي.» # وسقط بضع عشرات من القتلى برصاص قوات الأمن.» # الشوف في لبنان، المعزون يتوافدون على مأتم لأحد ~~الأهالي، كمال جنبلاط ينضم إلى المعزين، يتحلق البعض حوله، ~~يحدثهم عن فلسفته بالنسبة للموت، يقول: الإنسان يشم رائحة ~~الموت قبله بثلاثة أيام. # عنوان: ~~«وبعد يومين، في 16 مارس (آذار) 1977 .. استقل كمال ~~جنبلاط (60 سنة) سيارته المرسيدس السوداء من قصر ~~المختارة إلى منزله الريفي في الشاوية، حيث درج على ~~الانزواء كل يوم جمعة غارقا بين الكتب والطبيعة، على ~~ارتفاع 1500 متر عن سطح البحر. # لكنه في هذه المرة ارتدى ملابس كاكية، واشترك مع ~~عدد من العمال في نقل الحجارة سوية قطعة أرض اختارها ~~لحارسه الخاص، وفيما بعد أحضر مرافقاه طعاما ~~مكونا من البيض والجبن البلدي والتفاح، إلى مائدة ~~من حجرين كبيرين، وعندما انتهى الغداء، قام جنبلاط ~~قائلا: «يللا، بدنا نمشي»، وارتدي ثيابه، ثم استقل ~~السيارة مع مرافقيه؛ سائقه وحارسه الخاص، في الطريق ~~إلى بيروت. # وعند تقاطع دير دوريت ... # دماء تملأ الأرض، سيارة جنبلاط وقد اخترقها الرصاص من كل ~~جانب. # أمام قصر المختارة القديم، أسفل مظلة من القماش، جنبلاط ~~مسجى على فراش عريض من الحرير الأبيض، بين مرافقيه في ~~الحياة والموت، ms131 نساء باكيات في ملابس سوداء، وأوشحة بيضاء، ~~يحطن بالفراش، طوابير طويلة من البشر في ملابس سوداء، ~~يمرون أمام الفراش تحت المطر، طلقات المدافع الرشاشة في ~~الهواء تختلط بأصوات الرعد وأضواء البرق. # بيروت، موكب مهيب من عشرات الألوف يشيعون جنازة ~~جنبلاط. # مكان الجريمة مرة أخرى، سيارة تحمل هذه الأرقام؛ بغداد ~~72719.» # عنوان: ~~«السيارة التي استخدمها الجناة، لكن الشكوك تتجه إلى ~~عاصمة عربية أخرى.» # صورة فوتوغرافية ثابتة لآخر لقاء ثنائي بين كمال جنبلاط ~~والرئيس السوري حافظ الأسد في دمشق. # 18 # قالت أنطوانيت وهي تسحب الشريط من الآلة: بقي الجزء الأخير من ~~الفيلم وهو الخاص بعملية الليطاني. هل تظن أننا نستطيع الانتهاء ~~منه غدا؟ # تساءلت: لماذا لا نحاول اليوم؟ # ألقت بنظرة على ساعتها وقالت: # الساعة الآن الثالثة، ولا بد أن نأكل شيئا، ثم إني أريد أن ~~آخذك إلى مكان. # تطلعت إليها متسائلا، فقالت: أريدك أن تقابل شخصا ~~أعرفه. ~~- من هو؟ ~~- لن أخبرك الآن. # تأملتها في استغراب، فسألتني: هل تثق بي؟ # قلت: طبعا. ~~- إذن لا تسأل. # غادرنا المكتب إلى الشارع المزدحم، وولجنا مطعما شعبيا ~~صغيرا. أكلنا كوسة بالطماطم واللحم وأرزا، مع حساء العدس. ~~وأصرت أنطوانيت على أن تدفع الحساب الذي بلغ عشرين ليرة. # عدنا إلى حيث تركت سيارتها الفولكس، فركبناها. وبعد قليل كنا ~~ننطلق في الطريق المؤدي إلى المطار. # بلغنا مخيم صابرا، فانحرفت بالسيارة نحوه. واعترضنا عدد من ~~المسلحين عند حاجز من البراميل. كانوا يحملون شارات الكفاح ~~المسلح الفلسطيني. وتعرف أحدهم على أنطوانيت فحياها في ود ~~وتركونا نمر. # أوقفت أنطوانيت السيارة بعد عدة أمتار، إلى جوار بائع فلافل ~~صنع من عدة مقاعد وموائد خشبية، مطعما في الهواء الطلق. تناولت ~~حقيبة يدها ورفعت زجاج النافذة، ففعلت مثلها بالنافذة المجاورة ~~لي، ثم غادرت السيارة ووقفت أتأمل برطمانات «الكبيس» الملون، ~~الموزعة فوق موائد المطعم الصغير. # جذبتني من ذارعي، وانطلقنا في شارع مزدحم بالبوتيكات ~~والحوانيت، بينها واحد للملابس المستعملة، التي تدلت على ~~علاقات مثبتة في السقف. وكانت الجدران مغطاة بالشعارات ~~والملصقات السياسية وصور الشهداء. # انتقلنا إلى شبكة من الأزقة، ms132 قامت على جوانبها منازل متواضعة ~~لا يتجاوز أغلبها الطابقين ارتفاعا. وتسللت إلى أنفي رائحة ~~البصل المقلي والكزبرة مع التوم. وأوشكت أن أصطدم بعدد من ~~الأطفال يلعبون الكرة. واضطررنا أن نتوقف ونلتصق بالجدران، ~~لنفسح الطريق لثلاث سيدات في معاطف سوداء، أحطن رءوسهن ~~بمناديل بيضاء، يسرن متجاورات. # جاءنا صوت شجار حاد من ~~نافذة فوق رأسينا. وسمعت امرأة تصرخ بلهجة مصرية صميمة، ~~طالبة جواز سفرها كي تعود إلى مصر. ومرت السيدات الثلاث، ~~فواصلنا السير بضع دقائق، ثم ولجنا منزلا وطرقنا باب أحد ~~المسكنين اللذين يتألف منهما الطابق الأول. # فتح لنا شاب طويل القامة في بنطلون وبلوفر، أضاءت وجهه ~~ابتسامة مشرقة لرؤيتنا. ودلفنا إلى صالة نظيفة بها مائدة ~~معدنية وعدة مقاعد، وفي نهايتها مكتب تعلوه أرفف من الكتب. # أشار لنا أن نجلس، ثم خطا ببطء وهو يحرك إحدى ساقيه بصعوبة، ~~واحتل مقعدا في مواجهتنا. تأملني صامتا دون أن تختفي البشاشة ~~من وجهه. كان وجها وسيما، حاد التقاطيع، تملؤه التجاعيد التي ~~تتناقض مع شعر أسود فاحم، تدلت منه خصلة فوق جبهته. وكان ~~ثمة تعبير غريب في عينيه لم أتبين مغزاه. # ساد بيننا الصمت فأشعلت سيجارة. وفعلت أنطوانيت المثل. ~~وأخيرا اغتصبت ضحكة وقلت لها: ألن تعرفيني بصديقك ؟ # قالت: وليد فلسطيني من مواليد يافا. وهو معلم رسم في مدرسة ~~المخيم. كما أنه يعمل في الترجمة بمؤسسة الإعلام. # وأضافت بعد لحظة: لقد حدثته عنك، وهو سعيد بلقائك. # نقلت البصر بينهما في حيرة. ولاحظت أن عينيه لا تفارقان ~~شفتيها. # قالت بصوت مرتعش: إنه لا يسمع ولا يتكلم. # تطلعت إليه، فبادلني النظرات، وأحسست أنه فهم ما ~~قالته. # سألتني: ماذا تريد أن تشرب؟ لا أظن أننا سنجد خمرا ~~هنا. # قلت بسرعة: لا أريد أن أشرب شيئا. # قالت: نفسي في قهوة، أعمل لك معي؟ # قلت: لا بأس. # مضت إلى باب في جانب الصالة، تبدو منه أسطوانة غاز. ورفعت ~~عيني إلى الجدران، وجعلت أتأمل الملصقات التي انتشرت فوقها. ~~وكان بينها جريدة حائط مطبوعة، موجهة إلى الأطفال. وحانت مني ~~نظرة إلى وليد، فألفيته يتأملني ms133 في ابتسامة ودودة. وأدركت أن ~~التعبير الغريب الذي تعكسه عيناه، هو نفسه الذي نراه دائما عند ~~ذوي العاهات المتصلة بالسمع والبصر، ويجعلهم يبدون كأنهم يرونك ~~ويفكرون في شيء آخر في الوقت نفسه. # أقبلت علينا أنطوانيت بصينية القهوة. مددت يدي إلى أحد ~~الفناجين، فقالت: لا. هذا لوليد؛ فهو يشربها بسكر زيادة. # قلت وأنا آخذ فنجانا آخر: لماذا المفاجأة؟ لماذا لم تقولي لي ~~من البداية؟ # ترددت ثم أجابت: لا أعرف. # أخذ وليد رشفتين من فنجانه، ثم أعاده إلى الصينية. واستدار نحو ~~المكتب، فالتقط ورقة وقلما، وكتب بضعة أسطر، ثم ناول الورقة إلى ~~أنطوانيت. # قالت بعد أن قرأت السطر الأول: إنه يرحب بك. # أكملت قراءة الورقة في صمت، ثم طوتها ووضعتها في جيبها. ~~وأرسلت بصرها نحوه. # فرغت من قهوتي فتململت في مجلسي، وقلت لأنطوانيت إن لدي ~~موعدا في المنزل بعد نصف ساعة، فقامت واقفة وهي تقول: يمكننا أن ~~ننصرف. # تغيرت ملامح وليد، وبدا شيء من اللهفة في عينيه. رمقته ~~أنطوانيت متسائلة، فغادر مقعده، وتقدم وهو يعرج إلى مكتبه فجلس ~~إليه. وتناول قلما سميكا من أفلام الفلوماستر، وورقة ~~بيضاء. # تقدمت أنطوانيت منه حتى أصبحت خلفه وهي تقول لي: ~~دقيقة. # عكف وليد على الورقة بضع ثوان ، ثم نحاها جانبا، وجذب ورقة ~~أخرى. والتقطت أنطوانيت الورقة ثم ناولتها لي. # طالعني رسم لم أتبين فحواه. كان يتألف من عدة خطوط وبقعة ~~سوداء. قلبت الورقة في يدي. ولم ألبث أن تعرفت على خريطة ~~فلسطين كما كانت تبدو سنة 1948، عندما اقتطع منها الصهاينة جزءا ~~صغيرا أعلنوا فيه دولتهم. # انتهى وليد من ورقة ثانية، وعكف على أخرى. وناولتني أنطوانيت ~~الورقة، فوجدتها تمثل نفس الخريطة، لكن البقعة السوداء التي ~~تمثل إسرائيل كبرت وتضخمت، فاحتوت الضفة الغربية لنهر ~~الأردن، وشبه جزيرة سينا، وهضبة الجولان السورية، ومدينتي غزة ~~ورفح. # وفي الورقة الثالثة، امتدت أسهم من البقعة السوداء إلى جنوب ~~لبنان. وفي الرابعة امتدت الأسهم إلى بيروت وعمان ودمشق. وفي ~~الورقة الخامسة امتدت إلى بغداد والكويت والظهران وبني ~~غازي. # شعرت بالضيق؛ فقد بدا لي ms134 أنه يعاملني كما لو كنت تلميذا في ~~مدرسته؛ فما أراد أن يلمح إليه يعرفه الكافة من المحيط إلى ~~الخليج. ولم يلبث ضيقي أن تبدد، عندما رأيت أن ظواهر الحال تنطق ~~بعكس ذلك. # طويت الأوراق الخمس ودسستها في جيبي ثم صافحته. غادرت المسكن ~~وخطوت إلى الخارج. ووقفت أنتظر أنطوانيت في مدخل المنزل. ورأيت ~~على الجدار المقابل إحدى ملصقات الشهداء. وكانت تحمل صورة ~~فوتوغرافية رديئة لوجه باسم يفيض بالفتوة، وأسفل الصورة كان ~~اسمه، وإشارة إلى أنه تلقى دراسة عسكرية أكاديمية، وأنه قتل ~~أثناء فك شحنة متفجرة. # لحقت بي أنطوانيت بعد فترة، فعدنا أدراجنا في صمت إلى حيث ~~تركنا السيارة. وسرعان ما اجتزنا حاجز المسلحين. وانطلقنا في ~~الطريق إلى مركز المنطقة الغربية. # قالت: أصيبت ساق وليد أثناء المذبحة التي دبرها الملك حسين ~~للفلسطينيين في الأردن سنة 70. وتعرفت أنا عليه في نهاية ال 75. ~~وكان طبيعيا تماما؛ يتكلم ويغني وكل شيء. وبعد الزعتر لزم ~~الصمت. # سألتها: ألم يذهب إلى طبيب أو مستشفى؟ ~~- كل الذين فحصوه أجمعوا على أن أجهزته السمعية والصوتية ~~سليمة. # أبطأت السرعة لتتفادى الاصطدام بسيارة تحمل أرقاما سورية، ~~كانت تسير في منتصف الطريق. ودقت آلة التنبيه عدة مرات دون ~~فائدة. واضطرت في النهاية أن تبقى خلف السيارة الأخرى. # استطردت: إنه يترك لي الحرية أن أفعل ما أشاء، وأن أتركه إذا ~~أردت. # رمقتها متسائلا، فأضافت في عجلة وقد تضرج وجهها: إنه لا ~~يلمسني، لكني لن أتركه؛ فأنا أحبه. # قطعنا بقية الطريق في صمت. وأردت أن أترك السيارة في الحمرا، ~~لكنها أصرت على توصيلي حتى باب المنزل. ووقفت في الطريق حتى ~~انصرفت، فعبرته إلى بقالة على الرصيف المقابل. واشتريت كيلو من ~~العنب، وعدة قطع من الجبن، وبعض العلب المحفوظة، وعدة علب من ~~البيرة. # كان المصعد في الطابق الأخير، ففضلت أن أصعد الدرج. ولم أجد ~~وديع في الداخل، فوضعت مشترواتي على طاولة المطبخ. وأخرجت علبة ~~بيرة من الثلاجة. أولجت إصبعي في حلقة غطائها وجذبتها في عجلة ~~فالتوى. وانطلق من العلبة رشاش من البيرة سقط فوق وجهي ms135 ~~وملابسي. # أفرغت العلبة في كوب زجاجي، وجففت وجهي وملابسي، ثم حملت ~~الكوب إلى الصالة، وجلست بجوار التليفون. جرعت نصف الكوب مرة ~~واحدة، وتناولت سماعة التليفون، ثم أدرت الرقم. # دق الجرس طويلا قبل أن يأتيني صوتها باردا ~~متحفظا. # قلت: مر يومان دون أن أراك. # قالت: لقد رأيتني بالأمس. ~~- لكنك لم تكوني وحدك. # لم تعقب فقلت: أريد أن أراك. ~~- متى؟ ~~- الآن. ~~- هذا مستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- أهل عدنان جاءوا من الضيعة ولا أستطيع تركهم. ~~- والعمل؟ # ضحكت وقالت: انتظر للغد. # قلت: لكني أريدك الآن بشدة. ~~- إنت شربان؟ ~~- لم أشرب اليوم غير نصف علبة بيرة، قررت الامتناع عن ~~الشراب. # ضحكت ساخرة. # قلت: أريد أن أقبلك، كلك، حتى قدميك. # تساءلت في دلع: صحيح؟ ~~- أجل. ~~- لا بد أن أتركك الآن، كلمني في الصباح. ~~- كلميني أنت أحسن. # أعدت السماعة مكانها، وأفرغت بقية علبة البيرة في الكوب ~~وجرعتها مرة واحدة. أشعلت سيجارة، وأدرت جهاز ~~التليفزيون. # تابعت اللقطات الأخيرة من حلقة أمريكية، حيث تجمعت كالعادة ~~سيارات الشرطة من كل حدب وصوب، وسيريناتها تعوي. وجاءت بعد ذلك ~~نشرة الأخبار. كان بها نبأ عن مؤتمر قمة عربي في عمان خلال أيام، ~~وتصريحات للمسئولين المصريين بمناسبة الذكرى الثالثة لمبادرة ~~السلام التاريخية. وظهر وزير الخارجية المصري على الشاشة، وهو يعلن ~~أن معاهدة السلام جعلت حرب 73 آخر الحروب. وتبعه رئيس الأركان ~~أبو غزالة، معلنا استعداد القوات المسلحة المصرية للدفاع عن دول ~~الخليج. # سمعت صوت فتح الباب الخارجي. ودلف وديع حاملا كيسا من ~~التفاح. تناولت منه الكيس ووضعته على الطاولة. وخلع سترته ~~وألقى بها على الكنبة. # أومأ إلى التليفزيون وسأل: هل رأيت النشرة من أولها؟ # أومأت برأسي قائلا: لم تتحدد بعد الدول التي ستشترك في ~~القمة. # قال: سأذهب إلى عمان في الصباح. أرى أنك انتهيت اليوم مبكرا. ~~هل تمت عملية التفريغ؟ ~~- ستنتهي خلال يومين. وبعد ذلك يومان أو ثلاثة لكتابة التعليق، ~~ثم أسافر على الفور. ~~- والكتاب؟ ~~- صاحب «الناشر المعاصر» كلمني معتذرا. أما لميا فلم تفرغ ~~بعد من قراءة المخطوطة. ~~- ألم تقل إن هناك اتفاقا بينك وبين ms136 عدنان؟ لا أفهم موقفها. ~~أخشى أن يكون في الأمر شيء. ~~- تقصد محاولة للتنصل من الاتفاق؟ ~~- شيء من هذا القبيل. # هززت كتفي وقلت: في هذه الحالة لا يبقى أمامي غير ~~صفوان. ~~- لكن صفوان لن يدفع لك شيئا. الآن على الأقل. ~~- إذن يتبقى لي أجر الفيلم. ~~- كم سيدفعون لك؟ ~~- لا أعرف. لم نتكلم في هذا حتى الآن. ~~- يجب أن تفاتح أنطوانيت. ليس في الأمر ما يعيب. الجميع هنا ~~يقبضون. هل تحب أن أكلمها لك؟ ~~- لا داعي. سأتكلم معها. # مد يده إلى جيب سترته، وأخرج مفكرته، ثم اتجه إلى جهاز ~~التليفون. قال وهو يدير رقما: ألا تحتاج إلى نقود؟ # قلت: ليس بعد. # قال وهو يدير الرقم من جديد: لماذا لا تكتب مقالا أو قصة ~~قصيرة لإحدى الصحف؟ يمكنك أن تجمع مبلغا معقولا لو ~~أردت. ~~- أعرف. # ألصق السماعة بأذنه وهو يقول: اكتب أي كلام. الجميع يفعلون ذلك. ~~وأنت تعرف المصطلحات الرائجة؛ فكلها من القاموس الثوري. ~~- أنا مرهق جدا. ولا أنام جيدا. وأمسك القلم بصعوبة. حتى ~~التعليق لا أعرف كيف سأكتبه. # أعاد السماعة إلى الجهاز وقلب صفحات مفكرته قائلا: ما ~~رأيك في مقابلة مع شخصية لامعة؟ # سألته بدوري: كم تساوي مقابلة صحفية مع كارلوس؟ ~~- الإرهابي الدولي؟ هناك إشاعة عن وجوده في بيروت. # أطرقت برأسي وقلت: لو التقيت به سأجري معه حوارا. أعتقد أن ~~ذلك في إمكاني. # تطلع إلي مبهوتا: تقصد أنك تعرف مكانه؟ # قلت: لا. لكني قد أقابله. # خطا نحوي في انفعال: حوار كهذا لا يقدر بمال. كل صحف العالم ~~ووكالاته ستتنافس على شرائه. هل تتكلم جادا؟ ~~- بالطبع. ~~- ستكون أول من يقابله في العالم. ~~- ولهذا سألتك عن الثمن. ~~- أنت الذي تحدده. اسمع. دعني أذهب معك. سنعد حوارا لم ~~يحدث من قبل. ~~- لست واثقا بعد أني سأنجح في لقائه. # تطلع إلى ساعته ثم خطا نحو التليفون. وتوقف فجأة وجعل يذرع ~~الصالة جيئة وذهابا وهو يفكر، ثم تناول سترته، وأعاد ~~المفكرة إلى جيبها، وارتداها قائلا: أنصحك أن تهتم بهذا ~~الأمر. إنها ضربة العمر بالنسبة لأي صحفي. إذا ms137 خفت أو غيرت ~~رأيك لأي سبب فأنا مستعد لأن أحل محلك. سأذهب الآن إلى الوكالة، ~~كلمني هناك إذا احتجت إلى شيء. # أطرقت برأسي، وشيعته بنظري إلى الباب. # 19 # تناولت إفطاري بسرعة، ثم كنست المسكن، ورتبت الصالة، ~~ودعكت حوضي الحمام، ومقعد التواليت وغطاءه. وتمكنت بصعوبة ~~من إزالة قطع الصابون التي التصقت بالحوض. وغسلت الأواني ~~المتراكمة في المطبخ، وأدخلت شيئا من النظام على فوضاه، ثم حلقت ~~ذقني واستحممت. واستبدلت ملابسي الداخلية، ثم علقت المنشفة ~~المبتلة في الشرفة، ووضعت واحدة نظيفة مكانها. # وحوالي العاشرة تلفنت لميا. # سألتني: هل أنت ذاهب إلى الفاكهاني اليوم؟ # أجبت: أجل. لماذا؟ # قالت: يمكنني أن أوصلك؛ فلن أذهب إلى الدار. # قلت: عظيم. سأنتظرك. ما رأيك في أن تصعدي الأول لتحتسي ~~القهوة؟ # ترددت لحظة ثم سألتني: وديع عندك؟ ~~- وديع في عمان، ولن يعود قبل الغد. ~~- أوكي. ~~- والمرافق؟ هل سيأتي معك؟ # ضحكت وقالت: سأتخلص منه قبل أن آتي. باي باي. # ملأت كاسا من الكونياك، وجلست أرتشفها في الصالة وأنا ~~أتأمل، خلال باب الشرفة، السماء التي غطتها الغيوم. وبعد ربع ~~ساعة دق جرس الباب. # احتضنتها بذراعي وأنا أغلق الباب بالذراع الأخرى. تخلصت مني ~~في رفق وهي تقول: هربت من أبو خليل، ويجب أن أعود بسرعة وإلا ~~اعتقد أني اختطفت. # خطت نحو الأريكة وهي تفك أزرار معطفها الواقي من المطر، ثم ~~خلعته وألقت به على مقعد، وأتبعته بحقيبة يدها. وأخيرا ~~جلست. # كانت ترتدي بنطلونا ضيقا من الشمواه، بني اللون، وبلوزة ~~صفراء. وكان ثمة جورب أصفر من الصوف السميك في قدميها، داخل ~~حذاء مفتوح من الخلف، ذي قاعدة مرتفعة من الخشب. # قالت: أين القهوة المزعومة؟ # قلت: حالا. # هرعت إلى المطبخ، فأعددت القهوة، وحملتها إلى الصالة. ~~وضعتها على الطاولة، وجلست إلى جوار لميا وأحطتها بذراعي ثم ~~قبلت شفتيها. # قالت فجأة وهي تتخلص مني: ما هذا؟ # كانت تقصد صندوقا أسود صغيرا، مثبتا فوق باب المسكن. # قلت في دهشة: جرس الباب. # قالت: أكيد؟ # قلت: وماذا يمكن أن يكون؟ ~~- جهاز تسجيل أو كاميرا سرية. # ضحكت، فأخذت رشفة من ms138 فنجان القهوة وأعادته إلى الصينية ~~قائلة: أريد أن أدخل الحمام. # نهضت واقفا لأفسح لها الطريق، فقالت: يجب أن تخرج من ~~المسكن. # قلت مبهوتا: لماذا؟ ~~- لن أستطيع إذا أنت بقيت هنا. أخجل. ~~- لكن أين أذهب؟ ~~- اشتر لي شيئا. هل توجد لديك مياه معدنية؟ ~~- أظن ذلك. توجد زجاجة أو اثنتان من «صحة». ~~- أنا لا أشرب المياه اللبنانية. اشتر لي زجاجة «برييه». # ارتديت سترتي وصحبتني إلى الباب، فأغلقته خلفي بالمفتاح. ولم ~~أكد أخرج إلى الطريق حتى أخذ المطر يتساقط بقوة. ألفيت البقالة ~~المواجهة مغلقة، فجريت حتى الناصية، وولجت بقالة أخرى. # اشتريت زجاجة البرييه، وتلكأت قليلا داخل الحانوت على أمل ~~أن يتوقف المطر. وعندما رأيته يشتد، ابتعت صحيفة وضعتها فوق ~~رأسي، وعدت جريا إلى المنزل. # فتحت لي، فسألتها: كله تمام؟ # ضحكت وأجابت: تمام يا بيه. # أفرغت لها كوبا من المياه المعدنية، وعرضت عليها كأسا من ~~الكونياك فرفضت. ملأت واحدة لي. ومضيت إلى الحمام فأغلقت ~~بابه خلفي، ووقفت أتأمل محتوياته. لم يكن هناك ما يدل على أنها ~~كانت به، ثم اكتشفت أن المنشفة في غير المكان الذي وضعتها فيه، ~~ووقعت عيناي على زجاجة «سبراي» على حافة الحوض، لم تكن هناك من ~~قبل. تناولت الزجاجة فوجدتها فرنسية وعليها إشارة إلى أنها ~~أفضل ما يمكن استخدامه «لتطهير الأجزاء الحميمة من الجسد ~~وإكسابها رائحة وطعما منعشين». # أعدت الزجاجة إلى مكانها، ووقفت أفكر: هل نسيتها صدفة؟ أم ~~تعمدت أن تتركها لأراها؟ النتيجة واحدة في الحالتين. # رجعت إلى الصالة فوجدتها قد أغلقت باب الشرفة، وأشعلت ~~المدفأة الكهربائية، وخلعت صندلها وجوربها، ومدت ساقيها ~~أمامها على الطاولة. # جلست إلى جوارها، وأنا أتأمل قدميها البيضاوين المتناسقتين، ~~وأصابعهما الرشيقة التي يلتمع الطلاء الأحمر القاني فوق أظافرها ~~الطويلة. ورأيتها تنظر إلى قدميها نظرة ذات مغزى. # ركعت على ركبتي فوق الأرض، وأمسكت بقدميها وتحسستهما ~~بيدي. # قلت: لا كالو أو أي زوائد جلدية. # قالت: ولماذا يكون لدي؟ ~~- كل الناس عندهم. ~~- بسبب الأحذية. أنا أدفع مصاري للحصول على أحذية مريحة. # سألتها: من بيروت؟ # أجابت: لا. من إكزافييه. # لم ms139 أكن سمعت الاسم من قبل فلزمت الصمت. وانحنيت برأسي فوق ~~قدميها. قربت فمي من أصابعها، وتناولت أحدها بين شفتي، ~~وامتصصته في بطء. # رفعت عيني إليها، فألفيتها تتأملني في استغراق، وقد خلا ~~وجهها من أي تعبير. لعقت بين الأصابع، ثم مررت بشفتي فوق ظهر ~~قدميها وجانبيهما حتى الكاحلين. # اصطدمت بعد لحظة بطرف البنطلون، فاعتدلت على ركبتي ومددت ~~يدي إلى وسطها. تمنعت قليلا ثم ساعدتني. وسرعان ما تكوم ~~البنطلون عند قدميها. # تجلى فخذاها البيضاوان لناظري. تحسست بشرتهما الناعمة ~~براحة يدي، ثم أحنيت رأسي فوقهما. # تسلل عطرها الغامض إلى حواسي، خفيفا آسرا. قبلت أسفل ~~ركبتيها وباطن فخذيها. وكان طعمها رطبا منعشا، مثل طعم الجسم ~~بعد الحمام مباشرة. # اعترضني قماش شفاف طرز بالدانتللا، فلعقت خشونته التي ~~امتزجت بطراوتها. وجذبته إلى أسفل، فتكشف شعرها، خفيفا، ~~مقصوصا في عناية. # مالت بجسدها حتى استلقت على الأريكة ووجهها ناحيتي. قربت وجهي ~~فأحاطت بشرتها الحريرية بوجنتي، والتحمت شفتاي بلحمها الرطب. ~~وتسلل إلى لساني طعم البحر المالح، فامتصصته باستمتاع. # بدأ فكي يؤلمني فرفعت بصري إليها. ورأيتها قد أغمضت ~~عينيها. وبعد لحظة لم أعد قادرا على تحريك فكي، فابتعدت عنها. ~~وارتميت على مقعد خائرا مرهقا. # فتحت عينيها بعد برهة. واعتدلت جالسة في إعياء وأخذت تصلح ~~من شأن ملابسها، ثم تنهدت. وطلبت مني سيجارة. # أشعلت سيجارة وأعطيتها لها، ثم أشعلت واحدة لي. ولحظت أن ~~عينيها اغرورقتا بالدموع. # قالت بصوت هامس: اليوم ذكرى وفاة أمي. # انتقلت إلى جوارها وأحطتها بذراع. وأراحت رأسها على كتفي، ثم ~~تطلعت إلى فخذي. ومدت يدها إلى بطني في تردد، ثم نظرت في ~~عيني وسألت: هل؟ ~~- لم يحدث لي شيء. ليست هذه عادتي. ~~- أنا كمان ما باغازل هيك. # نظرت إلى ساعتي من فوق رأسها وقلت: الساعة الآن الثانية عشرة. ~~ويجب أن أخرج. أنت أيضا وإلا سألوا عنك. ~~- أوف. هذه المدينة تضغط على أعصابي. صغيرة صغيرة. لا يستطيع ~~الواحد أن يتحرك فيها بحرية دون أن يراه أحد. نفسي أن نكون معا في ~~باريس. وحدنا. نتشاجر ونتصايح. وننام معا. ~~- العرب هناك ms140 في كل خطوة. ~~- صحيح. إذن جنيف. ~~- تعرفينها جيدا؟ ~~- طبعا. زرتها عدة مرات. ~~- وكنت تنزلين في فندق نوجا هيلتون؟ # تساءلت بدهشة؟ ~~- كيف عرفت؟ ~~- لأن كل العرب أمثالك ينزلون هناك. ~~- وماذا في هذا؟ ~~- لا شيء سوى أن صاحب الفندق إسرائيلي يتبرع لإسرائيل بمليوني ~~دولار سنويا. وكان في رفقة بيجين عندما زار القاهرة أول مرة. ~~وكان معه في استقبال السادات في بئر سبع العام الماضي. # رفعت حاجبيها في استنكار: وما شأني أنا بكل هذا؟ ~~- صحيح. ما شأنك أنت بكل هذا؟ # أضفت بعد لحظة: ثم إني لا أملك نقودا للسفر. # قالت بحماس: أدفعلك. # هززت رأسي: وما أدراك أني أريد أصلا أن أسافر معك؟ # دفعتني بيدها في صدري قائلة: ما أتقلك! # نهضت واقفة، فسوت شعرها، وتناولت حقيبتها، وأسرعت إلى ~~الباب. # هرعت خلفها، وأمسكت بها، ثم ضممتها إلي وقبلتها. ثنيت ~~فخذيها وألصقتهما بجسمي، وجعلت تتحرك ببطء، ثم ابتعدت قائلة: ~~يجب أن أذهب. # قلت: أنسيت أنك وعدت بتوصيلي؟ # قالت: الأفضل ألا أفعل حتى لا يرانا أحد معا. # تركتها تذهب. وساويت الأريكة، وأصلحت من شأن ملابسي وشعري، ثم ~~ارتديت سترتي وانطلقت إلى الخارج. # 20 # الفصل السادس والأخير من الفيلم # عنوان: ~~«في شهر مايو (آيار) 1977، تولى مناحم بيجين رئاسة ~~وزراء إسرائيل. وبعد شهرين كان يزور واشنطون حاملا ~~مشروعا لاستئناف مفاوضات التسوية لأزمة الشرق الأوسط. ~~وقبل سفره أعلن أن إسرائيل مستعدة للاشتراك في مؤتمر ~~جنيف، بشرط استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية. # لكن الزيارة أسفرت عن اتفاقه مع الرئيس كارتر على ~~الالتفاف حول مؤتمر جنيف، وإخراج الاتحاد السوفييتي ~~ومنظمة التحرير الفلسطينية من المفاوضات. # كانت المؤشرات واضحة عن أهداف السادات، ومفاتيح ~~شخصيته. ووجد بيجين الفرصة ملائمة لإخراج مصر ~~نهائيا من التجمع العربي. # وبدأ بيجين بأن ألمح للسادات من خلال القصر الملكي ~~في المغرب، أن لديه معلومات عن مؤامرة ليبية ضد ~~السادات. وأوضح أنه على استعداد لإعطاء التفاصيل ~~مباشرة لمندوب مصري مفوض. # وسارع السادات بإرسال مدير المخابرات العسكرية ~~المصري إلى الرباط حيث التقى هناك برئيس الموساد، الذي ~~أعطاه تفاصيل المؤامرة. وأمر السادات على الفور ms141 بشن ~~حرب تأديبية على ليبيا، فقصفت الطائرات المصرية لمدة ~~أسبوع كامل مواقع ليبية على الحدود ووراء الحدود. ~~وأمل السادات أن يثبت بهذه الغارة قدرته على ~~التصدي للنظم المناوئة للولايات المتحدة. # وخلال الشهور التالية، جرت حمى من الاتصالات ~~السرية توجت بلقاء سري بين موشيه دايان، وزير ~~خارجية إسرائيل، والملك حسين ملك الأردن في 24 أغسطس ~~(آب)، وبينه وبين ملك المغرب في الشهر التالي. # وبعد شهرين، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1977م ~~...» # مطار القدس، الرئيس السادات يهبط سلم طائرته الخاصة ~~(وثمنها 12 مليون دولار دفعتها السعودية) وإلى جواره إسحق ~~نافون، رئيس دولة إسرائيل. # عنوان: ~~«بأول زيارة من نوعها لرئيس عربي، وتحت شعار السلام ~~الدائم بأي ثمن، وفي ظل الهيمنة الأمريكية، اعترف ~~السادات بحق اليهود التاريخي في فلسطين، وفي المدينة ~~المقدسة، فضلا عن حق المستوطنين الصهاينة في ~~الوجود. # وقلب هذا الاعتراف المعايير، فأصبح بيجين يتحدث ~~عن اعترافه بحق الوجود لمن تبقى من الفلسطينيين تحت ~~الاحتلال الصهيوني في شكل مشروع الإدارة الذاتي لسكان ~~الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، أما من لا يوجد ~~تحت الاحتلال الصهيوني، فليس له حق في فلسطين، ويجب ~~تذويبه في الدولة التي يعيش فيها.» # الكنيست الإسرائيلي، السادات يخطب معلنا: «لن تكون هناك ~~حروب أخرى .. بين مصر وإسرائيل.» # عنوان : ~~«وقبل أيام قليلة ... # قامت إسرائيل بتجربة طائرات الكفير التي أنتجت في ~~مصانعها، في هجوم مفاجئ على قرية العزية جنوبي ~~لبنان.» # عنوان صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «قائد سرب الكفير ~~يعلن أن التنفيذ كان منقطع النظير، والأجهزة المتطورة عملت ~~بامتياز». # مطار القدس، السادات يستعد لركوب طائرته متوجها إلى بلاده، ~~يصافح قائد سرب الكفير الإسرائيلي الذي هاجم قرية العزية، وهو ~~نفسه الذي تولى مرافقة طائرة السادات في سماء القدس. # دائرة حول فقرة من مقال بتوقيع الصحفي «جيم هوجلان» في صحيفة ~~«واشنطون بوست»: «أثبتت التحقيقات التي أجراها الكونجرس، عن ~~طريق لجنة برئاسة السناتور فرانك تشيرش، مع بعض قيادات وكالة ~~المخابرات المركزية الأمريكية، أن الملك حسين كان يتلقى ~~أموالا من المخابرات الأمريكية، وبينما كان جمال عبد الناصر ms142 ~~يحاول إسقاط النظام السعودي المحافظ في الستينيات، استطاع ~~كمال أدهم، مدير المخابرات السعودية، وضابط الاتصال بينها وبين ~~المخابرات الأمريكية، أن يجند بحرص السيد السادات، الذي كان ~~نائبا لرئيس مصر في ذلك الوقت. وفي إحدى المراحل، كان السيد ~~أدهم يزود السادات بدخل شخصي ثابت، وفقا لما قاله مصدر ~~مطلع رفض الإدلاء بتفصيلات.» # مدينة الإسماعيلية، الاستراحة الفخمة للرئيس المصري، السادات ~~وزوجته يستقبلان مناحم بيجين وزوجته يوم عيد الميلاد لعام ~~1977، مؤتمر صحفي على الهواء، السادات يقرأ من ورقة: «اتفقنا ~~على أن حرب أكتوبر سوف تكون آخر الحروب بين مصر وإسرائيل.» ~~تبدو في الصورة خلف السادات مباشرة، العصابة السوداء لعين ~~موشيه دايان. # عنوان: ~~«وبعد ذلك بشهرين ونصف ...» # جنوب لبنان، قرب الحدود مع إسرائيل، شجيرات التبغ الصغيرة ~~الخضراء منتشرة على الوهاد والتلال، عائلات بأكملها عاكفة على ~~الزراعة، جمال ودواب محملة، مزارعون يفترشون الأرض أمام ~~سلال التين والعنب والصبير يبيعونها بالكوز، سعف النخيل وغصون ~~البرتقال، بركة «ميس الجبل»، لبنانيات يغسلن الملابس ~~والأواني المنزلية في المياه العكرة، الدواب تشرب من نفس ~~المياه، على أرض الطريق نقشت الشعارات الوطنية ~~والفلسطينية. # لبنانية شابة ترتدي بلوزة مشمرة الأكمام، لفت رأسها ~~بمنديل كبير معقود فوق الشعر، أمامها مقعد واطئ مستطيل، ~~فوقه طبق من الدقيق، على يمينها الفرن الذي يتألف من قطعتي ~~حجر، تحملان صينية من النحاس، المرأة تبسط قطعة العجين على ~~المقعد الواطئ، ثم تفرشها فوق الصينية بحيث تغطي سطحها ~~كلها. # نفس المكان بعد الغروب، المزارعون يعودون إلى منازلهم، ~~الطرقات تخلو بالتدريج، من أحد المنازل يرتفع صوت فتاة ~~تغني: ~~«يمي من تل الزعتر، # لبعتلك رسالة. # من شادر لونه أخضر، # لوصفلك ها الحالة. # يمي من تل الزعتر، # صواريخ بتحرق البيوت، # والجرحى يمي بتموت. # بيروت بتشكي وبتبكي، # وما عاد فيها بيوت.» # الظلام يلف الطرقات تماما، عواء ذئب ~~يتردد من بعيد. # عنوان: ~~«وفجأة ...» # قنابل مضيئة تتساقط فوق الحقول، انفجارات ضخمة، ألسنة ~~النيران تندلع في كل مكان. # عنوان: ~~«في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة 15 مارس (آذار) ~~1978، بدأ الهجوم الإسرائيلي المكثف للعملية التي ~~أطلق عليها ms143 الكمبيوتر في البداية، اسم «قمة الذكاء»، ~~وعرفت بعد ذلك باسم عملية الليطاني، واشترك بها ~~ثلاثون ألفا من الجنود المعززين بالطائرات ~~والدبابات والأساطيل. أما هدف العملية المعلن فهو «خلق ~~حزام آمن بعمق عشرة كيلو مترات». # وبعد ساعات أصدر بيجين بيانا قال فيه: «تمر أيام ~~يقول فيها جميع مواطني إسرائيل، وكذلك ذوو النية ~~الطيبة في دول مختلفة: كل الاحترام للجيش الإسرائيلي. ~~وهذا اليوم هو أحد هذه الأيام؛ فخلال 24 ساعة، وفي ~~أحوال جوية وجغرافية سيئة، أنجز الجيش الإسرائيلي ~~المهمة التي ألقتها الحكومة على عاتقه، فوق جبهة ~~طولها مائة كيلومتر.» # دائرة قلمية حول فقرة من كتاب عزرا وايزمان «معركة السلام» ~~.. .. ..: «وبعد دقائق قليلة من اجتياز أول دبابة إسرائيلية ~~حدود جنوب لبنان، دق جرس التليفون في مكتب «اليعازر ريمون» ~~رئيس وفدنا في القاهرة. وبالرغم من الساعة المتأخرة في الليل ~~صدرت تعليمات القيادة العامة في تل أبيب إلى ريمون للاتصال ~~برئيس المخابرات المصرية - الجنرال شوكت - ليوافيه برسالة ~~هامة .. وأخطر ريمون شوكت: منذ وقت قصير، بدأت قواتنا ~~عملية محدودة على الحدود اللبنانية لإزالة قواعد الإرهابيين ~~من المنطقة، وآمل أن هذه العملية المحدودة لن تعطل ~~المحادثات بين بلدينا». # مدرعات إسرائيلية ذات لون أصفر مغبر تتقدم في طريق ~~زراعي، على الجانبين أطفال فلسطينيون، قيدت أيديهم ~~وعصبت عيونهم، النيران تلتهم قرى بكاملها، ناس تجري ~~مذعورة، بيوت تنهار، دماء على الوجوه، جثث في الطريق، ~~طفلة في الثالثة من عمرها تنفجر الدماء من فخذها المبتور، ~~مسلح يحمل شارة فلسطينية يطلق النار من فوق ربوة، ~~قذيفة تصيب الربوة فتفجرها. # دائرة قلمية حول فقرة من مذكرات محمد إبراهيم كامل، وزير ~~الخارجية المصري: «في صباح اليوم التالي للغزو الإسرائيلي .. ~~اتصلت تليفونيا بالرئيس السادات في استراحة القناطر الخيرية ~~لأعرض عليه البيان الذي أعددته .. حول العدوان .. إلا أني لم ~~أتمكن من محادثته لأنه كان لا يزال نائما. وعاودت الاتصال ~~به بعد ذلك عدة مرات في فترات متباعدة دون جدوى .. فبادرت ~~بإصدار البيان دون انتظار رأي السادات فيه؛ إذ كان الموقف ~~محرجا بالنسبة لمصر، خاصة أمام العالم ms144 العربي ... # وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، اتصل بي السادات ~~تليفونيا في الوزارة وسألني في صوت ملؤه تثاؤب عن السبب ~~الذي طلبته تليفونيا من أجله عدة مرات في الصباح، فأجبته ~~بأن الأمر يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على لبنان. # فقال السادات ضاحكا: «هل أعطوهم العلقة والا لسة؟» ولم ~~يخطر ببالي ما يقصده، فقلت متسائلا: أفندم؟ فقال: «يعني ~~أدبوهم ولا لسه؟» وفهمت أخيرا أنه يقصد إن كان قد تم ~~للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا ...» # بلدة مرجعيون، فتاتان جميلتان في زي ميليشيا الكتائب ~~اللبنانية، تحملان السلاح فوق كتفيهما، وتقومان بإرشاد ~~الدبابات الإسرائيلية في شوارع البلدة الضيقة، تتبادلان ~~كلمات بالعبرية مع الجنود الإسرائيليين. # سيارة ركاب تقل عددا من الصحفيين الأوروبيين، تتقدم ~~على طريق ترابية محفوفة بالأشجار والصخور، على جانب الطريق ~~مدرعة سوفييتية معطوبة، من بعيد تتردد أصوات قذائف ~~الطائرات الإسرائيلية، أحد اللبنانيين المسلحين يتولى توجيه ~~السيارة، يقول في مكبر صوت: «نحن المسيحيين عقدنا حلفا مع ~~الشعب اليهودي.» شبان بالملابس العسكرية لميليشيا الكتائب ~~وقوات سعد حداد، يلوحون لركاب السيارة بأيديهم، السيارة ~~تقترب من قرية «القليعة»، الأهالي يخرجون إلى الطرقات، بعضهم ~~يهتف: «شالوم. مرحبا» بضع فتيات يجرين وراء السيارة ويلقين ~~الأرز عليها. # قرية تبنين، الرايات البيضاء فوق سطوح وشرفات بعض المنازل ~~التي ينطق منظرها بيسر أصحابها، بائع لبناني يتكئ في رضا ~~على سيارة مرسيدس وقد فرش على الأرض صناديق السجاير وزجاجات ~~الويسكي وأوراق اللعب وموانع الحمل. # بلدة الخيام، الرياح تصفر بين النوافذ المحطمة، علبة ~~فارغة من الصفيح تتدحرج في دوي مرعب، البلدة مدمرة ~~تماما ولا أثر بها لمخلوق. # عنوان: ~~«ضمت بلدة الخيام، قبل العدوان الإسرائيلي، 14 ألف ~~لبناني من المسلمين الشيعة.» # جامع البلدة. # عنوان: ~~«تحت إشراف القوات الإسرائيلية جمعت قوات الرائد ~~اللبناني المنشق سعد حداد، أكثر من مائة شيعي، من ~~الرجال والنساء والأطفال، في هذا المسجد، وأطلقت ~~عليهم النار.» # بلدة مرجعيون، عزرا وايزمان وزير الدفاع الإسرائيلي يتفقد ~~القرية، سعد حداد يتقدم من وايزمان ومرافقيه، يمتثل أمامهم ~~ساكنا، ثم يؤدي التحية العسكرية، يهوي على عنق وايزمان ~~ويعانقه طويلا والدموع ms145 تنهمر من عينيه. # حداد: «كل الاحترام للجيش الإسرائيلي. باسم جميع اللبنانيين ~~أؤدي التحية للجيش الإسرائيلي.» # دائرة حول فقرة من صحيفة «دافار» الإسرائيلية: «الرائد حداد ~~والأستاذ فرنسيس رزق، مدرس الأدب في القليعة، ومستشار حداد ~~السياسي، شخصان مرحان وطيبا القلب خصوصا عندما يحتميان في ظل ~~الجيش الإسرائيلي. وتبدو سعادتهما من وقوفهما أمام أضواء ~~الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، وهما مستعدان للرد على ~~أسئلة الصحافة باللغة العبرية، وبالعربية والإنجليزية ~~والفرنسية.» # موكب من سيارات لاندروفر خضراء، سيارة المقدمة تقل ~~الرائد سعد حداد في زي الجيش اللبناني، يحيط به رجاله ~~المسلحون بمدافع رشاشة أمريكية، السيارات تجتاز قرية ~~مهجورة، يتوقف بعضها في ساحة القرية. # مسلح من رجال سعد حداد يبرز من أحد بيوت القرية حاملا ~~طاولة خشبية على رأسه، يتجه إلى سيارة اللاندروفر فيضع ~~الطاولة بها ويعود أدراجه، مسلح آخر يعاون زميلا له في حمل ~~فرن كبير من أفران الغاز، مسلح ثالث يفتش في ضيق بين ~~محتويات منزل مهجور، لا يجد غير قضيب طويل من الحديد فيحمله ~~ساخطا. # عنوان: ~~«وفي اليوم الخامس لبدء العملية أصدر مجلس الأمن ~~قراره رقم 425، ويقضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من ~~جنوب لبنان. وبعد يومين، في الساعة السادسة من مساء ~~21 مارس (آذار) 1977، أوقف الجيش الإسرائيلي إطلاق ~~النار بعد أن وصل إلى نهر الليطاني، وفي أعقاب ~~مشاورات تليفونية بين بيجين وواشنطون. وقبل ذلك بيوم ~~واحد، انتهى في دمشق اجتماع وزراء خارجية دول الرفض ~~العربية (سوريا وليبيا والعراق والجزائر واليمن ~~الجنوبية)، دون أن يقرر أي عمل ضد ~~إسرائيل.» # قلعة بوفور المطلة على الجنوب من أيام الصليبيين، ~~المدرعات الإسرائيلية تحيط بالقلعة، البوابة الرئيسية ~~للقلعة مغلقة من الداخل بأكوام من جثث القتلى والجرحى الذين ~~يحملون شارات فلسطينية. # دائرة حول فقرة من صحيفة عربية بالقدس الشرقية: «ردت هذه ~~الحرب الاعتبار إلى الكرامة الفلسطينية. وكان الافتخار بأن ~~الفلسطينيين وحدهم يخوضون حربا ضد إسرائيل على مرأى ومسمع ~~من عالم عربي متخاذل. إن الغضب من العالم العربي خلق إحساسا ~~بالمشاركة والاتحاد لم يشهد الفلسطينيون مثله منذ عهد ~~بعيد.» # واشنطون، مبنى وزارة ms146 الخارجية الأمريكية، متحدث رسمي ~~للصحفيين: «إن وزارة الخارجية الأمريكية ما زالت تدرس ما إذا ~~كانت إسرائيل قد انتهكت اتفاقيات شراء الأسلحة الأمريكية التي ~~استخدمتها في جنوب لبنان، وهي الاتفاقيات التي تحظر استخدام ~~الأعتدة المتطورة (مثل طائرات إف 15) لدواعي الهجوم، لكن ~~تسمح باستخدامها لدواعي الدفاع.» # دائرة حول فقرة من جريدة «أحرونوت» الإسرائيلية: «عقب قائد ~~الطيران الإسرائيلي عفري على بيان وزارة الخارجية بشأن الأسلحة ~~بقوله: أقول بشكل واضح وقاطع إننا لم نتجاوز أي بند من ~~الاتفاق. لقد استخدمنا الطائرات للدفاع الجوي عن قواتنا. وهذا ~~السلاح شكل مظلة قوية لقواتنا، مما لا يشكل أي تجاوز لأن ~~موضوع الحديث هو الدفاع فقط.» # وزير الدفاع الإسرائيلي عزرا وايزمان يتحدث إلى مراسل ~~صحيفة «معاريف» الإسرائيلية: «الصحفي: خلال التخطيط المسبق، هل ~~أخذتم في الحسبان النواحي المعقدة لعملية بهذا الحجم؛ 150 ~~ألف لاجئ يهربون مذعورين خوفا من الجيش الإسرائيلي، والمئات ~~وربما أكثر من القتلى والجرحى من بين السكان المدنيين؟ # وايزمان: .. لقد أوجدت الحرب الأهلية اللبنانية لاجئين ~~كثيرين بلا حدود، وبعدد يفوق ذلك الذي نشأ عن عملية الجيش ~~الإسرائيلي وعملية الأردنيين سنة 1970، والسوريين لدى دخولهم ~~لبنان؛ حيث ذبحوا من المخربين أكثر بكثير مما فعل الجيش ~~الإسرائيلي خلال الأيام العشرة الأخيرة. # الصحفي: أنت جندي قديم، ألم تشعر بوخز الضمير، وأنت ترى ~~الجيش الإسرائيلي يستخدم أكثر طائراته ومدافعه تطورا، وبمثل ~~هذه القوة، ضد أعداء مزودين برشاشات «كلاشينكوف» في أحسن ~~الأحوال، وفي أحوال كثيرة لا يجدون ما يدافعون به عن ~~أنفسهم؟ # وايزمان: في كل حرب يكون لك قلب وضمير وجميع أنواع الوخزات، ~~والعسكريون الذين يعرفون عن كثب أهوال الحرب وفظائعها، هم ~~المحبون للسلام أكثر من غيرهم، لكن ماذا كان يجب أن نفعل؟ ~~نزود جنودنا ببنادق «جليل» لأنهم لديهم رشاشات ~~«كلاشينكوف»؟ لدي مثل آخر يمكن أن نسميه أرق النفس. لقد ~~زرت الجرحى اللبنانيين في المستشفيات الإسرائيلية، وانتابني ~~شعور غير سار تماما.» # عنوان: ~~«تكلفة عملية الليطاني وفقا للمصادر الإسرائيلية: # 30 مليون دولار. # 1300 قتيل لبناني وفلسطيني. # عدة آلاف من الجرحى. # 150 ألفا من سكان ms147 الجنوب فقدوا منازلهم ~~والتجئوا إلى الشمال.» # دائرة حول فقرة من مجلة «بما حانيه» الإسرائيلية، بتوقيع ~~حاييم رافيف: «لقد كان من نصيب منظمات المخربين في الأسبوع ~~الماضي مفاجأتان؛ أولاهما الحجم الكبير لعملية الجيش ~~الإسرائيلي في جنوب لبنان، وثانيهما رد الفعل المخيب للأمل ~~من جانب الدول العربية. # فقد أعلنت مصر وسوريا، دولتا المواجهة الرئيسيتان، كل ~~واحدة بأسلوبها، عن عدم استعدادها للدخول في مواجهة مع ~~إسرائيل. أعلنت مصر أنها ستواصل التمسك بمبادرة السلام، ~~واعترفت سوريا بأنها لن تنجر إلى حرب مع إسرائيل قبل ~~الأوان. # لكن كان لا بد من بعض التظاهرات؛ ففي دمشق عقد مؤتمر ~~طارئ لدول الرفض. وركب الملك حسين الحصان الفلسطيني داعيا ~~إلى لقاء قمة عربي. وصدرت تصريحات تدين العدوان ~~الإسرائيلي. وقدم المصريون فرقا طبية لمساعدة المصابين من ~~غير المخربين، والجميع سعداء بفرصة إضعاف منظمة التحرير ~~الفلسطينية.» # دائرة حول فقرة من صحيفة «ها آرتس» الإسرائيلية: «لا شك أن ~~الأمريكيين كانوا مطلعين على العملية قبل أن تبدأ، ولا نخطئ ~~إذا قلنا إنهم عرفوا، بصورة عامة، النقاط الرئيسية التي ~~ستحتلها إسرائيل في القطاع المحاذي للحدود.» # دائرة حول فقرة من صحيفة أمريكية: «إن المعلومات التي ~~توفرت لدى أطراف عربية عديدة، والتي وصلت إليها عن طريق ~~الولايات المتحدة، كانت تفيد بأن العملية ستكون محدودة زمانا ~~ومكانا؛ ولهذا السبب اتخذ حكام سوريا في البداية بروفيلا ~~منخفضا تماما. وخصصت وسائل الإعلام السورية للموضوع في ~~اليوم الأول بضع عبارات فقط؛ ولهذا كان توسيع العملية من ~~عشرة كيلومترات إلى أربعين، مفاجأة. إن أمريكا إما أن تكون ~~متواطئة في عملية خداع مع إسرائيل، وإما أن تكون هي نفسها قد ~~وقعت في خداع إسرائيل.» # بلدة الطيبة في جنوب لبنان، تبدو كمدينة أشباح. # بلدة القنطرة، معظم البيوت لا تزال قائمة في مكانها لكن ~~النوافذ بلا زجاج، والمداخل بلا أبواب، مواسير المياه ~~والحنفيات منتزعة، في الجدران كرات ضخمة، أبواب الحوانيت ~~مخلوعة، محتوياتها منهوبة أو محطمة، سيارة عسكرية ~~إسرائيلية يجري تحميلها بأجهزة التليفزيون والثلاجات ~~والمفروشات. # دائرة حول فقرة من صحيفة «ها آرتس» الإسرائيلية: «وقال ms148 لنا ~~أحد الجنود: لقد رافقت أعمال النهب جميع حروب إسرائيل. هنا ~~كان حظنا أحسن؛ فقد كنت في مصر سنة 73، وبسبب ظروف الحياة ~~البائسة في القرى المصرية، على الضفة الغربية لقناة السويس، لم ~~نجد شيئا تقريبا ذا قيمة. استولينا فقط على أغطية وبطانيات ~~وملابس داخلية وخارجية أرسلت إلى البلاد بواسطة الجسر ~~الجوي الأمريكي. وكانت من نوعية ممتازة وتقدر بملايين ~~الليرات. تم توزيعها على عشرات الألوف من الجنود. وطوال أشهر ~~طويلة حتى 28 فبراير (شباط) 74، تاريخ انسحابنا من الضفة ~~الغربية لقناة السويس، كانت أتوبيسات «إيجد» التي تنقل الجنود ~~لقضاء الإجازة في إسرائيل، محملة حتى الإعياء بهذه ~~الحاجيات.» # دائرة حول فقرة من جريدة «دافار» الإسرائيلية: «تستمر ~~المساعدة الإنسانية والمادية التي يقدمها الجيش الإسرائيلي ~~للقرى اللبنانية التي تضررت من جراء المعارك الأخيرة. ~~وقد حضر أمس إلى قرية العباسة الإسلامية نحو خمسة عشر مسكنا ~~مستقلا جاهزا من إسرائيل. ونصبت المساكن في مشاع القرية. ~~وأسكنت فيها أول مجموعة من الأسر اللبنانية التي هدمت ~~بيوتها في القرية أثناء المعارك. وقد بقي في القرية نحو ستمائة ~~فرد من ستة آلاف كانوا يسكنونها قبل نشوب الحرب، وهرب معظم ~~السكان إلى بيروت.» # وزير الدفاع الأمريكي هارولد براون في التليفزيون الأمريكي: ~~«لقد اعترف الإسرائيليون بأنهم خرقوا اتفاقهم مع الولايات ~~المتحدة بشأن استخدام القنابل الانشطارية في حالات معينة، وقد ~~بحثت الولايات المتحدة مع إسرائيل تعهداتها بعدم تكرار ~~هذا الخرق. لكني لا أريد أن أبالغ أكثر من اللازم في هذا ~~الشأن؛ لأن الأمر المهم في موضوع لبنان هو أن تنسحب إسرائيل من ~~هذه المنطقة.» # عنوان: ~~«تعتبر القنابل الانشطارية من أخطر الأسلحة ~~الفتاكة في الترسانة الأمريكية. وهي شديدة الفعالية ~~إذا ما استخدمت ضد الدبابات والمدرعات. أما إذا ~~استخدمت ضد المناطق المدنية فإن النتيجة ~~مذبحة. # ويتم إسقاط هذه القنابل من الطائرات في أسطوانات، ~~تحمل كل واحدة منها عددا كبيرا من الشظايا. وعلى ~~ارتفاع معين، تفتح هذه الأسطوانات ويخرج من كل ~~أسطوانة 650 شظية ملتهبة، قطر الواحدة منها 5,6 ~~سنتيمترات، تندفع بحركة معزلية في اتجاه مختلف ms149 عن ~~بقية الشظايا. وهناك نوع منها يحتوي على جهاز توقيت ~~يجعل الشظايا تنفجر بعد فترة من إصابة الهدف. وقد ~~استخدمت الطائرات الإسرائيلية هذا النوع في قصف ~~المستشفيات وملاجئ الأطفال بالجنوب اللبناني.» # قاعة طعام واسعة، عدد من المدنيين والعسكريين الإسرائيليين ~~والأمريكان، يحيطون بمائدة حفلت بصنوف الطعام، ثريات ~~كهربائية ضخمة تتدلى من السقف، على رأس المائدة يجلس ~~«مردخاي جور» رئيس الأركان الإسرائيلي، يدلي بكلمة إلى ~~الحاضرين فيقول: «عندما أمرت باستخدام القنابل الانشطارية في ~~لبنان .. لم أكن أشك قط بأن هذا يتلاءم مع روح الاتفاق ~~المعقود بين بلدينا وروح الشعب الأمريكي.» # جور في حديث مع مندوب مجلة «عل همشمار» الإسرائيلية: ~~«الصحفي: هل كان القصف يتم بلا تمييز بين المخربين ~~والمدنيين؟ # جور: أنا لا أملك ذاكرة انتقائية. إنني أخدم في الجيش منذ ~~ثلاثين سنة كاملة، ألا تدرك ما فعلناه طوال هذه السنين؟ ماذا ~~فعلنا على طول قناة السويس؟ لقد صنعنا مليونا ونصف مليون ~~لاجئ. قصفنا الإسماعيلية والسويس وبورسعيد وبور فؤاد. مليون ~~ونصف مليون لاجئ.» # دائرة حول فقرة من جريدة: «ها آرتس»: «يكمن نجاح إسرائيل في ~~أن الأمم المتحدة، التي هي في الحقيقة قوات حلف الأطلنطي في ~~قبعات زرقاء، تقف حاليا على الليطاني وليس على حدود ~~إسرائيل أو داخل الأراضي الإسرائيلية، ثم هناك الجيوب ~~المسيحية، وطلب من إسرائيل الانسحاب، لكنها لم تدن، ولم ~~يتدخل السوريون. كما أن وجهاء الشيعة في البرلمان اللبناني ~~حملوا الفلسطينيين مسئولية الكوارث التي حلت بلبنان، ونشر ~~التجمع الدرزي بيانا مشابها. وبرزت ظاهرة العداء لمنظمة ~~التحرير بين الجمهور اللبناني.» # دائرة حول فقرة من جريدة «دافار» الإسرائيلية: «يجب أن ~~تتضمن معاهدة السلام التي ستوقع في المستقبل مع حكومة ~~لبنان إتاحة الاستغلال المشترك لمياه الليطاني.» # عنوان: ~~«ليس من المعقول أن تبقى فلسطين محدودة بحدودها ~~الحالية؛ ففي استطاعة اليهود الانتشار والتوسع إلى ~~جميع البلاد المحيطة بها، من البحر الأبيض المتوسط إلى ~~الفرات، ومن لبنان إلى النيل؛ فهذه هي البلاد التي ~~أعطيت لشعب الله المختار.» # نورمان بنتويش ~~«لن نتخلى أبدا عن إسرائيل.» # كيسينجر # 21 # كانت المشاهد ms150 الأخيرة للفيلم تمثل عملية انسحاب القوات ~~الإسرائيلية من جنوب لبنان، وحلول قوات الأمم المتحدة محلها. ~~واقترحت على أنطوانيت إلغاء هذه المشاهد، والوقوف بنهاية الفيلم ~~عند الاحتلال الإسرائيلي لنهر الليطاني. وقلت إن هذا الحل سيرتفع ~~بالفيلم من مجرد تسجيل للأحداث، إلى مستوى الرؤية المستقبلية؛ ~~فإسرائيل وجدت لتنمو وتتسع وتبتلع. وإذا كانت قد غادرت لبنان سنة ~~1978 بعد ثلاثة أشهر من الغزو، فإنها تركت مكانها «قوات حلف ~~الأطلنطي ذات القبعات الزرقاء» على حد تعبير القادة الإسرائيليين ~~أنفسهم. كما أنه لا يوجد ما يمنع عودتها في أي لحظة. # وافقتني أنطوانيت على هذا الرأي، واتفقنا على أن أعتكف في ~~منزلي يومين أو ثلاثة، أنتهي خلالها من كتابة التعليق ~~المطلوب. # تركتها تقوم بلف البكرة الأخيرة من الفيلم، وعدت إلى ~~المنزل. لم يكن وديع قد عاد بعد من عمان، فأخذت حماما. ~~وأعددت فنجانا من القهوة. وجلست أتصفح الأوراق التي دونت ~~فيها مشاهد الفيلم. سجلت بعض الملاحظات ثم نحيت الأوراق ~~جانبا. وأعددت عشاء خفيفا تناولته مع علبتي بيرة، ثم لجأت ~~إلى الفراش. # كان نومي خفيفا مضطربا. وشعرت بعودة وديع في الليل، وبخروجه ~~في الصباح. ونهضت أخيرا متثاقلا، فأفطرت ووقفت أدخن في ~~الشرفة. ولاحظت أن الشوارع هادئة تماما، والحوانيت مغلقة. ثم ~~تذكرت أن اليوم يوافق عيد الاستقلال. # جلست إلى مكتب وديع. لكن لم أجد حماسا للعمل. جذبت التليفون ~~وأدرت رقم لميا. واستمعت إلى الجرس يدق طويلا، ثم وضعت ~~السماعة ومضيت إلى غرفتي. # ارتديت سترتي، واطمأننت على وجود جواز سفري في جيبها الداخلي. ~~وأحصيت ما معي من نقود فوجدتها لا تزيد على مائتي ليرة، ثم ~~غادرت المسكن. # اتجهت صوت الحمرا، عبر شوارع أوشكت أن تخلو من المارة. ~~وعندما بلغت الشارع العتيد، مضيت من أمام الويمبي، والموفينبيك، ~~ثم سينما الحمرا والردشو. ووقفت على ناصية الردشو أتأمل مقهى ~~المودكا على الرصيف المقابل. # عبرت الطريق ومضيت من أمام المودكا. وواصلت السير حتى كافيه ~~دي لابيه. # دفعت الباب الزجاجي ودخلت. جلست على مقعد من الجلد الصناعي. ~~وأحضرت لي فتاة غارقة في الأصباغ، فنجانا ms151 من القهوة ~~العربية. # احتسيت القهوة مع سيجارة وأنا أتأمل الرواد القليلين، ثم ~~دفعت حسابي وغادرت المقهى. اتجهت يسارا ومشيت على مهل. مررت ~~بجريدة النهار ومصرف لبنان. وبلغت ساحة برج المر ثم أشرفت على ~~مطلع جسر فؤاد شهاب. # عبرت حاجزا مهجورا من البراميل إلى حي زقاق البلاط. وبدت ~~المنطقة كلها مهجورة تماما. ولم يلبث الطريق أن انحدر بي جهة ~~اليسار، واعترضني حاجز وقف عنده بعض المسلحين الذين لم أتبين ~~هويتهم. لكنهم لم يعبئوا بي، فاجتزته. وبعد قليل ألفيت نفسي في ~~ساحة رياض الصلح. اتجهت يمينا وولجت ساحة الشهداء. # بدت الساحة الرئيسية لبيروت القديمة، محاطة بالأطلال من جميع ~~الجوانب. كانت المنازل القديمة، التي يعود أغلبها إلى أيام ~~الأتراك، لا تزال قائمة. لكن نوافذها وأبواب حوانيتها تحولت إلى ~~كوات مظلمة تتخللها قضبان ملتوية من الحديد. وفوق الأسطح ~~خيمت بقية من هياكل إعلانات النيون، التي كانت تحيل الساحة في ~~الليل إلى شعلة من الأضواء، ميزت منها آثار إعلان عن بيرة ~~«لذيذة»، وشكولاتة «غندور»، إلى جوار زجاجة كوكاكولا. # وبالرغم من ذلك، كانت الساحة تشغى بالنشاط؛ فأمام الأبنية ~~المهدمة، اصطفت العربات الخشبية المحملة بكافة أنواع ~~السلع، من ملابس وأحذية وأوان منزلية، وأدوات كهربائية. وفي ~~مداخل بعض الحوانيت المهدمة، جلس الصرافون. وأشرفت على هذا ~~كله عدة مدرعات تحمل شارة الردع. # طفت حول الساحة بحثا عن زقاق به بائع للكتب الأجنبية ~~المستعملة، تعاملت معه في زيارتي السابقة. وولجت زقاقا قام عند ~~مدخله حانوت للسجائر والصحف والمجلات. واجتذب بصري ملصق كبير ~~الحجم على الحائط المجاور للحانوت، يتألف من صورة فوتوغرافية ~~مكررة عدة مرات للجزء الأعلى من امرأة عارية، أحاطت بذراعها ~~الأيمن رأس رجل عار، انحنى بفمه فوق أذنها. كان شعره مبعثرا ~~حول رأسها وقد فرجت شفتيها، وأغمضت عينيها. وأعطى تكرار الصورة ~~الإيحاء بهذه اللحظة الممتدة المتجددة. # M;تأملت الصورة طويلا، وتبينت أسفلها سطرا من الكتابة ~~الدقيقة، فدنوت منها. وأمكنني أن أميز الكلمات المطبوعة ~~بالإنجليزية: «الأورجازم استجابة ينفرد بها الانسان؛ فلا تعرف ~~الحيوانات الثديية الأخرى، خلال الجماع، لحظات مماثلة من الذرى ms152 ~~الحادة». # استغرقني تأمل الملصق، فلم ألحظ الأصوات التي كانت تنبعث من ~~باب مظلم في نهاية الزقاق، إلا عندما خرج منه عدة رجال، متواضعي ~~المظهر، مرة واحدة، ولم ألبث أن ميزت فيها تأوهات أنثوية، ~~ثم أدركت أنها تنبعث من صالة للعرض. ومن خروج الرجال وغياب أية ~~لافتة، استنتجت أنها صالة رخيصة تعرض أردأ الأفلام ~~الجنسية. # اجتزت الزقاق حتى نهايته، فألفيتني عند مفترق ثلاثة شوارع، ~~يطل عليه حانوت مغلق يحمل اسم «صيدلية الجميل». ولم ~~أنتبه إلى مغزى الاسم إلا عندما طالعني على الجدران، في ملصقات ~~صغيرة الحجم، الوجه القاسي ذو العينين المجنونتين لزعيم الكتائب. ~~وأدركت أني دخلت المنطقة الأخرى دون أن أدري. # أوشكت أن أعود أدراجي، عندما توقفت إلى جواري سيارة سوداء، ~~فتح باباها الجانبيان في لحظة واحدة. وفي اللحظة التالية كان ~~ثمة رجلان يحيطان بي، ويمسكان بذراعي ثم يدفعانني إلى المقعد ~~الخلفي للسيارة. وعلى الفور قفزت السيارة إلى الأمام، وانطلقت ~~في سرعة فائقة، وعجلاتها تحدث صريرا حادا. # وقبل أن أتبين وجه أحد من ركاب السيارة، استقرت عصابة ~~سميكة فوق عيني، عقدتها أصابع مدربة في قوة خلف رأسي، ~~وامتدت الأيدي إلى جيوبي وأسفل إبطي، وخلف ظهري، وبين فخذتي، ~~وأعلى الجوارب. # توتر جسدي في انتظار ضربة ما. وخطر ببالي أني في وضع أفضل من ~~مرة اعتقلت فيها، ووضعت في سيارة مماثلة إلى جانب السائق ، ثم ~~انهالت الضربات، من الخلف فوق عنقي ورأسي. # أبطأت السيارة ثم توقفت. وسمعت صوت فتح أحد أبوابها. وتحرك ~~الجالس إلى يميني وهو يشدني بعنف إلى الخارج. # تعثرت وكدت أقع لولا أن أحدهم سندني من الخلف وهو يسبني، ~~ثم أمسك بذراعي الأيسر، وجرني جرا عبر إفريز ضيق انتهى بعدة ~~درجات. سرنا قليلا بعد ذلك، ثم صعدنا درجتين أخريين وواصلنا ~~السير. وبعد قليل هبطنا درجا طويلا ومشينا في مكان رطب تردد ~~وقع أقدامنا فيه عاليا. # توقف مرافقي، وسمعت صوت مفتاح يدور في قفل، ثم لفح الهواء ~~البارد وجهي. تخلت عني الأيدي التي كانت تمسك بذراعي. ودفعني ~~أحدهم إلى الأمام بعنف، فكدت ms153 أقع على وجهي، ثم سمعت صوت اصطفاق ~~باب قريب، وأقدام تبتعد. # جمدت في مكاني، وأرهفت حواسي لأتبين إذا كان هناك أحد ~~على مقربة. كانت يداي حرتين، فرفعتهما في تردد إلى وجهي. ~~وعندما لم يتعرض لي أحد انتزعت العصابة عن عيني مرة ~~واحدة. # مرت ثوان قبل أن أتمكن من الإبصار. وألفيتني بمفردي في غرفة ~~مستطيلة، عالية السقف، شبه مظلمة، يتسلل الضوء إليها من كوة ~~قرب السقف، تعترضها قضبان حديدية. كانت الغرفة عارية من أي أثاث، ~~وليس بها ما يدل على هوية المكان أو أصحابه. ورأيت في أقصاها بضعة ~~صناديق من الكرتون. تقدمت منها، فوجدتها فارغة. وكان أحدها ~~يحمل اسم مسحوق أمريكي للتنظيف. # بحثت عن علبة سجائري فلم أجدها. وتبينت أن جيوبي كلها خالية. ~~وأن ساعة يدي انتزعت مني، وقدرت أن الوقت يقترب من الثانية أو ~~الثالثة. # مضيت إلى الباب، فألفيته من الحديد المتين. انحنيت على ثقب ~~المفتاح، ووضعت عيني عليه. لكني لم أميز شيئا في الخارج، بسبب ~~قلة الضوء. أبعدت عيني وألصقت أذني بالثقب، فلم أسمع ~~شيئا. # ابتعدت عن الباب، ومشيت حتى طرف الحجرة، ثم استدرت ومشيت حتى ~~الطرف الآخر. جعلت أذرع الغرفة جيئة وذهابا إلى أن شعرت ~~بالتعب؛ فاقتعدت الأرض العارية، مسندا ظهري إلى الجدار. وسرعان ~~ما تسللت الرطوبة إلى جسدي، فقمت واقفا، ومضيت إلى الباب. ~~ووضعت أذني على ثقب المفتاح وأصغيت السمع. # التقطت أذني أصوات اصطفاق أبواب، ووقع أقدام وصيحات مبهمة. ~~واقترب وقع الأقدام وسمعت أحدا يقول محتدا: «العكروت كان عم ~~بيقوص علينا.» ورد عليه آخر قائلا: «ولاك، شو بدك منها؟ ~~ألف بنت بتتمنى ظفر إجرك.» وجاءني صوت ثالث في لهجة آمرة: «عندك ~~أمر حزبي؟» واشتبكت الأصوات ببعضها فلم أميز منها حرفا. وما ~~لبثت أن خفتت تدريجيا وابتعدت. # اعتدلت واقفا، فلمحت مفتاحا للنور بجوار الباب. وكان ثمة ~~مصباح كهربائي يتدلى من السقف. ضغطت المفتاح عدة مرات دون جدوى. ~~واشتد إحساسي بالبرد، فقفزت عدة مرات، ثم قمت ببعض التمرينات ~~الرياضية إلى أن شعرت بالتعب. # كان هناك ركن وحيد في الغرفة ms154 بمنأى عن تيار الهواء المنبعث من ~~الكوة، هو ذلك الذي شغلته صناديق الكرتون. مضيت إليه، وأقبلت ~~أحرك الصناديق أنقلها إلى ركن آخر، ثم ضغطت أحدها بين يدي ~~ووضعته على الأرض وجلست فوقه. وفعلت المثل بصندوق آخر وضعته ~~خلف ظهري. # استمتعت بشيء من الدفء إلى أن هبط الظلام، وتشبع الصندوقان ~~برطوبة الجدران والأرض. ولم تلبث البرودة أن تسللت إلى عظامي، ~~ولم يفدني انكماشي على نفسي. وبعد قليل استولت علي رغبة ~~شديدة في التبول. # كنت أعرف بالتجربة، أنه طالما أني بمفردي، ولا أملك وسيلة من ~~وسائل المقاومة أو الضغط، فإني مهما صرخت أو قرعت الباب، فلن ~~أغير شيئا مما هو مقرر لي. والأغلب أني سأعرض نفسي للأذى؛ ~~لهذا قررت أنتظر حتى يكشف الخاطفون عن نواياهم. # لكن ضغط البول على مثانتي، جعلني أتخلى عن حكمتي أو خوفي، ~~فمضيت إلى الباب وجعلت أطرقه بكل قواي وأنا أصرخ ~~مناديا. # آلمتني يداي بعد حين، فكففت عن الطرق وأنصت. سمعت وقع أقدام ~~تقترب. ودار مفتاح في قفل الباب، ثم انفرج مصراعه عن ضوء كهربائي ~~خافت، وشاب يحمل رشاشا على كتفه، وتتدلى من فمه سيجارة تفوح ~~منها رائحة الحشيش. # خاطبني في حدة: ليش عم بتدق؟ # قلت: أريد أبول. # أغلق الباب دون أن يعلق بشيء. ووقفت حائرا أتدبر إعادة ~~الطرق. وما لبث الباب أن فتح من جديد. وظهر المسلح الشاب حاملا ~~جردلا من البلاستيك ألقى به عند قدمي، ثم جذب الباب ليغلقه ~~فاعترضته قائلا: أريد مقابلة الشخص المسئول هنا. # قال: ما خصني. # ودفعني بيده ثم جذب مصراع الباب، وأدار المفتاح في ~~قفله. # حملت الجردل الركن الذي كانت تشغله صناديق الكرتون، وتبولت. ~~شعرت بالراحة. وعدت أذرع الغرفة جيئا وذهابا، تلمسا لشيء ~~من الدفء، ثم اقتعدت الأرض في الركن الذي أعددته لنفسي. وثنيت ~~ركبتي إلى أعلى، واعتمدت بساعدي ورأسي فوقهما. وثبت عيني على ~~خط خفيف من الضوء أسفل الباب. # ويبدو أني غفوت بعض الوقت؛ فقد تنبهت فجأة على صوت عند ~~الباب، وألفيته مفتوحا، وقد انتصب في فرجته رجل عريض الجسد، ~~يحمل ms155 رشاشا في يده اليسرى. كان الضوء الكابي يسقط من خلفه على جزء ~~من أرض الغرفة، فأخفى ملامحه عني. لكني تبينت حركة الرشاش في ~~يده، تشير لي أن أخرج. # خطوت إلى الخارج، فأمسكني من ذراعي بقوة. رأيته رجلا متقدما ~~في السن بصورة ملحوظة، يغطي الشعر الأبيض رأسه، ويتمتع مع ذلك ~~بقوة بدنية واضحة. مضينا في طرقة طويلة يضيئها مصباح كهربائي ~~واحد، يطل عليها بابان آخران. وأشعرتني رائحة الهواء وشدة ~~الرطوبة المنبعثة من الجدران، وبلاط الأرضية، أننا تحت مستوى ~~الأرض. # ارتقينا درجا عاليا إلى طرقة أخرى دافئة، تسبح في ضوء قوي من ~~مصابيح الفلورسنت، ويغطي المشمع الملون أرضها. كانت الطرقة ~~طويلة، وفي نهايتها علق علم ما بجوار صورة فوتوغرافية لم ~~أميزها بوضوح. # توقف مرافقي أمام أحد الأبواب فطرقه، ثم أدار مقبضه ودفعني ~~أمامه ثم دخل خلفي، وأغلق الباب. # لفحتني الحرارة الصادرة عن «شوفاج» في جانب الغرفة. ورأيتني ~~أواجه مكتبا، جلس خلفه شاب ممتلئ حليق الوجه، يتحدث في ~~التليفون بشفتين غليظتين، وعينه على شاشة تليفزيون ملون، استقر ~~فوق طاولة خشبية بجوار المكتب. # كان يرتدي قميصا مفتوح الصدر، بكمين قصيرين، كشف عن شعر ~~كثيف فوق صدره وساعديه. وكان شعر رأسه أسود ناعما، قص في ~~عناية، وفرق من جهة اليسار. # لم أتبين شيئا مما كان يقوله في التليفون؛ لأنه كان يتكلم ~~بالفرنسية في صوت خافت. وجهت اهتمامي إلى قطعة من القماش ~~علقت على الجدار فوق رأسه، وطرزت بها شجرة أرز ملونة. ~~وعلى جدار آخر استقرت لوحة من الورق سطر عليها بالعربية، ~~وبمادة كماء الذهب: «خزائن العلم في العالم كنوزها من لبنان. لغات ~~الأمم أجمل حروفها من لبنان. غرائب الدنيا السبع أسطورتها الكبرى ~~لبنان. شجرة الخلود انتقت لسكناها السرمدي قمة من لبنان. طفل ~~الألوهة تعمد في ماء من لبنان. أترى آدم، هل هجر الجنة إلا ~~كرمى لك يا لبنان؟» # انتهى الشاب من حديثه التليفوني، فأعاد السماعة إلى مكانها، وظل ~~برهة يتطلع إلى شاشة التليفزيون، ثم مد يده وأغلق الجهاز. وجه ~~اهتمامه إلى عدة أوراق أمامه تعرفت ms156 بينها على محتويات جيوبي، ~~فقلب بينها بأصابع قصيرة سمينة ذات أظفار طويلة ~~مصقولة. # خاطبني دون أن يحول عينيه عما في يده: لا أجد إشارة هنا إلى ~~مذهبك. # قلت: لا أفهم ما تعني؟ # قال: ديانتك، ما هي؟ # رفع عينيه إلي لأول مرة، فطالعتني دائرتان صفراوان باردتان ~~في وجه منتفخ ذي بشرة مدهنة. # قلت: ألا تعرفني أولا بنفسك، وتقول لي لماذا أنا ~~هنا؟ # ظهر شبح ابتسامة ساخرة على شفتيه وقال: ألم تعرف ~~بعد؟ # قلت: يمكنني أن أخمن أين أنا، لكني لا أعرف السبب في ~~اختطافي. # أشعل سيجارة فرنسية ببطء وقال: ستعرف هذا بعد أن تذكر لي ~~أولا ماذا تفعل في بيروت، وأين تسكن. أنت تقيم في الغربية. أليس ~~كذلك؟ # أومأت برأسي. # قال: ألن تذكر لي ديانتك؟ # قلت: وما علاقة ديانتي بالأمر؟ # تطلع إلي لحظة ثم قال بلهجة من يتذرع بالصبر: الدين هو ~~عنوان الشخص، هويته؛ فهو الذي ينظم علاقته بخالقه. # قلت: إذن لا أهمية لتحديده. كل واحد ينظم علاقته بخالقه ~~وفقا لدينه. وفيما يتعلق بي فإن الأديان كلها عندي ~~سواء. # قال: لكن الأمر بالنسبة لنا ليس كذلك؛ فلبنان طول عمره مهدد ~~بالإبادة على يد الإسلام. # قلت: عندي تصور آخر للخطر الذي كان يهدد لبنان، والذي ~~يهدده الآن. # قال بنفس اللهجة الهادئة الصبورة: من حسن حظك أني أريد أن ~~أحكي معك حكي منطق، فأعطني فرصة لأشرح وجهة نظري. # لم أعبأ به وقلت: إنها تقوم على أساس أنكم أغلبية في لبنان. ~~وهذه مسألة موضع نقاش؛ فهناك من يقول إن المسلمين هم الأغلبية ~~الآن. على أي حال، سواء كنتم أغلبية أو أقلية، فإن هذا لا يغير من ~~طبيعة الخطر الذي يتهدد لبنان، وهو نفس الخطر الذي يتهدد ~~البلاد العربية والإسلامية وكل دول العالم الثالث. # نفض رماد سيجارته في طبق من الفضة تتعانق فوقه الأنصال البيضاء ~~لثلاث بنادق وقال: أنت تتحدث عن خطر وهمي، وأنا أشير إلى ~~التوسع العربي، وهو خطر واقعي. # ضحكت: أين هو هذا التوسع العربي؟ هناك فقط نهضة قومية تستوعب ~~كل الأديان، بل ms157 إن بعض رواد هذه النهضة مسيحيون كما تعرف. ~~- هؤلاء عرب، أما نحن ففينيقيون. # نظرت إليه غير مصدق: هل تتكلم جادا؟ مرة أخرى أقول لك: ~~سواء كنتم فينيقيين أم عربا، فهذا لن يغير من واقع الخطر ~~المشترك الذي يتعرض له كل اللبنانيين والسوريين والعراقيين ~~والمصريين والإيرانيين ... إلخ. # أطفأ سيجارته في المنفضة المسلحة، وأشعل واحدة جديدة. # قال: ما رأيك إذن في الاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في ~~مصر؟ # تباطأت في الرد وأنا أفكر في الإجابة المناسبة. ابتسم ~~ابتسامة المنتصر وقال: أرأيت؟ # أسرعت أقول: لن أدعي أنه ليس هناك تمييز، لكنه لا يرقى إلى ~~مرتبة الاضطهاد. كما أن جانبا منه مصطنع. والجانب الآخر من ~~مخلفات الماضي. ومتى أخذنا بعلمانية الدولة قضينا على كل أثر ~~له. ~~- الذي أراه في مصر هو عكس ذلك تماما. إنه اضطهاد عميق ~~وتاريخي. وهو أيضا في ازدياد. ~~- هذا هو ما قصدت إليه عندما قلت إن جانبا من التمييز القائم ~~مصطنع. وهو الذي تمارسه وتدعو له الجماعات الإسلامية. لقد ~~سمعت بأذني أحد هؤلاء المتعصبين يقول إن البابا شنودة أخطر على ~~مصر من بيجين. وهو في ذلك يتفق معكم تماما؛ فأنتم تتحالفون مع ~~إسرائيل ضد أبناء وطنكم. # هز كتفه وقال: لا يلام الغريق إذا استنجد بالشيطان؟ ~~- وما أدارك أنه سينجدك حقا؟ وأنه لن ينتهز الفرصة ~~ليلتهمك؟ # ضحك هازئا: يلتهم جثة استنزفها الغرباء ؟ ~~- تقصد الفلسطينيين؟ وجودهم في لبنان هو الذي يحميكم من ~~الإسرائيليين. ~~- لا أحد يحمي لبنان من شيء. ضعفنا وحيادنا هو سلاحنا؛ فطالما ~~أننا لا نعادي غيرنا أو نتهدده، لن يتعرض لنا أحد ~~بالأذى. ~~- أتظن ذلك حقا؟ # ظهرت بقعتان حمراوان على وجنتيه، لكنه ظل متمسكا بهدوئه ~~الظاهري. # قال: ما يهمني هو اعترافك بالاضطهاد الواقع على المسيحيين في ~~مصر. ويسرني أننا متفقون في هذه النقطة. # قلت: بالعكس. نحن غير متفقين على الإطلاق. هناك تمييز فعلا، ~~لكنك تواجهه بتمييز معارض. وأنا أواجهه بإلغاء التفرقة تماما. ~~خلال الحرب الأهلية عندكم ظهرت حركة لشطب الديانة على الهويات. ~~هذا هو ما نحتاجه. دول علمانية لا دينية ms158 يتحدد مكان الفرد فيها ~~على أساس كفاءته، لا على أسس دينية أو أسرية أو عشائرية. # قال مستنكرا: يعني إلغاء الطائفية؟ هذا مستحيل؛ فزوال الطائفية ~~معناه زوال الدين. # قلت في إعياء: لا أظن أني قادر على إقناعك بوجهة نظري. ما ~~أطلبه منك الآن هو أن تعطيني أوراقي وجواز سفري وتدعني ~~أذهب. # رفع حاجبيه: هكذا؟ # قلت: نعم هكذا. # ضحك ضحكة قصيرة وقال: لم أكن أتوقع أن تمل ضيافتنا بهذه ~~السرعة. # جاوبته قائلا: أي ضيافة؟ لم آكل شيئا طول اليوم. والغرفة ~~باردة بلا فراش أو أغطية أو ضوء. ليس بها حتى مياه للشرب. # اصطنع الاهتمام وتحول إلى مرافقي العجوز قائلا: معقول؟ إلا ~~المي. # غمغم العجوز شيئا حول أنه سيهتم بتزويدي بالمياه. وخاطبني الشاب ~~وهو يبتسم في خبث: للأسف اليوم عطلة. والحوانيت مسكرة. وبالمثل ~~مخازننا. لكننا سنوفر لك كل شيء غدا. # قلت: غدا الأحد، وهو عطلة أيضا. # قال في برود: هذا من سوء حظك. # وأومأ برأسه إلى المرافق، فتقدم مني، وأمسكني من ذراعي، ~~واقتادني إلى الخارج. # 22 # تأكد سوء حظي عندما جاء اليوم التالي بلا شمس. وظلت عيناي على ~~الكوة في انتظار الضوء وما يجلبه من دفء. لكن السماء ظلت ~~معتمة. ولم يلبث المطر أن هطل. وتناثر رذاذ منه عبر الكوة، ~~ثم تجمع أسفلها على الأرض، في بركة صغيرة. # قاومت البرد بالحركة المستمرة. وتجنبت التفكير فيما يمكن أن ~~يحدث لي على يد الفينيقي ورجاله. وبين الحين والآخر كنت ألصق ~~أذني بثقب الباب. لكني لم ألتقط صوتا واحدا يوحي بوجود أحد غيري ~~في المبنى. # وبعد فترة من الوقت، طرق سمعي وقع خطوات تقترب وتتوقف عند ~~الباب. وانفرج مصراعه عن الشاب الذي أحضر لي جردل البول بالأمس، ~~فوضع على الأرض صينية تحمل رغيفا من الخبز الأبيض المستدير، ~~وعلبة ورقية من اللبنة، وكوبا من الشاي يتصاعد منه البخار. ولم ~~يكد ينصرف حتى أسرعت إلى الصينية، وتناولت كوب الشاي بين يدي، ~~واستمتعت بسخونة محتوياته وهي تتسلل إلى جوفي، ثم أتيت على ~~الرغيف واللبنة. # ضاعفت الوجبة الصغيرة من رغبتي ms159 في القهوة والسجائر. لكني ~~تشاغلت عنهما بالمشي والقفز، وبسلسلة من أحلام اليقظة. وعبرت ~~بسرعة إلى مرحلة المشروعات الكبرى التي يعرفها كل سجين بعد فترة من ~~الحبس، فتدبرت الإقلاع عن التدخين والخمر، والانتظام في ممارسة ~~الرياضة، والسكنى قرب البحر ومضاعفة ساعات الكتابة. # ولم يكد الظلام ينتشر، حتى عكفت على تدعيم ركني بالمزيد من ~~صناديق الكرتون، ثم انكمشت به، وأسلمت عيني للنوم. # رحت في نوم عميق متصل، لم أفق منه إلا مع بزوغ الفجر. ~~وراقبت انتشار الضوء دون أن أبارح مكاني. لكني سرعان ما غادرته ~~عندما سقطت أشعة الشمس على الجدار المجاور للكوة، وانتشرت ~~فوقه على شكل مستطيل مائل تتجه إحدى زواياه إلى أسفل. وقفت تحت ~~المستطيل الشمسي ملتمسا شيئا من الدفء. واتسعت مساحته ~~بالتدريج، فأصبحت قادرا على أن أضع فيها شعر رأسي ثم جبهتي ~~وأذني وعيني. # استمتعت بانتشار الدفء على وجهي ثم صدري. وقضيت الساعات ~~التالية بين بقعة الشمس والباب. وكانت تأتيني عبره أصوات مبهمة ~~صادرة من جهات مختلفة. ومرت أقدام عديدة من أمامه دون أن ~~تتوقف. لكني لم أفقد الأمل في أن يأتي حامل الصينية في أي ~~لحظة. # بلغت حرارة الشمس أوجها ثم أخذت تتراجع. وتسليت حينا ~~بمطاردة ذبابة حطت على صينية الأمس. وأخيرا سمعت صوت المفتاح ~~يدور في القفل. وانفرج الباب عن الحارس العجوز. # أشار لي بالخروج فأذعنت. ولم أكد أخطو خارج الغرفة حتى شعرت ~~بوجود آخر. وقبل أن أتبين وجهه، امتدت عصابة من القماش على ~~عيني، وأحاطت برأسي ثم دفعتني يد في ظهري فتقدمت متعثرا ~~إلى الأمام. وأمسك أحدهم بذراعي وجرني جرا في الطرقة الطويلة، ~~ثم صعدنا درجا وعاودنا السير، ثم هبطنا درجا طويلا. وبدا لي ~~أننا نمضي نفس الطريق الذي جئت منه أول مرة. وتأكد ظني عندما ~~شعرت أننا خرجنا إلى الطريق. # كان ثمة محرك سيارة يطن على مقربة. ودفعتني يد إلى الأمام ~~صوب مصدر الصوت، ثم ضغطت على كتفي وأجبرتني على الانحناء. ~~واصطدمت ساقي بحافة معدنية. وفي اللحظة التالية كنت أستقر في ~~مقعد السيارة بين حارسي. ms160 # انطلقت السيارة بسرعة عادية. وبعد قليل تضاعفت سرعتها، ثم ~~شممت رائحة البحر. وسمعت أحد الجالسين يقول: هون. # توقفت السيارة، ولم يتحرك أحد. وأشعل الجالس إلى يميني ~~سيجارة. وتردد صوت مشعل السجاير أكثر من مرة، ثم امتلأت السيارة ~~بدخان السجاير. ولم ينبس أحد بكلمة. # كان الهدوء شاملا، بدا أننا في مكان غير مطروق. وخيل إلي ~~أني التقطت صوت سيارة على مبعدة، فأصغيت السمع. ومر بعض الوقت ~~قبل أن أميز الصوت. وأخذ يعلو تدريجيا إلى أن توقف بالقرب ~~منا. وتحرك الجالس إلى يساري ففتح الباب المجاور له وغادر السيارة. ~~ابتعد وقع خطواته ثم تلاشى. وعاد بعد قليل فأمرني بالخروج. # أمسكني من ذراعي وأنا أخطو إلى الخارج. ومضى بي بضع خطوات ثم ~~وقف. وما لبث أن أطلق سبيلي. وسمعت وقع أقدامه يبتعد في الاتجاه ~~الذي جئنا منه. # دق قلبي بعنف. وفكرت أن أمد يدي وأخلع العصابة، لكني لم أجرؤ، ~~ثم سمعت محرك السيارة التي جئت فيها يدور. وفكرت أن أجري أو ~~أرتمي على الأرض، ثم سمعت السيارة تنطلق مبتعدة. # اقتربت مني عدة أقدام ثقيلة متمهلة. وامتدت يد إلى عصابة ~~عيني فرفعتها. # أغمضت عيني وفتحتها عدة مرات، قبل أن أتبين الرجل الذي وقف ~~أمامي. كان ممتلئ الجسم، أنيق الملبس، يضع على عينيه نظارات ~~سوداء. # لمس ذراعي بيده، وأشار إلى سيارة أمريكية سوداء تقف على ~~مبعدة، وقال : شرف؟ # مشيت إلى جواره كالمأخوذ. وبلغنا السيارة ففتح بابها الخلفي، ~~وأفسح لي كي أتقدمه، ثم أغلق الباب، ودار حول السيارة وولجها من ~~الباب الآخر. # كان ثمة شاب، يرتدي نظارة مماثلة، يجلس إلى جوار السائق. أما ~~الأخير فلم أر منه غير جانب من رأس أصلع يغطيه كاب من ~~القماش. # قلت دون أن أوجه كلامي إلى أحد منهم بالتحديد: وين ~~رايحين؟ # لم يعن أحد بالرد علي؛ فأدركت المطلوب، ولزمت ~~الصمت. # مضت السيارة في شوارع شبه مهجورة، تحف بها منازل مدمرة، ثم ~~تغير المنظر وانتقلنا إلى حي راق لم يتعرض لتدمير كثير. وعاد ~~مشهد الأطلال بعد ربع ساعة. # وكانت الشمس قد ms161 غربت عندما اتجهنا إلى طريق مائل يؤدي إلى ~~مبنى ضخم فوق ربوة، يشع الضوء الكهربائي من نوافذه. مضينا بحذاء ~~سياج مرتفع من القضبان الحديدية. وتمهلنا أمام بوابة يحرسها ~~الجنود، تعلوها لافتة نحاسية تعلن عن وزارة الدفاع للجمهورية ~~اللبنانية. # أفسح الجنود الطريق لسيارتنا، فعبرت البوابة، ودارت نحو ~~اليمين، ثم توقفت أمام درج رخامي مرتفع. # غادر رفيقي السيارة ثم أشار لي أن أتبعه. ارتقينا الدرج ~~الرخامي، وفي أعقابنا الرجل الآخر الذي كان يجلس إلى جوار السائق. ~~مرقنا من باب عريض إلى ردهة غصت بالعسكريين والمدنيين. وصعدنا ~~درجا آخر، ومضينا في طرقة طويلة بين صفين من الأبواب المغلقة. ~~وأخيرا تمهلنا أمام إحدى الغرف، فطرق رفيقي بابها ودخل، وبقيت ~~في الخارج بصحبة زميله. # خرج الرجل بعد لحظات، فأشار لي بالدخول، ثم أغلق الباب من ~~خلفي. # كانت الغرفة تمتد يسار المدخل إلى حيث استقر مكتب ضخم من الخشب، ~~جلس خلفه رجل قصير القامة أنيق الثياب. ونهض الرجل واقفا وهو يمد ~~إلي يده قائلا: أهلين أستاذ. شرف. # وأشار إلى أحد مقعدين متقابلين وضعا لصق مكتبه. # عاد إلى مقعده، وجلست وأنا أتأمله. وقرأت اسمه على هرم خشبي ~~صغير فوق المكتب: «العميد محسن العطار». # كان يتأملني بدوره، وعندما رأى أني قرأت اسمه قال: ها قد نحن ~~قد تعارفنا. # أومأت برأسي فقال: ألست معي في أنك محظوظ حقا؟ # رفعت حاجبي ولم أتكلم. # قال وهو ينقل عدة ملفات من مكان إلى آخر فوق مكتبه: الظاهر أن ~~لك أصدقاء كثيرين في لبنان. # التقط دفترا صغيرا من أحد الملفات، عرفت فيه جواز سفري، ~~وقلب صفحاته. وعندما رآني عازفا عن الكلام قال: ستنتهي فيزتك ~~بعد ثلاثة أيام. # قلت: أجل. # قال: هل تنوي السفر قبل ذلك؟ # تطلعت إليه حائرا ثم قلت: هل يمكن أن أعرف أين أنا؟ # ابتسم وقال: ألم تتبين ذلك بعد؟ أنت هنا في مخابرات الجيش، ~~المكتب الثاني كما يسموننا. ~~- ولماذا؟ # رفع حاجبيه مستنكرا: لماذا؟ لأننا أنقذناك من الموت. بحثنا عن ~~خاطفيك وأقنعناهم بالإفراج عنك. # تطلعت إلى لحم وجنتيه الناعم الذي تهدل ms162 خارج ياقة قميصه ~~الضيقة. # قلت: شكرا. # قال: أظن أننا نستحق أكثر من كلمة الشكر. # تساءلت: كيف؟ ~~- بأن تلتزم الصراحة والصدق معي. ~~- لكنني لم أكذب عليك؛ فلم أقل لك أي شيء. # ابتسم ابتسامة ذات مغزى وقال: بالضبط. ~~- هل معنى كلامك أني حر؟ ~~- طبعا. ~~- هل يمكنني أن أذهب؟ # ألقى بالجواز جانبا وتناول مفكرتي: طبعا. لكن ألا تريد أن ~~تأخذ أوراقك وجوازك؟ ثم هناك بضعة أسئلة صغيرة، أنت حر في أن تجيب ~~عليها أو ترفض ذلك. لكنك إذا أردت حقا أن تعبر عن تقديرك ~~لنا ... ~~- ماذا تريد أن تعرف؟ ~~- نشرب أولا قهوة. كيف تحبها؟ ~~- مضبوطة؟ ~~- مثلي تماما. # تحدث في ديكتافون صغير على مكتبه طالبا قهوة على الطريقة ~~المصرية، وقدم إلي علبة سجائر مارلبورو. لم أكن أطيق مذاقها ~~لكني أخذت واحدة، وتركته يشعلها لي، ثم جذبت نفسا عميقا ~~أشعرني بالدوار. # قال: بيروت مدينة هامة بالنسبة للكتاب؛ لأن بها كثيرا من ~~الناشرين. وللأسف أن بعض الكتاب والناشرين لا يلتزمون بحدود ~~عملهم، ويقحمون أنفسهم في أمور قد تضر بها ضررا ~~بليغا. # أحضر شاب فنجانين من القهوة. وتناولت فنجاني بينما تشاغل ~~باستبدال فيلتر مبسمه، ثم ثبت سيجارته به وأشعلها بتأن وهو ~~يلقي نظرة على ورقة أمامه. وعلى حين غرة مال على المكتب وهو ~~يحدجني بنظراته وقال: أين يقيم كارلوس؟ # تطلعت إليه مبهوتا: كارلوس من؟ # وفجأة تذكرت، فابتسمت بالرغم مني . # أشار إلي بإصبعه منفعلا: ها أنت قد عرفت. # قلت: تقصد الإرهابي الدولي. # قال وانفعاله يتضاعف: هو بعينه. # قلت: وما شأني به؟ # ضرب الملفات بقبضته وقال محتدا: أستاذ، بدك تحكي معي بصراحة ~~مثل ما باحكي معك، عندنا معلومات بأنك تعرف شخصيته جيدا. ~~- غير صحيح. ~~- معلوماتنا مؤكدة. ~~- معلوماتك خاطئة؛ فلا شأن لي بالإرهاب أو السياسة. لقد جئت ~~بيروت لأنشر كتابا وحسب. # ابتسم في خبث وقال: والفيلم؟ # أجبت في حدة: ماذا عن الفيلم؟ لقد عرضوا علي أن أكتب ~~تعليقا له، فلماذا لا أفعل؟ إنها صنعتي. ~~- إذن ما هي قصة كارلوس؟ ~~- ليست هناك أي قصة. ما قلته لك هو كل شيء. # جعل ms163 يتأملني بإمعان، وبدا لي أنه حائر بين مسلكين، ثم استقر ~~رأيه أخيرا، فتراخى في مقعده، وخلع السيجارة من المبسم وأطفأها في ~~المنفضة وهو يقول: أستاذ، اسمع مني هالكلمة. ليس في وسعنا أن ننقذ ~~شخصا في ظروفك كل يوم. وإذا كنا نجحنا اليوم، فربما لن نستطيع في ~~المرة القادمة. نصيحتي لك أن تبتعد عن المتاعب. وإذا وجدت نفسك في ~~مأزق يمكنك أن تلتجئ إلينا. نحن نمسك ببعض الخيوط، ونستطيع أن ~~نحرك البعض الآخر. # التقط بطاقة من علاقة نحاسية وقدمها إلي قائلا: ها هو اسمي ~~ورقم تلفوني. لا داعي لأن تأتي أو لأن نتقابل. يكفي أن ترفع ~~السماعة وتتكلم. ستجدنا بعد ذلك من الشاكرين. بالمناسبة. هذا ~~الكتاب الذي تحدثت عنه، هل وجدت له ناشرا؟ # قلت: ليس بعد. # قال: أعطني نسخة من المخطوطة فربما وجدنا لك واحدا. # قلت: للأسف لم تعد عندي نسخ. # نهض واقفا ومد يده إلي بجواز سفري ومفكرتي وبقية الأوراق ~~التي كانت في جيوبي. نهضت بدوري وتناولتها منه ثم قلت: لقد كان ~~معي حوالي مائتي ليرة. # قال وهو يدق جرسا مثبتا إلى مكتبه. ~~- هذا هو كل ما حصلنا عليه من خاطفيك. إذا كنت في حاجة إلى ~~نقود يمكنني أن أقرضك. # مد يده إلى جيبه، فاستوقفته قائلا: ليست هناك ضرورة. لن ~~أحتاج إلى شيء. وسأعرف كيف أتصرف. # أصررت على الرفض، فأبعد يده عن جيبه. وولج الحجرة رفيق ~~السيارة، فخاطبه العميد قائلا: رافق الأستاذ إلى البوابة، ~~واستدع له سيارة أجرة. # صافحته مودعا، وغادرت الغرفة. وتقدمت مرافقي إلى الطابق ~~الأسفل، فالدرج الرخامي ثم البوابة الخارجية. # 23 # شق التاكسي طريقه في ظلام الليل عبر شوارع مهجورة، وسواتر ~~ترابية، ومجموعات من المسلحين المختلفي الاتجاهات. واستوقفنا ~~بعضهم ثم تركونا نمر. ووصلنا الحمرا، ثم أشرفنا على المنزل. # بحثت عن أبو شاكر فلم أجده. ارتقيت الدرج جريا آملا أن أعثر ~~على وديع. وطرقت الباب، ففتح لي. وما إن تبينني حتى فغر فمه ~~دهشة، واحتضنني في حرارة. # طلبت منه أن يدفع أجرة التاكسي وأسرعت إلى المطبخ، فأخرجت ~~علبة بيرة ms164 من الثلاجة. جرعتها مرة واحدة. وحملت واحدة أخرى إلى ~~الصالة. # أشعلت سيجارة من سجاير وديع الإنجليزية، ومضيت إلى ~~التليفون. # أدرت رقم لميا، فرد علي صوت طفل، ثم جاءني صوتها: أنت؟ # سألتها: هل عندك أحد؟ # قالت هامسة: أجل. أين كنت؟ # قلت: سأحكي لك كل شيء عندما نلتقي بعد نصف ساعة. ممكن؟ # قالت: هذا مستحيل. لا يمكنني أن أخرج. # قلت: إذن آتي إليك. ~~- هذا أكثر استحالة. ~~- والعمل؟ # قالت بصوت عادي النبرة: سأنتظرك في المكتب صباحا. ~~- سآتي بشرط. ~~- ما هو؟ ~~- أن تجعلي شعرك ذيل حصان. # ضحكت وقالت: بسيطة. ~~- وشيء آخر. ألا ترتدي مشدا لصدرك. ~~- ماذا؟ ~~- صدرك لا يحتاج إلى مشد. ~~- كنت أفعل ذلك فيما مضى. الآن كبرت. ~~- أبدا. تعدينني؟ # ضحكت مرة أخرى وقالت: سأرى. باي باي. # سمعت صوت وديع خلفي وأنا أضع السماعة، فاستدرت إليه. كان ~~يتأملني منفعلا وهو يشعل سيجارة: معجزة حقيقية. أن يعود مخطوف ~~وبهذه السرعة. سيتلهف الجميع على شراء المقابلة التي سأجريها ~~معك. # تأملت ملامحه بإمعان كأني أراه لأول مرة. وقلت وأنا أفتح ~~علبة البيرة الثانية: كيف عرفت أني خطفت؟ ~~- عندما تبينت أنك لم تنم في البيت، اتصلت بأنطوانيت ولميا ~~وصفوان وكل من يعرفك. لكن أحدا لم يرك منهم، فلم يعد هناك ~~سوى تفسير واحد. ووعدتني أنطوانيت أن تحرك أجهزة المقاومة. ~~اسمع. لا بد أنك جائع. # قلت: مثل كلب. أريد لحما وويسكي، وقبل كل شيء الحمام. # قال: ادخل الحمام. وسأعد لك كل شيء. # سألت وأنا أتجه إلى غرفتي: ألم يذكر صفوان شيئا عن ~~الكتاب؟ # أجاب: قال إنه لا يستطيع نشره في الظروف الحالية. # أحضرت ملابس نظيفة من غرفتي، وحملت علبة بيرة إلى الحمام. ~~خلعت ملابسي وكومتها في ركن قصي. وغسلت أسناني، ثم أطلقت ~~المياه الساخنة في حوض الاستحمام. وحلقت ذقني وأنا أرتشف من ~~البيرة. وأخيرا رقدت في الحوض، وأسندت رأسي إلى جداره. ورفعت ~~علبة البيرة إلى شفتي. # لكن سعادتي لم تلبث أن تلاشت. وتحركت أمعائي لأول مرة منذ ~~يومين. لم يكن السبب هو قرب عودتها إلى ممارسة نشاطها الطبيعي، ~~وإنما ms165 الفكرة التي أخذت تلح علي. # انتهيت من حمامي، فارتديت الملابس النظيفة، وخرجت إلى ~~الصالة. وجدت وديع قد أحضر من الخارج دجاجتين مشويتين على ~~الفحم، مع أطباق السلاطة المعهودة. ورويت له ونحن نأكل كيف تم ~~اختطافي، والحديث الذي دار بيني وبين الفينيقي المتعصب ثم بيني ~~وبين رجل المكتب الثاني. # عرته الدهشة عندما سمع بالسؤال الذي وجهه إلى الأخير عن ~~كارلوس، وتمتم: غريبة. وماذا قلت لهم؟ ~~- الحقيقة. # بدت عليه الحيرة، فأضفت: أقصد أني لا أعرف عنه أي ~~شيء. # شحب وجهه وسأل: وهذا صحيح؟ ~~- طبعا. ~~- لكنك قلت لي ... # ضحكت: أنت الذي أخطأت الفهم. ~~- كرر متعجبا: غريبة. # غمست لقمة في طبق من الثوم المطحون باللبن وقلت: فعلا غريبة؛ ~~فلم يرد ذكر كارلوس على لساني غير مرة واحدة، في هذه الصالة، ~~وأثناء حديث معك. وليس لذلك غير معنى واحد. # توقف عن الأكل وتطلع إلي مترقبا: ما هو؟ ~~- إما أنك ثرثرت مع أحد بالحديث الذي دار بيننا ... # اندفع قائلا: أبدا. # سكت ثم أضاف: لا أظن. ربما. # استطردت: أو أن بمنزلك جهاز تسجيل للمكتب الثاني. # دار ببصره في أرجاء الصالة ثم أطرق برأسه قائلا: ممكن. # جرعت كوبا من البيرة ثم قلت: لا أظن. # اتسعت حدقتاه: إذن ما ... # رفعت يدي أستوقفه وقلت: دعنا من هذه النقطة الآن. ما أريد أن ~~أفهمه هو لماذا اختطفوني، ولماذا أطلقوا سراحي. # اقتطع شريحة من الدجاج وقال: اختطافك يمكن أن يكون قد تم مصادفة. ~~وجه غريب ظهر في منطقتهم. وخصوصا إذا كان بادي الفضول. # وضع لقمة في فمه واستطرد: ليست هناك قاعدة بالنسبة لعمليات ~~الاختطاف؛ فأحيانا يتم إعدام المخطوفين في الحال. وغالبا يكون ~~هذا انتقاما لعملية مماثلة قام بها الطرف الآخر. وأحيانا يكون ~~بلا سبب ظاهر، كما حدث أخيرا عندما أعدم الكتائبيون حوالي أربعين ~~من العمال المصريين. وفي أحيان كثيرة يحتفظ الخاطفون بضحاياهم ~~ليتم مبادلتهم بغيرهم، أو بمكاسب معينة؛ ولهذا كان الفينيقي ~~صبورا معك من أجل تقييم حالتك، وهل من الممكن استغلالك في نوع ~~من المبادلة، ولو تبين له مثلا أنك مسيحي، كان ms166 سيحاول إقناعك ~~برأيهم، وكسب تأييدك. وأظنك سمعت أن هناك جسورا بينهم وبين بعض ~~الأقباط المصريين. ~~- والمكتب الثاني؟ # استغرق في مسح ما تبقى في طبق الحمص بلقمة ثم قال: المكتب ~~الثاني هيئة غريبة. إنه يخضع لنفوذ العائلات الحاكمة، مارونية ~~ومسلمة. لكن القائمين عليه يخضعون أيضا لولاءات أخرى خارجية ~~ومتعارضة. وبالإضافة إلى ذلك كله، فإنهم يتحركون أحيانا بشكل ~~مستقل في لعبة الصراع على القوة بين الكتل المختلفة، داخلية ~~وخارجية. # أشعل سيجارة ومضى يقول: نأتي للمقاومة. الظروف فرضت عليها أن ~~تحتفظ بقنوات اتصال مع الكتل المختلفة. وهي قنوات لا تتأثر ~~بالأحداث. يكون القتال دمويا بين فتح والكتائب مثلا، بينما تعمل ~~قناة الاتصال بينهما بصورة عادية. # تطلع إلى ساعته، ثم قام إلى جهاز التليفزيون فأداره، وألغى ~~صوته، في انتظار نشرة الأخبار. وواصل حديثه وهو يعود إلى مقعده: ~~تم إذن اختطافك صدفة. ونجحت أنطوانيت في أن تحرك المسئولين ~~في منظمة التحرير الفلسطينية. ومن الطبيعي أن يهتم هؤلاء بالأمر ~~لسببين؛ الأول هو أنهم حريصون على دعم علاقاتهم بكافة المجموعات ~~اللبنانية التقدمية مثل مجموعة أنطوانيت، حماية لوجودهم. والسبب ~~الثاني متصل بالأول؛ فاستخدام أنطوانيت لإمكانيات مؤسسة السينما ~~التابعة لهم، يجعلها محسوبة عليهم بصورة ما. وبذلك فإن اختطافك ~~يمس مكانتهم ولو من بعيد. وقد بدءوا أولا بالمنظمات المختلفة في ~~الغربية حتى تأكدوا أنك غير موجود بها؛ عندئذ تم تحريك قناة ~~الاتصال بالمكتب الثاني، ثم بالكتائب والنمور وحراس الأرز وبقية ~~الفرق المارونية. وهؤلاء جميعا أنكروا علاقتهم بالأمر. لكن المكتب ~~الثاني - سواء كي يسدد دينا للمنظمة، أو يسجل لنفسه نقطة ~~عندها، أو ليكسب نقطة في صراع القوة مع الفرق المارونية، أو ~~ليتقصى موضوعا جانبيا تماما مثل موضوع كارلوس - المهم أنه لا ~~يقف عند هذا الحد، ويهتم بالقصة. وخلال ساعات قليلة يكون قد عرف ~~من عملائه المنبثين في الفرق المختلفة مكانك، ويحسم الأمر ~~بمكالمة تليفونية، فيجد الخاطفون أنهم يكسبون من إطلاق سراحك ~~نقطة لدى المكتب الثاني، أو يسددون دينا له. ويتم تبادل ~~الاعتذارات وتسجيل النقاط، وتسترد حريتك. وتصبح مدينا للمكتب ~~الثاني بصورة ms167 ما. # أطرقت برأسي وقلت: معقول جدا. ولو أنها صورة مخيفة. ومضحكة ~~أيضا. وهي تفسر الباقي. # رمقني متسائلا فقلت: دورك أنت. # ظهرت عليه الدهشة واغتصب ضحكة: دوري هو أني حركت هذه ~~السلسلة من الأفعال عندما بحثت عنك واتصلت بأنطوانيت. ~~- طبعا. طبعا. لا جدال في هذا. لكني أقصد شيئا آخر. ~~- ما هو؟ ~~- كارلوس. # شحب وجهه وقال: ما شأنه؟ ~~- ربما يوجد جهاز تسجيل هنا. لكني واثق أن المكتب الثاني سمع ~~بموضوع كارلوس عن طريقك شخصيا. ~~- يعني أنا عميل للمكتب الثاني؟ ~~- ليس بالضرورة. لا أظن. هناك شكل معاصر متحضر لهذه الأمور. ~~أنت ترفع سماعة التليفون وتتصل بصديق لك، تعرف أن له صلة ما ~~بالمكتب الثاني. واحد مثل صاحب المقهى الذي رأينا عنده لميا، ~~فتثرثر معه، وخلال الحديث تلقي ببعض المعلومات التي تعرف جيدا ~~أنها تهم المكتب الثاني. عمليا أنت لم تقم بشيء مما يقوم به ~~العملاء المحترفون. كل ما فعلته هو أنك ثرثرت فقط في معرض ~~الإجابة على السؤال التقليدي: إيه الأخبار؟ ~~- وماذا أستفيد من هذه الثرثرة؟ # قلت: شيء من الأمان ربما. دعم ما في لحظة أزمة. الحياة هنا ~~صعبة. بيروت جحيم من الولاءات المتشابكة والمتعارضة، ثم ألا يحتمل ~~أن تكون مدينا لهم على طريقة ما حدث معي اليوم؟ ~~- لم أتصور أبدا أنك سيئ الظن إلى هذه الدرجة. ~~- ليت الأمر كان كذلك. مجرد سوء ظن. # كانت أصابعه ترتعش. ودون أن أنظر إلى أصابعي كنت أعرف أنها ~~أيضا ترتعش. # قلت: هل تحب أن أعطيك مثالا آخر في سوء الظن؟ هناك موضوع ~~المفكرة. أنا واثق أني تركتها على الكومودينو بجوار الفراش، فما ~~الذي وضعها في حقيبتي؟ ~~- لو كنت أخذتها، فمن المنطقي أن أعيدها إلى مكانها. ~~- بالعكس، أنت تعرف أني بحثت جيدا على الكومودينو وحوله وتحته، ~~فلو ظهرت في نفس المكان، لبدا الأمر واضحا. الأذكى أن تظهر في ~~مكان آخر؛ لإقناعي بأني كنت عرضة للنسيان. ~~- إذن أنا أخذت مفكرتك وأعطيتها للمكتب الثاني؟ ~~- ربما تكون تصفحتها وحسب. خفت أن تكون لي اتصالات يمكن أن ~~تعرضك للخطر. ~~- وماذا أيضا؟ ms168 # ضحكت: ألا يكفي هذا؟ ~~- أريد أن أسمع. ~~- كما تشاء، يمكن أن نبدأ من السجن الذي غادرته بعد أسبوع ~~واحد. أو سنة 68 عندما عينوك في بيروت بينما كل أصدقائك كانوا ~~إما في السجن أو خارجين منه لتوهم. ~~- وكيف تفسر أنت ذلك؟ ~~- ألم تكن من المسئولين في تنظيم الاتحاد الاشتراكي؟ وكنت تكتب ~~التقارير عن اتجاهات الرأي العام؛ أي آراء زملائك في ~~الجريدة؟ # قال: أنت تسليني جدا باكتشافاتك البوليسية. لقد كنت دائما ~~أعتبرك أقرب شخص إلي، وها أنت قد خيبت ظني فيك. # قلت: الحياة سلسلة من خيبات الظن. الغريب في الأمر أني - بيني ~~وبين نفسي - لا ألومك على شيء. # حانت مني نظرة إلى شاشة التليفزيون، فوجدت نشرة الأخبار قد ~~بدأت. مددت يدي ورفعت درجة الصوت، واستمعت إلى المذيع يتحدث ~~عن ثلاثة مليارات من الدولارات أخذها العراق من السعودية لتعويض ~~خسائره في الحرب مع إيران، ثم ظهرت صورة السادات على الشاشة ~~بمناسبة حديث أدلى به إلى مجلة «دير شبيجل» الألمانية، وأعلن فيه ~~أن العلاقات المصرية الأمريكية هي علاقات استراتيجية، وأن «بلاده» ~~مستعدة لتقديم التسهيلات للولايات المتحدة والدول الغربية من أجل ~~الدفاع عن مصالح هذه الدول في الخليج. # بدا أن السادات قد احتكر الأمسية؛ فما لبث أن ظهر في اجتماع ~~لحزبه في القاهرة. وفي هذه المرة جاءنا صوته المميز يقول: «في ~~يوم 27 مايو 79 .. يعني بعدما رفعت العلم على العريش ... يوم 27 كنت ~~في العريش وجه ليه بيجين .. ورحنا زرنا بير سبع .. يعني الموضوع ~~انتهى بتاع سينا خلاص .. برفع العلم على العريش .. قلت له تعالى ~~نقعد .. اللي تم امبارح لما أنا رفعت العلم على العريش .. دي ~~معناها كبير جدا .. ليه؟ معناها إنه إنتم فعلا بتحترموا ~~اتفاقاتكم .. وأنا عارف هذا .. إنتم فعلا بتنفذوا التزاماتكم .. ~~طب ما تيجي وفاضل لنا سنة عشان الحكم الذاتي الفلسطيني .. ما تيجي ~~من دلوقت نخلص الاتفاق .. ما تيجي يا بيجين .. وبيجين قال مفيش ~~مانع ... إيه رأيك؟ مكنش فيه حاجة .. ما طلبش مني شيء أكثر من ~~إجراءات أمن .. كل إجراءات الأمن ms169 اللي طلبوها قلت لهم أديهالكو ~~وزيادة. قال لي شيء عظيم جدا .. قلت له إيه رأيك في مليون متر ~~مكعب يوميا من مياه النيل .. قاللي شيء عظيم جدا ...» # شعرت فجأة بالإرهاق والرغبة في النوم، فقمت واقفا وأنا أقول: ~~سأدخل لأنام. # لم ينبس بحرف وظل يتطلع إلى شاشة التليفزيون في وجوم. ملت ~~عليه ووضعت يدي على رأسه قائلا: صدقني يا وديع، أنا لا ألومك ~~أبدا. # 24 # بدا المرافق الفحل ساهما، وقد احتل مقعدا إلى جوار مكتب ~~السكرتيرة، ومد ساقيه الطويلتين أمامه، فأوشك أن يسد الطريق. ~~وكان مسدسه، كالعهد به، يتدلى من خاصرته. # قالت السكرتيرة وهي تومئ إلى الغرفة الداخلية: المدام ~~تنتظرك. # خطوت في الممر المؤدي إلى غرفتها، ورأيتها تقف عند الباب ~~مادة يديها نحوي. احتوت يدي بين راحتيها وجذبتني إلى الداخل، ~~ثم تخلت عني واتجهت إلى مقعدها خلف المكتب قائلة: اجلس واحك لي ~~ما حصل. # جلست في المقعد الملاصق لحافة مكتبها الأمامية، ورأيت أنها ~~مشطت شعرها إلى الخلف، وجمعته داخل أنشوطة. وكانت ترتدي ~~بلوزة حريرية، وردية اللون، بلا أكمام، وجوبا واسعة من نفس ~~اللون، وتبينت على الفور أنها لا ترتدي مشدا. # لحظت اتجاه نظراتي فتضرج وجهها وقالت: الشمس اليوم قوية، ~~مبسوط يا بيه؟ # رويت لها ما وقع لي من أحداث، وضحكنا سويا على قصة ~~كارلوس. # سألتها: ما هي أخبار الكتاب؟ # أجابت على الفور: أعجبني جدا، وسنأخذه. متى تسافر؟ ~~- حجزت في طائرة الجمعة. ~~- سأجهز عقدك اليوم. ~~- والمصاري؟ ~~- بمجرد أن توقع تقبض. # جذبت بعض الأوراق وقالت: هل يمكن أن تنتظرني قليلا؟ اشرب ~~القهوة واقرأ الصحف حتى أنتهي. # جاءت السكرتيرة بالقهوة. وتناولت إحدى الصحف. كان صدرها ~~موزعا بين أخبار مؤتمر القمة العربي في عمان، وحملة اعتقالات ~~جديدة ضد الفلسطينيين هناك، وحديثي السادات اللذين استمعت ~~إليهما بالأمس. وكانت هناك إشارة لحديث ثالث إلى التليفزيون ~~الدنماركي يقول فيه بالنص: «ثبت أن الله يعدني لمهمة ~~معينة». # قلبت الصحيفة فطالعتني على الصفحة الأخيرة صورة لصبي في ~~حوالي السابعة من عمره، ذي وجه وسيم وعينين واسعتين، يتوسط ~~زميلين له خلف ms170 مكتب بحجرة دراسة، التقطت الصورة من الأمام وعلى ~~مستوى منخفض، فظهرت سيقان التلاميذ الثلاثة، وحقيبة كتب أحدهم ~~فوق الأرض. وكان كل منهم يضع ساقا فوق الأخرى، كاشفا عن جوربه ~~وحذائه، ما عدا الصبي الوسيم الذي وضع طرف قلمه في فمه متأملا في ~~وجوم؛ فقد كانت ساقه اليسرى، الملقاة فوق اليمنى، تتألف من رجل ~~بنطلون فارغة. # كان المقال المرفق يتحدث عن الأطراف الصناعية بمناسبة العام ~~الدولي للمعاقين. وقرأت أن سوق الأطراف الصناعية في لبنان ازدهر ~~أخيرا رغم الصعوبات التي تواجهها؛ فالتقدم الذي تحقق في ~~صناعتها، جعل الأغنياء وحدهم هم القادرون على الاستفادة منها. ~~بينما الغالبية الساحقة من المصابين في لبنان، من الفقراء ~~المعدمين. # وأسفل صورة الصبي، قرأت هذا التذييل: «الطرف الصناعي ليس كما ~~يعتقد الناس مثل الطرف الطبيعي، لكنه وسيلة مساعدة على القيام ~~ببعض الحركات المهمة.» # كانت هناك صورة أخرى لنفس الصبي في الطريق، وقد اعتمد بمرفقيه ~~على عكازين، وعلق حقيبة كتبه فوق ظهره، ولوى عنقه متابعا ~~مباراة في كرة القدم بين أولاد في مثل سنه. # وفي صورة ثالثة ظهر طفل آخر في حوالي الرابعة من عمره يرتدي ~~صديريا فوق قميصه، ووقف بين حاجزين حديديين، كاشفا عن نصفه ~~الأسفل، بينما انحنى الطبيب فوق فخذه المبتورة، يجرب له ساقا ~~صناعية، وأسفل الصورة قرأت: «المشي هو مجموعة حركات تقوم بها عدة ~~مفاصل في الرجل والورك والركبة والكاحل وأصابع القدم. وتجرى ~~عمليات البتر عادة فوق الركبة أو تحتها.» # غادرت لميا مقعدها، ومضت إلى خزانة الكتب، فاستخرجت ملفا، ~~وعادت به. توقفت جواري، وبسطت الملف على سطح المكتب وانحنت ~~فوقه. # كان باب الغرفة مفتوحا. وكان بوسعي أن أرى جانبا من الممر ~~المؤدي إلى الردهة الخارجية. ودون أن أرفع عيني عن الباب، انحنيت ~~قليلا، ووضعت راحة يدي فوق بطن ساقها، حركت يدي في بطء إلى ~~أعلى حتى إبط ركبتها، ثم أدرتها بحيث أحاطت بركبتها من الأمام، ~~وواصلت تحريكها فوق فخذها. # كان لحمها مشدودا، ناعما وساخنا. واصطدمت يدي بعد لحظة ~~بقطعة من القماش، فتوقفت وتطلعت إليها. كانت ما ms171 تزال منحنية ~~على الملف، لكن عينيها كانتا مغمضتين. # فتحت عينيها ببطء فالتقتا بعيني. # قالت: أنا لا أستحي منك. # كان دوي الانفجار قويا، هز المبنى من أساسه. وسحبت يدي ~~بسرعة، بينما اعتدلت واقفة وهي تسوي جوبها، وهرعت إلى ~~النافذة قائلة: إنه حاجز الصوت. # تكرر الدوي مرة أخرى، ثم ترددت عدة انفجارات ضعيفة ~~متفرقة، أشبه بطلقات المدافع المضادة للطائرات. وأقبلت ~~السكرتيرة علينا في انفعال وهي تقول: طائرات إسرائيلية. # انضمت إلينا عند النافذة. ووقفنا نتطلع إلى السماء دون أن ~~نرى شيئا. ولم يتكرر الدوي، فانصرفت السكرتيرة، وأغلقت الباب ~~خلفها. # قربت فمي من ساعد لميا العاري، وطبعت قبلة عند مدخل إبطها. ~~ولحظت أن وجهها شاحب. # سألتني: خفت؟ # أجبت: طبعا. # احتضنتها والتقطت أذنها بشفتي. أراحت نهديها على صدري ثم ~~ابتعدت عني مرة واحدة وهي تهمس: حد يدخل. # تناولت الملف وأعادته إلى الخزانة، ثم استقرت خلف مكتبها ~~وانهمكت في العمل. وعدت إلى مقعدي فأشعلت سيجارة وجعلت ~~أرقبها. # ألقت القلم فجأة من يدها وهي تتراجع بمقعدها إلى الوراء: أوف. ~~لست قادرة على التركيز. # قلت: قومي بنا نخرج. # فكرت قليلا ثم قالت: يجب أن أذهب إلى البيت. # مددت يدي فوق المكتب، وأمسكت بيدها، وتحسست أناملها بأطراف ~~أصابعي. # كان الدوي هذه المرة قريبا منا للغاية. وميزت صوت طلقتين ~~متتابعتين. وفتح الباب بعنف وظهرت السكرتيرة شاحبة الوجه، وهي ~~تحاول الكلام. وجاء في أعقابها شابان ممن يعملون في الدار ، ~~وخلفهما أحد المسلحين اللذين يحرسان مدخل المبنى. # أمكننا أن نفهم من سيل العبارات المبتسرة والمتعارضة، أن «أبو ~~خليل» خرج ليشتري سجاير، وحين عودته في المصعد، لمح مسلحا ~~غريبا على الدرج. ورفع المسلح مدفعه الرشاش ليطلق النار على ~~«أبو خليل». لكن هذا كان أسرع منه، فأطلق عليه رصاصتين أخطأتاه. ~~وتمكن المسلح من الهرب في اتجاه السطح. # تدافعنا جميعا إلى الخارج، ووقفنا أمام المصعد الذي بدا زجاج ~~مصراعه الخشبي مهشما. # سمعنا صوت أقدام ثقيلة وأنفاس لاهثة. وظهر «أبو خليل» أعلى ~~الدرج، ومسدسه يتدلى من يده. ~~- طاردته حتى السطح لكنه تمكن من الفرار. # هز حارس ms172 الباب الخارجي رأسه وقال: لم يدخل غريب البناية ~~أبدا. # صاح به أبو خليل: إذن من أين جاء الزلمة؟ م الهوا؟ لا بد أنه ~~صعد من المدخل وكنت أنت نائما. # احتد الحارس: أنت الذي تنام طول الوقت. # تدخلت لميا لتفض الشجار، وطلبت من الاثنين أن يقوما ~~بتفتيش المبنى تفتيشا جيدا. # عدنا أدراجنا إلى الغرفة، فأغلقت الباب واستندت إليها ~~بظهرها. قالت وهي تجذب شفتها السفلى بطرف إصبعها: من حسن الحظ أن ~~«أبو خليل» رآه. # مشت إلى مكتبها وهي تفكر ثم سألتني: كم الساعة الآن؟ # قلت: الثانية والنصف. # خطت نحوي ووقفت أمامي، ثم مدت يدها إلى صدري فاعتصرته. ~~أحنيت رأسي على صدر بلوزتها، وتناولت طرف ثديها بين شفتي، ~~وقربت فخذيها وألصقتهما بي. # قالت بالإنجليزية: أنا هائجة جدا. # ثم أضافت بالعربية همسا: أنا بأعوق كثير. فهمت؟ # أطرقت برأسي وقلت: نذهب إلى منزلي. # تساءلت: ووديع؟ ~~- يمكنني أن أكلمه الآن في مكتبه وأتفق معه. ~~- لا أريد. لن أشعر بالاطمئنان أبدا. # تطلعت إلى الكنبتين المتعامدتين في ركن الغرفة، فقالت: ولا ~~هنا أيضا. وبعد ما حدث اليوم. # حسمت رأيها فجأة، فتناولت حقيبة يدها، وقالت: هيا بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى منزلي. # كان «أبو خليل» ينتظرنا في الردهة الخارجية، فتقدمنا إلى ~~الدرج.، وهبطنا خلفه حتى الباب الخارجي، حيث استقبلنا الحارسان ~~شاهري السلاح. # طلب منا «أبو خليل» أن ننتظر في الداخل، وأشار إلى أحد ~~الحارسين، فغادر المبنى. وظهر بعد لحظات في مقدمة الشيفروليه ~~إلى جوار سائقها ذي الملابس الرسمية. # وبإشارة من «أبو خليل» رفع المسلح الآخر مدفعه إلى صدره، وهو ~~يكتسح ببصره أسطح المباني القريبة ونوافذها ومداخلها. وتقدم ~~إبراهيم من السيارة في اعتداد فجذب الباب الخلفي، وأومأ برأسه ~~للميا. وظل واقفا حتى ركبت فأغلقه وراءها، ثم دار حول السيارة ~~وفتح الباب الآخر، وتنحى جانبا وهو يخاطبني: شرف أستاذ. # أغلق إبراهيم الباب، ثم دار حول السيارة وفتح الباب المجاور ~~للميا. تحركت هي نحوي حتى التصقت بي، مفسحة له مكانا. وجلس ~~شاهرا مسدسه. # قالت لي لميا بالإنجليزية عندما تحركت السيارة: كنت أنوي ~~التخلص ms173 من عظمته في نهاية الشهر. لكن يبدو أنه ما زالت هناك حاجة ~~إليه. # انطلق السائق عبر شبكة من الشوارع المتقاطعة، تنفيذا ~~لتعليمات إبراهيم الذي لم يغفل عن مراقبة السيارات القادمة من ~~خلفنا، حتى بلغنا المنزل. # وقبل أن تتوقف السيارة تماما كان أبو خليل قد فتح بابها وقفز ~~إلى الرصيف ومسدسه في يده. وفعل المسلح مثله، ووقف إلى جوار ~~السيارة رافعا مدفعه إلى صدره، وإصبعه على الزناد. # غادرنا السيارة وتقدمنا من المبنى في حماية المسدس ~~والكلاشينكوف. وانضم إلينا اثنان من المسلحين الواقفين في مدخله. ~~صعدنا الدرج الرخامي العريض، ثم اجتزنا الردهة الداخلية. وأخذ ~~إبراهيم مفتاح المصعد من لميا، واستقله بمفرده حتى الطابق ~~الأخير ليتأكد من خلوه من المتفجرات. # هبط المصعد بعد دقائق، فأخذناه أنا ولميا إلى مسكنها. وقادتني ~~إلى الغرفة التي جلست فيها المرة السابقة وتركتني. # اتجهت إلى المكتبة ووقفت أتأمل محتوياتها، ورأيت الرف الذي ~~كان يحمل صورة عدنان خاليا. واكتشفت أن الصورة موضوعة على ~~الأرض، إلى جانب المكتبة، ووجهها إلى الحائط. # جذبت مجلدا سميكا غريب الشكل، فوجدته قاموسا للغتين ~~العربية والعبرية. قلبت في صفحاته إلى أن أقبلت لميا. ولاحظت ~~أنها أضافت طبقة جديدة من الكحل إلى عينيها، فبدتا أكثر ~~اتساعا. # قالت: الأكل جاهز يا بيه. # أعدت القاموس إلى مكانه وتبعتها إلى صالة رحبة، علقت فوق ~~جدرانها قطع السجاد، وصوان ضخمة من الفضة المنقوشة بالزخارف ~~الإسلامية. واستقرت وسطها مائدة خشبية كبيرة، صف حولها عدد ~~كبير من المقاعد. # كانت أدوات المائدة معدة لاثنين فقط، فسألتها: ألن تأكل ~~ابنتك معنا؟ # قالت وهي تجلس: سلمى أكلت مع دادتها وخرجتا للنزهة. # جلست أمامها وتطلعت حولي ثم سألتها: أليس هناك ما ~~يشرب؟ # أشارت إلى قنينة من عصر البرتقال وابتسمت: نحن لا نحتفظ بأية ~~خمور في المنزل. أنت نسيت أننا مسلمون. # تولى نادلان في سترات بيضاء وبنطلونات سوداء خدمتنا. ~~وانتقلنا من السلاطات المتنوعة إلى كشك بصدور الدجاج، وورق عنب ~~محشو، ثم قطع اللحم المحمر مع كوسة وجزر مسلوقين. # كانت الحلوى مصنوعة من الشكولاتة. واكتفيت بتفاحة تناولتها من ms174 ~~إناء واسع امتلأ بالتفاح والخوخ والعنب. # أشعلت سيجارة، وانتقلنا إلى غرفة المكتبة، حيث جاءتنا القهوة. ~~تركت لميا الغرفة بعض الوقت، وعندما عادت جلست إلى جواري وأمسكت ~~يدي. كانت يداي باردتين، فتركتهما وقال: تعال أريك ~~غرفتي. # سرنا في ممر طويل فوق أرضية من الرخام. وتوقفت أمام ~~غرفة. # سألتها: هل الحمام قريب من هنا؟ # أشارت إلى الباب المواجه ففتحته ودخلت. وجدت نفسي في كهف ~~واسع من الرخام الأسود الذي تتخلله عروق وردية. وكانت المرايا ~~تغطي جانبا كبيرا من جدرانه. # تبولت وغسلت يدي وفمي في حوض واسع ذي صنابير صفراء ~~لامعة، بدت كأنها من الذهب، ثم جففت يدي وأنا أتأمل وجهي الذي ~~عكسته المرايا عدة مرات. وأخيرا غادرت الحمام، وأغلقت الباب ~~خلفي في هدوء. # كانت الغرفة التي تنتظرني فيها متوسطة المساحة، يحتل مركزها ~~فراش مستدير واطئ، دون مساند، يعلوه غطاء سميك وردي ~~اللون. # جذبتني من يدي وقادتني إلى كنبة وثيرة، ثم جلست أمامي على ~~حافة الفراش، وهي تتأملني في اهتمام، مترقبة انطباعي. # نقلت البصر بين السجاد السميك الذي تعلوه خصلات متموجة من ~~الصوف، والستائر الضخمة التي كشفت عن حائط من الزجاج يطل على ~~شرفة عريضة. واسترخيت في مكاني، دافنا جسدي بين الحشيات ~~اللينة. # شعرت بالسكينة وأنا أمر بعيني فوق الأثاث النظيف المرتب في ~~عناية والسماء القاتمة من خلال الزجاج. كان الهدوء شاملا. وشعرت ~~بالرغبة في أن أستسلم للكنبة وحشياتها. وفي ألا أتحرك أو ~~أتكلم، كي تمتد هذه اللحظة قليلا. # مالت نحوي وألقت بيدها على ركبتي، أمسكت بساعدها وجذبتها نحوي ~~في رفق، فانتقلت إلى جواري، ودفنت رأسها في عنقي. # كان جسدها ساخنا، وشعرت بها ترتعش. لكن أعصابي كانت مرتخية، ~~وشيء كالخدر يلفني. # وضعت راحتي على ساقها، وتحسست بشرتها الناعمة، ثم تلمست ~~استدارات فخذيها. وتطلعت إليها فوجدتها تتنفس في قوة، ~~مغمضة العينين. وما لبثت أن جعلت تنتفض مع كل لمسة من ~~أصابعي. # كلت أصابعي بعد قليل وآلمني رسغي، لكني واصلت تلمسها دون ~~أن أرفع عيني عن وجهها، إلى أن هدأت حركاتها، ونحت يدي ~~بعيدا. # استكانت ms175 على صدري وهي لا تزال مغمضة العينين. وفتحت عينيها ~~بعد فترة، ثم اعتدلت جالسة وسوت ملابسها قائلة: الأفضل أن ~~نعود. # تبعتها إلى غرفة المكتبة وجلست في مواجهتها. أشعلت سيجارة وأنا ~~أتأملها. كانت عيناها ساهمتين، غارقتين في تيار من التأملات ~~الداخلية. # ألقيت نظرة على ساعتي وقلت: لا بد أن أنصرف الآن. ~~- هه؟ # كررت القول فقالت دون حماس: ابق قليلا. عندي فيلم مصري ~~لنادية الجندي. # قلت: وأنا عندي فيلم يحتاج إلى تعليق. # قالت: كما تشاء. # رافقتني إلى باب المصعد. قلت وأنا ألجه: هل ستكونين هنا ~~بالليل؟ # أومأت برأسها. # سألت: أكلمك أم تكلمينني؟ # قالت: لا. أكلمك أنا. # قلت: سأنتظر. # 25 # بدا لي أن التعليق يجب أن يكون تقريريا، مقتضبا، لا أثر فيه ~~لنبرة إثارة أو أسى؛ فما قيمة أي كلمة حماسية بلاغية أمام الصور ~~الدامغة لمشاهد القتل والحرق والتدمير؟ وخالجني الشك لحظة في جدوى ~~التعليق على الإطلاق، ثم تذكرت أن للفيلم متطلبات كثيرة حتى ~~تدب فيه الحياة، يمكن أن يكون الصوت البشري أحدها. # كان علي أن أتخلص من أغلب العناوين الأصلية، أو بمعنى أصح ~~أدمجها في تعليقي. كما أن حجم هذا التعليق كان يجب أن يسير ~~متوازيا مع حجم المادة. وفي أحيان كثيرة يجب أن يتزامن الصوت مع ~~مشاهد بعينها. # استعنت بقائمة أنطوانيت المبتسرة التي سجلت زمن كل لقطة. ~~وكنت أعرف أن العشرين ثانية على الشاشة تستوعب، في المتوسط، ~~ثلاثين كلمة، فسجلت عدد الكلمات المطلوبة لكل مشهد يتألف من ~~لقطات متعددة. وأمكنني ذلك أن أحدد حجم المادة المطلوبة ~~كتابتها. # وقررت أن أتعامل مع التعليق كنص متكامل، ذي بداية ونهاية، ~~لا كمجموعة من التذييلات الملائمة للمشاهد. ومع ذلك كان علي أن ~~أراعي بعض المشاهد التي تحتاج إلى إيضاح، والأخرى التي لا تحتاج ~~إلى كلمة واحدة. # انقطعت تماما للعمل، ولم يحل ظهر الخمس إلا وكنت قد انتهيت ~~من مسودة التعليق. وراجعتها بدقة من مختلف الزوايا، سواء من ~~ناحية منطقية التسلسل، أو سلامة اللغة وسلاستها، أو النظرة ~~السياسية، أو الدقة في المعلومات، وأولا وأخيرا التزامن مع ms176 ~~مشاهد الفيلم ولقطاته. # أمدني ضيق الوقت بالحماس، فعكفت على كتابة نسخة أخيرة سليمة، ~~إلى أن انتزعني رنين التليفون من استغراقي. # رفعت السماعة، فجاءني صوت أنثوي غريب لم أتعرف عليه: أستاذ ~~...؟ # قلت: أهلين. # قالت: أنا جميلة. # كررت الترحيب بها، فقالت: عفوا إذا أزعجتك، لكن بدي أحكي ~~معك ضروري. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- نلتقي بعد نصف ساعة ممكن؟ ~~- أين؟ ~~- مثل ما بتريد. ~~- هل يضايقك أن تأتي لعندي؟ ~~- أفضل مقهى في الحمرا. المودكا مثلا. # قلت: موافق. المودكا إذن. # نحيت أوراقي جانبا. وارتديت سترتي وغادرت المنزل. مشيت ~~على مهل في اتجاه الحمرا، ثم دلفت إلى المودكا، واخترت مائدة في ~~مكان ظاهر. ولم ألبث أن رأيتها تبحث عني، فنهضت واقفا. أقبلت ~~علي في خطوات سريعة، وشدت على يدي بقوة ثم جلست. # كانت ترتدي سترة وجوبا من التويد. وبدت أنحف قليلا مما عهدتها. ~~وخلا وجهها من الزينة، فظهرت تجاعيد خفيفة حول عينيها. # طلبت من النادل فنجانين من القهوة وكأسين من الكونياك. ~~وأشعلت لها سيجارة، فجذبت منها نفسا ثم قالت: عفوا إذا كنت ~~متطفلة. هل تسافر غدا؟ ~~- أجل، في المساء. # قالت: أريد منك أن تقطع علاقتك بلميا فور سفرك. # كنت قد رفعت كأس الكونياك إلى شفتي، فأعدته مكانه وتأملتها ~~مبهوتا. # أومأت برأسها وكررت عبارتها. # قلت: غريبة. أنت تفترضين أولا أن هناك علاقة بيني وبين لميا ~~ثم تطلبين ... # قاطعتني: أنا أعرف كل شيء، فلا داعي للإنكار. # قلت: حتى لو فرضنا أن هذا صحيح. ألا ترين أن ما تطلبينه غير ~~عادي؟ # قالت: لدي مبرراتي، وستقتنع بها عندما أشرحها لك. # قلت: ليس بيني وبين لميا شيء. العلاقة بيننا علاقة عمل ~~فقط. # أطفأت سيجارتها في المنفضة، واحتوت كأس الكونياك بين راحتيها: ~~اسمع. أنا أعرف لميا من سنوات طويلة. وهي تفضي إلي بكل ~~شيء. ~~- إذا كانت هي التي حدثتك عن علاقة مزعومة بيننا، فهي ~~كاذبة. ~~- لي أيضا عينان. # تأملت يديها القويتين الرجوليتين، بأظافر مقصوصة ~~ومصبوغة بعناية في لون صدفي. وتمثلت الراحة والطمأنينة التي ~~يمكن أن يجدهما الإنسان بالقرب منهما. # قالت: أنا واثقة أنك ms177 ستفهم. # تمعنت في كأسها مترددة ثم رفعت عينيها إلي قائلة: هناك ~~علاقة خاصة، خاصة جدا بيني وبين لميا. # قلت: وما شأني أنا؟ ~~- أستاذ. أنت لك حياتك في القاهرة. وأنا ليس عندي غير لميا. ~~إنها كائن رقيق يحتاج إلى رعاية كاملة وحنان فائق، وليس هناك من ~~يفهمها ويقدرها ويحبها مثلي. لكن أحيانا يحدث شيء لا أفهمه. ~~لنقل محاولة لإثبات الأنوثة أو القدرة على اجتذاب الرجال، أو ربما، ~~الملل. # وضحكت بمرارة وأضافت: أو تمرد الأجيال. # قلت: ربما كانت تنتمي للعالمين. ~~- محتمل. لكني لم أفقد الأمل في أن أكسبها تماما لعالمي. ~~- إذا كانت تتمرد على علاقتكما من خلالي، فما أدراك أنها لن ~~تواصل ذلك مع شخص آخر؟ # قالت: اترك لي هذا لأهتم به. ما أريده منك هو أن تنهي ~~علاقتك بها بمجرد سفرك. لا خطابات. ولا وعود من أي نوع. ~~- أنا لم أقر بأن هناك شيئا بيننا. على أية حال أنا لست ~~من المغرمين بكتابة الخطابات. ~~- كنت واثقة أني أستطيع الاعتماد عليك. # نهضت واقفة وهي تحدجني بنظرة موحية، كأنما تؤكد حتمية ~~انصياعي لطلبها. وصافحتني مودعة ثم انصرفت. # تابعت ببصري قامتها المنتصبة في اعتداد وهي تخطو بين الموائد، ~~ثم دفعت حسابي وغادرت المقهى. # وجدت وديع منهمكا في إعداد صينية من البطاطس في الفرن، فعكفت ~~على النسخة المنقحة من التعليق حتى انتهيت منها، ثم تلفنت ~~لأنطوانيت وعرضت عليها أن أحضره لها بعد أن أنتهي من تناول طعام ~~الغداء. # قالت: عندي بطاقتان لحفل الموسيقى العربية. ما رأيك في أن تأتي ~~أنت ووديع ومعك التعليق، وأنا أحضر معي الشيك الخاص ~~بالمكافأة؟ # ناديت على وديع وأبلغته باقتراح أنطوانيت، فوافق على ~~الذهاب. # قلت لها: موافقون. فقط هل يمكن استبدال الشيك بالنقد؟ لن يكون ~~عندي وقت في الغد لصرفه. # قالت: سأحاول. # كان الحفل يبدأ في السابعة. وأتاح لي ذلك فسحة من الوقت لتناول ~~الطعام، ومراجعة التعليق مرة أخيرة. وقبل السابعة بربع ساعة، ~~أخذنا أنا ووديع سيارة أجرة إلى الجامعة الأمريكية. # واجهنا زحاما كبيرا أمام باب القاعة المخصصة للحفل. وعثرنا ~~على ms178 أنطوانيت بمشقة. وكانت ترتدي معطفا من الفراء الصناعي ~~الخفيف، فوق بنطلون الجينز المألوف، وحذاء بكعب رفيع ~~مرتفع. # شدت على يدي في حرارة، وقبلتها في خدها. تقدمتنا إلى ~~الداخل فاعترضنا أحد رجال الدرك مشيرا إلى حقيبة يدها. فتحتها ~~وأخرجت منها مسدسا قدمته إليه. ووضعه الدركي في خزانة ~~جانبية بعد أن أعطاها إيصالا به. وأخرج شاب إلى جواري مسدسه ~~استعدادا لتسليمه. ومررنا أنا ووديع بعد نفينا أننا نحمل ~~سلاحا. # وجدنا مكانا بمشقة. ولاحظت جو الانفعال الذي ساد القاعة، ~~والفرحة التي علت وجوه الحاضرين. # علق وديع قائلا: إنها أول ليلة تسهر فيها بيروت منذ مقتل ~~بشير عبيد. # قدمت التعليق لأنطوانيت فألقت عليه نظرة سريعة وأودعته ~~حقيبتها. وناولتني مظروفا يحوي مكافأتي. # قلت: إذا أردت إحداث أي تعديل في النص أو ظهرت أي مشكلة ~~بالنسبة له فاكتبي لي. # أومأت برأسها موافقة. ووجهت اهتمامي إلى البرنامج المطبوع ~~الذي ناوله لي وديع. كان يتألف من أغنيات لسيد درويش، وبعض ~~أغنيات لليلى مراد من تلحين داود حسني، وأخرى لأم كلثوم من تلحين ~~زكريا أحمد، بالإضافة إلى قصيدة «علموه كيف يجفو» لعبد ~~الوهاب. # ملت على أنطوانيت وهمست لوديع: ألا تلاحظ أن فقرات البرنامج ~~مصرية كلها؟ # رفع الستار أخيرا عن الفرقة اللبنانية التي اصطف عازفوها في ~~المقدمة وخلفهم المنشدون والمنشدات. وبدأ الحفل بأغنية سيد درويش ~~المعروفة، التي اشتهرت بها فيروز «زوروني كل سنة مرة»، تلتها ~~اثنتان من أغانيه عن الحرف، هما لحن العربجية ولحن ~~الشيالين. # كان الأداء جيدا والتصفيق جارفا. اجتاحني شعور من النشوة. ~~وعندما غنت الفرقة «أهو دا اللي صار» تفجر البركان ~~الحبيس. # كانت الأغنية التي كتب كلماتها بديع خيري، منذ أكثر من ستين ~~عاما، تقول: ~~«أهو دا اللي صار وآدي اللي كان، # مالكشي حق تلوم علي، # تلوم علي ازاي يا سيدنا، # وخير بلادنا ماهوش بإيدنا، # قوللي عن حاجات تفيدنا، # وبعدها ابقى لوم علي، # بدل ما يشمت فينا حاسد، # إيدك في إيدي نقوم نجاهد، # واحنا نبقى شعب واحد، # والأيادي تكون قوية.» # سالت الدموع من عيني كالسيل. وفشلت في ~~إيقافها، ms179 فتركت لها العنان. # شعرت بوديع وأنطوانيت يتبادلان النظرات. وهمست أنطوانيت في ~~أذني: شو القصة؟ # لم أرد عليها واسترسلت في البكاء. # حلت فترة راحة بعد قليل، فجففت دموعي، وغادرنا القاعة إلى ~~حديقة الجامعة لندخن. وذكرني وديع بأيام الجامعة، فعادت ~~الدموع تسيل من عيني رغما عني. # أحاطني بذراعه، وجعل يربت على كتفي. ولم تلبث السكينة أن دبت ~~إلي، وجفت دموعي. وتمكنت من السيطرة على نفسي بقية ~~الحفل. # صفق الجمهور طويلا عندما انتهى البرنامج. وأعادت الفرقة بعض ~~أغانيها، ثم غادرنا مقاعدنا أخيرا، وتحركنا في بطء نحو الباب. كان ~~الجميع ينقلون أقدامهم في عناء، كأنما يكرهون العودة إلى ~~منازلهم. # استعادت أنطوانيت مسدسها وغادرنا القاعة. ولم نكد نخطو في الطريق ~~حتى سمعنا صوت أعيرة نارية بالقرب منا. # تصاعدت صيحات من أماكن مختلفة، وجرى البعض، وأشهر آخرون ~~مسدساتهم. # هتف وديع: نجري. # خلعت أنطوانيت حذاءها، وأمسكته هو والحقيبة بيد، وحملت ~~المسدس في يدها الأخرى. وانطلقنا نجري في الظلام وهي ترشدنا إلى ~~الطرقات التي تبعدنا عن المنطقة. # لم يتكرر صوت الرصاص؛ فأبطأنا من سرعتنا، وتوقفنا أخيرا ونحن ~~نلهث. وأتانا صوت سيارة مسرعة مقبلة خلفنا، فاحتمينا بالحائط. ~~ومرقت من أمامنا سيارة جيب عسكرية مغلقة من كافة الجوانب. ~~وتابعنا كشافيها المبهرين وهما يتراقصان على جدران المنازل، ~~ويسقطان فوق ملصق قديم يحمل صورة جمال عبد الناصر الشهيرة، التي ~~يبدو فيها حزينا، كسيف البال، عقب الهزيمة مباشرة. # عرض وديع على أنطوانيت أن تبيت عندنا، فرفضت، وأصرت على أن ~~تعود إلى منزلها في الشرقية، فأركبناها سيارة أجرة، وأخذنا أخرى ~~إلى المنزل. # 26 # بدأ آخر يوم لي في بيروت بسماء ملبدة بالغيوم. وكان وديع لا ~~يزال نائما، فتناولت إفطاري وأنا أقرأ الصحف التي حملت أنباء ~~عدوان إسرائيلي جديد على الجنوب اللبناني. وكانت هناك صور عديدة ~~للمنازل التي تهدمت نتيجة لهذا العدوان، وللضحايا الراقدين في ~~المستشفيات. # أعددت حقيبتي ونظفت الغرفة ورتبت فراشها. وفعلت نفس ~~الشيء بالمطبخ والصالة. وأخيرا استحممت وارتديت ملابسي. وكان ~~وديع قد استيقظ خلال ذلك، وتناول إفطاره. وعندما عدت إلى الصالة ~~وجدته يستعد ms180 للخروج. # قال: سأعود قبل المساء لأرافقك إلى المطار. # قلت: لا داعي. يمكنني أن أطلب تاكسي. # قال: سأطلبه لك. السادسة معقول؟ # قلت: معقول. # اتجه إلى الباب فاستوقفته قائلا: إذا عدت مبكرا فتلفن لي ~~أولا؛ فربما جاءتني زائرة. # وعدني أن يفعل، وغادر المسكن. # كانت هناك زجاجة ويسكي فوق المكتب، فأفرغت كأسا وجلست ~~أحتسيها. وقبل الظهر بقليل دق جرس التليفون. # رفعت السماعة وأنا أقول بلهجة آلية: آلو. # جاءني صوت لميا معاتبا: دمك تقيل. # قلت بنفس النبرة: أهلا. # قالت: لماذا لم تتصل بي؟ ~~- ألم تطلبي مني ألا أفعل؟ ووعدت أن تتلفني؟ ~~- لم أستطع. ~~- هل أعددت العقد والمقدم؟ # لم ترد وإنما سألتني بدورها: في أي ساعة تسافر؟ ~~- سأخرج من هنا في السادسة. ~~- وديع عندك؟ ~~- لا. ~~- متى يعود؟ ~~- بالليل، لماذا؟ ~~- سآتي عندك بعد ساعة. # سألتها: ومعك العقد؟ # قالت: سنحكي عندما آتي. # ارتشفت ما تبقى في كأسي، وملأتها من جديد. وعندما جاءت كنت ~~قد شربت ثلاث كئوس أخرى. # خلعت معطفها عن جوب قرمزية اللون، وبلوفر بلون الملابس ~~العسكرية، ذي فتحة واسعة كشفت عن بلوزة من نفس اللون. وألقت ~~بحقيبة يدها، والمظروف الأصفر الذي يضم مخطوطتي فوق مقعد. ~~وتهالكت فوق الأريكة. # كان شعرها معكوصا على هيئة ذيل حصان. وكنت لا أزال واقفا ~~فسألتها: قهوة؟ # قالت: ما بدي. # جلست أمامها وأشعلت سيجارة. # قالت: هل تعرف ماذا تبينا بشأن المسلح الذي هاجم أبو خليل؟ ولا ~~أثر؛ فلم يره أحد غيره . الظاهر أن القصة كلها من تأليفه ~~وإخراجه. ~~- ولماذا؟ ~~- لكي يقنعنا بضرورته، بعد أن شعر أني سأتخلص منه. تعرف أني ~~أخاف منه أحيانا؟ أشك أنه كان قناصا خلال الحرب. ~~- ما هي مهنته الأصلية؟ ~~- أظنه كان بائعا في متجر أو حارس بناية. ~~- أيكون هو الذي دبر حادث الانفجار؟ ~~- لا. هذه قصة أخرى. نحن نعرف من فعلها. وقد تفاهمنا ~~معهم. ~~- من؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك. # قالت بعد لحظة: عدنان كلمني أمس. وقرأت له عدة فقرات من ~~مخطوطتك. الفقرات التي يمكن أن تثير مشاكل، وتمنع التوزيع في ~~البلدان العربية. فقال لي إنه لا ms181 يستطيع أن يتحمل مسئولية نشرها في ~~الظروف الحالية. # أشعلت سيجارة جديدة وقلت: كان يمكن أن تبلغيني بذلك على ~~التليفون. # قالت: دمك تقيل. # قلت: صديقتك قابلتني أمس. ~~- جميلة؟ كيف؟ ~~- اتصلت بي وطلبت أن نتقابل. # تساءلت في دهشة: وماذا كانت تريد؟ ~~- طلبت مني أن أقطع علاقتي بك. # احتدت: متطفلة، ما بقى فيني أحملها. إنها دائما هكذا مع ~~أصدقائي. ~~- لماذا؟ # تطلعت إلي بعينين واسعتين بريئتين: لا أعرف. ~~- لقد ذكرت لي كل شيء، أقصد عن علاقتكما. # شحب وجهها وقالت: لم أفهم. ~~- لا داعي للتغابي؛ فأنا لا أحاسبك. # صاحت منفعلة: ولماذا تحاسبني؟ أنا أفعل ما أشاء. ~~- بالضبط. # استطردت بنفس الانفعال: هل ذنبي أني لا أطيق فظاظتكم ~~وأنانيتكم وغروركم؟ أنت لا تعرف الرجل اللبناني. حياته كلها تدور ~~حول تسديد الأقساط، واللحاق بالسباق، وإنجاب ولد يحمل اسمه ~~الكريم. ~~- إنه يفعل ذلك من أجلكن. ~~- أعرف؛ ولهذا أعود إليه دائما. على العموم أنا أفضل ~~الرجال. # ضحكت، فانفثأ غضبها، وابتسمت. # قلت: أنت حرة، طالما أنت سعيدة. # قالت: لم أعرف السعادة إلا عندما كانت أمي إلى جانبي. كانت ~~قوية. وكنت أريد أن أكون مثلها، فاشتركت في المظاهرات. ~~- أيام الجامعة؟ # أطرقت برأسها: هل تصدق أني كنت أهتف لفلسطين وجمال عبد ~~الناصر وضد الإمبريالية؟ ومرات هتفت لماو تسي تونج. ~~- وبعدها؟ ~~- ماتت أمي، ثم تزوجت. ولم أجد القضية التي تستهويني. ~~- لأنك لا تحبين إلا نفسك. # قالت هازئة: كيف عرفت؟ أنا فعلا أحب جسمي. ~~- أنا أتكلم جادا. أنت تأخذين فقط، أتحداك أن تذكري مرة ~~واحدة أعطيت فيها. # ابتسمت وأومأت بذقنها إلى الأريكة وهي تقول: كثير. معك ~~مثلا. # قلت: معي، كنت تأخذين دون أن تعطي. # قامت واقفة، واقتربت مني، ثم جلست فوق ساقي. # قالت: ألا تريد أن تعطيني شيئا قبل أن تسافر؟ # بدت شهية وقد تضرج وجهها من الانفعال. أحطت خصرها بذراعي ~~فمالت على صدري، وقالت: لم أكمل لك ما قاله عدنان. إنه مستعد ~~للمغامرة من أجلك، بسبب الوعد الذي أعطاه لك، ولكن في هذه الحالة ~~يجب أن تتنازل له عن كافة حقوقك. ~~- هذا كل شيء؟ ms182 ~~- لا. هناك فكرة أخرى. توجد شركة سويسرية مهتمة بنشر ~~الكتاب. ~~- باللغة العربية؟ ~~- طبعا. ~~- لم أكن أعرف أن السويسريين يقرءون العربية. ~~- سنوزعه على القراء العرب. ~~- في سويسرا؟ ~~- لا يا عبيط. استخدم مخك. الكتاب لم يترك نظاما عربيا واحدا ~~دون تعريض، ثم هناك ما به من جنس. ما هو المكان الوحيد الذي يمكن ~~أن يوزع فيه دون قيود؟ # قلت: لبنان. # قالت: لبنان ليس مركزا للتوزيع. إنه مركز للإنتاج وحسب. ولا ~~يوجد ناشر في قواه العقلية يفكر في الاعتماد على القارئ اللبناني ~~وحده. مكان واحد فقط هو الذي يمكن فيه طبع الكتاب وتوزيعه ~~بسهولة. # تساءلت في حيرة: أين؟ ~~- لم أكن أظن أنك بهذا الغباء. إسرائيل طبعا. هناك أكثر من ~~مليون وربع مليون فلسطيني يتعطشون لقراءة كلمة باللغة ~~العربية. # أشعلت سيجارة جديدة، ولاحظت أن يدي ثابتة. # استطردت: اكتب لنا تفويضا، ونحن نتولى الأمر كله. ستحصل على ~~عائد مجز. وفي الإمكان أن تأخذ جانبا منه قبل سفرك. # رفعت حاجبا، وسألت: نقدا أم عينا؟ # دفعتني بيدها في صدري وقالت: أنت سيئ. لا تستحق ~~المعروف. # مالت علي وألصقت خدها بخدي وهمست بالإنجليزية: تعرف أنك لم ~~تنم معي حتى الآن؟ # وضعت راحة يدي فوق فتحة البلوفر المثلثة، وصعدت بها فوق ~~جيدها، حتى عظمتي الترقوة، ولمست أناملي قاعدة عنقها، فتحسست ~~بشرتها. # همست: تعجبك رقبتي؟ # دفعت رأسها إلى الوراء لتعطيني فرصة الإعجاب برقبتها، ~~فأحطتها بأصابعي. # أغمضت عينيها، وسرى لون أرجواني في بشرة عنقها، امتد إلى ~~ذقنها ووجنتيها. كان ملمس رقبتها ناعما وطريا، فضغطت عليها ~~برفق. # قالت بصوت خافت: آي. أنت تؤلمني. # شعرت فجأة أني منتصب إلى أقصى درجة، ودون أن أتخلى عن رقبتها، ~~حررت جسدي بيدي اليسرى، وأزحت ملابسها جانبا، ثم انحنيت ~~فوقها، ورفعت يدي اليسرى إلى عنقها، فأصبحت أقبض عليه بأصابع ~~اليدين بينما كنت أدفن نفسي في جسدها. # اتقد وهج غامض في فضاء الغرفة، وسرى في جسدي وكل كياني، ~~واستمرت أصابعي تضغط على عضلات عنقها وعروقه النافرة، بينما جسدي ~~يتحرك فوقها. # بدأ وجهها يتقلص من الألم، وافترت شفتاها عن ms183 آهة. واحتقن ~~عنقها ووجهها. لكني لم أراع؛ فقد كانت النار مشتعلة أمامي. ~~وكان مائي يغلي غليانا ويوشك أن يفور ويتدفق، وأصبحت كل ضغطة ~~من أصابعي على رقبتها خطوة نحو حافة الهاوية الحالكة؛ حيث البركان ~~المتفجر والنشوة المطلقة. # 27 # لم أخنقها، ولم يتحقق أورجازمي؛ فقد استجمعت قواها، ودفعتني ~~عنها بعنف. واستطاعت أن تخلص رقبتها من بين أصابعي. وهبت ~~واقفة وهي ترمقني في هلع بينما تهالكت في مقعدي، لاهثا، مرتعش ~~الأطراف. # رفعت يديها إلى عنقها، وحركت شفتيها، لكن صوتها احتبس في ~~حلقها. ودون أن تعبأ بهيئتها، اختطفت معطفها وحقيبة يدها، ~~وهرعت إلى باب المسكن ففتحته، واندفعت إلى الخارج. # أنصت إلى وقع أقدامها فوق الدرج، ثم نهضت في بطء، فسويت ~~ملابسي، ومضيت إلى الباب فأغلقته. # كانت الشمس قد غربت، وانتشر الظلام بسرعة أكبر من المعتاد، ~~فأضأت مصباح الصالة. ومضيت إلى المكتب، فتناولت زجاجة الويسكي، ~~ونزعت غطاءها، وجرعت من فوهتها مباشرة. # بحثت عن علبة السجائر، فوجدتها على الأرض إلى جوار المقعد. ~~أشعلت سيجارة بأصابع مرتعشة وعدت إلى مقعدي. # دخنت السيجارة حتى نهايتها، وأطفأتها في المنفضة، ثم مضيت ~~إلى غرفتي، فحملت حقيبة يدي وحقيبة السفر إلى الصالة. وتناولت ~~المظروف الذي يضم مخطوطتي، فأعدته إلى الجيب السري بحقيبة ~~السفر. # شعرت ببرودة مفاجئة، فارتديت سترتي، وأخذت ملء فمي من زجاجة ~~الويسكي. وألقيت نظرة على ساعتي، ثم أشعلت سيجارة وعدت إلى ~~مقعدي. # سمعت زمارة سيارة بعد مدة، فمضيت إلى الشرفة، ووجدت سيارة ~~أجرة أمام المنزل، أغلقت باب الشرفة، واطمأننت على وجود جواز ~~السفر وبطاقة الطائرة في جيبي، ثم علقت الحقيبة الصغيرة في ~~كتفي، وحملت الأخرى في يدي. وألقيت نظرة أخيرة حولي، ثم أطفأت ~~النور، وغادرت المسكن. # | خاتمة # خلف كل كتاب، هناك دائما كتب أخرى، وأشخاص غير المؤلف. # وسواء بالمعاونة الفعلية أو التعضيد النفسي، فإن هذا الكتاب مدين ~~بوجوده لزوجتي، ورءوف مسعد، ومحيي اللباد، ومحمد برادة. # أما الكتب فهي: «حرب لبنان»، تحرير جلال محمود، وعدسة عبد الرازق ~~السيد الذي فقد حياته أثناء قيامه بعمله عقب الاجتياح الإسرائيلي ~~لبيروت الغربية ms184 1982م، دار المسرة، 1977م؛ «يوميات الحرب اللبنانية»، ~~مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1977م؛ «الأزمة ~~اللبنانية»، مجموعة باحثين، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ~~1978م؛ «مذبحة لبنان الكبرى»، سامي منصور، المركز العربي، القاهرة، ~~1981م؛ «تل الزعتر»، الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، 1977م؛ «عملية ~~الليطاني»، إشراف إلياس شوفاني، مجلة فلسطين المحتلة، 1978م؛ # THE TRAGEDY OF LEBANON, BY JOHANTHAN RANDAL, ~~1983 ~~؛ «خريف الغضب»، محمد حسنين هيكل، 1983م؛ ~~«الحرب وتجربة الحركة الوطنية اللبنانية»، محسن إبراهيم، بيروت المساء، ~~1983م؛ مقالات بكر الشرقاوي بمجلة روز اليوسف، 1976م، وعصام شريح بمجلة ~~الدوحة، 1982م؛ «كبوشي»، حيدر حيدر، ابن رشد، 1978م؛ «صباح الخير يا ~~وطن»، رءوف مسعد، مطبوعات القاهرة، 1983م؛ «الناس والحصار»، محجوب عمر، ~~العربي، 1983م؛ «أوراق من دفتر الولد العاملي»، هاني فحص، دار الكلمة، ~~1979م؛ «كوابيس بيروت»، غادة السمان؛ «حكاية زهرة»، حنان الشيخ؛ «الجبل ~~الصغير»، إلياس خوري؛ # BEIRUT - UP # FROM THE RUBBL. W. ELLIS & S.MCCURRY, NATIONAL ~~GEOGRAPHIC. FEB. 1983 ~~. # والشكر للأصدقاء الذين تكرموا بقراءة المخطوطة وإبداء ملاحظاتهم ~~عليها، وهم: سعد الدين حسن، غانم بيبي، نادية محمد الجندي، يسري نصر ~~الله، وآخرون لا تسمح الظروف بذكر أسمائهم. # أبريل (نيسان) 1982م-ديسمبر (كانون الأول) 1983م # مصر الجديدة ms185