######OpenITI# #META# URI: 1450SuncAllahIbrahim.Lajna.Hindawi75313729 #META# Tags: novels #META# ID: 75313729 #META# Title: اللجنة #META# AuthorID: 17162047 #META# Author: صنع الله إبراهيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبل أن تقرأ‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # قبل أن تقرأ‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # | اللجنة # | اللجنة # تأليف # صنع الله إبراهيم # | قبل أن تقرأ # واكبت سنوات مراهقتي نهاية العهد الملكي في مصر. كانت البلاد ~~تموج بدعوات التحرر الوطني من الوجود الإنجليزي العسكري، والتحرر ~~الاجتماعي من سيطرة الإقطاع، ومن الأمية والمرض والحفاء! .. وشكلت ~~هذه البيئة وجداني، وخاصة الحديث عن أن المعرفة هي كالماء والهواء ~~يجب أن تكون للجميع وبالمجان. # وفي مغرب يوم من سنة 1951م، كنا أنا وأبي عائدين من زيارة لأحد ~~أقاربنا في شرق القاهرة. توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ «الباص» إلى ~~غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم! كانت ~~مقاعد «الباص» آنذاك - والترام أيضا - مقسمة إلى درجتين بثمنين ~~متفاوتين للتذاكر التي يوزعها «كمساري» برداء أصفر مميز أثناء ~~مروره على الركاب. # جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت ~~في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقا في أفكاره التي ~~تثيرها دائما أمثال هذه الزيارات. # قلت بحماس طفولي: «سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح ~~الركوب بالمجان.» # تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفت: «والكتب أيضا!» # تطلع إلي باستياء من سذاجتي: نعم! الكتب بالمجان؟ يا لها من ~~سذاجة! # ولم أتصور وقتها أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبي أنا متاحة ~~للقراءة بالمجان! وذلك بفضل مبادرة جريئة من مؤسسة مصرية ~~طموحة، فشكرا لها! # صنع الله إبراهيم # | الفصل الأول # بلغت مقر اللجنة في الثامنة والنصف صباحا قبل نصف ساعة من الموعد ~~المحدد لي، ولم أجد صعوبة في العثور على الغرفة المخصصة ~~لمقابلاتها. وكانت في طرقة جانبية هادئة، كابية الضوء، يقف أمامها عجوز ~~في سترة صفراء نظيفة، تنطق ملامحه بالطمأنينة التي تغشى وجوه من ~~يرفعون راية الاستسلام عندما يجدون أنفسهم في نهاية المطاف، فينسحبون ~~من صخب الحياة والصراع الدائر على مظاهرها الفانية. # أفضى إلي الحارس بأن أعضاء اللجنة لا يتوافدون عادة ms01 قبل الساعة ~~العاشرة. ووجدت ذلك أمرا طبيعيا، رغم أنه ضايقني. وندمت لأني ~~التزمت بالموعد المحدد بالضبط، فغادرت فراشي مبكرا دون أن أنعم ~~بقسط كاف من النوم. # لم يكن هناك مقعد غير الذي يجلس عليه الحارس، فوقفت إلى جواره، ~~ووضعت حقيبتي «السامسونايت» على الأرض، ثم قدمت إليه سيجارة وأشعلت ~~لنفسي أخرى. كان قلبي يدق بعنف طيلة الوقت، رغم محاولاتي للتماسك ~~والسيطرة على أعصابي. وكررت لنفسي أكثر من مرة أن اضطرابي سيفقدني ~~الفرصة المتاحة لي؛ إذ سأعجز عن تركيز انتباهي وهو ما أحتاج إليه بشدة ~~في المقابلة القادمة. # ضقت بالوقوف بعد قليل، فحملت الحقيبة في يدي، ومضيت في الردهة ~~الطويلة حتى نهايتها، ثم استدرت عائدا وعيني على باب الغرفة؛ خشية أن ~~تكون اللجنة قد وصلت واستدعتني. لكن الحارس كان ما يزال جالسا في ~~مكانه، يحدق أمامه بدعة، وهو يحرك فمه الخالي من الأسنان كأنما ~~يلوك شيئا وهميا. # عدت أذرع الطرقة جيئة وذهابا وأنا أتطلع إلى ساعتي بين ~~الفينة والأخرى. وكانت عقاربها قد اقتربت من العاشرة والنصف عندما ~~رأيت الحارس ينتفض واقفا ويضع سيجارته على الأرض أسفل المقعد، ثم ~~يدير مقبض باب الغرفة ويفتحه بحذر، ثم يختفي وراءه. # أسرعت أتخذ مكاني إلى جوار مقعد الحارس وقلبي يدق أسرع من ذي قبل. ~~وتوقعت أن يطلب مني الدخول عندما يخرج، لكنه لم يفعل، وإنما عاد إلى ~~كرسيه بعد أن تناول سيجارته، وواصل التدخين في هدوء. # حزمت أمري أخيرا وسألته بلطف عما إذا كانت اللجنة قد وصلت، فقال: ~~«واحد منهم فقط.» # تساءلت: «لكني لم أر أحدا يدخل الغرفة؟» # أجابني: «هناك باب آخر يدخلون منه.» # بقيت واقفا إلى جواره نصف ساعة، تتابع خلالها وصول أعضاء اللجنة عن ~~طريق الباب الداخلي. ومضى الحارس عدة مرات إلى البوفيه ليحضر لهم ~~القهوة. وفي كل مرة كنت أحاول اختلاس النظر داخل الغرفة، لكنه كان ~~يحرص دائما على ألا يكشف الباب إلا عن فرجة يسيرة تسمح له بالدخول، ~~بعد أن يحشر نفسه خلالها دون أن تكشف لي عن شيء. # وفي إحدى المرات ms02 برز من الغرفة وهو يحمل في يده حذاء جلديا، ونادى ~~على ماسح أحذية يقف في نهاية الردهة فأعطاه الحذاء. وعندما أراد هذا ~~أن يقتعد الأرض قرب الباب، نهره الحارس وأشار إليه أن ينتحي بعيدا ~~حيث كان يقف. # عاودت السير وأنا أنقل حقيبتي من يد إلى أخرى. كنت متعبا لأني لم ~~أنم جيدا بالأمس رغم الحبة المنومة التي تناولتها؛ ولهذا السبب كان ~~هناك صداع خفيف يحوم عند مؤخرة رأسي. ولم أكن قد حسبت حسابا لهذا ~~الطارئ، رغم أني لم أفعل شيئا طوال العام الماضي كله سوى الاستعداد ~~لاحتمالات اليوم. ولم أجرؤ على مغادرة مكاني بحثا عن مسكن خشية أن ~~تستدعيني اللجنة خلال ذلك. # اقتربت أثناء سيري من مكان ماسح الأحذية الذي أقبل ينظف بحماس ~~حذاء اللجنة (هكذا أسميته في سري وأعجبتني التسمية حتى إني ابتسمت). ~~ورأيته قد انتهى من تلميع وجه الحذاء، فقلبه ومضى يطلي نعله ~~السفلي. # استدرت عائدا إلى حيث يجلس الحارس، فوضعت حقيبتي إلى جواره على ~~الأرض وناولته سيجارة، ثم أشعلت واحدة، وبقيت إلى جواره أدخن. ولم ~~يلبث الماسح أن انتهى من الحذاء، فأحضره إلى الحارس الذي تناوله ~~بعناية وحمله إلى الداخل. وخرج بعد قليل حاملا صينية امتلأت بفناجين ~~القهوة الفارغة، فمضى بها إلى البوفيه، ثم عاد إلى مكانه فوق ~~الكرسي. # ولما كنت أنا الوحيد الذي ستستقبله اللجنة اليوم؛ لسبب بسيط هو أن ~~الساعة أشرفت على الحادية عشرة والنصف، دون أن ينضم إلي أحد؛ فقد خطر ~~لي أنها تناقش أمري الآن. وكانت هذه فكرة مزعجة للغاية؛ لأن معناها ~~ببساطة أن تتكون لديها صورة مبدئية عني. وإذا كانت هذه الصورة سلبية، ~~وهو الاحتمال الغالب لأسباب عديدة؛ فإن ذلك من شأنه أن يضيق من فرصة ~~التأثير الذي يمكن أن أحدثه عندما أمثل أمامها. كنت أعرف أن لديها ~~تقارير كافية عني، ومع ذلك فقد فهمت أن مصيري يتوقف على المقابلة ~~القادمة. وليس معنى هذا أني الذي سعيت إلى هذا اللقاء، وإنما قيل لي ~~إنه لا مندوحة منه؛ ولهذا جئت. # وعند الظهر تماما ms03 دخل الحارس الغرفة، ثم خرج على الفور وسألني عن ~~اسمي، وعندئذ أشار إلي بالدخول. # تناولت حقيبتي بيدي اليمنى، وبيدي الأخرى تحسست رباط عنقي لأتأكد ~~من أنه في المكان الصحيح. ورسمت على وجهي ابتسامة واثقة، ثم وضعت يدي ~~على المقبض الأبيض المصنوع من الخزف، الذي تطلعت إليه عشرات ~~المرات في غضون الساعات الثلاث الماضية، وأدرته دافعا الباب إلى ~~الداخل، وولجت الغرفة. # وللوهلة الأولى ارتكبت غلطتين. # ففي اضطرابي - الذي جاهدت عبثا أن أخفيه - نسيت أن أغلق الباب خلفي، ~~وعندئذ سمعت صوتا نسائيا بالقرب مني يقول بلهجة رقيقة: «أغلق الباب ~~من فضلك.» # اندفع الدم حارا إلى وجهي واستدرت إلى الباب، فأمسكت مقبضه بيدي ~~اليسرى ودفعته إلى الخارج، لكنه لم ينغلق. # كان المصراع قديما يتطلب إغلاقه قليلا من الضغط، وكانت يدي ~~اليمنى مشغولة بالحقيبة، فاستخدمت ركبتي للضغط عليه، بينما تصبب ~~العرق على جبيني. # عندئذ سمعت نفس الصوت النسائي الرقيق يقول: «ضع الحقيبة على الأرض ~~واستخدم يديك الاثنتين.» # وأدركت أني خسرت الجولة الأولى. # كنت أعرف أن اللجنة ستوجه إلي بعض الأسئلة، لكن هدفها لم يكن ~~قاصرا على تبين مدى معلوماتي، وإنما يمتد إلى استكناه مفاتيح شخصيتي ~~وحجم قدرتي الذهنية؛ فمضمون الإجابة ليس هو كل شيء، رغم ما له أيضا من ~~وزن، والأهم منه هو القدرة على المواجهة. # وكما سبق أن قلت، فقد قضيت العام الماضي في الاستعداد لهذا اليوم ~~بشتى الوسائل؛ فعكفت على دراسة اللغة التي تستخدمها اللجنة في ~~مقابلاتها، وراجعت معلوماتي في مختلف المجالات، فقرأت في الفلسفة ~~والفن والكيمياء والاقتصاد، ووجهت إلى نفسي عشرات الأسئلة المتباينة، ~~وأنفقت أياما وليالي في البحث عن إجاباتها، وتابعت برامج الذكاء ~~والفوازير التي يذيعها التليفزيون، وراجعت الأبواب المماثلة في الصحف ~~والمجلات. وأسعفني الحظ عندما اكتشفت أن أخي الذي يكبرني بعشرين عاما ~~يحتفظ لديه في حزمة يضمها خيط من المطاط بمجموعة «صدق أو لا ~~تصدق» الكاملة، منذ بدأ نشرها قبل ثلاثين عاما. # ولم أكتف بهذا؛ فحاولت أن أكون فكرة واضحة عن عمل اللجنة بالبحث ~~عمن مثلوا أمامها من قبل. ورغم ms04 ثقتي من كثرتهم فإني لم أتوصل إلى ~~غير قليلين منهم، نفى أغلبهم أنه تقدم إلى اللجنة في يوم من الأيام، ~~بل أنكر معرفته بوجودها. وتذرع الآخرون بأنهم نسوا تفاصيل ما جرى ~~معهم، فجاءت أقوالهم عائمة متضاربة. ولم تساعدني الشذرات الأخرى التي ~~التقطتها من مصادر مختلفة على استخلاص شيء. الأمر الوحيد الذي خرجت ~~به أنه ليس ثمة قاعدة محددة لعمل اللجنة. # وعندما سعيت لجمع المعلومات عن أعضائها؛ لعلي أستطيع تكوين فكرة عن ~~اتجاهاتهم وميولهم؛ وجدت ستارا من السرية المحكمة قد أسدل على ~~أسمائهم ومهنهم. وكان كل من سألته عنهم يتطلع إلي في وجود ~~وإشفاق بالغين. # لكن الجميع اتفقوا على أن اللجنة تنصب شراكا ماهرة لكل من يمثل ~~أمامها؛ ومعنى هذا أن حكاية الباب وإغلاقه لم تكن مصادفة؛ فهي قد كشفت ~~لهم - والمقابلة لم تبدأ بعد - عن ارتباكي وقلة حيلتي. # ولكم أن تتصوروا حالتي بعد هذه التجربة الفاشلة وقد وقفت أمامهم ~~غارقا في عرقي. لكن أغرب ما في الموضوع أني لمست في أعماقي شعورا ~~بالارتياح لهذا الفشل، كأنما كان ثمة جزء من نفسي يخشى على نفسه من ~~نجاحي. ولم يحل ذلك دون اضطرابي أو رغبتي الجارفة في كسب رضاء هؤلاء ~~الذين اصطفوا أمامي إلى مائدة طويلة بعرض القاعة. # كان عددهم كبيرا حقا. ولأني كنت عاجزا عن التركيز لم أتمكن من ~~إحصائه بالضبط. وكان بعضهم منهمكا في أحاديث هامسة، والبعض الآخر ~~يتصفح أوراقا أمامه، وأغلبهم يضع عوينات سوداء كبيرة على عينيه. ~~وخيل إلي أن بينهم وجوها مألوفة طالعتني من قبل على صفحات ~~الجرائد والمجلات، واكتشفت أيضا أني أعرف صاحبة الصوت الرقيق؛ فهي ~~عانس التقيت بها في إحدى المناسبات. ولمت نفسي على أني لم أولها - ~~حينذاك - شيئا من الاهتمام. وكانت تتطلع إلي الآن بابتسامة خلت ~~أنها ودية. # ولم أدهش عندما رأيت بينهم ثلاثة من العسكريين. وكانت الشرائط ~~الحمراء الموشاة بالذهب فوق ياقات ستراتهم تنطق برفعة شأنهم. # وكان يتوسطهم عجوز متهالك، ذو عوينات طبية سميكة، قرب منها ورقة ~~في يده حتى أوشكت أن تلامسها، واستغرق ms05 في محاولة القراءة. وقدرت أن ~~الورقة تنتمي ولا شك إلى الملف الخاص بي. # فرغ العجوز من القراءة، أو لعله يئس من المحاولة، فوضع الورقة على ~~المائدة، واستدار بوجهه ناحية اليسار، ثم ناحية اليمين؛ فأدرك زملاؤه ~~أن الجلسة بدأت، وكفوا عن الكلام وهم يسلطون نظراتهم ~~علي. # تعلقت عيناي بشفتي العجوز، وبدا لي وجهه الشاحب أبعد ما يكون عن ~~الحياة. # خاطبني قائلا: «في بداية هذا اللقاء أحب أن أسجل تقديري، الذي ~~يشاركني فيه زملائي، لاختيارك المجيء إلينا. وليس معنى هذا أننا سنأخذ ~~- حتما - بوجهة نظرك؛ فهذا أمر يتوقف على أشياء كثيرة، ونحن هنا ~~اليوم لنحسمه. أما ما أردت أن أوضحه فهو أن المثول أمام لجنتنا - ~~كما يعلم الجميع - ليس إجباريا؛ ففي هذا العصر يتمتع كل إنسان ~~بحرية تامة في الاختيار، ويعكس هذا الاختيار من جانبك قدرا كبيرا من ~~سلامة التفكير ونفاذ البصيرة، وهو مؤشر هام سنأخذه في اعتبارنا عندما ~~نبحث حالتك. إلا أننا نود أولا أن نسمع وجهة نظرك في هذا ~~الشأن.» # كنت أعرف مما سمعته من مختلف المصادر أن اللجنة تطالب الماثلين ~~أمامها دائما بعرض للأسباب والدوافع التي حملتهم على التوجه إليها؛ ~~ولهذا السبب أعددت الإجابة مقدما. # وكنت قد توقعت أن تكون اللجنة على إدراك بأني سأفعل ذلك؛ ولهذا ~~فكرت طويلا قبل أن أستقر على الإجابة الضرورية، فلم أشأ أن ~~أقدم إليهم إجابة مبتذلة سمعوها من قبل، هدفها الظاهر هو تملقهم، ~~إنما أردت أن أقدم إليهم إجابة متميزة، تبدو بسيطة وتلقائية، ~~كأنما فوجئت بالسؤال، وتنطق بشيء من الأمانة والصدق، أعطي فيها صورة ~~دقيقة عن نفسي، دون أن أتورط في الحديث عن أشياء معينة، مثل ~~الدوافع الحقيقية لبعض الأفعال، وإنما أشير إلى هذه بطريقة تخلي ~~مسئوليتي عن كل ما من شأنه أن يسيء إلي، وتجعلهم يستنتجون ما ~~أتصور أنه سيلقى قبولا لديهم. # وكانت تلك في الواقع مهمة شاقة للغاية؛ بالنظر إلى ما لديهم من ~~وسائل خاصة وإمكانيات واسعة، تتيح لهم معرفة كل شيء عني. # بلعت ريقي عدة مرات، ثم شرعت أتكلم، وخرج ms06 صوتي خافتا، فمال العجوز ~~إلى الأمام واضعا يده على أذنه اليمنى وقال: «عفوا، إني لا أسمع ~~جيدا بإحدى أذني، فهل لك أن ترفع صوتك؟» # أذعنت لطلبه ومضيت أبسط الإجابة التي أعددتها من قبل. وغني عن البيان ~~أني نسيت جزءا كبيرا منها بسبب اضطرابي من ناحية، وصراعي مع لغتهم - ~~كي لا أرتكب أخطاء فادحة في قواعدها - من ناحية أخرى. # المهم أني رسمت لهم صورة عامة لنشأتي، والمسار الذي اتخذه تطور ~~حياتي وفقا لظروف لم يكن لي فيها خيار كبير، وان كنت مسوقا أيضا ~~بأحلام عريضة، وبالرغبة في تنمية مواهبي واستغلالها على أحسن وجه. ولم ~~يفتني أن أنوه بالمثل والمبادئ الأخلاقية التي كنت أسترشد ~~بها. # انتقلت بعد ذلك إلى المحنة التي وقعت لي وعرضتني للمرض، وقلت إن ~~مرضي في الغالب كان نتيجة للتباين الشاسع بين طموحاتي وقدراتي ~~الحقيقية، وأنه أدى بي إلى أن أضيق ذرعا بكل شيء، حتى لم يعد ~~أمامي من مخرج سوى أن أغير حياتي تغييرا تاما. # وأشفعت حديثي بحركة مسرحية تدربت عليها؛ إذ تناولت حقيبتي وفتحتها، ~~ثم أخرجت منها مجموعة من الشهادات التي حصلت عليها من مصادر مختلفة ~~تنوه بكفاءاتي، وتؤكد صحة المعلومات التي قدمتها عن نفسي. # ولما كانت أغلب هذه المواد باللغة العربية؛ فقد انطلقت أتحدث ~~عنها بلغة اللجنة، فاستمعوا إلي باهتمام وهم يتصفحون الأوراق التي ~~وضعتها أمامهم. لكني لاحظت أن العضو الجالس إلى يسار العجوز - وهو أشقر ~~الشعر ملون العينين - لم يعبأ بهذه الشهادات، وانهمك في تصفح ملف ~~يضم - ولا شك - التقارير السرية بشأني. # رفع عضو قصير القامة قبيح الوجه رأسه نحوي، وكان يجلس إلى يمين ~~الرئيس بينه وبين أحد العسكريين، وخاطبني في لهجة عدائية: «أنا لا ~~أستطيع أن أفهمك؛ فأنت فيما يبدو قطعت شوطا بعيدا، وها أنت في هذه ~~السن تسعى وراء بداية جديدة. ألا تظن أن الوقت قد فات لذلك؟!» # أجبته بلهفة: «إن الكثيرين يبدءون حياة جديدة بعد الأربعين. ثم ~~إنها ليست بداية جديدة بمعنى الكلمة، وإنما هي تتويج للمسيرة ~~السابقة، واستثمار شامل للإمكانيات المختلفة ms07 التي أملكها، ومن زوايا ~~عديدة يمكن اعتبارها تطورا طبيعيا لشخصيتي.» # همهم القصير غاضبا، وعجبت لحقده علي، وأحسست إحساسا مبهما أني ~~أثرته عندما أبرزت مواهبي، ودللت عليها بالشهادات الصادرة من جهات ~~محترمة ذات نفوذ. # وتتبعت هذا الخط من التفكير، فقدرت أنه ربما وقف موقفي في صدر ~~شبابه وأجازته اللجنة، لكنه فشل في تحقيق الآمال المعقودة عليه، وانتهى ~~به الأمر إلى أن يكون مجرد عضو من أعضائها؛ ذلك أنه بالرغم من خطورة ~~اللجنة وضخامة نفوذها، فإن البعض - وأنا منهم - يعتبرون عضويتها دليلا ~~على نضوب الموهبة والفشل التام. # تكلمت إحدى السيدات وهي عجوز وقور، كانت تجلس في أقصى اليسار إلى ~~جوار رجل بدين يرتدي سترة بيضاء، ويضع ساقا على ساق رافعا رأسه ~~إلى أعلى، محدقا في السقف كأنه ليس معنا. سألتني: «هل تعرف ~~الرقص؟» # أجبت: «أجل، بالطبع.» # فتدخل الرجل القصير الغاضب قائلا: «أرنا إذن.» # سألته: «أي أنواع الرقص؟» # وأدركت أني أخطأت بالسؤال. أي نوع من الرقص حقيقة؟! كما لوكان ثمة ~~غيره. # تصرفت بسرعة وبراعة. طمعت في أن تشهدا لصالحي؛ فعندما لم أجد ما ~~أحزم به وسطي، خلعت رباط رقبتي، وعقدته حول خصري فوق عظام الحوض ~~مباشرة، حيث يتمتع الجسم بمرونة بالغة. وراعيت أن أجعل العقدة على ~~الجانب كما تفعل الراقصات المحترفات. وسرعان ما اكتشفت أن لهذا الوضع ~~ميزة كبرى؛ فهو يكاد يفصل البطن عن الردف، ويعطي لكل منهما قدرة ~~كبيرة على الحركة المستقلة. # انطلقت أهز وسطي وأنا أرفع كعبي قدمي قليلا عن الأرض، متطلعا ~~إليهما من فوق كتفي، بينما أشرعت ذراعي إلى أعلى وشبكت يدي فوق ~~رأسي. ورقصت في حماس بعض الوقت، بل حاولت أن أطرقع بأصابع يدي بعد أن ~~ضممت سبابتيهما. وكنت منهمكا في ذلك فلم أعرف انطباع الأعضاء. # تكلم الرئيس الذي لا يسمع ولا يرى فجأة قائلا وهو يلوح بيده: ~~«كفى.» # عندئذ مال أحد العسكريين الذي كاد وجهه يختفي تماما خلف عوينات ~~سوداء كبيرة، وخاطبني قائلا: «إننا نعرف من الأوراق التي أمامنا كل ~~شيء تقريبا عنك، لكن هناك شيء واحد ما ms08 زلنا نجهله؛ وهو أين كنت في ذلك ~~العام؟ فهل لك أن تخبرنا؟» # تشاغلت بنزع رباط عنقي عن خصري وعقده حول رقبتي وأنا أفكر بسرعة في ~~العام الذي يعنيه؛ ففي حدود معرفتي بلغة اللجنة، لم يكن اسم الإشارة ~~الذي استخدمه يشير إلى العام الذي نحن فيه. وطالما أنه لم يذكر عاما ~~بعينه؛ فلا بد أنه تعمد ذلك، وبهذا يكون الأمر شركا نصب لي، خاصة ~~وأني لا أتصور أن يكون ثمة نقص في التقارير المرفوعة عني. # لم يكن في وسعي أن أستفسر عن العام الذي يقصده، وإلا أكون قد وقعت ~~في الفخ. وتعين علي أن أحدده بمفردي وبأسرع ما يمكن. # بدت لي المسألة صعبة للغاية، وقررت أن المخرج الوحيد هو أن أستبعد ~~بعض الأعوام المحتملة مثل 48 و52 على أساس عمري في ذلك الحين؛ وبذلك ~~أضيق من دائرة البحث. بقيت أمامي أعوام 56 و58 و61 و67. وقبل أن ~~ينتابني اليأس خطرت لي إجابة موجزة لا تبعد عن الحقيقة كثيرا. # قلت: «في السجن.» # ويظهر أن إجابتي، على إيجازها، كانت مفحمة؛ فلم يسألني أحد شيئا. ~~وتبدد جانب من الجو العدائي الذي جابهني في البداية، أو هكذا خيل ~~لي. وإن كنت قد احترت في تفسير النظرة التي لمحتها في العينين ~~الملونتين للعضو الأشقر، وهيئ لي أن بها شيئا من ~~السخرية. # رأيته يخط بقلم أحمر على ورقة أمامه، ثم مال على الرئيس العجوز وهمس ~~له شيئا في أذنه اليسرى التي تجيد السمع، وهو يناول الورقة ~~للقصير. # خاطبني الرئيس في لهجة حازمة: «لقد استمعنا منك إلى حديث طويل عن ~~مواهبك وقدراتك، لكن لدينا هنا تقريرا يقول إنك لم تتمكن من ممارسة ~~الجنس مع سيدة معينة. والتقرير لا تشوبه شائبة؛ فقد رفعته نفس ~~السيدة التي تعرضت لهذا الموقف، فما تفسيرك له؟!» # أخذني هذا السؤال على غرة. وشعرت بالحيرة؛ لأن هذا الطارئ لم يعرض ~~لي مع سيدة واحدة فقط، وإنما مع عدد منهن ولأسباب مختلفة. ولما كانت ~~اللجنة دقيقة في عملها فلا بد أن تكون إجابتي محددة، وكيف يكون ms09 ذلك ~~وأنا لا أعرف السيدة التي يعنيها ؟ # كان العضو القصير - بدافع من حقده علي - هو الذي أنقذني من ~~الإجابة؛ فلم يملك نفسه وصاح: «ربما كان عنينا.» # لكن ذا الشعر الأشقر لم يشاطره الرأي؛ فقد انحنى على أذن الرئيس ~~قائلا: «هو في الغالب ...» # لم أسمع بقية الجملة، لكني لم أجد صعوبة في تخمينها. # أشار إلي صاحب الشعر الأشقر أن أقترب بحيث أقف أمامه، ثم أمرني بأن ~~أخلع بنطلوني، ففعلت، ووضعت بنطلوني على حافة مقعد فارغ، ثم وقفت ~~أمامهم بسروالي الداخلي القصير والجورب والحذاء. # ظلوا يتطلعون إلي كما لو كانوا ينتظرون شيئا، فمددت يدا إلى ~~سروالي الداخلي متسائلا: «وهذا أيضا؟» # أومأ الأشقر برأسه فخلعت السروال ووضعته فوق البنطلون، بينما ~~استقرت أنظار أعضاء اللجنة على الجزء العاري من جسدي يتأملونه ~~باهتمام. # ولم يلبث الأشقر أن طلب مني أن أستدير وأعطيه ظهري، ثم أمرني أن ~~أنحني، وشعرت بيده على أليتي العارية، وأمرني أن أسعل، وعندئذ شعرت ~~بإصبعه داخل جسدي. # اعتدلت واقفا بعد أن سحب الرجل إصبعه، وعدت أواجههم، فرأيت الرجل ~~الأشقر يتطلع إلى الرئيس قائلا في انتصار: «ألم أقل لك؟» # ابتسم العجوز لأول مرة، وانطلق الجميع يتكلمون في وقت واحد. وساد ~~الهرج القاعدة؛ فلم أتبين شيئا مما يقولون. وأخيرا دق الرئيس ~~على المائدة بقبضة يده، فتوقف الكلام، وعندما هدأت الضجة تماما ~~خاطبني قائلا: «إن القرن الذي نعيش فيه هو بلا شك أعظم عصور التاريخ، ~~سواء من حيث ضخامة وقائعه وعددها، أو من حيث الآفاق التي تنتظره. فبأي ~~شيء من هذه الوقائع، كالحروب والثورات والابتكارات، سيذكر قرننا في ~~المستقبل؟» # رحبت بهذا السؤال رغم صعوبته؛ لأني وجدت فيه فرصة لاستعراض ~~معلوماتي في موضوعات محببة لدي. # قلت: «هذا سؤال قيم، وبوسعي أن أذكر أمورا كثيرة ذات خطر.» # تدخل ذو الشعر الأشقر موضحا: «إننا نريد أمرا واحدا، ولا بد ~~أن تكون له صفة العالمية من حيث ماهيته أو دائرة نفوذه، فضلا عن قدرته ~~على تجسيد المعاني السامية والخالدة لحضارة هذا القرن.» # ابتسمت وأنا أقول: «وهنا وجه الصعوبة يا ms10 سيدي؛ فمن الممكن أن نذكر ~~مارلين مونرو ؛ لأن هذه الفاتنة الأمريكية كانت حدثا عالميا حضاريا ~~بمعنى الكلمة، لكنه حدث عابر، ولى أمره وانتهى؛ فمقاييس الجمال ~~تتغير كل يوم على يد أشخاص موهوبين مثل ديور وكاردان. والكائن ~~الإنساني نفسه فان، وهي خاصية تنأى بنا عن اختيار البترول العربي الذي ~~سينضب بعد سنوات قليلة. ويمكن أن نذكر غزو الفضاء سوى أنه لم يتمخض ~~بعد عن شيء ذي قيمة. ونفس المعيار يجعلنا نستبعد الكثير من الثورات. ~~ربما خطر لنا أن نتوقف عند فيتنام، وهو ما لا أحبذه لما سيجرنا ~~إليه ذلك من مداخلات أيديولوجية لا ضرورة لها. # أقول كل هذا لأنكم طلبتم أمرا سيذكر به قرننا في المستقبل. أولا ~~يتحقق هذا إذا ما وجد الشيء نفسه في المستقبل ليكون تذكرة دائمة ~~بنفسه؟ # وهذا يقودنا للبحث في اتجاه آخر، وسنعثر بغير صعوبة على الطريق ~~السليم، لكنه للأسف طريق طويل مزدحم، كالطريق المؤدي إلى المطار، ~~بلافتات كثيرة تحمل أسماء شديدة التنوع مثل فيليبس، توشيبا، جيليت، ~~ميشلان، شل، كوداك، وستنجهاوس، فورد، نسله، مارلبورو. # وأظنكم توافقونني أيها السادة على أن العالم كله يستخدم الابتكارات ~~التي تحمل هذه الأسماء. كما أن الشركات العملاقة التي تنتجها تستخدم ~~العالم بدورها، فتحول العمال إلى آلات، والمستهلكون إلى أرقام، ~~والأوطان إلى أسواق؛ وهي بذلك نتاج ذو خطر لمنجزات قرننا العلمية ~~والتكنولوجية، كما أنها غير معرضة للفناء أو النضوب؛ فقد وجدت ~~لتبقى.» ~~- «أيها إذن نختار؟» # توقفت لحظة محسوبة وأنا أتطلع إليهم، ثم أجبت بطريقة مسرحية: ~~«ولا واحدة!» # سرت همهمة بين الأعضاء فتجاسرت ورفعت يدي قائلا: «مهلا أيها ~~السادة. لم أقصد أني عاجز عن الإجابة على سؤال لجنتكم الموقرة، وإنما ~~أردت أن أقول إن الإجابة ليست فيما ذكرت لكم من أسماء.» # توقفت لحظة، ثم استطردت: «سأذكر لكم أيها السادة، ردا على ~~سؤالكم، كلمة واحدة وإن كانت منصفة، هي كوكا-كولا.» # انتظرت أن أسمع تعليقا ما أتبين منه أثر إجابتي، لكن الصمت ران ~~عليهم. عندئذ مضيت في حديثي: «لن نجد، أيها السادة، بين كل ما ذكرت ms11 ~~شيئا تتجسد فيه حضارة هذا القرن ومنجزاته، بل آفاقه، مثل هذه ~~الزجاجة الصغيرة الرشيقة التي يتسع است كل إنسان لرأسها ~~الرفيع.» # ابتسمت لهم منتظرا أن يشاركوني الابتسام لمحاولتي في الفكاهة، لكنهم ~~ظلوا يتطلعون إلي في جمود، فاستطردت: «إنها موجودة في كل مكان ~~تقريبا، من فنلندا وألاسكا في الشمال، إلى أستراليا وجنوب أفريقيا في ~~الجنوب. ولقد كان نبأ عودتها إلى الصين - بعد غيبة استمرت ثلاثين ~~عاما - من الأنباء المدوية التي سيصاغ منها تاريخ هذا القرن. وفي ~~الوقت الذي تختلف فيه كلمات الله والحب والسعادة من بلد إلى آخر، ومن ~~لغة إلى غيرها، تعني الكوكا-كولا نفس الشيء في كل مكان، وبكافة اللغات. ~~وإلى جانب هذا فإن المادة التي تصنع منها لا يهددها شيء بالنضوب؛ ~~لأنها نبات يمكن زراعته بسهولة، والذوق الذي يستسيغها لن يتحول عنها ~~بفضل ما تتميز به من قدرة على تكوين عادة تقرب من الإدمان. # ومنذ ظهورها، ارتبطت الكوكا-كولا بالمعالم الرئيسية للعصر، بل وساهمت ~~أحيانا كثيرة في صياغتها؛ فقد توصل الصيدلي الأمريكي «بمبرتون» إلى ~~تحضيرها بمدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا، مسقط رأس الرئيس الأمريكي ~~كارتر، وعصابات كلو-كلوس كلان الشهيرة في سنة 1886م، وهي نفس السنة ~~التي تم فيها نحت تمثال الحرية الشهير، الذي أصبح رمزا للعالم ~~الجديد. # أما الزجاجة نفسها فهي إحدى ثمار أول حرب تحريرية تخوضها الولايات ~~المتحدة خارج حدودها، بعد انتصارها في الداخل على الهنود الحمر، وهي ~~الحرب ضد إسبانيا في كوبا، والتي انتهت عام 1899م بإعلان «استقلال» ~~كل من كوبا وبورتوريكو والفيليبين؛ ففي كوبا شهد جندي أمريكي - يحمل ~~بالصدفة اسم المفكر الأمريكي العظيم للقرن السابق بنيامين فرانكلين - ~~زجاجة مياه غازية من شراب الموز. وتمكن فور عودته إلى بلاده من ~~الحصول على امتياز تعبئة الاختراع الجديد في زجاجات تعددت أشكالها ~~حتى استقرت أخيرا على الشكل الشهير المعروف «بالمرأة ذات الثوب ~~الضيق». # ربما كانت الكوكا-كولا هي أول من حطم المفهوم القديم للإعلان، الذي ~~كان قاصرا على مجرد بيان بمواصفات السلعة، واضعة بذلك حجر الأساس ~~في البناء الشامخ لأحد فنون ms12 العصر القائدة، وأعني بذلك فن الدعاية. لكن ~~المؤكد أنها هي التي قضت على الوهم الذي ساد طويلا بشأن العلاقة بين ~~العطش ودرجة الحرارة، عندما ابتدعت وروجت شعار «العطش لا يعرف ~~فصلا». وكانت سباقة إلى استغلال الراديو، وإلى إضاءة المدن ~~بالإعلانات الضوئية، وتبني البرامج التليفزيونية والأفلام السينمائية، ~~واحتضان نجوم الدنيا الجديدة ومعبوديها الجدد من ممثلين وخنافس ~~ورواد للروك والتويست والبوب. # وخاضت الكوكا-كولا غمار حربين عالميتين، خرجت منهما منتصرة؛ فقد ~~باعت خمسة مليارات من الزجاجات خلال السنوات السبع للحرب الثانية. ثم ~~إنها دخلت أوروبا على جناح مشروع مارشال الذي ساعد الأوروبيين ~~بالمنتجات والقروض الأمريكية على تغطية ما سببته الحرب من عجز في ~~الدولارات. # وإذ استقرت فوق قمة المجتمع الاستهلاكي إلى جوار سيارة فورد وقلم ~~باركر وولاعة رونسون، لم تفتها التغيرات المتلاحقة في عالم اليوم؛ ~~فعندما بدأ عصر الشراء العظيم والبيع بالتقسيط والتنافس على أكبر سيارة ~~وأحدث طراز منها بأكبر مساحة في الخلف، تستوعب أكبر كمية من السلع ~~لتملأ أكبر ثلاجة؛ تقدمت الكوكا-كولا بالزجاجة العائلية ~~«الماكسي». # وعندما اشتركت الولايات المتحدة في حرب تحريرية جديدة في كوريا، ~~ابتكرت الكوكا-كولا علبتها الصفيح؛ حتى يمكن إلقاؤها بالمظلات إلى ~~الجنود. ولم تقتصر أهمية هذه العلبة على أن صورة الأمريكي الذي يفتحها ~~بأسنانه أصبحت رمزا للبطولة والرجولة، أو على أنها أثبتت فاعليتها في ~~الحرب التالية بفيتنام، وإنما تعدت كل ذلك إلى ما هو أخطر، فدشنت ~~عصر الفوارغ، الذي يرمي فيه المستهلك بعبوة السلعة بعد أن ينتهي من ~~استخدامها. # ولا شك أن نجاح الكوكا-كولا يرجع أساسا إلى حسن التنظيم، الذي ~~ابتكرت له منذ البداية الشكل الهرمي، حيث توجد الشركة الأصلية في ~~القمة، وتتتابع تحتها، حتى القاعدة، شركات مستقلة تتولى التعبئة ~~والتوزيع. وقد مكنها هذا الشكل الفريد من الحصول على التمويل اللازم ~~لتغطية السوق الأمريكية في أول عهدها، ثم ساعدها فيما بعد على الإفلات ~~من حملة روزفلت ضد الاحتكارات، وأتاح لها أخيرا أن تغزو ~~العالم. # فهي تعتمد في فتح الأسواق العالمية على إقامة مؤسسات محلية مستقلة ~~في كل بلد، يؤلفها ms13 أشهر الرأسماليين به. وقد حققت هذه الخطة نتائج ~~هائلة، ليس أقلها إضفاء الصبغة الوطنية على الزجاجة الأمريكية. # ولعلكم سمعتم بقصة الياباني الذي تمايل طربا عندما قدموا إليه ~~زجاجة كوكا-كولا في أحد مطاعم باريس؛ إذ ظن أن إدارة المطعم كرمته ~~بصفة خاصة فأحضرت له مشروبه القومي بالطائرة من طوكيو. # ولمزيد من الدلالة على ما لهذه الزجاجة من خطر، فإني أحيلكم أيها ~~السادة إلى المقال الذي نشرته جريدة «الموند ديبلوماتيك» الفرنسية ~~المعروفة في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 1976م، وذكرت فيه أن رئيس شركة ~~الكوكا-كولا هو الذي أعد - منذ زمن بعيد - وبالاشتراك مع عدد آخر من ~~رؤساء الشركات الأمريكية الضخمة، جيمي كارتر، ليكون مرشحا لرئاسة ~~الولايات المتحدة. # ويقول المقال - الذي قرأتموه ولا شك - إن رؤساء الشركات المذكورة ~~كونوا لجنة من عشرة سياسيين - بينهم الرئيس الأمريكي نفسه ونائبه ~~والتر مونديل - لتمثيل الفرع الأمريكي لما يسمى ب «اللجنة ~~الثلاثية» التي أسسها عام 1973م دافيد روكفلر، وتولى إدارتها حتى ~~فترة قريبة جدا البروفسور زيجنيو برجينسكي مستشار الأمن القومي ~~للرئيس الأمريكي. أما لماذا سميت اللجنة بالثلاثية؛ فلأنها تجمع ~~أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان في هدف محدد هو مواجهة ~~العالم الثالث وقوى اليسار في أوروبا الغربية. # وإذا كان هذا هو نفوذها على أكبر وأغنى دولة في العالم، فلكم أن ~~تتصوروا وضعها في بلدان العالم الثالث، وخاصة بلادنا نحن الصغيرة ~~الفقيرة. # والواقع أن من حقنا أن نصدق ما يقال عن هذه الزجاجة البريئة ~~المظهر، وكيف أنها تلعب دورا حاسما في اختيار طريقة حياتنا، وميول ~~أذواقنا، ورؤساء بلادنا وملوكها، بل والحروب التي نشترك فيها، ~~والمعاهدات التي نوقعها.» # خيل إلي أن الوجوم سيطر على اللجنة، وقدرت أن السبب ربما ~~يعود إلى أني - وقد خلب الموضوع لبي - أطلت الحديث أكثر مما يجب، ~~لكني لم ألبث أن أحسست إحساسا مبهما بأني «قد وطأت قدم أحدهم»، وهو ~~تعبير دارج في لغة اللجنة، يستعمل للدلالة على الشخص الذي يرتكب ~~إساءة أو خطأ عن غير قصد. # كنت ما أزال مجردا من بنطلوني وسروالي الداخلي، وجعلني هذا ms14 أشعر ~~أني عار تماما أمام اللجنة، ليس فقط بالمعنى المادي للكلمة، وإنما ~~بمعناها المجازي أيضا، وأنني تحت رحمتهم تماما. # لكن أغرب ما في الأمر أن الدقائق الأخيرة أمدتني بإحساس مبهم بأني ~~أستطيع أن أوجه إليهم ضربة ما، أو أرد لهم ضربتهم بصورة ~~ما. # تنحنح القصير الذي صرت أبادله الكراهية، وبعد أن التفت للعجوز ~~مستأذنا، وجه إلي الحديث بلهجة متكلفة: «إن إجابتك المستفيضة ~~تكشف عن سعة اطلاعك في الشئون المعاصرة، ونحن نتمنى أن تكون على نفس ~~القدر من السعة (وهنا لم أملك نفسي من الابتسام) بالنسبة للقضايا ~~التاريخية.» # التمعت العينان الملونتان لذي الشعر الأشقر وقال لزميله القصير: ~~«إذا سمحت لي.» # ثم اتجه إلي قائلا: «سنختبر هذه النقطة حالا. وبالنظر للأهمية ~~التي أعطيتها في حديثك للشكل الهرمي، فليكن الهرم الأكبر موضوعنا. فلا ~~يساورني الشك في أنك تتمنى الجلوس فوق قمته. على أن لك مطلق الحرية ~~في اختيار الزاوية التي تريد الحديث عنها.» # للوهلة الأولى فرحت؛ فها هو موضوع أعرفه جيدا بحكم مصريتي، وأستطيع ~~أن أصول وأجول فيه كما أشاء، لكن قلبي سرعان ما حدثني بأن هناك ~~شركا كبيرا في انتظاري، وتضرعت إلى الله أن يلهمني كي أتجنبه، ~~وأزيل أيضا الأثر السيئ الذي أحدثته كلمتي السابقة. ولم يلبث الله أن ~~استجاب لدعائي؛ فأنار بصيرتي، وانطلقت أتكلم بثقة وطمأنينة: «إن ~~المجموعة المعمارية المؤلفة من الأهرامات الثلاثة وأبي الهول، والتي ~~شيدت قبل خمسة آلاف سنة، ما زالت تمثل لغزا من الألغاز التي ~~تتحدى العقل الإنساني، وتشهد بعبقرية من شيدوها. # وكلنا - ولا شك - تابعنا المحاولة الأخيرة التي قام بها العلماء ~~الأمريكان لكشف هذا اللغز بالأجهزة الإلكترونية المتقدمة، ولم تسفر ~~عن شيء. # فما زال العلماء مختلفين في الغرض من إقامة الأهرامات وكيفية بنائها؛ ~~فمنهم من يرى أنها شيدت لتكون مراصد لتسجيل ما حدث، والتنبؤ بما ~~سيحدث. ويقول دافيدسون: إن السطوح الخارجية للهرم الأكبر صممت بحيث ~~تعكس الضوء. وبذلك يكون الهرم بمثابة مزولة شمسية تعين مواعيد ~~البذار والحصاد. # وهناك بالطبع الاحتمال الأغلب، وهو تخليد أسماء الملوك والمحافظة على ms15 ~~جثثهم؛ فلا شك أن الغرض الواضح من بناء الأهرامات هو أن تكون بمثابة ~~مقابر خالدة. وإن كان خوفو قد نجح في تخليد اسمه أكثر من أي ملك آخر في ~~التاريخ، فإن الغرض الأساسي من بناء الهرم، وهو المحافظة على جثته لم ~~يتحقق؛ لأنها اختفت رغم الشبكة الداخلية المتقنة من الممرات والغرف ~~التي أخفيت عمدا أثناء البناء. # ونحن نعرف من هيرودوت أن الأحجار المستخدمة في بناء الهرم الأكبر ~~كانت تنقل بواسطة نهر النيل، عبر طريق بناه مائة ألف عامل في عشر ~~سنوات، وبعد ذلك ترفع من درجة إلى أخرى في البناء بواسطة روافع مصنوعة ~~من قضبان قصيرة. # وليس هناك من دليل على أن المصريين استخدموا - في أي عصر من عصور ~~تاريخهم - أجهزة ميكانيكية عدا الرافعة والبكرة والمنحدر المائل؛ ~~ولهذا يميل الكثيرون إلى الاعتقاد بأن ضخامة البناء ودقته تقطعان بأن ~~وسائل ميكانيكية سرية - ضاع سرها - قد استخدمت في إتمامه. وربما كان ~~هذا مبعث الخلاف الناجم بشأن دور الإسرائيليين في بنائه؛ فالبعض يقول ~~إن خوفو نفسه كان من ملوك بني إسرائيل في حقيقة الأمر، وقد أخفى ذلك ~~طبقا لتقاليد هذا الشعب، الذي أجبره الاضطهاد المتواصل منذ فجر ~~التاريخ على أن يتسلح بالسرية التامة في كل أموره. والبعض الآخر ~~يقول إن خوفو لم يكن سوى فرعون مصري، لكنه استعان بالعبقرية اليهودية ~~لحل المشاكل المعقدة التي طرحها بناء هذه الأعجوبة ~~المعمارية. # والواقع أن الخواص الهندسية للهرم الأكبر تدل على دراية وافرة بعلم ~~الهندسة، وقدرة فائقة على الابتكار والإبداع. وهما أمران لم يتوفرا ~~بالطبع لدى المصريين؛ ولهذا فمن الأرجح أن يكونوا قد استعانوا بالخبرة ~~الأجنبية الإسرائيلية. وإن كان هناك من يؤكد أن الإسرائيليين كانوا ~~عبيدا لخوفو، وأن هذا الملك المستبد أرغمهم على العمل في بناء ~~الأهرام. وهذه النقطة بالذات محل مناقشة، فإذا كان من الصعب إنكار ~~الطابع الاستبدادي لفراعنة مصر على مر الزمن، فمن العسير أن نتصور أن ~~بناء بهذه العظمة والدقة يمكن أن يكون وليد السخرة وحدها، والأقرب ~~إلى التصديق أن يكون وليد إيمان عميق ms16 بديانة تضع الفرعون على قمة ~~الوجود. # وهذا ما يؤدي بنا إلى تفضيل النظرية القائلة بأن خوفو نفسه كان من ~~الملوك السريين لبني إسرائيل، خاصة وأننا نعرف المهندس الذي أشرف على ~~بناء الهرم ويدعى حم-إيونو، وهو ابن عم خوفو نفسه. # وفي كافة الحالات فإن هذا البناء الهائل الذي تكون من مليونين ~~وثلاثمائة ألف قطعة من الحجر، شاهد على عبقرية من بنوه؛ فهناك ما يدل ~~على أن مناشير نحاسية يبلغ طول الواحد منها تسعة أقدام، قد استخدمت ~~في قطع الكتل الحجرية الكبيرة، التي إذا قطعت اليوم إلى أجزاء صغيرة ~~بطول قدم لكل منها، ووضعت بجانب بعضها؛ لأمكنها أن تغطي ثلثي ~~المسافة حول الأرض عند خط الاستواء. # والمؤكد أيضا أن المثاقب الأنبوبية الشكل قد استخدمت في تفريغ ~~الكتل الحجرية. والحق أن الثقوب الحديثة لا تداني في الدقة والكمال تلك ~~التي صنعها أولئك البناة العظام منذ خمسة آلاف عام، وهي وحدها معجزة ~~حقيقية.» # شعرت أن التوتر الذي كان يسود الحجرة قد تلاشى، وأن الجو المعادي ~~لي قد خف كثيرا. وكان أعضاء اللجنة قد استمعوا لي في اهتمام شديد، ~~حتى إن الرجل البدين الذي يجلس في الطرف أنزل عينيه لأول مرة من السقف ~~وصوبهما إلي. وعندما انتهيت رمقني أحد العسكريين بنظرة رضاء ~~أسعدتني. ودبت الحركة في الأعضاء فانهمكوا في أحاديث هامسة. وعندئذ ~~لحظت أن الجزء الأسفل من جسدي ما زال عاريا، فتناولت سروالي الداخلي ~~في تردد. وعندما لم يستوقفني أحد ارتديته على عجل، ثم أشفعته ~~ببنطلوني. # وبدا أنهم استقروا أخيرا على رأي تولي الرجل ذي الشعر الأشقر ~~إبلاغه للرئيس عبر أذنه السليمة، فقال لي هذا وهو يشير إلى الأوراق ~~التي وضعتها أمامهم فوق المائدة: «يمكنك أن تأخذ هذه الأشياء الآن. لم ~~تعد لدينا أسئلة، وعندما نتوصل إلى قرار بشأنك سنحيطك به ~~علما.» # جمعت أوراقي وأنا أحاول أن أبدو واثقا من الحكم الذي سيصدرونه، ~~لكني كنت أحس باضطراب شديد في أمعائي، وكنت أقوم بحركاتي دون وعي، ~~فوضعت الأوراق في الحقيبة بغير انتظام، ثم أغلقتها وتناولتها في ms17 يدي ~~اليسرى (إذ تذكرت ما وقع لي في بداية المقابلة). وانحنيت أمام أعضاء ~~اللجنة دون أن أنبس بكلمة، ثم اتجهت إلى الباب فأدرت مقبضه بيدي ~~اليمنى، وسررت لأنه استجاب ليدي في يسر وانفتح، فغادرت القاعة ولم ~~أنس أن أغلق الباب من خلفي. ووضعت الحقيبة على الأرض، ثم أشعلت ~~سيجارة في لهفة. # وكنت أعرف أني لن أذوق طعم النوم، أو راحة البال، حتى تصدر اللجنة ~~قرارها النهائي بشأني. # | الفصل الثاني # انقضت عدة شهور على المقابلة التي جرت لي مع اللجنة، تناوبتني خلالها ~~مشاعر اليأس والرجاء؛ فكنت أستيقظ في الصباح بثقة مطلقة في أن قرارها ~~سيكون لصالحي، ولا تمضي ساعات إلا ويكون الشك قد راودني، فأسترجع وقائع ~~المقابلة لحظة بلحظة، وعندئذ يستولي علي هبوط بالغ، أو أقع فريسة ~~ليأس مطبق. # لم تكن هناك وسيلة لتلمس موقف اللجنة مني، أو الاتجاه الذي تمضي ~~فيه مداولاتها بشأني. حقا إنه قد خطر لي أن أسعى للقاء العانس، عضو ~~اللجنة، لكني تصورت أنها ليست من البله بحيث تفضي إلي على الفور ~~بما أريد، ولا بد أن أبذل جهدا خاصا لأبلغ هذه الغاية. على أني كلما ~~تذكرت وجهها الشاحب، تلاشت رغبتي في لقائها. فرغم أني تورطت في ~~بضعة أشياء تتناقض بدرجة أو أخرى مع مبادئي، منها على الأقل قبولي ~~للمهانة التي تعرضت لها على «يد» اللجنة، إلا أني لم أهبط بعد إلى ~~الدرك الذي أتودد فيه إلى امرأة توددا مصطنعا. وليس الأمر ~~قرارا عقليا بقدر ما هو استعداد نفسي في الأساس. وحتى لو استطعت، ~~فماذا يضمن لي ألا أضطر للمضي حتى النهاية. ومعنى هذا أن يتطور ~~الموقف إلى كارثة، بالنظر إلى سوابقي في هذا الشأن، والتي كانت موضوعا ~~للعبث بي أمام اللجنة. # لم يبق أمامي غير الانتظار، فلزمت البيت لا أغادره إلا لماما كي ~~لا تفوتني إشارة من اللجنة تبلغني فيه بقرارها، إن سلبا أو إيجابا، ~~أو تستدعيني أمامها لهذا الغرض. # وكنت أهم بتناول عشائي ذات مساء، عندما وصلتني منها برقية أثارت ~~حيرتي؛ فبدلا من دعوة للحضور، ms18 أو بلاغ وجيز بالقرار النهائي، طالعتني ~~هذه الكلمات: «ننتظر دراسة عن ألمع شخصية عربية معاصرة». # كانت المعلومات القليلة التي تجمعت لدي عن إجراءات اللجنة تؤكد ~~أني أمام إجراء غريب ليس له سابقة؛ فقد جرت اللجنة على أن تبت في أمر ~~من يسوقه حظه للمثول أمامها، من خلال لقاء وحيد لا يتكرر. # ولم يكن من سبيل لتعليل هذا التحول الغريب في تقاليدها إلا ~~بافتراض حدوث انقسام في الرأي بشأني بين أعضائها؛ ومعنى هذا أن قوة ~~مركزي هي الدافع لهذا القرار، الذي أرادت به اللجنة - ولا شك - إرضاء ~~المعترضين علي (وبينهم بالتأكيد ذلك القصير قبيح الوجه)، وإعطائي ~~فرصة جديدة لتبيان مواهبي. # رفع هذا التأويل من معنوياتي إلى أن تبينت الوجه الآخر من الأمر؛ ~~فماذا يمنع أن يكون ضعف مركزي، على العكس، هو الذي جعل اللجنة تحاول ~~إرضاء من تصدى للوقوف بجانبي، بمنحي فرصة ثانية؟ ومعنى هذا - في ~~الغالب - أن المهمة المطروحة ليست لها قيمة كبيرة، وإنما هي ذريعة ~~لتأجيل القرار الذي تحدد جوهره بالفعل. # وقبل أن أهوي إلى قرار اليأس، تراءى لي احتمال ثالث، هو أن تكون ~~اللجنة قد أدخلت بعض التطوير على إجراءاتها. ومن الطبيعي أني لم أسمع ~~بالنبأ منذ كانت الصحف لا تخوض في شئونها من قريب أو بعيد. # ساعد على ميلي للأخذ بهذا التفسير أن الدراسة المطلوبة ستكشف عن مدى ~~تمكني من لغة اللجنة، حيث إنها ستقدم إليها مكتوبة كما يفهم من ~~ثنايا البرقية. ولم تكن تهتم في السابق بهذا الجانب من قدرات الماثلين ~~أمامها. # اتجه اهتمامي بعد ذلك إلى دراسة البرقية بحثا عن الفخاخ التي ~~اشتهرت اللجنة بها، فوجدتها حافلة بالعديد منها؛ فهي أولا لم تحدد ~~زمنا لهذه الدراسة ولا حجما لها، فلا أعرف إذا كان المطلوب هو عجالة ~~سريعة مثل ما ينشر بالصحف، أو بحثا أكاديميا في مئات الصفحات. كما ~~أنها لم تحدد المقصود باللمعان، أهو الشهرة؟ أم تحقيق إنجازات ~~معينة؟ وأي نوع من الإنجازات؟ وعلى أي مستوى؛ فردي أم عام؟ وفي أي ~~مجال؟ # لم يكن من ms19 الممكن الاستفسار من اللجنة عن هذه الأمور؛ لأن هذا من ~~شأنه - إذا فرضنا أنه تيسر - أن يظهرني بمظهر العاجز، ويقضي على كل ~~فرصي منذ كانت اللجنة تعول كثيرا على طريقة تفسير أسئلتها؛ لهذا ~~لم يكن أمامي سوى الاعتماد على نفسي. # لجأت إلى معاجم اللغة فوجدت أن للمعان في لغة اللجنة معنى ~~واحدا يقتصر على خاصية عكس الضوء. أما العرب فقد أضفوا على الكلمة ~~معاني متعددة فاستخدموها بمعنى البرق والإضاءة، وبمعنى السرقة عندما ~~قالوا: لمع بالشيء؛ أي ذهب به واختلسه. كما قالوا إن الأنثى ألمعت؛ أي ~~ظهر حملها وتحرك الجنين في بطنها. وقالوا أيضا إن الألمع هو الذكي ~~المتوقد. أما ألمع الناس فهو أكثرهم كذبا. ويبدو أن المعنى الأخير ~~هو الذي اشتق منه التعبير الشعبي المعاصر «أبو لمعة الأصلي»، الذي ~~عرف في البداية كاسم تجاري لأجود أنواع الطلاءات المستخدمة في تلميع ~~الأحذية، ثم أصبح مع الوقت علما على كل من أدمن الكذب والمبالغة ~~والادعاء. # ولكم أن تتخيلوا حيرتي؛ فأي هذه المعاني التي تعرفها اللجنة هو ~~المقصود؟ وعم أبحث بين مئات الشخصيات التي تحدث ضجيجا لا ينتهي في ~~كل بلد عربي على حدة، وعلى نطاق العالم العربي ككل؟! # قلبت الأمر في رأسي مدة دون أن أصل إلى رأي، وأخيرا قررت أن ~~أستعرض الأسماء المعروفة في المنطقة من مختلف المجالات، دون أن ~~أتقيد بمقياس معين لهذه المعرفة. ومن خلال استبعاد الواحد منها ~~بعد الآخر، أحصر البحث في عدد محدود من الأسماء والمعايير، ثم أتخذ ~~قرارا بشأن المعيار النهائي في اختيار أحدها. # بدأت بالزعماء السياسيين والحكام؛ فليس هناك من هم أكثر إحداثا ~~للضجيج منهم، ولا أقوى، لكني لم ألبث أن تبينت المشاكل التي ~~ستترتب على اختيار أحدهم؛ فالمعروف أن الجدل يثور كثيرا حولهم، ومن ~~شأن دراسة كالتي أنا مقدم عليها أن تتعرض لتقويم الشخصية المختارة. ~~وفي هذه الحالة تكون ثمة فرصة - قد لا تتوفر في حالات أخرى - لأن ~~أتخذ وجهة نظر تتعارض مع تلك التي تتبناها اللجنة. # استقر رأيي على استبعاد الساسة والحكام ، وأتبعتهم ms20 بالقادة ~~العسكريين عندما لم تسعفني ذاكرتي باسم واحد منهم. ثم أسقطت الشعراء ~~من حسابي لأني لا أستسيغ - ربما عن خطأ - كلماتهم الفضفاضة ومعانيهم ~~المبهمة؛ وبذلك فأنا من البداية متحيز ضدهم، وهو أمر يخل ~~بالموضوعية الكاملة التي لا بد أن تتوفر في دراسة كالتي أنا ~~بصددها. # دونت أسماء عدد من الكتاب البارزين. وعندما أخذت في تحليل ~~وضع كل منهم، وجدت أن ما نالوه من مكانة يعود إلى الأفكار والمبادئ ~~التي دعوا إليها في وقت ما. وبمزيد من التحليل تبينت أنهم أصبحوا ~~فريقين؛ الأول التزم الصمت، سواء عن رهبة أو قنوط، رغم أنه يعرف أكثر ~~من غيره حقيقة ما يجري، والفريق الآخر تراجع بسهولة ويسر عن دعاويه ~~السابقة، بل وتنكر لها. # وبحثت عبثا عن قاض واحد ارتبط اسمه بوقفة مجيدة إلى جانب الحق. ومن ~~هذه الزاوية أيضا أمكنني أن أتخلص من الصحفيين وزعماء العمال، ~~وسرعان ما ألحقت بهم من يدعون بنواب الشعب. # واكتشفت أن أغلب العلماء والأطباء والفنانين والمهندسين والمدرسين ~~وأساتذة الجامعات كانوا مشغولين بجمع الثروات عن القيام بعمل واحد من ~~شأنه أن يضعهم في دائرة الضوء، أو بالقرب منها. حقا إن صيت بعض من ~~هاجر منهم طبق الآفاق بما حققه من كشف أو ابتكار في مجاله (رغم شكي ~~أن الأمر في كثير من الحالات لا يتعدى الدعاية المفتعلة). لكنه فعل ~~ذلك في الخارج، بعد أن نشأ وتعلم بين ظهرانينا، ووضعت ابتكاراته ~~وكشوفه على الفور لخدمة البلاد الأجنبية وأهلها. فأي علاقة صارت تربطه ~~بموطن نشأته؟! # توقفت طويلا عند عدد من المغنين والمغنيات الذين يتمتعون بشعبية ~~واسعة بين جميع العرب، وتتابعهم الآذان بشغف من فوق قمم الجبال، وفي ~~متاهات الصحراء، ومراكز المدن، لكن الكلمات المبتذلة والألحان الرخيصة ~~التي يرددونها نفرتني منهم. وكنت أميل إلى صوت أحد كبارهم، الذي ~~استطاع بعبقرية من نوع خاص أن يبقى فوق القمة أكثر من نصف قرن، طافيا ~~فوق سطح الأحداث التي عصفت بهذه الأمة. لكني كنت أعرف، بحكم ظروف عرضت ~~لي، المصدر الأصلي لأغلب الألحان التي نسبها لنفسه، ms21 كما كنت أعرف أيضا ~~أنه يقدم ما يشبه الرواتب الشهرية لعديد من الشخصيات الإعلامية التي ~~تعمل على حراسة مجده، وأنه يحارب بلا هوادة أية أصوات جديدة ~~منافسة. # وقضيت وقتا مماثلا أدرس موقف تلك الدمى التي تملأ فراغ الشاشتين ~~الكبيرة والصغيرة على السواء، فلم أجد لدي حماسا لتقصي أمر أحدها. ~~فبالرغم من دقة وضعي، وحاجتي الشديدة لرضاء اللجنة، فاني آليت على نفسي ~~في كل أموري ألا أقوم بعمل من الأعمال إلا ويكون له صدى في نفسي، ~~ويستجيب لشيء عميق أو أصيل في داخلي. # لم يتبق غير الراقصات اللاتي تظهر صورهن في الصحف كل يوم، ويأتي ~~للاستمتاع بمشاهدتهن في الملاهي المتناثرة تحت سفح الأهرامات العتيدة، ~~آلاف المبعوثين المتعطشين إلى المعرفة من مختلف أركان الوطن ~~العربي. # وكان ثمة ما يغري بالبحث والتقصي بشأنهن، وأقصد بذلك بعدهن عن ~~الأمور الأيديولوجية والسياسية؛ مما يضمن منذ البداية عدم الاصطدام ~~باللجنة. # اتجه ذهني على الفور إلى واحدة منهن، دأبت الصحف على نشر أخبارها. ~~وكنت قد شاهدتها بعيني في مرة وحيدة قادتني فيها الصدف إلى الملهى ~~الذي ترقص به، وأعجبني يومها جسدها الفارع الطويل الذي تلاعبت بدلة ~~الرقصة اللامعة بتفاصيله الرائعة بين الكشف والإخفاء، رغم ما اتسمت به ~~حركاتها من مبالغة. ولاحظت أنها تجد صعوبة في إيداع الهبات التي ~~انهالت عليها، بين نهديها المكتنزين. وكان من الواضح أن بدلة الرقص ~~لا تترك في هذا الموضع مكانا كافيا للأوراق العريضة من الجنيهات ~~العشر التي كانت الهبات تتألف منها، وهو أمر تنبهت إليه الدولة ~~أخيرا عندما أصدرت أوراقا من فئة المائة جنيه في أحجام صغيرة ملائمة، ~~مما يقطع بمدى ما لصاحبتنا من ثقل. # فكرت طويلا في الأمر، وقد استمالني أني سأقضي - بحكم الدراسة ~~المقترحة - بعض الوقت بالقرب منها، قد تسمح لي خلاله بارتياد الأماكن ~~المطروقة جيدا من فنها العظيم. # إلا أني لم ألبث أن تخليت عن هذه الفكرة آسفا، عندما تصورت ~~المقاومة العنيفة التي ستواجهني من عضوات اللجنة، والتي ستحظى - دون شك ~~- ببعض المساندة، ولو ظاهريا، من بقية الأعضاء . # عندئذ ms22 انتابني شعور بالغ بالإحباط والعجز، ورأيت أني مشرف على ~~الإفلاس والفشل، ولمت نفسي على أني انسقت منذ البداية وراء سراب من ~~الطموح، قادتني إليه ثقة مبالغة بمواهبي، فوضعت نفسي في طريق اللجنة، ~~متعرضا بذلك لمحن متتابعة. # كان هذا منحى تفكيري ذات صباح، وأنا أمر ببصري في غير مبالاة على ~~عناوين الصحف، متوقفا عند بعضها لأقرأ التفاصيل بشعور المرارة الذي ~~يفيض بي عادة عندما أفعل. # لفتت نظري صورة كبيرة بعرض الصفحة الأخيرة، تمثل إعلانا عن بنك ~~أمريكي-عربي جديد، ظهر بها جانب من حفل افتتاحه، وعدد من كبار ~~المؤسسين وجلهم من الشخصيات البارزة. # والذي اجتذب انتباهي على وجه التحديد هو البدلة اللامعة لأحد الذين ~~ظهروا في الصورة. ولم أتعرف عليه في البداية بسبب التمويه الذي ~~تتميز به هذه الصور عادة، إلا أني تمكنت من ذلك بعد أن قرأت أسماء ~~الواقفين بالترتيب. # كان لاسمه الكامل وقع غريب في أذني؛ لأنه كان معروفا لي وللكثيرين ~~بلقب «الدكتور» وحسب. ومع أن بلادنا تعج بالآلاف الذين يحملون هذا ~~اللقب العلمي الرفيع، فإن مجرد ذكر اللقب وحده كان كافيا للدلالة ~~عليه دون سواه. # ظل كل من اسمه ولقبه يتردد في ذهني طول اليوم، ومعهما صورته ~~بالبدلة اللامعة، وبعض الذكريات القديمة، ومنها المرة الوحيدة التي ~~رأيته فيها رأي العين. وكان ذلك منذ خمس سنوات تقريبا عندما توقفت ~~بي سيارة أجرة أمام إشارة المرور في ميدان رمسيس، ورأيت الأنظار كلها ~~تتجه إلى سيارة مرسيدس فخمة من أحدث طراز، استقر صاحبنا في مؤخرتها ~~ممسكا بسماعة تليفون. وكان ذلك أمرا عجبا حينئذ؛ لأننا كنا ما ~~نزال قريبي العهد بحرب أكتوبر، ولم نكن قد انفتحنا بعد، وبالإضافة إلى ~~ذلك كانت أغلب التليفونات الثابتة في البلاد عاطلة عن العمل، فما ~~بالكم بواحد متحرك يعمل؟! # وبعد ذلك بعام أو نحوه حملتني الظروف إلى بغداد، وكنت أسير مع صديق ~~عراقي في أحد الشوارع القريبة من وسط المدينة، عندما رأيت على الرصيف ~~المقابل منزلا مكونا من طابقين، تحيط به حديقة صغيرة، ويحرسه عدد ~~من الجنود بالملابس ms23 المموهة والمدافع الرشاشة. سألت صديقي عن صاحب ~~المنزل فإذا به ينهرني بصوت خافت وقد أطرق برأسه إلى الأرض: «انظر ~~أمامك ولا تتطلع إلى الناحية الأخرى.» فعلت كما أراد، وعندما ابتعدنا ~~عن المنطقة قال لي: «أتريد أن تقضي علينا؟ هذا منزل «الدكتور»!» لم ~~أجرؤ ساعتها على مزيد من الاستفسار؛ فلم أعرف حتى الآن ما إذا كان ~~المقصود بذلك هو مواطني المعروف، أم شخص آخر، عراقي، ينازعه ~~اللقب. # وإذ أعطيت الأمر الآن جانبا من تفكيري رأيت أنه يستوي في الحالتين؛ ~~فلا يقلل من شأن مواطني أن يوجد منافس له في كل عاصمة عربية. وعلى ~~العكس؛ فإن ذلك يعطي فكرة عن أوجه التشابه، إن لم يكن التطابق بين ~~الاثنين، ويؤكد من جديد خطورة شأن صاحبي وأهميته. # ولعلكم لمستم اهتمامي بأمره؛ فمع تداعي الذكريات والانطباعات، ازددت ~~اقتناعا بأني وجدت ضالتي أخيرا. قد لا يكون «الدكتور» معروفا بالقدر ~~الذي يتمتع به المغنون والراقصات، إلا أنه بالتأكيد أكثر منهم ~~فاعلية وتأثيرا، لا في حدود بلادي وحدها، وإنما على مستوى العالم ~~العربي بأكمله. ولا شك في أنه يساهم بقدر كبير في صياغة الحاضر ~~والمستقبل، فهل يكون ثمة من هو «ألمع» من ذلك؟ # هكذا حزمت أمري على أن أجعله موضوعا للدراسة المطلوبة مني. # وضعت خطة بارعة تتلخص في قراءة كل ما كتب عنه من دراسات أو ~~مقالات أو أنباء عابرة بالصحف، ثم مقابلته وتوجيه عدد من الأسئلة ~~الذكية إليه أعدها بعناية، بحيث تسد الفجوات التي ستقابلني في ~~قراءاتي، وأستكمل بها معالم شخصيته التي أنوي رسمها بدقة ~~وإحكام. # على أني اضطررت إلى تعديل خطتي عندما لم أجد كتابا واحدا عنه. ~~ويبدو أن أحدا غيري لم ينتبه إلى أهميته، ولم يجد فيه موضوعا ~~جذابا، أو ربما كان الكتاب ينتظرون موته لتكتمل بذلك ~~سيرته. # وبقدر ما سعدت لأني أطرق موضوعا بكرا لم يسبقني إليه أحد، شعرت ~~بالصعوبات الناشئة عن ذلك؛ لهذا قررت أن أبدأ بمقابلته؛ فقد يدلني ~~على شيء كتب عنه وفاتني العثور عليه، أو قد تكون لديه بعض المذكرات ~~الشخصية ms24 التي لا يمانع في اطلاعي عليها. # ارتديت أفضل ملابسي، وحملت حقيبتي «السامسونايت» بعد أن أودعت بها ~~مسجلة يابانية صغيرة الحجم، وكراسا جديدا، وعدة أقلام، وورقة ~~صغيرة دونت بها رءوس الموضوعات التي أبغي طرقها معه. # انطلقت إلى مقر إحدى المؤسسات التي ارتبطت باسمه بعد أن حصلت على ~~عنوانها من دفتر التليفون. وذكر لي موظف الاستعلامات أن «الدكتور» لا ~~يتردد على مؤسسته في مواعيد محددة. وعندما أوضحت له حاجتي ~~الشديدة للقائه - دون أن أذكر له بالطبع السبب الحقيقي - أحالني إلى ~~إحدى السكرتيرات بعد أن فتش حقيبتي للاطمئنان على خلوها من الأسلحة ~~والمتفجرات. # عاملتني السكرتيرة بجفاء، مؤكدة استحالة الفوز بمقابلة «الدكتور» ~~في موعد قريب؛ فهو أولا لا يتواجد في مكتبه إلا نادرا لأنه دائم ~~التنقل بين العواصم العربية بحكم أشغاله، وهناك ثانية قائمة طويلة ~~من المنتظرين، ولا بد لي ثالثا من إيضاح مطلبي باستفاضة على ورقة ~~مكتوبة بلغة سليمة تقدم إليها لتحيلها بعد ذلك إلى مدير مكتبه. ~~وعرفت منها أن مدير المكتب هو نفسه أحد أساتذة الجامعات المعروفين ~~الذين لمعوا في الستينيات، وارتبطت أسماؤهم بمشروعات طموحة للتصنيع ~~الثقيل. # وقعت في حيرة شديدة؛ فلم يكن في وسعي أن أذكر حقيقة علاقتي باللجنة. ~~فبالرغم من خطورتها وسعة نفوذها، فإنها من الناحية الرسمية لا وجود ~~لها، وأي محاولة للتمسح بها لن تقابل إلا بالاستغراب والسخرية. ~~وإذا كان من الممكن أن يدور الحديث حول هذا الموضوع بيني وبين ~~«الدكتور» نفسه، فمن المستحيل أن أشير إليه في ورقة تأخذها السكرتيرة ~~لتضعها أمام مدير المكتب. أما إذا أغفلت دور اللجنة، فماذا يتبقى؟ ~~أحد هواة الكتابة المجهولين يبغي وضع كتاب عن شخصكم الكريم. وما الذي ~~يضمن له أني لست سوى محتال يسعى للقائه طلبا لوظيفة أو صدقة. # انصرفت مهموما لأدرس الأمر، ورأيت أن الوقت يمضي بسرعة دون أن ~~أتوصل لشيء، وأن محاولة الالتقاء بالدكتور ستستغرق عدة أيام وربما ~~أسابيع، وفي النهاية قد لا تسفر عن شيء؛ لذلك غيرت خطتي مرة ثانية، ~~وعزمت على التفرغ فورا لجمع كل ما نشر عنه ms25 بالصحف. # مضيت إلى المبنى الضخم الذي يضم مكاتب أهم الصحف اليومية وأكثرها ~~توزيعا، وطلبت الاطلاع على أعدادها الصادرة منذ ربع قرن؛ فهذا هو ~~التاريخ الذي رأيت أنه يصلح نقطة بدء لتتبع مسيرة «الدكتور» ~~الحافلة. # اتخذت مكاني إلى إحدى الموائد في قاعة المكتبة، وأخرجت من حقيبتي ~~الكراس الفارغ والقلم، بينما أحضر لي الموظف عدة مجلدات من الصحيفة ~~يكسوها الغبار، فتناولت المجلد الأول، وفتحت غلافه، ثم بدأت أقلب ~~الصفحات. # غصت على الفور في عالم غريب من الأحداث المثيرة، والرجال والنساء ~~الذين ملئوا الأسماع والأصداء. وانبسطت أمامي الطموحات التي تأججت ~~يوما في الصدور. استغرقتني صور الماضي، حتى إني كنت أنتزع عيني ~~بصعوبة من الصفحات المغبرة مذكرا نفسي بالهدف الذي أسعى وراءه، ~~فانتقلت إلى الصفحات التالية في تثاقل وكآبة، وأصبحت كمن يستعيد طفولته ~~وصدر شبابه، ويتأمل ما داعبه ذات يوم من أحلام وآمال، ولا يلبث أن ~~يشعر بالأسى عندما يتبين ما صار إليه حاله. # اعتورني دوار من جراء تقليب الصفحات، ونقل البصر بين العناوين ~~والصور، واستنشاق الغبار. وبدأت أشعر بهول المهمة التي وضعتها لنفسي ~~عندما لم أتمكن بعد ثلاث ساعات من استعراض أكثر من عشرة أعداد؛ ~~عندئذ أصابني هبوط مألوف، وشعرت بحاجة ماسة إلى فنجان من القهوة أو ~~كوب من البيرة، لكني لم أجد الهمة الكافية لأن أطلب شيئا من صبي ~~المقصف الذي كان يطل برأسه من مدخل القاعة كل حين. # وحسم موظف المكتبة الأمر عندما أبلغني بانتهاء موعد العمل فتنهدت ~~في ارتياح، وأعدت أوراقي إلى الحقيبة، بيضاء من كل سوء، وحملت الحقيبة ~~وغادرت القاعة. # قمت بعملية حسابية بسيطة فرأيت أن الأعداد التي أريد الاطلاع عليها ~~من هذه الصحيفة بالذات هي 365 × 25 سنة = 9125 عددا. وطبقا لمعدل ~~اليوم، وبفرض أني عملت كل يوم دون انقطاع ودون أن أمرض أو تؤخرني ~~المواصلات أو يعوقني انقطاع الكهرباء أو المياه أو غير ذلك من الطوارئ ~~المألوفة، أكون بحاجة إلى حوالي الألف يوم؛ أي ثلاث سنوات. هذا بالنسبة ~~لصحيفة واحدة. # ولم يكن بوسعي أن أعتمد على صحيفة ms26 واحدة فحسب؛ فرغم أن صحفنا ~~القومية تنشر دوما نفس الأخبار والتعليقات، بل ونفس الصور، إلا أن ~~أركان الأخبار الخفيفة وأنباء النوادي والسهرات تتميز بشيء من ~~التنوع. وهي التي عولت عليها؛ فليس ثمة مكان لأنباء «الدكتور» على ~~الصفحات الأولى، طالما أنه ليس بالشخصية السياسية أو ~~السينمائية. # يضاف إلى ذلك المجلات الأسبوعية والشهرية، والصحف والمجلات الصادرة ~~في المشرق والمغرب. ومعنى هذا كله أني إذا أردت أن أكون أمينا مع ~~نفسي، فلا بد لي من التفرغ، تفرغا كاملا، لمدة لا تقل عن ثلاث ~~سنوات أو أربع، من أجل جمع مادة البحث فقط. وهناك بعد ذلك الوقت اللازم ~~لدراستها وتحليلها، ثم صياغة النتائج التي سأتوصل إليها. # لم أكن قلقا بشأن انقطاعي عن عملي الأصلي؛ إذ إن اللجنة توفر لمن ~~يتقدم أمامها إجازة مدفوعة الأجر من عمله إلى أن تنتهي من أمره، ~~لكني كنت أجهل المدة المقررة للبحث، وبالتالي لم يكن بوسعي التورط ~~في منهاج للعمل يتطلب وقتا بهذا الطول. # بحثت بلا جدوى عن مخرج إلى أن تذكرت أن إحدى الصحف اليومية الكبرى ~~تحتفظ بأرشيف ضخم يضم معلومات تفصيلية عن أهم الشخصيات العربية، ~~يعتبر من مفاخر مؤسسيها. وكان الهمس قد تردد في وقت من الأوقات، ~~أن اللجنة حصلت منهم على صورة من هذا الأرشيف، وأنها تعتمد عليه في ~~عملها إلى درجة كبيرة. وقدرت أن ما يضمه هذا الأرشيف من معلومات عن ~~«الدكتور» سيكون ذا عون كبير لي. # على أن الاطلاع على هذا الأرشيف لم يكن متاحا لكل من هب ودب من ~~الناس. وتطلب الأمر بحثا شاقا حتى اهتديت إلى من أوصى بي ~~الموظف المسئول عنه، وسرعان ما كان الملف الموعود في متناول ~~يدي. # لم يكن بالضخامة التي توقعتها. وكان يحمل فوق غلافه شعار الدار، ~~واسم «الدكتور» الكامل مكتوبا بخط مزخرف في عناية. # فتحت الملف بأصابع مرتعشة من الانفعال، فطالعتني ورقة بيضاء في ~~أعلاها تاريخ يعود إلى بداية الخمسينيات، ولا شيء عدا ذلك. وقلبت ~~الورقة فرأيت الورقة التالية مثلها. # تصفحت أوراق الملف بسرعة فرأيتها كلها متشابهة ms27 في خلوها من كل شيء ~~عدا التاريخ. وما لبثت أن تبينت في صدر كل ورقة أثر الصمغ الذي كان ~~يلصق به المقتطفات المنتزعة من الصحف والمجلات. # أبدى المسئول دهشته عندما عرضت عليه الملف، لكنه لم يكن يملك شيئا ~~لي. وأوشكت أن أنصرف عندما خطر لي أن أسجل التواريخ المذكورة على رأس ~~كل ورقة، ثم أرجع إلى الصحف والمجلات التي صدرت فيها، وبذلك أتوصل ~~بمجهود بسيط إلى محتويات الملف. # هكذا فعلت، ثم انتقلت على الفور إلى قاعة مجاورة، حيث شرحت للموظف ~~المشكلة، فأحضر لي المجلدات التي تتفق وأول التواريخ لدي. ~~وإذا بي أفاجأ بخلوها من أي شيء عن ~~«الدكتور». وعندما دققت البحث اكتشفت أن بالأعداد المقصودة فقرات ~~قصيرة منزوعة بعناية بواسطة موسى. ولاحظت أن بعضها في الصفحات ~~المخصصة لأنباء الجرائم وأخبار السينما والتليفزيون. # انتابني الشك في أمر الفقرات المقتطعة، فقررت أن أواصل البحث لأقطع ~~الشك باليقين. وعندما عدت في اليوم التالي لهذا الغرض، فوجئت بصدور ~~تعليمات تحظر استخدام المكتبة على غير العاملين بالصحيفة. # وتكرر الأمر معي بحذافيره في دور الصحف الأخرى، بدءا من الموسى ~~الخفي، إلى الأوامر التي تحول بيني والتردد على مكتباتها. # لجأت إلى دار الكتب، فقدمت إلى المختصين قائمة بالأعداد التي ~~أريد الاطلاع عليها من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية. وبعد عدة ~~ساعات من الانتظار، أبلغت بأن الأعداد التي طلبتها غير متوفرة في ~~الوقت الحالي بسبب وجودها في قسم التجليد. # لم يعد لدي شك في الأمر، فأعملت فكري إلى أن توصلت إلى حيلة ~~ماكرة؛ فقد مضيت إلى مكاتب إحدى المجلات النسائية الأسبوعية، وطلبت ~~الاطلاع على الأعداد الصادرة بعد أسبوع أو أسبوعين من كل تاريخ لدي. ~~وعندما سألني الموظف عن بغيتي احتطت للأمر، فقلت إني أعد بحثا عن ~~أشهر الجرائم في التاريخ العربي المعاصر؛ فقد كان من عادة هذه المجلة ~~أن تغطي أهم أحداث الأسبوع، كما أنها أفردت ركنا خاصا في كل عدد ~~لأخبار الجرائم، وآخر لأخبار الفن. # عكفت على العمل بحماس أوقدته - في الغالب - الظواهر الغامضة التي ~~صادفتني. وحالفني الحظ ms28 فعثرت في أحد الأعداد الصادرة حوالي أول تاريخ ~~لدي، على صورة ل «لدكتور» في شبابه، بصفته وجها جديدا في ميدان ~~الإنتاج السينمائي، وذلك بمناسبة نجاح فيلم كوميدي شارك في ~~إنتاجه. # وبعد عدة أشهر من التاريخ الثاني لدي عثرت على مقال يسرد وقائع ~~جريمة غريبة، اعتدى فيها أحد الشبان على «شخصية فنية معروفة»، وصفتها ~~المجلة بأنها «ذات تاريخ وطني حافل». # فهمت من ثنايا المقال أن هذه «الشخصية» كانت على علاقة بأخت ~~المعتدي. وذات يوم وجدت الفتاة ميتة في ظروف غامضة، فاتهمه أخوها ~~بأنه السبب في وفاتها. ولم يعبأ أحد بهذا الاتهام؛ فما كان من الأخ إلا ~~أن أطلق عليه الرصاص، فأحدث به إصابة طفيفة. # وأغرب ما في الأمر أن المجني عليه اتهم الجاني في التحقيق بأنه عضو ~~في منظمة يسارية، ثم تصالح معه وألحقه بوظيفة في الشركة التي ~~يديرها. # حدثني قلبي بالاسم الحقيقي لهذه الشخصية الفنية. وتأكد حدسي ~~عندما عرضت المجلة لتاريخ صاحبها وذكرت أنه كان قبل الثورة عضوا في ~~إحدى الجمعيات الوطنية المتطرفة التي قامت بدور بارز في الكفاح ضد ~~الاستعمار الإنجليزي (فهي إحدى الحقائق المعروفة عن حياة «الدكتور»)، ~~وأنه ترك دراسته عام 1947م وسارع إلى فلسطين على رأس كتيبة من زملائه ~~المتحمسين حيث اشترك في الحرب ضد العصابات الصهيونية التي كانت تقاتل ~~باستماتة لإنشاء دولة إسرائيل. وفي أعقاب الثورة استكمل دراسته واتجه ~~إلى ميدان الإنتاج السينمائي. # سعدت بهذا الاكتشاف، وواصلت العمل بنفس الأسلوب؛ فأمكنني أن أجمع ~~بعض المعلومات القيمة، وإن استغرق مني ذلك وقتا ليس بالقصير. # فقد عرفت أنه شارك في تكوين شركة لإنتاج المياه الغازية عشية العدوان ~~الإنجليزي-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر، وأنه كان أحد الذين تقدموا ~~لشراء الشركات الأجنبية بعد تمصيرها في أعقاب ذلك العدوان. # وعثرت على نص كلمة ألقاها في مؤتمر اقتصادي عقد بدمشق غداة الوحدة ~~المصرية-السورية، وصف فيها الوحدة العربية بأنها الرسالة الخالدة لكل ~~عربي في هذا القرن، وهاجم الشيوعيين متهما إياهم بالخيانة؛ لأنهم ~~سبق أن وافقوا على التقسيم الصادر عام 1948م، والذي كان يسمح بقيام ~~دولتين ms29 في فلسطين، واحدة للعرب وأخرى لليهود. # ووجدت بعض الأنباء المتفرقة قليلة الأهمية عنه في تلك الفترة. ثم ~~خدمني الحظ الذي لا يعطي هباته إلا لمن يعمل بدأب؛ فعثرت بالصدفة على ~~خبر صغير في باب الأخبار الاجتماعية يشير إلى محاضرة ألقاها في أحد ~~الأندية النسائية بالجزائر عن «المفهوم العربي للاشتراكية». وفي هذا ~~الخبر وجدت اسمه، لأول مرة، مسبوقا بلقب «الدكتور». وبعد ذلك بشهور ~~وقعت على إعلان كبير في صفحة كاملة يتضمن تهنئة من إحدى شركات ~~المقاولات التابعة للقطاع العام لرئيس الدولة على ما حققه من ~~انتصارات، وأسفل الإعلان قرأت اسم «الدكتور» بصفته رئيسا ~~للشركة. # انقطعت أخباره بعد ذلك فترة طويلة إلى أن عثرت بأحد الأعداد الصادرة ~~في صيف عام 1967م على إشارة إلى سلسلة من المقالات نشرتها له إحدى ~~الصحف اليومية، يحلل فيها أسباب الهزيمة، ناسبا إلى الاتحاد ~~السوفيتي المسئولية الأساسية عنها. # ويبدو أنه تزوج في هذه الفترة للمرة الثالثة من ابنة أحد ملوك ~~البترول العرب، المعروفة بنزواتها وشطحاتها الغريبة؛ إذ إن أنباءها ~~سرعان ما طغت على أنبائه هو، وهو أمر طبيعي بحكم تخصص المجلة. ولم ~~أجد في أعداد السنوات التالية سوى إشارات مقتضبة إلى أعماله الواسعة، ~~والمشروعات الضخمة التي يتعهدها بمختلف أرجاء المنطقة، وخاصة بعد ~~حرب أكتوبر، ويقوم فيها بدور همزة الوصل بين الممولين الأجانب، ~~والمستهلكين المحليين. # شعرت أن المجلة النسائية قد أدت دورها بالكامل، وأن الوقت قد حان ~~للبحث في اتجاه آخر، فشكرت مدير المكتبة على ما قدمه لي من مساعدة، ~~وعرفني الرجل بنفسه. # استولت علي الدهشة لأنه كان اسما معروفا بين كتاب الصحف في ~~أحد الأيام فغمغمت: «لكن كيف؟» # رد على سؤالي المبتسر قائلا: «اسأل من كنت تفتش عن ~~أخباره!» # انزعجت للغاية وسارعت أقول: «من تقصد؟» # ابتسم وقال: «لا تخف، فلن أذكر شيئا لأحد على الإطلاق.» # قلت: «لست خائفا؛ فهناك جهات ذات نفوذ - لست في حل من ذكرها - ~~تدعمني.» # اتسعت ابتسامته وقال: «لن ألومك إذا خفت.» # سألته: «كيف عرفت؟» # أجاب: «منك؛ فعندما تجلس مكاني هذا عدة سنوات، يمكنك ms30 من النظرة ~~الأولى أن تفهم هوية الأشخاص الذين يترددون على المكتبة لينقبوا ~~بين صفحات الأعداد القديمة. وعندما لاحظت أنك تختلف عنهم، ثار فضولي، ~~ولم يكن من الصعب أن أتتبع الصفحات التي تتوقف عندها، وأن أستنتج ~~اهتمامك به.» # عدت أسأله: «وما الذي جعله مسئولا عن انزوائك في هذا ~~المكان؟» # قال: «مقال نشرته.» # تطلعت إليه متسائلا فأضاف: «يمكنك أن ترجع إليه بسهولة.» # رويت له ما صادفني من صعوبات في البحث عن أخبار «الدكتور» بالصحف ~~اليومية، فقاطعني قائلا: «ستجد مقالي بالتأكيد لأن الصحيفة التي نشرته ~~لا يهتم بها أحد، ثم إني لم أذكره بالاسم.» # أعطاني تاريخ نشر المقال وتمنى لي التوفيق، فذهبت من فوري إلى دار ~~الصحيفة التي نشرته، وهي يومية مسائية محدودة الانتشار؛ ولهذا السبب لم ~~يتجه إليها اهتمامي في بادئ الأمر. # بحثت عن المقال دون أن أكشف لأحد عن غرضي، فعثرت عليه تحت عنوان مثير ~~ذي رنة مأساوية، هذا نصه: ~~«من يخلع الأشجار؟» # وتحت هذا العنوان عرض الكاتب لظاهرة اختفاء الأشجار من شوارع القاهرة ~~وحدائقها القليلة المتبقية، وقال إن الصورة المنظمة التي تتم بها ~~عملية الاقتلاع توحي بأن ثمة أشخاصا ذوي نفوذ خلفها. وتساءل عما إذا ~~كانت هنالك علاقة بين هذه الظاهرة وبين الأزمة المفتعلة في سوق ~~الأخشاب، والتي رفعت أسعارها وأوجدت لها سوقا سوداء. # نقلت محتويات المقال في كراسي، ثم خطر لي أن أنتهز الفرصة ~~لأواصل البحث في اتجاه جديد، فعكفت على مجلدات الصحيفة أراجعها بسرعة ~~في أماكن محددة هي الإعلانات الاجتماعية والتجارية وأخبار الوفيات، ~~حوالي نفس التواريخ التي استرشدت بها من قبل. # لم أكن أتوقع كم المعلومات التي عثرت عليها عن هذا الطريق؛ ~~فمثلا من خلال سلسلة من برقيات الشكر الموجهة منه إلى رئيس الدولة، ~~والتهاني الموجهة إليه من عدد من الشخصيات الهامة، علمت أنه نجح في ~~الانتخابات العامة وصار عضوا في المجلس النيابي. # ومن نعي طويل لإحدى السيدات التي تمت إليه بصلة القرابة، تبينت ~~الشبكة الواسعة من العلاقات التي تربطه بأشهر العائلات وأغناها، ~~وبشخصيات تحتل أرفع المناصب في ms31 القضاء والشرطة والجيش والإدارة وعالم ~~المال والأعمال. # وقادتني الإعلانات - تلك الوسيلة الناجحة للتواصل بين أبناء العصر - ~~إلى اكتشاف آخر مثير. # فقد لفت نظري سلسلة منها ظهرت بكثرة في السنوات الأخيرة على الصفحة ~~الأولى من الجريدة عن العطور الفرنسية والسجائر الأمريكية والأجهزة ~~الصوتية اليابانية، وكانت مجردة من اسم المعلن، بينما جرت العادة ~~في أمثال هذه الإعلانات على أن يذكر اسم المستورد أو العميل - بلغة ~~اللجنة - أي الوكيل المحلي. # وكان من شأن العمل المتواصل الذي قمت به في الآونة الأخيرة أن نشط ~~ذهني، وأخذت أميل إلى التغلغل في أعماق الأمور التي تعرض لي، وأحاول ~~استنتاج ما قد يكون خلفها من دوافع، وما قد يربط بينها من علاقات. هكذا ~~ثار فضولي، فمضيت إلى إدارة الإعلانات بالجريدة، وزعمت أني مراسل لإحدى ~~المجلات الاقتصادية الأجنبية، وأني أعد تحقيقا واسعا عن الدعاية ~~التي تنشرها وسائل الإعلام العربية للسلع الأجنبية. # شغل المسئولون في الإدارة بالترحيب بي عن التأكد من مزاعمي، خاصة ~~بعد أن أبديت إعجابي بالشعارات الناجحة التي ترفعها إعلانات العطور ~~والسجائر، وترددها الجماهير في سلاسة تامة. واستطعت أن أكسب ودهم ~~عندما مازحتهم متسائلا عمن لم يذهب بعد منهم إلى الفلتر. وبذلك ~~أصبح من السهل علي أن أحصل على ما أشاء من معلومات. # لم أدهش عندما علمت منهم أن الجهة المحلية التي تستورد السلع ~~المذكورة هي مؤسسة يديرها الابن الأكبر ل «الدكتور» من زوجته ~~الأولى؛ فقد توقعت شيئا من هذا القبيل، لكني فوجئت حقيقة، حتى كدت ~~أنفجر ضاحكا، عندما أروني تصميما لإعلان صادر عن نفس المؤسسة، ~~يعكفون على إعداده ليظهر قريبا على الصفحات الأخيرة بكاملها من كافة ~~الصحف القومية. # فلم يكن هذا الإعلان يبشر المصريين بأكثر من عودة الكوكا-كولا ~~الأصلية إليهم. # | الفصل الثالث # ظللت أتردد على مكاتب الصحيفة عدة أشهر، وقد أغرتني الاكتشافات ~~التي توصلت إليها، فضلا عن عدم مصادفتي لأي عقبات ظاهرة، بمداومة ~~البحث في نفس الاتجاه. # وخرجت أثناء ذلك بحصيلة وافرة من المعلومات، ملأت عدة كراسات. حقا ~~إن جانبا منها لم يكن وثيق الصلة بأمر ms32 «الدكتور»؛ فقد اتسعت دائرة ~~اهتمامي بالتدريج دون وعي مني، وامتدت إلى بعض الأمور العامة. وبدا ~~وكأن الأنباء التي سبق أن قرأتها في حينها تصافح عيني الآن للمرة ~~الأولى، والظاهر أنها اكتسبت عمقا جديدا بفضل المنظور الزمني، الذي ~~أتاح لي رؤيتها في ارتباطاتها المتشعبة. # وكنت أعود إلى منزلي في نهاية كل يوم مرهقا، أشكو الدوار وصعوبة ~~التنفس، فأرتقي طوابقه السبعة في إعياء إلى مسكني في الطابق الأخير، ~~وبعد أن أغتسل وأتناول طعامي أغفو قليلا، ثم أنهض لأعمل من جديد، فأنقل ~~ما دونته في الصباح إلى بطاقات صغيرة من الورق المقوى، زودني بها ~~صديق عزيز دون أن يخفي إشفاقه علي، مسجلا في أعلاها تاريخ نشر ~~المادة، ومصدرها، ورأس الموضوع، توطئة لعمل تصنيف ما يساعدني على ~~الانتقال إلى المرحلة الثانية من البحث. ولا أنتهي من ذلك قبل ساعة ~~متأخرة من الليل، فأنام نوما قلقا تتخلله أحلام مزعجة يتألف ~~معظمها من عناوين الصحف. والقليل النادر من هذه الأحلام كان مصدر متعة، ~~خاصة إذا ما تصدرته الصور شبه العارية لجميلات العالم وفاتنات ~~السينما، التي كانت تصادفني بين الحين والآخر. # وفي الصباح أغادر فراشي في صعوبة؛ إذ أجدني فريسة لحالة من الهبوط، ~~يضاعف منها تمثلي للمصاعب التي سأعانيها في الطريق قبل أن أصل إلى ~~مبنى الصحيفة، والأخطار المبهمة التي تحف بعملي. ولا أستعيد حيويتي إلا ~~عندما أستعرض في ذهني ما وصلت إليه من نتائج، والعالم العجيب الذي ~~فتحته أمامي. # والواقع أن تغييرا ما طرأ علي في الشهور الأخيرة؛ فقد كنت في ~~السابق سئمت كل شيء، ولم يكن مثولي أمام اللجنة، وتمسكي بالفرصة ~~السانحة لتطوير مواهبي، سوى محاولة من جانبي لتجديد الاهتمام بالحياة. ~~ولم يلبث البحث في أمر «الدكتور» أن أخذ بمجامعي، حتى إني بدأت أخشى ~~الموت، وأدعو الله أن يجنبني حوادث المواصلات والأزمات القلبية، إلى ~~أن أفرغ منه. # واضطررت في أحد الأيام إلى الانقطاع عن الخروج عندما شعرت بالإرهاق، ~~فجلست أراجع البطاقات التي دونتها ووضعتها بنظام في صندوق أحذية من ~~الكرتون؛ ليسهل علي العودة إليها، واستخراج ms33 ما أريده منها. # اكتشفت أنه صار لدي كم من المادة لا بأس به، يغطي الخطوط ~~الرئيسية للبحث، لكني كنت ما أزال جاهلا بكثير من خلفيات بعض النقاط ~~الهامة. وهي أمور لا جدوى من التماسها في الصحف المصرية أو العربية، ~~التي تحول الأوضاع السياسية والتقاليد الاجتماعية بينها والخوض في ~~أعماق الظواهر وحقائق الأمور. عندئذ خطر لي أن أستعين بالمجلات ~~الأجنبية، لكن أين يتأتى لي أن أجد مجموعات من الأعداد القديمة ~~لإحداها؟ # كان الصديق الذي أمدني بالبطاقات هو الذي اقترح علي أن ألتمس ~~ضالتي في مكتبة السفارة الأمريكية. فذهبت إلى مقرها الجديد الذي ~~انتقلت إليه بعد أن أحرقت الجماهير الثائرة المقر القديم سنة 1965م، ~~احتجاجا على مساندة الولايات المتحدة لموبوتو، رئيس زائير التي كانت ~~تعرف وقتها بالكنغو كينشاسا، ودورها قبل ذلك في اغتيال الزعيم الوطني ~~لومومبا. # وجدت بالمكتبة مجموعة من الأعداد المتفرقة لأشهر المجلات ~~الأمريكية مثل «تايم» و«نيوز ويك»، فقلبت بين صفحاتها مركزا ~~اهتمامي على تلك المخصصة لأمور الشرق الأوسط، دون أن أعبأ بمطالعة ~~الصفحات الأخرى أو النظر إلى الأغلفة؛ ولهذا لم أنتبه إلى أن أحد ~~الأعداد الذي أمسكته في يدي يحمل صورة ملونة ل «الدكتور» على ~~غلافه، إلا بعد أن ألفيتني أرتجف من الانفعال وأنا أقرأ موضوعا ضافيا ~~عنه غطى عددا من الصفحات، وامتلأ بقدر وافر من المعلومات ~~المثيرة. # كان تاريخ العدد يعود إلى عام مضى. أما الموضوع فكان بمناسبة زواج ~~ابنته من رئيس عربي. وكان هذا نبأ جديدا علي؛ لأن صحفنا لم تنشر ~~الأمر في حينه. ويبدو أن الزواج أثار عاصفة من التعليقات وقتها، لا ~~بسبب فارق السن وحده الذي يربو على ثلاثين من الأعوام، وإنما أساسا ~~بسبب المدلولات السياسية والاقتصادية له. # وانتهزت المجلة هذه الفرصة فقامت بعرض سريع لسيرته، وكيف نشأ في أسرة ~~فقيرة، ثم ابتسم له الحظ عندما قامت الثورة بحكم قرابته لأحد الذين آلت ~~إليهم الأمور، وهي الصلة التي مكنته من وضع أول لبنة في صرح مجده؛ ~~فبفضلها استطاع أن يحصل لأحد المنتجين السينمائيين على تصريح بتصوير ms34 ~~ثلاثة أفلام كوميدية عن الجيش والطيران والأسطول، مقابل المشاركة في ~~عائدها. # ومضت المجلة فقالت إنه - وقد تكون رأس المال - لم يكن من الصعب ~~عليه أن يضاعفه في وقت قصير. فلم يكن خطؤه أن المشرفين على الاقتصاد - ~~وقد استهوتهم الأفكار الاشتراكية - كبلوه بعديد من القيود التي ~~يتطلب اختراقها ملكات خاصة، وبالتالي ثمنا مرتفعا. وإذا كان ~~«الدكتور» قد استفاد من تذليل هذه الصعوبات لمن يشاء، بحكم علاقاته ~~الواسعة التي دعمها بسلسلة من الزيجات الناجحة، فإن الذي حقق الفائدة ~~الحقيقية هو الاقتصاد القومي نفسه. وضربت المجلة مثلا على ذلك بدوره ~~خلال رئاسته لإحدى شركات المقاولات التابعة للقطاع العام؛ فقد كان يعهد ~~بأغلب عملياتها لشركات خاصة يشترك في ملكيتها. ومهما كان الرأي في هذا ~~العمل فلا جدال في أنه ساهم في دعم النشاط الخاص وإنجاز عديد من ~~المشروعات الهامة في مجال الخدمات، يستمتع المصريون اليوم بثمارها، ~~وكان من المستحيل أن تتحقق لو ترك أمرها للقطاع العام وحده. # وفي تلك الفترة تعرض «الدكتور» لمحنة عنيفة؛ إذ قبضت عليه السلطات ~~وأودعته السجن. أما السبب فيصعب تحديده؛ إذ تضاربت الأقاويل بشأنه، ~~فقيل إنه كان مشتركا في محاولة لقلب نظام الحكم، وقيل إنه تمادى في ~~الدعوة للأفكار الاشتراكية، وهناك من أكد أنه كان ضالعا في إحدى ~~العمليات المالية المريبة، التي كان القانون يحرمها وقتذاك. # وتعرضت المجلة للشائعات المتباينة التي أحاطت به فوصفتها بأنها ~~الضريبة التي يدفعها كل ناجح في البلاد العربية. وضربت مثلا بشائعة ~~تجزم أنه حضر الحفل الراقص الشهير الذي أقيم عشية العدوان الإسرائيلي ~~عام 1967م في إحدى القواعد الجوية المصرية. وقالت إن هذه الشائعة لا ~~تعني شيئا على الإطلاق؛ لأن أغلب القادة المصريين حضروا هذا الحفل. ~~أما محاولة الربط بينه، في شائعة أخرى، وبين تسليم الجولان، فأمر ~~ينقصه الدليل. ودللت المجلة على وطنيته بالدور الذي لعبه في حرب ~~الاستنزاف؛ حيث تولى مقاولة تنفيذ التحصينات الهائلة التي تكلفت ~~ملايين الدولارات، وإن لم تتركه الشائعات وشأنه في هذا العمل الجليل ~~أيضا. # وقالت المجلة إن مرحلة جديدة بدأت في ms35 حياته عندما تحررت مصر من ~~السيطرة السوفياتية في السبعينيات، فنقل نشاطه إلى ميدان السلاح الذي ~~يحقق العاملون فيه دائما أرباحا خيالية، وأصبح من كبار مورديه، ~~مما كان له الفضل في الانتصار الذي حققته حرب أكتوبر. إلا أن ~~الثمار الرئيسية لهذه الحرب الناشئة عن الارتفاع الصاروخي لأسعار ~~البترول في أعقابها، لم تسقط في يده، وهو ما يطمح الآن لتحقيقه بزواج ~~ابنته، بعد أن فشل في إدراكه من خلال زيجته الثالثة التي لم تعمر ~~طويلا. # وبالرغم من أن «الدكتور» لم يتوقف عن توريد الأسلحة للحروب ~~المحدودة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وأعلن في أكثر من مرة عزمه على ~~تشكيل فرقة قوية من المرتزقة مستعدة لخدمة من يدفع الثمن؛ فإنه أصبح من ~~دعاة السلام، وعمل بنشاط في استيراد السلع الغذائية والسيارات ~~والطائرات، مستفيدا من سياسة الانفتاح. # وفي هذا الصدد استشهدت المجلة بالقول السائر في العالم العربي: «إذا ~~لم يكن ل «الدكتور» إصبع في إحدى الصفقات، كان له بالتأكيد نصيب في ~~عائدها». # واستطردت تقول إن الأمر لا يخلو أحيانا من بعض القصص الطريفة، مثل ~~قصة المليون بدلة من مخلفات الحرب الفيتنامية التي تبرع بها الجيش ~~الأمريكي للفلاحين المعدمين في مصر، فوجدت طريقها إلى مخازنه حيث ~~باعها بدوره لعدد من التجار مقابل ستة ملايين من الجنيهات. # واختتمت المجلة مقالها قائلة: «إن أحدا لا يملك إلا الإعجاب بحيوية ~~الملياردير العربي ونشاطه، ولا شك أن هذه الحيوية التي برزت في العقد ~~الأخير، وطبعته بطابعها، مازال أمامها وقت طويل قبل أن تذوي، رغم الثمن ~~الذي وضعه الإرهابيون لرأسه بعد ما تردد عن تعاونه مع الشركات ~~الإسرائيلية. وإذا كانت سنه الآن تجعله في حاجة إلى وسائل اصطناعية ~~وكيماوية، أكثر من مجرد شد جلد الوجه، تعينه على القيام بواجباته ~~العائلية أثناء زياراته لقصوره العديدة المتناثرة في أرجاء العالم ~~العربي، فإنه لا يحتاج إلى شيء في صفقاته المالية والعمليات السياسية ~~التي يشارك فيها من وراء ستار. ومهما قيل بشأن مبادئه الأخلاقية فإن ~~أحدا لا يستطيع أن ينكر أن «الدكتور» وأمثاله يحملون مشعل ms36 التقدم ~~والسلام والاستقرار للمنطقة التي طال بها التخبط في ظل ~~التطرف.» # نقلت المقال كاملا إلى كراسي، واستغرق مني ذلك عدة ساعات، عدت ~~أثرها إلى منزلي راضيا، فعكفت من فوري على تفريغه في بطاقات مستقلة، ~~وإضافة بعض أجزائه إلى البطاقات القديمة حسب موضوعاتها. # وما إن انتهيت من ذلك حتى شعرت بأني قد استكملت استعداداتي، ولم يعد ~~أمامي ما يحول دون البدء في المرحلة الثانية من البحث. # كنت أميل إلى أن أجعل من سيرته العمود الفقري لعملي، فأبدأ بالأسرة ~~التي ولد فيها وظروف طفولته، ثم أنتقل إلى مرحلة التلمذة والمراهقة، ~~ومنها إلى نشاطه الوطني، ثم مراحل صعوده التي يمكن حصرها بين ثلاث حروب ~~متتابعة؛ هي العدوان الثلاثي عام 1956م، والعدوان الإسرائيلي عام ~~1967م، وأخيرا حرب أكتوبر عام 1973م، منتهيا بالذروة التي يحتلها ~~الآن على نطاق العالم العربي. # لكني لم ألبث أن تبينت الثغرات التي يمتلئ بها هذا المنهج؛ ~~فالمعلومات المتوفرة لدي عن المراحل الأولى من حياته قليلة للغاية، ~~ولست أعرف حتى الآن ما إذا كان تلقيبه ب «الدكتور» يرجع إلى شهادة ~~علمية حصل عليها بالفعل. كما أن التقسيم نفسه تقليدي ليس فيه شيء من ~~ابتكار أو تفرد، وأهم من هذا كله أنه يضعني وجها لوجه أمام سؤال ~~يتعين الإجابة عليه وهو: وماذا بعد الذروة؟ وواضح للجميع العلاقة ~~الوثيقة بين السؤال وأحد المعاني التي أعطاها العرب لمصطلح اللمعان؛ ~~وهو تحرك الجنين في الأحشاء، فضلا عن خطورة الإجابة ذاتها منذ كان ~~التكهن بمصيره - بعد كل هذه المعايشة والدراسة - أمرا غير ~~عسير. # وكنت غارقا في التفكير حتى إني لم أشعر بحلول الظلام. وعندما ~~تنبهت إلى ذلك أضأت المصباح الكهربائي المثبت إلى مكتبي، وعندئذ ~~دق جرس الباب. # وقد سبق أن ذكرت أني أقطن الطابق السابع، وأشرت إلى أن المنزل بلا ~~مصعد. فرغم أن القانون يحتم على مالك المنزل الذي يزيد عدد طوابقه عن ~~خمسة أن يزوده بمصعد، فإن مالك منزلي تمكن من التحايل على القانون ~~بسهولة شديدة؛ إذ بنى الطابقين الأخيرين إلى الداخل قليلا، وعندما ~~لم ms37 يعد من السهل رؤيتهما من الطريق، اطمأن القانون وسكت، رغم ما ~~تقدمنا به نحن السكان من شكاوى عديدة إلى الجهات المختصة. # المهم أن هذا الوضع لم يكن يشجع أحدا على زيارتي، وهو أمر لم ~~يكن يزعجني، بل على العكس كان مبعث راحة بالغة وخاصة في الآونة ~~الأخيرة بحكم انشغالي الشديد. وإذا ما فعل أحدهم فإنه يضطر بالطبع إلى ~~ارتقاء الدرج، وعندما يبلغ الطابق الأخير تكون خطواته قد أبطأت من ~~التعب، وازداد وقع أقدامه ثقلا. وبسبب رقة الجدران - الناشئة عن ~~محاولة أخرى من محاولات المالك للتحايل على قواعد البناء المحددة في ~~القانون - أتمكن من سماع خطواته بوضوح وأنا جالس إلى مكتبي، من قبل ~~أن يدق الجرس. # والحق أن أذني التقطتا وقع الأقدام من فترة، لكن الأمر لم ينتقل إلى ~~وعيي لأني كنت غارقا في التفكير، فلم أنتبه إلى كثرة عددها؛ ولهذا ~~السبب كانت دهشتي بالغة عندما فتحت الباب ووجدت ذلك العدد من الرجال ~~والسيدات الذين احتشدوا فوق الفسحة الضيقة الواقعة أمام مسكني. # كان الدرج غارقا في الظلام؛ لأن المالك منع عنه النور الكهربائي، في ~~محاولة للضغط على السكان كي يسحبوا شكاويهم؛ ولهذا السبب لم أتبين ~~وجوه الزائرين من الوهلة الأولى. وما لبثت دهشتي أن تضاعفت بعد لحظات ~~عندما تعرفت فيهم على أعضاء اللجنة التي مثلت أمامها منذ ما يقرب من ~~عام. # دق قلبي في عنف وأنا أتنحى عن الباب قائلا في اضطراب: «تفضلوا ~~... تفضلوا ... لم أكن أتوقع ... لم أكن أطمع ...» # وهذا حقيقي؛ فلم أتصور أبدا أن اللجنة يمكن أن تزورني في منزلي، ~~بل إني في الفترة الأخيرة، بسبب انغماسي في العمل، نسيت وجودها ~~تقريبا، ونسيت حتى الغرض الأصلي من الدراسة التي انهمكت في ~~إعدادها. # لم ينتظر أعضاء اللجنة دعوة ثانية، ودلفوا إلى مسكني الصغير، ~~فانتشروا في أرجائه على الفور، يتأملون محتوياته، ويلقون بنظراتهم ~~خلف قطع الأثاث وتحتها. واهتمت العانس وزميلتها العجوز بمحتويات ~~المطبخ الذي يواجه المدخل، بينما أحاط اثنان من العسكريين الثلاثة ذوي ~~الرتب الرفيعة بثلاجة كهربائية قوية لدي من إنتاج ms38 الصناعة المصرية ~~في الستينيات ، وجعلا يقارنان بينها وبين الثلاجات الحديثة ~~المستوردة. # أغلقت الباب ووقفت حائرا عاجزا عن الفهم. بحثت بينهم عن رئيسهم ~~الذي لا يرى جيدا ويسمع بأذن واحدة فقط فلم أجده. واستنتجت أنه إما لم ~~يأت معهم أصلا أو عجز عن صعود الدرج بسبب سنه. ولاحظت وجود الرجل ~~القصير القبيح الوجه، وزميله الأشقر ذي العينين الملونتين. وكما ~~حدث في المرة السابقة لم أتمكن من إحصاء عددهم من جراء عجزي عن ~~التركيز، وانشغالي بإيجاد تفسير للزيارة غير المتوقعة. # قلت بصوت جاهدت أن أجعله مرتفعا ثابتا: «هل أعد شايا أم ~~قهوة؟» # لم يرد علي أحد فلزمت الصمت، ورأيتهم يتجمعون أمام صفوف الكتب ~~التي وضعتها بنظام على أرض الممر المؤدي إلى غرفة نومي ويقلبون ~~بينها. ووجدتها فرصة نادرة - لم ~~أتعمدها - يتبينون منها سعة اطلاعي، خاصة وأن الكتب في لغات ~~متعددة، وفروع متباينة. # انفصل الرجل القصير فجأة عن الجميع واتجه برفقة زميله الأشقر في ~~خطوات سريعة إلى الغرفة الداخلية التي أعمل وأنام بها، فهرعت ~~خلفهما. # كانت هناك أكوام من الكتب والصحف والمجلات في كل مكان، لكنهما ~~تجاهلاها، ووجها اهتمامهما إلى المائدة الصغيرة التي أستخدمها في ~~الكتابة. وكان سطحها مكتظا ببعض الملفات والصحف في جانب، وكوم من ~~الكتب يعلوها أحد المعاجم في جانب آخر، بينما استقر الكراس الذي ~~كنت أعمل به في الوسط وإلى جواره البطاقات التي فرغت لتوي من ملئها، ~~وصندوق الأحذية الذي اصطفت به بقية البطاقات في نظام كنت فخورا ~~به. # دار القصير حول المائدة وجلس فوق مقعدها، وانكب على البطاقات ~~يفحصها باهتمام وهو لا يخفي انفعاله. أما زميله فقد وقف يقلب في ~~الملفات والصحف دون أن يشي وجهه بتعبير ما. # تكلم الأخير فجأة وهو يستخرج قطعة كبيرة من الورق المقوى من ~~بين الملفات، فقال: «ما هذا؟» # كان يشير إلى عدد من الصور المنتزعة من المجلات المصورة، ألصقتها ~~في براعة فوق قطعة الورق حتى بدت وكأنها صورة واحدة يتصدرها الرئيس ~~الأمريكي كارتر، معطيا وجهه لنا وهو ينظر فوق رءوسنا، بما يتفق مع ms39 ~~منصبه من جلال، وإلى جواره مباشرة صورة صغيرة الحجم للغاية لرئيس ~~الوزراء الإسرائيلي بيجين، وقد استبدلت سرواله الطويل بآخر صغير لأحد ~~التلاميذ، فبدا الاثنان كما لو كانا أبا وابنه. وفي نصف دائرة أمامهما ~~ألصقت مجموعة من صور أبرز الشخصيات في العالم العربي، من رؤساء وملوك ~~وقادة ومفكرين ورجال أعمال، راكعين في وضع الصلاة وقد أعطوا ~~مؤخراتهم لنا. # ابتسمت مجيبا: «إنها هواية أمارسها بين الحين والآخر، فأنا أقص صور ~~الأشخاص المعروفين من المجلات وأعيد لصقها على الورق المقوى بعد أن ~~أختار لها الأوضاع التي تناسبها، وأضيف إليها صورا أخرى في أوضاع ~~مكملة، إلى أن أحصل على لوحة متكاملة.» # ظل يتأمل اللوحة باستغراب، فأضفت بعد لحظة: «كما تعلمون، فإن ~~هناك مدرسة فنية كاملة تستند في عملها على أساس مشابه. وللوهلة ~~الأولى يبدو الأمر بسيطا للغاية، لكن الوصول إلى نتائج قيمة يتطلب ~~النجاح في إيجاد ارتباطات تجمع بين الطرافة والجدة من ناحية، والعمق ~~الفكري من ناحية أخرى.» # لم يفه بشيء، وإنما وضع اللوحة على جانب كأنما يريد العودة إليها ~~فيما بعد، واستأنف البحث بين أوراقي. # أما القصير فخاطبني دون أن يرفع بصره لحظة عن البطاقات التي كان ~~يفرزها في عناية: «لم نكن نتصور أنك جمعت هذا القدر من المعلومات. ~~إنه أمر يثير الإعجاب حقا، بقدر ما يدعو للأسف.» # لم يدهشني معرفة اللجنة بما أفعل، ولا استخدام القصير للغة العربية ~~في حديثه؛ لأني كنت متأكدا من إجادة أعضاء اللجنة لها. لكني انزعجت ~~لكلمته كثيرا، وانتظرت في قلق أن يوضح ما يعنيه. # رفع إلي عينيه فاكتشفت لأول مرة أن بهما حولا منفرا زاد ~~خلقته قبحا على قبح، ومضى يقول: «كنا نظن أن العقبات التي صادفتك ~~ستصرفك إلى موضوع آخر. والواقع أننا كنا نتمنى ذلك لأننا ... لأن هناك ~~بين الأعضاء الموقرين من يعلق آمالا كبيرة عليك.» # غاض الدم من وجهي، وتعلقت عيناي بعينيه القبيحتين، بينما استطرد ~~وهو يتخلى عن البطاقات، ويتراجع بكرسيه إلى الوراء: «يمكنك أن تقرر ~~لنفسك الآن ما إذا كنت ستستمر في هذا الموضوع ms40 أو تنتقل إلى غيره ؛ فنحن ~~لا نقسر أحدا على شيء.» # قلت بانفعال: «بعد كل هذا الوقت؟! لقد أوشك العام على ~~الانصرام!» # قال بحزم: «هذه نقطة غير مهمة؛ فبوسع اللجنة أن تعطيك من الوقت ما ~~تحتاج إليه.» # ضممت يدي وضغطتهما في عنف وأنا أقول في صوت متوسل، متغلبا على ~~كراهيتي له التي كان هو مبعثها: «لكني قطعت شوطا طويلا وقاربت على ~~الانتهاء.» # قال أحد العسكريين الذي دخل الحجرة أثناء الحوار واستمع إلى شطر منه: ~~«ولم تفكر في مغزى ما تقوم به ونتائجه؟» # قلت مدافعا عن نفسي: «لقد قمت ببحث رائده الموضوعية الشديدة. ولم ~~أعن بغير الحقائق المؤكدة والتعليلات العلمية. وقد انتهيت تقريبا ~~من جمع المعلومات الضرورية وترتيبها، ولم يعد أمامي سوى استخلاص ~~مدلولاتها، والربط بينها في تحليل كامل متسق.» # قال القصير في حدة: «وهذا بالضبط ما حفزنا إلى الحضور لتوجيه ~~النصح إليك.» # كان بقية أعضاء اللجنة قد أخذوا يتوافدون، فجلست السيدتان على حافة ~~الفراش، وبجانبهما أحد العسكريين، واستقر عسكري آخر على مقعد ~~بمسندين إلى جواره، وانضم الثالث وبعض الأعضاء إلى العضو الأشقر عند ~~المائدة، واستند آخرون إلى مسندي المقعد وخزانة الملابس وباب الغرفة. ~~وقدم إليهم القصير بعض البطاقات، لاحظت بينها تلك المستقاة من المجلة ~~الأمريكية، فتناقلوها بينهم في صمت، ثم جعلوا يتطلعون إلي وقد ~~أحاطوا بي في شبه حلقة. # توجهت إليه بالحديث مستعطفا: «لقد اخترت شخصية «الدكتور» بعد ~~تفكير وتمحيص طويلين؛ فانتقاء ألمع الشخصيات في العالم العربي أمر ~~بالغ الصعوبة بحكم تعدد البلاد وانتشار التعليم وتنوع وسائل ~~الدعاية وكثرتها وبالتالي ...» # قاطعني القصير في غضب: «وبالتالي وجود كثير من الشخصيات اللامعة، ها ~~أنت تعترف بالأمر.» # أجبته في حماس: «لكننا لن نجد من هو ألمع وأكثر حضورا في كل مكان ~~بالعالم العربي. ويكفي أن فكرة الوحدة العربية ترتبط باسمه هو بالذات ~~ارتباطا وثيقا؛ فهو من دعاتها الأولين، كما هو معروف، لكن ما يجهله ~~كثيرون، وما أثبته بالوثائق، أنه أيضا من أبرز دعاتها والمؤمنين بها ~~في هذا العقد الذي انحسرت فيه الدعوة. والمثير في ms41 الأمر أن الوحدة التي ~~لم تتحقق في فترة صعود الدعوة إليها، قد تحققت الآن في فترة ~~انحسارها، وهو ما لا يتبدى للرائي من الوهلة الأولى عندما يجابه ~~بالاختلافات والمنازعات السائدة بين الأنظمة المختلفة. لكنه إذا ما ~~تمعن الأمر، وجد تحت السطح الخداع وحدة متينة لم نعهد مثلها قبل ~~الآن، يرجع إليه الفضل في تحقيقها، وهي وحدة السلع الأجنبية المستخدمة ~~من الكافة. # وأؤكد مرة أخرى أن الوثائق التي جمعتها قد أثبتت علاقته الوثيقة ~~بكافة الأحداث المصيرية التي تعرضت لها أمتنا طوال الأعوام الثلاثين ~~الماضية. واليوم تتجمع في يده - أكثر من أي يوم سابق، أو أي شخص آخر ~~- الخيوط الأساسية لمستقبلها. # ويكفي للتدليل على ذلك أنه هو الذي توسط لدى الشركات العالمية ~~العملاقة من أجل إمداد أمتنا بأحدث الأجهزة والابتكارات التي وصلتنا ~~بحضارة العصر، بدءا من حقائب «السامسونايت» والترانزستورات إلى ~~الإلكترونات وطائرات الجامبو، ومن معاجين الأسنان والحلاقة إلى ~~معطرات الفروج وعقاقير الفحولة. وفي هذا الإطار أوجد مجالا واسعا ~~للكفاءات من العلماء وأساتذة الجامعات وخبراء التخطيط الذين عنت ~~الأنظمة العربية بإعداد مئات منهم، ثم حالت بينهم وبين استثمار مواهبهم ~~بصورة تعود عليهم وعلى أمتهم بالنفع. # على أن هناك جوانب أخرى للموضوع، أرجو أن يتسع صدركم لسماعها؛ فقد ~~استهوتني شخصية «الدكتور» لأني وجدت في تناولها مجالات متعددة للبحث ~~تكشف لكم عن مواهبي المتنوعة من ناحية، وتعطي للدراسة نفسها أبعادا ~~مختلفة تغنيها وتضفي المزيد على أهميتها، من ناحية أخرى. # ولقد كنت أفكر في هذه النقطة بالذات عند تشريفكم لي، وقدرت أن ~~المنهاج التقليدي في التناول، الذي يقوم على تتبع تطور السيرة ~~الشخصية، يجب أن يستبدل بمنهاج آخر يتألف من عدة مباحث في فروع ~~مختلفة من العلوم. # فهناك مبحث هام في علم الجمال عن العلاقة بين الوطنية المتطرفة ~~وخلع الأشجار، يتصل به بحث آخر في الاقتصاد عن دور البيع والشراء في ~~حياة الأمم والأفراد، وثالث في علم الأخلاق حول اندثار الأمانة والصدق ~~والشرف، ورابع في السيكولوجيا عن عوامل القلق التي تدفع العباقرة ~~والرواد إلى التنقل بين ms42 ميادين النشاط، وهي دراسة قد تؤدي إلى ~~اكتشافات هامة بالنسبة لطفولة «الدكتور» وظروف رضاعته. # وثمة مبحث خامس في علوم السياسة والإدارة حول فن صياغة وعي الجماهير، ~~وتوحيد معتقداتها وأذواقها، ثم استبدال هذه المعتقدات والأذواق بغيرها، ~~بين الحين والآخر، في سهولة ويسر. # وإنه ليسعدني أن أعلن بكل فخر أني قد عثرت على قصائد رقيقة مجهولة ~~من نظمه، وإشارات متناثرة إلى آرائه في المسرح والسينما والغناء، تصلح ~~أساسا لدراسة مبدعة في آداب العصر وفنونه. # ويتصل بذلك مبحث مستقل عن التطور الذي لحق باللغة العربية ويتمثل ~~في اختفاء كلمات معينة، وظهور كلمات جديدة، بعضها منحوتات فذة ليست ~~لها سابقة؛ مثل «التهليب» و«التطنيش»، والبعض الآخر اشتقاقات مبتكرة من ~~كلمات مألوفة مثل «التنويع» و«التطبيع» و«التحريك». # وقد أوحى لي ما يتميز به «الدكتور» من مرونة في التفكير، وقدرة على ~~تعديل المواقف والآراء التي يثبت خطؤها، أو يتعذر تحقيقها، ببحث فريد ~~في علوم التربية وبناء الشخصية. وبسبب ما أعلقه من أهمية خاصة على ~~هذا البحث أرجو أن تسمحوا لي بشيء من الاستطراد في هذه النقطة بالذات ~~لأقدم إلى حضراتكم مثالا لما أعنيه، مستمدا من وقائع المقابلة ~~الأولى التي تشرفت بها في مقركم، وأقصد بذلك حديثي المستفيض بشأن ~~الكوكا-كولا. # فهذه الزجاجة، كما تعلمون حضراتكم، دخلت بلادنا في أواخر الأربعينيات ~~وأوائل الخمسينيات، في ظل حملة إعلانية هائلة سهلت من انتشارها حتى ~~بلغت أقاصي القرى والنجوع، وصار اسمها على كل لسان، لكنها لم تلبث أن ~~بدأت في التراجع بعد الثورة. وقد تبينت أن «الدكتور» كان - مع عوامل ~~أخرى - مسئولا عن هذا التراجع؛ ذلك أنه شارك في محاولة لمنافستها ~~بشراب محلي كتب لها النجاح إلى حين. # أما الضربة القاصمة فجاءت في بداية الستينيات عندما اكتشفت أجهزة ~~المقاطعة العربية أن الشركة الأمريكية أعطت حق التعبئة للإسرائيليين. ~~وترتب على هذا أن وضعت الكوكا-كولا في القائمة السوداء ومنعت من ~~دخول البلاد العربية، فأصبح السوق خاليا أمام «الدكتور». # إلا أن الأحوال لا تثبت على حال كما تعلمون؛ فمن ناحية فشل مشروع ~~«الدكتور» لأسباب عديدة لا ms43 محل لسردها الآن، ومن ناحية أخرى لم تعد ~~للمقاطعة المذكورة - بين ليلة وضحاها - من ضرورة. وكان «الدكتور» ~~مبادرا، في الوقت المناسب، على الربط بين الأمرين. وسبق بجهوده من ~~أجل إزالة العقبات والحواجز التي فصلت طويلا بين الشراب المنعش وعشاقه ~~من المصريين. وكافأته الشركة على جهوده بأن منحته امتياز التعبئة في ~~زجاجة وطنية. # ولعلكم توافقونني، أيها السادة والسيدات، على أن هذا الإجراء من جانب ~~الكوكا-كولا هو - من أحد نواحيه - بمثابة شهادة بارزة في حق «الدكتور»، ~~بالنظر إلى أن الشركة الأم لا تعطي هذا الامتياز إلا لألمع الناس في كل ~~بلد. # وأرجو المعذرة إذا كانت هذه النقطة ذكرتني بمجال آخر واسع، تفتحه ~~سيرة «الدكتور» أمام الباحث الطموح، وأقصد بذلك حياته الجنسية التي ~~اتسمت بنشاط غير عادي؛ فمثل هذا النشاط قد تكون له أوجه متباينة ~~للغاية. فمن خصوبة زائدة يمكن دراسة أسبابها للاستفادة منها وتعميمها، ~~إلى محاولة دائمة لنفي ميول لوطية كامنة، أو بحث عن الأم تمخض عما ~~يتجلى في سلوكه الاقتصادي بوضوح من قلق دائم، ورغبة جارفة في ~~الانتماء.» # شعرت أن حلقي جف فتوقفت عن الكلام، وتأملت وجوههم لأتبين أثر ~~حديثي، لكن ستارا كثيفا من الجمود كان يغطيها. # بللت شفتي بلساني، ثم استجمعت قوتي في محاولة أخيرة، فانطلقت ~~أقول: «وأحب أن أصارحكم، أيها السيدات والسادة، بشيء آخر له أهمية ~~خاصة؛ فقد كشفت لي الدراسة التي قمت بها عن عديد من العلاقات ~~والارتباطات الخفية بين مجموعة من الظواهر المتنوعة والغريبة. وأعتقد ~~أني قادر، في وقت قريب للغاية، على أن أميط اللثام عن بعض الألغاز ~~والفوازير التي حيرت الكثيرين حتى الآن.» # بدا عليهم الاهتمام فجأة، فأضفت في صوت حاولت أن أضمنه كل ما أملك ~~من رقة ولطف: «إني واثق أنكم من السماحة وسعة الصدر بحيث تتيحون لي ~~مواصلة العمل الذي بدأته.» # تكلم الرجل الأشقر في لهجة صارمة: «نحن لا نرغمك على شيء، فأنت حر ~~في الأمر.» # وتطلع إلى ساعة يده وهو يفكر بعمق، ثم أضاف: «سننصرف الآن؛ فلا ~~يمكننا البقاء أكثر من ذلك، وسيبقى ms44 رفيقنا (وأشار إلى زميله القصير) ~~معك إلى أن تنتهي إلى قرار.» # مد يده فتناول لوحة الرئيس كارتر، وجمع الرجل القصير البطاقات التي ~~تضم مقال المجلة الأمريكية، والكراس الأصلي الذي نقلت عنه، وقدمها ~~إلى زميله الأشقر فأخذها في صمت، ولم أجرؤ على الاعتراض. # اتجه الأشقر إلى باب الغرفة، وتبعه بقية الأعضاء، بينما ظل ~~القصير جالسا إلى مكتبي. وعندما أردت مرافقتهم أشار لي أن أبقى في ~~مكاني. # قلت محتجا: «أخشى أن يتعثروا في الظلام؛ فالدرج بلا نور، كما ~~لعلك لاحظت، وبوسعي أن أعاونهم بمشعلي الكهربائي.» # أجابني في قحة: «معهم مشاعلهم وليسوا في حاجة إلى معاونتك.» # أنصت لوقع أقدامهم فوق الدرج، ولصوت الباب الخارجي عندما أغلقه آخر ~~من خرج منهم، بينما كنت أتأمل الوجه القبيح الذي بقي معي، وقد هبط ~~علي إدراك مفاجئ بأني وقعت أخيرا في يده. # لكني شعرت في نفس الوقت أن المحنة المقبلة - التي سيتوقف عليها ~~مصيري - ستكون فاصلة في شأنه هو الآخر. # | الفصل الرابع # جلست على حافة الفراش، وأشعلت سيجارة بأصابع مرتعشة وأنا أحاول ~~استيعاب التطورات الأخيرة المتلاحقة. وأردت، قبل كل شيء، أن أفهم ~~الوضع الجديد، فقلت للقصير الذي لم يغادر مكانه خلف مكتبي: «إني ~~أرحب بك في مسكني، أنت وبقية أعضاء اللجنة الموقرة، لكن ثمة ما ~~أريد أن أستوضحه، وأعني أن الوصول إلى قرار في هذا الأمر قد يستغرق ~~بعض الوقت.» # أجاب: «خذ من الوقت ما تشاء، لكن المهم أن تصل في النهاية إلى ~~قرار.» # قلت في رقة بالغة: «ربما تطلب ذلك عدة أيام.» # قال بحسم: «يجب أن تفهم جيدا أني باق هنا إلى أن تحزم أمرك، ولو ~~بعد عام. والأفضل لك - بالطبع - أن تتمكن من ذلك في أقرب ~~وقت.» # ران علينا الصمت بضع لحظات، تمعنت خلالها في كلماته وما تحمل من ~~مدلولات، إلى أن استأنف الحديث: «ليس من حقي أن أتدخل في شأن قرارك، ~~إلا أني على استعداد لمساعدتك بصفة شخصية.» # قلت: «أشكرك على هذه الروح، وما دمت تتحدث عن المساعدة، فماذا ~~تقترح علي؟» # قال : «لقد عرضنا ms45 عليك استبدال شخصية «الدكتور» بغيرها، لكن اللجنة لن ~~تعارض في أية بدائل أخرى، فلعلك تجد صيغة ملائمة تسمح لك بمواصلة ~~العمل في نفس الموضوع.» # لاح لي بصيص من الأمل، فهتفت: «ليس عندي مانع، فكيف أفعل ~~إذن؟» # أجابني في لهجة اشتممت منها شيئا من التشفي: «هذا شأنك. ~~فكر.» # لكني عجزت عن التفكير رغم ما بذلت من مجهود. واشتد إحساسي بجفاف ~~حلقي، فبلعت ريقي عدة مرات، وأخيرا عرضت عليه أن نشرب شايا. # قال في شيء من السخرية: «إذا كان الشاي سيساعدك على التفكير؛ فلا ~~مانع لدي.» # نهضت واقفا وغادرت الحجرة، فترك مقعده وتبعني. اجتزت الردهة وهو ~~ورائي إلى أن بلغت المطبخ، ووقف في مدخله يرقبني وأنا أملأ الغلاية من ~~الصنبور، وأضعها فوق موقد الغاز ثم أشعله. # ولم أدرك الموقف تماما إلا عندما أردت التبول، فغادرت المطبخ ~~وعدت أدراجي في الردهة نحو الغرفة الداخلية التي يقع الحمام إلى ~~جوارها، فما إن دخلت الحمام واستدرت أغلق الباب حتى وجدته قد لحق ~~بي، ودفع الباب جانبا ليحول دون إغلاقه، ثم وقف في مدخل الحمام، ~~قريبا مني، إلى أن فرغت من أمري. # قلت وأنا أتقدم من الحوض وأفتح الصنبور: «أتظن أني سأهرب ~~منك؟» # أجاب بقحة: «لا شأن لك بما أظنه.» # غسلت يدي ووجهي، ثم جففتهما، وعدت إلى المطبخ وهو في ~~أعقابي. # صنعت الشاي وصببته، ثم ناولته كوبه، وحملت كوبي، وتقدمته من تلقاء ~~نفسي إلى الغرفة الداخلية. # رأيته يتجه إلى مكتبي، فاستوقفته قائلا: «أريد أن أطلب منك ~~معروفا.» # قال بحذر: «ما هو؟» # قلت: «أن تجلس في هذا المقعد وتترك لي مكاني عند المكتب.» # تأملني لحظة، ثم طاف بعينيه في أرجاء الغرفة، إلى أن استقرتا ~~على المقعد ذي المسندين، فتفحصه بإمعان، كأنما يبحث عن سر خفي ~~لطلبي، أو خازوق ما، وأخيرا هز كتفيه وقال: «لا بأس.» # احتللت مكاني المفضل عند ~~المكتب، فأصبح الجدار - وهو الجدار الأخير للمسكن كله - من خلفي، ~~والباب من أمامي. ولم أكن أشعر - عادة - بالطمأنينة إلا في هذا ~~الوضع. # ولما كان المقعد ذو المسندين بجوار ms46 الباب، بينه وبين الفراش؛ فقد ~~صار القصير في مواجهتي مباشرة، وهو ما جعلني أندم في الحال على السعي ~~وراء طمأنينة واهمة. # قدمت إليه سيجارة فقال إنه لا يدخن حفاظا على صحته. وأسرعت ~~بإشعال سيجارتي، وقد خفت أن يفرض علي مراعاة موقفه من التدخين، لكنه ~~انشغل عني بتأمل لوحة المرأة العارية المعلقة فوق رأسي. # قلت معقبا على اهتمامه: «إنها لمحمود سعيد كما لعلك حزرت. ولا ~~يقتصر جمالها على روعة الألوان وإحكام التكوين؛ فلعلك لاحظت الغموض ~~الذي يتجلى في نظرة العينين ووضع اليدين. وفي رأيي أنها تحمل قدرا ~~منه يماثل ذلك الذي تحمله لوحة الموناليزا الشهيرة.» # ظهرت على وجهه لأول مرة ابتسامة ملتوية، وفوجئت به يغمز لي بإحدى ~~عينيه قائلا: «هل لديك صور أخرى من هذا النوع؟» # أجبت: «فهمت ما تقصده. للأسف إني لست من المغرمين بالصور العارية، ~~وإنما أفضل الكتب الإباحية، ولدي مجموعة من هذه الكتب إذا أحببت أن ~~تلقي عليها نظرة.» # قال: «فيما بعد؛ فأمامنا وقت كاف فيما يبدو، إلا أني لا أفهم وجه ~~اعتراضك على الصور العارية.» # قلت: «لأنها لا تقدم إلا لحظة ثابتة، لا تكشف عن أية أعماق. أما ~~الكتاب فيلقي شيئا من الضوء على السلوك الإنساني؛ فمهما بلغ الكاتب ~~من تبذل وسوقية وإغراق في الخيال، فإنه مضطر لأن ينهل من تجاربه ~~الواقعية، وهو سيكشف - شاء أم لم يشأ - عن جانب من اللاوعي الإنساني ~~بحكم كشفه عن لا وعيه هو. والنتيجة في النهاية يمكن أن تكون مصدر ~~معرفة، بقدر ما هي، بالتأكيد، مبعث متعة.» # لم تبد عليه الرغبة في متابعة الجدل؛ إذ تشاغل بارتشاف الشاي في صوت ~~مزعج، وهو ينقل البصر بين الكتب والأسطوانات الموسيقية التي ملأت عدة ~~رفوف معلقة خلفي، ووجدت في ذلك فرصة لمحاولة ترتيب الأفكار التي ~~كانت تصطخب في رأسي. # هالني أن أبدأ البحث من جديد، بفرض أني وجدت الشخصية التي يمكن أن ~~تحل محل «الدكتور»؛ أي تتوفر فيها الخصائص التي جعلت منه ألمع شخصية ~~عربية معاصرة، وتستحوذ في الوقت نفسه على جل اهتمامي، وشغفي. ms47 # وما أدراني أنهم - بفرض أني عثرت على شخصية أخرى - لن يزوروني بعد ~~عدة أشهر ليطلبوا مني استبدالها من جديد؟ # عجبت لتمسكي بالدكتور، كأنما سحرتني شخصيته، أو صار وجودي مرتبطا ~~بوجوده. وإذ أوليت الأمر الآن كل تفكيري، رأيت أنني - من خلال الظواهر ~~الغامضة التي صادفتني أثناء البحث في أمره، والمعلومات الغريبة التي ~~جمعتها وسهلت لي إدراك أشياء كثيرة أعياني فهمها من قبل - قد وجدت ~~أخيرا معنى للحياة لست مستعدا لأن أفقده؛ كي لا أعود إلى ذلك ~~الخواء المؤلم الذي كنت أعيش فيه. وهل يتخلى الغريق عن قطعة الخشب ~~التي يمكن أن تؤدي به إلى النجاة؟ # لم يعد أمامي إذن سوى أن أقصر تفكيري على السبيل الذي ألمح إليه ~~ضيفي منذ قليل. # على أنه كان ثمة مغزى لاقتراحه، وللتطورات الأخيرة برمتها لم ~~يفتني إدراكه؛ فحرية الحركة والمناورة التي أتيحت لي حتى الآن، ~~ومكنتني من الإفلات من الشباك المنصوبة، قد تقلصت للغاية حتى أوشكت ~~أن تنعدم تماما. # وضايقتني هذه الفكرة للغاية، حتى إني عجزت عن مواصلة التفكير، ~~فقررت أن أؤجل الأمر إلى الصباح؛ إذ ما زالت عادتي أن ألتمس في ~~النوم مهربا. # قلت للقصير بعد قليل: «الوقت تأخر، ولعلك تود أن تأكل ~~شيئا.» # قال: «كلا؛ فقد تناولت عشائي قبل مجيئي. يمكن أن تأكل أنت إذا ~~شئت.» # قلت: «صدت نفسي؛ فقد استولى علي التعب، وأريد الآن أن أنام، ~~فأين تود أن أعد لك فراشك؟» # سألني بدوره وهو يشير إلى الفراش: «أليس هذا سريرك؟» # أجبت: «أجل. بوسعي أن أعد لك فراشا آخر في الصالة، أو تنام أنت ~~هنا، وأنام أنا في الصالة.» # قال في حسم: «لا هذا ولا ذاك، سأنام بجوارك على هذا السرير.» # انزعجت للغاية من قوله؛ فلم أكن قد نسيت بعد ما جرى لي في المقابلة ~~الأولى مع اللجنة. وتأملته فوجدته قويا مدكوكا رغم كهولته، لا ~~قبل لي بمقاومته، أو الاشتباك معه. # واكتشفت أنه أحضر معه حقيبة «سامسونايت»، فتحها الآن وأخرج منها ~~حافظة جلدية لأدوات الزينة، ومنشفة وخفا من القماش. وحرص أثناء ~~ذلك ms48 على ألا يمكنني من رؤية محتويات الحقيبة إلى أن أغلقها. وانتظر ~~حتى رآني أتقدم إلى الحمام فألقى بمنشفته على كتفه وتبعني. # باشرت بغسل أسناني، بينما أخرج هو من حافظته الجلدية فرشاة ~~للأسنان، ومعجونا أجنبيا، وصابونة فرنسية معطرة. وانتهيت من ~~الاغتسال بسرعة، فتركت له الحوض، وانتهزت الفرصة لأتبول وأملأ ~~الأواني البلاستيكية من صنبور حوض الحمام. فلأن المياه لا تصل إلى ~~الطابقين الأخيرين إلا ليلا؛ يتعين علي أن أجمع منها، كل ليلة، ~~ما يكفي للنهار التالي. # وقد شرحت هذا كله للقصير عندما سألني عن حكمة ما أفعل. وأبقيته ~~واقفا في مدخل الحمام ريثما ملأت عدة أوعية، فلاحظ أن مياه الحنفية ~~لا يلبث لونها في الوعاء أن يتحول إلى صفرة داكنة، ثم يميل إلى ~~السواد. وكان هذا أمرا عاديا في نظري، إلا أنه أعرب عن دهشته قائلا ~~إنه لم يسبق له أن رأى مياه الحنفية بهذا اللون. # قلت: «لا بد أنك تستخدم جهازا للتقطير.» # قال مستغربا: «أجل. كيف عرفت؟» # ابتسمت وأنا أغلق الحنفية بعد امتلاء الوعاء الأخير، ثم أجبته: «لقد ~~عرفت أشياء كثيرة في الآونة الأخيرة.» # مضيت إلى المطبخ وهو خلفي، فملأت عدة زجاجات وأواني بالمياه من أجل ~~الشرب والطهي. وأحكمت إغلاق صنبور أنبوبة الغاز. وأوشكت أن أقوم بجولتي ~~المعهودة قبل النوم، التي أغلق فيها النوافذ، وأحكم رتاج الباب ~~الخارجي، لكني تداركت نفسي عندما تبينت أنه ليس ثمة ما أخشاه - هذه ~~الليلة على الأقل - من الخارج. # عدنا أخيرا إلى الغرفة الداخلية، فأخرج من حقيبته منامة حريرية ~~مزركشة. واقترحت عليه أن يستبدل ملابسه في الحمام، أو أغادر الغرفة حتى ~~يفعل. ومن الطبيعي أنه ما كان ليوافق، أما أنا فلم أعبأ بالأمر؛ لأني ~~لا أجد غضاضة في أن أتعرى أمام رجل مثلي، فما بالك إذا كان هذا ~~الرجل على معرفة سابقة بأكثر أجزاء جسمي حميمية؟! # لكني لم أكد أخلع ملابسي الخارجية وأقف أمامه بالقميص والسروال ~~الداخليين، حتى شعرت بالحرج عندما تطلع إلي. ولم أملك أن اختلست ~~النظر إلى فخذيه العاريين، فهالني امتلاء ما بينهما، وقدرت ms49 أنه ~~إما أن يكون مصابا بفتق قديم، تدلت معه أمعاؤه في الخصية، أو أنه ~~قد حوبي، عند خلقه، بشيء من السخاء غير المألوف. # أردت أن أثير موضوع الرقاد من جديد، فقلت في انفعال مفاجئ: «ربما تحب ~~أن تقرأ قبل النوم؛ وفي هذه الحالة لا بد أن ينام كل منا في حجرة لأن ~~النور يزعجني، وأريد أن أنام على الفور.» # قال بهدوء: «لا تقلق. لن أقرأ شيئا؛ فأنا أيضا أريد أن أنام ~~الآن.» # تقدمت من الفراش بخطى متثاقلة، وسمعته يطلب مني بنفس الصوت الهادئ ~~أن أسبقه داخل الفراش كي يرقد هو على طرفه الخارجي، فانصعت لرغبته، ~~واستلقيت على ظهري إلى جوار الحائط. وما لبث أن انضم إلي بعد أن ~~أطفأ النور. # وغني عن القول أن النوم لم يجد إلى جفوني سبيلا؛ فرغم حاجتي الشديدة ~~إليه في نهاية يوم مرهق، وأساسا كي أنهض منتعشا في الصباح، قادرا ~~على تدبر المعضلة التي تواجهني، فإن جهلي بمدى ما يمكن أن يذهب إليه ~~جاري في الفراش، نبه كل حواسي، وبالأخص أذني. # وفي البداية غطى وقع الدقات السريعة لقلبي على أصوات الليل ~~المعهودة. وعندما هدأت قليلا تبينت حشرجة المواسير، وصياح جاري في ~~أطفاله، وصرير إناء يوضع تحت الحنفية في المسكن الذي تحتي، ونباح ~~الكلاب في شوارع الحي. # والغريب أن هذه الأصوات التي طالما أثارت حنقي، وحرمتني من النوم، ~~غدت الليلة مصدر طمأنينة، وخففت من توتر أعصابي. # إلا أني لم ألبث أن انتفضت عندما دوت طلقات الرصاص في سكون الليل ~~معلنة بدء الحملة على الكلاب. # وكنت أعرف أغلب هذه الكلاب، وأرى أجسادها الهزيلة بالنهار، في شوارع ~~الحي وعند أقمام الزبالة. كانت جبانة، لا تملك القوة على إيذاء أحد، ~~وكل ما تملكه هو عقيرتها التي ترفعها بدون مناسبة، وخاصة بعد أن يهجع ~~الناس. # ويبدو أن هذا النباح الذي تتضخم أبعاده في هدأة الليل، قد آذى مسامع ~~أحد الشخصيات اللامعة من سكان الحي، فاستأجر من يتصيدها. وأصبح ~~النباح يختلط في أغلب الليالي بطلقات الرصاص، ثم يتباعد تدريجيا إلى ~~أن ms50 يتلاشى. # وفي اليوم التالي أو الذي بعده، يعود النباح إلى سابق عهده، كأن ~~شيئا لم يكن، فتدوي طلقات الرصاص من جديد. # لم يأبه جاري لطلقات الرصاص، وظل راقدا على ظهره في سكون. وحبست ~~أنفاسي عندما تحرك فجأة، وانقلب على جانبه الأيسر، بحيث صار وجهه ~~ناحيتي. # أتتني رائحته المعطرة فملأتني بالتقزز. وخيل إلي من انتظام ~~تنفسه بعد قليل أنه استغرق في النوم، فاستدرت على جانبي الأيمن بحيث ~~واجهته. وتطلعت إلى وجهه في الظلام. # كانت عيناي قد ألفتا غياب الضوء، فأمكنني أن أتبين موقع عينيه، ~~وفوجئت بهما مفتوحتان، ترمقاني في انتباه. # أغلقت عيني على الفور وتظاهرت بالنوم وأنا أراقبه من تحت أجفان نصف ~~مغلقة. # بدرت حركة من يده، فحبست أنفاسي في هلع وقد تبادر إلى ذهني أنه ~~سيلمسني، لكنه لم يفعل. وترددت أنفاسه في انتظام. وخيل إلي أنه ~~أغلق عينيه، لكني لم أستسلم للأوهام؛ فربما كان يفعل مثلي ويرقبني من ~~بين جفونه. # تعذر علي النوم، خاصة بعد أن فرضت مشكلتي نفسها على فكري. وعندما ~~حاولت الهرب منها بالتفكير في شيء غيرها؛ فتحت بابا طالما جاهدت في ~~إغلاقه، وكأنما كانت الصور والذكريات تنتظر خارجه، فسرعان ما تدافعت ~~داخل رأسي. ولم تلبث أن تراءت لي بجلاء نقاط ضعفي وسوءاتي. وتضخم ~~إحساسي بتفاهة شأني، وباللحظات التي سمحت لنفسي فيها أن أكون أضحوكة ~~للآخرين، وألعوبة في أيديهم، وبالطرقات الجانبية التي لم أمنع نفسي من ~~الانقياد إليها، وبالمتع الصغيرة التي استسلمت لها، وتركتها تتحكم ~~في. # وما عتمت هذه الأمور ذاتها أن بدت محل شك؛ إذ جرفتني موجة مألوفة ~~منه، ألقت ظلالها على مناحي حياتي وأهدافها. ولم تسلم من ذلك المتع ~~الجنسية التي تحتل مكانا بارزا من وجداني؛ فعندما استدعيت - في ~~محاولة مستميتة للخلاص - ما يخزنه عقلي من صور واقعية ورؤى خالية، ~~طالما بعثت الدماء في عروقي؛ ألفيتني غير مبال، عازفا عن كل وعد ~~بالبهجة. # ويبدو أني غفوت قليلا قرب الفجر، وأني تقلبت بحيث أعطيته ظهري؛ ~~فقد تنبهت فجأة على ارتطام شيء صلب بفخذي. # اعتدلت فوق ظهري على ms51 الفور وتطلعت نحوه، فرأيته في ضوء الفجر ~~الخفيف يرمقني بعينين يقظتين، لكنه كان بعيدا عني بمسافة كافية، ~~مما دفعني إلى الظن بأني كنت أحلم، وهو ما يعطيكم صورة عن الهواجس ~~التي كانت تعتمل في داخلي. # ومن الطبيعي أني لم أتمكن من النوم بعد ذلك، وعندما تسللت أشعة ~~الشمس إلى الحجرة قررت القيام، وسبقني هو فغادرنا الفراش سويا. ~~ومضينا إلى الحمام، فتبولنا واغتسلنا. # ورأيته يستخرج أدوات الحلاقة من حافظته الجلدية، فقررت أن أحلق ~~بدوري؛ سعيا وراء شيء من الانتعاش، ولأشغل نفسي حتى ينتهي؛ فقد كنت ~~واثقا أنه لن يدعني أغادر الحمام قبل ذلك. # وقفنا متجاورين أمام المرآة المعلقة فوق الحوض. ورفعت إليها ~~عينين حمراوين دامعتين، فالتقتا باثنتين تفيضان حيوية ونشاطا، ~~كأنما نعمتا بالنوم طوال الليل. وطالعتني فيهما نظرة ثابتة حرت في ~~تفسيرها؛ بسبب حولهما في الغالب، فاضطربت آلة الحلاقة في يدي؛ مما ~~تمخض عن جرح خفيف أسفل ذقني. # وكان ذلك قمينا بأن يرسل القشعريرة في جسدي؛ لأني لم أكن أحتمل ~~مشهد الدماء أو فكرة الألم. لكني رأيتني أتأمل جرحي، وخيط الدماء ~~الذي انسال منه، بمشاعر أقرب ما تكون إلى الفضول. # نبهني رفيقي من استغراقي في تأمل دمائي بأن قدم إلي من ~~حافظته الجلدية زجاجة صغيرة للمياه العطرية؛ كي أعالج بها الجرح. ~~لكني اعتذرت شاكرا، ووضعت رأسي كله تحت الصنبور، وتركت المياه القليلة ~~التي سالت منه تغسل الجرح وتكتمه. # عدنا إلى الغرفة بعد أن جففت رأسي، وألصقت قطعة صغيرة من القطن ~~بمكان الجرح، فاستبدلنا ملابسنا، وبينما اكتفيت بقميص وبنطلون، ارتدى ~~هو ملابسه الكاملة، ولم ينس أن يعقد رباط عنقه. # انتقلنا إلى المطبخ، فصنعت الشاي، ولم أجد في الثلاجة سوى ثلاث ~~بيضات، وضعتها على النار في قليل من المياه، بعد أن استطلعت رغبة ضيفي ~~في هذا الشأن، وأخرجت أيضا قطعة من الجبن، وأخرى من الحلاوة ~~الطحينية، وقدرا من الزيتون الأسود. # جلسنا أخيرا، متواجهين، إلى مائدة الطعام، بعد أن قدمت إليه ~~بيضتين من الثلاث المسلوقة، وخصصت نفسي بالثالثة، ولم يعلق بشيء ~~على هذا التوزيع ms52 غير المتكافئ، وإنما أقبل على الطعام في شهية بالغة، ~~بينما أكلت في غير حماس. # فرغنا من الأكل سريعا، فصببت الشاي، والتقطت الصحف التي ألقى بها ~~البائع - كالعادة - أسفل باب المسكن، فأعطيته واحدة، واحتفظت ~~بأخرى. # وكنت قد درجت في الفترة الأخيرة على الجمع بين أربع عمليات في آن ~~واحد؛ وهي تناول الشاي، وتدخين أول سيجارة، وقراءة صحف اليوم، وقضاء ~~الحاجة. وقد تكونت هذه العادة عندما بدأت بحثي عن «الدكتور»؛ إذ كنت ~~مضطرا إلى اختصار الفترة بين نهوضي من النوم، ومغادرتي المنزل؛ لأقضي ~~أكبر وقت ممكن في دور الصحف والمجلات التي كنت أتردد على مكتباتها. ~~إلا أن جذور هذه العادة ترجع إلى شعور داخلي بالمكان الملائم لقراءة ~~صحفنا القومية. وككل عادة، أصبحت تحتل ركنا هاما من حياتي النفسية ~~اليومية، بحيث إن التخلي عنها، أو عن جانب منها، يهدد اليوم كله، ~~على الفور، بالتلف. # ولم أجد ما يمنعني من الجري على عادتي في هذا اليوم، خاصة وأني كنت ~~في أشد الحاجة إلى كل ذرة من قواي الروحية، بالإضافة إلى ما يتيحه لي ~~ذلك من الانفراد بنفسي بعض الوقت، فوضعت علبتي السجائر والثقاب في ~~جيبي، والصحيفة تحت إبطي، وحملت كوب الشاي في يدي، ومضيت إلى ~~الحمام. # توقعت أن يتبعني كالعادة، وهذا ما فعله، فأسندت كوب الشاي إلى حافة ~~الحوض، وواجهته موضحا ما أنتويه، وما يترتب عليه من ضرورة إغلاق ~~الباب. # تطلع إلي مستهزئا: «هل نسيت أني رأيت مؤخرتك العارية في وضع ~~أقل وقارا من قضاء الحاجة؟!» # قلت: «لم أنس، لكن العادة جرت أن ينفرد الإنسان بنفسه في هذه ~~الأمور؛ فهذه لحظة خاصة جدا.» # قال بشراسة: «إن من يتصدى للأمور العامة يفقد حقه في كل ~~خصوصية.» # أيقنت بعبث المحاولة، فأنزلت بنطلوني، واستويت فوق الحلقة ~~البلاستيكية لمقعد الحمام، ووقف هو في فرجة الباب يتأملني. # تناولت كوب الشاي وأخذت منه رشفتين، ثم وضعته على الأرض بجوار قدمي، ~~وأخرجت سيجارة فأشعلتها، ثم بسطت الصحيفة وبدأت بالعناوين ~~الرئيسية. # لكن الانسجام الصباحي المألوف لم يتحقق؛ فلم أجد مذاقا للشاي أو ms53 ~~السيجارة، ولم أتمكن من التركيز في القراءة، والأهم من ذلك كله أن ~~أمعائي لم تتحرك. # وما إن يئست من جدوى الاستمرار في مكاني، حتى نهضت واقفا وأنا أجذب ~~سروالي إلى أعلى بسرعة، وخطوت نحو الغرفة شاعرا بضيق وإحباط شديدين. ~~وجلست إلى مكتبي، بينما احتل هو المقعد ذي المسندين. # أشعلت سيجارة جديدة، ومددت يدي إلى البطاقات المصفوفة في صندوق ~~الأحذية، وجعلت أقلب بينها وأنا أشعر بعيني القصير على ~~وجهي. # كان علي أن أجد وسيلة لمواصلة البحث الذي بدأته، ترضى عنها ~~اللجنة وتباركها، فهل يتحقق ذلك باستبعاد جوانب معينة من سيرة ~~«الدكتور»؟ أم بالاقتصار على ناحية بعينها من نواحي شخصيته الغنية؟ وأي ~~ناحية منها؟ أم أن الأمر يتطلب التخلي تماما عن المنهاج المبتكر ~~الذي عرضته على اللجنة، والأخذ بالمنهج التقليدي الذي يتتبع مراحل ~~الحياة؟ # وكلما أمعنت التفكير استولى علي القنوط؛ فالمنهج التقليدي حافل ~~بأخطار بالغة، أشرت إليها في حينها، وتجلى لي من ناحية أخرى، الترابط ~~بين جوانب كل من سيرته وشخصيته بحيث يصعب تناول أحدها بمعزل عن ~~الأخرى. # فكيف يمكن الحديث عن ثرائه دون الإشارة إلى مصدره. وعندئذ لن يكون ~~بوسعي تجاهل الحقائق المتعلقة بهذا الشأن، وإلا أكون قد أخللت ~~بالمبدأ الأساسي الذي بلوره بلزاك في عبارته الشهيرة: «خلف كل ثروة ~~كبيرة، جريمة كبيرة.» وأصبحت من بعده ديدنا لكافة الباحثين ~~المعاصرين. # ولا يمكنني بالمثل أن أتجاهل ضعة أصله، أو دوره الوطني وعلاقته ~~بالثورة، أو دعوته للوحدة العربية والاشتراكية، ونشاطه الاقتصادي ~~المتشعب، أو عمالته للشركات الأجنبية، والجوائز الدولية التي فاز بها ~~في هذا المضمار، ولا طمعه في أموال بترول الخليج، التي تذهب إلى ~~أصحابها الحقيقيين في أوروبا والولايات المتحدة عن طريق وسطاء غيره. ~~فماذا يتبقى منه لو فعلت؟ # خاطبني القصير بغتة في لهجة ودية، ظاهرها عدم المبالاة: «بالمناسبة، ~~لقد سمعتك أمس تتحدث عن اكتشافات هامة توصلت إليها من خلال دراستك ~~عن «الدكتور». وإن لم تخني ذاكرتي فإنك قلت إنك قادر على إماطة اللثام ~~عن ألغاز كثيرة، فماذا كنت تعني؟» # شعرت بالخطر ؛ فحاولت التهرب ms54 من الإجابة. # قلت مهونا: «الواقع أني لم أتوصل بعد إلى شيء. وما أردت أن ~~أقوله - ولعل التعبير خانني - هو أني مقبل على فهم العلاقة بين عديد ~~من الظواهر المتفرقة.» # قال: «مثل؟» # فكرت قليلا، ثم قلت: «الظواهر كثيرة لا حصر لها، بحيث يصعب انتقاء ~~إحداها. خذ مثلا انتشار أمراض الاكتئاب النفسي والعنة الجنسية وفتور ~~الهمة، أو التعصب الديني، أو انقراض السيجارة المصرية، أو عودة ~~«الكوكاكولا». أينما تطلعت ستجد ما تشاء من ظواهر.» # وابتسمت ثم أضفت: «إن «الدكتور» نفسه يمدنا بواحدة من أكثر الظواهر ~~إثارة وغموضا؛ وأعني بذلك وجود كثيرين على شاكلته في كافة البلاد ~~العربية، رغم اختلاف الأنظمة والشعارات والحكام.» # تجاهل إشارتي إلى «الدكتور» وهز رأسه في ازدراء: «وأين هي العلاقة ~~المزعومة بين هذه الظواهر؟» # أجبت بمكر: «لم أقل إني تبينتها؛ فأنا ما زلت في بداية ~~البحث.» # قال وهو يضغط على مخارج الحروف: «أرى أنك تجري وراء سراب، وتتصور ~~أمورا لا وجود لها؛ فكيف يؤدي بحث عادي كالذي تتولاه إلى كل هذه ~~الأمور؟!» # خبطت بيدي على سطح المكتب وقلت: «هذا ما أردده لنفسي طوال الوقت، ~~بلا فائدة .. ما رأيك في فنجان من القهوة؟ # بوغت بتغيير مجرى الحديث، لكنه لم يلبث أن قال: «لا مانع.» # ثم تطلع إلى ساعته واستدرك: «الأفضل ألا أشرب؛ فقد قاربنا موعد ~~الغداء.» # نهضت واقفا وأنا أقول في حماس: «للأسف فإني لم أكن أتوقع هذه ~~الزيارة؛ ولهذا لم آخذ أهبتي لها. صحيح أن لدي قدرا كافيا من ~~الأرز، كما أن الثلاجة - فيما أظن - تحوي نصف دجاجة على الأقل، إلا أنه ~~من الضروري - بالطبع - إعداد أصناف أخرى؛ حساء مثلا، وصنف من اللحم أو ~~السمك، وآخر من الخضراوات، فضلا عن الفواكه والحلوى. هكذا ترى أنه من ~~الضروري أن أذهب - أقصد نذهب - إلى السوق.» # قال وهو يتقدمني نحو المطبخ: «لا ضرورة لذلك، سنكتفي بما ~~لديك.» # أتيت بحركة من كتفي، كأنما أخلي نفسي من المسئولية. وأخرجت نصف ~~الدجاجة من الثلاجة فوضعتها في قليل من المياه ليزول تجمدها. وأشعلت ~~الموقد أسفل قدر آخر ms55 من المياه، ثم نظفت الأرز من الشوائب، وأضفت ~~إليه المياه الساخنة بعد أن أخذت منها ما يكفي لإعداد فنجان واحد من ~~القهوة، كنت في أمس الحاجة إليه. # غسلت الأرز جيدا في المياه الساخنة، ثم نقلته إلى وعاء آخر، وأضفت ~~إليه السمن والملح، ووضعته فوق النار. وعدت إلى الثلاجة فأخذت منها ~~بضع حبات من الطماطم والخيار والفلفل الأخضر. وجذبت درج أدوات المطبخ ~~الذي يقع أسفل الموقد، بحثا عن سكين نظيفة؛ فلم أجد به غير سكين اللحم ~~الكبيرة، ذات الشفرة الماضية. أعدت الدرج مكانه وتناولت رشفتين من ~~القهوة. وكان رفيقي قد وقف في مدخل المطبخ، موزعا اهتمامه بين ~~مراقبتي وتأمل عناوين الكتب التي تبدأ صفوفها من أمام المطبخ وتمتد ~~حتى الحمام، فطلبت منه أن يصب لي الماء كي أغسل سكينا صغيرة. # قال وهو يفعل، مومئا إلى أقرب كوب من الكتب: «أنت إذن من عشاق ~~الروايات البوليسية؟» # قلت: «فعلا.» # قال: «لكني لا أرى لديك رواية واحدة من روايات آجاثا ~~كريستي.» # قلت وأنا أجفف السكين، وأشرع في تقطيع الخضر: «الواقع أني لا أميل ~~إلا إلى صنف معين من الروايات البوليسية، وهي تلك التي تقوم على ~~الحركة والفعل. وأكثرها قربا إلي هي التي يقوم فيها البطل بمطاردة ~~المجرمين ورجال العصابات، متحملا في ذلك كل عنت، وفي أغلب الأحيان ~~دفاعا عن أحد الضعفاء والعاجزين، وفي مواجهة المجتمع وطبقاته ~~السائدة.» # قال ساخرا: «عندك ميول إنسانية.» # قلت وأنا أرتشف من القهوة: «أبدا. إن موقفي - في رأي البعض - يعتبر ~~ارتدادا إلى فترة المراهقة. وفي رأي البعض الآخر مجرد دليل على ~~استمرار الطفل في كل إنسان. لكني أعتقد أن الأمر أكبر من ذلك. إن ~~الإقبال على قراءة هذا النوع من الروايات يعكس العجز عن فعل ما هو ~~صائب، ويتفق مع الرغبة الطبيعية المشروعة لدى كل إنسان في أن ينال ~~الشرير عقابه، وأن ينتصر الحق.» # واستطردت بعد لحظة: «ثم إن هذه الروايات لا تتطلب مجهودا ذهنيا ~~من القارئ؛ لأنها تقوم على الحركة. وليس معنى هذا أن روايات آجاثا ~~كريستي تتميز بمستوى ms56 فكري عال؛ فهي تقوم على ألغاز ساذجة من نسج ~~الخيال، لا يجدر بالمرء أن يبدد طاقاته العقلية في متابعتها، بينما ~~يحفل الواقع ذاته بألغاز حقيقية يحتاج الاهتمام بها إلى كل ملكات ~~الإنسان.» # قال بلهجة استفزازية: «عدنا إلى حديث الألغاز الغامضة والظواهر ~~الغريبة. لقد بدأت أشك في سلامة قواك العقلية.» # أدركت أنه يجذبني من قدمي، لكني لم أملك نفسي من الانفعال، فلوحت ~~بالسكين في اتجاه الصنبور وأنا أقول: «أنت تسخر مني، لكن ما قولك في ~~المياه السوداء التي تخرج من هذا الصنبور؟ أليست لغزا ~~حقيقيا؟!» # قال بهدوء: «وماذا أيضا؟» # اندفعت في تهور: «الألغاز كثيرة إن شئت. خذ مثلا موقف «الدكتور» ~~من مشكلة الحرب والسلم؛ ففي بعض الأحاديث الصحفية القليلة التي أجريت ~~معه وصف الحرب بأنها السبيل الوحيدة لاستعادة الحقوق المغتصبة، بينما ~~أكد في أحاديث أخرى أن السلام هو السبيل الوحيدة لذلك.» # قاطعني متسائلا: «وما التناقض بين الأمرين؟» # قلت: «التناقض هو أنه في الحالة الأولى - عندما يتحدث عن الحرب - ~~تجده يعمل بنشاط في مشروعات تحتاج، أول ما تحتاج، إلى السلام. وفي ~~الحالة الثانية - عندما يتحدث عن السلام - تجده منهمكا في تأليف جيش ~~من المرتزقة يقدمه لمن يدفع الثمن.» # توقفت لأطمئن على الأرز، وأخفض النار من تحته، ثم غسلت نصف الدجاجة ~~وأعددت المقلاة لها. # استطردت: «إليك لغزا ثالثا إذا لم يكفك ما ذكرت؛ إن التعليمات ~~المرفقة بالأدوية الأجنبية المباعة في بلادنا توصي باستخدام جرعات أكبر ~~من تلك التي توصي بها المرضى في بلادها الأصلية. فلماذا؟» # وضعت ملعقتين من السمن في المقلاة، وألقيت بنصف الدجاجة فيها بعد أن ~~ابتعدت قليلا إلى الوراء كي لا يصيبني الطشاش الساخن. # قلت وما زلت في أوج حماسي: «بماذا تفسر أن الخريطة المعلقة في ~~الكنيست الإسرائيلي تقف بحدود إسرائيل المقترحة عند شاطئ النيل الشرقي، ~~بينما يعلم الإسرائيليون أن أجدادهم هم الذين بنوا الأهرامات، الواقعة ~~على الشاطئ الغربي للنيل؟» # لم يعبأ بمجادلتي، وكان مهتما أكثر بأن يستمع إلي، كأنما يتركني ~~أمد الحبل الذي سأشنق به نفسي. وقد تنبهت فجأة إلى ms57 ذلك عندما تراءى ~~شيء من الاستمتاع في إحدى عينيه، فلجأت إلى تغيير موضوع الحديث، ~~منتهزا فرصة وضع الطعام على المائدة. # قلت وأنا أجلس في مواجهته: «لعلك لاحظت وجود مجموعة من روايات الكاتب ~~البلجيكي جورج سيمنون لدي. والواقع أني مغرم به وببطله المفتش ~~ميجريه. ورغم أن رواياته لا تقوم على الحركة، وهي أقرب إلى روايات ~~الألغاز، إلا أنها تتفوق على آجاثا كريستي؛ بما تتميز به من عمق ~~سيكولوجي وبعد اجتماعي. وهي تثبت أن كثيرا من النزعات المناقضة ~~لسلوك المرء العادي تختزن في العقل الباطن. وفي لحظة معينة من ~~تراكم هذه المخزونات، يحدث شيء مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، ~~فيصدر عن المرء فعل مناقض تماما لكل ما قام به من قبل، ويصبح الإنسان ~~المسالم الذي لم يرتكب في حياته عملا واحدا من أعمال العنف، قادرا ~~على ارتكاب أبشع جرائم القتل العمد.» # لم يعلق بشيء، وانهمك بكليته في الأكل بشهيته المعهودة. وجعلت ~~أرقبه في صمت وهو يمسك فخذ الدجاجة بقبضة قوية، ويرفعه إلى فمه بيد ~~ثابتة، ثم ينهش لحمه في استمتاع، ويلوكه بين أسنانه قبل أن يطحنه في ~~تأن وإحكام، مركزا في الأمر جل اهتمامه. # وخطر لي أن ما أفتقده في حياتي، هو بالضبط هذه الطريقة في الأكل، ~~النابعة من إقبال على الحياة، وعدم التردد في مواجهة أخطارها، ~~والإصرار على قهرها. # فرغنا من الطعام، فرفعت الصحاف، وألقيت بها في حوض المطبخ. ثم ~~مضينا إلى الحمام، فاغتسلنا. ولجأنا بعد ذلك إلى الحجرة الداخلية، ~~فاستقر كل منا في مكانه. # أشعلت سيجارة، وما إن أخذت منها نفسين حتى استولى علي الخمول ~~المألوف الذي أشعر به عادة بعد الأكل، وأحسست أن الإجهاد قد بلغ بي ~~مداه، وأني في حاجة ملحة إلى إغفاءة قصيرة. # قلت له: «ألا ترغب في شيء من الراحة؟ أنا أنام عادة بعض الوقت عقب ~~الغداء.» # أجابني في بطء: «ليس من عادتي أن أنام أثناء النهار. أما أنت فلا ~~أظن أنك تملك إضاعة الوقت في النوم.» # أدركت ما يعنيه، فوجهت اهتمامي إلى صندوق البطاقات، ms58 وأخذت أقلب ~~بينها، دون أن تعي عيناي الملتهبتان شيئا مما سطر فوقها. # أما هو فقد استرخى في مقعده باطمئنان، وثبت عينيه على السقف، في ~~نقطة فوق رأسي، ثم استغرق في أفكاره تماما، فبدا كأنما استحال ~~تمثالا. # شعرت بثقل رأسي، فأملته قليلا إلى الأمام، وكان الإغراء لا يقاوم، ~~فأغمضت عيني، وإذا به يخاطبني فجأة في لهجة ملحة: «هل لك أن ~~ترافقني إلى الخارج لحظة؟» # رأيته قد نهض واقفا في توتر، فغادرت مقعدي مدهوشا، وقد تسارعت ~~دقات قلبي، وتبعته إلى الخارج، فولج الحمام قائلا: «أرجوك ألا ~~تتحرك من هنا حتى أنتهي.» # ترك الباب مفتوحا بحيث أظل في مجال بصره، واستقر على الحلقة ~~البلاستيكية بعد أن جذب سرواله إلى أسفل. أعطيته ظهري، ووقفت أتأمل ~~الكتب المصفوفة في الممر، وكنت قد اشتريت أغلبها أثناء التحضير ~~لمقابلتي الأولى مع اللجنة، ورتبتها حسب موضوعاتها، فخصصت جانبا ~~للدراسات الاقتصادية والسياسية، تضمن بعض الأبحاث النادرة عن المصالح ~~الأجنبية في الوطن العربي، ودراسة متميزة عن العسكرية في بلدان ~~العالم الثالث. وقد احتوت الدراسة الأخيرة على فصل شيق عن جذور ~~السادية الواضحة في سلوك قادة هذا العالم، يمكن أن يلقي ضوءا على ~~تعطش الزعماء العرب للدماء. # وأفردت ركنا لأهم الأعمال الأدبية الجادة على مر الزمن، ضم كثيرا ~~من الأسماء؛ ابتداء من شكسبير وبوشكين وسيرفانتيس، حتى جارسيا ماركيز ~~ونجيب محفوظ. # وفي مكان بارز جمعت كل ما يتعلق بسير بعض الشخصيات العالمية، ~~التي وضعت بأفكارها وممارساتها وتضحياتها المثل العامة للمسعى ~~الإنساني؛ مثل النبي محمد، وأبي ذر الغفاري، وأبي سعيد الجنابي، وابن ~~رشد، والمعري، وكارل ماركس، وفرويد، ولينين، وجمال الدين الأفغاني، ~~وطه حسين، ومدام كوري، وألبرت شفايتزر، وفوتشيك، وهو شي منه، وكاسترو، ~~وجيفارا، ولومومبا، وبن بركة، وبن بلا، وفرج الله الحلو، وشهدي عطية، ~~وجمال عبد الناصر. # استغرقت في تأمل هذه الأسماء حتى تنبهت على صوت معدني حاد، ~~فالتفت خلفي برغمي لأراه واقفا في وضع غريب؛ إذ تجمع بنطلونه عند ~~قدميه، وتعرى سائر جسده، بينما انحنى ليلتقط مسدسا ضخما أسود ~~اللون استقر على الأرض. ms59 # رفع المسدس في حركة سريعة وأودعه بين فخذيه، ثم جذب بنطلونه إلى ~~أعلى وهو يختلس نظرة في اتجاهي، لكني حولت وجهي عنه في اللحظة ~~المناسبة. # أدركت - وقلبي يخفق بشدة - سر الانبعاج الذي لاحظته من قبل بين ~~فخذيه؛ ومعنى هذا أني لم أكن أحلم عندما تخيلت في الفجر اصطدام جسم ~~صلب بفخذي. وأوشكت أن أبتسم عندما رأيت أني - من خوفي - قد عكست الآية ~~الفرويدية المعروفة، التي يعد فيها المسدس رمزا لعضو ~~الذكورة. # وما إن زال أثر الجانب الفكه من الأمر حتى عاودني الإحساس بالخطر، ~~ولازمني هذا الإحساس ونحن نعود إلى الحجرة ونأخذ مكانينا ~~المتواجهين. # وخطر لي فجأة ما جعلني أحبس أنفاسي. # ماذا لو رفضت؟ # ماذا يحدث لو أعلنت له عدم استعدادي للتخلي عن البحث، أو تعديله، ~~وعزمي على استكماله، والوصول به إلى نهايته الطبيعية مع قبولي لما ~~سيؤدي إليه هذا من ضياع كل فرصي أمام اللجنة؟ # ووجدت أن هذا الخاطر أراحني للغاية، كأنما أزاح عن صدري عبئا ~~ثقيلا. وتطلعت إليه وأنا أتمعن الأمر، فخيل إلي أنه أدرك اتجاه ~~تفكيري؛ لأنه ابتسم فجأة ساخرا. # أثارت هذه الابتسامة قلقي، وجعلتني أتساءل: أيعقل أن يكون الأمر ~~بهذه البساطة؟ أنت حر توافق أو ترفض. وإذا رفضت قال: «حسنا، أنت ~~وشأنك، سأتركك الآن، ولا أظن أننا سنلتقي مرة أخرى. وداعا.» وعندئذ ~~أرافقه إلى الباب الخارجي قائلا: «صحبتك السلامة.» وتنتهي ~~الحكاية. # إذن ما ضرورة المسدس؟ # أدركت دقة موقفي - لأول مرة - بجلاء تام. فأشعلت سيجارة جديدة وأنا ~~أحاول السيطرة على ارتعاش يدي. # أغمضت عيني، واستعرضت تاريخي. تراءت لي المثل التي آمنت بها في ~~صباي، ثم أسقطت منها تدريجيا ما اتضحت سذاجته وعدم واقعيته، محتفظا ~~بأكثرها أهمية وقيمة، وما يتفق منها مع طبيعتي وإمكانياتي، مستميتا ~~في عدم التنازل عنها، ممزقا بين الضغوط، مجاهدا في إعادة تقويمها ~~كل حين، وتطويرها مع التغيرات المتلاحقة في عالم اليوم، متجنبا ~~المزالق والمنحنيات قدر الإمكان، متعرضا - في سبيل ذلك - لكثير من ~~الأضرار وما لا يحصى من الأخطار. # وتمثلت ما آلت إليه حياتي قبل أن ms60 أتقدم إلى اللجنة، وما لحق بي ~~من مهانة على يدها. ولم أنس - من ناحية أخرى - أن البحث الذي كلفتني ~~به قد أعطى لحياتي شيئا من المعنى، بعد طول خواء. # فتحت عيني، فوجدته ينظر إلي. # تضاحكت قائلا بصوت جاهدت أن أجعله عاديا: «ما رأيك في فنجان قهوة؟ ~~إن الخمول يكاد يصرعني.» # قال: «كما تشاء.» # انطلقنا إلى المطبخ، وألقيت نظرة في الطريق على مرآة صغيرة معلقة ~~فوق حائط الممر، فألفيت عيني في لون الدم. # سألته عندما بلغنا المطبخ: «هل تمانع في أن نشربها تركية هذه ~~المرة؟» # لم يعن بالرد وانشغل بتأمل محتويات «مكتبة الممر»، كما ~~أسميها، فاعتبرت موقفه بمثابة القبول. # أخذت «كنكة» متوسطة الحجم من أحد الرفوف وعدت أسأله: «كيف ~~تفضلها؟» # أجاب: «قليلة السكر.» # وتناول أقرب الكتب إليه، فأخذ يقلب صفحاته دون أن يغفل عني. # لم أجد ملعقة صغيرة فوق رخامة الحوض، فجذبت درج أدوات المطبخ، ~~وعندئذ وقعت عيناي على سكين اللحم الكبيرة، ذات الشفرة اللامعة والرأس ~~المدببة. # قفز قلبي بين ضلوعي، فتمالكت نفسي، وتناولت الملعقة التي أريدها، ثم ~~أعدت الدرج إلى مكانه. # وضعت السكر والبن في الكنكة، ثم ملأتها بالماء، وقلبت الخليط ~~جيدا، ووضعتها فوق عين الموقد الصغيرة بعد أن أشعلتها. # غسلت الملعقة وجففتها بتأن، ثم فتحت الدرج، وألقيت بالملعقة إلى ~~جوار السكين، متأملا حافتها الماضية. وأعدت الدرج إلى مكانه ببطء ~~دون أن أرفع عيني عن السكين، وحرصت ألا أغلقه تماما. # وقفت أمام الكنكة حتى بدأت التيارات تتدافع في جوانبها، وتتجمع ~~صاعدة إلى أن بلغت درجة الغليان، فانفجرت من عقالها، وأوشكت أن تجتاح ~~الحافة، وتسيل من فوقها. # أبعدتها بسرعة عن النار، وأطفأت الموقد، ثم وضعت فنجانين بالقرب ~~منها. # وكنت أشعر - لأول مرة منذ زمن بعيد - بفيض من القوة والراحة يسري في ~~أطرافي، ويجتاح كل كياني. # | الفصل الخامس # في هذه المرة كانت اللجنة مجتمعة عندما وصلت في موعدي، وأدخلني ~~الحارس العجوز على الفور. # وجدت أعضاءها - فيما عدا القصير بطبيعة الحال - يجلسون خلف الطاولة ~~التي وضعت بعرض القاعة، بنفس الترتيب الذي رأيتهم عليه ms61 في المرة ~~السابقة، يتوسطهم العجوز المتهالك، ضعيف السمع والبصر. # ولفت نظري جو الحداد المخيم الذي تجلى في الشارات السوداء ~~المشبوكة في ياقات ستراتهم، وأكاليل الزهور المصفوفة على جانبي ~~القاعة، تحيط بكل منها لفافة من القماش الأسود اللامع، وتعلوها ~~بطاقة عريضة باسم مرسلها، في حروف بارزة. # جعل أعضاء اللجنة يتفرسون في، وهم يقلبون بين أوراق الملفات ~~الموضوعة أمامهم، بينما كنت أطالع في فضول أسماء المعزين، وتبينت ~~في مقدمتها الرئيس الأمريكي كارتر، والسيدة الأولى زوجته، ونائبه ~~والتر مونديل، ومستشاره للأمن القومي برجينسكي. كما قرأت أسماء ~~المستشار السابق كيسنجر، وعددا من الرؤساء السابقين للولايات المتحدة ~~مثل نيكسون وفورد، بالإضافة إلى روكفلر وروتشيلد، ورئيس البنك الدولي ~~ماكنمارا، ومديري البنوك العالمية ورؤساء «الكوكاكولا» وشركات الأسلحة ~~واللبان (العلكة)، والأدوية والسجائر والأجهزة الكهربائية والإلكترونية ~~والبترول، ورؤساء فرنسا وألمانيا الغربية وإنجلترا وبلجيكا وإيطاليا ~~والنمسا، ومرسيدس وبيجو وفيات وبدفورد وبوينج، وإمبراطور ~~اليابان. # ولم أجد صعوبة في العثور على أسماء رئيس الوزراء الإسرائيلي بيجن، ~~ووزيريه دايان ووايزمان، ورؤساء الحكومات العسكرية في تشيلي وتركيا ~~وباكستان وإندونيسيا والفلبين وبوليفيا، ورئيس زائير موبوتو، والملوك ~~والرؤساء العرب، وأفراد أسرة شاه إيران السابق، وماما دوك السيدة ~~الأولى في جزر تاهيتي، ورؤساء الصين الشعبية ورومانيا وكوريا الجنوبية، ~~وقادة الشعب الأسترالي. # وكان ثمة أسماء كثيرة من الشخصيات اللامعة في العالم العربي، من ~~رؤساء للأحزاب القائدة، وكبار المسئولين عن الأمن والإعلام والدفاع ~~والتخطيط والتعمير، وعملاء الشركات الأجنبية، فضلا عن ألمع ~~«الدكاترة»، وبينهم مواطني المعروف. # وإذ وجهت اهتمامي أخيرا إلى أعضاء اللجنة، شعرت أن تغييرا ما لم ~~أتبين كنهه قد طرأ عليهم منذ آخر مرة رأيتهم فيها. وتضاعفت حيرتي ~~وأنا أنقل البصر بينهم، ملتمسا التفسير لما شعرت به؛ فلم تكن ~~الجهامة التي تعلو وجوههم بالأمر الجديد علي. وقد عرفت فيهم - رغم ~~العوينات السوداء على وجوه أغلبهم - نفس الأشخاص الذين التقيت بهم ~~مرتين قبل الآن. # ومع أني فشلت - للمرة الثالثة - في إحصاء عددهم، من جراء عجزي عن ~~التركيز، إلا أني كنت موقنا بأنه لم يزد أو ينقص، اللهم إلا فيما ms62 ~~يتعلق بالقصير، الذي كان مقعده الخالي - إلى جوار العجوز - مجللا ~~بالسواد، بمثل ما كانت صورته المعلقة فوق الجدار؛ إشارة إلى ما ~~انتهى إليه أمره. # ولم أكتشف السر إلا بعد أن تطلعت إلى العانس عدة مرات؛ فقد تبينت ~~أخيرا ما غاب عني في البداية؛ إذ كانت ترتدي الملابس العسكرية ذات ~~الشارات الحمراء الموشاة بالذهب. # ولعل تأخري في هذا الاكتشاف يرجع إلى أني ألفت أن أرى بين أعضاء ~~اللجنة ثلاثة من العسكريين، وقد سجل لا شعوري هذا العدد من اللحظة ~~الأولى، فاكتفيت بذلك، ولم أول اهتماما لأشخاصهم؛ شعورا مني بأنهم ~~جميعا - بسبب ملابسهم - متماثلون. # أما الآن فقد دققت النظر إلى العسكريين الآخرين حتى تأكدت ~~من جنسيتيهما، ومن شخصيتيهما، وبحثت عن الثالث حتى وجدته بعد ~~مشقة بسبب التغير الذي أضفته الملابس المدنية على هيأته. # أثارت هذه الظاهرة فضولي، فانطلق عقلي الذي دربته أحداث العام ~~الأخير على استكناه الألغاز والغوامض، يحاول إيجاد تفسير لها. # كان اعتقادي في السابق أن اللجنة مختلطة؛ أي «مدنعسكرية»، لكن ~~استبدال الملابس بالصورة التي رأيتها اليوم هز هذا الاعتقاد من ~~أساسه؛ فلم يكن يعني سوى أحد أمرين: إما أن اللجنة تتألف كلها من ~~عسكريين يرتدي بعضهم الملابس المدنية أحيانا، أو من مدنيين يرتدي ~~بعضهم الملابس العسكرية أحيانا. # وفي كلتا الحالتين لم يكن ثمة مغزى للاستبدال. حقا إن التخلي عن ~~الملابس يمكن أن يعتبر مؤشرا على انكماش الروح العسكرية في اللجنة، ~~أو تقلصها، وهو الأمل الذي داعبني لحظة خاطفة بالنظر إلى ما اشتهر ~~عن العسكريين من قسوة وإيغال في الدماء، وقوى منه ارتداء العانس لها، ~~طالما أنها - بحكم أنوثتها (رغم إحباطها) - أكثر إنسانية. لكني ~~لم ألبث أن رأيت في الاستبدال - لهذا السبب بالذات - تأكيدا للطابع ~~العسكري بدلا من أن يكون تخفيفا منه. # انتزعني رئيس اللجنة من تأملاتي إذ نطق بصوت رصين شابته رنة أسى، ~~فقال بلغة اللجنة: «نستهل عملنا اليوم بالوقوف لخمس دقائق حدادا على ~~الفقيد.» # أزاح الأعضاء مقاعدهم إلى الخلف ونهضوا واقفين، أما أنا فلم ~~أتحرك من مكاني ؛ لأنني كنت ms63 واقفا؛ فاللجنة لا تسمح لأحد بالجلوس في ~~حضرتها. # رفعت عيني إلى صورة الفقيد المعلقة على الجدار، خلف الرئيس، ~~وثبتهما على عينيه؛ مشاركة مني لأعضاء اللجنة في مشاعرهم، ~~وركزت ذهني طوال الدقائق الخمس التي تتابعت ببطء شديد، في محاولة ~~مخلصة لتذكر الطريقة التي كان يحركهما بها، كل واحدة في اتجاه، ~~أثناء حياته الحافلة. # تنحنح الرئيس عدة مرات كأنه يقوم بشحن البطارية التي سيعمل بها ~~صوته، ثم انطلق يقول - موجها حديثه إلى زملائه، بينما كان يتطلع ~~إلى أكاليل الزهور، كأنما يخاطب في الحقيقة مرسليها: «حضرات الأعضاء ~~الموقرين. هذه إحدى المرات النادرة التي تنعقد فيها لجنتكم لتبحث أمرا ~~يخرج عن مألوف عادتها. وفيما يتعلق بالفقيد فإنها المرة الثالثة التي ~~نجتمع فيها بسببه. وإذا لم تخني الذاكرة فإن المرة الأولى كانت في ~~منتصف الخمسينيات عندما قررنا ضمه إلى اللجنة. وما زلت أذكره كما ~~كان وقتذاك، ممتلئا شبابا وحيوية، أما المرة الأخرى فكانت في العام ~~قبل الماضي، عندما احتفلنا بفوزه بجائزة «النسر الذهبي»؛ تقديرا ~~لجهوده في خدمة أهداف اللجنة. # والواقع أن الفقيد لعب دورا هاما في الإعداد لكثير من التحولات ~~الرائعة التي تحدث حولنا، وفي صياغة الشكل الذي تحققت به. # وبفضل هذا الدور تتفتح اليوم - من جديد - الإمكانيات التي تراءت في ~~الخمسينيات، ثم قبرت في الستينيات وأوائل السبعينيات؛ لتحقيق أحلام ~~البشرية، والقضاء على كافة المخاطر التي تهدد النوع ~~الإنساني. # ونحن نشير بذلك إلى الحلم القديم، وهو حلم الوحدة الأرضية، أو ~~الولايات المتحدة الأرضية، حيث يندمج سكان الكوكب جميعا في دولة ~~متجانسة، تحقق لهم الرخاء، وتنشد لهم الحياة الأفضل. # وهذا يبين عمق الخسارة التي أصبنا بها، وأصيبت بها قضية الحضارة ~~والتقدم، وقضايا الاشتراكية والسلام والديمقراطية.» # توقف لحظة ليترك للحاضرين فرصة تمثل الاستنتاج الذي توصل ~~إليه، ثم استأنف حديثه: «لقد حرصنا في كل أعمالنا على أن نبقى بمنأى ~~عن أي ارتباط مباشر بالأجهزة الرسمية، والسلطات التنفيذية، رغم ~~الشائعات التي طاردتنا، والتي كان لها أساس من الصحة في حالات معدودة، ~~مست المبدأ المذكور، وإن كانت في الحقيقة تدعيما ms64 له. # ونحن نواجه الآن حالة مماثلة أرغمتنا بسبب من خطورتها على أن ~~نتصدى لمعالجتها، فلا يخفى عليكم ما لها من دلالات بالنسبة ~~للمستقبل. # ومما يضاعف من دقة الأمر، ما تتعرضون له من مشقة وعنت، بالنظر ~~إلى أنكم تواجهون الآن، مباشرة، اليدين المضرجتين بدماء أحد ~~زملائكم.» # سرت همهمة غاضبة بين الأعضاء الذين لم يرفعوا عيونهم عني طول الوقت. ~~وألفيت نفسي مدفوعا إلى الكلام. وعلى غير ما توقعت خرج صوتي مهتزا ~~بكلمات غير التي كنت قد أعددتها. # قلت: «أرجو أن يتسع صدركم لي كي أبسط وجهة نظري. وإني واثق أنكم من ~~السماحة والكرم بحيث تسمحون لي أن أتحدث باللغة العربية كي أحسن ~~التعبير عن نفسي، وتأكدوا أني أشارككم الألم لخسارتكم؛ فهي خسارة ~~لنا جميعا.» # خاطبني الأشقر في حدة: «ستتكلم عندما نأذن لك.» # تناول العجوز رشفة ماء من كوب أمامه، ثم استطرد: «لقد وضعت اللجنة ~~نفسها منذ البداية في خدمة الأهداف الثورية، والمبادئ الأخلاقية، ~~والقيم الدينية، وساند أعضاؤها كل ما من شأنه دعم المقومات الأساسية، ~~وتعميق الممارسات الحرة. # وطبيعي أننا أثرنا بذلك حفيظة عناصر الشر والهدم التي لم تأل جهدا ~~في مقاومتنا. وأشير في هذا الصدد إلى ما أثير من ضجة مفتعلة حول ~~الأساليب التي نستخدمها في عملنا، وإلى الاتهامات التي أغدقت علينا، ~~بالسادية حينا، والديماغوجية حينا آخر. # وقد حاولت هذه العناصر دائما أن تربط بيننا وبين الانقلابات ~~السياسية والمذابح الطائفية والحروب الصغيرة الدائرة على قدم وساق في ~~العالم العربي، بل وبعض حالات الانتحار الغامضة، وحوادث متفرقة ~~لأشخاص اختفوا نهائيا دون أن يعثر لهم على أثر، وآخرين سقطوا من ~~أسطح البنايات، أو قتلوا في حوادث عرضية للسيارات. # إلا أن الاعتداء على زميلنا يمثل تطورا بالغ الشأن في هذه ~~المحاولات، الأمر الذي يتطلب منكم اهتماما خاصا. فإذا ما بدت ~~مهمتكم يسيرة لأن المجرم ماثل أمامكم ومقر بما ارتكبه من إثم؛ فإن ~~هذا ليس سوى خداع السطح البراق، وواجبكم هو أن تنفذوا إلى ~~الأعماق.» # بدت على العجوز علامات الإرهاق وهو يتراجع إلى الوراء في مقعده، ms65 ~~كأنما يفسح المجال لزملائه. وكانت العانس العسكرية هي أول من تكلم ~~منهم فخاطبتني قائلة: «يمكنك الآن أن تتكلم.» # كان صوتها رقيقا، لكنه لم يخف ما يكمن بين طياته من صرامة ضاعف ~~منها إشاراتها إلى رد الأشقر علي، بما يتضمن التأييد لحدته. # والواقع أني كنت شديد الانتباه لنظرات العيون، وإيماءات الرءوس، ~~ونبرات الأصوات، وبالاختصار كل بادرة يمكن أن أستشف منها ما ينتظرني من ~~مصير. # وليس معنى ذلك أن الشكوك كانت تساورني بشأنه؛ فقد هيأت نفسي قبل ~~مجيئي لأسوأ الاحتمالات؛ إذ إني لم أنكر شيئا منذ البداية، ولم أحاول ~~تبرير فعلتي. ومن ناحية أخرى فإن الندم لم يساورني؛ إذ غشيتني قناعة ~~بأن ما حدث كان لا بد أن يحدث. # هكذا أعددت دفاعي على صورة اتهام موجه إلى اللجنة، واخترت له كلمات ~~قوية؛ فما دامت النتيجة محتومة، فلا بأس من الاحتفاظ بكرامتي، ومواجهة ~~المحتوم في إباء وشمم. # لكني لم أكد أواجه اللجنة وأستمع لكلمات رئيسها حتى تبخرت صلابتي، ~~وخرج صوتي مهتزا ضعيفا، وأنا الذي خططت له أن يدوي في القاعة ~~ثابتا، شامخا، اتهاميا. # قلت بصوت يذوب رقة، مستخدما لغة اللجنة: «إني أشكر لكم هذه الفرصة ~~التي أتحتموها لي كي أتحدث أمامكم، وأحب أن أؤكد مرة أخرى إدراكي ~~لعمق الخسارة التي حاقت بكم؛ فاللجنة لا تفقد أحد أعضائها كل يوم ~~(وابتسمت بالرغم مني، لكنهم بالطبع لم يشاطروني الابتسام). # وأصدقكم القول بأني عندما جئت اليوم لم أكن أفكر في الدفاع عن ~~نفسي؛ فأنا مقر بما فعلته، وقابل لكافة النتائج المترتبة عليه، ومع ذلك ~~فكلي أمل أن يشفع لي تاريخي وسلامة طويتي والظروف التي أحاطت ~~بي. # وأعتقد أنكم تعرفون جيدا أني لم يسبق أن أقدمت على عمل من أعمال ~~العنف؛ فأنا مجرد إنسان عادي، يؤثر السلامة قدر الإمكان، وتلك ~~الأعمال الجسورة التي يتحدث عنها الآخرون ويتباهون بها، ليست ~~بالنسبة لي غير مادة للقصص والروايات. # وعندما مثلت أمامكم أول مرة لم يكن لي من غرض سوى أن أنال رضاكم؛ إذ ~~تبينت أنه الطريق الوحيد لتطوير مواهبي والبرهنة ms66 عليها، خاصة وأن ~~أفضل أصحاب المواهب قد سبقوني للمثول أمامكم. # وإذا كانت التطورات التي جرت بعد ذلك تعود أساسا إلى شغفي ~~بالمعرفة؛ فإن ما صدر مني في حق زميلكم - أو على الأصح في صدره - لم ~~يكن غير رد فعل طبيعي لإنسان بسيط في حالة دفاع عن النفس.» # قاطعني الرئيس قائلا: «لكنك قررت - عقب الجريمة مباشرة - أنه لم ~~يهاجمك أو يتعرض لك بالأذى.» # قلت: «هذا صحيح، لكنه كان يحمل مسدسا؛ ولهذا فاستخدام العنف ضدي ~~كان واردا منذ البداية. ومن المؤكد أنه لو لم أبادر بالقضاء عليه ~~فإنه ما كان سيتركني في سلام. على أني لا أريد أن أدافع عن موقفي، وما ~~أبغيه هو أن تضعوا في تقديركم حالتي النفسية والعصبية، وكوني لم أنم ~~على الإطلاق أثناء وجوده معي، فضلا عن الحصار الذي فرضه ~~علي.» # انحنى الأشقر إلى الأمام وتطلع إلي بعينين ملونتين قاسيتين، ~~ثم قال: «إذن فأنت تريد أن نقبل صورة البريء السليم النية التي تحاول ~~أن تبيعها لنا؟!» # كان يتعمد في حديثه دائما - كما لاحظت - أن يستخدم التعبيرات ~~المميزة للغة اللجنة، وهي تعبيرات كانت تثير إعجابي. # قلت: «أنا لا أبيع شيئا، رغم أن البيع والشراء هذه الأيام شملا كل ~~شيء، كما أكدت لي الدراسة التي قمت بها عن «الدكتور». أنا أقرر ~~الحقيقة.» # ضحك ساخرا: «لعلك تظننا من السذج. يجب أن تعرف أننا أدركنا من ~~اللحظة الأولى لوقوفك أمامنا أنك تظهر غير ما تبطن؛ فقد كانت إجاباتك ~~على الأسئلة التي طرحناها عليك دقيقة وموفقة؛ مما أثار ~~شكوكنا. # وإذا كان بيننا من ظل مترددا في القطع بأمرك، فإنه حسم رأيه عندما ~~اتخذت من الدراسة المطلوبة منك ذريعة لنبش تاريخ «الدكتور» وجمع ~~المعلومات عنه. وأصررت على المضي في هذا العمل رغم التحذيرات ~~المختلفة التي وجهت إليك.» # وجه حديثه إلى أعضاء اللجنة واستطرد: «إن كل الدلائل تؤكد أننا ~~نواجه مؤامرة كبيرة، حيكت خيوطها بمهارة وخبث شديدين منذ بعض الوقت، ~~وليس الاعتداء على حياة الفقيد سوى حلقة من حلقاتها.» # انزعجت كثيرا لكلام العضو الأشقر؛ فها ms67 هي الأمور تتخذ اتجاها ~~مفاجئا لم يخطر لي ببال، ولن يؤدي إلا إلى مزيد من الإساءة إلى ~~موقفي. # سارعت بالقول وأنا أتضاحك مبديا كل ما أستطيع من مظاهر البراءة ~~والطيبة، بل الغفلة: «سيادتك تملك خيالا نشيطا، ولا أظنك تتكلم ~~جادا.» # قال بحدة: «لن تجديك المراوغة.» # قلت: «أؤكد لك أني بريء.» # قال مستنكرا: «وتتراجع أيضا عن اعترافاتك؟» # قلت: «لم أقصد تبرئة نفسي من ... أقصد أنه لا توجد ثمة خطة، وإذا ~~وجدت فليس لي بها علم.» # قال بلهجة المنتصر: «آه .. ها أنت تقر بوجود خطة.» # قلت فزعا: «أبدا! لقد أردت فقط أن أؤكد مرة أخرى ...» # أشار إلى عضو يجلس في طرف الطاولة، فتناول هذا جهازا للتسجيل من تحت ~~الطاولة ووضعه فوقها. # قال الأشقر مخاطبا أعضاء اللجنة: «سأريكم الآن أيها السادة كيف أنه ~~أقر - بلسانه - بوجود شركاء له.» # أدار العضو الجهاز فسمعت صوتا غريبا لم ألبث أن ميزت فيه صوت ~~تدفق المياه وارتطامها بسطح صلب. ثم تكلم رجل معربا عن دهشته من ~~لون المياه الأسود، وعرفت فيه القصير فارتعدت. # سمعت صوتي يقول: «لا بد أنك تستخدم جهازا للتقطير؟» # ثم صوت القصير مستغربا: «وكيف عرفت؟» # وأخيرا صوتي: «لقد عرفت أشياء كثيرة في الآونة الأخيرة.» # أومأ الأشقر لمدير الجهاز فأوقفه وخاطبني ساخرا: «أليس هذا ~~صوتك؟» # قلت: «أجل .. لكن هذا لا يعني ...» # لم يدعني أواصل كلامي وصاح: «كيف تأتى لك أن تعرف المعلومة التي لا ~~نعرفها نحن عن زميلنا إلا إذا كان لك شركاء يمدونك ~~بالمعلومات؟!» # تدخلت العانس في الحديث قائلة: «ليس من الضروري أن تكون المؤامرة ~~قائمة منذ البداية؛ فربما ولدت في وقت لاحق. وهذا ما تدل عليه إشارته ~~إلى أنه عرف أشياء كثيرة في الآونة الأخيرة.» # ووجهت إلي الحديث مستأنفة: «هذا أفضل لك؛ لأنه يعني أنك كنت ~~سليم النية في البداية، ثم وقعت تحت تأثير العناصر الهدامة والمنحرفة. ~~فإذا ذكرت لنا أسماءهم؛ ربما كان لذلك أثر في تخفيف الأمر بالنسبة ~~لك.» # ضغطت يدي في يأس وأنا أقول في صوت جاهدت لأجعله ناطقا بالصدق: ~~«أرجوكم ms68 أن تصدقوني. لقد وقع كل شيء بمحض الصدفة.» # سألني أحد الأعضاء: «ألم يمدك أحد بالسكين التي استخدمتها؟» # أجبت: «أبدا! لقد كانت موجودة - كما ذكرت من قبل - في ~~المطبخ.» # سألني عضو آخر: «كيف تأتى لك أن تعرف تلك الأشياء التي أشرت ~~إليها؟» # أجبت: «من الصحف.» # ضحك العضو، تطلع إلى زملائه كأنما لا يصدق أن تكون الصحف مصدرا ~~للمعرفة. # قلت موضحا: «لقد اضطرني بحثي عن «الدكتور» إلى مراجعة أعدادها على ~~مدى ربع قرن؛ ومكنني هذا من رؤية الوقائع والأحداث في ترابطها ~~والوصول إلى استنتاجات قيمة يسرت لي تفسير كثير من الظواهر ~~المعاصرة.» # مال أحد العسكريين فجأة إلى الأمام وقال: «هل لك أن تحدثنا عن ~~هذه «الظواهر» كما تسميها؟» # قلت في إعياء: «أعتقد أن إجابتي على هذا السؤال الذي سبق أن وجهه ~~إلي الفقيد، موجودة في الأوراق التي أمامكم، بالنظر إلى كفاءة ~~الأجهزة التي تملكونها.» # قلب في عدة أوراق أمامه وهو يقول: «أجل .. أجل. لدينا هنا بضعة ~~أمور .. الأمراض النفسية، والسيجارة المصرية .. مياه الحنفية .. ~~الأدوية الأجنبية، و«الكوكاكولا» .. لكنك لم توضح لماذا تعتبر هذه ~~الأمور دون غيرها ظواهر جديرة بالالتفات؟» # قلت: «لم أقل هذا أبدا ... لقد ذكرتها في معرض الاستشهاد بأمثلة؛ ~~فالظواهر المماثلة لا تعد ولا تحصى.» # قال: «لقد تجنبت أيضا الحديث عما تبينته بصددها، كما أنك أشرت ~~إلى العلاقة بينها دون أن توضح ما تعنيه بذلك.» # فكرت بسرعة حتى وصلت إلى قرار، فقلت بلهجة من استبان أخيرا أن ~~الصدق والصراحة التامة هما أسلم وسائل الدفاع: «سأتحدث بصراحة كي ~~أثبت لكم صدق نيتي وسلامة طويتي. والواقع أني ضحية لطموحي من ناحية، ~~وشغفي بالمعرفة من ناحية أخرى. ولولا الخاصية الأخيرة بالذات ما وقفت ~~هذا الموقف الآن.» # قاطعني العسكري قائلا: «الأفضل أن تطرق الموضوع مباشرة.» # قلت: «لقد أردت فقط أن أوضح كيف انسقت إلى التفكير في هذه الأمور ~~والبحث عن تفسير لها، إلا أني سرعان ما تبينت أن تناول إحداها بمعزل ~~عن البقية لن يؤدي بي إلى شيء. والنتيجة ذاتها تنتظرني إذا ما ~~تناولتها جميعا، من ms69 خلال العلاقات المتبادلة بينها، دون أن يكون لدي ~~المنهاج السليم للبحث. # هكذا توصلت إلى نقطة البدء، وهي العثور على المنهاج الذي يصلح ~~لتفسير كل ظاهرة على حدة، وكافة الظواهر في علاقتها بعضها ~~ببعض.» # بدا على وجوههم الاهتمام، وأدركت أني أثرت فضولهم إلى أقصى حد، ~~فتابعت: «أقبلت أجرب كافة المناهج المعروفة دون أن أصل إلى شيء. وذات ~~يوم كنت أفكر في الأمر عندما قلت لنفسي: إن مشكلة هذه الظواهر ~~والألغاز أنها لا تتصل بمجال واحد من مجالات الحياة، وإنما تمتد إلى ~~مجالات متنوعة؛ ومعنى هذا أن «التنوع» هو طابعها الأساسي. # وهنا تذكرت إحدى النتائج الهامة التي توصلت إليها في بحثي عن ~~«الدكتور»؛ وهي مساهمته في تطوير اللغة العربية بابتكار اشتقاقات جديدة ~~من كلمات عادية، منها ذلك المصطلح الفذ: «التنويع»؛ ففيه وجدت ~~ضالتي.» # تحدث العضو البدين لأول مرة، وهو الذي كان يرتدي سترة بيضاء في ~~مقابلتي الأولى باللجنة، وقد استبدلها الآن بأخرى من القطيفة ~~الحمراء. # قال: «هل يمكن أن تعطينا مثالا لما تعنيه؟» # أجبت: «هذا ما كنت أنوي أن أفعله حالا، وسأتخذ لمثالي موضوعا ~~مألوفا لنا جميعا هو «الكوكاكولا»؛ فهناك الكثير من الظواهر الغامضة ~~التي ترتبط بتطور هذه الزجاجة الشهيرة. # وعلى سبيل المثال، فقد قرأت عن حملة واسعة ثارت في الولايات المتحدة ~~عام 1970م حول سوء معاملة ربع مليون من العمال الموسميين في المزارع ~~التابعة لشركة «الكوكاكولا». أقول المزارع لا المصانع. وقد انتقلت هذه ~~الحملة إلى التليفزيون ومنه إلى قاعات الكونجرس، وقام السيناتور والتر ~~مونديل، عضو لجنة العمال الموسميين به في ذلك الوقت، باستدعاء رئيس ~~«الكوكاكولا» ليجيب رسميا على الادعاءات الموجهة إلى شركته، أمام ~~مجلس الشيوخ الأمريكي. # ولم تمض ثلاث سنوات حتى كان رئيس «الكوكاكولا» يشارك في اختيار ~~مونديل هذا لعضوية اللجنة الدولية التي حدثتكم عنها في لقائنا الأول، ~~ثم ليكون نائبا للرئيس الأمريكي كارتر. # وفي نفس الوقت الذي نجدها متهمة بابتزاز حفنة دولارات من عمالها، ~~نقرأ أنها خصصت مبالغ طائلة للأعمال الخيرية والثقافية التي تمتد من ~~إدارة جامعة كاملة ، إلى جائزة ms70 هامة للإبداع الفني والأدبي، ومنحة ~~ضخمة قدمتها عام 1977م لمتحف بروكلين الأمريكي ليعمل على إنقاذ آثار ~~الفراعنة المصريين من الانهيار. # وبينما تمثل مياه الحنفية المنافس الوحيد لها الآن (فهي توزع 200 ~~مليون زجاجة يوميا في العالم حسب إحصائيات عام 1978م)، نراها ترعى ~~مشروعا لإزالة ملوحة مياه البحر تقوم به شركة «أكواشيم» التي اشترتها ~~«الكوكاكولا» قبل عدة سنوات وبالتحديد عام 1970م. # أثارت هذه المتناقضات حيرتي فقمت بأبحاث عدة علمت منها أن شركة ~~«الكوكاكولا» ظلت منذ نشأتها أمينة لمبدأين أساسيين، وضعهما ~~مؤسسوها العظام؛ المبدأ الأول: هو أن يصبح كل مشترك في مغامرة ~~«الكوكاكولا» غنيا وسعيدا. والمبدأ الثاني: هو أن يقتصر نشاطها على ~~إنتاج سلعة واحدة هي الزجاجة المعروفة. # لكن رياح التغيير التي هبت في أوائل الستينيات أرغمتها على ~~الاختيار بين المبدأين. وكي لا تضحي بالمبدأ الأول فضلت أن تقوم ~~بتنويع منتجاتها؛ فبدأت بإنتاج أنواع من المياه الغازية، ثم مدت ~~نشاطها إلى زراعة الموالح والبن والشاي، وأصبح لها مزارع واسعة في نفس ~~الولاية التي ولدت بها، وهي ولاية جورجيا، تجاور مزارع الرئيس ~~الأمريكي كارتر. وربما كان هذا الجوار هو المسئول عن تماديها في سياسة ~~التنويع بالاشتراك في الأمور العامة، المحلية والدولية. # ولا شك في أن النجاح كان من نصيب هذه السياسة. ويكفي الإشارة في هذا ~~الصدد إلى عودة الزجاجة العتيدة إلى كل من الصين ومصر بمبادرة ~~وطنيين شجعان، ذوي مبادئ، في البلدين. # غير أن هذا النجاح تمخضت عنه ظاهرة غريبة؛ فمع استخدام الوسائل ~~الحديثة وتقليل تكلفة الإنتاج بالاعتماد على عمال موسميين ذوي أجور ~~منخفضة، أصبحت «الكوكاكولا» من أكبر منتجي الفواكه الطازجة في العالم ~~الغربي، لكنها وجدت نفسها للأسف مرغمة على إلقاء جانب كبير من هذا ~~الإنتاج في البحر كي لا ينهار السوق العالمي. # ولم يكن من حل لهذه المشكلة إلا بمزيد من التنويع؛ فاستغلت ~~إمكانياتها الضخمة وخبرتها بميدان الزراعة في رعاية عدد كبير من ~~مشروعات الأمن الغذائي في البلاد المختلفة؛ منها مشروع لزراعة البقول ~~في «أبي ظبي» تقوم به شركة «أكواشيم» التابعة لها. ms71 كما قامت بأبحاث ~~واسعة لإنتاج شراب غني بالبروتينات والعناصر المغذية الأخرى، تعوض ~~به المستهلكين عن الفائض الذي تضطر لإلقائه في البحر.» # توقفت لحظة ريثما بلعت ريقي، ثم استطردت: «هكذا ترون أيها السادة ~~كيف أن التنويع يصلح - في حالة «الكوكاكولا» - مفتاحا لفهم أغلب ~~الظواهر المرتبطة بها. وقد وجدت بالبحث أن هذا المفتاح قادر على فك ~~مغاليق أخرى كثيرة. # إن نظرة واحدة للواقع العربي تكفي للبرهنة على صحة قولي؛ فهي تكشف ~~لنا من الوهلة الأولى عن ظاهرة «التنويع» في أشكال الأنظمة (وهو ~~بالتأكيد مخطط له بالنظر إلى أن هذه الأنظمة لا تختلف عن بعضها في ~~الجوهر)، وفي وسائل العمل السياسي، وشعاراته وأهدافه. # ففي وقت من الأوقات كانت هذه الأنظمة تتوجه إلى شعوبها بوسيلة ~~إقناع واحدة لا تتغير؛ هي السجن والتعذيب، لكن التنويع أضاف إليها ~~أساليب أخرى متنوعة من التصفية الجسدية إلى التليفزيون والمجالس ~~النيابية. # وفي وقت من الأوقات كانت الأنظمة ترفع شعارات أساسية لا تتغير، ~~لكنها أدركت أخيرا أهمية تغيير هذه الشعارات بين الحين والآخر، وتنويع ~~الأهداف والتحالفات والعداوات. # وبفضل سياسة «التنويع» اتسعت الارتباطات الوحدوية لهذا البلد - والتي ~~كانت قاصرة في الماضي على بقية الشعوب العربية - لتشمل الآن الشعوب ~~الأسترالية الصديقة. # وبفضلها توفرت للمصريين الأسلحة الأمريكية والإنجليزية والفرنسية ~~والإيطالية والألمانية التي حرموا منها طويلا. وبعد أن كان السوق ~~المصري قاصرا في الستينيات على سيارة واحدة يتم تجميعها في المصانع ~~المحلية هي سيارة نصر/فيات، امتلأ الآن بالماركات العالمية المختلفة، ~~تأتيه سياراتها مباشرة من مصانعها الأصلية. # وبعد أن كانت مشاريع الإسكان قاصرة على خدمة الطبقات محدودة الدخل، ~~تقدم لها مجمعات متماثلة الشكل والحجم، اتسعت الآن لتشمل كافة ~~الطبقات، واكتسبت تنوعا شديدا يمتد من المقابر إلى الأبراج ~~الفاخرة. # وتصلح السيجارة المصرية نموذجا لعرض وتفسير الظواهر المختلفة - ~~الغامضة أحيانا - التي تصاحب عملية شديدة التعقيد مثل عملية التنويع. ~~فأنتم تعرفون - ولا شك، قوة العادة ~~وسطوة الإدمان. وقد بلغ تعلق المصريين بسيجارتهم المحلية أوجه في ~~الستينيات، عندما منعت السجائر الأجنبية، وأمكن توحيد عدد من السجائر ~~المحلية في سيجارة ms72 واحدة ، هي التي عرفت باسم البلمونت، نالت توليفتها ~~رضاء الأغلبية. # وهي العقبة التي واجهتها عملية التنويع في ميدان السجائر، وتطلب ~~التغلب عليها جهودا مضنية في اتجاهات متعددة، تعددت نتيجة لها ~~فترات الاختفاء المفاجئ للسيجارة المصرية؛ مما أجبر المستهلك على ~~تلمس بديل أجنبي لها. # ومن السهل أن نرى في صدمة هذا الانتقال الإجباري المفاجئ علة ~~للإصابة بمرض الاكتئاب النفسي، خاصة وأن السجائر الأجنبية تباع بضعف ~~ثمن السجائر المحلية. # ولما كان استهلاك السجائر في البلاد المتخلفة أوسع منه في غيرها ~~(فالأخيرة تحظر الإعلان عنها، كما تنبه مواطنيها إلى العلاقة بينها ~~وبين الإصابة بمرض السرطان، وتقدم لهم متعا أخرى بديلة ومتنوعة)، ~~يكون الاكتئاب الناشئ أكثر عمقا وأصعب في العلاج، مما يدفع شركات ~~الأدوية الأجنبية إلى أن توصي أبناء البلاد المتخلفة باستخدام جرعات ~~أكبر من العقاقير العظيمة المضادة لهذا المرض. # وهو ما يخلق مشكلة جديدة تتمثل في الإدمان على هذه الأدوية. إلا ~~أن التنويع نفسه يقدم الحل لهذه المشكلة؛ فيلجأ الطبيب إلى تغيير ~~الدواء باستمرار أثناء فترة العلاج، ويساعده في هذا التنوع الذي ~~تتميز به هذه العقاقير. # ومن ناحية أخرى فإن الاكتئاب نفسه هو في أغلب الأحيان بمثابة مفترق ~~طرق يؤدي بعضها إلى العنة الجنسية، أو التعصب الديني، أو فتور ~~الهمة، والقذارة، أو الخبل. # هكذا ترون أيها السادة كيف أن منهج التنويع يصلح لتفسير ظواهر كثيرة ~~في حياتنا المعاصرة، وللربط بينها في سلسلة متينة الحلقات.» # تكلم أحد الأعضاء بلهجة مترددة وهو يتطلع إلى الأشقر بين ~~الفينة والأخرى: «لقد عرضت وجهة نظرك بإسهاب ووضوح، لكن ثمة ما أريد ~~أن أفهمه؛ أقصد أنك لم تتعرض لموضوع مياه الحنفية.» # أجبت على الفور بلهجة تشي بالإعجاب: «لقد أحسنت يا سيدي بإثارة هذا ~~الموضوع لأنه يتميز بأهمية خاصة لكافة المشتغلين بالأبحاث العلمية؛ ~~فهو يعطينا مثالا كلاسيكيا للأخطاء التي يمكن أن يتورطوا ~~فيها. # لقد أغرتني معرفتي بحجم التوزيع العالمي لزجاجة «الكوكاكولا» من ~~ناحية، وبأن الشعب المصري من الشعوب المدمنة لاستخدام مياه الحنفية في ~~الشرب (على عكس الشعوب المتحضرة عموما) من ms73 ناحية أخرى، على الربط ~~بين عودة هذه الزجاجة إلى مصر وظاهرة قلة مياه الحنفية واختفائها ~~تقريبا بالنهار، فضلا عن دكنة لونها وميله إلى السواد. # إلا أني لم ألبث أن اكتشفت أن الظاهرة المذكورة سابقة على عودة ~~«الكوكاكولا» بسنوات. وبالبحث وجدت أن الحنفية ظلت من الستينيات المصدر ~~الوحيد لمياه الشرب، إلى أن طبقت سياسة التنويع، وظهرت المياه ~~المعدنية المستوردة. واكتشفت أن التغيير الذي لحق بمياه الحنفية قد ~~بدأ منذ تلك اللحظة، مما يتفق مع النتائج التي توصلت إليها في حالة ~~مماثلة، هي الخاصة بمصير السيجارة المصرية. # على أن الوقوف عند إحدى النتائج والقناعة بها من المخاطر التي ~~يواجهها الباحثون عادة؛ فبمواصلة البحث، مهتديا بالمنهاج ذاته، أمكنني ~~التوصل إلى رؤية أعمق تكشف أيضا عن الترابط بين عدد من ~~الظواهر. # ذلك أن مشروعات شركة «الكوكاكولا» لري الصحاري ظلت لفترة طويلة ~~قاصرة على مجال واحد هو إزالة ملوحة مياه البحر. وقد أتاحت لها حرب ~~أكتوبر فرصة ذهبية لتنويع وسائل عملها باستخدام مياه النيل في ري ~~صحراء النقب، وهو ما تيسر بفضل الأنفاق الهائلة المحفورة أسفل قناة ~~السويس. ومن الطبيعي أن يؤدي مثل هذا التنويع إلى قلة المياه ~~المنسابة من الحنفيات، كما أن انخفاض التخزين نتيجة للسحب المتزايد هو ~~المسئول عن تسلل الشوائب إلى المياه وتغير لونها.» # خاطبني الأشقر بلهجة ظافرة: «أتريدنا أن نصدق أنك عرفت كل هذه ~~الأشياء بجهدك الخاص عن طريق الصحف؟!» # أجبت: «أجل!» # تكلم «العسكمدني» أو «المدنعسكري» لأول مرة، وكان يضع «باروكة» ~~واضحة على رأسه، فخاطبني في لهجة حازمة: «من الخير لك أن تدلي على ~~الفور بأسماء شركائك والتفاصيل الكاملة للمؤامرة قبل أن نجبرك على ~~ذلك؛ فنحن قادرون على فك عقدة لسانك. حقا إننا لا نميل - بحكم ~~المبادئ الإنسانية التي نسترشد بها - إلى الالتجاء لهذا السبيل، إلا أن ~~للضرورة أحكامها.» # مالت العانس نحوي وقالت في رقة: «لا أظن أننا سنضطر إلى ذلك؛ فهو ~~سيتكلم حالما يتبين مصلحته.» # هبط قلبي بين قدمي وقلت: «أنا أعرف الوسائل التي تشيرون إليها، ومن ~~المؤكد أنها ستضطرني ms74 للاعتراف بأي شيء. لكن ما سأعترف به - في هذه ~~الحالة - لن يكون هو الحقيقة، أما أنتم فستظلون دائما في حيرة من ~~أمري.» # ران الصمت على القاعة وجعلوا يتبادلون النظرات، وأدركت - كما يقولون ~~بلغة اللجنة - أن القذيفة التي أطلقتها في الظلام قد أصابت ~~مقتلا. # مال الأشقر على الرئيس وتبادل معه الهمس. وأخيرا تكلم الأخير: ~~«ربما كان من الأفضل أن تنفرد بنفسك قليلا لتتروى في الأمر .. يمكنك ~~أن تخرج الآن، وسنستدعيك بعد قليل من الوقت لنعرف ما توصلت ~~إليه.» # أدركت أنهم يريدون التخلص مني ليتشاوروا في حرية، فغادرت القاعة ~~ووقفت إلى جوار حارسها العجوز، وقدمت إليه سيجارة فتناولها مني في ~~صمت ووضعها خلف أذنه، بينما أشعلت أنا واحدة استنشقت أنفاسها في ~~لهفة. # كان الدهليز خاليا يأتيه الضوء من نافذة كبيرة بالجدار المقابل، ~~تطل فيما يبدو على فناء مهجور. دخنت وأنا أسترق النظر إلى الوجه ~~الوادع المستسلم للحارس الجالس إلى جواري. وتمنيت لحظة أن أكون ~~مكانه، متمتعا بنفس الاستسلام والوداعة. ثم خطر لي أن حالته قد لا ~~تكون طبيعية، وإنما من تأثير مخدر ما. # وسواء كان هذا هو السبب، أو أنه أدرك حرج موقفي، فإنه لم يرد ~~علي عندما حاولت أن أجاذبه الحديث، شاكيا من حرارة الجو. # فرغت سيجارتي، فألقيت ببقيتها في منفضة نحاسية إلى جوار الباب، ~~واعتمدت بظهري على الحائط. كنت عاجزا عن التفكير، فرحت أنظر أمامي عبر ~~النافذة، شاعرا أني أتطلع في الفراغ. # وبعد حوالي نصف الساعة نهض الحارس فجأة كأنما بلغته رسالة سرية، ~~فاختفى داخل القاعة، ثم ظهر على الفور وأشار لي بالدخول. # دخلت في وجل وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى. ووقفت أمام العيون ~~التي حدقت وأحدقت بي. # خاطبتني العانس في رقتها المعهودة: «ماذا قررت؟» # قلت: «ليس لدي ما أضيفه سوى أن أرجوكم تقدير الظروف الشائكة غير ~~الطبيعية التي أحاطت بي.» # قالت في حدة وشراسة مفاجئتين: «أنت وشأنك إذن.» # أزاح الرئيس جانبا بضع أوراق أمامه وتكلم ببطء: «إن موقفك ~~المتصلب يجعلنا لا نجد مبررا للرأفة بشأنك أو للاستجابة لالتماسك؛ ~~ولهذا ms75 فأنت - في رأينا - تستحق أقصى عقوبة مقررة. هذا هو قرارنا ~~بالإجماع.» # ونهض واقفا فاقتدى به بقية الأعضاء وهم يجمعون أوراقهم، ثم أزاحوا ~~مقاعدهم إلى الخلف، واتجهوا إلى باب جانبي خلفهم، فغادروا القاعة ~~واحدا خلف الآخر. # لبثت أحدق في ظهورهم حتى اختفى آخرهم، وأصبحت بمفردي أنا وصورة ~~القصير ذي الوجه القبيح، وأكاليل العزاء من كافة أنحاء الدنيا. # ثم سمعت صوتا عند الباب الرئيسي للقاعة، وعندما التفت أبصرت الحارس ~~يتطلع إلي متسائلا، فحركت قدمي نحوه في تثاقل. # | الفصل السادس # وقفت في الخارج حتى انتهى الحارس من ترتيب القاعة وإغلاق نوافذها. ~~وما إن ظهر عند الباب حتى أسرعت أقدم إليه سيجارة وأشعلها ~~له. # قلت له: «أيمكنك أن تذكر لي أقصى عقوبة لدى اللجنة؟» # هز رأسه باعتداد وقال: «اللجنة ليست محكمة.» # قلت مستدركا: «أعرف. ما أقصده هو أقصى عقوبة في نظرها.» # قال: «هذا يتوقف على أمور كثيرة.» # قلت: «بالطبع.» # قال: «ولكل حالة خصوصيتها.» # قلت: «مؤكد.» # قال: «في حالتك أنت - التي تابعتها باهتمام - ليس هناك أقصى ولا أقسى ~~من الأكل.» # تساءلت في دهشة: «الأكل؟! من يأكل؟! وماذا يأكل؟» # تأملني برهة، ثم قال بتؤدة وهو ينحني ليرفع مقعده: «أنت تأكل ~~نفسك.» # اختفى بمقعده داخل القاعة بعد أن أغلق بابها خلفه، وتركني وحيدا في ~~الممر الكابي الضوء. انتظرت عودته كي أستزيد من معلوماته، لكنه غاب ~~طويلا، فقررت الانصراف. مضيت في دهاليز خالية ووقع أقدامي يتردد ~~خلفي، إلى أن غادرت المبنى. # انطلقت في الشوارع على غير هدى وأنا أنقل البصر في شرود بين وجوه ~~المارة وواجهات المحلات ومداخل البيوت، ومع ذلك أمكنني أن ألحظ كيف ~~استسلمت الغالبية لإغراء البحث عن الثراء والسعادة؛ فقد كانت صناديق ~~«الكوكاكولا» في كل مكان يقف الجميع خلفها، من بقالين وبوابين ~~ونجارين، بل وصيادلة. # شعرت بالعطش فتوقفت أمام أحد الباعة الذي ترك دكانا خالية إلا من ~~صناديق الزجاجات، وشغل الرصيف بثلاجة كبيرة منزوعة الغطاء، تكأكأ حولها ~~العطشى. # كانت الثلاجة مليئة بالزجاجات السابحة في المياه. وبدا البائع في ~~حال من النشوة وهو يلتقط الواحدة منها ms76 بحركة خاطفة، ويرفعها نحو الأيدي ~~الممدودة إليه، وقبل أن تلمسها يد منها يكون قد نزع سدادتها بالفتاحة ~~الجاهزة في يده الأخرى، وأسرع يتناول واحدة جديدة. # لمحت يده تتجه نحوي بزجاجة، فأسرعت أحول بينه ونزع سدادتها، ~~متسائلا: «باردة؟» # تطلع إلي باستنكار وقال: «كالثلج!» # تحسست الزجاجة بيدي فألفيتها دافئة، فقلت: «لا، أريد واحدة ~~باردة.» # قدم الزجاجة إلى أحد الواقفين وهو يبدي تأففه مني. مددت يدي ~~أقلب بين الزجاجات فاكتشفت أن أغلبها دافئ، وأن المياه تخلو من كل ~~أثر للثلج. وانشغل البائع عني بملاحقة العطشى الذين كانوا يمسحون ~~عرقهم، ويزفرون من الحر، فيعالجهم بالزجاجات الدافئة. # راقبتهم يرشفون السائل السحري وهم يتحسسون الزجاجات بأيديهم كأنما ~~ليتأكدوا من قدرتهم على التمييز بين الساخن والبارد، ثم يزدردون ~~محتوياتها في استسلام حتى النهاية، ويدفعون الثمن الذي طالبهم به ~~البائع، وهو ضعف الثمن المعلن عنه، بذريعة الثلج الوهمي، ودفعه كل ~~منهم صاغرا وهو يتطلع أمامه في جمود. # حولت اهتمامي إلى البائع الذي كان يتحرك بنشاط وشيء من الشراسة، ~~وقدرت أنه سيدرك مبتغاه سريعا، ولن تلبث الدكان الخالية أن تمتلئ ~~بالسجائر والحلويات الأجنبية، ثم السلع المستوردة الأخرى، من شرائط ~~وأجهزة وعلب محفوظة. # استغرقني الأمر فلم أنتبه إلا وفي يدي زجاجة دافئة منزوعة الغطاء، ~~فرفعتها إلى شفتي دون وعي. # دفعت الثمن الذي دفعه الآخرون، وواصلت السير على مهل إلى محطة ~~الأوتوبيس، فوقفت مع الواقفين حتى جاء أوتوبيس «كارتر». # أما السبب في إطلاق اسم الرئيس الأمريكي على هذا النوع من سيارات ~~الأوتوبيس، فلا يعود إلى شكلها المميز الذي يشبه دودة كبيرة مكتئبة ~~الوجه، أو طولها غير العادي، أو الضجة المرتفعة التي تحدثها أثناء ~~سيرها، أو ارتفاع أجر ركوبها (خمسة أضعاف الأجر العادي)، أو كونها ~~صنعت في الولايات المتحدة؛ وإنما إلى العلامة المثبتة على جانبها، ~~بجوار الباب الأمامي مباشرة، وتمثل علما أمريكيا يعلو يدين ~~متصافحتين، تعبيرا عن الصداقة. # وهذا - في الغالب - هو السر في فرحة الناس بظهورها في الشوارع منذ ~~عامين أو يزيد؛ إذ اعتبروها أولى بشائر الرخاء الموعود الذي طال بهم ms77 ~~انتظاره . وبدوا مستعدين للتغاضي عن الضجة التي تحدثها على أساس أن ~~الضجة شيء مألوف في بلد متخلف كبلدنا، وعن ارتفاع أجرها على أساس ~~الارتفاع العام في الأسعار العالمية، وعن دخان العادم المنبعث منها ~~بكثافة، على أساس أن تلوث البيئة هو من مشاكل الدول المتقدمة ~~وحدها، وعن انعدام المساند والعلاقات؛ مما يؤدي إلى تأرجح ~~الواقفين وتراقصهم، على أساس افتقار حياتنا الجافة إلى شيء من ~~الترفيه. # إلا أنه لم يكد يمر أسبوع حتى ظهرت على السيارات علامات غريبة؛ فقد ~~بدأت أعمدتها الداخلية تتساقط، والمسامير المثبتة في جدرانها تقع، ~~وتلفت أبوابها الأوتوماتيكية، وانهارت أجزاء من جدرانها، كما تمزقت ~~الإطارات المطاطية لنوافذها، وطارت الصواميل المثبتة للوحات القيادة ~~فظهرت أحشاؤها. # ومع صمت الصحف عن هذه الظاهرة العجيبة تعددت التفسيرات بشأنها؛ فمن ~~قائل إن سوء الصيانة هو السبب، ومن أرجعه إلى طبيعة الخدمة الشاقة في ~~بلادنا، أو إلى عدم كفاءة السائقين ولامبالاتهم. # لكن الأنواع الأخرى من سيارات الأوتوبيس التي كانت تجري إلى جوار ~~سيارات «كارتر» في حالة جيدة، رغم مضي سنوات على بداية تشغيلها، ورغم ~~أن بعضها تم تجميعه في الورش المصرية، ألقت ظلالا من الشك على صحة ~~هذه الاستنتاجات. # وسواء كان السبب هو الإحباط الذي شعر به الناس لعجزهم عن تفسير هذه ~~الظاهرة، أو ما درج عليه العامة في كل زمان ومكان، من تحوير الأسماء ~~والصفات حتى يتلاءم نطقها مع مستوى ثقافتهم ومحدودية وعيهم، فإنهم ~~سرعان ما دعوا السيارات المذكورة بأوتوبيس «طرطر». # وجذب هذا التطور اللغوي - في حينه - اهتمامي، فلجأت إلى المعاجم ~~حتى عرفت أن «طرطر» من الأفعال القديمة في اللغة العربية، ومعناه فخر ~~بما ليس فيه، ومنه اشتقت كلمة «طرطور»، الذي يلبس فوق الرأس، أو تطلق ~~على الوغد الضعيف. أما «الطرطر» كاسم فمعناه راسب الخمر المصفى، ~~ومن هنا - في الغالب - جاء فعل التبول في اللغة الدارجة. # ومن الطبيعي - في ضوء الأحداث التي وقعت لي أخيرا، وأدت إلى تنشيط ~~عقلي وانشغالي بالتعمق في الظواهر ومحاولة تفسيرها - أن اهتمامي ~~بالأمر انتقل من الجانب اللغوي إلى لب ms78 الظاهرة نفسها، فتعمدت أن ~~أستقل سيارات «طرطر» مرات عديدة، أقبلت خلالها على فحص أجزائها ~~ومكوناتها فحصا دقيقا، لكن النتيجة ضاعفت من غموض الأمر في ~~نظري. # فقد اكتشفت أنها مصنوعة من أردأ المواد وأرخصها، بدءا من معدن ~~الهيكل الخارجي، إلى المسامير المستخدمة في تثبيت الأرضيات. ولا يعقل ~~أن تسير سيارة بهذا الشكل في شوارع نيويورك، ولو حتى في أحياء الزنوج. ~~ولا يعقل أن تكون مصنعة لنا خصوصا (كما في حالة الأدوية)؛ إذ لا ~~أتصور أن صناعة أقوى وأغنى دولة في العالم يمكن أن تخرج - ولو ~~بالقصد - مثل هذا الإنتاج الهابط. أما إذا كانت الولايات المتحدة قد ~~أرسلت لنا المحركات وحسب، وتم تجميع السيارة في بلادنا، فإن هذا ~~أيضا لا يفسر الأمر؛ لأننا نعرف منذ الستينيات صناعة التجميع، وما ~~زال عدد من المحظوظين يحتفظ بما أنتجته المصانع المصرية وقتذاك من ~~سيارات قوية متينة. # وعند هذه المرحلة من التفكير بدأ أنفي - الذي دربته روائح الصحف ~~القديمة - يرتعش من الانفعال. # إلا أن تطورات علاقتي باللجنة لم تتح لي الفرصة كي أصل إلى ~~نتائج ذات بال. وظل الأمر في نظري - كما في نظر الآخرين - لغزا ~~يستعصي على الفهم. # تذكرت هذا كله وأنا أشق طريقي بين الركاب المتدافعين، فوق الدرج ~~الخلفي للسيارة، متلمسا عبثا ما أستند إليه خلال عملية الصعود. ~~وكانت أمامي سيدة ممتلئة الجسم، وقورة الهيئة، ارتقت الدرج بمشقة، وما ~~إن استقرت في الداخل، وأنا خلفها، حتى تحركت السيارة فجأة، ففقدنا ~~توازننا. # مدت السيدة يدها تتعلق بأحد الأعمدة المعدنية، لكن العمود مال ~~تحت ثقلها، وأوشكت أن تقع على وجهها، فتشبثت بي، بينما كنت مشغولا ~~بإخراج الأجرة التي جعل المحصل يطالب بها في إلحاح، وقد باعدت بين ~~ساقي، ملقيا بكل ثقلي على قدمي؛ لأتجنب السقوط. # استعادت السيدة توازنها فتقدمت إلى الأمام، وهي تتراقص برغمها بفعل ~~حركة السيارة، واهتزاز أرضيتها التي تفككت ألواحها، وانفصل بعضها عن ~~بعض في أكثر من موضع. # ولأنني في الفترة الأخيرة - بحكم انشغالي - لم أغادر منزلي كثيرا، ~~ولم يتح لي أن أستخدم سيارات ms79 «طرطر » ولا مرة، فقد لحظت - على الفور - ~~ما طرأ على مسلك ركابها من تغير. # ففي الأيام الأولى لتشغيلها كانت الحركة الراقصة التي تحدثها تبعث ~~الابتسامة الخجلى على وجوه الركاب جميعا، من راقصين واقفين، ~~ومتفرجين جالسين. # لكني تبينت اليوم أنه بينما تضاعفت حدة الرقصة بفعل تخلخل بناء ~~السيارة وتفكك حوائطها وأرضيتها، إلا أن بهجة الركاب بالأمر تلاشت ~~تماما. # وتراءى لي أنهم مشغولون بأشياء أخرى؛ إذ كانوا يتطلعون ساهمين إلى ~~الإعلانات التي زينت الشوارع عن آخر المبتكرات العالمية في كل ميدان، ~~وإلى السيارات الخاصة من أحدث الطرز، المزودة بأجهزة عديدة تحمي ~~ركابها من الضجة والتلوث والحرارة والبرودة وعيون الآخرين، فتبدو ~~أشبه بمدرعات صغيرة. # مضيت أنقل البصر بين الوجوه الشاحبة المنهكة، متوقفا عند كهل ~~غارق في تأملات غير سارة انعكست على ملامحه، وجار له يدخن بعصبية، ~~وشاب مكوي شعر الرأس تدلت من عنقه سلسلة ذهبية، وآخر قبضت يده في حرص ~~على جواز سفر، وسيدة بنظارة واسعة الإطار بنفسجية اللون مثل فستانها، ~~تحيط معصمها بساعة على شكل سفينة فضاء. # وكان يجلس إلى جوارها رجل مكتئب الوجه، يحمل في اعتزاز لفافة تصاعدت ~~منها رائحة السمك، جلبه في الغالب بسعر أرخص من أحد أركان المدينة. ~~وخلفه أوشك رجل أنيق الثياب على النوم، رغم أنه تسلح بكافة المعدات ~~العصرية، بدءا من النظارة ذات العدستين المدرجتي الدكنة، والساعة ~~المزودة بآلة حاسبة وتقويم سنوي ومنبه أوتوماتيكي، إلى الحقيبة ~~«السامسونايت». # وتوقفت عيناي عند راكبتين متجاورتين تسربلتا - بغية الانسحاب ~~التام من عالمنا التعس - بثياب فضفاضة داكنة اللون، غطت جسديهما من ~~الرأس إلى القدم، فيما عدا ثقبين في موضع العينين، فبدتا أقرب إلى ~~بومتين، أو اثنتين من الكائنات الفضائية المرعبة. # قدرت أنهم جميعا مستذلون مهانون، يتمتعون بقدرة فائقة على ~~التحمل. واستغرقني التفكير في هذا الجانب من الظاهرة، فلم أنتبه إلى ~~ما كان يجري بجانبي إلا عندما داست قدم على حذائي. # كنت أقف إلى جوار سيدة ممتلئة في أواسط العمر، أوشك أن يلتصق بها من ~~الخلف عملاق في قميص مفتوح الصدر، أرسل بصره ms80 عبر النافذة متظاهرا ~~بالشرود. وكانت السيدة دائبة الحركة في محاولة واضحة للابتعاد عنه، ~~مما جعلها تصطدم بي. # أفسحت لها قليلا بقدر ما سمح الزحام. وتطلعت - كما فعل أغلب ~~الواقفين من حولنا - إلى الفراغ الضئيل بين ساقه ومؤخرتها، فألفيته ~~قد ثنى ركبته قليلا إلى الأمام، على أهبة التحرش بها. ولم أملك إلا ~~أن رفعت إليه عيني في استياء صريح. # وأسارع فأقول إنني شخصيا من المغرمين بذلك الجزء البارز من جسد ~~المرأة، بل ومن عشاق هذه اللحظات المختلسة في الزحام. ووجهة نظري أن ~~هذا السلوك الذي قد يستهجنه البعض ليس إلا بديلا عربيا، نابعا من ~~واقعنا وشخصيتنا المستقلة للرقص الغربي، حيث يمارس الناس الأمر ذاته ~~متواجهين. # لكن البديل القومي يؤدي وظائف متنوعة أكثر من مجرد تفريغ ~~الرغبات المكبوتة؛ فهو طريقة ناجحة لمكافحة الملل الناشئ عن الزحام ~~والتوقف المتكرر لفترات طويلة في الشوارع التي زحمتها السيارات ~~الخاصة. كما أنه - لدي على الأقل - وسيلة هامة - مشحونة بالتوتر - ~~من وسائل المعرفة. # فالمرأة تظل كائنا مجهولا محملا بعشرات التكهنات، خاصة إذا ~~ما حملت وجها مترفعا معاديا، إلى أن تكشف عن نفسها فجأة - ككتاب - ~~إثر لمسة ساق خفيفة، معلنة تواطؤها، أو رفضها. # على أني جعلت لنفسي قيدا هاما على هذه الممارسة يمثل بالنسبة لي ~~جوهر المتعة الناتجة، بالإضافة إلى أنه يتفق وأحد المبادئ الأخلاقية ~~التي وضعتها لنفسي، وهو تجنب الإساءة إلى الآخرين؛ فاللمسة الأولى أو ~~الثانية من ساقي لإحدى المؤخرات تكفي - في حالة شخص مدرب مثلي - ~~لأن تعين لي ما إذا كانت المرأة تشاركني متعتي السرية، وإلا تلاشى ~~اهتمامي بها وابتعدت عنها. # وهو ما أثار استنكاري في مسلك العملاق مع السيدة بعد أن أبدت أكثر من ~~مرة - وبجلاء ووضوح تامين - نفورها من المشروع الذي عرضه عليها ~~بلمسات متكررة من ساقه. # ويبدو أنه كان يدين بمبادئ أخلاقية مغايرة؛ لأنه لم يعبأ بتأففها ~~ومحاولتها الابتعاد عنه، ولاحقها بلمساته؛ مما دفعها لأن تحتج ~~صراحة. # فقد استدارت إليه فجأة وقالت بصوت منفعل:«أرجوك أن تكف!» # بهت، ثم انفجر فيها زاعقا: «أكف عن ms81 ماذا يا امرأة؟!» # أجابته في حدة: «أنت تفهم ما أعني!» # ران الصمت على السيارة، وتحولت إليهما أنظار الركاب وقد تراقصت ~~في أغلبها ابتسامة تندر واستمتاع. # رفع الرجل يده وأهوى بها على وجهها في عنف وهو يصيح: «يا ~~فاجرة!» # انكفأت المرأة فوق الجالس بجوارها وهي تضع يدها على خدها، وانفجرت ~~باكية. ولم يحرك أحد من الركاب ساكنا. # خاطبهم العملاق دون أن يقصد بكلامه شخصا بالتحديد: «لم يبق إلا ~~هذا!» # لم يكن من عادتي أن أعرض نفسي لمواقف لا ترتفع إمكانياتي البدنية ~~المحدودة إلى مستوى مواجهتها، لكني كنت أغلي منذ الصباح، بعد أن عجزت ~~عن التفوه أمام اللجنة بما كنت أنتويه، ثم لم أجن فائدة من خنوعي، ~~ولم أملك شيئا لبائع «الكوكاكولا» الذي سرقني، كما أن الزحام والحر ~~أخذا يضغطان على أعصابي. وباختصار بلغ السيل الزبى. # ولا أستبعد أن أكون استمديت بعض الشجاعة من مواجهتي لشخص واحد لا ~~لجنة، ومن تصوري أن كافة الركاب - الذين يعرفون جيدا حقيقة ما ~~حدث، وتابعوا الأمر كله من بدايته - سيقفون إلى جانبي، انطلاقا من ~~اعتبارات دينية أو أخلاقية تستنكر المسلك الجنسي للعملاق، أو اعتداءه ~~بالضرب على امرأة عزلاء، أو تنتصف للحقيقة وحسب. # هكذا ألفيتني أخاطب العملاق على غير انتظار: «السيدة لم تدع ~~عليك.» # حدق في غير مصدق، وتساءل بلهجة تهديدية: «ماذا تقصد؟» # قلت بثبات: «لقد رأيتك وأنت تلزق بها. ولما كانت قد رفضت الاستجابة ~~لك، كان المفروض أن تتركها وشأنها.» # زعق: «كاذب! ولا أستبعد أن تكون متواطئا معها في شيء.» # أبدى البعض اهتماما مفاجئا بشيء ما في الطريق، واستدار آخرون بحيث ~~أعطوني ظهورهم. ولم ينتظر غريمي حتى يبدي غيرهم رأيه، فقرر أن يحسم ~~الأمر على وجه السرعة، ووجه إلي لكمة صاعقة، أصابتني في وجهي ~~وألقت بي فوق رءوس الجالسين. # وقبل أن أفيق من أثر اللكمة التي رجت رأسي رجا، وجعلت الدنيا ~~تتراقص أمام عيني، جذبني من ذراعي، ثم دفعني من جديد، فارتطمت كتفي ~~بأحد الأعمدة المعدنية، وفقدت توازني. رأيتني أهوي على وجهي، فمددت ~~يدي اليسرى أمامي ms82 حتى لمست الأرض، وسقطت بكل ثقلي فوقها. # شعرت بألم حاد في ذراعي، وكان العملاق قد اندفع في أثري، والسباب ~~الموجه لأبوي ينهال من فمه، لكن اثنين من الركاب اعترضاه، وجعل ~~أكثر من واحد يطيب خاطره ويدعوه للهدوء، كأنما أنا الذي اعتديت ~~عليه. # وسمعت أحدهم يقول له: «روق بالك. لبؤة ولوطي، والاثنان أغرتهما ~~فحولتك فتحرشا بك، فلماذا تعكر دمك؟» # توقف الأوتوبيس في هذه الأثناء، فأعانني راكب على الوقوف ودفعني ~~نحو الباب قائلا: «أقصر عن الشر وانزل.» # غادرت السيارة بلا وعي، ووقفت في الطريق أتأمل ملابسي المنكوشة، ~~وعندما حاولت تسويتها نبهني الألم المنبعث من ذراعي إلى الوضع الغريب ~~الذي استقر عليه، ملويا إلى الخلف عند المرفق، وقد برزت عظام ~~مفصله. # انطلقت أبحث عن مستشفى قريب يمكن أن ألتمس في عيادته الخارجية ~~علاجا بقروش قليلة. ووجدت واحدا لكني لم أعثر على الطبيب الأخصائي. ~~انتظرته طويلا حتى مللت، ولولا الألم الذي كان يخترق ذراعي عند أقل ~~حركة لانصرفت إلى منزلي دون أن أعبأ بوضعه الغريب. # وبعد حوالي الساعة اقترب مني ممرض، وأسر إلي أن الطبيب لن ~~يأتي ما دام قد تأخر إلى هذا الوقت، وأنه الآن في عيادته الخاصة ~~القريبة، إذا كنت في حاجة ماسة إليه. # دفعت له ثمن نصيحته، وذهبت من فوري إلى عيادة الطبيب. وبعد أن دفعت ~~خمسة جنيهات عند المدخل، استقبلني في غرفة وثيرة، مكيفة الهواء، ~~تتردد في جنباتها موسيقى أوروبية خفيفة. # هون علي الطبيب الأمر بعد أن فحصني بعناية قائلا: إن المفصل ~~انتقل من مكانه عند المرفق، وإنه ليس ثمة خطورة بالمرة. وبضغطة قوية من ~~يده، آلمتني، أعاد الساعد إلى مكانه، ثم كتب لي بعض المسكنات. # انصرفت إلى منزلي، فارتقيت طوابقه السبعة في إعياء، والتجأت إلى ~~فراشي مباشرة، فاستسلمت لنوم عميق، أفقت منه على آلام ذراعي. تناولت ~~بعض المسكنات دون جدوى. لم يكن الألم شديدا، لكنه كان ثابتا. وكانت ~~أمامي كثير من المهام العاجلة التي تستلزم تركيزا فائقا، فضلا عن ~~ضيق الوقت المتاح لي؛ ولهذا اضطررت - عندما استمر الألم في ms83 اليوم ~~التالي وعاقني عن التفكير - أن أذهب إلى الطبيب مرة أخرى. # فوجئت بالممرض الذي يتولى استقبال الزبائن يطالبني بأن أدفع ~~جنيها، فقلت: «لقد دفعت أمس خمسة جنيهات كاملة.» # قال: «أعرف. تلك كانت أجرة الكشف، وما أطلبه منك هو رسم ~~الاستشارة.» # قلت متعجبا: «هذه أول مرة أسمع فيها أن الاستشارة بنقود!» # لم يعن بالرد علي واكتفى بأن أشار بإصبعه دون أن يحرك رأسه إلى ~~لوحة فوقه على الحائط. # كانت اللوحة - التي لم أنتبه لها من قبل - تعلن أن للمريض الحق في ~~زيارة واحدة للطبيب خلال أسبوع من الكشف ومقابل جنيه. # قلت بانفعال: «لكن هذا هو الاستغلال بعينه!» # لم يعن بمناقشتي وإنما قال ببرود: «هذا هو نظامنا وأنت حر.» # تابع الجالسون من مرضى ومرافقين لهم حوارنا في صمت، ووجوه جامدة لا ~~تشي بحقيقة تفكيرها. وسواء خجلت من أن أبدي أمامهم هذا الاهتمام ~~البالغ بمبلغ تافه - في نظرهم على الأقل - مثل الجنيه، أو كان ألم ~~ذراعي هو السبب، فإني دفعت المطلوب في النهاية صاغرا. # وبحكم أن زيارتي للاستشارة وليست للكشف؛ فقد حل دوري سريعا، ودلفت ~~إلى خن الطبيب، ثم جلست فوق المقعد المجاور لمكتبه. ولحظت على الفور ~~شحوب وجهه، واللمعان الغريب الذي كسا بشرته. # باغتني بالقول: «إذن فأنا في رأي حضرتك مستغل؟» # عجبت للوسيلة التي عرف بها ما دار بيني وبين معاونه، وتسارعت دقات ~~قلبي على الفور، لكني لم أتراجع وأجبت: «هل لديك وصف آخر لما ~~تفعل؟» # قال: «كنت أعتقد أني أؤدي عملا إنسانيا.» # قلت: «اسمع يا دكتور، لقد تقاضيت مني خمسة جنيهات كاملة على خدمة ~~لا تكلف غير قروش معدودة بالمستشفى الحكومي حيث مكانك الطبيعي؛ فأين ~~الإنسانية في ذلك؟» # قال متبسطا: «عيادة كهذه تتكلف كثيرا، كما أنه لا يوجد مستشفى ~~واحد يمكن الاطمئنان إلى خدماته.» # قلت في انفعال: «أنت وأمثالك الذين خربتم المستشفيات الحكومية ~~لصالح دكاكينكم الخاصة. لقد تآمرتم لتنهبوا من يسوقه حظه العاثر ~~إليكم.» # شد قامته وقال في ترفع: ~~«من حقي أن أحدد أجر الخدمة التي أقدمها حسبما يتراءى لي.» # قلت ms84 : «وأنا واحد ممن يحق لهم أن يحصلوا مجانا على خدمات ~~سيادتك.» # رفع حاجبيه في دهشة: «كيف؟!» # ملت على المكتب وقلت وأنا ألوح بذراعي السليمة في إشارة شملته ~~كما شملت أثاث الغرفة وأجهزة التكييف والموسيقى والتطبيب: «هذا كله لم ~~يتحقق بفضل عبقريتك الفذة؛ فأنت وأمثالك تستفيدون من مجموعة من ~~الامتيازات المتوارثة التي سلبت مني ومن غيري، ومن آبائي وأجدادي، ~~وآباء غيري وأجدادهم على مر الزمن. وبالإضافة إلى ذلك فأنت من الجيل ~~الذي تعلم مجانا على حسابي وحساب غيري.» # نهض واقفا وهو يرتعش من الانفعال: «كفى. لا أريد مناقشتك. أرجوك أن ~~تغادر عيادتي فورا؛ فأمثالك لا حق لهم في خدماتي.» # ضغط بيديه جرسا مثبتا إلى مكتبه فقلت: «إني أعترف بأني أخطأت في ~~المجيء إليك، وحالما ترد إلي الجنيه الذي دفعته اليوم سأذهب.» # قال بترفع: «إن وقتي ثمين، وقد ضيعت جزءا كبيرا منه؛ ولهذا ~~فليس لك شيء عندي. وإذا لم تذهب الآن فسأطلب من الممرض أن يلقي بك ~~إلى الشارع.» # كان الممرض الذي ظهر عند الباب طويلا عريضا متين البناء، وخفت أن ~~يتكرر معي حادث الأوتوبيس؛ فنهضت واقفا في تثاقل وأنا أقول: «سأذهب، ~~لكني سأعرف كيف آخذ حقي؛ فما زال هناك شرطة وقضاء.» # لم أكن أعني ذلك بالطبع، لكنها كانت صيغة لحفظ ماء الوجه، أعانتني ~~على مواجهة نظرات الاستهجان التي استقبلني بها المنتظرون في الخارج، ~~والإهانات التي شيعني بها الممرض حتى أصبحت في الطريق. # مشيت وأنا أغلي ولا أكاد أتبين شيئا مما يحيط بي. ولم أنتبه إلى ~~نفسي إلا عندما اصطدم أحد المارة بذراعي فآلمني؛ عندئذ اتخذت طريقي ~~إلى منزلي وأنا أتلمس الخطى بصعوبة بين أكوام السلع المستوردة ~~وصناديق «الكوكاكولا» التي شغلت الأرصفة، والأتربة والحفر والقاذورات ~~التي لا يجد أحد الدافع لإزالتها أو حتى الشكوى من وجودها. # جعلت أنقل البصر بين الناس التي زحمت الطرقات، مقبلة في حماس على ~~الشراء وقزقزة اللب وسماع الأغاني. ولمت نفسي على أن رعبي من فكرة ~~الألم قد عرضني لهذا الموقف المهين لدى الطبيب، بينما أن الأمر - ~~بحكم ms85 المصير المقدر لي - لم يكن يتطلب كل هذا العناء. # اشتريت طعاما يكفيني لعدة أيام، وقلت للبواب أن يبلغ كل من ~~يسأل عني بأني سافرت، ثم صعدت إلى مسكني. # كان ثمة أمور لا بد من الانتهاء منها سريعا، وقد أقبلت على إنجازها ~~رغم الآلام التي كان يسببها تحريك ذراعي، فتصفحت أوراقي القديمة ~~ورتبتها، وقضيت لحظات ممتعة - رغم ما شابها من أسى - في مراجعة ما ~~حققته من إنجازات، وما أثارته من صدى وتعليقات. وأعانتني ~~الاستمارات الحكومية القديمة وبطاقات السفر والرسائل والإيصالات ~~والفواتير على تتبع المسيرة التي قطعتها منذ وقفت على قدمي. # وتوقفت عند صورة أبي، وتمثلت التركة المثقلة من الآلام ~~والسلبيات والأوهام التي خلفها لي، والآمال التي علقها علي، ولم ~~يسعفه الزمن ليشهد تحققها. وحمدت الله أن هذا لم يحدث كي لا يرى ~~مآلي. # وقضيت يوما كاملا أقلب في مجموعة من الصور لأشخاص عبروا طريق ~~حياتي، ونساء ارتبطت بهن، أو علقت عليهن آمالي في مراحل مختلفة. ~~وتمعنت في العوامل التي تكسرت عليها هذه الآمال، بحثا - للمرة ~~الأخيرة - عن مكمن الخطأ. # ومن الطبيعي أن يثير هذا الاهتمام مشاعر معينة، فلجأت إلى ما ~~لدي من كتب إباحية، واستعنت بكل من خيالي وذكرياتي لأعيش لآخر مرة ~~تلك اللحظات المتوترة الرائعة التي تدب فيها الحياة في كل خلية من ~~خلايا الجسد، وتصبح اللمسة لأي موضع منه مبعث رجفة ولذة متجددتين ~~تلحان على التكرار. # وتفرغت في اليوم التالي لمفكراتي القديمة، وما دونته بها في ~~لحظات مفعمة بالمعاناة، والأمل، بدت في حينها كثيفة، وإن بدت الآن ~~باهتة، رغم ما خلفته من شجن. وطالعتني على الصفحات التي بدأ لونها ~~يتحول إلى الصفرة، المشروعات الكبيرة التي خططت لها بحماس في ~~حينها، والإحباطات المتوالية التي واجهتني. # وقابلتني سطور عديدة نقلتها في مناسبات مختلفة عن قراءاتي، يتحدث ~~أغلبها عن الطريقة المثلى للحياة. ولبثت ساعات أحدق في هذه الأبيات ~~لماياكوفسكي، التي قالها في الغالب قبل قليل من نهايته ~~المأساوية: # أقسم ألا أتحدث بعد الآن باللسان المشين للتعقل ~~والحصافة. ~~... # الآن يمكن للمرء أن ينهض ms86 وينطق، فتتردد كلماته عبر العصور ~~والتاريخ والبشرية جمعاء. # ذكرني المصير الذي انتهى إليه قائلها بمأساتي، فاستعدت ما جرى لي ~~من وقائع، منذ أعددت نفسي لأول مقابلة مع اللجنة. وتتبعت مراحل ~~التجربة، وكيف فتحت عيني ~~- تماما - على الحقيقة الشاملة المرعبة، رغم أن ذلك تم بعد فوات ~~الوقت. # وعندما استعرضت تفاصيل المقابلة الأخيرة ندمت على تخاذلي، وعلى أني ~~فقدت أمام جماعة اللجنة الذلاقة والجرأة اللتين لازمتاني في تعاملي مع ~~أشخاص منفردين مثل القصير وعملاق الأوتوبيس والطبيب. # شغلني تعليل هذه الظاهرة حتى رأيت بعد إمعان أن جذورها تضرب بعيدا ~~في الماضي، منذ أول امتحان خضته وعمري بضع سنوات، وكل مرة بعده وقفت ~~عاريا أمام الأعين الباردة اللامبالية لأشخاص ذوي بطش، ينتمون إلى ~~عوالم مختلفة عن عالمي، وتجري حياة كل منهم في مدار مستقل لا يتوقف ~~بأي شكل على نتيجة المواجهة القائمة بيني وبينهم، عكس الأمر بالنسبة ~~لي. # تمنيت لو وقفت أمام أعضاء اللجنة من جديد لأسمعهم كلمتي. وتخيلت ~~نفسي أواجههم في ثقة، فمضيت أنتقي عباراتي في دقة وعناية. وجرفتني ~~الرغبة، فقمت من فوري ووضعت شريطا خاليا في المسجلة، وأقمتها فوق ~~المكتب، ثم وقفت أمامها كما لو كانت لجنة. # تردد صوتي قويا ثابتا في الغرفة الخالية وأنا أقول: «لقد ارتكبت ~~- منذ البداية - خطأ لا يغتفر؛ فقد كان من واجبي لا أن أقف أمامكم، ~~وإنما أن أقف ضدكم؛ ذلك أن كل مسعى نبيل على هذه الأرض يجب أن يتجه ~~للقضاء عليكم. # وأسارع فأقول إني لست من السذاجة بحيث أتصور أن هذا الهدف لو ~~تحقق سيكون نهاية المطاف؛ إذ من طبيعة الأمور أن تحل مكانكم لجنة ~~جديدة، ومهما كان حسن نواياها وسلامة أهدافها، فلن يلبث الفساد أن ~~يتطرق إليها، وتصبح عقبة بعد أن كانت علامة، ويتحتم إزالتها بعد ~~فترة من الوقت، طالت أم قصرت. # لكني تبينت من استقرائي للتاريخ والحالات المماثلة أنه عن طريق هذه ~~العملية بالذات، عملية التغيير والإحلال المتكررة، ستفقد جماعتكم ~~تدريجيا ما لها من سطوة، بينما ترتفع مقدرة أمثالي على مواجهتها ~~والتصدي لها ms87 . # إلا أني للأسف لن أكون هنا عندما يحدث ذلك؛ بسبب المصير المقرر لي، ~~والذي يعود في أحد جوانبه إلى طموحي الذي تجاوز إمكانياتي، وسعيي ~~المهووس وراء المعرفة، وفي جانب آخر إلى تورطي في محاولة متهورة - ~~لكنها كانت حتمية - لتحدي لجنتكم في وقت ومكان غير مناسبين. لكن ما ~~يخفف من أسفي هو ثقتي بما سيحدث، مهما طال الوقت؛ فهو منطق التاريخ ~~وسنة الحياة.» # لم أبالغ في كلمتي، ولم يجرفني تيار الحديث أمام المسجلة؛ فالآن ~~وأنا أتأمل كل شيء بعين متجردة، وأحسب المكاسب والخسائر بنظرة ~~شاملة، أجدني غير نادم على المصير الذي ينتظرني. وبالمقارنة مع مصائر ~~آخرين - من جيلي على الأقل - لا يوجد ما يعيبه. ما يبعث على الأسف ~~حقيقة أن اليوم العظيم سيفوتني، لكن هذا نفسه لم يكن ذا قيمة كبيرة، ~~طالما أني موقن بمجيئه. # وإذ وصلت إلى هذه النتائج شعرت بصفاء عقلي غريب، وامتلأ صدري بسكينة ~~نادرا ما عرفتها، ومرت بي لحظات من النشوة لم أعهدها إلا عندما ~~أصغي للموسيقى. وأردت أن يطول بي أمد هذه اللحظات حتى النهاية، فلجأت ~~إلى ما لدي من تسجيلات موسيقية أعتز بها، فقلبت بينها طويلا، ~~مستبعدا ما يتميز منها بالألحان العذبة الرقيقة، كما لدى موتسارت ~~وجريج، أو يغلفه الشجن كمؤلفات شوبرت وتشايكوفسكي. وعفت نفسي ~~بالمثل عن العوالم الساحرة لبرليوز وسكريايين، والتأملية الرصينة ~~لمالر وسيبيليوس. # وقع اختياري أخيرا على أعمال سيزار فرانك، الذي يتحول جلال الشك ~~عنده إلى نعمة اليقين، وكارل أورف الذي يتفجر بالحيوية والصراع، ~~وبيتهوفن الذي يتغنى بالانتصار والفرح بعد الألم، وشوستاكوفتش الذي ~~يمزج كل هذا بالسخرية. # كان الظلام قد حل، فوضعت تسجيلات هؤلاء المبدعين العظام في متناول ~~يدي، وأخذت مكاني المفضل خلف المكتب، عند الحائط الأخير ~~لمسكني. # مضيت أنصت للموسيقى التي ترددت نغماتها في جنبات الحجرة. وبقيت في ~~مكاني، مطمئنا منتشيا حتى انبلج الفجر. # عندئذ رفعت ذراعي المصابة إلى فمي، وبدأت آكل نفسي. ms88