######OpenITI# #META# URI: 1450SuncAllahIbrahim.TajribaUnthawiyya.Hindawi86168075 #META# Tags: literature #META# ID: 86168075 #META# Title: التجربة الأنثوية: مختارات من الأدب النسائي العالمي #META# AuthorID: 17162047 #META# Author: صنع الله إبراهيم #جمع وترجمة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبل أن تقرأ‏ # تقديم أول‏ # تقديم ثان‏ # بين ذراعي تامارا‏ # استيقاظ مود‏ # أنا الغريبة الجميلة‏ # لا يمكن أن يكون ميتا، فقد تحدث إلي!‏ # أهلا بك!‏ # الحب بالشخص الثالث والثمانين‏ # يوميات زوجة غير مخلصة‏ # الكراسة الذهبية‏ # جامعة الكنوز‏ # سولا «رقيقة من الذهب تحتها مرمر»‏ # القلب النازف‏ # قبل أن تقرأ‏ # تقديم أول‏ # تقديم ثان‏ # بين ذراعي تامارا‏ # استيقاظ مود‏ # أنا الغريبة الجميلة‏ # لا يمكن أن يكون ميتا، فقد تحدث إلي!‏ # أهلا بك!‏ # الحب بالشخص الثالث والثمانين‏ # يوميات زوجة غير مخلصة‏ # الكراسة الذهبية‏ # جامعة الكنوز‏ # سولا «رقيقة من الذهب تحتها مرمر»‏ # القلب النازف‏ # | التجربة الأنثوية # | التجربة الأنثوية # | مختارات من الأدب النسائي العالمي # تأليف # دوريس ليسينج وآخرين # جمع وترجمة # صنع الله إبراهيم # | قبل أن تقرأ # واكبت سنوات مراهقتي نهاية العهد الملكي في مصر. كانت البلاد ~~تموج بدعوات التحرر الوطني من الوجود الإنجليزي العسكري، والتحرر ~~الاجتماعي من سيطرة الإقطاع، ومن الأمية والمرض والحفاء! .. وشكلت ~~هذه البيئة وجداني، وخاصة الحديث عن أن المعرفة هي كالماء والهواء ~~يجب أن تكون للجميع وبالمجان. # وفي مغرب يوم من سنة 1951م، كنا أنا وأبي عائدين من زيارة لأحد ~~أقاربنا في شرق القاهرة. توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ «الباص» إلى ~~غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم! كانت ~~مقاعد «الباص» آنذاك - والترام أيضا - مقسمة إلى درجتين بثمنين ~~متفاوتين للتذاكر التي يوزعها «كمساري» برداء أصفر مميز أثناء ~~مروره على الركاب. # جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت ~~في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقا في أفكاره التي ~~تثيرها دائما أمثال هذه الزيارات. # قلت بحماس طفولي: «سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح ~~الركوب بالمجان.» # تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفت: «والكتب أيضا!» # تطلع إلي باستياء من سذاجتي: نعم! الكتب بالمجان؟ يا لها من ~~سذاجة! # ولم أتصور وقتها أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبي أنا متاحة ~~للقراءة بالمجان! وذلك بفضل مبادرة جريئة من مؤسسة مصرية ~~طموحة، فشكرا لها! # صنع الله إبراهيم # | تقديم ms001 أول # في سنة 1966م، وقع في يدي كتاب أمريكي صدر في نفس العام بعنوان: «النساء الجديدات ~~الجريئات» # The new bold women" Fawcett, 1966 # تتنوع مواده ~~بين القصة والرواية والمقالة والمسرحية، ويجمع بينها أمران: أن المؤلف دائما امرأة، وأن ~~الموضوع واحد هو الجنس. # كانت هناك أسماء معروفة بين الكاتبات، تنفي عن الكتاب صفة الابتذال، فعلى رأسهن ~~الإنجليزية دوريس ليسنج # Doris Lessing # التي حققت مكانة ~~رفيعة قبل ذلك بأربع سنوات بروايتها الشهيرة «الكراسة الذهبية» # The ~~Golden Notebook ~~، والإيرلندية ~~أدنا أوبريان # Edna O’berien # التي تتمتع بشهرة ~~مماثلة. # وفي تبرير هذه المجموعة من الكتابات، كتبت محررة الكتاب تقول، إن سنوات الستينيات شهدت ~~تغيرا عظيما في الطريقة التي تكتب بها المرأة، وفي موضوع كتابتها؛ فقد أصبحت أصلب ~~عودا، وأقل سنتمنتالية، ولم تعد تعبأ برقة التعبير، والأهم من هذا كله، أن كتابتها ~~صارت في أغلب الأحيان كتابة شخصية. # وترى المحررة أن السمة الأخيرة تشكل مظهرا جديدا للنفس المعاصرة التي تستبدل الرؤية ~~الشخصية بالمعرفة الشاملة، وتعكس التغيرات في الأعراف والمحرمات. فبفضل تحول الموضة من ~~الكاتب «الإله»، إلى الكاتب «أنا»، وما تحقق من اختراق لقيود النشر في إنجلترا والولايات ~~المتحدة، «بدأت الكاتبة تستكشف وضعها والعالم بأمانة أكثر، وطبيعية أكثر، وجدية ~~أكثر.» ~~••• # لماذا الجنس؟ # ترى محررة الكتاب أن الكتابة الذاتية لا الموضوعية، والكتابة عن الجنس، أمران طبيعيان ~~بالنسبة للمرأة، و«لعل الكتابة بحرية عن الجنس أكثر أهمية للنساء منه للرجال.» فالمرأة ~~تقع في نقطة توتر بين طبيعة بيولوجية لم تتغير على الإطلاق، ورؤية حديثة بعض الشيء عن ~~حرية جديدة، مما يجعلها مشغولة بالمحيط الذي تعمل فيه بيولوجيتها: «الجنس هو مركز هذا ~~المحيط، ولهذا فإن أسبابه ونتائجه، وتأثيراته الاجتماعية والوجدانية، تشكل مادة وجودها. ~~إن التجربة الجنسية لأغلب النساء ليست مجرد تجربة جنسية، وإنما هي محاولة للإمساك بالكون. ~~وسواء كانت حسنة أم سيئة، فإنها تسفر دوما عن كشف.» ~~••• # وبالطبع، فإن الجو الذي ساد العالم في الستينيات، هو الذي دفع المرأة الكاتبة، وأتاح لها، ~~أن تتمعن عالمها الجنسي بحرية. # ولا شك أنه كان ms002 عقدا فريدا، شهد فيه العالم أحداثا هائلة: اكتشافات علمية، غزوا ~~للفضاء، ثورات تحريرية (من الجزائر إلى فيتنام)، وتمردات على الأنظمة في الغرب والشرق على ~~السواء (من الثورة الثقافية الصينية وربيع براغ إلى ثورة الطلاب في ألمانيا وفرنسا). كان ~~هناك ضيق عارم بالأوضاع المستقرة، وبالمنظومة الأخلاقية السائدة. وانفجرت الحركة ~~النسوية. واستكشف المنتجون (في الفن والصناعة) إمكانيات التعبير الفردي الجريء (من الملابس ~~إلى السينما). وكما كان الشأن في الانقلابات الكبرى (الثورة الفرنسية 1970م والروسية 1917م) ~~ارتبط الموقف من العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية بالموقف من وضع المرأة وقضايا ~~الجنس. وسواء بالحق أو الباطل، ارتبطت المظاهرات الطلابية التي جابت شوارع أوروبا والولايات ~~المتحدة ضد العدوان الأمريكي على فيتنام، والمؤسسة البرجوازية ذاتها، بتدخين المارجوانا، ~~والموسيقى الجديدة، بمثل ما ارتبطت بالحرية الجنسية. # فإلى جانب اليوتوبيا الاجتماعية السياسية، والتي يحصل فيها الفرد على كل ما يحتاج إليه، ~~ويشارك في صنع القرار العام، وهي التي ألهبت خيال المتظاهرين، كانت هناك يوتوبيا أخرى ~~تحركهم، يوتوبيا جنسية، مؤداها سيادة كل فرد على جسده، وحقه في الاستمتاع به بالشكل الذي ~~يجلب له السعادة، على أي وجه، ودون أي قيد. ~~(مما يلفت النظر، أن عام 1967م وحده، شهد في إنجلترا صدور قانون يبيح الإجهاض، وآخر ~~يرفع التجريم عن العلاقة الجنسية بين رجلين بالغين طالما تتم باتفاقهما الحر، كما شهد ~~العام التالي إلغاء الرقابة على المسرح الإنجليزي، وفي نفس الوقت ألغت الولايات المتحدة ~~القوانين التي كانت تحرم البورنوجرافيا، وتعاقب على نشر الكتب والمجلات والأفلام التي ~~تتناول الجنس بصورة مباشرة وصريحة). ~~••• # لكن «الثورة» لم تستمر طويلا. وسواء أثبتت الأنظمة قدرتها على الثبات في وجه رياح ~~التغيير - ولو إلى حين - أو أن «الحركة» استنفدت قواها، أو ببساطة أن الموضة تغيرت، فإن ~~الطلاب عادوا إلى مقاعد الدراسة، بعد أن حصلوا على بعض المكاسب، وغادروها بعد قليل ~~ليلتحقوا بالمؤسسة، ويتفانوا في خدمتها. وعادوا يعلون من شأن قيد الزواج (والخيانة الزوجية ~~بالتالي!) الذي تمردوا عليه، وخرجت المرأة بالذات، مثخنة بالجراح، ولم يمض عقد إلا وقد ~~انفجر طاعون «الإيدز»! ms003 ~~••• # كان صدور كتاب مثل «نساء جديدات جريئات» أمرا طبيعيا إذن في أواسط العقد الفريد، بمثل ~~ما كان اهتمامي به آنذاك. # والحق أنه يمثل «وثيقة» هامة تتعلق بعالم ما زال يحتاج كثيرا من الكشف. # فقد حرصت محررة الكتاب، عند اختيار النصوص الإبداعية، على تحقيق التنوع الذي يسمح ~~بتغطية الحياة الداخلية للمرأة في مراحلها المتعددة وصورها المختلفة، فتتبعتها مراهقة، ~~عاشقة، زوجة، مغامرة، باحثة عن اللذة، أما، ضحية للبرود الجنسي، ~~ومحبطة. # وعندما سافرت إلى الخارج في صيف عام 1968م، كان هذا الكتاب من بين الكتب التي حملتها ~~معي وحرصت على عدم مفارقتها سنوات طويلة. فقد كنت أداعب فكرة ترجمة بعض نصوصه إلى اللغة ~~العربية. وألفيت نفسي بعد قليل مدفوعا إلى ذلك بضغط الحاجة، خلال وجودي ببيروت (رغم ~~الإقامة الآمنة التي وفرها لي زميلي في وكالة أنباء الشرق الأوسط وقتها المرحوم فتحي ~~القشاوي). وعرضت الفكرة على الشاعر أنسي الحاج الذي كان يرأس تحرير مجلة «الحسناء»، ويكتب ~~لها افتتاحيات بأسلوب رشيق يتعمد إلهاب خيال المراهقات، فرحب بالأمر. وقع اختياري ~~على النصوص التالية: ~~«استيقاظ مود» # Maud Awake # من رواية بنفس العنوان ~~للأمريكية مارج بيرسي # Marge piercy # وتتناول سذاجة وكوميدية ~~التجربة الجنسية الأولى. ~~«أنا الغريبة الجميلة» # I am the beautiful stranger ~~، من ~~رواية بنفس العنوان، تستكشف عالم الرجال بعيون فتاة مراهقة، للأمريكية روزالين دريكسلر ~~(1965م) # Rosalyn Drexler # وهي كاتبة مسرحية وشاعرة ورسامة ~~ومصارعة أيضا! ~~«الحب بالشخص الثالث والثمانين» # Love in the ~~83 # rd # person # للأمريكية جويس إلبرت # Joyce Elbert ~~، وتصور خواء التجريب الجنسي الذي يأخذ ~~شكل الألعاب الرياضية. ~~«لا يمكن أن يكون ~~ميتا، فقد تحدث إلي!» # He can’t be dead, he ~~spoke to me! # للأمريكية المعروفة رونا جافي # Rona Jaffe ~~، ترسم فيه صورة ساخرة للعربدة الجنسية التي ~~تبتذل الجانب الإنساني. ~~«أهلا بك!» # Hello Baby # لهارييت سومرز # Harriet Sommers ~~، التي كانت تشارك في تحرير مجلة Provincetown # الطليعية، وتتعرض في هذا النص لتجربة ~~الإجهاض في مجتمع يحرمه. ~~«يوميات زوجة غير مخلصة!» # Diary of un Faithful # للإيرلندية إدنا أوبريان # Edna ms004 o’Berien # التي شهرها فيلم ~~«الفتاة ذات العيون الخضراء»، المأخوذ عن روايتها «الفتيات الوحيدات» # The lonely Girls ~~. ~~«الكراسة الذهبية» # The Golden Notebook ~~، وهو مقطع من ~~الرواية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم، والتي وصفت بأنها «واحدة من أهم روايات القرن ~~العشرين» لواحدة من أبرز كتابه هي # Doris Lessing ~~، التي ~~ولدت في جنوب إفريقيا سنة 1919م وهاجرت إلى إنجلترا في سن الثلاثين. وتتفحص ليسنج في هذه ~~الرواية بكل صراحة، معاناة المرأة العصرية المثقفة، والتناقض الذي تعيشه بين تكوينها ~~العاطفي والنفسي القديم، وبين حياتها الاجتماعية العصرية. فالبطلة كاتبة، تعجز عن مواصلة ~~الكتابة، وتكتشف أنها تواجه إشكالية واحدة في أمور الزواج والحب والأطفال والدين ~~والسياسة والمال تنبع من تمسكها باستقلاليتها من ناحية، وحاجتها لأن تكون مرغوبة من ~~ناحية أخرى. ~~••• # كانت هذه هي النصوص التي اخترتها، وبدأت ترجمتها على الفور، كما بدأ أنسي الحاج في ~~النشر بحماس، وقد أتاحت له ممارسة هوايته اللغوية، فقدم أحدها مثلا على أنه يصور ~~«عالم المراهقات الموحش واللذيذ والوحشي!» لكنه لم يلبث أن قال لي مستنكرا: «أنت تكتب ~~لنا دعارة!» وتوقف النشر. لكني لم أتخل عن مواصلة الترجمة. بل وأقبلت أجمع في اهتمام، ~~طوال الأعوام التالية، النصوص المماثلة، وكأني في رحلتي الشخصية من أجل دراسة وفهم المرأة ~~والسلوك الجنسي عامة، كنت أستكمل، بلا وعي، كتابا أقدمه لقراء العربية ذات ~~يوم. # هكذا التقيت بأناييس نين # Anais NiN ~~. # بدت لي هذه الشخصية الفريدة في مبدأ الأمر غير حقيقية، مختلقة، وشككت طويلا في أن ~~اسمها مستعار، يتخفى وراءه أحد الكتاب المعروفين، إلى أن قرأت يومياتها. # ولدت أناييس عام 1903م (وماتت عام 1977م) من أب إسباني، عازف بيانو ومؤلف موسيقي، ~~وأم دانمركية، وقضت طفولتها في أجزاء مختلفة من أوروبا، ثم تركت باريس في الحادية عشرة من ~~عمرها إلى الولايات المتحدة. وعادت بعد ذلك إلى باريس حيث درست علم النفس على يد العالم ~~المعروف أوتورانك، وتعرفت على الكتاب والفنانين الذين كانت تموج بهم العاصمة الفرنسية ~~في العشرينيات (وهي فترة شبيهة بالستينيات، تكررت من قبل في القرن ms005 التاسع عشر، مما يوحي ~~بوجود دورة ما لموجات التمرد والثورة تعقبها فترة من المحافظة يتراوح أمدها بين ثلاثة ~~عقود وأربعة)، من مبتدع المسرح الأسود، أرتود، إلى رائد الأدب الجنسي هنري ميلر. # وفي الحادية عشرة من عمرها، بدأت يومياتها الفذة، على هيئة رسائل إلى أبيها الذي كان قد ~~هجر الأسرة. وظلت تكتب هذه اليومات طول حياتها، بالفرنسية حتى عام 1920م وبعد ذلك ~~بالإنجليزية، إلى أن بلغ عدد صفحاتها 35000 صفحة! وأتاح لها العمل اليومي في هذه اليوميات، ~~دون قراء أو رقابة ما، القدرة على تسجيل مشاعرها وعواطفها بدقة، وهي القدرة التي بلغت ~~أوجها في فترة علاقتها بهنري ميلر التي بدأت عام 1931م. # وهنري ميلر، أيا كان الرأي في قيمة كتاباته اليوم، هو بلا شك من أوائل الكتاب ~~المعاصرين الذين تحدوا المنظومة الاجتماعية والأخلاقية السائدة، بإصراره على تسمية ~~الأشياء بأسمائها، واستخدام ما سمي بكلمات الأربعة حروف، التي كانت محرمة قبل سقوط قيود ~~البورنوجرافيا في الستينيات، في كتب مثل «مدار السرطان» و«مدار الجدي»، ظلت تطبع سرا في ~~السلاسل الجنسية حتى هل العقد الفريد. # كان التقاء أناييس نين بهنري ميلر أهم حادث في حياتها على الإطلاق. فقد وقعت في أسر ~~كتابته، وفي عشق زوجته! وما إن سافرت الأخيرة إلى نيويورك، حتى بدأت مع هنري علاقة حررتها ~~جنسيا وأخلاقيا، وقوضت زواجها من المصرفي هيوج جويلر، الذي كانت تعتز به، ثم قادتها ~~إلى أريكة التحليل النفسي المعهودة. وخلال ذلك بلغت كتابتها الأوج، فأتمت دراسة عن د. ه. ~~لورانس، وسودت مئات الصفحات من اليوميات، ضمن أولى تجاربها في الكتابة الإيروتيكية أو ~~الشبقية. ورغم تأثرها بهنري ميلر وقاموسه «البذيء» فإن صوتها كان مختلفا تماما، وتميز ~~أسلوبها عن أسلوبه الفظ العدواني، إذ اتسم ببساطة آسرة، وحساسية إنسانية، وإدراك عميق ~~لأغوار النفس البشرية، ولجذور الاستيهام أو أحلام اليقظة، كما يتجلى في مجموعتين من القصص ~~القصيرة، نشرتا بعد موتها، هما: «دلتا ~~فينوس» # Delta ~~of Venus ~~، و«فتيات ~~صغيرات» # Little Girls ~~. # داعبتني فكرة ترجمة اليوميات، التي تمثل رحلة رائعة من أجل اكتشاف الذات، ms006 خاصة بعد نشر ~~أجزاء كاملة منها، بالأسماء الحقيقية للشخصيات الواردة بها، عام 1986م، بعد وفاتها. لكنني ~~اصطدمت بالصعوبة التي تواجه كل من يحاول اليوم ترجمة الإنتاج الأدبي العالمي الحديث ~~إلى العربية، فلن يتبقى شيء من «اليوميات»، إذا جردت من التحليل الدقيق لمشاعر ~~الكتبة، أو من بعض المعلومات الكاشفة عن شخصيات معروفة مثل هنري ميلر (من قبيل انشغاله ~~بصغر حجم أعضائه التناسلية، وهو ما قد يفسر إصرار الراوية في معظم كتبه وخاصة تلك ~~التي كتبها عن عمد من أجل الإثارة الجنسية مقابل دولار واحد للصفحة، على الإشادة دائما ~~بالعكس!) ~~••• # ولم أواجه هذه الصعوبة إلا في القليل، عندما قررت أن أترجم نصا آخر للكاتبة الفرنسية، ~~فرانسواز ماليه-جوريس # Francoise Mallet-Joris ~~، تتقصى ~~فيه العلاقة بين فتاة مراهقة وامرأة مجربة ذات نزعات سادية، كتبته المؤلفة عندما كانت في ~~العشرين من عمرها (ولدت سنة 1930م)، وأثار فضيحة كبرى عند نشره في العام التالي (1951م)، ~~تحت عنوان «شارع رامبار دي بيجوين # Rampar des beguines ~~»، ~~وبالرغم من ذلك فقد تابعت الكتابة، لكنها لم تلق ما حققته من نجاح بروايتها الأولى، وإن ~~كانت قد نالت جائزة فيمينا الفرنسية عام 1970م عن رواية بعنوان «منزل الورق». # عثرت على ترجمة إنجليزية لهذا النص في مجموعة هامة من الكتابات المتنوعة التي تتناول ~~قضية الجنس المثلي لدى المرأة، صدرت سنة 1960م عن دار # Fawcett # الأمريكية بعنوان # Carol in a ~~thousand cities # من إعداد وتقديم شخصية فريدة أخرى تدعى آن ألدريش # Ann Aldrich ~~، يمكن وصفها بأنها راعية لهذا الشكل من ~~الحب الذي طالما أثار مشاعر العداء والكراهية ولم يحظ بشيء من الفهم إلا أخيرا. ويتضح ~~دورها من عنواني الكتابين اللذين نشرتهما قبل المجموعة التي نحن بصددها وهما: «نحن أيضا ~~لا بد أن نحب»، و«نحن نسير بمفردنا». # والمجموعة المذكورة تضم بعض القصص القصيرة، منها قصة «لجي دي موباسان»، والدراسات ~~العلمية، منها واحدة «لفرويد» وأخرى «لسيمون دي بوفوار»، وبضع «حالات» واقعية على لسان ~~بطلاتها، بالإضافة إلى مختارات من مجلة تصدرها مجموعة من نصيرات الحب المثلي باسم ms007 ~~،«السلم» # The ~~ladder ~~. # تقول ألدريش في مقدمة الكتاب، إن المرأة المثلية كانت موضوعا مثيرا للأدب من عصر ~~«سافو» في القرن السادس قبل الميلاد، «ولما كان الأدب هو مرآة الحياة، فإن ما تعكسه هذه ~~المرآة يبلور أفكار وآراء أغلبية كبيرة من الناس. ويمكننا أن نعرف الكثير عن موضوع المثلية ~~النسائية بقراءة التعبير الأدبي القصصي عنه، مثلما يحدث عندما نقرأ الدراسات العلمية ~~عنه.» # وتلاحظ ألدريش أن الكتابات المعاصرة لا تتعامل مع المثلية النسائية كحالة شاذة جديرة ~~بالإدانة أو السخرية، وإنما كموضوع واقعي جدير بالاهتمام والفهم. فقد اختفت الصورة القديمة ~~للمرأة المثلية، (الشريرة أو المجنونة وفي أحسن الحالات المسترجلة ذات الشعر القصير ~~والبنطلون) وحلت محلها صورتها الواقعية كامرأة، لا ككائن غريب بين الجنسين. ~~••• # لم تخل رحلتي بين النصوص النسائية، من البحث عن فضاء مغاير لذلك الذي تسكنه وتملؤه ~~ضجيجا الطبقة الوسطى في الغرب. ووجدت ضالتي في كاتبة من جنوب إفريقيا، تدعى ~~بسي هيد # Bessie Head ~~، ولدت عام 1937م وتوفيت ~~أخيرا، وتدور جل قصصها في بوتسوانا، حيث استقر منفاها. # ففي قصتها الرائعة «جامعة ~~الكنوز» # The collector of treasures ~~، تعبر بأسلوب بسيط له نكهة خاصة، تقربه إلى القصص الشعبي، عن ~~نمط من الخواء الجنسي، في مجتمع متخلف يمر بمرحلة انتقال، يدفع بالمرأة إلى أقصى درجات ~~اليأس، فتجتز الأعضاء التناسلية لزوجها. # وفي تعليل هذا التطور المأساوي تقول الكاتبة إن أغلب الرجال في المجتمع الإفريقي الحديث ~~مروا بثلاث فترات زمنية. في العصور القديمة، قبل الغزو الاستعماري، كان الرجل يعيش حسب ~~التقاليد والتابوهات التي حددها أسلاف القبيلة. وقد ارتكب هؤلاء الأسلاف أخطاء فادحة، ~~أكثرها مرارة أنهم أعطوا للرجل مركز المتسيد في القبيلة، بينما اعتبروا المرأة، شكلا ~~ناقصا من أشكال الحياة الإنسانية. # ثم جاء العصر الاستعماري، وصحبته ظاهرة النزوح للعمل في مناجم جنوب إفريقيا، فتحطمت ~~سيطرة الأسلاف، وتحطم الشكل القديم التقليدي للحياة العائلية، إذ اضطر الرجل للافتراق عن ~~زوجته وأطفاله فترات طويلة، يعمل خلالها من أجل الفتات كي يجمع من النقود ما يكفي لسداد ~~ضريبة الرأس الاستعمارية البريطانية. # وبدا ms008 الاستقلال مجرد بلوى جديدة فوق البلاوي التي نزلت بحياة الرجل الإفريقي. فقد غير نسق ~~التبعية الاستعمارية تغيرا مفاجئا ودراميا. سنحت فرص أكثر للعمل في ظل برنامج ~~المحليات الذي تبنته الحكومة الجديدة، وارتفعت الرواتب ارتفاعا صاروخيا، فتهيأت الفرصة ~~الأولى لحياة أسرية من نوع جديد، أرقى من نظام العادات الطفولي، ومن مهانة الاستعمار، ~~ووصل الرجل إلى نقطة التحول هذه «حطاما هشا، دون أي طاقات داخلية. وكأنما استبشع ~~صورته، فحاول أن يهرب من فراغه الداخلي، ولهذا أخذ يدور مبتعدا عن نفسه، فسقط في دوامة ~~من التبديد والتدمير، أقرب إلى رقصة الموت.» ~~••• # توفر لدي بذلك عدد من النصوص، يكفي لتشكيل الكتاب الذي اكتملت صورته في ذهني. وقررت ~~أن أستهله بنص فرانسواز ماليه، الذي يحقق نوعا من التسلسل الزمني لمحتويات الكتاب، ~~يواكب التدرج في العالم النفسي الذي تصوره. # إلا إني عندما أمعنت النظر في هذه النصوص، راعني أنها ترسم صورة قاتمة لحياة المرأة ~~الجنسية، تخلو من بهجة النشوة أو التحقق الذي نقابله أحيانا على الأقل في الحياة! ~~وأمدتني كاتبة سوداء أخرى، من أمريكا هذه المرة، هي توني موريسون # Toni Morisson ~~، التي تمارس التدريس الجامعي، وتعتبر من أهم روائيي ~~الولايات المتحدة اليوم، كما وصفت بأنها: «د. ه. لورنس النفس السوداء»، أمدتني هذه ~~الكاتبة بنص جميل تصف فيه لحظة التحقق الجنسي لدى المرأة، بكلمات أقرب إلى الشعر، ورد ~~في روايتها «سولا» # Sula ~~(1973م)، التي تتتبع حياة ~~مطلقتين زنجيتين، نشأتا في بلدة صغيرة، واختارت إحداهما، «نيل»، أن تبقى في مكان ~~مولدها وتتزوج وتنجب وتصبح من أعمدة المجتمع الأسود المتماسك. أما الأخرى، «سولا»، ~~فتهرب إلى الجامعة، وتنغمس في حياة المدينة، ثم تعود إلى بلدتها، ساخرة متمردة. ~~••• # لم يبق إذن سوى العثور على نص ملائم لخاتمة الكتاب. ووجدته في مقاطع من رواية حديثة، ~~صدرت عام 1982م، للكاتبة الأمريكية مارلين ~~فرنش # Marlyn French # التي ذاع صيتها في السبعينيات عندما نشرت رواية «حجرة النساء» # Women’s room ~~. وتعمل مارلين هي الأخرى بالتدريس ~~الجامعي. إذ تحمل دكتوراه في الأدب من جامعة هارفارد. # وبدت لي ms009 الرواية المذكورة، وعنوانها «القلب النازف» # The bleeding ~~heart # وكأنها استئناف للحديث الدائر في رواية «الكراسة الذهبية» ~~قبل عشرين عاما! وكأن شيئا لم يحدث، أو كأنما توقفت رحلة المرأة من أجل الاعتراف ~~بمكانتها لتتأمل ما كسبت وما خسرت، فألفت نفسها ما زالت محكومة بعالم الرجل حتى وهي ~~في قمة المجتمع، أستاذة جامعية وامرأة حرة، في أغنى البلاد وأكثرها تقدما، وتتساءل ~~بمرارة: «لماذا تتكرر القصة القديمة دائما؟ فرغم نوايا الجميع الطيبة، فإن المرأة دائما ~~هي التي تدفع الثمن.» ~~••• # وأعترف بأنني ترددت طويلا قبل الإقدام على نشر هذا الكتاب. فالمواجهة المستمرة، طوال ~~العقود الأخيرة، مع قوى الإمبريالية من ناحية، والتخلف والرجعية من ناحية أخرى، دفعت ~~بعديد من القضايا، إن صوابا أو خطأ إلى مرتبة ثانوية، ومنها قضايا بالغة الأهمية، مثل ~~تلك المتعلقة بوضع المرأة والأقليات الدينية والعرقية والجنس. وكان التقدير أن حل ~~القضية الجوهرية، وهي التنمية المستقلة، سيسفر بطبيعته عن حل بقية القضايا. # حسنا! (بلغة الروايات المترجمة)، مرت السنوات دون أن تحل القضية الجوهرية، بل ~~تعمقت التبعية، ونشر الأجنبي مظلته فوق بلداتنا، جنبا إلى جنب العباءة السوداء لقوى ~~الظلام والردة. وتعمق الجهل بأمور صارت من أمد موضع دراسات نظرية وإحصائية ومعملية، ~~وإبداعات أدبية وفنية. وازداد وضع المرأة تدنيا، وجرت محاولة إعادتها إلى ركن التفريخ، ~~لتصبح مجرد «أداة جنسية»، كما كانت في الماضي السحيق، ومحاولة التعمية على مشاعرها ~~وعواطفها، بل وعلى وجهها وملامحها الخارجية أيضا. # كل ما أرجوه من هذا الكتاب، هو أن يزيد من معرفتنا بالمرأة، وفهمنا لأنفسنا، وأن يساهم ~~في تقريب اليوم الذي لا تدفع فيه نساء بلادنا الثمن! # صنع الله إبراهيم # أكتوبر 1992م # | تقديم ثان # بعد الانتهاء من مخطوطة هذا الكتاب، وقبل دفعها إلى المطبعة وقع تطوران: # الأول هو أن الكاتبة الأمريكية «توني موريسون»، التي ترجمت لها نصا من إحدى رواياتها، ~~نالت جائزة نوبل للآداب عن عام 1993م. وبرغم أنه سبق ترجمة إحدى رواياتها إلى العربية، فإن ~~النص الحالي المأخوذ عن روايتها «سولا»، هو في رأيي أول نص للكاتبة ينقل كاملا ms010 إلى ~~اللغة العربية، وهي مهمة شاقة للغاية بالنظر إلى ما يتميز به أسلوبها من حرية في التعامل ~~مع المادة الأدبية والحياتية على السواء، من شأنها أن تؤذي النفوس التي أرهف الجهل ~~والتخلف حساسيتها، وأظن أن النص الحالي هو الوحيد الذي سينشر لها كاملا باللغة ~~العربية، في مصر على الأقل، وأنها ستنضم إلى قائمة الكتاب العالميين الممنوعين من دخول ~~البلاد، ومن بينهم زميلها في الجائزة، نجيب محفوظ، الذي ما زالت روايته الهامة «أولاد ~~حارتنا» محظورة على المصريين! # التطور الثاني: هو اضطراري للتدخل في بعض الأماكن من النصوص الحالية وخاصة في نص رقيق ~~للغاية هو «استيقاظ مود» الذي أزلت منه مقاطع كاملة واستبدلتها بالنقاط المشهورة التي ~~ألف «إحسان عبد القدوس» أن يزركش بها كتاباته الأولى! فعلت ذلك بكل حزن وألم لكي أضمن ~~وصول رسالة الكتاب الأساسية إلى القارئ المصري، وهي الرسالة التي أشرت إليها في نهاية ~~المقدمة الأولى وأضيف إليها الآن: تقريب اليوم الذي نستطيع فيه أن نكتب عن أدق أمور ~~حياتنا، وننقل الإبداعات العالمية إلى لغتنا، دون أن يتدخل مقص الغباء والجهل وضيق ~~الأفق! # ص. إ # القاهرة # 16 أكتوبر 1993م # | بين ذراعي تامارا # شارع رامبار جي بيجوين للكاتبة الفرنسية فرانسواز ماليه - جوريس ~~(1951م) # Ramprant des Beguines Par Francoise Maller - Joris ~~1951 ~~(تبدأ رواية شارع رامباردي بيجوين، بفتاة صغيرة في الخامسة عشرة من عمرها، تكتشف وجود ~~عشيقة سيئة السمعة لأبيها فتقرر زيارتها. وتجد نفسها أمام مطلقة روسية في الخامسة ~~والثلاثين من عمرها، تدعوها للمجيء مرة أخرى: «الخميس .. حوالي الثالثة أو الرابعة إذا ~~شئت».) # كل ما أعرفه من تامارا جمعته بالتدريج من شذرات المعلومات التي صادفتني في الرسائل ~~القديمة، وألبوم صور، ومما كان يصدر عنها أحيانا من عبارات. لم تكن تحب الحديث الحميم عن ~~نفسها؛ لأنها كانت تمقت الفشل، وكانت تعتقد أنها لم تنجح في حياتها. كانت مزيجا غريبا من ~~الكبرياء الجريح، والطموحات المحبطة التي ما تزال حية، وكانت تجمع بين اللامبالاة التامة ~~والاهتمام المشبوب بالبشر. كل هذا كان ممتزجا بأمور أخرى، ما ms011 زالت تحيرني حتى اليوم، ~~وهو غالبا ما جعل سلوكها يفتقر إلى الترابط. على الأقل هذا ما أفسر به الآن ثقتها ~~الغريبة بالنفس، واهتمامها بلقائي، ونفاد الصبر الذي استقبلتني به عندما دققت جرس بابها، ~~كما طلبت مني، يوم الخميس التالي. # جاءت إلى الباب في غلالة، وقد تشابكت خصلات شعرها فوق جبهتها الناعمة، وبدت ناعسة، ~~غاضبة. وقبل أن تسمح لي بالدخول، حدقت في برهة، كأنها لم تعرفني. # وأخيرا قالت: «أوه هذه أنت! كنت نائمة.» # كنت قد ظننت أنها ستطردني. دلفت إلى الغرفة الزرقاء الكبيرة، وأنا ألقي بنظرة حائرة ~~على الفوضى الضاربة في أرجائها. كان المقعدان الجلديان مقلوبين، والمائدة حافلة بأعقاب ~~السجائر، مثل يوم زيارتي الأولى (فتامارا تطفئ سجائرها في أي مكان، وبأي طريقة، ولا تنظف ~~مسكنها غير مرة واحدة في الأسبوع) والكتب والأسطوانات الموسيقية مبعثرة فوق الأرض. ذلك ~~اليوم، بالرغم من اضطرابي، كان بوسعي أن أرى الحليات الصغيرة التافهة الموزعة فوق الأرفف، ~~والتماثيل الزجاجية، والأقنعة الإفريقية. وفي نهاية الغرفة بدا مطبخ أبيض اللون من خلال ~~باب مفتوح. # توقعت أن تقدم تامارا، على الأقل، تفسيرا ما لهذه الفوضى التي لا تصدق، لكنها ~~لم تفعل. لقد أنشأني أبي - إذا كان بالإمكان حقا القول بأني تلقيت تربية ما - على ~~اعتبار النظام واحدة من الخصائص الجوهرية للإنسان، وعلى الاعتقاد بأن انتفاءه يعني انتفاء ~~الإحساس الجوهري بكرامة الإنسان؛ أبسط إحساس بالكرامة. فهل يجب علي أن أستخلص من وضع ~~الغرفة، أنه كان يقول لي ما لا يعتقد؟ # تخيلت أنها تبذل بعض الجهد، قبيل زيارته، لعمل شيء من الترتيب في الغرفة. ولم أكن ~~مخطئة تماما في تصوري. ففيما بعد، أدركت أن أبي، دون أن يكون في الأمر نفاق ما، يمكن ~~أن ينفر من الفوضى في منزلنا، بل ويعاني منها جسديا، بينما يميل إلى وجودها في أماكن ~~أخرى، وفي الحالة الأخيرة يعتبرها خلفية تصويرية؛ نوعا من الإطار الذي يضاعف من شعوره ~~بأنه في جو مختلف تماما أثناء وجوده مع تامارا. نفس ما اجتذبني في مثل هذا المنزل ~~الغريب. كان مسليا، ms012 مضحكا، لكن أبي ما كان ليرغب في الحياة فيه، أيا كان الثمن. ~~وعندما فهمت ذلك، أدركت أيضا أنه لم يكن يفتقر إلى الخيال، كما سبق أن قررت بحسم، ~~بغرور الفتاة الصغيرة. لكن الخيال لديه كان مجرد لهو وتسلية، ترويح لطيف، بينما جعلت ~~منه أنا، بالتمرينات المستمرة، ودون أن ألحظ الأمر، وحشا التهم كل شيء، حتى قوة ~~إرادتي. # بينما كانت بعض هذه الخواطر تجول في ذهني، أنعشت تامارا وجهها بماء العطر، ثم مشطت ~~خصلاتها الكثيفة في شيء من الشرود، دون أن تلتفت نحوي، كأنما لم يكن لي وجود. # قالت أخيرا بصوت خالص من أي عاطفة: «المسكن غير ملائم. إنه عبارة عن سلسلة من الغرف، ~~سيئة التنظيم، بطول الجناح الخلفي من المنزل.» # مضت إلى المطبخ، وفكرت أنه من اللائق أن أتبعها. وفوجئت به يفتح على غرفة أخرى تقوم ~~بدور المخدع . # كان فرش السرير مطويا، يوحي بأنها غادرته لتفتح لي الباب. وبجوار السرير كان ثمة مطفأة ~~ممتلئة، موضوعة مباشرة على الأرض، قرب كتاب مفتوح. وكان الباركيه يلمع. ولم يكن ثمة ~~سجاد، الأمر الذي كان مفاجأة محببة لي. ففي منزلي كنت أمقت الطريقة التي يظهر بها ~~الآخرون فجأة دون تحذير؛ لأن الأبسطة الوثيرة كانت تخفي أقل الأصوات شأنا. وكانت نافذة ~~كبيرة، كالتي في الغرفة الأخرى، تطل مثلها على البحيرة. وكانت هذه الغرفة أكثر فراغا، ~~فبالإضافة إلى الفراش، لم يكن بها غير مقعد جلدي بذراعين، وصندوق مطعم ذي ~~أدراج. # ألقت تامارا بغلالتها الفارسية فوق المقعد. كانت ترتدي بيجامة شاحبة الزرقة وخفا ~~جلديا. أعجبت بقامتها النحيلة، وبلباسها الذي بدا بالغ الأناقة وأنا أقارن في رأسي بينه ~~وبين ثياب نومي، وهي عبارة عن أشياء قديمة منتفخة، محلاة بباقات صغيرة من الزهور. كانت ~~جوليا تصنعها لي، واحدة بعد الأخرى، كلما بليت إحداها، وكانت جميعا متماثلة. # قالت: «إنه مشهد جميل من هنا. لكني أحيانا أسمع موسيقى المقاهي طول الليل.» ~~«وهل يمنعك هذا من النوم؟» سألتها في أدب، شاعرة أن هناك شيئا غير طبيعي في الطريقة ~~المتصلبة التي أخاطبها بها، ms013 أنا التي أمقت أسلوب «الآنسات الحاصلات على تربية جيدة» ~~اللاتي أرغمت على مخالطتهن. لكنها لم تشجعني على مخاطبتها بطريقة غيرها. # كانت قد جلست فوق الفراش. ولم تلبث أن تخلصت من خفها واستلقت بين الملاءات. شعرت ~~بأني مثار سخرية وأنا واقفة أمامها، مثقلة بسترتي وحافظة كتبي، فقد كنت قادمة لتوي من ~~المدرسة، واندفعت الدماء إلى وجهي من الغضب. كانت هي، عمليا، التي أمرتني بالمجيء، وها ~~أنا واقفة أمامها كأني غير مرغوبة. شعرت أنها تستمتع بحرجي. أدركت ما يجب عمله: أن ~~أنصرف، وأعود إلى منزلي، وأتجاهل احتجاجاتها. لكني لم أكن واثقة أنها ستحتج، وهذا هو، ~~للغرابة، ما كبح جماحي. وأخيرا تكلمت. # قالت بهدوء، كأنما وصلت لتوي: «ضعي حافظتك إلى جوار الحائط واخلعي سترتك. ضعيها فوق ~~المقعد. هذا حسن. والآن تعالي واجلسي هنا بجواري.» # عندما جلست فوق الفراش، تفحصتني بتعبير لم أره على وجهها من قبل، أقرب إلى ~~الرقة. # قالت: «عليك أن تقرري الآن يا حبيبتي ألا تحملي أية ضغينة إزائي.» فوجئت بالنغمة ~~الحميمة التي لجأت إليها، كأنما هي عادة قديمة لديها: «أنا لست دائما مرحة. لأسباب ~~كثيرة. على أية حال، ليس الأمر بذي أهمية، ولا تستطيعين شيئا إزاءه. كل ما عليك هو أن ~~تأخذي الأمور ببساطة كما هي، ولا تزعجي نفسك بشأن أي شيء.» # صعقت من أسلوب حديثها، كما لو كنت قد أعلنت للتو أني سأقضي بقية حياتي ~~معها. # قالت بلطف: «خبريني بما كنت تفكرين فيه بالأمس.» # رغم سلوكها المربك، شعرت أني أستطيع الثقة بها. هكذا حاولت أن أشرح لها كل شيء: كيف ~~أشعر أحيانا بأني شخصان، أو أن جزءا مني يتلاشى تماما في بعض الأحيان، وعن ذلك البيت في ~~قصيدة فيدرا الذي يلح علي دائما، والذي تتمنى فيه أن تهبط مع هيبوليت إلى ~~المتاهة. # قاطعتني بعد لحظات: «يا طفلتي العزيزة! لك خيال خصب. خصب للغاية!» # قلت محتجة: «أنا لست طفلة، كما أنك لست كبيرة جدا أيضا.» ~~- «أنا في الخامسة والثلاثين.» ~~- «أوه!» لم أجد ما أقوله ردا على هذا التصريح الذي أدهشني. ms014 لكني بعد أن تفحصتها ~~بإمعان، تبينت الخطوط الخفيفة في أركان عينيها ووجنتيها البضاوين، والحلقات السوداء ~~حول عينيها. وما كان بوسع أي ملاطفة أن تترك في أثرا قدر الذي تركته علامات الجمال ~~الزائل هذه. ~~- «خمس وثلاثون سنة. إنها لا تعني لك شيئا. لكنها تعني لي الكثير. كل ما تركته ينساب من ~~بين أصابعي: الزواج، الثروة، حب حقيقي. خمس وثلاثون. ولم أستسلم بعد. ليس تماما. فها أنا ~~ذا يا عزيزتي، أسيرة هذه البلدة الصغيرة. على أية حال، أنا انطلقت من بلدة صغيرة مثل هذه، ~~بل أصغر منها. وهناك كنت أعيش في كوخ، أسوأ من هذا الماخور القديم الذي أعيش فيه ~~الآن.» # أوشكت أن أقاطعها لأقول لها إني أحب هذا المنزل كثيرا، لأسألها عن معنى كلمة «ماخور»، ~~لكني أحجمت خوفا من أن تعنفني، أو تتوقف عن الحديث. كانت تنظر إلي بمودة - أو هكذا ~~ظننت. ~~- «أنت أيضا سوف تخرجين إلى العالم من بلدة صغيرة. لأنك تحلمين بمغادرة هذا المكان، ~~أليس كذلك؟ وإني لأتساءل: إلى أين سينتهي بك المطاف؟! لا يمكنني إسداء النصح إليك. لقد ~~كنت أعرف دائما ما يتعين علي أنا عمله، لكني لم أعمله أبدا! ربما ستكون الأمور أسهل ~~بالنسبة لك؛ فأنت بريئة للغاية.» # أثرت في صراحتها. وتنبأت بصداقة طويلة، تتخللها أحاديث حميمة، مثيرة. وهيئ ~~لي أني قد وجدت أخيرا ملجأ، مكانا بعيدا عن المنزل، يرحب بي وقتما شئت. وقبلت يدها ~~مرة ثانية. # تفحصتني في فضول. # قالت برقة: «اخلعي حذاءك يا عزيزتي.» كأنما ذلك كان شيئا طبيعيا للغاية. # استغرق مني فك رباط حذائي وقتا طويلا للغاية. كانت يداي ترتعشان بشدة، مما أرغمني ~~على تكرار المحاولة إلى أن نجحت. ~~- «والجوبة .. والبلوزة .. هذا حسن. والآن تعالي إلى الفراش.» # كنت أرتعد، دون أن أستطيع السيطرة على نفسي، وأنا أدلف إلى الفراش. وانفكت شبكة شعري، ~~وسمعت صوتها (لم أجرؤ على النظر إليها) يقول بلهجة عادية: «شعرك جميل.» # تلمست كتفها بحركة غريزية لأخفي وجهي به، وشعرت أن شيئا مرعبا على وشك الحدوث. ~~لكنها رفعت ذقني إلى أعلى، وأجبرتني ms015 على النظر إليها. # قالت: «مؤكد أنك لست خائفة؟ لا يمكن ... في سنك.» # كانت قد رفعت نفسها قليلا إلى أعلى، معتمدة بمرفقها على الوسادة، وكنت أرقد ~~متصلبة، يغمرني الفزع. لكنها انحنت خارج الفراش، وأدارت فيما يبدو جهازا للراديو، فوق ~~الأرض، لأن الموسيقى الناعمة ما لبثت أن تصاعدت. # قالت: «هذا أفضل، أليس كذلك؟» وجذبت رأسي إلى أسفل فوق صدرها: «لا تقولي شيئا. ~~استريحي.» # أطعتها. وسرعان ما كنت قادرة على الإنصات للموسيقى في شيء من الطمأنينة. وعدت إلى ~~مداركي، فأخذت أتساءل عما أفعله في فراش هذه السيدة بينما أنا في نصف ملابسي. # كنت بالذات منزعجة بشأن ملابسي الداخلية. فبدافع الرغبة في المعارضة، ولأكون مختلفة عن ~~قريناتي، اللاتي لا يفكرن في غير المخرمات والمطرزات والحرائر، كانت ملابسي الداخلية ~~من الكتان الخشن دون تبييض. لكنني اليوم كنت أتمنى أن أكون في ذلك النوع من الملابس الذي ~~أمقته. ومع ذلك، بدأت أشعر بالتحسن تدريجيا بينما كنت أحدق في السقف، ويد تامارا ~~تملس لي شعري. # قالت: «تشجعت الآن قليلا يا عزيزتي؟ أتشعرين بالبرد؟» # هززت رأسي نفيا. ~~- «أرى أنك ما زلت غير مستعدة للحديث. لكن ابذلي مجهودا! احكي لي عن نفسك. ماذا فعلت ~~بالأمس؟» # حاولت لكني لم أستطع التفوه بكلمة. ~~«قولي شيئا ... أيا كان!» # بدت نافدة الصبر بعض الشيء، الأمر الذي أصابني بالشلل. وللمرة الثانية رفعت وجهي إلى ~~أعلى وتأملتني بإمعان: «اصغ إلي يا طفلتي. إذا لم تقولي شيئا خلال خمس دقائق، سأصفعك. ~~قولي شيئا ولو حتى أوه! لك الخيار.» # لم يبد عليها الغضب، لكني أدركت أنها تعني ما تقول. # همست برغمي: «أنا خائفة!» # أجابت بهدوء بالغ: «هذه بداية طيبة.» # لكن الصدمة التي شعرت بها من جراء تهديدها، ضاعفت من خوفي وحرجي، ودفعتني إلى ~~الانخراط في البكاء. وعلى الفور انحنت علي وأخذتني بين ذراعيها. شعرت بجسدها النحيل، ~~ذي العضلات المفتولة، كأنه لصبي. وضعت ذراعا تحتي وهي تهدهدني، وفاضت دموعي فوق ~~رقبتها وصدرها. # كنت دائما أهوى البكاء. وفي الخامسة عشرة كنت أبكي لأي سبب: كتاب، كلب تعرض للدهس في ms016 ~~الشارع، كلمة حادة، مشهد طبيعي جميل، كونسير، أغنية حزينة، وعندئذ أشعر بقلبي وقد انشطر ~~إلى جزأين، وتحطم في صدري، محدثا ألما لذيذا. وكانت جوليا تأخذني هكذا بين ذراعيها، ~~وتمدني كلماتها المطمئنة بمتعة غامضة. هكذا ذقت بين ذراعي تامارا بهجة التسرية ~~والعناق، وسماع الكلمات الحانية، والمتعة الطبيعية في القبلة الطويلة التي أعقبتها. # لم يسبق لي أن قبلت أحدا من قبل بهذه الطريقة، ورغم أني طالما أنصت لثرثرة زميلاتي ~~عن فتاة بلا حياء سمحت لكل أولاد المدرسة بتقبيلها في فمها، لم تكن لدي أية فكرة عن ~~القبلة وما تعنيه. # والواقع أني ظللت طوال أسابيع في أعقاب هذه القبلة الأولى، تحت وهم أنها ابتكار رائع ~~لتامارا ذاتها. وذات يوم قررت أن أرضي فضولي، فأمعنت النظر عن قرب إلى عاشقين يتبادلان ~~القبلات في الحديقة العامة، وهو سلوك كنت أتجنبه دوما بدافع من شعور بالاشمئزاز، ~~فزالت عندئذ كل أوهامي. # هكذا كانت تلك القبلة كشفا تاما ورائعا. ولم تكد تكف عن تقبيلي حتى رفعت إليها ~~شفتي من جديد. وفيما بعد، جردتني كلية من ملابسي، ولاطفتني بيدها، كما يداعب ~~الإنسان جوادا، لكني كنت عاجزة عن التفكير في شيء آخر، وبدت لي لذة تقبيلها تامة، ~~كما كنت عاجزة عن التغلب على الارتباك اللذيذ الناشئ عن وجودي بهذا القرب من شخص آخر، ~~وهو أمر لم أتخيل أبدا إمكان حدوثه. وبين القبلات، التي لم أمل منها مطلقا، رويت لها ~~كل شيء، في سيل متدفق من الاعترافات المختلطة، ضمنته كل ما حلمت به أو تخيلته ~~أو رغبت فيه. بل اختلقت بعض الأمور، عندما لمست مدى اهتمامها، وقفزت من مكاني عندما ~~قالت في سلطان هادئ: «حان الوقت لأن ترتدي ملابسك يا عزيزتي وتنصرفي إلى منزلك.» # كنت أترنح من السعادة عندما تركتها، ومضيت أتحسس الجدران والأشجار والثلج. كنا ~~قبل الكريسماس بيومين، وشعرت أني تلقيت هدية من السماء. # هكذا بدأت الأمور بيني وبين تامارا. ~~••• # من النظرة الأولى لصورة إميلي، قد أبدو شبيهة بها. أنا نفسي ظننت ذلك عندما عثرت على ~~الصورة الكبيرة في ألبوم ms017 تامارا، الأمر الذي أعطاني نوعا من الصدمة. لكني عندما تأملتها ~~بدقة أكثر، اكتشفت سطحية الشبه. كان لإميلي شعر ذو لون بني خفيف، وعيون كبيرة، وملامح ~~متناسقة - مثلي. لكنك سرعان ما تتبين أن تعبيرها أكثر برودة، ويجب أن أضيف، أكثر ~~ذكاء. فأنا أمتلك - طبقا لرأي تامارا - نظرة بليدة. وقد واسيت نفسي عندما قالت تامارا ~~ذلك، بأن انتحلت لعيني صفة «عيون الثور» التي اعتبرها اليونانيون مقياسا ~~للجمال. # كانت ملامح إميلي أيضا أكثر رقة وتأثيرا من ملامحي. ولا شك أنها كانت مختلفة عني ~~للغاية، وفقا للروايات المختلفة، ولهذا لم يكن بإمكاني أن أطمح إلى منافسة الفتاة التي ~~كانت الحب العظيم في حياة تامارا. # ما عرفته عنها من تامارا (التي كان يؤلمها الحديث في هذا الموضوع) كان أقل مما ~~علمته من قراءة الرسائل القديمة التي احتفظت بها، وتركتها بإهمالها المألوف، في ~~الأدراج المفتوحة لمائدة زينتها. وكان بوسعك أن تتبين على الفور الفرق بين خطينا، ~~وأن خط إميلي هو النقيض التام لخطي. كان كبيرا ثابتا، حاد الزوايا، مدت الخطوط ~~العرضية لحروفه بإحكام ينطق بالعزم والعناد. أما خطي أنا، يا للسماء! فكان خط تلميذة، ~~ينطق بالجهد: الحروف مستديرة ومهتزة قليلا، نوع الخط الذي تطالعه في الكراسات ~~المدرسية المسطرة، حيث تتوقع أن تقرأ تحته هذه الملاحظة: «جيد، لكنه متيبس بعض ~~الشيء». طالما عانيت من خطي، كما كان الأمر مع وجهي، فرغم أن الآخرين قد يرونه شبيها ~~بوجه مادونا ألمانية، كان يبدو لي مجردا من الشخصية تماما. كان ثمة شيء عارم وشيطاني ~~في وجه إميلي، بينما كان وجهي، إذا لم يكن منفعلا من جراء عاطفة قوية، يبدو كأنما يعكس ~~رصانة تامة. # لم أر إميلي مطلقا. لكني ظللت مهووسة بوجودها عدة شهور، لهذا يجدر بي أن أحكي القليل ~~عنها وعن تامارا، قبل أن أظهر في حياتها. # كانت تامارا قد تركت قريتها في روسيا، وفقرها هناك، لتنتقل إلى باريس، عروسا ~~ليهودي أرمني يدعى عزرا سولر، كان معجبا بها. كانت آنذاك في السادسة عشرة من عمرها، لا ~~تعرف القراءة أو الكتابة، ms018 ولا تتكلم غير لهجة دارجة يصعب على الروس أنفسهم فهمها. كانت ~~رائعة الجمال في ذلك الحين، وكان التاجر مسرورا بجهلها وهمجيتها. وكان قد اشتراها ~~عمليا عندما تزوجها، وظن أنه قيدها إليه بالزواج، لكنها بعد خمس سنوات في باريس، ~~صارت قادرة على القراءة والكتابة والحديث بالفرنسية في طلاقة. ومنذ تلك اللحظة صارت تستطيع ~~الترويح عن نفسها من دونه، فتخرج بمفردها، وتختار ملابسها بنفسها. # كان سولر فخورا بها، كأنما هي من خلقه. لم يقدمها أبدا إلى أصدقائه دون أن يتباهى ~~بما أجراه عليها من تحسينات، كأنها حيوان أليف. وسرعان ما ضايقها هذا المسلك، وكانت قد ~~تبينت أنه في الخمسين من عمره، نحيف وأصلع، وأن ذكاءه من النوع المدمر. كان سلوكه في ~~المجتمعات لطيفا، لكنه كان يحتقر الجميع. وكان يحب إسداء الخدمات، لكنه كان يفعل ذلك ~~بدافع من ساديته، فقد كان يسر عندما يحتاج إليه من يزدريهم، ويجد في خنوعهم مبررا ~~لازدرائهم. كان يردد أن هذه الخاصية سمة لجنسه، لكن هذه السخرية ذاتها كانت تثير ~~حنقها. واكتشفت أيضا أنه ثري، وأتاح لها كرمه أن تستفيد من ثرائه. فحصلت لنفسها على ~~شقة كبيرة، وفرشتها بأثاث فاخر، ذي ذوق رصين، واشترت سيارة، وحصانا. # راقبها سولر بفضول واستمتاع، تاركا إياها تفعل ما تشاء. توقع أن تكشف عن ذوق ~~همجي، وترتمي فوق الجواهر والشرائط والملابس المعقدة. لكنها بدلا من ذلك كانت تنزع إلى ~~البدلات المحاكة، أو البنطلونات الفضفاضة في المنزل، رافضة أن تكشف عن كتفيها الجميلتين ~~في أردية السهرة، كما عكست شقتها نفس الرصانة والعزيمة. وابتسم سولر لنفسه عندما شاهدها ~~تخطو في غرفتها ببنطلون الفروسية، وترمي بقفازاتها السميكة، أو بسوط الركوب، فوق مائدة ~~واطئة، وقد أمتعته هذه البوادر الرجولية. كان يحب غرفتها، ويدعوها ضاحكا بالحظيرة، أو ~~بالجاراج، لكنه شعر بأن رغبتها في الاستقلال موجهة بلا وعي ضده، فوجد لذة خبيثة في ~~تحطيم أي وهم بالحرية يدور بخلدها، بمجرد وجوده. فتعود أن يتناول طعامه، ويروح عن ~~نفسه، في حلبة أحدث المعجبات بها، ولاحظ كيف تعامل كافة صديقاتها بتعال ms019 نابع من شعور ~~لا واع بالانتقام. فحدث نفسه، إن نزعات تامارا ونزواتها، مدعاة للطمأنينة. واكتفى بأن ~~يذكرها بوجوده، بين الحين والآخر، بكلمة لاذعة يشحب لها وجهها من الغضب. وحدث نفسه أنه ~~يتسلى بترويضها بهذه الصورة، فلم يدرك أنه يحبها. # وقد استقبل إميلي بنفس الطريقة التي اتبعها مع صديقات زوجته الأخريات، ولو أنه دهش ~~قليلا من صغر سنها - فلم تكن قد بلغت العشرين بعد - والحرية الغربية التي أتاحها لها ~~أبوها. كانت قد جاءت من جزيرة جيرسي إلى باريس لتتعلم الفرنسية وستبقى بها عامين. أعجبه ~~وجهها الجميل المعبر، لكنه اعتبرها بغير ذات أهمية. لهذا لم يكن لذهوله حد عندما تركته ~~تامارا لتعيش مع إميلي. ومع ذلك استمر يقدم لتامارا دخلا صغيرا، متظاهرا بأنه يفعل ~~ذلك بدافع النبل الخالص، بينما كان ذلك في الواقع بأمل استعادتها ذات يوم. # أقامتا في مسكن صغير مشمس، أقرب إلى الدير، حيث عكفت الفتاة الشابة على دراستها. وكان ~~المبلغ الذي أعطاه سولر لتامارا محسوبا بدقة: إذ يكفي بالكاد ليحول بينها وبين العمل؛ ~~فقد كان يعرف جيدا مدى حماقتها وطيشها وأنها لن تفكر في العمل إلا إذا دفعتها الحاجة ~~الماسة إلى ذلك. وجه آخر لحسبته الدقيقة، أن يجبرها على الاقتراض منه كل شهر. وفي كل ~~مرة تأتي إلى مكتبه من أجل النقود، كان يحصيها ببطء، وهو يرقب وجهها، بحثا عن تورد ~~عابر، أو طرفة عين، تكشف عن شعور بالمرارة أو الأسف. لكن تعبير تامارا وهي تتأمل الأثاث ~~المطعم، واللوحات، ومنافض السجائر الفضية، لم يكشف إلا عن قناعة جذلة، كأنما تقول: «لا ~~يمكن الحصول على كل شيء.» # لا أعرف سوى القليل عن علاقتها بإميلي: أنها استمرت سنتين ونصف السنة، وكانت مشبوبة، ~~عاصفة وجامحة، لكن سعيدة في إجمالها. وقد قرأت الرسائل التي كتبتها إميلي لتامارا عندما ~~افترقتا ذات صيف، فاحمر وجهي خجلا. وأخيرا تركتها إميلي إلى «شاب ممتاز»، مهندس ~~بلجيكي، كان ذاهبا إلى الكونغو. وأعرف أقل من ذلك عن الفترة التي أعقبت هذا الأسى العظيم ~~في حياة تامارا، والتي سبقت لقائي ms020 بها. فمن إشارات عابرة منها، استنتجت أن تلك الفترة ~~تميزت بالغرف المفروشة، والمطاعم الرخيصة، وبطاقات الدرجة الثالثة بالقطارات. وكان ~~علي أن أحدس الجوانب الخفية في تلك الفترة، من التعاسة اللامبالية، والدائنين ~~اللحوحين، والبوابين عكري الأمزجة، والملابس التي يتعين رهنها أو بيعها، والغرامات ~~الوجيزة الضرورية. # ما الذي أتى بها إلى هنا؟ كيف التقت بماكس فيلار، الفنان الذي هيأ لها، بدافع الشفقة، ~~هذا المسكن في شارع رامبار دي بيجوين؟ أسئلة ظلت بلا إجابة. وعندما التقيت بها، كان قد ~~مضى عليها في هذه الشقة سنتان، أنفق أبي عليها خلالهما، على نطاق ضيق. وبين زياراته، ~~كانت تشغل وقتها بالكتب التي كانت تلتهمها التهاما، والشاي، والسجائر التي تفرط في ~~تدخينها - وهي بلا شك السبب فيما كان يعتريها من كآبة - وفي بعض الأحيان تجرع زجاجة ويسكي ~~كاملة. # في زيارتي الثانية لها، قامت بأكثر من تقبيلي، وما لقنتني إياه ظل مبعث قلقي لأمد ~~طويل فيما بعد. # ذات مرة، حدثتني إحدى المدرسات بصورة ضبابية عن العادات السيئة التي تدمر الصحة ~~وتتسبب في أمراض مرعبة. ولم أعر هذا الحديث اهتماما كبيرا وقتها (وأظنها الآن ~~ترجع شرودي الدائم ولامبالاتي إلى تلك العادات). وما إن أدركت المقصود بتلك العادات، ~~حتى أصبحت نهبا لمشاعر قلق ضاعف منها الغموض الذي أحاط بها. حتى المتعة التي أمدتني ~~بها تلك الملاطفات، بدت لي من علامات المرض، ولم أجرؤ على الحديث عنها مع تامارا (خوفا ~~من سخريتها)، فأشبعت نفسي قلقا دون أن أعرف ماذا أفعل. # أما الوساوس الأخلاقية، فلم يكن لدي منها شيء. في أول يوم، كنت أرتعد وأنا جالسة مع ~~أبي إلى المائدة، خوفا من أن يرتفع عنه الحجاب فجأة، ويتبين من وجهي ما جرى. وفي المدرسة ~~كنت أخشى أن يشير إلي أحد بإصبع العار لأن وجهي خانني. لكني سرعان ما أدرك أن أحدا ~~لم ير شيئا. وعلى العكس، بدأ الآخرون يهنئونني على أني لم أعد أغرق في الأحلام، وأني ~~أصغي بانتباه أكثر لما يقال لي. هكذا انتصر الفسق! وتحسنت درجاتي في الصف الدراسي، ~~وهو ms021 ما أثار حرجي. فبعد أن كنت متخلفة دائما بشكل يثير الرثاء، ارتفعت إلى درجة ~~تنبئ بأني، لأول مرة، لن أضطر لتكرار امتحان نهاية العام. # وأخيرا ساهمت خطوة وقحة من جانبي في تبديد ما تبقى من مخاوف. فقد كان لأبي صديق ~~طفولة، هو فريدريك فان برج، يتمتع بسمعة سيئة. فدون أن يتمكن أحد من إثبات شيء قيل إنه ~~عشق العديد من سيدات المجتمع الراقي في البلدة، وغرر ببعض الفتيات الصغيرات، وإنه ~~يشاهد دائما في ملاهي «فيرسان»، البلدة الكبيرة المجاورة. # افترضت أن هذا الرجل الغارق في الملذات سيتقبل سوء سلوكي، وقدرت أنه ليس هناك من ~~يستطيع أكثر منه إحاطتي بنوع الأخطار التي أخشاها. لهذا مضيت إليه في مكتبه. وكان، مثل ~~أبي، يملك مصنعا. لكنه ورث ثروة كبيرة، فحد من نشاطه، وشغل نفسه بالمضاربات. لكنه كان ~~يذهب كل يوم في نفس الموعد إلى مكتبه بضاحيتنا، من الثالثة إلى الخامسة. وأشيع أنه ~~يحتفظ فيه، أيضا، بمسكن خاص. # هكذا كان الذهاب إليه مغامرة مجنونة. وكان المفروض أن تحول صداقته لأبي بيني وبين ~~الإقدام على هذه الخطوة. لكن أملي فيه لم يخب. فقد تلقى كل شيء كأنه يستمع إلى ~~نكتة، وبدا عليه الاستمتاع بما رويته له، وفي النهاية طمأنني. لم يكن حتى مضطرا لأن ~~يعدني بكتمان الأمر عن أبي. كان له مسلك المتواطئ، وبدت له علاقة تامارا بأبي مثل ~~التوابل المضافة إلى مغامرتي الغريبة. أما أنا، فأعترف بأني لم أفكر أبدا في هذا الجانب ~~من الأمر. فلم يخطر ببالي أبدا أن أبي يستمتع بلحظات مماثلة من الحميمية مع تامارا، ولم ~~يزعجني هذا الخاطر مطلقا، رغم ما قد يبدو في ذلك من غرابة. فلأن وقت أبي كان محدودا، ~~وبدافع أيضا من كياسة طبيعية، لم يكن يقدم على زيارتها قبل أن يخطرها بنيته ~~تليفونيا. ونادرا ما كانت زياراته تتعدى المرة أو المرتين في الأسبوع .. «لأسباب ~~صحية»، هكذا أوضحت لي تامارا، التي لم يبد عليها أبدا الشوق لهذه الزيارات. ومع ذلك ~~كانت تستعد لها بإزالة أعقاب السجائر، وبأن تجمع ms022 كل ما هو مبعثر على الأرض، وتدسه في ~~أدراج الدولاب ثم تغلقها. وبهذا الشكل تحتفظ الشقة بطابعها البوهيمي، وتصبح نظيفة ومرتبة ~~في الوقت نفسه. لكن هذه الاستعدادات لم تثر لدي سوى الشعور بأن تامارا تقوم بعمل ~~مضجر. # تخلص مني فان برج بقرصة في خدي، عارضا علي في مرح أن آتي لزيارته، إذا سئمت ~~المتع التي أنالها من تامارا. قال إنه سيعرف كيف يحملني على تقدير أنواع أخرى من ~~المتع! # شعرت بمزيد من الراحة عندما غادرته، ومنذ تلك اللحظة نظمت حياتي كلها حول شارع رامبا ~~دي بيجوين. ~~••• # انصرم الشتاء في سلام. وقرب نافذتي، خشخشت فروع شجرة الليمون في مهب الريح. وظلت ~~القطة مكانها قرب المدفأة. ومضى الأطفال يتزحلقون في الشارع. وكنت أصل المنزل دائما مع ~~حلول الظلام، لكني لم أعد أخشى اختباء بعض الأشرار بين شجيرات المنتزه. فقد شعرت أني ~~أصبحت شخصا ناضجا. # كنت قد أقلعت عن الانغماس في الحالة «الشاعرية»، كما أطلقت على ألعاب الخيال، ذلك ~~التشويه للحياة الذي أوشك أن يصبح طبيعة ثانية لي. فرغم أني لم أكن قد قرأت شعر رامبو ~~بعد، فقد كنت أستخدم المصطلح الذي التقيت به في كتاباته بعد ذلك، لدهشتي الساذجة، وهو ~~تعبير «التشويش المنتظم». وكنت أومن أنه عن طريق التشويش المنتظم لخيالي، سأتمكن من ~~بلوغ الحالات العليا للوعي الشعري. والحاصل أن حالات الغياب عن الوعي لم تتمخض عن شيء ~~على الإطلاق، وكان المفروض أن يبصرني ذلك بالأمر. لكني ظننت أنه من الطبيعي ألا تعبر ~~«الشاعرية» عن نفسها بأية وسيلة، وأنها في حالة كمون داخلي. إلى أن أتاح لي الاختفاء السريع ~~لكافة هذه الخيالات، تقدير قيمتها. # لكني لم أضع وقتا في هذه الاعتبارات، ولا فكرت طويلا في الخطر الذي أفلت منه ~~بالتخلي عن هذه الممارسات الخادعة. فكما سبق أن قلت، كنت أحيانا ما أفقد السيطرة على ~~خيالي المريض، فيتملكني لدرجة أعجز معها عن التفكير السليم. # بعد أن احتلت تامارا المكانة الأولى في عقلي بفترة وجيزة - وهو أمر لم يستغرق أكثر من ~~بضعة أسابيع - بدأ ms023 أبي يمتدح ما أسماه «صحوة شخصيتي». فقد أصبحت أكثر انتباها، وأقل ~~فتورا في المشاعر، كما قال. ونجحت هذه التعليقات أخيرا في إزالة القليل من مشاعر الندم ~~التي كانت تخالجني. كان أبي مبتهجا برؤية ما اعتراني من تغير، ناسبا كل ذلك إلى ~~اجتيازي «للسن الحرجة». هنا أدركت أنه كان دائما في قلق بشأن عقلي البليد ونوبات الشرود ~~المفاجئة التي تنتابني. وأدهشني هذا الاكتشاف، إذ لم يخطر لي من قبل أنه يعطي أقل ~~اهتمام لوجودي. وكان من شأن سروره بما طرأ علي من تغير أن يدفعني إلى التفكير، لكني لم ~~أكن أملك الوقت لذلك، إذ كنت أفكر في شيء آخر. # عندما أقول إني لم أعد أستسلم لأحلام اليقظة، أعني بذلك حالة التبلد التي لا ينتزعني ~~منها شيء. لكن رغم أني لم أعد أسعى للهرب من الواقع - وكنت على العكس أنغمس فيه بكل سرور ~~- فما إن أبتعد عن تامارا، حتى أجدني أفكر طول الوقت في اللحظات التي أمضيناها سويا، ~~والتي شكلت بدورها نوعا من أحلام اليقظة، ولو أن موضوعها كان أكثر موضوعية مما دارت ~~حوله أحلام يقظتي في السابق. # على أية حال، لم أعد بحاجة إلى تشييد حياة متخيلة، لأن كل دقيقة من حياتي الحقيقية ~~كانت تدهشني بغرابتها. فقد ظل منزل «رمباردي بيجوين» يجتذبني بقوة. وكنت أقوم بتحليله كل ~~يوم، فاكتشفت تفاصيل جديدة: زاوية حجر، خطا من الطحالب البحرية لم ألمحه من قبل، نقطة ~~نظر جديدة تبدو منها ابتسامة حوريات البحر الخليعات مختلفة، ساخرة أو رقيقة، قطعة منسية ~~من الزخارف المطلية بالذهب، أو الفسيفساء المتآكلة. # انتشيت بدراسة كل هذه الأشياء وأكثر منها. كانت للمنزل ست شرفات، وأربعة طوابق، وثماني ~~شقق، وكان ارتفاعه تسعة عشر مترا، وطوله اثني عشر. أعجبني تناسق قياساته، وضخامة تصميمه ~~وجرأته، واللون الأخضر للسلم الرخامي، وعاهدت نفسي أن أمتلك منزلا مشابها إذا أصبحت ~~ثرية، وألا أنسى أو أتجاهل فسيفساء واحدة أو تمثالا واحدا من تلك التماثيل التي عهد ~~إليها بدور الأعمدة للبناء. # كيف يمكنني إذن أن أصف شعوري إزاء حياة ms024 تامارا؟ كيف أعجبت بفوضاها، ونوبات حزنها ~~المفاجئة، ولحظات مرحها؟ # كنت أنهض أحيانا في الخامسة صباحا لأذهب معها إلى مدرسة الفروسية، حيث تمتطي حصانا ~~اقترضته. كنا نخرج دائما قبل الفجر. فتخطر إلى جواري، بجسدها اللدن، وعزيمتها القوية، ~~وخطواتها الواسعة، في سراويل الركوب، وحذاء بلون الظباء، فتبدو رائعة الجمال، وأكاد أبكي ~~من الإعجاب. أتذكر كيف كانت تؤرجح سوط الركوب بغير اكتراث، وتصفر بلا مبالاة. كانت مدرسة ~~الفروسية على حافة السهل، لهذا كنا نضطر إلى المشي نصف ساعة بين صفين من المنازل الساكنة ~~في شوارع مهجورة، ما زالت مصابيحها تومض ثم تخبو. لكن مدرسة الفروسية في تلك اللحظة تكون ~~في أوج نشاطها. وعلى الضوء الخافت لمصباح كهربائي، تمر أشكال معتمة، خلف عربات محملة ~~بالأعلاف. أحببت رائحة الحظائر، وصهيل الجياد في مرابطها، وفوق كل شيء حفيف القش عندما ~~يحركونه بالمذراة في بطء ، ثم يتساقط بتنهيدة رقيقة تشبه تراجع الأمواج. أنا التي ~~أستطيع التفكير دون عاطفة ما في علاقة تامارا بأبي، كنت أغار من مدرس الفروسية، ~~وأكرهه. كان هذا الجوكي السابق، هوارد، بقامته النحيفة، وحجمه الضئيل، مجردا من أي ~~جاذبية، لكن ما إن تلج تامارا الجانب المخصص للفرسان - بينما أبقى أنا خلف الحواجز ~~الخشبية - حتى يجري نحوها ويناديها في ألفة تثير حنقي: اسمعي يا فتاتي! لا يمكنني أن ~~أعطيك بلزاك اليوم! فقد خرج به العجوز فرات ليلة أمس، وما زال متعبا وعصبيا، وفمه ~~ملتهبا. خذي بوميون أو قيصر. قيصر يألفك. هل أدعوه لك؟» # وتوافق تامارا على اقتراحه، دون أن تظهر ضيقا بطرحه الكلفة معها، وتبتسم للرجل ~~البشع الضئيل بطريقة رفاقية لا تستخدمها معي. كانا يتحدثان عن السباقات، ويناقشان ~~القفزات، ويذكران مباريات وددت لو أهتم بها لكني لم أفعل لأني لم أفهم شيئا ~~بشأنها. # ثم يقول: «ها هو حصانك. دعيه يقفز قليلا ليحافظ على لياقته. وداعا يا جميلة!» # وبعد أن يربت على ظهرها، يبتعد. # ترتقي السرج بمهارة، وتتأكد من موضع الركاب، وفي اللحظة التي تستقر فيها بمقعدها، ~~ويقرقع الجلد تحتها، أشعر بألم في قلبي كأنما ستهجرني ms025 إلى الأبد. ~~«هيلين! ماذا تفعلين؟ لماذا بقيت؟ أراك غدا.» ودون أن تنظر إلي، تمضي خببا نحو ~~السهل، حيث تبقى أحيانا فوق الحصان عدة ساعات. # كانت تعشق الجياد. وهذا أيضا كان يثير غيرتي، لأني لم أفهم هذا العشق. كانت تطلب ~~مني أحيانا أن أنتظرها في مدرسة الركوب، وعند عودتها يكون وجهها متوهجا بالسرور، ~~وقبل أن ترتدي سترتها، وهي لا تزال في بلوزة وحسب رغم البرد، تقود الحصان إلى حظيرته، وتمسح ~~الزبد عن فمه، ثم تربت عليه في مودة، وتتحدث إليه بعض الوقت. # كان هوارد يستلطفني. وكان يظن صمتي نابعا من الخجل فيتحدث إلي أثناء ذلك: «صديقتك ~~تحب الجياد بالتأكيد! وتعرف كيف تعاملها. مشهد ممتع! أتعرفين أني أتركها تركب دون مقابل؟ ~~هذا لصالح الجياد إذ يحافظ على لياقتها. قليل من الناس يأتون الآن للركوب. وإنها لمتعة أن ~~يراها المرء في السرج! لو لم تكن امرأة لكانت قد أصبحت جوكيا، وجوكيا ذا شأن.» # كانت هذه الأحاديث الحميمة تشعرني بعدم الارتياح. كأنما كنت أستمع إلى حديث عن حياة ~~تامارا الغرامية. بل أسوأ من ذلك، لأن هوارد كان يتحدث عن عالم ليست لي فيه أية ~~أهمية. ~~••• # خلال الأسابيع الهنيئة التي تلت ذلك، لم يكن يشغلني سوى أمرين: كيف أذهب إلى «رمبار دي ~~بيجوين» وأعود دون أن يراني أحد، وكيف أمنع أبي من تلقي البطاقات المرسلة من مدرسة ~~مدموازيل «بالدي» للاستفسار عن أسباب تغيبي. ولم أعد أشغل نفسي كثيرا بحياة تامارا. كانت ~~معي دائما متمالكة لنفسها، ساخرة قليلا، تستوقف بكلمة واحدة أية بادرة عاطفية من جانبي. ~~ومع ذلك، تكون أحيانا رقيقة، فتمزج شعري البني المائل إلى الحمرة بخصلاتها السوداء، وتدفن ~~وجهي في كتفها، مغمغمة: «اسكتي»، في حنان يكسب كلماتها حبا مقطرا. # ولأنها كانت تحتضنني، ولا تبخل علي بقبلاتها، خلتها - لسذاجتي - تحبني. ربما أقل من ~~حبها لإميلي، لكن حب فريد، حنون، مثل حبي لها. لم تفه بحبها أبدا، أو على الأقل لم ~~تفعل ذلك إلا في لحظات النشوة، لكني لم أعبأ. ولم تستوقفني غرابة التقاءاتنا الصامتة، ~~والطريقة ms026 التي تريني بها الباب في نهايتها: كانت تحبني، وأنا أحبها، وكنا نستمتع سويا، ~~وكان هذا هو كل ما يعنيني. # كانت انطباعاتي عنها في بعض الأحيان، كما في مدرسة الركوب، سريعة التبخر، وإذا كنت ~~أتذكرها الآن، فإني نسيتها بمجرد أن خطرت لي وقتها. كما أني نسيت ما عرفته عن حياتها، ~~عندما كانت تبقى أحيانا في الفراش، تدخن وعيناها نصف مغمضتين في شيء من التبلد، ~~ووجهها خال من التعبيرات، غير مكترث، فأربض عند قدميها بلا حراك، في احترام هياب كذلك ~~الذي نشعر به إزاء شخص فائق الجمال عند موته. # جربت أن أحذو حذوها، باستخدام لهجة جافة أو فظة، وبانتحال الإيماءات الرجولية التي ~~تبدر منها كثيرا، والتظاهر بازدراء التقاليد، فنلت إعجاب زميلاتي في المدرسة بجرأتي. ~~لكني أمام تامارا نفسها كنت ألزم الصمت في حصافة، خوفا من ابتسامتها الساخرة التي أتمنى ~~معها أن تنشق الأرض وتبتلعني. # وبين الحين والآخر، كنت أثوب إلى رشدي. عندما تزجرني بتعليق أو هزة كتف، على كلمة ~~رقيقة بدرت مني، أدرك على الفور فجأة بمرارة، أنني لست الشخص الذي تود سماع هذه ~~الكلمات منه. لكني سرعان ما كنت أطرد هذه الأفكار، فإذا أمعنت في جفائها، أكدت لنفسي في ~~سذاجة، أن الأمر بغير ذي أهمية «لأني لا أحبها إلى هذه الدرجة!» # حل شهر فبراير، دون الأمطار المألوفة، واخضرت أحواض المنتزه مرة أخرى، في ربيع سابق ~~لأوانه. وبدا كل شيء طازجا ووضاء، عند مغادرتي للمنزل صباحا، في طريقي إلى المدرسة ~~أو إلى تامارا. كانت مصاريع النوافذ تصطفق في مرح، وكل شيء يلتمع ويبرق، من عربات ~~الخضراوات في الشارع إلى برج الكنيسة المستدق الطرف، كأنما اكتسى طلاء جديدا، عاكسا ~~أسنة رماح صغيرة من ضوء الشمس. ولم تعد العجائز الثرثارة في حاجة إلى مرآة عند ~~النافذة، من أجل التجسس على الآخرين، فقد صار بوسعهن الآن التظاهر باستنشاق الهواء النقي، ~~ومتابعة المارة من خلال نوافذ مفتوحة على مصاريعها، وهن مختبئات خلف الستائر المطرزة ~~بالدانتلا. # لم يعد أبي المشغول بطموحاته السياسية يكتفي بالحديث إلى مواطني الحي ms027 في قاعات ~~الاجتماعات أيام الآحاد، فبدأ يجذب خيوطا أخرى لتحقيق أهدافه، وقلت بالتدريج فرص ~~لقائنا. فإما أن يكون في رحلة صيد بالسهل، بصحبة محام ذي نفوذ، أو في رحلة بحرية مع ~~أحد قباطنة الصناعة، أو حتى في سيارة بالريف مع أحد أعضاء نقابة المحامين أو رئيس لإحدى ~~الجمعيات، تصحبه في أغلب الأحيان جمهرة من الأطفال الذين يحملون قضبان صيد السمك ~~والساندوتشات. # لكن مثل هذا ما كان يمكن أن يستمر، وبالتدريج شعرت أن شيئا ما في سبيله للحدوث. كان ابن ~~عم جوليا، بائع اللبن، قد ذكر لها في براءة أنه رآني في «رمبار دي بيجوين» فتساءلت عما ~~يدعوني للذهاب إلى هذا الحي ذي السمعة السيئة. كما بدأت فتيات باسافان، اللاتي يصنعن ~~الملابس بالنهار، يتساءلن عن سبب عودتي متأخرة في الأمسيات. وسألني مساعد الأسقف، الذي ~~يقطن شارعنا، بحسن نية: ألا أخرج كثيرا في أيام العطلة؟ لم أعرف ماذا يدور بذهنه على ~~وجه التحديد. ولعله أراد فقط أن يحذرني من الإهمال والكسل. هذا، على الأقل، هو ما قاله. ~~لكن أسئلته كانت موجهة بطريقة غامضة، ومفعمة بالتلميحات، مما أرسل الرعدة في ~~أوصالي. # كان ثمة علاج لكل هذا، كما ذكرت تامارا ذات مرة. فيمكنني استباق الإشاعات، بأن أذكر ~~لأبي أني أراها بين الفينة والأخرى، وأطلب إذنه في مواصلة زيارتها. وما من شك في أنه لن ~~يعترض، ومن ناحية أخرى سيستاء بالتأكيد لو علم من الآخرين بأمر هذه الزيارات التي ~~يجهلها. لكن نصيحة تامارا بمصارحة أبي جاءت عرضا، وبدا لي أنها لا تخشى، إلا بقدر ضئيل ~~للغاية، من الافتضاح، وفي الواقع لا تشعر بالخوف - أو بالأحرى لا تفكر بالأمر - ولهذا ~~تركت الوقت يمر دون أن أعمل بنصيحتها. ولم أكن أملك، على أية حال، الشجاعة الكافية ~~لإثارة الموضوع أثناء اللحظات الوجيزة التي أقضيها مع أبي. # كانت تامارا نفسها تهمل دائما اتخاذ الحيطة إهمالا تاما، وعندما نصحتني بمصارحة ~~أبي، خلت أنها مدفوعة في ذلك بحس الواجب، لهذا كانت دهشتي مضاعفة عندما سألتني بجدية ~~عما إذا كنت قد قمت ms028 بما أشارت به علي. # أجبتها بلا تردد: «كلا، لم أجرؤ.» # سألتني بحدة: «قولي من فضلك، لماذا لا تفعلين أبدا ما أشير به عليك؟ منذ شهور وأنا ~~أتحدث إليك عن هذا الأمر، وأنت دائما تؤجلين! هل ستظلين مهملة دائما ~~هكذا؟» # أفعمتني لهجتها المستاءة ذعرا. أردت أن أدافع عن نفسي، ملتمسة عذرا ما، لكني ~~تلعثمت تحت وقع نظراتها الباردة. بدت لي مخاوفي مضحكة، وانتهى بي الأمر أن أشحت بوجهي ~~ولزمت الصمت. شعرت أنه ليس عدلا منها أن تلومني على عدم الطاعة، طالما أنها لم تتحدث عن ~~هذا الأمر إلا عرضا. وبالرغم من ذلك شعرت بالإثم؛ لأنها حتى لو كانت أمرتني، فربما كنت ~~وجدت الشجاعة كي أعترف بسلوكي الخفي لأبي. # تأملتني ببرود، وانتظرت أن أتكلم، وعندما لم أفعل قالت: «أعترف بأني لم أكن واضحة في ~~حديثي. لكن لتفهمي الآن: أمامك أسبوع تتحدثين فيه إلى أبيك. فإذا لم يسمع خلاله ~~...» # لم تستكمل تهديدها. لكني تخيلت أنها تتوعدني بأن تتحدث إليه بنفسها. وكان هذا الحل، ~~في الواقع، يناسبني تماما. # أجبت: «لماذا لا تخبرينه أنت بنفسك؟» كنت مستاءة من اللهجة المتسلطة التي استخدمتها، ~~خاصة وأني لم أكن قادرة على إبداء أي مقاومة. # كررت دون أن تجيبني: «أسبوع واحد!» وانتقلت إلى موضوعات أخرى. # خلال الأسبوع الذي تلا ذلك، حاولت فعلا، عدة مرات، استجماع شجاعتي لأتحدث إلى أبي. ~~وكأنما تحالفت جميع العناصر ضدي، فلم يحدث أن كان أبي منشغلا بالصورة التي بدا عليها ~~وقتئذ: كان دائم الذهاب والمجيء، يتلفن، ويرتب موعدا ... # لم تذكر تامارا الأمر ثانية، وظلت ودودة كعادتها، بلحظات الصمت والبرود المألوفة. لهذا ~~لم أشعر بالقلق لعجزي عن طاعتها. وقدرت أن جل ما ستفعله إذا استاءت، هو أن تمتنع عن ~~رؤيتي عدة أيام. ورغم بهجتي المتزايدة بصحبتها، فإني كنت أراها بكثرة تحتمل فراقا ~~وجيزا. بل إن الابتعاد عنها يتيح لي أن أفكر فيها، وفي الأحداث الأخيرة، ويؤدي بها إلى ~~الضجر بكل هذه السرية، فتتحدث بنفسها إلى أبي، وتكفيني عناء هذا الواجب. # انتظرت، مؤجلة المهمة من يوم إلى ms029 آخر، وعندما سألتني أخيرا، كأنما عرضا: «هل عرف ~~أبوك؟» فوجئت، وتضرج وجهي، فلم تعد مضطرة لانتظار إيضاحاتي المتعثرة. بدا عليها ~~التفكير لحظة ثم قالت: «إذا أعطيتك أسبوعا آخر، هل ستجدين الشجاعة؟» # لم تظهر عليها أمارات الغضب. ولأني كنت لا أزال أعتقد أنها ستتولى الأمر بنفسها في ~~النهاية، أجبت مؤكدة: «كلا. لن أجد الشجاعة أبدا!» # وقبل أن تتاح لي فرصة للحركة، أو أدرك ما سيقع، صفعتني مرتين، وبعنف. ~~وصعقت. # لم يصفعني أحد من قبل مطلقا، ولا أبي. فإذا أراد عقابي وأنا صغيرة، كان يغلق علي ~~باب غرفتي. جمدت في مكاني، يخنقني النشيج الغاضب، وأحاول التقاط أنفاسي، وأدرك ما حدث. ~~أما هي فقد تطلعت إلي في هدوء. # قالت: «لن أعطيك أسبوعا آخر. يومان فقط. وإذا لم تنصاعي لأوامري هذه المرة، ستنالين ~~المزيد!» # أثار هدوءها جنوني. لم تكن تملك حتى عذر الاستسلام لنزوة غضب. فقد صفعتني بتعمد، ~~بدافع الخسة المطلقة! # صحت في صوت مختنق: «كلا، لن أطيعك! سأذهب. ولن تريني ثانية!» # انصرفت جريا، وصفقت الباب من خلفي. # عندما بلغت المنتزه، انهرت فوق أريكة، وأنا أهتز من النشيج، وقد غمرني شعور بالظلم ~~وسوء الحظ لدرجة لم أعهدها من قبل. # أدركت أنه لا بد من الذهاب إلى المنزل، لكني بقيت في مكاني، لا أدري كم من الوقت. ~~وأخيرا تذكرت أن المساء قد حل، وأن جوليا تحتفظ لي بعشاء، فبدأت مسيرتي نحو المنزل في ~~بطء، وفكرة تعاستي تستولي علي كل عشر ياردات، فتخنقني الدموع، وأستند إلى الجدار لأبكي، ~~قبل أن أنطلق من جديد. ولحسن الحظ، لم أصادف أحدا من معارفي، فما كنت سأتمكن من ~~السيطرة على نفسي، فأفضي بكل شيء التماسا لشيء من الراحة. # عندما ولجت شارعنا، أبصرتني مدام لوسيت، وانتابها الهلع من مشيتي المتعثرة، فجرت ~~من حانوتها ونادتني. # سألتني وهي تقودني داخل الحانوت، الذي لم يكن به أحد لحسن الحظ: «ماذا حدث يا عزيزتي ~~المسكينة؟» كنت قد بدأت أتمالك نفسي بعض الشيء، لكن كلماتها الشفوقة أثارت فيضا جديدا ~~من الدموع. كنت عاجزة عن التفوه بحرف. ms030 فماذا كان بوسعي أن أخبرها؟ أغلقت الباب بسرعة ~~وشدت رتاجه ثم قادتني إلى الغرفة الخلفية، قائلة في رقة وهي تتطلع حولها بحثا عن ~~مكان أستلقي فيه: «بوسع الزبائن العودة في الغد!» لم يكن هناك غير كرسي مفكك الأوصال، ~~بلا ظهر أو مسندين، ومقعد كبير من القش قرب المدفأة، حيث تستريح عادة. وعندما لم تجد ~~مكانا غيرهما، جلست في المقعد، وأخذتني فوق ركبتيها، كأني طفلة. # واصلت البكاء عدة دقائق كما لو كان قلبي يتمزق، وأنا أفكر في تفسير لتعاستي أقدمه ~~لها. وأخيرا، مدفوعة بشيطان ما، نهنهت في رثاء وإشفاق قائلة: «أبي له عشيقة!» # بدا كأن هذه العبارة البسيطة قد نفذت إلى قلب مدام لوسيت. والواضح أنها كانت تعتقد أن ~~فتاة شابة مثلي من حقها أن تصدم وتحزن عندما تعلم بأمر كهذا. ولم أحاول العثور على ~~عذر آخر. # غمغمت وهي تضمني بين ذراعيها: «يا عزيزتي المسكينة! يا طفلتي العزيزة المسكينة!» ~~شعرت أن ما أثر في مشاعرها أكثر من أي شيء آخر هو براءتي، ففي نظرها، تكشفت كافة ~~مباذل العالم لي عندما عرفت بالحياة المزدوجة التي يعيشها أبي، وتخيلت أن ذكرى أمي ~~ضاعفت من حزني. حدست كل هذا من تعليقاتها. # قالت: «يا حملي الوديع! لا تبك هكذا يا ملاكي الصغير! المسكينة، البائسة، ويتيمة ~~الأم!» # بدا لي أنها وجهت الكلمات الأخيرة إلى السماء، التي دعتها لأن تشهد تعاستي. هنا شعرت ~~بشيء ما زلت أذكره بكل خزي. كان حزني قد خف مؤقتا، وجفت دموعي، فأدركت أنني يجب ~~أن أعود إلى المنزل دون تأخير، لكني مضيت أنتحب دون رغبة حقيقية، لمجرد أن أستدر ~~مزيدا من شفقة مدام لوسيت. # قلت: «وأمي المسكينة كانت طيبة للغاية. كيف يستطيع نسيانها؟ إن هذا يشعرني أني يتيمة ~~حقا!» # حصدت ما سعيت إليه: فقد اغرورقت عيون المرأة الفاتنة، وإذا بها تنهض واقفة، وقد ~~تذكرت فجأة أني في السادسة عشرة، ولا يجوز احتضاني هكذا بين ذراعيها. لكنها جذبتني من ~~جديد إلى كتفها، ومزجت دموعها بدموعي، وهي تحاول التسرية عني. # ساعدني هذا على أن ms031 أنسى تامارا تماما لبرهة. ففي الغرفة الخلفية الصغيرة المعتمة، إلى ~~جوار النار المتأججة، ووسط الروائح النظيفة المحببة للورق والأقلام والصلصال، بينما ~~التصقت بكل قوتي بهذا الشخص الجميل الحساس الذي كان يحاول إعادتي إلى صوابي، مسترخية ~~تماما بصورة ممتعة بعد الانفجار العنيف لدموعي، شعرت بالسعادة التامة، ولم تساورني غير ~~أمنية واحدة: أن أطيل أمد هذه اللحظة. ويعلم الله كم من الأمور البشعة كان بوسعي ~~اختلاقها من أجل ذلك، ضد أبي المسكين. لكنني لم أكن بحاجة إلى ذلك. فقد ألفت مدام لوسيت، ~~منذ هجرها خطيبها في الثانية والعشرين من عمرها، أن تتحدث عن كافة الرجال باعتبارهم ~~أوغادا أنذالا. هكذا مضت توجه اللوم إلى أبي، قائلة إنه من العار أن يتركني وحيدة ~~ليجري خلف النساء، ونصحتني بأن أتوسل بالشجاعة، وأتقبل كل شيء، وأكدت لي أن أبي، ~~عندما يتقدم به العمر، سيكتشف أني الشخص الوحيد الذي أحبه وبقي على وفائه. # لم يرق لي هذا المستقبل كثيرا، على أني لم أكن مصغية لصوتها الرقيق وهو يردد هذا ~~الهراء. كان خدي ملتصقا برقبتها البيضاء، التي بللتها دموعنا، وبين الفينة والأخرى ~~كنت أطبع عليها قبلة، مثلما يفعل الأطفال. كانت رائحتها تشبه رائحة الحبر، ورائحة الكعك ~~المسكر. وتبدي ثدياها المستديران الأبيضان من فتحة بلوزتها. شعرت كأنما هدهدت، ~~وأرضيت، وووسيت. وفكرت ساخرة أن ما اجتذبها في للأسف هو براءتي، فقد كان جمالها ~~حليبيا، ناعما، يغري بالالتهام، مختلفا كلية عن جسد تامارا ذي العضلات ~~القوية. # أخيرا أعانتني على السير، وقادتني إلى الباب. # قالت: «اذهبي الآن يا هيلين. فلا بد أنهم قلقون عليك. أفضل حل لك أن تكوني باردة مع ~~أبيك. لا تحدثيه عن شيء، فلن يألو جهدا في الدفاع عن نفسه، وربما نجح في إقناعك، خاصة ~~وأنك شغوفة به هكذا إلى درجة العبادة!» # لم أقل أبدا إني أعبد أبي، لكن مدام لوسيت أولت حزني على هذه الصورة. فقد ظنت أن ~~ما يعذبني أساسا هو خوفي على أبي من الخطيئة. وكانت تراني أحيانا في الكنيسة، التي كنت ~~أذهب إليها لأستمتع بموسيقى ms032 الأرغن ورائحة البخور. كانت الكنيسة وقتئذ تشغل فضاء كبيرا ~~في خيالي، وآخر أقل منه بكثير في اهتماماتي الروحية. وعلى أية حال، فقد أقلعت عن الذهاب ~~إليها كلية بعد أن تعرفت إلى تامارا، فلم أعد بحاجة إلى التماس النشوة في مكان ~~آخر. # كانت دموعي قد جفت، وتمالكت نفسي، عندما بلغت المنزل. لم يكن المستقبل يشغل سوى حيز ~~ضئيل للغاية من تفكيري. ولم تترك في الوجبة الصامتة، عبر المائدة من أبي، أثرا ما. كنت ~~أفكر في مدام لوسيت، فذكراها كانت لا تزال طازجة، وأقبلت أستعيد تفاصيلها على ~~مهل. # أويت إلى الفراش في هذا المزاج السعيد. كانت النافذة مفتوحة بسبب اعتدال الطقس. وسمعت ~~خلالها من يتدرب على السلم الموسيقي فوق بيانو. لم تتجاوز الساعة التاسعة عندما ولجت ~~حجرتي، لكني كنت منهوكة القوى من جراء بكائي، أشعر بوهن في ساقي، فاضطررت إلى ~~الرقاد. كان فراشي إلى جوار النافذة. وظللت أمدا طويلا مفتوحة العينين، لا أفكر في ~~شيء ما محدد، أتطلع إلى السماء المعتمة، وأنوار المنازل المجاورة، تتلألأ وراء شجرة ~~الليمون، ويتسلل ضياؤها خلال خيمة أوراقها الخفيفة، فيحولها إلى شجرة من أشجار عيد ~~الميلاد. كان بوسعي أيضا أن أرى مزراب الأمطار، مثل لسان جاف مستقيم، وقد انزلق فوقه ~~شبح قطة، وبعيدا، فوق تل منبسط القمة، شجرة وحيدة ملتوية، مثل أشجار الشرق الضامرة. كم ~~حاولت خلال جولاتي أن أعثر على تلك الشجرة، بلا جدوى. # قبل أن أفيق تماما في الصباح التالي، وبينما كنت ما أزال بين النوم واليقظة، أخذت ~~أتقلب في فراشي، كأنما كنت أتشبث بالنعاس، لأتجنب شيئا يقبع في انتظاري، شيئا انحنى ~~فوق فراشي، ولمس وجهي. استيقظت مأخوذة. ما الذي أعطاني الإحساس بأن شيئا رطبا لمسني؟ ~~لعل قطرات مطر تسللت من النافذة، أو ربما ... عندما لمست خدي أدركت أنه مبلل ~~بالدموع، وفكرت: «لن أرى تامارا مرة أخرى على الإطلاق.» لم أتذكر أني تدبرت هذه ~~الإمكانية بالأمس في شيء من الإذعان. بل إني كنت أفكر، أمس، في ضروب أخرى من الراحة ~~واللذة. فلماذا بعث حزني فجأة ms033 من جديد؟ بل كيف انطلقت هذه الكلمات من فمي على حين غرة: ~~«لن أرى تامارا مرة أخرى على الإطلاق.» بالأمس، لم تحرك هذه الفكرة شيئا، ولم توقظ ~~أية مشاعر. لعلها كانت مثل الجراح التي لا يشعر بها المرء فور حدوثها، ولا يتألم منها ~~إلا بعد ساعات. كنت عاجزة عن الفهم، فالدموع التي ذرفتها في المنتزه، دموع الغضب والحزن ~~والخزي، جفت بسرعة. لقد عرفت هذه الدموع من قبل، عندما كان أبي يزجرني، أو توجه ~~جوليا اللوم لي، لكن حزني ساعتها كان حزن الطفل المعاقب، الذي يمكن تخفيفه بكلمة رقيقة. ~~وعندما استغرقت في النوم بالأمس، كنت أشعر بالسكينة وبشيء من الخدر. لم أحلم، ولم ~~أستيقظ أثناء الليل. ومع ذلك، ها هي الآن الكلمات المرعبة: «لن تشاهدي تامارا ~~ثانية.» # بكيت بدرجة أقل بكثير من الليلة الفائتة، لكني أخذت أذرع حجرتي جيئة وذهابا، والألم ~~يمزقني، ورقدت ثم نهضت من جديد عشرات المرات. جربت أن أقرأ أو أدرس، دون جدوى. وفي ~~ثورة غضب جنونية، مزقت نقشا قديما كنت أعتز به. وأنا أردد: «غير ممكن، غير ~~حقيقي!» لكني كنت مضطرة للاعتراف بأنه ممكن وحقيقي، فشعرت من جديد بالأسى والحيرة ~~والعذاب. غضبت من نفسي، ومن كلماتي البلهاء: «سأذهب، ولن تريني ثانية!» .. هذه الكلمات ~~البلهاء التي فهت بها. وتلقتها بجدية ولا شك. والمؤكد أنها لن ترغب في أن أتراجع ~~عنها. استأت أيضا من عجزي عن تذكر ما شعرت به من غضب عندما صفعتني. استعدت ما دار ~~بيننا من حوار قبل أن تفعل، لأتبين ما دفعني إلى الانصراف وصفق الباب. ولم أشعر بغير ~~المزيد من الأسف. ثم أضيف الخوف إلى يأسي. فماذا لو أن تامارا، بدافع الانتقام، لم تكتف ~~بأنها لن تراني مرة أخرى. وأخبرت أبي بكل ما دار بيننا؟ وماذا لو أنه حبسني عند ذلك في ~~المنزل أو أرسلني إلى الدير، أو حال بيني، بطريقة ما وبين رؤية تامارا مرة أخرى! فلا ~~أراها مطلقا بعد الآن! لكن ماذا يدعوني إلى التفكير بهذا الشكل طالما أني، بالفعل، لن ~~أراها ms034 بعد الآن؟ # عند هذه النقطة، أصبحت عاجزة عن التفكير. كان من المستحيل تخيل المستقبل بدونها. كنت ~~عاجزة عن أن أتصور نفسي في الشوارع التي كانت تقودني دائما إليها، أو عابرة للمنتزه الذي ~~طالما قطعته جريا لأنضم إليها بأسرع ما يمكن. كنت عاجزة عن احتمال وجودها بالقرب مني، ~~في ذلك المنزل الذي ما زال قائما. وعن تقبل مغادرتها لمنزلها في الصباح، كعادتها، في ~~ملابس الفروسية، وسيرها بمفردها في الشارع. كنت عاجزة عن تصورها في القطار كل يوم سبت، ~~ذاهبة إلى البلدة المجاورة، أو تتناول غذاء خفيفا من البسكويت والشاي، وتمارس كل شيء ~~كالعادة، بينما أقصيت تماما من حياتها. شعرت أني كنت قادرة على احتمال الأمر، لو أن ~~زلزالا ابتلع رامبار دي بيجويين وحوريته المغوية، بئر السلم عميق الغور وتامارا ذاتها، ~~بحليها وزخارفها الهشة المثيرة للسخرية، وأقنعتها الأفريقية، وتمائمها المصنوعة ~~من ألياف النخيل. # استعرضت في رأسي كل الأشياء الصغيرة التي تملكها والمكدسة في صناديق الحلوى أو المبعثرة ~~فوق الأرفف، أشياء أعطيت لها، تذكارات، صناديق حياكة من الصدف، وسائد دبابيس، طلاء أظافر، ~~زجاجات عطور، دمى دقيقة في الملابس الإقليمية. كانت تامارا، من وقت لآخر، تحطم بعضا من ~~هذا كله، تلك التي لم تنجح في حمايتها ذكرى سارة، ثم تستبدلها بغيرها، فتحل آنية الزهور ~~البراقة الصغيرة مكان الجوهرة الصينية، ويظهر الجواد الزجاجي حيث كان منظف المداخن ~~الخزفي. لا أعرف لماذا كان أصدقاؤها يصرون على إهدائها هذه الحلي التافهة التي لا ~~تتسق مع شخصيتها. لكنها كانت مغرمة بها، تستمتع بها في لحظات الضجر، كما يحدث عندما ~~يتعلق أحد السجناء بعنكبوت. # أوه. تامارا! تفجعت على كل قطعة من أشيائك، ندبت المنزل والشارع وضوء المصباح الطازج ~~فوق السهل الذي تنطلقين فوقه، ندبت مدرسة الفروسية وهوارد النحيف، وكل واحد من الجياد ~~التي تحبينها - بلزاك، عيسى، هيروندل ... وصوت القش يتساقط في نعومة، مثل منديل يطوى، ~~الخبب الخفيف لجوادك متجها إلى السهل، الشمس والمطر فوق وحدتي المفاجئة وأنا واقفة إلى ~~جوار الحاجز الخشبي، شاعرة بالفراغ الذي خلفه غيابك حتى اليوم ms035 التالي. بكيت على حزني ~~عند اختفائك، كأنما كان اختفاء أبديا، وفي المرات التي تحدثت فيها إلي عن إميلي، ~~بقسوة متعمدة، وعندما تقولين، لغير ما سبب على الإطلاق: «كلا. لن أراك غدا.» # لكن ما أحلى تلك الأحزان التي تلاشت في اليوم التالي بين أحضانك! لأنه كان هناك أيضا ~~ذراعاك، ونوبات غضبك الرقيقة، وجسدك النحيل الفاتر إلى جوار جسدي، واللحظات التي تنتابك ~~فيها فورة من الحنان، فتتحدثين إلي في رقة، وأنت تغطين عيني بيدك، بدافع من إحساس ~~غريب بالخجل. وكان هناك فمك العنيف فوق فمي، ونشوتي ونشوتك. كنت عاجزة عن تقبل فكرة ~~حرمانك من لذتك أكثر من فكرة فقداني أنا للذتي. تذكرت كيف يتلاشى الهدوء المألوف ~~لوجهك فجأة، عندما تومض البسمة فوقه، وتنفرج شفتاك عن أنات رقيقة، لا تكاد تسمع، ~~بينما تنظرين إلي بعينين نصف مغمضتين، كأنك تغرقين في حنان سائل، وأسمع من جديد ~~تلك الصيحة الحميمة، منطلقة من أعماق كيانك، أسمع أصواتا كالهديل تنتهي بعويل، بينما ~~أنيابك الحادة تعض على شفتك الشاحبة، ولا تعودين قادرة على إخفاء نشوتك الخبيثة بل ~~الحيوانية. أجل، كل هذا كان اللب المتأجج، الحريف، الذي يتفطر له القلب .. لب ~~حبي لتامارا .. النار التي أدفأت عقلينا، واخترقنا سخونتها خلال جولاتنا على الأقدام، ~~وأثناء الساعات التي كنا نقضيها سويا في القراءة إلى جوار المدفأة، أو عندما كنا نذهب ~~إلى مدرسة الفروسية - السهل، الصباحات، النهر، المنزل، السماء نفسها ... الجميع تلقوا ~~دفئها. كان النهر سيبقى مجرد نهر، والسماء مجرد سماء، والصباح مجرد صباح، لو لم يغتسل كل ~~منهم في ذلك الضوء المتأجج: وجه تامارا في نشوتها. ~~••• # عشت هذا الجحيم ثلاثة أيام. ادعيت أن الأنفلونزا هي التي ألزمتني الفراش. وجاء أبي ~~لرؤيتي، وقد بدا عليه الانشغال أكثر من المعتاد، فلمس جبهتي وعندما وجدها ملتهبة نصحني ~~باستدعاء الطبيب. رفضت هذا. وفي اليوم الثالث، شعرت بقليل من التحسن، وإذا بحادث ~~يعيدني إلى هوة اليأس. فلكي أبرر بقائي في الفراش، شكوت الأرق، فجاءتني جوليا بفنجان ~~من شاي الليمون المحلى قليلا بطعم الفانيليا. وكانت تامارا، في ms036 لحظات رقتها العارضة، ~~تقدم لي شاي الليمون ثم تضيف إليه بعض الفانيليا. وعندما أشربه، كنت أشعر بلذة انتهاك ~~المقدسات؛ لأنه كان يذكرني بما تعده لي جوليا، وهو ما كان يجسد لي راحة الحياة ~~الأسرية. كما كان يبدو لي، وأنا أتناول الفنجان من يدي تامارا، إن حبي القلق، الرعديد، ~~والمشبوب لها، ينضح، بطريقة ما، حبي البنوي لجوليا. وهكذا ما إن أبصرت الفنجان في يد ~~الخادمة وشممت تلك الرائحة، حتى بهت وانفجرت بالبكاء. # تفاقمت حماي، وأعلن أبي أنه لا بد من عرضي على الطبيب في الغد، أحببت ذلك أم لم ~~أحبه. وبالصدفة، نمت جيدا في الليل، وعندما رآني الطبيب في اليوم التالي، منتعشة، فيما ~~عدا قليل من الشحوب، أعلن أني لا أشكو من شيء ذي بال، وأمرني بحزم أن أعود إلى المدرسة ~~وأكف عن التمارض. # صدعت بالأمر، وظللت عدة أيام أجر قدمي من البيت للمدرسة، قائمة بالتفافات سخيفة ~~لأتجنب شارعا أو منزلا قد يذكرني بتامارا. ولم أعد أتمشى في المنتزه أو أقترب من ~~قوارب الميناء. لم أعد أتسكع أمام واجهات الحوانيت، حيث تتملكني الرغبة في آلاف ~~الأشياء: أقنعة المهرجانات، رءوس المغازل، الرخام الملون. لم أعد أقرأ، لم أعد أفعل أي ~~شيء. وإذا جلست إلى المائدة، كنت دائما أكسر كوبا أو طبقا. فإذا ما غادرتها لأحضر ~~منشفة نظيفة، كنت أتعرض للحظة من الشرود، فما إن أصل إلى الدولاب حتى أكون قد نسيت ~~تماما ما أبحث عنه. لم يعلق أبي بشيء، لكنه كان يرقبني في قلق. # في نهاية أحد الأسابيع، لم أعد قادرة على تمالك نفسي، وقررت الذهاب إلى مدرسة ~~الفروسية. كنت آمل أن ألتقي بتامارا، فاقتفيت أثر الطريق الذي تسلكه عادة إلى هناك. ~~لكني لم أبصر سوى بعض العمال فوق دراجاتهم، متجهين في صمت وسرعة إلى أعمالهم، وصوت ~~عجلاتهم يتردد في السكون مثل رفيف أجنحة. هل أقلعت تامارا عن الركوب في الصباح؟ أم ~~اتبعت طريقا أخرى، لتتجنبني؟ بلغت البوابات الدوارة، دفعتها في رفق كي لا أحدث ~~صوتا، كي أرى دون أن يراني أحد. ms037 فقد خشيت أن تكون هناك وتراني فتغضب وتعنفني أمام ~~هوارد. لكن البوابة أطلقت صريرا مرعبا، جاء بهوارد نفسه من أحد المرابط بحثا عن ~~السبب. # قال: «أوه، هالو يا مدموازيل!» وبدا لي صوته أقل طبيعية وسماحة من ذي قبل. # قلت متلعثمة: «هل .. هل مدام سولر هنا؟» # تأملني في فضول ثم قال: «كلا .. لا أعرف إذا كانت ستأتي اليوم .. هل تحبين ~~الانتظار؟» # هالتني فكرة المشهد الذي قد يراه الجوكي فقلت: «كلا، كلا.» وهربت في حالة يرثى ~~لها. # ما إن بلغت ناصية الشارع حتى رأيت تامارا. كانت تتقدم ناحيتي، غارقة في التفكير، وهي ~~تضرب حذاءها ذا الرقبة بسوط الركوب. تسمرت في مكاني عاجزة عن الحركة، واقتربت هي دون ~~أن تلمحني. ورغم عذاب الخوف والحزن، لم أتمالك نفسي من التطلع بفضول إلى وجهها. أردت أن ~~أرى كيف تبدو عندما تظن أنها بمفردها . بدا لي أقل صلابة، مستغرقا في تفكير حاد، ~~بومضة عذوبة فوق الوجنتين. أكانت تفكر بي؟ كاد يغشى علي عندما تخللت شعرها بأصابعها، ~~كما تفعل عادة. وأخيرا، عندما أصبحت على مبعدة عشر ياردات أو أكثر، استقرت عيناها ~~فوقي. لم تجفل، وواصلت تقدمها بنفس المشية المتمهلة وهي تنظر إلي. تمنيت أن أهرب، ~~أو أغوص في باطن الأرض، لكني لم أستطع حراكا. كنت مسمرة لصق الحائط بفعل قوة غامضة. ~~وخطر لي أنها قد تلطمني على وجهي بسوطها، لكن هذا الخاطر لم يمدني بالقوة على الحركة. ~~مرت بي دون أن تنبس بكلمة، وهي تنظر إلي كأني أحد المارة المجهولين، ثم اتجهت إلى ~~المدرسة. ورنت مسامير نعلي حذائها فوق الحجارة بصوت واضح مجرد من أي شفقة. سمعت ~~صرير البوابة، ثم اختفت. بقيت في مكاني، في ناصية الشارع، الذي كان ما زال غارقا في ~~الظلمة، أسفل ضوء المصابيح المضطرب. وبعد دقائق ظهرت، ممتطية صهوة بلزاك، وانطلقت نحو ~~السهل دون أن تلتفت لتتبين ما إذا كنت في مكاني ما زلت. # همت على وجهي طيلة الصباح في الناحية، مثل كلب ضال، تأخذني البغتة عندما يدخل أحد ~~الجياد الحظائر أو يخرج ms038 منها، على أمل أن ألمحها، متوارية عن أنظار هوارد، الذي قيل له ~~ولا شك إنها لا ترغب في رؤيتي مرة أخرى. لكني لم ألمح لها أثرا. فلا بد أنها مضت إلى جانب ~~السهل، ملتفة حول البلدة، بحذاء السور والميناء، كي لا تصادفني. انتهى كل شيء ~~فعلا. # اتجهت إلى منزلي. كنت قد غادرته في السادسة صباحا، وبقيت في الشوارع المتربة حتى ~~الظهر. ولهذا كنت في حال تعسة، متسخة، منهكة، وبلا أمل. تمنيت أن أصاب بمرض خطير ~~يهدد حياتي. وعندئذ تأتيني تامارا تائبة، لتنحني فوق فراشي وتغمغم: «اغفري لي! لم ~~أقدر حبك حق قدره!» وبهذه التخيلات تمكنت من هدهدة حزني حتى بلغت المنزل، حيث ~~يمكنني أن ألجأ إلى فراشي وأبكي كما أشاء. # وجدت جدي في غرفة المائدة، جالسا فوق مقعد من الدمقس، أحمر اللون، وساقاه الطويلتان ~~ممددتان أمامه، وفي فمه غليون. # يعيش الآن جدي، الذي كان صائد سمك في شبابه، متقاعدا برفقة شقراء في الأربعين من ~~عمرها، يدعوها بمدبرة منزله. كان عكر المزاج، غير مبال بنظافته أو هندامه عن عمد، ساخطا ~~على بطالته الإجبارية (بعد أن فقد ذراعا في حادثة)، يزدري ابنه الذي ارتقى في المراتب ~~الاجتماعية إلى مكانة «صاحب عمل». لهذا كان يجد لذة خبيثة في مضايقة أبي بين الحين ~~والآخر، بإغارة على منزلنا يعقبها دائما شجار عنيف. ~~«حسنا! جئت أخيرا، أليس كذلك؟ اعتقدت أنكم هجرتم المنزل كما تفعلون دائما عندما ~~ترونني قادما. لكم طريقة خاصة في الترحيب بالمرضى والمعوقين! أين رينيه؟» # أجبت متلعثمة: «أظنه خرج.» فقد حالت دهشتي دون ابتكار عذر ما؛ إذ كنت على يقين أن ~~أبي هرب عندما علم بمقدم أبيه. # قال: «بالطبع! لو لم يفعل لدهشت! لقد تلفنت هذا الصباح لأقول إني قادم ولم تكوني ~~بالمنزل. لو كنت «لخرجت» أنت الأخرى ولا شك.» لم أعبأ بإنكار ذلك لأني لا أصغى عادة لما ~~يقوله. كنت ما أزال أرى تامارا تقترب مني دون كلمة، تبدو لا مبالية، كما لو أننا لم ~~نلتق، ولم نتبادل الحب .. وفكرت فجأة: لعلها لم ms039 تحبني مطلقا. لعلها كانت تتسلى ~~وحسب، لتملأ فراغ بعد الظهر الطويل. ربما كانت تهزأ بي منذ وقت بعيد. كلا، لم يكن هذا ~~ممكنا. كانت حنونا معي ورقيقة، أحيانا. ذات يوم أحضرت لها زهورا فقالت في رقة ~~بالغة: «يجب ألا تفعلي هذا أيتها الطفلة العزيزة الغبية.» وفي مرة أخرى طلبت مني أن ~~أسجل قائمة كبيرة من الكتب لأقرأها. وتذكرت شيئا. قالت لي ذات مرة، ونحن مستلقيتان جنبا ~~إلى جنب فوق أريكة غرفة المعيشة: «هذه هي المرة الأولى، يا أعز الناس، التي أشعر فيها ~~بالسكينة منذ جئت إلى هذا المكان.» كانت تدعوني بأعز الناس لديها، بواحتها الصغيرة في ~~الصحراء. أجل، لقد أحبتني فعلا، لا شك في هذا. وأراني إلى جوارها مرة أخرى، نتمشى، ~~ونقرأ سويا، وقد أشرق وجهها بالبهجة، وأرى من جديد يديها الجميلتين تسحقان أعقاب ~~السجائر فوق المائدة، أو تحيك في حرص بالغ، كأنها ملاح يصلح شراعا. أوه، وجهها، ~~دائما وجهها ... لكن كيف يسعها، لو كانت تحمل لي أقل قدر من الحنان، أن تعاملني بهذه ~~القسوة، وتتظاهر بأنها لم ترني، ولا تلتفت لتتبين ما إذا كنت ما أزال هناك، تائبة ~~هدها الحزن ... أجل، كنت أنا التائبة! فمهما حاولت إقناع نفسي باني لست مذنبة في شيء، ~~كنت نادمة في أعماقي على انصرافي المفاجئ وكلماتي الغاضبة. # ومرة واحدة، بصورة فظة، منطقية، غير متوقعة، مثل شعاع ضوء، خطرت لي فكرة: إنها لم ~~تحرم علي العودة! أنا التي فرضت على نفسي الحرمان بنفسي! لماذا لم أدرك منذ ذلك ~~اليوم البغيض، أني أستطيع العودة إلى مسكنها؟ لأني تصورت أنها ستأخذ بجدية كلماتي ~~القاطعة، بأني لن أزورها مرة أخرى. عندما فهت بتلك العبارة، شعرت أني نطقت بحكم إعدامي، ~~وكانت تعاستي، التي تمخضت عن عبارة «لن أرى تامارا مرة أخرى على الإطلاق.» من الحدة بحيث ~~حالت بيني وبين أن أدرك، خلال الأسبوعين الماضيين، أني أنا، وليست هي، من قالتها. إذن ... ~~لعلها انتظرت عودتي؟ وربما كانت تعيسة مثلي، لكن كبرياءها منعتها من اتخاذ الخطوة ~~الأولى؟ ربما ما زالت تحبني! ms040 هذا الأمل، الذي انتعش، في نفس اللحظة التي اعتقدت فيها أن ~~كل شيء قد ضاع، رفع معنوياتي إلى السماء. كل شيء الآن يمكن تفسيره. لقد انتظرت عودتي ~~طوال أسبوعين، ولهذا تجاهلتني بدافع من غضبها المشروع. كانت غاضبة مني لأني تركتها، ~~ولعلها ظنت أني لم أعد أحبها، مثلما ظننت أنا أنها لم تعد تحبني. فهمت كل شيء، ~~وصفحت عن كل شيء، واغتفرت كل شيء. حتى العنف الذي مارسته معي، وأثار حفيظتي، بدا لي الآن ~~مشروعا. لعلها ظنت أني عازفة عن إمتاعها، أو أني أشعر بالعار من صحبتها، أو ... أيا ~~كان الأمر، كنت على استعداد لمغادرة المائدة، والاندفاع إلى رمبار دي بيجوين، لأحيط عنقها ~~بساعدي، وأحدثها عن مدى حبي لها، وعن تعاستي، وعجزي الغبي عن الفهم. لكن ما كان بوسعي أن ~~أترك جدي، الذي جلس هناك، يأكل في صمت، صورة مجسمة للاستياء. # أكل بشراهة، ومسح شاربه عدة مرات؛ لأنه كان طويلا يتخلل الحساء. لكني كنت ~~أتأمله في سماحة. كنت مذهولة من غبائي، ومعاناتي المروعة نتيجة شيء لا وجود له. وبدأت ~~أشعر بالسعادة لأني عانيت إلى هذه الدرجة، طالما أنه لم يكن ثمة مبرر، وطالما أني، بعد ~~ساعة، إذا لم تكن تامارا بالخارج، سأستمتع مرة أخرى بالسعادة التي خلت أني فقدتها إلى ~~الأبد، وستكون سعادتي أكثر لأني قادرة الآن على تبين مداها. # نظرت إلى منكبي جدي الكبيرين، ويده الوحيدة، وقد بدا ضخما، تعوزه رشاقة الحركة ~~والتعبير، مثل وحش غريب، ووجهه المغضن، وعينيه الصغيرتين الرماديتين الحذرتين، وأدركت ~~فجأة أني عاجزة عن كتمان ما بقلبي: # قلت: «أتعلم يا جدي؟ أنا جد مغرمة بك.» # رفع رأسه في دهشة، فلم تكن عادتنا أن نتبادل كلمات الحب. سألني في شيء من التبرم: «أأنت ~~مريضة؟» لكنه فيما يبدو ندم على وقاحته في الحال ومال نحوي قائلا: «أجل يا طفلتي. وأنا ~~مغرم بك. ليس بك الكثير من أبيك، وتبدين أحيانا مثل واحدة من فتياتنا.» وكان يعني بذلك ~~الصيادين، مقابل بنات أصحاب الأعمال، الأعداء. اعتبرت حديثه من قبيل الثناء. لكني التمست ms041 ~~عذرا، بعد الحلوى مباشرة، للانصراف. # قلت: «إنهم ينتظرونني في المدرسة الآن.» # قال: «آه! أنا أعرف ماذا تعنين بالمدرسة. حسنا، حذار أن تحملي وإلا أنت تعرفين ما ~~سينالك من أبيك!» # تضرج وجهي بشدة، على ما أظن. لكني لم أعبأ بنصيحته. شعرت أنه مسرور من فكرة قيامي ~~بأفعال ما من وراء ظهر أبي. # قلت: «وداعا يا جدي.» # قال وهو يمسكني من خاصرتي: «لينا، إذا واجهتك أي متاعب، تعالي إلى جدك العجوز، وسوف ~~يصلح كل شيء. والآن، اذهبي أيتها التافهة التي لا تصلح لشيء.» # لم يحدث أبدا من قبل أن تخلى عن تحفظه. وأدركت أني فزت بعطفه. وشجعني ذلك، إذ ~~اعتبرته إشارة من السماء. # مضيت دون إمهال إلى رامبار دي بيجوين. وارتقيت الدرج جريا، دون أن ألقي نظرتي ~~الودودة المعتادة إلى التماثيل الأنثوية، وضغطت جرس الباب. فعلت ذلك دون تفكير، ودون حتى ~~أن أنتظر حتى ألتقط أنفاسي. # فتحت تامارا الباب بعد برهة. # كانت خطتي الوحيدة أن ألقي بنفسي بين ساعديها، وأترك العنان لدموعي، ثم تتولى الصدفة ~~أمر الباقي. لكنها وقفت بعيدا، فعجزت عن تنفيذ ما نويته، وبقيت أمامها في بلادة، ~~أحدق في خطوط الأرضية. فاضت عيناها، الباردتان عادة، بنظرة ساخرة. لكنها تكلمت، كما ~~اعتقدت، بشيء من الرقة. ~~«آه ... ها أنت قد جئت!» # قلت: «أجل، فكرت .. اعتقدت ...» وتلعثمت، عاجزة عن التعبير، وأنا في مكاني عند ~~المدخل. # تراجعت إلى الوراء، مفسحة لي الطريق، وقالت: «ادخلي لحظة.» # وجدت نفسي أخيرا وسط الحجرة. وبأمل التوصل إلى مصالحة، خطوت نحو الأريكة لكنها جلست ~~فوق ذراع مقعد واستوقفتني قائلة: «أنا أمنعك من الجلوس. أجيبيني أولا. هل تغلبت على ~~نوبة غضبك الصغيرة؟ هل ندمت على انصرافك؟» # غمغمت: «أجل.» كانت تتأملني من أعلى إلى أسفل، فشعرت باضطراب شديد، وارتعدت خوفا من ~~ألا تتطور الأمور بيننا كما تمنيت. ~~«تريدين العودة؟ كأن شيئا لم يحدث؟» # أطرقت برأسي. ~~«حسنا جدا. اطلبي الصفح.» # وكانت تعبث دون اهتمام بنرد. ~~«إذا أردت البقاء، فيجب أن تنحني فوق ركبتيك، وتطلبي المغفرة.» # لم يكن هذا بوسعي. ليس بدافع الخزي ms042 أو العناد. فلم يكن بإمكاني الركوع وسط هذه الغرفة، ~~وأمام هذه المرأة، التي كانت تتأملني بتهكم، وتسألني التوسل طلبا للمغفرة على شيء ~~ارتكبته هي في حقي. هكذا وقفت مكاني بلا حراك، أناشدها بعيني ألا تطالبني، وأن ~~تدرك أني نلت كفايتي من العقاب لو كنت أستحقه، وأني أحبها. # اعتدلت واقفة، وتقدمت مني في عزم، ودون أن تضيف كلمة، استغلت بغتتي، وأمسكتني من ~~كتفي ثم دفعتني نحو الباب. وعندما صرت في الخارج، أغلقته خلفي. # بقيت وحدي في بئر السلم الذي ساده الصمت. وجاءني صوت ارتطام متتابع من الفناء. لا ~~بد أن أحدا كان ينفض سجادة. لم أعد قادرة على احتمال المزيد. فبعد ما عانيت من عذاب، ~~راودني الأمل المجنون، وأخيرا هذا السقوط من جديد في هاوية التعاسة، التي لن يكون لها ~~حد هذه المرة. فلن تتراجع عن موقفها، ومهما توسلت وناشدت، سيبقى بابها مغلقا إلى ~~الأبد في وجهي. إلى الأبد. # ضغطت الجرس من جديد. لم تفتح الباب. فالتصقت به: «تامارا! إنها أنا! افتحي الباب، ~~أتوسل إليك! سأفعل كل ما تطلبين!» # انتظرت مدة طويلة في سكون مطبق. كانت في الغرفة ولا شك. فعندما دخلت كان الباب المؤدي ~~إلى المطبخ مغلقا، وما كان بوسعها أن تفتحه دون أن أسمع صوت احتكاكه بالأرض. ومعنى هذا ~~أنها لا تزال في الغرفة، خلف هذا الجدار، وأنها سمعت صوتي. كنت أعرف أن أي شيء يحدث عند ~~العتبة، يسمع بسهولة في الداخل. ومع ذلك لم تفتح لي! كانت تتعمد تعذيبي، وتريد أن ترى ~~إلى متى سأبقى متوسلة أمام الباب المغلق. لكن ذلك لم يكن بذي أهمية كبيرة. فلن أنصرف ~~قبل أن أراها. فما كان بوسعي أن أواجه مرة أخرى أياما كتلك التي مضت. يستطيع المرء أن ~~يتقبل نازلة ما، عندما لا يدرك كنهها بالضبط، عندما تأتي بشكل مفاجئ، وتهبط فوقك ~~كثقل هائل لا فكاك منه. لكن عندما تعرف التفاصيل الكاملة لها. وتكون قد قضيت أسبوعين تحت ~~وطأتها، وعانيت كافة مراحلها: المرض، الآمال الزائفة، الذكريات، الانتظار القلق والمثير ~~للسخرية، وعندما ms043 تكون قد تجاوزت هذا الجحيم، وشعرت بأنك قد نجوت، وأصبحت على أهبة أن ~~تقدم شفتيك لفرح جديد، تكفي كلمة واحدة لأن تقضي عليك، ولهذا لا يمكن احتمالها. إذ كيف ~~يمكنك الاحتفاظ بصفاء التفكير، كيف يمكن أن ترفض أية تضحية، أو ترفض التوقيع على حكم ~~إعدامك؟ # توسلت إليها: «تامارا!» وفي مواجهة هذا الصمت فقدت كل سيطرة. كان لا بد من إجبارها ~~على الاستجابة، ومن رؤيتها مرة أخرى، مرة واحدة أخرى. فإذا كان الفراق محتما، فلا يجب أن ~~يتم الأمر هكذا، دون وداع، وبلا إيضاح. انتابني هياج بالغ، وتمنيت لو أطلقت العنان ~~لغضبها، وانفجرت ثائرتها، واتهمتني بشيء ما على الأقل! ~~«تامارا! افتحي الباب. سأطلب الصفح والمغفرة! تامارا! يجب أن أراك!» # ضغطت الجرس مهتاجة، وخبطت على الباب، وأنا أنشج وأتوسل. لم أعبأ بأن يسمعني السكان ~~الآخرون، ولم تعد تامارا نفسها بذات أهمية. فقد استحوذت علي فكرة واحدة: لا بد من فتح ~~الباب. ~~«سأظل هنا حتى تفتحي! سأبقى طول الليل!» # غصصت بالدمع. وبلغ بي الأمر أن ضربت الباب بحذائي، ظنا مني أنها ستفتحه عندئذ اتقاء ~~للفضيحة. وأخيرا، خانتني قواي، فتهاويت على أرض البسطة، وأنا أردد في هيستيرية كلمات ~~غير مفهومة، وأعض منديلي، وأتمرغ على الأرض، وأضرب رأسي في الحائط، هذا الباب ~~المغلق. # وفجأة، أسكت وشل كياني: فقد خرجت تامارا إلى البسطة. انحنت فوقي، فأنهضتني فوق ~~قدمي، وقادتني وهي تسندني إلى الداخل، نحو المطبخ، قامت بكل هذا في برود، أدركت معه أن ~~سلوكها نابع من الضرورة. واصلت البكاء في صمت، بمثل ما واصل قلبي الدق، وكدت أختنق ~~بدموعي المكظومة وأنا أسعل وألتقط أنفاسي. كان ثمة صنبور يقطر في بطء. كنت خائفة، شاعرة ~~بالخزي، وكلما نظرت إليها عاودني السعال والنشيج بشكل لا إرادي. وبعد دقائق أمسكتني من ~~رقبتي، ودون أن تعبأ بمقاومتي، وضعت رأسي أسفل صنبور الماء البارد، بعد أن فتحته على سعته. ~~وأخيرا أطلقتني، وانتظرت في صمت حتى انتهيت من تجفيف وجهي وعنقي، ثم أشارت لي أن ~~أتبعها إلى غرفة المعيشة. وهناك أومأت إلى وسط ms044 الأرضية وقالت بإيجاز: «اركعي.» # هذه المرة ركعت دون تردد. ففي تلك اللحظة كان بوسعها أن ترغمني على أي شيء. # قلت في ذلة: «اصفحي عني!» # نظرت إلي لحظة. # قالت: «طيب.» # ثم تقدمت مني. ظننت أنها تنوي الاستمرار في تعذيبي، وأنها ستصفعني، وعاهدت نفسي على ~~الخضوع والقبول بكل شيء. لكنها ركعت إلى جواري، واحتوتني بين ذراعيها، وقبلتني، ببطء، ~~ودربة وحلاوة، إلى أن دفعتني إلى الخلف، ورقدت بين ذراعيها فوق الأرضية. ~~••• # لم أعهد مطلقا من قبل لذة أكثر حدة من تلك التي عرفتها في ذلك اليوم الذي ظننت ~~فيه أني فقدتها. ولم أدرك من قبل بمثل هذا الوضوح، مدى سلطانها علي، واللذة الشريرة ~~التي تستمدها من استخدامه. # | استيقاظ مود # للكاتبة الأمريكية مارج بيرسي (1966م) # Maud awake by Marge Piercy ~~1966 # بعد الحمام، جلست في قميصي الداخلي أمام مرآة زينة أمي. بدا أن جوا احتفاليا ~~يخيم على الغرفة الصغيرة بجدرانها الوردية القديمة. قوست عنقي، وشددت قاماتي ~~بقدر ما أستطيع، لأبدو أطول ما يمكن أمام المرآة، مجللة بالرغبة، أميرة وكاهنة في آن ~~واحد. طقس الوحدة الذي سيصهرنا في كائن واحد. كان بوسعي أن أتبين في صفحة وجهي، شحوب ~~التركيز، قوة العزم والقرار. لو فقط كنت أبدو أكبر سنا. هل أقترض مساحيق أمي؟ كم من ~~المرات تخيلت هذه الليلة، بأبطال عديدين مختلفين، في مدن محاصرة، في سجون وقصور ~~وخيم. يفعل الحب - يا لها من عبارة متوترة. ها أنا الآن في بؤرة مشهد: أريد استعدادات ~~أكثر دقة، مونولوجا، موسيقى تتصاعد حتى الذروة، كورسا من المشاهدين. ~~(تجلس أمام المرآة في الدقائق الأخيرة الضئيلة من تمالك النفس والانفصال كشجرة بينما ~~فراشة الخوف تخفق في عنقها.) ~~«لم تنته بعد من ملابسك؟» تغلق أمي الباب، فتصطفق حمالات الثياب، وتحف أربطة عنق ~~أبي. «لماذا تتلكئين؟ لست من أنصار ترك الرجل ينتظر.» # هل تنصرف إذا ما تجاهلتها؟ اذهبي، أرجوك. # تنظر إلى الرداء الملقى فوق الفراش، بلوزة سوداء اشتريتها في الصيف الماضي لأذهب فيها ~~إلى العمل: «ماذا سترتدين؟» # أستجمع شجاعتي: «هذه بالطبع.» # أرتدي البلوزة، ms045 فتنزلق الأزرار الصغيرة الفاحمة السوداء، من بين أصابعي الساخنة. ~~«أسود؟ لماذا ترغبين في مظهر كئيب؟» وتزيل بأظافرها في سخط، نسالة وهمية من ~~الجوبة. # أنكمش، في محاولة لتجنب لمستها: «لا بأس من ارتدائها فلون بشرتي فاتح.» لماذا أدافع عن ~~نفسي؟ ~~«كأنما مات أبواك! أسود أسود أسود! حتى تشبعي من الجنازات.» وترتمي فوق البنش بتنهيدة ~~راحة، معتمدة بذراعها على حافة المزينة: «ماذا ينتوي هذا الفتى .. مايكل؟» ~~- «التدريس في الجامعة.» ~~- «هؤلاء لا يكسبون كثيرا.» ~~- «لا شأن لي يا أمي، فلن أتزوجه!» ~~- «بالطبع لا. ألا يمكنني أن أعلق بشيء؟» وتلتقط شعرة من فوق كتفي ثم تشد ردائي: ~~«وأبوه، ماذا يفعل؟» ~~- «كان طبيبا، لكنه مات.» ~~- «مسكين». وتنحني لتقرص ذراعي هامسة: «يهودي؟» # أطرقت برأسي مؤمنة. # تستدير إلى المرآة، ترمق نفسها وتتخلل شعرها بالفرشاة: «أبوك لن يحب ذلك. هل هو من ~~الأصوليين؟» ~~- «كلا.» ~~- «أنت تعرفين المشكلة التي كانت مع جدتك. كان بابا يقول دائما: نحن في حاجة إلى أساليب ~~جديدة في الأرض الجديدة. كان رجلا متقدما للغاية. كان يقرأ خمس لغات، وكانت إنجليزيته ~~تامة.» ~~- «مايك متخصص في اللغة الإنجليزية.» # تترك يديها تسقطان فوق فخذيها وهي تهز رأسها: «لم أر أبدا أي نفع عاد به ذلك على ~~أبيك، وهو يبيع من باب لباب، ويعمل في دكان أحذية، ثم يموت تاركا لنا كل هؤلاء الأطفال. ~~إنها حياة صعبة، يأكل فيها الكلب أخاه، فلا تنصتي لهؤلاء الأساتذة عندما يقولون لك شيئا ~~مختلفا.» تجلس محملقة لحظة، ثم تنفجر كأنما عارضتها: «لكنه كان رجلا ألمعيا، لا تنسي ~~ذلك!» # لماذا لا يأتي؟ أعبث بشعري. تلمسني مرة أخرى لتصنع به شيئا ما. يقشعر جلد رأسي، ~~وتنتقل منه شرارة إلى يدها: «هكذا كنت أصفف شعري في سنك يا حبيبتي. سيبدو شعرك حلوا ~~للغاية بهذا الشكل. دعيني أقصه لك.» # قوة الإغراء في صوتها الملاطف: اتركي نفسك لي، وسيكون كل شيء رائعا في حديقة ما كان. ~~لا أجرؤ على تذكر كم كنت أحبها عندما كنت صغيرة فوق حجرها: «مايك يحبه هكذا.» لماذا ~~تحدق في بذلك التوق العارم، ms046 ليس لي. وإنما خلالي، لتجعل مني شبحا يجسد أحلام ~~يقظتها؟ عندما تؤطرنا المرآة، نحن الاثنتين، جنبا إلى جنب، لا أستطيع النظر إلى نفسي ~~بموضوعية. # يرن جرس الباب بدقاته الثلاث، الوسطى معطوبة ومكتومة، دينج تونك دونج. أنهض وأجري إلى ~~الباب. ~~«الآن تسرعين.» وتمرق إلى جواري، محتكة بي، نحو الدوران المؤدي إلى غرفة المعيشة، ~~وهي تربت على شعرها. # أبي يهز يد مايك، وقد بدا الاثنان متجهمين، بينما تقافزت أمي متوردة بالفضول: ~~«لا بد أنك مايكل! تكلمت مود كثيرا عنك!» ~~«كيف حالكم؟» لو كان مايك قد دق بمسمار إلى الجدار، ما بدا أكثر تصلبا. فقد تجمد ~~وجهه في رسمية عمياء، ناظرا إلى الأمام مباشرة، إلى لا شيء. يجلس في المقعد الذي ~~عينته، إلى جوار التلفزيون. يبدو موصدا في مواجهة منزلنا. أحن إلى الرسوم ~~المدورة على شكل العجلة فوق الأذرع العظيمة للأريكة، والطواويس المذهبة المختالة ~~فوق العتبات العالية، والفوضى الخزفية المبهرجة فوق الأرفف ذات الحليات الدقيقة التافهة. ~~هذا المنزل، المزخرف بالحواشي والأجهزة، يطفو مثل فقاعة فوق سطح كبرياء أبوي وزهوهما. ~~لم أرهما من قبل أكثر عرضة للانتقاد من الآن، أمي في المقدمة، فوق الأريكة، وأبي في ~~الخلفية، وراء سحابة من الدخان، يتساءل، ولا شك، لماذا لم أظل في العاشرة من عمري، أو ~~لماذا لم أكن صبيا. لكنه يتحامل على نفسه، ويسلك حنجرته: «ماذا تدرس في ~~المدرسة؟» ~~- «الأدب يا سيدي.» # يطرق أبي برأسه: «هل تعمل والدتك؟» ~~- «إنها متخصصة في المكتبات.» # تفور رغبتي في حمايته وأنا أشهد التوتر يتزايد حول فمه وعينيه: «سوف نتأخر على العرض». ~~وأجذب سترتي، فأصطدم به عندما قفز واقفا، متأخرا بعض الشيء، ليساعدني. # قرقت أمي بلسانها: «مايكل! أعرف أننا لسنا بحاجة لأن نطلب منك ألا تبقي مود ~~بالخارج حتى وقت متأخر. أنا واثقة أنك فتى طيب، وأنت تفهم أننا سنشعر بالقلق عليها. ثم ~~إنك لن تسوق بسرعة.» # أشعر بنا نتحول، تحت نظرتها التي تشع بهجة وسعادة، إلى مراهقي الرسوم المتحركة. ~~وأخيرا نصبح في الخارج ومايك يهرولني نحو السيارة. ~~«يا سلام! حلو الخروج. ms047 أليس كذلك؟» لا يرد علي. «ماذا كنت تفعل؟» مرة أخرى لا إجابة. ~~لماذا؟ لا بد أنه غاضب لأن أبوي وجها إليه هذه الأسئلة الكبيرة. يقود السيارة كأنما ~~يهرب من أحد، منطلقا في شوارع جانبية بصورة عشوائية، في دوائر عفوية، لكنها تزداد ~~اتساعا. التوتر العصبي رفيق ثالث بيننا. ليس هذا صمتنا الجميل، لكنه صمت فج، وضيع. ~~يسلك حنجرته دون أن يتفوه بشيء. لا أجد ما أقوله وأذيب به جمود وجهه. إنه لا يحبني. ~~أسرته استعادته بأن سرقته مني. # أخيرا: «قولي شيئا!» ~~- «ماذا تريدني أن أقول؟» ~~- «ألا تعرفين؟ فكري.» ويدفن عقب سيجارته في المطفأة فينبعث منها دوش من الشرار الأحمر ~~.. «تهنا.» ~~«سأنتبه إلى لافتات الشوارع.» # يقود ببطء أكثر وهو منحن إلى الأمام. يقود متطلعا أمامه مباشرة، وأجلس إلى جوار ~~النافذة أرقب الأضواء تومض مبتعدة، خائفة لو نظرت إليه أن يتهمني بالتحديق فيه. ماذا ~~فعلت؟ ~~«ربما كان الأمر هكذا: كل عملية الترقب والواقع. الخيال يذوي متحولا إلى ~~حقيقة.» # ألمح لافتة شارع شبرمان، لكني لا أجرؤ على مقاطعته. كرة من الزئبق البارد الزلق تتشكل ~~في معدتي. ~~- «ما رأيك لو انتحرنا الآن؟ قبل أن نذوق الواقع؟ من يعرف إلى أي درجة سيخيب أملنا؟» كل ~~ما أفهمه أنه لا يريدني. أتمنى لو أن حائطا سقط وغطى عاري. تزداد ظلمة الشارع أمامنا ~~ونحن نقعقع فوق معبر لخط حديدي: مصانع ومخازن صغيرة بواجهات مصمتة مقبضة. ~~- «أجيبيني! أأنت هنا، هل مللت؟» ~~- «أنا تعيسة. ماذا تريد؟ أنا هنا، وراغبة. لماذا تعاقبنا؟» أميل بخدي على الزجاج. موقع ~~انتظار خال. ~~- «لماذا لا تقولينها؟» ~~- «أقول ماذا؟» ~~- «ماذا تتصورين؟ لا شيء غير أنك تحبينني. إذا كنت.» # أحدق فيه وهو في انحناءته العدائية فوق المقود: «بالطبع أحبك». يتوقف إلى جوار ~~منحدر الشحن لمبنى مظلم: «لماذا لا تقولينها؟» ~~- «متى؟ أنت لم تعطني الفرصة أبدا.» ~~- «لأنك دخلت السيارة وجلست أبعد ما يمكن.» ~~- «لكنك ... دعنا نبدأ من جديد. طاب مساؤك يا مايك.» ~~- «يا إلهي. لقد افتقدتك هذه الأيام الثلاثة. من لحظة نهوضي في الصباح دون أن يكون ~~تليفونك ms048 هو الذي أيقظني.» # ظلمة، فيما عدا ضوء الشارع الأزرق الشاحب، ووهج الساعة التي يخلعها ويلقي بها فوق لوحة ~~القيادة. صمت معدني يحيط بدقات أصابعه فوق المقود. يلمس كتفي ونتبادل القبلات في خجل. ~~ملاطفات بطيئة ونحن نتظاهر بعدم حاجتنا إلى العجلة. أشعر بثقل تنفسي. يقبل عنقي، ~~ويمس شعره الحريري شفتي .. أزرار قميصه صغيرة وخانعة لأصابعي، كأنها تختفي من تلقاء ~~نفسها. تحته يبدو عاريا، بشعر أصفر يحدث دغدغة. ~~- «لماذا هذا التجويف وسط صدرك؟» # يتعمد مضايقتي: «ولماذا ليس لديك مثله؟» # تحرير كل واحد منا يختلف عن الآخر. تبدو ملابسه الداخلية، للمفاجأة، مألوفة؛ لأنها ~~تشبه ما تبتاعه لي أمي في الأوكازيون: أقطان، بيضاء، طفولية. أجذب بخرق، فيتحرر. أمر ~~كوميدي: ذات مرة أعطاني عمي علبة صغيرة، تزيح غطاءها فينبثق رجل يحمل مطرقة وينهال بها ~~على أصابعك. # يتحسس بطني في رقة: «بشرتك ملساء وبيضاء، كأنها من القمر. لكنك أكثر دفئا.» ~~••• ~~- «أرشديني .» ~~- «لماذا تتوقع مني أن أخبرك. المفروض أنك أنت الذي يعرف كيف.» # يئن: «يا إلهي!» يعتدل جالسا وهو يدعك ظهره: «المقود اللعين يكاد يخترق عمودي الفقري. ~~تعالي ننتقل إلى الخلف.» # نتكئ، كل منا على الآخر، شاعرين بالحنق والغيظ. يداعب شعري. وأمد يدي إلى علبة ~~سجائري، فأشعل واحدة نتبادل تدخينها. ~~- «مايك، هل أنا مختلفة عن الأخريات جسديا؟» ~~- «وكيف أعرف؟» ~~- «ألم ...» ~~- «خبرتي قدر خبرتك بالضبط.» يحول وجهه بعيدا. ~~- «أرجوك. انظر إلي. أنا مسرورة. لأننا متساويان.» ~~- «تحاولين التهوين من الأمر.» ~~- «يجب أن تكون مسرورا أنت الآخر. لو كان لك ماض، لأصبتك بالجنون من كثرة ~~الأسئلة.» # يضمني إليه: «على كل .. المفروض أن تأتي مزودة بالإرشادات الضرورية. مثل كل ~~الأشياء الجديدة.» # على الأقل، في هذا الوضع يمكننا أن نبتسم لبعض. أدفن ركبتي في فرش المقعد. ~~••• ~~- «على الأقل نجحنا يا صديقتي العجوز.» يمسك بكتفي: «أنت محاربة ممتازة. تودين أن ~~نكتفي الليلة؟ أشعر بالرغبة في ساندوتش بسطرمة ساخن.» ~~- «أظن أني اكتفيت، إذا لم يكن لديك مانع.» # أتبعه حول السيارة حتى المقعد الأمامي، ونجلس متجاورين. ~~- «كم الساعة الآن؟» ~~- «الحادية عشرة فقط»، وبابتسامة ملتوية: «سنعيدك ms049 في الثانية عشرة والنصف. أليس هذا هو ~~الحد؟» # | أنا الغريبة الجميلة # للكاتبة الأمريكية روزالين دريكسلر (1965م) # I am the beautiful Stranger by Rosalyn Drexler ~~1965 # من يحبني الآن وأنا أكره العالم؟ ليس غير علبتي الحجرية. أوه، أعرف أنها لا تفعل في ~~الحقيقة، لكني أخرجها من حقيبة المخيم القديمة، وأضعها على قاعدة النافذة. أقول لها: ~~«تبدين في ميعة الصبا. لم يتقدم بك العمر على الإطلاق. سأريك معنى المعاناة.» # رفعت صخرتي من يد إلى يد متلمسة ثقلها، وفجأة أفلتت مني لتستقر فوق إصبع قدمي. ~~حطمته وظهرت آثار الدماء على جوربي. (ما زلت أتألم عندما أرتدي حذاء بكعب مرتفع). ~~بكيت وفعلت كما أفعل في المدرسة. قولي لي يا تعويذتي: هل تريدينني أن أبكي؟ الذين يريدون ~~بكائي هم: هاري فلتر، ديانا فلتر، أمي، أبي، ومسز فوركين. # أختي لوسيل تكره بكائي. فهو يصيبها بالهوس. إنها شديدة الحساسية. سمعت صوت الضجة ~~التي أحدثتها، فجاءت وجلست بالقرب مني. أينما ذهبت في الحجرة تتبعني محاولة أن تربت ~~على يدي. قلت لها أن تذهب إلى الجحيم وتكف عن السير في أعقابي كالكلب، وعندما لم تفعل ~~سألتها: «أتريدين حقا أن تخففي عني؟ أتريدين أن تكوني قديسة؟» وقبل أن تخيم فوقي ~~من جديد، أسقطت الصخرة فوق إصبع قدمها، فجرت عاوية، وهو أسلوبها هي أيضا. سيلقنها ~~هذا درسا. لا أريد أن أكون أختها الكبرى أو أي شيء كبير بالنسبة إلى أي شخص أو أي ~~شيء. ~~••• # يبعثون بي إلى المخيم مرة أخرى. لا يعرفون ماذا يفعلون بي. # كانت أمي التي بدأت جمع التبرعات من أقاربنا تحت شعار «أرسلوا سلمى إلى المخيم». ليس ~~أقاربنا بالكرماء، لكن أمي تمكنت من جمع القدر الكافي. فهي تحب أن تتوفر لي أفضل الفرص. ~~وأعز أحلام يقظتها (وأنا أيضا) هو أن تتبناني أسرة ثرية. # لم أعد أتحدث مع ديانا. يؤلمني هذا أكثر من الصخرة. هاري أيضا أصبح بعيدا عني. ~~اتصل بي البارون. يعرف ما يريد. أكره رغباته. تصوروا، ظن أن بوسعي أن أجد فتاة أخرى ~~لموعد مزدوج. أرفض هذا. ms050 سأتقيأ من قبل ومن بعد. فضلا عن أنه ليست لي صديقات، ولو كان لي ما ~~قبلن بالخروج مع كهول أثرياء وتحقير أنفسهن. أريد أن أقتل نفسي مرة أخرى، ومرة أخرى لن ~~أفعل. أفكر في شارلي روجن: لم تتح له فرصة، لكنه يضع الخطط للمستقبل. أتيحت لي كل ~~الفرص، لكن الأمر يبدو لي كأنه سقوطي. ~~••• # المخيم الذي سأذهب إليه أشبه بمخيمات النقابات. رخيص. اقترحه العم جريشا. كعقاب على ~~طردي من المدرسة. لن أسمح لنفسي بالكتابة. على الأقل حتى عودتي. أمس بكت أمي على مائدة ~~المطبخ. أعدت لي ساندوتشا من السلامي عندما دخلت. قالت إن أبي لا يطلعها على المكان ~~الذي يعمل به الآن. تعتقد أنها تعرف رقم الهاتف، وأنه يغير صوته ولهجته، عندما تتصل به، ~~ليبدو إيطاليا. تقول إنه يحتفظ بمجموعة كاملة من الملابس في منزل آخر. ~~••• # عدت من المخيم. كان الوقت قصيرا. ماذا حدث؟ انتبهوا الآن. كلا، ما لم تكونوا على ~~استعداد. لأي شيء؟ الحب العظيم. ماذا كان شكله؟ كان؟ كان ممثلا. # كان رثا باليا: رائحة فم كريهة، رأس أصلع، وأحذية من القماش لها نعل من المطاط بلون ~~الملبن. ورغم ذلك كانت له جاذبية جنسية. كانت حوله هالة منها. أول ليلة أقيم حفل راقص في ~~الكازينو. رقصت الفالس نصف ساعة مع أحد المنظمين النقابيين. وبينما كنا نرقص، كان ~~يتحدث عن الفوائد الصحية لعصير الجزر وعسل النحل. رقصت بأسرع ما يمكن حتى أصبحت أقوده، ~~آملة أن أتغلب عليه. لكنه صمد. قدم جون (الممثل) نفسه إلي بعد الرقصة بينما كنت عاكفة ~~على تهوية إبطي ونفخ الهواء البارد فيهما. # قال: «لا يجب أن تفعلي ذلك.» # سألته: «لم؟» # أجاب: «الأظرف أن يقوم رجل بذلك .. هكذا.» # قلت محرجة: «لم أعرق هكذا من قبل.» # قال: «أنت حيوان صغير في صحة جيدة.» ووضع ذراعه حولي: «ما رأيك بنزهة في القارب؟» # غمغمت موافقة، فذهبنا. # ووقعت من القارب. # قال: «كل هذه الملابس ستتسبب في غرقك.» ونزع عني ملابسي بينما كنت أعبث بالماء، وألقى ~~بها في القارب، ثم عانقني وهو ms051 يعبث بالماء أيضا، وسألني: «تنامين معي الليلة؟» # قلت وأنا أهز رأسي: «ما رأيك في الرابعة غدا؟» # وافق: «غدا في الرابعة إذن.» ~~••• # في الرابعة تماما وصلت وأيقظته من قيلولته، كان الفراش جميلا ودافئا ومتهدلا في ~~الوسط. # قال: «انتظري. سأضع وسادة تحت ساقيك.» # قلت: «لست رومانسيا على الإطلاق. ثم يجب ألا تتحدث إلي بهذه الطريقة.» # قال: «كما تشائين يا سيدتي. لن تنبس شفتاي مرة أخرى بالألفاظ التي تؤذي مسامعك.» # ضحكت ساخرة لأن كل ما أمكنني منه كان رأسه الأصلع .. وربما يتعين على المرء أن يربي ~~ذوقه على أشياء مثل هذه (كما نفعل مع أصناف الطعام). # كانت هناك نافذة صغيرة تغطيها ستارة فوق الفراش، تسللت منها أشعة الشمس. وقال إني ~~أذكره بصباحات أبريل. وقال أيضا إني ناعمة مثل القطيفة. تشبيهاته ليست أصيلة. # صرنا نقضي فترات القيلولة سويا. وذات مرة رقد زميله في الغرفة مع فتاة على الفراش ~~المقابل. لم أنظر إليهما، لكن يا له من مسلك. ~~••• # كانوا يبثون التسجيلات الموسيقية بعد ظهر كل يوم. كنا نجلس على العشب وننصت. وذات مرة ~~مارسنا الحب ونحن نستمع إلى موسيقى «إيرويكا» تتردد في كل الأنحاء أسفل التل. أتذكر وقع ~~الموسيقى على مسمعي. كم هو محزن أن الحياة تواصل مسيرتها. لم أكن بالضبط إنسانا آليا، ~~كنت متفرجة تشارك. كنت أرقب كل حركة دون أن يحركني شيء. (يسمون ذلك الصيف التجريبي. ~~ما الذي يجعل القيام بشيء ما تجربة؟) يا له من حبيب قلب، جون هذا! كاد يمزق لي شريانا ~~عندما اكتشف أني استخدمت فرشاة شعره. كان شديد التدقيق في هذه الأمور، أبله. # ظنه الجميع شريرا لأنه يتلف طفلة رقيقة مثلي. لم يكن. تلك كانت حياته وطريقته. هكذا ~~قلت لهم. وعلى حال، حدث لي شيء غير عادي معه. في الأسبوع الثاني كنا في الكازينو نشترك ~~في غناء جماعي. وقال لي جون إن فتاة سحاقية من معارفه ستزوره وسيحاول مساعدتها على التخلص ~~من هذه العادة. لم أفهم حديثه. كان يقصد أن أبتعد عن كابينته لأنه سيكون مع واحدة غيري. ~~جئت ms052 أطرق الباب، فلم يفتح لي. رقدت على التراب وأخذت أصرخ وأبكي. كنت ثملة من بضع ~~زجاجات بيرة (أنا سكيرة رخيصة). أخذت أصرخ وأقول إنه وعدني بالزواج (فعل ولم يفعل). أردت ~~أن أجعله شريرا أكثر مما هو في الواقع. فتحت الباب تلك الأنثى الضخمة في رداء الحمام ~~وقالت: «كفى عواء يا حبيبتي. إذا أردت الدخول، تعالي.» قلت إني لن أفعل إلا إذا طلب ~~مني جون ذلك. كان جالسا فوق الفراش ولم يفه بكلمة. شعرت أني لو دخلت فإنهما ~~سيمزقانني. قمت واستدرت وعدت في هدوء إلى كابينتي. # أمي، لا تبكي من أجلي. # يوم رحيلي من المخيم تناولت إفطاري مع جون على مائدة الإدارة. كان يخفي هدية لي أسفل ~~غطاء المائدة. كانت جزرة بساقين وذراعين من عيدان الكبريت. وفوق الهدية قصاصة من الورق ~~تقول: «في خدمتك.» وضعتها في الجيب الداخلي لحقيبتي وبالأمس فقط عثرت عليها ثانية وقد ~~تعفنت واكتست لونا داكنا واخترقت عيدان الكبريت غلاف الورق الشمعي. نوع التذكار الذي ~~يناسبني. ~~••• # مات تشارلي روجان. كتبت لي «ليلا» أنه كان في سيارة وأفلت قيادها. طول ذلك الوقت كنت ~~أهدهد أملا في أن نرتبط يوما ما، أما الآن فالفكرة تجعلني أقشعر. أهذا إذن ما كبر من ~~أجله، ليكون جثة مراهقة؟ لن يضطر بعد الآن أن يضرب أحدا في مؤخرته بساقه ليثبت أنه قوي ~~الشكيمة. الموتى لا يرفعون أبدا إصبعا أو قدما، فلو فعلوا لانتصبت الأرض مثل كعكة هائلة ~~متعفنة. # | لا يمكن أن يكون ميتا، فقد تحدث إلي! # للكاتبة الأمريكية رونا جافي (1963م) # He can’t be dead, he spoke to me by Rona Jaffe ~~1963 ~~(نحن نشعر بالحزن عندما نعلم أن صوت الإنسان ودفء جسده يمكن استبدالهما الآن بالآلة. ~~يسمونها الآلة-الأم، وتستخدم في عدد من دور حضانة الأطفال، لكن البالغين يجب ألا ~~يشعروا بالتجاهل؛ لأن العلم سرعان ما سيجد لهم رفيقا آليا. وإلى أن يتحقق ذلك، يوجد ~~البديل المعروف باسم «أحد المعارف»، أو «مرافق السهرة»، أو «الصديق» في بعض الأحيان، ولا ~~يحتاج هذا النوع من المنتجات ms053 إلا إلى عناية بسيطة لا تتجاوز قليلا من الطعام بين الحين ~~والآخر. وهو ذاتي الشحن، فعندما يصيبه الإجهاد، يمكن توصيله بأي قابس في غرفة خالية لمدة ~~أسبوع أو عشرة أيام، وعندئذ يصير كالجديد تماما. المعلومات اللازمة عن أماكن توافر «مرافق ~~السهرة» أو «الصديق»، يمكن الحصول عليها بالكتابة إلى ...) ~~••• # كانت الساعة قد شارفت على العاشرة والنصف عندما بلغ ثلاثتهم المطعم، في «القرية» (حي في ~~نيويورك يشبه الحي اللاتيني في باريس)، قبل أن يغلق المطبخ أبوابه. كانت هي فتاة ثرية ~~تبدو كالراقصات. وكان هو نائبا لرئيس وكالة إعلان صغيرة ويبدو نائبا لرئيس وكالة إعلان ~~كبيرة. وكانت صديقتها ممثلة تبدو أشبه بنجوم السينما الصامتة. كانوا راضين عن مظهرهم. هو ~~ثمل بعض الشيء، أما الفتاتان ففي وعيهما الكامل. ولهذا السبب كانتا لا تزالان تضحكان ~~وتصخبان، وكان هو يميل إلى الدقة والحذر. وعقب الكأس الرابعة شرع يحرك يديه كما لو ~~كان يربت على جوبة خالية، فكرت صديقتها أنه ربما كان لواطيا، أما هي فكانت تعرف أنه ليس ~~كذلك، وأنه لا يحب أحدا على الإطلاق، لا الرجال ولا النساء ولا الأطفال ولا الحيوانات. ~~كان يحب البوربون والمارتيني. # طلبت هي وصديقتها عشاء كاملا لكل منهما. وأمر هو بشراب وزجاجة نبيذ. كان يسير على ~~نظام خاص في الأكل لينقص من وزنه. وقد فقد بالفعل عشرة أرطال، وبقي أمامه ما يماثلها. ~~كانت تعرفه منذ سنتين، وتعرف الممثلة منذ ستة شهور فقط، لكنها كانت تعرف الممثلة. # كانت ليلة سبت، وهو أمر لم يكن بذي أهمية لدى أي منهم. لكنه كان بالغ الأهمية بالنسبة ~~للآخرين في المطعم. وكان هذا يتألف من قاعدة طويلة ضيقة احتل البار مقدمتها، بينما ~~وضعت الموائد في الخلف، وفصل بين الجانبين حاجز علق فوقه هاتف. ولم يكن هناك من يأكل ~~غير ثلاثتهم، لكن البار كان غاصا بالزبائن. # قال: «سيأتي صديقي في الحادية عشرة. أرجوكما ألا تصدما عندما تشاهدان رفيقته.» # قالت: «ولماذا نصدم؟» ~~- «سوف تريان. إنها موهوبة في الإيقاع بأصحاب الملايين. وكانت تأخذ من أحدهم 700 دولار في ms054 ~~الأسبوع، مقابل أن تصحبه في جولة حول الخزان بعد ظهر كل أربعاء. لا تفعل شيئا آخر معه. لا ~~جنس.» # قالت: «مهووس خزانات.» # قالت الممثلة: «أوه يا إلهي، كم أنا جائعة، جائعة!» وقالت هي: «سأموت من الجوع، فلم ~~أتناول شيئا طيلة اليوم. أيها الساقي، أحضر لنا من فضلك خبزا وماء، الآن.» # ابتسم الساقي الذي كان شابا، ويبدو مثل مغن شعبي عاطل. ابتسم لهم جميعا وأحضر ~~سلة من الخبز الإيطالي الطازج وثلاثة أقراص من الزبدة فوق ثلاثة مربعات من الورق. # قالت: «ليس هذا مطعما راقيا. تعرفونه من زبدته الرخيصة.» # قال: «بوسعك أن تأخذي قطعتي. فلست بحاجة إلى زبدة أو خبز أو أي طعام. لا شيء سوى ~~الشراب. الخمر لا تسبب السمنة.» # قالت الممثلة: «بالعكس، إنها أكثر مجلبة للسمنة من أي شيء آخر. اسأل أي إنسان.» # قالت هي: «المارتيني يقتل.» ~~- «من يقول هذا؟» ~~- «آن لاندروز. دوروثي كليجان. دكتور روز هاوسفراو. بول ف. بول.» # سأل: «من هو بول ف. بول؟» # قالت: «طبيب الأمراض الجلدية الذي أتردد عليه.» # أحضر الساقي الباسم (كان يبتسم لأنه سيعود سريعا إلى منزله وعروسه الشابة الجميلة ~~التي لم ينقض على زواجه منها أكثر من ثمانية شهور. سيفاجئها مع ساق يوناني وسيطلق عليه ~~النار من مسدس المبارزة الذي كان يستخدمه جده وسيخطئه)، أحضر صحنين من اللحم وزجاجة ~~من نبيذ كاليفورنيا الأحمر ومارتيني. # ترك أحد الرجال البار واستخدم الهاتف. كان بوسعهم أن يسمعوه بسهولة، فأصغوا إليه ~~متظاهرين بأنهم لا يفعلون. # كان يهتف: «هالو، هالو، يا للمسيح!» # ضحكت الممثلة. وتدحرجت العملات بصوت موسيقى عندما وضع الرجل السماعة. تحسس شعره بيده ~~وهو يهتف: «ما إن نقول هالو حتى يختفوا.» # ضحكت الممثلة مرة أخرى، في شيء من الهيستريا وقالت: «هذه هي قصة حياتي. تقول هالو ~~فيختفون على الفور.» وضحكت هي ثم ضحك هو لأنهما كانتا تضحكان، لكن الرجل الواقف بجوار ~~الجدار، الذي كان يبدو وحيدا للغاية، وضع مزيدا من العملات في الهاتف: «سنترال .. كنت ~~أتكلم مع ميلبانك، نيوجرسي، وانقطع الخط. كلا، ليسوا هم الذين قطعوه. ms055 أنت الذي فعلت. ~~حسنا، حاول مرة أخيرة.» # قالت: «يا للمسكين. لا تضحكوا. أريد أن أسمعه.» ~~«هالو، سالي موجودة؟ أوه .. جيم، آسف لأني أيقظتك، كلا، لا شيء، أعتقد أنها ستكلمني ~~غدا.» وتثاقل صوته في كآبة ثم وضع السماعة وعاد إلى البار. # احتل مكانه عجوز كان يقف في الانتظار، يرتدي معطفا، وله لكنة ألمانية: «عزيزتي، ماذا ~~تعنين بأنك لا تستطيعين الخروج؟ لكن سأعطيك درس الإنجليزية. سآتي. أوه حسنا. إذن سأراك ~~خلال الأسبوع المقبل. كل ما في الأمر أن أمس كان الجمعة وقد كنت أراك دائما ليلة الجمعة، ~~ولهذا فكرت .. حسنا، ربما في الجمعة المقبلة. أتمنى لك حظا سعيدا في درس اللغة ~~الإنجليزية.» # غنت الممثلة بالألمانية: «إيش بين فون كوبف بيس فوس.» # قالت هي: «أنا من .. مكان ما.» ~~- «لا. أنا من الرأس إلى القدم، هكذا أنا. غنتها مارلين ديتريش في الملاك الأزرق.» ~~- «ظننت «كوبف بيس فوس» مدينة.» ~~- «لا. برلين هي المدينة.» ~~- «هذه صورة جميلة: إنها كما هي، ثم تذمر العجوز المسكين، صح؟» ~~- «صح.» # مضى الرجل ذو اللكنة الألمانية والمعطف عائدا إلى البار. وقالت الممثلة: «ألا يكون الأمر ~~مضحكا لو كان الاثنان يحدثان الفتاة نفسها؟» # شرحت لها: «لديها صديق شاب، ألماني. وهذا أكبر سنا.» # قال رجل الإعلان: «عندما كنت صبيا صغيرا في المدرسة كتبت رسالة غرامية إلى فتاة. وما ~~زلت أذكر نصها. قلت: أحبك يا جيرالدين. هل تحبينني؟ إذا كنت لا تحبينني، أعطي هذه ~~الورقة إلى هارييت.» وضحك. ~~- «لماذا كتبت ذلك؟» ~~- «لا أعرف. ربما أردت أن أثير غيرة جيرالدين.» ~~- «تصور هارييت عندما تتلقى الورقة.» ~~- «لم أفكر في ذلك أبدا.» # قالت: «تعجبني، تعجبني هذه الورقة: أحبك يا جيرالدين. إذا لم تكوني تحبينني، فاعط هذه ~~الورقة إلى هارييت.» ~~- «ليس هذا هو ما قلته. لقد قلت ...» ~~- «لا يهم ما قلته. العبارة تعجبني. فهي قصة حياتي.» ~~- «أوه، أي واحدة منهما أنت؟» ~~- «لم أقرر بعد. أنا لا أحب غير العواطف.» ~~- «مضحك.» ~~- «فعلا. بل رائع. سأسجل هذه العبارة.» وأخذت قلما من كيسها وبدأت تكتب على حافة ~~قائمة الطعام. # قال: «تأكدي ms056 من أنك تكتبين العبارة صحيحة. أحبك ياجيرالدين، فهل تحبينني؟ أوه. ها هم قد ~~وصلوا». ولوح لزوجين ولجا القاعة. ~~••• # كان هناك هز للأيدي وتعريف بالأسماء وتحريك للمقاعد. وكانت الفتاتان حوريتين بشعر ~~طويل يصل إلى الخصر، وجسدين رشيقين ووجهين مليحين بلا زينة. والاثنتان ترتديان ~~بلوزتين من القطن وجوبتين من التويد. أما الرجلان فكان أحدهما أمريكيا والثاني ~~إنجليزيا. وكانا ثملين. # قالت الحورية الشقراء: «أرى أنكم أكلتم.» # وقالت الحورية ذات الشعر الأسود: «نحن لم نأكل. قطعة بيتزا فحسب وشيء آخر ~~نسيته.» # قال الأمريكي: «سوف تأكلين يا زهرتي الصغيرة. سوف آخذك إلى أفخم الأماكن ... فيما ~~بعد.» # فقالت حورية الشعر الأسود بحبور: «أوه، طيب.» وابتسمت له. # طوت القائمة التي سطرت فوقها رسالة جيرالدين، ودستها في كيسها. ونظرت طويلا وفي دقة ~~إلى حورية الشعر الأسود وهي تتساءل عن ذلك الذي تفعله مع أصحاب الملايين عند الخزان ويساوي ~~سبعمائة دولار في الأسبوع. ولاحظت أن الحورية كانت تنظر طويلا وبدقة إلى الممثلة. ولم ~~يكن في نظرتها أثر للمنافسة الأنثوية. أسقطت الممثلة بعضا من كأسها، فظهرت بقعة فوق غطاء ~~المائدة، وأبدى الجميع اهتمامهم. # وضع الساقي منشفة نظيفة فوق بقعة النبيذ، وأتوا على ما تبقى من الزجاجة. # قالت: «أوه يا إلهي. انظروا ماذا تفعل هذه الفتاة.» # كانت الحورية الشقراء قد عرت صدرها من فوق الخصر. # قال الأمريكي: «قالت إن السوتيان يؤلمها. وكان لا بد أن تخلعه في الحال.» # عادت الحورية ترتدي بلوزتها القطنية وتثبت أزرارها في بطء، ثم رفعت السوتيان ليتداوله ~~الجميع ويروا شكله. كان من النوع الجديد الذي يبدو كأنه جعل لطفل، ولا يمكن أن يسبب ~~ألما على الإطلاق ما لم يكن معقودا حول عنقها. # قال الأمريكي: «انظروا إلى هذا السوتيان. أليس طريفا؟» ولم تكن الحورية قد رفعت عينيها ~~عن وجه الممثلة طول الوقت، وكانت ما تزال تبتسم. # غمغمت الممثلة في غضب: «الجميع يظنونني سحاقية. لماذا يعتقد الجميع هذا دائما؟» # قالت الحورية الشقراء: «أنا أحب سوتياني.» كان صوتها حلوا ناعما. ورفعت طرف بلوزتها ~~كاشفة عن صدر فخم ومشد أسود من ms057 الدانتلا. ابتسم الإنجليزي في مزيج من شعور التملك ~~والزهو. # لكزت هي صديقتها، التي كانت لا تزال تغمغم ساخطة على الذين يظنونها سحاقية، وأومأت إلى ~~الشقراء، وبدأتا لعبة الأسماء: ميرنا حليب، نورا المرضعة، تيريزا نهد، وندى الراغبة، إيثيل ~~المتلهفة. # سأل رجل الإعلان: «عم تتهامسان؟» كان قد اكتشف أن كأس المارتيني الأخير ممزوجة بالماء، ~~فأشار إلى الساقي أن يحضر كشف الحساب. # قال الإنجليزي: «أرأيتم أن أحدا لم يلحظ ما حدث؟ لم يلتفت حتى أحد من الجالسين إلى ~~البار.» # قالت هي: «إنهم لا يفعلون هذا أبدا.» وانطلقوا من باب جانبي إلى الطريق، وقد تقدمت ~~السيدات الرجال. وشعرت هي فجأة بكل ما ترتديه تحت ثوبها الصوفي .. كيلوت بكيني (اليزابث ~~أردن، حرير)، لا جوارب (ساق مجملة مزينة)، لا قميص داخليا، استدارات جسدها أسفل الثوب ~~الضيق كما تبدو للرجال، كما لو كانت بطاقة هوية جديدة. لكنها لم تكن مهتمة بالرجال ~~الثلاثة. كانت مهتمة بنفسها، كما لو كانت على شاشة فيلم وبين المتفرجين في نفس الوقت، ~~تجلس بين الجمهور تتأمل وتتفرج عليهم ينظرون إليها. # مشوا في هواء الليل البارد إلى منزل كان مقررا أن تقام فيه حفلة. وعندما دقوا جرس ~~المدخل السفلي، خرج إليهم زوجان أشارا إليهم بالابتعاد: «الحفلة انتهت وليس هناك أحد ~~فوق.» ~~- «جاء رجال الشرطة وفضوها.» ~~- «لماذا؟» ~~- «بسبب الضجة. من يعرف؟» # قالت: «لنصعد. أنا أحب رجال الشرطة. إنهم كاملون، لا يخافون، مقدامون، مخلصون، يمكن ~~الثقة بهم. وهم يتميزون بالوسامة.» ~~- «لقد ذهبوا.» # فقال شخص ما: «إذن تعالوا نصعد.» ~~- «لن تجدوا أحدا. تأخرتم كثيرا.» # كانوا قد كسبوا واحدا من الزوجين: شابا أحول العينين، في قامة ستيف ريفز، وشقراء ~~نحيفة في سترة طلابية. وكانت معهما سيارة. # قالت الممثلة وهي تضحك: «هل يمكنه أن يرى الطريق حتى يقود سيارة؟» # انطلقوا إلى منزل الحورية ذات الشعر الأسود: شقة عالية السقف، أشبه بالكهوف، تضيئها ~~الشموع، وتبرز من أركانها نتوءات سوداء من أثاث قديم، وينتصب فيها تمثال متألق من الرخام ~~الأبيض لامرأة يونانية، وأشجار نخيل حية في أصص، وثلاث شرفات ومدفأة في ms058 كل غرفة، وأرضيات ~~خشبية لامعة وسجاد من فراء القندس. وكان المرحاض عاطلا عن العمل. # كان ثمة جهاز ستريو مخبأ في دولاب. وأدارت المضيفة أسطوانة تويست. وسأل رجل الإعلان: ~~«أيوجد هنا ما يشرب؟» لكن أحدا لم يجبه. أصبحت حركات يديه الآن أكثر وضوحا، فقد بدا ~~كأنه يسير حاملا فنجانين من الشاي. أضاف: «أبحث عن شيء.» ~~- «في منزل غريب؟» ~~- «المطبخ .. المطبخ.» # قالت له الممثلة: «ماذا تتوقع من حورية؟ أعطها كوب ماء وستعيش عليه أسبوعا ~~كاملا.» # نزع الرجال ستراتهم. كانت الحورية ذات الشعر الأسود ترقص التويست بمفردها برشاقة ولم ~~تكن ترتدي سوى جسدها الأبيض الطويل وجوب التويد والحذاء الجلدي الأسود. وكانت قامتها ترتفع ~~ستة أقدام. وبسبب شعرها الطويل، المنساب في استقامة حتى رباط خصرها، بدت الجوب غير ~~ملائمة، أليق بمشرفة مدرسة أو رئيسة لمنظمة نسائية في ولاية كونيكتيكت. # قال الأمريكي: «خذوا راحتكم.» # سألته حورية الشعر الأسود: «تريد أن أعلمك التويست؟» ~~- «ولم لا؟» ~~- «ها هي. ليس هناك شيء آخر.» ~~- «هذا مسكن جميل. من أين جئت بهذه الأنتيكات الرائعة؟» ~~- «أوه من هنا وهناك .» # تجولت الحورية الشقراء في أنحاء المكان في سوتيان من الدانتلا السوداء، وجوب، وعقد ~~من اللؤلؤ، وقرطين من اللؤلؤ، ثم انطلقت إلى المخدع. # وتبعها كل من الإنجليزي والأمريكي، وكان هرقل الأحول يبحث عن شراب، بينما عثر رجل ~~الإعلان على نصف زجاجة صغيرة من الفودكا، لكنه لم يجد كأسا يشرب منها. وأحكمت الشقراء ~~النحيفة إغلاق سترتها حتى العنق. وكانت الممثلة، التي لا تدخن أبدا، تنفث في عصبية دخان ~~عقب سيجارة عثرت عليه في مطفأة، وهي تتفقد الأنتيكات. # ذهبت إلى الحمام الذي كان مدهونا باللون الأسود، وتطلعت في صندوق الإسعافات، فوجدت به ~~كحلا، وكريما للبشرة، وصابونة، وقلادة من الزجاج (مهشمة)، وكولونيا، وشفرة صدئة، وسبع ~~فرش أسنان مستعملة، وفي حالة جيدة. # مضت إلى المخدع. كان الضوء خافتا ومصدره الشموع التي وضعت فوق قواعد النوافذ، وخلفها ~~كانت السماء سوداء. لم تكن هناك ظلات أو ستائر. وكان الأثاث غريبا ورائعا: سرير نحاسي ~~في حجم طراز الملكة ماري، ودولاب ms059 يسع ثلاثة عشاق، أو أزواج، ضخام الأجسام، و«بيديه» مخلوع ~~زرع بالزهور الحمراء. وكان هناك شخصان على الفراش، وآخران على الأرض. وفي البداية ظنتهم ~~موتى، ثم تبينت أن الحوريتين فقط هما الميتتان. ولأنه كان من الصعب التمييز بينهما في ~~بياضهما، فقد بدا للوهلة الأولى أن كلا منهما مع رفيقها الأصلي، ثم أدركت أنها لحظة ~~التعبير عن كرم الضيافة. فقد كانت الحورية ذات الشعر الأسود مستسلمة للإنجليزي الذي كان ~~أقصر منها بقدم. وكان عاشقها الأمريكي يكاد يصيب بالاختناق الحورية الشقراء التي كانت لا ~~تزال ترتدي قلادتها وقرطها. # قالت هي: «انظروا ماذا يفعلون. يجب أن أحضر نظارتي.» # وعندما عادت مرتدية نظارتها، كانت الحوريتان قد شرعتا تؤكدان أنهما ليستا من الموتى، ~~ببعض الأصوات اللبقة. وولج الآخرون الغرفة، واحدا بعد الآخر، وبقوا دقائق ثم عادوا إلى ~~الموسيقى. وفتحت الفتاة النحيفة ذات السترة الطلابية، الباب الخارجي في هدوء واختفت. # عاد رجل الإعلان إلى المخدع وأخذها من يدها: «تعالي معي، أريد أن أقول لك شيئا.» # مضيا إلى غرفة المعيشة. قال: «لست أحب هذا .. لا أجد فيه أية تسلية .. هناك شيء .. لا ~~أعرف.» # قالت: «لست أحبه أنا أيضا.» # كانت الممثلة تتبادل القبلات مع الفتى الأحول (الذي كانت قوة إبصاره موضع شكها) فوق ~~الأريكة. # سألها: «أتريدين شرابا؟» ~~- «كلا، شكرا. ترى ألديها أسطوانة دايز أفينادو؟» ~~- «رأيتها تضعها على الجهاز.» ~~- «أوه. طيب.» ~~- «تريدين شرابا؟» ~~- «أوه .. طيب .. أخ.» أعادت إليه الزجاجة: «الفودكا غير المثلجة تحرق قلبي.» ~~- «أعائدة أنت إلى هناك؟» ~~- «لألقي نظرة فقط .. سأعود فورا.» # عندما ولجت المخدع ألفت الأربعة جميعا فوق الفراش النحاسي، ولوحوا لها هاتفين ~~بمرح: «انضمي إلينا.» ~~- «كلا. شكرا.» ~~- «تعالي، تعالي. الجو بارد عندك.» # هزت رأسها فعادوا إلى لعبتهم. كان الرجلان والحورية ذات الشعر الأسود، يعتنون بالحورية ~~الأخرى التي لم تبدر عنها حركة واحدة منذ وصولهم. ~~••• # تأملتهم من جلستها غير المريحة فوق المسند الخفي للفراش الضخم، وهي تتفحص شعور ~~اللامعقول الذي انتابها .. الإثم، الفضول، وفوق كل شيء، الملل. «أنا بصاصة قذرة.» هكذا ~~رددت لنفسها. وانتظرت عبثا أن تشعر بتأثير ms060 الكلمات. «لم يعد لدي ما أقوله للمحلل ~~النفسي.» ألفت نفسها تتثاءب. كانت الساعة الثانية صباحا. بوسعها أن تشتري «الصنداي تايمس» ~~في طريق عودتها. # رفعت إليها الحورية ذات الشعر الأسود وجهها الأبيض المجرد من كل تعبير قائلة: «أنت ~~تشعرينني بالحرج. إذا خلعت ملابسك يكون هذا أفضل. ويمكن أن تحتفظي بالنظارة.» ~~- «آسفة. لن أنظر إليكم بعد الآن.» ~~- «أوه، بوسعك أن تفعلي. لكنك تبدين مختلفة جدا في هذا الرداء. لو كنت فقط مثل كل ~~إنسان آخر، لما انتبهنا إليك.» # هبطت من فوق مسند الفراش، وتقدمت من المرآة لتتأمل زينتها. وجاء رجل الإعلان في جلده ~~الخجول تسبقه أكبر كأس في العالم، حملها كما لو كانت ورقة تين. قال معتذرا: «لم أرغب ~~في التخلف عن الركب.» وارتمى بسرعة في مقعد من طراز لويس السادس عشر: «تعالي تحدثي ~~معي.» ~~- «كيف يمكنك أن تفعل شيئا كهذا؟» # قال: «آسف. إنه خطأ في التقدير. لقد قلت لك. أما زلت غاضبة؟ كان الأمر في نيتي ثم نسيت ~~أن أذكره لسكرتيرتي.» ~~- «أما زلت تفكر في موضوع تذاكر المسرح ؟ قلت لك إن الأمر ليس بذي أهمية. كنت أقصد خلعك ~~لملابسك.» ~~- «أوه. الملابس. هذا ما كنت تقصدينه؟» ~~- «طبعا.» # خفض صوته: «بيني وبينك .. أمثال هذه الحفلات تجعلني عنينا.» # كانت الجماعة قد انتهت من الفقرة الراهنة. وظلت الحورية الشقراء ممددة على ظهرها، ~~وقد التمعت اللآلئ فوق عنقها الأبيض. ثم رفت بعينيها المظللتين للإنجليزي الذي قام، ~~بصفته مرافق سهرتها، بالجانب الأكبر من العمل، وقالت في دماثة: «كان ذلك لطيفا.» # تساءلت الحورية ذات الشعر الأسود: «لا أعرف لماذا لا تنضمين إلينا؟ إننا جميعا ~~أصدقاء.» # قالت: «أفضل الاختيار. ولا أحب أن أهين أحدا.» ~~- «أوه. ليست هناك إهانة ما. فأنا مضيفة ممتازة، وصدقيني أن أحدا لا يرغم على شيء في ~~منزلي. أعني أني ما كنت لأدعو أحدا يحاول فرض نفسه على واحد من ضيوفي. فإذا كنت لا ~~ترغبينني، لن أفكر أبدا في أن أفرض نفسي عليك.» # قالت هي: «الأمر يصعب شرحه.» # ودق جرس الباب. # صاح رجل الإعلان: «الشرطة! لا ms061 تجيبي!» # وقالت حورية الشعر الأسود: «سخف.» ومضت إلى الباب. # لم يتحرك أحد عدا رجل الإعلان بكأسه الكبيرة، وكان عاجزا عن الاختيار بين الدولاب ~~والحمام، فجثم مشلولا بينهما. # رجعت الحورية ذات الشعر الأسود وقالت: «إنها تلك الفتاة التي انصرفت إلى منزلها. لم ~~تتبين الطريق، فأعددت لها فراشا فوق الأريكة.» ~~- «لم تتبين طريقها إلى منزلها؟» # أجابت في رقة: «أجل. كانت ثملة.» وقفزت إلى الفراش. # مضت هي إلى غرفة المعيشة تبحث عن صديقتها. لكن الممثلة والصبي الأحول كانا قد اختفيا. ثم ~~لحظت أن حاجزا من قطع الأثاث قد أقيم في ركن الغرفة، ودلي فوقه ستار. وشعرت لأول مرة ~~بعاطفة ما، بالوحدة. # نهضت فتاة الصبي الأحول، التي كانت تغط في النوم فوق الأريكة، وتطلعت حولها وأبصرت ~~الحاجز، فانطلقت نحو الباب، وغادرت المسكن من جديد دون أن تنبس بشيء. # قال رجل الإعلان وقد جاء يبحث عن زجاجة: «ماذا حدث؟» ~~- «تلك هي الفتاة الوحيدة التي أتيح لها أن تتخلى عن فتاها مرتين في ليلة ~~واحدة.» # قال لها: «تحدثي إلي.» وجلس فوق الأريكة خلف الكأس والزجاجة، مثل طفل عملاق ولد من ~~جديد. وجلست بجواره في ردائها الصوفي. وبرزت الممثلة من خلف الستار، في نصف ثيابها، وإن كان ~~شعرها مرتبا غير مضطرب. # قالت الممثلة وهي تتنفس الصعداء: «لقد ناقشنا الأمر وقررنا ألا نفعل شيئا.» # وهمس هو: «يا للصبي المسكين!» وأشار إلى الحاجز الذي برز منه الآن كنج كونج بعينين ~~زائغتين. «الفتيات يطاردنه لأنه يبدو فحلا. وكل ما يبغيه هو فتاة تريده لنفسه ولا ~~تستغله.» # قالت الممثلة: «هذه هي أنا .. أم الجميع.» # تبين الفتى أنه وقع في غرامها، فأخذ يردد في سعادة: ~~«انظروا إلي. لقد نلت أجمل فتاة في الحفلة. أفضل وأجمل وأروع فتاة في الغرفة ~~كلها.» # قالت الممثلة: «هالو ماما.» وجرعت قليلا من زجاجة الفودكا. ~~- «أجمل فتاة في المكان كله. تعال نخرج لتناول الإفطار.» # وكان رجل الإعلان يقول: «هذه السنة سنتي. سأحقق فيها أحلامي. أترك عملي وأكتب كتابا. ~~إن نجمي في صعود. وعندما يكون في صعود أعرف ذلك. ms062 هذه السنة نجمي في صعود.» كان ثملا ~~للغاية. «أعني .. أنتم تفهمون بالطبع .. يكون لديك المال وتعرف كيف تغير حياتك. ولسوف يكون ~~لدي الكثير منه هذه السنة. إنها سنتي. وسأصبح ثريا .. لأن نجمي في صعود.» # نظرت إليه الممثلة ثم هربت إلى المخدع ويدها على فمها. # قالت هي: «ما رأيك في أن ترتدي ثيابك؟ سيخرج الجميع لتناول الإفطار.» ~~- «لا أفطر أبدا. لنذهب إلى منزلي ونحتسي شرابا.» ~~- «لا بد أن أنام. نحن الآن في الرابعة والنصف.» # ارتدى ملابسه وأقبلت الحورية السمراء وشرعت تبسط الملاءات فوق الأريكة. # سألتها: «ستنامين هنا؟» ~~- «كلا. لكن ربما فعل أحدهم.» # عادت الممثلة وقد ارتدت قفازها. ~~- «طابت ليلتكم. شكرا جزيلا.» ~~- «أتغادرين الآن؟» # تصافحوا جميعا. أربعة منهم في ملابس الطريق والمعاطف، والحورية ذات الشعر الأسود رطبة، ~~أخاذة، رشيقة، وساحرة. كانت على راحتها تماما حتى بدت وكأنها مغطاة بالثياب. قالت: ~~«كان لطيفا لقياكم. آمل أن أراكم مرة أخرى.» ~~- «هذا ما نرجوه. شكرا. طابت ليلتكم.» # ظلت الحورية الشقراء (التي لم تتحرك منذ خمس ساعات) في المخدع. وفتحت الحورية ذات الشعر ~~الأسود الباب الأمامي. # لم يقل أحدهم شيئا. لكنهم عندما بلغوا الطريق شاهدوا الستارة المخملية للنافذة الأمامية ~~تنحسر عن أجساد بيضاء، ولمحوا مضيفتهم والأمريكي يلوحان مودعين وهما يبتسمان في ~~مرح. لوحوا لهما بدورهم. وضحكوا في ارتياح لأنهم أصبحوا أحرارا. # تفرق الجمع عند الكافيتريا الليلية القريبة. واستقلت هي سيارة أجرة مع مرافق سهرتها ~~.. رجل الإعلان الشاب الذي كان نجمه في صعود. لم ينبس أحدهما بكلمة بعض الوقت. وانسابت ~~السيارة في شوارع صباح الأحد الهادئة. وأخيرا مال ناحيتها قائلا: «لا أحب المراوغة. نعم ~~أم لا؟» # قالت: «لا.» # تراجع إلى الخلف وقد بدت الحيرة والألم على وجهه: «ترفضينني!» # وقطعا بقية الطريق إلى مسكنها في صمت. # | أهلا بك! # للكاتبة الأمريكية هارييت سومرز (1966م) # Hello, baby by Harriet Sommers ~~1966 ~~(1) فورت ميلو، هافانا، يوليو 1960م # هذه المرة، لم تكن هناك نواد ليلية، ولا رقص، أو تسابق مجنون إلى الشواطئ، أو رجال ~~زنوج، طوال القامة، أثرياء، يدعونني في تهذيب إلى ms063 قضاء بعض الوقت في سياراتهم. وصلت ~~المطار وحيدة وقلقة، أخشى الحديث مع أحد، خريطتي في جيبي، وعلى عيني نظارة سوداء، ~~غامضة بشكل لافت. # شيء ما بدأ في داخلي ذات ليلة سكرى، منذ شهرين، شيء ما لا يلحظ. أقل أثرا ولا ~~يقاس بحجم أزمة الحب التي بدأت حينذاك، وانتهت الآن، وكانت تستحوذ على كل ~~اهتمامي. # وأنا أنتظر الأتوبيس. سألني رجل ناحل، مقنع هو الآخر، (كنا في آخر الليل)، عما ~~إذا كنت في حاجة إلى طبيب. وأجابه زجاج قناعي الصامت. فقد حذروني من سماسرة الإجهاض ~~الذين ينتظرون في المطار. كنت أعرف وجهتي جيدا. وكان موعدي في الصباح التالي. # استقبلتني الابتسامات في بهو فندق «ماريبوسا». فقد كان الجميع، من موظفة الاستقبال، ~~إلى صبي المصعد الزنجي الظريف الذي حمل حقيبتي إلى حجرتي، يعرفون بالضبط سبب مجيئي ~~وما أحمله معي، وكيف ستكون حالتي عندما أغادرهم. # وفيما بعد خرجت أتناول العشاء في كافيتريا صينية. شربت كأسين من كوكتيل باكاردي، ~~واحدة طلبا للحظ، والثانية وداعا للغريب الفاتح. وفي الصباح، حملت خريطتي، وارتديت ~~ثوبا صيفيا عاديا، يصعب تمييزه، كما أمروني أن أفعل. بل إني حملت آلة تصوير ~~ومشيت إلى كاتدرائية لا أهمية لها على الإطلاق، وتظاهرت بتفحصها، والتقطت لها صورة ~~(دون فيلم). ثم تسللت إلى مكتب الدكتور «إنكاتو»، غير مرئية مثل عنكبوت أسفل أوراق ~~الأشجار. # يا لبراءة غرفة الانتظار تلك! الصور العائلية المصفرة داخل إطاراتها القذرة، ~~والمناشف المطرزة فوق الموائد وظهور المقاعد، والمجلات، وأناس كل يوم، المرضى ~~الحقيقيون، ورجل عجوز وطفل ينتظران الطبيب. كانت السيدة البدينة التي ترتدي ثوبا ~~كوبيا ملونا بفتحة واطئة عند الصدر، والتي تقدمت لتحيتي، حقيقية أيضا. قادتني ~~إلى الغرفة الداخلية دون أن تصدر عن أحد من الجالسين شكوى. وهناك كان كل شيء أبيض ~~كالمألوف، وإن كانت الغرفة معتمة قليلا. وكانت للطبيب نظارة سميكة وابتسامة رقيقة. ~~كنت بلا سراويل (وفقا للتعليمات) ومستعدة بقدمي في الركاب (جميل أنك تتحدثين ~~الإسبانية! وابتسم)، وقلبي يدق بسرعة، وعيناي تنطبقان بتأثير الحقنة، بسرعة لم تسمح لي ~~بأن أرسم شارة الصليب، ms064 استعدادا للرحلة. # في البدء ألم شديد في مركز جسدي، ثم أصوات غامضة بلغات مجهولة، ثم وجوههم، وكأس من ~~عصير البرتقال البارد، ومزحة رقيقة، والطبيب يؤنبني في رفق: «كان أكبر مما قلت يا ~~سنيوريتا» (لغز غامض للتفكير فيما بعد) ثم حان وقت الذهاب، وأنا ملفوفة بال «كوتكس»، ~~وثوبي النايلون دون تجعيدة واحدة. تصافحنا. كانت لزوجته ثلاث أسنان ذهبية في مقدمة ~~فمها. قالت «أديو» ولم تقل «هاستا لافيزتا». أصبحت في الشارع الملتهب أتلمس ~~مترنحة الطريق إلى الفندق. أمامه كان بائع متجول خلف أهرامات دقيقة التكوين من ~~البرتقال. اشتريت منه دستة. ولم يبد أن أحدا لحظ ما جرى لي. (كيف كنت أبدو؟) وأخذني ~~صبي مصعد لا مبال إلى حجرتي. كنا في الظهر، كما قال، بعد ساعتين وطفل واحد، عندما ~~عدت إلى الفراش واستغرقت في النوم. # الخادمة الحلوة التي جاءت تسألني في رقة، ما إذا كنت أحتاج شيئا، أخبرتني أن ~~الساعة دقت الثالثة. وعندما تركتني تذكرت أنه يجب أن آخذ حبة دواء، ونظرت إلى ~~نفسي في مرآة الحمام الزرقاء. بدا وجهي شاحبا قليلا، لكن رقيقا، حسن القسمات. لم ~~يشعر جسدي بشيء (يا للمسكين، ألم يدرك ما حدث؟) وانتصب نهداي في جرأة، جميلين، ~~متضخمين، ما زالا مستعدين، يترقبان. شعرت بالأسف لأجله، ذلك الجسد أسفل الوجه. ~~لكن يا إلهي، كم شعرت بالراحة. أنا حرة مرة أخرى. # عدت إلى الفراش. قشرت برتقالة وأكلتها، وأنا أتذكر من أنا، والرجل الذي ~~ينتظرني، الحب الجديد الذي يبدأ الآن، الذي يمكنه أن يبدأ الآن بعد أن أصبحت ~~حرة. ~~(2) واشنطون. د. س. فبراير 1961م # على الهاتف: «كيف سأعرفكم؟» ~~- «لا تقلقي، سنعرفك نحن.» لم تكن لهم أسماء أو أرقام. كانوا غير مرئيين. أنا فقط ~~كنت معروفة، أنا «المجرم». وهم أعوان الشيطان الخفيون. # كان صباحا غائما بالضباب والجليد، وجيمي غارق في النوم، بينما كنت أرتدي ملابسي. ~~أعددت القهوة، وأحدثت صوتا بالصحون والفناجين، آملة أن يستيقظ. لكنه لم يفعل؛ لأنه ~~قال كل ما كان سيقوله، تاركا الأمر لي كلية. عندما ارتديت معطفي، وجذبت حقيبتي بال ms065 ~~300 دولار التي تم تدبيرها بشق الأنفس، توهج الألم داخلي كاللهب. أن أذهب هكذا، ~~وحدي دون وداع .. إنه طفله هو أيضا. ~~- «جيمي!» ~~- «هم، ييه؟» ~~- «جيمي!» ~~- «هم، ييه؟» ~~- «جيمي، أنا ذاهبة الآن، ذاهبة إلى واشنطون، أتذكر؟» ~~- «أجل، ييه». واعتدل جالسا: «ييه ... حسن، اعتني بنفسك، واتصلي بي حالما ينتهي ~~الأمر. سأقابلك في المحطة. كل شيء سيكون على ما يرام.» # الحب الجبان. حبي الجبان. كم تمنيت لو لم أكن أنا الأخرى جبانة. # من هم كل هؤلاء الذاهبون إلى واشنطن في هذا الصباح؟ لا يمكن أن يرغب أحد في الذهاب ~~إلى هناك. يا للمساكين، لا بد أنهم، مثلي، مرغمون. اشتريت صحيفة «نيو يوركر» لأجلس ~~خلفها. وجلست قرب نافذة، وانكمشت في معطفي الأسود، بوجهي الأبيض الجامد الذي يقشعر ~~بردا. كانت هناك حقول ساطعة من الجليد تعكس منازل صغيرة أنيقة، وأطفال يلعبون على ~~المنحدرات، وكلاب مجنونة تنبح، وبرك متجمدة يتزلق فوقها أناس في قمصان صوفية ~~حمراء. # كانت المحطة رمادية وباردة، الردهة الكابية المؤدية إلى المقبرة الضخمة بشواهد قبورها ~~الهائلة. وقفت قرب مكتب الاستعلامات، وحقيبة يدي الجلدية السوداء الكبيرة مدلاة ~~أمامي، كما طلب مني ، وياقة معطفي الأسود مرفوعة. دخنت ثلاث سجائر. يا إلهي، ألم ~~يتعرفوا علي بعد؟ كل من كان يتقدم من مكتب الاستعلامات ليسأل عن شيء يبدو لي ~~الرسول المنتظر. وعندما يتجاوزني ألقي به جانبا، وأتحول إلى الشخص التالي. وأخذت ~~يدي الحاملة للسيجارة ترتعش. # ثم تقدمت امرأة مني مباشرة وابتسمت قائلة: «هاللو»، وهي تأخذ ساعدي في مودة ~~كأنها عمتي. أجبت «هاللو» وأنا أتنفس الصعداء. لم تكن تبدو كإحدى عماتي. كانت ~~تضع طبقة كثيفة من المساحيق، وطلاء متشققا على الأظافر والشفتين، ولم تكن ~~رائحتها تشبه في شيء رائحة أحد من أسرتي؛ فما هب من ناحيتها لم يكن غير رائحة ~~الخمر. قادتني في ثقة إلى الخارج عبر قاعة الانتظار، نحو عربة ستيشن واجون فاغرة ~~الباب، وحشرتني في المقعد الخلفي إلى جوار ثلاث فتيات أخريات لهن وجوه شابة ~~مذعورة. ولم تنظر أي منا إلى الأخرى. # استقرت عمتنا في المقدمة ms066 قرب شخص من النوع الجامعي، أمسك بالمقود. «هذا هو ابني ~~يا أطفال وهو يعرف كل شيء عن الأمر.» وأرانا الصبي لمحة من جانب وجهه المنمش وعليه ~~تعبير غريب بارد (استنكار؟) ~~«أطفال»، هكذا أسمتنا. وقبلنا في خجل التصنيف المشترك. كانت إحدانا شقراء، جميلة ~~وجريئة. أما الأخريان فكانتا متشابهتين بصورة غريبة، نحيفتين، شاحبتين، بنفس ~~الابتسامة المذعورة. عبرت بنا السيارة وسط واشنطون، مرورا بتمثالي واشنطن ولينكولن، ~~اللذين اكتسى بياضهما بالرماد في غبشة الغروب. ثم غادرنا المدينة إلى ما بدا أشبه ~~بضاحية، و«العمة» تواصل ثرثرتها المرحة عن العميلات السابقات، والحالات الغريبة، وكيف ~~أننا محظوظات حقا لأننا وقعنا في أيد ماهرة، إلخ. وعندما مررنا بمقبرة، قالت في ~~مرح، إن واحدة من عميلاتها لم ينته بها الأمر إلى هذا المكان. عبرنا حدود ~~الولاية-ماريلاند. وفكرت بحس سياحي غريب أني لم آت إلى هنا من قبل. أشرفنا أخيرا ~~على ما يشبه ضاحية جديدة. منازل من ثلاث طبقات، وجاراجات. كانت جديدة ولم تستخدم ~~بعد. أشباح منازل لمستأجرين لا يأتون. # صاحت العمة: «وصلنا. اقفزوا يا أطفال». ولجنا طابقا أرضيا مؤثثا، وإن بدا غير ~~مسكون. وأخذتنا إلى غرفة نوم، لم ينم فيها أحد من قبل. «اخلعن كل الثياب والسراويل ~~والسوتيانات، واذهبن إلى الحمام. احتفظن فقط بالقمصان الداخلية.» وألقت علينا ابتسامتها ~~الصفراء، كأنما تدعونا إلى حفل. # تبادلنا حديثا مقتضبا. كانت الشقراء سويدية، بطنها أكثر بروزا من بطوننا. وكانت ~~الفتاتان الأخريان زميلتين في غرفة واحدة بالجامعة، حملت إحداهما من شقيق ~~الأخرى. # ظهرت العمة عند الباب، مرحة ومتوهجة، وقالت: «والآن، من منكن تريد أن تكون ~~الأولى؟» لا بد أنها تناولت قليلا من الخمر عندما تركتنا. أضافت: «لا داعي ~~للخجل.» # قلت: «سأذهب أنا.» كنت أريد أن أنتهي. فأنا الوحيدة بينهن المجربة. # قالت العمة وهي تربت على ذراعي: «أنت فتاة طيبة.» وانتقلنا إلى الحجرة الأمامية. كان ~~هناك جهاز تلفزيون يتعثر في الإرسال. ومائدة مطبخ كبيرة تغطيها ملاءة. تمت الإجراءات ~~المالية بسرعة، وأصبحت فوق المائدة، وقد ثبت قدماي في الركنين. صاحت: «كل شيء على ~~ما يرام يا ms067 دكتور.» فظهر هو، رجل بلا رأس، يطل مصباح كهربائي عار من حيث يجب أن يكون ~~وجهه. غمغم: «استريحي.» وأدار شخص ما خلفي جهاز التلفزيون عاليا. كان يتحدث دون ~~لغة. حاولت أن أنصت لكني لم أفهم شيئا. وقفت العمة قربي تربت على ذراعي وتتنفس ~~خمرها في وجهي، بينما الرأس الكهربائية تعبث بين فخذي. لم أشعر بألم. لكن ما شعرت به ~~كان غريبا، كأن هناك من ينفخني من الداخل (منفاخ دراجة) وفجأة أدركت أنهم لم ~~يخدروني، لكن فات أوان الشكوى. وفكرت بعقلي العملي الذي ما زال يقظا: 300 دولار ~~ولا تخدير؟ وسرعان ما نسيت ال 300 دولار؛ لأنه كان ينفخني وينفخني حتى أصبحت مثل ~~البالون، على وشك الانفجار، بينما ألصقت العمة قناع أوكسجين بوجهي وقالت: «تنفسي»، ~~فتأوهت ودفعته بعيدا لأني أوشكت أن أختنق، وفكرت أنهم سيفجرون جسدي فتأوهت، ~~وعلا صوت التلفزيون الذي لا يفهم، والعمة قابضة على يدي تقول: «تماسكي، تماسكي، ~~أوشكنا أن ننتهي.» ثم رأيت بين ركبتي المصباح الكهربائي يرتفع، تتبعه اليدان ~~المقفزتان، مغطاتين بدماء سوداء تنز منهما في بطء، وبدا كأنه يغسل عنه دمائي، ~~يغسل قفازيه. وساعدتني العمة على الترجل والذهاب إلى الحمام، برفقة «كوتكس» ~~القديمة المعهودة، بينما الأجراس تدق داخلي. ثم قادتني إلى غرفة نظيفة مجردة من أي أثر ~~للحياة، مثل غرفة نوم في موتيل، حيث وضعتني في فراش، وضغطت الأغطية من حولي، ~~وأعطتني قرصا، فسقطت في السكينة، حيث نز مني الألم في بطء، ولم أنزف تقريبا. ~~بعد ذلك انضمت الفتاة السويدية إلي في الفراش، وتبادلنا ابتسامة باردة. ثم ~~أيقظتنا العمة، وقد ارتدت معطفها وقبعتها، قائلة: «هيا يا فتيات، سنعيدكن إلى حيث ~~التقطناكن. عندئذ تصبحن حرات، ولا بد أنكن ترغبن في العودة إلى بيوتكن.» # في المحطة، وقد سرني أني أصبحت وحدي أخيرا، تلفنت لجيمي. قال إنه سيقابلني في محطة ~~جراند سنترال. تكومت على جانبي، فوق مقعد القطار الليلي الساطع، وروحي المعنوية ~~عالية، بفضل جرعة من الكودايين، بينما كانت حافظة نقودي الفارغة ملقاة في إهمال على ~~الأرض، ورحمي الفارغ مجرد ms068 من كل إحساس، ونمت حتى نيويورك. # كان الوقت متأخرا بالليل، وكنت عائدة من مكان بعيد جدا، ودون أن يدري فعلا ~~رحب بي في خجل. شربنا كأسين احتفالا بخسارتنا، وكنا نشعر بالحرج كأننا غريبان ~~التقيا في جنازة شخص ثالث. وفي الصباح بدأت آلامي، وارتفعت درجة حرارتي. وقضيت ~~أسبوعا أصرخ وأنا أقرأ «أليس في بلاد العجائب» بصوت عال بين صرخاتي، وأنزف قطعا ~~كبيرة مخيفة من الحطام. ~~(3) هذه المرة: الآن ~~«أوه، سأنطلق في هذه الطريق الكبيرة وحدي، سأنطلق فيها وحدي. وإذا لم تأت معي يا ~~طفلتي، سآخذ شخصا آخر.» # قال الزنجي الثمل في حديقة ميدان واشنطن: «يبدو أنك في مأزق يا فتاتي. وقعت هذه ~~المرة بالتأكيد.» # وصاح الصبية من سيارة في الشارع الثامن: «نحن نعرف ماذا كنت تفعلين.» وابتسمت في ~~كل جزء مني، لأن ذلك النتوء الغريب كان يسير أمامي. في الليل، في فراشي، أشعر بك ~~تلكزني وتستدير لترقب الارتعاشة المجنونة في كوخ جسمي المستقل، حيث ترقص وتصطاد ~~وتستحم في دمائي، وتتدحرج في الكهف المظلم الذي بنيته لك، لا تفكر في غير وجودك، ~~وترقب نفسك وأنت تصير حمامتي الأنانية. # في مكان آخر، ينام جيمي إلى جوار فتيات غريبات، وصيحات ثملى: «سوف يصبح لي طفل.» ~~وأحلام عن رجال عواجيز ومحيطات تجري بعيدا. أيامه مجردة من أي فكر، وأحلامه تتزاحم، ~~أو هكذا أتخيل. # كيف يمكن لامرأة أن تصور لكم، أيها الرجال الأغبياء، متبلدي الحس، متابعة العنكبوت ~~الدقيق وهو يبني من جديد نسيجه الذي حطمته الأمطار، وشجيرات البلوط الصغيرة ترتفع ~~متطاولة نحو الشمس؟ في البدء، كنت أنا، أيضا، خائفة. # جيمي يزفر، والمحلل النفسي يطمئنني، أصدقاء يبدون قلقهم، ورجال غريبو الأطوار ~~يعربون عن دهشتهم، وغرباء يحنون رءوسهم فوق بطني ليسمعوا ما يجري في الداخل. في ~~البارات. قال أحدهم: «كنت أظنك بنية عاقلة. ما الذي أوقع بك هذه المرة؟» # صديق: «يا للشجاعة!» آخر: «أنت مجنونة.» كيف يمكن لامرأة أن تشرح لكم (العالم البارد ~~المؤلف من الظروف، وربما، ولماذا) هذا الاستسلام الذي يحيرني أنا أيضا؟ # في الليلة التي أخبرت ms069 فيها جيمي وكنت ثملة. كنا في بار. وكان ثملا هو الآخر. ~~قال: «ليس مني.» وغادرني ثم عاد بعد دقائق لأنه كان يعرف أو أراد أن يعرف. ~~تصايحنا، وبكيت واهتز في الساقي قلب رجل الأسرة الإيطالي فحمل على جيمي ووقف إلى ~~صفي. # تصارعنا طويلا، وكنت أنت طوال ذلك الرعب تبني نفسك داخلي، هادئا، وادعا، كسمكة، ~~مشغولا بنفسك. # هكذا قلت لك: «نعم.» وأنا تحت تأثير المارجوانا أو الخمر بعثت إليك برسائل مجنونة. ~~وأنا وحيدة أو في حفل، كنت تتحرك داخلي، تذكرني ... بعد الأورجازم قفزت أنت من ~~الفرح. # تمطني فأفقد شكلي. أنظر إلى هذه الصورة. مأواك المحدب يرتفع أمامي، وابتسامة ~~بلهاء كبيرة على وجهي. سرة بطني، التي كانت عميقة، مضمومة وغامضة، أصبحت فجوة ~~ضحلة. وثدياي يوشكان على الانفجار وقد خططتهما عروق زرقاء لامعة. لا بيكيني هذا الصيف. ~~أجلس في رصانة فوق الصخور الباردة، العجوزة، المباركة. زكيبة فضفاضة من الفخذين حتى ~~عظمة الكتف. أنا، عاشقة العري، والعنف والزحام، دجاجة أخرى الآن. # وأنت تبحر في قنوات دمائي، ملاحا صغيرا، ونحن الآن أنت وأنا، أنت وأنا. وأنا ~~أتعلم، فقط أتعلم، كيف أحب. # | الحب بالشخص الثالث والثمانين # للكاتبة الأمريكية جويس إلبرت (1966م) # Love in the 83 # rd # person by Joyce Elbert ~~1966 # قالت: «أحب جاك يا دكتور أبلسون.» # قال: «أوه؛ في ذلك الصيف كان الجميع يقودون سيارات بويك من النوع ذي السقف المتحرك ... ~~لديك هذا الصباح الكثير من السطور الأولى لروايات جديدة. أنت مضحكة للغاية، ومهووسة. ~~أرأيت كيف كنت تقفزين في أرجاء المكان؟» # رقدت بلا حركة: «أنا هكذا دائما.» # قال: «كلا يا عزيزتي. كنت أقصد عندما جريت إلى البقال منذ دقائق. ما كنت أملك مثل هذه ~~القوة والنشاط أبدا. الظاهر أن رد فعل الإنهاك يختلف من شخص إلى آخر.» # رددت: «الظاهر أن رد فعل الإنهاك يختلف من شخص إلى آخر.» كانت الغرفة مظلمة ورطبة، ~~والجدران لونها غير محدد بين الأزرق والأخضر. وعلى المائدة المجاورة للفراش راديو # FM # تنبعث منه موسيقى إسبانية، من بقايا إحدى حفلات ~~مصارعة الثيران ms070 القديمة. وعلى الأرض زوج من السراويل ورداء صيف بلا أكمام، وكوبان من مكعبات ~~الثلج الذائبة. وعلى الفراش جسدان شديدا البياض في الأماكن المعهودة لثوب الاستحمام، ركنا ~~فجأة إلى الهدوء التام، ثم امتدت يده الآن تجذب الستائر وتضيء وجهها. # قال: «أنت جميلة رائعة. منذ سنة وأنا أريدك.» # قالت: «أمس قلت سنتين.» كانت عيناها مغلقتين وعلى شفتيها شبح ابتسامة «يبدو أننا ~~فقدنا سنة أثناء الليل.» # قال: «أنت رائعة، بديعة، مثيرة، رقيقة. لم أتصورك أبدا على هذه الدرجة من ~~الرقة.» # قالت: «الذين لا يعرفونني يظنونني فظيعة. لكني لست هكذا في الحقيقة.» # قال: «لست فظيعة على الإطلاق. في الحقيقة أنت لا تشبهين في شيء كل ما تخيلته عنك. ~~كنت أظنك أكثر نحافة. تبدين كذلك وأنت بملابسك. بالطبع تعرفين ذلك. قيل لك من قبل. لم يعد ~~بوسع أحد أن يذكر شيئا مبتكرا في الفراش.» # قالت: «أليس هذا فظيعا؟ لم يعد هناك ما يذكر دون أن يبدو أسطوانة مكررة.» # قال: «لا تقولي شيئا يا عزيزتي. ضميني فقط!» # ضحكا سويا وهما يتطلعان إلى السقف. ومدت يدها إلى المائدة، فعلت صوت المحطة ~~الإسبانية. # صرخ المذيع: «راديو و - أ - د - و. أليجريا! أليجريا!» # قالت: «الأغاني الإسبانية دائما هكذا .. مي كورازون، مي فيدا، مي ألما، أوناكو، ماس، ~~أليجريا، أليجريا .. هل لاحظت ذلك؟» # مال عليها وقبل فمها. حاولت أن تنظر إليه فقبلها من جديد: «حبيبة القلب. أنت ~~مثيرة للغاية.» # قالت: «أنا مجنونة بك.» ومدت يدها: «أنت كبير جدا.» ~~••• # قالت: «أدر جهاز التكييف من فضلك. سأغلق الباب. وسأعد لنا كأسين.» # انسلت من الفراش، وعبرت الصالة، التي تضيئها أشعة الشمس، إلى المطبخ. كانت هناك قنينتان ~~فوق المائدة، وتحمل إحداهما بطلاء الأظافر أحمر اللون حرف # V ~~، وتحمل الأخرى باللون الأحمر حرف # G ~~. ملأت كأسين طويلتين بالثلج، وصبت من القنينة ~~الثانية، ثم من إناء به عصير برتقال، وجذبت الدرج الأيسر من الخوان، وأخذت منه ملعقة ~~كبيرة حركت بها الكأسين، ثم غسلت الملعقة ونادت: «أحب مسكنك. فأنا أعرف مكان كل شيء ~~تماما.» # عادت تعبر الصالة إلى ms071 الغرفة. أغلقت بابها بإحكام وقالت: «الأمر أشبه بالتقمص. فأنا ~~أعرف تماما أين أجد ما أريده. يجب أن تراني جينا الآن.» # تناول إحدى الكأسين وحرك الثلج بأصبعه: «ما أخبارها؟» ~~- «لم نعد نلتقي. المرة الأخيرة التي تناولنا فيها طعام الغداء سويا قالت إننا يجب ألا ~~نلتقي بعد الآن. وهذا ما حدث.» ~~- «أمر سيئ. كنتما صديقتين حميمتين.» ~~- «كلا. كنا متصادقتين، لكننا لم نكن أصدقاء بالفعل. ولا في الصيف الماضي عندما أقمت ~~هنا.» ~~- «كانت تشعر بالرغبة في حمايتك. هذا شأنها عندما تميل إلى أحد.» ~~- «إنها مزعجة. كانت تتصرف كأنها مديرتك.» # أزيز جهاز التكييف، والموسيقى الإسبانية ولا شيء حتى قال: «اشتهيتك للمرة الأولى في ~~الصيف الماضي، عندما كنت تنامين هناك على هذه الأريكة، وذات ليلة كدت أقول لجينا أن تذهب ~~وتأتي بك. ثم بدا لي أن ذلك لا يليق، عدا أن جزءا مما أردته كان أن تريدك هي أيضا، وكنت ~~أعرف أنها لن تفعل أبدا، لهذا استغرقت في النوم، ونسيت الأمر كله. لكني لم أنسه في ~~الحقيقة.» ~~- «إما هذا أو أنك مارست الحب مع جينا ونسيت الأمر كله.» ~~- «كلا يا عزيزتي. لم نكن نمارس الحب كثيرا. كانت جينا ودودة وعاطفية للغاية، بطريقتها ~~الخاصة، لكنها لم تكن تثيرني. كانت هادئة تماما في الفراش، مستسلمة تماما، وهذا هو كل ~~شيء.» ~~- «إنها تشاهد الآن مع بارني.» ~~- «بارني كيجان؟» ~~- «هذا ما ذكرته لي عندما كنا نتناول الطعام. كان بارني يراها جذابة منذ أحضرته معي ~~إلى هنا في الصيف الماضي. هو من النوع الأمريكي تماما والذي تفضله جينا. كما أنه كان ~~أيضا فتاي ذات مرة.» ~~- «جينا وبارني.» ~~- «هل تشعر بالغيرة؟» ~~- «من (جاك دكتور أبلسون) فقط. وسيارات البويك أيضا.» # قالت: «الغيرة انقرضت.» # همس بطريقة ذات مغزى: «لاحظت هذا بنفسي.» # لم تبتسم. # قال: «هاي. ماذا حدث؟» # قالت: «أعصابي ثارت فجأة.» # وضع كأسه على الأرض وقال: «تعالي هنا يا حبيبتي. ليس هناك ما يثير الأعصاب. إنه زمن ~~الأليجريا.» # قالت: «أظن أني عصبية جدا الآن. سيمنعني هذا من المجيء.» واختفت بين ذراعيه. ~~••• # قال: «لا ms072 أفهم أبدا ماذا يعجبك في بارني. إنه شخص لطيف لكن متخلف للغاية. فهو رغم ~~أعوامه الستة والثلاثين ما زال يعيش في فقاعة. جئت أنت وفجرت الفقاعة. عندئذ لم يعرف ~~المسكين ماذا يفعل بنفسه.» ~~- «كنت في حاجة إلى بارني لأتمكن من الانفصال عن جان بول. أحيانا تضطر النساء إلى ~~الذهاب إلى الفراش مع رجل ليتمكن من نسيان رجل آخر. كان لا بد من نسيان جان بول. ~~الواجهة الشاحبة لحياتنا، التظاهر. هل تعرف أنه ظل يتظاهر بحبي حتى آخر لحظة؟» ~~- «ربما.» ~~- «لا تكن مضحكا. كان يكرهني. فقد ظل يعاني من العنة شهورا طويلة. كان الأمر فظيعا. ~~ولم أتقبل فظاعته إلا بعد مدة، فأنشأت تلك العلاقة مع بارني.» ~~- «ألم تكوني ساخطة عليه؟» ~~- «بارني؟» ~~- «لا. جان بول. لأنه كان يرفضك.» ~~- «كنت أشعر بالأسف من أجله. كان في حالة فظيعة. ولهذا أنت لم تحبه أبدا. كان مصابا ~~بانهيار عصبي عندما التقيتما.» ~~- «لا أحد يصاب بالانهيار العصبي الآن. فهي حالة دائمة. ثم إني لم أنفر منه. كل ما في ~~الأمر أني لم أحب رؤيته معك. لم يكن يبدو عليكما أي انسجام. وطالما تساءلت كيف قبلت ~~الزواج منه.» ~~- «لم أعرف في حياتي رجلا قال كلمة طيبة عمن سبقوه من الرجال.» ~~- «هذا ليس صحيحا يا حبيبة قلبي. بوسعي أن أفهم زواجك من المجنون أوكنور. فهو على الأقل ~~شخص مسل، رغم أنه يسلبني دولارين في كل مرة نلتقي فيها. دولاران حقيران. وكان هذا يصيب ~~جينا بالجنون لكني كنت أقول إنه يتيح لنا أمسية مسلية بهذين الدولارين. لا يمكن للمرء أن ~~ينفر من شخص هذا شأنه. ماذا صار إليه أمر هذا المجنون؟» ~~- «كان يقيم في المكسيك طوال السنين القليلة الماضية مع فتاة بشعة من نيويورك. مصممة ~~ملابس. أعتقد أنها تتكفل بنفقاتهما الآن من صناعة ملابس الفلاحات في شابالا.» ~~- «أعجب لماذا ذهبا إلى هناك. فالبحيرة جافة تماما.» ~~- «كذلك أوكنور وهذه الفتاة.» ~~- «لقد قابلتهما. كانت مهووسة به. وكثيرا ما كانت تتصل بالهاتف في منتصف الليل لتعرف إن ~~كان معنا. ذلك النوع من ms073 الهيستريا. أراد أوكنور أن أنام معها، وقد فعلت ذات ليلة، لكني ~~كنت ثملا إلى درجة لم أتذكر معها شيئا في الصباح التالي سوى إحساس غامض بأنه كان موجودا ~~طول الوقت.» ~~- «لم يكن هذا مجرد إحساس.» ~~- «لا بد أن زواجكما كان يفيض حيوية.» # انقلبت على بطنها وكظمت صوتها بين الملاءات: «كيف يمكنك أن تغار من ألف امرأة يسبحن في ~~زجاجة جن؟» # أعادها فوق ظهرها وانتقلت شفتاه من جبهتها إلى جفونها إلى فمها: «يا أعز الناس، لشد ما ~~يشبه صوتك صوت زوجتي السابقة.» # ثم قال: «أنت محظوظة اليوم إذ أمكنك الحصول على عطلة. فأنا أكره أيام الجمع.» ~~- «أنت المحظوظ، فبوسعك أن تتصل بمكتبك وتقول إنك ستأتي ظهرا ولن يعبأ أحد.» ~~- «ماذا تنوين عمله اليوم؟» ~~- «سوف أذهب إلى المحلل النفسي للمرة الأخيرة قبل أن يبدأ عطلته.» وتطلعت على غير هدى ~~في أرجاء الغرفة. «وبعد ذلك لا أعرف. ماذا ستفعل أنت؟» ~~- «سأذهب إلى عملي. يحسن بنا أن نتناول إفطارنا الآن.» ~~- «حسنا.» ~~- «قبليني أولا.» ~~- «أوه يا حبيبي.» ~~- «كانت ليلة رائعة. من سنة وأنا أحلم بها. سنة كاملة. هل تدركين؟» ~~- «من سنتين. أم أنك كنت ثملا عندما قلت لي ذلك ليلة أمس؟» ~~- «بالطبع كنت ثملا. كنت عصبيا . ألم تكوني أنت أيضا كذلك؟» ~~- «إلى درجة الهيستريا.» ~~- «تماما يا عزيزتي. كان بوسعي أن أحس التفاعل.» # قبل ثديا عاريا، وجذب الملاءة عن الآخر، وقبله، وجرى بيده فوق استدارات ردفيها، ~~وهمس في أذنها، ثم أقامها في وضع الجلوس. # قال: «اذهبي واقلي البيض.» # عبرت الصالة مرة أخرى إلى مطبخ جينا القديم. وبدأت تعد القهوة. # ناداها: «أجلي التوست. سأحلق ذقني أولا.» # كسرت خمس بيضات في إناء وأضافت قليلا من البقدونس المجفف ومسحوق الثوم والفلفل ~~الأحمر الحار، وخضت المزيج. وبدأت القهوة تغلي. توست وزبد ومربى. وذهبت تعد المائدة في ~~غرفة المعيشة. وفي الدقيقة الأخيرة أضافت قطعا من اللحم المقدد إلى البيض، وذاقت ~~القهوة، ثم خففتها بالماء المغلى. # قالت: «كل شيء ناضج إما أكثر مما يجب أو أقل مما يجب.» ~~- «هذا هو الواجب.» # كان ms074 يرتدي قميصا مخططا بالأزرق والأبيض، ورباط عنق بلون البحر، وسروالا رماديا، وحذاء ~~أسود بلا رباط، وسترة بحرية بأزرار نحاسية وكان قد جرح نفسه أسفل ذقنه: «هذا ما يحدث لي ~~دائما.» # قالت: «كنت أظن دائما أنك ستتزوج جينا. لقد راهنت على ذلك مرة وخسرت خمسة ~~دولارات.» ~~- «ما الفائدة عندما تخبو الإثارة الجنسية؟» ~~- «هل خبت لديها أيضا؟» ~~- «لا أعرف يا عزيزتي. فلم تكن جينا تتحدث كثيرا عن نفسها.» ~~- «ألا يمكنك أن تخمن؟» ~~- «لا. كانت جينا ريفية في أعماقها. مغلقة على نفسها تماما وهادئة.» ~~- «كانت تتكلم معي كثيرا.» ~~- «كانت تتكلم دون أن تقول شيئا.» انحنى وأزال برفق بقايا قطعة من البيض التصقت بذقنها ~~«لماذا لا ترتدين ملابسك ونركب سويا إلى المدينة. سأتولى أنا تنظيف المائدة.» # نادته من الحمام بعد دقائق: «هل لك أن تعطيني قلما؟» # وفي سيارة الأجرة التي أقلتهما إلى المدينة سألها: «ماذا كنت تريدين من القلم؟» ~~- «حاجباي.» ~~- «ظننتك ستكتبين لي كلمة وداع.» # طافت عيناها بحقيبة العطلات الصوفية التي كانت بجوارها على المقعد ثم سألته: «إذا كنت ~~رغبت بي منذ عام، فما الذي أخرك طول هذا الوقت؟» ~~- «التعقيدات يا عزيزتي. الحقيقة أن ما حدث أمس، وقع قبل أن أتوقعه. فأنا مشغول الآن ~~بعقد أواصر علاقة أخرى.» ~~- «كذلك أنا.» ~~- «ويللر؟» # أطرقت برأسها. ~~- «ألم تكن لك به علاقة منذ سنين عدة بعد انفصالك عن أوكنور؟» # أطرقت مرة أخرى. # قال: «كنت أعرف زوجته السابقة.» # قالت: «أعرف.» # توقفت السيارة في طريق ماديسون. وعاونها على مغادرتها. كانت الطرقات الجانبية حاشدة بزحام ~~فترة تناول طعام الغداء. نظرت مرتابة إلى رداء الليلة الماضية، وإلى أظافر قدميها التي ~~برزت من خف المساء الصغير، وإلى الكيس الدقيق الذي يحوي المفاتيح وأدوات التجميل. ثم رفعت ~~بصرها إليه، فوقها ببضع بوصات، أزرق وأبيض بذقن حليق في ضوء الشمس. # تناول يدها ورفعها إلى فمه: «أنت رائعة، جميلة، حبوبة.» ~~- «أوه، اصمت.» # قال: «ألا أستطيع الإفصاح عن شعوري؟» ~~- «آسفة.» # كانت شفتاه مزمومتين. لمستهما بأصابعها. ~~- «أنا اليوم عصبية قليلا. لم أقصد ما قلت.» ~~- «لا يجب كبت الآخرين ms075 يا ملاكي.» ~~- «أنا آسفة حقا. أنت تعرف شعوري نحوك.» ~~- «كيف؟» ~~- «أنا مجنونة بك.» ~~- «أحقا يا حبيبتي؟» وقبلها بسرعة على وجنتيها: «سأتصل بك يوم الإثنين.» ~~- «كلمني في المكتب.» # توقف الأتوبيس على بعد أقدام قليلة أمامها. # قالت: «لا بد أن أذهب الآن. اتصل بي.» # قال وهي تستدير وتجري بحذاء الليلة الماضية نحو أتوبيس طريق ماديسون المزدحم الذي كان ~~بالانتظار: «تحياتي إلى محللك النفسي.» # | يوميات زوجة غير مخلصة # للكاتبة الإيرلندية إدنا أوبريان (1966م) # Diary of an unfaithful wife by Edna O’berien ~~1966 # كان قرطي ضائعا. بحثت عنه فوق الأريكة وخلف الوسادة. وقلت كأنما أخاطب نفسي: ~~«سأفتقده.» كان عبارة عن قطعة فيروز مثبتة في سلسلة صغيرة من الذهب. نزع «ب» القرط الآخر ~~وسألني، في رقة، ما إذا كان ثقب أذني يؤلمني. قلت له: «كلا، إلا إذا عبث أحد بقرطي.» ~~وسرعان ما كنا نتبادل القبلات من جديد. وفيما بعد وضع يده في جيبه فوجد القرط، وقال: «هل ~~أنت التي وضعته؟» استأت من تفكيره بأن في وسعي أن أفعل شيئا كهذا. كان واعيا لأول مرة ~~بخطر افتضاح أمرنا. فقد كان أمنه «مهددا» (تلك الكلمة مرة أخرى). # لم يحدث أن رقصنا أو لعبنا التنس أو أخذنا الباص سويا. # رعشه طويلة: من خلف عنقي حتى عقبي. أفكر في سياج من الأسلاك شحنت بالكهرباء لتبعد ~~الخراف. وتنمو الفكرة معي. أغلب من أعرفهم من الخراف. قد لا يكونون كذلك في أعماقهم، لكني ~~أقصد نفوسهم التي يعرضونها على الملأ في حفلات العشاء وغيرها من المناسبات. بوسعي أن ~~أتصور وجه «ب» الآن، وفي البداية كان غالبا ما يتلاشى من ذهني حال ظهوره. عندما تلتقي ~~عيوننا ونحدق النظر، نفعل ذلك بطريقة تجعلنا أكثر حياة وأكثر موتا. الموت بالنسبة إلى ~~العالم الخارجي، والحياة بالنسبة إلى أنفسنا. هل هذا هو ما فعله نارسيس في البحيرة؟ هل هذا ~~هو الحب؟ # قال: «عندما لا تتحدث النساء في الفراش، تزيد قدرة الرجل على تذكر الجسد.» لعل ~~«هي» تطبق فمها. # كنت أول من وصل هناك. لا أستطيع أن أضبط ms076 وقت هذه الأمور. كما هو الحال في السمنة أو ~~النحافة - فلم يحدث أبدا أن كنت سمينة أو نحيفة، لأني دائما في الطريق لأن أكون كذلك. ~~كانت الردهة مزدحمة. وكانت هناك لوحات ملونة عن رحلات إلى أماكن أخرى. الريفيرا زرقاء ~~وكذلك أثينا. عندما دخل «ب» قلت له: «دعنا نذهب إلى أثينا الزرقاء.» كان بودي أن أذهب معه ~~بعيدا لمدة أسبوع. مجرد أسبوع واحد نعرف أنه سرعان ما ينتهي. كانت قاعة الطعام ضخمة. ~~وطلبت مائدة في الركن لأني شعرت أني سأقع لو جلسنا في الوسط. لا أستطيع مضغ الطعام ~~أمامه. عندما نفترق يبدو دائما سعيدا، بينما أكون مكتئبة. يعجبني هذا فيه. ويعجبني ~~الرجال. أنا معجبة بزوجي أيضا. ليس بسبب رقته، وإنما بسبب عمله، فهو يقضي اليوم كله بين ~~السجلات والملفات والناس. # أتأرجح بين السعادة وأقصى درجات اليأس. التقيت صغيري جيريمي بعد المدرسة. تأخرت خمس ~~دقائق. انصرف جميع الأطفال الآخرين. كان موشكا على البكاء. قال «انحل رباط حذائي.» لم ~~يكن هذا صحيحا. الأطفال خبثاء. # أمسية تسكنها أمسيات جميلة أخرى. وأنا أستعد للقاء «ب» فكرت في الاستعداد لزوجي، وبدا ~~كل شيء سليما وكاملا ومتناسقا. كان مخدعي باردا لأن الأنابيب أصيبت بشيء من التلف، ~~وفكرت في ورقة نعناع تجمد الصقيع فوقها، واختلطت هذه الفكرة بزخارف الكعك وحشيشة ~~الملائكة. كان شعورا جميلا في تلك الأمسية الباردة اللاهثة، أن أكون قادرة على التفكير في ~~غصن نعناع غطاه الصقيع، وفم «ب» عندما نلتقي ويمتد ليلمس فمي بدلا من أن يقول هاللو. ~~ما كان يجب أن أطلب ذلك منه. قال: «أكتب إليك؟ لماذا يجب أن أفعل ذلك؟» لعله ظن أني ~~أطالب ببرهان على حبه. ويبدو أنه كان على حق. # أظنني أخون «ب» بتدوين كل هذا. إنما الأمران غريبان حقا: يقظته وإهمالي. فهو يتلفت حوله ~~عندما نكون في مكان عام. وعادة ما تكون ياقته ضيقة للغاية مما يؤلم عنقه عندما يتطلع ~~حوله. كأنه متزوج وأنا لست كذلك. # عندما نكون أنا و«ب» في أحسن حالاتنا معا، يتحتم علينا دائما أن ننصرف. ms077 ويتملكني ~~الخوف. أندفع إلى منزلي. أروي الأكاذيب لسائق التاكسي. وأفكر فيما يمكن أن أرويه له ~~ليضاعف سرعته. ويكاد زحام المرور يصيبني بالجنون. إنها أسوأ اللحظات، لا يخفق فيها قلبي ~~وحده، بل كلي. # المقاهي، الحدائق، المقاهي. يقول إننا لو ذهبنا إلى الكوخ، فإن المرأة، امرأة ما، ستذهب ~~قبلنا بيوم وتوقد نارا. توقد نارا! أريد الأمر باردا، لنجلس تحت الأغطية، كالمرضى، ~~ونرتشف الويسكي. لا أريده دافئا ومريحا كالبيت. # أعطى «ب» هبة للساقي. قلت: «ما أغرب أن تفعل هذا!» قال إنه لا بد من ذلك. قلت: «أنت ~~محدث نعمة.» وساد الصمت. أظن أنني جرحته. (صبي مسكين قام بعمل طيب. أحقا لا ~~يتخلصون من هذا الشعور؟) وعندما غادرنا المكان كانت السماء تمطر. ووقفنا ننتظر سيارة. ~~قال: «خذي أنت أول سيارة.» لم يقل هذا أبدا من قبل. كان يرافقني عادة بعض الطريق ثم ~~يغادر السيارة. ربما كان المطر هو السبب. أتيت البيت غارقة في العطر. أحمل زجاجة معي ~~لأغطي رائحته بعد أن أتركه. أدخل منزل زوجي تفوح مني رائحة الجرم. # يقطن «ب» منزلا عاليا: مطرقة باب من الطراز الجيورجي، أربع زجاجات من الحليب في اليوم ~~(حسب الزجاجات الفارغة خارجه)، وستائر من الحرير الشفاف. أعرف كل هذا. أعرف رقم هاتف ~~منزله. ولا يعرف أني أعرف. بحثت عنه في دليل الهاتف. وذات ليلة مضيت لأرى المنزل. كما لو ~~كانت رؤيته ستشفيني. قال زوجي عندما عدت: «كانت نزهة طويلة.» قلت: «ذهبت إلى هامبستيد ~~لأرى كيف تبدو.» «وكيف كانت تبدو؟» قلت في شيء من المزاح: «تبعث على الاهتمام.» لكن البرد ~~في الغرفة كان شديدا. قلت: «يجب أن نفعل شيئا بشأن هذه الدفايات.» قال «أ»: «حسنا، لديك ~~اليوم كله، أليس كذلك؟» اندفعت خارجة من الغرفة لأعد الشاي. الآخرون قد يفقدون ~~أعصابهم أو ينهارون أو ينتحرون، أما أنا فقد صنعت الشاي باعتداد شديد. وحملته إلى «أ» مع ~~بعض التوست. وأدرت أسطوانة صلوات يهودية. تحدثنا في ود، لكن لم يكن في الإمكان التخلص ~~من برد الحجرة. كان وجه جيرمي دافئا في الفراش. ms078 من عادته أن يقلص أنفه عندما أعطيه قبلة ~~النوم. أضأت النور لأرى بقع النمش المنتشرة على أنفه. وجدتها قاربت على الاختفاء. سألني ~~«أ» لماذا أضأت النور. قلت لأرى بقع النمش. قال إن النمش كان هناك في الساعة الثامنة ~~عندما مضيت إلى الخارج، أو إني لم أفكر في ذلك؟ # نعش منعزل من الوحدة. ~~- «الدخول في حياة شخص آخر أمر مرعب.» هارولد بينتر. «عدم الدخول في حياة شخص آخر أمر ~~قاس للغاية.» أنا. عندما أقع في الحب فإنه الربيع أيا كان الوقت. لا أهمية للأوراق ~~المتساقطة، فهي تنتمي إلى فصل آخر. # حاولت أن أمزح من أجل «أ» حدثته عن عجوز في التسعين تضع على مكتبها لوحة تحمل هذه ~~الكلمة: «الشبق». قلت لعلها تشد من أزر نفسها. قال: «الاحتمال الأغلب أنها نصيحة شفرية ~~لمراهنات الجياد.» هذا الاتجاه للتقليل من المبالغة في الأشياء والذي كنت أحبه في «أ» ~~هو الذي أكرهه فيه الآن كثيرا. خرجنا لنزهة قصيرة سيرا على الأقدام. لم يحدث أبدا أن ~~مشى ثلاثتنا سويا. فإما أن يكون جيريمي معه في المقدمة وأنا في أثرهما. أو نكون أنا ~~وجيريمي معا بينما يستغرق «أ» في خواطره. كانت أمامه قضية طلاق، وأفكر كم هو غريب أن يعرف ~~أسرار الجميع ماعداي. وأنظر إلى زوجي وأود أن أركع أمامه وأسأله المغفرة. # أيام الآحاد التي أقضيها مع أسرتي هي أسوأ الأيام. # رأيت إعلانا عن فيلم فيه صور أربع نساء وتحتها سطر يقول: «مراهقة، زوجة قلقة، شيطانة، ~~عاهرة.» أنا كل أولئك. # نبأ مذهل في الصحيفة. ارتاب رجل في أن زوجته تخونه. وحدس أنها أرسلت برقية إلى عشيقها. ~~فكر أنها لا بد كتبت مسودة البرقية أولا وألقت بها في سلة المهملات بمكتب البريد. ذهب ~~إلى المكتب وعثر على المسودة. كانت تقول: «أحبك، أفتقدك، أراك يوم الثلاثاء.» قطعت النبأ ~~وتركته على مكتب «أ» ليكون مزحة وتغطية في الوقت نفسه. لم يعد المطر يخفي رائحة ~~الجرم. # ضغطت يد «ب» فأجفل. كنت قد ضغطت على قطعة من اللاصق؛ فقد جرح إصبعه أثناء ms079 الحلاقة. ~~قلت إني قرأت مرة أننا إذا اعتصرنا الليمون فوق المحار، فإنه يجفل وينكمش، رغم أن ذلك لا ~~يظهر للعين المجردة. طلبنا دستتين من المحار وكمية من الليمون، وكانت تلك من المرات التي ~~كنا فيها قساة مع كل شيء. ما عدانا نحن. ولهذا كان الأمر على ما يرام. ~~- «إنها في حرب مع قدرها. ماذا كانت تملك غير أن تموت شابة، مقيدة، محبطة؟» هذا ما قالته ~~فيرجينيا وولف عن شارلوت برونتي. حسنا، لن يقول أحد إني مت مقيدة ومحبطة. كل شاب ~~يصفر لي الآن أبتسم له. إذا كانت علاقتي مع «ب» ستعيدني إلى مراهقتي. فلأكن مراهقة في ~~كل شيء. # أنا وجيريمي نأكل الكعك ونلعب. # بوسعي الآن أن أرى كيف تلغي الحرب التزام الشرف اليومي، وكم في هذا من راحة وخلاص؟ قرأت ~~الصحف، حروب كثيرة، لكن في الجانب الآخر من العالم. «أ» و«ب» في خندق واحد يحملان صورا ~~لي، كما نرى في الأفلام. ذهبت أربع مرات لأرى فيلم جان لوك جودار «امرأة متزوجة». إنه في ~~صفي. فكلا الرجلين يتكشفان عن مغفلين والمرأة - حتى - لا تحمل. # يتملكني شعور فظيع بأن الأمر سينتهي بطريقة غبية. مثلا، لا يظهر «ب» في أحد مواعيدنا، ~~أو لا أظهر أنا، ثم لا نتمكن أبدا من الاتصال ببعضنا البعض لنتفق على موعد آخر. ممكن. ~~كتبت إليه رسالة واحدة. سألته زوجته: «ممن؟» قال: «الناشر.» قالت: «في يوم أحد؟» وانتهى ~~الحديث - كما ذكره لي - عند هذا الحد. انتظرت إباحة أخرى، خيانة ثانية لها - مثلما ينتظر ~~المرء عملية شنق - لكنه لم يفعل. أشعر الآن بالسرور لذلك، رغم أني وقتها كنت ساخطة. قال: ~~«ستكون جميلة هذه الرسائل، لكن الأفضل ألا تفعلي.» قلت: «ستكون جميعا رقيقة للغاية وعميقة ~~مثل نتف صغيرة من نثار الورق (كذب)، لكن الأفضل ألا نفعل.» # قبلتنا الأولى - من بين جميع الأماكن في مدخل جاراج - كانت مضحكة. كان الجاراج مغلقا ~~وفوق بابه لافتة تقول: «حد الارتفاع 8 أقدام و6 بوصات». تظاهر بأنه يقيس طولي ثم قبلني ~~وتراجع إلى الخلف قائلا: «والآن ms080 قبليني.» قلت: «لا أستطيع. لا أعرف كيف.» ومع ذلك فعلت. ~~وتناولنا العشاء. رويت له كل الأشياء المضحكة التي خطرت ببالي، وكانت تتدفق طول الوقت. ~~ضحكنا كثيرا وشربنا نبيذ القران. اضطجع في المقعد الذي كان يشبه الأريكة وابتسم. كانت ~~بيننا وسادة فرفعها وقال: «تلقيت عرضا بشلن واحد مقابل هذه الوسادة.» ثم انحنى وأزال ~~إحدى فردتي حذائي ووضع الوسادة تحت قدمي. كان الأمر لذيذا. قال إنه كان يجب أن تكون هناك ~~غرف في الطابق الأعلى. قلت: «كلا. إذا كان سيحدث شيء بيننا، فيجب أن يكون مرحا، ~~أخلاقيا، جذلا.» «مرحا؟» قال مدهوشا. قلت: «أكان هذا سوقية مني؟» قال: «كلا على ~~الإطلاق، لكن يبدو أنك فتاة حزينة. حزينة.» كنت مهرجانا من الضحك في تلك الليلة بالذات. ~~كان يجدر به أن يراني في حالتي العادية. بالطبع لم أقل له ذلك (هذا هو الفخ: نحن نخفي ~~الجانب الأصدق من نفوسنا عندما نحب). ابتسمت بحزن. فمتى ظنوك شيئا تبدئين في تمثيله ~~بجنون. ظل يداعب قدمي فوق الوسادة ولا أذكر أني شعرت بقلق ما على تأخر عودتي إلى ~~البيت. # ولج «ب» الحفل واضعا نظارته، وخلعها، ثم وقف وظهره إلى الجدار، ثم وضعها من جديد. فكرت: ~~هذا الرجل عصبي ووسيم. كان هناك ستون شخصا يتناولون العشاء. أظنها كانت مقاعد مستأجرة . ~~المقاعد الصغيرة المذهبة التي تراها في المطاعم الأنيقة. كنت أجلس إلى مائدته، ليس ~~بجواره مباشرة وإنما أمامه. لم يكن يأكل شيئا. وقلت عبر المائدة: «لماذا لا تأكل؟» قال: ~~«لا آكل لحم الكندوز.» بعد ذلك تبادلنا النظرات. رفض البودنج وكذلك أنا (بودنج جميل ~~بالكستناء تعلوه الكريمة وتحيط به قطع البسكويت من الجوانب). نظرة متورطة تذهب بالشهية. ~~وفيما بعد، في المخدع، كانت هناك نسوة يتحدثن. لا أذكر سوى الرداء دون الوجه. كان رداء ~~طويلا من المخمل الأسود. وبعد ذلك رأيتها تتحدث إلى «ب» وتنصرف. سألت: «من هذه؟» وقال لي ~~شخص ما إنها زوجته بينما كانت تمضي بعيدا. كان ظهرها نحوي ولهذا لم أر وجهها أبدا. يبدو ~~أنها تغني في ناد ليلي. ms081 عندما اختفت اقترب مني. قدم إلي مسواك أسنان، مازحا. قلت: ~~«إنها من الخشب ولست آكله.» قال: «الفكرة أن شذراتها تعلق بأسنانك ويتعين عليك أن ~~تتخلصي منها بالإضافة إلى بقايا الطعام.» يكتب روايات. إنها هكذا. تفيض بأشياء غريبة ~~مضحكة، لكنها حزينة من وراء هذا كله. اقترب منا آخرون ليلتفوا من حوله، وفقدته. ثم لم ~~أفقده. شعرت أنه يدبر أمرا. وجاءني بعد قليل: «نحن ذاهبون إلى مباراة بوكر وقد دعي ~~زوجك إليها.» قلت دون أن يبدو شيء على وجهي: «حسنا.» وراعيت أن أذهب إلى السيارة في رفقة ~~«أ»، وكان من السهل أن أكون سعيدة. تدخين متواصل وشراب متواصل ولا أثر لرغبة في ~~النعاس. # لست أنكر هذه الرغبة الوحشية. أريد أن يكون الجميع في حب. إنه جبن وضعف وقذارة. ~~لكنه عظيم. يبدو أني أتناول بالتفصيل تلك المرحلة من حياتي لأن حياتي قبلها كانت ~~مجدبة. # أبكي قليلا، أضحك قليلا، أجري، أجل أجري في الطريق مع جيريمي كما لو كنت في التاسعة. ~~أتمدد وأظن أني قادرة على لمس النجوم. أتنفس بعمق، أتحدث كثيرا جدا. أترك نفسي ~~أنطلق في فورات انفعالية، ثم أظن أني أتصرف في سخف أو يظن أحد ذلك بالنيابة عني، ~~وأكف. # كان الحب دائما يوجه حياتي. أعرف أن هناك مغامرات ليس أبطالها من الرجال ، وليست ~~حسية، لكن لا شأن لي بهذه المغامرات. إنها ليست لي. أريد دائما أن أحب، فالقبر هو ~~البديل. العقل بالتأكيد يتدخل ويحدثني عن الهدف من الحياة، وعن الأمومة والمسئولية. لا ~~بد وأن أعترف أن الكثير من الآباء والأمهات جادون. أغلبهم كذلك، وبالرغم من ذلك، فإن ~~الكثير من الأطفال تعساء. لماذا؟ # لا أتمكن من الخروج للنزهة، لكن الأمر يخطر لي: الزنا. زناهم، زناي، زنا الجميع. ذهبت إلى ~~الحديقة في الصباح. في أحد الأكواخ الصيفية رأيت عربة صغيرة تحمل طفلا. وبالقرب رجل ~~وامرأة. ظننتهما زوجين سعيدين خرجا سويا لينزها طفلهما. وعندما اقتربت منهما ~~رأيتهما يتبادلان القبلات. وظللت أعتقد أنهما زوجان سعيدان. وعندما سمعا وقع خطواتي فوق ~~أوراق الأشجار - وكنا في الخريف ms082 - انفصلا في سرعة وعنف. خطواتي جعلت منهما عدوين. ~~الإحساس بالإثم شيء فظيع. ولا يجعلني هذا أكف عن رؤية «ب». لعله يشجعني على ذلك وإن كان ~~يحول بيني وبين الاستمتاع بالأمر. أردت أن أقول لعاشقي الحديقة: «استمرا. تبادلا ~~القبلات. كونا سعيدين.» لكني بالطبع لم أقل شيئا. # سيكون الأمر رائعا لو عدت شابة من جديد ونظمت حياتي بصورة مختلفة. وهنا يثور ~~بالطبع السؤال: من منهما كنت أتزوج؟ الإجابة ليس لها معنى مثل الإجابة التي سأحصل عليها ~~من انتزاع أوراق الأقحوان. واحدة نعم. وواحدة لا. ينتابني شعور فظيع بأني ما كنت سأتزوج ~~أحدا منهما. أنا مشوشة في أعماقي. أليس الجميع كذلك؟ # يطاردني شعور بأن الأمر سينتهي بطريقة غبية. # أعرف الآن أن الغيرة هي النتيجة المباشرة للخيانة. يقول «أ»: «قد أتأخر هذا المساء.» ~~ويبدأ قلبي في الخفقان، وأقول: «لماذا؟ متى؟ أين؟» في اندفاع. وأظنه سيتركني في الغد، أو ~~سيلتقي بإحدى المطلقات اللاتي يترددن عليه. # دائما أفكر إلى الأمام. أعد طعام العشاء بحيث يكفي ليومين في حالة ما إذا اتصل بي ~~«ب» واحتجت إلى الخروج فجأة. أذهب لرؤية أناس لا أريد أن أراهم كي أعطي الأكاذيب مظهرا ~~من الصدق. رأيت امرأة مضجرة أمس، حدثتني عن مغامرة لها فوق باخرة، وكيف أنها لم تستطع ~~لأنها لو فعلت لشعرت بأنها مومس بينما يختلف الأمر لو جرى في منزلها. مراعاة المكانة ~~والوقار! مضيت إلى الهاتف لأتصل به. على الجدار هذه العبارة: «أحب لسلي وجوان.» حدثت ~~«ب» عن العبارة. قلت: «ألا تظن أنها معقولة؟» قال: «جدا.» إنه أكثر عمقا مني فهو لا ~~يتحدث كثيرا. # الغذاء مع «ب» في مشرب. كنت أتسوق. أخجلني أن ألجه حاملة مشترياتي. ظننت أن الأمر ~~سيبدو بيتيا تماما أو لعلني خشيت ألا أصبح مثيرة للاهتمام؟ جلسنا متلاصقين بسبب ~~الزحام. الحركة وسط النهار شديدة. لم أشهدها قط من قبل. تحدثنا عن البساتين. كان له ~~واحد ذات مرة وزرعه تفاحا. قال: «أتعرفين أن هناك ورودا لها رائحة التفاح؟» قلت: ~~«كلا.» قال: «هل تعرفين أن للورود الحمراء قلوبا ms083 بيضاء؟» قلت: «كلا.» قال: «اعتدت أن ~~أفتش فيها بحثا عن الآفات.» كان ذلك جميلا. # يضع نظارته ثم يخلعها من جديد. أظن أن عينيه ضعيفتان. تبدوان أحيانا متعبتين ولهذا ~~يبتسم في شحوب، في تناقض واضح مع ذقنه البارز مثل النتوء الجبلي. # مسكينة «إما بوفاري». # هناك صخرتان في اليابان (على ما أعتقد)، تقعان على جانبي البحر، ويمتد بينهما حبل. فهم ~~يعتقدون أنهما صخرتا عاشقين، أو أن العاشقين تجسدا فيهما بعد موتهما، أو غير ذلك من ~~الأساطير التي تناسب حالتي وأنا تحت سلطان الحب. # شممت رائحة النرجس، لكني لم أر شيئا منه إلا في الرأس. مرج كامل، أبيض، برائحته المرة ~~الجميلة. كان معطف «ب» في لون الغبار، ولمسته أول مرة عند القبلة الأولى حيث كانت اللافتة ~~تقول: «8 أقدام و6 بوصات». كأني كنت ألمس زهرة من الورق. الآن اختلط كل شيء في رأسي: مرج ~~النرجس، الغبار فوق الطرقات الجبلية، سترته، الرمش الذي سقط فوق الحافة السفلى لعين ~~نظارته اليسرى، معطفه الذي يشعرني بالورق، وقبلته التي تشعرني بالزهرة. المرة الأولى ~~دائما مجنونة. أعرف ما يمكن أن يكون عليه شعور مدمني الخمر في الثانية التي تسبق اقترابهم ~~من الشراب، وما يشعر به لصوص المتاجر عندما تطبق أيديهم على سلعة، لأني أعتبر نفسي من ~~هؤلاء، هؤلاء المغامرين الخائفين الشرهين . # حجراتنا. غاباتنا. مطاعمنا. حرارتنا وأشواقنا التي لا يشهد عليها سوى الأثاث. في إحدى ~~الغرف كان هناك سقف مزخرف أعجبت به. لم أقل ذلك. فيما بعد قال «ب»: «سقف جميل.» قلت: ~~«لا أستطيع أن أشير إلى الأشياء التي أراها أو أقول الأشياء التي أفكر فيها عندما أحب ~~شخصا ما.» قال: «هذه وحدة، وحدة يائسة.» وفكرت: هو وزوجته يتشاركان الأشياء ولهذا يبقى ~~معها وسوف يبقى معها. أأنا مهووسة وبلهاء؟ كان المسكن لأحد أصدقائه، ومرتبا بصورة لا ~~تصدق. # كان قد تناول العشاء في الخارج. قال إن الحديث دار حول الحمامات وطرزها ... إلخ. قلت إن ~~الأزواج الأثرياء يسبغون خيالا ومالا فائقين على الحمامات. سألته ما إذا كانت هناك ~~علاقة بين ذلك ms084 وبين الجنس، ألا يظن أن كل هذه المرايا، وكل هذه الزجاجات الزرقاء، وكل هذه ~~الأحواض، كل هذه الأوراق البديعة التي تغطي الجدران، هي محاولة لصنع هالة جنسية جميلة؟ ~~تطلع إلي باهتمام وقال إن الأمر محتمل، ثم نزع نظارته، ودلك عينيه، الأمر الذي ~~يفعله عادة عندما يكون ضائقا بشيء أو متعبا. أظن أني وضعت قدمي على الأمر. أعتقد أن ~~«لديهما» حماما جنسيا. حاولت مصالحته فقلت: «عندما أحب أفضل الأماكن الموحشة ~~المهجورة، المطاعم الرخيصة، والبيرة المرة بدلا من الويسكي.» قال: «يجب أن أتذكر ذلك.» ~~قالها ببذاءة. كان الزعل الأول بيننا. لم يكن زعلا بل خلاف في الرأي حول الحمامات. يا ~~إلهي! لا أملك فكاكا من ديانتي وأساطيرها. فقد نشأت عليها. # عندما ذهبت مع زوجي لنلعب البوكر، لم ألعب لأني لا أعرف. أجلسوني بجوار «ب» كي أكون ~~قريبة من الباب، فأفيد في إحضار الشراب إليهم، كنت الشخص الوحيد الذي لا يلعب. ومع ذلك ~~دون لي ما تجمع لديه من أوراق رابحة. أول ما كتب: «زوج»، ثم «زوجان». وقلت: «أليس ~~الأمر حميميا للغاية؟» فضحك بخبث وكف عن الكتابة، وترك الورقة أمامي، وكانت هذه ~~الإيماءة البريئة في الظاهر، مثل حلف عقد بيننا. وازداد اللاعبون استغراقا وصمتا. ~~وفكرت: إنهم يكشفون عن نفوسهم الحقيقية في هذه اللعبة. وقلت له: «إنك لا تبدو شديد ~~العدوانية.» نظر إلي وإلى يدي المبسوطة على المائدة، ثم وضع يده إلى جوارها، ورغم أنه لم ~~يلمسها، فإنه كان بهذه الإيماءة يراودني عن نفسي لأول مرة. لم نفه بكلمة. نظرت إلى «أ». ~~كان قد استدار إلى شخص ما يسأله: «ماذا لديك؟» وفكرت: لن أنسى هذه اللحظة مطلقا. يد «ب» ~~ويدي متلامستان رغم أنهما غير متلامستين. ذهني، أطرافي، وعيي، كلها تطير مثل أذهان ~~وأطراف ووعي في حالة انفلات مرح. لعبوا طويلا، وقبل أن نفترق كتب إلي «ب» على ظهر ورقة: ~~«هل تقابلينني غدا صباحا في الكنكو على طريق كنج؟ لا بأس إذا لم تتمكني، لأني أذهب هناك ~~على أية حال لأشحذ قريحتي.» قرأتها، وراقبني وأنا ms085 أقرأها، ولم يكن أحدنا مدهوشا. # لا أسر بشيء لأحد، ليس غير هذه المفكرة التعسة. اليوم سأغسل الستائر، سبعة عشر زوجا ~~منها، وأنشي ما يحتاج منها إلى تنشية، وأكويها كلها ثم أعلقها من جديد وأكون متعبة ~~للغاية بحيث لا أحتمل التفكير في الأمر. # سألني «ب»: «ماذا فعلت بالأمس؟» # قلت: «شممت رائحة السنط، ورأيت الأوراق تتطاير في رأسي، بكافة الألوان، وعندما رقدت في ~~المساء، لم يكن بوسعي أن أطرد الأوراق والألوان من رأسي.» # قال: «حلوة، فتاة حلوة.» لا بد أنه يظن الحياة معي ستكون شاعرية، بالأوراق التي تتطاير، ~~والروائح والمشاعر، وألا يكون المرء مضطرا إلى تقطيع الجزر. هذا هو الانطباع الذي ~~أعطيه. لا شفاء لي. # أتأرجح بين السعادة وأقصى درجات اليأس. جشع، أكاذيب، إمساك، أكاذيب، ويمثل الحب جانبا ~~ضئيلا وسط هذا كله. ترى كم هناك من أنواع الحب؟ كم شخصا من الذين أعرفهم قادر حقا على ~~الحب؟ # حدث ما كنت أعتقد طول الوقت أنه سيحدث. كنا سنلتقي في البهو ولم يأت. وبعد ساعة وأكثر ~~تقدمت من مكتب الاستقبال. سألت عما إذا كانت هناك رسالة لي. لا شيء. بعد ساعة أخرى ~~عدت إلى البيت. # في اليوم التالي، عندما لم يتصل بي، طلبته أنا. ردت علي امرأة. وضعت السماعة. لا بد أنه فهم. فقد طلبني بعد قليل . أنكرت أني حاولت الاتصال به. قال إن زوجته شعرت بالأمر ~~وقالت إنه لو رآني مرة أخرى فسينتهي كل شيء بينهما. قلت «هذا لا يعقل.» قال: «الناس هكذا ~~.. يجب أن نكف عن اللقاء بضعة أسابيع.» كان يبدو خائفا. قلت: «هل يمكن أن نلتقي مرة ~~واحدة فقط.» قال: «بعد أسابيع.» هكذا انتهي الأمر، بصورة عبثية. # يقول كامي: «لا آسف على شيء، وبهذا أعرف أنه كان حسنا.» # لست بآسفة. ما زلت أحتفظ بذكرى شيء حسن لكنه لم يكتمل. آمل أن يتصل بي. لن يفعل. بل ~~إن الأمل في هاتف منه غاض. وأصبحت أعزي نفسي بأن هناك أياما يحتاجني فيها، لكنه لا ~~يملك شيئا حيال ذلك. # أصنع كعكا. كعك ماديرا وحساء ms086 باردا. أظن أني حامل. أميل إلى هذا الظن رغم ما يتوفر ~~من أدلة على العكس. عاد جيريمي من المدرسة. قلت: «لدينا كعك بيتي.» وقال: «مذاقه بشع.» ~~خاب أملي فيه؛ لأنه لم يحب الكعك ثم خاب أملي في نفسي؛ لأني عولت على هذه السخافة: أن ~~يحسن الكعك من صورتي في عيني ابني. لديه حسن الإدراك أكثر مما لدي. يريدني سعيدة، ولا ~~يعبأ أبدا بالكعك البيتي أو الملاءات النظيفة، فهو يريد أن يبقى في عالمه الخيالي الخاص. ~~يريد أخا. يا إلهي، إذا كنت حاملا فلا بد من اختبار دم. # قرأت مرة أن سقوط كافة الرجال العظماء، والزعماء، والرجال الصغار، الذين سقطوا، كان ~~جزءا من شخصياتهم. أنا أومن بذلك، كما يؤمن المرء عندما يثبت لنفسه شيئا. ليلة أمس بعد ~~أن أطفأنا النور شرعت بالبكاء وقال «أ»: «هذا البكاء أصبح عادة لديك.» قلت: «لقد انتهى ~~الأمر تقريبا.» قال: «ماذا؟» وأخبرته. رويت له الأمر مباشرة. قال: «لقد حدست.» قلت: ~~«لماذا لم تسألني؟» قال: «لم أكن أود أن أعرفه.» أدركت عندئذ أني ما كان يجب أن أخبره، ~~وأني بذلك ضاعفت من سوء الموقف. فقد حقرته. قال: «آمل ألا ألتقي به أبدا.» قلت: ~~«لماذا؟» (أسئلتي بلهاء). قال: «لأسباب واضحة.» شهقت وعندئذ غادر الفراش وأضاء النور ~~وتناول الكتب من فوق المنضدة المجاورة للفراش، وأخذ أيضا زجاجة الأسبيرين، وغادر الحجرة. ~~وتبعته بملاءة. قدمتها إليه في غرفة الضيوف. حاولت أن أعتذر فقال: «لا تفعلي!» كنت أعرف ~~أن أفضل شيء هو أن أغادر الغرفة وأتركه بمفرده وأترك الأمر يصلح نفسه بنفسه، لكني لم ~~أستطع. ظللت واقفة أردد: آسفة، آسفة، رغم أني أعرف حماقة ذلك. لم أتمكن من الحركة. هذا ~~الشلل، هذا الفشل لإرادتي في أن تحرك جسدي، أرعبني. ألقى بالملاءة خلفي .. فاستقرت على ~~الأرض في كومة. لم أستطع جذبها معي. بالكاد قدرت أن أحمل نفسي. تساءلت ما إذا كان ~~سيقتلني. # لم يفعل. ما زال في حجرة الضيوف. أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام في هذا الوقت من ~~السنة المقبلة. ms087 اتصلت بواحدة تعرف «ب» وزوجته وسألتها: «هل ترينهما؟» قالت: «إنهما لا ~~يقابلان أحدا، خوفا من أن يفقد أحدهما الآخر.» خطر لي أنه من المستحيل أن أكون قد ~~عرفته ذات يوم، وأن أحدا لا يعرف أني عرفته، وأحببته، وتلقيت حبه. إنه سر سيأتي وقت - ~~وسوف يأتي هذا الوقت - يتلاشى في عالم الأحلام. مثل أبطال فيلم «العام الماضي في مارينباد» ~~لم أعد واثقة إذا كان شيء قد حدث فعلا، أو هو شيء قلت لنفسي إنه حدث كوسيلة لقضاء ~~الوقت. ليس لدي شيء يخصه، لا ذكرى، ولا حتى إحدى رواياته تحمل توقيعه. أملك بالطبع ~~التواء جسده فوق جسدي. لو كانت الأجساد كالأحجار، أو الخشب، أو أواني السكر الفضية، لاحتفظ ~~جسدي بكل علامات جسده، لكان جسدي مثل سطح مائدة، يحمل ويحتفظ بالدليل على كل ما جرى ~~له. # عدم المعرفة هو أسوأ ما في الأمر. لو أرسل ورقة أو برقية، أو أي شيء بكلمة واحدة: ~~«انتهينا.» لتحملت الأمر، لكني ما زلت أتعلق، مثل قطعة من صحيفة مبتلة متشبثة بسياج. ~~التعلق بالأمل هو الذي يحطمني. لو أمكنني أن أكف. # كونه كاتبا هو بالتأكيد ما دفعه لصحبتي. إنهم يمتصون الآخرين، ثم يضعونهم على الورق ~~ويقضون عليهم بذلك قضاء مبرما. # مرة واحدة فقط سألني عن «أ». وقلت: «إنه وحيد لا أصدقاء له.» ما كان يجدر بي أن أقول ~~ذلك. # كم أنا كئيبة! # جرحت نفسي على حافة علبة كمثرى من الصفيح، وتركت الجرح يتعفن، وبذلك رفعت من شأن ~~نفسي في عيون أسرتي، وحقرت من نفسي في عيني. # كم أنا كئيبة! # طول اليوم كنت حزينة، رغم أني ثملة. # ذهبت إلى المدرسة، المدرسة التي يتردد عليها طفله. كنا مرة نتناول الغداء وقال إنه ~~يجب أن يذهب ليكون أمام باب المدرسة في الثالثة والنصف. رافقته جانبا من الطريق ثم ~~تواريت. كانت المدرسة في منزل عادي بميدان، وعندما عدت أبحث عنها، لم أكن واثقة أني ~~سأستدل عليها. لكن الأمر لم يكن صعبا. كان العنوان في الخارج، منقوشا فوق لوحة نحاسية. ~~وصلت في الثالثة ms088 والنصف تماما، ومع ذلك لم يكن ثمة أثر لطفل واحد. ظللت واقفة وقلبي ~~يخفق بسرعة. مرت خمس دقائق دون أن يظهر أي طفل. ثم فكرت: إنهم لا يخرجون قبل الثالثة ~~والأربعين دقيقة مثل بقية المدارس. لكنه قال الثالثة والنصف بدافع الحرص. وكرهته بسبب ~~كذبه. أول طفل ظهر عند الباب قد يكون طفله: أسمر، يفتقد إلى الشمس؛ لأن بشرته تحمر ~~بسهولة، وتصفر في الطقس المعتم. استقل سيارة قادتها امرأة. أطفال آخرون، أمهات، سيارات: ~~انصرفت قبل أن يخرج الجميع. وبدا لي الأمر كله - ذهابي هناك - دليلا على فساد الذوق. لا ~~يمكنني أن أفعل هذا ثانية. الآمنون يثيرون حفيظتي، لكن الأغبياء مثلي يثيرونها ~~أكثر. # بوسعي أن أجد عذرا ما؛ أن أرسل له هذا العذر، وأؤكد ذلك بأمانة كاملة: يمكنني أن أفعل ~~لو تأكدت أنه سيصله هو، وهو وحده. لكن إذا وقع في يد شخص آخر يكون هذا غدرا. والغدر هو ~~الشيء الوحيد في نهاية الحب الذي يلغيه تماما .. بشكل ما، الحب الذي يتغير أو يخبو، أو ~~يتلاشى، طبيعي، أما الحب الذي ينتهي بالغدر فلا تعود له في الذهن أية علاقة بالحب على ~~الإطلاق. # روعة. عاد جيريمي من المدرسة وقلت: «أحدث اليوم شيء لطيف؟» قال: «أجل، أفلت أحد ~~حيوانات الهامستر من صندوقه وأكل كل زخارف عيد الميلاد .» انطلقنا نضحك. وفكرت فيما بعد ~~أنها أول مرة منذ شهور تخطر ببالي فكرة لا علاقة لها ب «أ» أو «ب». قلت لنفسي: لتكن هذه ~~أولى لحظات كثيرة حرة، وتناولنا أنا وجيريمي الحلوى والشاي، وضحكنا. لا أطلب أن يكون اليوم ~~مثل الأمس أو مثل الغد. أريد أن أعيش من أجل اللحظة، من أجل التجربة الخاصة التي لا ~~تتكرر. قد تكون ضحكا، أو حبا أو ألما، أو لذة، أو أي شيء. أريد أن أكون حرة. لن ~~أحقق هذا أبدا، لكن أحدا لا يسعه أن يقول إني لم أحاول. # | الكراسة الذهبية # للكاتبة الإنجليزية دوريس ليسنج (1962م) # The Golden notebook by Doris Lessing ~~1962 # والآن، اتخذت قرارها. كرت عائدة إلى الفندق، ms089 في الناحية الأخرى من باريس، وحزمت ~~حقائبها، وأبرقت إلى جوليا وإلى باتريشيا، ثم استقلت السيارة إلى المطار. كان هناك مقعد ~~خال في طائرة التاسعة، أي بعد ثلاث ساعات. أطلت متمهلة على مطعم المطار. وقرأت حزمة ~~من المجلات النسائية الفرنسية بعناية، وهي تسجل الموضوعات والقصص التي قد تفيد باتريشيا. ~~كانت تقوم بذلك بنصف عقلها بينما تفكر: «حسنا، علاج هذه الحالة هو العمل. سوف أكتب رواية ~~جديدة. لكن المشكلة أني عندما كتبت روايتي السابقة لم أقل: سأكتب رواية. لقد وجدت نفسي ~~أكتبها. حسنا، لا بد أن أضع نفسي في الحالة الذهنية ذاتها، حالة الاستعداد الطليق أو ~~الانتظار السلبي. فربما وجدت نفسي، ذات يوم، أكتب. لكني، في الحقيقة، لم أعد أعبأ بذلك. لو ~~أن بول قال: سأتزوجك بشرط ألا تكتبي حرفا واحدا بعد الآن. يا إلهي، كنت فعلت! كنت ~~مستعدة لشراء بول. لكن ذلك سيصبح خداعا مزدوجا. أنا لست سعيدة لأني فقدت شيئا من ~~استقلالي، بعض حريتي. لكن حريتي لا علاقة لها بكتابة رواية، إنها تتعلق بموقفي من رجل، ~~وهذا ما تبين كذبه، لأني صرت حطاما. كانت سعادتي مع بول أكثر أهمية من أي شيء آخر، ~~فإلى أين أدى هذا بي؟ ها أنا ذا وحيدة، خائفة من الوحدة، بلا حيلة، أهرب من مدينة مثيرة ~~لأني لا أملك الطاقة المعنوية لأتلفن لأي واحد من اثني عشر إنسانا يسرهم (أو على ~~الأقل ربما) أن أفعل. # المرعب أنه عقب انتهاء كل مرحلة من مراحل حياتي، لا يتبقى منها أكثر مما يعرفه الجميع. ~~وهو، في هذه الحالة، أن عواطف النساء ما زالت كما هي، لا تصلح إلا لنوع من المجتمعات لم ~~يعد له وجود. عواطفي العميقة، الحقيقية، تتصل بعلاقتي برجل. رجل واحد. لكني لا أعيش ~~هذا النوع من الحياة، وأعرف قليلات يفعلن ذلك. ما أشعر به سخيف لا جدوى منه. دائما أنتهي ~~إلى أن عواطفي الحقيقية غبية. يجدر بي أن أكون مثل الرجل، أهتم بعملي أكثر من اهتمامي ~~بالناس. يجدر بي أن أضع عملي في المحل الأول، ms090 وآخذ الرجال كما هم، أو أجد لنفسي واحدا ~~عاديا مريحا، لأسباب تتعلق بالخبز والزبدة. لكني لن أفعل، ليس بوسعي أن أكون ~~هكذا.» # نادى الميكروفون على رقم الرحلة. وسارت «إيللا» مع الآخرين إلى الطائرة، واستقرت في ~~مقعدها بعد أن لاحظت أن المقعد المجاور لها قد شغلته امرأة، وتنفست لذلك الصعداء. لو حدث ~~ذلك منذ خمس سنوات لشعرت بالأسف. واستعدت الطائرة للإقلاع. لكن خللا ما طرأ عليها. وسئل ~~الركاب أن يغادروا الطائرة حتى يتمكن العمال من إصلاح «عطب صغير في المحرك». وعاد الركاب ~~إلى المطعم حيث أعلن عاملوه عن تقديم وجبة من الطعام. # جلست «إيللا» بمفردها في ركن، ضجرة متضايقة. كان الجميع صامتين يفكرون في الحظ الحسن ~~الذي كشف عن العطب في الوقت المناسب. أكلوا جميعا، قضاء للوقت، وطلبوا شرابا، وجلسوا ~~يتأملون، من النوافذ، الطائرة وقد أحاط بها العمال تحت الأضواء الساطعة. # ألفت نفسها في قبضة شعور عرفت كنهه عندما تفحصته: وحدة. كما لو أن مساحة من الهواء ~~البارد امتدت بينها وبين جموع الناس. كان للشعور برودة جسدية، عزلة جسدية، ووجدت نفسها ~~تفكر في بول من جديد. حتى بدا لها أمرا مستحيلا ألا يظهر فجأة عند الباب ويتقدم منها. ~~كانت تشعر بالبرد المحيط بها يذوب من اقتناع قوي بأنه سرعان ما يكون إلى جانبها. بذلت جهدا ~~لتنتزع نفسها من هذا الوهم. فكرت في رعب: «إذا لم أتمكن من إيقاف هذا الجنون، لن أصير نفسي ~~مرة أخرى، لن أشفى أبدا.» نجحت في إبعاد صورة بول وشعرت بالفراغ البارد يتفتح من حولها ~~ثانية، وداخل البرد/العزلة جلست تقلب أكوام المجلات الفرنسية دون أن تفكر بشيء. # كان يجلس بالقرب منها رجل انهمك في تصفح مجلات طبية. كان يبدو، للوهلة الأولى، ~~أمريكيا. كان قصيرا، عريضا، يتوفز حيوية ونشاطا، ذا شعر مقصوص لامع مثل حذاء بني ~~اللون. وكان يجرع كئوس عصير الفاكهة، الواحدة تلو الأخرى، دون أن يبدو عليه الاهتمام ~~بالتأخير الذي أصاب الرحلة. التقت عيونهما، بعد أن تفقدا الطائرة القابعة في الخارج، فقال ~~بضحكة عالية: «يبدو أننا ms091 سنقضي الليلة كلها هنا.» وعاد إلى نشراته الطبية. # وفجأة نشب شجار بين العمال. كان أحدهم، وهو الرئيس على ما يبدو، يعنف الآخرين أو يشكو ~~من شيء وهو يحرك ذراعيه ويهز كتفيه بشدة. في البداية، ردوا على صياحه بصياح، ثم لجئوا ~~إلى الصمت، وسرعان ما انسحبوا إلى المبنى الرئيسي، تاركين رئيسهم وحده أسفل الطائرة. وما ~~لبث هذا أن هز كتفيه وتبعهم. # تبادل الأمريكي وإيللا النظرات من جديد. قال في استمتاع واضح: «لست أعبأ بشيء.» ودعا ~~الميكروفون الركاب إلى صعود الطائرة، فقاما إليها سويا. قالت إيللا: «لعله يجدر بنا أن ~~نرفض الذهاب!» فقال الأمريكي كاشفا عن أسنان سليمة شديدة البياض، بينما تدفق الحماس من ~~عينيه الزرقاوين الطفوليتين: «لدي موعد صباح الغد.» ولا بد أنه كان موعدا بالغ ~~الأهمية حتى يستحق هذه المخاطرة بالموت. أما الآخرون، وأغلبهم شعر بما جرى بين العمال، ~~فقد عادوا في استسلام إلى مقاعدهم، وهم يبذلون جهودهم للتظاهر بعدم المبالاة. بل إن مضيفة ~~الطائرة، التي كانت تبدو في الظاهر هادئة، أوحت حركاتها بشيء من العصبية. وداخل الطائرة ~~الساطع الضوء، جلس أربعون شخصا في قبضة الرعب، وهم يحاولون إخفاء مشاعرهم. كلهم، هكذا ~~فكرت إيللا، عدا الأمريكي الذي استقر إلى جوارها الآن، واستغرق في كتبه الطبية. أما هي ~~فقد صعدت إلى الطائرة وكأنها تصعد إلى غرفة الإعدام. لكنها إذ فكرت في هزة الكتف التي صدرت ~~عن رئيس العمال، ألفتها تجسد شعورها الخاص. وعندما شرعت الطائرة تئز، فكرت: «سوف أموت، ~~محتمل جدا، وإني لمسرورة بذلك.» # لم يكن هذا اكتشافا جديدا: «أنا منهكة للغاية، متعبة كلية، من الأساس، فإذا عرفت أني ~~لم أعد بحاجة للاستمرار في الحياة، شعرت بالارتياح. يا للغرابة! وكل هؤلاء، عدا هذا الشاب ~~الفائر المتوثب قوة وحيوية، يخافون أن تتحطم الطائرة، ومع ذلك ولجوها جميعا طائعين. ~~فلعلنا جميعا نطوي جوانحنا على الشعور نفسه.» # تطلعت في فضول إلى بقية الركاب. واستوت الطائرة أخيرا في الجو فعلق الأمريكي ~~مبتسما: «حسنا، لقد نجحنا.» وعاد إلى القراءة. أغلقت عينيها وفكرت: «أنا مقتنعة تماما ~~بأننا ms092 سنتحطم. أو على الأقل هناك فرصة كبيرة لذلك. ماذا يكون إذن من أمر ميشيل؟ لم أفكر حتى ~~فيه. حسنا، سوف تعنى به جوليا.» كان خاطر ميشيل حافزا للحياة لم يستمر سوى لحظة، ثم ~~فكرت: «أن تموت أم في حادث طائرة أمر محزن، لكنه غير مدمر. ليس مثل الانتحار. غريب ~~قولنا إننا نعطي الحياة للطفل، بينما هو الذي يعطي الحياة لأبويه عندما يقرر أحدهما أن ~~يعيش لمجرد أن الانتحار سيلحق الأذى بالطفل. ترى كم من الآباء والأمهات قرروا الاستمرار ~~في الحياة، فقط، لأنهم أرادوا عدم الإساءة إلى أطفالهم؟ (كان النعاس يداعب جفونها الآن) .. ~~أشعر كأنما ولدت بحمل من التعب حملته طول حياتي. الوقت الوحيد الذي لم أكن أجر فيه ~~حملي الثقيل إلى أعلى التل، كان عندما كنت مع بول. كفاني من بول ومن الحب ومن نفسي. معجزة ~~هي تلك العواطف التي نقع في إسارها ولا نملك منها فكاكا، مهما رغبنا بذلك.» # نامت ثم استيقظت لتجد الطائرة قد استقرت على الأرض، والأمريكي يهزها. كانت الساعة ~~الواحدة صباحا. وكانت مخدرة، مثقلة بالتعب والبرد. وظل الأمريكي إلى جوارها، مرحا، ~~قادرا، يومض وجهه المورد العريض بالصحة. ولم يكن من السهل العثور على سيارات أجرة في ~~ذلك الوقت من الليل، فدعاها إلى أن تشاركه سيارته. # قالت وهي تحاول أن تجعل صوتها يبدو مرحا كصوته: «ظننت أننا سنلقى حتفنا.» ضحك مبرزا ~~كل أسنانه: «أجل. كان الأمر يبدو كذلك. عندما رأيت ذلك الرجل يهز كتفيه بجوار الطائرة ~~قلت لنفسي: يا للهول! لقد حلت النهاية. أين تقيمين؟» # ذكرت له أين تسكن ثم أضافت: «لديك مكان تذهب إليه؟» قال: «سأجد لنفسي فندقا.» قالت: ~~«في هذا الوقت من الليل لن يكون الأمر سهلا. بودي أن أعرض عليك المجيء معي لكني لا أملك ~~سوى حجرتين ينام ابني في إحداهما.» قال: «هذا جميل منك، كلا، لست قلقا.» كان الفجر على ~~أهبة البزوغ، ولم يكن لديه مكان للنوم، ومع ذلك كان يتوثب حيوية ويبدو منتعشا كأنه في ~~بداية الليل. # أنزلها أمام منزلها قائلا إنه ms093 يسعده أن تتناول معه طعام العشاء. ترددت ثم وافقت. ~~سيتقابلان إذن في المساء التالي أو على الأصح مساء اليوم نفسه. صعدت إلى مسكنها وهي تفكر ~~في أنهما لن يجدا حديثا يتبادلانه وبدأت فكرة الأمسية القادمة تثير ضجرها. ألفت ابنها ~~نائما في حجرة أشبه بكهف حيوان صغير، فقد كانت تنبعث منها رائحة النوم الصحي. سوت ~~الأغطية من فوقه، وجلست ترقب الوجه المتورد الصغير في ضوء الفجر. فكرت: إنه من طراز ~~أمريكي. لكن الأمريكي يثير نفوري جسديا. ومع ذلك لا أكرهه. # مضت إلى فراشها، ولأول مرة منذ ليال كثيرة لم تستجلب ذكرى بول. كانت تفكر في أربعين ~~شخصا، اعتبروا أنفسهم في عداد الموتى، يرقدون الآن أحياء في أنحاء مختلفة من ~~المدينة. # أيقظها ابنها بعد ساعتين متوهجا بمفاجأة عودتها. كانت لا تزال في عطلتها لهذا لم ~~تغادر المنزل إلى المكتب، وقضت اليوم بمفردها تنظف وتطبخ وتعيد ترتيب المسكن وتلعب مع ~~الصبي عندما عاد من المدرسة. وفي المساء اتصل بها الأمريكي، الذي تبين أنه يدعى «ساي ~~ميتلاند»، ليسألها عن المكان الذي تحب أن تتناول العشاء فيه. ذكرت له اسم مطعم، ثم وضعت ~~جانبا الرداء الذي اختارته من قبل للمساء. وكان ثوبا من طراز جريء لم تكن تجرؤ على ~~ارتدائه مع بول، وصارت ترتديه منذ ذلك الحين في تحد. ارتدت الآن جوبة وبلوزة. وراعت أن ~~تبدو في صحة جيدة وليس كامرأة ذات شخصية. # كان ميشيل جالسا في فراشه وسط المجلات المصورة: «لماذا تخرجين وقد عدت للتو من ~~الخارج؟» أجابته مبتسمة: «لأني أود ذلك.» كان يجلس منتصبا متورد الوجنتين، شديد الثقة ~~بنفسه وعالمه في هذا المنزل. «لماذا عدلت عن الثوب الذي اخترته أول الأمر؟» أجابته: ~~«قررت أن أرتدي هذا بدلا منه.» قال ابن التاسعة في عظمة: «يا للنساء وملابسهن!» # وجدت ساي ميتلاند في انتظارها بالمطعم، منتعشا، متوثبا حيوية، لا يشوب عينيه ~~الزرقاوين الصافيتين أثر من عدم النوم. شعرت وهي تجلس إلى جواره بالتعب: «ألا يغلبك ~~النعاس أبدا؟» قال على الفور بلهجة المنتصر: «لا أنام أكثر من ms094 ثلاث أو أربع ساعات في ~~الليلة.» «لماذا؟» «لأني لن أبلغ ما أريد إذا أضعت الوقت في النوم.» قالت: «حدثني عن ~~نفسك ثم أحدثك عن نفسي.» قال: «هذا حسن.» وطلب أكبر قطعة ستيك في المحل مع كوكاكولا وعصير ~~طماطم، وعزف عن البطاطس لأنه يريد أن يفقد جانبا من وزنه. سألته: «ألا تشرب الخمر أبدا؟» ~~«أبدا، عصير الفاكهة فقط.» قالت: «أخشى أنك ستأمر لي بنبيذ.» «بسرور.» وطلب زجاجة من أفضل ~~الأنواع. «الآن إلي بقصة حياتك.» # ولد فقيرا لكنه كان يتميز بالذكاء فحملته المنح الدراسية والجوائز إلى حيث أراد. ~~جراح للمخ، وزواج ممتاز وخمسة أطفال. مركز ومستقبل عظيمان، قالها بنفسه. وكان زهوه بنفسه ~~بسيطا طبيعيا بالنسبة إليه حتى بدا أبعد ما يكون عن الزهو. وسرعان ما انتقلت حيويته إلى ~~إيللا فنسيت أنها متعبة. وعندما قال إن الوقت قد حان لتحدثه عن نفسها، أجلت ما ~~أدركت الآن أنه سيكون محنة. لسبب واحد. فقد خطر لها أن حياتها لا يمكن وصفها بسلسلة ~~متتابعة من البيانات: كان أبواي كذا وكذا، عشت في هذا المكان وذاك، أعمل كذا وكذا. سبب ~~آخر: أدركت أنها مالت إليه، وأزعجها هذا الاكتشاف. فعندما وضع يده البيضاء الكبيرة على ~~ساعدها، شعرت بنهديها يرتفعان وابتل فخذاها. لم يكن بينهما شيء مشترك، ولم يكن بوسعها ~~أن تتذكر مرة واحدة في حياتها، شعرت فيها باستجابة جسدية لرجل لم يكن قريبا إليها ~~بصورة ما. كانت تستجيب دائما لنظرة، لابتسامة، لنغمة صوت، لضحكة. أما هذا الرجل فلم يكن ~~غير متوحش ذي صحة جيدة، وها هي ترغب في مشاركته الفراش. شعرت بالضيق، مثلما كان شعورها ~~عندما كان زوجها يحاول إثارتها على الرغم منها، بالمداعبات الجسدية، مما انتهى بها إلى ~~البرود. # قال الأمريكي: «لدي اقتراح. أمامي نحو عشرين مكالمة هاتفية، وأريد أن أقوم بها من ~~فندقي. تعالي معي. سأقدم لك شرابا، وعندما أنتهي من مكالمتي، تحدثينني عن نفسك.» ~~وافقت ثم تساءلت عما إذا كان سيفسر هذا القبول، بأنه استعداد للذهاب معه إلى الفراش. لم ~~يبد عليه شيء من ملامح ms095 هذا الشعور. وخطر لها فجأة أنها، على غير عادتها مع الرجال الذين ~~تلتقي بهم في عالمها، لم يكن بوسعها أن تحدس ما يدور في ذهن هذا الرجل. وإذا كان هذا ~~شأنها، لا بد أنه بالمثل لا يعرف شيئا عنها، لا يعرف مثلا أن حلمتي ثدييها، في هذه ~~اللحظة، ملتهبتان. # في غرفته بالفندق، قدم لها كأسا من الويسكي ثم جذب الهاتف إليه وأجرى، كما ذكر من قبل، ~~نحو عشرين مكالمة، وهي عملية استغرقت نصف ساعة. وسمعته يرتبط بعشرة مواعيد على الأقل في ~~الغد، تضم أربع زيارات لمستشفيات لندن المعروفة. وعندما انتهى أخذ يذرع الغرفة في توثب ~~ويهتف: «يا للمجد! أشعر بأني في أحسن حال!» # سألته: «لو لم أكن هنا، ماذا كنت تفعل؟» أجاب: «أعمل.» كان ثمة كوم كبير من المجلات ~~الطبية إلى جوار الفراش. «هل تقرأ شيئا خارج مجال عملك؟» ضحك وقال: «كلا. زوجتي هي التي ~~تهتم بالثقافة. أما أنا فلا وقت لدي.» «حدثني عنها.» فأخرج على الفور صورة لشقراء جميلة ذات ~~وجه طفولي محاطة بخمسة أطفال: «يا إلهي! أليست جميلة؟ إنها أجمل فتاة في المدينة كلها!» ~~«أهذا هو سبب زواجك منها؟» «بالطبع» ثم تبين لهجة سؤالها فضحك معها من نفسه وقال وهو يهز ~~رأسه كأنما يعجب لنفسه: «بالطبع! قلت لنفسي سأتزوج أجمل وأرقى فتاة في البلدة وقد فعلت.» ~~سألته: «هل أنت سعيد؟» أجاب على الفور بحماس: «إنها فتاة عظيمة. ولدينا خمسة أطفال. كنت ~~أود لو كانت لدي طفلة، لكن الأولاد ممتازون. أتمنى لو أتيح لي مزيد من الوقت أقضيه ~~معهم، فعندما أفعل أشعر بالسعادة.» # كانت تفكر: لو وقفت الآن وقلت إني ذاهبة، لوافقني دون أن يحمل أية ضغينة. ربما أراه مرة ~~أخرى. وربما لا. فلن يعبأ أحدنا. لكن يجب أن أتولى القيادة الآن لأنه لا يعرف ماذا يفعل ~~بي. يجدر بي الذهاب .. لكن لماذا؟ بالأمس فقط قررت أنه مما يدعو للسخرية أن تنطوي جوانح ~~نساء مثلي على عواطف لا تتلاءم مع نوع الحياة التي يعشنها. لو رجل في الموقف الراهن، ms096 ذلك ~~النوع من الرجال الذي أود أن أكونه لو كنت ولدت رجلا، فإنه سيأوي إلى الفراش ولا ~~يفكر في الأمر. # كان يقول: «والآن يا إيللا، لقد تحدثت عن نفسي، وأشهد أنك تجيدين الإنصات. لكني لا أعرف ~~شيئا عنك مطلقا.» # الآن، فكرت إيللا، الآن. # لكنها ناورت: «هل تعرف أن الوقت تجاوز الثانية عشرة؟» ~~«كلا. أحقا؟ أمر سيئ. فلست أذهب إلى الفراش قبل الثالثة أو الرابعة وأقوم في ~~السابعة. كل يوم هكذا.» # الآن. المضحك أن يكون الأمر عسيرا هكذا. أن تقول ما قالته الآن كان ضد أعمق غرائزها، ~~ودهشت عندما خرجت الكلمات من فمها، كأنما جاءت بوحي من الصدفة في الظاهر، وإن كانت ~~تشي بقليل من التوتر: «أتحب أن تنام معي؟» # نظر إليها مبتسما. لم يدهش. كان مهتما. أجل، فكرت إيللا أنه مهتم. وأحبت هذا ~~فيه. وفجأة دفع رأسه الكبير، المفعم صحة، إلى الوراء وهتف: «يا للهول! أحب؟ أجل يا سيدتي، ~~إيللا. لو لم تقولي هذا ما كنت أعرف ماذا أقول.» # قالت: «أعرف.» وابتسمت متظاهرة بالرصانة (كان بإمكانها أن تتمثل ابتسامتها المتحفظة، ~~وتعجبت منها). قالت برصانة: «أظن يا سيدي أنك يجب أن تفعل شيئا الآن.» # ابتسم. كان يقف أمامها، عبر الغرفة. وبدا لها كتلة من اللحم، جسدا من اللحم الدافئ، ~~الوفير، المفعم بالحيوية. حسنا جدا إذن، هذا ما سيكون. (كانت إيللا قد انفصلت عن إيللا، ~~وانتحت جانبا، ترقب وتتعجب). # نهضت واقفة وهي تبتسم، وشرعت تنزع رداءها بينما خلع هو، مبتسما، سترته، ثم تجرد من ~~قميصه. # في الفراش، كانت صدمة بهيجة من اللحم الدافئ المتوتر (كانت إيللا تقف جانبا وهي تفكر ~~بسخرية: حسنا، حسنا!) اخترقها على الفور وتلاشى بعد ثوان. وأوشكت أن تهون عليه، عندما ~~اعتدل فوق ظهره وهو يطوح بذراعيه إلى أعلى ويهتف: «يا للمجد!» ~~(في هذه اللحظة أصبحت إيللا ونفسها شخصا واحدا، يفكر كلاهما كواحد). # رقدت إلى جواره مبتسمة وهي تحاول السيطرة على إحباطها الجسدي. # قال: «أوه! يا للمجد! هذا هو ما أفضله. فليس ثمة مشاكل معك.» # فكرت ببطء في معنى ms097 عبارته، وذراعاها تحيطان به. ثم انطلق يتحدث عن زوجته: «هل تعرفين ~~أننا نذهب إلى النادي ونرقص مرتين أو ثلاثا في الأسبوع. إنه أفضل ناد في البلدة. ويتطلع ~~إلي كل الرجال وهم يفكرون: يا للوغد السعيد! إنها أجمل فتاة هناك، برغم الأطفال الخمسة. ~~إنهم يظنون أننا نقضي وقتا حافلا. وكثيرا ما أفكر: ماذا لو ذكرت لهم الحقيقة؟ لدينا ~~خمسة أطفال. وقد فعلناها خمس مرات منذ زواجنا. حسنا، إنني أبالغ قليلا، لكن هذا هو ~~الواقع فهي لا تعبأ بهذه المسألة رغم أنها تبدو على عكس ذلك.» # سألت إيللا في رصانة: «ما هي المشكلة؟» ~~- «ليتني أعرف. قبل الزواج، عندما كنا نتواعد، كانت متوقدة بما فيه الكفاية. أوه، يا ~~إلهي، عندما أفكر بذلك.» ~~- «كم استمرت فترة التواعد هذه؟» ~~- «ثلاث سنوات. ثم استمرت خطبتنا أربعا أخرى.» ~~- «ولم تمارسا الحب خلال ذلك؟» ~~- «نمارس الحب .. أوه، فهمت. كلا، لم تكن لتسمح لي، وما كنت لأريدها أن تفعل. لكنها ~~كانت ملتهبة في ذلك الوقت. ومن شهر العسل تجمدت. والآن لا ألمسها قط. حسنا، أحيانا ~~إذا ما أكثرنا الشراب في إحدى الحفلات.» وأطلق ضحكته الفتية القوية وهو يقذف ساقيه ~~الكبيرتين الداكنتين إلى أعلى ثم يتركهما تسقطان: «ونذهب لنرقص وقد تزينت لتصرع. وكل ~~الرجال ينظرون إليها ويحسدونني. وأفكر: لو يعرفون!» ~~- «ألا تعبأ بالأمر؟» ~~- «يا للجحيم، بالطبع. لكني لن أفرض نفسي على أحد. وهذا هو ما يعجبني فيك. تقولين: لنذهب ~~إلى الفراش. هذا لطيف وسهل.» # رقدت إلى جواره مبتسمة. كان جسده الكبير الفائر ينبض بالصحة والرضا. قال: «انتظري ~~قليلا. سأقوم بجولة أخرى. أظن أني أفتقد شيئا من المران.» ~~- «أكانت هناك نساء أخريات؟» ~~- «أحيانا، عندما تتاح لي فرصة. لست أطارد أية واحدة. ليس لدي الوقت.» ~~- «مشغول بتحقيق أهدافك؟» ~~- «تماما.» # مد يده وأخذ يتحسس نفسه. ~~- «تحب أن أفعل أنا ذلك؟» ~~- «ماذا؟ ألا يسوءك هذا؟» # قالت مبتسمة وهي تعتدل على مرفقها: «يسوءني؟» ~~- «يا للجحيم، زوجتي لا ترضى بلمسي. النساء لا يحببن ذلك.» وانفجر ضاحكا مرة أخرى: «لا ~~يسوءك الأمر إذن؟» # بعد لحظة شرع وجهه ms098 يتغير ويكسوه تعبير من الحسية المتعجبة: «يا للجحيم! يا للمجد!» # قالت أخيرا: «والآن لا تكن متعجلا.» # قطب مفكرا، وكان بوسعها أن تدرك أنه يتدبر عبارتها. حسنا، إنه ليس غبيا. لكنها كانت ~~تتساءل عن زوجته وعن النساء الأخريات اللاتي نام معهن. وعندما جاءها كانت تفكر: لم أفعل هذا ~~من قبل أبدا .. أنا أعطي اللذة. أمر شديد الغرابة، فلم يسبق لي أن استخدمت هذا التعبير أو ~~فكرت به. مع بول كنت أقع في الظلمة وأكف عن التفكير. جوهر الأمر أني واعية، ماهرة، ~~وحريصة: إني أعطي اللذة. لا علاقة بين ذلك وما كان بيني وبين بول. لكني في الفراش مع هذا ~~الرجل. # تحرك بسرعة ودون حذق، وللمرة الثانية لم تأت، بينما كان هو يزأر مسرورا، ويقبلها ~~هاتفا: «أوه! يا للمجد!، يا للمجد!» # كانت تفكر: مع بول، كان الأمر سيحدث في هذه اللحظة. إذن أين الخطأ؟ لا تكفي أن أقول إني ~~لا أحب هذا الرجل. وأدركت فجأة أنها لن تأتي أبدا معه. فكرت: «بالنسبة إلى أمثالي من ~~النساء، ليس الكمال في العفة والإخلاص، أو أي من تلك الكلمات القديمة. الكمال هو الأورجازم. ~~إنه شيء لا أملك عليه أية سيطرة. ولن يحدث أبدا مع هذا الرجل. كل ما يسعني هو أن أعطيه ~~اللذة. لكن لماذا؟ ألن أستمتع أبدا إلا مع من أحب؟ ما أقسى الصحراء التي أحكم بها على ~~نفسي لو كان هذا صحيحا!» # كان سعيدا بها للغاية، كريما في التعبير عن تقديره، يشع رضا وصحة. وكانت هي مسرورة ~~من نفسها؛ لأنها أسعدته. # وعندما ارتدت ملابسها لتنصرف إلى منزلها، وتلفنت من أجل سيارة أجرة، قال: «ترى، كيف ~~يكون الزواج من واحدة مثلك .. يا للجحيم!» # قالت في رزانة: «ستحب ذلك؟» ~~- «سيكون الأمر .. يا للمجد! امرأة يمكن الحديث إليها، والاستمتاع معها في الفراش أيضا ~~.. لا يمكنني أن أتخيل روعة ذلك.» ~~- «ألا تتحدث إلى زوجتك؟» # قال مترويا: «إنها فتاة ممتازة. أنا أعزها للغاية هي والأطفال.» ~~- «هل هي سعيدة؟» # فاجأه السؤال، فاعتمد على مرفقه ليتدبر الإجابة. وتطلع إليها مقطبا ms099 في جدية. وألفت ~~نفسها تشعر نحوه بمودة بالغة. جلست على حافة الفراش وهي تتأمله في مودة. قال، بعد تفكير: ~~«لديها أفضل منزل في البلدة. وكل ما طلبته من أجل المنزل. ولديها خمسة من الصبية. أعرف أنها ~~ترغب في فتاة، لكن ربما يتحقق هذا المرة القادمة .. وهي تقضي وقتا طيبا معي .. فنخرج ~~للرقص مرة أو اثنتين في الأسبوع، وهي دائما الألمع والأبرز بين الفتيات أينما ذهبنا. ثم ~~لديها أنا. وأنا أقول لك يا إيللا .. لست أتفاخر (أرى من ابتسامتك أنك تظنين هذا) لكن لديها ~~رجلا ناجحا بمعنى الكلمة.» # ورفع صورة زوجته من مكانها إلى جوار الفراش وقال: «هل تبدو امرأة غير سعيدة؟» # نظرت إيللا إلى الوجه الدقيق الجميل وقالت: «كلا.» ثم أضافت: «لم يعد بوسعي أن أفهم ~~امرأة مثل زوجتك.» ~~- «فعلا، لا أظن هذا بإمكانك.» # كانت سيارة الأجرة في الانتظار، فقبلته وانصرفت بعد أن قال: «سأتلفن لك غدا. فلا بد أن ~~أراك ثانية.» # وقضت إيللا المساء التالي معه. ليس بدافع الأمل في أية متعة، وإنما بدافع من شعورها ~~بالمودة نحوه. وبالإضافة إلى ذلك، فقد شعرت بأنها لو رفضت لقاءه، فإن ذلك سيؤذي ~~مشاعره. # تناولا العشاء في المطعم نفسه. (قال لها في عاطفية: «مطعمنا يا إيللا.» كما لو كان يقول: ~~«أغنيتنا يا إيللا.») # تحدثا عن عمله. ~~- «وعندما تجتاز كل الفحوص وتحضر كل المؤتمرات، ماذا بعد ذلك؟» ~~- «سأرشح نفسي لعضوية الكونجرس.» ~~- «ولم لا ترشح نفسك للرئاسة؟» # ضحك معها، من نفسه، بروح طيبة، كدأبه. «كلا، رئيس لا. سيناتور، أجل. أقول لك يا إيللا: ~~انتبهي لاسمي. ستجدينه بعد خسمة عشر عاما على رأس مهنتي. لقد قمت بكل ما قلت إني سأقوم به ~~حتى الآن، أليس كذلك؟ ولهذا أعرف ما سأفعله في المستقبل. السيناتور ساي ميتلاند .. ~~تراهنين؟» ~~- «لست أراهن أبدا عندما أعلم أني سأخسر.» # كان عائدا إلى الولايات المتحدة في اليوم التالي بعد أن قابل دستة من كبار الأطباء في ~~مجاله، وشاهد دستة من المستشفيات، واشترك في أربعة مؤتمرات. لقد انتهى من إنجلترا. # قال: «أود لو ms100 أذهب إلى روسيا. لكني لا أستطيع، بسبب الأوضاع الراهنة.» ~~- «تعني مكارثي؟» ~~- «سمعت عنه إذن؟» ~~- «أجل، سمعنا عنه.» ~~- «هؤلاء الروس، إنهم متقدمون للغاية في مجالي، أنا أتابع ما يكتبونه، ولست أمانع في ~~رحلة، لكن ليس في الظروف الراهنة.» ~~- «عندما تصبح في الكونجرس، ماذا سيكون موقفك من مكارثي؟» ~~- «موقفي؟ أتمزحين؟» ~~- «أبدا.» ~~- «موقفي .. حسنا، إنه على صواب، فلا يمكن أن نسمح للشيوعيين بالاستيلاء على ~~السلطة.» # ترددت ثم قالت برصانة: «المرأة التي تشاركني المنزل شيوعية.» # شعرت به يتصلب، ثم يفكر، وعندئذ لان. قال: «أعرف أن الأمور مختلفة هنا. ولست أفهم ~~ذلك.» ~~- «لا أهمية للأمر.» ~~- «كلا. أتأتين معي إلى الفندق؟» ~~- «إذا أنت أحببت.» ~~- «إذا أنا أحببت!» # ومرة أخرى أعطت اللذة. كانت تستلطفه، ولا شيء غير هذا. # تحدثا عن عمله. كان متخصصا في جراحة استئصال الجزء المسئول عن الشعور في المخ: «لقد ~~شققت مئات الأمخاخ إلى نصفين!» ~~- «ولا يزعجك هذا؛ ما تفعله؟» ~~- «ولماذا يزعجني؟» ~~- «لكنك تعلم عندما تنتهي هذه الجراحة أنها نهائية، وأن أصحابها لن يعودوا أبدا كما ~~كانوا من قبل.» ~~- «لكن هذه هي النقطة. فأغلب هؤلاء الناس لا يريدون أن يعودوا كما كانوا من قبل.» ثم، ~~بدافع من روح الإنصاف التي يتميز بها، أضاف: «أعترف بأني أنزعج أحيانا لهذه ~~الفكرة.» # قالت إيللا: «لن يوافقك الروس على ما تفعل مطلقا.» ~~- «ولهذا لا أمانع في القيام برحلة إلى هناك، لأرى ما يفعلونه بدلا من هذه الجراحة. ~~قولي لي، كيف عرفت بشأنها؟» ~~- «كانت لي مرة علاقة عاطفية بطبيب نفسي. وكان متخصصا أيضا في الأمراض العصبية. لكنه ~~لم يكن جراح مخ. وقد ذكر لي أنه لا يوصي بتلك الجراحة إلا نادرا جدا.» # قال فجأة: «منذ أن قلت لك إني متخصص في تلك الجراحة لم تعودي تستلطفينني ~~كثيرا.» # قالت بعد لحظة: «لا. لكن لا حيلة لي في ذلك.» # فضحك وقال: «طيب، أنا أيضا لا حيلة لي في الأمر.» ثم قال: «تقولين: كانت لي مرة علاقة ~~عاطفية، هكذا ببساطة؟ هل أحببته؟» # لم تكن كلمة الحب قد استخدمت بينهما من قبل، ولم ms101 يستخدمها عندما تحدث عن زوجته. # قالت: «جدا.» ~~- «ولم ترغبي في الزواج؟» # قالت برصانة: «كل امرأة ترغب في الزواج.» # أطلق عاصفة من الضحك ثم تحول إليها مفكرا: «أتعرفين أني لا أفهمك؟ لا أفهمك على الإطلاق. ~~لكني أدرك أنك من النوع المستقل تماما.» ~~- «أجل، أعتقد كذلك.» # عندئذ أحاطها بذراعيه وقال: «إيللا، لقد علمتني أشياء.» ~~- «يسرني هذا. آمل أن تكون أشياء سارة.» ~~- «أجل، كانت كذلك أيضا.» ~~- «جيد.» ~~- «أتسخرين مني؟» ~~- «قليلا.» ~~- «لا بأس، فلست أبالي. أتعرفين أني ذكرت اسمك اليوم لأحد الأشخاص وقال إنك كتبت ~~كتابا؟» ~~- «كل إنسان كتب كتابا.» ~~- «إذا ذكرت لزوجتي أني قابلت كاتبة حقيقية، لن تتحمل الصدمة، فهي مجنونة بالثقافة ~~وكل هذه الأمور.» ~~- «ربما يحسن ألا تخبرها.» ~~- «ما رأيك لو قرأت كتابك؟» ~~- «لكنك لا تقرأ كتبا.» # قال مداعبا: «بوسعي أن أفعل: ماذا يتناول؟» ~~- «.. دعني أرى .. إنه يتحدث عن نفاذ البصيرة، والكمال، وعدة أشياء أخرى.» ~~- «أراك لا تأخذينه بجدية.» ~~- «بالطبع آخذه بجدية.» ~~- «أوكي إذن. أوكي. لا يمكن أن تكوني ذاهبة؟» ~~- «يجب أن أنصرف، فسوف يستيقظ ابني بعد أربع ساعات، كما أني، على العكس منك، أحتاج إلى ~~النوم.» ~~- «حسنا. لن أنساك أبدا يا إيللا. إني لأعجب، كيف يكون الزواج منك.» ~~- «لدي شعور أنك لن تحب هذا كثيرا.» # كانت ترتدي ملابسها، بينما رقد هو على الفراش يرقبها مفكرا. ثم ضحك وبسط ذراعيه: «لعلك ~~على حق.» # قالت: «أجل.» # وافترقا في ود. # مضت إلى منزلها في سيارة أجرة، وصعدت السلم في حذر كي لا تزعج جوليا. لكن الضوء كان ~~يتسلل من أسفل بابها، وسرعان ما نادتها: «إيللا؟» ~~- «أجل. كيف كان ميشيل؟» ~~- «لم أسمع له صوتا. كيف كان الأمر معك؟» # أجابت إيللا عامدة: «لا بأس.» ~~- «لا بأس؟» # ولجت إيللا المخدع. كانت جوليا مكومة فوق الوسائد، تدخن وتقرأ. وتأملت إيللا في ~~إمعان. # قالت إيللا: «كان لطيفا للغاية.» ~~- «هذا حسن.» ~~- «وسأشعر باكتئاب شديد في الصباح. الواقع أني أشعر بذلك من الآن.» ~~- «لأنه عائد إلى أمريكا؟» ~~- «لا.» ~~- «شكلك فظيع. ماذا حدث، ألم يكن موفقا في الفراش؟» ~~- «ليس كثيرا.» ~~- «أوه. هل ms102 لك في سيجارة؟» ~~- «كلا. سأذهب لأنام قبل أن تحل بي الكآبة.» ~~- «لقد أصابتك بالفعل. لماذا تذهبين إلى الفراش مع رجل لا تميلين إليه؟» ~~- «لم أقل إني لم أمل إليه. الفكرة أنه لا فائدة من ذهابي إلى الفراش مع أحد غير ~~بول.» ~~- «سوف تتغلبين على ذلك.» ~~- «أجل، بالطبع. لكن ذلك يستغرق وقتا طويلا.» # قالت جوليا: «يجب أن تصمدي.» # قالت إيللا: «هذا ما أنتويه.» وألقت عليها تحية المساء ثم صعدت إلى جناحها. # | جامعة الكنوز # للكاتبة الأفريقية بيسي هيد (1977م) # The Collector of treasures by Bessie Head ~~(1977) # كان سجن الدولة المركزي، المخصص للعقوبات الطويلة، في جنوب البلاد، على مسافة يوم سفر ~~كامل من قرى الجزء الشمالي. غادروا قرية بولنج في التاسعة صباحا، وظلت شاحنة الشرطة ~~تهدر طول اليوم، وهي تسرع جنوبا فوق الطريق الواسع المترب الذي يربط طرفي البلاد. وعبر ~~شبكة السلك التي غطت الباب الخلفي للشاحنة، بدا العالم اليومي المؤلف من الحقول ~~المحروثة، والماشية الراعية، والمساحات الشاسعة من الآكام والغابات، لا مباليا لعيون ~~السجينة الجوعى. وكأنها بلغت فجأة قرار الشعور بالألم والوحدة، فقد تهاوت ببطء إلى ~~الأمام، دون أن تعي بغير ألمها. وغربت الشمس، ثم حل الغسق، وتبعته الظلمة، وما زالت ~~الشاحنة تهدر غير مبالية. # في البداية، تجلى الوهج البرتقالي لأضواء بلدة الاستقلال الجديدة جابوروني، شاحبا في ~~الأفق، مثل شبح مدهش في الظلمة الماحقة للآكام، إلى أن بلغت الشاحنة طرقا مرصوفة، وأضواء ~~نيون، ودكاكين، ودور سينما، فغرق الشبح في الضوء الوهاج. كل هذا مر دون أن تشعر بما ~~استغرقه من زمن، ودون أن تتتبعه، ولم تتحرك عندما توقفت الشاحنة أخيرا خارج بوابة ~~السجن. # لطم ضوء الكشاف جانب وجهها مثل ضربة مؤلمة. وظن الحارس أنها نائمة، فناداها في حدة: ~~«استيقظي. لقد وصلنا.» # صارع القفل في الظلام، ثم جذب الباب السلكي. وزحفت خارجة وهي تتألم في صمت. # صعدا سويا بضع درجات، وانتظرا حتى طرق أحدهم برفق فوق الباب الحديدي الثقيل. انفرج ~~الباب عن ثغرة ضيقة أطل منها الحارس الليلي ثم اتسعت الثغرة لتسمح لهما ms103 بالولوج. وقادهما ~~الحارس الليلي إلى مكتب صغير، ونظر إلى زميله متسائلا: «ماذا لدينا اليوم؟» # أجاب الآخر في غير مبالاة وهو يناوله ملفا: «إنها قضية مقتل الزوج في قرية ~~بولنج.» # أخذ الحارس الملف وجلس إلى مائدة تحمل دفترا كبيرا مفتوحا. وفي خط كبير سجل ~~التفاصيل: ديكيليدي موكوبي. التهمة: ذبح رجل. العقوبة: مدى الحياة. وظهرت حارسة ليلية ~~فقادت السجينة إلى غرفة جانبية، وطلبت منها أن تخلع ملابسها. # سألتها وهي تناولها رداء قطنيا أخضر اللون، هو بذلة السجن: «معك نقود؟» # فهزت السجينة رأسها نفيا دون أن تنبس بحرف. # قالت الحارسة في شيء من التفكه: «إذن قتلت زوجك؟ ستجدين نفسك في صحبة طيبة. فلدينا ~~أربع أخريات بنفس الجريمة. أضحت «مودة» هذه الأيام. تعالي معي.» وقادتها في دهليز، ثم ~~اتجهت يسارا، وتوقفت أمام بوابة حديدية فتحتها بمفتاح، وانتظرت حتى تقدمتها السجينة، ~~ثم أغلقت الباب بالمفتاح مرة أخرى. ولجتا فناء صغيرا ذا جدران بالغة الارتفاع، اصطفت ~~في ناحية منه عدة مراحيض وأدشاش ودولاب. مضت الحارسة إلى الدولاب، فاستخرجت منه لفافة ~~سميكة من البطاطين التي تنبعث منها رائحة النظافة، ناولتها للسجينة. وكان ثمة باب حديدي ~~ثقيل في طرف الفناء المسور، يؤدي إلى زنزانة. مضت الحارسة إلى هذا الباب، وطرقته بصوت ~~مرتفع وهي تصيح: «الشمعة يا مسجونات.» # رد صوت من الداخل: «طيب.» وتردد صوت احتكاك الثقاب. أولجت الحارسة مفتاحها من جديد، ~~ففتحت الباب، وقفت تتابع السجينة وهي تبسط بطاطينها على الأرض. وكانت السجينات الأربع ~~المحتجزات في الزنزانة قد اعتدلن جالسات، وأخذن يحدقن صامتات في رفيقتهن الجديدة. ~~وعندما أغلق الباب، وجهن إليها التحية بهدوء وسألتها إحداهن: «من أين جئت؟» # أجابت الوافدة الجديدة: «بولنج.» اكتفت النسوة بهذه الإجابة الموجزة، فأطفأن النور، ~~ورقدن ليواصلن النوم. وكأنما بلغت السجينة الجديدة نهاية رحلتها، فقد استغرقت أيضا في ~~نوم عميق بمجرد أن سوت البطاطين من حولها. # دق جرس الإفطار في السادسة من صباح اليوم التالي. وأقبلت النسوة على روتينهن اليومي. ~~فنفضن البطاطين، ثم طوينها وصففنها في أكوام مرتبة. وصلصل مفتاح حارسة النهار في ~~القفل، ms104 وسرعان ما أطلقت السجينات إلى فناء أسمنتي صغير ليقمن بطقوس الاغتسال الصباحية. ~~ثم ظهر سجينان عند البوابة، ترافقهما جلبة ما يحملان من دلاء وصحون. وقدم الرجلان لكل ~~امرأة صحنا من العصيدة وكوبا من الشاي الأسود، فاقتعدن الأرض الأسمنتية، وأقبلن على ~~الأكل. والتفتت إحداهن، المتحدثة باسم المجموعة، إلى رفيقتهن الجديدة، وقالت لها في رقة: ~~«خذي بالك، فالشاي بدون سكر. ونحن نتحايل على ذلك بأن نكشط السكر من فوق العصيدة ونضعه ~~في الشاي.» # رفعت المرأة ديكيليدي، رأسها وابتسمت. كان الرعب الذي ساورها في انتظار المحاكمة، قد ~~جعلها أقرب إلى الهيكل العظمي. وكان جلد وجنتيها يحدث صريرا من جراء ما هو ~~مشدود. # ابتسمت المرأة الأخرى كدأبها. كان وجهها يحمل دائما تعبيرا ساخرا من التفكه الغريب. ~~وكان لها جسد ممتلئ ريان. قدمت نفسها ورفيقاتها: «اسمي كيبوني. وهذه أوتستسوي، والأخرى ~~جاليبوي ثم مونوانا. وأنت ما اسمك؟» ~~«ديكيليدي موكوبي.» # قالت كيبوني: «ولماذا هذا الاسم المأساوي؟ لماذا أسماك أبواك بالدموع؟» # قالت ديكيليدي: «مات أبي عند مولدي، فأسموني بدموع أمي.» ثم أضافت: «وماتت أمي بعد ذلك ~~بست سنوات، فتولى عمي تنشئتي.» # هزت كيبوني رأسها في رثاء وهي ترفع في بطء ملعقة عصيدة إلى فمها. وبعد أن ابتلعتها ~~سألت: «وما هي جريمتك؟» ~~«قتلت زوجي.» # قالت كيبوني: «كلنا هنا لنفس الجريمة.» ثم سألت بابتسامة ساخرة: «أأنت نادمة؟» # أجابت: «ليس كثيرا.» ~~- «كيف قتلته؟» # قالت ديكيليدي: «اجتززت كل أعضائه الخصوصية بسكين.» # قالت كيبوني: «أنا فعلت المثل بموسي.» وتنهدت ثم أضافت: «كانت حياتي صعبة.» # ساد الصمت بعض الوقت بينما انهمكن جميعا في الأكل، ثم استطردت كيبوني في تأمل: «رجالنا ~~لا يظنون أننا نحتاج إلى حنان ورعاية، كان زوجي يركلني بين ساقي عندما يشاء. ومرة ~~أجهضت بسبب ذلك. لم أكن أستطيع التهرب منه إذا مرضت، لهذا قلت له مرة إنه يستطيع ~~الإتيان بامرأة أخرى لأني عاجزة عن إشباع كافة رغباته. كان مسئولا تعليميا، وكل سنة ~~يوقف حوالي سبعة عشر مدرسا لأنهم تسببوا في حمل التلميذات، بينما كان يفعل مثلهم. وفي ~~آخر مرة جاءني أبوا ms105 الفتاة يشكوان. فقلت لهما: اتركا الأمر لي. فقد فاض بي الكيل. ~~وقتلته.» # أكملن طعامهن في صمت، ثم حملن الصحاف والأكواب ليشطفنها في المغسل. وجاءت الحارسة ~~بدلو ومكنسة. لم يكن ثمة أثر وسخ في أي مكان، لكن لا بد من غسل أماكن النوم بالماء ~~الغزير، فهو روتين السجن. ولا يتبقى بعد ذلك سوى جولة تفقدية من المدير. وهنا تحولت ~~كيبوني إلى القادمة الجديدة محذرة: «خذي بالك عندما يأتي المدير للتفتيش فهو مجنون ~~بشيء واحد .. انتباه! قفي معتدلة! يداك إلى جانبك! فإن لم تفعلي فقد صوابه وكال لك ~~السباب. إنه لا يهتم بغير ذلك.» # ما إن انتهى التفتيش حتى أخذت النسوة، عبر عدد من البوابات، إلى فناء مكشوف مشمس، ~~يحيط به سور مرتفع من السلك الشائك، حيث يقمن بعملهن اليومي. كان السجن مركزا للتأهيل، ~~ينتج فيه السجناء السلع التي يعرضها حانوت السجن للبيع. فتصنع النساء الملابس والصوف، ~~والرجال أشغال النجارة والجلود والطوب والخضراوات. # كانت ديكيليدي تجيد عدة أعمال، فهي تطرز وتحيك وتغزل. وكانت النسوة الموجودات ~~منهمكات في تطريز الملابس الصوفية، وبعضهن يعملن ببطء لأنهن ما زلن يتعلمن. تطلعن ~~إليها في اهتمام عندما تناولت كتلة الصوف وإبر التطريز، وأنجزت غرز الصف الأول بسرعة. ~~كانت يداها ناعمتين رقيقتين، كأنهما بلا عظام، وتتميزان بقوة غريبة، فشكلت بهما أعمالا ~~جميلة. وعندما انتصف النهار، كانت قد أتمت الجانب الأمامي من الجرسي، فتوقفن جميعا عن ~~العمل ليبدين إعجابهن بالتصميم الذي ابتكرته. # قالت كيبوني في إعجاب: «أنت موهوبة حقا.» # أجابت ديكيليدي بابتسامة: «هذا ما تقوله صديقاتي. فأنا المرأة التي لا ترشح المياه من ~~قش نسجته. ولهذا تلجأ إلي كل صديقاتي عندما يبغين إعداد أكواخهن. فهن لا يستطعن ذلك ~~بدوني. كنت دائما مشغولة، مستخدمة، لأني بهاتين اليدين كنت أطعم أطفالي وأتولى ~~تنشئتهم. تركني زوجي بعد أربعة أعوام من الزواج، لكني تمكنت من تدبير أموري وإطعام ~~أفواههم. وإذا عجز أحد الناس عن دفع أجرتي نقدا، كان يعطيها لي هدايا من الطعام.» # قالت كيبوني: «الأمور ليست سيئة هنا. فبوسعنا أن ندخر بعض ms106 المال من مبيع منتجاتنا. إذا ~~اشتغلت هكذا ستحصلين على مال لأطفالك. كم لديك منهم؟» ~~- «ثلاثة أولاد.» ~~- «هل هناك من يرعاهم؟» ~~- «أجل.» # غيرت كيبوني موضوع الحديث مرة أخرى: «أنا أحب طعام الغداء. إنه أفضل وجبات اليوم. جريش ~~ذرة ولحم وخضراوات.» # هكذا انقضى اليوم بين الثرثرة والعمل، وعند الغروب أقتيدت النسوة من جديد إلى الزنزانة ~~بعد أن حان موعد إغلاقها. فبسطن البطاطين، وأعدت كل واحدة فراشها، ثم واصلن الحديث ~~قليلا في ضوء الشمعة. وعندما أوشكن على الرقاد، أومأت ديكيليدي برأسها في رقة لصديقتها ~~الجديدة كيبوني وقالت: «أشكرك. فقد كنت جد لطيفة معي.» # أجابت كيبوني بابتسامتها الساخرة المتفكهة: «لا بد وأن نساعد بعضنا البعض. فهذا عالم ~~فظيع. ليس هنا غير البؤس.» # هكذا استهلت المرأة ديكيليدي المرحلة الثالثة من حياة أحالتها الوحدة والمرارة إلى ~~رماد. لكنها كانت تجد الذهب دائما وسط الرماد، فيصل الحب بين قلبها وقلوب الغير. ابتسمت ~~لكيبوني في حنان؛ لأنها أدركت أنها عثرت على حب مشابه. فقد كانت تهوى جمع هذه ~~الكنوز. ~~••• # هناك نوعان من الرجال في المجتمع. أحدهما هو الذي يخلق التعاسة والفوضى، فيوصم أمام ~~الكافة بالشر. فإذا ما راقب المرء كلاب القرية تطارد إحدى إناثها الهائجة، تجدها تتحرك ~~في مجموعات من أربعة أو خمسة. وعندما يبدأ الجماع، يحاول أحد الكلاب السيطرة على الموقف، ~~ويبعد الآخرين عن فرج الأنثى. وتقف بقية الكلاب، سيئة الحظ، على مقربة وهي تنبح وتطبق ~~فكيها، بينما ينهمك الكلب المتسيد في فيض متواصل من الأورجازمات، نهارا وليلا، حتى ~~يصاب بالإنهاك. ولا بد أنه، خلال هذا الإنجاز الهرقلي، سيتصور أنه القضيب الوحيد في ~~العالم، وأن هناك تدافعا بالمناكب من أجله. هذا النوع من الرجال يعيش قرب المستوى ~~الحيواني، وسلوكه على نفس الشاكلة. ومثل الكلاب والثيران والحمير، لا يتقبل أي مسئولية عن ~~الصغار التي ينجبها. ومثل الكلاب والثيران والحمير، يدفع الإناث إلى الإجهاض. ولما كان ~~هذا النوع من الرجال يمثل الأغلبية في المجتمع فإنه يحتاج إلى قليل من التحليل؛ لأنه مسئول ~~عن الانهيار التام للحياة الأسرية. # يمكن تحليله ms107 طبقا لثلاث فترات زمنية. في العصور القديمة، قبل الغزو الاستعماري، كان يعيش ~~حسب التقاليد والتابوهات التي حددها أسلاف القبيلة للكافة. لم يكن يملك من الحرية الفردية ~~ما يعينه على تقويم هذه التقاليد؛ لأنها كانت تتطلب الطاعة العمياء. فهي نظم فضفاضة، ~~تستهدف صالح المجتمع ككل، ولا تراعي إلا قليلا الميول والاحتياجات الفردية. لقد ارتكب ~~الأسلاف أخطاء كثيرة، أكثرها مرارة أنهم أعطوا للرجل مركز المتسيد في القبيلة، بينما ~~اعتبروا المرأة، بالمعنى الخلقي، شكلا ناقصا من أشكال الحياة الإنسانية. وما زالت المرأة ~~حتى يومنا هذا تعاني من كافة الكوارث التي تتعرض لها أدنى أشكال الحياة ~~الإنسانية. # ويمثل العصر الاستعماري، وفترة العمالة التعدينية النازحة إلى جنوب إفريقيا، بلوى أخرى ~~أصابت هذا الرجل. فقد تحطمت سيطرة الأسلاف. تحطم الشكل القديم التقليدي للحياة العائلية، ~~واضطر الرجل للافتراق عن زوجته وأطفاله لفترات طويلة، يعمل خلالها من أجل الفتات في أرض ~~أخرى كي يجمع من النقود ما يكفي لتسديد ضريبة الرأس الاستعمارية البريطانية. فلم يتمخض ~~هذا الاستعمار عن إثراء حياته إلا في أقل القليل. عندئذ أصبح مجرد «صبي» للرجل الأبيض، ~~وأداة من أدوات مناجم جنوب إفريقيا. # وبدا الاستقلال الإفريقي مجرد بلوى جديدة فوق البلاوي التي نزلت بحياته. فقد غير ~~الاستقلال نسق التبعية الاستعمارية تغييرا مفاجئا ودراميا. سنحت فرص أكثر للعمل في ~~ظل برنامج المحليات الذي تبنته الحكومة الجديدة، وارتفعت الرواتب ارتفاعا صاروخيا ~~في الوقت نفسه. وتهيأت بذلك الفرصة الأولى لحياة أسرية من نوع جديد أرقى من نظام العادات ~~الطفولي، ومهانة الاستعمار. وكان على الرجال والنساء، في سبيل البقاء، أن يتحولوا إلى ~~الداخل، إلى طاقاتهم الكامنة. وكان الرجل هو الذي وصل إلى نقطة التحول هذه، حطاما هشا، ~~دون أي طاقات داخلية. وكأنه استبشع صورته، فحاول أن يهرب من فراغه الداخلي، ولهذا أخذ يدور ~~مبتعدا عن نفسه، فسقط في دوامة من التبديد والتدمير، أقرب إلى رقصة الموت. # هكذا كان شأن جاريسيجو مكوبي، زوج ديكيليدي. فطوال أربع سنوات قبل الاستقلال، عمل كاتبا ~~في إدارة الناحية، بمرتب ثابت مقداره خمسون روبية في ms108 الشهر. وبعد الاستقلال قفز راتبه إلى ~~مائتي روبية. كان يميل، حتى في أيام فقره، إلى النساء والشراب، فصارت لديه الآن الإمكانيات ~~للانغماس في الملذات. لم يعد أحد يراه في منزله، إذ أصبح يعيش وينام متنقلا من امرأة ~~إلى أخرى. ترك زوجته وثلاثة أبناء - بانوبوثي، الأكبر وعمره أربع سنوات، إينالامي وعمره ~~ثلاث، والأصغر، موتسومي الذي لم يتجاوز العام - يدبرون أمورهم بأنفسهم. ولعل السبب في ~~سلوكه هذا، يرجع إلى أن زوجته كانت من النوع التقليدي، نصف الأمي، الذي يبعث على السأم، ~~بينما وجدت، بكثرة، أخريات، جديدات، مثيرات. فقد صنع الاستقلال الأعاجيب. # وكان ثمة نوع آخر من الرجال في المجتمع، يمتلك القوة على إعادة خلق نفسه من جديد. وجه ~~هذا النوع كل قواه، العاطفية والمادية، نحو حياته العائلية، ومضى في طريقه بإيقاع هادئ ~~كنهر. إنه قصيد من الحنان. # هكذا كان شأن بول ثيبولو، الذي انتقل مع زوجته كيناليبي، وأطفالهما الثلاثة إلى قرية ~~بولنج في عام 1966م، عام الاستقلال. كان قد حصل على نظارة المدرسة الابتدائية بالقرية. ~~وخصص له ولأسرته حقل فارغ بجوار فناء ديكيليدي موكوبي، يبني فيه منزله الجديد. # يشكل الجيران مركز العالم بالنسبة لبعضهم البعض. فهم يتبادلون المساعدات في جميع ~~الأوقات. ويقرضون بعضهم البعض السلع المختلفة. هكذا تابعت ديكيليدي باهتمام فناء جيرانها ~~الجدد. في البداية ظهر الرجل مع بعض العمال لإقامة السور، الذي شيد بسرعة وكفاءة. ~~وترك الرجل لديها انطباعا حسنا في الحال، عندما ذهبت تقدم نفسها، وتعرف القليل ~~عنهم. # كان طويلا، عريض العظام، بطيء الحركة، بالغ الوداعة لدرجة أن ضوء الشمس وظلها كانا ~~يتلاعبان بعينيه، ويجعلان من العسير تحديد لونهما الفعلي. وعندما يقف ساكنا، ويبدو ~~مستغرقا في التفكير، يتسلل ضوء الشمس إلى عينيه، ويعشش بهما، فيعطيهما لون الظل ~~في أحيان، ولونا بنيا خفيفا في غيرها. # التفت نحوها مبتسما في ود عندما قدمت نفسها، وقال إنه نقل هو وزوجته من قرية ~~بوبونونج. وإنها ما زالت هي وأطفالها، لدى أقاربهما في القرية إلى أن ينتهي من إعداد ~~الفناء. كان يتعجل الاستقرار؛ لأن الفترة ms109 الدراسية تبدأ بعد شهر. وقال إنهم سيشيدون ~~كوخين من الطين أول الأمر، ثم يقيمون منزلا صغيرا من الطوب فيما بعد، وستأتي زوجته بعد ~~أيام مع بعض النسوة، لإقامة الجدران الطينية للكوخين. # قالت ديكيليدي: «أحب أن أساعدكم. فإذا بدأنا العمل في ساعة مبكرة من الصباح، وكنا ~~ست نساء أمكننا أن ننتهي من إقامة الجدران في أسبوع. وإذا رغبت في أن يكون أحد ~~الكوخين من القش، فإن الجميع يعرفون أني المرأة التي لا تتسرب المياه من قشها.» # أجاب الرجل مبتسما أنه سينقل هذه المعلومات إلى امرأته، وأضاف بعذوبته معربا عن ثقته ~~في أنها ستحبها عندما تلتقي بها، فهي ودودة تحظى بحب الجميع. # عادت ديكيليدي إلى فنائها بمعنويات عالية. لم تكن تتلقى زيارات كثيرة. فمنذ تركها ~~زوجها لم يعد أحد من أقاربها يتردد عليها خوفا من أن تطلب منه شيئا. واقتصر زائروها ~~على المتعاملين معها في شأن من شئونهم، فهم إما يريدون منها حياكة ملابس لأطفالهم، أو ~~تطريز جرسيات للشتاء. وعندما تجد نفسها بلا عمل تصنع السلال ثم تبيعها. هكذا استطاعت أن ~~تقوم بأود نفسها وأطفالها الثلاثة، لكنها ظلت محرومة من الأصدقاء الحقيقيين. # أثبتت الأيام صدق الزوج، فقد كانت زوجته لطيفة المعشر. كانت طويلة بعض الشيء ونحيفة، ذات ~~شخصية مشرقة ومفعمة بالحيوية. ولم تحاول إخفاء ما تتمتع به من سعادة. وتحقق ما وعدت ~~به ديكيليدي. فقد نجح فريق العمل المكون من ست نساء في إقامة جدران الكوخين ~~الطينيين في أسبوع واحد، وبعد أسبوعين اكتمل إعداد الكساء الخارجي المصنوع من القش. ~~وانتقلت أسرة ثيبولو إلى مقرها الجديد كما انتقلت ديكيليدي إلى أكثر فترات حياتها ~~ازدهارا وسعادة، صنعت فيها منحنى كبيرا، منفرجا إلى أعلى. وتجاوزت علاقتها بأسرة ~~ثيبولو حدود التبادل الودي بين الجيران، إذ كانت علاقة غنية وخلاقة. # لم يمض وقت طويل حتى نشأت بين المرأتين صداقة من ذلك النوع العميق، الودود، الذي ~~يتضمن المشاركة في كل شيء، ولا يعقد أواصره غير النساء. وبدا أن كيناليبي في حاجة إلى ~~عدد لا حصر له من الأثواب ms110 لها ولبناتها الصغيرات الثلاث. ولما كانت ديكيليدي قد رفضت أن ~~تتقاضى أجرا نقديا على هذه الخدمات، بحجة المنافع العديدة التي تتلقاها من جيرانها ~~الطيبين، فقد رتب بول ثيبولو الأمر بحيث تأخذ أجرها على صورة سلع منزلية، بحيث ~~اطمأنت ديكيليدي إلى توفر احتياجاتها من الذرة والسكر والشاي واللبن الجاف وزيت الطهي، ~~لعدة سنوات قادمة. وكانت كيناليبي أيضا من ذلك النوع من النساء الذي يجعل العالم كله ~~يدور حولها، فشخصيتها الجذابة كانت تجتذب عديدا من النساء إلى فنائها، وبالتالي عديدا ~~من الزبائن لصديقتها صانعة الثياب؛ ديكيليدي. وسرعان ما أصبحت الأخيرة مثقلة بالعمل ~~واضطرت لابتياع ماكينة ثانية للحياكة، والاستعانة بمساعدة. وألفت الصديقتان القيام ~~بكل شيء سويا، فهما دائما معا، في مناسبات الزواج، والجنازات، واحتفالات القرية. وفي ~~ساعات الفراغ كانتا تبحثان أمورهما الحميمة، بحيث أصبحت كل منهما تعرف تفاصيل حياة الأخرى ~~معرفة تامة. # وذات يوم قالت ديكيليدي في أسى: «أنت حقا محظوظة. فليس هناك زوج مثل بول.» # قالت كيناليبي في سعادة: «أجل. إنه رجل أمين.» كانت تعرف القليل عن بلاوي ديكيليدي ~~فسألتها: «لماذا تزوجت رجلا مثل جاريسيجو؟ لقد تأملته جيدا عندما عينته لي في ذلك ~~اليوم، وتبينت من الوهلة الأولى أنه من هواة الملذات.» # أجابت ديكيليدي: «أظن أني كنت أريد الخروج من فناء عمي، فلم أحبه أبدا. فبرغم ثرائه ~~كان قاسيا، شديد الأنانية. كنت مجرد خادمة لديه، وكان يسيء معاملتي. التحقت به في ~~السادسة من عمري، عندما ماتت أمي، ولم أكن سعيدة عنده. وكان أطفاله يزدرونني لأني كنت ~~خادمتهم. ودفع عمي نفقات تعليمي طوال ست سنوات، ثم طالبني بترك الدراسة. وكنت أود ~~الاستمرار، لأن التعليم، كما تعرفين، يفتح أبواب العالم أمام الواحدة. وكان جاريسيجو صديقا ~~لعمي، والوحيد الذي تقدم إلي. وناقش الاثنان الأمر فيما بينهما ثم قال لي عمي: «الأفضل ~~لك أن تتزوجي من جاريسيجو؛ لأن وجودك هنا أصبح مثل السلسلة حول رقبتي.» فوافقت كي أبتعد ~~عن هذا الرجل الفظيع. وقال جاريسيجو ساعتها إنه يفضل الزواج من واحدة مثلي على الاقتران ~~بمتعلمة؛ لأن المتعلمات ms111 يتميزن بالغباء، ويرغبن في السيطرة على الرجل. والحق أني لم أرفع ~~صوتي بالاحتجاج أبدا عندما بدأ يلعب بذيله. أنت تعرفين ما تفعله الأخريات. فهن يطاردن ~~رجالهن من كوخ إلى آخر، ويضربن العشيقات. والنتيجة؟ أن ينتقل الرجل إلى كوخ جديد. وبذلك ~~لا تكسب الواحدة شيئا. وما كنت لأسلك هكذا. فيكفيني أن لدي أطفالا. إنهم نعمة ~~وبركة.» # قالت صديقتها وهي تهز رأسها في تعاطف: «كفاية. لا أفهم الطريقة التي توزع بها الحياة ~~عطاياها. البعض يحصلون على الكثير جدا، والآخرون لا ينالون شيئا على الإطلاق. لقد كنت ~~دائما محظوظة. يوما ما سيزورني أبواي، اللذان يعيشان في الجنوب، وسترين كيف يهتمان ~~بشأني. وهو ما يفعله بول. إذ يعنى بكل شيء فلا يساورني القلق، ولا أنشغل بهم.» # اجتذب الرجل، بول، كثيرا من الأصدقاء مثل زوجته. وكان الاثنان يستقبلان الضيوف كل مساء، ~~رجالا أميين يريدون منه أن يدون لهم بيانات الضرائب أو يكتب لهم الرسائل، أو رفاقا ~~راغبين في مناقشة القضايا السياسية، فمنذ الاستقلال أصبح ثمة جديد كل يوم. وكانت المرأتان ~~تستمعان لهذه المناقشات بآذان مسحورة، لكنهما لم تشتركا فيها أبدا. وإنما كانتا تلوكان ~~المناقشات في حكمة وجدية. فتقول كيناليبي: «عقول الرجال غريبة: فهي تطوف بعيدا وبجرأة. ~~إنني أرتعد عندما أسمعهم ينتقدون حكومتنا الجديدة بحرية. هل سمعت ما قاله بطرس بالأمس؟ ~~قال إنه يعرف كل أولاد الزنا هؤلاء، وإنهم ليسوا سوى حفنة من اللصوص المحتالين ! ارتعدت ~~كثيرا عندما سمعت ما قاله. فالطريقة التي يتحدثون بها عن الحكومة تشعرك في عظامك بأن ~~هذا العالم ليس آمنا، ليس مثل الأيام القديمة عندما لم تكن لدينا حكومات. وقال لينتسوي إن ~~عشرة بالمائة من السكان في إنجلترا يتحكمون في ثروة البلاد بينما يعيش الباقون تحت حد ~~الجوع. وقال إن الشيوعية ستحل كل هذه المشاكل. وفهمت من الطريقة التي ناقشوا بها هذه ~~النقطة أن حكومتنا لا تحبذ الشيوعية. وارتجفت كثيرا عندما اتضح لي ذلك.» وصمتت برهة ثم ~~ضحكت في زهو: «لقد سمعت بول يكرر عدة مرات أن البريطانيين لم يحكمونا سوى ms112 ثمانين سنة. ~~ولا أدري لماذا هو مغرم بترديد هذه العبارة؟» # هكذا انفتح عالم جديد تماما أمام ديكيليدي. بدا لها عالما شديد الثراء، يفيض بالسعادة، ~~فانغمست فيه يوما بعد يوم، متغاضية عن جدب حياتها الخاصة. لكن هذا الأمر ظل مثل الصداع ~~المزمن في رأس صديقتها كيناليبي. # قالت لها ذات يوم مستحثة: «يجب أن تجدي رجلا آخر. فليس من صالح المرأة أن تعيش ~~بمفردها.» # فأجابتها ديكيليدي التي لم تعد تستسلم للأوهام: «ومن يكون؟ لن يتمخض عن ذلك سوى ~~المتاعب لي ولأولادي، بينما كل شيء الآن على ما يرام. فابني الأكبر يذهب إلى المدرسة وأنا ~~قادرة على تسديد نفقاتها. هذا هو في الحقيقة كل ما يعنيني.» # قالت كيناليبي: «أقصد أننا جئنا لهذا العالم لنمارس الحب ونستمتع به.» # أجابت الأخرى: «أوه. لم أعبأ أبدا بهذا الأمر. فعندما تجربين أسوأ ما فيه، تفقدين ~~الرغبة كلية.» # اتسعت حدقتا كيناليبي: «ماذا تعنين بذلك؟» ~~- «أعني أن الأمر لم يكن أكثر من قفزة! وكنت دائما أتساءل عن مغزاه وجدواه. وصرت أنفر ~~منه.» # قالت كيناليبي مصعوقة: «أكان جاريسيجو هكذا؟ إذن فهو لا يعدو أن يكون مثل ديك يقفز من ~~دجاجة إلى أخرى. ترى ماذا يفعل مع كل هاته النسوة .. أنا متأكدة أنهن لا يسعين إلا وراء ~~نقوده، ولهذا يتملقنه.» وصمتت برهة ثم أضافت في جدية: «هذا سبب آخر يحتم عليك البحث ~~عن رجل آخر. آه لو تعرفين حقيقة الأمر لجننت من اللهفة عليه، أقول لك. أحيانا أظن أني ~~أستمتع بهذا الجانب من الحياة أكثر مما يجب. فبول يعرف الكثير عن ذلك. ولديه دائما جديد ~~يفاجئني به. وهو يبتسم بطريقة معينة عندما يكون قد فكر في شيء جديد، فأرتعش قليلا ~~وأقول لنفسي: «ترى، ماذا ينوي بول هذه الليلة!» # صمتت كيناليبي ثم ابتسمت لصديقتها في خجل وقالت: «يمكنني أن أقرضك بول إذا شئت.» ~~ورفعت يدها لتوقف ما ظهر على وجه صديقتها من احتجاج: «سأفعل ذلك لأني لم أنعم في حياتي ~~بصديقة مثلك أثق فيها إلى هذه الدرجة. لقد عرف بول فتيات عديدات ms113 قبل أن يتزوجني، ولهذا ~~فالأمر بالنسبة إليه ليس غريبا، فضلا عن أننا كنا نمارس الحب قبل الزواج، ولم أحمل ~~أبدا، فهو يراعي هذا الجانب أيضا. لا مانع لدي في أن أقرضه لك، لأنني أنتظر طفلا ~~جديدا هذه الأيام، وأشعر أني لست على ما يرام.» # نظرت ديكيليدي طويلا إلى الأرض، ثم رفعت إلى صديقتها عينين مبللتين بالدموع وقالت ~~بتأثر: «لا يمكنني أن أقبل هدية كهذه منك. لكن طالما أنك متعبة، سأتولى عنك غسيلك ~~وطهيك.» # لم تعبأ كيناليبي برفض صديقتها للعرض السخي، وناقشت الأمر مع زوجها في نفس الليلة. وفوجئ ~~بول بموضوع لم يتوقعه، فبدت عليه الدهشة ثم انفجر في ضحك مدو، استمر طويلا حتى بدا ~~عاجزا عن التوقف. # سألته كيناليبي في دهشة: «لماذا تضحك هكذا؟» # واصل الضحك، ثم بدت عليه فجأة الجدية، واستغرق في التفكير بعض الوقت. وعندما سألته عن ~~محور تفكيره أجاب: «لن أخبرك بكل شيء. أحب أن أحتفظ ببعض أسراري لنفسي.» # وفي اليوم التالي روت كيناليبي لصديقتها ما جرى بينها وبين زوجها من حوار متسائلة: «ماذا ~~يعني بقوله إنه يريد الاحتفاظ ببعض أسراره لنفسه؟» # قالت ديكيليدي مبتسمة: «أظنه مغرورا بعض الشيء. كما أن الشخص عندما يحب بقوة، لا ~~يميل إلى الاعتراف بذلك ويفضل الصمت.» # بعد ذلك بقليل، أجهضت كيناليبي، ودخلت المستشفى لإجراء جراحة بسيطة. وأوفت ديكيليدي ~~بوعدها «أن تغسل وتطهو» لصديقتها. فدبرت أمور منزلها، وتولت إطعام الأطفال، وحافظت على كل ~~شيء في نظام. وبالإضافة إلى ذلك، كان الناس يشكون من ضآلة غذاء المستشفى، فأخذت على عاتقها ~~الطواف بأرجاء القرية كل يوم بحثا عن البيض والدجاج، وبعد أن تعد ما حصلت عليه، تحمله ~~إلى كيناليبي، كل يوم، ساعة الغذاء. # وذات مساء، اصطدمت ديكيليدي بعقبة غير منتظرة، اعترضت روتينها اليومي. # كانت قد أعدت الطعام لأطفال صديقتها، وأفرغته في الصحون، عندما جاءتها زبونة تطلب ~~تعديلا عاجلا في ثوب زفاف. وكان الزفاف مقررا في اليوم التالي. فتركت الأطفال يأكلون ~~حول النار ومضت إلى كوخها. وبعد ساعة، كان أطفالها قد خلدوا للنوم، فقررت أن ms114 تمضي إلى ~~فناء جارتها لتطمئن على الأمور. ولجت كوخ الأطفال ورأت أنهم التجئوا إلى فراشهم واستغرقوا ~~في النوم، بينما تبعثرت صحون العشاء حول النار دون غسيل. وكان الكوخ الآخر الخاص ببول ~~وكيناليبي غارقا في الظلام. معنى هذ أن بول لم يعد بعد من زيارة المساء المعتادة لزوجته. ~~فجمعت الصحون وغسلتها، ثم صبت مياه الغسيل القذرة فوق رماد النار المتوهج في الفناء. ~~وكومت الصحون بعضها فوق بعض وحملتها إلى الكوخ الثالث الإضافي الذي يقوم بدور المطبخ. وفي ~~تلك اللحظة ولج بول ثيبولو الفناء، ولمح ضوءا وحركة في كوخ المطبخ، فمضى إليه وتوقف في ~~مدخله المفتوح. # خاطبها في ود باسم ابنها الأكبر باناثوبي، كما جرت العادة: «ماذا تفعلين الآن يا أم باناثوبي؟» # أجابته ديكاليدي في سعادة: «أنا أعرف جيدا ما أنا فاعلة.» واستدارت نحوه لتقول إنه ليس ~~من الصواب ترك الصحون الوسخة حتى الصباح، لكنها فغرت فمها مدهوشة. فقد طالعتها في عينيه ~~بحيرتين صافيتين من الضوء السائل، ومر بينهما شيء بالغ الحلاوة، فائق الجمال، كأنه ~~الحب. # قال برقة: «أنت امرأة طيبة يا أم باناثوبي.» # كانت تلك هي الحقيقة. وقدمت الهدية ككتلة من الذهب. لا يستطيع تقديم هدايا كهذه سوى ~~رجال من طراز بول ثيبولو. أخذت الهدية وأودعت قلبها كنزا جديدا. ثم أحنت ركبتيها بالتحية ~~التقليدية وابتعدت في هدوء نحو منزلها. ~~••• # انقضت ثماني سنوات على ديكيليدي في إيقاع هادئ من العمل، والصداقة التي ربطتها بأسرة ~~ثيبولو. وانفرجت أزمة ابنها الأكبر باناثوبي. فقد كان يواجه امتحان الشهادة الابتدائية في ~~نهاية العام. وبتأثير هذا الحدث الهام، أفاق الصبي لنفسه، بعد أن كان، مثل بقية الصبية، ~~مغرما باللعب. فأحضر كتبه إلى المنزل وقال لأمه إنه يرغب في استذكار دروسه بالأماسي، ~~ويريد أن ينجح بدرجة «أ» ليسرها. حكت ديكيليدي القصة لجارتها في انفعال وزهو. # قالت: «باناثوبي يقرأ دروسه كل مساء الآن. ولم يكن يهتم بها من قبل. لقد ابتهجت كثيرا ~~بمسلكه فابتعت له مصباحا إضافيا، ونقلته من كوخ الأطفال إلى كوخي حيث يمكنه أن يستمتع ~~بشيء من ms115 الهدوء. ونحن نسهر كل ليلة حتى ساعة متأخرة: أنا أحيك الأزرار وذيول الفساتين، ~~وهو يستذكر.» # كما أنها افتتحت لنفسها حسابا ادخاريا في مكتب البريد ليتوفر لديها المال الكافي ~~للإنفاق على تعليمه الثانوي. فمصاريفه عالية بعض الشيء: 85 روبية. ورغم كل ما ادخرته، ~~وجدت في نهاية العام، أنها تحتاج عشرين روبية إضافية لاستكمال المبلغ. وعندما أعلنت ~~النتائج في عطلة الكريسماس، نجح باناثوبي بدرجة «أ». فانتاب أمه فرح هستيري. لكن ما ~~العمل؟ كان الابنان الآخران، اللذان يصغرانه سنا، قد بدآ المرحلة الابتدائية، ووجدت أنها ~~عاجزة عن تدبير مصاريف الثلاثة من مدخراتها، فقررت أن تذكر جاريسيجو موكوبي بأبوته ~~للأولاد. # لم تكن قد رأته في الثماني سنوات، إلا كما ترى أحد المارة في طرقات القرية. وكان يلوح ~~لها أحيانا، لكنه لم يتحدث إليها أبدا أو يستفسر عن حياتها أو عن أطفالهما. فلم يكن ~~شيء من هذا يعنيه. كانت تمثل له شكلا دنيئا من أشكال الحياة الإنسانية. وإذا بهذا الشيء ~~البغيض يظهر أمام مكتبه ذات يوم، بينما كان في طريقه لتناول طعام الغداء. كانت قد سمعت من ~~ثرثرة القرية أنه استقر أخيرا مع امرأة متزوجة ذات أطفال، بعد أن طرد زوجها في واقعة ~~مثيرة من الوقائع المألوفة في القرية تخللها العراك والسباب. والغالب أن الزوج لم يعبأ بما ~~حدث، إذ توجد دائما سواعد مفتوحة لأي رجل، طالما أنه يبدو كذلك. أما ما اجتذب جاريسيجو ~~إلى هذه المرأة بالذات، فهو طبقا لما ذكره عشاقها السابقون ضاحكين، أنها مولعة بأشكال ~~الجماع العنيفة مثل العض والخمش. # غادر جاريسيجو موكوبي مكتبه، ونظر في ضيق إلى هذا الشبح من ماضيه، زوجته. أدرك أنها ~~تريد أن تتحدث إليه، فمشى نحوها وهو يتطلع إلى ساعته طول الوقت. وكان قد صار له، مثل ~~كافة «الرجال الناجحين» كرش ضخم، وعينان محتقنتان، ووجه منتفخ، تحف به رائحة مختلطة من ~~بيرة الليلة الماضية وجنسها. # خاطبها بصبر نافد: «قولي ما تريدينه بسرعة، ففسحة الغداء قصيرة، ولا بد أن أعود إلى ~~مكتبي في الثانية.» # لم يكن بوسعها أن ms116 تتحدث إليه عن زهوها بنجاح باناثوبي، ولهذا قالت ببساطة وهدوء: ~~«جاريسيجو. أتوسل إليك أن تساعدني في سداد مصاريف المدرسة الثانوية لباناثوبي. إنه ناجح ~~بدرجة «أ»، وكما تعرف فإن المصاريف تدفع في اليوم الأول من الدراسة وإلا طردوا التلميذ. ~~وأنا من جانبي جاهدت طول السنة لتدبير النقود، لكني ما زلت في حاجة إلى عشرين ~~روبية.» # قدمت إليه دفتر النقود البريدي، فتناوله وألقى عليه نظرة، ثم أعاده إليها وهو يبتسم في ~~تكلف ابتسامة ذات مغزى. قال وهو يظن أنه يوجه إليها ضربة في وجهها: «لماذا لا ~~تطلبين النقود من بول ثيبولو؟ الجميع يعرفون أن له بيتين، وأنك امرأته الاحتياطية. الجميع ~~يعرفون بأمر زكيبة الذرة التي يأتيك بها كل ستة شهور، فلماذا لا يدفع نفقات المدرسة ~~أيضا؟» # لم تنكر شيئا أو تؤكده. وطاشت الضربة عن وجهها الذي رفعته إلى أعلى في كبرياء. ثم مشت ~~مبتعدة. # التقت المرأتان بعد الظهر كمألوف عادتهما، وروت ديكيليدي الحديث الذي دار بينها وبين ~~زوجها، فهزت جارتها رأسها في غضب وهتفت: «الخنزير! يظن الرجال جميعا مثله. سأذكر الأمر ~~لبول، فلا شك أنه سيقوم بتأديبه.» # وهو ما حدث لجاريسيجو. كان في أعماقه مومسا نسائية، يستمتع مثل كل المومسات المحترفات ~~بالفضيحة والتشهير؛ لأنهما يخدمان تجارته. فابتسم في دماثة وبلا تحفظ عندما اندفع بول ~~ثيبولو غاضبا إلى باب المنزل الذي يسكنه مع محظيته. واجه جاريسيجو أمثال هذا الموقف ~~كثيرا، وكان يعرف عن ظهر قلب ما سيدور من حوار. # صاح بول ثيبولو: «يا ابن العاهرة! زوجتك ليست محظية لي، هل تسمع؟» # قال جاريسيجو: «لماذا إذن تزودها بالطعام؟ الرجال لا يفعلون ذلك إلا للمرأة التي ~~ينكحونها! فهي لا تفعل ذلك بغير مقابل.» # استند بول ثيبولو بإحدى يديه إلى الجدار وهو يرتجف من الغضب وقال في توتر: «أنت ~~تدنس الحياة يا جاريسيجو موكوبي. ليس في عالمك غير الدنس. أم باناثوبي تحيك الملابس ~~لزوجتي وأطفالي، ولا تقبل مني نقودا، فكيف إذن أدفع لها أجرتها؟» # أجاب الآخر بوضاعة: «وهذا ما يؤكد القصة من كل الجوانب. فالمرأة تفعل ms117 هذا للرجل الذي ~~ينكحها.» # أطلق بول يده الأخرى في لكمة عنيفة لإحدى عينيه الباسمتين، وانصرف. من يستطيع إخفاء ~~عين زرقاء متورمة؟ كان يرد على كل استفسار بلهجة الضحية: «إنه عشيق زوجتي، بول ~~ثيبولو.» # جلب هذا إليه اهتمام القرية كلها، وهو كل ما يبغيه حقيقة. فأمثاله من الرجال يحتلون الدرك ~~الأسفل من الحكومة ويتوقون خفية للرئاسة، حتى تتجه إليهم الأعين. ولهذا أضاف جاريسيجو ~~المزيد من الوقود إلى الفضيحة، معلنا أنه سيتكفل بمصاريف دراسة ابن محظيته، لكنه لن ~~يدفع مصاريف ابنه هو، باناثوبي. # لم يعترض أهالي القرية على تلطيخ سمعة بول ثيبولو؛ لأنه كان إنسانا كاملا فوق كل ~~تصور، مما يصعب عليهم تصديقه. فوجدوا لذة في أن يجعلوه موضوعا للقيل والقال، ومع ذلك ~~عنفوا جاريسيجو قائلين: «ربما تحصل زوجتك على أشياء من بول ثيبولو، لكن ليس هناك من ~~يستطيع أن يدفع كلا من مصاريف دراسة أطفاله، ومصاريف دراسة أطفال رجل آخر. وما كان ~~باناثوبي سيوجد لو لم تتول أنت إنجابه، فواجبك إذن أن ترعاه. وبالإضافة إلى هذا، فإن ~~زوجتك إذا التحقت برجل آخر، تكون أنت المسئول لأنك تركتها وحيدة سنوات طويلة.» # عاش الناس مع هذه القصة أسبوعين، لأنهم أرادوا أن يكون بول ثيبولو من عالمهم، ومثلهم بلا ~~أخلاق ثابتة. لكن القصة تطورت في اتجاه درامي أثار الرعب في أوصال الرجال، وانقضت ~~أسابيع عدة قبل أن يجدوا الشجاعة على مشاركة نسائهم الفراش. # كانت طريقة جاريسيجو في التفكير هي التي أدت به إلى الهلاك. فقد أيقن فعلا أن رجلا ~~آخر دق وتده في حظيرة دجاجه، وكأي ديك كانت هذه الفكرة كفيلة بإثارة شعر رأسه. فقرر ~~أن يذهب إليها - الحظيرة - مؤكدا حقوقه. وما إن زال ورم عينه بعد أسبوعين، حتى استوقف ~~باناثوبي في القرية وسأله أن يحمل إلى أمه ورقة ويجلب منها ردا. كانت الورقة تقول: ~~«الأم العزيزة، سأعود إلى المنزل لأسوي خلافاتنا. أرجو أن تعدي لي طعاما وبعض الماء ~~الساخن لحمامي.» # تلقت ديكيليدي الورقة وقرأتها فارتجفت من الغضب. كانت تلميحاته واضحة، فهو قادم من ms118 أجل ~~الجنس. فلم تكن بينهما أية خلافات، ولم يدر بينهما أي حوار. # قالت لابنها: «باناثوبي. هل لك أن تلعب قليلا في الجوار؟ أريد أن أفكر قليلا قبل أن ~~أبعث معك بالرد.» # لم تكن أفكارها واضحة. كان ثمة شيء لا تستطيع أن تضع يدها عليه في الحال. فقد أصبحت ~~تقدس الحياة التي عاشتها في السنوات الأخيرة، وكافحت خلالها لتقوم بأود نفسها وأطفالها. ~~وهي حياة امتلأت بكنوز المودة والحب التي جمعتها من الآخرين. كل هذا أرادت الآن أن تحميه ~~من التلوث على يد الرجل الشرير. وبدافع الرعب خطر لها أن تأخذ أطفالها وتهرب من القرية. ~~لكن أين تذهب؟ لم يكن جاريسيجو يريد طلاقا، فقد تركت له أن يفاتحها في هذا الصدد، ولم ~~تسمح لنفسها أن ترافق رجلا آخر. قلبت الفكر بلا جدوى، حتى أيقنت أنه لا مفر من ~~مواجهته. وهنا ظهرت على وجهها نظرة متأملة متمعنة. وأخيرا، اطمأنت نفسها، ومضت إلى ~~كوخها فكتبت الرد: «سيدي، سأعد كل شيء كما طلبت، ديكيليدي.» # كان النهار قد انتصف عندما جرى باناثوبي بالرد إلى أبيه. وانهمكت ديكيليدي بعد الظهر في ~~الاستعداد لمجيء زوجها. وجاءت كيناليبي تتأمل في ذهول الاستعدادات الضخمة، وإناء الماء ~~الحديدي الكبير الذي امتلأ بالماء. وتوهجت النيران أسفله، وأواني الطهي الإضافية فوق ~~النار. ولم تنتبه للسكين إلا فيما بعد، فلم تر منه سوى لمحة عابرة. كان من سكاكين المطبخ ~~الكبيرة التي تستخدم في تقطيع اللحوم، وقد أمسكت به ديكيليدي، وركعت أمام حجر رحى، وراحت ~~تصقله في أناة. ما استحوذ على اهتمام كيناليبي عندئذ هو التعبير المأساوي على وجه صديقتها ~~المتلع إلى أعلى. أصابها الارتباك. وألفت نفسها عاجزة عن الاشتراك في الثرثرة النسائية ~~المألوفة. وعندما قالت ديكيليدي: «أنا أقوم ببعض الاستعدادات من أجل جاريسيجو. فهو قادم ~~الليلة.» هرعت إلى كوخها مذعورة. كانت تدرك أن الأمر يعنيها هي وزوجها، وعندما ذكرت له ~~النبأ، قضى بقية اليوم شاردا، قلقا، يفعل كل شيء بالمعكوس، لا يرد على سؤال، ويترك كوب ~~الشاي حتى يبرد، وبين الحين والآخر ينهض واقفا، ms119 ويخطو جيئة وذهابا، وهو غارق في التفكير. ~~وبلغ بهما القلق ذروته مع حلول المساء، فلم يعودا قادرين على إخفاء مشاعرهما خلف ستار من ~~الحديث. وجلسا بكوخهما في صمت. وحوالي الساعة التاسعة، بلغ مسامعهما الخوار الوحشي لعذاب ~~الاحتضار، فاندفعا سويا إلى فناء ديكيليدي موكوبي. ~~••• # جاء البيت مع الغروب، وألفى كل شيء معدا له كما طلب، فاتخذ مجلسه عازما على ~~الاستمتاع بحياة الرجال. كان قد جلب معه حزمة من علب البيرة، فجلس في الخارج يرتشفها على ~~مهل، وعيناه تستقران بين الفينة والأخرى على فناء ثيبولو. لم يلمح غير امرأته وأطفالها، ~~أما الرجل فكان غائبا عن الأبصار. وابتسم جاريسيجو لنفسه، وقد سره أنه قادر على الصياح، ~~مثل الديك، بأعلى ما يستطيع من صوت دون أن يتحداه أحد. # وضعت ديكيليدي أمامه حوضا من الماء الدافئ ليغسل يديه، ثم قدمت إليه طعامه، وفي ركن ~~آخر، قدمت الطعام لأطفالها، ثم أمرتهم بالاغتسال والاستعداد للنوم. ولاحظت أن جاريسيجو لم ~~يبد أي اهتمام بهم. كان مشغولا تماما بنفسه. ولا يفكر إلا في راحته الخاصة. ولو كان ~~أبدى لأطفاله ذرة من الحنان، لفل ذلك من عزمها، وصرفها عن الفعل الذي خططت له بعناية ~~طول فترة بعد الظهر. لم ترق هي أيضا إلى مستوى اهتمامه، فعندما جلبت صفحة طعامها وجلست ~~بالقرب منه، لم يوجه نظرة واحدة إلى وجهها. شرب بيرته وهو يرمق الفناء المجاور بين ~~الفينة والأخرى. ولم يظهر رجل الفناء مرة واحدة إلى أن ساد الظلام ولم يعد من الممكن ~~تمييز شيء. فبدا عليه الارتياح التام. وقرر أن يكرر هذا المشهد كل يوم إلى أن يحطم ~~جلد الديك الآخر، ويدفعه إلى الغضب والغلط. كان يحب هذه المناورات. # سألته: «جاريسيجو. هل ستساعدني في مصاريف مدرسة باناثوبي؟» # أجاب في غير مبالاة: «سأفكر في الأمر.» # نهضت واقفة، وحملت جرادل المياه إلى الداخل، وصبتها في حوض استحمام كبير من القصدير، ~~ليأخذ حمامه. وبينما كان يفعل، انهمكت في ترتيب الكوخ، واستكمال آخر الأعمال المنزلية ~~الروتينية. وعندما انتهت، ولجت كوخ الأطفال. كانوا قد لعبوا كثيرا ms120 طول اليوم، فوجدتهم ~~غارقين في النوم من التعب. انحنت إلى جوار الحصائر التي استلقوا فوقها، وحدقت إليهم ~~طويلا في حنان بالغ. ثم أطفأت مصباحهم، ومضت إلى كوخها. وجدت جاريسيجو مستلقيا فوق ~~الفراش، وقد بسط يديه وساقيه بطريقة توحي بأنه لم يفكر إلا في نفسه، ولا ينتوي أن يتيح ~~لأحد مشاركته الفراش. كان قد امتلأ بالطعام والشراب، فاستغرق في نوم عميق ثقيل. والظاهر ~~أن محظيته علمته أن الرجل يجب أن يلجأ إلى الفراش عاريا. هكذا رقد، غير محمي، مجردا ~~من وسائل الدفاع، منبطحا فوق ظهره. # أحدث حوض المياه قعقعة عالية عندما أخرجته من الغرفة، لكنه واصل نومه، غائبا عن الوجود. ~~عادت إلى الكوخ، وأغلقت بابه. ثم انحنت وتناولت من أسفل الفراش السكين الذي أخفته في قطعة ~~قماش. وبدقة ومهارة يديها الكادحتين، أمسكت بأعضائه التناسلية، واجتثتها بضربة واحدة. ~~وبفعلتها هذه، قطعت الشريان الرئيسي الذي يمتد إلى الفخذ، فتدفق شلال من الدماء، وزأر ~~جاريسيجو وخار معربا عن ألمه. ثم ساد الصمت. وقفت ترقب احتضاره الأليم بنظرة متفحصة ~~لا تهمل أدق التفاصيل. وانتزعتها طرقة على الباب من استغراقها. كان الصبي، باناثوبي. فتحت ~~له وحدقت إليه صامتة. كان يرتعد في عنف. # قال هامسا في رعب: «أمي. أسمعت أبي يصرخ؟» # قالت وهي تلوح بيدها في الهواء بإيماءة تعني: هذه هي الحكاية وما فيها: «لقد قتلته.» ~~ثم أضافت بحدة: «باناثوبي. استدع الشرطة.» # استدار وهرب إلى الظلام. وتردد في أعقابه وقع زوج من الأقدام فقد جرت كيناليبي عائدة ~~إلى فنائها وقد أوشكت أن تفقد صوابها من الخوف. ومن الظلام برز بول ثيبولو، فتقدم من ~~الكوخ وولجه. التقط كل التفاصيل، ثم استدار إلى ديكيليدي ونظر إليها في ألم أعجزه عن ~~النطق. وأخيرا قال: «لا تشغلي بالك بأمر الأطفال يا أم باناثوبي. سأتولى أمرهم كأطفالي ~~تماما، وسأوفر لهم جميعا الدراسة الثانوية.» # | سولا «رقيقة من الذهب تحتها مرمر» # للكاتبة الأمريكية توني موريسون (الحائزة على جائزة نوبل) ~~1973م # Sula by Toni Morisson ~~1973 # عند عودتها إلى البلدة، ألفت الحديث الاجتماعي مستحيلا عليها؛ ms121 لأنها لا تعرف الكذب. لم ~~يكن بوسعها أن تقول لواحدة من معارفها القدامى: «أنت تبدين في أحسن حال.» بينما ترى كيف ~~كست السنون البشرة البرونزية بالرماد، وكيف أن العيون التي كانت مفتوحة لآخرها على القمر ~~قد تقوست من الهم. وكلما ضاقت حياة الواحدة منهن، اعرض حوضها. من منهن لها زوج، طوت ~~نفسها في تابوت منشى، انتفخت جوانبه بأحلام الآخرين اللحمية ولوعاتهم العظيمة. أما ~~اللاتي كن بلا رجال، فكانت الواحدة منهن مثل إبرة نكدة الطرف، تبرز منها عين فارغة ~~دوما. أولئك اللاتي كن مع رجال، امتصت المواقد والقدور الحلاوة من أنفاسهن. وصار ~~أطفالهن مثل جراح نائية لكن مفتوحة، لم يخفف من ألمها انفصالها عن لحمهن. لقد نظرن ~~إلى العالم، ثم إلى أطفالهن، ثم إلى العالم، وإلى أطفالهن مرة ثانية، وأدركت «سولا» أن ~~عينا صافية شابة واحدة، هي كل ما أبقى السكين بعيدة عن استدارة الرقبة. # كانت إذن منبوذة، وكانت تعرف ذلك. تعرف أنهم يزدرونها، وتؤمن بأنهم يصوغون حقدهم في ~~قالب الازدراء للسهولة التي ترقد بها مع الرجال. فقد كانت تذهب إلى الفراش مع الرجال كلما ~~تيسر ذلك. فهو المكان الوحيد الذي يمكنها أن تجد فيه ما تبحث عنه: التعاسة والقدرة على ~~الإحساس بالأسى العميق. لم تكن دائما واعية أن الحزن هو ما تتوق إليه. ففي البداية، بدا ~~لها فعل الحب، خلقا لنوع خاص من الفرح. فكرت أنها تحب سخام الجنس وكوميديته، وكثيرا ~~ما كانت تضحك خلال البدايات الفظة، وترفض العشاق الذين ينظرون إلى الجنس باعتباره ممارسة ~~صحية وجميلة. كانت جماليات الجنس تثير ضجرها. فرغم أنها لم تعتبر الجنس ممارسة قبيحة ~~(لأن القبح مضجر أيضا)، كانت تفضل أن ترى فيه شيئا من الأذى والشر. ومع تكرار تجاربها ~~أدركت خطأ هذه النظرة بل وتبينت أنها ليست في حاجة لاستحضار فكرة الشر كي تتمكن من ~~الاشتراك فيه بكليتها. فقد وجدت خلال فعل الحب، وكانت في حاجة لأن تجد، الحافة القاطعة. ~~وعندما تخلت عن التعاون مع الجسد وبدأت تؤكد نفسها في الفعل، تجمعت فيها ذرات ms122 من ~~القوة، مثل شظايا الصلب المنجذبة إلى مركز مغناطيسي شاسع، وشكلت عنقودا متلاحما، لا يمكن ~~تحطيمه. كان ثمة سخرية وإهانة بالغتان، في الرقاد أسفل شخص ما، في وضع الاستسلام، بينما ~~تشعر بقوتها الصامدة، وسلطانها غير المحدود. لكن العنقود تكسر، وتناثرت أجزاؤه، وفي ~~لهفتها على لم أشلائه، قفزت من الحافة إلى السكون، وهوت مولولة، مولولة وقد غمرها إدراك ~~لاذع بنهايات الأشياء: عين من الأسى في مركز إعصار من الفرح. في مركز هذا الصمت، لم تكن ~~هناك الأبدية، وإنما موت الزمن، ووحدة عميقة لدرجة تجعل الكلمة نفسها بلا معنى. لأن الوحدة ~~تفترض غياب الآخرين، بينما العزلة التي صادفتها في حقل اليأس هذا، لم تكن تسمح بوجودهم. ~~عندئذ بكت. دموع موات الأشياء الصغيرة: أحذية الأطفال المستهلكة والملقاة جانبا، ~~السيقان المحطمة لعشب المستنقعات بعد أن سحقها البحر وأغرقها، صور حفلات التخرج لنساء ~~ميتات لا تعرفهن، خواتم زواج في نوافذ دكاكين الرهونات، الأجساد المرتبة للدجاج في ~~عش من الأرز. # وإذ ينفصل عنها جسد رفيقها، تتطلع إليه في عجب، محاولة أن تتذكر اسمه، بينما ينظر ~~إليها من عل، مبتسما في إدراك حنون لحالة العرفان الدامعة التي يعتقد أنه أوصلها إليها. ~~وتنتظر هي في نفاد صبر أن يتحول عنها، ويغرق في رضا لزج وقرف خفيف، فيتركها لخصوصية ما ~~بعد الجماع، حيث تلتقي نفسها، ترحب بنفسها، وتنضم إليها في انسجام فريد. # في التاسعة والعشرين، عرفت أن لن يكون ثمة طريق آخر، لكنها لم تتوقع تلك الخطوات فوق ~~المدخل المسقوف، والوجه الأسود الجميل، الذي حدق إليها من خلال زجاج النافذة الأزرق. ~~أجاكس. # يبدو كما كان منذ سبعة عشر عاما، عندما ناداها ب «لحمة الخنزير». كان وقتها في الحادية ~~والعشرين، بينما كانت هي في الثانية عشرة. كون من الزمان بينهما. # فتحت الباب الثقيل، وأبصرته واقفا خلف الآخر المنخلي، حاملا زجاجتين من الحليب، ~~مدسوستين بين ذراعيه مثل تمثالين من الرخام. ابتسم وقال: «بحثت عنك في كل مكان.» # سألت: «لماذا؟» ~~- «لأعطيك هذه.» وأومأ إلى إحدى الزجاجتين. # قالت: «لا أحب الحليب.» # قال وهو ms123 يقدم إليها واحدة: «لكنك تحبين الزجاجات، أليس كذلك؟ أليست جميلة؟» # كانت كذلك فعلا. بدت وقد تدلت من أصابعه، تؤطرها سماء زرقاء، ثمينة، نظيفة، ودائمة. ~~وأيقنت أنه ارتكب أمرا ذا خطر في سبيل الحصول عليها. # جرت بأصابعها فوق المصراع المنخلي مفكرة، ثم فتحت له الباب ضاحكة. دخل واتجه مباشرة إلى ~~المطبخ. وتبعته على مهل. وما إن بلغت الباب حتى ألفته قد أزال الغطاء السلكي المعقد، ~~وترك الحليب البارد يتدفق في فمه. # راقبته، أو بالأحرى راقبت الإيقاع البادي في رقبته، باهتمام متصاعد. وعندما جرع كفايته، ~~صب باقي الزجاجة في الحوض، وشطفها ثم قدمها إليها. تناولت الزجاجة بيد، ورسغه باليد ~~الأخرى، وجذبته إلى حجرة المؤن. لم يكن ثمة حاجة لاستخدام تلك الغرفة، لأن أحدا لم يكن ~~بالمنزل، لكن الإيماءة صدرت عن ابنة أمها بصورة طبيعية. وفي غرفة المؤن الخالية الآن من ~~زكائب الدقيق، المجردة من حبال الحبات الصغيرة للفلفل الأخضر، قابضة بشدة على زجاجة ~~الحليب المبتلة بساعدها، وقفت منفرجة الساقين لصق الحائط، واستخرجت من وركيه كل ما ~~استطاع فخذاها أن يستوعبا من لذة. ~~••• # أصبح يأتي بانتظام، حاملا هدايا: عناقيد من التوت الأسود ما زالت فوق فروعها، أربع ~~سمكات مقلية ملفوفة في صفحة من جريدة «بتسبرج كوريير» بلون سمك سليمان، حفنة من السمك ~~صغير الحجم والسن، صندوقين من شراب الليمون، قطعة ضخمة من ثلج العربات، علبة منظف «أولد ~~داتش» بصورة المرأة ذات القلنسوة التي تطرد الوسخ بعصاها، صفحة من مجلة للقصص المصورة، ~~ومزيدا من زجاجات الحليب البيضاء البراقة. # على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، عندما يشاهد متسكعا حول حمام السباحة، أو صارخا ~~في مستر «فينلي»؛ لأنه ضرب كلبه (كلب مستر فينلي)، أو موجها كلمات الغزل البذيئة ~~للمارات، كان أجاكس رقيقا للغاية مع النساء. وكانت نساؤه، بالطبع، يعرفن ذلك، الأمر ~~الذي قادهن للاشتباك في معارك ضارية حوله، فكثيرا ما خضبت النسوة - لحيمات الأفخاذ، ~~المتشاجرات بالسكاكين - ليالي الجمع بالدماء، واجتذبن الجموع الهادرة. وفي تلك المناسبات، ~~كان أجاكس يقف بين المتجمهرين، يتفرج على المتقاتلات - بنفس اللامبالاة ms124 - من عيونه ~~الذهبية التي يتابع بها الرجال المسنين وهم يلعبون الداما. ففيما عدا أمه، التي تقبع في ~~عشتها مع ستة أبناء صغار، عاكفين على جذور النباتات، لم يلتق أجاكس في حياته امرأة جديرة ~~بالاهتمام. # لم تكن رقته مع النساء في عمومها، طقسا من طقوس الغواية (فلم تكن لديه حاجة لذلك)، ~~وإنما عادة اكتسبها من تعامله مع أمه، التي بثت في أولادها روح الكرم والمراعاة ~~لمشاعر الآخرين. # كانت تمارس السحر، وحظيت بسبعة أطفال محبين، يستمدون البهجة من تزويدها بما تحتاجه من ~~نباتات، وشعر، وملابس داخلية، وقلامات أظافر، ودجاج أبيض، ودماء، وكافور، وصور، ~~وكيروسين، وتراب الأقدام، وبأن يطلبوا لها من مدينة «سينسيناتي» «فان فان»، و«هاي جون» ~~الفاتح، و«ليتل جون» من أجل المضغ، وأربطة حذاء الشيطان، والطمي الصيني، وبذور المستردة، ~~والأعشاب التسعة. # كانت عليمة بأمور الجو، والنذر، والأحياء، والموتى، والأحلام، وكافة الأمراض، وتكسب ~~عيشا متواضعا من هذه المهارات. ولو كانت لها أسنان، أو استقام ظهرها وحسب، لصارت أبهى ~~وأروع ما تحمل البسيطة، جديرة بأن يعبدها أولادها لجمالها وحده، فضلا عما تتيحه لهم من ~~حرية مطلقة (مما يعرف في بعض الدوائر بالإهمال)، وثقل معارفها الجليلة. # أحب أجاكس هذه المرأة ومن بعدها الطائرات. ولم يكن ثمة شيء بينهما. فإذا لم يكن مسحورا ~~بالاستماع إلى كلمات أمه، تراه يفكر في الطائرات والطيارين، والسماء العميقة التي تحمل ~~الاثنين. وظن الناس أن رحلاته الطويلة إلى المدن الكبيرة في الولاية، تهدف إلى قضاء أوقات ~~بالغة المتعة يعجزون عن تخيلها لكنهم يحسدونه عليها وحسب، بينما يكون في الواقع ~~منحنيا فوق الأسلاك الشائكة للمطارات، أو متسللا بين حظائر الطائرات كي يستمع إلى حديث ~~الرجال الذين أسعدهم الحظ بالانتماء إلى هذا العالم. وما تبقى من وقت كان يقضيه في الشواغل ~~العادية لعازب بلا عمل في مدينة صغيرة. وكان قد سمع الحكايات الرائجة عن «سولا»، فثار ~~فضوله، وذكرته مراوغاتها، ولا مبالاتها بعادات السلوك المستقرة، بأمه التي كانت صلبة ~~في إيمانها بالسحر والتنجيم، مثلما كانت نساء طائفة القديس «ماثيو» الأعظم في إيمانهن ~~بفضيلة التخليص ms125 من الخطيئة بتضحية لصالح الطرف الآثم. وما إن بلغ فضوله الحد الضروري، حتى ~~التقط زجاجتي حليب من شرفة أسرة بيضاء، ومضى إليها، معتقدا أنها المرأة الوحيدة، عدا أمه، ~~التي تمتلك حياتها، وتتعامل مع الحياة بكفاءة، ولا تبالي بإيقاعه في حبائلها. # كانت «سولا» هي الأخرى تشعر بالفضول. لم تكن تعرف عنه شيئا، سوى الكلمة التي ناداها بها ~~منذ سنوات، وما أثاره لديها وقتئذ من مشاعر. وكانت قد ألفت الكليشيهات التي تمتلئ بها ~~حيوات الآخرين، وضاقت ذرعا ببلدة «ميداليون». ولو كانت فكرت في مكان تذهب إليه، فربما ~~كانت قد رحلت، لكن هذا كله كان قبل أن ينظر إليها عبر الزجاج الأزرق، ويقدم إليها الحليب، ~~عاليا، كنصب تذكاري. # لكن الهدايا لم تكن هي التي دفعتها إلى احتوائه بين ساقيها. كانت الهدايا فاتنة بالطبع ~~(وخاصة برطمان الفراشات التي أطلقها في المخدع)، لكن متعتها الحقيقية نبعت من تحدثه ~~إليها. كانت لهما محاورات حقيقية. لم يتعال عليها، أو يحط من شأنها، ولا اكتفى بأسئلة ~~صبيانية عن حياتها، أو بمنولوجات عن نفسه. فقد اعتقد أنها ربما متقدة الذكاء مثل أمه، ~~ولم تخيب ظنه. وفي كل محاوراتهما، كان يصغي أكثر مما يتكلم. وكان من شأن استمتاعه ~~الواضح بصحبتها، واستعداده الكسول لأن يحدثها عن الأرواح الشريرة وقوى النباتات، وعزوفه عن ~~معاملتها كطفلة أو محاولة حمايتها، وافتراضه أنها صلبة العود، قادرة؛ كل هذا بالإضافة إلى ~~وجدان يتميز بالكرم ونادرا ما ينفث حمم الانتقام، هو ما أبقى على اهتمام سولا ~~وحماسها. # كانت فكرته عن الجنة (على الأرض مقابل جنة السماء) لا تتعدى حماما طويلا في مياه ~~شديدة السخونة، وقد استندت رأسه إلى الحافة البيضاء الفاترة، وأغمض عينيه في حلم ~~يقظة. # وقفت في مدخل الحمام، تتطلع إلى ركبتيه اللامعتين، البارزتين فوق سطح مياه الصابون ~~الرمادية: «النقع في المياه الساخنة يسبب لك آلام الظهر.» # أجابها: «النقع في «سولا» هو الذي يؤلم ظهري.» ~~- «هل هو يستحق؟» ~~- «لا أعرف بعد. اذهبي.» ~~- «طائرات؟» ~~- «طائرات.» ~~- «هل يعرف ليندبرج # 1 # شيئا عنك؟» ~~- «اذهبي.» # تركته، وانتظرته في فراش إيفا ms126 المرتفع، وقد استدارت برأسها إلى النافذة المغطاة بألواح ~~من الكرتون. كانت تبتسم وهي تفكر أنه مثل «جود» يعشق القيام بعمل الرجل الأبيض، عندما جاء ~~التوأمان بأسنانهما الجميلة وقالا: «نحن نشكو المرض.» # أدارت رأسها ببطء وغمغمت: «اشفيا.» ~~- «نحتاج بعض الأدوية.» ~~- «ابحثا في الحمام.» ~~- «أجاكس هناك.» ~~- «إذن انتظرا.» ~~- «نحن مريضان الآن!» # انحنت ومدت يدها أسفل الفراش، والتقطت حذاء، قذفتهما به. صرخا: «ماصة ...» قفزت من ~~الفراش عارية مثل كلب فناء. وأمسكت التوءم ذا الشعر الأحمر من قميصه ورفعته من عقبيه فوق ~~السياج حتى بال على نفسه. وانضم إلى الثاني ثالث، وأخذا يبحثان في جيوبهما عن حجارة، ~~ويقذفانها بها. انحنت لتتفاداها وهي تترنح من الضحك، وحملت الولد المبلل إلى المخدع، ~~وعندما تبعها الآخران، بلا أسلحة عدا أسنانهما، ألقت به فوق الفراش، وبحثت في كيس نقودها. ~~أعطت كلا منهم دولارا، اختطفوه، وهبطوا السلم جريا إلى حانوت «ديك» ليبتاعوا دواء ~~السعال الذي يعشقونه. # دلف أجاكس إلى الغرفة والمياه تتساقط منه، واستلقى فوق الفراش، تاركا للهواء مهمة ~~تجفيفه. ولزم الاثنان السكون مدة طويلة قبل أن يمد يده ويلمس ذراعها. # كان يحب أن تركبه حتى يمكنه أن يراها فوقه، ويوجه إليها، مواجهة، البذاءات الرقيقة. ~~اهتزت وتأرجحت، مثل صنوبرة من «جورجيا» فوق ركبتيها، عالية فوق الابتسامة الغاربة، ~~المتلاشية، عالية فوق العيون الذهبية وقلنسوة الشعر المخملية، مهتزة، متأرجحة، وهي ~~تركز أفكارها لتصد الاعتلال الذي كان ينتشر في فخذيها. تطلعت إلى أسفل، أسفل مما بدا ~~علوا سامقا، إلى رأس الرجل الذي كانت ملابسه الجبردين، ذات اللون الأصفر الليموني، هي ~~أول مشاعر جنسية عرفتها. تاركة أفكارها تدور حول وجهه، من أجل أن تكبح، مدة أطول، اندفاع ~~جسدها نحو صمت الأورجازم العالي. ~~(لو أنا تناولت قطعة من جلد الشامواه، ودعكت بشدة العظمة، بالضبط فوق عظمة خدك، فإن ~~بعض الأسود سيتلاشى. سوف يتقشر ويعلق بالشامواه، كاشفا عن رقيقة من الذهب. يمكنني ~~رؤيتها تلتمع خلال السواد. أعرف أنها هناك). # كم بلغ سموقها فوق جسده، الصولجان النحيل، كم كانت مراوغة ابتسامته الزلقة. ~~(ولو أنا أخذت مبرد ms127 أظافر، أو حتى قشارة إيفا القديمة - فهي تصلح - وكشطت الذهب، سيتساقط ~~كاشفا عن مرمر. فالمرمر هو الذي يعطي وجهك تدرجاته واستداراته. هو السبب في أن ابتسام ~~فمك لا يبلغ عينيك. فالمرمر يعطيه وقارا يقاوم الابتسامة الكلية). # أصابها العلو والأرجحة بالدوار، فانحنت، وتركت ثدييها يحكان صدره. ~~(عندئذ ألتقط أزميلا، ومطرقة صغيرة، وأنقر فوق المرمر لأكشطه، سيتصدع عندئذ كما يفعل ~~الثلج أسفل المعول. وخلال الشقوق سألمح الطفلة، خصبة، خالصة من الحصى وأغصان النباتات. ~~لأن الطفلة هي التي تكسبك تلك الرائحة). # انزلقت يداها تحت إبطيه؛ لأنها أدركت عجزها عن الحيلولة دون انتشار الكلل الذي شعرت به ~~أسفل جلدها إلا إذا استندت إلى شيء ما. ~~(سوف أدس يدي عميقا في تربتك، وأرفعها، وأنخلها بأصابعي، متلمسة سطحها الدافئ ~~وقشعريرة الندى تحته). # أراحت رأسها أسفل ذقنه، وقد ضاع كل أمل في صد أي شيء. ~~(لسوف أروي تربتك، وأحفظها غنية مبللة. لكن بأي مقدار؟ كم من المياه تكفي للمحافظة على ~~بلل الطفلة؟ وكم يعوزني من الطفلة لكبح مياهي؟ ومتى تصنع الاثنتان طينا؟) # ابتلع فمها، كما ابتلع فخذاها أعضاءه، وساد المنزل هدوء بالغ. ~~••• # بدأت «سولا» تكتشف معنى الامتلاك. ليس الحب، ربما، وإنما الامتلاك، أو على الأقل، الرغبة ~~فيه. روعها هذا الشعور الجديد عليها والغريب. في البداية، كان الصباح الذي سبقته تلك ~~الليلة، عندما تساءلت عما إذا كان سيمر عليها بالنهار. وبعد ظهر يوم آخر وقفت أمام ~~المرآة، تتلمس بأصابعها خطوط الضحك حول فمها وتحاول أن تقدر مدى جمالها. وانتهت من هذا ~~البحث العميق بتجربة شريط أخضر في شعرها. أحدث الحرير الأخضر عندما مررته في شعرها همسة ~~متموجة، أشبه بضحكة خافتة صادرة عن أمها، هس بطيئة خفيفة من الأنف، اعتادت أن تصدرها ~~عندما يسرها أمر. مثل جلوس النساء ساعتين أسفل مكواة الشعر، ليتساءلن بعد يومين عن قرب ~~احتياجهن لموعد جديد. وأعقب ربط الشريط نشاط آخر. وعندما جاء أجاكس في المساء، جالبا لها ~~مزمارا من القصب نحته لها بنفسه في الصباح، لم تكن بالشريط الأخضر وحسب، وإنما كان ~~الحمام يلمع، ms128 والسرير مرتبا، والمائدة معدة لاثنين. # أعطاها مزمار القصب، وفك رباط حذائه ثم جلس في مقعد المطبخ الهزاز. # اقتربت منه وقبلت فمه. وتحسس هو مؤخرة عنقها بأصابعه. # سألها: «أراهن أنك لم تفتقدي ابن القطران، أليس كذلك؟» # قالت: «أفتقده؟ كلا، أين هو؟» # ابتسم للامبالاتها اللذيذة: «في السجن.» ~~- «منذ متى؟» ~~- «السبت الماضي.» ~~- «أمسكوه ثملا؟» ~~- «أكثر من ذلك قليلا.» ومضى يحكي لها اشتباكه في إحدى بلاوي «ابن القطران». # لم يبد عليه أنه منزعج كثيرا لما حدث. الضيق فقط وعدم الارتياح. فقد سبق له الاحتكاك ~~بالشرطة عدة مرات، أغلبها في غارات القمار، ويعتبر ذلك من المخاطر الطبيعية في الحياة ~~الزنجية. # لكن سولا، بالشريط الأخضر اللامع في شعرها، غمرها الشعور بوقع العالم الخارجي عليه. ~~فاستقرت على ذراع الكرسي الهزاز، وتخللت مخمل شعره بأصابعها وهي تغمغم: «استند ~~علي.» # طرف أجاكس بعينيه. ثم ألقى على وجهها نظرة سريعة. كان في كلماتها، وصوتها، نغمة يعرفها ~~جيدا. ولأول مرة رأى الشريط الأخضر. وتطلع فرأى المطبخ يومض، والمائدة معدة لاثنين، ~~والتقط رائحة العش. انتصبت كل شعرة فوق جسده، وعرف أنها سرعان ما ستوجه إليه، ككل ~~شقيقاتها اللاتي سبقنها، السؤال-الإنذار: «أين كنت؟» وغامت عيناه بأسف عابر. # نهض واقفا، وارتقى الدرجات معها، ولج الحمام الناصع، الذي أزيل الغبار من أسفل ~~حوضه. كان يحاول أن يتذكر تاريخ العرض الجوي في «دايتون». وعندما دخل المخدع، رآها راقدة ~~فوق ملاءات بيضاء جديدة، محفوفة بالرائحة المميتة لكولونيا مستخدمة في التو. # جذبها أسفله، وأحبها بكل العزم والحدة، القمينين برجل على وشك الرحيل إلى ~~«دايتون». ~~••• # بين الحين والآخر، تنظر حولها، تتطلع حولها، بحثا عن دليل ملموس، يؤكد لها أنه كان ~~هنا. أين ذهبت الفراشات؟ التوت البري؟ المزمار القصبي؟ لم تجد شيئا من ذلك، لأنه لم يترك ~~غير غيابه المدوخ المذهل. غياب زخرفي، منمق، يحول بينها وبين أن تفهم، كيف أمكنها أن ~~تتحمل - دون أن تتهاوى ميتة، أو تتلاشى - حضوره الفائق الروعة. # لم تكن المرآة المجاورة للباب مرآة بجوار الباب، وإنما مذبح وقف أمامه لحظة، قبل أن ~~يغادر، ليرتدي قلنسوته. ms129 الكرسي الهزاز الأحمر، كان هزازا لفخذيه عندما جلس في المطبخ. ~~ومع ذلك، لم يكن ثمة شيء منه، من ذاته، يمكن العثور عليه. كأنما خشيت أن يكون الأمر مجرد ~~هلوسة، وأرادت برهانا على الحقيقة. كان غيابه في كل مكان، يلسع كل شيء يعطي الفرش ألوانه ~~الأولية، وأركان الغرف خطوطا حادة، والغبار الذي تجمع فوق سطوح الموائد ضوءا ذهبيا. ~~أثناء حضوره كان يجتذب كل شيء نحوه. ليس فقط عينيها، وكل حواسها، وإنما أيضا الأشياء ~~المجردة من كل حياة، بدت وكأنها تدين إليه بوجودها، ستائر خلفية لمسرح حضوره. والآن وقد ~~ذهب، فإن هذه الأشياء التي طغى عليها حضوره طويلا، قد غمرها السحر في أعقابه. # وذات يوم، بينما هي تنقب في أحد الأدراج، عثرت على ما كانت تبحث عنه، البرهان: رخصة ~~قيادة. كانت تحمل كل ما احتاجت إليه تماما من أجل التثبت. المواصفات الأساسية: الميلاد ~~1901م، الطول 5,11، الوزن 152 رطلا، العيون عسلية، الشعر أسود، اللون أسود. أجل، البشرة ~~سوداء. شديدة السواد. سوداء لدرجة أن الدعك طويلا وبعناية بالصوف الفولاذي، سيزيل ~~اللون، لتتجلى لمعة رقيقة الذهب، وتحتها المرمر البارد، وأسفله، تحت خالص أسفل المرمر ~~البارد، مزيد من السواد، لكنه هذه المرة سواد الطفلة الدافئة. # لكن ما هذا؟ ألبرت جاكس؟ اسمه ألبرت جاكس؟ أ. جاكس. وكانت تظنه أجاكس. كل تلك السنوات. ~~منذ اللحظة التي مشى فيها إلى جوار قاعة السباحة، وأشاحت عنه بعينيها وقد جلس منفرج ~~الساقين فوق مقعد خشبي، أشاحت بعينيها لتتجنب الفضاء الواسع من الترتيب المفرط بين ~~ساقيه، الفضح الذي لا يحمل أية علامة، لا علامة على الإطلاق، للحيوان الرابض في بنطلونه، ~~أشاحت بعيدا عن منخريه المتغطرسين، والابتسامة التي ظلت تنزلق وتهوي، تهوي حتى أرادت ~~أن تمد يدها وتمسك بها قبل أن تبلغ الرصيف، وتتلطخ بأعقاب السجائر وأغطية الزجاجات، ~~والبصاق، أسفل قدميه، وأقدام الرجال الآخرين الذين جلسوا أو وقفوا خارج القاعة، يصيحون ~~ويغنون لها هي و«نيل» والنساء البالغات أيضا، أناشيد مثل «لحم الخنزير»، و«السكر العسلي»، ~~و«يا إلهي، ماذا فعلت لأستحق الغضب» و«خذني أيها ms130 المسيح، فقد رأيت الأرض الموعودة»، ~~و«تذكرني يا إلهي»، بأصوات متلعثمة، رققتها عاطفة فقدت الأمل. حتى وقتئذ، عندما كانت ~~هي و«نيل» تحاولان جاهدتين ألا تحلما به، وألا تفكرا به عندما تلمسان النعومة الملساء تحت ~~ملابسهما الداخلية، أو تحلان ضفائر شعرهما بمجرد أن تغادرا المنزل، ليتموج ويتطاير حول ~~آذانهما، أو يلفا الأربطة القطنية حول صدريهما، حتى لا تخترق الحلمات قماش البلوزتين، ~~فتعطيه ذريعة لأن يبتسم ابتسامته المنزلقة الهاوية، التي ترسل الدماء في بشرتيهما. وحتى ~~فيما بعد، عندما رقدت لأول مرة مع رجل، ونطقت اسمه مكرهة، أو قالته وهي تعنيه (هو)، لم ~~يكن الاسم الذي تهتف به وتتلفظه هو اسمه على الإطلاق. # وقفت وبين أصابعها قطعة بالية من الورق وقالت بصوت مرتفع، مخاطبة لا أحد: «لم أعرف حتى ~~اسمه. وبما أني لم أعرف اسمه، فليس هناك ما عرفته، ولم أعرف شيئا على الإطلاق منذ كان ~~الشيء الوحيد الذي أردت أن أعرفه هو اسمه، فكيف إذن لا يتركني وقد كان يمارس الحب مع ~~امرأة لا تعرف حتى اسمه.» ~~- «وأنا طفلة، كانت رءوس عرائسي المصنوعة من الورق تنفصل عن أجسادها، ومضى وقت طويل قبل ~~أن أكتشف أن رأسي أنا لن يقع إذا ما أحنيت عنقي. اعتدت أن أمشي برأس متصلب خوفا من أن ~~تنقصف رقبتي إذا ما هبت عليها ريح قوية أو تعرضت لدفعة شديدة. «نيل» هي التي صححت لي ~~أوهامي. لكنها كانت مخطئة. فلم يكن رأسي متصلبا بالقدر الكافي عندما التقيته، ففقدته ~~مثل العرائس.» ~~- «حسن إنه رحل. فسرعان ما كنت سأمزق اللحم عن وجهه لأتأكد من أمر الذهب، وما كان أحد ~~ليفهم هذا النوع من الفضول. كانوا سيعتقدون أني أردت إيذاءه، كما حدث مع الصبي الصغير ~~الذي سقط فوق السلم وكسرت ساقه، وظن الناس أني دفعته، لمجرد أني انحنيت فوقه ~~أتفحصها.» # زحفت إلى فراشها، ورخصة القيادة بين أصابعها، واستغرقت في نوم مفعم بأحلام زرقاء ~~مخضرة. # وعندما استيقظت، كانت في رأسها نغمة لم تتمكن من تمييزها، ولم تتذكر أنها سمعتها من ~~قبل. فكرت: «لعلني ابتدعتها.» ms131 ثم تذكرت؛ اسم الأغنية وكل كلماتها كما سمعتها من قبل ~~مرات عديدة. جلست على حافة الفراش تفكر: «لم تعد هناك أغان جديدة، وقد غنيت كل ما هو ~~موجود منها. غنيتها كلها. كل الأغاني الموجودة.» وعاودت الرقاد، ومضت تترنم بنغمة ~~قصيرة نشاز تتألف من كلمات «غنيت كل الأغاني، كل الأغاني، غنيت كل الأغاني الموجودة.» ~~حتى تأثرت بتهويدتها، فنعست، وفي غور حافة النوم ذاقت طعم الذهب الحريف، وشعرت ~~بقشعريرة المرمر، واشتمت النتانة السوداء الحلوة للطفلة. # | القلب النازف # للكاتبة الأمريكية مارلين فرنش (1980م) # The bleeding heart by Marlyn French (1980) ~~(«دولوريس» أستاذة جامعية أمريكية في الخامسة والأربعين من عمرها، مطلقة ولها ~~طفلان، طويلة، نحيفة، ينحني كتفاها دائما إلى الأمام «كأنما تحاول حماية ثدييها ~~أو قلبها.» # منذ البلوغ، اعتبرت النشاط الجنسي عبودية للجسد، فنظرت إليه بامتعاض. لكنها ~~تعلمت على مر الأعوام، أن تثق بجسدها: «فهو الشيء الوحيد الذي ينبئك بالصدق. ~~العقل يكذب، لكن الجسد لا يفعل.» # تحصل على منحة دراسية في جامعة «أوكسفورد» الإنجليزية لمدة عام. وفي القطار تلتقي ~~«فيكتور»، نائب مدير شركة أمريكية كبرى للإلكترونيات، في نفس عمرها، متزوج وله ~~أطفال، جاء إنجلترا ليفتح فرعا لشركته. # تنشأ بين الاثنين علاقة. وتحدثه عن ماضيها فتقول إنها التزمت العفة عدة سنوات: ~~«مررت بفترة سيئة مع رجل كنت مجنونة بحبه. أو ظننت أني مجنونة بحبه. ولم ~~تندمل جراحي لبعض الوقت. ثم بدأت أعمل في كتابي الثاني، عن صور المرأة في أدب عصر ~~النهضة .. واستحوذ هذا العمل على كل كياني، وملأني بالغضب .. الغضب مما ارتكب في ~~حق النساء. وبالإضافة إلى ذلك، كان الكتاب يأخذ كل وقتي؛ كل الوقت الذي لا أقضيه في ~~التدريس ورعاية الطفلين، اللذين كانا في دور المراهقة وقتها، والعناية بالمنزل، ~~والتنظيف، والطهي .. لم يكن لدي وقت لأي شيء آخر .. هكذا انتقلت إلى مرحلة ~~العفة».) # سرعان ما اتخذت حياتهما معا نسقا واضحا، روتينيا، وهو ما كانت دولوريس تفزع منه. لكن ~~شهرا انقضى دون أن تتعرض علاقتهما لشيء. كانت لفيكتور شقة في لندن تدفع شركته إيجارها. ~~وكان ms132 يقضي بها أغلب ليالي الأسبوع، ثم يأتي إلى «أوكسفورد» ليقضي معها نهاية الأسبوع. ~~وعندما تطلب عملها أن تتردد على المتحف البريطاني يومين، أقامت معه في لندن. وعندما ~~طرأ له عمل في أوكسفورد، أقام في فندق «رادولف» وصار يأتيها في الأمسيات. ولم يحدث أن ~~أخذها معه إلى الفندق. لاحظت ذلك. # أحيانا سيضطر إلى القيام برحلات عمل إلى «مانشستر» أو «بيرمنجهام» «أوليدز». وأحيانا ~~إلى القارة. ذكر لها هذا في سرور. ألن يكون الأمر رائعا لو ذهبنا سويا؟ سيستأجر سيارة، ~~وينطلقان بها. سيكونان معا، ويشاهدان شيئا من إنجلترا. # تراجعت قليلا إلى الوراء: «أجل .. أظن ذلك .. وقتا ما ...» ~~- «ألا تريدين؟» غير مصدق. ~~- «أجل .. سأحب ذلك .. عندما أستطيع.» ~~- «وما الذي يمنعك؟» ~~- «فيكتور. عندي عمل لا بد من القيام به. لدي سنة واحدة فقط هنا، ومادة كثيرة تتطلب ~~الدراسة.» ~~- «ألا يمكنك أن تأخذي عملك معك؟ أنت تعملين هنا.» وأشار إلى مائدة غرفة المعيشة التي ~~تكومت فوقها المذكرات، وبطاقات الأرشفة. ~~- «أحيانا. الأمر يتوقف على النقطة التي أعالجها. أحيانا لا بد من العمل في ~~المكتبة.» # لزم الصمت، عابسا، بينما كانت تعض شفتها من الداخل. # قال أخيرا: «لدينا فسحة ضئيلة من الوقت. وأريد أن أستغل كل دقيقة، كل دقيقة تتاح ~~لنا.» ~~- «وأنا أيضا. لكني لا أطلب منك أن تنتزع أياما من عملك.» ~~- «الأمر مختلف.» ~~- «لماذا؟» دائما الأمر مختلف عندما يتعلق بالمرأة. فأيا كان ما تفعله، فهو بغير ~~أهمية. «تود» الذي كان يتوسل إليها أن تدق له رسالته على الآلة الكاتبة. وتقول له: «عندي ~~امتحان تخرج.» فيرد: «الأمر مختلف. فليس لديك موعد نهائي.» وكان ذلك هو نهاية تلك ~~العلاقة. # قال: «لا حيلة لي في نظام حياتي. فهو مفروض علي من الخارج. فيجب أن أكون في أماكن ~~معينة في أوقات معينة. أما أنت فتملكين تنظيم وقتك كما تشائين.» # قالت في فتور: «العمل هو الذي ينظم حياتي.» # نهض واقفا ومضى إلى المطبخ. كان بوسعها أن تسمعه وهو يعد القهوة. وانصرفت إلى ~~أوراقها. # عاد بفنجان واحد من القهوة، وجلس في طرف الحجرة، عابسا. ms133 # توقفت عن العمل ونظرت إليه. «فيكتور. ما قولك لو طلبت منك أن تتغيب يومين عن عملك ~~لنذهب إلى «الدبرج» حيث نقضي عطلة نهاية أسبوع طويلة؟» ~~- «أين؟» ~~- «الدبرج. أي مكان.» ~~- «سأقول إني سأرى. سأحاول.» ~~- «حسنا. هذا هو ما قلته أنا لك.» # قال عابسا: «أوكي.» # قالت ساخطة: «ماذا تريد مني؟» ~~- «لا شيء. لا شيء.» يحاول أن يبدو شهيدا! ~~- «أنت معتاد على المرأة التي تلقي بما في يدها بمجرد أن تناديها. أليس كذلك؟ هل لديك ~~صفارة؟» شريرة. # حملق فيها مغضبا: «لم أحتج لواحدة أبدا.» شرير مضاد. # لكنها ضحكت، فضحك بدوره، في شيء من المرارة والعناء، مرتبكا. # قال: «أوكي. ستحاولين. ما رأيك في الثلاثاء والأربعاء القادمين؟ علي أن أذهب إلى ~~برمنجهام.» ~~- «سأحاول. سأحاول.» # بشفتين مطبقتين: «متى تعتقدين أنه سيكون بوسعك إخباري؟ لأني سأذهب بالطائرة إن لم تأت؛ ~~فهي أسرع. ثم هناك الترتيبات والحجز واستئجار سيارة.» ~~- «سأعرف يوم الجمعة. سأرى قدر ما أنجزت، والنصوص التي يتعين علي مراجعتها.» ~~- «سيكون هذا متأخرا بعض الشيء.» ~~- «إذن قم بالعمليتين. احجز في الطائرة وفي السيارة. ثم ألغ الحجز الذي لن ~~تحتاجه.» ~~- «لست في حاجة لمساعدات في إيجاد مخرج، شكرا.» # عادت إلى عملها نافدة الصبر. وجلس يحتسي القهوة، وقد تناثرت أوراقه على الأرض إلى جوار ~~مقعده، بينما استقرت حقيبة أوراقه فوق المقعد الوطيء. وفجأة ركل المقعد. # رفعت بصرها إليه. إنه يتصرف حقا كالأطفال. # قال: «أعرف، أعرف. أفهم، لكني لم أعتد ذلك بعد. سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى ~~آلفه .» ~~- «تألف ماذا؟» ~~- «أنت! دماغك المتصلبة.» ~~- «دماغي المتصلبة!» مجرد الرغبة في إنجاز العمل؟ # ابتسم في بذاءة: «عنادك إذن!» # بادلته الابتسامة البذيئة: «كل ما عليك أن تألفه هو قليل من المرونة.» ~~- «أوكي، أوكي.» وركل المقعد حتى قلبه. «لقد سئمت هذه الأوراق. تعالي نخرج ونتريض ~~قليلا.» # تصلب ظهرها. كانت في وسط شيء وتريد أن تنتهي منه. # قالت: «أوكي.» # نهضا واقفين، وتقدم منها فوضع يده على ظهرها. ~~- «للأمانة يا لوري، لم أقصد مضايقتك.» ~~- «ألم أطلب منك ألا تناديني بهذا الاسم؟» ~~- «أنا أحبه. ألا يمكنك أن تكوني ms134 مرنة قليلا أنت الأخرى؟» ~~- «بشأن اسمي؟» يظن الرجال أن بوسعهم إطلاق ما يشاءون من أسماء على النساء، لأن هذا ما ~~فعله آدم. وبهذا يعطون المرأة الشكل والوظيفة اللذين يريدونهما لها. «طوال أعوام زواجي، لم ~~يدعني زوجي باسمي مطلقا.» ~~- «كيف كان يدعوك إذن؟» ~~- «حسب الأحوال. عسل، وحلوة، أو فاجرة وعاهرة.» # ضحك: «خطيئة لم أرتكبها.» ~~- «لكنك فعلت. لوري. إنها تحط من شأني.» ~~- «إنها تعبر عن الحب.» ~~- «لوري. جودي. جيل. بانسي. أسماء فتيات صغيرات. نحن نعطي النساء أسماء لا يمكنهن أن ~~ينضجن وينمون معها. هل بوسعك أن تتصور سيدة في التسعين من عمرها تدعى «جودي»؟ أو «جيل» ~~بصلعة وعكاز؟ أو«دونا» تخلع أسنانها الصناعية؟» ~~- «يمكنك أن تناديني بما شئت من أسماء، وسأستجيب لك دائما.» وابتسم متظاهرا ~~بالعهر، ثم مضى إلى الصالة ليجلب سترتيهما. # ابتسمت في خبث: «وماذا عن أنتوني؟» ~~- «ماذا قلت؟» بصوت غير واضح من بين المعاطف. عند باب المسكن. «ماذا؟ أوه، اسم ~~زوجك؟» # ورأى ابتسامتها، فانفجر ضاحكا، وانقض عليها، وصارعها إلى أن أوقعها أرضا، وكانت تلك هي ~~نهاية التمشية المقترحة. ~~••• # في النهاية، مضت معه إلى برمنجهام. انطلقا فوق طرق السيارات، مخترقين الأراضي ~~الإنجليزية الخضراء. كانت الأبقار تستريح فوق سهول من المخمل الأخضر، بينما انتصبت في ~~الأفق مداخن بيضاء .. أجزاء من مولدات كهربائية، وبالقرب أبراج كهرباء تحمل أسلاكا سميكة ~~متأرجحة. # قالت وهي تومئ إلى المشهد: «إنهم يفعلون ذلك أفضل منا .. أقصد الجمع بين الصناعة والأرض ~~الزراعية.» ~~- «في بعض الأماكن. لكن معدل الإنتاج لديهم لا يرقى إلى مثيله عندنا أبدا.» ~~- «من السهل أن تكون فعالا وأكثر كفاءة عندما تريد شيئا واحدا وحسب.» # رمقها بنظرة سريعة: «ماذا تعنين؟» ~~- «إذا كان الربح هو كل ما يعنيك، يمكن أن تحصل عليه بسهولة. أما إذا كنت تهتم أيضا ~~بأمر الأرض التي تلوثها، والناس الذين تسممهم، وبسلامة المنتج الذي تصنعه، لن يكون ~~الأمر سهلا. فأمامك أهداف عديدة، ولا بد أن تكون دائريا لا خطيا.» ~~- «التفكير الدائري لا يؤدي إلى شيء. فهناك الكثير منه. كثير من النقاد ذوي الرءوس ~~الخفيفة الذين ms135 لا يعرفون عم يتحدثون.» ~~- «تقصد أنصار حماية البيئة؟» ~~- «هم وغيرهم. الأكاديميون. من لا يملكون السلطة وينتقدون حائزيها.» ~~- «أوه، فيكتور، هل تظن حقا أن هذا هو كل ما في الأمر؟ وأنه لا يوجد أساس حقيقي ~~للاهتمام بالقضايا العامة؟» ~~- «بالتأكيد يوجد لدى البعض. لكن ما أعرفه، هو أن الدوافع الحقيقية للبشر، برغم ما ~~يدعونه، هي حيازة القوة والسطوة. السطوة هي ما يسعى وراءه الجميع في واقع الأمر.» # حاولت أن تكيف ذهنها، وتحول تروسه إلى نقطة تمكنها من مجادلته. وكان ذلك ~~عسيرا. فقد بدا لها حديثه آتيا من أرض غريبة تماما عن تلك التي عاشت فيها، ولم تجد ~~العبارات الواضحة التي تمكنها من اختراق الحدود. # بدأت في تردد: «هناك أنواع كثيرة من السطوة.» # وافقها في سرور: «بالتأكيد. ولدى كل شخص النوع الذي يناسبه. هذا ما يجب أن يدركه فاعلو ~~الخير. الجميع يعرفون ما يريدون، وهم يحصلون عليه.» # انتصب جدار في الحدود القائمة بين بلديهما. ~~- «القوة السياسية لا يريدها كل إنسان. ولا يستطيع الجميع استخدامها. لكن كل واحد يريد ~~بعضا منها. ولدى الجميع بالفعل هذا البعض. وقد تكون مجرد السلطة على الزوجة والأولاد، أو ~~في لعبة كرة أو شطرنج.» ~~- «القوة التي تتحدث عنها تبدو ذكورية تماما .. السلطة على الزوجة والأولاد؟» ~~- «أوه، يا للنساء! يا إلهي، هل راقبتهن عن كثب، هاته الأمهات، التابعات، السلبيات، ~~المجردات من كل حيلة؟ إياك أن تقللي من شأن قوة الضعفاء والعاجزين!» # حدقت فيه صامتة. كان يقود بسرعة . ولم تربكه القيادة على الجانب الأيسر من الطريق. كانت ~~نافذته مفتوحة، يهب منها الهواء على شعره، وذراعه اليمنى مستقرة على حافة النافذة، ~~بينما يسراه توجه المقود في ثقة. بدا لها جميلا، بدا لها كأنه يقود قاربا في مواجهة ~~الرياح. جميل وواثق ومحدد. يعرف ماذا يفعل. ويعرف فيم يفكر. ويملك العبارات التي يعبر ~~بها عن أفكاره. # من السهل أن تكون جميلا، وأن تكون متناسقا مع نفسك، عندما تفكر بنفس الطريقة التي تفكر ~~بها القوى الموجودة في عالمك. سهل جدا أن تكون على صواب، واثقا، ms136 واضحا، إذا كنت رجلا، ~~أبيض، مهتما بالربح، وناجحا، بينما هي عاجزة عن صياغة عبارة واحدة تجادله بها. # حاولت من جديد: «هناك القوة (ل) فعل شيء ما، ويجب أن تتوفر للكافة، لكنها ليست موجودة لدى ~~الجميع. القوة لعزف «باخ»، أو للعب التنس. وهناك القوة (فوق) شيء أو إنسان، ولا يجب أن ~~يتمتع بها أحد، لكن الناس يمارسونها.» ~~- «ها، ها! أرأيت أبدا عالما لا يفعلون فيه غير ذلك؟ إنك تحولين الواقع إلى موضوع ~~أكاديمي، إلى علم سياسي أو شيء آخر ملعون. كل شخص يملك شكلي القوة اللذين ~~تصفينهما.» ~~- «بالله عليك يا فيكتور، ما هو نوع القوة التي يملكها طفل أسود في أحياء الزنوج الفقيرة ~~المزدحمة؟ أو عامل زراعي متجول؟ أو امرأة غير متعلمة مع زوج متوحش تعمل في مصنع مع ~~ملاحظ على نفس الدرجة من الوحشية؟» ~~- «ربما القوة على تمزيق شخص ما إربا، أو لجمع كمية من الخس أكثر من غيره، أو لطهي حلة ~~كبيرة من اليخني. لا أعرف. أعرف فقط أن كل إنسان يمتلك شيئا ما.» # انفجرت كالقذيفة: «لم ألتق في حياتي بمثل هذا القدر من الرضا عن النفس! ما أجمل أن ~~تعتقد أننا نحصل على كل ما نرغب فيه، ونمتلك جميعا ما نستحقه! ما أجمل أن تتصور البشر ~~جميعا في حالة حرب - لأن هذا هو ما تقوله في الحقيقة - عندما تكون بين الرابحين! أما ~~الحقيقة فهي أن كثيرا من الناس لم تتح لهم حتى الفرصة ليعرفوا ما يريدونه، فضلا عن ~~التوصل إلى وسائل الحصول على هذا الذي يريدونه!» ~~- «الأمر لا يحتاج إلى فرصة، يحتاج فقط إلى مجرد التفكير.» ~~- «إنه يحتاج إلى فضاء! فضاء للاختيار، فضاء لتقليب الإمكانيات. أية امرأة هندية في بلدة ~~ناعسة بجواتيمالا لا يمكنها أن ترى ما وراء قريتها المغبرة، ولا تستطيع أن ترى لنفسها ~~مستقبلا يختلف عن ذلك الذي تعيشه أمها وخالاتها وأخواتها وصديقاتها.» ~~- «وما هو الخطأ في هذا؟» ~~- «الخطأ في هذا أنها ربما تكون تعسة!» ~~- «هراء. إن تطلعاتها ليست كبيرة، وبالتالي فهي غالبا أقل تعاسة من ms137 امرأة من الطبقة ~~المتوسطة ذات طموح. وعندما تصبح بلدة امرأتك الناعسة في جواتيمالا مستعدة للتقدم، ستعثر ~~عليه.» # أطبقت يديها بعنف حتى حفرت أظافرها في راحتيها. # واصل: «أغلب الناس يعيشون في حالة من اللامبالاة وفتور الشعور. وهؤلاء لا يستحقون مني ~~تنهيدة.» # تكلمت بهدوء وحزن: «كأنك تؤمن بأن كل ما يحتاجه الناس هو الطموح والإرادة. لكن هناك ~~الملايين الذين لن يتاح لهم أبدا إمكانية الاختيار لأنهم لا يرون جيدا، ولا يملكون ~~الطاقة لذلك؛ لأنهم لم يتلقوا غذاء كافيا. الناس يوضعون قسرا في الأماكن التي ~~يحتلونها في الحياة.» ~~••• # كيف حدث أنها أصبحت عازفة عن الجنس؟ متى بدأ ذلك، متى بدأت الوجوه تتلاشى، والأفواه ~~تنفرج وتنغلق من تلقاء نفسها، في بلاهة وغباء، مرددة أنا، أنا، أنا، سيارتي، مباراة ~~الكرة، أفضل مطعم في لندن باريس نيويورك ميلواكي، نفس الأشياء مرارا وتكرارا ... متى بدأت ~~أذناي تنغلقان؟ هل حدث ذلك بعد (سول)، الذي أخذ خطوتين إلى الأمام وثلاثا إلى الخلف؟ أم ~~(دوج) الذي كان يمارس الجنس ثم كف مجللا بالعار؟ # أو لأنها في كل مرة تتعرض فيها لتجربة سيئة مع رجل تقول: لن أكرر هذا ثانية .. ~~أقل شخصا ما إلى برينستون، وأصغي إلى مشاكل صبي مع أهله، ولا أبدي غضبي عندما أكون ~~جائعة .. وكل «لن أكررها ثانية» تؤدي إلى مسافات أطول وأطول بين العشاق. وأخيرا لا ~~عشاق بالمرة. # وبفطنتها، كانت تقرأ بسهولة، وتفسر السلوك، فتحذر ما إذا كان أحدهم يريد أمومة، ~~تمريضا، تطبيبا، علاجا نفسيا، تثقيفا، استرضاء، إطعاما، ملاطفة، مديحا. عطاء، ~~عطاء، عطاء. دائما. # ولم لا؟ العبودية للجسد، الجنس. وفضلا عن ذلك، ليس الجنس هو ما تريده النساء من ~~الرجال في واقع الأمر. فهن يشبعن أنفسهن بشكل أفضل. إنما هو شيء آخر، الرغبة في جسد من ~~ورائك، يمكنك أن تستند إليه برأسك، وتثق في أنه لن يتحرك من مكانه، لن يجز رقبتك، أو ~~يقطع رأسك، أو يجذب شعرك. إنه رفقة شخص ما موجود. كارول بصوت متبلد: «أجل، 25 سنة. إنها ~~مدة طويلة. ليس زواجا ناجحا. بل هو ms138 ميت تماما. فنحن لا نتحدث. إننا مجرد ساكنين ~~لنفس المنزل. كل ما هنالك أننا نعيش في منزل واحد. شيء واحد هو الذي يبقيني هنا، وهو ~~يساوي كل الملل والروتين. إنه الرقاد في الفراش إلى جواره. لست أتحدث عن الجنس. فقط ~~الرقاد إلى جواره. وجسده دافئ ومتين إلى جواري. إنه أمر لطيف. مريح.» ~~••• # لماذا تتكرر القصة القديمة دائما؟ دائما المرأة هي التي تدفع الثمن، رغم كل النوايا ~~الطيبة من الجميع. ms139