######OpenITI# #META# URI: 1450SuncAllahIbrahim.Talassus.Hindawi24840807 #META# Tags: novels #META# ID: 24840807 #META# Title: التلصص #META# AuthorID: 17162047 #META# Author: صنع الله إبراهيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبل أن تقرأ‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # شكر واجب‏ # قبل أن تقرأ‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # شكر واجب‏ # | التلصص # | التلصص # تأليف # صنع الله إبراهيم # | قبل أن تقرأ # واكبت سنوات مراهقتي نهاية العهد الملكي في مصر. كانت البلاد ~~تموج بدعوات التحرر الوطني من الوجود الإنجليزي العسكري، والتحرر ~~الاجتماعي من سيطرة الإقطاع، ومن الأمية والمرض والحفاء! .. وشكلت ~~هذه البيئة وجداني، وخاصة الحديث عن أن المعرفة هي كالماء والهواء ~~يجب أن تكون للجميع وبالمجان. # وفي مغرب يوم من سنة 1951م، كنا أنا وأبي عائدين من زيارة لأحد ~~أقاربنا في شرق القاهرة. توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ «الباص» إلى ~~غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم! كانت ~~مقاعد «الباص» آنذاك - والترام أيضا - مقسمة إلى درجتين بثمنين ~~متفاوتين للتذاكر التي يوزعها «كمساري» برداء أصفر مميز أثناء ~~مروره على الركاب. # جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت ~~في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقا في أفكاره التي ~~تثيرها دائما أمثال هذه الزيارات. # قلت بحماس طفولي: «سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح ~~الركوب بالمجان.» # تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفت: «والكتب أيضا!» # تطلع إلي باستياء من سذاجتي: نعم! الكتب بالمجان؟ يا لها من ~~سذاجة! # ولم أتصور وقتها أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبي أنا متاحة ~~للقراءة بالمجان! وذلك بفضل مبادرة جريئة من مؤسسة مصرية ~~طموحة، فشكرا لها! # صنع الله إبراهيم # | الفصل الأول # 1 # يتمهل أبي في مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده ~~إلى فمه. يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين إلى أعلى. يتأكد ~~من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء ~~المطفأة من ركن فمه. ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل. يبسط ~~أساريره لتتلاشى تجاعيد جبهته. يرسم ابتسامة على شفتيه. يقبض على ~~يدي اليسرى. نتلمس طريقنا في ضوء الغروب. # نتجه يمينا نحو الفتحة الوحيدة للحارة. ندلف إلى الشارع الذي ~~يعج بالمارة والحوانيت. ms001 بقالة الحاج «عبد العليم». شيخ الحارة ~~ينادينا: ~~- تفضل يا «خليل» بيه. # يجيب أبي في وقار: حنمر واحنا راجعين. # دكان الخردواتي يشع بالنظافة وتتصاعد منه رائحة الفنيك. ~~باترينة زجاجية رصت داخلها قطع الشكولاتة والحلوى. أجذب يد أبي ~~ناحيتها فينهرني. الجزمجي، المقاعد المرتفعة وأسفلها ماسحو ~~الأحذية. حامل الصحف في المدخل والراديو الضخم في المؤخرة. كواء ~~الطرابيش. القاعدة النحاسية المستطيلة وفوقها القوالب النحاسية ~~الضخمة. وأخيرا الميدان. # الأنوار باهتة في لحظة أول الليل. صورة الملك مضاءة بالمصابيح. ~~لافتات تهنئه بعيد ميلاده. لوحات الإعلانات السينمائية. فيلم ~~«الشاطر حسن» به قسم بالألوان الطبيعية. «الفارس الأسود» بسينما ~~«ميامي» والترجمة العربية على نفس الفيلم. أشعر بلسعة هواء باردة ~~أحسها في ركبتي المكشوفة بين حافة البنطلون القصير والشراب الصوفي ~~الطويل. يدي اليسرى دافئة في قبضة أبي القوية. الترام رقم 22 ~~بعربتيه المكشوفتين ودككه الخشبية. أسابقه مع الأولاد من جهة ~~اليسار لنقفز إليه ونثبت بذلك قدرتنا على التهرب من الكمساري. ~~أوشك أن أقع تحت عجلات الترام المعاكس. # نستقل العربة الثانية. يزنقني في الركن لأبدو أقل من سني. ~~يستخرج من جيب الصديري ثمانية مليمات للتذكرة. نغادر في ميدان ~~«السيدة» الحافل بالأضواء. عربة «سوارس» يجرها بغلان ضامران. ~~يملأ الركاب دكتين متقابلتين ويقف بعضهم على السلم الخلفي. سوط ~~السائق يلسع ظهر الحيوانين. عجوز سمينة تفترش الأرض خلف صينية من ~~أعقاب السجائر. مكان ضيق في نهايته طاولة صغيرة يعلوها حاجز ~~زجاجي. عجوز محني الظهر ذو لحية كثيفة. يخرج أبي ساعة جيبه ~~المستديرة من جيب صديريته. يتفحصها العجوز بدقة ثم يضعها جانبا. ~~يعطي أبي بعض النقود. # الشارع من جديد. بائع يانصيب علق أوراقه على الحائط. يخرج أبي ~~ورقتين من جيبه ونظارة القراءة. يقارن أرقامهما بدفاتر البائع. ~~يكمش الورقتين ويلقي بهما في الطريق. يشتري ورقتين جديدتين؛ ~~واحدة باللون الأزرق والثانية بالأحمر. # صف من باعة الأشياء القديمة وماسحي الأحذية. كوم من النظارات ~~القديمة فوق جريدة على الأرض. البائع يرتدي نظارة طبية مكسورة ~~من المنتصف وملحومة بقطعة بارزة من الصفيح. ينحني أبي ويقلب بين ~~النظارات. يختار واحدة ويطلب ms002 مني أن أرتديها . أضع النظارة فوق عيني ~~وأتطلع حولي. أجرب نظارة أخرى. ثالثة بيضاوية في إطار رفيع من معدن ~~مذهب. أشعر بتحسن في الرؤية. يفاصل أبي في ثمنها. ~~يشتريها. # أرتدي النظارة وأتبع أبي حتى دكان عطارة يشتري قرفة وفلفلا ~~أسود مطحونا وقرنفلا. أرى الآن بوضوح. # مرة أخرى في عربة الترام المكشوفة. نصعد القمرة الأخيرة المسقوفة ~~التي تحوي دكة واحدة موضوعة بعكس الاتجاه. نمر كالسهم بمحطة ~~اختيارية خالية. ينبعث الشرر من السنجة. أضع يدي على نظارتي خوفا ~~من أن تطير. ندلف إلى ميدان «الظاهر». سينما «فاليري» الصيفية ~~مغلقة. أمي في فستان ملون. رأسها مغطى بإيشارب حريري يحيط ~~بوجهها. في قدمها حذاء بكعب متوسط الارتفاع مقفول من الأمام. لونه ~~أزرق مع أبيض. تجلس في مقعد بذراعين من القش. أهم بالجلوس فوق ~~فخذيها فتبعدني عنها. يأخذني أبي بين ساقيه. يمر بنا بائع في ~~جلباب نظيف علق في ذراعه سبتا مغطى بالقماش. يشتري أبي لكل ~~منا سميطة بالسمسم. يعطينا البائع معها شريحة من الجبن الرومي ~~فوق ورقة في حجم الكف. # تتأرجح العربة يمينا ويسارا. يضمني أبي إليه ليحميني من ~~الهواء البارد. أنكمش في حضنه. تغمرني رائحته المشبعة بدخان التبغ. ~~أقاوم النعاس. أود أن أقوم لأدير يد الفرملة وأرى أثرها على دائرة ~~التروس أسفلها. أتمنى لو أجد نفسي في الفراش، فوق مرتبة على سجادة ~~حجرة «المسافرين» إلى جوار الخادمة. الغرفة مظلمة وبابها مفتوح ~~تبدو منه الفسحة. شعاع من ضوء المصباح الكهربائي لغرفة الطعام. ~~الخادمة تغني مع الراديو: «يا أبو العيون السود.» ينطلق صوتها ~~خافتا قريبا من أذني. يدها تعبث بشعري وتتحسس جلد رأسي. تنتهي ~~الأغنية فتحكي لي قصة الشاطر حسن. تتحول المقاعد القابعة في ~~الظلام إلى جبال وجياد وقصور. يرضع الشاطر حسن من ثدي الغولة ~~فتقول له: «أخدت قطة من بزي اليمين بقيت زي ابني سماعين، وخدت ~~قطة من بزي الشمال بقيت زي ابني سليمان.» # يبطئ الترام عندما يشرف على الميدان. نغادره ونعبر الطريق. ~~يتوقف أبي عند الجزار. ضخم الجسم ذو شارب رفيع شديد السواد. ms003 ~~يرتدي جلبابا أبيض ملوثا ببقع الدماء. يطلب أبي رطلا مشفى ~~يصلح لعمل «كمونية». # يشمر الجزار كمي جلبابه كاشفا فانلة صوفية يميل لونها إلى ~~البني. ينقل البصر بين قطع اللحم المعلقة في خطاطيف. ينتزع إحداها. ~~يلقي بها فوق «أورمة» خشبية مستديرة. ينهال عليها بساطور عريض. ~~يستبدله بسكين قصيرة يفصل بها اللحم عن العظام. يرفع قطعة من ~~اللحم في الهواء أمام عيوننا. يطلب منه أبي إزالة الأختام والشغت. ~~يضع القطعة في كفة الميزان النحاسي. ينقلها إلى الأورمة الخشبية. ~~يتناول سكينا طويلة ذات نصل لامع. يقطعها أجزاء متساوية. # يستفسر أبي عن صحة أبيه المعلم «نصحي». يقول إنه لم يره من مدة. ~~يتحاشى الجزار النظر في عيني أبي. يقول: الحمد لله. # أتسلل من جوار أبي. ألف حول الأورمة. يقرب الجزار اللحم من ~~حافتها. يبدأ في لفه بالورق الرمادي السميك. يزيح بيده قطعة ~~فتسقط على الأرض. يتجاهلها. أريد أن ألفت انتباه أبي، لكنه يأخذ ~~لفافة اللحم وأتبعه إلى الطريق. # أذكر له ما رأيت. يضحك ويقول إن الجزارين هكذا، ولا فائدة معهم. ~~يكفي أنه يحصل دائما على القطعة التي يريدها. يقول إنه يتعامل مع ~~أبيه منذ عشرين سنة. يأتيه خصوصا من المنزل الذي ولدت به «نبيلة» ~~في شارع «البراد». # ننتقل إلى حانوت اللبان. نشتري سلطانيتين من المهلبية. نعبر ~~الميدان مرة أخرى. نتمهل أمام عربة تحمل كوما عاليا من الفول ~~الحراتي الأخضر. يسأل أبي عن الثمن. يشتري رطلا. نتجه إلى شارعنا. ~~دكان الخردواتي مغلق. يقول أبي إنه يغلق عادة عند صلاة ~~العشاء. # نلج دكان البقال. الحاج «عبد العليم» خلف مكتب في نهاية الدكان ~~تعلوه صورة كبيرة للملك. نحيف في معطف ثقيل، بني اللون، فوق ~~جلباب من الصوف. حول رقبته كوفية بيضاء وفوق رأسه طربوش. تصدر ~~عنه كل لحظة سعلة مبتسرة. ينهض واقفا ليصافح أبي. يبدو أبي ~~قصيرا إلى جواره. يضع مشترياته فوق المكتب ويجلس على كرسي ~~بجواره. أقف بين ساقيه. أمامي على الحائط لافتة بخط يد ركيك: ~~«الشكك ممنوع والزعل مرفوع». # يوجه أبي التحية إلى «سليم» الواقف ms004 خلف منصة البيع . يرتدي ~~جلبابا فوقه معطف أصفر يشبه معاطف السعاة والفراشين. فوق ~~رأسه طاقية صغيرة من الصوف. وجهه شديد الشحوب. يرد التحية بصوت ~~خافت بارد. # يقول «عبد العليم»: الواد «عباس» جاهز، تحب ينقل العفش ~~بكرة؟ # يومئ أبي برأسه موافقا: إياك ميكونش اتبهدل من السمنة ~~والزبدة. ~~- لا، أنا كنت حاطط حاجتك على جنب. # ينادي: «عباس»، إنت رحت فين؟ إوعى يكون راح يشرب الهباب اللي ~~بيأربعه. # يظهر رجل أسود حافي القدمين في مدخل الدكان. عيناه حمراوان. ~~يرتدي جلابية وطاقية قذرتين. تنبعث منه رائحة منفرة. يتحرك ~~في بطء. ~~- تنقل باقي عفش «خليل» بيه من المخزن بكرة الصبح. # يتمتم «عباس»: مش فاضي. # يقول «عبد العليم» في حسم: دول كنبة وكرسيين وترابيزة. # يلتفت لأبي: ولقيت لك واحدة كويسة ساكنة قريب، تنضف وتطبخ وتاخد ~~بالشهر. ~~- كام؟ ~~- إديها جنيه. # يسأله أبي عن ساكن الغرفة المجاورة لنا. يداعب «عبد العليم» ~~شاربا رفيعا، يقول إنه كونستابل في البوليس. ~~- متجوز؟ ~~- لأ. # يطلب أبي من «سليم» عشر بيضات وخمسين درهم جبنة وخمسين درهم ~~حلاوة، وعلبة شاي «الشيخ الشريب»، وقطعة صابون «نابلسي»، وأخرى ~~داكنة اللون للمطبخ. # يسأله «سليم» بوقاحة: على النوتة؟ # يومئ أبي بالإيجاب. # يفتح «سليم» نوتة طويلة ويسجل فيها الطلبات، يحذره أبي: ~~البيض طازة ولا ممشش؟ ~~- طبعا طازة، عندنا كمان زبدة جاموسي. # يهز أبي رأسه بالنفي ويطلب رطلا من السمن البلدي. # يسأل «سليم» بنفس اللهجة: معاك حاجة تحطه فيها؟ ~~- لأ. # يصيح به أخوه: حطه في برطمان قزاز. # يجمع لنا مشترياتنا في كيسين من الورق يضمهما أبي إلى صدره. ~~نغادر الدكان. أطلب منه أن أحمل أحد الكيسين. يرفض قائلا إنه ~~سيقع مني. كتاب المطالعة. «سرحان» بين البيت والغيط. يضع البيض في ~~جيوبه فيتهشم. يحمل الخروف بين ساعديه فيعجز عن السير. يجر ~~البطة بحبل فتختنق. # نتجه إلى الحارة. أسأله لماذا لم يشتر الزبدة. أحبها بالعسل ~~الأبيض أو الأسود. وأحب «المورتة» التي تتخلف عن تسييحها. يقول ~~إن «سليم» يحشو كوز الزبدة بالملح ليغش في الوزن. وإن أخاه الحاج ~~«عبد العليم» حذره أكثر من ms005 مرة بلا فائدة . # نتمهل في مدخل الحارة المظلمة. نخطو في بطء. ضوء خفيف من خصاص ~~الأبواب الخشبية للبلكونات. شيش بلكونة المنزل المقابل لنا مفتوح، ~~لكن المصراع الزجاجي مغلق والستائر مسدلة خلفه. نتعثر في مدخل ~~المنزل. نصعد الدرجات القليلة المتآكلة. باب شقتنا المظلمة يمين ~~السلم المؤدي إلى الطوابق العليا. إلى اليسار فجوة غامضة تؤدي إلى ~~مخزن البقالة. أتجنب النظر نحوها. # يناولني كيسا وهو يقول: امسكه كويس. يفك أزرار المعطف ويزيحه ~~جانبا. يبحث عن المفتاح في جيب سترته، يدس المفتاح في قفل الباب ~~ويديره. يدفع الباب. أتشبث بمعطفه. ندخل في حذر. # يردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. ~~يفتش بيده حتى يعثر على مفتاح النور. يلتمع الضوء الضعيف من ~~مصباح كهربائي متسخ يتدلى من منتصف السقف. يطل المصباح على ~~صالة بها مائدة طعام مستطيلة. نقف أمام باب حجرتنا المجاور للباب ~~الخارجي. يستخرج أبي من جيبه مفتاحا آخر. يتقدمني إلى الداخل. ~~يضيء النور. # يضع كيسه فوق المكتب. أهم بوضع كيسي بجواره فيسرع بتناوله مني. ~~يضعه بنفسه. أجلس فوق حافة الفراش الحديدي الكبير. إلى يميني باب ~~البلكونة الصغيرة المغلق. أمامي الدولاب الخشبي المائل. يعتمد على ~~ثلاث كرات خشبية في حجم الرمان أسفل ثلاث زوايا. ضاعت كرة الزاوية ~~الرابعة أثناء النقل فوضع أبي قطعا صغيرة من الخشب مكانها. ~~والنتيجة أن الضلفة اليسرى لا يمكن إغلاقها بإحكام وتظل مواربة. ~~إلى جوارها مشجب خشبي ثم باب الغرفة. إلى يساري المكتب مضغوطا ~~بين السرير وحائط الباب. # يخلع معطفه ويعلقه في أحد سواعد المشجب. يتبعه بسترة البزة. ~~في عروتها قطعة مستديرة من البرونز كتب عليها «الجلاء». يضع طربوشه ~~فوق قمة المشجب. ينكشف رأسه الأصلع الذي يحيط به شعر يغلب عليه ~~اللون الأبيض. يضغط فوقه طاقية من الصوف الوبري في لون الجمال ذات ~~حواف عريضة مطوية إلى أعلى. يظل بالصديري الرمادي الصوفي ذي ~~الزراير الخشبية. يرتدي روبه البني ويزرره بحبل رفيع أحمر ~~اللون. يلف حول رقبته وصدره لفاعة عريضة من نفس قماش ~~الطاقية. # أفك رباط حذائي وأضعه ms006 بجوار الباب. ألبس قبقابي محتفظا ~~بالجورب. أخلع البزة وألقي بها فوق ظهر كرسي المكتب. أضم إليها ~~القميص والبلوفر. أرتعش من البرد. أرتدي البيجامة وفوقها البلوفر. ~~يتناول كيسا من القماش من فوق المكتب ويستخرج منه رغيفا من الخبز ~~الملدن. يقفز صرصور صغير أسود من الكيس. أتراجع بعيدا. يسألني إذا ~~كنت أفضل الجبن أو الحلاوة. عيني على المكان الذي خرج منه ~~الصرصور. أقول إنني لست جائعا. يلح علي أن آكل لأقاوم البرد. ~~أكرر أنه لا نفس لي. يقول: أعمل لك بيض بالعجوة؟ أهز رأسي نفيا. ~~يعيد الرغيف إلى الكيس. # أقوم بإعداد شنطة المدرسة. أتأكد من وجود ورقة النشاف وزجاجة ~~الحبر. ألحظ أنه ما زال يرتدي بنطلونه وحذاءه. أسأله: مش ~~حتقلع؟ # يقول: أشوح اللحمة الأول. ~~- متسيبها للصبح. ~~- بعدين تبوظ. # ينحني ويرفع ملاءة السرير. أحذية وأطباق وصناديق وأوان معدنية. ~~علبة الحقنة الشرجية الصاج. يجذب حلة معدنية. يبحث عن غطائها ~~حتى يجده. يغادر الغرفة فأتبعه. يتناول لفافة اللحم ويفض ~~محتوياتها في الحلة. يتجه إلى مدخل طرقة مظلمة في مواجهة حجرتنا. ~~كنيف لا ينغلق بابه وتنبعث منه رائحة كريهة. حمام مغلق ثبت بابه ~~بلوح من الخشب. حوض مياه من الصاج مثبت في الحائط تطل عليه حنفية. ~~يغسل اللحم جيدا. يخطو إلى نهاية الطرقة حيث المطبخ. يدخله وأنا ~~متعلق بملابسه من الخلف. يخرج علبة ثقاب ويشعل منها عودا. ~~يسقط الضوء على جانب من الحائط مبلل بالمياه. مائدة خشبية فوقها ~~وابور كيروسين «بريموس». يفعص بقدمه صرصورا أحمر كبير الحجم. يضغط ~~كباس البريموس عدة مرات ثم يشعل عود ثقاب ويقربه من الفونية. ~~تتوهج النار. تستوي الحلة فوق النار. ألتصق به وأغمض عيني. تدلي ~~«ست الحسن» جدائل شعرها الطويل من النافذة ليرتقيها الشاطر «حسن». ~~وعند الظهر يظهر الغول قادما من بعيد. كتلة ضخمة أشبه بلفائف ~~كبيرة من الشعر يطوحها الهواء تجتاح الفضاء وتنثر معها الغبار ~~والعفار. يقف تحت النافذة ويصيح ب «ست الحسن»: «دلي شعورك ~~الطوال، خدي الغول أحمد من حر الجبال». # الموقد يئز. تتنوع ألوان شعلته. يقلب اللحم بملعقة. ms007 يرفع ~~الحلة ويتخلص من مائها في الحوض. # أسأل: لسه؟ # يقول إنه لا بد من غلي اللحم جيدا للقضاء على ~~الميكروبات. # يفتح برطمان السمن ويأخذ منه ملعقتين، يضعهما في الإناء، يقلب ~~اللحم عدة مرات ثم يضيف الماء. يلقي به نتفة من الملح وأخرى من ~~الفلفل الأسود. يغطيه. # يصحبني إلى الكنيف المفتوح لأتبول. أشكو من الرائحة فيقول إن ~~السيفون تالف. أردد آية «الكرسي» كما علمني. يدفعني في رفق لأصعد ~~فوق قاعدة الكنيف الحجرية. أقاوم فيصعد معي ليقف بجواري. يمسكني من ~~كتفي بينما أفك أزرار سروالي. أرفع نظري إلى الجدران. يسقط شعاع من ~~ضوء الصالة الضعيف على بقع كبيرة سوداء. تتحرك إحدى البقع فجأة ~~صاعدة إلى أعلى. أتشبث بملابس أبي. يقول: متخفش، ده «أبو ~~شبت». # نعود إلى المطبخ فيقلب اللحم ثم يضيف مزيدا من الماء. ينتظر ~~قليلا حتى تغلي. يطفئ الموقد. يحمل الحلة إلى الصالة وأنا ملتصق ~~به. يتركها فوق البوفيه. نعود إلى الطرقة فيغسل يديه ~~بالصابون. # ندخل الغرفة. يغلق الباب بإحكام. يهتز باب البلكونة بعنف. يقول ~~أبي إنها رياح «أمشير أبو الزعابيب». يتناول جلبابا قديما من فوق ~~الشماعة فيسد الثغرة التي تفصل بين الباب والبلاط العاري. يضع قطعة ~~قماش أخرى أسفل باب البلكونة. يتأمل الفراغ بين الدولاب والحائط. ~~يركع على الأرض ويتفحص المسافة الضيقة الفاصلة بين قاعدة الدولاب ~~والبلاط. يجذب مصراعي الدولاب ويدقق النظر داخله. ينحني ويرفع ~~طرف ملاءة السرير. يلهث من المجهود. يخلع الروب ويعلقه في ~~المشجب. يتلو: # الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم ~~. # أرتقي السرير الحديدي المرتفع. يتبعني. أزحف إلى مكاني بجوار ~~الحائط. ينحني ويلف الأغطية حولي وهو مستمر في التلاوة. ينتهي ~~من آية «الكرسي» فيتبعها بأخرى. يزداد صوته هدوءا وتخفت نبراته. ~~يمسح على وجهي بيده الدافئة. تنسدل جفوني في استسلام. يشم الغول ~~رائحة الشاطر حسن فيقول: «ريحة إنس لا منا ولا من الجنس». # يرفع يده فأفتح عيني. يعيد يده. أغلق عيني. يرفع يده من ~~جديد فأفتحهما. ينتهز الشاطر حسن وست الحسن فرصة خروج ms008 الغول ~~للهرب. تدهن ست الحسن كل شيء في القصر بالحنة وتنسى الطبل. يعود ~~الغول وينادي على ست الحسن فتقوم الأشياء التي دهنتها بالحنة ~~بدورها. يقول الغربال بصوت منغم جميل يوحي بحركته: «بتغربل بتغربل ~~بتغربل.» وتقول الرحاية: «بتطحن بتطحن بتطحن.» يقول المنخل: «بتنخل ~~بتنخل بتنخل.» لكن الطبل الذي نسته يثأر لنفسه فيصيح: «خدها الشاطر ~~حسن وطار!» # أتابع حركاته. ينتصب واقفا. ينحني. يدعك ركبتيه. يخلع الشال ~~الصوفي والروب ثم الصديري. يزيح حمالتي البنطلون عن كتفيه. يجلس ~~على حافة السرير. يخلع الحذاء والجورب. يلبس جوربا صوفيا ~~طويلا. يرفع ساقه اليمنى ويجذب البنطلون. يثني الساق الثانية. ~~ينهض واقفا. يخلع الكرافتة والقميص. يظل بالفانلة الصوفية ذات ~~الكمين والكلسون الصوفي الطويل. يدس قدميه في القبقاب. يعلق ~~ملابسه في الشماعة. ينحني مباعدا ما بين ساقيه. يفك رباط حزام ~~الفتق الذي يدور بوسطه وبين فخذيه. يجره بصعوبة ويلقيه فوق ~~المكتب متنهدا في ارتياح. يدعك ركبتيه ثم يطلق جيصا قوي ~~الصوت. # يرتدي الجلابية الكستور المخططة. يلف الشال حول كتفيه وصدره. ~~يمد يده إلى فمه ويخلع أسنانه. يضعها في كوب ماء على المكتب. يشرب ~~من قلة في صينية معدنية على الأرض. يمسح فمه وشاربه بظهر يده. ~~يصب الماء في كوب به مسامير صدئة ليشرب المحلول على الريق. يرفع ~~يديه إلى رأسه ويضغط الطاقية. يخطو خطوتين ويمد يده بجوار ~~الدولاب. يطفئ النور. يصعد إلى جواري. يبسط البطانية واللحاف. ~~يستدير ناحيتي ويتأكد من إحكام الغطاء فوقي. تظل يده فوقي. يقترب ~~وجه أمي المدور. تهدهدني مرددة الأغنية المنبعثة من الراديو: ~~«نام يا حبيب الروووح». # 2 ~~- «في جمال الربيع عيدك أقبل. أنت أبهى من الربيع وأجمل.» نكرر ~~النشيد خلف مدرس الموسيقى. يتدلى من جيب سترته العلوي منديل ~~كبير ملون. سيصحبنا إلى قصر «عابدين» في عيد الميلاد الملكي. ~~يعطونا ساندوتشات من جبن «الشيستر» الأصفر والحلاوة الطحينية. ~~فيوم الإثنين نصف يوم. يكتب مدرس اللغة الإنجليزية التاريخ فوق ~~السبورة. أرى المكتوب بوضوح بفضل النظارة. يبدأ الهرج في ~~المقاعد الخلفية. يستدير المدرس ويتجه إلى كرسيه. ملابسه غالية ~~وأنيقة. ms009 ثنية رجلي بنطلونه عريضة حسب الموضة. منتصبتان فوق ~~مقدمتي حذائه دون ترهل وتغطيان نعل الحذاء من الخلف حتى نقطة ~~تماسه بالأرض. يقول دون أن يتطلع إلى أحد منا: اللي مش عاوز الدرس ~~يتفضل بالخروج. # ينهض تلاميذ الصفوف الخلفية الكبار ويغادرون الفصل. آخذ مسدسي من ~~الدرج وأتبعهم. الردهة الخارجية المطلة على الفناء خالية. الهدوء ~~الشامل يرين على المدرسة. الطرقة خالية. أنحني لأمر أسفل نوافذ ~~الفصل المجاور. فصل آخر. غرفة المدرسين. بابها مغلق. ألصق عيني ~~بثقب المفتاح. طاولة مستطيلة يجلس في طرفها رجل عاري الرأس. أصلع. ~~طربوشه أمامه فوق مجموعة من الكراسات. أتبين فيه مدرس العلوم. ~~شكله غريب بلا طربوش أو شعر. يتناول إحدى الكراسات. يتطلع في ~~استهجان إلى ركن الطاولة. تظهر في مجال رؤيتي عدة أيد تلعب ~~الكوتشينة. # ألحق بالتلاميذ على السلم. نتسلل إلى الفناء الخلفي حيث يجري ~~بناء ملحق للمدرسة. يتوزعون خلف أكوام الرمال والتراب. يبسطون ~~مناديلهم ويضعونها فوق أنوفهم ثم يربطونها خلف رءوسهم. أخلع ~~النظارة التي ألصقت بي اسم «غاندي» وأربط منديلا فوق أنفي ثم ~~أرتديها من جديد. أقرفص خلف كوم من الحجارة ومسدسي في يدي. فناء ~~المدرسة السابقة تحيط به صفائح عريضة سوداء تحجب الرؤية. أشتري ~~البطاطا والشطة من فتحة صغيرة في جانبها. نعثر على سلم ضيق ~~بدرجات متآكلة تؤدي إلى أسفل. يقول تلميذ إن المبنى أصله قصر ~~أمير، وإن في أعماقه بئرا مسحورا. نهبط خائفين. نصادف سحلية. ~~تقول أمي إنها أميرة متخفية. # أظل في مكاني خلف كوم الحجارة دون أن يناديني أحد. يدق الجرس. ~~نصعد إلى حصة اللغة العربية بخطوات متثاقلة. المدرس قصير القامة ~~نحيفها. له رقبة طويلة ملفوفة بكوفية ثقيلة. يتحرك كتفاه ~~باستمرار داخل بزته. نعرف أنه لم يتخل عن الجبة والعمامة إلا ~~هذا العام. # أتبادل مكاني مع «فتحي» لأجلس إلى جوار «ماهر». لديه سلسلة ~~مفاتيح وقلم حبر جاف ماركة «بيرو» وقلم أبنوس ماركة «ووترمان» ~~وممحاة سمينة وطرية. يصفهم أمامه على سطح القمطر. يشرح المدرس ~~قواعد المجرد والمزيد والإعلال والإبدال وهو جالس. يتجنب الوقوف ~~أمام السبورة ms010 بسبب قصر قامته. يطلب من أحد التلاميذ طوال القامة أن ~~يكتب عليها «أمير الشعراء يخاطب الشباب». نفتح كتاب «المطالعة ~~المختارة». نقرأ معه قصيدة «أحمد شوقي». يعنفنا على جهلنا. أكتب ~~معاني الكلمات في كراستي. أخطئ في هجاء كلمة. أحاول إزالتها ~~بممحاتي الرخيصة المتحجرة. أقترض ممحاة «ماهر» الطرية. # يدق الجرس. أرفع غطاء القمطر. آخذ الكتب والكراسات التي أحتاجها ~~لواجبات الغد. أضعها في حقيبتي «الفيبر». أعيد الغطاء إلى مكانه ~~وأثبته بالقفل والمفتاح. # يلفحني الهواء البارد بمجرد أن أخرج إلى الطريق. أدفن عنقي في ~~الكوفية وأنكمش في ملابسي. أجر قدمي في صعوبة. أمضي فوق رصيف ~~المدرسة وأؤجل عبور الشارع الرئيسي حتى الميدان. ألمح قطعة مستطيلة ~~من الحديد. أهم بشوطها بقدمي. أتذكر تحذيرات أبي من القنابل التي ~~تنفجر بمجرد لمسها، وتكون على شكل علبة دواء أو قلم أبنوس أو لعبة. ~~أتأمل القطعة جيدا ثم أبتعد عنها. # رصيف من الحصى الملون. فيلا مسورة بالقضبان الحديدية. أتلصص ~~النظر من بين القضبان. مائدة خشبية ومقعدين في جانب من الحديقة. ~~الباب الداخلي مغلق. أواصل السير. مدرسة اليهود مبنية من الطوب ~~الوردي اللون. لا يحيط بها سور خارجي مثل مدرستنا. ملصق يدعو إلى ~~إغاثة اللاجئين الفلسطينيين. عبارة بطلاء أسود تقول: «لا مفاوضة ~~إلا بعد الجلاء.» أخرى: «شرم برم». نوافذ المدرسة في مستوى ~~الشارع. تظهر منها قاعات كبيرة صفت بها موائد الطعام. التلاميذ ~~يأكلون في ضوضاء. أواصل السير حتى الناصية ثم أستدير يسارا. أمضي ~~بجوار جدار المدرسة. يبدأ الطريق في الصعود تحف به الأشجار. ~~تتفتح زهورها الحمراء والصفراء في بداية الصيف ثم تتساقط وتغطي ~~الرصيف في الخريف. نهاجمها بالنبال لنصيد العصافير دون أن ننجح ولا ~~مرة. # أصبح في مواجهة منزلنا السابق. من الطوب الوردي اللون هو الآخر. ~~يتصدره باب حديدي. بجواره منازل قديمة متهالكة. أمامه منخفض ~~أحدثته قنبلة أسقطتها طائرة ألمانية. أضع حقيبتي على الأرض وأستند ~~إلى جدار المدرسة. # يقع المنزل عند مفترق شارعين تفصل بينهما أرض فضاء مهملة مسيجة ~~بقضبان معدنية. كانت في السابق مخزنا للترام. ترتبط قضبان السياج ~~من ms011 أسفل بقضيب عرضي مرتفع عن الأرض بمقدار شبر. نقف على القضيب ~~ونحشر أنفسنا بين الأعمدة ثم نصفر ونسوق. # يتجه الشارع الأول إلى منطقة من العشش والثاني إلى مصنع طرابيش ~~والساحة التي يقام بها المولد النبوي. عند نقطة الملتقى تصطف ~~عربات الكارو ورءوس جيادها مدفونة في أجولة التبن. يتوحد ~~الشارعان في واحد تنحدر أرضه قليلا بعد منزلنا حتى تلتقي بالشارع ~~المؤدي إلى الميدان. عند الناصية مشتل يبيع الورد. # يشغل مسكننا الطابق الأول وتطل نافذتان له على الشارع؛ إحداهما ~~مغلقة الشيش والأخرى بالزجاج فقط. تنعكس عليه الأشجار والسماء ~~الزرقاء. أخط بإصبعي اسمي واسمي أبي وأمي في البخار الذي يغطي ~~زجاج النافذة المغلقة. أتأمل العمال المسرعين في اتجاه المصنع وقد ~~حمل كل منهم غذاءه في منديل. بينهم أولاد صغار. تدوي صفارة ~~المصنع الصباحية فأغادر المنزل. تستقبلني رائحة دخان المواقد ~~والأفران. أرفع رأسي إلى النافذة فأري أبي بطاقيته البيضاء ~~المستديرة يتابعني من خلف الزجاج. أعبر الطريق إلى رصيف مدرسة ~~اليهود. أمر بعجوز ذي عمامة حمراء كبيرة يعتمد على عصا في يده ~~ويستند بظهره إلى جدار المدرسة. أعطيه مليمين كما علمني أبي. ~~ألتفت إلى النافذة لأراه لآخر مرة. أعدل وضع شنطتي على ظهري وأدس ~~يدي الباردتين في جيبي سترتي. أشق طريقي بين التلاميذ ~~اليهود المتدافعين. صبيان وبنات بملابس زرقاء. أدلف إلى الشارع ~~الرئيسي المؤدي إلى مدرستي. تلفني الشبورة التي أحبها. # أحمل حقيبتي وأستدير متابعا طريقي. أخترق ممرا صغيرا. دكان ~~تخديم. ساتر من الخشب يترك فتحة صغيرة. تبدو دكة عليها فتيات. ~~واحدة معصوبة الرأس ترتدي جلابية. بجوارها واحدة في ملابس ~~الفلاحات. أصبح في شارع «فاروق». أنتظر إشارة عسكري المرور. أسير ~~من أمام مخبز «عبد الملاك» وأجزخانة «السبيل». أقرأ لافتتها: ~~«المدير المسئول حلمي روفائيل». بضع خطوات ثم أدخل شارع «النزهة» ~~المؤدي إلى منزلنا الجديد. # 3 # يرتدي أبي الروب. يفتح باب البلكونة الزجاجي. يدفع المصراع ~~الخشبي إلى الخارج. يثبته في الجدار بالشنكل. يتسلل ضوء الصباح ~~الضعيف إلى الغرفة. يغلق المصراع الزجاجي وهو يتأمل البلكونة ~~المقابلة. # أسعل وأشكو من ms012 التهاب حلقي. يجس جبهتي. يتحسس أسفل صدغي ~~متلمسا اللوزتين. يغادر الغرفة وينهمك في إعداد طبق من الفول ~~المدمس بالزيت الحار. # يضع الطبق على الطاولة الخشبية المستديرة التي أحضرها «عباس» من ~~المخزن. الطاولة في مستوى الفراش وتتسع بالكاد لطبق الفول وقطعة ~~الجبن الأبيض في ورقتها ورغيف الخبز والليمونة المشقوقة. يستخرج ~~بصلة صغيرة من تحت الفراش ويضعها في الحيز الفاصل بين باب الغرفة ~~والحائط دون أن ينزع قشرتها. يجذب الباب إلى الداخل ويضغط قليلا. ~~يعيد الباب إلى مكانه ويلتقط البصلة قبل أن تسقط فوق الأرض. ينتزع ~~قلبها الذي برز خارجها ويلقي الأجزاء الخارجية جانبا. يقول إنها ~~أفضل طريقة للمحافظة على فائدة البصل وطعمه. # يتربع فوق الفراش. أجر كرسي المكتب وأجلس أمامه. يعصر فص ~~ليمون فوق الفول. أغمس لقمة صغيرة. وأقضم طرفا منها بغير حماس. ~~أقول إني لا أحب الفول. يقول إنه كان يفطر وهو تلميذ من حلة الطبيخ ~~البايت دون تسخين. تنادي عليه أمه من الطابق العلوي كل صباح: «عندك ~~حلة الطبيخ في المنور». # ننتهي من الإفطار. نخرج إلى الصالة. نغتسل من حنفية الحوض. يدق ~~جرس الباب. يفتحه لبائع اللبن. يحضر له حلة صغيرة ويأخذ رطلا. ~~يشعل الموقد ويضع الحلة فوقه إلى أن يغلي اللبن. يضع إبريقا من ~~الصاج مكانه ليعد القرفة. أظل واقفا بجواره إلى أن تغلي القرفة ~~عدة مرات. يصب لي كوبا ويضيف إليه اللبن. أرفع الكوب إلى فمي. أشم ~~رائحة الجاز. أعيده إليه. يغضب ويشرب من كوبه في صمت. # يدق الجرس مرة أخرى. أهرع إلى الباب وأفتحه. تدخل «أم نظيرة». ~~نحيلة وقصيرة. رأسها ملفوف بمنديل أسود اللون معقود فوق جبهتها ~~تتدلى من حافته خصلات بيضاء. وجهها شاحب وعيناها غائرتان. تترك ~~صندلها الأسود بجوار الباب. تضع كيس الخضار على مائدة الطعام. تلقي ~~ملاءتها السوداء فوق ظهر أحد المقاعد. تقول إنها تأخرت لأن متطوعات ~~الكوليرا أوقفنها في الطريق وأخذنها لمركز التطعيم. # يعطيها أبي ما تبقى من إفطارنا. تهم بالجلوس على الأرض فيدعوها ~~لأن تجلس على أحد مقاعد المائدة. يسألها عن أولادها ms013 وزوجها. يحسب ~~معها ثمن الخضار الذي أحضرته. يعد لنفسه القهوة في كنكة صغيرة فوق ~~موقد السبرتو. يفرغها في فنجان من الصيني المزخرف. يحمله في طبقه. ~~أتبعه إلى الغرفة. يجلس متربعا فوق الفراش. يحتسي القهوة في بطء. ~~أعيد الكرسي إلى مكانه خلف المكتب. أجلس وأفتح كراسة ~~الحساب. # أبدأ حل الواجب. أتوقف حائرا أمام إحدى المسائل. أتطلع إليه. ~~يجمع ويطرح ويضرب ويقسم دون أن يستخدم القلم والورقة. تقطيبة وجهه ~~لا تشجعني على طلب مساعدته. يشعل سيجارته السوداء. أفكر في ~~طريقة. أتذكر درس اللغة العربية عن المفردات اللغوية. أسأله عن ~~صفة منزلنا بين أنواع المنازل. أعددها له على أصابعي: القصر، ~~الصرح، الصومعة، السرداب، النجيرة. يهز رأسه قائلا إن منزلنا ~~نسيج وحده. أعرض عليه مسألة الحساب فيحلها. # أرتدي نظارتي وأغادر الغرفة إلى الصالة. «أم نظيرة» تصف ~~الأواني التي غسلتها فوق رخامة البوفيه. أتوقف أمام باب غرفة ~~الكونستابل. أتلصص النظر من ثقب الباب فلا أرى غير طرف سرير منكوش ~~الأغطية. أضع أذني على الثقب. لا أسمع حركة. # ألف من خلف مائدة الطعام. أبتعد عن الباب الزجاجي الذي يؤدي ~~إلى المنور ويأتي منه الهواء البارد. ألف مرة أخرى وأتوقف أمام ~~الحجرة الثالثة. أدير مقبض الباب وأدخل. أرض خشبية مهترئة مليئة ~~بالحفر. أثاثنا القديم: كرسي هزاز من القش المخرم تمزق جانب منه. ~~فوتيان وكنبة. أحد الفوتيين بقاعدة غائرة. # الغرفة باردة. دهان الحوائط متآكل يكشف عن رقع من المصيص. بعضها ~~تغطيه أوراق ملونة. أقترب منها. صفحات من مجلة مصورة خضراء اللون ~~مثبتة بالدبابيس. صورة الملك «فاروق» وهو صبي جميل بالبنطلون ~~القصير والطربوش. صورة أخرى له في سيارة مفتوحة مع شقيقاته الثلاث ~~الجميلات. صورة ثالثة له بجوار أبيه الملك «فؤاد» ذي الشارب المدبب ~~الطرفين المرفوعين إلى أعلى. أتحسس بيدي سطح الصور المصقول. يتساقط ~~المصيص من خلفها. تناديني «أم نظيرة» لأخرج كي تكنس الغرفة. # أبي فوق الفراش والمسبحة في يده. شيش البلكونة المقابلة مفتوح ~~لكن ستارة من الدانتلا المخرمة مسدلة خلف مصراعه الزجاجي. البلكونة ~~صغيرة وضيقة مثل بلكونتنا وبلكونات الطوابق ms014 الأولى. فوقها بلكونتان ~~كبيرتان متجاورتان في شقة واحدة. يسكنها موظف متزوج من امرأتين ~~لكل منهما بلكونة. واحدة مفتوحة والأغطية منشورة فوق سورها. ~~الثانية مغلقة. معنى ذلك أنه قضى الليلة فيها. سيأتي الدور اليوم ~~على البلكونة الأخرى. # أقف خلف الزجاج. ألصق وجنتي بسطحه لأتمكن من رؤية المنزل ~~الواقع على الناصية. نافذة «صبري» أفندي مفتوحة. تظهر زوجته لحظة ~~ثم تختفي. قصيرة سمينة. يمتلئ وجهها بحبوب الحمونيل. أولادها ~~أيضا: البنت الكبيرة «سهام» والوسطى «سها» والصغيرة «سلمى» ~~و«سمير» الأصغر منها. # تنادي علينا «أم نظيرة» لنغادر الغرفة كي تكنسها وتمسحها. يترجل ~~أبي من فوق الفراش. يضع قدميه في القبقاب. تفتح باب البلكونة وتجر ~~السجادة وتبسطها فوق السور. تكنس الأرض. نرقبها من مدخل الغرفة. ~~يخشى أن تمد يدها إلى ملابسه المعلقة بالمشجب. # تنتهي من الكنس فتضع الخيشة في جردل الماء. ترفعها وتوزع المياه ~~في أنحاء الغرفة. تركع لتمسح البلاط. يكشف جلبابها عن عظام ركبتيها ~~البارزة. تعصر الممسحة في الجردل. تجفف الأرض. تنتصب واقفة وهي ~~تلهث. # تحمل الجردل وتهم بالانصراف. يستوقفها أبي. يشير بيده إلى منطقة ~~مبللة قرب البلكونة. تقول إنها لا ترى البلل، وإنه على أي حال ~~سيجف بعد قليل لو تركنا باب البلكونة مفتوحا. يزعق فيها: اعملي ~~زي ما بقولك. تنصاع غاضبة. # يخطو أبي إلى الداخل ويغلق باب البلكونة. يظل عندها وعينه على ~~البلكونة المقابلة. # تصيح «أم نظيرة» من الصالة: المية سخنت. أحمل ملابس نظيفة ولوفة ~~وأغادر الغرفة. يتبعني أبي حاملا جريدة قديمة. يغلق الباب ~~بالمفتاح ويضعه في جيب الروب. نتجه إلى غرفة الضيوف. حوض الغسيل ~~الصاج في الوسط. وابور الجاز يعلوه إناء مياه يتصاعد منه البخار. ~~صفيحة من المياه الباردة. يخلع أبي روبه. يقرفص. يخلط المياه ~~الباردة بالساخنة في الحوض ويقيس حرارتها بيده. أحاول أن أتذكر ما ~~قاله مدرس العلوم عن كيفية تعيين نقطة الغليان. المياه تغلي فوق ~~وابور الجاز. تملأ أمي كوزا معدنيا بالماء المغلي. وتضيف إليه ~~مياه الصنبور ثم تصبه فوق جسدي العاري. تملأ كوز المياه الساخنة ~~مرة أخرى. تنسى أن تخففه ms015 بالمياه الباردة وتصبه فوقي . أصرخ. يهرع ~~أبي إلي. يحملني إلى غرفة النوم. يجفف جسدي برقة. يرش فوقي ~~مسحوقا أبيض. يلبسني ملابسي ويصحبني معه إلى المسجد. # أخلع ملابسي وأغطس في مياه الحوض. يدعك شعر رأسي بالصابونة ~~النابلسي. يدعك جسدي باللوفة. يطلب مني أن أقف ليشطفني بالمياه ~~النظيفة. يجففني. أتطلع إلى صور الملك على الحائط. يلف صدري ~~بورق الصحف. أرتدي ملابسي فوقها. ينادي على «أم نظيرة» لترمي ~~المياه الوسخة وتملأ الصفيحة من جديد. # نذهب إلى حجرتنا. يخلع الروب والجلابية. يعطيني ظهره ويرفع ~~فانلته الصوفية كاشفا عن ظهره. يطلب مني أن أهرش له. أرتدي ~~نظارتي. أتجنب البثور الزرقاء الثلاثة الموزعة على ظهره. جسمه أبيض ~~على خلاف وجهه وساعديه حتى المرفقين. يطلب مني أن أبحث عن القمل في ~~أنحاء الفانلة. يشير لي أن أدقق في ثنيتي الحياكة على جانبيها. ~~أعثر على واحدة سمينة بيضاء. في ظهرها نقطة سوداء. أفضلها على ~~النوع الأسود الرفيع. أضعها فوق ظفر إبهامي الأيسر. أضغط بظفر ~~الإبهام الأيمن. أسمع طقتها. يسدل الفانلة قائلا: كفاية. # ينتقي ملابس نظيفة من الدولاب. يقول بصوت خافت: خلي بالك من «أم ~~نظيرة». أتبعه حتى باب الغرفة. «أم نظيرة» جالسة إلى مائدة الصالة. ~~تقشر حبات القلقاس. # أجلس إلى مكتبي. أقوم أتلصص على «أم نظيرة» من فتحة الباب. تعمل ~~السكين في حبة قلقاس. تقطعها إلى مكعبات صغيرة. # يخرج أبي من غرفة الضيوف مرتديا جلبابا نظيفا. يطلب من «أم ~~نظيرة» أن ترمي المياه الوسخة وتجفف أرضية الغرفة. # تقول: لما أخلص اللي في إيدي. # يقول إن المياه يجب أن تجفف الآن قبل أن تتجمع في فتحات ~~الأرضية الخشبية. تنهض ممتعضة وتمضي إلى المطبخ. تحضر الممسحة ~~والجردل وتدخل غرفة الضيوف. تخرج بعد لحظة بالجردل. تذهب إلى ~~المطبخ. تعود وتهم بالجلوس. يطلب منها أن تغسل يديها أولا. ~~تذهب لغسلها. أقول له بصوت خافت إنها لم تغسل القلقاس بعد ~~تقشيره. تعود وتجلس. تستأنف تقطيع القلقاس. يسألها عما إذا كانت ~~غسلته بعد التقشير. تقول إنها ستفعل بعد أن تنتهي من تقطيعه. يزعق ~~فيها ms016 قائلا: أنا مش قلتلك تغسليه الأول وبعدين تنشفيه ~~بالفوطة؟ # تقول: مفيش فرق. # يقول: تعملي زي ما أقولك. # تزم شفتيها. تواصل تقطيع القلقاس في صمت. # يستخرج موسا من علبة الحلاقة. صندوق صغير للسجائر من الكرتون. ~~يفك غلاف الموس الذي يحمل صورة التمساح. يضع قدمه اليمنى فوق حافة ~~السرير. ينحني ويكشط الكالو من إصبعه الصغير. يقول إنه ناتج من ~~الأحذية المدببة التي كان يرتديها في شبابه حسب الموضة. يكشط ~~الكالو من القدم اليسرى. يعيد الموس إلى غلافه. يضعه في العلبة ~~الكرتون. يستخرج منها مقصا صغيرا. يقص الأظافر المتصلبة في ~~أصابع قدميه بصعوبة. يغادر الغرفة ليغسل يديه. يعود يرتدي ~~جوربا من الصوف. # يأتي صوت خطبة الجمعة من راديو «أم زكية». تسكن الطابق الأول في ~~المنزل المجاور وتطل نافذتها على المنور. يرتقي أبي الفراش وينتصب ~~واقفا. يقترب من الحائط. يلمسه براحتيه ثم يرفعهما إلى وجهه ~~ويمسحه بهما وهو يتمتم بالدعوات. ينتهي من التيمم فيستعد ~~للصلاة. أقف بسيارتي الحمراء عند باب حجرة الطعام ويدي على ~~الدركسيون أنتظر بفارغ صبر وعيني على وجهه المتجهم. عزائي أني ~~أشبه سائقي السيارات الذين تحتجزهم إشارات المرور. يصل خطيب الجمعة ~~إلى نهاية الخطبة ويبدأ الدعاء للملك. يبسط أبي سجادة الصلاة في ~~غرفة المسافرين. أنتظر ملولا وأنا أعد ركعاته. يلوي عنقه ناحية ~~اليمين ليسلم على ملاك الكتف الأيمن ثم يفعل المثل مع الملاك ~~الأيسر. وقبل أن ينهض واقفا وهو يطوي السجادة أكون قد ~~انطلقت. # يركع فوق الفراش. أخرج إلى الصالة. أتناول طبقا من فوق البوفيه. ~~أصب فيه من برطمان العسل الأسود. أتفحصه جيدا لأتأكد من عدم وجود ~~نمل. أضيف قليلا من برطمان الطحينة. أتناول رغيف خبز. أوازنه في ~~صعوبة مع الطبق. يهتز الطبق في يدي وتسيل قطرات منه على الأرض. ~~أضع الطبق فوق المائدة. ألعق نقطة عسل فوق إصبعي. تلمح «أم نظيرة» ~~نقاط العسل فوق الأرض. تقول غاضبة: أنا مش حامسح تاني. # تنتهي الصلاة ويظهر أبي عند الباب. يسألها عن سبب زعيقها. يقول ~~لها في غضب إنه لا يسمح لها برفع ms017 صوتها علي. يأمرها بأن تمسح ~~بقعة العسل. تنصاع متجهمة. ينتظر حتى تنتهي وتشرع في العودة إلى ~~المائدة فيأمرها بأن تغسل يديها بالصابون. # نعود إلى الغرفة. أنتظر أن يعنفني لكنه لا يفعل. أحتل مكاني خلف ~~المكتب وأفتح كراسة الحساب. يطلب مني أن أراقب «أم نظيرة» حتى لا ~~تشرب السمن. يتربع فوق الفراش. يتناول المسبحة الطويلة ذات ~~الحبيبات الخشبية الداكنة. يبدأ في العد عليها متمتما باسم ~~«لطيف». # أتلصص على «أم نظيرة» من فتحة الباب. أراها تحمل إناء القلقاس ~~وتذهب إلى المطبخ. أتبعها. أتجنب النظر إلى الكنيف. أقترب من باب ~~المطبخ في خفة. أقف لصق الحائط. أمد رأسي قليلا محاذرا أن ~~تراني. # تضع الحلة فوق وابور الجاز بعد أن تضيف إليها المياه. تقشر ~~الثوم وتقطعه بالسكين إلى أجزاء دقيقة. تضعه مع السلق في قلاية ~~معدنية بمقبض طويل. تتناول برطمان السمن. تأخذ منه ملعقة. تضيف ~~محتوياتها إلى السلق والثوم. أحبس أنفاسي عندما تعيد الملعقة إلى ~~البرطمان. تملؤها للمرة الثانية. هل ستشرب السمن؟ أرقب يدها وهي ~~تتجه إلى القلاية. # أشعر بحركة خلفي. يقترب أبي في حذر. يضع يده على كتفي. يمد رأسه ~~ليرقبها. تمسك حلة القلقاس بفوطة وترفعها عن النار. تضعها على ~~المائدة. تضع المقلاة فوق النار. تقلب الخليط بالملعقة. تقترب ~~برأسها لتدقق النظر. تتجه بالملعقة إلى برطمان السمن. يميل أبي ~~برأسه ليتبين ما تفعل. تلتفت فجأة فتلمحه. تصرخ. تفلت يدها مقبض ~~الإناء. تسيل محتوياته على الأرض. تخبط صدرها بيدها: خضتني، حرام ~~عليك. # يلج أبي المطبخ ويزعق: حرمت عليك عيشتك، مش تاخدي بالك. # تصيح: دي مش شغلانة دي. ~~- لمي اللي وقع. # تندفع خارجة: ابقى شوف اللي يلمه لك، أنا مش قاعدة. # يصيح أبي خلفها: في داهية. # 4 # نسير خلف امرأة متسربلة بملاءة اللف السوداء. تغطي وجهها ~~بالبرقع الذي يكشف العينين ويستند إلى أسطوانة لامعة من النحاس ~~فوق الأنف ثم يغطي الفم بنسيج شبكي. تسير بخطوات سريعة وهي تضم ~~ملاءتها حول جسدها. أتابع بركن عيني نظرات أبي إلى مؤخرتها ~~الممتلئة المترجرجة. أتعثر في طوبة فيعنفني: خلي ms018 بالك. # حوار ضيقة مزدحمة. بوابات قديمة ومصاطب حجرية أمام الدكاكين. ~~روائح الطين والعفن ومعاصر الزيوت. تتوقف حتى تمر عربة خضار يجرها ~~جواد. تحكم لف الملاءة السوداء حول جسدها مبرزة تفاصيله. ينبعث ~~منها عطر جميل. أخرج إلى الصالة. أبحث عن أمي. يأتي صوت الموقد ~~المزعج من المطبخ. أتسلل إلى غرفة نومهما. مرتبة. فوق السرير ~~غطاء من الدانتلا المخرمة. أتناول زجاجة العطر الزرقاء من فوق ~~التسريحة وأتشمم حافتها. # تبتعد ثم تختفي. حارة مظلمة. سلم ضيق بدرجات متآكلة. يشعل أبي ~~عود كبريت. نصعد عدة طوابق. نتوقف أمام باب ذي شراعتين من ~~الزجاج. إحداهما مغطاة بلوح من الكرتون. يدق الباب فيتردد ~~صوت غاضب: مين؟ يدق مرة أخرى. تفتح عجوز تحمل مصباح زيت. ترفع ~~المصباح إلى أعلى لترانا. يسقط الضوء فوق وجه شاحب متجهم. عين ~~تالفة اختفت حدقتها تحت جفن منتفخ. الشيخ «عفيفي» موجود؟ # تفسح الطريق في صمت. أثاث مكدس قديم. باب يفتحه عجوز ضئيل الحجم. ~~متسربل بقفطان من قماش لامع مخطط. يرحب بأبي ويقوده إلى مائدة ~~فوقها مصباح زيتي. يمشي بصعوبة ويترنح موشكا على السقوط. يضم ~~القفطان حول جسده ويجلس إلى المائدة فوق مقعد. يجلس أبي أمامه وأقف ~~إلى جواره. يتناول زجاجتين ويعد خليطا من سائلين. أحدهما له ~~رائحة المسك. يغمس به قلما من البوص. يجذب صحنا من الصيني ~~الأبيض. يقرب منه عينيه. ينقش عليه مربعات وحروفا غامضة. يسقط ~~ضوء المصباح على وجهه الحليق الضامر وعينيه اللتين ترمشان بصورة ~~متواصلة. عينا أبي متعلقتان بالقلم. على الجدران إطارات لآيات ~~قرآنية. إعلان عن «الكوكاكولا» يقول إنها تروي العطش في الشتاء ~~أيضا. مقاعد بالية مغطاة بقماش متسخ. أحدها بقاعدة متهاوية ~~توشك أن تلمس الأرض. # أتحرك مبتعدا عن أبي. أقترب من الباب الموارب. أضع عيني على ~~فتحته. تواجهني مباشرة دائرة زرقاء ذات سطح بارز. أتبين فيها ~~العين التالفة للعجوز التي فتحت لنا. راكعة على ركبتيها تتنصت. ~~أتراجع ملتجئا إلى أبي. ألتصق به. مائل برأسه ينصت إلى كلمات ~~الشيخ. شفته السفلى ممتلئة ومتهدلة. يقول لأبي: إيه رأيك تشوف لي ms019 ~~الطالع؟ # يقول أبي مندهشا: أنا ؟ ~~- أيوه أنت. أعلمك. الحكاية سهلة جدا. ~~- طب اعملها لنفسك. ~~- يا ريت. ما ينفعش. ~~- وعاوز تعرف إيه؟ ~~- ما بقي من العمر. # يتنهد أبي قائلا: فات الكتير وما بقي إلا القليل. # يعطيه عملة فضية. يسأله عن واحدة كويسة تنظف وتطبخ. يقول إنه ~~مستعد لأن يتزوجها إذا كانت بنت ناس. # نغادر المنزل ونستقل الترام. أسأله عن العمر الذي سيعيشه. يقول ~~إنه سيعيش حتى المائة. نمر من أمام الخردواتي. مغلق على غير ~~العادة. يتجه أبي إلى عربة يد عليها كتلة ضخمة من العجوة مغطاة ~~بقماش شفاف أبيض. يسقط عليها الضوء من كلوب مثبت وسطها. يشتري ~~رطلا. ينادي علينا الحاج «عبد العليم». ندخل الدكان. الحاج خلف ~~مكتبه. بجواره شيخ معمم يخلو فمه من الأسنان. في يده جريدة «أخبار ~~اليوم». يقول أبي ل «سليم» إن بيضة من التي اشتراها منه قبل يومين ~~ممششة. يجلس أبي على كرسي وأجلس إلى جواره على آخر. يقول «عبد ~~العليم» وهو يتنحنح إن الخردواتي باع كراسة بسعر يزيد مليمين عن ~~التسعيرة الجبرية فحوكم بستة أشهر وغرامة مائة جنيه. # يسأل أبي عن «جمعة» أفندي. يقول شيخ الحارة: مع «زراكش». ~~- «زراكش» مين؟ ~~- هو إنت متعرفش؟ الجنية اللي اتجوزها. # يسأل أبي في اهتمام: اتجوز جنية؟ إزاي؟ # يقول «عبد العليم» إن قطة بيضاء اللون لزقت له وصارت تشاركه ~~الفراش. وفي يوم رآها تقف على ساقيها الخلفيتين ويأخذ طولها ~~بالتمدد ثم خلعت فراءها فكشفت عن فتاة غاية في الجمال. سألها عن ~~اسمها فقالت إنه «زراكش». شرعت ترقص له ثم طلبت أن تتزوجه قائلة ~~إنها مسلمة مثله. # يستفسر أبي عن الجزار المختفي. يقول «عبد العليم» إنه تزوج على ~~امرأته. يسأل أبي: بنت بنوت؟ لا. مطلقة تزوجت من قبله ثلاثة ~~رجال. ترك الدكان لابنه وانتقل من الحي. يقول إن «أم نظيرة» جاءته ~~اليوم وتوسلت إليه. هي مستعدة تقبل جزمته لتعود. يقول أبي في ~~حسم: لا. مش عايزها. يستفسر «عبد العليم»: جربت مكتب التخديم؟ يقول ~~أبي إنه لا يطمئن إلى بناته. ثم إن صاحب ms020 المكتب يأخذ عمولة ~~كبيرة. # يدخل الدكان رجل أسمر أنيق بقميصه الأبيض ياقة منشاة وفوق رأسه ~~طربوش مائل ناحية اليسار. يرحب به شيخ الحارة: أهلا «رأفت» ~~أفندي. يأخذني أبي فوق ركبتيه ليجلس «رأفت» مكاني. يقول إنه دافع ~~اليوم عن امرأة مهددة بالإعدام. عمرها ثلاث وعشرون سنة ومتزوجة من ~~عجوز تجاوز الستين. نقلوه إلى المستشفى في حالة قيء. # يسأل «عبد العليم»: كوليرا؟ # يهز المحامي رأسه: لا، الكوليرا الوقت في إجازة لغاية ~~الصيف. ~~- أمال إيه؟ # يقول المحامي إن العجوز اتهم زوجته بمحاولة تسميمه لتتخلص منه ~~وتتزوج بشاب في سنها. وأثبت الطبيب الشرعي أن الشيخ تناول ~~كمية من الويسكي ممزوجة بزيت الكافور. # يتوقف المحامي ويقول: كل الأدلة ضد البنت. وكانت حتروح أونطة ~~لولا إني سألت العجوز ثلاثة أسئلة. # يرددون جميعا في صوت واحد عدا أبي: إيه هي؟ # يقول: سألته إذا كانت عادته أن يدهن ساقه بزيت الكافور قبل ~~النوم. الراجل قال أيوه. سألته عن مكان قزازة الكافور. قال على ~~الكوميدينو جنب السرير. سألته: وفين كانت قزازة الويسكي؟ قال: جنب ~~الكافور. # يتطلع إلينا مزهوا: المحكمة استدلت إن الراجل لما سكر صب من ~~الكافور بدل الويسكي. # يعلق الشيخ المعمم وهو ينظر إلى أبي: ده نتيجة جوازه من بنت في ~~عمر بنته. يتجهم وجه أبي. يتدخل شيخ الحارة عارضا على أبي أن ~~يشترك مع بقية الشلة في شراء «الأهرام». يدفع كل واحد قرش صاغ ~~ويقرأ الجرنال طول الشهر. يقول أبي إنه يقرأ الجرنال عند الجزمجي. ~~وعلى العموم أخبار النهارده زي إمبارح. # يقول «رأفت» أفندي: على رأيك. شوف خبر النهارده عن يهود «اليمن» ~~وازاي «إنجلترا» بتهربهم «فلسطين». من ساعة التقسيم والمراكب رايحة ~~جاية تلمهم من كل حتة. # يضيف بصوت خافت إن طلبة الجامعة مزقوا صورة الملك ولقبوه بملك ~~«مصر والسودان وسامية جمال». يقول الشيخ «فضل» إن الملك ترك «سامية ~~جمال» من مدة واستبدلها ب «أم كلثوم». يقول المحامي إنها وضعت جهاز ~~تكييف في فيلتها. # يقول الشيخ المعمم إن ابنه حصل على البكالوريا بالمجانية في ~~الجامعة فعمل في مديرية ms021 «قنا» بستة جنيهات درجة تاسعة . يقول ~~المحامي إن «لطفي السيد» باشا رئيس المجمع اللغوي يأخذ 9 جنيه ~~شهريا وعلاوة غلاء 3 جنيهات. وكان يأخذ 4 جنيهات في الشهر عندما ~~توظف في النيابة من خمسين سنة. يقول الشيخ: أقة السكر بالكوبون ~~75 مليما وثمنها في السوق السوداء 200 مليم. # يسأل الحاج «عبد العليم»: قريتم «فكري أباظة»؟ بيطالب بفرض ~~الضرائب التصاعدية وتحديد الملكية وتوزيع الأراضي ومحاربة الغلاء. ~~يعلق الشيخ بأن الدعوة إلى تحديد الملكية تخالف الدين، وأن شيخ ~~الأزهر أفتى بذلك. يقول شيخ الحارة: سيبونا بأه من السياسة، تسمعوا ~~آخر نكتة؟ يقول إن مترو «مصر الجديدة» له خطان، واحد يتوقف في محطة ~~«منشية الصدر» والثاني يتوقف في محطة «منشية البكري»، وذات يوم ~~صعدت فتاة ذات صدر بارز وسألت الكمساري عما إذا سيتوقف في محطة ~~«منشية البكري»، قال وهو يتطلع إلى صدرها: لأ. رايحين «منشية ~~الصدر» ونقف هناك. # يضحك الجميع عدا أبي. ينهض واقفا ويستأذن منصرفا. أسأله ونحن ~~ندخل الحارة عن معنى النكتة ولماذا ضحك الجميع. لا يرد. أسأله: هو ~~شيخ الحارة بيعمل إيه؟ ~~- يقعد ساعة كل يوم في قسم البوليس. يمضي الشهادات والأوراق ~~الشخصية لأهل الحتة. ~~- وياخد كام ماهية؟ ~~- ملوش ماهية. بياخد من الناس. بيطلع بقرشين كويسين. # أسأل ونحن نلج منزلنا: هي ماما عندها كم سنة؟ # يرد في اقتضاب: ستة وعشرين. # 5 # نترك ترام رقم 3 عند نهايته في ميدان «العباسية». نستقل الترام ~~الأبيض الذاهب إلى «مصر الجديدة». ننطلق بحذاء ثكنات الجيش ~~الإنجليزي. الطريق تحف به الأشجار. ضوء النهار يوشك أن يتلاشى. ~~مستشفى عسكري: شرفات خشبية في مبان من طابق واحد. # نغادر الترام في محطته الأخيرة بميدان «الإسماعيلية». مقهى محاط ~~بالزجاج. عجوز أرمني يدير صندوق بيانولا. صالة باتيناج. شارع مظلم ~~به منازل ذات حدائق مسورة. روائح الياسمين. باب حديدي مغلق ~~تتوسطه سلسلة بقفل. ندخل من باب جانبي. ممر مرصوف ببلاط ملون. ~~درجات رخامية عريضة. الباب المطل على السلم مغلق. لا يستعمل إلا ~~في الصيف. نطرق الباب المجاور. تفتحه «سعدية» زوجة البواب. ضئيلة ms022 ~~الجسم شاحبة الوجه. يرحب بنا عمو «فهمي» زوج أختي: أهلا أهلا، ~~البيت نور. طويل وعريض في روب من الصوف السميك الكاروهات. سيجارته ~~في يده. يعمل محاسبا في شركة أجنبية. يتقدمنا بنشاط إلى غرفة ~~الترسينة القبلية. أرضها من الخشب. يخلع أبي معطفه. يتناوله منه ~~عمو «فهمي». نجلس فوق كنبة في مواجهة الباب. أمامنا مائدة ~~معدنية فوقها صندوق «طاولة» مغلق. # تنضم إلينا «نبيلة». أختي من أبي. نحيفة مثلي وشعرها ناعم وطويل. ~~ترتدي روبا من الكستور وفي قدميها مانتوفلي وردي اللون تعلوه ~~وردة من قماش منفوش. يبدو منه جورب أبيض سميك. في يدها مقلم ~~أظافر. تقبل أبي في خده فيرد القبلة بصوت مسموع. تصرخ ضاحكة: ~~شنبك بيشوك. تجلس إلى جواره من الناحية الأخرى. تواصل تقليم أظافر ~~يدها. تحني رأسها لأن نظرها قصير. # يسأل أبي عن «شوقي» و«شيرين». تقول أختي إنهما عند «سميرة». يجلس ~~زوجها على مقعد في مواجهتنا. يرفع غطاء صندوق الطاولة. تقول أختي: ~~سيبه ياخد نفسه الأول. يبتسم في حذر وهو ينظر إلى أبي بعينين ~~ضيقتين. يمر بيده على شاربه القصير. يستخرج علبة سجائر معدنية من ~~جيب الروب. ثلاث خمسات. يفتحها ويلتقط منها سيجارة. يشعلها ~~بولاعة مبططة. أصابعه سمينة مدورة الأطراف ومقصوصة بعناية. ~~أطرافها مكسوة بلون النيكوتين الأصفر. # يسأله أبي: ولاعة جديدة؟ ~~- «رونسون»، تضغط عليها تولع وتنطفي من نفسها. # يدلي يده اليمنى في حذر بجوار المقعد وينفض رماد السيجارة. لا ~~تغيب هذه الحركة عن أختي فتخاطبه في حدة: فين الطفاية؟ يقوم ~~مسرعا وهو يحافظ على ابتسامة متكلفة: حاضر يا ستي. يجذب منفضة ~~السجائر من فوق مائدة صغيرة بسيقان رفيعة مذهبة. يضعها بجوار ~~صندوق الطاولة. يتطلع إلى وجهه في مرآة مستديرة على الحائط ~~المواجه. يسوي شعر رأسه الخفيف بيده اليسرى. تضع أختي المقلم ~~جانبا وتتناول مشطا تجريه في شعرها الناعم الطويل. # يوجه عمو «فهمي» نظرة جانبية حذرة إلى أختي: أبيض ولا ~~أسود يا «خليل» بيه؟ يعتدل أبي في جلسته ويشعل سيجارته السوداء ~~يسحب منها نفسا ثم يضعها على حافة المنفضة. يلقي بالزهر. أنحني ms023 ~~فوقه لأرى النتيجة. يبعدني بساعده. يقول: أسود، زي حظي. # تحضر «سعدية » صينية الشاي الأخضر. يقدم لنا عمو «فهمي» صندوقا ~~مستطيلا من الصفيح. أتناول منه قطعة شكولاتة في حجم الليمونة. ~~أفك غلافها المفضض. أبسط ورقة الحظ الشفافة وأقرأ: «يا مسهرني.» ~~يكمش أبي ورقته ويلقي بها في المنفضة. ألتقطها وأبسطها. «نجاح مؤكد ~~فيما أنت مقدم عليه». # تقلب أختي صحيفة «الأهرام». تقول إنها تريد أن ترى «إليزابيث ~~تايلور» في فيلم «ليدي هاميلتون». # أتسلل مغادرا الغرفة. إلى اليمين حائط يفصل بين المطبخ ~~والردهة. يأتي من خلفه صوت حركة «سعدية». إلى اليسار باب يؤدي ~~إلى الصالة. مائدة الطعام بين بوفيهات ضخمة تعلوها مرايا مستطيلة. ~~راديو «جروندج» كبير الحجم. أدور حول المائدة حتى غرفة المسافرين. ~~بابها مغلق. أتطلع من ثقب المفتاح. أتبين في الظلام هيكل الباب ~~المؤدي إلى الفرانده. ألف حتى غرفة النوم. أفتح بابها وأدخل. ~~دولاب عريض تتألف واجهته من ثلاث مرايا متجاورة. بجواره شماعة ~~خشبية مغطاة بقماش أبيض نظيف. سرير بأعمدة نحاسية. فرش مرتب ~~بغطاء من الدانتلا كالذي كان عندنا في المنزل القديم. أتجه إلى ~~المرآة المجاورة له. أسفلها صف من زجاجات الروائح وعلب الكريمات: ~~«شانيل 5». «كولونيا» «أتكينسون». علبة «ماكس فاكتور». زجاجة زرقاء ~~مثل التي كانت عند أمي. أتحسس الزجاجات وأشم روائحها. # أخرج وأغلق الباب في هدوء. أنتقل إلى غرفة الأولاد. أفتح بابها. ~~سريران متواجهان بجوار كل منهما مكتب صغير. فوق كل منهما مقلمة ~~ملونة ذات غطاء متحرك يكشف عن أماكن للأقلام والممحاة والبراية. ~~دولاب عريض. كل شيء مرتب ونظيف. فوق الدولاب صندوق الكرتون ~~الملون. تنزله أبلة «نبيلة» وتضعه فوق السجادة. تستخرج منه عددا ~~من القضبان الحديدية. تصلها ببعضها البعض على شكل دائرة. تضع فوقها ~~عربات قطار. سيمافور ومزلقان ثم محطة. سلم بدرجات صغيرة. الأجزاء ~~كلها بألوان لامعة. ليس بها خدش واحد. تدير الزنبرك فينطلق ~~القطار ويلف الدائرة وسط الأنفاس المبهورة. ممنوع اللمس. تدير ~~الزنبرك مرة أخرى. وبعد لفتين أو ثلاث تقول: كفاية. تعيد كل ~~شيء إلى الصندوق ويختفي فوق الدولاب. # أغادر الغرفة وأغلق ms024 بابها. أخرج من باب الصالة. أعبر الردهة إلى ~~الطرقة المجاورة للمطبخ . الثلاجة الخشبية التي تغلق في الشتاء ~~ويوضع الثلج فوق أنابيبها في الصيف. أتجاوزها وأمر بالحمام ~~الأفرنجي. في نهايتها الحمام البلدي. أفتح بابه. أقف فوق القدمين ~~الرخاميتين البارزتين بجوار فتحته. أتبول. أغادر الحمام. أغلق ~~بابه خلفي. أدخل الحمام الآخر الكبير. تواليت أفرنجي ودوش أعلى ~~البلاعة. أغسل يدي وأتأمل محتويات رف المرآة. صابون «سلكت». علبة ~~أمواس «جيليت». أنبوبة. «كولينوس». مرهم «زامبوك» للبشرة وإزالة ~~الشعر. «نولين» لفرد الشعر. برطمان «بريلكريم». أنزع غطاءه. أزيل ~~قطعة بإصبعي. أدعك بها شعري. أعيد الغطاء مكانه. أتأمل شعري في ~~المرآة. أكرت كما هو بلا تغيير. أغادر الحمام. أتوقف قرب غرفة ~~الترسينة. # صوت أبي: بتشوفي أخوك؟ صوت أختي: قليل، وأنت؟ - لسه مقاطعني من ~~ساعة ما ماتت المرحومة وعرف إني متجوز. - و«روحية» عاملة إيه؟ صوت ~~أبي: زي ما هي. - والتركية؟ اسمها إيه؟ بسيمة؟ متربعة فوق كنبة ~~مغطاة بقماش ملون وأنا إلى جوارها. بيضاء سمينة. ترتدي فستانا ~~أحمر لامعا وتغطي رأسها بطرحة بيضاء. على الجدار صورة ضابط كبير ~~ذي شارب ضخم فوق جواد وسيفه مرفوع في يده. تعطيني قطعة كبيرة ~~الحجم من الشوكولاتة. أمزق غلافها الأحمر المذهب من جانب وأقضم ~~قطعة ثم أعيد الغلاف مكانه. أضعها في جيب سترتي. بعد قليل أخرجها ~~وأقضم قطعة أخرى. همهمة أصوات في حجرة المسافرين المجاورة. أميز ~~صوت أبي وصوت رجل آخر. السيدة السمينة تصغي للأصوات في اهتمام. ~~تكتشف أني أرقبها. تنادي على الخادمة وتأمرها بفتح الراديو. موضوع ~~فوق رف صغير على الحائط المواجه. مغطى بغلاف من القماش الأبيض. ~~تسألني عن سني. أقول: تسعة. تنصت للراديو. حوار ثم موسيقى. أتجرأ ~~وأسألها: إيه ده؟ تقول: فيلم. - فيلم إيه؟ - الماضي المجهول. أتعرف ~~على صوت «ليلى مراد» تغني: «منايا في قربك أشوفك بعيني.» أنهض ~~وأقترب من حجرة المسافرين. الباب ذو المربعات الزجاجية موارب. أنصت ~~للحديث. صوت الرجل: الولد كبير. صوت أبي: لكن مجتهد في دروسه ويسمع ~~الكلام. يخرج. يأخذني من يدي ونتجه نحو باب المسكن. السيدة السمينة ~~اختفت ms025 لكن «ليلى مراد» ما زالت تغني. # صوت أبي: بريتني وكل واحد راح لحاله. # أختي: بطل بأه يا بابا. # والله أنا اتجوزتها لما غلبت مع الخدامات والطباخات. ~~- إنت يا بابا محدش يقدر يتحملك. # يسأل أبي عن «سميرة» أخت عمو «فهمي». تقول إنها مشغولة بتجهيز ~~ابنتها من موبيليات «السمري». تسأله عن عمي. تقول إنه لم يظهر منذ ~~العيد الماضي. يتوقف الحديث ويتردد صوت الزهر وهو يصطدم بقاع ~~الطاولة. صوت عمو «فهمي»: الظاهر إنهم حيقفلوا بيوت الدعارة. صوت ~~أختي: والبنات تروح فين؟ - ينزلوا الشوارع بأه. # أدخل غرفة الترسينة. يتوقف الحديث. أقف إلى جوار أبي. يلعب ~~بغير حماس. ينتهي الدور بانتصار زوج أختي. يغلق أبي الطاولة ~~قائلا إن الدنيا ليلت ويتعين أن نذهب. يغادر عمو «فهمي» الغرفة ~~ليحضر علبة سجائر جديدة. يميل أبي ناحية «نبيلة» ويهمس لها بشيء. ~~تهز رأسها بالرفض. ينهض أبي واقفا. يعود عمو «فهمي». يحلف علينا ~~بالبقاء. تنضم إليه أختي: باتوا هنا. العشا جاهز. تفرش لنا مرتبة ~~وثيرة على الأرض تغطيها ملاءة نظيفة لها رائحة مميزة. ربما زهرة ~~الغسيل مع الديتول. المخدات طرية ونظيفة وليست متعجنة متخشبة ~~كمخداتنا. اللحاف أيضا نظيف ورائحته حلوة. يرتدي أبي جلبابا ~~مخصصا له. أبيض زي الفل. يظل النور مضاء وتأتيني أصوات زهر ~~الطاولة. # يصر على موقفه. تحضر أختي بنطلون بيجامة صغيرا وردي اللون. - ~~فاكر يا بابا البيجامة دي. إنت جبتهالي وأنا في الابتدائية. كنت ~~حارميها وبعدين قلت تنفع. تقربها مني وتقيس طولها على ساقي. تلفها ~~في صحيفة. يأخذها أبي صامتا. يشعل عمو «فهمي» نور السلم. ~~- ما تغيبش علينا يا بابا. ~~- تصبحوا على خير. # السلم يضيئه مصباح في كل طابق، لكن مصباح الطابق الأرضي مطفأ. ~~نتقدم في الظلام حتى الباب الخارجي. أنصت لصوت الكلاب. أتعلق ~~بيد أبي. نخرج إلى الشارع. رائحة الزهور من حدائق الفيلات. نقف عند ~~محطة الترام. تمر سيارة على مهل. يميل سائقها على امرأة بجانبه ~~ويقبلها في فمها. أضع ذراعي على ساعد أبي لألفت نظره إلى الأمر. - ~~في إيه؟ لا أرد. # نسمع صوت الترام ms026 قبل أن يظهر. ينطلق بنا في سرعة هائلة. تتأرجح ~~العربة يمينا ويسارا. أبي متجهم. أسمعه يغمغم: قلبي على ابني ~~انفطر وقلب ابني علي حجر. المحطات خالية فنجتازها دون ~~توقف. # ننتقل في «العباسية» إلى الترام الآخر. نغادره في الميدان. نعبر ~~الشارع. نتوقف أمام مخبز «عبد الملاك» الأفرنجي. يشتري أبي كيسا ~~من الكعك الهش المرشوق بالسمسم. نمضي في طريق جانبي كي لا نمر على ~~دكان البقال. الحارة مظلمة ومدخل منزلنا أيضا. ندخل الشقة في ~~الظلام. مصباح الصالة محترق. أتعلق بملابس أبي حتى يفتح باب ~~حجرتنا ويضيء مصباحها. يعد كوبا من الماء المحلى بالسكر. نضع ~~المائدة الصغيرة أمام السرير ونجلس حولها. نغمس البسكوت في الماء. ~~يقول إن بيتنا أحسن مكان في الدنيا. # 6 # أفتح كراسة العلوم القديمة. أتأكد من وجود ريش الطيور المثبت في ~~الصفحات. أتوقف عند الهدهد الذي أحبه. يخفت ضوء المصباح ~~الكهربائي ككل ليلة. أتناول كتاب تاريخ مصر الفرعونية ذا الغلاف ~~الأزرق. أقلب صفحاته متأملا الرسوم. «مينا» ذو التاجين. ينتهي ~~من صلاة العشاء فوق السرير. يترجل. يضغط الطاقية الصوفية فوق ~~رأسه وحول رقبته. يحكم روبه حول جسده. يضم قبضتيه ثم يسندهما إلى ~~حافتي جيبيه. يقطع الغرفة جيئة وذهابا. «يضرب بلطة» كما يقول. ~~يراها ضرورية بعد تناول العشاء. # أشكو من البرد. يحضر وابور الجاز من الصالة ويشعله ويضعه عند ~~الباب قرب حافة السجادة. يتمزق غلاف كراسة. أعهد إليه بإعادة ~~تغليفها. أناوله فرخ ورق التجليد الأصفر. أحضر له المقص فيرفض ~~استخدامه. يجلس فوق حافة الفراش يطوي الورقة ويمر عليها بأصابعه ~~عدة مرات. ثم يمزقها عند الثنية بعناية. ينفصل فرخ الورق إلى ~~قسمين متساويين ليس بهما أثر القطع. يضع أحدهما جانبا ويضع ~~الكتاب بين دفتي الآخر. يثني الورقة داخل الغلاف الأمامي للكتاب ثم ~~يطوي حافتها العليا. يدسها بين الورقة والغلاف. يكرر الأمر عند ~~الحافة السفلى. ثم ينتقل إلى الغلاف الخلفي ويكرر العملية. # يدق باب الغرفة. أفتحه لعمو «كريم» الكونستابل. يرتدي معطفا ~~عسكريا أسود فوق جلباب أبيض. له شارب كثيف يمتد بحذاء شفته ~~العليا. يرحب ms027 به أبي ويومئ له أن يجلس على حافة الفراش. أعود ~~إلى مكتبي. يصبح ظهره لي. أتشمم رائحة معطفه العسكري التي ~~أحبها. يتربع أبي فوق السرير. يستدير بجسمه قليلا حتى يصبح في ~~مواجهتنا أنا والكونستابل. يسند ظهره إلى حافة القائم الحديدي عند ~~رأس السرير. # يخرج الكونستابل من جيب معطفه علبة سجائر «هوليوود». يقدم واحدة ~~إلى أبي فيعتذر. يبرز علبة سجائره السوداء. غلافها الأصفر ~~يتوسطه رأس حبشي أحمر. يشعل الكونستابل عود ثقاب. يمد يده. يحني ~~أبي رأسه مقربا سيجارته. يبقي طرف السيجارة في النار حتى تتوهج. ~~أحمل منفضة السجائر من فوق المكتب وأضعها بينهما فوق الأغطية. يضع ~~الكونستابل ساقا على ساق ويشبك يديه فوق ركبتيه. تظهر ساعة ~~ذهبية في معصمه. # يتطلع حوله. يقول: إنت معندكش راديو ولا إيه؟ ~~- الراديو بتاعنا بيتصلح. # أعرف أن هذا غير صحيح. فقد باعه أبي من زمن. يواصل الكونستابل ~~كأنه لا يصدق أبي: فيه راديو فيلبس ب 12 جنيه. ~~- يعني ماهية شهر. ~~- ده سعره بالتقسيط. # يقترح على أبي أن يلعبا الدومينو. يستخرج من جيبه كبشة قصاصات ~~متساوية من ورق سميك رمادي اللون. يسوي أبي الأغطية. يجذب وسادة ~~الرأس الطويلة فيثنيها ويضعها بينه وبين الشاب. يطلب مني أن أناوله ~~نظارته من فوق المكتب. يضع «كريم» الأوراق فوق الوسادة. يتناول أبي ~~إحداها ويتأملها. يقول الكونستابل إنها تذاكر القطار الذي يستقله ~~عندما يزور أمه. يخلط الأوراق بين راحتيه مثل الكوتشينة. يضعها ~~فوق الوسادة. يختار كل منهما 7 ورقات. يسند أبي سيجارته إلى حافة ~~المنفضة. يصف الورقات على راحتي يديه. يقيمها على حدي ~~الكفين بحيث يبعدهما عن نظر الآخر. يفعل الآخر المثل. يكشف ورقة ~~ويضعها في منتصف الوسادة. يقول: دبش. التضمين من 101. # يلحظ أبي أني أتابع اللعب فينهرني. يطلب مني أن أنهي واجباتي ~~وأرتب حقيبتي. تسقط ورقة دومينو على الأرض فأسرع بالتقاطها. ~~عبارة «المطرية - كوبري الليمون» مكتوبة بالأسود على أحد وجهيها. ~~على الوجه الآخر دوائر مرسومة ومسودة بقلم الكوبيا. في أحد ~~جانبيها أثر مقرض على شكل مثلث صغير. # ينتقي أبي من ورقه ms028 واحدة. يلصقها بالدبش قائلا: دو. يضع ~~الكونستابل ورقة. يضطر أبي للسحب من كبشة الأوراق. يروي قصة «أبو ~~شبت» الذي رأيناه في الكنيف. يقول «كريم» إنه يتسلل إلى أماكن ~~الجسم الدافئة خاصة بين الفخذين أو أسفل الركبة. يكمن بها حتى يشعر ~~بالحرارة. عندئذ يلدغ ويقتل. يقول أبي إنه نوع من العناكب وغير ~~مؤذ. يضيف: الشقة لازم تتبيض. # يقول الشاب: أو الواحد يدور على مكان تاني. ~~- رجلي على رجلك. إنما فين؟ كنا فاكرين السكن حيرخص بعد ما ~~الإنجليز خرجوا من «القاهرة». لكن الدنيا بقت نار. ~~- سمعت حضرتك عن شقق الأوقاف؟ ~~- أيوه. الوزارة حددت إيجار الأوضة الواحدة فيها بخمسة جنيه. ~~يعني الشقة توصل لعشرين أو تلاتين جنيه في الشهر. يعمل إيه الموظف ~~اللي مرتبه بين 10 و15 جنيه؟ ~~- جهار يك. أنا حاكلم الحاج «عبد الرازق». ~~- مين ده؟ ~~- تاجر كبير في وكالة البلح. بيبني عمارة في آخر شارع ~~«النزهة». # يحكي أنه في الأصل بائع متجول للزجاج. وقبل الحرب تعاقد مع شركة ~~أدوية على أن يورد لها عشرة آلاف زجاجة فارغة. الواحدة بمليمين. ~~كان سيكسب في الصفقة كلها عشرة جنيه. وفجأة قامت الحرب وفسخت ~~الشركة الاتفاق. اضطر للعمل في معسكرات الجيش الإنجليزي. وبعد ~~الحرب ارتفعت الأسعار ووصل ثمن الزجاجة الفارغة إلى 4 قروش. فباع ~~كل ما عنده لمصنع بيرة ب 400 جنيه وأصبح لديه رأسمال. # يقول أبي: يرزق من يشاء بغير حساب. # يهز الكونستابل رأسه. يقول إن الحظ له عمايل. وإنه يعرف ~~واحدا اشترى مخلفات معسكر بريطاني ب 100 ألف جنيه. ووجد فيها كمية ~~براميل ضخمة من الصلب. وعندما فتحها وجدها محشوة بإطارات السيارات. ~~باعها بخمسين ألف جنيه. # أسعل بشدة. يقوم أبي إلى باب البلكونة ليواربه كي تتخلص الغرفة ~~من دخان السجائر. يقول «كريم» إن الناس تؤلف الآن جمعيات من عدة ~~أفراد يدفع الواحد منهم مبلغا كل شهر ويقبض أنصبة الآخرين. يلزم ~~أبي الصمت ولا يعلق. # يخلط الكونستابل أوراق الدومينو ويضعها على الوسادة: إذا كان ~~عندك فائض من كوبونات السكر والكيروسين 18 لتر أشتريهم. يصيح ms029 بي ~~مدرس الحساب: مد إيديك. أبسط يدي الباردتين وراحتيهما إلى ~~أسفل. يرفع المسطرة في الهواء. يديرها ليهبط بسنها على ظهر يدي. ~~أقول إني أحضرت كوبونات الكيروسين. يبعد المسطرة. # ضجة في الحارة. يتعالى صراخ أكثر من شخص. يتلاشى بعد قليل. ~~يقول الكونستابل: ده الراجل اللي متجوز اتنين. # يستفسر أبي عن سكان البلكونة المقابلة. يقول الكونستابل إنه ~~طالب في الطب مع أختيه، وإنهما تقفان طول الوقت في البلكونة في ~~انتظار العدل. ~~- والبنات اللي في أول الشارع؟ ~~- دول ولاد «صبري» أفندي الموظف في وزارة الحقانية. أكبرهم اسمها ~~«سهام». طول الوقت واقفة في الشباك. مستنية العدل هي ~~كمان. ~~- والست اللي فوقينا؟ ~~- حلوة، مش كده؟ دي ممرضة. الظاهر مطلقة أو أرملة. ساكنة وحدها ~~مع ابنها. # يقول أبي: يا ريت ألاقي واحدة طيبة بنت ناس ترضى بشيبتي وتربيلي ~~الولد. تعبت من الخدامات والطباخات. ~~- وتتجوزها؟ ~~- آه. بس تكون مبتخلفش. ~~- يمكن ألاقيلك واحدة عندنا في البلد. # نتشاجر أنا وابن الطباخة. تعامله «بسيمة» كأنه ابنها. أنتظر في ~~الصباح حتى تخرج من غرفة النوم إلى الحمام. أدخل لأشكو لأبي. واقف ~~بجوار السرير. يثبت حزام الفتاق. وجهه متجهم. فوق كوميدينو بجوار ~~الفراش زجاجة صغيرة عليها صورة أسد. # يغادر الكونستابل الغرفة ويعود بقطعة قماش وبيجامتين. القماش ~~سميك ذو لون بني داكن. يقول أبي وهو يفحصه: ده قماش ستاير. ~~يقول الكونستابل: وينفع بدلة. يبسط البيجامتين. واحدة بيضاء ~~مخططة. لها زراير من الصفيح. يقول أبي: دي بتاعة أسرى الحرب. يطلب ~~مني ارتداءها. أجدها على مقاسي. الأخرى لونها سمني. بزراير من ~~الصدف. يقول إنها خفيفة تصلح للصيف. يستمهله أبي حتى أول ~~الشهر. # يقول الكونستابل: خلي عنك. من غير فلوس. يضع أبي القماش ~~والبيجامتين جانبا. يقول الكونستابل: عندي كمان شرابات نايلون ~~للستات. يضحك أبي: إنت شايف حد منهم هنا؟ # 7 # يضع كوبا من الماء فوق سطح المكتب. يخرج من الدولاب المرآة ذات ~~الإطار المعدن «المكسور» وصندوق الكرتون الصغير الذي يحوي عدة ~~الحلاقة. يضعهما على المكتب ويجلس خلفه. يدس الفرشاة ذات القاعدة ~~الخشبية والطلاء المقشور في الماء. ms030 يدعكها في قطعة من الصابون على ~~شكل شمعة بغلاف من ورق مفضض. أسأله إذا كان ينوي الخروج. لا يرد ~~علي . يدهن ذقنه عدة مرات حتى يصنع رغوة كبيرة. يفض غلاف الموس ~~البنفسجي. يحرك حافته فوق كفه السمين جيئة وذهابا. يضعه في ~~ماكينة الحلاقة المعدنية. يمر بها على ذقنه ثم يخلصها من الصابون ~~في كوب الماء. يكرر ذلك عدة مرات. يصبح خداه ناعمين كالحرير. ~~يتناول الفوطة الملونة من فوق حافة الفراش. يزيل بها آثار الصابون ~~من وجهه. ينهض واقفا ويبدأ في ارتداء ملابسه. يتناول البزة ~~الزرقاء. يثبت حمالتي البنطلون في كتفيه. يرتدي الصدرية. من قماش ~~البزة ولونها. ظهرها من قماش حريري أسود اللون. يتدلى من ~~جانبيها طرفا الإبزيم الذي يحبكها على الجسم. يعطيني ظهره ~~لأتولى تعشيق الطرفين. أتوسل إليه أن يأخذني معه. يرفض: لا، ~~إنت وراك مذاكرة. يشير إلى المكتب: تقعد هنا متقومش، أنا مش ~~حتأخر. # يمسح سطح طربوشه بكم سترته. يطوي طرفي شاربه داخل فتحتي أنفه ~~ثم يطلقهما. يبرمهما بأصابعه. يفتح مصراع البلكونة الزجاجي ويرفع ~~شنكل الباب الخشبي. يدفعه إلى الخارج ويثبته بالشنكلين ~~الجانبيين. يغلق المصراع الزجاجي. أطلب منه أن يغلق باب الغرفة ~~خلفه. أنصت إلى صوت إغلاق باب الشقة وخطواته المتمهلة على ~~السلم. # يبتعد صوت قدميه. أغادر مقعد مكتبي أتخلص من البطانية التي ~~أحيط بها جسدي. أجذب باب الدولاب الموارب. أبحث بين الملابس ~~المتناثرة في غير نظام. أجذب مقعد المكتب. أقف فوقه. أرى الكتاب ~~مدسوسا في جانب من الرف العلوي. أحضره الكونستابل وأردت أن ~~أتصفحه فنهرني أبي. الكتاب صغير الحجم وبلغة أجنبية مطوي على ~~صفحة بها صورة تمثال لامرأة عارية. أتبين اسم «فينوس» في سطر أسفل ~~الصورة. أقلب الصفحات. أعيده إلى مكانه. # أتفحص محتويات الرف. زجاجات دواء. أنبوبة زجاجية رفيعة بها ~~ورقة حمراء: حبوب «كارتر» لعسر الهضم. «بلمونكس» للسعال. زجاجة ~~«أسبرو». قطرة «بروتكتين». نصف ثمرة من جوزة الطيب. يضع أبي نتفة ~~منها تحت لسانه عندما يشرب القهوة. برطمان به مسحوق بيكربونات ~~الصودا. يذيبه في الماء ويستنشق منه. بقايا متسخة ms031 من عروسة المولد ~~النبوي. حبتان من ثمرة «القراصيا» السوداء. يستخدمها أبي ضد ~~الإمساك. كتاب بغلاف ملون يحمل عنوان «رسول الملكة ». الصفحة ~~الداخلية بها إعلان عن «كرسي الظايط» وآخر عن براندي «أوتار». ~~كاسات الهواء مرصوصة في نظام فوق بعضها. دفتر حكومي كبير يحوي ~~مذكرات أمي. تكتب فيه بالقلم الرصاص بحروف كبيرة. ينتهي السطر ~~فتترك السطر التالي وتواصل الكتابة. تقرأ لأبي بعض ما كتبت. أسمع ~~اسم «هتلر» و«غاندي» و«مايلز لامبسون». # علبة صغيرة بها بطاقات باسم أبي. ليست هناك كلمة «بك». يقول ~~إنها لا تكتب إلا إذا كانت البكوية من الدرجة الأولى أما بكويته ~~هو فمن الدرجة الثانية. صورتان قديمتان في حجم الكارت بوستال. ~~الأولى رمادية يتوسطها إطار بيضاوي. داخله طفل يرتدي فستانا ~~طويلا مزركشا وصندلا أبيض. تحيط بعنقه فوطة بيضاء تتدلى فوق ~~صدره. يقف فوق درجة سلم. يده ممسكة بسياج حجري. تفاصيل الوجه ~~غير واضحة. أقلب الكارت بوستال. في الخلف اسمي كاملا مع اسم أبي ~~بخط أمي. # الصورة الثانية لأبي جالسا بالطربوش والكرافت. بين ساقيه يقف ~~طفل صغير في «بارباتوز» من قطعتين. الأولى تبدأ من الرقبة ~~والثانية تصل حتى الركبتين. الصورة غير ملونة فيما عدا ملابس ~~الطفل. لونها أخضر بشريط أصفر حول الرسغين وحول الوسط. على ظهر ~~الصورة اسمي واسم أبي أيضا. الخط لأمي. # أبحث في بقية الرفوف. كتاب «طبيب العائلة». أقلب صفحاته. وجوه ~~مشوهة في صفحة مصقولة. كتاب عن صلاة الجمعة به «الفاتحة» وبعض ~~الأدعية. «بردة البوصيري». «المحاسن والأضداد» ل «الجاحظ». صفحة ~~مثنية الطرف. في رأسها عنوان «محاسن النكاح». عدد من مجلة «مسامرات ~~الجيب». فوق الغلاف صورة ملونة لممثلة أجنبية جميلة. دائرة في ~~الركن حول ثمن المجلة: «20 مليما». ألقي بها فوق الفراش. كتاب ضخم ~~تتدلى من بعض صفحاته قصاصات من الورق الأبيض. أحمله وأهبط. # أرتقي الفراش وألتف بالأغطية. أقلب صفحات المجلة. صورة فتاة ~~عارية الظهر إلا من كلسون صغير. أتوقف عند النكات المرسومة. أغلبها ~~تصور رجالا بكروش بارزة يدخنون سيجارات كبيرة. أثرياء الحرب. رسم ~~لرجلين بعنوان «في المعرض الزراعي الصناعي». ms032 يقول أحدهما: إنت ~~ازاي جايب حماتك معاك في المعرض؟ يرد الثاني: قلت آخذها، ربك كريم، ~~يمكن تتوه منا في الزحمة. واحد يقول لآخر: الأسعار مولعة. يلا ~~نتدفي. # ألقي المجلة جانبا وأتناول الكتاب الضخم: «شمس المعارف الكبرى». ~~الورق أصفر اللون. الكتابة بحرف النسخ في مستطيلات وسط الصفحات ~~وحولها من كافة الجهات الحروف صعبة القراءة. هناك دوائر ومربعات ~~مقسمة إلى خانات تضم أرقاما وحروفا. أفتح الصفحات التي تتدلى ~~منها القصاصات. فائدة للصلح بين الرجل وزوجته. فائدة لتكثير المال. ~~فائدة لإذهاب النسيان. فائدة لطول العمر. فائدة لإخراج الحشرات من ~~البيوت. فائدة لتسهيل الفهم والحفظ. لرد البصر. لمنع النفس عن ~~الشهوات. لجلب الرزق من غير تعب. للاختفاء عن أعين الناس. لقضاء ~~الحوائج والدخول على الحكام. للبليد وإعانته على الفهم ~~والحفظ. # أغلق الكتاب وأعيده مكانه في الدولاب هو والمجلة. أستخرج الهون ~~النحاسي الصغير من أسفل الفراش. أصب به قليلا من السكر ونصف ~~محتويات كيس حمص. أتربع على حافة السجادة قرب الباب. أضع الهون ~~أمامي على البلاط. أدق الخليط بيد الهون. أستمر في الدق حتى ~~يتحول الخليط إلى مسحوق أصفر ناعم. أزيل كتلة منه التصقت بيد ~~الهون. أتذكر أن الملاعق كلها بالصالة. أتطلع إلى الباب ~~المغلق. أحمل الهون في يدي وآكل منه بأصابعي. # أقف خلف باب البلكونة. حبة الحلبة المزروعة داخل قطنة في كوب. ~~نبت لها ساق خضراء دقيقة. الهواء يهزها. البلكونة المقابلة مضاءة. ~~الشيش مفتوح لكن الزجاج مغلق. تتطلع إلي إحدى الأختين من ~~خلفه. تخرج «أم صفوت» من باب المنزل. بيضاء طويلة. عارية الرأس. ~~شعرها الناعم قصير. حول رقبتها كوفية ملونة. وجهها مغطى ~~بالمساحيق. يلحق بها ابنها. في سني. يرتدي بزة مكوية. يسير منكس ~~الرأس. تصرخ فيه. # أنكمش من البرد. أضع الهون فوق المائدة. أتناول ثمرة يوسفندي. ~~أقشرها وألقي بالقشر والبذر أسفل السرير. أنحني وأجذب الحقيبة ~~الكبيرة المنبعجة الجانب. أرفع الغطاء. سطحه الداخلي مغطى بورق ~~أزرق اللون. كتب ممزقة الصفحات. بعضها يحمل شخبطة بالقلم الرصاص. ~~كتاب ذو غلاف ملون مرعب عنوانه «القصر المهجور». حزام عسكري ms033 رفيع ~~من الصوف الزيتوني اللون ذو طرف نحاسي يستخدم في ربط الحقيبة ~~عند العزال. دفتر شيكات قديم. كمامة وقاية من الغاز. قطع صغيرة من ~~أقلام رصاص. علب ثقاب فارغة. مطفأة سجائر من الخزف. التماثيل ~~الصغيرة خلف الباب الزجاجي لخزانة مغلقة دائما. صينية مستديرة ~~بقاع من الخزف الملون برسوم يابانية. أخرى مستطيلة ذات سياج ~~معدني مخرم. أضعها أمامي على السجادة وأدفعها وأنا أنفخ مرة ~~كالقطار ومرة كالسيارة. أصف مقاعد السفرة في طابور. أعلق شنطة ~~الكمساري في كتفي. دفتر التذاكر في يدي. صنعها أبي من أوراق ~~ملونة وثبتها بقطعة دوبار في لوح من الكارتون. # أعيد الغطاء إلى مكانه. أستخرج المراكب المصنوعة من الورق. ~~يصنعها أبي ببراعة وسهولة. أحملها إلى الفراش وأرصها. القوارب ~~الصغيرة أولا ثم البوارج الأكبر. أقسمها إلى مجموعتين ~~متواجهتين. لكل منهما سفينة قيادة يميزها عود كبريت في ~~مقدمتها. تدور المعارك بين المجموعتين وتصاب عدة مراكب فتقع على ~~جوانبها. أمل بعد قليل. # فوق المائدة لفافة من الجبن الرومي وأخرى من البسطرمة. أتناول ~~نصف رغيف من فوق المائدة. وأضع فيه شريحة بسطرمة. يتناهى إلي صوت ~~الأولاد في الحارة. أهرع إلى البلكونة. أولاد في سني وأصغر يمسكون ~~بملابس بعضهم البعض على هيئة قطار ويلفون الحارة. تتصاعد أصواتهم: ~~يا وابور يا مولع حط الفحم. يكونون حلقة ويدور أحدهم من خلف ~~ظهورهم. يصيح: الثعلب. يردون في صوت واحد: فات فات. - وديله؟ - ~~سبع لفات. - والدبة؟ - وقعت في البير. - وصاحبها؟ - واحد خنزير. - ~~ما فتش عليكو الديب الديب السحلاوي؟ - فات فات. يطل من النافذة ~~بطاقيته البيضاء المربعة وسيجارته السوداء. عسكر وحرامية. ألعب ~~بجرأة ولا أخشى الأولاد. # صوت «رجاء عبده» من راديو «أم زكية». تختفي الشمس. أشعل المصباح ~~الكهربائي. البطانية باردة. يهز الهواء باب البلكونة. أتناول ~~كتابا باللغة الفرنسية. من كتب «نبيلة» المدرسية. أقلب صفحاته. ~~رسم لرجل تحت المطر. يتغطى بحرملة واسعة. ويرفع مظلة فوق رأسه. ~~شارع خال. قارب. أرهف السمع. # يتردد وقع خطوات متمهلة على السلم. تتوقف الخطوات أمام شقتنا. ~~تتواصل صاعدة إلى أعلى. بابا جاي إمتى. جاي ms034 الساعة ستة. راكب ولا ~~ماشي. راكب بسكليتة. يظهر عند باب الشقة في ملابسه الكاملة وطربوشه ~~حاملا كيسا من الورق في ذراعه الأيسر. وجهه الأسمر متهلل. ينحني ~~فوقي. يحتويني بين ساعديه. يقبلني في خدي ويدفن فمه في عنقي. ~~أزيح وجهي لأتجنب شاربه الذي يشك. أقول له: بابا سيب. يداعب ~~ذقني بإصبعه قائلا: حطه يا بطه يا دقن القطة. # أخيرا وقع خطواته. يصعد على مهل وحذاؤه يحتك بالأرض. صوت ~~المفتاح في قفل الباب الخارجي. يفتح باب الغرفة. يدخل ويستدير ~~خلفه: ادخلي يا «أم محمد». تدخل امرأة طويلة شديدة النحافة في ~~رداء ريفي أسود. تغطي رأسها بطرحة سوداء. وجهها شديد السمرة ~~مليء بالتجاعيد. أنف بارز. عينان ضيقتان. تحمل بقجة كبيرة تحت ~~إبطها. تقف وسط الحجرة. يدعوها للجلوس فوق حافة الفراش. تجلس ~~فتستقر قدماها على الأرض. شراب أسود وحذاء أسود قديم بكعب صغير. ~~تضع البقجة بجوارها فوق الفراش. تتجنب النظر إلى أي ~~منا. # يخلع أبي معطفه ويعلقه في المشجب. يقول لها: تعالي أوريك الشقة ~~وتغيري هدومك. تحمل بقجتها في يدها وتتبعه إلى الصالة. ~~- الكنيف هناك. بابه ميتقفلش. الحمام متمسمر. غيري في أوضة ~~المسافرين. # يتركها ويعود. يخلع سترته. يرتدي الروب فوق الصدرية والبنطلون. ~~ينحني أمام الفراش. يستخرج كيس الشعرية وبرطمان السكر. - تاكل ~~شعرية باللبن؟ لا أرد. يغادر الغرفة وأسمع صوت مكبس الموقد ثم أزيز ~~النار. طشيش السمن. يعود بعد برهة بوجه متجهم: اللبن قطع. تدخل «أم ~~محمد» في ثوب أسود طويل. جورب أسود سميك في قدميها. بقجتها تحت ~~إبطها. تضعها على السرير. تجلس على حافته. تستخرج من بقجتها علبة ~~سجائر في حجم الكف. تلتقط منها سيجارة مبططة. يقطب أبي جبينه. ~~يقدم لها علبة كبريت في صمت. تشعل سيجارة. يحضر أبي حلة ~~الشعرية. تقول إنها ليست جائعة. نأكل أنا وهو الشعرية بالسكر دون ~~لبن. # يقترح عليها أن تتمدد على الفراش إذا كانت متعبة. لا ترد. يقول ~~لها: إحنا يا «أم محمد» متجوزين على سنة الله ورسوله. تنهض ~~واقفة. تصعد السرير. تستولي على مكاني بجوار الحائط. أستلقي ms035 ~~بجوارها. تأتيني رائحة تراب أو طين. تصطدم ساقاها بقائم السرير. ~~تثنيهما. تصطدم بي ركبتها الصلبة. أبتعد عنها مقتربا من حافة ~~السرير. يطفئ أبي النور ويستلقي إلى جواري. ألتصق به وأحيطه ~~بذراعي. # | الفصل الثاني # 1 # يظهر «ماجد» أفندي في مدخل الدكان. يرتدي بزة كاملة دون معطف. ~~البزة مكوية جيدا. يلمع وجهه في ضوء المصباح الكهربائي. جبهته ~~غائرة يعلوها شعر أسود مصفف في عناية. أذناه بارزتان. يرحب به ~~الجميع. يصيح «عبد العليم»: أهلا بالعريس. يبتسم العريس في زهو. ~~يسأله أبي: اتجوزت جنية صحيح؟ يجذبني من يدي لأترك الكرسي. أقف ~~بين ساقيه ويجلس «ماجد» أفندي مكاني. # تتعلق به أنظار الجالسين: الشيخ المعمم في الجبة والقفطان ~~و«رأفت» أفندي بجريدة «المصري» المطوية في يده. يواصل أبي: وإزي ~~الحال؟ يفكر «ماجد» أفندي لحظة ثم يقول: زي أي جواز. يصيح «عبد ~~العليم»: معقول؟ احكيلنا. تشرب إيه الأول؟ - حلبة باللبن. ينادي ~~«عبد العليم» على «عباس» الواقف عند عتبة الدكان ويطلب منه إحضار ~~الحلبة. # يقول «ماجد» أفندي إنها هي التي طلبت الزواج منه واشترطت عليه ~~ألا يتزوج عليها وألا يتناول الثوم أو البصل في طعام العشاء. ~~يعلق أبي: معها حق. يواصل «ماجد» أفندي: إنه لا ينكر محاسنها؛ فهي ~~تمده بالأموال التي يحتاجها وعند عودته من الخارج يجد الطعام ~~جاهزا مع جميع أنواع الفاكهة في غير أوانها، كما يجد البيت نظيفا ~~والملابس مغسولة. ~~- طيب وأنت زعلان من إيه؟ # يقول إنه لا يستطيع السيطرة عليها؛ فهي تحضر فورا بمجرد التفكير ~~فيها وتنصرف وقتما تشاء. وهي تقرأ أفكاره أولا بأول فلا يستطيع ~~الاحتفاظ بأي أسرار. # تأتي الحلبة ويتناول منها رشفة. يميل عليه «عبد العليم» ويهمس في ~~أذنه. يقول «جمعة» أفندي: فوق ما تتصور. يخاطب الجميع قائلا إنها ~~تبذل كل شيء لإسعاده وطرد الملل عن نفسه. وفي بعض الليالي تسأله ~~عن شكل المرأة التي يرغب فيها، وتتشكل في الحال على هيئتها. مرة ~~خواجاية بشعر أصفر ولابسة مايوه. ومرة راقصة شبه «تحية كاريوكا». ~~ومرة في جونلة قصيرة كأنها تلميذة راجعة من المدرسة. # يرين الصمت ms036 على الجميع. تدخل امرأة في ملاءة سوداء. تعطينا ~~ظهرها وتطلب من «سليم» خمسين درهم حلاوة. تتجه إليها أنظار الجميع . ~~تضم الملاءة حول جسدها فينكشف جزء من ساقها. تستقر عينا أبي على ~~باطن ساقها الممتلئ. يزيح أبي سترته ويضع يده في جيب الصديري ~~مكان الساعة. يرفع يده اليسرى إلى فمه ويمر بإصبعه فوق شاربه وهو ~~يتبادل نظرة باسمة مع الحاج «عبد العليم». # يهب «ماجد» أفندي واقفا: عن إذنكم يا جماعة، أحسن بتندهلي. ~~يغادر الدكان مهرولا. أستعيد مقعدي. يقول الشيخ المعمم: البنات مش ~~لاقية جواز وهو يروح يجوز جنية؟ يبسط «رأفت» جرنال «المصري». ~~يقلب صفحاته ثم يتوقف عند إحداها. - اسمعوا «درية شفيق» بتقول إيه. ~~خطر العنوسة يهدد بنات مصر لأن الرجال مضربون عن الزواج. يقول ~~الشيخ المعمم: الست دي زودتها قوي. النسوان بقوا يزاحموا الرجالة ~~في الوظائف. وآخر بدعة تعيين بنات العائلات مضيفات في ~~الطائرات. # يميل الحاج «عبد العليم» على أبي ويهمس بشيء. يجيب أبي: مش ~~نافعة. طول الوقت قاعدة جنب البلكونة وفي إيدها سيجارة ~~«كوتاريللي». لا تعرف تطبخ ولا تنضف. تجيب كوز ميه وترميه على ~~الأرض وخلاص. فاكرة إنها قاعدة في البلد وبترش الميه عشان التراب ~~يهدا. يضيف بعد لحظة: النهارده زعقت فيها. قعدت تبرطم طول اليوم ~~من غير ما أفهم بتقول إيه. # يقترح «عبد العليم» الانتقال إلى الخارج لأن الجو دافئ. يحمل ~~«عباس» مقاعدنا ويصفها على الرصيف بجوار المدخل. ألمح الضوء ~~المنبعث من محل الخردواتي. آخذ من أبي تعريفة وأذهب إليه. أشتري ~~قطعة روبسوس مدورة في وسطها حمصة زرقاء. # عند عودتي أجد الدكتور «عزيز» يحتل مقعدي. له كرش كبير متهدل ~~فوق حافة بنطلونه. أقف بين ساقي أبي. يسألني الدكتور عن المدرسة. ~~يشكو له أبي من عزوفي عن الأكل. ينصح الدكتور بأن أتناول ~~«أوفالتين» وفيتامينات. يقول له أبي: أنا كمان تعبان، بتجيلي دوخة ~~ومبقاش قادر أقوم من السرير. - ابقى مر علي في العيادة أقيسلك ~~الضغط. # يسأل أبي الحاج «عبد العليم» عن وعد أصحاب المنزل بفتح باب ~~الحمام وتشغيله. يقول «عبد العليم» ms037 إنه كلمهم من غير فائدة. يضيف: ~~ما تروحوا الحمام البلدي في «الحسينية»؟ يهز الشيخ المعمم رأسه: ~~الشخص المحترم ميروحش الحمام البلدي. إنتو عارفين الفضايح اللي ~~بتحصل هناك. # ينضم إلينا قسيس بدين في رداء أسود. رأسه مغطى بما يشبه الطبق ~~الملفوف بقماش مشدود. يسأل «رأفت» أفندي: حد قرا قصيدة «العقاد» ~~الجديدة؟ يستفسر أبي: عن إيه؟ - بيتغزل في شفايف الممثلة ~~«كاميليا». صاحبة الفم الدافئ كما تسميها «أخبار اليوم». يقول ~~الدكتور «عزيز» إنها أصبحت عشيقة للملك. يقول الحاج «عبد العليم»: ~~مسكينة الملكة «فريدة». يقول «رأفت»: إن بائع بطيخ نادى على بضاعته ~~صائحا: بطيخ الملك. واشترى أحد المارة واحدة وعندما شقها له ~~البائع تبين أنها قرعة، هنا صاح البائع: بطيخ الملك «فاروق». يضحك ~~الجميع فأدرك أنها نكتة. # أغادر مكاني وألف بحيث أصبح خلفه. أطل على الصحيفة في يده. ~~صورة سيارة شرطة مكشوفة وبها عدد من الشبان في حراسة الجنود. ~~السيارة تسير في منتصف الشارع. عربة «سوارس» يجرها حماران انتحت ~~جانبا. يقول «رأفت» أفندي: محاكمة «حسين توفيق» و«أنور السادات» ~~قربت تخلص. الدور بعد كده على الشيوعيين. # يقرأ أحد العناوين الجانبية: الحكومة المصرية تتسلم سكة حديد ~~القنطرة. - حيفا من الإنجليز. أبتعد برأسي عندما يطوي الصحيفة. ~~أنظر داخل جيب سترته العلوي الذي يبرز منه منديل أبيض. هناك قلم ~~حبر من غير غطاء وبقعة حبر كبيرة على قاعدة المنديل. يقول في لهجة ~~ساخطة: اليهود ناويين على حرب. واحنا في دنيا تانية. الحكومة بتشتي ~~وبعدين تصيف. والزعماء بيتكلموا عن حاجة اسمها «العمل الإيجابي». ~~ولا حد عارف إيه هو ده العمل الإيجابي. # يتنحنح الحاج «عبد العليم». يقول إن الناس فقدت ثقتها في زعماء ~~الأحزاب وانصرفت عنهم. # يستعد «رأفت» أفندي للدفاع عن حزب «الوفد» وزعيمه «مصطفى ~~النحاس». يخاطبه أبي قائلا إنه كتب شكوى بشأن استبدال المعاش ~~أرسلها إلى جريدة «الأهرام» لكنها لم تنشرها. يشرح أنه استبدل ~~جزءا من معاش التقاعد مقابل أن تخصم الحكومة قسطا كل شهر. - ~~المبلغ خلص وهي لسه بتخصم. ده أفظع من الربا. أنا بفكر أرفع قضية ~~على ms038 الحكومة. يسأله المحامي: لما طلبت الاستبدال كنت عارف إنهم ~~حيقعدوا يخصموا على طول؟ يقول أبي إنه كان في أشد الحاجة للنقود. ~~يقول المحامي بلهجة حاسمة: دا تعاقد بينك وبين الحكومة. وأنت ~~وافقت على الشرط ده. العقد شريعة المتعاقدين. يضع ساقا على ساق ~~ثم يضيف: على العموم نقدر نطعن فيه على أساس إنه عقد ~~إذعان. # يتحول أبي إلى القسيس: قول يا مقدس، حنفتح المندل إمتى؟ يجلسون ~~حول دائرة مرسومة على الأرض الحجرية. بها مثلثات ومربعات وكلمات ~~غريبة. يقرأ القسيس بصوت مرتفع من كتاب وعيونهم على الأشكال. ~~يوزع عليهم أبي أطباق الأرز باللبن. # يبدي الشيخ المعمم امتعاضه. يخاطبه الحاج «عبد العليم»: الله ~~سخر الجان لسيدنا «سليمان». إحنا حنكلم الجن المسلم المؤمن. ومش ~~طالبين حاجة وحشة. بس يرفع لنا الكنز من باطن الأرض. # يتحدث أبي عن تجربته في استدعاء خادم اسمه «لطيف». ظل يقرأ عديته ~~كل ليلة. وفي مرة سمع خبطا في الصالة فوق البوفيه. وجاءه صوت ~~غاضب: عاوز إيه. ومن الرعب لم يرد. ولم يعد الخادم بعد ذلك. # يستأذن الدكتور «عزيز» منصرفا. يسأله الحاج «عبد العليم»: ناوي ~~تسمع «أم كلثوم»؟ يستفسر أبي عن الأغنية الجديدة. يقول الحاج: ~~«غلبت أصالح في روحي.» يقول الدكتور إنه سيسمعها في بيته. # يتحدثون عن الحاج «مشعل». يقول «عبد العليم» إنه يعد أوراق ~~البنكنوت من فئة الميت جنيه. كما يعد الناس فكة من أوراق النقد ~~الصغيرة. يضيف الشيخ المعمم أنه كان بائع «روبابيكيا» قبل ~~الحرب. # يمر بائع فاكهة متجول. ينادي علي برتقال «يافاوي». يشتري أبي ~~أقتين. يقول ل «رأفت» أفندي: مين عارف حنشوفه تاني إمتى. نقوم بعد ~~قليل. مدخل المنزل مظلم كالعادة. شقتنا أيضا. ضوء خفيف في مدخل ~~المخزن. مثل شمعة أو مصباح زيت. يدق أبي الباب. يخرج المفتاح ~~ويفتحه. باب غرفتنا مفتوح. الغرفة مظلمة. ينادي: «أم محمد». لا ~~ترد. يكرر النداء. أتعلق بملابسه. ندخل الغرفة ويشعل النور. ~~يغادرها وأنا خلفه. يطوف بأنحاء الشقة مناديا أم «محمد». لا أثر ~~لها. نعود إلى الغرفة. يبحث عن بقجتها فلا يجدها. ms039 يقول: الولية ~~طفشت. # يفتش الدولاب. يتأكد أنها لم تسرق شيئا. أجلس إلى المكتب. ~~أفتح كراس الإنشاء. زيارة لحديقة الحيوان. كلب البحر «حسن». القردة ~~«شيتا». «سيد قشطة». أمي في معطف خفيف فوق فستان مشجر. نسير فوق ~~طرقات من الحصى الملون. نجلس في جزيرة الشاي. تقوم أمي فجأة ~~قائلة: لا بد أن نخرج من هنا. نرجع الوقت. يحاول أبي تهدئتها. ~~تردد: حاجة وحشة حتحصل. نعود من حيث جئنا. # 2 # أقول ل «ماهر» إن قريبا لي يملك سيارة. يختطف «جلال» مسدسي ~~ويرفض إعادته لي. يجذبني من ياقة سترتي فيمزق طرفها. أتوعده بأن ~~أبي سيشكوه إلى الناظر. يقول: طظ. # ننتقل إلى المدرج الكبير لنشاهد فيلم «طرزان في نيويورك». أسير ~~بجانب «لمعي». أطول مني. وجهه متورد وفوق ساقيه زغب أصفر. أدعوه ~~لأن يجلس بجواري. يفضل الجلوس في صف آخر. أخلع نظارتي وأمسح ~~عدستيها بالمنديل. أتابع الفيلم مبهورا. نعود إلى الفصل. نحمل ~~حقائبنا وننزل إلى قاعة الرسم. المدرس يرتدي سترة من الشامواه. ~~هادئ وصموت. يرسم أي شيء بسهولة وسرعة. طاولات الرسم مصفوفة في ~~مربع من ثلاثة أضلاع. يقتصر الضلع الرابع على طاولته أسفل ~~السبورة. # ألقي بحقيبتي فوق الأرض. أجلس إلى إحدى الطاولات. أضع الكراسة ~~على سطحها المائل. يكتب المدرس على السبورة: «شاهدت موكب المحمل ~~في شهر أكتوبر الماضي.» يجلس إلى طاولته. يفتح كراسا عريضا من ~~الورق السميك. ينهمك في الرسم. # أخرج القلم الرصاص والبراية وأفتح كراستي. ننحدر في الطريق حتى ~~بائع الورد ثم ندلف إلى الميدان. نعبره ونقف على الرصيف بين الحشود ~~في انتظار موكب المحمل. ولو كنا محظوظين سنرى الملك في سيارته ~~الحمراء. # أرسم جملا. يشبه الحمار. أزيله بممحاتي. يتبقى أثره واضحا في ~~الصفحة. أتطلع بحثا عن «ماهر» فلا أجده. المدرس منهمك في الرسم. ~~لا يبدو عليه أنه يشعر بوجودنا. يقترب منه أحد التلاميذ طالبا ~~مساعدته. يستجيب ويملأ له الصفحة بخطوط سريعة. يعود التلميذ إلى ~~مقعده. يضع الكراسة في حقيبته. يحملها ويتجه إلى باب القاعة. ~~يتسلل خارجا. # أضع البراية في طرف القلم وأديرها عدة مرات. ms040 يبرز السن ثم ~~ينكسر. أبري القلم مرة ثانية. يلجأ تلميذ آخر إلى المدرس. يتبعه ~~واحد ثالث. رابع وخامس. يغادرون القاعة بعد أن يرسم لهم. يتضاءل ~~عددنا بالتدريج. أجد نفسي وحيدا. أحمل كراستي وأذهب إليه. أضعها ~~أمامه دون كلمة. لا ينظر إلي أو يكلمني. يرسم لي جملا باركا ~~بجرة واحدة من القلم. أختلس النظر إلى كراسته. بيوت ريفية متلاصقة. ~~واجهاتها دقيقة التفاصيل. أعود إلى مقعدي. أضع الكراسة في حقيبتي. ~~أحملها وأتجه إلى الباب. ألتفت خلفي. منهمك في الرسم. # نتفرق أمام باب المدرسة. السماء غائمة تنذر بالمطر. رائحة ~~جميلة في الهواء. رصيف الحصى الملون. جدار مدرسة اليهود. إعلان ~~ملون عن فيلم «العقل في أجازة». «محمد فوزي»، «ليلى فوزي»، «بشارة ~~واكيم»، «عبد السلام النابلسي». فيلم «بلبل أفندي» في سينما ~~«الكورسال». «صباح» و«فريد الأطرش». # أدور مع جدار المدرسة عند الناصية. النوافذ الطويلة مفتوحة. ~~أطل على موائد صفت بغير نظام وتناثرت فوقها بقايا حبات قمح. ~~رائحة غريبة. خطوات وأصبح في مواجهة منزلنا القديم. تتراجع السحب ~~وتظهر شمس باهتة. الباب الحديدي مغلق. النوافذ مغلقة. تنهض أمي ~~وتنصرف إلى رضاعة أختي. يرتدي أبي روبا فوق جلبابه ويستبدل ~~الطاقية بالطربوش. يصحبني معه إلى الطريق. نتمشى في الشارع ~~الساكن. نلتقي براهب في ملابس بيضاء. وجهه أبيض شديد الحمرة. ~~يومئ أبي له محييا ويتمتم بالفرنسية: كومنتاليه فو؟ نصعد في ~~الشارع حتى منتصفه ثم نعود. أقترب من سور حديقة مدرسة الراهبات ~~المكون من أشجار كثيفة. أتلصص النظر داخلها. يتوقف أبي في ~~انتظاري. أعرف أنه يراقبني. أتظاهر بالانهماك في الفرجة. يبدأ ضوء ~~الغروب في الانحسار. يناديني بصوته الآمر. # أعبر الطريق. أقف تحت إحدى النافذتين. واحدة لغرفة النوم ~~والأخرى لمائدة الطعام. بجوارها الحارة التي تطل عليها نافذة حجرة ~~الضيوف ونافذة المطبخ المسورة بالقضبان الحديدية. تنتهي الحارة ~~بمخزن لقدور العسل الأسود؛ لهذا تتجمع به الزنابير ذات الأشرطة ~~الصفراء. أحد الأولاد ينجح في اصطياد أحدها. يربط زبانه ~~بفتلة. # تقترب سيارة ملاكي ذات سقف مقوس صاعدة من طرف الشارع المؤدي ~~إلى الميدان. تدلف في الشارع الجانبي ms041 الذي يؤدي إلى منطقة العشش. ~~تقف أمام الفيلا التي تبعد عن منزلنا بعدة بيوت. ينزل منها رجل ~~ممتلئ في ملابس ريفية أسفل عباءة سوداء فضفاضة. الرجل نفسه في جاكت ~~أبيض وبنطلون أزرق وحذاء أبيض بصحبة امرأة رائعة الجمال في فستان ~~أخضر. بقعة غائرة في جبهتها بجوار أذنها. يقول أبي إنه من أثر وشم ~~أخضر. يخرجان من باب الفيلا. أقف أنا والأولاد على الرصيف ~~المقابل. نختلس النظر داخل الفيلا. حديقة صغيرة دائرية ترتفع ~~منها نباتات صبار. # تختفي الشمس. يمر ثلاثة رهبان سمان في أردية بنية سابغة. حول ~~وسط كل منهم حبل طويل يتدلى طرفاه من الأمام. عربة كارو محملة ~~ببوبينات الورق. راهبتان سمينتان في ملابس بيضاء. عربة حنطور. نجري ~~خلفها صائحين بالسائق: أبو لبن. فيرفع سوطه في الهواء ويحاول ~~إصابتنا وهو يسب آباءنا. نلمح شابا وفتاة يتمشيان تحت ~~الأشجار. نصيح بهما: سيب النعجة يا خروف. # أعرف أني تأخرت وسأجد أبي ينتظرني غاضبا في البلكونة. ~~سيعنفني على تمزق ياقة سترتي. ثم نأكل طبيخا بايتا. وينشغل ~~أبي في المطبخ. وأبقى وحدي خلف المكتب. ولا يلبث الظلام أن يحل ~~ولا أجد الوقت الكافي لإنجاز واجباتي. # أستأنف السير في غير حماس. أخرج إلى الميدان. أعبر. أتوقف أمام ~~إعلان عن حفلة خاصة للطلبة لفيلم «فتح مصر» بسينما «كوزمو». ~~«الصيت ولا الغنى» في سينما «ماجستيك» «محمد عبد المطلب» و«علي ~~الكسار» و«هاجر حمدي» و«عبد الفتاح القصري» و«إسماعيل ~~ياسين». # أدخل الحارة. ألمح أبي واقفا أمام باب المنزل المقابل يتحدث ~~مع البواب. يشير إلي أن أدخل منزلنا. «عباس» يجلس على درجات ~~المدخل وبجواره زجاجة السبرتو الأحمر التي لا تفارقه. أعبر ~~بجواره في حذر متجنبا رائحته العفنة. ألج المنزل. صوت الراديو: ~~«عبد الوهاب» يغني: «القمح الليلة ليلة عيده.» الصوت ينبعث من ~~داخل الشقة. الباب مفتوح. مصباح الصالة مضاء. حبال الغسيل ممتدة ~~بين باب غرفة الكونستابل وباب غرفة الصالون. امرأة قصيرة بيضاء ~~عارية الذراعين تنشر الملابس وهي تغني مع الراديو. الصالة نظيفة. ~~مفرش المائدة مغسول. سطح البوفيه يلمع. باب غرفتنا موارب. أدخل ms042 ~~وأضع الشنطة فوق المكتب. أذهب إلى زجاج البلكونة. ما زال أبي يتحدث ~~مع البواب . يتركه ويتجه إلى منزلنا. أسمع صوت خطواته المتمهلة على ~~السلم. يغلق باب الشقة خلفه. يدخل الغرفة. يغلق الباب. أسأله عن ~~المرأة التي تنشر الغسيل. يقول إنها زوجة الكونستابل. # يقترب من البلكونة. يقف إلى جواري. يتأمل المنزل المقابل. يشعل ~~سيجارته. يتمشى حتى باب الغرفة. يعود إلى باب البلكونة. يظهر ~~البواب بعد قليل في مدخل المنزل المقابل. يعبر الحارة متجها إلى ~~منزلنا. يمضي أبي إلى باب الغرفة. يواربه. ينتظر حتى يسمع دقا ~~على باب الشقة. يخرج ليفتحه. أتقدم من الباب الموارب. أمد رأسي ~~محاذرا أن يراني. أراه يتحدث همسا مع البواب. يعطيه نقودا ~~ويتحول عائدا. أهرع مسرعا إلى مكتبي. يدخل أبي ويقول إن ~~جيراننا في البلكونة المقابلة يريدون رؤيتي. # أغادر الشقة. أعبر الحارة. مدخل المنزل المقابل مظلم. يشير ~~البواب إلى باب الشقة المطلة على السلم. أطرقه. تفتح لي «حكمت». ~~طويلة ممتلئة ترتدي روبا ورديا خفيفا فوق قميص النوم. شعرها ~~طويل. وجهها باسم. شفتاها ملونتان بالروج. تحتضنني وتجذبني إلى ~~الداخل. صوت صفق باب. أخوها أم أختها الصغيرة؟ صالة ضيقة مكدسة ~~بالأثاث. تجلسني فوق فوتيه مغطى بقماش أبيض. راديو متوسط الحجم ~~فوق بوفيه. صوت «أسمهان»: «دخلت مرة جنينة. أشم ريحة ~~الزهور». # تجلس مقابلي. تسألني عن اسمي وعن سني وعن المدرسة. أجيبها. ~~تسألني عن أمي. لا أرد. تسألني عما إذا كان لي إخوة وأخوات. أقول: ~~أختين وأخ. تسألني عن الأختين. أقول إن الكبيرة متزوجة. ~~- والصغيرة؟ ~~- ماتت من زمان. ~~- وأخوك؟ ~~- كبير. ~~- هو فين؟ ~~- في بيته. أصله متجوز. # تقدم لي بومبوني. تسألني إذا كنت أحب أن آكل شيئا. أهز ~~رأسي نفيا. تحضر لي بسكوتا. تصر أن آكله. تتأملني باسمة. ~~أنتهي من أكل البسكوت وأقوم واقفا. تطلب مني البقاء. أقول لها إن ~~عندي واجبات. أتجه إلى الباب. تسألني كيف سأقضي يوم «شم النسيم». ~~يمتلئ البيت بالخس والملانة. يعلق أبي ربطة من البصل الأخضر فوق ~~قائم الفراش. يوقظنا في الصباح بالبصل وهو يدعكه في أنوفنا. ms043 # تعرض علي أن أذهب معها هي وأخويها إلى حديقة الحيوان. أقول: ~~معرفش، حاسأل بابا . # 3 # يحاول إقناعي بأن آكل قطعة أخرى من محشي الكرمب. لا أحبه. أبعد ~~فمي عن يده التي حملت قطعة. يقول: فاضل صباع. كل عشان نرجع ~~الطبق. تخصص لنا زوجة الكونستابل جانبا مما تطهوه مقابل مبلغ ~~شهري. أرفض. يأكل هو الإصبع المتبقي. يحمل الطبق إلى المطبخ. يعود ~~بعد أن يغسله. ينفض الماء عنه في الأرض. يجففه بالفوطة. يناولنيه ~~قائلا: إوعى يقع منك. آخذه وأخرج إلى الصالة. أطرق باب ~~الكونستابل. نور المصباح الكهربائي يبدو أسفله. أطرقه مرة أخرى ثم ~~أصيح: أنا يا ست «تحية». # تفتح لي باسمة. ترتدي روبا أبيض حريريا مثبتا بزرار في ~~خصرها. رائحة السجائر. أتلصص بعيني خلفها. لا أحد. الفراش الضيق ~~متناثر الأغطية. هل يسعها هي والكونستابل؟ شوفينيرة على اليمين من ~~عدة أدراج استقرت فوقها مرآة كبيرة الحجم معتمدة على الحائط. ~~هناك شرخ في أعلاها. تتناول مني الطبق. الدماء تندفع إلى ~~وجهي. # أعود جريا إلى غرفتنا. أجلس إلى المكتب وأبدأ في حل واجب ~~الحساب. أشعر بسخونة وبصعوبة في البلع. يجس أبي جبهتي. يحضر كوبا ~~من الماء. أدير وجهي بعيدا لكنه يأمرني في حزم أن أفتح فمي. ~~أبتلع قرص «الأسبيرين». يلف منديلا حول عنقي فوق اللوزتين ~~الملتهبتين. يصحبني إلى الكنيف لأتبول. باب غرفة الكونستابل مغلق. ~~صوت الراديو ينبعث من خلفه. نعود إلى الغرفة. يساعدني على ارتقاء ~~الفراش. يحكم الغطاء من حولي. يطمئنني أنه سيحل لي ~~الواجب. # أغفو وأستيقظ. أراه في مواجهتي مستندا بظهره إلى قائم السرير. ~~النظارة منحدرة فوق أنفه وكراسة الحساب في يده. فوق رأسه طاقية ~~بيضاء مربعة. أغفو مرة أخرى. # أنتبه لصوت جهوري. «علي صفا» صديق أبي. يحمل في يده عصا خشبية ~~قصيرة ذات لون بني لامع تنتهي بقطعة من الجلد. يرتدي بزة ~~بنية اللون. تبدو من حافة طربوشه خصلات شعر ناصعة البياض. ~~يصيح: هو ده «خليل» بتاع زمان؟ مش معقول. قوم يا راجل نخرج. فيه ~~بارتيتة «بوكر» حلوة. يقول أبي: هس. الولد نايم ms044 وعنده ~~حرارة. # يجر «علي صفا» كرسي المكتب أمام السرير. يجلس أبي أمامه فوق ~~السرير مدليا ساقيه. يجيل «علي صفا» نظراته في أنحاء الغرفة. ~~يهز رأسه متعجبا. يوشك أن يقول شيئا ثم يلزم الصمت. # يقول بعد لحظة: سمعت آخر فضائح الملك؟ عجبته مراة واحد ضابط. أمر ~~قائده يحجزه في القشلاق. الفار لعب في عب الضابط فهرب وراح بيته. ~~لقى مراته مع الملك في السرير. الملك رفع طبنجته وضربه بالرصاص. ~~وتاني يوم أنعم على أبوه بالباشوية. مش عارف الشعب حيفضل ساكت ~~لإمتى؟ يقول أبي: وحيعمل إيه الشعب؟ خليها على الله. يتساءل «علي ~~صفا»: يا تري الإخوان المسلمين ناويين يقتلوا مين بعد وكيل محكمة ~~الاستئناف؟ # أجاهد حتى أظل مستيقظا. يتلاشى صوته. أتبين أنه يتحدث همسا. ~~أرهف السمع: ... عمرها 16 سنة. أبوها مات وعايشة مع أمها لوحدهم. ~~كانوا واقفين على البسطة بيفاصلوا بياعة زبدة. أمها عملت مكسوفة ~~واستخبت ورا الباب. البنت فضلت واقفة. كانت لابسة قميص نوم بفتحة ~~صدر واسعة. حاطة روج خفيف في شفايفها. لأول مرة آخذ بالي إنها ~~كبرت. كنت أقابلها دايما على السلم من غير ما أهتم بيها. لما وطت ~~على مشنة الزبدة شفت بزازها. اللهم صلي على النبي. عملت زي ما أكون ~~ناوي أشتري. سألت عن سعر الزبدة. كانت بتبتسم مكسوفة. ولاحظت إنها ~~بتدعك شفايفها ببعض. يمكن عشان تحمرهم زيادة. # يشعل أبي سيجارته ويعلق: البنات بتكبر بسرعة. يواصل «علي صفا»: ~~بعد كام يوم سمعتها بتصرخ متوجعة. خبطت على بابهم. فتحت وهي تعرج. ~~قالت لي: ركبتي يا عمو. يقاطعه أبي ضاحكا: ركبتي يا عمو. # يستطرد «علي صفا»: ما لها ركبتك يا حبيبتي؟ قالت اتخبطت. سألتها ~~إنت لوحدك؟ قالت لي ماما خرجت. قلت لها وريني، فين بالضبط؟ سندت ~~رجلها على كرسي ورفعت قميص النوم لحد ركبتها. سبحان الخالق المبدع. ~~تقول مرمر؟ سمانة متينة ومنحوتة نحت. كان نفسي ساعتها أركع وأحط ~~شفايفي عليها. قلت لها ادعكيها وهي تخف، ولا أقولك تدهنيها ~~بمرهم. سبتها واقفة وحاطة رجلها على الكرسي ودخلت جبت مرهم ~~الروماتزم اللي ms045 بادهن بيه مفاصلي. اديتها الأنبوبة وقلتلها تدهني ~~بيها. كان نفسي تطلب مني أدهن لها. لكنها نزلت رجلها وخدت الأنبوبة ~~وقالتلي متشكرة يا عمو. # تبدأ رقبة أبي في الالتفات نحوي. أغلق عيني فورا. أصيخ السمع: ~~بعد أسبوع كنت راكب التروماي، لقيتها راجعة من المدرسة، التروماي ~~كان زحمة، قربت مني فوقفتها بين رجلي، انتصبت جامد. يعلق أبي: يا ~~بختك. يقول «علي صفا»: لازم تكون حست بي. # أسعل وتهاجمني نوبة سعال. يساعدني أبي على الجلوس. يغادر الغرفة ~~ويأتي بكوب من الماء. أشرب. يحضر زجاجة «البلمونكس» وملعقة ~~صغيرة. يملؤها ويقربها من فمي. أشرب متأففا. يطلب مني أن أنتظر ~~قليلا قبل أن أستلقي. # يقول «علي صفا»: سمعت آخر نوادر الدكتور «إبراهيم ناجي»؟ كان ~~ماشي في الشارع، شاف راجل أنيق، افتكر إنه من زباينه القدام، قاله: ~~سلامات، إيه الغيبة الطويلة دي، من زمان يا «محمد» بيه، باين صحتك ~~أحسن والحمد لله، بس شكلك اتغير، سمنت كتير واسمريت. الراجل قال ~~له: لكن أنا مش «محمد» بيه. يقوم «إبراهيم ناجي» يقوله: الله! ~~وكمان اسمك تغير يا «محمد» بيه؟ # أستلقي ويضغط أبي الأغطية من حولي. أنقلب على جانبي الأيسر. أغلق ~~عيني متظاهرا بالنوم. أفتحهما بعد لحظة. يرفع أبي ساقيه ويتربع ~~فوق الفراش. # يروي «علي صفا» تفاصيل مذبحة قرية «دير ياسين». دخلها الصهاينة ~~تتقدمهم سيارة مصفحة عليها ميكروفون. وطلبوا من السكان أن يخرجوا ~~من بيوتهم لينقذوا أنفسهم. صدق البعض وخرجوا فأطلقوا عليهم الرصاص ~~وقتلوهم. ثم ألقوا القنابل على من بقي في البيوت من النساء ~~والأطفال والشيوخ فقتلوهم عن آخرهم. # يهب واقفا وهو يقول: الدنيا كتمة. منفتح البلكونة. يقول أبي: ~~أنا خايف ع الواد من تيار الهوا. # يجلس «علي صفا» ويستأنف الحديث بصوت خافت: من ساعة التروماي وأنا ~~مش قادر أبعدها عن دماغي، أتخيل إنها وحدها وتخبط علي بالليل، ~~تقول إنها خايفة، سمعت صوت حرامي، أو شافت فار. أي حاجة. أقترح ~~عليها تبات عندي مع بناتي. أفرش لهم مرتبة على الأرض. وأنام معاهم ~~علشان يتطمنوا. تروح في النوم. يمكن تكون رمت ms046 دراعها علي زي ما ~~بتعمل مع أمها. تدور وتديني ضهرها. لو الدنيا حر حترمي الغطا. ~~ولو برد يكون أجمل. أدور عشان يبقى ضهرها في صدري. تلزق في. ~~أكون منتصب زي الحديد. تتحرك وأتحرك وراها. قلبي بيدق. يا ترى ~~صحيت؟ يا ترى حاسة باللي بيحصل؟ أكيد. يمكن يتهيأ لها إنها بتحلم. ~~الكلسون بتاعها مبلول. تتنهد. وبعدين تروح في النوم. كل ده في ~~الخيال طبعا! # يصمت. يرتفع صوته بعد لحظة: مش قادر أشيلها من دماغي. فكرت أطلب ~~إيدها من أمها، إيه رأيك يا حكيم الزمان؟ ~~- وبناتك يقولوا إيه؟ ~~- وهم مالهم. بكره يتجوزوا ويسيبوني. ~~- وتخلف تاني؟ ~~- شوف مين بيتكلم. # يلتفت أبي نحوي فأغلق عيني. يقول: المرة الأولانية مخدتش ~~بالي. ~~- والتانية؟ ~~- الكبود اتقطع. # يضحك «علي صفا» بصوت مرتفع. يتوقف مرة واحدة. يقول: الله ~~يرحمها. أنقلب على ظهري. يقول له أبي: موتها أثر في «روحية» ~~جامد. ~~- كان عندها كام سنة لما اتجوزتها؟ ~~- «روحية»؟ ستاشر برضه. # يقول «علي صفا» بلهجة المنتصر: شفت؟ # أفتح عيني على سعتهما. يرد أبي في صوت هادئ: أنا حبيتها. مصباح ~~الصالة يضيء سطح المائدة. مزدحمة على غير العادة. رائحة كبدة ~~محمرة. زيتون. فستق. زجاجة صغيرة بها سائل في لون الماء. صوتها ~~يأتي من غرفة النوم. تردد أغنية «أسمهان»: «إمتي حتعرف إمتى. ~~إني باحبك إنت.» ضحكات. صوتها مرة أخرى بنبرة مختلفة: «يا حبيبي ~~تعالى الحقني شوف اللي جرالي.» صوت أبي ببقية الأغنية: «غرامي ~~هالكني». ~~- إنت عرفتها إزاي؟ # يسكت أبي أسمعه يشعل سيجارته. ~~- جابها لنا الدكتور لما «أم نبيلة» الله يرحمها قعدت في السرير. ~~كانت بتشتغل عنده في العيادة. تنضف وتقابل الزباين. معاها ~~الابتدائية. الدم بيفط من خدودها. أبوها صاحب ورشة. متجوز على ~~أمها. الأم صفرا وقاسية مبترحمش. دايما تضربها ... «نبيلة» وأخوها ~~كانوا اتجوزوا وسابوا البيت. لقيت حد يتكلم معايا. كانت بتقرا ~~الجرايد وتكلمني في السياسة. وتتنبأ بحاجات كتير. قالت لي «هتلر» ~~نهايته وحشة و«غاندي» حيتقتل. لحست عقلي. ولأول مرة في حياتي أحب. ~~تصور؟ واحد عنده 55 سنة ويحب؟ قلت لها نتجوز. وافقت. أبوها ms047 قال فرق ~~السن كبير. قالت له: وما له. أنا باحبه. اتجوزتها في السر. # أنصت مبهورا. يستطرد أبي: أجرت شقة قريبة. اللي أنت عارفها قدام ~~مدرسة اليهود. راعيت الله في كل شيء. أنام جنب «أم نبيلة» كل ليلة. ~~أقوم الصبح على الديوان. الضهر أجري على الشقة الثانية. يظهر عند ~~باب الشقة في بزته البيضاء الكاملة وطربوشه. المظلة البيضاء في يده ~~اليمنى. يضم ذراعه الأيسر علي كيس فاكهة من الورق. وجهه الأسمر ~~متهلل. ينحني علي ويحتويني بين ساعديه. ~~- أول ما الدنيا تليل ألبس عشان أروح البيت الأولاني. تمسك ~~في. تترجاني أقعد لغاية ما تنام. تقول إنها بتخاف تبقى لوحدها. ~~تقفل الشبابيك وتولع أنوار الشقة. تنكمش في السرير. تقعد تقرا قرآن ~~لغاية ما تنعس. تقوم مفزوعة في نص الليل. تسمع أصوات بتنده عليها ~~بشويش. تلزق في السرير. تسد ودانها لغاية ما النهار يطلع. # ألمح بقة تقترب من رأسي. لا أريد أن أتحرك كي لا يكتشف أبي أني ~~مستيقظ. أعرف أنها ستقرصني عندما ينطفئ النور وتحرمني من النوم. ~~أتابعها ببصري لأرى أين ستختفي. ~~- أخيرا ماتت «أم نبيلة». خلصنا الميتم فقالت لي «نبيلة» تيجي ~~عندي بأه يا بابا. قلت لها إني متجوز وعندي بيت تاني. زعلت وأخوها ~~اتنرفز علي وقال لي إنت حتقعد تزرب لنا. نقلت على الشقة التانية. ~~وبدأت أدوق معنى السعادة. # يسكت. يشعل سيجارته مرة أخرى: لما خلفت «نبيلة» وأخوها كنت لسه ~~شاب وأغلب الوقت بره البيت. المرة دي اتمتعت بالخلفة. خصوصا بعد ~~ما طلعت المعاش. يلتفت نحوي فأغمض عيني. - عمري ما حانسي منظره وهو ~~بيحبي ويفتح الأدراج ويقطع الكتب. كان كل ما يشوف حاجة يشاور ~~عليها ويسألني: ده؟ وبعدين بقت: إيه ده؟ يحاول يوريني إنه بيفهم. ~~لا يمكن أنسي منظره لما وقف على رجليه أول مرة. مشي خطوتين وبص لي ~~وصقف. حس إنه عمل حاجة كبيرة. # أنعس وأستيقظ على أزيز بعوضة بجوار أذني. أدعو الله ألا ~~تقرصني. صوت «علي صفا»: حتجنن. بالليل أتقلب وأنا نفسي إنه يكون ~~فيه جسم طري في حضني. ms048 مش ضروري أعمل حاجة. # يقول أبي: وتعمل إيه يا خي؟ مفضلش غير البص. ~~- على رأيك. وأنا جاي لعندك شفت واحدة بتجري في الشارع. بزازها ~~بيترجرجوا. أتهيألي إني سامع صوت فلقتيها وهما بيخبطوا في بعض. كل ~~حاجة الوقت تفكرني باللي كان. ملاية لف محبكة على طيز مقلوظة. ~~شفتين تخان من البرقع. دراع مربرب في نص كم أو كتف عريان من بلوزة ~~جابونيز. # يرين الصمت على الاثنين. صوت الراديو من غرفة الكونستابل. «فريد ~~الأطرش». ألمح بقة مسرعة على الحائط. تريد أن تختفي من النور. أمد ~~إصبعي وأفعصها. أكتم تنفسي كي لا أشم رائحتها الكريهة. # صوت أبي: أول الشهر رحت أقبض المعاش. كان فيه واحد عجوز لابس ~~جاكتة كاروهات وقميص غامق وكرافتة دايبة. حرف طربوشه مسود من ~~العرق. كان واقف مسنود على عصاية. لابس نضارة مقعرة. متعرفش بيبص ~~فين. دوره جه متحركش. فضل واقف ساكت زي ما يكون سرحان ومستعد يفضل ~~مستني لتاني يوم. موظف الخزينة يعرفني. بياخد مني البواقي. مد لي ~~إيده ياخد السركي. قمت شاورت للعجوز يسبقني. قال حاجة بصوت مش ~~واضح. الموظف أشار له على شباك تاني. بدأ يتحرك بصعوبة. ساعدته ~~يوصل للشباك التاني. لا شكرني ولا بص لي. كأني مش هنا. لما خرجت ~~لقيته واقف مسنود على عمود النور. فضل واقف مدة طويلة باصص قدامه. ~~زي ما يكون نسي هو فين. مقدرتش أقرب منه. كلها سنتين تلاتة وأبقى ~~زيه. # يقول «علي صفا»: يا راجل تف من بقك، لسه بدري. أشعر بأبي يهز ~~رأسه: أنا الوقت بتكعبل وأنا ماشي، عيني بتزغلل، ومعدتش بأسمع ~~كويس، ضرسي وجعني ورحت للدكتور، قاللي اللحم بيكش. يقول «صفا»: ~~المهم العصب. يأتيني صوت أبي كأنه من بعيد: عصب إيه؟ دول بقوا ~~نقطتين. راح الرشاش بتاع زمان. # 4 # ينهض تلاميذ الصفوف الخلفية الكبار واقفين. صيحات في الحوش. نحمل ~~حقائبنا ونغادر الفصل. ننضم إلى تلاميذ الفصول الأخرى. يردد ~~الجميع: «اليوم حرام فيه العلم.» نتجمع في الفناء. الناظر يقف عند ~~باب المدرسة المغلق. أصوات مظاهرة في الخارج. ينهال الطوب ms049 على باب ~~المدرسة. ينسحب الناظر ويفتح البواب الباب. نتدفق إلى الشارع ~~وننضم إلى تلاميذ المدارس المجاورة. تنطلق المظاهرة في اتجاه ~~الشارع الرئيسي. نردد خلف التلاميذ المحمولين على الأعناق: «الله ~~أكبر ولله الحمد.» «عاش الكفاح المشترك لشعوب وادي النيل.» «الجلاء ~~بالدماء.» «النحاس زعيم الأمة.» ينتظرنا البوليس في نهاية الشارع. ~~يسدون الطريق بصف من الجياد. يتقدمون نحونا فنجري. # أهرب من حارة جانبية. أقف أمام بائع صحف. أتأمل صور الممثلات فوق ~~أغلفة مجلات «الكواكب» و«الاثنين» و«مسامرات الجيب». أتناول واحدة ~~عليها صورة «طرزان». ينهرني البائع ويجذبها من يدي. أشتري كراسة ~~أغاني بخمسة مليمات. أواصل السير. أعبث بقدمي في التراب. ألمح قطعة ~~حديد مستديرة. أبتعد عنها. أتحاشي المرور أمام دكان شيخ الحارة. ~~أبلغ المنزل. أدق الجرس. لا يستجيب أبي. أدق الجرس مرة أخرى. تفتح ~~لي ست «تحية». تقول: «أبوك خرج. اقفل الباب وراك.» تتركني وتتجه ~~إلى المطبخ. أغلق الباب الخارجي. أدفع باب الغرفة فأجده مغلقا. ~~معي المفتاح. أدخل وأضع الشنطة فوق المكتب. أخلع ملابسي وأرتدي ~~البيجامة ذات الزراير الصفيح. أعود إلى الباب. أقف في فتحته ~~منصتا. أخرج إلى الصالة. # صوت وابور «البريموس» في المطبخ. أخطو في خفة نحو الطرقة. ~~أتحاشى النظر إلى فتحة الكنيف. أقترب من باب المطبخ. ألتصق ~~بالحائط. أمد رأسي في حذر. تجلس فوق مقعد المطبخ الواطئ. تقشر فصوص ~~ثوم. بجوارها طبق فول مدمس. أتراجع نحو الصالة. أدور حول المائدة ~~حتى باب غرفتها. مفتوح. أقترب منه. فوق السرير فستان أزرق مشجر ~~وعلى الأرض حذاء أبيض بكعب عال. على الحائط صورة كبيرة في إطار ~~مذهب للكونستابل في ملابسه العسكرية. وجهه باسم. طربوشه طويل ومائل ~~ناحية اليسار. شوفينيرة على اليمين فوقها مرآة كبيرة في إطار ~~معدني باهت اللون. المرآة مائلة مستندة على سطح الشوفينيرة. بها شق ~~في أعلى زجاجها. فوق الشوفينيرة أشياء كثيرة بينها صندوق شكولاتة. ~~هل تكتشف الأمر إذا أخذت قطعة؟ أرهف السمع. تغني في المطبخ: «يوم ~~ما اتقابلنا إحنا الاتنين.» يقترب صوتها. # أبتعد عن باب الغرفة. أقف إلى جوار باب المنور. أتطلع إلى ms050 نافذة ~~«أم زكية». مغلقة ومظلمة. تلج الصالة. في يدها كوب من الشاي. تتجه ~~إلى غرفتها . تشير إلي أن أتبعها. تضع الكوب فوق الشوفينيرة. ~~تفتح صندوق الشكولاتة وتتناول قطعة ملفوفة في ورق أصفر اللون. ~~تقدمها إلي. تستفسر عن أمي. يحمر وجهي ولا أجيب. جالسة في مقعد ~~وسط الصالة وقد تهدل شعرها الغزير على كتفيها. تولول: آه يا ~~دماغي. وجهها متألم. يناولها أبي قطعا من الثلج. تضعها فوق رأسها ~~وتضغطها بيدها. # تشعل سيجارة. تنحني أمام المرآة المائلة. تمشط شعرها وتتفرس في ~~ملامحها. تلف خصلة فوق جبينها. تمر بإصبع الروج على شفتيها ~~الممتلئتين. لأول مرة أشهد عملية وضع الألوان لأن أمي لم تكن ~~تستخدمها. شفتها السفلى الممتلئة مشقوقة تنز منها الدماء. # أرقبها مبهورا. وجهها يزداد جمالا لحظة بعد أخرى. تلتقي عيناي ~~بعينيها في المرآة. يتضرج وجهي. أندفع نحوها بغتة قائلا: ماما ~~«تحية»، إنت حلوة قوي. تحتويني بين ساعديها وتضمني إلى صدرها. ~~تتسلل إلى أنفي رائحتها النظيفة المختلطة برائحة صابون «اللوكس». ~~تملأ وجهي بالقبل فوق عيني وخدي وفمي قائلة: وانت كمان حلو. ~~تبعدني عن صدرها وتتأملني. تمد إصبعها إلى فمي فتفصل شفتي عن ~~بعضهما ثم تجذب السفلى في رقة كأنها تداعب طفلا صغيرا. تبدو ~~في عينيها ابتسامة ساهمة. تضمني من جديد. تقول في صوت خافت: ~~أنا عندي ابن أصغر منك بسنتين. أسألها: هو فين؟ تقول: مع أبوه. ~~تدمع عيناها. وفجأة تنفرج أساريرها وتضحك. # تبعدني عنها وتشير إلى خدي وشفتي: وشك اتملى أحمر. شوف. أقترب ~~من الشوفينيرة. أتطلع في المرآة. تجذبني نحوها وتجلس فوق حافة ~~السرير. تأخذني بين ساقيها. تتناول فوطة رطبة وتنظف لي وجهي. ~~تتخلل شعر رأسي بأصابعها. تفليه لي وهي تغني. أقبلها في ساعدها ~~الطري وفي رقبتها. أطلب منها أن تحكي لي حكاية. # تفكر قليلا ثم تقول: كان فيه راجل عجوز فقير وابنه. أنظر ~~إليها في ارتياب. تواصل: كانوا قاعدين في شقة أول دور. أدرك أنها ~~تقصدنا أنا وأبي. أتضايق لأنها تصفنا بالفقراء. أقرر أن أشكو لأبي ~~عند عودته. أبتعد عنها. تحتضنني وهي ms051 تضحك: ما تزعلش. أتخلص من ~~ذراعيها غاضبا. تربت علي وتصالحني. تقول يلا نخرج. أقول: ~~وبابا ؟ ~~- راجع متأخر. اخرج علشان ألبس. # أذهب إلى غرفتنا. تنادي علي بعد قليل. أقول إني أرتدي ملابس ~~الخروج. تقول: مش ضروري، خليك بالبيجامة. - طب الجزمة؟ ~~- خليك بالشبشب. أذهب إلى غرفتها. أجدها قد ارتدت الفستان ~~المشجر والحذاء الأبيض. تلف نفسها بملاءة سوداء. تسوي طرفها فوق ~~رأسها لتغطي شعرها. تحبك لفها حول وسطها. تتأمل نفسها في ~~المرآة تستدير قليلا لترى ظهرها. أقترح أن تكتب ورقة لأبي تخبره ~~بخروجنا. تقول: اكتبها إنت. أنا معرفش أكتب. أمي تبري القلم ~~الرصاص. ينكسر السن. تعطيه لأبي مع البراية. يضع البراية جانبا. ~~يحضر الموس ويبري القلم بعناية. لا ينكسر منه السن أبدا. تفتح ~~صفحة جديدة في دفترها الكبير. # أكتب الورقة وأضعها فوق فراشنا. أغلق باب الحجرة. أضع المفتاح في ~~جيبي. نغادر المنزل. نبلغ الشارع فنتجه يسارا. المقلة والمكوجي. ~~الرءوس تستدير نحونا. العيون تتابعنا. أحد الجالسين أمام دكان ~~فسخاني يصيح: «يا باشا.» أدرك أن صيحته موجهة إلينا. أنظر إلى ~~الأرض. تسير في ثبات دون أن تعبأ. دكان منجد أمامه أكياس القطن. ~~يعمل في لحاف مفروش وسط الدكان. يجلس في الصالة. يضرب القطن بسلك ~~مثبت في عصا كبيرة. تفتح أمي شباك المنور لتطرد الغبار. يفرش ~~قماش المرتبة. أخفي عنه المقص. يبحث عنه في لهوجة. # نعبر شارعا فسيحا. نمر من أمام كنيسة. ندلف إلى حارة مظلمة. ~~حارة أخرى. حانوت تصطف أمامه براميل الطرشي. مدخل قذر ومظلم. ~~نصعد سلما ضيقا. رائحة عفن. أتعثر في إحدى الدرجات. تلحقني ~~بيدها وتضمني إليها. نتوقف أمام باب شقة. تدق الباب. تفتح ~~لنا فتاة صغيرة. تحمل مصباح زيت. تقودنا إلى صالة خالية من ~~الأثاث. غرفة مفتوحة بها فراش عريض. امرأة ممددة تحت الأغطية. في ~~عمر ماما «تحية» أو أكبر قليلا. هناك منديل حول عنقها. تقول ماما ~~«تحية»: ما لك يا «صباح»؟ تجيب في صوت مبحوح: شوية برد. تنظر ~~إلي مبتسمة. ~~- ابنه؟ # تضحك «ماما تحية»: لا إبني أنا. ~~- لا يا شيخة. ~~- ابن الجيران. ms052 # تخلع الملاءة وتضعها فوق كرسي. تتأمل «صباح» فستانها. تسألها ~~«ماما تحية»: إيه عاجبك؟ - قوي. هو اللي جابهولي. تجلس على حافة ~~الفراش وأجلس إلى جوارها. تلتقط مجلة مصورة من فوق الأغطية. ~~تفتحها على صفحة أزياء. تشير إلى فستان حريري تزينه الورود ~~فوق كرانيش كبيرة متكررة من أعلى إلى أسفل. بجواره حقيبة يد من ~~الخوص. تقول: أنا نفسي في فستان زي ده. تقول «ماما تحية»: يجنن. ~~تضع «صباح» المجلة جانبا وتسأل عن الكونستابل. تقول «ماما تحية»: ~~نقلوه الصعيد. - ليه؟ - عشان إضراب البوليس. - وهم أضربوا ليه؟ ~~- عاوزين يتساووا في المعاملة والرواتب مع الجيش. # تقول «صباح»: الممرضين مضربين هم كمان. بياخدوا أربعة ولا ~~خمسة جنيه. يعملوا إيه دول؟ - أهم بيكملوا من العيانين. تقول ~~«صباح» إن زوج أختها أصيب في رأسه عندما اقتحم البوليس مستشفى ~~القصر العيني. - وبعدين؟ - ولا قبلين. اتفصل فوق ألف ممرض. وعينوا ~~ممرضات بدلهم. # تزيح عنها الأغطية. تغادر الفراش. عليها جلباب كستور بكمين ~~طويلين. القماش أبيض تتخلله ورود صغيرة. تنحني فوق موقد ~~«بريموس» بجوار الحائط. تشعله وتضع فوقه كنكة القهوة. تنظر إلي: ~~أبعت أجيبلك كازوزة؟ تقول «ماما تحية»: لأ إحنا ماشيين على طول. ~~تعطيني بومبونة. تقول «ماما تحية»: سمعت إنهم ناويين يقفلوا ~~البيوت. قال مخالفة للشرع. ~~- وكانوا فين من زمان؟ ~~- حتعملي إيه؟ # تقول «صباح»: العمل عمل ربنا. مبيسيبش حد من عبيده. تصب القهوة ~~في فنجانين. يرتشفانها في صمت. تشعل «صباح» سيجارة «هوليوود». ~~تعطي واحدة ل «ماما تحية». تسألها: ناوي يتجوزك؟ تجيب «ماما ~~تحية» وهي تنفث دخان السيجارة: مش عارفة. # 5 # أبلغ الميدان فأتجه يمينا. أتخطى شارعي «قمر» و«أحمد سعيد». ~~أمضي مع الترام في شارع «الظاهر» حتى منتصفه. أعبر الشارع جريا ~~أمام مقلة اليهودي. أشتري بمليمين لب «جرنة». أصغر حجما من اللب ~~الأسمر لكنه مشقوق وله طعم مميز. أضع القرطاس في جيب ~~البيجامة. # أعود في اتجاه الميدان. أتوقف أمام دكان الدخاخني عند الناصية. ~~أشتري علبة سجائر لأبي. يعطيني البائع علبة خضراء بدلا من ~~الصفراء التي طلبتها. أعود إلى المنزل. أتعثر في بركة مياه. ms053 ~~يغطي الطين شبشبي الكاوتشوك المصنوع من إطار سيارة. أحك ~~الشبشب في درجات السلم محاولا إزالته . أدير المفتاح في باب ~~الشقة. نور مصباح الصالة مضاء كما تركته. غرفة الكونستابل مغلقة. ~~ينبعث منها صوت الراديو. باب غرفتنا أيضا مغلق. أضع علبة السجائر ~~فوق البوفيه. أتقدم من حوض المياه. أخلع الشبشب وأغسله. # أحمل علبة السجائر وأدخل غرفتنا. أبي متربع فوق السرير. عيناه ~~حمراوان ووجهه متجهم. شأنه دائما عندما يقوم من نوم القيلولة. ~~أقدم إليه علبة السجائر. ينفجر غاضبا: أنا مش قلتلك «توسكاني»، ~~تقوم تجيب «توسكانيللي». أقول إن البائع هو الذي أعطاني العلبة. - ~~وانت ملكش لسان؟ إنت مش نافع في حاجة أبدا. أعرض عليه أن أعود ~~إلى البائع وأستبدل العلبة. تهدأ ثورته ويقول: لأ. يمكن معندوش. ~~اعمل لي قهوة. # أخرج إلى الصالة. أقف أمام البوفيه. أتناول كنكة القهوة. أضع ~~ملعقة بن ونصف ملعقة سكر في الكنكة. أصب فيها الماء من القلة. ~~أقلب المحتويات بالملعقة. موقد السبرتو في مستوى رأسي. أرفع ~~غطاء شعلته النحاسي. أقرب منها عود كبريت. أضع الكنكة فوق الشعلة. ~~ما يزال باب «ماما تحية» مغلقا وصوت الراديو يتردد خلفه. # أخطو ناحية باب المنور. نافذة «أم زكية» مغلقة. أعود بسرعة إلى ~~القهوة. أنتظر في صبر حتى تبدأ في الغليان. أبعد الكنكة عن النار ~~قبل أن تفور. أعيدها إلى النار عدة مرات. أضع الغطاء النحاسي فوق ~~الشعلة فتنطفئ. أصب محتويات الكنكة بعناية في فنجان. أحمله وأعود ~~إلى الغرفة. أمشي في حذر كي لا تهتز محتويات الفنجان ويزول وش ~~القهوة. يتناول مني الفنجان. أحضر له قلة الماء. يجرع منها بصوت ~~مسموع. أمي ترفع القلة في الهواء وتصب منها في فمها دون أن تلمس ~~حافتها. أحاول تقليدها فأبلل ملابسي. # يشعل سيجارة. أجلس إلى مكتبي. أفرغ قرطاس اللب أمامي. أفتح كتاب ~~القراءة الإنجليزية. ينتهي من شرب القهوة. يغادر الفراش. يلقي ~~الفوطة فوق كتفه. يشعل النور. يغادر الغرفة ليتوضأ. يعود ويفرش ~~سجادة الصلاة على الأرض. يصلي المغرب. يجذب المصراع الزجاجي ~~للبلكونة. يدفع مصراعها الخشبي إلى الخارج. يجر كرسي ms054 المكتب إلى ~~البلكونة الضيقة. يجلس. يضع ساعده الأيمن فوق سورها الحديدي. أقف ~~إلى جواره. تأتي أمي بالقهوة وهي تغني: «أنا أهوى واسقيك بإيدي ~~قهوة.» يشفط أبي القهوة بصوت مسموع. يشعل سيجارته السوداء. نجلس ~~بجوار النافذة المفتوحة. يترك سيجارته في المنفضة. ينهض ليصلي ~~المغرب. يعود ويشعل سيجارته. يظهر عامل الغاز عند أول الشارع. يسند ~~سلمه إلى عمود النور. يصعد فوقه. يجذب المصراع الزجاجي. يشعل ~~المصباح. يغلق المصراع. يهبط. ويحمل السلم على كتفه. ينتقل إلى ~~العمود التالي. # البلكونة المقابلة مغلقة ومظلمة. النافذة المجاورة لها مفتوحة ~~ومضاءة. نعرف أنها غرفة «المسافرين» ولا تفتح إلا للضيوف. ستائرها ~~مسدلة. نور ضعيف في شقة الطابق الثاني التي يقطنها تاجر الحديد مع ~~زوجتيه. النور في غرفة الزوجة الأولى. ينطفئ ويظهر في غرفة الزوجة ~~الثانية. صوت «أم صفوت» تصرخ في ابنها. يظهر «أبو وديع» قادما من ~~مدخل الحارة. يرتدي بزة سوداء. يحمل أكياسا بين ساعديه. يقف أمام ~~باب منزلنا ويصيح ككل ليلة: «وديع». يتبادل تحية المساء مع أبي. ~~ترد عليه زوجته من شقة فوقنا. يقول لها ككل ليلة: السبت. تدليه ~~له فيضع فيه الأكياس. يرتفع السبت في بطء. يلج المنزل. # يميل أبي برأسه ليتمكن من رؤية نافذة «صبري» أفندي. ابنته الكبرى ~~«سهام» في قميص نوم عاري الذراعين. مستندة بصدرها إلى حافة ~~النافذة. خلفها ضجة من صنع إخوتها. عيناها على مدخل الحارة. تتراجع ~~إلى الوراء عندما يظهر الشاب الذي يسكن غرفة فوق السطح. طالب هندسة ~~وسيم. أبيض البشرة مثل الخواجات بنظارة مذهبة الإطار. # يعود أبي برأسه إلى الخلف. يتأمل النافذة المجاورة للبلكونة ~~المقابلة. يزيح الهواء ستائرها. مقعد بمسندين يجلس فوقه رجل في ~~بزة كاملة داكنة اللون. أمامه طاولة واطئة صفت فوق سطحها بنظام ~~أجسام صغيرة سوداء متماثلة. يديرها بين أصابعه ثم يعيدها إلى ~~مكانها في حرص. # يقول: يا ترى ده العريس؟ نعرف أن «حكمت» يجري الاحتفال بخطبتها ~~اليوم. يأمرني أبي بإطفاء النور. نجلس في الظلام وعيوننا على ~~النافذة المقابلة. يقترب «أبو زكية» قادما من مدخل الحارة. أسمر ~~نحيف بشعر ms055 رمادي. له عين مغلقة تماما. يمشي ببطء كأنه متعب. هادئ ~~الطبع ولا يسمع له صوت . لا يرانا ويلج المنزل المجاور. يقول أبي: ~~سبحان اللي وفق. يقصد أن زوجته بيضاء وأصغر منه في السن. # يمد رأسه إلى الأمام. يدقق النظر: إيه الحاجات دي؟ أمعن ~~النظر بدوري. كئوس شربات؟ لا أحد يقترب منها. لا يظهر أثر لشخص ~~آخر كما لو أن الحجرة لا تضم غير هذا الرجل. ليست هناك زغاريد أو ~~ضجة ما. يقول أبي: يمكن حجر جوزة حشيش؟ يضيف بعد لحظة: غريبة. بص ~~كويس. # أعدل وضع نظارتي وأضيق من حدقتي عيني لكني لا أميز تلك الأشياء ~~السوداء. يقترح أبي أن ألمع زجاج نظارتي. أدخل الغرفة وأدعكها في ~~ملاءة السرير. أعود إلى البلكونة. الرجل ما زال جالسا يتأمل ~~الأشياء الصغيرة. يمد أبي يده إلي دون أن يلتفت نحوي. يهمس: ~~وريني نضارتك. أخلعها وأعطيها له. يقربها من عينيه دون أن ~~يرتديها. يهز رأسه. يعيد إلي النظارة قائلا: مفيش ~~فايدة. # 6 # يصلي العصر. يجلسني أمامه فوق السرير. يضع نظارته فوق أنفه. ~~يشرح لي من كتاب الجغرافيا الفرق بين البوغاز والخليج والبرزخ. ~~يوبخني لأني أنسي. ضيق الصدر. يعطيني واجبا للحفظ. يرتدي ~~ملابسه ويخرج. أسمعه يرجو «ماما تحية» أن تأخذ بالها مني. يقول إنه ~~ربما يتأخر في العودة. # أنصت لوقع خطواته على السلم. أنتظر حتى يخرج إلى الحارة. أغادر ~~الغرفة. «ماما تحية» تنشر غسيلها على الحبال الممدودة بين باب حجرة ~~الصالون وباب غرفتها. تحضر جردل مياه. تنظف الغرفة وتغسل بابها ~~بالصابون. أناولها أكواز ماء من الحنفية. تمسح أرض الصالة. تغني: ~~«حاقابله بكره وبعد بكره.» تحضر موقد البريموس ومقعد المطبخ ~~الخشبي الصغير الذي يعلو شبرا عن الأرض. تضعهما وسط حجرة الضيوف ~~بجوار حوض الزنك. تجلب نصف كوب سكر من غرفتها. تضيف إليه نصف كوب ~~من الماء. تقلبهما جيدا. تصب الخليط في حلة معدنية صغيرة. ~~تضعها على النار. تجمع رداءها بين ساقيها. تجلس على كرسي المطبخ. ~~ضوء الشمس الغاربة يأتي من نافذة المنور. يقع على ركبتيها ~~العاريتين. # أدخل ms056 وأجلس على الكنبة. تبدأ المياه المسكرة في الغليان. تعصر ~~فوقها ليمونة. وتواصل التقليب. أسألها ماذا تصنع ؟ تقول: حلاوة. ~~تعطيني «أم إبراهيم» قطعة ثم تحمل الإناء إلى أمي في الحمام. ~~يغلقان الباب عليهما. # تواصل التقليب حتى يصبح الخليط عجينة شفافة لينة. ترفع الإناء ~~من فوق الموقد وتضعه على الأرض. تغادر الغرفة وأنا خلفها. تملأ ~~صفيحة المياه وتحملها عائدة. تضعها فوق الموقد. تجس حرارة ~~العجينة. تناولني نتفة منها. أضعها في فمي وأستحلبها. تطوي العجينة ~~وتشدها بيديها الاثنتين. تكرر ذلك حتى تزداد العجينة لينا ~~ويعتم لونها. تبسطها. تقتطع قطعة صغيرة وتفردها فوق ساعدها عند ~~الكتف ثم تشدها بقوة مرة واحدة. تضغط عليها بين أصابعها لتلينها. ~~تكرر ذلك حتى تصل إلى يدها. ترمي القطعة جانبا وتتناول قطعة أخرى. ~~ترفع ساعدها إلى أعلى وتضعها فوق إبطها. تجذبها في قوة. تكرر ذلك ~~حتى يصبح إبطها أبيض ناعما. تنتقل إلى ذراعها الآخر. # يدق جرس الباب الخارجي. أقف خلف الباب وأزعق: مين؟ يرد علي ~~صوت أنثوي: أنا «عطيات»، «تحية» هنا؟ أجري عائدا إلى الغرفة ~~لأخبر «ماما تحية». تقول لي: افتح لها، دي بنت خالتي. # أفتح الباب. سمراء طويلة في الملاءة اللف. تتبعني إلى الصالون. ~~تخبط على صدرها قائلة: يا خبر. قدام الواد؟ ترد عليها «ماما تحية» ~~في غير مبالاة وهي تمر بيدها في خفة فوق ذراعها العارية: وإيه ~~يعني؟! تجلس. تسأل عن موعد عودة الكونستابل. تقول «ماما تحية»: ~~يمكن بكره. ابعتيلي الأولاد يباتوا معايا الليلة. خلي «راجي» يجيب ~~الطبلة معاه. تقف «عطيات» وتضم الملاءة حولها. تنقل البصر بيني ~~وبين «ماما تحية». تنصرف. # تنتقل «ماما تحية» إلى الإبط الثاني. تدير رأسها لتتأمله. ~~تتحسسه بأصابعها. تنهض واقفة. تقول لي وهي تمسكني برقة من أذني: ~~على أوضتك، تقعد فيها متخرجش منها. أمسك بيدها في رجاء: لا والنبي ~~يا ماما بلاش لوحدي. تتأملني باسمة: طيب تقعد في الصالة بشرط ~~متبصش علي. تشعل النور. أحضر كتاب الجغرافيا. أجلس إلى المائدة ~~قرب الباب الخارجي. # أضع الكتاب أمامي. أفتحه على كراسة الأغاني المدسوسة بين صفحاته. ms057 ~~تنتقل بنشاط بين غرفتها وغرفة الصالون حاملة بعض الملابس على ~~ساعدها. في يدها صابونة لوكس وليفة ومرآة في حجم الكف. تملأ صفيحة ~~من الحوض وتحملها بالماء إلى الغرفة. تعود إلى باب حجرتها فتغلقه. ~~تقول لي وهي تهز إصبعها محذرة: متقومش من مكانك لغاية ما ~~أخلص. ~~- ولو الباب خبط؟ # تقول وهي تلج الصالون: ما تردش. ~~- طب لو جت طنط «عطيات»؟ # تغلق الباب وراءها قائلة: اطمن. مش جاية. ~~- وبابا؟ ~~- معاه المفتاح. ~~- طب لو النور انقطع؟ ~~- ساعتها أقولك تعمل إيه. # أفتح كراسة الأغاني. أبحث عن أغنية «أنا أهوى أسقيك بإيدي قهوة.» ~~أضع الكراسة جانبا. أقف في حذر. أتسلل من مكاني دون أن أحرك ~~الكرسي. النور يتضاءل حتى يوشك أن يختفي ثم يعود ضعيفا. # أدير مقبض باب غرفتها. أدفع الباب وأدخل. النور مضاء. أقترب من ~~الشوفينيرة. صورة مدسوسة بين الإطار المعدني للمرآة وسطحها. هي ~~بجوار الكونستابل في شارع مزدحم. ترتدي فستانا بلا أكمام وحذاء ~~بكعب مرتفع وهو في قميص وبنطلون. سطح الشوفنيرة مغطى بأشياء ~~كثيرة؛ زجاجة ريحة ماركة «الغزالة». مسامير. إبر خياطة. بكرة خيط. ~~قلم حواجب مكسور. كستبان قديم. إصبع روج علا الصدأ قاعدته ~~النحاسية. علبة بودرة اسود صفارها. مشابك شعر. أوراق من كوتشينة ~~ممزقة. صورة قديمة لها تمزق جزء منها وبقي من الجزء الممزق جانب ~~من ساق في حذاء رجالي. علبة سجائر «هوليوود» من النوع الذي يضم ~~خمس سجائر. شريط «أسبرو». ليمونة متحجرة. فرشاة أسنان. زجاجة زيت ~~الأناضول للشعر. فلاية حديدية. تمثال من المعدن لامرأة عارية. ~~مطفأة سجائر من الصفيح انثنى طرفها. # أجذب أحد الأدراج. قطع ملابس مرتبة في نظام. أعيد الدرج إلى ~~مكانه وأجذب الدرج الذي يتلوه. برطمان مربي. علبة لقطع الجبن ~~المثلثة. علب سجائر كبيرة من الصفيح. أغلق الدرج. أغادر الغرفة. ~~أجذب الباب خلفي في رفق. # أقترب في خفة من باب غرفة الضيوف. ألصق عيني بثقب المفتاح. ~~أراها جالسة فوق مقعد المطبخ. جانبها الأيمن ناحيتي فلا أرى ~~وجهها. منحنية فوق ساقها اليمنى المثنية. تضع قطعة حلاوة أعلى ~~القدم. ترفعها وتلينها. تضعها ms058 على منتصف الساق. تكرر العملية ~~مقتربة من فخذها. تلتفت نحو الباب فأبتعد بسرعة. أسرع إلى مقعدي . ~~أجلس وأفتح كراسة الأغاني. أقلب صفحاتها. أتوقف عند أغاني ~~«أسمهان». أنصت. صوت الموقد. # أغادر مقعدي وأخطو نحو الباب في حذر. أتطلع من ثقب المفتاح. ~~ظهرها لي. تتناول قطعة حلاوة وتضعها بين ساقيها ثم تشدها. تهمس: ~~«آه». تتناول آخر قطعة من الحلاوة. تضعها بين ساقيها ثم تجذبها ~~بقوة. تكرر العملية عدة مرات. تتنهد. تلتقط قطعة حجر في حجم ~~برتقال «يافا». تدعك بها كعبيها. تلتفت نحو الموقد. البخار ~~يتصاعد من الصفيحة. تصب المياه الساخنة بالكوز في حوض الزنك. ~~تهم واقفة وتمد يدها لتخلع جلبابها. يغطي البخار عدستي ~~نظارتي. أخلعها وأمسحها في بيجامتي. ماما بسيمة عارية فوق مقعد ~~الحمام. شعرها مدهون بالحنة. أقف بين ساقيها الضخمتين. تصب الماء ~~على جسمي وهي تتأمل حمامتي. # صوت قدمين على السلم. أسرع إلى مقعدي. أفتح كتاب الجغرافيا. ~~تتوقف القدمان عند الباب. تواصلان الصعود إلى أعلى. أهم ~~بالقيام فأسمع صوت إطفاء الموقد. أجلس. # يفتح باب غرفة الضيوف. تخرج «ماما تحية». ترتدي قميص نوم ~~بحمالتين. شعرها ملفوف بفوطة كبيرة. تسألني: خفت؟ أهز رأسي ~~نفيا. أحمل كتاب الجغرافيا وكراسة الأغاني وأتبعها إلى ~~غرفتها. # تجذب الكرسي وتجلس. تخلع القبقاب. تضع قدميها على حافة السرير. ~~تتأمل كعبيها. يتوهجان بالحمرة. تلتمع ساقاها في الضوء. تخفض ~~قدميها وتقف. تستدير نحو المرآة. تفك الفوطة. تتناول مشطا وترفع ~~ذراعها إلى أعلى. يلتمع إبطها الناعم. تمشط شعرها الطويل الذي ~~يتساقط منه الماء. أجلس على السرير. تميل على المرآة وهي تجذب ~~شعرها أمام عينيها. تتركه منسابا على جانبي وجهها. أقول لها: ~~اعمليه «بوكل». تلم شعرها وتصنع دائرة منه فوق جبهتها. تتناول ~~إصبع الروج وتلون شفتيها. تلتفت إلي: حلوة؟ يحمر وجهي. # يدق جرس الباب فأسرع لفتحه. ولدان في سني؛ أحدهما له شعر ناعم ~~مفروق من جهة اليسار، الثاني شديد السمرة يحمل طبلة صغيرة تحت ~~إبطه. أتقدمهما إلى الحجرة. نترك شباشبنا عند الباب. نجلس نحن ~~الثلاثة فوق حافة الفراش. الولدان يتجاهلاني. تعطي لكل واحد ms059 منا ~~قطعة جبن «نستله» وبسكوتة ثم قطعة شكولاتة. # أسمع صوت أبي يناديني. أترك كراسة الأغاني فوق السرير وأحمل ~~كتاب الجغرافيا. أخرج إلى الصالة. واقف في مدخل حجرتنا وطربوشه في ~~يده. يتقدمني إلى الداخل. يسألني إذا كنت ذاكرت. أحلف له أني ~~فعلت. يصحبني إلى الكنيف لأتبول. يطلب مني أن أستعد للنوم. ~~أتوسل إليه أن يتركني ألعب عند «ماما تحية». يقول إن الوقت تأخر. ~~أقول: بكره الجمعة. ~~- والعشا؟ ~~- اتعشيت. # يوافق. أجري إليها. ترتدي روبها الأبيض. تقول لي: اسأل أبوك إذا ~~كان يحب يشرب شاي. تغادر الغرفة إلى المطبخ. أهرع إليه وأخاطبه من ~~خلف الباب. يقول لأ. أهتف لها من مدخل الطرقة: لا، مش عايز. أتجه ~~إلى غرفتها. الولد ذو الشعر المفروق أمام الشوفينيرة. يمسك بإصبع ~~الروج. يدهن شفتيه ويتأمل وجهه في المرآة. تحضر «ماما تحية» الشاي. ~~تضحك عندما ترى منظره. تقول له: يخرب عقلك يا واد يا «عفت». دا انت ~~كده بقيت بنت زي القمر. نجلس على الأرض. تصب لنا الشاي في أكواب ~~صغيرة. تستخرج من تحت سريرها رقا ثبتت في جوانبه صاجات نحاسية. ~~تهز الرق فتشخلل الصاجات. تعطيه للولد. # تغني ل «عبد الوهاب»: «ليلنا خمر وأشواق تغني حولنا. يا حبيبي ~~هذه ليلة حبي.» يبدأ الولد الآخر في الدق على الطبلة. يقول لها: ~~ارقصي يا أبلة. تخلع الروب وتتحزم بفوطة بيضاء حول وسطها. تغني: ~~«إنت إنت ومنتش داري.» تحرك جسمها على إيقاع الطبلة والرق. تتأمل ~~خفقان نهديها في افتتان. تمد ساعديها أمامها. تلصق كفيها ببعض. ~~تطرقع بإبهاميها. تقف على أطراف أصابع قدميها. تهز خصرها هزات ~~سريعة متتابعة. تنظر إلي باسمة. تندفع الدماء إلى وجهي. # تكف عن الرقص وهي تلهث من المجهود. تجذب بطانيتين من فوق ~~السرير. تطويهما وتبسطهما على الأرض. نتربع فوقهما. تحضر ~~الكوتشينة. نلعب «الكومي» ثم تقترح أن نلعب «الشايب». تستبعد ثلاث ~~ورقات برسم العجوز. تفنط الورق. تقول: اللي يفضل معاه «الشايب» ~~ينفذ اللي نحكم بيه. # توزع الورق. أسحب ورقة. سبعة قلب. لدي سبعة أخرى. أضعهما ~~معا على الأرض. الولدان يلعبان ms060 بسرعة وتمكن. نتطلع إلى وجوه ~~بعضنا البعض. نريد أن نخمن من معه «الشايب». أسحب فيخرج لي . يتناقص ~~الورق بسرعة في أيدينا. يتجمع كله على الأرض. تتبقى معي ورقة ~~«الشايب». نرسم «الحجلة» على الأسفلت بالطباشير. ستة أنهر عرضية ~~واسعة في نهايتها نصف دائرة. أقف على ساق واحدة. أزيح الطوبة ~~فتعبر الخط. أنتقل بنجاح من نهر إلى آخر. يرقبني أبي من النافذة. ~~أبلغ نصف الدائرة وأعلن انتصاري. # تقول: نحكم عليك بإيه؟ # يقول «عفت»: يركع على الأرض ويلف حوالينا وهو بيهوهو. # تنظر إلي. تتردد لحظة ثم تقول: لا، يغنيلنا. أقول: معرفش ~~اغني. ~~- وماله. غني «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي.» # أردد الأغنية دون أن أنجح في تقليد نغمتها. # نواصل اللعب. أشعر بثقل جفني. # أقاوم النعاس بصعوبة. تقول: كفاية كده. تنظر إلي: استأذن من ~~أبوك تبات معانا. أجده جالسا فوق السرير مستندا بظهره إلى ~~القائم. يقرأ في كتاب. أتوسل إليه أن يتركني أبيت معهم. يوافق. ~~أعود إلى الغرفة. # تصحبنا إلى دورة المياه. تقف في مدخل الطرقة بينما نتبول. يغسل ~~الولدان قدميهما في الحوض. نعود إلى الغرفة. تبسط البطانيتين ~~المطويتين وتفرشهما على الأرض. تشير للولدين أن يستلقيا فوقهما. ~~تعطيهما وسادة طويلة. تغطيهما ببطانية. تقول لي: نام جنب الحيطة ~~عشان متقعش. # أضع نظارتي على الشوفينيرة. أرتقي السرير. أتمدد إلى جوار ~~الحائط. تخلع الروب. تطفئ النور. تستلقي بجواري. تضمني إلى صدرها. ~~يستقر رأسي فوق نهديها. أشم رائحتها النظيفة. تفلتني وتستدير ~~معطية ظهرها لي. تقول: تصبحوا على خير يا ولاد. يرد الولدان في ~~نفس واحد: وانت بخير يا أبلة. أقول: وانت بخير يا ماما. تبسط ~~بطانية فوقنا. أروح في النوم. أستيقظ فجأة. لا أستطيع الحركة. ~~أكتشف أنني في حضنها وساقي بين فخذيها. أسمعها تتنهد. تضمني ~~بقوة. أقول لها: ماما، عاوزة حاجة؟ لا ترد علي. أجذب ساقي من بين ~~فخذيها لكنها تتشبث بي. تفلتني بعد لحظة. يتصاعد شخيرها. # 7 # يقترب الوجه الأسود ذو العينين الحمراوين في بطء من خلف القضبان ~~الحديدية التي تسد النافذة. أتعرف على «عباس». ينفرج الباب ويظهر ms061 ~~مصباح زيت بزجاجة رفيعة مستطيلة. يقترب المصباح. تستطيل شعلته. يطل ~~من خلفه وجه «ماما تحية» الأبيض المدور . «بوكل» الشعر فوق جبينها. ~~الروج في شفتيها. الكونستابل خلفها. يحاول ضمها لكنها تقاوم. تضرب ~~صدره بقبضتيها في قوة محاولة التخلص من ساعديه. تصيح: ده ابنك. ~~ابنك يا كداب يا نصاب. يدهشني أنها لا تتعرف علي. أفتح فمي لأقول ~~لها من أنا. لكن وجهها يتبدل بوجه أمي. الدماء تسيل من شق شفتها ~~السفلى. يتقلص وجهها ويلتوي. يختفي. يظهر مكانه ذراعان كبيران ~~مليئان بالشعر. يقتربان مني. أريد أن أصرخ لكن الصوت لا يخرج من ~~فمي. # أستيقظ فجأة وأنا أرتجف. النور مضاء. أنادي على أبي. أهب ~~جالسا. أتفصد عرقا. أدفع اللحاف. أزحف حتى حافة الفراش والدموع ~~تتجمع في عيني. أقفز إلى الأرض. أندفع إلى باب الغرفة. أفتحه. نور ~~الصالة مضاء. أنادي مرة أخرى: بابا، «ماما تحية». لا يرد علي ~~أحد. غرفة الكونستابل مغلقة. أتجنب النظر ناحية الكنيف. أفتح باب ~~الشقة. أخرج إلى البسطة المظلمة. أتجنب النظر إلى ركن المخزن. أترك ~~الباب مفتوحا وأهبط درجات المدخل جريا. أواصل الجري في الحارة ~~حتى الشارع. أستدير نحو اليمين وأواصل الجري حتى دكان شيخ ~~الحارة. # من غير نظارة أتعرف على الجالسين فوق كراسي على الرصيف. الشيخ ~~«عبد العليم» و«رأفت» أفندي والقسيس. ألمح أبي جالسا على جانب. ~~يستمع في اهتمام إلى شيخ معمم بنظارة. أهرع إليه. يلتفت إلي ~~مكشرا. أقف بين ساقيه. يقول لي: إيه اللي جابك؟ تعتريني نوبة ~~سعال. يتحسس عنقي وصدري. - شوف عرقان إزاي. ينهض واقفا وهو يقول ~~للشيخ: عن إذنك يا فضيلة الشيخ. # يقبض على يدي في عنف. يجرني إلى الحارة ثم المنزل. يغلق باب ~~الشقة خلفنا. يدفعني داخل الحجرة: اطلع. أرتقي السرير. ينحني فوقي ~~ويحكم الغطاء من حولي: مش قادر تفضل شوية لوحدك؟ العفاريت تاكلك؟ ~~لازم أسحبك من إيدي مكان ما أروح؟ # يبتعد عني. يهبط عن الفراش. أسعل. يختفي عن نظري في اتجاه باب ~~البلكونة. يعود إلى الظهور. يخطو نحو باب الغرفة. - تعبت. تعبت ~~خلاص. أنا كان ms062 مالي ومال العذاب ده. كنت عملت زي «علي صفا». هايص ~~ولا سائل في بناته. يتحول المقعد إلى ما يشبه عربة اليد التي ~~يبيعون عليها الخيار والبلح الأحمر. المزلاج الخشبي يحول بيني وبين ~~الزحف على البلاط والانطلاق في أرجاء الشقة بحثا عن أمي. تحتي ~~فتحة فوق القصرية. أتسلى بالعبث بالدوائر الحمراء والزرقاء ~~والصفراء المثبتة في سلك متين بأحد جوانب العربة. # أقاوم الرغبة في السعال. أتابعه في مرواحه ومجيئه بجوار الدولاب. ~~يبتعد وجهه فأرفع رأسي قليلا عن الوسادة. أراه يدور حول المكتب ~~ويجلس مستندا بساعديه إلى سطحه. يزيح طربوشه قليلا إلى الخلف. ~~شفتاه تتحركان بهمهمة غير مفهومة. يزيح سترته ويستخرج سيجارته ~~المطفأة من جيب الصديري. يبحث في ملابسه عن علبة الكبريت حتى ~~يجدها. يشعل نصف السيجارة. يضعها بين شفتيه. ينتزعها قائلا: ~~معرفش أغيب خمس دقائق. هو أنا كنت قاعد ألعب؟ ما كله علشانك. لي ~~شهر أجري ورا القاضي. ستك عاوزة تاخدك مني. تحب تروح عندها؟ ~~وتنام على الأرض؟ السلم العالي. باب السطح الموارب. الغرفة الضيقة. ~~فراش في ركن وأدوات الطهو في ركن آخر. الهواء البارد عند الذهاب ~~إلى الكنيف. وجه ستي الأصفر. # يتناول كتابا. يخرج نظارته من جيب السترة العلوي. يرتديها ~~ويبحث عن الصفحة التي توقف عندها. لا يجدها فيقرأ كما اتفق. يترك ~~الكتاب. ينهض واقفا. يتجه إلى الباب. هل سيخرج من جديد؟ يستدير ~~عائدا. أتابعه بركن عيني. يزفر: كان يوم أسود يوم ما شفت وشك ووش ~~أمك. أسعل. - يا ريت ربنا ياخدك ويريحني منك. أسعل مرة أخرى. ~~أرتعش. تصطك أسناني. أغمض عيني. الملائكة يحيطون بي. أمي تحملني. ~~النور يأتي من الصالة. يلف في دوائر. # أفتح عيني. النور يلف في دوائر. رأسه منحن فوقي. تغطيها ~~الطاقية. لن يخرج إذن. يجس جبهتي. يرفع رأسي ويضع ملعقة ~~«البلمونكس» في فمي. يطوي منديلا مبللا ويضعه فوق جبهتي. يختفي ~~ويعود بكوب من الماء. يعصر فيه ليمونتين. يحضر زجاجة «الأسبرين». ~~يفرغ حبتين في كفه. يذيبهما في الماء. يرفع رأسي. يجبرني على ~~الشرب. أزيح الكوب بيدي بعد رشفة ms063 واحدة. لا أستطيع التنفس. أفتح ~~فمي وأتنفس منه. ينقبض صدري وأنهج. يضمني إلى صدره. يقرب منديلا ~~من أنفي. يطالبني بأن أتمخط. أنفي مسدود. يرفع المرآة الصغيرة ~~أمام وجهي. أرى فتحتي أنفي ملوثتين ببقع «المكروكروم» ~~الحمراء. # يغادر السرير. أتابعه ببصري. يفتح الدولاب وينكش داخله. يعود ~~بأنبوبة البول الزجاجية الرفيعة. يعتلي السرير. ينحني فوقي. يضع ~~طرف الأنبوبة في إحدى فتحتي أنفي. يشفط محتوياتها. يبصق في طبق. ~~يضع الأنبوبة في الفتحة الثانية. يشفط. يبصق في الطبق. أتمكن من ~~التنفس. يضع يده فوق رأسي ويتلو آية «الكرسي». السعال لا يريد أن ~~يتوقف. يسقيني على الريق صبغة يود ممزوجة بالماء. يأخذني إلى بئر ~~تتصاعد منه رائحة الجاز. يجلسني فوق حافته. يطلب مني أن أحني رأسي ~~وأستنشق. البئر عميقة. ساعده القوي يحيط بي ويحول بيني وبين ~~السقوط. # 8 # أفتح الباب في حذر. أتطلع خلفي. أبي غارق في نوم القيلولة. أخرج ~~إلى الصالة. أقترب في خفة من باب حجرة الكونستابل. مغلق. أضع عيني ~~على ثقب المفتاح. طرف السرير. أربع أقدام عارية فوقه. الأقدام ~~متشابكة ولا تتحرك. أتقدم من المنور. أتطلع إلى شباك «أم زكية». ~~مفتوح. يبدو جانب من ساعدها العاري. ألف حول المائدة. ألمح فأرا ~~يجري في اتجاه دورة المياه والمطبخ. أعود إلى غرفة «ماما تحية». ~~أسمع حركة داخلها فأسرع إلى غرفتنا. # أبي نائم على جانبه الأيسر وظهره لي. يشخر. أجلس إلى المكتب. ~~أفتح كتاب العلوم. # أسمع حركة في الصالة. أهرع إلى الباب. أتطلع من ثقب المفتاح. ~~الكونستابل بالفانلة وبنطلون البيجامة أمام الحوض. يغتسل ثم يتجه ~~إلى غرفته. أنتظر. «ماما تحية» في روبها الأبيض. أنتظر حتى تنتهي ~~من الاغتسال وتستدير. أفتح الباب وأخرج إلى الصالة. تشير لي أن ~~أتبعها إلى الغرفة. # الكونستابل مستلق فوق الفراش. ما زال بالفانلة. يداه مشبوكتان ~~خلف رأسه المستند إلى الجدار. شعر إبطيه غزير. الأغطية منكوشة. ~~تزيحها جانبا لتخلي لي مكانا. تقدم لي طبقا من ثمرة «النبق» ~~التي أحبها. تقول إن «كريم» أحضره معه من «أسيوط». تمشط شعرها أمام ~~المرآة. تمرر إصبع الروج ms064 فوق شفتيها. # أنتقي حبة سمينة برتقالية اللون. أمسحها في سترة بيجامتي. أستمتع ~~بمذاق لحمها الجاف والحلو. ألفظ البذرة وأتلفت حولي حائرا فيما ~~أفعله بها. أضعها في جيبي. ألتقط واحدة أخرى. مرة. ألفظها ~~وأنتقي واحدة حمراء. # أتطلع إلى «ماما تحية». ترسل شعرها حول كتفيها. عيناها ~~تلمعان. تنظر إلى «كريم». علامات الضيق على وجهه. تبتسم. أشعر أنه ~~ضيق بوجودي. ~~- أعمل شاي؟ # لا تنتظر إجابة وتغادر الغرفة. ألمح مجلة مصورة ملقاة على ~~جانب الفراش. ألتقطها وأقلب صفحاتها. صورة الملك في اجتماعه بضباط ~~الجيش الذاهبين إلى «فلسطين» في رداء عسكري بنصف كم. يمسك ~~بطرف عصا تحت إبطه. فوق عينيه نظارة بعوينات سوداء مستديرة. شارب ~~كث بطرفين رفيعين محاذيين لفمه. فوق رأسه «بيريه» مائل ناحية ~~اليمين. # أسأل الكونستابل: هو إحنا حنحارب؟ يقول إنه لا مفر من ذلك بعد ~~أن أعلنت «إسرائيل» قيام دولتها. يضيف: على العموم أمريكا هددت ~~بقطع البترول والسماد عنا لو دخلنا «فلسطين». # تعود «ماما تحية» بصينية فوقها ثلاثة أكواب من الشاي. نشربه في ~~صمت. تنهمك في جمع أوراق الكوتشينة المتناثرة في أرجاء الغرفة. ~~ترتبها وتفنطها. تجلس متربعة. ينزاح روبها وتبدو ركبتاها. # تقول: يلا نلعب «الشايب». # تستبعد ثلاث ورقات برسم العجوز. تفنط الورق مرة أخرى. يستدير ~~الكونستابل على جانبه الأيسر. يعتمد على كوعه الأيمن. يسحب ورقة. ~~أتصفح ورقي. ألمح يده تتسلل إلى فخذي «ماما تحية». تضحك وتبعد ~~جسدها. يتناقص الورق بسرعة في أيدينا. تتبقى ورقة واحدة معه. ~~يكشفها فتطالعنا صورة الملك العجوز. # تصفق «ماما تحية»: نحكم عليك بإيه؟ تضيف: غطي عنيك. أبي يعلمها ~~لعبة «البوكر». يضحك منتصرا. تضع الورق على المائدة. تقول: اللعبة ~~دي حرام. يقول لها: يا شيخة، إحنا بنلعب بملاليم. تقول بعناد: لا، ~~حرام. # يستلقي على ظهره. تجذب إيشارب وتبرك فوقه. يمد يده إلى صدرها ~~فتتهرب منه. تربط الإيشارب فوق عينيه وتعقده فوق أذنه. تشير لي أن ~~أقترب. تهمس لي: تف في بقه. تطلب منه أن يفتح فمه. يفعل. أميل ~~فوقه. أبصق في فمه. # ينتفض جالسا وهو يصرخ: يا كلب يا ms065 ابن الكلب. يفك الإيشارب ~~ويبعده عن وجهه. أقفز أنا و«ماما تحية» من السرير. تفتح الباب ~~وتدفعني إلى الصالة. تغلق الباب خلفي. أهرع إلى غرفتنا. أسمع صوت ~~خبط وتحطم شيء. تمر لحظة سكون. يرتفع صوت «ماما تحية»: آه. أدفع ~~بابنا وأدخل. أبي واقف في فتحة البلكونة. أناديه: بابا. إلحق. عمو ~~بيضرب «ماما تحية». # يستدير ويخطو نحوي. نغادر الغرفة. نقترب في هدوء من الغرفة ~~الأخرى. صوت آهات متتابعة. ينصت أبي في استغراق. يجذبني من يدي ~~لنعود إلى حجرتنا. يغلق الباب خلفنا. يبتسم قائلا: ده مش ~~ضرب. # 9 # يعد «سخينة» باللبن للعشاء. يغلي الحلبة. يضيف إليها العسل ~~الأسود. يقطع الخبز إلى لقم. يضعها في إناء. يحمرها على النار. ~~يضيف خليط الحلبة والعسل. يقلبها عدة مرات. يغرف لي في طبق ويصب ~~قليلا من اللبن. أتناولها بالملعقة وأنا جالس فوق حافة السرير. ~~يرتفع المقعد إلى مستوى المائدة الكبيرة. أمي تحيط صدري بمريلة ~~تربطها خلف رأسي. تضع أمامي طبق الشوربة. تعطيني ملعقتي الصغيرة. ~~يجلسان حولي. # ينطفئ النور ثم يعود. يطلب مني أن أعد شنطتي وأستعد للنوم. ~~يصحبني إلى الكنيف. باب غرفة الكونستابل موارب. يأتي منه صوت ~~الراديو ممتزجا بهمهمة. راديو «أم زكية» عالي الصوت. «يا مجاهد في ~~سبيل الله. دا اليوم اللي بتتمناه.» أردد مع الراديو: «فن الحرب ~~إحنا بدعناه». # تعبر «ماما تحية» الصالة. ترتدي فستانا حريريا أصفر اللون ~~بدون أكمام. تحمل في يدها حقيبة بيضاء اللون. فوق ساعدها بلوفر ~~مطوي. يتبعها «كريم» في قميص أبيض وبنطلون رمادي. يبرز منديلا ~~منفوشا كالزهرة من كم قميصه أسفل راحة يده اليسرى. يوجهان التحية ~~إلى أبي. يغادران الشقة. أستقر في الفراش. يجلس أبي في بزته ~~الكاملة إلى مكتبي. يرتدي نظارته ويمسك كتابا. أغالب النوم. أشعر ~~أنه ينوي الخروج. أقرر ألا أغفو إلى أن يخلع ملابسه. # يرتفع صوت الحاج «عبد العليم» من الحارة: «خليل» بيه. «خليل» ~~بيه. يفتح أبي زجاج البلكونة ويطلب منه الصعود. يفتح له الباب. ~~يقدم له كرسي المكتب. يجلس على حافة الفراش. يتنحنح شيخ الحارة ~~كعادته. يقول ms066 إن «عباس» تزوج وأحضر زوجته من البلد. وإنها بنت ~~طيبة وخام. ويمكن أن تنظف لنا الغرفة وتطبخ أيضا. يقول أبي: يا ريت. # يسأل «عبد العليم»: إنت مخرجتش النهارده؟ البلد مليانة مظاهرات ~~والناس بتهتف: «أين الكساء والغذاء يا ملك النساء؟» # يقول أبي: دول زودوها خالص. ~~- الجرايد مسمياه «الفدائي الأول». «رأفت» أفندي كان في ~~«بورسعيد» امبارح وبيقول الفلسطينيين ماليينها. هاربين من ~~الصهاينة. ~~- أخبار «ماجد» أفندي إيه؟ # يقول «عبد العليم» إن «زراكش» حملت منه وأخذته معها إلى مملكة ~~الجان لتلد هناك. وإنها وضعت مولودها دون مساعدة من أحد وسار على ~~قدميه من أول لحظة. # يسأل أبي في اهتمام: شاف إيه هناك؟ ~~- مفيش عندهم لا تروماي ولا أتوبيس. ومفيش كمان طيور أو حيوانات ~~أو حشرات ولا مقابر. والجهاز الهضمي عندهم زي موتور الأوتومبيل ~~السيارة. الفضلات، ولا مؤاخذة، تطلع بخار من ضهرهم زي الأوتومبيل ~~بالظبط. ~~- ورجع ليه؟ حقه يفضل هناك. ~~- حس بالخنقة من قلة الأكسجين. قالها عاوز ارجع. خلته يقف على ~~قدمها ويحط إيده على راسها. نفخت ببقها. وهوب لقى نفسه في ~~سريره. ~~- كده على طول؟ ما جرالوش حاجة؟ ~~- عنده بس شوية صداع ومرات ميقدرش يتحكم في المشي. # يستفسر أبي عن أطفاله. يجيب: البنت سخنت إمبارح بالليل. كلمت ~~دكتور حميات بالتليفون. قعد يسألني عن شغلتي وساكن فين وفي الآخر ~~طلب 3 جنيه عشان ييجي البيت. ~~- يا خبر. وعملت إيه؟ ~~- ربنا ستر. إديتها أسبرين وعملتلها كمادات. ع الصبح بقت ~~كويسة. # يقول إنه جاء لأبي في خدمة. ~~- خير إنشالله. # يقول إن الحاج «مشعل» لفق له قضية مخدرات. وإنه يحتاج شهادة من ~~أبي في المحكمة. # يقول أبي على الفور: أنا تحت أمرك. هو إيه اللي حصل؟ ~~- خد الدكان اللي قدامي وعاوز ياخد دكاني كمان. مرضيتش ~~أبيع. # ينهض قائلا: لازم أفوت على الدكان. شفت الميكروفون اللي «مشعل» ~~معلقه؟ ~~- أيوه. جايب لهنا. مبيخلنيش أنام. ~~- ناوي تسهر معانا الليلة؟ «أم كلثوم» حتغني «هلت ليالي القمر.» ~~يلتفت أبي ناحيتي ثم يقول: لما أشوف. # ينصرف «عبد العليم». أعتدل جالسا. أقول له: بابا متسيبنيش ms067 ~~لوحدي. يتأملني لحظة ثم يقول: طب قوم البس هدومك. # أرتدي ملابسي بسرعة. أمسح زجاج النظارة بمنديل. نخرج إلى الحارة. ~~«سهام» في نافذتها كالعادة. نخرج إلى الشارع. نتجه إلى ميدان ~~«السكاكيني». نجتاز عدة شوارع إلى أن نبلغ سينما «ريالتو». قاعة ~~مزدحمة. صفير وضجيج وصياح. نصعد سلما قصيرا إلى منصة عالية. ~~نجلس فوق دكة خشبية. باعة اللب والسوداني والسميط يسعون بين ~~الدكك. أهم بالجلوس فوق فخذيها فتبعدني عنها. يأخذني أبي بين ~~ساقيه. يمر بنا بائع في جلباب نظيف علق في ذراعه سبتا مغطى ~~بالقماش. يشتري لكل منا سميطة بالسمسم. يعطينا البائع معها ~~شريحة من الجبن الرومي فوق ورقة في حجم الكف. # يشتري لي أبي كيسا من اللب. فيلمان. الأول قصير عبارة عن حلقة ~~من مغامرات «جيس وجيمس». الثاني «بلبل أفندي». ل «فريد الأطرش» ~~و«صباح». # تظلم الشاشة فجأة ويضيء نور القاعة. تتصاعد الصيحات. يخلع أبي ~~طربوشه تلمع صلعته في الضوء. يشعل سيجارته. سينما «الهلال» في ~~ميدان السيدة زينب. أنا و«عزمي» ابن خادمة «ماما بسيمة». نقف عند ~~شباك التذاكر. البائع يرتدي بزة كاملة أنيقة وطربوشا مائلا. ~~ليس معنا ثمن التذاكر. يشير لنا أن نتسلل من باب الدرجة الثالثة. ~~نقف قرب الشاشة. وجه «ليلى مراد» يملؤها. # تظلم القاعة. يتواصل العرض. الجو خانق. يخلع أبي سترته. ينتهي ~~الفيلم ويسطع النور. وجهه عابس. يمسح عرقه. يرسم على شفتيه ~~ابتسامة. ننتظر حتى يخف زحام الخارجين. يحتوي يدي في قبضته القوية. ~~نخرج إلى الشارع. يشتري لي «بسبوسة» من محل حلواني. نمشي على مهل. ~~الحارة غارقة في الظلام. مدخل منزلنا أيضا. أتعلق بسترته. ~~تلتف ذراعاه حولي. # 10 # نتوضأ سويا. يفرش بطانية على الأرض. يتربع فوقها ممسكا ~~بمسبحته الطويلة. متجهم. يقرأ البسملة. يكررها وهو يعد على حبات ~~المسبحة. يدعوها ب «الألفية» لأنها من ألف حبة. يأتي صوت خطبة ~~الجمعة من راديو «أم زكية». تنتهي الخطبة. أصلي معه. تنتهي الصلاة ~~فيواصل عدة ركعات. يستوثق من أني طاهر. يقول إني لن أتمكن من ~~دخول الحمام لمدة ساعة. يحذرني من الرد لو رن جرس ms068 الشقة أو ~~طرق أحد بابنا. يقول إنه اتفق مع زوجة «عباس» على أن تأتي بعد ~~الظهر. # يغلق باب البلكونة بإحكام. يضع قطعة قماش أسفله. قطعة أخرى أسفل ~~باب الغرفة. يضع موقد الجاز فوق البلاط عند حافة البطانية. يشعله. ~~يضع فوق شعلته رقيقة من الصفيح كانت غطاء لعلبة سمن. يرمي فوقها ~~حبات من اللبان الدكر. وبعض أعشاب من أكياس صغيرة صفت فوق ~~المكتب بجوار طبق من الصيني الأبيض. يحضر كتاب «شمس المعارف». ~~ترتفع أدخنة البخور في الغرفة. أسعل. يغمغم بأسماء الله الحسنى. ~~يحضر ورقة وإبرة. يتربع. يلقي مزيدا من اللبان والأعشاب فوق ~~النار. يقرأ: # قل أعوذ برب الفلق ~~* من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ~~ومن شر النفاثات في العقد * ~~ومن شر حاسد إذا حسد ~~. أتأمل النار. ~~يلكزني بكوعه لأردد السورة خلفه. نقرؤها عدة مرات. # يمسك بورقة ودبوس. يخزق جانبا منها: من عين «نبيلة». من عين ~~جوزها. من عين «تحية». من عين الكونستابل. من عين «عبد العليم». من ~~عين «علي صفا». من عين «أم صفوت». من عين «حكمت». من عين الشيخ ~~«عفيفي». يفكر لحظة ثم يضيف: من عين «خليل». يلقي بالورقة فوق ~~النار فتشتعل. # أهم بالقيام فيقول إننا لم ننته بعد. يتناول طبق الصيني من ~~فوق المكتب. يضعه أمامه. يحضر زجاجة الحبر الأزرق وقلم البسط. ~~يفتح كتاب «شمس المعارف» على صفحة معلمة بورقة بيضاء. يغمس قلم ~~البسط في زجاجة الحبر. يمسك بالطبق ويكتب على حافته سورة ~~«الفاتحة». يدير الطبق في يده ويواصل الكتابة حتى ينتهي من ~~السورة. يتأمل الصفحة المعلمة في «شمس المعارف». ينقل منها ~~مربعا كبيرا تتخلله أعمدة طولية وأخرى عرضية. يصب في الطبق ~~كوب ماء. يضيف عدة نقاط من زجاجة ماء ورد وملعقة من عسل النحل. ~~يقدمه لي لأشربه. أبعد رأسي. يشخط في: اشرب. # أبتلع المزيج. يطلب مني أن أردد خلفه: اللهم ببركة ما شربت، أن ~~تهون علي الحفظ والفهم. يقرأ سورة «العلق»: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم ms069 بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~. يصلي ~~ركعتين وأنا معه. صوت أمي من غرفة النوم: # يس ~~* والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين ~~. يضع ~~مرآة الحلاقة الصغيرة في يدي. يطلب مني أن أضغط بأصابعي على إطارها ~~النحاسي الذي ينخلع أحيانا. # يفتح الكتاب على صفحة أخرى. يقول إن أسئلة الامتحان ستظهر على ~~سطح المرآة وعلي أن أنتبه جيدا. يقرأ من الكتاب بصوت متهدج: ~~اللهم سخر لي الملك والملكوت. لا إله إلا أنت يا ذا الجلال ~~والإكرام يا حي يا قيوم بك أستغيث يا مغيث أغثني. يكرر الدعاء ~~أربعين مرة وهو يعد على أصابعه. يقول: يا مجيب أجب دعوتي واقض ~~حاجتي. # أتأمل سطح المرآة وأردد خلفه: إني أسألك ب «بوقاليم» يا ~~«شوناهيل» يا «شهرين» أسألك بحرمة «كشهيل» «برديم» «بهوائيل» ~~«عجاجيل» «عناسيل» وأسألك بحرمة «جبرائيل» و«ميكائيل» و«إسرافيل» ~~و«عزرائيل». اللهم إني أسألك يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. ~~أسألك باسمك العظيم الأعظم. يشخط في: على مهلك. يواصل: وأسألك ~~باسمك الله الله الله اللطيف الكريم، وأسألك باسمك الواحد الماجد، ~~وأسألك باسمك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار، سبحان الله عما يشركون. ألا ما جئتم يا خدام هذه ~~الأسماء، أجيبوا بحق من قال للسموات والأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين. بحق «أعيا» «شراهيا» «إدو تاي» ~~«أصباوت». الوحا الوحا. العجل العجل. الساعة الساعة. # يسألني: حاجة ظهرت؟ # أجيب: مش متأكد. فيه شخبطة في الركن. # يسأل في لهفة: إنجليزي؟ ~~- مش عارف. # يتناولها مني. يتأملها ثم يعيدها إلي قائلا إن الشخبطة بقع ~~صدأ. أثبت عيني على المرآة. يقرأ في الكتاب ثم يقلب صفحاته. ~~- حاجة ظهرت؟ # أهز رأسي نفيا. يقول في أسف: مش عارف إيه اللي حصل. إنت متأكد ~~إنك طاهر؟ أقول إني متأكد. يهز رأسه في حيرة. # يقلب في الكتاب ثم يتوقف عند إحدى الصفحات. يتناول ورقة ~~ويكتب عليها بضع كلمات. يطويها ويناولها لي: خليها دايما في ~~جيبك. # أهم بالقيام. يستمهلني: الدعا ده تحفظه. قول معايا. يقرأ: بحق ~~هذه الأسماء الشريفة «كهيعص» «حم. عسق». «صم بكم ms070 عمي فهم لا ~~يرجعون». أردد الدعاء خلفه. يمتحنني. يتأكد من أني حفظته. يطلب ~~مني أن أقرأه سبعين مرة عند دخول الامتحان الشفوي. ثم أكرر كلمة ~~«كهيعص» حرفا بحرف. ومع كل حرف أعقد إصبعا من اليد اليمنى. ~~وعندما يأتي دوري أمام الممتحن أرفع يدي وأبسطها في وجهه. يبسط ~~الحاوي بضاعته حول دائرة كبيرة. نتجمع حول الدائرة. يخرج سلسلة ~~مناديل ملونة من كمه. يرفع زجاجة جاز إلى فمه. يقرب منه قضيبا ~~من الحديد في نهايته شعلة نار. يفتح فمه ويطلق صاروخا من النيران. ~~يعدنا بأن نرى خروج الثعبان من البيضة بعد أن ندفع. يدور علينا ~~بالرق ساحبا القرد المربوط في سلسلة خلفه. ينتهي من الدوران ~~فيهز الرق في يده. يعلن أن ما جمعه لا يكفي. يجمع بضاعته ~~وينصرف. # | الفصل الثالث # 1 # تبسط الملاءات والمخدات فوق سور البلكونة. يصيح فيها: المرتبة ~~الأول. تزيح الملاءات والمخدات جانبا. تدخل الغرفة وتميل فوق ~~المرتبة. يعاونها على حملها فوق رأسها. يترنح جسمها النحيل. تلقي ~~بها فوق السور. تنهال بالمنفضة البوص فوقها. يتصاعد تراب كثيف. ~~تنفض البطاطين والمخدات. تلهث من المجهود ويحمر وجهها ~~الشاحب. # تزيح السرير بعيدا عن الحائط. تشعل موقد الجاز. تحمله في يدها ~~وتنحني فوق الملة الحديدية. تضم فتحة جلبابها التي أوشكت أن تكشف ~~ثدييها. يرتدي أبي نظارته. يقول لها: هاتي. يأخذ منها الموقد ~~ويقرفص بجوار قائم السرير. يضع الوابور تحت الثقب الذي تثبت فيه ~~الملة. أنحني بجواره. أتأمل يديه القويتين اللتين تمسكان بالوابور ~~في ثبات. ألمح عدة بقات متلاصقة. تلمسها النيران فتتفحم وتتساقط ~~على الأرض. أشير بيدي إلى بقة هاربة. يلحقها بالنار. يدور بالوابور ~~أسفل جوانب السرير الأخرى. تحضر له زجاجة جاز فيصب منها فوق أماكن ~~الحرق. يطلب منا أن نتفحص جوانب المرتبة وثنايا المخدات. ~~- هاتيلي قلة. # تحضر قلة ماء من الصالة. يكرع منها. يمسح شفتيه بكم الجلابية. ~~يقول: سخنة. حطيها فوق البوفيه في التيار. تقول: أروح أجيب تلج يا ~~سيدي؟ يكشف فمها عن أسنان صفراء. يجيب: لا، مش الوقت. بائع الثلج ~~عند الباب. يحمل ms071 نصف لوح ملفوفا في الخيش. يضعه فوق مائدة ~~الطعام. تحمله أمي إلى المطبخ. ~~تكسر قطعة بيد الهون الخشبية. تدقها إلى قطع أصغر. تغسلها ~~بالماء. تنثرها فوق أطباق «البالوظة» البيضاء المرصوصة فوق سطح ~~البوفيه. نأكلها في مجلسنا عند النافذة. # يجر كرسي المكتب ويقف فوقه. يجذب ساعة الحائط برفق. يناولها ل ~~«فاطمة» وهو يقول: على مهلك، خدي بالك. تضع الساعة فوق ملة السرير. ~~تحضر قطعة قماش وتبللها بالجاز. تهم بتنظيف الساعة فينهاها. ~~يترجل. يتناول منها القماش. يمسح بها الجوانب الخارجية للساعة. ~~يفتح بابها الزجاجي. يمسح الجوانب المحيطة بالعدة. يطلب منها زجاجة ~~البنزين وقطعة قماش أخرى. تناوله جوربا قديما من الصوف. يبلله ~~بالبنزين. يخلع رقاص الساعة ويدعكه جيدا. يمسح في رفق الأرقام ~~الرومانية. يتناول علبة صغيرة في حجم الكف لها بزبوز رفيع. يضع ~~البزبوز أسفل عدة الساعة. يميله ليصب محتوياته. يصب منه في ~~فتحتين وسط دائرة الأرقام. يمسح مفتاحا قصيرا من النحاس اللامع. ~~يدسه في إحدى الفتحتين ويديره برفق. ينتقل إلى الفتحة الأخرى. ~~يدير المفتاح عدة مرات حتى يستعصي على التحريك. # يحمل الساعة إلى الصالة ويضعها فوق المائدة. يدير عينيه بين ~~الجدران. يستقر على مكان بين باب المنور وباب حجرة الضيوف. تجر ~~«فاطمة» أحد مقاعد المائدة وتضعه أسفل المكان الذي عينه. يرتقي ~~المقعد. يطلب مني إحضار الشاكوش ومسمار متوسط الحجم. أجري إلى ~~الحجرة. أنحني فوق ركبتي أمام السرير. أجذب الشاكوش وصندوقا من ~~الكرتون. يمتلئ بالمسامير وقطع الأسلاك الكهربائية والدبابيس ~~وأجزاء من دوايا المصابيح. أنتقي مسمارين مختلفي الحجم. أجري ~~عائدا. يمد أبي يده إلي. تختطف «فاطمة» الشاكوش والمسمارين من ~~يدي. تناولهم له. يختار أحد المسمارين. يدقه في الحائط. ضرباته ~~قوية ثابتة. # أقترب من باب غرفة الكونستابل و«ماما تحية». أتطلع من ثقب ~~المفتاح. لا يوجد أثر للسرير والشوفينيرة. أخذا كل عفشهما عندما ~~انتقلا إلى مسكن آخر. يصيح بي أبي: إنت فين؟ أهرع إليه. يمد يده ~~بالشاكوش فتسبقني «فاطمة» إلى أخذه. يوشك الشاكوش أن يقع فيخاطبني: ~~إنت مش نافع في حاجة. يطلب منها أن تناوله الساعة ms072 في رفق. تحملها ~~إليه. يعلقها في المسمار. يتناول منها الرفاص ويثبته تحت ~~العدة. يهزه فيواصل الحركة من تلقاء نفسه. يغلق باب الساعة. ~~يهبط. # نعود إلى الغرفة. يطلب منها إنزال الصور المؤطرة. تصعد فوق ~~المقعد. تتعلق طرحتها بحافة الدولاب. تفكها وتربطها من جديد ~~فوق شعرها الخشن. ينحشر جلبابها بين فلقتيها. تمد يدها وتعدله. عين ~~أبي على مؤخرتها الصغيرة. تجذب صورة وتناوله إياها. كبيرة بإطار ~~عريض من الخشب. تضم صور وجوه صغيرة بيضاوية الشكل في صفوف ~~متلاصقة. أعرف مكان صورة أبي في الصف الثاني من أسفل. أزالها ~~«عزمي» ابن طباخة ماما «بسيمة». ينفضها أبي بخرقة ويضعها فوق ~~الملة. # تناوله صورة أخرى. تهتز في يدها. يصرخ فيها: إنت إيديك سايبة. ~~الصورة له جالسا في المنتصف بين عدد من ضباط الجيش. باسم في ~~ملابس أنيقة. حذاؤه لامع ومدبب الطرف. المنشة في يده مستقرة فوق ~~فخذيه. شاربه مرفوع إلى أعلى كشارب الملك «فؤاد». # صورة ثالثة ذات إطار خشبي ~~رفيع ينتهي في الأركان الأربعة بما يشبه الصليب. واقف بين ضابطين ~~أحدهما في بنطلون منفوخ يبرز من حذاء مرتفع حتى الركبة. فوق ~~أكتافهما السيوف المعدنية الصغيرة التي تميز كبار الضباط. يمسك ~~الصورة في يده ويتطلع إلى الحائط كأنما يبحث عن مكان لتعليقها. ~~أقول له: مش نحطلها قزاز الأول؟ يهز رأسه في أسى: ربنا ينتقم ~~منهم. تخرج «ماما بسيمة» غاضبة برفقة «عزمي» وتتركنا مع أمه. نبدأ ~~في جمع حاجياتنا في أكياس من القماش. يضع الصور الكبيرة المؤطرة ~~في كيس مخدة ويربطها بالدوبار. نكوم حاجياتنا إلى جوار الباب. ~~نرتدي ملابسنا ونستعد للخروج. أدخل الحمام لأتبول. أتعثر في ~~جردل مياه فيندلق. تصيح بي: إنت أعمى. يصرخ فيها: اخرسي. تهرع إلى ~~الباب. تفتحه. تحمل أحد الأكياس. تقذفه من فوق سور السلم. تتبعه ~~بكيس آخر. نهرول نازلين. يلحق بنا كيس الصور. يصطدم بالقاع. أسمع ~~صوت تكسير الزجاج. # تعيد «فاطمة» الصور إلى مكانها فوق الدولاب. يشير إلى مظروف ~~أصفر. يطلب منها إحضاره. يلقي به فوق المكتب. تهبط. تقوم بإدخال ~~الفرش. # نترك لها الغرفة ms073 لتكنسها وتمسحها. يحمل أبي المظروف الأصفر. يجلس ~~إلى مائدة الصالة في مواجهة باب الغرفة . أقف إلى جواره. يفض ~~محتويات المظروف. صور بلا أطر بعضها في حجم الكارت بوستال. يتناول ~~واحدة ويتأملها. أنحني فوق كتفه. تنزلق نظارتي فوق أنفي فأعيدها ~~مكانها. أبي بين عمتي وزوجة عمي. الثلاثة في جلاليب بيضاء. وحده ~~أبي الذي غطى رأسه بطاقية بيضاء. شعر عمتي وزوجة عمي أسود فاحم. ~~قصير ومرسل حول وجهيهما. «نبيلة» بين ساقي أبي. خلفهم حائط من ~~البوص وأمامهم شاطئ البحر. أسأله: فين دي؟ يقول: قدام عشة «راس ~~البر». # يضع الصورة جانبا ويتناول صورة أخرى. شاطئ مزدحم. أبي بوجه ~~ضاحك في بزة بيضاء وطربوش وكرافتة. يمسك سيجارة عادية. إلى جواره ~~أشخاص لا أعرفهم بينهم أخي في برنس حمام. # ينهض واقفا ويذهب إلى مدخل الغرفة. يتابع «فاطمة» وهي منحنية ~~فوق الممسحة. تكومها بيدها. يشير إليها أن تبسطها ثم تطويها ~~طية واحدة مستقيمة. تنتهي من تنظيف الغرفة. تجلس على حافة ~~السرير لتغير أكياس المخدات المعروقة. أنتظر في ضيق حتى تنهض ~~وتبتعد عن السرير. يهش أبي الذباب بفوطة. تقول إن زوجها اشترى ~~للدكان من محطة البنزين علبة «موبيلتوكس» لإبادة الحشرات. يقول ~~أبي: وعرفتي كمان «الموبيلتوكس»؟ تقول: هو اني عشان فلاحة أبقى ~~جاهلة؟ تجلب السجادة المنشورة فوق سور البلكونة. تسأل أبي: أفرشها ~~يا سيدي؟ يجيب: لا، الدنيا حر، طبقيها وحطيها تحت السرير. # يرتفع في الخارج صوت بائع بطيخ. يخرج أبي إلى البلكونة. يناديه: ~~ع السكين؟ - أيوه يا بيه. يتناول البائع بطيخة ويدق عليها بكفه. ~~يضعها ويتناول واحدة أخرى. يكرر الدق. يهم أبي بالكلام فيطعنها ~~بالسكين. يحدث فتحة مربعة في جانبها. يميلها ويستقبل بيده قطعة ~~شديدة الحمرة. يعيدها إلى الفتحة. يضعها جانبا ويتناول بطيخة ~~أخرى. يصيح به أبي: كفاية واحدة. ينحني ويتناول منه البطيخة ~~المفتوحة. يعطيه ثمنها. يحملها إلى الحوض ويغسل سطحها محاذرا أن ~~تسقط المياه في فتحتها. يضعها في صينية فوق البوفيه. يجلب من ~~الدولاب قطعة من الشاش يبسطها فوقها. # نستعد لتناول طعام الغداء. يكتشف أبي أن «البامية» ms074 حامضة. تقول ~~إنها نسيت غليها بالأمس. أترقب في لهفة ثورة أبي لكنه لا يفوه ~~بشيء. يرسلها لشراء لحمة رأس من مسمط «الحسينية». أقول: أروح أنا. ~~يقول لا. تذهب إلى المخزن. تعود متسربلة بالملاءة اللف السوداء. ~~يعطيها نقودا. يكرر عليها: جبهة وجوهرة ومخ وكرشة. يلحق بها على ~~السلم قائلا: متنسيش الطرشي والجرجير. # يحمل مظروف الصور إلى الغرفة ويلقي به فوق المكتب. ألتقط منه ~~صورة لشخص مجهول في معطف ضخم متهدل يصل إلى قرب حذائه. ~~الطربوش يغطي جبهته ويكاد يصل إلى عينيه. شاربه الصغير مبروم ~~إلى أعلى. يده اليمنى خلف ظهره وقبضته اليسرى فوق مائدة. فازة ~~كبيرة على الأرض يعلوها طرف من ستارة. الصورة بالية وظرفها مقطوع. ~~أقلب ظهر الصورة. لا شيء. أريها لأبي: مين ده؟ يتناولها ويتأملها ~~طويلا. يقول: أنا. ~~- إنت؟ ~~- أيوه لما كان عندي 18 سنة. # أريه صورة ثانية لرجل في بزة شتوية. الطربوش على نفس المسافة من ~~العينين والشنب مبروم إلى أعلى. جالس في مقعد مرفقه الأيسر فوق ~~مسند ينتهي برأس أسد. إبهام يده مستند إلى خده. اليد الأخرى تمسك ~~بمبسم سيجارة بين الإبهام والسبابة. يبدو منها كم قميص مطوي بزرار ~~عند الرسغ. يقول: أنا كمان بعد ما اتجوزت «أم نبيلة». كان عندي ~~حوالي سبعة وعشرين سنة. أقلب الصورة وأقرأ اسم أبي الكامل بقلم ~~رصاص أحمر اللون. الخط لأمي. # أتعرف عليه بسهولة في صورة أخرى. في بزة أنيقة معتمدا بيده ~~على مقبض عصا. مستندا بظهره إلى سور حجري. يبدو شديد الوسامة. ~~إلى جواره صبي جميل في بزة بصفي زراير. يتدلى منديل مطوي من ~~جيب سترته العلوي. البنطلون قصير ينتهي أسفل الركبة عند حافتي ~~جورب. أقلب الصورة فأقرأ: «حضرة المحترم «خليل» أفندي مع نجله في ~~عيد سنة 1928». أسفل ذلك إمضاء باسم أخي. # الصورة الأخيرة تشبهه كما هو الآن. جالسا يقرأ في بزته الكاملة. ~~طربوشه منزاح إلى الخلف. النظارة منحدرة فوق أنفه. أوداجه متهدلة ~~فوق حافة قميصه. على ظهر الصورة بخط يده: «سنة 1945». # تعود «فاطمة» بلفافة لحم الرأس. تضعها في طبق ms075 فوق المائدة. تحمل ~~الجرجير إلى المطبخ. يصيح فيها أبي: اغسليه كويس. يشير إليها أن ~~تجلس لتأكل معنا. أمتعض وأفكر في عدم الأكل لو فعلت. تقول إنها ~~يجب أن تعد طعام الغداء لزوجها. يضع لها قطعة من اللحم في نصف ~~رغيف. تأخذها شاكرة. # أغادر مقعدي وأجره إلى الطاولة. ألمح صورة صغيرة الحجم فوق ~~الأرض. لا بد وقعت من الظرف. طفلة ترتدي فستانا بنصف كم. وجهها ~~مستدير وشعرها أكرت. في قدميها بوت قصير. تضم يدها إلى بطنها ~~واليسرى فوق سور حجري. في عينيها نظرة غريبة. خائفة؟ متوجسة؟ ~~غاضبة؟ أتعرف على خط أبي الجميل في ظهر الصورة: «منتصف 1921». ~~أناولها لأبي متسائلا: صورة مين دي؟ # يقول باقتضاب: أمك. أقف في بيجامتي البيضاء الصيفية ذات ~~الكمين القصيرين فوق مقعد. أستند بمرفقي على حافة النافذة. ~~أتفرج على المارة. تقترب الشمس من حافة النافذة. أهبط إلى الأرض ~~وأخرج إلى الصالة. صوت أمي يأتي من المطبخ. تغني: «نويت أداري ~~آلامي.» # 2 # نترك الترام في ميدان «لاظوغلي». أتأمل رأس التمثال الذي تحيط ~~به عمامة كبيرة. نمر من أمام مقهى كبير تغطي المرايا اللامعة ~~جدرانه. المقهى على ناصيتي شارعين يصبان في الميدان. اثنان من ~~أصدقاء أبي يلوحان له ويدعوانه للانضمام إليهما. يشير إليهما ~~أنه ذاهب إلى المبنى المقابل. وأنه سيمر عليهما عند ~~العودة. # نعبر الشارع. مبنى قديم. ندخل من باب مفتوح. نسير في ممر ~~طويل مزدحم برجال كبار. عجوز في بزة كاملة. أقصر من أبي. يعتمد ~~على عصا ويسير بصعوبة. وجهه شديد البياض. يظهر شعر أبيض من حافة ~~طربوشه. نقترب منه. نهم بتجاوزه. يستوقف العجوز أبي. يتطلع ~~إليه أبي مفاجأ. يقول العجوز بصوت متهدج: «خليل» أفندي؟ أنا ~~«رفقي». يصافحه أبي في حرج قائلا: إزيك يا «رفقي» بيه؟ - زي ما ~~أنت شايف. يقول أبي: ربنا يديك الصحة. ينظر العجوز إلي ويسأل: ~~حفيدك؟ - لا إبني. - ما شاء الله. عمل إيه في الامتحان؟ ناجح إن ~~شاء الله؟ يقول أبي: عنده ملحق إنجليزي. # نتركه ونواصل السير. خطوات أبي تبطئ. تختفي الابتسامة التي ~~يرسمها على ms076 شفتيه عندما نخرج. نقف في طابور ينتهي بنافذة من ~~الزجاج كتب فوقها بخط نسخ في شبه دائرة: الخزينة وتحتها كلمة ~~أجنبية. # يقترب منا رجل ذو وجه سمين ضاحك. يصافح أبي بحرارة. يسأله ~~لماذا لم يأت إلى اجتماعات الرابطة. يعتذر أبي بمشغوليات الحياة. ~~يسأل عن مصير الشكوى الخاصة بموضوع الاستبدال. يهز الرجل رأسه ~~أسفا: الظاهر مفيش فايدة، الحكومة مصممة تسرقنا. - والحل؟ - لازم ~~نوكل محامي كبير. # يتحرك الطابور. نصبح أمام النافذة. يخرج أبي «سركي المعاش» من ~~جيب سترته. يعطيه للموظف الجالس وراء النافذة. يناوله الموظف بضعة ~~جنيهات. يوقع أبي بالاستلام. # نغادر المبنى. نعبر الشارع. أتوقع أن يذهب إلى المقهى، لكنه ~~يتجنبه. يخترق حارة صغيرة في مواجهتنا. نصبح في شارع الترام. نقف ~~على رصيف المحطة. نركب. ننزل في «العتبة». أعرف الميدان من مبنى ~~المطافئ الأبيض الذي تقف في مدخله سيارات الحريق الحمراء. # نعبر الميدان إلى العمارة الضخمة المقابلة. تعلوها قبة مستديرة. ~~أقول إني عطشان. يعترضنا بائع عرقسوس يدق صاجاته. أجر أحد مقاعد ~~السفرة إلى النافذة وأرتقيه. يخرج بائع العرقسوس من الحارة ~~الجانبية. ملابسه بيضاء نظيفة. إناء العرقسوس الزجاجي مستند إلى ~~بطنه. في فوهته كتلة من القش تبرز منها قطعة ثلج. ظهره مائل إلى ~~الخلف. الصاجات في يده. أنتظر حتى يدقها في إيقاع لطيف ويصيح: «شفا ~~يا عرقسوس حلاوة.» # يعرف أبي أني لا أحب شراب العرقسوس. ندور حول المبنى. نتوقف ~~أمام حانوت «ويلسون». تتصدره منصة فوقها ثلاث أوان زجاجية ~~مستديرة؛ واحدة لمشروب الشعير الأبيض والثانية للتمر هندي والثالثة ~~لشربات أحمر اللون. # يطلب أبي لي كوبا من عصير القصب. يضع العامل ثلاثة أعواد من ~~القصب بين أسطوانتين خشبيتين. يدفع العجلة التي تحركهما. يسيل ~~العصير في مجري معدني. يلقي بقطع من الثلج في دورق زجاجي. يضعه ~~أسفل نهاية المجرى. يرفعه عندما يمتلئ. يصب لي كوبا. أشربه في ~~استمتاع. # نعود إلى الميدان. نلج ممرا ضيقا داخل العمارة الضخمة. حديقة ~~صغيرة. صالة واسعة بها موائد ومقاعد. نجلس في أحد الأركان. يقترب ~~منا جرسون يوناني في قميص أبيض وبنطلون ms077 أسود. تزين رقبته ربطة عنق ~~سوداء على هيئة فراشة. يخاطب أبي قائلا: بونجور يا إكسلانس. يحضر ~~صينية فوق فوطة بيضاء نظيفة. ينقل منها إلى المائدة أطباقا صغيرة. ~~طحينة وقطع من خبز الفينو على شكل أهله. زيتون أسود. فول سوداني. ~~يمضي إلى منصة عالية في نهاية الصالة. أمامها مقاعد عالية. في ~~طرفها برميل من الخشب مائل على جانبه. يضع كوبا زجاجية أسفل حنفية ~~صغيرة في طرف البرميل. ينتظر حتى تمتلئ وتسيل الرغوة البيضاء على ~~جوانبها. يرفع الكوب ويجفف جوانبها بالفوطة. يحملها إلينا. # يخلع أبي طربوشه. يمسح العرق عن صلعته بمنديل. يحتسي رشفة من كوب ~~البيرة ثم يشعل سيجارته. أتناول قطعة خبز. أغمسها في الطحينة ~~وألتهمها. ألتقط حبات الفول السوداني. يقترب منا بائع بجلابية يحمل ~~سبتا صغيرا به جمبري مسلوق. يهز أبي رأسه نفيا. يتبعه بائع ~~أوراق اليانصيب. يتناول أبي منه دفترا به جداول من الأرقام. يخرج ~~من سترته ورقة يانصيب. يراجع رقمها على الدفتر. ثم يعيدها للبائع ~~وعلى وجهه ابتسامة أسف. يتناول منه عدة أوراق. يختار منها واحدة. ~~يدفع له قرشا. يقترب منا ماسح أحذية. يقعي عند قدمي أبي. يضع ~~أبي قدمه اليمنى على مسند المسح. # أتأمل المنصة العالية التي تحلق حولها عدد من الرجال. خلفها ~~رفوف من الزجاجات الملونة. ألمح عجوزا ذا ملامح أجنبية في ملابس ~~أنيقة ممددا على الأرض بجوار المنصة. يردد كلمات يضحك لها ~~الواقفون. لا يعبأ أحد بمساعدته على النهوض. الزجاجة الصغيرة فوق ~~سطح المائدة. حولها أطباق عديدة. رائحة كبدة محمرة. الغرفة خالية. ~~يأتي صوت أمي من غرفة النوم: «يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي ~~جرالي.» صوت أبي ببقية الأغنية: «غرامي هالكني». # ينتهي الماسح من فردة الحذاء اليمنى فيدق صندوقه الخشبي. ينزل ~~أبي قدمه ويضع القدم اليسرى. أتناول قطعة الخبز الباقية. أمسح بها ~~طبق الطحينة. ينتهي مسح الحذاء. يعطي أبي الماسح تعريفة. يرفع كوب ~~البيرة إلى شفتيه. يجرع ثمالته على مهل. يأتي الجرسون ويسأل إذا ~~كان أبي يريد شيئا. يهز رأسه نفيا. يدفع ونغادر المكان. # نستقل الترام. ms078 نركب العربة المغلقة. نجد مقعدا خاليا إلى جوار ~~رجل في قفطان ولبدة رأس ريفية. أجلس فوق ركبتي أبي. ظهر المقعد ~~التالي أمامي. تحتله امرأة في ملاءة سوداء وبجوارها فتاة في ~~بلوزة وجونلة. الأولى جالسة لصق الممر الفاصل بين المقاعد. فخذها ~~بارز قليلا خارج المقعد. يقترب رجل في بزة وطربوش. يقف إلى جانب ~~مقعدها. يستند بيده على حافة المقعد. ركبته قريبة من الجزء الخلفي ~~من فخذ المرأة. # أتطلع من النافذة إلى إعلانات الأفلام. يهتز الترام. ألتفت ~~أمامي. ألمح ركبة الرجل تحتك بساق المرأة. تميل على صديقتها. ~~تبادلها حديثا خافتا. يحرك الرجل ركبته فوق فخذها. أرفع عيني إلى ~~وجهه. يبادلني النظر. أتحول بعيني نحو النافذة. أتظاهر بتأمل ~~الشارع. أراها بركن عيني تزداد ميلا على صديقتها. تصبح ركبة الرجل ~~بين فلقتيها. أرفع عيني إلى وجهه. يتطلع إلي. يحدق في فأحول ~~نظري. يتوقف الترام. تقوم المرأة مسرعة. تودع صديقتها. تتحاشي ~~النظر إلى الرجل. تمرق بسرعة بين الواقفين. ألمح وجهها مضرجا. ~~تتجه إلى الباب. الملاءة مكومة بين فلقتيها. يحتل أحد الواقفين ~~مكانها. وجه الرجل شاحب. العرق يتجمع فوق جبينه. ينحني برأسه لينظر ~~من نافذة الترام. يعتدل واقفا. ينظر حوله. تلتقي عيوننا. يحدق ~~في. أحول عيني بعيدا. # نغادر الترام في الميدان. نعبره إلى حانوت الدخاخني على ناصية ~~شارعي «فاروق» و«الظاهر». يشتري أبي علبة سجائره ذات الغلاف ~~الأصفر الذي يتوسطه رأس حبشي. نلف الميدان. نعبر الشارع المؤدي ~~إلى منزلنا القديم. نصبح أمام سبيل «أم عباس». أحد المارة يشرب من ~~حنفية السبيل. أتطلع إلى الشارع الصاعد إلى منزلنا القديم. بائع ~~الورد على الناصية. رأس حصان مدفون في كيس تبن. ثلاثة من الكناسين ~~بملابسهم الصفراء وشواربهم المدلاة ومقشاتهم الطويلة. الحواف ~~الأمامية لأغطية رءوسهم مدارة فوق أقفيتهم. يدق عصا المكنسة في ~~الأرض ليثبت قشها. يزيح الأتربة. ينفصل القش عن العصا مرة أخرى. ~~يقتعد الرصيف. يدس خرقة قماش بين العصا وحزمة القش. # نعبر الشارع. نتجاوز مخبز «عبد الملاك». نتجه إلى الأجزخانة. ~~يدفع أبي بابا من الزجاج المغبش. يلفحنا الهواء الذي تحركه ms079 مروحة ~~دائرية مدلاة من السقف. الصيدلي يرتدي نظارة ذات عدستين سميكتين. ~~يستفسر أبي عن حسابه . يقلب الصيدلي صفحات دفتر. يدفع له أبي جانبا ~~من الحساب. يعده بأن يدفع الباقي في أول الشهر القادم. يميل عليه ~~ويهمس بشيء. يبتسم الرجل ويقول: يا ريت. خد فيتامين ب. يشتري أبي ~~زجاجتين صغيرتين؛ واحدة من صبغة اليود والأخرى من ~~الميكروكروم. # نعود في اتجاه شارع «النزهة». نتوقف أمام الجزار. يشتري أبي ~~رطلا من الكلاوي وخصية خروف. يدفع حساب الشهر الماضي. يسأله: ~~أخبار أبوك إيه؟ # يجيب بلهجة مستنكرة: قاعد مع العروسة. # يبتسم أبي: هنياله. ~~- يصح راجل كبير يعمل كده؟ ~~- يعني عنده كام سنة؟ ~~- أهو عدى الستين. # يهز أبي رأسه: ناوي يخلف؟ ~~- لا. الحمد لله مبتخلفش. بس عايز يكتب الدكان باسمها. # نشتري شمامة من عربة بحصان. نعبر الشارع إلى دكان الحاج «عبد ~~العليم». نلج الدكان. يفتح «سليم» دفتر «الشكك» بمجرد رؤية أبي. ~~يحسب ما علينا. يطلب منه أبي قليلا من السكر الناعم. يسأله «سليم» ~~بلهجته الجافة: قد إيه يعني؟ ~~- خمسين درهم. علشان الشمامة. # نتجه إلى الحارة. يقول لي أبي: زمان «فاطمة» عملت الفاصوليا ~~والرز. أقول: متعرفش تعمل رز زي اللي إنت بتعمله. # 3 # يتردد أذان العصر عاليا من ميكروفون الحاج «مشعل» المعلق في ~~مدخل الحارة. يطل تاجر الحديد من بلكونة الزوجة الثانية. يستند ~~بساعده إلى حافتها. علامات الغضب على وجهه. يمد يده اليمنى بطرف ~~خرطوم من المطاط الأسود. يوجه فوهة الخرطوم نحو المنطقة التي حفرنا ~~بها دوائر البلي الخمس. تنطلق المياه من فوهة الخرطوم. تنحدر إلى ~~حفر البلي فتغمرها. نجمع البلي. يأخذ كل واحد ما يخصه. يصعد «صفوت» ~~إلى شقته. أقف أنا و«سمير» حائرين. وجهه مليء ببثور «الحمونيل» ~~مثل وجه أمه. تكتسح المياه الحارة. ولا تترك لنا فرصة للعب. ~~يناديني أبي من البلكونة. أصعد. أغسل وجهي وقدمي من صنبور الحوض. ~~أعود إلى الغرفة فأجفف وجهي بالفوطة الملقاة فوق حافة السرير. ~~تختفي الشمس فيستدعيني. أسرع إلى الداخل وأذهب على الفور إلى ~~الحمام. أغسل وجهي وقدمي. ألحق به عند ms080 النافذة. يكون الظلام قد حل. ~~نجلس في الظلام دون أن نشعل النور. الشارع ساكن ليس به أحد. # أفتح ضلفة الدولاب اليسرى. أمد يدي إلى كيس النقل. أغرف كبشة من ~~البندق واللوز والجوز. أضعها على المكتب. أفتح الضلفة اليمنى. ~~أتناول لفافة «قمر الدين». أقتطع قطعة في حجم الكف. أبحث عن ~~الكسارة حتى أجدها مدفونة بين الملابس. أجلس إلى المكتب. أفتح ~~كراسة أغاني «ليلى مراد». أكسر بندقتين ولوزتين وجوزة. أقضم قطعة ~~من قمر الدين. أستحلبها في فمي ثم أضيف إليها بندقة أو لوزة. أبي ~~يروح ويجيء بين البلكونة وباب الغرفة. يزفر متشكيا من الحر. يردد: ~~«اشتدي أزمة تنفرجي.» ينش الذباب للمرة الرابعة. يتردد صوت مألوف ~~من الحارة. ««شكوكو» بقزازة.» أهرع إلى البلكونة. يتكرر النداء من ~~صاحب عربة امتلأت بتماثيل صغيرة من الجص للمغني المشهور. ألتفت ~~لأطلب من أبي زجاجة فارغة كي أبادلها بأحد التماثيل. لا يشجعني ~~وجهه المقطب. # يصيح بائع من مدخل الحارة: «لوز يا أمهات». ينادي أبي على ~~«فاطمة». تظهر في مدخل الغرفة. تمسح يديها في جلبابها. يسألها ~~ماذا تفعل. تقول: باخرط الملوخية يا سيدي. يلتفت إلي قائلا: خد ~~قرش صاغ من جيبي وروح هات رطل بلح. أندفع إلى سترته المعلقة على ~~الشماعة. أبحث في جيوبها حتى أجد الفكة. أستخرجها في كفي وألتقط ~~منها قرش صاغ. آخذ أيضا مليمين. أسأله: أدفع كام؟ يقول: زي ما ~~يقولك؛ مش حتعرف تفاصل. أتجه إلى الباب. يصيح بي: خلي بالك من ~~الميزان، إوعى يضحك عليك. # أغادر الشقة جريا. أقطع الحارة حتى الشارع. بائع البلح يجلس ~~فوق أحد ساعدي عربة يد مستندا بساق فوق المسند الآخر. قدمه ~~حافية ومطينة. البلح مكوم في قفص مستدير من الخوص. فوقه ستارة ~~بيضاء شفافة. يزيح الستارة قليلا. يتناول بيده كمية من البلح. ~~يضعها في إحدى كفتي الميزان. ألف حوله لأكون قريبا من الميزان ~~وأتأكد من سلامته. يصنع قرطاسا من الورق. يصب فيه محتويات كفة ~~الميزان. يضيف إليها بلحتين. يعطيني باقي القرش. أجري حتى بائع ~~اللب وأشتري بمليم لبا وبمليم حمصا. ms081 # أخرج مرة أخرى قبل المغرب لشراء فول مدمس للسحور. البائع خلف ~~قدرته في مدخل الحارة . حوله زحام من الأطفال والبنات. أيديهم ~~ممدودة بالأطباق والحلل. يتصايحون كي يلفتوا انتباهه. نتابع في ~~لهفة خروج يده اليمنى من القدرة بكبشة الفول. أشاركهم الصياح ~~مادا يدي اليمنى بالطبق واليسرى بالنقود. أصواتهم أعلى من ~~صوتي. # أعود بطبق الفول بعد أن بدأت تلاوة القرآن. تأتينا عبر الراديو ~~من ناحيتين؛ ميكروفون الحاج «مشعل» وراديو «أم زكية». يضع أبي ~~حبتين من البلح الإبريمي الجاف في كوب ماء. تنتهي «فاطمة» من خرط ~~الملوخية. تضعها على النار. تبدأ في تقشير الثوم لإعداد التقلية. ~~يحذرها أبي من طش التقلية الآن. يقول إن «أم نبيلة» - الله يرحمها ~~- كانت تستعد لطش الملوخية عندما تسمع صوت أقدامه على السلم، ولا ~~تطشها إلا بعد أن يجلس إلى المائدة كي تغمره الرائحة. # يتوضأ ويستعد للصلاة. يختم المقرئ ب «صدق الله العظيم.» تمر لحظة ~~صمت ونحن ننتظر في لهفة. ينطلق مدفع الإفطار من «القلعة». يتكرر ~~صوته من الراديو والميكروفون. يتبعه أذان المغرب. يرفع أبي كوب ~~البلح ويرتشف منه على مهل. يمضغ بلحة. يفرش سجادة الصلاة فوق ~~البلاط. يصلي المغرب. تطش «فاطمة» الملوخية. تجلب الحلة إلى ~~المائدة المستديرة. تتبعها بحلة الأرز وطبقين. - عاوزين حاجة ~~تانية؟ يرفع أبي صوته بالتلاوة ناهرا. تقول: طيب، أنا مروحة. ~~تخرج مهرولة. ينتهي أبي من الصلاة. ضوء المغرب يتلاشى بسرعة. يضيء ~~نور المصباح الكهربائي. يجلس على حافة السرير. أجلس أمامه فوق ~~الكرسي. يغرف لي بالكبشة من الملوخية. يضيف قطعة من اللحم. ~~أمزق نصف رغيف إلى لقيمات. أدسها في الملوخية. يغرف لنفسه. يسود ~~الحارة هدوء تام. صوت ملعقة تصطدم بطبق. الصوت قريب للغاية كأنه في ~~شقتنا. # تدوي فجأة صفارة الإنذار. أصوات من الحارة: طفي النور. أزيح ~~الكرسي إلى الخلف. أهرع إلى مفتاح النور. أضغطه. يسود الظلام. ينهض ~~أبي واقفا. ينادي علي. أقول له: أنا هنا يا بابا. يمد يده ~~فيحتضنني. نستدير ناحية البلكونة. نقترب منها. تسكت الصفارة. يسود ~~سكون شامل. يقول: الكلاب. ده الهدنة مخلصتش. ms082 يمد يده ليغلق باب ~~البلكونة. ثم يعود يفتحه. يقول: أحسن القزاز يكسر. # أقترب أكثر. الحارة غارقة ~~في الظلام. أمد عنقي متطلعا إلى أعلى. الكشافات تجوب السماء في ~~سرعة محمومة. يتوقف اثنان منها فوق نقطة مضيئة. يبتعدان. تختفي ~~الكشافات كلها مرة واحدة. يدوي صوت انفجار خافت بعيد. تقبض يده على ~~كتفي بعنف. يقول: تعالى هنا أأمن. # يجذب بطانية من فوق السرير. يزحف أسفله. يزيح حقيبة السفر ~~القديمة. يبسط البطانية فوق البلاط. أتبعه. يعتمد على ركبتيه ~~منحنيا إلى الأمام حتى لا يصطدم رأسه بملة السرير. أنكمش إلى ~~جواره. يحتضنني بذراعه. # أزحف إلى حافة السرير مقتربا من باب البلكونة. أخرج رأسي وأتطلع ~~إلى الجزء الظاهر من السماء. تنساب إحدى النجوم في سرعة. تتلاقى ~~الكشافات وتتعانق في محاولة للإمساك بها. يهمس أبي: إنت رحت فين، ~~تعالى هنا. أعود إلى جواره. ألتصق به. ننتظر في صمت. يتناهي إلى ~~سمعنا طنين. يزداد اقترابا. يتوقف فجأة. # أسمع صوت انفجار. صفارة الإنذار المتقطعة. أبي يطفئ الأنوار. ~~ترفض أمي الذهاب إلى المخبأ. يلح عليها. تصيح به: هو المخبأ ~~يحمينا؟ فوق يا راجل لنفسك. الله هو المنجي. نجلس في الصالة. ~~يأخذني في حضنه. أصوات مدافع بين الحين والآخر. أزيز خافت مألوف. ~~يقترب الصوت. يزداد اقترابا. يتوقف. تسقط القنبلة الألمانية في ~~دوي أمام المنزل. يتحطم زجاج نافذة المنور. يتحرك البوفيه إلى ~~الأمام. تسقط المرآة التي تتصدره. بعد قليل تنطلق صفارة الأمان. ~~ينهض أبي ليضيء النور وهو يغمغم بالشكر لله. وجه أمي شديد ~~الشحوب. # ألتصق بأبي. يجذبني إلى حضنه. يزحف خارج السرير وأنا معه. نغادر ~~الغرفة إلى الصالة. نتجه إلى دورة المياه. يدخل الكنيف. الماء يسيل ~~من الحنفية في سرسوب ضئيل. يلم جلبابه وينحني إلى الأمام. يحكم ~~إغلاق الصنبور. يخرج علبة كبريت من جيبه. يشعل عودا. تظهر الفتحة ~~الدائرية للكنيف. يرفع العود إلى أعلى. يرتقي القاعدة الحجرية. ~~أتشبث بجلبابه. يمد يده إلي ويجذبني إلى جواره. أتحاشى النظر إلى ~~الجدران. أغلق عيني. أتجاهل رائحة الكنيف المقززة. أدفن رأسي في ~~جلبابه. أنصت إلى صوت ms083 تنفسه. تحتك أذني بقطعة معدنية في حزام ~~الفتق. تتوالى أصوات الانفجارات. يرتجف. يهتف بقوة: يا لطيف ~~الطف. # أدرك بعد قليل أن الانفجارات توقفت. تسترخي قبضته فوق كتفي. يدوم ~~السكون بعض الوقت. ثم تدوي صفارة الأمان الطويلة. يهدأ تنفسه. ~~نخرج إلى الطرقة. يضيء نور الصالة. ندخل الغرفة. يضيء النور. يشعل ~~سيجارته السوداء. نتجاهل الطعام ونقف في البلكونة. يظهر أولاد ~~الحارة بالفوانيس. «سمير» يحمل. فانوسا ذا جوانب بيضاوية الشكل. ~~كل جانب بلون مختلف. آخر يحمل فانوسا على شكل الكرة. أدخل ~~الغرفة. أتناول فانوسي من فوق المكتب. جوانبه الزجاجية مربعة ~~الشكل. أفتح بابه وأشعل شمعته. أغلق الباب فينفتح مرة ثانية. أغلقه ~~بقوة. أحمله في حذر من حلقة صفيح في قمته كي لا تجرحني حافة ~~قاعدته أخرج إلى البلكونة. # أتفرج على الأولاد وهم يرددون: حالو يا حالو. رمضان جانا يا ~~حالو. يقاطعهم «سمير» بصوته الرفيع: وحوي يا وحوي. إيوحة. يتقدمون ~~من عمق الحارة. يصبحون أمامنا فيصيح أحدهم: يا فاطر رمضان. يا خاسر ~~دينك. هل يقصدوني؟ يمضون إلى مدخل الحارة. # 4 # يصلي العشاء. نرتدي ملابس الخروج. يلف حذاءه البني ذا المقدمة ~~البيضاء في جريدة. يلف أيضا قطعة القماش البني اللون التي باعها ~~لنا الكونستابل. نغادر المنزل. نخرج إلى الشارع. نمر من أمام بقالة ~~شيخ الحارة. ليس بها غير «سليم» خلف المنصة. نتوقف لدى الجزمجي. ~~يناوله الحذاء. يقلبه الجزمجي في يده. يقول: النعل دايب من قدام ~~ومن ورا. # يقول أبي: حط حديدة قدام واعمل لها نص نعل. ~~- اسمع كلامي واعمل نعل كامل. دي إنجليزي. مش خسارة فيها. ~~- زي ما بقولك. حديدة ونص نعل. ~~- حاضر. تعرف يا بيه الجزمة الجديدة بكام؟ فيه واحدة أمريكاني ~~عند «ناصف» ب 68 قرش. ~~- وياريتها تعيش إنما لبستين وبس ... أمريكاني. # يلتفت نحوي قائلا: وانت جبت جزمة للعيد؟ # يسبقني أبي في الرد: حاجيبله على العيد الكبير بإذن الله. # ينزع الحامل الخشبي للصحيفة. يبسطها ويقرأ العناوين. أدس رأسي ~~بين بطنه والجريدة. الملك بنظارته السوداء في زيارة للمستشفى ~~العسكري يواسي الجرحى العائدين من جبهة القتال. ms084 برفقته ملك شرق ~~الأردن. خلفهما الأميرتان «فوزية» و«فائزة» بالملابس العسكرية. ~~تحمل الأولى لقب الفريق والثانية لقب اللواء. يقول الجزمجي إننا ~~شاركنا في حرب لا شأن لنا بها. # نواصل السير حتى الميدان ثم نتجه يمينا. نلج شارع «قمر». نتوقف ~~عند دكان الترزي. يجلس أمامها فوق كرسي مادا ساقه فوق أخرى. يعمل ~~في حياكة سترة. يناوله أبي قطعة القماش قائلا: عاوزين نعمل له ~~بدلة العيد. يتفحص الترزي القماش ثم يقول: لكن ده قماش ستاير يا ~~«خليل» بيه. ~~- ستاير ولا مش ستاير. ينفع ولا لأ؟ # يهز الترزي رأسه ممتعضا. يأخذ مقاساتي. البنطلون قصير حتى ~~الركبة. نتفق على أن نأتيه بعد أسبوع لعمل البروفة الأولى. نتركه ~~ونواصل السير حتى ميدان «السكاكيني». نمر بالكنيسة. نمضي في شارع ~~«طورسينا» حتى ملتقاه بشارع «النزهة». يتوقف أبي أمام فيلا صديقه ~~اللواء «فريد». يدفع الباب الحديدي وأتبعه إلى ممر وسط حديقة. نصعد ~~بضع درجات وهو يكحت الحذاء في الرخام لينبه بوصولنا. يدق بابا ~~حديديا. تفتح لنا خادمة عجوز. يسأل: البيه هنا؟ تدعوه ~~للدخول. # نقف في ردهة مزدحمة بالأثاث فوق سجاد سميك. تختفي ثم تعود. ~~تفضل يا بيه. نتبعها إلى حجرة الضيوف. على الجدران صور ضباط ~~كالتي عندنا. تتدلى من السقف نجفة ضخمة. يظهر اللواء بعد فترة. ~~يرتدي روبا من الحرير الملون ويعتمد على عصا. - أهلا «خليل» ~~بيه. خطوة عزيزة. يجلس بجانبنا ويضع عصاه بين ساقيه. وجهه أسمر ~~بحفرة غائرة أسفل عنقه. أعرف أنها من أثر رصاصة. أسفل الروب قميص ~~أبيض بياقة منشاة تتدلى أوداجه فوقها. شاربه كبير ومنفوش ~~الطرفين. ينادي على الخادمة ويطلب منها إحضار أطباق الخشاف من ~~الثلاجة. تحضر ثلاثة أطباق في صينية مدورة. يعطيني أبي طبقا ~~ويتناول واحدا. يبدي استحسانه لبرودة الخشاف. ترص أمي أطباق ~~الخشاف الصغيرة فوق رخامة البوفيه. تفتت قطعة ثلج بقادوم خشبي. ~~تنثرها فوق الأطباق. # يتحدثان عن الغارة. يقول أبي إننا أخطأنا بقبول الهدنة. يقول ~~اللواء إنها كانت ضرورية بسبب فداحة خسائرنا. كما إننا محاصرون في ~~«الفالوجا». واليهود منعوا الماء عن رجالنا فاضطروا لأن ms085 يشربوا ~~بولهم. يسخر مما نشر في الصحف عن حديث بين «حيدر» باشا وزير ~~الدفاع وأحد الوزراء . قال له الوزير: شيد حيلك يا باشا، عاوزين ~~نعيد في «تل أبيب». يعلق اللواء: يبقى يقابلني. # ينتقل الحديث إلى أزمة المساكن. يقول أبي: تصور الشقة بقت بخلو ~~300 جنيه. يقول اللواء وهو يتناول مجلة مصورة: شفت الحكم على قتلة ~~«أمين عثمان»؟ «أنور السادات» طلع براءة. يضع المجلة جانبا ويقول: ~~كان ضابط عندي. محبتوش أبدا. خنيث. أتناول المجلة. أتأمل صورة ~~«السادات». ملابسه أنيقة. عقدة ربطة العنق أصغر من المألوف. حليق ~~شعر الرأس والذقن. الحلاقة وفقا للموضة التي تخفف الشعر المحيط ~~بالأذنين. # ينادي اللواء على الخادمة ويطلب منها استدعاء ولديه. كبيران ~~طويلا القامة. يقفان في رهبة عند الباب. يسأل أكبرهما: حضرتك عاوز ~~حاجة؟ يأمرهما باصطحابي. نذهب إلى غرفة ضيوف أخرى. نجلس فوق سجاد ~~سميك داكن الحمرة. تحضر الخادمة صينية كبيرة من الياميش. أتناول ~~الكسارة وبندقة. يستأنفان لعبة كوتشينة ثنائية سريعة لا أتمكن من ~~متابعتها. يقترح أكبرهما رهانا على فوز «أبو حباجة» في أوليمبياد ~~«لندن» آخر الشهر. أسأل: «أبو حباجة» مين؟ يقول الأصغر: حد ميعرفش ~~بطل النادي الأهلي؟ يؤكد شقيقه: أعظم لعيب كورة في العالم. # أنهض وأطوف بالغرفة. أجلس فوق أريكة. وسائدها وثيرة ملونة بألوان ~~داكنة. على الجدار صور للولدين مع أبيهما وأقارب آخرين. أنهض. ~~الولدان منهمكان في اللعب. أتسلل من الغرفة إلى الصالة. مظلمة. في ~~نهايتها غرفة مضاءة. أقترب منها. أسمع صوت تلاوة القرآن. أطل بحذر. ~~شيخ بعمامة وجبة فضفاضة متربع فوق كنبة بلدية. يده على خده. يتلو ~~وهو يميل بجسمه يمنة ثم يسرة. تنتهي الآية فيواصل الاهتزاز ~~صامتا. أعود إلى الصالون الصغير. يقترح الولد الكبير أن نلعب ~~«الكومي». # يظهر أبي عند الباب واللواء من خلفه. أتبعه إلى الخارج. نغادر ~~الفيلا ونأخذ طريقنا إلى المنزل. نتوقف عند حانوت للأدوات ~~المنزلية. يشتري دستة أكواب صغيرة زجاجية صغيرة لشرب الشاي تزين ~~جوانبها نقوش ملونة. يضعها على البوفيه قائلا إنها للعيد. # يرتفع نداء بائع الزبادي. يلتقط سلطانية فارغة من ms086 الفخار البني ~~اللون. ندخل الغرفة ونفتح باب البلكونة. ينادي البائع ويعطيها له. ~~يستخرج البائع واحدة ممتلئة من أسفل غطاء من القماش الأبيض. ~~يناولها لأبي. # يتردد صوت المسحراتي من بعيد: قوم يا نايم وحد الدايم. يقترب ~~صوت طبلته. يلج الحارة. لا تبدو ملامحه في الظلام. يقف أمام كل ~~منزل وينادي السكان بأسمائهم. يدق على الطبلة في نهاية كل اسم. ~~ينادي اسم أبي ثم اسمي. # 5 # يعد أبي طبقا من البيض المقلي. أسأله: هي «فاطمة» فين؟ يقول: ~~بتعيد. # نتناول الإفطار في الصالة. يجلب براد الشاي. يصبه في اثنين من ~~الأكواب الجديدة. يضع السكر ويقلبه. أتناول كوبي فتنفصل قاعدته ~~ويسيل الشاي الساخن على المائدة. يجرب كوبه فيحدث المثل. ينهض ~~واقفا. يترك كل شيء كما هو على المائدة. نغسل أيدينا. # يجر كرسي المكتب إلى البلكونة. يشعل سيجارته. يطلب مني أن أبحث ~~له عن ورقة وقلم. أحضر له كراسة الواجب وقلمي الرصاص. يطوي الورقة. ~~أقف إلى جواره. أطل على ما يكتبه: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم بأمر فيك تجديد # يتطلع إلى الحارة مفكرا. أدرك أنه يحاول إكمال النظم من ~~تأليفه كعادته في كل عيد. أقول: مش حنخرج بأه؟ لا يرد. ينهض ~~متثاقلا بعد قليل. يحضر صندوق الحلاقة. يضعه على الطاولة. أملأ له ~~كوبا من الماء. يبلل الفرشاة ثم يدعكها بالصابون. # أتناول قميصي الجديد. أقلب الياقة وأدس «باغة» في كل من الفتحتين ~~المخصصتين لها. أرتدي بنطلون البزة الجديدة. القماش ثقيل وخشن. ~~يطلب مني أن أكتفي بالقميص والبنطلون لأن الجو شديد الحرارة. أنصاع ~~متضررا. أطمئن على وجود لفافة الأحجبة في جيب بنطلوني الخلفي. ~~أسمع ضجة الأولاد في الحارة. أهرع إلى البلكونة. كلهم في ملابس ~~العيد. البنات بفيونكات في شعورهن. يصيحون في نفس واحد: حل ~~الكيس وادينا بقشيش يا حالو. يفجرون البمب. يحمل «سمير» شريطا ~~من «حرب إيطاليا». يحك حباته في الأرض فتشتعل. # أستدير وأخطو داخل الحجرة. أروح وأجيء عدة مرات إلى أن ينتهي من ~~الحلاقة. يدعك خديه وأسفل ذقنه بإصبع «الشبة» ذي الغلاف ms087 المفضض. ~~يترك عدة الحلاقة فوق المكتب. ينهض واقفا. يخلع ملابسه. يرتدي ~~القميص. يثبت الأزرار. ينقطع واحد ويتدحرج على الأرض. أحضره. يبحث ~~في الرف العلوي للدولاب حتى يعثر على بكرة خيط وإبرة حياكة. يحاول ~~إدخال الفتلة في فتحة الإبرة. يفشل. يعطيهما لي. أبلل طرف الفتلة ~~بريقي. أدسها في الفتحة بسهولة. # يرتدي بنطلون البزة البيضاء. يثبت حمالتيه. - ناولني الجزمة. ~~أحضر له الحذاء البني ذا المقدمة البيضاء. أنظفه بقطعة قماش. يجلس ~~فوق حافة السرير. يدس قدميه في الحذاء. يعقد رباطه. يظل جالسا وهو ~~يحدق في الأرض. أستعجله: يلا بأه. ينهض واقفا. يرتدي سترة ~~البزة. يتناول الطربوش من فوق الشماعة ويضعه فوق رأسه. يلوي طرفي ~~شاربه ويفركهما بأصابعه على الوضع المشدود إلى أعلى. # يغلق مصراعي البلكونة. يبحث عن المفتاح بين الملابس والأغطية ~~المتناثرة فوق الفراش. يتناول المظلة البيضاء المعلقة في الشماعة. ~~يضغط مقبضها فتنبسط ويظهر شق واضح في جانبها. يلقي بها جانبا في ~~سخط. ينبهني ألا أنسى كتاب اللغة الإنجليزية وكراسة ~~الواجبات. # نغادر الغرفة ونغلق بابها بالمفتاح. تظهر «فاطمة» عند باب ~~المخزن: كل سنة وانت طيب يا سيدي، تروح وتيجي بالسلامة. يعطيها ~~العيدية فتقبل يده: ربنا يخليك يا سيدي. يعترضنا المسحراتي في ~~مدخل الحارة. لأول مرة أرى وجهه بالنهار. أسمر مليء بالتجاعيد. ~~يقول لأبي: كل سنة وأنت طيب يا بيه. يعطيه أبي نصف فرنك. # دكان البقال مغلق. نبلغ الميدان. المراجيح منصوبة أمام مدخل شارع ~~«الحسينية». نستقل الترام من الباب المجاور للسائق. أشرئب ~~بعنقي لأقرأ اللافتتين الموضوعتين فوق رأسه: «ممنوع البصق.» ~~«ممنوع الكلام مع السائق.» نترجل في ميدان «العباسية». الترام ~~الأبيض. نغادره في ميدان «الإسماعيلية». يخرج أبي منديلا ويمسح ~~العرق عن وجهه. يدور به حول رقبته خلف ياقة القميص. يخلع طربوشه. ~~يلف المنديل حول إصبعه ويدور به حول الحافة الجلدية الداخلية ~~للطربوش. يضع المنديل فوق رأسه فتتدلى حوافه على جبهته. يكبس ~~الطربوش فوقه. # نلج الشارع ونتطلع إلى واجهة المنزل في نهايته. يتساءل: يا ترى ~~موجودين؟ الشمس حارقة وهو يحمل بطيختين. يخلع طربوشه ويمسح العرق ~~عن ms088 رأسه الأصلع بمنديل. نوافذ الترسينة مغلقة. نعود في صمت ووجهه ~~مكفهر. # أدقق النظر في النوافذ الخشبية التي تتيح الفرجة من خلال ~~فتحاتها الضيقة. إحداها مرفوعة قليلا إلى أعلى. أقول: لو خرجوا ~~كانوا قفلوها. # نتوقف أمام البقالة الوحيدة. أمامها صناديق لسمك «البكلاه»، ~~عريضة مصبوغة بلون ناصع البياض. كوم من البطيخ والشمام. عدة أقفاص ~~من العنب والتين. يشتري أبي أقة من العنب البناتي وأخرى من التين ~~الفيومي. يختار ثمرات التين المفتوحة ويتجنب المغلقة. يحملهما في ~~كيسين مضمومين إلى صدره. واحد في كل ذراع. نواصل السير حتى المنزل. ~~أمامه سيارة «سكودا» وسيارة أخرى «كرايزلر» ذات سطح مقبب. الممر ذو ~~البلاط الملون. نصعد السلم. # ضجة العيد تأتي من الطابق الأول. تسكن به عائلة كبيرة في شقتين ~~متصلتين. نواصل الصعود إلى الطابق الثاني. الباب المواجه للترسينة ~~مغلق. الباب المطل على السلم مفتوح. ندخل منه. يرتمي أبي على كنبة ~~وهو يلهث. أقف إلى جانبه. يتنهد في ارتياح. يخلع طربوشه ويضعه ~~فوق وسادة في منتصف الكنبة. تيار الهواء يسري بين باب السلم ~~المفتوح وباب حجرة الضيوف المؤدية إلى الفرانده. يندفع منها ~~«شوقي». يماثلني في العمر. أبيض وسيم بشعر أسود ناعم. يرتدي بزة ~~جديدة كاملة. يميل لونها إلى البني وتقطعها خطوط طولية بيضاء. ~~حذاؤه بني بكعب كريب. تتبعه أخته «شيرين» في فستان ملون بكمين ~~قصيرين. شعرها معكوص في فيونكة خلف رأسها. في جبهتها أثر جرح ~~غائر. يتعلقان بأبي. يحتضنهما ويقبلهما. يعطيهما العيدية. # تقترب أختي «نبيلة» قادمة من ناحية المطبخ. ترتدي فستانا بلون ~~داكن الحمرة بلا أكمام. وجهها ملون بالروج والبودرة. تقبل أبي في ~~خده: كل سنة وانت طيب يا بابا. يهم بتقبيلها فتمنعه. - بلاش يا ~~بابا، أحسن الماكياج يبوظ، تعال في الفرانده، الطراوة هناك حلوة. ~~يشير أبي بيده أن تصبر عليه قليلا. يقول: الظاهر أخدت ضربة شمس. ~~تقول: حاحط لك مية بخل. - اديني كوباية ميه الأول. # تنادي: «خضرة». تأتي الخادمة الجديدة مسرعة. سمراء أطول من أختي. ~~لها صدر ممتلئ. سريعة الحركة في جلباب ملون. شعر رأسها ملفوف ~~بمنديل ms089 في ألوان الجلباب. قدماها نظيفتان في صندل من البلاستيك. ~~تتجه إلى صينية القلل الموضوعة فوق البوفيه إلى جوار جهاز الراديو. ~~ترفع الغطاء النحاسي لإحداها وتصب منها الماء في كوب من الزجاج. ~~تقدمه لأبي فوق طبق صغير من الفضة. تلتفت إلي: تشرب يا سيدي؟ ~~تناولني كوبا آخر. أجرع المياه الباردة بطعم ماء الزهر. تأمرها ~~«نبيلة» بإحضار فنجان ماء به قليل من الخل. # يخلع أبي سترته ويلقي بها إلى جواره. ترفع «نبيلة» الطربوش ~~والسترة. تناولهما لي: علقهم جوه. يدي اليمنى ما زالت تحمل كتاب ~~الإنجليزية والكراسة. تقول: حطهم على ترابيزة السفرة. # أطير بالسترة والطربوش إلى حجرة النوم. أشب فوق أصابع قدمي وأعلق ~~السترة فوق أحد سواعد الشماعة. أثبت فيه الطربوش. أتطلع إلى أعلى ~~متشمما. ترص «نبيلة» ثمرات المانجو فوق سطح الدولاب بعد جمعها من ~~الحديقة. أمي تقدم شرائح المانجو في صينية مستديرة من الصيني ~~مزخرفة برسوم ملونة. يحيط بها سور رفيع من المعدن. أحولها ~~أحيانا إلى ميدان فوق السجادة تتجه إليه سيارات من علب الكبريت. ~~تتناول تانت «دولت» طبقا صغيرا وشوكة وسكينا. تلتقط شريحة ~~وتضعها أمامها في الطبق. أترقب دوري. # أعود إلى الصالة. يتمدد أبي فوق الكنبة على جانبه الأيسر معتمدا ~~برأسه على فوطة بيضاء فوق ذراعه. تحضر الخادمة فنجان الماء والخل. ~~أتناوله منها قائلا إني أعرف كيف أنقط له. أنحني فوقه. أغمس ~~إصبعا في المحلول. أضعه في أذنه. أكرر العملية إلى أن أسمع طشا. ~~ينقلب أبي على جانبه الآخر جاذبا الفوطة معه. أكرر التنقيط في ~~الأذن الأخرى. ينهض جالسا محتفظا بالفوطة لصق أذنه. يقول: أهو ~~كده فقت. # ينضم إلينا عمو «فهمي» بخطى سريعة يتقدمه كرشه البارز. يميل ~~برأسه قليلا إلى اليمين ليرى صورته في مرآة البوفيه. تهز نسمة ~~هواء جلبابه الأبيض الخفيف. - كل سنة وانت طيب يا «خليل» بيه، ~~الطاولة جاهزة، النهارده العيد والعشرة بريال. يبتسم أبي: أشم ~~نفسي الأول. يجذب عمو «فهمي» أحد مقاعد السفرة ويديره ليجلس في ~~مواجهة الكنبة. يشعل سيجارة. يعطيني العيدية. ورقة جديدة من فئة ~~خمسة قروش ms090 عليها صورة الملك «فاروق» في دائرة بيضاوية. # تحضر «خضرة» صينية كعك وغريبة. تضعها فوق مائدة صغيرة أمام ~~أبي . تقدم إلي «نبيلة» طبقا صغيرا. أضع فيه قطعتين. أقضم واحدة ~~محشوة بالملبن. يتناول أبي قطعة «غريبة». يأكلها في استحسان. ~~يقول إنها معمولة جيدا لأنها ذابت في فمه على الفور. تقول «نبيلة» ~~في زهو: صنعة إيدي، تعليم ماما الله يرحمها. يقول لي أبي: دوق ~~واحدة. أهز رأسي نفيا. تقول باستهجان: ما ليش نفس. ما ليش نفس. ~~حتفضل ترفع كده لغاية ما تطير. يعلق «فهمي» باسما وهو يتجنب النظر ~~إليها: شوفوا مين بيتكلم. يتناول كعكة. تلتفت إليه في حدة ناظرة ~~إلى كرشه: مش أحسن ما أكون زي الواحدة الحبلة. # يتجاهلها ويخاطب أبي: والنبي قول لها تسمن شوية، جبت لها مفتقة ~~من «الحمزاوي»، مش راضية تاكل منها. يقول لها أبي: معه حق، الراجل ~~يحب يلاقي حاجة يمسكها. يضحكون. تأتي «خضرة» بفناجين القهوة. ينحني ~~أبي ليفك رباط حذائه. تسرع «خضرة» إلى مساعدته. تحضر له خفا من ~~القماش. يسألها عن بلدها ويعطيها العيدية. يرفع ساقه اليسرى ~~ويطويها فوق الكنبة أسفل اليمنى. يشعل «فهمي» سيجارة ويشعل لأبي ~~سيجارته. ~~- نلعب هنا ولا في الفرانده؟ # يجيب أبي: الفرانده طبعا. بس استنى لما عرقي ينشف. ~~- حق الناس في الحر ده تخرج بالقميص الاسبور والبنطلون ~~القصير. # يقول أبي إن ابن عمه يكتفي في الصيف بقميص بكمين قصيرين ويخرج ~~من غير طربوش فيبدو كالعلوق. # أسعل عدة مرات. تقول «نبيلة» وهي تنظر إلي في قلق إن مرض السل ~~آخذ في الانتشار. تقترب من السرير الذي أرقد فيه مع ولديها. تقف ~~فوق رأسي. ترقبني أسعل. عمو «فهمي» يقول لها إنها كحة عادية لأن ~~السعال الديكي راح. تقول: أهو بكره بابا جاي ياخده. في الصباح أجوس ~~أرجاء الشقة الواسعة في بيجامة ابنها «شوقي». أتجنب الاقتراب من ~~قطع الأثاث المغطاة. أسألها متى يأتي أبي. تقول بعد الظهر. عند ~~الظهر تغلق الشبابيك وتظلم الغرف. تنهمك في إعداد الحقائب وإغلاق ~~الدواليب كأنها ستسافر. تعد لولديها ملابس يرتدونها. لا أحد ms091 يكلمني ~~أو يعد لي ملابسي. أسأل «شيرين»: إنتو خارجين؟ تجيب هامسة: رايحين ~~نقعد عند خالتي. - وتاخدوني معاكم؟ - لا ، حتفضل مع «سعدية» لغاية ~~ما جدي ييجي ياخدك. # ينضم إلينا الحاج «حمدي» شقيق عمو «فهمي» الأكبر. يرتدي جلبابا ~~أبيض وحذاء «موكاسان». له لحية كبيرة مشذبة. يغلب عليها اللون ~~الأبيض. يحمل في يده مسبحة فضية. يقول: سمعتم عن القنابل؟ # يسأل أبي: بتاعت «بنزايون» و«جاتينيو»؟ الإخوان المسلمين زودوها ~~خالص. # يحمل عمو «فهمي» صندوق الطاولة: يلا ع الفرانده. يدخلون غرفة ~~المسافرين ومنها إلى الفرانده. أتبعهم. أتلكأ قرب بابها. يجلسون ~~فوق كنبة بلدية تحيط بها كراسي معدنية. صوت الحاج «أحمد» يسأل عن ~~«شوقي» و«شيرين». صوت عمو «فهمي»: بيلعبوا تحت. - عملوا إيه في ~~الامتحان؟ صوت «نبيلة»: نجحوا الحمد لله. زي كل سنة. # يلمحني الحاج «حمدي». يسألني: وانت عملت إيه؟ أتقدم منهم وأجلس ~~على حافة الكنبة بجوار أبي. يرد عني باقتضاب: عنده ملحق إنجليزي. ~~هي فين «سميرة»؟ يقول عمو «فهمي»: بيصيفوا في «راس البر». حنحصلهم ~~بعد العيد إن شاء الله. # تقول «نبيلة»: تصور يا بابا «شيرين» عاوزة تلبس شورت؟ # يفتح عمو «فهمي» صندوق الطاولة. يلعب الحاج «حمدي» مع أبي دورا ~~ثم يستأذن منصرفا. يحل عمو «فهمي» محله. أتابع اللعب بصعوبة. ~~يلعبان بسرعة فائقة. يتعادلان بعد عشرتين. يقترح عمو «فهمي» عشرة ~~ثالثة تحسم النصر. # تظهر الخادمة قائلة: الغدا جاهز. يغلق عمو «فهمي» صندوق الطاولة ~~وينهض واقفا. نمضي إلى الصالة. ينحني ليرى وجهه في المرايا. يرفع ~~يده ويمر بها على شعره الخفيف. يعتدل واقفا. يلتقط كعكة من ~~الصينية الموضوعة فوق البوفيه. يلتهمها. يشير إلى لوحة عريضة فوق ~~المرآة مخاطبا أبي: إيه رأيك فيها؟ قول بصراحة. أحسن من القديمة ~~ولا لأ؟ # يتجه أبي إلى كرسيه. يستوقفه عمو «فهمي» ممسكا بذراعه وهو يلقي ~~نظرة جانبية إلى أختي: إيه رأيك في ذوقي؟ مش عاجبة الست. أتأمل ~~اللوحة. ألوانها داكنة. في ركنها شخص ضئيل جدا غير واضح الملامح ~~يتطلع إلى شيء ما مختف في زحمة من الألوان. ربما قارب ~~مقلوب. # يجلس على رأس المائدة. ms092 تجلس «نبيلة» في مواجهته عند الطرف الآخر. ~~ينضم إلينا «شوقي» و«شيرين». يأمر عمو «فهمي» الخادمة بإضاءة ~~النجفة. تنتقل عيناه بسرعة بين أطباق الطعام. تتوقفان عند الدجاج ~~المحمر في الطبق المستطيل. يمد يده إلى دجاجة قائلا لأبي وهو يغمز ~~بعينه: صدر أو ورك؟ يتبادلان الابتسام. # يرفع وركا إلى فمه. ينظر من طرف عينه إلى أختي. تستخدم الشوكة ~~والسكين. يأتي على الورك بسرعة. يمد يده إلى بقية الدجاجة. تنظر ~~إليه في صرامة. يمزق جزءا ويرفعه إلى فمه. تقول: شوف يا بابا، ~~بياكل زي الفلاحين. يواصل التهام الدجاجة دون أن يعبأ. # نختتم بشرائح البطيخ. نغسل أيدينا في الحمام. تحضر الخادمة صينية ~~فوقها عدد من زجاجات الكازوزة «كوثر». # تسأل «نبيلة» أبي: تحب تقيل جوه. يقول إنه يفضل كنبة الفرانده. ~~تحضر له الجلابية البيضاء المخصصة له. يأخذها ويدخل غرفة ~~الضيوف. # تنتهي «خضرة» من إزالة محتويات المائدة وتنظيفها. يلتقط «عمو ~~فهمي» كعكة. يلقي بها في فمه. يطلب مني الجلوس إلى المائدة. يجلس ~~إلى جواري. أفتح كتاب اللغة الإنجليزية. أقرأ الدرس. يشرح لي معاني ~~الكلمات. انتباهي موزع بين صوته الرتيب وأصوات الصبية في الشارع. ~~يعطيني واجبا للحل. يدخل غرفة النوم وتتبعه أختي. # يسود الهدوء. أشرع في الإجابة على الأسئلة. أقوم بعد فترة. أغادر ~~الصالة. أمضي إلى الكنيف البلدي. أتبول. أعود إلى الصالة. أقترب في ~~حذر من غرفة النوم. يتجلى الفراش في مجال رؤيتي. «فهمي» في ~~كلسون أبيض واسع يصل إلى ركبتيه. مستلق على جانبه الأيسر بحيث ~~يواجهني. خلفه «نبيلة» فوق ظهرها. ركبتاها مرفوعتان إلى أعلى. ~~فخذاها عاريتان. # أعود إلى مقعدي. أحدق في اللوحة. يتناهي إلى سمعي صوت مألوف في ~~الخارج. «دندورمة كايماك». عجوز ضيق الخلق يدفع أمامه عربة يد. بها ~~إناءان معدنيان للجيلاتي يغطيهما الشاش. واحد للحليب بطعم مثل ~~القشطة. الآخر للفراولة الطبيعية التي تتخللها بذور النبات. ~~يردد نداءه في كبرياء. أتمنى أن تنزل الخادمة للشراء منه. لا ~~أسمع صوت فتح باب الشقة. # يظهر أبي عند باب غرفة المسافرين. في القميص والبنطلون. يخرج عمو ~~«فهمي» من غرفة ms093 النوم مرتديا جلبابه. تتبعه «نبيلة» في فستان ~~أزرق. تحضر «خضرة» الشاي الأخضر. يقول عمو «فهمي »: عندنا كمان ~~«لبتون». يلتهم كعكة. نشرب الشاي ثم ننتقل إلى الفرانده. # تجلب «خضرة» القهوة. يقترح عمو «فهمي» على أبي عشرة جديدة من ~~الطاولة. تصر «نبيلة» على لعب «الكونكان». تفنط الكوتشينة وتفرق ~~الورق. أريد أن ألعب فينهرني أبي. أبتعد إلى حافة الكنبة. أضع ~~إصبعي في فتحة أنفي. ينتهي الدور بانتصار «نبيلة». تجمع أوراق ~~الكوتشينة ومكسبها من القروش في فرح. يخفي زوجها ضيقه ويبتسم في ~~تكلف. # يرتفع صوتها: عيب كده، قوم اغسل إيديك. أقوم على الفور وأنا لا ~~أجسر على النظر إلى أحد. أتبعها إلى الحمام الأفرنجي. تشير إلى ~~الغطاء البلاستيكي للتواليت. فوقه آثار قدمين. - إنت اللي طلعت ~~فوقه برجليك؟ أقول لها إني تبولت في الكنيف الآخر. لا تصدقني. ~~أغسل يدي بالصابون. تسألني: هو بابا عنده فلوس في البنك؟ أقول إني ~~لا أعرف. تسأل من جديد: معندوش دفتر شيكات؟ أكرر عدم ~~معرفتي. # أتبعها إلى الفرانده. أتوقف عند بابها. تهز نسمة هواء اللمبة ~~المدلاة من السقف. على مبعدة بقع صغيرة من الضوء تخفق في ضعف. غرفة ~~المائدة مظلمة. نافذتها مفتوحة. ضوء مصباح الشارع يسقط على محتويات ~~المائدة. # أقترب من زوج أختي. أمد له يدي بالكراسة. يتناولها ويضعها ~~جانبا حتى ينتهي الدور. يراجع إجاباتي. يعيدها إلي. يربت ~~على كتفي مشجعا. ينهض أبي. نخرج إلى الصالة. أحضر له السترة ~~والطربوش. تختفي أختي. تعود بصندوق أحذية من الكرتون ملفوف ~~بدوبارة. تضعه على المائدة. نتجه إلى باب الشقة. تقول «نبيلة»: ~~الكحك. يلكزني أبي بمرفقه. أتقدم من الصندوق. أحمله من الدوبارة. ~~هناك دائرة واسعة من السمن على جداره. # 6 # نتجمع عصرا فوق السلالم الخمس بمدخل منزل الناصية. «سمير» ~~و«صفوت» وولد سمين يسكن في آخر منزل بالحارة. نلعب الكوتشينة. تنضم ~~إلينا «سلمى». أخت «سمير». في سني أو أكبر قليلا. ترتدي فستانا ~~من غير أكمام. ذراعاها رفيعتان. تجلس فوق البسطة أمام شقتهم. نصبح ~~نحن تحتها. تحدق أمامها ساهمة. أرفع رأسي. تفرج ساقيها. ألمح ~~فخذيها. يرتفع ms094 صوت أمها من داخل الشقة. تزعق في زوجها. أنتظر صوت ~~أبي يستدعيني كعادته كل ليلة عندما يحل الظلام. أميز ضجة غامضة ~~صادرة عن منزلنا. أنفصل عن رفاقي وأسرع إلى مدخل المنزل أدفع بابه ~~الحديدي. نور السلم مضاء. أصعد درجتين. باب الشقة مفتوح. أبي على ~~مقعد أسفل نافذة المنور في ملابسه الكاملة. يحمل طربوشه في يده ~~مقلوبا إلى أعلى. وجهه متجهم. أمي تروح وتجيء منكوشة الشعر. تصيح ~~وتصرخ وتشتم. تهجم عليه. تختطف الطربوش من يده. تلقي به على ~~الأرض. تدوسه بقدميها في عنف. تختطف نظارة القراءة من جيب سترته ~~العلوي. تهرسها على البلاط. أبي جامد في مكانه. يوجه إليها كلمات ~~حازمة: كفاية بأه يا «روحية». بلاش فضايح. تسرع إلى نافذة المنور. ~~تفتح مصراعيها على سعتهما. تردد كلمات غريبة. تهدأ بعد قليل. ينتزع ~~أبي الطربوش من الأرض. يبسط جوانبه. يضم حافتيه ثم يبسطهما عدة ~~مرات. يمسده بذراعه. يرتديه. ينهض واقفا. يصحبني إلى ~~الخارج. # تظهر «سهام» أخت «سلمى» الكبرى على باب الشقة. ترتدي جلبابا ~~منزليا بغير أكمام. تحمل سبت غسيل فوق رأسها. تصعد السلم. أتابع ~~اهتزاز فلقتيها حتى تختفي. # تشير «سلمى» إلى الطابق الأعلى في منزلنا. تسألنا إذا كنا نعرف ~~ما حدث في الفجر. البوليس هاجم المنزل وقبض على «وديع». # أسألها بدوري: «وديع» مين؟ # ابن «أم وديع». # ليه؟ هو حرامي؟ ~~- لأ. شيوعي. ~~- يعني إيه؟ # تقول إنها لا تعرف. ~~- شكله إيه؟ # لا أتذكر أني رأيته. تقول إنه طالب في الجامعة. وإنه كان يدور ~~على منازل الحارة في السنة الماضية يشرح كيفية الاحتراز من ~~الكوليرا. # يرتفع ذيل فستانها إلى أعلى فتمد يدها وتنزله فوق ركبتيها، لكنها ~~تترك ساقيها منفرجتين. تظهر منطقة مظلمة بينهما. أكتشف أنها لا ~~ترتدي لباسا. تمد أمي يدها أسفل جلبابها. تجذب قطعة كبيرة مطوية ~~من القماش مبللة بالدماء. تدخل الحمام. تخرج بعد قليل. أخاطبها فلا ~~ترد علي. تبدو ضيقة الصدر. تحني رأسها وتنصت. كأنما لصوت ما داخل ~~رأسها. تتجه إلى النافذة. أقترب منها في حذر. أرقد فوق الأرض وأدس ~~رأسي أسفل ثوبها. ms095 أعرف أنها ستغتاظ. لا ترتدي لباسا. تزيحني ~~جانبا. # أرتب ورقي. أنظر إلى «سلمى». تتطلع إلى الأرض ساهمة. ترفع ~~رأسها فتلتقي نظراتنا. تشيح بعينيها. تسقط نظراتي على ساقيها. تفرج ~~ساقيها أكثر. أصعد إلى شقة صاحب المنزل لأقترض قليلا من الملح. ~~تنتحي بي ابنتاه على السلم. تسألاني في صوت هامس عما كانت أمي ~~تقوله بالأمس وهي تصرخ في أبي. لا أفهم أي كلمات تعنيان. تقول ~~إحداهن وهي تبتسم: «شراشيب إيه؟» أقول لهما. يحمر وجهاهما وتضحكان ~~في خفوت. # تتردد الزغاريد. من منزل «حكمت». ترفع «سلمى» عينيها إلى ~~البلكونة التي تعلو بلكونة «صفوت». يقف فيها «عبد الحميد» المجنون ~~ابن صاحب منزلنا. في ملابسه الكاملة والصحيفة المطبقة في يده ~~اليمنى. يوجه نظراته إلينا. # تفرج ساقيها إلى آخرهما ثم تسدل فستانها. تهب واقفة. تختفي في ~~شقتها. تنادي «أم سمير» عليه. يلعلع صوت «أم صفوت» تستدعي ابنها. ~~ينصرفان ويتبعهما الولد السمين. أنتظر لحظة ثم أتسلل صاعدا ~~السلم حتى السطح. بابه مغلق. أدفعه فيفتح. سبت الغسيل في ~~المنتصف. بعض محتوياته فوق الحبال. لا أثر ل «سهام». أقترب من ~~حجرة طالب الهندسة. يدق قلبي. الباب مغلق. أنصت فلا أسمع شيئا. ~~أضع عيني على ثقب المفتاح. لا أرى سوى مكتب خال. أسمع حركة خلف ~~الباب. أجري نحو باب السطح. أهبط مسرعا. # تنبعث الزغاريد من منزل العروس. أصعد إلى شقتنا. أبي جالس في ~~الصالة. «فاطمة» تشكو له من زوجها. تقول إنه يسكر دائما بالسبرتو ~~الأحمر. وبعد ذلك يصبح عدوانيا ويضربها. يهون أبي عليها. يطلب ~~منها إحضار صفيحة جبن قديمة. يأمرها بتنظيفها جيدا بالماء ~~والصابون ثم تجفيفها. يملؤها بكسرات الخبز المتجمع لدينا. يضيف ~~إليها الماء. يبعثها لتشتري خميرة بيرة من الفرن. تلتف بملاءتها ~~السوداء وتذهب. أقف في البلكونة. تعود بالخميرة. يعترضها زوجها ~~«عباس» عند المدخل. «كنت فين يا بنت الكلب؟» تقول في تحد: سيدي ~~«خليل» بعتني السوق. # يضع أبي الخميرة في الصفيحة. يقلب محتوياتها. يقول لها أن تنتظر ~~ثلاثة أيام ثم تعطي «عباس» منها. يقول إن «البوظة» مفيدة للمعدة ~~ومسكرة أيضا. وإنها ms096 ستساعده على الامتناع عن السبرتو الأحمر. ~~تنحني على يده وتقبلها: ربنا يخليك يا سيدي. # يطلب منها نقل المخدات إلى الجانب الآخر من الفراش؛ لنكون في ~~مواجهة باب البلكونة ونحصل على بعض الهواء. أشم رائحة شواء رنجة. ~~أسأله لماذا لا نأكلها. يقول إنها أكل الفقراء. # أقف في البلكونة. عيني على شقة العروس. تلج الحارة عربة كارو ~~فوقها عدد كبير من الكراسي والسواتر الملونة التي تستخدم أيضا في ~~المآتم. يجري نقلها إلى سطح المنزل المقابل. يسمح لي أبي بالخروج. ~~أنضم إلى الأولاد المتحلقين حول المدخل. نصعد السلم حتى السطح ثم ~~ننزل. تختفي الشمس فيشعلون الكلوبات. يجربون الميكروفون: آلو. آلو. ~~واحد. اتنين. تلاتة. نتزاحم حول مائدة الشربات. نحتل كراسي الصفوف ~~الأولى فينهروننا. يبعدوننا إلى الخلف. ننتظر في لهفة. يظهر ~~العروسان أخيرا في مدخل السطح. تبدو «حكمت» جميلة في ملابس ~~الزفاف. العريس أقصر منها وأكثر سمنة. في بزة سوداء وربطة عنق ~~على شكل الفراشة. يجلسان في كوشة في طرف السطح. # تصل الراقصة. سمراء قصيرة. يلقي الطبال عدة مونولوجات ل «شكوكو» ~~و«ثريا حلمي». تختفي الراقصة ثم تظهر في بزة الرقص. ذراعاها ~~عاريان. ألمح أعلى ثدييها. نصفق لها. ترقص على أغنية «البوسطجية ~~اشتكوا من كتر مراسيلي.» تستدير أمام العروسين. تنحني إلى الخلف ~~وهي ترقص. تضع رأسها في حجر العريس. تنفرج بزتها للحظة عن أعلى ~~فخذيها. تجلس في الصف الأول لتستريح. يعطيها أحد الجالسين قطعة ~~من الكرتون تحرك بها الهواء أمام وجهها وصدرها. أتسلل بين ~~الكراسي مقتربا منها. أقف خلفها تماما. أمد يدي وألمس ساعدها ~~الممتلئ عند الكتف. أتوقعه ساخنا. أفاجأ ببرودته. # 7 # يسألني الدكتور «عزيز»: عملت إيه في الملحق؟ يرد أبي: نجح والحمد ~~لله. المهم ميعملهاش تاني. تتجه جميع الأنظار إلى امرأة سمينة في ~~بنطلون على الرصيف المقابل. تسقط أضواء الدكاكين على ظهرها فيبدو ~~ترهل إليتيها. يقول الشيخ المعمم: شوف الولية اللي متختشيش. كل ~~حاجة باينة. يخبط القس كفا بكف قائلا: الدنيا باظت. يقول الشيخ ~~المعمم: تفتكروا إحنا انهزمنا في «فلسطين» من شيء شوية؟ ده عقاب ms097 من ~~ربنا. يقول «رأفت»: المدافع بتاعتنا كانت بتنفجر فينا. يقول أبي: ~~الملك «عبد الله» كان شغال مع اليهود. يقول الدكتور «عزيز»: اليهود ~~شردوا نصف مليون عربي في «شرق الأردن» و«سوريا» و«لبنان» و«مصر». ~~و«عزام» باشا يقولك سيصلاها اليهود نارا حامية. يضحكون. # يقول «رأفت» مستنكرا وهي هزيمتنا في أوليمبياد «لندن» برضه عقاب ~~من ربنا؟ يقول «عبد العليم»: ده اتصرف على بعثتنا آلاف الجنيهات. ~~راحت كلها على فاشوش. يقول «عبد العليم»: حقنا نسميها النكبة ~~الأوليمبية. وبعدين يقولوا إننا حنستعد من الوقت لأوليمبياد ~~52. # يعرض عليه الشيخ ما اشتراه للحج: كيس من القماش لماء الشرب ~~والاغتسال وحزام عريض من الجلد اسمه «الكمر» يعقده المسافر على ~~وسطه تحت الملابس ويضع فيه ماله. يبدي أبي إعجابه بالقميص الجديد ~~الذي يرتديه «رأفت» أفندي. ~~- جبته منين؟ ~~- من «شملا» ب 58 قرش. # يقترب منا رجل ممتلئ أسمر البشرة. الطربوش في يده. شعر رأسه أسود ~~غزير. رأسه ضخم ووجهه عريض. ينهض الحاج «عبد العليم» و«رأفت» ~~أفندي: تفضل يا «مندور» بيه. يلكزني أبي لأترك مقعدي له. يقول ~~«عبد العليم»: الدكتور «مندور» بلدياتي من «منيا القمح»، واشترك في ~~ثورة 19. يقول الدكتور «مندور» في خجل: الحقيقة أنا كنت وقتها عيل ~~صغير. كنت راجع من المدرسة على حمار. وفوق كوبري «مطوبس» شفت ~~مظاهرة من الفلاحين والأفندية بيهتفوا للاستقلال ول «سعد». خرج ~~عساكر إنجليز من نقطة البوليس وضربوا عليهم نار. يوميها اتصاب أكتر ~~من مية مات منهم كتير. رجعت البلد بالخبر. الناس اتجمعت وحملوا ~~الفوس علشان يكسروا سكة حديد الحكومة. لحقهم «عثمان باشا أباظة» ~~أكبر مالك في المنطقة وهداهم. # يقول «رأفت»: برضه حنعتبرك من رجال الثورة وننتخبك عن الدايرة. ~~يضحك «مندور»: ده لو فيه انتخابات. يقول «عبد العليم» للقس: وانت ~~يا مقدس تنتخب مين؟ يقول القس: والله أنا تعاهدت مع «جرجس صالح» ~~مرشح الحزب السعدي. يقول أبي: أنا كمان. يقول الدكتور «عزيز»: ~~البلد محتاجة انتخابات نزيهة وحكومة جديدة. يقول «رأفت»: ده مستحيل ~~في ظل الأحكام العرفية. يقول أبي: الأحكام العرفية ضرورية علشان ~~الاغتيالات السياسية والحرب. لو ms098 اتلغت وحصلت انتخابات حييجي ~~«الوفد». # يقول «مندور» محتدا: طب وفيها إيه ؟ ~~- حنرجع للرشاوى واستغلال النفوذ. # يتمالك «مندور» نفسه: وحضرتك فاكر إن الوقت مفيش رشاوى واستغلال ~~نفوذ؟ # يقول «عبد العليم»: الدكتور معاه حق. إحنا قرينا اللي كتبه عن ~~مطار «المنيا» وعلاقة رجال الدولة بكبار الملاك. # يستطرد الدكتور «مندور»: ثم إن «الوفد» مش «عثمان محرم» و«فؤاد ~~سراج الدين» وبس. فيه ناس تانية كويسة ووطنية. المهم إن الوضع ~~الحالي مش نافع. الأسعار بتزيد كل يوم. مصاريف المدارس زادت. ~~والملك بيلعب القمار كل ليلة في نادي السيارات. والمسئولين بيلعبوا ~~«التيرو». # يسأل الشيخ المعمم: هو إيه «التيرو» ده؟ ~~- مراهنات الرماية في نادي الصيد. # تحرك نسمة هواء التراب المكوم على جانب في أول الشارع فيهب ~~علينا. يقول «عبد العليم» إن مصلحة التنظيم تحفر الشوارع وتترك ~~تراب الحفر على الجانبين تنثره العربات والهواء. ثم تأخذ في دك ~~الشوارع بالحجر والزلط ولا تراعي الارتفاع، فيعلو مستوى الأرض عن ~~مستوى الشوارع المقاطعة له فتضطر المصلحة إلى حفره مرة أخرى ~~لمساواته ببقية الشوارع، وهكذا دواليك. يقول الدكتور «مندور» إن ~~المقاولين هم المستفيدون. أصبحوا مليونيرات وعندهم كلاب وموظفون ~~لخدمتها بمرتبات يحلم بها خريجو الجامعة. # يقول «رأفت»: الواحد معدش عارف يركب الأتوبيسات من الزحمة. يقول ~~الدكتور «عزيز» إن الشركات التي وضعت تحت إشراف الحكومة تخسر. ~~التأميم مش نافع. يقول «مندور» منفعلا: ده اللي بيقوله «عبود» ~~باشا. الشركات هي السبب في الزحمة. بتخلي السواقين والكمسارية ~~ياخدوا أكبر عدد من الركاب. عايزين يلموا فلوس قبل ما يسلموا ~~العربيات للحكومة خردة. # ألمح مجلة فوق مكتب الحاج «عبد العليم». أتسلل داخل الدكان ~~وأتناولها. مطوية على صفحة بها إعلان عن فيلم «غرام وانتقام» ل ~~«أسمهان» و«يوسف وهبي». أتناول المجلة وأحملها إلى الخارج. أريها ~~لأبي: فيه فيلم جديد ل «أسمهان». يقول: ده فيلم قديم، عملته قبل ~~متموت. ~~- هي ماتت إمتي؟ ~~- من أربع سنين. مش كده يا «رأفت» أفندي؟ # يضع «رأفت» ساقا على ساق. يلمع حذاؤه الأسود في الضوء الضعيف: ~~أيوه مظبوط، أربع سنين. # يعلق «عبد العليم»: لحد الوقت ms099 محدش عارف إذا كانت ماتت موتة ربنا ~~أو حد قتلها. # يقول الدكتور «عزيز»: طبعا ماتت مقتولة. الأوتوموبيل نزل في ~~المية من غير السواق. راح فين؟ # يسأل الشيخ المعمم: ومين قتلها؟ # يقول أبي: المخابرات الإنجليزية، كانت جاسوسة للألمان. تفتح لأبي ~~عشر دقائق يذهب فيها إلى دورة المياه. ترافقه حتى بابها وتقف خارجه ~~إلى أن يفرغ. تعيده إلى الغرفة وهي ترمقه بصرامة. يحاول ملاطفتها ~~فتقول: متحاولش. إنت جاسوس ألماني ولا بد من سجنك ولا تحب أبلغ ~~البوليس وأعمل لك فضيحة بجلاجل؟ أتسلل منه إلى داخل الغرفة. تغلق ~~الباب علينا بالمفتاح. يقول لي أبي متفكها: السجن مكتوب لي وهنا ~~أهون من سجن الحكومة. على اليمين تكومت فوتيات الصالون فوق بعضها. ~~وعلى اليسار انتصب السرير ذو الأعمدة النحاسية. يطلب مني أن أخرج ~~بالقلة لأملأها وأرى ما يحدث. أطرق الباب لتفتحه. أملأ القلة ~~وأتلصص عليها. أعود إليه بسرعة لأخبره. # يقول الدكتور «مندور»: الملكة «نازلي» هي اللي دبرت القتل. كانت ~~بتغير منها. # أنصت في اهتمام فالحديث عن أم الملك. يستفسر أبي: وليه؟ ~~- بسبب «أحمد حسنين» باشا. ~~- ماله؟ ~~- كانت عشيقته. ~~- مين؟ أسمهان؟ ~~- «أسمهان» الأول وبعدين «نازلي». # يتحدث عن أزمة السينما والمسرح. يقول إن المنتجين حققوا أثناء ~~الحرب العالمية أرباحا هائلة بأفلام كوميدية وتافهة. وارتفعت أجور ~~الممثلين إلى مستوى خيالي. وأغرى هذا كل من هب ودب بدخول ميدان ~~الإنتاج السينمائي فانحط مستوى الأفلام وانحدرت إلى تملق الجمهور ~~واستثارة غرائزه. أميل على أبي وأهمس في أذنه: عايز أشوف فيلم ~~«أسمهان». يقول في ضيق: إن شاء الله. # 8 # يجر كرسي المكتب إلى البلكونة. الحارة مظلمة. يتراءى ضوء ضعيف في ~~النوافذ والبلكونات. يتأفف من الحرارة. يخلع طاقيته. يحركها أمام ~~وجهه. أقف إلى جواره. نلمح «سهام» مستندة بمرفقيها إلى حافة ~~نافذتها. بجوارها طالب الهندسة. تقترب منا «فاطمة» وفي يدها عود من ~~قصب السكر. ترى اتجاه نظراتنا فتقول إن «سهام» حملت من الطالب ~~ولهذا سارعا بالزواج من سكات. يعنفها أبي: وانت مالك. # تتربع حافية عند قدميه فوق البلاط النظيف العاري. تقشر عود القصب ms100 ~~وتقطع منه عقلة بالسكين. تقدمها إلى أبي. يقول ضاحكا إنه لا ~~يستطيع مضغها. تعطيها لي. أطبق عليها بأسناني وأمتصها حتى آخرها ثم ~~ألقي بالمصاصة في الطبق. تمد ساقيها أمامها. تلقي العقلة الثانية ~~جانبا قائلة إنها مسوسة. # ينخفض ضوء المصباح الكهربائي. تقوم لإعداد مصباح الزيت تحسبا ~~لانقطاع الكهرباء. يزعق لها: البسي الشبشب. تعود بطبق من «حب ~~العزيز». تتربع على الأرض فينحسر ثوبها عن فخذيها. أجلس أمامها على ~~البلاط. تتناول بضع حبات. تخفي يديها خلف ظهرها ثم تبرزهما ~~مضمومتين. تضعهما فوق فخذيها العاريين. أقول: حادي بادي، سيدي ~~«محمد» البغدادي، شاله كله وحطه على دي. أهوي بيدي على قبضتها ~~اليمنى فتسحب يدها ضاحكة. تستقر يدي على فخذها العارية. يقول أبي: ~~لظلظ. مش كده؟ أمسك لحم فخذها وأردد: لظلظ. # تقول: حتى «حب العزيز» سعره زاد. كل حاجة زادت. يقول أبي إن ~~المصريين عانوا دائما من ظلم الحكام وغلاء الأسعار. أيام المماليك ~~كانوا يصرخون من غلو الضرائب مرددين: «إيش يجيلك من تفليسي يا ~~برديسي.» أطلب منه أن يحكي لنا إحدى نوادره. يقول إنه سافر مرة إلى ~~«تركيا» وطاف بقصر «يلدز» العجيب. حماماته مصنوعة من المرمر. ~~ومزودة بالكنيف الأفرنجي. أحس بحاجة تضغط عليه فجلس فوق واحد منها. ~~وعندما انتهى أدار صنبور المياه وفوجئ بشيء غريب يحتك بفخذيه. كما ~~لو كان أيديا بشرية. قفز واقفا واكتشف عدة فرش صغيرة من المياه ~~تتحرك بخفة في اتجاهات مختلفة. # تبدي عجبها: يعملوا كده في بلد الخلافة؟ ~~- خلافة إيه؟ إنتي متعرفيش حاجة. لما «استامبول» اتهدت في ~~الزلزال وجم يشيلوا الناس من تحت الأنقاض لقوا الرجالة والستات ~~لابسين في بعض كده. يتخلل أصابع يده اليسرى بأصابع اليد اليمنى. - ~~هم مش مسلمين؟ - الإسلام كان أيام الرسول والخلفاء الراشدين. يحكي ~~لنا عن الرسول وأمانته. وعن «عمر بن الخطاب» وعدله. وعن «علي بن ~~أبي طالب» وولديه. # أسأله إذا كان قد اشترك في ثورة 19. يقول: أمال. كنت أسيب ~~الديوان مع الموظفين. نترص فوق عربات الكارو ونلف الشوارع واحنا ~~بنهتف ضد الإنجليز وبحياة «سعد زغلول». # تسأله «فاطمة»: ms101 إنت شفت بلاد كتيرة يا سيدي؟ يقول: مش كتير. احكي ~~لنا يا سيدي. يقول: حاحكيلك، ناوليني القلة الأول. تهب واقفة ~~وتتناول إحدى القلل الثلاث الموضوعة في صينية على حافة سور ~~البلكونة لتبرد. يكرع منها ويتنهد راضيا. يطلب منها أن تتأكد من ~~امتلاء القلتين الأخريين. تحمل إحداهما إلى الداخل لتملأها. تعود ~~فتضعها في الصينية بين حبات الليمون والخيار. # يسترخي أبي في جلسته. يشعل سيجارته السوداء. يقول: أول مرة كانت ~~للسودان مع الجيش. كانت «أم نبيلة» الله يرحمها معايا. وكانت حبلة ~~في «نبيلة». نزلنا في بيت من بابه. الدنيا حر ولعة. أدور على حد ~~يساعدنا في فك العفش. مفيش. شفت اتنين رجالة لابسين أبيض وممددين ~~تحت شجرة. كل واحد ساند على كوعه وبيلعبوا «السيجة». واحد منهم كان ~~بيمضغ حاجة في بقه وسنانه سودة زي الفحم. ناديت عليه: يا زول. ولا ~~حياة لمن تنادي. سمعت صراخ «أم نبيلة». جريت لقيتها لازقة في ~~الحيطة. وشها أصفر وعنيها على ربطة قماش مفكوكة وحشرة صغيرة. عقربة ~~زبانها مرفوع. جيت أدوسها. مطلتهاش. جريت على الحيطة وخرجت من ~~الشباك. «أم نبيلة» اترمت في حضني. سقيتها كوباية مية. بقينا ننام ~~جوة الناموسية ونحط علب صفيح مية تحت عمدان السرير. # تضع «فاطمة» يدها على صدرها وتبسط ساقيها: حق الواحد ميتغربش. ~~يفضل في بلده. ~~- إنت فاكرة هنا كان أمان؟ # يحكي لنا عن «القرعة» وكيف كان الناس يتهربون من التجنيد. ~~الفقراء يصيبون أنفسهم بعاهات. في العين أو الذراع أو الساق. أما ~~الأغنياء فيشترون حريتهم بالمال. يدفعون «البدلية». وعندما تتجمع ~~لدى موظفي القرعة يصبحون هدفا للصوص. # يهوي بالطاقية أمام وجهه: كنت أنام والطبنجة تحت المخدة. هي ~~وكيس الفلوس. في ليلة صحيت على صوت رجل فوق السقف. أخدت الطبنجة ~~من تحت المخدة. وقمت بشويش. وقفت في الضلمة وزعقت بقوة وجراءة: مين ~~هناك؟ محدش رد. فات ربع ساعة ولا صوت. بعد شوية طلع الفجر فرجعت ~~نمت. # تتطلع إليه «فاطمة» مبهورة: ياه. دا انت قلبك جامد قوي يا سيدي. ~~يستطرد قائلا إن الطرق أيضا لم تكن ms102 آمنة. وخاصة في الصعيد. في ~~الليل تكمن الرباطيات على جوانبها . يكون راجعا من سهرة في بيت ~~المأمور أو وكيل النيابة. الدنيا ضلمة كحل. يده تقبض في حزم على ~~كيس النقود وعيناه تفتشان في الظلام. - كان نظري وقتها ستة على ~~ستة. مرة اتصبت برصاصة. يشير إلى أثر جرح في جبهته بين عينيه. - ~~ومرة انضربت بسكينة. يدير رأسه ليرينا أثر جرح مائل في ~~قفاه. # أسأله: ولسه عندك المسدس؟ ~~- لا. الإنجليز كانوا بيلموا السلاح فخبيته في جنينة الفيلا. ~~الظاهر خال «نبيلة» اللي كان عايش معانا سرقه وباعه. # يرين علينا الصمت. يقول بعد لحظة: المهم الواحد يعرف إزاي يتصرف. ~~مرة كنت راكب التروماي. طلع اتنين. واحد وقف على السلم من اليمين. ~~والتاني نط من الشمال. سألني عن الساعة. اشتبهت في إنهم نشالين. ~~مديت إيدي في جيبي وطلعتها مقفولة. عملت إني بابص فيها. وقلت له ~~الوقت بالتقريب. اللي على اليمين راح ضاحك وقال لزميله: سيبه يا ~~جدع. باين عليه من أهل الصنعة. # تضحك «فاطمة» وتخبط بيدها على فخذيها العاريين. أطلب منه أن يحكي ~~لنا عن «حافظ نجيب». يقول إنه كان لصا داهية ونصابا دوليا. ~~واشتهر بقدرته على التنكر والإفلات من البوليس. - مرة مسكوه متنكر ~~على هيئة بارون إيطالي. ومرة زي السفير التركي. ومرة ثالثة لابس ~~قسيس. المهم. في المحكمة كان واقف في القفص. وهب القاضي بيلتفت ~~ملقاهوش. لحد الوقت محدش يعرف إزاي خرج من القفص. # تقول: والنبي يا سيدي تحكيلنا عن «جحا». يقول إن «جحا» سكن مرة ~~في دار. بعد يومين اشتكى لصاحبها من قرقعة في سقفها. وإنه يخشي ~~سقوطه. طمأنه صاحب الدار قائلا إن السقف يسبح الله. قال «جحا»: ~~ما هو ده اللي أنا خايف منه. قاله: ليه؟ قال: يمكن يسوق فيها ويسجد ~~علينا. ينفجر أبي ضاحكا حتى تدمع عيناه. يمسحهما قائلا: ربنا ~~يجعله خير. أسأله لماذا يقول ذلك؟ يقول إن الوقت السعيد يتبعه ~~دائما وقت سيئ. نتناول الإفطار فوق مركب عند روض الفرج. فول مدمس ~~وعسل نحل بالقشطة. المائدة خشبية مدهونة باللون الأزرق. ms103 أمي تدندن ~~بأغنية. نغادر المركب ونمشي وسط مزارع. ندخل بستانا للفاكهة. ~~يشتري أبي موزا وبلحا. يدعوني صاحب المشتل لأكل الجوافة. آكل حتى ~~تمتلئ بطني. نغادر المشتل. أتعثر في غطاء بكبورت. أقع فوقه ~~وتصطدم رأسي به. أتقيأ كل ما أكلته. # يتناهى إلينا صوت «عبد الوهاب» من راديو «أم زكية». يغني: في ~~البحر لم فتكم في البر فتوني. بالتبر لم بعتكم بالتبن بعتوني. يغني ~~أبي معه: أنا كنت وردة في بستان قطفتوني، وكنت شمعة جوه البيت ~~طفيتوني. يهز رأسه في حزن ويقول: بعد ما كنت يا «خليل» وردة في ~~إيد الناس يشموك، بقيت يا «خليل» زي الطبيخ اللي حمض دلقوك. تقول ~~«فاطمة»: ما تقولش كده يا سيدي. إنت أهه زي الفل. # ينهض واقفا ويخطو عبر الغرفة. عيناه على فخذي فاطمة. يرتفع صوت ~~«عباس» مناديا عليها. تغطي فخذيها بسرعة وتنهض واقفة. تقول: ~~تصبحوا على خير. يصحبني إلى الكنيف استعدادا للنوم. يطفئ النور. ~~يستلقي إلى جواري. يترك باب البلكونة مفتوحا. أقول له: مش خايف ~~حرامي يدخل؟ يقول: من توكل على الله حماه. يتلو آية «الكرسي». أفكر ~~في الملائكة التي تحرسنا وترفرف حولنا. أروح في النوم. أستيقظ فجأة ~~على حركة بجواري. أبي يهرش بين ساقيه. أنام. أستيقظ مرة أخرى. ما ~~زال يهرش. تتسارع حركة يده. يتنهد. يستدير ناحيتي. أغلق عيني ~~وأستغرق في النوم. # | الفصل الرابع # 1 # يبدأ الإضراب بعد الحصة الأولى مباشرة. نردد خلف طالب بطربوش ~~من السنة الخامسة: «عاشت مصر حرة مستقلة.» نطالب باستئناف القتال ~~مع الصهاينة وجلاء الإنجليز ووحدة مصر والسودان. نغادر المدرسة. ~~يقترح البعض الذهاب إلى الجامعة للانضمام إلى طلبتها. يقترح آخرون ~~الاتجاه إلى مدرستي «فؤاد الأول» و«الحسينية». أتذكر تعليمات ~~أبي. أنسحب من المظاهرة وأتسلل عبر الشوارع الجانبية المؤدية إلى ~~منزلنا. # يفتح لي في جلبابه الكستور. الطاقية البيضاء فوق رأسه. مقطب. ~~بقايا الإفطار على مائدة الصالة. أروي له ما حدث. يقول: حط الشنطة ~~واقعد ذاكر. غرفتنا مكتومة والفراش غير مرتب. أسأله: هي «فاطمة» ~~مجتش ولا إيه؟ يرد باقتضاب: لا. أضع الشنطة على ms104 المكتب. أستخرج ~~كتاب التاريخ. أفتحه على الدولة الإسلامية في عهد «عثمان». أقرأ ~~قصة الخلاف بينه وبين «علي بن أبي طالب» والنهاية المأساوية ~~للاثنين. # يدق جرس الباب. أجري لأفتح. «فاطمة» تحمل صرة ملابس. في قدميها ~~شبشب من البلاستيك الشفاف. دموعها تسيل على خديها. تقول إن «عباس» ~~ضربها وطردها. وإنها ستسافر إلى البلد. يقول لها أبي: اهدي واقعدي. ~~تقول إنها لا يمكن أن تبيت ليلة أخرى مع «عباس». يقول إن البيت ~~بيتها وإنها يمكن أن تبيت عندنا إلى أن يخرج الحاج «عبد العليم» من ~~الحبس. - يلا بلاش عياط. قومي شوفي شغلك. # تنظف المائدة والغرفة والمطبخ. يطلب منها أن تعد لنفسها حماما. ~~تنقل الموقد إلى غرفة الصالون. تشعله وتضع فوقه صفيحة المياه. تملأ ~~حوض الزنك إلى منتصفه بالماء. تضعه وسط الغرفة. ندخل معها. يطلب ~~منها أن تغسل شعرها جيدا. يسألها: عندك فلاية؟ ~~- أيوه. ليه؟ ~~- علشان القمل. # تقول إن شعرها نظيف. ~~- معاك ليفة؟ ولا أجيبلك ليفتنا؟ # تقول: لأ معايا. ~~- عندك هدوم نضيفة؟ ~~- عندي. # يطلب منها أن تضع ملابسها المتسخة جانبا لتغليها بعد ذلك. نغادر ~~الغرفة. تغلق الباب خلفنا. # ندخل غرفتنا. أجلس إلى مكتبي وأواصل الاستذكار. يشعل أبي ~~سيجارته. يغادر الغرفة. أتبعه. ~~- بابا. ليه بيقولوا على سيدنا «علي» كرم الله وجهه؟ ~~- لأن عمره ما بص على عورة حد. ولا حتى على نفسه. # أسأل: هو ده حرام؟ ~~- أيوه. تفرج «سلمي» ساقيها. منطقة مظلمة بينهما. تنتقل «ماما ~~تحية» إلى الإبط الثاني. تدير رأسها لتتأمله. تتحسسه بأصابعها. ~~تنهض واقفة. تقول لي وهي تمسكني برقة من أذني: على أوضتك، تقعد ~~فيها متخرجش منها. أمسك بيدها في رجاء: لا والنبي يا ماما بلاش ~~لوحدي. تتأملني باسمة: طيب تقعد في الصالة بشرط ما تبصش ~~علي. # أدخل غرفتنا ثم أخرج. يتمشى في الصالة جيئة وذهابا ويداه ~~معقودتان خلف ظهره. يقول لي إنها عبيطة ويمكن أن تحرق نفسها. أو ~~ربما تخدعنا ولا تستحم، بص كده شوف بتعمل إيه. أتطلع من ثقب ~~المفتاح. تصطدم نظارتي بالباب. أضغطها على أنفي. أتطلع من جديد. ~~أراها جالسة ms105 في الحوض ولا يظهر منها غير كتفيها العاريين. البخار ~~يتصاعد من صفيحة المياه. تمسك أمي بالكوز المعدني. تملؤه إلى ~~منتصفه بالماء الساخن. تنسى أن تخففه بالمياه الباردة. # أقول له إنها عارية في الحوض. يقول: وريني. ينحني وينظر من ثقب ~~الباب. يعتدل ويواصل المشي حول مائدة الصالة. يمسد شاربه بسبابته. ~~ألاحظ أن عينيه تلمعان. يطلب مني أن أعرض عليها المساعدة في دعك ~~ظهرها. أفعل متضررا. ترفض. تخرج بعد قليل في جلباب ملون وهي تمشط ~~شعرها. تتناثر منه المياه. يسألها إذا كانت غلت ملابسها. تقول ~~أيوه. # تغير مياه الحوض. تحضر طشت الغسيل من المطبخ. تضعه بجوار ~~الصفيحة. يتمشى أبي في الصالة وهو يرقبها. أحضر كتاب التاريخ وأجلس ~~إلى المائدة في مواجهة غرفة الضيوف. تجلس فوق مقعد المطبخ الخشبي ~~الواطئ. تجمع جلبابها بين فخذيها فتتعرى ركبتاها وجزء من فخذيها. ~~منحنية فوق ساقها اليمنى المثنية. تضع قطعة حلاوة أعلى القدم. ~~ترفعها وتلينها. تضعها على منتصف الساق. تكرر العملية مقتربة من ~~فخذها. # تنقل الملابس من الصفيحة إلى الطشت وتدعكها. تضعها في مياه ~~الحوض. تدعكها ثم تعصرها. تنشرها فوق حبل المنور. تتخلص من مياه ~~الحوض والصفيحة. تجفف الأرض. تعيد الموقد إلى المطبخ. يطلب منها أن ~~تنقع مفرش المائدة المشمع في الطشت. يتبدى سطح المائدة الخشبي ~~ملوثا ببقع من الزيت. # يطلب منها إشعال الموقد ليعد طعام الغداء. ينهمك في تحمير قطعة ~~من اللحم. يضيف إليها حبات من الفحم. يعد السلاطة الخضراء. ينادي ~~علي لأحضر له علبة الملح من فوق البوفيه. أهرع إليها. أمد يدي ~~لأتناولها. تسبقني «فاطمة» وتزيح يدي. تصيح: حاضر يا سيدي. تحمل ~~إليه الملح. أتبعها ساخطا. # ينتهي من تحمير اللحم. يسخن الخبز فوق النار. تضع طبقين فوق ~~المائدة. يقول إن المائدة قذرة لا تفتح الشهية. تهرع لتنظيفها ~~بليفة المطبخ. يطلب منها أن تؤجل ذلك إلى بعد الأكل. يحمل حلة ~~اللحم إلى غرفتنا. يضعها على المائدة المستديرة. تضم إليها الطبقين ~~والخبز. تحتفظ بطبقها في يدها. يجلس فوق حافة السرير. أجر كرسي ~~المكتب وأجلس أمامه. يغرف لنا. ms106 تقدم إليه طبقها. يغرف لها. تهم ~~بالجلوس على الأرض فيقول لها: اقعدي ع السرير. إنت زي بنتي. تجلس ~~إلى جواره. أفقد كل رغبة في الأكل. # يدق جرس الباب. تهم بالقيام لفتحه فيشير لها أن تبقى. يشير ~~إلي أن أرى من الطارق. أفتح الباب لأجد «عباس» أمامي. ~~- «فاطمة» هنا؟ لا أعرف بماذا أجيب. ~~- طب اندهلي البيه. # أتركه وأسرع لأبي. ينهض واقفا ويغادر الغرفة. يغلق الباب خلفه. ~~أفكر في أن أتبعه لكني لا أريد أن أترك «فاطمة» وحدها. أقف خلف ~~الباب. تقف إلى جواري. ننصت. صوت أبي: اقعد يا «عباس». يحدثه بلهجة ~~حازمة. لا نتبين شيئا من الحديث الدائر. صوت «عباس» يوحي ~~بالمسكنة. ينادي أبي على «فاطمة». تخرج إلى الصالة وأنا خلفها. ~~يقول لها: خلاص يا بنتي. روحي مع جوزك. مش حيمد إيده عليكي تاني. ~~وابقي خدي هدومك بعدين لما تنشف. يتجه «عباس» إلى باب الشقة وهي في ~~أعقابه. # 2 # يتناول طربوشه بيده اليسرى. يرفعه إلى مستوى صدره. يثني ذراعه ~~الأيمن. يقرب اليد اليمنى من الطربوش. يمسح جوانبه بكمه. يضعه فوق ~~رأسه. يغلق باب الغرفة بالمفتاح. يطلب من «فاطمة» أن تطهو ~~«السبانخ» كما علمها. وتضيف إليها قليلا من الحمص الجاف. نخرج ~~إلى الشارع. بقالة شيخ الحارة مغلقة. أميل ناحية دكان الخردواتي. ~~يجذبني في حدة من ذراعي. نعبر إلى الرصيف الآخر. نمر من أمام دكان ~~الحاج «مشعل». جالس في المدخل. ضخم الجسم. يرتدي قميصا بكم طويل ~~وبنطلونا. شعر رأسه مدهون بالفازلين. يبتسم ابتسامة غير مريحة ~~عندما يرانا. يتجاهله أبي. # ندلف إلى حارة مجاورة. نصبح في شارع مواز. - «خليل». ألتفت ~~ضيقا بمن ينادي أبي دون لقب البيه. «علي صفا» يقترب مهرولا. يمشي ~~وقدماه منفرجتان لأقصى اليمين واليسار. يرتدي سترة زرقاء وبنطلونا ~~رماديا. يتوقف أبي حتى يلحق بنا. يتصافحان. أقف بينهما. ينحيني ~~أبي إلى يمينه ونواصل السير بحيث يكون «علي صفا» إلى يساره. يسأله ~~أبي: إنت رحت فين؟ اتجوزت؟ يقول «علي صفا»: هو أنا مجنون؟ # يمد يده ليداعب خدي متسائلا: مفيش مدرسة النهارده؟ يبعدني أبي ms107 ~~بحزم عن يده قائلا في اقتضاب: كل يوم الوقت إضراب. يقول إنه ذاهب ~~إلى كبانية النور. يمضي مبتعدا. أسأل أبي لماذا شدني؟ يقول: ~~أصله بيبوظ العيال الصغيرين. أفكر في هذا اللغز. # ندلف إلى حارة صغيرة. رائحة عفونة ورطوبة. نلج منزلا بلا ~~بواب. نرتقي الدرج إلى الطابق الثاني. يدق باب شقة. يأتي صوت ~~أنثوي بعد لحظة: مين؟ يقول أبي: أنا يا «عزيزة». يتكرر الصوت: مين؟ ~~- أنا «خليل» يا «عزيزة» افتحي. - دقيقة يا بيه. ينفرج الباب عن ~~زوجة الحاج «عبد العليم». أطول من أبي وذات وجه أبيض جميل تتناثر ~~عليه عدة حسنات سوداء صغيرة. شعر رأسها ملفوف بطرحة تبدأ من منتصف ~~رأسها حتى عنقها. تبدو منها ضفيرة شعر. تحمل طفلا فوق ~~ذراعها. ~~- اتفضل يا بيه - تمط كلمة «بيه» كعادة الفلاحين - إنت مش ~~غريب. # ندخل أنا وأبي. صالة واسعة خالية تماما من الأثاث. في مواجهتنا ~~غرفة تقف في مدخلها «صفية» زوجة شقيق الحاج. يبدو خلفها سرير مرتفع ~~عن الأرض بأعمدة نحاسية عالية. يخاطبها أبي قائلا: العواف. تقول ~~ببرود: العواف عليك. يتجاهلها ويتبع «عزيزة» إلى الغرفة الثانية. ~~نقف عند الباب. بها سرير مماثل يرقد عليه طفل. يقول أبي: أنا جاي ~~بس أطمن عليك. تحبي تبعتيله أكل ولا حاجة؟ - ربنا يخليك يا بيه. ~~«سليم» أخد له أكل وفلوس. يستدير أبي وأنا معه في اتجاه الباب ~~الخارجي: إن شاء الله يخرج النهارده. ع العموم لو عزت أي حاجة ~~قولي. - ربنا ما يحرمنا منك يا بيه. # نغادر الشقة. نخرج إلى الشارع الرئيسي. نتجه إلى محطة الترام ~~القريبة. نركب. نستبدل الترام في العتبة. يتجه الترام الجديد إلى ~~شارع «عبد العزيز» المجاور لمبنى المطافئ. يستدير الترام أمام مبنى ~~«عمر أفندي». نغادره بعد محطتين. نعبر القضبان إلى الرصيف ~~المقابل. نتوقف أمام مبنى ضخم تجمع الناس أمامه. يضع أبي يده على ~~صدره فوق قلبه مباشرة. أسأله: مالك؟ يقول النشالين هنا كتير. نصعد ~~درجات قليلة بين أعمدة حجرية. نلج باحة واسعة امتلأت بالناس. بائع ~~متربع أسفل عمود رخام. أمامه صينية بها أقراص ms108 طعمية وأرغفة عيش ~~وطبق سلاطة. يحيط به الآكلون. # أسفل عمود مجاور رجل متربع وحوله عدة نساء مقرفصات. يرتدي جلابية ~~بفتحة صدر مزدانة بشريط أسود. فوق رأسه طربوش قديم. أمامه حقيبة ~~مدرسية من «الفيبر» يسند ورقة فوقها. قلم الحبر في يده. نصعد السلم ~~إلى الطابق الثاني. نشق طريقنا وسط الزحام إلى ممر انتشرت ~~القاعات المغلقة على جانبيه. يقترب أبي من باب كل قاعة ويقرأ ~~الورقة المعلقة فوقه بدبوس. نكرر عملية البحث بلا فائدة. نعود إلى ~~السلم. نفاجأ بامرأة تخلع ملاءتها وتردفها بجلباب أسود. تكشف عن ~~قميص رجالي وبنطلون أصفر من مخلفات الجيش. تنتزع دكة من الجالسين ~~فوقها وتهاجم بها الواقفين حولها. يحاول رجل في جلباب وطاقية أن ~~يحتويها لكنها تضرب رأسه برأسها. نهرع على السلم إلى أسفل. نقف قرب ~~المدخل. # يصل الدكتور «مندور» في بنطلون أسود وسترة رصاصية. يقول: خير إن ~~شاء الله. يأتي له أحد السعاة بمعطف المحاماة الأسود. يقول أبي: ~~إحنا قرينا مقالك في «الوفد المصري». إنت إيه بينك وبين «أخبار ~~اليوم»؟ يضحك: مفيش. أنا سميتها بالصحيفة الصفراء لأنها نشرة ~~بريطانية طلعت مخصوص لمناصرة الملك ضد «الوفد». تقول عليه الملك ~~الصالح والعامل الأول والتقي الأول. # أتسلل خلف الكاتب. تمليه امرأة مقرفصة أمامه وهو يكتب. يبدو أن ~~القلم لا يشفط الحبر لأنه يغمسه في محبرة بجواره كلما كتب عدة ~~كلمات. ينهرها بين الحين والآخر. ينتهي من الكتابة ويشير إليها أن ~~تنتقل إلى زميل له. يجلو هذا قطعة نحاس صغيرة في حجم الخاتم. تميل ~~عليه المرأة وتقدم له الورقة. يصيح بها: اسمك؟ # تجيب: «عايدة». # يقول: اسمك الكامل يا ولية. ~~- يعني إيه؟ ~~- يعني اسمك واسم أبوك وجدك. # تخرج ورقة ملفوفة من صدرها وتعطيها له. يفكها متعجلا. يقرأ. ~~يحفر اسمها في قطعة النحاس. يناولها الكاتب. يضغطها هذا في علبة ~~صغيرة. يتأمل الختم. يسألها: إنت «عايدة جرجس اسطفانوس». تقول ~~بلهجة الصعايدة: إيوه. يضغط الختم فوق الورقة. يقدمها إليها. تعطيه ~~نقودا. يقول لها: وديها للباشكاتب. يشير إلى رجل يقف على ~~مقربة. طربوشه طويل على غير ms109 العادة ونظارة قراءة مغبشة. يأخذ منها ~~الورقة. يصحبها إلى بائع الطعمية . تشتري له رغيفا وبضع ~~حبات. # أسمع صوت أبي ينادي اسمي فأهرع إليه. يؤنبني لأني تركته. نتجه ~~إلى الجانب الآخر من المبنى. هناك حشد من النساء البلديات الجالسات ~~على الأرض مع أطفالهن. ندخل قاعة مزدحمة. تجلس في الصف الأول بجوار ~~جدتي. ترتدي معطفا من الحرير الأسود وحول رأسها بيشة رمادية ~~اللون. أطول وأعرض عن آخر مرة رأيتها فيها. تتطلع جدتي خلفها في ~~اهتمام. ترتسم على شفتيها ابتسامة غريبة. تنظر إلي في جمود. ~~وجهها الأسمر الشاحب محاط بطرحة بيضاء باهتة اللون. تلمحني أمي. لا ~~يبدو عليها أنها عرفتني. تخاطبني فجأة بغير اكتراث كأنني لم أفترق ~~عنها أبدا: إزيك؟ لا تطلب مني الجلوس إلى جوارها. تنصرف إلى تأمل ~~منصة القاضي. منصت إلى شيخ بقفطان وعمة ونظارة قراءة. أتطلع خلفي ~~بحثا عن أبي. يشير إلي من مدخل القاعة. أذهب إليه. # نحشر أنفسنا بين الجالسين فوق دكة في نهايتها. نلمح «سليم» في ~~الصف الأول. منصة القاضي في صدر القاعة. أمامها تجمع المحامون ~~وبينهم الدكتور «مندور» في معطف المحاماة الأسود. يدور بينهم حديث ~~لا يصل إلى مسامعنا. الحاج «عبد العليم» يقف خلف قضبان حديدية. ~~يقول القاضي شيئا فينسحب المحامون. ينادي الحاجب على متهمين ~~آخرين. تنتهي الجلسة فجأة. يختفي القاضي ومعاونه من باب خلف ~~المنصة. يقف الجالسون ويتقدمون من قفص الاتهام. ينادي المتهمون على ~~معارفهم وأقربائهم. يلوح لنا الحاج «عبد العليم». يبدو مرحا وغير ~~قلق. # نغادر المحكمة. نتجه يمينا. بعد خطوات تظهر مباني قصر «عابدين». ~~ألمح جانبا من الساحة الفسيحة أمامه. نقف في صفوف من الصباح ~~الباكر حتى بعد الظهر. يقودنا ضابط المدرسة. نرتدي الفانلة الزرقاء ~~التي وزعوها علينا. تشبه ملابس أطفال الملاجئ. ننتظر إطلالة الملك ~~لنهنئه بعيد الجلوس. # ننحرف يسارا في شارع مظلل بالأشجار. نتوقف أمام عمارة أنيقة. ~~يقف لنا بواب نوبي. نستقل مصعدا نظيفا. يصعد ببطء دون صوت. أجلس ~~فوق مقعد مثبت إلى جداره. نتوقف في الطابق الرابع. نطرق باب شقة ~~طنط «زينب». تفتح ms110 لنا خادمتها السوداء «زهرة». ترحب بنا وتضمني إلى ~~صدرها. تقبل خدي . أعرف قصتها من أبي. كانت ملك أهل طنط «زينب» ثم ~~ألغى الخديوي «إسماعيل» الرق. ولأنها لا تعرف أهلها أو من أين جاءت ~~بقيت في خدمة طنط «زينب». # نجلس في أنتريه وثير بجوار الباب. صور عائلية على الجدران. تظهر ~~طنط «زينب» بعد قليل. تقترب في بطء. سمراء قصيرة. تلهث بصورة ~~مستمرة لأنها مريضة بالقلب. - إزيك يا أخويا؟ أعرف أنها ابنة خال ~~أبي. وأنها كانت مخطوبة له وهو شاب قبل أن يتزوج من «أم نبيلة». ~~ولم تتزوج حتى الآن. وتعيش مع أخيها «شمس» الذي لم يتزوج أيضا رغم ~~أنه متقدم في العمر. تنظر إلي باسمة في حنان. تجلس «زهرة» عند ~~قدميها. يسأل أبي عن صحتها. تقول: اللي يجيبه ربنا خير. أخبار ~~«روحية» إيه؟ يقول: مفيش. الباب الحديدي مغلق. أمامه نساء وأطفال ~~من الجيران. يتطلعون من شق كبير في زجاجه المموه. أرى من ~~خلاله أمي واقفة أمام باب الشقة. بجانبها جدتي وبنات صاحب المنزل. ~~أبي بملابسه الكاملة. رأسه عار. تصيح: عايز يسمني. حاطط لي السم ~~هنا. تشير إلى كوب من الزجاج فوق حافة الدرابزين. يقول أبي في صوت ~~هادئ متعب: معلهش. اشربي وانتي تروقي. # تقول وهي تنهج: اتغديت يا خويا؟ إحنا أكلنا و«شمس» دخل يقيل. ~~تنهض بصعوبة. نتبعها إلى الداخل. غرفة منكوشة ليس بها أثاث غير ~~مائدة مستديرة. نجلس حولها. تقدم لنا «زهرة» مكرونة اسباجتي مسلوقة ~~وسلاطة خضراء. تغرف لي. ترش فوق طبقي الجبن الرومي المبشور. آكل ~~بالشوكة في صعوبة. أذوق المكرونة بالجبن لأول مرة. لا أكمل طبقي. ~~تطلب منها طنط «زينب» أن تفتح علبة «كومبوت». تحضر علبة ملونة ~~وتغرف لي منها قطعا من التفاح والكمثرى. تضيف ملعقة من السائل ~~السكري. # أذهب إلى الحمام مع أبي. جهاز معلق في الحائط. على سطحه نقش ~~لشعلة نار فوق عبارة «شل بوتاجاز». يقول أبي إنه لتسخين المياه. ~~ننتقل إلى الأنتريه. تحضر «زهرة» فنجانا من القهوة لأبي. يسأل طنط ~~«زينب» عن ثمن سخان المياه. تقول: 16 ms111 جنيه. يتبادلان الأسئلة عن ~~أحوال الأقارب. ~~- بتشوف «نبيلة» يا خويا؟ ~~- أيوه . ~~- وإزيها؟ ~~- والله .. يتوقف وينظر إلي. يطلب من «زهرة» أن تصحبني إلى ~~البلكونة. أرافقها على مضض. أختلس نظرة خلفي. أبي يتكلم بصوت خافت. ~~تبدو عليه الجدية البالغة. ندخل البلكونة الدائرية الصغيرة. من ~~زاويتها اليسرى يمكن رؤية الميدان الفسيح الخالي أمام القصر. ~~يحملني بين ساعديه ويضعني على السور الحديدي. يده القوية فوق ~~ركبتي. أتطلع إلى الحشود المتجمعة في الميدان. # 3 # أرسم خريطة لتضاريس القارة الأفريقية. أعين المرتفعات ~~والمنخفضات. أخطط الأسهم الدالة على الرياح. يرتفع فجأة صياح من ~~الحارة. أهرع إلى البلكونة. الحارة مظلمة. يأتي الصياح من شقة ~~«سهام» و«سلمى». ألوي رأسي لأرى مدخل الحارة. أنتظر عودة أبي من ~~زيارة الحاج «عبد العليم» بمناسبة خروجه من الحبس. أستدير وأدخل. ~~أقترب من باب الغرفة. أنصت. مصباح الصالة مضاء. أسمع صوت «فاطمة» ~~أمام حوض المياه. تغسل زجاجة مصباح الزيت. تعلقه في مسمار فوق ~~الحوض. تختفي في المطبخ. أخرج إلى الصالة. أقترب في تردد من مدخل ~~طرقة المياه. أسمعها تشعل موقد الكيروسين. # أعود إلى الغرفة. ينطفئ النور فجأة. أنادي عليها. ترد علي. ~~يقترب صوتها. تقول إن علبة الكبريت فرغت. تطلب مني البحث عن ~~واحدة. ~~- فين؟ ~~- عندك. شوف جيب روب أبوك. # أتحسس طريقي في الظلام إلى شماعة الملابس. أمد يدي في جيب ~~الروب. أصيح: مفيش. تصيح: هات ورقة جرنال. أحاول أن أتذكر أين ~~موضع الجرنال. أقطع ورقة من نهاية كراسة الجغرافيا. أزعق: الورقة ~~أهه. ~~- هاتها. ~~- لا، تعالي خديها. ~~- مش شايفة من الضلمة. # أشم رائحة خوف في صوتها: أنا كمان مش شايف. # أقترب من باب الغرفة. أخطو إلى الصالة في رهبة: أنا أهو. أصطدم ~~بها. تنزع الورقة من يدي في عنف. «أم إبراهيم» مقتعدة الأرض وسط ~~الصالة أمام موقد الكيروسين. شعر رأسها مكشوف. أكرت وأحمر بلون ~~الحنة. لون عينيها أقرب من الرمادي. تبدو عليها أمارات الخوف. أمي ~~جالسة أمامها على مقعد. تأمرها بسلق الخيار. تبدي «أم إبراهيم» ~~تعجبها: أسلقه؟ هو الخيار يتسلق يا ستي؟ تصرخ أمي فيها: ms112 ملكيش ~~دعوة. اعملي زي ما باقولك. - حاضر يا ستي حاضر. بس متزعقيش. ترمي ~~الخيار في الحلة الموضوعة على النار. أحمل فنجان القهوة في يدي. ~~تنهض أمي. تخرج المفتاح من جيب ردائها. تفتح الغرفة. أدخل حاملا ~~القهوة في حرص. يتناولها أبي. أحكي له ما حدث مع «أم إبراهيم». ~~يضحك: تستاهل. طلعت عيني. # أتبعها إلى الطرقة. أشيح بوجهي عن فوهة الكنيف. تتقدمني إلى ~~المطبخ وتعود بالموقد. ينبعث منه قليل من الضوء. تضعه على الأرض ~~تحت الحوض. تخلع مصباح الزيت من مسماره. تنزع الزجاجة. تشعل ~~الورقة من الموقد. تشعل فتيلة المصباح. تقدم إلي المصباح قائلة: ~~تعالي معايا المطبخ. أقول: نقعد في الصالة أحسن. تقول: عندي غسيل. ~~أحمل المصباح وأتبعها إلى المطبخ مكرها. تضع الموقد على الأرض ~~بجوار طشت مليء بالملابس المتسخة. تتناول مني المصباح وتعلقه في ~~مسمار على الجدار. تضع صفيحة المياه فوق الموقد. تجلس فوق المقعد ~~الخشبي الواطئ أمام الطشت. تمد يدها. تقلب جردل المسح على فوهته. ~~تزيحه بقدمها ليصبح بين الطشت والباب. تشير إلي أن أجلس فوق ~~قاعدته. يصبح الباب خلفي. وهي أمامي. ~~- تفتكري بابا حيتأخر؟ # ترد عابسة: زمانه جاي. # يتصاعد البخار من صفيحة المياه. ترمي فيها بالملابس. تقلبها ~~بطرف كبشة معدنية. تستخرج قطعة. تلقي بها في الطشت. تدعكها ~~بالصابون وهي توحوح من سخونتها. # تهب لفحة هواء من النافذة. تهتز ذبالة المصباح. تتراقص الظلال ~~فوق الجدران. أتابعها في قلق. تقع عيناي علي صرصور كبير. ثابت على ~~الحائط. رأسه في اتجاهي. تهتز شواربه. أتطلع إلى الطشت. ما زال به ~~كوم من الملابس. أشعر بالنعاس. رائحة الكنيف تصلني قوية نفاذة. ~~تعصر الملابس وهي تتأمل الفجوة المظلمة خلفي في رهبة. أقاوم الرغبة ~~في الالتفات مثلها. يظهر الغول قادما من بعيد. كتلة ضخمة من الشعر ~~يطوحها الهواء. يشم الغول رائحة الشاطر حسن فيقول: ريحة إنس لا منا ~~ولا من الجنس. # أغمض عيني. تلكزني لأظل مستيقظا. تحدق في بعينين باردتين: ~~خليك صاحي لغاية ما اخلص غسيل. تتطلع خلفي في خوف. - ولا أحطك ~~في أوضة الضيوف واسيبك ms113 للعفاريت؟ # أنصت لعلي أسمع وقع أقدام أبي. يسقط رأسي فجأة على صدري. ~~تقرصني في فخذي بأصابعها المبتلة لأظل يقظا. القرصة موجعة. تتجمع ~~الدموع في عيني. أدعك مكان القرصة. تهددني بأن تقطع أذني بالسكين ~~لو شكوت لأبي. # 4 # يردد الأولاد في الحارة دعاء صلاة العيد الكبير: الله أكبر ~~كبيرا والحمد لله كثيرا. يتناول أبي المقص ويجلسني بين ساقيه. ~~يقص لي شعري. المرآة ذات الإطار المعدني المكسور في يدي. أقول له ~~إن الناحية اليمنى أعلى من اليسرى. يلقي بالمقص فوق المكتب ويدفعني ~~بعيدا عنه. ~~- لأ. كويسة. المزين يبسط الشريط الجلدي المعلق بجوار باب ~~الدكان. يمرر عليه حافة الموس في قوة. ينتهي من حلاقة ذقن زبون. ~~يأتي دوري. يبصق في المبصقة الصاج. أجلس في مقعد الحلاقة ويثبت ~~فوطة حول عنقي. # أرتدي بزتي. أبحث عن كراسة الأغاني فوق المكتب. تصطدم يدي بزجاجة ~~الحبر فتنسكب محتوياتها فوق صدر سترتي وبنطلوني. # ينفجر أبي ساخطا: إيدك سايبة. عمرك ما انت نافع. إقلع. # أخلع السترة والبنطلون. ينتزعهما مني في غضب. يتفحص بقع الحبر. ~~أتبعه إلى المطبخ. يرش الملح فوقها. يعود إلى الصالة. يتناول ~~ليمونة من صينية القلل. يقطعها بالسكين. يعصر أحد فصيها فوق ~~الملح. نعود إلى الغرفة. يتأمل البقع في الضوء. يضع السترة ~~والبنطلون فوق ظهر الكرسي. # يقول: مش حتنضف الوقت. البس البيجامة الخفيفة. أسأله مستنكرا: ~~وأخرج بيها؟ - نعمل ايه؟ أكويهالك وتبقى عال. هات المكوة. أنحني ~~وأجر المكواة الحديدية الثقيلة من أسفل السرير. يحملها إلى المطبخ ~~لتسخينها. يعود بها مع فوطة مبللة. يبسط سترة البيجامة فوق السرير. ~~يغطيها بالفوطة. يمر بالمكواة فوقها. ينتقل إلى الكمين ثم ~~الظهر. يناولها لي ويكوي البنطلون. أرتديهما متأففا. # يصلي الظهر ثم يرتدي البزة البنية. نغادر المنزل. نخرج إلى ~~الشارع. لافتة كبيرة بعرضه تهنئ «مشعل» بالعودة من الحج. «حج مبرور ~~وذنب مغفور». نستقل الترام. «العباسية» ثم «مصر الجديدة». نمضي من ~~أمام فيلا فخمة تجمع أمامها جمهور من السيدات البلديات. يقول ~~أبي إنهم فقراء ينتظرون الزكاة من اللحم. وإنهم ربما سيذوقونه لأول ~~مرة. # تستقبلنا «نبيلة» ms114 قائلة: اتأخرتوا قوي كده ليه؟ الغدا جاهز من ~~بدري. تلتفت إلي: مين اللي حلقلك كده؟ يقول أبي: أنا. تقول: مش ~~كنت توديه للمزين. تتحسس شعر رأسي. - شعرك أكرت زي شعر أمك. ~~تتأمل ملابسي. تهم بالكلام ثم تلزم الصمت. تفتح أمي شراعة ~~الباب الخارجي الزجاجية. تقول ل «نبيلة»: عايزة إيه؟ - أشوف بابا. ~~تقول لها أمي: مش أبوكي ولا يعرفك. تغلق الشراعة في عنف. أسرع ~~إلى الغرفة. أدفع الباب فينفتح. نست أمي إغلاقه بالمفتاح. أدخل ~~وأخبر أبي. يتوارى بعيدا عن النافذة. تمر «نبيلة» تحتها. ترفع ~~عينيها إلى أعلى. على شفتيها ابتسامة غريبة. # يتقدم «شوقي» و«شيرين» من أبي ليحتضنهما. ملابسهما جديدة. ~~تتأمل «شيرين» ملابسي ثم تقول: يا خبر إنت لابس بيجامة؟ يوجه ~~إليها عمو «فهمي» نظرة صارمة فتصمت. # نغسل أيدينا ونجلس حول المائدة. تغرف لنا «نبيلة» من سلطانية ~~حساء اللحم. صينية رقاق ولحم خروف محمر وبامية. يحتسي أبي الشوربة ~~بصوت مسموع. تراقبني أختي وتضبطني وأنا أحدث صوتا بشفتي ~~فتنهرني. # نصطف بعد الأكل فوق كنبة الصالة. يستأذن «شوقي» من أبيه للعب ~~مع الأولاد في الشارع. يقول لي عمو «فهمي»: متروح معاه. أخفض رأسي ~~وأتأمل بيجامتي: مش عاوز. # تظهر طنط «سميرة» شقيقة عمو «فهمي» عند الباب. في صحبتها زوجها ~~وابنتها «نادين». ينزل أبي ساقه المطوية ويرحب بهم. يتأمل «سميرة» ~~بتمعن. طويلة وعريضة مثل أخيها. وجهها أبيض مستدير وجميل. عيناها ~~واسعتان مكحلتان. فمها صغير ملون بالروج. يتضوع المكان بعطر منبعث ~~من ملابسها. سترة سوداء اللون. بلوزة بياقات طويلة تعلو ياقة ~~السترة. جونلة برتقالية مليئة بالكسرات. حذاء أبيض وأسود بكعب ~~عال. تقرب «خضرة» مقاعد المائدة ليجلس الجميع. # زوجها موظف في وزارة المالية. يرتدي طربوشا. بزته بلون بيج. يفك ~~زرار السترة فيكشف عن كرش مدلي فوق حافة البنطلون. ~~«نادين» أكبر مني بسبع سنوات. لها شفتان ممتلئتان وعينان ضيقتان ~~وصدر صغير. ترتدي بلوزة حريرية بياقة صغيرة وأكمام واسعة تنتهي ~~بأساور ضيقة. صدر البلوزة به كشكشة عرضية وأزرار صدفية ~~مستديرة. # تبدي أختي إعجابها بالبلوزة: الشميزيت ده يجنن. تهبط بنظراتها ~~فوق ms115 جونلة زرقاء يعلو طرفها القدم بشبر. ثم حذاء بكعب عال تخين . ~~- إيه ده. إيه ده. تضحك «سميرة»: الموضة يا ستي. - جبتيهم منين؟ - ~~من «شيكوريل». قبل ما يحطوا له الديناميت بتلات أيام. تلاقيه في ~~«شملا» و«أوريكو». - الواحدة تخاف تروح المحلات دي الوقت. - جربي ~~شركة بيع المصنوعات. # يقول زوجها إن الوقت قد حان لأن تحل الحكومة جماعة الإخوان ~~المسلمين. تشتكي «سميرة» من أن «نادين» تريد عمل تسريحة جديدة ~~لشعرها حسب الموضة: خصلتان متموجتان وشعر قصير حول جانبي الرأس ~~وفوق العنق بما يشبه القلنسوة. تضع ساقا فوق ساق. ترتفع الجونلة ~~حتى ركبتها. ترتدي جوربا من النايلون. يتأمل أبي ربلة ساقها ~~الممتلئة. تقول «نبيلة»: شفتي البرانيط اللي طالعين فيها الوقت. ~~تقول «سميرة»: إن قريبة لزوجها حضرت حفل شاي أقامته الأميرة ~~«فايزة» لجمعية المرأة الجديدة. رأت السيدات في برانيط غريبة ~~يعلوها ريش الطيور. - أغلبهم كان لابس أسود كأنهم في جنازة. تقول ~~«نبيلة» إن اللون الأسود ما زال هو الموضة. # يسأل أبي «نادين» عن القسم الذي ستلتحق به السنة القادمة. تقول: ~~فلسفة. يقترح عليها أن تقرأ من الآن بعض الكتب. يعطيها اسم كتاب في ~~الفلسفة الإسلامية. وآخر في علم النفس. أشعر أنها تستخف ~~باقتراحاته. # ينضم إلينا قريب لعمو «فهمي». طالب في السنة النهائية بكلية ~~الحقوق. يرتدي بزة من قماش كحلي مقلم بزراير على الصفين. ربطة عنق ~~دقيقة. نظارة نظر كبيرة مربعة الإطار. يخاطب أبي بلقب «أنيشتا» ~~تتبعه أخته «سلوى» الطالبة في الكلية الأمريكية للبنات. # تنسحب الفتاتان وتختفيان في حجرة «شوقي وشيرين». يفد «علوي» ~~الابن الأكبر للحاج «حمدي». سترة بيضاء بزرار واحد على جانب ~~وياقتين طويلتين تنتهيان أسفل البطن. بنطلون رمادي بثنية وحذاء ~~أبيض. يخلع الطربوش فيكشف عن شعر خفيف لامع ملتصق بجلد ~~رأسه. # يسأله أبي عن أخبار والده الذي يحج للمرة الثانية. يقول: زمانه ~~الوقت فوق جبل «عرفات». تحضر «خضرة» فناجين القهوة وزجاجات كازوزة ~~«سباتس». # يخرج «علوي» من جيبه فنجانا صغيرا من الزجاج. يصفق «فهمي»: أهو ~~جاب العدة. يقول «علوي»: عشان ما تكونش لك حجة. أعرف ms116 أنه يقرص ~~«الزهر» ولا يلعب معه أحد إلا إذا ألقى الزهر من الفنجان كي لا ~~يلمسه. # ينتقل الجميع إلى الفرانده. ترتدي «نبيلة» بلوفر قائلة إن الجو ~~مائل إلى البرودة. تتردد قهقهات أبي عالية. أقترب من غرفة الأولاد. ~~الباب موارب. أتلصص النظر. «شيرين» منحنية فوق الفراش تتصفح مجلة. ~~أسمع صوت «سلوى» تقول بصوت خفيض إنها حصلت على رواية ل «يوسف ~~السباعي». تريهما «شيرين» صفحة في المجلة عن رقصة أمريكية جديدة ~~تدعى «الهولاهوب». تظهر «نادين» في مجال رؤيتي. تضع يدها على ~~صدرها الصغير. تلتفت نحو الباب فأبتعد بسرعة. أسمعها تقول إن ~~الأمريكان اخترعوا سوتيانا جديدا يشبك ويفصل من الأمام فلا تحتاج ~~الواحدة لأن تلوي يدها خلف ظهرها كي تفكه. يضحكن في خجل. # أدفع الباب وأدخل. لا تلتفت إلي إحداهن. تقلب «شيرين» صفحة ~~المجلة. تستعرض الأفلام الموجودة في السوق بصوت مرتفع: «الصيت ولا ~~الغنى.» «محمد عبد المطلب» و«حسن فايق». «أميرة الجزيرة». «تحية ~~كاريوكا». «بشارة واكيم». «إسماعيل يس» و«شكوكو». «رجل لا ينام» في ~~«مترو» «يوسف وهبي» و«مديحة يسري». «نحو المجد» بطولة وإخراج «حسين ~~صدقي». دمه تقيل. تضع المجلة جانبا. أتناولها. أقلب صفحاتها. ~~تطالعني صورة الملك بالملابس العسكرية والنظارة العسكرية. تحت ~~الصورة بخط الرقعة: «الفدائي الأول». # أغادر الغرفة ومنها إلى الردهة الخارجية. أتنصت بجوار الحائط ~~الذي يفصلها عن المطبخ. صوت غسيل الصحون. باب غرفة الترسينة مغلق. ~~أمضي في الطرقة المؤدية إلى الحمام البلدي. هناك نافذة مفتوحة ~~تطل على الشارع. تتصاعد منه فرقعات البمب. أشب بقدمي. ألمح ~~«شوقي» وفي يده بندقية صيد. أدخل الحمام البلدي. أتبول. أغادره. ~~أفتح باب غرفة الترسينة. أدخل وأغلق الباب ورائي. أجذب المقبض ~~النحاسي المكسور للدولاب الصغير. الأدراج فارغة. ببعضها ملابس ~~قديمة. أغلق الدولاب. أهم بمغادرة الغرفة. صوت أقدام تجري. ~~أفتح الباب في خفة وأواربه. «خضرة» مندفعة نحو باب الصالة. على ~~وجهها أمارات الخوف. يندفع عمو «فهمي» خلفها قادما من المطبخ. ~~يحتك المانتوفلي الذي يرتديه بالبلاط العاري. يحاول الإمساك ~~بها. تلج الصالة وهو خلفها. أخرج إلى الردهة. أطل من باب الصالة. ~~تصطدم ms117 نظارتي بالمصراع الخشبي. يلحق بها عند الكنبة . وجهه متضرج ~~وعيناه تبرقان. يمد يده إلى صدرها. تزيحه عنها هامسة في لهوجة: لا ~~يا سيدي. حرام تقطع عيشي. تدور حول المائدة. تمر من أمام غرفة ~~الأولاد. تقترب من الباب المؤدي إلى الردهة الخارجية. أتراجع ~~بسرعة. أختفي في الترسينة. أسمعها تفتح باب الشقة وتخرج. أغادر ~~الترسينة إلى الصالة. عمو «فهمي» منحن أمام مرآة البوفيه. يتأمل ~~وجهه. يسوي شعره. يعتدل واقفا. يدخل غرفة الضيوف في طريقه إلى ~~الفرانده. يتلاشي صوت قدميه في البساط السميك. # 5 # يتكرر الطرق على الباب الخارجي. أمتطي جسم أبي النائم على ظهره ~~وأهبط عن السرير. أرتدي شبشبي. أخرج إلى الصالة. أدير المفتاح في ~~الباب. تدفعه «فاطمة» فيوشك على الاصطدام بوجهي. تتقدمني داخل ~~الغرفة. ~~- إنتم لسه نايمين؟ # يجيب أبي وهو يزيح الغطاء عن جسده: النهارده الجمعة. ~~- يلا أحضر لكم الفطار. # يعتدل أبي على جانبه الأيمن. يزيح جلبابه كاشفا عن ساقيه. تقع ~~عيني على حمامته بارزة من فتحة كلسونه. منتفخة كرأس قط. يظل ممددا ~~على جانبه دون أن يعبأ بتغطية نفسه. ينظر إلى «فاطمة». يمد يده ~~ويدعك حمامته. يعتدل جالسا ويدلي ساقيه. # تسأل: تحبوا تفطروا إيه؟ أعمل سخينة باللبن ولا فول مدمس؟ ~~أقول: عسل بطحينة. تقول: مفيش. يخاطبني أبي: خد نص فرنك وروح هات ~~من السرجة. - ما تبعت «فاطمة». يقول: النهارده الجمعة و«عباس» عايز ~~يفطر. تقول: أيوه. لازم أروحله ولا يهري جتتي. # أذهب إلى دورة المياه. أغالب خوفي وأدخل الكنيف. أتبول وأغسل يدي ~~ووجهي. أعود إلى الغرفة. أبي واقف بجوار الدولاب و«فاطمة» جالسة ~~على حافة السرير. أجفف وجهي بالفوطة الملقاة على مسنده. أهم بخلع ~~سترة البيجامة لأرتدي القميص والبنطلون. يقول أبي: متضيعش وقت. روح ~~بالبيجامة. يعطيني نصف فرنك. أقول: فين الطبق؟ تقول «فاطمة»: على ~~البوفيه. # أغادر الغرفة. أترك الباب مواربا. أتناول الطبق. يغلق أبي باب ~~الغرفة. أفتح باب الشقة ثم أغلقه بقوة. أسرع بالاختباء تحت ~~المائدة. أبتعد ناحية باب المنور كي لا تكشفني حواف المفرش. ترتطم ~~رأسي بحافة المائدة. أضع يدي على ms118 فمي لأحبس صرخة. أدعك مكان ~~الخبطة . أنكمش بعيدا عن أعشاش الصراصير المرصوصة في الركن. يدق ~~قلبي بقوة. لا أقوى على الخروج من مكمني والاقتراب من باب الغرفة. ~~أرهف السمع. لا صوت. لا أجسر على الحركة. قلبي يواصل الدق في قوة. ~~ضوء الصباح يعم الغرفة. أدخل في هدوء دون أن يشعرا بي. أتوارى ~~خلف عمود المشجب الخشبي. أنكمش بين بزة أبي ومنشته ومظلته. أسمع ~~حركتهما على السرير. صوت ضحكات هامسة. هو أو هي؟ علي كوميدينو ~~مجاور للسرير كأس ماء به طاقم أسنانه. أزيح سترته جانبا. ظهره لي. ~~رأسه عار يحف الشعر الرمادي بصلعته. ألمح جانبا من وجهه ~~الضاحك. يحيط أمي بذراعه. تضحك هي الأخرى. أمد يدي إلى سترته. ~~أدسها في الجيب الداخلي الذي يضم النقود. آخذ كل شيء. أتسلل ~~خارجا. يغادران الغرفة بعد قليل. يعود إلى الغرفة. يستدعيني. يغلق ~~الباب. يجلسني أمامه. يستجوبني. يتناول الخرزانة الرفيعة من فوق ~~سطح الدولاب. ينهال بها علي. # أسمع حركة. يفتح باب الغرفة. تخرج «فاطمة». تغدو بين البوفيه ~~والمطبخ. قبقابها يطرقع. تعد طبقا من الفول المدمس. تحمله إلى ~~أبي. تظل في الداخل. تخرج بعد قليل. تفتح باب الشقة. تخرج. تغلقه ~~خلفها. يغادر أبي الغرفة إلى الحمام. يتمتم ببعض الآيات. أعرف أنه ~~يتوضأ. أزحف تحت المائدة في اتجاه باب الشقة. ألمح ساقيه أمام ~~الحوض. أغادر مكمني والطبق في يدي. أتجه إلى باب الشقة. أفتحه في ~~رفق ثم أغلقه بقوة. ما زال أبي عند الحوض. يملس أذنيه بالماء. ~~يلتفت نحوي. يقول: هي «فاطمة» نسيت تقفل الباب؟ أقول وأنا ألوح ~~بالطبق الفارغ أمامه: السرجة قافلة. النهارده الجمعة. يقول: كانوا ~~بيفتحوا قبل الصلاة. أعملك بيض؟ أقول: مليش نفس. أدخل الغرفة ~~وأجلس إلى مكتبي. أخرج كراريسي من الشنطة. أفتح كتاب المطالعة أقرأ ~~قصيدة بعنوان: «رثاء قطة». يدخل أبي. يفرش سجادة الصلاة على ~~الأرض. يصلي الصبح. # يرتدي ملابسه. يخرج لصلاة الجمعة في المسجد. أتأكد من إغلاق ~~باب الشقة وباب الغرفة. أفتح الدولاب. أجر كرسي المكتب أمامه. ~~أعتليه. في مدخل الرف العلوي زجاجة ms119 عليها صور أسد. الكينا الحديدية ~~«بيسليري ». أتناول كتاب «شمس المعارف». أحمله إلى المكتب. أقلب ~~صفحاته. تسقط منه صورة صغيرة في حجم صور الكارنيهات. جديدة. ورقها ~~لامع. أتعرف على صاحبتها من رائحة العطر التي تنبعث منها. طنط ~~«سميرة». تبدو كما رأيتها في العيد. جميلة جدا. # أعيد الصورة مكانها. أتفحص الصفحات التي عينها أبي بقصاصات ~~الورق. أقلب الصفحات مرة أخرى. في نهاية الكتاب فهرست لأجزائه ~~الأربعة. أقرؤه بسرعة. أخط أرقام بعض الصفحات في كراس الإنشاء. ~~أبدأ بصفحة 108 في الجزء الأول. لا أفهم منها شيئا. أنتقل إلى ~~صفحة 25 من الجزء الثاني. ثم صفحة 61 من الجزء الثالث وصفحتي 3 ~~و140 من الجزء الرابع. # أقرأ: «تأخذ جلد بومة تدبغه بالحنا والشب وتكتب عليه حرف الألف، ~~وارسم معه اسم الملك والدعوة والإضمار واعمله عرقية والبسها.» ماذا ~~يعني الإضمار أو عرقية؟ أنتقل إلى غيرها: تكتب «يا قرشيا شرابيا ~~يهوبيا» على رمل وتجلس عليه وتقرأ قوله تعالى # وجعلنا من بين أيديهم سدا # إلى قوله # فهم لا يبصرون ~~. وتقول: ~~خذوا أعينهم وأبصارهم واجعلوهم يا خدام هذه الأسماء في بحر من ~~الظلمات حتى لا يروني. صم بكم عمي فهم لا يبصرون. # أواصل القراءة: «فائدة اسم «غفار». من وضعه في مربع في آخر ~~ليلة من الشهر في صحيفة من رصاص وحمله بعد تلاوة الاسم عدده أعمى ~~الله عنه بصر كل ظالم.» بجوار هذه الفقرة مربع بأربعة صفوف من ~~الأعمدة المتقاطعة. المربعات الرأسية تبدأ بحروف غ، ف، ا، ر. ~~المربعات الأخرى تحوي أرقاما. # أعود إلى «يا قرشيا شرابيا يهوبيا.» أنقل السطور القليلة في آخر ~~صفحة بكراس الإنشاء. أغلق الكتاب وأعيد الاثنين إلى مكانهما في ~~الدولاب. أجر الكرسي إلى مكانه. # أطل من البلكونة. «عبد الحميد» المجنون. يغادر المنزل ويتقدم إلى ~~مدخل الحارة. في ملابسه الكاملة والجريدة المطوية في يده. تدس أمي ~~المفتاح بعنف في القفل. تدفع الباب. أدخل الغرفة. تغلق الباب ~~ورائي بالمفتاح. أبي واقف عند النافذة. يتأمل حركة الشارع. أروي له ~~أخبار أمي. تسقط حصاة من النافذة. أسمع أحد ms120 الأولاد يهتف: «المجنون ~~أهوه.» # يعود أبي حاملا كيسا من عنب «جناكليس » الوردي ذي الثمرات ~~السميكة. وآخر من «القتة». لا أحب «القتة» لما بها من مرارة. أفضل ~~عليها الخيار. # أنتظر حتى يستبدل ملابسه. أتظاهر بحفظ إحدى الآيات القرآنية ~~المقررة علينا. أسأله عن الآية التي تبدأ ب: # وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~. يعرف ~~كثيرا من الآيات عن ظهر قلب. يمليها علي. # 6 # يحضر لنا عمو «فهمي» صندوقا مستديرا من البومبوني. فوق غطائه ~~صورة ملونة لولد أجنبي يرتدي قبعة عالية ويمسك بعصا. آخذ الصندوق ~~منه وأضعه على المكتب. يجلس فوق حافة الفراش. يرتدي سترة بلون بني ~~داكن وبنطلون بلون بيج. يحمل في يده كتابا. يضع الكتاب فوق ~~المكتب. يتربع أبي إلى جواره. يستديران ليتواجها. أجلس إلى مكتبي. ~~أستأنف مراجعة الميزان الصرفي وأفعال المقاربة والرجاء والشروع. ~~ألتقط كتاب عمو «فهمي»: «ألف ليلة الجديدة» ل «عبد الرحمن ~~الخميسي». «كتب للجميع». الثمن 5 قروش. يقول لي أبي في صرامة: سيب ~~الكتاب والتفت لدروسك. أقول إني انتهيت من درس القواعد. يقول: شوف ~~حاجة تانية. ينادي على «فاطمة» لتعد القهوة. أجذب كراسة الكيمياء. ~~أقرأ كيفية فصل الرمل عن الملح. # يخلع عمو «فهمي» الطربوش ويضعه إلى جواره. يمر بيده فوق شعره. ~~حوله حز دائري من أثر الطربوش. يقول إن البلد هايصة بسبب طلاق ~~الملك من الملكة «فريدة». وإن بنات مدرسة «السنية» تظاهرن هاتفات: ~~«خرجت من بيت الدعارة إلى بيت الطهارة.» # تجلب «فاطمة» فنجانين من القهوة في صينية. تضعها على المائدة ~~المستديرة. تتلكأ قائلة: حاجة تانية يا بيه؟ يقول أبي: لأ. مفيش. ~~تغادر الغرفة. يرتشفان القهوة في صمت. يقول له أبي: إيه القميص ~~الشيك ده؟ - «فان هاوزن». يخرج من جيبه علبة سجائر «بليرز» نمرة 3. ~~يسأله أبي: غيرت؟ يقول: أرخص من 3 خمسات بعشرة قروش. يعرض على ~~أبي سيجارة. يرفض قائلا: أنا مبغيرش. يشعل عمو «فهمي» سيجارة ~~بولاعته «الرونسون». أناوله المطفأة فيضعها بينهما على السرير. ~~يسأل: يا ترى معندكش طاولة؟ يهز أبي رأسه: لا. يضيف أنه كان يلعب ~~كل ليلة في ms121 قهوة «البرلمان» أيام تجارة الأراضي. يتحسر على ذلك ~~الوقت. يدور السمسار على اللاعبين بخريطة . يلقي عليها نظرة. يختار ~~قطعة أرض. لا يدفع شيئا. ولا يكاد يلقي بالزهر ويأخذ رشفة من كأس ~~الويسكي حتى يعود السمسار. يعلن له أن قطعته بيعت بثمن أعلى. ~~يحصل على الفرق دون مجهود. أكثر من ليلة يعود إلى المنزل في عربة ~~حنطور وفي يده كيس من العملات الذهبية. # يسأل عن «سميرة». يجيب عمو «فهمي» بأنها مشغولة على «نادين» ~~لأنها متمردة. تريد الذهاب مع خطيبها وحدهما إلى السينما. يقول ~~أبي: وفيها إيه؟ يلتفت ناحيتي فأتظاهر بالانهماك في القراءة. ~~يواصل: افرض باسوا بعض أو حاجة زي كده؟ مش بتحبه وحتتجوزه؟ يبقى ~~خلاص. سيبوكو بأه من الكلام القديم الفارغ. الدنيا تغيرت. # يشعل عمو «فهمي» سيجارة جديدة. يقول: الحقيقة يا «خليل» بيه أنا ~~جايلك في موضوع شخصي. أرفع رأسي عن الكتاب وأرهف السمع. يلتفت أبي ~~ناحيتي. أخفض رأسي. أحرك شفتي ويدي بالقلم. يشكو عمو «فهمي» متاعبه ~~مع «نبيلة». يقول: أنا مش متأخر عن طلباتها. جبتلها غسالة كهربا ~~بعصارة وحوض متحرك يساع 52 لتر. دخلت تليفون. جبتلها تلاجة ~~«إليكترولكس». - كهربا؟ - تشتغل بالكيروسين أو الكهربا أو الغاز. ~~يسأل أبي: طب وإيه اللي مزعلها؟ # يميل عمو «فهمي» برأسه ناحية أبي. أرهف السمع. يلتفت أبي نحوي. ~~يأمرني بالاستذكار في الصالة. أحمل الكراس وأفتح باب الغرفة ~~الموارب. أصطدم ب «فاطمة» التي تبتعد بسرعة. أترك الباب مواربا. ~~أقف قريبا منه. تقف «فاطمة» أمام البوفيه. تتشاغل بإغلاق ~~الملاحة. أسمع عمو «فهمي» يقول: مبترضاش تنام جنبي. وبتقول إنه ~~معدش لي في الستات. # يسأله أبي: ده صحيح؟ ~~- اسمع يا «خليل» بيه. أنت فاهم اللي يحصل لما الست ترفض ~~جوزها. ~~- قصدك إيه؟ # يرتفع صوت «فهمي» منفعلا: هي اللي قضت على رجولتي. ~~- وطي صوتك. # يستطرد «فهمي» دون أن يهتم: أنا مقدرش أقعد كده. بقالي أسبوع في ~~الهدوم دي مش قادر أغير لأن كل هدومي هناك. نتمشى جيئة وذهابا ~~فوق رصيف مدرسة اليهود. الشارع مظلم. شقتنا مضاءة. نافذة غرفة ~~النوم مفتوحة. نتوقف ms122 على الرصيف المقابل في مواجهتها. أمي وجدتي ~~تفتحان الدواليب. تكومان الملابس وتحزمان الحقائب. # نتبادل أنا و«فاطمة» النظرات. ننصت. صوت أبي: وقاعد فين ~~الوقت؟ ~~- عند واحد صاحبي. مقدرش أفضل كده. ~~- طب هدي نفسك. ~~- الوقت أنا كويس خالص. باقوم الصبح عال العال. # يكمل عبارته بصوت خافت. صوت أبي في حسم: ده انتعاظ الصباح. ما ~~لوش قيمة. يتوقفان عن الكلام. يتهامسان. ينادي أبي علي. أنتظر ~~لحظة ثم أدخل. يقول: هات كتاب الإنجليزي. وري عمك «فهمي» الكلمات ~~اللي انت مش عارفها. # 7 # أشرب كوب القرفة باللبن. تعد لي «فاطمة» الساندوتش الذي سآخذه ~~معي. مربي فراولة بالزبدة. تلفه في ورقة جريدة. تضعه إلى جوار ~~الشنطة فوق المكتب. أرتدي ملابسي. أحمل شنطتي وأترك الساندوتش. ~~يطلب مني أبي أن أرتدي البلوفر لأن الدنيا بردت. يعتدل أبي ~~جالسا. يشكو من تنميل في قدميه. تقرفص «فاطمة» تحت قدميه ~~وتدعكهما له. أغادر الغرفة. أخلع مفتاح الباب وأنا أتابعهما بركن ~~عيني. أضعه في جيبي. أوارب الباب. أفتح باب الشقة. أرهف السمع. لا ~~حركة. يبدأ قلبي في الدق. أغلق الباب بصوت مسموع وأهرع أسفل ~~المائدة. أضع الشنطة أمامي. أسمع صوت إغلاق باب الغرفة. صوت أبي: ~~اقفليه بالمفتاح. صوت «فاطمة»: مش لاقياه. - طيب، مش مهم، تعالي ~~هنا. # أرفع رأسي محاذرا الاصطدام بسطح المائدة السفلي. أفتح الشنطة ~~وأخرج منها كيس الرمل. أنثره على الأرض. أكتب فيه بإصبعي «يا قرشيا ~~شرابيا يهوبيا.» أجلس فوق الرمل. أتحاشى النظر إلى أعشاش الصراصير. ~~أردد بصوت خافت: خذوا أعينهم وأبصارهم واجعلوهم يا خدام هذه ~~الأسماء في بحر من الظلمات حتى لا يروني. صم بكم عمي فهم لا ~~يبصرون. أسكت. أنصت. لا صوت. # أخرج بحذر من تحت المائدة. أترك الشنطة فوق البوفيه وأقترب من ~~باب الغرفة. قلبي يدق في عنف. أضع عيني على ثقب المفتاح. لا أرى ~~شيئا. أدير رأسي وألصق أذني به. لا أسمع شيئا. أعدل وضع نظارتي ~~فوق أنفي. أدير مقبض الباب برفق وأدفعه قليلا. أردد في سري: «يا ~~قرشيا شرابيا يهوبيا.» أخطو داخلا في اطمئنان لأنهم لن ms123 يروني. ~~تطالعني مؤخرة أبي العارية بين ساقي «فاطمة» العاريتين المرفوعتين ~~إلى أعلى. راقدة على السرير ورأسها فوق الوسادة. أقترب خطوة. ~~أسمعها تقول: معلهش. الظاهر انت مليكش مزاج. يقترب بفمه من فمها. ~~تزيح فمها جانبا. يحاول تقبيلها. تبدو عليها الدهشة. يقول لها: ~~افتحي بقك. لا تفعل. يقول: امسكيه. تقول: كده؟ يقول: أيوه. تقول ~~بعد لحظة: مفيش فايدة. أقترب أكثر. تلتفت ناحيتي. تصرخ: يا دهوتي. ~~تزيحه جانبا وتبسط ملابسها. تهم جالسة. يلتفت أبي برأسه. يزعق: ~~بتعمل هنا إيه؟ أصيح: ينعل أبوكم. # أستدير مغادرا الغرفة. ألتقط شنطتي من فوق البوفيه. أفتح باب ~~الشقة. أغلقه خلفي بعنف. أخرج إلى الشارع. أعبر عرض الطريق إلى ~~الناحية الأخرى. أمضي في الشارع الجانبي الضيق الموازي لشارع ~~الترام. أبلغ المدرسة عند نهاية تحية العلم. أنضم إلى الطابور ~~أثناء الصعود إلى حجرات الدراسة. # درس اللغة الإنجليزية. ثم درس الطبيعة: خواص السوائل وقاعدة ~~«أرشميدس». ننزل إلى المعمل لنأخذ درس الكيمياء. المحضر غير ~~موجود ومصباح «بنسن» تالف. يشرح لنا المدرس على السبورة تحضير ~~«الأكسجين» من «كلورات البوتاسيوم». # يدق جرس الفسحة الصغيرة. يستعد الأولاد لنزول الفناء. يتجمعون ~~حول «ماهر». شعر رأسه مفروق من الجانب الأيسر. ياقة قميصه الأبيض ~~مفتوحة ومطوية فوق ياقة السترة. يحمل في يده جهازا غريبا. يقول ~~إنه ليس كاميرا وإنما نظارة مجسمة. «ستيريو سكوب فيوماستر». ~~نردد الاسم في صعوبة. يقول إنها تتيح للناظر من فتحتها رؤية ~~الدنيا على حقيقتها. تعرض صورا مجسمة بالألوان الطبيعية لأشهر ~~المعالم والحيوانات. يقترب المدرس ويمد يده ليتناول الجهاز. ينظر ~~في عدسته ثم يقول: ياه. الزرافة زي متكون واقفة قدامنا. يرينا ~~«ماهر» الفتحة التي توضع فيها أقراص الصور. يقول إن هناك 94 قرصا ~~منها 7 مشاهد ملونة. يسأل المدرس عن ثمن الجهاز. يقول «ماهر» بزهو: ~~مائة قرش. - ياه! والأقراص؟ - الواحد بعشرين قرش. # نهبط إلى الفناء. ينادي البواب اسمي. يعطيني لفافة قائلا إن ~~رجلا أسود على دراجة أحضرها. الساندوتش الذي نسيته. يلعب الأولاد ~~بالكرة الشراب. أراقبهم وأنا ألتهم الساندوتش. نحدد مرميا ~~الأهداف بقطع من الطوب. نتجمع ms124 حول «مجدي» و«هاني». يقذفان مليما ~~في الهواء. ملك أو كتابة؟ يفوز «هاني» بالملك. يبدأ اختيار أعضاء ~~فريقه. يتصفح الوجوه. يشير بإصبعه. يهرع أحدنا إلى جواره مزهوا. ~~يتلوه «مجدي». تتعلق عيناي بعينيه وهما تمران بنا. لا تتوقفان ~~عندي وإنما تنتقلان لمن يقف إلى جواري. يتواصل اختيار أعضاء ~~الفريقين. لا يتبقى في النهاية سواي. يعد كل كابتن أعضاء فريقه. ~~فريق «رمزي» ينقص واحدا. يشير إلي مستسلما. # يدق الجرس معلنا انتهاء الفسحة. نصعد إلى الفصول. يدخل مدرس ~~اللغة العربية. يشرح لنا الفعل المطلق. يتعجب من غبائي. طرق ~~علي الباب. يبدأ قلبي في الخفقان. يصيح المدرس: ادخل. يدخل مدرس ~~الجغرافيا حاملا خرزانة طويلة. خلفه «لمعي» الوسيم ذو الشفاه ~~الغليظة والوجه المتورد. تقترب قدماه من مكاني وهو يهز الخرزانة. ~~حذاؤه ضخم يكاد ينفجر من الجانبين. يزداد خفقان قلبي. يتجاوزني ~~إلى الصفوف الخلفية التي يجلس بها التلاميذ الكبار والراسبين. ~~ينتقي واحدا ذا رأس مبعجر. يجره إلى مقدمة الفصل. ينهال عليه ~~ضربا بالخرزانة دون كلمة. يتهمه بقلة الأدب وعدم التربية. لا ينبس ~~الولد بآهة ويتحمل العلقة صامتا. يستقر خلف قمطره. يرين علينا ~~جميعا الصمت. لا يعلق مدرس اللغة العربية بشيء. يخرج مدرس ~~الجغرافيا. نستأنف الدرس. نقرأ من كتاب النصوص واحدا بعنوان: «موت ~~محقق ونجاة غريبة.» يؤنبني المدرس على أخطائي في النطق. # تنتهي الحصة. لا يشير أحد منا إلى ما حدث. ننزل إلى قاعة الرسم. ~~المدرس أسمر متوسط القامة نحيلها. ربطة عنقه غير محكمة. عصبي. في ~~يده مجلة «المصور». يقرأ لنا منها قصة ولد عمره 13 سنة: قال لأبيه: ~~عار علينا يا والدي أن نبقى في «دمشق» و«فلسطين» تحترق. سأؤلف فرقة ~~كوماندوز من زملائي الأطفال. ونذهب إلى الميدان. أكبر الأب روح ~~الرجولة المبكرة في نجله فقبله وقال سنذهب سويا يا بني. وليكن ~~أول المنضمين إلى فرقتك أخويك الصغيرين. # يواصل القراءة وهو يلف القاعة: التحق الأب بقوات جيش الإنقاذ ~~وكون الولد فرقة من 30 طفلا. تسللوا معه من الحدود حتى «القدس». ~~نسفوا معاقل اليهود في حي النبي «داود». كان ms125 الصغير يقتحم حقول ~~الألغام وينسفها. أشرف على ثلاثة بيوت تحصن بها اليهود بمدافعهم ~~الرشاشة. تمكن من نسف البيتين الأول والثاني. هاجم الثالث ممسكا ~~مدفعه الرشاش بيمينه وفتيل اللغم بيساره وصاح: يا «هاجناه». إن ~~كنتم رجالا أطلوا برءوسكم وقاتلوني وجها لوجه. لم يجرؤ أحد وإنما ~~انطلقت رصاصة في ظهر الطفل أردته قتيلا. # ينتقل المدرس إلى السبورة. يقول: كل واحد يرسم اللي يعجبه من ~~القصة. أرسم الأب وولده. لا يعجبني الرسم. أزيله بالممحاة. أرسم ~~حقلا من النباتات والأشجار. أحتار في شكل الألغام وأين أضعها. ~~المدرس يلف من خلفنا. يتأمل ما نرسم. ينحني فوقي ويرسم لي شجرة. ~~يربت على ظهري مشجعا. أرسم ولدا على حافة الحقل. # يستبقيني المدرس أنا وثلاثة آخرين في نهاية الحصة. يأخذنا إلى ~~حديقة المدرسة. نجلس فوق الحشائش الخضراء أسفل شجرة. يعدنا أن يجعل ~~منا رسامين. يطلب منا أن نرسم فرع شجرة بما عليه من أوراق. أنقل ~~الفرع وأوراقه بدقة بالقلم الرصاص. أملأ الصفحة. أمشي فوق الرصاص ~~بقلم الحبر. يقول: كفاية كده النهارده. # أحمل شنطتي وأغادر المدرسة. أمضي في الشارع المؤدي إلى مدرسة ~~اليهود. أخطو فوق الحصى الملون. أقف عند الناصية. أتطلع يسارا. ~~أغصان الأشجار جرداء. أخطو فوق زهور صفراء وحمراء. أبلغ الناحية ~~المقابلة لمنزلنا. نوافذ شقتنا مفتوحة. يتراءى منها خيال شخص. على ~~بعد خطوات وابور زلط هاجع. جانب الطريق مرصوف بالأسفلت. رائحة ~~الزفت المغلي. كوم الزلط أمام المنزل. تلمع حباته في ضوء القمر. ~~نجلس فوق قمته. نحك حبات الزلط بعضها ببعض. ينطلق منها شرار ملون. ~~يناديني أبي فأسرع إلى الداخل. أذهب على الفور إلى الحمام. أغسل ~~وجهي وقدمي. ألحق به عند النافذة. يكون الظلام قد حل. تأتي أمي ~~بالقهوة وهي تغني. # أعود إلى بداية الشارع ومنه إلى الميدان. أعبره. أمضي من أمام ~~دكان الحاج «عبد العليم». أدخل الحارة. ألمح أبي في البلكونة. ~~الشال الصوفي العريض حول رقبته. الطاقية الصوفية الكبيرة فوق رأسه. ~~عنقه ملوي نحو مدخل الحارة. يتراجع بمجرد أن يراني. أصعد الدرج. ~~أفتح الباب بمفتاحي. أدخل الحجرة. يقف ms126 إلى جوار الدولاب ممسكا ~~بكتاب «شمس المعارف». لا يكلمني. # أضع الشنطة فوق المكتب. أستخرج كراساتي. أرصها فوق بعضها. أتابعه ~~بركن عيني. يستدير. يضع الكتاب مفتوحا على السرير. يغادر الغرفة. ~~أختلس النظر من الباب الموارب. أسمع صوته في المطبخ يعد الطعام. ~~أستخرج مفتاح الغرفة من جيبي. أدفعه في ثقب الباب. أقترب من ~~السرير. أنحني فوق الكتاب. هناك كتيب صغير بين دفتيه. أرفعه لأقرأ ~~عنوانه. أتوقع شيئا عن عقاب الابن العاق. «في القوة على الباه». ~~أقلب صفحاته. لا أفهم شيئا. أعيده إلى مكانه. # أخرج إلى الصالة. أبحث عنه. لا أثر له في الكنيف أو المطبخ. أعود ~~إلى الصالة. باب المنور مغلق. أقترب من حجرة «ماما تحية». الباب ~~مغلق. أنظر من ثقب المفتاح. كما هي عارية من أي أثاث. ألف حول ~~المائدة. باب حجرة الضيوف مغلق. أنظر من ثقب المفتاح. يطالعني ~~جالسا فوق الكنبة. رأسه منحن. يتأمل الأرض. يرفع يديه إلى وجهه. ~~يجهش فجأة بالبكاء وينهنه كالأطفال. # 8 # ينتهي من صلاة الجمعة فوق السرير. ينزوي متجهما في ركنه اللاصق ~~بالحائط. المسبحة الألفية في يده. يردد في تركيز اسم ~~«لطيف». # أسمع ضجة في الحارة. ألبس نظارتي وأهرع إلى البلكونة. يرتفع صوته ~~بالاسم الإلهي دون أن يلتفت نحوي. طريقته في التحذير من عمل أي ~~ضجة. # أقف خلف المصراع الزجاجي. الأولاد يحملون الطائرات الورقية. ~~ترتفع في سماء الحارة بألوان وأحجام مختلفة. يصنع لي طائرة بلون ~~برتقالي. أصعد مع الأولاد إلى سطح المنزل. كل واحد معه طائرته. ~~نقبض بشدة على الخيوط. نطلقها في الهواء. تحلق عاليا. # يجري الأولاد خلف طائراتهم المحلقة. يختفون عن نظري. أعود إلى ~~المكتب. أراجع درس قياس الأطوال واستعمال الفرجار والقدمة. يتردد ~~نداء في الحارة: سن السكين والمقص. أهرع إلى البلكونة. الرجل وسط ~~الحارة خلف آلته. يحضر له «سمير» عدة سكاكين. يدفع العجلة المطاطية ~~بيده فتدور. يضع سكينا على حافتها. ينطلق منها الشرر. يحركها من ~~مقبضها حتى طرفها. يرفعها ويعكسها. يضعها فوق العجلة. يظهر «عبد ~~الحميد» قادما من مدخل الحارة. يسير في وقار حتى ms127 باب المنزل. نمر ~~من البوابة الحديدية الكبيرة. يضم أبي كيس التفاح إلى صدره. نمشي ~~في طريق طويل مترب تحف به الأشجار الباهتة. نصل إلى مبنى من ~~طابق واحد. ممرضات ذوات أجساد ضخمة. تتقدمنا واحدة تتدلى من خصرها ~~سلسلة حديدية طويلة. تجرها خلفها على البلاط العاري. شبشبها ~~المتآكل يكحت الأرض. كعباها تتخللهما الشقوق السوداء. ممر طويل ~~تصطف على جانبيه أبواب مغلقة. بعضها له قضبان حديدية. خلفها نساء ~~لهن نظرات غريبة. إحداهن تقهقه ضاحكة بصوت عال. تشير إلي ~~امرأة بيضاء سمينة بوجه مليء بالبثور وتهمس: تعال. أتعلق بيد ~~أبي. صالة مفتوحة بها عدة أسرة. أمي فوق أحدها. تبتسم في هدوء. ~~يقدم إليها أبي كيس التفاح. تتناول منه واحدة. تمسحها بيدها وتقضم ~~جانبا منها. تداعب وجهي بأصابعها. تسألني عن المدرسة في غير ~~اهتمام. الممرضة الضخمة ترقبها عن كثب وعيناها على التفاح. # تصل أصابعه إلى منتصف السبحة. أفتح الشنطة. أستعرض ما لدي من ~~بلي. أحرص على أن تكون من نوع واحد. الغالبية على هيئة كرات ~~شفافة داخلها خطوط متعرجة متنوعة الألوان. أنتقي أربعة من أحجام ~~وأشكال مغايرة. أضعها جانبا لأستبدلها أثناء اللعب. # تقترب أصابعه من نهاية المسبحة. أضع الشنطة جانبا. أفتح كراسة ~~الإنشاء. أكتب كلمة «المطالعة» في منتصف السطر. أفكر ثم أترك سطرا ~~وأكتب بحروف كبيرة: «المطالعة وما أدراك ما المطالعة.» يمتلئ ~~السطر. أترك سطرا وأنتقل إلى السطر التالي. أتوقف عاجزا عن ~~الاستمرار. # أنتظر حتى ينتهي من ألفيته. أقترب منه في تردد حاملا كراسة ~~المسودات وقلم الحبر. يكتب لي دائما موضوعات الإنشاء ثم أنقلها ~~بخطي. أتطلع إلى خده الحليق الناعم. يتناول مني الكراس. # يقول: هات قلم الرصاص. # | شكر واجب # للشاعر «حمزة قناوي» على ما قدمه من عون في المراحل المختلفة من ~~إعداد هذا الكتاب وخاصة في مراجعة المخطوطة وإعدادها للطباعة. ms128