######OpenITI# #META# URI: 1450SuncAllahIbrahim.TilkaRaiha.Hindawi85372584 #META# Tags: novels :: literature #META# ID: 85372584 #META# Title: تلك الرائحة: وقصص أخرى #META# AuthorID: 17162047 #META# Author: صنع الله إبراهيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبل أن تقرأ‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # على سبيل التقديم‏ # مقدمة يوسف إدريس للطبعة الأولى‏ # تلك الرائحة‏ # الثعبان‏ # أرسين لوبين‏ # بعد الظهر عبر ثلاثة أسرة‏ # أغاني المساء‏ # أبيض وأزرق‏ # قبل أن تقرأ‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # على سبيل التقديم‏ # مقدمة يوسف إدريس للطبعة الأولى‏ # تلك الرائحة‏ # الثعبان‏ # أرسين لوبين‏ # بعد الظهر عبر ثلاثة أسرة‏ # أغاني المساء‏ # أبيض وأزرق‏ # | تلك الرائحة # | تلك الرائحة # | وقصص أخرى # تأليف # صنع الله إبراهيم # | قبل أن تقرأ # واكبت سنوات مراهقتي نهاية العهد الملكي في مصر. كانت البلاد ~~تموج بدعوات التحرر الوطني من الوجود الإنجليزي العسكري، ~~والتحرر الاجتماعي من سيطرة الإقطاع، ومن الأمية والمرض والحفاء! ~~.. وشكلت هذه البيئة وجداني، وخاصة الحديث عن أن المعرفة هي كالماء ~~والهواء يجب أن تكون للجميع وبالمجان. # وفي مغرب يوم من سنة 1951م، كنا أنا وأبي عائدين من زيارة لأحد ~~أقاربنا في شرق القاهرة. توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ «الباص» إلى ~~غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم! كانت ~~مقاعد «الباص» آنذاك - والترام أيضا - مقسمة إلى درجتين بثمنين ~~متفاوتين للتذاكر التي يوزعها «كمساري» برداء أصفر مميز أثناء ~~مروره على الركاب. # جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت ~~في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقا في أفكاره التي ~~تثيرها دائما أمثال هذه الزيارات. # قلت بحماس طفولي: «سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح ~~الركوب بالمجان.» # تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفت: «والكتب ~~أيضا!» # تطلع إلي باستياء من سذاجتي: نعم! الكتب بالمجان؟ يا لها من ~~سذاجة! # ولم أتصور وقتها أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبي أنا متاحة ~~للقراءة بالمجان! وذلك بفضل مبادرة جريئة من مؤسسة مصرية ~~طموحة، فشكرا لها! # صنع الله إبراهيم # | مقدمة الطبعة الثالثة # صدرت الطبعة الأولى من هذه المجموعة سنة 1986م، بالقاهرة والدار ~~البيضاء، وتلتها الطبعة الثانية بالقاهرة سنة 1993م. وتضم هاتان ~~الطبعتان، كما هو شأن الطبعة الحالية، النص الكامل لرواية «تلك ~~الرائحة». # وكانت طبعتها الأولى قد صدرت - وصودرت - في القاهرة منذ سبع ms01 ~~وثلاثين سنة، سنة 1966م، وتلتها طبعة غير كاملة في 1969م في القاهرة، ~~وأخرى غير كاملة أيضا في مجلة «شعر» البيروتية، ثم أعيد نشر ~~الطبعة الناقصة سنة 1971م في القاهرة، ولم تنشر الطبعة الكاملة إلا ~~سنة 1986م في الخرطوم، وفي نفس السنة نشرت كاملة أيضا في القاهرة ~~والدار البيضاء، في مجلد يضم القصص القصيرة. # وقد سبق أن أشرت في تقديم تلك الطبعة إلى عزوفي عن قراءة نصوصي ~~السابقة. وهو ما أفعله مرغما عند مراجعة طبعاتها الجديدة. هكذا ~~وجدتني مضطرا إلى قراءة هذه المجموعة من جديد، وأثارت هذه القراءة ~~شجونا عدة تتعلق برحلتي الطويلة في الكتابة والحياة، كما واجهتني ~~مرة أخرى بأخطائي اللغوية التي لم أكن أعبأ بها في مستهل عملي، ثم ~~حرصت على تلافيها بعد ذلك .. وما زلت أحاول! # والواقع أن الفترة التي بدأت فيها الكتابة كانت تتميز بإهمال ~~عام من الكتاب لقواعد اللغة والترقيم، التي اعتبروها - وخاصة في ~~الكتابات الصحفية - شيئا ثانويا. ولعبت طرق تدريس اللغة دورا ~~هاما في ذلك؛ إذ اعتمدت الحفظ أساسا لها ولم تعبأ بمخاطبة عقول ~~التلاميذ من خلال بسط «منطق» القواعد والتخلص من متحجراتها. وقد ~~نجحت المدرسة في إثارة نفوري من القواعد، وأقامت حاجزا نفسيا ~~منيعا بيني وبينها. # والقارئ لمقدمة «يوسف إدريس»، التي حرصت على نشرها كما هي، سيلحظ ~~على الفور عدم مبالاته بقواعد النحو والصرف. وأذكر أني استفسرت من أحد ~~الكتاب الصحفيين عن رأيه في لغة إحدى قصصي الأولى - «الثعبان» - من ~~ناحية القواعد النحوية، فأشاح بيده في لامبالاة قائلا: إنها مسألة ~~تافهة يمكن علاجها «بواحد أزهري مقابل شلن»! # لكن الأمر في «تلك الرائحة» كان أكبر من مجرد النفور من القواعد ~~والاستهتار بها؛ فقد كان - كما أشار يوسف إدريس في مقدمته - تعبيرا عن ~~حالة التمرد التي سيطرت على العمل كله. وقد تغيرت نظرتي للأمر مع ~~الزمن بفعل عوامل عدة، منها بروز كتاب - «إدوار الخراط» - جعلوا من ~~اللغة أساسا لعملهم. وتواكب ذلك مع ازدياد الاهتمام العام بسلامة ~~اللغة، نتيجة التقارب مع مراكز تحرص عليها، مثل دمشق وبغداد، ms02 ونتيجة ~~أيضا لانتقال «المركز الصحفي» من القاهرة إلى بيروت، ثم الخليج، وربما ~~أيضا كرد فعل للهجوم الاستعماري الضاري على المنطقة ~~وثقافتها. ~~••• # أثارت القراءة الراهنة لهذه المجموعة أيضا فرصة ملاحظة بذور ~~الظاهرة التي ميزت عملي، وهي تلك الخاصة بالتناص أو تضمين الوثائق، ~~والتفاعل مع أشكال أخرى من الإبداع الفني؛ ففي «تلك الرائحة» توجد ~~وثيقة فريدة، هي الترجمة العربية لقصيدة كتبها بالإنجليزية المرحوم ~~«شهدي عطية» (1913-1960م)، قبل شهور من اعتقاله الأخير سنة 1959م، الذي ~~فقد حياته خلاله تحت وطأة التعذيب، وما زلت أحتفظ بأصل القصيدة بخط ~~يده. # وذكرتني القصص القصيرة أيضا بالتأثيرات التي تعرضت لها في ~~بداية عملي. ولا شك أن القارئ المدقق سيلمس أثر رواية «الطاعون» ~~لكامي في قصة «الثعبان»، وأثر أسلوب «جورج سيمنون» المبهر ببساطته ~~وسخريته الخفية في قصة «ثلاثة أسرة»، و«هيمنجواي» في قصص الطفولة. ~~وأظن أن استخدامي لتقنية «الفلاش باك» في «تلك الرائحة» بلغة شاعرية ~~تعارض لغة السرد الرئيسي، قد جرى بتأثر من رواية «ثلوج كلمنجارو»، ~~وقد كان تأثرا لا واعيا؛ إذ كنت من الغرور والاعتزاز بالنفس لأربأ ~~بنفسي عن أي تقليد متقصد لكاتب آخر. ~~••• # استدعت القراءة الراهنة أيضا المشاكل التي جلبتها لي «تلك ~~الرائحة»، والتي رويت طرفا منها في تقديم الطبعة السابقة. # ولكن المشكلة التي ما زالت تلاحقني، ونتيجة أيضا لأعمالي الأخرى، ~~هي ميل القراء إلى اعتبار ما أكتبه واقعا مؤكدا حدث لي. السبب في ~~ذلك بالطبع هو أني أفضل استخدام ضمير المتكلم، لما يسبب لي من ~~راحة (ولأني أيضا أميل إلى قراءة الروايات التي تستخدمه)، ولأني ~~أستعين ببعض المواقف والخبرات التي مررت بها بالفعل، كما أن أغلب ~~أعمالي تشير عادة إلى شخصيات وأحداث حقيقية. لكن ما أكتبه لا يمكن ~~اعتباره من قبيل السيرة الذاتية. وبعبارة أخرى، فإذا كنت أستعين ببعض ~~الخبرات الشخصية، فإنها تتعرض لكثير من التحريف والتغيير طبقا ~~لأهداف العمل. وقد جلب لي سوء الفهم هذا كثيرا من المشاكل والمواقف ~~الحرجة؛ فغالبا ما يسألني أحد القراء عما إذا كنت أنا شخصيا «شرف» ~~الذي اغتصب في السجن، ms03 وعن مصير البنت الروسية التي نمت معها في ~~أسوان، وقطع البعض بأن «لميا» بطلة «بيروت بيروت» هي فلانة، وأن «ذات» ~~هي زوجتي أو أختي. ووصلت المسألة إلى ذروة الخطر في حالة «وردة» التي ~~تدور أحداثها في سلطنة عمان؛ فقد اتصل بي أحد مواطنيها محتدا ~~ومهددا قائلا بالحرف: «كيف أسمح لنفسي أن أفضح شرف «حرمة»؟» ~~وهددني بعواقب وخيمة إن لم أصحح الأمر. وعبثا حاولت أن أبين ~~له أنني مؤلف، وأن شخصيات الرواية بما فيها الراوية ذاتها لا وجود ~~لها في الحقيقة، حتى لو تشابهت مع شخصيات واقعية، إلا في حالات ~~محدودة تجري الإشارة إليها. ~~••• # جلبت لي «تلك الرائحة» أيضا مشاكل عائلية عديدة؛ ففيها يتحدث ~~الراوية عن أخ وأخت وعم وأقارب، ساردا تفاصيل حميمة عنهم، من ~~شأن بعضها أن يصدم القارئ. لم يثر ذلك شيئا عند نشرها في المرة ~~الأولى؛ فبعض أقاربي الذين تنطبق عليهم هذه الأوصاف كفوا عن ممارسة ~~القراءة أو انتهت علاقتهم بفن الرواية عند «يوسف السباعي» و«إحسان ~~عبد القدوس»، ومن قرأها منهم صدفة - من مجايلي أو من الجيل الأكبر ~~- لم يأخذ عملي على محمل الجد، واعتبره في الغالب نزوة من نزواتي التي ~~اشتهرت بها وقادتني في السابق إلى السجن. # لكن الأحفاد كان لهم شأن آخر. # فعبر العقود نشأ جيل منهم وصل إلى الجامعة، ومن سوء حظي أن البعض ~~منهم أغرم بالقراءة، وقراءة الأدب بالذات. ثم إن العصر صار غير العصر؛ ~~فما كان يبدو مقبولا منذ ثلاثة عقود، صار الآن رجسا من عمل الشيطان ~~في ظل الظلامية التي أسدلت أستارها على البلاد. ووقعت إحدى طبعات ~~«تلك الرائحة» في أيدي بعضهم، فحملوها إلى الآباء والأجداد متسائلين، ~~وربما ساخطين. # وجاء اليوم الذي توفيت فيه إحدى قريباتي. علمت بالخبر في ~~الصباح، وبدأت أستعد للقيام بواجب العزاء. وإذا بزوجتي تحمل إلي ~~النعي المنشور في جريدة الأهرام قائلة إنه لا يوجد ما يدعوني للخروج. ~~وعرفت السبب عندما قرأت النعي الذي يضم أسماء الأقارب؛ إذ وجدت مكان ~~اسمي فارغا؛ مما يوحي بأن أحدا تذكر بعد إعداده ms04 للنشر ما «ارتكبته ~~من جرائم»، وتمكن من إزالة اسمي في اللحظة الأخيرة! # ربما أمكن اعتبار كل ذلك بعضا من متاعب المهنة الضرورية، وربما أمكن ~~اعتبارها مؤشرا على نجاحي في إقناع القارئ بالأكذوبة التي هي الرواية، ~~لكني ما زلت أتمنى أن يفصل القارئ بين شخصي والراوية؛ فهو كاذب كبير، ~~حتى لو صدق! # ص. إ # أكتوبر 2003م # | على سبيل التقديم # سألني أستاذنا الكبير يحيى حقي، عندما التقيت به مؤخرا في إحدى ~~المناسبات، عما إذا كنت أذكر النقد الذي وجهه إلى روايتي الأولى ~~«تلك الرائحة» عقب نشرها أول مرة في فبراير 1966م، وعندما أجبت ~~بالإيجاب، سألني عن رأيي الآن، بعد مرور قرابة العقدين، في نقده، وفي ~~روايتي عموما. # في تلك اللحظة كنت قد أوشكت أن أنسى كثيرا من تفاصيل الرواية؛ فقد ~~مرت سنوات طويلة منذ قرأتها لآخر مرة؛ فليس من عادتي أن أعود إلى ~~ما سبق لي كتابته؛ فمثل هذه القراءة تثير مللي، إن لم تكن مصدرا ~~للشعور بالإحباط. # أما النقد الذي وجهه الأستاذ يحيى حقي للرواية، فلم أنسه ~~أبدا! # كنت قد دفعت بالمخطوطة إلى مطبعة بدائية صغيرة في حي الظاهر، في ~~فترة نادرة من تاريخ مصر الحديث، ألغيت فيها الأحكام العرفية، ولم ~~يعد الكتاب يتطلب موافقة الرقابة قبل دخول المطبعة، رسميا على ~~الأقل! فقد احتفظ الرقيب بمكتبه ووظيفته كما كان الأمر في السابق، وكل ~~ما حدث من تغيير هو أن مكتبه أصبح بلا لافتة، وأن مصادرة الكتب لم ~~تعد تتم قبل الطبع وإنما بعده. # وهذا ما حدث مع كتابي؛ فلم تكد طباعته تنتهي حتى صدر الأمر ~~بمصادرته. ولا أذكر إذا كنت قد استدعيت إلى مكتب رئيس الرقابة أو ~~أني ذهبت بنفسي شاكيا. المهم أني قابلت المرحوم طلعت خالد، أحد ~~معاوني عبد القادر حاتم المخلصين، وكان قد جمع لديه بعض كبار موظفي ~~مصلحة الاستعلامات ليتسلوا بالفرجة علي، وبسط أمامه نسخة من ~~الرواية المصادرة، وقد ظهر أثر القلم الأحمر على هوامش أغلب صفحاتها، ~~ثم سألني باستهزاء: لماذا رفض البطل أن ينام مع المومس التي ms05 أحضرها ~~صديقه .. هل هو «مرخي»؟ # لم أعن كثيرا بمجادلته . وقد كنت تمكنت من استخلاص عدد من ~~النسخ المصادرة، فقمت بتوزيعها على أصدقائي ومعارفي من الكتاب ~~والصحفيين، وحاولت أن أوسط البعض منهم من ذوي النفوذ في الإفراج عن ~~الرواية، فذهبت مع المرحوم الأستاذ زكي مراد إلى الأستاذ أحمد حمروش، ~~الذي كان يرأس تحرير مجلة «روزاليوسف» في ذلك الوقت، ورحب الرجل بي ~~بحرارة، وأراني بروفة العدد الجديد من المجلة وبه تعليق صغير له عن ~~الرواية تحت عنوان «لغة العصر». وعندما أبلغته بنبأ المصادرة ظهرت ~~عليه المباغتة، ورفع سماعة التليفون واتصل بقريبه الأستاذ حمدي حافظ ~~في مصلحة الاستعلامات، فاستمع إليه برهة، ودون أن يعيد السماعة إلى ~~مكانها اتصل بمطبعة المجلة وطلب شطب مقاله عن الرواية. # ولكن أغلب الكتاب والصحفيين لم يصلهم نبأ المصادرة في الوقت ~~المناسب، فظهرت تعليقات عدة في الصحف والمجلات، بينما كان الكتاب ~~يرقد في مخازن وزارة الداخلية. وكان الأستاذ يحيى حقي من الذين ~~أهديتهم إحدى النسخ، وكنت قد تعرفت إليه قبل شهر عقب خروجي من ~~السجن في منتصف 1964م، فذهبت إليه في مجلة «المجلة» التي كان يرأس ~~تحريرها، فاتحا أبوابها أمام كافة الكتاب، والجدد منهم بوجه خاص، ~~تاركا المكتب الخشبي الثمين الذي يتصدر غرفته، مكتفيا بمقعد جلدي ~~مريح إلى جانبه. وفي أول لقاء معه حملت إليه عرضا لأحدث كتب الناقد ~~الإنجليزي ستيفن سبندر. وجلست أقرأ المقال عليه وهو ينصت باهتمام، ~~ويدرسني بعينيه الذكيتين، مصححا لي في رفق ما ارتكبته من ~~أخطاء فادحة في النطق. وعندما فرغت من القراءة أعلن قبوله للمقال، ~~وكان أول شيء ينشر لي بعد خروجي من السجن، وحصلت من ورائه على ~~عشرة جنيهات كاملة تكفلت بنفقاتي لمدة شهر. # ذهبت إليه بنسخة من «تلك الرائحة»، فتناولها مني بحفاوة بالغة، ~~وبعد أن تبين العنوان قال مجاملا: إن الغرفة أوشكت أن تعبق ~~بالعبير الزكي الذي يفوح منها! # ولم تمض أيام حتى صحح الأستاذ الكبير غلطته بمقال عنيف في عموده ~~الأسبوعي بجريدة «المساء»، قال فيه: ~~«لا زلت أتحسر على هذه الرواية ms06 القصيرة التي ذاع صيتها ~~أخيرا في الأوساط الأدبية، وكانت جديرة بأن تعد من خيرة ~~إنتاجنا لولا أن مؤلفها زل بحماقة وانحطاط في الذوق؛ فلم ~~يكتف بأن يقدم إلينا البطل وهو منشغل بجلد عميرة (لو ~~اقتصر الأمر على هذا لهان)، لكنه مضى فوصف لنا أيضا عودته ~~لمكانه بعد يوم، ورؤيته لأثر المني الملقى على الأرض. ~~تقززت نفسي من هذا الوصف الفزيولوجي تقززا شديدا، لم ~~يبق لي ذرة من القدرة على تذوق القصة رغم براعتها. إنني لا ~~أهاجم أخلاقياتها، بل غلظة إحساسها وفجاجته وعاميته. هذا هو ~~القبح الذي ينبغي محاشاته، وتجنيب القارئ تجرع ~~قبحه.» # كان كاتبنا الكبير يسألني إذن عن موقفي مما أسماه في ذلك المقال ~~بالتعبير الفزيولوجي، لكن ذهني انصرف أثناء حديثي معه إلى تجربتي ~~كلها، فأجبته بأني أشعر كما لو أني بدأت الآن فقط في تعلم ~~الكتابة؛ فكل كتاب جديد لي يكشف لي عن جانب كنت أجهله من هذا الفن، ~~يزيد من إدراكي لحدود إمكانياتي ولنقاط الضعف والعجز لدي، كما يضاعف ~~من تقديري لعتاولة الكتاب الذين يقتحمون الورق مسلحين بأدوات عدة، ~~قبضوا على ناصيتها بإحكام شديد. ولم يكن هذا شعوري عندما بدأت أولى ~~خطواتي، وهو ما أعتبره أمرا طبيعيا. # كنت - عندما كتبت «تلك الرائحة» - خارجا لتوي من السجن، خاضعا ~~للرقابة القضائية التي تستلزم التواجد في المنزل من غروب الشمس حتى ~~شروقها. وكنت أقضي بقية اليوم في التعرف على عالم ابتعدت عنه أكثر ~~من خمس سنوات. وما إن آوي إلى حجرتي، حتى أجد نفسي مدفوعا لأن ~~أسجل بلمسات سريعة ما مر بي من أحداث ومشاهدات كانت تهزني بعنف ~~وتبدو لي عجائبية، ثم أزيح هذه اليوميات جانبا وأعود إلى رواية ~~بدأتها في السجن، عن عالم الطفولة. وكنت قد خططت لها أن تتألف ~~من عدة قصص مستقلة، تجمع بينها الشخصيات الرئيسية والموضوع العام. ~~وكتبت منها عدة فصول نجحت في تهريبها إلى خارج السجن بفضل الصديق ~~حسين عبد ربه، الذي حملها معه عند الإفراج عنه (تضم المجموعة الحالية ~~اثنتين من هذه القصص هما «أرسين ms07 لوبين» و«أغاني المساء»). # كنت أعود إلى الرواية فأجدني عازفا عن المضي في كتابتها؛ فقد ضاع ~~الوهج الذي لازم العمل فيها بين جدران السجن، واستولى الواقع الجديد ~~على كل مشاعري. # ومن جديد برز السؤال المعهود: ماذا أكتب، وكيف أكتب؟ # أقول من جديد لأنه طالما لاحقني في السجن، منذ اللحظة التي قررت ~~فيها أن أهب حياتي لهذا الفن. وأحيانا ما كنت أضرب عرض الحائط ~~بالشق الأول من السؤال، متحديا في سذاجة الشباب وحماسه، الصياغة ~~التي ألهبت خيالنا في الخمسينيات للعلاقة بين صورة العمل الفني ~~ومضمونه، والتي بسطها الأستاذان محمود العالم وعبد العظيم أنيس في ~~مقالاتهما الشهيرة؛ فقد كان التمرد هو طابع الفترة. # كانت السنوات الأولى من الستينيات بالغة الخصب، في السياسة والفن ~~والحياة، كانت فترة الصعود لطبقة متوسطة فتية في مصر وبلدان العالم ~~الثالث أمكنها أن تكيل ضربات قاصمة للاستعمار القديم المتهاوي، ~~مستفيدة من توازن عالمي ملائم للقوى، وأن تصوغ حلما للعدالة ~~الاجتماعية لم يقدر لها أن تتمكن من تحقيقه. وكانت الحركة ~~الاشتراكية قد استيقظت على مساوئ عبادة الفرد، وبدا الطريق أمامها ~~ممهدا لاستخلاص النتائج الضرورية من ذلك. وكان الإنسان قد صعد إلى ~~القمر، ودخل السلوك الجنسي إلى المعمل لتتكشف أكثر الحقائق إثارة، من ~~قبيل عدد مرات الأورجازم لدى المرأة الطبيعية والتي يمكن أن تصل إلى ~~خمسين أورجازما في الليلة الواحدة مقابل اثنين أو ثلاثة في المتوسط ~~للذكر المسكين. # ومن وراء أسوار سجن الواحات الخارجة، كنا - أنا وأصدقائي كمال القلش ~~ورءوف مسعد وعبد الحكيم قاسم - نتابع في حماس الشعراء السوفييت - ~~الشابين يوفتوشنكو وفوزنيينسكي والعجوز تفاردوفسكي - وهم يفجرون ~~الأبنية العتيقة، بقدر ما كنا نتابع تجارب الكتابة التلقائية، ~~وفنون الضوء والحركة في أمريكا، وموجة «الرواية الجديدة» في فرنسا. ~~وكانت المجلات القاهرية تحفل بالإشارة إلى شتى التجارب الأدبية ~~الجديدة في العالم. وراحت المعارضة اليمينية المقنعة للنظام الناصري ~~- وهي التي كانت تسيطر بالفعل على كافة منافذ النشر والإعلام في ~~البلاد - تروج في دهاء لأعمال بيكيت ويونسكو ودورينمات. # كان التمرد إذن هو وقود المرحلة، والتجربة هي شعارها. ms08 وأعطى نجيب ~~محفوظ ظهره لكتابته البلزاكية، ليخوض في مغامرات مثيرة، قفز فيها ~~بالفن الروائي العربي قرنا بأكمله. وبرزت أسماء جديدة مثل إدوار ~~الخراط وغالب هلسا وبهاء طاهر وسليمان فياض وإبراهيم أصلان ويحيى ~~الطاهر عبد الله وغيرهم. وخيل إلي أني وجدت الطريق عندما وقعت ~~على هيمنجواي من خلال كتابين وجدا طريقهما إلى سجن الواحات الخارجة؛ ~~الأول لكارلوس بيكر، والثاني يضم عدة دراسات أهمها واحدة لناقد ~~سوفييتي قديم، غاب عني اسمه. عنيت بتحليل أدوات الكاتب الأمريكي ~~الكبير، وقد آمنت على الفور بهذه الأدوات - وما زلت أعتمد بعضها - ~~وأهمها الاقتصاد والتعبير المشكوم. وبدا ل «جبل الثلج العائم» بريق ~~خاص في مواجهة الترهل التقليدي في أسلوب التعبير العربي. وتحت تأثير ~~هيمنجواي بدأت أعمل في رواية الطفولة التي لم يقدر لها أن ~~تكتمل. # فسرعان ما كنت في الحجرة المفروشة التي استأجرتها في حي «مصر ~~الجديدة» بعد الإفراج عني، أقلب مسوداتها في ملالة وأنا أتساءل ~~عن جدوى كتابة لا تتعرض للصراع الضاري مع الاستعمار، لمحاولات بناء ~~الاشتراكية، وللتناقضات الملتبسة بكل ذلك؛ الرعب والتعذيب والسجن ~~والموت والشجن الشخصي. # وذات ليلة لن أنساها، ألقيت نظرة على اليوميات التلغرافية التي ~~كنت أسجلها كل ليلة بعد انصراف الشرطي، وكان قد تجمع منها عدد ~~قليل - ربما ستة عشر يوما على ما أذكر - قرأتها كلها مرة واحدة، ~~فإذا بي أرتجف من الانفعال. # كان ثمة تيار خفي في ذلك الأسلوب التلغرافي الذي لا يتوقف ~~ليتمعن، ولا يعنى بانتقاء المترادفات أو سلامة اللغة أو مداراة ~~القبح الذي يصدم النفوس الحساسة. كان ثمة «جمال» في جملة ركيكة مثل: ~~«وقال الكاتب إن موباسان قال إن الفنان يجب أن يخلق عالما أكثر ~~جمالا وبساطة من عالمنا.» وكان ثمة جمال في فعل قبيح من قبيل ~~إطلاق غازات المعدة في صالون برجوازي. # ألا يتطلب الأمر قليلا من القبح للتعبير عن القبح المتمثل في ~~سلوك فزيولوجي من قبيل ضرب شخص أعزل حتى الموت ووضع منفاخ في ~~شرجه، وسلك كهربائي في فتحته التناسلية؟ وكل ذلك لأنه عبر عن رأي ~~مخالف، أو ms09 دافع عن حريته أو هويته الوطنية؟ # ولماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور ~~وروعة عبقها، بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة ~~تغطي الأرض، والجميع يشمون الرائحة النتنة ويشتكون منها؟ # أو أن نصور على الورق كائنات أوشكت أن تختفي فتحاتها التناسلية، ~~كي لا نخدش حياء كاذبا لدى قراء يعرفون عن أمور الجنس أكثر مما يعرف ~~السيد الكاتب؟ # شعرت وأنا أقرأ يومياتي الوجيزة بأني أمام مادة خام لعمل فني، لا ~~يتطلب مني بعد غير جهد التشكيل والصقل. وشعرت أيضا أني قد وقعت ~~أخيرا على صوتي الخاص. # كنت قد وجدت عملا في حانوت لبيع الكتب الأجنبية، «تخرج» منه ~~فيما بعد كل من رءوف مسعد وعبد الحكيم قاسم. وكان عملي يحتم علي ~~التواجد في الحانوت طول اليوم، وبهذا كانت الفرصة الوحيدة أمامي ~~للكتابة الجادة هي يوم العطلة. ولا زلت أذكر يوم كتبت الصفحة الأولى ~~من «تلك الرائحة» في مقهى بحديقة الأزبكية ذات صباح. ولم ألبث أن ~~أدركت عبث هذا الوضع، فتركت العمل. وأتاح لي أحد الأصدقاء، وهو ~~الطبيب جمال صابر جبرة، مكانا يأويني في مسكن مهجور له في مصر ~~الجديدة امتلأ بالكتب القديمة. ووسط مؤلفات العلامة الأثري سامي ~~جبرة، ومجلدات شهداء القديسين، انقطعت للعمل في روايتي الأولى، ~~طوال ثلاثة شهور، شد من أزري خلالها التأييد المعنوي من ~~الصديقين العتيدين رءوف مسعد وكمال القلش. # قررت أن أحافظ على النفس اللاهث الذي ميز اليوميات، بعد ~~أن رتبت محتوياتها بطريقة خاصة، وأضأت بعض جوانبها بهوامش ~~مستفيضة جمعتها في نهاية النص، وأطلقت على النص اسم «الرائحة النتنة ~~في أنفي». # وكان الدكتور يوسف إدريس - الذي تربطني به علاقة قديمة منذ منتصف ~~الخمسينيات - هو الذي اعترض على فكرة الهوامش، واعتبرها مغالاة في ~~التجديد، وأقنعني بنقلها إلى داخل النص، كما اعترض على العنوان الذي ~~اخترته للرواية. وفي العيادة التي افتتحها فجأة في ميدان الجيزة ~~لممارسة العلاج النفسي، توصلنا معا إلى اسم «تلك الرائحة»، وكان ~~كريما معي بالمقدمة. # وأخيرا دفعت بالرواية إلى المطبعة، بعد أن قدمت لناشرها ms10 عشرين ~~جنيها. وأهداني الرسام مصطفى حسين تصميما للغلاف. وأصدرنا الرواية ~~بمقدمة يوسف إدريس، وبكلمة موجزة على الغلاف، أشبه بالمانفستو، من ~~توقيع كمال القلش ورءوف مسعد وعبد الحكيم قاسم، هذا نصها: ~~«إذا لم تعجبك هذه الرواية التي بين يديك، فالذنب ليس ~~ذنبنا، إنما العيب في الجو الثقافي والفني الذي نعيش فيه، ~~والذي سادته طوال الأعوام الماضية الأعمال التقليدية ~~والأشياء الساذجة السطحية. # ومن أجل كسر المناخ الفني السائد الذي تجمد، نصمم على ~~هذا النوع من الكتابة الصادقة المؤلمة أحيانا. # في هذا الإطار نقدم هذه الرواية للكاتب الجديد «صنع الله ~~إبراهيم»، وبعدها سنقدم مسرحية «السود» لنبيل بدران، وقصصا ~~قصيرة لكمال القلش وأحمد هاشم الشريف وعبد الحكيم قاسم، ~~ومسرحيات لرءوف مسعد، وقصائد لمحمد حمام. # وهذه الأسماء التي لم تتعودها ستقدم إليك فنا لم ~~تتعوده أيضا، فنا يعاني محاولة التعبير عن روح عصر ~~وتجربة جيل؛ عصر اختفت فيه المسافات والحدود، وانهارت فيه ~~الأوهام، ونفذ فيه الإنسان إلى حقيقة الوجود، وجيل ولد في ~~ظل الملكية والإقطاع وخرج في المظاهرات التي هتفت بسقوط الملك ~~والإنجليز، ثم تفتح وجدانه على ثورة يوليو وعاشها بالوعي ~~والفعل، وشهد انهيار الملكية والرأسمالية وقيام الاشتراكية، ~~كل هذه العمليات الهائلة في سنوات قليلة؛ لهذا جاءت تجربته ~~غنية عميقة مليئة بكافة التناقضات والأزمات التي زادته ~~معرفة ووعيا بوجوده، وتطلبت في التعبير كل جرأة وحدة حتى ~~تتجسد إبداعا خلاقا. # هذا هو الطريق الذي اخترناه.» # ولا شك أن القارئ سيبتسم معي - اليوم - لهذه النبرة الحماسية المليئة ~~بثقة لا حد لها (ربما عكست انعدام الثقة تماما) والكلمات الفخمة من ~~قبيل «حقيقة الوجود»، والأحكام التي ثبت خطؤها مثل «قيام الاشتراكية»، ~~لكنها سذاجة البدايات، أو لعلها دفاع مستبق عن النفس. # فما أصعب اللحظات التي مرت بي منذ صدرت الرواية! ففي ذلك الوقت ~~كانت الكتابات الشائعة في الصحف والمجلات المصرية تعزف على النغمة ~~المعهودة فيما عرف بالأدب «الواقعي الاشتراكي»؛ عدم إغفال الصورة ~~الكلية، والإنجازات التي تحققت ... إلخ (وهي دعوى يتمسح بها الآن ~~أكثر الكتاب تخلفا ورجعية، مما يلقي ضوءا كاشفا ms11 على قيمة الدعوى ~~وجدواها). # وكانت الأمة العربية - ومصر في الطليعة - في مواجهة ساخنة مع ~~الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية، فضلا عن الرجعية العربية. ~~وكان من الطبيعي أن يلاحقني تساؤل عما إذا كنت لا أضر بلدي بهذا ~~العمل في هذه الظروف. # وبالإضافة إلى ذلك، كان سيف الاعتقال مصلتا طول الوقت. # ووجد الكثيرون في الكتاب مادة للتفكه والسخرية، وتلقفته بعض ~~العناصر لتستغله في خدمة مصالحها، فحمله عبد القادر حاتم إلى الرئيس ~~جمال عبد الناصر، ليشهده على ما وصل إليه «الشيوعيون» من تبذل ~~وانحلال، وتوصل «المؤتمر الإسلامي» إلى نتيجة مماثلة. وآلمني أن ~~تستغل «مغامرتي» للمساس بقوة سياسية أحترم كفاحها وتضحياتها على مدى ~~عدة عقود. # ولاحقني الشعور نفسه بعد ذلك عندما اضطررت لنشرها في بيروت عام ~~1968م، في مجلة «شعر» التي كان يصدرها يوسف الخال عن جريدة النهار؛ ~~فكلها جهات لا تعلو على الشبهات. # لكني لم أندم أبدا على أني كتبت هذه الرواية ونشرتها في تلك ~~الظروف، ولا ندمت على النهج الذي اتخذته في التعبير، ولا فكرت في ~~التراجع عنه. حقا، كثيرا ما خالجني الشعور بأني قد أجهضت عملا ~~كبيرا، إلا أني لا ألبث أن أقنع بالقول إن تلك كانت حدود إمكانياتي ~~حينذاك. # أما التوجه ذاته، الإنصات للصوت الداخلي، والاغتراف من صلب الواقع ~~الحقيقي - دون مراعاة للمشاعر البرجوزاية الحساسة، أو لبعض ~~الاعتبارات المرحلية - فما زلت أعتمده أساسا لعملي. # لم تفلح المصادرة في القضاء على الكتاب؛ فقد وجد. وهو درس يجب أن ~~تعيه جيدا أجهزة الدولة في البلدان العربية. # وفي سنة 1969م، أثناء وجودي في الخارج، أصدرت دار النشر (التي ~~تغير اسمها من «مكتب يوليو» إلى «دار الثقافة الجديدة»)، طبعة ثانية ~~من الرواية بعد أن انتزعت منها - ودون إذن مني - كل ما تصورت أنه ~~قد يثير غضب الرقيب. ولا أستبعد أن تكون قد لجأت إلى ذلك النوع من ~~الرقباء الذي أفرزته الحياة في ذلك الحين، وهو رقيب «قطاع خاص» ~~يقدم خبرته في الجهاز الرقابي لمن يشاء من المؤلفين أو الناشرين. ~~ووفقا لاتفاق خاص بين الناشر وناشر ms12 آخر، وهو «كتابات معاصرة»، أعيد ~~إصدار نفس الطبعة في القاهرة سنة 1971م. # وتعتبر الطبعة الحالية أول طبعة كاملة منذ مصادرة الطبعة الأولى ~~(فلم تسلم طبعة مجلة شعر من المقص المعهود الذي اقتطع كل ما من ~~شأنه أن يؤذي المشاعر الحساسة لقرائها). ومن الطبيعي أني قمت ~~بتصحيح الأخطاء النحوية واللغوية التي وردت في الطبعة الأصلية، ~~بالإضافة إلى حالات السهو، من قبيل الإشارة إلى طفل بصيغة المذكر ثم ~~الإشارة إلى نفس الطفل في مكان آخر بصيغة المؤنث، كما صححت مصدر ~~الاقتباس الذي صدرت به الرواية لجيمس جويس؛ ففي الطبعة الأصلية ~~ذكرت أنه عن رواية «يوليسيز»، وكنت قد طالعت العبارة المقتبسة في ~~مقال نقدي بالملحق الأدبي للتايمس اللندنية، ونسبتها - خطأ فيما ~~يبدو - إلى الرواية الشهيرة. وأثناء إعداد الترجمة الإنجليزية، التي ~~صدرت عن دار هاينمان اللندنية في 1971م، بحث المترجم دنيس جونسون ~~ديفيز طويلا عن أصل العبارة في رواية «يوليسيز» دون أن يعثر لها على ~~أثر. وبالالتجاء إلى الخبراء بأعمال جويس، أمكن الاستدلال على أصل ~~العبارة في رواية «صورة الفنان في شبابه». # وكان دنيس جونسون ديفيز هو المسئول عن تعديل جوهري بهذه الطبعة؛ فقد ~~اشتكت دار النشر الإنجليزية من قلة عدد صفحات الكتاب. وكنت قد أضفت ~~إلى «تلك الرائحة» خمسا من القصص القصيرة، لكن دنيس لم يرض عن إحدى ~~هذه القصص، وهي من قصص الطفولة وبعنوان «الشيكولاتة». وجعل يلح ~~علي أن أكتب واحدة جديدة، لكني لم أتمكن. عندئذ فكرت في ~~تضمين الموقف الأساسي لقصة «الشيكولاتة» بالرواية، وهذا ما تم ~~بالفعل، وكسبت دار النشر أقل من صفحتين جديدتين. وعند إعداد هذه ~~الطبعة رأيت من المناسب أن أفعل المثل، فأضفت إلى النص الأصلي ~~الفقرة الواردة بين أقواس قرب نهاية الرواية. # صنع الله إبراهيم # القاهرة 1986م # «أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة .. # ولسوف أعبر عن نفسي كما أنا.» # جيمس جويس: «صورة الفنان في شبابه» # | مقدمة يوسف إدريس للطبعة الأولى # ليست مجرد قصة # أعترف بأني شديد الضعف تجاه المواهب، وليس أسهل من الكتابة وسيلة ~~تخدعك عن الموهبة، والكتابة ms13 موهبة كل إنسان، مثلها مثل الكلام، ~~ولكن قليلون أولئك الذين باستطاعتهم أن يخلقوا من الكلام فنا، ~~وتمييز الذهب من القشرة في حاجة إلى صائغ، والمواهب كالمعادن في ~~حاجة إلى ميتاليرجيست ليفند ويقيم، ولست هذا الصائغ أو ~~أخصائي المعادن، ولكني أحس بالموهبة مثل إحساسي بالخطر أو ~~الأمل أو الضيق. ولقد عرفت صاحب هذا الكتاب منذ أكثر من عشر ~~سنوات، دقيق الجسم، دقيق ملامح الوجه، أحيانا أحس به كالطائر ~~الذي يضع منظارا. ومنذ عرفت صنع الله وهو أصيل، لم أشهده مرة ~~متلبسا بخاطر ليس من صنعه أو بفكرة لم يشق في تحصيلها، وأسماء ~~كثيرة أطلقتها عليه، أول ما عرفته سميته داستايوفسكي أو كما ~~تعودنا تسميته دوستيوفسكي؛ فقد كان يكتب بطريقة منسابة فياضة ~~تحس أن وراءها نبعا لا ينضب، وكانت الشخصية المحببة إليه ~~أيامها هي خليل بك، وهو نموذج بشري التقطته موهبة صنع الله كما ~~يلتقط طائر النورس من طيرانه العالي ظهر السمكة وينقض عليها. ~~وخلق صنع الله من خليل بك شخصية يمكن أن يكتب عنها عشرات ~~الكتب دون أن يفرغ محتواها. كان أيامها في العشرينيات، ولكن ~~قصصه كانت تقترب من الأربعينيات الناضجة. كان متدفقا غزيرا ~~بحيث إني أحس بالأسف الشديد كلما تذكرت موهبته في ذلك الحين. ~~إذا كان النبات في حاجة إلى رعاية خاصة، والزهور النادرة في حاجة ~~إلى بيوت من زجاج وتكييف هواء، والحيوان أيضا، في المزارع ~~الحديثة نرعاه وندقق في اختيار طعامه، وتوفير الراحة له ليدر ~~اللبن، فما بالك بأرقى ما وصلت إليه في تطورها الحياة، كل ~~أنواع الحياة، الإنسان الفنان؟ وصنع الله أيامها لم يكن يطمح في ~~رعاية أكثر من أن ينضح النشر بعض ما يعج به درج مكتبه، وعملا، ~~ولا شيء غير هذا، ولكننا بنفس الإسراف العبيط الذي نبعثر به ~~الأشياء، ما أكثر ما بعثرنا من المواهب! وهكذا كتب على ~~دوستيوفسكي صنع الله إبراهيم ألا يرى النور، وأن تضيع مسوداته ~~وكتابته وتهدر، وأن يتوقف عن الكتابة فترة طويلة، وخلال غيابه ~~كنت دائم السؤال عنه خائفا أن يعود الشاب ms14 ولا يعود الفنان. ~~وفعلا عاد الشاب وقابلته، وسألته إن كان قد كتب، وفي خجل من ~~نوع خاص أعطاني هذه الرواية القصيرة التي قرأتها، بل والتهمتها ~~في جلسة واحدة، جلسة كنت خلالها كثيرا ما أسخط على الكاتب، ~~وكثيرا ما أفتقد صنع الله الأول، وكثيرا ما أحس أنه يريد ~~وكأنما بصبر أيوب أن يؤلم القارئ ويؤذيه، ولكني حين انتهيت أحسست ~~أني لست فقط أمام فنان عاد، ولكني أمام موهبة جديدة، وكأنما ~~ولدت في الغيبة. والغريب أنه بالقدر الذي كانت تبدو فيه ~~موهبته الأولى أكبر من سنه بكثير، تكاد تكون ضعف سنه، هذه المرة ~~وجدت الشاب الذي أوشك على الثلاثين يكتب بروح ابن عشرين، دافئ ~~التجربة طازج الإحساس، والحزن في نفسه طبقات، ولكنه حزن الصبا، ~~الحزن الدافع إلى اللاحزن والأمل. وجدت العقل ذلك الذي كان يغلق ~~على نفسه الطريق لا يريد أن يراه. وجدته هنا يرى أولا وينفعل ~~أولا، ويقطر رؤاه وانفعالاته على الورق بلا أي محاولة لإخضاعها ~~لفلسفة معينة أو نظريات. وجدته قد آمن هذه المرة بالإنسان ~~كظاهرة أعظم من كل الظواهر، وأصبحت أشجان الإنسان الصغيرة أهم ~~آلاف المرات من المعادلات مهما بدت رائعة الانضباط فوق الورق. ~~وجدت الفنان الذي فيه قد ثار ثورتين، ثورة إلى الخارج، وثورة إلى ~~داخل نفسه، يحطم قيودا كثيرة كانت تجعله لا يصل إلا لسطح عقله ~~ووجدانه، وتمنعه أن يغوص في أعماقه ويغامر ويستكشف، عشر مرات قد ~~يخرج بيده خاوية، ولكنه بالتأكيد ذات مرة سيخرج بحقيقة قد تكفيه ~~عمرا بأكمله. هنا أصبح صنع الله قصير الجمل حادها، قصير ~~النفس، يلتقطه بسرعة ويخرجه ليدخر قواه كلها للغوص وللمغامرة ~~والاكتشاف. هنا أصبح صنع الله مرا، ليست مرارة حاقدة، ولكنها ~~مرارة من يريد أن يتخلص، ويتخلص قراؤه، من كل شعور ~~بالمرارة، صريحا في أهدافه القصيرة، صريحا إلى درجة اشمأزت ~~نفسي فيها من بعض تعبيراته، ولكن مقابل صراحته القصيرة هذه، هناك ~~خبث فني مخفي يخاطب، من وراء ظهر القارئ وعقله، والوجدان، ~~أعمق طبقات الوجدان. هنا في هذه الرواية القصيرة لخص لي ms15 صنع ~~الله، ليس فترة هامة من حياة بطل القصة، إنما فترة أهم من حياة ~~جيل صنع الله، ذلك التلخيص الساحر المركز شديد المفعول. إنها ~~ليست قصة، بل إنها صفعة أو صرخة أو آهة منبهة قوية تكاد تثير ~~الهلع. لم يعد لدى الفنان وقت لينمق ويصوغ الأحاسيس ببراعة ~~تستدر الإعجاب. إنه هنا يريد أن يستدر انفعالات أقوى من ~~الإعجاب به ككاتب، أو الإعجاب بقصته كموضوع. إن البطل هنا ليس ~~الرجل، وليس الشاب، وليست الأحداث أو العصر. البطل هنا هو إحساس ~~عام طاغ لا اسم له - إلى الآن على الأقل - وحتى حين حاول صنع ~~الله بعنوان القصة، «تلك الرائحة» أن يسميه، هو فيما أعتقد قد ~~فشل، بل إني لأجد نفسي الآن في حرج شديد وأنا أحاول أن أنتقي ~~اسما لهذا الإحساس العام الذي نحته وخلقه صنع الله وأدخله ~~دائرة الفن والأدب، ليس الإحساس بالغربة أو الاشمئزاز أو الضياع أو ~~الثورة أو افتقاد الحنان أو الوجود، إنه إحساس مختلف، من المجحف ~~لصنع الله وهذا العمل أن أحاول أن أعطيه اسما أو أثير مشكلة ~~حوله؛ فإني أريدكم معي، أن تقرءوا القصة، وتخوضوا التجربة ~~وتحسوه، ولتطلقوا عليه بعد هذا ما شئتم من أسماء. # إني لشديد الاعتزاز بصنع الله الفنان، وسعيد حقيقة وأنا أحس ~~أنه قد آن الأوان لتقرأه الحركة الفنية والأدبية في كتاب كامل في ~~قصة من أجمل ما قرأت باللغة العربية خلال السنوات القليلة ~~الماضية. # إن «تلك الرائحة» ليست مجرد قصة، ولكنها ثورة، وأولها ثورة ~~فنان على نفسه، وهي ليست نهاية، ولكنها بداية أصيلة لموهبة ~~أصيلة، بداية فيها كل ميزات البداية، ولكنها تكاد تخلو من عيوب ~~البدايات لأنها أيضا موهبة ناضجة. # يوسف إدريس # 1966م # | تلك الرائحة # قال الضابط: ما هو عنوانك؟ قلت: ليس لي عنوان. تطلع إلي في دهشة: ~~إلى أين إذن ستذهب أو أين تقيم؟ قلت: لا أعرف، ليس لي أحد. قال لي ~~الضابط: لا أستطيع أن أتركك تذهب هكذا. قلت: لقد كنت أعيش بمفردي. ~~قال: لا بد أن نعرف مكانك لنذهب إليك ms16 كل ليلة، ليذهب معك عسكري. ~~وهكذا خرجنا إلى الشارع أنا والعسكري، وتلفت حولي في فضول ، هذه هي ~~اللحظة التي كنت أحلم بها دائما طوال السنوات الماضية، وفتشت في ~~داخلي عن شعور غير عادي، فرح أو بهجة أو انفعال ما، فلم أجد، الناس ~~تسير وتتكلم وتتحرك بشكل طبيعي كأنني كنت معهم دائما ولم يحدث ~~شيء. وقال العسكري: لنأخذ تاكسي. وقلت في نفسي إنه يريد أن يتنزه ~~على حسابي. وذهبنا إلى بيت أخي، وقال لي أخي على السلم إنه مسافر ولا ~~بد أن يغلق الشقة. ونزلنا وذهبنا إلى صديقي، وقال صديقي: أختي هنا ~~ولا أستطيع أن أقبلك. وعدنا إلى الشارع، وبدأ العسكري يتبرم، ~~وبدت الشراسة في عينيه، وقلت في نفسي إنه يريد العشرة قروش. وقال: لا ~~يمكن أن نظل هكذا، بنا إلى القسم. وفي القسم كان هناك عسكري آخر، ~~وقال: أنت مشكلة ولا يمكن أن نتركك. جلست أمامه ووضعت حقيبتي على ~~الأرض وأشعلت سيجارة. وجاء الليل وقال إنه لا يستطيع أن يفعل شيئا. ~~ونادى على عسكري ثالث وقال له: ضعه في الحجز. واقتادوني إلى حجرة ~~مغلقة يقف عسكري رابع ببابها. وفتشني العسكري وأخذ نقودي ووضعها ~~في جيبه، وأدخلني حجرة واسعة تدور بجدرانها عارضة خشبية مرتفعة عن ~~الأرض، وجلست على العارضة، وكان هناك رجال كثيرون، وفي كل لحظة كان ~~الباب يفتح ليدخل آخرون. وأحسست بوخز في رقبتي، ومددت يدي إلى ~~رقبتي فشعرت ببلل، ونظرت إلى يدي فوجدت بقعة دم كبيرة على إصبعي. ~~وفي اللحظة التالية شاهدت عشرات من البق على ملابسي، ووقفت. ولأول ~~مرة رأيت بقع الدم الكبيرة تلوث جدران الحجرة في كل مكان، وضحك ~~أحد الموجودين وقال لي: تعال هنا. وكان هناك بعض الذين جلسوا على ~~الأرض، وفرش أحدهم بطانية ممزقة على الأرض، ووجدت مكانا صغيرا في ~~حافتها جلست فوقه وأسندت ذقني إلى ركبتي. وقال لي صاحب البطانية: ~~لماذا لا تنام؟ لكن لم يكن هناك مكان لجسدي، وقلت: أنا أفضل الجلوس ~~هكذا. وسألني آخر: مخدرات؟ قلت: لا. قال: سرقة؟ قلت: لا. قتل؟ ms17 لا. ~~رشوة؟ لا. تزييف؟ لا. وسكت الرجل حائرا وجعل ينظر لي نظرة غريبة، ~~وبدأت أرتجف من البرد فقمت أتمشى قليلا، وعدت أجلس، وتعبت من ~~جلستي فاتخذت وضعا آخر، وأخرج أحدهم بطانية كان يطويها تحته وجعل ~~يستعد للنوم، وأخذت أتسلى بتصيد البق الذي يجري على الأرض ~~وأقتله، وأحنيت رأسي فجأة على صدري؛ فلم أكن أريد منهم أن يروا ~~وجهي. وكانوا قد بدءوا يستسلمون للنوم. وأمامي رقد عجوز على العارضة، ~~وفتح العسكري الباب ونادى عليه قائلا: هناك من يسأل عنك. وعاد العجوز ~~يحمل بطانية ووسادة وتمدد فوق العارضة، وتغطى بالبطانية وأسند ~~رأسه إلى الوسادة وسرعان ما نام وهو يتنفس بصوت عال ولم يعبأ بالبق. ~~وبجواره جلس رجل يحدق في وجهي وقد دس يديه في جيبي معطفه ~~المفتوح الذي كشف عن صدره العاري؛ فلم يكن يرتدي شيئا تحت المعطف. ~~وأطلق هذا الرجل فجأة عواء غريبا مروعا، ثم قام واقترب مني وهو ~~يترنح، وضحك في وجهي ثم جلس بجواري، وتطلع أمامه في ذهول، ثم عوى. ~~وقام إليه شاب ضخم الجثة فضربه على وجهه، وقال المجنون وهو يرفع ~~ساعده ليحمي وجهه: لا تضربني. وانهالت ضربات الشاب عليه، وسمعت صوت ~~عظامه تطقطق، وسقط في مكانه وهو يلهث، وضحك الآخرون. وجذب صاحب ~~البطانية البطانية فوقه وبسطها بيده على صبي ممتلئ ينام إلى جواره، ~~ورأيت وجه الصبي قبل أن تغطيه البطانية، كانت له بشرة خمرية ~~وشفتان ممتلئتان، وكان غارقا في النوم وقد ثنى ركبتيه، وأحاطه الرجل ~~بساعده أسفل البطانية، وجعل يتحرك حتى التصق به، وراحت ذراعه تحت ~~البطانية وهي تتحرك على جسد الصبي تنزع بنطلونه، والتصق ساقا الرجل ~~بظهر الصبي. وبجوار الصبي جلس الشاب الضخم الذي ضرب المجنون، وكان ~~يتابع ما يجري أسفل البطانية ويرفع عينيه كل لحظة فتلتقيان بعيني، ~~وهدأت الحركة أسفل البطانية بعد قليل، واهتز الغطاء. وقام الصبي ~~جالسا وهو يمسح عينيه ليفيق من النوم، وجعل يتطلع بين ساقيه، ~~وغفوت قليلا وأنا جالس ثم تنبهت، ولم أر الشاب الضخم ثم لمحت ~~ساقيه من تحت البطانية، كان ms18 ينام محتضنا الصبي، وقمت أتمشى. ~~واهتزت البطانية، وجذبها الشاب من فوق الصبي والتف بها كلها ، ~~ورقد الصبي عاري الفخذين. وبدأ الظلام ينجلي، وراقبت نور الفجر وهو ~~ينتشر، وفتحوا لنا أخيرا لنغتسل، وأخذوا الصبي لينظف الفناء. ~~وأحضر الباقون طعاما وأفطروا، وظهر الصبي عند الباب وسأل: ألم تتركوا ~~لي شيئا؟ وقال الشاب الضخم: لا. وجعل العسكري ينادي أسماء، وسمعت ~~اسمي، وحملت حقيبتي وخرجت. وعند عسكري الأمس وجدت أختي، وسلمني ~~دفترا صغيرا يحمل اسمي وصورتي. وخرجنا أنا وأختي إلى الشارع، وقالت: ~~أتريد أن تشرب شيئا؟ قلت: أريد أن أمشي. وأخذتني إلى حجرة في مصر ~~الجديدة، وأخذت ملابس نظيفة ودخلت الحمام، وأغلقت الباب خلفي. ~~وخلعت ملابسي ووقفت عاريا تحت الدش، ثم دعكت جسمي بالصابون وفتحت ~~الدش فوقي، ورفعت رأسي إلى أعلى وحدقت عيناي في عيون الدش الصغيرة، ~~وسالت منه المياه وأجبرتني على أن أغمض عيني، وأحنيت رأسي ~~وتابعت الصابون وهو ينحدر على جسمي مع المياه ثم يجري على الأرض حتى ~~البالوعة. ودعكت جسمي بالصابون مرة أخرى، ومن جديد تابعت مياه الدش ~~وهي تأخذ الصابون وتجري به حتى البالوعة. وأغمضت عيني ووقفت تحت ~~الماء بلا حراك، ثم أغلقت الصنبور، وتناولت الفوطة وجففت بها ~~جسمي في بطء، ثم ارتديت ملابسي وغادرت الحمام، وأشعلت سيجارة. ~~وقالت أختي: نذهب إلى السينما. وذهبنا، وكان فيلما عن طيور يزداد ~~حجمها وعددها حتى تتوحش وتطارد الناس وتفترس الأطفال. وشعرت ~~بصداع حاد، وعدنا إلى الحجرة، وانهمكت أختي في تنظيفها. وأخذت ~~أتنقل بين الصالة والمطبخ والحجرة وأنا أدخن وأتحاشى الاقتراب من ~~النافذة، وخلعت ملابسي وتمددت على السرير، ودق الجرس فقمت ~~أفتح. كان العسكري هو الطارق، وقلت له: دقيقة واحدة. وأسرعت إلى ~~الحجرة فجئت بالدفتر وأعطيته له، فكتب اسمه أمام اليوم وانصرف. ~~وعدت إلى السرير فاستلقيت فوقه، وأشعلت سيجارة، وجعلت أتأمل ~~السقف. وجاء العسكري مرة أخرى، وظللت ممددا على السرير دون أن ~~أنام، ودخنت كثيرا. وجاء الصباح فقمت واغتسلت وارتديت ملابسي ~~وخرجت، وتناولت ساندويتشا، وابتعت صحف الصبح كلها، ثم ركبت ~~المترو، وراقبت أبواب العربة ms19 وهي تنغلق. ووقفت بجوار حجرة السيدات، ~~وجعلت أتأملهن واحدة واحدة، كانت شعورهن مصففة بأشكال معقدة ، ~~ووجوههن مثقلة بالأصباغ. ونزلت في الإسعاف، وكان هناك رجل على ~~الرصيف بجوار الحائط وقد غطته جرائد ملوثة بالدماء، وعلى الرصيف ~~وسط الشارع تجمعت عدة نساء بملاءات سوداء جعلن يلوحن بأيديهن ~~ناحية الرجل وهن يولولن. وركبت الأتوبيس إلى بيت منى، وقابلتني ~~أمها، وقبلت يدها. ولم تعرفني في البداية، وجلسنا نتحدث، وكان لا ~~بد أن أحدثها عن زوجها، وقلت لها إني كنت معه إلى آخر لحظة. ~~«كنت أجلس إلى جواره ويدي مقيدة إلى يده، وكنا في مؤخرة السيارة ~~وخلفنا بقية السيارات. وكان هو يعرف ما سيحدث لكنه لم يقل شيئا، ~~وكان يردد في صوت خافت مقطعا من أغنية حب قديمة. وكان الهواء ~~لاذعا ولم يكن من شيء يقينا برودته، وأخذت أرتجف وأسناني تصطك. ~~ولم نكن نرى شيئا من الطريق، وجعلنا نتحدث عن هيمنجواي. وفي الظلام ~~رأيته يخرج مشطا من جيبه ويمشط شعره الذي امتلأ بالبياض، وكنت ~~أعرف أنه يصبغه ليخفي بياضه. وكان الصمت يسود العربة، وأمامنا لف ~~أحمد رأسه بفوطة وهو يتأوه، كان الصداع يفترس رأسه عندما يرتجف ~~داخله. وعندما وصلنا كان ذلك في الفجر، وأنزلونا بالعصي، وجلسنا على ~~الأرض، وكنا نرتعش من البرد والرهبة. وكان هو أطولنا، وسمعت صوتا ~~يقول: ها هو. وضربوه على رأسه، وقالوا له: اخفض رأسك يا كلب. وأخذوا ~~ينادون علينا، ثم نادوا عليه، وكانت هذه هي آخر مرة رأيته ~~فيها.» # وقالت لي: تصور جاءني منه خطاب قبلها يقول فيه إن الأمر لن يستمر ~~طويلا. وقلت لها إنه كان يقول لي دائما إنه لم يحدث أن نام بالليل ~~ومنى بين ذراعيه. وكان يصفق بيديه ويقول: سأنطلق قبلكم. كان ~~يود الانطلاق بأي ثمن. وتطلعت أم منى بإعياء حولها وهبط ~~جفناها المنتفخان فوق عينيها، وغاص رأسها في جسدها المترهل ~~القصير، وأشارت لي أن أقترب منها وهمست: هل كان يحبني حقيقة؟ وقلت ~~لها: بالطبع. ~~«فماذا أقول لها؟ وما الفائدة أن نحقق الأمر على وجه الدقة بعد ms20 ~~أن انتهى كل شيء، ثم من ذا الذي يعرف على وجه الدقة ما يدور داخل ~~إنسان آخر؟ ويقولون إن بعض الناس خلق للحب، والبعض الآخر لم يخلق ~~له. ويقول آخرون إن الحب لا يوجد إلا في الروايات. أما هو فقد حكى لي ~~مرة حكاية واحدة طارده أهلها بالنبابيت لأنه لم يكن من دينها، ثم ~~كانت هناك واحدة أخرى لكنها ماتت فجأة، وثالثة اكتشف أنها اتفقت مع ~~زوجها على ضرورة إنجاب طفل بأي طريقة، وكان قد تعدى الخامسة ~~والأربعين ويقترب من الخمسين، وكان يريد طفلا. وفي يوم كنا نقف في ~~الشمس سويا وكان شاردا، وكنت أثرثر بينما هو مستسلم لشروده، ~~ولم يكن يصغي لي، وربما كان يحسب الأمر في ذهنه .. لكني في مرة ~~كنت أهبط السلم بجواره، وكنا نقترب من الطابق الأرضي، وسمعنا صوت ~~دق سريع متلاحق على السلم، ثم ظهرت أمامنا فتاة طويلة توقفت ~~أمام باب المصعد، وكان ضوء الشمس يسقط من نوافذ السلم الزجاجية على ~~وجهها، وتطلعت نحونا، كانت تضحك لسبب ما وشعرها ثائر وخداها ~~أحمران، ولم تكن تستقر في مكانها، وكان يهبط بجواري وعيناه عليها، ~~وسمعته يصعد تنهيدة حارة.» # وقامت إلى حجرتها وعادت بحافظة صغيرة أخرجت منها بعض الأوراق ~~وناولتني ورقة بالية وقالت: هذه قصيدة كتبها لي قبل أن ~~نتزوج. ~~«وكانت شاردة بنظراتها دائما، وعندما يسألها فيما تفكر تقول: في ~~الحياة والموت. وكتب هو: # أنا حزين يا طفلتي؛ حزين ووحيد. # في فراشي أرقد، # بلا أحد أتحدث إليه، # بالكتب كلها وقد قرأتها # بلا أحد أضحك معه، # بلا دموع أذرفها. # إنه الموت، # بل أفظع؛ # فعندما تموت لا تستطيع أن تفكر، # إلا إذا كان الدود يفكر. # وعندما تكون وحيدا، تفكر، # تتوق وتتطلع وتسعى، # ولا تعرف ما تسعى إليه. # إنها الحياة والموت. # إنها ليست حياة على الإطلاق، # سوى أني لم أمت بعد. ~~... # لكن صه! ها هي بعض الخطى؛ # خطى بشرية. # إنهم آتون، إنهم يقتربون. # أهم حقا؟ أجل! كلا! ربما! أجل! ها هم يدقون ~~الجرس. # أسمع خطى بشرية، # أسمع أصواتا بشرية، # تسطع بالضحك. ms21 # صديق؟ كلا، أكثر. # إنهم أصدقاء يا طفلتي. ~~... # لست حزينا بعد يا طفلتي، # لكني خائف، # فهم سيرحلون ويتركونني من جديد، # للحياة والموت!» # ودق الجرس ودخل صخر، وكان قد حلق شاربه ومشط شعره ~~وحمل كل صحف الصباح تحت إبطه، ودق الجرس مرة أخرى ودخل شاب أنيق، ~~وقالت له السيدة مشيرة إلى صخر: هذا صديق زوجي. وقال الشاب: أعرفه. ~~وقام صخر على الفور ولبس نظارته، وجعل يتمشى في الحجرة، وكانت هناك ~~بعض الكتب بالإنجليزية والفرنسية على الرف فجعل يقلب فيها ثم وضع ~~يده في خاصرته، وحمل كتابا منها إلى النافذة ففتحه، وجعل يقلب في ~~صفحاته وهو ينظر للشاب الأنيق من فوق نظارته بين اللحظة ~~والأخرى. ~~«لا بد أنها كانت من أسعد لحظاته؛ إذ يشعر أن ثمة شخصا يعرفه ~~لسبب ما؛ ففيما مضى كان يعتقد أن الجميع يعرفونه ثم اكتشف الحقيقة ~~تدريجيا. وعندما رأيته لأول مرة كان عاري الصدر يمشي بخطوات بطيئة ~~ويرفع إصبعه كل لحظة ليداعب شاربه. وفي تلك الأيام كان الزعماء ~~يحتفظون بشوارب مختلفة الأشكال، ولم تكن صدفة أن كل واحد منهم كان ~~له شارب متميز عن الآخر، ثم اكتشف أن هذه الشوارب كانت خداعة؛ فقد ~~ذهب أصحابها وذهبت موداتها، ولم يبق شيء في القلب، ولم يكن قد ~~امتلأ مرة. وفي الباب الحديدي جعل يضرب رأسه حتى كاد ينشق، وكان ~~يبكي.» # ومن النافذة رأيت فتاة في المنزل المقابل تحتضن فتاة أخرى ~~وتقبلها في شفتيها. ودخلت فتاة عوراء وبكت، وأخذ صخر يمسح على ~~شعرها بيده وهي تبكي. وقالت السيدة إن الفتاة هكذا، ما إن ترى رجلا ~~حتى تبكي. وعادت منى أخيرا من المدرسة، وقلت لها: أنا صديق بابا. ~~فنظرت إلي في عداء، وأخذتها إلى النادي، وكان هناك أطفال آخرون، ~~وقلت لهم أن ينزلوا معها إلى المياه لأني لا أعرف السباحة. وأخذوها ~~ونزلوا، وجعلت تجري وتلعب وهي سعيدة، وكان هناك خشبة تساعد على ~~العوم، فتعلقت بها. لكن طفلة أخرى سمينة جذبت منها الخشبة ~~لتعوم فوقها. وتشبثت منى بالخشبة، وأمسكتها الطفلة السمينة من ~~شعرها وجذبتها ms22 في عنف لتبعدها عن الخشبة، وأخذت الخشبة ونامت ~~فوقها. كانت منى الآن بعيدة عن حافة الحوض، وأسرعت أجري ناحيتها على ~~الأرض، كانت ترتفع وتهبط في الماء وهي تلهث في قوة، وقد اتسعت عيناها ~~في رعب، وناديت عليها. لكنها هبطت تحت الماء ولم تظهر ثانية، وأسرع ~~أحد السباحين إلى نجدتها وجذبها إلى أعلى، وحملها إلي، وأخذتها إلى ~~بيتها، وقالت لي ونحن نصعد السلم: عندما يكون هناك أحد سأقول إنك أبي ~~فلا تقل لا. ودخلنا المنزل، كانت أمها ترتدي ملابسها فانتظرتها، ثم ~~وقعت عيني على ساعة الحائط فقفزت واقفا، وأسرعت إلى الباب وقفزت ~~إلى الشارع. لم يكن هناك وقت على موعد مجيء العسكري، ووصلت حجرتي وأنا ~~ألهث، ووجدت خطابا ينتظرني، وبحثت عن اسم المرسل فوجدته من نجوى. ~~قرأت الخطاب في بطء، ثم أشعلت سيجارة وتمددت على السرير، وقرأت ~~الخطاب من جديد، كانت تتساءل عما إذا كنا سنلتقي من جديد بعد كل هذه ~~السنين. وأغمضت عيني على ما أمكنني استرجاعه من صورتها؛ عينيها ~~الحانيتين وفمها الممتلئ. ودق الجرس فقمت أفتح، كان العسكري، ~~واستمهلته حتى عدت إلى الحجرة، فأحضرت الدفتر وأعطيته له، فوقع ~~اسمه، وانصرف، واحتفظت بالدفتر في جيبي إلى حين عودته. ودق الجرس ~~ثانية، وعندما فتحت الباب وجدت نجوى أمامي، احتضنتها وضمتني هي ~~بعنف وألصقت جسمها كله بجسمي. لكني لم ألتصق بها، وأبعدتها عني، ~~وجعلت أتأملها، ثم اقتدتها إلى الحجرة وأطفأت النور، وجلست على ~~السرير وأجلستها بجواري، ثم جذبتها ناحيتي وقبلتها في شفتيها. ~~أبعدت وجهها وقالت: احك لي. لم تكن عندي رغبة في الحديث، ومررت بيدي ~~على وجهها، ووضعت يدي على فمها، وجذبت رأسها إلي وقبلتها، ~~وأمسكت بشفتيها بين شفتي، وعضتني هي بنفس الطريقة الفجة غير ~~المدربة ثم ابتعدت عني. ~~«هذا ما كان يحدث دائما، في أول مرة قبلتها كانت خجلى، وكنت ~~أجلس بجوارها والضوء يسقط على خدها. وتوقفنا عن الكلام وأسندت ~~رأسي إلى كتفها ولم تعترض، وقبلتها في خدها، ثم شفتيها، وعندما ~~تشجعنا قليلا، أمسكت بشفتي التحتية وعضتها بقسوة. كنت أريد أن ms23 ~~أحس بشفتيها ناعمة في فمي، ولم أكن أشبع منها، ولو استطعت أن أظل ~~محتضنا إياها طول اليوم لفعلت. كانت هناك سخونة في وجهها وفي ~~ساقيها، وعقب كل مرة كنت أجعلها تقف عارية وأتأمل ساقيها، كانا ~~ينسابان في جمال ونعومة وسمرة. وكنت أطلب منها أن تعري ساعديها ~~لأقبلهما وأحسهما على جسدي، لكنها كانت تتردد، وفي الظلام كنا ~~نرقد، ونلصق ببعض في عنف لننسى العالم وكل شيء ولا نعود نفكر في أي ~~شيء أو نخاف من أي شيء. وعندما يكون خدي لصق خدها وأنفانا ~~متلامسين ورأسانا متجاورين وعيوننا تحدق إلى نفس المكان من السقف، ~~لا تصبح هناك أهمية لأي شيء. وفي اللحظة التالية يتحرك رأسي وتزحف ~~شفتاي إلى شفتيها، ونتبادل القبل، أحيانا في رقة وأحيانا في عنف، ثم ~~تبتعد برأسها وتتنهد. وفي أول مرة احتضنتني في عنف وقالت: أين كنت ~~من زمان؟ وفي المرة الثانية قالت: يا حبيبي. وظللت صامتا والكلمة ~~تتردد في أذني للمرة الأولى في حياتي وأنا لا أصدق نفسي، لكنها ~~سرعان ما كانت تستدير وتقول: أريد أن أنام. وأظل راقدا على ظهري، ~~وعيناي على السقف بمفردهما، وأتمنى أن تستدير فجأة وتحتضنني، لكني لا ~~ألبث أن أشعر بتنفسها المنتظم، تنفس النائم الراضي القانع. ~~وأستدير برأسي وأهب قليلا لأراها، وقد أحنت رأسها إلى أسفل ~~وأسندته إلى ساعدها وراحت في النوم وقد تناثر شعرها حول عنقها ~~وتمدد ساعدها الآخر فوق جانبها، وأمر ببصري على جسدها كله ثم أعود ~~إلى مكاني.» # تمددت بجواري وأسندت خدها إلى يدها، وأعطتني وجهها الذي أضاءه ~~جانب من ضوء القمر، قالت: سأحكي لك أنا. تكلمت كثيرا ثم سكتت، ~~وقلت لها إني متعب، وإني كنت أتشوق لها دائما. وجذبتها ناحيتي، ~~لكنها ابتعدت، وطلبت منها أن تعري ساعديها، قبلت ساعدها ~~وكتفها في ضوء القمر، لكنها ما لبثت أن قالت: الدنيا برد. وغطتهما، ثم ~~تمددت على ظهرها، ولا بد أنها كانت تفكر في نفس الشيء الذي أفكر ~~فيه. هناك شيء ما ضاع وانكسر، وقالت: أريد أن أنام. وجذبتها ناحيتي ~~وقبلتها، وطفت ms24 بشفتي على خدها حتى أذنها فقبلتها وسكنت ~~هناك حتى ارتعشت، ورفعت عينيها إلي وابتسمت وقالت : وهذه أيضا، ~~من أين تعلمتها؟ ~~«كيف ظلت تذكر وأنا قد نسيت؟ عندما صعدت بشفتي على ساقها، ~~وقبلتها هناك لأول مرة، ونظرت لي بمزيج من السرور والدهشة ~~والخجل، وقالت: من أين تعلمت هذا؟» # مددت يدي إلى صدرها، لكنها أبعدت يدي، وقالت: لا. وتركتها، ~~وتمددت بجوارها، وانتظرت أن تستدير فجأة وتحتضنني، لكنها لم ~~تفعل. وظللت مستيقظا، ثم شعرت بألم بين ساقي، فقمت إلى الحمام، ~~وتخلصت من رغبتي، وعدت فتمددت إلى جوارها، ونمت واستيقظت، ~~ونمت مرة أخرى. وعندما فتحت عيني في الصباح وجدتها قد ارتدت ~~ملابسها، وقالت سأخرج الآن. قلت: متى سأراك؟ قالت: سأمر عليك. وظللت ~~ممددا فوق الفراش، ثم قمت أخيرا فاغتسلت، وجمعت ملابسي القذرة، ~~ووضعتها في إناء من الماء بعد أن أضفت إليه مسحوق الصابون، وحركته ~~حتى كون رغوة كبيرة. وجاءت أختي وخطيبها، وارتديت ملابسي وخرجنا، ~~وابتعت صحف الصباح. وفي مدخل المنزل التقينا بصديقة أختي وخالها، ~~وذهبنا إلى الكازينو. وقال خطيب أختي: نريد أن نفرح بك. وقلت له: هذه ~~المسائل تستغرق وقتا. وقال: لماذا؟ قلت: الحب ليس سهلا. هز كتفه ~~وقال: اسمع نصيحتي؛ الحب يأتي بعد الزواج. وقال الخال: لقد تزوجت ~~خمس مرات. وتركتهم وذهبت إلى سامي في بيته، وأدخلوني إلى حجرة ~~الصالون، وانتظرته طويلا. ودخلت الحجرة طفلة أدركت أنها ابنته، ~~ووقفت بجانبي. وكنت متعبا وأريد أن أذهب إلى دورة المياه، وأطلقت ~~من ظهري رائحة شمتها الطفلة، وقالت: رائحة كاكا. وتجاهلت الأمر. ~~لكنها عادت تردد: رائحة كاكا. فجعلت أتشمم حولي وأقول لها أين؟! ~~حتى اختفت الرائحة. وأخيرا يئست من مجيء سامي فقمت وانصرفت. وكان ~~الزحام شديدا، وذهبت إلى المجلة فلم أجد أحدا. وفي الشارع كان ~~الراديو عاليا، وسمعت أغنية إنجليزية عن الأطفال، واكتشفت أنها نفس ~~الأغنية الجديدة التي يغنيها محمد فوزي. وركبت المترو، وكان الزحام ~~فظيعا وكدت أختنق، وراقبت وجوه السيدات المتعبة وقد ساح الكحل ~~عليها. وذهبت إلى بيت سامية، ووجدتهم يأكلون. ابتسمت سامية عندما ~~رأتني ms25 وقالت إنها انتظرتني طويلا قبل أن تأكل، وكدت أسألها: ~~صحيح؟ وسألتها عن طفلها فقالت إنه نائم. وشعرت بنفسي أبتسم، وكانت ~~ابتسامتها بسيطة صريحة، ولم أكن أتصورها بهذه البساطة ~~والرقة. ~~«ماذا بعد؟ عندها زوجها وطفلها ولا مكان لأحد آخر في حياتها ~~وسرعان ما سأنصرف، وسيكون هذا هو نهاية كل شيء.» # وكانت تتنهد بين الحين والآخر تنهيدة حارة وتقول: يا رب. وقلت ~~لها: لو سمعك فرويد لقال لك شيئا. فقالت: بل أشياء. وفرغنا من الأكل ~~وقامت، كانت ترتدي قميصا خفيفا على اللحم، ورأيت من تحت إبطها ~~جانبا من ثديها عند انطلاقه من الصدر، ودهشت لأنه لم يكن متهدلا، ~~وكان أبيض كاللبن. وأدرت بصري بسرعة، وتطلعت إلى عينيها ~~الصريحتين المباشرتين، ودخلت هي لتنام، ونمت أنا أيضا. # وعندما قمت بحثت عنها وذهبت إلى غرفتها، وكان السرير في أقصى ~~الغرفة. وكانت ترقد على ظهرها ومؤخرة رأسها ناحيتي وعيناها على الحائط ~~المواجه لي، وطفلها جالس إلى جانب صدرها يتطلع حوله مدهوشا من أثر ~~النوم. وكانت ساقها عارية - بيضاء كاللبن - وغطتها بسرعة، وقامت ~~وارتدت فستانا برتقاليا، وجلسنا في الشرفة، وقالت لي إن طفلها ~~يحبني. عشقت صوتها الهادئ الواثق وحركاتها التي لا تتكلف شيئا، ~~وقلت لها إني أشعر أني عجوز. نادرا ما أبتسم أو أضحك. كل الناس أراهم ~~في الشارع وفي المترو متجهمين دون ابتسام، ولأي شيء نفرح؟ وتكلمنا عن ~~الكتب، وقالت إنها كفت عن القراءة منذ مدة، منذ أن جاء الطفل. ~~وسألتها: هل قرأت رواية الطاعون؟ وشعرت أن شيئا كثيرا يتوقف على ~~الإجابة، لكنها قالت: لا. وفكرت أن أقول لها إني أحسدها على ~~بساطتها ورقتها. وقلت أفعل هذا عندما نفترق. وتطلعت إلى الساعة، ~~كان لا بد أن أذهب. ووقفت هي أيضا، قلت لها في صوت خافت: تعرفين؟ ~~أنت غريبة حقا. وتطلعت إلي بدهشة، قلت: لقد اكتشفتك اليوم. ~~وانحنت على طفلها وانهمكت في إصلاح ملابسه، ولم أر عينيها جيدا. ~~وجاء زوجها، وودعتهما، وسارا في أثري إلى السلم. وعند باب الحديقة ~~تطلعت خلفي، كانت تدخل المنزل الهادئ الرطب، وراقبت ms26 رداءها ~~البرتقالي وهو يختفي خلف الباب. ومشيت إلى البيت، ورأيت فتاة حلوة ~~تسير بجوار قضبان المترو في بطء كأنما تجد صعوبة ما مع حذائها. ودخلت ~~المنزل، ووجدت الغرفة الخشبية في مدخله مضاءة وبابها مفتوحا، واختلست ~~النظر داخلها فوجدت حسنية صديقة أختي. وصعدت إلى غرفتي، وجاءت ~~أختي، قلت لها: سامية لطيفة. وسألتها: هل هي سعيدة مع زوجها؟ قالت: ~~أجل. وقلت: أراهن أنها لا تحبه. قالت: مستحيل، أين ستجد رجلا مثله ~~في الشخصية والمركز؟ وقالت إنهما كانا يتقابلان قبل الزواج. ~~«وماذا لو كانا يتقابلان قبل الزواج .. كانت في السابعة والعشرين، ~~وانتظرت فارس الأمل طويلا دون جدوى .. وفي البيت لم تكن لها حجرة ~~خاصة، كانت تنام في غرفة أشبه بالصالة. لم تغلق على نفسها باب ~~غرفتها أبدا، وتنفرد بنفسها، وتخلع كل ملابسها مثلا. لم تقبل جسمها ~~أمام المرآة، ولم يعد من الممكن أن تحتمل نظرات أبيها وأمها كل ~~ليلة. لم يكن هناك من موضوع للحديث غير الزوج المنتظر، وتلام لأنها ~~لم تستطع أن تحصل لنفسها على واحد. وذات ليلة التقت به عند إحدى ~~صديقاتها، وفي اليوم التالي قالت لها صديقتها إنه يريد أن يتزوجها. ~~وبعد عشر دقائق من المسير حتى باب المنزل، وأمام باب المسكن الذي تآكل ~~طلاؤه، قالت لصديقتها: ولم لا؟ ربما كان الحبيب الذي تنتظره، ربما لم ~~يكن كل هذا الحديث عن الحب والتقاء الأعين ورعشة الأرواح غير كلام ~~روايات، ربما وجدت السعادة معه؛ ربما الكلمة المعلقة فوق كل زواج ~~جديد، ربما كان هذا هو الرجل المنتظر، ربما جاء الحب، وبعد سنة واحدة ~~جاء الطفل. ها قد تم تقييدها إلى الأبد، وليس أمامها إلا الاستسلام .. ~~وتلك المرة التي كان الراديو دائرا فيها ولمحت نظرة ساهمة في ~~عينيها، وقد اكتسى وجهها طابعا حزينا .. ماذا حدث بعد الزواج؟ ~~وتصورتهما بجوار بعضهما على الفراش، وأحدهما ملول ساخط، أحدهما ~~سيظل طول عمره يشعر أن جانبا فيه لم يتحرك، أن جزءا من لحمه ودمه ~~لم يهتز، أن بئرا في أعماقه لم تكتشف.» # قلت: هل تعرفين ما ms27 هو الحب؟ وتطلعت إلي بدهشة. كان سؤالي ~~سخيفا وساذجا، قالت: بالطبع. وقلت: هل تحبين خطيبك ؟ قالت: أجل. ~~وقالت: عندما خطبني لم أكن أطيقه ثم مع الزمن أحببته. وكان صوتها ~~مرتفعا، قلت لها: لماذا تزعقين؟ قالت: صوتي كده. وقالت إنها تريد أن ~~تستحم، ولكنها لو فعلت سيتلف شعرها وتضطر للذهاب إلى الحلاق مرة ~~أخرى. ودق الجرس، فحملت الدفتر وذهبت أفتح، لكنه كان خطيب أختي، ~~وخلفه جاءت صديقته حسنية، وقالت حسنية لأختي: تصوري أن خطيبي يغير من ~~خالي! وقالت: إنه يقول إني أقضي الوقت كله مع خالي. وقال خطيب أختي ~~إنه كان يبحث طول اليوم عن السخان، وإنه اشترى الثلاجة. وقال: هل ~~يعرف أحدكم شخصا مسافرا ليأتي لي بريكوردر؟ وجاء خال حسنية وأخذهم ~~جميعا إلى السينما. وبقيت بمفردي أمام المكتب، وحاولت أن أكتب، ودق ~~الجرس، فأسرعت إلى الباب وأنا أتمنى أن يحدث شيء، أن يأتي أي أحد، ~~ووجدت الكواء. ودق الجرس مرة أخرى، وعندما فتحت الباب فوجئت ~~بنهاد وأبيها، ودخلا حجرتي على الفور، وقالا: لا بد أن تأتي عندنا ~~غدا. وقلت لنهاد: لقد تغيرت كثيرا. فقالت باسمة في رقة: آخر مرة ~~رأيتني فيها كنت صغيرة جدا. ورفضا أن يجلسا وقالا إن أمها تنتظر في ~~السيارة. وودعتهما إلى الخارج ثم عدت إلى حجرتي، وأخذت أدخن في ~~شراهة وأنا أفكر ولا أستطيع الكتابة. كانت تتأملني بدقة، وفكرت ~~أنها سمعت عني كثيرا ولا بد أنها مبهورة. ودق الجرس مرة ثالثة، ~~وكانت الدقة طويلة قوية، وحملت الدفتر وذهبت إلى الباب ففتحته، ~~وأعطيت الدفتر للعسكري ثم عدت إلى حجرتي وأطفأت النور واستلقيت ~~على الفراش، ورحت في النوم، ثم استيقظت فجأة على صوت الجرس. وعندما ~~فتحت الباب لم أجد أحدا، وعدت إلى الحجرة وتركت بابها مفتوحا، ~~ونمت من جديد. وقمت في الصباح الباكر وحلقت ذقني وارتديت ملابسي ~~وحملت قميصا نظيفا إلى الكواء، وعدت فارتديته ثم نزلت. وأخذت ~~أبحث عن مكان ألمع فيه الحذاء، واشتريت الصحف. وأخيرا ركبت ~~المترو، وتوقف السائق في الطريق ليضع قطعة أفيون في فمه ويشرب ms28 الشاي. ~~وفكرت أنه محظوظ؛ فقد وجد طريقة يستعين بها على مواجهة الحياة. ~~ومضى يسوق في بطء وأنا أتمنى أن يسرع كي لا أتأخر ويفسد الغبار ~~أناقتي. ونزلت بعيدا عن البيت، وركبت تاكسي، وتوقفت به أمام ~~البيت، وتطلعت إلى شرفاته فلم أجد أحدا بها. وصعدت إلى الطابق ~~الأعلى ووجدت نهاد مع أمها أمام مائدة، ولم تشاهدا التاكسي، وجلست ~~بجوارهما. كانت نهاد تذاكر، وتأملتها في دقة، كانت شفتاها كما ~~أتمنى؛ السفلى مقوسة وأسنانها بارزة قليلا، وكان صوتها هادئا ~~رقيقا. وسألتني أمها عما أفعل الآن، وكانت تتكلم بصوت عال، قلت ~~لها إني أكتب. قالت: هل تكتب قصصا؟ قلت نعم. قالت: من الكتب؟ قلت: ~~لا، من رأسي. وقالت نهاد: إذن أنت شخصية. وأشعلت سيجارة، وقالت أمها: ~~يجب أن تستقر. وقالت نهاد: أمريكا رائعة، ما رأيك؟ وقلت: أعجب ~~بأشياء وأشياء لا. وقالت: اترك كل هذا والتفت لنفسك. وقالت: ساعدني ~~في المذاكرة، وكان صوتها خافتا، وأنا قد تعبت من الأصوات العالية. ~~وقالت: تصور ماذا فعلوا بأبي. طردوه من شركته بعد أن أخذوها. وقالت ~~إنهم تآمروا عليه واتهموه بأنه يتلاعب. وقالوا: نأكل. ونزلنا إلى ~~الطابق الأسفل، وجلسنا إلى المائدة، وأخذت السلطة ثم الأرز في طبقي. ~~وسألتني نهاد: ورك أم صدر؟ وكانت أختي قد حذرتني، وقالت حذار أن ~~تأخذ الورك لأنك لن تعرف كيف تأكله بالشوكة والسكين. لكني لم أدر ~~كيف اندفعت وقلت لها أعطيني الورك. ووضعته أمامي وأمسكت بالشوكة ~~والسكين، وعندما غرزت فيه الشوكة قفز من صحني في الهواء وسقط في إناء ~~السلطة. وقالت نهاد بهدوء: الفراخ لا تؤكل هكذا، كلها بيديك. وقلت ~~لها إن أختي حذرتني لكني لم أستمع إلى تحذيرها. وقالت الأم إنهم في ~~أوروبا يأكلون الورك بالشوكة والسكين. ولم أعرف كيف آكل بعد ذلك، ~~وتعثرت في المكرونة والبطيخ. وقالوا: أتعجبك الحال؟ وقال الأب ~~إنه قابل ناسا قادمين من روسيا وإن الفقر هناك شديد. وقال إن ~~الرأسمالية أفضل. وقالت نهاد في حماس: هل يستطيع أحد أن يجادل في هذا؟ ~~وقالت: هل تؤمن بربنا؟ وقمت وغسلت ms29 يدي وجففتها في فوطة. وصعدنا ~~إلى الطابق الأعلى، وقدموا لي السجائر، لكن لم تكن لدي رغبة في ~~التدخين. وتحدث الأب في التليفون، كان يريد أن يشتري الأرض المجاورة، ~~ووضعت الأم يدها على خدها وسرحت، ودخل الأب لينام. وقالت نهاد: هل ~~أنت متعب؟ قلت: لا. وعدنا نستأنف المذاكرة، وقام الأب من النوم وجاء ~~فبسط سجادة الصلاة أمامنا وصلى، ثم جلس بجوارنا وجاءوا بالشاي، وقال: ~~كيف حال نهاد؟ قلت: كويس. وأداروا التليفزيون خلفنا بصوت عال، وجاءت ~~الخادمة والطباخة والدادة وجلسن على الأرض يتفرجن، وكانت نهاد ~~تغافلني وتتابع الفيلم. وقالت: أحمد رمزي لذيذ. وبدأت أشعر ~~بالتعب، وقامت وجلست بجواري، وكان ساعدها عاريا بجواري، وكانت حريصة ~~على ألا نتلامس. وسمعتني الأم أشرح لها كلمة إنجليزية، فقالت: لا، ~~ليس هذا هو المعنى. وتدخل الأب ولم يكن يعرف غير الفرنسية، وقال إن ~~الكلمة بالفرنسية لها معنى آخر. ولم أتكلم. واختلف الأب والأم، وطلبت ~~مني الأم تأييدها، وقلت: غالبا هذا هو المعنى. وقال الأب: لا. ونظر ~~إلي، فقلت: تقريبا. وأصبحت الضوضاء عنيفة. وقالت نهاد إن مخرجا ~~رآها في الصباح وقال إنها تشبه لبنى عبد العزيز. ودخل بعض الزائرين، ~~وقامت نهاد ترحب بهم وجلست بجوارهم في نهاية الغرفة. وكانت ~~تحادثهم في حرارة وشوق ثم تغافلهم لتتابع أحمد رمزي. وأحسست ~~بالصداع يحطم رأسي، وقمت لأنصرف، ونظرت إلي إحدى الزائرات ~~متسائلة، وقلت: أنا ابن فلان. وضحكت وأشارت إلى أنفها وبرمت شاربا ~~وهميا ورفعته إلى أعلى، وقالت: أهو ذلك الذي كان بشارب ضخم؟ قلت: ~~نعم. وصاحت الأم: أنا عاوزاك. وفكرت: هل ستنحني علي وتعطيني خمسة ~~جنيهات؟ وأشارت لي أن أتبعها إلى حجرتها، وكانت وصيفتها تجلس على ~~مقعد، وهي فتاة سمراء ممتلئة، وقلت: هذه طبقتي. وفكرت أني لو ~~كلمت الأم لأمكن أن أتزوج هذه الفتاة، وسيقولون إنهم خدموني ~~ووجدوا لي زوجة طيبة على قدي. وناولتني الأم لفافة ورق وقالت إنها ~~قطعة قماش. ولم أعرف ماذا أقول. وكنت قررت أن أرفض لو أعطتني ~~نقودا، ولم أحسب حساب القماش. وتضايقت ورفضت، لكنها أصرت وقالت: ms30 ~~أنت مثل ابني. ولم أعرف كيف أتصرف، فأخذتها وأنا أقول في نفسي: ها ~~نحن قد كسبنا بذلة. وعدت إلى الصالة، ورافقتني نهاد إلى السلم. ~~وخرجت من البيت، ولم أنظر إلى أعلى، ومشيت، وامتلأ حذائي بالغبار ~~ولم أهتم. وركبت المترو، وكان الزحام رهيبا، وتكرمشت ملابسي، ولم ~~أقاوم. وفي إحدى المحطات هجم على المترو عشرات من العمال العائدين إلى ~~منازلهم، وشقوا طريقهم بين الزحام، ووقف أحدهم أمامي، وكانت عيناه ~~محمرتين، واستند آخر على مسند مقعد، وسرح من النافذة، وبدأ ينام. ~~وعندما تطلعت إليه بعد لحظة كان رأسه يهتز مع حركة المترو ويصطدم ~~بالمسند كل مرة وهو غارق في النوم. وعندما نزلت من المترو شاهدت نفس ~~الفتاة التي رأيتها من قبل تسير بجوار قضيب المترو في بطء. وصعدت ~~إلى حجرتي، ووضعت المفتاح في القفل، نفس الباب والمفتاح في نفس الأسر ~~التي من طبقتنا. ودخلت وخلعت ملابسي ووضعت البنطلون في الشماعة ~~وعلقتها على الحائط، ثم استحممت، وعدت فجلست أمام المكتب، ~~وأدرت الترانزستور. ورأيت لفافة القماش أمامي ففتحتها، ووجدتها ~~قماش بيجامة لا بذلة، وأشعلت سيجارة. وجاءت أختي وقالت: كم بقي من ~~الخمسين قرشا؟ حسبت المواصلات ولم أجسر على أن أذكر لها القروش ~~العشرة أجرة التاكسي. وجاء خطيبها وقال إنه وقف ساعتين أمام الجمعية ~~ليشتري اللحم. وقال إن الحالة لا تطاق. وقال: أنتم تريدون أن تنشروا ~~الفقر. وقال: ليست أمامي فرصة للثراء. لو كونت أي شيء ستأخذه ~~الحكومة. وجاء عادل وزوجته، وقدمت له سيجارة فقال: أنا لا أدخن ولا ~~أشرب القهوة. وقال إنه في الصباح فقط يتناول فنجانا من الشاي في ~~البيت، ومع ذلك يصل حسابه في المكتب إلى ثلاثين قرشا طلبات للآخرين. ~~وقال إنه بعكس الموظفين الآخرين لا يرتشي. وقالت زوجته: خيبة. وقالت: ~~إن العمال لم يعد أحد يعرف كيف يكلمهم، وقال عادل إن سائق خاله ~~فهمي بيه لا يستيقظ قبل العاشرة صباحا، بينما يقوم فهمي بيه من الفجر. ~~وقال لخطيب أختي: سأدلك على أحسن مكان تشتري منه صبانة. وقال ~~خطيبها إنه أوصى على ولاعة ms31 رونسون ستأتيه من بيروت. وقالوا: لا بد أن ~~نذهب الآن. وانصرفوا، وظللت جالسا أمام المكتب أدخن، ثم قمت ~~وأطفأت النور، ووقفت في النافذة أتشمم الهواء. وكانت نافذتي تطل ~~على مؤخرات عدة منازل، ولم يكن يبدو لي من الشارع غير جانب صغير. ~~وملت برأسي إلى الخارج، ولويت رقبتي لأرى المحلات المضاءة والناس ~~وهي تروح وتجيء. وتعبت فتراجعت برأسي إلى الوراء، وأسندت ساعدي إلى ~~حافة النافذة. وكانت هناك نافذة مظلمة أمامي، وإذا بها تضاء فجأة، ~~ومن خلالها ظهرت فتاة جعلت تخلع ملابسها ببطء، ووقفت أخيرا عارية ~~تماما، ثم ارتمت على سرير في ركن الغرفة، ورقدت على وجهها وظهرها ~~للضوء، ورأيت استدارة جسمها والظلال الداكنة التي تركها الضوء في ~~ثناياه. وفجأة دق الجرس، فتناولت الدفتر وتلكأت قليلا حتى أشعلت ~~سيجارة وأخذت علبة السجائر معي، ودق الجرس مرة أخرى، وأسرعت إلى ~~الباب، وفتحت للعسكري وأعطيته الدفتر وأنا أخرج علبة السجائر، ~~وأعطيته سيجارة، وانصرف. وعدت إلى الحجرة فألقيت الدفتر على المكتب ~~وتطلعت إلى النافذة المقابلة فألفيتها مظلمة. استلقيت على الفراش ~~أدخن حتى انتهت السيجارة، فقذفت بها من النافذة ونمت. وفي الصباح ~~خرجت واشتريت الجرنال وزجاجة لبن صغيرة وخبزا. وعدت فغليت ~~اللبن ووضعت فيه السكر ثم غمست الخبز في اللبن. وقرأت الجرنال، ثم ~~خرجت، وركبت المترو، وتوقف المترو قبل محطة الإسعاف، ونزل الركاب، ~~ووجدت عرباته مقلوبة على جانبها بجوار القضبان، وقد برزت أحشاؤها ~~الداخلية السوداء. وسرت إلى المقهى الذي يجلس فيه مجدي، وكان يجلس في ~~ركن بمفرده، وقال: يجب أن نثبت وجودنا. وتأملت التجاعيد التي ~~حفرت خطوطها في كل مكان بوجهه، وقال: الجميع أولاد كلاب. وقال: ~~أنت قوي بالناس، أما بمفردك فأنت ضعيف. وتقلصت عضلات ~~وجهه. ~~«فإذا نظرت إليه لا تعرف ما إذا كان يحقد أم يتألم، وهل يوجد ~~إنسان لا يحقد ولا يتألم؟ من الرغبة في السيطرة ومن الضعف في مواجهة ~~العالم، من الافتقاد للحب ومن العجز عنه، من احتقار الناس ومن الحاجة ~~إليهم، من الإحساس بالقهر ومن ممارسة الاضطهاد، من معاناة الألم ومن ~~الاستمتاع ms32 بإيلام الآخرين، من الثقة الكاملة ومن الشعور بالفشل، من ~~التغني بحب الناس ومن استغلالهم كقطع من الطوب تبني بها بيتك، من ~~الاعتقاد بأن الجميع يحبونك ويؤمنون بك، ومن رؤيتهم يتخلون عنك .. ~~وكان الأمر في البداية نبلا وأصبح الآن لعنة، وجف النبع الذي كان ~~يتألم للآخرين .. وعندما وقف وظهره يقطر دماء كان صامدا لا يهتز، ~~يستعذب قدرته على الصمود. لكن الناس لم تعد تعبأ بهذا اليوم؛ فقد ~~تغيرت روح العصر. وليس صدفة أن الكلمات التي يستخدمها قد تغير ~~مدلولها منذ زمن، وبعضها كاد يصبح بلا مدلول على الإطلاق .. وكان ~~مشتركا في اللعبة ويفهم قواعدها ويسير عليها، لكنهم طبقوا القواعد ~~عليه، وسالت الدموع على مقعد وحيد، وأفظع شيء أن تبدأ في البحث عن نفسك ~~متأخرا .. وقال إنه لم يحب أبدا. وهو يؤمن بأنه أفضل من الآخرين - ~~وربما كان ولا يجد ما يمنع من ذلك وقد قدم كل شيء لديه - لكنه مهزوم ~~في لعبة لا تعرف الرحمة وليس لها في الحقيقة أية قواعد، ولا يمكنك فيها ~~أن تقرر الصح من الخطأ، وليس المنتصر هو المصيب بالضرورة، إنما هو ~~أمهر وأمكر وأكثر حظا.» # تركته وذهبت إلى المجلة، وسرت في ممر طويل وأنا أنظر في كل غرفة ~~ولا أجد أحدا، وكانت هناك غرفة أمامي في نهاية الممر، وعندما اقتربت ~~منها رأيت امرأة تجلس إلى مكتب وقد أسندت خدها إلى يدها، ولمحت ~~دموعا في عينيها، واستدرت عائدا من حيث جئت، وسرت في اتجاه ~~المترو ثم ركبته، وجلست بجوار النافذة. وعندما تركنا ميدان رمسيس سار ~~بجوارنا قطار في نفس الاتجاه، وكان ممتلئا بالجنود العائدين من ~~اليمن، وكانوا يهللون من النوافذ ويهتفون ويلوحون بأيديهم. وعندما ~~أصبح المترو في حذائهم، ازداد حماسهم وهم يتطلعون إلى ركابه، ~~وتأملهم هؤلاء في جمود ولامبالاة. وشيئا فشيئا هبط حماس الجنود، ~~وكان المترو قد سبق القطار الآن. وأدرت رأسي إلى الخلف، كانت أيدي ~~الجنود تتدلى من نوافذ القطار، ولمحت أحدهم يرمي بغطاء رأسه إلى ~~الأرض. ونزلت أمام البيت ورأيت الفتاة الجميلة التي تسير بجوار ms33 قضيب ~~المترو كل يوم، واكتشفت أنها عرجاء. واشتريت طعاما وصعدت ~~السلم، ووجدت باب الشقة مفتوحا وجاري فيها يصلح قفل باب غرفته. ~~دخلت وأكلت، ثم دخنت ونمت، وقمت لأجد أختي قد جاءت. ودخلت ~~الحمام وخلعت ملابسي وفتحت الدش على جسمي، وسمعت صوت مقبض باب يقع ~~على البلاط. وأغلقت الدش وجففت جسمي وارتديت ملابسي ثم خرجت من ~~الحمام. وكان هناك قرع مستمر على شيء ما، ووقفت أتكلم مع أختي وأنا ~~أمشط شعري. وسمعت القرع مرة أخرى، وتبينت فيه قرعا على الجدار، ~~وقلت لها إننا كنا نفعل هذا دائما عندما نريد أن نكلم بعضنا أو ~~نحذر بعضنا. ~~«وكان ذلك يحدث كل صبح، ونفتح عيوننا على صوت القرع الرتيب على ~~الجدران ونهب واقفين ونحن نرتب كل شيء ونحاول أن نتذكر حتى لا ~~ننسى شيئا، ولا زال النوم في عيوننا، ثم نجلس القرفصاء بجوار الحائط ~~ونحن نرتجف من البرد. ويسكت القرع، وننتظر، ثم نسمع صوت أقدامهم على ~~البلاط وشخشخة السلاسل والمفاتيح. ونقفز في أماكننا عندما يصطدم ~~المفتاح بالقفل، ثم يدخلون، وتلتصق عيوننا بعيون جامدة لا تنطق، ~~وتصطدم آذاننا بأصوات سريعة باترة لا تتمهل، وتتعلق قلوبنا بأيد ~~سمينة ثقيلة لا تفكر، وحولنا الجدران تلتقي في أربعة أركان، والباب ~~مغلق، والسقف قريب، لا منجاة.» # خرجت إلى الصالة، وحانت مني نظرة إلى حجرة جاري، كان بابها ~~الزجاجي مغلقا، ولمحت ظله من وراء الزجاج ويده تخبط عليه بعنف، ~~ووجدت مفتاح الباب ملقى على الأرض. تناولت المفتاح ووضعته في ~~الباب وفتحته له، وقال لي وهو يبكي إنه نسي المفتاح عندما دخل وإنه ~~يخبط لي منذ ساعة. وقالت أختي يجب أن تزور حسنية وسترى خطيبها. ~~وذهبنا، ورحبت أمها بي، وقالت يجب أن تستقر. وقالت لأختي: زوجيه ~~وهو يهدأ. وجاء خطيب حسنية وقال إنه نظم مكتبه في الوزارة تنظيما ~~رائعا؛ فهناك لوح من الزجاج السميك يغطيه، وعلى اليمين أجندة فخمة ~~من الخارج، وفي الوسط محبرة من العاج لا يوجد مثيل لها الآن، وإلى ~~اليسار بعض الملفات العاجلة، وفوق رأسه علق لفظ الجلالة. ms34 وقلت إن ~~الشمس أوشكت أن تختفي ويجب أن أنصرف. وتركتهم وأسرعت إلى المنزل، ~~وقابلت العسكري على السلم. وقال: تأخرت. وأخرجت علبة السجائر لكنه ~~هز رأسه وقال: من الممكن أن تقضي هذه الليلة في الحبس. وأخرجت عشرة ~~قروش، وصحبني إلى الشقة فدخلت وأحضرت الدفتر، ووقع فيه وانصرف. ~~وخلعت ملابسي في بطء، وغسلت وجهي، ثم أعددت فنجانا من القهوة، ~~ورتبت المكتب ومسحت الغبار الذي تراكم فوقه، وأمسكت القلم لكني ~~لم أستطيع أن أكتب. وتناولت إحدى المجلات، وكان بها مقال عن الأدب وما ~~يجب أن يكتب. وقال الكاتب إن موباسان قال إن الفنان يجب أن يخلق ~~عالما أكثر جمالا وبساطة من عالمنا. وقال إن الأدب يجب أن يكون ~~متفائلا نابضا بأجمل المشاعر. وقمت واقفا وذهبت إلى النافذة ~~وتطلعت إلى نافذة الأمس، لكنها كانت مغلقة، وأغمضت عيني. تصورت ~~فتاة الأمس بجسمها الأبيض أمامي على الفراش، ممتلئة وشعرها طازج، وأنا ~~أقبل كل جزء منها، وأمر بخدي على فخذها وأسنده إلى نهدها، ~~وامتدت يدي إلى ساقي، وجعلت أعبث بجسمي. وأخيرا تنهدت، ~~وارتميت على مقعدي متعبا وأنا أحدق في الورقة بنظرة فارغة. وبعد ~~قليل قمت وعبرت في حذر فوق الآثار التي تركتها على البلاط أسفل ~~المقعد، وذهبت إلى الحمام وغسلت جواربي وقميصي وعلقتها في النافذة. ~~وأطفأت النور بعد أن تركت باب الحجرة مفتوحا لأسمع العسكري عندما ~~يأتي، وأشعلت سيجارة وتمددت على السرير، ونمت. وفي الصباح ذهبت ~~إلى منزل أخي، وكانت التجاعيد قد زحفت على وجهه وامتلأ جلده ببقع ~~بيضاء، وقال: تلف كل شيء منذ أصبح العمال في مجالس الإدارات. وقالوا ~~نصعد إلى الطابق الأعلى لنرى ابنته الكبرى. ~~«وكان أخي قد بنى الفيلا منذ خمس عشرة سنة، وقال إن زوجته هي التي ~~اشترت الأرض. وكانت أول مرة يعلم أن معها نقودا. وكان أبي وقتها ~~حيا، وكان يأتي كل يوم ليراقب البناء، وكنا نسكن في حجرة ضيقة. ~~وأكمل أخي البناء، وأجر الدور الأول وسكن في الثاني، ثم زوج ابنته ~~الكبرى وأجر لها الدور الثالث. وعندما تزوجت ابنته الصغرى أخلى ms35 ~~الدور الأول وأجره لها، وظل في الوسط مع زوجته. وفي البداية كان يقضي ~~ساعة كل يوم في الحديقة يقص أعشابها وهو يدخن البايب.» # وسألتني عما إذا كنت أقرأ لزوجها، وقال زوجها إن الشيخ عبد الباسط ~~قال له: إن الصلاة في المسجد الأقصى تحسب بألف ثواب. وقالوا ننزل إلى ~~الطابق الأسفل لنرى الابنة الصغرى. واستقبلتنا على الباب وهي تحمل ~~طفلها على ساعديها، وكانت عيناه قريبتين من بعضهما، وقالت: أليس ~~ابني جميلا؟ وضحكت، ومدت في ضحكتها لتثير زوجها، وكان يقف بجوارها ~~وهو يداعب نجوم بذلته العسكرية بأصابعه. وقال إن العسكري إذا فتح فمه ~~لطمه على وجهه فيصمت. وقال: آن لك أن تتزوج. وقال: افعل مثلي. المهم في ~~البنت هو الأصل. وأداروا التليفزيون، واعتدل أخي في عباءته وابتسم ~~وقال: شوفوا هذا الفيلم. وكان يروي قصة فتاة تركت شابا في سنها ~~وأحبت كهلا. وعندما انتهى الفيلم تطلع أخي إلينا مزهوا، وأخذني ~~إلى حجرته، وأغلق الباب، ثم أخرج عدة ملفات قديمة، وجلس إلى المكتب ~~وأشعل البايب، وأراني قصصا كتبها وقصصا ترجمها، ومقالات بعنوان «لك ~~يا سيدتي» وكتابا له عن بناء الأجسام وآخر عن معارك الحرب العالمية ~~الثانية، وثالثا عن الأمير عمر طوسون، وصورة قديمة له بالقبعة ~~والبايب في حديقة المنزل، وصورة أخرى مع فتاة ألمانية، وقال إن ذلك ~~كان في أيام اقتراب روميل من الإسكندرية، وكان قد بدأ يتعلم الألمانية. ~~وأراني صورة ثالثة في مكتب شركة أمريكية، وصورة رابعة في شركة ~~استيراد مصرية، وقال: نفسي في فتاة صغيرة. وقال إنه لم يحب أبدا. ~~وقال إنه بالأمس أراد أن ينام مع زوجته، لكنها رفضت لأنه كان قد جعلها ~~تشتري الفاكهة من نقودها وعندما أعطاها جنيهين فتحت له ساعديها. ~~وجمع الأوراق المصورة وأعادها إلى ملفاتها، وقال: أنا الآن ~~انتهيت. سأربي أرانب. ونادوا علينا لنأكل، ثم خرجت وذهبت إلى ~~المجلة وقابلت سري، وقال لي إنه يريد أن يساعدني لكن الظروف لا ~~تمكنه. وقال: هل قرأت مقالاتي؟ أنا الوحيد الذي يكتب هذا الآن. ~~وقال: فؤاد رجل تافه، تصور أنه ms36 قال عني إني تلميذه. وتركته وذهبت ~~إلى حجرة سامي في آخر الممر، وفي هذه المرة وجدته، وقال لي: ليست عندي ~~أي فكرة عما كتبته. ووقفت بجوار مكتبه وهو يكتب، ورفع رأسه إلي ~~فجأة وقال: ما نعطلكش، مر علي بعد يومين. وخرجت إلى الشارع، ~~ومشيت إلى المترو، ورأيت فتاة رائعة الجمال من زجاج شركة الطيران. ~~وركبت المترو إلى البيت ولم أجد مقعدا خاليا لي، ووقفت أتأمل ~~الناس من حولي. وفي حجرة السيدات لمحت جانبا من وجه امرأة، كانت ~~تطل من النافذة، وكانت ترتدي فستانا أبيض بغير أكمام، وتبدو نظيفة ~~جدا، ولا شك أنها استحمت قبل أن تخرج. وكان شعرها طويلا ناعما، ~~ولا يمكن أن تكون قد فردته عند الحلاق، ولمحت بجوارها طفلة. واضطرب ~~صدري عندما تحولت بوجهها كله ناحيتي ورأيت سمارها الخمري، وكان ~~وجهها بلا كحل أو أصباغ، وألفيت نفسي فجأة في مواجهة عينيها، كانتا ~~واسعتين صافيتين، وللحظة ضعت. ~~«كانت عيناها نجمتين في فضاء ساكن، وكنت سابحا في الفضاء، ~~ضائعا، وكان بالليل عندما التقت عيوننا، وكانت عيناها تلمعان في ~~الضوء، رأيت صورتي في بياضهما الواسع ورأيتها في سوادهما العميق. ~~وكان ساعدها عاريا بجواري، وبشرتها مشربة بالحمرة وتبدو ساخنة. ~~واشتقت أن أمد إصبعي وألمس ساعدها عند استدارته الممتلئة قبل الكتف. ~~وكانت بلوزتها بيضاء خفيفة، ولم تكن ترتدي مشدا؛ فقد كنت أرى ~~نقطتي ثديها على البلوزة، في المكان الذي تستريحان فيه على الحرير. ~~وكانت بشرة وجهها ناعمة، وشفتاها ممتلئتين، والسفلى دائما منفصلة ~~قليلا عن العليا ومقوسة، داكنة اللون كأنها ملتهبة من شيء ما. ~~وعندما كانت تنظر إلي وتبتسم، كانت نظرتها تتعلق بي وأحار، وعندما ~~احتضنتها أول مرة سكنت لحظة ثم أبعدتني عنها، وكنا نجلس في ~~الظلام، ثم مدت يدها إلى رأسي وجعلت تعبث بشعري، ثم تسللت يدها ~~إلى حافة قميصي، ثم ظهري، وجعلت تتحسسه بكفها؛ عندئذ احتضنتها ~~ودفنت رأسي في رقبتها، واستمتعت لحظة بنعومة جلدها على خدي وجعلت ~~أتشمم رائحتها النظيفة، ثم رفعت رأسي قليلا وقبلتها في فمها، ~~ودخت. وعندما أردت أن أعيد ms37 الكرة دفعتني عنها، وتعلمت أن أكتشف ~~فيها أشياء أخرى، عندما تزم شفتيها وتركن إلى الصمت مهما حدث، وأكاد ~~أجن لأعرف لماذا. وعندما تبدو أحيانا رقيقة حانية وأعبدها، وعندما ~~أجلس أمامها وعيني على وجهها ويديها وساقيها وأكاد أبكي من الرغبة. ~~وعرفت الألم عندما كنت أنظر إلى عينيها اللامعتين وخديها ~~الشهيين، وعندما كانت أصابعي تتسلل إلى ساعديها وساقي تقترب من ~~ساقيها وترفضني. وفي آخر مرة كنت سأجن، كنت قد بدأت أوقن، وأخذتني ~~بين ساعديها، وسمحت لي أن أتحسس صدرها ويديها وأقبل خديها ~~وشفتيها، لكنها كانت باردة.» # لكنها لم تلبث أن حولت عينيها بعيدا، ولم تلتفت نحوي أبدا ~~بعد ذلك. ونزلت أمام البيت واشتريت طعاما، ودخلت المنزل، ووجدت ~~الحجرة الخشبية التي يستخدمها خال حسنية مضاءة، وبابها مفتوحا، وعندما ~~نظرت خلاله وجدته معتمدا برأسه على كفيه يتأمل صورة فتاة في ~~إطار مذهب على مائدة صغيرة أمامه، وكانت الصورة لحسنية، وكانت ~~عيناها في الصورة واسعتين رائعتين. وابتعدت قبل أن يحس بي. ~~وصعدت إلى غرفتي، وخلعت ملابسي، وأدرت الترانزيستور، فلم أجد ~~أغاني أو موسيقى وجعل يخروش. وجلست أحاول الكتابة، وعلى الأرض ~~ظهرت بقع سوداء من أثر لذتي. وجاء حسن وقلت له لا بد أن نأتي ~~بامرأة الليلة. وقال سأحاول. وخرج، وعاد بعد نصف ساعة، وقال: أخي على ~~السلم ومعه فتاة. وقال: اختف قليلا لأننا قلنا لها إننا اثنان فقط. ~~وقال: لا تخش شيئا فلن تستطيع أن ترفضك ما دامت ستأخذ الثمن. ~~وذهبت إلى المطبخ وأعددت الشاي، وجاء حسن، وقال إن شقيقه والفتاة في ~~حجرتي الآن. وحملت الشاي إلى الصالة ووضعته على المائدة، وجلست ~~بجوار المائدة، وأشعل حسن سيجارة وجعل ينقر بأصابعه على المائدة. ~~وفتح باب الحجرة بعد قليل وخرج أخوه، وصافحته ولم أكن رأيته من ~~قبل، وكان ضخما في الأربعين. ودخل حسن الحجرة، وقدمت الشاي لأخيه، ~~وقال لي: كيف الحال؟ قلت: عال. وقلت وأنا أشير بإصبعي إلى الحجرة: ~~كيف هي؟ وهز كتفه وقال: لا بأس. وقال: لقد طفنا بكل الشوارع ~~بالسيارة لكننا لم نجد غيرها لأن ms38 الوقت متأخر. وخرج حسن وقال لي: دورك. ~~وأخذته جانبا وقلت له: لن أستطيع. ونظر إلي بدهشة: كيف؟ قلت: لا ~~أدري. ليست لدي رغبة. وهزني وقال: لكن يجب أن تدخل. هذه مسألة ~~مهمة، وقلت له إني أدرك ذلك لكني لا أستطيع. قال: تعال. ودفعني نحو ~~الباب، ودخلت. أغلقت الباب ورائي، وقال لي أخوه من وراء الباب: ~~الجراب على المكتب. أشعلت سيجارة وقدمت لها واحدة، وكانت جالسة ~~على السرير بملابسها الداخلية. وكانت ترتدي قميصا مخرما رخيصا، بمبي ~~اللون، مثل قماش أبيض غمس في الدم ثم غسل عدة مرات فاحتفظ بلون ~~الدم الباهت، وكانت ساقاها عاريتين. وعلى المكتب استقر فستانها مطبقا ~~في عناية، وقالت: لا أريد أن أدخن، هيا بنا، وقلت: نشرب السيجارة ~~أولا. ما اسمك؟ وقالت: أريد أن أنتهي. ومدت يدها إلى ساقي وفكت ~~زرار البنطلون، ونحيت يدها ببطء، وقلت: نامي معي الليلة وانصرفي ~~الصباح. وضحكت: كده. وجذبتني نحوها وحاولت أن تقبلني، ونحيت ~~فمي عن وجهها، وقمت واقفا. وخلعت بنطلوني وسروالي الداخلي، وتناولت ~~الجراب وجعلت أرتديه، لكنه تمزق. بحثت عن واحد آخر فوق المكتبة ~~فلم أجد. وقالت الفتاة: أنا نظيفة. وفتحت الباب وناديت على شقيق حسن ~~وقلت: أريد واحدا. وأعطاني واحدا من جيبه، ولبسته وارتميت فوقها، ~~وحاولت أن تقبلني فأبعدت وجهي. وقمت أخيرا وارتديت ملابسي، ~~وأخذاها وخرجوا. وبقيت جالسا، وأشعلت سيجارة. وجاء رمزي وقلت له إني ~~لم أستطع أن أنام مع الفتاة. وسخر مني؛ فقد استطاع هو. قابل فتاة في ~~الشارع واصطحبها إلى البيت، وأطفأ النور، وظل معها عشر دقائق، ثم ~~أعطاها خمسة وعشرين قرشا، وتطلع بعدها إلى وجهه في المرآة فوجده ~~أحمر، وقال إنه لا يوجد شيء يساوي أي شيء. وانصرف. وجاء العسكري بعد ~~قليل، وأطفأت النور، ونمت. وفي الصباح خرجت، وأفطرت في الشارع ولم ~~أشتر الجرائد، وعدت إلى الحجرة. وقالت أختي إن عمي عاد من ~~الإسكندرية وإنه مريض جدا ولا بد أن أذهب لاستقباله. وخرجت وركبت ~~المترو إلى المحطة، ونزلت من المترو وعبرت الميدان، ثم سور المحطة ~~الخارجي. وعلى الرصيف ms39 وجدته يقف، وكانت حالته عادية وزوجته إلى جانبه ~~تحمل شمسية في يدها. وأسرع أولاده يحضرون تاكسي، وركبوا وقالوا لي أن ~~ألحق بهم في المنزل. وركبت المترو وذهبت إلى منزلهم، ووجدته جالسا ~~على كنبة مرتديا بيجامته، وبدا جسمه صغيرا قد انكمش عن ذي قبل. ~~وتأملت كتفيه اللذين تضاءلا في فانلته، وعينيه الصغيرتين ~~اللتين أوشكتا أن تختفيا خلف نظارته السميكة. وكان بنطلون البيجامة ~~ملوثا ببقعة صفراء كبيرة فوق الكيس الضخم بين ساقيه، وقال إن كل ~~شيء بدأ فجأة برعشة وسخونة. واستدعوا الطبيب فقال إنه لا يوجد شيء ~~البتة، وقال إن الحرارة ارتفعت في المساء وظن أنه سيموت، وأرسل إلى ~~الطبيب على الفور، فجاء وقال له: «تاكل مسلوق وتحلل.» وقال عمي إنه ~~نفذ أوامر الطبيب يوما واحدا فقط. وفي اليوم التالي قال لهم آكل ~~فرخة. وقمنا لنأكل، وأقبل على اللحم يلتهمه في شراهة، وقال: أعطوني من ~~الكبدة. وتركتهم وخرجت، وركبت إلى منزل ابنة عمتي، وقلت إني سأعرف ~~المنزل من نوافذه الزرقاء. لكني عندما اقتربت منه اكتشفت أنها ليست ~~كما كنت أتخيل، كان الزجاج عاديا بغير لون، إنما السماء هي التي ~~كانت تعطيه زرقته أحيانا، وكانت ألواحه مشروخة، وواجهة المنزل صفراء ~~متسخة. وكان باب الحديقة مفتوحا ومائلا على الحائط، والحديقة نفسها ~~مهجورة، والبلاط الملون في ممراتها قد اقتلع في أكثر من مكان. ~~وسرت في الممر المؤدي إلى باب البيت، وكان هناك براز كلب بجوار ~~الحائط. وصعدت السلم الذي تآكلت درجاته، وطرقت الباب، وفتحت لي ~~ابنة عمتي. ولم أعرفها في مبدأ الأمر؛ فقد كان شعرها منكوشا تتخلله ~~خصل رمادية كثيرة، وكانت عيناها منطفئتين، وجلد وجهها بنيا. وفي ~~الصالة رأيت الحجرة القبلية، ومشيت إليها وقلت لها: أين مكنة ~~الخياطة التي كنت تضعينها هنا؟ وقالت: ألا زلت تذكر؟ ~~«أجل، لا زلت، كان ذلك في الشتاء، بعد الغداء، وفي الحجرة البحرية ~~جلس أبي مع عمتي خلف زجاج الفراندة يرقبان القصر، وذهبت إليه وأردت ~~أن أجلس على ساقيه، لكنه نحاني عنه قائلا إني لم أعد صغيرا. ~~وغادرت الحجرة إلى ms40 الصالة، وعبرتها إلى حجرة ابنة عمتي، وكانت تجلس ~~أمام مكنة الخياطة، وجلست أرقبها وهي تدير المكنة بساقها، وقالت لي: ~~تصور .. انقطع الخيط من أول دورة. إنه شيطان الذي ركب هذه المكنة. ~~وانحنت على المكنة بعد أن رمقتني بنظرة سريعة. وحولت بصري إلى ~~النافذة وأنا أشعر بأذني ساخنتين وكنت لا أزال أرى وجهها الأبيض ~~الرقيق والحمرة الشاحبة على خدها وأنا أتطلع إلى النافذة المغلقة. ~~الزجاج فقط هو الذي كان مغلقا، ومن خلفه ظهرت السماء، وخلاله ~~تدفقت أشعة الشمس الباهتة .. وتحت في الحديقة كانت أشعة الشمس تضيء ~~فوهة البئر السوداء. وبعد ساعة سيأتي الصبية وأنزل معهم ونرفع الماء ~~بالمضخة، وسنسرق الزهور ونهز شجر المانجو بلا فائدة، ونجري في ~~البدروم والسراديب. وهذه المرة سأختبئ منهم في الحجرة المتطرفة التي ~~تفتح في رمضان ليقرأ فيها المشايخ كل ليلة. وعندما ننصرف بالليل ~~ستودعنا عمتي إلى الباب، وتضيء نور السلم، ونهبط درجاته البيضاء ~~العريضة، ونخرج إلى الممر، ونمضي فوق بلاطه الملون، ثم نفتح باب ~~الحديقة فيئز، ثم نغلقه تماما، وننطلق إلى الشارع العريض الهادئ ~~بلا صوت، وعندئذ أجمع الياسمين من أسوار الحديقة .. وقالت صديقة ابنة ~~عمتي شيئا. كانت تقف على مقربة أمام مرآة الدولاب وهي تمس شفتيها ~~بإصبع الروج، لكني لم أنظر ناحيتها، كانت طويلة وعيناها خضراوين، ولم ~~تخاطبني إلا بكلمة واحدة: إزيك. قالتها عندما دخلت الغرفة، ثم وجهت ~~كل اهتمامها إلى ابنة عمي، لكن ابنة عمتي كانت تكلمني أنا عندما ~~قالت: تصور. كان دولابها الصغير خلفي، تعلو مصراعيه الخشبيين ~~مرآتان بيضاوان كالعينين، وتتدلى من منتصفه عند ثقب المفتاح مطرقة ~~صغيرة من النحاس تحدث رنينا جميلا عند فتح الدولاب. وفي داخل ~~الدولاب أدراج مغلقة، ودون أن أحرك عيني عن النافذة استطعت أن أرى ~~أصابعها تلمس مقبض المكنة في خفة، فتدور العجلة في ضجة. وانحنت ~~تتابع حركة القماش تحت الإبرة فسقطت ضفيرتها على صدرها، وقالت لها ~~صديقتها: ألن تنتهي أبدا؟ تأخرنا. ورفعت ابنة عمتي رأسها والتقت ~~عيناها بعيني وهي تتطلع إلى صديقتها وقالت: خلاص آخر خط. وأغمضت ms41 ~~عيني، وسمعت بعد برهة رنين مطرقة النحاس الصغيرة.» # وجاءت أختي وقالت: المجاري في البلد طافحة . ودخل قريب عجوز لابنة ~~عمتي، وكان يلهث في قوة، ولم يكن يرى جيدا من خلف نظارته، وتجهم وجه ~~ابنة عمتي، وقال العجوز: أعطني شلنا بعدما أشرب القهوة. وخلع طربوشه ~~ووضعه بجواره على الكنبة. شرب القهوة وظل جالسا، ودخلت ابنة عمتي ~~حجرتها ثم عادت وسألتني إذا كانت معي فكة، ولم تكن معي فكة. ~~وأرسلوا الطباخ ليفك عشرة قروش إلى شلنين، وجلسنا ننتظره صامتين حتى ~~عاد. وأعطت ابنة عمتي الشلن للعجوز، فقام وارتدى طربوشه وسلم علينا ~~وخرج، وقالت ابنة عمتي: هذا العجوز ماكر، يلهث فقط عندما يدخل علينا. ~~وقالت أختي إنه يقيم مع ابنه المتزوج، وإن زوجة الابن تحرض أطفالها ~~على تمزيق ملابسه وإخفاء حذائه، وتترك غرفته قذرة. وقالت ابنة عمتي: ~~سيشرب بالشلن خمرا. وقالت أختي: عندما يذهب إلى ابنته تتركه في الصالة ~~وتدخل حجرتها وتغلق الباب عليها. وقالت ابنة عمتي إنه يقضي النهار ~~كله في الخارج يشرب الخمر ويدور على أقاربه يشحذ منهم. ~~«في نفس هذه الصالة منذ أعوام بعيدة كانت عمتي تجلس على الكنبة ~~بطرحتها البيضاء وهي تدخن. وبجوارها أبي لا زال يلهث من السلم ~~والحر وهو يجفف بمنديله رأسه الأصلع الذي يدور به شعر أبيض. وجاء ~~الطباخ وأخرجت عمتي كيس نقودها وأعطته جنيها، وانصرف الطباخ. وقال ~~لها أبي شيئا، فهزت رأسها بالرفض .. وقام أبي فعبر الصالة إلى ~~الحجرة البحرية وخرج إلى الفراندة وجعل يدخن.» # وقالت أختي إن نهاد خطبت إلى مدير في القطاع العام. ورويت لابنة ~~عمتي كيف سألتني قريبة نهاد عما إذا كنت ابن أبي الشوارب الواقفة، ~~وضحكنا. وقالت أختي إن جدة نهاد مريضة وإنهم لا يطيقونها. وقالت ابنة ~~عمتي: قبل أن تموت أمي ظلت شهورا في الفراش لا تغادره، وكانت ~~تتبول فيه. وقالت أختي إن زوجة ابن عمي سقطت في شهرها السادس. وقلت: ~~هذا أحسن لها. وغضبت أختي واتهمتني بأني لا أحس. وقالت إني ~~الوحيد الذي لن يتمكن من حضور زواجها لأنه ms42 سيكون بعد الغروب. وقالت ~~إن صديقتها حسنية ستتزوج بعدها بأسبوع، وسيعود خالها إلى منزله. ~~وقالت إن خال حسنية كان يقيم عندها طول الوقت بعد أن هجر امرأته. ~~وقالت إن امرأته لا تخلع السواد أبدا، وإنه يقول إن ملابسها ~~الداخلية كلها سوداء. واقترب مني كلب ابنة عمتي وهو يهز رأسه، ومددت ~~يدي أداعبه، فنام على ظهره في الحال، وانثال بوله في الأرض، وقالت ~~إنه أصبح هكذا أخيرا؛ فما إن ينام هكذا على ظهره حتى يبول. وانصرفت ~~إلى حجرتي، وخلعت ملابسي، وأعددت كوبا من الشاي، وجلست أقرأ في ~~كتاب عن فان جوخ. ولا بد من أني غفوت؛ فقد رأيت أني التقيت بأبي، ~~وكان يبدو متعبا، وجلس متربعا على سريره، متجهما، ولم أعرف ماذا ~~أقول له وأنا لي مدة لم أحاول أن أراه، كان موجودا طول الوقت ولم ~~أفكر في الذهاب إليه. واستيقظت على صوت جرس الباب، وقمت أفتح، وكان ~~العسكري، فعدت أحضر الدفتر ووقع وانصرف. وعدت إلى الحجرة ~~فأطفأت النور وأشعلت سيجارة، واستلقيت على السرير أفكر في ~~أبي. ~~«كان ذلك بالليل، وكان أبي يصرخ من الألم، وكنت أريد أن أنام. ~~وعندما أخذوه إلى المستشفى بقيت بمفردي في البيت، وكنت سعيدا. ~~وعندما ذهبت إليه اصطدمت بعينيه، وكانتا واسعتين جزعتين، وسألني ~~لماذا تأخرت، ولم يكلمني بعد ذلك أبدا. وقال: أقرأ لي. وجلست ~~بجواره على مقعد، وأعطاني ظهره، وأمسكت بمجلة وقرأتها له. وبعد لحظة ~~ملت عليه لأرى عينيه، وكانتا مغلقتين، فتوقفت عن القراءة، لكنه ~~فتح عينيه وقال: لم أنته بعد. وعدت أقرأ، وأخيرا قال: يكفي هذا، ~~يمكنك أن تنصرف. وخرجت مسرعا وأنا أتنفس الصعداء. وبعدئذ لم ~~يطلب مني شيئا، ولم أر الرعب الذي كان في عينيه. وعندما أعادوه إلى ~~البيت حملوه من السيارة إلى السرير. وفي بيت أخي استبدلوا أغطية ~~المقاعد بأخرى داكنة، ولم أفهم. وعندما أخرج دماء من فمه نزل أخي ~~يبحث عن وعاء، وعاد ينهج ويقول: دخت ولفيت. وارتمى على الكنبة يلهث وهو ~~يتطلع إلينا. وأخيرا رقد أبي على ظهره في صورة مستقيمة، ms43 وغطوا ~~جسده كله، ووجهه بملاءة بيضاء، وساووا جسده، وقالوا إنه لم يسأل ~~عني. ورفعت الملاءة عن وجهه ولكن عينيه كانتا مغلقتين.» # ونمت. وفي الصباح ذهبت إلى الشقة الجديدة التي ستنقل إليها أختي في ~~المساء. كان البيت كله جديدا، لا زال العمل يجري في بعض طوابقه. ~~ووجدت باب الشقة مفتوحا وخطيب أختي يقف أمامه. وصحبني إلى الداخل، ~~وعبرنا الصالة إلى حجرة الصالون. وأراني صورة كبيرة على الحائط ~~لبيت أوروبي على شاطئ وأمامه قارب. وقال بزهو: إنها رسم أخي. ثم ~~انتقلنا إلى حجرة النوم، وفتحنا أبواب الدولاب الأربعة، وجلسنا على ~~السرير واهتززنا فوقه، وتحسسنا أغطيته ووسائده بأيدينا، ثم خرجنا ~~إلى الصالة وفتحنا الثلاجة ثم أغلقناها. وقادني إلى الباب وأشار إلى ~~مصباح فوقه وقال: بمجرد أن أفتح الباب يضيء هذا المصباح من تلقاء نفسه، ~~ثم ينطفئ عندما أغلقه. وقال: انتظرني هنا حتى أذهب وأجيء بالسخان ~~والفرن، وخرج. وجلست في الصالة المظلمة وأشعلت سيجارة، وقمت وضغطت ~~على زر النور، لكن الكهرباء لم يكن قد تم توصيلها بعد، وتأملت غطاء ~~المصباح الذي كان على شكل قمر صناعي. وعدت فجلست إلى المائدة ~~وجعلت أدخن وأنا أتأمل حواف مقاعدها اللامعة بلا أي خدوش. ووصل ~~السخان بعد قليل لكن خطيب أختي لم يأت. انتظرته مدة أخرى وأنا ~~أدخن، ثم قمت إلى النافذة، ووجدت الشمس تغيب، ثم رأيته يسير في ~~الشارع بمفرده في اتجاه المنزل، ولم يكن هناك أحد غيره في الشارع. ~~وصعد بعد قليل، وصافحته قائلا: مبروك. وغادرت المنزل إلى حجرتي، ~~فأضأت نورها، ووضعت الدفتر في جيبي، وجلست في مقعد وظهري إلى الباب، ~~وأمسكت بكتاب. وبعد قليل قمت وأدرت المقعد بحيث يكون الباب أمامي، ~~وعاودت القراءة. وبعد لحظة تطلعت إلى الباب من فوق حافة الكتاب، ~~وكانت الشقة غارقة في الظلام، وحاولت عبثا أن أواصل القراءة. وقمت ~~وخرجت إلى الصالة، وأضأت نورها، وكانت حجرة جاري مظلمة، وانتقلت إلى ~~المطبخ فأضأت مصباحه، وعدت إلى حجرتي، وأمسكت بالكتاب مرة أخرى. ~~وطرق الباب فجأة، وقمت لأفتح، وتذكرت أختي، وكانت تقول إنها تشعر ms44 ~~عندما يطرق الباب أن أحدا سيدخل ويضربني. فتحت شراعة الباب أولا ~~فوجدت العسكري أمامي. فتحت له الباب، وتناولت الدفتر من جيبي ~~وقدمته إليه، فوقع ثم انصرف. وعدت إلى حجرتي، وحاولت أن أقرأ ~~من جديد، لكني لم أستطع، وأخذت أتمشى في الحجرة، ووقفت في النافذة، ~~كانت كل النوافذ أمامي مغلقة. وخلعت ملابسي وارتديت البيجامة ثم ~~أغلقت باب الحجرة، وتركت النور مضاء في الصالة والمطبخ، وأشعلت ~~سيجارة واستلقيت على الفراش، وعندما انتهت السيجارة قذفت بها من ~~النافذة، وأعطيت وجهي للجدار ونمت. واستيقظت فجأة وأنا أشعر بصداع ~~حاد وعطش شديد. وغادرت الفراش، وكان الليل لم ينته بعد، وفتحت ~~الباب وذهبت إلى الحمام، وانحنيت على صنبور الماء فشربت، ثم ~~أغلقت الصنبور، واكتشفت أن أرض الحمام غارقة في الماء. وعدت إلى ~~حجرتي، وكان هناك إصبع موز على المكتب فتناولته ونزعت قشرته ثم ~~أكلته ووضعت القشرة على المكتب، وعدت إلى فراشي. واستيقظت مرة ~~أخرى، وكانت الشمس تملأ الحجرة، وظللت ممددا، ثم قمت وأخذت فرشاة ~~الأسنان والصابونة وذهبت إلى الحمام، ووجدت المياه قد ملأت أرضه ~~وتسللت إلى الصالة، وكان الصنبور تالفا. ووقفت وسط الماء وغسلت ~~وجهي وأسناني، وعدت إلى الحجرة تاركا آثار أقدامي المبللة في كل ~~مكان. وارتديت ملابسي، وغادرت الشقة ونزلت إلى الشارع، وركبت ~~المترو إلى نهايته، وسرت على الكورنيش، ثم عبرت الكوبري وولجت ~~أول كازينو صادفني، واخترت مائدة منعزلة على النيل وجلست. وجاءني ~~الجرسون فطلبت قهوة، وجعلت أتأمل المياه أمامي. وتابعت ببصري ~~قاربا به شاب عاري الصدر يجدف، وفجأة سقط منه أحد المجدافين ~~وابتعدت به المياه. وأدار الشاب دفة القارب محاولا اللحاق بالمجداف ~~الضائع، وكان يعمل الآن بمجداف واحد وينقله كل لحظة إلى أحد جانبي ~~القارب. لكن المياه كانت تعاكسه، وكلما أفلح في الاقتراب من هدفه ~~ابتعد عنه. وبدأ يجدف بحركات محمومة، وبدا اليأس عليه. وترك ~~المجداف فجأة وضم راحتيه أمام فمه، وصرخ لزميل له في قارب بعيد ~~طالبا النجدة، لكن زميله لم يرد عليه وربما لم يسمعه. ولم تكن ~~القهوة قد جاءتني، وناديت على ms45 الجرسون فلم يلتفت ناحيتي، فقمت ~~وغادرت الكازينو، ومشيت إلى الكوبري وركبت الأتوبيس. ونزلت في أول ~~سليمان، وجلست في أول مقهى صادفني، وشربت القهوة، ثم أشعلت ~~سيجارة. وقمت فسرت إلى شارع توفيق، ثم انحدرت في التوفيقية ووقفت ~~أمام سينما كايرو، وكانت تعرض فيلما كوميديا. وابتعدت في اتجاه ~~شارع فؤاد وعبرته، وانحنيت في شارع شريف، وواصلت السير فعبرت ~~شارع عدلي ثم ثروت، ومضيت في اتجاه شارع سليمان، ثم سرت فيه حتى ~~الميدان، وكانت مياه المجاري تملأ الأرض، والمضخات منصوبة في كل مكان ~~تحملها من داخل الحوانيت إلى الشارع، وكانت الرائحة لا تطاق. والتقيت ~~بشخص أعرفه، وقال إنه استيقظ منذ ساعة فقط هو الآخر. وكان يمد ~~ليلحق موعدا، وأسرعت بجواره وقلت: سأمشي معك حتى موعدك. لكنه قال ~~إننا يجب أن نفترق الآن. وتركني، وعبرت الشارع وعدت في اتجاه ~~الميدان، ثم انطلقت في شارع قصر النيل حتى وصلت السينما. تفرجت ~~على الإعلانات التي قالت إن هذا العالم مجنون. واتجهت إلى شباك ~~التذاكر وكان كاملا، ووجدت شباكا للحجز والمقاعد كاملة في حفلتي ~~المساء، والناس تحجز للغد وبعده. غادرت السينما وعدت أسير في اتجاه ~~الميدان مرة أخرى ثم شارع سليمان. وفي هذه المرة سرت على الناحية ~~التي لم أسر عليها في مجيئي. وعندما وصلت سينما مترو وجدت بها ~~فيلما كوميديا هي الأخرى. وتجاوزتها، ووقفت أمام الأميركين ~~مترددا. وكانت سينما ريفولي على يساري وأمامها زحام شديد، وتذكرت ~~سينمات شارع عماد الدين. وعبرت الشارع، وواصلت السير في شارع فؤاد ~~حتى عماد الدين، فانحرفت فيه، وسرت على اليسار وكان هناك زحام هائل ~~أمام كل السينمات، ولا تعمل قبل ساعة ونصف. ووصلت إلى نهاية الشارع، ~~فمضيت في شارع رمسيس واتجهت إلى باب الحديد. وخيل إلي أن أحدا ~~يتتبعني، ثم قارنت ساعتي بساعة المحطة، واتجهت إلى مقهى في ~~الميدان عند بداية شارع الجمهورية، فجلست في الخارج. واختفت الشمس ~~فجأة، وساد لون رمادي، وتذكرت هذه المنطقة منذ عشرين عاما، ودخان ~~القطارات الآتي من باب الحديد واللون الرمادي في كل مكان؛ في السماء ms46 ~~والطرقات والبيوت. وقلت أقوم أبحث عن ذلك المنزل القديم؛ فربما كانت ~~أمي لا تزال هناك . وقمت بسرعة قبل أن تعود الشمس، كنت أريد أن أقترب ~~من المنزل في الغيام. وعبرت شارع كلوت بيه، وتركت شارع الفجالة، ~~واخترقت الشوارع الصغيرة التي تصله بالميدان. وأحسست أني أقترب من ~~مكان البيت، وأن بوسعي أن أخترق عدة شوارع جانبية فأصبح بجواره. ~~لكني قررت أن أقترب منه من ناحية شارع الفجالة كما كنا نفعل أنا ~~وأبي. ~~«وكنا نأتي بالترام، ونأخذه من الميدان قبل أن يتحول إلى شارع ~~الظاهر. وكنت أحب هذا الشارع الهادئ لأنه كان مليئا بالأشجار التي ~~تتعانق أغصانها فوقه، في المنتصف، فتحجب عنه الضوء. وكنت أحب صوت ~~السنجة وهي تشق طريقها بصلابة بين فروع الأشجار. ومع ذلك كان الترام ~~ينطلق بأقصى سرعة، فنترك وجوهنا لهواء العصر، ويضع أبي يده على طربوشه ~~كي لا يطير، ثم ينتهي الشارع، وينحني الترام دالفا إلى الميدان الواسع ~~ويبطئ من سرعته، ثم يتوقف أمام الجامع. وأتطلع إلى الحديقة الكبيرة ~~التي تنحدر إلى أسفل حتى تختفي عن أنظار الجالس في الترام. وخلال ~~الأقواس الحجرية الكبيرة في جدران الجامع أرى الأردية الحمراء والزرقاء ~~للأولاد والبنات الذين يلعبون في الحديقة، وتظل عيناي عليهم، والترام ~~يعاود السير ويدور حول الجامع، ثم يختفي الجامع بحديقته مرة واحدة، ~~ويضع أبي يده القوية على ركبتي العارية ليحميني عندما يستدير الترام في ~~حدة، ونعبر شارع الخليج الضيق. وأتمنى لو كان الترام الذي نركبه هو ~~ترام الخليج لنمضي بين جانبي الشارع المتقاربين. ويمد أبي يده فيكاد ~~يلمس جدران المنازل، ثم نهبط في الفجالة، ويمسكني أبي بيده اليمنى ~~حتى نعبر الشارع، ثم ننطلق في طريق ضيق، ونمشي إلى جوار جدار أبيض ~~عال تتدلى فوقه أغصان الأشجار. ويظلم الشارع فجأة رغم أن الشمس ~~لم تختف بعد، وأدرك السبب عندما أتطلع إلى أعلى وأرى سحب ~~الدخان الكثيف تتجمع بسرعة ثم تتبدد بعد لحظة، ويقول أبي إنه دخان ~~القطارات قادما من باب الحديد. وينتهي الشارع، ويظهر المنزل الذي ~~نقصده، ويجلس أبي ms47 على دكة البواب، بينما أصعد السلم الطويل مارا ~~بأبواب تتصاعد منها رائحة الزيت المقلي. وفيما بعد نعود أنا وأبي من ~~نفس الطريق الضيق، سائرين إلى جوار الجدار الأبيض، وعندئذ ألمح ~~الأجراس الضخمة من خلفه. ويكون الشارع قد أظلم تماما وخلا من المارة، ~~وتتبدى في نهايته بقعة من الضوء، سرعان ما تتكشف عن حانوت سجائر. ~~ونقف في المدخل الذي تسده فاترينة كبيرة عالية، وألصق وجهي ~~بزجاجها الذي أعتمت بعض أجزائه. وأحدق في علب الحلوى ~~والشيكولاتة، وبجوار رأسي ألمح يد أبي تمتد إلى الجيب العلوي لبنطلونه ~~فتخرج نقودا ثم تدحرجها فوق الزجاج، عند رأسي تماما، ثم نترك ~~الحانوت ونعبر الشارع إلى موقف الترام. وأشعر بالبرد، فألتصق بأبي، ~~ويبسط هو ياقة سترته ليغطي صدره. ونقف وحدنا على رصيف المحطة، ثم ~~يأتي الترام فنصعد إلى العربة الخلفية المكشوفة، وننكمش في ركنها وقد ~~أمسك أبي ركبتي العارية بيده الدافئة. وينطلق الترام في رحلة العودة، ~~ولا نلبث أن نعبر شارع الخليج، ثم ينحرف الترام فجأة إلى اليمين، ~~ويختفي صف المنازل الذي كان يجري معنا على الشمال، وينبسط أمامنا ~~فضاء واسع مظلم أخاف أن أقع فيه، فأتشبث بأبي. وبعد لحظات تألف ~~عيناي الظلام، فأتبين الميدان الكبير وكتلة الجامع وسطه، ويدور ~~الترام حول الجامع ونتخطى سينما مغلقة كنا نذهب إليها في الصيف مع ~~أمي، ثم نندفع في شارع الظاهر المليء بالأشجار، وأسند رأسي على ~~الحاجز الخشبي لأستمتع بسرعته الخارقة هنا، وألمح أبي يغلق عينيه في ~~مواجهة الهواء الذي يهاجمنا بعنف.» # ومشيت مع الترام حتى الكنيسة، ودخلت الشارع المجاور لها، وكان ~~مزدحما مليئا بالضجيج. وانتهى الشارع، وانحرفت إلى اليمين، كان ~~البيت الذي أذكره عاليا جدا، له بلكونات خشبية عريضة، ألقت أمي ~~بنفسها من إحداها ذات مرة، فسقطت في البلكونة التالية. وطفت بعيني ~~بين البيوت، كانت كلها واطئة، لكن واحدا منها فقط كانت له بلكونات ~~خشبية، وقلت لا بد أن يكون هو، فاقتربت منه في بطء. كانت البلكونات ~~صغيرة والمدخل ضيقا، والمدخل الذي أذكره عريض. واجتزت المدخل ~~وصعدت السلم في ms48 بطء، وانتهيت من السلم بأسرع مما توقعت، ~~وكانت هناك حجرة صغيرة في قمته. طرقت الباب ، وسمعت صوتا نسائيا ~~يقول: ادخل. ودفعت الباب، ووقفت في المدخل. كانت هناك ثلاث سيدات ~~متشحات بالسواد تربعن على سرير في الركن، وقامت واحدة منهن ~~وأسرعت ناحيتي وهي تقول: مين؟ وعرفت فيها جدتي، وقلت لها اسمي في ~~صوت خافت، فاحتضنتني وقبلتني في خدي، وقالت: اجلس. وجلست على ~~مقعد خشبي في مدخل الحجرة، وأشارت جدتي إلى أصغر السيدتين وقالت: هذه ~~خالتك. وتقدمت خالتي مني وقبلتني في خدي. وقالت جدتي: وهذه خالتي ~~أنا. وأشارت إلى السيدة الأخرى. وقمت، وحملت المقعد، واقتربت منهن، ~~ثم وضعته بجوار السرير وجلست فوقه. وقالت خالة جدتي: مسير الحي ~~يتلاقى. وقالت جدتي: ساعة ما شفتك حسيت .. وقالت خالتي: لسه كنا ~~بنقول يمكن بنقابلهم في الأتوبيس من غير ما نعرفهم. وتناولت جدتي ~~الترانزيستور وقالت: جاء ميعاد الرواية. وأعلن صوت رصين في الراديو عن ~~إحدى حلقات الشبح الأسود. وبدأت الحلقة بصبي يسأل في صوت باك: كيف ~~يستطيع الحياة بعد أن علم أن أباه هو القاتل. وجلست أستمع في صمت، ~~وأبصارهن جميعا معلقة بالراديو. ومضت ربع ساعة، وانتهت الحلقة، ~~وقامت جدتي لتصلي. وجاء أطفال صغار، وقالت لهم خالتي: هذا ابن خالتكم ~~الله يرحمها. ونظرت إلي بطرف عينها، ولم أتكلم. كنت أريد الآن أن ~~أعرف متى ماتت أمي على وجه التحديد وأين. وفرغت جدتي من الصلاة، ~~وجاءت فجلست بجواري، قلت لها: متى ماتت أمي بالضبط؟ وقالت: غدا ~~يكتمل أول أسبوع عليها. وقلت: أين، قالت: عند أبيها. وأشرت إلى رأسي ~~وقلت: وكيف حالها؟ وقالت خالة جدتي: كانت تقرأ الصحف وتتحدث عن كل ~~شيء أحسن منا، وتتنبأ بكل ما يحدث، ولم تكن تثور. وقالت جدتي: ثم ~~مرضت فجأة ورفضت أن يراها الطبيب، أو أن تأخذ دواء ما، وأخذت تهزل ~~شيئا فشيئا، ثم امتنعت عن الطعام نهائيا. وقالت خالتي: وفي آخر ~~يوم طلبت كوب ماء، وعندما شربته سقطت ميتة، وتطلعت في ساعتي، ~~كان موعد العسكري يقترب، وقمت واقفا، وقلت يجب أن ms49 أذهب الآن. ~~وودعتهن، ونزلت السلم، وغادرت البيت، واخترقت الشوارع ~~الجانبية حتى ميدان رمسيس، ثم اتجهت إلى محطة المترو. # مصر الجديدة # 1965م # | الثعبان # هكذا بدا الطريق فجأة. وكان ذلك عندما أبطأ السائق من سرعة السيارة، ~~وانحنى على مقودها في توجس. ومضى يصعد بها المرتفع ثم يدور مع ~~الطريق وهو يطلق نفيره في صوت حاد. لم يكن هناك من شبح لكائن واحد ~~على مبعدة عشرات الأميال في كل اتجاه. وما كان أحد ليتوقع غير ذلك ~~في هذه الصحراء المترامية النائية. ومع ذلك كان على السائق أن يحذر ~~المفاجآت عند كل منحنى أو مرتفع. # وحبس الطبيب أنفاسه وهو يتطلع من النافذة إلى الصخور الضخمة ~~كالقلاع التي برزت على كل جانب، وخفت الضجة ثم تلاشت داخل ~~السيارة. وقد انحنى كل الركاب على النوافذ يتأملون في جزع الهوة ~~الضخمة التي تهبط على جانب الطريق مباشرة. وعند المنحنى كانت ~~السيارة قد ازدادت بطئا حتى أوشكت على الوقوف، ومضت تتقدم في ~~خطوات بطيئة كالزحف. وكانت هناك أعمدة خشبية قصيرة طليت باللونين ~~الأحمر والأسود وثبتت على حافة الطريق تحذر من الهاوية. وكان ~~اثنان من هذه الأعمدة ملقيين على الأرض. وتجاوزت السيارة المنحنى ~~وانحدر الطريق إلى أسفل، فاعتدل السائق في مكانه وترك السيارة تنساب ~~هابطة دون أن يغير سرعتها؛ فقد كان هناك منحنى آخر. ودار الطريق من ~~جديد صاعدا، والتمعت الشمس على الصخور الضخمة وبدت كتلها مزعجة. ~~ولوى الطبيب عنقه إلى الوراء ليتأمل الجزء من الطريق الذي خلفوه ~~وراءهم. وإلى أسفل كان الطريق الطويل الضيق يمتد وسط الصحراء في شريط ~~أسود لا نهاية له، ويلتوي على نفسه ويدور صاعدا وهابطا في دوائر. ~~وأحس بأنفاس الراكب الجالس خلفه تصطدم بقفاه في دفقات قصيرة ~~متلاحقة، ثم سمعه يهمس بصوت خافت: «ياه .. زي التعبان.» # وعندئذ أخذ كل شيء يبدو كشيء آخر. وقبل ذلك لم يكن هناك غير الضجر ~~بالساعات الأربع التي تستغرقها الرحلة حتى أسيوط. وكان الطريق في ~~البداية يمتد مستقيما، والصحراء تنبسط يمينا ويسارا إلى ما لا نهاية ~~دون أن يعترضها ms50 مرتفع واحد؛ فلم تكن الجبال إلا خطوطا بعيدة في ~~الأفق. ولم يكن هناك ما يوحي بأن جغرافية المكان ستتغير؛ فرحلة ~~المجيء كانت بالليل الذي أخفى تفاصيل الطريق، ولم تتكشف حقيقته إلا ~~عندما بدأ ينثني ويدور صاعدا هابطا ويتلوى ويتموج منطلقا إلى ~~الأمام كالثعبان. # لم يكن هناك من طير أو حيوان أو إنسان في أي ناحية. لم يكن هناك غير ~~الرمال والصخور. والأعمدة التي تتتابع في سرعة خاطفة على جانبي ~~الطريق، بعضها يحمل إرشادات للسائق، والبعض الآخر يحمل أرقاما مختلفة ~~فشل الطبيب في أن يحدد أيها يعين المسافة المتبقية على أسيوط، ~~والبعض الثالث كان أقرب إلى شواهد حجرية صغيرة تحمل أرقاما مطموسة ~~وتبدو كالتماثيل الحجرية القديمة لفلاسفة اليونان والرومان التي تظهر ~~صورها في الكتب والمجلات. # وإلى اليسار كانت أعمدة التليفون التي تربط الواحات بأسيوط تجري مع ~~السيارة. كان عمود منها تسنده أسلاك متينة تثبت إلى الأرض بأثقال ~~من الأحجار حتى لا تجرفها رياح الصحراء العنيفة. وفي بعض الأحيان كان ~~العمود ينتصب مجردا من الأسلاك أو مثبتا بسلك واحد. وكان العمود ~~ساقا رفيعة من الخشب يعترضها قضيب صغير في قمتها، فيبدو كالصليب. ~~وكانت مئات من هذه الأعمدة بل آلاف تتسابق أمام الطبيب في خط مستقيم ~~على اليسار، وبدت له أشبه بصلبان أعدت ليعلق فوقها متمردون ~~ثائرون. يعلق الواحد منهم من يديه، ويلصق ساعداه بالقضيب الأفقي، ~~ويدق في كل كف مسمار طويل، ويربط الجسد بالعمود بحبل متين كي لا ~~يقع الثقل كله على اليدين، وتنزف الدماء من اليدين، ثم من الأنف ~~والفم، ثم تتصاعد رائحة نتنة تجذب الذباب والصقور، ويتدلى الرأس ~~عاجزا خائرا؛ العينان مغلقتان ولكنهما تطرفان بين الحين والآخر ~~بنظرة حائرة تتجمع في أعماقها قوى خفية تجاهد لتتبين أو تدرك ~~شيئا ما. وربما تتحرك الشفتان أيضا وتطرفان مثل العينين، لكن ~~أحدا لن يعرف أبدا ماذا أراد صاحبهما أن يقول. # وكان الطبيب قد قرأ في مكان ما من قبل عن الصلبان التي أقامها ~~الرومان في إحدى الطرق المؤدية إلى روما منذ ألفي سنة، ms51 وعلقت ~~فوقها أجساد ستة آلاف عبد. وكان أولئك العبيد قد ثاروا وقاتلوا ثم ~~هزموا وظلت أجسادهم المصلوبة مصدر متعة ولذة لأحرار الرومان بعض ~~الوقت أما الصلبان فلم تشبع أبدا منذ ذلك الحين؛ كان الرومان قد ~~نقلوها عن مستعمراتهم ووجد من نقلها عنهم بعد ذلك. وخطر للطبيب أن ~~الصلبان كانت متقاربة بلا شك كهذه الأعمدة، وأنه لا يزال هناك من ~~يستمتعون بمنظر الدماء والصلب، ولا يزال هناك أيضا العبيد الذين ~~يثورون ويقاتلون ويهزمون. مثل الرجال الذين جاءوه بهم عندما كان ~~طبيبا في السجن، ووقفوا أمامه في سكون وقد تدلت رءوسهم وعروا ~~صدورهم وظهورهم، فبدت جراحهم كأنما أنزلوا لتوهم من فوق الصلبان ~~قبل أن تنهشهم الطيور الجارحة. # كانت الصلبان تسابق السيارة، تسرع إذا أسرعت، وتبطئ إذا أبطأت، ~~والأسلاك التي تصل بينها تهتز بين الحين والآخر إذا هبت الرياح، لكن ~~الهواء كان قد أصبح عزيزا. وتوهجت الشمس، وبدأ السائق يبطئ من ~~سيارته قليلا. كان يجلس في هدوء دون أن يعبأ بشيء حوله، ولا بد أنه ~~كان يحس بملل فظيع؛ فأي لذة في أن يظل رائحا غاديا في هذا الطريق ~~الطويل الذي لا يتغير به منظر واحد. أعمدة التليفون هي هي، والصخور ~~وأرقام الكيلومترات والاستراحتان الخاليتان وسيارة النقل التي أوقفها ~~صاحبها على جانب الطريق ونام فوقها. وهذه الخيمة الوحيدة .. لم يكن بها ~~من أثر للحياة، كأنما هجرها أصحابها فجأة لسبب ما، أو افترستهم ~~الوحوش ولم تترك منهم شيئا. لكن شخصا ظهر فجأة على باب الخيمة عندما ~~اقتربت السيارة منها، كان يرتدي ملابس الجنود وعلى رأسه بيريه أزاحه ~~إلى الخلف، وظهرت قطرات عرق على وجهه وعنقه. وعندما فتح سترته ~~بدت منها فانلة متسخة، وكان يحمل دفترا صغيرا في يده، وتقدم على ~~مهل من السيارة التي توقفت تماما، واتجه إلى باب السائق وقد تقلصت ~~ملامح وجهه في ضيق، وأدرك الطبيب أنها نقطة مرور. وعلى باب الخيمة ظهر ~~جندي آخر يحمل بندقية في يده ولا يرتدي شيئا في قدميه، ووقف يتطلع ~~إلى السيارة في غير مبالاة وعيناه ms52 تدوران بنوافذها تبحثان بلا شك عن ~~وجه امرأة يرطب قليلا من جفاف الصحراء. وفكر الطبيب أنه لا يوجد ~~أحد غير هذين الجنديين هنا، وحاول أن يتصور كيف يقضيان الوقت طول ~~النهار وطول الليل، وكيف يحصلان على طعامهما. وخطر له أنهما لا بد ~~يقاسيان الليل؛ فبرد الصحراء مثل حرها لا يطاق، ولا بد أنهما ينامان ~~أيضا متجاورين، وربما شعر أحدهما بالبرد والوحدة ذات ليلة فالتصق ~~بزميله؛ ففي الليل - عندما يشتد البرد وتعجز الأغطية القليلة عن ~~مقاومته وعندما تبدو السماء هائلة صامتة وتعوي الذئاب والوحوش التي ~~لم يرها أحد - عندئذ لا تعرف ماذا يمكن أن يحدث. # وكان الطبيب يستطيع أن يتتبع الشعور بالبرد والوحدة في أي إنسان، ~~وربما كان السبب في ذلك أنه قضى شطرا كبيرا من حياته العملية في ~~السجون؛ ففي تلك المباني القاتمة - الصفراء من الخارج المظلمة من ~~الداخل - ترى كل شيء عاريا. وعندما كان السجناء يأتون إلى غرفته ~~ليوقع عليهم الكشف كان يتأملهم في فضول، كانوا مساكين جدا، مرضى ~~وعواجيز ومحطمين، لا تستطيع أن تميز بينهم بملابسهم الزرقاء ~~المتشابهة ووجوههم اللامبالية، بعضهم مريض فعلا وقاسي كثيرا حتى وصل ~~إليه والبعض الآخر يحشد كل ما أوتي من دهاء ليفوز منه بكوب من اللبن ~~أو قطعة لحم أو بطانية، لكن الطبيب كان يرى الخوف والألم على وجوههم ~~جميعا. # وفي البداية - عندما كان شابا مليئا بالحيوية وعندما كان كل شيء ~~يبدو بسيطا واضحا كما كان الطريق يبدو هذا الصباح قبل أن يتلوى ~~ويتعقد ويتموج كالثعبان - كان يظن أنه يستطيع أن يقهر الألم، لكنه ~~كان واهما؛ فقد كان الألم كالسرطان تستأصله من مكان فيظهر على الفور ~~في كل مكان آخر. وأصبح يستيقظ من نومه كل ليلة صارخا بعد حلم واحد ~~لا يتغير، وفي هذا الحلم كان يرى نفسه جالسا إلى مائدة صغيرة ~~وسماعته معلقة في رقبته وخلفه سجين يحمل إناء به سائل أحمر أدرك ~~أنه دماء، وكان يغمس أصابعه في هذا الإناء بعد كل كشف، وعلى جانبيه ~~يقف عملاقان كالحراس في ملابس التمريض ms53 البيضاء، وهو تحتهما ضئيل ~~جدا، وأمامه صفوف من السجناء يقتعدون الأرض لكنهم لا ينظرون إليه؛ ~~فبصرهم معلق بأحد العملاقين الذي يلوك شيئا بين أسنانه وقد شردت ~~عيناه وتبدت ملامح وجهه غاضبة شرسة تنذر بأنه قد يعود إلى وعيه ~~مزمجرا في أية لحظة. ويأتي المتعهد السمين باللبن - الذي يشربه مرضى ~~السجن - كي يفحصه الطبيب، ويضع الرجل إناء اللبن أمامه ثم يصب فيه ~~دلوا من مياه الغسيل القذرة، ثم يدخل آخر حاملا الذبيحة التي سيأكل ~~منها السجناء، ويقربها منه ليفحصها، ويريه وهو يبتسم الأجزاء ~~المهترئة المريضة ثم يحملها وينطلق إلى الداخل. أما هو فيلوح بيديه ~~ويود أن يصرخ ويحتج ويرفض ويهدد، لكن الصوت يحتبس في حنجرته ~~ويتخبط هناك ناشبا أظافره في سقف الحلق. # ولم يكن من الممكن أن يستمر هذا إلى الأبد؛ فقد كان شيئا يحطم ~~الأعصاب. # وكانت أعصابه هادئة الآن، لكن معدته كانت قد بدأت تضطرب من أثر ~~المطبات؛ فرغم أن الطريق مضى على شقه ورصفه أقل من عامين إلا أن ~~الرصف أصيب بالتلف في أكثر من موضع. وفكر الطبيب أن شق الطريق ~~لم يكن بالأمر الصعب؛ فقد كانت الصحراء منبسطة كالسهل إلا في مكان أو ~~اثنين. وكانت السيارة تقترب الآن من أحد هذه الأماكن الوعرة، وهو ~~شبه نفق وسط جبل تبدو عليه آثار عمل حديث؛ فلم يكن هناك شك في أن ~~الأيدي والآلات هي التي شقت هذه النفق وسط الجبل، كان السفحان ~~قريبين جدا بصخورهما الحمراء. وسارت السيارة ببطء في النفق، ~~فاصطبغ الجو كله باللون الأحمر، وعاد السائق ينحني على المقود في ~~توجس، وتطلع الركاب من النوافذ في رهبة إلى الصخور الضخمة ~~المعلقة على السفح على بعد ذراع كأنها موشكة على السقوط بين لحظة ~~وأخرى. # وكان الطبيب يتأمل السفح والقمة في فضول وترقب كأنه يتوقع أن ~~تبرز رءوس ملونة تصرخ وتهجم عليهم كالجراد، وتمطرهم بالسهام ~~المسممة كما يحدث في الأفلام، أو ينطلق الرصاص فجأة من كل مكان ~~يصوبه أعداء مجهولون يتربصون. ولم يخطر للطبيب أنه يحلم أو ~~يتخيل؛ فقد كان ms54 يعرف أن شيئا مثل هذا يحدث في الناحية الأخرى من ~~الصحراء عبر البحر. وربما في هذه اللحظة بالذات كان هناك جبل مثل ~~هذا الجبل، له صخور وتجاويف وكهوف يختفي فيها القتلة. وربما كان هناك ~~جندي يجلس على حافته، ومن خلفه يتسلل عدة رجال أنصاف عراة يحملون ~~الخناجر ولا يعرفون شيئا غير القتل، ويهجمون على الجندي في صمت ~~وتنهال عليه الطعنات، ويتدحرج على التراب ودماؤه تترك خطا أحمر من ~~خلفه، سرعان ما يتجمد ملتحما بالتراب ويتدحرج بسرعة، والغبار يرتفع ~~فوقه حتى يستقر في القاع. وفي أعلى يستمر القتال الوحشي، ثم يتوقف ~~بعد أن يتحقق النصر، ويبدأ التعمير، وتشق الطرق، وتبنى المصانع، ~~وتقام دور السينما، وتؤلف أغاني الحب وتذاع من الراديو. ولن ~~يسمعها الجندي القتيل، ولن يرى شيئا من هذا كله؛ فهو لن يبارح مكانه ~~أبدا في الصحراء. # وفي الصحراء كان يركب السيارة متضجرا من الحر والملل، وكانت ساعته ~~تقول إن السيارة قطعت نصف المسافة. وكان يفكر أنه كان يجب أن يحضر ~~معه راديو صغيرا يتسلى به. وفي القاهرة كانوا يأكلون الجلاس ويشربون ~~أكواب المانجو المثلجة ويتفرجون على التليفزيون. ومن جديد مروا ~~بسيارة نقل انتحت جانبا من الطريق وتكوم سائقها على ظهرها وراح في ~~النوم، وأمامه كان يجلس شابان أنيقان. وكان أحدهما يعتقد أن الطريق ~~الذي يمتد أمامهما وسط الرمال يذكره بطريق الإسكندرية، وكان ذلك رأي ~~الثاني أيضا الذي وقعت له حوادث عجيبة في ذلك الطريق عندما كان ~~يعبره بسيارة صغيرة اسمها كيكي. وإلى جوار الطبيب انكمش راكب ضئيل ~~الجسم فوق مقعده الذي يعلو غطاء عجلة السيارة وتضاءل في مكانه، وكان ~~غارقا في التفكير كأنه يحسب حسبة حياته، ولا بد أن أفكاره لم تكن ~~مشجعة. وليس هذا بغريب؛ فعندما يكون المرء وسط الصحراء والعرق ~~يتصبب على وجهه والطريق أمامه لا تبدو له نهاية، وعضلات فخذيه ~~تؤلمه، وأعصابه بدأت تئن، وهو يتقلب في مكانه بحثا عن ناحية يمكن ~~أن يرتاح عليها - وأيضا عندما يكون قد تجاوز الأربعين - عندئذ لا ~~يمكن أن تكون أفكاره ms55 وردية، وفي هذه اللحظة يتمثل له الموت نهاية لكل ~~شيء. # وعند أي طبيب يكون الموت شيئا مألوفا، ولو أنه يبعث على التفكير ~~أحيانا. وهذا ما حدث بالأمس؛ فعندما كان يتجول في أنحاء مستشفى ~~الواحات وهو ضيق بالذباب والغبار، كان يفكر في أن الموت هو مصير ~~كل منا، وأي مريض لا يضيره أن يموت اليوم قبل غد، ما دام ذلك سيحدث ~~بالتأكيد في يوم ما. وكانت هذه الفكرة بسيطة ومغرية، وكان معناها أن ~~ينهي هذه المهمة الثقيلة بسرعة ليلحق بحجرة المحافظة المكيفة ~~الهواء. # وكان هذا أمرا سهلا. وفي الأعوام الأخيرة لم يكن بذي بال على ~~الإطلاق؛ فيكفي أن تجعل داخلك باردا لا يهتز وألا تعبأ لكي يبدو كل ~~شيء يسير ويمر ببساطة. كانت الأرض قذرة لم تفلح جرادل المياه التي ~~صبت فوقها على عجل في إزالة قذارتها. وكان الممرضون يرتدون أردية ~~بيضاء ناصعة، لكنه كان يعرف أنهم سيخلعونها عندما يوليهم ظهره. وكانت ~~الملاءات تغطي الأسرة نظيفة، ولكنه كان يستطيع أن يتصور ما يختفي ~~تحتها. لكن ذلك لم يكن بذي أهمية؛ فيكفي أن كل شيء يبدو على ما يرام ~~وأنه يستطيع أن ينصرف على الفور. # وكان المرضى يرقدون فوق أسرتهم في ملابسهم المتماثلة التي ~~تقارب لون وجوههم صفارا، وكانوا يتابعونه بنظراتهم، ولولا عيونهم ~~هذه لخالهم جثثا خالية من الحياة، ومن نظراتهم أدرك أنه لا يجب أن ~~يعطي أحدهم فرصة وإلا لما انتهى. ولهذا التزم جانب الممر الرئيسي وسط ~~الأسرة وتحاشى أن تلتقي عيناه بأحد منهم، فكان يدير ظهره لهم، ~~ويرفع عينيه إلى السقف، ويضع يديه في جيوبه، ويحني رأسه إلى الأمام ~~ليتأمل شيئا ما على البلاط العاري. لكنه كان دائما يشعر بالعيون ~~مسلطة عليه، قوية مسيطرة تشده رغما عنه، وتجبره على أن يتحول ~~إليها ويواجهها مبهوتا. كانت فجوات واسعة غائرة لكن شيئا غريبا ~~كان يتجمع في أعماقها، شيئا يشد ويأسر ويكبل، شيئا قديما ~~مألوفا لا يمكن تجاهله. ~~••• # استرخى الطبيب في مقعد السيارة، ومضى يتطلع من النافذة المواجهة ~~التي جلس السائق أمام لوحها ms56 الأيسر. كان يعرف أن الثعبان يمتد من ~~الخلف؛ فمن أمام لم يكن هناك شيء. ولم يكن يبدو من الطريق أكثر من عدة ~~خطوات؛ فقد كانت الصحراء تخفيه في عناية ولا تكشف عنه إلا جزءا ~~جزءا، وكان الطريق يصعد أحيانا فلا يرى منه إلا خطوة واحدة. ويضغط ~~السائق على نفيره محذرا، وعندما يتلاشى المرتفع ينبسط الطريق خاليا ~~تماما. ويوشك الطبيب أن يبتسم من الخدعة التي تتكرر دون توقف، ~~وتجوز على السائق في كل مرة. أما من الخلف فقد كان الثعبان يلتوي بوضوح ~~تاركا ذيله بعيدا بعد الواحة. أما الرأس فكان يزحف إلى الأمام ~~بسرعة محمومة، يشرئب بعنقه في شوق ولهفة ليرى ماذا بعد، وتبدو ~~الجبال فجأة وكأنها تسد الطريق. ويتساءل الطبيب لحظة أين سيمضي ~~السائق وكيف سيفلت، لكن رأس الثعبان لا يلبث أن يشق طريقه بمعجزة في ~~مكان ما بجوار الجبال. # كان الطريق خاليا إلا من المطبات. وكانت السيارة تنطلق بسرعة ~~وخفة، وأرقام الكيلومترات تتتابع؛ فقد استطاع الطبيب أن يحل لغز هذه ~~الأرقام ويعرف أيها يشير إلى ما تبقى من مسافة. وكانت المسافة ~~الباقية على أسيوط لا تتجاوز الخمسين كيلو مترا، وران الصمت على ~~السيارة، وأسند بعض الركاب رءوسهم إلى ظهور المقاعد المواجهة لهم ~~واستغرقوا في النوم. وبلغ الضجر بالطبيب القمة؛ كانت عيناه مشدودتين ~~إلى الأرض التي تتموج من النافذة، وعند كل انحناءة أو مرتفع كان ~~يمني نفسه بأن تظهر بعدها منازل أسيوط ومبانيها، ولكنه يفاجأ برمال ~~ومرتفعات جديدة. وبدا الطريق بلا نهاية، وازداد الكيلومتر طولا، ~~وأصبح ينتهي بشق الأنفس، وظل رقم الأربعين ثابتا لفترة طويلة. ~~وقرر الطبيب في النهاية أن يتجاهل هذه الأرقام ولا يتابعها ببصره ~~وذهنه، وأن يفكر في شيء آخر يقطع به الوقت، وعندئذ ظهر الخط الداكن ~~الطويل. # كان يمتد بعيدا في الأفق، ولكنه كان يقترب بسرعة. وفي البداية كان ~~أشبه بسحابة كثيفة في السماء البعيدة، ثم ما لبث أن بدا أقرب إلى ~~الأرض منه إلى السماء. واستدار الطبيب قليلا إلى الراكب الذي يجلس ~~خلفه كأنما يسأله رأيه، ms57 وتبرع ذلك بالإجابة على الفور فقال وهو ~~يتنهد في ارتياح: «أسيوط.» # كانت السيارة الآن لا تكاد تلمس الأرض. ومر به رقم الكيلومتر فوجده ~~الثلاثين. وأخذ الخط الداكن يتضح لحظة بعد أخرى فيتحول لونه الغامض ~~إلى خضرة كثيفة تقترب بسرعة، ورأس الثعبان يميل كل لحظة إلى اليمين ~~واليسار مع دورات الطريق وهي تتجه إلى الخضرة في إصرار. وبدأ الركاب ~~يفقدون استرخاءهم ويعتدلون في أماكنهم، متطلعين في اهتمام وارتياح ~~إلى الحقول البعيدة. وكانت تلك هي اللحظة التي ظهرت فيها الألواح ~~البيضاء الكبيرة التي صفت بشكل مائل بحذاء الحقول. وانحنى الطبيب ~~إلى الأمام وهو يتابعها ببصره متسائلا عن أمرها. وتبين بعد لحظة ~~مبان حجرية كبيرة كالمصاطب بعضها من عدة درجات مثل هرم سقارة ~~المدرج، ولم يكن عددها كبيرا، وكانت متناسقة الأحجام متساوية ~~الجوانب مصقولة الحواف، أو هكذا بدت من بعيد. وكان بعضها يحمل ~~خطوطا وأشكالا ساذجة باللون الأحمر كتلك التي يرسمونها على بيوت ~~الحجاج في القرى والأحياء الشعبية من المدن ويكتبون عليها بخط ~~رديء: حج مبرور وذنب مغفور. # وتململ الطبيب في مكانه حائرا، وقال الراكب الذي يجلس خلفه وكأنما ~~أدرك حيرته: «جبانة أسيوط.» # ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتي الطبيب، وفكر أنه لم ير مثل ~~هذه المقابر من قبل على كثرة ما زار من قرى ومدن. ودارت السيارة إلى ~~اليسار، وقد تضاءلت سرعتها، وبدأت تعبر جسرا حديديا. وظهر ~~الناس فجأة في كل ناحية وكأنما انشقت عنهم الأرض. وأخذ الفلاحون ~~يتطلعون إلى السيارة وركابها في دهشة كدأبهم دائما. وسار ثلاثة ~~طلبة صغار السن في نشاط على جانب الجسر وقد شمروا أكمامهم وضغطوا على ~~كتبهم، وتابعهم الطبيب في أسى. وعبرت السيارة الجسر وتحولت إلى ~~شارع عريض تظلله الأشجار، وانسابت مياه النيل على اليمين عميقة ~~رحبة. لم تكن الرحلة قد انتهت؛ فلا زالت هناك بضعة كيلومترات على ~~المدينة، لكن الطريق الثعباني كان قد اختفى. وعندما استدار الطبيب إلى ~~الخلف ليتأمله لم يعثر له على أثر؛ فقد كان إذ ذاك مدفونا في رمال ~~الصحراء. وبالمثل لم يتبين المقابر ms58 الغريبة؛ فقد كانت أشجار الكافور ~~الضخمة العالية تحجب كل شيء خلفها، وكانت صفوف من هذه الأشجار قد ~~شرعت تجري مع السيارة وتسابقها. # سجن المحاريق # بالواحات الخارجة # 1963م # | أرسين لوبين # اقتربت من الدكان في تردد. وعندما أصبحت أمام الباب اختلست ~~النظر إلى الداخل فوجدت ما كنت أتوقعه. كان الرجل ممددا على مقعد ~~قديم وقد كشف جلبابه عن عظمة ساقه المنتفخة، وكان يتنفس بصوت ~~مرتفع. # وقفت عند الباب لا أدري ماذا أفعل. وأمامي إلى اليسار كان الرفان ~~الصغيران اللذان كنت أحلم بهما طوال الأيام الماضية، وفوقهما عشرات ~~من روايات الجيب الرفيعة، بل مئات. كان بيني وبينهما خطوة أو خطوتان. ~~لكن الرجل كان نائما، رغم أننا لا زلنا في الصباح. وكنت أخاف أن ~~يستيقظ فجأة ويراني، وفي نفس الوقت لم أكن أستطيع الانصراف؛ لم أكن ~~أستطيع أن أتصور نفسي طول اليوم بدون رواية، وخطوت إلى ~~الداخل. # ناديته وأنا أضع يدي في رفق على ساقه المنبعجة، وتوقف صوت تنفسه ~~على الفور، واهتز جسمه قليلا، ثم انفرجت عينه اليسرى عن دائرة ~~حمراء، وانفرجت شفتاه عن زمجرة. # قلت له وأنا أشير بإصبعي إلى الروايات: «حادور على ~~رواية.» # انطلقت زمجرة ثانية من فمه، وخيل لي أنه سينقض علي ويحطمني، ~~لكنه اعتدل جالسا وهو يتنهد، وجعل يمسح رقبته بمنديل متسخ، ~~وتطلعت عيناه الحمراوان إلي بكل سعتهما، فابتعدت عنه. وعندما ظل ~~صامتا، اتجهت إلى الرفين في بطء ووقفت أمامهما أقلب في ~~الروايات. # كانت الروايات قديمة، اختفت أغلفتها، واسمرت صفحاتها وتمزقت. ~~وكان التراب يتصاعد منها ممزوجا برائحة غريبة كانت تأتي من كل شيء ~~في الدكان، وكنت أحب هذه الرائحة. # استعرضت المجموعة في سرعة مكتفيا بالنظر إلى الصفحة الأولى بحثا ~~عن سطر من كلمات صغيرة أسفل العنوان. وانتهيت من الصف الأول دون أن ~~أعثر على بغيتي، وشعرت بالضيق، وبدأ العرق يتصبب على وجهي. ~~واختلست النظر إلى الرجل وأنا أخشى أن يزمجر أو ينفجر في، لكنه كان ~~ينظر إلي بعينيه الحمراوين في صمت، وقال فجأة: «ما فيش أرسين ~~لوبين.» # توقفت يداي. كان ms59 لا يزال أمامي رف بأكمله، وخيل إلي أنه ~~يود التخلص مني، فقررت أن أستأنف البحث، وواصلت التدوير بسرعة ~~فائقة، لكني لم أجد رواية واحدة لأرسين لوبين. وغالبت شعور الضيق ~~الذي تملكني، وعدت أقلب الروايات من جديد على مهل. كنت أريد ~~الآن أي رواية بوليسية عادية. # زهرة الموت قرأتها. الجريمة الكاملة أحضرها أبي إلى البيت من قبل، ~~اللغز الصيني. كانت أول رواية لأرسين لوبين أقرؤها، العيون الثلاثة ~~لموريس لبلان، نفس مؤلف أرسين لوبين لكنها ليست عنه، وأخذت فيها ~~مقلبا من قبل. لو تكون هناك رواية لأرسين لوبين فاتت علي في البحث ~~الأول. إعدام في الفجر، تبدو كمأساة وأنا لا أحب الروايات المفجعة. ~~الحب العظيم، ولا أحب الروايات الغرامية أيضا. مدرسة الأسرار، لا ~~يبدو موضوعها من صورة الغلاف. قناع الموت، لغز الألغاز. قرأت كل هذا. ~~الحطام، منظرها واسمها لا يشجعان. أنزلت يدي في يأس. كان ساعدي ~~قد بدأ يؤلمني، وبدا كأني لن أخرج بشيء من هذه المرة. وزمجر الرجل من ~~خلفي: «هو أنت موش عاجباك حاجة من كل دول؟» # أجبت بسرعة وأنا أستأنف البحث: «لا .. خلاص .. أهوه.» # جريمة بين السحاب، قرأتها من قبل ولا بأس من أخذها مرة ثانية لو ~~لم أعثر على شيء، ووضعتها جانبا. الرسائل المجهولة، قرأتها. هذه ~~الرواية التي اسمها مدرسة الأسرار، لنجربها، ربما تكون مفاجئة. ~~المرشد، الأخوات البيض، خبزنا اليومي، يوجيني جرانديه، عناوين لا معنى ~~لها ويمكن أن تكون كل منها مقلبا، والأكيد أنها ليست بوليسية. لا ~~يوجد أي شيء لشرلوك هولمز أو حتى شارلي شان الصيني رغم ثقل دمه. كل ~~الروايات صغيرة الحجم، لو أجد واحدة من الروايات الكبيرة القديمة. لو ~~أقع صدفة على الرواية التي كانت في بيتنا وأنا صغير جدا وللأسف لم ~~أقرأها؛ لأن ما قرأته منها كان كافيا لإلقاء الرعب في صدري وجعلني ~~أمزقها لأتخلص منها. ولا زلت أذكر منها كلاما عن شاطئ وقصر ~~مهجور تقع به جريمة وناس تجري في الظلام وتتهامس. وهناك أيضا رواية ~~العين الحمراء، ثم الرواية التي كان أبي يقرأ ms60 فيها دائما. # ودوى صوت مفاجئ، قريب مني بل فوق رأسي تماما: «إوعى .. ما فيش ~~روايات .. مش حنبيع روايات.» # كان الرجل قد انتفض من مقعده غاضبا وخطف مني الروايات التي ~~كنت أحتفظ بها في يدي لأختار منها في النهاية عندما أفشل في الحصول ~~على واحدة حلوة، وتطلعت حولي في يأس. كل هذا البحث وأعود بلا شيء. ~~ولمحت كتابا ذا غلاف أسود سميك ملقى على مقربة، فتناولته بسرعة ~~وفتحته، كان ورقه أصفر خشنا وطباعته رديئة، وحسبته من الكتب ~~القديمة التي لا شأن لها بالروايات، ولم يكن له عنوان أو بداية، ~~وقلبت صفحاته بسرعة، ثم أدركت أنه من القصص البوليسية القديمة، ~~وقلت في لهفة: «خلاص. حاخده ده». # لكنه خطف الكتاب من يدي ودفعني في جنبي وهو يزعق: «ما عندناش ~~روايات، مش حنبيع روايات.» # ابتعدت في أسى، ولم يكن أمامي وقت لأذهب إلى دكان آخر، وكان يجب ~~أن أعود على الفور؛ فلم يكن أبي يعرف أني خرجت. # وعندما دخلت الحارة سرت بجوار جدار البيوت محاذرا كي لا يراني أبي ~~لو كان يقف في البلكونة، وصعدت السلم جريا حتى لهثت وعرقت، ~~ووجدت باب الشقة مواربا كما تركته، فتسللت داخلا وأنا أتنصت ~~لأحدد مكان أبي، وأحسست أنه في غرفة النوم، فاتجهت إليها. ورأيته ~~متربعا على السرير وأمامه المائدة الخشبية، وقد وضع فوقها علبة ~~الحلاقة التي كانت في الأصل صندوقا للسجاير من الكرتون، وأسند المرآة ~~إلى كوب من الزجاج ملئ بالماء، وكان يسن الموسى على راحة ~~يده. # راقبت الموسى وهو يروح ويجيء فوق لحم كفه المتين في بطء وثبات، ~~أدركت أنه سيخرج. ولم يبد عليه أنه أحس بغيابي، فجلست على مقعد ~~خشبي بغير مسند في الركن، وجعلت أرقبه وهو يضع الصابون على ذقنه ~~ويمر عليها بالمكنة ثم ينحني إلى الأمام ليرى وجهه في المرآة، وعندما ~~انتهى دعك ذقنه بقطعة من الشبة، فبدت ناعمة منتعشة، وأردت أن ~~ألمسها بإصبعي. # التفت إلي فجأة قائلا: «البس هدومك عشان تخرج معايا.» # كان الخروج معه أحسن من عشر روايات، وربما سنحت الفرصة ms61 في الطريق ~~لشراء رواية. # وقبل أن تنتبه أختي للأمر، فتبكي وتصرخ وتصر على الخروج معنا، ضحك ~~عليها أبي بأن قال لها إنه سيتركها تلعب طوال اليوم في شقة أم زكية ~~المجاورة لنا. # ارتدى أبي ملابسه، ومسح طربوشه بكم سترته وأحكم وضعه فوق رأسه، ثم ~~طوى طرفي شاربه الأبيض داخل فتحتي أنفه. وغادرنا الشقة وأغلقنا ~~بابها وراءنا، وانطلقنا إلى الشارع، ولاحظت أننا نتجه إلى محطة ~~الترام. # سألته: «إحنا رايحين فين؟» # فأجاب: «الوقت تعرف.» # ركبنا الترام، وقطعنا مسافة طويلة ثم هبطنا أمام مبنى كبير مسور ~~ومزدحم بالناس عند بابه وفي فنائه. # قال أبي: «دي المحكمة.» # دخلنا إلى الفناء، وقال أبي: «الوقت إحنا حنخش جوه، وحنلاقي مامتك ~~قاعدة مع أمها.» # دهشت: «ماما؟» ~~- «أيوه. تروح تسلم عليها وتشوف حتقولك إيه.» ~~- «وانت مش جاي؟» ~~- «لا، حستناك بره في الطرقة.» # وقادني أبي إلى ردهة كبيرة مظلمة، ومررنا بباب على اليمين فدفعني ~~ناحيته وهو يقول: «أهي هناك أهيه.» وبالفعل رأيتها. # كانت تجلس ساكنة بجوار جدتي. وكانت الأخيرة أول من أبصرتني، ~~فتطلعت خلفي في اهتمام، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة لم ~~أسترح لها، وجعلت تنظر إلي في جمود، وكان وجهها محاطا بطرحة ~~بيضاء باهتة. # اقتربت منها وأنا أنظر إلى أمي. كانت ترتدي معطفا من الحرير الأسود ~~وحول رأسها «بيشة». ولاحظت شعرها الأسود الطويل، وخيل إلي أنها ~~ازدادت طولا وعرضا عن آخر مرة رأيتها. # ورأتني أمي، لكن لم يبد عليها أنها عرفتني. وفجأة خاطبتني في هدوء ~~كأنني لم أفترق عنها أبدا: «إزيك.» # لكنها لم تطلب مني أن أجلس بجوارها، وانصرفت عني تتأمل ما يجري في ~~القاعة. وقفت حائرا لا أدري ماذا أفعل. وحانت مني نظرة إلى الردهة ~~الخارجية، فوجدت أبي يستدير برأسه ناحيتي وهو يتمشى واضعا يديه ~~خلف ظهره، وأبصرت مكانا خاليا بجوار أمي فجلست فيه. # كنا في آخر القاعة، ولم تكن مزدحمة، وكانت بها دكك مستطيلة في ~~نهايتها منصة مرتفعة جلس إليها القاضي، وإلى يساره وقف شيخ بقفطان ~~وعمة ونظارة وسيدة بملاءة لف، وكانوا يتناقشون. # كانت هذه ms62 أول مرة أرى فيها محكمة. واستغربت؛ فلم يكن هناك شيء مما ~~كنت أتصوره، لا مرافعات ملتهبة، وقاعة مزدحمة، وقاض يرتدي وشاحا ~~ملونا، ومحام يلوح بيديه ويرن صوته في أنحاء القاعة. # نهضت جدتي فجأة ومضت إلى رجل بعمة فتحدثت معه قليلا. والتفت ~~إلى اليسار فرأيت أبي يتكلم مع بعض الناس. واختلست نظرة إلى أمي ~~فوجدتها كما هي تتطلع أمامها بغير اكتراث. # وذهبت جدتي إلى أقصى القاعة وتحدثت قليلا مع القاضي. # ولاحظت أن أبي يشير إلي من بعيد، فقمت واقفا، ولم أدر ماذا أقول ~~لأمي، ولم تنظر هي ناحيتي، فمشيت دون أن أقول لها شيئا. وقال لي أبي: ~~«هيه .. قالت لك إيه؟» ~~- «ما فيش، قالت لي إزيك.» # اتجه أبي إلى الباب وأنا معه، وسرنا في الشارع، وكان ضيقا وعلى ~~جانبيه دكاكين قديمة، وكان أبي يدخن. ولمحت دكانا به بعض الكتب، ~~وجذبت أبي من يده وقلت له وأنا أستعد لخوض معركة: «بابا .. تعالى ~~نسأل على روايات». # لم يعارض أبي، وصحبني إلى الدكان وسأل صاحبه: «عندك روايات يا عم؟» ~~قدم لنا الرجل خمس روايات وجدت أني قرأتها جميعا عدا واحدة. ~~وكدت أقفز من الفرح، أرسين لوبين في قاع البحر. وكانت الرواية جديدة ~~ذات غلاف ملون ناعم يلمع. أخذت الرواية ودفع أبي ثمنها وخرجنا إلى ~~الشارع الرئيسي. # وكنت أتمنى الآن أن نعود بأقصى سرعة. # ركبنا الترام، ووضعت الرواية على ساقي مخفيا غلافها الأمامي، ~~وجعلت أتأمل الغلاف الخلفي. كان أبيض مصقولا، ويحمل إعلانا عن ~~الرواية التالية. وطوح الهواء بالغلاف فظهرت الصفحة الأخيرة وفي ~~نهايتها كلمة لذيذة كبيرة: «تمت». وقاومت حتى لا أقرأ آخر سطور ~~الرواية، فأدرتها إلى وجهها الأمامي. طالعني مسدس كبير وخلفه وجه ~~رجل يرتدي قبعة، لا بد أنه أرسين لوبين شخصيا. كان الاسم الساحر ~~مكتوبا بحروف صغيرة أسفل العنوان، وقرأته وأنا أكاد أطير من ~~السعادة. # سجن المحاريق # بالواحات الخارجة # 1963م # | بعد الظهر عبر ثلاثة أسرة # كان جائعا، والمنبه الموضوع فوق جهاز التليفزيون يشير إلى ~~الثانية، وما زالت هناك ثلث ساعة على موعد سيد، وعندئذ ms63 يبدءون جميعا ~~الأكل. # ومال برأسه قليلا ينصت إلى حركتها في المطبخ. كان يعرف أنها تنتقل ~~الآن بنشاط، رغم أعوامها الخمسة والستين، بين الحوض والبوتاجاز ~~والمائدة ذات الغطاء الصاج، وأن كل شيء حولها متناثر في فوضى ~~بالغة. # وعندما توشك على الانتهاء ستصيح به من المطبخ: «ألم يحن موعد ~~عودة سيد بعد؟» # فينظر إلى المنبه ويدقق النظر من خلف عويناته السميكة ثم يجيب: ~~«لا بد أنه في الطريق الآن.» # وفي موضعه الذي اختاره من السرير، كان بوسعه أن يرى باب الشقة عندما ~~يدير سيد المفتاح فيه، وبنفس الحركة يدفعه ويخطو إلى الداخل قائلا: ~~«السلام عليكم.» # وبالرغم من أن زوجته لم تكف عن الشكوى من أن موضعه هذا يجعله ~~عرضة لتيارات الهواء، إلا أنه ظل متمسكا به منذ أصبح المرض ~~المتكرر يلزمه الفراش، كي يكون على مقربة من «الأحداث» على حد ~~قوله؛ فقد كانت الغرفة تضم ثلاثة أسرة؛ اثنان منها يحصران باب ~~البلكونة بينهما، والثالث يصنع مع أحدهما خطا مستقيما، وعندما ~~يستلقي فوقه يواجه البلكونة، وإذا استدار وجلس بعرض السرير مسندا ~~ظهره إلى الحائط - كما هي عادته - أصبح باب الغرفة في مواجهته، وبعده ~~الصالة ثم باب الشقة. # ولهذا السبب كان باب البلكونة يظل مغلقا دائما بالليل والنهار، ~~وبالصيف والشتاء، حتى إن من يزورهم - وخاصة ابنتهما فادية - كان يشتكي ~~من أن رائحة الشقة لا تطاق. # وطبقا للمنبه لا بد أن يكون سيد الآن على رأس الشارع، يتقدم ~~بخطواته الطويلة المتمهلة وصحيفة اليوم مطوية تحت إبطه. وعندما يصل ~~إلى بائع الخبز سيتوقف عنده ليشتري عشرة أرغفة يلفها بالصحيفة، ثم ~~يواصل السير إلى الجمعية التعاونية ليرى ما بها من بضاعة جديدة، ولو ~~حالفه الحظ. # مصمص بشفتيه متمنيا أن يحضر سيد معه شيئا من البلح ~~«الأمهات» الذي يتميز، فضلا عن رخص ثمنه، بسهولة مضغه وابتلاعه ~~وحلاوة طعمه إذا ما غمس بالطحينة البيضاء. ولم تكن هذه متوفرة في ~~السوق الآن. # هز رأسه في حركة من لوازمه، ومد أصابعه تحت الفانلة وجعل يدعك ~~صدره بقوة ليفرك القذارة التي تكومت ms64 عليه؛ فبسبب مرضه كان معفيا ~~من الاستحمام، وهي عملية لم يكن يستسيغها منذ صغره لا كرها في ~~النظافة وإنما بدافع الكسل. وبهذا الدافع كان وهو صغير ينام بملابس ~~الخروج، كي يختصر الوقت لارتدائها في الصباح قبل الذهاب إلى المدرسة. ~~وهي عادة اضطر أن يقلع عنها عندما أخذ الابتدائية والتحق ~~بالوزارة. # شبك يديه على بطنه، وتطلع مرة أخرى إلى المنبه. بعد عشر ~~دقائق يحين موعد نشرة الأخبار. ولا بد أن يأتي سيد قبل ذلك ليدير ~~الراديو الموضوع في الصالة. # ومن المطبخ أتاه صوت طشيش التقلية قبل أن يشم رائحتها. واعتدل في ~~مكانه وهو يطرف بعينيه خلف النظارة السميكة كي لا يفوته باب الشقة ~~عندما فتح ودخل سيد. # وارتفع صوت الأم من المطبخ: «سيد؟ جئت يا حبيبي؟» # عبر سيد الصالة بعد أن أغلق الباب من ورائه، ووضع الخبز على مائدة ~~الطعام، ثم اتجه إلى الغرفة التي جلس أبوه في صدرها وهو يقول في صوت ~~مرتفع حتى يبلغ أمه في نفس الوقت: «السلام عليكم.» # كتم العجوز خيبة أمله عندما تبين أن سيد لم يحضر معه شيئا من ~~الفاكهة، ومد يده فتناول منه الصحيفة قائلا: «ما هي ~~الأخبار؟» # مط سيد شفتيه وهو يجلس بجوار أبيه على حافة الفراش، ويمد ~~يده ليفك رباط حذائه: «لا شيء.» # ثم: «فقط بلاغ عسكري.» # ودب النشاط فجأة في العجوز إلى أن أضاف سيد: «عشر دقائق من ~~النيران المتبادلة.» # قال العجوز مكافحا خيبة أمله: «لكن الحرب ستقع.» # حمل سيد حذاءه في يده ومضى يبحث حوله عن شبشب، وعندما لم يجد صاح: ~~«ماما .. أين الشبشب؟» # ففي الثانية والأربعين كان سيد ما زال عاجزا عن تحديد المكان الذي ~~يترك فيه أشياءه المختلفة قبل أن يغادر المنزل في الصباح. # وردت الأم من المطبخ: ~~«عندك يا حبيبي. في نفس المكان الذي تركته فيه.» # وقال العجوز وهو يبسط الجريدة ويتأمل العناوين الكبيرة: «ربما كان في ~~حجرتك.» # مضى سيد حافيا إلى حجرته ووجد الشبشب بجوار الباب. أكمل خلع ملابسه ~~أمام مرآة الدولاب الكبيرة التي أظهرت وجهه ms65 معوجا كالعهد بها ~~دائما. لكن نعومة بشرته وخلو ذقنه من أثر لشعرة واحدة كان واضحا ~~على سطحها. ولولا قليل من الشحوب لأخطأه الرائي - وهو ما كان يحدث ~~كثيرا - وظنه في العشرين. # جذب مصراع الدولاب ليعلق ملابسه في الشماعة، ثم تناول بيجامته ~~التي ألقى بها على مقعد الصباح دون أن يطويها، وجعل يرتديها. # كان يستخدم هذه الحجرة في تغيير ملابسه وحسب؛ فهو يقضي الوقت كله في ~~الغرفة الأخرى. وعندما مرضت الأم زمنا طويلا شرع ينام في الفراش ~~الثالث بمواجهتها، وهو الفراش الذي كان خاصا بأخته فادية قبل أن ~~تتزوج. ولم تكد تشفى حتى مرض الأب، فظل سيد ينام في فراش أخته، وفي ~~النهاية استقر في فراشها بصفة دائمة. # أتاه صوت أمه من المطبخ بعد أن فرغ من ارتداء بيجامته: ~~«سيد، الصحون يا حبيبي.» # تحول إلى جهاز الراديو القديم وأداره، وانتظر حتى صدر عنه صوت ~~متقطع أشبه بسعال رجل عجوز، واطمأن معه إلى أن الراديو ليس معطلا، ~~فمضى إلى المطبخ. # كانت أمه منحنية فوق إناء الطعام المستقر فوق الموقد، وقد تجمعت ~~بضع حبات من العرق فوق شاربها الواضح. تحولت إليه وسألته: «هل ~~أحضرت السمن؟» # أجاب: «كان الزحام شديدا على باب الجمعية ولم أستطع الدخول.» وجعل ~~يجمع الصحون من المطبقية، ثم حملها إلى غرفة أبيه. # كانوا فيما مضى يأكلون في الصالة عادة، لكنهم في الآونة الأخيرة ~~أصبحوا يأكلون - بسبب المرض - في نفس الغرفة التي ينامون فيها، على ~~مائدة صغيرة استقر التليفزيون فوق طرفها. ولم تعد مائدة الصالة ~~تستخدم إلا في وجود الضيوف؛ الأمر الذي صار نادرا. # وبعد أن أحضر سيد الملاحة والملاعق والسكاكين، ظهرت الأم بظهرها ~~المنحني قليلا وجسدها المترهل المهتز، وكانت تحمل آنية كبيرة من ~~البطاطس المطهية بالطماطم، وضعتها وسط المائدة. وذهب سيد إلى المطبخ ~~ثم عاد بطبق امتلأ بالأرز. # تشمم الأب بأنفه وهو يغادر فراشه بصعوبة ويأخذ مكانه إلى المائدة. ~~وبدا بالمقارنة مع صورته المعلقة على الجدار كما لو كان قد انكمش إلى ~~النصف. # قال: «كوب ماء لدوائي يا سيد.» # لم ms66 تكن به حاجة إلى السؤال لأن سيد - بحكم العادة - كان في طريقه ~~لإحضار كوبين لا كوب واحد؛ فقد كان كل من الأب والأم يتناول ~~عديدا من الأدوية قبل الأكل وبعده وفي أثنائه. # ملأت الأم طبقا كبيرا من الأرز والبطاطس أضافت إليهما السلاطة ~~وقدمته إلى زوجها، وهي تلهث في انفعال من أنجز عملا تاريخيا. ~~وقلب هو الخليط بملعقته ثم أقبل عليه بشهية بالغة، وقد نسي أمر ~~نشرة الأخبار التي كان المذيع يقرؤها في صوت رصين. وملأت الأم لنفسها ~~طبقا مماثلا بعد أن ابتلعت دواءها. أما سيد فقد بدأ بالبطاطس ~~وحدها، ولم يعد هناك من صوت غير أفواههم وهي تمضغ الطعام يقطعها لهاث ~~الأم بين الحين والآخر. # سأل سيد: «ألم تتكلم فادية؟» # أجابت: «أبدا.» ومنعها انهماكها في الطعام من الاسترسال، فاكتفت بأن ~~تضيف: «ربما تكلمت بعد الظهر.» # كان السؤال وإجابته يترددان يوميا في نفس الوقت منذ خمسة عشر ~~يوما؛ ففي ذلك التاريخ أنجبت فادية أول طفل لها. ولأن الأم أقسمت ~~قبل ذلك بشهر ألا تضع قدمها في منزل ابنتها، كما أقسم زوج الابنة ~~بدوره أن يكسرها لها إن فعلت، فالنتيجة أن أحدا من الأب أو الأم أو ~~سيد لم يقم بزيارة فادية عند الولادة أو في أعقابها؛ الأمر الذي حدا ~~بالزوج أن يقسم من جديد بطلاق زوجته إن ذهبت بالطفل إلى ~~أهلها. # لكن الأم والابنة ظلتا على اتصال بالتليفون، وكثيرا ما كانت ~~الأخيرة تضع سماعته بجوار فم الطفل لتسمع الجدة صراخه أو غمغمته، وإن ~~كان في معظم الحالات لا يصدر صوتا على الإطلاق. # انتهى الأب من طبقه، فملأت له الأم طبقا آخر أقبل عليه بنفس ~~الشهية. وانتهزت الأم لحظة تستريح فيها من الأكل لتسأله: ~~«أعجبك الأكل يا بابا؟» # فمنذ زواجهما قبل أكثر من أربعين عاما وهما يخاطبان بعضهما ب ~~«بابا» و«ماما». # قال الأب خلال فمه الممتلئ: «تسلم يدك.» وتساقطت بعض حبات من الأرز ~~على صدر بيجامته. # تحولت الأم إلى سيد الذي كان يأكل بشهية لا تقل عن شهية أبيه: ~~«ألم تعرف بعد ms67 متى سيجري التحقيق معك؟» # أحاب: «لا.» عادت تقول: «أما كان بوسع رئيس القسم أن ينهي الأمر ~~بنفسه دون حاجة إلى تحقيق أو خلافه؟» # هز سيد كتفه ولم يجب. # وتساءل الأب وهو يضع ملعقة كبيرة من خليط الأرز والبطاطس والسلاطة ~~في فمه: «أكان من الضروري أن تغير الكون؟» # وهو تعليق كان مفاجأة لسيد؛ لأنه كان بادرة بحدوث تغيير في موقف ~~أبيه؛ فحتى الآن كان يعتقد أن الأب والأم في صفه كدأبهما دائما. ألم ~~يكونا هما الوحيدان بين الناس اللذان يرمقانه بنظرات الإعجاب عندما ~~يعلن عليهما - مثلا - ما يكتشفه من أخطاء لغوية ونحوية في الصحف ~~بينما لا يواجه في المؤسسة عند ذلك بغير نظرات الملل والسخرية ~~وخصوصا من سليمان؟ # فضلا عن أنه لم يرغب في تغيير الكون أو أي شيء. كل ما في الأمر أنه ~~أراد أن يعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي. # وإلا فما الحكمة في أن تؤرخ مؤسسة عربية في بلد عربي رسائلها ~~إلى مؤسسات عربية أخرى بالأرقام بدلا من الحروف؟ # قالت الأم وهي تتطلع إليه بفخر: «لكن الحق مع سيد.» # قال الأب الذي اهتز إيمانه بابنه في ضوء التحقيق المنتظر: «ماذا ~~سنكسب من كتابة التاريخ بالحروف؟» # انحنى سيد برأسه فوق الطبق وهو يفكر في الأمر قانطا. أليست هناك ~~موسيقى تستريح لها الأذن المدربة في جملة مثل هذه: تحريرا في الثالث ~~من نوفمبر سنة ألف وتسعمائة وتسع وستين؟ أو .. الرابع من ديسمبر عام ~~ألف وتسعمائة وثمانية وستين؟ إن تسعين في المائة من الناس اليوم لن ~~ينتبهوا إلى الفرق بين الجملتين الذي أحدثه استبدال كلمة «سنة» ب ~~«عام». وهل هم كثيرون الذين يستطيعون تبين أي الصيغ هي الصحيحة عند ~~كتابة عام 1912 مثلا بالحروف؛ اثنتي عشر أم اثني عشر أم اثني ~~عشرة؟ # لو لم يعترض سليمان ويرفع الأمر إلى رئيس القسم لما وقعت مشكلة؛ ~~فمثل أمور كثيرة تحدث كل يوم كان يمكن للتغيير الذي أجراه سيد على ~~كتابة تاريخ الرسائل أن يمر دون أن يلحظه أحد. لكن سليمان - ذلك الذي ~~ليس له ms68 من حديث يومي غير غزواته النسائية - شاء أن يجعل من هذه القضية ~~مجالا لاستعراض مواهبه في الكلام المعسول ، فماذا تفعل المؤسسة عندما ~~تكتب إلى مؤسسات غيرها في بلدان عربية أخرى تستخدم أسماء أخرى ~~للشهور؟ هل تحرر الرسائل باسمين للشهر وأحيانا ثلاثة؟ # ولم يعدم سيد دفاعا عن فكرته يقدمه إلى رئيس القسم؛ فالأرقام ~~دائما معرضة للخطأ ولهذا تكتب الشيكات مثلا بالأرقام والحروف، ثم ~~هناك الحجة الأصلية وهي أن الأرقام بصورتها المتداولة دخيلة على ~~اللغة العربية ولا تستخدم في بعض البلدان العربية. ولو كان رئيس ~~القسم شخصا آخر أكثر جدية لانتهى الأمر بقبول اقتراحه ولما حدث ما ~~حدث. # أفرغ الأب طبقه وترك الملعقة تتدحرج به، ثم تراجع إلى الوراء واضعا ~~يده على بطنه. # لم يكن طبق الطعام الممتلئ يستغرق منه غير دقائق معدودة؛ لأنه لم ~~يكن يمضغ شيئا منذ فقد أسنانه كلها من عهد بعيد. # سألته زوجته: «هل أضع لك المزيد؟» # أجاب: «الحمد لله، شبعت.» وتناول حبتين من دواء ما بعد الأكل ~~ابتلعهما بما تبقى في الكوب من ماء، ثم قام من مقعده واتجه إلى ~~السرير، فاستلقى على ظهره شابكا يديه فوق صدره. # استولى عليه الخمول وشعر برغبة قوية في النوم. وفي شبه إغفاءة تابع ~~زوجته وابنه وهما يرفعان بقايا الطعام ويهرعان إلى فراشيهما فيرقدان ~~جاعلين رأسيهما عند قدميه. وأصبح الثلاثة مثلثا بست عيون تتطلع ~~في اتجاه واحد هو باب البلكونة. # وفي الماضي كانت غفوة ما بعد الغداء تستمر طويلا يقوم بعدها نشطا ~~منتعشا، لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت قصيرة للغاية؛ فما يلبث أن ~~يفيق ويظل ممددا يتطلع إلى السقف دون أن يتبين تفاصيله. بينما ~~تتراجع الشمس في الخارج في طريقها للاختفاء النهائي ويتناقص الضوء ~~تدريجيا بالغرفة. ويهب برأسه بين الحين والآخر ويدقق النظر من ~~خلف عويناته السميكة إلى الفراشين الآخرين. وغالبا ما تكون الأم قد ~~أفاقت هي الأخرى. والذي يحدث أن يبدأ أحدهما الحديث عبر الفراشين ~~في الوقت الذي يكون الآخر قد استيقظ لتوه بالفعل. # ويبدأ هذا الحديث عادة بأن يذكر ms69 أحدهما - وهو الأب في الغالب - أن ~~فلانا من الأقارب لم يزرهم منذ مدة. وهو يذكر هذه الحقيقة بصوت ~~تقريري لا يوحي بأي شيء في الظاهر؛ عندئذ يقوم الآخر - الأم عادة - ~~بعملية حسابية سريعة لآخر مرة زارهم فيها هذا القريب. # وعندئذ يقول الأب متظاهرا بعدم المبالاة: «لعله مشغول في شيء أو ~~مريض، أو أحدا من عائلته .. من يعلم؟» # فترد الأم على الفور بأن هذا القريب شوهد عند فلان في الأسبوع ~~الماضي؛ فدون أن تغادر المنزل كانت على بينة - بواسطة التليفون - بكل ~~ما يحدث في عالمها الصغير. # وتكون هذه الإجابة التي ينتظرها، فيتنهد. وهنا يتفرع الحديث في ~~أحد اتجاهين؛ إما عرض كافة المعلومات المتوفرة عن الحياة الشخصية ~~لهذا القريب، أو تعداد الأقارب والمعارف الآخرين الذين لم يقوموا هم ~~أيضا بواجب الزيارة منذ مدة. # لكن الحديث اتخذ اليوم مسارا آخر بسبب ما أعلنته فادية في ~~التليفون أمس من أن زوجها حصل على عقد للعمل في الكويت، وأنهما ~~سيسافران في أقرب وقت تسمح به صحة الطفل. # فقال الأب في صوته التقريري المحايد: «سأموت دون أن أرى ~~الولد.» # وردت عليه زوجته على الفور: «بعد الشر. لا تقل هذا.» # ثم: «ربنا ينتقم من الذي كان السبب.» دون أن تدرك أنها بذلك لا ~~تعرض غير نفسها للانتقام الإلهي. # فقد كان هناك جانب كبير من الصحة فيما قاله الأب بعد لحظة: «لولا ~~غرامك بأبيه ما أعطيناه فادية.» # وهو اتهام لم تعد تنكره، وإنما تجيب عليه كما أجابت الآن: «غار ~~هو وأبوه.» وهذا لا يمنع أنها كانت في يوم من الأيام مغرمة بأبي زوج ~~ابنتها الذي يمت إليهم بصلة القربى. وهو ما اكتشفه الأب في حينه ذات ~~ليلة في الفراش، عندما صرخت في لحظة من لحظات النشوة باسم القريب ~~بدلا من اسمه هو، كما كان المفروض. # وللمرة المائة تساءل: «ترى من يشبه؟» # وللمرة المائة أيضا أجابت: «أدعو الله ألا يشبه أباه في ~~شيء.» # ثم تذكرت: «هل أعد لك فنجان قهوة يا بابا؟» # تساءل بابا دون أن يحول عينيه عن ms70 السقف: «ألم يستيقظ سيد ~~بعد؟» # فسيد هو الوحيد الذي يستفيد من إغفاءة بعد الظهر أتم الفائدة؛ فهو ~~ينام نوما عميقا لساعة أو تزيد. وبقيامه من النوم يبدأ برنامج المساء ~~بشرب القهوة، وهي عادة لم تنقطع منذ أخذ الليسانس والتحق بالشركة التي ~~تحولت أخيرا إلى مؤسسة حكومية. # ويختار سيد هذه اللحظة ليتقلب في فراشه، ويبسط ساقيه على سعتهما، ~~ثم يفتح عينيه ويطوح بذراعيه متثائبا في عمق، وعندئذ يردد الأب ~~والأم في نفس واحد: «صح النوم يا حبيبي.» # فيغمغم سيد ب «صح بدنك» موجهة إلى كليهما. # وتسأله الأم: «هل نمت جيدا؟» # فيجيب: «لا بأس.» # وفي اللحظة التي انتبه فيها سيد من النوم تمثلت له على الفور غرفة ~~رئيس القسم عندما هب واقفا محتقن الوجه ليعلن في صوت حاسم: «لا بد ~~من إجراء تحقيق.» # لكن رئيس القسم هو الذي كان مسئولا عن كل ما جرى؛ فما كان له أن ~~يعلن في استهانة أن مشكلة التاريخ بسيطة للغاية لا تحتاج لكل هذا ~~النقاش؛ إذ انتفض سيد عند ذلك - ربما لأول مرة في حياته الوظيفية - ~~مؤكدا أن أمورا كثيرة تتوقف على هذه القضية البسيطة، وأنها على أية ~~حال محاولة لمحاربة الجهل والتواكل. وهي إشارة اعتبرها سليمان إهانة ~~له، فرد معرضا بذقن سيد التي لم ينبت لها شعر حتى الآن. هكذا رفع ~~سيد يده - لأول مرة في حياته بالتأكيد - وصفع سليمان على وجهه. # انتزعه من غرفة رئيس القسم قول أبيه: «ما رأيكم لو يذهب سيد وحده ~~ويأتي لنا بالطفل؟» # فمنذ زمن بعيد، وبناء على تأكيدات الأطباء، فقد كل أمل في أن ~~يستمر اسمه في الأرض عن طريق سيد. ورغم أن ابن فادية لن يحمل هذا ~~الاسم، إلا أنه بالتأكيد يحمل نصيبا كبيرا من دمائه. وها هو الآن ~~يحرم من رؤيته وهو على عتبة الموت. # شعرت الأم عندما فكرت في الاقتراح الجديد أنه لن يحقق لها ~~الانتصار التام على زوج ابنتها؛ فقد كان فيه نوع من الإقرار بضعفهما، ~~والأفضل أن يجدا وسيلة ترغمه على أن يأتي بالطفل ms71 صاغرا أو على ~~الأقل يسمح لفادية بذلك. # قالت في غير حماس: «وهل سيقبل؟ سأقول لفادية على أية حال إذا ~~تكلمت» # وكانوا جميعا يفكرون في نفس الموضوع عندما قال الأب في صوته ~~المحايد: «ترى .. ماذا يكون مآل الشقة؟» # كانت الشقة المشار إليها كبيرة، عبارة عن الطابق الأول من منزل ~~قديم ذي حديقة، لكن أثاثها كله كان جديدا. # قالت الأم: «ربما أجروها مفروشة، أو تركها لأحد من إخوته.» # فعلق الأب في إشفاق: «وعندما يعودون يجدون الأثاث كله ~~تالفا.» # وكانوا يعرفون الأثاث قطعة قطعة منذ كان الأب والأم هما اللذان ~~ابتاعاه فيما عدا الثلاجة الأمريكية الضخمة التي أحضرها زوج الابنة ~~يعلم الله من أين. # قالت: «ربما لن يمكث بالكويت سوى سنة واحدة، وفي هذه الحالة لا ~~داعي لتأجيرها.» # فاندفع سيد مترجما الفكرة التي لاحت في الأفق: «وفي هذه الحالة ~~يمكن أن يعطينا الثلاجة بدلا من تركها في شقة مغلقة.» # فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، استطاع الأب من معاشه البسيط ~~ومرتب سيد، أن يزود مسكنه على التوالي بموقد غازي وسخان للمياه ~~ودش متحرك وتليفون، وأخيرا تليفزيون ما زال يسدد ~~أقساطه. # وفي كل مرة يقررون شراء الثلاجة يقف الأب أمام الثلاجة ~~الخشبية القديمة ويربت على سطحها قائلا إنها تستطيع أن تحمل عبء ~~الصيف القادم، والأفضل أن يبتاعوا شيئا آخر. # وكان سيد هو الذي يشتري الثلج مرتين كل يوم في الصيف ليضعوه فوق ~~أنابيبها، وفي الشتاء تترك مهملة تمرح الصراصير في جنباتها. # قال الأب: «الثلاجات في الكويت برخص التراب، ويمكنه أن يحضر معه ~~واحدة جديدة.» # وعلق سيد: «كل شخص هناك يملك سيارة.» # وتصورت الأم سيدا في سيارة حمراء فارهة أمام باب ~~المنزل. # وكان سيد يفكر في مشط ماكينة الحلاقة الكهربائية الذي تلف منذ ~~مدة. وهي واحدة من ثلاث ماكينات ابتاعها من غزة في إحدى الرحلات التي ~~كانت المؤسسة تنظمها لموظفيها قبل يونيو 1967م، وعندما تحطم ~~مشطها وضعها جانبا لأن قطع غيارها لم تكن متوفرة في السوق (أما ~~الآلتان الأخريان فقد باعهما بضعف ثمنهما). # تنهدت الأم ms72 قائلة: «أنشرب القهوة الآن؟» # وأجاب الاثنان في صوت واحد: «أجل.» # غادر سيد فراشه ومر بأصابعه على شعر رأسه، ثم ذهب إلى الحمام، ~~وعند عودته وجد أمه قد أحضرت كنكة وملأت ثلاثة فناجين قام سيد ~~بتوزيعها، ثم استقر كل منهم في فراشه من جديد. # واصل الأب الحديث قائلا: «ربما أعجبتهم الحال واستقروا في ~~الكويت.» # وعلى الفور أخذت القضية بعدا جديدا في أذهانهم، لكن أحدا لم ~~يجرؤ على ترجمة هذا البعد إلى كلمات؛ فقد جعل كل منهم يتصور عصاري ~~الصيف فوق مقاعد القش في الحديقة، والهواء يهب خفيفا، وكلما أوغل ~~الليل ازدادت رطوبته، أو صباحيات الشتاء في الجانب الآخر من المنزل، ~~والشمس تسقط مترددة في البداية ثم تزداد دفئا كلما تقدم ~~النهار. # قال الأب بعد قليل: «لماذا لا نتصل نحن بفادية نسألها عن صحتها وعن ~~الولد؟ إنها ابنتنا قبل كل شيء.» # ردت الأم: «لا أحتمل أن أسمع صوته يرد علي.» # لكن صوتها رق وهي تضيف: «إن لم تتكلم في ظرف ساعة ~~فسأفعل.» # انتهى سيد من فنجان قهوته وأشعل سيجارة، وسأله أبوه: «ألا تنوي ~~الخروج يا بابا؟» # لم تكن عادة سيد أن يخرج بعد الظهر، ومع ذلك كان الأب يوجه إليه ~~هذا السؤال كل يوم، ويجيب سيد أيضا كل يوم: «كلا، سأبقى في ~~المنزل.» # ومنذ خمس عشرة سنة كانت هذه الإجابة تفعم قلب الأب بالأسى؛ فبينما ~~كان غيره من الشباب في سنه يتزينون ويتعطرون ويسعون خلف البنات، ثم ~~يتزوجون وينجبون، شرع فجأة يفقد حيويته البالغة التي كان يتميز بها ~~وهو بعد في المدرسة ثم الجامعة، وقبع في المنزل يشرب القهوة ويدخن ~~صامتا، ويقرأ الروايات ويتفرج على التليفزيون. # وبمرور الزمن نسي الأب هذه المشاعر القديمة، وأصبح الآن عندما يقول ~~لسيد: «اخرج يا ابني قليلا بدلا من أن تسجن نفسك هكذا.» يشعر ~~بالرضى والسعادة عندما يرد هذا: «وأين أذهب؟ لا أحسن هناك من قعدة ~~المنزل.» # فبذلك كان ثمة ضمان لكل من الأب والأم أن يحصلا في الوقت ~~المناسب على الإسعاف اللازم إذا ما داهمتهما إحدى ms73 نوبات المرض التي ~~أخذت تلاحقهما في الآونة الأخيرة. وإن كان من الغريب حقا أن هذه ~~النوبات لا تقع في فترة الصباح، التي يكون سيد خلالها في المؤسسة، ~~وإنما تحدث دائما بعد الظهر، وخصوصا بالليل بعد أن يخلد سيد للنوم؛ ~~عندئذ يصرخ أحدهما: «آه ياني.» وفي ثانية يكون سيد إلى جانبه يسأله ~~عما حدث ويناوله الدواء، أو يهرع إلى التليفون ويتصل بالطبيب الذي ~~يهون الأمر بصوت ملول، ويأمر بتكرار نفس الدواء المذكور في ~~الروشتة. # ولا ينتهي دور سيد عند هذا الحد؛ ففي أقرب فرصة، وبتعليمات من الأب ~~والأم، اللذين يلزمان الفراش غالبا في وقت واحد، يبدأ الاتصال ~~بأفراد العائلة واحدا بعد الآخر ليعلن إليهم النبأ في ذلك الصوت ~~التقريري المعهود: «والله تعبان قليلا.» أو: «هما في الفراش من أمس.» ~~ولكي ينفي شبهة المبالغة: «يقول الطبيب ...» ثم: «وماذا؟ بالأمس، بينما ~~كانا نائمين.» ويسرد ما حدث بالتفصيل. # ثم يقبع الثلاثة فوق أسرتهم في انتظار رد الفعل. # كان الأب قد استدار على جانبه الأيسر بحيث واجه الصالة وقال: «شوفوا ~~لنا ماذا في التليفزيون الليلة.» # وتمنى الأب أن يحتوي البرنامج على أحد الأفلام القديمة التي دأب ~~التليفزيون على عرضها في الآونة الأخيرة؛ فما أجمل عبد الوهاب الشاب ~~عندما يزرر سترته ويحكم وضع طربوشه على رأسه مائلا إلى اليسار ~~ثم يمر براحة يده فوق شعره، عند حافة الطربوش اليمنى، ويشرع في ~~الغناء. أو يوسف وهبي عندما يجمع أطراف روبه بأصابعه باسطا قامته إلى ~~مداها، ويزأر بصوته الفخم أن شرف البنت مثل عود الكبريت لا يشتعل ~~غير مرة واحدة. # وعندئذ سيغادر فراشه ويجلس أمام التليفزيون مباشرة كي يتمكن ~~من الرؤية، وتجلس زوجته إلى يمينه وسيد إلى يساره بعد أن يطفئوا النور. ~~ويميل الثلاثة على المائدة معتمدين عليهم بمرافقهم، إلى أن تنتهي ~~السهرة. # وفي الخارج كان الظلام ينتشر بسرعة. وقام سيد فأضاء النور، وعاد ~~ينحني فوق الجريدة متمعنا في برنامج السهرة. # وقالت الأم: «لم تتكلم فادية بعد.» # واعتدل الأب على ظهره وسقطت عيناه من جديد على السقف دون ms74 أن ~~تتبينا تفاصيله، ثم مر بيده على بطنه قائلا: «نتصل بها إن لم ~~تتكلم بعد ساعة.» # ثم: «ماذا سنتعشى الليلة؟» # برلين # 1969م # | أغاني المساء # عندما ظهر الرجل السمين في النافذة أدركت أن اليوم انتهى، وأن صوت ~~أبي ما يلبث أن يستدعيني. وأسرعنا نجمع الكرات الزجاجية الملونة من ~~فوق الأرض. # استند الرجل بساعده الأيسر إلى حافة النافذة في اطمئنان، ومد يده ~~اليمنى بطرف خرطوم من المطاط الأسود، ثم اكتسح الحارة ببصره كأنما ~~يبحث عن المكان الملائم الذي يبدأ منه. # تعلقت عيوننا بفوهة الخرطوم، وعندما انطلقت منها المياه ~~تراجعنا إلى الوراء حتى التصقنا بالحائط، وتابعنا المياه وهي تنهمر فوق ~~المنطقة التي حفرنا فيها دوائر «البلي» الخمس، ورأينا المياه تنساب ~~داخل الحفر مكان البلي. # وبعد لحظة بدت الحارة خالية تماما، وهي التي كانت منذ قليل تعج ~~بضجيج يصم الآذان؛ فقد كانت المياه المتدفقة من الخرطوم تكتسح ~~أمامها كل شيء. وشعرت بالظلام يطبق علينا، فتطلعت إلى أعلى. كان ~~الظلام يتضاءل كلما اتجهت ببصري إلى أعلى، وطالعني وجه أبي يطل من ~~شرفتنا ومن خلفه سماء ما زالت تحتفظ ببقية من ضوء الغروب. # سمعت صوته ينادي علي ككل ليلة، وشعرت بالأسى ككل ليلة. أعطيت ~~البلي لأصدقائي، واحتفظت بواحدة في لون السماء الصافية. وسرت إلى ~~منزلنا فصعدت درجه الضيق إلى الطابق الأخير. # وجدت باب شقتنا مفتوحا ومصباح الصالة مضاء، واتجهت إلى المطبخ. ~~كان صوت أختي يأتي من الشقة المجاورة لنا حيث تلعب مع أولاد أم زكية. ~~اغتسلت بصنبور حوض المطبخ، وهو الحوض الوحيد في شقتنا، ثم هرعت ~~إلى البلكونة. # كان الظلام قد لف كل شيء. وأضاء مصباح الصالة جانبا من البلكونة، ~~لكن أبي كان يجلس في الجزء المعتم منها. ووقفت في مدخل البلكونة ~~أتأمله، ولم ألبث أن شعرت بالراحة. كان وجهه هادئا مسترخيا، ~~ونظرته وادعة سرحانة. # جلست إلى جواره في صمت. كنت متعبا، وكان هو غارقا في تأملاته. ~~وبين الحين والآخر كانت عيناه تستقران على إحدى النوافذ المضيئة ~~المواجهة لنا فيتابع ما يبدو من خلالها، وهو يجذب ms75 أنفاس سيجارته ~~متلذذا. # سمعت حركة خلفي في الصالة. كانت أختي قد جاءت من عند أم زكية، ~~احتضنها أبي وحملها فوق ساقيه، لكنها أعلنت أنها تريد أن تنام، ~~فأنزلها على الأرض ووقف، وصحبها إلى الداخل، ثم عاد بعد قليل، فتناول ~~قلة المياه التي وضعناها على سور البلكونة لتبرد، وأزاح غطاءها، وجعل ~~يكرع الماء في صوت وادع. # التقطت أذناي صوت الراديو في شقة أم زكية، فقمت وأنا أقول: «أنا ~~رايح أنام، تصبح على خير يا بابا.» # كان أبي قد عاد إلى مقعده فاقتربت منه وملت عليه ثم قبلت وجنته، ~~وقال: «وأنت من أهله.» # عبرت الصالة الصغيرة التي لم يكن بها غير مقعد هزاز تمزق قشه ~~من زمن، وساعة حائط كبيرة. ودخلت حجرتنا فوجدت أختي غارقة في النوم، ~~وقد رقدت على ظهرها وتناثر شعرها الطويل حول رأسها، وثنت ساقها إلى ~~أعلى ووضعت الثانية فوقها. ومددت يدي فأطفأت النور ثم خطوت ناحية ~~السرير فصعدت فوقه وتمددت بجوارها. وهبت على وجهي نسائم خفيفة ~~من النافذة الصغيرة في مواجهتي فأغمضت عيني. # كنت أحب أن أنام كل ليلة في الظلام والنافذة مفتوحة وصوت الراديو ~~يأتيني واضحا من شقة أم زكية، التي تجاور نافذتها نافذتنا ~~الصغيرة. # وكانت أم زكية لا تدير الراديو إلا عندما ينام أولادها وتجلس في ~~انتظار زوجها. كان رجلا أسمر خجولا، أحول العينين، لا نكاد نشعر به، ~~ويقضي اليوم كله بالخارج. وقد سمعت أبي مرة يتعجب مما جمع بينه وبين ~~زوجته البيضاء الممتلئة. # جاءني صوت الراديو واضحا، فأدركت أن نافذتهم مفتوحة، وأنصت في ~~ارتياح. كانت أم كلثوم في الغالب هي التي تغني، ولم أكن أعرف ماذا ~~تقول، ولم يحدث أبدا أن تبينت كلمات أي أغنية، كما كنت أخلط ~~دائما بين عبد الوهاب ومحمد أمين وفريد الأطرش، لم أكن أهتم إلا ~~بالموسيقى. # فتحت عيني في بطء فوقعتا على النافذة. كانت السماء قريبة دانية، ~~والنجوم تتحرك في خفة، وخفقت إحداها في اضطراب وضعف. وسكت الراديو ~~فجأة، ثم سمعت حركة في الشقة المجاورة فأدركت أن أبو زكية قد ms76 عاد. ~~وبدأ وابور الجاز يطن طنينا خافتا ثم انطفأ، وسمعت صوت ملعقة تصطدم ~~بطبق، ثم جاء صوت المرأة متواصلا من مكان واحدا. كان صوتها هادئا ~~يرن واضحا في هدأة الليل، وأغمضت عيني، كان ذلك يحدث كل مساء. ~~وظللت أنصت للطنين الآتي من الشقة المجاورة، كنت أحب هذا الصوت ~~أيضا؛ كنت أحب أن أنام وهو في أذني. # لكني لم أنم؛ فقد دوت فجأة صفارة طويلة متقطعة، وفتحت عيني ~~على سعتهما، وأدركت أنها صفارة الإنذار، وأخذت أنصت لها في سرور ~~ولذة. واستيقظت أختي فزعة، وسمعت صوت أبي ينادي علي وهو يتعثر في ~~الظلام بعد أن أطفأ نور الصالة، فقلت له: «أنا هو يا بابا.» وجذبت ~~أختي من يدها وأنا أقول: «متخافيش.» ثم هبطنا من فوق السرير واتجهنا ~~إلى الباب الذي كان يبدو واضحا، ولمحت شبح أبي في الظلام فاتجهت ~~نحوه. مد يده نحونا فاحتضننا، واستدار ناحية البلكونة، واقتربنا منها. ~~كان الاضطراب يسود الحارة، وأنوار الشقق تطفأ على عجل، واستطعت أن ~~أسمع في الظلام أصوات الناس الذين كانوا يهرعون على السلالم إلى ~~المخابئ. # رفعت رأسي إلى أبي وسألته: «إحنا مش حنروح المخبأ؟» # شعرت به يبتسم، ورأيت صفاء عينيه في الظلام. أجاب: «مخبأ إيه؟ خلي ~~اتكالك على الله.» ورفع رأسه إلى السماء وهو يشير بإصبعه مؤكدا، ~~وتابعت حركة إصبعه بعيني. كانت هناك آلاف من النجوم على مقربة؛ فقد ~~كانت شقتنا في آخر دور ولم يكن فوقنا إلا السطح. # سكتت الصفارة مرة واحدة، وساد الدنيا كلها سكون شامل، وكنت أسمع ~~الحفيف الذي يحدثه الهواء بجلباب أبي. # سحبنا أبي من أيدينا إلى الداخل، وتحركنا في حذر حتى تبينا ~~طريقنا إلى الحجرة الداخلية. جلسنا على السرير، وقام أبي إلى النافذة ~~الصغيرة فأغلقها، ثم فكر قليلا وعاد ففتحها قائلا: «أحسن القزاز ~~يقع.» سألته: «يقع إزاي؟» قال: «لو وقعت قنبلة جنبنا تعمل هزة ~~توقعه.» قلت: «مين عارف؟ .. يمكن تقع علينا.» فأجاب بثقة: «لا. متخفش. ~~مش حتقع.» # لم أكن خائفا، واقتربت من النافذة، ورفعت يدي قليلا إلى أعلى ~~لأستند على ms77 حافتها؛ فلم يكن رأسي يعلو على الحافة إلا قليلا، وألقيت ~~نظرة على نافذة أم زكية فوجدتها مظلمة، وتطلعت إلى السماء . كان كل ~~شيء هادئا، وهتفت فجأة: «شوف يا بابا.» كانت الكشافات قد ظهرت في ~~السماء، وأسرعت أختي بجانبي تريد أن ترى، ورفعها أبي من إبطيها ~~لتتمكن من الفرجة. كانت الكشافات تدور في السماء بسرعة محمومة وهي ~~تبحث في اضطراب، وتوقف اثنان منها على نقطة مضيئة، وقال أبي من ~~فوقنا: «أهي مسكت طيارة.» ثم أضاف على الفور: «أخ! .. الطيارة ~~هربت.» # تحرك الكشافان بسرعة من جديد ثم اختفت الكشافات كلها مرة واحدة. ~~تساءلت: أين ذهبت؟ ودوى فجأة صوت انفجار خافت بعيد. شعرت بيد ~~أبي تقبض على كتفي في عنف، واهتز جلبابه بجوار رأسي، وأدركت أن أختي ~~هي التي تشده، وقال أبي: «تعالوا هنا أحسن.» # جذب بطانية من فوق السرير ثم انحنى على ركبتيه، وزحف إلى أسفل ~~السرير، وبسط البطانية على البلاط، ثم دعانا إلى أن نلحق به. وسرعان ما ~~كنا أنا وأختي تحت السرير بجواره، وكان يجلس على ركبتيه محنيا إلى ~~الأمام حتى لا يصطدم بسقف السرير، وكمشنا إلى جواره وهو يحتضننا ~~بذراعيه، وكنا نضحك أنا وأختي. أما هو فلم نكن نرى وجهه في الظلام، ~~وسمعناه يقول: «دلوقت لو وقعت علينا قنبلة حنقع على اللي في المخبأ، ~~ومش حيحصلنا حاجة، أما هم فحيبقوا عجينة.» # كنت قلقا أتلهف على رؤية ما يجري في السماء، وزحفت إلى حافة ~~السرير مقتربا من النافذة. أخرجت رأسي وتطلعت إلى أعلى فرأيت ~~جانبا من السماء. أخذت أتأمل منتظرا. كانت هناك نجوم كثيرة، وكنت ~~أثبت عيني على كل واحدة حتى أتأكد من أنها لا تتحرك. وما لبثت أن ~~ارتجفت من الفرح؛ فقد رأيت نجمة كبيرة تنساب متحركة، وأدركت أنها ~~طائرة يهودية، ولم أشأ أن أفوه بكلمة حتى لا يحرمني أبي من الفرجة، ~~ومضيت أرقب الطائرة وهي تسير ببطء. وفجأة ظهرت عدة كشافات، أخذت ~~تتلاقى وتتعانق ثم تفترق، وتصعد ثم تهبط من حول الطائرة. وخيل إلي ~~أن الطائرة غيرت طريقها، ms78 وأغمضت عيني ثم فتحتهما لأرى جيدا. ~~كانت الكشافات تذرع السماء، وهمس أبي: «انت رحت فين؟ تعالى ~~هنا.» # عدت إلى جوار أبي والتصقنا ببعض وانتظرنا في صمت. كان السكون ~~شاملا وسمعنا طنينا بعيدا يزداد اقترابا لحظة بعد أخرى، وبدا كما ~~لو كان يأتي من الجهات الأربع، ولأول مرة شعرت بالخوف. وتوقف الطنين ~~فجأة، ثم سمعنا صوت انفجار قريب. التصقت بأبي، فجذبني إليه في قوة، ~~وشرعت أختي بالبكاء، وتوالت سلسلة من الانفجارات القوية. وفجأة زحف ~~أبي إلى الخارج وهو يجذبنا خلفه، وتبعناه في صمت، وتحركنا في الظلام ~~إلى الصالة، ثم ناحية الباب الخارجي. وخطر لي أننا سنهبط إلى المخبأ، ~~لكن أبي لم يفتح الباب، وإنما تجاوزه إلى الكنيف وفتح بابه. كان ~~الصنبور يرسل نقطا صغيرة من الماء، فلم أبي جلبابه وانحنى إلى ~~الأمام فأحكم إغلاق الصنبور، ثم أخرج علبة كبريت من جيبه، وأشعل عودا ~~أضاء به الكنيف. # ظهرت فتحته الدائرية يحيط بها أثران بارزان على هيئة القدم، وسط ~~قاعدة حجرية مرتفعة. ورفع أبي يده بالعود إلى الأعلى وارتقى القاعدة ~~الحجرية، ثم استدار إلينا، واستند بظهره إلى الحائط حتى ثبت قدميه ~~فوق القدمين البارزين بجوار فتحة الكنيف. وجذب أختي فأوقفها إلى ~~يمينه، وعندئذ انطفأ العود في يده فمد يده إلي وقال لي: «اطلع.» ~~وأمسكت بيده وصعدت إلى جواره، ووقفت إلى يساره. وانحنى إلى الأمام ~~فجذب الباب نحونا وأغلقه علينا. # وقفنا في ظلام تام، لكني كنت أشعر بالفرق بين اللون البني الغامق ~~الذي دهنت به جدران الكنيف من أسفل حتى منتصفها، وبين اللون الأبيض ~~الذي يغطي الأجزاء العليا، بل كنت قادرا على تبين لمعان اللون ~~البني الذي استخدم الزيت في طلائه، وكنت أشم رائحة الطلاء الزيتي ~~النافذة؛ فقد كانت الشقة جديدة ولم يكن لنا فيها أكثر من شهور. # لم أكن أسمع شيئا مطلقا. وبعد لحظة تبينت صوت تنفس أبي وكان ~~قويا، وكان رأسي مستندا إلى جانبه، فشعرت بصدره يتحرك. واحتكت ~~قطعة من المعدن في حزام الفتق الذي يلفه حول وسطه بأذني فآلمتني، وما ~~لبثنا ms79 أن سمعنا صوت انفجارات متتالية. كان الصوت قريبا جدا كأنه في ~~الشارع المجاور، وتصورت أن هناك طائرة تتقدم نحو منزلنا ، وهي ~~تسقط القنابل أثناء تقدمها، ولأول مرة توقعت أن تقع علينا قنبلة ~~بين لحظة وأخرى. # جذبتني يد أبي إلى جانبه في قوة، والتصقت به أنا في خوف. كان وجهي ~~عاريا في مواجهة الباب، فأدرته وأخفيته في ملابسه، ولمس جلبابه فمي ~~فقبلته، وشعرت به يرتجف، وسمعته يهتف في قوة: «يا لطيف ~~الطف.» # لا أدري كم من الوقت مر علينا ونحن هكذا. لكن سرعان ما أدركت أن ~~الانفجارات توقفت. واسترخت قبضة أبي على كتفي حتى هدأ تنفسه، ودام ~~السكون بعض الوقت، ثم دوت صفارة حادة طويلة فانتفض أبي وتنهد بصوت ~~مسموع، ورفع يده من فوق كتفي وانحنى على باب الكنيف ففتحه، ثم هبط ~~إلى أرض الصالة وأسرع يضيء نورها، بينما كنت أسرع خلفه وأختي تنادي ~~علي لأنتظرها حتى تهبط إلى الأرض. # وفي الصالة وقف أبي تحت المصباح، وأخرج سيجارته السوداء من جيبه ~~وأخذ يشعلها، ووقفت أمامه مباشرة وتطلعت إليه، ورأيت عينيه ~~محتقنتين. # جذبتني أختي من يدي. كانت تريد أن تنام، وتخاف أن تدخل الحجرة ~~بمفردها، واتجه أبي إلى البلكونة في صمت. أما أنا فتبعت أختي إلى ~~حجرتنا، فأضأت النور، وانتظرت حتى صعدت فوق السرير، ثم أطفأته ~~وصعدت خلفها وتمددت في الظلام. # تقلبت عدة مرات، وأنصت في لهفة منتظرا أن أسمع صوت الراديو ~~لأنام على الأغاني، لكن الراديو ظل صامتا، ولم أسمع صوتا واحدا من ~~الشقة المجاورة. # سجن المحاريق # بالواحات الخارجة # 1963م # | أبيض وأزرق # رفع المرشد اليوناني الميكرفون الصغير إلى فمه وقال بالإنجليزية في ~~صوت هادئ: «مرحبا بكم في جزيرتنا.» # كان يرتدي ملابس رياضية بادية الجدة؛ كاب وقميص قصير الأكمام ~~وشورت وجورب في حذاء من المطاط، وكانت جل ملابسه بيضاء ~~اللون. # قال: «أنتم جميعا مصريون وتتكلمون اللغة العربية، تماما؟ للأسف أنا ~~لا أعرف العربية، وسأضطر إلى مخاطبتكم بالإنجليزية، أنتم تعرفون ~~الإنجليزية، أليس كذلك؟» # تصاعدت صيحات الموافقة من جنبات الأتوبيس السياحي، ومضى المرشد ~~قائلا ms80 وهو يشير إلى السائق: «السائق اسمه ميخالي، مثلي تماما، وهو ~~كما ترون غاضب بسبب اضطرارنا للانتظار حتى يكتمل عددكم. باقي اثنان ~~الآن، وقد فهمت أنهما عروسان؛ ولهذا يجب أن نتسامح معهما، ها ~~هما.» # ظهر الزوجان الشابان في مدخل السيارة، وشقا طريقهما في الفرجة ~~الضيقة التي تفصل بين صفي المقاعد، ثم جلسا على المقعد المقابل لذلك ~~الذي شغلته أنا وزوجتي. # كانت الفتاة سمراء ضئيلة الحجم، قصت شعرها كالصبية، وارتدت بدلة ~~صيفية من قماش قطني أصفر اللون، وحذاء ذا كعب مرتفع من نفس اللون، ~~وامتلأت أصابع يديها بالخواتم الذهبية، كما تدلى الذهب من أذنيها ~~وأحاط بكل من عنقها ومعصميها. وكان عريسها في نفس حجمها وسنها، ~~تتدلى من سوار حول معصمه كاميرا صغيرة الحجم. رأتنا نتطلع إليها ~~فخاطبت زوجتي شاكية من غباء موظفي الفندق وجهلهم باللغة ~~الإنجليزية؛ إذ لم يفهموا إلا بصعوبة أنها تريد الحلي التي ~~أودعتها خزانة الفندق بالأمس. # استدار المرشد بحيث أصبح يواجه الطريق، واستقر في مقعد بجوار ~~السائق، وما زال الميكرفون قريبا من فمه. # وانسابت السيارة في شوارع هادئة تحف بها أشجار متقاربة على ~~الجانبين، وتطل عليها منازل واطئة من طابقين أو ثلاثة. وكانت أغلب ~~المنازل مكسوة بطلاء أبيض اللون. # قال المرشد: «نحن الآن في الجزء الحديث من المدينة. أما المدينة ~~القديمة فعمرها خمسة آلاف سنة؛ ولهذا توجد بها آثار لكل أنواع ~~الغزاة وبناة الإمبراطوريات، بدءا من قبائل أوروبا والفينيقيين إلى ~~اليونان والفرس والرومان، ثم القوط والعرب والأتراك، وأخيرا ~~الإيطاليين والألمان والإنجليز.» # لم أر كثيرا من المارة، كان أغلبهم من الشباب الأوروبي الذي ~~ارتدى الملابس الرياضية أو اكتفى بأردية السباحة. # توقفت سيارتنا خلف سيارة لجمع القمامة سدت الطريق، وتابعت ~~ببصري عاملا يجر صندوقا للقمامة بيد مقفزة، ويثبته في مؤخرة ~~السيارة لتتولى تفريغه آليا، ثم أعاد الصندوق إلى مكانه بجوار الرصيف ~~وجذب غيره. # تطلعت إلى الرصيف المقابل، فلمحت رجلا متقدما في السن يبرز من ~~باب ممسكا بعصا طويلة تنتهي بفرشاة، طاويا صحيفة أسفل إبطه. ومضى ~~الرجل ينظف الإفريز أمام المنزل بعناية، ms81 ثم جمع الأتربة في كوم ~~صغير. وعاد إلى المنزل فأحضر جاروفا استعان به في نقل الأتربة إلى ~~كيس أسود من البلاستيك ، ثم وضع الكيس بعناية على حافة الرصيف، ~~واستدار داخل المنزل، فارتقى بضع درجات إلى شرفة صغيرة مكشوفة، ~~واستقر في مقعد من الخيزران أمام مائدة تحمل فنجانا من القهوة ~~وغليونا. وبعد أن ارتشف من الفنجان، بسط صحيفته وانهمك في إشعال ~~الغليون. # تحركت سيارة القمامة أخيرا، وتبينت رتلا طويلا من السيارات ~~تكون خلفنا دون أن يصدر عن إحداها صوت ما. وتطلعت إلى حيث ~~استقرت صناديق القمامة الفارغة فرأيت الأرض حولها نظيفة بلا أثر لما ~~كانت تحويه من فضلات. # انحنى الأتوبيس في شارع خلا من المارة، امتدت على أحد جانبيه ~~حديقة كبيرة كثيفة الخضرة، انتشرت في أنحائها الورود البنفسجية ~~الصغيرة التي كانت تملأ حدائقنا في الصبا. # همست زوجتي: «وأنا طفلة كنت ألصق بتلات هذه الوردة على ~~شفتي.» # أحاط بنا هدوء عذب، ومضت السيارة على مهل، ولمحت شابا وفتاة ~~يتبادلان قبلة طويلة أسفل إحدى الأشجار. ولزم المرشد الصمت كأنما يتيح ~~لنا أن نستمتع بالهدوء. # لكن الجالسين خلفي اختاروا هذه اللحظة بالذات ليفيضوا من سعادتهم ~~بإنجازاتهم على الجميع. ودون أن أحرك رأسي عرفت أن خلفي مباشرة ~~توءمتين في ربيع العمر، تعيشان في أبي ظبي مع أبيهما المهندس وأمهما ~~المدرسة، وأن السلاسل والصلبان الذهبية التي تتدلى من عنقيهما هي ~~هدايا أعياد الميلاد، وأنهما تتوقان لاستعراض مواهبهما في رقصة البطن ~~داخل السيارة. # أشرف الأتوبيس على أسوار حجرية قديمة تتخللها أبراج عالية، ~~وعلق المرشد قائلا: «أمامكم الآن التحصينات التي أقامها الفرسان ~~الصليبيون في القرن الخامس عشر عندما استقروا هنا بعد طردهم من الشام، ~~وتعين هذه التحصينات حدود المدينة القديمة. لكننا لن نذهب إليها ~~الآن، إنما سنتجه إلى قلب المدينة الحديثة حيث البنك؛ فلا بد أن بعضكم ~~يود استبدال نقوده.» # تصاعدت صيحات الاستحسان والاستفسار عن سعر الدولار، بينما انتقل ~~الأتوبيس إلى منطقة آهلة بالمارة والمقاهي والمطاعم الأنيقة. # ومع ذلك كانت الشوارع نظيفة للغاية، بلا حفر ولا أتربة. كما ms82 خلت ~~الأرصفة من شتى المخلفات والإفرازات، وامتدت أفاريزها الحجرية في ~~استقامة، وقد التصقت أجزاؤها بعضها ببعض، التصاقا محكما لم يترك ~~بينها أية فراغات. وأحاطت بقواعد الأشجار دوائر من التربة، مؤطرة في ~~عناية بأفاريز رفيعة من الرخام. # تناقصت المقاهي والمطاعم بالتدريج لتحل محلها البوتيكات وحوانيت ~~الملابس والمجوهرات والأنتيكات، وتوقف الأتوبيس في ميدان صغير على ~~بعد خطوات من البنك، وقال المرشد: «أحب أن أنبهكم إلى شيء هام ~~بالنسبة إلى الشراء؛ فالجزيرة كلها عبارة عن منطقة حرة؛ ولهذا ~~فالمنتجات الأجنبية هنا أرخص منها في بلادها الأصلية، بل وأرخص من ~~المنتجات اليونانية المحلية.» # شرع الركاب في مغادرة السيارة، فاكتشفت بينهم عددا من المحجبات، ~~وسيدتين متلازمتين في أواخر العقد الرابع، عريتا أكتافهما، في ~~محاولة متعجلة للحصول على شهادة التصييف. # توزعنا بين البنك وواجهات الحوانيت. وكنت أنا وزوجتي قد استبدلنا ~~نقودنا في الفندق عند وصولنا. فانتحينا جانبا مظللا ووقفنا نتأمل ~~المارة. ولاحظت أن غالبية السائحين من الشباب، وأن نسبة كبيرة منهم ~~من بلاد الشمال القصي، ومن الفتيات. # تبينت عددا من الوجوه العربية، وسمعت اللهجة السعودية من زوجين ~~ظننتهما أفريقيين بسبب لون بشرتهما. وكان الزوج البدين يحمل أكبر ~~زجاجة ويسكي رأيتها في حياتي، وقد حملها فوق ساعديه كالطفل ~~الرضيع. # اقتربت العروس الصفراء منا ومدت يدها بالكاميرا الصغيرة إلى ~~زوجتي، ملتمسة منها أن تصورها هي وعريسها. وأسرعت تقف إلى جواره ~~فوق درجات البنك وقد أحاطها بذراعيه وأمسك معصميها بيديه. # لمحت حانوتا لبيع الصحف، فتركت زوجتي تصور العريسين، ومضيت ~~إليه. ابتعت صحيفة يونانية باللغة الإنجليزية، وألفيت أخبار بيروت ~~تحتل صدر الصفحة الأولى. ووصف العنوان الرئيسي الأمس بأنه أطول يوم في ~~الحرب التي تجاوزت الشهرين؛ إذ استمرت الغارات الإسرائيلية المكثفة ~~من الصباح حتى المساء دون انقطاع. # قرأت التفاصيل، وتأملت الصورة المنشورة إلى جوارها، وتمثل ~~طفلا عربيا لم يكمل العام الأول، بتر الإسرائيليون يديه. # ألهبت أشعة الشمس رأسي، فطويت الصحيفة، واتجهت إلى السيارة. كان ~~الجميع قد عادوا إليها، فصعدت خلف زوجتي. # التقت نظراتي وأنا أتجه إلى مقعدي بنظرات أحد الركاب، فوجهت ms83 إليه ~~التحية مرغما، وعندما أصبحت بجواره خاطبني ضاحكا: «هل عثرت على سر ~~شويبس؟» # أجبته باقتضاب: «لا.» # كان يشير إلى تساؤلاتي عن الطائرة المصرية التي أقلتنا من مطار ~~القاهرة عندما رأيت أنها تحمل اسما غير اسم «مصر للطيران»، وأن بها ~~مضيفات أجنبيات، وأنها تقوم برحلات إلى تل أبيب. # جاء مكاننا أنا وزوجتي هذه المرة خلف العروسين الشابين، وكانا ~~يجلسان متلاصقين وقد أودعت يديها بين كفيه. واشتبكا في حديث مع ~~أم التوءمين تبينت منه أن العريس يعمل، هو الآخر، في مكتب مقاولات ~~بأبي ظبي منذ سنتين، وأن العروس تخرجت هذا العام في كلية ~~التجارة. # وقبل شهرين تلفن لها من أبي ظبي ليسألها أن تتزوجه. ومنذ تلك ~~اللحظة لم تعرف طعم النوم؛ فقد أصرت على أن تعد كل شيء بنفسها؛ ~~الملابس والستائر والجاتوهات. وفي حفل الزواج الذي أقيم بالهيلتون ~~كادت تسقط من الإعياء. وقد أقاما بعده في الهيلتون ثلاثة أيام، ثم ~~جاءا إلى الجزيرة مباشرة؛ ولهذا فما زالت في أشد الحاجة إلى ~~النوم. # تحرك الأتوبيس، بينما تشعب الحديث وانضم إليه شاب يدخن ~~الغليون ويعمل في الكويت، بدت زوجته حاملا في شهرها الثالث أو الرابع. ~~وعرفت أن «الشو» الذي يقدمه الميريديان أفضل لأن «الباند» أكثر ~~مهارة وتنوعا. # أشار المرشد إلى بار يشبه بارات وسط القاهرة، وقال: «هذه هي ~~التافيرنا التي يجتمع بها اليونان عادة ليشربوا النبيذ والأوزو، ~~ويأكلوا اللحم والأسماك المشوية، ويرقصوا ويغنوا .. ويتشاجروا. ~~وبالمناسبة، اليوناني شخص حساس جدا لكرامته، ويثور لأقل مساس ~~بها. وربما كان السبب أنه ظل رافع الرأس طوال قرون طويلة من السيطرة ~~الأجنبية.» # كان ثمة رجلان بدينان يحتلان المقعد المقابل لمقعدي، وكانا ~~يتحدثان بصوت مرتفع للغاية ينطق بثقة كبيرة في النفس، ورضاء تام ~~عن الإنجازات. وحكى أحدهما وهو يردد بين كل عبارة وأخرى «شوف ~~سعادتك»، كيف صنع ثروته في بورسعيد بعد أن صارت مدينة حرة. واتضح أن ~~المدينة المعروفة هي موطن الثاني، وهو أستاذ في الجامعة ذو عوينات ~~سوداء وشفتاه ممتلئتان، يعمل في السعودية، وكان يدعو زميله «محمد بك». ~~ومن ms84 معصم كل منهما تدلت الكاميرا الصغيرة المعهودة. # أسميت محمد بك بيني وبين نفسي «محمد كرشة». وسمعته يقول إنه جاء ~~بدون أسرته كي يفوز بعطلة حقيقية. وتبينت أن أسرة الأستاذ ~~البورسعيدي تجلس خلفه مباشرة، وهي مكونة من سيدة محجبة تضع عوينات ~~شمسية، وتغطي الملابس رأسها وساعديها حتى المعصمين، وبقية جسدها حتى ~~أصابع القدمين، وإلى جوارها فتاة في سن المراهقة موشكة على البكاء، ~~وطفلان غيرها. # أشرفت السيارة على أحد أسوار المدينة القديمة، فقال المرشد: «لقد ~~صدت هذه الأسوار غزوات أجنبية كثيرة، أقدمها وقع قبل الميلاد ~~بثلاثة قرون، عندما هاجمها أحد خلفاء الإسكندر الأكبر بجيش من أربعين ~~ألفا يساندهم أسطول قوي وآلات حصار مبتكرة. وصمد ستة آلاف من ~~المدافعين داخل المدينة لهذه القوة الماحقة سنة كاملة، حتى اضطر ~~المهاجمون للانسحاب.» # قام محمد كرشة فجأة من مكانه وعرض علبة من سجائر الدانهيل على ~~الجالسين. وتوقف عند السيدتين عاريتي الأكتاف، وكانتا تجلسان خلفي. ~~وسمعت إحداهما تقول إنها لا تدخن. بينما قالت الثانية إنها انتهت ~~للتو من سيجارتها ولا تريد واحدة جديدة. # ألح عليها أن تأخذ السيجارة ملتمسا منها ألا تكسفه، واعتذرت ~~مرة أخرى، فأصر قائلا: «أنت بتهينيني كده يا مدام.» واضطرت في ~~النهاية أن تأخذ السيجارة، فأشعلها لها ثم عاد راضيا إلى ~~مقعده. # وسمعت رفيقتها تهمس لها: «أيوه يا عم، ماشية معاك حلاوة.» # تمهل الأتوبيس أمام بوابة قديمة في السور فقال المرشد: «هذه ~~البوابة تدعى بوابة الحرية. وهي تؤدي إلى أقدم حي في المدينة، وهو ~~يعرف بحي الفرسان.» # اخترقت السيارة البوابة ومضت في أزقة ضيقة تظللها الأشجار، ثم ~~توقفت في ساحة صغيرة تفرعت منها ممرات مهجورة. # علق المرشد قائلا: «في أعقاب انسحاب الصليبيين من الشام استقر ~~ستمائة فارس من أعرق العائلات الأوروبية في هذا الحي، وتعاهدوا فيما ~~بينهم على حياة قوامها الزهد والعفة، ولم يكونوا يغادرون هذا الحي إلى ~~بقية المدينة إلا في جماعات، وفوق ظهور الجياد. # وفي سنة 1522م هاجمهم الأتراك بمائتي سفينة ومائة وخمسين ألف جندي، ~~ولم يكن مع الفرسان غير خمسة آلاف ms85 من السكان المحليين، وفرض الأتراك ~~عليهم حصارا استمر أربعة شهور ونصفا، فقد الغزاة خلالها خمسين ألفا ~~من رجالهم، رغم أن الفرسان لم يتلقوا أية مساعدة من الخارج؛ فقد تخلى ~~العالم المسيحي عنهم. # وتمكن الأتراك أخيرا، بفضل أحد الخونة، من إحداث ثغرة في دفاع ~~الفرسان، واضطر هؤلاء إلى طلب الهدنة. واتفق الطرفان على أن يغادر مائة ~~وثمانون فارسا - هم كل من تبقى من الفرسان - الجزيرة إلى مالطة ~~بطريقة مشرفة، ومنذ ذلك الحين عرفوا بفرسان مالطة.» # زمجر محمد كرشة قائلا: «إحنا جينا نتفسح ولا نسمع ~~محاضرات؟» # واصل الأتوبيس سيره بين الشوارع القديمة الضيقة حتى بلغ ساحة ~~صغيرة احتشدت فيها الأتوبيسات السياحية الصغيرة. # غادر الجميع السيارة فتبعتهم أنا وزوجتي بعد أن بسطت الجريدة فوق ~~مقعدنا. وعبرنا بوابة صغيرة إلى أزقة ضيقة رصفت بالحصى الكبير ~~وتصاعدت من جنباتها رائحة القهوة المنعشة مختلطة بنغمات خفيفة من ~~الموسيقى اليونانية. # تفرقت جماعتنا في عدة اتجاهات، فالتف البعض حول باعة المرطبات ~~والفطائر الذين وقفوا في حوانيت الملابس والحلي والخزف، وكانت ~~المعروضات مرتبة في عناية ونظام ونظافة. # لم نشعر أنا وزوجتي برغبة في الأكل، فمشينا نتفرج على السائحين، ~~ونتأمل المعروضات، ونقلب بينها طويلا دون أن يلاحقنا أحد أو ينهرنا ~~أو يهيننا عندما يكتشف أننا لا ننوي شراء شيء. وتمهلت زوجتي أمام ~~حانوت لبيع الحلي الذهبية، فتجاوزتها إلى ميدان صغير احتل جانبا ~~منه مقهى تظلله الأشجار، واحتلت جماعات من السائحين الأوروبيين ~~مقاعده، يجرعون البيرة من أكوابها الزجاجية التقليدية. # تنبهت فجأة إلى الهدوء الذي يسود المكان رغم زحام المارة ~~وعمليات البيع والشراء ولحقت بي زوجتي فانتحينا جانبا، ووقفنا نستمتع ~~بالهدوء، وعندما تعبنا من الوقوف اقتعدنا الرصيف الذي كان نظيفا ~~للغاية. # قمنا بعد قليل وانطلقنا عائدين، ومررنا بمطعم رصت موائده في ~~الهواء الطلق، ووقف أمامه صبي يلوح بقائمة الطعام، أشار لنا أن ندخل ~~فخاطبته بالإنجليزية قائلا: «شكرا، ليس الآن، في مرة ~~قادمة.» # سألني بالإنجليزية: «من أي بلد أنتم؟ إسرائيل؟» # أجبته «لا، مصر.» # قال بعربية مكسرة وبلهجة مستنكرة: «إذن لماذا لا تتكلم ~~بالعربية؟» ms86 # تطلعت إليه لحظة ثم واصلت طريقي أنا وزوجتي في صمت. # استأنف الأتوبيس جولته في شوارع المدينة، وبين الحين والآخر كان ~~البحر يتراءى لنا من خلال شوارع جانبية تؤدي إلى ميناء ازدحم ~~بالقوارب والسفن. # توقفنا في ميدان صغير تتوسطه نافورة على شكل طبلة تكسوها ~~مربعات من الخزف الأزرق المزوق برسوم. وفوق النافورة ارتفعت ~~ثلاثة رءوس برونزية ضخمة للسمكة المعروفة بحصان البحر، وقد تلاقت ~~قممها على شكل هرمي. # قال المرشد: «نحن في ميدان الشهداء اليهود، وتعود هذه التسمية إلى ~~عام 1943م، عندما احتلت القوات النازية الجزيرة؛ فقد جمعوا هنا يهود ~~الجزيرة كلهم، وكان عددهم يربو على ألفي شخص، ثم قاموا بترحيلهم إلى ~~معسكرات الاعتقال المختلفة في أوروبا.» # مررنا بمبنى قديم أشبه بالثكنة العسكرية، فقال المرشد إنه مسرح ~~الفنون الشعبية. وانتصب واقفا، واستدار يواجهنا وهو يضيف في حماس: ~~«هذا المسرح خصص دخل إحدى حفلات الأسبوع الماضي لضحايا الغزو ~~الإسرائيلي للبنان.» # لم يعلق أحد بشيء، فاستعاد المرشد هدوءه وأعطانا ظهره من جديد ~~وغاص في مقعده. انتقل الأتوبيس إلى شوارع غصت بالمقاهي والمطاعم ~~والفنادق الحديثة، وانتشرت بها رائحة الياسمين، ثم خرجنا فجأة إلى ~~شاطئ البحر. # استنشقت الهواء المحمل برائحة الأسماك في لهفة. وبدت حافة الماء ~~نظيفة من أي مخلفات. وبالمثل كانت رمال الشاطئ التي اصطفت فوقها ~~مظلات المصيفين الملونة في نظام بديع. # ثم صافحت عيني زرقة كثيفة لم أر مثلها من قبل، وكانت تزداد ~~كثافة كلما قاربت الأفق. # توقف الأتوبيس إلى جوار رصيف الكورنيش. وشعرت بهرج مفاجئ بين ~~الركاب. وعندئذ تبينت أن بعض المستلقيات على الشاطئ قد عرين ~~صدورهن. # حدقت سيدة محجبة في استنكار، ووضعت عارية الكتفين التي لا ~~تدخن إصبعها في شفتها، متأملة المشهد في ابتسامة خجلى وحاسدة في ~~الوقت نفسه. وتشبثت العروس بيد عريسها في شدة كأنما تخشى أن يقفز ~~هاربا. # ورفع محمد كرشة والأستاذ البورسعيدي ومهندس أبي ظبي كاميراتهم ~~الصغيرة، وأقبلوا يلتقطون الصور في حماس. # مدت زوجة الأستاذ البورسعيدي المحجبة يدها فجذبت الكاميرا بعنف ~~من يد زوجها وهي تهتف: «احمد ربك على ms87 النعمة اللي عندك.» # عقب المرشد ضاحكا: «إن كل شيء في بلادنا في الهواء الطلق كما ~~لاحظتم.» # واصل الأتوبيس سيره على طريق الكورنيش، وكانت هناك أجزاء صخرية ~~تخلو من المصطافين، وأوشك رصيف الكورنيش أن يخلو من المارة. أما ~~الجانب الآخر من الطريق فقد خلا من أي حوانيت أو مقاه. كان يتألف في ~~أغلبه من منازل قديمة مسورة بجدران بيضاء، أو مطاعم متباعدة ~~ترتفع عن مستوى الطريق بعدة درجات. # كانت جدران المنازل نظيفة لا تحمل أية كتابة أو إعلانات. وفوق أحدها ~~طبع شعار المنجل والمطرقة المتعانقين بحجم صغير، وبصورة ~~أنيقة. # أشار المرشد إلى شجرة أطلت من حديقة أحد المنازل وقال في انفعال: ~~«هذه شجرة يهوذا، والزهرة القرمزية التي ترونها يندر أن يراها أحد ~~في هذا الوقت من العام؛ فهي تظهر في الربيع قبل الأوراق. وتقول ~~الأسطورة إن هذه الزهرة كانت في الماضي البعيد شاحبة اللون، لكن ~~إحساسها بالعار من جريمة يهوذا جعلها تكتسب هذه الحمرة ~~القانية.» # أضاف المرشد بعد قليل: «لقد أوشكت جولتنا على الانتهاء، وستعودون ~~إلى فندقكم بعد لحظات. وأظن أنكم تحتاجون إلى فكرة سريعة عن الأطباق ~~الشهية .. أبرز هذه الأطباق «الضلمة»، وهي عبارة عن ورق عنب محشو ~~باللحم المفروم المخلوط بالأرز والمتبل بالنبيذ والبصل والخضرة. ~~وهناك «الكفتة»، وهي كرات من اللحم المفروم المعجون بالبصل المبشور ~~والقرفة والنعناع والنبيذ. # ثم «المسكعة» وهي من أفضل الأكلات الشعبية هنا. وتتألف من شرائح ~~الباذنجان واللحم المفروم، تتخللها طبقات من صلصة الباشاميل والجبن ~~المبشور. أما عشاق الأكلات البحرية فأمامهم سمك البربوني المقلي ~~والاستاكوزا التي تقدم بالزيت والليمون، والأخطبوط الذي يقطع إلى ~~شرائح ويقلى أو يسلق، ثم الكالاماري والجمبري والسرطان.» # اعترضتنا إشارة المرور الحمراء، وانتظر السائق في صبر وهدوء، رغم أن ~~الطريق الاعتراضي كان خاليا ولم تمر به سيارة واحدة، ولم نمض كثيرا ~~بعد ذلك؛ فسرعان ما بلغنا الفندق، وأسرع الجميع بمغادرة السيارة ~~وحملت الصحيفة في يدي وتبعتهم مع زوجتي. # عبرنا ممرا مسقوفا بين صفين من النباتات الشائكة. ومن خصاص ~~هذه النباتات بدا لي جانب من ms88 حوض السباحة التابع للفندق، وقد استلقت ~~حوله عدة فتيات أوروبيات، عرضن أجسادهن العارية للشمس، وفوق ~~عارضة الحوض استعدت شقراء فارعة، عارية الصدر، للقفز ، وقد ثنت ~~ساقيها القويتين، وبرز ثدياها الممتلئان إلى الأمام. # ولجنا ردهة الفندق واتجهنا على الفور إلى المطعم، واجتزنا قاعة ~~واسعة تناثرت المقاعد الوثيرة في جنباتها، واستقر البار في أحد ~~أطرافها، وبالقرب منه عدة ألعاب تليفزيونية. # توقفنا أنا وزوجتي أمام إحدى هذه الألعاب. وعندما لحقنا بجماعتنا ~~وجدنا أفرادها قد تجمهروا أمام المطعم، وكان بابه مغلقا، وقد اصطف ~~أمامه عمال كل من المطعم والمطبخ في ستراتهم الرسمية، وحملت ~~مائدة مجاورة كمية من ساندويتشات الجبن واللحوم الباردة. # كان أحد العمال مشتبكا في نقاش حاد مع عريس العروس الصفراء، ~~بلغة إنجليزية متبادلة الركاكة، وسمعته يقول: «قلت لك إننا ~~مضربون، ألا تعرف ماذا يعني الإضراب؟ ألا يضرب أحد في بلادكم؟ ومع ~~ذلك أعددنا لكم بعض الساندويتشات، ومن لا يعجبه يمكنه أن يأكل في أحد ~~المطاعم القريبة.» # سأله البورسعيدي: «ونقودنا التي دفعناها؟» # أشار العامل إلى مكاتب الفندق قائلا: «طالبوا بها الإدارة.» # زمجر محمد كرشة قائلا: «المفروض إحنا جينا نصرف فلوسنا، إزاي ~~يعاملونا بالشكل ده؟» # تدخل عامل متقدم في السن موضحا: «نحن لم نقصد الإساءة إليكم، ~~إنما نحن نسعى للحصول على حقوقنا؛ فهذا الفندق يجني أرباحا طائلة في ~~فترة الصيف، ثم يغلق أبوابه في أشهر الشتاء الخمسة، ويسافر أصحابه ~~إلى الخارج حاملين أرباحه بينما نبقى نحن في بيوتنا بلا عمل، أليس من ~~حقنا أن نتقاضى أجرا عن هذه الفترة أيضا؟» # تزعم الأستاذ البورسعيدي الدعوة إلى ملاحقة إدارة الفندق. بينما ~~انطلق الآخرون إلى الخارج وعلى رأسهم محمد كرشة. وكنت أنا ممن أقبلوا ~~على الساندويتشات، فأخذت واحدا لي وآخر لزوجتي مع كوبين من عصير ~~البرتقال، وانتحينا ركنا في القاعة الخارجية وجلسنا نلتهم ~~طعامنا. # لمحت الشقراء السامقة تلج القاعة من الباب المطل على حوض السباحة ~~وتتجه إلى المصعد، وكانت قد غطت صدرها وارتدت شورتا أسود اللون، ~~وبدا جسدها الكبير عن قرب متناسق التفاصيل، يشع بجاذبية حيوانية. ~~وقدرت ms89 أنها تنتمي إلى الشمال الأوروبي والعنصر الجرماني على الأغلب، ~~إلى أن سمعتها تخاطب زميلة لها بلهجة أمريكية واضحة. # فرغنا من الأكل وأشعلنا سجائرنا ، وانهمكت زوجتي في قراءة الصحيفة ~~اليونانية، بينما قمت أتفرج على الألعاب التليفزيونية، وكانت شاشة ~~إحداها تمثل طائرة تلقي قذائفها على أهداف متغيرة. كان اللاعب ~~يبذل جهدا بالغا في التركيز، مستعينا بيديه الاثنتين؛ واحدة تضغط ~~زرا يسقط القذائف، والثانية تحرك مقبضا يبعد الطائرة عن مجال ~~الصواريخ المضادة لها. # لكنه فشل في تسجيل أية نقاط بسبب بطئه في متابعة الضغط على الزر ~~وتحريك المقبض في الوقت نفسه، فغادر مكانه آسيا. وفوجئت بالشقراء ~~الأمريكية تحتل مكانه، وقد استبدلت ملابس السباحة بقميص وبنطلون ~~أسودين التصقا بجسمها الفارع. # وضعت عملة معدنية في ثقب بالجهاز، ثم جعلت تحرك يديها فوق ~~الزر والمقبض بسرعة فائقة، وتساقطت القنابل بدقة بالغة على ~~أكواخ متفرقة تشبه أكواخ الهنود الحمر والزنوج الإفريقيين، وعلى ~~جمال يمتطيها بدو في صحارى شاسعة، ومنازل شاهقة تحيط بها ~~الحدائق. # نادتني زوجتي، فتبعتها إلى المصعد. ولاحظت أن بقعة من الدماء ~~تلوث ملابسها من الخلف فنبهتها إلى ذلك. ناولتني الصحيفة ومدت ~~يدها خلفها فجمعت الفستان في قبضتها لتخفي البقعة، وعندما بلغنا ~~حجرتنا، هرعت إلى الحمام. # ألقيت بالصحيفة فوق مقعد، وعندئذ اكتشفت أن الغرفة ما زالت كما ~~تركناها في الصباح. ورأيت لافتة من الورق المقوى على مائدة الزينة ~~وكانت تحمل بحروف كبيرة هذه العبارة: «نحن مضربون»، وأسفلها التوقيع: ~~«عمال النظافة». # أشعلت سيجارة وخرجت إلى الشرفة، وجلست أتأمل البحر الذي هبت ~~منه نسمة باردة، بينما أشعة الشمس القوية تلتمع فوق الأجساد الممشوقة ~~التي استلقت على شاطئه. # ومن أعماق المدينة الصغيرة جاءتني نغمات البوزوكي اليوناني تحمل ~~آثار النواح العربي، الذي تسلل إليها ولا شك عبر أربعة قرون من ~~القهر التركي. # انتهت سيجارتي، فولجت الحجرة لأطفئها في المنفضة. وكانت زوجتي قد ~~غادرت الحمام واستلقت على الفراش، فاستلقيت إلى جوارها، ووضعت ~~رأسي على كتفها. وبعد لحظة أحطتها بذراعي فقالت في رقة: «لقد نزفت ~~اليوم بشدة.» # قلت: «وأنا أيضا.» # مصر الجديدة ms90 # 1982م ms91