######OpenITI# #META# URI: 1450UmniyyaTalcat.QadiyyatManzilFranchise.Hindawi90469264 #META# Tags: novels #META# ID: 90469264 #META# Title: قضية منزل فرنتشايز #META# AuthorID: 17091369 #META# Author: جوزفين تاي #META# EditorID: 35803081 #META# Editor: محمد يحيى #META# TranslatorID: 85381714 #META# Translator: أمنية طلعت #META# Related_books: 1371JosephineTey.FranchiseAffair (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # | قضية منزل فرنتشايز # | قضية منزل فرنتشايز # تأليف # جوزفين تاي # ترجمة # أمنية طلعت # مراجعة # محمد يحيى # | الفصل الأول # كانت الساعة الرابعة في مساء يوم من فصل الربيع، وروبرت بلير يفكر في العودة إلى ~~المنزل. # لم يكن المكتب ليغلق بابه حتى الساعة الخامسة، بالطبع. لكن عندما تكون أنت فرد عائلة ~~بلير الوحيد، في مكتب بلير وهيوارد وبينيت، فستعود إلى المنزل وقتما تعتقد أنك تشاء ~~العودة إليه. وعندما يرتبط أغلب عملك بالوصايا، وإجراءات نقل الملكية، والاستثمارات، ~~فيصبح الإقبال على خدماتك محدودا في ساعة متأخرة من وقت ما بعد الظهر. وعندما تعيش في ~~قرية ميلفورد، حيث يخرج آخر طرد بريد في الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة، فإن اليوم ~~يفقد أي زخم كان قد اكتسبه مدة طويلة قبل الساعة الرابعة. # لم يكن كذلك محتملا أن يرن هاتفه. فأصدقاؤه في لعبة الجولف ربما وصلوا في تلك اللحظة ~~بين الحفرة الرابعة عشرة والسادسة عشرة. ولا أحد سيوجه إليه دعوة على العشاء؛ لأن ~~الدعوات على العشاء في ميلفورد لا تزال تكتب باليد ثم ترسل بالبريد. والعمة لين لن ~~تتصل به لتطلب منه السمك في طريق عودته إلى المنزل؛ لأن عصر اليوم هو موعدها نصف الشهري ~~مع ms001 السينما، وربما أنها في تلك اللحظة قد مر عليها عشرون دقيقة من الفيلم، إذا صح ~~القول. # لهذا جلس هناك، في هذا الجو الداعي إلى الخمول في مساء أحد أيام فصل الربيع بقرية ~~صغيرة ينصب فيها سوق على نحو منتظم، محدقا في آخر رقعة من ضوء الشمس على مكتبه (وهو ~~مكتب من خشب الماهوجني مطعم بنحاس أصفر كان جده قد صدم العائلة لما أحضره إلى ~~المنزل من باريس) وفكر في العودة إلى المنزل. في تلك الرقعة من ضوء الشمس تستقر صينية ~~شاي، وقد جرت العادة في مكتب بلير وهيوارد وبينيت أن الشاي ليس مجرد صينية معدنية ~~مطلية بالإينامل الأسود، وأي كوب من المطبخ. في الساعة الثالثة وخمسين دقيقة بالتمام من ~~كل يوم عمل كانت الآنسة تاف تحمل إلى مكتبه صينية مطلية يغطيها مفرش أبيض أنيق، ~~عليه فنجان شاي من الخزف الصيني المنقوش بنقش أزرق، وعلى طبق من نفس نوعية الفنجان، ~~قطعتان من البسكويت؛ بسكويت بيتي بير في أيام الاثنين والأربعاء والجمعة، وبسكويت دايجستف ~~في أيام الثلاثاء والخميس والسبت. # وبينما هو يتأمل الأمر في تلك اللحظة، بذهن شارد، فكر كم أنه جسد استمرارية مكتب ~~بلير وهيوارد وبينيت. حيث يتذكر وجود طقم الخزف الصيني هذا منذ زمن بعيد. والصينية ~~التي، لما كان صبيا صغيرا، كان يستخدمها الطاهي في المنزل حتى يحمل فيها الخبز من ~~المخبز، ثم انتشلتها أمه الشابة وأحضرتها إلى المكتب لتحمل عليها الفناجين المنقوشة ~~بنقش أزرق. أما المفرش فقد جاء بعد سنوات مع قدوم الآنسة تاف. الآنسة تاف هي نتاج وقت ~~الحرب؛ فهي أول سيدة تجلس على مكتب في مكتب محاماة شهير في ميلفورد. وقد مثلت الآنسة تاف ~~ثورة شاملة من حيث إنها نحيفة عزباء لها شخصية جادة وغير لبقة. لكن المكتب قد صمد في وجه ~~الثورة بدون عناء، والآن، بعد ما يقرب من ربع قرن، لا يمكن تصور أن الآنسة تاف، النحيفة ~~الموقرة ذات الشعر الرمادي، قد مثلت أي تأثير واسع النطاق. وكان، في الواقع، الإخلال ~~الوحيد الذي أخلته بالنظام ms002 الروتيني العتيد هو تقديم مفرش للصينية. في منزل الآنسة تاف لا ~~يوضع طعام قط مباشرة على صينية؛ إذا استدعى الأمر، لا يقدم أي كعك أبدا مباشرة على ~~طبق؛ فلا بد من وضع مفرش صينية أو منديل مائدة. لهذا نظرت الآنسة تاف شزرا إلى الصينية ~~العارية. بل وقد ارتأت، علاوة على ذلك، أن النقش المطلي على الصينية مشتت، وغير مثير ~~للشهية، و«غريب». ومن ثم في أحد الأيام أحضرت مفرشا من المنزل؛ كان أنيقا، بلا نقش ~~عليه، وذا لون أبيض، باعتباره مناسبا لشيء عرضة للتآكل. ووالد روبرت، الذي كان قد أبدى ~~إعجابه بالصينية المطلية، نظر إلى المفرش الأبيض النظيف فأثر فيه توافق شخصية الآنسة ~~تاف الشابة مع مصالح المكتب، فظل المفرش باقيا، وصار الآن جزءا لا يتجزأ من حياة المكتب ~~مثله كمثل صناديق حفظ الوثائق، واللوحة النحاسية، والزكام السنوي الذي يصيب السيد ~~هيزيلتاين. # في الوقت الذي وقعت عيناه على الطبق الأزرق حيث وضع البسكويت، انبعث في صدر روبرت شعور ~~غريب مرة أخرى. لم يكن لهذا الشعور أي علاقة بقطعتي بسكويت دايجستف؛ على الأقل، ليست ~~علاقة مادية. إنما كانت له علاقة بحتمية روتين تقديم البسكويت؛ الحقيقة الراسخة بأن ~~بسكويت دايجستف يقدم يوم الخميس والبيتي بير يوم الإثنين. حتى السنة الأخيرة أو ما ~~يقاربها، لم يكن يرى عيبا في هذه الحقيقة أو كونها راسخة. لم يرد قط أي حياة أخرى سوى ~~هذه الحياة؛ هذه الحياة اللطيفة الهادئة في المكان الذي قد نشأ فيه. وظل لا يسعى إلى أي ~~حياة أخرى. لكن لمرة أو مرتين مؤخرا، جالت بخاطره فكرة غريبة، لم يعهدها؛ خاطرة عارضة، ~~وعفوية. إن جازت صياغتها إلى أقرب معنى ممكن، فهي: «هذا كل ما ستحصل عليه في حياتك». ومع ~~هذه الخاطرة يأتي ذلك الانقباض اللحظي في صدره. على الأغلب انفعال هلع؛ مثل اعتصار القلب ~~ألما عند تذكر ما قد يثيره في صدره موعد طبيب أسنان عندما كان في العاشرة من ~~عمره. # ضايق وحير هذا الشعور روبرت، الذي عد نفسه شخصا سعيدا ومحظوظا ، وناضجا ms003 في تلك ~~اللحظة. لم اقتحمته هذه الخاطرة الغريبة وأثارت هذا الانقباض المحير تحت أضلعه؟ ~~ماذا كان ينقصه في حياته ومن المفترض أن يفتقده رجل؟ # أهي الزوجة؟ # لكن كان بإمكانه أن يتزوج لو أراد ذلك. على الأقل هو يظن أنه يقدر؛ كان في المنطقة ~~الكثير من الفتيات العازبات، ولم يظهرن دلائل على عدم الإعجاب به. # أهي الأم المخلصة؟ # لكن أي إخلاص ربما منحته أم لن يكون أعظم مما قدمته إليه العمة لين؛ العمة لين ~~العزيزة المتيمة. # أهي الثروة؟ # ما الشيء الذي اشتهته نفسه من قبل وعجز عن شرائه؟ وإن لم يكن هذا هو مفهوم الثروة، فهو ~~لا يعلم ما هو مفهومها. # أهي الحياة المثيرة؟ # لكنه لم يكن يرغب أبدا في أي إثارة. لا توجد إثارة أعظم مما يمنحه يوم صيد أو ~~التعادل في لعبة الجولف عند الحفرة السادسة عشرة. # فماذا إذن؟ # ما سبب خاطرة «هذا كل ما ستحصل عليه في حياتك»؟ # ربما، ظن، وهو جالس يحدق في الطبق الأزرق حيث وضع البسكويت، بأن المسألة تحديدا هي ~~ميول منذ الطفولة بأن «ثمة شيء مبهر سيحدث غدا» تظل لاشعوريا داخل المرء ما دامت هي ~~قابلة للتحقيق، وفقط بعد سن الأربعين، عندما يصبح من غير المحتمل إشباع هذه الميول، ~~تقحم نفسها في العقل الواعي؛ كقطعة مفقودة من الطفولة تصرخ لتلفت الانتباه إليها. # بلا شك هو، روبرت بلير، يأمل من أعماق قلبه أن تستمر حياته على ما هي عليه إلى أن ~~يفارق الحياة. كان قد علم منذ أيام المدرسة أنه سينتقل إلى العمل في مكتب المحاماة ~~وسيرث والده في يوم من الأيام؛ كما نظر بشفقة حانية إلى الشباب الذين لم يكن لديهم ~~وظيفة في الحياة جاهزة من أجلهم، ولم يكن لديهم في انتظارهم قرية ميلفورد، العامرة ~~بالأصدقاء والذكريات، ولا دور في استمرار التقاليد الإنجليزية مثلما أسهم مكتب بلير ~~وهيوارد وبينيت. # غاب أي وجود لعائلة هيوارد عن المكتب في أيامنا هذه، لم يكن هناك أي وجود لأحدهم ~~منذ عام 1843، لكن فتى يافعا من عائلة بينيت كان ms004 يشغل الغرفة الخلفية في هذه اللحظة. ~~وكلمة يشغل هي التوصيف الدقيق؛ إذ كان مستبعدا أنه يؤدي أي عمل؛ كان اهتمام نيفيل ~~الرئيسي في الحياة هو كتابة قصائد على مستوى من الأصالة والإبداع ليس بوسع أحد أن ~~يفهمها غيره. استنكر روبرت القصائد لكنه تغاضى عن الخمول؛ إذ عجز عن نسيان أنه حين شغل ~~الغرفة نفسها كان يقضي وقته في ممارسة التسديد بعصا الجولف في المقعد الجلدي ذي ~~الذراعين. # انزلق ضوء الشمس بعيدا عن حافة الصينية وقرر روبرت أنه حان موعد الانصراف. إذا ~~انصرف الآن فبإمكانه أن يسير إلى المنزل عبر هاي ستريت قبل أن يحيد ضوء الشمس عن رصيف ~~الجانب الشرقي؛ فإن السير عبر هاي ستريت في ميلفورد لا يزال أحد الأشياء التي تمنحه متعة ~~حقيقية. ليس لأن ميلفورد كانت واحدة من الأماكن الجميلة. فلربما تضاعف هذا الجمال حتى ~~مائة مرة في أي مكان في جنوب نهر ترينت. إنما السر في أناقتها الطبيعية التي صورت جمال ~~الحياة في إنجلترا في آخر ثلاثمائة عام. بداية من المنزل العتيق المحاذي مع الرصيف الذي ~~يضم مكتب بلير وهيوارد وبينيت، الذي أنشئ في السنوات الأخيرة من عهد تشارلز الثاني، ~~ينساب هاي ستريت جنوبا بميل بسيط - الطوب الجورجي، والخشب والجص الإليزابيثي، والحجر ~~الفيكتوري، والزخارف الجصية على طراز عهد الوصاية على العرش - متجها إلى القصور الإدواردية ~~المتوارية خلف أشجار الدردار عند طرفه الآخر. هنا وهناك، بين الألوان الوردية والبيضاء ~~والبنية، تظهر واجهة من الزجاج الأسود، بارزة بحدة مثل رجل حديث العهد بالثراء في ~~حفل يرتدي ثيابا مبالغا فيها، لكن الطرز الأنيقة للمباني الأخرى حدت من قبحها. حتى ~~الأعمال التجارية المتعددة كانت قد تعاملت برفق مع ميلفورد. صحيح أن البازار الأمريكي ذا ~~اللونين القرمزي والذهبي قد وقف مختالا بوعده البراق بعيدا عند جهة الجنوب، ووجه ~~إهانات يوميا إلى الآنسة ترولاف التي تدير مقهى على الطراز الإليزابيثي في الجهة ~~المقابلة بدعم من مخبوزات أختها وسمعة آن بولين. لكن مصرف ويستمنستر، بتواضع غير معهود ~~منذ أيام الاقتراض بفوائد باهظة ، قد ms005 واءم مبنى ويفرز هول بما يتماشى مع احتياجاته من دون ~~حتى ولو لمسة من الرخام؛ وآل سول، متعهدو بيع الأدوية بالجملة، قد استحوذوا على مبنى ~~ويزدم العتيق واحتفظوا بواجهته الطويلة المذهلة كما هي. # كان شارعا صغيرا أنيقا، مبهجا، وحيويا، تميزه أشجار الليمون المقلمة التي ~~تنمو من الرصيف؛ وقد أحبه روبرت بلير. # كان قد ضم قدميه أسفل منه تأهبا للقيام، عندما رن هاتفه. في بقاع أخرى من العالم، ~~يفهم المرء أن الهواتف صممت حتى ترن في المكاتب الخارجية، حيث يرد أحد المرءوسين على ~~هذا الشيء ويستفسر عن طلبك ثم يخبرك أن تتكرم بالانتظار لحظات وسوف يجري «تحويلك» ثم ~~تصبح على اتصال بالشخص المراد التحدث إليه. لكن هذا ليس في ميلفورد. لا شيء من هذا ~~القبيل قد يسمح به في ميلفورد. ففي ميلفورد إذا اتصلت هاتفيا بجون سميث فأنت تتوقع ~~أن يرد عليك جون سميث شخصيا. لذا عندما رن الهاتف في مساء أحد أيام فصل الربيع داخل ~~مكتب بلير وهيوارد وبينيت، فإنه رن على مكتب روبرت ذي الخشب الماهوجني المطعم بالنحاس ~~الأصفر. # دائما، بعد ذلك، كان روبرت يتساءل ماذا كان سيحدث لو أن الهاتف قد رن متأخرا بدقيقة ~~واحدة. في غضون دقيقة واحدة، ستين ثانية لا وزن لها، كان سيأخذ معطفه من الشماعة في ~~الردهة، وينظر نظرة سريعة على الغرفة المقابلة ليخبر السيد هيزيلتاين بأنه سينصرف الآن ثم ~~يخرج إلى ضوء الشمس الشاحب ويسير بعيدا عبر الشارع. وكان السيد هيزيلتاين سيجيب على هاتفه ~~عندما رن ويخبر السيدة بأنه قد انصرف. وهي كانت ستغلق الهاتف وتحاول الوصول إلى شخص ~~آخر. وكل ما أعقب ذلك كان سيصبح بالنسبة إليه مجرد مثار اهتمام نظري. # لكن الهاتف رن في الوقت المناسب؛ فمد روبرت يده وأمسك بسماعة الهاتف. # سأل صوت سيدة: «هل هذا هو السيد بلير؟»؛ شعر بأنه صوت نسائي رنان لشخص عادة واثق ~~من نفسه، لكنه صار في تلك اللحظة صوتا لاهثا أو متعجلا. وتابعت: «الحمد لله، يسرني ~~كثيرا أني لحقت بك. كنت أخشى أن تكون ms006 قد انصرفت في نهاية اليوم. سيد بلير، أنت لا ~~تعرفني. اسمي شارب، ماريون شارب. وأعيش مع والدتي في منزل فرنتشايز. ذلك المنزل الذي على ~~طريق لاربورو، كما لعلك تعرف.» # قال بلير: «أجل، أعرفه.» كان يعرف ماريون شارب بالنظر، كما عرف كل فرد في ميلفورد ~~والمنطقة. فهي سيدة طويلة، نحيفة، لها بشرة داكنة، تبلغ من العمر أربعين سنة أو ما يقارب ~~ذلك، لديها ولع شديد بالأوشحة الحريرية اللامعة التي أبرزت سمرتها الغجرية. وتقود ~~سيارة قديمة بالية، تطل منها كل صباح بينما تجلس والدتها العجوز ذات الشعر الأبيض ~~في الخلف، منتصبة الظهر وديعة وغير منسجمة وهي تبدي اعتراضا بشكل أو بآخر في صمت. ~~ويبدو الشكل الجانبي للسيدة شارب العجوز مثل لوحة أم ويسلر، وعندما تستدير بوجهها كاملا، ~~ويتكون لديك انطباع عن عينيها الذكيتين، الشاحبتين، اللامباليتين، مثل عيني ~~النورس، تصبح أشبه بعرافة. امرأة عجوز مزعجة. # تابع ذلك الصوت قائلا: «أنت لا تعرف من أنا، لكني رأيتك في ميلفورد، ويبدو أنك إنسان ~~ودود، وأنا أحتاج إلى محام. أقصد، أحتاج إلى محام الآن، في هذه اللحظة. إن المحامي ~~الوحيد الذي تعاملنا معه في لندن - أقصد، مكتب محاماة لندني - وهو في الواقع ليس محامينا ~~الخاص. لقد توارثنا التعامل معه بوصية فقط. لكني الآن في مأزق وأحتاج إلى دعم قانوني، ~~فتذكرتك وظننت أن بإمكانك ...» # بدأ روبرت حديثه قائلا: «إن كان الأمر له صلة بسيارتك ...» إن كلمة «في مأزق» في ميلفورد ~~يقصد بها أحد الأمرين: إما نزاع تجاري، أو مخالفة لقوانين المرور. وحيث إن القضية ~~تخص ماريون شارب، فربما كان الخيار الأخير، لكن ذلك لن يمثل فارقا؛ فالقضيتان لا ~~تمثلان مصدر اهتمام على الأرجح لمكتب بلير وهيوارد وبينيت. كان سيحيلها إلى كارلي، ~~الشاب الألمعي عند الطرف الآخر من الشارع، الذي يستمتع بالدعاوى القضائية وذاع صيته ~~بقدرته على إخراج الشيطان بكفالة من الجحيم. (قال شخص ما، ذات ليلة في فندق روز آند ~~كراون: «أخرجوه بكفالة!» ثم أضاف قائلا: «كان سيفعل أكثر من ذلك. كان سيجمع توقيعاتنا ~~جميعا على شهادة ms007 جيني من أجل الوغد العجوز.») ~~«إن كان الأمر له صلة بسيارتك ...» # قالت، بنبرة غامضة، وكأنه قد استعصى عليها في عالمها الحالي أن تتذكر ما كانت تلك ~~السيارة: «سيارة؟» ثم أردفت قائلة: «آه، فهمت. لا، الأمر ليس له أي صلة بمثل ذلك. ~~المسألة أكثر خطورة من ذلك بكثير. إنها شرطة سكوتلاند يارد.» ~~«سكوتلاند يارد!» # بالنسبة إلى ذلك المحامي والرجل الوقور الريفي، روبرت بلير، فإن سكوتلاند يارد غريبة مثل ~~غرابة زانادو، أو هوليوود، أو الهبوط بالمظلات. وبصفته مواطنا صالحا، كانت علاقته مستقرة ~~مع الشرطة المحلية، وهناك انقطعت صلته بالجرائم. أقرب مرة كان قد سبق له أن ذهب إلى ~~سكوتلاند يارد كانت ليلعب الجولف مع ضابط شرطة محلي؛ رجل دمث الخلق كان يلعب مباراة ~~متأنية، ومن وقت لآخر بعد أن وصل إلى الحفرة التاسعة عشرة، كان يتوسع في الحديث عن ~~أمور حمقاء قليلا بشأن عمله. # قال الصوت سريعا: «لم أقتل أي أحد، إن كان ذلك ما تفكر فيه.» ~~«المسألة هي: هل من المفترض أنك قتلت أحدا؟» بصرف النظر عن الشيء المفترض أنها قد ~~ارتكبته، فهذه القضية من نصيب كارلي بلا شك. فلا بد أن يقصيها نحو كارلي. ~~«لا، القضية ليست قتلا على الإطلاق. من المفترض أني اختطفت شخصا ما. أو احتجزته، أو ~~شيء من هذا القبيل. ليس بوسعي أن أشرح لك عبر الهاتف. على أي حال أحتاج إلى شخص الآن، في ~~الحال، و...» # قال روبرت: «لكن لا أظن أني الشخص الذي تحتاجين إليه على الإطلاق.» ثم تابع قائلا: «لا ~~أعرف أي شيء عمليا عن القانون الجنائي. ومكتبي غير مؤهل للتعامل مع قضية من ذلك ~~النوع. الرجل الذي تحتاجين إليه ...» ~~«لا أحتاج إلى محام جنائي. أحتاج إلى صديق. شخص يقف بجانبي ويضمن ألا يجري معاملتي على ~~نحو غير عادل. أقصد، أن يخبرني بما لا أحتاج إلى الإجابة عنه إن كنت لا أرغب في ذلك، شيء ~~من ذلك القبيل. لا تحتاج إلى تدريب في الجرائم حتى تفعل هذا، أليس كذلك؟» ~~«لا، لكن من الأفضل أن ms008 توكلي محاميا معتادا على قضايا الشرطة. محاميا ...» ~~«ما تحاول أن تخبرني به أن هذا «ليس مجال اختصاصك»؛ هكذا الأمر، أليس كذلك؟» # قال روبرت سريعا: «كلا، بالطبع كلا.» ثم تابع قائلا: «أشعر بصراحة تامة أنك ستكونين ~~أكثر حكمة ...» # فقاطعته قائلة: «أتدري بم أشعر؟» ثم أردفت قائلة: «أشعر وكأني شخص يغرق في نهر لأنه ~~لا يستطيع سحب نفسه إلى الضفة، وبدلا من أن تبسط إلي يدك، تشير إلى أن الضفة الأخرى ~~أفضل كثيرا أن أتحرك إليها.» # سادت لحظة صمت. # ثم قال روبرت: «بل على العكس، بإمكاني أن أقدم إليك خبيرا ينتشلك من النهر؛ خبيرا ~~أفضل بالمقارنة بشخصي القليل الخبرة، أؤكد لك. بنجامين كارلي لديه معرفة واسعة في ~~الدفاع عن أشخاص متهمين أفضل من أي أحد بين هنا و...» ~~«ماذا! ذلك الشاب الضئيل البغيض ذو البدلات المقلمة!» ارتفع صوتها العميق وهي تقول ذلك ~~وانفجر، ثم تبع ذلك لحظة صمت أخرى. ثم قالت بصوتها المعتاد: «أعتذر إليك، كان ذلك سخيفا ~~مني. لكن اعلم، عندما اتصلت بك للتو لم يكن لظني فيك أنك الأكثر براعة في تلك ~~الأمور» (ظن روبرت بداخله: «لم يكن لذلك، بالفعل») «إنما لأني كنت في مأزق وأردت نصيحة ~~شخص يشبهني. وأنت تشبهني. يا سيد بلير، أرجوك أن تأتي. أحتاج إليك الآن. يوجد أفراد ~~من شرطة سكوتلاند يارد في المنزل هنا. وإذا شعرت أنك لا تريد الانخراط في هذه القضية، ~~بإمكانك دائما أن تحيله إلى شخص آخر فيما بعد؛ أليس كذلك؟ لكن ربما لا يوجد أي شيء ~~لتنخرط فيه رغم كل ذلك. إذا تكرمت بالمجيء إلى هنا وأن «تباشر مصالحي» أو أيا كان ما ~~تسميه، لساعة واحدة، فربما ينتهي الأمر برمته في سلام. أثق أن هناك خطأ في مكان ما. ~~ألا يمكنك أن تتكرم وتفعل ذلك من أجلي؟» # على العموم ظن روبرت بلير أن ذلك في وسعه. فهو دمث الخلق لدرجة تمنعه من رفض أي مناشدة ~~مقبولة - وهي قد منحته مهربا إذا وجد الأمور صعبة. وهو، في واقع الأمر، وكما خطر في ms009 باله ~~في تلك اللحظة، لم يرد أن يلقي بها إلى بن كارلي. رغم حماقتها بشأن البدلات المقلمة، ~~تبين له وجهة نظرها. إذا كنت قد ارتكبت فعلة وأردت أن تنجو منها، فإن كارلي بلا شك ~~هو هبة من الله لك؛ أما إذا كنت متحيرا ومتورطا وبريئا، فربما شخصية كارلي المتعجرفة ~~لم يتوقع منها أن تصبح ملجأ فوريا لطلب المساعدة. # رغم كل ذلك، تمنى وهو يضع سماعة الهاتف لو أن المظهر الخارجي الذي يظهر به أمام العالم ~~كان منفرا - ليكن كالفين أو كاليبان، لم يكن يبالي، ما دامت النساء الغريبات سيمتنعن ~~عن الارتماء بأنفسهن في حمايته عند وقوعهن في مأزق. # فتساءل وهو يتجه إلى مرأب السيارات في سين لين حتى يستقل سيارته: تحت أي نوع محتمل ~~من المآزق قد يصنف «الاختطاف»؟ هل هناك في القانون الإنجليزي مثل هذه الجريمة؟ ومن ~~ربما تهتم باختطافه؟ أهو طفل؟ طفل يرجى من ورائه الحصول على مال؟ رغم ضخامة المنزل على ~~طريق لاربورو فإنهما أعطتا انطباعا بأن ليس لديهما سعة من المال. أم أنه طفل ظنا أنه ~~تلقى «معاملة قاسية» من أوصيائه الشرعيين؟ ذلك ممكن. كان للسيدة العجوز وجه متعنت، ~~إذا سبق له رؤية وجه مثله من قبل، أما ماريون شارب نفسها فكانت تبدو كما لو أن العصا هي ~~عكازها الطبيعي إن لم تكن العصا قد عفا عليها الزمان. حقا، كان مرجحا أنه عمل إنساني ~~أحمق. الاحتجاز «بنية منع الآباء، الأوصياء، وخلافهم، من الاحتفاظ بالطفل». تمنى لو أنه ~~تذكر تفاصيل أكثر عن قضية هاريس وويلشير. لم تسعفه الذاكرة أن يسترجع إن كانت جناية، ~~مع فرض أشغال شاقة في المستقبل القريب، أم أنها مجرد جنحة. فقضية كقضية «الاختطاف ~~والاحتجاز» لم تكن قد لطخت ملفات مكتب بلير، وهيوارد، وبينيت منذ ديسمبر 1798، عندما ~~اختطف سكوير ليسوس، تحت تأثير نبيذ الكلاريت الموسمي، الآنسة جريتون على حصانه من حفل في ~~منزل جريتون وسار بها بعيدا وسط السيول الجارفة، ولم يكن هناك شك على الإطلاق، بالطبع، ~~في دافع ذلك السيد لارتكاب ذلك الحادث. ms010 # آه، حسنا؛ كانا بلا شك على استعداد الآن للاستماع لصوت العقل نتيجة لفزعهما من اقتحام ~~شرطة سكوتلاند يارد لخططهما. هو نفسه كذلك أفزعه بدرجة ما وجود شرطة سكوتلاند يارد. ~~أكان الطفل ذا شأن إلى هذه الدرجة حتى ينتفض له المركز الرئيسي لشرطة لندن؟ # في مكان ما في سين لين، وجد نفسه في مواجهة الحرب المعتادة، لكنه حرر نفسه. (إن ~~المتخصصين في أصول اللغة، في حالة أنه أثير فضولك، يذكرون أن كلمة «سين» ما هي إلا ~~تحوير لكلمة «ساند» أي، الرمال، لكن أهل ميلفورد بكل تأكيد أعلم بهذا الأمر؛ قبل أن ~~تبنى مساكن البلدية تلك على المروج المنخفضة وراء القرية كان هذا الزقاق يفضي مباشرة ~~إلى ممشى العشاق في الغابة.) عبر الزقاق الضيق وقف، وجها لوجه في عداوة أزلية، ~~إسطبل محلي لتأجير الخيول أمام أحدث مرأب سيارات في القرية. كان يبث المرأب الرعب في ~~الخيول (هكذا ادعى إسطبل الخيول)، ويسد إسطبل الخيول الطريق دائما بحمولات التبن ~~والعلف وأشياء أخرى من هذا القبيل (هكذا ادعى المرأب). علاوة على ذلك، المرأب كان ~~يديره بيل برو، الذي عمل ضمن فيلق المهندسين الكهربائيين والميكانيكيين الملكيين ~~سالفا، وستانلي بيترز، الذي عمل سالفا في سلاح الإشارة الملكي؛ أما مات إليز العجوز، ~~الذي عمل ضمن كتيبة فرسان الملك سالفا، فقد اعتبرهما نموذجا ممثلا لجيل أجهز على ~~سلاح الفرسان وارتأى أنهما عار على الحضارة. # في الشتاء، عندما كان روبرت يصطاد، سمع جانب سلاح الفرسان من القصة؛ ولبقية العام استمع ~~إلى جانب سلاح الإشارة الملكي، بينما كانت سيارته تمسح، أو تشحم، أو تزود بالوقود، ~~أو تحضر له. وقد أراد سلاح الإشارة اليوم أن يعرف الفرق بين القذف والتشهير، وما قد يندرج ~~على وجه الدقة تحت بند التشهير بشخص. أيعد تشهيرا أن تقول على إنسان بأنه كان ~~«سمكريا يعمل مع علب صفيح ولا يمكنه تمييز حبة الجوز من ثمرة البلوط»؟ # قال روبرت في عجالة، وهو يدير المحرك: «لا أعرف يا ستان. علي أن أمعن التفكير.» ~~فانتظر حتى أعادت ثلاثة خيول مستأجرة ms011 متعبة طفلين بدينين وسائسا من جولة العصر (قال ~~ستانلي في الخلفية: «أتفهم ما أقصده؟») ثم انطلق بالسيارة قاصدا هاي ستريت. # وعند الطرف الجنوبي من هاي ستريت اختفت المتاجر تدريجيا لتظهر منازل سكنية ترتكز ~~عتبات أبوابها على الرصيف، ثم المنازل التي تتراجع مسافة خطوة فتظهر أروقة تفضي إلى ~~أبوابها، ثم القصور بحدائقها ذات الأشجار، ثم، على نحو مفاجئ تماما، الحقول والريف ~~المفتوح. # كان ريفا زراعيا؛ أراضي تضم عددا لا حصر له من الحقول المحاطة بسياج من الشجيرات، ~~وعددا محدودا من المنازل. ريف خصب، لكنه مهجور، بإمكان المرء أن يسافر قاطعا ميلا ~~وراء ميل دون أن يلتقي بأي كائن بشري. ريف هادئ آمن لم يطرأ عليه تغيير قط منذ حروب ~~الوردتين، حقل مسور وراء حقل مسور آخر، وخط أفق يختفي في خط أفق آخر، دون ~~توقف لهذا المنوال. كانت أعمدة خطوط الهاتف والبرق فقط هي التي تكشف عن سمت ~~القرن. # بعيدا فيما وراء الأفق كانت تقع مدينة لاربورو. تشتهر لاربورو بالدراجات، والأسلحة ~~الصغيرة، ومسامير القصدير، ومتجر كوان كرانبيري صوص، وكثير من البشر الذين يعيشون ~~متلاصقين جنبا إلى جنب في منازل من طوب أحمر قذر؛ لكن يوجد بين بعض منها مساحات ~~خالية في حنين قديم إلى العشب والأرض. لم يكن هناك في ريف ميلفورد ما يجذب جنسا من البشر ~~يريد مع عشبه وأرضه كلا من المعالم التي تستحق المشاهدة ومقاهي الشاي، وعندما تصبح ~~لاربورو في إجازة فإنها تصير على قلب رجل واحد متجهة إلى الغرب نحو التلال والبحر، ~~فيظل الامتداد العظيم للريف في الشمال والشرق مهجورا وهادئا ونظيفا مثلما كان في ~~الأيام التي كان يستخدم فيها شعار النبالة «صن إن سبليندور». كانت «كئيبة»، وهكذا أنقذت ~~من تلك اللعنة. # على بعد ميلين على طريق لاربورو كان يقع المنزل المعروف باسم فرنتشايز، والذي كان ~~قائما على جانب الطريق، وبجواره كابينة هاتف على نحو مفاجئ. في الأيام الأخيرة من عهد ~~الوصاية على العرش كان رجل قد اشترى الحقل المعروف باسم فرنتشايز، وبنى وسطه منزلا ~~أبيض تماما، ms012 ثم أحاط كل شيء بسور متين مرتفع من الطوب به بوابة مزدوجة كبيرة، بارتفاع ~~السور، في منتصف الأرض المحاذية للطريق. لم يكن يشبه أي شيء في الريف. فلم يظهر في الخلف ~~مباني المزرعة، ولا بوابات جانبية، ولا حتى في الحقول المحيطة. أما الحظائر فبنيت خلف ~~المنزل وفقا لتلك الحقبة الزمنية، لكنها كانت داخل حدود السور. كان المكان فريدا، ~~ومنعزلا، كلعبة طفل ملقاة على جانب الطريق. وقد سكنه بقدر ما كان بإمكان روبرت أن ~~يتذكر مدة طويلة رجل عجوز؛ ومن المحتمل أنه الرجل العجوز نفسه، لكن حيث إن سكان منزل ~~فرنتشايز كانوا يتسوقون دائما في هام جرين، تلك القرية التي تقع على جانب لاربورو ~~ناحيتهم، فلم يكونوا قد شوهدوا قط في ميلفورد. وبعد ذلك أصبحت ماريون شارب ووالدتها ~~تشكلان جزءا من مشهد التسوق الصباحي في ميلفورد؛ ولهذا ظن الناس أنهما قد ورثتا ~~منزل فرنتشايز عندما توفي الرجل العجوز. # تساءل روبرت كم سنة قد أمضتاها هناك. ثلاث سنوات؟ أربع سنوات؟ # كان من الصعب الاعتقاد بأنهما كانتا جزءا من الكيان الاجتماعي لميلفورد. كانت السيدة ~~وارن العجوز، التي اشترت أول قصر من القصور المستظلة بأشجار الدردار في نهاية هاي ستريت ~~منذ نحو خمسة وعشرين عاما على أمل أن يكون الهواء في الداخل أفضل لالتهاب مفاصلها عن هواء ~~البحر، لا يزال يشار إليها «تلك السيدة التي من وايمث». (بالمناسبة، كانت من مدينة سوانيج ~~الساحلية.) # ربما أن سيدتي عائلة شارب، أيضا، لم تكونا قد سعتا إلى إقامة أي تواصل اجتماعي. كان ~~لديهما حس غريب بأنهما مكتفيتان بذاتهما. لكن سبق له أن رأى الابنة مرة أو مرتين في ~~ملعب الجولف، تلعب (من المفترض بصفتها ضيفا) مع الطبيب بورثويك. لم يختلف ضربها للكرة ~~مسافة طويلة عن أي رجل، واستخدمت رسغها البني النحيل كلاعب محترف. وكان ذلك كل ما ~~عرفه روبرت عنها. # وعندما توقف بسيارته أمام البوابة المزدوجة الحديدية الطويلة، وجد سيارتين أخريين ~~كانتا متوقفتين هناك بالفعل. لم يحتج الأمر سوى إلى نظرة واحدة على السيارة ~~الأقرب - كانت عادية ms013 للغاية، وفي غاية الأناقة، والسرية - ~~كي يحدد هويتها. وتساءل وهو يخرج من سيارته، في أي دولة أخرى من العالم تكلف قوة ~~الشرطة نفسها عناء أن تتحلى بالأدب والهدوء؟ # ولمحت عيناه السيارة الأخرى، فتبين له أنها سيارة هالم؛ المحقق المحلي الذي لعب ~~معه تلك المباراة المتأنية في ملعب الجولف. # وقد جلس داخل سيارة الشرطة ثلاثة أشخاص: السائق، ~~وفي الخلف سيدة في منتصف العمر وشخص آخر بدا أنه إما طفلة أو فتاة صغيرة. نظر السائق ~~إليه بنظرة الشرطة الفاترة، الشاردة، الفاحصة، ثم سحب نظرته، لكن الوجهين في الخلف لم ~~يتمكن من رؤيتهما. # كانت البوابة المزدوجة الحديدية الطويلة مغلقة - لم يكن في وسع روبرت أن يتذكر أنه قد ~~رآها مفتوحة قبل ذلك - ثم دفع روبرت أحد جانبي البوابة الثقيلين فاتحا إياها بفضول ~~واضح. كانت الزينة الحديدية للبوابة الأصلية مغطاة؛ للحفاظ على الخصوصية وفق الطراز ~~الفيكتوري، بألواح مسطحة من حديد الزهر؛ والجدران كانت مرتفعة للغاية لدرجة تحول ~~دون رؤية أي شيء بالداخل؛ لذلك لم يكن قد رأى منزل فرنتشايز قط، باستثناء رؤية السطح ~~والمداخن من مسافة بعيدة. # كان شعوره الأول هو خيبة الأمل. ليس لأن حال ~~المنزل يعكس أن مصيبة قد حلت، رغم وضوح ذلك؛ لكن لقبحه التام. فإما أنه قد بني في حقبة ~~متأخرة كثيرا حتى حرمته من أن يأخذ حظه من الجمال المميز لإحدى الحقب، أو أن من ~~بناه كان ينقصه أن يتحلى بنظرة رجل معماري. فقد استخدم نمط العصر، ولكن بدا واضحا أن ~~ذلك النمط لم يكن مألوفا له. كل شيء كان يعيبه خطأ صغير: النوافذ في حجم غير صحيح ~~بفارق نصف قدم، وبنيت في مكان غير مناسب بفارق لا يزيد كثيرا؛ المدخل عرضه غير ~~صحيح، درجات السلم بارتفاع غير صحيح. وبذلك فالنتيجة الأخيرة بدلا من الشعور برضا ~~مقبول عن الحقبة التي بني فيها، كان للمنزل نصيب من نظرة تحديق قاسية. نظرة معادية ~~متسائلة. أثناء سيره عبر الفناء حتى يصل إلى الباب الكئيب، أدرك روبرت بأي شيء قد ذكره: ~~كلب أفاقه ms014 فجأة من نومه قدوم رجل غريب، فاستند على رجليه الأماميتين، غير مستقر في ~~داخله ما إذا كان عليه الهجوم أم الاكتفاء بالنباح. فكان يحمل التعبير نفسه كمن يقول ~~ماذا تفعل هنا؟ # قبل أن يتمكن من دق الجرس انفتح الباب، ولم تفتحه واحدة من الخدم، بل ماريون ~~شارب. # قالت وهي تمد يدها لتسلم عليه: «رأيتك ~~قادما.» ثم تابعت قائلة: «لم أرد أن ترن الجرس لأن والدتي تأخذ غفوة في وقت العصر، ~~وأتمنى أن ننهي هذه المهمة قبل نهوضها. فلا داعي لها أن تعرف أي شيء أبدا عن الأمر. ~~أشعر بامتنان لمجيئك أكبر مما تسعفني به الكلمات.» # غمغم روبرت بكلمات، ولاحظ أن عينيها، التي كان قد توقع أن لها لونا بنيا ~~غجريا لامعا، كانتا في الواقع بلون بندقي باهت. قادته إلى الردهة، ولاحظ وهو يضع ~~قبعته على خزانة أن السجادة المفروشة على الأرض كانت بالية. # قالت، وهي تدفع الباب وتوجهه إلى قاعة استقبال: «الشرطة في الداخل هنا.» كان روبرت ~~يحبذ لو يتحدث معها على انفراد لوهلة، ليحدد وجهته؛ لكن الوقت تأخر كثيرا على ~~أن يقترح ذلك. وكان هذا السبيل الذي أرادته بكل وضوح. # كان هالم يجلس على حافة كرسي مشغول من الخرز، وقد بدا عليه الارتباك. وبجانب النافذة، ~~في أريحية تامة وعلى كرسي غاية في الأناقة من تصميم هيبلوايت، جلس ممثل شرطة سكوتلاند ~~يارد وهو رجل شاب بسيط يرتدي بدلة أنيقة. # أثناء نهوضهما، أحنى كل من روبرت وهالم رأسهما لتحية الآخر. # قالت ماريون شارب: «أنت تعرف المحقق هالم، أليس كذلك؟» ثم تابعت قائلة: «وهذا هو ضابط ~~التحريات جرانت، من مقر الشرطة المركزية.» # لفت انتباه روبرت كلمة «الشرطة المركزية»، وتساءل. أسبق لها أن تعاملت في آونة ما ~~مع الشرطة، أم أن المسألة هي أنها لم تستسغ النبرة الحادة قليلا لكلمة «سكوتلاند ~~يارد»؟ # صافحه جرانت، وقال: ~~«يسرني مجيئك، يا سيد بلير. ليس من أجل الآنسة ماريون شارب فقط وإنما من أجلي.» ~~«من أجلك؟» ~~«لم يكن بوسعي أن أستكمل الإجراءات كما ينبغي حتى تحصل الآنسة ms015 ماريون على شكل من ~~أشكال الدعم؛ دعم بصفة ودية إن لم تكن قانونية، لكن إن كان قانونيا، كان أفضل ~~كثيرا.» ~~«أتفهم ذلك. وما هي التهمة التي توجهونها إليها؟» # بدأ جرانت الحديث قائلا: «نحن لا نوجه إليها أي تهمة ...»، لكن ماريون قاطعته. ~~«من المفترض أني اختطفت شخصا ما وأوسعته ضربا.» # قال روبرت، مصدوما: «أوسعته ضربا؟» # قالت، بشيء من الاستمتاع بفداحة الجريمة: «ضربتها ضربا مبرحا.» ~~«ضربتها؟» ~~«فتاة. خارج البوابة في سيارة الآن.» # قال روبرت، محاولا أن يعيد الحديث إلى مجراه الطبيعي: «أظن من الأفضل أن نبدأ من ~~بداية الأحداث.» # قال جرانت، بلطف: «ربما من الأفضل أن أتولى توضيح الأمر.» # قالت الآنسة ماريون: «أجل. من فضلك افعل ذلك. إنها قصتك في نهاية الأمر.» # تساءل روبرت إن كان جرانت قد أدرك نبرة السخرية. واستعجب كذلك، قليلا، من الهدوء الذي ~~قد يحتمل السخرية من أحد أفراد سكوتلاند يارد وهو جالس على أحد أفضل الكراسي لديها. ~~لم تبد هي هادئة أثناء حديثها على الهاتف، بل كانت مندفعة، يغلب اليأس عليها. ربما كان ~~حضور شخص حليف لها هو ما قد شد من أزرها؛ أو ربما كانت قد استجمعت قوتها. # بدأ جرانت حديثه بأسلوب رجال الشرطة المقتضب قائلا: «تحديدا قبل عيد الفصح، فتاة ~~تدعى إليزابيث كين، كانت تعيش مع وصييها بالقرب من مدينة إيلزبري، ذهبت لقضاء إجازة ~~قصيرة مع عمة لها متزوجة وتعيش في مينشيل، وهي ضاحية من ضواحي لاربورو. ذهبت بالحافلة، ~~لأن الحافلات على خط لندن-لاربورو تمر بمدينة إيلزبري، وتمر أيضا بضاحية مينشيل قبل أن ~~تصل إلى لاربورو؛ وبذلك كان بإمكانها النزول من الحافلة في مينشيل ثم ستصبح في منزل ~~عمتها بعد السير لمدة ثلاث دقائق، بدلا من دخول لاربورو وقطع الطريق إيابا مرة أخرى ~~لو كانت فضلت أن تسافر بالقطار. وفي نهاية أحد الأسابيع تلقى وصياها - السيد وين ~~وزوجته - بطاقة بريدية منها تفيد بأنها تقضي وقتا ممتعا وتنوي البقاء. ففهما ما ~~قالته على أنها تقصد البقاء مدة إجازتها المدرسية، وهو ما يعني قضاء ثلاثة أسابيع أخرى. ms016 ~~وعندما لم تظهر قبل اليوم الذي من المفترض أن تعود فيه إلى المدرسة، ظنا أنها فقط تتهرب ~~من المدرسة فكتبا خطابا إلى عمتها حتى تعيدها. أما العمة، فبدلا من التوجه إلى ~~أقرب كابينة هاتف أو مكتب برقيات، فقد فجرت الخبر إلى السيد وين وزوجته في خطاب ~~بريدي، بأن ابنة أخيها قد غادرت في طريقها للعودة إلى إيلزبري منذ أسبوعين. كان تبادل ~~الخطابين قد استغرق تقريبا أسبوعا آخر، وبهذا فإنه عند الوقت الذي ذهب فيه الوصيان ~~إلى الشرطة للإبلاغ عن الفتاة كانت هي قد صارت مفقودة منذ أربعة أسابيع. فاتخذت الشرطة ~~الإجراءات المعتادة لكن قبل أن تشرع في الإجراءات ظهرت الفتاة. كانت تسير متوجهة إلى ~~منزلها بالقرب من إيلزبري في ساعة متأخرة من إحدى الليالي وهي لا ترتدي سوى فستان وحذاء، ~~وتظهر في حالة إنهاك تام.» # سأل روبرت: «كم عمر الفتاة؟» ~~«خمسة عشر. ستة عشر تقريبا.» فانتظر لحظة حتى يرى إن كان روبرت لديه أي أسئلة أخرى، ~~وبعد ذلك يكمل. (كان هذا كتقدير من رجل قانون لرجل قانون أيضا، هذا ما ظنه روبرت وامتن ~~له، وهو أسلوب يشبه الأسلوب الرصين لسيارة الشرطة التي تقف متخفية عند البوابة.) ثم ~~أردف قائلا: «قالت إنها تعرضت إلى «خطف» في إحدى السيارات، لكن كان ذلك كل ما تحصل ~~عليه أي شخص من معلومات منها خلال يومين. ثم دخلت في حالة شبه غائبة عن الوعي. ~~وعندما تعافت، بعد نحو ثمانية وأربعين ساعة، بدءا في معرفة قصتها منها.» ~~«من هما؟» ~~«السيد وين وزوجته. الشرطة أرادت ذلك، بالطبع، فكانت تزداد انفعالا عند أي إشارة إلى ~~الشرطة؛ لذلك كان عليهم أن يحصلوا على القصة بطريقة غير مباشرة. حيث أفادت بأنها بينما ~~كانت تنتظر حافلة العودة عند مفترق الطريق في مينشيل، توقفت سيارة فجأة عند الرصيف ~~تستقلها سيدتان. وسألتها السيدة الشابة، التي كانت تقود السيارة، إن كانت تنتظر ~~الحافلة وإن كان بإمكانهما توصيلها.» ~~«هل كانت الفتاة بمفردها؟» ~~«نعم.» ~~«لم؟ ألم يرافقها أحد لتوديعها؟» ~~«عمها كان في العمل، وعمتها كانت قد ms017 ذهبت لتتولى دور الأم الروحية في حفل تعميد.» ~~ثم توقف مرة أخرى حتى يسمح لروبرت بأن يطرح أسئلة أخرى إن كان مهتما. «أخبرتهما ~~الفتاة بأنها كانت تنتظر الحافلة المتجهة إلى لندن، فأخبراها بأن الحافلة قد غادرت بالفعل. ~~ونظرا إلى أنها قد وصلت إلى مفترق الطرق ولم يتبق حينها سوى وقت بسيط، ولم تكن ساعتها ~~دقيقة بالدرجة الكافية، فقد صدقت ما قالتاه. وبالفعل، كانت قد بدأت في التخوف، حتى قبل ~~توقف السيارة، من أن الحافلة قد فاتتها. كانت قلقة حيال الأمر لأن الساعة كانت تقترب ~~من الرابعة، وبدأت السماء تمطر، والجو يزداد ظلمة. وكانت السيدتان متعاطفتين للغاية؛ ~~ولذلك اقترحتا بأنه لا بد أن توصلاها إلى مكان ما لم تتمكن من سماع اسمه، وفيه ~~بإمكانها أن تلحق بحافلة أخرى متجهة إلى لندن خلال نصف ساعة. وافقت بكل امتنان ~~واستقلت السيارة بجانب السيدة الأكبر سنا في المقعد الخلفي.» # طافت صورة في خيال روبرت عن السيدة شارب العجوز، وهي تجلس منتصبة ومخيفة، في مكانها ~~المعتاد على المقعد الخلفي من السيارة. ثم نظر إلى ماريون شارب، لكن وجهها كان هادئا. ~~فهذه قصة كانت قد سمعتها بالفعل. ~~«حجبت الأمطار الرؤية عن النوافذ، وكانت الفتاة تتحدث مع السيدة العجوز عن نفسها ~~أثناء سيرهن في الطريق، وبذلك لم تسترع انتباها إلى المكان الذي يتجهن إليه. وعندما ~~انتبهت أخيرا إلى الأماكن من حولها كان المساء خارج النوافذ قد صار حالكا تماما، وبدا ~~لها أنها قد سافرت مدة طويلة. علقت بشيء عن كونهما في غاية اللطف كي تتوليا توصيلها ~~إلى مكان بعيد عن طريقهما، فقالت السيدة الشابة، متحدثة لأول مرة، إنه قد تصادف أنهن ~~لسن بعيدا عن طريقهما، بل العكس، فلديها متسع من الوقت لتدخل وتحتسي فنجانا من ~~مشروب ساخن معهما قبل أخذها إلى مفترق الطرق الجديد. ارتابت الفتاة من الأمر، لكن ~~السيدة الشابة قالت إنه ليس من المفيد الانتظار عشرين دقيقة في المطر بينما بإمكانها أن ~~تحظى بالدفء، بعيدا عن المطر وتتناول شيئا في العشرين دقيقة تلك ؛ ووافقت الفتاة ms018 على أن ~~هذا يبدو منطقيا. في النهاية، نزلت السيدة الشابة من السيارة، وفتحت ما تبين للفتاة ~~بأنها بوابات لدخول السيارات، ثم اتجهت السيارة نحو منزل كان يبدو حالك الظلام لدرجة ~~استحالت معها رؤيته. ثم أخذت الفتاة إلى مطبخ كبير ...» # كرر روبرت: «مطبخ؟» ~~«أجل، مطبخ. وضعت السيدة العجوز قهوة باردة على الموقد لتسخينها، في حين كانت السيدة ~~الشابة تقطع بعض الشطائر. «شطائر من دون الشريحة العلوية» كما وصفتها الفتاة.» ~~«شطائر من أصناف باردة.» ~~«أجل. وبينما هن يأكلن ويشربن، أخبرتها السيدة الشابة بأنه ليس لديهما خادمة في الوقت ~~الحالي وسألتها إن كانت ترغب في العمل خادمة لحسابهما مدة قصيرة. فأجابتها الفتاة بأن ~~لا رغبة لديها في ذلك. حاولا إقناعها، لكنها تشبثت برأيها بأنها لا يمكن أن تقبل بمثل ~~هذا النوع من العمل أبدا. فازداد وجهاهما تجهما أثناء حديث الفتاة، وعندما اقترحا ~~عليها لو أنها تصعد على الأقل وترى مدى أناقة غرفة النوم التي ستحظى بها لو بقيت، ~~أصابتها حيرة شديدة منعتها أن تفعل أي شيء سوى أن ترضخ لاقتراحهما. وتتذكر الفتاة ~~أنها صعدت أول مجموعة من درجات السلم والتي كانت مكسوة بسجادة، والمجموعة الثانية ~~من درجات السلم كان عليها ما وصفته بأنه «شيء خشن» أسفل القدم، وكان ذلك كل ما ~~تذكرته حتى استيقظت في الصباح على سرير منخفض به عجلات في علية ضيقة جرداء. لم تكن ~~ترتدي سوى قميصها الداخلي، واختفى أي أثر لبقية ملابسها. وكان الباب مقفلا، ولم ~~تتمكن من فتح النافذة الدائرية الصغيرة. في جميع الأحوال ...» # قال روبرت، بانزعاج: «نافذة دائرية!» # لكن ماريون كانت هي من بادرت بالرد عليه. فقالت، باهتمام: «نعم. نافذة دائرية في السطح ~~بالأعلى.» # إذ إن آخر ما فكر فيه لما وصل إلى الباب الأمامي لمنزلها منذ دقائق معدودات هو ~~أنه كم أسيء وضع النافذة الدائرية الصغيرة في سطح المنزل، وعندئذ بدا لروبرت أنه ليس ~~تعليقا مناسبا. فترك جرانت مهلة كالمعتاد على سبيل اللباقة، ثم أكمل حديثه. ~~«بعد مدة قصيرة وصلت السيدة الشابة مع وعاء من ثريد ms019 الشوفان. رفضت الفتاة تناوله ~~وطلبت إحضار ملابسها وإطلاق سراحها. فقالت السيدة الشابة بأنها ستأكله عندما يشتد عليها ~~الجوع بما يكفي ثم انصرفت، وتركت ثريد الشوفان. وظلت الفتاة وحدها حتى المساء، عندما ~~أحضرت السيدة نفسها الشاي على صينية مع كعك طازج وحاولت إقناعها بأن تجري محاولة ~~للعمل كخادمة. فرفضت الفتاة مرة أخرى، ولمدة عدة أيام، طبقا لروايتها، استمر هذا ~~الإقناع والترهيب بالتناوب، بين السيدتين. بعد ذلك توصلت الفتاة إلى أنه إن كان بوسعها ~~كسر النافذة الدائرية الصغيرة، فربما تتمكن من التسلل إلى الخارج على السطح، المحصن ~~بسور منخفض، ثم لفت انتباه أحد المارة، أو أحد التجار الزائرين، إلى مأزقها. ولسوء ~~الحظ، لم يكن لديها أي أدوات سوى كرسي، وقد نجحت فقط في شرخ الزجاج قبل أن تعترضها ~~السيدة الشابة، في غضب عارم. فانتزعت الكرسي من الفتاة وأوسعتها ضربا به حتى انقطعت ~~أنفاسها. فانصرفت السيدة، وهي تحمل الكرسي معها، وظنت الفتاة أن ذلك كان نهاية ~~العقاب. في غضون دقائق معدودات عادت السيدة الشابة ومعها ما تظن الفتاة أنه كان سوطا ~~للكلب فضربتها به حتى أغشي عليها. في اليوم التالي ظهرت السيدة العجوز وهي تحمل في يدها ~~مجموعة من ملاءات الفراش وقالت إنها إذا لم تكن ترغب في العمل فعلى الأقل يمكنها الخياطة. ~~وإن امتنعت عن الخياطة، فلا طعام لها. لكنها كانت شديدة العناد وامتنعت عن الخياطة ولهذا ~~لم يقدم طعام لها. في اليوم التالي هددت بالضرب مرة أخرى إن امتنعت عن الخياطة. لذلك ~~رتقت الفتاة بعض الملاءات وقدم لها يخني للعشاء. ظل هذا الاتفاق قائما بعض الوقت، ~~لكن إن كانت خياطتها غير متقنة أو غير كافية، فإنها تضرب أو تحرم من الطعام. وذات ~~مساء أحضرت لها السيدة العجوز الوعاء المعتاد من اليخني وانصرفت تاركة الباب غير مقفل. ~~فانتظرت الفتاة، وفي ظنها أنه فخ سينتهي بها إلى ضرب آخر، لكنها في النهاية جازفت ~~بالخروج إلى العتبة. ولم تسمع أي صوت، فنزلت عبر درجات السلم التي من دون سجاد. ثم ~~نزلت إلى درجات السلم ms020 الثانية ووصلت إلى العتبة الأولى. صار بوسعها في تلك اللحظة أن ~~تسمع السيدتين تتحدثان في المطبخ. فتسللت ونزلت عبر آخر درجات من السلم وهرعت إلى ~~الباب. لم يكن مقفلا فأسرعت إلى الخارج كما هي في جنح الليل.» # سأل روبرت: «وهي ترتدي قميصها الداخلي؟» ~~«نسيت أن أذكر أنهما قد أعادتا لها فستانها بدلا من القميص الداخلي. حيث لم يتوفر ~~بالعلية أي مصدر تدفئة، ومع تركها بلا شيء سوى قميص داخلي فكان مرجحا لها أن ~~تموت.» # قال روبرت: «إن كانت حقا قد حبست بالعلية.» # وافقه المحقق بلطف: «إن كانت، على حد قولك، قد حبست في العلية.» ومن دون أن يترك ~~مهلته المعتادة على سبيل اللباقة أردف قائلا: «وهي لا تتذكر كثيرا مما حدث بعد ذلك. ~~وتقول، إنها سارت مسافة كبيرة في الظلام. اتضح أنه طريق سريع لكن لم تقابل أي سيارات ~~أو بشر عليه. ثم، على طريق رئيسي، بعد مدة، رآها سائق شاحنة في ضوء المصباح الأمامي ~~فتوقف ليوصلها. كانت منهكة بشدة، لدرجة أن النعاس غلبها في الحال. أفاقت من نومها ~~لما حملت لتقف على قدميها على جانب الطريق. كان سائق الشاحنة يسخر منها ويقول بأنها ~~تشبه دمية من نشارة الخشب فقدت الحشو بداخلها. بدا أن الوقت لا يزال في وقت الليل. فقال ~~سائق الشاحنة إن ذلك هو المكان الذي قالت إنها تريد النزول فيه، ثم قاد الشاحنة ~~منصرفا. وبعد قليل تعرفت على الناصية. حيث تبعد مسافة تقل عن ميلين من منزلها. ~~سمعت عقارب الساعة تعلن عن الحادية عشرة. وفي مدة وجيزة قبل منتصف الليل وصلت إلى ~~منزلها.» # | الفصل الثاني # سادت فترة صمت قصيرة. # فقال روبرت: «أهذه هي الفتاة التي تجلس في سيارة خارج بوابة منزل فرنتشايز ~~حاليا؟» ~~«أجل.» ~~«أعتقد أن لديك أسبابا لإحضارها إلى هنا.» ~~«صحيح. عندما تعافت الفتاة بالدرجة الكافية استدعيت إلى الشرطة لتدلي بروايتها. ~~ثم دونت على نحو مختزل مثلما أدلت بها، ثم قرأت النسخة المكتوبة ووقعت عليها. في ~~تلك الإفادة أمران ساعدا الشرطة كثيرا. ها هما المقتطفان ذوا ms021 الصلة: ~~«لما قطعنا مسافة بعض الوقت مررنا بحافلة تحمل اسم ميلفورد على لافتة مضيئة. لا، ~~لا أدري أين تقع ميلفورد. لا، لم أزر ميلفورد قط.» # هذا هو المقتطف الأول. والآخر هو: ~~«من نافذة العلية، كان بإمكاني أن أرى سورا عاليا من الطوب في منتصفه بوابة حديدية ~~ضخمة. كان يوجد طريق على الجانب الآخر من السور؛ لأني رأيت أعمدة خطوط الهاتف والبرق. لا، ~~لم يكن بوسعي ملاحظة أي حركة سير عليه لأن السور كان مرتفعا للغاية. فقط بعض أسطح ~~الأحمال المنقولة على الشاحنات في بعض الأحيان. ولا تسعك الرؤية عبر البوابة حيث ثبتت ~~ألواح حديدية عليها من الداخل. وداخل البوابة هناك مسار للسيارات يسير في اتجاه مستقيم ~~قليلا ثم ينقسم إلى مسارين يشكلان دائرة تفضي إلى الباب. لا، لم تكن حديقة، إنما ~~هي مجرد عشب. أجل، أظن أنها أرض عشبية. لا، لا أتذكر أي شجيرات؛ مجرد عشب ~~ومسارات.»» # أغلق جرانت مفكرته الصغيرة التي كان يسرد منها. ~~«على حد علمنا - وعلاوة على إجراء بحث دقيق - لم يستوف أي منزل آخر يقع بين ~~لاربورو وميلفورد وصف الفتاة، باستثناء منزل فرنتشايز. يزيد على ذلك، أن منزل فرنتشايز ~~يستوفي الوصف في كل تفاصيله. وعندما رأت الفتاة السور والبوابة اليوم كانت على يقين بأن ~~ذلك هو المكان، لكنها لم تر ما داخل البوابة إلى الآن، بالطبع. وكان لا بد أن أشرح للآنسة ~~ماريون شارب أولا، وأرى إذا كان لديها استعداد لمواجهتها بالفتاة. وطلبت بما يحق لها ~~ضرورة حضور شاهد قانوني.» # قالت ماريون شارب، وهي تلتفت إلى روبرت: «هل تستعجب أني أردت مساعدة عاجلة؟» ثم تابعت ~~قائلة: «هل بإمكانك أن تتخيل كابوسا سخيفا أكثر من ذلك؟» # قال روبرت: «إن رواية الفتاة قطعا هي مزيج لا مثيل له في غرابته بين أمور واقعية ~~وأخرى غير منطقية. أدرك أن الخادمات المنزليات غير متاحات بسهولة، لكن أيمكن لأحد أن ~~يتوقع إقناع خادمة بالعمل لديه بحبسها قسرا، ناهيك عن ضربها وتجويعها.» # وافقه جرانت في الرأي، وعيناه ثابتتان لا تحيدان عن عيني ms022 روبرت متحاشيا النظر إلى ~~ماريون شارب: «لا يوجد شخص سوي يفعل ذلك، بكل تأكيد.» ثم أضاف قائلا: «لكن صدقني ~~في أول اثني عشر شهرا لي في الشرطة واجهت عشرات الأحداث يستحيل تصديقها أكثر من ذلك. ~~فلا حد للمبالغات في تصرفات البشر.» ~~«أتفق معك، لكن من المحتمل أن المبالغة هي في سلوك الفتاة تحديدا. ففي نهاية الأمر، ~~تبدأ المبالغة من طرفها هي. فهي الشخص الذي ظل مفقودا لمدة ...» ثم توقف ~~مستفسرا. # فأجابه جرانت: «شهر واحد.» ~~«لشهر واحد، ولا يوجد دليل على أن سير الحياة في منزل فرنتشايز قد حاد عن نظامه ~~السائد مطلقا. ألا يمكن للآنسة شارب أن تقدم دليلا على وجودها في مكان آخر يوم ~~الحدث الذي نحن بصدده؟» # قالت ماريون شارب: «كلا لا يمكن.» ثم أضافت: «إن ذلك اليوم، طبقا للمحقق، هو الثامن ~~والعشرون من مارس. هذا قد مضى عليه كثيرا، وأيامنا هنا تختلف اختلافا طفيفا، إن لم يكن ~~لا تختلف على الإطلاق. قد يصبح مستحيلا تماما لنا أن نتذكر ما كنا نفعله في الثامن ~~والعشرين من مارس، وأكثر شيء مستبعد أن يتذكر أحد نيابة عنا.» # سأل روبرت: «وخادمتك؟» ثم تابع قائلا: «إن الخدم لهم طرقهم لتمييز سير الحياة في ~~المنزل بدرجة مذهلة في أغلب الأحيان.» # فقالت: «ليس لدينا خادمة.» ثم أردفت قائلة: «نحن نجد صعوبة في أن نبقي خادمة هنا؛ ~~فمنزل فرنتشايز يقع في مكان ناء.» # وللحظة بدا أن الأمور ستصبح مريبة فسارع روبرت بتوضيحها. ~~«هذه الفتاة - لا أعرف اسمها، بالمناسبة.» ~~«إليزابيث كين، وهي مشهورة باسم بيتي كين.» ~~«صحيح، حقا؛ أخبرتني بالفعل به. معذرة. هذه الفتاة - هل لنا أن نعرف أي تفاصيل عنها؟ ~~أعتقد أن الشرطة أجرت تحريات عنها قبل أن تقبل الكثير من قصتها. لماذا تعيش مع ~~وصيين وليس والدين، على سبيل المثال؟» ~~«هي طفلة يتيمة فقدت والديها في الحرب. لقد أجليت إلى ضاحية إيلزبري وهي طفلة ~~صغيرة. لم يكن لديها إخوة، فأسكنت مع أسرة وين، التي كانت قد وهبت طفلا يكبرها ~~بأربع سنوات. بعد قرابة اثني ms023 عشر شهرا قتل الوالدان، على إثر الحرب، وأصبحت أسرة وين، ~~التي أرادت دائما أن تكون لها ابنة وأغرمت بالطفلة كثيرا، سعيدة بضم الطفلة إليها. ~~واعتبرتهما الطفلة والديها؛ نظرا إلى أنها لا تذكر أبويها الحقيقيين.» ~~«مفهوم. وماذا عن سجلها الدراسي؟» ~~«ممتاز. فهي فتاة هادئة تماما، بشهادة الجميع. جيدة في إنجاز الفروض المدرسية، لكن ~~ذكاءها لم يكن مميزا. لم تتسبب في أي نوع من المشكلات، سواء في المدرسة أو خارجها. ~~«صادقة بشدة» كانت الجملة التي استخدمتها المعلمة في وصفها.» ~~«وعندما ظهرت في النهاية عند منزلها، بعد مدة غيابها، أكان هناك أي أثر للضرب الذي ~~تعرضت له كما كانت قد أدلت في قصتها؟» ~~«أجل. قطعا. فحصها طبيب أسرة وين في ساعة باكرة من صباح اليوم التالي، ويفيد تقريره ~~بأنها تعرضت لضرب مبرح في أماكن متفرقة. وبالفعل، كانت لا تزال بعض الكدمات واضحة ~~بعدها بمدة كبيرة عندما أدلت بأقوالها أمامنا.» ~~«هل يوجد أي تاريخ مرضي عن إصابتها بصرع؟» ~~«لا؛ لقد فكرنا في ذلك في بداية الاستجواب. وأود ذكر أن أسرة وين متزنة للغاية. ~~أصابها حزن شديد، لكنهم لم يحاولوا تهويل الأمر، أو السماح للفتاة بأن تصير هي محور ~~الاهتمام أو الشفقة. بل استقبلوا الأمر بطريقة تستحق الإعجاب بها.» # قالت ماريون شارب: «وكل ما تبقى هو أن أتلقى مصيري بهذه اللامبالاة المثيرة ~~للإعجاب.» ~~«لعلك تدركين موقفي، يا آنسة شارب. لم تكتف الفتاة بوصف المنزل الذي تقول إنها حبست ~~فيه؛ بل وصفت ساكنتيه، ووصفتهما بدقة شديدة. «امرأة عجوز نحيفة لها شعر أبيض ناعم، لا ~~ترتدي قبعة لكن ملابس سوداء؛ وسيدة شابة، نحيفة طويلة ومتجهمة كالغجريين، لا ترتدي ~~قبعة وإنما وشاحا زاهيا من الحرير حول رقبتها.»» ~~«هذا صحيح. ليس بإمكاني التفكير في أي تعليل لذلك، لكني أتفهم موقفك. وأظن الآن أنه ~~من الأفضل إحضار الفتاة، لكن قبل أن نفعل ذلك أود قول ...» # انفتح الباب دون أن يصدر صوتا، فظهرت السيدة شارب عند عتبة الباب. وقد بدا الشعر ~~الأبيض القصير حول وجهها غريب المظهر حيث وقفت أطرافه منتصبة؛ ms024 إذ إن الوسادة قد ~~جعلتها تبدو هكذا، فأصبحت تشبه عرافة أكثر من أي وقت مضى. # دفعت الباب وراءها وتفحصت الحاضرين باهتمام ماكر. # قالت، وهي تصدر صوتا يشبه نقيق دجاجة من الحلق: «ها!» ثم أضافت قائلة: «ثلاثة رجال ~~غرباء!» # قالت ماريون، بينما نهض الثلاثة واقفين: «اسمحي لي أن أقدمهم إليك يا أمي.» ~~«هذا السيد بلير، من مكتب بلير وهيوارد وبينيت - ذلك المكتب الواقع في المنزل الجميل في ~~بداية هاي ستريت.» # بينما كان روبرت ينحني احتراما، حدقت السيدة العجوز فيه بعينيها اللتين تشبهان ~~عيني النورس. # وقالت: «يحتاج إلى تغيير بلاطه.» # كانت الملاحظة صحيحة، لكن ذلك لم يكن الترحيب الذي كان قد توقعه. # أراحه قليلا أن ترحيبها بالسيد جرانت كان أكثر بعدا عن التقليدي. بعيدا عن اندهاشها ~~أو اضطرابها من حضور شرطة سكوتلاند يارد في قاعة الاستقبال بمنزلها في عصر أحد أيام الربيع، ~~اكتفت بأن تقول له بصوتها الجاف: «عليك ألا تجلس على ذلك المقعد؛ بدنك ثقيل للغاية ~~عليه.» # عندما قدمت ابنتها المحقق المحلي رمقته بنظرة، ثم حركت رأسها مسافة بوصة، ~~فمن الواضح أنها أقصته من دائرة الاهتمام. وهذا ما اعتبره هالم، بالحكم من خلال تعبيره، ~~مهينا على نحو غريب. # نظر جرانت إلى الآنسة شارب مستفسرا. # فقالت: «سأخبرها.» ثم تابعت قائلة: «يا أمي، يريد المحقق منا أن نقابل فتاة ~~صغيرة تنتظر في سيارة خارج البوابة. تغيبت الفتاة مدة شهر عن منزلها بالقرب من ~~إيلزبري، وعندما ظهرت مرة أخرى - في وضع يرثى له - قالت إنها حبست على يد شخصين ~~أرادا أن يتخذا منها خادمة لهما. ثم حبساها عندما رفضت، وانهالا عليها ضربا وحرماها ~~من الطعام والشراب. وقد أدلت الفتاة بأوصاف دقيقة للمكان والشخصين، وقد تصادف أن الأوصاف ~~تنطبق عليك وعلي بما يدعو إلى العجب. وكذلك على منزلنا. كما تدعي أنها قد حبست في ~~العلية ذات النافذة الدائرية في منزلنا.» # قالت السيدة العجوز، وهي تجلس بحرص على أريكة أنيقة: «أمر مثير للاهتمام بدرجة ~~كبيرة.» ثم أضافت قائلة: «وبم ضربناها؟» ~~«سوط كلب، حسبما فهمت .» ~~«هل لدينا ms025 سوط كلب؟» ~~«لدينا شيء من الأشياء التي «نقود» بها، حسب ظني. ويمكن استخدامها كسوط عند ~~الضرورة. لكن القصد هو أن المحقق يريد منا أن نقابل هذه الفتاة، حتى يمكن لها ~~التأكيد إذا ما كنا نحن من احتجزناها أم لا.» # سأل جرانت: «هل تمانعين يا سيدة شارب؟» ~~«على العكس تماما، أيها المحقق. أتطلع إلى المقابلة على أحر من الجمر. أؤكد لك ~~أنه أمر لا يتكرر في كل عصر أن أذهب إلى فراشي امرأة عجوزا شاحبة، ثم أستيقظ كوحش ~~كاسر.» ~~«إذن إن تسمحي لي، فسأحضر ...» # أومأ هالم ليتولى دور المرسال، لكن جرانت هز رأسه. بدا واضحا أنه أراد أن يشهد ~~اللحظة الأولى من رؤية الفتاة لما هو خلف البوابة. # أثناء خروج المحقق وضحت ماريون شارب لوالدتها سبب حضور بلير. وأضافت: «إنه لطف فوق ~~العادي منه أن يأتي عقب إخطاره بمدة قصيرة وبهذه السرعة»، فاستشعر روبرت مرة أخرى ~~تغييرا في عيني العجوز اللامعتين ذواتي اللون الفاتح. في رأيه، أن السيدة شارب كانت ~~قادرة تماما على ضرب سبعة أشخاص مختلفين بين الفطار والغداء، وفي أي يوم من ~~الأسبوع. # قالت، بلا تعاطف: «أنا مشفقة عليك سيد بلير.» ~~«لم يا سيدة شارب؟» ~~«أعتقد أن برودمور بعيدة قليلا عن مجال اهتمامك.» ~~«برودمور!» ~~«الاضطراب العقلي للمجرمين.» # قال روبرت، رافضا أن ترهبه: «بل أجده مثيرا للغاية.» # حينها ظهر عليها شعور مفاجئ بالتقدير؛ شيء أشبه بخيال ابتسامة. وانتاب روبرت شعور ~~غريب بأنها أعجبت به فجأة؛ لكن إن كان الأمر هكذا فهي لم تبد أي اعتراف صريح بذلك. فقالت ~~بصوتها الحاد: «أجل، أتوقع أن وسائل الترفيه في ميلفورد نادرة وبسيطة. ابنتي تسير وراء ~~كرة من المطاط حول ملعب الجولف ...» # قاطعتها الابنة قائلة: «لم تعد مطاطا يا أمي.» ~~«لكن في مثل سني لا توفر ميلفورد حتى ذلك النوع من الترفيه. أكتفي بأن أسكب مبيدا ~~على الأعشاب الضارة - شكل قانوني من السادية يعادل إغراق البراغيث. هل تغرق البراغيث ~~لديك، يا سيد بلير؟» ~~«لا، بل أسحقها. لكن لي أخت اعتادت على مطاردتها بقالب صابون.» ms026 # قالت السيدة شارب، باهتمام حقيقي: «صابون؟» ~~«أظن أنها تصفعها بالجانب الناعم فتلتصق بها.» ~~«يا له من شيء مثير! أسلوب لم أره من قبل. لا بد أن أجربه في المرة التالية.» # بأذنه الأخرى سمع أن ماريون كانت تتعامل بلطف مع المحقق المنبوذ. كانت تقول: «أنت ~~تؤدي دورا رائعا للغاية، أيها المحقق.» # كان مدركا لشعور يأتيك عند اقتراب نهاية حلم، عندما يصبح الاستيقاظ قريبا، وأن لا شيء ~~من الأحداث اللامنطقية يعنيك في شيء؛ لأنك ستعود إلى العالم الواقعي بعد قليل. # كان هذا مضللا؛ إذ إن العالم الواقعي أقبل من الباب مع عودة المحقق جرانت. وقد دخل ~~جرانت أولا، حتى يصبح في وضع يمكنه من ملاحظة تعبيرات وجوه جميع الأطراف المعنية، ~~وأبقى الباب مفتوحا حتى تدخل الشرطية والفتاة. # نهضت ماريون شارب ببطء، وكأن من الأفضل أن تواجه أي شيء ربما سيقبل عليها، لكن ~~والدتها ظلت جالسة على الأريكة وكأنها شخص يعير أذنا واعية، وجلست جلسة مثل تلك التي ~~تنتمي للعصر الفيكتوري مع ظهر مستو كما كانت وهي فتاة صغيرة، ويداها مسترخيتان بثبات في ~~حجرها. حتى شعرها غير المصفف لم يستطع أن ينتقص من انطباع أنها سيدة الموقف. # كانت الفتاة ترتدي معطفها المدرسي، وحذاء مدرسيا أسود له كعب سميك قصير ذا طابع ~~طفولي؛ ولذلك بدت أصغر سنا مما سبق أن توقعه بلير. لم تكن فارعة الطول، ولا جميلة ~~بكل تأكيد. لكن كان لها - ما الكلمة المناسبة التي تعبر عنها؟ - طلة جذابة. كان ~~لعينيها لون أزرق داكن، وتبدوان متباعدتين في وجه من النوع الذي تنتشر الإشارة إليه ~~بأنه وجه له شكل القلب. تلون شعرها بلون بني فاتح، وكان ينتشر على جبهتها في خط ~~بديع. أدنى كل عظمة من عظام الوجنتين تجويف طفيف، آية على طابع الحسن، أضفى على ~~وجهها جاذبية وإحساسا بالتعاطف. كانت شفتها السفلية ممتلئة، لكن ثغرها منمنم. ~~وكذلك كانت أذناها. فهما صغيرتان للغاية وأقرب ما تكونان إلى رأسها. # رغم كل ذلك، فهي نوع مألوف من الفتيات. ليس من النوع الذي قد يجذب انتباهك ms027 وسط جمع من ~~الناس. وليست مطلقا واحدة من الفتيات المثيرات. فتساءل روبرت كيف ستصير هيئتها في ~~ثياب أخرى. # وقعت نظرة الفتاة أولا على السيدة العجوز، ثم انتقلت ببصرها إلى ماريون. لم تكن ~~نظرتها تحمل شعورا بالمفاجأة ولا بالانتصار، ولم تعكس كثيرا من الاهتمام. # ثم قالت: «أجل، هاتان هما السيدتان.» # سألها جرانت: «ألا يساروك شك في ذلك؟»، ثم أضاف قائلا: «إنه اتهام خطير، كما ~~تعرفين.» ~~«لا، ليس لدي شك. كيف لي أن أشك في ذلك؟» ~~«هاتان السيدتان هما من قاما بحبسك، وتجريدك من ملابسك، وإجبارك على رتق الملاءات، ~~وضرباك بالسوط؟» ~~«أجل، هاتان هما السيدتان.» # قالت السيدة شارب العجوز: «كذابة مذهلة»، فنطقتها بنبرة وكأن أحدا يقول: «تشابه ~~مذهل.» # قالت ماريون: «تقولين إننا أخذناك إلى المطبخ لنشرب قهوة.» ~~«صحيح، فعلتما ذلك.» ~~«هل لك أن تصفي المطبخ؟» ~~«لم أنتبه كثيرا له. لكنه مطبخ كبير - أرضيته من الحجر، حسب ظني - وبه صف من ~~الأجراس.» ~~«وما نوع الموقد؟» ~~«لم ألحظ الموقد، لكن الوعاء الذي سخنت فيه السيدة العجوز القهوة كان مطليا بطبقة ~~زرقاء شاحبة من الإينامل وله حافة لونها أزرق داكن وأجزاء مقشرة عديدة حول الحافة ~~السفلية منها.» # قالت ماريون: «أشك إن وجد مطبخ في إنجلترا ليس به وعاء مثل هذا بالضبط.» ثم أضافت ~~قائلة: «لدينا ثلاثة منه.» # قالت السيدة شارب: «هل الفتاة عذراء؟»، بنبرة قليلة الاهتمام كما لو كانت لشخص يسأل: «هل ~~هذه من ماركة شانيل؟» # أثناء التوقف المباغت الذي أحدثه هذا السؤال لاحظ روبرت وجه هالم المصدوم، وتدفق ~~الدم الساخن في وجه الفتاة، وحقيقة أنه لم يصدر اعتراض من الابنة مثل كلمة «أماه!» مثلما ~~كان يتوقع، بلا وعي منه، لكن على نحو مؤكد. فتساءل إن كان صمتها هو موافقة ضمنية أو ~~أنها بعد زمن من العيش مع السيدة شارب صارت محصنة من الصدمات. # قال جرانت باستنكار هادئ: إن تلك النقطة غير ذات صلة بالموضوع. # قالت السيدة العجوز: «أتظن ذلك؟» ثم أردفت قائلة: «لو كنت قد تغيبت عن منزلي مدة ~~شهر لكان ذلك أول شيء ms028 أرادت أمي أن تعرفه عني. على أي حال. الآن بعد أن تعرفت ~~الفتاة علينا، ماذا تنوي فعله؟ إلقاء القبض علينا؟» ~~«لا، أبدا. الإجراءات بعيدة عن ذلك في الوقت الراهن. أريد أن أصطحب الآنسة كين إلى ~~المطبخ والعلية، حتى يمكن التحقق من صحة وصفها. إن كان صحيحا، فسأرفع تقريرا عن ~~القضية إلى رئيسي وسيقرر هو في اجتماع الخطوات الأخرى الواجب اتخاذها.» ~~«حسنا. أكثر إجراء احترازي رائع، أيها المحقق.» ثم نهضت للوقوف ببطء. وتابعت قائلة: ~~«آه، حسنا، إن كنت ستسمح لي فسأعاود الذهاب إلى نومي الذي قطع.» # قال جرانت من دون سابق تفكير، متفاجئا وقد خرج عن رباطة جأشه: «لكن ألا ترغبين في ~~الحضور بينما تعاين الآنسة كين المكان ... حتى تسمعي ال...» ~~«لا يا عزيزي.» ثم هندمت ثيابها السوداء مع شيء من العبوس. وعلقت بحدة: «إنها ~~تتجعد لتصنع خطوطا دقيقة.» ثم تابعت قائلة: «لم يبتكر أحد إلى الآن خامة لا تتجعد.» ~~وأضافت: «ليس لدي أدنى شك أن الآنسة كين ستتعرف على العلية. وبالفعل، سأندهش لدرجة ~~لا يصدقها عقل إن أخفقت.» # شرعت السيدة العجوز في التوجه ناحية الباب، ومن ثم ناحية الفتاة؛ ولأول مرة تبرق ~~عينا الفتاة بتعبير. حيث ارتسم على وجهها انفعال حذر. فتقدمت الشرطية خطوة للأمام، في ~~إجراء احترازي. وواصلت السيدة شارب حركتها المتمهلة حتى توقفت على بعد ياردة ~~تقريبا من الفتاة، وبذلك صارتا وجها لوجه. ولخمس ثوان كاملة ساد صمت وهي تتفحص وجه ~~الفتاة باهتمام. # قالت، في النهاية: «أما بالنسبة إلى الشخصين المتورطين بالضرب، فلسنا على علم بهما ~~بكل أسف.» ثم تابعت قائلة: «أتمنى أن أتعرف عليك بشكل أفضل قبل انتهاء هذا الأمر ~~يا آنسة كين.» استدارت إلى روبرت وانحنت احتراما له. ثم قالت: «إلى اللقاء يا سيد بلير. ~~أتمنى أن نظل محل اهتمام في نظرك.» متجاهلة بقية الحاضرين، انصرفت خارج الباب الذي ~~أمسكه هالم مفتوحا من أجلها. # ساد شعور واضح بخيبة الأمل الآن بعد أن أصبحت غير موجودة معهم، وأشاد روبرت بها مع ~~إعجاب متحفظ. فلم يكن إنجازا يستهان ms029 به أنها خطفت الاهتمام من البطلة ~~الغاضبة. # سأل جرانت: «يا آنسة شارب، هل لديك أي اعتراض على أن تعاين الآنسة كين الأماكن ~~المعنية من المنزل؟» ~~«بالطبع لا. لكن قبل أن نمضي أود أن أؤكد على ما كنت سأقوله قبل حضور الآنسة كين. ~~ويسعدني حضور الآنسة كين لتسمعه الآن. وهو ما يلي. على حد علمي أنا لم أر قط هذه ~~الفتاة من قبل. ولم أتول توصيلها إلى أي مكان، ولا في أي مناسبة. ولم يأت بها إلى ~~المنزل هنا أحد سواء أنا أو والدتي، ولم تحبس هنا. أود أن يفهم ذلك بكل وضوح.» ~~«حسنا، يا آنسة شارب. مفهوم أن موقفك هو الإنكار التام لرواية الفتاة.» ~~«إنكار تام منذ البداية وحتى النهاية. والآن، أتأتون لمعاينة المطبخ؟» # | الفصل الثالث # ذهب جرانت والفتاة برفقة روبرت وماريون شارب لمعاينة المنزل، بينما هالم والشرطية ~~انتظرا في قاعة الاستقبال. عند وصولهم عند عتبة الطابق الأول، بعد أن تعرفت الفتاة على ~~المطبخ، قال روبرت: ~~«قالت الآنسة كين إن المجموعة الثانية من درجات السلم كان يغطيها «شيء خشن»، لكن ~~السجادة نفسها لا تزال على السلم في الأعلى بداية من مجموعة درجات السلم ~~الأولى.» # قالت ماريون: «تصل فقط حتى المنعطف.» ثم أردفت قائلة: «الجزء «الظاهر» فقط. أما بعد ~~الزاوية فتوجد حصيرة من اللباد. أسلوب فيكتوري من أجل التوفير. في أيامنا هذه إذا كنت ~~فقيرا فإنك تشتري سجادا أقل تكلفة وتستخدمه على كامل السلم. لكن تلك السجادة لا ~~تزال منذ الأيام التي كان يعتنى فيها برأي الجيران. لذا كانت السجادة القيمة تفرش فقط ~~في الموضع الذي يمكن للزوار رؤيته وليس أكثر من ذلك.» # كانت الفتاة محقة أيضا فيما يخص المجموعة الثالثة من درجات السلم. فكان سطح ~~درجات السلم القصيرة المؤدية إلى غرفة السطح غير مفروش. # أما العلية ذات الأهمية البالغة، فكانت حجرة مربعة صغيرة منخفضة، بها سقف يميل إلى ~~أسفل على الجوانب الثلاثة؛ تماشيا مع سقف القرميد في الخارج. كان مصدر ضوئها الوحيد هو ~~النافذة الدائرية المطلة على الواجهة . وهناك مساحة ms030 قصيرة من القرميد تنحدر من أسفل ~~النافذة إلى السور الأبيض المنخفض. كانت النافذة مقسمة إلى أربعة ألواح زجاجية، ويظهر ~~على لوح من الأربعة شرخ واضح بشدة. فلم تكن قد صممت لتفتح مطلقا. # وكانت العلية خالية تماما من أي أثاث. جرداء على نحو غير طبيعي، فظنها روبرت ~~مخزنا؛ لكونها مناسبة بدرجة كبيرة ويسهل الوصول إليها. # قالت ماريون، وكأنها تجيبه: «كانت هناك أشياء مخزنة هنا عندما أتينا في البداية، ~~لكن لما وجدنا أننا سنظل من دون خدم أغلب الوقت تخلصنا منها.» # التفت جرانت إلى الفتاة بهيئة مستفسرة. # قالت وهي تشير إلى الزاوية البعيدة عن النافذة: «الفراش كان في تلك الزاوية.» ثم تابعت ~~قائلة: «وإلى جانبه كانت خزانة الأدراج الخشبية. وفي هذه الزاوية خلف الباب ثلاث حقائب ~~سفر فارغة: حقيبتان وصندوق أمتعة ضخم ذو سطح مستو. وهناك كان الكرسي لكنها أخذته بعد ~~أن حاولت كسر النافذة.» أشارت الفتاة إلى ماريون دون أي انفعال، كما لو أنها غير ~~حاضرة. وأضافت: «هنالك حاولت كسر النافذة.» # بدا لروبرت أن الشرخ أكبر وأقدم من أن يكون منذ أسابيع قليلة مضت، لكن هذا لا ينفي ~~وجود شرخ. # عبر جرانت إلى الزاوية البعيدة ومال إلى معاينة الأرضية الجرداء، لكن الأمر لم يحتج ~~إلى معاينة عن قرب. حتى من المكان الذي كان يقف فيه روبرت بجانب الباب، تمكن من ملاحظة ~~آثار عجلات على الأرض حيث كان الفراش. # قالت ماريون: «كان السرير هناك.» ثم تابعت قائلة: «وهو أحد الأشياء التي تخلصنا ~~منها.» ~~«ماذا فعلت به؟» ~~«دعني أتذكر. أوه، أعطيناه إلى زوجة راعي البقر في مزرعة ستابلس. فابنها الأكبر صار ~~كبيرا على أن يشارك غرفة مع الآخرين أكثر من ذلك فنقلته في غرفتهم العلوية. نحن نشتري ~~حاجاتنا من منتجات الألبان من مزرعة ستابلس. لا يمكنك أن تراها من هنا، لكنها تبعد عنا ~~بأربعة حقول فوق الربوة.» ~~«أين تحتفظين بصناديق الأمتعة الإضافية يا آنسة شارب؟ ألديك مخزن آخر؟» # لأول مرة تبدو ماريون مترددة. «لدينا صندوق كبير مربع للأمتعة ذو سطح مستو ، لكن ~~أمي ms031 تستخدمه لتخزين الأشياء بداخله. عندما ورثنا منزل فرنتشايز وجدنا في غرفة نوم أمي ~~خزانة قيمة للغاية، فبعناها، واستخدمنا صندوقا كبيرا بدلا منها. ووضعنا فوقه غطاء ~~من القماش المطبوع. أما حقائب السفر الخاصة بي فهي في خزانة الملابس على عتبة المجموعة ~~الأولى من السلم.» ~~«آنسة كين، هل تتذكرين شكل هاتين الحقيبتين؟» ~~«أجل. حقيبة من جلد بني بها شيء أشبه بقفل عند الزوايا، والأخرى كانت مغطاة ~~بقماش له طابع أمريكي وبها أحزمة.» # حسنا، كان وصفا دقيقا بما يكفي. # تفحص جرانت الغرفة وقتا أطول قليلا، وتفحص المشهد من النافذة، ثم استدار ~~لينصرف. # وسأل ماريون: «هل لنا أن نرى الحقائب التي في الخزانة؟» # قالت ماريون، لكنها بدت حزينة: «بكل تأكيد.» # عند العتبة في الأسفل فتحت باب الخزانة وتراجعت إلى الخلف حتى تسمح للمحقق بالنظر ~~فيها. بينما أفسح روبرت لهما الطريق لمح نظرة انتصار عفوية على وجه الفتاة. فتبدل ~~كثيرا وجهها الهادئ، الطفولي نوعا ما لدرجة صدمته. كان شعورا وحشيا، همجيا، ~~قاسيا. وغير مناسب على وجه فتاة المدرسة الخجول التي كانت فخرا لوصييها ~~ومعلميها. # داخل الخزانة أرفف عليها ملاءات المنزل، وفي الأسفل أربع حقائب. حقيبتان متسعتان، ~~إحداهما من ألياف مضغوطة والأخرى من جلد غير مدبوغ؛ أما الحقيبتان الأخريان: فإحداهما ~~من جلد بقر بني وبها زوايا محمية، والأخرى حقيبة قبعات مربعة يغطيها قماش ويزينها ~~مجموعة كبيرة من شرائط بألوان متعددة في المنتصف. # سأل جرانت: «أهاتان هما الحقيبتان؟» # أجابت الفتاة: «أجل، هاتان هما الحقيبتان.» # قالت ماريون، بغضب مفاجئ: «لن أزعج أمي مرة أخرى في وقت ما بعد الظهر هذا.» ثم ~~تابعت قائلة: «أقر أن صندوق الأمتعة في غرفتها كبير وله سطح مستو. ظل هناك مدة ثلاث ~~سنوات متواصلة.» ~~«عظيم يا آنسة شارب. حان دور المرأب الآن، من فضلك.» # أسفل المنزل في الجهة الخلفية، حيث كان الإسطبل قد تحول إلى مرأب للسيارات منذ مدة ~~طويلة، وقفت المجموعة الصغيرة وتفحصت السيارة الرمادية القديمة المتهالكة. قرأ جرانت ~~بصوت عال الوصف غير المتخصص الذي أدلت به الفتاة عن السيارة ، كما هو ms032 مقيد في ~~إفادتها. انطبق الوصف، لكن بلير ظن أن هذا الوصف قد ينطبق على نحو مماثل على آلاف ~~السيارات في طرق بريطانيا حاليا. كان دليلا لا يعتد به على الإطلاق. قرأ جرانت ~~الوصف: «إحدى العجلات كانت مطلية بدرجة لون مختلفة عن بقية العجلات الأخرى وتبدو كأنها ~~ليست منها. والعجلة المتباينة كانت الأمامية في الجهة المواجهة لي أثناء وقوفها عند ~~الرصيف.» # في صمت، نظر الأربعة إلى الدرجة الرمادية الأكثر قتامة في العجلة الأمامية القريبة. ~~فاتضح أنه ليس هناك ما يقال. # قال جرانت بعد مدة، وهو يغلق مفكرته ويضعها في مكانها: «شكرا جزيلا لك يا آنسة ~~شارب، أبديت احتراما جما وتعاونا؛ ولهذا فأنا ممتن لك. هل بإمكاني أن أتواصل معك ~~عبر الهاتف في أي وقت خلال الأيام القليلة القادمة، حسب ظني، إذا أردت التحدث إليك ~~باستفاضة؟» ~~«أوه، بكل تأكيد أيها المحقق. لا نية لدينا للذهاب إلى أي مكان.» # إذا كان جرانت لمس منها فهمها النبيه، فهو لم يظهر ذلك. # سلم الفتاة إلى الشرطية وانصرفتا دون إلقاء نظرة إلى الخلف. ثم استأذن هو وهالم ~~للانصراف، فكان هالم لا يزال يحمل شعورا بالاعتذار على انتهاك الخصوصية. # وقد خرجت ماريون إلى الردهة برفقتهما، تاركة بلير في قاعة الاستقبال، وعندما عادت ~~كانت تحمل صينية عليها نبيذ الشيري وكئوس. # قالت، وهي تضع الصينية وتبدأ في صب النبيذ: «لن أطلب منك البقاء لتناول العشاء، فجزء ~~من السبب أن «عشاءنا» عادة ما يكون في غاية التواضع وليس كما تعتاد مطلقا. (هل تعلم أن ~~الطعام الذي تعده عمتك ذائع الصيت في ميلفورد؟ لدرجة أني قد سمعت به.) والجزء الآخر من ~~السبب هو لأن ... حسنا، لأنه كما قالت أمي، أن برودمور بعيدة قليلا عن مجال اختصاصك، كما ~~أتوقع.» # علق روبرت: «دعنا نتحدث عن هذه المسألة.» ثم أضاف قائلا: «أنت تدركين أن الفتاة ~~لديها ميزة كبيرة عليك، أليس كذلك؟ أقصد، من حيث الأدلة. إن لها مطلق الحرية أن تصف ~~تقريبا أي شيء يروق لها على أنه جزء من منزلك. إن حدث ووجد ms033 هناك بالفعل، فهذا دليل ~~قوي في صالحها. إن حدث ولم يوجد هناك، فلن يؤخذ كدليل لصالحك؛ وسيقتصر الاستنتاج على ~~أنك قد تخلصت من ذلك الشيء. إذا لم تكن الحقائب، على سبيل المثال، هناك، فبإمكانها أن ~~تدعي أنك قد تخلصت منها لأنها كانت في العلية وصارت بذلك موضعا للوصف.» ~~«لكنها وصفتها، من دون أن تراها من قبل.» ~~«تقصدين أنها وصفت حقيبتين. إن كانت حقائبك الأربعة هي طقم من مجموعة حقائب متناسقة، ~~فهناك احتمال واحد من بين خمسة أن تصيب. لكن لأن ما حدث أنك تمتلكين حقيبة من كل نوع ~~متداول فصارت الاحتمالات متساوية.» # أمسك بكأس الشيري الذي قد وضعته بجانبه، ثم شرب شربة واحدة، وأذهله أن مذاقه ~~باهر. # ابتسمت قليلا إليه وقالت: «صحيح أننا نقتصد، لكن ليس في النبيذ.» فاحمر وجهه قليلا، ~~وتساءل إن كان ذهوله بدا واضحا لتلك الدرجة. ~~«لكن هناك أمر العجلة المختلفة في السيارة. كيف عرفت بها؟ إن ترتيب الأحداث بأكمله ~~غريب. كيف عرفت عني وعن والدتي، وعن هيئة المنزل؟ فبوابة منزلنا لا تترك مفتوحة ~~مطلقا. حتى وإن فتحتها - رغم أني لا أتخيل ما بإمكانها أن تفعله في ذلك الطريق المهجور - ~~حتى وإن فتحتها وتطلعت إلى ما في الداخل فليس لها أن تعرف شيئا عني وعن ~~والدتي.» ~~«أليس من المحتمل أنها أقامت صداقة مع إحدى الخادمات؟ أو البستاني؟» ~~«لم يعمل لدينا بستاني قط؛ لأنه لا يوجد أي زرع سوى العشب. ولم تعمل لدينا أي ~~خادمة منذ عام. وهي مجرد فتاة من المزرعة تأتي مرة في الأسبوع لتباشر أعمال النظافة ~~الشاقة.» # قال روبرت بتعاطف: إن المنزل أكبر من أن تديره من دون مساعدة. ~~«صحيح؛ لكن أمرين ساعداني. أني لست من النساء المتباهيات بمنزلهن. وكذلك من ~~الرائع أن يصبح لدينا منزل خاص بنا لدرجة أن لدي استعدادا لغض الطرف عن مواضع ~~التقصير. السيد كرول العجوز كان ابن عم والدي، لكننا لم نعرفه على الإطلاق. كنت أنا ~~ووالدتي نعيش قبل ذلك دوما في بنسيون بمنطقة كينزينجتون.» تحركت إحدى زوايا فمها لأعلى ms034 ~~بابتسامة ساخرة. «لك أن تتخيل كم كانت والدتي معروفة بين النزلاء.» ثم اختفت الابتسامة. ~~«رحل والدي عن الدنيا وأنا في سن صغيرة للغاية. كان واحدا من أولئك المتفائلين بأن ~~يصيروا أثرياء عن قريب. ولما وجد ذات يوم أن مضارباته لم تكن قد ادخرت له في الغد ~~ما يكفي حتى لرغيف خبز، انتحر وترك أمي تواجه الحياة.» # شعر روبرت بأن ما قيل يفسر حال السيدة شارب إلى حد ما. ~~«لم أكن مؤهلة لأمتهن مهنة، وبهذا انقضت حياتي في وظائف لا وزن لها. ليست في ~~أعمال منزلية - أكره الشئون المنزلية - لكن في المساعدة في الأعمال التجارية التي هي من ~~شأن النساء المنتشرة في كينزينجتون. صناعة أغطية المصابيح، أو تقديم مشورة عن الإجازات، ~~أو الزهور، أو التحف. عندما توفي السيد كرول كنت أعمل في مقهى - أحد المتاجر التي ~~تقدم قهوة صباحية على أخبار القيل والقال. أجل، إنه صعب قليلا.» ~~«ما هو الصعب؟» ~~«أن تتخيلني وسط فناجين الشاي.» # احتار روبرت الذي لم يعتد أن يقرأ ما يدور بخلده - فالعمة لين عجزت عن تتبع ~~العمليات الذهنية لأي أحد حتى إن شرحت لها. لكنها لم تكن تفكر فيه. ~~«كنا قد بدأنا في الشعور بالاستقرار والراحة والأمان، عندما حدث هذا.» # ولأول مرة منذ أن طلبت منه المساعدة يشعر روبرت بحماسة الانحياز إلى طرف دون الآخر. ~~قال: «كل ذلك بسبب زلة فتاة تريد تقديم دليل غياب.» ثم أضاف قائلا: «لا بد أن نكتشف ~~تفاصيل أكثر عن بيتي كين.» ~~«بوسعي أن أخبرك بأمر عنها. إنها فتاة شهوانية.» ~~«أذلك مجرد حدس نسائي؟» ~~«لا. ليس بي كثير من طابع النساء ولا حدس لدي. لكني لم أعرف أحدا قط - رجلا كان أو ~~امرأة - له مثل لون العين هذا، ولم يكن شهوانيا. ذلك اللون الأزرق القاتم المعتم، مثل ~~الكحلي الباهت - إنه أمر لا يمكن الخطأ فيه.» # ابتسم روبرت إليها بسماحة. إذ إن لها طابعا نسائيا واضحا في نهاية الأمر. # أضافت: «أرى أنك لا تأخذ الأمر بجدية لأنه يتصادف أنه لا يتوافق مع منطق ms035 المحامين.» ثم ~~تابعت: «انظر إلى أصدقائك من حولك، وتأكد.» # قبل أن يمنع نفسه تذكر جيرالد بلانت، صاحب فضيحة ميلفورد. بكل تأكيد كان لجيرالد ~~عين زرقاء مائلة إلى الرمادي. وكذلك آرثر ووليس، النادل في مطعم ذا وايت هارت، الذي كان ~~يدفع ثلاثة أنواع مختلفة من النفقات أسبوعيا. وكذلك ... تبا لها، ليس لها الحق أن ~~تطلق تعميما سخيفا مثل هذا، وأن تشعر أنها على حق! # قالت ماريون: «من الرائع أن نخمن ما فعلته بالفعل أثناء ذلك الشهر.» ثم تابعت قائلة: ~~«تنتابني سعادة غامرة أن شخصا ما قد أوسعها ضربا. على الأقل شخص في هذا العالم ~~قدرها حق قدرها. أتمنى أن أقابله يوما ما، حتى أصافحه.» ~~«تصافحينه؟» ~~«مع تلك العينين من المؤكد أنه «رجل».» # قال روبرت، متأهبا للانصراف: «حسنا، أشك كثيرا إن كان لدى جرانت دعوى يريد عرضها ~~على المحكمة. ستصبح كلمة الفتاة أمام كلمتكما، من دون أي داعم آخر للطرفين. ستؤخذ ~~إفادتها ضدك؛ فهي مفصلة للغاية، ومستندة إلى أدلة ظرفية. وضدها قد يكون عدم ~~احتمال حدوث ما ورد في صلب إفادتها. لا أظن أنه قد يأمل في الحصول على حكم من ~~المحكمة.» ~~«لكن الاتهام موجود، سواء عرض القضية على المحكمة أم لا. ولا تقتصر المسألة على بقائها ~~في ملفات سكوتلاند يارد. عاجلا أم آجلا، اتهام كهذا سينتشر حوله اللغط. ولن يريحنا ~~أن يظل الاتهام دون كشف الحقيقة.» ~~«ستكشف الحقيقة، إن كان علي أن أفعل أي شيء بشأنها. لكن أعتقد أن علينا ~~الانتظار يوما أو يومين لنرى ما تنوي سكوتلاند يارد فعله في هذا الشأن. لديهم إمكانيات ~~للوصول إلى الحقيقة أفضل كثيرا مما هو محتمل أن يكون لدينا على الإطلاق.» ~~«أن يقال هذا من محام، فتلك إشادة مؤثرة عن نزاهة الشرطة.» ~~«صدقيني، ربما كان الحق فضيلة، لكن سكوتلاند يارد اكتشفت منذ أمد طويل أنه أصل من ~~أصول مهنتها. فلن يجديهم نفعا أن يرضوا بأي شيء أدنى من ذلك.» # قالت، وهي ترافقه إلى الباب: «إذا رفع القضية إلى المحكمة، وحصل على حكم ، فماذا قد ms036 يعني ~~ذلك لنا؟» ~~«لست واثقا إن كان السجن عامين أم سبعة أعوام مع الأشغال الشاقة. أخبرتك أني شخص ~~لا يعول عليه في الإجراءات الجنائية. لكني سأبحث في الأمر.» # قالت: «أجل، افعل هذا من فضلك.» ثم أضافت: «فهناك فرق شاسع بينهما.» # توصل في قرارة نفسه إلى إعجابه بنبرة السخرية التي اعتادت عليها. لا سيما أمام تهمة ~~جنائية. # قالت: «إلى اللقاء.» ثم تابعت قائلة: «لطف منك أنك جئت إلى هنا. لقد هونت الأمر ~~علي كثيرا.» # وروبرت، الذي تذكر إلى أي مدى كاد أن يلقي بها نحو بن كارلي، خجل من نفسه وهو ~~يخطو خطواته نحو البوابة. # | الفصل الرابع # سألت العمة لين، وهي تفتح منديل السفرة الخاص بها وتسويه على حجرها المكتنز: ~~«أكان يومك حافلا يا عزيزي؟» # كان هذا سؤالا منطقيا لكن لا يقصد منه شيء. كان أشبه كثيرا بمدخل للعشاء مثل بسط ~~منديلها، ومثل الحركة الاستكشافية بقدمها اليمنى وهي تحدد موضع مسند القدم الذي ~~عوض عن قصر رجليها. لم تتوقع أن تسمع إجابة؛ أو على وجه الدقة، هي لم تع أنها قد ~~سألت السؤال، فلم تستمع إلى إجابته. # رفع روبرت بصره عن المائدة ونظر إليها بلطف مقصود أكثر من المعتاد. بعد ذهابه لتلك ~~الزيارة غير المخطط لها في منزل فرنتشايز، كان الحضور الهادئ للعمة لين باعثا على ~~الراحة، فنظر بوعي جديد إلى الجسد الصغير الثابت ذي الرقبة القصيرة والوجه الوردي ~~المستدير والشعر الرمادي اللامع الذي بدا متجعدا من دبابيس الشعر الكبيرة. عاشت ليندا ~~بينيت حياة حافلة بوصفات الطعام، ونجوم الأفلام، والأطفال المعمدين، والأسواق الخيرية ~~للكنيسة، فوجدت فيها حياة مثالية. كانت السعادة والرضا تحيطان بها مثل العباءة. كانت ~~تقرأ صفحة المرأة في الجريدة اليومية (كيف تصنعين وردا للعروة من قفازات قديمة من جلد ~~الماعز؟) ولا تقرأ شيئا غيرها على حد علم روبرت. من حين لآخر عندما تعيد الصحيفة ~~التي كان روبرت قد تركها هنا أو هناك في مكانها الصحيح، قد تتوقف لتطالع العناوين ~~الرئيسية وتعلق عليها. («رجل ينهي صوما دام اثنين وثمانين يوما» ms037 - إنسان أحمق! - ~~«اكتشاف نفط في البهاما» - هل أخبرتك أن الكيروسين قد ارتفع بنسا، يا عزيزي؟) لكن كانت ~~تعطي انطباعا بأنها لا تصدق بتاتا أن العالم الذي تتناوله الصحف قائم على أرض ~~الواقع. فالعالم في عين العمة لين يبدأ بروبرت بلير، وينتهي في نطاق عشرة أميال منه. # سألت، بعد أن فرغت من حسائها: «ما الذي أخرك الليلة إلى هذا الحد يا ~~عزيزي؟» # بناء على خبرته الواسعة، أدرك روبرت أن هذا السؤال هو صيغة مغايرة من سؤال: «أكان ~~يومك حافلا، يا عزيزي؟» ~~«كان علي الذهاب إلى منزل فرنتشايز - ذلك المنزل على طريق لاربورو. كانوا في حاجة ~~إلى استشارة قانونية.» ~~«هل هم أولئك الناس غريبو الأطوار؟ لم أعرف أنك تعرفهم.» ~~«لا أعرفهم. لقد أرادوا فقط مشورتي.» ~~«أتمنى أن يدفعوا لك أتعابك مقابلها، يا عزيزي. فهم لا يحتكمون على أي مال مطلقا، ~~كما تعرف. كان الأب منشغلا بأعمال لها علاقة بالاستيراد - فول سوداني أو شيء من هذا ~~القبيل - وتمادى في شرب الخمر حتى مات. وتركهن من دون بنس واحد، يا لهما من مسكينتين! ~~كانت السيدة شارب العجوز تدير بنسيونا في لندن لسد احتياجاتهن، والابنة عملت كخادمة في ~~جميع الأعمال المنزلية. كانتا ستصبحان في الشارع مع أثاثهن، لولا موت الرجل العجوز في ~~فرنتشايز. أمر قدري!» ~~«عمة لين! من أين علمت بتلك الحكايات؟» ~~«لكنها حقيقية، يا عزيزي. حقيقية تماما. نسيت من أخبرني - شخص ما كان قد أقام في ~~الشارع نفسه في لندن - لكنه من مصدر مباشر، على أي حال. أنا لست الشخص الذي ينقل ثرثرة ~~فارغة، كما تعرف. هل هو منزل جميل؟ كنت أتساءل دائما عما بداخل تلك البوابة ~~الحديدية.» ~~«لا، قبيح نوعا ما. لكن لديهن قطع أثاث أنيقة.» # قالت، وهي تنظر برضا إلى صوان السفرة الأنيق والكراسي الجميلة الموزعة أمام الحائط: ~~«لكنه ليس مصونا مثل أثاثنا، أثق في ذلك.» ثم تابعت قائلة: «قال القس البارحة لو لم ~~يكن هذا المنزل يبدو واضحا أنه منزل، لظنه الناس معرضا.» بدا أن الإشارة إلى القسيس ~~ذكرتها بشيء. «بالمناسبة، ms038 هل لك أن تتحلى بصبر جميل مع كريستينا خلال الأيام القليلة ~~المقبلة. أظن أنها ستعمد إلى «الخلاص» مرة أخرى.» ~~«مسكينة يا عمة لين، يا له من أمر ممل لك. لكني كنت أخشى منه. كان يوجد اليوم ~~«اقتباس» على طبق فنجان الشاي الذي أتناوله في الصباح الباكر. «أنت يا الله الذي رآني» على ~~حلية بلون وردي، بتصميم بديع لزنابق عيد الفصح في الخلفية. هل ستغير كنيستها مرة أخرى، ~~إذن؟» ~~«أجل. يبدو أنها قد اكتشفت أن الميثوديين «منافقون»؛ لهذا ستذهب إلى أولئك «المعمدانيين» ~~الذين فوق مخبز بنسن، ولا بد أن تعمد إلى «الخلاص» في أي يوم من الآن. كانت تصدح ~~بتراتيل طوال الصباح.» ~~«لكنها تفعل ذلك دوما.» ~~«ليس بتراتيل «سيف الرب». ما دامت تلتزم بتراتيل «تيجان اللؤلؤ» أو «طرق من الذهب» ~~فأعرف أن كل شيء على ما يرام. لكن بمجرد أن تبدأ تراتيل «سيف الرب» أعرف أنه سيحين دوري ~~لأخبز عما قريب.» ~~«حسنا، حبيبتي، تجيدين الخبز تماما مثل كريستينا.» # قالت كريستينا، وهي قادمة بطبق من اللحم: «أوه، لا، هي لا تجيده.» وهي كائن رقيق كبير ~~البنية له شعر منسدل غير مهندم وعين شاردة. «شيء واحد فقط تصنعه عمتك لين أفضل ~~مني، يا سيد روبرت، وهو كعك الصليب الحار، وذلك ليس إلا مرة واحدة في السنة. لذا! إن لم ~~ألق تقديرا في هذا المنزل، فسأمضي إلى حال سبيلي.» # قال روبرت: «كريستينا، حبيبتي! تعرفين جيدا أن لا أحد قد يتخيل هذا المنزل من دونك، ~~وإن تركته فسأتبعك حتى نهاية العالم. من أجل فطائر الزبدة التي تصنعينها، إن لم يكن ~~لسبب آخر. هل بإمكاننا أن نتناول فطائر الزبدة غدا، بالمناسبة؟» ~~«فطائر الزبدة هو طعام لا يقدم لمذنبين غير تائبين. علاوة على أني لا أظن أن لدي ~~زبدة. لكننا سنرى. في هذه الأثناء، يا سيد بلير، راجع نفسك، وكفاك رجما بالحجارة.» # تنهدت العمة لين تنهيدة رقيقة عندما انغلق الباب وراءها. وقالت متأملة: «عشرون ~~سنة.» ثم أردفت قائلة: «لن تتذكرها عندما قدمت أول مرة من ملجأ أيتام. ms039 كانت في ~~الخامسة عشرة من عمرها، طفلة مشاغبة مسكينة ذات جسد نحيل للغاية. أكلت رغيفا كاملا مع ~~الشاي، وقالت إنها ستصلي من أجلي طوال حياتها. وأظن أنها وفت، كما تعلم.» # شيء أشبه بدمعة لمع في عيني الآنسة بينيت الزرقاوين. # قال روبرت بنزعة مادية قاسية: «أتمنى أن تؤجل الخلاص إلى أن تصنع فطائر الزبدة.» ~~ثم أضافت: «هل استمتعت بفيلمك؟» ~~«حسنا عزيزي، عجزت عن نسيان أنه كان له خمس زوجات.» ~~«من الذي له؟» ~~«كان له يا عزيزي. الواحدة تلو الأخرى. جين دارو. في رأيي، أن تلك البرامج البسيطة التي ~~يذيعونها ثرية بالمعلومات لكنها مضللة بعض الشيء. كان طالبا، كما ترى. أقصد في ~~الفيلم. شابا يافعا ورومانسيا. لكني ظللت أتذكر زوجاته الخمس، فكدرن علي وقت ~~العصر. يأسرك النظر إليه أيضا. يقولون إنه جعل زوجته الثالثة تتدلى من نافذة الطابق ~~الخامس من الرسغين، لكني حقا لا أصدق ذلك. أحد الأسباب أنه لا يبدو قويا بالدرجة ~~الكافية. يبدو كأنه كان يعاني من مشكلة في الصدر وهو طفل. تلك النظرة الشاحبة والرسغان ~~النحيلان. ليس قويا بما يكفي ليدلي أي أحد. وقطعا ليس من الطابق الخامس ...» # استمر هذا المونولوج اللطيف، طوال تناول طبق البودينج؛ فشرد روبرت بانتباهه وتفكيره ~~نحو منزل فرنتشايز. اتضح عليه ذلك وهما ينهضان من المائدة ويتجهان إلى غرفة الجلوس ~~لاحتساء القهوة. # كانت تقول: «إنه ثوب لا يوجد لجماله مثيل، لو أن الخادمات تعي ذلك.» ~~«ما هو؟» ~~«المئزر. لقد عملت كخادمة في القصر، كما تعرف، وكانت ترتدي تلك الهلاهيل السخيفة من ~~قماش الموسيلين. إنه جذاب للغاية. هل سيدتا منزل فرنتشايز لديهما خادمة، بالمناسبة؟ لا؟ ~~حسنا، لا يدهشني ذلك. لقد حرما آخر خادمة عملت لديهما من الطعام، كما تعرف. أعطتاها ~~...» ~~«عجبا، يا عمة لين!» ~~«أؤكد لك. في الإفطار كانت تحصل على بقايا الخبز المحمص الذي تناولاه. وعندما كانتا ~~تتناولان بودينج الحليب ...» # لم يسمع روبرت الجريمة المنكرة التي نتجت عن بودينج الحليب. بالرغم من عشائه الشهي، ~~انتابه من دون مقدمات شعور بالتعب والإحباط. إذا كانت العمة لين ms040 لم تر ضررا من تكرار ~~تلك القصص السخيفة، فماذا قد تفعله الثرثرة الفعلية في ميلفورد مع أخبار عن فضيحة ~~حقيقية؟ ~~«بمناسبة الحديث عن الخادمات - السكر البني نفد يا عزيزي؛ لذا عليك أن تحصل على ~~قطع لهذه الليلة - وبمناسبة الحديث عن الخادمات، فإن الخادمة الصغيرة لكارلي قد أوقعت ~~نفسها في مأزق.» ~~«تقصدين أن شخصا آخر قد أوقعها في مأزق.» ~~«نعم، آرثر ووليس، نادل مطعم ذا وايت هارت.» ~~«ماذا، ووليس مرة أخرى!» ~~«أجل، الأمر أبعد من أن يكون حقا مجرد مزحة، أليس كذلك؟ لا يسعفني التفكير في سبب ~~أن الرجل لا يتزوج. ربما يصير الأمر أقل تكلفة بكثير.» # لكن روبرت لم يكن يصغي إليها. عاد بذهنه إلى قاعة استقبال منزل فرنتشايز، حيث سخر منه ~~بأسلوب لطيف على حساسيته القانونية تجاه التعميم. عاد إلى القاعة البائسة ذات الأثاث الذي ~~انطفأ لمعانه، حيث تلقى الأشياء على كراس ولا يكلف أحد نفسه عناء حملها. # وحيث لا أحد، كما خطر في باله الآن، يلاحقه بمطفأة السجائر. # | الفصل الخامس # مضى بعدها ما يزيد على أسبوع عندما دس السيد هيزيلتاين رأسه النحيل الصغير الشائب من ~~باب روبرت ليخبره بأن المحقق هالم حضر في المكتب ويود مقابلته لحظة. # إن الغرفة في الجهة المقابلة من الردهة التي يمارس فيها السيد هيزيلتاين سلطته على ~~الكاتبين كان يشار إليها دائما باسم «المكتب»، رغم أن غرفة روبرت والغرفة الصغيرة خلفها ~~التي يشغلها نيفيل بينيت، على الرغم من سجادها وخشبها الماهوجني كانتا مكتبين أيضا ~~بصورة واضحة. خلف «المكتب» توجد غرفة انتظار رسمية، وهي غرفة صغيرة مضاهية لغرفة بينيت ~~الشاب، لكنها لم تكن معروفة قط لدى موكلي بلير وهيوارد وبينيت. يدخل الزائرون إلى المكتب ~~ليعلنوا عن مجيئهم، ويظلون غالبا هناك يثرثرون حتى يفرغ روبرت لمقابلتهم. كانت «غرفة ~~الانتظار» الصغيرة قد هيأتها الآنسة تاف منذ مدة طويلة لكتابة خطابات روبرت فيها، ~~بعيدا عن تشتيت الزائرين وشمشمة ساعي المكتب. # عندما كان السيد هيزيلتاين قد انصرف بعيدا ليستقدم المحقق، لاحظ روبرت بدهشة أنه ~~كان قلقا كما لم يكن ms041 قلقا من قبل منذ أن كان في أيام شبابه يقترب من قائمة نتائج ~~الامتحانات المثبتة على لوحة. أكانت حياته هادئة للغاية لدرجة أن معضلة تخص غريبا ~~قد تكدرها إلى هذا الحد؟ أم كان الأمر أن عائلة شارب ظلت لا تغيب عن فكره خلال الأسبوع ~~الماضي لدرجة أنها لم تعد من الغرباء؟ # هيأ نفسه لأي شيء سيخبره به السيد هالم، لكن ما اتضح من عبارات هالم الحذرة أن ~~شرطة سكوتلاند يارد قد أفهمته أنها لن تتخذ أي إجراءات بناء على الأدلة الحالية. لاحظ ~~بلير عبارة «أدلة حالية» وخمن المراد منها بدقة. فهم لن يعدلوا عن النظر في القضية - ~~وهل عدلت سكوتلاند يارد عن النظر في أي قضية من قبل؟ - فهم يراقبون الأمور في هدوء ~~وحسب. # فكرة أن سكوتلاند يارد خاصة تراقب الأمور في هدوء لم تكن مطمئنة في ظل تلك ~~الملابسات. # قال: «أعتبر أن هذا يعني أنه ينقصهم دليل مؤيد.» # قال هالم: «لم يتمكنوا من اقتفاء أثر سائق الشاحنة الذي أوصلها.» ~~«هذا لم يكن مفاجئا لهم.» # وافقه هالم: «أجل»، ثم تابع قائلا: «لن يخاطر أي سائق بالطرد من عمله بالاعتراف أنه ~~أوصل شخصا ما. لا سيما إن كانت فتاة. إن مديري شركات النقل صارمون للغاية بخصوص هذا الأمر. ~~وعندما يتصل الأمر بقضية فتاة تعرضت لمأزق بشكل أو بآخر، وعندما تصبح الشرطة هي ~~المسئولة عن الاستجواب، لن يقر رجل في قواه العقلية بأنه قد رآها من قبل.» ثم أخذ ~~السيجارة التي قدمها روبرت إليه. وقال: «كانوا في حاجة إلى ذلك السائق.» ثم أضاف قائلا: ~~«أو شخصا مثله.» # قال روبرت، متأملا: «أجل.» ثم أضاف قائلا: «ما انطباعك عنها، يا هالم؟» ~~«الفتاة؟ لا أعرف. طفلة لطيفة. بدت صادقة تماما. كما لو أنها واحدة من بناتي.» # كانت هذه، كما أدرك بلير، عينة معبرة مما سيواجهونه إذا وصل الأمر إلى قضية منظورة ~~أمام المحكمة. في نظر كل رجل ذي مشاعر طيبة، قد تبدو الفتاة في منصة الشهود مثل ابنته. ~~ليس لأنها كانت شريدة، لكن من أجل ms042 السبب الوجيه الذي يثبت أنها ليست كذلك. معطف المدرسة ~~الوقور، الشعر البني الفاتح، الوجه الصغير الخالي من أي زينة وطابع الحسن الجذاب ~~أسفل عظمة الوجنتين، والعينان المتباعدتان البارزتان - كان ذلك هو ما يتمناه أي وكيل ~~نيابة في الضحية. # قال هالم، وهو لا يزال يفكر في الأمر: «مثلها مثل أي فتاة في عمرها.» ثم تابع قائلا: ~~«لا شيء يؤخذ ضدها.» # قال روبرت بذهن شارد، وعقله لا يزال يفكر في الفتاة: «إذن، أنت لا تحكم على الأشخاص من ~~لون أعينهم.» # علق هالم باندهاش: «ماذا! كيف لي ألا أفعل ذلك؟!» ثم أردف قائلا: «صدقني، درجة ~~بعينها من درجات الأزرق الفاتح تدين رجلا، بالنسبة إلي، قبل أن يفتح فمه. جميعهم ~~كذابون لهم مظهر خداع.» توقف ليأخذ نفسا من سيجارته. «وميالون إلى القتل، أيضا، خطر ~~ذلك في بالي، رغم أني لم ألتق بكثير من القتلة.» # قال روبرت: «لقد نبهتني.» ثم أردف قائلا: «في المستقبل سأنأى بنفسي عن أصحاب العيون ذات ~~اللون الأزرق الفاتح.» # ابتسم هالم ابتسامة عريضة. «ما دامت محفظتك معك، فلا داعي للقلق. جميع أكاذيب أصحاب ~~العيون الزرقاء الفاتحة من أجل المال. ولا يلجئون إلى القتل إلا عندما تتعقد الأمور بسبب ~~أكاذيبهم. ليس لون العيون هو علامة القاتل الحقيقي، إنما وضعها.» ~~«وضعها؟» ~~«أجل. لها وضع مختلف. أقصد العينين. تبدوان وكأنهما تنتميان لوجهين مختلفين.» ~~«ظننتك لم تكن قد قابلت كثيرا من تلك العيون.» ~~«لا، لكني قرأت سجلات القضايا كافة وتفحصت الصور. أدهشني دوما أنه لا يوجد سجل ~~عن جرائم القتل يذكر ذلك، فهذا كثيرا ما يحدث. تباين وضع العينين، هذا ما أقصده.» ~~«بهذا فهي بالكامل نظرية من وضعك.» ~~«نتاج ملاحظتي الشخصية. هذا صحيح. عليك أن تجربها في وقت ما. فهي مذهلة. لقد وصلت ~~إلى مرحلة أني أفتش في العيون الآن.» ~~«أتقصد في الشارع؟» ~~«لا، ليس تماما بهذا القدر من السوء. لكن في كل قضية قتل جديدة. أنتظر الصورة، ~~وعندما تصل أفكر: «ها هي! ألم أقل لك؟!»» ~~«وعندما تصل الصورة والعينان متماثلتان بدقة؟» ~~«فذلك ربما تقريبا ms043 ما يطلق المرء عليه دائما حادث قتل عارض. هذا النوع من القتل ~~الذي ربما يقوم به أحد في ظل ظروف معينة.» ~~«وعندما تفحص صورة القس المبجل نيذر دمبليتون الذي يهديه الأبرشيون الممتنون ~~هدية احتفالا بعامه الخمسين من الخدمة المتفانية، وتلاحظ أن وضع عينيه متباين بدرجة ~~كبيرة، ما الاستنتاج الذي ستخلص إليه؟» ~~«أن زوجته ترضيه، وأطفاله يطيعونه، وراتبه يكفيه لسد احتياجاته، ولا شأن له ~~بالسياسة، وتربطه علاقات طيبة مع أصحاب الشأن المحليين، ومسموح له بأن يحصل على نوع ~~الخدمات التي يرغب فيها. في الواقع، لم يكن لديه قط أدنى حاجة إلى قتل أحد.» ~~«يبدو لي أنك تجمع بين الشيء ونقيضه دون مشكلة.» # قال هالم بامتعاض: «ها!» وأضاف قائلا، وهو يهم بالانصراف: «لا أفعل سوى أني أضيع ~~ملاحظات الشرطة الدقيقة على عقل قانوني. ظننت أنك كمحام ستسر ببعض النصائح المجانية ~~عن الحكم على أشخاص غرباء تماما.» # أشار روبرت قائلا: «كل ما تفعله هو تشويه عقل ~~بريء. لن أستطيع أبدا أن أتفقد موكلا جديدا من الآن فصاعدا، من دون أن يسجل عقلي ~~الباطن لون عينيه وتطابق وضعهما.» ~~«حسنا، وهو المطلوب. إنه الوقت المناسب كي تعرف بعض الحقائق عن الحياة.» # قال روبرت، مستعيدا رزانته: «أشكرك على مجيئك لتخبرني عن قضية «فرنتشايز».» # قال هالم: «الهاتف في هذه المدينة لا يقل سرية عن المذياع.» ~~«على أي حال، شكرا لك. لا بد أن أخبر السيدتين شارب في الحال.» # عندما غادر هالم المكان، رفع روبرت سماعة الهاتف. # لم يكن بوسعه، مثلما قال هالم، التحدث بحرية عبر الهاتف، لكنه كان سيقول إنه سيذهب ~~لرؤيتهما في الحال وإنه يحمل أخبارا سارة. ذلك سيزيل عنهما الهم. وكذلك - بعد أن نظر في ~~ساعته - كان هذا هو الوقت المحدد لموعد الراحة اليومي للسيدة شارب، وبهذا ربما كان على ~~أمل أن يتفادى مقابلة التنين العجوز. وعلى أمل أيضا أن يتحدث على انفراد مع ماريون ~~شارب، بكل تأكيد؛ لكنه أبقى تلك الفكرة غير المتبلورة في باله. # لكن لم يتلق ردا على اتصاله. # بمساعدة عامل السنترال ms044 الضجر والمتبرم اتصل بالرقم خمس دقائق كاملة، من دون نتيجة. ~~فالسيدتان شارب لم تكونا موجودتين بالمنزل. # بينما كان لا يزال منشغلا مع عامل السنترال، دخل ~~مكتبه نيفيل بينيت مرتديا بدلته غير المعتادة التي من صوف التويد، وقميصا ذا لون وردي، ~~ورباط عنق بنفسجي. تساءل روبرت للمرة المائة، رامقا إياه بنظرة من فوق سماعة الهاتف، ~~ماذا سيصبح مصير مكتب بلير وهيوارد وبينيت إذا أفلت في النهاية من قبضة بلير المحكمة ~~لينتقل إلى يدي هذا الفتى الشاب من آل بينيت. هو يعلم أن ذلك الشاب له عقل ذكي، لكن ~~ذكاءه لن يأخذه بعيدا في ميلفورد. فالناس في ميلفورد تتوقع من الرجل أن يقلع عن ~~التحلي بشخصية الطالب الجامعي عند بلوغه سن التخرج. لكن لم يتضح أي دليل على ~~قبول نيفيل للعالم خارج نطاق دائرته. كان لا يزال يدهش ذلك العالم بنشاط، ولكن بلا ~~وعي منه. وملابسه خير شاهد. # لم تكن المسألة هي رغبة روبرت في أن يرى الفتى مرتديا بدلات نمطية بلون أسود وقور. ~~إذ إن بدلته هو شخصيا رمادية من صوف التويد، وموكلوه القرويون كانوا سينظرون بريبة ~~إلى ملابس «المدينة». («ذلك الشاب الضئيل البغيض ذو البدلات المقلمة»، هكذا قالت ماريون ~~شارب في تلك اللحظة العفوية على الهاتف عن محام يرتدي ثياب أهل المدينة.) لكن كان هناك ~~نوعان مختلفان من البدل المصنوعة من التويد، ونيفيل بينيت كان ممن يفضلون النوع الثاني. ~~النوع الثاني على نحو مبالغ فيه تماما. # قال نيفيل، عندما شعر روبرت باليأس ووضع سماعة الهاتف: «روبرت، لقد انتهيت من أوراق نقل ~~كالثورب، وفكرت في الانطلاق إلى لاربورو عصر اليوم، إن لم يكن لديك شيء تريد مني أن ~~أفعله.» # سأل روبرت نيفيل الذي كان قد خطب، على الطريقة الحديثة غير الرسمية، الابنة الثالثة ~~لأسقف لاربورو: «ألا يمكنك أن تتحدث إليها على الهاتف؟» ~~«الأمر لا يخص روزماري. فهي في لندن مدة أسبوع.» # قال روبرت، الذي كان يشعر بالاستياء لفشله في التحدث إلى السيدتين شارب في الوقت الذي ~~تلقى فيه أخبارا سارة لهما: ms045 «اجتماع للاحتجاج في ألبرت هول، على ما أظن.» # قال نيفيل: «لا، في جيلدهول.» ~~«وما الموضوع هذه المرة؟ أهو عن تشريح الحيوانات الحية؟» # قال نيفيل، وقد بدا عليه أنه يتحلى بقدر كبير من الصبر الجاد: «فكرك قديم في بعض ~~الأحيان لدرجة فظيعة.» ثم أردف قائلا: «لا أحد يعارض تشريح الحيوانات الحية في تلك ~~الأيام باستثناء بعض غريبي الأطوار. موضوع الاحتجاج هو الاعتراض على رفض الدولة لمنح اللجوء ~~إلى الوطني كوتوفيتش.» ~~«أظن أن ذلك الوطني المزعوم «مطلوب» على وجه السرعة في بلده.» ~~«من أعدائه؛ صدقت.» ~~«من الشرطة؛ لارتكاب جريمتي قتل.» ~~«لتنفيذ أحكام بالإعدام.» ~~«هل أنت من أتباع جون نوكس يا نيفيل؟» ~~«يا إلهي، لا. ما علاقة ذلك بالأمر؟» ~~«كان يؤمن بمنفذي الإعدام الذين نصبوا أنفسهم لذلك. صارت الفكرة «مندثرة» قليلا في ~~هذا البلد، حسبما أفهم. على أي حال، إن كان الاختيار بين رأي روزماري عن كوتوفيتش ورأي ~~الفرع الخاص لسكوتلاند يارد سآخذ برأي الفرع الخاص.» ~~«الفرع الخاص لا يفعل سوى ما تمليه عليه وزارة الخارجية. الجميع يعلم ذلك. لكن إن بقيت ~~وأوضحت لك تداعيات قضية كوتوفيتش، فسأتأخر عن الفيلم.» ~~«أي فيلم؟» ~~«الفيلم الفرنسي الذي سأذهب لمشاهدته في لاربورو.» ~~«أظن أنك تعرف أن أغلب تلك التفاهات الفرنسية التي تلهث خلفها الطبقة المثقفة ~~البريطانية هي أفلام متوسطة المستوى في بلدها؟ دعنا من ذلك. هل تعتقد أن بإمكانك التوقف ~~مدة قصيرة لتضع رسالة في صندوق رسائل منزل فرنتشايز أثناء مرورك به؟» ~~«ربما. كنت أريد دائما أن أرى ما بداخل ذلك السور. من يعيش فيه الآن؟» ~~«سيدة عجوز وابنتها.» # كرر نيفيل، وقد انتبهت أذناه تلقائيا: «ابنتها؟» ~~«ابنة في منتصف العمر.» ~~«آه. حسنا، سأحضر معطفي فحسب.» # اقتصر ما كتبه روبرت على أنه قد حاول التحدث إليهما، وأن عليه أن يذهب في مهمة لساعة أو ~~أكثر، لكنه سيعاود الاتصال بهما عندما يتسع له الوقت، وأن سكوتلاند يارد لم تحل ~~القضية للمحكمة؛ إذ ليست هناك قضية، وقد أقرت بذلك. # دخل نيفيل سريعا وهو يحمل معطفا مريعا ذا أكمام بخياطة ms046 مائلة فوق ذراعه، وانتزع ~~الخطاب ثم اختفى قائلا: «أخبر العمة لين أني ربما أتأخر. فقد دعتني على العشاء.» # ارتدى روبرت قبعته الرمادية الوقورة ثم اتجه إلى فندق روز آند كراون لمقابلة موكله، وهو ~~مزارع عجوز، وآخر رجل في إنجلترا يعاني من نقرس مزمن. لم يحضر الرجل العجوز حتى تلك ~~اللحظة، وروبرت، الهادئ للغاية كالعادة، ذو النفس السمحة المتساهلة، كان يشعر بنفاد صبره. ~~لقد تغير نمط حياته. قبل الآن، كانت الأحداث على القدر نفسه من الإثارة؛ وقد كان ينتقل ~~من حدث لحدث آخر من دون استعجال ولا انفعال. أما الآن فهناك بؤرة اهتمام، والباقي يدور ~~حولها. # جلس في الردهة على أحد المقاعد المكسوة بقماش قطني مطبوع، ونظر إلى مجلات بالية على ~~طاولة القهوة بجانبه. كانت المجلة الوحيدة ذات العدد الجديد هي مجلة «ذا ووتشمان» وهي مجلة ~~أسبوعية، فأمسكها على مضض، وهو يفكر مرة أخرى كيف أن الملمس الجاف للورق أزعج أطراف ~~أصابعه، وأن حوافها المسننة ضرست أسنانه. كانت تتضمن المجموعة المعتادة من الشكاوى، ~~والقصائد، والتحذلق المعرفي؛ مع منح مساحة كبيرة من المساحة المخصصة للاحتجاج إلى حما ~~نيفيل المستقبلي، الذي أفرد لنفسه ثلاثة أرباع عمود متحدثا عن العار الذي يصم جبين ~~إنجلترا؛ لرفضها منح اللجوء إلى الوطني الهارب. # توسع أسقف لاربورو منذ مدة طويلة في الفلسفة المسيحية لتشمل المعتقد القائل بأن ضحايا ~~الظلم والاضطهاد هم على حق دائما. كان معروفا بدرجة كبيرة وسط ثوار البلقان، ولجان ~~الإضراب البريطانية، والسجناء القدامى في المؤسسات العقابية المحلية. (الاستثناء الوحيد ~~للأمر الأخير هو صاحب السوابق العتيد، باندي براين، الذي استهان بالأسقف الصالح استهانة ~~شديدة، واحتفظ بمودته من أجل مدير السجن؛ الذي يرى أن دموع العين ليست سوى قطرات ماء، والذي ~~كشف عن عدم صحة أكثر رواياته المؤثرة بدقة سريعة وعقلانية.) قال السجناء القدماء بعطف، ~~ليس هناك أي شيء لن يصدقه الأسقف العجوز؛ فبإمكانك دائما المبالغة في الحديث. # وجد روبرت أن الأسقف في العادة مسل بدرجة ما، لكنه لم يكن اليوم إلا مزعجا. حاول ~~قراءة قصيدتين، لم ms047 يفهم أيا منهما، فألقى المجلة مرة أخرى على المنضدة. # سأل بن كارلي، بينما يقف إلى جانب كرسي روبرت ويومئ برأسه نحو مجلة «ذا ووتشمان»: «هل ~~وقعت إنجلترا في الخطأ مرة أخرى؟» ~~«مرحبا كارلي.» # قال المحامي الضئيل، وهو يقلب المجلة في احتقار بأصابعه المتسخة بالنيكوتين: «ماربل ~~آرتش للأثرياء.» ثم سأله قائلا: «أتود تناول مشروب؟» ~~«شكرا لك، لكني في انتظار السيد وينيارد العجوز. إنه يتحرك بصعوبة، في هذه ~~الأيام.» ~~«لا، أيها الرجل المسكين. إنها خطايا الآباء. من السيئ أن تعاني من خطيئة لم ترتكبها! ~~رأيت سيارتك خارج منزل فرنتشايز منذ أيام قلائل.» # قال روبرت: «أجل»، وتعجب قليلا. كان على غير عادة بن كارلي أن يكون صريحا. وإن كان ~~قد رأى سيارة روبرت، فإنه قد رأى أيضا سيارتي الشرطة. ~~«إذا كنت تعرفهما، سيصبح بوسعك أن تخبرني بشيء كنت أريد دائما أن أعرفه عنهما. هل ~~الشائعة صحيحة؟» ~~«شائعة؟» ~~«هل هما ساحرتان؟» # قال روبرت باستخفاف: «هل من المفترض أن تكونا هكذا؟» # قال كارلي، وعيناه السوداوان اللامعتان تستقران لحظة على عيني روبرت عن قصد، ثم ~~تستمران في النظر عبر الردهة في تفحصهما السريع المعتاد: «ثمة تأييد قوي لهذا ~~المعتقد بين أهل الريف، حسبما أفهم.» # فهم روبرت أن الرجل الضئيل كان يعرض عليه، ضمنيا، معلومات ظن أنها ربما ~~ستفيده. # قال روبرت: «آه، حسنا، منذ أن دخلت وسائل الترفيه إلى الريف مع السينما، فليباركها ~~الله، وضع حد لمطاردة الساحرات.» ~~«لا تصدق ذلك. قدم مبررا مقنعا إلى هؤلاء الريفيين الحمقى وسيطاردون الساحرات ~~بأقصى ما أوتوا من قوة. إنهم مجموعة من المنحطين أخلاقيا بالفطرة، إذا أردت رأيي. ~~ها قد وصل رجلك العجوز. حسنا، سأراك لاحقا.» # كانت واحدة من المزايا الرئيسية في روبرت أنه كان يبدي اهتماما صادقا بالناس ~~ومشكلاتهم؛ لهذا أنصت إلى القصة غير المترابطة للسيد وينيارد العجوز بلطف حاز به على ~~امتنان الرجل العجوز - ونتيجة لهذا اللطف أضاف العجوز، رغم عدم علم روبرت بذلك، مائة ~~جنيه إلى المبلغ المخصص أمام اسمه في وصية المزارع العجوز - لكن بمجرد انتهاء مهمتهما ms048 ~~اتجه مباشرة إلى هاتف الفندق. # كان هناك أناس كثيرون في انتظار الحديث عبر هاتف الفندق؛ لهذا قرر أن يستخدم هاتف ~~المرأب في سين لين. من المفترض أن المكتب قد أغلق الآن وعلى أي حال هو يقع على مسافة ~~بعيدة. فتواردت أفكاره وهو يعبر الطريق بخطوات مسرعة أنه إذا اتصل من هاتف المرأب، ~~فسيجد سيارته بالقرب منه إذا طلبت - إذا طلبتا منه الحضور والاستفاضة في مناقشة القضية، ~~وهو أمر محتمل للغاية، بل من المؤكد أنهما ستطلبان ذلك - أجل، بالطبع سترغبان في مناقشة ~~ما بوسعهما فعله لدحض رواية الفتاة، سواء أكانت القضية ستحال للمحكمة أم لا - وقد شعر ~~بالارتياح للغاية؛ بسبب الأخبار التي أتى بها هالم لدرجة أنه لم يكن قد فكر في ... # قال بيل برو، وهو يسحب جسده الكبير عبر باب المكتب الضيق، وقد كان وجهه الدائري ~~الهادئ مرحبا وخاليا من التعبير: «مساء الخير يا سيد بلير.» ثم أردف قائلا: «أتريد ~~سيارتك؟» ~~«لا، أريد استخدام هاتفك أولا، إن أمكن لي.» ~~«بالتأكيد، تفضل.» # ستانلي، الذي كان أسفل سيارة، أخرج وجهه المشاكس وسأل: ~~«هل حصلت على أي معلومات؟» ~~«ولا معلومة واحدة، يا ستان. لم أراهن في سباق الخيل منذ شهور.» ~~«لقد خسرت جنيهين على حصان يقوم بأعمال المزرعة يدعى برايت بروميس. هذا نتيجة أن تضع ~~جل ثقتك في الخيل. في المرة التالية التي تحصل فيها على معلومات ...» ~~«في المرة التالية التي سأراهن فيها سأخبرك. لكن سيظل الرهان على الخيل.» # قال ستانلي، وهو يختفي تحت السيارة مرة أخرى: «ما دام ليس حصان مزرعة ...»، واتجه روبرت ~~إلى المكتب الصغير المضيء ثم أمسك بسماعة الهاتف. # كانت ماريون من أجابت الهاتف، وبدا صوتها مرحبا ومسرورا. ~~«لا يمكنك أن تتخيل مدى الارتياح الذي بعثته رسالتك فينا. كنت أنا وأمي نجمع نسالة ~~الحبال طيلة الأسبوع الماضي. هل لا يزال المساجين يجمعون تلك النسالة، على أي ~~حال؟» ~~«لا أظن. إنهم يخضعون لشيء أكثر إيجابية في الوقت الحالي، حسبما أفهم.» ~~«علاج مهني.» ~~«تقريبا.» ~~«لا أعتقد أن أي أعمال حياكة إجبارية قد ms049 تقوم شخصيتي.» ~~«على الأرجح سيجدون لك شيئا أكثر ملاءمة. فإنه يتنافى مع الفكر الحديث أن تجبر ~~سجينا على فعل أي شيء لا يرغب هو فيه.» ~~«تلك هي المرة الأولى التي أسمعك فيها تتحدث بسخرية لاذعة.» ~~«هل كنت لاذعا؟» ~~«كمادة أنجوستورا خالصة.» # حسنا، لقد تطرقت إلى موضوع الشرب؛ ربما ستقترح الآن أن يحضر لتناول بعضا من نبيذ ~~الشيري قبل العشاء. ~~«يا لوسامة ابن أخيك، بالمناسبة!» ~~«ابن أخي؟» ~~«الشخص الذي أحضر الرسالة.» # قال روبرت بنبرة فاترة: «إنه ليس ابن أخي.» لم تبدو العمومة أنها تضيف على العمر ~~عمرا؟ ومن ثم أضاف: «هو ابن ابن عمي. لكن يسرني أنه حاز على إعجابك.» هذا لن يفي ~~بالغرض؛ كان عليه أن يتولى هو زمام الأمور. «أود مقابلتك بعض الوقت حتى نناقش ما ~~بوسعنا فعله لتسوية الأمور. حتى نجعل الوضع أكثر أمانا ...» ثم انتظر الرد. ~~«أجل، بكل تأكيد. ربما بإمكاننا أن نجري زيارة إلى مكتبك في صباح يوم ما عند ذهابنا ~~للتسوق؟ ما طبيعة الشيء الذي بإمكاننا أن نفعله، في رأيك؟» ~~«نوع من التحريات السرية، ربما. لا يمكنني مناقشة الأمر على الهاتف.» ~~«أجل، بالطبع لا يمكنك. هل من المناسب أن نأتي يوم الجمعة صباحا؟ هذا يوم التسوق ~~الأسبوعي بالنسبة لنا. أم أن يوم الجمعة يوم حافل بالنسبة إليك؟» # قال روبرت، متقبلا خيبة أمله على مضض: «لا، الجمعة سيناسبني تماما.» ثم أردف ~~قائلا: «هل يناسبكما أن تأتيا عند الظهر؟» ~~«لا بأس، هذا مناسب تماما. الساعة الثانية عشرة بعد يوم غد، في مكتبك. إلى اللقاء، ~~وأشكرك مرة ثانية على دعمك ومساعدتك.» # أنهت المكالمة، بكل حزم وسلاسة، من دون الثرثرات التمهيدية المعتادة التي قد توقعها ~~روبرت من النساء. # سأل بيل برو أثناء خروجه إلى ضوء النهار الخافت داخل مرأب السيارات: «هل لي أن أجلبها ~~لك؟» ~~«ماذا؟ آه، السيارة. لا، لن أحتاج إليها الليلة، شكرا لك.» # انطلق في جولته المسائية المعتادة عبر هاي ستريت، محاولا بصعوبة ألا يشعر بالتجاهل. ~~لم يكن حريصا على الذهاب إلى منزل فرنتشايز في المرة الأولى، ms050 وكان قد أبدى تردده ~~بصورة واضحة تماما؛ وهي كانت تتجنب بتلقائية تكرار نفس الملابسات. ولأنه قد حدد ~~موقفه من أمرهما على أنه مجرد مهمة عمل، يرجى حلها في مكتب، بصفة غير شخصية. لذا، ~~هما لن يجعلاه ينخرط مجددا في الأمر أكثر من ذلك. # حسنا، فكر، وهو يرتمي في مقعده المفضل إلى جانب المدفأة في غرفة الجلوس ويفتح ~~الجريدة المسائية (التي طبعت ذلك الصباح في لندن)، أنه عند قدومهما إلى المكتب يوم ~~الجمعة بإمكانه أن يفعل شيئا حتى يسند الأمر على أساس شخصي. حتى يمحو ما ترسخ في ~~الذاكرة عن ذلك الامتناع البغيض الذي أبداه في المرة الأولى. # إن هدوء المنزل العتيق خفف عنه. كانت كريستينا قد اختلت بنفسها في غرفتها يومين، ~~منهمكة في الصلوات والتأمل، والعمة لين كانت في المطبخ تعد العشاء. وهناك خطاب ~~مبهج من ليتيس، أخته الوحيدة، التي كانت قد قادت شاحنة عدة سنوات أثناء حرب دموية، ~~فوقعت في حب رجل كندي طويل هادئ، وكانت تعكف الآن على تربية خمسة أطفال شقر أشقياء ~~في مقاطعة ساسكاتشوان. أنهت خطابها قائلة: «تعال لزيارتنا قريبا يا عزيزي روبين، قبل أن ~~يشب الأطفال الأشقياء وقبل أن تنمو الطحالب حولك مباشرة. أنت تعلم كم أن العمة لين خطر ~~عليك!» كان بإمكانه أن يسمعها وهي تقول هذه الكلمات. فهي والعمة لين لم تكونا على وفاق ~~قط. # كان يبتسم، مسترخيا وغارقا في الذكريات، عندما بدد هدوءه وسلامه اقتحام ~~نيفيل. # سأله نيفيل بحدة: «لم لم تخبرني بأنها هكذا؟!» ~~«من هي؟» ~~«تلك السيدة التي من عائلة شارب! لم لم تخبرني؟» # قال روبرت: «لم أتوقع أنك ستقابلها.» ثم أردف قائلا: «كل ما كان عليك فعله هو أن ~~تلقي الخطاب عبر الباب.» ~~«لم يكن في الباب فتحة لألقيه عبرها؛ لهذا دققت الجرس، وكانتا قد عادتا للتو من ~~المكان الذي كانتا فيه. على أي حال، لقد كانت هي من أجابت.» ~~«ظننت أنها تغفو في وقت ما بعد الظهر.» ~~«لا أظن أنها تنام أبدا. فهي لا تمت إلى السلالة البشرية بصلة ms051 على الإطلاق. إنها ~~جسد مدمج من النار والمعدن.» ~~«أعلم أنها سيدة عجوز فظة للغاية، لكن لا بد أن تلتمس لها الأعذار. لقد تعرضت لظروف ~~صعبة ...» ~~«عجوز؟ عمن تتحدث؟» ~~«عن السيدة شارب العجوز، بكل تأكيد.» ~~«لم أر من الأساس السيدة شارب العجوز. أتحدث عن ماريون.» ~~«ماريون شارب؟ وكيف عرفت أن اسمها ماريون؟» ~~«هي من أخبرتني. إن الاسم يليق بها، أليس كذلك؟ لا يمكن لها أن تكون أي شيء سوى ~~ماريون.» ~~«يبدو أنك أصبحت تألف المعارف على الأبواب بدرجة ملحوظة.» ~~«أوه، لقد قدمت لي الشاي.» ~~«الشاي! ظننتك متعجلا بشدة لمشاهدة الفيلم الفرنسي.» ~~«لن أتعجل بشدة قط لأفعل أي شيء عندما تدعوني سيدة مثل ماريون شارب على الشاي. هل ~~لاحظت عينيها؟ لكنك بالطبع لاحظت. فأنت محاميها. تلك الدرجة المذهلة من اللون الرمادي ~~المائل إلى البندقي. والنمط الذي يستقر به حاجباها أعلاهما، مثل أثر فرشاة لرسام ~~نابغة. إنهما حاجبان يشبهان الجناح. لقد ألفت قصيدة عنها في طريق عودتي إلى المنزل. ~~أتود سماعها؟» # قال روبرت في حزم: «لا.» ثم أردف قائلا: «هل استمتعت بالفيلم؟» ~~«لم أذهب لمشاهدته.» ~~«لم تذهب لمشاهدته!» ~~«أخبرتك بأني احتسيت الشاي مع ماريون بدلا من ذلك.» ~~«تقصد أنك قضيت «وقت ما بعد الظهر» بأكمله في منزل فرنتشايز!» # قال نيفيل بأسلوب حالم: «أظنني كذلك، لكن، قسما بالله، لا يبدو أن الوقت قد تعدى ~~سبع دقائق.» ~~«وماذا حدث لتعطشك إلى السينما الفرنسية؟» ~~«لكن ماريون هي ذاتها فيلم فرنسي. حتى أنت لا بد أن تدرك هذا!» فزع روبرت عند سماع «حتى ~~أنت». ثم تابع قائلا: «لم تكترث بالخيال، إذا كان بإمكانك أن تكون مع الواقع؟ الواقع. هذه ~~هي الصفة المناسبة تماما لها، أليس كذلك؟ لم أقابل قط أي أحد حقيقي مثل ~~ماريون.» ~~«ولا حتى روزماري؟» كان روبرت في حالة تعرفها العمة لين بأنها حالة «ضيق». ~~«يا إلهي، روزماري حبيبة، وسأتزوجها، لكن ذلك شيء مختلف تماما.» # قال روبرت، في وداعة مصطنعة: «حقا؟» ~~«بالطبع. من المستحيل أن يتزوج الرجال نساء مثل ماريون شارب. فهذا الزواج سيكون أشبه ms052 ~~بالزواج بجان دارك. كفر بكل تأكيد أن تفكر في الزواج بمثل هؤلاء النساء. لقد تحدثت عنك ~~بكل لطف، على أي حال.» ~~«كان ذلك لطفا منها.» # كانت النبرة جافة للغاية حتى إن نيفيل قد أدرك مغزاها. # سأل، متوقفا لينظر إلى ابن عمه في تشكيك متفاجئ: «ألم تعجبك؟» # كان روبرت قد توقف برهة حتى يعود إلى حالة روبرت بلير اللطيف، المتساهل، المتسامح؛ ~~فهو الآن في حالة رجل متعب لم يتناول عشاءه بعد، ويعاني من ذكرى إحباط وتجاهل. # قال: «في نظري، ماريون شارب ليست إلا امرأة أربعينية نحيفة تعيش مع أم عجوز فظة في ~~منزل قديم قبيح، وتحتاج إلى استشارة قانونية عن قضية مثل أي شخص آخر.» # لكن حتى الكلمات وهي تخرج منه أراد أن يوقفها، كما لو أنها كانت خيانة لصديق. # قال نيفيل في تسامح: «لا، ربما أنها ليست على هواك.» ثم تابع قائلا: «كنت دائما ~~تفضلهن أغبياء قليلا، وشقراوات، أليس كذلك؟» قيل ذلك من دون إضمار خبث، كما لو أن ~~شخصا يذكر حقيقة بسيطة. ~~«لا أتصور لم عليك أن تفكر هكذا.» ~~«جميع النساء اللاتي كدت تتزوجهن كن من ذلك الصنف.» # قال روبرت في عناد: «أنا لم «أكد أتزوج» أي واحدة قط.» ~~«هذا ما تظنه. لن تعرف أبدا كم كادت مولي ماندرس أن توقع بك.» # قالت العمة لين، وقد جاءت ووجهها محتقن من الطهو وتحمل صينية عليها نبيذ الشيري: ~~«مولي ماندرس؟» ثم تابعت: «إنها فتاة سخيفة. تخيلت أنك تستخدم لوح الخبز لعمل فطائر ~~البان كيك. وكانت تنظر لنفسها دائما في مرآة جيبها الصغيرة.» ~~«أنقذتك العمة لين تلك المرة، أليس كذلك، يا عمة لين؟» ~~«لا أعرف عم تتحدث يا عزيزي نيفيل. كفاك سيرا حول بساط المدفأة، وضع قطعة حطب في ~~النار. هل أعجبك الفيلم الفرنسي، يا عزيزي؟» ~~«لم أذهب. لقد احتسيت الشاي في منزل فرنتشايز بدلا من ذلك.» ثم رمق روبرت بنظرة، بعد ~~أن علم الآن أن رد فعل روبرت يحمل المزيد أكثر مما يبدو للعين. ~~«مع هاتين المرأتين الغريبتين؟ عم تحدثتم؟» ~~«عن ms053 الجبال ... موباسان ... الدجاج ...» ~~«الدجاج يا عزيزي؟» ~~«أجل؛ عن الشر المكثف في وجه دجاجة عند النظر إليها عن قرب.» # نظرت العمة لين نظرة غامضة. ثم التفتت إلى روبرت، وكأنها تنظر إلى أرض ثابتة. ~~«هل علي أن أزورهما يا عزيزي، إن كنت ستتعامل معهما؟ أو أطلب من زوجة القس أن ~~تزورهما؟» # قال روبرت، بنبرة جافة: «لا أظن أن علي إلزام زوجة القس بأي شيء لا رجعة فيه ~~هكذا.» # نظرت بريبة لوهلة، لكن مهام المنزل محت الأمر من عقلها. وقالت: «لا تتلكأ كثيرا في ~~شرب الشيري وإلا سيفقد ما لدي في الفرن مذاقه. الحمد لله، كريستينا ستنزل غدا مرة ~~أخرى. على الأقل آمل هذا؛ فأنا لم أعرف أبدا أن خلاصها يستغرق أكثر من يومين. ولا أعتقد ~~حقا أني سأزور هاتين السيدتين في فرنتشايز يا عزيزي، إذا كان الأمر سيان عندك. بخلاف ~~أنهما غريبتان وغريبتا الأطوار بشدة، فهما يخيفانني بصراحة تامة.» # أجل؛ كانت تلك عينة من رد الفعل الذي قد يتوقعه عندما يتصل الأمر بالسيدتين ~~شارب. كان بن كارلي قد بذل جهدا عظيما ليخبره بأنه، إذا حدثت مشكلة مع الشرطة في منزل ~~فرنتشايز، فلن يمكنه الاعتماد على هيئة محلفين منصفة. وكان لزاما عليه أن يتخذ ~~إجراءات لحماية السيدتين شارب. وعندما يراهما يوم الجمعة، سيقترح عليهما إجراء تحريات ~~خاصة، مستعينين بمحقق مدفوع الأجر. إن ضغط العمل على الشرطة شديد للغاية - وهذا هو ~~الحال عقدا أو أكثر - وثمة احتمال أن تصبح تحريات رجل واحد يعمل بترو أكثر نجاحا ~~مما قد توصلت إليه التحريات التقليدية والرسمية. # | الفصل السادس # لكن بحلول يوم الجمعة كان الوقت قد تأخر كثيرا على اتخاذ إجراءات لضمان سلامة ساكنتي ~~منزل فرنتشايز. # كان روبرت قد أخذ بعين الاعتبار عمل الشرطة بجد واجتهاد، والانتشار البطيء للإشاعات، ~~لكنه لم يكن قد أخذ في حسبانه صحيفة «أك-إيما». # كانت صحيفة «أك-إيما» أحدث نموذج من الصحف الصفراء يدخل الصحافة البريطانية من الغرب. ~~كانت تعمل بمبدأ أن دفع ألفي جنيه كتعويض هو ثمن زهيد مقابل تحقيق مبيعات قيمتها نصف ~~مليون ms054 جنيه. عناوينها الرئيسية كانت أكثر سوادا، وصورها أكثر إثارة، وفحواها أكثر حماقة ~~عن أي جريدة مطبوعة حتى الآن في الصحافة البريطانية. وقد أطلق عليها مجتمع الصحافة في ~~فليت ستريت اسما خاصا به - وهو من لفظ واحد لا يصلح للنشر - لكنه لم يتمكن من إيقافها ~~عن الصدور. كانت الصحافة دائما هي الرقيب على نفسها، فتقرر المسموح به وغير المسموح ~~به وفقا لمبادئ من تقديرها الحكيم وذوقها الرفيع. إذا قررت مطبوعة «وضيعة» ألا تنصاع ~~لتلك المبادئ، فليس هناك قوة قد تجبرها على الانصياع لها. في غضون عشر سنوات كانت صحيفة ~~«أك-إيما» قد تجاوزت بنصف مليون جنيه صافي المبيعات اليومية لأفضل الصحف مبيعا في الريف ~~إلى الآن. في أي عربة سكك حديدية داخل إحدى الضواحي تجد سبعة من بين عشرة أشخاص يقصدون ~~عملهم في الصباح يقرءون صحيفة «أك-إيما». # وكانت هي صحيفة «أك-إيما» التي فجرت قضية فرنتشايز. # كان روبرت قد خرج مبكرا إلى الريف في تلك الجمعة صباحا ليلتقي بسيدة عجوز على فراش ~~الموت أرادت أن تغير وصيتها. كان هذا إجراء تكرره بمعدل مرة كل ثلاثة أشهر ~~وطبيبها لم يخف حقيقة أنها في رأيه «سوف تعيش حتى تبلغ من العمر مائة عام». لكن بكل ~~تأكيد لا يسع محاميا أن يخبر موكلا استدعاه على وجه العجلة في الساعة الثامنة ~~والنصف صباحا أن يتوقف عن التصرف بحماقة. لهذا كان روبرت قد أخذ بعض نماذج الوصية ~~الجديدة، وأحضر سيارته من مرأب السيارات، وقادها إلى الريف. ورغم صراعه المعتاد مع الطاغية ~~العجوز الراقدة بين الوسادات - التي لم يكن ممكنا أبدا إفهامها حقيقة بسيطة، وهي أنها ~~لا يمكن أن تهب أربعة أنصبة يساوي نصيب الواحد منهم الثلث ~~- فإنه استمتع بأجواء الريف المنعشة. ودندن لنفسه في ~~طريق العودة، متطلعا إلى رؤية ماريون شارب في غضون أقل من ساعة. # كان قد قرر أن يغفر لها إعجابها بنيفيل. ففي نهاية الأمر، لم يكن نيفيل قد حاول قط ~~دفعها إلى كارلي. فلا بد للإنسان أن يكون منصفا. # أسرع بالسيارة داخل المرأب، وركنها بالقرب ms055 من مجموعة الخيول الصباحية التي تغادر إسطبل ~~الخيول، وعندئذ، متذكرا أن اليوم قد تجاوز أول يوم في الشهر، سار نحو المكتب لدفع ~~فاتورته إلى برو، الذي يدير العمل المكتبي. لكن ستانلي هو من كان داخل المكتب؛ يقلب في ~~حافظات الأوراق والفواتير بيديه القويتين في طرف ساعديه النحيلين على نحو مثير ~~للدهشة. # قال ستانلي، وهو يرمقه بنظرة شاردة: «لما كنت في سلاح الإشارة الملكي، اعتدت الظن ~~بأن ضابط الإمداد والتموين كان محتالا، لكني لست واثقا للغاية من ذلك الآن.» # قال روبرت: «هل هناك شيء ضائع؟» ثم تابع قائلا: «جئت لدفع فاتورتي. عادة ما تكون جاهزة ~~لدى بيل.» # قال ستانلي، وهو يقلب بإبهامه: «أتوقع أنها في مكان ما هنا أو هناك. ألق ~~نظرة.» # أمسك روبرت، الذي اعتاد على أوضاع المكتب، بأوراق غير مرتبة ألقاها ستانلي، حتى تعتلي ~~الطبقات المعتادة المنظمة التي نسقها بيل في الأسفل. وعندما أزال الكومة غير المرتبة ~~كشف عن وجه فتاة؛ صورة لوجه فتاة في إحدى الصحف. لم يتعرف عليها في الحال لكنها ~~ذكرته بشخص ما ثم توقف ليتطلع إليها. # قال ستانلي في انتصار، مستخرجا ورقة من أحد المشابك: «وجدتها!» كوم ما تبقى من ~~أوراق غير مرتبة على المكتب، وبهذا انكشفت أمام نظر روبرت الصفحة الأولى كاملة من تلك ~~الصحيفة الصباحية «أك-إيما». # متجمدا في مكانه من الصدمة، حدق روبرت فيها. # لاحظ ستانلي، عند التفاته ليأخذ من قبضة روبرت الورق الذي كان يحمله، استغراقه في ~~التركيز فأثنى على ذلك. # قال: «عدد لطيف نوعا ما.» ثم أردف قائلا: «تذكرني بفتاة كنت أعرفها في مصر. لها ~~العينان المتباعدتان نفسهما. كانت فتاة لطيفة. أدلت بأكاذيب مختلقة لا مثيل ~~لها.» # عاد مرة أخرى إلى ترتيب أوراقه، لكن روبرت ظل محدقا. # هذه هي الفتاة. # كتبت الصحيفة ذلك بحروف سوداء كبيرة في أعلى الصفحة، ثم شغل ثلثي الصفحة، أسفل منها، ~~صورة الفتاة. ويليهما، بخط أصغر حجما لكنه لا يزال واضحا، كتبت: # أهذا هو المنزل؟ # وأسفل منها صورة فوتوغرافية لمنزل فرنتشايز. # وبعرض الجزء السفلي من الصفحة كتب ms056 تعليق على الصورة: # الفتاة تقول نعم: فماذا تقول الشرطة؟ # انظر القصة في الداخل. # مد يده وقلب الصفحة. # حسنا، كل التفاصيل كانت مذكورة، فيما عدا اسم السيدتين شارب. # أنزل الصفحة، ثم نظر مجددا إلى الصورة الصادمة في الصفحة الأولى. في البارحة كان ~~فرنتشايز منزلا محصنا بأربعة أسوار عالية، متواريا عن الأنظار، متفردا في ذاته، ~~حتى إن ميلفورد لم تعرف كيف كان يبدو. أما الآن، فقد أصبح محطا للنظر عند كل كشك لبيع ~~الكتب، وعند كل منضدة لبائع صحف من مدينة بينزانس إلى بينتلاند. فواجهته المستوية ~~المنفرة أبرزت براءة هذا الوجه الذي ظهر فوقه. # كانت صورة الفتاة تبرز رأسها وكتفيها، فبدت أنها صورة مأخوذة في استديو تصوير ~~فوتوغرافي. شعرها كان يبدو أنه مصفف ليليق بمناسبة ما، وكانت ترتدي ما يبدو أنه فستان ~~حفل. كانت تبدو من دون معطفها المدرسي ليست أقل براءة، ولا أكبر عمرا؛ لم تكن هكذا. ~~بحث عن الكلمة التي قد تعبر عما يفكر فيه. كانت تبدو أقل ... حشمة، ألم تكن كذلك؟ فمعطف ~~المدرسة قد منع المرء من التفكير فيها بوصفها امرأة، مثلما تفعل ثياب الراهبات تماما. ~~خطر بباله حينها، أنه قد يكتب بحث كامل، عن الصفة الواقية التي تضفيها معاطف ~~المدرسة. واق بالمعنيين: درع واق وزي تمويهي. والآن نظرا إلى أن معطف المدرسة غير ~~موجود، فقد صارت أنثى بدلا من مجرد فتاة. # لكنها لا تزال ذات الوجه الصغير، الطفولي، الجذاب على نحو مثير للشفقة. إن تعابير ~~الوجه العفوية، مع العينين المتباعدتين، والشفاه المحمرة المكتنزة التي تضفي على ~~فمها انطباعا بطفل محبط جعل شكلها بأكمله مثيرا للإعجاب. ليس أسقف لاربورو وحده ~~الذي سيصدق الرواية التي ستدلي بها صاحبة ذلك الوجه. # وجه سؤالا إلى ستانلي: «هل لي أن أستعير هذه الصحيفة؟» # قال ستانلي: «خذها.» ثم تابع قائلا: «حصلنا عليها لتسلينا في استراحتنا الصباحية. ~~لا شيء بها.» # اندهش روبرت. وسأل، مشيرا إلى الصفحة الأولى: «ألا تجد في هذا شيئا مثيرا ~~للاهتمام؟» # ألقى ستانلي نظرة على الوجه المصور. «ليس إلا أنها ذكرتني بتلك ms057 الفتاة في مصر، ~~وأكاذيبها وكل شيء بشأنها.» ~~«لهذا لم تصدق تلك القصة التي أدلت بها؟» # قال ستانلي، بازدراء: «ما رأيك أنت؟!» ~~«أين كانت الفتاة في ظنك، إذن، طوال هذا الوقت؟» # قال ستانلي: «إن كنت أتذكر ما أظن أني أتذكره عن فتاة البحر الأحمر، فسأقول بالتأكيد ~~- أوه، لكن بكل تأكيد - إنها قضت تلك الآونة في العربدة»، ثم انصرف لمباشرة أحد ~~الزبائن. # حمل روبرت الصحيفة، وانصرف في وقار. على الأقل رجل واحد في الشارع لم يكن قد صدق ~~القصة؛ لكن ذلك بدا راجعا لذكرى قديمة بقدر ما كان راجعا لحالة تشكك حالية. # رغم أن ستانلي قد قرأ القصة بوضوح جلي من دون قراءة أسماء الشخصيات المعنية، أو ~~حتى أسماء الأماكن، فليس إلا عشرة بالمائة من القراء فعلوا الشيء نفسه (طبقا لما ~~توصل إليه مشروع ماس أوبزرفيشن)، أما التسعون بالمائة الآخرون فسيكونون قد قرءوا كل ~~كلمة، وسيناقشون القضية في تلك اللحظة بدرجات متفاوتة من الاستمتاع. # عند وصوله إلى مكتبه وجد أن هالم كان يحاول الوصول إليه عبر الهاتف. # قال روبرت للسيد هيزيلتاين العجوز، الذي كان قد أطلعه على آخر المستجدات لدى وصوله، ~~وكان واقفا في تلك اللحظة عند باب غرفته: «ادخل وأغلق الباب من فضلك.» ثم أضاف قائلا: ~~«وألق نظرة على هذا.» # أخذ روبرت سماعة الهاتف بيد واحدة، ووضع الصحيفة أمام السيد هيزيلتاين مباشرة باليد ~~الأخرى. # لمسها العجوز بيده الصغيرة الدقيقة، وكأنه يرى وثيقة غريبة لأول مرة. ثم قال: «هذه هي ~~الصحيفة التي أسمع عنها كثيرا.» ثم أولى تركيزه إليها، كما كان سيفعل مع أي وثيقة غير ~~مألوفة. # قال هالم، عندما اتصل به: «صار كلانا في موقف حرج، أليس كذلك؟!» ونقب في مفرداته ~~عن أوصاف تتناسب مع صحيفة «أك-إيما». أنهى حديثه، منشغلا بطبيعة الحال بوجهة نظر ~~الشرطة: «وكأن الشرطة لم يكن لديها ما يكفيها من عمل دون وجود هذه الصحيفة الصفراء في ~~أعقابها!» ~~«هل علمت أي أخبار جديدة من سكوتلاند يارد؟» ~~«لم يتوقف جرانت عن المكالمات منذ الساعة التاسعة صباح اليوم. لكن ليس ms058 بوسعهم أن يفعلوا ~~شيئا. ليس أمامك سوى أن تبتسم ابتسامة عريضة وتتقبل الأمر. دائما ما تكون الشرطة ~~محط نقد. لا شيء بوسعك أن تفعله، حتى، إذا وصلت الأمور إلى ذلك.» # علق روبرت: «هذا صحيح. لدينا صحافة حرة راقية.» # ذكر هالم بضعة أمور أخرى عن الصحافة. وسأل: «هل علمت السيدتان بالأمر؟» ~~«لا أظن ذلك. أثق تماما أنهما ربما لا يطلعان في العادة على صحيفة «أك- إيما»، ولم ~~يسنح الوقت لأصحاب النفوس الطيبة أن يرسلوها إليهما. لكن لديهما موعد هنا في غضون عشر ~~دقائق، وسأعرض عليهما الصحيفة حينها.» ~~«إن كان لي أن أشعر بالأسف على تلك المرأة المتسلطة العجوز، فستكون هي تلك ~~اللحظة.» ~~«كيف حصلت «أك-إيما» على القصة؟ أظن أن الوالدين - أقصد الوصيين على الفتاة - كانا ~~معارضين بشدة لمثل هذا النشر.» ~~«يقول جرانت إن أخا الفتاة استشاط غضبا من امتناع الشرطة عن اتخاذ أي إجراء، فذهب إلى ~~صحيفة «أك-إيما» من تلقاء نفسه. فهم بارعون في الحملات الدفاعية. ««أك- إيما» ستتأكد من ~~فعل الشيء المناسب!» عرفت ذات مرة أن إحدى تلك الحملات قد دخلت في يومها الثالث.» # عندما أنهى المكالمة ظن روبرت أنه إذا كان هناك ضرر لكلا الطرفين، فهو على أقل ~~تقدير ضرر متكافئ. فالشرطة بلا شك ستضاعف جهودها من أجل العثور على دليل مؤكد؛ وعلى ~~الجانب الآخر فإن نشر صورة الفتاة يعني للسيدتين شارب أن ثمة أملا ضعيفا أن يقر شخص ~~ما، في مكان ما، ويقول: «ليس ممكنا لهذه الفتاة أنها كانت في منزل فرنتشايز في ذلك ~~التاريخ المعلن؛ لأنها كانت في المكان الفلاني». # قال السيد هيزيلتاين: «قصة صادمة يا سيد روبرت. وإن جاز لي القول فإن المقال صادم تماما. ~~هجومي إلى أقصى درجة.» # قال روبرت: «ذلك المنزل هو منزل فرنتشايز، حيث تعيش السيدة شارب العجوز وابنتها؛ وهو ~~المكان الذي ذهبت إليه منذ بضعة أيام، إن كنت تتذكر؛ لأقدم لهما استشارة ~~قانونية.» ~~«أتقصد أن هاتين موكلتان لدينا؟» ~~«أجل.» ~~«لكن يا سيد روبرت، هذا بعيد عن مجال اختصاصنا.» جفل روبرت من الخوف الذي لمسه ms059 في صوته. ~~«هذا بعيد تماما عما نعتاد عليه - في الواقع خارج عملنا المعتاد تماما - فنحن لسنا ~~مختصين ...» # قال روبرت، بفتور: «أعتقد أننا مختصون في الدفاع عن أي موكل ضد صحيفة مثل ~~«أك-إيما».» # نظر السيد هيزيلتاين إلى الصحيفة الصفراء الصادمة على المنضدة. كان يواجه بكل وضوح ~~الاختيار المعضل بين موكل جان وصحيفة مخزية. # سأل روبرت: «هل صدقت قصة الفتاة عندما قرأتها؟» # قال السيد هيزيلتاين ببساطة: «لا أفهم كيف لها أن تختلقها.» ثم أضاف قائلا: «إنها ~~قصة مفصلة تماما، أليس كذلك؟» # أضاف روبرت قائلا: «هي كذلك، حقا. لكني رأيت الفتاة في الأسبوع الماضي عندما ~~استدعيت إلى منزل فرنتشايز لتتعرف عليه - كان ذلك هو اليوم الذي انصرفت فيه على عجالة ~~بعد الشاي مباشرة - ولا أصدق كلمة مما تقولها الفتاة. ولا كلمة واحدة»، وسره أنه ~~تمكن من قولها لنفسه بصوت عال وبوضوح، وأنه تأكد أخيرا أنه صدق ذلك. ~~«لكن كيف من الممكن لها أن تتصور منزل فرنتشايز بأي شكل من الأشكال، أو تعرف كل تلك ~~التفاصيل، إن لم تكن قد ذهبت إلى هناك؟» ~~«لا أعرف. ليس لدي أدنى فكرة.» ~~«أكثر مكان اختياره مستبعد، بكل تأكيد؛ منزل ناء، متوار عن النظر، على طريق ~~مهجور، في بلدة ريفية لا يزورها الناس كثيرا.» ~~«أعرف ذلك. لا أعلم كيف تم هذا، لكن أثق أن القصة كلها مختلقة. إن الاختيار ليس بين ~~روايتين، إنما بين طرفين. أثق تماما أن السيدتين شارب عاجزتان عن ارتكاب تصرف أحمق ~~مثل ذلك. وفي الوقت نفسه لا أصدق أن الفتاة عاجزة عن اختلاق رواية مثل تلك. هذا ما قد ~~يحتمله الأمر.» ثم توقف برهة. وأضاف مستخدما مع الموظف العجوز كنيته في الطفولة: «ليس ~~عليك سوى أن تثق في حكمي على هذا الأمر، يا تيمي.» # سواء أكان بسبب مناداته باسم «تيمي» أو بسبب الجدال، بدا واضحا أن السيد هيزيلتاين لم ~~يعد لديه اعتراض آخر ليبديه. # قال روبرت: «سترى المجرمتين بنفسك؛ لأني أسمع صوتيهما في الردهة الآن. بإمكانك أن ~~تحضرهن إلى هنا، إذا تكرمت.» # انصرف السيد ms060 هيزيلتاين صامتا إلى مهمته، وقلب روبرت الصحيفة على وجهها حتى يصبح الخبر ~~المؤذي نسبيا بشأن «هروب فتاة إلى الخارج» هو كل ما تقع عليه أعين الزائرتين. # كانت السيدة شارب، مدفوعة بحماسة جاءتها متأخرا من أجل اللقاء، قد ارتدت قبعة على ~~شرف المناسبة. كانت شيئا مسطحا من الساتان الأسود، وأوحى الانطباع العام بشخص حاصل على ~~درجة الدكتوراه. ذلك الانطباع الذي لم يكن قد ذهب هباء كان واضحا من نظرة الارتياح التي ~~اعتلت وجه السيد هيزيلتاين. بدا واضحا تماما أنها لم تكن من الموكلين الذين قد ~~توقعهم؛ بل، على الجانب الآخر، كانت من الموكلين الذين اعتاد عليهم. # قال روبرت إليه، عندما رحب بالزائرتين: «لا تنصرف»، ثم قال للسيدتين: «أود أن ~~أقدم لكما أقدم فرد في المكتب؛ السيد هيزيلتاين.» # كان مناسبا أن تتحلى السيدة شارب باللطف؛ فكانت وهي لطيفة تشبه فيكتوريا ريجينا ~~إلى أقصى درجة. بدا السيد هيزيلتاين أكثر ارتياحا؛ فأعلن استسلامه. وبهذا انتهت المعركة ~~الأولى لروبرت. # عندما صاروا على انفراد لاحظ روبرت أن ماريون كانت تنتظر حتى تقول شيئا. # قالت: «شيء عجيب حدث صباح اليوم». وتابعت: «فقد ذهبنا إلى مقهى آن بولين لنشرب قهوة - ~~نفعل ذلك بصفة متكررة - وكانت هناك منضدتان شاغرتان، لكن ما إن رأتنا الآنسة ترولاف حتى ~~أمالت الكراسي سريعا على المنضدتين وقالت إنهما محجوزتان. كنت سأصدقها لو لم تبد ~~مرتبكة للغاية. أنت لا تظن أن الشائعات بدأت تحدث أثرا، أليس كذلك؟ وأنها فعلت ذلك ~~لأنها سمعت بعض الشائعات؟» # قال روبرت، بأسف: «لا، لأنها قرأت إصدار هذا الصباح من صحيفة «أك-إيما».» ثم قلب ~~الصحيفة لتظهر الصفحة الأولى منها. «أعتذر كثيرا لكما على تلك الأخبار السيئة. ليس ~~عليكما سوى أن تطبقا فمكما وتتقبلاه، كما يقول الصبية الصغار. لا أظن أنكما قد ~~رأيتما من قبل هذه الصحيفة الصفراء المؤذية عن قرب. من المثير للشفقة أن تبدأ معرفة ~~الأمر على نطاق شخصي هكذا.» # قالت ماريون في استنكار مؤثر عندما وقعت عيناها على صورة منزل فرنتشايز: «يا إلهي، ~~غير معقول!» # ثم ساد صمت تام ms061 بينما كانتا تستوعبان محتويات الصفحة الداخلية. # قالت السيدة شارب أخيرا: «أعتقد أنه لا يحق لنا الحصول على تعويض مقابل أخبار على ~~هذه الشاكلة؟» # قالت روبرت: «بتاتا.» ثم أردف قائلا: «جميع الإفادات صحيحة تماما. والأمر كله ~~متعلق بالإفادات ولا يوجد تعليق عليها. حتى وإن كان هناك تعليق - ولا أشك أن التعليق ~~سيأتي لا محالة - لم توجه أي تهم وبذلك فالقضية ليست أمام القضاء. فلهم مطلق ~~الحرية أن يعلقوا إذا شاءوا.» # قالت ماريون: «الأمر برمته يتلخص في تعليق ضمني خطير.» ثم أضافت قائلة: «إن الشرطة ~~أخفقت في أن تؤدي واجبها. ماذا يظنون أننا فعلنا؟ قدمنا رشوة إليهم؟» ~~«أظن أن الاقتراح المطروح هو أن الضحية الضعيفة لها تأثير أقل على الشرطة من الغني ~~الخبيث.» # كررت ماريون، وصوتها يختنق من الاستياء: «غني.» ~~«أي شخص لديه أكثر من ست مدفآت يعد غنيا. دعونا من هذا. إن لم تكن أصابتكما ~~صدمة شديدة تمنعكما عن التفكير، فلتفكرا. نحن متأكدون من أن الفتاة لم تذهب قط إلى ~~منزل فرنتشايز، وأنه لم يكن بوسعها ...» لكن ماريون قاطعته. # سألته: «هل أنت متأكد من ذلك؟» # قال روبرت: «أجل.» # تبدد من عينيها المتحديتين نظرة التحدي، فغضت بصرها. # وقالت بهدوء: «شكرا لك.» ~~«إذا لم تكن الفتاة قد ذهبت إلى هناك مطلقا، فكيف تمكنت من رؤية المنزل؟! لقد رأته ~~بالفعل بطريقة ما. ومن المستبعد تماما الاعتقاد بأنها كانت تكرر فحسب وصفا أعطاه ~~لها شخص آخر ... كيف تمكنت من رؤيته؟ أقصد، بشكل طبيعي.» # قالت ماريون: «بإمكانك رؤيته، حسب ظني، من الطابق العلوي لإحدى الحافلات.» ثم تابعت ~~قائلة: «لكن لا توجد حافلات ذات طابقين على طريق ميلفورد. أو من أعلى شحنة قش. لكنه ~~توقيت غير مناسب من السنة للقش.» # علقت السيدة شارب بصوت محشرج: «ربما كان توقيتا غير مناسب للقش، لكن لا يوجد ~~موسم محدد لبقية حمولات الشاحنات. كنت أرى شاحنات محملة ببضائع مثلها كمثل ~~القش.» # قالت ماريون: «أجل.» ثم أضافت قائلة: «لنفرض أن ما وصل الفتاة لم تكن سيارة، وإنما ~~شاحنة.» ~~«هناك أمر واحد يعارض ms062 هذا الافتراض. إن كانت الفتاة أوصلتها شاحنة فعلى الأرجح ستجلس ~~في المقصورة، حتى لو وصل الأمر أن تجلس على ركبة أحدهم. فلم يكونوا ليجلسوها أعلى ~~الحمولة. لا سيما أن الجو كان ممطرا في المساء، كما لعلك تتذكرين ... ألم يأت أحد قط ~~إلى منزل فرنتشايز ليسأل عن الطريق، أو ليبيع شيئا، أو ليصلح شيئا - شخص من المرجح ~~أن الفتاة كانت معه، حتى ولو في الخلف؟» # لكن لم يحدث ذلك؛ فهما واثقتان أنه لم يكن قد أتى أحد، في المدة التي كانت تقضي فيها ~~الفتاة إجازتها. ~~«سنعتبر من البديهي إذن أن ما عرفته عن منزل فرنتشايز كان بسبب وقوفها على ارتفاع ~~عال بما يكفي في ظرف ما لترى من فوق السور. ربما لن نعرف أبدا متى أو كيف، وربما لن ~~نتمكن من إثباته إذا عرفنا بالفعل. ولهذا لا بد أن تكرس جل جهودنا، ليس في إثبات ~~أنها لم تكن في منزل فرنتشايز، وإنما في إثبات أنها كانت في مكان آخر.» # سألت السيدة شارب: «وما فرصة حدوث ذلك؟» # قال روبرت، مشيرا إلى الصفحة الأولى من صحيفة «أك-إيما»: «لدينا فرصة أفضل مما كانت قبل ~~أن ينشر هذا.» ثم تابع قائلا: «في الواقع هذه النقطة المضيئة الوحيدة في هذا العمل ~~الشائن. كان من غير الممكن لنا أن ننشر صورة الفتاة على أمل أن نحصل على معلومات عن ~~الأماكن التي ترددت عليها أثناء ذلك الشهر. لكن الآن بعد أن قاموا بنشرها - أقصد أهلها - ~~فستعود إلينا الفائدة نفسها. نشروا القصة - وهذا من سوء حظنا؛ لكنهم كذلك نشروا الصورة - ~~وإن حالفنا الحظ بأي حال من الأحوال فسيلاحظ شخص ما، في مكان ما، أن القصة والصورة لا ~~تتوافقان. وأن في هذا التوقيت المحدد، كما ورد في القصة، لا يمكن لصاحبة الصورة أن تكون ~~في ذلك المكان المذكور؛ لأنهم يعرفون، بصفة شخصية، أنها كانت في مكان آخر.» # تبدد قليلا الحزن الذي ظهر على وجه ماريون، وكذلك الظهر النحيل للسيدة شارب صار أقل ~~تيبسا. الأمر الذي قد بدا أنه كارثة ربما ms063 يصبح، رغم كل هذا، سبيل النجاة لهما. # سألت السيدة شارب: «وماذا في وسعنا أن نفعله بخصوص التحريات الخاصة؟» ثم تابعت قائلة: ~~«أنت تدرك، كما أتوقع، أن نقودنا قليلة، وأعتقد أن التحريات الخاصة هي مهمة تستنزف ~~أموالا طائلة.» ~~«يتجاوز المبلغ عادة المبلغ الذي قد اتفق عليه، لأن من الصعب تحديد ميزانية لها. لكن ~~حتى نبدأ سأذهب، شخصيا، لمقابلة عدة أشخاص من أهلها ممن لهم صلة بالأمر، وسأكتشف، إن ~~أمكن، إلى أي اتجاه يجب أن تستند التحريات. وأكتشف ما المحتمل أنها كانت تفعله.» ~~«هل سيخبرونك بهذا؟» ~~«بالطبع، لا. هم على الأرجح لا يعلمون توجهاتها. لكن إن تحدثوا عنها بأي حال من ~~الأحوال فلا بد لتصور ما أن يتشكل. أتمنى ذلك على أقل تقدير.» # سادت لحظات من الصمت. ~~«أنت طيب بدرجة غير عادية، يا سيد بلير.» # كانت فيكتوريا ريجينا قد عادت إلى طريقة السيدة شارب، لكن ثمة إشارة خفية إلى شيء آخر. ~~يكاد يكون التفاجؤ، وكأن الطيبة لم تكن أحد الأمور التي قد تعرضت لها عادة في ~~الحياة، ولا توقعت أن تتعرض لها. فكان إقرارها اللطيف المتكلف معبرا كما لو أنها ~~قد قالت: «أنت تعرف أننا فقراء، وربما لا نقدر على دفع أتعابك كما ينبغي، ولسنا على ~~الإطلاق من الناس الذين قد تختار أن تمثلهم، لكنك ستحيد عن مجال تخصصك لكي تقدم لنا ~~أفضل خدمة في مقدرتك؛ ولهذا نحن ممتنون لك.» # سألت ماريون: «متي تنوي الذهاب؟» ~~«بعد الغداء مباشرة.» ~~«اليوم!» ~~«كلما أسرعنا كان ذلك أفضل.» # قالت السيدة شارب، وهي تنهض: «لن نؤخرك إذن.» ثم وقفت برهة تنظر لأسفل إلى الصحيفة ~~حيث كانت مفتوحة على المنضدة. وقالت: «استمتعنا بالخصوصية في منزل فرنتشايز مدة ~~طويلة.» # عندما رأى أنهما انصرفتا خارج الباب واستقلتا سيارتهما، استدعى نيفيل إلى غرفته وأخذ ~~سماعة الهاتف ليتحدث إلى العمة لين بشأن حزم حقيبة له. # وجه سؤالا إلى نيفيل: «أظنك لا تطلع أبدا على صحيفة «أك -إيما»؟» # أجاب نيفيل: «أظن أن هذا السؤال هو سؤال بلاغي.» ~~«انظر إلى عدد هذا الصباح. مرحبا ms064 عمة لين.» ~~«هل يريد أحد أن يقاضيهم بسبب شيء؟ سيدفع إلينا بمبلغ لا بأس به من المال، إن حدث ~~ذلك. فهم عادة يتوصلون إلى اتفاق بعيدا عن المحكمة. ويخصصون مبالغ من أجل ...» تلاشى ~~صوت نيفيل. فقد رأى الصفحة الأولى التي كانت تحدق إليه من المنضدة. # اختلس روبرت نظرة إليه من فوق الهاتف، ولاحظ بسعادة الصدمة الواضحة على الملامح ~~الشابة الواعدة لابن عمه. فشباب اليوم، كما فهم، يظنون بأنفسهم أنهم لا يهتزون لصدمة، ~~وكان من الجيد معرفة أنهم يستجيبون، مثلهم كمثل أي إنسان آخر، أمام صفعة عادية من الحياة ~~الواقعية. ~~«كوني لطيفة عمة لين، واحزمي حقيبة من أجلي، هل من الممكن ذلك؟ لليلة واحدة ...» # كان نيفيل قد فتح الصحيفة على عجل وأخذ يقرأ القصة في تلك اللحظة. ~~«إلى لندن وسأعود، هكذا أتوقع، لكني لست واثقا. على أي حال، تكفي الحقيبة الصغيرة، ~~وأقل كمية من الأغراض. وليس كل شيء ربما أحتاج إليه، إن كنت تحبينني. المرة السابقة ~~كانت هناك زجاجة من مسحوق الهضم يصل وزنها إلى قرابة رطل، عجبا متى كنت في حاجة إلى ~~مسحوق هضم ... حسنا، ستصيبني قروح إذن ... أجل، سأحضر على الغداء في غضون نحو عشر ~~دقائق.» # قال الشاعر والمفكر، متراجعا عن رغبته في استخدام اللهجة العامية: ««الخنزيرة» ~~اللعينة!» ~~«حسنا، ما رأيك؟» ~~«رأيي! عن أي شيء؟» ~~«قصة الفتاة.» ~~«وهل على الواحد منا أن يكون أي رأي من هذه؟ قصة مثيرة بكل وضوح ترويها ~~مراهقة مختلة؟» ~~«وماذا إن أخبرتك بأن تلك المراهقة هي طالبة هادئة للغاية، عادية، سيرتها طيبة ولا ~~يمكن أن تصفها بأي شيء سوى أنها رائعة.» ~~«هل رأيتها؟» ~~«أجل. كان ذلك سبب ذهابي إلى منزل فرنتشايز الأسبوع الماضي، لأحضر المواجهة عندما ~~أحضرت سكوتلاند يارد الفتاة لتواجههما.» وقال في نفسه: عليك أن تتقبل ذلك، أيها الشاب ~~نيفيل. وأضاف: إنها ربما تتحدث معك عن الدجاج أو عن موباسان، لكنها تلجأ إلي أنا عندما ~~تقع في مأزق. ~~«لتحضر المواجهة محاميا لهما.» ~~«بكل تأكيد.» # شعر نيفيل بالارتياح فجأة. «يا إلهي، حسنا؛ هذا جيد. ms065 ظننتك لوهلة ضدها. أقصد ~~ضدهما. لكن هذا جيد. بإمكاننا الانضمام إلى قوات الشرطة لنحبط مسعى هذه ... - فحرك ~~الصحيفة - هذه الدمية الصغيرة.» ضحك روبرت على اختيار نيفيل لهذا الوصف كما هو متوقع ~~منه. «ماذا تنوي فعله حيال الأمر يا روبرت؟» # فأخبره روبرت. «وأنت ستتولى مباشرة العمل نيابة عني أثناء غيابي.» لاحظ أن ~~انتباه نيفيل قد انصرف مرة أخرى إلى «الدمية الصغيرة». فتحرك نحوه لينضم إليه ~~وارتأيا معا أن ذلك الوجه الصغير ينظر في هدوء شديد إليهما في الأعلى. # قال روبرت: «وجه جذاب، على العموم.» ثم أضاف قائلا: «ما انطباعك عنه؟» # قال المولع بالجمال، بحقد دفين: «الشيء الذي أحب أن أستشفه منه هو أنه وجه ~~خبيث.» # | الفصل السابع # إن منزل آل وين بالقرب من إيلزبري كان يقع في ضاحية ريفية؛ ذلك النوع من المناطق التي ~~تزحف فيها صفوف من المنازل شبه المنفصلة على حدود حقول لا تزال تحتفظ بطبيعتها ~~النقية؛ فهم واعون ومدركون أنهم دخلاء، أو معتدون بأنفسهم، أو غير مبالين وفقا ~~للصفات التي أطلقها عليهم بناءوها. عاش آل وين في واحد من الصفوف التي تستوجب ~~الاعتذار؛ سلسلة من المنازل المتداعية التي بالطوب الأحمر التي جعلت روبرت يجز ~~منزعجا على أسنانه؛ كانت بدائية للغاية، وشديدة البساطة، وفي غاية البؤس. لكن عندما قاد ~~سيارته في بطء عبر الطريق، باحثا عن رقم المنزل الصحيح، استهواه الحب الذي قد كرس ~~في تزيين تلك الأشياء المؤسفة. لم يكن الحب قد كرس إلى بنائها؛ هذا ليس إلا ~~افتراضا. لكن في نظر كل صاحب منزل، وهو يتملكه، أن المنزل الصغير الأجرد قد أظهر ~~«جماله الكافي» وبعد أن وجده عكف على تزيينه. كانت الحدائق آية صغيرة من الجمال، وكل ~~حديقة تالية هي تجل جديد لم يتصوره قلب شاعر. # لا بد لنيفيل أن يأتي هنا ليشاهد المكان، هكذا فكر روبرت، متهاديا في سيره مرة ~~أخرى عندما التقطت عيناه منظرا بديعا جديدا؛ إذ يوجد هنا شعر أكثر مما كان يوجد ~~طوال الاثني عشر شهرا الماضية في مجلته المفضلة «ذا ووتشمان». فجميع ms066 عباراته الشائعة ~~كانت موجودة هنا: الصياغة، والإيقاع، واللون، والإيماءات الكاملة، والتصميم، والتأثير ~~... # أم أن نيفيل ربما لن يرى سوى صف من حدائق الضاحية؟ ليس سوى ميدوسايد لين، وإيلزبري، مع ~~بعض نباتات متجر وولوورث في الحدائق؟ # ربما. # المنزل رقم 39 كان منزلا ذا عشب أخضر منبسط والذي كان محاطا بصخور. ميزه كذلك أن ~~ستائره كانت غير موجودة. كانت لا توجد تلك الشبكة الأنيقة التي تبسط عبر زجاج النافذة، ~~ولا يوجد قماش أبيض معلق على الجوانب. كانت النوافذ مكشوفة للشمس والهواء ومرأى ~~البشر. هذا أدهش روبرت كثيرا بقدر ما أدهش الجيران على الأرجح. فهذا ينذر بحالة من ~~الاختلاف لم يكن قد توقعها. # دق الجرس، متمنيا ألا يبدو بائعا متجولا. كان طالبا للمعلومات؛ إذ إن الدور كان ~~جديدا على روبرت بلير. # أدهشته السيدة وين أكثر مما أدهشته نوافذها. لم يكن - إلا حينما قابلها - قد أدرك ~~الصورة الكاملة التي قد رسمها في مخيلته عن السيدة التي قد تبنت الطفلة بيتي كين ~~وربتها: الشعر الشائب، الهيئة المريحة الهادئة الوقورة، والوجه الرزين العريض الواضح؛ ~~ربما، كذلك، المئزر، أو واحدة من بدلات العمل المزينة بالورود التي ترتديها ربات ~~المنازل. لكن السيدة وين لم تكن تشبه تلك الصورة على الإطلاق. فكانت سيدة نحيفة لطيفة، ~~شابة عصرية، ذات بشرة سمراء ووجنتين متوردتين، ولا تزال تحتفظ بجمالها، ولها زوج ~~من العيون البنية لم ير روبرت مثيلا لهما في لمعانهما وذكائهما. # وعندما رأت شخصا غريبا بدت في موقف دفاعي، فاقتربت من الباب الذي كانت تمسك به في ~~حركة تلقائية وأغلقته قليلا؛ لكن النظرة الثانية بدا أنها بثت الطمأنينة في نفسها. ~~وضح روبرت من هو، فاستمعت إليه دون أن تقاطعه بأسلوب وجده مثيرا للإعجاب تماما. ~~قلة قليلة من موكليه يستمعون من دون مقاطعة؛ رجال أو نساء على حد سواء. # أنهى حديثه قائلا، بعد أن وضح سبب حضوره: «لست مجبرة تماما على التحدث إلي.» ~~ثم أردف قائلا: «لكني أتمنى من أعماقي ألا ترفضي. لقد أخبرت المحقق جرانت بأني سأذهب ~~لمقابلتك عصر اليوم، بالنيابة ms067 عن موكلتي.» ~~«حسنا، إذا كانت الشرطة تعلم بهذا ولا تمانع ...» ثم تراجعت إلى الوراء لتسمح له بالمرور ~~بجانبها. «أتوقع أن عليك بذل قصارى جهدك لصالح هاتين السيدتين إذا كنت محاميا ~~لهما. وليس لدينا ما نخفيه. لكن إذا كنت تريد حقا مقابلة بيتي، فأخشى ألا يمكنك ذلك. ~~لقد أرسلناها إلى أصدقاء لقضاء يوم في الريف؛ تجنبا لكل الصخب. أراد ليزلي الخير، لكن ما ~~فعله كان شيئا أحمق.» ~~«ليزلي؟» ~~«ابني. اجلس، من فضلك.» قدمت إليه أحد الكراسي المريحة في غرفة جلوس مبهجة، ~~ومرتبة. «كان غاضبا بشدة من الشرطة لدرجة أعجزته عن التفكير بوضوح - أقصد غاضبا من ~~إخفاقهم في فعل أي شيء عندما بدا الأمر مؤكدا للغاية. كان مخلصا طوال الوقت لبيتي. في ~~الواقع لم يفترقا إلى أن خطب.» # أصغى روبرت بإمعان. كان هذا نوع الشيء الذي قد جاء لسماعه. ~~«خطب؟» ~~«أجل. خطب بعد رأس السنة الجديد فتاة لطيفة للغاية. نحن جميعا مسرورون.» ~~«هل كانت بيتي مسرورة؟» # أجابت، وهي تنظر إليه بعينيها الذكيتين: «لم تشعر بالغيرة، إن كان ذلك ما ترمي ~~إليه.» ثم تابعت قائلة: «أتوقع أنها افتقدت كونها الأولوية الأولى له كما اعتادت، ~~لكنها كانت تتعامل بمنتهى اللطف مع الأمر. هي فتاة لطيفة بلا شك، يا سيد بلير. صدقني. ~~كنت أعمل معلمة قبل الزواج - لم أكن ناجحة للغاية؛ ولهذا السبب تزوجت مع أول فرصة ~~أتتني - وأعرف الكثير عن شأن الفتيات. وبيتي لم تتسبب لي في الشعور بالقلق ~~للحظة.» ~~«صحيح. أعرف ذلك. يحكي الجميع عنها على نحو ممتاز. هل خطيبة ابنك زميلتها في ~~المدرسة؟» ~~«لا، لم تكن من دائرة المعارف والأصدقاء. جاءت أسرتها لتعيش قريبا من هنا والتقى بها ~~في حفل رقص.» ~~«وهل تذهب بيتي إلى حفلات رقص؟» ~~«ليست حفلات رقص البالغين. فهي لا تزال صغيرة للغاية.» ~~«إذن هي لم تلتق من قبل بخطيبته أليس كذلك؟» ~~«صراحة، لم يكن أحد منا قد التقى بها من قبل. فاجأنا بها نوعا ما. لكننا أحببناها ~~كثيرا ولم نمانع.» ~~«لا بد أنه صغير للغاية على الاستقرار، أليس ms068 كذلك؟» ~~«أوه، الأمر برمته عبثي، بكل تأكيد. هو في العشرين من عمره وهي في الثامنة عشرة. ~~لكنهما رائعان معا. وكنت عن نفسي صغيرة للغاية عندما تزوجت وغمرتني سعادة بالغة. ~~الأمر الوحيد الذي افتقدته كانت الابنة، وبيتي ملأت تلك الفجوة.» ~~«ما الشيء الذي تريد فعله عندما تغادر المدرسة؟» ~~«لا تعرف. ليس لديها موهبة خاصة تجاه أي شيء بقدر ما ألاحظ. لدي تصور بأنها ~~ستتزوج مبكرا.» ~~«أهذا بسبب جمالها الجذاب؟» ~~«لا، بسبب ...»، وتوقفت وغيرت بوضوح ما كانت ستقوله. «الفتيات اللاتي ليس لديهن ميول ~~محددة يجنحن بشدة إلى الزواج.» # تساءل إذا كان ما أرادت قوله له أي صلة بعيدة بعينيها الزرقاوين المائلتين إلى ~~الرمادي. ~~«عندما أخفقت بيتي في الظهور في الموعد المحدد حتى تعاود الذهاب إلى المدرسة، هل ~~ظننت أنها كانت تتهرب من المدرسة؟ على رغم أنها طفلة فسلوكها حسن.» ~~«أجل؛ كان يزداد شعورها بالملل تجاه المدرسة، وكانت تقول دائما - وهو صحيح تماما - أن ~~اليوم الأول للعودة إلى المدرسة هو يوم بلا فائدة. لهذا ظننا أنها تنتفع من اليوم ولو ~~لمرة. «تجرب الأمر» كما قال ليزلي، عندما سمع أنها لم تكن قد عادت.» ~~«أتفهم ذلك. أكانت ترتدي زي المدرسة في إجازتها؟» # نظرت السيدة وين لأول مرة في ريبة إليه؛ متشككة في دافعه من السؤال. ~~«لا. لا، كانت ترتدي ملابسها المخصصة لعطلة نهاية الأسبوع ... أتعرف أنها لما عادت ~~كانت لا ترتدي سوى فستان وحذاء؟» # أومأ روبرت بالإيجاب. ~~«أشعر أنه من الصعب تصور سيدتين تصل بهما الوضاعة لدرجة أن تعاملا طفلة ضعيفة بتلك ~~المعاملة.» ~~«إذا كان بوسعك مقابلة السيدتين، يا سيدة وين، فربما تجدين أن تصور الأمر لا يزال ~~يزداد صعوبة.» ~~«لكن أكثر المجرمين شرا يبدون أبرياء وغير مؤذين، أليس كذلك؟» # سمح روبرت لذلك بأن يمر مرور الكرام. وأراد أن يعرف عن الكدمات التي بدت في جسد ~~الفتاة. أكانت كدمات جديدة؟ ~~«آه، جديدة تماما. أغلبها لم يبدأ في «تغيير» لونها .» # هذا أدهش روبرت قليلا. ~~«لكن أعتقد أن هناك كدمات أقدم كذلك.» ~~«إن كانت هناك، فإنها ms069 قد اختفت كثيرا لدرجة تحول دون ملاحظتها وسط جميع الكدمات ~~الجديدة البشعة.» ~~«كيف تبدو الكدمات الجديدة؟ كضرب بالسياط؟» ~~«يا إلهي، لا. كانت في الواقع قد ضربت في أماكن متفرقة. حتى وجهها الصغير الضعيف. ~~كان أحد فكيها متورما، وكدمة كبيرة وجدت على صدغها الآخر.» ~~«تقول الشرطة بأنها دخلت في حالة هيستيرية لما أوعز إليها بأن تخبر الشرطة ~~بقصتها.» ~~«كان ذلك لما كانت لا تزال مريضة. وبمجرد أن حصلنا على القصة منها وحظيت بوقت راحة ~~طويل، أصبح من السهل بدرجة كافية إقناعها بإعادة سردها على الشرطة.» ~~«أعلم أنك ستجيبين بصراحة عن هذا السؤال يا سيدة وين. ألم يساورك أي شك قط بأن ~~قصة بيتي ربما تكون غير حقيقية؟ أي شك ولو للحظة؟» ~~«ولا للحظة واحدة. ولم من المفترض أن يساورني شك؟ كانت دوما طفلة صادقة. حتى وإن ~~لم تكن، كيف لها أن تختلق قصة مفصلة تفصيلا طويلا مثل تلك من دون أن تكشف؟ سألتها ~~الشرطة كل الأسئلة التي أرادت أن تطرحها؛ لم يكن هناك أي اقتراح قط بعدم قبول ~~إفادتها كما هي.» ~~«عندما أخبرتك بقصتها، هل قصتها بالكامل دفعة واحدة؟» ~~«أوه، لا؛ سردتها على يوم أو يومين. الخطوط العريضة، أولا. ثم أخذت تضيف تفاصيل ~~كلما تذكرتها. تفاصيل مثل أن النافذة في العلية كانت دائرية.» ~~«لم تكن الأيام التي قضتها في غيبوبة قد شوشت على ذاكرتها.» ~~«لا أظن أنها أثرت بأي حال من الأحوال. أقصد، مع نوعية عقل بيتي. فهي تتمتع بذاكرة ~~فوتوغرافية.» # تساءل روبرت في نفسه عما إذا كانت كذلك حقا، وقد انتبهت كلتا أذناه وأصغتا ~~بتمعن. ~~«حتى وهي طفلة صغيرة كان بإمكانها أن تلقي نظرة على صفحة من أي كتاب - كتاب أطفال، ~~بالتأكيد - ثم تكرر أغلب المحتويات من الصور التي اختزنتها في عقلها. وعندما كنا ~~نلعب لعبة كيم - أتعرفها؟ لعبة الأشياء على الصينية - كان علينا أن نقصي بيتي من اللعبة ~~لأنها تفوز دائما. يا إلهي، غير معقول، كانت ستتذكر ما رأته.» # حسنا، تذكر روبرت لعبة أخرى كان الهتاف فيها «ازدد حماسة!» ms070 ~~«تقولين إنها كانت دوما طفلة صادقة - والجميع يؤيدك في ذلك - ألم تكن تستمتع بإضفاء ~~طابع رومانسي على حياتها الخاصة، كما يفعل الأطفال أحيانا؟» # قالت السيدة وين، بحزم: «أبدا.» بدت الفكرة أنها لا تستحوذ على اهتمامها. أضافت ~~قائلة: «لم يكن بوسعها ذلك. ما لم يكن الشيء حقيقيا، فلا فائدة منه في نظر بيتي. حتى ~~لعبة حفلات الشاي مع الدمى، لم يكن لها أن تتخيل أبدا الأشياء على الأطباق مثلما ~~يسعد أغلب الأطفال أن يفعلوا ذلك؛ كان لا بد أن تكون الأشياء حقيقية، حتى ولو كان مجرد ~~مكعبات صغيرة من الخبز. عادة كان شيئا أكثر لطفا، بالطبع؛ وكانت طريقة جيدة لطلب مزيد ~~من الأشياء، فكانت دائما طماعة نوعا ما.» # أعجب روبرت بالحيادية التي فكرت بها في ابنتها التي أحبتها كثيرا واشتاقت إليها ~~طويلا. أهي آثار النزعة المتشككة التي تنتهجها معلمات المدرسة؟ على أي حال، هذا أمر ~~أكثر أهمية بالنسبة إلى طفل من الحب الأعمى. من المثير للشفقة أن ذكاءها وتفانيها لم ~~يلقيا تقديرا. # قال روبرت: «لا أريد الاستمرار في موضوع لا بد أنه مزعج لك.» ثم تابع قائلا: «لكن ~~لعل بإمكانك أن تخبريني بشيء عن والديها.» # سألت السيدة وين، متفاجئة: «والديها؟» ~~«أجل. هل تعرفينهما جيدا؟ كيف كانا؟» ~~«لم نعرفهما مطلقا. ولم يسبق لنا رؤيتهما قط.» ~~«لكنك استقبلت بيتي لمدة ... كم كانت؟ - تسعة شهور؟ - قبل أن يقتل والداها، أليس ~~كذلك؟» ~~«صحيح، لكن والدتها كتبت خلال مدة قصيرة بعد أن جاءت بيتي إلينا وأخبرتنا بأن مجيئها ~~لرؤيتها لن يتسبب سوى في إزعاج الطفلة وسيجعلها تعيسة وأن أفضل شيء للجميع سيكون تركها ~~معنا إلى حين تمكنها من العودة إلى لندن. وقالت إن كان من الممكن أن أتحدث إلى بيتي ~~عنها ولو مرة واحدة كل يوم.» # انقبض قلب روبرت شفقة على هذه السيدة المجهولة المتوفاة التي كانت على استعداد أن ~~ينتزع قلبها من أجل طفلتها الوحيدة. يا لهذا الكنز من الحب والاهتمام الذي انهمر أمام ~~بيتي كين، الطفلة اللاجئة! ~~«هل استقرت بسهولة عندما جاءت؟ أو هل ms071 بكت من أجل والدتها؟» ~~«بكت لأن الطعام لم يعجبها. لا أتذكر أن بكت من أجل والدتها. أغرمت بليزلي من ~~الليلة الأولى - لم تكن سوى طفلة صغيرة، كما تعرف - أعتقد أن اهتمامها به أنساها أي حزن ~~ربما شعرت به. وكان هو، لكونه يكبرها بأربع سنوات، في عمر مناسب تماما ليشعر بأنه ~~حاميها. ولا يزال كذلك - ولذلك فنحن في هذا المأزق اليوم.» ~~«كيف وقع أمر صحيفة «أك-إيما»؟ أعرف أن ابنك هو الذي ذهب إلى الصحيفة، لكن هل وافقته ~~الرأي في النهاية ...» # قالت السيدة وين بسخط: «يا إلهي، لا». وتابعت: «حدث الأمر قبل أن نتمكن من فعل أي ~~شيء حياله. كنت أنا وزوجي في الخارج لما جاء ليزلي والصحفي - حيث أرسلوا معه رجلا عندما ~~سمعوا قصته، حتى يحصلوا على القصة مباشرة من بيتي - وعندما ...» ~~«وهل أخبرته بيتي بمحض إرادتها تماما؟» ~~«لا أعلم مدى رغبتها. لم أكن هناك. لم أعلم أنا وزوجي أي شيء عن الأمر حتى صباح اليوم، ~~عندما ألقى ليزلي صحيفة «أك-إيما» أمامنا مباشرة. ربما أضيف، في تحد قليلا. لم يشعر ~~بشعور جيد للغاية حيال ما تم الآن. إن صحيفة «أك-إيما»، أود أن أؤكد لك يا سيد بلير، ~~ليست عادة اختيار ابني. لو لم يكن ثائرا ...» # نهض قائلا: «أعرف. أعرف تماما كيف حدث ذلك. وأن «أخبرينا عن مأزقك وسنتأكد من فعل ~~الشيء المناسب» هي حيلة ماكرة للغاية». ثم أضاف قائلا: «كنت في غاية اللطف حقا، يا ~~سيدة وين، ممتن إليك إلى أبعد حد.» # كان واضحا أن نبرة صوته صادرة من القلب أكثر مما قد توقعت؛ ولهذا نظرت إليه في ~~ريبة. بدت أنها تسأل نفسها، مرتبكة قليلا: ماذا قلته ليساعدك؟ # سأل أين كان يعيش والدا بيتي في لندن، فأخبرته. وأضافت قائلة: «ليس هناك أي أثر ~~للمبنى الآن. ليس إلا مساحة مفتوحة. من المتوقع أنها ستصبح جزءا من تصميم مبنى جديد؛ ~~لهذا لم يكونوا قد فعلوا أي شيء فيه حتى الآن.» # على عتبة الباب قابل ليزلي صدفة. # كان ليزلي شابا ذا مظهر حسن على ms072 نحو استثنائي وبدا أنه غير مدرك كليا لهذه ~~الحقيقة - وهي صفة جعلته محبوبا عند روبرت، الذي لم يكن في حالة مزاجية تسمح له بالنظر ~~إليه بلطف. كان روبرت قد رسم له صورة في مخيلته بأنه من الشخصيات المخربة المندفعة؛ لكن ~~على النقيض كان شابا ضعيف البنية قليلا، طيبا، له عينان صادقتان خجولتان وشعر ناعم ~~غير مهذب. رمق روبرت بنظرة عداوة صريحة عندما قدمته إليه أمه وقد أوضحت مهمته في ~~القضية؛ لكن، كما قد قالت أمه، بدا شيء من التحدي في نظرته؛ كان واضحا أن ليزلي لم يكن ~~ضميره مرتاحا هذا المساء. # قال بنبرة حادة عندما كان روبرت قد عبر بلطف عن استهجانه لتصرفه: «ليس لأحد أن ~~يضرب أختي ثم ينجو من العقاب.» # قال روبرت: «أنا متعاطف مع وجهة نظرك. لكني شخصيا أفضل أن أضرب كل ليلة مدة ~~أسبوعين على أن توضع صورتي على الصفحة الأولى من صحيفة «أك-إيما». لا سيما إذا كنت فتاة ~~صغيرة.» # علق ليزلي قائلا في صميم الموضوع: «لو كنت قد تعرضت للضرب كل ليلة مدة أسبوعين ~~ولم يفعل أحد أي شيء حيال ذلك، لكان ممكنا أن تشعر بسعادة غامرة أن تجد صورتك منشورة ~~في أي صحيفة صفراء إذا كان ذلك سيأتي لك بحقك.» ثم انصرف عنهما إلى داخل ~~المنزل. # استدارت السيدة وين إلى روبرت بابتسامة اعتذار صغيرة، وقال روبرت، مستغلا تلك اللحظة ~~الهادئة لها: «سيدة وين، إذا خطر في بالك في أي وقت أن أي شيء في قصة بيتي لا يبدو ~~صحيحا، فإني آمل ألا تقرري أن أفضل شيء للكلاب النائمة هو تركها على حالها.» ~~«لا تضع أملا على ذلك يا سيد بلير.» ~~«ستتركين الكلاب نائمة، والبريء في معاناته؟» ~~«أوه، لا؛ لم أقصد ذلك. أقصد أمل التشكيك في قصة بيتي. إذا كنت صدقتها منذ البداية، ~~فمن غير المحتمل أن أشك فيها بعد ذلك.» ~~«من يدري. ربما يخطر ببالك يوما ما أن هذا أو ذاك غير «متوافق». تتمتعين بعقل ~~محلل بالفطرة، وربما يعرض لك جزء من العقل اللاواعي ms073 عندما يصبح أبعد شيء تتوقعينه. ~~شيء قد أصابك بالحيرة في أعماقك ربما يأبى أن يكتم أكثر من ذلك.» # كانت قد سارت إلى البوابة برفقته، وعندما قال جملته الأخيرة التفت ليودعها. ما أثار ~~دهشته أن شيئا أثير في عقلها وبدا على عينيها عند نطقه بهذه الجملة البسيطة. # كانت غير واثقة رغم كل ذلك. # نقطة ما، في القصة، في الأحداث، ثمة شيء صغير ترك سؤالا في عقلها المحلل ~~المتزن. # فماذا كان هو؟ # وعندئذ، وبسبب ما كان يتذكره دائما في تجربته فيما بعد على أنه نموذج مثالي على ~~التخاطر، توقف بينما يخطو داخل سيارته، وقال: «أكانت تحمل أي شيء في جيوبها عندما عادت ~~إلى المنزل؟» ~~«لم يكن لديها سوى جيب واحد؛ ذلك الجيب في فستانها.» ~~«هل كان بداخله أي شيء؟» # ظهر شد طفيف في العضلات المحيطة بفمها. وقالت، بهدوء: «ليس إلا أحمر شفاه.» ~~«أحمر شفاه! إنها صغيرة قليلا على ذلك، أليس كذلك؟» ~~«يا عزيزي السيد بلير، تبدأ الفتيات في تجربة أحمر الشفاه من سن العاشرة. وللترويح عن ~~النفس في يوم ممطر حل ذلك محل ارتداء بعض من ملابس الأم.» ~~«صحيح، ربما؛ متجر وولوورث هو المستفيد الأكبر.» # ابتسمت وودعته مرة أخرى ثم تحركت نحو المنزل عندما سار مبتعدا بسيارته. # ما الذي أثار استغرابها فيما يتعلق بأحمر الشفاه؟ هكذا تساءل روبرت، وهو ينعطف من السطح ~~غير المستوي لميدوسايد لين نحو السطح الممهد الأسود لطريق إيلزبري-لندن الرئيسي. أكان ~~فقط حقيقة تركه مع الفتاة من جانب الشيطانتين في منزل فرنتشايز؟ أكان ذلك ما وجدته أمرا ~~غريبا؟ # كم هو مدهش أن القلق الذي ساورها في عقلها الباطن كشف عن نفسه في التو إليه! لم يكن ~~قد عرف أنه سيقول تلك الجملة عن جيوب الفتاة حتى سمع نفسه يقولها. لم يكن ليخطر بباله ~~أبدا، من تلقاء نفسه، أن يتساءل عما كان بداخل جيب فستانها. ولم يكن يخطر بباله على ~~الإطلاق أن الفستان ربما به جيب. # إذن كان هناك أحمر شفاه. # ووجوده كان أمرا أثار استغراب السيدة وين. # حسنا، كانت ms074 تلك قشة يمكن إضافتها إلى الكومة الصغيرة التي قد جمعها. إلى حقيقة أن ~~الفتاة كانت تتمتع بذاكرة فوتوغرافية. إلى حقيقة أنها أصبحت محبطة بعد أن حل ~~محلها شخص آخر ليصبح محل اهتمام أخيها دون سابق إنذار فقط منذ شهر أو شهرين. إلى ~~حقيقة أنها تتسم بالطمع. إلى حقيقة أنها كانت تمل من المدرسة. إلى حقيقة أنها كانت تحب ~~الحياة «الواقعية». # إلى حقيقة أن - وقبل كل شيء - لم يعرف أحد في ذلك المنزل ما كان يجول في عقل بيتي كين، ~~ولا حتى السيدة وين الرزينة الحيادية. كان أمرا غير قابل للتصديق تماما أن فتاة في عمر ~~الخامسة عشرة كانت محور حياة رجل شاب ترى أحدا يحل محلها بين ليلة وضحاها من دون ~~أن تبدي رد فعل عنيفا تجاه الموقف. لكن بيتي كانت «تتعامل بمنتهى اللطف مع ~~الأمر». # شعر روبرت أن هذا مشجع. كان ذلك دليلا على أن ذلك الوجه الصغير العفوي لم يكن ~~دليلا مرشدا بأي شكل من الأشكال على شخصية بيتي كين. # | الفصل الثامن # كان روبرت قد قرر أن يضرب عصافير كثيرة بحجر واحد بقضائه الليلة في لندن. # في البداية، أراد أن يلجأ إلى شخص يأخذ بيديه ليوجهه. وفي هذه الظروف لن يأخذ أحد ~~بيديه أفضل من صديق المدرسة القديم كيفين ماكديرموت. كان كيفين يعرف الكثير عن الجريمة على ~~أي حال. وبصفته محامي دفاع مشهورا فإن معرفته بطبيعة البشر كانت واسعة ومتنوعة ~~ومميزة. # في الوقت الحالي كان الاحتمال متساويا بين ما إذا كان ماكديرموت سيموت من ارتفاع ضغط ~~الدم قبل بلوغه الستين من عمره، أو سينعم عليه بمقعد في مجلس اللوردات عند بلوغه ~~السبعين من عمره. تمنى روبرت أن يكون الاحتمال الأخير. إذ إنه شديد الولع ~~بكيفين. # كانا في البداية قد انجذب أحدهما إلى الآخر في المدرسة؛ لأنهما كانا «سيتخصصان في ~~القانون»، لكنهما قد أصبحا وظلا أصدقاء لأنهما كان يكمل أحدهما الآخر. بالنسبة ~~إلى الرجل الأيرلندي، فكان اتزان روبرت مثيرا للإعجاب، والاستفزاز، ويصبح - عندما كان ~~متعبا - باعثا على الراحة. أما ms075 بالنسبة إلى روبرت، فكان بريق النسب الكيلتي الذي ينتسب ~~إليه كيفين لافتا وآسرا. كان من الواضح أن طموح روبرت هو العودة إلى قريته ومواصلة ~~الحياة كما كانت؛ في حين أن طموح كيفين هو أن يغير كل شيء في القانون كان قابلا ~~للتغيير وأن يحدث أكثر ضجة ممكنة أثناء تنفيذ ذلك. # وحتى الآن لم يكن كيفين قد غير الكثير - رغم أنه قد بذل قصارى جهده بخصوص بعض أحكام ~~القضاة - لكنه قد أحدث ضجة هائلة بأسلوبه السهل، الماكر بعض الشيء. وكان ظهور كيفين ~~ماكديرموت في قضية يزيد خمسين في المائة من قيمتها الصحفية، ويزيد نسبة أكبر من ذلك في ~~أتعابها. # كان قد تزوج - على نحو نفعي لكن مبهج - وامتلك منزلا جميلا بالقرب من قرية ~~وايبريدج ولديه ثلاثة أبناء شجعان، نحفاء، وذوي بشرة سمراء مفعمين بالحيوية مثل أبيهم. ~~لأغراض له في المدينة؛ احتفظ بشقة صغيرة في المنطقة المحيطة بكاتدرائية سان بول، حيث، ~~كما أشار، يصبح «بوسعه توفير إطلالة على تمثال الملكة آن.» ووقتما يأتي روبرت إلى ~~المدينة - وهو ما لم يتمكن روبرت من أن يفعله كثيرا - كانا يتناولان العشاء معا، سواء ~~في الشقة أو في أحدث مكان كان كيفين قد وجد فيه نبيذ كلاريت جيدا. بعيدا عن القانون، ~~كانت اهتمامات كيفين هي الخيول، ونبيذ الكلاريت، وأفلام الحركة من إنتاج وارنر ~~براذرز. # كان من المقرر أن يذهب كيفين الليلة لحضور إحدى حفلات العشاء الخاصة بتجمع ~~للمحامين، هكذا قالت سكرتيرته عندما كان روبرت قد حاول الاتصال به من ميلفورد؛ لكنه كان ~~سيسعده وجود عذر وجيه للتهرب من الحديث في هذا التجمع؛ ولهذا فضل روبرت أن يتجه ~~مباشرة إلى منزل كيفين بعد العشاء، وينتظره. # كان ذلك أمرا جيدا؛ إذا عاد كيفين من العشاء، فسيكون هادئا ومستعدا للاسترخاء في ~~المساء؛ ليس مضطربا ولا في حالة تدل على أن ثلاثة أرباع عقله لا تزال في قاعة المحكمة ~~كما كان في بعض الأحيان. # في هذه الأثناء، كان روبرت سيتصل بجرانت في سكوتلاند يارد ليرى إن كان بوسعه أن يوفر ms076 ~~له دقائق معدودات كي يقابله في صباح الغد. لا بد أن يحدد بوضوح في عقله موقفه من ~~سكوتلاند يارد؛ رفقاء المعاناة، لكن في الجهة المقابلة من السور. # في فندق فورتسكيو، ذلك المكان العتيق المنتسب إلى العهد الإدواردي في جيرمين ستريت، حيث ~~كان يقيم دائما منذ أن سمح له بالذهاب بمفرده لأول مرة إلى لندن، رحبوا به بشدة ~~وقدموا له «الغرفة التي قد أقام بها في آخر مرة»؛ غرفة مريحة ضعيفة الإضاءة بها فراش ~~عال وأريكة مخملية بها أزرار، وأحضروا إليه صينية يستقر عليها إبريق شاي بني ذو حجم ~~كبير، وإبريق قشدة فضي على الطراز الجورجي، وما يقارب رطلا من قطع السكر في طبق ~~زجاجي رخيص، وفنجان من خزف الدرسدن مزخرف بنقش من الزهور والقلاع الصغيرة، وطبق بلون ~~أحمر وذهبي من خزف الووستر صنع من أجل «جلالتهما» ويليام الرابع وملكته، وسكين مطبخ ~~محدب بقدر كبير به مقبض بني. # أنعش روبرت كل من الشاي والصينية. فخرج في المساء إلى الشارع وهو يشعر بالتفاؤل على ~~نحو غامض. # إن بحثه عن الحقيقة بشأن بيتي كين أتى به، فقط على نحو شبه واع، إلى المساحة الخاوية ~~التي كان مشيدا عليها المبنى السكني؛ المكان الذي فيه قد مات أبواها على إثر انفجار ~~مدمر لمادة شديدة الانفجار. كانت مساحة نظيفة جرداء، تنتظر الدور المخصص لها في خطة ~~ما. لم يوجد أي أثر يدل على أن أحد المباني كان مشيدا في وقت ما على تلك البقعة. ~~وفي الأرجاء المحيطة، وقفت المنازل التي لم يمسسها سوء بأوجه متعجرفة خالية من ~~التعبير، مثل أطفال يعانون من قصور ذهني كانوا شديدي البلاهة لدرجة أعجزتهم عن استيعاب ~~معنى الكارثة. فهي قد مرت بهم وكان ذلك كل ما عرفوه عنها أو اهتموا به. # على الجهة المقابلة من الشارع الواسع، لا يزال صف من المتاجر قائما كما قد كان بكل ~~وضوح لخمسين سنة أو أكثر. عبر روبرت الطريق نحوها ثم دخل إلى متجر تبغ لشراء سجائر؛ ~~إن أصحاب متاجر التبغ الذين يبيعون أيضا صحفا ms077 يعرفون كل شيء. # سأل روبرت، وهو يميل رأسه ناحية الباب: «هل كنت هنا عندما وقع ذلك؟» # سأل الرجل المتورد الصغير البنية، الذي اعتاد كثيرا على تلك المساحة الخاوية وأصبح ~~غير مدرك لوجودها منذ مدة طويلة: «عندما حدث ماذا؟» ثم تابع قائلا: «أوه، الحادثة؟ لا، ~~كنت أقضي مرحلة التجنيد بالخارج. في ووردن.» # قال روبرت إنه يقصد هل كان يزاول تجارته هنا في ذلك الوقت. # أوه، أجل؛ أجل بالطبع كان يزاول تجارته هنا حينها، ومدة طويلة قبلها. لقد تربى في ~~منطقة مجاورة، ثم ورث التجارة عن والده. ~~«ستعرف أفرادا محليين بدرجة كبيرة، إذن. هل تتذكر الزوجين اللذين كانا يعملان في ~~حراسة المبنى السكني؟» ~~«أسرة كين؟ بالطبع أعرفهما. كيف لي ألا أتذكرهما؟ كانا يترددان جيئة وذهابا على ~~هذا المكان طوال اليوم. هو لجرائده في الصباح، أما هي فلسجائرها بعد مدة قصيرة، ثم يعود هو ~~لجرائده في المساء وهي تعود للمرة الثالثة على الأرجح من أجل سجائرها، ثم اعتدت أنا وهو أن ~~نشرب البيرة في حانة قريبة عندما يكون ابني قد انتهى من دروسه ويتولى العمل بدلا مني ~~هنا. أتعرفهما يا سيدي؟» ~~«لا. لكني قابلت شخصا ما منذ أيام قلائل قد تحدث عنهما. كيف دمر المكان ~~بأكمله؟» # شفط الرجل المتورد الهواء من بين أسنانه ليصدر صوتا مزدريا. ~~«مبنى ضعيف. ذلك كل ما في الأمر. ليس إلا مبنى ضعيفا. سقطت القنبلة في المنطقة هناك ~~- هكذا قتل زوجا أسرة كين - كانا في غرفتهما في الطابق السفلي يشعران بالأمان بعض الشيء - ~~وانهار المبنى بأكمله مثله كمثل بيت من الورق. إنه أمر صادم.» أخذ يرتب حافة كومة ~~الجرائد المسائية. ثم قال: «كان من سوء حظها تماما أن تلك الليلة كانت هي الليلة ~~الوحيدة التي قضتها بالمنزل مع زوجها خلال أسابيع، وكان مقدرا للقنبلة أن تسقط.» بدا ~~أنه وجد متعة ساخرة في الفكرة. # سأل روبرت: «أين كانت تذهب عادة ، إذن؟ هل كانت تعمل في مكان ما في المساء؟» # قال الرجل الصغير البنية، باحتقار بالغ: «تعمل! هي!» ثم تذكر قائلا: ms078 «أعتذر إليك، ~~صدقا. نسيت لوهلة أنهما ربما كانا أصدقاء ل...» # أسرع روبرت في التأكيد له بأن اهتمامه بأسرة كين كان اهتماما عابرا. كان شخص ما قد ~~تذكرهما بصفتهما حارسين لمبنى سكني، ذلك كل ما في الأمر. إن لم تكن السيدة كين تخرج ~~للعمل في المساء، فماذا كانت تفعل بالخارج؟ ~~«تقضي وقتا ممتعا، بالتأكيد. أوه، أجل، تمكن الناس من قضاء وقت ممتع حتى آنذاك - ~~إذا أرادوا ذلك بالدرجة الكافية وتطلعوا إليه بجد بما يكفي. كين، أراد لها أن ترحل إلى ~~الريف مع صغيرتهما، لكن هل كانت ستفعل ذلك؟ ليست هي من يفعل ذلك! قالت إن ثلاثة أيام في ~~الريف كانت ستقتلها. ولم تذهب كذلك لرؤية الصغيرة عندما قاموا بإجلائها. السلطات، هي من ~~فعلت ذلك. مع باقي الأطفال. في رأيي أنه كان يسعدها أن تتخلص من الطفلة حتى تتمكن من ~~الذهاب إلى حفلات الرقص في الليل.» ~~«مع من كانت ترقص؟» # قال الرجل الصغير البنية باقتضاب: «الضباط.» ثم قال في عجالة: «كان ذلك شيئا مثيرا ~~حقا. لا أقول إن هناك ضررا في ذلك، تذكر هذا.» ثم تابع قائلا: «إنها ميتة، ولا أود ~~أن ألصق بها شيئا وهي ليست هنا حتى تبرئ نفسها منه، إذا كنت تفهم قصدي. لكنها كانت ~~أما سيئة وزوجة سيئة، هذا ما في الأمر ولم يسبق لأحد أن قال أي شيء خلاف ~~ذلك.» # سأل روبرت، مفكرا في المشاعر النبيلة التي كان قد أهدرها على والدة بيتي: «أكانت ~~جميلة؟» ~~«وهي بوجه متجهم، أجل. كانت دائمة الغضب نوعا ما. مما يجعلك تتساءل كيف ربما ستبدو ~~وهي مبتسمة. أقصد وهي مبتهجة؛ وليست ثملة. لم أرها ثملة قط. لم تحصل على بهجتها بتلك ~~الطريقة.» ~~«وزوجها؟» ~~«حسنا، كان في حال لا بأس به، اسمه كان بيرت كين. كان يستحق حظا أفضل من تلك السيدة. ~~كان بيرت واحدا من أفضل الناس. كان شديد الولع بالفتاة الصغيرة . دللها، بكل تأكيد. لم ~~يكن عليها سوى أن تريد الشيء فيشتريه لها، لكنها كانت طفلة لطيفة، رغم كل ذلك. بريئة. ms079 ~~متصنعة البراءة. أجل، استحق بيرت الأفضل من الحياة، أكثر من زوجة محبة للمتعة ~~وطفلة تحب من أجل المصلحة. كان واحدا من أفضل الناس، كان بيرت ...» ألقى نظرة متأملة ~~على الطريق عند المساحة الخاوية. ثم قال: «استغرق الأمر منهم أغلب أيام الأسبوع حتى ~~يعثروا عليه.» # دفع روبرت ثمن سجائره ثم خرج إلى الشارع حزينا ومرتاحا في الآن نفسه. حزينا من أجل ~~بيرت كين، الذي كان قد استحق الأفضل؛ لكنه سعيد أن والدة بيتي كين لم تكن هي السيدة التي ~~كان قد تخيلها. طوال الطريق إلى لندن كان يشعر بالحزن على تلك السيدة الراحلة؛ السيدة ~~التي قد كسرت قلبها لمصلحة طفلتها. وقد بدا له أنه شاق على النفس أن الطفلة التي ~~أحبتها حبا جما من المفترض أنها بيتي كين. لكنه تخلص الآن من ذلك الحزن. فوالدة بيتي ~~كين كانت تحديدا هي الأم التي سيختارها لها لو كان القدر بيديه. ومن جانبها بدت تشبه ~~أمها إلى حد كبير. ~~«طفلة محبة من أجل المصلحة.» حسنا، حسنا. وما الذي كانت السيدة وين قد قالته؟ «بكت ~~لأن الطعام لم يعجبها، ولا أتذكر أنها بكت من أجل والدتها.» # ولا من أجل ذلك الأب الذي دللها بإخلاص، على ما يبدو. # لدى عودته إلى الفندق أخذ نسخته من صحيفة «أك-إيما» من حقيبة أوراقه، وأثناء عشائه ~~المنفرد في فندق فورتسكيو تمعن بترو في القصة الواردة في الصفحة الثانية. بدءا من ~~الاستهلال الذي كان بأسلوب قصصي بسيط ... ~~«ذات ليلة من شهر أبريل، عادت فتاة إلى منزلها لا ترتدي شيئا سوى فستان وحذاء. كانت قد ~~غادرت المنزل، تلميذة سعيدة ذكية من دون ...» # وحتى النهاية التي امتلأت بالنشيج، كانت عملا صغيرا فريدا من نوعه. لقد حقق هذا ~~العمل تماما ما كان يصبو إليه. وهو استقطاب أكبر عدد من جمهور القراء على الإطلاق ~~بنفس القصة. بالنسبة إلى أولئك الذين أرادوا خبرا ذا طابع جنسي فقدم لهم تجرد ~~الفتاة من ملابسها، وبالنسبة إلى ذوي الحس المرهف فكان الحديث عن شبابها وسحرها، وإلى ~~المدافعين عن القضايا ms080 الإنسانية فكان حالتها البائسة، وإلى الساديين فكانت تفاصيل ضربها، ~~وإلى أولئك الذين يعانون من الكراهية الطبقية فكان وصف المنزل الأبيض الكبير خلف أسواره ~~العالية، وإلى عامة البريطانيين ذوي القلوب الطيبة بوجه عام فكان الانطباع بأن ~~الشرطة، إن لم تكن «خدعت»، فقد تراخت على أقل تقدير، ولم يتخذ الإجراء ~~المناسب. # أجل. كان عملا بارعا. # بالطبع كانت القصة هدية لهم - وهذا يبرر إرسالهم لرجل في الحال مع الشاب ليزلي وين. لكن ~~روبرت شعر بأن صحيفة «أك-إيما» بإمكانها، عندما تريد، أن تنسج قصة جيدة من خيوط ~~مقطعة. # لا بد أنه عمل كئيب يكرس نفسه حصريا لنشر إخفاقات البشر. قلب الصفحات، ملاحظا كيف ~~استخدمت كل قصة على نحو مماثل في جذب الجانب الباعث على الأسى في القارئ. حتى خبر ~~التبرع بمليون جنيه، كما لاحظه، كان قصة عن رجل عجوز شائن ينتقد ما يدفعه من ضرائب على ~~الدخل وليس قصة صبي كان قد خرج من حي فقير بفضل شجاعته وجرأته. # بشيء من الاشمئزاز أعاد ذلك الشيء في حقيبته، ثم أخذ الحقيبة معه إلى منزل ماكديرموت. ~~وجد هناك الخادمة التي لا تعمل بدوام كامل في انتظاره وهي ترتدي قبعتها. كانت السكرتيرة ~~الخاصة بالسيد ماكديرموت قد اتصلت لإخبارها بأن صديقا له سيأتي ومن المفترض أن يسمح ~~له بالمكوث في المنزل والبقاء وحده فيه دون تردد، وقد ظلت فقط حتى تسمح له بالدخول، ~~وكانت ستغادر في تلك اللحظة وتتركه وحده، وكان يوجد ويسكي على منضدة صغيرة بجانب ~~المدفأة، وكانت هناك زجاجة أخرى في الخزانة، لكن ربما، إذا سألتها عن رأيها، سيكون من ~~الحكمة ألا تذكر السيد ماكديرموت بها وإلا سيظل مستيقظا حتى ساعة متأخرة كثيرا، ~~وستقع في مأزق كبير عند إيقاظه في الصباح. # قال بلير، مبتسما إليها: «الأمر لا علاقة له بالويسكي، بل الرجل الأيرلندي بداخله. جميع ~~الأيرلنديون يكرهون الاستيقاظ من النوم.» # هذا أوقفها عند عتبة الباب، مذهولة بوضوح من هذا الرأي الجديد. # قالت: «لا أتعجب من ذلك.» وأضافت: «هذا هو الحال نفسه مع زوجي العجوز؛ فهو أيرلندي. ms081 ~~الأمر معه لا علاقة له بالويسكي، بل مجرد عيب أصيل. على الأقل ذلك ما كنت أعتقده دائما. ~~لكن ربما سوء حظه أنه أيرلندي.» # كان مكانا صغيرا مبهجا؛ دافئا ولطيفا، وسيكون هادئا في تلك اللحظة لو سكن ضجيج ~~حركة السيارات في المدينة. صب لنفسه شرابا، ثم ذهب ليلقي نظرة على تمثال الملكة آن، ~~توقف وهلة ليلاحظ مرة أخرى كيف تطفو الكتلة الضخمة للكنيسة بخفة على قاعدتها، ~~متناسبة للغاية، ومتوازنة للغاية، لدرجة أنها تبدو كما لو أن بإمكان أحد أن يرفعها على ~~راحة يده ويهدهدها فيها، ثم جلس واسترخى لأول مرة منذ أن كان قد خرج ذلك الصباح ~~ليلتقي بامرأة مثيرة للغضب كانت تغير وصيتها مرة أخرى. # كان شبه نائم عندما سمع صوت مفتاح كيفين في القفل، ودخل مضيفه إلى المكان قبل أن ~~يتمكن من التحرك. # شد ماكديرموت رقبة روبرت بين إصبعيه بقرصة مؤذية عندما مر خلفه متجها إلى آنية ~~النبيذ على المنضدة. فقال: «إنها البداية، يا رفيقي القديم. إنها البداية.» # سأل روبرت: «أي بداية؟» ~~«تجعد رقبتك الجميلة تلك.» # دلك روبرت رقبته في بطء حيث كان يشعر بالقرصة. قال: «بدأت ألاحظ بالفعل وجود بعض ~~التجاعيد في الجزء الخلفي منها، لما ذكرت الأمر الآن.» # قال كيفين، وعيناه الفاتحتان واللامعتان تنظران في سخرية من أسفل حاجبيه الأسودين: «يا ~~إلهي يا روبرت! ألا يوجد شيء يقلقك، حتى ولو كان ذلك الاحتمال الوشيك بأن تفقد مظهرك ~~الجذاب؟» ~~«أنا قلق نوعا ما حاليا، لكن السبب ليس مظهري.» ~~«حسنا، هل السبب هو مكتب بلير وهيوارد وبينيت؛ لا يمكن أن تكون مسألة إفلاس؛ لهذا أظن ~~أنها امرأة.» ~~«أجل، لكن ليس بالمعنى الذي تقصده.» ~~«أتفكر في الزواج؟ من المفترض عليك، يا روب.» ~~«قلت ذلك من قبل.» ~~«أنت تريد وريثا شرعيا لمكتب بلير وهيوارد وبينيت، أليس كذلك؟» تذكر روبرت أن حقيقة ~~الأجواء الهادئة في مكتب بلير وهيوارد وبينيت كانت دائما تدفع كيفين إلى السخرية ~~قليلا. ~~«ليس هناك ما يضمن بألا يكون الأمر له صلة بفتاة. على أي حال، نيفيل يهتم بذلك ms082 ~~الأمر.» ~~«الشيء الوحيد الذي قد تلده السيدة الشابة خطيبة نيفيل هو أسطوانة جراموفون. سمعت أنها ~~كانت شرفت مرة أخرى أحد المنابر منذ أيام قلائل. لو كانت تكسب المال لدفع أجرة القطار ~~فربما لن تكون مستعدة بشدة لأن تتنقل عبر البلاد لكونها من الأقلية المتشبثة برأيها.» ~~جلس بمشروبه. «لست بحاجة إلى أن أسأل إن كنت أتيت في مهمة عمل. من المفترض أنك تأتي ~~بالفعل في بعض الأحيان لتفقد هذه المدينة. أفترض أنك ستغادر مسرعا مرة أخرى في الغد ~~بعد الساعة العاشرة صباحا لمقابلة محامين لموكل ما.» # قال روبرت: «لا، لمقابلة شرطة سكوتلاند يارد.» # توقف كيفين وكأسه في منتصف الطريق إلى فمه. وقال: «روبرت، أنت تقع في الخطأ. ما شأن ~~سكوتلاند يارد ببرجك العاجي؟» # قال روبرت برصانة، متجاهلا هذه السخرية الأخرى عن راحة باله في ميلفورد: «تلك هي ~~المشكلة.» ثم أضاف قائلا: «إنها على عتبة بابي ولا أعلم تماما كيف أتعامل معها. أريد أن ~~أستمع إلى شخص ذكي بشأن الموقف. لا أعلم السبب في أني أسر إليك بالأمر. لا بد أنك ~~متعب من المشكلات. لكنك دائما كنت تحل مسائل مادة الجبر نيابة عني.» # أضاف قائلا: «وأنت دائما كنت تتعامل مع تلك الخاصة بالأسهم، إن كنت أتذكر على نحو ~~صحيح. كنت دائما غبيا فيما يتعلق بالأسهم. ولا أزال مدينا لك بشيء لإنقاذي من ~~استثمار لا جدوى منه. استثمارين لا جدوى منهما.» ~~«اثنان؟» ~~«تمارا وتوبيكا تين.» ~~«أتذكر أني أنقذتك من توبيكا تين، لكن لم يكن لي أي صلة بتركك لتمارا.» ~~«يا إلهي، ألم يكن لك صلة، حقا! روبرت صديقي الطيب، لو كنت قد رأيت وجهك عندما ~~قدمتك لها. أوه، غير معقول، ليس بتلك الطريقة. على العكس تماما. اللطف اللحظي لتعبير ~~وجهك، ذلك القناع الإنجليزي اللعين للاحترام ودماثة الخلق - قال كل شيء. رأيت نفسي وأنا ~~أعيش الحياة أقدم تمارا إلى الناس وأراقب وجوههم وهي تبدو لطيفة. هذا خلصني منها في ~~وقت قياسي. لم أتوقف أبدا عن الامتنان لك. إذن أخرج ما في حقيبة الأوراق.» # لا ms083 شيء يفلت من كيفين، هكذا فكر روبرت، وهو يخرج نسخته الخاصة من أقوال بيتي كين ~~إلى الشرطة. ~~«هذه إفادة مقتضبة للغاية. أتمنى أن تقرأها وتخبرني إلى أي مدى ستصدمك.» # أراد أن يرى الصدمة على كيفين، من دون تمهيدات تخفف من حدة الصدمة عليه. # أخذها ماكديرموت، وقرأ الفقرة الأولى بحركة سريعة من عينيه، ثم قال: «أعتقد أن هذه هي ~~الفتاة التي عرضت قصتها «أك-إيما».» # قال روبرت مندهشا: «لم تكن لدي فكرة أن سبق لك أن رأيت صحيفة «أك-إيما».» ~~«يا إلهي، أنا أتعيش على صحيفة «أك-إيما». لا جريمة، لا قضية مشهورة. لا قضية مشهورة، ~~لا كيفين ماكديرموت. أو ليس إلا جزءا منه.» ثم دخل شيئا فشيئا في صمت تام. لأربع دقائق ~~كان مستغرقا كليا لدرجة أن روبرت شعر بأنه في المكان وحده، وكأن مضيفه كان قد انصرف. ~~ثم قال، خارجا من صمته: «همم!» ~~«ماذا إذن؟» ~~«أعتقد أن موكليك في القضية هما السيدتان، وليست الفتاة؟» ~~«بالتأكيد.» # قال كيفين: «الآن أخبرني عن الأمر من جانبك.» ثم استمع. # روى روبرت له القصة بأكملها. زيارته المترددة، مساندته المتزايدة إذ أصبح واضحا أن ~~الاختيار صار بين بيتي كين والسيدتين، قرار شرطة سكوتلاند يارد بألا تمضي قدما في إحالة ~~القضية للقضاء بناء على الأدلة المتوفرة، وزيارة ليزلي المندفعة إلى مقر صحيفة ~~«أك-إيما». # قال ماكديرموت: «وبهذا فإن الآن ستطبق سكوتلاند يارد السماء على الأرض لتعثر على ~~دليل مؤيد يدعم قصة الفتاة.» # قال روبرت، في حزن: «أفترض ذلك، لكن ما أريد أن أعرفه هو: هل تصدق قصة الفتاة أم لا ~~تصدقها؟» # علق كيفين بشيء من الخبث: «لا أصدق أبدا قصة أي أحد. ما تريد أن تعرفه: هل أشعر ~~أن قصة الفتاة يمكن تصديقها؟ وبالطبع أشعر بذلك.» ~~«تشعر حقا بذلك!» ~~«بالفعل. ولم لا؟» # قال روبرت، بغضب أكثر مما كان يقصد: «لكنها قصة عبثية.» ~~«لا شيء عبثي فيها. إن النساء اللواتي يعشن في عزلة يرتكبن أشياء جنونية - لا سيما ~~إن كن سيدات فقراء. منذ أيام قلائل فقط وجدت سيدة مسنة حبست أختها ms084 مقيدة ~~بسلسلة في سرير داخل غرفة حجمها ليس أكبر من خزانة كبيرة الحجم. حبستها على ذلك الحال ~~لمدة ثلاث سنوات، وكانت قد جعلتها تقتات على بقايا الخبز والبطاطس والبقايا الأخرى من ~~الطعام التي لم تكن ترغب فيها لنفسها. وقالت، عندما كشف الأمر، إن أموالهما آخذة في ~~النفاد بسرعة شديدة وكان هذا السبيل لديها لتوفير ضرورات الحياة. في الواقع، كان لديها ~~رصيد بنكي جيد تماما، لكنه كان الخوف الذي استحثه انعدام الأمان هو ما دفعها إلى ~~الجنون. تلك قصة لا يمكن تصديقها أكثر بكثير من قصة الفتاة، وعبثية من وجهة ~~نظرك.» ~~«أهي كذلك؟ تبدو لي أنها قصة مألوفة عن الجنون.» ~~«ليس إلا لأنك تعرف أنها حدثت. أقصد أن شخصا كان قد رأى هذه الواقعة بالفعل. افترض، ~~على العكس، أن الشائعة قد انتشرت فحسب، وأن الأخت التي أصابها الجنون قد سمعت بها ~~وحررت ضحيتها قبل أن تجرى ربما أي تحقيقات، وأن المحققين لم يعثروا إلا على ~~سيدتين تعيشان على ما يبدو حياة طبيعية باستثناء طبيعة الاعتلال لإحداهما. ماذا إذن؟ هل ~~كنت ستصدق قصة «التقييد بالسلسلة»؟ أم أنك كنت، على نحو أكثر توقعا، ستسميها «قصة ~~عبثية»؟» # غرق روبرت بدرجة أعمق قليلا في حزنه. ~~«ها هنا سيدتان وحيدتان ولم يترك لهما الأب أي إرث، ومقيدتان بمنزل كبير في الريف؛ ~~إحداهما عجوز لدرجة تعوقها عن أداء أعمال المنزل والأخرى تكره أداءها. ما الشكل الأكثر ~~ترجيحا أن يأخذه جنونهما الطفيف؟ احتجاز فتاة لتعمل كخادمة لهما، بكل تأكيد.» # تبا لكيفين ولعقلية المحامي لديه. ظن روبرت أنه قد أراد رأي كيفين، لكن ما قد أراده ~~هو تأييد كيفين لرأيه الشخصي. ~~«الفتاة التي حبساها هي طالبة لا لوم عليها، وبعيدة بوضوح عن منزلها. من سوء حظهما ~~أن الفتاة بريئة للغاية؛ إذ إنها لم يكتشف أنها كذبت حتى تلك اللحظة، وسيأخذ الجميع ~~كلامها ضد كلامهما. لو كنت أنا في موقع التصرف مثل رجال الشرطة، لكنت جازفت وواصلت ~~النظر في القضية. يبدو لي أنهم فقدوا قدرتهم على الحكم السليم.» # سدد نظرة ms085 متلذذة إلى روبرت، الذي تراجع ببطء في كرسيه، ناظرا في يأس إلى أسفل ~~عند قدميه الطويلتين أمام المدفأة. فجلس دقيقة أو دقيقتين مستمتعا بحيرة ~~صديقه. # ثم قال، بعد مدة طويلة: «بالطبع، ربما تذكروا قضية مشابهة، صدق الجميع فيها قصة ~~الفتاة التي ينفطر لها القلب وضللوا تماما.» # قال روبرت، وهو يثني رجليه ويعتدل في جلسته: «مشابهة! متى؟» ~~«في القرن السابع عشر، أو ما شابه. لا أتذكر التاريخ الدقيق.» # قال روبرت، شاعرا باليأس مرة أخرى: «أوه!» # قال ماكديرموت بلطف: «لا أدرى عن أي شيء هذا التعجب». وتابع: «لم تتغير كثيرا خلال ~~القرنين الماضيين طبيعة أدلة الغياب عن مكان وقوع الجريمة.» ~~«أعذار؟» ~~«في حال أن القضية المشابهة اتخذت كدليل مرشد بأي حال من الأحوال، فإن قضية الفتاة ~~تتعلق بغيابها عن مكان وقوع الجريمة.» ~~«إذن أنت تصدق - أقصد أنك تجد أنه من الممكن التصديق - بأن قصة الفتاة هراء ~~تماما؟» ~~«اختلاق محض من أولها لآخرها.» ~~«كيفين، أنت ستتسبب في إصابتي بالجنون. قلت إنك وجدت القصة يمكن تصديقها.» ~~«أجل أجدها كذلك. وأجد أيضا أن من الممكن تصديق أنها كذب في كذب. أنا لست منحازا ~~لأي من الطرفين. أستطيع أن أورد حججا قوية لتأييد كليهما، في أقل مهلة ممكنة. ~~إجمالا، من المفترض أن أفضل العمل محاميا لصالح الفتاة الصغيرة من إيلزبري. ستصبح ~~مذهلة في منصة الشهود، ومن منطلق ما تخبرني به فإن السيدتين شارب لن تمثلا العون ~~الكافي، من حيث الشكل، لتدعيم دفاع المحامي عنهما.» # ومن ثم نهض كي يصب لنفسه مزيدا من الويسكي، باسطا يده الأخرى للحصول على كأس روبرت. ~~لكن روبرت لم يكن في حالة مزاجية تسمح له بالمرح. فهز رأسه رافضا من دون أن يرفع بصره ~~عن المدفأة. كان متعبا وبدأ في الشعور بالغضب من كيفين. لم يكن مصيبا في مجيئه إليه. لو ~~أن رجلا كان قد عمل محاميا في محاكم جنائية بالقدر الذي عمل فيه كيفين، لم يكن لينضح ~~عقله سوى بوجهات نظر، وليس بمزيد من القناعات. كان سينتظر حتى ينتهي كيفين من ms086 نصف الكأس ~~الذي يجلس وهو يحمله الآن، ثم يهم بالانصراف. سيصبح من الجيد أن يضع رأسه على وسادة ~~وينسى قليلا أنه مسئول عن مشكلات أناس آخرين. أو على وجه الدقة، عن حلها. # قال كيفين محاورا، وهو يتجرع كمية كبيرة من الويسكي الفاخر: «إني أتساءل عما كانت ~~تفعله طوال ذلك الشهر.» # انفتح فم روبرت ليقول: «فأنت إذن تصدق أن الفتاة مراوغة»، لكنه أوقف نفسه في الحال. ~~فتمرد على الرقص أكثر من ذلك على مزمار كيفين هذا المساء. # وقال: «إذا كنت ستشرب المزيد من الويسكي فوق ما شربته من نبيذ الكلاريت، فإن ما ستفعله ~~لمدة شهر هو محاولة التعافي يا صديقي.» ومما أثار دهشته أن كيفين عاد على الوراء وضحك ~~كتلميذ مدرسة. # وقال مبتهجا: «أوه، يا روب، إني أحبك. أنت جوهر إنجلترا. كل شيء فيك يثير إعجابنا بك ~~وغيرتنا منك. تجلس هناك في غاية الوداعة والأدب، وتسمح للناس باستدراجك، حتى يتوصلوا ~~إلى أنك هر عجوز وأن بإمكانهم فعل ما يروق لهم معك، وعندما يبدءون تحديدا في التباهي ~~بأنفسهم بأن بإمكانهم الهجوم عليك بسهولة، تظهر لهم مخالبك التي لا ترحم!» أمسك كأس روبرت ~~من بين يديه من دون استئذان ثم نهض ليملأه فسمح له روبرت. كان يشعر بأنه أفضل. # | الفصل التاسع # كان طريق لاربورو-لندن امتدادا مستقيما أسود اللون في ضوء الشمس، ينبعث منه شرر ~~متلألئ كلما بلغت حركة السير المزدحمة الضوء ثم فقدته مرة أخرى. وفي وقت قريب، كان ~~سيصير كل من المجال الجوي والطرق البرية مزدحمين لدرجة تعجز أي أحد عن التنقل ~~بسهولة، وسيضطر الجميع إلى العودة إلى قطارات السكة الحديدية للسفر سريعا. كان ذلك هو ~~التقدم. # أشار كيفين الليلة الماضية إلى أنه، بفضل تيسر وسائل النقل حاليا، من المحتمل ~~بدرجة كبيرة أن تكون بيتي كين قد قضت شهر إجازتها في سيدني، بولاية نيو ساوث ويلز. كانت ~~فكرة مرعبة. ومن الممكن أنها كانت في أي مكان من شبه جزيرة كامتشاكا إلى بيرو، وكان كل ~~ما على بلير أن يفعله هو شيء صغير؛ ms087 وهو إثبات أنها لم تكن في منزل على طريق ~~لاربورو-ميلفورد. لو لم يكن الصباح مشمسا، ولو لم يكن يشعر بالأسف على سكوتلاند يارد، ولو ~~لم يكن كيفين قد سانده، ولو لم يكن يبلي بلاء حسنا وحده إلى حد كبير، لكان قد شعر ~~باكتئاب. # إن الشعور بالأسف على سكوتلاند يارد كان آخر شيء قد توقعه. لكنه كان أسفا. ~~كرست كافة جهود سكوتلاند يارد لإثبات أن السيدتين شارب مذنبتان وأن قصة بيتي كين ~~حقيقية؛ لسبب وجيه وهو أنهم اعتقدوا أن السيدتين شارب مذنبتان بالفعل. لكن ما كانت تشتاق ~~إليه أنفسهم لفعله هو إثبات كذب صحيفة «أك-إيما» فيما يتعلق ببيتي كين، ولم يكن بإمكانهما ~~فعل ذلك إلا بإثبات أن قصتها غير منطقية. أجل، إن قدرا كبيرا من الإحباط كان يسري في ~~تلك الأجساد الضخمة الهادئة في سكوتلاند يارد. # كان جرانت مبهرا بأسلوبه الحكيم تماما - وبدا الأمر أشبه نوعا ما بالذهاب لمقابلة ~~طبيب، ذلك ما خطر في باله حينها - وقد وافق بمحض إرادته تماما على ضرورة إخبار روبرت بأمر ~~أي رسائل قد تثيرها صحيفة «أك-إيما». # وقال، بلهجة تنبيه ودية: «لا تعلق آمالك بشدة على ذلك. مقابل رسالة واحدة مهمة ~~تتلقاها سكوتلاند يارد فإنها تتلقى خمسة آلاف من الرسائل التافهة. إن كتابة الرسائل ~~هي وسيلة تعبير طبيعية «لغريبي الأطوار». وللفضوليين والتافهين، والمنحرفين ~~والحانقين، والمتصنعين بأن ذلك واجب عليهم ...» ~~««من أجل الصالح العام» ...» # قال جرانت بابتسامة: «لصالحه ولصالح المواطن.» وتابع: «وكذلك للمنحلين بكل وضوح. ~~جميعهم يكتبون رسائل. فهي متنفسهم «الآمن»، كما تعلم. ربما يكونون متطفلين، مستفيضين، ~~بذيئين، مبالغين، يتحدثون عن فكرة واحدة، بقدر ما يشاءون على الورق، وليس لأحد أن ~~يعاقبهم على ذلك. هكذا يكتبون. يا إلهي، يا لها من كتابة!» ~~«لكن هناك فرصة للحصول على معلومة حقيقية ...» ~~«أجل. هناك فرصة. ويجب استخلاصها من بين كل تلك الرسائل، بالرغم من سخافتها. وأي شيء ذو ~~أهمية سينقل إليك، أعدك بذلك. لكني أذكرك بأن احتمال قيام المواطن الذكي العادي ~~بالكتابة هو واحد من بين خمسة آلاف. فهو لا ms088 يحب أن يؤخذ ما يفكر فيه على أنه «يقحم ~~أنفه في الأمر» - ولهذا السبب يجلس صامتا في عربة قطار ويفضح الأمريكيين، الذين لا ~~يزالون لديهم اهتمام ساذج بالآخرين - وعلى أي حال فهو شخص مشغول، منشغل بأموره ~~الشخصية، ومن المخالف لفطرته أن يجلس ليكتب رسالة إلى الشرطة عن شيء لا يهمه.» # بهذا كان روبرت قد انصرف مسرورا من سكوتلاند يارد، وأسفا عليهم. على الأقل كان روبرت ~~لديه مسار مباشر سيسلكه. وهو لن ينظر جانبا من حين لآخر ويتمنى لو كان قد سلك ~~المسار الآخر. وعلاوة على ذلك لقد حصل على تأييد كيفين للمسار الذي قد اختاره. # كان كيفين قد قال: «أنا أعني ذلك، عندما أقول لو كنت أنا الشرطة لكان علي أن أجازف ~~بالأمر. إذ إن لديهم قضية مقبولة بما يكفي. كما أن إدانة بسيطة لطيفة هي دائما سبب ~~لارتقاء شخص ما على سلم الترقيات. ولسوء الحظ - أو من حسن حظ المواطن - أن الرجل الذي ~~يقرر ما إذا كان الأمر سيحال إلى القضاء أم لا هو الرجل صاحب الرتبة الأعلى، وهو لا ~~يهتم بأي ترقية سريعة لمرءوسيه. من المذهل أن تكون الحكمة هي نتاج ثانوي للقوانين ~~المنظمة للإدارات العليا.» # كان روبرت، وهو ثمل قليلا من الويسكي، قد سمح للتشاؤم أن يتجاوزه. ~~«لكن دعهم يصلون إلى دليل تأييد واحد، وسيأتون بأمر إحالة للقضاء إلى باب منزل فرنتشايز ~~في وقت أسرع مما يمكنك أن ترفع فيه سماعة الهاتف.» # قال روبرت الثمل: «لن يحصلوا على أي دليل تأييد. لماذا يجب عليهم ذلك؟ كيف يمكنهم أن ~~يفعلوا ذلك؟ ما نريد أن نفعله هو دحض قصة الفتاة بأنفسنا، وبذلك لا تتعرض حياة ~~السيدتين شارب إلى اللعنة طوال الحياة. بمجرد أن أقابل عمتها وزوج عمتها غدا، ربما نحصل ~~على معلومات عامة عن الفتاة حتى نوجد مبررا لنقطة انطلاق التحريات التي سنعمل ~~عليها.» # في تلك اللحظة كان يسرع عبر طريق لاربورو الأسود اللامع في طريقه لمقابلة قريبي بيتي ~~في ضاحية مينشيل؛ هذين الشخصين اللذين كانت قد أقامت لديهما ms089 في الإجازة المشهودة. وهما ~~السيد والسيدة تيلسيت. منزل تيلسيت، 93 تشيريل ستريت، مينشيل، لاربورو، وكان الزوج وكيلا ~~متنقلا لصالح شركة لصناعة الفرش في لاربورو ولم يكن لديهما أطفال. كان ذلك كل ما عرفه ~~روبرت عنهما. # توقف لوهلة بينما كان ينحرف عن الطريق الرئيسي في ضاحية مينشيل. كانت تلك هي الناصية ~~التي انتظرت عندها بيتي كين حافلتها. أو قالت إنها انتظرت. لا بد أنها كانت هناك على ~~الجهة الأخرى. إذ لا يوجد أي منعطف جانبي على ذلك الجانب؛ لا شيء سوى الامتداد الطويل ~~لرصيف متواصل بقدر ما يمكن لشخص أن يدركه ببصره في أي اتجاه. إنه شارع مزدحم بما ~~يكفي في هذا الوقت من اليوم؛ لكنه خال بما يكفي، حسب افتراض روبرت، في ساعة غير حافلة ~~بالنشاط في وقت متأخر من وقت ما بعد الظهر. # كان تشيريل ستريت عبارة عن سلسلة طويلة من نوافذ بارزة بزاوية من طوب أحمر متسخ، ~~واجهتها الأمامية تكاد تلامس السور المنخفض من الطوب الأحمر الذي يحيط بها من الرصيف. ~~أما التربة السيئة على جانبي النافذة التي تستخدم كحديقة فلم تكن قد ظهرت عليها أي من ~~مزايا الأرض المزروعة حديثا لميدوسايد لين، بإيلزبري؛ لم ينم بها سوى نباتات رقيقة من ~~كاسر الحجر، وزهور برية هزيلة، وزهور أذن الفأر التي تأكلها فراشة الليل. والاعتزاز نفسه ~~لربات المنازل الملاحظ في تشيريل ستريت لا يختلف عن ذلك الموجود في إيلزبري، بالطبع، ~~ونفس الستائر المتموجة المعلقة على النوافذ؛ لكن إن كان هناك شعراء في تشيريل ستريت ~~لوجدوا متنفسا آخر لأرواحهم غير الحدائق. # عندما دق جرس المنزل رقم 93 - الذي يتعذر تمييزه من المنازل الأخرى بقدر ما تمكن ~~من الملاحظة إلا من خلال رقميه المطليين - بلا جدوى، ثم طرق بابه، اندفعت سيدة من ~~نافذة غرفة النوم بالمنزل المجاور، ومدت جسمها إلى الخارج ثم قالت : ~~«هل تبحث عن السيدة تيلسيت؟» # أجاب روبرت مؤكدا ذلك. ~~«ذهبت لتشتري بقالتها. في المتجر عند الناصية.» ~~«حقا، شكرا لك. إن كان ذلك ما في الأمر، سأنتظرها.» ~~«عليك ألا ms090 تنتظر إن كنت تتطلع لمقابلتها في وقت قريب. عليك أن تذهب وتأتي ~~بها.» ~~«فعلا! أستذهب إلى مكان آخر؟» ~~«لا، ليس سوى إلى متجر البقالة، المتجر الوحيد القريب هنا. لكنها تقضي نصف وقت الصباح في ~~الاختيار بين صنفين تجاريين لرقائق القمح. خذ عبوة واحدة بحزم ثم ضعها في حقيبتها ~~وستصبح سعيدة تماما.» # شكرها روبرت وشرع في الانصراف إلى نهاية الشارع، عندما نادته مرة أخرى. ~~«يجب ألا تترك سيارتك. خذها معك.» ~~«لكن المسافة قصيرة بالفعل، أليس كذلك؟» ~~«ربما، لكنه يوم السبت.» ~~«السبت؟» ~~«إجازة المدرسة.» ~~«أتفهم ذلك. لكن لا يوجد شيء بداخلها ...»؛ كان سيقول «عرضة للسرقة»، لكنه عدلها لتصبح ~~«لا شيء بداخلها يمكن نقله.» ~~«يمكن نقله! أها! هذا جيد. كان لدينا أصص زرع للنافذة فيما مضى. والسيدة لافيرتي على ~~الجهة المقابلة من الطريق كان لديها بوابة. السيدة بيدوس كان لديها قائمان خشبيان رفيعان ~~وثماني عشرة ياردة من الحبل لنشر الغسيل. وجميعهن ظنوا أنها أشياء لا يمكن نقلها. إذا ~~تركت سيارتك هناك عشر دقائق فستصير محظوظا لو وجدت هيكلها المعدني!» # لهذا استقل روبرت سيارته واستجاب لنصيحتها، وقادها نحو متجر البقالة. وبينما كان يقود ~~تذكر شيئا، وما تذكره حيره. كان هذا هو المكان الذي كانت فيه بيتي كين في غاية ~~السعادة. هذا الشارع الكئيب بعض الشيء، والمتسخ نوعا ما؛ إحدى متاهات الشوارع التي ~~تشبه بعضها كثيرا. كانت في غاية السعادة لدرجة أنها قد كتبت لتقول بأنها كانت ستمكث فيه ~~ما تبقى من إجازاتها. # ما ذاك الذي وجدته هنا جذابا لهذه الدرجة؟ # كان لا يزال يتساءل أثناء سيره نحو المتجر وتأهبه لاستكشاف السيدة تيلسيت من بين زبائن ~~الصباح. لم يكن هناك داع لأي تخمين. فلم يكن بالمتجر سوى سيدة واحدة، واتضح بنظرة ~~واحدة على الوجه الصبور للبقال والعلبة من الورق المقوى في كل يد من يديها، أنها ~~كانت السيدة تيلسيت. # قال البقال مبعدا نفسه للحظة عن تأملات السيدة - فلم يكن الاختيار خاصا برقائق ~~القمح هذا الصباح، بل الصابون المبشور - ومتجها نحو روبرت: «هل لي أن أحضر ms091 لك شيئا، يا ~~سيدي؟» # قال روبرت: «لا، شكرا». وأضاف: «أنتظر فقط هذه السيدة.» # قالت السيدة: «أتنتظرني أنا؟» ثم أضافت قائلة: «إن كان لأمر الغاز، فإذن ...» # أسرع روبرت بقول إن الأمر لا علاقة له بالغاز. # قالت، ثم استعدت للرجوع إلى مشكلتها: «لدي مكنسة كهربائية، وهي تعمل بكفاءة.» # قال روبرت إنه قد ترك سيارته في الخارج وسينتظر حتى تنتهي من التسوق، وكان سينسحب ~~مسرعا؛ لكنها قالت: «سيارة! يا إلهي. عظيم، بإمكانك أن توصلني إلى المنزل، ألا يمكنك ~~ذلك، وتنقذني من حمل كل تلك الأشياء. ما الحساب، يا سيد كار، من فضلك؟» # السيد كار، الذي أخذ منها عبوة الصابون المبشور أثناء إبداء اهتمامها بروبرت ثم دسها ~~في حقيبة تسوقها، أخذ النقود منها، وأعطاها الباقي، وتمنى لها يوما سعيدا، ثم رمق ~~روبرت بنظرة شفقة بينما كان يتبع السيدة نحو الخارج إلى سيارته. # كان روبرت قد أدرك أنه من المستبعد للغاية أن يعلق أملا على إيجاد سيدة أخرى تحمل ~~الموضوعية والذكاء اللذين تتمتع بهما السيدة وين، لكن قلبه انقبض عندما فكر في السيد ~~تيلسيت. إذ إن السيدة تيلسيت هي واحدة من النساء اللاتي تكون عقولهن دائما منشغلة بشيء ~~آخر. يتحدثن بابتهاج معك، يتفقن معك في الرأي، يبدين إعجابهن بما ترتديه، يسدين ~~نصيحة لك، لكن انتباههن الحقيقي منصب على ما ستفعلن مع السمك، أو على ما أخبرتهن به ~~فلوري عن الابن الأكبر لميني، أو في أي مكان تركن قائمة الغسيل، أو حتى رداءة الحشو في ~~السن الأمامية على اليمين لديك، فينشغلن بأي شيء، وبكل شيء، عدا الموضوع ~~المطروح. # بدت معجبة بمظهر سيارة روبرت، ودعته إلى الدخول وتناول فنجان من ~~الشاي - إذ بدا واضحا أنها تتناول الشاي في أي وقت من ~~اليوم، وليس في وقت محدد مثل الساعة الخامسة في وقت ما بعد الظهر. شعر روبرت أنه من ~~غير الممكن أن يشرب معها - حتى ولو فنجان شاي - من دون أن يوضح موقفه بصفته محامي ~~الخصم، إذا صح القول. بذل قصارى جهده، لكن كان أمرا مشكوكا فيه إن ms092 كانت فهمته؛ كان ~~عقلها بالفعل يقرر بوضوح إذا كانت ستقدم له مع فنجانه من الشاي بسكويت «ريتش تي» أم ~~«ميكسد فانسي». فإن ذكر ابنة أخيها لم يثر أي زوبعة متوقعة في مشاعرها. # قالت: «ذلك الذي حدث، لا يوجد ما يضاهيه في غرابته، أليس كذلك؟» ثم أردفت قائلة: «أن ~~يأخذاها بعيدا ويضرباها. ما الفائدة في ظنهما التي كانت ستعود عليهما من ذلك؟ اجلس، سيد ~~بلاين، ادخل واجلس. أما أنا فسوف ...» # صرخة تقشعر لها الأبدان سمع صداها في المنزل. صراخ عاجل، مجلجل، مستميت استمر، بلا ~~مهلة لالتقاط الأنفاس. # حملت السيدة تيلسيت مشترياتها في حركة غضب. ومدت جسمها قريبا من روبرت بما يكفي ~~لتضع فمها على مسافة قريبة من أذنه. صرخت: «برادي. سأعود سريعا.» # جلس روبرت وتمعن مرة أخرى في المكان المحيط به ثم تساءل لم كانت بيتي كين قد وجدته ~~مستحسنا للغاية. كانت الغرفة الأمامية للسيدة وين غرفة للمعيشة؛ غرفة جلوس دافئة حافلة ~~بنشاط بشري وحركة بشرية. لكن كانت بوضوح «أفضل» غرفة، ولذلك، خصصت للزائرين الذين لم ~~يكونوا على صلة قريبة تسمح لهم بدخول المناطق الخلفية؛ أما الحياة الحقيقية للمنزل فكانت ~~في غرفة ضيقة بالجهة الخلفية. إما المطبخ أو غرفة الجلوس الملحقة بالمطبخ. ورغم ذلك كانت ~~بيتي كين قد اختارت أن تمكث هنا. هل وجدت صديقا؟ فتاة في المنزل المجاور؟ صبيا في ~~المنزل المجاور؟ # عادت السيدة تيلسيت في غضون ما يبدو أنه دقيقتان، تحمل صينية عليها الشاي. تعجب روبرت ~~قليلا من سرعتها حتى رأى محتويات الصينية. لم تكن السيدة تيلسيت قد انتظرت حتى تتخذ ~~قرارا، فأحضرت كليهما معا؛ بسكويت «ثين واين» وبسكويت «سويت شورتبريد». على الأقل، ~~فكر، مراقبا إياها وهي تصبه، أن هذه السيدة فسرت أحد الأمور الغريبة في القضية: ~~حقيقة أن أسرة وين كانت قد كتبت لتطلب رجوع بيتي كين في الحال، ولم تكن عمتها قد ركضت ~~إلى مكتب برقيات لإبلاغهما بأن بيتي كانت قد غادرت إلى المنزل منذ قرابة أسبوعين. وبيتي ~~التي كانت قد انصرفت منذ أسبوعين سابقا ربما كانت ms093 أقل أهمية بكثير في عقل السيدة ~~تيلسيت من حلوى الهلام التي كانت تبرد على حافة النافذة الخلفية. # قالت السيدة تيلسيت، وكأنها تجيب عن أفكاره: «لم أكن قلقة بشأنها.» وتابعت: «عندما ~~أرسلا خطابا بشأنها من إيلزبري، كنت أعرف أنها ستظهر. وعندما عاد السيد تيلسيت كان ~~منزعجا بشدة حيال الأمر، وهو يسافر بعيدا أسبوعا أو عشرة أيام في كل مرة؛ حيث إنه ~~وكيل لصالح شركة ويكسس، وظل كالمجنون، هكذا كان، لكني قلت تحديدا انتظر وستظهر وهي بخير، ~~وهكذا فعلت. حسنا، كانت تقريبا بخير.» ~~«قالت إنها استمتعت بشدة بإجازتها هنا.» # قالت بذهن شارد، دون أن تبدو راضية كما كان روبرت قد توقع: «أفترض أنها استمتعت.» ~~نظر إليها وتبين له أن عقلها كان منشغلا بشيء آخر. قوة تركيز الشاي الذي قدمته له، ~~إن جاز الحكم عليها من اتجاه عينيها. ~~«كيف كانت تقضي وقتها؟ هل أقامت صداقات؟» ~~«أوه، لا، كانت في لاربورو أغلب الوقت.» ~~«لاربورو!» # قالت، وهي تبدو مرتابة: «أوه، حسنا، عندما أقول أغلب الوقت، فإني أظلمها. ساعدت في ~~المنزل وقت الصباح، لكن في منزل بهذا الحجم ومع اعتيادي على فعل كل شيء بنفسي فليس هناك ~~الكثير لتنجزه. وهي كانت هنا لقضاء الإجازة، ألم تكن كذلك، مسكينة، بعد كل تلك الواجبات ~~المدرسية. ما فائدة كل تلك الواجبات لفتاة صغيرة، لا أدري. ابنة السيدة هاراب في الجهة ~~المقابلة من الطريق تستطيع أن تكتب اسمها بصعوبة لكنها تزوجت الابن الثالث لأحد ~~اللوردات.» ثم أضافت وقد بدا عليها أنها متشككة: «أو ربما كان ابن الابن الثالث.» ثم ~~أردفت: «لقد نسيت الآن. هي ...» ~~«كيف كانت تقضي وقتها في لاربورو؟ إنني أتحدث عن بيتي.» ~~«في مشاهدة الأفلام، عادة.» ~~«الأفلام؟ آه، السينما. فهمت.» ~~«يمكنك أن تفعل ذلك، في لاربورو، من الصباح حتى الليل إذا كانت لديك ميول في ذلك ~~الاتجاه. تفتح السينمات الكبيرة في الساعة العاشرة والنصف ثم تغير أفلامها عادة في ~~منتصف الأسبوع وهناك نحو أربعين منها؛ لهذا يمكنك أن تذهب من واحدة إلى الأخرى حتى يحين ~~وقت العودة إلى ms094 المنزل.» ~~«أهذا ما كانت تفعله بيتي؟» ~~«أوه، لا. هي عاقلة تماما، هذا هو حال بيتي. اعتادت الدخول في الوقت الصباحي لأنك تدخل ~~بثمن أرخص من وقت الظهر، ثم تذهب في نزهة بالحافلة.» ~~«نزهة بالحافلة. إلى أين؟» ~~«أوه، أي مكان يأخذها إليه خيالها. تفضل قطعة أخرى من ذلك البسكويت، سيد بين؛ فهي ~~طازجة من العلبة. ذهبت لترى القلعة في نورتون ذات يوم. نورتون عاصمة المقاطعة كما تعرف. ~~الجميع يتخيل أن لاربورو هي العاصمة لأنها كبيرة للغاية، لكن نورتون كانت دائما ...» ~~«ألم تكن تعود إلى المنزل حتى تتناول الغداء؟» ~~«ماذا؟ أوه، بيتي. لا، كانت تتناول غداء خفيفا في أي مكان. دائما ما نتناول وجبتنا ~~الرئيسية في المساء على أي حال، كما ترى، نظرا إلى أن السيد تيلسيت في الخارج طوال اليوم، ~~فكانت هناك دائما وجبة في الانتظار عند عودتها. كان دائما مصدر فخر لي أن أعد وجبة ~~شهية مغذية على المائدة من أجل ...» ~~«في أي وقت قد يكون ذلك؟ السادسة؟» ~~«لا، السيد تيلسيت لا يصل عادة إلى المنزل قبل السابعة والنصف.» ~~«وأظن أن بيتي كانت تعود إلى المنزل قبل ذلك بوقت طويل؟» ~~«على الأغلب كانت تفعل ذلك. تأخرت مرة واحدة لأنها ذهبت إلى حفلة ما بعد الظهر في ~~السينما، لكن السيد تيلسيت أقام الدنيا وأقعدها بسبب ذلك - رغم أني واثقة أنه لم يتوجب ~~عليه ذلك، فأي ضرر قد يصيب المرء في السينما؟ - ومن بعد ذلك كانت تعود إلى المنزل دوما ~~قبله. ذلك عندما يكون هنا. لكنها لم تكن حريصة بالدرجة نفسها أثناء سفره.» # بهذا كانت الفتاة هي سيدة نفسها طيلة الأسبوعين الممتعين. لها مطلق الحرية أن تجيء ~~وتذهب دون سؤال، ولم يقيدها سوى مبلغ المال المخصص للإجازة في جيبها. كانا أسبوعين ~~بريئين، وفي حالة أغلب الفتيات في مثل عمرها فإنه بلا شك كان سيسير اليوم على هذا ~~المنوال. السينما في الصباح، أو الوقوف في النافذة، ثم غداء خفيف، ثم نزهة بالحافلة داخل ~~الريف في وقت بعد الظهر. إجازة سعيدة لمراهقة، والتجربة الأولى ms095 للاستمتاع بحرية من دون ~~رقابة. # لكن بيتي كين لم تكن مراهقة عادية. إنها الفتاة التي كانت قد سردت للشرطة تلك القصة ~~الطويلة المفصلة من دون أن ترتجف ولو مرة. الفتاة التي قضت أربعة أسابيع من حياتها ~~بلا سبب يبرر غيابها. الفتاة التي قد انتهى الحال معها بشخص ضربها بلا رحمة. كيف، ~~إذن، قضت بيتي كين تلك الفترة التي كانت فيها حرة بلا رقابة؟ ~~«هل ذهبت إلى ميلفورد بالحافلة، حسب معرفتك؟» ~~«لا، سألوني هم عن ذلك، بالطبع، لكن لم أتمكن من التأكيد أو النفي.» ~~«هم؟» ~~«الشرطة.» # صحيح، بالتأكيد؛ كان قد نسي لوهلة أن الشرطة كانت ستتأكد من كل جملة قالتها بيتي كين ~~بكل ما أوتيت من قوة. ~~«أنت لست من الشرطة، أظنك قلت ذلك.» # قال روبرت مرة أخرى: «لا. أنا محام. موكل عن السيدتين اللتين يفترض بأنهما حبستا ~~بيتي.» ~~«أوه، أجل. أخبرتني بذلك. أعتقد أنهما سيلجآن إلى محام مثلهما كمثل أي شخص آخر، هاتين ~~المسكينتين. من أجل إجراء استجواب من أجلهما. آمل أني أخبرك بالأمور التي تريد معرفتها، ~~سيد بلاين.» # احتسى فنجانا آخر من الشاي على أمل أنها مع الوقت قد تخبره بشيء أراد أن يعرفه. لكن ~~الأمر كان مجرد تكرار لما قيل في تلك اللحظة. # سأل: «هل عرفت الشرطة أن بيتي كانت تقضي اليوم في الخارج بمفردها؟» # فكرت بالفعل في ذلك. قالت: «ليس بوسعي أن أتذكر ذلك. سألوني كيف كانت تقضي وقتها ~~وقلت إنها أغلب الوقت كانت تذهب إلى السينما أو في نزهة بالحافلة، وسألوني إن كنت ~~أرافقها فأجبت - حسنا، علي أن أعترف بأني أخبرتهم بكذبة بيضاء عن ذلك الأمر وقلت إني ~~كنت أفعل ذلك من حين لآخر. لم أرد أن يعتقدوا أن بيتي ذهبت إلى أماكن بمفردها. رغم أن ~~لا ضرر من ذلك بكل تأكيد.» # يا له من عقل! # سأل روبرت بينما كان يستأذن للانصراف: «هل كانت تتسلم أي رسائل أثناء وجودها ~~هنا؟» ~~«من المنزل فحسب. أوه، أجل، كنت سأعرف. كنت دائما أتسلم الرسائل. على أي حال لم ~~يكونوا ms096 ليكتبوا رسائل إليها، أليس كذلك؟» ~~«من؟» ~~«تلكما السيدتان اللتان اختطفتاها.» # قاد روبرت سيارته متجها إلى لاربورو وهو يحمل شعورا بالهروب. تساءل إن كان السيد تيلسيت ~~يغيب دائما عن منزله «عشرة أيام في كل مرة»، أم أنه كان قد حصل على وظيفة تتطلب السفر ~~باعتباره بديلا عن الهروب أو الانتحار. # في لاربورو، بحث بلير عن المرأب الرئيسي الخاص بشركة الحافلات لاربورو آند ديستريكت ~~موتور سيرفيسز. طرق باب المكتب الصغير الذي يحرس جانبا واحدا من المدخل، ثم دخل. فوجد ~~رجلا في زي مفتش حافلة كان يقلب في الأوراق على المكتب. رفع الرجل بصره إلى روبرت ومن ~~دون أن يسأل عن أمره استمر في متابعة شئونه. # قال روبرت إنه أراد أن يقابل شخصا قد يعرف معلومات عن خدمة حافلات ميلفورد. # قال الرجل من دون أن يرفع بصره إليه: «جدول المواعيد معلق على الجدار في ~~الخارج.» ~~«لا أريد معرفة المواعيد. فأنا أعرفها. أعيش في ميلفورد. أريد معرفة إن كان سبق لكم ~~تشغيل حافلة ذات طابقين على ذلك الطريق.» # ساد صمت مدة طويلة؛ صمت محسوب ببراعة حتى نهاية اللحظة التي كان روبرت على وشك أن ~~يفتح فيها فمه مرة أخرى. # قال الرجل: «لا.» # سأل روبرت: «أبدا؟» # هذه المرة لم تكن هناك إجابة على الإطلاق. أوضح المفتش أن وقته قد انتهى معه. # قال روبرت: «استمع إلي. هذا أمر مهم. أنا شريك في مكتب محاماة في ميلفورد، وأنا ~~...» # التفت إليه الرجل. وأضاف عندما ظهر ميكانيكي ضئيل الحجم وراء روبرت في المدخل: «لا ~~يعنيني إن كنت شاه إيران؛ لا توجد أي حافلة ذات طابقين على طريق ميلفورد! وأنت ماذا ~~تريد؟» # تردد الميكانيكي، وكأن المهمة التي كان قد أقبل من أجلها كانت قد كدرها اهتمام ~~أحدث. لكنه تمالك نفسه تماما وبدأ في توضيح الأمر الذي أتى من أجله. «الأمر بخصوص قطع ~~الغيار الخاصة بنورتون. هل ينبغي علي ...» # بينما كان روبرت يقترب متجاوزا إياه إلى خارج المكتب شعر بشد في معطفه فأدرك أن ~~الميكانيكي الضئيل أراد منه أن يبقى حتى ms097 يتمكن من التحدث إليه. خرج روبرت وانحنى فوق ~~سيارته، وبعد مدة قليلة ظهر الميكانيكي بجواره. ~~«أتسأل عن الحافلات ذات الطابقين؟ لم يكن بيدي مناقضة كلامه صراحة، كما تعرف؛ في ~~الحالة المزاجية التي هو فيها الآن ربما يكلفني الأمر أن أخسر وظيفتي. أتريد استخدام ~~حافلة ذات طابقين، أو مجرد معرفة إن كان سبق لها أن عملت على هذا الطريق؟ لأنه لا يمكن لك ~~أن تجد حافلة ذات طابقين على ذلك الطريق، ليس للسفر فيها؛ لأن الحافلات على هذا الطريق ~~جميعها ...» ~~«أعرف، أعرف. فهي ذات طابق واحد. ما أردت معرفته إن سبق وكانت هناك حافلة ذات طابقين ~~على طريق ميلفورد.» ~~«حسنا، من المفترض ألا توجد، كما تفهم، لكن مرة أو مرتين هذا العام كنا قد استخدمنا ~~حافلة ذات طابقين عندما تعطلت فجأة إحدى الحافلات القديمة ذات الطابق الواحد. عاجلا ~~أم آجلا ستصبح جميع الحافلات بطابقين، لكن حركة السير في ميلفورد ليست كافية بالدرجة ~~التي تبرر استخدام الحافلات ذات الطابقين؛ لهذا فجميع الحافلات العتيقة ذات الطابق ~~الواحد ينتهي بها الأمر في النهاية على ذلك الطريق وبعض الطرق الأخرى التي على شاكلته. ~~وهكذا ...» ~~«لقد أفدتني كثيرا. هل من الممكن أن تعرف تحديدا متى سارت الحافلة ذات الطابقين على ~~ذلك الطريق؟» # قال الميكانيكي، بقليل من الاستياء: «بالطبع.» وتابع: «في هذه الشركة يسجل كل مرة ~~تبصق فيها.» وأضاف وهو يميل رأسه إلى الوراء ليشير إلى المكتب: «لكن السجلات في الداخل ~~هناك، وما دام هو هناك فلا يمكن فعل أي شيء.» # سأل روبرت عن الساعة التي ربما خلالها يمكن فعل شيء. ~~«حسنا، ينصرف هو في موعد انصرافي؛ في السادسة. لكن بإمكاني الانتظار دقائق معدودات، ~~وابحث في جداول المواعيد عندما ينصرف إذا كان الأمر مهما بالنسبة إليك.» # لم يكن روبرت يدري كيف سينتظر خلال تلك المدة حتى الساعة السادسة، لكن يجب أن ينتظر حتى ~~السادسة. ~~«اتفقنا. سأقابلك في بيل، تلك الحانة التي في نهاية الشارع، في نحو الساعة السادسة ~~والربع. أذلك مناسب؟» # قال روبرت إن ذلك مناسب على ms098 نحو مثالي. تماما. # ثم انصرف ليرى ما الذي بوسعه أن يرشو به نادل ردهة فندق ميدلاند ليمنحه بعض الشراب ~~خارج ساعات العمل الرسمية. # | الفصل العاشر # قالت العمة لين: «أفترض أنك تعرف ما تفعله، يا عزيزي لكني لا أستطيع منع نفسي من التفكير ~~في أنه من الغريب للغاية الدفاع عن أشخاص مثل هؤلاء.» # قال روبرت بترو شديد: «أنا لا «أدافع» عنهما. بل أنا أمثلهما. وليس هناك دليل أيا ~~كان يثبت أنهما «أشخاص مثل هؤلاء».» ~~«هناك أقوال الفتاة، يا روبرت. لا يمكن لها أن تكون قد اختلقت القصة كلها.» ~~«عجبا، ألا يمكن لها؟!» ~~«ما الفائدة التي قد تعود عليها من سرد أكاذيب كثيرة!» كانت تقف في مدخل باب غرفته ~~تمرر كتاب الصلوات من يد إلى اليد الأخرى وهي ترتدي قفازيها الأبيضين. وأضافت: «ما هو ~~الشيء الآخر الذي من الممكن أنها كانت تفعله إذا لم تكن في منزل فرنتشايز؟» # منع روبرت نفسه من أن يقول: «ستفاجئين!» من الأفضل دائما مع العمة لين أن تتبع الطريق ~~الأسهل. # أرجعت قفازيها برفق إلى مكانهما. «إن كان الأمر مجرد أنك تتصرف بنبل يا عزيزي روبرت، ~~فلا بد علي أن أقول إنك مخطئ. وهل عليك أن تذهب إلى ذلك «المنزل»؟! بالتأكيد ربما ~~تأتيان إلى المكتب غدا. لا يوجد ما يدعو إلى العجلة، أليس كذلك؟ إن الأمر ليس كأن ~~شخصا ما سيقبض عليهما في الحال.» ~~«كان اقتراحي أن أذهب إلى منزل فرنتشايز. إذا اتهمك شخص ما بسرقة أشياء من على نضد ~~متجر وولوورث ولم يكن بإمكانك دحض التهمة، فلا أعتقد أنك ستستمتعين بالسير في هاي ستريت ~~في ميلفورد في وضح النهار.» ~~«ربما لا أحب ذلك، لكني قطعا يجب أن أفعله، وأوبخ السيد هينسيل.» ~~«من هو السيد هينسيل؟» ~~«المدير. هل بإمكانك أن ترافقني إلى الكنيسة أولا ثم تذهب إلى منزل فرنتشايز؛ لقد مضى ~~وقت طويل منذ أن ذهبت إلى هناك يا عزيزي.» ~~«إذا بقيت هنا أطول من ذلك فستتأخرين لأول مرة خلال العشر سنوات الماضية. اذهبي ~~وصلي أن يكون حكمي ms099 صائبا.» ~~«سأصلي لك قطعا يا عزيزي. أصلي لك دائما. وكذلك سأزيد عليها صلاة صغيرة لنفسي. ~~كل هذا سيصير في غاية الصعوبة بالنسبة إلي.» ~~«بالنسبة إليك؟» ~~«الآن ما دمت تمثل هاتين السيدتين فلن أستطيع أن أثرثر عن الأمر مع أي أحد. وهذا ~~أمر مثير للجنون تماما يا عزيزي، أن تجلس صامتا وتسمع الجميع يحكي عن حقائق مؤكدة أنت ~~متأكد أنها خاطئة. الأمر يشبه أن تريد التقيؤ لكن عليك تأجيله. أوه، يا عزيزي، لقد ~~توقفت الأجراس، أليس كذلك؟ علي أن آخذ مكانا في مقعد آل براكتس. لن يمانعوا. أنت لن ~~تبقى في ذلك المكان حتى الغداء، أليس كذلك يا عزيزي؟» ~~«لا أعتقد أني سأدعى إلى الغداء.» # لكن استقباله بترحاب في منزل فرنتشايز كان ودودا للغاية حتى إنه شعر بأنه محتمل ~~بدرجة كبيرة أن يدعى في نهاية الأمر. لكنه بالطبع كان سيرفض؛ ليس لأن دجاجة العمة لين ~~كانت في الانتظار، بل لأن ماريون شارب ستكون مرغمة على غسل الصحون فيما بعد. عندما لا ~~يوجد أي أحد هناك فربما كانتا تأكلان من الصواني مباشرة. أو تمكثان في المطبخ، فالجميع ~~عرف ذلك. # قالت ماريون، معتذرة مرة أخرى: «أعتذر عن امتناعنا عن الرد على الهاتف الليلة ~~الماضية. لكن بعد المرة الرابعة أو الخامسة كان الأمر مبالغا فيه. ولم نتوقع أنك تحمل ~~أخبارا في غضون مدة قصيرة. ففي نهاية الأمر لم تكن قد بدأت إلا بعد ظهر يوم ~~الجمعة.» ~~«المتصلون بالهاتف: أكانوا رجالا أم نساء؟» ~~«رجل، وأربع نساء، بقدر ما أتذكر. عندما اتصلت صباح اليوم ظننت أنها كانت بداية ~~الاتصالات مرة أخرى، لكن يبدو أنهم ناموا في ساعة متأخرة. أو ربما أن الشر لا يأتيهم ~~قبل المساء بمدة كبيرة. لقد مثلنا بلا شك حفلة ترفيهية مساء يوم السبت لشباب الريف. ~~لقد احتشدوا في مجموعة داخل البوابة وانهالوا بمضايقات كلامية . ثم وجد نيفيل لوحا من ~~الخشب في المبنى الصغير الملحق بالمنزل ...» ~~«نيفيل؟» ~~«أجل، ابن أخيك. أقصد، ابن عمك. جاء ليقدم ما أسماه زيارة مواساة، وهو ما كان لطفا ms100 ~~منه. فوجد لوحا يمكن تثبيته في البوابة ليبقيها مغلقة؛ ليس لدينا أي مفتاح، كما تعلم. ~~لكن ذلك بالطبع لم يمنعهم مدة طويلة. رفع بعضهم بعضا إلى الأعلى على السور، وجلسوا هناك ~~في صف منهالين علينا بالإهانات حتى حان موعد انصرافهم إلى الفراش.» # قالت السيدة شارب العجوز متأملة: «عدم التربية أمر سيء بشدة عند إهانة الآخرين. لا ~~فطنة لديهم على الإطلاق.» # قال روبرت: «وليس لديهم من يقتدون به. لكنهم مستفزون بما يكفي. لا بد أن نرى أي ~~وسيلة حماية يمكننا المطالبة بها من الشرطة. وبالمناسبة سأخبرك بشيء لطيف عن ذلك ~~السور. أعرف كيف تطلعت الفتاة من فوقه.» # أخبرهما عن زيارته إلى السيدة تيلسيت واكتشافه أن الفتاة كانت تسلي نفسها بجولة ~~في الحافلة (أو قالت إنها فعلت ذلك)، ثم عن زيارته بعد ذلك إلى مرأب شركة لاربورو آند ~~ديستريكت موتور سيرفيسز. ~~«في الأسبوعين اللذين كانت الفتاة خلالهما في مينشيل حدث عطل لحافلتين ذواتي طابق ~~واحد كان مقررا لهما السير على طريق ميلفورد؛ في كل مرة كان لا بد أن يستبدل بكل ~~منهما حافلة ذات طابقين. لا يوجد سوى ثلاث ورديات للعمل لكل اتجاه يوميا، كما ~~تعرفان. وفي كل مرة حدث فيها عطل في الحافلة المقرر لها السير كان في وردية عمل ~~منتصف اليوم. وبهذا فهناك مرتان على الأقل خلال هذين الأسبوعين كان ممكنا أنها قد رأت ~~فيهما المنزل والفناء، وأنتما الاثنان، والسيارة، جملة واحدة.» ~~«لكن هل يمكن لأي أحد يمر وهو في الطابق العلوي من الحافلة أن يطيل النظر في ~~الداخل لهذا الحد؟» ~~«هل سبق لك أن سافرت على الطابق العلوي لحافلة على خط الريف؟ حتى عندما تسير الحافلة ~~على سرعة ثابتة تصل إلى خمسة وثلاثين، فإن السرعة تبدو بطيئة. ما يمكنك رؤيته لمسافة ~~بعيدة هو كثير للغاية، ويمكنك رؤيته مدة أطول كثيرا. في الأسفل، يلامس السياج ~~النافذة ويبدو أن السرعة مناسبة لأن الأشياء أصبحت أكثر قربا. هذا أمر. أما الأمر ~~الآخر فهو أنها تتمتع بذاكرة فوتوغرافية.» ثم أخبرهما بما كانت السيدة ms101 وين قد ~~قالته. # سألت السيدة شارب: «هل نخبر الشرطة عن هذا؟» ~~«لا. هذا لا يثبت أي شيء؛ ليس إلا أنه يحل مسألة كيف أنها عرفت عنكما. عندما احتاجت ~~إلى حجة لغيابها تذكرتكما، وجازفت بعدم قدرتكما على إثبات أنكما كنتما في مكان آخر. ~~بالمناسبة، عندما تحضرين سيارتك إلى الباب، أي جانب من السيارة يصبح الأقرب إلى ~~الباب؟» ~~«إما أن أحضرها بالقرب من المرأب أو إلى الداخل من الطريق فيصبح الجانب الأقرب من ~~السيارة مجاورا إلى الباب؛ لأنه بهذا يصبح من الأسهل إخراجها.» # قال روبرت على نحو قاطع: «أجل؛ وبذلك فالجانب القريب، ذو الطلاء الأغمق على العجلة ~~الأمامية، يصبح مواجها للبوابة.» ثم تابع قائلا: «تلك هي الصورة التي رأتها. العشب ~~والمسار المنقسم، والسيارة أمام الباب يظهر منها العجلة المختلفة، ~~والسيدتان - كل منهما على حدة - والنافذة الدائرية في ~~العلية. لم يكن عليها سوى أن تنظر إلى الصورة في ذهنها وتصفها. اليوم الذي كانت تستخدم ~~فيه الصورة - اليوم الذي من المفترض أنها كانت قد خطفت فيه - كان منذ ما يزيد على شهر ورأت ~~أنه احتمال مستبعد أن تتمكنا من قول ما كنتما قد فعلتماه أو أين كنتما في ذلك ~~اليوم.» # قالت السيدة شارب: «وأعتقد أن احتمالات معرفة ما قد فعلته أو أين كانت في ذلك الشهر ~~ضعيفة للغاية.» ~~«الاحتمالات ضعيفة، هذا صحيح. وكما أشار صديقي كيفين ماكديرموت الليلة الماضية، فلا شيء ~~يعوق كونها قد كانت في سيدني بولاية نيو ساوث ويلز. لكني بدرجة ما أكثر تفاؤلا اليوم ~~عما كنت عليه يوم الجمعة صباحا. لقد أصبحنا نعرف أمورا كثيرة عن الفتاة الآن.» ثم ~~أخبرهما عن مقابلاته في إيلزبري ومينشيل. ~~«لكن إذا لم تكشف تحقيقات الشرطة عما كانت تفعله خلال ذلك الشهر ...» ~~«إن تحريات الشرطة كرست للتحقق من صحة إفادة الفتاة. فهم لم يبدءوا، مثلما نبدأ، من ~~منطلق أن روايتها غير حقيقية من أولها لآخرها. لقد أخذوا يتفحصونها بدقة شديدة. لم يكن ~~لديهم أي سبب دقيق للشك فيها. كانت لها سمعة نزيهة، وعندما تحدثوا مع عمتها ms102 عن كيفية ~~قضاء إجازتها وجدوا أنها قضتها في زيارات بريئة إلى السينما وجولات بحافلة ~~البلدة.» # سألت السيدة شارب: «وكيف تعتقد أنها قضتها؟» ~~«أظن أنها قابلت شخصا ما في لاربورو. وذلك، على أي حال، هو التفسير الواضح. ومن تلك ~~الفرضية أظن أنه يجب علينا أن نبدأ أي تحريات.» # سألت السيدة شارب: «وماذا سنفعل بخصوص توكيل محقق خاص؟» وأضافت: «هل تعرف ~~أحدا؟» # قال روبرت، مترددا: «حسنا، كان قد خطر ببالي أنك ربما تسمحين لي بمواصلة التحريات ~~بنفسي أكثر من ذلك قليلا قبل أن نشرك محققا محترفا في الأمر. أعرف أن ...» # قالت السيدة العجوز، مقاطعة له: «سيد بلير، لقد استدعيت إلى تلك القضية المزعجة من دون ~~إنذار، ولا يمكن أنه كان بمحض إرادتك تماما؛ وكان غاية في اللطف منك أن تبذل قصارى جهدك ~~من أجلنا. لكننا لا يمكن أن نتوقع منك أن تجعل نفسك محققا خاصا لحسابنا. لسنا من ~~الأغنياء - في الواقع نملك أقل القليل لنعيش به - لكن ما دام لدينا مال بأي حال من ~~الأحوال فسندفع مقابل الحصول على الخدمات المناسبة. ومن غير المناسب أن تجعل من نفسك - ما ~~الكلمة اللائقة؟ - مثل سكستون بليك لمصلحتنا.» ~~«ربما هذا من غير المناسب لكن الأمر يروق لي كثيرا. صدقيني، يا سيدة شارب، لم أكن قد ~~خططت لذلك بأي تفكير مقصود لأوفر مالك. فبينما أنا عائد إلى منزلي في السيارة ~~الليلة الماضية، وفي غاية السعادة مما كنت قد حققته إلى هذا الحد، أدركت إلى أي مدى ~~علي أن أبغض التخلي عن مهمة البحث إلى شخص آخر. لقد أصبح الأمر بحثا شخصيا. أرجوك ~~لا تثبطي عزيمتي في مسألة ...» # قاطعته ماريون: «إذا كان السيد بلير مستعدا لمواصلة الأمر مدة أطول قليلا، فأعتقد أن ~~علينا أن نشكره من القلب ونقبل. أعرف تماما بم يشعر. أتمنى لو كان بوسعي أن أبحث ~~بنفسي .» ~~«ليس هناك شك أنه سيحين وقت أحيل فيه البحث إلى محقق مناسب سواء شئت أم أبيت. ~~إذا قادت الخيوط إلى مكان أبعد من لاربورو، على سبيل المثال. فلدي ms103 الكثير من ~~الالتزامات الأخرى تمنعني من متابعة البحث في مكان بعيد. لكن ما دام البحث في نطاق قريب ~~منا فإني أريد حقا أن أكون الشخص الذي يتابعه.» # سألت ماريون، باهتمام: «كيف خططت لمتابعة البحث؟» ~~«حسنا، كنت قد فكرت أن أبدأ بالأماكن التي تقدم الغداء الخفيف مع القهوة. أقصد في ~~لاربورو. لسببين، الأول أنه من غير الممكن أن يوجد الكثير منها. والسبب الآخر، نحن نعلم ~~تمام العلم، على أي حال في البداية، أن ذلك كان نوع الغداء الذي تتناوله.» # سألت ماريون: «لم تقول «في البداية»؟» ~~«بمجرد أنها التقت بالشخص الافتراضي «س»، فربما أصبحت تتناول الغداء في أي مكان آخر. ~~لكن حتى ذلك الحين دفعت مقابل وجبات الغداء الخاصة بها، ~~وكانت وجبات «خفيفة». تفضل فتاة في ذلك العمر أن تتناول غداء مكونا من كعكة على أي ~~حال، حتى لو كانت تمتلك مالا يكفيها للحصول على وجبة مكونة من صنفين. لهذا سأركز على ~~الأماكن التي تقدم الغداء الخفيف مع القهوة. سأعرض صحيفة «أك-إيما» على النادلات وأكتشف ~~ببراعة محام ريفي ما إذا سبق لهن أن رأين الفتاة في مطاعمهن. أذلك يبدو منطقيا ~~لك؟» # قالت ماريون: «منطقي للغاية.» # استدار روبرت إلى السيدة شارب. «لكن إذا كنت تعتقدين بأنه سيكون من الأفضل أن يعمل على ~~الأمر محقق محترف - وهذا من الممكن للغاية - فسأنسحب إذن مع ...» # قالت السيدة شارب: «لا أعتقد أن هناك من هو أفضل منك كي يعمل لحسابنا». وتابعت: «لقد ~~عبرت عن تقديري بالفعل للمجهود الذي بذلته نيابة عنا. وإذا كان يسرك أن تصطاد هذه ~~... هذه ...» # فأجاب روبرت بسعادة: «الدمية الصغيرة.» # عدلت السيدة شارب: «اللعوب الصغيرة، فيمكننا إذن أن نصبح موافقين وشاكرين. لكن ~~يبدو لي احتمال أن يطول الطريق كثيرا.» ~~«لم قد يكون طويلا؟» ~~«ثمة فجوة زمنية كبيرة، كما يبدو لي، بين الالتقاء بالشخص الافتراضي «س » في لاربورو، ~~والسير نحو منزل بالقرب من إيلزبري وهي لا ترتدي شيئا سوى فستان وحذاء وقد ضربت ~~ضربا حقيقيا وبشدة. يا ماريون، لا يزال لدينا بعض من النبيذ الإسباني، ms104 أظن ~~ذلك.» # خلال مدة الصمت التي تبعت مغادرة ماريون لإحضار النبيذ صار سكون المنزل العتيق ~~واضحا. لم يكن هناك أي وجود للأشجار في الفناء حتى تحدث ضجيجا طفيفا في مهب ~~الريح، ولا أي طيور حتى تزقزق. كان السكون مطبقا مثل سكون مدينة صغيرة في منتصف ~~الليل. تساءل روبرت، أكانت الحياة هادئة بالنسبة إليهما بعد الحياة الصاخبة في بنسيون؟ أم ~~كانت موحشة ومخيفة قليلا؟ # كانتا قد قدرتا خصوصية المكان، مثلما أوضحت السيدة شارب العجوز في مكتبه صباح يوم ~~الجمعة. لكن أكانت حياة سعيدة متقوقعة خلف الأسوار المرتفعة في ذلك السكون الدائم؟ # قالت السيدة شارب: «يبدو لي أن الفتاة جازفت مجازفة كبيرة باختيار منزل فرنتشايز، وهي ~~لا تعلم أي شيء عنه أو ظروفه.» # قال روبرت: «بالطبع، جازفت.» ثم تابع قائلا: «وكان عليها أن تفعل ذلك. لكني لا أعتقد ~~أنها كانت مجازفة كبيرة كما تعتقدين.» ~~«أتظن ذلك؟» ~~«نعم. ما تقولينه هو أنه رغم كل ما تعرفه الفتاة عن منزل فرنتشايز فمن الممكن أنه يسكن ~~به عائلة كبيرة من أفراد شباب وثلاث خادمات.» ~~«أجل.» ~~«لكني أظن أنها عرفت تمام المعرفة أنه لم يكن هناك مثل ذلك الأمر.» ~~«كيف تمكنت من ذلك؟» ~~«إما أنها ثرثرت مع محصل الحافلة، أو أنها - وأظن أن هذا محتمل بدرجة أكبر - ~~استرقت السمع لتعليق من الركاب المستقلين معها. شيء من قبيل: «تسكن هناك السيدتان ~~شارب. تعيشان حياة مترفة في منزل كبير مثل ذلك، ليس سواهما بالمنزل. ولا توجد خادمة ~~على استعداد أن تمكث في مكان موحش بعيد للغاية عن المتاجر والسينما ...» وهكذا. إنها ~~حافلة «محلية» إلى أقصى درجة، حافلة لاربورو-ميلفورد. وإنه طريق وحيد، من دون أكواخ ~~على جانب الطريق، ولا قرى عدا هام جرين. لذلك فإن منزل فرنتشايز هو البؤرة الوحيدة لاهتمام ~~البشر على امتداد أميال. إن الأمر يفوق طبيعة البشر أن يقدروا على تجاوز اهتمام جماعي ~~تجاه المنزل والمالكتين وسيارتهما، من دون تعليقات من هذا النوع.» ~~«فهمت. أجل، هذا منطقي.» ~~«أتمنى، بطريقة أو بأخرى، أنها كانت قد عرفت عنكما ms105 من خلال محادثة مع محصل ~~الحافلة. بتلك الطريقة، سيزيد احتمال أنه سيتذكرها. تقول الفتاة إنها لم تزر ميلفورد ~~قط ولا تعلم أين تقع. إذا تذكرها محصل الحافلة، فسيصبح بإمكاننا على الأقل التشكيك في ~~قصتها بهذا الخصوص.» ~~«إذا كنت أعرف أي شيء عن الفتاة، فستفتح عينيها الطفوليتين تلك وتقول: «يا إلهي، أكانت ~~تلك ميلفورد؟ لقد صعدت الحافلة ثم وصلت إلى المحطة الأخيرة ورجعت».» ~~«أجل. هذا لن يقصينا كثيرا. لكن إذا فشلت في تعقب أثر الفتاة في لاربورو، فسأحاول ~~عرض صورتها على المحصلين المحليين. أتمنى حقا أنها كانت إنسانة يسهل ~~تذكرها.» # غشيهما السكون مرة أخرى بينما كانا يتفكران في طبيعة بيتي كين التي لا يمكن أن ~~تمحى من الذاكرة. # كانا يجلسان في قاعة الاستقبال، أمام النافذة، يتطلعان إلى الخارج في اللون الأخضر ~~للفناء الذي كان على شكل مربع، واللون الوردي الباهت للسور من الطوب. وبينما كانا ~~يحدقان دفعت البوابة على مصراعيها وظهرت مجموعة صغيرة من سبعة أو ثمانية أشخاص ~~والذين وقفوا يحدقون. كانوا على راحتهم تماما؛ يتبادلون الإشارة فيما بينهم على النقاط ~~البارزة موضع اهتمامهم - بدا واضحا أن النقطة المفضلة إليهم كانت النافذة الدائرية في ~~سطح المنزل. إذا كان منزل فرنتشايز قدم للشباب الريفي الليلة الماضية الأمسية الترفيهية ~~ليوم السبت، فإنها في تلك اللحظة، هكذا، على ما يبدو، تقدم عرضا صباحيا في يوم الأحد ~~لأهل لاربورو. وبالطبع كان ينتظرهم خارج البوابة سيارتان، إذ إن نساء الحفل كن يرتدين ~~أحذية صغيرة سخيفة، وفساتين ترتدى داخل المنزل. # نظر روبرت إلى السيدة شارب، فلم تكن قد تحركت إلا لتضييق فمها البغيض دائما. # قالت أخيرا، بازدراء: «جمهورنا.» # قال روبرت: «هل لي أن أذهب وأبعدهم؟» وتابع: «إنه خطئي أني لم أعد الحاجز الخشبي ~~الذي أزلتماه من أجلي.» # قالت: «دعهم.» ثم تابعت قائلة: «سينصرفون بعد قليل. هذا ما يغض النبلاء الطرف عنه ~~يوميا؛ يمكننا أن نحتمل ذلك دقائق معدودات.» # لكن لم يظهر من الزائرين أي دليل على الانصراف. في الواقع، تحركت مجموعة واحدة حول ~~المنزل لمعاينة المبنى من ms106 الخارج، أما البقية فما زالوا هناك عندما عادت ماريون بالنبيذ. ~~اعتذر روبرت مرة أخرى عن إغفاله تثبيت اللوح الخشبي. كان يشعر بضآلته وعدم جدارته. إذ ليس ~~من الطبيعي أن يظل جالسا في هدوء ويراقب الدخلاء وهم يتجولون خلسة كما لو أنهم ~~امتلكوا المكان أو كانوا يمعنون النظر فيه لشرائه. لكن إذا خرج وطلب منهم الانصراف ~~ورفضوا ذلك، ما الصلاحية التي كانت لديه لتجبرهم على الانصراف؟ وكيف سيبدو في نظر ~~السيدتين شارب لو أنه عاد منسحبا إلى المنزل وترك هؤلاء الناس مسيطرين على المكان؟ # عادت مجموعة المستكشفين من جولتهم ونقلوا بضحك وإيماءات ما كانوا قد رأوه. سمع ~~ماريون تقول شيئا بصوت هامس فتساءل إن كان سبابا. كانت تبدو مثل سيدة لها خبرة ضئيلة ~~في السباب. كانت قد وضعت صينية النبيذ وبدا واضحا أنها أغفلتها؛ لم يكن الوقت ~~مناسبا للضيافة. تمنى بشدة أن يفعل شيئا حاسما ومذهلا ليرضيها، تماما مثلما كان ~~قد رغب بشدة في إنقاذ الفتاة التي أحبها من أحد المباني المحترقة لما كان في الخامسة ~~عشرة من عمره. لكن بكل أسف، لا شيء يعلو على حقيقة أنه صار في الأربعينيات من عمره، وكان ~~قد تعلم أنه من الأكثر حكمة انتظار سلم الإنقاذ. # بينما كان مترددا، وغاضبا من نفسه ومن هؤلاء الكائنات الوقحة في الخارج، وصل سلم ~~الإنقاذ في هيئة رجل شاب طويل يرتدي بدلة صارخة من صوف التويد. # همست ماريون، وهي تراقب المشهد: «نيفيل.» # تفحص نيفيل المجموعة بأقصى إحساس لا يحتمل من التعالي، وبدا أنهم انكمشوا قليلا، ~~لكنهم أصروا بوضوح على البقاء في أماكنهم. في الواقع، كان الرجل ذو السترة الرياضية ~~والبنطال المخطط يتأهب بوضوح لصنع مشكلة. # نظر نيفيل إليهم في صمت بضع ثوان ثم فتش في جيبه الداخلي عن شيء. عند الحركة الأولى ~~ليديه طرأ اختلاف غريب على المجموعة . الأفراد في النطاق الأبعد ابتعدوا ثم اختفوا ~~متوارين عن النظر من البوابة، أما الأكثر قربا ففقدوا إحساسهم بالتبجح، وأصبحوا ~~لطفاء. في النهاية قام الرجل ذو السترة الرياضية بحركات صغيرة رافضة ms107 للاستسلام ثم انضم ~~إلى المنسحبين من البوابة. # دفع نيفيل البوابة بقوة وراءهم، ورفع اللوح الخشبي إلى مكانه، ثم اقترب من المسار ~~المؤدي إلى الباب ماسحا يديه بدقة بالغة في منديل صارخ اللون حقا. فركضت ماريون ~~خارج المنزل لمقابلته. # سمعها روبرت وهي تقول: «نيفيل!» ثم أضافت قائلة: «كيف فعلتها؟» # سأل نيفيل: «فعلت ماذا؟» ~~«تخلصت من هؤلاء الأشخاص.» # قال نيفيل: «حسنا، سألتهم فحسب عن أسمائهم وعناوينهم.» ثم تابع قائلا: «ليس لديك أي ~~فكرة كيف يتبدل حال الأشخاص الحذرين إذا أخرجت مفكرة وسألتهم عن أسمائهم وعناوينهم. ~~إنه المقابل العصري لعبارة: «اهرب، انكشف كل شيء». فلا ينتظرون حتى يسألوا عن إثباتات ~~لشخصيتك في حال أنه ربما لديك أي منها. مرحبا، روبرت. صباح الخير، يا سيدة شارب. في ~~الواقع أنا في طريقي إلى لاربورو، لكني رأيت البوابة مفتوحة وهاتين السيارتين ~~المخيفتين في الخارج؛ لهذا توقفت لأتحقق من الأمر. لم أعرف أن روبرت هنا.» # هذا التلميح البريء تماما بأن روبرت بالطبع كان قادرا على التعامل مع الموقف بالكفاءة ~~نفسها كانت إهانة لا تحتمل. كان من الممكن لروبرت أن يوسعه ضربا على رأسه. # قالت السيدة شارب: «حسنا، بما أنك هنا الآن وقد خلصتنا ببراعة من المزعجين فلا بد ~~أن تبقى وتشرب كأسا من النبيذ.» # قال نيفيل: «هل بإمكاني المجيء في طريق عودتي إلى المنزل في المساء؟» وتابع: «أنا في ~~طريقي لتناول الغداء مع حما المستقبل، ولأن اليوم هو الأحد فهناك شعائر. لا بد لي من الحضور ~~من أجل الاستعداد.» # قالت ماريون: «بالطبع تعال في طريق عودتك إلى المنزل». وأضافت: «سيسرنا ذلك. كيف سنعرف ~~أنه أنت؟ أقصد من أجل فتح البوابة.» كانت تصب النبيذ وتناوله لروبرت. ~~«أتعرفين شفرة مورس؟» ~~«أجل، لكن لا تقل لي إنك تعرفها.» ~~«لم لا؟» ~~«تبدو مستبعدا تماما عن كونك مولعا بشفرة مورس.» ~~«أوه، عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري كنت أمارس هواية الإبحار، تعلمت في أوج ~~طموحي الكثير من الحماقات بمحض الصدفة. وشفرة مورس كانت واحدة منها. سأصيح بالحروف الأولى ~~من اسمك الجميل ms108 على بوق السيارة، عند الوصول. مرتين طويلتين وثلاث مرات قصار. لا بد أن ~~أرحل سريعا. إن فكرة التحدث إليك الليلة ستدعمني خلال الغداء في مطعم سينما ~~بالاس.» # سأل روبرت، مسيطرة عليه نفسه الدنيئة: «ألا تمثل روزماري أي دعم لك؟» ~~«لا أظن ذلك. في أيام الأحد فإن روزماري هي ابنة في منزل أبيها. وذلك دور لا يناسبها. ~~إلى اللقاء سيدة شارب. لا تسمحي لروبرت بشرب النبيذ كله.» # سمع روبرت ماريون تسأل بينما كانت ترافقه إلى الباب: «ومتى قررت التوقف عن ممارسة ~~الإبحار؟» ~~«عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. بدأت ممارسة هواية ركوب المنطاد بدلا من ~~ذلك.» ~~«نظريا، أفترض ذلك.» ~~«حسنا، كنت شغوفا بالغازات.» # تساءل روبرت، لم يبدوان متوادين لهذه الدرجة، ويرتاح كل منهما للآخر غاية الارتياح. ~~وكأنهما قد عرف كل منهما الآخر منذ مدة طويلة. لم أعجبت بنيفيل التافه ~~ذلك؟ ~~«ولما كنت في السادسة عشرة من عمرك؟» # لو أنها عرفت كم الأمور التي كان نيفيل قد بدأ في ممارستها ثم أقلع عنها في ذلك ~~الوقت من عمره، ربما لم يكن يسرها أن تصبح أحدثها. # سألت السيدة شارب: «ألا يعجبك مذاق النبيذ يا سيد بلير؟» ~~«بلى، بالطبع بلى، شكرا لك، فمذاقه ممتاز.» هل كان ممكنا أنه قد بدا نكدا؟ لا سمح ~~الله. # اختلس نظرة على السيدة العجوز فظن أنها كانت تبدو مستمتعة قليلا. وعندما تصبح السيدة ~~شارب العجوز مستمتعة فهذا منظر غير مريح. # فقال: «أظن أنه من الأفضل أن أنصرف قبل أن تغلق الآنسة شارب البوابة بالحاجز الخشبي ~~خلف نيفيل. وإلا ستحتاج إلى أن تصل إلى البوابة مرة أخرى معي.» ~~«لكن ألن تبقى وتتناول الغداء معنا؟ ليس هناك طقوس بشأن الغداء في منزل ~~فرنتشايز.» # لكن قدم روبرت اعتذاره. فلم تعجبه شخصية روبرت بلير التي أصبح عليها. تافه، ذو تصرفات ~~طفولية وغير كفء. لذا سيعود ويتناول غداءه المعتاد ليوم الأحد مع العمة لين ويستعيد من ~~جديد شخصية روبرت بلير المحامي في مكتب بلير هيوارد وبينيت، الرصين المتسامح المتصالح مع ~~عالمه. # كان نيفيل ms109 قد رحل في الوقت الذي وصل فيه روبرت إلى البوابة، في صخب مفاجئ كسر ذلك الهدوء ~~المريح، وكانت ماريون على وشك أن تغلق البوابة. # قالت وهي تتبع بنظراتها ذلك الشيء الصاخب أثناء انطلاقه بسرعة البرق على الطريق: «لا ~~أتخيل أن الأسقف يوافق على وسيلة تنقل زوج ابنته المستقبلي.» # قال روبرت، الذي لا يزال متجهما: «متعب للأعصاب.» # ابتسمت إليه. فقالت: «أظن أن ذلك أول تلاعب طريف بالألفاظ قد سمعته من أي أحد.» ثم ~~أردفت قائلة: «كنت آمل أن تبقى لتناول الغداء، لكني إلى حد ما اطمأننت قليلا لأنك ~~لن تفعل ذلك.» ~~«هل اطمأننت حقا؟» ~~«صنعت «قالبا» لفطيرة لكنه لم ينتفش. لا أجيد الطهو. أتتبع بدقة ما يذكر في ~~الكتاب لكن غالبا لا تنجح. بل إني في الحقيقة أندهش تماما عندما تنجح. لهذا سيكون من ~~الأفضل أن تذهب لتناول فطيرة التفاح من صنع عمتك لين.» # تمنى روبرت فجأة وبشكل غير منطقي لو أنه يبقى، ليشارك «القالب» الذي لم يكن قد انتفش ~~وليسخر منه بلطف إلى جانب طهوها. # قال بأسلوب مباشر: «سأخبرك غدا في المساء كيف صارت الأمور معي في لاربورو.» نظرا ~~إلى أنه لم يكن قد دار بينهما حوار كصديقين من قبل مثلما تحدثت مع نيفيل حول الدجاج ~~وحول موباسان فقد حبذ أن يبقي الحوار حول أمور العمل. «سأتصل بالمحقق هالم وأرى إن ~~كان بإمكان أحد رجاله أن يظهر في محيط منزل فرنتشايز مرة أو مرتين في اليوم؛ ليس إلا ~~لإظهار الزي الرسمي، إذا صح القول، ولصد المتسكعين.» # قالت: «أنت في غاية اللطف يا سيد بلير». وتابعت: «لا أتصور كيف كان سيصير الأمر من دون ~~الاستناد إليك.» # حسنا، إذا عجز أن يكون شابا وشاعرا، فبإمكانه أن يكون سندا. شيء ممل، شيء لا ~~يلجأ إليه إلا في الحالات الطارئة، لكنه مفيد؛ مفيد حقا . # | الفصل الحادي عشر # في نحو الساعة العاشرة والنصف صباح يوم الإثنين كان جالسا أمام كوب قهوة يتصاعد ~~البخار منه في مقهى كارينا. بدأ بمقهى كارينا لأنه عندما يفكر أحد في ms110 القهوة بأي حال فإنه ~~يفكر في كارينا، برائحة القهوة المحمصة المنتشرة في الطابق السفلي في المكان ومشروب ~~القهوة المنتظر في الطابق العلوي بين الطاولات الصغيرة، وإذا كان سيطلب كميات كبيرة من ~~القهوة فلربما سيحظى بنوع جيد في حين أنه لا يزال بإمكانه أن يتذوقها. # كان يحمل صحيفة «أك-إيما» في يده وصورة الفتاة ظاهرة إلى مرأى النادلات أثناء مرورهن، ~~آملا بدرجة ما أن اهتمامه بها ربما يجعل إحداهن تقول: «تلك الفتاة اعتادت المجيء هنا ~~كل صباح.» ما أثار دهشته أن الصحيفة سحبت بلطف من قبضته، فرفع بصره لأعلى ليرى أن ~~النادلة تنظر إليه بابتسامة لطيفة. وقالت: «ذلك إصدار يوم الجمعة.» ثم تابعت قائلة: ~~«تفضل.» ثم قدمت له إصدار هذا الصباح من نفس الصحيفة. # شكرها وأخبرها بأنه بينما سيسعده الاطلاع على إصدار هذا الصباح يحبذ أن يحتفظ ~~بإصدار الجمعة. هل هذه الفتاة، هذه الفتاة على الصفحة الأولى من إصدار الجمعة، جاءت من قبل ~~إلى هنا لتناول القهوة؟ ~~«أوه، لا، كنا سنتذكرها لو أنها جاءت. كنا نتناقش جميعا في تلك القضية يوم الجمعة. ~~تخيل ضربها حتى كادت أن تموت مثلما حدث.» ~~«إذن فأنت تظنين أنهما فعلا ذلك.» # بدت متحيرة. «الجريدة قالت إنهما فعلا ذلك.» ~~«لا، الجريدة تنقل ما قالته الفتاة.» # بدا واضحا أنها لم تفهم ما قيل. هذه كانت الديموقراطية التي نقدسها. ~~«ليس لهم أن ينشروا قصة مثل تلك إذا لم تكن حقيقية. قد يكلفهم الأمر حياتهم. هل أنت ~~محقق؟» # قال روبرت: «بدوام جزئي.» ~~«كم تتقاضى في الساعة مقابل ذلك؟» ~~«ليس ما يكفي على الإطلاق.» ~~«أجل، أفترض ذلك. أظن أنه ليس لديك نقابة. لا تحصل على حقوقك في هذا العالم إذا لم يكن ~~لديك نقابة.» # قال روبرت: «صحيح تماما. اسمحي لي بالحساب، من فضلك.» ~~«فاتورتك، أجل.» # في بالاس، أكبر وأحدث دور السينما ، شغل المطعم الطابق خلف البلكون، وكانت به سجادات ~~طويلة للغاية لدرجة أن المرء قد يتعثر فيها، والإضاءة هادئة حتى إن جميع أغطية المائدة ~~بدت وكأنها متسخة. إحدى النادلات الضاجرات وهي فتاة ms111 جذابة ذات شعر ذهبي، مع حاشية غير ~~مستوية على تنورتها، وقطعة من العلكة في فكها الأيمن، أخذت طلبه دون حتى النظر إليه، ~~وبعد خمس عشرة دقيقة وضعت فنجانا من مشروب غير مركز أمامه من دون أن تسمح لعينيها ~~بالشرود تقريبا في اتجاهه. وحيث إن روبرت في غضون الخمس عشرة دقيقة كان قد اكتشف أن ~~أسلوب تحاشي النظر إلى الزبائن هو أسلوب منتشر - على افتراض أنهن جميعا سيصبحن نجمات ~~سينما في العام بعد القادم، ولا يتوقع منهن إبداء أي اهتمام بزبون قروي - دفع حساب ~~المشروب الذي لم يتذوقه ثم انصرف. # في كاسيل، السينما الكبيرة الأخرى، لم يفتح المطعم حتى وقت ما بعد الظهر. # في فايولت - حيث اللون البنفسجي الفخم في كل مكان والستائر الصفراء - لم يكن أحد قد ~~رآها. سألهم روبرت صراحة، متخليا عن كياسته. # في الأعلى عند جريفون ووولدرن، ذلك المتجر الكبير، كانت حينها ساعة الذروة فقالت ~~النادلة: «لا تزعجني!» قالت المديرة، وهي تنظر إليه بشك شارد: «نحن لا نعطي معلومات ~~أبدا عن زبائننا.» # في أولد أوك - وهو مطعم صغير ومظلم ولطيف - ناقشت النادلات العجوزات القضية باهتمام ~~معه. وقلن: «حبيبتي المسكينة. يا لها من تجربة قاستها! مثل هذا الوجه اللطيف. إنها مجرد ~~طفلة. حبيبتي المسكينة.» # في ألنسون - حيث الطلاء ذو اللون الكريمي والأرائك ذات اللون الوردي الضارب إلى الرمادي ~~الموضوعة أمام الجدران - أوضحوا أنه لم يسبق لهم أن سمعوا عن صحيفة «أك- إيما»، ولم يكن ~~محتملا أن لديهم زبونا ظهرت صورته في مثل هذه الجريدة. # في هيف هو - حيث اللوحات الجدارية عن البحر والنادلات اللاتي يرتدين بناطيل متسعة من ~~تحت الركبتين - أعطت العاملات رأيهن وكأنه رأي بالإجماع، أن أي فتاة تقبل بالتوصيل يجب ~~أن تتوقع أن عليها السير إلى المنزل. # في بريمروز - حيث الطاولات العتيقة الملمعة مع حصائر الرافيا والنادلات غير ~~المحترفات في ثيابهن الفضفاضة المزدانة بالزهور - كن يناقشن التداعيات الاجتماعية ~~لقلة العمالة المنزلية ونزوات عقول المراهقين. # في تي-بوت، لم تكن هناك طاولة ليجلس عليها، ولا نادلة على استعداد لخدمته؛ لكن ms112 نظرة ~~ثانية على المكان المليء بالذباب جعلته واثقا أنه، من بين الاختيارات الأخرى، لم يكن ~~ممكنا لبيتي كين أن تأتي هنا. # في الساعة الثانية عشرة والنصف دلف إلى ردهة فندق ميدلاند، وطلب مشروبا كحوليا. إلى ~~حد علمه كان قد غطى جميع أماكن الطعام المحتملة في وسط لاربورو ولم يكن أحد قد تذكر ~~رؤية الفتاة في أي من تلك الأماكن. وما كان أسوأ من ذلك، أنهم كلهم أجمعوا على أنها لو ~~ذهبت هناك لكان من الممكن أن يتذكروها. كانوا قد أشاروا، عندما تشكك روبرت في ذلك، أن ~~نسبة كبيرة من زبائنهم في أي يوم هم زبائن دائمون؛ ولذلك فالزبائن العابرون يصبحون ~~لافتين للنظر دون البقية، ويمكن ملاحظتهم وتذكرهم تلقائيا. # بينما كان يضع ألبرت، وهو نادل شاب بدين، مشروبه أمامه، سأله روبرت، بحكم الاعتياد ~~أكثر من كونه بملء إرادته: «أظن أنك لم تر هذه الفتاة قط في الردهة هنا، يا ألبرت؟» # نظر ألبرت إلى الصفحة الأولى من صحيفة «أك-إيما» وهز رأسه. «لا، يا سيدي. لا أتذكر ذلك. ~~تبدو صغيرة، يا سيدي، إن جاز لي القول، على دخول ردهة فندق ميدلاند.» # قال روبرت، مدققا فيها: «ربما أنها لم تبد صغيرة بالدرجة وهي ترتدي قبعة.» # توقف ألبرت وقال: «قبعة.» ثم وضع الصينية الصغيرة وأمسك بالصحيفة ليدقق فيها: «انتظر ~~لحظة الآن. قبعة.» ثم تابع قائلا: «أجل، بالطبع؛ تلك هي الفتاة ذات القبعة ~~الخضراء!» ~~«أتقصد أنها جاءت هنا لشرب القهوة؟» ~~«لا، لشرب الشاي.» ~~«الشاي!» ~~«أجل، بالطبع، تلك هي الفتاة. عجبا لي أني لم أتبين ذلك، كانت لدينا تلك الصحيفة في ~~خزانة المؤن الجمعة الماضية وتناقشنا في الخبر ساعات! بالطبع مر بعض الوقت منذ ذلك ~~الحين، أليس كذلك؟ لا بد أن الأمر منذ نحو ستة أسابيع أو أكثر. كانت تأتي دائما في ساعة ~~مبكرة؛ في حدود الساعة الثالثة، عندما نبدأ في تقديم الشاي.» # وبهذا فإن ذلك هو ما فعلته. من الحماقة أنه لم يكن ليفهم ذلك. فهي ذهبت في الصباح إلى ~~السينما في الوقت الذي يدفع فيه ms113 ثمن أرخص للتذكرة - كان ذلك قبل الظهر تحديدا - ثم ~~تخرج في نحو الساعة الثالثة، وتتناول شايا، وليس قهوة. لكن لم ميدلاند، حيث الشاي كان ~~مشروبا فندقيا لا مذاق له وغالي الثمن كالمعتاد، لما كان بإمكانها التنعم بأصناف ~~الكعك في أي مكان آخر؟ ~~«لاحظتها لأنها كانت تأتي دائما وحدها. أول مرة جاءت فيها ظننتها كانت تنتظر أقارب ~~لها. كانت تبدو أنها من ذلك النوع من الأطفال. كما تعرف؛ ملابس لطيفة بسيطة، وليس هناك ما ~~يميز هيئتها.» ~~«هل لك أن تتذكر ما كانت ترتديه؟» ~~«أجل. كانت دائما ترتدي الثياب نفسها. قبعة خضراء وفستانا متناسقا معها تحت معطف ~~رمادي شاحب. لكنها لم تقابل أحدا قط. ثم ذات يوم توددت إلى الرجل الذي كان في الطاولة ~~المجاورة. صعقت من ذلك.» ~~«تقصد أنه تودد إليها.» ~~«ألا تصدق ذلك! لم يكن قد فكر فيها عندما جلس هناك. أؤكد لك، يا سيدي، لم تكن تبدو ~~من ذلك النوع. كان المرء سيتوقع أن تظهر عمة أو أم في أي لحظة وتقول: «أعتذر أني ~~أبقيتك في انتظاري يا عزيزتي». لم تكن لتخطر ببال أي رجل كاحتمال وارد. غير معقول؛ إن ~~الطفلة هي من بدأت. وكما لو كانت محترفة، دعني أخبرك، يا سيدي، لمستوى يرقى إلى أنها ~~كانت قد أمضت حياتها تتودد إلى الرجال. يا إلهي، أتصور أني لم أرها مرة أخرى من دون ~~قبعتها!» ثم حدق في تعجب إلى الوجه المصور. ~~«ما هيئة الرجل؟ هل تعرفه؟» ~~«لا، لم يكن أحد زبائننا الدائمين. له بشرة سمراء. صغير السن. رجل أعمال مهذب، أؤكد ~~لك. أتذكر أني فوجئت قليلا من ذوقها؛ ولهذا لا أظن أنه كان مستعدا لذلك كثيرا، هذا ~~ما خطر في بالي الآن.» ~~«ليس بإمكانك التعرف عليه مرة أخرى، إذن؟» ~~«ربما أستطيع، سيدي، ربما. لكن لا أستطيع القسم. هل تنوي إخضاعي للقسم يا سيدي؟» # كان روبرت قد عرف ألبرت منذ قرابة عشرين عاما وقد وجده دائما شخصا متحفظا بامتياز. ~~فقال: «الأمر على هذا النحو، يا ألبرت». وتابع: «هاتان موكلتان لدي.» ms114 ثم نقر بإصبعه على ~~صورة منزل فرنتشايز، فأطلق ألبرت صفيرا بصوت منخفض. ~~«وضع عسير عليك يا سيد بلير.» ~~«أجل، كما تقول: وضع عسير. لكن على الأغلب بالنسبة إليهما. عسير بدرجة لا تصدق ~~بالنسبة إليهما. لقد جاءت الفتاة ذات يوم على نحو غير متوقع برفقة الشرطة، إلى هاتين ~~اللتين روت عنهما هذه القصة الخيالية. حتى ذلك الحين لم تكن أي من السيدتين قد رأتها ~~من قبل. وقد تعاملت الشرطة مع الأمر بحكمة للغاية، وتوصلت إلى أنها ليس لديها من ~~الأدلة ما يكفي لرفع القضية أمام المحكمة. ثم تسمع صحيفة «أك-إيما» عن الواقعة وتستغل ~~الوضع لصالحها، فتنتشر القصة في ربوع بريطانيا. ولا حماية على منزل فرنتشايز، بالطبع. ~~والشرطة لا يمكن لها أن توفر رجالا لحمايته حماية دائمة، وبهذا فإن بإمكانك أن تتخيل ~~الحياة التي تعيشها تلك السيدتان. يقول ابن عمي الشاب، الذي مر عليهما الليلة الماضية ~~قبل العشاء، إنه منذ وقت الغداء فصاعدا وصلت مجموعة من السيارات قادمة من لاربورو، فوقف ~~هؤلاء الناس على الأسطح، أو رفعوا أنفسهم فوق السور ليحدقوا النظر أو ليلتقطوا صورا ~~فوتوغرافية. دخل نيفيل لأنه وصل في الوقت نفسه الذي وصل فيه شرطي الدورية المسائية، لكن ~~بمجرد أن انصرف، احتشدت السيارات مرة أخرى. وظل الهاتف لا ينقطع عن الاتصال إلى أن طلبوا ~~من مكتب السنترال ألا يحول أي مكالمات أكثر من ذلك.» ~~«هل انسحبت الشرطة من القضية نهائيا، إذن؟» ~~«لا، لكن ليس بوسعهم فعل أي شيء لمساعدتنا. ما يبحثون عنه هو دليل مؤيد لقصة ~~الفتاة.» ~~«حسنا، هذا مستبعد تماما، أليس كذلك؟ أقصد مستبعد لهم أن يتوصلوا إليه.» ~~«نعم. لكنك ترى الوضع الذي نحن فيه. لو لم نتمكن من اكتشاف أين كانت الفتاة أثناء تلك ~~الأسابيع التي تقول إنها قضتها في منزل فرنتشايز، فإن السيدتين شارب ستصبحان مدانتين ~~دائما بشيء لم تتهما به حتى!» ~~«حسنا، إذا كانت تلك هي الفتاة ذات القبعة الخضراء - وأثق في ذلك يا سيدي - فسأقول إنها ~~ما يطلق عليه «تعربد» يا سيدي. كانت زبونة غير ms115 معتادة للغاية بالنسبة إلى فتاة في ذلك ~~العمر. متصنعة للبراءة.» # وكان بائع السجائر قد قال عن الطفلة بيتي: «متصنعة للبراءة.» # و«العربدة» كان حكم ستانلي على الوجه الذي التقطت الصورة له بأنه يشبه كثيرا وجه ~~«الفتاة التي كان قد رافقها في مصر.» # وكان النادل الصغير المحنك قد استخدم كلتا العبارتين في رأيه عنها. الفتاة الخجولة ~~في ثيابها «الأنيقة»، التي تأتي كل يوم وحدها لتجلس في ردهة الفندق. # استيقظ الجانب اللطيف منه فقال: «ربما كانت مجرد رغبة طفولية لأن تصبح «كبيرة».» لكن ~~حسه المنطقي استنكر ذلك. فكان بإمكانها أن تصبح كبيرة في ألنسون، وتأكل بشهية، وترى ~~ملابس أنيقة في الآن ذاته. # ذهب لتناول الغداء داخل الفندق ثم قضى وقتا كبيرا من وقت ما بعد الظهر يحاول الوصول ~~إلى السيدة وين على الهاتف. لم يكن لدى السيدة تيلسيت هاتف، وهو لم تكن لديه نية أن يورط ~~نفسه في محادثة مع السيدة تيلسيت مرة أخرى إذا قدر على ذلك. عندما أخفق تذكر أن ~~سكوتلاند يارد ربما بكل تأكيد، بأسلوبهم الدقيق، لديهم وصف للملابس التي كانت ترتديها ~~الفتاة عندما تغيبت. وفي أقل من سبع دقائق، صار لديه الوصف. قبعة خضراء من اللباد، ~~وفستان أخضر متناسق من الصوف، ومعطف رمادي شاحب به أزرار رمادية كبيرة، وجوارب من حرير ~~الرايون لونه رمادي مائل إلى البني وحذاء خفيف أسود وكعب متوسط. # حسنا، على الأقل توصل إليه، ذلك المكان الذي بدأت منه الأحداث؛ نقطة بداية التحريات. ~~فغمرته السعادة. جلس في الردهة وهو في طريقه للانصراف وكتب رسالة عاجلة ليخبر كيفين ~~ماكديرموت أن الفتاة الشابة من إيلزبري لم تكن على القدر نفسه من الجاذبية مثلما قد كانت ~~يوم الجمعة ليلا؛ وكذلك ليخبره، بالطبع - بين السطور - أن مكتب بلير وهيوارد وبينيت ~~بإمكانه أن يمضي قدما عندما يقتضي الأمر. # وجه السؤال إلى ألبرت، الذي كان يحوم حوله: «هل عادت في أي وقت آخر؟» ثم تابع قائلا: ~~«أقصد، بعد أن كانت قد «وجدت رفيقها».» ~~«لا أتذكر أني رأيت على الإطلاق أحدا منهما مرة ms116 أخرى يا سيدي.» # إذن، الشخص الافتراضي «س» لم يعد افتراضيا. لقد أصبح الشخص «س» بكل وضوح. كان ~~ممكنا لروبرت أن يعود الليلة إلى منزل فرنتشايز منتصرا. فقد طرح نظرية، وتبين أن ~~النظرية حقيقة، وهو الذي أثبت أنها حقيقة. من المؤسف، بالطبع، أن الرسائل التي تسلمتها ~~سكوتلاند يارد حتى ذلك الحين جميعها كانت مجرد رسائل ذم مجهولة في سكوتلاند يارد على ~~«تساهلها» مع «الأثرياء»، ولا توجد أي مزاعم عن رؤية بيتي كين. من المحبط أن كل فرد ~~قد حاوره ذلك الصباح صدق قصة الفتاة دون شك؛ وقد اندهشوا وتحيروا، بالفعل عندما طلب ~~منهم التفكير في أي وجهة نظر أخرى. «هكذا قالت الصحيفة.» لكن تلك أمور بسيطة مقارنة ~~بالسعادة التي شعر بها لوصوله إلى نقطة البداية؛ ومن اكتشافه للشخص «س». لم يصدق أن ~~القدر قد يكون قاسيا لكي يثبت أن بيتي كين افترقت عن رفيقها الجديد في ميدلاند ولم تره ~~قط مرة أخرى. لا بد أن هناك امتدادا لذلك الحدث الذي وقع في الردهة. فتاريخ الأحداث التي ~~وقعت في الأسابيع التالية يقتضي ذلك. # لكن كيف له أن يقتفي أثر رجل أعمال شاب مهذب ذي بشرة سمراء، كان قد شرب شايا في ~~ردهة فندق ميدلاند منذ قرابة ستة أسابيع مضت؟! ورجال الأعمال من الشباب ذوي البشرة ~~السمراء كانوا زبائن في فندق ميدلاند؛ وإلى الحد الذي بإمكان روبرت أن يلاحظه فإنهم ~~جميعا متشابهون تماما على أي حال. كان يخشى كثيرا أن تكون هذه هي النقطة التي يجب عندها ~~الانسحاب وإحالة الأمر إلى محقق محترف. لم يكن لديه صورة هذه المرة حتى تساعده؛ ولا ~~معلومات عن شخصية الرجل «س» أو عاداته، كما كان لديه في حالة الفتاة. ربما ستكون عملية ~~مطولة من التحريات الصغيرة؛ وتلك مهمة خبير. كل ما كان بوسعه أن يفعله في تلك ~~اللحظة، حسب تقديره، هو أن يحصل على قائمة بالمقيمين في فندق ميدلاند خلال الفترة ~~المعنية. # لذلك ذهب إلى المدير؛ وهو رجل فرنسي أبدى سعادة بالغة وتفهما لهذا الإجراء ~~السري، وكان ms117 متعاطفا بشدة تجاه السيدتين المستاءتين في منزل فرنتشايز، ومتشككا على ~~نحو مريح من الفتيات الصغيرات ذوات الوجه الهادئ والثياب الأنيقة، واللائي يبدون وكأنهن ~~يتصنعن البراءة. وأرسل أحد الموظفين حتى ينسخ المدخلات من السجل الكبير، وقدم ~~لروبرت على سبيل الضيافة مشروب فاكهة مركزا من خزانته الشخصية. لم يكن روبرت مؤيدا ~~لذوق الفرنسيين في تناول جرعات حلوة صغيرة من مشروبات مجهولة في أوقات غريبة، لكنه ~~تجرع ذلك الشيء بامتنان، ووضع القائمة التي أحضرها الموظف في جيبه مثلما يضع المرء ~~جواز السفر في جيبه. فربما كانت قيمتها الفعلية لا تساوي شيئا، لكنها منحته شعورا ~~لطيفا باقتنائها. # وإذا توجب عليه أن يحيل المهمة إلى محترف، ~~فسيحصل ذلك المحترف على النقطة التي يجب أن يبدأ في التحري عندها. لم يكن مرجحا أن ~~الشخص «س» قد أقام في فندق ميدلاند في حياته؛ كان مرجحا أنه قد زاره فحسب لتناول الشاي ~~ذات يوم. وعلى الجانب الآخر، ربما كان اسمه ضمن تلك القائمة التي في جيبه؛ تلك القائمة ~~الطويلة على نحو مثير للهلع. # بينما كان يقود عائدا إلى منزله قرر أنه لن ~~يتوقف عند منزل فرنتشايز. لم يكن أمرا لطيفا أن يأتي بماريون إلى البوابة لمجرد أن ~~ينبئها بأخبار كان من الممكن إخبارها بها على الهاتف. كان سيخبر مكتب السنترال بمن ~~هو، وحقيقة أن المكالمة رسمية، وهما كانتا ستجيبان عنها. ربما بحلول الغد ستكون الحشود ~~المنهمرة قد فتر اهتمامها بالمنزل، ويصبح آمنا إزالة الحاجز الخشبي عن البوابة مرة ~~أخرى. لكن ساوره شك في ذلك. لم يكن محتملا من صحيفة «أك-إيما» اليوم أن يكون لها ~~تأثير مهدئ على عقول عامة الناس. صحيح أنه غابت أي عناوين رئيسية أخرى عنها في ~~الصفحة الأولى؛ فكانت قضية منزل فرنتشايز قد نقلت نفسها إلى صفحة المراسلات . لكن كان ~~مستبعدا أن الرسائل التي اختارت صحيفة «أك-إيما» أن تنشرها فيها - وكان ثلثاها عن ~~قضية منزل فرنتشايز - ستعمل على تهدئة الأمر. فكانت بمثابة كيروسين على نار تتأجج على ~~نحو نشط تماما على أي حال. # سالكا طريقه ms118 بعيدا عن ازدحام لاربورو، عادت العبارات السخيفة لتتوارد على ذهنه، ~~فتعجب مرة أخرى من الغل الذي أثارته تلك السيدتان في عقول الكتاب. فانصب الغضب ~~والكراهية صبا على الورق، وسرى الحقد بلا رقيب في الجمل التي كانت دون المستوى إلى ~~حد كبير. كان عرضا مذهلا. وأحد الأمور الغريبة فيها هو الأمنية العزيزة لكثير من ~~أولئك المعارضين الحانقين ضد العنف أن تجلد السيدتان المذكورتان حتى آخر نفس لهما. ~~وأولئك الذين لم يريدوا جلد السيدتين أرادوا إصلاح جهاز الشرطة. اقترح أحد الكتاب ~~أنه يجب تخصيص صندوق مالي من أجل الضحايا من الشباب المساكين المتضررين من عدم كفاءة ~~الشرطة وتحيزها. واقترح آخر أنه ينبغي لكل رجل حسن النية أن يكتب إلى عضو البرلمان ~~التابع له عن الأمر، ويجعلوا حياته جحيما حتى تنجز خطوة بشأن هذا الإخفاق الذي وقعت فيه ~~العدالة. لكن كاتبا آخر سأل إن كان أحد قد لاحظ التشابه الواضح بين بيتي كين ~~والقديسة بيرناديت. # كانت هناك كل المؤشرات التي تدل على مولد جمهور من المعجبين ببيتي كين، إذا كانت ~~صفحة المراسلات لصحيفة «أك-إيما» اليوم تمثل أي معيار. وتمنى ألا تصبح النتيجة ~~المترتبة على ذلك هي الثأر من منزل فرنتشايز. # بينما كان يقترب من المنزل البائس، ازداد اضطرابا؛ وتساءل إن كان يوم الاثنين، أيضا، ~~قد قدم حصته من المشاهدين. كان مساء خلابا، وشمس الغروب تميل رقعا ذهبية من ~~الضوء على حقول الربيع؛ مساء مغويا حتى إلى لاربورو من أجل الخروج إلى الأجواء الشاحبة ~~في ريف ميلفورد؛ ستصير معجزة إذا لم يكن منزل فرنتشايز، بعد المراسلات في صحيفة «أك-إيما»، ~~هو قبلة الحج المسائي. لكنه لما صار على مرمى بصره وجد امتدادا طويلا من الطريق ~~مهجورا؛ ولما صار أكثر قربا عرف السبب. عند بوابة منزل فرنتشايز، كان ثابتا وجامدا ~~ولامعا في ضوء المساء، جسد شرطي في زيه ذي اللون الأزرق الداكن والفضي. # ابتهج أن هالم كان سخيا للغاية وأرسل شرطيا من قوته القليلة، فأبطأ روبرت السير ~~لتبادل التحيات؛ لكن التحية اختفت من على شفتيه. فعبر ms119 السور الطويل كاملا، كتب شعار ~~بحروف كبيرة على ارتفاع ست أقدام تقريبا. فصرخت الحروف الكبيرة البيضاء بكلمة: ~~«الفاشيتان!» ومرة أخرى على الجانب البعيد من البوابة: «الفاشيتان!» # قال الشرطي بأسلوب تهديد مهذب، عند اقتراب روبرت ببطء وهو يحدق: «ابتعد، من ~~فضلك». ثم أضاف قائلا: «غير مسموح بالتوقف هنا.» # خرج روبرت ببطء من سيارته. ~~«أوه، سيد بلير. لم أتعرف عليك سيدي. أعتذر إليك.» ~~«أهذا طلاء بالجير؟» ~~«لا يا سيدي؛ بل طلاء على أعلى جودة.» ~~«يا إلهي!» ~~«بعض الأشخاص لا يكبرون أبدا على ذلك.» ~~«على أي شيء؟» ~~«كتابة أشياء على الجدران. لكن هناك أمر واحد؛ كان من الممكن أن يكتبوا أسوأ من ~~ذلك.» # قال روبرت متهكما: «إنهم كتبوا أسوأ إهانة عرفوها». وأضاف: «أفترض أنك لم تمسك بمن ~~فعلوا ذلك؟» ~~«لا سيدي. أتيت مسرعا إلى دوريتي المسائية لأبعد المتطفلين المعتادين - أجل، كان ~~حاضرا العشرات منهم - ووجدت الجدران هكذا عندما وصلت. رجلان في سيارة، إن كانت جميع ~~التقارير صحيحة.» ~~«هل علمت السيدتان شارب بذلك؟» ~~«أجل، كان علي أن أدخل لأتحدث عبر الهاتف. أصبح لدينا شفرة الآن، بيننا وبين ~~السيدتين في منزل فرنتشايز. أربط منديلي في طرف هراوتي ثم ألوح بها من أعلى البوابة ~~عندما أريد التحدث إليهما. هل تريد الدخول إليهما يا سيدي؟» ~~«لا. لا، لا أظن بوجه عام. سأطلب من مكتب البريد العام أن يسمحوا لي بالوصول إليهما عبر ~~الهاتف. لا داعي لإحضارهما إلى البوابة. إن كان هذا الوضع سيستمر، فلا بد أن يحصلا على ~~مفاتيح للبوابة حتى أستطيع بذلك أن أحصل على نسخة ثانية.» ~~«يبدو وكأنه سيستمر بلا شك يا سيدي. هل رأيت صحيفة «أك-إيما» اليوم؟» ~~«أجل.» # قال الشرطي، فاقدا رباطة جأشه عند التفكير في صحيفة «أك-إيما»: «يا إلهي! لو استمعت ~~إليهم فستظن أننا لسنا إلا مجموعة من المتلهفين على المال! ومن عجب العجاب أننا لسنا ~~كذلك، في الحقيقة. ربما يناسبهم بشكل أفضل التحرك للمطالبة برفع رواتبنا بدلا من تشويه ~~سمعتنا في كل مكان.» # قال روبرت: «أنت تعمل في جهة محترمة، إذا كان ms120 في الأمر عزاء لك.» ثم تابع قائلا: «لا ~~يوجد شيء مستقر، أو محترم، أو جدير بالثناء لم يشوهوا سمعته من وقت لآخر. سأرسل ~~شخصا إما الليلة أو أول شيء سأفعله في الصباح ليفعل شيئا حيال هذه ... البذاءة. هل ستبقى ~~هنا؟» ~~«قال السيرجنت عندما اتصلت به إن علي البقاء حتى يحل الظلام.» ~~«ألن يحضر شرطي آخر أثناء الليل؟» ~~«كلا يا سيدي. ليس هناك رجال آخرون من أجل ذلك. على أي حال، ستصبحان على ما يرام ~~عندما يغيب الضوء. الناس ستعود إلى منازلها. لا سيما الناس من لاربورو. فهم لا يحبون ~~الريف بمجرد أن يحل عليها الظلام.» # تشكك في الأمر روبرت، الذي تذكر حينها مدى السكون الذي يصبح فيه هذا المنزل ~~المهجور. سيدتان، وحيدتان في ذلك المنزل الهادئ الكبير بعد حلول الظلام، ومع مشاعر الكراهية ~~والعنف خارج السور تحديدا - فلم يكن ذلك شعورا مريحا. البوابة كانت مغلقة، لكن إذا كان ~~بإمكان الناس أن يرفعوا أنفسهم على السور حتى يجلسوا هناك وينهالوا بوابل من الإهانات، ~~فإن بإمكانهم النزول بهذا القدر من السهولة إلى الجانب الآخر في الظلام. # قال الشرطي، مراقبا وجهه: «لا تقلق يا سيدي.» ثم تابع قائلا: «لا شيء سيحدث لهما. ~~هذه إنجلترا، رغم أي شيء.» # ذكره روبرت: «وهذه أيضا إنجلترا التي ترعى «أك-إيما».» لكنه عاد إلى سيارته مرة أخرى. ~~ورغم أي شيء، إنها إنجلترا، وإنه الريف الإنجليزي رغم ذلك، المعروف بأنه لا يتدخل فيما ~~لا يعنيه. لم تكن اليد التي كتبت على السور «الفاشيتان!» هي يد من الريف. من المشكوك فيه ~~إذا كان الريف قد سمع هذا المصطلح قبل ذلك. يستخدم الريف، عندما يريد توجيه إهانات، ~~ألفاظا ساكسونية أكثر قدما. # كان الشرطي محقا بلا شك؛ فما إن يحل الظلام حتى يعود كل فرد إلى منزله. # | الفصل الثاني عشر # بينما دخل روبرت بسيارته نحو المرأب في سين لين وتوقف، نظر ستانلي، الذي كان يخلع زي ~~العمل خارج باب المكتب، إلى وجهه وقال: «هل خاب مسعاك مرة أخرى؟» # قال روبرت: «الأمر ليس رهانا. ms121 إنها طبيعة بشرية.» ~~«إذا بدأت تشعر بالأسف على طبيعة البشر فلن يعود لديك وقت لأي شيء آخر. هل كنت ~~تحاول تقويم أحد؟» ~~«لا، كنت أحاول الاستعانة بأحد ليزيل طلاء من أحد الجدران.» ~~«أوه، عمل!» كانت نبرة ستانلي تشير إلى أن توقع قيام أحد بمهمة عمل في تلك الأيام ~~هو تفاؤل إلى حد السخف. ~~«كنت أحاول الوصول إلى شخص ليزيل شعارا من على جدران منزل فرنتشايز، لكنهم جميعا ~~مشغولون فجأة بدرجة غير عادية.» # توقف ستانلي عن خلع زيه. ثم قال: «شعار.» وأضاف: «أي نوع من الشعارات؟» وبيل، الذي ~~كان يسمع الحوار الدائر بينهما، أقحم نفسه من باب المكتب الضيق ليستمع. # أخبرهما روبرت. «طلاء أبيض على أعلى جودة، هكذا يؤكد لي شرطي الدورية.» # صفر بيل. أما ستانلي فلم ينطق بشيء؛ كان واقفا وزي عمله مخلوع لأسفل حتى خصره ~~ومكوم في طيات حول رجليه. # سأل بيل: «مع من حاولت؟» # فأخبرهما روبرت. «لا يمكن لأي أحد منهم أن يفعل شيئا الليلة، وغدا في الصباح، يبدو ~~أن جميع رجالهم سيذهبون باكرا لقضاء أشغال مهمة.» # قال بيل: «غير معقول». وتابع: «لا تخبرني بأنهم يخشون من الانتقام!» ~~«لا، إحقاقا للحق لا أعتقد أن الأمر هكذا. وأعتقد، رغم أنه لم يكن لأحد أن يقول ذلك ~~أبدا لي، أنهم يظنون أن هاتين السيدتين في منزل فرنتشايز تستحقان ذلك.» ساد الصمت ~~لحظة. # قال ستانلي، وهو يبدأ بتأن في سحب زي عمله لأعلى ويرتدي النصف العلوي منه مرة ~~أخرى: «عندما كنت مجندا في سلاح الإشارة الملكي، منحت جولة حرة في إيطاليا. استغرقت ~~قرابة عام. وفررت من الملاريا، والإيطاليين، والمتحزبين، ومن نقل الأمريكيين، ومن أشياء ~~قليلة أخرى مزعجة. لكن أصابني رهاب. وأصبح لدي نفور شديد من الشعارات على ~~الجدران .» # سأل بيل: «ماذا سنستخدم حتى نزيله؟» # قال ستانلي، وهو يغلق سحابه الأمامي: «ما فائدة أن تمتلك أفضل مرأب مجهز وعلى ~~أحدث مستوى في ميلفورد، إذا لم يكن لدينا شيء لنزيل به هذه اللطخة من الطلاء؟» # سأل روبرت، متفاجئا وسعيدا: «أستحاولان حقا أن تفعلا ms122 شيئا حيال الأمر؟» # ابتسم بيل ابتسامته الواسعة البطيئة. وقال: «رجلان أحدهما كان في سلاح الإشارة، والآخر من ~~فيلق المهندسين الكهربائيين والميكانيكيين الملكيين، ومقشتان. فماذا تريد أكثر من ~~ذلك؟» # قال روبرت: «فليبارك الله لك.» وأضاف: «فليبارك الله لكما. لا أطمح إلا في شيء واحد ~~هذه الليلة؛ ألا وهو أن أمحو ذلك الشعار من السور قبل موعد الإفطار غدا. سآتي ~~وأساعدكما.» # قال ستانلي: «ليس ببدلة سافيل رو، أليس كذلك؟ وليس لدينا زيا إضافيا من ...» ~~«سأرتدي ملابس قديمة وسألحق بكما.» # قال ستانلي بترو: «انظر، لسنا في حاجة إلى أي مساعدة في مهمة صغيرة كتلك. وإذا ~~صرنا في حاجة إلى ذلك، فسنأخذ هاري.» كان هاري هو صبي المرأب. «أنت لم تأكل بعد ونحن ~~قد أكلنا، وقد سمعت أنه يقال إن الآنسة بينيت لا تحب أن تتلف وجباتها اللذيذة. أعتقد ~~أنك لن تمانع إذا بدا السور ملطخا، نحن مجرد عاملي مرأب ذوي نوايا طيبة، ولسنا ~~عمال ديكور.» # كانت المتاجر مغلقة أثناء سيره نحو هاي ستريت قاصدا منزله رقم 10، وكان ينظر إلى المكان ~~كغريب يسير متمهلا في يوم أحد على الأرجح. كان قد ابتعد عن ميلفورد مدة طويلة خلال ~~يومه في لاربورو لدرجة أنه شعر بأنه كان قد غاب عنها سنوات. استقبله هذا الهدوء المريح ~~الذي يسود المنزل رقم 10 - الذي يختلف اختلافا شاسعا عن الصمت المميت لمنزل فرنتشايز - ~~وخفف عنه. تسللت من المطبخ رائحة خفيفة لتفاح مشوي. ارتعش ضوء المدفأة على حائط غرفة ~~الجلوس، الذي كان مرئيا من بابها المفتوح حتى نصفه. وانبعث الدفء والأمان والراحة في ~~موجة لطيفة واحدة فغمرته. # شاعرا بالذنب لاستئثاره بهذا الهدوء أثناء مدة الانتظار، أمسك بالهاتف حتى يتحدث إلى ~~ماريون. # قالت: «أوه، ها أنت! ما ألطف هذا!» بعد أن أقنع مكتب البريد العام أخيرا أن نواياه ~~شريفة، والحماسة في صوتها التي أثرت فيه على نحو غير متوقع - إذ إن عقله لا يزال ~~منشغلا بالطلاء الأبيض - سرت قلبه وتركته مبهورا لوهلة. وتابعت: «أنا في غاية ~~السعادة. كنت أتساءل كيف بإمكاننا أن ms123 نتحدث إليك، لكني كنت أعرف أنك ستتصرف. أعتقد لا ~~عليك سوى أن تقول فحسب إنك روبرت بلير ومكتب البريد العام سيمنحك مطلق الحرية.» # فكر في أن هذه بالفعل صفاتها الحسنة. الامتنان الحقيقي في جملة «كنت أعرف أنك ستتصرف»، ~~ثم اللمسة المبهجة في الجملة التي تبعتها. ~~«أظن أنك قد رأيت الزخرفة التي على سور منزلنا؟» # أجاب روبرت بالموافقة، لكن ليس لأحد أن يفعل ذلك مرة أخرى؛ لأنه مع مطلع الشمس ستكون قد ~~أزيلت. ~~«غدا!» ~~«الرجلان اللذان يمتلكان المرأب الذي أستخدمه قررا أن يمحواها الليلة.» ~~«لكن ... هل لسبع خادمات بسبع مماسح ...؟» ~~«لا أعلم؛ لكن ستانلي وبيل إذا عقدا العزم على أن يفعلا ذلك، فسوف تمحى. فقد ربيا في ~~مدرسة لا تسمح بالفشل.» ~~«أي مدرسة تلك؟» ~~«الجيش البريطاني. كما أني أحمل إليك المزيد من الأخبار السارة؛ لقد تثبت من حقيقة ~~أن الشخص «س» موجود. لقد تناولت الفتاة معه الشاي ذات يوم. توددت إليه في فندق ~~ميدلاند، في الردهة.» ~~«توددت إليه؟ لكنها مجرد طفلة، وهذا ... أوه، حسنا، لقد اختلقت تلك القصة عنا، بالطبع. ~~بعد هذا أي شيء صار ممكنا. كيف اكتشفت ذلك؟» # فأخبرها. # قال، بعد أن انتهى من سرد الأحداث الطويلة التي وقعت في المقاهي: «مررت بيوم سيئ في ~~منزل فرنتشايز، أليس كذلك؟» ~~«أجل، انتابني شعور سيئ فعلا. والأسوأ من المتجمهرين والسور كان البريد. فساعي البريد ~~أعطاه للشرطة حتى تدخلها لنا. ليس معتادا أن تتهم الشرطة بنشر مطبوعات ~~مسيئة.» ~~«أجل، أتصور أن الأمر لا بد أنه كان سيئا تماما. لم يكن ذلك إلا أمرا ~~متوقعا.» ~~«حسنا، لدينا القليل من الخطابات لدرجة أننا قررنا مستقبلا أننا سنحرقها جميعا من ~~دون فتحها، إلا إذا تعرفنا على الخط الذي كتبت به. لهذا تجنب استخدام الآلة الكاتبة ~~إذا أردت مراسلتنا.» ~~«لكن هل تعرفين خطي؟» ~~«أجل، كتبت لنا رسالة، لو تتذكر. الرسالة التي أحضرها نيفيل في عصر أحد الأيام. لك خط ~~رائع في الكتابة.» ~~«هل رأيت نيفيل اليوم؟» ~~«لا، لكن أحد الخطابات كانت منه. على الأقل، لم يكن خطابا.» ms124 ~~«وثيقة من نوع ما؟» ~~«لا، قصيدة.» ~~«أوه. وهل فهمتها؟» ~~«لا، لكن إيقاعها لطيف تماما.» ~~«هكذا أيضا حال أجراس الدراجات.» # ظن أنها ضحكت قليلا. وقالت: «من اللطيف أن يكتب أحد قصيدة من أجلك». وأضافت: «لكن ~~الأكثر لطفا هو أن ينظف أحدهم لك جدار منزلك. أشكرك حقا على ذلك - أنت وهذين الشخصين ~~اللذين اسمهما بيل وستانلي. إذا أردت أن تكون غاية في العطف فربما بإمكانك أن تحضر أو ~~ترسل لنا بعض الطعام غدا؟» # قال، فزعا من أنه لم يكن قد فكر في ذلك من قبل: «طعام!» يحدث ما حدث عندما تعيش حياة ~~تضع لك فيها العمة لين كل شيء أمامك، كل شيء ما عدا أن تطعمك الطعام في فمك، فتفقد ~~قدرتك على التخيل. «أجل، بالطبع. نسيت أنك ربما لن تستطيعي التسوق.» # أضافت في عجالة: «الأمر لا يقف عند ذلك. فسيارة البقالة التي تمر يوم الإثنين لم تأت ~~اليوم. أو ربما ...» أضافت بسرعة: «جاءت ولم تستطع لفت انتباهنا. على أي حال، سنكون ~~ممتنين إليك كثيرا لو أحضرت إلينا بعض الأشياء. أمعك قلم رصاص؟» # أملته قائمة بالأشياء، ثم سألت: «لم نطالع صحيفة «أك-إيما» اليوم. أكان هناك أي ~~شيء بخصوصنا؟» ~~«بعض الرسائل في صفحة المراسلات، هذا كل ما في الأمر.» ~~«جميعها ضدنا، أظن ذلك.» ~~«أخشى أنه هكذا. سأحضر نسخة صباح الغد عندما أحضر البقالة، ويمكنكما الاطلاع عليها ~~بأنفسكما.» ~~«أخشى أننا نستنفد قدرا كبيرا من وقتك.» # قال: «صار الأمر مسألة شخصية معي.» # بدت متشككة: «شخصية؟» ~~«إن طموحي الوحيد في الحياة هو إثبات كذب بيتي كين.» ~~«أوه أوه، فهمت.» بدا صوتها مرتاحا بدرجة ما، وبدرجة أخرى - هل ربما؟ - محبطا. ~~وأضافت: «حسنا، نتطلع إلى رؤيتك غدا.» # لكنها سوف تراه قبل ذلك بمدة طويلة. # ذهب إلى الفراش مبكرا، لكنه ظل مستيقظا مدة طويلة؛ يتدرب على محادثة هاتفية كان ~~ينوي أن يجريها مع كيفين ماكديرموت، ويفكر في طرق مختلفة للتعامل مع مشكلة الشخص «س»، ~~ويتساءل ما إذا كانت ماريون نائمة، في ذلك المنزل القديم الساكن، أم أنها مستيقظة ترهف ~~السمع ms125 لأي أصوات. # كانت غرفة نومه مطلة على الشارع، وفي منتصف الليل تقريبا سمع صوت سيارة قادمة ثم ~~توقفت، وبعد برهة سمع من النافذة المفتوحة نداء حذرا من بيل، لا يعدو كونه أكثر من ~~همس آت من الحلق. «سيد بلير! أتسمعني، سيد بلير؟!» # كان أمام النافذة قبل النطق الثاني لاسمه. # همس بيل: «الحمد لله. كنت أخشى أن هذا الضوء ربما من غرفة الآنسة بينيت.» ~~«لا، فهي نائمة في الجهة الخلفية. ما الأمر؟» ~~«هناك مشكلة في منزل فرنتشايز. كان علي الذهاب إلى الشرطة لأن خطوط الهاتف انقطعت. ~~لكني ظننت أنك قد تفضل استدعاءك؛ لهذا أنا ...» ~~«ما نوع المشكلة؟» ~~«مخربون. سآتي إليك في طريقي للعودة. في غضون أربع دقائق تقريبا.» # سأل روبرت، بينما كان جسد بيل الضخم يدخل السيارة مرة أخرى: «هل ستانلي معهما؟» ~~«أجل، ستانلي رأسه معصوب. سأعود خلال دقيقة.» ثم اختفت السيارة بعيدا في السكون ~~المطبق لهاي ستريت. # قبل أن ينتهي روبرت من ارتداء ملابسه سمع صوت «فووو» خافتا يتجاوز نافذته، وأدرك أن ~~الشرطة كانت بالفعل في طريقها. دون سرينات زاعقة في الليل، ولا أنابيب العادم الصاخبة، ولا ~~أي صوت آخر يعلو على صوت الريح في فصل الصيف بين أوراق الشجر كان القانون يسير في مساره ~~المعتاد. بينما كان يفتح الباب الأمامي، بحذر لئلا تستيقظ العمة لين (لا شيء غير صوت ~~الأزيز الأخير كان من المحتمل أن يوقظ كريستينا)، أوقف بيل سيارته أمام الرصيف. # قال روبرت، بينما كانا يمضيان: «والآن أخبرني.» ~~«حسنا، أنهينا تلك المهمة البسيطة على ضوء المصابيح الأمامية للسيارة - لم تنجر ~~بأسلوب احترافي، لكن كان الحال أفضل كثيرا مما كانت عليه عند وصولنا - وعندئذ أطفأنا ~~المصابيح، وبدأنا في إعادة متعلقاتنا إلى مكانها. على مهل؛ لم يكن هناك داع إلى ~~العجلة وكانت ليلة رائعة. وقد أشعلنا سيجارة وكنا نفكر في الانطلاق عندما سمعنا صوت ~~تهشم زجاج من المنزل. لم يكن أحد قد جاء إلى جانبنا بينما كنا هناك؛ لهذا علمنا أنه لا ~~بد أن أحدا حول الجوانب أو في الخلف. ms126 وصل ستانلي إلى داخل السيارة وأخذ مصباحه اليدوي - ~~كان مصباحي على المقعد لأني كنت أستخدمه - ثم قال: «أنت تتفقد ذلك الاتجاه وأنا ~~سأتفقد الآخر وسنحاصرهم بيننا».» ~~«هل نجحتما في الدوران حول المنزل؟» ~~«حسنا، لم يكن الأمر سهلا. هناك سياج نباتي يرتفع إلى نهاية السور. لم أكن أحبذ أن ~~أنجز ذلك بالملابس العادية، لكن في زي العمل ليس عليك سوى أن تدفع بقوة وتأمل خيرا. ~~سار الوضع على نحو جيد مع ستانلي؛ فهو ممشوق القوام. لكن فيما عدا الاستناد على السياج ~~النباتي حتى يسقط فلم يكن هناك طريق من أجلي. على أي حال، تمكنا من تجاوز المشكلة، وواصل ~~كل واحد منا عند كل جانب، ثم وصلنا إلى الركن الخلفي، ثم التقينا في منتصف الجهة ~~الخلفية من دون أن نرى نفسا واحدة. ثم سمعنا مزيدا من أصوات تهشم الزجاج، وأدركنا أنهم ~~سيقضون الليلة في التسلية على ذلك. قال ستانلي: «ارفعني لأعلى، وسأساعدك بعدي.» حسنا، لم ~~تكن اليد لتكفيني، لكن ما حدث هو أن مستوى الحقل في الخلف يرتفع حتى أعلى الجدار نوعا ~~ما - في الحقيقة أعتقد أنه ربما اقتطع لبناء السور - وبذلك تمكنا من الصعود بسهولة ~~نوعا ما. قال ستانلي إن كان لدي أي شيء لأضرب به مع مصباحي، فقلت له: نعم، لدي ~~مفتاح ربط. قال ستانلي: «انس مفتاحك السخيف هذا، واستخدم قبضة يدك الممتلئة؛ فإنها ~~أكبر».» ~~«ماذا كان سيستخدم؟» ~~«الأسلوب القديم للعرقلة في رياضة الرجبي، هكذا قال. اعتاد ستانلي أن يكون لاعبا بارعا ~~تماما في خط المنتصف. على أي حال توجهنا في الظلام نحو صوت تحطيم الزجاج. بدا الأمر ~~وكأنهم كانوا يقومون بجولة تكسير حول المنزل. نجحنا في الإمساك بهم بالقرب من الركن ~~الأمامي مرة أخرى، فأضأنا مصباحينا اليدويين. أعتقد أنه كان هناك سبعة منهم. أكثر ~~كثيرا مما كنا قد توقعنا، على أي حال. أطفأنا المصباحين في الحال، قبل أن يتمكنوا ~~من ملاحظة أننا اثنان فقط، فجذبنا الأقرب إلينا. وقال ستانلي: «خذ أنت هذا الرجل أيها ~~السيرجنت»، وظننت حينها أنه يلقبني ms127 برتبتي كعادته القديمة، لكني أدرك الآن أنه كان ~~يوهمهم بأننا الشرطة. على أي حال تمكن بعضهم من الهرب؛ لأنه رغم الشجار الدائر لم يكن ~~ممكنا أن عدد من يتشاجرون معنا سبعة. ثم من دون أي مقدمات كان من الواضح، أن ثمة ~~هدوءا عم المكان - لأننا أحدثنا جلبة شديدة - وأدركت أننا سمحنا لهم بالفرار، ثم ~~قال ستانلي من مكان ما على الأرض: «أمسك أحدهم يا بيل، قبل أن يعتلوا السور!» فذهبت ~~وراءهم ومصباحي مضاء. كان آخرهم يساعده أحد من فوق، فجذبت رجليه وتشبثت بهما. لكنه ~~رفس كالبغل، ولأن المصباح في يدي فقد انفلت من يدي مثل سمكة سلمون مرقط وصعد قبل أن ~~أتمكن من جذبه مرة أخرى. ذلك قد أتى علي؛ لأن الجهة الداخلية لهذا السور في الخلف أكثر ~~ارتفاعا عنه في الجانب الأمامي من المنزل. لهذا رجعت إلى ستانلي. كان لا يزال جالسا على ~~الأرض. حيث سدد أحدهم إليه ضربة عنيفة على رأسه بشيء قال إنه زجاجة، ويبدو أنه شخص ~~وضيع. ثم خرجت الآنسة شارب إلى الدرجة العلوية من درجات السلم الأمامية، وسألت هل ~~أصيب أحد؟ وقد استطاعت أن ترانا في ضوء المصباح. لهذا أدخلنا ستانلي - السيدة العجوز كانت ~~هناك وقد أضيء المنزل في هذا الوقت - وذهبت أنا إلى الهاتف، لكن الآنسة شارب قالت: «لا ~~جدوى منه. لأنه معطل. حاولنا الاتصال بالشرطة عند وصولهم في البداية». لهذا قلت إني ~~سأذهب لإحضارهم. وقلت إني أفضل أن آتي بك أيضا. لكن الآنسة شارب رفضت؛ لأنك قد ~~مررت بيوم مرهق وليس علي أن أزعجك. لكني ظننت أن من المفترض عليك الحضور في تلك ~~اللحظة.» ~~«أنت محق تماما، يا بيل، من المفترض علي ذلك.» # كانت البوابة مفتوحة على مصراعيها في وقت وصولهما، وسيارة الشرطة أمام الباب، وأغلب ~~الغرف الأمامية مضاءة، والستائر ترفرف برفق في رياح الليل عند النوافذ المحطمة. في ~~قاعة الاستقبال - التي اتضح أن السيدتين شارب تستخدمانها كغرفة معيشة - كان ستانلي ~~مصابا بجرح فوق حاجبه طببته ماريون، وضابط الشرطة كان يأخذ الملاحظات، ومساعده ms128 ينظم ~~الأدلة. اتضح أن الأدلة تتألف من أنصاف قوالب طوب، وزجاجات، وقصاصات ورق مكتوب ~~عليها. # قالت ماريون عندما رفعت بصرها لأعلى ورأت روبرت: «عجبا يا بيل، أخبرتك ألا تفعل ~~ذلك.» # لاحظ روبرت مدى كفاءتها في التعامل مع جرح ستانلي؛ تلك السيدة التي وجدت الطهو فوق ~~قدراتها. وحيا ضابط الشرطة ثم انحنى ليتفحص الأدلة. وجدت مجموعة كبيرة من المقذوفات ~~وليس سوى أربع رسائل، وكان فحواها، بالترتيب: «ارحلا!»، «ارحلا وإلا سنجبركما على ذلك!»، ~~«فاجرتان دخيلتان!»، «هذه ليست إلا عينة مما سترينه!» # قال ضابط الشرطة: «حسنا، أعتقد أننا جمعنا كل شيء.» وتابع: «والآن سنذهب ونفتش في ~~الحديقة عن آثار أقدام أو أي قرائن ربما تكون هناك.» ثم نظر باحتراف إلى النعال التي ~~حملها بيل وستانلي بناء على طلبه، ثم خرج مع مساعده إلى الحديقة، عندما جاءت السيدة ~~شارب بإبريق يتصاعد البخار منه وفناجين. # وقالت: «آه يا سيد بلير.» وتابعت: «ألا تزال تجدنا نستحق الاهتمام؟» # كانت ترتدي ثيابا كاملة - على عكس ماريون التي كانت تبدو على طبيعتها تماما ولا تشبه ~~جان دارك في روبها المنزلي القديم - ولم تؤثر فيها بكل وضوح تلك الأحداث، فتساءل روبرت ~~عن نوع الأحداث التي قد تجعل السيدة شارب في حالة سيئة. # ظهر بيل بأعواد من المطبخ وأشعل نار المدفأة الخامدة، والسيدة شارب صبت المشروب ~~الساخن - كان قهوة لكن رفض روبرت تناولها؛ إذ إنه رأى ما يكفي من القهوة مؤخرا حتى فقد ~~رغبته فيها - وبدأ الاحمرار يدب في وجه ستانلي من جديد. وبعدما عاد الشرطيان من ~~الحديقة كانت الغرفة قد اكتسبت جو حفل عائلي، بالرغم من الستائر المرفرفة والنوافذ التي ~~لم يعد لها وجود. لم يبد أن ستانلي أو بيل، كما لاحظ روبرت، قد وجدا السيدتين شارب ~~غريبتين أو معقدتين؛ على النقيض فقد ظهرتا مسترخيتين وعلى راحتهما. ربما السبب أن ~~السيدتين شارب قد اعتبرتا الأمر مسلما به؛ فقبلتا هذا الغزو من الدخيلين كما لو ~~أنه حدث يومي. على أي حال، جاء بيل وبدأ في أعمال المرح الخاصة به كما لو ms129 أنه قد عاش في ~~المنزل لسنوات، وستانلي مد فنجانه حتى يحصل على المزيد من القهوة دون الانتظار أن يعرض ~~عليه أحد. لا إراديا، فكر روبرت أن العمة لين لو كانت في مكانهما لكانت ستصبح عطوفة ~~ونيقة وكانا سيجلسان على حافة المقاعد ويتذكران زي عملهما المتسخ. # ربما كان تقبل الأمور على أنها من المسلمات هو ما قد جذب نيفيل. # سأل الضابط عندما دخلا مرة أخرى: «هل تنويان البقاء هنا يا سيدتي؟» # قالت السيدة شارب، وهي تصب القهوة لهما: «بالطبع.» # قال روبرت: «لا.» وأضاف: «لا يجب أن تظلا هنا، حقا لا يجب. سأجد لكما فندقا هادئا ~~في لاربورو، وفيه ...» ~~«لم أسمع في حياتي أي شيء سخيف أكثر من ذلك. بالطبع سنبقى هنا. ماذا يهم في وجود ~~بعض النوافذ المكسرة؟» # قال الضابط: «الأمر ربما لا يتوقف عند النوافذ المكسورة. وأنتما مسئولية كبيرة على ~~عاتقنا ما دمتما هنا؛ مسئولية لم نؤهل عناصر الدورية حقا على التعامل معها.» ~~«أعتذر إليك حقا أننا مصدر إزعاج لك أيها الضابط. لم تكن نوافذنا لترشق لو كان ~~الأمر بيدينا، صدقني. لكن هذا هو منزلنا، وهنا سنبقى. بعيدا تمام البعد عن أي مسألة ~~بشأن أخلاقيات العمل، فكم سيتبقى من منزلنا بحيث يمكننا أن نعود إليه إذا بقي خاويا؟ أعتقد ~~أنه إذا كان لديك عجز في الرجال المنوطين بحراسة البشر، فبالطبع ليس لديك رجال لحراسة ~~عقار شاغر.» # بدا الضابط محرجا إلى حد ما، كما يبدو الناس غالبا على هذا الحال عندما تتعامل معهم ~~السيدة شارب. أقر الضابط، بنبرة مترددة: «حسنا، هذا صحيح تماما يا سيدتي.» ~~«وذلك، في ظني، سيحسم أي سؤال بشأن مغادرتنا لمنزل فرنتشايز. أتريد سكرا، أيها ~~الضابط؟» # عاد روبرت إلى الموضوع عندما انصرفت الشرطة، وكان بيل قد أحضر مكنسة ومجرفة من المطبخ ~~لكنس الزجاج المكسور في غرفة بعد الأخرى. فشدد مرة أخرى على أنه من الحكمة الإقامة في ~~فندق بلاربورو، لكن لم تكن مشاعره ولا منطقه يؤيدان كلماته. فهو لم يكن ليرحل لو كان في ~~مكان السيدتين شارب؛ لذلك ms130 لم يكن ممكنا أن يتوقع منهما ذلك، إلى جانب أنه أقر ~~بالمنطق السديد لوجهة نظر السيدة شارب عن مصير المنزل حال بقائه شاغرا. # قال ستانلي، الذي كان قد منع من السماح له بكنس الزجاج لأنه صنف على أنه مصاب قادر ~~على السير: «ما تحتاجان إليه هو شخص مقيم.» وتابع: «شخص مقيم يحمل مسدسا. ما رأيكما إذا ~~أتيت ونمت هنا في الليل؟ من دون تقديم وجبات، مجرد حارس ليلي نائم. جميعهم ينامون على أي ~~حال، الحراس الليليون يفعلون ذلك.» # كان من الواضح من تعبير وجهيهما أن كلا السيدتين شارب قدرتا حقيقة أن هذا إقرار ~~علني بالولاء، فيما صار بمثابة حرب محلية؛ لكنهما لم تحرجاه بتقديم الشكر له. # سألت ماريون: «أليست لك زوجة؟» # قال ستانلي خجلا: «لست متزوجا.» # أشارت السيدة شارب قائلة: «زوجتك - إن كانت لك زوجة - ربما قد توافقك على النوم هنا ~~وتدعم قرارك، لكني أشك إن كان عملك سيكون بالمثل، يا سيد ... إر ... سيد بيترز.» ~~«عملي؟» ~~«أتخيل إذا اكتشف زبائنك أنك قد أصبحت حارسا ليليا في منزل فرنتشايز فسيقضون ~~مصالحهم في أي مكان آخر.» # قال ستانلي بارتياح: «لن يستطيع زبائني فعل ذلك. لا يوجد مكان آخر ليقضوا فيه ~~مصالحهم. لينتش يصبح ثملا خمس ليال من كل سبع، وبيجينز لا يعرف كيف يضع سلسلة ~~الدراجة. على أي حال، لا أسمح لزبائني بأن يملوا علي ما أفعله في وقت فراغي.» # وعندما عاد بيل، أسند ستانلي حتى ينهض. بيل كان زوجا وفيا ولم يكن الاحتمال مطروحا ~~أن ينام أبدا في أي مكان آخر غير المنزل. لكن بدا إليهما أن نوم ستانلي في منزل فرنتشايز ~~حل طبيعي للمشكلة. # شعر روبرت بارتياح شديد. # قالت ماريون: «حسنا، إذا كنت ستحل ضيفا علينا في الليل فلا مانع أن تبدأ من الآن. ~~أثق أن ذلك الرأس يشعر وكأنه ثمرة فجل مؤلمة. سأذهب وأعد لك الفراش. هل تفضل منظرا ~~يطل جنوبا؟» # قال ستانلي في حماس شديد: «أجل. بعيد تماما عن المطبخ وإزعاج الراديو.» ~~«سأفعل ما في وسعي.» # ومن ثم ms131 اتفق على أن يمرر بيل رسالة قصيرة إلى باب مسكن ستانلي ليفيد بأنه سيحضر ~~في موعد الغداء كالمعتاد. قال ستانلي، مشيرا إلى صاحبة المسكن: «لن تقلق علي.» وأضاف: ~~«لقد غبت عن المنزل عدة ليال من قبل.» فالتقت عيناه بعيني ماريون وأضاف قائلا: «أنقل ~~السيارات بواسطة العبارة من أجل الزبائن؛ بإمكانك إنجاز ذلك خلال وقت الليل في نصف المدة ~~اللازمة.» # وأسدلوا الستائر في جميع الغرف بالطابق الأرضي لحماية ما بداخلها حال سقوط أمطار ~~قبل الصباح، ووعد روبرت بإحضار فني تركيب الزجاج في أقرب وقت ممكن. وقرر روبرت بينه ~~وبين نفسه أن يستعين بخدمات شركة متخصصة في هذا الشأن من لاربورو، وألا يغامر بالتعرض ~~لمجموعة أخرى من الاعتذارات المهذبة في ميلفورد. # قال عندما خرجت ماريون بصحبة بيل وروبرت لتوصد البوابة: «وسأفعل شيئا بخصوص مفتاح ~~للبوابة؛ حتى يتسنى لي الحصول على نسخة ثانية، وأخلصك من كونك حارسة للبوابة ومن أي ~~شيء آخر.» # بسطت يدها إلى بيل أولا. «لن أنسى أبدا ما قد فعلتموه أنتم الثلاثة من أجلنا.» ثم ~~أمالت رأسها ناحية المنزل الذي تكسرت نوافذه، وقالت: «عندما أتذكر الليلة فليس هؤلاء ~~الأغبياء هم من سأتذكرهم، لكن سأتذكركم أنتم الثلاثة.» # قال بيل بينما يستقلان السيارة في طريق عودتهما إلى المنزل في ليلة الربيع الهادئة: ~~«هؤلاء الأغبياء هم سكان محليون، أظنك على علم بذلك.» # وافقه روبرت الرأي: «أجل. أدركت ذلك. فلم يكن لديهم أي سيارة، هذا سبب. وعبارة ~~«فاجرتان دخيلتان!» لها رائحة الريف المحافظ، مثل «فاشيتان!» التي لها رائحة مدينة ~~متقدمة.» # قال بيل بعض التعليقات عن التقدم. ~~«كنت مخطئا عندما سمحت لنفسي بأن أقتنع بما قيل لي ليلة أمس. الرجل في الدورية كان ~~واثقا أن «الجميع سيعودون إلى منازلهم عندما يحل الظلام »، لدرجة أني سمحت لنفسي بأن ~~أصدق ما قاله. لكن كان يجب علي أن أتذكر تحذيرا تلقيته عن مطاردة ~~الساحرات.» # لم يكن بيل منصتا. وقال: «من الصعب أن تشعر بالأمان في منزل بلا نوافذ.» وتابع: ~~«تخيل منزلا نسفت الجهة الخلفية منه، ولا باب ليقفل ms132 عليه؛ يمكنك أن تعيش في سعادة ~~تماما في غرفة أمامية ما دامت نوافذها لا تزال قائمة. لكن من دون نوافذ حتى لو كان ~~المنزل بأكمله سليما فسيشعرك بانعدام الأمان.» # ذلك لم يكن تعقيبا من شأنه أن يبث في روبرت أي شعور بالراحة. # | الفصل الثالث عشر # قالت العمة لين على الهاتف في عصر يوم الثلاثاء: «أتساءل إن كان بوسعك أن تحضر السمك، ~~يا عزيزي.» وأضافت: «نيفيل سيأتي لتناول العشاء، وبذلك سنحتاج إلى وجبة إضافية مما ~~سنتناوله في الفطور. لا أفهم حقا لم ينبغي لنا أن نشتري أي شيء إضافي من أجل ~~نيفيل، لكن كريستينا تقول إن ذلك سيصده عما تسميه ب «الغارات» على الفطيرة التي ~~ستصنعها مرة أخرى في أمسيتها غدا. إن لم تكن تمانع يا عزيزي.» # لم يكن يتطلع كثيرا ليقضي ساعة أو ساعتين برفقة نيفيل، لكنه كان يشعر بأنه في غاية ~~السعادة من نفسه حتى صار في حالة مزاجية أفضل من المعتاد ليتحمل ذلك. كان قد نسق مع ~~شركة في لاربورو لاستبدال نوافذ منزل فرنتشايز؛ وكان قد اكتشف بصعوبة مفتاحا يصلح مع ~~بوابة منزل فرنتشايز - وستتوفر نسختان بحلول الغد، وكان قد اشترى البقالة بشخصه - مع ~~باقة من أفضل الزهور التي قد تقدمها ميلفورد. كان استقباله في منزل فرنتشايز يرقى إلى ~~درجة جعلته يتوقف تقريبا عن افتقاد الحوارات القليلة المبهجة التي كانت تجريها ماريون مع ~~نيفيل. كانت هناك، في النهاية، أشياء أخرى أكثر من المناداة بالاسم الأول في نصف الساعة ~~الأولى. # في وقت الغداء اتصل بكيفين ماكديرموت، واتفق مع سكرتيرته أنه عندما يصبح كيفين غير ~~مشغول في المساء فيتصل به في منزل رقم 10 بهاي ستريت. فالأمور أصبحت تتفلت من بين ~~يديه، وأراد أن يأخذ مشورة كيفين. # وقد رفض ثلاث دعوات للجولف، وكان مبرره لرفاقه المندهشين أنه «لا وقت لمطاردة قطعة ~~دائرية من المطاط في ملعب الجولف». # كما ذهب لمقابلة موكل مهم كان يحاول أن يقابله منذ الجمعة الماضية وكان قد استفزه ~~بسؤاله على الهاتف إذا «كان لا يزال يعمل ms133 لصالح بلير وهيوارد وبينيت». # وقد أنجز أعماله المتأخرة مع السيد هيزيلتاين المستاء في صمت؛ الذي، رغم انحيازه إلى ~~جانب السيدتين شارب، ظل يشعر بكل وضوح أن قضية منزل فرنتشايز ليست قضية تصلح لمكتب ~~محاماة مثل مكتبهم كي ينخرطوا فيها. # وقدمت إليه الشاي كالعادة الآنسة تاف في فنجان من الخزف الصيني المنقوش بنقوش ~~زرقاء على صينية مطلية يغطيها مفرش أبيض أنيق مع بسكوتتين دايجستف على طبق. # وقد استقرت على مكتبه في تلك اللحظة، صينية الشاي، مثلما كانت منذ أسبوعين عندما رن ~~الهاتف ورفع السماعة ليسمع صوت ماريون لأول مرة. مر أسبوعان مرور الكرام. كان قد جلس ~~يتأملها وهي في رقعة من ضوء الشمس، غير مرتاح من حياته المستقرة، ومدركا بأن الوقت ~~يتفلت منه. لكن اليوم، لم يلق عليه بسكويت الدايجستف بأي لوم لأنه كان قد خطا خطوة ~~خارج النظام النمطي الذي جسده. كان على اتصال بشرطة سكوتلاند يارد؛ فهو وكيل امرأتين ~~مغضوب عليهما من قبل الرأي العام؛ وأصبح محققا خاصا هاويا، وكان شاهدا على العنف ~~الذي ارتكبه الرعاع. بدا عالمه بأكمله مختلفا. حتى الناس التي قابلها بدت مختلفة. فالسيدة ~~ذات البشرة السمراء التي اعتاد رؤيتها من حين إلى آخر تتسوق في هاي ستريت، على سبيل ~~المثال، قد صارت ماريون. # حسنا، إحدى نتائج الخروج عن الحياة النمطية كانت، بالطبع، أنه أصبح من غير الممكن لك أن ~~ترتدي قبعتك وتسير متنزها إلى المنزل في الساعة الرابعة عصرا. أزاح صينية الشاي عن ~~طريقه، وعاد للعمل، ثم أصبحت الساعة السادسة والنصف قبل أن ينظر إلى الساعة مرة أخرى، ~~والسابعة قبل أن يفتح باب المنزل رقم 10. # كان باب غرفة الجلوس مفتوحا لنصفه كالمعتاد - مثل كثير من الأبواب في المنازل القديمة ~~فكان يتأرجح قليلا إذا انفك المزلاج - وكان بوسعه أن يسمع صوت نيفيل في آخر ~~الغرفة. # كان نيفيل يقول: «على النقيض، أعتقد أنك تتصرفين بغباء شديد.» # ميز روبرت نبرة الصوت في الحال. كانت نبرة الغضب العارم التي كان نيفيل وعمره أربع ~~سنوات يقول بها إلى ضيف: «أنا ms134 في غاية الأسف أني طلبت منك الحضور إلى حفلتي». لا بد أن ~~نيفيل غاضب بشدة فعلا بشأن مسألة ما. # ومعطفه مخلوع إلى نصفه توقف روبرت لينصت. ~~«أنت تتدخلين في مسألة لا تعلمين عنها شيئا، وليس لك أن تدعي أن ذلك تصرف ~~ذكي.» # لم يسمع صوت آخر، فلا بد أنه يتحدث إلى شخص على الهاتف، وقد ظن في البداية أنه ~~ربما كان يحاول أن يقصي كيفين عن المشاركة، هذا الشاب الأحمق. ~~«لست مفتونا بأحد. ولم أفتن قط بأي أحد. إنما أنت المفتونة ... بالأفكار. تتصرفين ~~بغباء شديد، كما قلت من قبل - تتحيزين إلى صف مراهقة مختلة في قضية لا تعلمين عنها ~~شيئا؛ كان علي أن أفكر أن ذلك دليل كاف على الهوس - يمكنك أن تخبري والدك نيابة عني ~~أن هذا لا علاقة له بالمسيحية في شيء، هذا مجرد تدخل ليس له مبرر. لست متأكدا أن ~~هذا ليس تحريضا على العنف - أجل، الليلة الماضية - لا، جميع نوافذهما تكسرت، وأشياء كتبت ~~على جدرانهما ... إن كان مهتما للغاية بالعدل ربما يفعل شيئا بشأن ذلك. لكن عصبتك لا ~~تهتم أبدا بإقامة العدل، أليس كذلك؟ بإقامة العدل فقط ... ماذا أقصد بعصبتك؟ أنت تفهمين ~~جيدا ما أقصده. أنت ورفاقك جميعهم الذين يتبعون التفاهات وتؤيدونها أمام العالم. أنتم لن ~~تتحركوا قيد أنملة لئلا تذهب حياة شاب كادح هباء، لكنكم ستتحركون إن كان سجين ~~مخضرم يفتقر إلى سعر وجبة ومن أجله سيسمع صوت نحيبكم حتى القارة القطبية الجنوبية. ~~أثرت اشمئزازي ... نعم، قلت إنك أثرت اشمئزازي ... اشمئزاز سيئ. اشمئزاز يصل حتى معدتي. ~~سأتقيأ!» # وكان صوت ارتطام السماعة عند وضعها مؤشرا بأن الشاعر قد قال قوله. # علق روبرت معطفه في الخزانة ثم دخل. بينما يصب نيفيل بوجهه الغاضب كالرعد لنفسه ~~ويسكي مركزا. # قال روبرت: «سأشرب كأسا أنا أيضا.» وأضاف: «لم أتمالك أن أمنع نفسي من السماع خلسة.» ~~وتابع: «كانت هذه روزماري، أليس كذلك؟» ~~«من غيرها؟ أهناك شخص آخر في بريطانيا قادر على التصرف بغباء يفوق الوصف مثل ~~ذلك؟» ~~«مثل أي شيء؟» ~~«عجبا، ms135 ألم تسمع بعضا مما قيل؟ لقد تبنت قضية بيتي كين المظلومة.» تجرع نيفيل بعض ~~الويسكي، وحدق في روبرت كما لو أنه المسئول. ~~«حسنا، لا أعتقد أن استغلالها للموجة التي تشنها صحيفة «أك-إيما» سيكون له تأثير كبير ~~بشكل أو بآخر.» ~~««أك-إيما»! ليست صحيفة «أك-إيما». إنما مجلة «ذا ووتشمان». المختل عقليا الذي ~~تسميه والدها قد كتب رسالة عن القضية لإصدار يوم الجمعة. نعم، من المحتمل بشدة أن ~~تزداد رغبتك في الغثيان. وكأننا ليس لدينا ما يكفي من مشكلات من دون تدخل هؤلاء الأشخاص ~~بنظرتهم المنحرفة للأمور وعاطفيتهم الرخيصة.» # حين تذكر أن مجلة «ذا ووتشمان» كانت هي المجلة الوحيدة التي نشرت بعضا من قصائد ~~نيفيل، رأى روبرت أن هذا يبرهن على الجحود قليلا. لكنه أقر بالوصف. # قال، من أجل التهدئة أكثر مما يرجوه في نفسه: «ربما لن ينشروها.» ~~«تعرف تماما أنهم سينشرون أي شيء يقرر أن يرسله إليهم. من صاحب المال الذي ~~أنقذهم عندما كانوا على شفا الانهيار للمرة الثالثة؟ مال الأسقف، بلا شك.» ~~«تقصد مال زوجته.» كان الأسقف قد تزوج إحدى حفيدتي كوان صاحب متجر كرانبيري ~~صوص. ~~«بالفعل، مال زوجته. والأسقف قد جعل من مجلة «ذا ووتشمان» منبرا للوعظ لا يمت إلى ~~الدين بصلة. وليس هناك أي شيء سخيف بالدرجة في نظره حتى لا يعبر عنه في الصحيفة، أو ~~أنه ليس هناك أي شيء مستبعد إلى الحد الذي يمنعهم من نشره. هل تتذكر الفتاة التي ~~كانت تتجول وتقتل سائقي الأجرة بدم بارد لتسطو على سبعة شلنات وأحد عشر بنسا تقريبا ~~في المرة الواحدة؟ تلك الفتاة كانت تحديدا موضع اهتمامه المفضل. انتحب عليها بشدة. كتب ~~رسالة طويلة في مجلة «ذا ووتشمان» عنها يدمى لها القلب، منوها عن مدى الفقر الذي كانت ~~تقاسيه، وكيف أنها قد فازت بمنحة للدراسة في مدرسة ثانوية ولم تكن قادرة على «بدء ~~الدراسة»؛ إذ كان أهلها يعانون من فقر مدقع أعجزهم عن أن يوفروا لها كتبا أو ملابس ~~مناسبة؛ ولهذا لجأت إلى طرق مسدودة ثم إلى صحبة فاسدة - ~~وهكذا، ms136 واستنتج أن ذلك السبب وراء قتل سائقي الأجرة، رغم أنه لم يذكر فعليا ذلك الأمر ~~التافه. حسنا، جميع قراء المجلة أحبوا ذلك، بكل تأكيد؛ إذ كان ذلك موضوعهم المفضل؛ ~~فجميع الجناة وفقا لقراء المجلة هم ملائكة خيبت آمالهم. ثم رئيس مجلس إدارة المدرسة ~~- المدرسة التي من المفترض أنها فازت بالمنحة الدراسية فيها - كتب ليوضح أنها لم تفز بأي ~~شيء؛ فاسمها كان في المرتبة 159 من 200 متنافس، وأنه كان من المفترض لشخص مهتم بالتعليم ~~بالقدر الذي يهتم به الأسقف أن يعلم أن لا أحد يمنع من قبول المنحة الدراسية بسبب ~~قلة المال، إذ إن الحالات الفقيرة توفر لها الكتب والمال تلقائيا خلال وقت قصير. ~~حسنا، كان من الممكن أن تعتقد أن ذلك سيصدمه، أليس كذلك؟ لكن على الإطلاق. نشروا رسالة ~~رئيس مجلس الإدارة في الصفحة الأخيرة، بحروف صغيرة؛ ثم في العدد التالي تحديدا كان ~~الشيطان ينتحب على بعض القضايا الأخرى التي لا يعلم عنها شيئا. ويوم الجمعة، واشهد على ما ~~أقول، سينتحب على بيتي كين.» ~~«أتساءل ... لو أني أجريت زيارة سريعة لمقابلته غدا ...» ~~«سينشر الخبر في الصحافة غدا.» ~~«أجل، هذا ما سيحدث. ربما لو أني اتصلت به ...» ~~«إذا كنت تعتقد أن أي أحد أو أي شيء سيجعل سيادته يحجب أي كتابات منتهية عن أعين ~~الناس، إذن فأنت ساذج.» # رن جرس الهاتف. # قال نيفيل: «لو كانت روزماري، فأنا في الصين.» # لكنه كان كيفين ماكديرموت. # قال كيفين: «عظيم أيها المحقق. تهانينا. لكن المرة القادمة لا تضيع وقت ما بعد الظهر في ~~محاولة الاتصال بمدنيين في إيلزبري، في الوقت الذي بوسعك أن تحصل فيه على المعلومات ~~نفسها من سكوتلاند يارد في التو واللحظة.» # قال روبرت إنه لا يزال مدنيا بما يكفي كي لا يفكر في سكوتلاند يارد مطلقا، لكنه يتعلم ~~الدرس، سريعا. # لخص أحداث الليلة الماضية من أجل كيفين، وقال: «لا أطيق أكثر من ذلك أن أتعامل على ~~مهل مع الأمر. لا بد من فعل شيء في أسرع وقت ممكن لتبرئتهما من هذا ms137 الشيء.» ~~«أتريد مني أن أعطيك رقم محقق خاص، أهذا هو الأمر؟» ~~«أجل، أظن أنه حان الوقت لذلك. لكني أتساءل ...» # سأله كيفين، لما تردد: «عم تتساءل؟» ~~«حسنا، كنت أفكر حقا في الذهاب إلى جرانت في سكوتلاند يارد، وأخبره بصراحة تامة ~~أني قد اكتشفت كيف كان بإمكانها أن تعرف معلومات عن السيدتين شارب وعن المنزل، وأنها قد ~~التقت برجل في لاربورو وأن لدي شاهدا على اللقاء.» ~~«حتى يفعلوا ماذا؟» ~~«حتى يتحروا عن تحركات الفتاة أثناء ذلك الشهر بدلا منا.» ~~«أتعتقد أنهم سيفعلون هذا؟» ~~«بالطبع. لم لا؟» ~~«لأن الأمر لا يستحق بذل وقتهم في سبيله. كل ما بإمكانهم فعله عندما يكتشفون أنها لم ~~تكن جديرة بالثقة هو إسقاط القضية في طي النسيان. فهي لم تقسم على أي شيء، وبذلك ليس ~~بإمكانهم مقاضاتها عن قسم كاذب.» ~~«إنما بإمكانهم رفع دعوى ضدها؛ لأنها ضللتهم.» ~~«صحيح، لكن الأمر لا يستحق بذل أوقاتهم في سبيله. ولن يصبح من السهل كشف تحركاتها ~~في ذلك الشهر، ربما نثق في ذلك. وفضلا عن كل تلك التحريات التي لا داعي لها سيتوجب ~~عليهم إعداد الدعوى وتقديمها إلى المحكمة. من المستبعد بشدة أن إدارة الشرطة المشغولة ~~بشدة، التي لديها قضايا خطيرة تنهال على أبوابها، ستذهب إلى كل ذلك الإزعاج بقدميها، ~~بينما بإمكانها أن تغلق ملف تلك القضية بهدوء في الحال.» ~~«لكن من المفترض أنها شرطة تقيم العدل. هذا سيدع السيدتين شارب ...» ~~«لا. إنما هي هيئة إنفاذ القانون. العدل يبدأ في المحكمة. كما لعلك تعرف جيدا. بالإضافة ~~إلى ذلك، يا روب، فأنت لم تأت لهم بأي دليل على أي شيء. أنت لا تعرف أنها ذهبت في وقت ~~ما إلى ميلفورد. وحقيقة أنها توددت إلى رجل في ميلفورد، وأنها تناولت الشاي معه، فهذا ~~لا يقدم شيئا لدحض قصتها التي تفيد باصطحاب السيدتين شارب لها. في الحقيقة الشيء الوحيد ~~الذي عليك فعله هو الاستعانة بالسيد أليك رامسدن، 5 سبرينج جاردنز، فولهام، جنوب غرب ~~لندن.» ~~«من يكون؟» ~~«المحقق الخاص الذي عليك أن تستعين به. وهو بارع ms138 للغاية، صدقني. لديه حشد من ~~المخبرين المدربين تحت أمره؛ ومن ثم سيوفر لك بديلا ماهرا تماما حال انشغاله. ~~أخبره أني أعطيتك اسمه ولن يبيع لك الأوهام. ليس ذلك ما سيفعله، على أي حال. فهو من ~~خيار الناس على وجه الأرض. لقد تقاعد من الشرطة بسبب إصابة (تعرض لها أثناء الخدمة). سيقدم ~~لك خدمة جيدة. لا بد أن أذهب. إن كان هناك أي شيء آخر بوسعي فعله اتصل بي في وقت ما. ~~أتمنى لو يسمح لي الوقت لأذهب بنفسي وأرى منزل فرنتشايز وساحرتيك. ازداد حبي لهما. إلى ~~اللقاء.» # وضع روبرت سماعة الهاتف، ثم أمسكها مرة أخرى، حيث اتصل بالاستعلامات، وحصل على رقم هاتف ~~أليك رامسدن. لم يجب الهاتف فبعث إليه برقية يخبره بأنه روبرت بلير وبأنه يحتاج إلى ~~إنجاز مهمة على وجه السرعة وأن كيفين ماكديرموت قال إن رامسدن هو الرجل المناسب لهذه ~~المهمة. # قالت العمة لين وهي قادمة في انفعال وغضب: «روبرت، هل تعلم أنك تركت السمك على مائدة ~~الردهة فصارت مبللة تماما حتى الخشب الماهوجني وكريستينا كانت تنتظره.» ~~«هل أساس التهمة هو الخشب الماهوجني أم أن كريستينا ظلت منتظرة؟» ~~«حقا يا روبرت، لا أعرف ما الذي أصابك. منذ أن أصبحت منخرطا في قضية فرنتشايز هذه وقد ~~تغيرت تماما. منذ أسبوعين لم يكن من الممكن أبدا أن يخطر ببالك أن تضع لفة سمك على ~~خشب ماهوجني مصقول وتغفل عن الأمر برمته. ولو كنت فعلتها لشعرت بالأسف على ذلك ~~واعتذرت.» ~~«أعتذر حقا يا عمة لين؛ أنا نادم صدقا. ليس من المعتاد أن أكون مثقلا بمسئولية بهذا ~~القدر من الخطورة مثل تلك المسئولية الحالية ولا بد أن تسامحيني لو كنت مرهقا ~~قليلا.» ~~«لا أظنك مرهقا على الإطلاق. بل العكس، لم أرك قط راضيا إلى هذا الحد عن نفسك. أعتقد ~~أنك مستمتع إلى أبعد حد بهذه القضية الحقيرة. فقط في صباح اليوم كانت الآنسة ترولاف في ~~مقهى آن بولين تواسيني على انخراطك فيها.» ~~«أكانت هكذا حقا؟ حسنا، فأنا متعاطف مع أخت الآنسة ترولاف.» ms139 ~~«متعاطف على أي شيء؟» ~~«على أن لها أختا مثل الآنسة ترولاف. أنت بلا شك أمضيت معها وقتا مملا، أليس كذلك ~~يا عمة لين؟» ~~«كفاك سخرية يا عزيزي. ليس من دواعي السرور لأي أحد في هذه القرية أن يرى سمعة سيئة قد ~~لحقت بها. لقد كانت دائما مكانا صغيرا هادئا ومحترما.» # قال روبرت متأملا: «لا أحب ميلفورد بقدر ما كنت أحبها منذ أسبوعين؛ لهذا سأوفر ~~دموعي.» ~~«وصل ما لا يقل عن أربع حافلات رحلات منفصلة من لاربورو في أوقات متفرقة من اليوم، ولم ~~يأت ركابها لشيء إلا لمعاينة منزل فرنتشايز على الطريق.» # سأل روبرت، وهو يعلم أن مرور تلك الحافلات في ميلفورد لم يكن مرحبا به: «ومن ~~استضافهم؟» ~~«لا أحد. كل ما في الأمر أنهم كانوا غاضبين.» ~~«ذلك سيعلمهم ألا يقحموا أنوفهم فيما لا يعنيهم. لاربورو لا تهتم بشيء بقدر ~~اهتمامها ببطنها.» ~~«تصر زوجة القس أن نكون مسيحيين صالحين في هذا الشأن، لكني أعتقد أن هذه وجهة نظر ~~خاطئة.» ~~«مسيحيون؟» ~~«أجل؛ «الاحتفاظ بآرائنا لأنفسنا» كما تعرف. ليس ذلك إلا ضعفا، ولا علاقة له ~~بالمسيحية. بالطبع لا أتناقش في هذه القضية يا عزيزي روبرت، حتى معها. أنا في غاية ~~التكتم. لكنها بالطبع تدرك ما أشعر به، وأنا أدرك ما تشعر به؛ لذلك لا داعي ~~للمناقشة.» # ما سمع بوضوح أنه نخرة كان من نيفيل حيث كان مستلقيا في مقعد مريح. ~~«هل قلت شيئا يا عزيزي نيفيل؟» # أرهب نيفيل بشكل واضح نبرة المدرسين في الحديث. فقال في وداعة: «لا يا عمة لين.» # لكنه لم يفلت بهذه السهولة؛ فكانت النخرة واضحة وضوح الشمس. «لست ممتعضة أنك تشرب ~~يا عزيزي، لكن هل هذا هو كأس الويسكي «الثالث» لك؟ سيقدم نبيذ التريمنر على العشاء، ولن ~~تستطعمه أبدا بعد هذا النوع القوي. عليك ألا تنزلق إلى عادات سيئة إذا كنت ستتزوج ~~ابنة الأسقف.» ~~«لن أتزوج روزماري.» # حدقت الآنسة بينيت، مصدومة وقالت: «لن!» ~~«أفضل أن أتزوج بفتاة تحصل على إعانة عامة.» ~~«لكن، يا نيفيل!» ~~«أفضل الزواج من جهاز راديو.» ms140 تذكر روبرت تعليق كيفين على روزماري بأنها لن تلد ~~إلا أسطوانة جراموفون. «أفضل الزواج من تمساح.» لأن روزماري كانت آية في الجمال ~~فافترض روبرت أن «التمساح» له علاقة بالدموع. «أفضل الزواج من منصة خطابة شعبية.» ~~فكر روبرت في ماربل آرتش. «أفضل الزواج من صحيفة «أك-إيما».» بدا أن ذلك آخر ~~التفضيلات. ~~«لكن نيفيل، يا عزيزي، لماذا؟» ~~«لأنها حمقاء للغاية. تقريبا بقدر حماقة «ذا ووتشمان».» # أمسك روبرت نفسه في بطولة منه عن ذكر أنه طيلة الستة الأشهر الأخيرة كانت مجلة «ذا ~~ووتشمان» مرجعا لنيفيل. ~~«أوه، تعال يا عزيزي، لقد وقع بينكما شجار بسيط؛ هذا يحدث مع جميع المخطوبين. من ~~المستحسن أن تجعلا مسألة الأخذ والعطاء أساسا ثابتا قبل الزواج، أولئك المتحابون ~~الذين لا يتشاجرون أبدا خلال مرحلة خطبتهم يعيشون حياة صاخبة على نحو مفاجئ بعد الزواج؛ ~~لهذا لا تأخذ خلافا صغيرا على محمل الجد هكذا. يمكنك الاتصال بها قبل عودتك إلى المنزل ~~الليلة ...» # قال نيفيل بفتور: «لكنه خلاف جوهري إلى حد كبير.» ثم أضاف قائلا: «وغير مطروح أي ~~احتمال أن أتصل بها.» ~~«لكن نيفيل، يا عزيزي، ما ...» # ثلاث نغمات حادة عالية آتية من جرس التنبيه ظهرت فجأة وسط اعتراضها فأوقفتها عن ~~الكلام. إن مأساة فسخ الخطبة أفسحت المجال في الحال لمزيد من المشكلات العاجلة. ~~«ذلك جرس التنبيه. أعتقد أنه من الأفضل أن تأخذ مشروبك معك يا عزيزي. تحب كريستينا أن ~~تقدم الحساء بمجرد أن تضيف البيضة، ومزاجها الليلة ليس على ما يرام لأن السمك تأخر ~~عليها كثيرا. مع أني عاجزة عن التفكير لم كان من المفترض أن يحدث ذلك أي فرق معها. ~~إنه ليس إلا سمكا مشويا، وهذا لا يستغرق أي وقت. وهي لم يتوجب عليها مسح السائل ~~الذي تسرب من السمك إلى الخشب الماهوجني؛ لأني مسحته بنفسي.» # | الفصل الرابع عشر # إن ما زاد من غضب العمة لين أن روبرت كان عليه تناول الفطور صباح اليوم التالي في تمام ~~الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة حتى يستطيع الذهاب باكرا إلى المكتب. كانت علامة ms141 ~~أخرى على الانحلال الذي تتحمل مسئوليته قضية فرنتشايز. أن يفطر باكرا لعله يلحق ~~بالقطار، أو يسافر لمقابلة على مسافة بعيدة، أو يحضر جنازة موكل، فهذا سبب معقول. لكن ~~أن يفطر باكرا فقط حتى يمكنه الوصول إلى العمل في ساعة وصول ساعي المكتب كان ذلك تصرفا ~~غريبا بشدة، ولا يليق بشخص من عائلة بلير. # ابتسم روبرت، وهو يسير في هاي ستريت المشمس الذي لا يزال مغلقا وهادئا. لقد أحب ~~دائما الساعات الباكرة من الصباح، فكانت هذه الساعة التي تتجلى فيها ميلفورد بأبهى ~~صورها؛ بألوانها الوردية والبنية والكريمية التي تبدو رقيقة في ضوء شمس مثلما تبدو ~~في رسمة ملونة. كان فصل الربيع يتداخل في فصل الصيف، ودفء الأرصفة ينضح في الهواء ~~البارد، وأشجار الليمون الأخضر المقلمة صارت كثيفة. فتذكر ممتنا أن ذلك ربما يعني أن ~~الليالي ستصير أقصر على السيدتين الوحيدتين في منزل فرنتشايز. لكن ~~ربما - إن كان الحظ حليفا لهما - بحلول فصل الصيف ~~فعليا، يتحقق إثبات براءتهما، ولا يعود منزلهما حصنا تحاصره المتاعب. # كان مستندا إلى باب المكتب الذي ظل إلى ذلك الحين مغلقا رجل نحيف طويل شائب، يبدو ~~أن جسده كله عبارة عن عظام وليس له أي بطن على الإطلاق. # قال روبرت: «صباح الخير.» ثم سأل: «هل أردت مقابلتي؟» # قال الرجل الشائب: «لا. أردت أنت مقابلتي.» ~~«أنا؟» ~~«على الأقل برقيتك قالت ذلك. أعتقد أنك السيد بلير، أليس كذلك؟» # قال روبرت: «لكن لا يمكن أنك وصلت إلى هنا بهذه السرعة!» # قال الرجل باقتضاب: «المسافة ليست بعيدة.» # قال روبرت محاولا أن يرقى إلى مستوى الاقتصاد في التعليقات الذي ينتهجه السيد رامسدن: ~~«تعال.» # سأله في المكتب بينما كان يفتح غرفته: «هل أفطرت؟» ~~«أجل، تناولت شرائح لحم خنزير وبيضا في مطعم ذا وايت هارت.» ~~«أشعر براحة مذهلة أنك تمكنت من المجيء بنفسك.» ~~«لقد انتهيت لتوي من إحدى القضايا. والسيد كيفين ماكديرموت قد أسدى لي الكثير.» # أجل؛ كيفين، رغم كل خبثه الظاهري وحياته المزدحمة، وجد الرغبة والوقت لمساعدة هؤلاء ~~المستحقين للمساعدة. وذلك ما يميزه تمييزا ms142 ملحوظا عن أسقف لاربورو، الذي آثر غير ~~المستحقين للمساعدة. # قال، مناولا رامسدن نسخة من الإفادة التي أدلت بها بيتي كين إلى الشرطة: «ربما أفضل ~~طريقة لك أن تقرأ هذه الأقوال، ثم بإمكاننا استكمال القصة من عند تلك النقطة.» # أخذ رامسدن الأوراق، وجلس على مقعد الزائرين - مثنيا، ربما يكون التوصيف الدقيق لحركته ~~- وعزل نفسه عن حضور روبرت مثلما كان كيفين قد فعل في منزله. وروبرت، بينما يتابع عمله ~~الشخصي، كان يحسدهما على قدرتهما على التركيز. # قال بعد مدة: «حسنا، يا سيد بلير، ماذا بعد؟»؛ فسرد له روبرت ما تبقى من القصة: ~~تعرف الفتاة على المنزل والمقيمتين فيه، ودخول روبرت في القضية، وقرار الشرطة بأنها لن ~~تستكمل الإجراءات بناء على الأدلة المتوفرة، واستياء ليزلي وين وما ترتب عليه من نشر ~~القصة في صحيفة «أك-إيما»، ومقابلته الشخصية مع أقارب الفتاة وما كشفوا عنه، واكتشاف ~~ذهابها في جولة بالحافلة وأن حافلة ذات طابقين كانت تسير على مسار حافلات ميلفورد ~~أثناء تلك الأسابيع ذات الصلة، واكتشافه لوجود الشخص «س». ~~«مهمتك هي اكتشاف تفاصيل أكثر عن الشخص «س»، يا سيد رامسدن. إن نادل ردهة فندق ~~ميدلاند، ألبرت، يعرف هيئته، وإليك قائمة بالمقيمين خلال تلك المدة محل النظر. سنصبح ~~محظوظين إذا كان ممن أقاموا في هذا الفندق، لكن من يدري. بعد ذلك ستتولى وحدك ~~التحريات من دون مساعدة. أخبر ألبرت أني أرسلتك إليه، على أي حال. لقد عرفته منذ ~~وقت طويل.» ~~«حسنا. سأتوجه إلى لاربورو الآن. وسأحصل على صورة للفتاة غدا، لكن لعلك تعطيني نسختك ~~من صحيفة «أك-إيما» لليوم.» ~~«بالتأكيد. كيف ستحصل على صورة دقيقة لها؟» ~~«أوه، لدي طرقي الخاصة.» # استنتج روبرت أن سكوتلاند يارد كانت قد حصلت على صورة عندما أبلغ عن تغيب الفتاة، ~~وأن زملاءه القدامى في مقر الإدارة لن يترددوا كثيرا حتى يعطوه نسخة، فاستند في الأمر ~~إلى ذلك. # قال أثناء انصراف رامسدن: «ثمة احتمال قائم أن يتذكرها محصل إحدى تلك الحافلات ذات ~~الطابقين.» ثم أضاف قائلا: «إنها الحافلات التابعة لشركة لاربورو آند ديستريكت ms143 موتور ~~سيرفيسز. المرأب في فيكتوريا ستريت.» # في تمام الساعة التاسعة والنصف وصل الموظفون - كان من بين أوائل الحاضرين نيفيل؛ وهو ~~تغيير في نظامه المعتاد اندهش له روبرت؛ إذ إن نيفيل عادة كان آخر من يصل وآخر من ~~يستقر في مكتبه. كان من الممكن أن يتجول في الداخل، ويخلع ما يتدثر به في غرفته ~~الخاصة الصغيرة في الخلف، ويتجول في «المكتب» ليلقي تحية الصباح على الموجودين به، ويتجول ~~في «غرفة الانتظار» في الخلف ليحيي الآنسة تاف، وفي النهاية يتجول في غرفة روبرت ويقف ~~هناك ليفتح اللفة المربوطة لإحدى المنشورات الدورية الخاصة التي جاءته بالبريد، ثم يعلق ~~على الحالة البائسة دائما للأحداث في إنجلترا. كان روبرت قد ازداد اعتياده على تصفح ~~بريده سريعا حتى لا يتعارض مع عادة نيفيل التي لا بد منها. لكن نيفيل اليوم حضر في الموعد ~~المقرر، ثم دخل إلى غرفته الخاصة، وأغلق الباب بإحكام وراءه، ثم، إن كان فتح الأدراج ~~وغلقها هو الدليل، استقر على مكتبه لبدء العمل في الحال. # جاءت الآنسة تاف بدفترها وبياقة بيتر بان البيضاء المذهلة، ومن ثم بدأ اليوم العادي ~~لروبرت. كانت الآنسة تاف قد اعتادت ارتداء ياقة بيتر بان على فستان داكن طيلة العشرين ~~سنة، من الممكن أنها كانت ستبدو عارية، غير محتشمة في الأغلب، من دونها في تلك اللحظة. ~~ترتدي ياقة نظيفة في كل صباح؛ بعد أن تكون قد غسلتها في ليلة اليوم السابق وجهزتها حتى ~~ترتديها في الغد. المظهر الوحيد لكسر النظام المعتاد كان في أيام الأحد. كان روبرت قد قابل ~~الآنسة تاف ذات مرة في يوم من أيام الأحد وعجز تماما أن يتعرف عليها؛ لأنها كانت ترتدي ~~رباطا مكشكشا حول الرقبة. # عمل روبرت حتى الساعة العاشرة والنصف، ثم تبين له أنه قد تناول فطوره في ساعة باكرة ~~غير معهودة، وفي تلك اللحظة صار في حاجة إلى أكثر من مجرد فنجان شاي. كان سيذهب ويتناول ~~فنجان قهوة وشطيرة في فندق روز آند كراون. بإمكانك الاستمتاع بأفضل قهوة في ميلفورد في ~~مقهى ms144 آن بولين، لكنه مزدحم دائما بالنساء المتسوقات («كم أسعدني لقاؤك يا عزيزتي! ~~افتقدناك حقا في حفلة رونيز! وهل سمعت عن ...»)، كانت تلك هي الأجواء التي لم يكن ~~مستعدا لمواجهتها مقابل كل ما في البرازيل من قهوة. كان سيذهب إلى فندق روز آند كراون، ~~وبعد ذلك سيتسوق قليلا بالنيابة عن سيدتي فرنتشايز، ثم بعد الغداء سيذهب ويعرض عليهما ~~بلطف الأنباء السيئة بشأن مجلة «ذا ووتشمان». لم يكن بوسعه أن يفعل ذلك عبر الهاتف؛ إذ ~~لم يكن لديهما هاتف في تلك اللحظة. كانت شركة لاربورو قد وصلت بالسلالم والمعجون وألواح ~~من الزجاج المقسى وكانت قد استبدلت النوافذ من دون صخب أو فوضى. لكنهم، بالطبع، كانوا ~~شركة خاصة. أما مكتب البريد العام، لكونه إدارة حكومية، فقد أحال مشكلة الهاتف لعرضها على ~~المحكمة وستتحرك في الوقت الذي يحلو لها بسرعة الأفيال. لهذا خطط روبرت قضاء جزء من ~~وقت ما بعد الظهر لإخبار السيدتين شارب بالأنباء التي تعذر عليه أن يخبرهما بها على ~~الهاتف. # كان الوقت لا يزال مبكرا على وجبات منتصف الصباح الخفيفة، وكانت المقاعد المكسوة ~~بقماش قطني مطبوع والموائد المصنوعة من خشب البلوط العتيق لردهة فندق روز آند كراون ~~مهجورة من الناس عدا بن كارلي، الذي كان جالسا بجانب مائدة قابلة للطي عند النافذة ~~يقرأ صحيفة «أك-إيما». لم يكن كارلي الشخص المفضل لروبرت ~~- أكثر مما كان هو بالنسبة إلى كارلي، حسب ظنه - لكن كانت تجمعهما رابطتهما المهنية ~~(إحدى أقوى الروابط في الطبيعة الإنسانية)، وفي مكان صغير مثل ميلفورد فقد صارا صديقين ~~مقربين إلى أبعد ما يكون. لهذا جلس روبرت كأمر متوقع إلى مائدة كارلي، متذكرا ~~بينما يفعل ذلك أنه لا يزال مدينا إلى كارلي بتنبيهه الذي لم يلتفت إليه عن الشعور ~~العام في الريف. # أنزل كارلي صحيفة «أك-إيما» ونظر إليه بعينين داكنتين تشتعلان حيوية كانتا غريبتين ~~كثيرا وسط هذا الهدوء السائد في منطقة ميدلاند الإنجليزية. وقال: «يبدو أن الأمر يخبو ~~ضجيجه.» وتابع: «لم ينشروا إلا رسالة واحدة اليوم؛ لمجرد أن يحافظوا على اهتمام ms145 ~~الناس.» ~~«بالنسبة إلى صحيفة «أك-إيما»، فهذا صحيح. لكن مجلة «ذا ووتشمان» ستشن حملة خاصة بها ~~يوم الجمعة.» ~~««ذا ووتشمان»! وما لها بالتدني إلى قاع «أك-إيما»؟» # قال روبرت: «إنها ربما ليست المرة الأولى.» # قال كارلي، ممعنا في الأمر: «أجل، أظن ذلك.» وأضاف: «عندما تفكر في الأمر، فهما وجهان ~~لعملة واحدة. حسنا. لا ينبغي أن يقلقك ذلك. إن إجمالي مبيعات «ذا ووتشمان» تصل إلى ~~عشرين ألفا تقريبا. إن كان الأمر كذلك.» ~~«ربما. لكن عمليا كل واحد من أولئك العشرين ألفا لديهم ابن عم من الدرجة الثانية ~~في الخدمة المدنية الدائمة في هذا البلد.» ~~«فماذا إذن؟ هل عرف أحد من قبل أن الخدمة المدنية الدائمة تدخلت في أي حدث مهما كان ~~خارج إطار نظامها النمطي المعتاد؟» ~~«لا، لكنهم سيزيحون المسئولية عنهم. وعاجلا أم آجلا ستسقط المسئولية في ... في ...» # اقترح كارلي، وهو يدمج الاستعارة بتأن: «في بقعة خصبة.» ~~«أجل. عاجلا أم آجلا سيظن بعض الفضوليين أو العاطفيين أو الأنانيين، ممن ليس لديهم ~~شيء ليشغلهم، أن شيئا ما لا بد من فعله حيال هذا الأمر ثم يبدءون في تحريك الحبال. ~~وتحريك الحبال في الخدمة المدنية يعطي النتيجة نفسها كما في عرض لصندوق الدنيا. فتشد ~~سلسلة كاملة من الصور لعرضها، عشوائيا. جيرالد يلبي طلب توني، وريجي يلبي طلب جيرالد، ~~وهكذا، إلى نهايات غير معلومة.» # التزم كارلي الصمت لحظة. ثم قال: «أمر مثير للشفقة.» وتابع: «تحديدا عندما أخفقت ~~«أك-إيما» في طريقها. يومان آخران وسوف يكونون قد أسقطوا الأمر نهائيا. وفي الواقع هناك ~~يومان إضافيان على برنامجهم المعتاد، كما هو عليه الحال. لم أعهدهم أبدا يواصلون طرح ~~موضوع لأطول من ثلاثة إصدارات. لا بد أن الاستجابة كانت هائلة حتى تبرر هذا الحجم من ~~المساحة.» # قال روبرت، في حزن: «أجل.» ~~«بالتأكيد، القضية كانت هدية لهم. إن السبق الصحفي عن الفتيات المختطفات خبر نادر ~~للغاية. نظرا إلى التغيير في العرض فكان الأمر لا يقدر بثمن. عندما لا يصبح لديك سوى ~~ثلاثة أو أربعة أطباق، مثل «أك-إيما»، من الصعب أن ترضي ms146 أذواق الزبائن كما ينبغي. ونبأ ~~مثير مثل قضية فرنتشايز لا بد أنه ضاعف مبيعاتهم بالآلاف في ضاحية لاربورو ~~وحدها.» ~~«مبيعاتهم سوف تتراجع. إن الأمر ليس إلا موجة مد فحسب. لكن ما علي التعامل معه هو ~~ما خلف على الشاطئ.» # علق كارلي: «شاطئ تنبعث منه رائحة كريهة على وجه التحديد، في رأيي.» ثم تابع قائلا: ~~«هل تعرف السيدة الشقراء البدينة ذات مسحوق التجميل البنفسجي الزاهي والصدرية التي تدير ~~متجر الملابس الرياضية بجانب مقهى آن بولين؟ إنها واحدة من تلك المخلفات على ~~شاطئك.» ~~«كيف ذلك؟» ~~«لقد عاشت في نفس البنسيون في لندن الذي عاشت فيه السيدتان شارب، على ما يبدو، وعندها ~~قصة لطيفة بخصوص كيف ضربت ماريون شارب كلبا ذات مرة وهي غاضبة حتى صار بين الحياة ~~والموت. أحب زبائنها تلك القصة. وكذلك زبائن آن بولين. فهي تذهب إلى هناك لتشرب قهوتها ~~الصباحية.» نظر باستهزاء إلى الاحمرار الذي بدا على وجه روبرت من الغضب. وأضاف: «لا أحتاج ~~إلى أن أخبرك أن لديها كلبا خاصا بها. لم يعاقب قط في حياته المدللة، لكنه كان يخطو ~~خطوات سريعة إلى حافة الموت من تحلل الدهون بسبب إطعامه عشوائيا من الفتات وقتما ~~تشعر السيدة البدينة الشقراء بشفقة شديدة.» # مرت لحظات، كما ظن روبرت، كان فيها على وشك أن يحتضن بن كارلي، والبدلة المقلمة وكل ~~شيء. # قال كارلي، بفلسفة الإذعان لشعب اعتاد مدة طويلة على الانحناء والسماح للعاصفة بأن ~~تتجاوزهم: «حسنا، سينسى الأمر.» # نظر روبرت في دهشة. أربعون جيلا من الأسلاف المحتجين اندهشوا متجسدين في شخصه. قال: ~~«لا أعتقد أن نسيان الأمر هو ميزة بأي حال من الأحوال. هذا لن يجدي نفعا مع موكلتي ~~على الإطلاق .» ~~«ماذا بيدك أن تفعل؟» ~~«المقاومة، بكل تأكيد.» ~~«مقاومة ماذا؟ لن تحصل على حكم بالتشهير، إن كان ذلك ما تفكر فيه.» ~~«لا، لم أكن قد فكرت في التشهير. لكني أنوي اكتشاف ما كانت تفعله الفتاة خلال تلك ~~الأسابيع.» # نظر كارلي مستمتعا. ثم قال، معلقا على هذا التعبير البسيط عن مهمة صعبة: «هكذا ms147 ~~فقط.» ~~«لن يكون الأمر سهلا وربما سيكلفهما كل ما لديهما، لكن ليس هناك بديل.» ~~«بإمكانهما أن يرحلا من هنا. بإمكانهما بيع المنزل والاستقرار في مكان آخر. وخلال سنة ~~من الآن لن يتذكر أحد خارج ميلفورد أي شيء عن هذه القضية.» ~~«لن تفعلا ذلك أبدا، وليس من المفترض أن أنصحهما بذلك، حتى لو كانتا ستفعلانه. لا يمكن ~~أن يكون لديك علبة صفيح معقودة في ذيلك وتمضي حياتك مدعيا أنها غير موجودة. إضافة ~~إلى أنه من المحال تماما أن يسمح للفتاة بأن تفلت بقصتها الخيالية. إنها مسألة ~~مبدأ.» ~~«ستدفع الثمن غاليا على مبادئك اللعينة. لكني أتمنى لك حظا موفقا، على أي حال. هل ~~تفكر في الاستعانة بمحقق خاص؟ لأنك إذا كنت تفكر فأنا أعرف محققا بارعا ...» # قال روبرت إنه قد اتفق مع محقق وإنه قد بدأ العمل بالفعل. # أوحى وجه كارلي المعبر بمباركته المبتهجة على هذه الخطوة السريعة من جانب مكتب بلير ~~وهيوارد وبينيت المحافظ. # قال: «كان من الأفضل أن تحتفظ سكوتلاند يارد بمكانتها.» ثم شردت عيناه إلى الشارع من ~~خلف ألواح الزجاج المزخرف بالنافذة، واختفت البهجة فيهما حتى صارت نظرة ثابتة. حدق ~~لحظة أو لحظتين ثم قال بلطف: «عجبا! ما هذه الجرأة؟!» # كانت عبارة تنم عن الإعجاب، وليس عن الغضب، فالتفت روبرت حتى يرى ما الذي استدعى ~~إعجابه. # فوجد على الجهة المقابلة من الشارع السيارة القديمة المتهالكة لأسرة شارب، وعجلتها ~~الأمامية المختلفة هي خير دليل. وفي الخلف، متوجة في مكانها المعتاد بهيئتها المعتادة ~~التي تعكس اعتراضا طفيفا على وسيلة النقل هذه، كانت تجلس السيدة شارب. كانت السيارة ~~متوقفة خارج متجر البقالة، وماريون على ما يبدو تتسوق في الداخل. ربما دخلت هناك منذ ~~دقائق معدودة وإلا كان سيلاحظها بن كارلي قبل ذلك، لكن اثنين من عمال التوصيل كانا ~~بالفعل قد توقفا ليحدقا، متكئين على دراجتيهما برغبة شهوانية في مشاهدة ~~مستباحة. وبعد مدة وجيزة لاحظ روبرت أن الناس جاءت إلى أبواب المتاجر المجاورة عندما جرت ~~الأخبار على الألسن. # قال روبرت بغضب: «يا لها ms148 من حماقة لا يصدقها عقل!» # قال كارلي وقد تركزت عيناه على المشهد: «إنها ليست حماقة.» وأضاف: «أتمنى لو أنهما ~~موكلتان لدي.» # فتش في جيبه عن نقود لدفع حساب قهوته، ثم ولى مسرعا من المكان. ووصل إلى الجانب ~~القريب من السيارة، في الوقت نفسه الذي خرجت فيه ماريون إلى الرصيف على الجهة الأخرى. ~~فقال بصرامة: «سيدة شارب، ما يفعل هو حماقة غير عادية. أنتما تزيدان الأمر تعقيدا ~~...» # قالت، بنبرة رسمية مهذبة: «أوه، صباح الخير يا سيد بلير.» وتابعت: «هل انتهيت من تناول ~~قهوتك الصباحية، أم أنك تود مرافقتنا إلى آن بولين؟» # قال مناشدا ماريون، التي كانت تضع حقائبها على المقعد: «آنسة شارب!» وتابع: «لا بد أن ~~تعرفي أن ما تفعلانه هو حماقة.» # قالت: «صراحة لا أعلم إن كان الأمر هكذا أم لا، لكن يبدو أنها خطوة لا بد أن نفعلها. ~~ربما كنا حمقاوتين ونحن نعيش منعزلتين على أنفسنا، لكننا وجدنا أن لا أحد منا ~~بإمكانه نسيان تلك الإهانة التي كانت في آن بولين. تلك الإدانة التي من دون ~~محاكمة.» ~~«نحن نعاني من ضيق نفسي شديد يا سيد بلير. ودواؤنا الوحيد هو شعرة من الكلب الذي ~~عضنا. أقصد فنجان القهوة الرائع الذي تعده الآنسة ترولاف.» ~~«لكن هذا غير ضروري تماما! لهذا ...» # قالت السيدة شارب بلهجة لاذعة: «شعرنا بأنه عند الساعة العاشرة والنصف صباحا لا بد أن ~~يتوفر عدد كبير من الموائد الشاغرة في آن بولين.» # قالت ماريون: «لا داعي للقلق يا سيد بلير.» وتابعت: «إنها ليست إلا لفتة. بمجرد أن نكون ~~قد شربنا فنجان قهوتنا الرمزي في آن بولين، فلن نطأ عتبتها أبدا مرة أخرى.» حاكت ~~العبارة بأسلوب مميز. ~~«لكن هذا فقط سيقدم للناس في ميلفورد على نحو مجاني ما يمكن أن نسميه ...» # سبقته السيدة شارب قبل أن يتمكن من نطق الكلمة. فقالت بنبرة جافة: «لا بد أن تعتاد ~~ميلفورد علينا بوصفنا فرجة؛ إذ إننا قد توصلنا إلى أن الحياة بين أربعة جدران هو أمر لا ~~يمكننا التفكير فيه.» ~~«لكن ...» ~~«سيزيد اعتيادهم ms149 قريبا على رؤيتنا ثم يعتبروننا أمرا مسلما به مرة أخرى. إذا رأيت ~~زرافة مرة واحدة في السنة فستظل فرجة؛ أما إذا رأيتها يوميا فستصبح جزءا من المشهد. ~~ونحن ننوي أن نكون جزءا من المشهد في ميلفورد.» ~~«حسنا، أنتما تخططان لأن تصبحا جزءا من المشهد. لكن افعلا شيئا واحدا من أجلي ~~الآن.» كانت ستائر نوافذ الطابق الأول تزاح جانبا والوجوه تظهر. فأضاف: «تنازلا عن خطة ~~آن بولين - تنازلا عنها اليوم على الأقل - وتناولا قهوتكما معي في فندق روز آند ~~كراون.» ~~«سيد بلير، إن تناول القهوة معك في فندق روز آند كراون هو أمر باعث على البهجة، لكنه ~~لن يفعل شيئا ليريح الضيق النفسي الذي أشعر به، والذي، كما يقال، «يقتلني».» ~~«آنسة شارب، أترجاك. لقد قلت إنك تشعرين أن تصرفاتك ربما صارت حمقاء، و... حسنا، ~~كالتزام شخصي بصفتي وكيلا لك، أناشدك ألا تستمري في تنفيذ خطة آن بولين.» # علقت السيدة شارب: «هذا ابتزاز.» # قالت ماريون، مبتسمة إليه ابتسامة خافتة: «هذا مفحم، على أي حال.» فتنهدت قائلة: ~~«يبدو أننا سنتناول القهوة في فندق روز آند كراون.» ثم أضافت: «في الوقت الذي كنت متحمسة ~~فيه للغاية لهذه اللفتة!» # جاء صوت من الأعلى: «يا للجرأة!» كانت عبارة كارلي تتردد مرة أخرى لكنها لم تحمل ~~أي إعجاب مثل كارلي، كانت مثقلة بالغضب. # قال روبرت: «لا يمكنك ترك السيارة هنا. بعيدا عن قوانين المرور فإن له دلالة ~~سلبية.» # قالت ماريون: «أوه، لم نقصد ذلك.» ثم تابعت قائلة: «كنا سنأخذها إلى المرأب حتى ~~يتسنى لستانلي أن يصلح شيئا بداخلها بأداة ما لديه هناك. إنه يستهين بسيارتنا ~~استهانة مبالغا فيها، أقصد ستانلي.» ~~«أعتقد ذلك. حسنا، سآتي معكما؛ من الأفضل أن تسرعي قبل أن يلقى القبض علينا لإثارة ~~انتباه الحشود.» # قالت ماريون، وهي تدير مفتاح التشغيل: «مسكين يا سيد بلير.» ثم أردفت قائلة: «لا بد أنه ~~لأمر بشع ألا تعود جزءا من المشهد أكثر من ذلك، بعد كل تلك السنوات من الاندماج ~~الباعث على الراحة.» # قالت ما قالته من دون ms150 نية خبيثة - لمس في صوتها بالفعل تعاطف حقيقي - لكن الجملة ~~التصقت في عقله وخلقت حيزا صغيرا من الألم بينما كانوا يتجهون إلى مرأب سين لين، ~~ويتفادون خمس أحصنة ومهرا، كانت تخرج متعاقبة على نحو مزعج من إسطبل الخيول، ثم ~~يتوقفون في عتمة المرأب. # خرج بيل لمقابلتهم، وهو يمسح يديه بخرقة مزيتة. وقال: «صباح الخير، يا سيدة شارب. ~~تسرني رؤيتك في الخارج. صباح الخير، يا آنسة شارب. معالجتك لجبهة ستانلي كانت عملا ~~متقنا. اندملت الحدود بالقدر نفسه من الإتقان كما لو كانت قد خيطت. من المفترض أن ~~تصبحي ممرضة.» ~~«لست أنا. لا أطيق صبرا على جزع الناس. لكن ربما أود أن أصبح جراحة. فهم ليسوا ~~واعين كي يجزعوا عند وضعهم على منضدة العمليات.» # ظهر ستانلي من الخلف، متجاهلا السيدتين اللتين أصبحتا الآن بمنزلة الأصدقاء المقربين، ~~ثم تسلم السيارة. سأل: «متى تريدين استلام هذه السيارة الخربة؟» # سألت ماريون: «أساعة تكفي؟» ~~«ولا حتى عام يكفي، لكني سأنجز كل ما يمكن إنجازه في ساعة.» ثم انتقلت عيناه إلى ~~روبرت. وسأله: «هل لديك أي معلومة من أجل سباق جينيس؟» ~~«لدي معلومة جيدة لصالح الحصان بالي بوجي.» # قالت السيدة شارب: «كلام فارغ. لم يجد نفعا أي من تلك السلالة عندما وصل الأمر ~~إلى سباق عنيف. دعك منه فحسب.» # وقف الرجال الثلاثة يحدقون فيها، في ذهول. # قال روبرت، غير مصدق: «هل أنت مهتمة بسباقات الخيول؟» ~~«لا، بالخيول بصفة عامة. ربى أخي أحصنة أصيلة.» ما إن رأت وجوههم حتى قهقهت بضحكة ~~جافة، مثل نقيق دجاجة. وقالت: «هل تظن أني آخذ قسطا من الراحة كل عصر مع إنجيلي يا سيد ~~بلير؟ أو ربما مع كتاب عن السحر الأسود . لا، بالتأكيد؛ أطالع صفحة السباق في الصحيفة ~~اليومية. ويجب أن أنصح ستانلي بتوفير ماله وعدم المراهنة على بالي بوجي؛ كما أن اسم هذا ~~الحصان مقزز.» # سأل ستانلي، باقتضابه المعتاد: «وما البديل؟» ~~«يقولون إن إحساس الخيول هو الغريزة التي تمنع الخيول من المراهنة على البشر. لكن إن كان ~~لا بد أن تفعل ms151 شيئا سخيفا مثل المراهنة، فمن الأفضل لك أن تستثمر مالك في ~~كومينسكي.» # قال ستانلي: «كومينسكي! لكن المراهنة عليه بستين ضعف مبلغ المراهنة!» # قالت بنبرة جافة: «يمكنك بكل تأكيد أن تخسر مالك بدفع مقابل أقل إن شئت.» وأضافت: «هل ~~لنا أن نذهب، يا سيد بلير؟» # قال ستانلي: «حسنا، فليكن كومينسكي؛ وسيكون لك عشر نصيبي.» # ساروا عائدين إلى فندق روز آند كراون؛ عند خروجهم من أجواء الخصوصية النسبية التي يتمتع ~~بها سين لين إلى الشارع المفتوح كان روبرت قد انتابه إحساس واضح اعتاد الشعور به وهو أنه ~~خرج في غارة جوية مقبضة. بدا أن كل الانتباه والغل في الليلة المضطربة انصب على ~~شخصه المفزوع. لهذا في تلك اللحظة في ضوء الشمس الساطع لأوائل فصل الصيف، عبر الشارع وهو ~~يشعر بأنه يسير عاريا ومعرضا للخطر. كان خجلا أن يرى كيف أن ماريون مسترخية وغير ~~مبالية وهي تسير إلى جانبه، وأمل ألا يكون إحساسه بخجله واضحا. تكلم بأسلوب طبيعي ~~بقدر المستطاع، لكنه تذكر كيف كان عقلها يقرأ بسهولة ما يدور في ذهنه، وشعر أنه لا يبلي ~~بلاء حسنا في ذلك. # كان النادل الوحيد يلتقط الشلن الذي تركه بن كارلي على المائدة، لكن بخلافه كانت الردهة ~~شاغرة. وبينما يجلسون حول وعاء زهر المنثور الموضوع على المنضدة التي من البلوط الأسود ~~قالت ماريون: «هل علمت أن نوافذنا ركبت مرة أخرى؟» ~~«أجل؛ زارني رجل الشرطة نيوسام في طريق عودته إلى المنزل الليلة الماضية ليخبرني. كان ~~ذلك عملا متقنا.» # سألت السيدة شارب: «هل دفعت لهم رشوة؟» ~~«لا. ليس سوى أن ذكرت أن هذا من فعل المخربين. لو كانت نوافذك المحطمة هي نتيجة ~~انفجار لكان عليك بلا شك التعايش مع الأمر. يصنف الانفجار على أنه سوء حظ؛ ولهذا ~~فهو أمر يمكن احتماله. لكن التخريب هو أحد الأمور التي «لا بد حتما أن يفعل شيء ~~حيالها». ومن هنا جاءت نوافذك الجديدة. أتمنى لو أن كل شيء على قدر سهولة استبدال ~~النوافذ.» # لم يكن مدركا بأنه قد طرأ على صوته أي ms152 تغيير، لكن ماريون تفحصت وجهه وسألت: «أهناك ~~أي تطورات جديدة؟» ~~«أخشى أنه هناك. كنت سآتي عصر اليوم لأخبركما بالأمر. يبدو أنه في الوقت الذي توقفت ~~صحيفة «أك-إيما» عن الحديث عن القضية - لم تنشر اليوم إلا رسالة واحدة وذلك أمر هين - ~~تحديدا عندما ازداد سأمها من قضية بيتي كين، ما لبثت مجلة «ذا ووتشمان» أن بدأت في ~~تناولها.» # قالت ماريون: «ممتاز!» ثم تابعت قائلة: «إنها صورة مبهجة أن تخطف «ذا ووتشمان» المشعل ~~من أيادي «أك-إيما» المتراخية.» ~~«تتدنى إلى قاع «أك-إيما»» كما كان بن كارلي قد وصفها؛ لكن المعنى واحد. # سألت السيدة شارب: «هل لك أعين في مكتب تلك المجلة، يا سيد بلير؟» ~~«لا، لكن نيفيل هو من بلغه الخبر. سينشرون رسالة من حميه المستقبلي، أسقف ~~لاربورو.» # قالت السيدة شارب: «هاه! توبي بيرن.» # سأل روبرت، وهو يظن أن قوة صوتها ربما ستكشط الطلاء من الخشب إذا انهال عليه: «هل ~~تعرفينه؟» ~~«كان يذهب إلى المدرسة مع ابن أخي. ابن أخي الطبيب البيطري. توبي بيرن، هو بعينه. طبعه ~~لا يتغير.» ~~«أستشف من كلامك أنه لا يروق لك.» ~~«لم أتعرف عليه أبدا. جاء مع ابن أخي إلى المنزل ذات مرة في الإجازة، لكنه لم يدع ~~إلى تكرار الزيارة أبدا.» ~~«حقا؟» ~~«اكتشف لأول مرة أن عمال الإسطبل يستيقظون مع طلوع الفجر، فأفزعه ذلك. قال إنه ~~استعباد، ثم التف حول العمال يحثهم على المطالبة بحقوقهم. فإذا اتحدوا، وفق قوله، فلن ~~يخرج حصان من الإسطبل قبل التاسعة صباحا. فاعتاد العمال أن يقلدوه في سخرية سنوات ~~بعد ذلك، لكنه لم يدع إلى تكرار الزيارة.» # وافقها روبرت الرأي: «أجل، طبعه لا يتغير.» وأضاف: «ظل يتبع الأسلوب نفسه منذ ذلك ~~الحين، في كل شيء؛ بدءا من الزنوج وحتى مآوي اللقطاء. القضايا التي لا يفقه عنها شيئا هي ~~أكثر القضايا التي يناصرها. كان رأي نيفيل أنه من غير الممكن فعل شيء بشأن الرسالة ~~المقترحة؛ إذ إن الأسقف قد كتبها بالفعل، وما كتبه الأسقف لا ينظر إليه على أنه كلام فارغ ~~غير مأخوذ ms153 به. لكن لم يكن ممكنا أن أقف مكتوف اليدين ولا أفعل شيئا؛ لهذا اتصلت به ~~بعد العشاء وأوعزت إليه بأسلوب لبق قدر المستطاع أنه يتبنى قضية تحوم الشكوك حولها ~~بشدة، وأنه في الوقت نفسه يضر بسيدتين من المحتمل أنهما بريئتان. ليتني وفرت على ~~نفسي الكلام. فقد أشار إلى أن مجلة «ذا ووتشمان» خلقت من أجل حرية التعبير عن الرأي، ~~واستشف أني كنت أحاول كبت مثل هذه الحرية. انتهى بي المطاف إلى سؤاله إذا كان يؤيد ~~الإعدام من دون محاكمة؛ لأنه كان يبذل أقصى ما في وسعه حتى يأتي بهذا الحكم. كان ذلك بعد ~~أن تبين لي أن النقاش ميئوس منه وبعد أن كنت قد توقفت عن الحديث بلباقة.» تناول فنجان ~~القهوة الذي كانت السيدة شارب قد صبته له. وتابع: «لقد شهد تدنيا مؤسفا بعد من سبقه ~~في منصبه بالكاتدرائية، الذي كان مصدر رعب لكل من تسول له نفسه بالشر في خمس ~~مقاطعات، وكان عالما فقيها إلى جانب ذلك.» # تساءلت السيدة شارب: «كيف وصل توبي بيرن إلى هذا المنصب؟» ~~«أفترض أن متجر كوان كرانبيري صوص له دور لا يستهان به في هذا التحول.» ~~«آه، أجل. زوجته. نسيت. أتريد إضافة السكر يا سيد بلير؟» ~~«بالمناسبة، هاتان نسختان من مفتاح بوابة فرنتشايز. أعتقد أن بإمكاني الاحتفاظ بنسخة ~~منهما. أما النسخة الأخرى فأظن أن من الأفضل لكما أن تعطياها للشرطة، حتى يتفقدوا ~~المكان متى شاءوا. علي أيضا أن أخبركما أنه صار يعمل لحسابكما محقق خاص.» ثم أخبرهما ~~عن أليك رامسدن، الذي حضر عند عتبة باب مكتبه في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا. # سألت ماريون: «ألا توجد أخبار عن تعرف أحد على صاحبة الصورة المنشورة على غلاف ~~«أك-إيما» ومراسلته لسكوتلاند يارد؟» ثم أضافت قائلة: «كنت قد علقت آمالي على ~~ذلك.» ~~«لم يحدث ذلك حتى الآن. لكن لا يزال الأمل باقيا.» ~~«مرت خمسة أيام على نشر صحيفة «أك-إيما» لها. إن كان أي أحد سيتعرف عليها لكان ~~تعرف عليها الآن.» ~~«ضعي بقايا الجرائد في الحسبان. هكذا تسير ms154 الأمور تقريبا. شخص ما يفتح لفافة من رقائق ~~البطاطس ويقول: «عجبا، أين رأيت ذلك الوجه؟» أو أن أحدا يستخدم حزمة جرائد لتبطين أدراج ~~في أحد الفنادق. أو شيء من هذا القبيل. لا تفقدي الأمل يا آنسة شارب. بعون الله وبمساعدة ~~أليك رامسدن، سننتصر في النهاية.» # نظرت إليه في جدية. وقالت وكأنها تشهد ظاهرة فريدة: «أنت تؤمن بذلك حقا، أليس ~~كذلك؟» # قال: «أومن بذلك حقا.» ~~«تؤمن بأن الخير ينتصر في النهاية.» ~~«أجل.» ~~«لم؟» ~~«لا أعرف. أظن أن الاحتمال الآخر هو ضرب من المحال. فلا شيء مرض ومقبول أكثر من ~~ذلك.» # قالت السيدة شارب: «من المفترض أن أكون أشد إيمانا بإله لم يهب توبي بيرن منصب ~~الأسقفية. بالمناسبة، متى ستنشر رسالة توبي بيرن؟» ~~«صباح يوم الجمعة.» # قالت السيدة شارب: «لا أطيق انتظاره.» # | الفصل الخامس عشر # بحلول عصر يوم الجمعة تراجعت ثقة روبرت في انتصار الخير في النهاية. # لم تكن رسالة الأسقف هي التي هزت ثقته. في الواقع إن أحداث يوم الجمعة كانت لها أياد ~~كثيرة في سحب البساط من تحت قدمي الأسقف، ولو قيل لروبرت صباح يوم الأربعاء إنه سيندم ~~أشد الندم على أي شيء تسبب في جرح كبرياء الأسقف لما كان سيصدق ذلك. # فقد جرت رسالة سيادته طبقا للتوقعات. حيث قال إن مجلة «ذا ووتشمان» كانت تعارض ~~العنف بقوة وهي، بكل تأكيد، لن تحيد عن ذلك الآن، لكن في بعض الحالات يتضح أن العنف ليس ~~إلا عرضا على حالة اجتماعية عميقة من الاضطراب، والاستياء، وغياب الأمان. كما هو ~~الحال في قضية نالاباد الأخيرة، على سبيل المثال. (في قضية نالاباد عششت حالة ~~«الاضطراب، والاستياء، وغياب الأمان » تماما في صدور لصين لم يتمكنا من العثور على ~~سوار من حجر الأوبال الذي جاءا لسرقته، وعلى سبيل الانتقام قتلا السبعة النائمين المقيمين ~~في المنزل وهم في فراشهم.) تحين أوقات بلا شك تشعر فيها الطبقة الكادحة في داخلها ~~باليأس من تصحيح خطأ بين، ومما لم يكن مثيرا للعجب أن بعض الأرواح التي تتقد ~~حماسة سيقت إلى ms155 التعبير عن احتجاج شخصي. (ظن روبرت أن بيل وستانلي سيستعصي عليهما النظر ~~إلى رعاع يوم الإثنين ليلا بوصفهم «الأرواح المتقدة بالحماس»، واعتبر أن «الاحتجاج ~~الشخصي» هو تقليل من حجم تحطيم نوافذ الطابق الأرضي لمنزل فرنتشايز.) الأشخاص الذين يجب أن ~~يلاموا على الاضطراب - (أولعت مجلة «ذا ووتشمان» باستخدام ألفاظ تلطيفية: الاضطراب، ~~الأقل حظا، ذوي الهمم، ضحايا الحظ السيئ، بينما يتحدث بقية العالم عن العنف، ~~والفقراء، والمعاقين ذهنيا، والبغايا، وفكر في تلك اللحظة أن القاسم المشترك بين ~~صحيفة «أك-إيما» ومجلة «ذا ووتشمان»، كان الإيمان بأن جميع العاهرات لهن قلوب من ذهب لكن ~~سلكن مسلكا خاطئا) - لم يكونوا ربما أولئك المضللين الذين عبروا عن استيائهم ~~بوضوح جلي، بل السلطات التي قادها ضعفها، وغياب كفاءتها وضعف همتها إلى عدم تحقيق ~~العدالة في قضية قد أسقطت. إن جزءا من التراث الإنجليزي هو ألا يكتفي بإقامة العدالة ~~فحسب، بل يجب إقامتها على مرأى ومسمع من الجميع، ومكان ذلك كان في محكمة علنية ~~مفتوحة. # سأل روبرت نيفيل، الذي كان يقرأ الرسالة بجانبه: «ما الفائدة التي يظن هو أن أحدا ~~سيحققها من إضاعة وقت الشرطة في إقامة دعوى تعرف أن الخسارة مقدرة لها؟» # قال نيفيل: «ستجعلنا نحن قوى الخير.» ثم تابع قائلا: «يبدو أنه لم يكن قد فكر في ذلك. ~~إذا رفض القاضي النظر في القضية فلن يمكن تفادي الاقتراح المطروح بأن عزيزته المسكينة ~~المصابة بكدمات كانت تدلي بأكاذيب، أليس كذلك! هل تطرقت إلى الكدمات؟» ~~«لا.» # سيذكر الكدمات بالقرب من نهاية الرسالة. قال سيادته إن «الجسد الهزيل المليء بالكدمات» ~~لهذه الفتاة الصغيرة البريئة، هو إدانة صارخة لقانون فشل في حمايتها وفشل الآن في ~~الانتقام لها. إن إدارة هذه القضية بأكملها كانت تستلزم تدقيقا ثاقبا. # قال روبرت: «لا بد أن ذلك يجعل سكوتلاند يارد في غاية السعادة هذا الصباح.» # عدل له نيفيل: «عصر هذا اليوم.» ~~«لم عصر اليوم؟» ~~«لن يقرأ أحد في سكوتلاند يارد مطبوعة مضللة مثل «ذا ووتشمان». لن يروها حتى يرسلها ~~أحد إليهم عصر اليوم.» # لكنهم قد ms156 رأوها، عندما طبعت. كان جرانت قد قرأها في القطار. حيث اختارها من كشك الكتب ~~مع ثلاثة آخرين؛ ليس لأنها اختياره بل لأنها أحد الاختيارات بين تلك ومطبوعات ملونة تظهر ~~على أغلفتها الخارجية حسناوات بملابس السباحة. # غادر روبرت المكتب وأخذ نسخة من مجلة «ذا ووتشمان» إلى منزل فرنتشايز مع نسخة من ~~الإصدار الصباحي لصحيفة «أك-إيما»، التي لم يعد لديها أي اهتمام آخر بقضية فرنتشايز. ~~منذ الرسالة البسيطة الأخيرة في إصدار يوم الأربعاء فقد توقفت عن الإشارة إلى القضية. كان ~~يوما رائعا؛ العشب في فناء فرنتشايز كان اخضراره غير طبيعي، والواجهة البيضاء المتسخة ~~أضاءها نور الشمس ليضفي عليها قليلا من الجمال، ومن جدار الطوب الوردي يفيض الضياء ~~المنعكس على قاعة الاستقبال البالية ويمنحها دفئا مبهجا. حيث جلسوا هناك، ثلاثتهم، في ~~سعادة غامرة. كانت صحيفة «أك-إيما» قد فرغت من فضحهما على الملأ، ورسالة الأسقف لم تكن ~~في نهاية المطاف سيئة بالدرجة المتوقعة، وأليك رامسدن كان منشغلا بالنيابة عنهم في ~~لاربورو ومن دون شك سيكشف عاجلا أم آجلا الستار عن حقائق فيها طوق نجاتهما، وقد حل ~~فصل الصيف هنا بلياليه القصيرة المبهجة، أما ستانلي فكان يثبت أنه «صديق مخلص»، والسيدتان ~~قد أجرتا بالأمس زيارة قصيرة ثانية إلى ميلفورد وفقا لتخطيطهما بأن تصبحا جزءا من ~~المشهد، ولم تتعرضا لشيء غير لائق غير نظرات التحديق والازدراء، وبعض التعليقات ~~المسموعة بوضوح. إجمالا، كان الانطباع من اللقاء أن كل ما حدث كان متوقعا له أن يكون ~~أسوأ من ذلك. # سألت السيدة شارب روبرت، وهي تضرب بطرف سبابتها الهزيلة صفحة المراسلات في مجلة «ذا ~~ووتشمان»: «إلى أي مدى ستؤثر هذه الرسالة على الموقف؟» ~~«ليس كثيرا في ظني. حتى بين صفوة «ذا ووتشمان» ينظر إلى الأسقف شزرا نوعا ما هذه ~~الأيام، حسبما أفهم. حيث انخفضت شعبيته بعد قضية ماهوني.» # سألت ماريون: «من هو ماهوني؟» ~~«أنسيت ماهوني؟ ذلك «الوطني» الأيرلندي الذي وضع قنبلة في سلة الدراجة لسيدة في أحد ~~الشوارع المزدحمة في بريطانيا، ففتكت بأربعة أشخاص، من بينهم السيدة التي حددت ms157 ~~هويتها فيما بعد من خاتم زواجها. اعتبر الأسقف أن ماهوني ليس إلا شخصا مضللا وليس ~~قاتلا، وأنه كان يناضل باسم أقلية مظلومة - الأيرلنديون، صدقي أو لا تصدقي - وأننا يجب ~~ألا نجعل منه شهيدا. كان ذلك أمرا فجا قليلا حتى على مجلة «ذا ووتشمان»، وعلمت أنه ~~منذ ذلك الحين لم تعد منزلة الأسقف كما كانت.» # قالت ماريون: «أليس صادما كيف ينسى المرء أن الأمر لا يعنيه في شيء؟» وأضافت: «هل ~~شنقوا ماهوني؟» ~~«أجل شنقوه، يسرني قول ذلك - وتلك كانت مفاجأة مزعجة له. كان الكثير من أسلافه قد ~~استفادوا من المناشدة بأننا يجب ألا نجعل من شخص شهيدا، فلم تعد العقول تدرك أن جريمة ~~القتل تلك هي عمل خطير. وسرعان ما صارت عملا آمنا، مثلها مثل التعامل مع المصرف.» # قالت السيدة شارب: «بمناسبة الحديث عن التعامل مع المصرف، أظن أنه من الأفضل توضيح ~~وضعنا المالي لك؛ ولهذا فعليك التواصل مع المحامين السابقين للسيد كرول في لندن، الذين ~~يديرون شئوننا. سأكتب إليهم لأوضح أنه يجب منحك كل التفاصيل، حتى تعلم المبلغ الذي ~~يمكننا الاتفاق والاستمرار عليه، ونجري الترتيبات المناسبة للإنفاق منه على الدفاع عن ~~سمعتنا. لم تكن تلك تحديدا الطريقة التي خططنا للإنفاق بها.» # قالت ماريون: «لنكن ممتنين أن لدينا ما ننفق منه.» ثم تابعت قائلة: «ماذا يفعل شخص ~~مفلس في قضية كهذه؟» # لم يكن روبرت يعرف بصراحة شديدة. # أخذ عنوان محامي كرول ثم عاد إلى المنزل لتناول الغداء مع العمة لين، وفي داخله يشعر ~~بسعادة أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى منذ المرة الأولى التي لمح فيها الصفحة الأولى ~~من صحيفة «أك-إيما» على مكتب بيل الجمعة الماضية. أحس بشعور شخص في عاصفة رعدية عنيفة ~~وضجيج العاصفة لم يعد يعلو رأسه مباشرة؛ سيستمر الوضع، ومن المرجح أنه سيظل سيئا، ~~لكن بإمكان الإنسان أن يرى مستقبلا من خلاله، في حين أنه منذ لحظة واحدة مضت لم يكن هناك ~~سوى «حاضر» مخيف. # حتى العمة لين بدت أنها قد نسيت أمر فرنتشايز قليلا، وكانت ms158 في أفضل الحالات المثيرة ~~والمحببة لها - إذ كانت منشغلة تماما بهدايا عيد الميلاد التي كانت تشتريها لتوءمي ~~ليتيس في مقاطعة ساسكاتشوان. كانت قد قدمت له غداءه المفضل - لحما باردا، وبطاطس ~~مسلوقة، وحلوى البراون بيتي مع طبقة سميكة من الكريمة - وبمرور لحظة بعد لحظة كان يستشعر ~~أن الأمر يزداد صعوبة عليه من حيث إدراك أن ما مر به كان صباح يوم الجمعة الذي رهبه؛ ~~لأنه كان سيرى بداية الحملة التي تشنها مجلة «ذا ووتشمان» ضدهما. وبدا له أن أسقف ~~لاربورو كان بالفعل ما اعتاد زوج ليتيس بأن يطلق عليه «مخيب للآمال». لم يكن بوسعه أن ~~يتصور في تلك اللحظة لم أضاع لحظة واحدة في التفكير فيه. # كان في تلك الحالة المزاجية عندما عاد إلى المكتب. وعندما أمسك بسماعة الهاتف ليجيب على ~~اتصال هالم. # قال هالم: «سيد بلير؟» ثم تابع قائلا: «أنا في فندق روز آند كراون. أخشى أني أحمل لك ~~أخبارا سيئة. إن المحقق جرانت هنا.» ~~«في فندق روز آند كراون.» ~~«أجل. ومعه مذكرة.» # توقف عقل روبرت عن التفكير. ثم سأل بغباء: «مذكرة تفتيش؟» ~~«لا؛ مذكرة توقيف.» ~~«مستحيل!» ~~«أخشى أن الأمر هكذا.» ~~«لكن لا يمكنه أن يحصل عليها!» ~~«أتوقع أن الخبر صادم قليلا لك. أعترف بأني شخصيا لم أكن أتوقعه.» ~~«أتقصد أنه تمكن من الوصول إلى شاهد - شاهد إثبات؟» ~~«لديه شاهدان. لقد حسمت القضية وانتهت.» ~~«لا أصدق ذلك.» ~~«هل ستأتي، أم نأتي إليك؟ أتوقع أنك ستود أن تأتي معنا.» ~~«إلى أين؟ أوه، أجل. أجل، بالطبع. سآتي إلى فندق روز آند كراون الآن. أين أنتما؟ في ~~الردهة؟» ~~«لا، في غرفة جرانت. الغرفة رقم خمسة. الغرفة ذات النافذة المفصلية المطلة على الشارع - ~~فوق الحانة.» ~~«حسنا. سآتي في الحال. انتبه إلي!» ~~«نعم؟» ~~«أهي مذكرة لكلتيهما؟» ~~«نعم. للاثنتين.» ~~«حسنا. شكرا لك. سآتي إليك في لحظة.» # جلس وهلة يستعيد أنفاسه، ويحاول أن يحدد أي وجهة يستقبلها. كان نيفيل في الخارج ~~لقضاء مهمة، لكن نيفيل لم يكن أهلا لتقديم دعم معنوي في أي وقت. ومن ثم نهض، ms159 وأخذ قبعته، ~~ثم اتجه إلى باب «المكتب». # قال، بأسلوب مهذب كان يستخدمه دائما في حضور الموظفين الأصغر سنا: «سيد هيزيلتاين، ~~من فضلك.» ثم تبعه الرجل العجوز إلى الردهة ثم إلى المدخل الذي أناره ضوء الشمس. # قال روبرت: «تيمي.» ثم تابع قائلا: «نحن في ورطة. المحقق جرانت من مقر إدارة الشرطة ~~المركزية حضر هنا ومعه مذكرة توقيف بحق سيدتي فرنتشايز.» حتى وهو يقول ما قاله استعصى ~~عليه أن يصدق أن الخبر كان أمرا واقعا يحدث بالفعل. # وكذلك لم يصدق السيد هيزيلتاين، فبدا ذلك واضحا. حيث حدق، دون التفوه بكلمة؛ ~~وعيناه الواهنتان الشاحبتان في صدمة. ~~«الأمر صادم قليلا، أليس كذلك، يا تيمي؟» لم يكن عليه أن يأمل في الحصول على دعم من ~~الموظف العجوز الواهن. # رغم حالة الصدمة التي كان عليها السيد هيزيلتاين، ووهنه، وكبر سنه، فإنه رجل قانون؛ ~~لذا بإمكانه تقديم الدعم. بعد عمر طويل بين القوانين استجاب عقله بعفوية إلى تفاصيل الموقف ~~الدقيقة. # فقال: «مذكرة.» ثم تابع قائلا: «لم «مذكرة»؟» # أجاب روبرت إجابة بسيطة بصبر نافد: «لأنه ليس لهم القبض على أحد من دونها.» أكان ~~السيد هيزيلتاين يتجاوز حدود عمله؟ ~~«لا أقصد ذلك. أقصد، أنهما متهمتان بارتكاب جنحة، وليس جناية. كان بوسعهم بكل تأكيد أن ~~يجعلوه استدعاء، أليس كذلك يا سيد روبرت؟ فلا حاجة لهم إلى القبض عليهما، بكل تأكيد، أليس ~~كذلك؟ ليس من أجل جنحة.» # لم يكن روبرت قد فكر في ذلك. فقال: «استدعاء للمثول.» ثم تابع قائلا: «صحيح، لم لا؟ ~~بالطبع لا شيء يمنعهم من القبض عليهما إن شاءوا ذلك.» ~~«لكن لم من المفترض أنهم يريدون ذلك؟ إن سيدات مثل السيدتين شارب لن يفرا هاربتين. ~~ولن تتسببا في أي ضرر آخر وقت انتظارهما للاستدعاء. من أصدر هذه المذكرة، هل ~~قالوا؟» ~~«لا، لم يقولوا. شكرا جزيلا، يا تيمي؛ كان تأثيرك رائعا كتأثير نبيذ قوي. لا بد أن ~~أذهب سريعا إلى فندق روز آند كراون الآن - فالمحقق جرانت هناك مع هالم - وعلي أن أواجه ~~العواقب. لا سبيل لإخبار سيدتي فرنتشايز ms160 لأن الهاتف معطل لديهما. ليس علي سوى ~~الذهاب إلى هناك لمقابلة جرانت وهالم. فقط هذا الصباح كنا قد بدأنا نرى النور، هكذا ~~ظننا. بإمكانك إخبار نيفيل عندما يأتي، أليس كذلك؟ وامنعه من فعل أي شيء أحمق أو ~~متهور.» ~~«أنت تعلم جيدا يا سيد روبرت أني لم أقدر في حياتي أن أمنع السيد نيفيل من فعل أي ~~شيء أراد فعله. رغم أنه بدا لي رزينا في الأسبوع الماضي على نحو مفاجئ. أقصد في استخدامه ~~للأسلوب المجازي.» # قال روبرت، وهو يخرج مسرعا إلى الشارع المضيء: «أتمنى أن يستمر على ذلك إلى ~~الأبد.» # ساد الهدوء التام مدة ما بعد الظهر في فندق روز آند كراون، حيث مر روبرت من البهو ثم ~~صعد سلالم عريضة ضحلة دون أن يلتقي بأحد، ثم طرق باب رقم خمسة. وجرانت، هادئا ~~ومهذبا كعادته، سمح له بالدخول. وهالم، الذي يبدو حزينا نوعا ما، كان يتكئ على ~~التسريحة أمام النافذة. # قال جرانت: «أتفهم أنك لم تتوقع هذا، سيد بلير.» ~~«لا، لم أتوقع ذلك. صراحة، إن الخبر صدمة كبيرة لي.» # قال جرانت: «تفضل بالجلوس.» ثم أضاف قائلا: «لا أريد استعجالك.» ~~«يقول المحقق هالم إن لديك أدلة جديدة.» ~~«أجل؛ لدينا ما نعتقد أنها أدلة حاسمة.» ~~«هل لي أن أعرف ما هي؟» ~~«بالطبع. لدينا رجل رأى بيتي كين بينما تأخذها السيارة عند موقف الحافلات ...» # قال روبرت: «تقصد سيارة.» ~~«نعم، سيارة، إذا شئت - لكن أوصافها تنطبق على سيارة السيدتين شارب.» ~~«وتنطبق كذلك على عشرات آلاف السيارات في بريطانيا. وماذا بعد؟» ~~«الفتاة من المزرعة، التي كانت تذهب مرة أسبوعيا للمساعدة في تنظيف منزل فرنتشايز، ~~ستقسم أنها سمعت أصوات صراخ آتية من العلية.» ~~«هل قلت كانت تذهب مرة أسبوعيا؟ ألم تعد تذهب إلى هناك؟» ~~«لم تعد منذ أن انتشر القيل والقال عن قضية كين.» ~~«فهمت.» ~~«الأدلة ليست ذات قيمة في حد ذاتها، لكنها قيمة للغاية بوصفها دليل إثبات لقصة ~~الفتاة. على سبيل المثال فاتتها بالفعل حافلة لاربورو-لندن. يقول الشاهد لدينا إن الحافلة ~~تجاوزته بمسافة نصف ميل ms161 على الطريق. وعندما وصل إلى موقف الحافلات رأى بعدها بدقائق ~~معدودة الفتاة تنتظر هناك. إن الشارع طويل مستقيم، طريق لندن الرئيسي من مينشيل ...» ~~«أعرف. أعرفه.» ~~«أجل؛ حسنا، عندما كان لا يزال على مسافة قريبة من الفتاة رأى سيارة تتوقف جانبها، ~~ورأى الفتاة تستقلها، ثم رأى السيارة تسير بها.» ~~«لكنه لم ير من قاد بها السيارة، أليس كذلك؟» ~~«نعم. كان على مسافة بعيدة حتى يرى ذلك.» ~~«وهذه الفتاة من المزرعة - هل تطوعت بتقديم المعلومات عن الصراخ؟» ~~«ليس إلينا. تحدثت عنه إلى صديقاتها، فتصرفنا نحن بناء على المعلومات، ووجدنا أنها ~~على استعداد تام لتعيد القصة بعد القسم بقول الحق.» ~~«هل تحدثت عنه قبل انتشار الأقاويل عن اختطاف بيتي كين؟» ~~«أجل.» # كان ذلك غير متوقع، مما أثار دهشة روبرت. إذا كان ذلك صحيحا بحق - أن الفتاة قد ~~أشارت إلى سماع صراخ قبل الحديث عن أي تورط للسيدتين شارب - فالأدلة ستكون دامغة. نهض ~~روبرت وسار إلى النافذة في قلق جيئة وذهابا. ساورته مشاعر حقد من بن كارلي. فلن ~~يكره بن هذا بقدر ما كرهه هو، وهو يشعر بالعجز وتقطع السبل به. بن سيكون منسجما في ~~عمله؛ سيجد عقله لذة في المشكلة وفي مسعاه أن يتفوق بحيله على السلطة. كان روبرت ~~يدرك قليلا أن احترامه الراسخ تجاه السلطة هو عقبة في طريقه أكثر من كونه مكسبا له؛ ~~فكان في حاجة إلى شيء من اليقين المتأصل في بن بأن السلطة خلقت للتحايل ~~عليها. # قال أخيرا: «حسنا، أشكرك على التحدث إلي بصراحة.» ثم أضاف قائلا: «والآن إذن، أنا ~~لا أقلل من شأن الجريمة التي تتهمون بها هاتين السيدتين، لكن إنها تحديدا جنحة ~~وليست جناية، فلم مذكرة توقيف إذن؟ بالطبع كان الاستدعاء سيفي بالغرض على أكمل ~~وجه؟» # قال جرانت بسلاسة: «الاستدعاء سيكون بلا شك صحيحا من الناحية القانونية.» ثم تابع ~~قائلا: «لكن في الحالات التي تكون فيها الجريمة مشددة - ومع استياء رؤسائي من القضية ~~الحالية - حينها تصدر مذكرة توقيف.» # لم يمنع روبرت نفسه من التعجب من مدى تأثير ms162 هذا الاهتمام المزعج لصحيفة «أك-إيما» على ~~القرارات المتأنية لشرطة سكوتلاند يارد. لمح نظرة جرانت وعلم أن جرانت كان قد قرأ ~~أفكاره. # قال جرانت: «الفتاة كانت متغيبة شهرا بأكمله - إلا يوما أو يومين، وقد ضربت في ~~أماكن متفرقة، ضربا متعمدا. فهي قضية لا بد أن نوليها اهتماما.» # سأل روبرت، متذكرا وجهة نظر السيد هيزيلتاين: «لكن ماذا ستجني من القبض عليهما؟» ثم ~~تابع قائلا: «لا يوجد أدنى شك في أن السيدتين لن تتغيبا عن المثول للدفاع عن ~~نفسيهما بشأن هذه التهمة. ولا أدنى شك في أنهما لن ترتكبا جريمة مماثلة في تلك المدة. ~~متى أردت منهما المثول، بالمناسبة؟» ~~«أنوي عرضهما على محكمة الجنح والمخالفات يوم الإثنين.» ~~«أقترح إذن أن ترسل إليهن استدعاء للمثول.» # قال جرانت، بتبلد: «لقد استقر رؤسائي على إصدار مذكرة توقيف بحقهما.» ~~«لكن كان بإمكانك أن تركن إلى تقييمك للأمور. فرؤساؤك لا علم لهم بالأوضاع الداخلية، ~~على سبيل المثال. لو ترك منزل فرنتشايز دون أحد يسكنه فسيصير حطاما في غضون أسبوع. هل ~~فكر رؤساؤك في ذلك؟ وإذا ألقيت القبض على هاتين السيدتين، فليس بإمكانك سوى حبسهما حتى ~~يوم الإثنين، في الوقت الذي سأطلب فيه دفع كفالة. يبدو مثيرا للشفقة المجازفة بتعريض منزل ~~فرنتشايز لأعمال شغب لمجرد إشارة بإلقاء القبض. وأعرف أن المحقق هالم لديه عجز في توفير ~~رجال لحمايته.» # إن هذا الشد والجذب منح كليهما مهلة قصيرة. كان مذهلا كيف ترسخ في النفس الإنجليزية ~~هذا الاحترام تجاه الممتلكات؛ فأول تغيير قد طرأ على وجه جرانت كان عند ذكر إمكانية ~~تحطم منزل فرنتشايز. فتكونت لدى روبرت على نحو غير متوقع فكرة جيدة عن الرعاع ~~الذين فعلوا فعلتهم السابقة، وبهذا رجحت كفته في الجدال بذكر المثال. أما بالنسبة إلى ~~هالم، بعيدا عن القوة المحدودة المتوفرة لديه فلم يكن يرجح أن يقف مشاهدا أمام ~~احتمال جديد لإثارة شغب في منطقته واقتفاء أثر مجرمين جدد. # خلال ذلك الصمت الطويل قال هالم في تردد: «هناك منطق وجيه فيما يقوله السيد بلير. إن ~~الشعور بالغضب في ms163 الريف محتدم، وأشك أنهم سيتركون المنزل على حاله إن صار خاويا. لا ~~سيما إذا انتشر خبر إلقاء القبض عليهما.» # رغم ذلك، استغرق إقناع جرانت قرابة نصف الساعة. لسبب ما كان هناك شيء شخصي متدخل في ~~القضية بالنسبة إلى جرانت، ولم يكن بوسع روبرت أن يتخيل ماذا عساه أن يكون، أو لم من ~~المفترض أن يكون. # قال المحقق بعد مدة طويلة: «حسنا، لستما في حاجة إلي لأصدر استدعاء.» تخيل ~~روبرت، في بهجة وارتياح شديدين، أن الموقف كان أشبه باستخفاف جراح يطلب منه فتح ~~دمل. «سأترك ذلك إلى هالم وسأعود إلى المدينة. لكنني سأحضر إلى المحكمة يوم الإثنين. ~~أعتقد أن موعد جلسات محكمة المقاطعة الرئيسية قريب؛ لهذا كي نتفادى الحبس الاحتياطي يمكن ~~أن نتوجه مباشرة إلى تلك المحكمة. هل بإمكانك أن تعد دفاعك بحلول يوم الإثنين، هل ~~تظن ذلك؟» # قال روبرت باستياء: «أيها المحقق، بكل وسائل الدفاع التي تمتلكها موكلتاي يمكن أن ~~أصبح جاهزا بحلول موعد تناول الشاي.» # ما أثار دهشته، أن جرانت استدار إليه بابتسامة عريضة أكثر من المعتاد عليه معه، وكانت ~~ابتسامة في غاية اللطف. فقال: «سيد بلير، لقد جعلتني أعدل عن قرار إلقاء القبض عصر ~~اليوم، لكني لا آخذ ذلك ضدك. بل العكس، أظن أن موكلتيك محظوظتان بمحاميهما أكثر مما ~~تستحقانه. وسيكون دعائي أن تصبحا أقل حظا في استشارتهما القانونية! وإلا فربما أجد ~~نفسي مقتنعا بأن أشهد ببراءتهما.» # بهذا ذهب روبرت إلى منزل فرنتشايز من دون أن يكون جرانت وهالم معه، ومن دون أي مذكرة ~~توقيف إطلاقا. لقد ذهب في سيارة هالم المعهودة ومعهما الاستدعاء، وشعر بارتياح شديد عندما ~~فكر في المخرج الذي حصلا عليه، وأنهكه الخوف عندما فكر في المأزق الذي هما ~~فيه. # قال لهالم أثناء سيرهما: «بدا المحقق جرانت أن له مصلحة شخصية في تنفيذ تلك المذكرة.» ~~ثم تابع قائلا: «هل لأن صحيفة «أك-إيما» تؤرقه، أتظن ذلك؟» # قال هالم: «لا، قطعا.» وأضاف: «جرانت لا يبالي بمثل هذه الأمور مثله كمثل أي ~~إنسان.» ~~«ما السبب إذن؟» ~~«حسنا، إنها ms164 قناعتي الشخصية - تظل بيننا ولا أحد سوانا - بأنه استعصى عليه أن ~~يسامحهما على خداعهما له. أقصد السيدتين شارب. فهو معروف في سكوتلاند يارد برجاحة حكمه ~~على البشر، كما تفهم، وبيننا فقط مرة أخرى، فهو لا يعبأ بالفتاة كين أو بقصتها، وقد ~~تراجع إعجابه بهما عندما رأى سيدتي فرنتشايز، رغم كل الأدلة. والآن يرى أن الصوف ينقض ~~غزله أمام عينيه؛ لهذا لا بد أن يعير القضية اهتماما. وكان سيشعر بسعادة غامرة، ~~حسبما أتصور، لو أنه قدم لهما مذكرة التوقيف في قاعة استقبالهما.» # عندما توقفا عند بوابة فرنتشايز وأخرج روبرت ~~مفتاحه، قال هالم: «إذا فتحت كلا الجانبين فسأدخل سيارتي، حتى لو مكثنا وقتا قصيرا. ~~لا داعي للإعلان عن أننا هنا.» فخطر ببال روبرت، وهو يفتح البوابة الحديدية على ~~مصراعيها، أنه عندما تقول الممثلات الزائرات «رجال الشرطة التابعون لكم مذهلون» فهن ~~لم يعرفن حقيقة الأمر. ثم عاد إلى داخل السيارة وقاد هالم مسافة مستقيمة قصيرة، ثم التف ~~في المسار الدائري المؤدي إلى الباب. عندما خرج روبرت من السيارة اقتربت ماريون من زاوية ~~المنزل، وهي ترتدي قفازات الزراعة وتنورة قديمة للغاية. وعندما حرك الهواء شعرها من ~~الجبين تبدل حاله من كونه داكنا كثيفا كما كان، إلى لون أشقر فاتح. وكانت شمس أوائل ~~فصل الصيف قد أكسبتها سمرة كالغجرية أكثر من أي وقت مضى. والوقت لم يكن قد سمح لها ~~عند مجيء روبرت المفاجئ بإخفاء تعبير ملامحها، كما أن إشراق وجهها كله عندما رأته قد جعل ~~قلبه يتمايل. # قالت: «يا للمفاجأة اللطيفة! لا تزال أمي مستلقية لكنها ستنزل بعد قليل، وبإمكاننا أن ~~نشرب الشاي. فأنا ...» ثم تحولت نظرتها إلى هالم وبدأ صوتها في الاختفاء في حالة من ~~الريبة. «مساء الخير أيها المحقق.» ~~«مساء الخير آنسة شارب. أعتذر على قطع فترة استراحة والدتك، لكن ربما كان بإمكانك أن ~~تطلبي منها النزول. فالأمر مهم.» # توقفت برهة، ثم سارت بهما إلى الداخل. «أجل، بكل تأكيد. هل وقعت بعض ... بعض التطورات ~~الجديدة؟ تفضلا بالدخول والجلوس.» ثم قادتهما إلى قاعة ms165 الاستقبال التي أصبح يعرفها حق ~~المعرفة الآن - المرآة الجذابة، والمدفأة المريعة، والكرسي المشغول بالخرز، و«قطع ~~الأثاث» الجيدة، والسجادة الوردية البالية التي بهت لونها ليصير رماديا متسخا - ~~فوقفت هناك، وتفحصت وجهيهما، بينما تستشعر الخطر الجديد الذي يحوم في ~~الأجواء. # سألت روبرت: «ما الأمر؟» # لكن هالم قال: «أعتقد أن الأمر سيكون أيسر إذا أحضرت السيدة شارب وأخبركما به في الوقت ~~نفسه.» # وافقت، ثم استدارت لتنصرف وهي تقول: «أجل. أجل، بكل تأكيد.» لكن لم يكن هناك داع ~~لانصرافها. فالسيدة شارب دخلت الغرفة، في حالة تشبه كثيرا الحالة التي كانت عليها في ~~تلك المرة السابقة عندما كان هالم وروبرت قد حضرا في تلك الغرفة معا: الخصلات القصيرة من ~~شعرها الأبيض التي تقف أطرافها منتصبة في المكان الذي كانت الوسادة قد دفعتها لأعلى، ~~وعيناها اللامعتان الفضوليتان اللتان تشبهان عين النورس. # قالت: «صنفان من الناس لا ثالث لهما يصلان بسيارات لا تحدث صوتا. المليونيرات ~~والشرطة. ونظرا إلى أن لا معارف لنا من الصنف الأول - ولدينا معارف تتسع دائرتها من ~~الصنف الأخير - فاستنتجت أنه قد وصل بعض مما لدينا من المعارف.» ~~«أخشى أن وجودي سيكون غير مرحب به أكثر من المعتاد يا سيدة شارب. جئت لإخطاركما ~~باستدعاء لك وللآنسة شارب.» # قالت ماريون في حيرة: «استدعاء؟» ~~«استدعاء للمثول أمام محكمة الجنح والمخالفات صباح يوم الاثنين للرد على تهمة ~~الاختطاف والاعتداء الموجهة إليكما.» كان واضحا أن هالم لم يكن سعيدا. # قالت ماريون بنبرة بطيئة: «لا أصدق ذلك.» وتابعت: «لا أصدق ذلك. أتقصد أنكم ~~تتهموننا بهذه التهمة؟» ~~«أجل، يا آنسة شارب.» # استدارت إلى روبرت وقالت: «لكن كيف؟ ولم الآن؟» # قال روبرت: «تعتقد الشرطة أنها حازت على دليل الإثبات الذي كانت تحتاج إليه.» # سألت السيدة شارب، صادرا منها رد فعل لأول مرة: «ما الدليل؟» ~~«أظن أن أفضل ترتيب هو أن يسلمكما الاستدعاء المحقق هالم، ثم يمكننا أن نتناقش في ~~الموقف باستفاضة عندما ينصرف.» # قالت ماريون: «أتقصد أن علينا قبوله؟» وأضافت: «وأن أمثل أمام المحكمة ~~العامة - وأمي كذلك - حتى نرد على ... اتهامنا ms166 بمثل هذه ~~التهمة؟» ~~«أخشى أنه لا خيار بديلا أمامنا.» # بدت من ناحية خائفة من اقتضابه في الحديث، ومستاءة من الناحية الأخرى من خذلانه في ~~الدفاع عنهما. أما هالم، فعندما سلمها وثيقة الاستدعاء، بدا مدركا لهذا الشعور الأخير ~~ومستاء منه بدوره. ~~«أظن من الواجب إخباركما، في حال أنه لن يخبركما بذلك، أنه لولا السيد بلير هنا لم يكن ~~الأمر سيقتصر على مجرد استدعاء، وإنما كان سيصل إلى مذكرة بتوقيفكما، وكنتما ستنامان ~~الليلة في زنزانة بدلا من فراشكما. لا تنزعجي يا آنسة شارب، سأنصرف، لا داعي لأن ~~ترافقيني نحو الباب.» # أما روبرت، مشاهدا له وهو ينصرف ومتذكرا كيف كانت السيدة شارب قد أساءت معاملته في ~~أول مرة حضر فيها في تلك الغرفة، فقد فكر في أن هذا الإنجاز المحرز إنما كان ثمرة جهود ~~الجميع. # سألت السيدة شارب: «أذلك حقيقي؟» # قال روبرت: «حقيقي تماما.» ثم أخبرهما عن وصول جرانت للقبض عليهما. «لكني لست أنا من ~~وجب شكره على إفلاتكما من مذكرة التوقيف، وإنما هو السيد هيزيلتاين الموظف العجوز في ~~المكتب.» ووضح كيف استجاب عقل الموظف العجوز بعفوية إلى هذا التغيير ذي الطابع ~~القانوني. ~~«وما هذا الدليل الجديد الذي يظنون أنه لديهم؟» # أجاب روبرت بنبرة جادة: «إن لديهم دليلا بالفعل.» ثم أضاف قائلا: «وليس هناك مجرد ~~ظن.» فأخبرهما عن أن الفتاة أقلت بسيارة على طريق لندن في مينشيل. «هذا يؤيد فحسب ما ~~كنا نرتاب فيه طوال الوقت: أنه حينما غادرت تشيريل ستريت، ظاهريا في طريق عودتها إلى ~~المنزل، فإنها كانت على موعد. لكن الدليل الآخر أكثر خطورة بكثير. أخبرتني ذات مرة أن ~~لديك سيدة - فتاة - من المزرعة، كانت تأتي مرة في الأسبوع وتتولى مهام التنظيف من ~~أجلك.» ~~«روز جلين، صحيح.» ~~«أتصور أنها لم تعد تأتي منذ انتشار الإشاعات.» ~~«منذ انتشار الإشاعات ...؟ أتقصد قصة بيتي كين؟ أوه، لقد طردت قبل أن يعرف ~~بالأمر.» # قال روبرت سريعا: «طردت؟» ~~«أجل. لم فوجئت بهذه الدرجة؟ من واقع خبرتنا مع العمالة المنزلية فالطرد ليس حدثا ~~غير متوقع.» ~~«لا، لكن ms167 في هذه الحالة ربما كان ذلك يفسر أشياء كثيرة. ما السبب الذي طردتها من ~~أجله؟» # قالت السيدة شارب العجوز: «السرقة.» # زادت ماريون على ما قيل: «كانت تنشل دوما شلنا أو شلنين من أحد أكياس النقود حال تركه ~~هنا أو هناك، لكن لأننا كنا في أشد الحاجة إلى المساعدة غضضنا الطرف عن هذا ~~وأبعدنا أكياس النقود عن طريقها. ينطبق الأمر كذلك على أي متعلقات صغيرة يمكن نشلها، ~~مثل الجوارب. ثم بعد ذلك سرقت الساعة التي كانت لدي منذ عشرين عاما. كنت قد خلعتها ~~لغسل بعض الأشياء - فرغاوي الصابون كانت ترتفع حتى الذراعين، كما تعرف - وعندما رجعت ~~لأبحث عنها كانت قد اختفت. سألتها عنها، لكنها بالطبع «لم تكن قد رأتها». كان الأمر مجاوزا ~~للحد. تلك الساعة كانت جزءا مني، جزء لا يقل عن شعري أو أظفاري. لم يكن هناك سبيل ~~لاستردادها؛ لأنه لم يكن لدينا دليل قط على أنها هي من أخذتها. لكن بعد أن كانت قد ~~انصرفت تناقشنا في الأمر وفي صباح اليوم التالي اتجهنا إلى المزرعة، وأشرنا فحسب إلى ~~أننا لن نحتاج إليها بعد ذلك. كان ذلك في يوم الثلاثاء - وهي تأتينا دائما يوم الإثنين - ~~وفي عصر ذلك اليوم بعد أن كانت أمي قد صعدت لتستريح وصل المحقق جرانت، وبيتي كين في ~~السيارة.» ~~«فهمت. أكان حاضرا أي شخص آخر عندما أخبرت الفتاة في المزرعة بطردها؟» ~~«لا أتذكر. لا أظن ذلك. هي ليست من المزرعة ... أقصد من مزرعة ستابلس؛ فأهلها رائعون. ~~هي إحدى بنات العاملين هناك. وحسبما أتذكر فإننا قابلناها خارج كوخهم وذكرنا الأمر ~~بشكل عابر.» ~~«كيف استقبلت الأمر؟» ~~«تورد وجهها بشدة وانتفضت قليلا.» # علقت السيدة شارب: «صارت حمراء كالبنجر وممتعضة كديك رومي.» ثم تابعت قائلة: «لم ~~تسأل؟» ~~«لأنها ستقسم على أنها عندما كانت تعمل هنا سمعت أصوات صراخ قادمة من ~~العلية.» # قالت السيدة شارب، على نحو متأمل: «أستفعل ذلك حقا؟» ~~«الأسوأ من ذلك بكثير أن هناك دليلا على أنها نوهت عن أصوات الصراخ قبل انتشار أي ~~إشاعات عن مشكلة بيتي ms168 كين.» # أحدث هذا صمتا تاما. أحس روبرت مرة أخرى بمدى الهدوء الذي يعم أرجاء المنزل، ~~والصمت التام. حتى الساعة الفرنسية التي تقف على رف المدفأة كانت صامتة. وستائر النافذة ~~تحركت إلى الداخل على إثر هبوب بعض الهواء ثم عادت إلى مكانها من دون صوت وكأنها كانت ~~تتحرك في فيلم. # قالت ماريون أخيرا: «ذلك ما يعرف بأنه ضربة قاضية.» ~~«صحيح. حتما.» ~~«ضربة قاضية لك، أيضا.» ~~«لنا، هذا صحيح.» ~~«لا أقصد مهنيا.» ~~«حقا؟ كيف إذن؟» ~~«صرت تواجه باحتمالية أننا كنا نكذب.» # قال بضجر، مستخدما اسمها لأول مرة ودون أن يلاحظ أنه قد استخدمه هكذا: «حقا، يا ~~ماريون!» ثم أضاف قائلا: «ما يواجهني، إن وجد أي مجال لذلك، هو الاختيار بين كلامك ~~وكلام أصدقاء روز جلين.» # لم يبد أنها كانت تستمع إليه. فقالت في تأثر ~~شديد: «أتمنى، يا إلهي، كم أتمنى لو أن لدينا دليلا واحدا بسيطا، مجرد دليل واحد ~~صغير في صالحنا! إنها تفلت - تلك الفتاة تفلت ومعها كل شيء، كل شيء. ونظل نحن نقول «هذا ~~غير حقيقي»، لكن ليس لنا سبيل أن نثبت بأنه غير حقيقي. كل شيء سلبي. كل شيء غير محسوم. ~~كل شيء إنكار ضعيف. تجتمع الشواهد لتدعم أكاذيبها، ولا شيء يحدث ليساعد في إثبات أننا ~~نقول الحقيقة. لا شيء.» # قالت والدتها: «اجلسي يا ماريون.» ثم تابعت قائلة: «الغضب لن يحسن الموقف.» ~~«بإمكاني أن أقتل تلك الفتاة؛ بإمكاني أن أقتلها. ~~يا إلهي، بإمكاني أن أعذبها مرتين في اليوم لمدة سنة ثم أبدأ مرة أخرى في بداية العام ~~الجديد. كلما أفكر فيما قد فعلته فينا ...» # قاطعها روبرت قائلا: «لا تفكري هكذا. لكن فكري بدلا من ذلك في اليوم الذي يطعن في ~~صدقها في محكمة علنية مفتوحة. لو أني أعرف أي شيء عن طبيعة البشر بالفعل، فإن هذا ~~سيؤلم الآنسة كين على نحو أسوأ بكثير من الضرب الذي يسدده لها شخص ما.» # قالت ماريون متشككة: «هل لا تزال تصدق أن ذلك ممكن؟» ~~«أجل. لا أعرف تماما كيف سنفعل ذلك. لكني أؤمن ms169 حقا أننا سنفعله.» ~~«من دون دليل صغير في صالحنا، ولا دليل واحد؛ والأدلة ... تتكشف لصالحها؟» ~~«أجل. حتى بالرغم من ذلك.» # قالت السيدة شارب: «هل هذا تفاؤل طبيعي فيك فحسب أم إيمانك الفطري بانتصار الخير، أم ~~ماذا؟» ~~«لا أعرف. أعتقد أن الحقيقة لها مصداقية في حد ذاتها.» # قالت بأسلوب فظ: «دريفوس لم يجد أنها ذات مصداقية للغاية، ولا سلاتر، ولا غيرهم من ~~الأشخاص المعروفين.» ~~«لكنهم وجدوها ذات مصداقية في النهاية.» ~~«حسنا، صراحة، لا أطمح في حياة بالسجن تنتظر الحقيقة حتى تثبت مصداقيتها.» ~~«لا أعتقد أن الأمر سيصل إلى ذلك. أقصد إلى السجن. عليكما الحضور يوم الإثنين، وحيث إنه ~~ليس لدينا أدلة دفاع مناسبة فستحالان بلا شك إلى المحاكمة. لكن يمكننا طلب الإخراج من ~~السجن بكفالة، وذلك يعني أنه بإمكانكما البقاء هنا حتى الاستدعاء إلى محكمة المقاطعة ~~الرئيسية في نورتون. وقبل ذلك آمل أن يكون أليك رامسدن قد عثر على أدلة تدين هذه الفتاة. ~~تذكري أننا لا يتوجب علينا أن نعرف حتى ما كانت تفعله في المدة المتبقية من الشهر. كل ~~ما علينا إثباته هو أنها فعلت شيئا مغايرا في اليوم الذي تقول إنكما اصطحبتماها فيه ~~بالسيارة. إذا أثبتنا هذه المعلومة فستنقض قصتها بالكامل. وطموحي أن نثبتها على رءوس ~~الأشهاد.» # قالت ماريون: «أن نفضحها علنا مثلما فضحتنا صحيفة «أك-إيما»؟ أتظن أن ذلك سيؤثر فيها؟» ~~ثم أضافت قائلة: «مثلما أثر فينا؟» ~~«بعد أن كانت بطلة الخبر المدوي في الصحف، ناهيك عن أنها مركز الإعجاب لأسرة محبة ~~وحنون، ثم ينكشف سترها على مرأى من الجميع بأنها كاذبة، وغشاشة، وسيئة السيرة ~~والسلوك؟ أظن أن ذلك سيؤثر فيها. وهناك شيء واحد سيؤثر فيها على وجه التحديد. إن إحدى ~~نتائج مغامرتها الطائشة هي استعادة اهتمام ليزلي وين بها؛ الاهتمام الذي كانت قد فقدته عند ~~خطبته. وما دامت هي بطلة زائفة فستضمن ذلك الاهتمام؛ وبمجرد كشفها فستفقده إلى ~~الأبد.» # علقت السيدة شارب: «لم أظن أبدا أني سأرى فيض الكرم الذي يسير في عروقك النبيلة ~~متعكرا لهذه الدرجة، يا ms170 سيد بلير.» ~~«لو كانت هربت كنتيجة لخطبة الفتى - ولعلها كذلك بدرجة كبيرة - فلم أكن لأشعر نحوها ~~سوى بالشفقة. فهي في مرحلة عمرية غير متزنة، وخطبته لا بد أنها كانت صدمة لها. لكن لا ~~أعتقد أن لهذا علاقة كبيرة بالأمر. أعتقد أنها ابنة أمها؛ فليس إلا أنها كانت تسلك قبل ~~الأوان قليلا الطريق الذي سلكته أمها. فهي على القدر نفسه من الأنانية، والانصياع ~~للهوى، والطمع، والمظهر الخداع الذي كانت عليه السلالة التي جاءت منها. والآن علي أن ~~أنصرف. قلت إني ربما سأعود إلى المنزل في الساعة الخامسة إذا أراد رامسدن الاتصال بي ~~ليطلعني على الأخبار. وأريد الاتصال بكيفين ماكديرموت وطلب مساعدته فيما يخص الدفاع ~~وأشياء أخرى.» # قالت ماريون: «أخشى أننا - على وجه الدقة، أنا - كنا نتعامل بأسلوب جاف قليلا حيال ~~هذا.» ثم أردفت قائلة: «لقد فعلت، ولا تزال تفعل، الكثير من أجلنا. لكن الأمر كان صادما ~~بشدة. وغير متوقع تماما وفجائيا. عليك أن تسامحني إذا ...» ~~«لا شيء يستدعي أن أسامحك عليه. أعتقد أنكما قد استقبلتما الخبر على نحو جيد. هل ~~أتيتما بأحد ليحل محل روز الكاذبة التي على وشك الإدلاء بشهادة زور؟ لا يمكنكما القيام ~~بالأعمال المنزلية لهذا المنزل الضخم بمفردكما.» ~~«حسنا، لا أحد في المنطقة سيأتي، بلا شك. لكن ستانلي - ماذا عسانا أن نفعل من دون ~~ستانلي؟ - ستانلي يعرف سيدة يمكن إقناعها أن تأتي بالحافلة مرة في الأسبوع. تعرف، عندما ~~يصبح التفكير في تلك الفتاة فوق احتمالي، أفكر في ستانلي.» # قال روبرت، مبتسما: «أجل.» وأضاف: «فهو من خيار الناس على وجه الأرض.» ~~«إنه حتى يعلمني الطهو. أعرف الآن كيف أقلب البيض في المقلاة دون إفساد شكله. طلب ~~مني قائلا: «هل لك أن تجري محاولة بشأنها وكأنك تقودين سيمفونية؟» وعندما سألته ~~كيف صار ماهرا بهذه الدرجة فقال إنه بسبب «الطهو في خيمة مساحتها قدمان ~~مربعتان».» # سألت السيدة شارب: «كيف ستعود إلى ميلفورد؟» ~~«ستوصلني حافلة وقت ما بعد الظهر من لاربورو. لم تتلقيا خبرا عن إصلاح هاتفكما، ~~أليس كذلك؟» # فهمت السيدتان السؤال ms171 على أنه تعليق وليس استفهاما. ومن ثم تركته السيدة شارب في ~~قاعة الاستقبال وانصرفت، لكن ماريون رافقته حتى البوابة. وعندما عبرا دائرة العشب التي ~~يحيط بها الممر المتفرع للسيارات، علق قائلا: «من الجيد أنه ليس لديك أسرة كبيرة ~~وإلا لصار لديك مسار بال بداية من العشب وحتى الباب.» # قالت، وهي تنظر إلى الخط الأغمق في العشب غير المستوي: «هذا صحيح.» ثم أردفت قائلة: «إن ~~السير حول هذا المنحنى الذي لا داعي له هو أمر يفوق احتمال طبيعة البشر.» # حديث عابر، هكذا كان يظن؛ مجرد حديث عابر. كلمات لا هدف منها سوى التغطية على موقف ~~قاس. كان قد بدا غاية في الشجاعة والتآلف مع مبدأ مصداقية الحقيقة، لكن إلى أي مدى كان ~~ذلك مجرد شكل ظاهري؟ ما الاحتمالات المطروحة بأن يكشف رامسدن عن دليل في الوقت المناسب ~~لتقديمه إلى المحكمة يوم الإثنين؟ في الوقت المناسب لمحكمة المقاطعة الرئيسية؟ واحتمالات ~~كثيرة مطروحة عكس ذلك، أليس كذلك؟ كان من الأفضل أن يصير معتادا على تلك الفكرة. # في تمام الساعة الخامسة والنصف اتصل رامسدن ليعطيه التقرير الموعود، فكان إحدى خيبات ~~الأمل التي لا حد لها. كانت هي الفتاة التي يبحث عنها، بكل تأكيد، لكنه فشل في التعرف ~~على الرجل بوصفه أحد المقيمين في فندق ميدلاند، وبالتالي لم يحصل على أي معلومات عنه. ~~لكنه لم يعثر حتى على أي أثر لها في أي مكان. وقد أعطيت نسخ من الصورة للرجال التابعين ~~له فأجروا بها تحريات في المطارات، ومحطات السكة الحديدية، ووكالات السفر، وأكثر الفنادق ~~المحتملة. فلم يزعم أحد أنه قد رآها. وهو نفسه قد مشط لاربورو، وسره قليلا اكتشافه ~~بأن الصورة المعطاة له يسهل التعرف عليها على أقل تقدير؛ إذ سرعان ما جرى التعرف عليها ~~في الأماكن التي ترددت عليها بيتي كين بالفعل. في الدارين الرئيستين لعرض الأفلام، على ~~سبيل المثال - حيث كانت تذهب بمفردها، طبقا للمعلومات التي أدلت بها فتيات شباك التذاكر ~~- وفي مرحاض السيدات بمحطة الحافلات. وكان قد أجرى محاولة في المرائب، لكن ms172 محاولته باءت ~~بالفشل. # قال روبرت: «أجل.» ثم تابع قائلا: «لقد التقطها عند موقف الحافلات على طريق لندن في ~~مينشيل. في المكان الذي كانت عادة تذهب إليه لتلحق بالحافلة التي ستعيدها إلى المنزل.» ثم ~~أخبر رامسدن بآخر المستجدات. وأضاف: «لهذا فالمعلومات صارت مطلوبة حقا على وجه السرعة ~~الآن. فهما ستمثلان أمام المحكمة يوم الإثنين. لو أن باستطاعتنا إثبات ما كانت تفعله في ~~تلك الليلة الأولى. فذلك سيدحض قصتها من أولها لآخرها.» # سأل رامسدن: «ما كان نوع السيارة؟» # أعطاه روبرت أوصافها، فتنهد رامسدن بصوت مسموع على الهاتف. # وافقه روبرت: «هذا صحيح.» ثم أردف قائلا: «تسير عشرات الآلاف منها تقريبا بين لندن ~~وكارلايل؟ حسنا، سأترك لك التصرف في الأمر. أريد الاتصال بكيفين ماكديرموت وإخباره ~~بمصابنا.» # لم يكن كيفين في جلسة محكمة، ولا حتى في الشقة في المنطقة المحيطة بكاتدرائية سان بول، ~~ففتش عنه أخيرا في منزله القريب من قرية وايبريدج. بدا مسترخيا وودودا، لكنه انتبه في ~~الحال عند علمه بأن الشرطة قد حصلت على دليلها. استمع من دون تعليق بينما كان روبرت يحكي ~~له القصة. # انتهى روبرت من حديثه قائلا: «وبهذا كما ترى، يا كيفين، فنحن في ورطة مخيفة.» # قال كيفين: «وصف تلميذ مبتدئ، لكنه دقيق على نحو رائع. نصيحتي لك أن تجعلهما يمثلان ~~أمام محكمة المخالفات والجنح، وتركز على محكمة المقاطعة الرئيسية.» ~~«كيفين، هل بإمكانك أن تأتي في عطلة نهاية الأسبوع، وتسمح لي بالتحدث إليك في هذا ~~الشأن؟ مضت ست سنوات، والعمة لين كانت تقول ذلك البارحة، منذ أن قضيت ليلة معنا؛ لذا ~~وجبت الزيارة عليك على أي حال. أيمكنك ذلك؟» ~~«وعدت شون بأني سآخذه إلى مدينة نيوبري يوم الأحد لينتقي مهرا.» ~~«لكن أليس بوسعك تأجيل ذلك؟ أنا واثق أن شون لن يمانع إذا عرف أن التأجيل من أجل قضية ~~إنسانية.» # قال والده المحب: «لن يبدي شون أدنى اهتمام بأي سبب لا يصب مباشرة في مصلحته. صورة ~~طبق الأصل من أبيه. هل ستقدمني إلى ساحرتيك إذا جئت؟» ~~«بلا أدنى شك.» ~~«وهل ستصنع ms173 لي كريستينا فطائر الزبدة؟» ~~«حتما.» ~~«هل لي أن أحظى بالغرفة التي بها كلمات منسوجة على البساط الصوفي؟» ~~«كيفين، هل ستأتي؟» ~~«حسنا، إن ميلفورد قرية في غاية الملل، ما عدا في فصل الشتاء» - كان هذا إشارة إلى ~~الصيد، حيث يحب كيفين ركوب الخيل في الريف - «وقد كنت أتطلع إلى ركوب الخيل يوم ~~الأحد على منحدرات التلال. لكن أن تجتمع الساحرتان، وفطائر الزبدة، والغرفة ذات الكلمات ~~المنسوجة على البساط الصوفي جملة واحدة فهذا حدث ليس بصغير.» # كان على وشك إنهاء المكالمة، لكن كيفين استوقفه وقال: «مهلا، استمع إلي، يا ~~روب؟» # قال روبرت: «ماذا؟»، ثم انتظر. ~~«هل فكرت في احتمال أن الشرطة محقة في ذلك؟» ~~«أتقصد أن القصة العبثية للفتاة ربما تكون حقيقية؟» ~~«أجل. هل تضع ذلك في الاعتبار ... كاحتمال، هذا ما أقصده؟» # بدأ روبرت في غضب: «لو كنت وضعته في الاعتبار لما كان علي ...» ثم ضحك. وقال: «تعال ~~وتفقدهما.» # أكد له كيفين قائلا: «سآتي، سآتي»، ثم أنهى المكالمة. # اتصل روبرت بالمرأب، وعندما أجاب بيل سأل إن كان ستانلي لا يزال هناك. # قال بيل: «من الغريب أنك لا تستطيع سماعه من مكانك.» ~~«ما الأمر؟» ~~«كنا ننقذ ذلك المهر الكستنائي الذي يمتلكه مات إليز من حفرة فحص السيارات الخاصة ~~بنا. هل أردت التحدث إلى ستانلي؟» ~~«ليس ما أردته هو التحدث إليه. لكن هل تتكرم وتطلب منه المرور لأخذ رسالة إلى ~~السيدة شارب في طريقه بعد حلول الليل؟» ~~«أجل، بالتأكيد. بالمناسبة يا سيد بلير، هل صحيح أن مأزقا جديدا طرأ على قضية منزل ~~فرنتشايز - أو أنه لا يحق لي أن أسأل؟» # هذه هي ميلفورد! هكذا فكر روبرت. كيف فعلوا ذلك؟ هل المعلومات تنتشر كحبوب اللقاح في ~~الهواء؟ # قال: «أجل، أخشى أن مأزقا قد حل بهما.» ثم أردف قائلا: «أتوقع أنهما ستخبران ~~ستانلي به عندما يذهب إليهما الليلة. لا تتركه يغفل عن أمر الرسالة، هل تستطيع؟» ~~«بالطبع، من دون شك.» # كتب إلى سيدتي فرنتشايز لإخبارهما بقدوم كيفين ماكديرموت يوم السبت ليلا، وهل بإمكانه ~~أن يأتي به ms174 لمقابلتهما يوم الأحد عصرا قبل مغادرته إلى المدينة. # | الفصل السادس عشر # سأل نيفيل، مساء اليوم التالي أثناء انتظاره هو وروبرت للضيف حتى انتهائه من الاغتسال ~~والنزول لتناول العشاء: «هل يجب على كيفين ماكديرموت أن يبدو كبائع متنقل عند مجيئه إلى ~~الريف؟» # رأى روبرت أن هيئة كيفين في ملابس الريف كانت تشبه حقا مدرب وثب سيئ السمعة قليلا ~~يصلح لتدريب خيول في المسابقات المغمورة، لكنه منع نفسه من قول ذلك إلى نيفيل. متذكرا ~~الملابس التي قد أذهل بها نيفيل الريف طيلة السنوات القليلة الأخيرة، شعر أن نيفيل ليس ~~أهلا لأن ينتقد ذوق أحد. كان نيفيل قد حضر العشاء ببدلة رمادية داكنة تقليدية ~~للغاية، وكان من الواضح أنه ظن أن مواكبته الحديثة العهد للذوق السائد أطلقت له ~~العنان لنسيان الذوق التجريبي لماضيه القريب. ~~«أعتقد أن كريستينا لا تزال مستمرة في جلد مشاعرها ضربا بالسياط؟» ~~«بل ضربا لبياض البيض، حسب مقدرتي على تقدير الأمور.» # اعتبرت كريستينا أن كيفين بمثابة «شيطان متمثل في جسد إنسان»، وأحبته حبا شديدا. ~~فلم تأت صفاته الشيطانية من نظرات عينيه - رغم أنه بالفعل يبدو قليلا مثل الشيطان - لكن ~~من حقيقة أنه «يدافع عن الفاسقين من أجل مكسب دنيوي». وقد أحبته لحسن مظهره، ولكونه ~~آثما يرجى منه صلاح، ولأنه امتدح مخبوزاتها. ~~«آمل أن يكون كعك السوفليه، إذن، وليس حلوى المرينج. هل تعتقد أنه من الممكن استدراج ~~ماكديرموت إلى المجيء للدفاع عنهما في محكمة المقاطعة الرئيسية في نورتون؟» ~~«أعتقد أنه مشغول كثيرا على تولي ذلك، حتى لو كان الأمر مثيرا لاهتمامه. لكن آمل ~~أن يأتي أحد من المسخرين تحت إمرته.» ~~«الملقنون على يد ماكديرموت.» ~~«تلك هي الفكرة.» ~~«لا أفهم حقا لم كان على ماريون أن تجهد نفسها لتقدم غداء إلى ماكديرموت. ألا ~~يدرك أن عليها إعداده ورفع الصحون عن المائدة وغسل كل شيء دون استثناء، ناهيك عن ~~إحضاره من ذلك المطبخ العتيق الذي يبعد كثيرا عن غرفة الطعام، ثم إرجاعه إليه.» ~~«إنها كانت فكرة ماريون أن عليه المجيء لتناول الغداء معهما. ms175 أعتقد أنها ترى أن المأزق ~~الجديد يستحق العناء المبذول في سبيله.» ~~«عجبا، لقد كنت طوال الوقت مولعا بكيفين، وأنت بكل بساطة لا تعرف كيف تبدأ في ~~استشعار قيمة سيدة مثل ماريون. إنه ... إنه أمر مثير للاشمئزاز أن امرأة كتلك عليها أن ~~تبدد نشاطها وحيويتها على أعمال المنزل المملة. إنما ينبغي لها أن تشق طريقها في ~~الأدغال، أو تصعد المنحدرات، أو تحكم سلالة بربرية، أو تقيس حجم الكواكب. عشرات الآلاف من ~~الشقراوات الحمقاوات المنعمات في الفراء ليس لديهن ما يفعلنه سوى إرخاء ظهورهن حتى ~~يجف طلاء أظفارهن المفترسة، وماريون تنقل الفحم. الفحم! وماريون! أعتقد أنه في الوقت ~~الذي تنتهي فيه القضية لن يصبح معهما بنس واحد حتى يدفعاه لخادمة حتى ولو تمكنتا من ~~استقدام واحدة.» ~~«ليكن أملنا أنه بعد انتهاء القضية لا يحكم عليهما بالأشغال الشاقة بموجب حكم ~~قضائي.» ~~«روبرت، لا يمكن أن يصل الأمر إلى ذلك! هذا محال!» ~~«أجل، هذا محال. أعتقد أن من الصعب دائما التصديق بأن شخصا ما نعرفه يجب الزج به ~~إلى السجن.» ~~«إنه أمر سيئ تماما أن عليهما دخول قفص الاتهام. ماريون. التي لم ترتكب قط عملا ~~وحشيا، أو ماكرا، أو حقيرا. ولمجرد أن ... أتعرف، لقد قضيت وقتا لطيفا الليلة الماضية. ~~حيث وجدت كتابا عن التعذيب، وبقيت مستيقظا حتى الساعة الثانية أختار أي طريقة ~~سأستخدمها مع كين.» ~~«عليك الانضمام إلى ماريون. فذلك طموحها أيضا.» ~~«وما طموحك؟» لمس تلميح طفيف بالاستخفاف في نبرة صوته؛ كما لو أنه مفهوم أن روبرت ~~الرزين لا يحمل أي مشاعر عنيفة تجاه تلك المسألة. «أم أنك لم تفكر في ذلك؟» # قال روبرت بتأن: «لست في حاجة إلى التفكير في ذلك.» ثم تابع قائلا: «لأني سأعريها ~~أمام الجميع.» ~~«ماذا!» ~~«ليست بتلك الطريقة التي فهمتها. سأنزع عنها كل ما يواري ادعاءاتها الكاذبة، في ~~محكمة علنية، وبذلك سيراها الجميع على حقيقتها.» # نظر نيفيل إليه بفضول لوهلة. وقال بهدوء: «فليكن ذلك.» ثم تابع قائلا: «لم أعرف أن ذلك ~~شعورك تجاه القضية يا روبرت.» كان على وشك ms176 أن يضيف شيئا، لكن انفتح الباب ودخل ~~ماكديرموت، فكانت السهرة قد بدأت بذلك. # بعد أن تناول العشاء الفاخر الذي قدمته العمة لين بشهية، أمل روبرت ألا يكون من ~~الخطأ اصطحاب كيفين إلى غداء يوم الأحد في منزل فرنتشايز. فكان قلقا بشدة من ألا تنجح ~~السيدتان شارب في هذا الشأن مع كيفين، ومما لا شك فيه أن كيفين شخص مزاجي، وأن ~~السيدتين شارب قد لا تأتيان على هوى الجميع. هل كان مرجحا أن تناول غداء في منزل ~~فرنتشايز سيكون في صالح قضيتهما؟ غداء تطهوه ماريون؟ من أجل كيفين الذواق؟ عندما قرأ ~~الدعوة لأول مرة - التي سلمها إياه ستانلي صباح اليوم - سره أنهما قد بادرتا بتلك ~~اللفتة، لكن شكا تنامى في نفسه رويدا رويدا. وبينما توالت الأصناف المعدة ~~بامتياز صنفا وراء الآخر في تسلسل متأن عبر المائدة الماهوجنية البراقة للعمة لين، ~~مع وجه كريستينا الكبير الذي يروح ويغدو في سخاء حماسي خلف ضوء الشمعة، حينها تعاظم ~~الشك حتى استحوذ عليه كليا. «القوالب التي لم تنتفش» ربما تملأ صدره بشفقة محصنة ~~وحانية، لكن لا يتوقع أن يكون لها التأثير نفسه على كيفين. # على الأقل بدت السعادة على كيفين من وجوده هنا، هكذا ظن، مستمعا إلى ماكديرموت وهو ~~يصرح بحبه للعمة لين، ويرمي كريستينا بكلمة من حين لآخر ليبقي على سعادتها ووفائها. ~~يا إلهي، ذلك الأيرلندي! أظهر نيفيل أفضل سلوكياته، وأعار اهتماما جادا، مع دس كلمة ~~«سيدي» وسط الكلام من حين لآخر؛ أكثر من مرة بما يكفي لتشعر كيفين برفعة مكانته ولكن ~~ليس بالقدر الكافي الذي يشعره بكبر سنه . في الواقع، كانت الطريقة الإنجليزية الأكثر ~~ذكاء في الإطراء. العمة لين كانت مثلها مثل فتاة متوردة الوجنتين ومشرقة؛ تمتص ~~الإطراء مثل إسفنجة، ثم تخضعه إلى عملية كيميائية، ثم تصبه صبا مرة أخرى في هيئة ~~سحر آسر. أثناء الاستماع إلى حديثها أبهج روبرت أنه وجد صورة السيدتين شارب قد شهدت ~~تحولا في وجهة نظرها. لمجرد أنهما مهددتان بالسجن، فقد ترقتا من «أولئك الناس» إلى ~~«المسكينتين». لم ms177 يكن لهذا التحول صلة بوجود كيفين؛ وإنما كان مزيجا من الطيبة الفطرية ~~والتفكير المشوش. # فكر روبرت، متجولا بعينيه حول المائدة، أنه من الغريب أن هذا التجمع ~~العائلي - الباعث كثيرا على السعادة، والدفء، والأمان - ~~من المفترض أن مناسبة حدوثه هي الحاجة الماسة لسيدتين بائستين تجلسان في ذلك المنزل ~~الذي يسوده سكون تام وسط حقول لا نهاية لها. # أوى إلى الفراش ولا تزال تحيط به هالة من دفء هذا التجمع، لكن في قلبه غصة وقلق ~~محزن. هل ساكنتا منزل فرنتشايز نائمتان الآن؟ وإلى أي مدى كان النوم قد زار جفونهما ~~مؤخرا؟ # ظل مستيقظا مدة طويلة، ثم أفاق من نومه باكرا؛ مرهفا السمع إلى هدوء الصباح ~~ليوم الأحد. وهو يأمل أن يصبح يوما موفقا - حيث إن منزل فرنتشايز يبدو في أسوأ حالاته ~~تحت المطر، عندما يصير لونه الأبيض المتسخ رماديا على الأغلب - وأن يصبح أيا كان ما ~~ستطهوه ماريون على الغداء «منتفشا». قبل الساعة الثامنة تحديدا قدمت سيارة آتية من ~~الريف وتوقفت أسفل النافذة، وصفر شخص بصوت أشبه بنداء بوق هادئ. كان كنداء خاص بسرية. ~~السرية بي. من المفترض أنه ستانلي. فنهض وتطلع برأسه من النافذة. # فبدا ستانلي، مكشوف الرأس كالعادة - فلم ير ستانلي قط مرتديا أي نوع من غطاء ~~الرأس - وهو يجلس في السيارة ينظر إليه بعطف متسامح. # قال ستانلي: «أيها النائمون في يوم الأحد.» ~~«هل أيقظتني لتسخر مني فحسب؟» ~~«لا. أحمل رسالة من الآنسة شارب. تقول عندما تأتي عليك أن تحمل معك أقوال بيتي كين، ~~وغير مسموح بنسيانها مهما كان السبب لأن الأمر ذو أهمية قصوى . أؤكد أن المسألة مهمة! ~~ظلت تجيء وتذهب وحالتها تبدو وكأنها اكتشفت مليون جنيه.» # قال روبرت، غير مصدق: «تبدو سعيدة!» ~~«مثل عروس. صدقا لم أر امرأة تبدو هكذا منذ أن تزوجت ابنة عمي بيولا من زوجها بول. ~~كان لبيولا وجه يشبه كعكة السكون؛ وصدقني في ذلك اليوم كانت تبدو مثل الإلهة فينوس، ~~وكليوبترا، وهيلين طروادة مجتمعات كلهن في جسد واحد.» ~~«هل تدري ما ذلك الشيء الذي ms178 يسعد الآنسة شارب لهذه الدرجة؟» ~~«لا. جسست النبض بالفعل ببعض التخمينات، لكن يبدو أنها تحتفظ به. على أي حال، لا تنس ~~إحضار نسخة من الأقوال، وإلا فلن تأتي ردود الفعل بالخير، أو شيء من ذاك القبيل. كلمة ~~السر في الأقوال.» # استكمل ستانلي طريقه نحو سين لين، وأخذ روبرت منشفته واتجه إلى الحمام في حيرة شديدة. ~~بينما كان في انتظار الفطور، بحث عن الأقوال بين الوثائق في حقيبة أوراقه، فقرأها ~~متمعنا مرة أخرى بنظرة جديدة. ما الذي تذكرته ماريون أو اكتشفته ليجعلها في غاية ~~السعادة؟ كان من الواضح أن بيتي كين قد وقعت في خطأ ما. ماريون كانت مبتهجة، وأرادت منه ~~إحضار أقوال بيتي كين عند قدومه. ذلك لم يكن ليعني شيئا غير أن نقطة ما في الأقوال بها ~~دليل على كذب بيتي كين. # وصل حتى نهاية الإفادة من دون العثور على أي جملة لافتة للانتباه ثم بدأ يفتش فيها ~~مرة أخرى. ماذا عساها أن تكون؟ إنها قد قالت إن السماء كانت تمطر، ~~والسماء - ربما - لم تكن تمطر؟ لم يكن ذلك جوهريا، أو ~~حتى مهما لمصداقية قصتها. أهي حافلة ميلفورد، إذن؟ تلك الحافلة التي قالت إنها ~~فاتتها، عندما كانت في سيارة السيدتين شارب. أكانت التوقيتات خاطئة؟ لكنهم راجعوا ~~التوقيتات منذ مدة طويلة، وانطبقت تقريبا بما يكفي. أهي «اللافتة المضيئة» على الحافلة؟ ~~أكان الوقت مبكرا على إضاءة اللافتة؟ لكن ربما كانت تلك زلة من الذاكرة، وليس عاملا ~~يشكك في مصداقية أقوالها. # أمل بشغف أن ماريون في حرصها على الوصول إلى «دليل واحد صغير» في صالحهما لم تكن تضخم ~~بعض التناقضات التافهة لتصبح دليلا على الكذب. إن خيبة الآمال أسوأ كثيرا من ألا ~~يوجد أمل على الإطلاق. # هذا القلق الحقيقي بدد من عقله غالبا القلق الاجتماعي من الغداء، ولم يعد يبالي ~~كثيرا ما إذا كان كيفين سيستمتع بوجبته في منزل فرنتشايز أم لا. عندما قالت له العمة ~~لين، سرا، أثناء استعدادها للذهاب إلى الكنيسة: «ماذا تظن أنهما ستقدمان لكما على ~~الغداء، يا عزيزي؟ ms179 أنا واثقة تماما أنهما تعيشان على تلك الرقائق المحمصة المعبأة، يا ~~لهما من مسكينتين.» فرد باقتضاب: «إنهما تميزان النبيذ الفاخر عند تذوقه؛ ذلك من ~~المفترض أن يسر كيفين.» # سأل كيفين أثناء القيادة إلى منزل فرنتشايز: «ماذا قد جرى للشاب بينيت؟» # قال روبرت: «لم يدع إلى الغداء.» ~~«لا أعني ذلك. ماذا قد جرى للبدلات الملفتة ونبرة الاستعلاء، ولماذا هذا العداء لمجلة «ذا ~~ووتشمان»؟» ~~«أوه، لقد دب خلاف بينه وبين مجلة «ذا ووتشمان» على هذه القضية.» ~~«صحيح!» ~~«لأول مرة يصبح في موضع يسمح له بأن يعرف بنفسه تفاصيل قضية تتحدث عنها مجلة «ذا ~~ووتشمان» بحذلقة، وكان الأمر صادما له نوعا ما، أظن ذلك.» ~~«وصلاح الحال هذا هل سيستمر إلى الأبد؟» ~~«حسنا، أتعرف، ليس لي أن أفاجأ في حالة استمراره. بعيدا عن حقيقة أنه بلغ مرحلة ~~عمرية يحجم فيها المرء عن التصرفات الطفولية، ويحين فيها وقت التغيير، أعتقد أنه كان ~~يعيد النظر في بعض الأمور، ويتساءل هل أي من المحظوظين الآخرين في مجلة «ذا ووتشمان» ~~كانوا يستحقون الدعم بالفعل أم أنهم لا يستحقون مثلما لا تستحق بيتي كين. كوتوفيتش، ~~على سبيل المثال.» # قال كيفين، بأسلوب معبر: «هاه! الوطني المناضل!» ~~«أجل. خلال الأسبوع الماضي فقط كان يستفيض في الحديث عن واجبنا تجاه كوتوفيتش؛ واجبنا ~~لحمايته ورعايته - وأن نقدم له في النهاية جواز سفر بريطانيا، أظن ذلك. أشك إذا كان ~~سيتعامل اليوم مع الأمور بهذه البساطة الشديدة. لقد نضج على نحو رائع في الأيام القليلة ~~الماضية. لم أعرف حتى أن لديه بدلة مثل تلك التي ارتداها الليلة الماضية. لا بد أنها تلك ~~التي ارتداها في حفلة توزيع الجوائز بكليته؛ لأنه بالتأكيد لم يرتد أي ملابس وقورة منذ ~~ذلك الحين.» ~~«آمل أن يدوم ذلك من أجلك. فهذا الشاب ذكي؛ وفي حال تخلصه من حيله البهلوانية ~~فسيصبح ذا قيمة جيدة للمكتب.» ~~«العمة لين حزينة لأنه قد افترق عن روزماري بسبب خلاف على قضية فرنتشايز، وتخشى أنه لن ~~يتزوج بابنة أسقف في نهاية المطاف.» ~~«يا لفرحتي! نقطة كبرى ms180 في صالحه. سأبدأ في الإعجاب بهذا الشاب. عليك، يا روب، أن تدعمه ~~في ذلك الانفصال - وكالمعتاد - ستراه يتزوج بفتاة إنجليزية لطيفة غبية ستنجب له خمسة ~~أطفال وتقيم لبقية الجيران مباريات تنس بين الفترات القصيرة لتوقف الأمطار في عصر أيام ~~السبت. إنه نوع من الغباء ألطف كثيرا من الوقوف على المنصات وإبداء آراء في موضوعات لا ~~تعرف أصلها. أهذا هو المكان؟» ~~«أجل، هذا هو منزل فرنتشايز.» ~~«إنه «منزل غامض» تماما.» ~~«لم يكن غامضا عند إنشائه. كانت البوابة المزدوجة، كما ترى، لها تصميم بزخارف حلزونية ~~- وهو تصميم لطيف نوعا ما، أيضا - حتى يصير المكان مرئيا من الطريق. لكن تعزيز البوابة ~~بألواح من الحديد هو ما حوله من مكان عادي تماما إلى مكان سري قليلا.» ~~«منزل مثالي لخدمة غرض بيتي كين على أي حال. يا لحظها أنها تذكرته!» # كان روبرت سيشعر بالذنب بعد ذلك لأنه لم يثق على نحو أكبر في ماريون؛ في كل من مسألة ~~أقوال بيتي كين وكذلك الغداء. كان ينبغي أن يتذكر اتزان عقلها وقدرتها على تحليل الأمور، ~~وكان عليه أن يتذكر موهبة السيدتين شارب في تقبل الناس على طبيعتها، والتأثير المريح ~~لذلك على الأشخاص المعنيين. لم تتكلف السيدتان شارب عناء التقيد بمعايير العمة لين ~~في الاستضافة، ولم تبذلا محاولة لتقديم غداء رسمي في غرفة الطعام. حيث أعدتا مائدة ~~لأربعة أفراد أمام نافذة قاعة الاستقبال حيث تسقط أشعة الشمس. كانت مائدة من خشب أشجار ~~الكرز، لها تجزيعات مبهجة للغاية لكنها في أشد الحاجة إلى التلميع. لكن على الجانب ~~الآخر، كانت كئوس النبيذ لامعة لدرجة ترقى إلى لمعان الماس. (وقد اعتقد أن هذا يتواءم مع ~~شخصية ماريون التي تركز على الشيء المهم، وتتجاهل المظاهر.) # قالت السيدة شارب: «إن غرفة الطعام مكان كئيب لدرجة لا تصدق.» وتابعت: «تعال وألق ~~نظرة يا سيد ماكديرموت.» # كان ذلك أيضا يتواءم مع شخصية السيدة شارب. فهي لم تدع الضيف لتناول نبيذ الشيري وتبادل ~~حديث صغير. لكن تعال وشاهد غرفة السفرة المريعة لدينا. وبذلك يصبح الضيف جزءا ms181 من ~~المنزل من قبل أن يدرك ذلك. # قال روبرت لماريون عندما تركا وحدهما: «أخبريني، ما الأمر بشأن ...» ~~«لا، لن أتحدث عن الأمر إلا بعد الغداء. لكنه سيثير إعجابك. إنه دليل توصلت إليه من ~~خلال حظ لا يوجد في روعته مثيل، وقد فكرت فيه الليلة الماضية، عندما علمت أن السيد ~~ماكديرموت سيأتي على الغداء اليوم. سيجعل كل شيء مختلفا تماما. أظن أنه لن يوقف القضية، ~~وإنما سيجعل كل شيء مختلفا بالنسبة إلينا. إنه «الشيء الصغير» الذي صليت من أجله كي ~~يصبح دليلا في صالحنا. هل أخبرت السيد ماكديرموت؟» ~~«عن رسالتك. لا، لم أقل أي شيء. ظننت أنه من الأفضل ألا أخبره.» # قالت وهي تنظر إليه بمتعة محيرة: «روبرت!» ثم أردفت قائلة: «لم تكن واثقا في. ~~خشيت أني أهذي.» ~~«خشيت أنك ربما تبنين حقيقة كبيرة على أساس صغير أكثر من ... أكثر مما قد يحتمله. كنت ~~...» # قالت، بنبرة مطمئنة: «لا تخف. سيحتمل. هل تحب أن تأتي إلى المطبخ وتحمل لي صينية ~~الحساء؟» # ومن ثم تمكنا من تقديم الطعام بدون عناء. حيث حمل روبرت صينية بها أربعة صحون من ~~الحساء، ثم تبعته ماريون بطبق كبير مغطى بغطاء شيفيلد فضي، وبدا أن تلك هي كل الوليمة. ~~عند انتهائهم من شرب الحساء، وضعت ماريون الطبق الكبير أمام والدتها، وزجاجة نبيذ أمام ~~كيفين. كان الطبق عبارة عن دجاجة مطهية على الطريقة الفرنسية وحولها كل الخضروات الخاصة ~~بها؛ أما النبيذ فكان مونراشي. # قال كيفين: «مونراشي!» ثم أضاف قائلا: «أنت سيدة رائعة.» # قالت ماريون: «أخبرنا روبرت بأنك من محبي نبيذ الكلاريت، لكن ما تبقى في غرفة النبيذ ~~الخاصة بالسيد كرول قد تجاوز مدة صلاحيته بوقت طويل. لهذا كان الاختيار محصورا بين ذاك ~~ونبيذ بورجندي أحمر ثقيل للغاية والذي هو جيد في الليالي الشتوية، لكنه ليس مناسبا بالدرجة ~~مع واحدة من دجاجات مزرعة ستابلس في يوم صيفي.» # قال كيفين شيئا عن أن النساء قلما تبدي اهتماما بأي شيء لا يفور، أو ينفجر. # علقت السيدة شارب: «صراحة، لو كان ممكنا بيع ms182 تلك الزجاجات لبعناها، لكننا سعداء ~~لدرجة تفوق الوصف أنها كميات قليلة متبقية وقد تغير مذاقها. تربيت على تقدير ~~النبيذ. كان لزوجي غرفة نبيذ جيدة بعض الشيء، رغم أن ذوقه لم يكن جيدا مثلي. لكن أخي في ~~ليسوايز لديه غرفة نبيذ أفضل، وذوق رفيع يليق بها.» # قال كيفين، بينما ينظر إليها وكأنه يبحث على وجه شبه: «ليسوايز؟» ثم أضاف قائلا: «أنت ~~لست أخت تشارلي ميريديث، أليس كذلك؟» ~~«بلى. هل تعرف تشارلز؟ لكن لا يمكنك ذلك. أنت صغير السن للغاية.» # قال كيفين: «أول مهر اشتريته بنفسي كان من رباه هو تشارلي ميريديث.» وتابع: «ظل ~~لدي سبع سنوات ولم يرتكب خطأ واحدا أبدا.» # وبعد ذلك، لم يعد كلاهما، بالطبع، يبدي أي اهتمام بالآخرين، ولا اهتماما مفرطا ~~بالطعام. # لمح روبرت نظرة الابتهاج والتهنئة التي تنظر بها ماريون إليه، فقال: «لقد ظلمت نفسك ~~ظلما شديدا لما قلت إنك لا تجيدين الطهو.» ~~«لو كنت امرأة للاحظت أني لم أطه أي شيء. أفرغت الحساء من علبته، وسخنته، ثم ~~أضفت بعض الشيري والتوابل؛ أما الدجاجة فوضعتها في القدر كما جاءت بالضبط من مزرعة ~~ستابلس، وصببت عليها ماء مغليا، وأضفت كل شيء يمكن أن يخطر ببالي ثم تركتها على ~~الموقد وصليت من أجلها، والجبنة الكريمية جاءت هي الأخرى من المزرعة.» ~~«واللفائف المذهلة المقدمة مع الجبنة الكريمية؟» ~~«صاحبة المنزل الذي يقيم فيه ستانلي هي من أعدتها.» # فضحكا معا، في هدوء. # غدا ستذهب إلى قفص الاتهام. غدا ستظهر في عرض عام لإمتاع ميلفورد. لكن اليوم حياتها لا ~~تزال ملكا لها، فبإمكانها أن تشاركه البهجة، وتسعد بتلك اللحظة. أو هكذا بدا الأمر ~~تقريبا إن كانت عيناها اللامعتان دليلا على سعادتها. # أخذا أطباق الجبنة من أمام الاثنين الآخرين، اللذين لم يوقفا حديثهما انتباها لحركة ~~الأطباق، وحملا صينيتي الأطباق المتسخة إلى المطبخ وأعدا القهوة هناك. كان المكان ~~معتما بشدة مع أرضية ذات بلاطات حجرية، وحوض عتيق أقبضه ما إن وقع بصره ~~عليه. # قالت ماريون، ملاحظة اهتمامه بالمكان: «لا نشغل الموقد إلا في أيام الإثنين ms183 عند ~~الانتهاء من التنظيف.» ثم تابعت قائلة: «وعدا ذلك نطهو على موقد الزيت الصغير.» # فكر في الماء الساخن الذي يسيل على الفور في حوض الحمام المشرق عندما فتح صنبور الماء ~~صباح اليوم، فخجل من نفسه. بعد سنوات طوال من الحياة الناعمة؛ إذ ليس بإمكانه تخيل أن ~~يستحم أحد بماء سخن على موقد زيت. # قالت، أثناء صب القهوة الساخنة في الإبريق: «صديقك ظريف، أليس كذلك؟ وشرير قليلا - ~~ربما يرتعد الواحد منا خوفا منه كمحام للخصم - لكنه ظريف.» # قال روبرت، بحزن: «هؤلاء هم الأيرلنديون.» وتابع: «يبدو طبيعيا بالنسبة إليهم مثله مثل ~~التنفس. أما نحن الإنجليز المساكين فنسير الهوينى في طريق وعر أمامنا، ونتساءل كيف ~~سلكوه.» # ومن ثم التفتت إليه لتعطيه الصينية كي يحملها، وبهذا صارت أمامه وأيديهما متلامسة ~~تقريبا. فقالت: «يتمتع الإنجليز بصفتين هما أكثر ما أقدرهما في هذا العالم. صفتان ~~تبرران السبب في أنهم حكموا الأرض. العطف والاعتمادية - أو التسامح والمسئولية، إذا كنت ~~تفضل هذين المصطلحين. صفتان لم يمتلكهما الكيلتيون، وهو السبب في أن الأيرلنديين لم ~~يرثوا شيئا غير المشاحنة. تبا، نسيت الكريمة. انتظر لحظة. فنحن نحافظ على برودتها في ~~غرفة غسل الملابس.» ثم عادت بالكريمة وقالت، بلهجة قروية ساخرة: «سمعت أنه يقال إن هناك ~~شيئا يدعى ثلاجات في منازل بعض الناس الآن، لكننا في غنى عن أي منها.» # وبينما كان يحمل القهوة إلى ضوء الشمس الساطع في قاعة الاستقبال، تصور البرودة المرجفة ~~لمثل هذه المطابخ في فصل الشتاء من دون أي موقد مستعر كما قد كان في أيام الرخاء لهذا ~~المنزل عندما كان يسيطر أحد الطهاة على ستة من الخدم وتشترى عربة كاملة من الفحم. تمنى ~~روبرت أن لو أخذ ماريون بعيدا عن هذا المكان. لكنه لم يكن يعرف تماما إلى أين سيأخذها - ~~فمنزله تملؤه هالة العمة لين. لا بد أن يكون مكانا حيث لا شيء لتلمعه ولا شيء لتحمله ~~وكل شيء حرفيا يمكن إنجازه بضغطة زر. لم يكن بإمكانه أن يتخيل ماريون تقضي شيخوختها في ~~تلميع بعض قطع الأثاث ms184 الماهوجنية. # أثناء تناولهم القهوة ساق الحوار بلطف حول إمكانية بيعهما لمنزل فرنتشايز في وقت من ~~الأوقات وشراء بيت صغير في مكان ما. # قالت ماريون: «لا أحد سيشتري المكان. إنه مثل فيل أبيض. منزل مكلف ولا فائدة من ورائه. ~~ليس كبيرا بما يكفي كي يصبح مدرسة، وموقعه بعيد عن المدينة؛ لذا لا يصلح كشقق سكنية، ~~وأكبر من أن تعيش فيه أسرة واحدة في هذه الأيام.» ثم أضافت، وعيناها ممعنتان في الحائط ~~الوردي خلف النافذة: «ربما يصلح لمستشفى أمراض عقلية»؛ ورأى روبرت أن كيفين استرق نظرة ~~إليها ثم ولى مسرعا ببصره. «المكان هادئ، على الأقل. لا أشجار لتصدر حفيفا، ولا لبلاب ~~لينقر على زجاج النوافذ، ولا طيور لتنعق حتى تدفعك إلى الصراخ. فالمكان في غاية الهدوء ~~يناسب أعصابا منهكة. ربما أن شخصا ما قد يفكر فيه لهذا الغرض.» # لهذا أحبت الهدوء؛ السكون الذي كان قد ارتآه مميتا. لعل ذلك ما كانت تهفو إليه في ~~حياتها الصاخبة والمزدحمة والحافلة بطلبات عاجلة في لندن، حياتها في الغرف المتهالكة ~~والضيقة. لهذا كان هذا المنزل الكبير الهادئ المخيف ملاذا آمنا. # لكنه لم يعد الآن ملاذا آمنا. # يوما ما - أتمنى من الله أن يأتي ذلك اليوم - يوما ما سوف يجرد بيتي كين مما حظيت ~~به من ثقة وحب إلى الأبد. # قالت ماريون: «والآن، أنت مدعو لمعاينة «العلية المشئومة».» # قال كيفين: «أجل، أنا مهتم أشد الاهتمام برؤية الأشياء التي ادعت الفتاة أنها ~~تعرفت عليها. بدت لي جميع أقوالها نتاج تخمينات منطقية. مثل السجاد الأكثر خشونة ~~على المجموعة الثانية من درجات السلم. أو خزانة الأدراج الخشبية - وهو شيء ستجده بكل ~~تأكيد في منزل ريفي. أو صندوق الأمتعة ذي السطح المستوي.» ~~«أجل، كانت مخيفة قليلا حينها الطريقة التي ظلت تكتشف بها الأشياء التي لدينا - ولم ~~يكن الوقت قد اتسع لي لأستجمع قواي العقلية - ولم يتبين لي إلا بعد ذلك بمدة ضآلة ~~ما حددته حقا في أقوالها. وقد ارتكبت خطأ فادحا تماما، لم يخطر ببال أحد إلا في ~~الليلة الماضية. هل ms185 أحضرت الأقوال، يا روبرت؟» ~~«أجل.» وأخرجها من جيبه. # ومن ثم صعدوا، هي وروبرت وماكديرموت، إلى المجموعة الأخيرة من درجات السلم العارية ثم ~~قادتهما إلى داخل العلية. وقالت: «صعدت إلى هنا الليلة الماضية في جولتي المعتادة في يوم ~~السبت في أرجاء المنزل بالممسحة. هذا هو الحل المتوفر لدينا لمشكلة تنظيف المنزل، في ~~حال أن ذلك يثير اهتمامك. تمرر على كل الأرضيات مرة واحدة في الأسبوع ممسحة كبيرة لها ~~قدرة على الامتصاص، مبللة جيدا بمادة ملمعة. تستغرق المهمة خمس دقائق في كل غرفة ~~وتزيل الغبار بعيدا.» # كان كيفين يتفقد الغرفة، ويعاين المشهد من النافذة. وقال: «هذا إذن المشهد الذي ~~وصفته.» # قالت ماريون: «أجل، ذلك هو المشهد الذي وصفته. ولو أنني أتذكر بدقة الكلمات الواردة ~~في أقوالها، مثلما تذكرتها الليلة الماضية، فإنها قالت شيئا إنه لا يمكنها ... روبرت، هل ~~لك أن تتفضل بقراءة الجزء الذي تصف فيه المشهد من النافذة؟» # بحث روبرت عن الفقرة ذات الصلة، ثم أخذ يقرؤها. بينما انحنى كيفين قليلا إلى الأمام ~~محدقا في النافذة الدائرية الصغيرة، وماريون تقف وراءه، بابتسامة خافتة كعرافة. # قرأ روبرت: ««من نافذة العلية كان بإمكاني أن أرى سورا عاليا من الطوب في منتصفه بوابة ~~حديدية ضخمة. كان يوجد طريق على الجانب الآخر من السور؛ لأني رأيت أعمدة خطوط الهاتف ~~والبرق. لا، لم يكن بوسعي ملاحظة أي حركة سير عليه؛ لأن السور كان مرتفعا للغاية. ليس ~~سوى أسطح الأحمال المنقولة على الشاحنات في بعض الأحيان. ولا يسعك الرؤية من البوابة؛ ~~لأن ألواحا حديدية مثبتة عليها من الداخل. وداخل البوابة هناك مسار للسيارات يسير في ~~اتجاه مستقيم قليلا ثم ينقسم إلى مسارين يشكلان دائرة تفضي إلى الباب. لا، لم تكن ~~حديقة، فقط ...»» # صاح كيفين، وهو يعتدل فجأة: «ماذا!» # سأل روبرت، واندهش: «ماذا عن أي شيء؟» ~~«اقرأ الجزء الأخير مرة أخرى، ذلك الجزء عن مسار السيارات.» ~~««وداخل البوابة هناك مسار للسيارات يسير في اتجاه مستقيم قليلا ثم ينقسم إلى مسارين ~~يشكلان دائرة تفضي إلى ...»» # لكن أوقفه ضحك عال ms186 من كيفين. كلمة واحدة غير متوقعة تحمل انتصارا مبهجا. # قالت ماريون أثناء ذلك الصمت الفجائي: «أرأيت؟» # قال كيفين بهدوء، وعيناه اللامعتان تتمليان في المشهد بإعجاب: «أجل.» وتابع: «ثمة شيء ~~لم تنتبه إليه.» # تحرك روبرت عندما أفسحت ماريون له الطريق ليقف مكانها، وبذلك رأى ما كانا يتحدثان ~~عنه. فحدود السطح بسوره الصغير يقطع مشهد الفناء قبل أن يتفرع مسار السيارات بأي شكل ~~من الأشكال. وليس لأحد محبوس في تلك الغرفة أن يعرف شيئا عن نصفي الدائرة اللذين ~~يفضيان إلى المدخل. # قالت ماريون: «كما ترى، فالمحقق قرأ الوصف عندما كنا مجتمعين في قاعة الاستقبال. ~~وعلمنا جميعا أن الوصف كان دقيقا. أقصد التوصيف الدقيق لما كان عليه الفناء؛ ولهذا ~~تعاملنا لاشعوريا على أنه أمر مفروغ منه. حتى المحقق. أتذكر نظرته إلى المشهد من ~~النافذة لكنها كانت إيماءة تلقائية تماما. لم يخطر ببال أي منا أن المشهد ربما لم ~~يبد كما وصف. في الواقع، ما عدا تفصيلة واحدة صغيرة كانت كما وصفت.» # قال كيفين: «ما عدا تفصيلة واحدة صغيرة.» وتابع: «إنها وصلت في الظلام وهربت في الظلام، ~~وتقول إنها حبست في الغرفة طوال الوقت؛ لهذا ليس بإمكانها أن تعرف أي شيء عن المسار ~~المتفرع. ماذا تقول، مرة أخرى، عن وصولها، يا روب؟» # بحث روبرت عن الفقرة ثم قرأ: ~~««توقفت السيارة في النهاية وخرجت السيدة الشابة، ذات الشعر الأسود، ثم دفعت ~~بوابة كبيرة مزدوجة على مصراعيها لدخول السيارة. ثم عادت إلى السيارة وقادتها ~~حتى وصلنا إلى منزل. لا، كان الظلام حالكا لدرجة استحالت معها رؤية نوع المنزل، ~~باستثناء أنه كان له درجات سلم مؤدية إلى الباب. لا، لا أتذكر عدد درجات ~~السلم؛ أعتقد أنها أربع أو خمس درجات. أجل، بالتأكيد كانت مجموعة صغيرة من ~~درجات السلم.» ثم تستمر في السرد عن أخذها إلى المطبخ لتناول القهوة.» # قال كيفين: «إذن.» وتابع: «ماذا عن روايتها عن مجموعة درجات السلم؟ أي وقت من الليل ~~كان ذلك؟» # قال روبرت وهو يقلب الصفحات: «في وقت ما بعد العشاء إذا كنت ms187 أتذكر بشكل صحيح.» ~~وأضاف: «بعد حلول الظلام، على أي حال. ها هي.» ثم قرأ: ~~««عندما وصلت إلى العتبة الأولى، تلك التي فوق الردهة، كان بإمكاني سماعهما ~~تتحدثان في المطبخ. لم يكن هناك أي ضوء في الردهة. ثم واصلت النزول إلى ~~المجموعة الأخيرة من درجات السلم، وأنا أتوقع في كل لحظة أن إحداهما ستأتي وتمسك ~~بي، ثم اندفعت مسرعة إلى الباب. لم يكن موصدا وركضت فورا إلى الخارج ونزلت ~~درجات السلم واتجهت نحو البوابة ثم إلى الطريق في الخارج. ركضت على امتداد ~~الطريق - أجل، كان صلبا مثل الطريق الرئيسي - حتى عجزت عن الركض أكثر من ذلك، ~~واسترحت على العشب حتى شعرت أني قادرة على المواصلة».» # اقتبس كيفين قائلا: «كان الطريق صلبا، مثل الطريق الرئيسي.» ثم أضاف قائلا: «والدليل ~~أن الظلام كان حالكا لدرجة استحالت عليها رؤية سطح الأرض الذي تركض عليه.» # سادت لحظة صمت قصيرة. # قالت ماريون: «تعتقد والدتي أن هذا كاف لتكذيبها.» نقلت بصرها من روبرت إلى كيفين، ~~ثم عادت إليه مرة أخرى، من دون أمل كبير. «لكنكما لا تعتقدان هذا، أليس كذلك؟» بصعوبة ~~نطق هذا في صيغة سؤال. # قال كيفين: «لا. لا. ليس وحده. ربما تتملص من ذلك بمساعدة محام بارع. ربما تقول إنها ~~كانت قد استنتجت الدائرة من دوران السيارة عند وصولها. والشيء الذي ربما أنها استنتجته، ~~بكل تأكيد، كان هو الحركة الدائرية العادية للسيارة. ليس لأحد أن يفكر بعفوية في أي ~~شيء بهذا القدر من الغرابة مثل ذلك المسار الدائري. فهو يشكل مسارا دقيقا، هذا كل ما ~~في الأمر - وهذا السبب المرجح لأنها تذكرته. أظن أنه يجب الاحتفاظ بهذا الدليل الصغير ~~لمحكمة المقاطعة الرئيسية بصفته دليلا مكملا لباقي الأدلة.» # قالت ماريون: «أجل، ظننتك ستقول ذلك.» ثم تابعت قائلة: «لست محبطة حقا. كنت سعيدة ~~بالأمر، ليس لأني ظننت أنه سيخلصنا من التهمة، لكنه سيخلصنا من الشك الذي لا بد ~~أنه ... لا بد أنه ...» ثم تلعثمت فجأة، متحاشية النظر إلى عيني روبرت. # أنهى كيفين الجملة، سريعا: «لا بد أنه ms188 عكر أذهاننا الصافية.» ثم رمق روبرت بنظرة ~~ماكرة سعيدة. وتابع: «كيف خطر ذلك في بالك الليلة الماضية عندما أتيت لمسح الغرفة؟» ~~«لا أعرف. وقفت أتطلع من النافذة، أمام المشهد الذي وصفته، وفي داخلي أتمنى لو أنه ~~بإمكاننا إيجاد دليل واحد صغير ودقيق في صالحنا. ثم، من دون تفكير، سمعت صوت المحقق ~~جرانت وهو يقرأ ذلك الجزء في قاعة الاستقبال. فقد أخبرنا عن أغلب القصة بأسلوبه، كما تعرف. ~~لكن الأجزاء التي أتت به إلى منزل فرنتشايز قرأها بكلمات الفتاة. سمعت صوته - وهو صوت لطيف ~~- يقول هذا الجزء عن مسار السيارات الدائري، ومن المكان الذي كنت أقف فيه في تلك اللحظة ~~لم يظهر أي مسار دائري. ربما كانت استجابة لصلواتي الخفية.» # قال روبرت: «أما زلت تعتقد أنه من الأفضل أن تظهرا أمام المحكمة غدا، وندخر كل شيء ~~لمحكمة المقاطعة الرئيسية؟» ~~«أجل. المسألة لا تختلف في الواقع بالنسبة إلى الآنسة شارب ووالدتها. الحضور في مكان ~~يشبه كثيرا الحضور في مكان آخر - إلا إذا كانت محكمة المقاطعة الرئيسية في نورتون ~~أقل ثقلا على النفس من محكمة الجنح والمخالفات في موطنك الرئيسي. وكلما استغرق ~~حضورهما مدة قصيرة كان ذلك أفضل من وجهة نظرهما. فليس لديك دليل لتقدمه أمام ~~المحكمة غدا؛ لهذا يجب أن يكون حضورا قصيرا ورسميا. فيقتصر الأمر على استعراض الأدلة ~~لديهم، والإعلان عن تأجيل الدفاع، وتقديم طلب للخروج بكفالة، وهكذا!» # كان هذا مناسبا لروبرت بما يكفي. لم يرد أن يطيل معاناتهما غدا؛ كان على أي حال ~~يودع ثقة كبرى في أي حكم يصدر خارج ميلفورد، وأكثر ما لم يكن يريده، بما أن الأمر قد ~~وصل إلى قضية الآن، هو قبول الدعوى جزئيا، أو رد الدعوى. ذلك لن يفي بغرضه المعني ~~الذي يبتغيه لبيتي كين. أراد أن تحكى قصة ما حدث في ذلك الشهر كاملا في محاكمة علنية، ~~في حضور بيتي كين. وفي الوقت الذي تعقد فيه جلسة محكمة المقاطعة الرئيسية بنورتون، ~~ستصبح لديه القصة، بمشيئة الله، جاهزة لسردها. # سأل كيفين أثناء عودتهما إلى ms189 المنزل لتناول الشاي: «من بإمكاننا الاستعانة به للدفاع ~~عنهما؟» # مد كيفين يده إلى جيبه، فاعتقد روبرت بأن ما يبحث عنه هو قائمة بالعناوين. لكن من ~~الواضح أن ما أخرجه كان مفكرة مواعيد. # سأل: «ما تاريخ عقد الجلسة في محكمة المقاطعة الرئيسية بنورتون، هل تعرف؟» # أخبره روبرت، ثم حبس أنفاسه. ~~«من الممكن أني ربما سآتي بنفسي. دعني أر، دعني أر.» # تركه روبرت ليرى في صمت تام. شعر بأن كلمة واحدة ينطق بها قد تبطل السحر. # قال كيفين: «أجل. لا أرى سببا يمنعني - إلا إذا وقع شيء غير متوقع. أحببت ساحرتيك. ~~وسيسعدني أن أتولى الدفاع عنهما أمام ذلك الاتهام السيئ. من الغريب أنها أخت تشارلي ~~ميريديث. إن ذلك الرجل العجوز هو واحد من أفضل الناس. تقريبا تاجر الأحصنة الوحيد الأمين ~~المعروف في التاريخ. لم أتوقف عن الإقرار بالعرفان إليه على ذلك المهر. إن المهر الأول في ~~حياة الفتى هو شيء غاية في الأهمية. إذ يؤثر على حياته بأكملها فيما بعد؛ ليس مجرد ~~تأثير في سلوكه تجاه الخيل؛ بل كذلك في كل شيء آخر. ثمة شيء في الثقة والصداقة التي تنشأ ~~بين الصبي والحصان الجيد الذي ...» # كان روبرت منصتا، ومرتاحا ومستمتعا. كان قد أدرك، بتهكم لطيف غير ممزوج بمرارة، أن ~~كيفين قد تخلى عن أي فكرة عن اعتبار السيدتين شارب مذنبتين قبل أن يقدم إليه دليل ~~المشهد الواضح من النافذة. لم يكن محتملا أن أخت تشارلي ميريديث قد تخطف أحدا. # | الفصل السابع عشر # قال بن كارلي، ناظرا إلى المقاعد الطويلة المتكدسة بالحضور داخل المحكمة الصغيرة: ~~«أمر مدهش لي دائما أن الكثير من المواطنين لديهم مهام قليلة يجب إنجازها صباح يوم ~~الإثنين. رغم أنه حقيق علي القول بأنه قد مر وقت منذ أن كان للحاضرين مثل هذه الروح ~~العالية. هل لاحظت تلك التي تدير متجر الملابس الرياضية؟ الصف قبل الأخير، التي ترتدي قبعة ~~صفراء لا تليق مع مسحوق التجميل البنفسجي ولا حتى مع شعرها. إذا تركت العمل في عهدة تلك ~~الفتاة التي من عائلة ms190 جودفري، فستنهب منها الفكة الليلة. أنقذتها من العقوبة لما كانت ~~في الخامسة عشرة من عمرها. كانت تسرق نقودا منذ أن صارت تسير على قدميها ولا تزال ~~مستمرة في سرقتها. ليس لفتاة أن تترك وحدها مع خزينة نقود، صدقني. وتلك السيدة آن ~~بولين. أول مرة أراها في المحكمة. رغم أنها كانت تتجنب الحضور منذ مدة طويلة لا أعرف ~~قدرها. وأختها تسدد طوال الوقت نقدا قيمة الشيكات المردودة. لم يكتشف أحد أبدا ما ~~الذي تفعله بهذا المال. ربما أن أحدا يبتزها. أتساءل من عساه أن يكون. لا أستبعد أن ~~يكون آرثر ووليس، نادل مطعم ذا وايت هارت. ثلاثة أوامر مختلفة بالدفع كل أسبوع، وآخر ~~في الطريق، والتي ما كان لنادل أن يدفعها من راتبه.» # ترك روبرت كارلي يثرثر من دون أن يعيره سمعه. كان مدركا تماما فحسب أن الحاضرين ~~في المحكمة ليسوا هم مجموعة المتسكعين المعتادين في صباح يوم الإثنين الذين يماطلون في ~~الوقت حتى يفتحوا. كانت الأنباء قد انتشرت، عبر قنوات ميلفورد الغامضة؛ لذا جاءوا ليروا ~~السيدتين شارب بينما تدانان. وكآبة المحكمة المعتادة صارت زاهية بملابس السيدات، ~~وهدوءها المعتاد الباعث على النعاس ساده الهمس من ثرثرة الحضور. # أحد الوجوه التي رآها كان لا بد أن يكون وجها ناقما لكنه كان ودودا على نحو غريب؛ ~~كان وجه السيدة وين، التي رآها آخر مرة تقف في حديقتها الصغيرة اللطيفة في ميدوسايد لين، ~~بإيلزبري. وقد عجز عن التفكير في السيدة وين على اعتبار أنها عدو. إذ إنه أعجب بها، ~~وقدرها، وشعر بالأسف لها مسبقا. كان يود لو أنه يذهب إليها ويحييها، لكن اللعبة ~~دبرت بدقة في تلك اللحظة وصاروا رقع شطرنج ذات ألوان مختلفة. # لم يكن جرانت قد ظهر حتى الآن، لكن هالم كان حاضرا، يتحدث إلى الضابط الذي ذهب إلى ~~منزل فرنتشايز في الليلة التي حطم فيها المخربون نوافذ المنزل. # سأل كارلي، أثناء مهلة التوقف القصيرة التي تخللت تعليقاته المتواصلة: «وما أحوال ~~المحقق السري الخاص بك؟» # قال روبرت: «المحقق على ما يرام، لكن ms191 الأمر جلل. فالمسألة أكثر تعقيدا من الإبرة التي ~~يضرب بها المثل أنها وقعت وسط كومة القش.» # سخر بن قائلا: «فتاة واحدة أمام العالم.» وتابع: «أتطلع لرؤية هذه الساقطة بشحمها ~~ولحمها. أظن أنها بعد كل الرسائل التي جاءتها من المعجبين، وعروض الزواج، وتشبيهها ~~بالقديسة بيرناديت، فإنها ستعتقد أن محكمة الجنح والمخالفات ميدان صغير للغاية عليها. ~~هل تلقت أي عروض للتمثيل على المسرح؟» ~~«ليس لي أن أعرف.» ~~«أعتقد أن أمها ستمنعها على أي حال. ها هي هناك ترتدي بدلة لونها بني، تبدو في نظري ~~سيدة متزنة كثيرا. يستعصي علي التفكير في كيف أنها أنجبت ابنة مثل ... أوه، لكنها ابنة ~~بالتبني، أليس كذلك؟ عظة مخيفة. يثير عجبي دائما كيف لا يعرف الناس الكثير عن ~~الأشخاص الذين يعيشون معهم. كانت هناك امرأة في هام جرين لها ابنة لا تغيب عن عينيها على ~~حد علمها، لكن الابنة خرجت في حالة غضب ذات يوم ولم تعد والأم الثائرة ذهبت تولول ~~إلى الشرطة، وتكتشف الشرطة أن الفتاة التي على ما يبدو أنها لم تفارق أمها ليلة واحدة ~~هي سيدة متزوجة ولديها طفل، وأنها أخذت طفلها وذهبت لتعيش مع زوجها. راجع سجلات ~~الشرطة إذا لم تكن تصدق بن كارلي. وبالمناسبة، إن صرت غير راض عن المحقق السري فأخبرني ~~بذلك وسأعطيك عنوان محقق بارع. ها نحن سنبدأ.» # نهض توقيرا للقاضي، مواصلا كلامه الممل عن لون بشرة القاضي، ومزاجه المحتمل، وقضاياه ~~المحتملة بالأمس. # حسمت ثلاث قضايا نمطية؛ فكان من الواضح أن مرتكبي المخالفات المخضرمين اعتادوا على ~~الإجراءات، لدرجة أنهم توقعوا الخطوات المتبعة، وروبرت توقع بدرجة ما أن يقول أحد: ~~«انتظر، ألا يمكنك؟!» # ثم رأى جرانت يدخل في هدوء ويجلس جلسة المراقب خلف مقعد الصحفيين، فأدرك أن الوقت قد ~~حان. # دخلتا معا عندما نودي على اسميهما، ثم تبوأتا مكانيهما على مقعد صغير بشع وكأنهما ~~تتبوآن مكانيهما في الكنيسة. رأى أن المشهد كان أشبه قليلا بذلك؛ العيون هادئة ~~مترقبة، الهيئة الموحية بانتظار بدء العرض. لكنه انتبه فجأة لما كان سيشعر به لو ms192 أن ~~العمة لين مكان السيدة شارب، استشعر تماما لأول مرة الإحساس الذي لا بد أن ماريون تقاسيه ~~نيابة عن والدتها. حتى لو برأتهما محكمة المقاطعة الرئيسية من التهمة، فماذا قد ~~يعوضهما عما تحملتاه؟ أي عقوبة تناسب جريمة بيتي كين؟ # بالنسبة إلى روبرت، لكونه عتيق التفكير، فهو يؤمن بالقصاص. ربما أنه لا يتفق طوال الوقت ~~مع النبي موسى - ألا يكون العقاب قائما دائما على العين بالعين - لكنه يتفق قطعا مع ~~جيلبرت الذي يرى أن العقوبة يجب أن تتناسب مع الجريمة. ولم يؤمن بتاتا بأن قليلا من ~~الحوار الهادئ مع القس والوعد بالإصلاح من شأنهما أن يحولا المجرم إلى مواطن جدير ~~بالاحترام. فتذكر كيفين وهو يقول ذات ليلة، بعد نقاش طويل عن الإصلاح الجنائي: «إن ~~المجرم الحقيقي به صفتان ثابتتان، وهاتان الصفتان هما ما تجعلانه مجرما. الغرور القاتل، ~~والأنانية المفرطة. وكلتاهما صفتان فطريتان، ومتأصلتان مثلهما كمثل ملمس البشرة فيه. ~~ربما يشبه حديثك عن «الإصلاح» حديثك عن تعديل لون العينين.» # فاعترض شخص ما قائلا: «لكن هناك غيلان من الغرور والأنانية لم يصبحوا ~~مجرمين.» # قال كيفين: «لأنهم فقط استهدفوا زوجاتهم كضحايا بدلا من استهدافهم المصارف.» ثم أضاف ~~قائلا: «كتبت مجلدات في محاولة لوضع تعريف للمجرم، لكن تعريفه غاية في البساطة رغم ~~كل ذلك. المجرم هو شخص أصبح الدافع الرئيسي وراء أفعاله هو إشباع احتياجاته الشخصية ~~الملحة. لا يمكنك شفاؤه من أنانيته، لكن يمكنك أن تجعل التمادي فيه غير مجد له. أو ~~يكاد يكون كذلك.» # تذكر روبرت أن فكرة كيفين عن الإصلاح في السجون كانت الترحيل إلى مستعمرة للعقاب. وهو ~~مجتمع منعزل يعمل كل فرد فيه عملا شاقا. لم يكن هذا الإصلاح ليصب في صالح السجناء. ~~إنما ربما يوفر حياة ألطف إلى السجانين، كما قال كيفين؛ ويفرد مساحة كبرى في هذه ~~الجزيرة المزدحمة لمنازل المواطنين الصالحين وحدائقهم؛ وبما أن أغلب المجرمين كرهوا العمل ~~الشاق أكثر من كرههم لأي شيء آخر في هذا العالم، فربما يكون ذلك رادعا أفضل من ~~الخطة الحالية التي، في تقدير كيفين، ms193 لم تعد خطة عقابية أكثر منها مدرسة حكومية من ~~الدرجة الثالثة. # ناظرا إلى الجسدين داخل قفص الاتهام فكر روبرت أن «في الأزمنة القديمة السيئة» يوضع ~~المذنب فقط في إطار خشبي تكبل فيه يداه ورأسه. أما في أيامنا هذه، فذلك الذي لم يخضع ~~للمحاكمة هو الذي يستحق الوقوف في ذلك الإطار الخشبي، والمذنب ينقل في الحال إلى مخبأ ~~آمن. شيء ما قد صار خطأ في مكان ما. # ارتدت السيدة شارب قبعة سوداء مسطحة من الساتان وهي التي حضرت بها إلى مكتبه صباح ~~اليوم الذي اقتحمت فيه صحيفة «أك-إيما» قضيتهما، وبدت سيدة تقليدية، جديرة بالاحترام، ~~لكن غريبة. ماريون هي الأخرى كانت ترتدي قبعة - اعتقد أن ذلك لم يكن بدافع توقير المحكمة ~~أكثر منها اتقاء لنظرة عامة الناس. كانت قبعة بسيطة من اللباد، ولها حافة قصيرة؛ ~~وطابعها التقليدي قد خفف إلى درجة ما من حدة هيئتها المعتادة التي تعكس لامبالاتها ~~بمن حولها. مع شعرها الأسود المحجوب وعينيها اللامعتين المتواريتين لم تبد أكثر ~~اسمرارا مما ربما تبدو عليه سيدة عادية تمضي وقتا في الهواء الطلق. رغم افتقاد روبرت ~~لشعرها الأسود وبريق عينيها ظن أنه من الأفضل أنها أطلت بمظهر «عادي» قدر الإمكان. ~~ربما يخفف ذلك من الشعور الفطري الذي يكنه لها خصومها بضربها حتى الموت. # ثم رأى بعدها بيتي كين. # إن الضجة التي أثيرت في مقعد الصحفيين هي ما أعلمته بحضورها المحكمة. كان يشغل مقعد ~~الصحافة في العادة متدربون متململون على فن التغطية الصحافية؛ متدرب ممثل عن ~~صحيفة «ميلفورد أدفرتايزر» (مرة أسبوعيا، يوم الجمعة)، ومتدرب آخر يجمع بين صحيفة ~~«نورتون كورير» (مرتين أسبوعيا، أيام الثلاثاء والجمعة)، و«لاربورو تايمز»، وأي صحفي ~~آخر قد يعنيه الأمر. لكن مقعد الصحفيين اليوم كان ممتلئا، والوجوه هناك لم تكن وجوها ~~شابة أو أصابها الملل. إنما كانت وجوه رجال دعوا إلى وجبة وكانوا قد شمروا عن ~~سواعدهم لها. # وتمثل في بيتي كين ثلثا الدافع الذي جاءوا من أجله. # لم يكن روبرت قد رآها منذ أن كانت واقفة في قاعة الاستقبال ms194 بمنزل فرنتشايز وهي ترتدي ~~معطف مدرستها الأزرق الداكن، فأثار دهشته من جديد هيئتها الشابة وبراءتها العفوية. في ~~الأسابيع التي مرت بعد أن رآها أول مرة كانت صورتها في عقله قد تحولت إلى صورة وحش؛ ~~لم يفكر فيها إلا كإنسانة فاسدة ألقت بشخصين داخل قفص الاتهام. أما الآن، بعد أن رأى ~~بيتي كين في صورتها الحقيقية الفعلية مرة أخرى، فقد صار حائرا. أدرك أن هذه الفتاة والوحش ~~الذي في عقله هما الشخص نفسه، لكن استعصى عليه أن يميز الفرق بينهما. وإذا كان هو، ذاك ~~الذي عرف بيتي كين تمام المعرفة في تلك اللحظة، قد أبدى رد فعل مثل ذلك في حضورها، فما ~~بال تأثير جمالها الطفولي على الرجال الصالحين والمخلصين عندما يحين وقت حضورها؟ # كانت ترتدي ملابس «عطلة نهاية الأسبوع»، وليس زي مدرستها. فملابسها الزرقاء الفاتحة ~~جعلت الإنسان يفكر في زهور أذن الفأر واحتراق الأخشاب وأزهار الجريس والطرق الطويلة في ~~فصل الصيف، فكان من المرجح أنها ستضلل رأي الرجال الحكماء. كانت قبعتها ذات الطابع ~~الشبابي والبسيط والأنيق ترتكز على الخلف بعيدا عن وجهها، فكشفت بذلك عن حاجبيها ~~الجذابين وعينيها المتباعدتين. أحل روبرت السيدة وين، من دون حتى أن يفكر في الأمر، ~~من عبء إلباس الفتاة من أجل هذا الحدث، لكنه كان مدركا بكل أسف أنها لو كانت ظلت ~~مستيقظة ليالي حتى تدبر هذا الزي لما كان له أن يفي بالغرض أفضل من ذلك. # عندما نودي على اسمها وسارت نحو منصة الشهود، استرق نظرة على وجوه أولئك الذين ~~بإمكانهم أن يروها بوضوح. باستثناء بن كارلي - الذي كان ينظر إليها باهتمام شخص منسجم ~~مع عرض داخل متحف - ثمة تعبير وحيد اعتلى وجوه الرجال، تعبير أشبه بشفقة حانية. ولاحظ ~~أن السيدات لم يستسلمن بهذه السهولة. فالسيدات اللاتي تزداد فيهن روح الأمومة أشفقن على ~~شبابها وضعفها، لكن السيدات الأصغر سنا لم يعترهن سوى الحماس؛ من دون أي إحساس غير ~~إحساس الفضول. # قال بن، بصوت هامس، بينما كانت تؤدي القسم: «لا أصدق ذلك!» ثم تابع قائلا: ms195 «أتقصد ~~أن هذه الطفلة كانت تعيش حياة عابثة لمدة شهر؟ لا أصدق أن سبق لها تقبيل أي شيء سوى ~~الكتاب المقدس!» # تمتم روبرت، في غضب من أن كارلي المحنك والوصولي كان يستسلم: «سأحضر شهودا لإثبات ~~ذلك.» ~~«يمكنك إحضار عشرة شهود لا غبار عليهم، لكنك ستظل عاجزا عن الإتيان بهيئة محلفين ~~تصدق ذلك؛ إنها هيئة المحلفين هي التي يعتد بها يا صديقي.» # صحيح، أي هيئة محلفين تلك التي قد تصدق أي شيء سيئ عنها! # أثناء مشاهدته لها وهي تستجوب عبر سرد قصتها، ذكر نفسه بشهادة ألبرت عنها: «فتاة ~~لطيفة مهذبة» لم يكن لأحد أن يفكر فيها على أنها امرأة عابثة على الإطلاق، ولا في ~~البراعة الفائقة التي جذبت بها الرجل الذي اختارته. # كان لها صوت مبهج كثيرا؛ صوت طفولي ناعم واضح، ليس له لهجة تميزه أو نبرة متصنعة. ~~فسردت روايتها كشاهد مثالي؛ لا يتطوع بإضافة أمور زائدة، وبدت محددة فيما قالته. ~~ووجد الصحفيون صعوبة بالغة في إبعاد أعينهم عنها لكتابة ملاحظاتهم المختصرة. أما القاضي ~~فكان يفرط في تدليلها بكل وضوح. (يا ليت القاضي يكون أكثر صرامة من ذلك في محكمة ~~المقاطعة الرئيسية!) أما أفراد الشرطة فكانوا يتعرقون قليلا من التعاطف. وجموع الحضور ~~في المحكمة كانت ساكنة لا تصدر منها حركة. # لم يكن لممثلة قط أن يحسن استقبالها بأفضل من ذلك. # كانت هادئة تماما، بقدر ما استطاع الجميع رؤيته، وغير مدركة على ما يبدو للتأثير ~~الذي تحدثه. لم تبذل قصارى جهدها لتوضيح وجهة نظر معينة، أو استخدام معلومة على نحو ~~درامي. وروبرت وجد نفسه متسائلا إذا ما كان هذا التبسيط للأمور متعمدا وما إذا كانت ~~مدركة لمدى تأثير ذلك بوضوح جلي. ~~«وهل رتقت الملاءات بالفعل؟» ~~«كان جسدي مجهدا من الضرب، في تلك الليلة. لكني رتقتها بعضها فيما بعد.» # وكأنها تماما كانت تقول: «كنت منشغلة باللعب ببطاقات الورق.» فقد أضفى هذا على ما قالته ~~انطباعا مذهلا بالصدق. # لم يبد كذلك أي دليل على الانتصار نتيجة لسردها للأدلة على ادعائها. كانت قد قالت ~~هذا ms196 وذاك عن مكان حبسها، وثبت صحته. لكنها في الواقع لم تظهر أي سعادة واضحة. عندما ~~سئلت إن كانت تعرفت على السيدتين في قفص الاتهام، وإن كانتا هما في الحقيقة السيدتين ~~اللتين قد حبستاها وضربتاها، فنظرت إليهما بإمعان في لحظة صمت ثم قالت إنها تعرفت ~~عليهما، وهما هاتان السيدتان. ~~«هل ترغب في الاستجواب يا سيد بلير؟» ~~«لا يا سيدي. ليس لدي أسئلة لطرحها.» # أحدث جوابه ضجة بسيطة من المفاجأة وخيبة الأمل بين الحضور في المحكمة، التي تتطلع ~~لمشاهدة أحداث درامية؛ وقوبل الأمر ممن لديهم بعض الخبرة في مثل هذه الأمور من دون ~~إبداء تعليق، فكان بديهيا أن القضية ستحال إلى محكمة أخرى. # كان هالم قد أدلى بأقواله، ثم جاء الدور بعد استجواب الفتاة على شهود الإثبات. # إن الرجل الذي رآها والسيارة تقلها ثبت أنه موظف فرز بمكتب البريد العام يدعى بيبر. ~~عمل على عربة بريد تابعة لشركة السكة الحديدية إل إم إس كان مسارها بين لاربورو ولندن، ~~وأنزل في محطة مينشيل في رحلة العودة؛ لأنها قريبة من منزله. وكان يسير عبر طريق لندن ~~المباشر الطويل من مينشيل، عندما لاحظ أن هناك فتاة صغيرة تنتظر في المحطة الخاصة بحافلات ~~لندن. كان لا يزال على مسافة بعيدة منها، لكنه لاحظها لأن حافلة لندن قد تجاوزته منذ نحو ~~نصف دقيقة، وقبل أن تصبح محطة الحافلات في نطاق رؤيته، وعندما رآها تنتظر هناك أدرك أن ~~الحافلة قد فاتتها. بينما كان سائرا نحوها لكن على مسافة لا تزال بعيدة، مرت به سيارة ~~مسرعة. لم ينظر حتى إلى السيارة لأن اهتمامه كان منصبا على الفتاة وعلى أنه لما يقترب ~~إليها فهل عليه أن يتوقف ويخبرها بأن حافلة لندن كانت قد مرت. ثم رأى السيارة تبطئ إلى ~~جانب الفتاة. فانحنت إلى الأمام حتى تتحدث إلى أي ممن كان في داخلها، ثم دخلت ~~السيارة وسارت بها بعيدا. # في هذا الحين أصبح قريبا بالدرجة الكافية التي تمكنه من وصف السيارة دون أن يتمكن من ~~قراءة رقمها. ولم يكن قد فكر ms197 في قراءة رقم السيارة على أي حال. كان سعيدا فحسب أن ~~الفتاة قد حصلت على توصيلة بهذه السرعة. # لم يكن ليقسم على أن الفتاة موضوع القضية كانت هي الفتاة التي كان قد رآها تدلي ~~بشهادتها، لكنه كان واثقا في قرارة نفسه. كانت ترتدي معطفا شاحب اللون ~~وقبعة - رمادية حسب ظنه - وخفا أسود. # خف؟ # حسنا، ذلك الحذاء الذي ليس به أربطة عند منطقة مشط القدم. # الحذاء الخفيف. # هكذا، كان حذاء خفيفا، لكنه أسماه خفا. (وظل مصرا، كما أظهرت نبرة صوته، على ~~الاستمرار في تسميته حذاء خفيفا.) ~~«هل ترغب في الاستجواب يا سيد بلير؟» ~~«لا، شكرا لك يا سيدي.» # ثم جاء الدور على روز جلين. # الانطباع الأول الذي كونه روبرت كان عن المثالية المبتذلة لأسنانها. فذكرته بطقم ~~أسنان مستعار صممه طبيب أسنان غير بارع. لم يوجد بكل تأكيد، وليس محتملا أن يوجد ~~مطلقا، أي أسنان طبيعية براقة بهذه الدرجة المثالية مثل الأسنان التي قد أخرجتها روز ~~جلين كبديل عن أسنانها اللبنية. # لم يظهر القضاة أيضا إعجابا بأسنانها، على ما يبدو؛ لهذا سرعان ما توقفت روز عن ~~الابتسام. لكن روايتها كانت مدمرة بما يكفي. كانت معتادة على الذهاب إلى منزل ~~فرنتشايز كل إثنين لتنظيف المنزل. وفي أحد أيام الإثنين من شهر أبريل كانت هناك كالمعتاد، ~~وكانت تستعد للانصراف في المساء عندما سمعت صوت صراخ ينبعث من مكان ما في الطابق ~~العلوي. فظنت أن شيئا قد أصاب الآنسة أو السيدة شارب؛ لهذا هرعت نحو قاعدة درجات ~~السلم. فتبين أن الصراخ من مكان بعيد، وكأنه قادم من العلية . كانت على وشك الصعود، ~~لكن السيدة شارب خرجت من قاعة الاستقبال وسألتها عما تفعله. فأخبرتها بأن هناك من يصرخ ~~في الطابق العلوي. فقالت السيدة شارب إن هذا كلام فارغ، وإنها تتوهم أشياء، وإن وقت ~~عودتها إلى منزلها قد حان. كان الصراخ قد توقف حينها، وأثناء حديث السيدة شارب نزلت ~~الآنسة شارب. ثم اتجهت الآنسة شارب مع السيدة شارب إلى قاعة الاستقبال، وقالت السيدة ~~شارب شيئا أشبه بقول ms198 «يجب أن تكوني أكثر حذرا». ففزعت، دون أن تعرف السبب تماما، ثم ~~ذهبت إلى المطبخ وأخذت المال من المكان الذي كان يترك فيه النقود من أجلها على رف موقد ~~المطبخ، ثم ولت مسرعة من المنزل. كان تاريخ ذلك اليوم هو 15 أبريل. تذكرت التاريخ ~~لأنها قررت في المرة التالية التي ستعود فيها، في يوم الإثنين التالي، أن تعطي السيدتين ~~شارب مهلة أسبوع قبل تركها العمل، وفي الحقيقة فعلت ذلك، وانقطعت عن العمل لدى السيدتين ~~شارب منذ يوم الإثنين 29 أبريل. # سر روبرت قليلا الانطباع السيئ الذي تركته بوضوح على كل فرد من الحضور. سعادتها ~~الواضحة في تلك الأجواء المؤثرة، وبريق أسنانها المشابه لبريق زينة الاحتفال بالكريسماس، ~~وخبثها الواضح، وملابسها البشعة، كانت متعارضة بكل أسف مع حالة التحفظ لمن سبقها ~~على منصة الشهود وحسن تمييزه وفطنته. ومن التعبيرات التي اعتلت وجوه الحاضرين تكون ~~رأي عنها بأنها فتاة وقحة ولن يصدقها أحد ولو بأدنى درجة. # لكن ذلك لم يحط من أهمية الدليل الذي أقسمت عليه. # تساءل روبرت، الذي سمح لها بالانصراف، عما إذا كان من الممكن إثبات تهمة سرقة تلك ~~الساعة عليها، إذا جاز القول. ونظرا إلى أنها فتاة قروية، جاهلة بالأساليب المتبعة في ~~متاجر المراهنة، فكان من غير المحتمل أنها قد سرقت تلك الساعة لبيعها، وإنما أخذتها ~~لتحتفظ بها لنفسها. وبهذا، هل هناك طريقة ما لإدانتها بالسرقة والتشكيك في صحة دليلها ~~بهذا الصدد؟ # جاءت بعدها صديقتها جلاديس ريس. لقد بدت صغيرة وشاحبة ونحيلة بالقدر الذي بدت به ~~صديقتها مترفة. بدت خائفة ومضطربة، وأدت القسم في تردد . كانت لهجتها ثقيلة للغاية ~~حتى استعصى على هيئة المحكمة فهمها، واضطر محامي الادعاء عدة مرات أن يترجم كلامها ~~الإنجليزي المربك الذي لا معنى له إلى شيء أقرب من الكلام الدارج. لكن مضمون دليلها ~~كان واضحا. في مساء يوم الإثنين 15 أبريل كانت تسير مع صديقتها، روز جلين. لا، ليس نحو ~~أي مكان بعينه، تتمشى فقط بعد العشاء. إلى هاي وود جيئة وذهابا. فأخبرتها صديقتها ~~روز ms199 جلين بأنها خائفة من منزل فرنتشايز لأنها سمعت صراخ شخص ما في إحدى غرف الطابق ~~العلوي، رغم أنه من المفترض ألا يوجد أي أحد هناك. وقد عرفت، جلاديس، أن اليوم ~~الذي أخبرتها فيه روز بذلك كان الإثنين 15 أبريل لأن روز قالت إنها عند ذهابها الأسبوع ~~القادم ستعطي إخطارا قبل تركها العمل. وقد قدمت الإخطار وانقطعت عن العمل لدى ~~السيدتين شارب منذ يوم الإثنين 29. # قال كارلي، عندما غادرت منصة الشهود: «ترى بم ضغطت العزيزة روز عليها.» ~~«ما الذي يجعلك تظن أن لديها أي شيء تضغط به عليها؟» ~~«الناس لا تأتي وتحلف كذبا من أجل الصداقة؛ ولا حتى القرويون البلهاء مثل جلاديس ~~ريس. إن تلك الفتاة الحمقاء المسكينة التي تشبه الفأر الصغير تكاد أن تتيبس من الخوف. ~~ولم تكن لتأتي طواعية. لا، هذه الفتاة الأخرى التي تشبه المسخ لها طريقة ما في الإقناع. ~~ربما، هذه نقطة جديرة أن تبحث فيها إذا عجزت عن الحل.» # سأل ماريون، في طريق العودة بها هي وأمها إلى منزل فرنتشايز: «هل لعلك تعرفين بمحض الصدفة ~~رقم ساعتك؟» وتابع: «الساعة التي سرقتها روز جلين.» # قالت ماريون: «لم أعرف حتى أن الساعات لها أرقام.» ~~«الساعات القيمة لها.» ~~«عجبا، ساعتي كانت قيمة، لكني لا أعرف أي شيء عن رقمها. رغم أنها مميزة للغاية. ~~كان لها وجه من الإينامل بلون أزرق شاحب وأرقام مطلية بالذهب.» ~~«أرقام رومانية؟» ~~«أجل. لم تسأل؟ حتى لو أعيدت إلي لا يمكنني ارتداؤها أبدا بعد تلك الفتاة.» ~~«ما فكرت فيه لا يتعلق كثيرا بإعادتها، بقدر ما هو إدانتها بسرقتها.» ~~«ذلك سيصبح جيدا.» ~~«بن كارلي يطلق عليها «المسخ»، بالمناسبة.» ~~«يا له من اسم موفق! هكذا تبدو بالضبط. أهذا هو الرجل الضئيل الذي أردت أن تدفعنا ~~إليه، في ذلك اليوم الأول؟» ~~«ذلك هو.» ~~«يسرني كثيرا أني رفضت الدفع بي إليه.» # قال روبرت، بحس رزين فجأة: «آمل أن تظلي مسرورة عند انتهاء هذه القضية.» # قالت السيدة شارب من المقعد الخلفي في السيارة: «لم نشكرك حتى الآن على التكفل ~~بضماننا.» ms200 # قالت ماريون: «لو بدأنا نشكره على كل ما ندين به له، فلن نوفيه حقه من ~~الشكر.» # باستثناء، كما خطر بباله، أنه قد استعان بكيفين ماكديرموت للوقوف معهما - ~~وتلك صدفة منبعها الصداقة - ماذا كان بوسعه أن يقدمه ~~لهما؟ ستذهبان إلى المحاكمة في نورتون بعد أقل من أسبوعين، وليس لديهما أي دليل للدفاع ~~بأي شكل من الأشكال. # | الفصل الثامن عشر # كان يوم الثلاثاء يوما مشهودا في الصحف. # الآن بعد أن صارت قضية فرنتشايز دعوى قضائية، فلم تعد ساحة النضال مفتوحة أمام صحيفة ~~«أك-إيما» أو مجلة «ذا ووتشمان» - رغم أن صحيفة «أك-إيما» لم تتوان في تذكير قرائها ~~السعداء أنه في التاريخ كذا وكذا كانت قد ذكرت كذا وكذا، تصريح واضح ظاهره بريء لا غبار ~~عليه لكنه حافل بتعليقات محظورة، ولم يساور روبرت شك أنه في يوم الجمعة ستنسب مجلة «ذا ~~ووتشمان» فضلا مماثلا إلى نفسها، بتقدير مماثل. لكن باقي الصحف، التي لم تكن قد أبدت ~~أي اهتمام إلى حد كبير بقضية لم يكن لدى الشرطة نية في المساس بها، أفاقت بصيحة فرح ~~لتدلي بأنباء عن القضية. حتى الصحف اليومية الأكثر رصانة تناولت ظهور السيدتين شارب ~~في المحكمة، بعناوين رئيسية على شاكلة: «قضية استثنائية»، و«تهمة غير معهودة». أما الصحف ~~الأقل تحفظا فنشرت أوصافا كاملة للأطراف الرئيسية في القضية، بما في ذلك قبعة السيدة ~~شارب، وملابس بيتي كين الزرقاء، وصور لمنزل فرنتشايز، وهاي ستريت في ميلفورد، وصديقة بيتي ~~كين من المدرسة، وأي شيء آخر له علاقة من قريب أو بعيد. # لهذا أصاب الحزن قلب روبرت. فكل من صحيفة «أك -إيما» ومجلة «ذا ووتشمان»، كل بطريقته ~~المختلفة، كانت قد وظفت قضية فرنتشايز كحدث مثير. شيء ليوظفوه من أجل مكاسب لحظية ~~ثم يسقطوه في الغد. لكن القضية الآن صارت محل اهتمام قومي، تتناوله أخبار جميع ~~الجرائد من كل صنف ولون من كورنوول وحتى كيثنيس، وأظهرت الدلائل أنها صارت قضية رأي ~~عام. # انتابه إحساس بالقنوط لأول مرة. فالأحداث تلاحقه، ولا ملاذ له. أخذت الأحداث تتراكم ~~بعضها فوق بعض ms201 حتى بلغت أوجا مهيبا في محكمة نورتون ولم يكن بيديه ما يقدمه إلى ~~أوج تلك الأحداث؛ لا شيء على الإطلاق. أحس بشعور رجل رأى كومة متكدسة من الصناديق ~~الممتلئة تبدأ في الميل ناحيته ولا مأوى له ولا متكأ حتى يمنع هذا الانهيار. # صار رامسدن أكثر اقتضابا على الهاتف، وأقل تبشيرا بالخير. كان رامسدن منزعجا. ~~«حائرا» تلك الكلمة المستخدمة في قصص المخبرين التي تحكى للصبية، ولم يكن لها أدنى صلة ~~بأليك رامسدن الحقيقي. وبهذا فكان رامسدن منزعجا، وقليل الكلام، وكئيبا. # النقطة الوحيدة المشرقة في الأيام التي تلت جلسة المحكمة في ميلفورد كانت بفضل ستانلي، ~~الذي طرق باب مكتبه صباح يوم الخميس، ودس رأسه في الداخل، وعندما رأى روبرت يجلس وحيدا ~~دخل، دافعا الباب ليفتحه بيد ويفتش في جيب زي عمله باليد الأخرى. # قال: «صباح الخير.» وتابع: «أظن أنه عليك تولي تلك المسئولية. إن هاتين السيدتين في ~~منزل فرنتشايز لا عقل لديهما. فهما تحتفظان بالجنيهات الورقية في أباريق الشاي والكتب ~~وخلافه. إذا كنت تبحث عن رقم هاتف فمن المرجح أن تجد عملة ورقية بعشر شلنات موضوعة ~~أمام الصفحة التي بها عنوان الجزار.» ومن ثم أخرج لفة نقود ثم عد بجد على المكتب ~~أمام روبرت اثنتي عشرة عملة ورقية من فئة العشرة جنيهات. # قال: «مائة وعشرون جنيها.» وتابع: «مبلغ جيد، أليس كذلك؟» # قال روبرت، حائرا: «لكن ما هذا المبلغ؟» ~~«كومينسكي.» ~~«كومينسكي؟» ~~«لا تقل إنك لم تراهن عليه! بعد أن نصحتنا السيدة العجوز بنفسها. هل تقصد أنك قد نسيت ~~الأمر؟!» ~~«ستانلي، لم أتذكر حتى في الآونة الأخيرة أن هناك سباقا مثل سباق جينيس. هل راهنت ~~عليه إذن؟» ~~«راهنت على ستين ضعف مبلغ المراهنة. وهذا المبلغ هو عشر المكسب الذي أخبرتها بأنه ~~نصيبها، مقابل النصيحة.» ~~«لكن ... العشر؟ لا بد أنك كنت تراهن بتهور يا ستانلي.» ~~«عشرون جنيها. ضعف الحد الأقصى المعتاد لي. وبيل حقق مكسبا جيدا أيضا. سيهدي زوجته ~~معطفا من الفراء.» ~~«فاز الحصان كومينسكي إذن.» ~~«فاز بفارق طول حصان ونصف بلجام محكم الشد، وكانت ms202 تلك نتيجة غير متوقعة!» # قال روبرت وهو يرتب العملات الورقية بعضها فوق بعض ويجمعها: «حسنا، إذا سار الوضع من ~~سيئ إلى أسوأ وانتهى الحال بهما إلى الإفلاس، فبإمكان السيدة العجوز دائما أن تدير ~~تجارة رابحة بصفتها مستشارة في مراهنات سباق الخيل.» # نظر ستانلي في صمت إلى وجهه لوهلة، بدا واضحا في نبرة صوته حزنه بشأن أمر ما. وقال: ~~«الوضع يسير على نحو سيئ نوعا ما، أليس كذلك؟» # قال روبرت، مستخدما الأوصاف الخاصة بستانلي: «عصيب.» # قال ستانلي، بعد لحظة توقف: «لقد حضرت زوجة بيل جلسة المحاكمة.» وتابع: «وقالت لا ~~يمكن لها أن تصدق تلك الفتاة حتى لو قالت لها بأن في الشلن اثني عشر بنسا.» # قال روبرت، متفاجئا: «حقا؟ لم؟» ~~«إنها مهذبة تماما لدرجة تجعلها غير واقعية، كما قالت عنها. قالت إنه لم يسبق أن ~~بدت فتاة في عمر الخامسة عشرة مهذبة مثلما بدت هي.» ~~«بلغت السادسة عشرة الآن.» ~~«لا بأس، السادسة عشرة. قالت إنها في يوم من الأيام كانت في الخامسة عشرة من عمرها وكذلك ~~جميع صديقاتها، وأن هذه الفتاة الأعجوبة البريئة لم تخدعها لحظة.» ~~«لكن أخشى كثيرا أنها ستخدع هيئة محلفين.» ~~«لن تخدع هيئة محلفين مكونة كلها من النساء. أظن أنه لا سبيل لتدبير ذلك؟» ~~«لا نحتاج أقل من تدابير هيرودس. ألا تريد أن تعطي هذا المال بنفسك للسيدة شارب، ~~بالمناسبة؟» ~~«ليس أنا. ستذهب أنت إلى هناك في وقت ما اليوم، ويمكنك أن تعطيها إياه إن شئت. لكن ~~انتبه خذ المال مرة أخرى ثم أودعه في البنك وإلا فسينتشلاه من المزهريات بعد سنوات ~~ويتساءلان متى وضعاه هناك.» # ابتسم روبرت وهو يضع المال في جيبه تزامنا مع صوت وقع أقدام ستانلي عند انصرافه. ~~الناس دائما وأبدا لا يمكن توقعها. كان يظن أن ستانلي ستغمره السعادة عند عد تلك ~~العملات الورقية أمام السيدة العجوز. لكن بدلا من ذلك غلبه الخجل. فقصة النقود في أباريق ~~الشاي هي مجرد قصة خيالية. # أخذ روبرت النقود معه إلى منزل فرنتشايز في وقت ما بعد الظهر، ms203 وللمرة الأولى رأى الدموع ~~في عيني ماريون. وروى لهما القصة مثلما أخبره بها ستانلي - وذكر أمر أباريق الشاي - ~~واختتم قائلا: «ومن ثم أنابني عنه كي أعطيكما النقود»؛ وعندئذ انهمرت الدموع من عيني ~~ماريون. # وقالت، بينما تمسك بالعملات الورقية: «لم اهتم أن يعطيها لنا؟» وتابعت: «فهو عادة ~~ليس ... ليس ...» ~~«أعتقد أنه ربما أدرك أنكما في حاجة إليها الآن، وأن ذلك سيجعل المسألة حساسة بدلا من ~~كونها أمرا واقعيا. عندما أسديت له النصيحة كنت تحديدا السيدة شارب الثرية التي تعيش ~~في منزل فرنتشايز، وكان سيدفع لك الأرباح علانية. لكنكما الآن سيدتان خرجتا بكفالة ~~قدرها 200 جنيه لكل واحدة منكما بناء على تعهد شخصي، وبمبلغ مماثل لأحد الضامنين ~~بالنيابة عن كل منكما؛ فضلا عن الأتعاب التي ستدفع للمحامي؛ ومن ثم أنتما، حسبما أظن، ~~وفق طريقة تفكير ستان لستما من الناس الذين يمكن للمرء تسليمهما المال بسهولة.» # قالت السيدة شارب: «حسنا، لم تحقق كل نصائحي هامشا من الربح يصل إلى طول حصان ونصف ~~في صالح الفائز. لكني لا أنكر أنه أسعدني كثيرا رؤية هذه النسبة. كان هذا غاية في ~~اللطف منه.» # سألت ماريون بارتياب: «أيجب أن نحظى بنسبة كبيرة مثل العشرة بالمائة؟» # قالت السيدة شارب برصانة: «كان ذلك هو الاتفاق.» وتابعت: «ولولا نصيحتي له لكان قد خسر ~~مبلغ الرهان على الحصان بالي بوجي في هذه اللحظة. ما هو بالي بوجي، بالمناسبة؟» # قالت ماريون، متجاهلة رحلة والدتها المعرفية: «سعيدة لمجيئك إلى هنا لأن شيئا غير ~~متوقع قد حدث. لقد عادت إلي ساعتي.» ~~«أتقصدين أنك عثرت عليها؟» ~~«لا، إطلاقا، لا. لقد أرسلتها إلي بالبريد. انظر!» # أخرجت علبة بيضاء صغيرة من الكرتون، متسخة للغاية، وبداخلها ساعتها ذات وجه ~~الإينامل الأزرق والغلاف الذي يحيط بالساعة. كان الغلاف عبارة عن ورقة رقيقة مربعة ~~لونها وردي عليها ختم دائري مكتوب فيه «صن فالي، ترانسفال»، وكان من الواضح أنها كانت ~~تضع بداخل الورقة برتقالة قبل أن تستخدمها كغلاف. وعلى قصاصة ورقة ممزقة كتبت بحروف ~~كبيرة متفرقة عبارة ترجمتها: «أنا لا أريدها ms204 على الإطلاق». كان أحد الحروف مكتوبا على نحو ~~متقطع مثل حرف صغير، مما يدل على أن من كتبها لا يجيد القراءة والكتابة. # تساءلت ماريون: «لم في رأيك صارت مشمئزة منها هكذا؟» # قال روبرت: «لا أظن لحظة أنها كذلك.» وتابع: «لا أتخيل أن تلك الفتاة قد تتخلى عن أي ~~شيء طالته يداها.» ~~«لكنها فعلت ذلك. وأعادتها.» ~~«لا. بل أعادها شخص ما. شخص ما أصابه الخوف. شخص له بعض الضمير، أيضا. لو أرادت روز ~~جلين التخلص منها لألقت بها في بركة، من دون التفكير ثانية. لكن شخصا ما يريد ~~التخلص منها وإعادة الساعة إلى صاحبها في الآن نفسه. وهذا الشخص لديه شعور بالذنب ~~وروح خائفة. والآن من الذي قد يشعر بالذنب تجاهك في هذه اللحظة؟ جلاديس ريس؟» ~~«صحيح، أنت محق بالطبع بشأن روز. كان علي أن أفكر في ذلك. لم يكن محتملا أبدا أن ~~تعيدها. بل كانت ستطؤها بقدمها في أقرب وقت. أتظن أنها ربما أعطتها إلى جلاديس ~~ريس؟» ~~«ذلك ربما يفسر أمورا كثيرة. ربما يفسر كيف أحضرتها روز إلى المحكمة حتى تؤيد قصة ~~«صوت الصراخ». أقصد، لو أنها الشخص الذي تلقى الساعة المسروقة. عندما تفكرين في الأمر، ~~فربما كان لروز فرصة ضئيلة لارتداء ساعة لا بد أن أهل ستابلس كثيرا ما رأوها في رسغك. ~~ومن المرجح أكثر بكثير أنها تعاملت «بسخاء» مع الأمر خاطبة ود صديقتها. «شيء بسيط ~~اشتريته.» أين تسكن جلاديس ريس؟» ~~«لا أعلم أين تسكن؛ أظن في مكان ما عند الجهة الأخرى من البلدة. لكنها جاءت إلى العمل ~~لدى تلك المزرعة المنزوية فيما وراء ستابلس.» ~~«هل كان ذلك منذ مدة طويلة؟» ~~«لا أعرف. ولا أظن ذلك.» ~~«بهذا يمكنها ارتداء ساعة جديدة من غير أن يسألها أحد. أجل، أظن أنها جلاديس هي التي ~~أعادت ساعتك. لو أن هناك شاهدا مترددا خلال جلسة يوم الإثنين فإنها هي جلاديس. وإذا كانت ~~مضطربة إلى درجة إعادة متعلقاتك، فثمة أمل ضعيف يبدأ يلوح في الأفق.» # قالت السيدة شارب: «لكنها شهدت زورا.» وتابعت: «حتى شخص ms205 أبله مثل جلاديس ريس لا بد أن ~~يكون لديه بصيص من الوعي أن ذلك لا ينظر إليه بنظرة جيدة في محكمة بريطانية.» ~~«بوسعها أن تدعي أنها ابتزت كي تفعل هذا. إذا أوعز إليها أحد بهذا ~~الاتجاه.» # نظرت إليه السيدة شارب. ثم سألت: «ألا يوجد شيء في القانون الإنجليزي عن التلاعب ~~بالشهود؟» ~~«يوجد الكثير. لكني لا أقترح اتخاذ أي خطوة بشأن التلاعب.» ~~«ما الذي تقترح فعله إذن؟» ~~«لا بد أن أفكر بتمعن. فالموقف حساس.» ~~«يا سيد بلير، إن تعقيدات القانون كانت دائما فوق إدراكي، ومن المحتمل دائما أن تظل ~~هكذا، لكنك لن تلقي بنفسك في السجن بتهمة إهانة المحكمة، أو شيء أشبه بهذا، أليس كذلك؟ ~~ليس بوسعي تصور كيف سيصبح الموقف الحالي من دون مساندتك.» # قال روبرت إنه لا نية لديه لأن يلقي بنفسه في السجن لأي سبب كان. فهو محام لا غبار ~~عليه ذو سمعة لا تشوبها شائبة وصاحب مبادئ سامية، وإنه لا داعي لخوفها على نفسها أو ~~عليه. # قال: «لو كان بإمكاننا دحض شهادة جلاديس ريس في رواية روز فذلك سوف يزعزع القضية ~~بأكملها.» ثم أردف قائلا: «إن أكثر الأدلة أهمية بالنسبة إليهم هو أن روز قد نوهت عن ~~الصراخ من قبل أي تلميح بتوجيه التهمة إليكما. أظن أنكما لم تتمكنا من ملاحظة وجه ~~جرانت عندما كانت روز تعرض الدليل؟ لا بد أن عقلا شديد التدقيق يصير عقبة كبيرة في قسم ~~التحقيقات الجنائية. لا بد أنه يؤسفه استناد القضية بأكملها إلى شخص تشمئز من الاقتراب ~~منه. والآن علي أن أعود. هل لي أن آخذ معي العلبة الصغيرة من الكرتون وقصاصة الورق ~~المكتوب عليها؟» # قالت ماريون، وهي تضع قصاصة الورق في العلبة وتعطيها له: «إنها براعة منك استنتاج أن ~~روز لم تكن لتعيد الساعة. كان لا بد أن تصبح محققا.» ~~«إما أن أكون كذلك أو أكون عرافا. كل شيء يمكن استنتاجه من بقعة البيض على الصديري. ~~إلى اللقاء.» # قاد روبرت سيارته عائدا إلى ميلفورد وعقله منشغل بهذا الاحتمال الجديد. لم ms206 يكن حلا ~~لمأزقهم، لكنه ربما طوق نجاة. # في المكتب وجد السيد رامسدن في انتظاره؛ وهو رجل طويل، شائب الشعر، نحيف، وكئيب. ~~«جئت لمقابلتك يا سيد بلير؛ لأن الأمر لا يمكن قوله بشكل جيد على الهاتف.» ~~«خيرا؟» ~~«سيد بلير، نحن نبدد أموالك. هل صادف أن عرفت عدد السكان ذوي البشرة البيضاء في ~~العالم؟» ~~«لا، لا أعرف.» ~~«ولا أنا. لكن الشيء الذي تطلبه مني هو أن أتتبع مسار هذه الفتاة من بين السكان ذوي ~~البشرة البيضاء في العالم. إن خمسة آلاف من الرجال يعملون لمدة عام ربما لن ينجحوا في ~~ذلك. وربما ينجح فيه رجل واحد غدا. المسألة مسألة حظ بحت.» ~~«لكن الأمر سار دائما على هذا المنوال.» ~~«لا. في الأيام الأولى كانت الاحتمالات مقبولة. قمنا بتغطية الأماكن البديهية. الموانئ، ~~والمطارات، وأماكن السفر، وأفضل الأماكن المعروفة لقضاء «شهر العسل». ولم أهدر وقتك أو ~~مالك في أي سفر. لدي معارف في جميع المدن الكبرى وفي الكثير من المدن الأصغر حجما ~~كذلك، فأرسلت إليهم طلبا مفاده: «ابحث ما إذا كان فلان وفلان أقاما في أحد الفنادق ~~لديكم». وكان الجواب يأتي في غضون ساعات قليلة. ردود من جميع أنحاء بريطانيا. حسنا، بعد ~~الانتهاء من ذلك، صرنا أمام افتراض صغير يسمى باقي العالم. ولا أحب أن أهدر مالك ~~يا سيد بلير. لأن هذا ما ستصير النتيجة إليه.» ~~«هل أفهم من ذلك أنك تستسلم؟» ~~«لا أعتبر المسألة هكذا، بالضبط.» ~~«تظن أن من الواجب علي أن أخطرك بإعفائك من المهمة لأنك قد فشلت.» # توتر السيد رامسدن بدرجة ملحوظة عند سماعه كلمة «فشلت». ~~«المسألة هي مسألة إهدار قدر من المال على احتمال بعيد. هذا ليس عرض عمل، يا سيد ~~بلير. وليست كذلك مجازفة مبشرة.» ~~«حسنا، أعتقد أن لدي شيئا من أجلك سيسعدك، حسبما أظن.» ثم أخرج من جيبه العلبة ~~الصغيرة من الكرتون. «أحد الشهود الذين مثلوا أمام المحكمة يوم الإثنين كانت فتاة تدعى ~~جلاديس ريس. تمثل دورها في تقديم دليل على أن صديقتها روز جلين قد تحدثت إليها عن ms207 أصوات ~~الصراخ في منزل فرنتشايز قبل مدة طويلة من إبداء الشرطة اهتماما بالمكان. قدمت الدليل ~~كما ينبغي، لكن وهي مجبرة، كما لعلك تقول. كانت مضطربة، ومترددة، وبدا واضحا أنها ~~كارهة لذلك - على عكس صديقتها روز التي كانت في غاية المرح والاستمتاع. ألمح أحد زملائي ~~المحليين إلى أن روز جاءت بها إلى هناك بالضغط، لكنه لم يبد محتملا حينها. مع ذلك، ~~صباح هذا اليوم، أعيدت الساعة التي سرقت من الآنسة شارب بالبريد في هذه العلبة، ومرفق ~~بها رسالة مكتوبة. لم يكن لروز أن تكلف نفسها عناء إعادة الساعة؛ إذ ليس لها ضمير من ~~الأساس. ولم تكن لتكتب الرسالة؛ إذ ليس لديها رغبة في الاعتراف بأي شيء. والاستنتاج ~~الحتمي، هو أن جلاديس هي من أهديت إليها الساعة - حيث لم يكن بوسع روز ارتداؤها من دون ~~أن يكشفها أحد على أي حال - وأنه بهذه الطريقة أقنعتها روز بتأييد أكاذيبها.» # توقف حتى يترك لرامسدن مجالا للتعليق. فأومأ السيد رامسدن، لكنها كانت إيماءة تعكس ~~اهتماما. ~~«لا يمكننا الآن التعامل مع جلاديس بأي حجة من دون اتهامنا بترويع الشهود. أقصد أنه ~~من المستحيل إقناعها بالتراجع عن قصتها أمام محكمة نورتون. كل ما بوسعنا أن نفعله هو ~~التركيز على دفعها إلى الإدلاء بالحقيقة في المحكمة. على الأرجح بإمكان كيفين ماكديرموت ~~فعل ذلك بقوة شخصيته والإلحاح بالأسئلة، لكني أشك في ذلك، وعلى أي حال قد توقفه ~~المحكمة قبل أن يصل إلى مراده. ومن المحتمل أن ينظروا إليه بارتياب عندما يبدأ في ~~مضايقة أحد الشهود.» ~~«أمن المحتمل أن يفعلوا ذلك؟» ~~«ما أريد فعله هو أن أتمكن من تقديم هذه القصاصة المكتوب عليها إلى المحكمة بوصفها ~~دليلا. وأن أتمكن من تأكيد أن هذا الخط هو خط جلاديس ريس. وبهذا الدليل على أنها هي من ~~حصلت على الساعة المسروقة، بإمكاننا اقتراح أن روز ضغطت عليها لتشهد بما هو غير حقيقي، ~~ويطمئنها ماكديرموت أنها إذا تعرضت للابتزاز حتى تقدم دليل زور فمن غير المحتمل ~~خضوعها لعقوبة على ذلك، وحينها ستنهار وتعترف.» ~~«وبهذا ms208 تريد أنت نموذجا من كتابة جلاديس ريس.» ~~«أجل. خطر هذا ببالي وأنا أفكر في الأمر الآن. لدي انطباع بأن عملها الحالي هو أول ~~عمل لها، وبهذا لا يمكن أن يكون قد مر وقت طويل على مغادرتها المدرسة. ربما يمكن لمدرستها ~~أن تمدنا بنموذج. أو تضعنا، بحال من الأحوال، على بداية الطريق. سيصبح في صالحنا ~~كثيرا لو حصلنا على عينة من دون اللجوء إلى طرق قد تثير مشكلات. هل تظن أن بإمكانك ~~فعل شيء حيال ذلك؟» # قال رامسدن: «أجل، سأحصل لك على نموذج»؛ قالها كمن يقول: أعطني مهمة معقولة، وستنفذ. «هل ~~كانت الفتاة ريس ترتاد مدرسة هنا؟» ~~«لا، أظن أنها قدمت من الجهة الأخرى للبلدة.» ~~«وهو كذلك، سأكتشف الأمر. وأين تعمل حاليا؟» ~~«في مكان منعزل اسمه مزرعة برات، في الحقول على الجهة المقابلة من مزرعة ستابلس، ذلك ~~المكان خلف منزل فرنتشايز.» ~~«وبالنسبة إلى تتبع مسار بيتي كين ...» ~~«أليس هناك أي شيء لا يزال بوسعك فعله في لاربورو نفسها؟ أدرك أنه ليس بيدي أن ~~أعلمك بشئون عملك، لكنها كانت بالفعل في لاربورو.» ~~«صحيح، ذلك المكان الذي اقتفينا أثرها فيه. في الأماكن العامة. لكن الشخص «س» ربما يعيش ~~في لاربورو، رغم كل ما نعرفه. ربما أنها تحديدا ذهبت لتختبئ هناك. في نهاية المطاف يا ~~سيد بلير، فإن شهرا - أو ما يقارب الشهر - مدة غريبة على اختفاء مثل هذا. مثل هذا ~~الاختفاء تتراوح مدته عادة بين عطلة نهاية أسبوع وحتى عشرة أيام وليس أطول من ذلك. ربما ~~أنها رافقته إلى المنزل.» ~~«هل تعتقد أن ذلك ما حدث؟» # قال رامسدن ببطء: «لا، إذا أردت رأيي بصراحة يا سيد بلير، فإنه قد غاب عنا أن نبحث ~~عنها في أحد المخارج.» ~~«المخارج؟» ~~«إنها غادرت الريف، لكن بمظهر مغاير تماما لدرجة أن تلك الصورة البريئة لا تفصح عنها ~~مطلقا.» ~~«لم بمظهر مغاير؟» ~~«حسنا، لا أظن أنها منحت جواز سفر مزورا، بحيث من المفترض لها السفر بصفتها ~~زوجته.» ~~«أجل، بالتأكيد. أظن أن ذلك بديهي.» ~~«ولم يكن بإمكانها أن تفعل ms209 ذلك وهي تبدو في صورتها الطبيعية. لكن مع تصفيف شعرها لأعلى ~~وبعض مساحيق التجميل، ستبدو مختلفة تماما. ليس لديك فكرة عن الاختلاف الذي يحدثه ~~تصفيف الشعر لأعلى في امرأة. أول مرة رأيت فيها زوجتي بهذه الإطلالة لم أتعرف عليها. ~~حيث جعلتها تبدو مختلفة تماما، إذا أردت أن تعرف، لدرجة أني شعرت بخجل كبير منها، ~~وكان قد مضى على زواجنا عشرون عاما.» # قال روبرت بحزن: «ذلك إذن ما تظن أنه حدث. أتوقع أنك محق.» ~~«لهذا السبب لا أريد أن أهدر جنيها آخر من مالك يا سيد بلير. إن البحث عن الفتاة التي ~~تظهر في الصورة لن يفيد كثيرا؛ لأن الفتاة التي نبحث عنها لم تبد مثل الصورة. لو كانت ~~تبدو مثلها لتعرف الناس عليها من أول نظرة. في دور السينما وخلافها. تتبعنا أثرها ~~بسهولة كافية في الوقت الذي أمضته بمفردها في لاربورو. لكن منذ ذلك الحين فصاعدا لا ~~توجد أي معلومة عنها بتاتا. فصورتها لا تفصح عنها لأي أحد رآها بعد أن غادرت ~~لاربورو.» # جلس روبرت يشخبط على ورق نشاف فاخر جديد أحضرته الآنسة تاف. رسم شكلا ذا خطوط ~~متعرجة؛ جميل وجذاب. «تعي ما يعنيه هذا، أليس كذلك؟ أننا انتهينا.» # اعترض رامسدن، مشيرا إلى قصاصة الورق المكتوب عليها التي أرفقت مع الساعة: «لكن لديك ~~هذه.» ~~«هذه لن تجدي إلا في نقض دعوى الشرطة. لكنها لا تدحض قصة بيتي كين. حتى تتمكن ~~السيدتان شارب من التخلص من هذا الشيء يجب أن تصبح أقوال الفتاة كاذبة. الفرصة الوحيدة ~~أمامنا لنحقق ذلك هي اكتشاف أين كانت خلال تلك الأسابيع .» ~~«أجل. فهمت.» ~~«أظن أنك تفقدت أصحاب الشركات الخاصة؟» ~~«المسافرون بالطائرات؟ أجل، بالطبع. انطبق الشيء نفسه على الطائرات. ليس لدينا أي صورة ~~للرجل؛ لهذا ربما يكون واحدا من بين المئات من أصحاب الشركات الخاصة الذين يوجدون على متن ~~الطائرة بصحبة رفيقات في ذلك الوقت المحدد.» ~~«أجل. انتهينا تماما. لا أتعجب كثيرا من أن بن كارلي كان مبتهجا.» ~~«أنت مرهق يا سيد بلير. كنت ولا تزال تمر ms210 بوقت مزعج.» # قال روبرت بسخرية: «صحيح. قلما يتولى محام ريفي عملا كهذا يثقل كاهليه.» # نظر رامسدن إليه بما يفسر على وجه رامسدن بأنها ابتسامة. قال: «بالنسبة إلى محام ~~ريفي، فيبدو لي أنك لا تخطو خطوات على نحو سيئ يا سيد بلير. ليست سيئة بتاتا.» # قال روبرت، مبتسما بالفعل: «أشكرك.» أن يأتي ذلك على لسان أليك رامسدن فإن ذلك عمليا ~~وسام جدارة منه. ~~«لن أسمح لهذا الأمر بأن يحط من معنوياتك. ستحصل على وسيلة تأمين ضد أسوأ ما يحدث ... أو ~~ما سيحدث، عندما أحصل على ذلك الدليل المكتوب.» # طرح روبرت القلم الذي كان يشخبط به. ثم قال بانفعال مفاجئ: «لست مهتما بالحصول على ~~وسيلة تأمين.» ثم أردف قائلا: «إنما أهتم بإقامة العدل. لا طموح لدي في الحياة حاليا ~~سوى في شيء واحد. وهو إثبات بطلان قصة بيتي كين في محاكمة علنية. وأن يكشف علنا في ~~حضورها عن الرواية الكاملة لما كانت تفعله خلال تلك الأسابيع وأن يدعمها شهود لا غبار ~~عليهم كما ينبغي. ما احتمالات أن نحقق ذلك، في ظنك؟ وما ~~- أخبرني - ما الذي لم نحاول فيه بعد ومن المحتمل أن يساعدنا؟» # قال رامسدن، بنبرة جادة: «لا أعلم. ربما، الدعاء.» # | الفصل التاسع عشر # كان هذا أيضا، ويا للغرابة، رد فعل العمة لين. # كانت العمة لين قد أصبحت شيئا فشيئا متصالحة مع علاقة روبرت بقضية فرنتشايز عندما ~~انتقلت من كونها قضية محلية شائنة لتصبح قضية قومية مشهورة. ولم يعد مخزيا، في نهاية ~~الأمر، أن تصبح على صلة بقضية ينشر عنها في صحيفة «ذا تايمز». لم تقرأ العمة لين، ~~بالطبع، صحيفة «ذا تايمز»، إنما قرأها أصدقاؤها. القس، والكولونيل وايتيكر العجوز، والفتاة ~~في متجر بوتس والسيدة وارن العجوز من وايمث (مدينة سوانيج الساحلية)؛ وكان مبهجا على نحو ~~غامض التفكير في أن روبرت هو محامي الدفاع في محاكمة ذائعة الصيت، حتى لو كان الدفاع ضد ~~توجيه تهمة بضرب فتاة لا حول لها ولا قوة. ولم يخطر بعقلها ولو من بعيد أن روبرت لن يكسب ~~القضية. ms211 حيث اعتبرت بكل هدوء أن ذلك أمر مسلم به. ففي المقام الأول روبرت شخصيا ~~رجل بارع للغاية، وثانيا ليس من الجائز أن يرتبط مكتب بلير وهيوارد وبينيت بفشل. حتى ~~إنها شعرت بالأسف في داخلها، أثناء التفكير؛ لأن انتصاره سيحدث في محكمة نورتون وليس في ~~ميلفورد حيث ربما يحضر الجميع للمشاهدة. # وبذلك فأول لمحة شك وقعت عليها كمفاجأة. وليس كصدمة، إذ إنها ظلت عاجزة عن تصور ~~احتمالية الفشل. لكن حتما جاءتها كفكرة جديدة. # قالت، وهي تحرك قدميها تحت المائدة في محاولة لتحديد مكان مسند قدميها: «لكن يا ~~روبرت، أنت لم تظن لحظة أنك ستخسر القضية، أليس كذلك؟» # قال روبرت: «بل العكس، لم أظن لحظة أني سأكسبها.» ~~«روبرت!» ~~«في محاكمة تحضرها هيئة محلفين من المعتاد أن يقدم المحامي حجة دفاع إلى هيئة ~~المحلفين. وإلى الآن لا حجة لدينا. لهذا لا أظن أن هيئة المحلفين سيعجبها ذلك على ~~الإطلاق.» ~~«تبدو نكدا تماما يا عزيزي. أعتقد أنك تسمح للأمر بأن يستثير أعصابك. لم لا تستريح ~~من العمل عصر الغد وترتب لمباراة جولف؟ لم تمارس الجولف نهائيا في الآونة الأخيرة ~~وهذا ليس صحيا على كبدك. أقصد التوقف عن ممارسة الجولف.» # قال روبرت متعجبا: «أعجز عن تصديق أنني كنت مهتما من قبل بمصير «قطعة من ~~المطاط» على ملعب جولف. لا بد أن ذلك كان في حياة أخرى.» ~~«هذا ما أقوله يا عزيزي. أنت تفقد قدرتك على موازنة الأمور. وتسمح لهذه القضية بأن ~~تزعجك بلا داع تماما. في نهاية المطاف، معك كيفين.» ~~«ذلك ما أشك في حقيقته.» ~~«ماذا تقصد يا عزيزي؟» ~~«لا أتخيل أن كيفين سيستقطع من وقته ويسافر إلى نورتون ليدافع عن قضية قدر لها ~~الخسارة. له لحظات يشطح فيها، لكنها لا تلغي حسن إدراكه.» ~~«لكن كيفين وعد بالمجيء.» ~~«عندما وعد بذلك كان لا يزال هناك وقت على المرافعة. أما الآن فنعد الأيام تقريبا على ~~جلسة محكمة المقاطعة الرئيسية وما زلنا لا نمتلك أي أدلة - وليس هناك احتمال بأن نمتلك ~~أيا منها.» # رمقته الآنسة بينيت بنظرة ms212 من فوق ملعقة حسائها. ثم قالت: «لا أعتقد، أنت تعرف يا عزيزي، ~~أن إيمانك كاف.» # منع روبرت نفسه من القول بأنه ليس لديه أي إيمان على الإطلاق. وليس إيمانا، على أي ~~حال، متعلقا بتدخل إلهي في قضية فرنتشايز. # قالت بسعادة: «تحل بالإيمان يا عزيزي، وستصير النتيجة مرضية.» كان واضحا أن ذلك ~~الصمت المشحون الذي أعقب حديثهما أثار قلقها قليلا، ولهذا أضافت قائلة: «لو كنت أعرف ~~أنك متشكك أو غير راض بشأن القضية يا عزيزي، لكنت صليت صلوات إضافية من أجل هذا ~~الأمر منذ وقت طويل. أخشى أني سلمت بأنك أنت وكيفين ستديران الأمر بينكما.» فكان ~~«الأمر» يعود على العدالة البريطانية. «لكن الآن ما دمت أعرف أنك قلق من الأمر فسوف أزيد ~~بكل تأكيد بعض التوسلات الخاصة.» # إن النبرة الهادئة لطلب الإغاثة التي قيل بها ما قيل أعادت إلى روبرت حالته النفسية ~~الجيدة. # فقال بصوته اللطيف المعتاد: «شكرا لك يا عزيزتي.» # أنزلت الملعقة على طبقها الفارغ وأرجعت ظهرها إلى المقعد، واعتلى وجهها الدائري ~~المتورد ابتسامة غيظ. فقالت: «أعرف تلك النبرة.» وتابعت: «إنها تعني أنك تسايرني. لكن لا ~~داعي لذلك، كما تعرف. أنا التي على حق بشأن ذلك، وأنت المخطئ. يقال بوضوح لا يعتريه شك ~~أن الإيمان يحرك الجبال. تكمن الصعوبة دائما في الاحتياج إلى إيمان شديد إلى أبعد درجة ~~حتى تتحرك الجبال، ومن المستحيل عمليا أن يجتمع في القلب هذا الإيمان العظيم؛ ولهذا ~~غالبا لن تتحرك الجبال أبدا. لكن في حالات أقل شأنا - مثل الحالة الراهنة - من الممكن ~~أن تتحلى بإيمان كاف يرقى إلى الحدث. فبدلا من أن تصير يائسا عن عمد يا عزيزي، حاول ~~جاهدا أن تمتلك بعض الثقة في النتيجة. وفي هذه الأثناء، سأذهب إلى كنيسة سان ماثيو هذا ~~المساء وسأمضي وقتا قليلا أصلي من أجل أن ترزق بدليل صباح الغد. هذا سيشعرك ~~بسعادة أكبر.» # عندما دخل أليك رامسدن إلى غرفته في صباح اليوم التالي حاملا الدليل، كان أول ما خطر ~~بذهن روبرت أنه لا شيء قد يحول دون ms213 استئثار العمة لين بالفضل في ذلك. وليست هناك أي فرصة ~~ألا يذكره، إذ إن أول ما كانت ستسأله عنه على الغداء، بنبرة واثقة مبتهجة، سيكون: ~~«بشرني، يا عزيزي، هل حصلت على الدليل الذي صليت من أجله؟» # كان رامسدن راضيا عن نفسه ومبتهجا؛ أمور كثيرة أمكن تفسيرها، بالأخص، من تعبيرات ~~رامسدن إلى وجود معرفة مشتركة. ~~«يتحتم علي يا سيد بلير، أن أعترف بكل صراحة أنه عندما أرسلتني إلى تلك المدرسة لم ~~أكن أعلق آمالا كبيرة. ذهبت لأنها بدت نقطة انطلاق مقبولة مثلها كمثل أي نقطة، وربما ~~أتوصل من الموظفين إلى طريقة جيدة لأتعرف بها على ريس. أو على وجه الدقة، لأسمح لأحد ~~رجالي بالتعرف عليها. وكنت قد وضعت خطة لطريقة أحصل بها على أي شيء كتبته بخط يدها ~~من دون قلق، بمجرد أن يشرع أحد رجالي في إقامة صداقة معها. لكنك مدهش، يا سيد بلير، ~~جاءتك الفكرة المناسبة في النهاية.» ~~«أتقصد أنك حصلت على ما أردناه؟!» ~~«لقد قابلت معلمتها، وتحدثت بصراحة تامة عما أردناه والغرض منه. حسنا، بقدر ~~من الصراحة التي تقتضيها الضرورة. قلت إن جلاديس مشتبه في إدلائها بشهادة ~~زور - في قضية عقابها أشغال شاقة - ولكن لظننا بأنها ~~تعرضت لابتزاز حتى تقدم دليلها، ولإثبات التعرض لابتزاز فنحن بحاجة إلى عينة من ~~كتابتها. حسنا، عندما أرسلتني إلى هناك سلمت بأنها لم تكن قد كتبت حرفا واحدا منذ أن ~~غادرت مرحلة الروضة. لكن معلمتها - الآنسة باجلي - قالت بأن أمنحها دقيقة لتفكر. ثم ~~قالت: «بالطبع، لقد كانت ماهرة في الرسم، وإن لم يتوفر لدي أي شيء فربما معلمة الفنون ~~الزائرة لديها شيء. فنحن نحب أن نحتفظ بالعمل الجيد عندما ينتجه تلاميذنا.» كان ذلك ~~تهوينا لجميع الخيبات التي عليهم أن يغضوا الطرف عنها، كما أفترض، هؤلاء المساكين. ~~حسنا، لم يكن علي مقابلة معلمة الفنون، لأن الآنسة باجلي، فتشت في بعض الأشياء، ~~وأخرجت هذا.» # وضع ورقة على المكتب أمام روبرت. اتضح أنها رسم يدوي لخريطة كندا، توضح التقسيمات ~~الرئيسية، وكذلك المدن والأنهار. لم تكن دقيقة ms214 لكنها كانت مثيرة كثيرا للاهتمام. في الجزء ~~السفلي كتب بحروف متفرقة «الأراضي التابعة لسيادة كندا». وفي الزاوية اليمنى كان ~~التوقيع: جلاديس ريس. ~~«يبدو أنهم في كل صيف، في وقت الإجازة، يقيمون معرضا للأعمال، ويحتفظون بالمعروضات ~~عادة حتى المعرض التالي في العام الذي يليه. وأفترض أنه من القسوة التخلص من المعروضات في ~~اليوم التالي. أو ربما يحتفظون بها ليعرضوها على كبار الزائرين والمفتشين. على أي حال، ~~هناك أدراج زاخرة بتلك الأشياء.» ثم أضاف وهو يشير إلى الخريطة: «وهذه كانت نتاج مسابقة ~~«ارسم خريطة أي دولة من الذاكرة في غضون عشرين دقيقة» والثلاثة الفائزون قد عرضت أعمالهم. ~~وحصد هذا العمل «المركز الثالث مكرر».» # قال روبرت، وهو يملي عينيه بالعمل اليدوي الذي رسمته جلاديس ريس: «بالكاد يمكنني ~~تصديق ذلك.» ~~«الآنسة باجلي كانت محقة بخصوص أنها ماهرة في استعمال يديها. ومن المضحك أنها ظلت ~~لا تجيد الكتابة إلى هذه الدرجة. بإمكانك ملاحظة أنهم صححوا لها طريقة كتابة أحد الحروف ~~المكتوب على نحو متقطع.» # لقد كان ذلك بإمكانه بالفعل. كان روبرت مبتهجا للغاية. # قال، ممعنا في صورة كندا التي استدعتها جلاديس من الذاكرة: «إنها ليست ذكية، أقصد ~~الفتاة، لكن لها عينان دقيقتان.» وتابع: «ما تذكرته هو شكل الأشياء وليس الأسماء. وتهجئة ~~الكلمات من تأليفها تماما. أظن أن «المركز الثالث مكرر» كان نظير هذا العمل ~~المتقن.» # قال رامسدن، وهو يضع قصاصة الورق التي أرفقت مع الساعة: «إنه عمل متقن بالنسبة إلينا على ~~أي حال.» وتابع: «لنكن ممتنين أنها لم تختر ألاسكا.» # قال روبرت: «أجل، إنها معجزة.» (معجزة العمة لين، هكذا أخبره عقله.) وأضاف: «من أمهر ~~الرجال في مثل هذه الأمور؟» # أخبره رامسدن. ~~«سآخذها معي إلى المدينة الآن، الليلة، وسأحصل على التقرير قبل الصباح، ثم أذهب به إلى ~~السيد ماكديرموت في موعد الإفطار، إذا كان هذا يناسبك.» # قال روبرت: «يناسبني؟» وتابع: «هذا مثالي.» ~~«أظنها فكرة جيدة أن نرفع البصمات منهما ومن علبة الكرتون الصغيرة. هناك قضاة لا ~~يحبذون خبراء الخطوط اليدوية، لكن الاثنين معا سيقنعان ولو قاضيا ms215 واحدا.» # قال روبرت، وهو يناوله تلك الأشياء: «عظيم، على أقل تقدير لن يصدر حكما بالأشغال ~~الشاقة على موكلتي.» # علق رامسدن بأسلوب ساخر: «لا شيء يضاهي النظر إلى الجانب المشرق.» فضحك روبرت. ~~«تعتقد أني غير راض عن مثل هذا الأمر. لست كذلك. إنه حمل جسيم سيزول من عقلي. لكن ~~الحمل الحقيقي لا يزال قائما. إن إثبات أن روز جلين سارقة وكاذبة ومبتزة - مع تنحية ~~القسم الكذب جانبا - سيترك قصة بيتي كين كما هي دون تغيير. وقصة بيتي كين هي ما نعمد ~~إلى تكذيبها.» # قال رامسدن؛ لكن بحماس فاتر: «لا يزال لدينا وقت.» ~~«إن الوقت المتبقي هو فقط من أجل معجزة.» ~~«فماذا إذن؟ ولم لا؟ المعجزات تحدث. ولم من غير المفترض أن تحدث لنا؟ في أي وقت أتصل ~~بك غدا؟» # لكن كيفين هو الذي اتصل في اليوم التالي، بينما يفيض بالتهاني والسرور. وقال: «أنت مدهش ~~يا روب. سأعصف بهم.» # أجل، سيكون تدريبا بسيطا ولطيفا على لعبة القط والفأر بالنسبة إلى كيفين، وبعد ذلك ~~ستخرج السيدتان شارب من المحكمة «حرتين». حرتان لتعودا إلى منزلهما المطارد وإلى ~~حياتهما المؤرقة؛ هاتان الساحرتان النصف مجنونتان اللتان في يوم من الأيام هددتا فتاة ~~وضربتاها. ~~«لا تبدو مبتهجا، يا روبرت. أهناك شيء يحبطك؟» # أخبره روبرت بما كان يفكر فيه؛ أن السيدتين شارب اللتين أنقذتا من السجن ستظلان في ~~سجن من صنع بيتي كين. # قال كيفين: «لعله لن يحدث، لعله لن يحدث.» وتابع: «سأبذل قصارى جهدي عند استجواب الفتاة ~~حيال الخطأ الفادح عن انقسام مسار السيارات. في الواقع، لو لم يكن مايلز أليسون هو ممثل ~~الادعاء في الدعوى فلربما كنت أطحت بها، لكن مايلز ربما سيكون سريعا بما يكفي لاستعادة ~~الموقف. ابتهج يا روب. على أقل تقدير ستهتز الثقة في سمعتها بدرجة كبيرة.» # لكن اهتزاز الثقة في سمعة بيتي كين لم يكن كافيا. لقد أدرك مدى التأثير الضئيل الذي ~~سيحدثه على عامة الناس. حيث اكتسب خبرة واسعة عن النساء العاديات في الآونة الأخيرة، وقد ~~صدمه عدم قدرته بوجه عام ms216 على تحليل أبسط الأمور. حتى لو كانت الجرائد ستعرض خبرا عن ~~القرينة البسيطة بخصوص المشهد من النافذة - على الأرجح ستنشغل الصحف كثيرا بتناول الأمور ~~الأكثر إثارة عن القسم الكاذب الذي أدته روز جلين - حتى إذا تناولوا الخبر، فلن يكون له ~~تأثير على القارئ العادي. «لقد حاولوا إيقاعها في الخطأ، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك.» هذا كل ~~ما سيصلهم من الخبر. # ربما ينجح كيفين في زعزعة سمعة بيتي كين في نظر هيئة المحكمة، والمراسلين، والضباط، ~~وأي عقل ناضج صادف له الحضور، لكن لا يمكنه فعل أي شيء اعتمادا على الدليل الحالي ~~لتغيير الإحساس القوي بالمناصرة الذي أثارته قضية بيتي كين في أرجاء المنطقة. وستظل ~~السيدتان شارب مدانتين. # وبيتي كين سوف «تنجو من العقاب». # كانت تلك بالنسبة لروبرت خاطرة أسوأ من إمكانية أن تعيش السيدتان شارب حياة مؤرقة. ~~سوف تستعيد بيتي كين مكانتها كمحور لعائلة محبة، وتعيش في أمان وحب، وتصبح بطلة ~~مقدسة. ازدادت نزعة روبرت الهادئ إلى القتل عند التفكير في تلك الخاطرة. # كان عليه البوح إلى العمة لين بالدليل الذي ظهر في الوقت الذي حددته في صلواتها، لكنه ~~منع نفسه على نحو تنقصه الشجاعة من إخبارها بأن ذلك الدليل المذكور كان جيدا بما يكفي ~~لإبطال دعوى الشرطة. فكانت ستعتبر ذلك فوزا بالقضية، و«الفوز» بالنسبة إلى روبرت، حمل ~~معنى مختلفا تماما. # بالنسبة إلى نيفيل أيضا، بدا الأمر هكذا. ولأول مرة منذ أن جاء بينيت الشاب ليشغل ~~فيها الغرفة الخلفية التي اعتاد أن يشغلها، فكر روبرت فيه بصفته حليفا، تجمع بينهما روح ~~مشتركة. بالنسبة إلى نيفيل ، أيضا، كان غير وارد التفكير في أن بيتي كين «ستنجو من ~~العقاب». وأدهش روبرت من جديد الغضب القاتل الذي يملأ العقل المسالم عند إثارة استيائه. ~~كان لنيفيل أسلوب مميز عند نطق اسم «بيتي كين»، وكأن مقاطع الاسم مادة سامة كان عليه أن ~~يضعها في فمه عن طريق الخطأ ثم يلفظها. وكانت كلمة «سامة»، كذلك، الصفة المفضلة إليه ~~لينعتها بها. «ذلك الكائن السام.» وجده روبرت مريحا للغاية. ms217 # لكن حمل الموقف بعض الارتياح. حيث تقبلت السيدتان شارب الأنباء عن إفلاتهما ~~المحتمل من حكم السجن بالوقار نفسه الذي ميز تقبلهما لأي شيء آخر، ابتداء من ~~الاتهام الأول الذي وجهته بيتي كين وحتى تقديم الاستدعاء ثم المثول في قفص الاتهام. ~~لكنهما، كذلك، أدركتا أن هذا سيصبح إفلاتا من العقوبة وليس تبرئة من التهمة. ستسقط دعوى ~~الشرطة، وستحصلان على حكم نهائي من المحكمة. لكنهما ستحصلان عليه لأنه في القانون ~~الإنجليزي لا يوجد طريق وسط. في محكمة أسكتلندية سيصبح الحكم هو عدم ثبوت التهمة لعدم ~~كفاية الأدلة. وذلك الحكم، سيكون هو نتيجة حكم محكمة المقاطعة الرئيسية الذي ستتوصل إليه ~~الأسبوع القادم. لمجرد أن الشرطة لم يكن لديها الأدلة الكافية لإثبات دعواها. وليس ~~بالضرورة لأن الدعوى ظالمة. # كان متبقيا على جلسة محكمة المقاطعة الرئيسية أربعة أيام فقط عندما اعترف للعمة لين ~~بأن الدليل كاف لإسقاط التهمة. فكان القلق المتزايد الذي طفا على ذلك الوجه الدائري ~~المتورد كثيرا عليه. لم يكن يقصد سوى أن يمنحها ذلك الخبر المرضي ويحتفظ ببقية ~~الأمر، لكنه وجد نفسه بدلا من ذلك يفضي إليها بكل شيء كما كان يفضي إليها بمشكلاته وهو ~~صبي صغير، في الأيام التي كانت فيها العمة لين ملاكا ذا علم وقدرة وليست العمة لين ~~العطوفة، الساذجة. استمعت في صمت مدهش إلى هذا السيل المفاجئ من الكلام الذي اختلف عن ~~العبارات المعتادة المتبادلة بينهما على الغداء، وعيناها الزرقاوان كالجوهرتين يقظتان ~~وتعكسان اهتماما. # أنهى حديثه قائلا: «ألا ترين يا عمة لين، أنه لا يعد انتصارا، إنما هو هزيمة؟» ~~وأضاف: «إنه تشويه للعدالة. نحن لا نجاهد من أجل الحصول على حكم، وإنما نجاهد من أجل ~~العدل. ولا أمل لدينا في الحصول عليها. ولا ذرة من الأمل!» ~~«لكن لماذا لم تخبرني بكل هذا يا عزيزي؟ أظننت أنني لن أفهم، أو لن أوافق، أو شيئا ~~كهذا؟» ~~«حسنا، أنت لم تشعري بمثل ما أشعر به تجاه ...» ~~«لمجرد أنه لم يعجبني مظهر هاتين السيدتين في منزل فرنتشايز - لا مفر من الاعتراف، يا ms218 ~~عزيزي، بأنهما إلى الآن، ليسا من نوعية الأشخاص الذين أعجب بهم تلقائيا - لكن لمجرد أنني ~~لم أعجب بهما كثيرا فهذا لا يعني أني لا أبالي بتحقيق العدل، من دون شك، أليس ~~كذلك؟» ~~«أجل، بالطبع؛ لكنك قلت صراحة إنك تجدين أن قصة بيتي كين من الممكن تصديقها، ولهذا ~~...» # قالت العمة لين بهدوء: «ذلك كان قبل جلسة محكمة الجنح والمخالفات.» ~~«المحكمة؟ لكنك لم تحضري في المحكمة.» ~~«أجل يا عزيزي، لكن الكولونيل وايتيكر حضر، ولم تعجبه الفتاة نهائيا.» ~~«ألم تعجبه، حقا؟» ~~«أجل. كان واضحا تماما بشأن ذلك. وقال إنه ذات مرة كان لديه - ما تسمونه - جندي ~~أول في كتيبته، أو وحدته، أو شيء كهذا، كان يشبه بيتي كين تماما. قال إنه كان بريئا ~~مؤذيا يوقع بين الكتيبة بأكملها وكان مزعجا أكثر من عشرات الحالات المستعصية. يا له ~~من تعبير لطيف؛ حالات مستعصية، أليس كذلك؟! وانتهى به الحال في سجن عسكري، هكذا قال ~~الكولونيل وايتيكر.» ~~«مركز اعتقال عسكري.» ~~«حسنا، شيء أشبه بذلك. وأما بالنسبة إلى الفتاة جلين من مزرعة ستابلس، فقال إن مع نظرة ~~واحدة لها سيبدأ المرء تلقائيا في عد الأكاذيب التي وردت في كل جملة. لم تعجبه كذلك ~~الفتاة جلين. وكما ترى، يا عزيزي، لم تكن بحاجة إلى الظن بأني لن أتعاطف مع ما يشغل ~~بالك. أؤكد لك أن تحقيق العدل المطلق يعنيني مثلما يعنيك تماما. وسأكثف صلواتي من أجل ~~أن يحالفك النجاح. كنت سأذهب إلى حفل مقام في حديقة منزل عائلة جليسون عصر اليوم، لكني ~~بدلا من ذلك سأزور كنيسة سان ماثيو وسأمضي ساعة في صفاء هناك. أظن أن الجو سيمطر على ~~أي حال. دائما ما تمطر في حفل عائلة جليسون، مساكين.» ~~«حسنا يا عمة لين، لا أنكر أننا في حاجة إلى صلواتك. لن ينقذنا الآن سوى حدوث ~~معجزة.» ~~«حسنا، سأصلي من أجل أن تحدث معجزة.» ~~«هل هي الإعفاء من لف حبل المشنقة حول رقبة البطل في آخر دقيقة؟ هذا لا يحدث إلا في ~~القصص البوليسية وفي الدقائق الأخيرة من أفلام ms219 الغرب الأمريكي.» ~~«مطلقا. بل يحدث كل يوم، في مكان ما في العالم. إذا وجدت طريقة لمعرفة عدد المرات ~~التي تحدث فيها وإحصائها فلا شك أنك ستفاجأ. تتدخل العناية الإلهية، كما تعرف، عندما ~~تفشل الوسائل الأخرى. إيمانك غير كاف يا عزيزي، كما أشرت من قبل.» # قال روبرت: «لا أؤمن بأن ملاكا من السماء سيظهر في مكتبي بتفسير لما كانت تفعله بيتي ~~كين خلال ذلك الشهر، إذا كان ذلك ما تقصدينه.» ~~«مشكلتك يا عزيزي، أنك تتصور الملاك كائنا بجناحين، في حين أنه من المحتمل أن يكون ~~رجلا ضئيلا غير مهندم يرتدي قبعة من اللباد. على أي حال، سأصلي بتضرع عصر اليوم، وهذه ~~الليلة أيضا، بكل تأكيد؛ لعل العون يأتيك غدا.» # | الفصل العشرون # لم يكن ملاك السماء رجلا ضئيلا غير مهندم، كما اتضح فيما بعد؛ وكانت قبعته من اللباد ~~ذات طراز أوروبي يؤسف لها وبها حافة ملفوفة بإحكام تظهر من جميع الجوانب. وقد وصل إلى ~~مكتب بلير وهيوارد وبينيت في نحو الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح اليوم التالي. # قال السيد هيزيلتاين العجوز، وهو يقحم رأسه داخل باب مكتب روبرت: «سيد روبرت، سيد يدعى ~~لانج في المكتب يريد مقابلتك. هو ...» # لم يكن روبرت، الذي كان منشغلا، يتوقع مجيء ملائكة من السماء، واعتاد تماما على ~~مباغتة الغرباء بالحضور إلى مكتبه وطلب مقابلته، فقال: «ماذا يريد؟ أنا مشغول.» ~~«لم يقل. اكتفى بقول إنه يرغب في مقابلتك ما لم تكن منشغلا للغاية.» ~~«حسنا، أنا مشغول لأقصى درجة. هل يمكنك معرفة ما يريده بأسلوب لبق، من فضلك؟ وإذا لم ~~يكن الأمر مهما فبإمكان نيفيل التعامل معه.» ~~«أجل، سأعرف ما يريده؛ لكن لغته الإنجليزية يصعب فهمها، ولا يبدي استعدادا كبيرا حتى ~~...» ~~«لغته الإنجليزية؟ أتقصد أنه ألثغ؟» ~~«لا أقصد أن نطقه للإنجليزية غير جيد. فهو ...» ~~«أتقصد أنه رجل أجنبي؟» ~~«أجل. من كوبنهاجن.» ~~«كوبنهاجن! لماذا لم تخبرني بذلك من قبل؟!» ~~«لم تعطني فرصة يا سيد روبرت.» ~~«أدخله يا تيمي، أدخله. يا لرحمة السماء! هل تصبح الحكايات الخيالية حقيقة؟» # كان السيد ms220 لانج يشبه قليلا أحد الأعمدة النورمانية لكاتدرائية نوتردام. له القدر ~~نفسه من الاستدارة، والقدر نفسه من الارتفاع، والقدر نفسه من الرسوخ، والقدر نفسه من ~~المظهر الجدير بالثقة. بعيدا على قمة هذا العمود المستدير الراسخ المنتصب كان وجهه ~~يشع صلاحا يلين له القلب. # قال: «هل أنت السيد بلير؟» وتابع: «اسمي لانج. أعتذر عن إزعاجك» - وقد تعذر عليه نطق ~~الكلمة الأخيرة كما ينبغي - «لكن الأمر مهم. مهم لك، هذا ما أقصده. على الأقل، كما ~~أظن.» ~~«تفضل بالجلوس، سيد لانج.» ~~«شكرا، شكرا. الجو دافئ، أليس كذلك؟ ربما ذلك اليوم الذي يصادفك ويحل فيه الصيف ~~ووقت المرح؟» فابتسم إلى روبرت. «هذا معنى تعبير اصطلاحي بالإنجليزية، مزحة عن يوم من ~~أيام الصيف. لدي اهتمام كبير بالتعبيرات الاصطلاحية في اللغة الإنجليزية. وبسبب هذا ~~الاهتمام بالتعبيرات الاصطلاحية الإنجليزية جئت لمقابلتك.» # هوى قلب روبرت إلى كعبيه مثلما يهوي عند هبوط مفاجئ لمصعد سريع. حكاية خيالية، حقا. ~~لا؛ الحكايات الخيالية تظل حكايات خيالية. # قال على نحو مشجع: «خيرا؟» ~~«أنا أدير فندقا في كوبنهاجن، يا سيد بلير. فندق اسمه ريد شوز (الحذاء الأحمر). ليس، ~~بالطبع، لارتداء أي أحد هناك حذاء أحمر، لكن السبب في ذلك هو حكاية أندرسن الخيالية، ~~التي ربما أنك ...» # قال روبرت: «أجل، أجل. لقد صارت إحدى الحكايات الخيالية الشهيرة لدينا أيضا.» ~~«صدقا! صحيح. رجل عظيم، أندرسن. رجل بسيط للغاية ثم صار الآن عالميا. أمر يثير العجب. ~~لكني أضيع وقتك يا سيد بلير، أضيع وقتك. ماذا كنت أقول؟» ~~«عن التعبيرات الاصطلاحية الإنجليزية.» ~~«آه، أجل. إن دراسة اللغة الإنجليزية هي هويتي.» # فصحح روبرت ، بعفوية: «هوايتي.» ~~«هوايتي. شكرا لك. من أجل كسب العيش أدير فندقا ... لأن والدي ووالده كانا يديرانه ~~قبلي - لكن كهو ... هواية؟ أجل؛ أشكرك - لكن كهواية أدرس التعبيرات الاصطلاحية في اللغة ~~الإنجليزية. لهذا يحضرون لي كل يوم الصحف التي يتركونها هنا وهناك.» ~~«من الذين يتركونها؟» ~~«النزلاء الإنجليز.» ~~«آه، فهمت.» ~~«في المساء، عند ذهابهم إلى النوم، يجمع الخادم الجرائد الإنجليزية ويتركها في مكتبي. ~~وأنا مشغول، في العادة، ولا يتسع ms221 الوقت لي لمطالعتها؛ لهذا تتراكم الجرائد فوق بعضها ~~وعندما يتسع لي الوقت أختار واحدة وأذاكرها. هل كلامي واضح يا سيد بلير؟» ~~«على أكمل وجه، على أكمل وجه يا سيد لانج.» طيف من الأمل كان يلوح من جديد. ~~جرائد؟ ~~«وهكذا يسير الحال. في بعض لحظات الفراغ، أقرأ قليلا في صحيفة إنجليزية، وأتعلم تعبيرا ~~جديدا - ربما تعبيرين - كل ذلك من دون انفعال. كيف تقول ذلك؟» ~~«ببال رائق.» ~~«هكذا. بال رائق. وذات يوم أخذت هذه الصحيفة من كومة الصحف، مثلما ربما آخذ أي صحيفة ~~أخرى، ونسيت كل شيء عن التعبيرات الاصطلاحية.» ثم أخرج من جيبه الواسع نسخة مطوية ~~طية واحدة من صحيفة «أك-إيما»، ثم بسطها على المكتب أمام روبرت. كان إصدار يوم الجمعة، ~~10 مايو، مع صورة بيتي كين تشغل ثلثي الصفحة. «نظرت إلى هذه الصورة. ثم نظرت داخل ~~الصحيفة وقرأت القصة. ثم حدثت نفسي بأن هذا شيء لا يوجد في غرابته مثيل. الأمر الأكثر ~~غرابة. تقول الصحيفة إن هذه الصورة هي لبيتي كان. هل أنطق الاسم بشكل صحيح؟» ~~«كين.» ~~«آه. هكذا. بيتي كين. لكنها كذلك صورة السيدة تشادويك، التي أقامت في فندقي مع ~~زوجها.» ~~«ماذا!» # بدا السيد لانج مسرورا. «هل أثار ذلك اهتمامك؟ آمل ذلك. كنت آمل ذلك حقا.» ~~«أكمل. أخبرني.» ~~«لقد أقاما لدي مدة أسبوعين. وكان ذلك أكثر شيء غريب، يا سيد بلير؛ لأنه في الوقت ~~الذي كانت فيه تلك الفتاة المسكينة تضرب وتحرم من الطعام في علية بمنزل إنجليزي، كانت ~~السيدة تشادويك تأكل مثل ذئب صغير في فندقي - القشدة التي كان بإمكان تلك الفتاة أكلها يا ~~سيد بلير، حتى أنا، الرجل الدنماركي، كنت مندهشا - وتستمتع بوقتها إلى أقصى حد.» ~~«حقا؟» ~~«حسنا، قلت لنفسي: رغم كل شيء فإنها صورة. ورغم أنها الهيئة نفسها التي بدت عليها ~~عندما تركت شعرها مسترسلا عند مجيئها إلى حفلة الرقص ...» ~~«مسترسلا!» ~~«أجل. كانت تصفف شعرها لأعلى، كما تفهم. لكن كان لدينا حفلة رقص بملابس متنكرة ... ~~ملابس متنكرة؟» ~~«أجل. ملابس تنكرية.» ~~«آه. هكذا. ملابس تنكرية. وحتى يليق ms222 مع فستانها التنكري تركت شعرها مسترسلا. مثلما ~~تبدو بالضبط هناك.» ثم نقر بإصبعه على الصورة. «لهذا حدثت نفسي: إنها صورة، في نهاية ~~الأمر. كم مرة رأى الواحد منا صورة لا تشبه شخصا حقيقيا ولو بأدنى درجة. وما ~~العلاقة الممكنة التي تربط هذه الفتاة في الجريدة بالسيدة تشادويك الشابة التي أقامت هنا ~~مع زوجها خلال تلك المدة! لهذا فأنا كنت منطقيا مع نفسي. لكني لم أتخلص من الصحيفة. لا. ~~لقد احتفظت بها. ومن حين لآخر ألقي نظرة عليها. وفي كل مرة أنظر لها أفكر: لكن تلك هي ~~السيدة تشادويك. لهذا بقيت حائرا، وعندما أذهب إلى النوم أفكر في الأمر بينما ينبغي ~~علي التفكير في التسوق ليوم الغد. بحثت عن تفسير من تلقاء نفسي. ألها توأم، ربما؟ ~~لكن لا؛ بيتي كين طفلة وحيدة. بنات عم. صدفة. شبيهة لها. فكرت في كل الاحتمالات. وفي ~~الليل ترضيني تلك الاحتمالات، فأتقلب على جانبي ثم أخلد إلى النوم. لكن في الصباح أنظر ~~إلى الصورة، ويصبح كل شيء مشتتا مرة أخرى. فكرت؛ لا لبس في أن تلك هي السيدة ~~تشادويك. أتفهم مأزقي؟» ~~«تماما.» ~~«ثم عندما جئت إلى إنجلترا في مهمة عمل، وضعت الصحيفة التي تحمل اسما ~~عربيا ...» ~~«عربيا؟ آه، أجل، فهمت. لم أقصد مقاطعتك.» ~~«وضعتها في حقيبتي، ثم بعد العشاء أخرجتها وعرضتها على صديق لي أقيم عنده. أقيم مع ~~زميل لي في منطقة بايزووتر، لندن. أبدى صديقي حماسا في الحال ثم قال: لكن القضية صارت ~~الآن من اختصاص الشرطة، وتلكما السيدتان تؤكدان أنهما لم يسبق لهما رؤية الفتاة من قبل. ~~فقد ألقي القبض عليهما بسبب ما من المفترض أنهما ارتكبتاه في حق هذه الفتاة ~~وستحاكمان على ذلك. ثم نادى على زوجته: «ريتا! ريتا! أين صحيفة الثلاثاء الماضي؟» إنها أحد ~~شئون الأسرة، الخاصة بصديقي، حيث لا بد من الاحتفاظ بصحيفة الثلاثاء من الأسبوع الماضي. ثم ~~جاءت زوجته بالصحيفة وعرض علي تقرير المحاكمة ... لا، ال... ال...» ~~«المثول أمام المحكمة.» ~~«أجل. مثول السيدتين في المحكمة. وقرأت كيف من المزمع أن ms223 تعقد محاكمة في مكان ما في ~~البلد في غضون ما يزيد قليلا على أسبوعين. حسنا لم يتبق عليها، بحلول الآن، سوى أيام ~~معدودات. لهذا فقد قال صديقي: إلى أي مدى أنت متأكد، يا أينار، أن تلك الفتاة والسيدة ~~تشادويك التي كانت لديك هما شخص واحد؟ فقلت: أنا واثق تماما من ذلك. فقال لي: في الصحيفة ~~هنا اسم محامي السيدتين. لم يرد ذكر لعنوانه، لكن قرية ميلفورد هذه مكان صغير للغاية ~~ومن السهل العثور عليه. سنشرب قهوة غدا في الصباح الباكر - كان ذلك هو الفطور - ثم ~~ستتجه إلى ميلفورد وتخبر هذا المدعو السيد بلير بما تعتقد حول الأمر. وها أنا ذا هنا يا ~~سيد بلير. فهل أنت مهتم بما أقوله؟» # أسند روبرت ظهره إلى المقعد، وأخرج منديله، ومسح جبينه. «هل تؤمن بالمعجزات يا سيد ~~لانج؟» ~~«بكل تأكيد. أنا مسيحي. وفي الواقع، رغم أني لست كبيرا في السن بالدرجة، لكني شهدت ~~معجزتين.» ~~«حسنا، لقد صارت لك يد في معجزة ثالثة.» # ابتسم السيد لانج ابتسامة عريضة وقال: «حقا؟» وأضاف: «هذا يجعلني في غاية ~~السعادة.» ~~«لقد أنقذتنا من الغرق.» ~~«غرق؟» ~~«هذا تعبير اصطلاحي إنجليزي. أنت لم تنقذنا من الغرق فحسب. أنت عمليا أنقذت ~~حياتنا.» ~~«هل تظن، إذن، كما أظن أنهما شخص واحد، تلك الفتاة والنزيلة التي أقامت لدي في فندق ريد ~~شوز؟» ~~«ليس لدي شك ولو للحظة في ذلك. أخبرني، هل لديك تواريخ إقامتها لديك؟» ~~«آه، أجل، بكل تأكيد. ها هي. وصلت هي وزوجها جوا يوم الجمعة 29 مارس، وغادرا - جوا ~~مرة أخرى، أظن ذلك، رغم أني لست واثقا تمام الثقة - يوم 15 أبريل، يوم إثنين.» ~~«أشكرك. وبالنسبة إلى «زوجها»، كيف كانت هيئته؟» ~~«شاب. ذو بشرة سمراء. ومظهر جيد. ونوعا ما - الآن، ما الكلمة المناسبة؟ لامع للغاية. ~~مزخرف؟ لا.» ~~«مبهرج؟» ~~«بالضبط. هكذا هي. مبهرج. مبهرج قليلا، كما أظن. لاحظت أنه لم يلق استحسانا كبيرا من ~~الرجال الإنجليز الآخرين الذين جاءوا وانصرفوا.» ~~«أكان تحديدا في إجازة؟» ~~«لا، أوه، لا. كان في مهمة عمل في كوبنهاجن.» ms224 ~~«ما نوع العمل؟» ~~«هذا ما لا أعرفه، أعتذر عن ذلك.» ~~«هل بوسعك أن تخمن؟ ما أكثر الاهتمامات المحتملة التي قد تثيره في ~~كوبنهاجن؟» ~~«هذا يعتمد يا سيد بلير، ما إذا كان مهتما بالشراء أو البيع.» ~~«ما كان عنوانه في إنجلترا؟» ~~«لندن.» ~~«واضح على نحو جيد. هل لك أن تعذرني دقيقة حتى أجري مكالمة هاتفية؟ هل تدخن؟» ففتح ~~له علبة سجائر ودفعها نحو السيد لانج. ~~«ميلفورد 195. ستمنحني شرف تناول الغداء معي يا سيد لانج، أليس كذلك؟ عمة لين؟ علي ~~الذهاب إلى لندن فورا بعد الغداء ... أجل، الليلة. هل لك أن تكوني ملاكا وتحزمي حقيبة ~~صغيرة من أجلي؟ ... شكرا لك، حبيبتي. هل يناسبك إذا عدت إلى المنزل ومعي شخص ليتناول ما ~~توفر على الغداء اليوم؟ أوه، جيد ... أجل، سأسأله.» ثم كتم سماعة الهاتف، وقال: «عمتي، التي ~~هي في الواقع ابنة عمي، تريد أن تعرف إذا كنت تأكل فطائر؟» # قال السيد لانج بابتسامة عريضة وحركة واسعة تشير إلى امتلاء جسده: «سيد بلير!» وتابع: ~~«أهذا سؤال يليق برجل دنماركي؟» # قال روبرت في الهاتف: «إنه يحبها.» وأضاف: «أقول لك يا عمة لين. هل ستفعلين أي شيء ~~مهم عصر اليوم؟ ... لأني أظن أن ما عليك فعله هو الذهاب إلى كنيسة سان ماثيو من أجل تقديم ~~الشكر والعرفان ... إن ملاك السماء الذي أخبرتني عنه قد وصل.» # حتى السيد لانج كان بوسعه أن يسمع ابتهاج العمة لين: «روبرت! لا، غير معقول!» ~~«بشحمه ولحمه - لا، ليس أشعث نوعا ما - طويل القامة للغاية ووسيم ومثالي تماما من أجل ~~الدور ... ستقدمين له غداء شهيا، أليس كذلك؟ ... أجل ، هو ذاك الذي سيأتي على الغداء. ملاك ~~السماء.» # أغلق الهاتف ورفع بصره إلى السيد لانج المبتهج. ~~«والآن يا سيد لانج، لنذهب إلى فندق روز آند كراون ونشرب بعض البيرة الفاخرة.» # | الفصل الحادي والعشرون # عندما توجه روبرت إلى منزل فرنتشايز، بعد مرور ثلاثة أيام، حتى يقل سيدتي شارب إلى ~~نورتون لحضور محاكمة محكمة المقاطعة الرئيسية في اليوم التالي، وجد أجواء عرس تحيط ~~بالمكان. حوضان مذهلان ms225 من زهور المنثور الصفراء قائمان على الدرجة العلوية من السلم؛ ~~والردهة المظلمة تتلألأ بالزهور مثل كنيسة مزينة لاستقبال حفل زفاف. # قالت ماريون، ملوحة بيديها كتفسير للبهجة المنتشرة: «إنه نيفيل!» وتابعت: «قال لا بد ~~أن يكون المنزل اليوم في عيد.» # قال روبرت: «يا ليتني كنت قد فكرت في ذلك.» ~~«بعد الأيام القليلة الأخيرة، سيفاجئني لو استطعت التفكير بأي حال من الأحوال. لولاك، ~~ما كنا لنشهد هذه البهجة التي نحن فيها اليوم!» ~~«تقصدين لولا رجل يدعى بيل.» ~~«بيل؟» ~~«ألكسندر بيل. مخترع الهاتف. لولا هذا الاختراع لكنا لا نزال نتحسس في الظلام. ~~سيستغرق الأمر مني شهورا قبل أن أتمكن من النظر إلى هاتف دون أن أنتفض.» ~~«هل أخذت الأمر كله على عاتقك؟» ~~«أوه، لا. كان لكل منا هاتفه. كيفين وموظفه في غرفة الاجتماعات الخاصة به، وأنا في ~~شقته الصغيرة في المنطقة المحيطة بكاتدرائية سان بول، وأليك رامسدن وثلاثة من رجاله في ~~مكتبه وأينما تمكنوا من العثور على هاتف يمكنهم استخدامه دون مقاطعة.» ~~«هكذا كنتم ستة.» ~~«كنا سبعة مع ستة هواتف. وكنا في حاجة إليها!» ~~«مسكين يا روبرت!» ~~«كان الأمر مسليا في البداية. كانت نشوة البحث تغمرنا، عند معرفة أننا كنا على ~~المسار الصحيح. فالنجاح عمليا كان حليفنا. لكن بمرور الوقت كنا قد تأكدنا أنه ليس ~~هناك أحد من عائلة تشادويك في سجل هواتف لندن تربطه أي صلة بتشادويك الذي سافر إلى ~~كوبنهاجن يوم 29 مارس، وأن كل ما يعرفه خط الطيران عنه كان هذين المقعدين اللذين قد ~~حجزا من لاربورو في يوم 27، وكنا قد فقدنا أي إحساس بالمرح الذي بدأنا به. فأسعدتنا ~~المعلومات التي حصلنا عليها من لاربورو، بكل تأكيد. لكن بعد ذلك صار العمل مضنيا بشدة. ~~فبحثنا عما نبيعه إلى الدنمارك وما تشتريه هي منا، ثم قسمناها بيننا.» ~~«البضائع؟» ~~«لا، المشترون والبائعون. مكتب السياحة الدنماركي كان منحة سماوية. فانهالوا علينا ~~بالمعلومات. توليت الصادرات أنا، وكيفين وموظفه، وتولى رامسدن ورجاله الواردات. ومنذ ~~تلك اللحظة كانت مهمة شاقة أن تتصل بالمديرين وتسألهم: «أيعمل لديك ms226 رجل يدعى برنارد ~~تشادويك؟» عدد الشركات التي لم يكن يعمل لديهم برنارد تشادويك كان لا يصدق. لكن أعرف ~~الآن الكثير عن صادراتنا إلى الدنمارك أكثر من ذي قبل.» ~~«لا شك لدي في ذلك!» ~~«ضقت ذرعا بالهاتف لدرجة أني تقريبا لم أعد أجيب عندما يرن لدي. كنت قد نسيت ~~تقريبا أن الهواتف هي اتصال بين طرفين. فالهاتف لم يكن سوى نوع من أدوات الاستجواب التي ~~كان بإمكاني أن أبقى بها على اتصال مع المكاتب في جميع أرجاء البلد. حدقت إليه وقتا ~~طويلا قبل أن أدرك أن المسألة في نهاية المطاف هي أمر متبادل وأن شخصا ما كان يحاول ~~الاتصال بي لتبادل المعلومات.» ~~«وكان المتصل هو رامسدن.» ~~«أجل، كان أليك رامسدن. فقال: «لقد وصلنا إليه. فهو يشتري البورسلين وأشياء من هذا ~~القبيل لصالح شركة براين، وهارفرد وشركائهما».» ~~«يسعدني أن رامسدن هو من اكتشفه. سيهون عليه ذلك فشله في تعقب أثر ~~الفتاة.» ~~«أجل، صار شعوره الآن أفضل حيال الأمر. بعد ذلك أسرعنا إلى مقابلة الأشخاص الذين ~~احتجنا إلى مقابلتهم والحصول على مذكرات الاستدعاء إلى المحكمة وخلاف ذلك. لكن النتيجة ~~المرجوة بأكملها ستظل في انتظارنا في محكمة نورتون غدا. كيفين لا يطيق صبرا على ~~الانتظار. فلعابه يسيل على المشهد المرتقب.» # قالت السيدة شارب، عند دخولها وهي تحمل حقيبة سفر صغيرة وتلقيها على منضدة من الخشب ~~الماهوجني المثبتة في حائط بطريقة كانت ستصيب العمة لين بالإغماء: «لو كان بمقدرتي أن ~~أشعر بالأسف على تلك الفتاة، لكان وهي في منصة الشهود في مواجهة كيفين ماكديرموت العنيف.» ~~لاحظ روبرت أن تلك الحقيبة، التي كانت في الأساس حقيبة غالية وفي غاية الأناقة - ربما أنها ~~أثر متبق من المرحلة الأولى من حياتها الزوجية الموسرة - صارت الآن مهترئة على نحو ~~يرثى له. فقرر أنه عندما يتزوج ماريون ستصبح هديته إلى أم العروس هي حقيبة لأدوات ~~الزينة؛ صغيرة، وخفيفة، وأنيقة، وغالية. # قالت ماريون: «لن يصبح بمقدرتي أبدا أن ينتابني شعور عابر بالأسف على تلك الفتاة. كنت ~~سأمحوها من على وجه الأرض ms227 كما أسحق عثة في إحدى الخزانات - باستثناء أني أشعر بالأسف ~~دائما تجاه العثة.» # سألت السيدة شارب: «ماذا كانت الفتاة قد نوت أن تفعل؟» وتابعت: «أكانت قد نوت العودة ~~إلى أهلها بأي حال من الأحوال؟» # قال روبرت: «لا أعتقد ذلك.» وأضافت: «أظن أنها ما زالت غاضبة ومستاءة لأنها لم تعد ~~محور اهتمام المنزل الكائن في 39 ميدوسايد لين. المسألة هي كما قال كيفين منذ مدة طويلة ~~مضت: بداية الجريمة هي الأنانية المفرطة، والغرور القاتل. ربما أن فتاة عادية، مراهقة ~~حساسة كذلك، كسر خاطرها أن أخاها بالتبني لم يعد يراها أهم شيء في حياته؛ كان من ~~الممكن أن تحل المشكلة بالبكاء، أو التزام الصمت، أو أن تصبح صعبة المراس، أو تقرر ~~أنها ستزهد في العالم وتلجأ إلى دير، أو عدة طرق أخرى يلجأ إليها المراهقون في عملية ~~التأقلم على وضع جديد. لكن مع أنانية كأنانية بيتي كين لا يوجد مجال للتأقلم. فهي ~~تتوقع أن العالم عليه أن يؤقلم نفسه عليها. هكذا يفعل الجناة دائما، بالمناسبة. ليس ~~هناك مجرم أبدا لم يعتبر نفسه هو الضحية.» # قالت السيدة شارب: «إنسانة غريبة.» ~~«أجل. حتى أسقف لاربورو سيجد صعوبة في اختلاق عذر لها. فحجته المعتادة المتمثلة في ~~«البيئة المحيطة بالشخص» لن تجدي هذه المرة. لقد توفر لبيتي كين كل شيء يوصى به ~~لتقويم المجرم: الحب، الحرية لتنمية مواهبها، التعليم، الأمان. عندما تفكر في الأمر ستجده ~~محيرا تماما لنيافته؛ لأنه لا يؤمن بعامل التوارث. فيعتقد أن المجرمين يصنعون، ومن ~~ثم يمكن تقويمهم. لكن «توارث الخطيئة» هي مجرد خرافة قديمة، في تقدير الأسقف.» # قالت السيدة شارب ناخرة: «توبي بيرن.» ثم أضافت قائلة: «كان عليك أن تسمع ما يقوله ~~فتية إسطبل تشارلز عنه.» # قال روبرت: «سمعت من نيفيل». وتابع: «أشك إن كان بوسع أحد أن يجود على قصة نيفيل في ~~هذا الموضوع.» # سألت ماريون: «هل فسخت الخطبة بشكل نهائي، إذن؟» ~~«بكل تأكيد. تعلق العمة لين آمالها على الفتاة الكبرى للكولونيل وايتيكر. فهي إحدى بنات ~~أخت الليدي ماونتليفين، وإحدى حفيدات ms228 كريسبس من عائلة كار.» # ضحكت ماريون معه. ثم سألت: «أهي لطيفة، ابنة وايتيكر؟» ~~«أجل. شقراء، جميلة، مهذبة، لها اهتمام موسيقي لكنها لا تغني.» ~~«أود أن يتزوج نيفيل بزوجة لطيفة. فكل ما يحتاج إليه هو بعض الاهتمام الدائم بشخصه. ~~التركيز على طاقته ومشاعره.» ~~«التركيز في الوقت الحالي لكلينا منصب على منزل فرنتشايز.» ~~«أعرف ذلك. كان شخصا عزيزا علينا. حسنا، أظن أنه حان الوقت الذي سنغادر فيه. لو ~~أخبرني أحد الأسبوع الماضي أننا سنغادر منزل فرنتشايز لنشهد انتصارا في نورتون لما ~~صدقت هذا. بإمكان ستانلي المسكين أن ينام في فراشه من الآن فصاعدا، بدلا من حراسة ~~شيطانتين في منزل ناء.» # سأل روبرت: «ألن ينام الليلة هنا؟» ~~«كلا. لم من المفترض أن يفعل ذلك؟» ~~«لا أعرف. لا تروقني فكرة أن يترك المنزل خاويا تماما.» ~~«سيصبح رجل الشرطة قريبا كالعادة في دوريته. على أي حال، لم يحاول أحد فعل أي شيء منذ ~~الليلة التي هشموا فيها نوافذنا. ليست سوى ليلة. وسنعود إلى المنزل غدا.» ~~«أعرف ذلك. لكن الأمر لا يروقني كثيرا. أليس بإمكان ستانلي أن يبقى ليلة واحدة أخرى؟ ~~حتى انتهاء القضية.» # قالت السيدة شارب: «إن أرادوا تحطيم نوافذنا مرة أخرى، فلا أظن أن وجود ستانلي هنا ~~سيمنعهم.» # قال روبرت: «لا، لا أفترض ذلك. سأذكر هالم، على أي حال أن لا أحد بالمنزل الليلة.» ثم ~~اكتفى بذلك. # أوصدت ماريون الباب وراءهم، ثم ساروا نحو البوابة، حيث كانت سيارة روبرت تنتظر عندها. ~~توقفت ماريون عند البوابة ثم نظرت إلى المنزل خلفها. وقالت: «مكان قبيح، لكن فيه ميزة ~~واحدة. أنه ظل على الهيئة نفسها طوال العام. في منتصف الصيف يصبح العشب أكثر دكانة ~~قليلا ومجهدا، لكن خلاف ذلك فلا يتغير. لأغلب المنازل وقت «تتألق فيه»؛ بنباتات ~~وردية، أو بحدود من الأعشاب، أو بنباتات فيرجينيا المتسلقة، أو بأزهار اللوز، أو بشيء ~~ما. لكن منزل فرنتشايز يظل دائما كما هو. ليس به رفاهيات زائدة. علام تضحكين يا ~~أمي؟» ~~«كنت أفكر في منظر هذا المنزل البائس المزين بتلك الأحواض ms229 من زهر المنثور.» # وقفوا هناك لحظة، يضحكون على المنزل البغيض ذي اللون الأبيض المتسخ بزينته العبثية غير ~~اللائقة؛ فضحكوا، ثم أغلقوا البوابة عليه. # لكن روبرت لم يغفل عن الأمر، وقبل أن يتناول عشاءه مع كيفين في فندق ذا فيذرز في نورتون، ~~اتصل بقسم الشرطة في ميلفورد وذكرهم بأن منزل السيدتين شارب سيصبح شاغرا في تلك ~~الليلة. # قال الضابط: «حسنا يا سيد بلير، سأخبر ضابط الدورية بفتح البوابة وتفقد المكان حولها. ~~أجل، المفتاح لا يزال معنا. سيصبح الأمر على ما يرام.» # لم يتبين روبرت إلى حد بعيد الشيء الذي سيضمنه هذا الإجراء؛ لكنه آنذاك لم يدرك ما ~~الحماية التي من الممكن تقديمها على أي حال. فالسيدة شارب قالت إنه، إذا اعتزم شخص أن ~~يكسر النوافذ فسوف تكسر لا محالة. فصارح نفسه بأنه يفرط في الحرص، وانضم ببال مرتاح ~~إلى كيفين وأصدقائه من رجال القانون. # ومن ثم دار الحديث بينهم في الأمور القانونية على نحو جيد، وذهب روبرت إلى الفراش في ~~وقت متأخر في إحدى الغرف المكسوة بألواح داكنة التي جعلت من ذا فيذرز فندقا ~~مشهورا. إن فندق ذا فيذرز - الذي كان إحدى الوجهات «الضرورية» للزائرين الأمريكيين في ~~بريطانيا - لم يكن مشهورا فحسب، بل مواكبا للعصر أيضا. كانت الأنابيب ممددة من خلال ~~أخشاب بلوط مزخرفة، والأسلاك من خلال أسقف ذات عوارض خشبية، وخط الهاتف من خلال ألواح ~~الأرضيات من خشب البلوط. كان فندق ذا فيذرز ولا يزال يمنح راحة لعامة المسافرين منذ عام ~~1480، ولم ير سببا يبرر أنه من المفترض أن يتوقف عن ذلك. # استغرق روبرت في النوم بمجرد أن لمس رأسه الوسادة وبعد ذلك ظل الهاتف يرن دقائق ~~بجواره قبل أن يصبح مدركا لرنينه. # قال، شبه نائم: «خيرا؟» ثم صار منتبها تماما في الحال. # كان المتصل هو ستانلي. هل بإمكانه العودة إلى ميلفورد؟ نشب حريق في منزل ~~فرنتشايز. ~~«هل الحريق بدرجة سيئة؟» ~~«سيطر على المنزل، لكنهم يعتقدون أن بإمكانهم إنقاذه.» ~~«سأكون هناك في أسرع وقت يمكنني أن أقطع فيه الطريق.» # ومن ms230 ثم قطع العشرين ميلا من باب الفندق حتى باب المنزل بأقصى سرعة ممكنة، لدرجة أنه هو ~~شخصيا، روبرت بلير، منذ شهر مضى كان سيعتبر الأمر مستهجنا أن يحققه شخص آخر، ~~ومستحيلا تماما أن يحققه هو. وبينما يندفع مسرعا متجاوزا منزله في الطرف الأدنى من ~~هاي ستريت بميلفورد ومنطلقا باتجاه المنطقة الريفية، رأى وهج النيران يلوح في الأفق، مثل ~~طلوع القمر في تمامه. لكن القمر البازغ في السماء، قمر فضي صغير في ليلة صيف شاحبة. أما ~~وهج احتراق منزل فرنتشايز فكان يرتعش في هبات مفزعة أقبضت قلب روبرت بفزع لا ~~ينسى. # على الأقل لم يكن أحد داخل المنزل. تساءل إذا كان أحد قد وصل إلى هناك في الوقت المناسب ~~لإنقاذ الأشياء الثمينة من المنزل. أهناك أحد بإمكانه التمييز بين ما هو ثمين وما هو بلا ~~قيمة؟ # كانت البوابة مفتوحة على مصراعيها والفناء - المضيء في النيران - مزدحما بالرجال وعربات ~~الإطفاء. أول شيء رآه، غير متناسب مع منظر العشب، كان الكرسي المشغول بالخرز من قاعة ~~الاستقبال، فأثيرت داخله موجة هيستيرية. شخص ما قد أنقذ ذلك، على أي حال. # جذب كمه ستانلي الذي يصعب التعرف على ملامحه ثم قال: «ها أنت هنا. ظننت أن من الواجب ~~أن تعرف بطريقة أو بأخرى.» كان العرق يتصبب على وجهه المسود، مخلفا وراءه مجرى ~~ضيقا واضحا، وبذلك بدا وجهه الشاب مجعدا وكبيرا في السن. وأضاف: «لا يوجد ماء ~~كاف. لقد أخرجنا أشياء كثيرة إلى حد كبير. جميع الأشياء في قاعة الاستقبال التي ~~اعتادتا على استخدامها يوميا. ظننت أن تلك الأشياء هي ما ستستخدمانها، إذا كانا في ~~موضع اختيار. وألقينا في الخارج بعض الأشياء التي كانت في الطابق العلوي لكن الأشياء ~~الثقيلة احترقت.» # كومت المراتب وملاءات السرير بعضها فوق بعض على العشب، بعيدا عن موطئ أحذية رجال ~~الإطفاء. واستقر الأثاث قريبا من العشب حسبما وضع، والدهشة والارتباك باديان ~~عليه. # قال ستانلي: «هيا لنبعد الأثاث أكثر من ذلك.» وتابع: «فمكانه هنا غير آمن. فإما ~~ستسقط عليه بعض الأجزاء المشتعلة، أو ms231 سيستخدمه أحد أولئك الأوغاد ليقف عليه.» كانوا ~~أولئك الأوغاد هم رجال الإطفاء، الذين يعملون بجد ويبذلون أفضل ما لديهم. # بهذا وجد روبرت نفسه ينقل الأثاث على نحو رتيب في هذا المشهد العجيب، ويتعرف في حزن ~~على قطع أثاث كان قد عرفها في مكانها المعتاد. الكرسي الذي ظنت السيدة شارب أن المحقق ~~جرانت ثقيل للغاية على أن يجلس عليه؛ المائدة من خشب أشجار الكرز التي قدموا عليها ~~الغداء لكيفين، المنضدة المثبتة في الحائط التي ألقت عليها السيدة شارب حقيبتها فقط منذ ~~ساعات قليلة مضت. إن أجيج النيران ودويها، وصياح رجال الإطفاء، والمزيج الغريب من ضوء ~~القمر، والمصابيح الأمامية، وألسنة اللهب المترنحة، والتلاصق الجنوني لقطع الأثاث ~~وتنافرها؛ كل ذلك ذكره بإحساس الإفاقة من التخدير. # حينذاك حدث أمران في وقت واحد. انهار الطابق الأول محدثا صوت ضجيج مرتفعا. وبينما ~~أنارت دفعة النيران الجديدة الوجوه من حوله رأى شابين في آن واحد كان وجهاهما مفعمين ~~بالتشفي. وفي اللحظة نفسها أدرك أن ستانلي قد رآهما أيضا. فرأى قبضة يد ستانلي تلكم ~~الشاب البعيد من أسفل ذقنه بصوت طقطقة كان ممكنا سماعه وسط أجيج النيران، فوقع صاحب ~~الوجه المتشفي واختفت ملامحه في عتمة العشب المنسحق. # لم يكن روبرت قد سدد لأحد أي لكمة منذ أن توقف عن الملاكمة لما غادر المدرسة، ولم ~~يكن يحمل في داخله أي نية لتسديد لكمة لأحد الآن. لكن اتضح أن ذراعه اليسرى كانت تفعل ~~كل ما انبغى فعله من تلقاء نفسها. ومن ثم وقع صاحب الوجه الخبيث الثاني فاقدا ~~الوعي. # علق ستانلي، وهو ينفخ في مفاصل أصابع يده المتعبة : «عظيم.» ثم قال: «انظر!» # انهار السطح مثل وجه طفل عندما يبدأ في البكاء؛ مثل شريط صور منصهر. النافذة ~~الدائرية، التي اشتهرت للغاية وتلطخت سمعتها كثيرا، مالت إلى الأمام قليلا وانهارت ~~ببطء إلى الداخل. هب لسان لهب لأعلى ثم سقط مرة أخرى. ثم انهار السطح بأكمله ليسقط ~~في الحشد المضطرب في الأسفل، على ارتفاع طابقين لينضم إلى الحطام المحترق لبقية الأجزاء ~~الداخلية من ms232 المنزل. تراجع الرجال بعيدا عن الحرارة المحرقة. وتأججت النيران في ~~انتصار لا حد له في ليلة صيف. # عندما خمدت النيران أخيرا لاحظ روبرت بدهشة غامضة أن الفجر قد بزغ. فجر هادئ، غائم، ~~مفعم بالأمل. وكان الهدوء قد عم المكان أيضا، وتضاءل أجيج النيران والصياح حتى صار ~~صوت هسيس ماء خافت ينساب على هيكل المنزل المتفحم. لم يعد قائما وسط العشب المنسحق ~~سوى أربعة جدران، متسخة ومعالمها غير واضحة. أربعة جدران ومجموعة درجات السلم ~~بدربزينها الحديدي المنبعج. على الجانب الآخر من المدخل ظل ما تبقى من أحواض الورد ~~القليلة المبهجة التي أحضرها نيفيل، زهور مبللة ومتفحمة معلقة على هيئة قطع ممزقة ~~يصعب التعرف عليها فوق حوافها. وبينها فتحة مربعة مفتوحة على فراغ أسود. # قال ستانلي، واقفا إلى جانبه: «حسنا، ذلك ما آل إليه الحال.» # سأل بيل، الذي وصل متأخرا للغاية بحيث لم ير أي شيء غير الحطام المتبقي: «كيف بدأ ~~الحريق؟» # قال روبرت: «لا أحد يعرف. كانت النيران مشتعلة بدرجة كبيرة عندما وصل رجل الشرطة نيوسام ~~في موعد دوريته. ما مصير هذين الشابين، بالمناسبة؟» # قال ستانلي: «هل تقصد الاثنين اللذين لكمناهما؟» وأضاف: «لقد رجعا إلى ~~منزليهما.» ~~«من المؤسف أن تعبير وجوههما لا يعد دليلا.» # قال ستانلي: «أجل.» وتابع: «لن يمسكوا بأحد لارتكابه هذه الفعلة تماما، مثلما لم ~~يمسكوا بأحد من أجل تحطيم النوافذ. ولا أزال أدين أحدهم بالتسبب في كسر ~~برأسي.» ~~«كدت أن تكسر رقبة ذلك الشخص الليلة. يجب أن يصبح ذلك تعويضا لك بشكل ما.» # قال ستانلي: «كيف ستخبرهما؟» كان من الواضح أنه يشير إلى السيدتين شارب. # أجاب روبرت: «الله أعلم.» وأضاف: «هل لي أن أخبرهما أولا وأكدر عليهما انتصارهما في ~~المحكمة؛ أم أتركهما حتى تفرحا بالانتصار ثم تواجها هذه المصيبة البشعة فيما بعد؟» # قال ستانلي: «دعهما تفرحا بالانتصار.» وتابع: «فليس لأي شيء يحدث فيما بعد أن يسلبها ~~منهما. فلا تكدر فرحتهما.» ~~«ربما أنت محق، يا ستان. ليتني كنت أعرف. من الأفضل أن أحجز لهما غرفتين في فندق روز ~~آند ms233 كراون.» # قال ستانلي: «لن يعجبهما ذلك.» # قال روبرت، بشيء من الاستياء: «ربما بالفعل.» ثم أضاف قائلا: «ليس أمامهما خيار آخر. ~~أيا كان ما ستقرران فعله فستحتاجان إلى الإقامة هنا ليلة أو ليلتين لترتيب حالهما، هذا ~~ما أتوقعه. وفندق روز آند كراون هو أفضل الأماكن المتوفرة.» # قال ستانلي: «حسنا، كنت أفكر. وأثق أن صاحبة المنزل الذي أقيم فيه سيسعدها استقبالهما. ~~كانت تقف دائما في صفهما، ولديها غرفة شاغرة، وبإمكانهما الإقامة في غرفة الجلوس في ~~الواجهة التي لا تستخدمها أبدا، وهي هادئة للغاية، عند ذلك الصف الأخير من مساكن ~~البلدية على المروج المنخفضة وراء القرية. أثق أنهما ستؤثران ذلك على الإقامة في فندق ~~قد تصبحان فيه مثارا للتحديق.» ~~«ستؤثران ذلك حقا يا ستان. لم يكن ذلك ليخطر في بالي أبدا. أتظن أن صاحبة المنزل ~~ستبدي استعدادها لذلك؟» ~~«أنا لا أظن؛ إنما أنا واثق. فهما أكبر موضع لاهتمامها في الحياة حاليا. ربما كانت ~~إقامتهما ستصير بمنزلة إقامة العائلة المالكة.» ~~«حسنا، تأكد من الأمر على وجه التحديد، إذا تفضلت، وأرسل لي برقية موجهة إلى نورتون. ~~إلى فندق ذا فيذرز في نورتون.» # | الفصل الثاني والعشرون # بدا لروبرت أن ما لا يقل عن نصف سكان ميلفورد قد تمكنوا من الاحتشاد داخل قاعة محكمة ~~نورتون. لا شك أن عددا لا يستهان به من مواطني نورتون كانوا يتجمهرون حول الأبواب ~~الخارجية، في حالة من التذمر والإحباط؛ غاضبين من أنه عندما يتقرر عقد جلسات قضية ~~ذات اهتمام قومي في المحكمة «التابعة لهم» فإن سيلا من الأجانب القادمين من ميلفورد ~~يغتصبون حقهم في أن يشهدوا المحاكمة. وهم أجانب مخادعون ومحتالون، أيضا، حيث قدموا ~~رشوة إلى شباب من نورتون حتى يحتفظوا بأماكن في الطابور من أجلهم؛ وهو تدبير لم يخطر ~~ببال الكبار من أهالي نورتون. # كانت الأجواء مثيرة للغاية، والمحكمة المزدحمة تتحرك في توتر طوال الإجراءات التمهيدية ~~وخلال أغلب سرد مايلز أليسون لملابسات الجريمة. كان أليسون النقيض لشخصية كيفين ماكديرموت؛ ~~وجهه أشقر مهذب له سمة مميزة عن أن يكون شخصا عاديا. ms234 صوته الباهت الجاف كان يخلو من ~~أي انفعال، وكان له أسلوب واقعي. وحيث إن القصة التي تسرد كان الحاضرون قد قرءوا عنها ~~وتباحثوا فيها حتى قتلت بحثا، فقد صرفوا انتباههم عنه وسلوا أنفسهم بالتعرف على ~~أصدقاء لهم في المحكمة. # جلس روبرت يقلب مرارا وتكرارا في جيبه قطعة مستطيلة صغيرة من الورق المقوى كانت ~~كريستينا قد دستها في يده عند مغادرته بالأمس، ثم أخذ يتدرب على الكلام الذي سيقوله ~~فيما بعد. كانت قطعة الورق المقوى غلافا لزهرة غسيل ريكيت وكان محفورا عليها بحروف ~~ذهبية تلك الكلمات: «لن يسقط يوما عصفور»، مع صورة في الزاوية العلوية على اليمين لطائر ~~أبي الحناء، ذي صدر أحمر أكبر من الحجم الطبيعي. فتساءل روبرت، بينما يقلب هذه العبارة ~~الصغيرة مرات ومرات بين أصابعه، كيف لشخص أن يخبر أحدا بأنه لم يعد لديه منزل؟ # جاءت الحركة المفاجئة لمائة شخص والصمت الذي تبعه ليعيد انتباهه إلى قاعة المحكمة، ~~فأدرك أن بيتي كين كانت تؤدي القسم تمهيدا للإدلاء بشهادتها. «لم يسبق لها تقبيل أي شيء ~~سوى الكتاب المقدس»، كما كان بن كارلي قد قال عن هيئتها في مناسبة مشابهة. وهكذا كانت ~~تبدو اليوم. مع الزي الأزرق نفسه الذي يوحي للمرء بحداثة السن والبراءة، وزهور الحبق، ~~ودخان نيران المعسكرات، وأعشاب الجريس النابتة وسط الحشائش. لا تزال الحافة الملتوية إلى ~~الخلف في قبعتها تكشف عن جبينها بمنبت الشعر الجذاب فيه. وروبرت، الذي صار ملما الآن ~~بكل شيء عن حياتها في الأسابيع التي تغيبت فيها، وجد نفسه يفاجأ عند رؤيتها؛ كأنها ~~أول مرة. إن القدرة على الإقناع هي أولى المواهب التي يتقنها المجرم، لكن حتى تلك اللحظة ~~مثل تلك القدرة التي كان عليه أن يتعامل معها كانت من عينة الورقة النقدية من فئة العشرة ~~شلنات للعساكر القدامى. فكان من السهل التعرف عليها بسبب ما كانت عليه. عمل الهواة في ~~المجال. فخطر بباله أنه لأول مرة يرى شيئا حقيقيا وهو يعمل. # مرة أخرى أدلت بشهادتها بطريقة نموذجية، وصوتها اليافع الواضح مسموع لكل فرد ms235 في ~~المحكمة. ومرة أخرى يصبح الحاضرون من أجلها ساكنين وثابتين. الفرق الوحيد هذه المرة أن ~~القاضي لم يفرط في تدليلها. فالقاضي، في الواقع، إن كان لأحد أن يحكم من التعبير الذي ~~اعتلى وجه حضرة القاضي ساي، كان أبعد ما يكون عن التدليل. وتساءل روبرت إلى أي مدى ~~يكون السبب في نظرة القاضي الناقدة هو نفورا عاديا من الموضوع، وإلى مدى بسبب توصله ~~إلى استنتاج أن كيفين ماكديرموت لن يجلس هناك مستعدا للدفاع عن السيدتين الماثلتين في ~~قفص الاتهام إلا إذا كانت لديهما حجة قوية قاصفة. # إن الرواية التي أدلت بها الفتاة عن معاناتها فعلت ما لم يستطع محاميها فعله؛ إذ ~~أثارت في الحضور رد فعل عاطفيا. ولأكثر من مرة أطلقوا تنهيدة جماعية، وهمسا ينم ~~عن حنق؛ لم يكن واضحا قط بما يكفي ليوصف بأنه استياء عام؛ تفاديا لتوبيخ هيئة ~~المحكمة، لكنه كان مسموعا بما يكفي ليظهر مواطن تعاطفهم. وبذلك في تلك الأجواء ~~المشحونة نهض كيفين لاستجواب الشاهدة. # بدأ كيفين متحدثا بأسلوب بطيء لطيف: «آنسة كين، تقولين إن الجو كان مظلما عند وصولك ~~إلى منزل فرنتشايز. أكان الجو شديد الظلمة حقا؟» # إن هذا السؤال، بنبرة الاستمالة التي نطق بها، جعلها تظن أنه لم يرد أن يكون الجو ~~مظلما، فتجاوبت كما قصد. # قالت: «أجل. مظلم تماما.» ~~«مظلم تماما لدرجة تمنعك من رؤية الجهة الخارجية من المنزل؟» ~~«أجل، مظلم بشدة.» # بدا أنه عدل عن تلك الطريقة وحاول استخدام خطة جديدة. ~~«ننتقل إلى الليلة التي هربت فيها. ربما لم يكن الجو مظلما تماما؟» ~~«أوه، بلى. كان أشد ظلمة، إن جاز القول.» ~~«وبذلك لم يكن ممكنا لك رؤية الجهة الخارجية من المنزل بشكل أو بآخر؟» ~~«لم يكن ممكنا أبدا.» ~~«أبدا. حسنا، بعد التأكيد على تلك النقطة، لنعد النظر فيما تقولين إنه كان بوسعك ~~رؤيته من نافذة محبسك في العلية. قلت في أقوالك إلى الشرطة، عند وصفك لهذا المكان المجهول ~~الذي حبست بداخله، إن مسار السيارات من البوابة وحتى باب المنزل كان يسير في خط مستقيم ms236 ~~مسافة صغيرة، ثم ينقسم بعدها إلى نصف دائرتين تفضيان إلى باب المنزل.» ~~«صحيح.» ~~«كيف علمت أنه يسير هكذا؟» ~~«كيف علمت بذلك؟ كان بإمكاني رؤية ذلك.» ~~«من أين؟» ~~«من نافذة العلية. كانت تطل على الفناء في الجهة الأمامية من المنزل.» ~~«لكن من النافذة في العلية ليس ممكنا سوى رؤية الجزء المستقيم من المسار. فحدود السطح ~~تقطع باقي المنظر. كيف علمت بأن مسار السيارات انقسم إلى مسارين يشكلان دائرة تفضي ~~إلى الباب؟» ~~«رأيته!» ~~«كيف؟» ~~«من تلك النافذة.» ~~«تريدين منا أن نفهم أنك رأيت من واقع أساس مختلف عن الأشخاص العاديين؟ على هدى ~~بندقية الرجل الأيرلندي التي تطلق النار على الزوايا. أم أن كل ذلك كان بالاستعانة ~~بمرايا؟» ~~«إنها الطريقة التي وصفت بها!» ~~«بلا شك إنها الطريقة التي وصفت بها؛ لكن ما وصفته كان منظر الفناء كما يراه، لنفترض، ~~شخصا ينظر إليه من فوق السور، وليس شخصا ينظر إليه من نافذة العلية. وهو ما أكدته لنا ~~أنه كان المنظر الوحيد له الذي بدا إليك.» # قال القاضي: «أفترض أن لديك شاهدا على حدود المنظر من النافذة.» ~~«شاهدين يا سيدي.» # قال القاضي بنبرة جافة: «سيكفي شخص واحد بمستوى نظر طبيعي.» ~~«بهذا لا يمكنك التفسير، عند حديثك إلى الشرطة في ذلك اليوم في إيلزبري، كيف وصفت سمة ~~مميزة لم يكن ممكنا لك أن تدري عنها شيئا، إن كانت قصتك صحيحة. هل سبق لك أن سافرت ~~إلى الخارج، يا آنسة كين؟» # قالت، متفاجئة من تغيير الموضوع: «إلى الخارج؟ لا.» ~~«أبدا؟» ~~«نعم، أبدا.» ~~«لم تسافري، على سبيل المثال، إلى الدنمارك مؤخرا؟ إلى كوبنهاجن، مثلا.» ~~«لا.» لم يبد أي تغيير في تعبيرات وجهها، لكن روبرت ظن أن هناك ذرة من التردد في ~~صوتها. ~~«هل تعرفين رجلا يدعى برنارد تشادويك؟» # صارت حذرة فجأة. ذكر ذلك روبرت بالتغيير المفاجئ الذي يطرأ على حيوان كان مسترخيا ~~ثم صار منتبها بشدة. لم يطرأ أي تغيير في جلستها؛ ولا تغيير فعلي على هيئتها. على ~~النقيض، لم يبد إلا ثباتا إضافيا، وانتباها. ~~«لا.» كانت نبرة ms237 الصوت باهتة غير مبالية. ~~«هو ليس أحد أصدقائك؟» ~~«كلا.» ~~«ولم تقيمي، مثلا، معه في أحد الفنادق بكوبنهاجن؟» ~~«كلا.» ~~«هل سبق لك أن أقمت مع أي أحد في كوبنهاجن؟» ~~«كلا، لم أسافر إلى الخارج قط.» ~~«بهذا لو طرحت أنك قضيت تلك الأسابيع التي اختفيت فيها داخل أحد فنادق كوبنهاجن وليس ~~في العلية بمنزل فرنتشايز، فهل من المفترض أني مخطئ؟» ~~«مخطئ تماما.» ~~«شكرا لك.» # نهض مايلز أليسون، كما كان كيفين قد توقع، لينقذ الموقف. # فقال: «آنسة كين، لقد وصلت إلى منزل فرنتشايز بالسيارة.» ~~«أجل.» ~~«وتقولين في أقوالك إن تلك السيارة سارت حتى باب المنزل. الآن، إذا كان الجو مظلما، ~~كما تقولين، فلا بد أنه كان هناك مصابيح جانبية في السيارة، إن لم تكن مصابيح أمامية، وتلك ~~المصابيح لن تضيء مسار السيارات فحسب، بل أغلب الفناء.» # فقاطعته قبل أن يتمكن من عرض الفكرة عليها: «أجل، أجل، بالطبع لا بد أني رأيت الدائرة ~~آنذاك. كنت مدركة أني قد رأيتها. كنت مدركة لذلك.» نظرت إلى كيفين لوهلة، فذكرت ~~روبرت بوجهها لما تبين لها أنها كانت قد أصابت في تخمينها بشأن حقائب السفر داخل ~~الخزانة، خلال ذلك اليوم الأول له في منزل فرنتشايز. فخطر ببال روبرت، لو أنها عرفت ما كان ~~لدى كيفين بانتظارها، لما فكرت ولو ثانية في أي انتصار عابر. # تبعها في منصة الشهود تلك الفتاة التي وصفها كارلي ب «المسخ»؛ والتي أحضرت فستانا ~~جديدا وقبعة جديدة من أجل ظهورها في محكمة نورتون - فستان أحمر داكن وقبعة لونها أحمر ~~قان بها شريط بلون أزرق وآخر بلون وردي فاتح - وبدت أكثر بهرجة وأكثر إثارة ~~للاشمئزاز عن ذي قبل. ومرة أخرى يثير اهتمام روبرت أن يلاحظ كيف أن إعجابها بنفسها قد ~~انتقص، حتى مع وجود هؤلاء الحضور الأكثر عاطفية، من تأثير ما قالته. لم يبدوا إعجابا ~~بها، وبالرغم من موقفهم المتحيز، فإن انعدام الثقة الإنجليزي في الخبثاء قد أراح عقولهم ~~نحوها. عندما طرح كيفين، أثناء الاستجواب، أنها في الحقيقة كانت قد طردت ولم تقدم ~~«إخطارا بترك ms238 العمل» نهائيا، ساد تعبير «هكذا إذن ذلك الأمر وما فيه!» على وجوه الحاضرين ~~في المحكمة. وبخلاف محاولة هز الثقة في مصداقيتها، لم يكن أمام كيفين الكثير ليفعله ~~معها، فسمح لها بالانصراف. كان ينتظر دميتها المسكينة التي تحركها بيديها. # بدت الفتاة الدمية، عند وصولها، حتى أقل سعادة مما كانت عليه في محكمة المخالفات ~~والجنح في ميلفورد. كان من الواضح أنها صدمت بذلك الحشد المبهر من الأرواب والشعر ~~المستعار. كان الزي الرسمي للشرطة مؤثرا بما يكفي، لكن بالنظر إلى الماضي فكان يبدو ~~شبيها بملابس المنزل إلى أبعد حد مقارنة بهذه الأجواء الرسمية، هذه المراسم. إذا كانت ~~شعرت في محكمة ميلفورد بأن الموقف فوق احتمالها، فكان من الواضح أنها تموت غرقا هنا. رأى ~~روبرت عيني كيفين المتفحصتين تستقران عليها، وقد أخذ يحلل ويفهم ويقرر النهج الذي ~~سينتهجه. كان يميتها رعبا مايلز أليسون، رغم حلمه؛ كان واضحا أنها تنظر إلى أي شخص في ~~شعر مستعار وروب بوصفه عدوانيا وموزعا محتملا للعقوبات. لهذا صار كيفين حاميا ~~لها ومتوددا إليها. # كان من غير اللائق حتما، نبرة الملاطفة التي تمكن كيفين من إظهارها في صوته، هكذا ظن ~~روبرت، وهو يستمع إلى جملته الأولى التي وجهها إليها. حيث بث الطمأنينة في نفسها كلامه ~~المتأني الهادئ. استمعت لحظة ثم ما لبثت أن شعرت براحة. رأى روبرت اليدين الصغيرتين ~~النحيلتين اللتين كانتا قد قبضتا بإحكام على حاجز منصة الشهود وقد صارتا مرتخيتين ~~ومبسوطتين في وضع الارتخاء. وبدأ يسألها عن مدرستها. فكان الخوف قد تبدد من عينيها ~~وأخذت تجيب بهدوء تام. وعند تلك اللحظة، بدا واضحا وضوح الشمس أنها شعرت بأنه ~~صديق. ~~«والآن، يا جلاديس، سأقترح أنك لم تريدي المجيء اليوم إلى هنا والإدلاء بشهادتك ضد ~~ساكنتي فرنتشايز هاتين.» ~~«لا، لم أرد. حقا لم أرد!» # قال؛ دون توجيه اتهام، مجرد أنه كان يوضح ما قيل: «لكنك أتيت.» # قالت؛ على استحياء: «أجل.» ~~«لم؟ هل لأنك ظننت أن ذلك واجب عليك؟» ~~«لا، أبدا.» ~~«أكان السبب هو أن أحدا أجبرك على المجيء؟» # رأى روبرت ms239 رد فعل فوريا من القاضي على هذا، وكذلك فعل كيفين بطرف عينيه. أنهى ~~كيفين حديثه بسلاسة قائلا: «أهناك شخص يمسك عليك زلة؟» ثم توقف سيادته. «شخص قال: ~~«ستقولين ما أمليه عليك وإلا سأكشف أمرك»؟» # بدت من ناحية متفائلة، ومتحيرة من الناحية الأخرى. فقالت، وهي تلجأ إلى مهرب الجاهلين ~~بالقراءة والكتابة: «لا أعرف.» ~~«لأنه إذا دفعك أي شخص إلى الكذب بتهديدك بما سيفعله بك إذا لم تكذبي، فمن الممكن ~~معاقبته على ذلك.» # كان من الواضح أنها فكرة جديدة عليها. ~~«هيئة المحكمة هذه، وجميع هؤلاء الناس الذين ترينهم هنا، قد جاءوا إلى هنا اليوم لاكتشاف ~~الحقيقة بشأن أمر ما. وسيادة القاضي الجالس في الأعلى هناك سيتعامل بصرامة وحزم مع أي ~~شخص استخدم أسلوب التهديد لإجبارك على المجيء إلى هنا والإدلاء بشيء ليس حقيقيا. ~~والأكثر من ذلك، ستفرض عقوبة مشددة على أولئك الذين أقسموا على قول الحق ثم أدلوا ~~بشهادة زور، لكن إذا حدث أن أولئك الأشخاص قد أرهبهم شخص ما بتهديدهم للإدلاء بشهادة ~~زور، فإن الشخص الذي ستفرض عليه أقصى عقوبة سيكون ذلك الذي ارتكب التهديد. هل تفهمين ~~ذلك؟» # قالت بصوت هامس: «أجل.» ~~«سأقترح عليك الآن ما حدث بالفعل، وستخبرينني إن كنت محقا أم لا.» انتظر موافقتها، ~~لكنها لم تنطق بشيء، ومن ثم واصل حديثه. «شخص ما - ربما أنها صديقة لك - سرقت شيئا ~~من منزل فرنتشايز؛ لنفترض بأنها ساعة يد. لم تكن ترغب في الساعة لنفسها، ربما لهذا أعطتها ~~إليك. وربما أنك لم ترغبي في أخذها، لكن صديقتك ربما أنها شخص متسلط وأنت لم ~~تريدي رفض هديتها. لهذا أخذتها. فأقترح الآن بأن في الوقت الحاضر عرضت تلك الصديقة ~~عليك أنه يجب عليك تأييد قصة ستدلي هي بها في المحكمة، ولأنك تكرهين الكذب، قلت لا. ~~وبناء على ذلك قالت لك: «إذا لم تؤيديني فسأقول إنك سرقت الساعة من منزل فرنتشايز ذات ~~يوم لما أتيت لرؤيتي» أو تهديد آخر من ذلك النوع.» # توقف لحظة لكنها لم تبد إلا حائرة. ~~«والآن، أقترح أنك بسبب تلك ms240 التهديدات ذهبت بالفعل إلى محكمة المخالفات والجنح ودعمت ~~القصة الكاذبة لصديقتك، لكنك شعرت بالحزن والخجل عند عودتك إلى المنزل. حزينة وخجلة ~~لدرجة أن فكرة الاحتفاظ بتلك الساعة أكثر من ذلك كان أمرا يفوق احتمالك. ومن ثم بعدها ~~غلفت الساعة، وأعدتها إلى منزل فرنتشايز بالبريد مرفقا معها رسالة تقول: «أنا لا ~~أريدها على الإطلاق».» ثم توقف. «هذا ما أقترحه عليك، جلاديس، بأنه ما حدث ~~بالفعل.» # لكنها كانت قد استغرقت وقتا حتى يصيبها الذعر. قالت: «لا، لا، لم أمتلك تلك الساعة ~~قط.» # تجاهل إقرارها بالأمر، وقال بهدوء: «هل أنا مخطئ تماما بخصوص ذلك؟» ~~«أجل. لست أنا من أعدت الساعة.» # أمسك ورقة ثم قال بلطف: «لما كنت في تلك المدرسة التي كنا نتحدث عنها، كنت بارعة ~~في الرسم. بارعة لدرجة أن رسما لك قد وضع في معرض المدرسة.» ~~«صحيح.» ~~«معي هنا خريطة كندا - خريطة دقيقة للغاية - كانت واحدة من الرسومات المعروضة لك، وكانت ~~سببا في الواقع لفوزك بجائزة. قد وقعت هنا في الجانب الأيمن، ولا شك لدي أنك كنت ~~فخورة بالتوقيع على مثل هذا العمل المتقن. أتوقع أنك ستتذكرين هذا.» # مررت الورقة من هيئة المحكمة إليها، بينما كان كيفين يضيف قائلا: ~~«أيها السيدات والسادة أعضاء هيئة المحلفين، إنها خريطة كندا التي رسمتها جلاديس في ~~العام الأخير من المدرسة. عندما ينتهي سيادته من معاينتها سيمررها إليكم بلا شك.» ثم ~~وجه حديثه إلى جلاديس قائلا: «هل رسمت تلك الخريطة بنفسك؟» ~~«أجل.» ~~«وكتبت اسمك في الزاوية.» ~~«أجل.» ~~«وكتبت في الجزء السفلي بحروف كبيرة متفرقة «الأراضي التابعة لسيادة كندا».» ~~«أجل.» ~~«كتبت تلك الحروف المتفرقة في الجزء السفلي التي تقرأ: «الأراضي التابعة لسيادة كندا». ~~جيد. والآن، معي قصاصة ورق كتب عليها شخص الكلمات الآتية: «أنا لا أريدها على الإطلاق». ~~قصاصة الورق هذه، بحروفها الكبيرة، كانت مرفقة مع الساعة التي أرسلت إلى منزل فرنتشايز. ~~ساعة اليد التي اختفت في الوقت الذي كانت تعمل فيه روز جلين هناك. وأشير هنا إلى أن طريقة ~~كتابة الحروف في «أنا لا أريدها على ms241 الإطلاق» هي نفسها الطريقة التي كتبت بها «الأراضي ~~التابعة لسيادة كندا»، أي إنها كتبت بخط اليد نفسه. وأن تلك اليد كانت يدك.» # قالت: «لا»، وهي تأخذ قصاصة الورق عندما أعطيت لها وتلقيها سريعا على حافة المنصة ~~وكأنها ستلدغها. «لم أفعل ذلك أبدا. لم أرسل الساعة أبدا.» ~~«لم تكتبي تلك الحروف التي تقرأ «أنا لا أريدها على الإطلاق»؟» ~~«لم أفعل.» ~~«لكنك كتبت تلك الحروف التي تقرأ «الأراضي التابعة لسيادة كندا»؟» ~~«أجل.» ~~«حسنا، في وقت لاحق من هذه القضية، سأحضر دليلا على أن هاتين المجموعتين من الحروف ~~كتبتا بخط اليد نفسه. في تلك الأثناء، يمكن لهيئة المحلفين معاينتهما على مهل والتوصل ~~إلى استنتاجهم. شكرا لك.» # قال مايلز أليسون: «اقترح صديقي المحنك أنه مورس ضغط عليك لتأتي إلى هنا. أهناك أي ~~شيء حقيقي فيما اقترحه؟» ~~«لا.» ~~«لم تأت إلى هنا لأنك خائفة مما قد يحدث إليك إن لم تأتي؟» # استغرقت بعض الوقت لتمعن التفكير فيما قيل، فكان واضحا أنها تحل تعقيدات الأمر في ~~عقلها. ثم في النهاية جازفت قائلة: «لم أفعل.» ~~«ما قلته في منصة الشهود في محكمة المخالفات والجنح، وما أدليت به اليوم، هو ~~الحقيقة؟» ~~«أجل.» ~~«لم تقولي شيئا أوعز إليك شخص به؟» ~~«لم أفعل.» # لكن الانطباع الذي ترك لدى هيئة المحلفين كان كذلك بالضبط: أنها شاهدة كارهة لإدلاء ~~الشهادة تكرر قصة من تأليف شخص آخر. # عند ذلك الحد انتهت الشهادة بالنسبة إلى الادعاء، ثم تطرق كيفين مباشرة إلى مسألة جلاديس ~~ريس؛ عملا بمبدأ ربة المنزل ب «تنظيف القدمين» قبل البدء في أي عمل فعلي ~~اليوم. # أدلى خبير خطوط بشهادته أن نموذجي الكتابة اللذين قدما إلى المحكمة كتبا باليد ~~نفسها. لم يكن ليساوره أدنى شك في ذلك فحسب، إنما كان نادرا ما يسند إليه مهمة ~~أسهل منها. ولم تكن الحروف في النموذجين مطابقة فحسب، بل مجموعات الحروف كانت مطابقة ~~على نحو مماثل. وكما كان من الواضح أن هيئة المحلفين قد اتخذوا قرارهم بأنفسهم على هذه ~~النقطة - لم ير أحد النموذجين واعتراه شك ms242 بأنهما كتبا باليد نفسها -كان تلميح أليسون ~~باحتمال أن يكون الخبراء مخطئين أمرا بديهيا وغير مثير للاهتمام. دحض كيفين هذا ~~الاحتمال بإحضار خبير بصمات، والذي شهد بأن بصمات الأصابع نفسها وجدت على النموذجين. ~~وإشارة أليسون إلى أن بصمات الأصابع ربما أنها ليست لجلاديس ريس كانت آخر محاولة متبقية. ~~ولم تكن له رغبة أن تخضعها المحكمة إلى الفحص. # الآن وبعد أن أثبت حقيقة حيازة جلاديس ريس، عند شهادتها في المرة الأولى، لساعة يد ~~سرقت من منزل فرنتشايز وأنها كانت قد أرجعتها مباشرة بعد تلك الشهادة، مرفقة برسالة ~~تعكس شعورا بوخز في الضمير، صار كيفين متفرغا للتعامل مع قصة بيتي كين. إذ إن روز جلين ~~وقصتها قد فقدت مصداقيتها بما يكفي في نظر الشرطة ليتشاورا بشأنها. فكان بإمكانه أن ~~يترك روز إلى الشرطة بنفس مطمئنة. # عند استدعاء برنارد ويليام تشادويك، اشرأبت الأعناق إلى الأمام وانتشر صوت استفسار ~~هامس. فكان هذا اسما لم يتعرف عليه قراء الصحف. ماذا عساه يفعل في القضية؟ ما الشيء ~~الذي أتى ليخبر به هنا؟ # كان هنا ليخبر بأنه أحد مشتري البورسلين، والأواني الخزفية الفاخرة، وسلع فاخرة من شتى ~~الأنواع لصالح شركة في لندن للبيع بالجملة. وأنه متزوج ويعيش مع زوجته في منزل بمنطقة ~~إيلينج. # قال كيفين: «تسافر لصالح الشركة التي تعمل فيها؟» ~~«أجل.» ~~«في مارس من هذا العام هل أجريت زيارة إلى لاربورو؟» ~~«أجل.» ~~«أثناء وجودك في لاربورو هل التقيت ببيتي كين؟» ~~«أجل.» ~~«كيف التقيت بها؟» ~~«توددت إلي.» # علا صوت اعتراض فوري وجماعي من الحاضرين في المحكمة. بصرف النظر عن التشويه الذي كانت ~~روز جلين وصديقتها قد قاستاه، فإن بيتي كين كانت لا تزال إنسانة مقدسة. بيتي كين، التي ~~بدت شبيهة بدرجة كبيرة بالقديسة بيرناديت، لا يليق الحديث عنها باستهتار. # وبخهم القاضي على هذا الاعتراض العام، رغم أنه قد صدر منهم دون عمد. ووبخ كذلك ~~الشاهد. لم يكن واضحا له تماما، كما استدل، ما تنطوي عليه عبارة «توددت إلي» وسيكون ~~ممتنا إذا ألزم الشاهد نفسه باستعمال لغة فصحى ms243 في ردوده. # قال كيفين: «هل لك أن تخبر هيئة المحكمة كيف التقيت بها؟» ~~«أجريت ذات يوم زيارة خاطفة إلى ردهة فندق ميدلاند لتناول الشاي، ثم بدأت هي ... في ~~التحدث إلي. بينما تتناول الشاي هناك أيضا.» ~~«وحدها؟» ~~«وحدها تماما.» ~~«لم تبادر أولا بالحديث إليها؟» ~~«لم ألاحظها من الأساس.» ~~«كيف جذبت انتباهك إلى وجودها، إذن؟» ~~«ابتسمت، فابتسمت إليها ثم واصلت قراءة أوراقي. كنت منشغلا. ثم تحدثت إلي. سألت ~~عن طبيعة هذه الأوراق، وهكذا.» ~~«وبهذا تطورت المعرفة.» ~~«أجل. قالت إنها ستذهب إلى السينما - لمشاهدة أفلام - ولماذا لا أذهب أنا أيضا؟ حسنا، ~~كنت قد أنهيت يومي وهي كانت فتاة لطيفة، لهذا وافقت، إذا كانت ترغب في ذلك. وكانت النتيجة ~~أنها قابلتني اليوم التالي وذهبت معي في سيارتي إلى الريف.» ~~«تقصد، في رحلاتك من أجل العمل.» ~~«أجل؛ جاءت للتنزه، وكنا نتناول الغداء في أي مكان في الريف ونشرب الشاي قبل أن تعود ~~إلى منزل عمتها.» ~~«هل حدثتك عن أهلها؟» ~~«أجل، أخبرتني كم تحيا حياة تعيسة في المنزل، حيث لا أحد يلتفت إليها. كانت لديها ~~سلسلة طويلة من الشكاوى عن منزلها، لكني لم أنتبه إليها كثيرا. بدت لي صحبة صغيرة أنيقة ~~تماما.» # سأل القاضي: «بدت لك ماذا؟» ~~«فتاة صغيرة تحظى برعاية جيدة يا سيدي.» # قال كيفين: «صحيح؟ كم استمرت هذه المدة الرومانسية في لاربورو؟» ~~«تبين أننا سنغادر لاربورو في اليوم نفسه. كانت ستعود إلى أهلها لأن إجازتها انقضت - ~~فكانت قد مدتها بالفعل حتى تتمكن من التسكع معي - وكان علي أن أسافر إلى كوبنهاجن ~~في مهمة عمل. فقالت حينها إنها لا تنوي العودة إلى المنزل وطلبت مني أن آخذها معي. فقلت ~~بالتأكيد لا. لم أعد أظن أنها طفلة بريئة بهذه الدرجة التي بدت بها في ردهة فندق ميدلاند ~~- عرفتها بعمق أكبر أثناء تلك المدة - لكني لا أزال أعتقد أنها كانت غير متمرسة. فلم ~~تكن سوى في السادسة عشرة من عمرها، رغم كل ذلك.» ~~«أخبرتك بأنها في السادسة عشرة من عمرها.» # قال تشادويك لاويا فمه بسخرية من أسفل ms244 شاربه الأسود الصغير: «قضت عيد ميلادها السادس ~~عشر في لاربورو. كلفني الأمر أحمر شفاه ذهبيا.» # نظر روبرت إلى السيدة وين في الجهة المقابلة ورآها تغطي وجهها بيديها. وبدا ليزلي وين، ~~الذي كان يجلس إلى جوارها، غير مصدق ولا يظهر عليه أي تعبير. ~~«لم تكن لديك فكرة أنها كانت فعليا لا تزال في الخامسة عشرة من عمرها؟» ~~«لا. ليس إلا مؤخرا.» ~~«وبهذا عندما اقترحت أن تذهب معك كنت تظنها طفلة غير متمرسة في السادسة عشرة من ~~عمرها.» ~~«أجل.» ~~«لم غيرت رأيك فيها؟» ~~«هي؛ أقنعتني أنها لم تكن هكذا.» ~~«لم تكن هكذا كيف؟» ~~«لم تكن غير متمرسة.» ~~«لهذا بعد ذلك لم يؤنبك ضميرك لأن تأخذها معك في رحلة إلى الخارج؟» ~~«كان ضميري يؤنبني كثيرا، لكني بعدها كنت قد علمت ... طبيعة التسلية التي يمكن أن ~~توفرها لي، ولم يكن لي أن أتركها لو أردت ذلك.» ~~«لهذا أخذتها إلى الخارج معك.» ~~«أجل.» ~~«بصفتها زوجتك؟» ~~«أجل، بصفتها زوجتي.» ~~«ألم يؤنبك ضميرك بشأن القلق الذي ربما قد يعانيه أهلها؟» ~~«كلا. قالت لا يزال لديها أسبوعان في إجازتها، وسيعتقد أهلها كأمر مسلم به أنها ~~لا تزال مع عمتها في لاربورو. وأخبرت عمتها بأنها ستعود إلى المنزل، لكنها كانت قد ~~أخبرت أهلها بأنها ستواصل إقامتها هناك. ولأنهم لم يتراسلوا قط فكان مستبعدا أن يصبح ~~غيابها عن لاربورو معروفا لأهلها.» ~~«هل تتذكر التاريخ الذي غادرتما فيه لاربورو؟» ~~«نعم؛ أخذتها بسيارتي من موقف حافلات في مينشيل عصر يوم 28 مارس. كان ذلك المكان الذي ~~تستقل فيه عادة حافلة العودة إلى منزلها.» # ترك كيفين مهلة من الوقت بعد هذه المعلومة ، حتى تحظى أهمية ما قيل بفرصة كاملة. فكر ~~روبرت، مرهفا السمع إلى هذا الهدوء العابر، أنه لو كانت قاعة المحكمة خاوية من جنس بشر ~~لم يكن ليسودها هدوء مطلق أكثر من ذلك. ~~«وبذلك اصطحبتها معك إلى كوبنهاجن. أين أقمتما؟» ~~«في فندق ريد شوز.» ~~«كم كانت مدة إقامتكما؟» ~~«أسبوعين.» # سرى همس طفيف من التعليق أو الدهشة بسبب ذلك. ~~«ثم ماذا حدث؟» ~~«عدنا ms245 معا إلى إنجلترا يوم 15 أبريل. كانت قد أخبرتني أن الموعد المقرر لعودتها إلى ~~المنزل هو 16 أبريل. لكنها أثناء العودة أخبرتني بأن موعد عودتها الفعلي كان يوم 11 أبريل ~~وأنها صارت متغيبة عن المنزل آنذاك أربعة أيام.» ~~«هل ضللتك عن عمد؟» ~~«أجل.» ~~«هل أخبرتك بالسبب الذي دفعها لأن تضللك؟» ~~«أجل. حتى تصير العودة مستحيلة عليها. قالت إنها ستكتب إلى أهلها وتخبرهم بأنها قد ~~حصلت على وظيفة وأنها في غاية السعادة، وأن ليس عليهم أن يبحثوا عنها أو يقلقوا ~~بشأنها.» ~~«ألم تشعر بتأنيب لما تسببت فيه من معاناة لوالديها اللذين كانا مخلصين ~~لها؟» ~~«لا. قالت إن منزلها يشعرها بالملل الشديد.» # رغما عنه، اتجهت عينا روبرت إلى السيدة وين، وانصرفتا عنها مرة أخرى في الحال. إذ كانت ~~في محنة قاسية. ~~«ما كان رد فعلك تجاه الموقف الجديد؟» ~~«بداية كنت غاضبا. فقد وضعتني في موقف صعب.» ~~«هل كنت قلقا على الفتاة؟» ~~«لا، ليس بالدرجة.» ~~«لم؟» ~~«بمرور الوقت علمت أنها قادرة تماما على الاعتناء بنفسها.» ~~«ماذا تقصد بهذا تحديدا؟» ~~«أقصد: أيا كان الشخص الذي سيعاني من أي وضع تسببت فيه، فلن يكون هذا الشخص هو بيتي ~~كين.» # إن ذكر اسمها ذكر الحضور فجأة بأن الفتاة التي كانوا يستمعون إليها منذ قليل كانت ~~بيتي كين «بعينها». بيتي كين «التي عرفوها». الإنسانة التي تشبه القديسة بيرناديت. فسرت ~~حركة بسيطة مضطربة؛ حركة لالتقاط الأنفاس. ~~«ثم ماذا بعد؟» ~~«بعد كثير من المعافرة ...» # قال سيادته: «بعد ماذا؟» ~~«الكثير من المناقشة يا سيادة القاضي.» # قال سيادته: «أكمل، لكن التزم باستعمال اللغة الفصحى أو البسيطة.» ~~«بعد حوار طويل توصلت إلى أن أفضل ما يمكن فعله هو أخذها إلى منزل لي على النهر، ~~قريب من قرية بورن إند. اعتدنا ارتياده في عطلات نهاية الأسبوع في فصل الصيف وفي إجازات ~~الصيف، لكن قلما نأتي إليه باقي أيام السنة.» ~~«عندما تستخدم صيغة الجمع، تقصد أنت وزوجتك.» ~~«أجل. فوافقت على ذلك الاقتراح بسرعة تامة، ثم أوصلتها إلى هناك.» ~~«هل بقيت معها هناك تلك الليلة؟» ms246 ~~«أجل.» ~~«وماذا عن الليالي التالية؟» ~~«الليلة التالية قضيتها في المنزل.» ~~«في إيلينج؟» ~~«أجل.» ~~«والليالي التي بعدها؟» ~~«لمدة أسبوع بعدها قضيت أغلب الليالي في منزلي على النهر.» ~~«ألم تفاجأ زوجتك بأنك لم تبت في المنزل؟» ~~«ليس بالدرجة التي يصعب احتمالها.» ~~«وكيف انتهى الوضع في منزل بورن إند؟» ~~«ذهبت إليه ذات ليلة ووجدتها قد غادرت المنزل.» ~~«ماذا ظننت أنه قد حدث لها؟» ~~«حسنا كان يزداد شعورها بالملل خلال اليوم أو اليومين الأخيرين - وجدت أعمال المنزل ~~مسلية نحو ثلاثة أيام وليس أكثر من ذلك، ولم يكن لديها الكثير لتشغل به وقتها هناك - ~~لهذا عندما وجدتها قد غادرت المنزل ظننت أنها سئمت مني وقد وجدت شخصا آخر أو شيئا ~~أكثر إثارة.» ~~«هل علمت فيما بعد إلى أين ذهبت، ولماذا؟» ~~«أجل.» ~~«هل سمعت الفتاة بيتي كين تدلي بشهادتها اليوم؟» ~~«أجل سمعتها.» ~~«شهادتها بخصوص حبسها عنوة في منزل قريب من ميلفورد؟» ~~«أجل.» ~~«هل هذه هي الفتاة التي سافرت معك إلى كوبنهاجن، ومكثت معك هناك مدة أسبوعين، ثم أقامت ~~بعدها في منزل قريب من بورن إند؟» ~~«أجل، تلك هي الفتاة نفسها.» ~~«ألديك أي شكوك حيال ذلك؟» ~~«لا.» ~~«شكرا لك.» # أطلقت تنهيدة كبيرة من جموع الحاضرين عندما جلس كيفين وانتظر برنارد تشادويك تعقيب ~~مايلز أليسون. تساءل روبرت إن كان وجه بيتي كين قادرا على إظهار أي مشاعر غير مشاعر الخوف ~~والانتصار. سبق له أن رأى وجهها مرتين ينبض بفرحة الانتصار، ومرة واحدة - عندما اجتازت ~~السيدة شارب العجوز غرفة الجلوس متجهة ناحيتها في تلك المرة الأولى - رآه يعكس خوفا. ~~لكن كل الانفعال الذي أظهره في تلك اللحظة تحديدا بدا كأنها ربما تستمع إلى قراءة لأسعار ~~سوق الماشية. فتوصل إلى أن مظهر وجهها الذي يعكس هدوءا داخليا لا بد أنه نتيجة ~~خلقة طبيعية. نتيجة ما توحي بها عيناها المتباعدتان، وتعابير وجهها الهادئة، وثغرها ~~الصغير الوضيع الذي يتخذ دوما وضع الاستياء الطفولي نفسه. هذه الخلقة الطبيعية هي التي ~~قد أخفت، طوال تلك السنوات، شخصية بيتي كين الحقيقية حتى من المقربين إليها. ms247 كان ~~تمويها مثاليا. مظهر مصطنع كان بإمكانها أن تتخفى وراءه بالهيئة التي تحلو لها. وها ~~هو في تلك اللحظة، قناع طفولي وهادئ مثلما قد رآه في أول مرة يعتلي معطفها المدرسي في ~~قاعة الاستقبال بمنزل فرنتشايز؛ رغم أنه يتوارى خلفه صاحبته التي لا بد أنها تغلي ~~بانفعالات يستحيل تسميتها. # قال مايلز أليسون: «سيد تشادويك، هذه قصة متأخرة كثيرا عن أوانها، أليس كذلك؟» ~~«متأخرة عن أوانها؟» ~~«أجل. كانت هذه القضية هي الشغل الشاغل لتقارير الصحف والرأي العام طيلة الثلاثة ~~الأسابيع الأخيرة، أو نحو ذلك. لا بد أنك كنت على خبر بأن هاتين السيدتين متهمتان ظلما ~~- إن كانت قصتك صحيحة. وإذا كانت بيتي كين، كما تدعي أنت، معك خلال تلك الأسابيع، وليست، ~~كما تدعي هي، في منزل هاتين السيدتين، فلماذا إذن لم تتوجه مباشرة إلى الشرطة ~~وتخبرهم بذلك؟» ~~«لأني لم أعرف أي شيء عن ذلك.» ~~«عن ماذا؟» ~~«عن اتهام هاتين السيدتين. أو عن القصة التي روتها بيتي كين.» ~~«كيف ذلك؟» ~~«لأني سافرت إلى الخارج مرة أخرى لدواع خاصة بالشركة التي أعمل بها. لم أعرف أي شيء ~~عن هذه القضية إلا منذ يومين.» ~~«فهمت. لقد سمعت الفتاة تدلي بشهادتها، وسمعت شهادة الطبيب بخصوص الحالة التي وصلت ~~بها إلى المنزل. هل أي شيء في قصتك يفسر ذلك؟» ~~«لا.» ~~«لم تكن أنت الذي ضربت الفتاة؟» ~~«لست أنا.» ~~«تقول إنك ذهبت إلى هناك ووجدتها قد غادرت المنزل.» ~~«صحيح.» ~~«أكانت قد حزمت أمتعتها وغادرت؟» ~~«أجل؛ هكذا بدا الأمر حينها.» ~~«يعني ذلك أن جميع متعلقاتها والحقائب التي كانت فيها قد اختفت معها.» ~~«أجل.» ~~«لكنها عادت إلى منزلها من دون أي نوع من المتعلقات، ولم تكن ترتدي سوى فستان ~~وحذاء.» ~~«لم أعرف ذلك إلا بعد الواقعة بكثير.» ~~«تريد منا أن نفهم بأنك ذهبت إلى المنزل فوجدته مرتبا وخاليا، ولا يوجد به أي ~~دليل على رحيل متعجل.» ~~«أجل. هكذا وجدته.» # عندما استدعيت ماري فرانسيس تشادويك لتدلي بشهادتها انتشر في قاعة المحكمة ما يرقى ~~لوصفه بالضجة، حتى قبل ظهورها. كان واضحا ms248 أنها «الزوجة»؛ وهذا أمر لم يتوقعه أحد من ~~الحشد المصطف خارج المحكمة، حتى الأكثر تفاؤلا. # كانت فرانسيس تشادويك امرأة طويلة لها طلة جميلة؛ ذات شعر أشقر طبيعي ولها ملابس ~~وملامح عارضة أزياء؛ لكن جسدها أصبح ممتلئا بعض الشيء الآن، وإذا حكم عليها أحد من وجهها ~~الحسن، فإنها لم تكن تبالي كثيرا. # قالت إنها متزوجة بالفعل من الشاهد السابق، وعاشت معه في إيلينج. ولم ينجبا أطفالا. وهي ~~لا تزال تعمل في تجارة الملابس من حين لآخر. ليس لأنها في حاجة إلى العمل، لكن من أجل ~~اكتساب مصروفها الخاص ولأنها أحبت المجال. أجل، هي تتذكر ذهاب زوجها إلى لاربورو ~~ورحلته بعد ذلك إلى كوبنهاجن. وأنه وصل من كوبنهاجن متأخرا بيوم عن اليوم الذي حدده، ~~وقضى الليلة معها. وخلال الأسبوع التالي بدأت الشكوك تساورها أن زوجها قد نشأ لديه ~~اهتمام في مكان ما. وتأكد الشك عندما أخبرتها صديقة بأن زوجها لديه ضيفة حلت في ~~منزلهما على النهر. # سأل كيفين: «هل تحدثت إلى زوجك بشأن هذا الأمر؟» ~~«لا. لم يكن ذلك ليمثل أي حل. فهو يجذبهن كالذباب.» ~~«ماذا فعلت، إذن؟ أو خططت كي تفعلي؟» ~~«الشيء الذي أفعله دائما مع الذباب.» ~~«ما ذلك الشيء؟» ~~«أسحقه.» ~~«وبهذا توجهت إلى المنزل من أجل سحق الذبابة التي هناك أيا كانت.» ~~«هكذا بالضبط.» ~~«وماذا وجدت في المنزل؟» ~~«ذهبت في ساعة متأخرة من المساء على أمل أن أمسك ببارني هناك أيضا ...» ~~«بارني زوجك؟» # أضافت على عجل، لافتة انتباه القاضي: «هكذا هو. أقصد، أجل.» ~~«ثم ماذا حدث؟» ~~«كان الباب مفتوحا؛ لهذا دخلت على الفور وتوجهت إلى غرفة الجلوس. ثم جاء صوت امرأة ~~مناديا من غرفة النوم: «أهذا أنت يا بارني؟ لقد اشتقت إليك كثيرا.» فدخلت ووجدتها ~~مستلقية على الفراش بملابس مبتذلة اعتدت مشاهدتها في أفلام الرعب منذ نحو عشر سنوات. ~~كانت متسخة، وفوجئت قليلا من ذوق بارني. كانت تأكل شوكولاتة من صندوق كبير بجانبها على ~~الفراش. المنظر بأكمله كان يشبه بشدة فيلما لمصاصي الدماء لعام ألف وتسعمائة ~~وثلاثين.» ~~«من فضلك اقتصري ms249 في قصتك على المعلومات الأساسية يا سيدة تشادويك.» ~~«أجل. أعتذر. حسنا، تبادلنا الكلام المعتاد ...» ~~«المعتاد؟» ~~«أجل. كلام من قبيل ما الذي تفعلينه هنا. الزوجة المخدوعة والفتاة العشيقة، كما تعرف. لكن ~~لسبب أو لآخر أزعجتني بشدة. لا أعرف ما السبب. لم أكن قد أبديت اهتماما كبيرا قط في ~~مناسبات أخرى. أقصد، يدور بيننا جدال هادئ من دون أن تحمل أي منا مشاعر كره تجاه ~~الأخرى. لكن ثمة شيء كان في هذه العاهرة الصغيرة أصابني بالغثيان. لهذا ...» ~~«من فضلك يا سيدة تشادويك!» ~~«لا بأس. أعتذر. لكنك أخبرتني بأن أحكي بأسلوبي الخاص. حسنا، وصل الوضع إلى نقطة لم ~~يكن بوسعي احتمال هذه العا ... أقصد، وصلت إلى مرحلة أغضبتني فيها لدرجة تفوق احتمالي. ~~فسحبتها من السرير وصفعتها على جانب الرأس. بدت متفاجئة كثيرا لدرجة مضحكة. بدت كما ~~لو لم يضربها أحد في حياتها. فقالت: «تضربينني أنا» بهذه الطريقة بالضبط؛ فقلت: «سيضربك ~~كثير من الناس من الآن فصاعدا، يا حلوتي»، ثم صفعتها صفعة أخرى. حسنا، من تلك اللحظة ~~وحتى النهاية كان مجرد شجار. أعترف بصراحة تامة أن جميع التصرفات الغريبة كانت من ~~جانبي. من ناحية لأني كنت الأكبر حجما وأعصابي تتقد غضبا. مزقت ملابسها السخيفة، ~~واستمر الشجار حتى تعثرت في أحد خفيها لدرجة أنها استلقت على الأرض وصار جسدها ~~راقدا. انتظرتها حتى تنهض، لكنها لم تنهض، فظننت أنها قد فارقت الحياة. ذهبت إلى المرحاض ~~لأحضر قماشا مبللا بماء بارد ثم مسحت على وجهها. ثم ذهبت إلى المطبخ لأعد بعض ~~القهوة. كنت قد هدأت حينها وظننت أن سيروقها تناول شيء لما تهدأ أيضا. صببت ~~القهوة ثم تركتها. وعندما عدت إلى غرفة النوم وجدت أن الإغماء كان مجرد تمثيل. فالصغيرة ~~... الفتاة كانت قد هربت. كان لديها الوقت لترتدي ثيابها؛ لهذا فقد سلمت بأنها قد ~~ارتدت فستانها في عجالة وهربت.» ~~«وهل ذهبت أنت أيضا؟» ~~«انتظرت ساعة؛ ظنا مني أن بارني ربما سيأتي. زوجي. لكن جميع أغراض الفتاة كانت ~~ملقاة هنا وهناك؛ لهذا رميتها كلها في حقيبتها ثم وضعتها ms250 في الخزانة تحت السلم ~~المؤدي إلى العلية. ثم فتحت جميع النوافذ. لا بد أنها كانت تضع عطرها بكميات كبيرة. ~~ولما لم يأت بارني انصرفت. لا بد أني لم ألحق به؛ لأنه ذهب بالفعل إلى هناك تلك الليلة. ~~لكن بعد مرور يومين أخبرته بما فعلته.» ~~«وما كان رد فعله؟» ~~«قال إنه من المؤسف أن والدتها لم تفعل الشيء نفسه منذ عشر سنوات.» ~~«لم يساوره قلق بخصوص ما حل بها؟» ~~«لم يفعل. أنا كنت قلقة، نوعا ما، إلى أن أخبرني أن منزلها في إيلزبري فحسب. بإمكانها ~~بسهولة تامة أن تحصل على توصيلة إلى تلك المسافة.» ~~«لهذا سلم بتفكيره أنها قد عادت إلى منزلها.» ~~«أجل. قلت ألم يكن من الأفضل أن يتأكد. فرغم كل هذا، هي مجرد طفلة.» ~~«وماذا قال ردا على ذلك؟» ~~«قال: «فرانكي، يا حبيبتي، تلك «الطفلة» تعرف عن وسائل المحافظة على النفس أكثر مما ~~تعرفه الحرباء».» ~~«وبهذا أخرجت الأمر من تفكيرك.» ~~«أجل.» ~~«لكن لا بد أن الأمر جال بخاطرك مرة أخرى عند قراءة التقارير عن قضية منزل ~~فرنتشايز؟» ~~«لا، لم يحدث ذلك.» ~~«ما السبب في ذلك؟» ~~«لسبب واحد، أني لم أعرف مطلقا اسم الفتاة. بارني كان يطلق عليها ليز. ولم أربط قط ~~بين فتاة المدرسة في عمر الخامسة عشرة التي خطفت وضربت في مكان ما في منطقة ميدلاندز ~~وفتاة بارني. أقصد، الفتاة التي كانت تأكل الشوكولاتة على فراشي.» ~~«لو كنت قد أدركت أن الفتاتين هما الشخص نفسه، فهل كنت ستخبرين الشرطة بما عرفته ~~عنها؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«هل كنت ستترددين نظرا إلى أنك أنت من أوسعتها ضربا؟» ~~«كلا. كنت سأوسعها ضربا مرة أخرى في الغد لو أتيحت لي الفرصة.» ~~«سأوفر على صديقي المحنك سؤالا وأسألك: هل تنوين الطلاق من زوجك؟» ~~«لا. بالتأكيد لا.» ~~«هل شهادتك وشهادته مؤامرة عامة محبوكة بإتقان؟» ~~«كلا. لم أكن لأحتاج إلى مؤامرة. لكن لا نية لي في الطلاق من بارني. فهو رجل ظريف، ~~ومعيل جيد. ما الذي تحتاج إليه في زوج أكثر من ذلك؟» # سمع روبرت كيفين يغمغم ms251 قائلا: «ليس لي أن أعرف.» ثم بنبرة صوته المعتادة طلب منها ~~التأكيد على أن تلك الفتاة التي كانت تتحدث بشأنها هي نفسها الفتاة التي أدلت ~~بشهادتها؛ الفتاة التي كانت تجلس في تلك اللحظة داخل المحكمة. وبذلك شكرها ثم جلس. # لكن مايلز أليسون لم يجر أي محاولة لاستجواب الشاهدة. فهم كيفين للنداء على شاهده ~~التالي. لكن رئيس المحلفين سبقه قبل أن يتكلم. # قال رئيس المحلفين إن هيئة المحلفين أرادت أن تعلم سيادة القاضي بأنه قد صار لديها ~~كافة الأدلة التي تحتاج إليها. # سأل القاضي: «من الشاهد الذي كنت على وشك النداء عليه يا سيد ماكديرموت؟» ~~«إنه صاحب الفندق في كوبنهاجن يا سيدي. حتى يتحدث عن إقامتهما هناك طيلة المدة ~~المعنية.» # استدار القاضي إلى رئيس المحلفين مستفسرا. # تشاور رئيس المحلفين في الأمر مع هيئة المحلفين. ~~«لا يا سيدي؛ لا نظن أنه ضروري، مع مراعاة أن أمر الاستماع إلى الشاهد قابل للتعديل، ~~من جانب سيادتكم.» ~~«إذا كنتم مقتنعين بأنكم قد سمعتم ما يكفي للتوصل إلى حكم صائب - وأنا نفسي لا أرى ~~أن أي شهادة أخرى قد توضح الأمر إلى حد كبير - فليكن الأمر على ما هو عليه. هل ~~ترغبون في سماع محامي الدفاع؟» ~~«لا يا سيادة القاضي، شكرا لك. لقد وصلنا إلى قرارنا بالفعل.» ~~«في تلك الحالة، أي تلخيص من جانبي سيصبح إسهابا بدرجة واضحة. هل ترغبون في التداول ~~منفردين؟» ~~«لا يا سيدي. فنحن مجمعون على رأي واحد.» # | الفصل الثالث والعشرون # قال روبرت: «من الأفضل أن ننتظر حتى تتفرق جموع الحاضرين.» ثم أردف قائلا: «وبعدها ~~سيفسحون المجال لنا حتى نخرج من الطريق الخلفي.» # كان يتساءل عن السبب الذي جعل ماريون تبدو عابسة، وغير مبتهجة. كادت تبدو كما لو أنها ~~تعاني من صدمة ألمت بها. أكان التوتر الذي مرت به سيئا لهذه الدرجة؟ # وكأنها أدركت حيرته، فقالت: «تلك السيدة. تلك السيدة المسكينة. يعجز عقلي عن التفكير في ~~أي شيء آخر.» # سأل روبرت، بغباء: «من هي؟» ~~«والدة الفتاة. هل لك أن تتخيل أي شيء أكثر ms252 بشاعة من ذلك؟ أن تفقد السقف الذي ~~تستظل به هو أمر بشع - بالمناسبة، يا عزيزي روبرت، لست مجبرا أن تخبرنا ...» ومن ثم ~~فتحت الإصدار الأخير من صحيفة «لاربورو تايمز» الذي يعرض خبرا في قسم آخر الأخبار ~~عنوانه: «منزل فرنتشايز، الذي ذاع صيته بسبب قضية اختطاف ميلفورد، احترق بأكمله الليلة ~~الماضية». وأضافت: «ربما كانت البارحة ستبدو لي فاجعة مأساوية. لكن مقارنة بالعذاب النفسي ~~الذي تقاسيه تلك السيدة فيبدو لي الأمر حادثة هينة. ما الذي قد يكسر أكثر من اكتشاف أن ~~الإنسان الذي عشت معه وأحببته طيلة كل تلك السنوات ليس فقط غير موجود، وإنما لا وجود له من ~~الأساس؟ ذلك الشخص الذي أحببته كثيرا لم يكتف بأنه لم يحبك فحسب، بل إنه لا يلقي لك ~~بالا ولم يأبه بك قط؟ ليس بإمكانها أبدا مرة أخرى أن تخطو خطوة على عشب أخضر من دون ~~أن تتساءل إن كان ذلك مستنقعا.» # علق كيفين: «أجل، لم أحتمل النظر إليها. ما كانت تمر به كان مخزيا.» # قالت السيدة شارب: «لها ابن وسيم. آمل أن يكون سلوانا لها.» # قالت ماريون: «لكن ألا ترين حالها؟ لن يشعرها ابنها بالسلوان. ليس لديها أي شيء ~~الآن. ظنت أن لديها بيتي كي تفرح بها كابنة. أحبتها ووثقت فيها مثلما أحبت ابنها ~~ووثقت فيه. والآن تخلى عنها العماد الأساسي في حياتها. كيف لها أن تحكم، بعد ذلك، إذا ~~كانت المظاهر خداعة لهذه الدرجة؟ لا، لم يعد لديها أي شيء. ليس سوى الوحدة. قلبي ينفطر ~~حزنا عليها.» # تأبط كيفين ذراعها ثم قال: «كان لديك ما يكفي من المشكلات الخاصة بك في الآونة الأخيرة ~~من دون أن تثقلي على نفسك بمشكلات الآخرين. تعالي، أظن أنهم سيسمحون لنا بالذهاب ~~الآن. هل أسعدك أن تري الشرطة محتشدة بطريقتها المهذبة غير الرسمية حول أولئك الذين ~~حلفوا كذبا؟» ~~«لا، ليس بوسعي التفكير سوى في محنة تلك السيدة.» # وبهذا كانت لا تزال ثابتة على تفكيرها. # تجاهلها كيفين. «والتدافع الشائن من جانب الصحفيين للوصول إلى هاتف فور خروج الطرف ms253 ~~الأحمر لروب القاضي من الباب؟ سوف تبرئين على نطاق واسع في جميع صحف بريطانيا، أعدك ~~بذلك. ستصبح أكبر تبرئة علنية منذ قضية دريفوس. انتظريني هنا، بينما أتخلص من هؤلاء، ~~لن أستغرق سوى دقيقة.» # قالت السيدة شارب: «أفترض أنه من الأفضل لنا الذهاب إلى فندق ليلة أو ليلتين.» ثم ~~أضافت قائلة: «هل تبقت لنا أي متعلقات بأي شكل من الأشكال؟» # أخبرها روبرت: «أجل، سيسعدني أن أقول لك تبقى عدد لا بأس به من الأشياء»، ووضح ~~لها ما تمكنوا من إنقاذه. «لكن يتوفر خيار آخر بديل عن الفندق.» وأخبرهما باقتراح ~~ستانلي. # كان ذلك المنزل الصغير على الحدود الخارجية من البلدة «الجديدة» هو المنزل الذي ذهبت ~~إليه ماريون ووالدتها، وفي الحجرة الأمامية لمنزل الآنسة سيم جلسوا للاحتفال، مجموعة صغيرة ~~بسيطة: ماريون، ووالدتها، وروبرت، وستانلي. وعلى المنضدة باقة كبيرة من الزهور جاءت مع ~~واحدة من أفضل رسائل العمة لين. كانت الرسالة المقتضبة اللطيفة والودودة للعمة لين تحمل ~~معنى مؤثرا وبسيطا مثل قولها «هل كان يومك حافلا يا عزيزي؟» لكن كان لها المفعول ~~اللطيف نفسه على الحياة. كان ستانلي قد جاء بنسخة من صحيفة «لاربورو إيفينينج نيوز» التي ~~تعرض على صفحتها الأولى التقرير الأول عن المحاكمة. نشر التقرير تحت العنوان الرئيسي: ~~«الكاذبون لا يحالفهم النصر». # سأل روبرت ماريون: «هل ستلعبين الجولف معي عصر الغد؟ لقد قضيت وقتا طويلا في معزل. ~~يمكننا أن نبدأ مبكرا، قبل أن ينتهي اللاعبان من غدائهما وبذلك نستأثر بالملعب ~~لأنفسنا.» # قالت: «حسنا، أود ذلك.» وتابعت: «أعتقد أن الحياة ستبدأ من جديد غدا، وتصبح ذلك ~~المزيج المعتاد بين الأمور المستحسنة والأمور السيئة. لكن الليلة هي مجرد مساحة لأن يحدث ~~فيها كل الأشياء المفزعة للمرء.» # عندما زارها في اليوم التالي، بدا أن كل شيء في الحياة يسير على أكمل وجه. قالت: «لا ~~يمكنك أن تتخيل، يا له من نعيم! أقصد أن تعيش في هذا المنزل. ليس عليك سوى تدوير الصنبور ~~والماء الساخن سيتدفق.» # قالت السيدة شارب: «كذلك إنه يكسبك الكثير من المعلومات.» ~~«المعلومات؟» ms254 ~~«بإمكانك سماع كل كلمة تقال في الغرف المجاورة لك.» ~~«أوه، توقفي يا أمي! ليست كل كلمة!» # صححت السيدة شارب: «كل ثالث كلمة.» # وبهذا اتجها إلى ملعب الجولف بمعنويات عالية، وقرر روبرت أنه سيطلب منها الزواج وهما ~~يتناولان الشاي في مبنى النادي بعد اللعب. أم أنه سيكون هناك كثير من الناس ليقاطعوهما، ~~بتعليقات لطيفة على نتيجة المحاكمة؟ هل عليه فعل ذلك في طريقهما للعودة إلى المنزل؟ # كان قد توصل إلى أن أفضل خطة هي أن يترك في حيازة العمة لين ذلك المنزل العتيق - ذلك ~~المكان الذي يعد جزءا منها، لدرجة أنه كان مستحيلا ألا تعيش فيه حتى مماتها - وأن يجد ~~مكانا صغيرا لنفسه ولماريون في مكان آخر في ميلفورد. لن يصبح الأمر سهلا، في هذه ~~الأيام، لكن في أسوأ الظروف بإمكانهما تأسيس شقة صغيرة في الطابق العلوي من مكتب بلير ~~وهيوارد وبينيت. هذا قد يعني إزالة سجلات يصل عمرها إلى مائتي سنة أو ما يقارب؛ لكن ~~السجلات سرعان ما تصل جودتها إلى جودة الأشياء المحفوظة في المتاحف، ومن المفترض إزالتها في ~~جميع الأحوال. # حسنا، سيطلب منها الزواج في طريق العودة إلى المنزل. # ظل هذا القرار قائما حتى وجد أن التفكير فيما سيحدث يكدر عليه لعبته. لهذا عند الحفرة ~~العشبية التاسعة توقف فجأة عن أرجحة مضربه عند الكرة، وقال: «أريد أن أتزوجك يا ~~ماريون.» # أخرجت مضربها من حقيبتها، ثم ألقت الحقيبة على الحدود العشبية: «أتريد ذلك حقا يا ~~روبرت؟» ~~«ستوافقين، أليس كذلك؟» ~~«لا يا عزيزي روبرت، لن أوافق.» ~~«لكن يا ماريون! لم؟ أقصد، لم لا؟» ~~«أوه ... كما يقول الأطفال، «لأن».» ~~«لأن ماذا؟» ~~«لعدة أسباب ، وكل سبب منهم كاف في حد ذاته. أحد الأسباب أنه إذا لم يتزوج رجل في ~~الوقت الذي بلغ فيه سن الأربعين، فإن الزواج ليس من بين الأشياء التي يريدها من الحياة. ~~سيصبح الزواج حينها كشيء أصابه فجأة؛ مثل زكام وآلام في المفاصل والمطالبة بدفع ضرائب ~~على الدخل. ولا أريد أنا أن أكون تحديدا الشيء الذي أصابك فجأة.» ~~«لكن ms255 ذلك ...» ~~«وكذلك، لا أعتقد أنني قد أضر بسمعة مكتب بلير وهيوارد وبينيت. حتى ...» ~~«أنا لا أطلب منك أن تتزوجي مكتب بلير وهيوارد وبينيت.» ~~«حتى إثبات أني لم أضرب بيتي كين لن يعفيني من كوني «السيدة المتهمة في قضية بيتي كين»؛ ~~نوع مزعج من الزوجات بالنسبة إلى الشريك الأساسي في المكتب. هذا لن يأتي بأي خير يا ~~روبرت، صدقني.» ~~«ماريون، أرجوك! كفاك ...» # فأضافت، وهي تظهر ابتسامة إليه: «يأتي بعد ذلك، أنه عندك العمة لين وعندي أمي. ليس ~~بيدينا أن نتخلص منهما كقطعتي علكة. أنا لا أحب أمي فحسب، إنما يعجبني كل شيء فيها. ~~أعشقها واستمتع بالحياة معها. وأنت على الجانب الآخر، تعتاد على أن تدللك العمة لين - ~~حقا، هذه حقيقة، اعتدت على ذلك! - وستفتقد أكثر مما تدرك جميع الرفاهيات ومظاهر ~~التدليل التي لن أعرف كيف أمنحها لك - ولن أمنحها لك إذا كنت أعرف كيف أفعل ~~ذلك.» ~~«ماريون، أريد الزواج منك لهذا السبب تحديدا؛ لأنك لا تدللينني. لأن لك عقلا ~~ناضجا و...» ~~«هذا العقل الناضج سيصبح لطيفا أن تتناول معه العشاء مرة في الأسبوع، لكن بعد العيش ~~لفترة طويلة مع العمة لين ستجد أنه بديل سيء جدا لحلوى شهية في أجواء جيدة.» # قال روبرت: «هناك شيء واحد لم تذكريه ولو مرة.» ~~«ما ذلك؟» ~~«هل يهمك أمري بأي شكل من الأشكال؟» ~~«أجل. يهمني أمرك إلى حد كبير. وأعتقد أكثر من اهتمامي بأي أحد على الإطلاق. وذلك ~~جزئيا أحد أسباب أني لن أتزوج منك. أما السبب الآخر فله علاقة بي.» ~~«له علاقة بك؟» ~~«كما ترى، أنا غير متزوجة. فلا أريد أن أتحمل تعقيدات شخص آخر، ومتطلبات شخص آخر، ~~والمزاج السيئ لشخص آخر. أنا وأمي مناسبان بعضنا لبعض على نحو مثالي؛ لأنه لا أحد ~~منا يفرض متطلبات على الآخر. إذا شعر أحدنا بأن زكاما أصابه فبإمكانه الانزواء في ~~غرفته دون ضجة ومداوة نفسه المريضة حتى يصبح مؤهلا للتعامل مع البشر مرة أخرى. لكن ~~لا زوج سيفعل ذلك. فقد ينتظر التعاطف معه - حتى لو كان هو ms256 الذي جلب الزكام إلى نفسه لما ~~خلع ملابسه عندما صار جسده دافئا، بدلا من الانتظار بعقلانية حتى يهدأ جسده - التعاطف ~~والاهتمام والإطعام. كلا يا روبرت. هناك مئات الآلاف من السيدات يتلهفن نحو العناية ~~برجل أصابه زكام؛ لم تختارني بالذات؟» ~~«لأنك أنت السيدة الوحيدة الفريدة بين مئات الآلاف من السيدات، ولأني أحبك.» # بدت نادمة قليلا. ثم قالت: «أبدو قليلة الاحترام، أليس كذلك؟ لكن ما أقوله هو عين ~~العقل.» ~~«لكن يا ماريون، إنها حياة في وحدة ...» ~~«إن الحياة «الحافلة» من واقع خبرتي هي غالبا حافلة فقط بمتطلبات الآخرين.» ~~«لكن والدتك لن تبقى معك إلى الأبد.» ~~«من خلال معرفة أمي مثلما أعرفها، ليس لدي شك في أنها ستعمر في الحياة أطول مني ~~بسهولة تامة. من الأفضل أن تدخل الكرة في الحفرة: أرى الكرة الرابعة للكولونيل وايتيكر ~~العجوز تلوح في الأفق.» # دفع تلقائيا كرته داخل الحفرة. ثم سأل: «لكن ماذا ستفعلين؟» ~~«إذا لم أتزوج منك؟» # جز على أسنانه. كانت محقة: ربما أن طابعها التهكمي لن يكون مريحا العيش ~~معه. ~~«ما الذي فكرت في فعله أنت ووالدتك بعد أن فقدتما منزل فرنتشايز؟» # تباطأت في الإجابة عنه، وكأنه كان صعبا النطق به. فظلت تعبث بحقيبتها، وتدير ظهرها ~~إليه. # قالت: «سنسافر إلى كندا.» ~~«ستهاجران!» # ردت عليه بينما كانت لا تزال تدير ظهرها إليه. فقالت: «أجل.» # بدا مصدوما. «لكن، لا يمكنك ذلك يا ماريون. ولماذا إلى كندا؟» ~~«لي ابن خالة يعمل أستاذا جامعيا في جامعة ماكجيل. ابن الأخت الوحيدة لأمي. كتب لنا ~~منذ مدة طويلة مضت ليسأل أمي إن كنا نود السفر لنتولى مهام المنزل من أجله، لكننا ~~في ذلك الوقت كنا قد ورثنا منزل فرنتشايز، وكنا سعيدتين بالعيش في إنجلترا. لهذا رفضنا. ~~لكن العرض لا يزال قائما. ولهذا فنحن ... نحن الاثنان سيسعدنا السفر الآن.» ~~«فهمت.» ~~«لا تبد حزينا هكذا. أنت لا تدرك مدى جودة المهرب الذي صار أمامك يا عزيزي.» # أنهيا جولتهما في صمت جاد. # لكن وهو يقود سيارته عائدا إلى سين لين بعد أن أوصل ماريون ms257 إلى منزل الآنسة سيم، ابتسم ~~روبرت بسخرية عند التفكير بأنه إلى جانب الخبرات الجديدة التي قد اكتسبها من معرفته ~~بالسيدتين شارب، صار لديه الآن خبرة أخرى وهو أنه خاطب مرفوض. إنها الأخيرة، وربما أنها ~~أكثر خبرة مفاجئة له. # بعد مرور ثلاثة أيام، بعد أن باعا إلى تاجر محلي ما أنقذ من أثاثهما، وبعد أن باعا إلى ~~ستانلي السيارة التي احتقرها كثيرا، غادرتا ميلفورد بالقطار. بقطار صغير غريب يسير من ~~ميلفورد إلى تقاطع السكك الحديدية في نورتون. فوصل روبرت معهما إلى ذلك التقاطع حتى يراهما ~~وهما تستقلان القطار السريع. # قالت ماريون، وهي تشير إلى حقيبتيهما الضئيلتين: «كنت مولعة دائما بالسفر بأحمال ~~خفيفة، لكني لم أتخيل أبدا أني سأصل إلى حد السفر إلى كندا بحقيبة سفر صغيرة.» # لكن لم يكن بوسع روبرت أن يفكر في دخول أي حوار قصير. كان يمتلئ بؤسا وكآبة لم يكن قد ~~عهدها منذ أن كانت نفسه الصغيرة تمتلئ حزنا عند عودته إلى المدرسة. أينعت الزهور على ~~امتداد رصيف المحطة، وتألقت الحقول بأزهار الحوذان، لكن العالم في عين روبرت صار رمادا ~~محترقا وسماء تذرف قطرات مطر. # شاهد قطار لندن وهو يحملهما بعيدا، ثم عاد إلى المنزل متسائلا كيف بإمكانه أن يحتمل ~~ميلفورد من دون الأمل في رؤية وجه ماريون الأسمر النحيل على الأقل لمرة واحدة في ~~اليوم. # لكنه بوجه عام احتملها بروح عالية. ذهب مرة ~~أخرى إلى الجولف في عصر أحد الأيام؛ ورغم أن الكرة دائما لن تمثل إليه في المستقبل سوى ~~«قطعة من المطاط»، فإن طريقته في اللعب لم تتدهور تدهورا خطيرا. كما أسعد قلب السيد ~~هيزيلتاين بإبداء اهتمامه بالعمل. واقترح على نيفيل فيما بينهما أنهما ربما يصنفان السجلات ~~التي في العلية ويعدان فهرسا لها وربما يضعان الناتج في دفتر. في تلك الأثناء وصل من ~~لندن خطاب وداع من ماريون، بعد مضي ثلاثة أسابيع، بعد أن كانت ثنايا الحياة الهادئة في ~~ميلفورد تلملم نفسها لتحاوطه. ~~(كتبت ماريون) عزيزي المقرب إلى قلبي روبرت # هذه رسالة وداع سريعة، كتبتها ms258 لأعلمك فحسب أنك لا تغيب عن ذهنينا. سنغادر ~~إلى مونتريال في طائرة الصباح ليوم بعد غد. والآن ومع اقتراب وقت الرحيل لقد ~~اكتشفنا أن ما يتذكره كلانا هو الذكريات اللطيفة والجميلة، وأن باقي ما حدث ~~تضاءل في أعيننا حتى صار شيئا تافها نسبيا. ربما أن هذا حنين إلى الذكريات ~~نشعر به مقدما. لا أعرف. لا أعرف سوى أنه سيكون من دواعي السعادة دائما أن ~~أتذكرك. وأتذكر ستانلي، وبيل ... وإنجلترا. # خالص الحب، والامتنان منا إليك. # ماريون شارب # وضع الخطاب على مكتبه الماهوجني المطعم بالنحاس. وضعه في رقعة الشمس الخاصة بوقت ما ~~بعد الظهر. # غدا في نفس الوقت لن تعود ماريون في إنجلترا. # كانت فكرة كئيبة، لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله غير التفكير في الأمر بعقلانية. ما هو، ~~بالفعل، الشيء الذي يمكن فعله حيال الأمر؟ # ثم حدثت ثلاثة أشياء في الآن نفسه. # دخل السيد هيزيلتاين ليخبره بأن السيدة لوماكس أرادت تغيير وصيتها مرة أخرى، وما إذا ~~كان سيتجه إلى المزرعة في الحال. # والعمة لين اتصلت به لتطلب منه إحضار السمك في طريق عودته إلى المنزل. # والآنسة تاف أحضرت إليه الشاي. # نظر لحظة طويلة إلى قطعتي بسكويت الدايجستف على الطبق. ثم، بحسم معتدل، دفع الصينية ~~بعيدا عنه واتجه إلى الهاتف. # | الفصل الرابع والعشرون # اجتاحت الأمطار الصيفية مدرج الطائرات بثبات باعث على الكآبة. ومن حين لآخر كانت ~~ترفعه الريح وتطيح به وبمباني المطار بضربة واحدة طويلة. الطريق المغطى إلى طائرة ~~مونتريال كان مفتوحا من الجانبين فأحنى الراكبون رءوسهم للاحتماء من الجو وهم يصطفون ~~ببطء لدخوله. وكان بإمكان روبرت، وهو يتقدم عند نهاية الصف، أن يرى القبعة المسطحة من ~~الستان الأسود الخاصة بالسيدة شارب، وخصلات قصيرة من شعرها الأبيض تهفهف. # في الوقت الذي صار فيه على متن الطائرة كانتا جالستين، والسيدة شارب كانت بالفعل تنقب في ~~حقيبتها. وعندما سار نحو الممر بين المقاعد رفعت ماريون بصرها لأعلى ورأته. فأشرق وجهها ~~بالترحاب والمفاجأة. # قالت: «روبرت!» وتابعت: «أجئت لتودعنا؟» # قال روبرت: «لا، سأسافر على هذه ms259 الطائرة.» # قالت وهي تحدق: «ستسافر! أنت؟» ~~«إنها وسيلة نقل عامة، كما تعرفين.» ~~«أعرف، لكن ... أستسافر إلى كندا؟» ~~«أجل سأسافر.» ~~«لأجل أي شيء ستسافر؟» # أخبرها روبرت بوقار: «لرؤية أختي في مقاطعة ساسكاتشوان. حجة أفضل كثيرا من حجة ابن ~~خالة في جامعة ماكجيل.» # أخذت تضحك؛ برقة ودون انقطاع. # وقالت: «أوه، روبرت، يا عزيزي، لا يمكنك أن تتخيل كم تصبح منفرا عندما تبدو معجبا ~~بنفسك!» ms260