######OpenITI# #META# URI: 1450YasirHasan.IradaHurraMuqaddimaQasira.Hindawi36841580 #META# Tags: philosophy #META# ID: 36841580 #META# Title: الإرادة الحرة: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 35357308 #META# Author: توماس بينك #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 58205826 #META# Translator: ياسر حسن #META# Related_books: 1450ThomasPink.FreeWillShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير‏ # 1 - مشكلة الإرادة الحرة‏ # 2 - الحرية باعتبارها إرادة حرة‏ # 3 - التفكير‏ # 4 - الطبيعة‏ # 5 - هل توجد مبادئ أخلاق بدون حرية؟‏ # 6 - التشكك في الحرية الليبرتارية‏ # 7 - التقرير الذاتي والإرادة‏ # 8 - الحرية وموقعها في الطبيعة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # تصدير‏ # 1 - مشكلة الإرادة الحرة‏ # 2 - الحرية باعتبارها إرادة حرة‏ # 3 - التفكير‏ # 4 - الطبيعة‏ # 5 - هل توجد مبادئ أخلاق بدون حرية؟‏ # 6 - التشكك في الحرية الليبرتارية‏ # 7 - التقرير الذاتي والإرادة‏ # 8 - الحرية وموقعها في الطبيعة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الإرادة الحرة # | الإرادة الحرة # | ‏‏‏‏‏‏‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # توماس بينك # ترجمة # ياسر حسن # مراجعة # ضياء وراد # | تصدير # تعد مشكلة الإرادة الحرة من المشكلات المطروحة منذ القدم. ومثلها مثل أي شيء قديم؛ فقد تغيرت بمرور الوقت. ولهذا الكتاب ثلاثة مقاصد، وهي: عرض مشكلة الإرادة الحرة على شكلها الحالي، وتوضيح كيف آلت المشكلة إلى اتخاذ شكلها الحالي، واقتراح كيف يمكن حل المشكلة في شكلها الحالي. # وليس القصد من هذا الكتاب أن يكون مقدمة فحسب لموضوع الإرادة الحرة، بل أن يكون مساهمة أصيلة في هذا الموضوع. والآراء المعروضة في هذا الكتاب موضحة بتفصيل أكبر في كتب ومقالات أخرى أنا بصدد نشرها. وسوف تجد المراجع ذات الصلة بالموضوع في نهاية الكتاب. # أود أن أتوجه بالشكر إلى تيم كرين، وبيتر جولدي، وجنيفر هورنسبي، وتيم نورمان، ومارتن ستون، وإلى مصحح البروفات المطبعية بمطبعة جامعة أكسفورد، وإلى زوجتي جودي. فكل شخص من هؤلاء قرأ نص هذا الكتاب بالكامل، وقدم الكثير من الاقتراحات المفيدة جدا. # توماس بينك # لندن، عشية العام الجديد، 2003 # الفصل الأول # | مشكلة الإرادة الحرة # (1) ما هي مشكلة الإرادة الحرة؟ # هناك أشياء بالتأكيد خارج نطاق سيطرتك. فما حدث في الأزمنة التي سبقت مولدك، وطبيعة الكون الذي تعيش فيه؛ من الأشياء التي يستحيل أن تكون تحت سيطرتك. وكذلك يقع خارج نطاق سيطرتك الكثير من سماتك الخاصة، ومنها أنك إنسان وسوف تموت، ولون عينيك، وماهية الخبرة التي تقودك الآن إلى ما تعتقده بشأن بيئتك المحيطة، وحتى الكثير من ms001 الرغبات والمشاعر التي تنتابك الآن. # لكن هناك أشياء أخرى تتحكم فيها، وهذه هي أفعالك الحاضرة والمستقبلية. فأشياء مثل تحديد هل ستقضي الساعات القليلة القادمة في القراءة بالمنزل أو الذهاب إلى السينما، والمكان الذي ستذهب إليه في إجازة هذا العام، وهل ستصوت في الانتخابات القادمة أم لا، ولمن ستعطي صوتك، وهل ستستمر في عملك المكتبي أم ستتركه لتتخذ الكتابة مهنة لك؛ كلها أشياء تتحكم فيها بالفعل. وأنت تتحكم فيها؛ لأنها تتشكل في الأساس من أفعالك المتعمدة أو تعتمد عليها؛ الأفعال التي يئول الأمر إليك في أن تفعلها أو تمتنع عن فعلها. وبوصفك شخصا بالغا طبيعيا وسليم العقل، فإن طريقة تصرفك ليست شيئا تفرضه عليك أحداث الطبيعة أو الأشخاص الآخرون فحسب. فعندما يتعلق الأمر بأفعالك الشخصية، تكون أنت المتحكم في ذلك. # وهذه الفكرة المتعلقة بكوننا متحكمين في طريقة تصرفنا - أو ما يمكن أن نطلق عليه أيلولة أفعالنا إلينا - هي فكرة نتشارك فيها جميعا. وهي سمة ثابتة وأساسية في تفكيرنا، وبإمكاننا جميعا تمييزها. والفكرة جذابة بدرجة لا تقاوم. فمهما كان قدر التشكك الذي قد نصبح عليه عند التعامل مع الأمور الفلسفية، فإننا ما إن نعود أدراجنا إلى الحياة العادية حتى نستمر جميعا في التفكير في أن الطريقة التي نتصرف بها تئول إلينا. والتفكير في أنفسنا بوصفنا متحكمين في الطريقة التي نتصرف بها هو جزء مما يمكننا من رؤية الحياة باعتبارها شيئا قيما للغاية. ~~ وعلى قدر استطاعتنا توجيه طريقة تصرفنا والتحكم فيها، فإن حياتنا سوف تعكس - حقا - إنجازنا أو فشلنا. ويمكن لحياتنا أن تكون ملكا لنا؛ ليس أن نستمتع بها أو نتحملها فحسب، بل أن نصنعها ونوجهها بأنفسنا. # أو هكذا نظن. لكن هل نتحكم حقا في أفعالنا؟ هل طريقة تصرفنا تئول إلينا حقا مثلما أن بعض الأشياء كالماضي، أو طبيعة الكون، أو حتى الكثير من معتقداتنا ومشاعرنا ليست خاضعة لها؟ والمشكلة المتعلقة بكوننا متحكمين دائما في طريقة تصرفنا، وما ينطوي عليه هذا التحكم، هي ما يطلق عليه الفلاسفة مشكلة الإرادة الحرة. # إنها بالفعل مشكلة ms002 حقيقية. ومهما بدت فكرة تحكمنا في أفعالنا مألوفة، فلا يوجد شيء مباشر أو صريح بشأنها. فالأسئلة الخاصة بكوننا نتحكم في الطريقة التي نتصرف بها أم لا، وما الذي يتطلبه هذا التحكم وينطوي عليه، وهل من المهم أن يكون لدينا هذا التحكم ولماذا؛ كلها تلخص واحدة من أقدم وأصعب المشاكل في الفلسفة. # والتاريخ الطويل لمشكلة الإرادة الحرة يظهر في اسمها؛ ذلك أن «حرية» و«إرادة» كلمتان عادة لا نستخدمهما كثيرا في الحياة اليومية عند التحدث عن تحكمنا في أفعالنا، أو أيلولة أفعالنا إلينا. ومع ذلك فخلال الألفي عام السابقين أو أكثر، استخدم الفلاسفة الغربيون هذين المصطلحين بالتحديد لمناقشة هذه المشكلة المتعلقة بكوننا نتحكم بالفعل في طريقة تصرفنا. واختيارهم لكلمتي «حرية» و«إرادة» يخبرنا بشيء حول السبب الذي قد يجعل من المهم أن نتساءل إن كنا نتحكم في أفعالنا أم لا، وما قد ينطوي عليه هذا التحكم. والآن دعوني أتحدث قليلا عن كل كلمة، بدءا بكلمة «الحرية». # ناقش الفيلسوف الإغريقي أرسطو الأفعال وتحكمنا فيها في واحدة من أقدم وأهم المناقشات الأخلاقية التي قام بها الفلاسفة، والتي احتواها كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس». لكن رغم أن أرسطو تحدث في كتابه «الأخلاق» عن أننا نتمتع بالتحكم في أفعالنا - إذ ذكر أن أفعالنا # ehp hemin # بمعنى أنها «تئول إلينا» - فإنه لم يستخدم كلمة # eleutheria # وهي الكلمة الإغريقية المرادفة لكلمة «حرية»، لوصف هذا التحكم في الأفعال. كان استخدام كلمة # eleutheria # لا يزال مقتصرا على المناقشات السياسية للتعبير عن الحرية السياسية أو التحرر، لكن في فترة ما بعد أرسطو بدأ الفلاسفة يستخدمونها بمعنى جديد غير سياسي على الإطلاق؛ لكي يعبروا عن تحكمنا في أفعالنا. ومنذ ذلك الحين تبع الفلاسفة الذين يناقشون فكرة أيلولة أفعالنا إلينا الإغريق، وأصبح مصطلح «الحرية» - الذي يستخدم للتعبير عن الحرية السياسية - يستخدم أيضا للتعبير عن تحكم الشخص في أفعاله. فإذا كان ما تفعله يقع داخل نطاق سيطرتك، إذن يمكن القول بأنك «حر» في أن تتصرف بطريقة مغايرة للطريقة التي تتصرف بها بالفعل. إنك «فاعل حر» كما ms003 يقول الفلاسفة. # إذن لدينا استخدامان لمصطلح «الحرية»؛ أحدهما للإشارة إلى التحرر السياسي، والآخر للإشارة إلى تحكمنا في أفعالنا. وهذان الاستخدامان مختلفان اختلافا مهما. فالتمتع بالحرية السياسية أمر، والتحكم في طريقة تصرفك أمر مختلف تماما. والحرية السياسية تتعلق بعلاقتنا بالدولة، وكذلك بعلاقتنا بمجتمع أكثر اتساعا من البشر الذين نشكل جزءا منهم. وبوجه خاص، فإن التحرر السياسي يتعلق بشكل أساسي بالمدى الذي تصل إليه الدولة في تحاشي تقييد أنشطة مواطنيها من خلال القوانين والإجبار القانوني، في حين أن التحكم في الأفعال لا يتصل اتصالا مباشرا بأي علاقة من هذا النوع مع الدولة. فالمرء قد يكون فاعلا حرا - أي يتمتع بالتحكم في أفعاله - حتى عندما يعيش بمفرده على جزيرة منعزلة، بعيدا عن أي مجتمع سياسي، وكذلك الحال؛ حيث لا توجد أي مشكلة في تمتعه بالتحرر السياسي أو افتقاده له. ومع أن التمتع بالتحرر السياسي وكون المرء متحكما في طريقة تصرفه أمران مختلفان، فإن تاريخ التنظير الخاص بالتحكم في الأفعال حافل بأوجه الشبه مع التحرر السياسي، وهذا الأمر ليس من قبيل المصادفة. بل الواقع أنه أمر طبيعي؛ أن يستخدم المصطلح نفسه للتعبير عن تحكمنا في طريقة تصرفنا، وأيضا للتعبير عن قيمة سياسية جوهرية. # على كل حال، هناك تشابه بين التحكم في الأفعال والتحرر السياسي. فالتحلي بدرجة من التحكم في حياتنا يمنحنا قدرا محددا من الاستقلال داخل نطاق الطبيعة، وهو استقلال لا تحظى به العصي والحجارة، بل وقد لا تحظى به الحيوانات الدنيا. فالطبيعة لا تملي علينا أفعالنا ولا تدفعنا إليها، لكننا نوجد داخل هذا الكون باعتبارنا مواطنين داخل نظام حكم حر أو دولة حرة؛ دولة تسمح لمواطنيها بقدر من التحرر السياسي، وعلى وجه الخصوص بعض المشاركة في تقرير ما يحدث لهم. ومثل أي دولة حرة، فإن الطبيعة أيضا تترك جزءا على الأقل من حياتنا لكي نديره بأنفسنا. والطبيعة، هي الأخرى، تمنحنا قدرا من التحرر. # لكن هذا ليس وجه الشبه الوحيد، مع أنه ربما كان يحظى بأهمية خاصة عند فلاسفة الإغريق القدماء الذين نظر الكثيرون ms004 منهم - لا سيما الرواقيون، وهم يمثلون مدرسة من الفلاسفة الذين اشتقوا اسمهم من «الأروقة» المعمدة في أثينا؛ حيث كانوا يتقابلون بغرض النقاش والتدريس - إلى الطبيعة باعتبارها دولة كونية يديرها العقل ويتحكم فيها. وأظن أن الأكثر أهمية لنا الآن هو حقيقة أن تحكمك في أفعالك - أي كونك فاعلا حرا في هذا السياق - له دلالة سياسية واضحة؛ دلالة على حرية تعتبر تحررا سياسيا. وذلك لأنه توجد صلة معقولة بين وضعنا كأفراد يتمتعون بالتحكم في طريقة تصرفهم، وبين القيمة التي تمثلها لنا الحرية في سياق علاقتنا بالدولة. فإذا لم نستطع أن نفكر - أو إذا لم نفكر - في أنفسنا باعتبارنا أشخاصا قادرين على التحكم في حياتنا، وقادرين على التحكم في مصائرنا، فمن المؤكد أن الحرية السياسية - وهي سماح الدولة لنا بأن ندير حياتنا ونتحكم في مصائرنا في النطاق السياسي - لن تكون قيمة مهمة لنا. إذن فلماذا لا نستخدم المصطلح نفسه للتعبير عن كل من تحكمنا في أفعالنا وعن القيمة السياسية التي تبدو معتمدة على ذلك التحكم في الأفعال؟ # وماذا عن مصطلح «الإرادة»؟ استخدم الفلاسفة هذا المصطلح بطرق شتى، لكن أحد الاستخدامات المهمة كان للتعبير عن قدرة نفسية أساسية يمتلكها كل البشر الطبيعيين البالغين؛ وهي القدرة على اتخاذ القرارات. فنحن لسنا قادرين على القيام بأفعال مثل الذهاب إلى دار السينما أو البقاء في المنزل وما شابهها من أفعال فحسب، بل قادرون في المقام الأول على أن نقرر لأنفسنا: أي من هذه الأفعال سنقوم به؟ وهذه القدرة على اتخاذ القرارات أو انتقاء الخيارات تعد في جوهر قدرتنا على التحكم في أفعالنا والسيطرة عليها. والواقع أننا عادة ما نعبر عن «أيلولة» أفعالنا إلينا من خلال الإشارة إلى صلتها بقراراتنا، فنقول: «إن ما أفعل يئول إلي! إنه قراري!» # بل قد تعتمد حرية التصرف على حرية اتخاذ القرارات تحديدا؛ أي على حرية الإرادة. وقد تئول طريقة تصرفنا إلينا لسبب وحيد، هو أننا نمتلك القدرة على اتخاذ قرار بشأن كيفية تصرفنا، وأن الأمر يئول إلينا في اختيار أي من هذه ms005 القرارات. هذا هو ما سأناقشه، وما آمن به الكثير من الفلاسفة. لكن منذ القرن السابع عشر، عمد الفلاسفة الذين يكتبون باللغة الإنجليزية - وأقصد بهم الفلاسفة البريطانيين والأمريكيين - عادة إلى إنكار وجود أي علاقة بين حرية الفعل وحرية الإرادة. وهم يدعون أنه أيا كان ما نفكر فيه عادة، فإنه لا يوجد شيء اسمه حرية اتخاذ القرار، أو أن حريتنا في التصرف مستقلة عنها تماما بأي حال من الأحوال. ووراء هذا الخلاف حول الإرادة وعلاقتها بالحرية يكمن خلاف أعمق حول طبيعة الفعل الإنساني. # ولا بد أن نتذكر أن حريتنا حرية فعل؛ أي حرية القيام بأشياء أو الامتناع عن القيام بها. وعلى النقيض، ليست الحرية - على الأقل مباشرة - سمة من سمات اللافعل. فكر في الحاجات والرغبات، أو المشاعر على سبيل المثال. من الجلي أن الحاجات والمشاعر ليستا أفعالا. وعند التفكير فيها في حد ذاتها، فإنها مجرد حالات تستولي علينا أو نجد أنفسنا فيها. وتوصف الحاجات والمشاعر أو الأحاسيس بأنها تعترينا دون تفكير؛ بمعنى أنها أشياء تحدث لنا، لا أشياء تنشأ مباشرة كأفعال متعمدة نقوم بها. ولأن الحاجات والمشاعر ليستا أفعالا، بل مجرد أحداث تقع لنا دون تفكير، فإنهما تقعان خارج نطاق تحكمنا المباشر. وما نحتاجه أو نشعر به لا يئول إلينا مباشرة، مثلما تئول إلينا الأفعال التي نؤديها بها. # لا شك أن ما نحتاجه أو نشعر به يكون أحيانا داخل نطاق تحكمنا. لكن هذا لا يكون حقيقيا إلا لأننا نستطيع، بدرجة ما، التأثير على ما نحتاجه أو نشعر به من خلال أفعالنا السابقة. أستطيع، على سبيل المثال، أن أزيد رغبتي في تناول الطعام بالعدو؛ أو أستطيع تخفيف الألم عن طريق وضع مرهم، أو من خلال تعمد تركيز تفكيري على إجازة العام السابق ... إلى آخره. إن سيطرتي المباشرة على أفعالي تستطيع - من خلال تأثير أفعالي في الأحداث التي تقع دون تفكير مثل الحاجات والمشاعر - منحي بعض السيطرة غير المباشرة على هذه الحاجات والمشاعر أيضا. ويمتد نطاق تحكمنا في أفعالنا ليعطينا تحكما في تبعات تلك ms006 الأفعال أيضا، لكن حريتنا تظل في النهاية حرية فعل. ودائما ما تمارس الحرية من خلال الفعل فحسب؛ من خلال ما نفعله أو نمتنع عن فعله عمدا. # وهذه الصلة الوثيقة بين الحرية والفعل مهمة للغاية. فهي تعني أنه لكي نفهم ما تنطوي عليه الحرية، سوف نحتاج أيضا إلى فهم طبيعة التصرف الإنساني؛ ذلك الوسط الذي يبدو أننا نستطيع ممارسة حريتنا من خلاله. # وهنا نصل إلى قضية اتخاذ القرارات وموقعها من الحرية. ~~ اعتاد الفلاسفة - خاصة في نهاية العصور القديمة وفي العصور الوسطى - تفسير الصلة بين الفعل والحرية من واقع علاقتهما بالإرادة. ومصطلح «مشكلة الإرادة الحرة» باعتباره وصفا لمشكلة تتعلق بحرية الفعل يذكرنا كم كان الاعتقاد في وجود تطابق بين حرية الفعل وحرية الإرادة اعتقادا عاما. فالحرية كانت تعتبر في الأساس إحدى سمات القرار أو الاختيار؛ كانت الحرية كلها حرية إرادة. لقد تحكمنا في قراراتنا على نحو مباشر، وتحكمنا في كل شيء آخر من خلال قراراتنا. كانت الحرية مرتبطة بالفعل؛ لأن اتخاذ القرار أو الاختيار كان مكونا رئيسيا للفعل الإنساني، والشكل المباشر الذي يتخذه هذا الفعل. كانت الحرية تشير آنذاك إلى الفعل؛ لأن الإتيان بالفعل كان يعني ممارسة إرادة حرة. # هل كان الفلاسفة محقين في إيمانهم بنظرية الفعل القائمة على الإرادة هذه؟ هل كانوا محقين في اقتناعهم بوجود تطابق بين حرية الفعل وحرية الإرادة؟ كما سنرى، هناك اعتراضات مهمة على هذه النظرية. وبالتأكيد، فإن الفلسفة المكتوبة باللغة الإنجليزية في فترات لاحقة قد مالت إلى افتراض أن نظرية الفعل والحرية القائمة على الإرادة كانت خاطئة. ~~ والواقع أن الفلسفة الحديثة في بريطانيا وأمريكا ذهبت إلى النقيض. فقد حاولت الزعم بأن الفعل والتحكم في طريقة تصرفنا ليس لهما أي علاقة تذكر بالإرادة أو بأي حرية للإرادة. لكنني أقول إن هذا الطرح الحديث هو أيضا خاطئ. فإذا حاولنا أن نفصل الفعل وطريقة تحكمنا فيه عن الإرادة وحريتها تماما، بدلا من أن نفهم الحرية فهما أفضل، فسينتهي بنا الحال إلى عدم التصديق بها بالكلية. إن استبعاد الإرادة من ms007 مشكلة الإرادة الحرة هو في حقيقة الأمر استبعاد للحرية أيضا. # وبدون الإرادة، لن نكون قادرين على إدراك أي معنى لحرية الفعل على الإطلاق. وسوف ينتهي بنا المآل - مثلما انتهى بالكثير من الفلاسفة المحدثين - إلى الاعتقاد بأن فكرة كون أفعالنا حرة ومآلها إلينا هي مجرد خلط للأمور. وهذا بالتحديد ما يعتقده الكثيرون من الفلاسفة المحدثين؛ أننا لسنا فقط نفتقد التحكم في الطريقة التي نتصرف بها (وكأن الأمور كان يمكن أن تختلف عن ذلك)، بل إن حرية التصرف ذاتها شيء مستحيل، شيء لا يمكن لأي شخص امتلاكه مطلقا؛ لأن فكرة حرية التصرف في جوهرها مشوشة ومتناقضة. وقد مالت الاتجاهات الفلسفية الحديثة بشكل متزايد إلى افتراض أن الاعتقاد في حرية التصرف وهم غير منطقي، تماما مثل الاقتناع بوجود مربع دائري. ~~(2) الحرية ومبادئ الأخلاق # قبل أن نتناول بمزيد من التفاصيل السبب الذي قد يجعل من حرية الفعل مشكلة كهذه، لا بد لنا من إلقاء نظرة فاحصة على أهمية الحرية، وعلى سبب أهمية إن كنا أحرارا أم لا. ~~ نحن بحاجة لأن ننظر إلى موضع الحرية في مبادئ الأخلاق. وهنا سيكون الضوء مسلطا مرة أخرى على الفعل. # نحن نعتقد بطبيعة الحال أن الفعل - ما نقوم به بأنفسنا، أو نمتنع عن القيام به - له أهمية أخلاقية خاصة. فجزء أساسي من مبادئ الأخلاق العادية يتمركز حول المسئولية الأخلاقية الفردية؛ أي حول فكرة أن يكون الناس مساءلين عن الطريقة التي يحيون بها. ~~ إن أفعالنا هي التي نسأل عنها مساءلة مباشرة في حياتنا؛ فكل منا مسئول عما يفعله وما لا يفعله؛ أو هكذا نفترض في العادة. فإذا تصرفت عمدا، وبلا سبب منطقي، بطريقة تعلم أنها ستؤذي أو تضر شخصا آخر - ربما ألقيت متعمدا تعليقا جارحا ضد أحد الأصدقاء - فمن الممكن أن تلام على الأذى الذي سببته. ومن المؤكد أن الآخرين سينحون باللائمة عليك ويعتبرونك مسئولا؛ وعندما تفكر فيما فعلته، ربما تخلص إلى لوم نفسك أيضا، وربما ينتهي بك الحال إلى الشعور بالذنب تجاه ما فعلت. # وتقدم لنا مبادئ الأخلاق معايير ms008 ذات طبيعة إلزامية، بحيث نكون مسئولين عن الامتثال لها، ونلام لوما مستحقا وعادلا إذا لم نلتزم بها. وهذه المعايير تنطبق على الفعل. ~~ وعبء المسئولية هذا لا يقع على المشاعر أو الرغبات؛ على الأقل تلك المشاعر أو الرغبات التي تنتابنا بمعزل عن أفعالنا. على سبيل المثال، قد ينتابني شعور بالعدائية تجاهك؛ لكن لو أن هذا الشعور قد انتابني فجأة - أي لم يكن نتيجة شيء فعلته، ولم يكن هناك أي شيء باستطاعتي القيام به لمنع هذا الشعور - فكيف يمكن أن ألام عليه؟ # إننا نلام على ما نفعله أو لا نفعله؛ وليس على ما يحدث لنا بمعزل عن أفعالنا. وهذه النظرة إلى المسئولية مألوفة وطبيعية للغاية. لكن ما الذي يجعل المسئولية الأخلاقية تتعلق بطريقة تصرفنا وبالنتائج المترتبة على تلك الطريقة، ولا تتعلق بشيء آخر؟ # أساس أي تفسير معقول لا بد أن يكون حلقة وصل بين المسئولية الأخلاقية وبين أحد أشكال «التقرير الذاتي». وجوهر اللوم - تحميل شخص ما المسئولية عن خطأ ارتكبه - أن يكون موجها نحو الفاعل نفسه. إننا نؤكد أن يكون الفاعل نفسه - أي نفس الشخص وليس أي حدث أو عملية متصلة به - هو المسئول. ولهذا فإن الشيء الذي نحمل الفاعل المسئولية عنه لا بد أن يكون شيئا يمكن ربطه أو إلصاقه به بدقة وإنصاف. وما نحمل الفاعل المسئولية عنه لا بد أن يكون شيئا قرر الفاعل بنفسه أنه سيحدث. ولا بد أن يكون ذلك الشيء مقررا من قبل الفاعل نفسه؛ أي ذاتي التقرير كما يمكن أن نسميه. إذا كنا مسئولين أخلاقيا عن أفعالنا، لا عن مشاعرنا ورغباتنا، فلا بد أن يكون تفسير ذلك هو وجود نوع وثيق الصلة من التقرير الذاتي في الفعل، لكنه لا يوجد في الرغبة أو الشعور. # ويبدو أن المنطق السليم يفسر بشكل واضح السبب الذي يجعلنا مسئولين أخلاقيا عن أفعالنا لا عن مشاعرنا ورغباتنا. إن المنطق السليم يحتكم إلى الحرية؛ إلى ما نتحكم فيه أو ما يئول إلينا. فطريقة تصرفنا تئول إلينا مباشرة، ولكن ما لا يخضع لها ms009 هو المشاعر التي تنتابنا أو الرغبات التي تستحوذ علينا. نحن نتمتع بتحكم في أفعالنا، ولكن ليس لدينا تحكم مباشر في الشعور أو الرغبة مستقل عن الفعل. ولهذا فنحن مسئولون أخلاقيا عن أفعالنا، لا عن مشاعرنا ورغباتنا. # وهذا الاحتكام إلى الحرية من أجل تفسير المسئولية الأخلاقية طبيعي للغاية؛ لأن ممارسة التحكم أو الحرية هي أكثر أشكال التقرير الذاتي بديهية. إننا بطبيعة الحال نحدد الفاعل من خلال ممارسته لحريته؛ فالفاعل هو الشخص المتحكم في أفعاله. # يبدو إذن أن فكرة كوننا فاعلين أحرارا - نتحكم في طريقة تصرفنا - تمثل جزءا جوهريا من تفكيرنا الأخلاقي. فاستجابات اللوم أو الشعور بالذنب لن تكون عادلة إلا إذا كانت الطريقة التي كنت تتصرف بها - في فعلك ما فعلت - في نطاق تحكمك فعلا. لا بد أن يكون إلقاء هذا التعليق الجارح أو الامتناع عنه خاضعا بالفعل لإرادتك. فإذا كان الإدلاء بهذا التعليق بعيدا تماما عن تحكمك، فكيف يمكن أن تلام عليه؟ # وإذا كانت حريتنا هي التي تدعم وتبرر مشاعر مثل اللوم والذنب، إذن فالحرية الإنسانية مفترضة مسبقا في نظمنا القانونية، عندما تعاقب المحاكم الأفراد وتحملهم المسئولية القانونية عن أفعالهم. فالعقاب لا يعتبر عقابا حقيقيا - وليس مجرد تقييد للحرية أو عنف - إلا إذا فرض على ارتكاب للخطأ باعتباره شيئا يستحق العقاب. إن العقاب يشتمل في بنيته على زعم أن المعاقب يستحق اللوم بالفعل على الخطأ الذي ارتكبه، وأنه مسئول حقا عما فعل. لكن عندئذ لا يكون العقاب عادلا إلا إذا كان الشخص المعاقب متحكما في أفعاله؛ أي إذا كان تصرفه على هذا النحو أو إحجامه عنه أمرا يئول إليه. # وليس من الضروري أن تكون كل أفعالنا خاضعة لتحكمنا؛ فربما يكون أحدهم مصابا بالفعل بمرض السرقة، وتتحكم فيه رغبة قهرية تدفعه نحو السرقة؛ رغبة تنتزع منه حريته في الامتناع عن السرقة وترغمه حرفيا على الاستيلاء على الأشياء. إذا كان هذا الأمر ممكنا، فسيظل قيامه بالسرقة فعلا حقيقيا قام به عمدا. ولكن بافتقاده لحرية الامتناع عن السرقة، فإن تصرفه هذا لن يكون ms010 شيئا يتحمل المسئولية عنه. وإذا كانت الحرية هي الفكرة الرئيسية في المسئولية الأخلاقية، فإن الفعل لن يكون مسئوليتنا إلا إذا كان حرا بالفعل؛ أي فعلا نتحكم تماما في القيام به أو الامتناع عنه. # وقد يكون هذا الرأي القائل إن المسئولية الأخلاقية تعتمد على الحرية رأيا عاديا للغاية، لكنه أيضا مثير لكثير من الجدل. فالكثير من الفلاسفة سوف يعتبرون ما قدمته على أنه رأي المنطق السليم ليس من المنطق السليم في شيء. ففي الفلسفة الحديثة لا يوجد أي اتفاق على الإطلاق بشأن كون الحرية لها أهمية في مبادئ الأخلاق، أو أن للفعل أي أهمية أخلاقية خاصة. وأحد الأسباب الهامة لهذا الاختلاف بسيط؛ فقد أثبتت حرية التصرف أنها فكرة محيرة للغاية - لدرجة أنها عادة ما تعتبر في هذه الأيام فكرة غير متسقة، ومستحيلة - مما جعل الفلاسفة أكثر ميلا إلى تجاهلها أو استبعادها عندما يتعاملون مع الفلسفة الأخلاقية. لقد حاولوا فهم مبادئ الأخلاق دون التحدث عن الحرية. # غير أن بعض الفلاسفة سيقبلون بأننا مسئولون أخلاقيا عن أفعالنا فحسب، لكنهم سينكرون أن هذه المسئولية تعتمد على حرية أفعالنا. فثمة سمات أخرى للفعل - لا علاقة لها بكوننا متحكمين فيه - تجعلنا مسئولين عن الطريقة التي نتصرف بها. أو لعل هؤلاء الفلاسفة ينظرون إلى مسئوليتنا عن أفعالنا باعتبارها شيئا لا يحتاج إلى تفسير. # لكن فلاسفة آخرين كانوا أكثر راديكالية. فيرى ديفيد هيوم، الفيلسوف الاسكتلندي الذي عاش في القرن الثامن عشر، أن مبادئ الأخلاق لا تتعلق على الإطلاق بكونك مسئولا عما تفعل. ويرى أيضا أننا لا نتحمل أي مسئولية أخلاقية خاصة تجاه أفعالنا؛ وهي مسئولية نفتقر إليها عندما يتعلق الأمر بسمات ليست من أفعالنا. فالأفعال ليست ما يهم حقا في مبادئ الأخلاق؛ فهي - على أفضل تقدير - تأثيرات وعلامات أو أعراض للشيء المهم حقا. ترتبط مبادئ الأخلاق بالرغبة والعاطفة - أي الحالات التي تعترينا دون تفكير من الدافعية، والشعور، وسمات الشخصية، والتي تسبق أفعالنا وتتسبب في قيامنا بها - أكثر من ارتباطها بالأفعال نفسها. تتعلق مبادئ الأخلاق في الأساس بكونك شخصا ms011 فاضلا جديرا بالإعجاب. فالقيام بالأفعال القويمة شيء ثانوي يتبع كونك شخصا فاضلا ويكون نتيجة له. # شكل : ديفيد هيوم، بريشة لويس كاروجيس. # هل يمكننا أن نفهم مبادئ الأخلاق والمسئولية الأخلاقية دون الاحتكام إلى الحرية؟ أقول إننا لا نستطيع ذلك! فالفعل في الحقيقة له أهمية خاصة في مبادئ الأخلاق. فنحن مسئولون عما نفعله بأنفسنا، ولسنا مسئولين عما يحدث لنا. ومع ذلك، فهذه المسئولية الخاصة عن أفعالنا لا تحتاج إلى تفسير. وكما سنرى، فإن تفسير هذه الأهمية الخاصة التي يحوزها الفعل سيكون من خلال الحرية فقط. وما إن نفهم ما ينطوي عليه الفعل البشري بالفعل - وتحديدا ما إن نفهم الدور الذي تلعبه الإرادة في الفعل البشري - حتى نرى أن أي تفسير آخر لمسئوليتنا الأخلاقية تجاه أفعالنا لن يكون صحيحا. فإعادة الإرادة مرة أخرى إلى مشكلة الإرادة الحرة معناه إعادة حريتنا وطريقة ممارستنا إياها إلى لب مبادئ الأخلاق. # لكن لماذا كل هذا الإنكار للحرية؟ دعونا الآن ننتقل إلى ما يهدد حريتنا في الفعل؛ وتحديدا إلى السبب الذي يجعل الإرادة الحرة مشكلة من الأساس. ~~(3) لم قد لا نكون أحرارا # يبدأ معظمنا كلامه عن الحرية بأن يضع افتراضا مهما بشأنها. فنحن نميل عادة إلى افتراض أن حريتنا في التصرف لا بد أنها تتعارض مع فكرة كون أفعالنا محددة أو محتومة الحدوث بفعل مسببات مسبقة خارجة عن نطاق سيطرتنا. هب، على سبيل المثال، أنه في وقت ميلادك، كان العالم يحتوي بالفعل على مسببات - سواء أكانت البيئة التي ولدت فيها أم الجينات التي ولدت بها - تحدد بدقة ما ستفعله طوال حياتك. في هذه الحالة لن تكون طريقة تصرفك آيلة إليك في أي مرحلة من مراحل حياتك. فإذا كانت الطريقة التي لا بد أن تتصرف من خلالها قد حددت بحذافيرها منذ البداية، فكيف يمكن أن تكون حرا في التصرف بطريقة مغايرة؟ ~~«الحتمية السببية» هي زعم أن كل ما يحدث - بما في ذلك أفعالنا - مقدر له الحدوث مسبقا لأسباب معينة. فكل ما يحدث هو نتاج مسببات سابقة؛ مسببات تحدد النتائج ms012 المترتبة عليها عن طريق ضمان حتمية وقوع تلك النتائج، وعدم ترك أي فرصة لحدوث الأشياء بطريقة مختلفة. وعليه فإذا كانت الحتمية السببية حقيقية، فإن كل ما يحدث في أي وقت من المستقبل قد سبق تقريره وتحديده بواسطة الماضي. ونحن بطبيعة الحال نعتقد أن حقيقة الحتمية السببية سوف تستبعد حريتنا بالكلية. إننا نفترض تلقائيا أن تحلينا بالتحكم في طريقة تصرفنا يعتمد على كون أفعالنا غير محددة سببيا ومسبقا من خلال عوامل خارجة عن نطاق سيطرتنا؛ مثل البيئة التي نولد فيها، والجينات التي نولد بها، والرغبات والمشاعر التي تنتابنا دون أن يكون لنا سيطرة عليها. وهذا الافتراض الذي نضعه تلقائيا يسمى «اللاتوافقية»، وهو يسمى هكذا؛ لأنه يقول إن الحرية غير متوافقة مع التحديد السببي المسبق لطريقة تصرفنا من خلال عوامل خارجة عن تحكمنا. إننا بطبيعتنا لا توافقيون. # لكننا لسنا هكذا فحسب. فنحن ليبرتاريون بطبيعتنا أيضا. وهذه الليبرتارية المتعلقة بحرية الفعل تجمع بين اللاتوافقية وبين إيمان آخر بأننا نتحكم في طريقة تصرفنا. ~~ والليبرتاريون أشخاص لا توافقيون يؤمنون بأن البشر أحرار. وهذا بالتحديد ما نفترضه تلقائيا. ومع أننا نعتقد أن التقرير المسبق لأفعالنا سوف ينزع عنا تحكمنا في كوننا سنؤديها أم لا، فإننا ما زلنا نميل ميلا قويا إلى افتراض أننا نتحلى بذلك التحكم، وأننا نحن المسئولون عن طريقة تصرفنا، وأن المسببات الماضية لا تفرض علينا أفعالنا. ~~ تمثل الليبرتارية - ومعها اللاتوافقية أيضا - نظريتنا الطبيعية عن الحرية. # والفكرة البديهية القائلة إن اللاتوافقية أمر حقيقي - أي إن حريتنا في التصرف تعتمد على كون أفعالنا غير مقررة مسبقا - شائعة للغاية. ومعظم الأشخاص الحديثي العهد بالفلسفة لن يقتنعوا بشيء غير ذلك. فاحتمالية أنهم حينما ولدوا كان كل فعل سيقومون به محددا ومقررا مسبقا يرونها تهديدا واضحا وصريحا لحريتهم. والأشخاص الذين يحتكون بالفلسفة للمرة الأولى يعارضون بشدة التخلي عن اللاتوافقية. لكن اللاتوافقية تفرض علينا صعوبات معقدة؛ إذ إنها تبشر بأن تكون الحرية مسألة مستحيلة، أو هكذا يفترض الكثير من الفلاسفة المحدثين. ~~(3-1) تهديد الحتمية # العقبة الأولى واضحة للغاية. فاللاتوافقية ms013 تضع شرطا مهما لحرية الفعل؛ وهو غياب التحديد السببي المسبق بفعل ظروف خارجة عن نطاق تحكمنا. ولكن هل يمكننا التأكد من تحقق هذا الشرط؟ نحن عادة لا نفكر في كيفية تصرفنا على أنها شيء مقرر مسبقا بفعل مسببات ماضية، لكن كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟ فعلى كل حال، ربما تكون الحتمية السببية حقيقة. ربما كل شيء يحدث في الكون قد تقرر حدوثه بفعل مسببات مسبقة. في هذه الحالة، فإنه بحلول وقت ميلادنا، تكون كل أفعالنا قد سبق أن تقررت سببيا. # إن الإيمان بالحتمية السببية - بأن العالم عبارة عن نظام حتمي - قد جرى الدفاع عنه، في العالم القديم، بواسطة الرواقيين. وقد شاع الإيمان بالحتمية السببية مجددا بين الفلاسفة الغربيين في أعقاب القرن السابع عشر. وقد حدث هذا لأن الأشكال الجديدة للعلم التي كانت في طور التطور آنذاك - لا سيما فيزياء نيوتن - أمدتنا بقوانين حتمية بدت وكأنها تفسر وتحكم حركة كل جسم مادي داخل الكون. أما اللاتوافقية فقد تركت فكرة أيلولة أفعالنا إلينا، بكل ما يعتمد عليها أخلاقيا، في صراع ضد ما بدا حينها كأنه صورة منطقية للغاية للعالم؛ صورة العالم كنظام فيزيائي حتمي، التي أوحى إلينا بها العلم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. # ومنذ ذلك الحين تضاءلت منطقية الحتمية السببية. ففيزياء القرن العشرين تركت الحتمية الكونية كصورة غير مدعومة بأدلة كافية. فالعالم - عند الحديث عن تفسيرات بعينها لفيزياء الكم الحديثة - غير حتمي على مستوى الدقائق البالغة الصغر. فحركات الجسيمات دون الذرية الصغيرة، على الأقل، تفتقر إلى المسببات الحتمية. ولأن حركات هذه الجسيمات الدقيقة غير مقررة، فإنها - على الأقل بدرجة ما - «خاضعة للصدفة» أو «عشوائية». # أفعالنا بالطبع تحدث عند المستوى الكبير الواضح، وليس المستوى الصغير الخفي؛ أي عند مستوى العين المجردة، وليس المستوى المجهري. ولكن ألا يظل في هذا الأمر بعض التهديد من ناحية الحتمية؟ قد لا نعرف يقينا إلى أي مدى تنطبق اللاحتمية على مثل هذه الأحداث الكبيرة. وحتى إذا كان هناك بعض اللاحتمية المجهرية، فإن قدرا كبيرا من ms014 التغيير الذي يحدث عند ذلك المستوى المجهري قد لا يمثل أي فرق فيما يحدث عند المستوى الأكبر. وفي هذه الحالة ، فإنه ليس من الضروري أن تشكل اللاحتمية المجهرية أي فرق في الطريقة التي نتعمد أن نتصرف من خلالها. فالتغييرات الدقيقة في مواضع جسيمات مختلفة بالغة الصغر قد لا تشكل أي فرق في كوني، مثلا، سأرفع يدي متعمدا أم لا. ربما تظل الأحداث عند المستوى المرئي مقررة مسبقا على نحو كبير. فالكثير من أفعالنا، أو كلها، يمكن أن يظل محددا بواسطة مسببات خارجة عن نطاق تحكمنا. وفي هذه الحالة، فإن التحديد السببي المسبق لأفعالنا قد يظل احتمالية جدية؛ وإذا كانت اللاتوافقية حقيقية، فسوف يمثل ذلك تهديدا خطيرا لحريتنا. # ولكن هل التحديد السببي المسبق لأفعالنا يمثل بالفعل احتمالية جدية؟ لا أحد، في الواقع، قد بين أن الحتمية تنطبق على مستوى الفعل البشري. فأفعالنا عادة ما تكون متوقعة؛ ومع ذلك فتلك التوقعات لا ترقى بشكل عام إلى مستوى اليقين. نحن نجد أن الكثير من الأفعال البشرية تتبع نزعات معينة، ولكن يبدو أن هذه النزعات لا تزيد عن كونها مجرد نزعات، لا قوانين محكمة، ولا يزال بإمكان الأفعال الفردية كسر هذا النمط. ويظل الإيمان بالتقرير المسبق للأفعال البشرية على نطاق واسع مجرد ظن أو تخمين؛ تخمين لا يرقى حتى للاحتمال، ولا يزال غير مثبت. ~~(3-2) تهديد الصدفة والغموض # ثمة مشكلة أعمق بخصوص الحرية. فاللاتوافقية تقول إننا لا يمكن أن نكون أحرارا إذا كانت الحتمية حقيقية. ولكن، وكما نحن على وشك أن نرى، يبدو أننا لا يمكن أن نكون أحرارا أيضا إذا كانت الحتمية غير حقيقية؛ وأنه لا بد أن تكون الحتمية حقيقة من أي منظور، سواء أكنا لا توافقيين أم لم نكن. وفي حالة كون اللاتوافقية حقيقية، فلا يمكننا أبدا أن نكون أحرارا. فستكون الحرية مستحيلة. # هب - وهذا أحد متطلبات الحرية اللاتوافقية - أن أفعالنا ليست مقررة مسبقا؛ يبدو إذن أن هذا يعني أن الطريقة التي نتصرف بها في النهاية هي مسألة مصادفة ليس غير؛ ms015 لأنه لا يوجد سوى بديلين فقط؛ فإما أن يكون الفعل محددا سببيا، وإما أن حدوثه - ما دام غير محدد سببيا - يعتمد على الصدفة. ولكن الصدفة وحدها لا تشكل حرية. فالصدفة وحدها لا تعدو أن تكون مجرد عشوائية. وثمة شيء يبدو واضحا جليا؛ وهو أن العشوائية؛ أي عمل المصادفة المحضة، تستبعد التحكم بشكل واضح. على سبيل المثال، إذا اعتبرنا أننا نمارس تحكما في عملية ما، فلا يمكن أن تكون تلك العملية تتطور بشكل عشوائي؛ لأنه إذا كانت العملية عشوائية، فلا بد أنها تقع خارج نطاق تحكمنا. فالعشوائية تشكل تهديدا لحريتنا - لممارسة التحكم في طريقة تصرفنا - يماثل، على الأقل، ذلك التهديد الذي ربما تشكله الحتمية. وإذا كانت أفعالنا لا تعدو أن تكون مجرد حوادث تقع مصادفة، إذن فكيف يمكن لفعلنا أن ينطوي على ممارسة تحكم من قبلنا؟ # ثم تتعمق المشكلة. فليس الأمر فقط أن الأفعال غير المقررة لا تبدو أفضل من العشوائية، ولكن يبدو أنه إذا كنا نعتقد أن أفعالنا غير مقررة، فلا يمكن أن تكون «أفعالا» على الإطلاق؛ فهي لن تزيد عن كونها مجرد حركات دون تفكير. # هب، على سبيل المثال، أن يدي ارتفعت إلى أعلى. فما الذي لا بد أن يكون حقيقيا لكي يكون ارتفاع يدي لأعلى ليس مجرد حدث، وإنما «فعل» أصيل، شيء أفعله عن قصد، رفع متعمد ليدي بواسطتي أنا؟ من المنطقي بالنسبة لي كي أحسب أني رفعت يدي متعمدا؛ إذ لا بد أن هناك قصدا وراء ارتفاع يدي لأعلى. فإذا كنت أرفع يدي متعمدا، فلا بد أنني أفعل ذلك من أجل هدف أو غاية ما. ربما أرفع يدي من أجل رفعها فحسب. أو ربما يكون لدي غرض آخر. لعلي أرفع يدي لكي ألوح لك بها. ولكن من الأحرى أن يكون هناك قصد وراء ما أفعله حتى يمكن اعتباره فعلا أصيلا؛ أعني تنفيذا متعمدا ومقصودا لشيء ما بواسطتي. # إذن فما يجعل الفعل فعلا أصيلا هو أن يكون واضحا ومفهوما بوصفه شيئا قمنا به عمدا؛ من أجل الحصول على ms016 غاية أو نتيجة ما. فالفعل لا بد أن يكون دائما شيئا هادفا بشكل واضح، ولا بد أن يكون دائما موجها نحو هدف ما أو آخر؛ ويصح هذا سواء كان الهدف من الفعل يقع وراءه، أو كان الفعل يؤدى من أجل الفعل فقط. إذن ما الذي يثبت أن فعلنا موجه نحو هدف محدد؟ على سبيل المثال، ما الذي يثبت أنني حينما أرفع يدي فإنما أرفعها لكي ألوح لك؟ من المؤكد أنني أؤدي الفعل نتيجة لرغبة أو دافع معين؛ رغبة في ذلك الهدف أو دافع يدفعنا تجاهه. فإذا اعتبرت أن الهدف وراء رفع يدي هو أن ألوح لك، فلا بد أن رغبتي في التلويح لك هي التي ترفع يدي إلى أعلى. إن حركات جسمنا التي لا تتسبب فيها رغباتنا - التي تحدث سواء أردنا حدوثها أم لا - ليست أفعالا موجهة نحو هدف، وإنما هي مجرد حركات دون تفكير كالارتجافات أو الاستجابات اللاإرادية. # وبقدر ما تكون أفعالنا غير مقررة، فإنها لن تتأثر برغباتنا السابقة، وسوف يعتمد قدر أقل من كيفية تحركنا وفعلنا للأشياء على ما نرغبه أو نريده مسبقا. وهذا يعني أن هذه الأفعال المزعومة ستكون أقل شبها بالأفعال الأصيلة، وأكثر شبها بالحركات التي تجري دون تفكير وبالاستجابات اللاإرادية. وكيف يمكن للحركات التي تجري دون تفكير والاستجابات اللاإرادية أن تكون حرة؟ كيف يمكن للحركات التي تجري دون تفكير والاستجابات اللاإرادية أن تمثل ممارسة أصيلة للتحكم؟ # يبدو إذن أنه إذا كانت اللاتوافقية حقيقية، فلا يمكن لنا أن نكون أحرارا؛ لأنه إما أن تكون أفعالنا محددة سببيا بشكل مسبق. وفي هذا الحالة فإنها - كما تقول اللاتوافقية - مفروضة علينا من وقت سابق، ولا يمكننا أن نؤديها بحرية. وإما أن تكون غير مقررة، وفي هذه الحالة فإنها - من واقع أي وجهة نظر، كما يبدو - لا تعدو أن تكون حوادث عشوائية تجري دون تفكير، ومجرد أفعال من حيث المسمى فقط. وفي هذه الحالة، فإننا مجددا لا نستطيع أن نؤدي تلك الأفعال بحرية. ~~(4) التوافقية والتشككية # تعتبر الليبرتارية، بالنسبة لمعظمنا، النظرية ms017 الطبيعية للحرية. ولكن هذا لا يعني أن الليبرتارية حقيقية؛ وذلك لأننا نرى الآن أن الليبرتارية تواجه أكثر من مشكلة واحدة. ~~ ولا يقتصر الأمر على أن الليبرتاريين يجب أن يؤمنوا بأن الحتمية السببية غير حقيقية؛ أي أن أفعالنا غير محددة سببيا مسبقا. فعلى قدر علمنا، قد يتبين أن هذا الاعتقاد حقيقي. ولكن هناك مشكلة أخرى أكثر خطورة تواجه الليبرتارية. لنفترض أن الحتمية السببية غير حقيقية بالفعل، فلا بد أن يكون الليبرتاريون قادرين على تفسير كيف أن الحوادث غير المحددة سببيا التي يرونها كأفعال حرة هي كذلك بالفعل؛ أفعال حرة أصيلة. ولا بد لهم أن يفسروا كيف تختلف هذه الأفعال الحرة المزعومة - مع أن وقوعها قد يحدث بمحض الصدفة إلى حد ما - عن الحركات التي تحدث بصورة عشوائية دون تفكير؛ مثل الارتجافات والاستجابات اللاإرادية. ولكن لم تقدم الليبرتارية حتى الآن هذا التفسير الحيوي؛ تفسير كيف أن الحرية اللاتوافقية يمكن أن تتجسد في فعل، وإن كان غير محدد سببيا؛ مثل أي حركة بمحض الصدفة، هو مع ذلك فعل حر أصيل. إن الليبرتارية بحاجة لأن تفسر كيف يمكن لفعل أن يكون غير محدد سببيا بواسطة أحداث سابقة، دون أن يكون مع ذلك مجرد حركة عشوائية أو يجري دون تفكير. وقد تشكك الكثير من الفلاسفة في إمكانية تقديم أي تفسير كهذا. # ولهذا السبب، وبالرغم من الأفكار البديهية الليبرتارية التي نحملها، فقد مال الكثير من الفلاسفة المحدثين - أو معظمهم - بدلا من ذلك إلى «التوافقية» أو «التشككية». # تقول التوافقية بأن أيلولة أفعالنا إلينا - حريتنا في التصرف بطريقة مختلفة - تتوافق تماما مع كون أفعالنا مقدرة سلفا منذ البداية بواسطة مسببات خارجة عن نطاق تحكمنا. ~~ فالحرية والحتمية السببية متسقتان بصورة كاملة. وفي الواقع، وللأسباب السابقة الذكر، أكد الفلاسفة التوافقيون على أن الحرية تتطلب بالتأكيد أن تكون أفعالنا محددة سببيا بشكل مسبق: ولكي نتحاشى أن تكون أفعالنا عشوائية وغامضة فحسب، فلا بد لها أن تكون موجهة ومقررة بواسطة رغباتنا السابقة. # وخلال المائتي عام الماضيتين، حظيت التوافقية بتأييد كبير بين الفلاسفة ms018 الناطقين بالإنجليزية. بل لقد كانت هناك أوقات، كمعظم القرن العشرين، كانت فيها التوافقية بوضوح هي النظرية الفلسفية السائدة عن الحرية الإنسانية . والكثير من النقاش حول مشكلة الإرادة الحرة خلال القرن العشرين كان يتعلق بمحاولة إظهار أن حرية الفعل تتسق حقيقة مع الحتمية السببية، حتى وإن كانت أفكارنا البديهية بالفطرة تقول عكس ذلك. # ولكن تبقى الحقيقة هي أن أفكارنا البديهية الطبيعية لا توافقية. فإذا كانت أفعالنا حرة بحق، فكيف يتسنى أن تكون مقررة مسبقا؟ ولذا فقد واصل بقية الفلاسفة رفض التوافقية، مصرين على أن الحرية لا تتسق مع الحتمية. ولكن هؤلاء الفلاسفة ليسوا ليبرتاريين؛ وذلك لأنهم يقولون بأن الحرية لا تتسق مع اللاحتمية أيضا. ومن أجل الأسباب الموضحة أعلاه، يعتقد هؤلاء الفلاسفة أن الأفعال غير المقررة لا تزيد في الواقع عن كونها حركات عشوائية تجري دون تفكير. وبعبارة أخرى، فإن كثير من الفلاسفة المحدثين يدمج اللاتوافقية مع التشككية. وهم يصرون على أن الحرية غير متسقة مع كل من الحتمية واللاحتمية؛ ومن ثم فإن الحرية مستحيلة. # الإرادة الحرة: المواقف الرئيسية # هل حرية الفعل تتسق مع الحتمية السببية؟ # التوافقية # اللاتوافقية # نعم # كلا # الليبرتارية # التشككية # نحن أحرار # الحرية مستحيلة ~~(الحتمية السببية غير حقيقية) ~~(الحرية غير متسقة مع كل من الحتمية السببية واللاحتمية السببية بنفس القدر) ~~(5) مشكلة الإرادة الحرة وتاريخها # نحن نؤمن، بشكل فطري، بأننا أحرار؛ بأن اختيار الأفعال التي نقوم بها هو بالفعل أمر يئول إلينا. ونحن أيضا نفرض بشكل طبيعي شرطا لا توافقيا على هذه الحرية. فلكي نكون أحرارا في وجهة نظرنا، لا يمكن لأفعالنا أن تكون محددة سببيا بشكل مسبق من خلال أحداث وقعت قبل وقت طويل من ولادتنا. ~~ وعلى هذا النحو، فإن الكثير منا ليبرتاريون بطبيعتهم. ولكن المشكلة هي أنه لا يبدو أن ثمة نموذجا ثابتا يمكن الاستناد إليه في تفسير كيف يمكن ممارسة الحرية، كما نتصورها، من خلال الطريقة التي نتصرف بها. ولا يبدو أن ثمة وصفا ليبرتاريا منطقيا لما ينطوي عليه الفعل البشري، وكيف يمكن أن يكون هذا الفعل ms019 داخل نطاق تحكم الفاعلين من البشر. وإذا لم يتم تقديم مثل هذا الوصف، فسيكون أمامنا خيار؛ أن نحتمي بظل التوافقية، أو نرتمي في أحضان التشككية. # هذه هي مشكلة الإرادة الحرة بشكلها الحالي. وهي تبدو أشبه بشرك فلسفي؛ شرك ليس له مخرج واضح. وتبدو المشكلة وكأنه لا يوجد لها حل يتواءم مع الحرية. ولكن لم ينظر دوما إلى الحرية على أنها تمثل هذا النوع من المشكلات غير القابلة للحل. إن مشكلة الإرادة الحرة بشكلها الحالي هي مشكلة حديثة بشكل خاص، ولها تاريخها؛ فقد نشأت نتيجة لسلسلة من التغيرات المهمة في الطريقة التي يفكر بها الفلاسفة، بشأن الحرية، وبشأن الفعل، وبشأن مبادئ الأخلاق. وهذه التغيرات هي التي صعبت بشكل خاص فهم الحرية الإنسانية؛ وهذا ما جعل الليبرتارية، على نحو خاص، تبدو كعقيدة يتعذر تبريرها. وهذه التغييرات قد حدثت في الغالب خلال الأربعمائة عام الأخيرة، منذ العصور الوسطى. فالفلسفة في القرون الوسطى لم تنظر للحرية الإنسانية كمشكلة، مثلما يفعل الفلاسفة المحدثون. # صحيح أن نظريات القرون الوسطى الخاصة بالحرية الإنسانية كانت مختلفة تماما عن أي شيء يمكن أن نجده في الفلسفة الحديثة، ولكنني مع ذلك سوف أتحرى هذه النظريات في الفصول التالية؛ وذلك لأن العصور الوسطى في جعبتها الكثير لكي نتعلمه منها. بالطبع لا يمكننا أن نعود إلى الوراء ونفكر اليوم مثلما كان يفكر فلاسفة القرون الوسطى؛ فالكثير من التغيرات التي طرأت على طرق التفكير منذ ذلك الوقت لا يمكن العودة فيها. ولكن ليس كل التغيرات الفكرية تكون نحو الأفضل، وبعضها يمكن العودة فيها، بل ويجب أن يجرى ذلك. ~~ ونحن بشكل خاص نحتاج لأن نفهم منهج القرون الوسطى وكيف أن الفلسفة الحديثة قد تركته خلفها، هذا إذا أردنا أن نفهم مشكلة الإرادة الحرة الحديثة، ونهرب من الشرك الفكري الذي تفرضه علينا. # في بقية هذا الكتاب، لن أكتفي فقط بالشرح المفصل لكيفية نشأة مشكلة الإرادة الحرة الحديثة، والسبب وراء أنها استعصت على الحل حتى الآن - مستعرضا مواقف الليبرتاريين، والتوافقيين، والتشككيين بالتفصيل - بل سأحاول أيضا أن ms020 أقنعك بأن فكرة الحرية ليست بالسوء مثلما يفترض كثيرون. # وبوجه خاص، لا يوجد لدينا سبب مقنع لكي نتخلى عن أفكارنا الليبرتارية البديهية. فهناك بالفعل تفسير متماسك لكيفية ممارسة الحرية اللاتوافقية في الفعل الإنساني. إذن فبالتأكيد لا يوجد أي شيء ملتبس أو متناقض داخليا في إيماننا الطبيعي بأننا نتمتع بهذه الحرية. وعلى الأقل فإنه من المحتمل جدا أن الطريقة التي نتصرف بها هي بالفعل تئول إلينا على النحو الذي نفترض في العادة. # وهذا طيب على أي حال. وسأقترح أيضا أن للحرية أهميتها الأخلاقية، بالرغم من كل شيء. ~~ وفكرة أننا نتحكم في بعض مما نفعله - أن اختيار الأفعال التي نؤديها يئول إلينا بالفعل - هي فكرة متأصلة في لب تفكيرنا الأخلاقي. وإذا كانت فكرة الحرية غير متسقة منطقيا، فمعنى ذلك أن جزءا مهما من مبادئ الأخلاق لدينا يفتقد للاتساق المنطقي. # الفصل الثاني # | الحرية باعتبارها إرادة حرة # (1) لا حرية للحيوانات # حتى الآن كنا نتحرى العلاقة بين الحرية والحتمية، ولكن هناك جانب آخر للحرية لم يناقش بعد: وهو العلاقة بين الحرية والتفكير. ولكي نرى إلى أي مدى قد يكون التفكير مهما، فإننا بحاجة لأن نتدبر بعض الكائنات التي من المؤكد أنها تؤدي أفعالا، ولكنها تقوم بذلك دون أن يكون لديها تحكم في طريقة تصرفها مثلما نتحكم نحن - البشر - في أفعالنا. نحن بحاجة إلى إلقاء نظرة على الحيوانات. # أنا لا أدعي أن كل الحيوانات تفتقر إلى الحرية. فعلى سبيل المثال، لا يزال المدى الحقيقي والدقيق لمستوى ذكاء قردة الشمبانزي والدلافين محل خلاف، وربما نكتشف في نهاية الأمر أنهم فاعلون أحرار هم أيضا. وإنني، في الواقع، أظن أن قردة الشمبانزي والدلافين لا تتحلى بالذكاء الكافي في الجوانب الخاصة المطلوبة للحرية، ولكن هذا ليس الموضع المناسب لمناقشة هذه المسألة. نحن لا نعلم حتى الآن ما يكفي لكي نحدد بشكل دقيق قدرة هذه الحيوانات العليا في الواقع. ومع ذلك، فهناك حيوانات أخرى أقل تعقيدا، وتمتلك قدرات أدنى بكثير من قدراتنا، ومن الواضح أنها تفتقر إلى حرية الفعل نتيجة لذلك. ms021 # فكر في أسماك القرش كمثال. تبدو أسماك القرش أنها تؤدي أفعالا، أفعالا على الأقل مشابهة جدا لأفعالنا. على سبيل المثال، إحدى السمات المشتركة بين أفعال البشر وأفعال أسماك القرش هي الغائية؛ السعي وراء هدف أو غاية. إننا نمد أيدينا إلى أحد رفوف المحلات التجارية من أجل ذلك الرغيف الذي رأيناه للتو، وسمكة القرش تعود أدراجها من أجل أن تفترس تلك السمكة الصغيرة السريعة الحركة التي رصدتها توا. وكل من الإنسان وسمكة القرش يتصرف بشكل غائي، وكلاهما يحاول أن يحصل على شيء يريده. # ومع وجود هذه الغائية، يأتي نوع من القدرة على الاقتناع والرغبة، حتى وإن كانت هذه القناعات والرغبات، في حالة أسماك القرش، بدائية إلى حد بعيد. وهل هناك طريقة أفضل لتفسير ارتداد سمكة القرش إلى الوراء لكي تقتنص هذه السمكة سوى افتراض أن هناك هدفا ما تريده - أن تأكل السمكة - وأن هناك شيئا أدركته للتو أو اقتنعت به؛ وهو أن السمكة قد صارت في ذلك الموضع الآن؟ وموجهة بقناعاتها بشأن الموضع الذي توجد فيه السمكة الصغيرة، فإن رغبة سمكة القرش في الطعام تدفعها للدوران في هذا الاتجاه وذاك؛ وتأثير الرغبة هذا على حركة سمكة القرش هو ما يجعل من الحقيقي أن سمكة القرش تتصرف بشكل غائي، وأن ارتداد سمكة القرش للوراء موجه نحو الهدف المتمثل في التقاط السمكة الصغيرة. # إن سمكة القرش قد تحمل قناعات ورغبات، وربما تؤدي أفعالا موجهة نحو هدف معين، كما نفعل نحن البشر. ولكن هل سمكة القرش متحكمة في أفعالها مثلما هو حالنا؟ هل سمكة القرش حرة حقا في التصرف على نحو معاكس لما تفعله في العادة؟ # من الطبيعي جدا أن نفترض أنها ليست كذلك. ولكن لماذا؟ إذا كنا بشكل طبيعي نميل إلى رفض فكرة أن سمكة القرش فاعل حر، فلا يمكن أن يكون سبب ذلك هو أننا ببساطة نؤمن بأن أفعال سمكة القرش محددة سببيا بشكل مسبق؛ وذلك لأننا لا يمكن أن نتأكد من أن الرغبات والغرائز المدمجة بداخل سمكة القرش هي بالفعل ما ms022 تحدد أفعالها بشكل مسبق. وعلى أي حال، فإن التحديد السببي المسبق لأفعال سمكة القرش ليس القضية المهمة هنا. وحتى إذا علمنا أن تحركات سمكة القرش كانت في وقت ما غير مقررة، فإننا لن نستنتج من هذا أنه لا بد أن تكون أسماك القرش حرة. سوف نستنتج ببساطة، في هذا الحالة، أنه في بعض الأحيان تكون الحركات التي قد تقوم بها سمكة القرش من باب الصدفة أو عشوائية محضة. والانتقال من مكان لمكان بشكل عشوائي محض، كما رأينا أسماك القرش تفعل، لا يشبه من قريب أو بعيد ممارسة التحكم في الطريقة التي يتصرف بها المرء. ~~(2) الحرية والتفكير العملي # هناك تفسير آخر أكثر منطقية لعدم كون سمكة القرش فاعلا حرا، وهو يتعلق بقدرة سمكة القرش على التفكير، أو بالأحرى افتقارها الواضح إلي هذه القدرة. فالتحلي بتحكم أصيل في طريقة تصرفنا يتطلب أن نتحلى بالقدرة على أن نتصرف بعقلانية؛ أن نتصرف على أساس من التفكير المدروس بشأن الطريقة التي ينبغي أن نتصرف بها. ولكن أسماك القرش تفتقر إلى أي قدرة كهذه للتفكير في كيفية التصرف. إن أفعال أسماك القرش مبنية على الغريزة لا التفكير. ولهذا فإن اختيار أي الأفعال تقوم بها ليس أمرا متروكا لها. # إن القدرة على التفكير أو التدبر في الطريقة التي نتصرف بها تنطوي على ما هو أكثر مما تمتلكه سمكة القرش من رغبات بسيطة في الطعام، وقناعات سمكة القرش البسيطة بشأن الموضع الذي فيه الطعام. أولا: هي تنطوي على قدرة على التعلم؛ بمعنى أن يكون الكائن مرنا في الطريقة التي يستجيب بها للمشكلات العملية، من خلال التكيف مع المشكلات غير المتوقعة، وكذلك الاستجابة بطرق جديدة وأفضل لمشكلات قديمة ومألوفة بالفعل. وأسماك القرش من الواضح أنها ليست كائنات متعلمة تتسم بالفضول والابتكار. ومن الواضح أيضا أن أسماك القرش لا تمتلك قدرا كبيرا من هذه المرونة الفكرية. # ثانيا: هذه المرونة الفكرية لا بد أن تكون مرتبطة بقدرة على فهم المشكلات العملية والاستجابة لها بوصفها مشكلات عملية. عندما يواجهنا سؤال حول ما ms023 يجب أن نفعله، يكون بإمكاننا أن نفهمه على هذا النحو؛ أي كمشكلة عملية، وهي مشكلة تتعلق بكيفية تصرفنا. ~~ فنحن قادرون على أن نفكر في أنفسنا كأشخاص يمتلكون خيارا من بين مجموعة متنوعة من الأفعال الممكنة، ومن ثم يواجهنا سؤال عن التصرف الأفضل لنا كي نؤديه؛ وهو السؤال الذي قد تكون له إجابة صحيحة مدعومة بالحجة. # إذن فنحن بالفعل نستطيع أن نفكر فيما يخص طريقة تصرفنا. ونحن في الواقع نستطيع أن نسأل أنفسنا: أي الأفعال أكثر استحقاقا لأن نؤديها؟ ثم نبحث عن مسوغات أو أسباب لوجوب قيامنا بهذا الفعل بدلا من غيره. وهذه المسوغات سوف تأتي من مختلف الأهداف أو الغايات الممكنة؛ وهي أهداف تستحق الوصول إليها، وسيمكننا قيامنا بالفعل الصحيح من الوصول إليها. ولذا فإننا، كأشخاص مفكرين، قادرون على دراسة أي الأهداف هي الأكثر استحقاقا للوصول إليها، وأي الأفعال ستمكننا بأفضل شكل من الوصول إلى هذه الأهداف. ~~ وبهذه الطريقة فإننا نتفكر في أفعالنا ونقيمها باعتبارها أكثر استحقاقا أو أقل استحقاقا لأدائها، وبوصفها مبررة أو غير مبررة. # وإن هذه القدرة على إدراك مبرر للقيام بفعل معين على أنه مبرر، والاحتكام إلى هذه المبررات حينما نستغرق في التساؤل عن أي الأفعال تكون الأكثر استحقاقا لأدائها، هذه القدرة هي التي تمنحنا مقدرتنا على العقلانية. وهذه هي المقدرة التي تفتقد إليها أسماك القرش. فأسماك القرش بالتأكيد لا تفكر في مبررات تعضد الأفعال التي تقوم بها أو تفندها. # ولكن من منظور الحرية، ما الفارق الذي سيحدثه إن كنا نستطيع التفكير في كيفية تصرفنا، وإن كنا نمتلك هذا الفهم التأملي للمشكلات العملية بوصفها مشكلات عملية وليست شيئا آخر؟ والإجابة بسيطة؛ أن ممارسة التحكم في شيء ما تتطلب على أقل تقدير إعطاءه إرشادا وتوجيها مقصودا. إذن فلا بد أن تكون أفعالنا على وجه الخصوص أشياء يمكننا - بوصفنا فاعلين أحرارا - إرشادها وتوجيهها بشكل مقصود. ولكن هذا الإرشاد المقصود سيكون مستحيلا إذا لم نستطع أن نفكر في أفعالنا على أنها تحتاج إلى ترشيد وتوجيه، ولم تكن لدينا أدنى فكرة ms024 عما ينطوي عليه مثل هذا الترشيد والتوجيه. يجب أن يكون الفاعلون الأحرار قادرين على أن يفكروا في وجود طرق مبررة للتصرف ، وأن يتفهموا ما الذي ينطوي عليه جدالهم بشأن استحقاق أداء شيء ما عوضا عن شيء آخر. يجب أن يكون الفاعلون الأحرار قادرين على أن يفكروا بشأن ممارستهم، بشأن طريقة تصرفهم. إنهم يحتاجون، كما يقولها الفلاسفة، إلى قدرة على التفكير العملي. ~~(3) الحرية والإرادة # إلى جانب قدرتنا على أداء الأفعال، فإننا نتحلى أيضا بمقدرة على الوصول إلى قرارات واتخاذها بشأن الطريقة التي سوف نتصرف بها. وكما وصفت الأمر في الفصل السابق، فإننا أيضا نمتلك «إرادة». وهذه المقدرة على اتخاذ القرارات أو الإرادة مرتبطة بوضوح بمقدرتنا على التفكير العملي؛ فهاتان المقدرتان تسيران يدا بيد. إن ما يتطلبه الأمر لكي تكون صانع قرارات أصيلا هو كونك قادرا على التفكير المتأني بشأن كيفية التصرف على أفضل نحو، ثم التصرف على أساس هذا التفكير المتأني. وهذه القدرة على اتخاذ القرارات - هذه القدرة على حسم أمورنا - تنبع من قدرتنا على إدراك وتدبر المشكلات العملية بوصفها مشكلات عملية وليست شيئا آخر. إذن فإذا كانت الحرية تتوقف على العقلانية العملية، فهي أيضا تعتمد على ما هو مرتبط بالعقلانية العملية؛ امتلاك إرادة. وأسماك القرش التي هي غير حرة لأنها تفتقر إلى مقدرتنا على التفكير العملي هي أيضا تفتقر إلى مقدرتنا على اتخاذ القرارات. وعلى النقيض منا، فإن أسماك القرش غير حرة لأنها لا تستطيع أن تحسم أمرها بشأن اتخاذ قرار بشأن ما ستفعله. # وفكرة أن البشر يمتلكون إرادة تنشأ إذن من الفكرة نفسها القائلة إننا، بوصفنا بشرا، لدينا قدرة على العقلانية. فأن نمتلك إرادة، أن نكون قادرين على اتخاذ القرارات، معناه أن نكون قادرين على التحرك نحو الفعل بواسطة تفكيرنا، بواسطة مقدرتنا على فهم بعض الأهداف باعتبارها أشياء جيدة أو تستحق الوصول إليها، وبواسطة مقدرتنا على رؤية الأفعال بوصفها أشياء توفر طرقا أفضل أو أسوأ للوصول إلى هذه الأهداف. # وهذه هي الطريقة التي استخدم بها الفلاسفة مصطلح «الإرادة» في ms025 الماضي. ففي فلسفة القرون الوسطى، على سبيل المثال، كان المصطلح اللاتيني # voluntas ~~(الإرادة) يستخدم للتعبير عن قدرتنا على اتخاذ القرارات، تلك القدرة التي لا بد أن يحركها التفكير لإتيان الفعل. وهذا هو السبب في أن هناك مصطلحا لاتينيا آخر استخدمه كثير من فلاسفة القرون الوسطى للتعبير عن الإرادة وهو # appetitus rationalis ~~؛ أي الشهية العقلانية، أو القدرة الدافعة المشتملة على التفكير. وأن تكون صانع قرارات معناه أن تمتلك «شهية عقلانية»؛ أي قدرة المرء على اتخاذ القرار أو دفع نفسه للقيام بأمر ما بدلا من آخر على أساس إعمال التفكير بشأن كيفية التصرف. # وقد رأينا في الفصل السابق كيف أن الفلاسفة ظلوا وقتا طويلا يشيرون لحرية الفعل على أنها الإرادة الحرة؛ وكأن حريتنا في الفعل كانت حرية خاصة بالإرادة، تحكم في اختيار القرارات التي نتخذها. سبب هذا هو أنه في القرون الوسطى، كان الكثير من الفلاسفة يؤمنون حقا بوجود تطابق بين حرية الفعل وحرية اتخاذ القرارات، وهو اعتقاد يقل شيوعه منذ ذلك الحين. فهل كانوا محقين في اعتقادهم هذا؟ # بالتأكيد يبدو الرأي الاعتيادي وكأنه يؤيد مثل هذا التطابق؛ لأن الرأي الاعتيادي يقول إننا بوصفنا فاعلين أحرارا لا بد أن نكون أيضا صانعي قرارات أحرارا. فكر - من خلال تمرير المسألة على تفكيرك البديهي - عند أي نقطة من عملية التقرير والتصرف تبدأ حريتك. على سبيل المثال، هب أنك في الصباح، وأنت تنهض من سريرك، تتخذ قرارا بشأن ما ستفعله في فترة الظهيرة. أنت تقرر أن تذهب إلى البنك في الظهيرة، بدلا من البقاء في المنزل والقراءة. إذن فهذا القرار المتخذ في الصباح يحدد أو يقودك للذهاب فعليا إلى البنك في الظهيرة. فما الذي تتحكم فيه في هذه العملية؟ # بشكل منطقي، لا يقتصر الأمر على ذهابك في فترة الظهيرة، إلى البنك فعليا أو عدمه؛ فقرارك، المتخذ في الصباح، بالذهاب إلى البنك يئول إليك أيضا، وهو بالمثل تحت تحكمك. ~~ فعندما استيقظت، يئول الأمر إليك بالكامل - تحت تحكمك - إن كنت ستقرر الذهاب إلى البنك أو تقرر البقاء ms026 في المنزل. فالطريقة التي تقرر أن تتصرف من خلالها تئول إليك بشكل بديهي - وتحت تحكمك - تماما مثل الأفعال اللاحقة التي تنشأ عما تقرره. # وليس هذا فحسب، بل إنه من الصعب أن نرى كيف يمكن لك أن تتحلى بالتحكم في التصرف دون التحكم في القرار. تخيل أن القرارات التي توجه وتحدد أفعالك كانت مجرد حوادث تجري دون تفكير من جانبك، مثل المشاعر، وخارجة تماما عن نطاق تحكمك. ومع تخيلك لهذا، من الصعب أن تظل متمسكا بالفكرة القائلة إن الأفعال التي تنتج عن قراراتك لا تزال خاضعة لتحكمك. ~~ إذا كان قرارك بالذهاب إلى البنك أشبه بشعور - شيء يحدث لك فحسب - بحيث لا يكون لديك تحكم في اتخاذه، وهذا الشعور الذي لا تسيطر عليه هو الذي يحدد أتذهب إلى البنك أم لا؟ فكيف يكون ذهابك إلى البنك من عدمه أمرا تحت تحكمك؟ # وأخيرا، الأمر التالي مجرد فكرة طبيعية نفكر فيها؛ شيء نؤمن به بشكل اعتيادي. ~~ بالتأكيد نحن نفكر في هذا؛ أن طريقة تصرفنا تئول إلينا بشكل أصيل لا لسبب إلا أننا نستطيع أن نقرر بأنفسنا كيف سنتصرف، والأمر يئول إلينا أيضا في اختيار أي من هذه القرارات سنتخذه. # إذن يبدو، كما ندرك الأمور بشكل اعتيادي، أن حريتنا في التصرف تعتمد على حريتنا في اتخاذ القرار خاصة. غير أن مقدرتنا على اتخاذ القرار - إرادتنا - هي مقدرة عقلية أو نفسية. وهذا يعني أن إدراكنا الاعتيادي لحرية الفعل هو ما سأطلق عليه إدراك «التأويل النفسي»؛ فهو يجعل الحرية حتى في التصرفات البدنية؛ مثل إن كنا سنسير إلى البنك أم لا، معتمدة على حرية نفسية بالكامل وسابقة للفعل؛ على حرية إن كنا سنقرر الذهاب إلى البنك من الأساس. # ويتبع ذلك أيضا أنه يوجد مشكلة جوهرية في إدراكنا الاعتيادي للفعل. فقد رأينا أن الحرية أو التحكم يمارسان في الفعل ومن خلاله. ولكن إن كان بالفعل باستطاعتنا - وقبل تأدية ما سنختاره من هذه الأفعال - التحكم فيما سنتخذه من القرارات، إذن فلا بد أنه من الواقعي أن هذه القرارات هي ms027 في حد ذاتها أفعال. فلو أنني مثلما أتحكم في ذهابي إلى البنك من عدمه، أتحكم أيضا في أن أقرر أن أذهب إلى البنك من عدمه، إذن فلا بد أن يكون اتخاذ قرار معين بالتصرف هو نفسه نوع من الفعل؛ فعل متعمد أقوم به. وإلى جانب الأفعال التي نقرر الاختيار من بينها؛ مثل الذهاب إلى البنك أو المكوث في المنزل، هناك أفعال أخرى نؤديها أولا؛ أفعال تخص الإرادة، أفعال تولد قرارات أفعال، كأن أقرر أن أذهب إلى البنك أو أقرر المكوث في المنزل. # في بقية هذا الكتاب، سوف أستخدم مصطلحا مهما: «الفعل الاختياري». و«بالأفعال الاختيارية» أعني ببساطة تلك النوعية من الأفعال التي نقرر الاختيار من بينها. ~~ فالأفعال الاختيارية هي تلك الأفعال - مثل الذهاب إلى البنك أو البقاء في المنزل - التي نستطيع تأديتها، ونؤديها بالفعل، بناء على رغبة مسبقة أو قرار مسبق بتأديتها. وهي تسمى بالاختيارية لأنها أفعال مرغوبة أو مرادة ومقررة؛ لأنها يمكن أن تنشأ، بل وتنشأ بالفعل؛ نتيجة لعمل سابق لإرادة القيام بها. # ويبدو إذن أنه إضافة إلى أفعالنا الاختيارية - الأفعال التي نؤديها لأننا رغبنا أو قررنا القيام بها - يوجد أيضا فئة مسبقة من الأفعال. وهذه الفئة تتشكل من أفعال الإرادة ذاتها؛ أفعال تقرير القيام بهذا الفعل الاختياري أو ذاك؛ مثل فعل اتخاذ قرار بالذهاب إلى البنك، مثلا. # فعل الإرادة # فعل اختياري # اتخاذ قرار بالذهاب إلى البنك # الذهاب إلى البنك # نحن بحاجة إلى فهم علاقة هذه القرارات، هذه الأفعال الخاصة بالإرادة ذاتها، بالأفعال الاختيارية التي تنتجها وتفسرها. ~~(4) تناول الإرادة الحرة في العصور الوسطى # في العصور الوسطى، طابق الفلاسفة، مثل توما الأكويني وسكوتس، في الواقع بين حرية الفعل وحرية الإرادة. فحرية تصرفنا مبنية على حرية اتخاذ القرار، استنادا إلى فكرة أن الأمر يئول إلينا في الكيفية التي نقرر أو نختار بها أن نتصرف. وهذا التوطيد لحرية الفعل على حرية الإرادة جرى شرحه في نظرية للفعل «ترتكز على الإرادة» وتتسم بالتميز الشديد. اعتبر فلاسفة القرون الوسطى أن الفعل الإنساني وحريته يكتنفان ممارسة ms028 مقدرتنا على التفكير العملي، وبشكل خاص على تحلينا بالإرادة وممارستنا لها. والممارسة الحرة للإرادة - لمقدرتنا على أن نتحفز من خلال التفكير - تستقر في جوهر كل فعل بشري متعمد. # لقد أطلقت على الأفعال التي ربما نريد أن نؤديها، والتي نقرر في النهاية من بينها - الأفعال التي نستطيع تأديتها بناء على رغبة أو قرار بأن نفعل ذلك، كأن يرفع المرء يده إلى أعلى، والتفكير فيما سيفعله بالصيف المقبل، والذهاب إلى البنك، وغيرها - أطلقت عليها الأفعال الاختيارية. إذن، طبقا لنظرية الفعل القائمة على الإرادة هذه، فإنه عندما تكون أفعالنا الاختيارية متعمدة أو مقصودة على نحو كامل، فإنها دائما ما تنشأ عن أفعال الإرادة السابقة، عن أفعال قرار أو اختيار نقرر من خلاله أن نؤدي هذا الفعل أو ذاك. وطبقا للنظرية القروسطية، لا يقتصر الأمر على أن كل فعل اختياري يسبقه فعل الإرادة ذاتها - فعل قرار أو اختيار يتسبب في وقوع ذلك الفعل الاختياري - بل إن أفعال القرار أو الاختيار المبدئية هذه هي التي تشكل فعلنا في شكله الأولي واللحظي. إن الأفعال الاختيارية تحدث فقط من خلال تأثيرات أفعال الإرادة المبدئية هذه. # شكل : القديس توما الأكويني، نحت على قالب خشبي يرجع لعام 1493. # دعونا نأخذ مثالا على فعل اختياري بسيط؛ السير إلى البنك. طبقا للنظرية القروسطية القائمة على الإرادة، فإننا عندما نؤدي فعلا مثل هذا، فنحن نؤديه على النحو التالي؛ أولا: نحن «نريد»، فنقرر أو نختار أن نسير إلى البنك؛ وهو قرار أو اختيار يعتبر في طبيعته فعلا بشريا متعمدا أو مقصودا تماما. ثم يكون لهذا القرار تأثيراته المناسبة؛ وهي نفس التأثيرات التي قررنا أو اخترنا لها أن تحدث. فالقرار يدفع أرجلنا لكي تتحرك بالطريقة التي يجب أن تتحرك بها إذا أردنا السير إلى البنك. ولأن هذه التأثيرات تنشأ عن قرار يوجب عليها ذلك، فإننا نعتبر السير إلى البنك فعلا متعمدا. ~~ وتأديتك لفعل متعمد مثل السير إلى البنك يعني أن تؤديه استنادا إلى فعل متعمد، ومن خلال تأثيراته، بأن تقرر أن تتصرف على هذا النحو. ms029 # تبدأ الأفعال المقصودة أو المتعمدة بأن تقرر أن تتصرف؛ ويعتبر القرار، على نحو فوري وأصيل، فعلا من أفعالنا. وما نفعله اختياريا يعتبر إذن فعلا من أفعالنا فقط لكونه أحد تأثيرات فعل القرار السابق ذلك. فالفعل بصورة عامة يؤدى على نحو تام من خلال تأدية الأفعال الخاصة بالإرادة. # وينتج عن هذا التفسير للفعل أن الفعل لا يمكن أن يكون حرا إلا إذا كانت الإرادة حرة. ولما كانت كل الأفعال تؤدى من خلال تأدية أفعال الإرادة، فإن تحكمنا في أفعالنا يمارس كليا بوصفه تحكما خاصا بما نقرره أو نريده. وعليه فإن حرية التصرف، في جوهرها، هي حرية الإرادة. # ولكن ماذا عن فعل الحيوان؟ طبقا لتناول فلاسفة القرون الوسطى للإرادة الحرة، يختلف تماما فعل الحيوان عن الفعل الإنساني. كان فعل الحيوان غير حر، وتحديدا لأن الحيوانات بوصفها كائنات غير عقلانية من المفترض أن تفتقر إلى الإرادة. ومعنى هذا أن كل أفعال الحيوانات كانت مجرد نسخ من أفعال سمكة القرش. أما حركات الحيوان فكانت تحدث فقط كنتيجة لرغبات غير عقلانية أو إحساسات؛ نظرا لكون الحيوانات موجهة بإدراكات أو قناعات حسية. فلا يوجد تفكير سليم؛ ومن ثم لا يوجد بالتأكيد اتخاذ للقرارات؛ ومن ثم لا يتضمن الأمر أي حرية على الإطلاق. # شكل : دونس سكوتس. ~~(5) القرارات والنيات # لكي نفهم هذا التناول للإرادة الحرة بتفصيل أكبر، دعونا نلق نظرة أقرب على القرارات. للقرارات خاصيتان مهمتان. الخاصية الأولى والأكثر وضوحا هي أنها تحدد أي الأفعال الاختيارية سنقوم بتأديتها في نهاية الأمر. والفكرة وراء اتخاذ قرارات بشأن كيف سنتصرف هي أن نقرر أو نحدد بدقة ما الذي سنفعله، على مستوى الفعل الاختياري. # أحيانا نتخذ قرارات في الوقت ذاته الذي نؤدي فيه الفعل الاختياري المقرر تأديته. أنت تقدم لي عرضا، الآن، استنادا إلى قاعدة «اقبل الأمر كما هو أو ارفضه»، وفي الحال سأنفذ قراري بإيصال الموافقة على العرض أو رفضه من جانبي في الحال. إنني أقبل أو أرفض بناء على ما أقرره، على الفور. # ولكننا نتخذ القرارات الأخرى قبل وقت ms030 طويل من شروعنا في فعل ما قررنا فعله. فنحن نتخذ قرارات في الشتاء بخصوص أين سنذهب في إجازة الصيف المقبل. وهذه القرارات تسمح لنا بأن نخطط لأفعالنا بفاعلية. ومن خلال قراري الآن بأنني في هذا الصيف سوف أذهب إلى إسبانيا بدلا من ألمانيا، فإنني أهيئ نفسي لأكون قادرا على تكريس مواردي ووقتي للتجهيزات الضرورية لإجازة إسبانيا؛ فأقوم بالحجز في الفنادق الإسبانية، وأشتري دليلا إسبانيا وقاموسا للعبارات الشائعة، وأيضا خرائط لإسبانيا. أستطيع أن أفعل كل ذلك وأنا مطمئن لمعرفتي بأنني لا أضيع وقتي ومواردي؛ وأنني، بفضل قراري، سوف أقضي عطلتي في إسبانيا. # إننا نتخذ القرارات مسبقا لأننا نحتاج لتنسيق أفعالنا الاختيارية عبر الوقت. نحن نحتاج لأن نتأكد من أن الطريقة التي نتصرف بها في الحاضر تتوافق، أو تتلاءم، والطريقة التي نتصرف بها في المستقبل. نحن بحاجة للتأكد من أننا، إذا اشترينا دليلا إسبانيا الآن، بدلا من دليل ألماني، فإننا سنسافر إلى إسبانيا لا ألمانيا في المستقبل. # ولكن كيف لقرار مسبق أن يحدد الطريقة التي سنتصرف بها؟ الإجابة هي، مثلما يفعل أي قرار، أنه يترك لدينا النية في التصرف. واتخاذ القرار بالذهاب إلى إسبانيا في وقت مسبق على الذهاب الفعلي إلى هناك يترك المرء ولديه النية على الذهاب إلى إسبانيا. والاحتفاظ بهذه النية يتطلب أن يحافظ المرء على قراره أو حافزه للذهاب إلى إسبانيا؛ وهي حالة نستمر عليها حتى يحين وقت تأدية الفعل المقرر تأديته. فالقرار إذن هو صياغة لنية ما، وهي نية تظل ملحة على المرء حتى يقوم، في النهاية، بتأدية الفعل الاختياري المقرر. # وبالطبع، فإن القرار لا يضمن أن أتصرف مثلما قررت، مهما كان ما سيحدث في المستقبل. فلا بد أن أكون قادرا على تعديل قراراتي أو التخلي عنها إذا اكتشفت أن الافتراضات التي بنيت عليها تلك القرارات كانت خاطئة أو غير مكتملة على نحو خطير. ويجب علي أن أكون قادرا على تغيير رأيي بشأن الذهاب إلى إسبانيا إذا علمت فجأة أن قطاع الفنادق الإسباني سوف يشترك في إضراب عام ms031 طوال الصيف. ~~ ولكن في حالة عدم وصول معلومات جديدة من هذا النوع - معلومات كانت ستؤدي بي إلى اتخاذ قرار مختلف لو أني حصلت عليها من البداية - يجب أن يحدد قراري أنني سأتصرف فعليا مثلما قررت. فهذا، على كل حال، هو الهدف من اتخاذ القرارات مسبقا؛ أن أحدد أو أقرر الآن ما الذي سأفعله في المستقبل. # والخاصية الثانية للقرارات هي أنها لا تحدد النتائج الاختيارية التي ستجلبها فحسب - على سبيل المثال كوننا سنذهب فعليا إلى إسبانيا أم لا - ولكنها ستحدد أيضا أهدافنا ومقاصدنا؛ أي ما نرمي إليه، من حدوث هذه النتائج. وبالفعل، فإن أهدافنا أو مقاصدنا هي ما تحدده قراراتنا فوريا؛ أما تحديد النتائج الاختيارية النهائية فيكون لاحقا لذلك. # والتأثير الفوري لقراري بالذهاب إلى إسبانيا - وهو تأثير يحوزه القرار حتى قبل أن يدفعني للذهاب فعليا إلى إسبانيا - هو أن يترك لدي هدفا أو غاية محددة، هدفا صار من الآن مقصدا لي. وهدفي الآن هو (تماما مثلما قررت) أن أذهب إلى إسبانيا. وقد قلت من قبل إن القرارات تنتج نيات، وإن اتخاذ قرار بالذهاب إلى إسبانيا معناه عقد نية بالذهاب إلى إسبانيا. وهذا المصطلح، «النية»، هو اسم آخر لحالة وضع المرء لشيء ما هدفا. وعندما يؤدي قراري بي إلى عقد النية بالذهاب إلى إسبانيا، فإنه يؤدي بي إلى الذهاب إلى إسبانيا كهدف لي. وفقط من خلال توجهي على هذا النحو إلى الهدف أو الغاية المتمثلة في الذهاب إلى إسبانيا - فقط وأنا أعقد النية على الذهاب إلى إسبانيا - فإنني أنتهي إلى الذهاب إلى إسبانيا بالفعل؛ ومن ثم، فإن هذا الهدف أو النية في الذهاب إلى إسبانيا تتناقله وتتشارك فيه الأفعال الاختيارية - أيا كانت - التي أؤديها من أجل تنفيذ القرار. إذن فعندما أشتري تذكرة طيران لإسبانيا، تنفيذا لقراري بالذهاب إلى هناك، فإن هذا الفعل المتمثل في شراء التذكرة سوف يكون بالمثل موجها نحو الهدف المتمثل في ذهابي إلى إسبانيا. # والآن نستطيع أن نفهم بشكل أفضل فكرة أن حرية التصرف تتم ممارستها مبدئيا ومباشرة بوصفها ms032 حرية للإرادة. والفكرة هي أن حريتنا، ومقدرتنا على الفاعلية (أن يكون المرء فاعلا)، تجري ممارستها مبدئيا في اتخاذ القرار، وفي الفعل الحر المتمثل في تبني الأهداف والغايات. وهذا الفعل المبدئي المتمثل في تبني الأهداف والغايات هو الذي يحدد حينها فعلنا الاختياري في المستقبل؛ أي النتائج الاختيارية التي سنحققها في النهاية. ~~(6) مبادئ الأخلاق باعتبارها مبادئ تخدم الأهداف والمقاصد # إذا كانت حرية الفعل تتشكل من حرية الإرادة، فإن هذا يعني أن تحكمنا في أفعالنا الاختيارية يكتنف أيضا تحكما في غاياتنا، في المقاصد التي من أجلها نتصرف. وليس الأمر فقط أننا نمتلك تحكما في كوننا سنساعد الآخرين أم لا. فقبل ذلك، لا بد أن يكون لدينا أيضا تحكم في كوننا نهدف إلى مساعدة الآخرين أم لا؛ وفي كون غايتنا الأساسية هي مصلحة الآخرين، أم مصلحتنا الخاصة فقط. وهذه القناعة بأننا نتحكم في مقاصد أو أهداف الفعل، لا نتائج الفعل فقط، تعد فكرة مهمة للغاية. وقد مثلت هذه الفكرة أهمية كبيرة جزئيا للنظرية الأخلاقية القروسطية؛ بسبب أنها كانت - ولا تزال - مهمة جدا للمنطق السليم الأخلاقي. # تعاملت النظرية الأخلاقية القروسطية مع فكرة مسئوليتنا الأخلاقية عن أفعالنا بجدية بالغة. فقد كانت تنظر إلى مبادئ الأخلاق باعتبارها تقدم لنا التزامات أو واجبات؛ التزامات أو واجبات تخاطب مقدرتنا على الفعل الحر، وأننا يمكن أن نلام ونتعرض للمساءلة عن عدم وفائنا بتلك الالتزامات. وكان من المتفق عليه بشكل عام أننا قد نكون خاضعين لهذه الالتزامات لا لسبب إلا أننا نتمتع بتحكم أصيل في الطريقة التي نتصرف بها؛ وأننا مجبرون على الالتزام بممارسة هذه الحرية بشكل جيد، لا سيئ. # وقد استوعبت الفلسفة الأخلاقية القروسطية تماما مبادئ الأخلاق هذه التي تكتنف الالتزام في إطار نموذجها للفعل الإنساني القائم على الإرادة. وحيث إن الممارسة المباشرة لحريتنا تكون في اتخاذ القرار - في تبني الهدف أو الغاية - فإن الالتزام الأخلاقي الأول والأساسي الذي كنا خاضعين له كان التزاما بتبني الأهداف أو الغايات الصحيحة. # عملت الفلسفة القروسطية داخل إطار الديانة المسيحية. وهكذا فقد كانت الديانة ms033 المسيحية هي التي تملي على الناس فهم ماهية تلك الأهداف أو الغايات الصحيحة. وقد كانت «أحبوا بعضكم» هي العبارة الشهيرة التي أوجز فيها السيد المسيح، في العهد الجديد، التزاماتنا الأخلاقية بشكل عام تجاه بعضنا. وفي إطار تناول هذا الالتزام بالحب في القرون الوسطى، كان مفهوما أنه يتضمن التزاما بتبني مصلحة الآخرين كهدف أو غاية لنا؛ أن نقرر مساعدة الآخرين وإفادتهم. # وتعد هذه نظرية أخلاقية مختلفة للغاية عن تلك الحالية في الفلسفة الإنجليزية الحديثة؛ فهي تعتمد على إيماننا بأننا نمارس حريتنا بوصفها حرية إرادة. وهذه النظرية، كما سنرى، هي رؤية لحريتنا غير مقبولة عموما، سواء من قبل التوافقيين المحدثين أو اللاتوافقيين المحدثين. # ولكن يجب أن نتذكر أن الفكرة البديهية التي يمليها علينا المنطق السليم ليست ببعيدة عن نظرية القرون الوسطى. فنحن في العادة نفكر في اتخاذ القرارات، وتبني الأهداف، كأفعال حرة في حد ذاتها. وفي الحياة العادية، فإن الالتزام يستوعب بالفعل الأهداف والمقاصد مثلما يستوعب النتائج الحقيقية. وبالفعل، فإننا من ناحية مبادئ الأخلاق نهتم، وهذا محل أخذ ورد، بأهداف الناس ومقاصدهم بشكل أساسي. # لنفترض أن شخصا يدعى فرد، بأنانية ونكران للجميل، لم يساعد والدته. يمكننا ببساطة أن نلومه على عدم تحقيقه للنتيجة الاختيارية الصحيحة؛ أي على عدم المساعدة: «كان عليك أن تساعد والدتك. فمن الخطأ ألا تساعدها.» ولكن يمكننا بالمثل أن نلوم فرد بوضوح على عقوقه الأناني، على عدم التحلي بأي اهتمام نحو والدته بعد أن فعلت من أجله الكثير؛ وربما تقول: «أيها الوغد متحجر القلب. أنت لا تهتم بوالدتك. لكن عليك أن تكون مهتما بحال والدتك. فبعد كل ما فعلته من أجلك، من الخطأ أن تهتم بنفسك فقط. عيب عليك أن تكون أنانيا إلى هذه الدرجة.» في الحالة الثانية، نحن ننبش بعمق داخل ما يجعل فرد مستحقا للوم، وأعني بذلك أنه لا يقتصر الأمر على أن فرد لا يساعد والدته، بل إنه في فعلته هذه مدفوع بافتقار أناني للامتنان، بلامبالاة مخزية أخلاقيا تجاه والدته. إن غاية فرد الوحيدة في الحياة ms034 هي مصلحته الشخصية؛ فهو لا يهدف إلى مساندة مصلحة والدته على الإطلاق. وهذا هو ما نلوم فرد عليه؛ أنانيته، أو حقيقة أن هدفه أو مقصده النهائي الوحيد هو مصلحته الشخصية. # لاحظ أننا نستطيع أن نستمر في لوم فرد لكونه أنانيا حتى لو أنه، في النهاية، قام بشيء ما ليساعد به والدته. هب أن فرد ساعد والدته بالفعل في نهاية الأمر. فربما يكون فرد قد قدم هذه المساعدة فقط من أجل أن يعزز مصالحه الشخصية؛ لكي يضمن مثلا أن والدته لن تحذف اسمه من وصيتها. لو أن هذا بوضوح هو مقصد فرد الحقيقي من المساعدة، فسوف نستمر في لوم فرد «لكونه وغدا»، مع أنه قام أخيرا بمساعدة والدته. وهذا لأن ما نلومه عليه بشكل أساسي - أنانيته - لا يزال موجودا. إننا في الأساس نلوم فرد لكونه أنانيا للغاية، وهي الأنانية التي كان عدم مساعدة فرد المبدئي والدته مجرد عرض لها. # في الحياة العادية، نحن نلوم الناس على سعيهم نحو الأهداف الخاطئة، وعدم سعيهم نحو الأهداف الصحيحة. إننا نلوم الناس لمجرد أنهم أنانيون، ولأنهم غير مبالين بالآخرين. ~~ وإدراك المعنى وراء هذا اللوم المرتبط بالهدف أو الغاية يجب ألا يمثل مشكلة، إذا استطعنا أن نفهم - كما فهم فلاسفة القرون الوسطى من قبل - تبني الأهداف أو المقاصد بوصفه ممارسة للحرية. يمكن اعتبار فرد مسئولا بشكل مباشر عن أنانيته وأن يلام عليها إذا كانت هذه الأنانية من صنع يده وتقع ضمن نطاق تحكمه؛ إذا كانت مصلحة الآخرين لا تشكل جزءا من نيته الحرة، وإنما مصلحته الخاصة فقط. ~~(7) تناول الإرادة الحرة وميتافيزيقا القرون الوسطى # طابق تناول الإرادة الحرة في القرون الوسطى بين حرية التصرف وحرية الإرادة. وكما رأينا، فإن هذا يرجع إلى أن الإرادة الحرة كانت تمتلك نموذجا مميزا للفعل الإنساني يتبلور بشكل أساسي من ممارسة القدرة على الاختيار، وعلى اتخاذ القرار. وقد هيمن هذا النموذج على نظرية الفعل القروسطية؛ وهو يبدو في بعض جوانبه شبيها بالمنطق السليم. ~~ وعلى أي حال، فنحن أيضا نرى أنفسنا فاعلين أحرارا ms035 لا لسبب إلا أننا نستطيع أن نقرر أو نختار كيف سنتصرف، ولأن الأمر يئول إلينا في اختيار أي الأفعال سنقوم بأدائها. # ولكن في الكثير من الجوانب الأخرى، تختلف نظرية الفعل القروسطية اختلافا كبيرا عن الكثير مما نؤمن به الآن. أولا: كان الجزء العملي من الفعل يقع بالكامل في حيز الإرادة. وطبقا للنظرية القروسطية، فإن كل ما نفعله مباشرة هو أن نقرر أن نؤدي هذا الفعل بدلا من ذاك. أما بقية ما نفعله فيعتبر من عملنا المتعمد والمقصود، لكنه غير مباشر؛ أي لا يزيد عن كونه تأثيرا مقصودا لكوننا قد قررنا بشكل مسبق القيام به. # ولكن ليس هذا تماما ما نؤمن به في العادة. فما إن أتخذ قرارا، لنقل مثلا بعبور الطريق، فإن انخراطي المباشر في الفعل لا يتوقف عند هذا الحد، ويكون الباقي متروكا للطبيعة. وذلك لأنني عندما أتصرف أخيرا مثلما قررت وأقوم بعبور الطريق بالفعل، فإن عبوري لا يدفعه قراري السابق بالعبور دون تفكير. فبينما أعبر الطريق فعليا، فإنني أكون مرة أخرى منخرطا مباشرة في عمل شيء متعمدا، وهو ما يعد ممارسة أعمق لفاعليتي فيما يتجاوز - ويضاف إلى - ما فعلته من خلال قراري السابق بأن أتصرف على هذا النحو. ~~ وهذا لأن تحكمي في كوني سأعبر الطريق لا أمارسه فقط بطريقة غير مباشرة وبشكل مسبق - فقط من خلال قرار مسبق بعبور الطريق وتأثيراته - ولكنني أمارسه أيضا بشكل مباشر من خلال عبوري للطريق. وهذا يعني أن الفعل الاختياري أكبر من مجرد تأثير لفعل سابق جرى تنفيذه بالكامل داخل عقلي. فهو يعبر أيضا عن انخراط مباشر وأعمق من جانبي في الفاعلية، وهو شيء أمارس عليه تحكما مباشرا حينما أقوم به، أو هكذا يبدو الأمر من منظور المنطق السليم. ويجب أن يحافظ أي تفسير مقبول لتصورات المنطق السليم بخصوص الحرية والفاعلية على هذه الفكرة. وربما يكون حقيقيا أنه من أجل امتلاك الحرية على أي حال، فلا بد أن تكون قابلة للممارسة من خلال قرارات الإرادة، من خلال أفعال اتخاذ القرارات وعقد النيات. ولكن ms036 الحرية لا يمكن ممارستها من خلال القرارات وعقد النيات فقط؛ فهي تمارس أيضا وبنفس الشكل المباشر في الأفعال الاختيارية، في الأفعال المقصودة التي تفسرها قراراتنا ونياتنا. وهكذا فلا بد أن تعامل الأفعال الاختيارية كأفعال أصيلة ومميزة وفقا لسماتها الخاصة. وهي لا تحدث كمحض تأثيرات مقصودة لأفعال إرادة أديت في السابق. # إذن حينما ننصف فاعلية اتخاذ القرارات وصياغة النيات - أي فاعلية الإرادة ذاتها - فإننا كذلك نحتاج إلى أن نعطي فعلنا الاختياري حقه. فنحن لا نريد أن ينتهي بنا الحال إلى رؤية للفعل تكون - كما سأطلق عليها - «إرادية»؛ رؤية تقول بأن انخراطنا الحقيقي في الفاعلية، الفعل تحديدا، هو انخراط عقلي بالكامل ويحدث فقط داخل نطاق الإرادة، وأن الأفعال الاختيارية تحدث فقط كتأثيرات لاحقة لهذا الانخراط. ومع ذلك، فقد كانت نظرية الفعل القروسطية بشكل عام إرادية في الأساس. فبالنسبة لمعظم فلاسفة القرون الوسطى، كان انخراطنا المباشر في الفعل المتعمد والمقصود يحدث كاملا عند مرحلة تقرير القيام بهذا الفعل بدلا من ذاك. # وكان هذا الرأي مرتبطا بالسمة الثانية من النظرية النفسية القروسطية. فالإرادة - أي مقدرتنا على اتخاذ القرار - كان ينظر إليها باعتبارها شيئا غير مادي وغير متجسد. وكان هذا بسبب أن الإرادة كانت بالنسبة لهم تمثل مقدرة على الاستجابة للتفكير؛ وكان فلاسفة القرون الوسطى عامة يفترضون أن التفكير والقدرات المستجيبة له مباشرة لا يمكن تجسيدها في شكل مادي. وهذا يشمل قدرتنا على الفعل المقصود أو المتعمد، القدرة التي ارتأى فلاسفة القرون الوسطى أنها بشكل أساسي وضروري قدرة على الاستجابة للتفكير العملي، وللمعايير المنطقية للفعل. وهذا يعني أن انخراطنا المباشر في الفعل المقصود كان بطريقة مماثلة يحدث خارج أي عضو جسدي. فهو لا يستطيع إلا أن يتخذ شكل القرارات أو أفعال الإرادة؛ أفعال ذهنية أو نفسية محضة. وكل شيء آخر نفعله بشكل مقصود لا يمكن اعتباره فعلا مقصودا إلا بشكل اشتقاقي، من خلال كونه تأثيرات مقصودة لأفعال الإرادة هذه. وكان من الواجب أن تكون هذه القرارات أو أفعال الإرادة المبدئية غير مادية بالكامل؛ ولا يمكن ms037 لها أن تكون، مثلا، من أحداث الذهن. أما ما قادت إليه هذه القرارات أو أفعال الإرادة من أفعال اختيارية فهي تحدث ماديا، مثلما تتحرك أقدامنا ونحن في طريقنا إلى البنك. ~~ ولكن كان يتعين أن تكون أفعال الإرادة المبدئية التي أوجدت تلك الأفعال الاختيارية روحية بالكامل وغير مادية. # ولكن من الصعب علينا أن نتشارك هذا الإيمان باللاجسدية أو اللامادية الكاملتين لقدرتنا على اتخاذ القرار؛ فنحن لدينا اليوم معارف عن المخ لم تكن متاحة في القرون الوسطى، ويمكننا أن نفهم - حتى ولو كإطار عام - الكيفية التي يكون بها المخ عضو تفكير واستدلال؛ عضوا ملموسا أو ماديا. إننا نعرف أن المخ يتكون من عدد كبير للغاية من الشبكات العصبية المركبة، التي ترسل كما ضخما من الشحنات والإشارات الكهربية، ويبدو أن التغييرات في توزيعها ذات علاقة بالتفكير والعقلية. لذا، فإننا نميل إلى التفكير في أن القدرة على اتخاذ القرار - مثل كل القدرات العقلية الأخرى - يجب أن تكون بشكل ما مجسدة في المخ. # واعتقاد فلاسفة القرون الوسطى في كون اتخاذ القرارات عملية لا مادية منعهم من رؤية مشكلة الإرادة الحرة مثلما نراها؛ مشكلة تتعلق في الأساس بكيفية إجراء توفيق بين الحرية وبين احتمالية أن تكون الأفعال هي أحداثا تقع داخل العالم المادي، وخاضعة لقانون السببية المادية مثل أي نوع من الأحداث. ولكن بدلا من ذلك، رأى فلاسفة القرون الوسطى بشكل عام العالم باعتباره هرمية كونية؛ هرمية تسبق الروح أو اللامادي فيها المادة. ولأن الروح أو اللامادي يسبق المادة، فإن العمليات اللامادية - عمليات مثل التفكير أو الفعل الإنساني المقصود - لا يمكن أن تتقرر أو تتحتم بالأسباب المادية أو الملموسة. # فإذا كان هناك أحد أو شيء يستطيع دون خطأ أن يدفعنا إلى اتخاذ قرار، فلا يمكن أن يكون ذلك سوى الله. وجزء كبير من سبب رؤية فلاسفة القرون الوسطى لحريتنا كمشكلة كان يتعلق بفكرة الذات الإلهية. فقد رأوا أن ثلاثة جوانب في الله بصفة خاصة تشكل تهديدا لحرية مخلوقاته البشرية. وهذه الجوانب هي أولا: العلم المطلق؛ أي ms038 العلم بكل شيء بما يشمل العلم بالمستقبل، وثانيا: عدم تأثر الله بأي شيء؛ وهي الفكرة التي فهمت على نطاق واسع بأن الله لا يمكن أن يتأثر سلبا بأي سبب خارجي، وثالثا: تدبير الله ذي القدرة المطلقة؛ وهو ما يعني أن كل شيء يحدث بإرادة الله باعتباره حاكم الكون مطلق القوة. # ولنأخذ العلم المطلق أولا؛ فالله يعلم كل شيء بما في ذلك أفعالنا المستقبلية كافة. ~~ ولكن كيف يتسق هذا وحريتنا في التصرف؟ فإذا كان الله قد سبق في علمه أننا سوف نقوم بالفعل (أ)، والله على الدوام منزه عن الخطأ، فكيف يمكننا إذن أن نكون أحرارا في القيام بالفعل (ب) بدلا من الفعل (أ)؟ ليس الأمر كأننا الآن في موقف يمكننا من خلاله أن نغير الماضي. ليس الأمر كأنه، رغم علم الله السابق على الدوام أننا سوف نقوم بالفعل (أ)، بإمكاننا في أي وقت تغيير التاريخ لكي نجعل من الصحيح بدلا من ذلك أن الله سبق في علمه أن نقوم بالفعل (ب) منذ بداية الأمر. وسوف تتعمق المشكلة، إذا ما أضفت إليها عنصر أن الله لا يتأثر بأي شيء. فإذا كان الله قد سبق في علمه أنك سوف تقوم بالفعل (أ)، وفي الواقع أنك سوف تقوم بالفعل (أ)، فلا يمكن أن تكون هذه مصادفة؛ فلا بد أن هناك رابطا بين ما سبق في علم الله أنك سوف تفعله وما سوف تفعله بالفعل، وإلا فسوف يصبح العلم الإلهي هنا ليس علما مسبقا، ولكن مجرد تخمين يحالفه الحظ. ولكن ما هذا الرابط، إذن؟ ~~ لا يمكن أن يكون الرابط كما يلي: إن قيامك بالفعل (أ) جعل الله يعلم هذا الفعل، وهذه هي الكيفية التي يعلم بها الله علمه. ففي هذه الحالة لن يكون الله غير متأثر بأي شيء، وسيتأثر سببيا بعوامل خارجية. هنا يبدو الأمر وكأن الرابط يجب أن يكون بالعكس: من خلال تأثير الله في العالم باعتباره خالقا لهذا العالم، وليس لأن العالم يؤثر في الله. ~~ لذا، فإن علم الله السابق أنك سوف ms039 تقوم بالفعل (أ) ليس مصادفة، ولا تخمينا يحالفه الحظ؛ لأنه مؤسس على القضاء الإلهي بأنك سوف تتصرف بهذه الطريقة؛ القضاء الذي سوف تقوم حتما بتنفيذه، وهو ما يرجع الفضل فيه إلى طلاقة القدرة الإلهية. # هذه الجزئية تقودنا إلى مشكلة الحرية الناجمة عن تدبير الله ذي القدرة المطلقة. فإذا كان كل ما يحدث ناجما عن قضاء الله بأنه ينبغي أن يحدث - وهو قضاء سينفذه الله حتما، وقضاء يستند إليه كل العلم الإلهي بالمستقبل - وإذا كانت الأفعال الإنسانية ليست استثناء من ذلك، فكيف يمكننا إذن أن نكون أحرارا في أن نفعل خلاف ذلك؟ كيف يمكن أن تكون الكيفية التي نتصرف بها شيئا يئول إلينا، إذا كان الله قد قضى وقدر مسبقا بشكل حتمي الكيفية التي سوف نتصرف بها بالضبط؟ # إذن، يتضح أن مشكلة الإرادة الحرة في القرون الوسطى كانت لاهوتية المنطلق لا ماديته، ولكنها قادت إلى قدر من التشكك الصريح في الحرية أقل كثيرا من ذلك الذي نراه في الفلسفة الحديثة. كانت النظرة إلى الله وماهيته تفرض صعوبات فكرية فيما يتعلق بالإيمان بالحرية الإنسانية، ولكن لم يكن ينظر عموما إلى هذه الصعوبات باعتبارها شيئا أكثر من ذلك، وابتكر العديد من النظريات المبدعة للتغلب على هذه الصعوبات. # وفي هذا السياق نجد بصفة خاصة أن مفكري القرون الوسطى لم ينظروا إلى تدبير الله ذي القدرة المطلقة على أنه تهديد لحريتنا، ولكن على العكس نظروا إليه باعتباره مصدرا للحرية. فباتخاذك قرارا بأنك سوف تقوم بفعل ما، يعلم الله يقينا بما لا يرقى إليه الخطأ أنك سوف تفعله، ولكن هذا لا يمثل تهديدا لحريتك؛ لأن الله خلقك كائنا حرا بطبيعتك. كذلك فإن تأثير الله فيك باعتباره خالقك لن يهدد طبيعتك، ولكن على العكس، فإن هذا التأثير سوف يدفعك إلى إدراكها. لذا، فإنه من خلال قضاء الله بأنك سوف تقوم بالفعل (أ) لا الفعل (ب)، فإن الله يعلم يقينا أنك لن تقوم بالفعل (أ) فحسب، بل يعلم أيضا أنك سوف تقوم به بما يتفق وطبيعتك؛ وهو ما ms040 يعني أنك سوف تقوم بالفعل (أ) بحرية. هذا التأثير السببي فيك والناجم عن سبب مادي محدد سوف يكون مختلفا تماما في تبعاته بالنسبة لحريتك؛ فهذا النوع من التأثير السببي الملموس أو المادي سوف يمثل - حال حدوثه - تهديدا حقيقيا لحريتك. ولكن بعد ذلك، لم يعد ينظر عموما إلى الأسباب المادية باعتبارها قادرة على تقرير أفعال الإرادة المعنوية. كما أن التأثير السببي الإلهي على هذه الأفعال، مثلما سبق أن قلت، كان ينظر إليه أحيانا على أنه لا يمثل تهديدا للحرية بأي شكل، بل العكس في الواقع. # إذن، كانت مشكلة الإرادة الحرة في القرون الوسطى في كثير من جوانبها مختلفة تماما عن المشكلة التي نعالجها حاليا؛ فقد عكست معتقدات مختلفة تماما بشأن العقل البشري وبشأن موقعنا في الكون. ولكي نفهم بشكل تفصيلي ودقيق كيف نشأت مشكلة الإرادة الحرة الحديثة، علينا أن نلتفت إلى القرن السابع عشر. ففي ذلك القرن، تغيرت مشكلة الإرادة الحرة؛ وظهرت التوافقية في شكلها الحديث لأول مرة. إذن نحن بحاجة أولا للنظر إلى التوافقية بشكل عام؛ وبعد ذلك ننظر إلى الشكل الخاص جدا الذي تتخذه التوافقية في الوقت الحالي، في مشكلة الإرادة الحرة الحديثة. # الفصل الثالث # | التفكير # (1) لماذا التوافقية؟ # يفترض أغلب الناس بالفطرة أن الحرية لا تتسق والحتمية السببية. فإذا كانت جميع أفعالنا المستقبلية قد تم تحديدها سببيا مسبقا منذ لحظة مولدنا، فكيف سنكون أحرارا في التصرف بشكل مختلف؟ إن التوافقية ليست شيئا نعتقد فيه بفطرتنا، ولكنها أمر يجب أن نتعلمه؛ بواسطة فلاسفة محترفين، وفي كتب الفلسفة، ومن خلال تعلم الفلسفة. # إذن، لماذا يعتقد الكثيرون من الفلاسفة في حقيقة التوافقية ويدرسونها؟ هناك دافع واضح لهذا الأمر وهو: الحفاظ على حرية الإنسان من التهديد بأن تصبح الحتمية السببية حقيقة. ولكن هذا ليس الدافع الوحيد، أو حتى أهم الدوافع. فرغم كل شيء، يمكن إثبات أن الحتمية السببية ليست حقيقة في النهاية. بالتأكيد زادت الفيزياء الحديثة من احتمالية أن العالم ليس نظاما حتميا، ولكن هذا الأمر لم يقلل من شعبية النظريات التوافقية للحرية ms041 بين جموع الفلاسفة. وعلى أي حال، حتى إن نظرنا إلى الحتمية السببية على أنها احتمالية جدية، فإن هناك خيارا بديلا؛ فبدلا من محاولة شرح كيف تتفق الحرية مع الحتمية السببية، يمكننا أن نحاول شرح أنه قد لا تكون الحرية مهمة في نهاية الأمر. يمكننا أن نسعى خصوصا إلى إيجاد معنى في مبادئ الأخلاق والمسئولية الأخلاقية البشرية حتى في حالة غياب الحرية. وفي الحقيقة، كما سنرى، إن هذا بالضبط ما حاول فعله عدد من الفلاسفة. # لم تكن المشكلات التي تكتنف الحتمية السببية هي ما دفعت الفلاسفة لاعتناق التوافقية. ~~ في الحقيقة تكمن جاذبية التوافقية الحقيقية فيما هو أعمق، وهي ذات مصدرين منفصلين تماما، بل ومتناقضين. ويعتنق الفلاسفة التوافقية بشكل عام؛ لأنهم يقبلون أحد رأيين مختلفين تماما عن الحرية. # أحد مصادر الاعتقاد في التوافقية هو ما سأطلق عليه «المفهوم العقلاني عن الحرية». ~~ رأينا في الفصل السابق أنه يبدو وجود صلة مهمة بين الحرية والتفكير؛ حيث إن الفاعل الحر يجب أن يكون قادرا على التفكير أو أن يمعن في كيفية تصرفه، وعلى أن يتخذ قراراته بشأن كيفية أدائه للأمور بناء على هذا الإمعان. هذه الأمور جعلت من الطبيعي أن نتعمق أكثر، وأن نرى حريتنا على أنها لا تعدو كونها تعبيرا عن تفكيرنا. في الحقيقة، يكمن الإغراء ببساطة في مطابقة الحرية مع التفكير. من وجهة النظر هذه، أن تكون فاعلا حرا هو ببساطة أن تكون عقلانيا في أفعالك؛ ومن ثم، كما سأشرح، فهذه النظرة العقلانية للحرية، وهي النظرة التي تطابق الحرية مع التفكير، ستقودنا إلى التوافقية. هذا الطريق العقلاني إلى التوافقية كان ذا أهمية خاصة في العالم القديم والعصور الوسطى، غير أنه لا يزال مهما في الوقت الحالي. # هناك أيضا مصدر ثان مختلف تماما للاعتقاد في التوافقية؛ المصدر الذي زادت أهميته بدرجة كبيرة منذ القرن السابع عشر، والذي يعتبر جوهريا بالنسبة لمشكلة الإرادة الحرة الحديثة. يمكننا أيضا أن نقول إن التوافقية الحديثة جاءت من مذهب «الطبيعية»؛ هو الاقتناع بأن الجنس البشري بأكمله جزء من طبيعة ms042 مادية أكثر اتساعا، وأن البشر ما هم إلا شكل أكثر تعقيدا من الحيوانات. لذا فإن تصرفات البشر يجب أن تشبه تصرفات الحيوانات الأدنى وتتوافق معها. وأن حرية البشر في الفعل يجب أن تكون قوة متحكمة في الفعل لا تختلف نوعيا عن القوى الأخرى الموجودة في الطبيعة، بما فيها تلك القوة التي تتحكم بها الحيوانات الأدنى في أفعالها. # من الواضح أن مصدري التوافقية هذين يختلف كل منهما عن الآخر اختلافا جوهريا. إن التوافقية العقلانية تحتكم إلى وجود صلة بين الحرية والتفكير، والتفكير هو الأمر الذي يميز في ظاهره البشر عن بقية الموجودات في الطبيعة، وبالتأكيد عن الكائنات الأقل ذكاء مثل أسماك القرش والجرذان. في حين لا تركز التوافقية الطبيعية على التفكير أو أي شيء قد يميز البشر عن بقية الحيوانات، بل العكس. يحاول القائلون بمذهب الطبيعية أن يمثلوا الحرية الإنسانية على أنها مجرد حالة أخرى من القوى والقدرات التي لا يتميز بها البشر وحدهم، بل التي توجد، بشكل أو بآخر، في الطبيعة بصورتها الأكبر. وفي الصورة المتطرفة للتوافقية الطبيعية - الصورة الموجودة في أعمال توماس هوبز، الذي سنناقش وجهات نظره لاحقا - قد يصل الأمر إلى إنكار أن الحرية تستلزم مسبقا أية قدرة على العقلانية على الإطلاق. يمكننا القول إن مذهب الطبيعية قد يسمح للحرية بأن تمتد إلى الحيوانات غير العاقلة. ولكن حتى وإن لم تصل الطبيعية إلى هذا الحد، فإنها ستواصل محاولة إبراز أن الحرية الإنسانية لا تتضمن أي انقطاع جذري بين الطبيعة البشرية والطبيعة بصورتها الأكبر، وأن فكرة وجود صلة أساسية بين البشر وبقية الطبيعة هي التي تشجع على التوافقية الطبيعية. سيلقي هذا الفصل الضوء على الطريق العقلاني إلى التوافقية، ثم سيلقي الفصل الرابع الضوء على الطريق الطبيعي المختلف تماما. ~~(2) التوافقية العقلانية # إن حريتنا، كما ناقشنا من قبل، تعتمد بشكل واضح على تحلينا بالقدرة على التفكير العملي. وتحلي المرء بتحكم حقيقي في أفعاله يتطلب، على أقل تقدير، أن يكون قادرا على منح أفعاله إرشادا وتوجيها مقصودا. ويعني هذا أيضا أن يكون ms043 المرء قادرا على التصرف على أساس إدراكه أن أفعاله تحتاج إلى هذا التوجيه. فإذا كان المرء يرغب في التحكم في كيفية تصرفه، فعليه أن ينظر إلى أفعاله على أنها بحاجة إلى تبرير، وأنها يجب أن يتم تبريرها طبقا لبعض الظروف دون غيرها. وتتطلب الحرية أن يكون المرء قادرا على أن يفكر في أفضل طريقة يتصرف بها، وأن يقرر ويؤدي أفعاله على أساس هذا التفكير. # إذن فالحرية مقيدة بالقدرات الخاصة بالتفكير المتأني واتخاذ القرارات؛ وهي القدرات التي تتمثل وظيفتها الأساسية في ضمان أننا نتصرف بعقلانية. أما بالنسبة لنقطة الاهتمام بالتفكير المتأني واتخاذ القرارات الصحيحة حيال أسلوب تصرفنا فهي واضحة بما يكفي. فهي تعمل على ضمان أننا في نهاية الأمر نقوم بالتصرفات الاختيارية الصحيحة؛ الأفعال الاختيارية المبررة بعقلانية دون غيرها. # لذا ربما تكون الحرية - القوة التي تأتي إلينا مع قدرتنا على العقلانية العملية - ما هي إلا القدرة على العقلانية ذاتها. فأن تكون فاعلا حرا لا يعني سوى أن تكون فاعلا عقلانيا. وفي هذه الحالة، لما كانت الحرية والعقلانية الشيء ذاته، فيجب ألا تتعارض حريتنا مع عقلانيتنا على الإطلاق. # ولكن وجهة النظر التي ترى أن حريتنا ما هي إلا تعبير عن تفكيرنا - أن الحرية والتفكير يمثلان الشيء نفسه - تتعارض تماما مع اللاتوافقية؛ حيث إن اللاتوافقية تنص ضمنيا على أن الحرية والتفكير قد يتعارضان بكل تأكيد، كما سنرى فيما بعد. وإذا كانت اللاتوافقية صحيحة، فإنه لا يمكن أن تكون الحرية والتفكير يمثلان الشيء نفسه. # لنفكر في حالة لا يوجد فيها، تحت ظروف معينة، إلا أمر واحد منطقي للقيام به؛ ربما يكون تناول عقار من شأنه - بالرغم من سوء طعمه - أن يعالجني من مرض عضال أصابني، في حين أن جميع الخيارات الأخرى، الخضوع لطرق علاج أخرى أو عدم الخضوع لأي علاج على الإطلاق، تبدو أقل منطقية. إذا كان الأمر على هذا المنوال، فكلما كنت أكثر عقلانية، قلت فرص امتناعي عن تناولي العقار. إن عدم عقلانية فاعل ما أو عدم تفكيره بعقلانية ما هو إلا ميل ms044 إلى الامتناع عن القيام بالأمور العقلانية، وقيامه بالأمور الحمقاء بدلا منها. وكلما أصبحت غير عقلاني بدرجة أكبر، زادت هذه النزعة. وبالمثل، كلما زادت عقلانيتي، قلت تلك النزعة، وعندما أصل في النهاية إلى تمام العقلانية، فستختفي تلك النزعة تماما. فإذا كنت عقلانيا بالكامل، فلن توجد فرصة على الإطلاق لإحجامي عن القيام بالأمور المنطقية. # لذا، إن كنت عقلانيا بالكامل، فسوف أدرك تماما قبل كل شيء أن تناولي للعقار هو الأمر الصحيح، وإدراكي أن تناولي للعقار هو الأمر الصحيح سيؤكد أن أتناول العقار. لن تكون هناك أية فرصة لأن أتصرف بحماقة في هذه الحالة؛ حيث إن عقلانيتي ستحتم أن أقوم بالأمر المنطقي. # الحتمية السببية لقراري في ظل إدراكي لما ينبغي علي القيام به (لا توجد فرصة لأن أحجم عن القيام بما أدركت أنه الصواب) # إدراك أن تناول العقار هو الأمر الصائب # اتخاذ القرار بتناول العقار وتناوله بالفعل # لكن إذا كانت حقيقة عقلانيتي ذاتها تضمن أنني سأتناول العقار، فكيف، من منطلق اللاتوافقية، سأكون حرا في التصرف بشكل مختلف؟ هب أنني عقلاني بشكل كامل. إذن إن كان مرضي في حاجة إلى علاج، ولا يمكن علاجه إلا من خلال تناول هذا العقار، فيجب أن أدرك هذا الأمر على الفور. إن وعيي بأنه ينبغي علي أن أتناول العقار لا بد أن يكون شيئا لا يسعني سوى امتلاكه؛ حيث إن الموقف الذي أمر به قد حدد سببيا معتقداتي بشأن ما ينبغي علي القيام به. ويجب أن تحدد معتقداتي بخصوص ما ينبغي أن أقوم به بدورها ما سأقرر القيام به، وتضمن أنني سألتزم بقراري وأنفذه. وما إن أعي ما يجب علي القيام به، فلن توجد أية فرصة من أي نوع لقيامي بأي شيء آخر. ولكن كيف، عندما أقرر وأنفذ، يمكن أن أكون حرا في أن أقرر وأنفذ ما هو خلاف ذلك؟ إن الحرية اللاتوافقية تقوم على أن قراراتي وأفعالي لا تحدد سببيا مسبقا، في حين أن كون المرء عقلانيا بالكامل يعني أن تكون قراراته وأفعاله محددة مسبقا. # وفي حالة ms045 كون اللاتوافقية صحيحة، فإنه كلما زادت عقلانيتي، قلت الحرية التي أمتلكها، وقل تحكمي في أفعالي. فإذا كنت عقلانيا بشكل كامل، فلا بد أنني سأفتقد بشكل كامل تقريبا التحكم فيما أفعله. وذلك لأنني متى أدركت أن فعلا ما هو الأمر الصائب للقيام به، فلن أمتلك أية حرية حيال هذا الأمر؛ فقناعتي بأن هذا التصرف هو الأمر الصائب للقيام به ينبغي أن تضمن أنني سأقوم بأدائه، فارضة هذا الفعل علي. الحالة الوحيدة التي أمتلك فيها التحكم في أفعالي ستكون في الحالات التي لا يكون فيها التحكم في الأفعال ذا أهمية كبرى. ستكون تلك الحالات التي أدرك فيها أن مجموعة الخيارات المتاحة أمامي منطقية بنفس الدرجة، وهكذا لا يكون مهما من وجهة نظر التفكير أي الخيارات سأتبع. # إذن يبدو كما لو أن امتلاك الحرية اللاتوافقية الجوهرية يعتمد على أن أكون غير عقلاني إلى حد ما. فحتى عندما أدرك أن فعلا ما هو الأمر الصائب للقيام به، إذا كان لي أن أمتلك الحرية اللاتوافقية فيجب أن تظل هناك فرصة ما لأن أقوم بالأمر الأقل منطقية مع ذلك. ولكن حينها ستكون الحرية اللاتوافقية بعيدة كل البعد عن كونها تعبيرا عن التفكير المنطقي. فالحرية اللاتوافقية في حالة حرب دائمة مع التفكير المنطقي. # اعتقد الكثير من الفلاسفة أن الحرية لا يمكن أن تتعارض مع التفكير. وقادتهم هذه القناعة الراسخة بأن الحرية والتفكير لا يمكن أن يتعارضا إلى رفض اللاتوافقية، واعتناق شكل عقلاني من التوافقية. ومن السهل معرفة السبب. إن النزعة نحو اللاعقلانية ما هي إلا ضعف. ولكن أليست اللاتوافقية هي ما يربط امتلاك الحرية بهذا الضعف؟ أليس هذا الأمر هو ما يحول الحرية إلى نوع من الضعف أيضا؟ ولكن التوافقية العقلانية تصر على أن الحرية إن فهمت بشكل سليم - أي سيطرتنا الفعلية على أي أفعال سنؤدي - ليست ضعفا بل نقطة قوة. ~~ إن الحرية هي «قوة» أصيلة؛ قوة نكتسبها من العقلانية. ولا يمكن أن تصبح من مواطن الضعف بسبب اللاعقلانية. إن القدرة على التصرف بعقلانية هي ما يساعد ms046 على منحنا الحرية. ولكن إذا كان الأمر على هذا المنوال، فإن العقلانية الكاملة، تلك القدرة في أكثر صورها واقعية وكمالا، لن ترقى إلى ما يمكن أن يسلبنا هذه الحرية. # هناك بعض الفلاسفة المحدثين الذين لا يزالون مهتمين باستكشاف شكل من العقلانية بشأن الحرية. لذا تستعرض الفيلسوفة الأمريكية سوزان وولف، في كتابها «الحرية في حدود العقل» ما تدعوه رؤية العقل، وهي الرؤية القائلة إن الإرادة الحرة والمسئولية تتشكلان من «القدرة على التصرف بما يتناسب مع العقل» (ص68)؛ أي إنك لكي تكون شخصا حرا ومسئولا عليك أن تمتلك «القدرة على التصرف بما يتناسب مع الصحيح والصالح» (ص73). وقد اجتذبت رؤية العقلانية للحرية إليها كثيرا من المفكرين المسيحيين؛ حيث إن التفكير والحرية كان ينظر إليهما على مدار التاريخ على أنهما من مظاهر الكمال. لذا فإن الله، على وجه الخصوص، بوصفه ذاتا كاملة كلية، يجب أن يكون منطقيا وحرا تماما. ومن المؤكد والضروري أن الله يقوم منذ البداية بالأمور المنطقية والصائبة، وأنه يجب أن يظل حرا كلية ومتحكما في جميع ما يفعل. أما نحن، فلا شك أننا لسنا مثل الله. ففي حالتنا توجد دائما احتمالية لأن نتصرف بطريقة خاطئة أو حمقاء. ولكن هذه الاحتمالية بأننا سنتصرف بطريقة خاطئة أو حمقاء ما هي إلا انعكاس لعدم كمالنا، وضعفنا. أما التحلي بالكمال - أن نصبح صالحين ومنطقيين مثل لله، وأن نكون ملتزمين مثله بالقيام بالأمور الصائبة - فهو المصير الذي ينتظرنا في الجنة. وبالنسبة للكثير من المفكرين المسيحيين، فإن هذا المصير سيكون تحررا من الضعف وليس نهاية حريتنا، بل ستكون الحرية في أكمل صورها. إذا كان الأمر على هذا المنوال، فإن الحرية التي سنتمتع بها يجب أن تكون متسقة مع التحديد السببي المسبق لأفعالنا، وليست متناقضة معه. إذ يبدو الأمر وكأن الطريقة التي سنتصرف بها في الجنة ستتقرر مسبقا، من خلال عقلانيتنا ذاتها. ~~(3) هل تتماثل الحرية والتفكير بأي صورة؟ # هل علينا أن نطابق الحرية مع التفكير المنطقي؟ إذا فعلنا ذلك فسينتهي بنا الأمر تابعين لمذهب التوافقية. وذلك لأن ms047 أي مستوى جوهري من الحرية اللاتوافقية يعتمد - كما رأينا - على قناعاتنا بشأن الكيفية التي ينبغي أن نتصرف بها؛ لتكون الطريقة التي سنتصرف بها فعليا خاضعة للصدفة، وسيظل هناك احتمال لأن نتصرف بطريقة غير منطقية ونفعل ما لا ينبغي علينا فعله. وهذا الخضوع للصدفة - النزعة إلى التصرف بحماقة - يتعارض بشكل واضح مع التفكير. # ولكن من الخطأ مطابقة الحرية مع التفكير؛ إذ إن الحرية والتفكير لا يمكن أن يكونا متماثلين. والسبب هو أن القرار والفعل ليسا مجال الحياة الوحيد الذي نمارس فيه القدرة على العقلانية. فنحن نمارسها أيضا في تشكيل معتقداتنا ورغباتنا، التي قد تكون منطقية أو غير منطقية كما يمكن أن تكون قراراتنا وتصرفاتنا. ولكن في حالة المعتقد، على سبيل المثال، فإننا بشكل عام لا نعتبر ممارسة عقلانيتنا ممارسة للحرية؛ لأنه لا يمكننا أن نتحكم عامة بأي المعتقدات نشكل كما نتحكم بأي الأفعال نؤدي. # عندما أعتقد، مثلما أفعل عادة، بأنني جالس في غرفة مكتبي ومن حولي توجد المناضد والكتب والمقاعد، وأن ما يوجد خارج غرفة مكتبي، ويتعدى حدود سمعي أو بصري حينها، هو مدينة كاملة بها الملايين من البشر؛ فكل هذا يمثل ممارسة جيدة للغاية لقدرتي على العقلانية. إن تلك المعتقدات التي كونتها ما هي إلا استجابة منطقية تماما من جانبي للدليل الذي تقدمه خبرتي الحالية وما يمكنني تذكره من الماضي. ولكن من المؤكد أنني لا أملك أي تحكم فيما إذا كنت أكون هذه المعتقدات أم لا. إن اعتقادي بوجود المقاعد في غرفتي وأن هناك الملايين من البشر خارجها لا يئول إلي. إن قدرتي على التفكير تفرض علي هذه المعتقدات. وهي تفرض هذه المعتقدات علي بوصفها حقيقية واضحة، لذا ليس بوسعي أن أفكر بخلاف ذلك. وفي حالة المعتقدات، وبعيدا عن كون الحرية والتفكير متماثلين، فإن الحرية - الحرية في الاعتقاد فيما يخالف ما أعتقد فيه بالفعل - أمر يمنعه التفكير. # ويشير هذا الأمر إلى أن الحرية لا يمكن مطابقتها بالتفكير؛ ولا حتى بالحالة الخاصة من التفكير عندما يتعلق بالفعل. وذلك لأنه لو كان ms048 التفكير يمنع الحرية عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات، فلماذا يتطابق التفكير بالحرية عندما يتعلق الأمر بالفعل؟ # أحيانا ما يطرح الزعم بأن هناك اختلافا جوهريا بين التفكير النظري، أو التفكير الذي نمارسه أثناء تشكيل معتقداتنا، وبين التفكير العملي أو التفكير الذي نمارسه خلال الفعل. إن التفكير النظري دائما ما يترك الأمور محسومة بشأن ما علينا أن نعتقده حيال أمر ما. فالتفكير لا يترك مطلقا إن كان علينا تشكيل اعتقاد ما، وماهية هذا الاعتقاد، في متناول العقلانية. فكر في أي زعم واقعي؛ مثل وجود أربعة مقاعد بالغرفة. حينها إما أن يظهر الدليل أن هذا الزعم صحيح - وفي هذه الحالة يتطلب منا التفكير أن نعتقد به - وإما أن يظهر أن هذا الزعم خاطئ؛ وفي هذه الحالة علينا ألا نعتقد به. وأخيرا، إذا كان الدليل غير واضح، فإن التفكير مرة أخرى يترك الأمور محسومة بشأن ما علينا الاعتقاد به. ~~ إن التفكير يتطلب منا أن نظل متشككين. # بينما في حالة التفكير العملي قد يظهر الدليل وجود عدد من الأفعال البديلة المتساوية في درجة صلاحها، أو على الأقل لا يوضح أي من هذه الأفعال أفضل من الآخر. وإذا كان الأمر هكذا، فإن التفكير لا يقيد انتقاءنا للفعل الذي سنؤديه. ومع أنه في موقف محدد ووقت معين، لن يوجد سوى بديل نظري واحد من البدائل النظرية للاعتقاد أو عدم الاعتقاد أو الشك، يمكن أن يكون عقلانيا، فإن عددا من الأفعال البديلة يمكن كثيرا أن يكون على نفس الدرجة من العقلانية. # ولكن هذا الأمر لا يكفي لشرح كيف يمكن أن يصبح التفكير مكافئا للحرية في حالة التفكير العملي، والسبب وراء ذلك واضح بما يكفي؛ فاعتقادنا في حرية الفعل لا يتحدد بالحالات التي يترك فيها التفكير العملي الخيارات محايدة. إن الحرية تمتد حتى إلى الحالات التي يكون فيها التفكير العملي مقيدا ومحددا مثل التفكير النظري. وحتى في الحالات التي تشير فيها جميع الأدلة دون لبس إلى فعل بعينه بوصفه أفضل فعل يمكن أن نؤديه، ويكون باستطاعتنا أن نرى هذا الأمر ms049 بوضوح تام، يظل بإمكاننا أن نرى أنفسنا أحرارا في التصرف بخلاف ذلك. يمكن أن يترك التفكير الأمور واضحة بالنسبة لنا كما في حالة أنه ينبغي علينا تناول العقار، أو حالة أنه ينبغي علينا الاعتقاد بوجود مدينة كاملة خارج حوائط غرفتنا. ولكن في حين يفرض علينا التفكير الاعتقاد المعقول، فإنه لا يفرض بشكل مشابه الفعل المعقول. ولا يزال التفكير يتركنا أحرارا في التصرف بطريقة مغايرة وبما يخالف تفكيرنا؛ كما نفعل أحيانا للأسف. ومع أننا مقتنعون بأن تناول هذا العقار المر الطعم هو أفضل وأصح فعل نقوم به، فإننا قد لا نزال نمارس حريتنا في عدم تناوله. ولأننا نتوقع أن طعمه مر للغاية، فإننا نمتلك الحرية في عدم انتقاء الخيار الرديء؛ بالرغم من اقتناعنا الكامل بأن هذا الخيار الرديء هو الخيار الأفضل. إننا نتحكم في كيفية تصرفنا ولكننا لا نستطيع التحكم فيما نعتقده، ويشمل هذا الحالات التي يملي فيها علينا التفكير الأفعال التي يجب أن نؤديها. ~~(4) الحرية واللاعقلانية # يرغب مناصرو مذهب العقلانية في مطابقة الحرية بالتفكير، أو بالتفكير العملي بأي حال من الأحوال أو بالتفكير عندما يرتبط بالفعل. ولكن قد تكون العلاقة بين الحرية والتفكير أكثر تباعدا في واقع الأمر. قد يكون الأمر أن الحرية والتفكير غير متماثلين بالمرة؛ وأن الحرية هي قدرة إضافية نمتلكها إضافة إلى قدرتنا على العقلانية؛ قدرة على التحكم نمتلكها فقط فيما يتعلق بالفعل. وفي هذه الحالة، ومع أن حرية الفعل قد تتطلب درجة من العقلانية - ومع أنها ربما تتطلب قدرة على التوجيه المتعمد لأفعالنا الاختيارية من خلال التدبر واتخاذ القرار - فقد لا توجد أية صلة أخرى بين الحرية والعقلانية أكثر مما سبق. ~~ في هذه الحالة، قد ينتهي الأمر إلى وجود علاقة متوترة بين الحرية والتفكير. ومن المحتمل جدا أن تتعارض الحرية مع التفكير. # وهاك طريقة أخرى للنظر إلى المسألة. قلت من قبل إن الحرية تقوم على امتلاكنا القدرة على العقلانية. وإذا كان هذا الأمر صحيحا، فإن الحرية تعتمد أيضا على قدرتنا على اللاعقلانية. ربما يبدو هذا الأمر ms050 متناقضا تناقضا شديدا، ولكن في الحقيقة، ليس من الصعب تفسير سبب اعتماد الحرية على القدرة على اللاعقلانية بشكل مساو لاعتمادها على امتلاكنا للقدرة على العقلانية . النقطة الأساسية هي أن اللاعقلانية الأصيلة، أو الحماقة المتناهية، أو السخافة، لا يحتمل وجودها إلا لدى الكائنات التي تمتلك قدرة أصيلة على العقلانية. خذ مثالا أحد الحيوانات التي لا تمتلك أية قدرة على التفكير؛ مثل سمكة القرش. كما رأينا، لا تمتلك سمكة القرش القدرة على التفكير في طريقة تصرفها، أو حتى فهم أن بعض طرق التصرف قد تكون أكثر منطقية من غيرها. لذا فمن المؤكد أن سمكة القرش لا يمكن أن يقال عنها إنها قادرة على انتقاء خيارات حكيمة، أو التصرف بمنطقية. وفي المقابل، لا يمكن القول إن سمكة القرش قد انتقت خيارات سخيفة أو إنها تتصرف بحماقة. أن تكون أحمق أو سخيفا لا يعني أنك تفتقد التفكير تماما، بل يعني أنك تهمل أن تستخدم القدرة على التفكير، أو لا تستخدمها بالشكل الصحيح، القدرة التي يمتلكها المرء بالفعل بالرغم من ذلك. إن أسماك القرش ليست كائنات غير عقلانية أو سخيفة. إنها كائنات لا عاقلة، تقل مرتبة عن أي شكل من أشكال العقلانية أو اللاعقلانية، وهي غير قادرة على إساءة استخدام التفكير؛ حيث إنها لا تستخدمه في المقام الأول. # إن قدراتنا على التدبر واتخاذ القرارات، التي تتيح لنا أن نكون عقلانيين، هي ذاتها القدرات التي تسمح لنا بأن نكون لا عقلانيين. وربما ساعدت هذه القدرات على منحنا الحرية لا لسبب إلا أنها ستسمح باللاعقلانية مثلما تسمح بالعقلانية. وبالتأكيد كثيرا ما تكون الحرية ممكنة لا لسبب إلا إمكانية وجود اللاعقلانية أيضا؛ وتحديدا في تلك الحالات التي يكون علينا فيها انتقاء خيار، ويكون خيار واحد فقط هو المنطقي أو العقلاني؛ وذلك لأن الحرية، بطبيعتها الخاصة، هي الحرية في التصرف بطريقة مختلفة. عادة ما تشتمل الحرية على أكثر من خيار واحد لطريقة التصرف المتوفرة لنا. ويعني هذا أنه في جميع هذه الحالات التي لا يكون فيها سوى خيار منطقي ms051 واحد، لن نكون أحرارا، إلا إذا كنا أحرارا في أن نكون سخفاء مثل أن نكون منطقيين. # إن مطابقة الحرية بالتفكير هي في الحقيقة إنكار للطبيعة الخاصة بالحرية؛ إذ إنه في الكثير من الحالات لا يترك لنا اتباع التفكير، التحلي بالمنطقية، سوى خيار واحد فقط، ويتم استبعاد أي بديل لهذا الخيار. ولكن الحرية بطبيعتها تعتمد على وجود بدائل. فأن نكون أحرارا يعني أن اختيار أي الأفعال نقوم بها يئول إلينا؛ وهكذا يكون الأمر بوجود أكثر من فعل متاحا لنا القيام به، سواء أكان هذا البديل سخيفا أم عقلانيا. لهذا السبب حاولت التوافقية العقلانية كثيرا أن تفصل ما تطلق عليه «الحرية» عن أية فكرة لحرية التصرف بطريقة مغايرة. افترض العقلانيون أن حرية الله، القدرة في أكمل صورها، موجودة دون أن يكون الله حرا في التصرف بأية طريقة سوى الطريقة الأكثر كمالا؛ الطريقة التي يتصرف بها بالفعل. ولكن فصل الحرية عن حرية التصرف بطريقة مغايرة هو في الحقيقة تغيير للموضوع. إنه طرح لفكرة الحرية جانبا والاستعاضة عنها بفكرة مختلفة تماما عن التفكير والمعقولية. وكلا الفكرتين مختلف تماما. فأن تكون منطقيا لا يعني بالضرورة أن تمتلك أية قدرة على التصرف بطريقة تخالف ذلك المنطق. ~~ في الواقع، من شأن عقلانية شخص ما في بعض الأحيان أن تستبعد تمام الاستبعاد قدرته على التصرف بطريقة مختلفة. انظر إلى حالة سيتعارض فيها التصرف بطريقة مختلفة مع التفكير. في مثل هذه الحالة قد يكون المرء منطقيا للغاية لدرجة أنه يكون غير قادر على القيام بالأمور السخيفة. ولكن أن تكون حرا يعني دائما أن تمتلك القدرة - الحرية - على التصرف بطريقة مغايرة. هذه هي الحرية؛ أن يكون الأمر متروكا لنا في اختيار الفعل الذي نؤديه، وهكذا يئول الأمر إلينا في التصرف بصورة أو بأخرى. # الفصل الرابع # | الطبيعة # (1) توماس هوبز # أشعل الفيلسوف توماس هوبز الذي عاش في القرن السابع عشر فتيل ثورة فكرية في نظرية الفعل البشري. وهذه النظرية الجديدة إضافة إلى تغييرها الرؤية المتعلقة بالفعل، غيرت أيضا مشكلة الإرادة الحرة كاملة. ms052 لقد غيرت أعمال هوبز طريقة تفكيرنا في الحرية، بل وتفكيرنا في مبادئ الأخلاق. # تركزت هذه الثورة على العلاقة بين الفعل والإرادة؛ إذ غير هوبز الطريقة التي كانت تفهم من خلالها هذه العلاقة. وكما شرحت سابقا، فقد كانت الرؤية التقليدية تنظر إلى الإرادة البشرية - القدرة البشرية على اتخاذ القرار - باعتبارها قدرة خاصة جدا في الواقع. فقد كانت قدرة عقلانية، أو تنطوي على التفكير، تفتقدها تماما الحيوانات الأخرى والأدنى. وحددت الرؤية التقليدية موقع الفعل البشري في إطار هذه القدرة على الإرادة. ~~ كان يفترض حدوث الفعل الإنساني من خلال ممارسة قدرتنا على اتخاذ القرارات. # ابتكر هوبز نظرية جديدة تماما عن الفعل البشري. وهذه النظرية قللت من منزلة الإرادة؛ حيث لم تعد الإرادة قدرة خاصة تميز البشر العاقلين عن الحيوانات غير العاقلة، بل أصبحت بدلا من ذلك قدرة أكثر تواضعا بكثير؛ حيث أصبحت الإرادة بذلك لا تعدو كونها قدرة نهمة بسيطة؛ قدرة على الشهوات أو الحاجات يمكن أن يتشارك فيها البشر والحيوانات على حد السواء. حدد هوبز بعد ذلك موضع كل الأفعال، الإنسانية والحيوانية على حد سواء، خارج نطاق الإرادة تماما كما فهمت على هذا النحو. لم يعد الفعل يحدث بوصفه ممارسة للإرادة بحد ذاتها، بل أصبح يحدث باعتباره تأثيرا لاحقا لممارسة الإرادة. ومنذ ذلك الحين تأثر جميع الفلاسفة تقريبا بتلك النظرية. # إن الإنسان، في نظر هوبز، ما هو إلا جزء من الطبيعة المادية، والعالم لا يعدو كونه تجميعة من الأجسام المادية المتحركة، يتحدد فيها سببيا حدوث كل حركة نتيجة حركة ما سابقة. فالكون، عند هوبز، هو عبارة عن نظام حتمي مادي. والبشر عبارة عن أجسام أكثر مادية داخل هذا النظام، وإن كانت أجساما على درجة بالغة من التعقيد. ولكن، كما يقول هوبز، لا تزال حرية البشر موجودة. وبعيدا عن الاستبعاد التام للحرية من قبل المذهبين المادي والحتمي، فإن ماهية الحرية يمكن تفسيرها بالكامل بالمصطلحات المادية والحتمية. # إن ما تدور حوله نظرية هوبز هو أن البشر لا يختلفون عن الحيوانات الأخرى إلا في كونهم ms053 نسخا أكثر تعقيدا من الشيء نفسه. فالاختلافات في الذكاء والقدرة بيننا وبين الحيوانات هي اختلافات في الدرجة، وليست اختلافات في النوع. وينكر هوبز أننا نمتلك أية ملكات نفسية تختلف اختلافا جذريا عن أي قدرات لدى الحيوانات. # كانت هذه الفكرة الجديدة عن الطبيعة البشرية مختلفة كثيرا عن الفلسفة القروسطية ونظريتها عن الفعل القائمة على الإرادة؛ إذ كانت الملكات الخاصة التي يتميز بها البشر هي تحديدا ما تدور حوله النظرية التقليدية للفعل القائمة على الإرادة. ففي نظرية الفعل القائمة على الإرادة، يفترض أن أفعال البشر تختلف تماما في نوعيتها عن أفعال الحيوانات، وهذا بسبب أن أفعال البشر يفترض أنها تشتمل على قدرة خاصة على الاتخاذ الحر للقرارات؛ القدرة التي لا يمتلكها سوى البشر. # شكل : توماس هوبز، في 1669-1670 تقريبا، بريشة جيه إم رايت. # فكر مرة أخرى في منطق الرؤية التقليدية. فبموجبها، يتمتع البشر بقدرة متفردة عن بقية الحيوانات على ممارسة التفكير. لذا فإننا وحدنا من يستطيع التدبر واتخاذ القرارات حيال ما سنفعل. وإن قراراتنا سواء أكنا سنقوم بهذا الأمر أم ذاك - مثل أن نرفع أيدينا بدلا من أن نخفضها - هي أفعالنا في صورتها الأولية. بمعنى آخر، إن بقية الأفعال التي نقوم بها تحدث بصورة غير مباشرة فحسب، من خلال أفعال اتخاذ القرار هذه. أما بقية أفعالنا، الأفعال الاختيارية المقررة التي بناء عليها ننفذ قراراتنا - أفعال رفع أيدينا أو خفضها وما على شاكلتها - لا تعدو في حدوثها كونها مجرد تأثيرات لأفعال قرار أو إرادة سابقة. فإن كنت أعتبر حرا في رفع يدي لأعلى، فإن هذا حدث لا لسبب إلا أن القرار الذي اتخذته بحرية من جانبي برفع يدي لأعلى تسبب في رفع يدي. ولما كانت جميع الأفعال تحدث بوصفها ممارسة للإرادة، فإن حرية تصرفنا يجب أن تأخذ بالمثل شكل حرية الإرادة. إننا نمارس حريتنا دائما من خلال الاتخاذ الحر للقرارات. # الفعل الإنساني مفهوما من منطلق قائم على # فعل الإرادة # الفعل الاختياري ~~(الشكل الأولي للفعل) ~~(الشكل الثانوي للفعل) # أن يقرر المرء أن يرفع يده ms054 لأعلى # رفع المرء يده لأعلى # تختلف الحيوانات جدا عن البشر من واقع الرؤية التقليدية؛ حيث إنها تفتقد لأي قدرة على التفكير أو العقلانية. وبعيدا عن اتخاذ القرارات الحرة المقررة ذاتيا، تدفع الحيوانات بفعل رغبات أو شهوات دونما تفكير. ولهذا فإن فعل الحيوان مقيد بما يعتبره البشر مجرد شكل ثانوي للفعل. إن أفعال الحيوانات مقيدة بالفئة التي أطلقت عليها الأفعال «الاختيارية». إن أفعال الحيوانات مقيدة بأفعال على غرار رفع يد لأعلى، أو رفع حافر، قد يقوم بها البشر على أساس اتخاذ القرار بحرية للقيام بها، في حين تقوم بها الحيوانات بناء على دافع من رغبة بهيمية للقيام بها. إن أفعال الحيوانات لا تعدو كونها مجرد تحرك بناء على رغبات أو حاجات تدفع الحيوانات إلى الحركة. وما يدفع أطراف الحيوان للحركة لن يزيد عن كونه شهوة أو رغبة؛ لهذا السبب، طبقا للرؤية التقليدية، تفتقد الحيوانات غير المفكرة حرية الفعل تماما. فالحيوانات لا تتحكم في أي الأفعال تقوم بها مطلقا، وإنما هي مدفوعة بفعل غريزتها. # فعل الحيوان # الرغبة السلبية # الفعل الاختياري # الحاجة إلى رفع الحافر لأعلى # رفع الحافر لأعلى # إن ما فعله هوبز في المقام الأول هو الإبقاء على النظرية التقليدية عن فعل الحيوان، ولكنه بسط نطاقها لتشمل الأفعال الإنسانية أيضا. فهو يرى أن الفعل الإنساني مجرد صورة أكثر تعقيدا من فعل الحيوان. فكل الأفعال، البشرية أو الحيوانية، تتخذ الصورة ذاتها بالضبط، بوصفها أفعالا اختيارية، وتنتج عن دوافع أو رغبات دون تفكير. الفرق الوحيد في حالة الفعل البشري، بفضل ذكائنا الأكثر تطورا، أن الرغبات التي تحث على أفعالنا تكون أكثر تنوعا وتعقدا في محتواها. # الفعل الإنساني في نظرية هوبز # الرغبات السلبية # الأفعال الاختيارية # الرغبة في أن يرفع المرء يده لأعلى # رفع المرء يده لأعلى # كان شاغل هوبز الأول - والأكثر جوهرية - هو تقليص الفجوة بين أفعال البشر وأفعال الحيوانات الأدنى. أراد هوبز أن يثبت أن أفعال البشر تتشابه بالكامل مع أفعال الحيوانات؛ حيث إنه لا يوجد أي فارق نوعي بين الفعل الذي يقوم به ms055 البشر والفعل الذي تقوم به حتى سمكة القرش. فتبدو أفعال سمكة القرش لا تعدو كونها شكلا غاية في البساطة من الاختيارية. إن أفعال أسماك القرش تنطوي على أن سمكة القرش تدفع للقيام بأشياء بوازع من رغباتها في القيام بهذه الأشياء. إن مطاردة سمكة القرش فريستها لا تتضمن أي شيء أكثر من اندفاع سمكة القرش للمطاردة والافتراس بسبب رغبتها في المطاردة والافتراس. ~~ فإذا كانت أفعال البشر تحمل الظاهرة ذاتها، فلا بد من أنها بالمثل لا تزيد عن كونها تأثير الحاجات أو الرغبات. # ومع ذلك ادعى هوبز أنه يسمح بوجود فكرة ما عن الإرادة؛ عن اتخاذ القرارات وعقد النيات. ولكن في حقيقة الأمر لم يتضح وجود قدر كبير من فكرة الإرادة. فلا يتضح أن هوبز قد آمن مطلقا باتخاذ القرارات كما نفهمها نحن بشكل تقليدي. فعند هوبز، لا تتعدى القرارات والنيات مجرد كونها أشكالا من الرغبة. فأن تتخذ قرارا بفعل أمر ما أو أن تعقد نية ما لا يتعدى كونك قد اجتاحتك رغبة عارمة للقيام بهذا الأمر؛ رغبة من القوة لدرجة أنها تلغي أي دافع عكسي قد يدفعك للتصرف على نحو مخالف، وتحتم عليك أن تتصرف بالضبط بما تمليه علينا. أن تتخذ قرارا برفع يدك لأعلى لا يعني إلا أن رغبة عارمة اجتاحتك لأن ترفع يدك لأعلى؛ رغبة قوية بما يكفي لكي تضمن أنك سترفع يدك بالفعل لأعلى. يعني هذا الأمر أن الإرادة ليست أمرا خاصا، بل إنها مجرد قدرة للرغبات أو الشهوات العادية. ولما كانت أسماك القرش تمتلك شهوات وحاجات، فإنها تمتلك أيضا إرادة بقدر ما نمتلكها نحن البشر. ولا يوجد شيء حر أو مقرر ذاتيا فيما يتعلق بالقرارات، من وجهة نظر هوبز، أكثر مما يوجد فيما يتعلق بالحاجات أو الشهوات الدنيا. ~~ فاتخاذ قرار ما لم يعد يمثل فعلا متعمدا - لم يعد يمثل أمرا يمكننا القيام به بحرية، ويكون لدينا تحكم مباشر فيه - يزيد عن الشعور برغبة ملحة. # إذن فالفعل، من وجهة نظر هوبز، مقصور فقط على الفعل «الاختياري»؛ على الأفعال ms056 - على غرار رفع الأيدي أو عبور الطريق - التي نؤديها على أساس أننا قررنا أو رغبنا في القيام بها. في الحقيقة، يعرف هوبز الأفعال بوضوح على أنها «ما نقوم به بشكل اختياري». وفي نظر هوبز، أن تقوم بفعل متعمد أو مقصود لا يعدو قيامك بأمر ما؛ مثل رفع يدك، على أساس أنك قد قررت القيام به، أو (وهو ما يعتبره هوبز الشيء نفسه) أنك دفعت للقيام بأمر ما جراء رغبة أو حاجة سابقة للقيام به. # وهذا التطابق بين الفعل وبين ما نقوم به اختياريا أو على أساس الرغبات أو القرارات المسبقة للقيام به له نتيجة جوهرية. فقد سمح لهوبز بأن يفسر - كما يفترض - سبب استحالة كون القرارات أفعالا مقصودة أو متعمدة في حد ذاتها. # وكما قال هوبز، فإن القرارات في حد ذاتها ليست أمورا نقوم بها اختياريا. إن قراري بأن أرفع يدي لأعلى، على سبيل المثال، ليس شيئا أقوم به على أساس قرار مسبق برفع يدي لأعلى. وكما يقول هوبز، مستخدما مصطلح القرن السابع عشر «يريد» بدلا من مصطلح «يقرر» الحديث: # إني أقر بهذه الحرية؛ بأني أستطيع أن أفعل إذا أردت، ولكن أن أقول: أستطيع أن أريد إذا أردت، فهذا في رأيي كلام سخيف. # كان هوبز محقا دون أدنى شك في نقطة واحدة على الأقل. فقرارات القيام بالأفعال ليست اختيارية، وهي لا تخضع بشكل مباشر للإرادة. ولا يمكن القيام بها على أساس القرارات أو الرغبات السابقة فحسب. على سبيل المثال، لا يمكنني أن أقرر أنه في غضون خمس دقائق بالضبط سأقرر رفع يدي لأعلى؛ وأن أتوقع بمنطقية أنه في غضون خمس دقائق، في الوقت المحدد، سوف أتخذ القرار الذي اتخذته، وأن أتخذه اختياريا، فقط بناء على قراري المسبق أنني سأتخذه. # ويتصل هذا الأمر بسمة أخرى للقرارات من شأنها أيضا أن تميزها عما يمكننا القيام به اختياريا؛ أي عما يمكننا القيام به على أساس قرار أو رغبة مسبقة للقيام بهذا الأمر. فمثلما لا تخضع القرارات بشكل مباشر للإرادة، فإنها بالتبعية لا تخضع ms057 لتحكمنا بشكل مباشر. لا يمكنني أن آمرك منطقيا بأن تتخذ قرارا معينا، مثل قرار أن ترفع يدك لأعلى، ثم أتوقع أن تتخذ القرار الذي أمرتك باتخاذه كما أمرتك بالضبط ولمجرد أن تطيع أمري فحسب. هب، على سبيل المثال، أني أمرتك بالآتي: «في غضون خمس دقائق، قرر أنك سترفع يدك لأعلى غدا، وبعد دقيقة أخرى، تخل عن هذا القرار، وبدلا منه قرر ألا ترفع يدك لأعلى غدا. ثم بعد دقيقة أخرى، تخل عن هذا القرار أيضا.» # من المؤكد أنك ستتفاعل مع أمري بارتباك، ولن تتمكن أبدا من تنفيذه. إن القرارات ليست مجرد أمور يمكننا اتخاذها بكل بساطة حتى نطيع أوامر بأن نتخذها. إن حقيقة أنه لا يمكن توجيه الأوامر لشخص ما باتخاذ قرارات، ترتبط بوضوح بحقيقة أنه لا يمكن اتخاذ القرارات بشكل اختياري. لأنه إذا كان من الممكن اتخاذ القرارات اختياريا، بناء على قرار سابق باتخاذها، فإنك ستكون قادرا تماما على اتخاذ القرارات لمجرد أن تطيع أوامري باتخاذ القرار. ولست بحاجة إلا لتقرر اتخاذ أي من القرارات التي أمرتك باتخاذها، ومن ثم سيكون إتباع أوامري باتخاذ القرارات سهلا. ومتى آمرك باتخاذ قرار بعينه، مثل قرار أن ترفع يدك لأعلى، فستتخذ هذا القرار اختياريا، على أساس قرار بالقيام به، وكوسيلة لتنفيذ أمري لك. # من الواضح جدا سبب عدم إمكانية إعطاء أوامر باتخاذ قرارات منطقيا. فإذا أردت أن أجعلك تقرر أن ترفع يدك لأعلى، فلن يمكنني أن آمرك: «قرر أن ترفع يدك». ولكي أدفعك لأن تقرر أن ترفع يدك، فعلي أن أقنعك بطريقة ما بأن تصرفك وفق القرار، بأن ترفع يدك، سيكون فكرة طيبة. إذن علي أن أقنعك بسبب وجيه يجعلك ترفع يدك لأعلى. علي أن أظهر أو أوضح لك بطريقة ما أن رفع يدك لأعلى سيعود عليك بمنافع. # وإحدى الطرق لفعل هذا الأمر، بالطبع، هي أن «أجعل» الأمر حقيقيا، وبشكل واضح، بأن رفع يدك لأعلى سيكون له منافع. على سبيل المثال، قد أعرض عليك جائزة إذا ما رفعت يدك لأعلى؛ مما يمكن ms058 أن يدفعك لأن تقرر رفع يدك. أو إذا كنت أمتلك السلطة الكافية لأوجه لك أمرا، فكل ما علي فعله هو توجيه الأمر إليك. ليس أمرا لك بأن تقرر أن ترفع يدك، بل أمرا يمنحك سببا لأن تتصرف كما هو مطلوب وأن ترفع يدك لأعلى بالفعل. يمكنني ببساطة أن آمرك بأن ترفع يدك. وبناء على هذا الأمر قد تكون هناك منفعة واحدة محتملة لرفع يدك لأعلى، سبب واحد لرفعها لأعلى؛ لا سيما أنك من خلال فعل هذا الأمر ستطيع أوامري. ومن خلال إعطائك هذا السبب لرفع يدك لأعلى، يمكنني مرة أخرى أن أدفعك لأن تقرر رفعها لأعلى. # إن ما يدفع المرء لاتخاذ قرار معين، لتقرير أداء فعل معين، ليس أمرا صادرا يدفعه لأن يتخذ القرار، أو أي قرار مسبق اتخذه المرء من جانبه بأن يتخذ هذا القرار، بل وجود سبب ما للتصرف كما تقرر؛ أمر جيد أو محبب بشأن الفعل المقرر. إن ما يدفع المرء ليقرر أن يرفع يده لأعلى ليس أي أمر صادر باتخاذ هذا القرار، أو أي قرار مسبق اتخذه المرء من جانبه بأن يتخذ هذا القرار، بل هو شيء مختلف تماما؛ شيء جيد أو محبب، لا يتعلق باتخاذ القرار ذاته، بل يتعلق بأداء الفعل المقرر، يتعلق في الواقع برفع المرء يده لأعلى. # إذن، كان هوبز محقا كل الحق بشأن عدم اختيارية القرارات؛ فلا يمكننا أن نتخذ قرارا معينا بالتصرف كيفما نريد لمجرد أننا قررنا أن نتخذه. ولا ينبغي أن نتشتت عن تقدير هذا الأمر بسبب حقيقة أن هناك أمرا آخر يتصل باتخاذ القرارات يمكننا أن نقوم به اختياريا. فهذا ليس اتخاذ قرار معين للفعل بالتصرف، بل أمر يختلط به بسهولة ولكنه يختلف عنه اختلافا جوهريا؛ وهو أن نحسم أمرنا بطريقة أو بأخرى بشأن ما يجب علينا فعله. # يمكنني أن أتخذ قرارا أنه في غضون خمس دقائق سوف أحسم أمري بطريقة أو بأخرى فيما يتعلق برفع يدي لأعلى من عدمه، ثم في غضون خمس دقائق سأحسم أمري على أساس ms059 هذا القرار المسبق. أن يحسم المرء أمره بطريقة أو بأخرى أمر يمكن إجراؤه اختياريا، على أساس وجود قرار مسبق بأن يحسم المرء أمره. ولكن هذا لا يوضح أن اتخاذ قرار بعينه يمكن أن يكون اختياريا هو الآخر. فأن يحسم المرء أمره ما هو إلا عملية تتضمن مبدئيا تفكيرا متأنيا أو على الأقل استعراضا جادا للخيارات؛ أمر يتم القيام به استعدادا لاتخاذ قرار معين. هذا هو الأمر الذي يمكن القيام به اختياريا. ولكن تحديد أي قرار سأتوصل إليه في النهاية ليس أمرا اختياريا. فعندما أحسم أمري أني سأرفع يدي بدلا من خفضها، لا يعتبر هذا أمرا كان يمكنني القيام به على أساس قرار ما مسبق للوصول إلى هذا القرار بعينه بدلا من قرار معاكس له. يمكنني أن أقرر مسبقا «فكرة» أنني سأحسم أمري، ولكن لا يمكنني أن أقرر مسبقا «كيف» سأحسم أمري. فأن أقرر القيام بهذا الأمر بدلا من ذاك يعتبر أمرا غير اختياري بالكامل، كما افترض هوبز، وأن أقرر أن أقوم بهذا الأمر بدلا من ذاك هو أمر أقوم به استجابة للخيارات المتوفرة أمامي في ذلك الوقت - استجابة للمنافع المحتملة التي قد تعم علي منها، الحقيقية أو الظاهرة - وليس على أساس قرار ما مسبق لتقرير التصرف بهذه الطريقة بدلا من تلك. # إضافة إلى تعريف هوبز الجديد للأفعال المقصودة على أنها ما نفعله اختياريا، على أساس وجود قرار أو رغبة للقيام بهذه الأمور، فإن عدم اختيارية اتخاذ القرارات كان له نتيجة واضحة؛ فقراري القيام بهذا الأمر بدلا من ذاك - أن أرفع يدي بدلا من خفضها - لم يعد عملا متعمدا أو مقصودا من جانبي. ولأنه ليس عملا اختياريا، أن أقرر قيامي بهذا الفعل بدلا من ذاك، سيكون أمرا يحدث لي وليس أمرا أقوم به عن قصد. ولما كانت القرارات غير اختيارية، فإنها لا يمكن أن تكون أفعالا متعمدة في حد ذاتها. لذا، فإن ما تنظر إليه النظرية القائمة على الإرادة على أنه الشكل الأولي للفعل المتعمد - اتخاذ القرار بالقيام بهذا الأمر بدلا ms060 من ذاك - ينكر هوبز أن يكون فعلا على الإطلاق. وإذا لم يكن فعلا، وإذا لم يكن أمرا نقوم به بشكل متعمد أو مقصود، فإن تقريرنا بأن نقوم بهذا الأمر بدلا من ذاك لا يمكن كذلك أن يكون أمرا نقوم به بحرية. لن يكون هناك أي شكل من أشكال حرية الإرادة، ولن يئول الأمر إلينا بشأن تقرير أي الأفعال سنؤديها. # في حقيقة الأمر، اعتقد هوبز أن نظرية الفعل القائمة على الإرادة غير متماسكة منطقيا بالمرة؛ إذ تشرح النظرية التقليدية ماذا يجعل رفع اليد لأعلى فعلا متعمدا من خلال الاحتكام إلى حقيقة أن ارتفاع اليد هو تأثير لقرار برفعها. ولكن، للأسف، يبدو أن النظرية التقليدية لم تمتلك أي شيء بالغ مقنع لتقوله عما يجعل اتخاذ هذا القرار المسبق من أفعال المرء المتعمدة هو الآخر. كان التفسير الوحيد المتاح، كما يرى هوبز، من نفس نوعية التفسيرات التي قيلت من قبل عن رفع اليد. إنه التفسير الذي يروق إلى مناصري الاختيارية؛ أن يكون الأمر تأثيرا لاتخاذ قرار بالقيام به. ولكن، من وجهة نظر هوبز، ليس هذا بتفسير يمكننا به تفسير كيف تكون القرارات نفسها أفعالا. وسبب هذا تحديدا هو أن القرارات ليست اختيارية؛ فلا يمكنك أن تقرر أن ترفع يدك لأعلى بناء على قرار اتخذته بأن تتخذ قرارا بذلك. # يمكننا أن نرى الآن مدى اختلاف نظرية هوبز للفعل البشري عن النظريات القائمة على الإرادة التي ابتكرت نظرية هوبز لتحل محلها. في نظرية هوبز، لا يكون التصرف كما تقرر - التسبب الاختياري في النتائج - شكلا ثانويا من الأفعال؛ فعلا نؤديه من خلال فعل أولي باتخاذ القرار بتأديته، بل يكون النوع الوحيد الموجود من الفعل. ~~ عندما أرفع يدي لأعلى اختياريا، يكون الفعل الوحيد الذي قمت به هو هذا الفعل الاختياري؛ رفع يدي لأعلى. إن قراري المسبق بأن أرفع يدي لأعلى لا يعتبر فعلا على الإطلاق. إن القرار ما هو إلا رغبة قوية تتملكني خارجة عن إرادتي، ومن ثم تدفعني للإقدام على الفعل بالتسبب في رفع يدي لأعلى. ms061 # وهكذا فإن نظرية الفعل البشري القائمة على الإرادة، النظرية التي تنص على أن الفعل هو في الأساس ممارسة لحرية الإرادة، قد جرى الاستعاضة عنها بصورة هوبز المختلفة تماما. إن الفعل البشري لا يعني إلا كوننا مدفوعين للتحرك من قبل حاجاتنا، مما يغير بعمق الفكرة المأخوذة عن الحرية البشرية. # لم تعد الحرية البشرية، لدى هوبز، من ممارسات حرية الإرادة أو تبني الأهداف، ولا تعتمد على التفكير. فلا تتعدى الحرية لدى هوبز الآتي: عدم وجود أية عوائق أمام إشباع أية رغبات قد يحدث أن تنتابنا. لا ينتقص من حريتنا شيئا أن تكون أفعالنا قد تحددت سببيا بشكل مسبق بواسطة رغباتنا، الرغبات التي تتملكنا وليس لنا فيها يد. كل ما يهمنا بشأن الحرية هو أنه بمجرد أن تنتابنا الرغبة فيجب ألا يوجد أي شيء يعوق تلبيتها. إن الحرية ما هي إلا إرادة لا يعوقها أي شيء؛ ويعني هوبز بالكلمات «إرادة لا يعوقها أي شيء» أنها رغبة لا يعوقها شيء: # الرجل الحر ~~«هو الرجل الذي ... لا يعوقه شيء عن القيام بما يريد» ... من استخدام كلمة «الإرادة الحرة»، لا يمكن الاستدلال على أي حرية بشأن الإرادة أو الرغبة أو النزعة، وإنما نستدل على حرية المرء، التي تتألف من هذا؛ بحيث لا يجد الإنسان أية عوائق لما تدفعه الإرادة أو الرغبة أو النزعة للقيام به. # إن الحرية، مفهومة على هذا النحو، تتوافق بشكل واضح مع الحتمية السببية. فنظرية هوبز عن الحرية من الواضح أنها توافقية. فإذا فرضنا أن جميع أفعالنا يتبين في النهاية أنها قد تحددت سببيا بشكل مسبق بواسطة الرغبات التي فرضها القدر علينا، فإننا نظل أحرارا، من وجهة نظر هوبز. يمكننا أن نظل أحرارا شريطة عدم وجود أي شيء يعوقنا عما نرغب في القيام به، بمجرد أن يقودنا القدر لأن نرغب في القيام به. ليست الحتمية السببية هي ما ينفي الحرية لدى هوبز، بل العوائق؛ مثل أبواب الزنازين المغلقة والحبال والسلاسل، العوائق التي تمنعنا عن القيام بما نرغب به. # هذا إلى جانب أن الحرية ms062 لا تخص البشر وحدهم؛ حيث إنها، من وجهة نظر هوبز، أمر مشترك تماما بيننا وبين الحيوانات الأدنى مثل أسماك القرش. إن أسماك القرش هي الأخرى تمتلك قدرة غير مقيدة لفعل ما تريد أو الحصول عليه. والقدرة غير المقيدة لفعل ما يريده المرء هي جل ما تئول إليه الحرية في أي وقت من الأوقات. ولا يعتبر هوبز توافقيا فحسب، بل إن توافقيته تجعل من الحرية ظاهرة طبيعية تماما، ومشتركة بين البشر والحيوانات الأدنى على حد سواء. # إن نظرية هوبز عن الحرية مدهشة للغاية. ~~ فيبدو أنها قللت من شأن الحرية البشرية أكثر بكثير مما حسبنا من قبل. في الواقع، قد يقول البعض بأن الحرية البشرية تبدو وقد اختفت، وجرى الاستعاضة عنها بحرية الدمى، حيث تتحرك أطرافها بناء على رغبات تصل في الواقع إلى قوى تعمل تأثيرها عليها؛ قوى لا يمكنها التحكم بها. وقاسم كبير من التاريخ اللاحق لمشكلة الإرادة الحرة في الفلسفة الإنجليزية كان سلسلة من الاستجابات لتلك الصورة المصغرة تصغيرا مجحفا للحرية. # في حقيقة الأمر، يمكن اعتبار هوبز مخترع مشكلة الإرادة الحرة الحديثة. في العصور الوسطى، قبل هوبز، كانت مشكلة الإرادة الحرة في جوهرها مشكلة تدور حول كيف كانت علاقة حرية البشر بكل من العقلانية البشرية وبمعرفة وأفعال الله ذي القدرة المطلقة والعلم المطلق. كانت الأسئلة المحورية كالتالي: كيف يمكن أن تجعل القدرة على التفكير من البشر أحرارا؟ وكيف تتسق الحرية البشرية والسلطان الإلهي على الكون، وعلم الله المسبق بكل ما سنفعل؟ بعد هوبز، تزايد تحول مشكلة الإرادة الحرة إلى نوع جديد من المشكلات؛ مشكلة عن كيفية توفيق الحرية البشرية داخل صورة كلية من المذهب الطبيعي. وكان السؤال محور الجدل هو: إذا كان البشر موجودين باعتبارهم جزءا من عالم مادي بالكامل قائم على العلة والمعلول، كيف تكون الحرية أمرا ممكنا؟ ~~(2) هوبز والمنطق السليم # اقتنع الكثير من الفلاسفة بوجهة نظر هوبز؛ حيث وافق هؤلاء الفلاسفة على أن الحرية من وجهة نظر هوبز - وهي قدرة غير مقيدة على الاختيارية، قدرة على التصرف كيفما ms063 نرغب - هي الحرية الوحيدة الممكنة بأي حال. وما يزيد عن ذلك من أفكار عن الحرية ما هو إلا محض ابتداعات. وفكرة أن الحرية قد تعتمد على قدرة خاصة على التفكير، أو قد تعتمد على ألا تكون أفعالنا غير مقررة مسبقا؛ كل هذا محض خيال. # وقد تبدو وجهة نظر هوبز عما يمكن أن تئول إليه الحرية منطقية على نحو كاف بمجرد أن تتقبل نظريته الخاصة بالفعل. فهوبز يطابق الفعل بالاختيارية، مع أننا نفعل ما نرغب فيه لأننا نرغب في القيام به. هذا في الأساس هو كل ما يعتقد هوبز أنه يحدث عندما نتصرف؛ أن كياننا يندفع للحركة بفعل رغباتنا. إذن ماذا يمكن أن تكون الحرية، التقرير الذاتي الذي نمارسه في أفعالنا، غير أنها الاختيارية؟ # طبقا لهوبز، أن تتصرف هو ببساطة أن تفعل شيئا على أساس رغبتك في القيام به، وهذه هي الطريقة التي نخبر بها فاعليتنا. فالطفل يرغب في حمل الكرة المستقرة على الأرض، ويجد نفسه قادرا على رفع الكرة عن الأرض كما أراد. وفي تمكنه من فعل ما يرغب في فعله، يخبر الطفل نجاح خبرته الأولى للتقرير الذاتي، إن أردت تسميتها هكذا. ونحن لا نستوعب أو نفهم - بحق - ماهية التقرير الذاتي إلا عندما نفكر فيما بعد في هذه الخبرة الخاصة بالقدرة على فعل ما نرغب في فعله. هذا ما تذهب إليه وجهة نظر هوبز. ولهذا الأمر نتيجة واضحة؛ إذا كان هوبز محقا فيما يتعلق بالفعل، فإن نوع التقرير الذاتي الوحيد الذي نخبره في أفعالنا ما هو إلا نوع من الاختيارية؛ القيام بما نرغب في فعله لأننا نرغب في فعله. ويعني هذا أن أي فكرة عن الحرية تتجاوز هذا إنما هي فكرة غير مدعومة بما نمر به في الحقيقة. # ولكن الرأي العادي - ولنكن واضحين - يتخذ بكل وضوح جانب الخيال المفترض ويعارض هوبز معارضة قوية؛ إذ إن الحرية كما نفهمها بشكل عادي تحتوي على أمور أكثر من مجرد القدرة على التصرف كما نرغب. # تذكر أن الحرية من وجهة نظر هوبز لا تعدو ms064 كونها رغبة غير مقيدة. وطبقا لهوبز، فإن الأمر الوحيد الذي يمكنه أن يسلبنا حريتنا هو عائق ما يعترض سبيل إشباعنا رغباتنا. فلا يمكن أن تسلب منا حريتنا بفعل رغباتنا ذاتها. لكن المنطق السليم يفكر في الحرية بشكل مختلف تماما؛ إذ يرى الحرية على أنها أمر ما يمكن أن يسلب منا، ليس بفعل العوائق التي تعترض رغباتنا، بل بفعل رغباتنا ذاتها. فكر في مدمني المخدرات على سبيل المثال. إن مدمن المخدرات شخص مسجون، ليس بفعل العوائق التي تعترض إشباع رغباته مثل أبواب الزنازين المغلقة أو السلاسل، بل بفعل رغباته ذاتها. إن مدمن المخدرات يفتقد الحرية في عدم تناول المخدر الذي يدمنه، وهو يفتقد تلك الحرية في عدم تناول المخدر؛ لأن رغبته في تعاطيه تدفعه لتناول هذا المخدر، وليس أي قيد خارجي. ولكن بالرغم من عدم وجود أية عوائق للتصرف كما يرغب، فإنه لا يزال يتصرف بلا حرية، ولا يزال غير حر للتصرف بصورة مغايرة. إن رغباته الشخصية ذاتها هي ما سلب منه حريته. # إن رؤيتنا للإدمان تظهر أننا نرى الحرية - امتلاك تحكم حقيقي في كيفية تصرفنا - أمرا مختلفا عن القيام بما نرغب فيه بشكل طبيعي. ولهذا السبب يمكننا بسهولة إنكار أن أسماك القرش، التي تمتلك رغبات هي الأخرى وعادة ما تكون قادرة على تنفيذها، يمكنها التحكم بأفعالها كما نفعل نحن. # يؤمن الرأي العادي أيضا بحرية نابعة بشكل خاص من الإرادة. إن ما نؤمن به بشكل طبيعي عن الإرادة والحرية النابعة منها أمر واضح بدرجة كافية. إنه بالضبط ما تقتضيه نظرية الفعل البشري التقليدية القائمة على الإرادة. إن كيفية تقريرنا ما نفعله تئول إلينا، ونحن أحرار في فعل ما نقرر. علاوة على ذلك، فإن حرية الفعل تعتمد بشكل كبير على حرية القرار تلك. إننا نمتلك سيطرة على كامل أفعالنا لا لسبب إلا أنه يمكننا أن نقرر كيف نتصرف، وما نقرره يئول إلينا أو يقع في حدود تحكمنا. إن الفكرة البديهية العادية تجعل من الواضح بجلاء أن حرية أفعالنا تعتمد على حرية الإرادة، ms065 وحرية الإرادة هي ما يفتقده المدمن. # في حالة المدمن، قد نفكر بشكل عادي في أنه يفتقد الحرية بسبب أن أفعال المدمن الاختيارية لا تتحدد بواسطة قراراته الحرة، بواسطة إرادته الحرة. إن أفعال المدمن الاختيارية وكذلك أية قرارات تؤدي إليها تتحدد بدلا من ذلك بواسطة رغباته، بواسطة دوافع خارجة عن إرادته. وعلى قدر ما تذهب إليه الأفكار البديهية العادية، فإن الرغبات تختلف تماما عن القرارات. فعلى العكس من القرارات، الرغبات أحداث تقع دون تفكير منا، أمور تعترينا دون أن تكون من أفعالنا بشكل مباشر. وهذا يجعل الرغبات تهديدا لحريتنا لا مصدرا لها. # ترك لنا هوبز والمنهج الفكري الذي خلفه رؤية واضحة للغاية ولكنها هزيلة للعالم؛ رؤية، في مجملها، قد تبدو غريبة للغاية على المنطق السليم، ولكن لا يزال الفلاسفة مقتنعين بها. إن العالم لا يعدو كونه تجمعا من الأجسام المادية، وما تاريخه إلا سلسلة من الأحداث تشتمل على تغيير أو حركة في هذه الأجسام. قد تكون هذه الأحداث محددة سببيا، أو إن لم تكن محددة سببيا فستكون إذن عشوائية إلى حد ما. إن الأفعال ما هي إلا شكل آخر من هذه الأحداث. وحدوث الفعل يعني ببساطة أن تدفعنا للحركة أحداث سابقة خارجة تماما عن إرادتنا؛ رغبات تعترينا دون تفكير. وفي غياب التحديد السببي المسبق للأفعال بواسطة رغبات سابقة، لن توجد مساحة لأي شيء سوى العشوائية. لا شك في عدم وجود أية مساحة في صورة هذا العالم لمفهومنا الليبرتاري عن الحرية. لا توجد مساحة للحرية لتكون شيئا نمارسه من خلال إرادة غير محددة سببيا، أو شيئا يمكن سلبه منا بواسطة رغباتنا. # في القرن الثامن عشر، اعتنق الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تصورا يشبه تصور هوبز للعالم على أنه وصف للعالم كما نخبره نحن؛ تصورا للعالم كما يبدو لنا. إن العالم كما نخبره نحن هو في الواقع عالم مكون من أحداث محددة سببيا. والأفعال من واقع خبرتنا نحن ما هي إلا تحركات اختيارية ناتجة عن الشهوات أو الرغبات. ولأننا لا نخبر أي شيء آخر، ms066 فإننا نمتلك معرفة وفهما نظريين للعالم من وجهة نظر هوبز فقط. # مع ذلك، اختلف كانط مع هوبز بشأن الحرية. فمن وجهة نظر كانط، لا يمتلك هذا العالم الذي نخبره أي شيء ليقدمه في صورة حرية. وذلك لأن كانط كان لا يزال يعتقد بأن الحرية هي حرية الإرادة؛ الحرية التي تصورها من واقع ليبرتاري بالأساس. كانت هذه الحرية الليبرتارية من وجهة نظر كانط لا تزال ممكنة لأن عالم هوبز المحدد سببيا، العالم كما نخبره، لم يكن الحقيقة الكاملة. إن العالم كما نخبره ليس ما يبدو عليه العالم كما هو في حد ذاته. إن عالم الخبرة قد لا يكشف لنا عن حريتنا. ولكن حريتنا لا تزال حقيقية؛ أمرا موجودا وراء المظاهر بوصفها سمة من سمات العالم كما هو في حد ذاته، بمنأى عن الخبرة. لذا لا تزال حريتنا أمرا علينا أن نؤمن بوجوده، وقد يكون هذا الإيمان صحيحا. ~~ ولكن لا تزال الحرية أمرا لم نجربه بشكل مباشر، ولا نمتلك أية معرفة أو استيعاب قائم على الخبرة. # ترى هل فرط كانط كثيرا؟ إذا كنا نؤمن بامتلاكنا للحرية الليبرتارية، فربما يتبين أن هذا الاعتقاد يعتمد على الخبرة في نهاية الأمر. ربما، وعلى العكس تماما مما افترضه كانط، تكون خبرتنا هي ما يكشف لنا قدرتنا على اتخاذ قرارات حرة؛ قرارات من صنعنا، قرارات يمكننا التحكم بها بشكل مباشر. وفي هذه الحالة لن يعدو عالم هوبز كونه أكثر من مجرد خيال دوجماتي؛ ابتكارا تخيليا يستبعد بلا رحمة كثيرا مما خبرناه بشكل مباشر عن العالم. وهو ما سأدفع به في النهاية. ~~(3) الحرية دون اختيارية # أنكر هوبز، كما رأينا، أن تكون القرارات اختيارية. فنحن لا نستطيع أن نتخذ قرارات معينة للتصرف إراديا، بناء على قرارات سابقة باتخاذ هذه القرارات. ولما كانت القرارات غير اختيارية، فقد أنكر هوبز حرية القرارات. ولأننا لا نستطيع أن نقرر أية قرارات بعينها سنخلص إليها، فلا يمكننا أن نتحكم فيما نقرر أيضا. وعلى قدر حديث هوبز عن الحرية، لم تكن الحرية تعدو الاختيارية. وإذا ms067 كان لا يمكن القيام بأي شيء بطريقة اختيارية، بناء على رغبة أو قرار سابق للقيام به، فلا بد من أن يكون هذا الأمر خارجا عن سيطرتنا ، ومن المستحيل أن تئول مسألة تحديد قيامنا به من عدمه إلينا. # إن فهمنا العادي للقرارات هو أنها ليست اختيارية في الواقع؛ إذ يقول المنطق السليم إننا غير قادرين على اتخاذ قرارات بعينها إراديا، أو بناء على اتخاذ قرار باتخاذها. ~~ ولكن لا يزال المنطق السليم مقتنعا بشدة بأن اتخاذ القرارات أمر حر. إن الأمر يئول إلينا في اتخاذ القرارات؛ لذا فإننا أحرار في تقرير خلاف ذلك. إن ما نقرره يقع في حدود تحكمنا. # يظهر هذا أنه بالرغم من أن هوبز قد طابق الحرية بالاختيارية، فإننا نميز إحدى الحالتين عن الأخرى بكل وضوح. إن فكرة المنطق السليم عن الحرية لا علاقة لها بالحرية كما يفهمها منهج هوبز التقليدي. إن الحرية كما يستوعبها المنطق السليم تختلف تماما عن أية قدرة لفعل الأمور إراديا أو اختياريا، على أساس إرادتنا أو قرارنا أو رغبتنا في فعلها. فالأمور، مثل قراراتنا، قد تئول إلينا أو تقع في نطاق سيطرتنا، دون أن نملك القدرة على فعلها إراديا. إن الفارق الجوهري من وجهة نظر المنطق السليم بين الحرية والاختيارية هو فارق يحمل الكثير من التبعات؛ تبعات سأبدأ في استعراضها في الفصل التالي، عندما أتناول محاولات الفلاسفة للاستغناء عن الحرية، وبشكل خاص، استخلاص معنى لمبادئ الأخلاق دون حرية. # الفصل الخامس # | هل توجد مبادئ أخلاق بدون حرية؟ # (1) المسئولية والتقرير الذاتي # يتعامل التفكير الأخلاقي العادي مع الناس على أنهم مسئولون أخلاقيا عما يقومون بفعله أو يمتنعون عن فعله. ويقتضي المنطق السليم أن يتحلى المرء بالالتزام الأخلاقي والمسئولية الأخلاقية تجاه فعله أو تركه الفعل وتبعاتهما. فلا يمكننا إلا أن نكون خاضعين لالتزام بفعل أشياء ما أو بالإحجام عن القيام بها. فلا يمكننا أن نكون خاضعين لالتزام بأن تحدث الأمور بشكل مستقل عن فعلنا، أو أن نتحمل مسئولية هذه الأفعال المستقلة. # وفي هذا الموضع تحديدا تصبح فكرة الحرية ms068 مهمة. لماذا يجب أن نكون مسئولين عن أفعالنا أو تركنا الأفعال؟ إن الفكرة الطبيعية، كما رأيناها، هي أننا نتحمل مسئولية أفعالنا وتركنا الأفعال؛ لأننا قادرون على أن نحدد لأنفسنا أي الأفعال نقوم بها. إن تصرفنا هو مسئوليتنا - فالطريقة التي نتصرف بها قد تكون خطأ ينسب إلينا - لأن فعلنا هو شيء يمكننا تقريره بأنفسنا. ويرتكز التفكير العادي عن المسئولية الأخلاقية على فكرة التقرير الذاتي. وأكثر التصورات طبيعية عن التقرير الذاتي هو التصور الذي يعتبره حرية. ~~ ففعلنا هو شيء نحدده بأنفسنا ما دمنا نتحكم في هذا الفعل، إن كنا قادرين على التحكم في أي شيء. وعندما يتعلق الأمر بالفعل، فسنكون مسئولين لأننا سنكون في موقع التحكم في هذا الفعل. ~~(2) الحرية والاختيارية # ولكن ليست الحرية هي التصور المحتمل الوحيد للتقرير الذاتي. فقد اقتنع الكثير من الفلاسفة بأن هناك أمرا آخر يكمن خلف مسئوليتنا الأخلاقية. اتفق هؤلاء الفلاسفة على أن المسئولية الأخلاقية لا تزال بالتأكيد على صلة بطريقة تصرفنا. ولا يزال هذا الاعتقاد قائما؛ لأن المسئولية الأخلاقية تفترض مسبقا وجود قدرة ما على التقرير الذاتي؛ قدرة على أن نحدد بأنفسنا الأمور التي نمارسها من خلال طريقة تصرفنا. ولكن الفلاسفة ادعوا أن التقرير الذاتي لا يمت إلى الحرية بصلة، بل إنه مرتبط بأمر مختلف تماما. إن التقرير الذاتي يمارس على أنه اختيارية. # كما شرحت من قبل، فإن الاختيارية هي فعل ما يريده المرء أو ما قرر القيام به لأنه أراد أو قرر القيام به. وقد رأينا أن هوبز أراد أن يعرف الحرية من منطلق الاختيارية. ~~ فالمرء يكون متحكما في فعل ما إذا كان يمتلك القدرة على القيام بالفعل أو عدم القيام به كما يريد أو يرغب. ولكننا رأينا من قبل أن هذه المطابقة بين الحرية والاختيارية أمر لا بد أن يكون خاطئا. وذلك لأننا نعتقد بأننا نتحكم في قراراتنا - أننا أحرار في أن نقرر شيئا يخالف ما نقرره في العادة - مع أن قراراتنا لا يمكن اتخاذها اختياريا. ~~ فنحن لا نستطيع أن نتخذ القرارات على أساس ms069 أننا قررنا أن نتخذها. # في حقيقة الأمر، تختلف الحرية عن الاختيارية اختلافا كليا. فكر فقط في الاختلافات بينهما. # تربط الحرية بين أداء فعل ما والبديل المتمثل في أن نحجم عن القيام به، وتقول إن كلا البديلين متاحان. فأن تقول إن الفعل يتم أداؤه من خلال ممارسة الحرية هو أن تقول إن الأمر يئول للفاعل في ألا يؤدي هذا الفعل. لذا فإن الحرية ما هي إلا قدرة واحدة يمكن ممارستها بشكل متساو بواحدة من طريقتين؛ القيام بالفعل أو الإحجام عن القيام به. ~~ وامتلاكك لهذه القدرة على الحرية أو التحكم فيما يتعلق بأداء فعل ما يكافئ أن تمتلكها فيما يتعلق بترك الفعل. ومن جانب آخر، لا يذكر أي شيء عما تسبب في أداء الفعل. # يختلف الأمر تماما في حالة الاختيارية. فأن تقول بأن فعلا ما قد جرى بشكل اختياري يقترب كثيرا من أن تقول شيئا عن سبب حدوث الفعل؛ تم الفعل على أساس رغبتنا في القيام به أو اتخاذنا لقرار بالقيام به. وعلى النقيض، لم يذكر أي شيء عن القدرة على الإحجام عن أداء الفعل. إذا كان الفاعل يمتلك القدرة على الإحجام اختياريا عن القيام بالفعل، فهذه قدرة أكثر عمقا وتميزا؛ قدرة قد نمتلكها أو لا نمتلكها. نعرض فيما يلي مثالا من القرن السابع عشر من فلسفة الفيلسوف الإنجليزي جون لوك؛ يمكنني أن أمتلك وأن أمارس قدرتي على البقاء في غرفتي على أساس أني أرغب في ذلك. فأنا باق في الغرفة لأن هذا بالضبط ما أرغب في فعله. ولكنني قد لا أعلم أن باب الغرفة موصد، فحتى إن أردت أن أخرج، فلن أكون قادرا على ذلك. فقد أكون قادرا على البقاء في الغرفة اختياريا، ولكنني لا أستطيع مغادرتها اختياريا. # يمكن استخدام الاختيارية من أجل تقديم وصف للحرية - لمسألة أن الأمر يئول إلينا في كوننا سنقوم بأداء فعل ما من عدمه - ولا يحدث ذلك إلا بالاحتكام إلى امتلاك الفاعل قدرتين مميزتين على الاختيارية؛ القدرة على القيام بالفعل اختياريا، وأيضا القدرة الأكثر عمقا وتميزا ms070 على الإحجام اختياريا عن أداء الفعل. فالحرية، وفقا لمنظور هوبز، لا بد أن ترقى، لا إلى اختيارية بسيطة وحدها، بل إلى اختيارية خاصة ثنائية الاتجاه. # ولا تبدو الاختيارية مختلفة عن الحرية بدرجة ما فحسب، بل إنها تبدو مختلفة لدرجة تكفي لكي تقدم طريقة مميزة ومختلفة جدا لفهم التقرير الذاتي؛ بديل أصيل للحرية عندما يتعلق الأمر بإدراك التقرير الذاتي الذي يمثل القاعدة الأساسية لمسئوليتنا الأخلاقية. كانت هذه هي الطريقة التي ينظر بها للاختيارية قبل أن تتجلى لهوبز فكرة الربط بين الحرية والاختيارية، وقبل محاولة تفسير الحرية من منطلق الاختيارية. إن الأشخاص الذين لا يؤمنون بالحرية البشرية لسبب أو لآخر حاولوا بالفعل أن يفسروا مسئوليتنا الأخلاقية عن أفعالنا بناء على هذا الأساس المختلف؛ حيث افترضوا أن أفعالنا هي مسئوليتنا، لا لأننا نمتلك أية حرية للتصرف بشكل مختلف، ولكن لأننا عندما نتصرف بطريقتنا العادية فإننا نتصرف اختياريا. إننا نقوم بما ترغب أنفسنا في القيام به أو ما نقرر القيام به. ~~(3) هل توجد مسئولية أخلاقية بدون حرية؟ # تؤسس الاختيارية، في نهاية الأمر، ما يشبه إلى حد كبير شكلا من أشكال التقرير الذاتي. لا شك في أنه إن كان قرار المرء أو إرادته هو ما يحدد أفعاله، فإن المرء يكون هو من حدد لنفسه ما يفعل. يمكننا أن نجد احتكاما إلى هذه الفكرة عن التقرير الذاتي بوصفه من باب الاختيارية في عصر حركة الإصلاح الديني لدى جون كالفن. وهو يقول إننا قد لا نكون أحرارا في التصرف بشكل مختلف عما نفعل، ولكن تظل أفعالنا مسئوليتنا؛ لأننا من خلالها نقوم بما قررنا أو أردنا نحن أنفسنا أن نقوم به. # عندما اتخذ البروتستانتي كالفن في القرن السادس عشر وجهة نظر كئيبة عن الحرية الإنسانية، دفع بأننا، بسبب عصاية آدم لله وما نتج عنها من الهبوط إلى الأرض وفقدان الحياة في الجنة، وقعنا في شرك الخطيئة الأولى، لدرجة أن جميع مظاهر الحرية الأخلاقية قد فقدت. ومن المحتم مسبقا أن نأثم أو أن نرتكب الأفعال الخاطئة بالضرورة، ونفتقد أية ms071 حرية لفعل الصواب. وبوصفنا آثمين، لم نعد نتحكم في أفعالنا. ولكن حتى في ظل غياب الحرية لفعل الصواب، قد نظل مسئولين أخلاقيا عن ارتكابنا الخطأ الحتمي الحدوث؛ إذ إن ارتكابنا الخطأ لا يزال مقررا ذاتيا من إحدى الزوايا. فقد لا تكون أفعالنا حرة، ولكننا لا زلنا نقوم بها اختياريا، بدافع من إرادتنا أو رغبتنا الأصيلة للقيام بها: # إذن فالنقطة الأساسية في هذا الاختلاف لا بد أن تكون أن الإنسان، المدنس منذ الهبوط إلى الأرض، يأثم بإرادته، لا رغما عنها أو إجباريا؛ من خلال نزعة قلبه التواقة، وليس من خلال القسر؛ من خلال دفع شهواته لذلك، وليس من خلال الإرغام من مصدر خارجي. (ص296) ... إن المقدر له أن يأثم لا يفعل ذلك مكرها. ~~ (ص317). # شكل : جون كالفن، 1550 تقريبا، المدرسة الفرنسية. # في أيامنا الحالية، يوجد عدد من الفلاسفة - من بينهم الفيلسوف الأمريكي هاري فرانكفورت - يرغبون، مثل كالفن، في أن يفصلوا مسئوليتنا الأخلاقية تجاه طريقة تصرفنا عن أية حرية للتصرف بشكل مغاير. إن الاختيارية التي نتصرف من خلالها - حقيقة أنه من خلال أداء فعل ما بشكل مقصود فإننا أنفسنا نفعل ما قررناه أو أردنا فعله - هي ما يجعلنا مسئولين أخلاقيا. أما الحرية في التصرف بطريقة مغايرة، فلا صلة لها بالأمر. # من الواضح سبب رغبة بعض الفلاسفة في تأسيس مسئوليتنا الأخلاقية على الاختيارية بدلا من الحرية؛ حيث إن الاختيارية سهلة الاستيعاب والفهم. فتبعاتها لا تتعدى أننا نتصرف كما قررنا أو رغبنا، في حين أن الحرية فكرة أكثر إثارة للجدل بكثير. ولما كنا ننظر بشكل طبيعي إلى الحرية من منطلق الليبرتارية، فإن ما نخلص إليه، من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة، غامض للغاية. فليس من الواضح وجود أية مساحة للحرية في عالم تكون أحداثه إما محددة سببيا أو عشوائية؛ وحيث يفترض عموما بأفعالنا ألا تزيد عن كونها مجرد تأثيرات لرغباتنا السابقة. فلماذا لا نترك فكرة الحرية، ونقيم مسئوليتنا الأخلاقية عن أفعالنا على أساس الاختيارية بدلا من ذلك؟ # إلا أن هناك سببا واضحا لعدم قدرة المنطق ms072 السليم على التخلي عن الحرية، ولعدم صلاحية الاختيارية لأن تكون بديلا لها. فالمنطق السليم يؤمن بأننا لسنا مسئولين عن أفعالنا التي نقوم بها اختياريا فحسب - على أساس أننا قررنا القيام بها - بل أيضا عن قراراتنا السابقة بالتصرف أيضا. إننا نعتقد أن ما نقرر فعله يكافئ تقريبا تصرفنا المتعمد ويكافئ تقريبا أفعالنا ومسئوليتنا، بقدر ما نقوم به على أساس القرارات التي اتخذناها. ولكن كما رأينا بالفعل، لا يمكننا اتخاذ القرارات اختياريا؛ حيث إن ما نقرره لا يخضع لقراراتنا أو إرادتنا. # وتحميل الناس المسئولية المباشرة، ليس عما يرغبون به، ولكن عما يقررون ويتعمدون في الواقع، هو جزء من أخلاقية المنطق السليم. تذكر حالة فرد الأناني، الذي بالرغم من كل ما قامت به أمه من أجله لم يكن يكترث لمصلحة أمه وكان يعمل لمصلحته هو فقط. إننا نلومه، لا على عدم مساعدته لأمه فحسب - فالاهتمام بمصلحته الخاصة قد يؤدي به في بعض الأحيان إلى تقديم المساعدة - بل أيضا على أنانيته. فهذه الأنانية ليست مجرد شعور أو حاجة ملحة تنتاب فرد دون تفكير منه. إن هذه الأنانية تتشكل من طبيعة إرادة فرد؛ من قدرته على اتخاذ القرار. نحن نلوم فرد لأنه قرر وقصد البحث عن مصلحته وحدها، ولأنه لم يقرر مطلقا الاهتمام بمصالح والدته إضافة إلى مصلحته. # يمكننا أن نلوم فرد على هذا؛ لأننا نعتبر ما يقرره فرد ويقصده هو من فعله المباشر، وكان لومنا له سيظل بنفس القدر حتى لو أنه لم يؤد الأفعال التي قصدها. وعلى النقيض مما افترضه هوبز، فإن الإرادة ليست سببا أو دافعا للأفعال؛ للأفعال الاختيارية المرادة، ولكنها قدرة على القيام بالفعل ذاته. لهذا السبب فإننا نحمل الناس مسئولية المقاصد أو الأهداف التي يتبنونها أو لا يتبنونها، وما يقررونه وينوونه. إننا نعتقد أن الوصول إلى قرار معين، وعقد نية محددة - وهو ما يمثل في النهاية تبني الفاعل لهدف أو غاية معينة - يمكن أن يكون أمرا يفعله الشخص بشكل مقصود ومتعمد. إن قراراتنا ليست أمورا تنتابنا دون تفكير منا، كرغبة ms073 عارمة، أو إدراك مفاجئ. إن ما نقرره هو في حد ذاته فعل متعمد من قبلنا. # ولكن بما أن القرارات لا يمكن أن تتخذ اختياريا، وأن ما نقرره لا يخضع للإرادة، فإن لهذا الأمر تبعات واضحة على مبادئ الأخلاق. فهو يعني أن نوعية التقرير الذاتي الذي يربط بين المسئولية الأخلاقية وطريقة تصرفنا، بما فيها طريقة اتخاذنا القرار، لا يمكن أن تكون الاختيارية. لا بد إذن أن تكون الحرية عوضا عن هذا. # الفصل السادس # | التشكك في الحرية الليبرتارية # (1) التقرير الذاتي والحرية الليبرتارية # يبدو أن التقرير الذاتي؛ أي قدرتنا على أن نحدد لأنفسنا كيف نتصرف، يجب أن يأخذ صورة الحرية. وهذه الحرية - أي أن يئول إلينا اختيار الأفعال التي نؤديها - لا يمكن أن تكون مثلها مثل الاختيارية؛ حيث إن هناك بعض الأفعال التي يمكننا التحكم بها والتي لا يمكننا القيام بها اختياريا على أساس تقريرنا أو رغبتنا في القيام بها. هذه الأفعال هي قرارات نابعة من إرادتنا. # ولكن هل الحرية ممكنة من الأساس؟ إن تصورنا الطبيعي للحرية ذو طبيعة لا توافقية، بالأحرى هو تصور ليبرتاري. إنه تصور لا توافقي من منطلق أن تحكمنا في أفعالنا يعتمد على ألا تكون أفعالنا محددة سببيا بشكل مسبق بواسطة أحداث سابقة خارجة عن تحكمنا. وهو ليبرتاري من منطلق أننا نؤمن بأن الحرية، المشروطة على هذا النحو، هي الحرية التي يمكننا امتلاكها، بل ونمتلكها بالفعل. # تاريخيا، اعتنقت التوافقية وجهة النظر التالية عن الحرية والقدرة على التقرير الذاتي التي تشكلها. فطبقا للتوافقية، عندما نتصرف بحرية، فإننا نحدد بأنفسنا كيف نتصرف؛ ولكن بشكل غير مباشر أو من خلال وسيط، كيفما كان. ليس نحن - إلى حد بعيد - من يحدد طريقة تصرفنا في حقيقة الأمر، بل أمور مختلفة عنا؛ شتى الرغبات وغيرها من الدوافع المسبقة التي تنتابنا. هذه هي الرغبات التي تسبق أفعالنا بوصفها أسبابا لها؛ وهي رغبات تقع خارج نطاق تحكمنا؛ إذ إنها نفسها ليست من أفعالنا. # أما الليبرتارية فتختلف مع هذا. فالليبرتارية تقول إننا، بوصفنا فاعلين أحرارا، عندما نقرر طريقة ms074 تصرفنا فلا بد أننا نحن أنفسنا من يقوم بهذا التقرير. فلكي يكون التحكم في كيفية تصرفنا حقيقة، يجب أن يكون نابعا منا، لا من أسباب سابقة منفصلة عن ذواتنا . وباعتبارنا فاعلين أحرارا، يجب أن نكون نحن، لا أي شيء آخر، المحددين المطلقين للكيفية التي نتصرف بها. والسؤال المحوري هنا هو: أنمتلك بالفعل هذه القدرة على التقرير الذاتي المستقل أم لا. فما الذي تنطوي عليه بالفعل هذه الصورة المضنية من التقرير الذاتي؟ # قلت في البداية إن الكثير من الفلاسفة يتشككون في إمكانية وجود الحرية الليبرتارية. فهم يفترضون أن الحرية كما يفهمها الليبرتاريون - هذه القدرة على التقرير الذاتي المستقل - مستحيلة من الأساس. وقد رأينا سابقا، في إطار عام موجز، سبب ذلك. والآن حان الوقت لتناول هذه الانتقادات الموجهة لليبرتارية بتفصيل أشمل. ~~(2) مشكلة العشوائية # ثمة مشكلة تواجه الليبرتارية، هي تهديد العشوائية. أعني ب «العشوائية» هنا عامل الصدفة المحضة. ويفترض الكثير من الناس حسب فهمهم للعشوائية على هذا النحو أنها النقيض التام للحرية. فإذا كان هناك حدث أو عملية ما تحدث عشوائيا أو بالصدفة المحضة، فلا يمكننا أن نتحكم في طريقة حدوثه أو حدوثها. ولكن يدعي النقاد أن الحرية من منظور الليبرتارية تنذر بأنها لا تعدو أن تكون صدفة؛ لأنه لا يوجد سوى بديلين اثنين؛ فإما أن الفعل يجب أن يكون محدد سببيا بشكل مسبق، وفي هذه الحالة سينكر الليبرتاريون أنه فعل حر؛ وإما أنه بقدر ما يكون الفعل غير محدد سببيا، يجب أن يعتمد حدوثه على الصدفة. ~~ ومن خلال نفي التحديد السببي المسبق، حاولت الليبرتارية أن تفسح المجال لما تعتبره الحرية الأصيلة. ولكن نظرا لغياب التحديد السببي المسبق، فإن كل ما نجده هو الصدفة، التي لا ترتقي إلى مرتبة الحرية الأصيلة بأي حال من الأحوال. سأطلق على تلك المشكلة التي تواجه الليبرتاريين «مشكلة العشوائية». # لا شك في أن المشكلة تعتمد على فرضية واحدة رئيسية، وهي أن البدائل الوحيدة المتوفرة هي: إما أن الحدث قد حدث بشكل محدد سببيا، وإما أنه حدث بناء على ms075 الصدفة المحضة. ~~ ولكن من المؤكد أن الإيمان بالحرية الليبرتارية يبدو أنه يقودنا إلى وجود احتمالية ثالثة؛ أن هناك بعض الأحداث لا تحدث بناء على التحديد السببي ولا بناء على محض الصدفة؛ لأنها تحدث داخل نطاق تحكمنا، بوصفها نوعا من ممارسة حريتنا. والآن من الواضح أن نقاد الليبرتارية يريدون أن يتجاهلوا النظر لهذا الاحتمال بوصفه احتمالا ثالثا أصيلا، ولكن من غير الواضح سبب تجاهل هذا الاحتمال. # فعلى أي حال، ما الافتراض الذي يمكن أن يكون معقولا أكثر من الأمر السابق؟ هناك بعض الأحداث التي قد تم تحديدها سببيا بشكل مسبق بالفعل بواسطة أحداث سابقة، ولذا تكون خارجة عن تحكمنا، ومن المحتم حدوثها على أي حال. وهناك أمور أخرى تعتمد على الصدفة البحتة. ولما كانت هذه الأحداث تقع بمحض الصدفة، فلا بد أن هذه الأحداث تقع دون أن نكون متحكمين فيها. هذه هي حالات العشوائية الأصيلة. ولكن هناك أحداث أخرى تقع داخل نطاق تحكمنا؛ وفي حالتها لا تكون محددة سببيا مسبقا ولا عشوائية. وعندما تقع هذه الأحداث ينطوي الأمر على أكثر من مجرد الصدفة، لا لسبب إلا أن الأحداث تقع داخل نطاق تحكمنا. إن الأمور لا تحدث بشكل عشوائي؛ إذ إننا نتحكم في كونها ستحدث أم لا، ومتى ستحدث. وإذا كان الأمر هكذا، فما الذي قد يكون أكثر طبيعية من التمييز بين هذه الاحتمالات الثلاثة المتمايزة تماما والمتساوية في أصالتها؟ # محدد سببيا بشكل مسبق # غير محدد سببيا # غير محدد سببيا # لذا # و # و # غير متحكم فيه # غير متحكم فيه # متحكم فيه ~~(عشوائي أو محض صدفة) # لحل مشكلة العشوائية هناك إذن أمر واحد سنحتاج إلى فهمه: لماذا نظرنا إلى هذا الأمر على أنه مشكلة في المقام الأول؟ إننا بحاجة إلى أن نفهم لماذا اعتقد هذا العدد الكبير من الفلاسفة بشكل شبه يقيني بأنه لا يوجد احتمال ثالث، وأن التحديد السببي المسبق أو الاعتماد على الصدفة المحضة هما الاحتمالان الوحيدان المتوفران. ~~(3) مشكلة الممارسة # هناك مشكلة أخرى تواجه القائل بالليبرتارية. هل تعتبر الحرية الليبرتارية شيئا ms076 يمكننا ممارسته، بالطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها ممارسة الحرية، من خلال ما نقوم به بشكل متعمد من أفعال أصيلة ومفهومة؟ المشكلة أنها ليست كذلك؛ فهذه الحرية الليبرتارية مختلفة عن أي شيء يمكن تمييزه بوصفه فعلا أصيلا. يبدو أن الحرية الليبرتارية تختزل ما نفعله بحيث لا يزيد عن كونه حركة غير موجهة تجري دون تفكير، ما يعادل الارتجافات والتشنجات. والحرية - التحكم الأصيل - ليست أمرا يمكننا ممارسته من خلال مجرد الارتجافات والتشنجات. وسأطلق على هذه المشكلة «مشكلة الممارسة». دعوني أشرح فيما يلي بالتفصيل كيف تنشأ مشكلة الممارسة. # تذكر أن الحرية هي أمر نمارسه من خلال الفعل المتعمد أو ترك الفعل. وهذا بالتحديد هو فعلنا؛ الوسيلة التي نمارس فيها ومن خلالها تحكمنا فيما يحدث. # ولكن ما هو الفعل؟ إنه شيء ينفذ لغرض ما، من أجل الوصول إلى هدف ما. ولكل فعل أصيل غرض ما، أمر يجعل الفعل مفهوما بوصفه فعلا متعمدا، ويسمح لنا بتفسير سبب أداء الفعل. ~~ والأفعال ليست استجابات لا إرادية تجري دون تفكير. فالأفعال دائما ما تكون أحداثا يمكن إلى حد ما فهمها من منطلق أهداف الفاعل المؤدي لها. فيسألني أحد الأشخاص: «لماذا عبرت الطريق؟» فإذا كان عبور الطريق أمرا قمت به عن عمد، وإذا لم يكن أمرا حدث نتيجة حادث خارجي (انهيار صخري دفعني لعبور الطريق) أو من خلال استجابة لا إرادية تجري دون تفكير (حدثت تشنجات في ساقي)، فدون شك ستوجد إجابة عن هذا السؤال. ستأتي الإجابة من غرضي في عبوري الطريق، فربما أكون قد عبرت الطريق من أجل مجرد عبور الطريق، أو ربما كان غرضي من العبور الوصول إلى بائع الصحف على الجانب الآخر من الطريق. # في الواقع، إن الفعل والغائية؛ القيام بأمر ما كوسيلة للوصول إلى هدف، حتى وإن كان للأمر في حد ذاته؛ يبدوان في النهاية الشيء نفسه. وإضافة إلى أن جميع الأفعال تمتلك أهدافا أو أغراضا، فمتى تجد الغائية، فستجد الفعل أيضا. فأن تعمل أمرا ما من أجل الوصول إلى هدف ما، أو من ms077 أجل تلبية غرض ما، يعني أن تكون دائما منخرطا في «العمل»؛ أن تكون مؤديا لفعل ما. # من أين تأتي وجهة الهدف الخاصة بفعلنا؟ تمنحنا رؤية هوبز عن الفعل إجابة بسيطة. إن المقاصد التي نتصرف من أجلها تأتي من رغباتنا السابقة؛ رغبات تدفعنا للتصرف اختياريا بالكيفية التي نتصرف بها. خذ عبور الطريق مثالا. هب أنني أعبر الطريق من أجل الوصول إلى بائع الصحف على الجانب الآخر. فإن ما سيلي سيكون حقيقيا: إن ساقي لن تتحركا بالصدفة، جراء تشنج أصابهما، ولكن نتيجة لسبب سابق. وهذا السبب السابق سيأتي، لا من خلال أمر خارج نطاقي؛ مثل الانهيارات الصخرية، بل من خلال رغباتي الخاصة. إنني أرغب في الوصول إلى بائع الصحف، وأن أصل إلى بائع الصحف من خلال عبور الطريق. ولهذا السبب عبرت الطريق. # يحسب فعلي فعلا أصيلا من خلال حدوثه، لا بمحض الصدفة، أو من خلال سبب ما خارجي، ولكن بوصفه تأثيرا من رغبتي في الوصول إلى هدف ما من خلال قيامي بما أفعل. والهدف أو القصد من فعلي يأتي من «الغرض» وراء هذه الرغبة الدافعة؛ من الشيء الذي أرغب في فعله. ~~ ينطبق هذا التفسير حتى عند أداء الفعل، فأنا أعبر الطريق، لمجرد عبور الطريق في حد ذاته. وهنا أيضا لم تتحرك ساقاي بمحض الصدفة ولكن نتيجة لسبب ما، وسيكون السبب مرة أخرى هو رغبتي في الوصول إلى هدف ما. في هذه الحالة، لن يكون الهدف غاية أو مقصدا «آخر». سيكون الهدف مجرد القيام بما أفعل؛ أي عبور الطريق. إن عبور الطريق شيء أرغب في فعله من أجل فعله فحسب. # إذن بالنسبة لهوبز، يحدث الفعل فقط كتأثير اختياري لرغبات سابقة. ومن خلال هذه الأسباب السابقة - من الرغبات ومن الأغراض وراء هذه الرغبات - تحصل هذه الأفعال على مقاصدها، وكذلك تحصل على هويتها بوصفها أفعالا متعمدة أصيلة. # ومن ثم فإن الفعل، طبقا لنظرية هوبز، يكون بطبيعته تأثيرا لأحداث سابقة خارجة عن نطاق تحكمنا. وهذا هو الشكل الوحيد الذي يمكن للفعل أن يكون عليه. تكون الأفعال ms078 على هذا النحو، وتكتسب توجيه الهدف الذي هو ضروري للفعل، فقط كتأثيرات لرغبات سابقة؛ رغبات عبارة عن أحداث ليست من فعلنا جرت دون تفكير. ولهذا لا يمكننا التحكم فيها . وفي حالة غياب هذه الأسباب، لن يكون هناك شيء يمكن اعتباره فعلا غائيا مفهوما. ولا يمكن أن يزيد الفعل عن كونه مجرد حدث عديم الهدف. وكما اتفقنا بالفعل، فإن الحرية، التحكم الأصيل، لا يمكن أبدا ممارستها من خلال مجرد أحداث عديمة الهدف. # أصبحت المشكلة التي تواجه الليبرتارية واضحة. تقول الليبرتارية إن الفعل الحر لا يمكن أن يحدد سببيا من خلال أحداث سابقة خارجة عن نطاق تحكمنا؛ مثل الرغبات السابقة. ~~ ولكن نظرية هوبز عن الفعل التي نتناولها حاليا تقول إن الفعل لا يعتبر فعلا على الإطلاق إلا إذا كان تأثيرا لهذه الرغبات السابقة. وهذا يفصل الحرية الليبرتارية عن طبيعة الفعل، وهو ما يمثل معضلة عميقة إلى حد ما. # إن الحرية أمر يفترض بنا أن نمارسه من خلال الطريقة التي نتصرف بها، من خلال قدرتنا على الفعل. ولكن طبقا لنظرية هوبز، فإن قدرتنا على الفعل تتطابق مع نوع معين من القوة السببية. إن قدرتنا على الفعل تتطابق مع قوة سببية خاصة برغباتنا، هذه الرغبات القادرة على دفعنا للتصرف على النحو الذي نرغب فيه. وهذا هو مضمون الفعل طبقا لنظرية هوبز؛ التمكن من القيام بما نريده لأننا نريد القيام به. # ولكن بعيدا عن ممارسة الحرية الليبرتارية من خلال هذه القوة السببية، فإن الحرية الليبرتارية أمر تهدده في الواقع هذه القوة السببية. فعلى كل حال، لسنا أحرارا من منظور الليبرتارية إذا ما أتت هذه القوة السببية في صورة قوية بقدر كاف؛ إذا ما حددت رغباتنا فعلنا سببيا بشكل مسبق. إن القوة السببية للرغبات المسبقة في التأثير على ما نفعل - هذه القوة السببية التي، في نظرية هوبز، تشكل قدرتنا على الفعل - يجب أن تكون محدودة إذا ما أردنا ممارسة الحرية الليبرتارية. # يبدو إذن أن الحرية الليبرتارية نوع من الحرية التي لا يمكن ممارستها من خلال قدرتنا ms079 على الفعل. فالحرية الليبرتارية بدلا من ذلك تتعارض مع هذه القدرة ذاتها، بل وتهدد من قبلها. ولكن بالنظر إلى هذه الرؤية عن الحرية، فإن هذا أمر عبثي. إن أية حرية ممكنة لنا - الحرية التي يمكننا أن نمتلكها ونمارسها - يجب أن تكون ممارستها ممكنة من خلال الفعل. وهكذا سيكون لدينا مشكلة الممارسة. لا يبدو أن الليبرتارية تخلط بين الحرية والعشوائية فحسب، بل أيضا يبدو أنها تجعل الحرية في صورة شيء لا يمكننا ممارسته من خلال الطريقة التي نتصرف بها. ولكن الحرية الحقيقية - الحرية التي يمكننا التمتع بها - يجب أن تكون ممارستها ممكنة من خلال الطريقة التي نتصرف بها. # عند هذه النقطة، قد يتساءل بعض الفلاسفة عما إذا كانت هناك مشكلة بالفعل. إنهم مستعدون لأن يفترضوا، إلى جانب هوبز، أن جميع الأفعال يجب أن تحدث نتيجة أسباب سابقة، كتأثيرات للرغبات. ولكن بافتراضهم هذا، فإنهم يصرون على أننا بحاجة إلى وضع فارق؛ إن ما يسلبنا حرية الفعل ليس الأسباب السابقة لأفعالنا، بل التحديد السببي لها. وحريتنا لا تسلب من خلال الأسباب السابقة فحسب، بل بالأسباب السابقة التي تحدد أن تأثيراتها يجب أن تحدث، والتي لا تترك أية فرصة لاحتمالية أننا سنتصرف بأية صورة مغايرة لما تدفعنا للتصرف على نحوه. ولكن لا شك في أن التأثير السببي يمكن أن يكون متدرجا. فبعض الأسباب تحتم أن تأثيراتها يجب أن تحدث وسوف تحدث. قد لا تكون بعض الأسباب الأخرى على نفس درجة القوة؛ فهي قد تؤثر فحسب على حدوث نتائجها من عدمه، دون تحديد أن هذه النتائج يجب أن تحدث. وقد توجد أسباب تترك مساحة من الفرصة لنتائجها لكي لا تحدث. # خذ مثلا التدخين باعتباره مسببا لمرض السرطان. ربما، في بعض الحالات، يحدد التدخين سببيا لدى بعض الأشخاص إصابتهم بالسرطان. فبناء على تدخينهم، لا توجد فرصة لأن يتجنبوا مرض السرطان. ولكننا لا نعلم يقينا أن هذا الأمر سيحدث في يوم من الأيام. فمن المحتمل جدا أن يؤدي التدخين إلى السرطان في أغلب الأحيان، ولكن دون تأكيد ms080 حقيقي بحدوث السرطان. ربما يزيد التدخين بشكل ملحوظ من احتمالات الإصابة بالسرطان، ولكنه لا يصل بهذه الاحتمالات إلى مرحلة التأكيد. لا تزال هناك فرصة ألا يحدث السرطان. لا شك في أن السرطان قد يحدث في النهاية، ولكن هذا لن يتم تحديده. # مثل هذه الأسباب التي تؤثر دون تحديد عادة ما يطلق عليها الأسباب الاحتمالية، وهي تعطي فحسب لتأثيراتها بعض الاحتمالية دون أن تضمن أنها ستحدث. وإذا ما قمنا بإجراء هذا التمييز بين أنواع مختلفة من الأسباب، فسيتضح أن الحرية الليبرتارية لا تزال متسقة تماما مع وجهة نظر هوبز عن الفعل. إن ما يتطلبه الفعل هو أن يكون تأثيرا لرغبات سابقة. ولكن لا يجب أن تحدد الرغبات في الواقع كيفية تصرفنا. فهي قد تكون مجرد مؤثرات على أي الأفعال سنؤدي. كما أن المسببات قد تكون احتمالية وليست محددة. # ولكن هذا التمييز بين الأسباب المحددة والاحتمالية لا يساعد فعليا. فالتنافر بين الفعل والحرية الليبرتارية لا يمكن أن يعالج بسهولة. وسبب هذا الأمر واضح للغاية. ~~ الواقع أن الحرية الليبرتارية تتسق اتساقا كبيرا مع الأفعال ذات المسببات غير الحرة المسبقة، شريطة أن يكون تأثير تلك المسببات ضعيفا بدرجة كافية، بحيث تؤثر هذه الأسباب على أسلوب تصرفنا بدلا من أن تحدد تصرفاتنا. ولكن هذا التأثير السببي، حتى وإن لم يكن يقصي الحرية الليبرتارية، لا يزال يمثل تهديدا لها. فمع زيادة كافية في هذا التأثير السببي - التأثير نفسه الذي يفترض به أن يجعل أفعالنا متعمدة - سوف تقصى الحرية الليبرتارية. # وهذا يعني أنه إذا أضفنا المزيد مما يجعل أفعالنا أصيلة - إذا ما زدنا من التأثير السببي للرغبات السابقة - فإن الحرية ستنتهي. وسيكون هذا بالتأكيد أمرا لا يحتمل. ~~ فليس من المحتمل أن ما يجعل الفعل فعلا، ويشكل منه وسيلة لممارستنا الحرية، يمكن أن يكون في الوقت ذاته أمرا مهددا للحرية. وليس من المحتمل أن ما يعطي الفعل هويته يجب أن يكون محدودا كي تكون الحرية ممكنة بأي حال من الأحوال. إن الحرية أمر نمارسه من خلال كيفية تصرفنا. ms081 لذا لا يمكن أن تكون أمرا مهددا بطبيعة الفعل ذاتها. # لذا فإن المشكلة ليست أن الأفعال الحرة لا يمكن أن تكون ناتجة عن أسباب، فحتى الليبرتاريون يقرون بأن الفعل الحر قد ينتج عن أسباب، شريطة ألا تكون هذه الأسباب السابقة محددة للفعل. بل المشكلة عوضا عن ذلك هي، كما افترض هوبز، أنه إذا كان ما يجعل الفعل فعلا هو كونه تأثيرا لأسباب سابقة، فإن هوية الفعل تأتي من نوع من التأثير السببي المهدد للحرية، وهو التأثير الذي يجب أن يكون محدودا كي تكون الحرية ممكنة. ~~ وهكذا أصبحت الحرية الليبرتارية شيئا مهددا بطبيعة الفعل ذاتها. إن مثل هذا التهديد للحرية أمر عبثي. فالحرية شيء تسمح لنا قدرتنا على الفعل بأن نمارسه. لذا فإن القدرة ذاتها لا يمكن على نحو معقول وبطبيعتها أن تهدد الحرية وتتعارض معها. # إن مشكلة الممارسة تبدو خطيرة، ولكنها مثل الكثير من المشكلات لها أكثر من حل ممكن. ~~ يمكننا أن نعالج المشكلة بلا شك، من خلال التخلي عن المفهوم الليبرتاري للحرية. يمكننا أن نتبع هوبز ونطابق الحرية بشكل من أشكال الاختيارية، مع القدرة على التصرف كما نرغب أو نريد. وهذا، بكل تأكيد، من شأنه أن يعالج التوتر بين الحرية والفعل. وبعيدا عن وجود تنافر بين الحرية وقدرتنا على الفعل، فإنهما قد تكونان متماثلتين إلى حد ما. ويمكن تفسير كل منهما من منطلق القدرة العامة ذاتها، القدرة على الاختيارية. # ولكن لماذا نتخلى عن المفهوم الليبرتاري للحرية؟ لماذا لا نتخلى بدلا من ذلك عن مفهوم هوبز عن الفعل، الذي يتسبب في هذه المشكلة؟ فعلى كل حال، لقد رأينا بالفعل أن المنطق السليم لا يقيد الفعل بالاختيارية؛ أي لا يقيده بما نفعله، باعتباره تأثيرا لدوافع سابقة، كما يحدث مع رغبة سابقة للقيام بالفعل. ومثل النظرية التقليدية القائمة على الإرادة، يبسط المنطق السليم نطاق الفعل ليشمل بعض الدوافع السابقة نفسها أيضا، عقد النيات والقرارات السابقة التي نقوم على أساسها بالكثير من الأمور اختياريا؛ مثل عبور الطريق. هذه القرارات الدافعة تعتبر أفعالا حتى ms082 وإن لم تكن في حد ذاتها تأثيرات لقرارات أو رغبات في اتخاذ قرارات. في حقيقة الأمر، كما سأدفع، من الممكن، من حيث المبدأ على الأقل، أن تتخذ هذه القرارات دون سبب على الإطلاق؛ دون أن تكون تأثيرات لأي شيء على الإطلاق. # ربما نجد إذن في القرارات الفعل الأصيل - أي التوجه الأصيل نحو الهدف - ولكن في شكل مستقل تماما عن السببية المسبقة. ربما تعتبر القرارات أفعالا أصيلة موجهة نحو الهدف، ولكن دون رغبات سابقة تعمل على دفعنا لاتخاذ تلك القرارات. في هذه الحالة، سيختفي التوتر بين الحرية الليبرتارية والفعل؛ إذ سنتوقف عن تفسير طبيعة الفعل من منطلق يمثل تهديدا للحرية الليبرتارية. ~~(4) مقارنة بين مشكلتي العشوائية والممارسة # يقول خصوم الليبرتارية إنها نظرية غير متماسكة عن الحرية. ولكن تذكر أن هناك طريقتين مختلفتين لعرض هذا الزعم. قد يضع خصوم الليبرتارية في اعتبارهم مشكلة العشوائية، ويمكن أن يزعموا أن الليبرتارية تحول الحرية إلى شيء لا يعدو كونه صدفة. أو قد يضعون مشكلة الممارسة في اعتبارهم، ويمكن أن يدعوا أن الليبرتاريين يفصلون ممارسة الحرية عن الفعل. وقد يدعون أن الليبرتاريين يحولون ممارسة الحرية إلى أمر يجري دون تفكير وغير مدفوع، من خلال فصلها عما يجعل ما نفعله فعلا غائيا مفهوما بشكل أصيل. وهذان الاتهامان مختلفان تماما، وهما يحتاجان إلى الإجابة عنهما بطريقتين مختلفتين تماما. # للرد على الادعاء أن الليبرتارية تخلط بين الحرية والعشوائية، قد نحتاج إلى إرساء أن الحرية الليبرتارية تتضمن شيئا أكبر من مجرد الصدفة؛ أي إنها تتضمن أكثر من مجرد غياب التحديد السببي المسبق. للرد على الاتهام الثاني قد نحتاج إلى إرساء وجود بعض الأفعال المفهومة - أفعال متعمدة وموجهة نحو الهدف بشكل أصيل - غير المسببة. وبلا شك قد ننجح في إظهار أحد هذين الأمرين دون النجاح في إرساء الأمر الآخر. على سبيل المثال، قد نكون قادرين على أن نظهر أنه حتى القرارات غير المسببة على الإطلاق قد تكون أفعالا أصيلة موجهة نحو الهدف. ولكن هذا لا يزال يترك احتمال أن هذه القرارات، باعتبارها ms083 غير مسببة، أو على الأقل غير محددة سببيا، تتخذ بشكل عشوائي؛ إذ إنه بسبب كونها غير محددة فحدوثها لم يتضمن شيئا سوى الصدفة. ولكن لا يزال علينا أن نفسر كيف أن ما يطلق عليه الليبرتاريون حرية يزيد عن مجرد الصدفة. # إن إمكانية وجود الحرية الليبرتارية قيد التهديد؛ حيث يوجد التهديد من مشكلة الممارسة. ويبدو أن الحرية الليبرتارية في حالة حرب مع طبيعة الفعل ذاته الذي ينبغي ممارستها من خلالها. ثم هناك مشكلة العشوائية. فالحرية الليبرتارية مهددة بأن تتحلل لتصبح مجرد صدفة، أو هكذا يزعمون. وليس من الواضح على الإطلاق مدى جدية هذه الانتقادات. ~~ وخلال الفصلين التاليين سأحاول حل هاتين المشكلتين، متناولا مشكلة الممارسة أولا، ثم متحولا إلى مشكلة العشوائية. # الفصل السابع # | التقرير الذاتي والإرادة # (1) علاج مشكلة الممارسة # سنخصص الفصلين الأخيرين من أجل الدفاع عن الليبرتارية؛ حيث سأحاول فيهما أن أرد على جميع الاعتراضات التي واجهت إمكانية وجود الحرية الليبرتارية. وسيتناول هذا الفصل مشكلة الممارسة. # تذكر أن مشكلة الممارسة تقوم في الأساس على نظرية هوبز عن الفعل. إن الفعل من منظور هوبز هو نوع من التأثير؛ تأثير الرغبات وكذلك تأثير أحداث سابقة خارجة عن نطاق تحكمنا. لذا فإن القوة السببية لهذه الرغبات من المفترض أن تشكل قدرتنا على الفعل. ~~ ولكن هذه القوة السببية للرغبات لتحديد ما نفعل هي نفسها ما يهدد مفهوم الحرية من منظور الليبرتاريين. فإذا كانت هذه القوة السببية قوية بالدرجة الكافية، فستختفي الحرية. إن ثمن الحرية، كما يفهمه الليبرتاريون، هو تقييد هذه القوة السببية؛ بمعنى آخر، تقييد ما يجعل من الفعل فعلا أصيلا. إذن، فالاعتراض على الليبرتارية هو: كيف تكون الحرية، بمفهومها الصحيح، مهددة بطبيعة الفعل نفسها؟ إذا كنا نمارس الحرية من خلال ما نفعله، فلن تكون الحرية أمرا يتعارض مع قدرتنا ذاتها على الفعل. لا شك في أن الليبرتاريين قد أساءوا فهم مضمون الحرية. # ذاك هو الاعتراض، ولكي نرد عليه علينا أن نستبدل نظرية هوبز عن الفعل. وهذا ما يهدف له هذا الفصل؛ الاستعاضة عن نظرية هوبز ms084 بنظرية جديدة لا تكون أكثر توافقا مع الليبرتارية فحسب، بل تعطي أيضا وصفا أفضل للفعل ذاته. ستكون هذه النظرية أكثر اتساقا مع ما نعتقده بشكل طبيعي، عن كل من الفعل واتخاذ القرار الذي ينطوي الفعل على قدر كبير منه. ~~(2) الفعل دون اختيارية # يعتبر هوبز الفعل نوعا من التأثير؛ التأثير لرغبات سابقة. هل يوجد أي بديل، نظرية مختلفة عن نظرية هوبز لفهم ماهية الفعل، نظرية تسمح للفعل بأن يحدث دون سبب؟ ينبغي وجود نظرية كتلك، من وجهة نظري؛ وذلك لأننا بشكل طبيعي نؤمن بأن الفعل قد يحدث بشكل غير مسبب. ونحن نسمح بوجود هذه الاحتمالية في حالة قراراتنا الخاصة. # هب أنه في ظهيرة أحد الأيام، بعد أن توقفت لأستريح وألتقط أنفاسي أثناء نزهة على الأقدام، قررت أن أهب واقفا كي أستكمل مشيي، بدلا من البقاء جالسا بجوار ضفة النهر أو البدء في العودة إلى المنزل. هذا القرار باستكمال المشي هو قراري الخاص، قرار اتخذته متعمدا تماما. إذن فهذا القرار من صنع يدي؛ ومن ثم فهو أحد أفعالي. ولكن ليس معنى أن القرار من فعلي أنه يجب أن يكون ناتجا بأي صورة من الصور. وبشكل خاص، لا يجب أن يظهر القرار على أنه أمر مفروض علي أو مدفوع من قبل التأثير السببي لأية رغبة سابقة. # فحتى لحظة اتخاذ ذلك القرار، لم يكن ثمة وجود لأية رغبة ظاهرة من جانبي بأي صورة لمواصلة مشيي. فقبل اتخاذ هذا القرار لم يكن ثمة أي دليل أو تلميح عن أي هوى أو نزعة من شأنها التسبب في دفعي لأن أتخذ قرارا بهذا الخيار بعينه. وهذا الأمر، حسب ظني، حدث لا لسبب إلا لعدم الحاجة إلى وجود مثل هذه الرغبة السابقة. في المقابل، يمكننا أحيانا أن نقرر القيام بالأفعال دون وجود أية رغبة أو غيرها من صور الدافعية دون تفكير، التي دفعتنا إلى اتخاذ هذا القرار. # إن القرارات التي نتخذها والطريقة التي نتخذ بها القرارات هي بلا شك من صنعنا. ~~ فالقرار ليس مجرد حدث يجري دون تفكير ms085 وينتابنا مثل المشاعر. إنه أمر نقتنع به اقتناعا عميقا في حياتنا اليومية، ولكن هذا الاقتناع لا يعتمد على أي اعتقاد بأننا مدفوعون إلى اتخاذ القرارات كما يحدث في حالة الرغبات. هب أني أقرر بالفعل أن أقوم بأمر ما، وأنني أتخذ هذا القرار دون وجود أية رغبة سابقة دفعتني إلى اتخاذ هذا القرار. على أي مستوى، لا يوجد دليل مستقل على وجود أي رغبة من هذا القبيل. ألا يمكن أن يظل اتخاذي لهذا القرار بعينه هو من صنيعي المقصود والمتعمد؟ هل ينبغي أن يقودني الغياب الواضح لأي رغبة تدفعني لاتخاذ هذا القرار أو أي قرار إلى التشكك في كون هذا القرار من صنيعي؛ القرار المتخذ بشكل متعمد تماما؟ إن الشك المبني على ذاك الأساس يبدو عبثيا. ووجود مثل هذه الرغبة يبدو أمرا غير ضروري بالمرة لاعتقادي أن قراراتي هي من صنيعي. إن قراراتي هي أفعالي الخاصة لا لسبب إلا لأنها قراراتي الخاصة، وليست بسبب أية مسببات مسبقة قد تكون لها. # إذا كان هذا الأمر صحيحا، فالقرارات تصبح أفعالا من خلال كونها نوعا من الأحداث النفسية في حد ذاتها، سواء أكانت تحدث بسبب الرغبات أم لا. ولكن كيف يكون هذا الأمر ممكنا؟ # ما الذي ينطوي عليه الفعل؟ لقد زعمت أن الأمر الوحيد الذي يتضمنه الفعل، والذي يجعله فعلا أصيلا، هو الغائية. فأن تقوم بأشياء من أجل قصد ما، كوسيلة للوصول إلى غاية، هو أن تكون منخرطا في فعل؛ وأي فعل أصيل يكون مفهوما بوصفه أمرا تم القيام به من أجل الوصول لغاية ما. فمن أين إذن تأتي الغائية؟ # في حالة الأفعال التي يبدو من الواضح أنها اختيارية - الأفعال التي نقوم بها بكل وضوح على أساس رغبات أو قرارات سابقة للقيام بها - يبدو أن هذا التوجه نحو الأهداف يأتي من الخارج، من الدوافع المسبقة التي سببت الفعل. إنه يأتي من موضوعات هذه الدوافع المسبقة، يأتي مما يجعل هذه الدوافع دوافع من أجل الفعل. فعندما أعبر الطريق عن عمد وقصد، فمن الواضح أني أعبر ms086 الطريق بناء على رغبة أو قرار مسبق بعبور الطريق. ومن الواضح بشكل مماثل أن هدفي أو غايتي من عبور الطريق يجب أن يأتي من السبب ذاته. يجب أن يأتي من غرض هذه الدافعية المسبقة ذاتها، مما أردت أو تعمدت أن أفعل بعبوري الطريق. # ولكن عندما يتعلق الأمر بالقرارات نفسها، فإنه لا يكون صحيحا بالقدر نفسه من الوضوح. ~~ فعندما أقرر أن أستكمل سيري، فإن اتخاذي لهذا القرار يبدو بوضوح أنه فعلي المتعمد؛ ومن ثم، يبدو أنني قد اتخذت القرار من أجل الوصول إلى غاية واحدة على الأقل. يهدف القرار للوصول إلى هدف واحد بعينه. عندما أقرر أن استكمل سيري، فلدي على الأقل هذه الغاية للقيام بهذا الأمر؛ أن أستمر في السير نتيجة لهذا القرار. هذا هو السبب في اتخاذنا للقرارات بشأن أي الأفعال التي نؤديها. إننا نتخذ هذه القرارات من أجل الوصول إلى الكيفية التي سنتصرف بها، من خلال التأكد من أن ينتهي بنا الأمر إلى القيام بالفعل الذي قررنا القيام به. إن غايتي من تقريري الاستمرار في سيري هي التأكد من أن استمراري بالسير هو ما سينتهي بي الأمر إلى القيام به. # هذا الهدف الذي ينطوي عليه قراري لا يبدو أنه يأتي من أي سبب مسبق على الإطلاق. على سبيل المثال، لا يبدو أن القرار يأتي من أية رغبة مسبقة، بل يأتي من طبيعة القرار ذاتها. يأتي من غرض يكتنفه القرار كدافع خاص به، يأتي مما يميز القرار كقرار بتأدية فعل ما. إن الهدف من اتخاذ القرار هو أداء الفعل الاختياري الذي يحفزنا القرار للقيام به، الهدف الذي من أجله اتخذت قرارا بالقيام به. فتوجه القرار نحو الهدف - التوجه نحو الهدف الذي يعد جزءا جوهريا من طبيعته كفعل - مكون أساسي له. وقد يكون هذا هو المفتاح لفهم ما يتضمنه الفعل، وما يجعل الحدث فعلا أصيلا محدد الهدف، لا مجرد حادثة وقعت دون تفكير. ~~(3) نموذج الفعل العملي القائم على التفكير # بين أيدينا فهم للفعل المتعمد مختلف تماما عن نموذج هوبز القائم ms087 على الاختيارية، وهو ما سأطلق عليه نظرية الفعل «العملية القائمة على التفكير». # رأينا من قبل أننا، بوصفنا بشرا، نمتلك القدرة على العقلانية العملية. فنحن قادرون على التدبر أو التفكير في الأفعال التي نؤديها، ومن ثم نقرر كيف سنتصرف بناء على هذا التفكير. ربما يمكن استيعاب الفعل من منطلق هذه القدرة، بدلا من استيعابه من منطلق نظرية هوبز، بوصفه تأثيرا اختياريا لدوافع مسبقة، يمكننا أن نستوعبه من منطلق عملي قائم على التفكير. من هذه الرؤية الجديدة؛ أن نؤدي فعلا ما هو أن نمارس عقلانيتنا أو قدرتنا على التفكير، ولكن بطريقة عملية أو مشكلة للفعل. # من خلال هذه الرؤية، فإن قراري بأن أذهب للسير يعتبر فعلا متعمدا، ليس بسبب أنه أمر نقوم به اختياريا، كتأثير لرغبة مسبقة للقيام بالفعل - ليس هذا الأمر - ولكن بسبب أن مثل هذا القرار يحدث بوصفه ممارسة خاصة وعملية بشكل مميز لقدرتنا على العقلانية. # ما الذي قد يجعل اتخاذ قرار ما ممارسة للعقلانية تتسم بالعملية أو بأنها مشكلة للفعل؟ تذكر ماهية القرارات. عند اتخاذ قرار بالذهاب للسير، فإني أمارس قدرتي على التفكير. أي إنني، في اتخاذي هذا القرار، يمكنني أن أستجيب بشكل جيد أو سيئ لأسباب التصرف كما قررت، ومن ثم قد تعتبر قراراتي معقولة أو سخيفة بناء على هذا. والآن، عندما أتخذ قرارا، أرى أن هذا النمط من ممارسة التفكير يكون عمليا أو مشكلا للفعل؛ لأنه يمتلك ما دفعت بأنه سمة مميزة للفعل. هذه السمة المميزة للفعل هي التوجه نحو الهدف. # يمكننا أن نرى كيف تكون القرارات موجهة نحو الهدف عندما نفكر فيما يجعل القرار قرارا منطقيا أو عقلانيا. إذا كان قراري بالذهاب للسير قرارا عقلانيا، فإنه يجب أن يكون الذهاب للسير أمرا من المرغوب القيام به حقيقة. إن عقلانية اتخاذ القرار بفعل أمر ما تعتمد دائما على أن يكون الفعل المقرر فكرة طيبة؛ أمرا مرغوبا في القيام به. ~~ ولكن هذا الأمر ليس كافيا. إن اتخاذ قرار الذهاب للسير يجب أن يكون أمرا ممكنا بالقدر الكافي لضمان ms088 أنني سأذهب بالفعل للسير. لهذا السبب لا يتخذ الأشخاص العقلانيون والمنطقيون قرارات بشأن أمور لا يمكن أن تؤثر فيها تلك القرارات. ولما كانت وظيفة القرارات هي أن تقود إلى تحقيقها، فإن عدم توافر فرصة ليفعل القرار هذا الأمر يعتبر حجة قاطعة ضد اتخاذ هذا القرار. قد أرغب وأتمنى، عقلانيا، تمضية شيخوختي في القيام بأمور مفيدة وشائقة، بدلا من عدم فعل أي شيء. ولكن لا توجد أية فائدة من تقريري في الوقت الحالي قضاء شيخوختي في القيام بأمور مفيدة إذا لم يكن لهذا القرار أي تأثير؛ أي إذا لم تكن أية قرارات أتخذها في الوقت الحالي - بسبب الوقت الطويل الذي سيمر - من شأنها أن تحدث أي فارق لدوافعي في شيخوختي. # قارن بين القرارات ونوع مختلف من الدافعية، دافعية تجري دون تفكير في حقيقتها، لا نراها عادة كفعل مقرر ذاتيا. قارن بين القرارات وبين الرغبات أو الشهوات المحضة. إن الرغبات أو الشهوات هي بالتأكيد غير موجهة نحو الهدف بالصورة ذاتها، فهي لا تشكل بهدف التأكد من أن الغرض من الرغبة قد تم الحصول عليه؛ أي إن ما نرغبه قد تحقق. ويمكننا أن نفسر سبب اختلاف الرغبات عن القرارات بهذه الطريقة. فلكي تكون الرغبة أو الإرادة عقلانية، يكفيها أن يكون غرضها - ما هو مرغوب أو مطلوب - مستحبا أو طيبا في الحقيقة. ~~ وشريطة الوفاء بهذا الشرط، لا يهم أن تتسبب الرغبة في جعل الأمر المرغوب فيه يحدث، سواء أكانت هناك أية فرصة أمام الرغبة لتحقيق غرضها أم لا. ربما سيحدث ما نرغب في حدوثه - إذا ما حدث، بشكل منفصل تماما عن حقيقة أننا نرغب في حدوثه - ويمكننا أن نتأكد من حدوث ذلك. ربما كان ما أرغبه هو فوز إنجلترا بالكأس، عندما لا أكون واقعا تحت تأثير أية أوهام بأن رغباتي المحدودة، بوصفي مشجعا عن بعد، سيكون لها أي تأثير على النتائج. هذا لن يهم. فإذا كان ما أريده أمرا مرغوبا بحق - إذا كان أمرا محببا للحدوث - يمكن أن يكون على هذا الأساس وحده منطقيا ms089 بالنسبة لي لأرغب في حدوثه. إن كان من وجهة نظري على الأقل أنه سيكون من المحبب للغاية أن تفوز إنجلترا بالكأس، فإن فوز إنجلترا بالكأس أمر يمكنني أن أرغب بشدة على أساس معقول تماما في حدوثه. # في الواقع، قد لا يرغب الأشخاص العقلانيون تماما في حدوث أمر ما فحسب، بل يرغبون أيضا في حدوثه بشكل مستقل تماما عن رغباتهم. فكون ما يريدونه مرغوبا قد يعتمد كليا على حدوثه لا على أنهم يرغبون في حدوثه. # قد أرغب بشدة في أن يقوم ابني الراشد أو ابنتي الراشدة بفعل الأمور الصحيحة، ولكن بشرط أن يقوموا بذلك بشكل مستقل وبمفردهم تماما، لأنهم قد حددوا لأنفسهم ما ينبغي عليهم أن يفعلوه، ودون أي تأثير مني بأي حال من الأحوال. هب أنني أتوقع تماما ومتأكد كليا، أيا كان ما سينتهي بهم الأمر إلى فعله، أنهم سيقومون بهذا الأمر باستقلالية؛ فسيقومون بهذا الأمر بشكل مستقل تماما عني. ~~ ولا ينتقص من عقلانيتي أن أظل راغبا في أن يقوموا بالأمور الصحيحة. إن ما لا يمكنني فعله عقلانيا، تحت تلك الظروف، هو أن أقرر أنهم سيفعلون الأمور الصحيحة. # هذا لأن القرار عبارة عن فعل ذي هدف. فالقرار ما هو إلا ممارسة للعقلانية الموجهة نحو الغرض منه، الفعل الاختياري المقرر، كهدف - الهدف المزمع أن تصل إليه أو تحققه هذه الممارسة للعقلانية - ممارسة للعقلانية التي تجعل القرار فعلا متعمدا موجها نحو الهدف، فعلا تعتمد عقلانيته على احتمالية تحقيقه للوصول إلى الهدف. وفي هذه الحالة، عندما يتعلق الأمر بابني، أعلم أن ما أقرره لن يكون له تأثير يذكر على ما سيفعله ابني، لذا فإن تقرير ما سيفعله ابني سيكون عديم القيمة. # إن القرار ما هو إلا دافعية ذات غرض ما. فالقرار هو قرار القيام بأمر ما. ولكن القرار لا يعتبر دافعية عادية؛ حيث إنه يختلف تماما عن الرغبة العادية. وهذا لأن علاقة القرار بالغرض منه هي ذاتها العلاقة بين الفعل والغرض منه. فالقرار مرتبط بموضوع اتخاذ القرار - بما سيتخذ بشأنه القرار - مثل ارتباطه ms090 بالهدف الذي من المفترض أن يحققه القرار. إن ما يوضح هذا الأمر ليس حقيقة أن القرار يمتلك سببا محددا، ولكنه أمر مختلف تماما. ~~ فما يثبت هذا الأمر هو الطريقة التي تتحدد بها عقلانية القرار؛ لا على أساس مرغوبية الغرض منه فحسب، ولكن أيضا فرص القرار في المساعدة على تحقيق الغرض بالفعل. # والرغبة هي الأخرى دافعية موجهة نحو الهدف؛ فالرغبة دائما ما تكون رغبة في حدوث أمر ما. ولكن الرغبة ليست عملية بطبيعتها. فالرغبة موجهة نحو الغرض منها بوصفه أمرا مرغوبا فحسب، وليس باعتباره هدفا يتحقق بموجبها. إذن فعقلانية الرغبة في حدوث حدث ما لا تعتمد على قدرة الرغبة على التسبب في حدوث هذا الحدث. يمكنني أن أرغب في أن تفوز إنجلترا بالكأس - وأن أرغب في هذا الأمر بعقلانية تامة - رغم ثقتي بأن ما أرغب فيه لن يؤثر في كون إنجلترا ستفوز فعليا بالكأس. إن ما لا يمكنني القيام به بصورة عقلانية بهذا الاعتقاد هو أن أقرر أن إنجلترا ستفوز بالكأس. # لقد وصلنا إلى نموذج للفعل المتعمد، كما وعدتكم، يكون نموذجا عمليا وقائما على التفكير لا على الاختيارية. والنموذج العملي القائم على التفكير يميز الفعل المتعمد، لا على أنه التأثير الاختياري لرغبة سابقة، ولكن على أنه ممارسة عملية للتفكير. لذا سيكون أحد الأشكال التي يمكن أن يتخذها الفعل على نحو مثالي وهو شكل الدافعية المستجيبة للتفكير والمطبقة للتفكير؛ أي اتخاذ القرار بالتصرف. فقد يكون القرار غير اختياري، ولكنه مع ذلك قد يظل مرتبطا بغرضه، وهو الفعل المقرر، بشكل عملي، بوصفه هدفا، مثل أي فعل آخر، قد تم اتخاذ القرار بالوصول إليه. # لم نعد نصف الفعل على أنه نوع من التأثير، ولكن نصفه بدلا من هذا كشكل من أشكال ممارسة التفكير. إن ما يميز الفعل ليس نوعا خاصا من الأسباب، بل نوعا خاصا من العقلانية. # تقول نظرية هوبز عن الفعل إن جميع الأفعال تحصل على أهدافها خارجيا، من محتويات الرغبات السابقة بوصفها مسببات دافعة دون تفكير. وقد أنكر هوبز أن تحصل الأفعال ms091 على توجهها نحو أهدافها داخليا، بمعزل عن المسببات السابقة للفعل. وتنكر رؤية هوبز أن الأفعال قد تحصل مطلقا على توجهها نحو الأهداف من تلقاء نفسها. وما إن نستوعب الفاعلية من منطلق عملي مبني على التفكير، حتى تختلف الأمور كثيرا. فالآن يمكن للأفعال المتعمدة أن تحدث كنوع من الدافعية غير الاختيارية، كقرارات بالتصرف تحصل على توجهها نحو أهدافها داخليا، لا من رغبات سابقة، بل من خلال أغراضها الخاصة. والآن تستطيع أفعال القرارات وعقد النيات هذه - الموجهة نحو الهدف بطبيعتها - أن تمرر هذا التوجه نحو الهدف إلى الأفعال الاختيارية التالية التي تقوم بدفعها وتفسيرها. إن قراري بأن أصل إلى بائع الصحف يحفزني كي أعبر الطريق. والغرض من القرار - الوصول إلى بائع الصحف - سيتشارك فيه بعد ذلك الفعل الاختياري لعبور الطريق الذي حفزه من البداية. وهذا يعني أنه في كل مرحلة يمكن أن يأتي الهدف مما أفعل، لا من رغبة ما دون تفكير، فرضها القدر علي، بل من صنيعي. إن الهدف الذي أسعى إلى تحقيقه ينبع من قراري بالسعي إلى تحقيقه. فبإمكاني أن أكون المنشئ الحر لأهدافي وغاياتي. # والنتيجة هي فصل توجه الفعل نحو الهدف عن الدوافع التي تجري دون تفكير مثل الرغبة. فنحن لم نعد بحاجة إلى الارتكان إلى رغباتنا السابقة من أجل إيجاد أغراض أو أهداف لأفعالنا. فالأهداف التي تتوجه إليها أفعالنا يمكن أن تكون وسيلة بسيطة لما نقرره بأنفسنا، بحرية وفاعلية. # تنظر النظرية الأخلاقية التقليدية إلينا، كما رأينا، على أننا المنشئون الأحرار لأهدافنا وغاياتنا. وهي تعتبرنا المسئولين أخلاقيا عن أهدافنا وغاياتنا، لا عن النتائج التي نتمكن فقط من تحقيقها اختياريا. ويتخذ المنطق السليم وجهة النظر ذاتها؛ لوم الناس وتحميلهم المسئولية عن كونهم أنانيين، لمجرد كونهم يهتمون بصالحهم دون النظر إلى صالح الآخرين. إن نموذج الفعل العملي القائم على التفكير يعلي من رصيد هذه الفكرة البديهية الأخلاقية؛ إذ يوضح كيف يمكن لأهدافنا وغاياتنا أن تكون أفعالنا، وأنها لا تفرض علينا بواسطة رغباتنا. # رأينا كيف ثبت مدى تأثير هوبز، كما رأينا أنه ms092 حتى إيمانويل كانط، الليبرتاري في الأساس في منظوره عن الحرية، تراجع إلى وجهة النظر القائلة إن الحرية والفعل الحر كما نفهمهما لا يمكننا أن نملك أية معرفة نظرية عنهما . ولكن لاحظ أن كانط ما برح يفكر في الفعل وتوجهه نحو الهدف من وجهة النظر التقليدية السابقة على هوبز. فطبقا لكانط، إننا أنفسنا نتبنى أهدافنا بحرية. إن أهدافنا لم تفرضها علينا «الطبيعة»، بواسطة التأثير السببي للدافعية دون تفكير: # إن «الهدف» هو «غرض» الاختيار الحر، وتمثيل هذا الهدف يحوله إلى فعل (من خلاله يتم تحقيق الغرض). ولهذا فإن لكل فعل هدفه؛ وحيث إنه لا يمكن لأحد أن يكون لديه هدف دون أن يحول «بنفسه» الغرض من اختياره إلى هدف، فالحصول على هدف من الفعل أيا كان هو فعل من أفعال «الحرية» من قبل الشخص الفاعل، وليس من تأثير «الطبيعة». # إن موقف إيمانويل كانط فعليا كما يلي: إن الفعل الحر يتضمن التبني الحر المبدئي لهدف أو غاية؛ والحرية عند نقطة الاختيارية مشتقة من هذه الحرية السابقة في تبني الهدف؛ لأنه من خلال التبني الحر للأهداف - من خلال الاتخاذ الحر للقرارات - فإن «الغرض» (الفعل الاختياري المستهدف والمقرر) «يحدث». # إن المفهوم العملي القائم على التفكير يسمح لنا بأن ندافع عن مفهوم كانط عن الفعل الحر. ولكن الفعل الذي من خلاله نمارس حريتنا لا يحتاج بالضرورة لأن يكون مثلما افترض كانط أن يكون؛ أمرا لا يمكن معرفته نظريا. فليس هناك ما هو مجهول أو غامض بشأن الفعل كما فهمناه من منطلق النموذج العملي القائم على التفكير. إننا نعتمد فقط على الادعاءات عن عقلانية الفعل التي ثبت أنها صحيحة، وملكية عامة لأي شخص يمتلك أي قدر من فهم كنه الفعل. إن الأفعال عبارة عن أحداث موجهة نحو الهدف. وما يجعلها أحداثا موجهة نحو الهدف هو أن عقلانيتها - سواء أكانت تعتبر معقولة أم سخيفة - تعتمد على غرض ما بطريقة تجعل هذا الغرض هدفا أصيلا للفعل؛ أمرا من المفترض أن يحققه الفعل. إن الحدث يكون فعلا إذا ما كان ms093 له غرض، وإذا كانت عقلانيته تعتمد على أن يكون الهدف مرغوبا، وعلى أن توجد إمكانية كافية للوصول إلى الغرض من خلال وقوع الحدث. والقرارات تتوافق مع هذا النموذج، لذا تعد القرارات أفعالا. # شكل : إيمانويل كانط، عام 1791، بريشة دوبلر. # إننا نمتلك الحل لمشكلة الممارسة؛ الحل الذي يحافظ على الحرية الليبرتارية بوصفها احتمالية متماسكة على الأقل. فبفضل النموذج العملي القائم على التفكير، لم نعد نصف الفعل وتوجهه نحو الهدف من منطلق أنهما يتعارضان مع الحرية الليبرتارية. ولم يعد الفعل يتشكل على هذا النحو بواسطة قوة سببية ما مهددة للحرية تحدث دون تفكير وليست من صنيع الفاعل. إن الأهداف التي يتصرف الفاعل لتحقيقها لم تعد مفروضة عليه من الخارج دون تفكير منه، وبطريقة تهدد حريته بذلك. ~~ فهذه الأهداف يمكن أن تتحدد من خلال فعل الفاعل نفسه؛ الفعل الذي يمكن أن يكون غير مسبب بالكامل. إذن، إذا كانت الليبرتارية تفترض أن الحرية تعتمد على وجود حد للتأثير السببي للرغبات السابقة على ما يقوم به الفاعل، فهذا لا يفصل بأي حال من الأحوال الحرية عن الفعل المتعمد وما يشكله. لأن الدوافع التي منحت أفعالنا مفهوميتها وتوجهها نحو الهدف، والتي تشكل أفعالنا كأدوات منطقية للحرية، لم تعد رغباتنا، بل أصبحت قراراتنا، التي يمكن أن تحدث كأفعال حرة في حد ذاتها. وقد اشتقت حريتنا على الفعل كلية من حرية هذه الأفعال ذات الدافعية الذاتية. # يلقى المؤمنون بحرية الإرادة الليبرتارية انتقادات كثيرة بسبب عدم واقعيتهم بشكل كبير فيما يتعلق بمنظورهم عن الطبيعة البشرية. فهم عادة ما يتهمون بأنهم يؤمنون بوهم مفرط بفكرة الفاعل الحر بوصفه صانعا ذاتيا بالكامل؛ بوصفه مسئولا عن جميع الأمور التي يجب أن تعتمد عليها هذه الأفعال الحرة، لا عن أفعاله الحرة فقط، ولكن ليس هذا ما أدفع به هنا. إن أداءنا أي فعل حر يجب، من أي منظور معقول، أن يعتمد على امتلاكنا المسبق للقدرة على الفعل الحر. وهذه القدرة يجب أن تمنح، ولا يمكن أن تكون من صنع أيدينا أو تقع في نطاق ms094 مسئوليتنا. وليس الليبرتاريون بحاجة إلى فرضية مغايرة لذلك. # هذه القدرة على الفعل الحر تتضمن، بشكل خاص، فهما أو استيعابا مفاهيميا لشتى الأهداف الممكنة، فهما منحنا إياه دون تفكير وليس من صنيع الفاعل الحر. ولا تتحقق حرية الفاعل إلا عندما يحدث هذا الفهم للأهداف الممكنة. وهذه الحرية تتشكل، مباشرة على الأقل، من التحكم في أي من هذه الأهداف الممكنة يرمي إليه الفاعل أو يقصده؛ على سبيل المثال، التحكم في كونه سيقرر الذهاب للسير أم سيمكث مكانه بدلا من ذلك. # إن الفعل كوسيلة لممارسة هذه الحرية - الفعل الذي يشكل قرارا بالقيام بأمر ما بدلا من أمر آخر - هو الذي يمكن - ويجب - وصفه دون اللجوء إلى السببية الناجمة دون تفكير. إذا كانت الليبرتارية بصدد إثبات تماسكها المنطقي، يجب أن يكون الفاعل قادرا على اتخاذ قرار بانتقاء خيار معين، بدلا من تنحية هذا الخيار، دون الاضطرار إلى أن يكون سبب اتخاذ هذا القرار مبنيا على رغبة سابقة. وهوية الفعل - الهدف المحدد الموجه إليه؛ ما يجعل القرار قرارا بالفعل - يجب ألا تشتق من تأثير سببي يقصي الحرية من أجل التصرف بشكل مغاير، وذلك حسب رأي الليبرتاريين. فيجب أن تكون هوية الفعل من صنيع الفاعل نفسه بالكامل، أن تكون ناتجة بالكامل عن طريقة ممارسته قدرته على الفاعلية، وألا تتحدد بواسطة اندفاع دون تفكير يفرض على الفاعل من الخارج. هذا بالتأكيد هو مفهوم الفعل البشري والاختيار الذي تتطلبه الحرية الليبرتارية، وهذا هو المفهوم الذي يوصله النموذج العملي القائم على التفكير. # يكتب الكثير من الفلاسفة المعاصرين كما لو كان الأمر بدهيا أن جميع الأفعال تحدث نتيجة لرغبات، نتيجة لدافعية مسبقة دون تفكير. ولكن هذا ليس بدهيا. فعندما أقرر بشكل تلقائي أن أستكمل سيري، عادة ما يكون الأساس الوحيد الذي أبني عليه الافتراض أننا مدفوعون للقيام بأمر ما هو أننا قد قررنا القيام به. لا حاجة إلى أي دليل تجريبي من أي نوع على ما إن كانت توجد داخلنا قبل القرار رغبة سابقة كانت تدفعنا وتحركنا للقيام بهذا الأمر. ms095 أي إنه لا بد أننا قد دفعنا للفعل بواسطة رغبة ما كهذه. هذا كلام نابع من قناعة، وهي قناعة لا حاجة بنا إلى تبنيها. # إذا كان هذا الأمر صحيحا ، فإن القرارات قد تحولت إلى أفعال من خلال كونها الأحداث النفسية التي هي عليها في حد ذاتها، ليس بموجب أية أسباب سابقة من المحتمل أنها وجدت. ولكن لاحظ أنني لم أنكر أن الأفعال، إضافة إلى القرارات، يمكنها، كحقيقة مشروطة، أن تتأثر بالرغبات الحادثة دون تفكير. فإذا ما قررت أن أستكمل سيري، من المحتمل جدا أنني قد دفعت إلى القيام بهذا الأمر بواسطة، على سبيل المثال، توق أو رغبة ما مسبقة للاستمرار بالسير. لا أقصد من فكرتي إنكار هذه الاحتمالية، بل تهدف فكرتي إلى التنبيه إلى أن تقرير الاستمرار بالسير أمر لا يعتمد في هويته أو طبيعته على هذا التأثير الحادث دون تفكير. فاتخاذ القرار بالاستمرار بالسير أمر - من حيث الأساس على الأقل - يمكنني القيام به دون أن أتأثر أو أدفع للقيام به بواسطة رغبة سابقة للتصرف على هذا النحو. وإذا أمكن أن تكون القرارات غير المسببة أفعالا في حد ذاتها، فإنه لا يوجد في جوهر الأفعال الموجهة نحو أهداف ما يشكل تهديدا للحرية الليبرتارية. وهكذا تم حل مشكلة الممارسة؛ المشكلة المتعلقة بكيفية ممارسة الحرية الليبرتارية في إطار يمكن إدراكه بوصفه فعلا أصيلا. # الفصل الثامن # | الحرية وموقعها في الطبيعة # (1) هل الحرية قوة سببية؟ # لعلنا عالجنا الآن مشكلة الممارسة؛ ولم نعد نفهم الفعل من منطلق مهدد للحرية الليبرتارية، بوصفه نتيجة لرغبات تعترينا دون تفكير. فيمكن للفعل أن يتخذ شكلا غير سببي تماما. ويمكن للفعل أن يحدث كقرار غير مسبب، دون أن تتأثر طبيعته من حيث كونه فعلا أصيلا ومتعمدا. ولكن تظل مشكلة العشوائية قائمة. وحتى إن كانت أفعالنا موجهة نحو أهداف محددة، باعتبارها غير مسببة أو بوصفها غير محددة سببيا، فإنها لا تزال من عمل الصدفة البحتة. والنيات التي عقدناها يمكن أن تظل عشوائية لا ممارسة لسيطرة أصيلة. ~~ وعلينا أن نظهر أن الليبرتاريين ms096 يمكنهم التمييز بين الحرية غير المحددة سببيا وعمل الصدفة البحتة، وكيف أن الليبرتاريين بالرغم من ربطهم الحرية بغياب التحديد بفعل أحداث سابقة فإنهم في الوقت ذاته لا يربطونها بالعشوائية . # تذكر أنه وفقا لمذهب التشككية، فإن الحرية الليبرتارية لا تعدو كونها عشوائية. ~~ لذا لا يوجد سوى بديلين؛ فإما أن يكون الفعل محددا سببيا بشكل مسبق - الأمر الذي يصر الليبرتاريون أنه سيقصي الحرية - وإما أن حدوث الفعل لم يحدد مسبقا، وأنه يجب أن يحدث بمحض الصدفة. في هذه الحالة، سيصر المتشكك على أن الحرية الأصيلة تتعرض للإقصاء مرة أخرى. لا يوجد حل وسط لهذا الأمر. # لقد طرحت بالفعل سؤالا عن سبب افتراض أي شخص لهذا الأمر. فربما يكون هناك احتمال ثالث؛ وهو مع أن الحدث يقع دون تحديد سببي، فإنه لا يقع بمحض الصدفة أو عشوائيا، هذا لأن الحدث يقع من خلال ممارستنا حريتنا. ومع أن الحدث لم يحدد سببيا فإنه لم يقع بمحض الصدفة؛ لأننا نتحكم في كونه سيقع من عدمه. إننا بحاجة إذن لأن نفرق بين نوعي الأحداث غير المحددة سببيا؛ فهناك تلك الأحداث التي لم تحدد سببيا فحسب، وتقع هذا الأحداث بشكل عشوائي تماما إذ تعتمد في حدوثها على الصدفة البحتة. ومن الواضح أنه في حالة تلك الأفعال لن يوجد أي دخل للحرية في حدوثها. ثم هناك تلك الأحداث غير المحددة سببيا ولكنها خاضعة للتحكم. لذا لن توجد عشوائية أو صدفة مجردة لأنه يوجد أمر إضافي تكتنفه العملية، وهذا الأمر الإضافي هو ممارسة الحرية؛ فالفاعل يتحكم في وقوع الحدث من عدمه. # في الحقيقة، ثمة سبب مهم للغاية لاحتمال أن يرغب أحدهم في استبعاد هذا الاحتمال الثالث والأخير؛ أن يكون الحدث غير محدد سببيا ولكنه خاضع للتحكم. كما سنرى، يمكن دحض هذا الاحتمال الأخير إذا ما وضعنا فرضية حاسمة؛ أن الحرية، إن وجدت، يجب أن تكون نوعا من القوة السببية. وأعتقد أن هذه الفرضية بالذات هي ما سبب مشكلة العشوائية. لذا دعوني أزد في القول عن هذه الفرضية، عما تكتنفه ms097 وسبب افتراض أي شخص لها. # من الواضح أن الحرية - قدرتنا على التحكم في الكيفية التي نتصرف بها - هي قوة من نوع ما. فهي، بالرغم من كل شيء، تترك لنا المآل في تحديد طريقة تصرفنا. إن الحرية تترك، مثلما قد نصف الأمر، طريقة تصرفنا «في متناول يدنا». وتحكمنا في أفعالنا ما هو إلا ذلك؛ قوة محددة للفعل والحدث، قوة نتمتع بها لتحديد كيف سنتصرف. # الحرية إذن هي نوع من القوة التي تحدد وقوع الأحداث. إنها القوة التي تحدد أحدث ما سيقع أم لا. إنها قوة خاصة لا يمكن أن يتمتع بها، كما يبدو، سوى الكائنات العاقلة مثلنا نحن البشر، ولا يمكن ممارستها إلا من خلال الفعل: من خلال طريقة تصرفنا. فالحرية قوة تحدد الأفعال التي نؤديها. ويطرأ سؤال هنا: كيف تتصل هذه القوة بقوى الطبيعة الأخرى؟ # هناك قوة يمكننا إيجادها في الطبيعة بصورتها الأكبر؛ قوة غير مملوكة للفاعلين العقلانيين فحسب بل تمتلكها أيضا حتى الجوامد مثل العصي والأحجار. هذه القوة هي القوة السببية: القوة لخلق المؤثرات. وبلا أدنى شك، ترتبط هذه القوة بالحرية بدرجة كبيرة. إن الحرية هي قوة يمكن بسط نطاقها من خلال السببية. أضف القوة السببية إلى القدر الموجود بالفعل من الحرية أو السيطرة، وستحصل على المزيد من السيطرة. هب أنني أتحكم بالفعل في القيام بفعل ما أو عدم القيام به؛ مثل تشغيل مفتاح كهربي. إذن فإن تحكمي يمكن أن يزداد أكثر من خلال القوة السببية لهذا الفعل، من خلال تأثيراته المحتملة. ربما سيؤدي تشغيل المفتاح إلى إنارة الأضواء أو إطفائها. في هذه الحالة، بفضل الفعل الذي له قوة التأثير على الأضواء، فإن تحكمي في كوني سأؤدي هذا الفعل يمنحني السيطرة على كوني سأنير أو أطفئ تلك الأضواء. إن القوة السببية للفعل الذي أتحكم به بالفعل تمنحني المزيد من السيطرة، على كل ما يمكن أن يؤثر عليه القيام بهذا الفعل. # من المغري أن نفترض أن العلاقة بين الحرية والسببية يمكن أن تكون أقرب من هذا. ربما لا يمكن بسط ms098 نطاق الحرية من خلال السببية فقط، بل ربما الحرية ما هي إلا نوع من السببية. في هذه الحالة، تشتمل ممارسة الحرية منذ البداية على خلق التأثيرات. فأي حدث نتحكم به يجب أن يحدث كتأثير تسببنا فيه. الأمر الذي يعني أنه لن يوجد سوى قوة واحدة في العالم محددة للحدث، لا اثنتين. لن يكون هناك سوى قوة سببية، ولن تعدو الحرية الإنسانية أن تكون سوى صورة أخرى لها. # يمكننا أن نرى كم يمكن أن تكون هذه الفكرة مقنعة؛ حيث إنها تلبي حاجتنا العميقة إلى تبسيط تنظيرنا حول العالم. إننا نرغب في توضيح أكبر قدر ممكن في أقل حيز ممكن. إننا نرغب في التقليل من الفيض الوافر من أنواع الأشياء والظواهر الموجود في العالم إلى أقل عدد ممكن من العناصر الأساسية؛ عدد بسيط ومحدود من العناصر التي يمكن توضيح أن الكل الثري والمعقد مشكل منها. لم لا نستعيض إذن عما يبدو أنه قوتان مختلفتان؛ الحرية والسببية، بقوة واحدة أكثر جوهرية؛ السببية، التي سيتضح أن الحرية لا تزيد عن مجرد حالة خاصة منها؟ # يبدو هذا الخيار أكثر جاذبية عندما نفكر في جميع الصعوبات والشكوك التي تطرحها فكرة الحرية. فهل من طريقة للتعامل مع هذه الشكوك والصعوبات أفضل من الانتهاء إلى أن الحرية ما هي إلا نفس القوة المألوفة مثل قدرة الحجارة على كسر النوافذ، أو قدرة النار على غلي الماء؟ # ولكن إذا أجرينا هذه المطابقة، فسوف تتبعها المعادلة التي تضم غياب التحديد السببي مع الاعتماد على الصدفة البحتة أو العشوائية. إذ إن الصدفة البحتة أو العشوائية ما هي إلا غياب تام للتحديد السببي. وهذا هو ما تحصل عليه من غياب التحديد السببي و«لا شيء آخر»، بما في ذلك غياب التحكم. وإذا لم نمارس التحكم إلا بوصفه نوعا من السببية - بوصفه نوعا من القوة السببية - إذن على قدر وقوع أحداث غير محددة سببيا، غير محددة بأية قوة سببية، على القدر ذاته سيكون حدوثها غير متحكم به. وهذا بالتحديد ما يترك حدوثها الأخير، غير المحدد ms099 سببيا وغير المتحكم به في الواقع، معتمدا على الصدفة البحتة والعشوائية. # في المقابل، ليس من الواضح أن الحرية نوع من القوة السببية. فرغم كل شيء، لا تمتلك العصي والأحجار حرية، مع أنها أو الأحداث التي تكتنفها يمكنها بوضوح خلق تأثيرات. في الواقع، إن أغلب الأمور التي تنطوي على قوة سببية - التي تخلق تأثيرا - تفتقد السيطرة على كيفية ممارسة هذه القوة. إن إلقاء حجر على النافذة لا يتحكم في كونه سيكسرها أم لا. بمجرد أن يلقى الحجر في اتجاه النافذة بقوة معينة، فسيكون هناك تأثير واحد فقط له؛ هو انكسار الزجاج. إن الحرية مختلفة تماما عن هذا، فالحرية أو السيطرة هي بالأساس قوة يمكن ممارستها بأكثر من طريقة، لتحديد كون حدث معين سيقع أم لا. إننا نسيطر على الأفعال التي نؤديها، في حين تفتقد المسببات العادية إلى السيطرة على التأثيرات التي نحدثها. # ومن أية وجهة نظر، أن نمارس الحرية معناه أن نحدد لأنفسنا إن كان فعل ما سيحدث أم لا. فالحرية هي قوة التحديد. مع ذلك، أخذ الكثير من الفلاسفة المسألة لأبعد من ذلك، فزعموا أن التحديد والتحديد السببي يجب أن يؤديا إلى النتيجة ذاتها. فمن وجهة نظرهم، ما لم يتم تحديده سببيا لم يتم تحديده أيضا بواسطتنا، ومن ثم يكون خارجا عن إرادتنا. ولكن هذا يتجاهل احتمالية أن تكون الحرية قوة لا سببية؛ إذ إنه من خلال ممارسة الحرية قد نقوم بتحديد طريقة تصرفنا على نحو غير سببي، ويكون هذا بطريقة تختلف تماما عن الطريقة التي يحدد بها الحجر انكسار النافذة. # هناك حد واضح للبساطة في الطبيعة. فيجب أن يكون هناك اختلافات جوهرية، وإلا فسيكون كل شيء متطابقا؛ الأمر الذي يتكشف بجلاء أنه لا يعبر عن الواقع. وإن إبراز الاختلافات بحيادية له القدر نفسه من الأهمية مثل إيضاح التشابهات. إننا لا نستطيع أن نفسر بنجاح أي شيء من خلال الإصرار الدوجماتي على أن الأمور الواضح اختلافها ما هي في الواقع إلا الشيء الواحد نفسه. وقضية قوة الحرية والقوة السببية مثال ms100 وثيق الصلة على هذا؛ فهاتان القوتان تبدوان مختلفتين تماما، وربما كان هذا لا لسبب إلا لأنهما متباينتان حقا. # من المهم أن نركز على هذه النقطة؛ لأن التراث الفلسفي باللغة الإنجليزية كان ينزع إلى تجاهلها، وفي الخمسين عاما الأخيرة، كان يميل خصوصا إلى تجاهل النقطة المتعلقة بالأمور التي تكتنف العقل والعقلية. فالعقل، لا سيما العقل البشري البالغ التطور، من الواضح أنه شيء متميز ومختلف. في العقل نجد أمورا وظواهر تبدو مختلفة تماما عن أي شيء آخر موجود في الطبيعة بصورتها الأكبر. فنجد الوعي، ونجد الفهم، ونجد العقلانية أو القدرة على الاستجابة للأسباب، ونجد الحرية؛ القدرة على التحكم في الإرادة والأفعال الاختيارية الأخرى التي تعتمد على ما نقرره بإرادتنا. أو هكذا نعتقد. ولكن بدلا من ملاحظة وتقدير هذا التميز، انزعج الكثير من الفلاسفة انزعاجا شديدا حيال هذا الأمر. ~~ وقد اتخذوا المسار الذي كان توماس هوبز هو أول من ولجه؛ مسار المذهب الطبيعي، الذي يحاول أن ينكر أو يقلل من قدر الاختلافات الجلية بين البشر والطبيعة بصورتها الأكبر. # أحد الخيارات هو «الاستبعاد» الطبيعي، وهذا الخيار هو إنكار وجود أمور مثل الوعي والفهم والعقلانية والحرية. ولكن الخيار الثاني الأكثر فطنة هو «الاختزال» الطبيعي، وهو الخيار الذي يعترف بوجود كل من الوعي والفهم والعقلانية والحرية، ولكنه يجعل من كل منها ما لا يتعدى مجرد حالة خاصة من سمة ما أخرى من المفترض أن تكون أقل إشكالية موجودة في الطبيعة بصورتها الأكبر. إننا نحاول أن نصف جميع هذه الأمور من منطلق آخر؛ منطلق مستعار من الطبيعة بصورتها الأكبر وليس معادلا مفرط البساطة للظاهرة التي نحاول وصفها. وفي حالة الحرية ستكون الفرضية كالتالي: إن الحرية لا تعدو كونها نوعا من القوة السببية. ~~(2) الطبيعية التوافقية والحرية بوصفها قوة سببية # كان للتفسيرات الاختزالية للحرية بوصفها نوعا من القوة السببية منشأ؛ إذ يعود منشؤها إلى إرث هوبز. كان التوافقيون المتبعون لهذا النوع من الطبيعية ميالين بشكل خاص إلى وصف كنه الحرية من منطلق آخر، ويرون الحرية باعتبارها لا تزيد عن ms101 كونها نوعا من السببية. وادعى هؤلاء التوافقيون أن الحرية - السيطرة التي نملكها على أفعالنا - هي قوة سببية لرغباتنا. لذا افترضوا صحة نظرية هوبز عن الفعل؛ إذ افترضوا أنه أن نؤدي فعلا ما هو أن نقوم بشيء اختياريا، بناء على رغبة سابقة للقيام به؛ وتكون هذه الرغبة سابقة وسببا، يحدث دون تفكير تماما، لكيفية تصرفنا. فأصبح الأمر مغريا للغاية أن نختزل الحرية، القوة التي نملكها للسيطرة على أفعالنا، بحيث لا تتعدى كونها القوة السببية لرغباتنا وشهواتنا التي تنجح في تحريكنا، كما لو كنا دمى، لفعل ما تدفعنا للقيام به. لماذا لا ينبغي أن تئول الحرية إلى مجرد هذه القوة السببية؟ ففي النهاية، طبقا لنظرية هوبز عن الفعل، فإن ممارسة هذه القوة السببية هي كل ما يكتنفه الفعل. إن الفعل ينقاد للقيام بما نريد من خلال حقيقة أننا نرغب في القيام به. وإذا لم تحدث رغبتنا هذه التأثيرات فيما نقوم به، فلا يمكن أن يحدث الفعل على الإطلاق، وكذلك لا يمكن ممارسة الحرية أيضا. إن أية عقبات تمنعنا من إشباع رغباتنا تكون، بطبيعتها، عقبات تمنعنا من ممارسة الحرية. لذا، لماذا لا نعرف ممارسة الحرية على أنها تتشكل، على نحو نقي ومجرد، من هذه الرغبات التي تسبب إشباعها دون عقبات؟ إن الحرية هي قوة رغباتنا التي تدفعنا للتصرف حسب ما نرغب. # ولكن هذا الاختزال من جانب التوافقيين غير مقبول؛ إذ إنه يتعارض مع فكرة المنطق السليم عن الفعل التي - كما رأينا من قبل - لا تعرف الفعل بوجه عام على أنه نتيجة لحاجاتنا ورغباتنا. يمكن للفعل الموجه نحو الهدف أن يتخذ تماما شكلا ليس من الضروري أن يكون مسببا بواسطة الرغبات أو أي دافعية مسبقة. ويمكن للفعل الموجه نحو الهدف أن يأخذ شكل قرارات تصرف غير مسببة. يعني هذا أنه لم يعد بمقدورنا تعريف الحرية على أنها قوة رغباتنا لتحقيق إشباعها. لأن إعاقة إشباع هذه الرغبات لم تعد تمثل عقبة مهددة للحرية تحول دون قيامنا بالأفعال. إن ما يمنع إشباع رغباتنا قد لا يكون ms102 سوى قراراتنا المتعمدة؛ مثال ذلك قراراتنا بعدم أداء الفعل الدنيء الذي تدفعنا كل رغباتنا وشهواتنا وتغرينا للقيام به. إن منع إشباع رغباتنا يمكن أن يكمن في أفعالنا المتعمدة . ~~ يمكننا أن نكبح رغباتنا بشكل متعمد من خلال ممارسة إرادتنا المغايرة لها. ولكن إن كان الأمر كذلك - أن أفعالنا المتعمدة هي ما تكبح رغباتنا، وليس عقبة خارجية ما - فما الأمر المهدد للحرية المتأصل في ذلك؟ # إن الفعل، كما نرى الآن، ليس بطبيعته نتيجة لرغباتنا، بل إنه أمر مختلف تماما. ~~ فالفعل هو في الواقع القدرة على التحديد العمدي لأي من رغباتنا - إن وجدت - ينبغي إشباعها. وكذلك حريتنا، تحكمنا في كيفية ممارستنا لهذه القدرة على أفعالنا، هي أيضا تحكم فيما إن كنا سنقوم بإشباع أي من هذه الرغبات، وأي منها سنشبعه. إن استخدامنا لهذه القوة لكبح رغباتنا لا يكون فقدا لحريتنا، بل يكون سبيلا ممكنا لممارستها. # ولا يمكن للحرية، التي تمثل قوة تحكمنا في أفعالنا، أن تتحدد منطقيا على أنها قوة سببية للرغبات السابقة أو غيرها من الدوافع السلبية لتحديد كيفية تصرفنا. وهذا بسبب أننا قادرون على استخدام أفعالنا بشكل متعمد، الأفعال ذاتها التي نمارس حريتنا من خلالها، لكي نكبح رغباتنا. إذا كانت الحرية قوة سببية بأي حال من الأحوال، فلا بد أنها قوة سببية من نوع آخر. ~~(3) الليبرتارية والحرية بوصفها قوة سببية # لا شك في أن الليبرتاريين لن يعرفوا الحرية أبدا على أنها قوة سببية لرغباتنا أو غيرها من الدوافع التي تعترينا دون تفكير لتحديد كيفية تصرفنا. وهناك سبب واضح للغاية لهذا. فلما كانت مثل هذه القوة السببية أمرا يمكن - عندما يتخذ صورة قوية بدرجة كافية - أن يقصي الحرية الليبرتارية من أساسها، فيجب أن تكون تلك القوة والحرية الليبرتارية أمرين مختلفين تماما. بالنسبة لليبرتاريين، يكون تأثير القوة السببية لأي حدث أو موقف سابق على كيفية تصرفنا تهديدا محتملا لحريتنا. لذا لا يمكن أبدا مطابقة الحرية مع هذه القوة السببية. # إلا أن الكثير من الليبرتاريين قلقون من أنه إن لم تكن الحرية شكلا من ms103 أشكال القوة السببية، فلن يكون هناك شكل آخر تتخذه الحرية؛ إذ إن الفعل غير المحدد سببيا لن يتم تحديده أو السيطرة عليه بأية طريقة أخرى. فلن يكون سوى فعل عشوائي. لذا سعى هؤلاء الليبرتاريون أيضا إلى تعريف الحرية الليبرتارية على أنها قوة سببية، ولكنها قوة سببية من نوع مختلف. # هناك نوع آخر وحيد من القوة السببية يمكن أن تتخذه حريتنا، ليس قوة سببية لأي حدث أو موقف سابق، ولا حتى حدثا أو موقفا مسبقا في عقولنا؛ مثل الرغبات أو المشاعر. بل يجب أن تكون الحرية بدلا من هذا قوة سببية متعلقة بنا ونمارسها نحن أنفسنا بشكل مباشر. يجب أن تكون الحرية قوة سببية، ولكنها ليست قوة سببية من حدث سابق في حياة الفاعل يؤثر في أفعاله، ولكنها نابعة من الفاعل نفسه. ولما كانت الحرية بطبيعتها قوة مزدوجة، قوة الفعل أو الترك، فيجب أن تكون هذه القوة السببية ممكنة الممارسة بأكثر من طريقة. فيجب أن تكون القوة السببية التي تشكل حريتنا قوة لخلق تأثير معين وكذلك لمنع حدوثه؛ ومن ثم نصل إلى نظرية بالغة التأثير وذائعة الشهرة عن الحرية الليبرتارية: النظرية التي ترتكن إلى المصطلح الذي أطلقه الفلاسفة «سببية الفاعل». يفترض أن الحرية قوة سببية خاصة مزدوجة مسيطرة على الأفعال، قوة سببية نمتلكها ونمارسها، ولكن ليس بواسطة حدث غير حر بل بواسطة الفاعلين الأحرار أنفسهم. ويفترض أن تكون الحرية قوة سببية يحدثها الفاعل. # لماذا يريد الليبرتاريون وصف الحرية على أنها قوة سببية يحدثها الفاعل؟ تذكر أن نظرية الفاعل-المسبب تؤدي وظيفتين؛ أولا: أنها تختزل الحرية إلى نوع آخر من القوة، وأن هذه القوة حالة خاصة من ظاهرة، قوة سببية، منتشرة على نطاق واسع في كل مكان من الطبيعة. وبذا فإننا نمتلك القدرة على تحديد شيء (يفترض أنه) غير طبيعي أو استثنائي مثل الحرية الليبرتارية على أنه مجرد جزء آخر من الطبيعة. ثانيا: أن النظرية تحل أيضا مشكلة العشوائية. فإذا كنا، عندما نمارس الحرية، نقوم نحن بوصفنا فاعلين بتحديد كيفية تصرفنا سببيا، إذن ms104 لا تكون أفعالنا الحرة بالمفهوم الليبرتاري عشوائية. فلا يمكن للفعل الحر أن يكون عشوائيا لأنه محدد سببيا؛ ليس بواسطة موقف ما سابق مهدد لحريتنا، بل بواسطتنا نحن أنفسنا باعتبارنا فاعلين أحرارا. هناك أمر واضح ومتفق عليه من الجميع؛ التحديد السببي يستبعد أي وجه للعشوائية من الأمور المحددة سببيا. لذا يتم تمييز ممارسة الحرية الليبرتارية بكل وضوح عن العشوائية. # لذا عندما يحدث فعل ما، الفعل (أ)، من خلال ممارسة الفاعل حريته، فإن الفاعل ذاته يعمل كسبب، ولا يقوم أي حدث أو موقف، ولا أية رغبة أو دافع، بالتحديد السببي لكون الفاعل سيؤدي الفعل (أ) من عدمه، بل الفاعل نفسه هو من يحدد ذلك سببيا. # الفاعل-المسبب # يعمل الفاعل بشكل حر كسبب محدد لوقوع الفعل (أ) لا عدم وقوعه # التأثير # الفعل (أ) تم أداؤه # إن وقوع الفعل (أ) ليس عشوائيا؛ لأنه قد تم تحديده سببيا. ولكن سيظل حدوثه ممارسة لسيطرة الفاعل على الفعل لأنه قد تم تحديده، ليس بسبب خارج عن إرادة الفاعل، بل بواسطة الفاعل ذاته، بوصفه سببا مؤثرا بشكل حر. # بالتأكيد من المهم في هذه القصة أنه يجب أن يمارس الفاعل قوته السببية بحرية. يجب أن يسيطر الفاعل على كيفية ممارسته قوته السببية التي يحدثها بنفسه؛ يجب أن يتحكم في كونه سيتسبب في وقوع الفعل (أ) من عدمه. وإلا، رغم تحديد هذا الفعل سببيا بواسطة الفاعل نفسه، فقد يكون وقوع الفعل (أ) محددا بواسطة سبب خارج عن إرادة الفاعل ويتم إقصاء السيطرة الليبرتارية على وقوع هذا الفعل من عدمه. ولكن من الصعب إنكار فرضية أن الفاعل هو من يتحكم في ممارسته لقوته السببية التي يحدثها بنفسه. لأن القوة السببية تعتبر هي حرية الفاعل؛ فكيف إذن يمكن أن تمارس الحرية بأي طريقة أخرى غير ممارستها بحرية؟ # إذن، هل ينبغي أن ننظر للحرية الليبرتارية على أنها نوع من القوة السببية، بوصفها قوة سببية مملوكة للفاعل؟ إن هذا الأمر معقد، وثمة الكثير من المحاجات من كلا الجانبين. ~~ ولكن هناك اعتبار واضح لعدم قيامنا بذلك؛ ms105 وهو يقول إن الحرية الليبرتارية لا يمكن أن تكون قوة سببية من أي نوع. # تذكر أن نظرية الفاعل-المسبب عن الحرية يفترض بها أن تؤدي وظيفتين . فمن المفترض أن تمنح الحرية مكانا وهوية مقنعين داخل الطبيعة بصورتها الأكبر؛ أي من المفترض أن تؤكد لنا مجددا أن الحرية ما هي إلا مجرد حالة من شيء مألوف للغاية، السببية. ومن المفترض أيضا أن تحل مشكلة العشوائية، من خلال بيان كيف أن ممارسة الحرية الليبرتارية مختلفة عن العشوائية. وأرى أن النظرية لم تؤد أيا من هاتين الوظيفتين. # إننا لا نقوم بأي شيء من أجل تسكين شواغلنا بشأن ما ستئول إليه الحرية الليبرتارية، أو بشأن شرح كيف أن هذه النظرية تقصي الصدفة المحضة، إذا ما أطلقنا عليها اسما آخر؛ اسما تشترك فيه مع ظاهرة مختلفة تماما في حقيقة الأمر. وهذا، حسب اعتقادي، هو كل ما نقوم به إذا ما أشرنا إلى الحرية الليبرتارية بوصفها نوعا من القوة السببية. إذ إن الحرية في الحقيقة مختلفة تماما عن السببية. # وكما أكدت خلال هذا الكتاب، الحرية بطبيعتها ما هي إلا قوة يمكن ممارستها بأكثر من طريقة؛ أي طريقة تكون تحت سيطرتنا. إن الحرية بطبيعتها تترك لنا المآل في اختيار الأفعال التي نؤديها، ولكن القوى السببية العادية، القوى المسببة للأشياء، ليست على هذه الشاكلة على الإطلاق. # في الحقيقة، يمكن ممارسة القوة السببية العادية في بعض الأحيان بأكثر من طريقة. قد يكون السبب العادي احتماليا في أساسه؛ إذ قد يكون نتاجا للصدفة في جوهره، ليس فقط من ناحية ما إن كان سينتج تأثيرا أم لا، بل من حيث أي تأثير يحدثه. فمن ناحية، قد يحول الضغط على هذا الزر الضوء إلى اللون الأخضر، وربما يسبب نفس الزر أن يتحول الضوء نفسه إلى اللون الأحمر. ولكن حتى وإن كان هذا الأمر صحيحا، فلا شك في أن هذا الأمر لا يترك لنا سببا عاديا يتحكم في أي تأثير سيحدثه. # وهناك المزيد؛ لا يعتبر هذا السبب الاحتمالي أو الوليد الصدفة «محددا» لوقوع تأثير ms106 بعينه من التأثيرين المحتملين، بمعنى إقصاء أي اعتماد للنتائج على الصدفة البحتة. ~~ هناك طريقة واحدة يحدد من خلالها أي سبب عادي حدوث أحد التأثيرين دون الآخر على ذاك النحو. بناء على السبب وجميع الملابسات ذات الصلة، لا شك في أن حدوث أي تأثير بديل أمر مستحيل. فإن كان حدوث أكثر من تأثير واحد أمرا ممكنا، فسيكون التأثير الذي يحدثه هذا السبب عشوائيا وغير محدد؛ أي أمرا متروكا للصدفة المحضة. # ولكن عندما يحدد الفاعل ما سيحدث بممارسته حريته، فستختلف الأمور أيما اختلاف. هب أن الفاعل عليه الاختيار بين القيام بالفعل (أ) من عدمه. وهب أن احتمالية قيام الفاعل بالفعل (أ)، بناء على الملابسات ووجوده بوصفه فاعلا حرا، تتساوى مع احتمالية عدم قيامه به. لا يجب أن يكون اختيار الفاعل لأداء أي من الفعلين عشوائيا أو غير محدد. لا تزال قوة الحرية - تمتعه بالسيطرة - تسمح للفاعل بأن يكون هو من يحدد القيام بالفعل (أ) من عدمه، لذا في النهاية لن يخضع ما يقوم به للصدفة البحتة. ولكن من المؤكد أن هذا الأمر يتضمن أن الحرية نوع من القوة مختلف تماما عن السببية. سبب عادي يحدد تأثيراتها ولا يقصي العشوائية إلا عندما يجعل وجودها البدائل مستحيلة. ولكن الفاعل الحر يحدد أفعاله ويقصي العشوائية بطريقة مختلفة تماما. لماذا إذن نفترض أن هذه الطريقة سببية هي الأخرى؟ # النتيجة واضحة. فبسبب عمل كل من القوتين، الحرية والسببية العادية، على تحديد النتائج وإقصاء العشوائية بطرق مختلفة جدا، فإن حقيقة أن التحديد السببي العادي مقص للعشوائية لا علاقة لها بتفسير كيف أن ممارسة الحرية قد تكون أيضا مقصية للعشوائية. ~~ يمكنك أن تطلق على قوة الحرية أنها «سببية» هي الأخرى، إن أردت ذلك، ولكن تسميتها بهذا الاسم لا تساعد بأي صورة على حل مشكلة العشوائية؛ لأن التسمية هي مجرد تسمية؛ إذ إنها لا تزيد من فهمنا لكيفية أن ممارسة الحرية تمنع أن تكون النتيجة النهائية من جراء الصدفة البحتة. # إن إطلاق تسمية «قوة سببية» على الحرية لا يساعد على ms107 تفسير كيف أن الحرية تقصي العشوائية، أو على تشبيه الحرية على نحو مقنع بالقوة المألوفة التي تمتلكها العصي والأحجار. في حقيقة الأمر، إطلاق مصطلح مشترك على كل منهما، على الحرية والسببية العادية، لا يفعل شيئا سوى تذكيرنا بالاختلافات الكبيرة بين هذين النوعين من القوة. ~~ لماذا إذن الإصرار على كون الحرية قوة سببية من الأساس؟ وإذا لم نحصل على سبب مقنع للتفكير بصورة مغايرة، ينبغي أن نفترض أن الحرية نوع آخر من القوة السببية، ولكن مع ملاحظة كنهها الحقيقي؛ قوة من نوع جديد ومختلف تماما. ~~(4) الحرية الليبرتارية دون اختزال # نستنتج إذن أن الحرية ليست قوة سببية. إن ممارستي المبدئية للسيطرة على أفعالي - على سبيل المثال، على قرار أتخذه - لا تتضمن أن يحدث الفعل كتأثير، سواء من دوافعي أو من نفسي كفاعل-مسبب. # ولكن إذا لم تكن الحرية قوة سببية، فما هي العلاقة بين الفاعل وأفعاله الحرة؛ الأفعال التي يتحكم بها؟ إن الشكل الذي يجب أن تكون عليه العلاقة واضح. فعندما أؤدي فعلا إراديا ما بحرية - عندما أقرر أن أخرج بدلا من البقاء داخل المنزل - لن يكون القرار تأثيرا نابعا مني. وكذلك لن يكون تأثيرا لأي قوة أمتلكها. إن قراري يسبق سيطرتي أو حريتي، ليس كتأثير لها، ولكن كوسيلة أو وسيط لها. إنني لا أمارس حريتي من أجل أن أسبب قراري، بل إنني أمارسها في اتخاذ القرار ذاته. وهذا القرار هو ما يشكل مباشرة ممارستي لسيطرتي. # سأعرض فيما يلي تشبيها لهذا الأمر. فكر على سبيل المثال في أنني الدائن الذي يمتلك القدرة على إعفائك من دينك لي. عندما أعلن وأقول: «إني أعفيك من الدين»، فإني لا أمارس قدرتي على إعفائك من الدين لأتسبب في هذا الإعلان؛ إذ إن هذا الإعلان لم يقع بوصفه تأثيرا أحدثته قدرتي على إعفائك من الدين، ولكنه يشكل ممارسة لهذه القدرة. إن الإعلان هو الوسيلة التي من خلالها تتم ممارسة هذه القدرة. وكذلك الحال مع الفعل وممارسة الحرية، فالفعل هو الوسيلة أو الوسيط الذي نمارس من خلاله الحرية، لا ms108 تأثيرها. # يتبع هذا أن الأفعال الحرة في مفهوم الليبرتارية تكون غير محددة سببيا، وقد تفتقد إلى المسببات تماما. ولكن ألا يعود بنا هذا إلى مشكلة العشوائية مرة أخرى؟ إذا كانت الأفعال التي يزعم الليبرتاريون أنها أفعال حرة تفتقد إلى أي تحديد سببي، ألا يجعلها هذا عشوائية؟ ألا تحدث بمحض الصدفة؟ لا! إذ إنه لا توجد أي احتمالات لقيام الليبرتارية بتحويل الحرية إلى عشوائية إلا إذا كانت تقول - من باب السخف - إن ممارسة الحرية «لا تعدو أن تكون مجرد» وقوع الأفعال غير محددة سببيا. فالعشوائية، كما قلنا من قبل، هي ما تحصل عليه من عدم التحديد السببي و«لا شيء آخر». # إن الفعل الحر في مفهوم الليبرتارية يجب بطبيعته أن يكون فعلا غير محدد سببيا، وعلى ذلك سيكتنف هذا الفعل الصدفة. قبل اختيار الفاعل، يجب أن تكون كيفية ممارسة الفاعل لحريته غير محددة سببيا، ومن ثم تكون نتاجا للصدفة في هذا السياق. ولكن لا يتسق هذا الأمر مع استمرار ممارسة الحرية؛ إذ إن ممارسة الحرية الأصيلة لا تنتهي إلا عندما لا يوجد أي شيء سوى الصدفة - إذا كان هناك حدث غير محدد سببيا ولا شيء آخر - بحيث لا توجد أي قوة مطلقا تتحكم في وقوع الحدث. # ولكن الليبرتارية لا علاقة لها بادعاء أن ممارسة الحرية لا تزيد عن مجرد الصدفة؛ لا تزيد عن وقوع فعل غير محدد سببيا؛ لأن هذا الأمر خاطئ بشكل واضح. فالليبرتاريون يجمعون على الزعم أن غياب التحديد السببي «شرط» لممارسة الحرية. إن قراءة هذا الشرط اللاتوافقي للحرية بوصفه تحديدا شاملا لكل ما تكتنفه الحرية أمر لا مبرر له تماما. ~~ إنه فرض لتأويل اختزالي لليبرتارية لا مسوغ له. إنه قراءة لليبرتارية باعتبارها محاولة لفعل ما يحاول التوافقيون المؤمنون بأفكار هوبز القيام به: بعبارة أخرى، هو تفسير اختزالي لكل ما تمثله الحرية. ولا يوجد سبب لالتزام الليبرتاريين بالقيام بهذا الأمر. # سيكون غباء من الليبرتاريين أن يقوموا بهذا الاختزال بأي حال من الأحوال؛ حيث إنه لا يتسق مع سمة جوهرية في ms109 مبادئ أخلاق المنطق السليم؛ فهو لا يتسق مع المغزى الأخلاقي الذي يمنحه المنطق السليم للحرية فيما يتعلق بالمسئولية الأخلاقية. وكما رأينا من قبل ، يحتكم المنطق السليم إلى الحرية - إلى سيطرتنا على طريقة تصرفنا - لتفسير كيف أننا نتحمل المسئولية المباشرة إزاء تصرفاتنا، وليس إزاء معتقداتنا ورغباتنا التي تعترينا دون تفكير. إن تفسير المنطق السليم للحرية مقنع ومفهوم. وهذا تفسير جوهري للأمر؛ إذ إن التفسير هو أننا نتحمل المسئولية المباشرة عن أفعالنا وليس عن معتقداتنا أو رغباتنا لأن أفعالنا فقط هي ما نتحكم فيه. # وأي وصف للحرية يتسق ومفهومنا العادي يجب أن يسمح ببقاء هذا التفسير بوصفه، على الأقل، تفسيرا مقنعا. وسواء اعتقدنا أن التفسير الذي نتناوله حقيقة أم غير حقيقة، يجب أن تستمر إمكانية طرحه. لماذا نكون مسئولين مسئولية مباشرة عن أفعالنا غير المحددة سببيا، وليس عن رغباتنا غير المحددة سببيا، مثلا؟ إن التفسير الواضح والفوري هو أننا قادرون على السيطرة المباشرة على أفعالنا، في حين لا يمكننا السيطرة مباشرة على رغباتنا، حتى رغباتنا غير المحددة سببيا. ولكن كي يظل هذا التفسير قائما، يستحسن أن يتعلق بالحرية أكثر من مجرد التحديد السببي للفعل. وإلا فإن كل ما سيئول إليه التفسير هو أنه يمكننا أن نكون مسئولين مسئولية مباشرة عن أفعالنا غير المحددة وليس عن رغباتنا غير المحددة؛ لأن أفعالنا غير المحددة هي أفعال. ومن خلال اختزال الحرية إلى مجرد غياب التحديد السببي للأفعال، فإن ما كان تفسيرا مفهوما لتقييد المسئولية الأخلاقية بالفعل سيتبدد إلى غياب تام للتفسير. # يمكن استخدام الحجة ذاتها للاعتراض على اختزال توافقي مألوف آخر للحرية؛ هذه المرة ليس الاختزال الذي يؤيده التوافقيون الطبيعيون، بل هو اختزال مختلف يؤيده التوافقيون العقلانيون؛ وهو مطابقة الحرية بالتفكير العملي. إن العقلانيين يحاولون أن يختزلوا الحرية إلى ما لا يعدو كونها مجرد قدرة على التصرف بشكل عقلاني. وينبغي أن يتضح الآن ما يعيب اختزال الحرية إلى شيء آخر. فنحن نمارس التفكير، ليس فقط بشكل عملي من خلال كيفية تصرفنا، بل وبشكل غير عملي ms110 أيضا في التشكيل، السابق لأفعالنا، للمعتقدات والرغبات التي تعترينا دون تفكير. ويمكننا أن نسأل، باعتبارنا كائنات عقلانية، عن سبب مسئوليتنا المباشرة عن أفعالنا لا عن هذه المعتقدات والرغبات التي تعترينا دون تفكير. تحتكم إجابة المنطق السليم مرة أخرى إلى الحرية؛ فنحن نسيطر مباشرة على تلك الممارسات للعقلانية التي تشكل أفعالنا، لا تلك التي تكون معتقداتنا ورغباتنا. ولكن مرة أخرى، كي ينجح هذا التفسير، ينبغي أن تشتمل الحرية على أكثر من مجرد قدرتنا على العقلانية التي تتخذ صورة الفعل. وإلا فإن كل ما سيبقى لنا هو فكرة أننا مسئولون عن أفعالنا بسبب أنها أفعال، الأمر الذي لا يعد تفسيرا على الإطلاق. # ولا شك في أن الحرية تشتمل على ما هو أكثر من مجرد العقلانية العملية، وجميعنا يعرف ماهيتها؛ إنها السمة المميزة المتمثلة في أيلولة أفعالنا إلينا؛ تمتعنا بالسيطرة عليها. ومثل الأمور الكثيرة جدا الأخرى في رؤيتنا للعقل - مثل كونه واعيا، يفهم شيئا، عقلانيا في حد ذاته - لا يمكننا أن نحدد بشكل واف جميع ما تكتنفه هذه السيطرة، أو بتعبير آخر جميع ما تتضمنه هذه الأيلولة. إن الحرية ليست مجرد قدرة على التصرف بشكل غير محدد، وليست أيضا قدرة على التصرف بعقلانية، وليست الحرية نوعا من القوة السببية. بل إن الحرية ليست قوة سببية على الإطلاق. إن الحرية هي ما هي عليه، بوصفها قوة، لا شيئا آخر. ~~(5) دفاعا عن الحرية الليبرتارية # إن حجة التشككية التي تعارض تماسك وإمكانية الحرية الليبرتارية أقل قوة بكثير مما ظهرت عليه للوهلة الأولى. في حقيقة الأمر، تبدو الآن أنها تسلم تسليما بفرضيات لم تثبت صحتها بعد. وقد أصبح هذا الأمر واضحا الآن بعدما كشفنا النقاب عن مكان وجود جذور تلك التشككية؛ إذ إن جزءا من جذورها يكمن في الرسم الكاريكاتوري الذي رسمه هوبز للفعل البشري؛ الرسم الكاريكاتوري الذي يختزل الفعل ليكون مجرد تأثير مفروض علينا بواسطة رغباتنا، والذي ينتزع من التقرير الذاتي البشري اتخاذ القرار الذي من خلاله تجري ممارسة التقرير الذاتي بشكل رئيسي ومبدئي. وتكمن أيضا ms111 في الانتزاع الدوجماتي للحرية المنكرة ذاتها من البداية، سواء من العالم أو حتى من خبرتنا وفهمنا للعالم. # إن هجوم التشككية لا يرقى إلا إلى مرتبة عزم دوجماتي لوصف العالم من منطلق يقصي الحرية بوصفها سمة مميزة للحياة البشرية؛ إذ يفترض التشككيون أن العالم لا يمكن أن يحتوي على أية قوة سوى السببية، وأن أي حدث لم يتم تحديده سببيا بأحداث مسبقة سيكون عشوائيا. ولكن إن أصررنا على وصف العالم من هذا المنطلق دون سواه، فلا شك أنه سيبدو أن الحرية الليبرتارية غير ممكنة التحقيق ولا ممكنة الوجود. ولكن بأي حق قمنا باستبعاد هذه الحرية منذ البداية؟ # لا توجد أي حجة تشككية مقنعة تظهر لنا أن الحرية الليبرتارية مستحيلة التحقيق من حيث المبدأ؛ لا توجد حجة لهذا الاستنتاج لا تسلم بصحة فرضيات لم تثبت صحتها بعد. ولكن هل يوجد بدلا من هذا حجة تشككية مقنعة تظهر لنا أنه حتى وإن كانت الحرية الليبرتارية ممكنة، فإن امتلاكها والتمتع بها أمر لا يزال مستبعدا؟ لا! فعلى سبيل المثال، لم يثبت أي شخص حقيقة التحديد السببي. فأية تأثيرات سببية على أفعالنا يمكن اقتفاء أثرها وصولا إلى رغباتنا، وربما إلى العوامل البيئية أو الجينية، تبدو بشكل عام مجرد تأثيرات. ولم يظهر أي شخص أن عمومية القرارات والأفعال البشرية قد تحددت كلية بواسطة مثل هذه الأسباب. وإذا كانت هذه الأسباب تؤثر فينا فحسب دون أن تحدد كيف نتصرف، فستترك لنا متسعا كافيا من الحرية. مثل هذه التأثيرات من شأنها أحيانا أن تقلل أو تقيد سيطرتنا على ما نفعل، ولكن لا حاجة بها لأن تقصيها تماما. # هل نمتلك أي أدلة مباشرة على أننا أحرار بالمفهوم الليبرتاري؟ سيدعي التشككيون أننا لا نمتلك أيا منها؛ إذ سيدعون أن القوة الوحيدة التي خبرناها بشكل مباشر هي القوة السببية العادية، أو غيابها. ومن المنطقي جدا أنه لا خبرة السببية العادية ولا مجرد غيابها يكفيان لتشكيل خبرة ما يفهمه الليبرتاريون على أنه حرية. لا شك في أنه إذا كان التشككيون محقين بشأن ms112 هذا الأمر، فسيبقى لدينا في أفضل الأحوال خيار كانط. ولن تكون حريتنا موضوعا للخبرة على الإطلاق، ولكنها شيء نفترض وجوده لأسباب أخرى، ربما أسباب أضعف حجة. # ولكن بأي حق تم الافتراض أننا لا نمتلك أية خبرة أو وعي مباشر بحريتنا؟ في حقيقة الأمر، من باب المفارقة، مثلما يسعى التشككيون حيال الحرية إلى استبعادها من أي من خبراتنا، حاول آخرون المثل فيما يتعلق بالسببية. إن السببية هي بالطبع القوة التي افترضها البعض في وقت مبكر؛ مثل التوافقيين والمؤيدين لسببية الفاعل، لتفسير كنه الحرية. السببية هي القوة التي كان بعض الفلاسفة يأملون في استخدامها كوسيلة ليتمكنوا من جعل الحرية جزءا من الطبيعة. فإذا تمكنوا من إثبات أن الحرية نوع من السببية، كما كانوا يأملون، فإن هذا سيجعل من الحرية جزءا مألوفا تماما من الطبيعة بصورتها الأكبر. ولكن هناك فيلسوفا واحدا - ديفيد هيوم - حاول أن يستبعد السببية أيضا من خبراتنا، وبالطريقة نفسها التي يرغب فيها التشككيون في استبعاد الحرية. # اعتقد هيوم أن القوة السببية كانت مخفية عنا مثلما يفترض التشككيون بشأن الحرية الليبرتارية. واعتقد أن خبراتنا لا تمثل السببية لنا. فعند هيوم، كل ما نمتلك خبرة أو وعيا مباشرا به هو الأمور الاعتيادية في الطبيعة؛ نوع واحد من الشيء، مثل إشعال النار، الذي عادة ما يتبعه نوع من شيء آخر، الماء يغلي على النار. ولا نمتلك أبدا وعيا مباشرا بأي شيء آخر، قوة سببية، كسمة أخرى في العالم يربط تلك الأمور الاعتيادية. # مثل هذه المحاولات لاستبعاد تمثيل أمور على غرار الحرية والسببية من خبراتنا هي إشكالية كما هو معروف عنها. إلى أي مدى نرغب في الاستمرار على هذا الطريق؟ يمكننا في وقت قريب أن نختزل محتوى الخبرات البصرية، إلى ما لا يزيد عن مجرد عرض لمجموعة من الأسطح المختلفة الألوان. لا شك في أنه من الواضح، كما ستسوق الحجة، أن كل ما نراه بشكل مباشر ما هو إلا مناطق ملونة. أما البقية، العالم المكون من الأغراض المادية الجامدة، فأمر لا تمثله الخبرة البصرية ms113 بشكل مباشر، بل إنه أمر علينا أن نستنتجه. إن الإيمان بالعالم المادي الجامد أمر يتجاوز كثيرا ما تكشفه الخبرة ذاتها. # ليست هذه رؤية جذابة للخبرة. ولكن كيف يمكن مقاومتها؟ أعتقد أن الطريقة الوحيدة هي الاحتكام إلى الإرشاد الذي تقدمه الخبرة فعليا إلى معتقداتنا. فإذا كانت الخبرات ترشد معتقداتنا على نحو معتاد وطبيعي بشأن ما إن كان هناك شيء من الأشياء أم لا ومتى يمكن العثور عليه، فإن الخبرة يجب أن تمثل هذا الشيء وموقفه بالنسبة لنا. فكيف يمكن أن نحدد ما تمثله الخبرة عن العالم، إذا لم يكن من خلال الإشارة لتأثيرها الطبيعي على معتقداتنا عما يحتويه العالم؟ # لذا فإن الخبرة تقودنا إلى الاعتقاد بشكل معتاد وطبيعي في عالم مكون من أغراض جامدة؛ أغراض تمارس مختلف أنواع القوة السببية وتخضع لها. إن الخبرة تقودنا إلى الإيمان بعالم مكون من أغراض على غرار العصي والحجارة؛ أغراض تتمتع بالقدرة على الاصطدام مع أغراض أخرى وإتلافها وتدميرها. إذن هذا هو العالم الذي تمثله الخبرة؛ ليس عالما مكونا من أمور اعتيادية غير متصلة بالسببية، بل مجرد عالم مكون من أشكال ملونة. # بالمثل، تقودنا الخبرة بشكل معتاد وطبيعي إلى تكوين معتقداتنا عن حريتنا؛ إذ تقودنا إلى الاعتقاد بأننا نمتلك درجات متفاوتة من السيطرة على كيفية تصرفنا؛ أحيانا ما تكون هذه السيطرة حاضرة، وأحيانا ما تضمحل أو تكون غائبة تماما. إن الخبرة تقودنا إلى تكوين معتقدات ليس فقط عن القوى السببية للأغراض، بل أيضا عن القوة غير السببية التي هي حريتنا. لذا فإن الحرية، مثل السببية، هي أمر تمثله الخبرة. وإذا لم تكن الخبرة دليلا أكيدا في حالة الحرية، ولم تكن كذلك في تعبيرها عن القوة السببية - لكن لا يظهر هذا أن الحرية لا تمثلها الخبرة بأي حال أكثر من إظهاره أن السببية لا تمثلها الخبرة - إذا كنا لا نزال نكتسب المعرفة عن القوة السببية من خلال الاتكال على تمثيلها الأكيد من قبل الخبرة، إذن، يمكننا كذلك اكتساب المعرفة عن الحرية غير السببية أيضا، وبالطريقة ذاتها. ms114 # عند الجدال عبر الهاتف مع زميل ساخط صعب المراس، فإني أرفع صوتي، وأتعمد الحديث بطريقة جارحة تتعالى حدتها؛ ثم، وبزيادة غضبي، أنهي الجدل بإهانة شديدة مقصودة وأضع سماعة الهاتف بمنتهى العنف. أشعر بنفسي وأنا أقوم بكل هذه الأفعال؛ وأشعر بأن سيطرتي على ما أفعل تقل تدريجيا أثناء قيامي بهذا. قد أشعر بأني «أفقد السيطرة». وبينما أمر بخبرة أفعالي، أشعر بأن غضبي هو الذي يحدد أسلوب تصرفي بوتيرة متزايدة، وليس أنا. من يمكنه أن يقول إن خبرتي بفاعليتي لا تمثل كل ما حدث لي؟ إن خبرتي هي تلك الخبرة التي تقود الأشخاص الذين يمرون بها إلى الاعتقاد بأنهم يفقدون السيطرة. إنها الخبرة التي نقول عنها إنها «الشعور بأن المرء يفقد السيطرة». # إننا نتشارك في فكرة منتشرة عن الحرية؛ الحرية أو السيطرة على ما نفعل كما نفهمها بشكل طبيعي من منطلق ليبرتاري. إنها فكرة تمثل عنصرا كبيرا وحيويا في خبرتنا عن أنفسنا وعن العالم وهي فكرة مختلفة تماما عن القوة السببية. لذا لماذا نحاول تحويل قوة إلى قوة أخرى؟ ولماذا نتشكك اختياريا في قوة دون القوة الأخرى؟ # على العكس من السببية، تبدو الحرية مقصورة على البشر، أو على البشر والحيوانات العليا على الأكثر. إن الحرية تختلف عن أي شيء آخر موجود خارج العقل في الطبيعة بصورتها الأكبر. ولكن ينطبق هذا الأمر نفسه على الكثير من سمات العقل أيضا؛ مثل وعينا ومنطقيتنا وقدرتنا على الفهم. ولكن هذه الأمور كافة - السيطرة على ما نفعل، وتمتعنا بالوعي، وفهمنا للأشياء - ما هي إلا أوجه من أنفسنا نعيها بشكل مباشر، كما ندرك ونعي أي شيء آخر. إن الحرية البشرية ظاهرة على قدر من التعقد والتميز تماثل أيا من سمات عقليتنا تلك. ولكنها ليست أقل جدارة بإيماننا من أي من هذه السمات الأخرى؛ الإيمان بأننا غير قادرين على التخلي عنها بأي حال من الأحوال. يمكننا إلى حد ما أن نتخلى عن قناعتنا اليومية بأن كثيرا من أفعالنا تئول إلينا لنقرر القيام بها من عدم القيام بها، ولكن سيصعب ms115 التخلي عن الإيمان بقدرتنا على التفكير أو الفهم. ولا يوجد أي شيء حتى الآن يمكنه أن يثبت أن هذه القناعة أو غيرها من المعتقدات المصاحبة لها غير ممكنة أو خاطئة. # | المراجع # الفصل الثالث # Susan Wolf, # Freedom within Reason ~~(Oxford University Press, 1990). # الفصل الرابع # Thomas Hobbes, # Of Liberty and Necessity, # in # British Moralists 1650-1800 ~~, ed. D. D. Raphael (Hackett, 1991), vol. i, pp. 61-2. # Thomas Hobbes, # Leviathan, # ch. 12, ed. R. Tuck (Cambridge University press, 1991), p. ~~ 146. # الفصل الخامس # John Locke, # An Essay Concerning Human Understanding, # book 2, ch. 21, 'Of Power’, §10, ed. P. H. ~~ Nidditch (Oxford University Press, 1975), p. 238. # John Calvin, # Institutes of the Christian Religion, # ed. J. T. McNeill and F. L. Battles (Westminster Press, 1960), vol. i. # الفصل السابع # Immanuel Kant, # Metaphysics of Morals ~~(Ak. 6. 384-5; Practical Philosophy, # Cambridge University Press, 1996, p. ~~ 516). # | قراءات إضافية # The literature on the free will problem is enormous, and there is no possibility of providing anything like a comprehensive guide to it here. I have simply picked out a small number of representative works. # الفكرة العامة # A useful collection of articles is # Free Will ~~, edited by Gary Watson (Oxford University Press, 1982; 2nd edn., 2003) in the Oxford Readings in Philosophy series. # The Oxford Handbook of Free Will, # edited by Robert Kane (Oxford University Press, 2002) contains articles on every area of the contemporary debate. # For further reading on past theories of action from Plato and Aristotle onwards see Thomas Pink and Martin Stone (eds.), # The Will and Human Action: From Antiquity to the Present Day ~~(Routledge, 2003). # الفلسفة القديمة # Aristotle’s # Nicomachean Ethics # contains a notable ancient discussion of action and moral responsibility. There are many modern English editions. Interesting modern discussions of Aristotle include # Necessity, Cause and Blame # by Richard Sorabji (Duckworth, 1980) and # Ethics with Aristotle # by Sarah Broadie (Oxford University Press, 1991). # Much of later Greek thought now survives in somewhat fragmentary ms116 form. A very useful collection with excerpts from ancient texts and some critical discussion is # The Hellenistic Philosophers ~~, edited by A. A. Long and D.N. Sedley (Cambridge University Press, 1987-in two volumes, the first containing translations, the second containing original Greek texts). The collection covers problems to do with free will as well as many other areas of philosophy. # Along with Aristotle’s # Ethics ~~, Stoic theories of action exercised a profound influence on medieval thought. ~~ They are discussed in Brad Inwood’s # Ethics and Human Action in Early Stoicism ~~(Oxford University Press, 1985). A challenging but very interesting recent discussion of Stoic views of moral responsibility and freedom is # Determinism and Freedom in Stoic Philosophy # by Suzanne Bobzien (Oxford University Press, 1998). # One fundamental figure in late antiquity is St Augustine. His writings on freedom and the will are extensive, but their precise interpretation much disputed. A central text is # De Libero Arbitrio ~~(On Free Choice). This can be found in a recent English translation by Thomas Williams (Hackett, 1993). # فلسفة القرون الوسطى وعصر النهضة # A central figure in the 13th century is Thomas Aquinas. One very important discussion by him of action and freedom is to be found in the # Summa Theologiae ~~, his overview of theology and of related areas in philosophy. This extensive work is divided into three parts, and the second part deals with humans as rational beings. This second part is further subdivided into two. The first of these, the Prima Secundae ~~, contains in questions 6-17 an immensely interesting and detailed discussion of human action-a discussion that has been the object of much study and commentary ever since. This discussion can be read in a useful multivolume dual Latin and English text edition prepared in the 1960s by the Dominican Fathers (Aquinas’s own teaching order). The relevant volume is 17, # The Psychology ms117 of Human Acts # edited by Thomas Gilby (Eyre & Spottiswoode, 1964). # Modern discussions of Aquinas on action include Ralph McInerny’s # Aquinas on Action ~~(Catholic University of America Press, 1992), and # Right Practical Reason # by Daniel Westberg (Oxford University Press, 1994). # A key thinker of the 14th century is John Duns Scotus. A useful collection of his writings on the will and action, with critical discussion, is # Duns Scotus on the Will and Morality # by Allan Wolter (Catholic University of America Press, 1986). # For a detailed discussion of medieval theories and a comparison of them with Hobbes see my 'Suarez, Hobbes, and the Scholastic Tradition in Action Theory’, in Pink and Stone (eds.), # The Will and Human Action. # For Calvin’s # Institutes of the Christian Religion # I have used the edition by McNeill and Battles in the Library of Christian Classics (Westminster Press, 1960). Those interested in Reformation disputes should also read the controversy between Luther and Erasmus, available under the title # Luther and Erasmus: Free Will and Salvation # edited by E. Gordon Rupp and P. S. Watson (SCM Press, 1969). # هوبز، وهيوم، وكانط # Central to understanding Hobbes on free will is his debate with Bishop Bramhall, published in London in 1656 as # The Questions Concerning Liberty, Necessity and Chance ~~. Bramhall was the Anglican bishop of Derry, and shared an exile with Hobbes in Paris during the Civil Wars. In this debate Bramhall represented the will-based medieval scholastic tradition, and gave an account of human action and its freedom that owed much to thinkers such as Aquinas and Scotus. Hobbes’s criticism was acerbic and deeply influential. I am working on a modern edition of # The Questions # for the new Clarendon edition of the works of Hobbes. Part of Hobbes’s contribution to the debate exists separately under the title # Of Liberty and Necessity ~~. ~~ Excerpts from this work and from other ms118 of Hobbes’s writings are to be found in # British Moralists 1650-1800 ~~, edited by D. ~~ D. Raphael (Hackett, 1991). Worth reading is the discussion of action and the passions at the beginning of Hobbes’s great political work # Leviathan ~~(see the beginning chapters, and especially chapter 6), edited by R. Tuck (Cambridge University Press, 1996). See also my paper on Hobbes and the medieval tradition mentioned above. # An account of action and freedom that is more complex than Hobbes’s, but which clearly owes more than it admits to him, is to be found in book 2, chapter 21, 'Of power’ in John Locke’s # Essay concerning Human Understanding ~~-see the edition by P. H. Nidditch (Oxford University Press, 1975). # Modern English-language Compatibilism owes much to David Hume. An important statement of his views is to be found in # An Enquiry Concerning Human Understanding ~~, section 8, 'Of Liberty and Necessity’-see the edition by L. A. Selby-Bigge (Oxford University Press, 1975). Hume’s scepticism regarding our knowledge and experience of causation is stated in the preceding section 7 of the # Enquiry # entitled 'Of the Idea of Necessary Connexion’. The interpretation of Hume on causation is disputed-see # The Sceptical Realism of David Hume # by John P. Wright (Manchester University Press, 1983) and Galen Strawson’s # The Secret Connexion ~~(Oxford University Press, 1989). # Central to understanding Kant on action and freedom, and on morality generally, is his # Groundwork of a Metaphysics of Morals ~~(see, for example, the translation by H. J. Paton, Harper & Row, 1964). But Kant’s views are complex and changed over time, even within his mature system. One useful discussion is Henry E. Allison’s # Kant’s Theory of Freedom ~~(Cambridge University Press, 1990). # الجدل الحديث # There have been countless statements of Compatibilism within the modern English-language tradition. For a short paper, see A. J. Ayer’s 'Freedom and Necessity’, in the first edition of the Gary Watson collection on # Free Will ms119 # and in Ayer’s Philosophical Essays ~~(New York, 1954); and for a book, Daniel Dennett’s # Elbow Room ~~(MIT Press, 1984). # A subtle argument around the place of blame and resentment in human life is Peter Strawson’s 'Freedom and Resentment’, in the Gary Watson collection. # Susan Wolf explores the rationalist view that free will and responsibility are to be identified with the capacity to act rationally in her # Freedom within Reason ~~(Oxford University Press, 1990). # For the sceptical position see Galen Strawson’s 'The Impossibility of Moral Responsibility’, in the Gary Watson collection, and also his # Freedom and Belief ~~(Oxford University Press, 1986). # Harry Frankfurt argues for basing moral responsibility on voluntariness rather than freedom in his 'Alternate Possibilities and Moral Responsibility’, to be found in a collection of his papers # The Importance of What We Care About ~~(Cambridge University Press, 1988). # A prominent recent defence of Libertarianism is Robert Kane’s # The Significance of Free Will ~~(Oxford University Press, 1998). There is a good overview of recent libertarian theories in Randolph Clarke’s # Libertarian Accounts of Free Will ~~(Oxford University Press, 2003). Both these books argue for positions rather different from my own. # My own views on freedom and action are developed further in my # The Ethics of Action: Action and Self-Determination ~~(Oxford University Press, forthcoming). ~~ A companion volume # The Ethics of Action: Action and Normativity ~~, will discuss the place of action within morality, and in particular the nature of moral obligation. # | مصادر الصور # (1-1) © Scottish National Portrait Gallery. ~~(2-1) © 2004 TopFoto.co.uk. ~~(2-2) © Scottish National Portrait Gallery. ~~(4-1) By courtesy of the National Portrait Gallery. ~~(5-1) Museum Boÿmans Van Beuningen, Rotterdam. ~~(7-1) © 2004 TopFoto.co.uk. ms120