######OpenITI# #META# URI: 1450YasminCarabi.HudnaLiIltiqatAnfas.Hindawi51515374 #META# Tags: novels #META# ID: 51515374 #META# Title: هدنة لالتقاط الأنفاس #META# AuthorID: 97186075 #META# Author: جورج أورويل #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 62958680 #META# Translator: ياسمين العربي #META# Related_books: 1369GeorgeOrwell.ComingUpForAir (TRANSL) #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # الجزء الثاني‏ # الجزء الثالث‏ # الجزء الرابع‏ # الجزء الأول‏ # الجزء الثاني‏ # الجزء الثالث‏ # الجزء الرابع‏ # | هدنة لالتقاط الأنفاس # | هدنة لالتقاط الأنفاس # تأليف # جورج أورويل # ترجمة # ياسمين العربي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | الجزء الأول # 1 # خطرت الفكرة على ذهني، في الواقع، في اليوم الذي حصلت فيه على ~~طقم أسناني الجديد. # أتذكر ذلك الصباح جيدا؛ فقرابة الساعة الثامنة إلا الربع ~~قفزت من على السرير ودخلت الحمام مسرعا، مباشرة قبل أن يتمكن ~~الطفلان من الدخول. كان صباحا موحشا من صباحات شهر يناير، بسمائه ~~المعكرة الرمادية، الضاربة إلى الصفرة. بالأسفل، من المربع ~~الصغير لنافذة الحمام، تمكنت من رؤية المساحة العشبية التي تبلغ ~~عشر ياردات طولا، وخمس ياردات عرضا، بسياجها من الشجيرات والرقعة ~~الفارغة في المنتصف، التي نسميها الحديقة الخلفية. كانت تلك ~~الحديقة الخلفية، بالسياج نفسه والعشب نفسه، خلف كل منزل من منازل ~~شارع إلزمير. الفارق الوحيد الذي قد يميز منزلا عن الآخر هو أنه ~~عندما لا يكون ثمة أطفال في المنزل لا تكون في الحديقة تلك ~~البقعة الفارغة في المنتصف. # كنت أحاول حلاقة ذقني بشفرة حلاقة كليلة بعض الشيء، بينما كانت ~~المياه تنساب في حوض الاستحمام. نظر إلي وجهي في المرآة، وأسفلها ~~في كأس المياه الموضوعة على الرف الصغير فوق حوض الغسيل، كانت توجد ~~الأسنان الخاصة بذلك الوجه. كان ذلك طقم الأسنان المؤقت الذي أعطاه ~~لي طبيب الأسنان خاصتي وورنر لأستخدمه حتى يصنع لي طقما جديدا. ~~إن وجهي ليس بذلك القبح في الواقع؛ فهو وجه من تلك الوجوه ذات ~~اللون البني المائل إلى الحمرة التي دائما ما يصاحبها شعر ~~سمني اللون وعينان ذاتا لون أزرق فاتح. لم يصبني الشيب أو ~~الصلع قط، حمدا لله، وعندما أركب طقم أسناني لا يبدو علي على ~~الأرجح عمري الحقيقي، الذي هو الخامسة والأربعون. # ذكرت نفسي بضرورة شراء شفرات حلاقة جديدة، ودخلت إلى حوض ~~الاستحمام وبدأت أغسل جسمي بالصابون. غسلت ذراعي (لدي ذراعان ~~قصيرتان وسمينتان مبقعتان بالنمش حتى المرفقين) ثم أخذت فرشاة ~~الظهر وغسلت بها كتفي من الخلف، ms001 اللذين لا أتمكن من الوصول ~~إليهما بيدي. إنه لأمر مزعج، ولكن ثمة أجزاء عدة في جسمي لا ~~يمكنني الوصول إليها هذه الأيام. الحقيقة هي أن جسمي يميل قليلا ~~إلى البدانة. لا أعني أنني أصبحت كالأشخاص الضخام الذين يظهرون في ~~استعراضات المهرجانات؛ فوزني لا يتعدى تسعين كيلوجراما، وفي آخر ~~مرة أخذت قياس خصري كان ثمانية وأربعين أو تسعة وأربعين، لا أتذكر ~~بالتحديد. ولست كذلك ممن يعرفون بالبدناء «المقززين»؛ فليس ~~لدي ذلك البطن المتدلي إلى الركبتين. كل ما هنالك أنني عريض ~~الوركين وممتلئ الأرداف بعض الشيء حتى أكاد آخذ شكل البرميل. ~~هل تعرف ذلك النوع من الرجال البدناء الودودين والمتسمين بالنشاط، ~~ذلك النوع الرياضي الضخم الذي يطلق عليه الناس اسم البدين أو ~~المكتنز، الذي دائما ما يكون روح الجمع وفاكهته؟ أنا من هذا ~~النوع. «البدين»، هذا هو الاسم الذي يطلقونه علي عادة. بولينج ~~البدين؛ فاسمي هو جورج بولينج. # ولكن في تلك اللحظة لم أكن أشعر بأنني روح الجمع وفاكهته. وقد ~~هالني أنني في تلك الأيام كان ينتابني على نحو شبه دائم شعور ~~بالكآبة في الصباح الباكر، على الرغم من أنني أنام جيدا وأن هضمي ~~للطعام على ما يرام. كنت أعلم سبب هذا الشعور بالطبع؛ إنه تلك ~~الأسنان المؤقتة اللعينة، التي كانت تبدو كبيرة بفعل المياه في ~~الكأس، وكانت تبتسم لي كأسنان في جمجمة. لقد كان ينتج عن التقائها ~~باللثة شعور بغيض؛ لذعة وقشعريرة شديدة كما لو كنت قد قضمت ~~تفاحة حامضة. إلى جانب ذلك، ولتعتقد ما تشاء، فإن طقم الأسنان ~~يمثل نقطة تحول في حياة المرء؛ ففي الوقت الذي تخسر فيه آخر سنة ~~طبيعية في فمك، لن يعود باستطاعتك بالتأكيد أن تمزح متخيلا نفسك ~~أحد أبطال هوليوود الجذابين. وقد كنت بدينا بالإضافة إلى كوني في ~~الخامسة والأربعين. وعندما وقفت لأغسل نصفي الأسفل ألقيت نظرة على ~~شكلي. إن ما يشاع عن أن الرجال البدناء لا يمكنهم رؤية أقدامهم ~~مجرد هراء، ولكن في الحقيقة عندما أقف على قدمي منتصب الظهر لا ~~يمكنني أن أرى ms002 إلا النصفين الأماميين منهما. وقد خطر ببالي ~~وأنا أغسل بطني بالصابون أنه لا يمكن لامرأة أن تنجذب إلي، إلا ~~إذا كانت تتقاضى أجرا على ذلك. لا يعني ذلك أنني كنت أريد أن ~~تنجذب امرأة إلي في تلك اللحظة. # لكن ما أدهشني أنه في ذلك الصباح كانت ثمة أسباب من المفترض أن ~~تجعلني في مزاج أفضل؛ أهمها: أنني لم أكن ذاهبا إلى العمل ذلك ~~اليوم. إن السيارة القديمة، التي «أغطي» بها منطقتي (نسيت أن أخبرك ~~أنني أعمل في مجال التأمين في شركة فلاينج سلامندر للتأمين على ~~الحياة، والتأمين ضد الحرائق، والسطو على المنازل، وإنجاب التوائم، ~~وغرق السفن، وتحطمها ... وكل شيء.) كانت في الجراج قيد الإصلاح؛ وعلى ~~الرغم من أنه كان علي أن أمر على مكتب لندن لتسليم بعض الأوراق، ~~فقد أخذت ذلك اليوم إجازة كي أذهب للحصول على طقم أسناني الجديد. ~~إلى جانب ذلك، كان ثمة أمر آخر يشغل ذهني من وقت لآخر في الفترة ~~السابقة؛ إذ كان لدي سبعة عشر جنيها لم يعلم أحد عنها شيئا؛ ~~أعني أحدا من العائلة. وقد جرى الأمر على النحو التالي. وجد زميل ~~معنا في الشركة، يدعى ميلورز، كتابا بعنوان «علم التنجيم ~~وسباقات الخيل»، الذي أثبت أن الأمر برمته يعتمد على تأثير ~~النجوم على ألوان الملابس التي يرتديها الفرسان. حسنا، في أحد ~~السباقات كانت تشارك فرس تدعى عروس القرصان، وكان حظها ~~ضئيلا في الفوز، ولكن فارسها كان يرتدي اللون الأخضر، الذي بدا ~~أنه لون النجوم الطالعة. كان ميلورز المهووس بأمور التنجيم يراهن ~~بالعديد من الجنيهات على الفرس وترجاني أن أفعل مثله. في ~~النهاية، ولإسكاته في المقام الأول، خاطرت بعشرة شلنات على الرغم ~~من أنني لا أمارس الرهانات في العادة. وكما هو متوقع، وصلت عروس ~~القرصان إلى خط النهاية دون مجهود يذكر. أنا لا أتذكر التفاصيل ~~على وجه الدقة، ولكن نصيبي كان سبعة عشر جنيها. وبدافع فطري - ~~غريب على الأحرى، وربما يشير إلى علامة فارقة أخرى في حياتي - ~~اكتفيت بوضع النقود في البنك ولم أخبر أحدا ms003 بالأمر . لم يسبق أن ~~فعلت شيئا كهذا من قبل؛ فالزوج والأب الصالح كان سينفقها في ~~شراء فستان لهيلدا (زوجتي) وحذاءين للطفلين، ولكنني كنت زوجا ~~وأبا صالحا لمدة خمسة عشر عاما، وكنت قد بدأت أضيق ذرعا ~~بالأمر. # بعدما وضعت الصابون على جسمي بالكامل، شعرت بالتحسن وتمددت ~~في حوض الاستحمام للتفكير في شأن الجنيهات السبعة عشر وفيم ~~أنفقها. بدا أن الاختيارين المتاحين أمامي هما إما أن أقضي ~~عطلة نهاية الأسبوع مع امرأة وإما أن أصرفها شيئا فشيئا على ~~النثريات؛ كالسيجار وكئوس الويسكي المضاعفة. فتحت الصنبور للحصول ~~على المزيد من الماء الساخن، وكنت أفكر في النساء والسيجار؛ ~~وعندئذ سمعت ضوضاء كما لو أن قطيعا من الجاموس ينزل الدرجتين ~~اللتين تقودان إلى الحمام. كانا الطفلين بالطبع. إن وجود طفلين ~~في منزل بحجم منزلنا لهو أمر أشبه بكمية كبيرة من الجعة في قدح ~~صغير. كان ثمة قرع مسعور في الخارج ثم صرخة ألم. ~~«أبي! أريد الدخول!» ~~«لا يمكنك ذلك. انصرف!» ~~«لكن أبي! أريد الدخول إلى مكان ما!» ~~«إذن ادخل مكانا آخر. انصرف. فأنا أستحم.» ~~«أبي! أريد الدخول!» # لا فائدة من الأمر! أعرف أن هذه إشارة خطر قادم. المرحاض في غرفة ~~الاستحمام، وبالطبع هو كذلك في منزل كمنزلنا. أخرجت السدادة من حوض ~~الاستحمام ونشفت جسمي جزئيا بأقصى ما تمكنت من سرعة. وفي اللحظة ~~التي فتحت فيها الباب، اندفع بيلي الصغير - ابني الأصغر البالغ من ~~العمر سبعة أعوام - وتخطاني متفاديا ضربة على رأسه كنت أخطط لها. ~~فقط عندما اقتربت من إنهاء ارتدائي لملابسي وبحثت عن رابطة عنق، ~~اكتشفت أن عنقي ما زال عليه بعض الصابون. # من البغيض أن يكون عنقك زلقا بالصابون. إنه شعور لزج ومقزز؛ ~~والغريب في الأمر أنه مهما حرصت على إزالة الصابون عنه ~~بالإسفنجة، فبمجرد أن تكتشف أنه زلق يصاحبك هذا الشعور اللزج طوال ~~اليوم. نزلت الدرج بمزاج سيئ وعلى استعداد أن أكون سيئ ~~الطبع. # غرفة الطعام في منزلنا، مثل غرف الطعام الأخرى في منازل شارع ~~إلزمير، هي مكان صغير وضيق، تبلغ مساحته أربع ms004 عشرة قدما طولا، ~~واثنتي عشرة قدما عرضا، أو ربما اثنتي عشرة قدما طولا وعشر ~~أقدام عرضا؛ والخوان المصنوع من خشب البلوط ذو الطراز الياباني، ~~بدورقي الخمر الفارغين وحامل البيض الفضي الذي أعطته والدة ~~هيلدا لنا هدية في زفافنا، كان يضيق المكان. كانت العجوز هيلدا ~~عابسة خلف إبريق الشاي، في حالتها المعتادة من الذعر والرعب بسبب ~~إعلان صحيفة «نيوز كرونيكال» عن ارتفاع سعر الزبد، أو شيء من هذا ~~القبيل. لم تكن قد أوقدت مدفأة الغاز؛ وعلى الرغم من أن النوافذ ~~كانت مغلقة، فقد كان المنزل باردا برودة موحشة. انحنيت للأسفل ~~وأشعلت المدفأة بعود ثقاب، وأخذت أتنفس بصوت عال من أنفي ~~(فالانحناء يجعلني دائما ألهث بشدة) في نوع من التلميح لهيلدا. ~~نظرت إلي نظرة خاطفة بطرف عينيها كما كانت تنظرها إلي دائما ~~عندما تعتقد أنني أفعل شيئا متهورا. # إن هيلدا في التاسعة والثلاثين من عمرها، وعندما قابلتها أول ~~مرة كانت تبدو تماما كالأرنبة البرية. وهي لا تزال كذلك بعض ~~الشيء، ولكنها أصبحت شديدة النحافة ويشوبها بعض الذبول، مع كآبة ~~دائمة ونظرة قلقة في عينيها، وعندما يزيد انزعاجها عن المعتاد ~~تحدب كتفيها وتشبك ذراعيها أمام صدرها كامرأة غجرية عجوز تجلس ~~أمام موقدها. إنها من هؤلاء الأشخاص الذين يستمدون متعتهم الأساسية ~~في الحياة من توقع الكوارث؛ الكوارث التافهة فقط بالطبع. أما ~~الحروب والزلازل والأوبئة والمجاعات والثورات، فلا تأبه لها. ~~زيادة سعر الزبد وتضخم فاتورة الغاز وتلف أحذية الطفلين وقسط ~~الراديو؛ هذا ما تهتم به هيلدا كل يوم. إنها تدرك ما اكتشفت ~~مؤخرا أنه متعة فعلية والمتمثل في أن تتحرك ذهابا وإيابا ~~وذراعاها أمام صدرها، بينما تعبس في وجهي قائلة: «ولكن يا جورج ~~الأمر في غاية الخطورة! ولا أعلم ماذا سنفعل! فلا أعلم من أين ~~سيأتي المال! لا يبدو أنك مدرك لخطورة الأمر»، وهكذا دواليك. إنه ~~من الراسخ بثبات في عقلها أننا سينتهي بنا الحال في ملجأ للفقراء. ~~الغريب في الأمر هو أننا إذا حدث في يوم وذهبنا إلى أحد ملاجئ ~~الفقراء، فلن يكون لدى ms005 هيلدا حرج قيد أنملة بقدر ما يكون لدي؛ ~~بل إنها في الواقع قد تستمتع كثيرا بشعور الأمن هناك. # كان الطفلان قد سبقاني بالفعل إلى الدور الأرضي، وقد اغتسلا ~~وارتديا ملابسهما في سرعة البرق كما يفعلان دائما عندما لا تكون ~~أمامهما فرصة لإبعاد أي شخص آخر عن الحمام. وعندما جلست إلى طاولة ~~الإفطار، كانا يخوضان جدالا وصل إلى مرحلة «لقد فعلت ذلك!» «لا، ~~لم أفعل!» «بل فعلت!» «لا، لم أفعل!» وبدا لو أنهما سيظلان هكذا ~~طوال النهار حتى أمرتهما أن يتوقفا. ليس لدي أطفال سواهما؛ بيلي ~~الذي يبلغ من العمر سبعة أعوام ولورنا التي تبلغ أحد عشر عاما. ~~ينتابني شعور غريب تجاه الطفلين؛ فمعظم الوقت لا أكاد أطيق النظر ~~إليهما، ناهيك عن محادثاتهما التي لا تحتمل. إنهما في تلك السن ~~المملة الطامحة لاحتياجات العيش البسيطة؛ حيث يدور تفكير الطفل حول ~~أشياء مثل المساطر والمقالم ومن حصل على أعلى درجة في مادة اللغة ~~الفرنسية. في أحيان أخرى، خاصة عندما يكونان نائمين، أشعر بشيء ~~مختلف تماما؛ إذ أقف في بعض الأحيان أمام سريريهما في ليالي ~~الصيف المضيئة وأشاهدهما وهما نائمان، بوجهيهما المستديرين ~~وشعرهما الكتاني اللون الأفتح من لون شعري بعدة درجات، ويعطيني ~~هذا ذلك الشعور الذي تحس به حين تقرأ قول الإنجيل إن أحشاءك قد ~~حنت؛ ففي تلك الأحيان أشعر أنني مجرد غلاف حبوب جاف لا يساوي ~~شيئا، وأن قيمتي الوحيدة هي في أن أجيء بهذين الكائنين إلى ~~الحياة وأطعمهما حتى يكبرا. ولكن ذلك الشعور لا يستمر إلا للحظات، ~~بينما أغلب الوقت يكون وجودي المنفصل عنهما مهما للغاية لي، ~~وأشعر أنه ما زالت أمام كلب عجوز مثلي حياة طويلة ومزيد من ~~الأوقات الجيدة، وفكرة أن أكون وديعا كالبقرة الحلوب التي تطعم ~~الزوجة والأطفال لا تروق لي. # لم نتحدث كثيرا في ساعة الإفطار. وقد كانت هيلدا في ذلك المزاج ~~«لا أعلم ماذا سنفعل!» من ناحية بسبب سعر الزبد، ومن ناحية أخرى ~~بسبب قرب انتهاء إجازات الكريسماس وكان لا يزال علينا دفع خمسة ~~جنيهات مصاريف ms006 للمدرسة عن الفصل الدراسي الأخير. أكلت بيضتي ~~المسلوقة وفردت بعضا من مربى جولدن كراون على قطعة من الخبز. تصر ~~هيلدا على شراء هذا الشيء. إن سعره خمسة بنسات ونصف البنس، ومكتوب ~~على الملصق خاصته بأصغر خط يسمح به القانون: إنه يحتوي على «نسبة ~~معينة من عصير الفاكهة متعادل الحموضة». استفزني ذلك فتحدثت، ~~بالطريقة الغاضبة التي أتحدث بها في بعض الأحيان، عن أشجار الفاكهة ~~متعادلة الحموضة متسائلا عن شكلها والبلدان التي تنمو فيها حتى ~~أثرت في النهاية غضب هيلدا. لم يكن ذلك لأنها تمانع من سخريتي ~~منها، ولكن لأنها على نحو غامض تظن أنه من الكريه أن نسخر من أي ~~شيء نوفر فيه بعض المال. # ألقيت نظرة على الصحيفة، ولكن لم تكن ثمة أخبار تذكر. في ~~الجنوب في إسبانيا وفي الجانب الآخر في الصين كان الناس يتقاتلون ~~كعادتهم؛ وعثر على ساقي امرأة في غرفة انتظار بمحطة للسكك ~~الحديدية؛ وكان زفاف الملك زوجو على كف عفريت. وفي النهاية، في ~~حوالي الساعة العاشرة، وقبل ما كنت أتوقع، خرجت إلى البلدة. ذهب ~~الطفلان للعب في الحدائق العامة. كان صباحا باردا برودة موحشة. ~~وبمجرد أن تخطيت عتبة الباب، هبت ريح كريهة التصقت بالصابون ~~المتبقي على عنقي، وجعلتني أشعر فجأة بأن ملابسي لم تعد صالحة ~~للخروج وأن كل ما في لزج. # 2 # هل تعرف الشارع الذي أسكن فيه، شارع إلزمير بمنطقة غرب بلتشلي؟ ~~حتى إذا لم تكن تعرفه، فبالتأكيد تعرف خمسين شارعا آخر يشبهه ~~تماما. # تعرف كيف تنتشر هذه الشوارع في جميع الضواحي الداخلية والخارجية. ~~وهي تتشابه دائما. إنها طويلة، بصفوف طويلة من منازل صغيرة نصف ~~مستقلة - إن أرقامها في شارع إلزمير تصل إلى 212، ومنزلنا هو ~~المنزل رقم 191 - تشبه منازل الإيجار المملوكة للبلدية، بل هي ~~أكثر قبحا عادة؛ حيث الواجهات المكسوة بالجص، والبوابات ~~المطلية بزيت القطران، وسياج الشجيرات، والأبواب الأمامية ~~الخضراء. ومن سكانها آل لوريل وميرتل وهوثورن ومون إبري ومون ~~ريبوس، وبيل فيو. ربما في منزل واحد من كل خمسين منزلا يوجد شخص ~~غير اجتماعي ms007 ممن قد ينتهي بهم الحال في ملجأ للفقراء، والذي قد ~~طلي بابه الأمامي باللون الأزرق وليس الأخضر. # هذا الإحساس اللزج حول عنقي قد أكسبني مزاجا أشعر فيه ~~بالإحباط. من الغريب أن تشعر بالكآبة بسبب عنق زلق؛ إذ يبدو أنه ~~يسلبك كل نشاطك، مثلما تكتشف فجأة في مكان عام أن نعل أحد زوجي ~~حذائك قد انخلع. لم تكن لدي أي أوهام عن نفسي في ذلك الصباح، ~~ولكن الأمر كان كما لو كنت أقف على مسافة وأشاهد نفسي أنزل إلى ~~الشارع بوجهي الأحمر البدين وطقم أسناني وملابسي القديمة. إن رجلا ~~مثلي لا يقدر على أن يبدو كالوجهاء. وحتى إذا رأيتني على مسافة ~~مائتي ياردة، فستعلم على الفور أنه ليس بالضرورة أنني أعمل في ~~مجال التأمين، بل بائع متجول أو مندوب مبيعات؛ فالملابس التي كنت ~~أرتديها كانت في الواقع الزي الرسمي لمن يعملون في مثل مهنتي. ~~لقد كنت أرتدي بدلة رمادية بخطوط متعرجة كانت في حالة سيئة بعض ~~الشيء، ومعطفا أزرق قيمته خمسون شلنا، وقبعة مستديرة، ولا ~~أرتدي قفازا. ويبدو علي ذلك المظهر المميز لهؤلاء الذين يبيعون ~~أشياء بعمولة، وقد كان مظهرا غليظا وفظا. في أفضل أوقاتي، ~~عندما أشتري بدلة جديدة أو عندما أدخن السيجار، قد أبدو مثل وكيل ~~مراهنات بسباقات الخيل أو صاحب حانة، وعندما أكون في أسوأ حالاتي، ~~قد أبدو مثل بائعي المكانس الكهربائية؛ أما في الأوقات العادية، ~~فقد يمكنك جيدا معرفة أي نوع من الرجال أنا. «لا بد أنه يتقاضى ~~من خمسة إلى عشرة جنيهات في الأسبوع.» هكذا ستقول لنفسك بمجرد أن ~~تراني. من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، أعد في المستوى ~~المتوسط لسكان شارع إلزمير. # أصبح الشارع لي وحدي تقريبا؛ فقد هرع الرجال للحاق بقطار ~~الثامنة وإحدى وعشرين دقيقة، وكان النساء يجلسن أمام مواقد الغاز. ~~عندما يكون لديك الوقت للنظر حولك، وعندما يتصادف أن تكون في مزاج ~~جيد، فثمة شيء يجعلك تضحك بينك وبين نفسك عند السير في هذه ~~الشوارع في الضواحي الداخلية والخارجية، والتفكير في هؤلاء الذين ~~يعيشون فيها؛ لأنه، ms008 في نهاية المطاف ، ما ظنك بهذا الشارع الذي ~~يسمى شارع إلزمير؟! إنه مجرد سجن بزنزانات مصطفة؛ صف من ~~غرف التعذيب شبه المنفصلة، حيث يرتجف ويرتعش هؤلاء الفقراء ~~المصابون بالهزال الذي يحصلون في الأسبوع على خمسة جنيهات إلى عشرة ~~جنيهات، وكل واحد منهم لديه مدير في عمله ينغص عليه حياته، وزوجة ~~تستبد به كالكابوس، وأطفال يمتصون دمه كالعلقات. ثمة الكثير من ~~الهراء مما يقال عن معاناة الطبقة العاملة، ولكنني لست شديد ~~الأسف على هؤلاء الكادحين. هل عرفت يوما عامل حفر يظل مستيقظا ~~بالليل يفكر في طرده من العمل؟ يعاني أبناء الطبقة العاملة ~~بدنيا، ولكنهم يضحون رجالا أحرارا عندما لا يعملون. ولكن في ~~كل صندوق من تلك الصناديق الصغيرة المكسوة بالجص يسكن وغد ~~مسكين لا يتحرر قط إلا عندما ينام بعمق ويحلم بأنه يلقي بمديره في ~~قعر بئر ثم يلقي عليه قطعا من الفحم المتقد. # في واقع الأمر، إن المشكلة الأساسية لدى أشخاص مثلنا، بحسب ~~تصوري، هي أننا جميعا نتخيل أن لدينا شيئا قد نخسره. بادئ ذي ~~بدء، فإن تسعة أعشار سكان شارع إلزمير يتصورون أنهم يملكون ~~منازلهم، ولكن شارع إلزمير والحي بأكمله الذي يحيط به حتى تصل إلى ~~هاي إستريت هو جزء من مشروع احتيالي ضخم باسم عقارات هيسبيريدز، ~~وهو ملك لجمعية البناء تشيرفول كريديت. تكاد تكون جمعيات البناء ~~النصاب الأذكى في العصر الحديث. إن مجال التأمين الذي أعمل فيه ~~يمارس خداعا أيضا، أشهد على ذلك، ولكنه خداع صريح مكشوفة ~~أوراقه، بينما ما يميز خداع جمعيات البناء هو أن ضحاياها يعتقدون ~~أنها تعمل لمنفعتهم؛ إنها تضربهم بعنف ويقبلون هم يدها. إنني ~~أعتقد في بعض الأحيان أن عقارات هيسبيريدز يجب أن تكرم بتمثال ~~ضخم يمثل إله جمعيات البناء، الذي سيكون تمثالا غريب الأطوار، ~~ومن بين أمور أخرى، سيكون ثنائي الجنس. سيمثل الجزء الأعلى من ~~التمثال مديرا عاما، بينما يمثل الجزء الأسفل زوجة بشكلها ~~العائلي. وفي إحدى يديه سيحمل مفتاحا ضخما - مفتاح ملجأ ~~الفقراء بالطبع - وفي اليد الأخرى سيحمل ذلك الشيء الأشبه بالبوق ms009 ~~الفرنسي الذي تخرج منه الهدايا، الذي يطلقون عليه قرن الوفرة، ~~والذي ستخرج منه أجهزة راديو محمولة ووثائق تأمين على الحياة ~~وأطقم أسنان وأقراص أسبرين وواقيات ذكرية ومداحل حدائق ~~إسمنتية. # في حقيقة الأمر إننا في شارع إلزمير لا نملك منازلنا، حتى عندما ~~ننتهي من دفع أقساطها؛ فهي ليست حيازة عقارية خالصة، بل هي فقط ~~حيازة على سبيل الإيجار. وهي قيمتها خمسمائة وخمسون جنيها تدفع ~~على مدة ستين عاما؛ وهي من ذلك النوع من المنازل التي إذا دفعت ~~سعرها نقدا دفعة واحدة، فسيكون سعرها ثلاثمائة وثمانين تقريبا. ~~ذلك يمثل فائدة قدرها مائة وسبعون لصالح شركة تشيرفول كريديت، ~~ومن نافلة القول أن تشيرفول كريديت تتحصل على أكثر من ذلك من هذه ~~العملية؛ حيث تشمل الجنيهات الثلاثمائة والثمانين ربح المقاول، ~~ولكن تشيرفول كريديت، تحت اسم ويلسون آند بلوم، تبني المنازل ~~بنفسها وتستولي على ربح المقاول، وكل ما تضطر إلى دفعه هو ~~تكلفة مواد البناء، ولكنها تتحصل كذلك على مكسب من مواد البناء؛ ~~إذ تبيع لنفسها تحت اسم بروكس آند سكاتربي الطوب والبلاط والأبواب ~~وإطارات النوافذ والرمل والإسمنت، والزجاج على ما أظن. ولم أستغرب ~~على الإطلاق عندما علمت أنهم تحت اسم مستعار آخر يبيعون لأنفسهم ~~الأخشاب لصناعة الأبواب وإطارات النوافذ. وكذلك - وهو شيء متوقع ~~جدا - فعلى الرغم من أننا قد صدمنا جميعا عندما اكتشفنا الأمر، ~~فإن تشيرفول كريديت لا تلتزم دائما بتعهداتها. عندما بنيت ~~المنازل في شارع إلزمير كان من المفترض أن تكون محاطة ببعض ~~المساحات المفتوحة، التي لم تكن لتكون مذهلة للغاية، ولكن جيدة كي ~~يلعب فيها الأطفال، وقد أطلقوا عليها اسم مروج بلات. لم يكن أي ~~من ذلك موثقا بالمستندات، ولكنه كان دائما معروفا لدينا أن ~~مروج بلات لن تقام أبدا. ولكن غرب بلتشلي كانت ضاحية متنامية، ~~وافتتح مصنع مربى روثويل في عام 1928 ومصنع أنجلو أمريكي للدراجات ~~المصنوعة من الصلب في عام 1933، وكان عدد السكان في تزايد ~~وارتفعت قيمة الإيجارات. لم أر قط السير هربرت كروم أو أيا من ~~أصحاب الصيت في ms010 شركة تشيرفول كريديت وجها لوجه، ولكن يمكنني ~~تخيلهم ولعابهم يسيل جشعا؛ لذا، وصل عمال البناء فجأة وبدأ ~~إنشاء المنازل على أرض مروج بلات. وبدأت صيحات الغضب تتصاعد من ~~سكان هيسبيريدز، وأسسوا جمعية للدفاع عن حقوقهم، لكن بلا فائدة. ~~لقد قضى علينا محامي كروم في خمس دقائق، وتم البناء على أرض مروج ~~بلات. ولكن الخدعة الأكثر مكرا حقا، تلك التي جعلتني أشعر أن ~~العجوز كروم يستحق لقب البارون الذي كان يملكه، هي الخدعة الذهنية؛ ~~فبفضل الوهم وحده الذي لدينا بأننا نملك منازلنا، وأن لنا ما ~~يسمى «قدما في المكان»، تحولنا نحن الساذجين المساكين من سكان ~~هيسبيريدز وغيرها من الأماكن المماثلة إلى عبيد كروم مخلصين للأبد. ~~نحن جميعا أصحاب المنازل المحترمين، أو بالتحديد المحافظين ~~(المؤيدين والمتملقين)، لم نجرؤ على أن نقتل الإوزة التي ~~تبيض البيض الذهبي! وحقيقة أننا لم نكن بالفعل أصحاب منازل؛ لأننا ~~ما زلنا نسدد أثمانها والرعب المميت من أن شيئا قد يحدث قبل أن ~~نتمكن من سداد آخر قسط ينخر في عظامنا، زادت ببساطة من تأثير الأمر ~~علينا. جميعا اشترينا، والأدهى من ذلك أننا اشترينا بمالنا ~~الخاص. كل فرد من هؤلاء الأوغاد المدوسين بالأقدام المساكين يعمل ~~ويعرق كي يدفع ضعف السعر الحقيقي لمنزل من الطوب يدعى على نحو ~~زائف «بيل فيو»، الذي يعني المنظر الجميل، ولكنه عكس ذلك تماما. ~~وكل شخص من هؤلاء الضائعين المساكين على استعداد للموت في ميدان ~~الحرب دفاعا عن بلده ضد البلشفية. # انعطفت إلى شارع وولبول ثم إلى هاي إستريت، حيث القطار الذاهب ~~إلى لندن في العاشرة وأربع عشرة دقيقة. كنت أمر للتو على متجر ~~لبيع الأشياء الرخيصة وتذكرت حينها الملاحظة التي وضعتها في ذهني ~~هذا الصباح لأشتري مجموعة من شفرات الحلاقة. وعندما وصلت إلى مكان ~~بيع الصابون، كان مدير الفرع - أو أيا كان مسماه الوظيفي - يسب ~~الفتاة المسئولة هناك. بوجه عام، لم يكن ثمة العديد من الناس في ~~المكان في تلك الساعة من الصباح. في بعض الأحيان إذا ذهبت إلى هناك ~~بعد وقت الفتح ms011 مباشرة، فسترى جميع البائعات مصطفات لسماع ~~سبابهن الصباحي؛ لا لشيء إلا كي يستقمن في العمل خلال اليوم. ~~يقال إن سلاسل المتاجر الكبيرة هذه بها رجال لديهم قدرة خاصة على ~~السخرية اللاذعة والإيذاء، الذين يرسلون من فرع إلى آخر ~~ليوبخوا الفتيات كي يعملن جيدا. كان مدير الطابق شيطانا ~~قبيحا ضئيل الحجم، أصغر من الحجم العادي، بكتفين مربعتين ~~تماما وشارب رمادي شائك. وقد عنف لتوه الفتاة بشأن شيء ما، ~~من الواضح أنه خطأ ما ارتكبته يتعلق بحساب الباقي من إحدى عمليات ~~الشراء، وكان يلومها بصوت يشبه صوت المنشار الدائري، ~~قائلا: ~~«أيتها الغبية! بالطبع لم تحسبيها جيدا! بالطبع لم تفعلي. ~~ستنالين عقابا شديدا، سترين. أيتها الغبية!» # وقبل أن أمنع نفسي من النظر إليهما، لمحت عيناي الفتاة. لم يكن ~~من اللطيف أن ينظر إليها رجل بدين مثلي في منتصف العمر بوجهه ~~الأحمر بينما تتلقى السباب. صرفت وجهي بأسرع ما تمكنت وتظاهرت ~~بالاهتمام بالأشياء الموضوعة على طاولة البيع المجاورة؛ حلقات ~~الستائر أو غيرها من الأشياء. انتبه لها مرة أخرى، وقد كان أحد ~~هؤلاء الذين ينصرفون ثم يعودون إليك فجأة مندفعين ~~كاليعسوب. # وقال لها: «بالطبع لم تحسبيها جيدا! فلا يهمك إن خسرنا شلنين. ~~لا يهمك على الإطلاق. ما قيمة الشلنين بالنسبة لك؟ إنك لا تكلفين ~~نفسك عناء حسابها جيدا. أيتها الغبية! لا يهمك سوى مصلحتك. لا ~~تفكرين في الآخرين، أليس كذلك؟» # استمر هذا الصراخ لمدة خمس دقائق تقريبا بصوت يصل إلى منتصف ~~المتجر. وتابع الانصراف عنها ليجعلها تظن أنه انتهى من توبيخها، ثم ~~العودة إليها فجأة مندفعا ليخوض جولة تعنيف أخرى. وأثناء ابتعادي ~~شيئا فشيئا قليلا ألقيت نظرة خاطفة عليهما. كانت الفتاة صغيرة ~~في الثامنة عشرة من عمرها تقريبا، ممتلئة قليلا بوجه غير مبال ~~بعض الشيء، من ذلك النوع الذي لا يحسن حساب الباقي بأي حال. ~~تحول لونها إلى الوردي الباهت وكانت تتلوى، في الواقع كانت تتلوى ~~من الألم؛ فقد كان الأمر تماما كما لو أنه كان يمزقها بالسوط. ~~وكانت الفتيات عند طاولات البيع الأخرى يتظاهرن ms012 بعدم سماع شيء. كان ~~شيطانا ضئيل الحجم قوي البنية قبيحا، من ذلك النوع المشاكس من ~~الرجال الذين يفردون صدورهم ويضعون أيديهم أسفل أطراف معاطفهم؛ ~~ذلك النوع الذي يصلح أن يكون في رتبة رقيب أول، ولكنه ليس طويلا ~~بما يكفي. هل تلاحظون كثرة الرجال الضئيلي البنية في الأعمال ~~القائمة على التنمر؟ كان ملتصقا بها بوجهه وشاربه وجميع جسمه ~~تقريبا؛ كي يصرخ في وجهها مباشرة، بينما الفتاة بالكامل تتورد ~~خجلا وتتلوى. # وأخيرا، قرر أنه قد قال ما فيه الكفاية، وانصرف مختالا كأميرال ~~على سطح مؤخرة سفينة، واقتربت من طاولة البيع لأشتري الشفرات. لقد ~~علم أنني سمعت كل كلمة، كما علمت هي كذلك، وكلاهما كان يعلم أنني ~~أعلم أنهما يعلمان. ولكن الأسوأ في الأمر أنه لمصلحتي عليها أن ~~تتظاهر بأن شيئا لم يحدث وتتصرف بذلك السلوك المتحفظ من ~~الحفاظ على المساحة بيننا، التي يجب على البائعات أن يحافظن عليها ~~بينهن وبين الزبائن من الرجال. كان عليها تمثيل دور الشابة الناضجة ~~لنصف دقيقة بعد أن رأيتها تسب كالخادمات. كان وجهها لا يزال ~~متوردا وكانت يداها ترتجفان. طلبت منها شفرات رخيصة وبدأت تبحث ~~عنها في صينية الشفرات التي بقيمة ثلاثة بنسات. ثم استدار ~~الشيطان الضئيل مدير الفرع نحونا، وللحظة ظن كلانا أنه كان قادما ~~ليعيد الكرة. جفلت الفتاة ككلب رأى سوطا، ولكنها كانت تنظر ~~إلي بطرف عينيها. يمكنني أن أرى أنها كانت تكرهني كرهها ~~للشيطان لأنني قد رأيتها وهي تسب. يا له من أمر غريب! # انصرفت ومعي شفرات الحلاقة. وأخذت أسال نفسي: لماذا يتحملن ~~ذلك؟ إنه الخوف بالتأكيد؛ فإن نبسن ببنت شفة ردا على الإهانة، ~~فسيطردن. وكذلك الأمر في كل مكان. فكرت في أمر الشاب الذي ~~يخدمني في بعض الأحيان في متجر البقالة الذي نتعامل معه والذي ~~ينتمي لسلسلة متاجر تحمل نفس الاسم. إنه فتى ضخم للغاية في عمر ~~العشرين، بوجنتين كالوردتين وساعدين ضخمين؛ ومن الأرجح أن يعمل ~~في الحدادة. وها هو في سترته البيضاء منحنيا على طاولة البيع ~~فاركا يديه ومرددا: «نعم سيدي! صحيح ms013 جدا يا سيدي! طقس لطيف ~~بالنسبة لهذا الوقت من العام يا سيدي! كيف يمكنني أن أتشرف ~~بمساعدتك اليوم يا سيدي؟» وهو في الواقع يطلب منك أن تهينه، وأن ~~تعطيه الأوامر بالطبع، والزبون دائما على حق. الشيء الذي ~~يمكنك أن تراه على وجهه هو الفزع المميت من أن تبلغ عن أنه غير ~~صبور ومن ثم يطرد من عمله. إلى جانب ذلك، كيف له أن يعرف أنك ~~لست أحد الجواسيس الذين ترسلهم الشركة لمراقبة سير العمل؟ الخوف! ~~نحن نسبح فيه. إنه العنصر الأساسي للحياة التي نعيشها؛ فكل من لا ~~يرعبه فقدان عمله يرتعب من الحرب أو الفاشية أو الشيوعية أو من شيء ~~ما. يتصبب اليهود عرقا عندما يتذكرون هتلر. خطر في ذهني أن ذلك ~~الوغد الضئيل ذا الشارب الشائك ربما كان في ذلك المشهد اللعين ~~أكثر خوفا على عمله مما كانت الفتاة؛ فلربما كانت لديه عائلة ~~يعولها، وربما هو في المنزل، رجل حليم ولطيف يزرع الخيار في حديقته ~~الخلفية، ويدع زوجته تجلس على حجره وأولاده يشدون شاربه، من يعلم. ~~وعلى المنوال نفسه قد لا تكون قد سمعت عن قاض في محاكم التفتيش ~~الإسبانية أو أحد من كبار المسئولين في الشرطة السرية للاتحاد ~~السوفييتي دون أن تسمع أنه في حياته الخاصة كان رجلا جيدا ~~وطيبا، وزوجا وأبا صالحا، ويرعى طائر الكناري الأليف الذي ~~يربيه، وما إلى ذلك. # كانت الفتاة الواقفة إلى طاولة بيع الصابون تنظر إلي وأنا أخرج ~~من الباب، وكادت لتقتلني إن كان باستطاعتها. عجبا، لقد كرهتني ~~بشدة لأنني رأيتها! كرهتني أكثر مما كرهت مديرها. # 3 # كانت ثمة طائرة قاذفة للقنابل تطير على ارتفاع منخفض فوق القطار ~~الذي كنت أركب فيه. ولمدة دقيقة أو دقيقتين بدت متزامنة في ~~حركتها مع القطار. وكان يجلس أمامي رجلان سوقيان يرتديان معطفين ~~رثين، وكان من الواضح أنهما مروجان من نوع متدن؛ فلربما كانا ~~مروجي جرائد. كان أحدهما يقرأ صحيفة «ديلي ميل»، والآخر كان يقرأ ~~صحيفة «ديلي إكسبريس». ويمكنني أن أستشف من سلوكهما أنهما يظناني ~~مثلهما. أما ms014 في الجهة الأخرى من العربة ، فقد كان يجلس كاتبا محام ~~بحقيبتين سوداوين ويتبادلان أطراف حديث مليء بالهراء القانوني ~~الذي يعنى به إبهارنا وإعلان أنهما لا ينتميان للقطيع من ~~العامة. # كنت أشاهد الأجزاء الخلفية للمنازل التي نمر عليها. وكان ~~القطار بعد غرب بلتشلي يمر أغلب الوقت على أحياء فقيرة، ولكن ثمة ~~شعورا بالسلام يأتيك من النظر إلى الساحات الخلفية الصغيرة ببعض ~~الأزهار الموجودة في صناديق والأسطح المستوية؛ حيث تنشر النساء ~~الملابس وأقفاص الطيور المعلقة على الجدران. تمايلت الطائرة ~~القاذفة للقنابل السوداء الكبيرة قليلا، وارتفعت في الهواء حتى ~~إنني لم أعد أستطيع رؤيتها. كنت أجلس وظهري إلى المحرك. وكان أحد ~~المروجين الجالسين أمامي قد نظر إلى الطائرة بانتباه لمدة ثانية ~~واحدة فقط. أعلم ما كان يفكر فيه؛ لأنه كان ما يفكر فيه أي أحد. ~~لا يتطلب الأمر أن تكون رفيع الثقافة كي تفكر في هذه الأمور في ~~أيامنا هذه. في غضون سنتين أو سنة، ما الذي سيكون علينا فعله ~~عندما نرى مثل هذه الأشياء؟ هل سنختبئ في السراديب ونبلل سراويلنا ~~من الخوف؟ # وضع المروج صحيفة «ديلي ميل» خاصته، وقال: ~~«لقد تحدد الفائز بسباق تيمبلجيت.» # كان كاتبا المحامي يقولان بعض الهراء المتخصص عن الملكية ~~التامة المطلقة والمقابل الاسمي. تحسس المروج الآخر جيب صدريته ~~وأخرج سيجارة ملتوية من ماركة وودباين. وتحسس الجيب الآخر ثم مال ~~نحوي، وقال: ~~«هل معك أعواد ثقاب أيها البدين؟» # بحثت عن أعواد الثقاب. «البدين»، ألاحظت ما قال؟ إنه أمر مثير ~~للاهتمام حقا. لمدة دقيقتين تقريبا توقفت عن التفكير في ~~القنابل، وبدأت أفكر في شكلي كما كنت أتفحصه في الحمام هذا ~~الصباح. # صحيح للغاية أنني بدين؛ وفي الواقع فإن الجزء العلوي من جسمي ~~يشبه كثيرا حوض الاستحمام، ولكن المثير للاهتمام، على ما أظن، هو ~~أنه فقط لأنه تصادف وكنت ممتلئا بعض الشيء، فإن كل شخص تقريبا ~~وحتى الغرباء عنك تماما سيعطون الحق لأنفسهم أن ينعتوك بهذا ~~اللقب المهين؛ تعليقا على مظهرك. افترض أن رجلا كان أحدب أو لديه ~~حولا في عينيه ms015 أو شفة أرنبية، فهل ستناديه بصفة تذكره بذلك؟ ~~ولكن كل رجل بدين يطلق عليه الناس الألقاب كأمر واقع. أنا من ذلك ~~النوع الذي يضربه الناس على ظهره ويلكمونه في صدره بشكل تلقائي، ~~وكلهم تقريبا يظنون أنني أحب ذلك. إنني لا أدخل في أي وقت من ~~الأوقات إلى حانة كراون في بودلي (حيث أذهب إلى هناك مرة في ~~الأسبوع من أجل العمل) دون أن يهمزني في ضلوعي هذا الأحمق ووترز، ~~الذي يعمل مندوب مبيعات متجولا لشركة سيفوم للصابون، ولكنه دائم ~~الوجود تقريبا في حانة كراون، ويغني قائلا: «هنا، يرقد البدين ~~المسكين توم بولينج!» وهي المزحة التي لا يمل منها أبدا الحمقى ~~اللعناء في الحانة. لووترز إصبع يشبه قضيبا من الحديد. يظنون ~~جميعا أن الرجل البدين ليست لديه أي مشاعر. # أخذ المروج عود ثقاب آخر مني كي يسلك أسنانه به ورمى لي ~~بالعلبة. أطلق القطار صفارته على جسر حديدي؛ وقد ألقيت نظرة ~~بالأسفل حيث لمحت عربة بضائع لأحد المخابز وسلسلة طويلة من العربات ~~المحملة بالإسمنت. الغريب في الأمر، حسبما كنت أظن، أنهم نوعا ما ~~على حق بخصوص الرجال البدناء؛ فالرجال البدناء في الحقيقة، وخاصة ~~هؤلاء الذين ولدوا على هذه الحال - أي كانوا بدناء منذ الطفولة ~~بعبارة أخرى - ليسوا كباقي الرجال. إذ تأخذ حياتهم بأكملها منحنى ~~آخر يميل للكوميديا الخفيفة؛ ولكن في حالة ذوي البنية الضخمة ~~كمن يجلبونهم في استعراضات المهرجانات أو في الواقع أي أحد يزيد ~~وزنه على مائة وخمسة وعشرين كيلوجراما، لا تكون حياتهم كوميديا ~~خفيفة بقدر ما تكون مسرحية هزلية رخيصة. شهدت البدانة والنحافة ~~في حياتي، وأعرف الفرق الذي تحدثه السمنة في مظهر المرء. إنها ~~تحرمك نوعا ما من التأثر الشديد بالأشياء. أشك في أن رجلا عاش ~~حياته كلها بدينا، رجلا نعت بالبدين منذ نعومة أظفاره، أشك في ~~أنه قد شعر يوما بأي مشاعر عميقة حقيقية. إذ كيف له أن يشعر بتلك ~~الأمور؟ إنه ليس له أي خبرة فيها؛ فلا يمكنه حتى أن يلعب دورا ~~تراجيديا في أحد المشاهد؛ لأن ms016 المشهد الذي يوجد فيه رجل بدين ~~لا يكون تراجيديا بل كوميديا. فلتتخيل رجلا بدينا في دور ~~هاملت، على سبيل المثال! أو ممثلا كأوليفار هاردي في دور روميو. ~~وجدت الأمر كوميديا للغاية عندما كنت أفكر فيه قبل بضعة أيام ~~وأنا أقرأ رواية اشتريتها من مكتبة بوتس، وكان اسمها «الحب ~~الضائع». اكتشف البطل في الرواية أن حبيبته قد فضلت عليه رجلا ~~آخر. وهو رجل من هؤلاء الذين تقرأ عنهم في الروايات من ذوي الوجوه ~~المرهفة الشاحبة والشعر الداكن والدخل الخاص. أتذكر تقريبا ما ~~جرى في ذلك الجزء من الرواية: # جال ديفيد في الغرفة ذهابا وإيابا ضاغطا بيديه على جبينه، ~~وبدا أن الخبر قد أحدث له صدمة، ولوقت طويل لم يستطع تصديق ~~الأمر. شيلا خانته! هذا مستحيل! وفجأة باغته الإدراك، ورأى الحقيقة ~~العارية بكل رعبها. كانت ثقيلة عليه للغاية؛ فانهار في نوبة مفاجئة ~~من البكاء. # على أي حال، كان شيئا من هذا القبيل. وجعلني ذلك أفكر في ~~الأمر، وقد بدا لي كالآتي. هكذا من المتوقع أن يتصرف كل الناس أو ~~بعضهم؛ ولكن ماذا عن رجل مثلي؟ لنفترض أن هيلدا ذهبت لقضاء إحدى ~~عطلات نهاية الأسبوع مع شخص آخر - لا أعني أن الأمر سيهمني في ~~شيء، بل في الواقع سيسعدني أن أكتشف أنها لا تزال تملك هذا القدر ~~من الحيوية - ولكن لنفترض أن الأمر يهمني، فهل سأنهار في نوبة ~~مفاجئة من البكاء؟ هل سيتوقع أحد أن أفعل ذلك؟ لا يمكنك توقع ذلك ~~من شخص بمثل حجمي؛ سيبدو الأمر شائنا تماما. # كان القطار يسير على جسر. وأسفلنا على مسافة غير بعيدة يمكن ~~رؤية أسقف المنازل التي تمتد بلا توقف؛ تلك الأسقف الحمراء ~~الصغيرة، التي ستسقط عليها القنابل، والتي كانت مضاءة قليلا في ~~هذه اللحظة؛ لأن شعاعا من أشعة الشمس كان ساقطا عليها. من الطريف ~~أننا لا نتوقف عن التفكير في أمر القنابل. بالطبع لا شك في أنه ~~سيحدث قريبا؛ إذ يمكنك أن تعرف مدى قربه من نبرة التفاؤل التي ~~يتحدثون بها عنه في الصحف. كنت ms017 أقرأ مقالا في صحيفة «نيوز ~~كرونيكال» منذ بضعة أيام، وجاء به أن الطيارات القاذفة للقنابل لا ~~يمكنها أن تتسبب في أي ضرر هذه الأيام؛ فالمدافع المضادة ~~للطائرات قد تطورت كثيرا لدرجة أن الطائرة القاذفة للقنابل يجب ~~أن تبقى على ارتفاع عشرين ألف قدم. يعتقد الكاتب، كما لاحظت، أنه ~~إذا كانت الطائرة على ارتفاع بعيد فلن تصل القنابل إلى الأرض، أو ~~الاحتمال الأكبر أن ما يعنيه في الواقع هو أنها لن تدرك ترسانة ~~أسلحة وولويتش وستضرب فقط أماكن مثل شارع إلزمير. # ولكن إجمالا أعتقد أن الأمر ليس بذلك السوء أن يكون المرء ~~بدينا. من الأشياء المميزة للرجل البدين أنه دائما مشهور؛ فليس ~~هناك في الواقع أي صحبة، من وكلاء المراهنات إلى الأساقفة، لا ~~يجد الرجل البدين له بينهم مكانا ويشعر بالارتياح وسطهم. أما عن ~~النساء، فالرجل البدين محظوظ بينهن أكثر مما يعتقد الناس؛ من ~~الهراء أن تتخيل، كما يفعل بعض الناس، أن المرأة تنظر إلى الرجل ~~البدين على أنه مجرد مزحة. إن الحقيقة هي أن المرأة لا تنظر إلى أي ~~رجل كمزحة إذا استطاع أن يخدعها بزعمه أنه يحبها. # يجب أن تعرف أني لم أكن بدينا طوال حياتي، ولكني اكتسبت وزنا ~~زائدا منذ ثماني سنوات أو تسع، وأظن أنني قد اكتسبت فيها أغلب ~~صفات الرجل البدين. ولكن في الواقع كذلك أني لست بدينا من الداخل، ~~أي من الناحية الذهنية. لا! لا تسئ فهمي. لا أحاول أن أبدو لك ~~وديعا كزهرة ناعمة، أو أن أبدو من هؤلاء الذين يبتسمون لك بينما ~~هم يعانون ويتألمون، وما إلى ذلك؛ فلا يمكن لأحد أن يعمل في مجال ~~التأمين إذا كان لديه أي من هذه الصفات. أنا فظ متبلد الإحساس ~~وأتكيف مع بيئتي. ما دامت الأشياء في أي مكان في العالم تباع ~~بالعمولة، ويحصل الناس على سبل معيشتهم بوقاحة تامة وغياب ~~للمشاعر النبيلة؛ فإن رجلا مثلي سيسلك ذلك المسلك. في كل الأحوال ~~تقريبا أستطيع كسب العيش، الذي يكون دائما بحد الكفاف ولم يمثل ~~ثروة قط، وحتى ms018 في أثناء الحرب والثورة والوباء والمجاعة يمكنني أن ~~أدعم نفسي للبقاء على قيد الحياة أكثر من معظم الناس. أنا من ذلك ~~النوع من الرجال، ولكن لدي شيء آخر في داخلي، في الأغلب أثر ~~متخلف من الماضي، وسأخبركم به لاحقا. أنا بدين ولكني نحيف من ~~داخلي. ألم يخطر ببالك من قبل أن ثمة رجلا نحيفا داخل كل رجل ~~بدين، تماما كما يقولون إن هناك تمثالا كامنا في كل قالب من ~~الحجر؟ # الرجل الذي استعار أعواد ثقابي كان يخلل أسنانه جيدا وهو يقرأ ~~صحيفة «ديلي إكسبريس». # قال: «لا يبدو أنهم قد أحرزوا تقدما كبيرا في قضية ~~الساقين.» # قال الآخر: «لن يتمكنوا من حلها أبدا؛ إذ كيف يمكن معرفة شيء ~~من زوج من السيقان؛ فكل السيقان متشابهة، أليس كذلك؟» # قال الأول: «قد يتعقبون الجاني من خلال قطعة الورق التي لفهما ~~بها.» # في الأسفل يمكنك رؤية أسقف المنازل تمتد بلا توقف، وتلتف ~~في كل اتجاه مع التفاف الشوارع، ولكنها تمتد بلا توقف كما لو ~~كنا نمر فوق سهل ضخم. أيا كان الطريق الذي تأخذه إلى لندن، ~~فستمر على عشرين ميلا تقريبا من المنازل الممتدة دون توقف. يا ~~إلهي! كيف للطائرات القاذفة للقنابل ألا تضربنا عندما تأتي؟ فنحن ~~رقعة كبيرة وواضحة في مركز الهدف. ستصيبنا دون سابق إنذار على ~~الأرجح؛ إذ من ذا الذي سيكون بذلك الحمق حتى يعلن عن الحرب قبلها ~~في هذه الأيام؟ لو كنت مكان هتلر، لأرسلت الطائرات القاذفة للقنابل ~~في أثناء مؤتمر لنزع السلاح. يوما ما في صباح هادئ وفي أثناء تدفق ~~الموظفين على جسر لندن، وبينما تغرد طيور الكناري وتنشر النساء ~~العجائز السراويل النسائية على الحبال، سنسمع أزيز المدافع وأصوات ~~قذف القنابل. ستتطاير حينئذ المنازل في الهواء، وتنغمر السراويل ~~النسائية بالدماء، وتغرد طيور الكناري على الجثث. # أعتقد أنه أمر مثير للشفقة على نحو ما. نظرت إلى الأسطح الممتدة ~~بلا توقف كالبحر الكبير، فرأيت أميالا وأميالا من الشوارع، ~~ومتاجر الأسماك المقلية، والكنائس الصغيرة، وصالات السينما، ~~والأزقة الممتلئة بالمطابع الصغيرة، والمصانع، والعمارات ms019 ~~السكنية، والمشروعات الصغيرة، ومعامل الألبان ، ومحطات الوقود، ~~وغيرها الكثير. إنه لمكان هائل! ويا لها من سكينة تامة تلك التي ~~تغشاه! إنه كبرية كبيرة بلا وحوش؛ بلا إطلاق نار أو قذف ~~بالقنابل اليدوية أو ضرب بالعصي المطاطية. إذا فكرت في الأمر، ففي ~~إنجلترا بأكملها في هذه اللحظة ليس ثمة نافذة واحدة في غرفة نوم ~~يطلق من خلالها أحد النار بمدفع رشاش. # ولكن ماذا بعد خمسة أعوام من الآن؟ أو عامين؟ أو عام ~~واحد؟ # 4 # سلمت أوراقي في مكتب لندن. كان وورنر أحد أطباء الأسنان ~~الأمريكان الذين تمتاز أسعار خدماتهم بأنها منخفضة، وكانت غرفة ~~الفحص لديه، أو «الردهة» كما يحب أن يسميها، في منتصف مبنى ~~كبير من المكاتب، بين مكتب مصور ومكتب تاجر جملة للواقيات ~~الذكرية. وصلت مبكرا عن موعدي، ولذا كان ثمة وقت لتناول بعض ~~الطعام. لا أعلم ما الذي جعلني أذهب إلى حانة للوجبات السريعة من ~~منتجات الألبان وغيرها، رغم أنني أتجنب تلك الأماكن عادة. نحن ~~الذين نتحصل على خمسة إلى عشرة جنيهات أسبوعيا لا يمكننا ~~الاستفادة كثيرا من أماكن تناول الطعام في لندن. إذا كنت ترى أن ~~المبلغ الذي يجب أن ينفقه المرء في وجبة هو شلن وثلاثة بنسات، ~~فأمامك إما ليون أو إكسبريس ديري أو إيه بي سي؛ وإلا فستأكل وجبة ~~خفيفة كئيبة في إحدى الحانات؛ نصف لتر من الجعة المرة وشريحة ~~فطيرة باردة، تكون شديدة البرودة حتى إنها تكون أكثر برودة من ~~الجعة. خارج حانة منتجات الألبان، كان الأولاد يروجون للطبعات ~~الأولى للصحف المسائية. # وخلف طاولة البيع الحمراء البراقة، كانت تقف فتاة بقبعة بيضاء ~~طويلة أمام ثلاجة، وفي مكان ما في الخلف كان الراديو يصدر صوتا ~~عاليا ومزعجا. ما الذي جاء بي إلى هنا بحق الجحيم؟ سألت نفسي هذا ~~السؤال عندما دخلت. ثمة أجواء في تلك الأماكن تصيبني بالإحباط. كل ~~شيء هناك أملس وبراق وانسيابي؛ فتوجد مرايا وطلاء مينا وألواح ~~كروم، أينما نظرت، وكل الاهتمام بالديكور وليس بالطعام. لا يوجد ~~هنا طعام حقيقي على الإطلاق، وإنما هي ms020 أشياء بأسماء أمريكية، وهي ~~كأشياء وهمية لا يمكنك تذوقها، ويصعب التصديق في وجودها. كل شيء ~~يأتي من كرتونة أو علبة من الصفيح أو يخرج من الثلاجة أو ينبعث من ~~صنبور أو ينضغط من أنبوب. ولا توجد راحة أو خصوصية؛ فالمكان كله ~~مجهز بتلك الكراسي المرتفعة التي لا ظهر لها، الموضوعة إلى ~~مكان ضيق لتتناول الطعام عليه، والمرايا في كل مكان حولك. هناك نوع ~~من الدعاية يطفو على الأرجاء مختلطا بضجيج الراديو، ما يشعر بأن ~~الطعام لا يهم، وكذلك الراحة، وكذلك أي شيء عدا أن يكون كل شيء ~~أملس ولامعا وانسيابيا. كل شيء انسيابي في هذه الأيام، حتى ~~الرصاصة التي يحتفظ بها هتلر ليطلقها عليك. طلبت فنجان قهوة ~~كبيرا وقطعتين من نقانق الفرانكفورتر. وضعت الفتاة ذات القبعة ~~البيضاء الطعام أمامي بالفتور نفسه الذي تلقي به بيض النمل لسمكة ~~زينة. # خارج الباب صاح بائع صحف: «ستار، نيوز، إستاندرد!» رأيت العنوان ~~يرفرف أمام ركبتيه: «الساقان. اكتشافات جديدة.» هل لاحظت أنهم ~~كتبوا كلمة «الساقان» فقط. إنها اختصرت إلى هذا. منذ يومين، وجدوا ~~ساقي امرأة في غرفة انتظار بمحطة للسكك الحديدية، وكانت الساقان ~~ملفوفتين بقطعة من الورق البني؛ ومع انتشار الخبر في طبعات الصحف ~~المتتالية، كان من المفترض أن يهتم الشعب كله ويتعاطف مع صاحبة ~~هاتين الساقين المدمرتين، لدرجة أنهم لا يحتاجون إلى مزيد من ~~المقدمات الصحفية. وكانت الساقان الوحيدتان في الأخبار في ذلك ~~الوقت. فكرت وأنا أتناول قطعة من الخبز، إنه لغريب أمر هؤلاء ~~القتلة الكسالى اليوم؛ فبعد كل هذا التقطيع لأجسام الناس، يترك ~~المجرم أجزاء منها في أنحاء القرى. أين ذلك من الدراما القديمة ~~لتسميم أفراد العائلة، مثل قضايا كريبين وسيدون والسيدة مايبريك؟ ~~الحقيقة على ما أعتقد أنه لا يمكنك ارتكاب جريمة قتل جيدة إلا إذا ~~كنت تعتقد أنك ستشوى في الجحيم على إثرها. # في هذه اللحظة، أخذت قضمة من إحدى قطعتي النقانق خاصتي، ثم يا ~~إلهي! # حقيقة لم أتوقع أن يكون لهذا الشيء مذاق جيد؛ فقد توقعت ألا ~~يكون له مذاق، مثل ms021 قطعة الخبز، ولكن هذه كانت تجربة لا تنسى. ~~دعني أحاول أن أصفها لك. # لنقانق الفرانكفورتر جلد مطاطي، بالطبع، وطقم أسناني لم يكن ~~متناسبا بشكل جيد معها؛ فكان علي أن أحركه كالمنشار قبل أن ~~أتمكن من غرس أسناني في جلد النقانق، وفجأة! انفجر ذلك الشيء في ~~فمي كالكمثرى الفاسدة؛ إذ كان شيئا لينا فظيعا يتسرب في ~~جميع أرجاء لساني. أما عن المذاق، فلبرهة لم أستطع تصديق الأمر، ~~فلففت لساني حوله مرة أخرى وجربته ثانية. لقد كان عبارة عن ~~سمك! نقانق، شيء يسمونه فرانكفورتر، محشو بالسمك! نهضت وخرجت ~~على الفور دون أن أمس قهوتي. الرب أعلم ماذا قد أرادوا أن يكون ~~مذاق هذا الشيء. # بالخارج، لوح بائع الصحف بصحيفة «إستاندرد» في وجهي وصاح: ~~«الساقان! اكتشافات رهيبة! وأسماء كل الفائزين في سباق الخيل! ~~الساقان! الساقان!» كنت لا أزال أدحرج ذلك الشيء حول لساني، وأبحث ~~عن مكان أستطيع أن أبصقه فيه. تذكرت شيئا كنت قد قرأته في صحيفة ~~ما عن مصانع الأطعمة تلك في ألمانيا حيث يصنع كل شيء من شيء آخر ~~تماما، ويسمون ذلك بالطعام الاصطناعي. تذكرت كذلك أني قرأت ~~أنهم كانوا يصنعون النقانق من السمك، ويصنعون السمك بلا شك من شيء ~~آخر مختلف. جعلني ذلك أشعر أنني قد أخذت قضمة من العالم الحديث ~~واكتشفت أصوله الحقيقية. هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور ~~اليوم؛ كل شيء براق وانسيابي، كل شيء مصنع من شيء آخر. ~~السليوليد والمطاط وفولاذ الكروم في كل مكان، والمصابيح القوسية ~~متوهجة طوال الليل، والأسقف الزجاجية فوق رءوسنا، وأجهزة الراديو ~~تصدح كلها بالنغمة نفسها، والغطاء النباتي يتضاءل، والإسمنت يغطي ~~كل شيء، والسلاحف المزيفة ترعى أسفل أشجار الفاكهة المتعادلة ~~الحموضة. ولكن عندما يتعلق الأمر بضروريات الحياة وتغرس أسنانك في ~~شيء صلب، مثل النقانق، فهذا ما ستحصل عليه؛ سمك فاسد في جلد مطاطي، ~~انفجار شيء قبيح في فمك. # عندما وضعت طقم أسناني الجديد، شعرت بتحسن كبير. إنه يتلاءم ~~جيدا وبسلاسة مع اللثة، وعلى الرغم من أنه قد يبدو من السخف أن ~~أقول ms022 إن طقم الأسنان من شأنه أن يشعرك بأنك أصغر سنا، فهذه ~~حقيقة. جربت أن أبتسم لنفسي في نافذة أحد المتاجر، ولم يكن الأمر ~~سيئا كما ظننت؛ فعلى الرغم من أن وورنر خدمته رخيصة الثمن، فهو ~~فنان جدا ولا يريدك أن تبدو كمن يظهرون في إعلانات معاجين ~~الأسنان. وهو لديه خزانة كبيرة مليئة بأطقم الأسنان - التي أراني ~~إياها ذات مرة - كلها مرتبة حسب الحجم واللون، وهو يختار منها ~~كصائغ يختار أحجارا كريمة لعقد. كان سيظن تسعة أشخاص من بين ~~كل عشرة أشخاص أن أسناني طبيعية. # ألقيت نظرة على نفسي بالحجم الكامل في نافذة أخرى كنت أمر ~~أمامها، وقد هالني أنني وجدت نفسي في الواقع لست بذلك السوء. ~~أعترف أنني بدين بعض الشيء، ولكن الأمر ليس مثيرا للاشمئزاز؛ فقط ~~ما يقول عنه الخياطون «جسم ممتلئ»، كما أن بعض النساء يحببن ~~الرجل ذا الوجه الأحمر. أعتقد أنني ما زلت أتمتع بالحيوية. تذكرت ~~الجنيهات السبعة عشر، وعزمت بلا أدنى شك على أن أنفقها على امرأة. ~~كان لدي ثمة وقت لتناول الجعة قبل أن تغلق الحانات، فقط ~~لتطهير الأسنان؛ وقد شعرت بالغنى لامتلاكي سبعة عشر جنيها، فتوقفت ~~أمام متجر السجائر واشتريت سيجارا بستة بنسات من النوع الذي أحبه ~~كثيرا. يبلغ طول السيجار الواحد من ذلك النوع ثماني بوصات، وهو ~~مصنوع بالكامل من أوراق نقية من هافانا. أظن أن الملفوف ينمو في ~~هافانا كنموه في أي مكان آخر. # عندما خرجت من الحانة، شعرت باختلاف نوعا ما. # شربت كأسين من الجعة أمداني بدفء داخلي، وكان دخان السيجار ~~يتسرب حول أسناني الجديدة، ويعطيني شعورا بالانتعاش والنظافة ~~والسلام الداخلي. شعرت فجأة أنني أقرب إلى أن أكون مفكرا أو ~~فيلسوفا. كان جزء من ذلك يرجع إلى أنه لم يكن لدي عمل أؤديه، ~~ورجع ذهني إلى التفكير في الحرب كما فعلت في صباح هذا اليوم عندما ~~كانت الطائرة القاذفة للقنابل تطير فوق القطار. شعرت بنوع من ~~الإحساس التنبئي، ذلك الإحساس الذي يجعلك تتوقع نهاية العالم ~~ويشعرك بنوع خاص من المتعة. # كنت ms023 أسير غربا إلى شارع إستراند، ورغم برودة الجو بعض الشيء، ~~سرت ببطء للاستمتاع بالسيجار. كان الازدحام المعتاد الذي تشق ~~طريقك فيه بصعوبة واصلا للرصيف، وكان على وجوه الجميع ذلك ~~التعبير الأبله الثابت الذي يعتلي وجوه الناس في شوارع لندن، ~~وكان هناك الازدحام المروري المعتاد بالحافلات الحمراء الكبيرة ~~التي تتحسس طريقها بين السيارات وزئير المحركات وصفير أبواق ~~السيارات. أظن أن تلك الضوضاء كافية لإيقاظ الموتى، ولكنها ليست ~~كافية لإيقاظ هؤلاء القوم. شعرت كما لو أنني الشخص الوحيد المستفيق ~~في مدينة من السائرين نياما. هذا وهم بالتأكيد؛ فعندما تسير وسط ~~حشد من الغرباء، يكاد يكون من المستحيل ألا تتخيل أنهم جميعا ~~تماثيل شمعية، لكنهم أيضا يرونك كما تراهم على الأرجح. وهذه ~~الحالة التنبئية التي تنتابني هذه الأيام، ذلك الشعور بأن الحرب ~~على الأبواب وأن الحرب هي نهاية كل شيء، لا تنتابني وحدي؛ فكلنا ~~يشعر بالأمر، بشكل أو بآخر. أعتقد حتى أنه بين الأشخاص الذين ~~يعبرون الطريق في هذه اللحظة لا بد أن ثمة رجلا قد ارتسمت في ~~ذهنه صور تجمع بين انفجارات القذائف والوحل. أيا كانت الفكرة ~~التي تفكر فيها، فهناك ملايين الأشخاص الذين يفكرون في الأمر ~~نفسه في اللحظة نفسها. ولكن هذا ما كنت أشعر به: جميعنا على ظهر ~~مركب واحد يحترق، ولا يعلم أحد بالأمر إلا أنا. نظرت إلى الوجوه ~~التي تتسم بالغباء التي مرت أمامي، ورأيتهم كالديوك الرومية في ~~شهر نوفمبر حيث نأكلها في عيد الشكر؛ فلم يكن لديهم أدنى فكرة عما ~~سيحدث لهم. كان الأمر كما لو أنني منحت تقنية الأشعة السينية في ~~عيني، ويمكنني أن أرى هياكل عظمية سائرة أمامي. # تخيلت المستقبل بعد بضع سنوات، ورأيت هذا الشارع - لنقل - بعد ~~خمس سنوات أو ثلاث (إذ كان من المتوقع أن تندلع الحرب في عام 1941) ~~بعد بدء القتال. # لا، لم يتحطم كل شيء، فقط حدثت بعض التغييرات المتمثلة في بعض ~~الشظايا والقذارة، وأصبحت نوافذ المتاجر فارغة تقريبا ومليئة ~~بالغبار حتى إنه لا يمكنك النظر خلالها. وفي شارع جانبي، ثمة ms024 حفرة ~~ضخمة خلفتها القنابل ومجموعة من المباني المحترقة التي بدت ~~كالسن المجوفة. لا بد أن ذلك بفعل مركب الثرميت. كل شيء هادئ ~~هدوءا غريبا، والجميع شديدو النحافة. تأتي فصيلة من الجنود ~~مسرعة، جميعهم في نحافة جرافة العشب، ويجرون أقدامهم. ~~وللقائد شارب لولبي، ويقف كمدك البندقية، ولكنه نحيف أيضا ~~ويسعل بشدة على نحو يكاد يمزق أحشاءه. ويتخلل سعاله محاولاته ~~للصياح في الجنود بذلك الأسلوب القديم الذي يستخدمونه في ساحات ~~تدريب الجنود؛ «أنت يا جونز! ارفع رأسك! علام تنظر في الأرض؟ كل ~~أعقاب السجائر قد التقطت منذ سنوات.» وفجأة تداهمه نوبة من ~~السعال يحاول إيقافها، لكنه لا يستطيع، فينحني بشدة لأسفل ويكاد ~~يلفظ أحشاءه، ثم يتحول وجهه إلى اللون الوردي والأرجواني، ويرتخي ~~شاربه، وتدمع عيناه. # يمكنني سماع دوي صفارات إنذار الغارات الجوية وأصوات ~~مكبرات الصوت تصدح عاليا بأن قواتنا المجيدة قد احتجزت مائة ألف ~~أسير. وأرى مؤخرة غرفة في دور علوي في برمنجهام حيث يبكي صبي عمره ~~خمس سنوات ويصرخ طالبا قطعة خبز، وأمه لم تعد يمكنها التحمل، ~~فتصيح فيه فجأة قائلة: «اخرس أيها الوغد الصغير!» ثم تخلعه ثوبه ~~وتضربه بشدة على مؤخرته؛ لأنه ليس ثمة أي خبز ولن يكون. أرى كل ~~ذلك. أرى الملصقات والطوابير على الطعام وزيت الخروع والهراوات ~~المطاطية والمدافع الرشاشة التي تطلق النيران بغزارة من نوافذ غرف ~~النوم. # هل سيحدث ذلك؟ لا أحد يعلم. في بعض الأيام يستحيل تصديق أن هذا ~~سيحدث. وفي أيام أخرى أقول لنفسي إنه خوف نابع مما نقرؤه في الصحف. ~~وفي أيام أخرى أعلم حتى النخاع أن الأمر آت لا محالة. # عندما وصلت بالقرب من تقاطع تشارينج كروس، كان الأولاد ينادون ~~على طبعة تالية من الصحف المسائية؛ حيث المزيد من الهراء حول ~~الجريمة. «الساقان: بيان جراح شهير.» ثم جذب انتباهي عنوان آخر: ~~«تأجيل حفل زفاف الملك زوجو» الملك زوجو! اسم عجيب! يكاد يكون من ~~المستحيل أن تصدق أن رجلا باسم كهذا ليس زنجيا شديد السواد ~~كالفحم. # ولكن في هذه اللحظة حدث شيء غريب؛ فاسم ms025 الملك زوجو - الذي أظن ~~أنه اختلط بصوت ما في حركة المرور أو رائحة روث الخيول أو شيء من ~~هذا القبيل؛ لأنني رأيته عدة مرات ذلك اليوم - قد أيقظ شيئا في ~~ذاكرتي. # إن الماضي لشيء غريب. إنه يرافقك باستمرار. أعتقد أنه لا تمر ~~ساعة على الإطلاق دون أن تفكر في أشياء حدثت منذ عشر سنين أو ~~عشرين سنة، وعلى الرغم من ذلك فهي معظم الوقت لا وجود لها؛ فهي ~~مجرد مجموعة من الحقائق التي تعلمناها كغيرها من العديد من ~~الأشياء في كتب التاريخ. ثم يأتي منظر أو صوت أو رائحة بالصدفة، ~~وخاصة الرائحة، لتحفز ذكرياتك؛ ولا يأتي الماضي لك فحسب، بل تصبح ~~فعليا في الماضي. كان هذا ما حدث لي في هذه اللحظة. # وجدت نفسي في الكنيسة الرعوية ببلدة لوير بينفيلد، وقد عدت ~~ثمانية وثلاثين عاما إلى الوراء. بالحديث عن المظهر الخارجي، ~~أعتقد أنني كنت لا أزال أسير في شارع إستراند وأنا بدين وفي ~~الخامسة والأربعين من عمري وبطقم أسنان وقبعة مستديرة، ولكن في ~~داخلي كنت جورج بولينج البالغ من العمر سبع سنوات، وأحد الأبناء ~~الصغار لصامويل بولينج، تاجر الذرة والحبوب القاطن في 57 هاي ~~إستريت بلوير بينفيلد. كنا في صباح يوم الأحد، ويمكنني أن أشم ~~رائحة الكنيسة. كيف يمكنني أن أشم رائحتها؟! تعلم الرائحة التي ~~تكون في الكنائس، تلك الرائحة الخاصة المألوفة التي تنم عن أن ~~المكان به رطوبة شديدة وأتربة وتعفن. وثمة نفحة من شحم الشموع، ~~وربما دخان بخور، ورائحة بعض الفئران؛ وفي صباح يوم الأحد تمتزج ~~بتلك الرائحة قليلا رائحة الصابون الأصفر وصوف الملابس، ولكن ~~الرائحة السائدة هي رائحة الأتربة والعفن المألوفة، التي تشبه ~~رائحة الموت والحياة ممتزجين معا. إنها كرائحة غبار الجثث في ~~الواقع. # في تلك الأيام كان طولي حوالي أربع أقدام. وكنت أقف على وسادة ~~الركوع كي أتمكن من الرؤية عبر المقاعد الخشبية أمامي، وكان ~~يمكنني الشعور بملمس رداء أمي الأسود المصنوع من الصوف في يدي. ~~وكنت أشعر كذلك بجوربي المرفوع فوق ركبتي - فقد كنا نرتديها ms026 ~~بهذا الشكل في تلك الأيام - وحافة الياقة العريضة البيضاء التي ~~كانوا يأزرونني بها في صباح يوم الأحد. يمكنني كذلك سماع أزيز ~~آلة الأرغن وصوتين قويين يصدعان بالمزامير؛ ففي كنيستنا كان ~~ثمة رجلان يقودان الغناء، وفي الواقع كانا يغطيان على الآخرين فلا ~~يسمع لأحد غيرهما صوت. كان أحدهما يدعى شوتير، وكان سماكا، ~~وكان الآخر العجوز ويثرال، وكان نجارا وحانوتيا. وكانا قد ~~اعتادا الجلوس كل منهما أمام الآخر على كلا جانبي صحن الكنيسة ~~على المقعدين الخشبيين الأقرب للمنبر. كان شوتير رجلا قصيرا ~~وبدينا بوجه أملس شديد الحمرة وأنف كبير وشارب متدل ولحية تبعد ~~كثيرا عن فمه. أما ويثرال فقد كان مختلفا تماما؛ فقد كان ~~شيطانا عجوزا في نحو الستين من عمره، نحيفا وطويلا وقويا، ~~وذا وجه كالجمجمة وشعر رمادي متيبس يبلغ طوله نصف بوصة في جميع ~~أنحاء رأسه. لم أر قط رجلا على قيد الحياة يبدو تماما كالهيكل ~~العظمي مثله؛ إذ يمكنك رؤية كل خط في الجمجمة في وجهه، كما أن ~~جلده كان كالرق، وكان فكه الكبير الأشبه بالمصباح مليئا ~~بالأسنان الصفراء التي تصعد وتهبط كفك هيكل عظمي في أحد متاحف ~~التشريح. ولكن مع كل هذا الضعف بدا قويا كالحديد؛ كما لو أنه ~~سيعيش مائة عام وسيصنع توابيت كل فرد في تلك الكنيسة قبل أن يموت. ~~كان صوتاهما مختلفين كذلك؛ فقد كان في صوت شوتير نوع من الصخب ~~اليائس والمعذب، كشخص في عنقه سكين يصرخ بآخر كلماته طلبا ~~للمساعدة. أما ويثرال فقد كان ذا صوت كضوضاء قصف الرعد المروعة ~~والمضطربة المتولدة من أعماقه، كصوت دحرجة براميل ضخمة ذهابا ~~وإيابا تحت الأرض. وعلى الرغم من مقدار الضوضاء التي يصدرها، ~~تعلم دائما أن لديه المزيد منها الذي لم يصدره بعد. أطلق عليه ~~الأطفال اسم رامبيل تامي (أي قرقرة البطن). # وقد اعتادا الترتيل كما لو أن كلا منهما يرد على الآخر، وخاصة ~~عند تلاوة المزامير، وكان ويثرال من ينطق دائما بالجزء الأخير. ~~أعتقد حقا أنهما كانا صديقين في حياتهما الخاصة، ولكن عندما كنت ~~طفلا كنت ms027 أتخيلهما عدوين لدودين يحاول كل منهما إخراس ~~الآخر. عندما كان يصيح شوتير: «الرب راعي»، كان ويثرال يرد: «فلا ~~يعوزني شيء» فيغطي بصوته عليه تماما. كان يمكنك دائما معرفة ~~القائد من بينهما. اعتدت أن أنتظر بشغف على وجه خاص المزمور الذي ~~يتحدث عن سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان (وهذا ما ~~ذكرني به اسم الملك زوجو). كان شوتير يستهل الترنيم قائلا: ~~سيحون ملك ~~الأموريين # Sihon king of the Amorites ~~، ثم لنصف ثانية تقريبا كنت تسمع ~~باقي المصلين يتغنون بكلمة و # and ~~، ثم كان جهير ويثرال يصدح بنغمة كموجة عاتية ~~ويغطي على صوت الجميع في عبارة عوج ملك باشان # Og the king of Bashan ~~. ~~أتمنى لو أن بإمكاني أن أسمعك ضوضاءه التي تشبه صوت البراميل ~~المتدحرجة والمدمدمة تحت الأرض عندما يصل لكلمة # Og ~~؛ حتى إنه اعتاد على إدغام ~~آخر حرف في كلمة # and # في الكلمة ~~التي تليها، ما جعلني وأنا صغير جدا أظن أن الآية تقول: ~~دوج ملك ~~باشان # Dog the king of Bashan ~~. ولكن بعد ذلك، عندما تعلمت الأسماء ~~الصحيحة، رسمت صورة في ذهني لسيحون وعوج، فرأيتهما كتمثالين ~~من تلك التماثيل المصرية القديمة التي رأيت صورا لها في موسوعة ~~بيني، تلك التماثيل الحجرية الضخمة التي يبلغ ارتفاعها ثلاثين ~~قدما والجالسة على عروشها الواحد أمام الآخر، وأيديهم على ركبهم، ~~وتعلو وجوههم ابتسامة غامضة وباهتة. # كيف لي أن أتذكر كل ذلك؟! هذا الشعور الغريب - كان مجرد شعور؛ ~~إذ لا يمكنك وصفه بأنه أحد الأنشطة - الذي اعتدنا أن نسميه ~~«الكنيسة»؛ ورائحة الجثث المألوفة تلك، وحفيف ملابس يوم الأحد، ~~وأزيز الأرغن، والأصوات الجهورية، وبقعة الضوء من الفتحة في ~~النافذة التي تتسلل ببطء أعلى صحن الكنيسة. بطريقة أو بأخرى كان ~~البالغون قادرين على إقناع الأطفال بأن هذا الأداء الغريب كان ~~ضروريا. وكنت تصدق ذلك تماما كما تصدق الإنجيل، الذي كنت ~~تتعرض له بجرعات كبيرة في تلك الأيام؛ فقد كانت نصوصه على كل حائط، ~~وكنت تحفظ أجزاء كاملة من العهد القديم عن ظهر قلب. وحتى الآن فإن ms028 ~~رأسي مملوء ببعض آياته: «وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب»، ~~«وأشير أقام على ساحل البحر، وفي فرضه سكن»، «واتبعهم من ~~دان إلى بئر سبع »، «ضربه هناك في بطنه فمات». لم تفهم معناها قط، ~~ولم تحاول أو ترد الفهم؛ فقد كانت مجرد نوع من الأدوية، شيئا ذا ~~مذاق غريب عليك أن تبتلعه، وأن تعلم أنه ضروري بشكل أو بآخر. إنه ~~هراء أسطوري حول أشخاص بأسماء مثل شمعي ونبوخذ نصر وأخيتوفيل ~~وحشبدانة؛ هؤلاء الأشخاص الذين يرتدون أثوابا كثيفة وطويلة ولهم ~~لحى آشورية، ويركبون الجمال بين المعابد وأشجار الأرز ويفعلون ~~المعجزات؛ يقدمون عطايا محرقة، ويهيمون على وجوههم في أتانين ~~النار المتقدة، ويثبتون بالمسامير على الصلبان، وتبتلعهم الحيتان. ~~وكل ذلك ممزوج برائحة المقابر المألوفة والملابس الصوفية وأزيز ~~الأرغن. # كان ذلك هو العالم الذي رجعت إليه عندما رأيت الخبر في الصحيفة ~~عن الملك زوجو. لبرهة لم أتذكر ذلك العالم فحسب، بل دخلت فيه. ~~بالطبع لا تدوم مثل هذه الانطباعات لأكثر من ثوان معدودة؛ بعد ذلك ~~بقليل، كان الأمر كما لو أنني قد فتحت عيني مرة أخرى، ووجدت ~~نفسي في الخامسة والأربعين وسط الزحام المروري في شارع إستراند. ~~لكن ذلك ترك نوعا من الأثر علي؛ ففي بعض الأحيان عندما تخرج من ~~قطار أفكارك، تشعر كأنك تصعد لأعلى بعد أن كنت غاطسا في مياه ~~عميقة، ولكن هذه المرة حدث العكس تماما؛ فقد شعرت كما لو أنني ~~عندما رجعت إلى عام 1900 كنت أتنفس هواء حقيقيا. حتى الآن وأنا ~~أفتح عيني، إن جاز القول، فإن كل هؤلاء الحمقى الذين يمشون في ~~عجلة من أمرهم ذهابا وإيابا والملصقات ورائحة البنزين الكريهة ~~وزئير المحركات، كل ذلك بدا لي غير حقيقي مقارنة بصباح الأحد في ~~لوير بينفيلد منذ ثمانية وثلاثين عاما مضت. # رميت السيجار وأكملت سيري ببطء. كان يمكنني أن أشم رائحة ~~الجثث، كما يمكنني أن أشمها الآن؛ فقد رجعت إلى لوير بينفيلد ~~وأنا الآن في عام 1900. بجوار معلف الخيول في السوق، كان حصان ~~الحمال يحمل مخلاته في فمه. وفي ms029 متجر الحلوى بأحد الأركان كانت ~~الأم ويلر تزن كرات البراندي بقيمة نصف بنس. وكانت عربة ~~السيدة رامبلينج تمر بالنمر الجالس في الخلف في بنطاله القصير ~~المبيض وذراعاه مطويتان. وعمي إيزيكيال كان يسب جو تشامبرلين. ~~وكان رقيب التجنيد يرتدي سترته القرمزية، وأفروله الأزرق الضيق، ~~وقبعته الصغيرة المستديرة، وكان يتبختر جيئة وذهابا ويلف شاربه. ~~وكان السكارى يتقيئون في الفناء خلف حانة جورج. كانت الملكة ~~فيكتوريا في وندسور، والله في السماء، والمسيح على الصليب، ويونان ~~في بطن الحوت، وشدرخ وميشخ وعبدنغو في أتون النار المتقدة، ~~وسيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان يجلسان على ~~عرشيهما ناظرا كل منهما إلى الآخر، لا يفعلان شيئا بالتحديد، ~~فقط موجودين ومحتفظين بمكانيهما كمسندين للحطب المشتعل في موقد ~~أو كالأسد وأحادي القرن رمزي المملكة المتحدة. # هل ولى هذا العالم للأبد؟ لست متأكدا، ولكني أقول لك إنه كان ~~عالما جيدا للعيش فيه، وأنا أنتمي إليه، وأنت أيضا تنتمي ~~إليه. # | الجزء الثاني # 1 # العالم الذي تذكرته للحظة عندما رأيت اسم الملك زوجو في إحدى ~~الصحف كان مختلفا تمام الاختلاف عن العالم الذي أعيش فيه الآن، ~~لدرجة أنه قد يصعب عليك تصديق أنني قد انتميت إليه يوما. # أعتقد أنك الآن قد رسمت لي صورة نوعا ما في ذهنك - رجل بدين في ~~منتصف العمر بطقم أسنان ووجه أحمر - ولا بد أنك كنت تتخيل ~~تلقائيا أنني كنت دائما على هذه الحالة حتى منذ أن كنت في ~~المهد. ولكن خمسة وأربعين عاما وقت طويل؛ وعلى الرغم من أن بعض ~~الناس لا يطرأ عليهم التغير أو التطور، فالبعض الآخر تصيبهم تلك ~~الأمور. لقد تغيرت كثيرا، وعشت أوقاتا جيدة وأخرى صعبة؛ لكن كان ~~أغلبها جيدا في الحقيقة. قد يبدو ما أقوله غريبا، ولكن أبي على ~~الأرجح كان سيفخر لو تمكن من رؤيتي الآن؛ فلطالما اعتقد أنه من ~~الرائع أن يمتلك أحد أبنائه سيارة وأن يعيش في منزل به حمام. حتى ~~في وضعي الحالي فأنا متفوق بعض الشيء عن الوضع الذي نشأت فيه، ~~وفي بعض الأوقات، وصلت إلى ms030 مستويات لم نكن لنحلم بها في تلك ~~الأيام الخوالي فيما قبل الحرب. # قبل الحرب! يا ترى إلى متى سنظل نردد تلك العبارة؟ إلى متى ~~سنرددها قبل أن تصبح الإجابة «أي حرب؟» بالنسبة لي، فإن الحرب ~~التي تأتي لأذهان الناس عندما يقولون «قبل الحرب» قد تتمثل في ~~الغالب في حرب البوير. لقد ولدت في عام 1893، ويمكنني بالفعل ~~تذكر اندلاع حرب البوير؛ وذلك بسبب المناقشة العظيمة التي دارت بين ~~أبي وعمي إيزيكيال حولها. ولدي ذكريات عديدة أخرى ترجع إلى ما ~~قبل ذلك بعام تقريبا. # أول شيء أتذكره هو رائحة قش نبات العنبريس. لقد كنت أصعد الممر ~~الحجري المؤدي من المطبخ إلى المتجر، وكانت رائحة العنبريس ~~تزداد قوة بطول الطريق. وكانت أمي قد ثبتت بوابة خشبية في ~~المدخل كي تمنعني أنا وجو (كان جو أخي الأكبر) من دخول المتجر. ما ~~زلت أتذكر وقوفي هناك ممسكا بالقضبان، ورائحة العنبريس ممتزجة ~~برائحة الجص الرطبة للممر. استغرق الأمر مني سنوات حتى تمكنت ~~على نحو ما من تحطيم البوابة والدخول إلى المتجر عندما لم يكن به ~~أحد. حينها سقط فجأة فأر كان قد دخل أحد صناديق الطحين، وجرى بين ~~قدمي، وقد أصبح أبيض اللون تماما من الطحين. لا بد أن هذا قد ~~حدث عندما كنت في السادسة من عمري تقريبا. # عندما تكون صغيرا جدا، يبدو أنك تعي فجأة أشياء كانت تحت ~~ناظريك لوقت طويل في الماضي. إن الأشياء التي حولك تتكشف لك كل ~~على حدة تماما كما يحدث أثناء استيقاظك من النوم. على سبيل ~~المثال، فقط عندما كان عمري أربع سنوات تقريبا أدركت أن لدينا ~~كلبا. كان اسمه نايلير، وكان عجوزا أبيض اللون من فصيلة ~~الترير الإنجليزية التي لم تعد موجودة هذه الأيام. قابلته ~~أسفل طاولة المطبخ، وبطريقة ما بدا أنني فهمت، ولم أعلم ذلك إلا ~~في تلك اللحظة، أنه كلبنا وأن اسمه كان نايلير. على المنوال نفسه ~~وفي وقت قبل ذلك ليس بالكثير، اكتشفت أن خلف البوابة في نهاية ~~الممر كان ثمة مكان تنبعث منه رائحة ms031 العنبريس. والمتجر نفسه بما ~~فيه من موازين ضخمة ومقاييس خشبية وجاروف معدني، والكتابة ~~باللون الأبيض على الجدار، وطائر الدغناش في قفصه - الذي لم يكن ~~يمكنك رؤيته جيدا حتى عند الوقوف على الرصيف؛ لأن النافذة كانت ~~متسخة دائما - كل هذه الأشياء كانت تتضح لذهني الواحد تلو ~~الآخر كقطع أحجية الصور المقطعة. # يمر الوقت، وتصبح خطواتك أكثر ثباتا، وتبدأ في فهم جغرافية ~~المكان شيئا فشيئا. أعتقد أن لوير بينفيلد كانت كأي بلدة بها سوق ~~يسكنها ما يقرب من ألفي شخص. كانت في أكسفوردشير - لاحظ أنني ~~أكرر كلمة «كانت» على الرغم من أن المكان ما زال موجودا - على ~~بعد نحو خمسة أميال من نهر التيمز، وكانت تقع في واد صغير، ~~ويفصلها عن النهر تموج منخفض من التلال، وخلفها تلال أعلى. ~~علت التلال غابة بدت ككتل زرقاء ضبابية يمكن وسطها رؤية ~~منزل أبيض كبير به رواق. كان هذا منزل بينفيلد («القصر» كما كان ~~يسميه الجميع)، وكان أعلى التل يعرف باسم أبر بينفيلد على الرغم ~~من عدم وجود قرية هناك في ذلك الوقت ولا قبل ذلك بمائة سنة أو ~~أكثر. لا بد أنني كنت في السابعة من عمري تقريبا عندما لاحظت وجود ~~منزل بينفيلد؛ فعندما تكون صغيرا جدا لا تنظر إلى مسافات بعيدة، ~~ولكن بحلول ذلك الوقت كنت قد عرفت كل بوصة في البلدة، التي كان ~~شكلها تقريبا كالصليب والسوق في وسطها. كان متجرنا في هاي إستريت ~~قبل دخولك للسوق بقليل، وفي الركن كان متجر السيدة ويلر للحلوى حيث ~~كنت تنفق نصف بنس عندما يكون معك. كانت الأم ويلر عجوزا شمطاء ~~قذرة، وكان الناس يشكون في أنها كانت تمص الحلوى المدورة ~~وتضعها مرة أخرى في الوعاء، ولكن لم يثبت عليها أحد الأمر. ~~بعيدا عن ذلك بكثير كان هناك متجر الحلاقة والسجائر بلافتة إعلان ~~سجائر عبد الله - ذلك الإعلان الذي به الجنود المصريون، ومن الغريب ~~للغاية أنهم يستخدمون الإعلان نفسه حتى يومنا هذا - ورائحة الكحول ~~القوية لعطر ما بعد الحلاقة وتبغ اللاذقية. خلف المنازل كان يمكنك ms032 ~~رؤية مداخن مصانع الجعة. وفي وسط السوق كان معلف الخيول ~~الحجري، وأعلى مياهه كانت دائما ثمة طبقة رقيقة من الغبار ~~والتبن. # قبل الحرب، وخاصة قبل حرب البوير ، كان الصيف يمتد طوال العام. ~~أدرك تماما أن هذا وهم، ولكن جل ما أحاول قوله هو الحال التي ~~أتذكر عليها تلك الأيام. إذا أغلقت عيني وفكرت في بلدة لوير ~~بينفيلد في أي وقت قبل أن أبلغ عامي، لنقل، الثامن، فسأتذكرها ~~دائما في فصل الصيف، وهذا سواء أكنت في السوق في وقت الغداء حيث ~~الغبار المغطي لكل شيء وحصان الحمال يغرس أنفه في مخلاته وهو ~~يمضغ الطعام، أو كنت في يوم حار فيما بعد الظهيرة في المروج ~~الغضة الخضراء الرائعة حول البلدة، أو كنت قرب وقت الغسق في ~~الزقاق خلف الحقول الزراعية ورائحة تبغ الغلايين وزهور المنثور ~~التي تنساب عبر السياج النباتي. ومع ذلك أتذكر بالفعل الفصول ~~المختلفة؛ لأن جميع ذكرياتي مرتبطة بأشياء تؤكل، والتي تتنوع ~~حسب فصول العام المختلفة. وأخص بالذكر الأشياء التي كان المرء ~~يجدها عند الأسيجة النباتية. في شهر يوليو كان ينبت التوت الشوكي - ~~ولكنه كان نادرا للغاية - وكان توت العليق الأسود يصبح ناضجا ~~وصالحا للأكل. وفي سبتمبر كنا نجد الخوخ الشوكي والبندق، ولكن ~~أفضل أنواع البندق كانت دائما في الأغصان العالية التي لم نكن ~~ننالها. وفي الشهور التالية كنا نجد جوز أشجار الزان والتفاح ~~البري. كان هناك أيضا بعض الأطعمة الثانوية التي تتناولها عندما ~~لا يكون ثمة شيء أفضل، ومنها الزعرور البري - ولكنه لم يكن ~~مستساغا - وثمر الورد البري، الذي له مذاق قوي لطيف عند تنظيف ~~الشعر الذي يكون عليه. كانت كذلك حشيشة الملاك من النباتات الجيدة ~~في بداية فصل الصيف، خاصة عندما تكون عطشان، وكذلك كان الأمر مع ~~سيقان العديد من النباتات. نأتي بعد ذلك إلى الحماض البستاني، ~~وهو جيد مع الخبز والزبد، وجوز الخنزير، ونوع من النفل الخشبي الذي ~~له مذاق مر. وحتى بذور نبات لسان الحمل تكون أفضل من لا شيء ~~عندما تكون بعيدا جدا عن المنزل ms033 وجائعا بشدة. # كان جو أكبر مني بعامين. وفي سنوات طفولتنا المبكرة، كانت أمي ~~معتادة على دفع ثمانية عشر بنسا في الأسبوع لكيتي سيمونز مقابل ~~تمشيتي أنا وأخي في وقت ما بعد الظهيرة. كان والد كيتي يعمل في ~~مصنع الجعة، وكان لديه أربعة عشر طفلا؛ لذلك كانت عائلتها تبحث ~~دائما عن الأعمال الصغيرة المؤقتة. وكانت فقط في الثانية عشرة ~~من عمرها عندما كان جو في السابعة من عمره وكنت أنا في الخامسة، ~~ولم تكن أكثر منا نضجا بكثير. كانت معتادة على سحبي من ذراعي ~~ومناداتي ب «صغيري»، وكانت مكلفة بمنع اصطدامنا بالعربات التي ~~تجرها الكلاب أو مطاردة الثيران لنا، ولكننا لم نكن نخوض أي ~~مناقشة إلا وكنا جميعا على قدم المساواة. وقد اعتدنا المشي ~~لمسافات طويلة للتنزه - وكنا دائما بالطبع نقطف الثمار ~~ونتناولها طوال الطريق - إلى الزقاق خلف الحقول، وعبر مروج روبير، ~~وإلى الطاحونة، حيث البركة التي بها حيوانات سمندل الماء وسمك ~~الشبوط الصغير (حيث كنت أنا وجو نذهب هناك لنصطاد عندما كنا ~~في سن أكبر قليلا)، وكنا نرجع عبر شارع أبر بينفيلد كي نمر ~~على متجر الحلوى في طرف البلدة. كان هذا المتجر في موقع سيئ أدى ~~إلى إفلاس كل من امتلكوه، وعلى حد علمي كان لثلاث مرات متجرا ~~للحلوى ومرة متجرا للبقالة ومرة متجرا لإصلاح الدراجات؛ ولكن كان ~~له سحر خاص على الأطفال. حتى عندما لا يكون لدينا المال، كنا نمر ~~في طريقه كي نلزق أنوفنا بنافذته. ولم تكن كيتي تترفع على الإطلاق ~~عن أن تشاركنا الحلوى التي نشتريها بربع بنس وتتعارك معنا على ~~حصتها فيها. كان يمكنك شراء أشياء بربع بنس في تلك الأيام؛ فمعظم ~~الحلوى كانت الأوقيات الأربع منها ببنس، وكانت ثمة حلوى كذلك اسمها ~~برادايس ميكستشر الست أوقيات منها ببنس، وكانت في الغالب تجميعا ~~للحلوى المكسورة من الأواني الأخرى. كما كانوا يبيعون شيئا آخر ~~اسمه فارذينج إيفرلاستنجس، وكان بطول الياردة ولم نكن نتمكن من ~~إنهاء تناوله في نصف الساعة. أما الحلوى على أشكال الفئران ~~والخنازير فكان ms034 كل ثمان منها ببنس، وكذلك كانت حلوى العرقسوس التي ~~كانت تأتي على شكل مسدسات، وكان كيس الفشار الكبير بنصف بنس، وكان ~~كيس الجوائز - الذي يحتوي على عدة أنواع مختلفة من الحلوى وخاتم ~~ذهبي اللون وأحيانا صافرة - ببنس واحد. لا ترى أكياس الجوائز ~~الآن، وكثير جدا من أنواع الحلوى التي كانت في تلك الأيام قد ~~اختفت اليوم. كان ثمة نوع من الحلوى البيضاء المسطحة بشعارات ~~مطبوعة فوقها، ونوع آخر من الحلوى الوردية اللزجة في علبة بيضاوية ~~الشكل من الخشب ومعها ملعقة صغيرة من الصفيح لتأكلها بها، وكان ~~الاثنان بنصف بنس. ولكن اختفى هذان النوعان، واختفت كذلك حلوى ~~الكراوية المجففة، وأصابع الشوكولاتة، وأعواد السكر، وكذلك حبات ~~الحلوى الملونة الصغيرة للغاية، التي كانت بديلا جيدا إذا لم يكن ~~معك سوى ربع بنس. وماذا عن مشروب بيني مونيستير؟ هل يرى أحد مشروب ~~بيني مونيستير اليوم؟ كان في زجاجة كبيرة تسع أكثر من ربع جالون ~~من شراب الليمون الفوار، وكل ذلك ببنس واحد. هذا شيء آخر من ~~الأشياء التي قضت عليها الحرب. # أرى الصيف دائما عندما أتذكر الماضي. يمكنني الشعور بالعشب من ~~حولي وهو في طولي نفسه، والإحساس بالحرارة الصاعدة من الأرض، ~~وكذلك رؤية الغبار في الزقاق، والضوء المخضر الدافئ القادم عبر ~~أغصان شجر البندق. أرى ثلاثتنا مصطفين على نحو متتال، نأكل ~~الثمار التي نقطفها من السياج النباتي، وكيتي تسحبني من ذراعي ~~وتقول لي: «هيا يا صغيري!» وفي بعض الأحيان كانت تنادي على جو ~~وتصرخ فيه قائلة: «جو! ارجع هنا حالا! وإلا فستعاقب!» كان جو ~~ولدا ضخم البنية، برأس كبير وثقيل بعض الشيء، وسمانتين ~~ضخمتين؛ وهو من ذلك النوع من الأولاد الذين يفعلون أشياء خطرة ~~دائما. في السابعة من عمره، كان قد ارتدى بالفعل البناطيل ~~القصيرة، والجوارب الثقيلة السوداء التي تصل إلى الركبتين، ~~والأحذية العالية الرقبة التي كان يرتديها الأولاد في تلك ~~الأيام، بينما كنت لا أزال أرتدي نوعا من الأردية الخارجية ~~الطويلة الفضفاضة التي اعتادت أمي على حياكتها لي بيديها. وكانت ~~كيتي ترتدي فساتين ms035 رثة سيئة تشبه فساتين الآنسات، التي كانت ~~الأخوات يتوارثنها من جيل إلى جيل في عائلتها. وكانت لديها قبعة ~~كبيرة مضحكة تخرج منها ضفائرها، وتنورة ذات ذيل طويل يجرجر على ~~الأرض، وحذاء بأزرار كعبه مهترئ. كانت صغيرة البنية لا يزيد ~~طولها بكثير عن طول جو، ولكنها لم تكن سيئة في «رعاية» الأطفال؛ ~~ففي عائلة مثل عائلتها، يكاد الطفل «يرعى» أطفالا آخرين بمجرد ~~فطامه. وقد كانت من حين إلى آخر تحاول التصرف كالناضجات والسيدات، ~~وكانت تقطع حديثنا بالأمثال والأقوال المأثورة، التي كانت تعتقد ~~أنها جواب مفحم؛ فإذا قلت: «لا تبالي»، ترد على الفور: ~~«من لا يبالي أجبر على أن يبالي. من لا يبالي علق. من لا ~~يبالي وضع في قدر من الماء المغلي حتى مات.» # أو إذا سببتها كانت ترد قائلة: «الكلمات الحادة لا تكسر ~~العظام.» وعندما تتفاخر تقول لك: «يأتي الفخر قبل السقوط.» وقد ~~تحقق ما قالت بالفعل في أحد الأيام عندما كنت أتبختر متظاهرا أنني ~~جندي فسقطت في روث البقر. لقد كانت عائلتها تعيش في مكان صغير ~~وقذر، أشبه بجحر الجرذان في الحي الفقير خلف مصنع الجعة، وكان ~~المكان مكتظا بالأطفال كالهوام. نجحت العائلة بأكملها في الهروب ~~من الذهاب إلى المدرسة، الأمر الذي كان سهلا بعض الشيء في تلك ~~الأيام، وكان الأطفال يخرجون لقضاء مشاوير للآخرين ولأداء أعمال ~~مؤقتة أخرى بمجرد تمكنهم من المشي. وقد سجن أحد إخوتها الكبار ~~شهرا لسرقته بعض اللفت. توقفت عن تمشيتنا بعد ذلك بعام عندما كان ~~جو في الثامنة من عمره وأصبح صعبا على فتاة التحكم فيه، وقد ~~اكتشف أنه في منزل كيتي ينام كل خمسة من أفراد العائلة في سرير ~~واحد، وكان يتهكم عليها بسبب هذا الأمر. # كم كانت كيتي مسكينة! لقد أنجبت طفلها الأول عندما كانت في ~~الخامسة عشرة من عمرها. لم يكن أحد يعلم والد الطفل، وربما لم تكن ~~كيتي نفسها متيقنة ممن يكون أيضا. وقد اعتقد معظم الناس أنه ~~أحد إخوتها. أخذ الملجأ الطفل، وعملت كيتي خادمة في وولتن. بعد ~~ذلك ms036 ببعض الوقت تزوجت سمكريا، وكان حتى بمقاييس عائلتها دون ~~المستوى. وقد كانت آخر مرة أراها فيها في عام 1913. كنت أتنزه ~~بالدراجة عبر وولتن، ومررت ببعض الأكواخ الخشبية المروعة بجوار خط ~~السكة الحديدية، وكان يحيط بكل منها سياج من القطع الخشبية ~~التي تصنع منها البراميل، حيث اعتاد الغجر التخييم في أوقات ~~معينة في العام تسمح لهم الشرطة بها. خرجت امرأة شمطاء، بوجه ~~دخاني مليء بالتجاعيد وشعر منسدل، وتبدو كأنها في عامها الخمسين ~~على أقل تقدير، من أحد هذه الأكواخ وبدأت تنفض حصيرة بالية. ~~كانت هذه المرأة هي كيتي، التي لا بد أنها كانت في ذلك الوقت في ~~السابعة والعشرين من عمرها. # 2 # كان يوم الخميس هو يوم السوق. كان الرجال بوجوههم الحمراء ~~المستديرة كقرع اليقطين وثياب العمل الواسعة القذرة خاصتهم ~~وأحذيتهم الضخمة الملطخة بروث الأبقار الجاف، الذين يحملون العصي ~~الطويلة من خشب شجر البندق، يقودون حيواناتهم إلى السوق في الصباح ~~الباكر. لعدة ساعات كانت ثمة ضجة هائلة من نباح الكلاب، ونخير ~~الخنازير، والرجال في عربات التجار الذين يريدون أن يشقوا طريقهم ~~وهم يلوحون بسياطهم ويسبون، وكل من له علاقة بالماشية يصرخ ~~ويضرب بالعصي. وكانت الضجة الكبرى دائما عندما يجلبون ثورا إلى ~~السوق. حتى في ذلك العمر، هالني أن معظم الثيران كانت حيوانات ~~غير مؤذية ومطيعة، وأن كل ما تريده هو أن تصل إلى مرابطها بسلام، ~~ولكن الثور لم يكن ليعد ثورا إذا لم تخرج نصف البلدة لملاحقته ~~ومطاردته. وفي بعض الأحيان كانت بعض الحيوانات المرتعبة، والتي ~~عادة ما تكون من العجول الصغيرة، تهرب وتركض إلى أحد الشوارع ~~الجانبية؛ ومن ثم فأي أحد تصادف وجوده في طريقها كان يقف في ~~منتصف الطريق ويلوح بذراعيه للخلف كريش الطاحونة الهوائية، ويصرخ: ~~«ووه! ووه!» كان من المفترض أن لهذا التصرف تأثيرا مهدئا على ~~الحيوان، ولكنه بالتأكيد كان يخيفه. # في منتصف الصباح، كان بعض المزارعين يدخلون المتجر ويفحصون عينات ~~من الحبوب بتمريرها خلال أصابعهم. ولم يكن أبي في الواقع يتعامل ~~كثيرا مع المزارعين؛ لأنه لم يكن ms037 لديه عربة لتوصيل البضائع ولا ~~يمكنه تحمل الديون طويلة الأجل، فكانت معظم معاملاته صغيرة ~~الحجم للغاية، كبيع طعام الدواجن والعلف لتجار الخيول وما شابه. ~~وكان العجوز بروير، الذي كان يعمل في الطاحونة، وغدا عجوزا ~~بخيلا بلحية ذقن رمادية، يقف هناك لمدة نصف الساعة يفحص بأصابعه ~~عينات ذرة الدجاج ويجعلها تسقط في جيبه غير مبال، ثم كان ~~بالتأكيد يذهب في النهاية دون شراء أي شيء. كانت الحانات في المساء ~~ممتلئة بالسكارى، وكان نصف اللتر من الجعة في تلك الأيام ~~ببنسين، وكان بها بعض أحشاء الحيوانات على عكس الجعة اليوم. ~~وطوال الوقت في خلال حرب البوير، كان رقيب التجنيد يجلس في حانة ~~جورج الرخيصة كل مساء خميس وسبت، وكان متأنقا في ملبسه وينفق ~~ببذخ. وفي بعض الأحيان في الصباح التالي، كنت تراه يجر صبيا ~~بدينا أحمر الوجه غبيا من صبيان المزرعة الذي قبل أن يجرى ~~تجنيده مقابل حصوله على شلن عندما كان مخمورا للغاية ليجد نفسه في ~~الصباح في حاجة إلى دفع عشرين جنيها ليتخلص من هذه الورطة. ~~اعتاد الناس الوقوف على عتبات بيوتهم والإيماء برءوسهم عندما كانوا ~~يشاهدونهما يمران، تماما كما لو كانوا في جنازة. «عجبا الآن! ~~التجنيد! فلتفكر فقط في الأمر! شاب غض مثل ذلك!» كان الأمر صادما ~~لهم؛ إذ كان الالتحاق بالجيش بالنسبة لهم تماما كهروب بناتهم من ~~المنزل. كان موقفهم من الحرب، ومن الجيش، غريبا للغاية؛ فقد كانت ~~لديهم تلك الفكرة التي كانت لدى الإنجليز القدامى أن من يرتدون ~~الزي العسكري هم حثالة الأرض، وأن أي أحد ينضم للجيش سيموت ~~سكران، ويذهب مباشرة إلى الجحيم؛ ولكنهم في الوقت نفسه كانوا ~~أناسا وطنيين صالحين، يضعون أعلام الاتحاد في نوافذهم، ويؤمنون ~~إيمانا راسخا بأن الإنجليز لم يهزموا قط في أي معركة ولن ~~يهزموا أبدا. وفي ذلك الوقت، كان الجميع، وحتى المنشقين عن ~~الكنيسة، يغنون أغاني حماسية عن معركة الخط الأحمر الرفيع ~~والجندي الشاب الذي مات في ميدان المعركة بعيدا عن بلاده. هؤلاء ~~الجنود الشباب كانوا يموتون دائما «وسط سيل من ms038 الرصاص ~~والشظايا»، على ما أتذكر. حيرني الأمر طفلا؛ فقد كان يمكنني ~~تخيل طلقات الرصاص، ولكن ما شكل صورة غريبة في ذهني كان تطاير ~~الشظايا في الهواء. عندما حررت بلدة مافيكنج، هلل الناس بشدة، ~~وأحيانا كانوا يصدقون بغض النظر عن أي شيء الحكايات التي ~~تروج عن البويريين القائلة بأنهم كانوا يرمون الأطفال الرضع في ~~الهواء ويشوونهم على حرابهم كاللحم على الأسياخ. استاء العجوز ~~بروير بشدة من مناداة الأطفال إياه ب«كروجر»، لدرجة أن حلق لحيته ~~قرب نهاية الحرب. كان موقف الناس من الحكومة مماثلا تماما؛ فقد ~~كانوا جميعا إنجليزا أوفياء لأوطانهم، وأقسموا على أن الملكة ~~فيكتوريا كانت أفضل ملكة على الإطلاق، وأن الأجانب أشرار، ولكن ~~في الوقت نفسه لم يفكر أحد قط في دفع الضرائب، حتى رسوم ~~ترخيص كلابهم إن استطاعوا إيجاد أي طريقة لتجنب ذلك. # قبل الحرب وبعدها، كانت لوير بينفيلد دائرة انتخابية لليبراليين. ~~وفي أثناء الحرب عقدت انتخابات فرعية وفاز فيها المحافظون. كنت ~~صغيرا جدا على أن أفهم كل ذلك، وكل ما كنت أعرفه هو أنني كنت ~~محافظا؛ لأنني أحببت أعلامهم الزرقاء أكثر من الأعلام الحمراء، ~~وأتذكر ذلك على وجه التحديد بسبب رجل سكران سقط على أنفه على ~~الرصيف خارج حانة جورج. وكان من الغريب أنه لم يلاحظه أحد، وظل ~~في مكانه لساعات تحت الشمس الحارقة وجسمه ينزف من حوله حتى جف ~~الدم، وتحول إلى اللون الأرجواني. وفي وقت انتخابات عام 1906، كنت ~~كبيرا بما يكفي لفهم ما يحدث، بدرجة أو بأخرى، وأصبحت حينئذ ~~ليبراليا؛ لأن الجميع كانوا كذلك. وقد طاردوا مرشح المحافظين ~~لمسافة نصف ميل، وألقوا به في بركة مليئة بالطحالب. لقد كان ~~الناس يأخذون السياسة في تلك الأيام على محمل الجد؛ فكانوا ~~يشرعون في تخزين البيض الفاسد الذي سيلقون به أعداءهم من ~~المرشحين قبل الانتخابات بأسابيع. # في وقت مبكر للغاية في حياتي عندما اندلعت حرب البوير، أتذكر ~~الشجار الكبير الذي كان بين أبي وعمي إيزيكيال. كان لعمي ~~إيزيكيال متجر صغير لبيع الأحذية في أحد الشوارع المتفرعة من هاي ~~إستريت، ms039 وكان يصلح الأحذية كذلك. كان عملا صغيرا وكان يصغر ~~أكثر فأكثر، الأمر الذي لم يكن يهم عمي إيزيكيال كثيرا؛ لأنه لم ~~يكن متزوجا. كان أخا غير شقيق لأبي وكان أكبر منه بكثير؛ إذ كان ~~يكبره بعشرين سنة على الأقل، وفي السنوات الخمس عشرة أو ما يقرب من ~~ذلك التي عرفته فيها، لم يتغير على الإطلاق. كان رجلا عجوزا ~~حسن المظهر، طويلا بعض الشيء، ذا شعر أبيض ولحية بيضاء لم أر ~~لها مثيلا، كانت بيضاء كزغب الزهرة الشائكة. وكان دائما ما ~~يخبط على مئزره الجلدي ويقف باستقامة شديدة - كي يصحح ما فعله ~~الانحناء لساعات طويلة على قالب صنع الأحذية، على ما أعتقد - ثم ~~يدوي بآرائه قاذفا بها مباشرة في وجهك ومنتهيا بما يشبه ~~القوقأة الغامضة. كان عجوزا شديد الإيمان بالليبرالية ~~كليبرالي القرن التاسع عشر، ذلك النوع الذي لا يكتفي بسؤالك عما ~~قاله جلادستون في عام 1878، بل يمكنه أن يجيبك عن سؤاله، وهو أحد ~~القلائل في لوير بينفيلد الذين لم تتغير آراؤهم طوال وقت الحرب. ~~وكان دائم الإدانة لجو تشامبرلين وبعض الأشخاص الذين أسماهم «حثالة ~~بارك لين». يمكنني سماعه الآن في إحدى مناقشاته مع والدي، وهو ~~يقول: «هم وإمبراطوريتهم المترامية الأطراف! لا يمكنهم أن ~~يبعدوا كثيرا عن ناظري. ها ها ها!» ثم أسمع صوت أبي الهادئ القلق ~~حي الضمير يرد عليه بعبء الرجل الأبيض ودوره تجاه السود ~~المساكين الذين عاملهم هؤلاء البوير بطريقة شائنة. لمدة أسبوع أو ~~ما شابه بعد أن أعلن عمي إيزيكيال أنه مؤيد للبوير ومعاد ~~للإمبريالية البريطانية، كادا لا يتحدثان، وتشاجرا مرة أخرى ~~عندما بدآ في تداول روايات الفظائع التي ارتكبها كلا الجانبين. ~~كان أبي قلقا للغاية من الحكايات التي سمعها، وكان يتناقش فيها مع ~~عمي إيزيكيال. وسواء أكان عمي إيزيكيال معاديا للإمبريالية ~~البريطانية أم لا، فبالتأكيد لم يكن يستطيع أن يرى أن ما فعله ~~هؤلاء البوير من إلقاء الأطفال الرضع في الهواء وشيهم لهم على ~~الحراب أمر جيد، حتى إن كانوا مجرد أطفال سود. ولكن عمي إيزيكيال ~~ضحك ms040 في وجه أبي ساخرا من كلامه؛ فقد أساء أبي فهم الأمر! فلم ~~يكن البوير هم من يرمون الأطفال الرضع في الهواء، بل الجنود ~~البريطانيون! ظل ممسكا بي ليوضح له ما يحدث - ولا بد أنني كنت في ~~ذلك الحين في الخامسة من عمري تقريبا - قائلا: «إنهم يلقونهم في ~~الهواء ويضعونهم في الأسياخ كالضفادع، أؤكد لك! مثلما قد ألقي ~~بهذا الطفل هنا!» ثم أرجحني في الهواء وكاد أن يلقي بي، وكان ~~يمكنني تخيل نفسي بوضوح وأنا أطير في الهواء وأسقط بقوة على سن ~~حربة. # كان أبي على النقيض التام من عمي إيزيكيال. لا أعلم الكثير عن ~~جدي وجدتي؛ فقد ماتا قبل أن أولد. وكل ما أعرفه هو أن جدي كان ~~إسكافيا، وقد تزوج في عمر كبير من أرملة بائع حبوب، وهكذا حصلنا ~~على المتجر. لم تكن هذه المهنة تناسب أبي في الواقع، لكنه أتقنها ~~جيدا وكان يعمل بلا كلل. وفيما عدا يوم الأحد وفي أحيان نادرة في ~~المساء خلال الأسبوع، أنا لا أتذكره إلا والطحين على ظهر يديه ~~وبين خطوط وجهه وعلى ما تبقى من شعره. تزوج أبي في الثلاثينيات ~~من عمره، ولا بد أنه كان في الأربعين من عمره تقريبا في أول صورة ~~له في ذهني عنه. كان رجلا قصيرا، أشيب بعض الشيء وضئيل البنية ~~للغاية، وكان دائما يرتدي قميصا دون أي شيء فوقه، ومئزرا أبيض، ~~وكان يعلوه غبار الطحين دائما. كان رأسه مستديرا وأنفه غير ~~حاد، وكان بشارب كثيف ونظارة، وكان شعره سمني اللون كشعري؛ ولكنه ~~فقد معظمه وكان دائما يغطيه الطحين. تحسن حال جدي كثيرا ~~بزواجه من أرملة بائع الحبوب؛ وتعلم أبي في مدرسة وولتن للقواعد ~~اللغوية، التي كان المزارعون والتجار ميسورو الحال يرسلون أبناءهم ~~إليها؛ بينما كان عمي إيزيكيال يحب التباهي بأنه لم يدخل مدرسة ~~في حياته وأنه كان يعلم نفسه القراءة على ضوء شمعة بعد ساعات ~~العمل. ولكنه كان سريع البديهة أكثر بكثير من أبي؛ فقد كان ~~بإمكانه مجادلة أي شخص، وكان يردد الكثير من عبارات كارلايل ms041 ~~وسبنسر. أما أبي فلم يكن حاضر الذهن مثله، ولم يكن مغرما قط ~~بقراءة الكتب أو ما كان يسميه «التعلم عن طريق القراءة»، ولم تكن ~~لغته الإنجليزية جيدة . في أوقات ما بعد الظهيرة يوم الأحد، حيث ~~الوقت الوحيد الذي كان يستريح فيه، كان يجلس بجانب الموقد في غرفة ~~المعيشة ليستمتع بما كان يطلق عليه «القراءة الجيدة» لصحيفة يوم ~~الأحد. كانت صحيفته المفضلة هي صحيفة «صنداي بيبول»، بينما كانت ~~أمي تفضل صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد»؛ لأنها تعرض أخبار جرائم قتل ~~أكثر من وجهة نظرها. يمكنني رؤيتهما الآن في أحد أيام الأحد فيما ~~بعد الظهيرة - وفي فصل الصيف بالطبع؛ فأنا أتذكر الصيف دائما - مع ~~رائحة لحم الخنزير المشوي، والخضاة التي لا تزال تنساب في الهواء، ~~وأمي بجوار المدفأة تشرع في قراءة آخر جريمة قتل، ولكنها يغلبها ~~النعاس وفمها مفتوح؛ وأبي في الجانب الآخر من المدفأة يرتدي خفه ~~ونظارته، ويحاول بصعوبة قراءة السطور العديدة ذات الطباعة المشوشة. ~~كل ذلك مع الشعور اللطيف للصيف الذي يحيط بك من كل مكان، ونبات ~~إبرة الراعي في النافذة، وهديل طائر الزرزور الآتي من مكان ما، ~~وأنا أجلس أسفل الطاولة ومعي مجلة «بي أو بي» متخيلا غطاء ~~المائدة خيمة. بعد ذلك وفي موعد تناول الشاي، كان أبي وهو يقضم ~~الفجل والبصل الأخضر يتحدث متأملا عما قرأه، من الحرائق وغرق ~~السفن، وفضائح المجتمع الراقي، وتلك الآلات الطائرة الجديدة، ~~والرجل (الذي ألاحظ أنه يظهر في صحف أيام الأحد حتى يومنا هذا مرة ~~كل ثلاث سنوات) الذي ابتلعه حوت في البحر الأحمر ولفظه بعدها ~~بثلاثة أيام ليخرج من جوفه حيا ومغطى بعصارته الهضمية البيضاء. ~~كان أبي دائم الشك نوعا ما في هذه القصة، وفي أمر آلات الطيران ~~الجديدة؛ بخلاف ذلك كان يصدق كل شيء يقرؤه. حتى عام 1909 لم يصدق ~~أحد في لوير بينفيلد أن الإنسان قد يتعلم الطيران في يوم من ~~الأيام، وكان المعتقد السائد أنه إن أراد الله أن يجعلنا نطير ~~لأعطانا أجنحة؛ ولكن عمي إيزيكيال كان يرد على ms042 ذلك بغضب بأنه إن ~~أراد الله أن نسوق لخلقنا بعجلات، ولكن حتى هو لم يصدق خبر آلات ~~الطيران الجديدة. # لم يكن أبي يعير انتباهه لمثل هذه الأمور إلا فيما بعد ظهيرة ~~يوم الأحد، وربما في المساء الوحيد في الأسبوع الذي يطل فيه ~~سريعا على حانة جورج ليشرب كوبين من الجعة. أما في غير ذلك من ~~الأوقات، فقد كان دائما غارقا في العمل بشكل أو بآخر. لم يكن في ~~الواقع ثمة الكثير مما يمكن القيام به، ولكنه بدا منشغلا ~~دائما؛ إما في العلية خلف الفناء مكافحا لإصلاح جوال أو ~~بالة، أو في مساحة التخزين الصغيرة المليئة بالأتربة خلف طاولة ~~البيع في المتجر، حيث يجمع الأعداد في دفتر ملاحظات بقلم رصاص ~~صغير. كان رجلا شديد الأمانة والكرم، وشديد الحرص على توفير ~~البضاعة الجيدة، ولم يخدع أحدا، الأمر الذي لم يكن حتى في تلك ~~الأيام أفضل الطرق لتحقيق أرباح كبيرة في العمل. كان سيلائمه أكثر ~~لو أنه شغل منصبا رسميا صغيرا، كمدير مكتب البريد على سبيل ~~المثال، أو ناظر محطة في إحدى القرى، ولكنه لم يكن لديه من ~~الجرأة وحب المغامرة ما يدفعه إلى اقتراض بعض المال وتوسيع ~~عمله، ولم يكن لديه من الخيال كذلك ما يجعله يفكر في خطوط بيع ~~جديدة. كان ذلك من طباعه المتأصلة حتى إن أمارة الإبداع الوحيدة ~~التي بينها، وهي اختراع خليط جديد من الحبوب لطيور الأقفاص (خلطة ~~بولينج، هكذا كان اسمه، حيث كانت مشهورة على نطاق ما يقرب من خمسة ~~أميال)، كانت في الواقع بفضل عمي إيزيكيال. كان عمي مولعا ~~بالطيور وكان لديه عدد كبير من طيور الحسون في متجره المظلم ~~الصغير، وكان يعتقد أن طيور الأقفاص تفقد ألوانها بسبب قلة التنوع ~~في غذائها. في الساحة خلف المتجر، كان لأبي قطعة أرض صغيرة جدا ~~يزرع فيها ما يقرب من عشرين نوعا من الحشائش أسفل شبكة سلكية، ~~وكان يجففها ويخلط حبوبها ببذور الكناري العادية. كان من المفترض ~~أن يكون جاكي طائر الدغناش المعلق في نافذة المتجر إعلانا ~~لخلطة ms043 بولينج. وبالتأكيد، على خلاف معظم طيور الدغناش في الأقفاص، ~~لم يتحول قط لون جاكي إلى اللون الأسود. # أما أمي، فلا أتذكرها إلا وهي سمينة، ولا شك أنني ورثت منها ضعف ~~الغدة النخامية، أو أيا كان سبب بدانتي. # كانت امرأة ضخمة البنية، أطول من أبي بقليل، وكان شعرها أفتح ~~كثيرا من شعره، وكانت تحب ارتداء الفساتين السوداء؛ ولكن فيما ~~عدا يوم الأحد، لا أتذكرها إلا مرتدية مئزرها. قد أكون ~~مبالغا، ولكن ليس كثيرا، عندما أقول إنني لا أتذكرها قط إلا وهي ~~تطبخ. عندما ترجع بذاكرتك لفترة طويلة من الزمن، يبدو أنك ترى ~~الناس دائما في أماكن معينة وفي مواقف مميزة بعينها. ويبدو لك ~~أنهم يفعلون الأشياء نفسها دائما، تماما مثلما أفكر في أبي، ~~فأتذكره دائما خلف طاولة البيع في المتجر وشعره مغطى بالكامل ~~بالطحين، ويجمع الأعداد بقلم رصاص صغير يرطبه بين شفتيه، وتماما ~~كذلك مثلما أتذكر عمي إيزيكيال بلحيته البيضاء وهو يفرد جسمه ~~ويخبط على مئزره الجلدي، وأيضا مثلما أتذكر أمي عند طاولة ~~المطبخ وساعداها مغطيان بالدقيق، وتفرد قطعة من العجين. # أنت تعرف بالتأكيد شكل المطابخ التي كانت في بيوت تلك الأيام، ~~ذلك المكان الضخم المظلم المنخفض بعض الشيء ذو العارضة الخشبية ~~الكبيرة في السقف والأرضية الحجرية والقبو أسفله. كان كل شيء ~~ضخما، أو هكذا بدا لي عندما كنت طفلا. كان ثمة حوض حجري كبير ~~بلا صنبور، ولكن بمضخة من الحديد؛ وخزانة تغطي أحد الجدران ~~ويصل ارتفاعها للسقف، وموقد ضخم يحرق فيه نصف طن من الحطب ~~والفحم كل شهر، وقد مر عليه وقت طويل فغطي بالرصاص الأسود. ~~أرى أمي عند الطاولة تفرد قطعة كبيرة من العجين، وأرى نفسي أزحف ~~حولها وألعب بقطع من حطب الموقد وقطع الفحم ومصائد الخنافس ~~الصفيح (فقد كنا نضعها في كل الزوايا المظلمة، واعتدنا وضع الجعة ~~فيها كطعم)، وكنت من حين إلى آخر أصعد إلى الطاولة لأتذوق ~~وأستجدي قضمات من الطعام. لم تكن أمي توافق على تناول الطعام بين ~~الوجبات، وكانت دائما تجيبني قائلة: «امض إلى حالك ms044 الآن! لن ~~أدعك تفسد على نفسك عشاءك. عيناك أكبر من بطنك.» ولكن في أحيان ~~نادرة، كانت تقطع لي شريحة رفيعة من قشر الفواكه المسكرة. # طالما أحببت مشاهدة أمي وهي تصنع المعجنات؛ فثمة سحر في ~~مشاهدة أي أحد وهو يفعل شيئا يفهمه جيدا، وأنا كنت أشاهد امرأة ~~تعرف جيدا كيف تطبخ؛ أعني كيف تلف العجين. كانت ذات هيئة ~~متحفظة ومميزة وتتسم بالهيبة؛ هيئة تدل على الرضا عن النفس، ~~ككاهنة تقيم طقسا مقدسا، وكانت هي في قرارة نفسها ترى نفسها ~~هكذا بالفعل. كان لأمي ساعدان عريضان وقويان وضاربان إلى ~~الحمرة، وكانا عادة ملطخين بالطحين. وعندما كانت تطبخ، كانت ~~حركاتها كلها محكمة وصارمة على نحو عجيب؛ ففي يديها مضرب ~~البيض والمفرمة ومرقاق العجين تقوم بعملها كما هو المفترض منها. ~~وعندما كنت تراها وهي تطبخ كنت تعلم أنها في عالم تنتمي إليه، وبين ~~أشياء تفهم فيها جيدا. وفيما عدا عندما كانت تقرأ صحف يوم الأحد ~~وتتحدث في بعض الأمور المتعلقة بالقيل والقال في بعض الأحيان، لم ~~يكن العالم يعني شيئا لها؛ فعلى الرغم من أنها كانت تقرأ بسهولة ~~أكثر من أبي، واعتادت على خلافه قراءة الروايات القصيرة ~~والصحف، فقد كانت جاهلة بشكل لا يمكن تصوره. كنت مدركا لذلك ~~حتى عندما كنت في العاشرة من عمري. لا يمكنها بالتأكيد إخبارك بما ~~إذا كانت إيرلندا تقع في شرق إنجلترا أم في غربها، وأشك في أنه كان ~~بإمكانها في أي وقت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى أن تخبرك ~~باسم رئيس الوزراء. إضافة إلى ذلك، لم يكن لديها أدنى رغبة في ~~معرفة مثل تلك الأشياء. عندما قرأت كتبا بعد ذلك عن بلدان الشرق ~~حيث تعدد الزوجات والحرملك السري حيث تحبس النساء ويراقبهن ~~الحراس السود المخصيون، فكرت في مدى صدمة أمي إذا سمعت بهذا ~~الأمر. بإمكاني سماع صوتها وهي تقول: «يا للهول! كيف يحبسون ~~زوجاتهم هكذا؟! هذا غير معقول!» لن تكون صدمتها هنا بسبب معرفتها ~~بأمر الحراس المخصيين، ولكن في الحقيقة لأنها عاشت حياتها في ~~مساحة صغيرة وذات خصوصية ms045 كأي حرملك؛ فحتى في بيتنا كانت ثمة ~~أماكن لم تطأها قدماها قط؛ فلم تذهب قط إلى العلية خلف ~~الساحة، وكانت نادرا ما تذهب إلى المتجر. لا أعتقد أنني رأيتها ~~يوما تخدم أحد الزبائن، ولم تكن تعرف مكان أي شيء في المتجر، ~~وربما لم تكن تعرف الفرق بين القمح والشوفان حتى تطحن حبوبهما. ~~ولم عليها أن تعرف الفرق؟ العمل بالمتجر كان يمثل عمل أبي ~~«عمل الرجل»، وحتى فيما يتعلق بأموره المادية، فلم يكن لديها فضول ~~كبير لمعرفتها. أما عملها، «عمل المرأة»، فقد كان الاهتمام بالمنزل ~~وإعداد الطعام وغسل الملابس ورعاية الأطفال. وكانت تستاء كثيرا ~~إذا رأت أبي أو أي رجل يحاول خياطة زر بنفسه. # كما هو الحال في مواعيد الوجبات وفي غيرها من الأشياء، كان ~~منزلنا من تلك المنازل التي يسير فيه كل شيء بانضباط كالساعة. ~~أو لا، ليس كالساعة لأن هذا يوحي بشيء ميكانيكي. لقد كانت الأمور ~~تسير سيرا طبيعيا؛ إذ كنت تعلم أن الإفطار سيكون على الطاولة في ~~صباح الغد، تماما كما تعلم أن الشمس ستشرق في الصباح. وكانت أمي ~~طوال حياتها تذهب إلى الفراش في الساعة التاسعة، وتستيقظ في ~~الخامسة، وكانت على ما يبدو تعتقد أن السهر مفسدة، وأنه ~~للمنحطين والأجانب والأرستقراطيين. وعلى الرغم من أنها لم ~~تمانع في الاستعانة بكيتي سيمونز لتمشيتي أنا وجو، لم تكن لتتقبل ~~قط فكرة أن تساعدها امرأة في أعمالها المنزلية؛ فقد كانت تعتقد ~~اعتقادا راسخا أن الخادمات دائما ما يجرفن الأتربة أسفل خزانة ~~المطبخ. كانت وجباتنا جاهزة دائما في أوقاتها المحددة، وكانت ~~وجبات دسمة؛ لحم البقر المسلوق، مع الدامبلنج، ولحم البقر المشوي ~~مع بودينج يوركشاير، ولحم الضأن المسلوق مع براعم الكبر، ورأس ~~خنزير، وفطيرة التفاح، وبودينج الزبيب، ولفائف بالمربى ... كل ذلك ~~يسبقه ويعقبه صلاة ما قبل الأكل. كانت لا تزال الأفكار القديمة ~~حول تنشئة الأطفال قائمة على الرغم من أنها بدأت تفقد مكانتها ~~بسرعة. نظريا، كان الأطفال لا يزالون يضربون ويذهبون للنوم ولم ~~يتناولوا سوى الخبز والماء، وبالطبع كنت تحرم من تناول ms046 الطعام ~~على المائدة إذا أصدرت المزيد من الضوضاء أثناء تناول الطعام، أو ~~أصابتك غصة بسبب الطعام أو الشراب، أو رفضت تناول شيء «جيد ~~لصحتك»، أو «قمت بالرد على الكبار». ولكن عمليا، لم يكن ثمة ~~الكثير من الانضباط في عائلتنا، ومن بين والدي كانت أمي الأكثر ~~حزما. أما أبي، فعلى الرغم من ترديده الدائم لمقولة «إن تركت ~~العصا يفسد الولد»، فلم يكن في واقع الأمر حازما معنا، وخاصة مع ~~جو، الذي كان عنيدا منذ صغره. كان دائما يهدد بأنه سيضرب جو ~~ضربا مبرحا، وكان يروي لنا الحكايات - التي أعتقد الآن أنها كانت ~~كذبا - حول الجلد المرعب الذي كان والده يجلده له بحزام جلدي، ~~ولكننا لم نر أي أثر لذلك. وفي الوقت الذي كان فيه جو في الثانية ~~عشرة من عمره، كان قويا لدرجة أن أمي لم تعد تستطيع أن تثبته ~~أسفل ركبتيها لتضربه، وبعد ذلك لم يكن يصيبه شيء من ~~العقاب. # في ذلك الوقت، كان لا يزال من المقبول من الآباء أن يكرروا ~~الأوامر والنواهي لأبنائهم طوال اليوم، وكنا دائما ما نسمع ~~رجلا يتباهى بأنه «سيقتل ابنه ضربا» إذا رآه يدخن أو يسرق ~~تفاحا أو عشا للطيور. بعض العائلات كانت تعامل أبناءها هكذا ~~بالفعل؛ فقد أمسك السروجي العجوز لوفجروف بولديه ضخمي البنية ~~اللذين كانا في السادسة عشرة والخامسة عشرة وهما يدخنان في سقيفة ~~الحديقة، وأثخنهما ضربا حتى كان بإمكانك سماع صوت ضربه لهما في ~~كل مكان بالبلدة. كان لوفجروف مدخنا شرها. لم يبد أن الضرب كان ~~له أي تأثير على الإطلاق؛ فكل الأولاد كانوا يسرقون التفاح وأعشاش ~~الطيور، ويتعلمون التدخين عاجلا أو آجلا، ولكن الاعتقاد في أن ~~الأطفال يجب أن يعاملوا بقسوة كان لا يزال قائما. كانت تقريبا ~~جميع الأشياء التي تستحق القيام بها ممنوعة، نظريا على الأقل. ~~وفي اعتقاد أمي، كان كل شيء يريد أن يفعله الأولاد «خطرا»؛ ~~فالسباحة خطر، وتسلق الأشجار خطر، وكذلك التزحلق، واللعب بكرات ~~الثلج، والتعلق بالعربات من الخلف، واللعب بالمرجام والنبلة، ~~وحتى الصيد. وكانت كذلك كل ms047 الحيوانات خطرة، باستثناء نايلير ~~والقطتين والدغناش جاكي؛ فكل حيوان لديه طرقه الخاصة المعروفة ~~التي يهاجم الأطفال بها: الخيول تعض، والخفاش يعلق بالشعر، وحشرة ~~أبو مقص تدخل إلى الأذن ، والبجع يكسر السيقان بضربة من أحد ~~جناحيه، والثيران تركل، والثعابين «تلدغ». كل الثعابين تلدغ في ~~اعتقاد أمي، وعندما أخبرتها بما قرأت في موسوعة بيني من أنها لا ~~تلدغ بل تعض، لم تقل شيئا سوى أن أمرتني ألا أرد على كلامها. كما ~~كانت تعتقد أن السحالي والديدان البطيئة والعلاجيم والضفادع ~~والسمندلات تلدغ؛ كل الحشرات تلدغ، ما عدا الذباب والخنافس. وكذلك ~~كانت ترى أن جميع أنواع الأطعمة، ما عدا الأطعمة التي نأكلها في ~~وجباتنا بالمنزل، إما سامة أو «مضرة بالصحة»؛ فالبطاطس سامة ~~للغاية، وكذلك الفطر إلا إذا اشتريته من بائع الخضار، وعنب الثعلب ~~يسبب المغص، والتوت يسبب طفحا جلديا. وكان في اعتقادها ~~أيضا أنك إذا استحممت بعد الوجبات، فستموت بسبب تشنج العضلات، ~~وإذا جرحت يدك بين الإبهام والسبابة، فستصاب بالتيتانوس؛ وإذا ~~غسلت يديك في ماء سلق البيض، فستظهر فيها ثآليل. كذلك كل شيء ~~تقريبا في المتجر كان ساما بالنسبة لأمي؛ ولذلك وضعت البوابة ~~عند المدخل. طعام الأبقار سام، وكذلك ذرة الدجاج، وبذور الخردل، ~~وحبوب كارسوود الخاصة بالدواجن. والحلوى أيضا مضرة والأكل بين ~~الوجبات مضر، ولكن من الغريب أنه كانت ثمة أنواع معينة من الأطعمة ~~التي كانت تسمح أمي بتناولها بين الوجبات؛ فعندما كانت تصنع مربى ~~البرقوق، كانت تتركنا نأكل شرابها الذي كانت تزيله من أعلاها، ~~وكنا نأكل منه بنهم حتى نمرض. وعلى الرغم من أن كل شيء تقريبا في ~~العالم كان إما مضرا أو ساما، فقد كانت ثمة أشياء معينة في ~~اعتقاد أمي ذات فائدة غامضة؛ فالبصل كان علاجا لكل شيء ~~تقريبا، وربط جورب حول العنق كان علاجا لاحتقان الحلق، ~~والكبريت في ماء شرب الكلاب يعمل كدواء منعش ومنشط؛ لذلك كان ~~بعض من الكبريت موضوعا في وعاء شرب نايلير القديم خلف الباب ~~الخلفي، وظل كذلك لسنوات دون أن يتغير. # اعتدنا تناول الشاي في الساعة ms048 السادسة؛ فقرابة الساعة الرابعة ~~تكون أمي قد انتهت تقريبا من أعمالها المنزلية، وبين الرابعة ~~والسادسة اعتادت تناول كوب من الشاي في هدوء و«قراءة صحيفتها»، ~~كما كانت تطلق على الأمر. في الحقيقة، لم تكن تقرأ عادة الصحيفة ~~إلا يوم الأحد؛ فصحف باقي أيام الأسبوع لم يكن بها إلا الأخبار ~~اليومية، ونادرا ما يكون بها أخبار عن جرائم قتل، ولكن محرري صحف ~~يوم الأحد أدركوا أن الناس لا يهتمون في الواقع بما إذا كانت جريمة ~~القتل حديثة أم لا؛ وعندما لم يكن لديهم جرائم جديدة، كانوا ~~يعيدون نشر جريمة قديمة مع التعديل فيها، وقد ترجع هذه الجرائم في ~~بعض الأحيان إلى عهد الدكتور بالمر والسيدة مانينج. أعتقد أن أمي ~~كانت ترى العالم خارج لوير بينفيلد في الأغلب على أنه مكان لارتكاب ~~جرائم القتل. وكان لجرائم القتل سحر رهيب عليها؛ لأنها - كما كانت ~~تقول عادة - كانت لا تعلم كيف يمكن أن يصبح البشر بهذا الشر؛ ~~بحيث يقطعون أعناق الزوجات، ويدفنون الآباء أسفل الأرضيات ~~الإسمنتية، ويلقون الرضع في الآبار. كيف لأي شخص أن يفعل مثل ~~تلك الأشياء؟! حدثت فظائع جاك السفاح الشهير تقريبا في الوقت الذي ~~كان فيه أبي وأمي متزوجين، والمصاريع الخشبية الكبيرة التي اعتدنا ~~إغلاق نوافذ المتجر بها كل ليلة كانت ترجع إلى تلك الفترة. كان قد ~~انتهى عهد مصاريع نوافذ المتاجر، ولم تعد موجودة في معظم متاجر ~~هاي إستريت، ولكن أمي شعرت بالأمان في وجودها، وكانت دائما تقول ~~إنها كان يراودها شعور مرعب بأن جاك السفاح مختبئ في لوير ~~بينفيلد. كما ضايقتها كثيرا قضية كريبن، ولكن ذلك كان بعد سنوات ~~عديدة عندما شارفت على البلوغ. يمكنني سماع صوتها الآن وهي ~~تقول: «لقد أخرج أحشاء زوجته ودفن جثتها في مخزن الفحم! هذا غير ~~معقول! ترى ماذا كنت سأفعل بذلك الرجل إن أمسكت به!» الغريب في ~~الأمر أنها عندما كانت تفكر في بشاعة ذلك الطبيب الأمريكي ~~الصغير الذي مزق زوجته (وأخفى فعلته بمهارة حيث أخرج كل عظامها ~~من جسمها ورمى برأسها في البحر، ms049 على حد تذكري للأحداث)، كانت ~~الدموع تنزل من عينيها. # أما معظم أيام الأسبوع، فكانت تقرأ في الغالب مجلة «هيلداس هوم ~~كومبانيون»، التي كانت في تلك الأيام جزءا من الأثاث المعتاد لأي ~~منزل كمنزلنا، وفي الواقع لا تزال كذلك حتى الآن، على الرغم من أن ~~المجلات النسائية الأكثر بساطة التي ظهرت منذ الحرب قد حلت ~~محلها بعض الشيء. ألقيت نظرة على نسخة منها منذ بضعة أيام. لقد ~~تغيرت ولكن أقل كثيرا مما تغير كل شيء، فهي لا تزال تحتوي على ~~القصص المتسلسلة نفسها التي تستمر ستة أشهر (وجميعها تنتهي ~~بالنهايات السعيدة)، ولا يزال بها النصائح المنزلية نفسها، ~~والإعلانات نفسها لماكينات الخياطة وعلاجات مشاكل السيقان. لم ~~يتغير فيها الكثير سوى الطباعة والرسومات التوضيحية. في الماضي ~~كانت البطلة تبدو كعداد البيض، والآن تبدو كالأسطوانة. كانت أمي ~~تقرأ ببطء وتصر على أخذ الفائدة التي تساوي ثلاثة بنسات ثمن ~~المجلة. وكانت تجلس على الكرسي ذي الذراعين الأصفر القديم بجوار ~~المدفأة، وتضع قدميها على سياجها الحديدي، وتحضر الشاي الثقيل ~~في إبريق صغير تضعه على صفيحة المدفأة؛ وكانت تقرأ صفحات المجلة من ~~أولها لآخرها ببطء: القصة المتسلسلة، والقصتان القصيرتان، والنصائح ~~المنزلية، وإعلانات مرهم زام بوك، والرد على أسئلة المراسلين. كانت ~~عادة تستمر في قراءة المجلة طوال الأسبوع، وفي بعض الأسابيع لم ~~تكن تستطيع حتى إنهاء قراءتها. وأحيانا كانت حرارة النار أو أزيز ~~الذباب الأزرق في فترة ما بعد الظهيرة في فصل الصيف يجعل النعاس ~~يغلب عليها، وفي حوالي الساعة السادسة إلا ربع كانت تهب مستيقظة ~~وتنظر إلى الساعة على رف المدفأة وتقلق؛ لأن موعد الشاي سيتأخر، ~~ولكنه لم يكن يتأخر قط. # في تلك الأيام وحتى عام 1909 بالتحديد، كان أبي لا يزال قادرا ~~على استئجار صبي ليساعده في المتجر، واعتاد على ترك المتجر له ~~لينضم إلينا وقت تناول الشاي وظهر يديه مغطى بالكامل بالطحين. ~~حينها كانت تتوقف أمي عن تقطيع شرائح الخبز لوهلة، وتقول له: «هلا ~~باركت لنا المائدة يا زوجي.» وبينما كنا نحني رءوسنا جميعا إلى ms050 ~~صدورنا، كان أبي يتمتم بخشوع: «اجعلنا يا رب شاكرين بحق لما أعددت ~~لنا من طعام، آمين.» بعد ذلك عندما كبر جو قليلا، أصبحت تقول له: ~~«بارك لنا المائدة اليوم يا جو.» وكان جو يتمتم بالصلاة. لم ~~تبارك أمي المائدة قط؛ فقد كان يجب أن يكون المبارك من ~~الذكور. # كان الذباب الأزرق يطن دائما في الصيف في وقت ما بعد الظهيرة. ~~ولم يكن منزلنا صحيا؛ فقط بعض منازل الأغنياء في لوير بينفيلد هي ~~التي كانت كذلك. أظن أنه لا بد أن البلدة كان بها خمسمائة منزل، ~~ولم يكن بالتأكيد منها إلا عشرة منازل فقط بها حمام، أو خمسون فقط ~~بها ما يمكننا وصفه الآن بدورة المياه. في الصيف، كنت أشم دائما ~~رائحة القمامة في ساحتنا الخلفية، وكانت جميع المنازل تعاني من ~~وجود الحشرات بها. كان لدينا خنافس في الألواح الخشبية لجدران ~~المنزل، وصراصير ليل في مكان ما خلف الموقد بالمطبخ، هذا بالطبع ~~بالإضافة إلى ديدان الطحين التي كانت في المتجر. في تلك الأيام، لم ~~تكن حتى ربة المنزل الجيدة كأمي ترى ما يدعو إلى الاعتراض من وجود ~~الخنافس في المنزل؛ فقد كانت جزءا من المطبخ مثلها مثل الخزانة ~~أو مرقاق العجين. ولكن الحشرات كانت في ازدياد، والمنازل في ~~الشارع القذر خلف مصنع الجعة، حيث تعيش كيتي سيمونز، كانت يجتاحها ~~البق. أمي أو أي من زوجات أصحاب المتاجر كانت ستموت خجلا إذا كان ~~في بيتها بق. في الواقع، كان من الأفضل أن يقول المرء إنه لا يعرف ~~حتى شكل البق. # كان الذباب الأزرق الكبير يهاجم السلم ويستقر بلهفة على الأغطية ~~السلكية التي نحكم بها تغطية اللحم. وقد اعتاد الناس على أن ~~يقولوا: «تبا للذباب!» لكن الذباب كان قدرنا، وبخلاف أغطية ~~اللحم والورق اللاصق والقاتل للذباب، لم يكن باستطاعتك فعل شيء ~~للتخلص منه. قلت منذ قليل إن أول ما أتذكره هو رائحة قش العنبريس، ~~ولكن رائحة القمامة هي أيضا من أولى الروائح التي تأتي إلى ~~ذاكرتي. عندما أتذكر مطبخ أمي بأرضيته الحجرية ومصائد ms051 الخنافس ~~والسياج الصلب والموقد الأسود، أكاد أسمع دائما طنين الذباب ~~الأزرق وأشم رائحة القمامة، وكذلك نايلير الذي كانت له رائحة قوية ~~كبقية الكلاب. وثمة روائح وأصوات أسوأ بكثير . ترى أيها ستسمعه ~~أولا؛ طنين الذباب الأزرق، أم أزيز طائرة قاذفة للقنابل؟ # 3 # بدأ جو في الذهاب إلى مدرسة وولتن للقواعد اللغوية قبلي ~~بعامين، ولم يذهب أي منا إليها إلا في عمر التاسعة؛ فقد كان ~~الذهاب إلى المدرسة يعني السير بالدراجات مسافة أربعة أميال ~~صباحا ومساء، وكانت أمي تخاف أن تسمح لنا بالذهاب وسط الزحام، ~~الذي كان في ذلك الوقت يعني عددا قليلا للغاية من ~~السيارات. # ذهبنا لعدة سنوات إلى مدرسة في منزل السيدة العجوز هاوليت، التي ~~كان يذهب إليها معظم أبناء أصحاب المتاجر لتقيهم عار الذهاب إلى ~~المدارس الابتدائية المؤسسة بأموال الضرائب، على الرغم من أن ~~الجميع كان يعرف أن الأم هاوليت كانت نصابة عجوزا ومعلمة سيئة. ~~كانت تتجاوز السبعين، وكانت لا تسمع جيدا على الإطلاق، وكانت ~~بالكاد ترى وهي مرتدية نظارتها، ولم يكن لديها من الأدوات سوى عصا ~~وسبورة وبضعة كتب مهترئة لقواعد اللغة والعديد من ألواح الكتابة ~~الأردوازية ذات الرائحة الكريهة. وكانت بالكاد تسيطر على ~~الفتيات، أما الأولاد فقد كانوا يضحكون عليها ويتغيبون عن الحضور ~~كما يشاءون. حدثت ذات مرة فضيحة مرعبة في المدرسة؛ إذ وضع أحد ~~الأولاد يده تحت ثوب فتاة، ولكني لم أكن أفهم الخطأ الذي ارتكبه ~~الولد في ذلك الوقت، ونجحت الأم هاوليت في التكتم على ~~الأمر. # وعندما كنت تفعل شيئا سيئا، كانت تقول: «سوف أخبر والدك.» ~~ولكنها نادرا جدا ما كانت تخبر الآباء بالفعل. وكنا أذكياء بما ~~يكفي لمعرفة أنها لا تجرؤ على فعل ذلك كثيرا، وحتى عندما كانت ~~تضربنا بالعصا، كان كبر سنها وعدم لياقتها يجعلان من السهل ~~علينا تفادي الضربات. # كان جو في الثامنة من عمره فقط عندما انضم إلى مجموعة مشاكسة من ~~الفتيان، الذين أطلقوا على أنفسهم اسم اليد السوداء. كان قائدهم ~~سيد لوفجروف، الابن الأصغر للسروجي، الذي كان في الثالثة عشرة ms052 من ~~عمره تقريبا، وكان ثمة ولدان آخران من أبناء أصحاب المتاجر، وولد ~~يعمل في مصنع الجعة، ومزارعان كانا في بعض الأوقات يتهربان من ~~العمل لمقابلة المجموعة لبضع ساعات. كان المزارعان ضخمي البنية، ~~وكانا يدخلان على المجموعة بقوة وعلى نحو مفاجئ مرتديين بنطالين ~~قصيرين مصنوعين من قماش قطني مضلع، وكانا يتحدثان بلكنة ~~محلية متدنية، وكان بقية الأولاد في المجموعة يعدونهما أقل ~~شأنا منهم، ولكنهم كانوا يتساهلون معهما؛ لأنهما يعلمان عن ~~الحيوانات الكثير مما لا يعلمه الآخرون، حتى إن أحدهما، وكانت ~~كنيته جينجر، كان يصطاد الأرانب بيديه في بعض الأحيان؛ فكان إذا ~~رأى أرنبا على العشب، ينقض عليه كنسر باسطا جناحيه. كان ثمة ~~فارق اجتماعي كبير بين أبناء أصحاب المتاجر وأبناء العمال ~~والمزارعين، ولكن الفتيين المحليين لم يكونا عادة يوليان ~~اهتماما كثيرا للأمر حتى بلغا السادسة عشرة تقريبا. وكان ~~للمجموعة كلمة سر و«اختبار» كان يتضمن جرح أحد الأصابع وتناول ~~دودة أرض، وكانوا يتفاخرون بأنهم عصابة مرعبة. بالتأكيد تمكنوا من ~~تحويل أنفسهم إلى أشخاص مؤذية؛ فقد كانوا يكسرون النوافذ، ~~ويطاردون الأبقار، ويخلعون مقارع الأبواب، ويسرقون كما كبيرا ~~من الفاكهة. في بعض الأحيان في الشتاء، كانوا يجلبون بعض حيوانات ~~ابن مقرض ويذهبون لاصطياد الجرذان عندما يسمح لهم المزارعون ~~بذلك. وكانت لديهم جميعا المراجم والنبال، وكانوا دائما ~~يدخرون المال لشراء مسدس صغير، الذي كان بخمس شلنات في تلك ~~الأيام؛ ولكن مدخراتهم لم تزد قط عن ثلاثة بنسات. أما في الصيف، ~~فقد اعتادوا الذهاب لصيد السمك وسرقة بيض أعشاش الطيور. عندما كان ~~جو في مدرسة السيدة هاوليت، كان يتغيب عن المدرسة مرة في الأسبوع ~~على الأقل، وحتى عندما ذهب إلى مدرسة القواعد اللغوية، كان يتغيب ~~مرة كل أسبوعين تقريبا. كان ثمة فتى في مدرسة القواعد ~~اللغوية، وكان ابن بائع مزادات، يمكنه تقليد خط أي شخص، وكان إذا ~~أعطيته بنسا يزور لك خطابا من أمك يقول إنك كنت مريضا ~~بالأمس. بالطبع كنت فتى مشاغبا وجديرا بالانضمام إلى مجموعة ~~اليد السوداء، ولكن جو كان دائما يمنعني، ويقول إنهم ms053 لا يريدون ~~معهم أي أطفال لعينة. # وكان ما يروق لي فيما يفعلون حقا هو صيد السمك. في عمر ~~الثامنة، لم أكن قد صدت السمك بعد إلا بشبكة اشتريتها ببنس واحد ~~يمكنك في بعض الأحيان أن تصطاد بها سمك أبي شوكة. كانت أمي دائمة ~~القلق من تركنا نذهب إلى أي مكان بجوار الماء، وقد «حرمت» صيد ~~السمك كعادة الآباء في ذلك الوقت في «تحريم» كل شيء تقريبا، ولم ~~أكن في ذلك الحين قد فهمت أن البالغين لا يرون إلا مواضع أقدامهم. ~~ولكن فكرة صيد السمك كانت تسحرني وتملؤني بالإثارة، وفي كثير من ~~الأحيان كنت أذهب إلى البركة عند الطاحونة وألقي نظرة على أسماك ~~الشبوط الصغيرة وهي تتشمس على سطح البركة، وفي أحيان أخرى تحت ~~شجرة الصفصاف في الركن، كنت أرى سمك الشبوط الكبير الأشبه ~~بالألماس، الذي كان يبدو لي ضخما - إذ كان طوله ست بوصات على ما ~~أظن - وهو يقفز فجأة إلى السطح ليلتهم اليرقات بسرعة ثم يغطس في ~~الماء مرة أخرى. كنت أقضي ساعات ملصقا أنفي بنافذة متجر والاس في ~~هاي إستريت، حيث تباع عدد صيد السمك والبنادق والدراجات. واعتدت ~~الاستلقاء في السرير مستيقظا في الصباح في الصيف أفكر في ~~الحكايات التي أخبرني بها جو عن صيد السمك، وكيف يمزج معجون الخبر، ~~وكيف تهتز فلينة الصنارة وتغطس، وكيف تشعر بتقوس القصبة وبسحب ~~السمكة للخيط. أتعجب من ذلك الإشعاع السحري الذي تلقي به الأسماك ~~وصيدها في أعين الأطفال. يشعر بعض الأطفال بالشيء نفسه تجاه ~~البنادق والرماية، وبعضهم الآخر يشعرون به تجاه الدراجات النارية ~~أو الطيارات أو الخيول. إنه ليس بالشيء الذي يمكنك شرحه أو ~~تبريره؛ إنه سحر بحت. في صباح أحد الأيام - في شهر يونيو ولا بد ~~أنني كنت في الثامنة من عمري - علمت أن جو كان ينوي التغيب عن ~~المدرسة والذهاب لصيد السمك، وقررت أن أتبعه. ولكن بطريقة ما خمن ~~جو ما كنت أفكر فيه، وأخذ يهاجمني ونحن نرتدي ملابسنا ~~قائلا: ~~«حسنا أيها الصغير جورج! لا تظن أنك ستذهب معي ms054 للقاء مجموعة ~~أصدقائي اليوم، بل سترجع إلى المنزل.» ~~«لا، أنا لا أظن شيئا. أنا لا أفكر في الأمر.» ~~«بل تفكر! تفكر في الذهاب للقاء المجموعة.» ~~«لا، لا أفكر !» ~~«بل تفكر!» ~~«لا، لا أفكر!» ~~«بل تفكر! ولكنك سترجع إلى المنزل. نحن لا نريد أي أطفال لعينة ~~معنا.» # كان جو قد تعلم لتوه كلمة «لعين»، وكان دائم الاستخدام لها. وقد ~~سمعه أبي مصادفة مرة وهو يقولها، وأقسم إنه سيقتله ضربا، ولكن ~~كعادته لم يفعل شيئا. انطلق جو بعد الإفطار بدراجته ومعه حقيبته ~~وقبعة المدرسة، وكان ذلك مبكرا عن موعده بخمس دقائق كما هي عادته ~~عندما كان ينوي التغيب عن المدرسة؛ وعندما جاء موعد مغادرتي المنزل ~~للذهاب إلى مدرسة الأم هاوليت، تسللت واختبأت في الزقاق خلف ~~الحقول. كنت أعلم أن المجموعة ذاهبة إلى البركة التي عند ~~الطاحونة، وكنت أنوي أن أتبعهم حتى لو قتلوني لفعل ذلك. كنت أعلم ~~أنهم ربما يضربونني وأنني قد لا أتمكن من الرجوع إلى المنزل على ~~الغداء، ومن ثم ستعلم أمي أنني قد تغيبت عن المدرسة وسأضرب مرة ~~أخرى، ولكني لم أكترث لأي من ذلك؛ فقد كنت أتطلع بشدة لصيد السمك ~~مع المجموعة. وكنت ماكرا أيضا. انتظرت حتى ابتعد جو قليلا ~~بدراجته وأخذ الطريق إلى الطاحونة، ثم ذهبت إلى الزقاق ولففت حول ~~المروج في الجانب البعيد للسياج، وذلك حتى أقترب من البركة قبل أن ~~تراني المجموعة. كان صباحا رائعا من صباحات شهر يونيو. وكان عشب ~~الحوذان بزهره الأصفر يصل إلى ركبتي، وكانت ثمة نسمة من الرياح ~~تحرك قمم أشجار الدردار، وكانت أوراق الأشجار كسحب خضراء ~~ناعمة وغالية كالحرير. كانت الساعة التاسعة صباحا، وكنت في ~~الثامنة من عمري، وكل شيء حولي كان يدل على بداية فصل الصيف: ~~السياجات المتشابكة الضخمة حيث الورود البرية لا تزال مزهرة، ~~والقليل من السحب البيضاء الناعمة المتحركة فوق الرءوس، والتلال ~~المنخفضة على مبعدة، والكتل الزرقاء المعتمة للغابة حول أبر ~~بينفيلد. ولكن لم يكن أي من ذلك يعنيني؛ فكل ما كنت أفكر فيه هو ~~البركة الخضراء ms055 وأسماك الشبوط والمجموعة ومعهم الخطافات وخيوط ~~الصيد وطعم معجون الخبز. كانوا كما لو أنهم في الجنة وكان علي ~~الانضمام إليهم. سرعان ما تمكنت من التسلسل إليهم، وقد كانوا ~~أربعة: جو وسيد لوفجروف وصبي مصنع الجعة وأحد ابني أصحاب ~~المتاجر، أظن أن اسمه كان هاري بارنز. # استدار جو ورآني؛ فقال: «يا إلهي! إنه الصبي.» وجاء لي كقط ذكر ~~مستعد للشجار، وقال: «حسنا، ها أنت ذا! ماذا قلت لك؟ ارجع إلى ~~المنزل بأقصى سرعة.» # كنت أنا وجو نميل إلى التحدث بلهجة الطبقة العاملة عندما نكون ~~غاضبين. تراجعت من أمامه. # وقلت: «لن أرجع إلى المنزل.» ~~«بل ستفعل.» # قال سيد: «اقرص أذنه يا جو؛ فنحن لا نريد أي أطفال ~~معنا.» # قال جو: «هل ستذهب إلى المنزل؟» ~~«لا.» ~~«اذهب إلى المنزل على الفور يا ولد! اذهب إلى المنزل على ~~الفور.» # ثم أخذ يهاجمني، وفي اللحظة التالية كان يطاردني ويمسك بي بين ~~الحين والآخر، ولكني لم أبتعد عن البركة وجريت في دوائر. ولكنه ~~سرعان ما أمسك بي وأطاح بي أرضا، ثم جثا على عضدي وأخذ يلوي ~~أذني، وهو ما كان عقابه المفضل لي الذي لم أكن أتحمله. أخذت أنوح ~~في ذلك الوقت، ولكني لم أستسلم وأعده بالذهاب إلى المنزل؛ فقد ~~كنت أريد البقاء وصيد السمك مع المجموعة. وفجأة، وقف الباقون في ~~صفي وطلبوا من جو النزول عن صدري والسماح لي بالبقاء إن أردت. ومن ~~ثم بقيت في النهاية. # كان معهم خطافات وخيوط صيد وفلينات وقليل من معجون الخبز في ~~خرقة، وصنع كل منا لنفسه عصا من أفرع شجرة الصفصاف التي ~~كانت في زاوية البركة. وكانت المزرعة على بعد مائتي ياردة فقط ~~تقريبا، وكان علينا أن نختبئ جيدا لأن العجوز بروير كان يغضبه ~~بشدة صيد السمك. لم يكن الأمر في الواقع يعنيه في شيء، فلم يكن ~~يستخدم البركة إلا في إمداد ماشيته بالماء، ولكنه كان يكره ~~الأولاد. كان الباقون لا يزالون يشعرون بالغيرة مني، وظلوا يطلبون ~~مني أن أتنحى جانبا ويخبرونني بأنني ما أنا إلا طفل، وأنني ms056 لا ~~أعرف شيئا عن الصيد. كما قالوا إنني أتسبب في جلبة ترعب الأسماك ~~فتفر هاربة، على الرغم من أن جلبتي كانت أضعف بكثير من الجلبة ~~التي كان يحدثها أي منهم. وفي النهاية، لم يسمحوا لي بالجلوس ~~بجوارهم وأرسلوني إلى جانب آخر من البركة، حيث كان الماء ضحلا ~~أكثر ولم يكن ثمة الكثير من الظل، وقالوا إن طفلا مثلي بالتأكيد ~~سيظل يرش الماء ويرعب الأسماك فتفر هاربة. كانت رقعة رديئة من ~~البركة حيث لا تأتي أي أسماك عادة. كنت أعلم ذلك، وبدا أنني علمت ~~بشيء من الفطرة أماكن وجود الأسماك. ومع ذلك، كنت أصطاد في ~~النهاية، إذ كنت أجلس على الضفة العشبية وقصبة الصيد في يدي، ~~والذباب يطن من حولي، ورائحة النعناع البري النفاذة تكاد تفقدك ~~الوعي، وكنت أشاهد الفلينة الحمراء تطفو على المياه الخضراء، وكنت ~~فرحا بشدة على الرغم من أن آثار دموعي كانت لا تزال مختلطة ~~بالأتربة وتغطي كامل وجهي. # الرب وحده يعلم كم من الوقت جلسنا في ذلك المكان. وكان الصباح ~~يطول أكثر فأكثر، وتزداد حرارة الشمس على نحو متزايد، ولم يكن أحد ~~منا قد اصطاد سمكة. كان يوما هادئا وحارا وصافيا ما يمكن ~~من الصيد. طفت الفلينات فوق الماء دونما اهتزاز. وكان يمكنك أن ~~ترى أعماق البركة كما لو كنت تنظر عبر زجاج داكن الخضرة. وفي ~~منتصف البركة، كان يمكنك رؤية الأسماك تعوم أسفل السطح مباشرة ~~وتتشمس، وفي بعض الأحيان في العشب المائي بالقرب من الجانب كان ~~يأتي سمندل زاحفا لأعلى ويستقر هناك بأصابعه على العشب وأنفه ~~خارج بعض الشيء من الماء. ولكن الأسماك لم تكن تمسك بالطعم. ظل ~~الآخرون يصرخون بأنهم قد اصطادوا شيئا، ولكن ذلك لم يحدث قط. ~~وامتد وقت جلوسنا أكثر فأكثر وازدادت حرارة الجو، وكاد الذباب ~~يأكلني حيا، وكانت رائحة النعناع البري أسفل الضفة كرائحة متجر ~~حلوى الأم ويلر. واشتد بي الجوع، وما زاد الأمر سوءا أنني لم أكن ~~أعلم على وجه التحديد من أين سيأتيني غدائي، ولكني جلست ساكنا ~~كالفأر ولم أصرف ms057 عيني عن الفلينة. أعطاني الآخرون بعضا من ~~الطعم بحجم البلية تقريبا، وأخبروني أنه كاف لي، ولكني لوقت ~~طويل لم أتمكن حتى من وضعه في خطافي؛ ففي كل مرة كنت أسحب فيها ~~الخيط كانوا يسبونني لإحداثي ضجة تخيف السمك على بعد خمسة ~~أميال. # أظن أننا قد مكثنا نحو ساعتين قبل أن تهتز فلينة صنارتي فجأة. ~~وكنت أعلم أنني حصلت على سمكة. لا بد أنها سمكة كانت تمر بالصدفة ~~ورأت طعمي. لا شك في حركة الفلينة عندما تأكل السمكة الطعم؛ ~~فهي تختلف كثيرا عن حركتها عندما تشد الخيط من غير قصد. في اللحظة ~~التالية تمايلت تمايلا حادا وكادت تغطس في الماء. لم أستطع ~~تمالك نفسي أكثر من ذلك، فصرخت على الآخرين قائلا: ~~«لقد اصطدت سمكة!» # صاح سيد لوفجروف على الفور: «تبا!» # ولكن في اللحظة التالية لم يكن ثمة شك في الأمر؛ فقد غطست ~~الفلينة باستقامة أسفل الماء، وكنت ما زلت أستطيع رؤيتها تحت ~~الماء، بلونها الأحمر المعتم، وشعرت بضغط القصبة في يدي. يا إلهي، ~~يا له من شعور رائع! اهتز الخيط واشتد وبه سمكة في طرفه! رأى ~~الآخرون قصبتي تتقوس، وفي اللحظة التالية ألقوا جميعا بقصباتهم ~~واندفعوا ملتفين حولي. سحبت الصنارة سحبة كبيرة، وخرجت السمكة - ~~سمكة فضية اللون كبيرة ورائعة - محلقة في الهواء. وفي هذه اللحظة، ~~صحنا جميعا صيحة خوف. انزلقت السمكة من الخطاف وسقطت على ~~النعناع البري أسفل الضفة، ولكنها سقطت في الماء الضحل حيث لا ~~يمكنها الرجوع للبركة، وربما لثانية ظلت مستلقية هناك على جانبها ~~بلا حول ولا قوة. رمى جو بنفسه في الماء، ورشنا جميعا بالماء، ~~وأمسك بها بكلتا يديه صائحا: «أمسكت بها!» ثم رمى بها على ~~العشب وكنا جميعا جاثمين حولها. يا له من منظر ونحن نحدق فيها ~~بإعجاب! كان الكائن المسكين المحتضر يرفرف لأعلى ولأسفل، وكانت ~~حراشفه تتلألأ بكل ألوان الطيف. كانت سمكة شبوط ضخمة يبلغ طولها ~~سبع بوصات على الأقل، ولا بد أن وزنها كان ربع رطل. عجبا لصريخنا ~~عندما رأيناها! ولكن بعد ذلك ببرهة أحسسنا ms058 كما لو أن ظلا قد سقط ~~علينا، فرفعنا رءوسنا لنرى، وقد كان العجوز بروير يقف فوقنا بقبعته ~~اللبادية المستديرة الطويلة - وهي واحدة من تلك القبعات التي اعتاد ~~الناس ارتداءها والتي كانت بين القبعة العالية والقبعة المستديرة - ~~ورباطي ساقيه المصنوعين من جلد البقر وعصاه البندقية اللون ~~السميكة في يديه. # انكمشنا مرتعدين فجأة كما تفعل طيور الحجل عندما يحوم صقر ~~فوق رءوسها. نظر إلينا واحدا تلو الآخر، وكان لديه فم عجوز كريه ~~بلا أسنان، وكان يبدو منذ أن حلق لحية ذقنه كطائر كسار ~~البندق. # قال: «ماذا تفعلون هنا أيها الأولاد؟» # لم يكن ثمة الكثير من الشك حول ما كنا نفعله. لم يجبه ~~أحد. # فزأر فجأة: «سأعلمكم كيف تصطادون في بركتي!» ثم انقض علينا ~~ضاربا إيانا في كل اتجاه. # تفرقت مجموعة اليد السوداء وهربت. تركنا كل القصبات خلفنا وكذلك ~~السمكة. وطاردنا العجوز بروير عبر المروج، وكانت ساقاه متيبستين ~~ولم يستطع الحركة بسرعة، ولكنه كان قد ضربنا ضربا عنيفا قبل أن ~~نغيب عن ناظره. تركناه في منتصف الحقل وهو يصرخ فينا بأنه يعلم ~~أسماءنا جميعا وسيخبر آباءنا. كنت في الخلف وتلقيت معظم الضربات؛ ~~فظهرت علي بعض آثار الضرب الحمراء الكريهة في سمانتي ساقي ~~عندما وصلنا إلى الجانب الآخر من السياج. # قضيت ما تبقى من اليوم مع المجموعة. ولم يكونوا قد حسموا أمرهم ~~بشأن ما إذا كنت قد أصبحت عضوا بعد، ولكنهم كانوا يعاملونني ~~جيدا في ذلك الوقت. كان على صبي مصنع الجعة العودة إلى العمل، ~~حيث كان متغيبا عنه في الصباح بحجة كاذبة أو أخرى. أما بقيتنا، ~~فقد ذهبنا للسير طويلا بتسكع وتعال، في ذلك النوع من جولات ~~السير التي يذهب فيها الأولاد عندما يكونون بعيدا عن المنزل ليوم ~~كامل، وخاصة عندما يتغيبون دون إذن. كانت هذه أول جولة سير حقيقية ~~خاصة بالأولاد، وهي مختلفة اختلافا كبيرا عن جولات السير التي ~~كنت أذهب فيها أنا وأخي مع كيتي سيمونز. تناولنا الطعام في أحد ~~خنادق المياه الجافة في طرف البلدة، الذي كان مليئا بالعلب ~~المعدنية ms059 الصدئة ونبات الشمر البري. أعطاني الآخرون بعضا من ~~طعامهم، وكان مع سيد لوفجروف بنس، فاشترى أحدهم به مشروب بيني ~~مونيستير الذي تقاسمناه معا. # كان الطقس شديد الحرارة، وكانت رائحة الشمر نفاذة للغاية، ~~والغازات الموجودة في مشروب بيني مونيستير جعلتنا نتجشأ. بعد ذلك ~~قمنا للتجول على الطريق الأبيض المغبر إلى أبر بينفيلد؛ ~~كانت تلك هي المرة الأولى التي أسلك فيها ذلك الطريق، على ما ~~أعتقد، وإلى غابة أشجار الزان المفروشة بأوراق الأشجار الميتة ~~والجذوع الناعمة الضخمة التي تصل إلى السماء فتبدو الطيور على ~~الفروع العلوية متناهية الصغر كالنقاط. كان يمكنك الذهاب إلى ~~أي مكان تريده في الغابة في تلك الأيام. وكان منزل بينفيلد ~~مغلقا، ولم يعد الناس به يربون طيور التدرج، وكان أقصى ما ~~يمكنك أن تراه هناك هو سائق عربة يحمل بعض الأخشاب. كانت ثمة ~~شجرة مقطوعة بالمنشار، وبدت حلقات جذعها كلوح تصويب، وقد صوبنا ~~عليها بالحجارة. ثم صوب بعضنا على الطيور بالمراجم، وأقسم سيد ~~لوفجروف إنه أصاب شرورا، وإنه قد ألصقه بشوكة في الشجرة، ولكن جو ~~قال إنه يكذب، وتجادلا وكادا أن يتشاجرا. ثم نزلنا إلى تجويف ~~طباشيري مليء بطبقات من أوراق الشجر الميتة، وأخذنا نصرخ لنسمع صدى ~~صوتنا. صرخ واحد منا بكلمة بذيئة، فصرخنا جميعا بكل الكلمات ~~البذيئة التي نعرفها، وسخروا مني لأنني لم أكن أعرف سوى ثلاث فقط. ~~قال سيد لوفجروف إنه يعلم كيف يولد الأطفال، وإن الأمر مشابه ~~تماما لما يحدث لدى الأرانب باستثناء أن الطفل يخرج من سرة ~~المرأة. وأخذ هاري بارنز يحفر كلمته على جذع شجرة، ولكنه سئم من ~~الأمر بعد أول حرفين. ثم درنا مقتربين من كوخ في منزل بينفيلد. ~~قيل إنه في مكان ما في هذه الأنحاء كانت ثمة بركة بها أسماك ضخمة، ~~ولكن لم يجرؤ أحد قط على الدخول لأن العجوز هودجز، ساكن الكوخ الذي ~~كان بمنزلة الحارس، كان «يكره» الأولاد. كان يحرث حديقة خضراواته ~~بالقرب من الكوخ عندما مررنا بالمكان. خاطبناه بوقاحة من وراء ~~السور حتى طاردنا وأبعدنا، ثم نزلنا ms060 إلى شارع وولتن وخاطبنا ~~سائقي العربات بوقاحة كذلك مع الاستمرار بالسير في الجانب الآخر من ~~السياج حتى لا ينالونا بسياطهم. وبجوار شارع وولتن، كان ثمة مكان ~~كان بالماضي مقلع حجارة ثم مكبا للقمامة، ثم في النهاية غمرته ~~شجيرات توت العليق الأسود. وكانت به أكوام ضخمة من العلب ~~المعدنية القديمة الصدئة، وإطارات الدراجات، والقدور ذات الثقوب، ~~والزجاجات المحطمة، والأعشاب التي تنمو في كل مكان حول كل ذلك، وقد ~~قضينا ما يربو على الساعة واتسخنا من رءوسنا إلى أخمص أقدامنا ~~ونحن نبحث عن أعمدة الأسوار الحديدية؛ لأن هاري بارنز أقسم إن ~~الحداد في لوير بينفيلد سيدفع ستة بنسات لمن يجيء له بقنطار من ~~الحديد الخردة. ثم وجد جو عشا على إحدى شجيرات توت العليق ~~الأسود لطائر سمنة ميت وكان به صغاره غير مكتملي الريش. وبعد ~~مفاوضات طويلة حول ما نفعل بها، أخرجناها من العش وألقيناها ~~بالحجارة، ثم دهسناها بأقدامنا في النهاية. وقد كان عددها أربعا، ~~ودهس كل منا واحدا. كان قد اقترب موعد الشاي، وكنا نعلم أن ~~العجوز بروير سيفي بكلمته وأن آباءنا في انتظارنا ليوسعونا ~~ضربا، ولكننا قد اعتصرنا الجوع فلم نعد نستطيع التغيب عن المنزل ~~أكثر من ذلك. عدنا أدراجنا أخيرا إلى المنزل، مع مشاجرة أخيرة ~~في الطريق؛ حيث رأينا جرذا ونحن نمر على المزارع وطاردناه ~~بالعصي، وأتى خلفنا العجوز بينيت مدير محطة السكك الحديدية - الذي ~~يعمل في مزرعته كل ليلة وكان شديد الفخر بها - وكان في غضب شديد؛ ~~لأننا خضنا بأرجلنا في الأرض التي كان يزرعها بصلا. # مشيت عشرة أميال ولم أتعب، وتبعت المجموعة طوال النهار وحاولت ~~فعل كل شيء يفعلونه، وكانوا ينادونني ب «الطفل» ويوبخونني ~~كلما سنحت الفرصة، ولكنني تمكنت بشكل أو بآخر من أن أفعل ما ~~أردت. كان في داخلي شعور رائع، شعور لا يمكنك معرفة شيء عنه إلا ~~إذا جربته، ولكن إذا كنت رجلا، فستشعر به عاجلا أم آجلا. ~~علمت أنني لم أعد طفلا وأنني أصبحت صبيا. وإنه لمن الرائع أن ~~يغدو المرء صبيا، حيث التجول ms061 في أماكن لا يمكن للكبار ~~الإمساك بك فيها، ومطاردة الجرذان، وقتل الطيور، ورمي الحجارة، ~~ومخاطبة سائقي العربات بوقاحة، والصياح بكلمات بذيئة. إنه شعور ~~بالقوة والتفوق، وبمعرفة كل شيء ، والخوف من لا شيء، وكل ذلك مرتبط ~~ارتباطا وثيقا بكسر القواعد وقتل الكائنات الحية. الطرق ~~المغبرة البيضاء، والشعور بالحرارة والعرق على الملابس، ورائحة ~~الشمر والنعناع البري، والكلمات البذيئة، والرائحة الكريهة ~~لمكب القمامة، ومذاق شراب الليمون الفوار الذي يجعل المرء ~~يتجشأ، ودهس الطيور الصغيرة، والشعور بالسمكة وهي تشد الخيط؛ كل ~~ذلك كان جزءا من هذا الشعور. حمدا لله أنني رجل؛ فالنساء لا ~~يشعرن بذلك الشعور. # بالطبع طاف العجوز بروير على الجميع وأخبرهم بأمرنا. بدا أبي ~~شديد العبوس، وأخذ حزاما من المتجر، وقال إنه «سيقتل جو ضربا»، ~~ولكن جو قاوم وصاح ورفس، وفي النهاية لم يتمكن أبي من أن ينال ~~منه إلا ببعض الضربات. ومع ذلك، ضربه مدير المدرسة بالعصا في اليوم ~~التالي. حاولت المقاومة أيضا، ولكني كنت صغيرا لدرجة مكنت أمي ~~من أن تضعني أسفل ركبتها وضربتني بالحزام. ومن ثم أكون بذلك قد ~~ضربت ثلاث مرات في ذلك اليوم؛ مرة من جو، ومرة من العجوز بروير، ~~ومرة من أمي. قررت المجموعة في اليوم التالي أنني لم أكن قد أصبحت ~~عضوا بالفعل فيها بعد، وأنه يجب علي أن أخوض «الاختبار» (تلك ~~الكلمة التي عرفوها من قصص الهنود الحمر). كانوا صارمين في ~~إصرارهم على أن آخذ قضمة من الدودة قبل أن أبتلعها. علاوة على ذلك، ~~ولأنني كنت الأصغر ولأنهم كانوا يشعرون بالغيرة مني لأنني الوحيد ~~الذي تمكن من صيد شيء؛ فقد قالوا جميعا بعد ذلك إن السمكة التي ~~اصطدتها لم تكن كبيرة. عادة عندما يتحدث الناس عن الأسماك، تبدو ~~أكبر في كل مرة؛ ولكن سمكتي كانت تبدو أصغر فأصغر، حتى سمعتهم ~~يقولون إنهم يخالونها لا تزيد حجما عن سمكة المنوة. # ولكن الأمر لم يعنني؛ فقد ذهبت للصيد، ورأيت الفلينة تغطس في ~~الماء وشعرت بالسمكة تشد الخيط، ومهما قالوا من أكاذيب فلم ~~يتمكنوا من أن يسلبوني ms062 ذلك الشعور. # 4 # في السنوات السبع التالية، منذ كنت في الثامنة وحتى أصبحت في ~~الخامسة عشرة، فإن الشيء الأساسي الذي أتذكره هو صيد السمك. # لا أتذكر أنني كنت أفعل شيئا آخر. الأمر وما فيه هو أنك عندما ~~ترجع بذاكرتك لفترة طويلة من الزمن، تبدو أشياء بعينها وكأنها كانت ~~تأخذ الحيز الأكبر من الوقت حتى تغطي على كل شيء آخر. تركت مدرسة ~~الأم هاوليت وذهبت إلى مدرسة القواعد اللغوية بحقيبة جلدية وقبعة ~~سوداء ذات أشرطة صفراء؛ وحصلت على دراجتي الأولى، كما حصلت بعد ذلك ~~بوقت طويل على بنطالي الطويل الأول. كانت دراجتي الأولى بترس ثابت؛ ~~لأن الدراجات ذات الترس الحر كانت باهظة الثمن في ذلك الحين. ~~وعندما كنت تقودها على طريق منحدر، كنت ترفع قدميك لأعلى على ~~المسند الأمامي وتترك الدواستين تدوران مصدرتين أزيزا. كانت هذه ~~من المعالم المميزة لأوائل القرن العشرين؛ ولد ينحدر بدراجته على ~~الطريق، ورأسه للوراء، وقدماه في الهواء. ذهبت إلى مدرسة القواعد ~~اللغوية في خوف وارتجاف من الحكايات المرعبة التي أخبرني بها جو ~~حول المدير العجوز ذي اللحية الكبيرة (كان اسمه ويكسي)، الذي كان ~~بطبيعة الحال رجلا قصيرا ومرعبا بوجه كوجه الذئب، وكان يضع في ~~آخر حجرة الدراسة الكبيرة صندوقا زجاجيا به عصي والتي كان ~~يخرج إحداها في بعض الأحيان ويلوح بها في الهواء بطريقة مرعبة. ~~ولكن المفاجئ في الأمر أنني أبليت بلاء حسنا في المدرسة؛ فلم ~~أتخيل قط أنني سأكون أفضل في الدراسة من جو، الذي كان أكبر مني ~~بسنتين وكان يتنمر علي كلما فتح فاه. في الواقع، كان جو شديد ~~الغباء، وكان يضرب بالعصا مرة تقريبا كل أسبوع، وكان تقريبا ~~ترتيبه متأخرا على مستوى المدرسة حتى بلغ السادسة عشرة من عمره. ~~في الفصل الدراسي الثاني، حصلت على جائزة في الحساب وأخرى في مادة ~~غريبة كنا نتعامل فيها غالبا مع الزهور المضغوطة وكانوا يسمونها ~~مادة العلوم، وعندما كنت في الرابعة عشرة من عمري كان ويكسي يتحدث ~~عن المنح الدراسية وجامعة ريدينج. كان أبي، الذي كان لديه ms063 طموح لجو ~~ولي في تلك الأيام، مهتما بشدة بضرورة ذهابي إلى «الجامعة». ~~وكانت ثمة فكرة تحوم في الأرجاء أنني سأصبح معلما في مدرسة، وأن ~~جو سيصبح بائع مزادات. # ولكنني ليست لدي أي ذكريات كثيرة مرتبطة بالمدرسة. وعندما ~~أختلط برجال من الطبقات العليا، كما حدث خلال الحرب، أفاجأ بحقيقة ~~أنهم لم يتعافوا قط من آثار تلك التربية المرعبة التي يتعرض لها ~~الأولاد في المدارس العامة، التي إما أن تسطح عقولهم ليصبحوا ~~أنصاف أذكياء أو يقضوا بقية حياتهم يقاومونها. لكن الأمر لم يكن ~~كذلك مع الأولاد في طبقتي، طبقة أبناء أصحاب المتاجر والمزارعين؛ ~~فقد كنت تذهب إلى مدرسة القواعد اللغوية وتظل فيها حتى تبلغ ~~السادسة عشرة، وذلك فقط لتبين أنك لم تكن من أبناء الطبقة ~~العاملة. ولكن المدرسة كانت في الأساس مكانا تريد الهروب منه، ~~فلم يكن لديك أي شعور بالولاء، ولا ذلك الشعور الأبله بالانتماء ~~إلى الحجارة الرمادية القديمة (وقد كانت قديمة بالفعل بالتأكيد، ~~فقد أسس المدرسة الكاردينال وولزي)، ولم تكن ثمة رابطة عنق ~~للطلاب السابقين ولا حتى أغنية للمدرسة. وكان يمكنك فعل ما تشاء ~~في الأيام التي كانوا يعطون لنا فيها نصف يوم دراسي؛ لأن الألعاب ~~لم تكن إلزامية، وعادة ما كنا لا نمارسها. كنا نلعب كرة القدم ~~مرتدين الحمالات؛ وعلى الرغم من أنه كان يعد من المناسب لعب ~~الكريكيت بالحزام، كنت ترتدي قميصك وبنطالك العاديين. اللعبة ~~الوحيدة التي كنت أهتم بها كانت كريكيت الجذوع، التي كنا نلعبها في ~~الفناء الحصوي في وقت الراحة بمضرب مصنوع من خشب صناديق التعبئة ~~وكرة من مواد متعددة. # ولكنني أتذكر رائحة حجرة الدراسة الكبيرة، حيث رائحة الحبر ~~والغبار والأحذية، وكتلة الحجارة في الفناء التي كانت درجا ~~للصعود وكانت تستخدم لسن السكاكين، ومتجر الخباز الصغير في ~~الجهة الأخرى حيث يباع نوع من الكعك التشيلسي، الذي كان بحجم ضعف ~~حجم الكعك التشيلسي الذي تراه في أيامنا هذه، وكان يسمى لاردي ~~باستيرز، وكان بنصف بنس. فعلت كل ما تفعله في المدرسة. حفرت اسمي ~~على طاولة الدرس وضربت ms064 على ذلك، كنت تضرب دائما على ذلك إذا ~~ما شوهدت، ولكن كان من المتعارف عليه بين الأولاد أنه كان ينبغي ~~عليك حفر اسمك. كما لطخت أصابعي بالحبر، وقضمت أظفاري ، وصنعت ~~أسهما من الورق، ولعبت لعبة الكونكرز، ونشرت وسط زملائي نكاتا ~~بذيئة، وتعلمت ممارسة العادة السرية، وخاطبت العجوز بلورز معلم ~~اللغة الإنجليزية بوقاحة، وتنمرت بقسوة على ويلي سيميون القصير، ~~ابن الحانوتي الذي كان معتوها ويصدق كل شيء تخبره به. وكانت ~~خدعتنا المفضلة إرساله إلى المتاجر لشراء أشياء لا وجود لها، وقد ~~انطلت على ويلي المسكين كل الدعابات القديمة؛ فكان المغفل الذي ~~ذهب لشراء طوابع بريد ببنس، والمطرقة المطاطية، ومفك الأعسر، ~~وقدر الطلاء المخطط. وكنا نمارس الألعاب الرياضية في أحد ~~الأيام فيما بعد الظهيرة، ووضعناه في حوض، وطلبنا منه أن يرفع نفسه ~~لأعلى بالمقابض. انتهى الحال به في إحدى المصحات، يا له من ~~مسكين! ولكننا لم نكن نستمتع بالحياة إلا في أيام الإجازات. # ثمة أشياء جيدة كان بإمكاننا أن نفعلها في تلك الأيام. في ~~الشتاء، اعتدنا على استعارة اثنين من حيوان ابن مقرض - لم تكن أمي ~~تسمح قط لي ولجو بالاحتفاظ بهما في المنزل، وقد كانت تقول إنها ~~«أشياء ذات رائحة كريهة» - ونتجول حول المزارع ونطلب من أصحابها ~~السماح لنا بصيد بعض الجرذان. كانوا يسمحون لنا في بعض الأحيان، ~~ولكن في أحيان أخرى كانوا يطردوننا، ويقولون إننا أكثر إزعاجا ~~من الجرذان. وفي أواخر الشتاء، كنا نتبع آلة درس القمح ونساعد في ~~قتل الجرذان في أثناء مهاجمتها لأكوام القمح. في أحد أيام الشتاء، ~~لا بد أن ذلك كان في عام 1908، فاض نهر التيمز ثم تجمد حتى أضحى ~~مناسبا للتزلج لأسابيع؛ وكسر هاري بارنز ترقوته على الجليد. ~~وفي بداية الربيع، كنا نذهب لصيد السناجب باستخدام عصي غليظة، ثم ~~بعدها للعبث بأعشاش الطيور. كان لدينا اعتقاد أن الطيور لا ~~يمكنها العد، وأنه لا بأس إن تركنا لها بيضة واحدة، ولكننا كنا ~~وحوشا صغيرة قاسية، وكنا في بعض الأحيان ندك العش وندوس على ~~البيض أو صغار ms065 الطيور. كانت لدينا لعبة أخرى نلعبها عندما كانت ~~الضفادع الصغيرة تخرج من بيضها؛ إذ كنا نمسكها وندس فوهة ~~منفاخ الدراجة في مؤخراتها، فتنتفخ لأعلى حتى تنفجر. هكذا حال ~~الأولاد ، لا أعلم لماذا. أما في الصيف، فكنا نركب الدراجات وندور ~~حول بورفورد وير ونستحم فيها، حيث غرق وولي لوفجروف - قريب سيد ~~- عام 1906 بعدما علق في الأعشاب في القاع، وعندما انتشلوا ~~جثمانه بالخطاف وارتفع إلى السطح، كان وجهه شديد السواد. # ولكن صيد السمك كان أمتع الأشياء. ذهبنا عدة مرات إلى بركة ~~العجوز بروير، واصطدنا سمك شبوط وتنش صغيرا، واصطدنا ذات مرة ~~سمكة أنقليس كبيرة، كما اصطدنا في برك أبقار أخرى، والتي كنا ~~نمشي إليها في يوم السبت بعد الظهيرة. ولكن بعد أن حصلنا على ~~الدراجات، بدأنا في صيد السمك في نهر التيمز عند بورفورد وير. بدا ~~الأمر أكثر نضوجا عن صيد السمك في برك الأبقار، حيث لم يكن هناك ~~مزارعون يطردوننا، وكانت أسماك النهر كبيرة، ولكن على حد علمي لم ~~يتمكن أحد من صيدها. # يا له من شعور غريب، ذلك الشعور الذي أكنه تجاه صيد السمك، ~~الذي لا يزال لدي في الحقيقة. لا يمكنني أن أصف نفسي بالصياد؛ ~~فلم أصطد في حياتي قط سمكة طولها قدمان، ومضت ثلاثون سنة ~~الآن منذ آخر مرة أمسكت فيها قصبة الصيد بيدي. ولكنني عندما أعيد ~~النظر في كل فترة صباي من عمر الثامنة إلى عمر الخامسة عشرة، أجد ~~أن ذكرياتي تتمحور حول تلك الأيام التي كنا نذهب فيها للصيد. كل ~~تفصيلة راسخة بوضوح في ذاكرتي. أتذكر كل يوم على حدة وكل سمكة ~~على حدة، فليس ثمة بركة أبقار أو ماء راكد لا يمكنني تصوره إذا ~~ما أغمضت عيني وفكرت في تلك الأيام. يمكنني تأليف كتاب عن ~~فنيات الصيد. عندما كنا أطفالا، لم يكن لدينا الكثير من ~~الأدوات؛ فقد كانت تتكلف الكثير ومعظم البنسات الثلاثة التي كنا ~~نأخذها في الأسبوع (التي كانت مصروف الجيب المعتاد في تلك الأيام)، ~~كانت تذهب على الحلوى وكعك اللاردي باستيرز. # كان ms066 الأطفال الصغار جدا يصطادون عادة بالدبابيس المثنية، ~~التي كانت غير مسنونة بما يكفي لتتمكن من الصيد؛ ولكن كان ~~بإمكانك صنع خطاف جيد جدا (على الرغم من أنه بالطبع لم يكن له ~~شوكة) بثني إبرة على نيران شمعة باستخدام كماشة. يعرف صبية ~~المزارع كيف يضفرون شعر الخيول حتى يصبح كالأحشاء، ويمكنك صيد ~~سمكة صغيرة بضفيرة واحدة من شعر الخيل. في وقت لاحق، استخدمنا ~~القصبات التي كنا نشتريها بشلنين وحتى البكرات التي لا يعتاد ~~استخدامها في الصيد. يا إلهي! ترى كم ساعة قضيتها محدقا في نافذة ~~متجر والاس؟! حتى البنادق عيار 410. والمسدسات الصغيرة لم تثر ~~اهتمامي بقدر ما أثارته أدوات صيد السمك. وأتذكر نسخة كتالوج جاماج ~~التي حصلت عليها من مكان ما - أظن أنه كان صندوق قمامة - ودرستها ~~كما لو كانت الكتاب المقدس. ما زلت قادرا حتى الآن على سرد جميع ~~تفاصيل بدائل الأحشاء والأسلاك وخطافات ليميريك ومضارب الصيد ~~ومفكات الخطافات وبكرات نوتينجهام، وغيرها الكثير من الأدوات ~~والفنيات. # ثم نأتي لأنواع الطعم التي كنا نستخدمها. كان في متجرنا ~~دائما الكثير من دود الطحين، الذي كان جيدا ولكن ليس للغاية؛ ~~فالنغف كان أفضل، وكان علينا التوسل للعجوز جرافيت الجزار ~~ليعطينا إياه، واعتادت المجموعة استخدام القرعة أو لعبة حادي ~~بادي ليقرروا من يذهب ويطلبها منه؛ لأن جرافيت لم يكن عادة يتقبل ~~الأمر. كان شيطانا عجوزا ضخما خشن الوجه ذا صوت كنباح كلب ~~الدرواس، وعندما ينبح - كما كان يفعل عادة عندما يتحدث للأولاد - ~~كانت جميع السكاكين والأدوات المعدنية في مئزره الأزرق تهتز ~~مجلجلة. كنت تذهب إليه بصفيحة دبس سكر فارغة، وتنتظر حتى لا ~~يوجد لديه زبائن، ثم تقول بكل أدب: ~~«إذا سمحت يا سيد جرافيت، ألديك أي نغف اليوم؟» # فيصيح عادة قائلا: «ماذا؟! نغف! نغف في متجري! لم أر شيئا ~~كهذا منذ سنين. أتظن أن لدي نغفا في متجري؟» # كان لديه بالتأكيد، وكان في كل مكان. ولكنه كان يقتله بعصا في ~~نهايتها قطعة من الجلد، يمكنه بها الوصول إلى مسافات بعيدة، ~~ويدهسه بها حتى يصبح ms067 كالعجينة. كنت تخرج من عنده في بعض الأحيان ~~خالي الوفاض، ولكن جرت العادة على أن يناديك بمجرد مغادرتك ~~المتجر، ويقول: ~~«أنت! اذهب إلى الفناء الخلفي وألق نظرة، فلربما تجد نغفة أو ~~اثنتين إذا ما أمعنت النظر.» # وكنت عادة ما تجدها في مجموعات صغيرة في كل مكان. وكانت رائحة ~~الفناء الخلفي لجرافيت كساحة قتال؛ فلم يكن يملك الجزارون ثلاجات ~~في ذلك الوقت. يعيش النغف أطول إذا احتفظت بها في نشارة ~~الخشب. # يرقات الدبابير جيدة كذلك، ولكن من الصعب جعلها تلتصق في الخطاف ~~إلا لو حمصتها أولا. عندما كان يجد أحد عشا للدبابير، كنا نخرج ~~في الليل ونسكب عليه زيت التربنتين ونسد الحفرة بالطين. وفي اليوم ~~التالي تكون الدبابير كلها قد ماتت، ويمكنك الحفر وإخراجها من ~~العش وأخذ يرقاتها. وذات مرة حدث خطأ في هذه العملية، حيث لم يقع ~~الزيت في الحفرة أو شيء من هذا القبيل، وعندما فتحنا الحفرة خرجت ~~كل الدبابير التي حبست طوال الليل دفعة واحدة وأخذت تطن. لم تكن ~~لسعاتها على أجسامنا مؤلمة للغاية، ولكن كان من المؤسف أنه لم يكن ~~أحد يقف بساعة توقيف؛ لأننا جرينا جميعا بأقصى سرعة. يكاد يكون ~~الجندب أفضل طعم للأسماك، خاصة لسمك الشوب؛ إذ يمكنك أن تثبته ~~في الخطاف دون أي مجهود، فقط تضرب به على سطح الماء جيئة ~~وذهابا، أو كما يسمون تلك الحركة «الوثب على سطح الماء». ولكن ~~لا يمكنك أبدا الحصول على أكثر من اثنين أو ثلاثة منه في المرة ~~الواحدة. هناك كذلك ذباب القارورة الخضراء، الذي كان أيضا صعبا ~~في اصطياده، وهو أفضل طعم لسمك الداس، خاصة في الأيام التي ~~تكون فيها المياه هادئة. وكان عليك وضعه في الخطاف حيا كي ~~يتلوى أمام الأسماك. يلتهم سمك الشوب الدبابير، ولكن وضع ~~دبور حي في الخطاف كان يتطلب مهارة عالية. # يا لها من أعداد كبيرة من الأشياء التي كان بإمكاننا استخدامها ~~كطعوم! هناك معجون الخبز الذي تصنعه بضغط الخبز الأبيض المبلل في ~~خرقة، ومعجون الجبن ومعجون العسل ومعجون اليانسون. وهناك ms068 القمح ~~المسلوق كذلك الذي لا بأس به في اصطياد سمك الروش. كما كانت ~~الديدان الحمراء طعما جيدا كذلك لسمك القوبيون، وكنت تجدها في ~~أكوام السماد الشديد القدم. وكان يمكنك كذلك أن تجد نوعا آخر ~~من الديدان كان يسمى دود الأرض، وهو نوع من الديدان مخطط وذو ~~رائحة تشبه رائحة حشرة أبي مقص، وكان طعما جيدا لسمك الفرخ. ~~كانت كذلك ديدان الأرض العادية جيدة لسمك الفرخ، وكان عليك وضعها ~~في أشنة للحفاظ عليها طازجة وحية، لكن إذا حاولت إبقاءها في ~~الأرض فستموت. أيضا ذلك الذباب البني الذي تجده في روث البقر ~~كان جيدا جدا لاصطياد سمك الروش. كان يمكنك أن تصطاد سمك ~~الشوب بحبة كرز - أو هكذا كانوا يقولون - وقد رأيت سمكة روش ~~اصطيدت بزبيبة مأخوذة من كعكة. # في تلك الأيام، من السادس عشر من شهر يونيو (عندما يبدأ موسم صيد ~~الأسماك غير المنتمية لعائلة السلمون) وحتى منتصف الشتاء، لم تكن ~~تراني عادة إلا وفي جيبي علبة صفيح بها ديدان أو نغف. خضت بعض ~~المشاجرات مع أمي حول الأمر، ولكنها استسلمت في النهاية وخرج ~~الصيد من قائمة المحرمات، حتى إن أبي أهداني قصبة صيد بقيمة ~~شلنين في الكريسماس عام 1903. كان جو في الخامسة عشرة من عمره ~~تقريبا عندما بدأ في مطاردة الفتيات، ومنذ ذلك الحين كان نادرا ~~ما يذهب للصيد؛ إذ اعتبره لعبة أطفال. ولكن كان ثمة نحو ستة من ~~الأولاد الآخرين الذين كانوا مهووسين بالصيد مثلي. يا إلهي! ما ~~أجمل أيام الصيد هذه! أتذكر في الأيام الحارة التي تشتد فيها ~~الرطوبة فيما بعد الظهيرة عندما كنت أمدد رجلي تحت طاولتي في ~~حجرة الدراسة، وكان صوت العجوز بلورز يزعجنا بشرح الخبر وصيغ ~~الشرط وصلة الموصول، ولم يكن حينها في ذهني إلا الماء الراكد ~~بجوار بورفورد وير والبركة الخضراء أسفل شجر الصفصاف وسمك ~~الداس الذي يعوم جيئة وذهابا. ثم أتذكر الاندفاع الرهيب على ~~الدراجات بعد تناول الشاي إلى تشامفورد هيل وإلى أسفل النهر لقضاء ~~ساعة في الصيد قبل الغروب. وأتذكر أيضا المساء ms069 في أيام الصيف ~~الهادئة وحركة الماء الواهنة في البركة وحلقات المياه التي ترتفع ~~فيها الأسماك، والذباب الصغير الذي يكاد يأكلك حيا، وقطعان سمك ~~الداس التي تحتشد حول خطافك، ولكنها لا تقضم الطعم أبدا. ~~وأتذكر أيضا ذلك النوع من الحماس المرتبط بمشاهدتك لظهور ~~الأسماك السوداء التي تحتشد حولك وأنت تأمل وتصلي (أجل، كنت ~~أصلي بالفعل) أن تغير إحدى الأسماك رأيها وتقضم طعمك قبل أن ~~تظلم السماء بشدة. يأتي دائما حينها وقت عبارة «لنجلس خمس ~~دقائق أكثر»، ثم «فقط خمس دقائق أكثر»؛ حتى تضطر في النهاية إلى ~~السير بجوار دراجتك إلى البلدة لأن تاولر، الشرطي، كان يطوف في ~~الأرجاء وقد يقبض عليك بتهمة القيادة بلا مصباح. أتذكر كذلك تلك ~~الأوقات في إجازات الصيف حيث نذهب لقضاء اليوم بأكمله خارج المنزل ~~ومعنا البيض المسلوق والخبز والزبد وزجاجة من عصير الليمون، ~~ونمارس الصيد، ثم نسبح، ثم نمارس الصيد مرة أخرى، وأحيانا كنا ~~نصطاد شيئا. وفي الليل كنت أرجع إلى المنزل بيدين متسختين، ~~وأكون جائعا للغاية حتى إنني قد آكل ما تبقى من معجون الخبز الذي ~~أعددته للصيد، مع ثلاث أو أربع سمكات داس ذات رائحة كريهة وملفوفة ~~في منديلي. كانت أمي دائما ترفض طبخ السمك الذي أحضره لها؛ فلم ~~تر قط أن أسماك النهر قابلة للأكل، باستثناء التروتة والسلمون، ~~وكانت تقول عنها إنها «أشياء موحلة كريهة». أكثر الأسماك التي ~~أتذكرها جيدا هي تلك التي لم أصطدها، وخاصة السمك الضخم الذي ~~كنت تراه دائما عندما تذهب للسير بمحاذاة مسار جر القوارب بعد ~~ظهيرة يوم الأحد ولا يكون معك قصبة صيد. لم يكن الناس يصطادون في ~~أيام الأحد، حتى إن مجلس حماية نهر التيمز لم يكن يسمح به. وكان ~~عليك في أيام الأحد أن تذهب فيما كان يسمى «نزهة هادئة» ببدلتك ~~السوداء الثقيلة والياقة العريضة البيضاء التي تكاد تنشر رقبتك. ~~وقد كان في يوم الأحد أن رأيت سمكة كراكي طولها ياردة كاملة نائمة ~~في المياه الضحلة بالقرب من الضفة، وكدت أصيبها بحجر. وفي بعض ~~الأحيان في ms070 البرك الخضراء على حافة القصب، قد ترى سمكة تروتة ~~التيمز الضخمة تسبح أمامك. تصبح أحجام سمك التروتة ضخمة للغاية ~~في نهر التيمز، ولكن غالبا ما يصعب اصطياده. ويقولون إن أيا من ~~صيادي نهر التيمز الكبار، وهم هؤلاء الرجال كبار السن ذوو الأنوف ~~الكبيرة الأطراف، الذين تراهم في كل مواسم العام متدثرين في ~~معاطفهم وجالسين على الكراسي الصغيرة القابلة للطي ومعهم ~~صناراتهم التي يبلغ طول الواحدة منها عشرين قدما، على استعداد أن ~~يفرغ عاما كاملا من حياته لصيد سمكة تروتة من نهر التيمز. لا ~~أجد ذلك غريبا؛ فأنا أتفهم موقفهم، وكنت أتفهم موقفهم أكثر ~~حينها. # بالطبع كانت تحدث أشياء أخرى في حياتي. لقد كان يزيد طولي ثلاث ~~بوصات في كل عام، وبدأت أرتدي البناطيل الطويلة، وفزت ببعض ~~الجوائز في المدرسة، ودخلت فصولا استعدادا لطقس التأكيد الديني، ~~ورويت نكاتا بذيئة، وبدأت أحب القراءة، وأصبحت مهووسا ~~بالفئران البيضاء والنفش الشبكي وطوابع البريد. ولكنني دائما ~~أتذكر صيد السمك. وأتذكر النهار في الصيف والمروج المنبسطة بجوار ~~النهر، والتلال الزرقاء البعيدة، وشجر الصفصاف أعلى الماء ~~الراكد، والبرك بالأسفل التي تبدو كزجاج شديد الخضرة. كما أتذكر ~~المساء في الصيف والسمك الذي يشق المياه، وطيور السبد التي تحوم ~~حول رأسك، ورائحة زهور المنثور والنبات المستخرج منه تبغ ~~اللاذقية. لا تسئ فهم مقصدي مما أحكيه لك؛ فلست أحاول أن أعرض ~~عليك أيا من تلك الأشعار عن أيام الطفولة؛ لأنني أعلم أن كل ذلك ~~هراء. العجوز بورتيوس (صديقي المدرس المتقاعد، الذي سأحدثك عنه ~~فيما بعد) رائع في نسج أشعار الطفولة، وهو في بعض الأحيان يقرأ ~~علي بعضا منها من الكتب، ككتب ووردزوورث ولوسي جراي، حيث المروج ~~والبساتين وكل تلك الأمور. وغني عن البيان أنه لم يكن لديه ~~أطفال. إن الحقيقة هي أن الأطفال ليسوا شاعريين بأي شكل من ~~الأشكال، فما هم إلا حيوانات صغيرة متوحشة، باستثناء أنه لا يوجد ~~حيوان يملك ربع أنانيتهم. الأولاد لا يهتمون بالمروج والبساتين وما ~~إلى ذلك، ولا ينظرون قط إلى المناظر الطبيعية، ولا يهتمون بالزهور، ms071 ~~ولا يستطيعون التفريق بين أنواع النباتات ما لم تؤثر فيهم بشكل ~~ما، كأن تكون طعاما جيدا بالنسبة لهم. إن قتل الكائنات هو أقرب ~~ما ينزل منزلة الشعر لدى الأولاد. وعلى الرغم من ذلك، فإن لديهم في ~~جميع الأوقات تلك الحيوية الغريبة، تلك القوة التي تجعلهم يرغبون ~~في الأشياء التي تزهد فيها عندما تكبر، والشعور بأن الوقت يتمدد ~~أكثر فأكثر أمام أعينهم، وأن أي شيء يفعلونه يمكن أن يستمروا في ~~فعله للأبد. # كنت صبيا قبيحا بعض الشيء، وكان شعري سمني اللون، وكان يقص ~~دائما قصيرا فيما عدا خصلة في الأمام. لا أحاول القول بأن طفولتي ~~كانت مثالية، وعلى عكس كثير من الأشخاص، ليست لدي أي رغبة في ~~الرجوع إلى أيام الصبا. أغلب الأشياء التي اعتدت الاهتمام بها ~~أشعر تجاهها الآن بلا مبالاة شديدة، فلم يعد يعنيني إن لم أر كرة ~~كريكيت مرة أخرى، ولن أعطيك ثلاثة بنسات للحصول على كم كبير من ~~الحلوى، ولكن ما زال لدي، وكان لدي دائما، ذلك الميل الشديد ~~تجاه صيد السمك. قد تعتقد أنه أمر تافه، بلا شك، لكنني في الواقع ~~أتمنى لو أذهب للصيد الآن، حتى وأنا بهذا الجسم البدين وفي الخامسة ~~والأربعين من عمري ولدي طفلان ومنزل في الضواحي. لماذا؟ لأنني إن ~~جاز القول لدي حنين تجاه طفولتي، ولا أعني تجاه طفولتي بالتحديد، ~~ولكن تجاه الثقافة التي نشأت فيها، والتي هي الآن على ما أعتقد على ~~وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وصيد السمك هو مثال حي بشكل أو بآخر ~~على تلك الثقافة، فبمجرد أن تفكر في صيد السمك تفكر في أشياء لا ~~تنتمي إلى العالم الحديث. إن فكرة الجلوس طوال النهار أسفل شجرة ~~صفصاف بجوار بركة هادئة - وفرصة أن تجد بركة هادئة للجلوس بجوارها ~~- في حد ذاتها تنتمي إلى وقت ما قبل الحرب وأجهزة الراديو ~~والطائرات وهتلر. كان ثمة إحساس بالسكينة حتى في أسماء الأسماك ~~الإنجليزية غير المنتمية إلى عائلة السلمون. الروش، والأرد، ~~والداس، والأبيض، والبربيس، والأبراميس، والقوبيون، والكراكي، ~~والشوب، والشبوط، والتنش. إنها أسماء ms072 لطيفة، ومن وضعوها لم ~~يسمعوا قط عن البنادق الآلية، ولم يعيشوا في رعب من الطرد من ~~أعمالهم، أو يقضوا وقتهم في تعاطي الأسبرين، أو الذهاب إلى ~~السينما، أو التفكير في كيفية تجنب دخول معسكرات الاعتقال. # ترى هل يذهب أحد لصيد السمك في يومنا هذا؟ في أي مكان على مسافة ~~مائة ميل من لندن لم تعد ثمة أسماك متبقية لصيدها. ولم تصمد إلا ~~بضعة نوادي صيد كئيبة بمحاذاة ضفاف القنوات، بينما يذهب ~~المليونيرات لصيد سمك التروتة في برك خاصة حول فنادق أسكتلندية، في ~~نوع من اللعب الباذخ الذي يقوم على صيد أسماك داجن بذباب اصطناعي. ~~ولكن من لا يزال يصطاد السمك في مجاري الطواحين أو الخنادق المائية ~~حول الحصون أو برك الأبقار؟ وأين هي الأسماك الإنجليزية غير ~~المنتمية إلى عائلة السلمون اليوم؟ عندما كنت طفلا، كانت الأسماك ~~في كل بركة ومجرى مائي، ولكن اليوم جميع البرك جففت؛ وإن وجدت ~~مجرى مائيا غير مسمم بكيماويات المصانع، تجده مليئا بالعلب ~~المعدنية الصدئة وإطارات الدراجات النارية. # أفضل ذكرياتي عن الصيد هي عن الأسماك التي لم أصطدها قط. أعتقد ~~أن هذا أمر شائع بالقدر الكافي. # عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري تقريبا، ساعد أبي بشكل ما ~~العجوز هودجز حارس منزل بينفيلد، ولكنني نسيت ماذا فعل له؛ ربما ~~أعطاه بعض الدواء لعلاج دواجنه من الديدان أو شيئا من هذا القبيل. ~~كان هودجز شيطانا عجوزا سيئ الطبع، ولكنه لم يكن ينسى المعروف. ~~في أحد الأيام بعد ذلك بفترة وجيزة عندما أتى إلى المتجر لشراء ذرة ~~الدجاج، قابلني عند الباب وأوقفني بطريقته الفظة. كان له وجه ~~يشبه شيئا منحوتا من جذر شجرة، بسنتين فقط في فمه، وكانا ~~باللون البني الداكن وشديدي الطول. # وقال لي: «أنت يا ولد! أنت تصطاد السمك، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» ~~«كما اعتقدت. حسنا، اسمع: إذا أردت الصيد، يمكنك أن تأتي ~~بصنارتك وتحاول في البركة بالأعلى خلف القصر؛ فهناك الكثير من ~~أسماك الأبراميس والشيم، ولكن لا تخبر أحدا بما قلته لك، ولا ~~تحضر معك أيا ms073 من هؤلاء الأوغاد الصغار الآخرين، وإلا فسأسلخ ~~ظهورهم.» # قال ذلك ثم ذهب يعرج حاملا جوال الذرة فوق كتفه، كما لو كان ~~يشعر أنه قد قال الكثير بالفعل. بعد ظهيرة يوم السبت التالي، ذهبت ~~بدراجتي إلى منزل بينفيلد وجيباي مليئان بالديدان والنغف، وبحثت ~~عن العجوز هودجز في كوخه. كان منزل بينفيلد في ذلك الوقت غير مأهول ~~منذ عشر سنوات أو عشرين سنة؛ فالسيد فاريل - المالك - لم يعد ~~يتحمل تكاليف العيش فيه، ولم يستطع أو يرد تركه، فعاش في لندن ~~على دخل إيجار مزارعه وترك المنزل والأراضي خربة. كانت جميع ~~الأسيجة خضراء وبالية، وكانت الحديقة في حالة فوضى ومليئة بنبات ~~القراص، وكان الزرع كالغابة، وحتى الحدائق انحسرت إلى مروج، ولم ~~يتبق سوى بعض شجيرات ورد قديمة كثير العقد شاهدة على حيث كانت ~~الأحواض. لكنه كان منزلا بديع الجمال، ولا سيما إن نظرت إليه من ~~بعد. كان منزلا ضخما أبيض اللون بصف أعمدة في الأمام ونوافذ ~~طويلة، وقد بني على ما أظن في عصر الملكة آن تقريبا على يد شخص ~~سافر إلى إيطاليا. إذا ذهبت إلى هناك الآن، فسأشعر على الأرجح ~~بشعور معين من السعادة لتجولي حول ذلك الخراب العام، والتفكير في ~~الحياة التي كانت في ذلك المكان يوما ما، وفي الناس الذين بنوا ~~مثل تلك الأماكن؛ لأنهم تخيلوا أن الأيام الجميلة ستدوم للأبد. ~~عندما كنت صبيا، لم أكن أفكر في المنزل أو الأراضي، بل كنت أبحث ~~عن العجوز هودجز، الذي كان في ذلك الوقت قد انتهى لتوه من تناول ~~غدائه وكان عابسا بعض الشيء، وطلبت منه أن يريني الطريق إلى ~~البركة، التي كانت على بعد عدة مئات من الياردات خلف المنزل، وكانت ~~مختفية بالكامل وسط غابة أشجار الزان. ولكن حجمها كان جيدا، تكاد ~~تقترب في حجمها من حجم بحيرة؛ إذ كان عرضها يقترب من المائة ~~والخمسين ياردة. كان من المذهل، حتى بالنسبة لي وأنا في مثل هذا ~~العمر، أنه يمكنك الاستمتاع بالعزلة هناك؛ فأنت على بعد اثني ~~عشر ميلا من ريدينج وأقل ms074 من خمسين ميلا من لندن. ستشعر في ذلك ~~المكان بعزلة كما لو أنك على ضفاف نهر الأمازون؛ فالبركة كانت ~~محاطة بالكامل بأشجار الزان الضخمة، التي كانت في إحدى البقاع تنزل ~~إلى الحافة، وتنعكس صورتها في الماء. وعلى الجانب الآخر، كانت هناك ~~رقعة من العشب بها تجويف من أحواض النعناع البري؛ وفي الأعلى ~~عند أحد أطراف البركة كان ثمة مصف قوارب خشبي قديم بال وسط ~~عشب البرك. # كانت البركة تعج بأسماك الأبراميس، الصغيرة منها فقط، التي ~~كانت بطول أربع إلى ست بوصات. وبين الحين والآخر، قد ترى إحداها ~~تستدير على جانبها وتومض بلون بني ضارب إلى الحمرة أسفل الماء. ~~كانت ثمة أسماك كراكي أيضا، ولكن لا بد أنها كانت كبيرة. لم ~~أرها قط، ولكن أحيانا كانت تستدير إحداها بينما تتشمس بين ~~العشب، وتغمر المكان برذاذ الماء كما لو أن طوبة قد ألقيت في ~~الماء. لم يكن ثمة طائل من محاولة اصطيادها، ولكنني بالطبع كنت ~~أحاول دائما في كل مرة أذهب فيها إلى هناك. حاولت اصطيادها ~~باستخدام سمك الداس والمنوة الذي اصطدته في نهر التيمز ~~واحتفظت به حيا في برطمان مربى؛ حتى إنني حاولت اصطياده بطعم ~~دوار مصنوع من بعض الصفيح، ولكن السمك كان يأكل بنهم ولا يعض ~~على الصنارة، وعلى أي حال كان سيكسر أيا من أدوات الصيد التي ~~كانت معي. لم أرجع قط من البركة دون اثنتي عشرة سمكة أبراميس ~~صغيرة على الأقل. وفي بعض الأحيان في إجازات الصيف، كنت أذهب إلى ~~هناك وأقضي اليوم بأكمله، ومعي قصبة الصيد ونسخة من صحيفة «تشامز» ~~أو مجلة «يونيون جاك» أو غيرهما، ورغيف من الخبز والجبن لفته ~~لي أمي. وكنت أقضي عدة ساعات في الصيد، ثم أستلقي في التجويف ~~العشبي وأقرأ مجلة «يونيون جاك»، ثم تثيرني مرة أخرى رائحة معجون ~~الخبز وارتطام الأسماك قافزة في الماء، فأرجع إلى البركة في جولة ~~صيد أخرى، وهكذا طوال اليوم في فصل الصيف. أفضل ما في الأمر أن ~~تكون وحدك، وحدك تماما، على الرغم من أن الطريق ms075 لم يكن يبعد أكثر ~~من ربع ميل. لقد كنت كبيرا بما يكفي لمعرفة أنه من الجيد أن ~~يختلي المرء بنفسه بين الحين والآخر. وسط الأشجار في كل مكان ~~حولك، بدت البركة كما لو أنها لك وحدك، ولا شيء يتحرك أبدا سوى ~~السمك الذي يطوف في الماء والحمام المار فوق رأسك. على أي حال، ~~في السنتين تقريبا اللتين كنت أذهب فيهما للصيد هناك، ترى كم ~~مرة ذهبت للصيد؟ لا يزيد ذلك على اثنتي عشرة مرة؛ فقد كانت ~~البركة تبعد مسافة ثلاثة أميال بالدراجة عن المنزل، وكان الأمر ~~يستغرق مني فترة ما بعد الظهيرة كلها على أقل تقدير. وفي بعض ~~الأحيان كانت تطرأ بعض الأمور، وأحيانا أخرى كانت تمطر عندما ~~أنوي الذهاب. تعلم بالتأكيد كيف تسير الأمور. # في أحد الأيام بعد الظهيرة، لم تكن الأسماك تلتقط الطعم، وبدأت ~~أستكشف نهاية البركة الأبعد عن منزل بينفيلد، حيث فاض الماء ~~قليلا وأصبحت الأرض سبخية، وواجهت صعوبة في شق طريقي عبر ما ~~يشبه غابة من شجيرات توت العليق الأسود وفروع الأشجار الميتة ~~التي سقطت من الأشجار. تخطيت كل ذلك في عناء لمسافة ما يقرب من ~~خمسين ياردة، ثم فجأة وجدت أرضا مقطوعة الأشجار وبركة أخرى لم ~~أسمع بوجودها من قبل. كانت بركة صغيرة لا يتعدى عرضها عشرين ~~ياردة، وكانت داكنة اللون بعض الشيء بفعل فروع الأشجار التي كانت ~~تتدلى عليها، لكن الماء كان شديد الصفاء والعمق، وكان بإمكاني أن ~~أرى لمسافة عشر أقدام أو خمس عشرة قدما أسفل السطح. تسكعت ~~هناك قليلا، كما يفعل الأولاد، مستمتعا بالنداوة والرائحة ~~السبخية، ثم رأيت شيئا كاد ينتزع روحي من جسدي. # لقد كانت سمكة ضخمة. ولا أبالغ إذ أقول إنها كانت ضخمة؛ فقد كان ~~طولها من طول ذراعي تقريبا. عامت بسلاسة في البركة، ثم غاصت في ~~أعماق المياه، ثم صارت ظلا واختفت في الماء الأكثر دكانة على ~~الجانب الآخر. شعرت كما لو أن سيفا قد اخترق جسدي، فقد كانت أكبر ~~بكثير من أكبر سمكة رأيتها يوما، حية أو ميتة. ms076 ووقفت هناك دون أن ~~أتنفس، ثم بعدها ببرهة انسابت سمكة ضخمة وسميكة أخرى في الماء، ~~ثم سمكة أخرى ثم سمكتان أخريان معا؛ كل منهما بالقرب من ~~الأخرى. أصبحت البركة مليئة بالأسماك، وقد كانت على ما ظن أسماك ~~الشبوط، ولربما كانت أبراميس أو تنش، ولكنها على الأرجح أسماك ~~الشبوط؛ لأن أسماك الأبراميس أو التنش ليست بهذا الحجم الضخم. ~~أعلم ما حدث؛ فقد كانت هذه البركة موصولة في وقت ما بالبركة ~~الأخرى، ثم جف المجرى وأحكمت الأشجار الخناق على البركة الصغيرة ~~فنسيت. إنها من الأمور التي تحدث بين الفينة والأخرى؛ تنسى ~~إحدى البرك على نحو ما، فلا يعود أحد يصطاد فيها لسنوات أو ~~لعقود، فتنمو الأسماك إلى أحجام ضخمة. قد يرجع عمر الكائنات التي ~~كنت أشاهدها إلى مئات السنين، ولم يعلم بأمرها أحد غيري في ~~العالم، فأغلب الظن أن أحدا لم ينظر إلى تلك البركة منذ عشرين ~~سنة، وربما حتى العجوز هودجز ووكيل أملاك السيد فاريل قد ~~نسياها. # حسنا، لك أن تتخيل ما شعرت به. بعد وقت ليس بالطويل، لم أستطع ~~تحمل عذاب المشاهدة. فهرولت إلى البركة الأخرى ولملمت أدوات ~~الصيد؛ فلم تكن ثمة فائدة من محاولة صيد تلك المخلوقات الضخمة ~~بالأدوات التي كانت معي، ولربما التقطوها كما لو كانت شعرة، ولم ~~أعد أستطيع أن أرجع لصيد سمك الأبراميس الصغير. ولكن أشعرتني رؤية ~~سمك الشبوط الكبير بألم في بطني كما لو كنت على وشك أن أمرض. ~~ركبت دراجتي وانطلقت أسفل التل ذاهبا إلى المنزل. كان سرا من ~~الرائع أن يحظى به طفل، تلك البركة المظلمة المخفية في الغابة ~~والسمك الضخم الذي يعوم في أرجائها؛ سمك لم يقترب أحد منه بصنارة، ~~وسيلتهم أول طعم تقدمه إليه. كان الأمر يتطلب خيط صيد قويا ~~للغاية للتمكن من صيده. وقد رتبت لكل شيء بالفعل، فقد خططت أن ~~أشتري الأدوات التي يمكنني بها صيده إن سرقت بعض المال من درج ~~النقود. بطريقة ما، لم أكن أعلم كيف، كان علي الحصول على نصف ~~كراون، وشراء خيط صيد حريري ms077 طويل مخصص لسمك السلمون وبعض ~~الأحشاء أو الأسلاك السميكة والخطافات رقم خمسة، والذهاب ببعض ~~الجبن والنغف ومعجون الطحين ودود القمح ودود الأرض والجنادب وكل ~~طعم قد يستهوي سمك الشبوط. ونويت أنني بعد ظهيرة يوم السبت ~~التالي مباشرة سأرجع وأحاول صيد تلك الأسماك. # ولكن ما حدث هو أنني لم أرجع إلى هناك قط، فلا يرجع المرء إلى ~~تلك الأماكن أبدا. لم أسرق قط بعض المال من درج النقود، ولم ~~أشتر خيط صيد السلمون، ولم أحاول صيد سمك الشبوط هذا؛ فقد حدث ~~بعد ذلك مباشرة شيء منعني من ذلك، ولكن إن لم يكن قد منعني ذلك ~~الشيء لكان قد منعني شيء آخر؛ فهكذا هي الحياة. # أعلم، بالطبع، أنك تعتقد أنني أبالغ في وصفي لحجم تلك الأسماك، ~~ولربما تعتقد أنها كانت مجرد أسماك متوسطة الحجم (بطول قدم واحدة ~~مثلا)، وأنها كبرت بالتدريج في ذاكرتي. ولكن لم يكن الأمر كذلك؛ ~~فالناس تكذب عند وصف الأسماك التي اصطادوها، ويكذبون أكثر عند ~~الحديث عن الأسماك التي التقطت الطعم وهربت منهم، ولكنني لم ~~أصطد أيا منها أو أحاول حتى أن أصطادها، وليس لدي دافع ~~للكذب. أقول لك بحق إنها كانت ضخمة. # 5 # الصيد! # سأعترف هنا بشيء، أو بالأحرى بشيئين؛ الأول هو أنني عندما ~~أسترجع شريط حياتي، لا يمكنني بصراحة أن أقول إن ثمة شيئا فعلته ~~يوما قد أبهجني كالصيد؛ فكل شيء عداه أصبح مملا بالمقارنة به، ~~حتى النساء. لا أحاول أن أقول إنني من هؤلاء الرجال الذين لا ~~يهمهم النساء، فقد قضيت الكثير من الوقت في مطاردتهن، وسأفعل ذلك ~~مجددا الآن إن أتيحت لي الفرصة. ولكنك إن خيرتني بين أي امرأة، ~~أي امرأة مهما كانت، وبين اصطياد سمكة شبوط تزن عشرة أرطال، ~~فسأختار الشبوط دائما. الاعتراف الثاني هو أنني بعدما أتممت ~~عامي السادس عشر لم أصطد مرة أخرى. # لماذا؟ لأن هذه هي الحياة، ولأننا في هذه الحياة التي نعيشها - ~~لا أعني الحياة البشرية على إطلاقها، بل أعني الحياة في هذا العمر ~~بالأخص، وفي هذا البلد بالتحديد - لا ms078 نفعل الأشياء التي نريد أن ~~نفعلها. وذلك ليس لأننا نعمل دائما؛ فحتى عامل المزرعة أو الخياط ~~اليهودي لا يعمل دائما، بل لأن ثمة شيطانا داخلنا يدفعنا في كل ~~حين إلى ارتكاب حماقات أبدية. إن لدينا وقتا لكل شيء، عدا ~~الأشياء التي تستحق أن نعطيها من أوقاتنا. فكر في شيء تهتم به ~~بحق، ثم اجمع الساعات، واحسب الجزء من حياتك الذي قضيته بالفعل في ~~فعل هذا الشيء، ثم احسب الوقت الذي قضيته في أشياء كالحلاقة، أو ~~ركوب الحافلات ذهابا وإيابا، أو انتظار القطار، أو الانتظار في ~~ملتقى الطرق، أو في تبادل النكات البذيئة، أو في قراءة ~~الصحف. # بعد أن أتممت عامي السادس عشر، لم أذهب للصيد مرة أخرى، فلم ~~يبد قط أن لدي وقتا له. كنت أعمل، وأطارد الفتيات، وأرتدي ~~أول حذاء بأزرار وأول ياقة عالية (ولكي ترتدي ياقات عام 1909، ~~تحتاج إلى رقبة كرقبة الزرافة)، وأحضر دورات بالمراسلة في فن البيع ~~والمحاسبة و«تحسين المهارات الذهنية». كان السمك الكبير لا يزال ~~يسبح في أرجاء البركة خلف منزل بينفيلد، ولم يعلم أحد سواي عنه ~~شيئا. وكان قابعا في ذاكرتي؛ فلربما في يوم من الأيام، في عطلة ~~رسمية، أذهب وأصطاده. ولكنني لم أرجع إلى هناك قط. كان لدي وقت ~~لكل شيء ما عدا الصيد. من المثير للدهشة أن الوقت الوحيد في تلك ~~الفترة الذي كدت أذهب فيه للصيد كان في أثناء الحرب. # كان ذلك في خريف عام 1916، مباشرة قبل أن أصاب في الحرب. كنا ~~قد خرجنا من الخنادق إلى قرية خلف خط النار؛ وعلى الرغم من أننا ~~كنا في شهر سبتمبر، فقد كان الوحل يغطينا من رأسنا إلى أخمص ~~أقدامنا. كالعادة، لم نكن نعلم بالتحديد المدة التي سنقضيها هناك، ~~أو أين سنذهب بعد ذلك. ولحسن الحظ، كان قائد السرية في حالة سيئة ~~بعض الشيء، فقد أصيب بالتهاب شعبي أو شيء من هذا القبيل، ولذا ~~لم يكن يهتم بإقامة العروض العسكرية المعتادة، وعمليات التفتيش على ~~الأسلحة، ومباريات كرة القدم، وغيرها من الأمور التي كان من ms079 ~~المفترض أن تبقي على الروح المعنوية للجنود عندما لا يكونون في ~~ميدان المعركة. قضينا نهار اليوم الأول في الاستلقاء على أكوام ~~القش في الحظائر التي كنا نبيت فيها، وفي كشط الوحل من على ~~جراميقنا، وفي المساء، بدأ بعض الشباب يصطفون أمام منزل عاهرتين ~~قبيحتين بائستين في أطراف القرية. في الصباح، على الرغم من أنه ~~كان مخالفا للقوانين أن نترك القرية، تمكنت من التسلسل والتجول ~~حول الأطلال المروعة التي كانت حقولا في يوم من الأيام. كان ~~صباحا رطبا وغائما، وفي كل مكان حولنا بالطبع كان روث الحيوانات ~~الكريه وركام الحرب، تلك الفوضى فاحشة القذارة التي هي أسوأ في ~~الحقيقة من ميدان المعركة المليء بالجثث. كان هناك أشجار مقطوعة ~~الأغصان، وحفر قذائف مدفعية قديمة ملئت بعض الشيء مرة أخرى، ~~وعبوات معدنية، وروث، ووحل، وعشب، وأكوام من الأسلاك الشائكة ~~الصدئة والعشب نام خلالها. أنت بالطبع تعرف ذلك الإحساس الذي ~~تشعر به عندما تخرج من خط النار؛ إحساس بالتيبس في كل مفاصلك، ~~وبداخلك نوع من الفراغ؛ إحساس بأنك لن تعود تهتم بأي شيء أبدا في ~~حياتك. كان إلى حد ما لدي شعور بالخوف والإنهاك، ولكنه في الأساس ~~شعور بالضجر. في ذلك الوقت، لم يكن أحد يرى أي سبب لعدم استمرار ~~الحرب إلى الأبد؛ فاليوم أو الغد أو بعد غد كنت ستعود إلى ~~المعركة، وربما في الأسبوع القادم ستفجرك قذيفة فتصبح كاللحم ~~المحفوظ، ولكن ذلك لم يكن سيئا بقدر الشعور المروع بالملل في ~~الحرب التي كانت ستستمر للأبد. # كنت أتجول على جانب سياج عندما قابلت شابا من سريتنا لا ~~أتذكر اسم عائلته، ولكنني أتذكر أن كنيته كانت نوبي. كان أسمر ~~البشرة محدبا وبهيئة غجرية، وحتى في زيه العسكري كان يعطي دائما ~~انطباعا كما لو أنه يحمل زوجا من الأرانب المسروقة. بحكم المهنة، ~~عرفت أنه كان بائعا متجولا وأنه ينتمي حقيقة لأبناء الطبقة ~~العاملة، ولكنه من هؤلاء الذين يتكسبون بعض قوتهم بجمع نبات حشيشة ~~الدينار، وصيد الطيور، والصيد غير المشروع، وسرقة الفاكهة في كنت ~~وإسيكس. وكان ms080 ذا خبرة كبيرة في الكلاب، وحيوانات ابن مقرض، ~~وطيور الأقفاص، وديوك القتال، ومثل تلك الأشياء. وبمجرد أن رآني ~~أومأ إلي برأسه، وكانت له طريقة خبيثة وشريرة في الكلام؛ إذ ~~قال : ~~«أنت! يا جورج!» (كان الناس لا يزالون يدعونني جورج فحسب في ذلك ~~الوقت، فلم أكن قد صرت بدينا بعد.) # ثم أضاف: «جورج! هل ترى هذه المجموعة من شجيرات الحور على ~~الجانب الآخر من الحقل؟» ~~«أجل.» ~~«حسنا، ثمة بركة على الجانب الآخر منها، وهي مليئة بالسمك ~~الشديد الضخامة.» ~~«سمك؟! أنت تكذب!» ~~«صدقني إنها مليئة بشدة بالسمك. إنها أسماك الفرخ، وهي أسماك ~~من أفضل ما رأت عيني. تعال وشاهدها بنفسك.» # خضنا في الطين معا، وبالطبع كان نوبي على حق؛ فعلى الجانب ~~الآخر من شجيرات الحور، كانت ثمة بركة قبيحة المنظر بضفاف رملية. ~~وكان من الواضح أنها كانت محجرا في يوم من الأيام، وقد امتلأت ~~بالماء بعد ذلك، وكانت تعج بأسماك الفرخ، التي يمكنك رؤية ~~ظهورها المخططة باللون الأزرق الداكن تسبح في كل مكان أسفل سطح ~~الماء، ولا بد أن بعضها كان وزنه يصل إلى الرطل. أظن أنه طوال ~~عامين من الحرب لم يعكر صفوها شيء وكان لديها الوقت للتكاثر. ~~قد لا تتخيل وقع رؤية تلك الأسماك علي. كان الأمر كما لو أنها قد ~~أرجعتني فجأة إلى الحياة. بالطبع كانت ثمة فكرة واحدة في ذهني وذهن ~~صاحبي، وهي كيف نحصل على قصبة وخيط للصيد. # قلت: «يا إلهي! سنحصل على البعض منها.» ~~«بالتأكيد. هيا نرجع إلى القرية ونحضر بعض أدوات الصيد.» ~~«حسنا. لكن يجب أن نحذر؛ فلو عرف الرقيب، فسنعاقب.» ~~«أوه، اللعنة على الرقيب. فليشنقوني ويسلخوني ويقطعوني إربا ~~إن أرادوا، لكنني سأحصل على بعض من هذا السمك اللعين.» # لا يمكنك أن تتخيل كم كنا متحمسين لصيد هذا السمك! أو ربما ~~يمكنك إن كنت قد ذهبت إلى الحرب يوما، إذ كنت ستعرف ذلك الضجر ~~الجنوني الذي تسببه الحرب، وكيف تنتهز أي فرصة لأي نوع من ~~التسلية. رأيت رجلين يتشاجران بضراوة في أحد المخابئ حول نصف ms081 مجلة ~~ثمنها ثلاثة بنسات. ولكن الأمر تخطى ذلك. لقد كنا نريد الهروب، ~~ربما ليوم كامل، بعيدا عن أجواء الحرب، والجلوس أسفل أشجار ~~الحور وصيد الفرخ بعيدا عن السرية وعن الضوضاء والجدال وعن ~~الزي العسكري والضباط والتحيات العسكرية وصوت الرقيب! الصيد عكس ~~الحرب، ولكن لم يكن من المؤكد على الإطلاق أننا سنحظى به. كانت هذه ~~هي الفكرة التي حمستنا. إذا اكتشف الرقيب الأمر، فسيوقفنا ~~بالتأكيد، وكذلك أي من الضباط؛ والأدهى من ذلك أنه لم يكن أحد ~~يعلم كم سنقضي في هذه القرية، فقد نظل هناك أسبوعا، وقد نغادرها ~~في غضون ساعتين. وفي الوقت نفسه، لم يكن لدينا أي أدوات للصيد من ~~أي نوع، ولا حتى دبوس أو أي نوع من الخيوط، فكان علينا أن نعد ~~بعضها بأنفسنا، وكانت البركة تعج بالأسماك! أداة الصيد الأساسية ~~كانت القصبة. وقصبة من خشب الصفصاف هي الأفضل، ولكن بالطبع لم تكن ~~ثمة أشجار صفصاف في أي مكان على مرمى البصر. تسلق نوبي شجرة ~~حور، وقطع غصنا صغيرا لم يكن جيدا في الواقع، ولكنه كان أفضل ~~من لا شيء. ثم شذبه بمطواته حتى تشكل شيء كقصبة الصيد، ثم ~~أخفيناها في العشب بالقرب من الضفة، وتمكنا من التسلسل رجوعا ~~إلى القرية دون أن يرانا أحد. # الأداة الثانية كانت الإبرة لنصنع بها خطافا، ولكن لم يكن مع ~~أحد إبرة. كان ثمة رجل معه إبر رفو، ولكنها كانت سميكة للغاية ولها ~~طرف غير حاد. ولم نكن نجرؤ على أن نعلم أحدا بما نريدها ~~لأجله؛ لخوفنا من أن يسمع الرقيب بالأمر. وفي النهاية، فكرنا في ~~العاهرتين في أطراف القرية، فبالتأكيد كان لديهما إبرة. وعندما ~~ذهبنا إليهما - كان عليك أن تلف للباب الخلفي عبر فناء قذر - ~~وجدنا المنزل مغلقا والعاهرتين نائمتين، فقد كانتا بلا شك ~~تستحقان الراحة. نادينا عليهما وطرقنا الباب حتى خرجت لنا بعد عشر ~~دقائق سيدة قبيحة وبدينة ومتدثرة بدثار، وصرخت في وجهنا ~~بالفرنسية. صرخ نوبي في وجهها، قائلا: ~~«إبرة! إبرة! ألديك إبرة؟» # بالطبع لم تكن تفهم ما يقول. حاول ms082 نوبي بعد ذلك الحديث بلغة ~~مبسطة، توقع أن تفهمها كما يفهمها الأجانب، وقال: ~~«نريد إبرة! لخياطة الملابس! كهذه!» # أشار بيديه على نحو من المفترض أنه يمثل به عملية الخياطة، ~~ولكن العاهرة لم تفهمه وفتحت الباب أكثر قليلا لندخل. وفي النهاية ~~تمكنا من إفهامها وحصلنا على الإبرة. ولكننا كنا في وقت ~~الغداء. # وبعد الغداء عاد الرقيب إلى الحظيرة التي نبيت فيها بحثا عن ~~رجال للعمل. تمكنا من تفاديه في الوقت المناسب بالاختباء أسفل ~~كومة من القش. وعندما غادر أشعلنا شمعة، ووضعنا الإبرة على لهبها ~~فتمكنا من ثنيها لتصبح أشبه بالخطاف. ولم تكن لدينا أي أدوات ~~أخرى غير مطواتينا، فتسببنا في إصابة أصابعنا بحروق جسيمة. الشيء ~~التالي كان الخيط، ولم يكن مع أي أحد خيوط غير خيوط سميكة، ولكننا ~~في النهاية قابلنا بالصدفة رجلا معه بكرة من خيوط الخياطة. لم ~~يكن يريد أن يعطينا إياها، وكان علينا أن نعطيه علبة كاملة من ~~السجائر ليعطينا الخيط. كان سمك الخيط رفيعا جدا، ولكن نوبي ~~قطعه بالطول إلى ثلاثة خيوط، وربطها بمسمار في الحائط، ثم ضفرها ~~بعناية. في الوقت نفسه وبعد البحث في جميع أرجاء القرية، تمكنت ~~من العثور على سدادة قنينة، وقطعتها إلى نصفين وغرزت فيها عود ~~ثقاب لأصنع فلينة الصيد. كنا في المساء في ذلك الحين، وكانت السماء ~~على وشك الإظلام. # كنا قد حصلنا على الأساسيات، ولكننا كنا بحاجة إلى بعض الأحشاء، ~~ولم يبد أن ثمة أملا كبيرا في الحصول عليها حتى فكرنا في حاجب ~~المستشفى. لم تكن الخيوط الجراحية الطبيعية جزءا من أدواته، ولكن ~~كان من الممكن أن يكون لديه بعض منها. بالتأكيد عندما سألناه ~~وجدنا أن لديه لفافة كاملة منها في حقيبة ظهره، فقد أثارت إعجابه ~~في مستشفى ما وسرقها. أعطيناه علبة أخرى من السجائر مقابل عشر ~~قطع من تلك الخيوط، والتي كانت هشة ومتعفنة، وكان طول القطعة ~~الواحدة يبلغ ست بوصات تقريبا. بعد حلول الظلام، نقعها نوبي ~~حتى أصبحت مرنة، وربطها طرفا بآخر. بذلك، كنا في ذلك الحين قد ~~حصلنا ms083 على كل شيء؛ خطاف، وقصبة، وخيط، وفلينة، وأحشاء، ويمكننا أن ~~نحفر الأرض ونحصل على الديدان من أي مكان. وكانت البركة تعج ~~بالأسماك! أسماك الفرخ المخططة الضخمة التي كانت تنادينا ~~لنصطادها ! استلقينا لنرتاح ونحن يملؤنا الحماس لدرجة أننا لم نخلع ~~أحذيتنا. غدا! آه لو يأتي الغد! ويا ليت الحرب تنسانا ولو ليوم ~~واحد! عزمنا أمرنا على أنه بمجرد انتهاء طابور التمام سننطلق ونقضي ~~اليوم كله، حتى إن طبقوا علينا عقوبة الميدان رقم واحد عند ~~رجوعنا. # حسنا، أتوقع أنه يمكنك تخمين باقي ما حدث. كانت الأوامر في ~~طابور التمام هي حمل جميع العدد والتجهز للسير خلال عشرين ~~دقيقة. مشينا مسافة تسعة أميال على الطريق، ثم ركبنا الشاحنات التي ~~نقلتنا إلى نقطة أخرى من خط النار. أما عن البركة أسفل أشجار ~~الحور، فلم أرها أو أسمع عنها مرة أخرى قط، وأتوقع أن تكون قد ~~سممت بغاز الخردل فيما بعد. # منذ ذلك الحين، لم أذهب للصيد قط؛ فلم تواتني الفرصة قط، فقد ~~أكملت الحرب، ثم صارعت كالجميع من أجل الحصول على وظيفة، ثم حصلت ~~على وظيفة أو لنقل هي التي حصلت علي. كنت شابا واعدا في عملي ~~في أحد مكاتب التأمين - كنت أحد رجال الأعمال الشباب المتحمسين ~~والحازمين والطموحين الذين تقرأ عنهم في إعلانات كلية كلارك - ثم ~~أصبحت من هؤلاء المهمشين المعتادين الذين يتقاضون من خمسة إلى ~~عشرة جنيهات في الأسبوع، والذين يسكنون منزلا شبه منفصل في ~~الضواحي الداخلية والخارجية. مثل هؤلاء الناس لا يذهبون للصيد، ~~تماما مثلما لا يذهب سماسرة البورصة لقطف زهور الربيع، فلا ~~يلائمهم هذا الشيء، وإنما لهم وسائل تسلية أخرى. # إنني بالطبع أحصل على إجازتي التي تبلغ أسبوعين في كل صيف. إنك ~~تعلم هذا النوع من الإجازات: مارجيت، يارموث، إيستبورن، هاستينجز، ~~بورنموث، برايتون. يختلف الأمر حسب وضعنا المادي كل عام. وعندما ~~تكون متزوجا من امرأة مثل هيلدا، تصبح السمة المميزة للإجازة ~~هي الحساب الذهني غير المنتهي لمعرفة القدر الذي يحتال عليك فيه ~~صاحب النزل. هذا علاوة على كلمة «لا» التي ms084 تقال للطفلين إن ~~أرادا الحصول على دلو رمال جديد. منذ بضع سنوات، ذهبنا إلى ~~بورنموث، وبعد ظهيرة أحد الأيام ~~اللطيفة ذهبنا في نزهة على الرصيف البحري، الذي لا بد أن طوله كان ~~نحو نصف ميل، وكان على امتداده بالكامل رجال يصطادون بصنارات ~~سميكة بها أجراس صغيرة في أطرافها، وكانت خيوطها تمتد مسافة خمسين ~~ياردة في البحر. إنه نوع من الصيد الممل ولم يكونوا يصطادون أي ~~شيء، ولكنهم على أي حال ذهبوا للصيد. سرعان ما شعر الطفلان بالملل ~~وجعجعوا للرجوع إلى الشاطئ، ورأت هيلدا أحد الرجال وهو يغرس دودة ~~رملية في خطافه، فقالت إن ذلك أصابها بالغثيان، ولكنني مكثت ~~أتسكع جيئة وذهابا لأظل هناك وقتا أطول. وفجأة، صدرت صلصلة ~~مهولة من جرس، وكان الرجل يتمايل مع خيطه، فتوقف الجميع ليشاهده. ~~وبالطبع خرج الخيط المبلل والقطعة الرصاصية وفي طرفها سمكة مسطحة ~~ضخمة (كانت من نوع سمك الفلاوندر على ما أعتقد) متدلية تتلوى. ~~وضعها الرجل على لوح الرصيف البحري، وكانت ترفرف لأعلى ولأسفل ~~مبتلة ولامعة بظهرها المتثألل الرمادي وبطنها الأبيض ورائحة الملح ~~المنعشة للبحر المنبعثة منها. وهنا تحرك شيء بداخلي. # قلت عرضيا ونحن مغادرون، فقط لأختبر رد فعل هيلدا: ~~«أفكر في أن أنتهز فرصة وجودنا هنا وأصطاد قليلا.» ~~«ماذا؟! أتريد الذهاب للصيد يا جورج؟ ولكنك لا تعرف كيف تصطاد، ~~أليس كذلك؟» قلت لها: «أوه، لقد كنت صيادا ماهرا.» # عارضت الفكرة على نحو غامض كعادتها، ولكنها لم تجد ما تجادلني ~~به سوى أنني إذا ذهبت للصيد فلن تأتي معي لتشاهدني وأنا أضع تلك ~~الأشياء الزلقة المقرفة في الخطاف. وفجأة أدركت أنني إن ذهبت ~~للصيد، فإن الأدوات التي سأحتاجها من قصبة وخيط وغيرها ستكلفنا ~~ما يقرب من جنيه كامل، حيث إن القصبة وحدها بعشرة شلنات؛ فاستثارت ~~غضبا على الفور. لم تر العجوز هيلدا وهي تتحدث عن إنفاق عشرة ~~شلنات. لذا عنفتني قائلة: ~~«من غير المعقول أن ننفق كل ذلك المال على شيء كهذا! هذا سخف! ~~وكيف يجرءون على بيع الواحدة من قصبات الصيد الوضيعة السخيفة ms085 تلك ~~بعشرة شلنات! إنه لشيء مخز. ثم أتذهب للصيد وأنت في عمرك هذا؟! ~~رجل ناضج وبدين مثلك يذهب للصيد! لا تصغر نفسك يا جورج.» # ثم تدخل الطفلان، فمالت لورنا علي وسألتني بطريقتها السخيفة: ~~«هل أنت طفل يا أبي؟» وبيلي الصغير، الذي كان في ذلك الوقت بالكاد ~~تعلم الكلام، صاح مسمعا ~~الجميع: «أبي طفل.» وفجأة، كان الطفلان يرقصان حولي، ويخشخشان ~~بدلوي الرمال خاصتهما ويغنان: ~~«أبي طفل! أبي طفل!» # يا لهما من وغدين صغيرين مجنونين! # 6 # إلى جانب صيد السمك، كنت أهوى القراءة. # لقد بالغت حين أعطيتك الانطباع بأن الصيد هو الشيء الوحيد الذي ~~كنت أهتم به. بالطبع يأتي الصيد في المقام الأول، ولكن القراءة ~~كانت ثاني أفضل الأشياء لدي. لا بد أنني كنت في العاشرة أو ~~الحادية عشرة من عمري عندما بدأت في القراءة، وأعني بالقراءة هنا ~~القراءة الطوعية. في تلك السن، كان الأمر أشبه باكتشاف عالم ~~جديد. وما زلت حتى الآن أقرأ كثيرا، ففي واقع الأمر لا تمر ~~أسابيع كثيرة دون أن أقرأ فيها روايتين؛ فأنا ما يمكنك أن ~~تطلق عليه المشترك النموذجي في مكتبة بوتس، ودائما ما أنجذب ~~للكتب التي تحقق أفضل المبيعات في كل حين («الرفقاء الطيبون»، ~~«رماح البنغال»، «قلعة صانع القبعات»؛ لقد أغرمت بكل واحد منها)، ~~وكنت كذلك عضوا في نادي كتاب اليسار لمدة عام أو أكثر. وفي عام ~~1918، عندما كنت في الخامسة والعشرين، انغمست في القراءة، الأمر ~~الذي غير أفكاري تغييرا كبيرا، ولكن لا شيء يعادل السنوات ~~الأولى هذه التي تكتشف فيها فجأة أنه بإمكانك أن تفتح صحيفة ~~أسبوعية تشتريها ببنس واحد وتنغمس على الفور في خفايا اللصوص ~~وأوكار المخدرات الصينية وجزر بولينيزيا وغابات البرازيل. # منذ أن كنت في الحادية عشرة وحتى أصبحت في السادسة عشرة تقريبا ~~وأنا متعتي الكبرى كانت في القراءة. في البداية، كنت أقرأ الصحف ~~الأسبوعية الموجهة للأولاد التي كنا نشتريها ببنس، وكانت أوراقها ~~صغيرة ورقيقة وطباعتها رديئة، وكانت الرسوم التوضيحية فيها بثلاثة ~~ألوان على صفحة الغلاف؛ وبعد ذلك بقليل أصبحت أقرأ الكتب؛ ms086 شيرلوك ~~هولمز، الدكتور نيكولا، القرصان الحديدي، دراكولا، رافلز. كما كنت ~~أقرأ لنات جولد ورنجر جول، ورجل نسيت اسمه كان يكتب قصص الملاكمة ~~بالإيقاع السريع نفسه تقريبا الذي كان نات جولد يكتب به قصص ~~السباقات. أعتقد أن والدي لو كانا قد حصلا على تعليم أفضل ~~قليلا، لكانا جعلاني أقرأ كتبا «جيدة»، ككتب ديكنز وثاكراي ومن ~~على شاكلتهما، وفي الواقع، لقد جعلونا نقرأ رواية «كوينتين ~~دوروارد» في المدرسة، وكان عمي إيزيكيال يحاول في بعض الأحيان ~~حثي على القراءة لراسكين وكارلايل. ولكن لم تكن في الواقع ثمة ~~كتب في منزلنا؛ فلم يقرأ أبي كتابا قط في حياته باستثناء الكتاب ~~المقدس وكتاب «الاعتماد على الذات» للكاتب سمايلز، ولم أقرأ من ~~نفسي كتابا «جيدا» إلا في وقت لاحق على ذلك بكثير. لست آسفا على ~~جريان الأمور على ذلك النحو؛ فلقد قرأت الكتب التي أردت قراءتها، ~~وتعلمت منها أكثر مما تعلمت من الكتب التي كانوا يجعلوننا نقرؤها ~~في المدرسة. # كانت كتب القصص المثيرة القديمة الرخيصة في طريقها إلى الاختفاء ~~بالفعل عندما كنت صغيرا، وبالكاد أتذكرها؛ ولكن كانت ثمة إصدارات ~~أسبوعية من القصص الموجهة للأولاد، التي لا يزال بعض منها موجودا ~~اليوم. اختفت قصص بافالو بيل، على ما أعتقد، ولم يعد أحد على ~~الأرجح يقرأ لنات جولد، ولكن يبدو أن كتب نيك كارتر وسيكستون بليك ~~لا تزال محتفظة بمكانتها. بدأت سلسلتا «ذا جيم» و«ذا ماجنيت»، إن ~~كنت أتذكر جيدا، عام 1905 تقريبا. وكانت مجلة «بي أو بي» لا تزال ~~سيئة الطباعة للغاية في تلك الأيام، ولكن مجلة «تشومز»، التي أعتقد ~~أنها ظهرت في عام 1903، كانت رائعة. ثم كانت لدينا كذلك الموسوعة، ~~التي لا أتذكر اسمها بالتحديد، والتي كانت أعدادها تصدر بثمن زهيد. ~~ولم يبد أنها تستحق الشراء، ولكن أحد الأولاد في المدرسة كان ~~يعطينا أحيانا أعدادا منها. وإن كنت أعلم الآن طول نهر ~~المسيسيبي أو الفرق بين الأخطبوط والحبار أو التكوين الدقيق لمعدن ~~الأجراس، فهذه الموسوعة هي التي تعلمت منها ذلك. # أما جو، فلم يقرأ قط. لقد ms087 كان من هؤلاء الأولاد الذين يذهبون إلى ~~المدرسة لعدة سنوات، ولكنهم لا يستطيعون قراءة عشرة أسطر على نحو ~~متتال. كانت رؤية الأحرف المطبوعة تجعله يشعر بالغثيان. رأيته في ~~مرة وهو يأخذ أحد أعداد مجلة «تشومز» الخاصة بي؛ قرأ فقرة أو ~~فقرتين ثم انصرف باشمئزاز بالطريقة نفسها التي يتحرك بها الحصان ~~عندما يشم رائحة التبن الفاسد. وقد حاول أن يبعدني عن القراءة، ~~ولكن أمي وأبي، اللذين كانا قد قررا أنني كنت «الأفلح»، دعماني. ~~وكانا شديدي الفخر بأنني أظهرت اهتماما في «التعلم عن طريق ~~القراءة» كما أطلقا عليه. ولكن كان من المعتاد من كليهما أن يشعرا ~~بالاستياء الغامض من قراءتي لأشياء مثل «تشومز» و«يونيون جاك»؛ ~~واعتقدا أنه ينبغي علي قراءة أشياء «أكثر فائدة»، ولكنهما لم ~~يكونا يعرفان الكثير عن الكتب لمعرفة أي منها «الأكثر فائدة». ~~وأخيرا، حصلت أمي على نسخة مستعملة من «كتاب الشهداء» لفوكس، ~~الذي لم أقرأه، ولكن الرسوم التوضيحية فيه لم تكن سيئة. # طوال شتاء عام 1905، كنت أنفق بنسا كل أسبوع على مجلة «تشومز»، ~~وكنت أتابع قصتها المسلسلة «دونوفان الشجاع». كان دونوفان الشجاع ~~مستكشفا عينه مليونير أمريكي لجلب أشياء مذهلة من بقاع متنوعة ~~من الأرض. في بعض الأحيان كان يجلب ماسات بحجم كرات الجولف من ~~فوهات البراكين في أفريقيا، وأحيانا أخرى كان يجلب العاج من ~~حيوانات الماموث المتحجرة في غابات سيبيريا المتجمدة، وأحيانا ~~أخرى كان يجلب كنوز الإنكا المدفونة في المدن المفقودة في بيرو. ~~كان دونوفان يذهب في رحلة جديدة كل أسبوع، وكان دائما موفقا. ~~مكاني المفضل للقراءة كان في العلية خلف الساحة؛ ففيما عدا ~~الأوقات التي كان أبي يخرج فيها أجولة الحبوب الجديدة، كانت ~~العلية أهدأ مكان في المنزل. كانت ثمة أكوام ضخمة من الأجولة ~~المتراصة، وبعض من رائحة الجص المخلوطة برائحة العنبريس؛ كما ~~كانت هناك أكوام من شبكات العناكب تخيم على جميع الأركان؛ وأعلى ~~المكان الذي كنت أستلقي فيه مباشرة، كان ثمة تجويف في السقف ~~ولوح خشبي بارز من الجص. يمكنني الشعور بالإحساس نفسه الآن؛ إذ ~~أرى نفسي ms088 في أحد أيام فصل الشتاء، وقد حصلت على الدفء الكافي لأزال ~~مستلقيا بلا حراك. أراني مستلقيا على بطني فاتحا صفحات مجلة ~~«تشومز» أمامي، وأرى فأرا يجري إلى أعلى بجوار أحد الأجولة كما لو ~~كان لعبة بزنبرك، ثم فجأة يتسمر في مكانه ويشاهدني بعينيه ~~الصغيرتين كخرزتي كهرمان. أنا في الثانية عشرة من عمري ولكني ~~دونوفان الشجاع، الذي ينصب خيمته على بعد ألفي ميل في أعالي ~~الأمازون، ويحتفظ بجذور الأوركيد الغامض الذي يزهر مرة كل مائة ~~عام في الصندوق الصفيح أسفل سريره في الخيمة. وفي الغابات التي ~~تحيط بي من كل جانب هنود الهوبي هوبي، الذين يطلون أسنانهم ~~باللون القرمزي، ويسلخون الرجال البيض أحياء، يقرعون طبول الحرب. ~~كل ذلك وأنا أشاهد الفأر والفأر يشاهدني، ويمكنني أن أشم رائحة ~~الغبار والعنبريس والجص الرطب، وأنا في أعالي الأمازون؛ إنه ~~النعيم، النعيم الخالص. # 7 # كان هذا هو كل شيء في الواقع. # حاولت أن أخبرك قليلا عن عالم ما قبل الحرب؛ ذلك العالم الذي ~~وجدت عبقه عندما رأيت اسم الملك زوجو في الصحيفة، ولكني لم ~~أخبرك شيئا؛ فإذا كنت تتذكر عهد ما قبل الحرب فأنت إذن لا تحتاج ~~إلى من يخبرك عنه، وإذا كنت لا تتذكره فلا طائل من إخبارك عنه. ~~حتى الآن لم أتحدث إلا عن أشياء حدثت لي قبل أن أتم عامي السادس ~~عشر؛ وحتى ذلك العمر كانت الأمور على خير حال مع عائلتي. قبل عيد ~~ميلادي السادس عشر بقليل، بدأت أفهم بعضا مما يطلق عليه الناس ~~«الواقع»، الذي اكتشفت أن معناه التعاسة. # بعد نحو ثلاثة أيام من رؤيتي لأسماك الشبوط الكبيرة في منزل ~~بينفيلد، أتى أبي وقت الشاي وهو يبدو عليه القلق الشديد حتى إنه ~~بدا أكثر كآبة وشحوبا عن العادة. أكل بطريقته المهيبة وشرب الشاي ~~ولم يتحدث كثيرا. في تلك الأيام، كانت له طريقة في تناول الطعام ~~تنم عن أن ثمة ما يشغل باله كثيرا، وكان شاربه دائم التحرك ~~لأعلى وأسفل في حركة جانبية؛ لأنه لم يكن قد تبقى في فمه الكثير ms089 ~~من الأسنان الخلفية. وكنت قد قمت لتوي من أمام الطاولة عندما ~~ناداني قائلا: ~~«انتظر دقيقة يا جورج يا بني. لدي شيء أريد أن أقوله لك. ~~اجلس فقط لدقيقة. سمعت يا حبيبتي ما أريد قوله ليلة أمس.» # كانت أمي خلف إبريق الشاي البني الكبير، طاوية يديها على حجرها ~~وقد بدت عليها التعاسة. استأنف أبي حديثه، وكان يتحدث بجدية بالغة ~~كان يخفف كثيرا من وقعها محاولته إخراج فتات الخبز المستقر في ~~مكان ما فيما تبقى من أسنانه الخلفية، وقال: ~~«جورج يا بني، ثمة شيء أريد أن أخبرك به. كنت أفكر مليا في ~~الموضوع، المتمثل في الوقت الذي ستترك فيه المدرسة. للأسف، ستضطر ~~إلى أن تبدأ في الذهاب إلى العمل الآن وأن تكسب بعض المال لترجع به ~~إلى المنزل لأمك. وقد كتبت للسيد ويكسي ليلة أمس، وأخبرته أنني يجب ~~أن أخرجك من المدرسة.» # بالطبع كان الأمر معدا سابقا تماما، أعني كتابته للسيد ~~ويكسي قبل أن يخبرني؛ فقد كان الآباء في تلك الأيام بطبيعة الحال ~~يرتبون دائما كل شيء يتعلق بأبنائهم دون استشارتهم. # استكمل أبي حديثه بمزيد من التمتمة وتعبيرات القلق؛ فلقد «مرت ~~عليه أوقات عصيبة مؤخرا»، وكانت الأمور «صعبة بعض الشيء»، ~~والمحصلة كانت أنه يجب علي أنا وجو أن نبدأ في كسب قوتنا. في ذلك ~~الوقت، لم أكن أعلم أو أهتم كثيرا بما إذا كان ثمة مشكلة في عمل ~~أبي بالفعل أم لا؛ ولم يكن لدي حتى ما يكفي من النزعة التجارية ~~التي تمكنني من رؤية الأسباب التي تجعل الأمور «صعبة». الحقيقة ~~كانت أن أبي هزم في منافسة؛ إذ كان آل سارازينز، وهم من كبار ~~تجار الحبوب بالتجزئة ولهم فروع في كل أقاليم البلاد، قد حطوا ~~أرجلهم في لوير بينفيلد. لقد استأجروا قبل ستة أشهر متجرا في ~~السوق؛ وبالغوا في تزيينه بالطلاء الأخضر الساطع، والأحرف ~~المطلية بالذهب، مع طلاء أدوات البستنة بالأحمر والأخضر، وعمل ~~إعلانات عملاقة عن البازلاء العطرية بحيث تجذب انتباهك على مسافة ~~مائة ياردة. كان آل سارازينز، بجانب بيعهم لحبوب الزهور، ms090 يصفون ~~أنفسهم بأنهم «متعهدو أعلاف دواجن عالميون»، وفضلا عن القمح ~~والشوفان وغيرهما من الحبوب، كانت لديهم خلطات أعلاف دواجن مسجلة ~~باسمهم، وحبوب طيور معبأة بأناقة، وبسكويت كلاب بجميع الأشكال ~~والألوان، وأدوية ، ومراهم، ومساحيق ترطيب؛ كما تفرع نشاطهم ~~لأشياء مثل مصائد الفئران، وسلاسل الكلاب، وحاضنات البيض، والبيض ~~الصحي، وكل ما يخص رعاية الطيور، والمصابيح الكهربائية، ومبيدات ~~الأعشاب الضارة، والمبيدات الحشرية؛ حتى إنهم في بعض فروعهم كان ~~لديهم قسم خاص للأرانب والفراخ الصغيرة في عمر يوم. لم يستطع أبي، ~~بمتجره القديم الذي يملؤه الغبار ورفضه لبيع أغراض جديدة، أن يخوض ~~ذلك النوع من المنافسة، ولم يكن يرغب في خوضها. أما التجار من ~~أصحاب عربات الخيول والمزارعين الذين يتعاملون مع تجار الحبوب ~~بالتجزئة، فقد حاولوا تجنب مواجهة آل سارازينز؛ ولكن في غضون ستة ~~أشهر، تجمعوا حول أبناء الطبقة العليا الصغيرة في الحي، الذين ~~كانوا في تلك الأيام يملكون العربات الكبيرة والصغيرة. هذا يعني ~~خسارة كبيرة لأبي ولتاجر الذرة الآخر، وينكل. لم أع أيا من ذلك ~~في وقته؛ فقد كنت أتصرف كالصبية تجاه كل شيء، ولم يكن لدي أي ~~اهتمام قط بالتجارة، ولم أقف في متجر قط أو بالكاد وقفت؛ وفي ~~الأحيان النادرة التي كان أبي يريد مني فيها أن أؤدي مهمة أو ~~أساعده في شيء ما، كرفع أجولة الحبوب إلى العلية أو إنزالها منها، ~~كنت دائما أتهرب منه كلما أمكنني. لم يكن الأولاد في مدرستي ~~يتصرفون بطفولية كأولاد المدارس العامة؛ فقد كانوا يقدرون قيمة ~~العمل والنقود، لكن بدا من الطبيعي أن يرى الابن أن عمل أبيه أمر ~~ممل. وحتى ذلك الوقت، كانت قصبات الصيد والدراجات وشراب الليمون ~~الفوار وغيرها من الأشياء تبدو لي أكثر واقعية من أي شيء يحدث في ~~عالم الكبار. # كان أبي قد تحدث بالفعل مع العجوز جريميت، البقال، الذي كان يريد ~~فتى ذكيا للعمل معه وكان على استعداد في أن أبدأ عملي في متجره ~~على الفور. في تلك الأثناء، كان أبي سيتخلص من الصبي الذي كان ~~يساعده في المتجر، وكان ms091 جو سيبقى في المنزل لمساعدته في المتجر ~~حتى يحصل على عمل. كان جو قد ترك المدرسة قبل ذلك، ولم يكن يفعل ~~شيئا سوى التسكع منذ ذلك الحين. وكان أبي يتحدث أحيانا عن إلحاقه ~~بقسم المحاسبة في مصنع الجعة؛ حتى إنه كان يفكر قبل ذلك في جعله ~~يعمل بائع مزادات. ولكن العملين كانا مستحيلين تماما؛ فقد كان ~~خط يد جو في سن السابعة عشرة سيئا كخط صبي يجر ماشية الحرث، ولم ~~يكن يحفظ جدول الضرب. في ذلك الوقت، كان من المفترض أن يكون قد ~~«تعلم صنعة» في متجر دراجات كبير بضواحي وولتن. إن تصليح ~~الدراجات يناسب جو، الذي كان كمعظم الحمقى يميل بعض الشيء إلى ~~الأعمال الميكانيكية؛ ولكنه كان غير قادر على الإطلاق على العمل ~~بانتظام، وقضى كل وقته في التسكع مرتديا رداء العمل المليء ~~بالشحم، ومدخنا للسجائر، ومنخرطا في المشاجرات، ومنهمكا في شرب ~~الخمر (التي كان قد بدأ في شربها في ذلك الوقت بالفعل)، و«مواعدة» ~~الفتيات الواحدة تلو الأخرى، والإلحاح في طلب النقود من أبي. كان ~~أبي يشعر بالقلق والحيرة والاستياء الغامض. ما زلت أراه والطحين ~~على رأسه الأصلع، والشعر الأشيب القليل حول أذنيه، ونظارته، ~~وشاربه الرمادي. لم يستطع أن يفهم ما كان يحدث له؛ لسنوات ظلت ~~أرباحه تعلو ببطء وبوتيرة منتظمة؛ عشرة جنيهات هذه السنة، وعشرون ~~جنيها في تلك السنة، ثم فجأة هبطت هبوطا مروعا. لم يستطع فهم ~~الأمر؛ فلقد ورث العمل عن أبيه، وتاجر بأمانة، وعمل بجد، وباع ~~بضائع جيدة، ولم يغش أحدا، ولكن أرباحه كانت في هبوط. قال عدة ~~مرات، وهو يمصمص أسنانه ليخرج من بينها فتات الطعام، إن الأوقات ~~كانت عصيبة؛ إذ بدت التجارة شديدة الكساد، ولم يستطع أن يفهم ما ~~حدث للناس، فكما لو أن الخيول لم تعد تأكل. ربما كان السبب هو ~~انتشار السيارات، هكذا قرر في النهاية. علقت أمي قائلة: «تلك ~~الخردة النتنة!» وكانت أقل قلقا، وتعلم أنه كان عليها أن تكون ~~أكثر قلقا. ومرة أو مرتين أثناء حديث أبي، كانت ثمة نظرة ms092 غائبة ~~في عينيها، وكنت أرى شفتيها تتحركان. كانت تحاول أن تتخذ قرارا ~~إذا ما كانت ستطهو غدا لحم البقر بالجزر أو ساق ضأن أخرى. ~~وباستثناء الأحيان التي يكون فيها شيء تهتم به يحتاج إلى بعد نظر، ~~كشراء البياضات أو القدور، لم يكن تفكيرها في الواقع يمتد لما هو ~~أبعد من وجبات الغد. لم يكن المتجر يعمل بشكل جيد وكان أبي قلقا؛ ~~هذا تقريبا كل ما كانت تراه في الأمر. ولم يدرك أحد منا أي شيء ~~عما كان يحدث. مرت على أبي سنة سيئة وخسر ماله، ولكن هل كان حقا ~~خائفا من المستقبل؟ لا أظن ذلك. أتذكر أنه كان العام 1909، ولم ~~يكن يعلم ما كان يحدث له؛ فلم يكن قادرا على إدراك أن آل سارازينز ~~سيبيعون بأثمان أرخص منه ويدمرونه ويقضون على تجارته. كيف يمكنه ~~أن يدرك ذلك؟ فلم تكن الأمور تسير بتلك الطريقة في شبابه؛ وجل ما ~~عرفه هو أن الأوقات كانت عصيبة، وأن التجارة شديدة «الكساد» ~~وشديدة «البطء» (كان يكرر هذه العبارات مرارا وتكرارا)، ولكن ~~الأمور ربما «تزدهر عما قريب». # سيكون من الجيد إن كان باستطاعتي أن أقول إنني كنت مصدر عون ~~كبير لأبي في محنته، وإنني وجدت نفسي فجأة أتصرف كالرجال، وأظهرت ~~صفات لم يتوقعها مني أحد، وما إلى هذا، كما يحدث في الروايات ~~الأخلاقية التي كنت تقرؤها منذ ثلاثين سنة. أو أقول بدلا من ذلك ~~إنني أعلنت عن استيائي وألمي الشديد لاضطراري إلى ترك المدرسة، وأن ~~عقلي الشاب الطموح والشغوف بالمعرفة والتهذيب أراد تجنب العمل ~~الميكانيكي عديم الحس الذي كانوا يدفعونني إليه، وما إلى ذلك، كما ~~في الروايات الأخلاقية التي تقرؤها اليوم. ولكن كلا الادعاءين ~~سيكونان هراء صريحا؛ فالحقيقة هي أنني كنت سعيدا ومتحمسا لفكرة ~~الذهاب إلى العمل، خاصة عندما علمت أن العجوز جريميت سيعطيني ~~أجرا حقيقيا، اثنا عشر شلنا في الأسبوع، ويمكنني أن أحتفظ منه ~~بأربعة شلنات لنفسي. أسماك الشبوط الكبيرة في منزل بينفيلد، ~~التي استولت على تفكيري في الأيام الثلاثة الماضية، تلاشت تماما ~~منه، ولم ms093 يكن لدي اعتراض على ترك المدرسة بضع فصول دراسية ~~مبكرا. حدث الأمر نفسه مع أولاد آخرين في مدرستنا؛ إذ كنت دائما ~~تجد ذلك الولد الذي «سيذهب» إلى جامعة ريدينج، أو يدرس ليصبح ~~مهندسا، أو «سيذهب للعمل» في لندن، أو سيترك عائلته ليصبح ~~بحارا؛ وفجأة بعد إخطاره المدرسة بيومين يختفي، وبعد ذلك ~~بأسبوعين تقابله وهو على دراجته يوصل الخضراوات. بعد خمس ~~دقائق من إخبار والدي لي أن علي ترك المدرسة، كنت أفكر في ~~البدلة الجديدة التي سأرتديها للذهاب إلى العمل؛ وطلبت على الفور ~~«بدلة كبار» بمعطف على الطراز السائد في ذلك الوقت، أعتقد أنهم ~~كانوا يقولون عنه «معطفا مفتوحا من الأمام». بالطبع صدم كل ~~من أمي وأبي، وقالا إنهما «لم يسمعا قط عن شيء كهذا». لسبب ما لم ~~أسبر أغواره جيدا قط؛ كان الآباء في تلك الأيام يحاولون ~~دائما منع أبنائهم من ارتداء ملابس الكبار قدر الإمكان. وكانت في ~~كل عائلة مشاجرة قبل أن يحصل الصبي على أول ياقة عالية، أو قبل أن ~~تربط الفتاة شعرها لأعلى. # بذلك تغيرت دفة الحوار من مشاكل عمل أبي، وانحدر إلى نوع من ~~الجدال المتذمر الطويل، الذي زاد فيه غضب أبي بالتدريج، وأصبح ~~يكرر مرة تلو الأخرى - بطريقته المنفعلة حيث كان يتحدث بلهجة ~~أبناء الطبقة العاملة عندما يكون غاضبا - «خلاصة القول، لا يمكنك ~~ارتداؤه. فلتخرجه من رأسك، لا يمكنك ارتداؤه.» لهذا لم أحصل على ~~المعطف، ولكنني ذهبت إلى العمل لأول مرة في بدلة سوداء جاهزة ~~الصنع وياقة عريضة، بدوت فيهما أخرق وأكبر من عمري. إن أي ~~سوء شعرت به تجاه أمر العمل برمته كان في الحقيقة نابعا من ~~ذلك. أما جو فقد كان أكثر أنانية مني؛ فقد استشاط غضبا عندما ~~اضطر إلى ترك متجر الدراجات، وفي الفترة القصيرة التي ظل ~~فيها في المنزل، لم يكن يفعل شيئا سوى التسكع، وكان مصدر ~~إزعاج ولم يساعد أبي في أي شيء. # عملت في متجر العجوز جريميت لست سنوات تقريبا. كان جريميت ذا ~~مظهر جيد؛ فقد كان من كبار ms094 السن منتصبي القامة ذوي اللحية ~~البيضاء، وهو نسخة أكثر ضخامة بعض الشيء من عمي إيزيكيال، وكان ~~كذلك كعمي إيزيكيال ليبراليا مخلصا. ولكنه كان أقل ثورة ~~وأكثر احتراما لدى أبناء البلدة . كان قد عدل مواقفه أثناء حرب ~~البوير، وكان عدوا لدودا للنقابات العمالية، وقد طرد أحد ~~مساعديه ذات مرة؛ لأنه كان معه صورة لكير هاردي؛ كما كان «منشقا ~~عن كنيسة إنجلترا» - في الواقع كان شخصا مهما، حقا، في ~~الكنيسة المعمدانية، المعروفة محليا باسم تين تاب - بينما كانت ~~عائلتي «تابعة لكنيسة إنجلترا» في حين كان عمي إيزيكيال غير مؤمن. ~~كان العجوز جريميت عضو مجلس محلي، ومسئولا في الحزب الليبرالي ~~المحلي. كانت لحيته البيضاء، وحديثه المتصنع عن حرية الاعتقاد ~~والرجال الكبار العظماء، ورصيده الكبير في البنك، والصلوات ~~المرتجلة التي قد تسمعه أحيانا يطلقها عندما تمر بتين تاب، ~~تجعله بعض الشيء يبدو كبقال منشق أسطوري في القصة، التي ~~أتوقع أن تكون قد سمعت بها من قبل: ~~«جيمس!» ~~«نعم يا سيدي!» ~~«هل وضعت الرمل في السكر؟» ~~«نعم يا سيدي!» ~~«هل خففت دبس السكر بالماء؟» ~~«نعم يا سيدي!» ~~«إذن، فلتأت للصلاة.» # سمعت هذه القصة همسا في المتجر مرات لا تحصى. كنا بالفعل نبدأ ~~اليوم بالصلاة قبل فتح الأبواب. لا يعني ذلك أن العجوز جريميت كان ~~يضع الرمل في السكر؛ إذ كان يعلم أن ذلك لن يفيد، ولكنه كان رجلا ~~صارما في عمله، وكان يورد كل أغراض البقالة عالية الجودة للوير ~~بينفيلد وما حولها؛ وكان يعمل تحت يده ثلاثة مساعدين في المتجر ~~إلى جانب الصبي الذي كان يرسله في مهمات خارج المتجر، وسائق ~~الشاحنة، وابنته (التي كانت أرملة) التي كانت مسئولة عن الأمور ~~المالية. كنت أنا صبي المهمات في أول ستة أشهر من عملي معه؛ ثم ~~غادر أحد المساعدين كي «يرتقي بحاله» في ريدينج، وانتقلت أنا ~~للعمل في المتجر وارتديت أول مئزر أبيض في حياتي. وهناك تعلمت ~~ربط الطرود، وتعبئة أكياس الزبيب، وطحن البن، وتقطيع شرائح اللحم ~~المقدد والمدخن، وسن السكاكين، ومسح الأرضيات، ونفض الغبار عن ~~البيض ms095 دون كسره، وبيع السلع الرديئة على أنها جيدة، وتنظيف ~~النوافذ، ووزن رطل من الجبن بمجرد النظر، وفتح صناديق التعبئة، ~~وتقطيع لوح من الزبد إلى أشكال، وتذكر أماكن التخزين، وهو ما كان ~~المهمة الأصعب إلى حد كبير. لا أتذكر كثيرا من التفاصيل عن ~~البقالة كما أتذكر عن الصيد، ولكني أتذكر قدرا لا بأس به عنها؛ ~~فحتى يومنا هذا، لا أزال أتذكر كيف أقطع خيطا بأصابعي، وإذا ~~وضعتني أمام آلة قطع اللحم المقدد، فسأعمل عليها أفضل مما أعمل ~~على الآلة الكاتبة. يمكنني أن أسرد لك بعض النقاط المهمة عن طرق ~~معرفة درجات الشاي الصيني، وطريقة صنع السمن النباتي، ومعرفة ~~متوسط وزن البيضة، وسعر ألف كيس ورقي. # حسنا، لما يزيد على خمس سنوات كنت هكذا؛ صبيا نشيطا بوجه ~~مستدير ووردي وقصير وشعر سمني اللون (الذي لم أعد أقصره، ~~ولكني كنت أدهنه بعناية وأصففه للوراء فيما اعتاد الناس على ~~وصفه بالشعر «المهذب».) وكنت أعمل بجد خلف طاولة البيع في المتجر ~~بمئزري الأبيض والقلم الرصاص خلف أذني، وأربط أكياس القهوة ~~سريعا كالبرق، وألاحق الزبائن قائلا: «حاضر يا سيدتي! ~~بالتأكيد يا سيدتي! هل أحضر لك شيئا آخر يا سيدتي؟» وذلك في ~~صوت به مع بعض معالم من لهجة الطبقة العاملة. كان العجوز جريميت ~~يجعلنا نكدح كثيرا في العمل؛ فقد كان يوم عملنا إحدى عشرة ساعة، ~~فيما عدا يومي الخميس والأحد، أما عن أسبوع الكريسماس فقد كان ~~العمل فيه كابوسا شاقا. على الرغم من ذلك، كانت سنوات جيدة ~~جديرة بتذكرها. لا تظن أنه لم تكن لدي طموحات؛ فقد علمت ~~أنني لن أظل مساعد بقال مدى الحياة؛ كنت فقط «أتعلم ~~المهنة». وفي وقت ما وبطريقة أو بأخرى سيكون معي ما يكفي من ~~المال «لأشق طريقي» بنفسي. كان هذا هو تفكير الناس في ذلك ~~الوقت، ولكن تذكر أن ذلك كان قبل الحرب، وقبل الأزمات ~~والإعانات. كان العالم كبيرا بما يكفي ليسع الجميع؛ وكان ~~بمقدور أي أحد «أن ينشئ تجارته»، فقد كان دائما ثمة مكان ~~لمتجر آخر. مرت السنوات بسرعة؛ ms096 1909، 1910، 1911. ومات الملك ~~إدوارد وصدرت الصحف بإطار الحداد الأسود. وافتتحت دارا سينما ~~في وولتن، وانتشرت السيارات أكثر في الطرق، وبدأت الحافلات تسير ~~في أنحاء البلاد كافة. وطارت طائرة - ذلك الشيء الهش المتهالك ~~الذي يجلس رجل في منتصفه على ما يشبه الكرسي - أعلى لوير ~~بينفيلد، وخرج أبناء البلدة كلهم من منازلهم متدافعين للتلويح ~~لها. وبدأ الناس يقولون على نحو شديد الغموض إن الإمبراطور ~~الألماني كان يبالغ في التعظيم من شأن نفسه، و«إنها» (أي الحرب ~~مع ألمانيا) كانت «آتية في وقت ما». ازداد أجري بالتدريج، حتى وصل ~~أخيرا قبل الحرب مباشرة إلى ثمانية وعشرين شلنا في الأسبوع. ~~كنت أعطي أمي عشرة شلنات في الأسبوع لشراء الطعام، ولكن فيما بعد ~~عندما ساءت الأمور، أصبحت أعطيها خمسة عشر شلنا، وعلى الرغم من ~~ذلك كنت أشعر في ذلك الحين أنني غني أكثر من أي وقت آخر. زاد ~~طول قامتي بمقدار بوصة أخرى، وبدأ شاربي في الظهور، وكنت أرتدي ~~حذاء بأزرار وقميصا بياقة طولها ثلاث بوصات. في أيام الأحد ~~بالكنيسة كنت أرتدي بدلة رمادية داكنة أنيقة، وقبعة ~~مستديرة سوداء، وأضع قفازا أسود من جلد الكلاب على المقعد ~~بجواري؛ وكنت أبدو في كل ذلك رجلا محترما مثاليا؛ لذا، لم ~~يكن فخر أمي بي يسعها. ما بين العمل و«التنزه» في أيام الخميس ~~والتفكير في الملابس والفتيات، كانت تأتيني نوبات من الطموح، ~~وأتخيل نفسي وقد أصبحت رجل أعمال كبيرا مثل ليفر أو وليام ~~وايتلي. وما بين سن السادسة عشرة والثامنة عشرة، قمت بمحاولات ~~جادة من أجل «تحسين مستوى ذكائي» وتطوير أدائي في مجال إدارة ~~الأعمال. وعالجت مشكلة إسقاطي لبعض الحروف أثناء الكلام، ~~وتخلصت من جانب كبير من لهجة أبناء الطبقة العاملة التي كنت ~~أتحدث بها. (كانت اللهجات الريفية في وادي التيمز تتلاشى؛ ~~فباستثناء صبية المزارع، كان تقريبا كل من ولد بعد عام ~~1890 يتحدث بلهجة الطبقة العاملة.) كما أخذت دورة تدريبية ~~بالمراسلة مع أكاديمية ليتلبرنز للتجارة؛ وتعلمت إمساك الدفاتر ~~والإنجليزية الخاصة بالأعمال، وقرأت بجدية كتابا مليئا ~~بالأحاديث الفارغة الرنانة يسمى ms097 «فن البيع»؛ وتطورت مهاراتي ~~الحسابية وحتى خطي في الكتابة. وعندما كنت في السابعة عشرة، كنت ~~أجلس لوقت متأخر من الليل أتدرب وكلي حماس لتحسين خطي على ~~ضوء مصباح غاز صغير على طاولة غرفة النوم. في ذلك الوقت، قرأت ~~كثيرا، وكانت معظم قراءاتي لقصص الجريمة والمغامرة، وفي بعض ~~الأحيان، كنت أقرأ الكتب ذات الغلاف الورقي التي كان يمررها ~~الشباب في المتجر خفية فيما بينهم ويصفونها بأنها «مثيرة». ~~(كانت ترجمات لأعمال موباسان وبول دي كوك.) ولكن عندما كنت في ~~الثامنة عشرة، تحولت فجأة إلى شخص رفيع الثقافة؛ إذ اشتركت في ~~المكتبة المحلية، وبدأت في القراءة بنهم لكتب ماري كوريلي وهول ~~كين وأنتوني هوب. وفي ذلك الوقت تقريبا، انضممت إلى حلقة القراءة ~~الخاصة بلوير بينفيلد، التي كان يرأسها راعي الكنيسة وكانت تعقد ~~أمسياتها مرة كل أسبوع طوال فصل الشتاء تحت اسم «النقاش الأدبي»؛ ~~وبضغط من راعي الكنيسة، قرأت قليلا في كتاب «السمسم والزنابق»، ~~حتى إنني قرأت كذلك لبراونينج. # ومرت السنوات بسرعة؛ 1910، 1911، 1912. وكانت تجارة أبي تسوء، ~~لم يتدهور بها الحال فجأة، ولكنها كانت تنحدر. لم يعد أبي وأمي ~~قط كسابق عهديهما بعد أن ترك جو المنزل. حدث ذلك بعد وقت ليس ~~بالطويل من ذهابي إلى العمل لدى جريميت. # كان جو، في الثامنة عشرة من عمره، قد كبر ليصبح وحشا قبيحا؛ ~~فقد كان شابا ضخم البنية، أكبر بكثير من باقي أفراد العائلة، ~~وكان عريض الكتفين برأس كبير ووجه عابس ومخيف وشارب كبير. ~~وعندما كنت تبحث عنه ولا تجده في حانة جورج، فستجده يتسكع أمام ~~مدخل المتجر، ويداه غائرتان في جيبيه، عابسا في وجوه المارة ~~كما لو كان يريد ضربهم، إلا إذا كانوا من الفتيات. وإذا جاء ~~أحد إلى المتجر، كان يتنحى جانبا فقط بالقدر الذي يسمح ~~للزبون أن يدخل، ودون أن يخرج يديه من جيبيه كان يصيح بغضب: ~~«أبي! المتجر!» كان هذا أقصى قدر قدمه من المساعدة. وقد قال أبي ~~وأمي بيأس إنهما «لا يعرفان ماذا يفعلان معه»، وكان ينفق مبالغ ~~كبيرة على شرب الخمر ms098 وتدخينه الشره. وفي وقت متأخر من إحدى ~~الليالي، خرج من المنزل ولم نسمع عنه بعد ذلك قط. كان قد فتح درج ~~النقود بالقوة، وأخذ كل المال الذي كان فيه . لحسن الحظ لم يكن ~~فيه الكثير من المال؛ فقد كانت ثمانية جنيهات تقريبا، ولكنها ~~كانت كافية للحصول على أرخص تذاكر السفر على متن سفينة متجهة إلى ~~أمريكا؛ فلطالما أراد الذهاب إلى أمريكا، وأعتقد أنه فعل ذلك ~~على الأرجح، ولكننا لم نعلم ذلك يقينا. تسبب لنا ذلك في فضيحة ~~نوعا ما في البلدة، وكان التفسير الشائع أن جو قد هرب لأن فتاة ~~قد حملت منه؛ فقد كانت تعيش في الشارع الذي كان يعيش فيه آل سيمونز ~~فتاة تدعى سالي تشيفرز وكانت حاملا، وكان جو على علاقة بها ~~بالتأكيد، ولكن كان كذلك عشرات الفتيان الآخرين على علاقة بها، ولا ~~يعلم أحد من يكون والد الطفل. صدق كل من أمي وأبي هذا ~~التفسير؛ وحتى عندما كانا يجلسان وحدهما، كانا يستخدمانه كذريعة كي ~~يعذرا «ابنهما المسكين» على سرقته للجنيهات الثمانية وهروبه. ولم ~~يكونا قادرين على استيعاب أن جو قد هرب؛ لأنه لم يكن يستطيع أن ~~يقبل بحياة بسيطة في بلدة ريفية صغيرة، وأنه أراد أن يعيش حياة ~~التسكع والمشاجرات والنساء. لم نسمع عنه مرة أخرى قط. ربما انحرف ~~تماما، وربما مات في الحرب، وربما لم يهتم بالكتابة لنا فحسب. ~~لحسن الحظ ولد الطفل ميتا؛ ومن ثم لم تكن ثمة مشاكل. وفيما ~~يتعلق بسرقة جو للجنيهات الثمانية، تمكن أبي وأمي من إخفاء ذلك ~~السر حتى مماتهما؛ فقد كان في عينيهما فضيحة أكبر من أمر طفل سالي ~~تشيفرز. # أثقلت مشكلة جو عاتق أبي. لم تشكل مغادرة جو فقدانا لشيء لم ~~يكن قد فقده بالفعل، ولكنها جرحته وكبدته العار. ومنذ ذلك ~~الحين، زاد الشيب في شاربه وبدأ يتضاءل في الحجم. ربما ذكرياتي ~~عنه، في هيئة الرجل الأشيب الضئيل الحجم بوجهه القلق المستدير ~~والمليء بالتجاعيد ونظارته التي تعلوها الغبار، ترجع في الواقع إلى ~~ذلك الحين. ببطء، ازداد اهتمامه أكثر ms099 فأكثر بالأمور المالية، وقل ~~اهتمامه بالتدريج بالأمور الأخرى؛ فأصبح يتحدث أقل عن السياسة وصحف ~~يوم الأحد، وأكثر عن الأوضاع السيئة للتجارة. بدأت أمي كذلك تتضاءل ~~قليلا في الحجم؛ إذ أتذكر أنها كانت في طفولتي ممتلئة البنية ~~ونشيطة، بشعرها الأصفر ووجهها المتهلل وصدرها الضخم؛ فقد كانت أشبه ~~بمخلوق كبير من هؤلاء الذين توضع تماثيلهم على رءوس البوارج. أما ~~الآن، فقد أصبح جسمها أكثر ضآلة وأصبحت أكثر قلقا، وبدت أكبر من ~~عمرها. كما أصبحت أقل هيبة في المطبخ، وباتت تطبخ أعناق الضأن، ~~وتصاب بالقلق من سعر الفحم، وأصبحت تستخدم السمن النباتي، الشيء ~~الذي لم تكن تسمح بدخوله المنزل قط. بعد أن تركنا جو، احتاج أبي ~~إلى تعيين صبي مهمات آخر؛ ولكن منذ ذلك الحين، كان يعين أولادا ~~في سن صغيرة جدا لمدة عام أو عامين فقط، فلم يكونوا قادرين ~~على حمل الأشياء الثقيلة. كنت أحيانا أساعده عندما أكون في ~~المنزل، ولكنني كنت أنانيا فلم أكن أفعل ذلك بانتظام. ما زلت ~~يمكنني رؤيته وهو يشق طريقه ببطء عبر الساحة، ثم ينحني بشدة ويكاد ~~يكون مخفيا وهو يحمل أحد الأجولة الضخمة، كحلزون قابع أسفل ~~صدفته. أتذكر تلك الأجولة الكبيرة والضخمة، التي تزن مائة وخمسين ~~رطلا على ما أظن، والتي كانت تضغط على عنقه وكتفيه حتى كادت ~~تسقطهما أرضا؛ وأتذكر ذلك الوجه القلق ذا النظارة وهو ينظر إلى ~~أعلى من أسفلها. كانت النتيجة هي أنه أصيب بفتق في عام 1911، وكان ~~عليه أن يقضي عدة أسابيع في المستشفى؛ فعين مديرا مؤقتا ~~للمتجر، ما تسبب في خسارة جزء آخر من رأس ماله. من أكثر الأشياء ~~المرعبة التي قد تشاهدها هي صاحب متجر وهو يتدهور به الحال، ولكن ~~الأمر لا يكون مفاجئا وواضحا مثل أمر العمال الذين يطردون من ~~وظائفهم ويجدون أنفسهم مرة واحدة عاطلين عن العمل. إن صاحب المتجر ~~تتقطع به السبل تدريجيا، مع بعض التأرجح صعودا وهبوطا؛ فيخسر ~~بعض المال تارة، ويكسب بعضه تارة أخرى. وبعض من كنت تتعامل معهم ~~لعدة سنوات يتخلون عنك فجأة ويذهبون ms100 إلى آل سارازينز؛ والبعض ~~الآخر يشترون عشرات الدواجن ويطلبون منك الذرة أسبوعيا. وبذلك ~~تكون قادرا على الاستمرار؛ وما زلت «رئيس نفسك»، ولكن دائما مع ~~زيادة بعض الشيء في القلق والضعف، وتقلص في رأس مالك على الدوام. ~~يمكنك الاستمرار على هذا المنوال لسنوات، وربما طوال حياتك إن كنت ~~محظوظا. مات عمي إيزيكيال عام 1911، وترك 120 جنيها لا بد أنها ~~كانت لها أثر كبير في تغيير أوضاع أبي المالية. ولم يضطر أبي إلى ~~رهن وثيقة تأمينه على الحياة حتى عام 1913، وهو الأمر الذي لم أسمع ~~عنه في ذلك الوقت، أو لم أكن أفهم ما يعنيه. يمكنني أن أقول إنني ~~لا أعتقد أنني قد استوعبت أكثر من أن أحوال أبي «لا تسير على ما ~~يرام»، وأن التجارة كانت «كاسدة»، وأنه كان علي الانتظار كثيرا ~~حتى أحصل على مال يمكنني به «بدء تجارتي». وكنت كأبي، أرى ~~المتجر شيئا دائما؛ وكنت أميل بعض الشيء إلى الغضب منه؛ لأنه لم ~~يدر الأمور بشكل أفضل. لم أكن أستطيع أن أرى، وكذلك هو أو أي شخص ~~آخر، أنه كان يحطم ببطء، وأن العمل لن يزدهر مرة أخرى أبدا؛ ~~وأنه حتى إن عاش إلى عمر السبعين، فلا بد أنه سينتهي به الحال في ~~ملجأ للفقراء. مررت أكثر من مرة بمتجر آل سارازينز في السوق، وكنت ~~أفكر ببساطة في مدى إعجابي بنافذتهم الأمامية المصقولة أكثر من ~~نافذة أبي القديمة التي تكسوها الأتربة، واسم «إس بولينج» الذي ~~تصعب قراءته، والكتابة البيضاء المقطعة، وحزم حبوب الطيور ~~الباهتة. لم يكن يخطر ببالي أن آل سارازينز هؤلاء كانوا كالديدان ~~الشريطية التي كانت تأكل في لحم أبي حيا. كنت أحيانا أقتبس في ~~حديثي معه سطورا من التي كنت أقرؤها في كتب الدورات بالمراسلة عن ~~فن البيع والطرق الحديثة، ولكنه لم يعرها انتباها قط؛ فقد ورث ~~تجارة منشأة منذ القدم، ولطالما كان يعمل بجد وأمانة ويبيع السلع ~~الجيدة، ويردد أن الأمور ستزدهر عما قريب. الحقيقة أن قلة قليلة ~~من أصحاب المتاجر في تلك الأيام قد انتهى ms101 بهم الحال بالفعل في ~~ملاجئ الفقراء؛ وإن كنت محظوظا، فستموت ولديك بضعة جنيهات. كان ~~سباقا بين الموت والإفلاس، وحمدا لله أن الموت قد فاز في سباق ~~أبي، وأمي أيضا. # أقول لك إن الأعوام 1911، 1912، 1913 كانت أعواما جيدة. في ~~أواخر عام 1912، وعبر حلقة القراءة التي كان يترأسها راعي الكنسية، ~~قابلت إلسي ووترز لأول مرة. حتى ذلك الحين، كحال بقية الأولاد في ~~البلدة، كنت ألاحق الفتيات ونادرا ما تمكنت من التعرف على فتاة ~~و«التنزه» معها لعدة مرات فيما بعد ظهيرة أيام الأحد، ولكن لم ~~تكن لي في الحقيقة حبيبة قط. إنه لأمر غريب، أن تطارد الفتيات ~~وأنت في نحو السادسة عشرة. في أحد الأجزاء المعروفة في البلدة، كان ~~الأولاد يتجولون أزواجا ذهابا وإيابا لمشاهدة الفتيات؛ وكانت ~~الفتيات يتجولن أزواجا ذهابا وإيابا متظاهرات بأنهن لا يلحظن ~~الأولاد، وسرعان ما يحدث التواصل بينهم بشكل أو بآخر، وبدلا من ~~التجول أزواجا، تجد الفتية والفتيات يتجولون في مجموعات من ~~أربعة أفراد، لكنهم لا يتحدثون مطلقا. وكان المعلم الأساسي لتلك ~~النزهات، الذي يكون أسوأ في المرة الثانية عندما تذهب في نزهة مع ~~فتاة بمفردكما، هو الفشل الرهيب في فتح أي نقاش. ولكن إلسي ووترز ~~بدت مختلفة. الحقيقة أنني كنت أنضج. # لا أريد أن أخبرك بقصتي ~~مع إلسي ووترز، حتى إن كان لدي أي قصة لأرويها؛ فلم تكن سوى ~~جزء من المشهد، جزء «من مشهد ما قبل الحرب». قبل الحرب كان الطقس ~~دائما صيفيا، هذا وهم، كما أسلفت وقلت، ولكني هكذا أتذكره. ~~وكانت الطرق البيضاء المليئة بالغبار تمتد بين أشجار الكستناء، ~~وكنت تشم رائحة زهور المنثور، وترى البرك الخضراء أسفل أشجار ~~الصفصاف، وتشعر برذاذ ماء بورفورد وير، هذا ما أراه عندما أغمض ~~عيني وأفكر في وقت «ما قبل الحرب»، الذي قرب نهايته كانت إلسي ~~ووترز جزءا منه. # لا أعلم إذا ما كانت إلسي جميلة الآن، ولكنها كانت كذلك فيما ~~مضى. كانت فتاة طويلة، في مثل طولي تقريبا؛ وكان شعرها ذهبيا ~~فاتحا وكثيفا، وكانت تلفه فيما يشبه الضفيرة حول ms102 رأسها، وكان ~~لها وجه ناعم ووديع على نحو غريب. كانت من هؤلاء الفتيات اللاتي ~~يبدون في أفضل طلاتهن عندما يرتدين اللون الأسود، خاصة تلك ~~الفساتين السوداء شديدة البساطة التي كانوا يجعلونهن يرتدينها في ~~متاجر الأقمشة؛ فقد كانت تعمل في محل ليلي وايت للأقمشة، على الرغم ~~من أنها في الأصل من لندن. أظن أنها كانت أكبر مني بعامين. # أنا ممتن لإلسي؛ لأنها كانت أول شخص علمني كيف أهتم بامرأة؛ ~~ولا أعني الاهتمام بالنساء في العموم، بل أعني بامرأة بعينها. ~~قابلتها في حلقة القراءة وبالكاد لاحظتها، ثم في يوم من الأيام ~~ذهبت إلى متجر ليلي وايت في ساعات عملي، وهو الشيء الذي لم أكن ~~عادة أستطيع فعله، ولكن ما حدث هو أننا كان قد نفد منا قماش ~~الموسلين الذي نستخدمه في لف الزبد فأرسلني العجوز جريميت لشراء ~~بعضه. تعلم تلك الأجواء التي تكون في متاجر الأقمشة، إذ تكون ~~أنثوية بامتياز؛ حيث الشعور بالهدوء، والضوء الخافت، ورائحة ~~الملابس المنعشة، والطنين الخفيف لكرات النقود الخشبية التي تدور ~~ذهابا وإيابا. كانت إلسي متكئة على طاولة البيع تقص قطعة من ~~القماش بالمقص الكبير. كان ثمة شيء في فستانها الأسود وانحناء ~~ثدييها على طاولة البيع، لا يمكنني وصفه، ولكني أراه شيئا ~~ناعما وأنثويا على نحو غريب. وبمجرد أن تراها ستعلم أنه بإمكانك ~~ضمها بين ذراعيك، وأن تفعل أي شيء تريده معها. كانت حقا فائقة ~~الأنوثة، وشديدة الرقة، وشديدة الاستكانة؛ ذلك النوع من النساء ~~اللاتي يفعلن دائما ما يقوله الرجال لهن، على الرغم من أنها لم ~~تكن صغيرة أو ضعيفة. ولم تكن كذلك غبية؛ فقط كانت شديدة الهدوء وفي ~~بعض الأحيان مهذبة بشدة. غير أنني نفسي كنت مهذبا في تلك ~~الأيام. # كنا نعيش معا لمدة عام تقريبا. بالطبع في بلدة كلوير بينفيلد، ~~لا يمكنك القول إنك تعيش مع فتاة إلا على سبيل المجاز. كنا ~~رسميا «نتنزه» معا، وهو ما كان تقليدا متعارفا عليه ولكنه ~~لم يكن كما لو أننا مخطوبان. وكان ثمة شارع يتفرع من الطريق المؤدي ~~إلى ms103 أبر بينفيلد، ويخرج إلى أسفل حافة التلال. كان له امتداد طويل، ~~قرابة الميل، وكان مستقيما نوعا ما ومحاطا بأشجار الكستناء ~~الهندي الضخمة؛ وعلى العشب على الجانب، كان ثمة ممر للمشاة أسفل ~~الأغصان يعرف باسم زقاق العشاق. اعتدنا على الذهاب هناك في ~~المساء في شهر مايو، عندما تكون أشجار الكستناء مزهرة. ثم كانت ~~تأتي بعد ذلك الليالي القصيرة، وكانت السماء تكون مضاءة لساعات بعد ~~انتهائنا من العمل. أتعرف شعور المساء في شهر يونيو؟! ذلك الشفق ~~الأزرق المستمر، والهواء الذي يداعب وجهك بنعومة كالحرير. أحيانا ~~في أيام الأحد فيما بعد الظهيرة، كنا نصعد تل تشامفورد، ثم ننزل ~~إلى المروج المجاورة للمياه بمحاذاة نهر التيمز. عام 1913! يا ~~إلهي! يا له من عام! الهدوء، والماء الأخضر، واندفاع ماء بورفورد ~~وير! لن تتكرر تلك الأشياء مرة أخرى. لا أعني أن سنة 1913 لن تتكرر ~~ثانية، ولكن أعني ذلك الشعور الذي بداخلك؛ ذلك الشعور بعدم ~~العجلة وعدم الخوف، ذلك الإحساس الذي تشعر به، ولا تحتاج إلى من ~~يخبرك به أو لا تشعر به، ولم تتسن الفرصة قط لتعلمه. # لم نبدأ فيما يمكن أن يطلق عليه العيش معا إلا في أواخر ~~الصيف؛ إذ كنت شديد الخجل والبلاهة فلم أستطع بدء الأمر، وكنت شديد ~~الجهل فلم أكن أدرك وجود رجال قبلي في حياتها. بعد ظهيرة أحد أيام ~~الأحد، ذهبنا إلى غابة أشجار الزان حول أبر بينفيلد؛ حيث يمكنك ~~دائما بالأعلى الاستمتاع بالوحدة. وقد كنت أريدها بشدة، وأعلم ~~جيدا أنها كانت تنتظرني أن أبدأ. شيء، لا أعلم ما هو، جعلني أذهب ~~إلى أراضي منزل بينفيلد؛ حيث العجوز هودجز، الذي كان قد تجاوز ~~السبعين من عمره وأصبح سريع الغضب جدا؛ فقد كان يمكنه أن ~~يطردنا، ولكنه ربما كان ينام فيما بعد ظهيرة يوم الأحد. تسحبنا ~~عبر فتحة في السياج، ونزلنا إلى الممشى بين أشجار الزان حتى وصلنا ~~إلى البركة الكبيرة. كانت قد مرت أربع سنوات أو أكثر منذ مروري ~~بهذا الطريق آخر مرة، ولم أجد أن شيئا قد تغير؛ فما ms104 زالت العزلة ~~التامة، والشعور الخفي النابع من عظم الأشجار من حولك، ومصف ~~القوارب القديم البالي بين الأعشاب المائية. استلقينا في التجويف ~~العشبي الصغير بجوار النعناع البري، وكنا وحدنا تماما كما لو ~~أننا في وسط أفريقيا. قبلتها كثيرا، ثم نهضت وأردت المشي مرة ~~أخرى. كانت رغبتي فيها عارمة، وأردت أن أقدم على الأمر، ولكنني ~~كنت خائفا بعض الشيء. ومن المثير للدهشة أنه كانت ثمة فكرة أخرى ~~في رأسي في الوقت نفسه؛ فقد تذكرت فجأة أنني لسنوات كنت قد نويت ~~العودة إلى ذلك المكان، ولكنني لم أعد قط. والآن وقد أصبحت قريبا ~~جدا منه، بدا من المؤسف ألا أنزل إلى البركة الأخرى وألقي نظرة ~~على أسماك الشبوط الكبيرة. شعرت أنني سأندم بعد ذلك إن أضعت ~~الفرصة، وفكرت في الواقع في السبب الذي منعني من الرجوع من قبل. ~~كانت أسماك الشبوط في ذهني دائما، ولم يعلم بأمرها أحد سواي، ~~وكنت سأذهب لاصطيادها في وقت ما؛ فقد كانت في الواقع أسماكي أنا. ~~وبدأت بالفعل أتجول حول الضفة في ذلك الاتجاه؛ ثم بعدما ذهبت ~~لمسافة ما يقرب من عشر ياردات، تراجعت؛ فقد كان الأمر يتطلب أن تشق ~~طريقك عبر ما يشبه الغابة من أشجار العليق والأغصان المقطوعة ~~المتعفنة، وكنت أرتدي أفضل ملابسي التي أرتديها يوم الأحد؛ بدلة ~~رمادية داكنة، وقبعة مستديرة سوداء، وحذاء بأزرار، وياقة تكاد تقطع ~~أذني؛ هكذا كان الناس يرتدون في نزهات ما بعد ظهيرة يوم الأحد في ~~تلك الأيام. إضافة إلى أنني كنت أريد بشدة إلسي؛ فرجعت ونظرت ~~إليها لبرهة. كانت مستلقية على العشب وذراعها على وجهها، ولم ~~تتحرك عندما سمعتني وأنا آت إليها. وكانت تبدو في فستانها الأسود ~~- لا أعلم كيف - ناعمة ومستسلمة، كما لو أن جسدها كان شيئا مرنا ~~يمكنك أن تفعل به ما تشاء. كانت لي وكان بإمكاني أن أنعم بها في ~~تلك اللحظة إن أردت. وفجأة، لم أعد خائفا، ورميت بقبعتي على ~~العشب (أتذكر أنها تأرجحت قليلا)، ثم جثوت وأمسكت بها. يمكنني ~~حتى الآن أن أشم رائحة النعناع ms105 البري. كانت تلك مرتي الأولى، ~~ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لها؛ ولم نفسد الأمر كما قد ~~تتوقع. وانتهى الأمر على ذلك. تلاشت أسماك الشبوط الكبيرة من ~~ذهني، ولسنوات بعد ذلك في الواقع بالكاد فكرت فيها. # وتوالت السنوات، 1913، ثم 1914، ثم جاء ربيع 1914 حيث أزهرت ~~الأشجار؛ البرقوق الشائك، ثم الزعرور البري، ثم الكستناء. أتذكر ~~أيام الأحد فيما بعد الظهيرة عبر مسار جر القوارب، والرياح ~~ترفرف على أحواض السمار، فتتمايل أغصانه معا في كتل كثيفة ~~ومهيبة تبدو بعض الشيء كشعور النساء حين تداعبها الرياح. وأتذكر ~~كذلك أمسيات شهر يونيو الطويلة، والممشى أسفل أشجار الكستناء، ~~والبومة التي تنعق في مكان ما وجسد إلسي بجانبي. أتذكر كذلك شهر ~~يوليو الذي كان شديد الحرارة في ذلك العام، والعرق الذي كنا ~~نتصببه في المتجر، ورائحة الجبن والقهوة! وأتذكر حينها نسيم ~~المساء العليل بالخارج، ورائحة زهور المنثور وتبغ الغلايين في ~~الممر خلف المزارع، ومواطئ الأقدام حيث الغبار الرطب، وطيور ~~السبد التي تحوم حول الخنافس الكبيرة. # يا إلهي! ما المغزى من أن نقول إن المرء عليه ألا يكون عاطفيا ~~عند التفكير في فترة «ما قبل الحرب»؟ تلك الأيام تجعلني عاطفيا، ~~وكذلك تجعلك إن تذكرتها. صحيح أنك إن أعدت النظر إلى أي فترة زمنية ~~معينة، فستميل إلى تذكر اللحظات السعيدة؛ ينطبق الأمر نفسه حتى على ~~أيام الحرب؛ لكن من الصحيح كذلك أن الناس في تلك الأيام كان لديهم ~~ما ليس لدينا الآن. # أعلم أنك تسأل الآن عما كان لديهم وليس لدينا. إنهم ببساطة لم ~~يكونوا ينظرون في المستقبل باعتباره شيئا يخافون منه. لا يعني ذلك ~~أن الحياة كانت أكثر رغدا مما هي عليه الآن، بل كانت في الواقع ~~أكثر قسوة؛ إذ كان الناس إجمالا يبذلون جهدا أكبر في أعمالهم، ~~ويعيشون في مستويات أقل راحة، ويموتون بآلام أبرح. كانت الأيدي ~~العاملة في المزارع تعمل لساعات طويلة مقابل أربعة عشر شلنا في ~~الأسبوع، وينتهي بهم الحال وقد أصابهم العجز والاهتراء بمعاش ~~تقاعد قدره خمسة شلنات، وقد يتحصلون على شلنين ونصف ms106 الشلن في بعض ~~الأحيان من الأبرشية. أما ما كان يعرف بالفقر «المحترم»، فقد كان ~~أسوأ؛ فعندما «أفلس» واتسون القصير - وقد كان تاجر أقمشة صغير في ~~الطرف الآخر من هاي إستريت - بعد سنوات من الصراع، كانت أصوله ~~الشخصية جنيهين وتسعة شلنات وستة بنسات؛ ومات تقريبا فور إصابته ~~بما كانوا يقولون عنه «مشاكل في المعدة»، ولكن الطبيب أعلن أن سبب ~~الوفاة كان الجوع؛ لكنه جاهد حتى النهاية. أما العجوز كريمب، مساعد ~~صانع الساعات الذي كان ماهرا في عمله ومكث فيه سنوات الصبا ~~والرجولة التي استمرت لخمسين سنة، فقد أصيب بإعتام في عدسة ~~العين واضطر إلى الذهاب إلى ملجأ الفقراء. وكان أحفاده يبكون ~~في الشوارع عندما أخذوه، وعملت زوجته خادمة في المنازل، وبعد جهود ~~يائسة تمكنت من أن ترسل إليه شلنا في الأسبوع لمصروف جيبه. ~~كنت ترى أشياء مروعة تحدث في بعض الأحيان. فالأعمال الصغيرة ~~تتدهور أحوالها؛ والتجار المستقرون يتحولون تدريجيا إلى مفلسين ~~محطمين؛ والناس تموت بآلام السرطان وأمراض الكبد المبرحة، ~~والأزواج السكارى يعدون زوجاتهم كل يوم إثنين أنهم سيقلعون عن ~~الشراب، وينقضون عهدهم كل يوم سبت؛ والفتيات يحطمن حياتهن بإنجاب ~~الأطفال غير الشرعيين. كانت المنازل بلا حمامات؛ والجليد يملأ ~~أحواض الغسيل في الشتاء فتضطر كل صباح إلى تكسيره؛ ورائحة ~~الشوارع الخلفية كالقبر في الأيام الحارة؛ وكانت المقابر في وسط ~~البلدة؛ فلا يمر يوم دون أن تتذكر مصيرك. ولكن ما الذي كان لدى ~~الناس في تلك الأيام؟ إنه الشعور بالأمان، حتى عندما لا يكونوا في ~~أمان. بالتحديد، كان شعورا بالاستمرارية؛ فكل منهم كان يعلم أنه ~~سيموت، وأظن أن بعضهم كان يعلم أنه سيفلس، ولكن ما لم يكونوا ~~يعلمونه هو أن وتيرة الأمور يمكن أن تتغير. ومهما قد يحدث لهم، ~~ستستمر الأمور كما عرفوها. لا أعتقد أنه مما أحدث فارقا كبيرا ~~أن ما يطلق عليه الإيمان الديني كان ما زال سائدا في تلك ~~الأيام. صحيح أن الجميع تقريبا كانوا يذهبون إلى الكنيسة، على ~~الأقل في الريف - كنت أنا وإلسي نذهب إلى الكنيسة بطبيعة الحال، ms107 ~~حتى عندما كنا نفعل ما يصفه راعي الكنيسة بالخطيئة - وإذا سألت ~~الناس عما إذا كانوا يؤمنون بالحياة بعد الموت، كانوا يجيبون ~~عادة بالإيجاب. ولكنني لم أقابل أحدا قط أعطاني انطباعا بأنه ~~يؤمن حقا بالحياة الآخرة. وأعتقد أن الناس، على الأغلب، لا ~~يتعدى إيمانهم في مثل تلك الأشياء إيمان الأطفال ببابا نويل. لكن ~~في فترات الاستقرار، تلك الفترات التي تبدو فيها الحضارة قائمة على ~~أرجلها الأربع كالأفيال، لا تعني أمور كالحياة الآخرة شيئا لدى ~~الناس. من السهل أن تموت إن كانت الأشياء التي تهتم بها ستبقى؛ فقد ~~عشت حياتك، وأصبحت متعبا، وحان الوقت للذهاب تحت التراب، هكذا ~~اعتاد الناس رؤية الأمر. كانت حياتهم تنتهي على المستوى الشخصي، ~~ولكن أسلوب حياتهم مستمر؛ خيرهم وشرهم سيبقى خيرا وشرا. ولم ~~يشعروا بأن الأرض التي كانوا يقفون عليها تتغير تحت أرجلهم. # كان أبي يفلس، ولكنه لم يعلم ذلك. وكل ما كان يراه هو أن ~~الأوقات عصيبة للغاية، وأن التجارة تتضاءل أكثر فأكثر، وأن فواتيره ~~أصبحت أصعب فأصعب في السداد. حمدا لله أنه لم يعلم قط أنه قد ~~تدمر، ولم يفلس بالفعل قط؛ لأنه مات فجأة (وكان ذلك جراء إصابته ~~بالإنفلونزا التي تطورت إلى التهاب رئوي) في بداية عام 1915. كان ~~يعتقد حتى النهاية أنه بالادخار، والعمل الجاد، والعدل في ~~المعاملات لا يمكن للمرء أن يصاب بشر. ولا بد أن هناك العديد من ~~أصحاب المتاجر الصغيرة الذين كان لديهم مثل ذلك الاعتقاد، الذي أدى ~~بهم ليس فقط إلى الموت مفلسين، ولكن حتى إلى الاضطرار إلى الذهاب ~~إلى ملجأ الفقراء. وحتى لوفجروف السروجي، الذي كان يشاهد ~~السيارات والشاحنات تمر أمام عينيه، لم يدرك أنه قد انتهى به ~~الحال كحيوان وحيد القرن المشرف على الانقراض. وأمي أيضا؛ أمي لم ~~يمهلها القدر لتعرف أن الحياة التي تربت من أجل أن تعيشها - ~~حياة ابنه صاحب المتجر المحترم الذي يخاف الله وزوجة صاحب المتجر ~~المحترم الذي يخشى الله في عصر الملكة الصالحة فيكتوريا - كانت قد ~~انتهت بلا رجعة. الأيام كانت صعبة والتجارة ms108 في كساد، وكان أبي ~~قلقا وكل شيء كان «متفاقما»، ولكنك كنت تستمر في طريقك كالعادة. ~~نظام الحياة الإنجليزية القديمة لا يمكن أن يتغير؛ فدائما وأبدا ~~كانت تعد المرأة المحترمة التقية بودينج يوركشاير ومعجنات ~~الدامبلنج بالتفاح في أفران الفحم الضخمة، وترتدي ملابس تحتية من ~~الصوف، وتنام على الريش، وتصنع مربى البرقوق في شهر يوليو ~~والمخللات في أكتوبر، وتقرأ مجلة «هيلداس هوم كومبانيون» في فترة ~~ما بعد الظهيرة، والذباب يطن حولها، في عالم خفي صغير ومريح من ~~نوع ما حيث الشاي المغلي والساقان المتعبتان والنهايات السعيدة. لا ~~أقول إن أيا من أبي أو أمي لم يتغيرا حتى النهاية؛ فقد ~~اعترتهما لحظات من التذبذب وقليل من الإحباط، ولكن على الأقل لم ~~يعيشا ليعلما أن كل شيء كانا يعتقدان فيه قد أكل عليه الدهر ~~وشرب. كانا يعيشان في نهاية عهد، حيث يتبدد كل شيء في نوع من ~~التغيير المريع، ولكنهما لم يعلما عن ذلك شيئا؛ فقد ظنا أن ~~عالمهما خالد. إنك لا تستطيع لومهما؛ فقد كان ذلك ما شعرا به ~~تجاهه. # أتت بعد ذلك أواخر شهر يوليو، وحتى بلدة لوير بينفيلد قد استوعبت ~~حدوث تلك الأمور. ولعدة أيام، كانت ثمة ضجة عارمة وغامضة ومقالات ~~رئيسية لا نهاية لها في الصحف، التي جلبها أبي في الواقع من المتجر ~~لقراءتها بصوت عال على أمي، ثم تفاجأنا بالملصقات في كل مكان: # ألمانيا تنذر. فرنسا تستعد للقتال. # لعدة أيام (أربعة أيام، على ما أتذكر؛ فقد نسيت التواريخ ~~الدقيقة) ساد شعور غريب بالاختناق، نوع من الانتظار الحذر، ~~كاللحظة التي تسبق ضرب العاصفة، كما لو أن إنجلترا كلها كانت صامتة ~~وتستمع. وأتذكر أن الجو كان شديد الحرارة. وكنا كما لو أننا لا ~~يمكننا العمل في المتجر، على الرغم من أن الجميع في الحي ممن ~~يدخرون خمسة جنيهات كانوا يتزاحمون على شراء كميات من المواد ~~المعلبة والطحين والشوفان. كان الوضع كما لو أننا قد أصابتنا حمى ~~شديدة جعلتنا غير قادرين على العمل، فكنا نتصبب العرق ونترقب ~~الأوضاع. في مساء تلك الأيام، ms109 كان الناس يذهبون إلى محطة السكة ~~الحديدية ويتصارعون كالشياطين على الصحف المسائية التي كانت تصل في ~~قطار لندن. ثم في فترة ما بعد ظهيرة أحد الأيام، أتى صبي مندفعا ~~إلى هاي إستريت ومعه صحف ملء ذراعيه، وخرج الناس إلى عتبات ~~بيوتهم للصياح في الشارع. كان الجميع يصيح قائلا: «لقد دخلنا ~~الحرب! لقد دخلنا الحرب!» أخذ الصبي قصاصة من الحزمة التي كانت ~~معه ولصقها على واجهة المتجر المقابل: # إنجلترا تعلن الحرب على ألمانيا. # اندفعنا كلنا إلى الرصيف - المساعدون الثلاثة - وهللنا. كان ~~الجميع يهتف مهللا. أجل، كنا نهلل. ولكن العجوز جريميت، على ~~الرغم من أنه استفاد بالفعل من حالة الفزع من الحرب، كان لا يزال ~~يحمل بعضا من مبادئه الليبرالية؛ وأعلن أنه «ضد الحرب» قائلا ~~إنها ستكون صفقة فاسدة. # بعد شهرين، التحقت بالجيش. وبعد ذلك بسبعة أشهر، كنت في ~~فرنسا. # 8 # لم أصب وأنا في الجيش إلا في أواخر عام 1916. # كنا قد خرجنا لتونا من الخنادق ونسير راجعين في طريق يصل طوله ~~إلى نحو الميل، وكان يفترض أنه آمن؛ ولكن الألمان لا بد أنهم قد ~~اكتشفوه في وقت ما قبلنا. وفجأة، بدءوا في إطلاق بعض القذائف - ~~التي كانت من النوع الثقيل شديد الانفجار - علينا، وكانوا يلقون ~~قذيفة كل دقيقة. كان هناك صوت الدوي المعتاد، ثم الانفجار في ~~مكان ما في الميدان على ناحية اليمين. أعتقد أن القذيفة الثالثة ~~هي التي أصابتني؛ وقد عرفت بمجرد أن سمعت صوتها وهي آتية أن اسمي ~~مكتوب عليها. يقولون إن المرء يشعر باقتراب حلول مصائبه دائما. ~~لكن القذيفة لم تكن تقول ما تقوله القذائف العادية؛ بل قالت: «لقد ~~جئت من أجلك أيها الوغد، أنت، أنت أيها الوغد، أنت!» حدث كل ذلك ~~فيما يقرب من ثلاث ثوان، وآخر ما حدث كان الانفجار. # شعرت كما لو أن يدا هائلة من الهواء قد جرفتني معها؛ فسقطت في ~~الحال وأنا أشعر بشيء من الانكسار والغضب بين العديد من العلب ~~المعدنية القديمة، والشظايا الخشبية، والأسلاك الشائكة الصدئة، ~~والروث، وعبوات الرصاص والمتفجرات الفارغة، ms110 وغيرها من ~~القاذورات في الخندق على جانب الطريق. عندما انتشلوني وأزالوا عني ~~بعض الأوساخ، وجدوا أنني لم أصب بإصابات بالغة؛ فلم تكن سوى عدة ~~شظايا قذائف صغيرة غرزت في أحد ردفي وفي الجزء الخلفي من ~~الساقين، ولكن لحسن حظي كانت إحدى ضلوعي قد انكسرت أثناء سقوطي، ~~ما جعل الأمر خطيرا بما يكفي كي أرجع إلى إنجلترا. قضيت ذلك ~~الشتاء في مستشفى ميداني في تلال قرب إيستبورن. # هل تتذكر تلك المستشفيات الميدانية التي كانت في زمن الحرب؟ تلك ~~الصفوف الطويلة من الأكواخ الخشبية التي تشبه عشش الدواجن ~~المتراصة أعلى تلك التلال الثلجية ~~الموحشة - «الساحل الجنوبي»، كما ~~اعتاد أن يطلق عليه الناس، ما جعلني أتساءل عن شكل ~~الساحل الشمالي - حيث يبدو أن الرياح تهب عليك من كل اتجاه في نفس ~~الوقت، ومجموعات الرجال الذين كانوا يرتدون البدلات من قماش ~~الفلانيلة الأزرق الباهت وربطات العنق الحمراء، ويتجولون ~~ذهابا وإيابا باحثين عن مكان بعيد عن الرياح، ولا يجدون قط. في ~~بعض الأحيان، كان الأطفال من مدارس الأولاد عالية الطراز في ~~إيستبورن يرسلون في طوابير لتوزيع السجائر وحلوى النعناع على ~~«الجرحى من التومي»، كما كانوا يطلقون علينا. كان يقترب طفل ذو ~~وجه وردي في سن الثامنة تقريبا من مجموعة من الرجال الجرحى ~~الجالسين على العشب، ويشق علبة من سجائر ماركة وودباين ~~ليفتحها، وبجدية شديدة يعطي كل رجل سيجارة واحدة، تماما كما لو ~~كان يطعم قرودا في حديقة الحيوان. وكان أي أحد يملك ما يكفي من ~~القوة ليتجول مسافة أميال في التلال على أمل أن يقابل أي فتيات؛ ~~ولكن لم يكن ثمة عدد كاف من الفتيات لملاحقتهن. في الوادي أسفل ~~المستشفى، كان ما يشبه الأيكة؛ وقبل الغسق بكثير، كنت ترى رجلا ~~وامرأة ملتصقين أمام كل شجرة؛ وأحيانا، إذا وجدت شجرة سميكة ~~الجذع، تجد رجلا وامرأة على كل جانب منها. أكثر ما أتذكره عن ذلك ~~الوقت هو الجلوس قبالة شجيرة جولق أثناء هبوب الرياح المجمدة، ~~حيث تكون أصابعي شديدة البرودة لدرجة أنني لم أكن أستطيع ثنيها، ~~وطعم ms111 حلوى النعناع في فمي. هذه هي ذكريات الجنود المعتادة؛ ~~ولكنني كنت أبتعد عن حياة «التومي» على الرغم من ذلك. أرسل قائد ~~السرية اسمي للحصول على رتبة ضابط قبل إصابتي بفترة وجيزة؛ وفي ذلك ~~الوقت، كانوا في أشد الحاجة إلى الضباط، وأي شخص كان بإمكانه أن ~~يحصل على رتبة ضابط إن أراد، ما لم يكن في الواقع أميا. ذهبت ~~على الفور من المستشفى إلى معسكر لتدريب الضباط بالقرب من ~~كولتشيستر. # غريب للغاية ما فعلته الحرب بالناس؛ فقبل أقل من ثلاثة أعوام ~~منذ كنت بائعا بمتجر نشيطا ورشيقا أقف إلى طاولة البيع في ~~مئزري الأبيض وأقول: «أجل يا سيدتي! بالطبع يا سيدتي! هل أحضر لك ~~شيئا آخر يا سيدتي؟» حيث كانت حياة البقالة أمامي، وكانت فكرة أن ~~أصبح ضابطا في الجيش تعادل حصولي على لقب فارس. وها أنا مختال ~~بقبعتي الرائعة وياقتي الصفراء، وأؤدي واجبي بشكل أو بآخر بين ~~حشد من أفراد الخدمة المؤقتة الآخرين وبعض ممن لم يكونوا ~~مؤقتين كذلك. وهذا هو بيت القصيد: وهو عدم شعوري بالغرابة بأي ~~شكل؛ إذ لم يبد شيئا غريبا في تلك الأيام. # كان الأمر كما لو أن آلة ضخمة تتحكم فيك بالكامل، فلم يكن لديك ~~شعور بالإرادة الحرة، وفي الوقت نفسه لم يكن لديك رغبة في محاولة ~~المقاومة. لو لم يكن لدى الناس بعض من مثل هذا الشعور، فلم يكن ~~لحرب أن تستمر لثلاثة أشهر؛ إذ سيحمل الجنود عتادهم ويرحلون ~~إلى بلادهم. لماذا انضممت للجيش؟ ولماذا انضم إليه ملايين ~~الحمقى الآخرين قبل فرض التجنيد الإجباري؟ انضممنا للمتعة من جهة، ~~ومن جهة أخرى من أجل إنجلترا، إنجلترا وطني والإنجليز وكل تلك ~~الأمور. ولكن إلى متى استمر ذلك؟ معظم الشباب الذين عرفتهم كانوا ~~قد نسوا كل هذا قبل وقت طويل من وصولهم إلى فرنسا. الرجال في ~~الخنادق لم يكونوا وطنيين، ولم يكرهوا القيصر، ولم يهتموا ~~قيد أنملة ببلجيكا الصغيرة النبيلة والألمان الذين كانوا يغتصبون ~~الراهبات على الطاولات (كانوا يغتصبونهن دائما «على الطاولات»، ~~كما لو أن ذلك سيزيد ms112 الأمر سوءا) في شوارع بروكسل؛ ولكنهم لم ~~يحاولوا الهرب. لقد كانت الآلة المسيطرة تتحكم فيك، ويمكنها أن ~~تفعل بك ما يحلو لها؛ ترفعك لأعلى وتهبط بك لأسفل بين أماكن وأشياء ~~لم تحلم يوما بها؛ وإن أوقعت بك على سطح القمر، فلن يبدو الأمر ~~غريبا. انتهت حياتي القديمة في اليوم الذي انضممت فيه للجيش؛ فقد ~~كان الأمر كما لو أنها لم تعد تعنيني. هل تصدق أنني منذ ذلك ~~اليوم لم أذهب إلى لوير بينفيلد سوى مرة واحدة، وكان ذلك لأحضر ~~جنازة أمي؟ يبدو الأمر لا يصدق الآن، ولكنه بدا طبيعيا جدا ~~في ذلك الوقت. أعترف أن جزءا من ذلك كان بسبب إلسي، التي توقفت ~~بالطبع عن الكتابة لها بعد شهرين أو ثلاثة. لا شك أنها قد تعرفت ~~على شخص آخر، ولكنني لم أكن أرغب في مقابلتها. وبعيدا عن ذلك، ~~ربما، لو تمكنت من الحصول على إجازة، لكنت قد ذهبت لرؤية أمي، ~~التي أصابتها نوبات المرض عندما انضممت إلى الجيش، وكانت ستكون ~~فخورة بابنها في زيه العسكري. # توفي أبي عام 1915، وكنت في ذلك الوقت في فرنسا. لا أبالغ ~~عندما أقول إن موت أبي يؤلمني الآن أكثر مما آلمني في وقت موته؛ ~~ففي ذلك الوقت، كان الأمر مجرد خبر سيئ تقبلته تقريبا دونما ~~اهتمام، بنوع من تبلد الحس، كما يتقبل المرء كل شيء في الجيش. ~~أتذكر الزحف نحو بوابة المخبأ للحصول على ضوء كاف لقراءة الخطاب، ~~وأتذكر آثار دموع أمي في الخطاب، والإحساس بالألم الذي كنت أشعر به ~~في ركبتي ورائحة الوحل. كانت وثيقة التأمين على الحياة الخاصة ~~بأبي مرهونة بأغلب قيمتها، ولكنه كان لديه قدر ضئيل من المال في ~~البنك، وكان آل سارازينز سيشترون المخزون ويدفعون مبلغا صغيرا؛ ~~تقديرا منهم لسمعة أبي التجارية. على أي حال، كانت أمي تمتلك ~~ما يزيد على مائتي جنيه إلى جانب أثاث المنزل. وذهبت للعيش ~~مؤقتا مع إحدى قريباتها، وهي زوجة أحد صغار الملاك الذي كان حاله ~~جيدا في وقت الحرب، وذلك قرب دوكسلي على بعد بضعة ms113 أميال على ~~الجانب الآخر من وولتن. كان ذلك «وضعا مؤقتا» فقط؛ فقد كان ثمة ~~شعور مؤقت تجاه كل شيء. إن كان ذلك قد حدث في الأيام الماضية، التي ~~تكاد لا تتعدى في الواقع عاما واحدا، لكان الأمر سيبدو كارثة ~~مرعبة؛ فمع وفاة الأب وبيع المتجر وعدم امتلاك الأم إلا لمائتي ~~جنيه، كنت سترى أمامك على نحو ما مسرحية تراجيدية ممتدة على ~~مدى خمسة عشر مشهدا، آخرها جنازة الفقير. ولكن الآن الحرب والشعور ~~بأن المرء لا يملك نفسه قد ألقيا بظلالهما على كل شيء؛ فلم يعد ~~الناس يفكرون في أشياء كالإفلاس وملجأ الفقراء. كان هذا هو الوضع ~~حتى مع أمي، التي يعلم الله أنها كانت لديها أفكار شديدة الغموض ~~حول الحرب؛ إضافة إلى أنها كانت في أواخر أيامها بالفعل، على الرغم ~~من أن أحدا منا لم يكن يعلم ذلك. # أتت لرؤيتي في المستشفى بإيستبورن، وكان ذلك بعد ما يزيد على ~~عامين من رؤيتي لها آخر مرة، وقد صدمني شكلها بعض الشيء حين ~~رأيتها؛ فقد بدت شاحبة وتقلص حجمها قليلا. كان ذلك من ناحية ~~لأنني في ذلك الوقت كنت قد كبرت وسافرت، وبدا كل شيء أصغر في عيني، ~~ولكن لا شك أنها أصبحت أنحف، وكذلك أكثر شحوبا. حدثتني بطريقتها ~~الهائمة القديمة عن العمة مارثا (القريبة التي أقامت عندها)، ~~والتغييرات التي حلت بلوير بينفيلد منذ اندلاع الحرب، وجميع الصبية ~~الذين «رحلوا» (أي انضموا للجيش)، وعسر الهضم الذي كان يصيبها ~~والذي كان «متفاقما»، وشاهد مقبرة أبي المسكين وجثمانه الجميل. ~~كان كلامها القديم نفسه، الكلام الذي كنت أسمعه لسنوات، ولكنه أصبح ~~بشكل ما ككلام شبح؛ فلم يعد يهمني كما كان في السابق. لطالما ~~عرفت أمي كائنا طيبا ومراعيا ومذهلا ورائعا، كتمثال من تلك ~~التماثيل التي يضعونها في مقدمة السفن، وكدجاجة حاضنة لأفراخها، ~~وفي نهاية المطاف أصبحت امرأة ضئيلة الحجم في فستان أسود. كل شيء ~~كان يتغير ويزداد شحوبا. وكانت تلك آخر مرة أراها على قيد ~~الحياة. وصلتني برقية تقول إنها كانت مريضة بشدة عندما كنت ms114 في ~~مدرسة التدريب في كولتشيستر، وتقدمت على الفور للحصول على إجازة ~~لمدة أسبوع؛ ولكن كان الأوان قد فات، إذ ماتت في الوقت الذي كنت ~~فيه في دوكسلي. ما تخيلته هي وأي شخص آخر أنه كان عسر هضم كان ~~نوعا من الأورام الداخلية، وقد قضت عليها ارتجافة مفاجئة في ~~المعدة. حاول الطبيب التخفيف عني بإخباري أن الورم كان «حميدا»، ~~ما بدا لي تسمية غريبة لمعرفتي أن هذا الورم قد قتلها. # حسنا، دفناها بجوار أبي، وكانت تلك نظرتي الأخيرة على لوير ~~بينفيلد، التي تغيرت كثيرا في ثلاث سنوات فقط؛ حيث أغلقت بعض ~~المتاجر، وتغيرت أسماء بعضها الآخر، وتقريبا كل الرجال الذين ~~عرفتهم في صباي كانوا قد رحلوا، وبعض منهم كانوا قد ماتوا. مات ~~سيد لوفجروف؛ إذ قتل في معركة السوم، ومات جينجر واتسون، صبي ~~المزرعة الذي انضم إلى مجموعة اليد السوداء منذ سنوات، ذلك الصبي ~~الذي كان يصطاد الأرانب حية؛ وكان في مصر حين وفاته. أحد الشباب ~~الذين كانوا يعملون معي في متجر جريميت فقد ساقيه. وأقفل العجوز ~~لوفجروف متجره وكان يعيش في كوخ بجوار وولتن على معاش سنوي صغير. ~~أما العجوز جريميت، فقد كان يستفيد من الحرب، وأصبح وطنيا وعضوا ~~في اللجنة المحلية التي حاكمت معارضي الخدمة العسكرية. وما أسهم ~~أكثر من أي شيء آخر في فراغ البلدة وإعطائها ذلك المظهر المهجور ~~كان في الواقع خلوها من الخيول؛ فقد استولى الجيش على كل حصان في ~~حالة جيدة منذ مدة طويلة. كانت العربات التي تجرها الدواب لا ~~تزال موجودة، لكن الحيوانات التي كانت تجرها لم تكن قادرة على ~~الوقوف لولا أعمدة الجر. لمدة ما يقرب من الساعة التي قضيتها هناك ~~قبل الجنازة، تجولت في البلدة متسائلا عن أحوال الناس ومستعرضا ~~زيي العسكري. لحسن الحظ، لم أقابل إلسي. رأيت كل التغيرات، ~~ولكنني كنت كما لو أنني لم أر شيئا؛ فقد كان عقلي مشغولا بأمور ~~أخرى، على وجه التحديد السعادة التي غمرتني عندما رآني الناس بزي ~~الملازم الثاني، وشارة أعلى الذراع الأسود (شيء يبدو ms115 أنيقا للغاية ~~على اللون الكاكي)، وبنطالي المضلع الجديد. أتذكر جليا أنني ~~كنت لا أزال أفكر في ذلك البنطال عندما وقفنا عند الساحة بجوار ~~القبر، ثم رموا ببعض التراب على التابوت؛ فأدركت فجأة معنى أن أمي ~~مستلقية أسفل الأرض على مسافة سبع أقدام، وشعرت برعشة خلف عيني ~~وأنفي، ولكن حتى في تلك اللحظة لم يذهب البنطال عن بالي. # لا تعتقد أنني لم أحزن لموت أمي. لقد حزنت بالفعل؛ فلم أعد ~~أحارب في الخنادق، ويمكنني أن أشعر بالحزن على موت أحد الأشخاص. ~~ولكن ما لم أكن أهتم به أو حتى أعرف أنه كان يحدث قط هو انقضاء ~~الحياة القديمة التي كنت أعرفها. بعد الجنازة، رجعت العمة مارثا ~~- التي كانت فخورة للغاية بأن لها «ضابطا حقيقيا» في عائلتها ~~وكانت ستستغل الجنازة لجذب الانتباه إلي، إن كنت قد سمحت لها - ~~إلى دوكسلي بالحافلة، واستأجرت عربة إلى المحطة كي أستقل القطار ~~إلى لندن ثم إلى كولتشيستر. مررنا في طريقنا بالمتجر، ولم يكن أحد ~~قد أخذه منذ وفاة والدي. كان مغلقا وكان زجاج النافذة أسود وعليه ~~غبار، وقد أحرق لهيب نفخ أحد السمكرية اسم «إس بولينج» على ~~اللافتة. حسنا، كان في ذلك المكان المنزل الذي عشت فيه طفلا ~~وصبيا وشابا؛ حيث كنت أزحف إلى أرضية المطبخ وأشم رائحة ~~العنبريس وأقرأ «دونوفان الشجاع»؛ وحيث كنت أؤدي واجباتي المنزلية ~~لمدرسة القواعد اللغوية، وأخلط معجون الخبز، وأصلح ثقوب الدراجة، ~~وأجرب ارتداء أول ياقة عالية في حياتي. بدا لي ذلك المنزل حينها ~~دائما كالأهرامات، ولكنني إن رجعت لها مرة أخرى الآن فسيكون ~~بمنزلة شيء عارض. أبي، وأمي، وجو، وصبيان المتجر، والكلب نايلير ~~العجوز، والكلب سبوت الذي اقتنته عائلتي بعد نايلير، وطائر الدغناش ~~جاكي، والقطتان، والفئران في العلية؛ كل ذلك قد رحل ولم يتبق شيء ~~سوى الغبار. ولم أعد أكترث بشيء. حزنت على موت أمي، وحزنت كذلك على ~~موت أبي؛ ولكن ذهني كان شاردا في أشياء أخرى طوال الوقت. كنت ~~فخورا بعض الشيء برؤية الناس لي في عربة أجرة، وهو الشيء ms116 الذي لم ~~أكن حينها قد اعتدت عليه؛ وكنت أفكر في ارتدائي لبنطالي المضلع ~~الجديد، وفي حذائي العسكري اللامع الجميل الذي يختلف عن الأحذية ~~الخشنة التي يرتديها الجنود والشباب الآخرون في كولتشيستر؛ وكنت ~~أفكر في الجنيهات الستين التي تركتها أمي، وفي كيف سأنفقها. كما ~~كنت كذلك أشكر ربي أنني لم أقابل إلسي. # كان للحرب تأثير استثنائي على الناس. وما كان أكثر استثنائية ~~من أنها تقتل الناس هو طريقتها في بعض الأحيان لإنقاذهم من الموت. ~~كانت كفيضان عظيم يدفعك نحو الموت، وفجأة تقذف بك إلى مكان ما، ~~حيث تجد نفسك تفعل أشياء لا يمكن تصورها، وغير مبررة، وتتقاضى ~~عليها أجرا إضافيا. كانت ثمة كتائب من الجنود العاملين تعمل في ~~رصف طرق في الصحراء التي لا تقود إلى أي مكان؛ وكان ثمة رجال ~~مهجورون على جزر في المحيط لمراقبة السفن الحربية الألمانية التي ~~كانت قد غرقت قبل ذلك بسنوات، وكانت بعض الوزارات المختلفة ~~مزودة بجيش من الجنود الذين مهمتهم القيام بالأعمال المكتبية ~~والكتابة على الآلة الكاتبة، الأمر الذي استمر حتى سنوات بعد ~~انتهاء مهمتهم، في إحدى صور البطالة المقنعة. كان الناس يقحمون ~~في وظائف غير ذات معنى، ثم تنساهم السلطات لسنوات عديدة. هذا ما ~~حدث معي، والذي لولاه ما كنت في الغالب في مكاني اليوم. والتسلسل ~~الكامل للأحداث مشوق للغاية. # بعد فترة وجيزة من إعلان تعييني ضابطا جاء استدعاء لضباط فيلق ~~خدمة الجيش. وبمجرد أن سمع القائد المسئول عن تدريب المعسكر أنني ~~أعلم شيئا عن مجال البقالة (لم أقل إنني عملت خلف طاولة البيع)، ~~أمرني أن أرسل اسمي. جرى الأمر على ما يرام، وكنت للتو على وشك ~~الانتقال إلى مدرسة تدريب أخرى لضباط فيلق خدمة الجيش، التي كانت ~~في مكان ما في ميدلاندز حيث كان هناك حاجة إلى ضابط شاب لديه ~~معرفة بالبقالة للعمل في السكرتارية لدى السير جوزيف تشيم، الذي ~~كان ذا شأن كبير في الفيلق. لا أعلم لماذا اختاروني، ولكنهم على أي ~~حال قد فعلوا؛ فلطالما اعتقدت أنهم ربما اختلط عليهم ms117 الأمر بين ~~اسمي واسم شخص آخر. بعد ثلاثة أيام، كنت أؤدي التحية العسكرية ~~في مكتب السير جوزيف. كان رجلا كبير السن نحيفا، ومنتصب القامة ~~وحسن المظهر، أشيب الشعر وذا أنف حاد أخلف في نفسي انطباعا ~~قويا على الفور؛ إذ بدا جنديا محترفا مثاليا ممن استحقوا ~~وسام التميز الخاص بسان مايكل وسان جورج ووسام الخدمة المتميزة، ~~ويشبه تماما الرجل الذي يظهر في إعلانات دي ريشكا كما لو كان ~~شقيقه التوأم؛ ولكنه في حياته المدنية كان مديرا لسلسلة كبيرة ~~لمتاجر البقالة، التي بلغت شهرتها مختلف أنحاء العالم بفضل ما ~~يسمونه نظام تشيم لتخفيض الأجور. توقف عن الكتابة عندما دخلت ~~عليه، ونظر إلي متفحصا، وقال: ~~«هل أنت من الأعيان؟» ~~«لا يا سيدي.» ~~«جيد. إذن لعلك تنجز لنا عملا.» # فيما يقرب من ثلاث دقائق، استطاع بخبرته أن يعلم أنني لم تكن ~~لدي أي خبرة في السكرتارية، ولم أكن أعرف الاختزال، ولم يسبق لي ~~استخدام الآلة الكاتبة، وأنني قد عملت في متجر للبقالة مقابل ~~ثمانية وعشرين شلنا في الأسبوع؛ ولكنه قال إنني سأتعلم كل ذلك، ~~وإنه كان هناك الكثير من أبناء الطبقات العليا في هذا الجيش ~~اللعين، ولكنه كان يريد شخصا يمكنه العد لأكثر من عشرة. ~~أعجبت به وتطلعت إلى العمل معه، ولكن في هذه اللحظة تحديدا ~~فرقت بيننا مرة أخرى القوى الغامضة التي بدت أنها كانت تدير ~~الحرب؛ فقد كان يتشكل كيان يدعى قوات دفاع الساحل الغربي، أو ~~بالأحرى كانوا يتحدثون عنه، ونشأت فكرة غامضة عن إقامة مستودعات ~~للمؤن وغيرها من المخازن في نقاط مختلفة على طول الساحل. وكان من ~~المفترض أن يكون السير جوزيف مسئولا عن المستودعات في جنوب غرب ~~إنجلترا. وفي اليوم الذي انضممت فيه لمكتبه، أرسلني لفحص المؤن في ~~مكان يدعى مستودع الميل اثني عشر على ساحل كورنوول الشمالي؛ أو ~~بالأحرى كانت وظيفتي هي معرفة ما إذا كانت ثمة مؤن هناك بالفعل أو ~~لا. لم يبد أحد متأكدا من الأمر، فذهبت إلى هناك واكتشفت أن ~~المؤن عبارة عن إحدى عشرة صفيحة ms118 من لحم البقر المعلب، وذلك عندما ~~وصلتني برقية من وزارة الحربية أخبرتني أن أتولى أمر المؤن في ~~مستودع الميل اثني عشر وأظل هناك حتى إشعار آخر. أرسلت برقية ~~بالرد أقول فيها: «لا توجد مؤن في مستودع الميل اثني عشر.» ولكن ~~سبق السيف العزل؛ ففي اليوم التالي وصلني خطاب رسمي يخبرني أنني ~~أصبحت القائد العام لمستودع الميل اثني عشر. وهذه في الحقيقة هي ~~نهاية القصة؛ فقد ظللت في رتبة القائد العام لمستودع الميل اثني ~~عشر حتى نهاية الحرب. # لم يكن أحد يعلم شيئا عن المغزى من كل ذلك؛ فلا فائدة من أن ~~تسألني عن ماهية كيان قوات دفاع الساحل الغربي، أو عما كان من ~~المفترض أن يفعله. حتى حينها لم يتظاهر أحد بمعرفة شيء، ولكنه على ~~أي حال لم يكن له وجود؛ فلم يكن سوى مشروع خطر على ذهن أحد ~~المسئولين - أظن أنه كان نتيجة إشاعة غامضة عن غزو ألماني قادم عبر ~~إيرلندا - ولم تكن مستودعات الطعام التي كان من المفترض أن توجد ~~على طول الساحل إلا من وحي الخيال. الأمر برمته لم يستمر إلا ~~لثلاثة أيام كالفقاعة، ثم نسيه الجميع ونسوني معه. أما الصفائح ~~الإحدى عشرة للحم البقري المعلب التي رأيتها، فقد كان الضباط ~~الذين كانوا في ذلك المكان في وقت سابق في مهمة غامضة أخرى قد ~~تركوها وراءهم؛ كما تركوا كذلك رجلا عجوزا ضعيف السمع بشدة اسمه ~~الجندي ليدجبرد، ولكني لم أعرف قط ما كان من المفترض أن يفعله ~~ليدجبرد هناك. يا ترى هل ستصدق أنني ظللت أحرس صفائح اللحم البقري ~~المعلب الإحدى عشرة تلك منذ منتصف عام 1917 وحتى بداية عام 1919؟ ~~ربما لن تصدقني ولكنها الحقيقة، وحتى ذلك لم يبد غريبا حينها. ~~وبحلول عام 1918، كنت قد تخلصت من عادة توقع حدوث الأشياء بالطرق ~~المنطقية. # كانوا يرسلون إلي مرة كل شهر نموذجا رسميا طويلا ~~يطالبوني فيه بذكر عدد المعاول وحالتها، وأدوات الحفر، ولفات ~~الأسلاك الشائكة، والبطاطين، وملاءات الأرض المضادة للماء، وعدد ~~الإسعافات الأولية، وألواح الحديد المموج، وصفائح مربى البرقوق ms119 ~~والتفاح التي في عهدتي. كنت ببساطة أكتب «صفرا» أمام كل البنود ~~وأرسل النموذج، ولم يحدث شيء قط. وفي لندن، كان ثمة أحد يدخل ~~بيانات النماذج في هدوء؛ ويرسل المزيد من النماذج ويدخل ~~بياناتها، وهكذا . هكذا كانت تسير الأمور. أصحاب المناصب الرفيعة ~~الغامضون الذين كانوا يديرون الحرب كانوا قد نسوا وجودي، ولم ~~أذكرهم بنفسي؛ فقد كنت في مكان منعزل لم يكن يؤدي إلى أي مكان ~~آخر، وبعد عامين في فرنسا لم يكن الشعور بالوطنية يغمرني لدرجة ~~تجعلني أريد الخروج من تلك الحالة. # كنت في جزء منعزل من الساحل حيث لم تكن ترى إنسانا قط سوى بعض ~~الفلاحين الذين بالكاد سمعوا عن اندلاع حرب في البلاد؛ وعلى بعد ~~ربع ميل أسفل تل صغير، كان صوت البحر يدوي ويموج على سهول ~~شاسعة من الرمال. كانت السماء تمطر في تسعة أشهر من السنة، وفي ~~الأشهر الثلاثة الأخرى تهب الرياح الأطلسية العاتية. لم يكن ثمة ~~شيء سوى الجندي ليدجبرد وأنا وكوخان من أكواخ الجيش - أحدهما كان ~~كوخا مقبولا بغرفتين، والذي كنت أقيم فيه - وصفائح اللحم البقري ~~المعلب الإحدى عشرة. وكان ليدجبرد شيطانا عجوزا فظا، ولم أتمكن ~~قط من معرفة الكثير عنه سوى أنه كان يزرع الخضراوات ويبيعها ~~للتجار في الأسواق قبل أن ينضم إلى الجيش. تشوقت أن أعرف كيف رجع ~~سريعا إلى سابق عهده؛ فحتى قبل أن أذهب إلى مستودع الميل اثني ~~عشر، كان قد حفر قطعة أرض صغيرة حول أحد الكوخين وبدأ في زراعة ~~البطاطس، كما حفر قطعة أرض أخرى في الخريف حتى زرع ما يقرب من نصف ~~فدان. وفي بداية عام 1918، شرع في تربية الدجاج، الذي تزايدت ~~أعداده بحلول نهاية الصيف؛ وعلى مشارف نهاية العام، ربى فجأة ~~خنزيرا لا أعلم من أين جلبه. لا أعتقد أنه قد خطر في باله أن ~~يتساءل عما نفعله في ذلك المكان، أو ما هي قوات دفاع الساحل الغربي ~~وما إذا كان لها وجود بالفعل. ولن أستغرب إن سمعت أنه ما زال هناك ~~يربي الخنازير ويزرع البطاطس في ms120 البقعة التي كانت يوما مستودع ~~الميل اثني عشر؛ بل أتمنى أن يكون ما زال هناك بالفعل، وأتمنى له ~~حظا سعيدا. # في ذلك الوقت، كنت أفعل شيئا لم تتسن لي الفرصة من قبل أن ~~أفعله عندما كنت أعمل بدوام كامل. كان هذا الشيء هو ~~القراءة. # ترك الضباط الذين كانوا في ذلك المكان قبلي بضعة كتب، أغلبها من ~~الطبعات الرخيصة وكلها تقريبا من ذلك النوع التافه الذي كان يقرؤه ~~الناس في ذلك الوقت: قصص إيان هاي وسابر وكريج كينيدي وأشياء من ~~هذا القبيل. ولكن في وقت ما كان هناك شخص يعرف جيدا الكتب التي ~~تستحق القراءة وتلك التي لا تستحق. أنا نفسي في ذلك الوقت لم تكن ~~لدي مثل تلك المعرفة؛ فالكتب الوحيدة التي قرأتها طواعية كانت ~~القصص البوليسية، وفي بعض الأحيان النادرة كنت أقرأ الكتب الجنسية ~~البذيئة. في الواقع، أنا لم أخطط لأن أكون رفيع الثقافة حتى الآن؛ ~~ولكن إن سألتني حينها عن اسم كتاب «جيد»، لأجبتك برواية «المرأة ~~التي أعطيتها لي»، أو (تخليدا لذكرى راعي الكنيسة) «السمسم ~~والزنابق». على أي حال، كان الكتاب «الجيد» بالنسبة لي هو الكتاب ~~الذي لا يهتم أحد بقراءته. ولكني وجدت نفسي في ذلك المكان، في ~~وظيفة ليس فيها شيء لأفعله، وبجواري البحر يندفع على الشاطئ ~~والأمطار تنهمر على الواجهة الزجاجية للنافذة - وصف كامل من الكتب ~~التي كانت كما لو أنها تحدق في وجهي على الرف المؤقت الذي أعده ~~أحد الضباط السابقين على حائط الكوخ. بطبيعة الحال، بدأت أقرأ فيها ~~من الغلاف إلى الغلاف، وحاولت في البداية جاهدا انتقاء الأفضل، ~~كخنزير ينتقي طعامه من دلو مليء بالقمامة. # ولكنني وجدت بينها ثلاثة أو أربعة كتب كانت مختلفة عن الكتب ~~الأخرى. لا، لا بد أنك قد أسأت الفهم! لا تتسرع وتظن أنني فجأة قد ~~وجدت كتبا لمارسيل بروست أو هنري جيمس أو من شابههما؛ فلم أكن ~~لأقرأها حتى إن كنت قد وجدتها. ولكن تلك الكتب التي أتحدث عنها لم ~~تكن ذات مستوى ثقافي عال على الإطلاق؛ ولكنك من ms121 حين لآخر قد تجد ~~كتابا في المستوى الذهني الذي وصلت إليه تماما في تلك اللحظة، ~~لدرجة أنه يبدو كما لو أنه قد كتب خصيصى لأجلك. أحد تلك الكتب ~~كان «تاريخ السيد بولي» لإتش جي ويلز، وكان في طبعة رخيصة للغاية ~~متهالكة الأوراق. هل تتخيل الأثر الذي تركه في نفسي، وكيف لشخص ~~مثلي، بالطريقة التي تربيت بها ابنا لصاحب متجر في بلدة ريفية، ~~أن يقع كتاب كذلك في يده؟ من تلك الكتب أيضا كان «شارع سينستر» ~~لكومبتون ماكنزي، الذي كان فضيحة الموسم قبل عدة سنوات سابقة على ~~ذلك الحين، وكنت قد قرأت بعض الإشاعات الغريبة عنه في لوير ~~بينفيلد. وجدت أيضا رواية «النصر» لكونراد، التي أصابتني أجزاء ~~منها بالملل. ولكن كتب كتلك تجعلك تبدأ في التفكير. كان هناك ~~كذلك عدد قديم من مجلة ذات غلاف أزرق، وكان بها قصة قصيرة ل «دي ~~إتش لورانس»، ولكنني لا أتذكر اسمها. كانت قصة عن مجند إلزامي في ~~الجيش الألماني دفع برئيسه الرقيب الأول من أعلى حافة أحد الحصون، ~~ثم هرب وقبض عليه في غرفة نوم فتاته. حيرتني تلك القصة كثيرا؛ ~~فلم أستطع فهم ما تدور حوله، ولكنها تركت لدي شعورا غريبا ~~بأنني أريد أن أقرأ قصصا أخرى مماثلة لها. # حسنا، كانت لدي لعدة أشهر تعطش إلى قراءة الكتب أشبه بالعطش ~~إلى الماء. وقد كان ذلك أول انخراط حقيقي لي في القراءة حظيت به ~~منذ أيام ديك دونوفان. في البداية، لم تكن لدي أي فكرة عن ~~كيفية الحصول على الكتب، وقد ظننت أن الطريقة الوحيدة لذلك هي عن ~~طريق شرائها، واعتقدت أن ذلك مثير للاهتمام؛ إذ يبين لك الاختلاف ~~الذي تصنعه النشأة، فأنا أعتقد أن أبناء الطبقة المتوسطة، تلك ~~الطبقة التي تتحصل على خمسمائة جنيه في السنة، يعلمون كل شيء عن ~~مكتبة مودي ونادي كتب التايمز منذ نعومة أظفارهم. بعد ذلك الحين ~~بوقت ليس بطويل، علمت بوجود مكتبات الاستعارة، واستخرجت اشتراكا ~~من مكتبة مودي، وآخر من مكتبة في بريستول. لعلك تسأل عما كنت أقرؤه ~~خلال ms122 السنة التالية أو نحو ذلك! حسنا، كنت أقرأ لويلز، وكونراد، ~~وكيبلينج، وجالزوورثي، وباري باين، ودبليو دبليو جاكوبس، وبيت ~~ريدج، وأوليفر أونيونز، وكومبتون ماكينزي، وإتش سيتون ميريمان، ~~وموريس بارينج، وستيفن ماكينا، وماي سينكلير، وأرنولد بينيت ، ~~وأنتوني هوب، وإلينور جلين، وأو هنري، وستيفن ليكوك، وحتى سيلاس ~~هوكينج وجان ستراتون بورتر. ترى كم اسما تعرفه في تلك القائمة؟ ~~نصف الكتب التي أخذها الناس على محمل الجد في تلك الأيام أصبحت ~~منسية الآن. ولكنني في البداية التهمتها دفعة واحدة كحوت وقع ~~وسط سرب من أسماك القريدس. وقد وجدت متعة بالغة في قراءتها. ~~أصبحت بالطبع بعدئذ بقليل أكثر ثقافة وبدأت أعرف كيف أفرق ~~بين الكتب التافهة وغير التافهة. حصلت على رواية «أبناء وعشاق» ~~للورانس، واستمتعت بها بعض الشيء، واستمتعت كثيرا بقراءة «دوريان ~~جراي» لأوسكار وايلد، و«ألف ليلة وليلة الجديدة» لستيفنسون. أما ~~الكاتب الذي كان له التأثير الأكبر علي، فقد كان ويلز. قرأت كذلك ~~«إستر ووترز» لجورج مور وأعجبتني، وجربت عدة روايات لهاردي ولكني ~~كنت دائما أعلق في منتصفها. كانت لي تجربة أيضا مع مؤلفات ~~إبسن، التي تركت لدي انطباعا غريبا أن السماء تمطر دائما في ~~النرويج. # كان ذلك غريبا حقا، وحتى في تلك الأيام كان الأمر يبدو لي ~~غريبا. كنت قد أصبحت ملازما ثانيا وتخلصت تقريبا من لهجة ~~أبناء الطبقة العاملة، وكان بإمكاني التمييز بين أرنولد بينيت ~~وإلينور جلين، وكل ذلك في غضون أربع سنوات فقط منذ كنت أقطع الجبن ~~خلف طاولة البيع في المتجر مرتديا مئزري الأبيض وأتطلع إلى اليوم ~~الذي أصبح فيه صاحب متجر للبقالة. قبل أن أزيدك من الشعر ~~بيتا، أعتقد أنني يجب أن أعترف أن الحرب قد جلبت لي الخير والشر ~~على السواء. في كل الأحوال، شكلت تلك السنة التي قرأت فيها ~~الروايات التعليم الحقيقي الوحيد الذي حصلت عليه، من ناحية ~~المعرفة النظرية. لقد كان لها تأثير خاص على عقلي، وعلمتني ~~منهجا للنظر في الأشياء، ذلك المنهج النقدي، الذي على الأرجح لم ~~أكن لأكتسبه لو كنت قد شققت طريقي في الحياة ms123 بطريقة عادية مخطط ~~لها. ولكن - أتساءل عما إذا كان بمقدورك فهم هذا - الشيء الذي ~~غيرني حقا، أي الذي كان له أثر علي بالفعل، لم يكن بالأحرى ~~الكتب التي قرأتها بقدر ما كان غياب المعنى من الحياة البغيضة ~~التي كنت أعيشها. # كانت الحياة بالفعل خالية من المعنى على نحو لا يمكن التعبير ~~عنه في ذلك الوقت عام 1918. هكذا كنت هناك، أجلس بجوار الموقد في ~~كوخ تابع للجيش، وأقرأ الروايات؛ وعلى بعد بضع مئات الأميال في ~~فرنسا كانت الأسلحة تدوي وكانت أسراب الأطفال البائسين، الذين ~~كانوا يبللون سراويلهم من الخوف، يقادون إلى الحصون كمن يقذف ~~بقطع الفحم الصغيرة في أتون. كنت من المحظوظين؛ فالقادة الكبار ~~كانوا قد صرفوا النظر عني، وها أنا كنت هناك في جحري الآمن ~~الصغير المحجوب عن الأنظار أتقاضى أجرا من وظيفة لا وجود لها. كنت ~~أدخل في نوبة هلع في بعض الأحيان، وكنت على يقين من أنهم ~~سيتذكرونني ويخرجونني من ذلك المكان؛ ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. ~~النماذج الرسمية، في أوراقها الرمادية الرملية، كانت تأتيني مرة في ~~الشهر؛ وكنت أملؤها وأعيد إرسالها؛ ثم كان يأتي المزيد من ~~النماذج، وأملؤها ثم أعيد إرسالها، وهكذا. لم يكن في الأمر ~~برمته منطق على الإطلاق، كما لو أنه حلم من أحلام رجل مجذوب. ~~وكان تأثير كل ذلك، بالإضافة إلى الكتب التي كنت أقرؤها، هو أن ترك ~~في نفسي شعورا من عدم الإيمان بأي شيء. # لم أكن الوحيد في هذا الشأن؛ ففي وقت الحرب كانت البلاد مليئة ~~بالأطراف السائبة والأركان المنسية، ففي ذلك الوقت كان هناك ~~بالفعل ملايين الأشخاص العالقين في أماكن مهجورة بشكل أو بآخر. ~~هناك جيوش بأكملها كانت تتفكك على جبهات نسي الناس أسماءها. وثمة ~~وزارات ضخمة كان بها حشد من الموظفين والكاتبين على الآلة الكاتبة ~~يتقاضون جميعا جنيهين في الأسبوع وأكثر وهم لا يفعلون شيئا ~~سوى تكويم تلال من الأوراق. علاوة على ذلك، فقد كانوا يعلمون جيدا ~~أن كل ما كانوا يفعلونه هو تكويم تلال من الأوراق. ولم يعد ms124 أحد ~~يؤمن بالقصص الوحشية وبما يروج عن شأن بلجيكا المسكينة النبيلة. ~~كان الجنود يعتقدون أن الألمان كانوا أناسا طيبين، وكانوا ~~يكرهون الفرنسيين كراهية السم. وكان كل ضابط صغير يرى الأركان ~~العامة حفنة من المتخلفين عقليا. موجة من عدم الإيمان بأي شيء ~~كانت تجتاح إنجلترا، وقد وصلت حتى إلى مستودع الميل اثني عشر. قد ~~يبدو من المبالغة إن قلت إن الحرب قد حولت الناس إلى مثقفين، ~~ولكنها بالفعل حولتهم إلى عدميين آنذاك. هؤلاء الذين يمضون في ~~حياتهم بطريقة عادية، ولا يتعدى تفكيرهم في أنفسهم من التعقيد ~~تفكيرهم في الحلوى الدسمة، قد تحولوا إلى بلاشفة فقط بفعل الحرب. ~~ترى كيف كان سيكون حالي الآن لو لم تقع الحرب؟ لا أعلم، ولكن ~~بالتأكيد كنت سأكون مختلفا عما أنا عليه الآن. إن لم تقتلك الحرب، ~~فستجعلك تبدأ في التفكير؛ فبعد تلك الفوضى التي تتعدى حماقتها ~~الوصف، لا يمكنك الاستمرار في النظر إلى المجتمع باعتباره أبديا ~~ولا يرقى إلى الشك كالأهرامات؛ لأنك علمت أنه لم يكن سوى خدعة ~~كبيرة. # 9 # سلبتني الحرب حياتي القديمة التي كنت أعرفها؛ ولكن في الفترة ~~الغريبة التي أتت بعدها، نسيتها تقريبا برمتها. # أعلم أنه على نحو ما لا ينسى المرء أي شيء قط؛ إذ تتذكر تلك ~~القطعة من قشر البرتقال التي رأيتها في قناة تصريف المياه منذ ~~ثلاثين عاما، وذلك الملصق الملون لمدينة توركاي الذي لمحته مرة ~~في غرفة الانتظار بإحدى محطات القطار. ولكنني أتحدث عن نوع مختلف ~~من الذاكرة؛ فعلى نحو ما أتذكر حياتي القديمة في لوير بينفيلد: ~~أتذكر قصبة الصيد خاصتي، ورائحة العنبريس؛ وأتذكر أمي خلف ~~إبريق الشاي البني، وطائر الدغناش جاكي، ومعلف الخيول في ~~السوق. ولكن لم يعد أي من ذلك حيا في ذهني؛ فقد أصبحت كلها ~~أشياء بعيدة، أشياء انتهيت منها. لم يحدث قط أن خطر ببالي أنني ~~أردت العودة يوما إلى تلك الأيام. # لقد كان زمانا غريبا، تلك السنوات التي تلت الحرب مباشرة؛ ~~فهي أكثر غرابة من أيام الحرب نفسها، ولكن الناس لا يتذكرونها ~~بوضوح. ms125 على نحو مختلف تماما، كان الشعور بعدم الإيمان بأي شيء ~~أقوى من أي وقت مضى. ملايين الرجال سرحوا فجأة من الجيش ليجدوا ~~أن البلد الذي حاربوا من أجله لا يريدهم، وكان لويد جورج ورفقاؤه ~~يعملون على تعزيز أي أوهام كانت لا تزال موجودة. كانت مجموعات من ~~الرجال الذين كانوا في الخدمة يسيرون جيئة وذهابا في تظاهرات في ~~الشوارع يقعقعون صناديق جمع الأموال، وكانت النساء المقنعات ~~يغنين في الشوارع، وكان رجال بالزي العسكري يعزفون على آلة ~~الأرغن اليدوية. بدا كل شخص في إنجلترا يصارع للحصول على عمل، وفي ~~ذلك أنا. ولكنني كنت محظوظا أكثر من معظمهم، فقد حصلت على تعويض ~~بسيط عن إصابتي؛ وبه ومع القليل من المال الذي ادخرته خلال السنة ~~الأخيرة من الحرب (إذ لم يتسن لي الكثير من الفرص لإنفاقه)، خرجت ~~من الجيش بما لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين جنيها. أعتقد أنه من ~~المثير للاهتمام ملاحظة رد فعلي. هكذا كان معي ما يكفي من المال ~~لأفعل ما تدربت على فعله وما حلمت به لسنوات، وهو أن أفتح متجرا؛ ~~فلدي رأس مال كبير. إذا تحليت بالصبر والحذر، يمكنك أن تدير ~~عملا جيدا بثلاثمائة وخمسين جنيها، ولكن صدقني لم تخطر الفكرة ~~على ذهني قط؛ فلم أمتنع فقط عن اتخاذ أي خطوات نحو امتلاك متجر، بل ~~لم يخطر ببالي إلا بعدها بسنوات - تقريبا في 1925 في الواقع - أنه ~~كان علي أن أمتلك واحدا. الحقيقة كانت أنني خرجت لتوي من دائرة ~~أصحاب المتاجر، وذلك كان ما فعله الجيش في؛ إذ يجعلك ترى نفسك ~~كأحد الأعيان، ويعطيك فكرة راسخة عن أن المال دائما سيأتيك من ~~مكان ما. إن كنت قد اقترحت علي حينها، في 1919، أنه ينبغي ~~علي أن أمتلك متجرا - للتبغ أو الحلوى أو ما شابه، أو متجرا ~~عاما في قرية فقيرة - لكنت قد ضحكت على ما تقول؛ فقد كنت قد ~~ارتديت الإشارات الدالة على الرتبة على كتفي، وعلا وضعي الاجتماعي. ~~في الوقت نفسه، لم يكن لدي الوهم، الذي كان شائعا للغاية بين ms126 ~~الضباط السابقين، أنني سأقضي ما تبقى من حياتي في احتساء شراب الجن ~~الوردي؛ فقد كنت أعلم أن علي أن أحصل على وظيفة، والوظيفة ~~بالطبع ستكون في مجال «الأعمال»، فقط لم أكن أعرف نوع الوظيفة ~~التي يجب أن أبحث عنها، ولكنها كان يجب أن تكون ذات مكانة عالية ~~وأهمية كبيرة، من نوعية تلك الوظائف التي يمتلك أصحابها سيارة ~~وهاتفا وإن أمكن سكرتيرة بشعر مموج على نحو دائم. خلال العام ~~الأخير أو نحو ذلك من الحرب، كان لدى كثير منا رؤى كتلك؛ فمن ~~كان بائعا متجولا رأى نفسه مندوب مبيعات متجولا، ومن كان ~~مندوب مبيعات متجولا رأى نفسه مديرا عاما. كان ذلك تأثير ~~الحياة العسكرية؛ تأثير ارتداء الإشارات على الأكتاف، وامتلاك دفتر ~~شيكات وتسمية وجبة المساء بالوجبة الرئيسية. في الوقت نفسه أيضا، ~~كانت ثمة فكرة تحوم بالأرجاء - في أذهان الرجال من ذوي المناصب ~~العالية والضباط على حد سواء - أننا عندما نخرج من الجيش ستكون ~~هناك وظائف بانتظارنا وأننا سنتكسب منها على أقل تقدير ما كنا ~~نتكسبه في الجيش. بالطبع إن لم تتداول أفكار كتلك، لم تكن ~~حربا لتخاض قط. # حسنا، لم أحصل على تلك الوظيفة؛ إذ يبدو أنه لم يكن أحد متحمسا ~~لأن يدفع لي ألفي جنيه في السنة مقابل جلوسي على مكتب عصري ~~وإملائي لخطابات على سكرتيرة ذات شعر أصفر فضي. لقد اكتشفت ~~الشيء نفسه الذي اكتشفه ثلاثة أرباع الضباط السابقين، وهو أننا من ~~الناحية المالية كنا أيام الجيش أفضل مما قد نكون عليه في أي وقت ~~قادم؛ فقد تحولنا فجأة من جنود في خدمة جلالة الملك إلى بائسين ~~عاطلين عن العمل، لا يرغب أحد في توظيفهم. وسرعان ما تراجعت ~~طموحاتي من ألفي جنيه في السنة إلى ثلاثة أو أربعة جنيهات في ~~الأسبوع، ولكن حتى الوظائف التي كان يتكسب أصحابها ثلاثة أو أربعة ~~جنيهات في الأسبوع لم يبد أنه كان لها وجود. كل الوظائف الممكنة ~~كانت مشغولة بالفعل، إما من قبل الرجال الذين كانوا قد كبروا ~~ببضع سنوات على القتال، أو ms127 بالصبية الذين كانوا أصغر من سن ~~القتال ببضعة أشهر؛ أما هؤلاء اللقطاء المساكين الذين صادف ميلادهم ~~بين عامي 1890 و1900، فقد تركوا في العراء. وعلى الرغم من كل ~~ذلك لم أفكر قط في العمل في مجال البقالة . ربما كان بإمكاني ~~الحصول على وظيفة مساعد بقال؛ العجوز جريميت إن كان لا يزال ~~حيا ويعمل بالتجارة (لم أكن على تواصل مع أحد في لوير بينفيلد ~~ولم أكن أعلم) كان بإمكانه أن يوصي التجار بي؛ ولكني دخلت في ~~دائرة مختلفة. حتى إن لم تكن أفكاري الاجتماعية قد ارتقت، لم أكن ~~لأتخيل بعد ما رأيته وتعلمته أن أرجع إلى مكاني الآمن القديم خلف ~~طاولة البيع؛ فقد كنت أرغب في السفر وكسب الكثير من المال. وعلى ~~وجه التحديد كنت أريد العمل في وظيفة مندوب مبيعات متجول، التي ~~علمت أنها ستناسبني. # ولكن لم أجد وظائف شاغرة لمندوبي مبيعات متجولين، أعني وظيفة ~~بمرتب مغر؛ فكل ما كان أمامي كانت وظائف بالعمولة. بدأ هذا ~~النوع من البيع في الانتشار على نطاق واسع؛ فهي طريقة بسيطة وجيدة ~~لزيادة المبيعات والإعلان عن منتجاتك دون خوض أي مخاطر، ودائما ~~ما تزدهر في الأوقات الصعبة. وكانت تلك الشركات تؤثر عليك بأن ~~توحي لك أنه ربما سيكون لديهم لك وظيفة بأجر ثابت في غضون ثلاثة ~~أشهر، وعندما تسأم منهم فهناك دائما شخص مسكين على استعداد للعمل ~~مكانك. بطبيعة الحال، لم يستغرق الأمر مني وقتا طويلا للعثور على ~~وظيفة من تلك الوظائف بالعمولة؛ وفي الواقع، عملت في العديد منها ~~وتركتها بمعدل سريع. حمدا لله أنني لم أتجول طارقا الأبواب قط ~~لبيع المكانس الكهربائية أو القواميس. ولكنني كنت أتجول لأبيع ~~أدوات المائدة، ومساحيق الصابون، وخط إنتاج نازع سدادات فلينية ~~حاصل على براءة اختراع، وفتاحات العلب المعدنية، وأدوات مماثلة، ~~وأخيرا خط إنتاج للوازم المكتبية: دبابيس الورق، والورق ~~الكربوني، وأشرطة الآلات الكاتبة، وأشياء من هذا القبيل. لم يكن ~~الأمر سيئا؛ فأنا من النوع الذي «يستطيع» بيع الأشياء بالعمولة؛ ~~لأن لدي الصفات المناسبة لتلك الوظيفة والسلوكيات المطلوبة فيها. ms128 ~~ولكنني لم أقترب بأي حال من الأحوال من التحصل على مكاسب تكفل لي ~~عيشة جيدة؛ فلا يمكنك ذلك في وظيفة كتلك، وبالطبع أنت لا تخطط ~~لذلك. # عملت في تلك المهنة إجمالا لمدة عام. كان عاما غريبا. الرحلات ~~عبر البلدات، والأماكن البشعة التي تصلها، وضواحي بلدات وسط البلاد ~~التي لن تسمع عنها طوال حياتك العادية، ولو بلغت مائة عام، ونزل ~~المبيت والإفطار حيث رائحة الملاءات الممتزجة دائما بنفحة من ~~بقايا الطعام والبيض المقلي على الإفطار ذي الصفار الأكثر بهتانا ~~من ليمونة حامضة. ومندوبو المبيعات الملاعين المساكين الآخرون ~~الذين تقابلهم دائما، والذين كانوا أرباب أسر في منتصف العمر، ~~وكانوا يرتدون معاطف بالية وقبعات مستديرة، ويؤمنون بصدق أن ~~التجارة ستتخطى أزمتها عاجلا أم آجلا وأن دخلهم سيزيد ليصبح ~~خمسة جنيهات في الأسبوع. والمشي من متجر لآخر، والجدال مع أصحاب ~~المتاجر الذين لا يرغبون في سماعك، والتنحي جانبا والشعور ~~بالمهانة عندما يأتي زبون. لا أعتقد أن شيئا من ذلك قد ضايقني ~~على وجه الخصوص؛ ولكن أسلوب الحياة هذا يعد جحيما لبعض الرجال. ~~هناك بعض الرجال الذين لا يقدرون حتى على الدخول إلى المتاجر وفتح ~~حقيبة العينات خاصتهم دون التعبير عن امتعاضهم. ولكنني لست من ذلك ~~النوع؛ فأنا قوي الشكيمة، ويمكنني إقناع الناس بشراء أشياء لا ~~يحتاجونها؛ وحتى إن أغلقوا الباب في وجهي، فلا يزعجني ذلك. بيع ~~الأشياء بالعمولة هو بالفعل ما أحب عمله، على شرط أن أرى أنه ~~يمكنني من خلاله كسب الكثير من المال. لا أعلم ما إذا كنت قد ~~تعلمت الكثير في تلك السنة، ولكني تخلصت من أمور كثيرة؛ حيث ~~انتزعت مني هراء الجيش، ونشطت في ذهني الأفكار التي خزنتها فيه ~~أثناء سنة الركود التي كنت أقرأ فيها الروايات. لا أعتقد أنني ~~قرأت كتابا واحدا، باستثناء القصص البوليسية، طوال الوقت كنت ~~أتجول فيه في الطرقات بائعا. لم أعد مثقفا، بل نزلت إلى حقائق ~~الحياة الحديثة. ربما تسألني: ما هي حقائق الحياة الحديثة؟ حسنا، ~~أهمها هو الصراع الأبدي المسعور على بيع الأشياء، الذي ms129 يصل إلى بيع ~~النفس لدى معظم الناس، المتمثل في الحصول على وظيفة والحفاظ عليها. ~~أعتقد أنه لم يمر شهر واحد منذ الحرب، في أي مجال عمل قد يخطر ~~على بالك، إلا وكان عدد الرجال يفوق عدد الوظائف المتاحة؛ فقد ~~خلف هذا شعورا مروعا غريبا في حياتنا، كما لو كنا في سفينة ~~تغرق، بها تسعة عشر شخصا وأربعة عشر طوق نجاة فقط. وقد تتساءل ~~عما إذا كان في ذلك أي شيء يتعلق بالحداثة، وعن علاقة ذلك ~~بالحرب. حسنا، يبدو أن الأمر كذلك بالفعل؛ فهذا الشعور بأنه عليك ~~دائما وأبدا خوض الصراعات والتكالب على الأمور، وأنك لن تنال أي ~~شيء ما لم تنتزعه من غيرك، وأن ثمة شخصا آخر دائما يسعى لأخذ ~~وظيفتك منك، وأنهم في الشهر التالي أو الشهر الذي يليه سيخفضون عدد ~~الموظفين وأنك ستطرد من منصبك؛ أقسم إن كل ذلك لم يكن موجودا في ~~أيام ما قبل الحرب. # ولكن مع ذلك لم أكن معدما؛ فقد كنت أكسب القليل، وكنت لا أزال ~~أحتفظ بالكثير من الأموال في البنك - ما يقرب من مائتي جنيه - ولم ~~أكن خائفا من المستقبل. كنت أعلم أنني عاجلا أم آجلا سأحصل على ~~وظيفة منتظمة. وبالفعل بعد ما يقرب من عام وبضربة حظ حدث ذلك. أقول ~~بضربة حظ، ولكنني في الواقع كنت دائما أتخطى المصاعب؛ فلست من ~~ذلك النوع الذي يقبل المعاناة، ولكني من المحتمل أن ينتهي بي ~~الحال في ملجأ للفقراء تماما كما هو من المحتمل أن ينتهي بي في ~~مجلس اللوردات؛ فأنا من النوع المتوسط، ذلك النوع الذي يجذبه ~~نوع من القانون الطبيعي نحو مستوى الجنيهات الخمس في الأسبوع. ~~وأينما وجدت أمامي أي وظيفة أيا كانت تحقق ذلك، فسأبذل ما في ~~جهدي للحصول عليها. # حدث ذلك عندما كنت أتجول لبيع دبابيس الورق وأشرطة الآلات ~~الكاتبة؛ حيث تسللت إلى مبنى مكتبي ضخم في شارع فليت استريت، ~~وكان ممنوعا فيه التجول للبيع في الحقيقة؛ ولكني تمكنت من إعطاء ~~عامل المصعد انطباعا بأن حقيبة العينات التي أحملها حقيبة ms130 أوراق. ~~مشيت في أحد الممرات بحثا عن مكاتب شركة صغيرة لمعاجين الأسنان، ~~أوصاني أحد الأشخاص بتجربة البيع لها، ولكني رأيت شخصا شديد ~~الأهمية في الجهة الأخرى من الممر. علمت على الفور أنه شخص مهم. ~~تعلم كيف هي سمات رجال الأعمال الكبار هؤلاء؛ إذ يبدو أنهم يشغلون ~~مساحات أكبر ويتحدثون بصوت عال أكثر من أي شخص عادي، وتخرج ~~منهم هالة من المال يمكنك رؤيتها على بعد خمسين ياردة. عندما ~~اقترب مني، أدركت أنه السير جوزيف تشيم. بالطبع كان في ملابس ~~مدنية، ولكني لم أجد صعوبة في التعرف عليه. أظن أنه كان في ذلك ~~المكان لحضور مؤتمر عمل أو ما شابه. وكان يتبعه موظفان، أو ~~سكرتيران أو أيا كانا؛ كانا كأنما يحملان ذيل ثوبه رغم أنه لم ~~يكن يرتدي ثوبا ذا ذيل، ولكن شيئا في المشهد يشعرك بأن الأمر ~~كذلك. بالطبع تنحيت جانبا على الفور، ولكن من المفاجئ أنه عرفني ~~على الرغم من أنه لم يرني منذ عدة سنوات، وما فاجأني أيضا أنه ~~وقف وتحدث معي، قائلا: ~~«مرحبا! لقد رأيتك في مكان ما من قبل. ما اسمك؟ إنه على طرف ~~لساني.» ~~«بولينج يا سيدي. كنت في فيلق خدمة الجيش.» ~~«بالطبع. أنت الشاب الذي قال إنه ليس من الأعيان. ماذا تفعل ~~هنا؟» # كان بإمكاني أن أخبره أنني أبيع أشرطة الآلات الكاتبة، ولكن ~~ربما كان سينهي ذلك كل شيء؛ ولكن أتى لي خاطر مفاجئ كالذي يأتي ~~المرء من حين لآخر، شعور بأنه بإمكاني أن أستفيد من هذا الموقف ~~إذا تعاملت معه بشكل ملائم، فقلت بدلا من ذلك: ~~«حسنا يا سيدي، في الواقع أنا أبحث عن وظيفة.» ~~«وظيفة، حقا؟ ممم. إنه ليس بالأمر السهل هذه الأيام.» # نظر إلي متفحصا لبرهة. كان حاملا الذيل على مسافة قليلة ~~منه؛ ورأيت وجهه العجوز الوسيم، وحاجبيه الرماديين الكثيفين، ~~وأنفه الذي ينم عن الذكاء، وهو يرمقني وأدركت أنه قد قرر ~~مساعدتي. غريبة هي سلطة هؤلاء الرجال الأغنياء؛ فلقد كان عابرا ~~بجواري بقوته ومجده وتابعاه خلفه، ثم في لحظة صفاء عدل ms131 من ~~وجهته كإمبراطور يرمي فجأة عملة معدنية لشحاذ، وقال: ~~«إذن أنت تريد وظيفة. ماذا يمكنك أن تفعل؟» # نشط إلهامي مرة أخرى، ولكن بلا فائدة هذه المرة؛ فالمبالغة في ~~ذكر المزايا غير مجد مع رجل كهذا، فقررت قول الحقيقة. قلت: «لا ~~شيء يا سيدي. ولكني أرغب في العمل كمندوب مبيعات متجول.» ~~«مندوب مبيعات! ممم. لست متأكدا من أنه يمكنني أن أجد لك شيئا ~~في الوقت الحالي. سأرى.» # زم شفتيه لأعلى. لوهلة، أو ربما لنصف دقيقة، أخذ يفكر بعمق ~~شديد. كان الأمر مثيرا. حتى في ذلك الوقت كنت أدرك أنه مثير. هذا ~~الرجل الكبير المهم، الذي كان يمتلك على الأقل نصف مليون جنيه، كان ~~بالفعل مهتما بأمري؛ فلقد عارضت طريقه وأضعت على الأقل ثلاث ~~دقائق من وقته، كل ذلك بسبب ملحوظة صادف أني أبديتها منذ سنوات ~~سابقة. لقد علقت في ذاكرته، ومن ثم كان مستعدا للتعامل مع ~~المشكلة الصغيرة المتمثلة في إيجاد وظيفة لي. أستطيع القول إنه في ~~ذلك اليوم قد طرد عشرين موظفا. وأخيرا قال: ~~«ماذا عن العمل في شركة للتأمين؟ إنه شيء مستقر إلى حد ما، كما ~~تعلم؛ فالتأمين أصبح ضرورة، مثله مثل الطعام.» # بالطبع أحببت فكرة العمل في شركة للتأمين، وكان السير جوزيف ~~«متحمسا» لشركة فلاينج سلامندر. الواقع، كان «متحمسا» للعديد من ~~الشركات. وتقدم أحد تابعيه بدفتر للملاحظات، وعلى الفور أخرج ~~قلم الحبر الذهبي من جيب صدريته وكتب توصية من أجلي إلى أحد أصحاب ~~المناصب الرفيعة في فلاينج سلامندر. شكرته ومضى في طريقه، وتسللت ~~أنا في الاتجاه الآخر، ولم ير أي منا الآخر ثانية. # وهكذا، حصلت على الوظيفة؛ وكما قلت من قبل فقد حصلت علي ~~الوظيفة هي الأخرى. إنني أعمل في فلاينج سلامندر منذ ما يقرب من ~~ثمانية عشر عاما؛ وقد بدأت بالعمل في المكتب، ولكني الآن أعمل في ~~وظيفة يطلقون عليها مفتش، أو عندما يكون ثمة داع للإبهار، ~~يطلقون علي ممثلا. أعمل يومين في الأسبوع من المكتب المحلي؛ ~~وبقية الوقت أتجول بين مقابلة العملاء الذين يرسل أسماءهم ~~الوكلاء ms132 المحليون، وتقييم المتاجر وغيرها من الممتلكات، ومن حين ~~لآخر إجراء صفقة أو صفقتين لحسابي الخاص؛ وأكسب حوالي سبعة جنيهات ~~بالتقريب في الأسبوع. في الحقيقة تلك هي نهاية قصتي. # عندما أرجع بالذاكرة، أدرك أن حياتي الحقيقية - إن كنت قد عشت ~~حياة بهذا المعنى بالفعل - انتهت في سن السادسة عشرة؛ فكل شيء ~~كان مهما بالفعل بالنسبة لي قد حدث قبل ذلك العمر. ولكن الأمور ~~كانت لا تزال تحدث - الحرب، على سبيل المثال - حتى وقت حصولي على ~~الوظيفة في فلاينج سلامندر؛ ولكن بعد ذلك، حسنا، يقولون إن ~~الأشخاص السعداء ليس لديهم تاريخ، وكذلك من يعملون في مكاتب ~~التأمين؛ منذ ذلك اليوم وما بعده، لم يكن ثمة شيء في حياتي يمكنك ~~أن تصفه بالحدث، عدا ما حدث بعدئذ بعامين ونصف العام في بداية ~~عام 1923 حين تزوجت. # 10 # كنت أعيش في نزل في إيلينج. كانت السنوات تتعاقب أو بالأحرى ~~تزحف. وكانت لوير بينفيلد قد غاب أثرها تقريبا عن ذاكرتي. كنت ~~نموذجا لموظف المدينة الشاب العادي، الذي ينطلق ليلحق بقطار ~~الساعة الثامنة والربع ويتآمر على زملائه الآخرين في العمل. وكنت ~~أحظى بتقدير كبير في الشركة، وراضيا تماما عن حياتي؛ فقد كان وهم ~~النجاح فيما بعد الحرب يتملكني، بقدر أو بآخر. لا بد أنك تتذكر ~~تلك الكلمات المعسولة: النشاط، والحركة، والثبات، والشجاعة. المضي ~~قدما أو ترك المسار. ثمة مكان للجميع في القمة. لا شيء يعرقل ~~الرجل الجيد عن النجاح. والإعلانات في المجلات عن الشاب الذي ربت ~~رئيسه في العمل على كتفه، والمدير التنفيذي المتسم بالحزم والحماس ~~الذي يكسب الكثير من المال، ويعزو نجاحه إلى دورة تدريبة ما، حصل ~~عليها بالمراسلة. من الطريف أننا صدقنا ذلك جميعا، حتى رجال ~~مثلي من الذين لم يطبقوا الكثير منه؛ وذلك لأنني لست وصوليا أو ~~بائسا، ولأنني بطبيعتي لا يمكنني أن أكون أيا منهما. ولكن هكذا ~~كانت روح العصر. تقدم! انجح! وإن رأيت رجلا قد سقط فشلا، فأجهز ~~عليه قبل أن يستعيد قواه. بالطبع كان ذلك في بداية العشرينيات من ~~القرن ms133 العشرين، حيث كانت بعض آثار الحرب قد اختفت ولم تكن الأزمات ~~قد أنهكتنا بعد. # كان لدي عضوية ممتازة في مكتبة بوتس، وحضرت حفلات رقص رخيصة ~~الثمن، وانضممت إلى نادي تنس محلي. تعرف نوادي التنس تلك التي ~~تكون في الضواحي الأنيقة، حيث الأجنحة الخشبية الصغيرة، والسياجات ~~العالية ذات الشبكات الحديدية؛ التي يثب فيها الشباب مرتدين ~~الملابس البيضاء القبيحة جيئة وذهابا، ويصيحون «خمسة عشر، ~~أربعين!» و«تعادل!» بأصوات فيها محاكاة لا بأس بها للطبقة العليا. ~~تعلمت لعب التنس، ولم يكن رقصي شديد السوء، وأبليت بلاء حسنا في ~~التعرف على الفتيات. في سن الثلاثين تقريبا، لم أكن شابا ~~قبيحا، بوجهي الأحمر وشعري السمني اللون؛ وفي تلك الأيام كانت ~~لا تزال ميزة لصالح الشاب أن يكون قد خدم في الحرب. لم أنجح، ~~حينئذ أو في أي وقت آخر، أن أبدو كرجل نبيل؛ ولكن من ناحية أخرى ~~قد لا تعرف أنني ابن صاحب متجر صغير من بلدة ريفية. تمكنت من إثبات ~~نفسي في مجتمع إيلينج شديد التنوع، حيث تتداخل طبقة صغار الضباط ~~مع طبقة المهنيين العاديين. قابلت هيلدا لأول مرة في نادي ~~التنس. # كانت هيلدا في ذلك الوقت في الرابعة والعشرين من عمرها. كانت ~~فتاة خجولة قصيرة ونحيفة، بشعر داكن وحركات جميلة، وكانت تشبه ~~كثيرا الأرانب البرية، ويعزى ذلك إلى عينيها الكبيرتين للغاية. ~~كانت من هؤلاء الأشخاص الذين لا يتحدثون كثيرا، ولكنهم يظلون على ~~الحياد في أي محادثة دائرة، ويعطون انطباعا بأنهم يستمعون. وكانت ~~إن فتحت فمها، فلا تقول عادة إلا «أوه، أجل، أعتقد ذلك أيضا»؛ ~~موافقة على أي شيء يقال في آخر الحديث. أما في التنس، فقد كانت ~~تقفز بكل رشاقة ولم يكن لعبها سيئا، ولكن كانت لها طريقة صبيانية ~~بائسة نوعا ما. كان اسم عائلتها فنسنت. # إذا كنت متزوجا، فقد تتساءل أحيانا في نفسك: «ما الذي جعلني ~~بحق الجحيم أتزوج؟» ولطالما قلت ذلك عن زواجي بهيلدا. مرة أخرى، ~~أرجع بذاكرتي خمسة عشر عاما، لأسأل نفسي: لماذا تزوجت ~~هيلدا؟ # لقد تزوجتها، من ناحية، بالطبع، لأنها ms134 كانت شابة وجميلة جدا. ~~وفوق كل ذلك، لا يسعني القول إلا أنه كان من الصعب للغاية علي ~~أن أفهم ما تريده بالفعل؛ لأنها جاءت من أصول مختلفة تماما عني. ~~لذا، كان علي أن أتزوجها أولا ثم أتعرف عليها بعد ذلك، بينما ~~إن كنت قد تزوجت إلسي ووترز مثلا، لكنت سأعرف ممن تزوجت. كانت ~~هيلدا تنتمي إلى طبقة لم أكن أعلم عنها شيئا إلا من القيل والقال، ~~طبقة الضباط المعدمين. لأجيال عديدة في الماضي كان في عائلتها ~~الجنود، والبحارة، ورجال الدين، والضباط الإنجليز الهنود، وما ~~إلى ذلك. لم يكن لديهم أي أموال قط، ولكن أيا منهم لم يفعل ~~أي شيء قط يمكنني اعتباره عملا. فلتقل ما شئت، ولكن ثمة شيئا ~~فيهم يجذب من ينتمون مثلي إلى طبقة أصحاب المتاجر الأتقياء، طبقة ~~بسطاء التدين، ومن يتناولون وجبة تتضمن الشاي بعد الظهيرة. لا ~~يؤثر ذلك في الآن، ولكن كان له أثره حينها. لا تسئ فهم ما ~~أقول، فلا أعني أنني تزوجت هيلدا لأنها تنتمي إلى طبقة كنت أخدمها ~~يوما من وراء طاولة البيع، في محاولة لتسلق السلم الاجتماعي، ولكن ~~كل ما في الأمر أنني لم أتمكن من فهمها، ومن ثم خدعني مظهرها. ~~ومن الأشياء الأخرى التي لم أفهمها بالتأكيد هو أن الفتيات في ~~عائلات الطبقة المتوسطة المعدمة تلك كن على استعداد للزواج من أي ~~شيء يرتدي بنطالا، وذلك فقط للهروب من المنزل. # لم يمض وقت طويل قبل أن تأخذني هيلدا لمقابلة عائلتها. ولم ~~أعلم إلا في ذلك الحين أنه كانت ثمة مستعمرة كبيرة من الإنجليز ~~الهنود في إيلينج. اكتشفت عالما جديدا! كان ذلك بمثابة اكتشاف ~~لي. # هل تعرف هذه العائلات من الإنجليز الهنود؟ من المستحيل تقريبا ~~أن تتذكر عندما تكون في منازلهم أن الشوارع خارجها كانت في ~~إنجلترا، وأننا كنا في القرن العشرين؛ فبمجرد أن تطأ قدماك عتبات ~~بيوتهم، تصبح في الهند في ثمانينيات القرن التاسع عشر. لا بد ~~أنك تعلم هذه الأجواء، حيث أثاث المنازل من خشب الساج المنحوت، ~~والصواني من النحاس ms135 الأصفر، ورءوس النمور المتربة على الجدران، ~~والسيجار التريشينوبولي، والمخلل الأحمر الحار، والصور ~~الفوتوغرافية الصفراء لرجال مرتدين لخوذات تقيهم من الشمس، ~~والكلمات الهندستانية التي من المفترض أنك تعرف معناها، ~~والحكايات الخالدة عن اصطياد النمور، وما قاله سميث لجونز في بونا ~~عام 1887. إنه عالم صغير خاص بهم خلقوه لأنفسهم، كحويصلة يحتمون ~~بها. بالنسبة لي، كان بالطبع كل شيء جديدا ومثيرا للاهتمام نوعا ~~ما. لم يذهب العجوز فنسنت والد هيلدا إلى الهند فقط، بل إلى مكان ~~أكثر غرابة، بورنيو أو ساراواك، لا أتذكر أيهما. كان النموذج ~~المثالي لهؤلاء، فقد كان أصلع تماما، ويكاد لا يرى وجهه خلف ~~شاربه؛ وكان لديه الكثير من الحكايات عن أفاعي الكوبرا وأوشحة ~~الخصر العريضة، وما قاله حاكم المقاطعة في عام 1893. وكانت والدة ~~هيلدا باهتة كالصور الفوتوغرافية المعلقة على الجدران. وكان لديهما ~~كذلك ابن، اسمه هارولد، يعمل في وظيفة رسمية في سيلان، وكان في ~~المنزل في إجازة في الوقت الذي قابلت فيه هيلدا أول مرة. كان لديهم ~~منزل صغير مظلم في أحد تلك الشوارع الخلفية المخفية في إيلينج. ~~وكانت به دوما رائحة السيجار التريشينوبولي، وكان مليئا عن آخره ~~بالرماح، وقصبات النفخ، والزخارف من النحاس الأصفر، ورءوس ~~الحيوانات البرية؛ لذا، فبالكاد يمكنك الحركة فيه. # تقاعد العجوز فنسنت في عام 1910، ومنذ ذلك الحين أظهر هو وزوجته ~~نشاطا كبيرا، ذهنيا وبدنيا، كزوج من المحار. كنت في ذلك ~~الوقت قد انبهرت بشكل غامض بهم لكونهم عائلة بها رواد وعقداء، بل ~~وحتى أميرال. وكان موقفي من عائلة فنسنت، وموقفهم مني، مثالا ~~جيدا على الحمق الذي قد يغدو عليه الناس عندما يخرجون عن عالمهم. ~~ضعني بين أهل التجارة - سواء أكانوا مديري شركات أو باعة متجولين ~~- وسأكون قادرا على الحكم عليهم جيدا. ولكنني ليست لدي أي خبرة ~~في طبقة الضباط ورجال الدين والذين يعيشون من ريع العقارات، وكنت ~~أميل إلى التقرب من هؤلاء المستبعدين المنقرضين. فقد كنت أنظر ~~إليهم باعتبارهم أعلى مني منزلة اجتماعيا وفكريا، بينما ~~أساءوا فهمي، فظنوا أنني رجل أعمال واعد سيجني الكثير من ms136 المال ~~قريبا. لأشخاص مثلهم، كانت «الأعمال»، سواء أكانت التأمين البحري ~~أو بيع الفول السوداني، مجرد لغز خفي. وكل ما كانوا يعرفونه أنها ~~وسيلة مبتذلة لجني الأموال. اعتاد العجوز فنسنت الحديث بانبهار عن ~~عملي «في الأعمال» - أتذكر مرة أنه خانه التعبير وقال: «في ~~التجارة» - ولكن كان من الواضح أنه لم يكن يفهم الفرق بين العمل ~~موظفا والعمل لحسابك الخاص. وكانت لديه فكرة غامضة بأنه بما ~~بأنني كنت «في» شركة فلاينج سلامندر، فإنه لا بد أنني سأرتقي إلى ~~قمتها عاجلا أو آجلا عن طريق الترقية. وأعتقد أنه من المحتمل أن ~~يكون لديه كذلك تصور عني في المستقبل وأنا أقرضه المال. هارولد ~~بالتأكيد كان لديه ذلك التصور، إذ كنت أستطيع رؤيته في عينه. في ~~الواقع، حتى بما هو عليه دخلي الآن، كنت على الأرجح سأقرض هارولد ~~المال في هذه اللحظة إن كان حيا. لحسن الحظ أنه مات بعد بضع ~~سنوات من زواجنا، من مرض معوي أو شيء من هذا القبيل، وكذلك مات ~~العجوزان فنسنت. # حسنا، تزوجت هيلدا، وكان الأمر من بدايته فاشلا. لعلك تسأل ~~لماذا تزوجتها؟ ولكن لماذا تزوجت أنت زوجتك؟ تحدث تلك الأمور ~~لنا. ترى هل ستصدقني إن قلت لك إنني خلال أول عامين أو ثلاثة ~~أعوام من الزواج كنت أفكر جديا في قتل هيلدا؟ بالطبع لا يقدم ~~المرء في الواقع قط على تلك الأمور، وإنما هي نوع من الخيال الذي ~~نستمتع بالتفكير فيه. إلى جانب ذلك، الرجل الذي يقتل زوجته دائما ~~ما يقبض عليه. وعلى الرغم من أنه يمكنك بذكاء ادعاء حجة غياب ~~عن مسرح الجريمة، فالشرطة تعلم جيدا أنه أنت من فعلها، وسوف ~~يثبتونها عليك بطريقة أو بأخرى. عندما تقتل الزوجة، يكون زوجها ~~دائما هو المشتبه فيه الأول، ما يعطيك لمحة جانبية صغيرة عن فكرة ~~الناس الحقيقية عن الزواج. # يعتاد المرء على كل شيء بمرور الوقت. بعد عام أو عامين، لم أعد ~~أريد قتلها وبدأت أتعجب منها. فقط أتعجب. ولساعات في بعض الأحيان ~~في ما بعد الظهيرة يوم الأحد أو ms137 في المساء عندما أرجع إلى المنزل ~~من العمل، كنت أستلقي على سريري بكامل ملابسي باستثناء الحذاء، ~~وأتعجب من أمر النساء. لماذا هن هكذا، وكيف أصبحن على ما هن عليه، ~~وهل يفعلن ذلك عن عمد؟ يبدو أنه من أكثر الأمور رعبا السرعة ~~الشديدة التي تذبل بها بعض النساء بعد الزواج؛ فكما لو أنهن قد عشن ~~لغرض واحد فقط، وبمجرد تحقيقه يذبلن مثل الزهرة التي نثرت بذورها. ~~ما يحبطني حقيقة هو الاتجاه الكئيب من الحياة الذي ينطوي عليه ~~الأمر. إذا كان الزواج مجرد خدعة مكشوفة - أوقعت بك المرأة فيها ~~ثم التفتت لك وقالت: «الآن أيها الوغد أمسكت بك، وستعمل من أجلي ~~بينما أستمتع أنا بحياتي!» - فلن أمانع كثيرا. ولكن لا شيء من ~~هذا يحدث، فالنساء لا يردن أن يحظين بأوقات جيدة، بل يردن فقط ~~أن يتهدلن في منتصف العمر بأقصى سرعة ممكنة. وبعد المعركة المروعة ~~من أجل الحصول على رجل والزواج منه، تسترخي المرأة نوعا ما، ~~ويختفي كل شبابها وجمالها وطاقتها وبهجتها في الحياة بين ليلة ~~وضحاها. كان هذا ما حدث مع هيلدا. إنها تلك التي اعتقدت أنها ~~فتاة رقيقة وجميلة - وفي الواقع كانت كذلك بالفعل في بداية معرفتي ~~بها - ذلك الكائن الذي يفوقني رقيا، وخلال ثلاث سنوات فقط ~~أصبحت امرأة في منتصف العمر كئيبة وعديمة الحيوية. لا أنكر ~~أنني كنت جزءا من المشكلة؛ ولكن بصرف النظر عمن كانت ستتزوج، ~~فلم يكن ليختلف الوضع على الإطلاق. # ما تفتقده هيلدا - اكتشفت ذلك بعد أسبوع تقريبا من زواجنا - هو ~~بعض المرح في الحياة، أي قدر من الاهتمام بأشياء؛ لا لشيء إلا ~~لأنها تجدها مشوقة. إن مبدأ فعل شيء لأنك تستمتع به هو أمر يصعب ~~عليها فهمه. لم أكتشف الحال الحقيقي لعائلات الطبقة المتوسطة ~~الفقيرة هذه إلا من خلال هيلدا. الحقيقة الأساسية عنهم هي أنهم قد ~~فقدوا كامل حيويتهم بسبب قلة المال. في مثل تلك العائلات، التي ~~تعيش على المعاشات والمرتبات السنوية الصغيرة - أي على الدخول التي ~~لا تزداد أبدا بل تقل عادة - فإن ثمة ms138 شعورا بالفقر ومسح بقايا ~~الطعام بقشور الخبز والتفكير أكثر من مرة قبل صرف أقل المبالغ يزيد ~~على ما تجده لدى أي عائلة من عمال المزارع، ناهيك عن عائلة ~~كعائلتي. كانت هيلدا تقول لي عادة إن الشيء الأول تقريبا الذي ~~يمكنها تذكره هو الشعور المروع بأنه لم يكن لديهم قط ما يكفي من ~~المال لأي شيء. بالطبع في مثل ذلك النوع من العائلات، تكون قلة ~~المال دائما في أسوأ حالاتها عندما يكون الأطفال في عمر المدرسة. ~~وعلى هذا الأساس يكبرون، خاصة الفتيات، بأفكار راسخة بأن المرء ~~دائما يعيش في ضنك، وأنه يجب أن يكون بائسا بسبب ذلك. # عشنا في بداية زواجنا في شقة صغيرة وضيقة، وواجهنا صعوبة في ~~العيش على راتبي. بعد ذلك، عندما نقلت إلى فرع غرب بلتشلي، كانت ~~الأحوال أفضل. ولكن سلوك هيلدا لم يتغير؛ إذ كانت دائما لديها ~~ذلك الشعور الكئيب المروع تجاه نقص الأموال، فاتورة الحليب، فاتورة ~~الفحم، الإيجار، مصاريف المدرسة! عشنا حياتنا كلها معا على ~~نغمة أننا «في الأسبوع التالي سنكون في ملجأ للفقراء». لا أعني ~~أن هيلدا بخيلة، بالمعنى العادي للكلمة، ناهيك عن أنها ليست ~~أنانية؛ فحتى عندما يكون معنا بعض النقود المدخرة التي يمكننا ~~إنفاقها، أجد صعوبة في إقناعها بأن تشتري لنفسها بعض الملابس ~~اللائقة. ولكن لديها هذا الشعور بأنه يجب على المرء أن يعيش في قلق ~~مستمر بسبب نقص المال، أي أن تعيش في أجواء من الكآبة بسبب الإحساس ~~بالمسئولية. ولكنني لست مثلها؛ فلدي موقف ينتمي أكثر إلى الطبقة ~~العاملة تجاه المال؛ إذ إن الحياة خلقت لكي نعيشها، وإن لم نكن ~~سعداء الأسبوع التالي، حسنا، فالأسبوع التالي ما زال بعيدا. ما ~~يصدمها في الواقع هو أنني أرفض أن أشعر بالقلق، وهي دائما تدينني ~~لهذا السبب، فتجدها تقول: «ولكن يا جورج! لا يبدو أنك مدرك ~~للأمر! ليس لدينا مال على الإطلاق! إن الأمر في غاية الخطورة!» ~~وتحب الدخول في نوبة هلع لأن شيئا أو آخر «خطير». ومؤخرا، أصبحت ~~تمارس تلك الخدعة: عندما تكون مكتئبة ms139 من شيء، تحدب كتفيها وتطوي ~~ذراعيها أمام صدرها. إذا وضعت قائمة بملاحظات هيلدا خلال اليوم، ~~فستجد أن أهم الملاحظات تتمثل في ثلاث عبارات؛ «لا يمكننا تحمل ~~نفقة ذلك»، و«إنه توفير كبير»، و«لا أعلم من أين سنحصل على المال ~~من أجل ذلك». إنها تفعل كل شيء لأسباب سلبية. عندما تعد كعكة، لا ~~تفكر في الكعك، وإنما في كيفية إنقاذ الزبد والبيض من التلف. ~~وعندما أكون معها في السرير، فكل ما تفكر فيه هو تجنب الحمل. وإن ~~ذهبت إلى السينما، تتلوى سخطا طوال الوقت على ثمن التذكرة. أما ~~طريقتها في تدبير المنزل، مع كل التأكيد على «استهلاك الأشياء» ~~و«إصلاح الأشياء»، فلو كانت أمي قد رأتها لأصابتها بتشنجات. على ~~الجانب الآخر، لم تكن هيلدا متكبرة على الإطلاق، فلم تنظر لي ~~باحتقار قط؛ لأنني لست من النبلاء، بل على العكس، كنت من وجهة ~~نظرها أقرب إلى اللوردات في عاداتي. ونحن لا نذهب إلى أي مطعم إلا ~~ونخوض شجارا هامسا مروعا؛ لأنني أعطي النادلة بقشيشا كبيرا. ~~ومن الغريب أنه في السنوات القليلة الماضية، أصبحت بلا شك من ~~الطبقة المتوسطة الدنيا أكثر مني في رؤاها وحتى في شكلها بوجه عام. ~~بالطبع كل هذا «التوفير» لم يؤد إلى أي شيء، فهو لا يؤدي إلى ~~شيء أبدا؛ إذ نعيش على نحو جيد أو سيئ كما يعيش الآخرون في شارع ~~إلزمير. ولكن القلق المستمر حول فاتورة الغاز وفاتورة الحليب ~~والسعر المرتفع للزبد وأحذية الطفلين ومصاريف المدرسة لا يتوقف. ~~الأمر أشبه بلعبة مع هيلدا. # انتقلنا إلى غرب بلتشلي عام 1929، واشترينا منزلنا في شارع ~~إلزمير في العام التالي قبل مولد بيلي بقليل. وبعدما أصبحت ~~مفتشا، كنت أتغيب عن المنزل كثيرا وكانت لدي فرصة أكبر أن ~~أقابل نساء أخريات. بالطبع كنت خائنا، لا أقول إنني كذلك ~~طوال الوقت، ولكن حيثما تسنح الفرصة. من المثير للدهشة أن هيلدا ~~كانت تشعر بالغيرة؛ فمن ناحية، باعتبار أن مثل تلك الأمور لا ~~تعنيها كثيرا، لم أتوقع أن تهتم بالأمر. ولكن ككل النساء اللاتي ~~يشعرن بالغيرة، فإنها ms140 أحيانا ما تمكر مكرا لا يمكنك التفكير في ~~أنها قادرة عليه. في بعض الأحيان، تكاد الطريقة التي تكتشف بها ~~الأمر تجعلني أومن في التخاطر، ناهيك عن درجة الشك نفسها التي ~~تكون لديها حتى عندما لا أكون قد ارتكبت أي ذنب، فأنا دائما موضع ~~شك بشكل أو بآخر، على الرغم من أنني، يعلم الله، في السنوات ~~القليلة الماضية - السنوات الخمس الماضية على أي حال - كنت بريئا ~~تماما؛ فما باليد حيلة إن كنت في مثل بدانتي. # وإجمالا، أعتقد أنني وهيلدا لسنا أسوأ حالا من نصف أزواج شارع ~~إلزمير تقريبا. أحيانا كنت أفكر في الانفصال أو الطلاق، ولكنك ~~في وضعنا لا تقدم على تلك الأشياء؛ لأنك لا يمكنك تحملها. ثم ~~يمر الوقت وتقلع عن المقاومة. عندما تعيش مع امرأة خمس عشرة سنة، ~~يصبح من الصعب أن تتخيل حياتك من دونها، فقد أصبحت جزءا من ~~مسيرة الحياة. ربما تجد أشياء لا تعجبك في الشمس والقمر، ولكن هل ~~تريد تغييرهما بالفعل؟ إلى جانب ذلك، كان لدينا طفلان، والأطفال ~~هم «حلقة الوصل»، كما يقولون، أو «الرباط»، أو بالأحرى فإن ~~علاقتك بهم تصبح كالثقل والقيد. # تعرفت هيدا مؤخرا على صديقتين رائعتين، السيدة ويلر والآنسة ~~مينس. السيدة ويلر أرملة، واستشففت أن لديها أفكارا قاسية تجاه ~~الرجال؛ إذ يمكنني أن أشعر بحركاتها الاستنكارية عندما أدخل عليهن ~~الغرفة. إنها سيدة صغيرة البنية ذابلة، وتعطيك انطباعا غريبا ~~بأنها كانت هكذا طوال عمرها بهيئتها الشاحبة العجوز، ولكنها مليئة ~~بالطاقة. ولديها تأثير سيئ على هيلدا، لأن لديها الحماس نفسه ~~«للتوفير» و«إصلاح الأشياء»، ولكن بطريقة مختلفة بعض الشيء؛ فهو ~~معها يأخذ شكل الاعتقاد بأنه يمكنك أن تقضي وقتا جيدا دون دفع ~~المال؛ فهي دائما تكتشف طرقا غير مكلفة للشراء والتسلية. بالنسبة ~~لأشخاص كهؤلاء، لا يعنيهم ما إذا كانوا يريدون الشيء بالفعل أم ~~لا؛ فكل ما يعنيهم هو ما إذا كان بإمكانهم الحصول عليه بثمن بخس. ~~في أوقات تخفيضات بواقي المتاجر الكبيرة، تكون السيدة ويلر دائما ~~في مقدمة الصفوف؛ وأقصى دواعي فخرها أن تخرج دون ms141 أن تشتري أي شيء ~~بعد جولة من الصراع العنيف حول طاولات البيع طوال اليوم. أما ~~الآنسة مينس، فهي مختلفة عن ذلك تماما، فهي بالفعل حالة يرثى ~~لها، مسكينة هي الآنسة مينس. هي امرأة طويلة ونحيفة في الثامنة ~~والثلاثين من عمرها تقريبا، ذات شعر أسود كالجلد اللامع ووجه جميل ~~جدا وباعث على الثقة. وهي تعيش على دخل ثابت وصغير نوعا ما، ~~معاش سنوي أو ما شابه، وأتخيل أنها من بقايا مجتمع غرب بلتشلي ~~القديم منذ كان بلدة قروية صغيرة قبل تعاظم البناء في الضاحية. ~~يبدو جليا أن والدها كان من رجال الدين وأنه قمعها بشدة في ~~حياته. إنها من المنتجات الفرعية الخاصة للطبقات المتوسطة، هؤلاء ~~النساء اللاتي ذبلن قبل حتى أن يتزوجن ليفررن من منازل عائلاتهن. ~~إن الآنسة مينس المسكينة العجوز، على الرغم من كل تجاعيدها، لا ~~تزال تماما كالأطفال؛ فلا يزال عدم الذهاب إلى الكنيسة مغامرة ~~كبيرة بالنسبة لها، ودائما ما تهمهم حول «التقدم الحديث» ~~و«الحركة النسائية»، ولديها تلهف غريب لفعل شيء تسميه «تطوير ~~ذهنها»، فقط هي لا تعلم بالتحديد كيف تبدأ فيه. أعتقد أنها في ~~البداية قد صاحبت هيلدا والسيدة ويلر لشعورها الشديد بالوحدة، ~~ولكنهما الآن تصطحبانها أينما ذهبتا. # يا له من وقت ذلك الذي يقضينه معا هؤلاء الثلاث! أحيانا أكاد ~~أحسدهن. السيدة ويلر هي الروح القائدة؛ فلا يمكنك أن تفكر في أي ~~نوع من أنواع الحماقات، إلا وتجدها قد جذبتهما إليه في وقت أو آخر؛ ~~أي شيء من الثيوصوفية إلى اللعب بالخيوط، طالما يمكنك فعله دون أن ~~تتكلف الكثير من المال. تحمسن كذلك لعدة أشهر لعلوم التغذية، ~~وحصلت السيدة ويلر على نسخة مستعملة من كتاب بعنوان «الطاقة ~~الإشعاعية»، الذي يدعي أنه ينبغي عليك أن تعيش على الخس وغيرها ~~من الأشياء التي لا تكلف المال. بالطبع راق هذا لهيلدا، التي بدأت ~~على الفور في تجويع نفسها، وقد كانت ستجرب الأمر معي ومع الأطفال ~~كذلك، ولكني استخدمت سلطتي لمنع الأمر. بعد ذلك جربن العلاج عن ~~طريق الإيمان، ثم فكرن في ms142 تمرين الذاكرة؛ ولكن بعد العديد من ~~المراسلات، اكتشفن أنهن لن يستطعن الحصول على الكتيبات مجانا، ~~الأمر الذي كان فكرة السيدة ويلر. ثم جربن الطبخ في صناديق التبن ~~المعزولة، ثم جربن شيئا كريها يسمى نبيذ النحل، الذي كان من ~~المفترض ألا يكلفهن شيئا على الإطلاق لأنه يصنع من الماء؛ ~~ولكنهن أقلعن عن ذلك عندما قرأن مقالا في الصحيفة يقول إن نبيذ ~~النحل يسبب السرطان. بعد ذلك، انضممن لأحد نوادي السيدات التي ~~تنظم رحلات للمصانع؛ ولكن بعد حسابات كثيرة، قررت السيد ويلر أن ~~الشاي المجاني الذي تعطيه المصانع لهن لا يعادل ثمن العضوية. ~~أيضا تمكنت السيدة ويلر بعد جهد من التعرف على شخص يمنح تذاكر ~~مجانية للمسرحيات التي تنتجها بعض الجمعيات المسرحية. عرفت أن ~~الثلاثة جلسن لساعات للاستماع لمسرحية رفيعة المستوى لم يتظاهرن ~~حتى أنهن فهمن منها شيئا - ولم يستطعن حتى أن يخبرنك باسم ~~المسرحية - ولكنهن شعرن بأنهن كن يحصلن على شيء بلا مقابل. وصل ~~الأمر إلى أنهن جربن استحضار الأرواح؛ إذ تعرفت السيد ويلر على ~~وسيط روحاني فقير كان معدما، لدرجة أنه عقد لهن جلسات بثمانية ~~عشر بنسا حتى يتمكن من الاطلاع على الغيب مقابل ستة بنسات في ~~المرة. رأيته مرة عندما جاء إلى منزلنا لعقد إحدى جلسات استحضار ~~الأرواح، وكان شيطانا عجوزا متوعك الصحة، ومن الواضح أنه كان في ~~رعب قاتل من أثر الهذيان الارتعاشي الذي كان مصابا به. وكان يرتعش ~~بشدة لدرجة أنه عندما كان يخلع معطفه في الردهة، أصيب بنوبة من ~~التشنج وسقطت لفافة من الشاش من رجل بنطاله. تمكنت من إعادة ~~دسها في بنطاله قبل أن تراني السيدات. وقد علمت أنهم يستخدمون ~~الشاش في صنع الإكتوبلازم، وأظن أنه كان ذاهبا إلى جلسة استحضار ~~أخرى بعد ذلك؛ فلا يمكن أن يتجلى لك الأموات بثمانية عشر بنسا. ~~إن أكبر اكتشافات السيدة ويلر في البضع السنوات الأخيرة هو نادي ~~كتاب اليسار. أعتقد أن أخبار نادي كتاب اليسار وصلت غرب بلتشلي ~~عام 1936، وقد انضممت إليه بعدئذ بقليل، وكان تقريبا الوقت ~~الوحيد ms143 الذي يمكنني تذكر أنني كنت أنفق المال فيه دونما اعتراض ~~من هيلدا؛ إذ ترى أنه من المعقول بعض الشيء أن تشتري كتابا إن ~~تمكنت من الحصول عليه بثلث ثمنه الأصلي. إنها امرأة غريبة ~~حقا. حاولت الآنسة مينس بالتأكيد قراءة كتاب أو كتابين، ولكن ~~ذلك ما كان ليحدث مع المرأتين الأخريين؛ فلم يكن لهن أي صلة ~~مباشرة مع نادي كتاب اليسار أو أي فكرة عما كان يقدمه. في الواقع، ~~أعتقد أن السيدة ويلر في البداية ظنت أنه شيء له علاقة بالكتب التي ~~تترك في عربات السكة الحديدية ويبيعونها للناس بأثمان قليلة. ~~ولكن ما كن يعلمنه جيدا هو أنه بإمكانهن الحصول على كتب قيمتها ~~سبعة شلنات وستة بنسات بنصف كراون فقط، ولذا يقلن دائما إنها ~~«فكرة جيدة». بين الحين والآخر، يعقد فرع نادي كتاب اليسار ~~اجتماعات ويسمح للناس بالحديث، وتأخذ السيدة ويلر دائما ~~الاثنتين الأخريين معها. إن لديها حماسا للقاءات العامة من أي ~~نوع، شريطة أن تكون دائما في مكان مغلق ومجانية. يجلس الثلاثة ~~كقطع الحلوى؛ فلا يعرفن موضوع الاجتماع ولا يشكل لهن أي ~~اهتمام، ولكنهن يشعرن بشعور غريب، خاصة الآنسة مينس، وهو أنهن ~~يطورن من فكرهن، وأن ذلك لا يكلفهن شيئا. # حسنا، تلك هي هيلدا. ها قد رأيت ما هي عليه. إجمالا، أعتقد ~~أنها ليست أكثر سوءا مني. أحيانا عندما كنت في بداية زواجنا، كنت ~~أشعر أنني أريد أن أخنقها، ولكن بعد ذلك وصلت إلى مرحلة عدم ~~الاهتمام. ثم أصبحت بدينا ومستكينا. لا بد أننا كنا في عام 1930 ~~عندما أصبحت بدينا. حدث الأمر فجأة كما لو أن كرة مدفع قد ضربتني ~~وعلقت بداخلي. تعلم ذلك الشعور؛ حيث تذهب في إحدى الليالي إلى ~~السرير، ولا زلت تشعر أنك شاب بشكل أو بآخر، وتتطلع للفتيات وغيرها ~~من الأمور؛ ولكن في الصباح التالي تستيقظ بوعي تام بأنك مجرد رجل ~~بدين عجوز مسكين، ليس أمامه شيء ليفعله قبل وفاته سوى أن يكد ~~لشراء أحذية لأطفاله. # نحن الآن في عام 1938، وفي كل ترسانة في العالم ms144 يثبتون السفن ~~الحربية لحرب أخرى، والاسم الذي صادفت رؤيته في عناوين الصحف قد ~~حرك في الكثير من الذكريات التي من المفترض أن تكون قد ماتت ~~منذ عدة سنين مضت، والتي لا يعلم عددها إلا الله. # | الجزء الثالث # 1 # عندما رجعت إلى المنزل في ذلك المساء، كنت لا أزال لا أعرف فيما ~~سأنفق فيه الجنيهات السبعة عشرة. # قالت هيلدا إنها ذاهبة إلى اجتماع في نادي كتاب اليسار. كان ~~يبدو أن ثمة رجلا قادما من لندن لإلقاء محاضرة، على الرغم من ~~أنه لا داعي لأن أقول إن هيلدا لم تكن تعلم موضوع المحاضرة. وقد ~~قلت لها إنني سأذهب معها. أنا عادة لا أهتم كثيرا بالمحاضرات، ~~ولكن رؤى الحرب التي انتابتني ذلك الصباح، بداية من الطائرة ~~القاذفة للقنابل أعلى القطار، أدخلتني في مزاج تأملي نوعا ما. ~~بعد الجدال المعتاد، وضعنا الطفلين في سريريهما مبكرا، وانصرفنا ~~في الوقت المحدد للمحاضرة، الذي أعلنوا أنه الساعة الثامنة. # كان مساء ضبابيا، وكانت القاعة باردة وفقيرة الإضاءة. إنها ~~قاعة خشبية صغيرة بسقف من الحديد المموج، وهي ملك لطائفة ~~بروتستانتية أو ما شابه، ويمكنك استئجارها مقابل عشرة شلنات. ~~حضر الحشد المعتاد المكون من خمسة عشر أو ستة عشر شخصا. أمام ~~المنصة، كانت ثمة لافتة باللون الأصفر وعليها عنوان المحاضرة: ~~«خطر الفاشية». لم يفاجئني هذا على الإطلاق. قاد السيد ويتشيت، ~~الذي يرأس هذه الاجتماعات ويعمل في أحد مكاتب الهندسة المعمارية، ~~المحاضر وقدمه للجميع باسم السيد فلان الفلاني (نسيت اسمه) ~~«مناهض الفاشية الشهير»، تماما كما لو كنت تقدم شخصا على أنه ~~«عازف البيانو الشهير». كان المحاضر رجلا ضئيل الحجم في الأربعين ~~من عمره تقريبا، وكان يرتدي بذلة داكنة؛ وكان أصلع الرأس، وقد ~~حاول دون جدوى إخفاء صلعته بخصلات من الشعر. # مثل هذه الاجتماعات لا تبدأ أبدا في موعدها المحدد؛ حيث تكون ~~دائما ثمة فترة من الانتظار بزعم أنه ربما يحضر بعض الأشخاص ~~الآخرين. كانت الساعة قد اقتربت من الثامنة وخمس وعشرين دقيقة ~~عندما خبط ويتشيت على الطاولة وقام بدوره. كان ويتشيت ms145 رجلا ~~لطيفا، بوجه وردي أشبه بمؤخرات الأطفال، وكان دائم التبسم. ~~أعتقد أنه سكرتير للحزب الليبرالي المحلي، وأنه أيضا في مجلس ~~الأبرشية، وأنه رئيس مراسم لمحاضرات الفانوس السحري في اتحاد ~~الأمهات. إنه من ذلك النوع الذي تعتقد أنه ولد ليكون رئيس جلسات. ~~وعندما يخبرك بمدى سعادتنا لوجود السيد فلان الفلاني معنا على ~~المنصة الليلة، يمكنك رؤية أنه يؤمن بما يقول بالفعل. لم أنظر ~~إليه إلا ويتبادر إلى ظني احتمال أنه لم يمارس الجنس من قبل. أخرج ~~المحاضر ضئيل الحجم لفافة من الملاحظات، معظمها قصاصات من الصحف، ~~وثبتها على الطاولة بكأس من الماء. ثم بلل شفتيه سريعا وبدأ ~~حديثه. # هل حضرت محاضرات من قبل أو اجتماعات عامة أو شيئا من هذا ~~القبيل؟ # عندما أذهب إلى أحد تلك التجمعات، فإن ثمة لحظة دائما خلال ~~الأمسية أجد فيها نفسي أفكر في الأمر نفسه: ما الذي يجعلنا نفعل ~~ذلك؟ لماذا يخرج الناس في إحدى ليالي الشتاء لحضور هذا الشيء؟ نظرت ~~في أرجاء القاعة. وكنت جالسا في الصف الخلفي. لا أتذكر أبدا أني ~~ذهبت إلى أي نوع من الاجتماعات العامة إلا وجلست في الصف الخلفي إن ~~كان الأمر باختياري. أما هيلدا والآخرون، فقد اندفعوا إلى الأمام ~~كالعادة. كانت قاعة صغيرة ومظلمة. تعرف هذا النوع من الأماكن، حيث ~~الجدران من الخشب العزيزي، والسقف من ألواح الحديد المموج، وتيار ~~الهواء الشديد الذي يجعلك لا ترغب في خلع معطفك. كانت الزمرة ~~الصغيرة منا جالسة في الضوء حول المنصة، مع وجود نحو ثلاثين ~~صفا من الكراسي الفارغة خلفنا، وكانت مقاعد كل الكراسي مليئة ~~بالأتربة. وعلى المنصة خلف المحاضر كان ثمة شيء مربع كبير ~~مغطى بخرق، ما بدا كتابوت مغطى بغطاء، ولكنه كان في الحقيقة ~~بيانو. # في البداية، لم أصغ جيدا، وكان المحاضر رجلا ضئيل الحجم ~~ووضيعا، ولكنه كان متحدثا جيدا. وكان وجهه أبيض، وفمه كثير ~~الحركة، وكان صوته شديد الإزعاج نتيجة حديثه المستمر. بالطبع كان ~~يهاجم هتلر والنازيين. لم أكن مهتما بشكل خاص بسماع ما كان ~~يقوله - فأنا أقرأ الموضوعات ms146 نفسها في صحيفة «نيوز كرونيكال» ~~كل صباح - ولكن صوته تنامى إلى أذني كهمهمة يتخللها بين ~~الحين والآخر عبارة تفاجئني وتجذب انتباهي. # الفظائع الوحشية ... مظاهر السادية البشعة ... الهراوات ~~المطاطية ... معسكرات الاعتقال ... الاضطهاد الجائر لليهود ... ~~العودة إلى عصور الظلام ... الحضارة الأوروبية ... التصرف ~~قبل فوات الأوان ... سخط كل الشعوب المتحضرة ... تحالف الدول ~~الديمقراطية ... موقف حازم ... الدفاع عن الديمقراطية ... ~~الديمقراطية ... الفاشية ... الديمقراطية ... الفاشية ... ~~الديمقراطية ... # لا بد أنك تعرف هذا الكلام الرنان. يمكن لهؤلاء الرجال أن ~~يستمروا في الحديث لساعات؛ تماما كالفونوغراف، فقط أدر اليد ثم ~~اضغط على الزر، وسيبدأ في العمل. الديمقراطية، الفاشية، ~~الديمقراطية. ولكني بطريقة ما كنت مهتما بمشاهدته. كان رجلا ~~ضئيلا وتافها، بوجه أبيض ورأس أصلع، يقف على المنصة، ويطلق ~~الشعارات. ما الذي يفعله؟ إنه يحض على الكراهية بتعمد شديد ~~وبصراحة شديدة، ويبذل أقصى جهده ليجعلك تكره فئة بعينها من ~~الأجانب تسمى الفاشيين. رأيت أنه أمر غريب أن يعرف بأنه ~~«السيد فلان الفلاني، مناهض الفاشية الشهير». إنها لمهنة غريبة، ~~مناهضة الفاشية تلك. وأظن أن هذا الشخص يتكسب من كتابة كتب ضد ~~هتلر. ولكن ما الذي كان يفعله قبل ظهور هتلر؟ وما الذي سيفعله إن ~~اختفى هتلر ذات يوم؟ السؤال نفسه موجه للأطباء والمحققين ~~وصائدي الفئران وغيرهم بالطبع. لكن كان الصوت المتصدع لا يزال ~~مستمرا، وأدركت شيئا آخر. إنه يعني ما يقول، ولا يتصنع على ~~الإطلاق، إنه يعني كل كلمة يقولها. إنه يحاول إثارة الكراهية لدى ~~الجماهير، ولكن ذلك لا يقارن بمقدار الكراهية التي يشعر بها؛ فكل ~~شعار حقيقة مسلم بها من وجهة نظره، ولو شققت عن صدره فكل ما ~~ستجده هو الديمقراطية، الفاشية، الديمقراطية. من المثير معرفة ~~رجل مثله في الحياة الخاصة. ولكن هل لديه حياة خاصة؟ أم هو فقط ~~يذهب من منصة إلى أخرى مؤججا للكراهية؟ ربما حتى أحلامه ~~شعارات. # بقدر ما استطعت من الصف الخلفي، ألقيت نظرة خاطفة على الحضور. ~~أعتقد أنك إن فكرت في الأمر، فستجد أننا من يخرجون في ليالي ~~الشتاء لنجلس في قاعة تكثر فيها تيارات الهواء ms147 لنستمع إلى محاضري ~~نادي كتاب اليسار (وأعتبر أنه من حقي استخدام «أننا» لأنني ~~حضرت في هذه المناسبة) لدينا مقصد ما من ذلك. فنحن متمردو ~~غرب بلتشلي. لا يبدو الأمر مبشرا للوهلة الأولى، ولكني أدركت ~~عندما نظرت إلى الحضور أن فقط ما يقرب من نصف دستة منهم قد فهموا ~~حقا ما كان يتحدث عنه المحاضر، على الرغم من أنه حتى تلك اللحظة ~~كان يهاجم هتلر والنازيين لمدة ما تزيد على نصف الساعة. الأمر ~~دائما هكذا مع مثل هذه الاجتماعات، حيث دائما ما يخرج نصف الحضور ~~وليس لديهم أدنى فكرة عما كان يدور حوله الاجتماع. كان ويتشيت على ~~كرسيه بجانب الطاولة يشاهد المحاضر بابتسامة تنم عن سعادته، ~~وبدا وجه ورديا قليلا كزهرة إبرة الراعي. يمكنك مقدما سماع ~~الحديث الذي سيلقيه بمجرد جلوس المحاضر، فهو الحديث نفسه الذي ~~يلقيه في نهاية محاضرات الفانوس السحري لدعم مجموعة الميلانيزيون ~~العرقية: «نعرب عن شكرنا ... لقد عكس رأي كل منا ... الحديث مثير ~~جدا للاهتمام ... قدم لنا الكثير لنفكر فيه ... كانت الأمسية ~~الأكثر إلهاما!» في الصف الأمامي، كانت تجلس الآنسة مينس شديدة ~~الاستقامة، ورأسها مائل قليلا على أحد جانبيها كالطيور. أخذ ~~المحاضر ورقة من أسفل الكأس وقرأ منها إحصائيات عن معدل انتحار ~~الألمان. يمكنك بالنظر إلى العنق الرفيع الطويل للآنسة مينس أن ~~ترى أنها لم تكن سعيدة، وأنها كانت تتساءل ما إذا كان هذا الاجتماع ~~سيطورها فكريا أم لا، وأنها كانت تتمنى لو كانت تستطيع فهم ~~موضوع الاجتماع. كانت السيدتان الأخريان تجلسان كقطعتي حلوى. وكان ~~بجوارهما امرأة قصيرة بشعر أحمر تحيك كنزة. غرزة مستقيمة، ثم ~~غرزة معكوسة، ثم غرزة ساقطة، ثم تحيك الغرزتين معا. كان المحاضر ~~يصف كيف يقتل النازيون رميا بالرصاص بتهمة الخيانة، وكيف ~~يخطئهم أحيانا الجلاد. كانت ثمة امرأة أخرى بين الحضور؛ ~~فتاة بشعر داكن، وكانت إحدى معلمات المدرسة المحلية. وعلى خلاف ~~الأخريات، كانت تستمع بالفعل، وكانت جالسة في الأمام بعينيها ~~الكبيرتين المستديرتين المثبتتين على المحاضر وفمها المفتوح ~~قليلا، وكانت منصتة ومستمتعة للغاية بالأمر. # وخلفها مباشرة، ms148 كان يجلس رجلان عجوزان من حزب العمال المحلي، ~~أحدهما بشعر أشيب بقصة شديدة القصر، والآخر برأس أصلع وشارب متدل، ~~وكان كلاهما مرتديين لمعطفيهما. تعرف هذا النوع من الرجال، ~~الذين هم في حزب العمال منذ قديم الأزل، والذين يبذلون حياتهم من ~~أجل الحركة العمالية. يستبعدهم أصحاب الأعمال طوال عشرين سنة، ~~ويقضون عشر سنوات أخرى يستجدون المجلس المحلي لفعل شيء بخصوص ~~الأحياء الفقيرة. ولكن كل شيء تغير فجأة، فلم تعد موضوعات حزب ~~العمال القديمة تهم أحدا، ووجدوا أنفسهم زجوا على غير ~~رغبتهم في أمور السياسة الخارجية - هتلر، ستالين، القنابل، المدافع ~~الآلية، الهراوات المطاطية، محور روما-برلين، الجبهة الشعبية، حلف ~~مناهضة الكومنترن - وهم لا يمكنهم فهم أي شيء فيها. أمامي ~~مباشرة، كان يجلس أفراد من الفرع المحلي للحزب الشيوعي، وكانوا ~~ثلاثة من الشباب صغيري السن للغاية. أحدهم لديه مال ويشغل ~~منصبا كبيرا في شركة عقارات هيسبيريدز، وأعتقد في الحقيقة أنه ~~قريب العجوز كروم. وكان الآخر موظفا في أحد البنوك، حيث يصرف لي ~~شيكات في بعض الأحيان. إنه فتى لطيف، بوجه مستدير يافع وتظهر عليه ~~أمارات الطموح، وبعينين زرقاوين كالأطفال، وشعر أشقر للغاية حتى ~~إنك قد تظن أنه عالجه بالبروكسيد. وهو يبدو في السابعة عشرة من ~~عمره، ولكني أظنه في العشرين. كان يرتدي بدلة زرقاء رخيصة، ورابطة ~~عنق زرقاء فاتحة تماشت مع شعره. بجوار هؤلاء الثلاثة، كان يجلس ~~شيوعي آخر. ولكنه يبدو أنه من نوع مختلف من الشيوعيين، وأنه ليس ~~من النوع الهادئ؛ لأنه ينتمي إلى من يسمونهم بالتروتسكيين. ~~وكان الآخرون ينتقدونه باستمرار. كان أيضا صغيرا في السن، ~~وشديد النحافة، وشديد السمار، وعصبيا، وكان وجهه ينم عن ~~الذكاء. لا بد أنه يهودي. كانت نظرة هؤلاء الأربعة للمحاضرة مختلفة ~~تماما عن نظرة الآخرين. لقد كنت تعلم أنهم سيقفون طالبين ~~الكلمة في اللحظة التي يبدأ فيها وقت طرح الأسئلة. يمكنك أن ~~تراهم يهتزون في جلستهم استعدادا للأمر بالفعل. وكان الشاب ~~التروتسكي يتململ في جلسته من جانب إلى آخر استعدادا للبدء في ~~طرح الأسئلة قبل الآخرين. # كنت قد ms149 توقفت عن الاستماع إلى كلمات المحاضر الفعلية، ولكن ثمة ~~طرق كثيرة للاستماع. أغلقت عيني للحظة، وكان تأثير ذلك ~~رائعا؛ إذ بدا كما لو أنني أرى الرجل بوضوح أكثر عندما أستمع إلى ~~صوته فقط، ولا أنظر إليه. # كان صوتا بدا كما لو أن بإمكانه الاستمرار لأسبوعين دون ~~توقف. كان الأمر مريعا في الواقع، كما لو أن آلة أرغن يدوية ~~تقذفك بالدعاية طوال الوقت. الأمر نفسه يتكرر مرارا وتكرارا. ~~الكراهية، الكراهية، الكراهية. فلنتحد معا ونطلق حملة جيدة من ~~الكراهية. الأمر يتكرر مرارا وتكرارا. يعطيك ذلك شعورا بأن ~~شيئا يخترق جمجمتك ويدق في دماغك. ولكن للحظة، وبينما كنت ~~مغمضا عيني، تمكنت من تحويل دفة الأمر ضده؛ فقد دخلت إلى ~~جمجمته. كان شعورا غريبا، فقرابة الثانية كنت في داخله، حتى ~~يمكنك القول إنني كنت هو. على أي حال، شعرت بما كان يشعر ~~به. # رأيت الأمور من منظوره، الذي كان مختلفا تماما عن كل شيء قد ~~يخطر على بال أحد. ما كان يقوله هو أن هتلر يسعى للقضاء علينا، وأن ~~علينا جميعا أن نتحد ونشن حملة قوية من الكراهية ضده. قال ذلك دون ~~خوض في التفاصيل وباحترام شديد. ولكن ما كان يراه هو شيء مختلف ~~تماما؛ إذ كان يرى نفسه يحطم وجوه الناس بمفك؛ وجوه ~~الفاشيين بالطبع. أعلم أن هذا هو ما كان يراه، فهو ما رأيته ~~بنفسي في الثانية أو الثانيتين حين كنت بداخله. كان يحطم ~~وجوههم! في منتصفها تماما! والعظام تغرز فيها كقشر البيض، وما ~~كان وجها منذ لحظة أصبح مجرد لطخة مهولة تشبه قطع مربى ~~الفراولة. كان يحطم وجوههم! واحدا تلو الآخر! هذا ما في ذهنه، ~~في نومه وفي يقظته، وكلما فكر في الأمر، أعجبه. ولا بأس في الأمر؛ ~~فكل الوجوه التي يحطمها هي وجوه الفاشيين. يمكنك سماع كل ذلك في ~~نبرة صوته. # ولكن لماذا؟ التفسير الأكثر ترجيحا هو لأنه خائف؛ فكل إنسان ~~عاقل اليوم قد أصبح قاسيا بفعل الخوف. وهذا هو مجرد رجل قد بصر ~~بما يكفي لدرجة تجعله أكثر خوفا ms150 قليلا من الآخرين. هتلر ~~يلاحقنا! أسرعوا! لنجلب جميعا مفكات ونتكاتف، وربما لو حطمنا ما ~~يكفي من الوجوه فلن يحطموا وجوهنا. تعاونوا، واختاروا قائدكم. ~~هتلر أسود وستالين أبيض، ولكن لا يزال من الممكن أن يكون العكس؛ ~~لأنه في رأس الشاب الصغير هتلر وستالين واحد، كلاهما يعني مفكات ~~ووجوها محطمة. # إنها الحرب! بدأت أفكر فيها مرة أخرى، فهي سرعان ما ستأتي لا ~~محالة. ولكن من يخاف من الحرب؟ بعبارة أخرى، من يخاف من القنابل ~~والمدافع الآلية؟ لعلك تقول: «أنت.» أجل، أنا، وأي شخص سبق أن ~~رآها؛ ولكن ما يهم ليس الحرب، بل ما بعدها. هذا العالم الذي نغرق ~~فيه؛ عالم الكراهية، والشعارات، والقمصان الملونة، والأسلاك ~~الشائكة، والهراوات المطاطية، والخلايا السرية؛ حيث يضيء الضوء ~~الكهربائي ليلا ونهارا والشرطة التي تراقبك حتى أثناء نومك، ~~والمسيرات، والملصقات بالوجوه الضخمة، والحشود من الملايين ~~الهاتفين للقائد حتى يظنون أنهم يقدسونه بالفعل؛ بينما هم في ~~سريرتهم يكرهونه حد الغثيان. كل ذلك سيحدث، أم أنك تظن غير ذلك؟ ~~أرى في بعض الأيام أن ذلك مستحيل، وأرى في أيام أخرى أنه أمر ~~محتوم. في تلك الليلة، على أي حال، علمت أن الأمر كان على وشك ~~الحدوث؛ إذ كان كل ذلك جليا في نبرة صوت المحاضر ضئيل ~~الحجم. # ربما في نهاية المطاف ثمة أمل في هذا الحشد الضئيل الذي يخرج ~~في ليلة من ليالي الشتاء للاستماع إلى محاضرة كتلك، أو على الأقل ~~في الخمسة أو الستة الذين يمكنهم فهم الأمر. هؤلاء ببساطة هم في ~~المواقع الأمامية لجيش ضخم، فهؤلاء هم بعيدو النظر؛ الفئران ~~الأولى التي تعرف أن السفينة تغرق. أسرعوا، أسرعوا! الفاشيون ~~قادمون! جهزوا المفكات يا فتيان! حطموا الآخرين وإلا ~~فسيحطمونكم. هناك رعب شديد من المستقبل يجعلك تندفع مباشرة إليه ~~كأرنب يغطس في حلق أفعى. # ماذا سيحدث لرجل مثلي عندما تسود الفاشية إنجلترا؟ الحقيقة هي ~~أنه ربما لن يختلف الأمر كثيرا. أما بالنسبة للمحاضر وهؤلاء ~~الشيوعيين الأربعة، فسيحدث ذلك فرقا كبيرا؛ حيث سيحطمون ~~الوجوه، أو ستتحطم وجوههم، حسب من تكون له ms151 الغلبة. ولكن أبناء ~~الطبقة المتوسطة العاديين مثلي سيستكملون حياتهم كالمعتاد. ولكن ~~الأمر يرعبني، حقا يرعبني. وبدأت أتساءل عن السبب عندما توقف ~~المحاضر عن الحديث وجلس. # تلا ذلك الصوت الخفيض الأجوف المعتاد للتصفيق الذي تسمعه عندما ~~يكون الحضور خمسة عشر شخصا تقريبا فقط، ثم قال العجوز ويتشيت ~~كلمته؛ وعلى الفور قام الشيوعيون الأربعة على أقدامهم معا، وخاضوا ~~جدالا عنيفا للغاية دام لما يقرب من عشر دقائق، وتضمن العديد ~~من الأمور التي لم يفهمها غيرهم، مثل المادية الجدلية ومصير ~~البروليتاريا وما قاله لينين عام 1918. ثم قام المحاضر، بعدما شرب ~~القليل من الماء، وقدم ملخصا جعل التروتسكي يتلوى على ~~كرسيه، ولكنه أسعد الثلاثة الآخرين؛ واستمر الجدال العنيف بصورة ~~غير رسمية لبعض الوقت. لم يتحدث أي أحد آخر، وانصرفت هيلدا ~~والأخريان في اللحظة التي أنهى فيها المحاضر حديثه؛ فربما كن ~~خائفات من أن يجمع أحد المال لدفع إيجار القاعة! أما المرأة ذات ~~الشعر الأحمر، فقد بقيت جالسة حتى تنتهي من حياكة صف في كنزتها. ~~يمكنك سماعها تعد غرزها همسا بينما يتجادل الآخرون. كان ويتشيت ~~جالسا ويبتسم لمن يتحدث أيا من كان، ويمكنك رؤيته وهو يفكر في ~~الإثارة التي يحدثها الأمر كله ويضع الملاحظات في ذهنه؛ وكانت ~~الفتاة ذات الشعر الأسود تنظر إليهم واحدا تلو الآخر بفم شبه ~~مفتوح؛ أما العجوز المنتمي لحزب العمال، فقد بدا كعجل البحر ~~بشواربه المتدلية ومعطفه الذي كان متدثرا به حتى أذنيه، وكان ~~ينظر إليهم متعجبا مما يدور حوله كل ذلك. وأخيرا، قمت وشرعت في ~~ارتداء معطفي. # تحولت المشاجرة العنيفة إلى مشاجرة خاصة بين التروتسكي والفتى ~~ذي الشعر الأشقر. وكانا يتناقشان حول ما إذا كان عليك الانضمام ~~للجيش إذا اندلعت الحرب. وبينما كنت أتقدم شيئا فشيئا بمحاذاة ~~صفوف الكراسي للخروج، نادى علي الرجل ذو الشعر الأشقر، ~~قائلا: ~~«يا سيد بولينج! اسمع. إذا اندلعت الحرب وكانت لدينا الفرصة ~~لتحطيم الفاشية للأبد، فهل ستقاتل؟ أعني لو كنت شابا.» # أظن أنه يعتقد أنني في الستين من عمري. # قلت: «بالتأكيد لا؛ فقد اكتفيت من ms152 المرة السابقة.» ~~«ولكن ماذا عن تحطيم الفاشية؟!» ~~«أوه، فلتذهب الفاشية إلى الجحيم! شهدنا ما يكفي من التحطيم ~~بالفعل، إن كنت تريد رأيي.» # تدخل التروتسكي متحدثا عن الوطنية الاشتراكية وخيانة ~~العمال، ولكن قاطعه الآخرون وقالوا له: ~~«ولكنك تفكر في عام 1914. لقد كانت مجرد حرب إمبريالية عادية، ~~ولكن الوضع الآن مختلف. اسمع. عندما تسمع عما يحدث في ألمانيا، ~~ومعسكرات الاعتقال، وضرب النازيين للناس بالهراوات المطاطية، ~~وجعل اليهود يبصق بعضهم على وجوه بعض، فهل لا يجعل ذلك دمك ~~يفور؟» # إنهم يتحدثون دائما عن فوران الدم. أتذكر أنها العبارة نفسها ~~التي كانت تقال خلال الحرب. # قلت له: «لقد تجاوزت هذه المرحلة عام 1916، كما ستفعل أنت عندما ~~تعرف رائحة خنادق الحرب.» # ثم فجأة بدا لي أنني أراه، وكان الأمر كما لو أنني لم أكن أراه ~~على نحو جيد حتى تلك اللحظة. # كان وجهه مفعما بالحيوية والشباب على غرار وجه تلميذ وسيم، ~~وكانت عيناه زرقاوين وشعره أصفر باهتا، وكان ينظر إلي وللحظة ~~دمعت عيناه بالفعل! وكان كالجميع له رأي في مسألة اليهود الألمان! ~~ولكني في الحقيقة كنت أعلم ما يشعر به. لقد كان شابا ضخم ~~البنية، وربما يلعب الراجبي مع فريق البنك، وهو ذكي أيضا. انظر ~~إليه؛ إنه موظف بنك في ضاحية بائسة، يجلس خلف نافذة يكسوها الجليد، ~~ويدخل الأرقام في دفتره، ويعد أكواما من الأوراق المالية، ~~ويتملق مديره، ويشعر أن حياته تتعفن. وفي الوقت نفسه، عبر ~~أوروبا، يحدث الحدث الكبير؛ حيث تنفجر القذائف فوق الخنادق، ~~وتشحن موجات من المشاة عبر تيار من الدخان، وربما بعض أصدقائه في ~~إسبانيا يقاتلون. بالطبع هو راغب للغاية في خوض الحرب. كيف لك أن ~~تلومه؟ للحظة، كان لدي شعور خاص بأنه ابني، الأمر الذي كاد ~~ليتحقق بالنظر إلى عمري وعمره. تذكرت حينها ذلك اليوم الحار ~~القائظ من شهر أغسطس عندما لصق صبي بيع الصحف قصاصة مكتوبا ~~عليها «إنجلترا تعلن الحرب على ألمانيا»، وتدافعنا جميعا إلى ~~الرصيف بمآزرنا البيضاء وابتهجنا. # قلت له: «اسمع يا بني، إنك تسيء فهم الأمر برمته. في ms153 1914، ~~ظننا أنه سيكون أمرا عظيما، ولكنه لم يكن كذلك، بل كان فوضى ~~لعينة. وإذا حدث مرة أخرى، فلا تزج بنفسك فيه. لماذا تعرض جسمك ~~لأن يملأه الرصاص؟ حافظ عليه من أجل إحدى الفتيات. أنت تعتقد أن ~~الحرب كلها بطولات ونياشين، ولكني أقول لك إنها ليست كذلك. لا ~~يعطونك بنادق بحراب هذه الأيام، وإن أخذتها فلن يكون الوضع ~~كما تتخيل. لن تشعر بأنك بطل، فكل ما ستعلمه هو أنك لن تنام لثلاثة ~~أيام، وأنك ستتعفن كحيوان ابن عرس، وأنك ستبلل سروالك من الخوف، ~~وأن يديك ستتجمد من البرد حتى لا تستطيع حمل بندقيتك. ولكن كل ~~ذلك لا يهم، فما يهم هو ما سيحدث بعد انتهاء الحرب.» # بطبيعة الحال، لم يحدث كلامي أي انطباع؛ فكل ما يأتي في ذهن ~~هؤلاء الشباب هو أنك قد عفا عليك الزمان، فكان الأمر كما لو أنني ~~أقف على باب بيت للدعارة موزعا أوراق الدعاية الدينية. # بدأ الناس في الانصراف، وكان ويتشيت يوصل المحاضر إلى المنزل. ~~وانطلق الشيوعيون الثلاثة والشاب اليهودي إلى الشارع معا، وكانوا ~~يتحدثون مرة أخرى عن التضامن البروليتاري وجدلية الجدل وما قاله ~~تروتسكي في عام 1917. كانوا جميعا سواء في الواقع. وكانت ليلة ~~رطبة وهادئة وشديدة السواد. بدت مصابيح الشارع معلقة في الظلام ~~كالنجوم، ولم تكن تضيء الطريق. وعلى مسافة بعيدة، كان يمكنك ~~سماع صوت القطارات على طول هاي إستريت. أردت أن آخذ مشروبا، ~~ولكن الساعة كانت قد شارفت على العاشرة وكانت أقرب حانة على مسافة ~~نصف ميل. إلى جانب ذلك، أردت أن أتحدث إلى شخص ما، ولكن على النحو ~~الذي لا يمكنك فعله في الحانات. كان من المضحك كيف أن رأسي كان ~~مشغولا طوال اليوم؛ جزء من ذلك يرجع إلى أنني لم أذهب إلى العمل، ~~بالطبع، والجزء الآخر بسبب حصولي على طقم أسناني الجديد، الأمر ~~الذي أنعشني نوعا ما. كنت طوال اليوم منخرطا في التفكير في ~~المستقبل والماضي. كنت أريد الحديث عن الأوقات السيئة التي ستأتي ~~أو لن تأتي، عن الشعارات والقمصان الملونة والحشود ms154 المنظمة من ~~أوروبا الشرقية الذين سيدمرون إنجلترا العجوز. وكان من غير المجدي ~~التحدث إلى هيلدا، ولكن فجأة خطر ببالي أن أذهب بحثا عن العجوز ~~بورتيوس، وهو صديق لي يسهر لساعات متأخرة من الليل. # بورتيوس هو مدير سابق بمدرسة عامة، ويعيش في شقة، لحسن الحظ أنها ~~في النصف الأسفل من أحد البيوت، في الجزء القديم للبلدة، بالقرب من ~~الكنيسة. وهو أعزب بالطبع، فلا يمكنك أن تتخيل هذا النوع من ~~الرجال متزوجا؛ فهو يعيش وحده تماما مع كتبه وغليونه، وتأتيه ~~امرأة لخدمته. إنه رجل مثقف، ويتقن اليونانية واللاتينية ~~والشعر وكل تلك الأمور. أعتقد أنه إذا كان فرع نادي كتاب ~~اليسار المحلي يمثل التقدم، فإن العجوز بورتيوس يمثل الثقافة، ~~وليس لأي منهما تأثير في غرب بلتشلي. # كان الضوء متوهجا في الغرفة الصغيرة التي يجلس فيها العجوز ~~بورتيوس للقراءة طوال ساعات الليل. وعندما طرقت الباب الأمامي، ~~أتى ليفتح لي بمشيته الرشيقة المتهادية كما هو حاله دائما، وكان ~~غليونه بين أسنانه وأصابعه في كتاب ليحفظ مكان توقفه عن القراءة. ~~إنه شديد الجاذبية، وفاره الطول، وذو شعر رمادي مجعد، ووجه ~~رفيع حالم وشاحب بعض الشيء؛ ولكنه يشبه على الأرجح وجه صبي، ~~على الرغم من أن عمره لا بد أنه يقترب من الستين. من الغريب كيف ~~يمكن لرجال المدارس العامة والجامعات هؤلاء الاحتفاظ بهيئتهم ~~الشبابية حتى يوم مماتهم. إنه شيء يوجد في حركاتهم. لقد كانت ~~للعجوز بورتيوس طريقة في التحرك ذهابا وإيابا، بوجهه الوسيم ~~وشعره المجعد الأشيب، مع ميله إلى الوراء قليلا ما يجعلك تشعر أنه ~~منسجم مع قصيدة ما، وغير واع لما يحدث حوله. لا يمكنك النظر ~~إليه إلا وترى الطريقة التي عاش بها كما لو أنها مكتوبة على كل جزء ~~فيه. المدرسة العامة، ثم أكسفورد، ثم رجوعه إلى مدرسته القديمة ~~للعمل مدرسا بها. لقد عاش طوال حياته في أجواء من اللاتينية ~~واليونانية والكريكت. وهو شديد الذوق والتأنق. كان يرتدي دائما ~~سترة قديمة من صوف التويد الفاخر، وبنطالا رماديا قديم من قماش ~~الفلانيلة الذي يحب أن ms155 تقول عنه إنه «معيب»، ويدخن الغليون ~~ويحتقر السجائر؛ وعلى الرغم من أنه يسهر نصف الليل، أراهن على أنه ~~يأخذ حماما باردا كل صباح. وأعتقد أنني من وجهة نظره شخص يعوزه ~~التهذيب؛ فأنا لم أذهب إلى مدرسة عامة، ولا أعرف اللاتينية، ولا ~~حتى أريد أن أتعلمها. يخبرني أحيانا أنه من المثير للشفقة أنني ~~«عديم الإحساس بالجمال»، ما أعتقد أنها طريقة مهذبة لأن يقول لي ~~إنني لم أتلق أي تعليم. على الرغم من ذلك فأنا أحبه؛ فهو شديد ~~الكرم، وهو جاهز دائما لاستقبالك والحديث معك لساعات، ولديه ~~دائما شيء لتشربه. عندما تعيش في منزل كمنزلنا، تغزوه بشكل أو ~~بآخر النساء والأطفال، فمن الأفضل لك أن تخرج منه أحيانا إلى ~~أجواء العزوبية، حيث الكتب والغلايين والمدفأة، والشعور الأكسفوردي ~~الراقي بأن لا شيء مهما سوى الكتب والشعر والتماثيل اليونانية، ~~وأن لا حدث جديرا بالذكر منذ نهب القوطيين روما، أحيانا يكون ~~ذلك مريحا أيضا. # قادني إلى الكرسي الجلدي القديم ذي المسندين بجوار المدفأة، ~~وسكب لي بعض الويسكي والصودا. لم أر قط غرفة معيشته إلا وهي ~~معتمة بدخان الغليون. السقف أسود تقريبا. إنها غرفة صغيرة بعض ~~الشيء، وباستثناء الباب والنافذة والمساحة أمام المدفأة، كانت ~~الجدران مغطاة بالكتب من الأرضية إلى السقف. وكان على رف المدفأة ~~كل شيء قد يخطر على بالك: صف من الغلايين القديمة المصنوعة من ~~أشجار الورد البري، التي جميعها قذرة، وبعض العملات الفضية ~~اليونانية، وبرطمان من التبغ وشعار كليته عليه، ومصباح خزفي صغير ~~أخبرني أنه استخرجه من جبل في صقلية. وأعلى المدفأة، تجد صورا ~~لتماثيل يونانية، بواحدة كبيرة في المنتصف لامرأة ذات أجنحة ودون ~~رأس، يبدو كما لو أنها كانت تحاول اللحاق بحافلة. أتذكر مدى ~~صدمة العجوز بورتيوس عندما رأيت هذه الصورة لأول مرة، وأنا لا أعرف ~~شيئا، وسألته لماذا لم يضعوا للتمثال رأسا. # حينها، أعاد بورتيوس ملء ~~غليونه بالتبغ من البرطمان الموضوع على رف المدفأة، وقال: ~~«تلك المرأة التي لا تطاق بالأعلى اشترت مذياعا. كنت آمل أن ~~أعيش ما تبقى من عمري ms156 بعيدا عن أصوات تلك الأشياء. أعتقد أنه لا ~~يمكنني فعل شيء تجاه ذلك، أليس كذلك؟ هل تعرف شيئا عن الوضع ~~القانوني؟» # أخبرته أنه ليس ثمة شيء يمكنه فعله. أحب طريقة طلاب أكسفورد ~~التي يقول بها «لا تطاق»، وأضحكني أن تجد في عام 1938 شخصا يعترض ~~على وجود مذياع في البيت. كان بورتيوس يتجول ذهابا وإيابا ~~بطريقته الحالمة المعتادة، ويداه في جيبي معطفه، وغليونه بين ~~أسنانه، وعلى الفور تقريبا بدأ الحديث عن قانون ضد استخدام الآلات ~~الموسيقية أصدر في أثينا في زمان بريكليس. الأمر دائما هكذا مع ~~العجوز بورتيوس، فكل حديثه عن أشياء حدثت منذ قرون مضت. وأيا ~~ما كان ما بدأت الحديث به، فهو يحول الدفة دائما إلى ~~التماثيل والشعر واليونانيين والرومان؛ فإذا ذكرت الملكة ماري، ~~فسيخبرك عن السفينة الفينيقية الثلاثية المجاديف. إنه لا يقرأ ~~كتابا حديثا أبدا، ويرفض أن يعرف أسماءها، ولا ينظر أبدا في ~~أي صحيفة إلا صحيفة «ذا تايمز»، ويفخر بأن يقول لك إنه لم يذهب ~~قط إلى السينما. وباستثناء قلة من الشعراء مثل كيتس وووردزوورث، ~~يعتقد أن العالم الحديث - ومن وجهة نظره فإن العالم الحديث هو آخر ~~ألفي عام - لم يكن ينبغي أن يظهر. # أنا جزء من العالم الحديث، ولكني أحب أن أستمع إليه وهو يتحدث. ~~سيتجول حول الأرفف، ويسحب كتابا تلو الآخر، وبين الحين والآخر ~~سيقرأ عليك شيئا يتخلله بعض نفخات الدخان، وعادة ما يترجمه ~~لك من اللاتينية أو لغة أخرى وهو يقرؤه عليك. الأجواء برمتها ~~تتسم بالسلام والهدوء. كان كمدرسي المدارس بعض الشيء، ولكنه ~~يلطف لك الأمر بطريقة أو بأخرى. وعندما تستمع إليه، لا تكون في ~~عالمك حيث القطارات وفواتير الغاز وشركات التأمين، بل يصبح كل ~~ما حولك هو المعابد وشجر الزيتون، والطواويس والأفيال، والرجال ~~في الحلبة بشباكهم ورماحهم الثلاثية، والأسود المجنحة والخدم ~~المخصيين، والقوادس والمجانيق، والقادة العسكريين في دروعهم ~~النحاسية يعدون بفرسانهم عبر دروع الجنود. من الطريف أنه ~~يصاحب رجلا مثلي. ولكنها إحدى مزايا الرجل البدين، حيث يمكنك أن ~~تنخرط في أي مجتمع ms157 تقريبا. هذا إضافة إلى أننا نتفق في الرأي ~~عندما يكون الحديث عن القصص البذيئة؛ فهي الشيء الحديث الوحيد الذي ~~يهتم به، على الرغم من أنه دائما ما يذكرني بأنها ليست حديثة. ~~ومع ذلك فهو صعب إرضاؤه عندما يتعلق الأمر بها، ودائما ما يخبرك ~~بإحداها بطريقة شديدة التحفظ، فيختار أحيانا شاعرا لاتينيا ~~ويترجم عنه مقطوعة بذيئة، تاركا الكثير لخيالك، أو يلقي لك ~~بتلميحات عن الحياة الخاصة لأباطرة الرومان، والأشياء التي كانت ~~تحدث في معابد عشتار. يبدو أنهم كانوا قوما فاسقين، هؤلاء اليونان ~~والرومان. وكان لدى العجوز بورتيوس صور للوحات جدارية من مكان ما ~~في إيطاليا يقف شعرك إن رأيتها. # عندما أضيق ذرعا بالعمل والمنزل، يريحني كثيرا أن أذهب ~~وأتحدث إلى بورتيوس، ولكن الأمر لم يبد لي كذلك هذه الليلة؛ فقد ~~كان ذهني لا يزال مشغولا بما كان مشغولا به طوال اليوم. وتماما ~~كما فعلت مع محاضر نادي كتاب اليسار، لم أكن أستمع بانتباه إلى ما ~~يقوله بورتيوس، بل كنت فقط أستمع لصوته. ولكن بينما ضايقني صوت ~~المحاضر، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لصوت العجوز بورتيوس؛ بل كان ~~باعثا على السكينة، ويتسم بالرقي الشديد. وأخيرا، عندما كان ~~في منتصف قوله لشيء ما، قاطعته قائلا: ~~«أخبرني يا بورتيوس، ما رأيك في هتلر؟» # كان العجوز بورتيوس يتكئ بجسمه الطويل الهزيل برشاقة، ومرفقاه ~~على رف المدفأة، وإحدى قدميه على سياج المدفأة. وقد اندهش للغاية ~~حتى إنه أخرج غليونه من فمه، وقال: ~~«أتسألني عن هتلر؟ أتقصد هذا الشخص الألماني؟ يا عزيزي، أنا لا ~~أهتم به.» ~~«ولكن المشكلة أنه سيجعلنا نفكر فيه ذلك اللعين قبل أن ~~يموت.» # خجل العجوز بورتيوس قليلا ~~من كلمة «اللعين»، التي لا يحبها، على الرغم من أنه يبدو لك من ~~هيئته أنه لا يصدمه أي شيء. بدأ يمشي ذهابا وإيابا ثانية نافخا ~~دخانه، ثم قال: ~~«لا أرى أي سبب للاهتمام به؛ فما هو إلا مغامر. وهؤلاء الأشخاص ~~يأتون ويذهبون. إنه مجرد أمر عابر.» # أنا لست متأكدا من معنى كلمة «عابر»، ولكني تمسكت بوجهة ms158 نظري، ~~وقلت له: ~~«أعتقد أنك أسأت الفهم؛ فالعجوز هتلر أمر مختلف، وكذلك جو ~~ستالين؛ فهما ليسا مثل هؤلاء الرجال في العصور القديمة الذين كانوا ~~يصلبون الناس ويقطعون رءوسهم وما إلى ذلك من الأمور لمجرد المرح ، ~~بل إنهما يسعيان إلى شيء جديد تماما، شيء لم نسمع عنه من ~~قبل.» ~~«يا صديقي العزيز، لا جديد تحت الشمس.» # بالطبع تلك مقولة مفضلة لدى العجوز بورتيوس؛ فهو لا يسمع عن ~~وجود أي شيء جديد، وبمجرد أن تخبره عن أي شيء يحدث في أيامنا ~~هذه، يقول لك إن الأمر نفسه قد حدث في عهد الملك فلان. وحتى إذا ~~تحدثت معه عن شيء كالطيارات، يقول لك إنها ربما كانت موجودة في ~~كريت أو ميسينا أو أيا كان. حاولت أن أشرح له ما شعرت به أثناء ~~إلقاء الرجل الضئيل الحجم للمحاضرة، ونظرتي للأوقات الصعبة ~~القادمة؛ ولكنه لم يستمع. وكل ما فعله هو أن كرر قوله بأنه لا ~~جديد تحت الشمس. وفي النهاية، سحب كتابا من على الأرفف وقرأ لي ~~فقرة عن أحد الطغاة اليونانيين في عصور ما قبل الميلاد، والذي ~~بالتأكيد يكاد يكون شقيق هتلر التوأم. # استمر نقاشنا لبعض الوقت، وقد كنت طوال اليوم أنتظر التحدث إلى ~~أحد عن هذا الأمر. إنه لأمر طريف. أنا لست أحمق، ولكني لست رفيع ~~الثقافة أيضا، وعادة لا يكون لدي الكثير من الاهتمامات التي ~~تتوقع أن تكون لرجل في منتصف العمر يتحصل على سبعة جنيهات في ~~الأسبوع ولديه طفلان. ولكن لدي من الشعور ما يجعلني أرى أن ~~الحياة القديمة التي اعتدنا عليها تنتزع من جذورها. إنني أشعر ~~بحدوث الأمر؛ إذ أشعر بالحرب آتية وأرى أعقابها، حيث الطوابير على ~~الطعام والشرطة السرية ومكبرات الصوت التي تملي عليك ما يجب أن ~~تعتنقه من آراء. ولست وحدي من يشعر بذلك، فهناك الملايين غيري. ~~الرجال العاديون الذين أقابلهم في كل مكان؛ رجال أراهم في ~~الحانات، وسائقو الحافلات، ومندوبو المبيعات المتجولون لشركات ~~الأدوات المعدنية، كلهم لديهم شعور بأن العالم يسير نحو الهاوية؛ ~~إذ يمكنهم الشعور بالتحطم ms159 والانهيار أسفل أقدامهم. وعلى الرغم ~~من ذلك، تجد هذا الرجل المثقف الذي عاش حياته كلها وسط الكتب ~~وغاص في التاريخ حتى يكاد يتعرقه، ولا يمكنه حتى أن يرى أن ~~العالم يتغير. إنه لا يعتقد أن أمر هتلر مهم، ويرفض الاعتقاد بقدوم ~~حرب ثانية. على أي حال، بما أنه لم يحارب في الحرب الأخيرة، فلم ~~يستقر الأمر كثيرا في فكره، إذ يظن أنها كانت عرضا بائسا ~~مقارنة بحصار طروادة. وهو لا يرى ضرورة للقلق من الشعارات ~~ومكبرات الصوت والقمصان الملونة، ويقول دائما إنه ليس ثمة رجل ~~ذكي يعير لمثل تلك الأشياء اهتماما. سيموت هتلر وستالين، ولكن ~~شيئا يطلق عليه العجوز بورتيوس «الحقائق الأبدية» لن يموت. هذه ~~بالطبع طريقة أخرى للقول بأن الأشياء ستستمر دائما تماما كما ~~يعرفها؛ فدائما وأبدا سيتجول رجال أكسفورد المثقفون جيئة ~~وذهابا في غرف مكتب مليئة بالكتب، مقتبسين العبارات اللاتينية، ~~ومدخنين أجود أنواع التبغ الذي يضعونه في برطمان عليه شعار نبالة. ~~في الحقيقة، لم تكن ثمة فائدة من الحديث معه، وكنت قد استفدت أكثر ~~من الحديث مع الشاب ذي الشعر الأصفر الباهت. وتدريجيا، تحول ~~النقاش، كما هو الحال دائما، إلى أمور حدثت قبل الميلاد، ثم ~~تطرق إلى الشعر. وأخيرا، سحب العجوز بورتيوس كتابا آخر من ~~الرفوف، وبدأ يقرأ قصيدة «أغنية إلى عندليب» لكيتس (أو ربما كان ~~طائر القبرة، لا أتذكر). # لا يمكنني القول إن الشعر يهمني كثيرا، ولكن من المفارقات ~~الغريبة أنني أحب الاستماع للعجوز بورتيوس وهو يقرؤه جهرا، فلا شك ~~أنه يلقيه جيدا. وقد اكتسب تلك العادة بالطبع من قراءته على ~~الطلاب في المدرسة. إنه يتكئ إلى شيء بطريقته المسترخية، وغليونه ~~بين أسنانه حيث ينفث قليلا من الدخان، ويخرج صوته مهيبا ويعلو ~~ويهبط مع الأبيات. يمكنك رؤية أن الشعر يؤثر فيه بطريقة ما. لا ~~أعرف ما يمثله الشعر أو ما وظيفته، ولكني أتصور أنه له تأثير على ~~أعصاب بعض الناس كالموسيقى. عندما يقرأ، لا أستمع حقيقة، بمعنى ~~أنني لا أنتبه للكلمات، ولكن أحيانا يشعرني الصوت بنوع من ms160 ~~السكينة الذهنية. إجمالا، أحب الأمر، ولكنه لم يفلح معي الليلة ~~نوعا ما؛ إذ كان كما لو أن تيار هواء باردا قد هب في الغرفة، ~~وشعرت أن كل ذلك هراء. الشعر! ما هذا الشيء؟ إنه مجرد صوت، مجرد ~~دوي في الهواء. يا إلهي! ما فائدة ذلك في مقابل المدافع ~~الآلية؟ # رأيته يتكئ إلى رف الكتب. يا لطرافة أبناء المدارس العامة! ~~يظلون كطلاب المدارس طوال حياتهم، حيث تدور حياتهم كلها حول ~~مدرستهم القديمة وما يعرفونه من اللاتينية واليونانية والشعر. ~~فجأة، تذكرت أنه في المرة الأولى التي جئت فيها لبورتيوس هنا كان ~~يقرأ علي القصيدة نفسها. وكان يقرؤها بالطريقة نفسها، وقد ارتجف ~~صوته عندما وصل إلى الجزء نفسه، ذلك الجزء عن النافذة السحرية أو ~~شيء من هذا القبيل. وجالت ببالي فكرة غريبة، وهو أنه ميت، وأن ما ~~أراه هو شبح؛ فكل الناس الذين يشبهونه قد ماتوا. # وخطر ببالي أنه ربما كثير من الأشخاص الذين تراهم يمشون حولك هم ~~أموات في الحقيقة. نحن نقول إن شخصا ما قد مات عندما يتوقف قلبه ~~وليس قبل ذلك، ولكن هذا يبدو تعسفيا بعض الشيء؛ ففي نهاية ~~المطاف، لا تتوقف أجزاء من جسمك عن العمل، الشعر على سبيل المثال ~~يظل ينمو لسنوات. ربما يموت المرء بالفعل عندما يتوقف دماغه عن ~~العمل، أي عندما يفقد القدرة على استيعاب فكرة جديدة. العجوز ~~بورتيوس من ذلك النوع؛ فهو متعلم تعليما جيدا، وله ذوق رائع، ~~ولكنه غير قادر على التغيير؛ إذ يقول الأشياء نفسها ويفكر في ~~الأفكار نفسها مرارا وتكرارا. وثمة العديد من الناس مثله، من ~~ذوي العقول الميتة، المتوقفين من الداخل. إنهم فقط يستمرون في ~~السير ذهابا وإيابا في المسار الضيق نفسه، ويصبحون أكثر ~~فقدانا للوعي بمرور الوقت كالأشباح. # أعتقد أن عقل العجوز بورتيوس ربما توقف عن العمل في وقت الحرب ~~الروسية اليابانية. ومن المروع أن تقريبا كل الناس المحترمين - ~~هؤلاء الذين لا يريدون تحطيم الوجوه بالمطارق - من هذا النوع. إنهم ~~أشخاص محترمون، ولكن عقولهم قد توقفت، فلا يستطيعون الدفاع عن ms161 ~~أنفسهم ضد ما هو آت إليهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يروه، حتى عندما ~~يكون تحت أنوفهم. إنهم يعتقدون أن إنجلترا لن تتغير أبدا وأنها ~~العالم بأكمله، ولا يمكنهم أن يفهموا أنها مجرد ركن ضئيل تصادف ~~عدم رؤية الطائرات القاذفة للقنابل له. ولكن ماذا عن النوع الجديد ~~من الرجال من أوروبا الشرقية، هؤلاء الرجال المحتشدون في صفوف ~~منظمة الذين يؤمنون بالشعارات ويتعاملون بالرصاص؟ إنهم على إثرنا، ~~ولن يطول الوقت حتى يلحقوا بنا؛ فليس لدى هؤلاء الصبية قواعد ~~كقواعد مركيز كوينزبري. وكل الرجال المحترمين عاجزون، فهم كالرجال ~~الموتى أو الغوريلات الأحياء، ولا يبدو أنهم أي شيء بين أولئك أو ~~هؤلاء. # خرجت بعد ذلك بنحو نصف ساعة، وقد فشلت تماما في إقناع العجوز ~~بورتيوس أن أمر هتلر مهم. وكنت لا أزال أفكر في الأفكار نفسها ~~وأنا أسير إلى المنزل عبر الشوارع شديدة البرودة. كانت قد توقفت ~~القطارات عن السير. وكان المنزل مظلما بالكامل، وكانت هيلدا ~~نائمة. خلعت طقم أسناني ووضعته في كوب من الماء في الحمام، وارتديت ~~ملابس النوم، ودفعت هيلدا إلى الجانب الآخر من السرير؛ فتدحرجت دون ~~أن تستيقظ، وكانت الحدبة نوعا ما التي بين كتفيها أمامي. غريب هو ~~هذا الإحساس المروع بالكآبة الذي يصيبك ليلا في بعض الأحيان. في ~~تلك اللحظة، بدا مصير أوروبا لي أكثر أهمية من إيجار المنزل ~~وفواتير مدرسة الطفلين والعمل الذي ينتظرني غدا. إن مثل هذه ~~الأفكار هي مجرد حماقة لأي أحد عليه أن يكسب قوته، ولكنها لم تترك ~~ذهني؛ فما زالت صورة القمصان الملونة والمدافع الآلية تزعجني. ~~وآخر ما أتذكر أنه شغل بالي قبل أن أنام هو السؤال التالي: لماذا ~~بحق الجحيم يجب أن يهتم رجل مثلي بكل ذلك؟ # 2 # كانت قد بدأت زهور الربيع تتفتح. أعتقد أن ذلك كان في شهر ~~مارس. # كنت أقود السيارة عبر ويسترهام وكنت في طريقي إلى بودلي. وكنت في ~~مهمة لتقييم متجر أدوات معدنية، ثم لمقابلة صاحبه، فقط إذا استطعت ~~مقابلته، الذي كان مترددا في القيام بالتأمين على الحياة. كان ms162 أحد ~~وكلائنا المحليين قد أرسل اسمه، ولكن في اللحظة الأخيرة ارتعب وبدأ ~~يشك فيما إذا كان بإمكانه تحمل النفقات. أنا جيد جدا في التحدث ~~مع الناس، فهذه من صفات البدناء؛ إذ تضع الناس أمامك في مزاج من ~~البهجة، وتجعلهم يشعرون أن إمضاء شيك أمر ممتع. بالطبع كانت هناك ~~طرق مختلفة للتعامل مع مختلف الأشخاص؛ فمع بعض العملاء يكون من ~~الأفضل التركيز على المزايا، ومع آخرين يمكنك استخدام الترويع ~~بطريقة ماكرة بالتلميح لما قد يحدث لزوجاتهم إن ماتوا وهم غير ~~مؤمن عليهم. # انطلقت السيارة القديمة بشكل متعرج طوال طريق التلال الصغيرة ~~المتعرجة. يا إلهي، يا له من يوم! تعلم مثل تلك الأيام التي تكون ~~عادة في شهر مارس، حيث يبدو فجأة أن الشتاء قد توقف عن المقاومة. ~~في الأيام الماضية، كنا في ذلك الطقس الموحش الذي يطلق عليه ~~الناس الطقس «الساطع»، حيث السماء باللون الأزرق البارد والرياح ~~التي تحتك بك كشفرة الحلاقة الكليلة؛ وفجأة، توقفت الرياح وأخذت ~~الشمس فرصتها. تعرف هذا النوع من الأيام، حيث أشعة الشمس الصفراء ~~الباهتة، وأوراق الشجر الساكنة، ونفحة من الضباب على مسافة بعيدة ~~حيث يمكنك أن ترى الخراف المتناثرة على جوانب التلال كقطع ~~الطباشير. وأسفل الوادي، ترى النيران المتقدة، والدخان الذي يتلوى ~~ببطء لأعلى ويذوب في الضباب. كان الطريق لي وحدي، وكان الجو شديد ~~الدفء لدرجة تجعلك تكاد تخلع ملابسك. # وصلت إلى بقعة كان فيها العشب المجاور للطريق مختنقا بسبب ~~أزهار الربيع. ولربما كانت رقعة من التربة الطينية. وبعد ذلك ~~بعشرين ياردة، أبطأت ثم توقفت؛ فقد كان الطقس شديد الجمال ولم أكن ~~أريد أن أفوت الاستمتاع به. شعرت أنه كان علي أن أخرج من ~~السيارة وأشم هواء الربيع، وربما حتى أقطف بعضا من أزهار الربيع ~~إن لم يكن أحد في الطريق. بل قد واتتني فكرة غريبة، وهي أن أجلب ~~باقة منها معي إلى المنزل لهيلدا. # أطفأت المحرك وخرجت من السيارة؛ فلا أحب أبدا أن أترك السيارة ~~القديمة تدور دون سير؛ لأنني دائم الخوف من أن تنخلع ms163 الرفارف أو ~~شيء من هذا القبيل. إنها سيارة من طراز عام 1927، وقد قطعت أميالا ~~طويلة نسبيا. عندما ترفع غطاء المحرك وتنظر داخل السيارة، ~~يذكرك ذلك بالإمبراطورية النمساوية القديمة؛ حيث كل شيء مترابط ~~معا بأسلاك، ولكنها بطريقة أو بأخرى تظل تعمل بشكل جيد رغم كل ~~شيء. لن تصدق أن أي آلة يمكنها أن تهتز في عدة اتجاهات في الوقت ~~نفسه كما تفعل هذه السيارة. إن حركتها تشبه حركة الأرض، حيث ~~تهتز باثنتين وعشرين حركة مختلفة، أو هكذا أتذكر أنني قرأت. وإذا ~~نظرت إليها من الخلف ومحركها دائر دون أن تتحرك، فستجدها تشبه ~~تماما فتاة من هاواي تؤدي رقصة الهولا هولا. # كانت ثمة بوابة بخمسة قضبان في جانب الطريق. تمشيت إليها ~~واتكأت عليها. ولم يكن هناك شخص على مرمى البصر. أرجعت قبعتي ~~للوراء قليلا للاستمتاع بذلك الشعور المنعش للهواء وهو يخترق ~~جبهتي. كان العشب أسفل السياج مليئا بأزهار الربيع. وداخل البوابة ~~مباشرة كان متشرد أو ما شابه قد ترك بقايا نيران، وكانت هناك ~~كومة صغيرة من الجمرات البيضاء، وخيط رفيع من الدخان لا يزال يخرج ~~منها. بعيدا عن ذلك، كانت ثمة بركة صغيرة مغطاة بالطحالب. ~~وكان الحقل مزروعا بقمح شتوي، ومنحدرا لأعلى بشدة، ثم تجد جرفا ~~من الطباشير وأيكة زان صغيرة. وكانت الأوراق اليافعة على الأشجار ~~كالضباب. وكان الصمت المطبق في كل مكان. ولم يكن حتى ثمة ما يكفي ~~من الرياح لتحريك رماد النار. وكان ثمة طائر قنبرة يغني ~~في مكان ما، بخلاف ذلك لم تكن تسمع شيئا، ولا حتى صوت ~~طائرة. # بقيت هناك قليلا، متكئا على البوابة. كنت وحدي، وحدي تماما. ~~وكنت أنظر إلى الحقل، وكان الحقل ينظر إلي. شعرت، ترى هل ~~ستفهمني؟! # ما شعرت به كان أمرا غير معتاد في هذه الأيام لدرجة أنه يبدو ~~سخيفا. شعرت بأنني سعيد! شعرت أنه على الرغم من أنني لن أعيش إلى ~~الأبد، فسأكون مستعدا تماما لذلك. إن أردت يمكنك القول إن ذلك ~~لم يكن سوى لأننا كنا في أول أيام الربيع؛ فمواسم العام ms164 تؤثر على ~~الغدد الجنسية أو شيء من هذا القبيل. ولكن الأمر كان قد فاق ذلك، ~~فمن الغريب أن الشيء الذي أقنعني فجأة بأن الحياة تستحق أن نعيشها، ~~أكثر من أزهار الربيع أو البراعم الصغيرة على السياج ، كان بقايا ~~النار تلك الموجودة بجوار البوابة. لعلك تعرف شكل نار الخشب في يوم ~~بلا رياح، حيث العصي التي استحالت بأكملها رمادا أبيض ولا تزال ~~محتفظة بشكل العصي، وأسفل الرماد كان اللون الأحمر الزاهي الذي ~~يمكنك أن تتبينه. من الغريب أن تبدو الجمرات الحمراء بهذه ~~الحيوية، ما يعطيك شعورا بالحياة أكثر من أي كائن حي. ثمة شيء ~~فيها، نوع من القوة، اهتزاز - لا يمكنني التفكير في كلمة تعبر ~~عنها بدقة - ولكنها تجعلك تعلم أنك حي أنت الآخر. إنها البقعة في ~~الصورة التي تجعلك تلاحظ كل ما عداها. # انحنيت لألتقط زهرة من زهرات الربيع، ولكن لم أستطع الوصول إليها ~~بسبب بطني الكبير. جثمت على وركي والتقطت مجموعة صغيرة منها. ~~من حسن حظي أنه لم يكن هناك أحد ليراني. كانت الأوراق مجعدة بعض ~~الشيء وتشبه آذان الأرانب. وقفت ووضعت باقة الزهور في عضادة ~~البوابة، ثم أخرجت طقم أسناني باندفاع من فمي ونظرت إليه. # لو كان معي مرآة، لنظرت إلى شكلي كله، رغم أني في الحقيقة أعرف ~~ما أنا عليه بالفعل؛ رجل بدين في الخامسة والأربعين، يرتدي بذلة ~~رمادية بخطوط متعرجة في حالة سيئة بعض الشيء وقبعة مستديرة، ~~ولدي زوجة وطفلان، وأعيش في منزل في الضواحي - كل ذلك يبدو ~~جليا علي - وذو وجه أحمر وعينين زرقاوين مهتاجتين. أعلم كل ~~ذلك، فلا أحتاج أن تقوله لي؛ ولكن ما فاجأني، وأنا أخلع طقم أسناني ~~في اللمحة السريعة التي ألقيتها عليه قبل أن أعيده إلى فمي، هو أن ~~ليس ثمة شيء مهم. حتى طقم الأسنان لا يهم. أنا بدين، أجل. وأبدو ~~كالأخ الفاشل لوكيل المراهنات، أجل. لن تنام معي امرأة مرة أخرى ~~إلا إذا دفعت لها. أعلم كل ذلك. ولكني أقول لك إن كل ذلك لا ~~يهمني. لا أريد امرأة، ms165 ولا أريد حتى أن أرجع صغيرا مرة أخرى. كل ~~ما أريده هو أن أعيش. وها أنا عشت في تلك اللحظة عندما وقفت أنظر ~~إلى أزهار الربيع والجمرات الحمراء أسفل السياج. إنه شعور بداخلك، ~~نوع من الشعور بالسكينة، وفي الوقت نفسه هو كاللهيب. # بعيدا عن السياج كانت البركة مغطاة بالطحالب، التي كانت ~~كالسجاد حتى إنك إن لم تكن تعرف الطحالب لاعتقدت أنها أرض ~~صلبة ولوطئت عليها بقدميك. أتساءل لم نحن جميعا حمقى ~~لعناء؟ لم لا يتنزه الناس متأملين الأشياء بدلا من ~~الحماقات التي يقضون فيها أوقاتهم؟ تلك البركة مثلا. وكل ~~الأشياء التي فيها: السمندل، وحلزون الماء، وخنافس الماء، ~~وذبابة القمص، والعلق، وغيرها من الأشياء التي لا حصر لها التي ~~لا يمكنك رؤيتها إلا بالميكروسكوب. وكذلك لغز الحياة فيها، أسفل ~~الماء. يمكنك قضاء حياتك في مشاهدتها، بل يمكنك قضاء عشر حيوات، ~~ولن تصل حتى إلى آخر تلك البركة. وطوال ذلك الوقت ستشعر ~~بالانبهار، وبذلك اللهيب الفريد بداخلك. إنه الشيء الوحيد الذي ~~يستحق أنه تحظى به، ولكننا لا نريده. # ولكنني أريده. اعتقدت ذلك على الأقل في تلك اللحظة. ولا تسئ ~~فهم ما أقول؛ فبادئ ذي بدء، وعلى عكس معظم أبناء الطبقة ~~العاملة، ليست لدي تلك العاطفة الصبيانية تجاه «الريف»؛ فقد ~~نشأت بالقرب الشديد منه وعشت فيه بما يكفي. ولا أريد ألا يعيش ~~الناس في البلدات، أو في الضواحي في الحقيقة، فليعيشوا أينما ~~أرادوا. ولا أقول بأن تقضي البشرية كلها أعمارها جميعا في ~~التنزه والتقاط أزهار الربيع وما إلى ذلك، فأنا أعلم جيدا أنه يجب ~~علينا الذهاب للعمل، وأنه فقط لأن ثمة رجالا يسعلون في ~~المناجم حتى تكاد رئتهم تخرج من صدورهم، وفتيات يعملن على الآلة ~~الكاتبة بهمة؛ فلا يسمح الوقت لأحد بقطف زهرة. إضافة إلى أنك ~~إن لم يكن بطنك ممتلئا ومنزلك دافئا، فلن تريد أن تقطف زهرة. ~~ولكن ذلك ليس المقصد. إنه ذلك الإحساس الداخلي الذي يغمرني، أعترف ~~أنه لا يحدث دائما ولكن بين الحين والآخر. وأعلم أنه إحساس من ~~الجيد أن ms166 يشعر به المرء. وما هو أكثر من ذلك، أنه كذلك بالنسبة ~~لجميع الناس، أو الغالبية العظمى. إنه حولنا طوال الوقت، ونعلم ~~جميعا أنه هناك. أوقف ذلك المدفع الرشاش! توقف عن مطاردة ما ~~تطارده! اهدأ، واسترجع أنفاسك ، واجعل بعض السكينة تتسرب إلى ~~داخلك. أعرف أنه لا فائدة من ذلك؛ فنحن لا نفعل ذلك، فقط نستمر ~~في حماقاتنا اللعينة نفسها. # الحرب التالية على الأبواب، يقولون إنها قادمة في عام 1941. ثلاث ~~دورات للأرض حول الشمس، ثم سنجد أنفسنا فيها مباشرة. ستسقط علينا ~~القنابل كالسيجار الأسود، وستتدفق الطلقات بانسيابية من مدافع ~~برن الآلية. ليس هذا ما يقلقني تحديدا؛ فقد كبرت سني كثيرا ~~على القتال. وسنشهد كذلك الغارات الجوية بالطبع، ولكنها لن تضرب ~~الجميع؛ هذا بالإضافة إلى أنه إذا وجد ذلك الخطر، فلن يؤخذ بعين ~~الاعتبار مسبقا. وكما قلت عدة مرات من قبل، فأنا لست خائفا من ~~الحرب، بل مما بعدها. وحتى ذلك ليس من المحتمل أن يؤثر علي ~~بشكل خاص؛ فمن سيهتم برجل مثلي؟ أنا بدين جدا على أن أكون موضع ~~شك سياسي. لا أحد سيسعى لقتلي أو ضربي بهراوة مطاطية، فأنا رجل ~~عادي من الطبقة المتوسطة، ينصرف عندما تأمره الشرطة بذلك. أما ~~هيلدا والطفلان، فربما حتى لن يلاحظوا قط أي فرق. ولكن الأمر ~~يرعبني. الأسلاك الشائكة! الشعارات! الوجوه الضخمة! السراديب ~~المبطنة بالفلين حيث يضربك الجلادون من الخلف! لكل ذلك، ترعب ~~الحرب رجالا آخرين أكثر حماقة مني من الناحية الفكرية. ولكن ~~لماذا؟ لأنها تعني نهاية هذا الشيء الذي أخبرتك به، هذا الإحساس ~~الفريد بداخلك. فلتسمه سلاما إن أردت، ولكن عندما أقول سلاما ~~فلا أقصد عدم الحرب، بل أقصد السكينة، ذلك الإحساس الذي تشعر به في ~~حواشيك. وسيزول للأبد إن أمسك بنا صبيان الهراوات ~~المطاطية. # أخذت باقة زهور الربيع وشممتها. وكنت أفكر في بلدة لوير بينفيلد. ~~كان من الطريف أن تظل تأتي إلى ذاكرتي على فترات خلال الشهرين ~~الماضيين، وبعد عشرين عاما كنت قد نسيتها فيها بالفعل. وفي هذه ~~اللحظة تحديدا، سمعت صوت سيارة آتية ms167 على الطريق. # عدت إلى الواقع مصدوما، وأدركت فجأة ما كنت أفعله، أتنزه ~~ملتقطا أزهار الربيع بينما ينبغي علي أن أقوم بتقييم متجر تاجر ~~الأدوات المعدنية هذا الذي في بودلي. إلى جانب هذا، هالني فجأة ~~كيف سيبدو شكلي أمام الناس الذين في السيارة إن رأوني. رجل بدين ~~بقبعة مستديرة يمسك بباقة من أزهار الربيع! لا تبدو صورة جيدة على ~~الإطلاق، فالرجل البدين يجب ألا يمسك بأزهار الربيع، بأي حال من ~~الأحوال في العلن. كان لدي الوقت لرميها عبر السياج قبل أن تظهر ~~السيارة في مرمى البصر. وكان من الجيد أن فعلت ذلك؛ فالسيارة ~~كانت مليئة بالشباب الحمقى في عمر العشرين تقريبا، وكانوا ~~بالتأكيد سيضحكون مني لو كانوا رأوني على تلك الحال. كانوا جميعا ~~ينظرون إلي - تعلم كيف ينظر الناس إليك عندما يكونون في سيارة ~~قادمة نحوك - وخطر ببالي أنه حتى الآن ربما يخمنون ما كنت ~~أفعل. أفضل أن يظنوا أي شيء آخر. فلماذا يخرج رجل من سيارته على ~~جانب طريق ريفي؟ الأمر واضح! عندما مرت السيارة، تظاهرت بأني أغلق ~~أزرار البنطال الأمامية. # أدرت السيارة باستخدام الكرنك (فمبدئ الحركة الذاتي لم يعد ~~يعمل) وركبت. ومن الغريب أنه في اللحظة نفسها التي كنت أغلق فيها ~~أزرار بنطالي، عندما كان ذهني منشغلا ثلاثة أرباعه بالتفكير في ~~أمر هؤلاء الشباب الحمقى في السيارة الأخرى، خطرت ببالي فكرة ~~مدهشة. # سأذهب إلى لوير بينفيلد! # لم لا؟ فكرت في ذلك وأنا أسير بأقصى سرعة بالسيارة. ما المانع؟ ~~ماذا كان يمنعني؟ ولماذا لم أفكر بحق الجحيم في الأمر من قبل؟ ~~إجازة هادئة في لوير بينفيلد، إنه بالضبط ما أحتاج إليه. # لا تتخيل أن لدي أي أفكار عن العودة للعيش في لوير بينفيلد، ~~فلم أكن أخطط لأن أهجر هيلدا والطفلين وأن أبدأ حياتي باسم ~~آخر؛ فهذه الأشياء لا تحدث إلا في الروايات؛ ولكن ما الذي يمنعني ~~من زيارة لوير بينفيلد وقضاء أسبوع فيها وحدي تماما، في ~~السر؟ # بدا كأني قد خططت لكل شيء في ذهني بالفعل، وكان الأمر مناسبا ~~ما ms168 دامت النقود متوفرة. كان لا يزال معي اثنا عشر جنيها أحتفظ ~~بها سرا، ويمكنك قضاء أسبوع غاية في الراحة بهذا المبلغ. ~~يمكنني الحصول على إجازة من العمل لمدة أسبوعين في السنة، وتكون ~~عادة في أغسطس أو سبتمبر. وإذا تمكنت من اختلاق قصة مناسبة - ~~احتضار قريب من مرض عضال أو ما شابه - لربما تمكنت من إقناع ~~الشركة أن تعطيني إجازتي على فترتين منفصلتين. حينئذ يمكنني ~~أن آخذ أسبوعا كاملا وحدي قبل أن تعرف هيلدا بالأمر. أسبوع في ~~لوير بينفيلد، بعيدا عن هيلدا والطفلين، وفلاينج سلامندر، وشارع ~~إلزمير والشجار حول الإيجار والمشتريات، وضوضاء المرور التي تقودك ~~للجنون، فقط أسبوع من التسكع والاستماع لصوت الهدوء! # ولكن في رأيك لم أريد العودة إلى لوير بينفيلد؟ لماذا لوير ~~بينفيلد بالتحديد؟ ما الذي أنوي فعله عندما أذهب إلى هناك؟ # لم أنو فعل أي شيء، وهذا جزء من السبب؛ فقط أريد أن أنعم ~~بالسلام والهدوء. السلام! كان موجودا فيما مضى، في لوير بينفيلد. ~~أخبرتك قليلا عن حياتنا القديمة هناك، قبل الحرب. لا أتظاهر أنها ~~كانت مثالية، بل أستطيع القول إنها كانت فاترة وراكدة ورتيبة؛ إذ ~~يمكنك القول إن أردت إننا كنا كحبات اللفت. ولكن اللفت لا ~~يعيش في رعب من رئيسه في العمل، ولا يظل مستيقظا في الليل مفكرا ~~في الركود الاقتصادي والحرب القادمين. لقد كنا ننعم بالسلام ~~الداخلي. أعلم بالطبع أنه حتى في لوير بينفيلد قد تغيرت الحياة، ~~ولكن المكان نفسه لم يتغير؛ فلا تزال هناك أشجار الزان حول منزل ~~بينفيلد، ومسار جر القوارب المجاور لبورفورد وير، ومعلف الخيول ~~في السوق. أردت العودة إلى هناك، فقط لمدة أسبوع، وجعل الشعور ~~بالسلام يغمرني. كان الأمر أشبه باعتزال أحد الحكماء الشرقيين في ~~الصحراء. وأعتقد أنه بالطريقة التي تسير بها الأمور، سيعتزل الكثير ~~من الأشخاص الجيدين في الصحراء في السنوات القليلة القادمة. ~~سيكون الأمر أشبه بروما القديمة التي كان يخبرني عنها العجوز ~~بورتيوس، حيث كان العديد من النساك حتى إنه كانت ثمة قائمة ~~انتظار للعيش بكل كهف. # ولكني لا ms169 أعني أنني أردت أن أعتزل لأمارس بعض أنواع التأمل؛ ~~كالتأمل بالنظر إلى السرة الذي كان يمارسه الإغريق، بل كل ما ~~أردته هو أن أستعيد قوتي قبل أن يأتي الزمان الصعب. هل لا يشك ~~عاقل في أن الأوقات الصعبة قادمة؟ لا نعلم حتى ما الذي ستكون عليه، ~~ولكننا نعلم أنها آتية. ربما تكون حربا أو أزمة اقتصادية - لا أحد ~~يعلم، فقط ستمر علينا أيام سيئة. وأينما كنا ذاهبين، فنحن ذاهبون ~~إلى الهاوية؛ إلى القبر أو إلى المجاري - لا أحد يعلم. ولا يمكنك ~~مواجهة هذا الأمر إلا إذا كنت تتمتع بالإحساس الصحيح بداخلك، وهو ~~شيء فارقنا خلال السنوات العشرين الماضية منذ الحرب. إنه كنوع من ~~العصارة الحيوية التي رششناها حتى لم يتبق منها شيء. كل هذا ~~التدافع هنا وهناك. تدافع أبدي من أجل حفنة من المال. ضجيج أبدي ~~صادر من الحافلات والقنابل وأجهزة المذياع وأجراس الهاتف. تآكلت ~~أعصابنا حتى دمرت، ونخرت عظامنا حتى اختفى نخاعها. # ضغطت بقدمي على دواسة الوقود، وقد أراحتني بالفعل فكرة العودة ~~إلى لوير بينفيلد. تعرف الإحساس الذي كنت أشعر به، إنه هدنة ~~لالتقاط الأنفاس! كسلحفاة البحر الكبيرة عندما تجدف إلى السطح، ~~وتخرج أنفها من الماء لتملأ رئتيها بجرعة كبيرة من الهواء قبل ~~أن تغوص للأسفل مرة أخرى، عائمة بين أعشاب البحر والأخطبوطات. ~~كلنا نختنق في قاع صندوق قمامة، ولكنني وجدت الطريق للأعلى. إنه ~~يتمثل في العودة إلى لوير بينفيلد! أبقيت قدمي على دواسة ~~الوقود حتى وصلت السيارة القديمة إلى أقصى سرعتها بما يقرب من ~~أربعين ميلا في الساعة. كانت تقعقع كصينية معدنية مليئة ~~بالآنية الفخارية، وبدأت أغني وسط ضوضائها. # ولكن بالطبع ما كان يعكر صفو الأمر كان هيلدا. جعلتني تلك ~~الفكرة أتراجع بعض الشيء، وأبطأت السيارة إلى عشرين ميلا في ~~الساعة للتفكير في الأمر. # لا شك أن هيلدا ستكتشف الأمر عاجلا أو آجلا، فلكي أحصل على ~~إجازة لأسبوع واحد في أغسطس، فعلي أن أحسن تجاوز الأمر معها. ~~يمكنني أن أخبرها أن الشركة لم تعطني سوى أسبوع واحد هذا ms170 ~~العام. ربما لن تطرح العديد من الأسئلة عن الأمر؛ لأنه سيروق لها ~~أن توفر نفقات الإجازة. والطفلان، على أي حال، دائما ما يقضيان ~~شهرا على الشاطئ. ولكن الصعوبة كانت في أن أجد حجة للتغيب ~~لذلك الأسبوع في شهر مايو؛ فلا يمكنني أن أختفي دون إعلامها. ~~فكرت في أن أفضل شيء هو أن أقول لها مسبقا إنه من المتوقع أن ~~يرسلوني في العمل لمهمة خاصة إلى نوتينجهام أو ديربي أو بريستول، ~~أو إلى أي مكان بعيد. وإذا أخبرتها بذلك قبل الإجازة بشهرين، ~~فسيبدو أنه ليس لدي ما أخفيه. # ولكنها بالطبع ستكتشف الأمر عاجلا أو آجلا. ثق في هيلدا! ~~ستتظاهر في البداية بأنها تصدقني، ثم بطريقتها الهادئة والعنيدة ~~ستكتشف أنني لم أذهب إلى نوتينجهام أو ديربي أو بريستول أو أي ما ~~كان. إنها تفعل ذلك بطريقة مذهلة، يا لها من مثابرة! إنها تظل ~~صامتة حتى تكتشف كل نقاط الضعف في حجتك المزعومة، ثم فجأة عندما ~~تذكر الأمر بالصدفة على إثر ملاحظة عابرة تنقض عليك، وتأتيك فجأة ~~بملف القضية كلها، فتجدها تقول: «أين قضيت ليلة السبت؟ أنت تكذب! ~~لقد كنت بصحبة امرأة. انظر إلى هذا الشعر الذي وجدته عندما كنت ~~أنظف معطفك. انظر إليه! هل هذا لون شعري؟» ثم يبدأ المرح. حدث ذلك ~~كثيرا. في بعض الأحيان تكون محقة في شأن أنني كنت بصحبة امرأة، ~~وأحيانا أخرى تكون مخطئة؛ ولكن رد فعلها دائما واحد، وهو التذمر ~~لأسابيع بلا توقف! ولا نجلس لتناول الطعام دون مشاجرة، والطفلان لا ~~يفهمان ما يجري. ولكن أسوأ ما يمكنني أن أفعله هو أن أخبرها أين ~~سأقضي ذلك الأسبوع بالفعل ولماذا؛ فإذا حاولت أن أشرح لها حتى يوم ~~القيامة، فلن تصدقني. # ولكن، تبا! لم أشغل بالي؟ فما زال أمامي وقت طويل. تعلم كيف ~~تختلف هذه الأمور بعد فعلها عن قبل فعلها. ضغطت بقدمي على دواسة ~~الوقود مرة أخرى، وجالت في ذهني فكرة أخرى، فكرة أكبر حتى من ~~الأولى. لن أذهب في شهر مايو، بل سأذهب في النصف الثاني من ms171 شهر ~~يونيو، عندما يبدأ موسم صيد الأسماك غير المنتمية لعائلة السلمون، ~~وسأذهب للصيد! # لم لا؟ فقد أردت السكينة، والصيد يبعث على السكينة. ثم خطرت ~~ببالي الفكرة الأكبر، وكادت أن تنحرف بي عن الطريق. # سأذهب وأصطاد أسماك الشبوط الكبيرة في بركة منزل ~~بينفيلد! # ومجددا، لم لا؟ أليس من الغريب كيف نعيش حياتنا، إذ نعتقد ~~دائما أن الأشياء التي نريد فعلها هي الأشياء التي لا يمكننا ~~فعلها؟ لم لا يجب أن أصطاد أسماك الشبوط تلك؟ ولكن بمجرد أن ~~ذكرت الفكرة، ألم تبد لك شيئا مستحيلا أو شيئا لا يمكن حدوثه؟ ~~لقد بدت لي كذلك، حتى في تلك اللحظة؛ فقد بدت لي كحلم واهم، كتلك ~~الأحلام التي ترى نفسك فيها نائما مع نجمات الأفلام أو فائزا ~~ببطولة الوزن الثقيل. ومع ذلك لم يكن الأمر مستحيلا على الإطلاق، ~~بل لم يكن صعبا؛ إذ يمكنك أن تؤجر مكانا للصيد، فأيا كان ~~المالك الحالي لمنزل بينفيلد، فسيسمح لي بالتأكيد بالصيد في ~~البركة إذا دفعت له ما يكفي. يا إلهي! كم يسعدني أن أدفع خمسة ~~جنيهات لقضاء يوم في الصيد في تلك البركة! ومن المحتمل كذلك أن ~~يكون المنزل ما زال فارغا، ولا يعلم أحد حتى بوجود البركة. # فكرت في ذلك المكان المظلم خلف الأشجار، وهو ينتظرني طوال تلك ~~الأيام، وفي الأسماك السوداء الضخمة التي لا تزال تعوم في الأرجاء. ~~يا إلهي! إذا كانت بذلك الحجم الذي رأيتها عليه منذ ثلاثين عاما، ~~فكيف سيكون حجمها الآن؟ # 3 # كنا في السابع عشر من شهر يونيو، يوم الجمعة، وكان اليوم الثاني ~~هو موعد بدء موسم صيد الأسماك غير المنتمية إلى عائلة ~~السلمون. # لم أجد أي صعوبة في ترتيب أموري مع الشركة. أما مع هيلدا، فقد ~~خدعتها بقصة كانت على أحسن تنظيم ولا تشوبها شائبة؛ فقد رتبت أن ~~تكون حجة غيابي أني ذاهب إلى برمنجهام، حتى إني أخبرتها في اللحظة ~~الأخيرة باسم الفندق الذي كنت سأبيت فيه، وهو فندق روبوتوم العائلي ~~والتجاري، وكنت أعرف عنوانه؛ لأنني قد أقمت فيه قبل ms172 ذلك ببضع ~~سنوات. في الوقت نفسه، لم أكن أريدها أن ترسل لي خطابات إلى ~~برمنجهام، الأمر الذي كان من المتوقع أن تفعله إن تغيبت لمدة ~~أسبوع. بعد التفكير مليا، أخبرت الشاب ساوندرز، الذي كان مندوب ~~مبيعات متجولا لدى شركة جليسو لملمعات الأرضيات، بجزء من السر؛ إذ ~~كان قد أخبرني بالصدفة أنه سيمر على برمنجهام في الثامن عشر من ~~يونيو، واتفقت معه على أن يتوقف في الطريق ويرسل خطابا مني إلى ~~هيلدا، وعليه عنوان فندق روبوتوم؛ وذلك لإخبارها أنه قد يطلب مني ~~مغادرة المكان وأنه من الأفضل عدم الكتابة لي. تفهم ساوندرز ~~الأمر، أو هكذا اعتقد؛ فغمز لي وقال إنني مبهر مقارنة بسني. ~~وهكذا تمت تسوية الأمر مع هيلدا، التي لم تطرح أي أسئلة؛ وحتى إن ~~شكت في شيء فيما بعد، فإن حجة كتلك لن يكون من السهل ~~تفكيكها. # قدت السيارة عبر ويسترهام، وكان صباحا رائعا من صباحات شهر ~~يونيو؛ حيث هب نسيم خفيف، وكانت قمم شجر الدردار تتمايل في ~~الشمس، وكانت السحب البيضاء الصغيرة تسبح في السماء كقطيع من ~~الخراف، وكانت الظلال يطارد بعضها بعضا عبر الحقول. خارج ~~ويسترهام، قابلت فتى يعمل في متجر مثلجات وولز، وكانت وجنتاه ~~كالتفاحتين، وكان يعدو مسرعا تجاهي على دراجته، ويصفر حتى ~~كادت صفارته تخترق رأسك. ذكرني ذلك فجأة بالوقت الذي كنت فيه صبي ~~مهمات مثله (على الرغم من أننا في تلك الأيام لم تكن لدينا دراجات ~~بترس حر)؛ وكدت أن أوقفه وآخذ قطعة من المثلجات التي كانت معه. كان ~~القش مقطعا في مكانه بالحقول، ولكنه لم يكن قد خزن بعد؛ إذ كان ~~قد فرش ليجف في الشمس في صفوف لامعة طويلة، وكانت رائحته قد ~~انجرفت عبر الطريق، واختلطت برائحة الوقود. # قدت السيارة ببطء على سرعة خمسة عشر، وكان صباحا هادئا ~~وحالما. كان البط يعوم في البرك كما لو أنه قد شعر بأنه قد ~~شبع تماما، فلم يعد يريد أن يأكل. في نيتلفيلد، القرية بعد ~~ويسترهام، جاء رجل ضئيل الحجم، بمئزر أبيض وشعر أشيب وشارب ms173 ~~رمادي ضخم، مندفعا كالسهم عبر الحقول، ثم وقف في وسط الطريق ~~وبدأ يلوح لجذب انتباهي. كانت سيارتي معروفة على طول هذا الطريق ~~بالفعل. توقفت، ولم يكن سوى السيد ويفر صاحب المتجر العام في ~~القرية. لا، لم يكن يريدني أن أؤمن له على حياته ولا على ~~متجره، فقط كانت قد نفدت منه الفكة، ويريد أن يعلم ما إذا كان معي ~~ما يعادل جنيها من «العملات الفضية الكبيرة». ليس لديهم فكة ~~أبدا في نيتلفيلد، حتى في الحانة. # واصلت في طريقي، وكان القمح قد طال حتى يكاد يصل إلى خصرك. كنت ~~أعرج في الطريق لأعلى وأسفل عبر التلال التي كانت تشبه ~~السجادة الخضراء الكبيرة، التي كانت الرياح تميلها قليلا فتبدو ~~كثيفة وحريرية. كانت كالمرأة المستلقية التي تدعوك لحضنها. ثم رأيت ~~أمامي العلامة الإرشادية التي تخبرك بأن الطريق يتفرع يمينا إلى ~~بودلي ويسارا إلى أكسفورد. # كنت لا أزال في حدودي المعتادة، داخل «منطقتي»، كما تسميها ~~الشركة. من الطبيعي، بما أنني كنت متجها إلى الغرب، أن أغادر ~~لندن من طريق أوكسبريدج؛ ولكن حدسي جعلني أتبع طريقي المعتاد. ~~الحقيقة هي أنني كنت أشعر بالذنب حول الأمر برمته، وكنت أريد أن ~~أكون قد قطعت شوطا طويلا قبل أن أصل أكسفوردشير. على الرغم من ~~أنني قد رتبت الأمر جيدا من ناحية هيلدا والشركة، وعلى الرغم من ~~أن معي اثني عشر جنيها في محفظتي وحقيبة سفر في السيارة من ~~الخلف، فكلما كنت أقترب أكثر من تقاطع الطرق كنت أشعر بالفعل ~~بإغراء - أعلم أنني لم أكن لأستسلم له، ولكنه كان إغراء على أي ~~حال - يدفعني للتراجع عن كل شيء. كان لدي ذلك الشعور بأنني طوال ~~سيري في طريقي المعتاد فأنا ما زلت محترما للقانون؛ فلم يفت ~~الأوان، هكذا اعتقدت، وأنه ما زال أمامي الوقت لأن أسلك المسلك ~~القويم. كان بإمكاني الإسراع إلى بودلي، على سبيل المثال، ومقابلة ~~مدير بنك باركلي (وهو وكيلنا في بودلي) وسؤاله عما إذا كان ثمة ~~عمل جديد في الأرجاء. وكان يمكنني كذلك التراجع والعودة إلى ~~هيلدا ms174 معترفا بكذبتي. # أبطأت عندما اقتربت من الدوران. هل أتم الأمر أم أتراجع عنه؟ ~~لمدة ثانية تقريبا كان الإغراء يتملكني بالفعل. ولكن لا! أطلقت ~~بوق السيارة وملت بالسيارة غربا في طريق أكسفورد. # حسنا، سأذهب. كنت قد أصبحت في الأرض المحرمة. كان من الممكن، إن ~~أردت، أن أتجه بعد خمسة أميال إلى اليسار مرة أخرى وأرجع إلى ~~ويسترهام؛ ولكني في تلك اللحظة كنت قاصدا الغرب. بالأحرى، كنت في ~~منتصف الطريق. والغريب في الأمر، أنه بمجرد وجودي على طريق أكسفورد ~~شعرت شعورا أكيدا أنهم علموا كل شيء. وبقولي «أنهم» أعني كل ~~الناس الذين لم يكونوا ليوافقوا على رحلة من هذا النوع، والذين ~~كانوا سيمنعونني إن تمكنوا من ذلك، وهم، على ما أعتقد، كل ~~الناس. # علاوة على ذلك، أحسست بأنهم يلاحقونني بالفعل. جميعهم! جميع ~~الناس الذين لم يتمكنوا من فهم السبب وراء اختلاس رجل في منتصف ~~العمر بأسنان اصطناعية لأسبوع هادئ في المكان الذي قضى فيه أيام ~~صباه. وكل الأوغاد من ذوي النفوس الدنيئة الذين تمكنوا من فهم ~~الأمر جيدا، ولكنهم سيقيمون الدنيا ويقعدونها لمنعي. كلهم كانوا ~~في الطريق خلفي. كان الأمر كما لو أن جيشا ضخما يتدفق على الطريق ~~خلفي، وبدا لي أنني أراهم في ذهني. كانت هيلدا في المقدمة، بالطبع، ~~ويلاحقها الطفلان، والسيدة ويلر تحثها بحقد وضراوة، والآنسة ~~مينس تركض في الخلف ونظارتها تنزلق على أنفها، وعلى وجهها نظرة ~~أسى كالدجاجة المتخلفة عن الركب، بينما بقية الدجاج قد حصلوا على ~~قشور اللحم المقدد. وكان خلفي أيضا السير هربرت كروم وأصحاب ~~المناصب العليا في فلاينج سلامندر في سياراتهم الرولز رويس ~~والهيسبانو سويسا. وكل الرجال في المكتب، وكل الموظفين المداسين ~~بالأقدام المساكين من شارع إلزمير ومن كل الشوارع المماثلة، الذين ~~يركب بعضهم في العربات الصغيرة وآلات الحصاد، ومداحل الحدائق ~~الإسمنتية، والبعض الآخر يحدثون ضجة بسيارات أوستين سيفن القديمة ~~التي يقودونها. وكل منقذي الأرواح والمتطفلين، هؤلاء الذين لا ~~تراهم أبدا، ولكنهم يديرون مصيرك على الرغم من ذلك: وزير ~~الداخلية، وشرطة سكوتلاند يارد، وتحالف الاعتدال في ms175 شرب الكحوليات، ~~وبنك إنجلترا، واللورد بيفربروك، وهتلر وستالين على دراجة ~~بمقعدين، والأساقفة، وموسوليني، والبابا. جميعهم كانوا ورائي. حتى ~~إنه كان بإمكاني سماعهم وهم يصرخون قائلين: ~~«ثمة رجل يعتقد أنه سيهرب! ثمة رجل يقول إنه لا يريد أن يسير مع ~~القطيع! إنه يرجع إلى لوير بينفيلد! الحقوا به! أوقفوه!» # إنه لأمر غريب! كان تأثير ذلك الإحساس علي عظيما لدرجة أنني ~~ألقيت نظرة خاطفة عبر الزجاج الخلفي للسيارة للتأكد من أن أحدا ~~لا يلاحقني. أعتقد أنه الإحساس بالذنب. ولكن لم يكن ثمة أحد، فما ~~كان سوى طريق أبيض يكسوه الغبار، وصف طويل من أشجار الدردار ~~التي تتضاءل أحجامها خلفي. # ضغطت بقوة على دواسة الوقود، فقعقعت السيارة القديمة ووصلت ~~سرعتها إلى الثلاثينيات. بعد ذلك ببضع دقائق، كنت قد تجاوزت منعطف ~~ويسترهام. وكان ما كان. وما كان هناك مجال للتراجع. هذه كانت ~~الفكرة التي، بشكل غامض، بدأت في التشكل في ذهني في اليوم الذي ~~حصلت فيه على طقم أسناني الجديد. # | الجزء الرابع # 1 # شققت طريقي إلى لوير بينفيلد عبر تل تشامفورد. هناك أربعة طرق ~~تؤدي إلى لوير بينفيلد، وكان من الأسرع أن أذهب عبر وولتن، ولكني ~~أردت المرور على تل تشامفورد، فهو الطريق الذي اعتدنا أن نسلكه ~~بالدراجات رجوعا إلى المنزل من رحلات صيدنا في نهر التيمز. عندما ~~تتجاوز للتو قمة التل، تتباعد الأشجار ويمكنك رؤية لوير ~~بينفيلد في الوادي أسفل قدميك. # إنها لتجربة غريبة أن تعود إلى مكان ما من الريف لم تره منذ ~~عشرين سنة؛ إذ تتذكره بكل تفاصيله، ولكنك تكتشف أن كل ما تتذكره ~~غير صحيح؛ فكل المسافات مختلفة، ويبدو أن المعالم قد تغيرت. تستمر ~~في الشعور - بالطبع هذا التل كان شديد الارتفاع - بأنك بالتأكيد ~~انعطفت في الجانب الخاطئ من الطريق. ومن جهة أخرى، تجد أن لديك ~~ذكريات شديدة الدقة، ولكنها تخص موقفا بعينه. ستتذكر، على سبيل ~~المثال، ركنا من الحقل، في يوم مطير في الشتاء، بعشبه شديد ~~الخضرة حتى يكاد يصبح أزرق اللون، وعضادة بوابة صدئة ~~مغطاة بالأشنة، وبقرة واقفة ms176 على العشب تنظر إليك. وسترجع بعد ~~عشرين سنة، وستفاجأ؛ لأن البقرة ليست واقفة في المكان نفسه، ~~ولا تنظر إليك بالتعبير نفسه الذي تتذكره. # عندما صعدت تل تشامفورد بالسيارة، أدركت أن صورته التي كانت في ~~ذهني كانت من وحي خيالي إلى حد كبير. ولكن الحقيقة أن أشياء ~~بعينها قد تغيرت. كان الطريق معبدا، بينما كان في الأيام ~~الخوالي مرصوفا بالحصباء (أتذكر ذلك الشعور الوعر به أسفل ~~دراجتي)، وبدا كما لو أنه أصبح أعرض، وقلت أشجاره بشكل ملحوظ. ~~في الماضي، كانت أشجار الزان الضخمة تنمو في الأسيجة، وكانت ~~أغصانها تتلاقى في بعض الأماكن على الطريق مشكلة ما يشبه ~~القوس. كل ذلك اختفى الآن. كدت أصل إلى قمة التل عندما صادفت شيئا ~~كان بالتأكيد جديدا؛ فعلى يمين الطريق كانت ثمة مجموعة كبيرة من ~~المنازل ذات المظهر الخلاب الزائف، بأفاريز متدلية وعرائش ورد ~~وما إلى ذلك. تعرف ذلك النوع من المنازل التي تكون أعلى في رقيها ~~من أن تصطف على خط واحد؛ ومن ثم تجدها متناثرة فيما يشبه ~~المستعمرة، بطرقها الخاصة التي تقود إليها. وعلى مدخل أحد الطرق ~~الخاصة كانت ثمة لوحة بيضاء كبيرة مكتوب عليها: # مأوى للكلاب # جراء من سلالة سيليهام النقية # مبيت وطعام للكلاب. # بالطبع لم يكن ذلك موجودا في الماضي، أليس كذلك؟ # فكرت لوهلة. أجل، تذكرت! في مكان تلك المنازل كانت أشجار ~~البلوط الصغيرة، التي نمت شديدة القرب من بعضها بعضا، فأصبحت ~~شاهقة الطول ورفيعة السمك، وكانت الأرض أسفلها تغطيها بكثافة ~~شقائق النعمان في فصل الربيع. بالطبع لم تكن ثمة منازل قط ~~بهذا البعد عن البلدة. # وصلت أعلى التل، دقيقة واحدة وتصبح لوير بينفيلد على مرمى ~~البصر. لوير بينفيلد! لماذا يجب أن أتظاهر بعدم الحماس؟ فعند ~~مجرد التفكير في رؤيتها مرة أخرى أشعر بإحساس استثنائي يزحف ~~داخلي محدثا أثره على قلبي. خمس دقائق وسأراها. أجل، ها قد وصلت! ~~حررت القابض ثم ضغطت على المكابح، ثم يا إلهي! # أوه، أجل، أعلم أنك تعلم ما كان بانتظاري، ولكني لم أكن أعلم. ~~يمكنك القول ms177 إنني كنت في غاية الحماقة ألا أتوقع الأمر، فكذلك ~~كنت بالفعل. ولكنه لم يخطر ببالي قط. # السؤال الأول كان: أين هي لوير بينفيلد؟ # لا أعني أنها هدمت، بل فقط ابتلعت؛ فما كنت أنظر إليه ~~بالأسفل كان بلدة صناعية كبيرة بعض الشيء. أتذكر - يا إلهي، ~~وكيف لا أتذكر؟! ولا أعتقد في هذه الحالة أن ذاكرتي تخونني - ~~ما كانت تبدو عليه لوير بينفيلد عند النظر إليها من أعلى تل ~~تشامفورد. أعتقد أن هاي إستريت كان طوله نحو ربع ميل، وباستثناء ~~بعض المنازل النائية، كان شكل البلدة يقترب من شكل الصليب. وكان ~~المعلمان الرئيسان هما برج الكنيسة ومدخنة مصنع الجعة. في ~~هذه اللحظة، لم أتمكن من رؤية أي منهما، وكل ما تمكنت من ~~رؤيته كان نهرا ضخما من المنازل الجديدة تماما، كان يتدفق ~~عبر الوادي في كلا الاتجاهين وإلى منتصف الطريق إلى أعلى ~~التلال على كلا الجانبين. إلى اليمين، كان ما بدا أنه عدة ~~فدادين من الأسقف الحمراء الساطعة، التي كانت كلها متشابهة ~~تماما. بالنظر إليها، عرفت أنها مساكن البلدية. # ولكن أين كانت لوير بينفيلد؟ أين كانت البلدة التي كنت أعرفها؟ ~~لا بد أنها كانت في مكان ما. كل ما أعرفه أنها كانت مخفية في ~~مكان ما وسط ذلك البحر من الطوب. من المداخن الخمس أو الست التي ~~يمكنني رؤيتها، لم أتمكن من أن أخمن حتى أيهما كانت ~~مدخنة مصنع الجعة. ناحية الطرف الشرقي للبلدة، كان ثمة ~~مصنعان ضخمان للزجاج والإسمنت. هذا هو السبب وراء نمو البلدة، ~~على ما أعتقد، عندما بدأت في إدراك الأمر. وخطر ببالي أن سكان هذا ~~المكان (الذين كانوا نحو ألفين في الماضي) لا بد أنهم قد أصبحوا ~~خمسة وعشرين ألفا على الأقل. الشيء الوحيد الذي لم يتغير، على ~~ما يبدو، كان منزل بينفيلد. لم يكن سوى كالنقطة من تلك المسافة، ~~ولكنك يمكنك أن تراه على الجانب المقابل للتل، وأشجار الزان حوله؛ ~~فلم تكن البلدة قد ارتفعت مبانيها لتصل لذلك العلو. وأنا أنظر على ~~البلدة، طار سرب من الطائرات ms178 القاذفة للقنابل السوداء أعلى التل، ~~ومر بسرعة فوق البلدة فسمعت الأزيز الذي أحدثته. # دفعت القابض وبدأت أتحرك بالسيارة ببطء نزولا من التل. كانت ~~المنازل قد زحفت صعودا إلى منتصف التل. تعرف تلك المنازل شديدة ~~الصغر والرخص التي تمتد على جوانب التلال في صف واحد لا ينقطع، ~~ولها أسقف تراها مرتفعة الواحد أعلى الآخر؛ كسرب من الخطوات ~~وكلها متشابهة تماما. ولكن قبل أن أصل إلى المنازل بقليل توقفت ~~مرة أخرى. على يسار الطريق، كان ثمة شيء آخر جديد تماما. المقبرة. ~~توقفت أمام المدخل للنظر إليها. # كانت ضخمة، وعلى مساحة عشرين فدانا، على ما أعتقد. تتسم ~~المقابر الجديدة دائما بمظهر محدث جذاب، بمساراتها من الحصى ~~الخشن ومروجها الخضراء الوعرة، وتماثيل الملائكة الرخامية المصنوعة ~~آليا، التي تبدو كما لو كانت منتزعة من كعكات الزفاف. ولكن ~~أكثر ما هالني في تلك اللحظة هو أن هذا المكان لم يكن موجودا في ~~الماضي، ولم يكن ثمة مقابر منفصلة في ذلك الحين، فقط كان لدينا ~~مدفن الكنيسة. تمكنت بشكل غامض من تذكر المزارع الذي كان يمتلك ~~تلك الحقول، بلاكيت، هكذا كان اسمه، وكان مزارعا ومنتجا ~~لمنتجات الألبان. كما ذكرني المظهر البارد للمكان بطريقة ما بمدى ~~تغير الأمور؛ فلم تتسع البلدة كثيرا فحسب، حتى إنهم احتاجوا ~~إلى عشرين فدانا لدفن موتاهم، بل إنهم قد وضعوا المقبرة هنا على ~~أطراف البلدة. هل لاحظت أنهم دائما ما يفعلون ذلك في تلك الأيام؟ ~~كل بلدة جديدة تضع مقبرتها على أطرافها. يدفعونها بعيدا، يبقونها ~~بعيدا عن أنظارهم! إنهم لا يتحملون تذكر الموت. حتى شواهد ~~القبور تخبرك بالقصة نفسها. إنهم لا يقولون أبدا إن الرجل ~~المدفون تحتها قد «مات»، بل «رحل» أو «رقد». لم يكن الأمر كذلك في ~~الماضي؛ حيث كان مدفن كنيستنا قابعا في وسط البلدة، وكنت تمر عليه ~~كل يوم وترى البقعة التي يرقد فيها جدك، وأين سترقد أنت الآخر في ~~يوم من الأيام. لم يكن يزعجنا النظر للأموات. أعترف أننا في ~~الأيام الحارة كنا نشم رائحتهم أيضا؛ لأن قبور بعض ms179 العائلات لم ~~تكن مغلقة جيدا. # تركت السيارة تهبط من على التل ببطء. يا له من أمر غريب! لا ~~يمكنك تخيل مدى غرابته! طوال الطريق إلى أسفل التل كنت أرى ~~أشباحا، وخاصة أشباح الأسيجة والأشجار والأبقار. كنت كما لو أنني ~~أنظر إلى عالمين في الوقت نفسه؛ ما يشبه الفقاعة الرقيقة لما ~~كان موجودا في الماضي، مع ما هو موجود بالفعل وساطع من خلالها. ~~هناك كان الحقل حيث كان الثور يطارد جينجر رودجرز! وهناك كان ~~المكان حيث كان ينمو فطر الحصان! ولكن لم يكن هناك أي حقول أو ~~أي ثيران أو أي فطر؛ بل كانت المنازل في كل مكان، منازل حمراء ~~باردة صغيرة بستائر نوافذها الوضيعة، والخردة في الحدائق الخلفية ~~التي لم تكن شيئا سوى رقعة من العشب الرديء أو بعض من نبات ~~العائق الذي يكافح لينمو وسط الأعشاب. وكان الرجال يمشون ~~ذهابا وإيابا، والنساء ينفضن الحصائر، والأطفال بأنوفهم التي ~~يسيل منها المخاط يلعبون على طول الرصيف. كلهم غرباء! فقد جاءوا ~~جميعا وتجمعوا هنا أثناء غيابي. ومع ذلك فهم من كانوا ينظرون ~~إلي باعتباري غريبا، فلم يعلموا أي شيء عن لوير بينفيلد ~~القديمة، ولم يسمعوا قط عن شوتير وويثرال، أو السيد جريميت وعمي ~~إيزيكيال، وبالتأكيد لم يكن يهمهم أن يعرفوا شيئا. # من الأمور الطريفة سرعة الناس على التكيف. أعتقد أنه مرت ~~خمس دقائق منذ أن توقفت عند قمة التل، وأنا متحمس قليلا في ~~الواقع لفكرة رؤية لوير بينفيلد مرة أخرى. وبالفعل اعتدت على فكرة ~~أن لوير بينفيلد قد ابتلعت ودفنت مثلها مثل مدن بيرو ~~الضائعة. عززت شجاعتي وواجهت الوضع. فبعد كل شيء، ماذا ~~تتوقع؟ يجب أن تنمو المدن، إذ يجب أن يعيش الناس في مكان ما. ~~علاوة على ذلك، فلم تبد القرية القديمة؛ فهي لا تزال موجودة في ~~مكان ما، بيد أنها أصبحت محاطة بالمنازل بدلا من الحقول. خلال ~~بضع دقائق سوف أراها مجددا، حيث الكنيسة ومدخنة مصنع الجعة، ~~ونافذة متجر أبي، ومعلف الخيول في السوق. وصلت إلى أسفل التل، ~~وتشعب الطريق. ms180 اتجهت يسارا، وبعد دقيقة ضللت الطريق. # لم أستطع تذكر شيء، لم أستطع حتى أن أتذكر ما إذا كانت بداية ~~البلدة من هذه الناحية أم لا. كل ما كنت أعرفه هو أن هذا الشارع لم ~~يكن موجودا في الماضي . ولمئات الياردات، كنت أسير فيه - كان ~~شارعا حقيرا شديد الوضاعة، وكانت المنازل متراصة على جانبيه، ~~ومن حين لآخر كنت ترى متجرا للبقالة أو حانة قذرة صغيرة - ~~وأتساءل إلى أين عساه أن يقودني. وأخيرا، توقفت بجوار امرأة ~~مرتدية مئزرا قذرا، ولا ترتدي قبعة وكانت تسير على الرصيف. أخرجت ~~رأسي من نافذة السيارة، وقلت لها: ~~«عذرا، هل يمكنك أن تدليني على الطريق إلى السوق؟» # ردت بلهجة صعبة الفهم، قائلة: «لا أعلم.» بدا أنها كانت من ~~لانكشير؛ فثمة العديد منهم في جنوب إنجلترا الآن، وقد فروا ~~بأعداد كبيرة من المناطق المدمرة. # ثم رأيت رجلا في رداء عمل سروالي ومعه حقيبة أدوات آتيا نحوي، ~~فحاولت مرة أخرى. جاءتني الإجابة هذه المرة بلهجة الطبقة العاملة، ~~ولكنه كان عليه أن يفكر فيها لدقيقة أولا، ثم قال: ~~«السوق؟ السوق؟ دعنا نرى. أوه، هل تعني السوق القديم؟» # أعتقد أنني كنت أعني بالفعل السوق القديم. ~~«أوه، حسنا، انعطف يمينا ...» # كان طريقا طويلا. بدا لي أنه أميال، على الرغم من أنه في ~~الواقع لم يكن يتعدى ميلا واحدا. المنازل، والمتاجر، ودور ~~السينما، والكنائس الصغيرة، وملاعب كرة القدم، كلها جديدة، كل شيء ~~جديد. مرة أخرى، انتابني هذا الشعور بأن نوعا من غزو الأعداء قد ~~حدث في غيابي. كل هؤلاء الناس تدفقوا من لانكشير وضواحي لندن، ~~وزرعوا أنفسهم هنا محدثين هذه الفوضى الموحشة، وهم لا يهتمون حتى ~~بمعرفة أسماء المعالم الرئيسية للبلدة. ولكنني فهمت الآن السبب في ~~أن ما كنا نطلق عليه قديما السوق أصبح الآن يعرف باسم السوق ~~القديم؛ فقد أقاموا ميدانا كبيرا، على الرغم من أنه لا يمكنك أن ~~تطلق عليه ميدانا بالتحديد؛ لأنه لم يكن له شكل محدد، وكان في ~~منتصف البلدة الجديدة، تملؤه إشارات المرور وبه تمثال ضخم من ~~البرونز ms181 لأسد يهاجم نسرا، لقد كان نصبا تذكاريا للحرب على ~~ما أعتقد. إن كل شيء جديد! يا له من مظهر بارد ووضيع! هل تعرف شكل ~~هذه البلدات الجديدة التي تضخمت فجأة كالبالون في السنوات القليلة ~~الماضية: هايز، وسلاو، وداجنهام ، وغيرها؟ ذلك الطوب الأحمر الساطع ~~البارد في كل مكان، ونوافذ المتاجر ذات الطلاءات المؤقتة المليئة ~~بالتخفيضات على أسعار الشوكولاتة وأجهزة الراديو. هذا ما كان الأمر ~~عليه تماما. ولكني، فجأة، استدرت إلى شارع به منازل قديمة. يا ~~إلهي! إنه هاي إستريت! # رغم كل شيء، لم تخني ذاكرتي. كنت أعرف كل بوصة فيه. بضعة مئات ~~أخرى من الياردات وسأكون في السوق. كان المتجر القديم في الطرف ~~الآخر من هاي إستريت. سأذهب إلى هناك بعد الغداء، وكنت أنوي ~~الإقامة في حانة جورج. لي في كل بوصة ذكريات! أعرف جميع المتاجر، ~~على الرغم من أن كل الأسماء قد تغيرت، والأشياء التي يبيعونها قد ~~تغيرت أيضا في الغالب. ها هو متجر لوفجروف! وها هو متجر تود! وهذا ~~المتجر الداكن اللون الكبير ذو الأعمدة والنوافذ الناتئة من السقف ~~المائل كان متجر ليلي وايت للأقمشة، حيث كانت تعمل إلسي. وها هو ~~متجر جريميت! يبدو أنه لا يزال متجرا للبقالة. والآن، إلى معلف ~~الخيول في السوق. كانت ثمة سيارة أخرى أمامي، ولم أتمكن من ~~رؤيته. # انعطفت جانبا ودخلت إلى السوق؛ ولكن معلف الخيول كان قد ~~اختفى. # كان يوجد مكانه رجل من جمعية السيارات في مهمة مرورية. ألقى نظرة ~~على السيارة، ورأى أنها لا تحمل شارة الجمعية، فقرر عدم إلقاء ~~التحية علي. # استدرت متوجها إلى حانة جورج؛ فقد كان غياب معلف الخيول ~~بمثابة صفعة لي جعلتني أخرج من المكان دون أن أنظر حتى لأعرف ما ~~إذا كانت مدخنة مصنع الجعة ما زالت موجودة أم لا. تغيرت حانة جورج ~~كذلك؛ فكل شيء فيها قد تغير ما عدا اسمها. وقد تزينت وجهتها ~~الأمامية حتى بدت كأحد الفنادق الساحلية، وقد بدلت لافتتها ~~كذلك. كان من الغريب أنه على الرغم من أنني لم أكن أفكر ms182 في ~~اللافتة القديمة ولو مرة حتى تلك اللحظة لمدة عشرين عاما، فقد ~~اكتشفت فجأة أنه يمكنني تذكر كل تفصيلة فيها، حيث كانت ~~معلقة في هذا المكان منذ أقدم وقت يمكنني تذكره. كانت لافتة ~~غير متقنة مرسوما عليها القديس جورج يركب حصانا شديد النحافة ~~ويدهس تنينا شديد الضخامة؛ وفي الزاوية، على الرغم من تشقق ~~الطلاء وتغير لونه، يمكنك قراءة توقيع صغير، وهو «ويليام ~~ساندفورد، رسام ونجار». أما اللافتة الجديدة، فقد كانت ذات مظهر ~~فني جذاب؛ إذ يمكنك أن ترى أن راسمها فنان حقيقي، ويبدو فيها ~~القديس جورج شابا عاديا مخنثا. أما الساحة التي كانت مرصوفة ~~بالحصى، حيث كانت توضع أمتعة المزارعين وكان السكارى يتقيئون ~~في ليالي السبت، فقد زاد حجمها بما يعادل ثلاثة أمثال ورصفت ~~بالإسمنت، وأحاطتها بالكامل مواقف السيارات. تركت السيارة في ~~أحد مواقف السيارات هذه وخرجت. # من الأشياء التي لاحظتها عن العقل البشري هو أنه متأرجح؛ فلا ~~عاطفة تدوم لفترة طويلة. في ربع الساعة التي سبقت ذلك الحين، كان ~~لدي ما يمكنك أن تصفه بعض الشيء بالصدمة. شعرت وكأن لكمة ~~شديدة قطعت أحشائي عندما توقفت أعلى تل تشامفورد، وفجأة أدركت ~~أن لوير بينفيلد قد اختفت، وشعرت بطعنة صغيرة أخرى عندما رأيت أن ~~معلف الخيول لم يعد موجودا. همت في الشوارع بسيارتي ~~عابسا، وشعرت كما لو أنه قد زال مجدي. ولكن عندما ترجلت من ~~السيارة ورفعت قبعتي الملساء على رأسي، شعرت فجأة أن الأمر لا ~~يهم في شيء؛ فقد كان يوما صيفيا جميلا، وكان لساحة الفندق ~~مظهر صيفي نوعا ما، بورودها في الأحواض الخضراء وما إلى ذلك. ~~بالإضافة إلى ذلك، فقد كنت جائعا وأرتقب تناول الغداء. # دخلت إلى الفندق بنوع من التباهي، وتبعني عامل الفندق، الذي ~~كان قد انطلق لاستقبالي بالفعل، حاملا حقيبتي. شعرت ببعض ~~الدعة، التي ربما كانت جلية على مظهري؛ فيمكنك القول إنني ~~بدوت كرجل أعمال كبير، على أي حال إن لم تكن قد رأيت سيارتي. كنت ~~سعيدا أنني أتيت ببدلتي الجديدة، التي كانت زرقاء من قماش ~~الفلانيلة ms183 وبخطوط بيضاء رفيعة، ما أضفى علي مظهرا ملائما؛ ~~فقد كان لها ما أطلق عليه الخياط «تأثير التخسيس». أعتقد أنني في ~~ذلك اليوم كان بإمكاني أن أبدو كسمسار في البورصة. قل ما شئت، ~~ولكنه شيء لطيف للغاية أنه في يوم من أيام شهر يونيو، عندما تكون ~~الشمس ساطعة على نباتات إبرة الراعي الوردية في الأواني على ~~النوافذ، أن تدخل فندقا ريفيا جميلا وبانتظارك لحم الحمل ~~المشوي بصلصة النعناع. ليس من ميولي الإقامة في الفنادق؛ فأنا ~~أرى الكثير منها، ولكن في تسعة وتسعين في المائة من المرات التي ~~أراها فيها تكون تلك الفنادق «العائلية والاقتصادية»، مثل روبوتوم، ~~حيث كان من المفترض أن أقيم في ذلك الحين، ذلك النوع من الأماكن ~~التي تدفع فيها خمسة شلنات مقابل المبيت والإفطار، وحيث الملاءات ~~الرطبة دائما وصنابير الحمامات التي لا تعمل أبدا. بدا فندق ~~جورج عصريا حتى كدت لا أعرفه؛ إذ كنا في الماضي بالكاد نطلق ~~عليه فندقا، فلم يكن سوى حانة، على الرغم من أنه كان به غرفة أو ~~غرفتان للإيجار وكان يعد الغداء للمزارعين (لحم البقر المشوي ~~وبودينج يوركشاير، والحلوى الدسمة وجبن ستلتون) في أيام السوق. بدا ~~كل شيء مختلفا باستثناء البار العام، الذي ألقيت نظرة عليه وأنا ~~أمر، وقد بدا تماما كما كان دائما. مررت في ممر به سجادة ~~ناعمة، ومعلق على جدرانه صور صيد، وأوعية تدفئة للأسرة ~~مصنوعة من النحاس، وما شابه من أشياء. يمكنني على نحو باهت تذكر ~~الممر القديم، حيث بلاط الأرضيات البالية ورائحة الجص الممزوج ~~برائحة الجعة. كانت ثمة شابة أنيقة، بشعر مجعد وفستان أسود، ~~التي أعتقد أنها كانت موظفة أو ما شابه؛ أخذت اسمي في ~~الاستقبال، قائلة: ~~«هل تريد غرفة يا سيدي؟ بالتأكيد يا سيدي. باسم من يا ~~سيدي؟» # صمت قليلا. على أية حال، هذه لحظتي الكبرى. كنت متأكدا من ~~أنها ستعرف اسمي. إنه ليس بالاسم الشائع، وهناك الكثير من أفراد ~~العائلة المدفونين في مدفن الكنيسة؛ فقد كنا إحدى عائلات لوير ~~بينفيلد القديمة، آل بولينج من بلدة لوير ms184 بينفيلد. وعلى الرغم من ~~أنه من المزعج بعض الشيء أن يعرفني أحد، تمنيت لو يحدث ~~ذلك. # فقلت بوضوح شديد: «بولينج، السيد جورج بولينج.» ~~«بولينج يا سيدي. بوا ... أوه! بو؟ أجل يا سيدي. وهل أنت آت من ~~لندن يا سيدي؟» # لا شيء. لا رد فعل. لم تسمع بي قط. لم تسمع قط عن جورج ~~بولينج، نجل صامويل بولينج، صامويل بولينج الذي كان يحتسي كوبا من ~~الجعة في هذه الحانة نفسها كل سبت لأكثر من ثلاثين عاما. # 2 # تغيرت غرفة الطعام كذلك. # كان بإمكاني تذكر الغرفة القديمة، على الرغم من أنني لم أتناول ~~قط وجبة واحدة بها؛ كانت برف موقد بني اللون وورق حائط أصفر ~~برونزي - لم أعرف قط ما إذا كانت مصممة في الأساس لتكون بذلك ~~اللون، أم أنها أصبحت كذلك بفعل الزمن والدخان - وكان بها لوحة ~~زيتية موقعة كذلك باسم «ويليام ساندفورد، رسام ونجار»، وكانت ~~لمعركة التل الكبير. الآن، ارتقوا بالمكان فيما يشبه نمط ~~القرون الوسطى، حيث مدفأة من الطوب مع مقعدين متقابلين ~~أمامها، وعارضة خشبية كبيرة عبر السقف، وألواح بلوط على الجدران، ~~وكل جزء منها يبدو مصطنعا حتى من مسافة خمسين ياردة. كانت العارضة ~~الخشبية من البلوط الأصلي، الذي ربما جلبوه من سفينة قديمة؛ ~~ولكنها لم تكن تحمل أي شيء، وكنت أشك في الألواح منذ اللحظة التي ~~وقعت عيناي عليها. عندما جلست إلى الطاولة، وأتى إلي النادل ~~الشاب الزلق بالطعام عابثا بمنديل المائدة خاصته، طرقت على ~~الجدار ورائي. أجل! كما اعتقدت! لم يكن حتى من الخشب؛ فقد قلدوه ~~بتركيبة ما، ثم طلوه. # ولكن الغداء لم يكن سيئا. تناولت لحم الحمل مع صلصة النعناع، ~~وزجاجة من نبيذ أبيض ما باسم فرنسي جعلني أتجشأ قليلا، ولكنه ~~جعلني سعيدا. كان ثمة شخص آخر يتناول الغداء هناك؛ امرأة في ~~الثلاثين من عمرها تقريبا ذات شعر أشقر، وبدت كأرملة. كنت أتساءل ~~ما إذا كانت تقيم في الفندق، وفكرت في خطة غير واضحة للتعرف ~~عليها. من الغريب اختلاط المشاعر داخل المرء؛ فقد ظللت أرى ~~الأشباح ms185 نصف الوقت. وكان الماضي يتداخل مع الحاضر. رأيت أيام ~~السوق حيث المزارعون الأقوياء المعروفون يلقون بسيقانهم أسفل ~~الطاولات الطويلة، بمسامير نعالهم التي كانت تحك بشدة في الأرضية ~~الحجرية، ويتناولون كميات كبيرة من اللحم البقري والحلوى لا تكاد ~~تصدق أن إنسانا يقدر على تناولها. ثم أرى الطاولات الصغيرة، ~~وعليها المفارش البيضاء اللامعة وكئوس النبيذ والمناديل المطوية، ~~والزينة المقلدة وأجواء الرخاء تخيم على المكان. وفكرت قائلا ~~في نفسي: «معي اثنا عشر جنيها وأرتدي بذلة جديدة. أنا جورج ~~بولينج الصغير، ومن كان يظن أنني سأرجع إلى لوير بينفيلد بسيارتي ~~الخاصة؟» ثم أثر علي النبيذ ببعض الدفء المنبعث من معدتي، ~~ونظرت إلى المرأة ذات الشعر الأشقر، وتخيلت أنني أخلع عنها ~~ملابسها. # الشيء نفسه حدث لي في فترة ما بعد الظهر، عندما جلست في صالة ~~الانتظار - التي كانت مرة أخرى على طراز مصطنع للعصور الوسطى، ~~ولكن كان بها كراسي حديثة بمساند من الجلد وطاولات بأسطح زجاجية - ~~مع بعض البراندي والسيجار. كنت أرى أشباحا، ولكنني كنت إجمالا ~~مستمتعا بالأمر. في الحقيقة، كنت قد أفرطت في الشرب بعض الشيء ~~وكنت آمل أن تأتيني المرأة ذات الشعر الأشقر لأتعرف عليها؛ ~~ولكنها لم تظهر قط. لم أخرج إلا وقت تناول الشاي تقريبا. # تمشيت إلى السوق وانعطفت يسارا. المتجر! كان هذا غريبا! منذ ~~إحدى وعشرين سنة مضت، يوم جنازة والدتي، مررت عليه بعربة ~~أجرة، ورأيته مغلقا تعلوه الأتربة، ولافتته محترقة بفعل لهيب نفخ ~~السمكري، ولم أكن أهتم به قيد أنملة. والآن، عندما كنت بعيدا ~~جدا عنه، وعندما كانت ثمة تفاصيل بالفعل عما بداخل المنزل لم ~~يكن بإمكاني تذكرها، أثرت علي مجرد فكرة رؤيته مرة أخرى في ~~قلبي ومعدتي. مررت بمتجر الحلاق، وكان لا يزال متجرا للحلاقة، ~~ولكن اسمه تغير؛ حيث خرجت من بابه رائحة اللوز والصابون ~~الدافئة، ولكنها لم تكن جيدة كرائحته القديمة حيث عطر ما بعد ~~الحلاقة وتبغ اللاذقية. المتجر - متجرنا - كان يبعد مسافة عشرين ~~ياردة. يا إلهي! # تبدو فوقه لافتة ذات مظهر فني - رسمها الرجل نفسه الذي رسم ms186 ~~لافتة فندق جورج، لا عجب في ذلك - تحمل الكلمات التالية: # صالة شاي ويندي # قهوة صباحية # كعك بيتي. # صالة شاي! # أتصور أنه إن كان قد أصبح متجرا للجزارة أو لتجارة الأدوات ~~المعدنية أو أي شيء آخر غير الحبوب، لكان له الأثر نفسه علي. من ~~السخيف أنه لأنه قد صادف وولدت في منزل معين أن تعتقد أن ~~لديك الحق فيه لبقية حياتك، ولكنك تفعل ذلك. حسنا، كان المكان ~~جيدا؛ ستائر زرقاء في النوافذ، وكعكة، أو كعكتان، في مكان ما، ~~مغطاة بالشكولاتة وبجوزة واحدة موضوعة أعلاها. دخلت المتجر، ولم ~~أكن أريد أن أتناول الشاي في الواقع، ولكني أردت أن أراه من ~~الداخل. # كان من الواضح أنهم حولوا كلا من المتجر والردهة القديمة إلى ~~أماكن لتناول الشاي وما شابه. أما عن الساحة الخلفية حيث كان ~~صندوق القمامة ورقعة الأعشاب الصغيرة التي كان يزرعها أبي؛ فقد ~~عبدوها بالكامل وزينوها بالطاولات البسيطة ونباتات الكوبية ~~وغيرها من الأشياء. دخلت إلى الردهة، ورأيت مزيدا من الأشباح! ~~البيانو والنصوص على الجدار، والكرسيين بالمسندين الأحمرين ~~القديمين الكبيرين حيث كان يجلس أبي وأمي متقابلين حول ~~المدفأة يقرآن صحيفتي «صن داي بيبول» و«نيوز أوف ذا وورلد» في يوم ~~الأحد ما بعد الظهيرة! زينوا المكان بطراز أكثر قدما من ذلك ~~الذي زين به فندق جورج، حيث الطاولات القابلة للطي ونجفة من ~~الحديد المطاوع وأطباق البيوتر المعلقة على الجدار وما إلى ذلك. هل ~~لاحظت مدى الإعتام الذي يعدون به دائما صالات الشاي ذات الطابع ~~الفني تلك؟ أفترض أن هذا جزء من أجواء العصور القديمة. وبدلا من ~~النادلة العادية، كانت هناك شابة في رداء منقوش، والتي قابلتني ~~بتعبير بارد. طلبت منها شايا، وأتت به بعد عشر دقائق. تعلم هذا ~~النوع من الشاي، الشاي الصيني، الذي يكون خفيفا للغاية لدرجة أنك ~~قد تعتقد أنه ماء حتى تضع عليه الحليب. كنت جالسا تقريبا في ~~المكان نفسه الذي كان فيه كرسي أبي ذو المسندين. كدت أسمع ~~صوته وهو يقرأ «مقطعا»، كما كان يسميه، من صحيفة «صن داي بيبول» ms187 ~~عن الآلات الطائرة الجديدة، أو الرجل الذي ابتلعه حوت أو ما شابه. ~~جعلني ذلك أشعر بإحساس شديد الغرابة بأني مدع كاذب، وأنه ~~بإمكانهم أن يطردونني إن اكتشفوا من أكون، ولكن في الوقت نفسه كنت ~~أتوق لأن أخبر أحدا أنني قد ولدت هنا، وأنني أنتمي إلى هذا ~~المنزل، أو بالأحرى (وهو ما كنت أشعر به بالفعل) أن المنزل ينتمي ~~إلي. لم يكن أحد غيري يحتسي الشاي، وكانت الفتاة ذات الرداء ~~المنقوش واقفة أمام النافذة، ويمكنني أن أقول إنني لو لم أكن هناك ~~لنظفت أسنانها بعود ثقاب أو ما شابه. تناولت إحدى شرائح الكعك ~~التي جلبتها لي. إنه كعك بيتي! بالطبع كان كذلك. كعك بيتي بالسمن ~~النباتي وبدائل البيض. ولكن في النهاية، كان علي أن أتحدث، ~~فقلت: ~~«هل تعيشين في لوير بينفيلد منذ وقت طويل؟» # أجفلت وبدت متفاجئة ولم تجب. فحاولت مرة أخرى ~~قائلا: ~~«لقد كنت أعيش في لوير بينفيلد منذ وقت طويل.» # مرة أخرى لم تجب، أو أجابت بشيء لم أسمعه؛ ورمقتني بنظرة باردة ~~وأعادت النظر عبر النافذة مجددا. رأيت ما كانت عليه؛ إذ كانت ~~تعد نفسها سيدة أرقى من أن تتجاذب أطراف الحديث مع الزبائن. ~~وربما ظنت أنني أحاولت مغازلتها. ما الفائدة من أن أخبرها بأنني ~~قد ولدت في هذا المنزل؟ وحتى إن صدقتني، فلم يكن الأمر ~~ليعنيها في شيء. لم تسمع قط عن صامويل بولينج، تاجر الذرة ~~والحبوب. دفعت الحساب وخرجت. # تجولت إلى الكنيسة. أحد الأشياء التي كنت شبه خائف منها، وأتطلع ~~إليها في الوقت نفسه، أن يتعرف علي أشخاص كنت أعرفهم. ولكن لم ~~يكن ثمة داع للقلق، فلم يكن هناك وجه أعرفه في الشوارع. بدا الأمر ~~كما لو أن البلدة بأكملها جاءها سكان جدد. # عندما وصلت إلى الكنيسة، عرفت لما تحتم عليهم أن ينشئوا مقبرة ~~جديدة؛ فساحة الكنيسة كانت ممتلئة إلى حافتها، ونصف القبور كانت ~~عليها أسماء لا أعرفها. ولكن الأسماء التي أعرفها كان من السهل ~~للغاية أن أجدها. تجولت حول القبور؛ حيث كان القندلفت قد حش ~~العشب ms188 للتو، وكانت رائحة الصيف موجودة حتى هناك. كانوا جميعا ~~بمفردهم، جميع الناس الذين كنت أعرفهم. جرافيت الجزار، ووينكل تاجر ~~الحبوب الآخر، وترو الذي كان يدير حانة جورج، والسيدة ويلر من ~~متجر الحلوى، كلهم كانوا يرقدون هناك. وكان شوتير وويثرال يرقد ~~كل منهما أمام الآخر على جانبي الممر، تماما كما لو كانا لا ~~يزالان يغنيان لبعضهما بعضا على جانبي ممر الكنيسة. إذن ويثرال ~~لم يصل عامه المائة بعد كل ذلك؛ فقد ولد عام 1843 و«غادر الحياة» ~~عام 1928، ولكنه تفوق على شوتير، كالمعتاد، الذي توفي عام 1926. ~~يا له من وقت عصيب ذلك الذي لا بد أن يكون العجوز ويثرال قد قضاه ~~في آخر عامين له عندما لم يكن ثمة أحد ليغني أمامه! وكان ~~العجوز جريميت أسفل شيء ضخم من الرخام على شكل يشبه فطيرة لحم ~~العجل والخنزير، مع حاجز حديدي حوله، وفي الركن كان آل سيمونز كلهم ~~أسفل صلبان صغيرة ورخيصة. الكل ذهبوا إلى التراب. العجوز هودجز ~~بأسنانه المصفرة من التبغ، ولوفجروف بلحيته البنية الكبيرة، ~~والسيدة رامبلينج التي كانت لها سائق عربة ونمر، وعمة هاري بارنز ~~التي كان لها عين زجاجية، وبروير من الطاحونة بوجهه العجوز الكريه ~~كشيء منحوت من جوزة، لا شيء بقي من أي منهم عدا لوحا من الحجارة ~~وما أسفله الذي لا يعلمه إلا الله. # وجدت قبر أمي وكان قبر أبي بجواره، وكان كل منهما في حالة ~~جيدة. حافظ القندلفت على العشب مقصوصا. وكان قبر عمي إيزيكيال ~~بعيدا بعض الشيء. سويت بالأرض الكثير من القبور القديمة، ~~وأزيلت كل الشواهد الخشبية القديمة، تلك القطع التي كانت تبدو ~~كطرف هيكل السرير. ما شعورك عندما ترى قبري أبويك بعد عشرين ~~عاما؟ لا أعرف ما المفترض أن تشعر به، ولكني سأخبرك بما شعرت، وهو ~~ما كان لا شيء. لم يغب أبي وأمي عن بالي قط؛ فكما لو أنهما ~~موجودان في مكان ما وإلى الأبد. أمي خلف إبريق الشاي البني، وأبي ~~برأسه الأصلع المغبر بالطحين بعض الشيء، ونظارته وشاربه الأشيب ~~كانا ثابتين طوال الوقت ms189 على تلك الهيئة كالأشخاص في الصور، ~~ولكنهما كانا حيين أيضا بشكل ما. صناديق العظام تلك المستلقية ~~تحت الأرض لا يبدو أن لها أي علاقة بهما. فقط، عندما وقفت هنا، ~~بدأت في التساؤل عما تشعر به عندما تكون تحت الأرض، وعما إذا كنت ~~ستكترث كثيرا، وإلى متى سيتوقف اكتراثك؛ ولكن فجأة غمرني بسرعة ~~ظل ثقيل وأرعبني بعض الشيء. # نظرت أعلى كتفي، ولم تكن سوى طائرة قاذفة للقنابل كانت تحول بيني ~~وبين الشمس. تسبب هذا في شعوري بالخوف بعض الشيء. # دخلت الكنيسة. وللمرة الأولى تقريبا منذ عدت إلى لوير بينفيلد ~~لم أشعر بالأشباح، أو شعرت بها ولكن بطريقة مختلفة؛ لأنه لم ~~يتغير شيء. لا شيء، سوى أن الجميع قد رحلوا. حتى وسائد الركوع ~~بدت كما هي. وكانت رائحة الجثث المختلطة برائحة الأتربة نفسها في ~~المكان. ويا إلهي! رأيت الفتحة نفسها في النافذة، ولكن لأننا كنا ~~في المساء وكانت الشمس في الجانب الآخر، فلم تزحف بقعة الضوء أعلى ~~ممر الكنيسة. كان ما زال لديهم مقاعد خشبية، ولم يجلبوا الكراسي ~~بدلا منها. كانت مقعدنا لا يزال موجودا، ورأيت المقعد في الأمام ~~حيث كان ويثرال يصدع بصوته أمام شوتير. سيحون ملك ~~الأموريين وعوج ملك باشان! والأحجار البالية في الممر ~~حيث لا يزال بإمكانك قراءة بعض من النقوش على شواهد أضرحة ~~الرجال المستلقين أسفلها. جثمت لأنظر إلى النقوش المقابلة ~~لمقعدنا. ما زلت أحفظ عن ظهر قلب الأجزاء التي يمكن قراءتها ~~منها، وحتى النمط المكتوبة عليه بدا مستقرا في ذاكرتي؛ فكثيرا ~~ما قرأتها أثناء الخطب. # هنا ... ابن هذه الأبرشية ... عدله ~~واستقامته ... ~~... # له ... أضاف لهباته العديدة إخلاصا ... ~~... ~~... زوجته الحبيبة أميليا ... سبع بنات ... # أتذكر كيف كان يحيرني طريقة كتابتهم لأحد الحروف عندما كنت ~~طفلا، وكنت أتساءل عما إذا كانوا قديما ينطقونه كحرف آخر، وإن ~~كان ذلك صحيحا، فلماذا؟ # سمعت خطى ورائي ونظرت، فوجدت رجلا في رداء كهنوتي. كان راعي ~~الكنيسة. # ولكني أعني راعي الكنيسة نفسه! كان العجوز بيترتون، الذي كان ~~راعي الكنيسة في الماضي - لا يمكنني أن أقول، في ms190 الواقع، إنه كان ~~كذلك طوال الوقت الذي أتذكره، ولكن منذ 1904 أو نحو ذلك. عرفته ~~على الفور، على الرغم من أن شعره أصبح أبيض تماما. # ولكنه لم يعرفني؛ فلم أكن بالنسبة له إلا سائحا بدينا ببدلة ~~زرقاء يشاهد معالم البلدة. حياني وبدأ على الفور في مسار كلامه ~~المعتاد، ما إذا كنت مهتما بالمعمار، وهذا المبنى القديم الجدير ~~بالملاحظة، حيث ترجع أساساته إلى الحقبة السكسونية وما إلى ذلك. ~~وسرعان ما بدأ يمشي هنا وهناك ليريني المعالم، كما كانت، القوس ~~النورماني الذي يقود إلى مجلس الكنيسة، والتمثال النحاسي للسير ~~رودريك بون، الذي قتل في معركة نيوبري. اتبعته على مضض كمعظم ~~رجال الأعمال في منتصف العمر عندما يأخذون جولة في كنيسة أو معرض ~~للوحات. ولكن هل أخبرته بأنني أعلم كل شيء فيها بالفعل؟ هل ~~أخبرته أنني جورج بولينج، ابن صامويل بولينج - لا بد أنه كان ~~سيتذكر أبي حتى، وإن لم يتذكرني - وأنني لم أكن فقط أستمع إلى ~~خطبه لعشر سنوات وأذهب إلى دروس التأكيد التي كان يعقدها، بل ~~إنني انضممت كذلك لحلقة قراءة لوير بينفيلد، وقرأت قليلا في كتاب ~~«السمسم والزنابق» فقط لإرضائه؟ لا، لم أخبره، بل فقط تبعته في ~~أرجاء الكنيسة متمتما كما تفعل عندما يخبرك أحد أن هذا الشيء أو ~~ذاك يرجع تاريخه إلى خمسمائة سنة مضت، ولا يمكنك التفكير فيما ~~تقوله إلا أنه لا يبدو كذلك. منذ اللحظة التي رأته فيها عيناي، ~~قررت أن أتركه يعتقد أنني رجل غريب. وبمجرد أن تمكنت من ~~الإفلات منه باحترام، وضعت ستة بنسات في صندوق نفقات الكنيسة ~~وغادرت. # ولكن لماذا؟ لماذا لم أتواصل معه، الآن وقد وجدت أخيرا شخصا ~~أعرفه؟ # لم أفعل ذلك لأن التغيير في مظهره بعد عشرين عاما أرعبني ~~بالفعل. أعتقد أنك تظن أنني أعنى أنه بدا أكبر عمرا، ولكنه لم ~~يكن كذلك! بل بدا أصغر. وقد علمني ذلك فجأة شيئا عن مرور ~~الوقت. # أعتقد أن العجوز بيترتون في الخامسة والستين تقريبا الآن؛ ومن ~~ثم فعندما شاهدته آخر مرة كان في الخامسة ms191 وأربعين تقريبا، أي في ~~عمري الآن. عندما رأيته الآن، كان شعره أبيض؛ بينما في اليوم الذي ~~دفن فيه أمي كان مخططا بالشيب بعض الشيء، كفرشاة الحلاقة. ولكن ~~بمجرد أن رأيته، فأول ما خطر ببالي أنه بدا أصغر. كنت أفكر فيه ~~كرجل عجوز، ولكنه لم يكن بذلك الكبر. عندما كنت صبيا، بدا لي ~~أن كل الناس فوق سن الأربعين عجائز قد عفا عليهم الزمن لدرجة أنه ~~لم يكن ثمة فرق بينهم؛ فكان يبدو لي الرجل في الخامسة والأربعين ~~أكبر مما يبدو لي الآن وهو في الخامسة والستين. يا إلهي! أنا في ~~الخامسة والأربعين أيضا! لقد أفزعني الأمر. # كيف أبدو إذن لشاب في العشرين؟ فكرت في ذلك وأنا أشق طريقي ~~بين القبور. لا بد أنه يراني كبدين عجوز مسكين ومنته. كان ذلك ~~مثيرا للفضول. عادة لا يشغلني أمر عمري على الإطلاق؛ فلم ~~علي أن أنشغل به؟ أنا بدين، ولكني قوي وبصحة جيدة. ويمكنني أن ~~أفعل أي شيء أريده، ورائحة الورود تبدو لي كما كانت عندما كنت في ~~العشرين من عمري. أوه، ولكن هل رائحتي لا تزال كما هي بالنسبة ~~للورود؟ وكما لو كانت الإجابة، أتت فتاة لا بد أنها في الثامنة ~~عشرة من عمرها تمشي عبر ممر فناء الكنيسة، وكان عليها أن تمر على ~~مسافة ياردة أو ياردتين بالقرب مني. رأيت النظرة التي رمقتني ~~بها، وكانت مجرد نظرة عابرة وخاطفة. لا، لم تكن خائفة أو ~~عدائية؛ فقط نظرة باردة وبعيدة، كما لو كانت لحيوان بري التقت ~~عيناها بعينيه. لقد ولدت ونشأت في تلك السنوات العشرين التي كنت ~~فيها بعيدا عن لوير بينفيلد؛ فكل ذكرياتي لا بد أنها لا تعني ~~لها شيئا، فقد عاشت في عالم مختلف عن عالمي، كما ~~الحيوانات. # رجعت إلى فندق جورج؛ وأردت أن أحتسي مشروبا، ولكن البار لم ~~يكن ليفتح إلا بعد نصف الساعة. انتظرت قليلا، وأخذت أقرأ عددا من ~~العام الماضي من مجلة «سبورتينج آند دراماتيك»، ثم فجأة أتت السيدة ~~ذات الشعر الأشقر، التي بدت لي أرملة. شعرت ms192 فجأة بشوق بائس بأنني ~~أريد أن أقيم علاقة معها. لقد أردت أن أظهر لنفسي أنه ما زال ~~ثمة حياة في كلب عجوز مثلي، حتى وإن اضطر هذا الكلب العجوز إلى ~~ارتداء طقم أسنان. وفي نهاية المطاف، فكرت أنها إذا كانت في ~~الثلاثين وأنا في الخامسة والأربعين فهذا مناسب جدا. كنت واقفا ~~أمام المدفأة الفارغة أتظاهر بتدفئة مؤخرتي، كما تفعل في أيام ~~الصيف. ولم يكن مظهري سيئا في بدلتي الزرقاء. كنت بدينا بعض ~~الشيء بلا شك، ولكني كنت رائعا. كنت رجلا عصريا، ويمكنك أن ~~تعتقد أنني سمسار في البورصة. قلت بأسلوب راق غير رسمي: ~~«يا له من طقس رائع في شهر يونيو!» # كانت ملاحظة لا ضرر منها، أليس كذلك؟ فلم تكن في مستوى «هل ~~قابلتك في مكان ما من قبل؟» # ولكنها لم تكن ناجحة؛ فلم ترد علي، فقط خفضت لما يقرب من ~~نصف ثانية الورقة التي كانت تقرؤها ورمقتني بنظرة من شأنها أن ~~تكسر نافذة. كان ذلك بشعا. كانت عيناها زرقاوين من تلك العيون ~~الزرقاء التي ترشق فيك كالرصاصة. في ذلك الجزء من الثانية، أدركت ~~كيف كونت فكرة خاطئة عنها؛ فلم تكن من تلك النوع من الأرامل من ~~ذوي الشعر المصبوغ اللاتي يردن أن يذهبن مع الرجال إلى صالات ~~الرقص؛ بل كانت من الطبقة المتوسطة العليا، وربما كانت ابنة ~~أميرال، وقد ذهبت إلى إحدى تلك المدارس التي يلعبون فيها الهوكي. ~~وقد أسأت تقدير نفسي أيضا؛ فببدلة جديدة أو دون بدلة جديدة، لا ~~يمكنني أن أرقى لمستوى سمسار في البورصة. فقط كنت أبدو مندوب ~~مبيعات متجولا صادف أن كان معه بعض المال. تسللت إلى البار الخاص ~~لتناول كوب أو كوبين من الجعة قبل العشاء. # اختلفت الجعة عما كانت عليه في الماضي. أتذكر الجعة القديمة، ~~جعة وادي التيمز الجيدة التي كان لها مذاق مميز؛ لأنها كانت مصنوعة ~~من ماء طباشيري. سألت الساقية: ~~«هل ما زال آل بسمر أصحاب مصانع الجعة؟» ~~«آل بسمر؟ أوه، لا يا سيدي. لقد رحلوا منذ سنوات طويلة قبل أن ms193 ~~نأتي هنا.» # كانت فتاة لطيفة، من ذلك النوع من الساقيات الذي أسميه نوع ~~الأخت الكبرى، وكانت في الخامسة والثلاثين تقريبا، وبوجه لطيف ~~وذراعين بدينين من جراء التعامل مع مضخة الجعة. أخبرتني باسم ~~اتحاد الشركات الذي استولى على مصنع الجعة . وكان بإمكاني تخمينه ~~من المذاق في الواقع. تغير شكل البارات عما كان عليه في الماضي ~~فقد أصبحت دائرية ومقسمة إلى أقسام. وفي الجهة الأخرى على البار ~~العام، كان ثمة رجلان يلعبان بالأسهم، وفي القسم الخارجي جلس رجل ~~لم يكن بإمكاني رؤيته جيدا، وكان من حين لآخر يعلق بصوت كئيب. ~~أسندت الساقية مرفقيها الكبيرين على البار واقتربت مني وأخذت ~~تتحدث معي. ذكرت أسماء جميع الأشخاص الذين عرفتهم، ولكنها لم تكن ~~قد سمعت بأحد منهم؛ إذ قالت إنها لم تأت إلى لوير بينفيلد إلا منذ ~~خمس سنين. لم تسمع حتى عن العجوز ترو، الذي كان يملك حانة جورج ~~قديما. # قلت لها: «لقد كنت أعيش في لوير بينفيلد، منذ زمن طويل قبل ~~الحرب.» ~~«قبل الحرب! عجبا! لا تبدو عجوزا هكذا.» # قال الرجل في القسم الخارجي: «هل ترى أي تغييرات؟» # قلت: «لقد اتسعت البلدة. أعتقد أن ذلك بسبب المصانع.» ~~«صحيح، بالطبع معظم الناس يعملون في المصانع؛ فهناك مصنع ~~الجرامافون، ومصنع جوارب تروفيت، ولكنهما بالطبع يصنعان القنابل ~~في هذه الأيام.» # لم أكن أفهم على الإطلاق لم كانت تقول «بالطبع»، ولكنها ~~أخبرتني عن شاب كان يعمل في مصنع تروفيت وكان في بعض الأحيان يأتي ~~إلى فندق جورج، وقد أخبرها أنهم كانوا يصنعون القنابل مع الجوارب؛ ~~فالاثنان - لسبب ما لم أفهمه - يسهل الجمع بينهما. ثم أخبرتني ~~عن الميناء الجوي العسكري الكبير بجوار وولتن - ما فسر رؤيتي ~~المستمرة للطائرات القاذفة للقنابل - وفي اللحظة التالية بدأنا ~~نتحدث عن الحرب كالعادة. إنه لأمر طريف؛ فقد كان تحديدا الهروب من ~~التفكير في الحرب التي أتيت هنا من أجلها. ولكن كيف يمكنك الهروب ~~على أي حال؟ إنه في الهواء الذي نتنفسه. # قلت إن الحرب ستحدث في عام 1941، وقال الرجل في القسم الخارجي ~~إنه ms194 يرجح أنها عمل قذر. أما الساقية، فقالت إن الأمر يصيبها ~~بالقشعريرة؛ وأضافت: ~~«إن كل ما قيل واتخذ من إجراءات لن يفيد، أليس كذلك؟ وفي بعض ~~الأحيان أستلقي مستيقظة في الليل وأسمع واحدة من تلك الأشياء ~~الكبيرة تسير فوق رأسي ، وأقول لنفسي: «حسنا، ماذا إن قذفت الآن ~~قنبلة فوق رأسي مباشرة؟» ما فائدة كل هذه الإجراءات ~~الاحترازية ضد الغارات الجوية وتوجيهات الآنسة تودجرز مراقبة ~~الغارات الجوية، التي تخبرك أن كل شيء سيكون على ما يرام إذا ~~أبقيت رأسك منخفضا وملأت النوافذ بورق الصحف، وما يقولونه من ~~أنهم سيحفرون ملجأ تحت مبنى البلدية؟ ولكن عندما أنظر للأمر، ~~أتساءل كيف يمكن أن تضع قناع غاز على وجه طفل صغير؟» # قال الرجل في القسم الخارجي إنه قرأ في الصحف أنه سينبغي علينا ~~البقاء داخل حمام ساخن حتى ينتهي كل شيء. سمع الرجلان في البار ~~العام هذا الكلام، وكان ثمة أحاديث جانبية حول عدد الأشخاص الذين ~~يمكنهم مشاركة الحمام الساخن نفسه، وسأل كل منهما الساقية ما ~~إذا كان بإمكانه مشاركتها في حمامها. طلبت منهما ألا يكونا ~~وقحين، ثم ذهبت إلى الطرف الآخر من البار وأعدت لهما كوبين ~~من الجعة القديمة والخفيفة. رشفت بعضا من كوب الجعة خاصتي، ~~وكانت سيئة، مرة، كما يطلقون عليها. وكانت فيها مرارة زائدة عن ~~الحد، وبها مذاق كبريتي. إنها مصنوعة من مواد كيميائية. ~~يقولون إن نباتات حشيشة الدينار الإنجليزية لم تعد تستخدم في ~~صنع الجعة في هذه الأيام، بل أصبحوا يصنعون منها مواد كيميائية، ~~تستخدم بعد ذلك في صنع الجعة. وجدت نفسي أفكر في عمي ~~إيزيكيال، وفيما كان سيقوله عن جعة كهذه، وماذا كان سيقول عن ~~الإجراءات الاحترازية ضد الغارات الجوية ودلاء الرمال التي من ~~المفترض أن تتفادى بها القنابل الثرميتية. عندما أتت الساقية مرة ~~أخرى إلى الجانب الذي كنت أجلس فيه في البار، قلت لها: ~~«بالمناسبة، من يمتلك القصر الآن؟» # كنا دائما نطلق عليه القصر، على الرغم من أن اسمه كان منزل ~~بينفيلد. للحظة لم تبد أنها فهمت. # ثم قالت: ms195 «القصر، يا سيدي؟» # قال الرجل في القسم الخارجي: «إنه يعني منزل بينفيلد.» ~~«أوه، منزل بينفيلد! أوه، أعتقد أنك تعني القصر التذكاري. إنه ~~ملك الدكتور ميرال الآن.» ~~«الدكتور ميرال؟» ~~«نعم يا سيدي. يقولون إنه يستقبل أكثر من ستين مريضا ~~هناك .» ~~«مرضى؟ هل حولوه إلى مستشفى أو ما شابه؟» ~~«حسنا، إنه ليس ما يمكنك أن تقول عنه مستشفى عاديا، بل هو ~~أقرب إلى مصحة. إنه للمرضى النفسيين في الواقع. يسمونه ~~مصحة عقلية.» # بيت للمجانين! # ماذا كنت تتوقع بعد كل ذلك؟ # 3 # استيقظت زاحفا من على السرير وفي فمي مذاق سيئ وعظامي ~~تصرصر. # الحقيقة هي أنني، بسبب زجاجة النبيذ على الغداء وأخرى على ~~العشاء، وعدة أكواب من الجعة فيما بين الوجبتين، إضافة إلى كوب ~~أو كوبين من البراندي، كنت قد شربت كثيرا أمس. لعدة دقائق، وقفت ~~في وسط السجادة لا أنظر إلى شيء بالتحديد، وكنت مرهقا لدرجة لم ~~تمكني من اتخاذ أي حركة. تعرف ذلك الإحساس الكريه الذي تشعر به ~~أحيانا في الصباح الباكر؛ إنه إحساس بالأساس في ساقيك، ولكنه ~~يخبرك جليا بما لا تقدر أي كلمات على أن تخبرك به: «لماذا ~~تماديت في الأمر؟ توقف أيها الرجل العجوز! ضع رأسك في فرن ~~الغاز!» # ثم وضعت طقم أسناني في فمي وتوجهت إلى النافذة. كان، مرة أخرى، ~~يوما لطيفا من أيام شهر يونيو؛ وكانت الشمس قد بدأت لتوها في ~~الانحدار على الأسقف، وضربت بأشعتها واجهات المنازل في الجانب ~~الآخر من الشارع. لم تبد نباتات إبرة الراعي الوردية في أواني ~~النوافذ سيئة. وعلى الرغم من أن الساعة لم تكن قد تعدت الثامنة ~~والنصف، ولم يكن هذا الشارع سوى أحد الشوارع الجانبية للسوق، فقد ~~كان هناك حشد من الناس يذهب ويجيء. تدفق الرجال الذين يبدو عليهم ~~أنهم موظفون ببدلاتهم الداكنة وحقائب العمل، وكانوا في عجلة على ~~طول الطريق؛ ساروا جميعا في الاتجاه نفسه، تماما كما لو أن هذه ~~كانت ضاحية في لندن وكانوا ينطلقون ليلحقوا بالمترو؛ وكان أطفال ~~المدارس يسيرون دون انتظام باتجاه السوق في أزواج ms196 أو مجموعات من ~~ثلاثة أطفال. شعرت بالإحساس نفسه الذي شعرت به أمس حين رأيت غابة ~~المنازل الحمراء، التي ابتلعت تل تشامفورد. الطفيليون اللعناء! ~~العشرون ألف طفيلي الذين لا يعرفون حتى اسمي. وها هي هذه الحياة ~~الجديدة التي تعج بالناس الذين يتحركون هنا وهناك، وها أنا ذا، رجل ~~عجوز وبدين بأسنان اصطناعية، أشاهدهم من نافذة وأتمتم بأشياء لا ~~يرغب أحد في سماعها عن أمور حدثت منذ ثلاثين وأربعين سنة. يا ~~إلهي! اعتقدت أنني كنت مخطئا عندما ظننت أنني كنت أرى أشباحا؛ ~~فأنا الشبح هنا؛ أنا الميت وهم الأحياء. # ولكن بعد الإفطار - سمك الحدوق، والكلى المشوية، والتوست، ~~والمربى، وإبريق من القهوة - شعرت بتحسن. لم تكن السيدة الباردة ~~تتناول الإفطار في غرفة الطعام، وكان ثمة شعور صيفي لطيف في ~~الأجواء، ولم أتمكن من التخلص من شعوري بأنني كنت أبدو في تلك ~~البدلة الزرقاء من قماش الفلانيلة رائعا بعض الشيء. يا إلهي! ~~فكرت إن كنت شبحا، فسأفعل ما يفعله الأشباح! سأتجول، وسأتردد ~~على الأماكن القديمة، وربما يمكنني ممارسة بعض السحر الأسود على ~~بعض من هؤلاء الأوغاد الذين سرقوا بلدتي مني. # خرجت، ولم أكد أتجاوز السوق، حتى جذبني شيء لم أكن أتوقع أن ~~أراه. موكب من حوالي خمسين طفلا من أطفال المدارس، كانوا يمشون في ~~الشارع - على نحو بدا كمشية عسكرية - في أربعة أرتال ومعهم ~~امرأة متجهمة تمشي بجوارهم كما لو كانت رقيبا أول. كان أول أربعة ~~يحملون راية بإطار أحمر وأبيض وأزرق، مكتوب عليها بخط ضخم ~~«الإنجليز مستعدون.» خرج الحلاق لعتبة متجره الذي يوجد على ~~زاوية الشارع كي يلقي عليهم نظرة. تحدثت معه. كان رجلا ذا شعر ~~أسود لامع، ووجه فاتر بعض الشيء. # سألته: «ما الذي يفعله هؤلاء الأطفال؟» # رد بغموض: «إنهم يتدربون على الغارات الجوية. إن هذا جزء من ~~الإجراءات الاحترازية ضد الغارات الجوية. نوع من التدريب. وها هي ~~الآنسة تودجرز.» # كان لا بد أن أخمن أنها الآنسة تودجرز؛ إذ يمكنك أن ترى ذلك في ~~عينيها. تعرف هذا النوع من الشياطين الصارمين العجائز ms197 من ذوي ~~الشعر الأشيب والوجه الأشبه بالسمك المدخن، الذين يضعونهم ~~دائما على رأس فرق كشافة الفتيات، ونزل جمعية الشابات ~~المسيحيات العالمية، وما إلى ذلك. كانت ترتدي معطفا وتنورة ~~فيما بدا نوعا ما كزي رسمي، يعطيك انطباعا قويا بأنها كانت ~~ترتدي حزام سام براون العسكري، على الرغم من أنها في واقع الأمر ~~لم تكن ترتديه. عرفت من أي الأنواع من الناس هي. لقد انضمت ~~لفيلق الجيش النسائي المساعد، ولم تحظ بيوم من المرح بعدها. وهذا ~~التدريب كان بمثابة ترويح عن نفسها. عند مرور الأطفال، سمعتها ~~تصرخ فيهم تماما كما يصرخ الرقيب الأول، قائلة: «مونيكا! ارفعي ~~قدميك!» ورأيت أن الأطفال الأربعة في الصف الأخير كانوا يحملون ~~راية أخرى بإطار أحمر وأبيض وأزرق، مكتوب عليها في المنتصف: # نحن جاهزون. فهل أنتم كذلك؟ # قلت للحلاق: «ما الغرض من سيرهم هكذا ذهابا وإيابا؟» ~~«لا أعلم. أعتقد أنه نوع من أنواع الدعاية.» # عرفت ذلك بالطبع. كان هذا من شأنه فتح عقول الأطفال على ~~الحرب، وإعطاؤنا جميعا الشعور بأنه لا مهرب منها؛ فالقنابل آتية ~~بالتأكيد كما أن الكريسماس آت؛ فانزل إلى القبو ولا تجادل. كانت ~~طائرتان سوداوان ضخمتان آتيتان من وولتن تحلقان أعلى الطرف ~~الشرقي للبلدة. يا إلهي! اعتقدت أن الحرب عندما ستبدأ لن نفاجأ ~~بها أكثر مما تفاجئنا الأمطار؛ فنحن ننتظر بالفعل القنبلة ~~الأولى. استأنف الحلاق حديثه ليخبرني أنه بفضل جهود الآنسة ~~تودجرز، قدمت أقنعة الغاز لأطفال المدارس بالفعل. # حسنا، بدأت أستكشف البلدة. لقد أمضيت فيها يومين متجولا حول ~~معالمها القديمة، التي تمكنت من التعرف على بعضها، وفي كل ~~ذلك الوقت لم أقابل أحدا يعرفني. كنت شبحا، وإن لم أكن غير ~~مرئي بالفعل، فقد شعرت بذلك. # كان أمرا غريبا، أغرب من أن أستطيع وصفه. هل قرأت من قبل ~~قصة لإتش جي ويلز عن رجل كان في مكانين في وقت واحد، أي إنه كان ~~بالفعل في بلدته الأصلية، ولكن كانت لديه هلاوس بأنه في قاع البحر؟ ~~لقد كان يتجول في غرفته؛ ولكن بدلا من الطاولات والكراسي، كان ms198 يرى ~~أعشاب الماء المتموجة وأسماك الحبار والسرطانات الضخمة تسعى ~~للحصول عليه. حسنا، ذلك ما كان عليه الوضع تماما. لساعات بلا ~~توقف، كنت أتجول في عالم لم يكن موجودا، وكنت أعد خطواتي وأنا ~~أسير على الرصيف وأقول في نفسي: «أجل، هنا يبدأ حقل كذا وكذا. ~~السياج يمتد مع الشارع ويمر عبر ذلك المنزل. ومضخة الوقود هذه ~~كانت فيما مضى شجرة دردار. وها هي حافة المزارع. وهذا الشارع ~~(الذي كان صفا صغيرا كئيبا من المنازل شبه المنفصلة والذي كان ~~يسمى شارع كمبرليدج، على ما أتذكر) كان الزقاق حيث كنا نذهب مع ~~كيتي سيمونز، وكانت شجيرات البندق تنمو على جانبيه.» لا شك أنني ~~أخطأت في المسافات، ولكن الاتجاهات العامة كانت صحيحة. لا أعتقد ~~أن أحدا ممن لم يولدوا هنا كان ليصدق أن تلك الشوارع كانت ~~حقولا فقط من عشرين سنة مضت. كان الأمر كما لو أن الريف قد ~~دفن بفعل اندفاع بركاني قادم من الضواحي الخارجية؛ فتقريبا كل ~~ما كان في الماضي أرض العجوز بروير ابتلعته عقارات مساكن البلدية. ~~اختفت الطاحونة، وجففت بركة الأبقار التي اصطدت فيها سمكتي ~~الأولى ثم ردمت وبني عليها، حتى إنني لا يمكنني أن أعرف أين ~~كانت بالتحديد. كان المكان كله مليئا بالمنازل؛ مكعبات حمراء ~~صغيرة من المنازل المتشابهة، بأسيجة من الشجيرات ومسارات من ~~الأسفلت تقود إلى الأبواب الأمامية. خلف مبنى البلدية، كانت تضيق ~~البلدة قليلا، ولكن كان بناة المنازل الرخيصة يعملون هناك عن ~~كثب. وكانت ثمة مجموعات قليلة من المنازل المنتشرة هنا وهناك، ~~حيثما استطاع أحد شراء قطعة أرض، وشوارع تبدو مؤقتة تقود إلى ~~المنازل، وأراض خالية عليها لافتات البنائين، وبعض الحقول ~~المهجورة المغطاة بالنباتات الشوكية والعلب المعدنية. # من ناحية أخرى، لم تتغير الأمور كثيرا في وسط البلدة ~~القديمة فيما يتعلق بالمباني. ما زالت العديد من المتاجر تعمل في ~~المجال نفسه، على الرغم من تغير أسمائها. ما زال ليلي وايت ~~متجرا للقماش، ولكنه لم يبد شديد الازدهار. ولكن ما كان متجر ~~جزارة جرافيت أصبح الآن متجرا لبيع أجهزة ms199 الراديو. أما النافذة ~~الصغيرة للأم ويلر، فقد أغلقت بالطوب. وكان متجر جريميت لا يزال ~~متجرا للبقالة، ولكن استولت عليه الشركة الدولية. يعطيك ذلك فكرة ~~عن قوة هذه الاتحادات الكبيرة، حيث يمكنها ابتلاع عجوز بخيل وذكي ~~كجريميت. ولكن مما أعرفه عنه - ناهيك عن شاهد قبره الرائع في مدفن ~~الكنيسة - أراهن أنه مات وأحواله جيدة ومعه من عشرة إلى خمسة ~~عشر ألف جنيه. المتجر الوحيد الذي كان لا يزال ملكا لأصحابه ~~كان متجر آل سارازينز، الذين دمروا أبي؛ حيث تطوروا كثيرا، ~~وأصبح لهم فرع ضخم آخر في الجزء الجديد من البلدة، ولكنهم حولوا ~~نشاط متاجرهم لتصبح متاجر عامة، وأصبحوا يبيعون الأثاث والأدوية ~~والأجهزة والأدوات المعدنية، بالإضافة إلى أدوات الحدائق ~~القديمة. # في أغلب الوقت على مدى يومين، لم أفعل شيئا سوى التجول هنا ~~وهناك، ولم أكن أشعر بالألم أو الضيق، ولكني تمنيت ذلك في بعض ~~الأحيان. كما كنت أتناول الخمر بشكل مبالغ فيه؛ فتقريبا بمجرد ~~وصولي إلى لوير بينفيلد، بدأت في الإسراف في الشراب، وبعدها لم ~~يبد لي أن الحانات تفتح مبكرا، حيث كان لساني يتدلى دائما من ~~العطش في النصف الساعة الأخيرة قبل موعد فتحها. # لا تظن أنني كنت في ذلك المزاج طوال الوقت؛ فأحيانا كان يبدو ~~لي أنه لا يهمني على الإطلاق إن كانت معالم لوير بينفيلد قد ~~طمست. وفي النهاية، ألم يكن السبب في أنني أتيت إلى هنا هو ~~الهروب من عائلتي لبعض الوقت؟ لم يكن ثمة سبب يمنعني من القيام ~~بكل الأشياء التي كنت أريد القيام بها، حتى صيد الأسماك إن شعرت ~~أنني أريد ذلك. لذا، بعد ظهيرة يوم السبت ذهبت إلى متجر لأدوات ~~الصيد في هاي إستريت وابتعت قصبة مصنوعة من الخيزران (لطالما أردت ~~هذا النوع عندما كنت صبيا؛ فهي أحب إلي أكثر قليلا من تلك ~~المصنوعة من أشجار الغار) وخطافات وأحشاء وما إلى ذلك. أبهجتني ~~أجواء المتجر؛ وعلى الرغم من تغير كل شيء، فلم تتغير أدوات ~~الصيد، بالطبع لأن السمك لا يتغير كذلك. ولم ير صاحب المتجر ms200 ~~شيئا يدعو إلى الضحك في رجل بدين في منتصف العمر يشتري قصبة صيد؛ ~~بل على العكس، فقد تجاذبنا أطراف الحديث قليلا حول الصيد في نهر ~~التيمز وسمكة الشوب الكبيرة التي اصطادها أحد الأشخاص العام قبل ~~الماضي بمعجون مصنوع من الخبز البني والعسل ولحم أرنب مسلوق ~~ومفروم. لقد اشتريت منه أيضا أشياء أخرى - على الرغم من أنني لم ~~أخبره بما أريدها من أجله، وحتى إنني لم أصرح لنفسي بالسبب - ~~لقد اشتريت أقوى خيط لصيد أسماك السلمون لديه، وخطافات رقم خمسة ~~لصيد سمك الروش، وأنا آمل في صيد أسماك الشبوط في منزل ~~بينفيلد في حالة كانت لا تزال موجودة. # قضيت معظم صباح يوم الأحد في التفكير في الأمر، هل علي أن ~~أذهب للصيد أم لا؟ كنت في لحظة أقول في نفسي لماذا لا أذهب، وفي ~~اللحظة التالية كان يبدو الأمر لي كأحد الأشياء التي تحلم بها، ~~ولكنك لا تفعلها أبدا. ولكن بعد الظهيرة أخذت السيارة وذهبت إلى ~~بورفورد وير. اعتقدت أنني سألقي نظرة فقط على النهر، وأنني في ~~اليوم التالي، إن كان الطقس جيدا، ربما سآخذ قصبة الصيد الجديدة، ~~وأرتدي معطفا قديما وبنطالا رماديا من قماش الفلانيلة كنت ~~قد جلبتهما معي في حقيبتي، وأقضي يوما جيدا في الصيد، وربما ~~ثلاثة أو أربعة أيام إن شعرت أنني أريد ذلك. # قدت السيارة عبر تل تشامفورد؛ وبالأسفل، استدار الطريق وسار ~~بمحاذاة مسار جر القوارب، فخرجت من السيارة ومشيت. أوه! هناك ~~مجموعة من بيوت الطابق الواحد الصغيرة الحمراء والبيضاء ظهرت بجوار ~~الطريق. كان يجب أن أتوقع ذلك بالطبع. وبدا أن الكثير من ~~السيارات واقفة في المكان. وكلما اقتربت من النهر، كنت أسمع ~~صوتا، صوت أجهزة الجرامافون. # شعرت بخيبة أمل ووصلت إلى حيث يمكنني رؤية مسار جر القوارب. ~~يا إلهي! صدمة أخرى! كان المكان محتشدا بالناس، وحل محل ~~المروج المائية صالات الشاي والآلات التي تعمل بالعملات المعدنية ~~وأكشاك الحلوى والرجال الذين يبيعون مثلجات وولز. بدا المكان كبلدة ~~مارجيت الساحلية. أتذكر مسار جر القوارب القديم؛ حيث كان ~~بإمكانك ms201 السير فيه لأميال، وباستثناء الرجال على بوابات الهويس، ~~وسائق صندل من حين لآخر يتسكع خلف حصانه، لم تكن ترى أحدا. ~~عندما كنا نذهب للصيد، كنا دائما ما نكون في المكان وحدنا. وكنت ~~عادة أجلس هناك طوال وقت ما بعد الظهيرة ، وكان طائر البلشون ~~يقف في الماء الضحل، الذي يبعد مسافة خمسين ياردة من الضفة؛ ~~ولثلاث أو أربع ساعات بلا انقطاع، لم يكن ثمة أحد يمر ليفزعه ~~ويبعده عن مكانه. ولكن من أين جئت بفكرة أن الرجال الناضجين لا ~~يذهبون للصيد؟ أعلى وأسفل الضفة، على طول نظري في كلا ~~الاتجاهين، كانت ثمة سلسلة مستمرة من الرجال يصطادون، ~~واحد في كل خمس ياردات. تعجبت ~~كيف تمكنوا بحق الجحيم جميعا من الوصول هناك، حتى خطر ببالي أنه ~~لا بد من أنهم ينتمون إلى ناد للصيد أو ما شابه. وكان النهر ~~مكتظا بالقوارب، قوارب التجديف، وقوارب الكنو، وقوارب البنط، ~~والقوارب البخارية ذات المحركات، التي كانت مليئة بالشباب الأحمق ~~شبه العراة، الذين جميعهم يصرخون ويصيحون ومعظمهم معهم أجهزة ~~الجرامافون على متن القارب كذلك. أما طوافات الرجال المساكين، ~~الذين كانوا يحاولون الصيد، فكانت تتأرجح لأعلى وأسفل بسبب ~~الأمواج التي تتسبب فيها القوارب ذات المحركات. # تمشيت قليلا. كانت المياه قذرة وأمواجها الصغيرة متلاطمة؛ على ~~الرغم من الطقس الجيد. لم يكن أحد يصطاد شيئا، ولا حتى سمك ~~المنوة. تساءلت إن كانوا يتوقعون أن يصطادوا شيئا؛ فحشد كذلك ~~كفيل بإخافة كل الأسماك في الكون. ولكن بالفعل عندما كنت أشاهد ~~الطوافات تتأرجح لأعلى وأسفل بين علب المثلجات والأكياس الورقية، ~~انتابني شك فيما إذا كانت هناك أي أسماك لاصطيادها. هل لا يزال ~~ثمة سمك في نهر التيمز؟ أعتقد أنه لا بد أن السمك لا يزال في ~~النهر، ولكني أقسم إن مياه النهر لم تعد كما كانت بالماضي؛ ~~فلونها قد تغير كثيرا. بالطبع تعتقد أن هذا من نسج خيالي فحسب، ~~ولكني يمكنني أن أقول لك إنه ليس كذلك. أعلم أن الماء قد تغير؛ إذ ~~أتذكر كيف كانت مياه نهر التيمز خضراء شفافة، ms202 حتى إنه كان ~~يمكنك رؤية ما في أعماقها، كما كان يمكنك رؤية أسراب سمك الداس ~~وهي تحوم حول قصبات العشب. أما الآن، فلا يمكنك الرؤية لثلاث ~~بوصات أسفل المياه؛ فقد أصبحت بالكامل بنية ومتسخة، مع طبقة من ~~الزيت عليها من القوارب ذات المحركات، ناهيك عن أعقاب السجائر ~~والأكياس الورقية. # بعد قليل، بدأت أعود أدراجي إلى السيارة؛ فلم أستطع تحمل ~~ضوضاء أجهزة الجرامافون. فكرت أن الوضع كان كذلك لأننا كنا في يوم ~~الأحد، وربما لا يكون بهذا السوء في أيام العمل. ولكن على كل حال، ~~عرفت أنني لن أرجع إلى هناك أبدا. لعنهم الله، فليحتفظوا بنهرهم ~~اللعين. واعتقدت أنني أينما ذهبت للصيد، فلن يكون في نهر ~~التيمز. # مرت الحشود علي. حشود من الأغراب، وكلهم تقريبا من الشباب. ~~فتية وفتيات يتنزهون معا في أزواج. مرت علي كذلك مجموعة من ~~الفتيات، يرتدين سراويل تتسع تدريجيا من تحت الركبة حتى ~~الأسفل وقبعات بيضاء كالتي يرتدونها في البحرية الأمريكية، وكان ~~عليها شعارات مطبوعة. كانت إحداهن، لا بد أنها كانت في السابعة ~~عشرة من عمرها، ترتدي قبعة مكتوبا عليها «قبلني إذا سمحت». لم ~~أكن لأمانع. قررت فجأة أن أنحرف عن الطريق وأذهب لأزن نفسي ~~على إحدى الآلات التي تعمل بالعملات المعدنية. كان في مكان ما ~~داخلها صوت نقر - تعرف تلك الآلات التي تخبرك بطالعك ووزنك ~~في الوقت نفسه - وخرجت بطاقة مكتوبة على الآلة الكاتبة منزلقة ~~منها، وكان فيها: ~~«أنت تمتلك ملكات استثنائية، ولكن بسبب تواضعك المفرط لم ~~تحصل قط على مكانتك اللائقة. الناس من حولك يقللون من شأن ~~قدراتك. أنت مولع للغاية بالتنحي جانبا والسماح للآخرين بنيل ~~التقدير على ما فعلته بنفسك. أنت حساس، وودود، ودائم الإخلاص ~~لأصدقائك. وأنت جذاب للغاية للجنس الآخر. عيبك الأكبر هو كرمك. ~~ثابر، لأنه سيرتفع شأنك! # الوزن: ثلاثة وتسعون كيلوجراما، وتسعمائة جرام.» # لاحظت أن وزني قد زاد كيلوجرامين في الأيام الثلاثة الماضية. لا ~~بد أن ذلك بسبب الإسراف في الشرب. # 4 # قدت سيارتي رجوعا إلى فندق جورج، ووضعت السيارة في موقف ms203 ~~السيارات، وتناولت كوبا من الشاي. ولأننا كنا في يوم الأحد، فلن ~~يفتح البار قبل ساعة أو ساعتين. وفي برودة المساء، خرجت ~~وتنزهت في اتجاه الكنيسة. # بينما كنت أمر على السوق، لاحظت امرأة تسير أمامي على بعد ~~أمتار قليلة. وبمجرد أن لمحتها عيناي، شعرت بإحساس شديد ~~الغرابة بأنني قد رأيتها في مكان ما من قبل. أنت تعرف ذلك ~~الإحساس. لم أتمكن من رؤية وجهها، بالطبع، ولم أتعرف على ~~شخصيتها من الخلف، ولكنني يمكنني أن أقسم إنني كنت ~~أعرفها. # ذهبت إلى هاي إستريت، ودخلت أحد الشوارع الجانبية على اليمين، ~~حيث كان متجر عمي إيزيكيال. تبعتها، ولم أكن أعلم لماذا ~~بالتحديد، جزء من ذلك كان بسبب الفضول، ربما، وجزء آخر كنوع من ~~الاحتياط. أول شيء فكرت فيه هو أنني قد وجدت أخيرا شخصا أعرفه ~~من أيامي الخوالي في لوير بينفيلد، ولكن في اللحظة نفسها خطر ببالي ~~أنها من الممكن أن تكون من غرب بلتشلي؛ وإن كان الأمر كذلك، ~~فعلي أن أتوخى الحذر؛ لأنها إن اكتشفت أنني هنا فلربما أخبرت ~~هيلدا. لذلك تبعتها بحذر شديد، مع الحفاظ على مسافة آمنة وتفحصها ~~من الخلف قدر ما استطعت. لم يكن ثمة شيء لافت للنظر فيها. كانت ~~طويلة بعض الشيء، وبدينة بعض الشيء، وربما كانت في الأربعين أو ~~الخمسين من عمرها، وكانت ترتدي فستانا أسود رثا للغاية. ولم ~~تكن ترتدي قبعة، كما لو كانت قد خرجت من منزلها لوقت قصير فقط، ~~والطريقة التي كانت تسير بها تعطيك انطباعا بأن كعب حذائها بال. ~~إجمالا، كان منظرها قذرا ومبتذلا بعض الشيء. ولكن لم يكن ثمة ~~شيء مميز فيها يمكنني منه التعرف عليها، فقط ذلك الشيء الغريب ~~الذي عرفت أنني قد رأيته من قبل. ربما كان شيء في حركاتها. وصلت ~~أخيرا إلى متجر صغير للحلوى والورق، ذلك النوع من المتاجر الصغيرة ~~التي تظل مفتوحة دائما يوم الأحد. وكانت المرأة صاحبة المتجر ~~واقفة على عتبة الباب تفعل شيئا حيال حامل البطاقات البريدية. ~~وقفت المرأة التي أتبعها لتخوض معها محادثة قصيرة. # وقفت ms204 أنا أيضا بمجرد أن وجدت نافذة أحد المتاجر التي يمكنني ~~التظاهر بأنني أنظر إليها. كانت نافذة متجر سباك ومزخرف، وكانت ~~مليئة بنماذج من ورق الحائط ولوازم تجهيزات الحمامات وما إلى ذلك ~~من الأشياء. في ذلك الوقت، لم أكن إلا على بعد خمس عشرة ياردة من ~~المرأتين. وقد تمكنت من سماع صوتهما وهما تتحدثان في واحدة من ~~تلك المحادثات غير ذات المعنى التي تخوضها النساء عندما يتجاذبن ~~أطراف الحديث. «أجل، هذه دعابة. تلك دعابة بالتأكيد. قلت له: ~~«عجبا، ماذا كنت تتوقع غير ذلك؟» لا يبدو الأمر جيدا، أليس كذلك؟ ~~ولكن ما الفائدة، فكما لو أنك تتحدثين إلى حجر. يا للعار!» وما ~~إلى ذلك. كان الجو يزداد دفئا. من الواضح أن المرأة التي كنت ~~أتبعها كانت زوجة صاحب متجر صغير، كالمرأة الأخرى. كنت أتساءل عما ~~إذا كانت من الناس الذين كنت أعرفهم في لوير بينفيلد، عندما ~~استدارت تقريبا نحوي ورأيت ثلاثة أرباع وجهها. يا إلهي! إنها ~~إلسي. # أجل، كانت إلسي. لا سبيل للخطأ. إلسي! تلك الشمطاء ~~البدينة! # صدمت بشدة - ليس لرؤية إلسي، ولكن لرؤيتي لها على تلك الحالة ~~التي أصبحت عليها عندما كبرت - لدرجة أنه للحظة تجمعت أمام ~~عيني الأشياء؛ الصنابير النحاسية والصمامات الكروية ~~وأحواض البورسلين وغيرها، والتي أخذت تخفت وتبعد، حتى أصبحت ~~أراها ولا أراها. وللحظة كذلك، كنت في ذعر مميت من أن تتعرف ~~علي؛ ولكنها نظرت جيدا إلى وجهي ولم يبد عليها أي شيء. بعد ~~لحظة أخرى، استدارت ومشت. تبعتها مرة أخرى. كان الأمر خطيرا، ~~فقد تعرف أنني أتبعها، وقد يثير ذلك تساؤلها عمن أكون، ولكنني ~~كنت أريد فقط أن ألقي نظرة أخرى عليها. الحقيقة كانت أنها كان لها ~~وقع مروع علي. ويمكنني القول إنني كنت أشاهدها قبل ذلك، ~~ولكنني أشاهدها بعينين مختلفتين تماما الآن. # كان الأمر مروعا، ولكنني توصلت إلى استنتاجات عملية كثيرة ~~من تفحصها من الخلف. إنه لمن المرعب ما قد تفعله أربع وعشرون ~~سنة في أي امرأة. فقط أربع وعشرون سنة والفتاة التي كنت ~~أعرفها، ببشرتها التي ms205 كانت في بياض الحليب وفمها الأحمر وشعرها ~~الذهبي الفاتح، تصبح عجوزا شمطاء بكتفين عريضتين مستديرتين، ~~تمشي متثاقلة بكعبين ملتويين. جعلني ذلك أشعر بسعادة تامة ~~أنني رجل، فلا يتحطم رجل بالكامل أبدا ليصبح هكذا. أعلم أنني ~~بدين، وأن شكلي سيئ، إن أردت القول؛ ولكن على الأقل لي شكل. أما ~~إلسي، فلم تكن حتى بدينة، بل كانت فقط بلا شكل. لقد حدثت تغيرات ~~مروعة في وركيها. أما خصرها، فقد اختفى. لقد تحولت إلى ما ~~يشبه أسطوانة متكتلة طرية، ككيس من الطحين. # تبعتها لمسافة طويلة؛ إلى خارج البلدة القديمة وعبر العديد من ~~الشوارع الوضيعة الصغيرة التي لم أكن أعلمها. وأخيرا، وصلت إلى ~~عتبة متجر آخر. ومن الطريقة التي دخلت بها المتجر، كان من الواضح ~~أنه متجرها. توقفت للحظة خارج النافذة. كان مكتوب على اللافتة: ~~«جيه كوكسون، حلواني ودخاخني» إذن، كانت إلسي السيدة كوكسون. كان ~~متجرا صغيرا ورثا، ويشبه إلى حد كبير المتجر الذي توقفت ~~عنده من قبل، ولكنه كان أصغر وأكثر تلوثا بكثير. لم يبد أنه ~~يبيع أي شيء سوى التبغ وأرخص أنواع الحلوى. فكرت فيما يمكنني أن ~~أشتريه وأستغرق في شرائه دقيقة أو دقيقتين، ثم رأيت رفا من ~~الغلايين الرخيصة في النافذة، ثم دخلت. كان علي أن أستجمع ~~شجاعتي قليلا قبل أن أدخل؛ لأنني كنت سأحتاج إلى افتعال بعض ~~الأكاذيب إن تعرفت علي بالصدفة. # اختفت في الغرفة الخلفية للمتجر، ولكنها رجعت عندما نقرت على ~~طاولة البيع. إذن، قد أصبحنا الآن وجها لوجه. يا إلهي! لم تبد ~~أي إشارة على أنها تعرفني. لم تتعرف علي. فقط نظرت إلي ~~بالطريقة نفسها التي ينظر بها هؤلاء - تعرف الطريقة التي ينظر ~~بها أصحاب المتاجر الصغيرة لزبائنهم - نظرة تنم عن فقدان اهتمام ~~تام. # كانت المرة الأولى التي أرى فيها وجهها بالكامل، وعلى الرغم من ~~أنني كنت أتوقع بعض الشيء ما رأيته، فقد صدمني ذلك تقريبا ~~بالقدر الكبير نفسه الذي صدمت به في اللحظة الأولى التي تعرفت ~~فيها عليها. أظن أنك عندما تنظر إلى وجه شخص صغير في ms206 السن، حتى لو ~~كان طفلا، فلا بد أنك تستطيع توقع شكله عندما يكبر؛ فالأمر ~~كله يعتمد على شكل عظام الوجه. ولكن إن كان قد حدث لي قط، عندما ~~كنت في العشرين وكانت هي في الثانية والعشرين، أن فكرت في شكل ~~إلسي في السابعة والأربعين، فلم يكن ليخطر في بالي قط أنها قد تبدو ~~بذلك الشكل أبدا. إن وجهها كله قد تدلى، كما لو أن أحدا سحبه ~~بطريقة ما لأسفل. هل تعرف هذا النوع من النساء في منتصف العمر ~~اللاتي لديهن وجوه تشبه تماما وجوه كلاب البولدوج؟ الفك البارز ~~الضخم، والفم المتهدل لأسفل، والعينان الغائرتان، بجيبين أسفلهما. ~~تماما ككلب البولدوج. ولكنه ما زال الوجه نفسه، ويمكنني أن ~~أميزه من بين ملايين الوجوه. أما شعرها، فلم يغطه الشيب ~~بالكامل، بل كان بلون باهت، وقد فقدت منه الكثير. لم تعرفني ~~عندما رأتني؛ فلم أكن بالنسبة لها سوى زبون وغريب ورجل بدين ~~غير مثير للاهتمام. من الغريب ما قد تفعله بوصة أو بوصتان من ~~الدهون في شكل المرء. تساءلت إن كنت قد تغيرت أكثر مما تغيرت، ~~أم أن الأمر وما فيه أنها لم تكن تتوقع أن تراني، أم - وهو ما ~~كان الأرجح - أنها ببساطة قد نسيت أمر وجودي تماما. # قالت بتلك الطريقة الكسولة لأصحاب المتاجر: «مساء الخير.» # قلت بفتور: «أريد غليونا من خشب أشجار الورد البري.» ~~«غليون. حسنا، دعني أرى. أعلم أن لدينا بعض الغلايين في مكان ~~ما. حسنا، أين؟ آه! ها هي.» # أخذت صندوقا من الورق المقوى مملوءا بالغلايين من مكان ما ~~أسفل طاولة البيع. يا للسوء الذي أصبحت عليه لهجتها! أم هل ~~تراني أتخيل فقط ذلك؛ لأن معاييري قد تغيرت؟ ولكن لا، فقد كانت ~~شديدة «الرقي»؛ فكل الفتيات في ليلي وايت كن شديدات ~~«الرقي»، وكانت عضوة في حلقة قراءة راعي الكنيسة. أقسم إنها لم ~~تكن تسقط قط بعض الحروف في كلامها. من الغريب كيف يتدهور الحال ~~بهؤلاء النساء بمجرد زواجهن. عبثت في الغلايين قليلا وتظاهرت ~~بالنظر فيها، ثم في النهاية قلت إنني ms207 أريد غليونا بمبسم ~~كهرماني. ~~«كهرماني؟ لا أعرف إن كان لدينا أي ...» ثم استدارت في اتجاه ~~الجزء الخلفي من المتجر، وقالت: «جورج!» # إذن، كان اسم الرجل الآخر الواقف في المتجر جورج أيضا. ثم سمعت ~~ضوضاء آتية من الجزء الخلفي من المتجر. ~~«جورج ! أين وضعت صندوق الغلايين الآخر؟» # أتى جورج، وكان رجلا بدينا وقصيرا، يرتدي قميصا دون أي شيء ~~فوقه، وكان ذا رأس أصلع وشارب كبير بلون الزنجبيل يغطي كثيرا ~~من شفته العلوية. وكان فكه يتحرك ويمضغ شيئا؛ فكان من ~~الواضح أنها قد قاطعته في وسط تناوله للشاي. بدأ الاثنان في ~~البحث في أرجاء المتجر عن صندوق الغلايين الآخر. وقد مرت خمس ~~دقائق تقريبا قبل أن يجداه خلف بعض زجاجات الحلوى. من المدهش كمية ~~الركام التي يكدسونها في هذه المتاجر الصغيرة القذرة، بينما لا ~~تتعدى قيمة مخزونهم كله ما يقرب من خمسة جنيهات. # شاهدت العجوز إلسي وهي تندس بين الركام وتتمتم مع نفسها. ~~هل تعرف تلك الحركات المتثاقلة للأكتاف المستديرة التي تصدر عن ~~النساء العجائز عندما يفقدن شيئا؟ لا فائدة من أن أشرح لك ما كنت ~~أشعر به؛ فقد كان شعورا باردا وشديد الكآبة. لا يمكنك فهمه ~~إلا إذا جربته. كل ما يمكنني قوله هو إن كانت هناك فتاة كنت ~~تهتم بأمرها من نحو خمس وعشرين سنة، فلتذهب وتلقي نظرة عليها ~~الآن، فلربما حينها ستعلم ما أشعر به. # ولكن، في الحقيقة، الفكرة الأساسية التي كانت في ذهني كانت مدى ~~اختلاف الأشياء عما تتوقع أن تكون عليه. يا له من وقت ذلك الذي ~~أمضيته مع إلسي! ويا لها من ليال في شهر يوليو تلك التي قضيتها ~~معها أسفل أشجار الكستناء! ألا تعتقد أن ذلك يخلف بعض الأثر ~~وراءه؟ من كان يفكر أن وقتا سيأتي وليس بيننا أي شعور من أي نوع؟ ~~ها أنا هنا وها هي كذلك، جسمانا قد لا يبعدان سوى ياردة واحدة عن ~~بعضهما البعض، ولكننا كنا مجرد غريبين كما لو أننا لم نلتق قط. ~~أما هي، فلم تتعرف حتى علي. ms208 وإن كنت قد أخبرتها بمن أكون، فمن ~~المحتمل جدا ألا تتذكرني. وإن كانت قد تذكرتني، فبم كانت ~~ستشعر؟ لا شيء. ربما لم تكن حتى لتغضب لأنني عاملتها بطريقة سيئة. ~~كان الأمر برمته كأن لم يحدث قط. # ومن جهة أخرى، من كان يتوقع يوما أن إلسي ستصبح بهذا الحال؟ ~~لقد بدت من ذلك النوع من الفتيات المقدر لهن أن ينتهين نهاية ~~سيئة. أعلم أنها عرفت رجلا على الأقل قبل أن أقابلها، ومن ~~المؤكد أنها عرفت رجالا آخرين بين معرفتي ومعرفة جورج الآخر. ولن ~~أتعجب إن علمت أنها كانت تعرف العديد منهم في وقت واحد. لقد ~~عاملتها معاملة سيئة، لا شك في ذلك، وفي كثير من الأحيان كان ذلك ~~يؤرقني؛ إذ كنت أتخيل أنه سينتهي بها الحال في الشوارع، أو أنها ~~ستنتحر بوضع رأسها في فرن الغاز. وفي بعض الأحيان، كنت أشعر أنني ~~كنت وغدا بعض الشيء، ولكن في أحيان أخرى كنت أعتقد (وهو ما كان ~~صحيحا للغاية) أنني إن لم أكن قد تركتها لكان أحد غيري فعل ذلك. ~~ولكنك ترى المنوال الذي تسير عليه الأمور، ذلك المنوال غير ذي ~~المعنى الكليل؛ فكم من امرأة قد انتهى بها الحال بالفعل في ~~الشوارع؟ العديد منهن قد انتهى بهن الحال مشوهات. لم يسؤ بإلسي ~~الحال، ولم يكن جيدا كذلك؛ فقط انتهى بها الحال كالجميع، امرأة ~~عجوز بدينة تدير متجرا قذرا وصغيرا، مع زوج ذي شارب بلون ~~الزنجبيل يدعى جورج. وربما كان لديها الكثير من الأطفال كذلك. ~~السيدة جورج كوكسون التي عاشت محترمة وستموت مأسوفا عليها، وقد ~~تموت قبل حكم المحكمة بالإفلاس، إن كانت محظوظة. # كانا قد وجدا صندوق الغلايين. وبالطبع لم يكن أي منها بمبسم ~~كهرماني. ~~«لا أعتقد أن لدينا أي قطع كهرمانية في الوقت الحالي يا ~~سيدي. ولكن لدينا بعض القطع من المطاط الصلد.» # قلت: «أريد مبسما كهرمانيا.» # قالت: «لدينا غلايين جيدة هنا.» ثم أخرجت غليونا من الصندوق ~~وقالت: «ذلك غليون جيد، وثمنه نصف كروان.» # أخذته، وتلامست أصابعنا؛ ولكن بلا إحساس أو ردة ms209 فعل، ~~فجسمانا لا يتذكر كل منهما الآخر. أظن أنك تعتقد أنني سأشتري ~~الغليون، فقط من أجل الأيام الخوالي، كي أعطي إلسي نصف كراون، ولكن ~~لا شيء من هذا قد حدث، فأنا لم أكن أريده، فأنا لا أدخن الغليون، ~~ولم أرد سوى ذريعة أدخل بها المتجر. لذا، قلبته بين أصابعي ~~ثم وضعته على طاولة البيع، وقلت: ~~«لا يهم، أنا لا أريده. أعطني علبة سجائر صغيرة من ماركة ~~بلايرز.» # كان علي أن أشتري شيئا بعد كل تلك الجلبة. سحب جورج ~~الثاني، أو ربما الثالث أو الرابع، علبة سجائر بلايرز، وكان لا ~~يزال يمضغ شيئا أسفل شاربه. كان بإمكاني أن أرى أنه كان عابسا؛ ~~لأنني اضطررته إلى ترك شايه لا لأجل شيء يذكر. ولكنه بدا من ~~السخيف للغاية أن أضيع نصف كراون. خرجت، وكانت هذه آخر مرة على ~~الإطلاق أرى فيها إلسي. # رجعت إلى فندق جورج وتناولت العشاء. بعد ذلك، تفتق ذهني عن ~~فكرة غريبة وهي أن أذهب إلى إحدى دور السينما، إن كانت مفتوحة، ~~ولكني انتهى بي المطاف بدلا من ذلك في إحدى الحانات الصاخبة ~~الكبيرة في الجزء الجديد من البلدة. قابلت هناك رجلين من ~~ستافوردشير، كانا مندوبي مبيعات متجولين وكانا يبيعان الأدوات ~~المعدنية، وتحدثنا عن حالة التجارة، ولعبنا بالأسهم، وتناولنا ~~جعة الجينيس. وعندما حان وقت إغلاق الحانة، كان الاثنان قد ~~أسرفا في الشرب لدرجة أنني اضطررت إلى مرافقتهما للمنزل في ~~سيارة أجرة، ولم أكن على ما يرام بعض الشيء أنا الآخر؛ وفي ~~الصباح، استيقظت ورأسي أثقل من أي وقت مضى. # 5 # ولكن كان علي أن أرى البركة في منزل بينفيلد. # شعرت بأنني في حالة شديدة السوء في ذلك الصباح. الحقيقة كانت ~~أنني منذ أن وصلت إلى لوير بينفيلد وأنا أشرب باستمرار تقريبا منذ ~~موعد فتح الحانات وحتى موعد إغلاقها كل يوم. السبب، الذي لم ~~أكتشفه إلا في هذه اللحظة، هو أنه لم يكن ثمة شيء آخر يمكن أن ~~أفعله في الواقع. هذا ما كانت عليه رحلتي حتى ذلك الحين، ثلاثة ~~أيام ms210 من الإسراف في الشرب. # وكما فعلت تماما في الصباح الفائت، استيقظت زاحفا من على ~~السرير، واتجهت إلى النافذة حيث شاهدت الرجال في القبعات ~~المستديرة، والأطفال في قبعات المدارس يمشون على عجل هنا وهناك. ~~أعدائي، هكذا رأيتهم. ذلك الجيش الغازي الذي نهب البلدة وغطى ~~أنقاضها بأعقاب السجائر والأكياس الورقية. تعجبت من اهتمامي ~~بالأمر. لعلك تعتقد أنني إن كنت قد صدمت من اكتشافي أن لوير ~~بينفيلد قد ابتلعت وغدت ما يشبه ضاحية داجنهام؛ فإن ذلك فقط ~~لأنني لم أرد أن أرى الأرض تمتلئ بالناس والريف يتحول إلى حضر. ~~ولكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق؛ فلا أمانع نمو البلدات، ما دامت ~~تتطور وليس فقط تتوسع كمرق اللحم على غطاء مائدة. أعلم أن ~~الناس لا بد لهم من أماكن ليعيشوا فيها، وأنه إن لم يكن أحد ~~المصانع في مكان ما فسيكون في مكان آخر. أما عن الأشياء الريفية ~~الزائفة، من ألواح البلوط والصحون من البيوتر وأوعية تدفئة ~~الأسرة النحاسية وما إلى ذلك، فإنها لا تشعرني إلا بالغثيان ~~في الواقع. أيا ما كنا في الماضي، فلم يكن لدينا كل هذا؛ فلم تكن ~~أمي ترى قط أي معنى في امتلاك التحف التي ملأ بها ويندي ~~منزلنا. ولم تكن تحب الطاولات القابلة للطي، كانت تقول إنها ~~«تطبق على السيقان». أما عن صحون البيوتر، فما كان لها أن تقتني ~~أيا منها في منزلها، وكان تقول عنها إنها «أشياء ملساء كريهة». ~~ولكن، ولتقل ما شئت، كان لدينا شيء في تلك الأيام ولم يعد ~~موجودا الآن، شيء ربما لا يمكنك الحصول عليه في حانة عصرية ~~للوجبات السريعة من منتجات الألبان حيث تستمع للراديو. وقد عدت ~~للبحث عنه، ولكني لم أجده. وما زلت بشكل ما أعتقد في ذلك الشيء ~~حتى الآن، وأنا لم أضع طقم أسناني بعد وكان بطني يتوجع في ~~احتياج إلى قرص أسبرين وكوب من الشاي. # جعلني ذلك أفكر ثانية في بركة منزل بينفيلد. بعد أن رأيت ~~ما فعلوه في البلدة، انتابني شعور لا يمكنك وصفه إلا بالخوف من ms211 ~~الذهاب ورؤية ما إذا كانت البركة ما زالت موجودة. ولربما كانت ~~موجودة، لم أكن أعلم. كانت البلدة ترزح أسفل الطوب الأحمر، وكان ~~منزلنا مليئا بالخردة التي جلبتها ويندي، وكان نهر التيمز مسمما ~~بزيت المحركات والأكياس الورقية. ولكن ربما كانت البركة لا تزال ~~هناك، وربما كان لا يزال يعوم في أرجائها ذلك السمك الأسود الكبير. ~~ربما كذلك كانت لا تزال مختبئة في الغابة ولم يكتشفها أحد منذ ذلك ~~اليوم وحتى الآن. كان ذلك ممكنا جدا؛ إذ كانت الغابة التي ~~أخفتها كثيفة للغاية، وكانت مليئة بشجيرات العليق والأيكات ~~المتعفنة (تراجعت أشجار الزان مفسحة الطريق لأشجار البلوط، ما ~~جعل الشجيرات النامية تحت الأشجار أكثر سمكا)، ولا يهتم معظم ~~الناس بمكان كهذا. ولكن حدثت أشياء أكثر غرابة. # لم أبدأ الرحلة إلى هناك إلا في وقت متأخر من بعد الظهيرة؛ فلا ~~بد أن الساعة كانت الرابعة والنصف تقريبا عندما أخذت السيارة ~~وقدتها إلى طريق أبر بينفيلد. وفي منتصف الطريق صعودا إلى التل، ~~أخذت المنازل تتضاءل ثم اختفت، وبدأت أشجار الزان في الظهور. هناك ~~تشعب الطريق، وأخذت الجهة اليمنى قاصدا الانعطاف والرجوع إلى ~~منزل بينفيلد على الطريق. ولكني توقفت بعد لحظة لألقي نظرة على ~~الأجمة التي كنت أقود سيارتي عبرها. لقد بدت أشجار الزان كما ~~كانت من قبل تماما. يا إلهي، كيف تكون كما كانت في الماضي؟! تركت ~~السيارة في مساحة بها قليل من العشب بجوار الطريق، أسفل ركام من ~~الطباشير، وخرجت منها وتمشيت. كان المكان كما كان تماما، بنفس ~~الهدوء، وبنفس الطبقات الكبيرة من أوراق الشجر التي تصدر حفيفا، ~~التي يبدو أنها تزيد من سنة لأخرى دون أن تتعفن. والمكان ليس ~~فيها كائن سوى الطيور الصغيرة على أعالي الأشجار التي لا يمكنك ~~رؤيتها. لم يكن من السهل التصديق أن الضوضاء الصاخبة للبلدة كانت ~~على بعد ثلاثة أميال فقط من هنا. بدأت أشق طريقي عبر الأجمة ~~الصغيرة، في اتجاه منزل بينفيلد؛ وتمكنت على نحو غامض من تذكر ~~المسارات هناك. يا إلهي! أجل! ها هو التجويف الطباشيري ms212 نفسه؛ حيث ~~كانت تذهب مجموعة اليد السوداء ويلعبون بمراجمهم، وحيث أخبرنا سيد ~~لوفجروف كيف تولد الأطفال، وحيث كان اليوم الذي اصطدت فيه سمكتي ~~الأولى قبل ما يقرب من أربعين سنة مضت! # عندما قلت الأشجار مرة أخرى، كان بإمكانك أن ترى الطريق الآخر ~~وسور منزل بينفيلد. كان السور الخشبي القديم المتعفن قد أزيل، ~~بالطبع، وقد بنوا سورا عاليا من الطوب بنتوءات معدنية أعلاه، ~~كما قد تتوقع أن ترى حول مستشفى للأمراض العقلية. احترت لبعض ~~الوقت في كيفية الدخول إلى منزل بينفيلد، حتى خطر ببالي في النهاية ~~أن أقول لهم إن زوجتي كانت مجنونة وإنني كنت أبحث عن مكان لأضعها ~~فيه. بعد ذلك، سيكونون مستعدين تماما لأخذي في جولة في المكان. ~~وربما كنت في بدلتي الجديدة أبدو ثريا بما يكفي لأن تكون لدي ~~زوجة في إحدى المصحات العقلية الخاصة. لم يخطر في بالي أن أفكر ~~فيما إذا كانت البركة لا تزال في مكانها حتى وصلت بالفعل إلى ~~البوابة. # كانت الأراضي القديمة لمنزل بينفيلد على مساحة خمسين فدانا، على ~~ما أعتقد، بينما كانت أراضي مستشفى الأمراض العقلية لا تتعدى خمسة ~~أو عشرة فدادين. ولم يكونوا في حاجة إلى بركة كبيرة من الماء كي ~~يغرق فيها المرضى النفسيون أنفسهم. أما الكوخ الذي كان يسكن فيه ~~العجوز هودجز، فكان كما هو، ولكن الجدار الأصفر من الطوب والبوابات ~~الحديدية الضخمة كانت جديدة. لم أعرف المكان بالنظر إليه عبر ~~البوابات؛ فقد رأيت مسارات مغطاة بالحصى، وأحواض زهور، ~~ومروجا، وبعض الأشخاص الذين يتجولون بلا هدف، المرضى النفسيين، ~~على ما أعتقد. أخذت الطريق إلى اليمين. كانت البركة - البركة ~~الكبيرة، التي كنت أصطاد فيها - على بعد بضعة مئات الياردات خلف ~~المنزل؛ فلا بد أنني قد مشيت مائة ياردة قبل أن أصل إلى جانب ~~السور، ومن ثم فالبركة خارج أراضي المستشفى. بدأ سمك الأشجار ~~يقل، وكان بإمكاني سماع أصوات أطفال. يا إلهي! لقد كانت البركة ~~موجودة. # وقفت للحظة، متسائلا عما حدث لها. ثم عرفت ما حدث؛ فكل ~~الأشجار لم تعد موجودة ms213 حول حافتها، وبدا كل شيء عاريا ومختلفا، ~~في الحقيقة بدت على نحو مدهش كالبركة المستديرة في حدائق ~~كينزينجتون. كان الأطفال يلعبون في كل مكان حول حافة البركة، ~~وكانوا يركبون قوارب شراعية وقوارب تجديف، وكان هناك أيضا بعض ~~الأطفال الأكبر سنا يندفعون في قوارب الكنو الصغيرة التي تقودها ~~بتدوير المقبض. على اليسار، حيث كان قديما مصف القوارب ~~المتعفن القديم، كان ثمة ما يشبه السرادق وكشك للحلوى، ~~ولافتة بيضاء كبيرة مكتوب عليها «نادي أبر بينفيلد النموذجي ~~لليخوت». # نظرت إلى اليمين، فكان المكان كله منازل. لا بد أنني كنت في ~~الضواحي الخارجية؛ فكل الأشجار التي كانت تنمو وراء البركة، والتي ~~نمت على نحو شديدة الكثافة حتى بدت كغابة استوائية، قد اقتلعت ~~وأصبحت الأرض مستوية. ولم يتبق سوى مجموعات صغيرة من الأشجار ~~حول المنازل. كانت منازل ذات مظهر فني، وكانت واحدة من تلك ~~المستعمرات التي تقلد الطراز التيودوري كالتي رأيتها في اليوم ~~الأول لي عند قمة تل تشامفورد، فقط كانت تبدو كذلك على نحو أكبر. ~~كم كنت أحمق حين تخيلت أن هذه الأشجار ستظل كما هي! رأيت ما كانت ~~عليه؛ فلم يكن هناك سوى أجمة واحدة صغيرة، ربما على مساحة ستة ~~فدادين، هي فقط التي لم تقطع، وكان من الصدفة البحتة أنني مشيت ~~عبرها في طريقي إلى هنا. أبر بينفيلد، الذي كان مجرد اسم في ~~الماضي، تطور ليصبح بلدة كبيرة. في الحقيقة، لم يكن سوى أرض على ~~أطراف لوير بينفيلد. # مشيت إلى حافة البركة، حيث كان الأطفال يتحركون في المياه ~~ناثرين بعض الرذاذ حولهم، ويحدثون ضوضاء لعينة. وبدا أن هناك ~~أعدادا كبيرة منهم في المكان. أما المياه، فقد بدت ميتة؛ فلم ~~يعد فيها أسماك. وكان ثمة رجل واقف يشاهد الأطفال. كان رجلا ~~عجوزا بعض الشيء، برأس أصلع وبضع خصلات من الشعر الأبيض، ونظارة ~~أنفية، ووجه تظهر عليه بشدة آثار حروق الشمس. كان ثمة شيء غريب على ~~نحو شديد الغموض حول مظهر ذلك الرجل؛ فقد لاحظت أنه كان يرتدي ~~بنطالا قصيرا وصندلا وقميصا من الحرير ms214 الصناعي مفتوح الصدر، ~~ولكن ما لفت انتباهي في الواقع كانت النظرة في عينيه، فقد كانت ~~له عينان شديدتا الزرقة، من ذلك النوع الذي تراه متلألئا من ~~وراء نظارته. لاحظت أنه من هؤلاء الرجال الكبار في السن الذين لا ~~تظهر قط عليهم آثار العجز؛ فهم دائما يحافظون على تناول الأطعمة ~~الصحية، أو يعملون مع فتيان الكشافة، في كلتا الحالتين هم ~~يستمتعون بالطبيعة والحياة في الهواء الطلق. كان ينظر إلي كما لو ~~كان يريد التحدث معي. # قلت: «اتسعت أبر بينفيلد كثيرا.» # نظر إلي بعينيه الوامضتين، وقال: ~~«اتسعت! يا عزيزي، نحن لا نسمح أبدا باتساع أبر بينفيلد؛ فنحن ~~نفخر بكوننا أشخاصا استثنائيين في هذا المكان المرتفع هنا، كما ~~تعلم، فنحن مستعمرة صغيرة منفردة، بلا متطفلين، ها ها.» # قلت: «أعني مقارنة بما كان قبل الحرب؛ فقد كنت أعيش هنا في ~~صباي.» ~~«آه. بلا شك. كان هذا قبل مجيئي إلى هنا بالطبع؛ ولكن عقارات أبر ~~بينفيلد تعد شيئا مميزا في عالم البناء كما تعلم، حيث شكلت ~~عالما صغيرا خاصا بها؛ فكل التصميمات هي تصميمات المعماري ~~الشاب إدوارد واتكين. بالطبع سمعت عنه. نحن نعيش وسط الطبيعة ~~بالأعلى هنا، بلا ارتباط بالبلدة هناك بالأسفل - ولوح بيده في ~~اتجاه لوير بينفيلد - حيث المصانع القذرة المظلمة، ها ها!» # كانت لديه ضحكة خافتة عجوز وطيبة، وطريقة لتجعيد وجهه كالأرنب. ~~على الفور، كما لو كنت قد سألته، شرع في إخباري بكل شيء عن عقارات ~~أبر بينفيلد والشاب المعماري إدوارد واتكين، الذي كان يحب الطراز ~~التيودوري، وقد كان رجلا رائعا لأنه استطاع العثور، على العوارض ~~الخشبية الأصلية التي ترجع إلى العصر الإليزابيثي في منازل المزارع ~~القديمة، وشراءها بأثمان قليلة. وقد كان هذا الشاب المثير ~~للاهتمام روح حفلات التعري. وقد كرر الرجل العجوز عدة مرات أنهم ~~كانوا أشخاصا استثنائيين للغاية في أبر بينفيلد، ومختلفين تماما ~~عن الناس في لوير بينفيلد؛ فقد عزموا على إثراء الريف بدلا من ~~تشويهه (أنا أستخدم كلماته)، وأن عقاراتهم لم يكن فيها أي منازل ~~عامة. ~~«يتحدث الناس عن مدن ms215 الحدائق، ولكننا نسمي أبر بينفيلد مدينة ~~الغابة، ها ها! الطبيعة!» أشار بيده إلى ما تبقى من الأشجار، ~~واستأنف قائلا: «الغابة البكر تحتضننا، وينمو صغارنا وسط جمال ~~الطبيعة؛ وتقريبا جميعنا من المتنورين بالطبع. هل تصدق أن ثلاثة ~~أرباعنا هنا من النباتيين؟ لا يحبنا الجزارون المحليون على ~~الإطلاق، ها ها! وبعض الشخصيات البارزة تعيش هنا. الآنسة هيلينا ~~ثورلو، الروائية - لقد سمعت عنها بالطبع - والبروفيسور وود، الباحث ~~في المجال النفسي، يا له من شخصية شاعرية! إذ يذهب متجولا وسط ~~الغابة، ولا تتمكن عائلته من إيجاده في أوقات الوجبات. ويقول إنه ~~يتجول وسط الجنيات. هل تؤمن بوجود الجنيات؟ أعترف - ها ها! - ~~أنني أشك قليلا في الأمر، ولكن صوره الفوتوغرافية شديدة ~~الإقناع.» # بدأت أسأل نفسي عما إذا كان أحد الهاربين من منزل بينفيلد؛ ~~ولكن لا، فقد كان عاقلا إلى حد كبير. أعلم هذا النوع، حيث ~~النظام الغذائي النباتي، والحياة البسيطة، والشعر، وتقديس ~~الطبيعة، والاستمتاع بالندى قبل الإفطار؛ فقد قابلت بعضا منهم قبل ~~بضع سنوات في إيلينج. ثم أخذني في جولة في المكان، حيث لم يكن شيء ~~متبقيا من الأشجار، فقد كان المكان كله مليئا بالمنازل، ويا لها ~~من منازل! هل تعرف هذه المنازل المقلدة على الطراز التيودوري، ~~ذات الأسقف المجعدة والدعامات التي لا تدعم أي شيء، والحدائق ~~الصخرية التي يضعون فيها أحواض شرب الطيور الإسمنتية، وتماثيل ~~الأقزام الخرافية الحمراء الصغيرة المصنوعة من الجص التي ~~يمكنك شراؤها من محلات الزهور؟ يمكنك أن تتخيل المجموعات البشعة ~~التي تعيش هنا من خبراء التغذية وصائدي الأشباح ومهاويس الحياة ~~البسيطة الذين يحصلون على ألف جنيه في السنة. حتى الأرصفة كانت ~~مختلة. لم أتركه يأخذني بعيدا؛ فقد جعلتني بعض المنازل أتمنى لو ~~كان معي قنبلة يدوية في جيبي. حاولت تثبيطه بسؤاله عما إذا كان ~~الناس لم يعترضوا على العيش بجوار مصحة للأمراض العقلية، ولكن ~~ذلك لم يكن له الأثر الكبير عليه. وأخيرا، توقفت وقلت: ~~«كانت ثمة بركة أخرى هنا، بجوار البركة الكبيرة. ولا بد أنها ~~ليست بعيدة عن هنا.» ~~«بركة أخرى؟ ms216 أوه، بالتأكيد لا. لا أعتقد أنه كان ثمة أي بركة ~~أخرى هنا.» # قلت: «ربما جففوها. لقد كانت بركة شديدة العمق. ولا بد أنها ~~ستترك حفرة كبيرة مكانها.» # للوهلة الأولى، بدا قلقا بعض الشيء، ثم فرك أنفه وقال: ~~«آه. بالطبع، لا بد أنك قد فهمت أن حياتنا بالأعلى هنا هي حياة ~~بدائية نوعا ما، حياة بسيطة، كما تعلم. ونحن نفضلها كذلك؛ ولكن ~~البعد الشديد عن البلدة قد يكون له أضرار بالطبع؛ فبعض من ~~إجراءاتنا الصحية ليست مرضية تماما. أعتقد أن عربة القمامة لا ~~تأتينا إلا مرة واحدة في الشهر.» ~~«أتعني أنهم حولوا البركة إلى مكب للنفايات؟» ~~«حسنا، ثمة شيء في طبيعة ... وقد خجل من كلمة مكب النفايات. علينا ~~أن نتخلص من العلب المعدنية وما إلى ذلك بالطبع هناك خلف الكتلة ~~الشجرية تلك.» # ذهبنا إلى هناك. وكانوا قد تركوا بعض الأشجار لتغطي على الأمر؛ ~~ولكن أجل، ها هي، لقد كانت بركتي هنا. لقد جففوا ماءها، فأحدث ~~ذلك حفرة مستديرة كبيرة كبئر ضخم بعمق عشرين أو ثلاثين قدما. ~~وكانت بالفعل ممتلئة إلى نصفها بالعلب المعدنية. # وقفت أنظر إلى العلب المعدنية. # قلت: «من المؤسف أنهم جففوها؛ فقد كانت ثمة بعض الأسماك الكبيرة ~~في تلك البركة.» ~~«أسماك؟ أوه، لم أسمع عن شيء كذلك قط. بالطبع يصعب وجود بركة من ~~المياه هنا وسط المنازل؛ تعلم أن ذلك يتسبب في وجود البعوض، ولكن ~~لا بد أنها كانت هنا قبل مجيئي.» # قلت: «أعتقد أن هذه المنازل قد بنيت منذ وقت طويل.» ~~«أوه، أعتقد منذ عشر أو خمس عشرة سنة.» # قلت: «لقد كنت أعرف هذا المكان قبل الحرب. لقد كان مليئا ~~بالكامل بالأشجار، ولم تكن ثمة منازل سوى منزل بينفيلد؛ ولكن ~~الأجمة الصغيرة هناك لم تتغير، فقد مشيت خلالها في طريقي إلى ~~هنا.» ~~«آه، تلك! إنها مقدسة؛ فقد قررنا ألا نبني مكانها أبدا. إنها ~~مقدسة لدى الشباب. الطبيعة، كما تعلم.» نظر إلي بعينيه ~~الوامضتين، بنظرة خبيثة بعض الشيء، كما لو كان سيطلعني على سر ~~صغير، وقال: «نسميها وادي الجنيات.» ms217 # وادي الجنيات! تملصت منه، ورجعت إلى السيارة وقدتها نزولا إلى ~~لوير بينفيلد. وادي الجنيات! وقد ملئوا بركتي بالعلب المعدنية! ~~لعنهم الله ودمرهم! فلتقل ما تريد - قل إنه شيء سخيف أو طفولي أو ~~أي شيء - ولكن ألا تشعر بالغثيان في بعض الأحيان عندما ترى ما ~~يفعلونه بإنجلترا؛ من وضعهم لأحواض شرب الطيور وتماثيل الأقزام ~~الخرافية المصنوعة من الجص والجنيات والعلب المعدنية خاصتهم في ~~مكان أشجار الزان؟ # أتقول عني عاطفي؟ أم كاره للمجتمع؟ أم أنني لا ينبغي أن أفضل ~~الأشجار على الرجال؟ أقول إن الأمر يعتمد على طبيعة الأشجار وطبيعة ~~الرجال. ليس ثمة شيء يمكنني فعله سوى أن أتمنى أن يصيبهم الجدري ~~في أمعائهم. # لم أفكر إلا في شيء واحد منذ هبطت من أعلى التل، وهو أنني قد ~~أعرضت عن فكرة الرجوع إلى الماضي؛ فما الفائدة من محاولة إعادة ~~زيارة معالم صباك عندما لم يعد لها وجود؟ ما فائدة محاولة ~~التقاط الأنفاس وليس هناك أي هواء؟! فصندوق القمامة الذي نعيش فيه ~~قد وصل إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي. مع ذلك، أنا لم أعد ~~أهتم بالأمر بوجه خاص. على كل حال، اعتقدت أنه لا يزال أمامي ~~ثلاثة أيام متبقية يمكنني فيها أن أنعم بالسكينة والهدوء، وأن ~~أتوقف عن التذمر حول ما فعلوه في لوير بينفيلد. أما عن فكرة ~~الذهاب للصيد، فقد ألغيتها بالطبع. صيد الأسماك! كيف ذلك؟! في ~~سني! بالفعل كانت هيلدا محقة. # وضعت السيارة في موقف سيارات فندق جورج ودخلت إلى الردهة. كانت ~~الساعة السادسة، وكان أحد الأشخاص قد فتح المذياع وكانت نشرة ~~الأخبار تبدأ. وقد دخلت من الباب تماما في الوقت الذي كانت فيه ~~الكلمات القليلة الأخيرة من نداء استغاثة. أعترف أن ذلك قد صدمني ~~بعض الشيء؛ فقد كانت الكلمات التي سمعتها: ~~«... حيث إن زوجته، هيلدا بولينج، مريضة بشدة.» # وجاء النبأ التالي العاجل بالصوت الفخم نفسه قائلا: «إليكم نداء ~~استغاثة آخر. ويل بيرسيفال شوت الذي شوهد آخر مرة ...» ولكنني ~~لم أنتظر حتى أسمع المزيد، ومشيت على الفور. ما جعلني أشعر ms218 بالفخر ~~الشديد، عندما فكرت في الأمر فيما بعد، أنني عندما سمعت تلك ~~الكلمات قادمة من مكبر الصوت لم يرمش لي جفن، ولم أتوقف ولو قليلا ~~لأعلم أي أحد أنني كنت جورج بولينج، الذي كانت زوجته هيلدا بولينج ~~مريضة للغاية. كانت زوجة المالك في الردهة، وكانت تعرف أن اسمي ~~بولينج، فعلى الأقل رأته في سجل النزلاء. بخلاف ذلك، لم يكن هناك ~~أحد باستثناء رجلين، كانا يقيمان في الفندق، ولم يكونا يعرفاني. ~~ولكني بقيت هادئا، ولم أبد أي إشارة لأي أحد؛ فقط ذهبت إلى ~~البار الخاص، الذي كان قد فتح للتو، وطلبت كوب الجعة ~~المعتاد. # كان علي أن أفكر في الأمر. وفي الوقت الذي كنت قد شربت فيه ما ~~يقرب من نصف الكوب، بدأت أدرك ما علي فعله. في المقام الأول، ~~هيلدا لم تكن مريضة، لا للغاية ولا غيره. كنت أعلم ذلك، فقد كانت ~~في صحة ممتازة عندما غادرت، ولم نكن في ذلك الوقت من العام الذي ~~يصاب فيه الناس بالإنفلونزا أو أي شيء من هذا القبيل. لقد كانت ~~تتصنع. لماذا؟ # بالطبع كانت هذه إحدى حيلها، وقد رأيت ما كان عليه الأمر. لقد ~~أدركت بشكل أو بآخر - ثق في هيلدا! - أنني لم أكن في الواقع في ~~برمنجهام، وكانت هذه هي ببساطة طريقتها في جلبي للمنزل؛ فلم تعد ~~تحتمل أن تفكر في أنني مع امرأة أخرى، لأنها بالطبع كانت متأكدة ~~من أنني مع امرأة ما، فلا يمكنها أن تتخيل أي دوافع أخرى. وبالطبع ~~افترضت أنني سأذهب مسرعا إلى المنزل في أقرب وقت ممكن عندما ~~أسمع أنها كانت مريضة. # ولكن هنا يكمن خطأ توقعك، قلت ذلك لنفسي عندما أنهيت كوب ~~الجعة؛ فأنا أذكى من أن أخدع بتلك الطريقة. لقد تذكرت الحيل ~~التي افتعلتها من قبل، والمصاعب غير العادية التي ستتكبدها ~~للإيقاع بي. أنا أعرفها جيدا، فعندما أكون في إحدى الرحلات التي ~~تشك فيها، فإنها تتحقق بالكامل من جدول مواعيد القطارات وخريطة ~~الطريق؛ فقط لترى ما إذا كنت أقول الحقيقة حول تحركاتي. وفي مرة ~~تبعتني ms219 طوال الطريق إلى كولتشيستر، ثم دخلت علي الغرفة فجأة ~~في فندق تيمبرانس. وفي ذلك الوقت، لسوء الحظ، تصادف أنها كانت ~~محقة، في الواقع لم تكن كذلك، ولكن ثمة ظروف جعلت الأمر يبدو كما ~~لو كانت على حق. لم يكن لدي أدنى تصديق لمسألة مرضها. في ~~الواقع، كنت أعلم أنها ليست مريضة، على الرغم من أنني لم يكن ~~يمكنني أن أبرهن لك على تأكدي. # تناولت كوبا آخر، وبدت الأمور أفضل حالا. بالطبع كان سيقع ~~بيننا شجار عندما أرجع إلى المنزل، ولكنه كان سيقع على أي حال. ~~اعتقدت أنه كان متبقيا لي ثلاثة أيام يمكنني أن أستمتع بها. ~~الغريب أنه على الرغم من أن الأشياء التي جئت باحثا عنها لم تعد ~~موجودة، فقد راقت لي فكرة الاستمتاع بالإجازة أكثر؛ فالابتعاد عن ~~المنزل كان هو الشيء الرائع، حيث السلام والسكينة التامة مع بعد ~~الأحباء، كما تقول الترنيمة. وفجأة، قررت أن أرافق امرأة إن ~~راق لي الأمر؛ فالفضل يرجع لهيلدا في هذا التفكير المنحرف، ~~بالإضافة إلى ذلك، فأين الشعور بأن أحدا يشك فيك إن لم تكن موضع ~~شك بالفعل؟ # ولكن عندما أثر الكوب الثاني علي، بدأت أستمتع بالأمر. لم ~~أغرم بالفكرة، ولكنها كانت بارعة للغاية؛ فكيف لها أن فكرت في ~~إرسال نداء استغاثة؟! أنا عن نفسي لا أعرف إجراءات إرساله؛ هل على ~~المرء إحضار شهادة من طبيب، أم أن كل ما عليك فعله هو أن ترسل ~~اسمك؟ كنت متأكدا تماما من أن السيدة ويلر هي صاحبة الفكرة؛ إذ ~~بدا لي أن الأمر به لمسة ويلر. # ولكن يا لمكرها! عجبا للنساء، يذهبن إلى أقصى الحدود! أحيانا ~~لا يمكنك تجنب الشعور بإعجاب ما لهن. # 6 # بعد الإفطار، تجولت بالخارج ثم ذهبت إلى السوق. كان صباحا ~~لطيفا، به بعض البرودة والهدوء، مع ضوء أصفر خافت كنبيذ أبيض ~~يغطي على كل شيء. وكانت رائحة الصباح المنعشة مختلطة برائحة ~~سيجاري. ولكن كانت ثمة ضوضاء نابعة من تحليق الطائرات خلف المنازل، ~~وفجأة كان أسطول من قاذفات القنابل السوداء الكبيرة يقترب ms220 بأزيزه. ~~نظرت إليها بالأعلى، فبدا أنها ستلقي بقنابلها فوق ~~رءوسنا. # وفي اللحظة التالية، سمعت صوتا. وفي الوقت نفسه، إن صادف وكنت ~~هناك، لكنت قد رأيت مثالا مثيرا للاهتمام لما أعتقد أنه يسمى ~~بالانعكاس الشرطي؛ لأن ما سمعته - وما لم يحتمل مجالا للخطأ - كان ~~صوت صفير إحدى القنابل. لم أكن قد سمعت شيئا كهذا منذ عشرين سنة، ~~ولكنني لست بحاجة إلى من يخبرني بما هو. ودون أن أستغرق وقتا في ~~التفكير، فعلت ما يجب فعله؛ فقد انبطحت على وجهي. # ولكني سعيد أنك لم ترني؛ فلا أظن أن شكلي كان محترما، حيث ~~تمددت على الرصيف كالجرذ عندما ينضغط مارا أسفل أحد الأبواب. لم ~~يتخذ أي أحد آخر رد فعل بهذه السرعة؛ بينما تصرفت بسرعة شديدة ~~حتى إنني في شطر من الثانية، عندما كانت القنبلة تهبط بصوت ~~صفيرها، كان لدي الوقت للخوف من أن الأمر برمته قد يكون خطأ ~~وأنني قد وضعت نفسي في هذا الموقف بلا داع. # ولكن في اللحظة التالية، آه! # بوووووم! # حدث ضجيج كما لو كنا في يوم القيامة، ثم سمعنا ضوضاء تشبه ضوضاء ~~سقوط طن من الفحم على لوح من الصفيح. كان ذلك صوت قوالب الطوب ~~وهي تتهاوى. بدوت كما لو أنني قد ذبت في الرصيف، وقلت لنفسي: «لقد ~~بدأت. أنا أعرفها! العجوز هتلر لم ينتظر؛ فقد أرسل قاذفات القنابل ~~علينا دونما إنذار.» # لكن كان هناك شيء غريب في الأمر؛ فحتى وسط صدى هذا التحطم ~~المروع الذي يصم الآذان، الذي بدا أنه جمدني من رأسي إلى أخمص ~~قدمي، كان لدي الوقت للتفكير في أن ثمة شيئا مهيبا في أمر ~~انفجار قذيفة كبيرة. كيف يبدو؟ من الصعب القول؛ لأن ما تسمعه يختلط ~~بما تخاف منه. إنه يتمثل على نحو أساسي في رؤية انفجار المعادن، ~~فيبدو أنك ترى ألواحا كبيرة من الحديد تنفتح من الانفجار. ولكن ~~الشيء الغريب حقا هو الإحساس الذي يشعر به المرء عندما يواجه ~~الواقع بشكل مفاجئ؛ فهو مثل الاستيقاظ بصب دلو من المياه فوق ~~رأسك؛ فأنت تنتزع ms221 فجأة من أحلامك بفعل رنين المعادن المنفجرة، ~~وهو شيء مروع، وحقيقي. # كانت ثمة أصوات صراخ وصياح، وتوقف مفاجئ لمكابح السيارات. أما ~~القنبلة الثانية التي كنت أنتظرها، فلم تسقط؛ فرفعت رأسي قليلا، ~~ورأيت الناس في كل الجوانب يتدافعون ويصرخون. وكانت ثمة سيارة ~~تنزلق مائلة عبر الشارع، وكان يمكنني سماع صوت امرأة تصرخ ~~قائلة: «الألمان! الألمان!» على اليمين، رأيت تعبيرا غريبا على ~~وجه رجل مستدير وأبيض، إذ كان مثل كيس ورقي مجعد، وكان ينظر ~~إلي، وكان يرتجف بعض الشيء، وسألني: ~~«ما هذا؟ ماذا يحدث؟ ماذا يفعلون؟» # قلت: «لقد بدأت. كانت تلك قنبلة. انبطح على الأرض.» # ولكن ما زالت القنبلة الثانية لم تسقط. بعد ربع دقيقة أو ما يقرب ~~من ذلك، رفعت رأسي مرة أخرى، وكان بعض الناس لا يزالون يتدافعون ~~هنا وهناك، وكان آخرون واقفين كما لو أنهم قد لصقوا بغراء في ~~الأرض. ومن مكان ما خلف المنازل، ارتفع ضباب كثيف من الغبار، ~~وظهرت عبره سحابة من الدخان التي كانت تتدفق لأعلى. ثم رأيت ~~منظرا استثنائيا؛ ففي الطرف الآخر من السوق، ارتفع هاي إستريت ~~بعض الشيء، وأسفل هذا التل الصغير كان قطيع من الخنازير يعدو كما ~~لو كان فيضانا ضخما من وجوه الخنازير. في اللحظة التالية، ~~بالطبع، عرفت ما يحدث؛ فلم تكن خنازير على الإطلاق، بل كانوا ~~أطفال المدارس في أقنعة الغاز. أعتقد أنهم كانوا يندفعون إلى قبو ~~ما، قيل لهم أن يستتروا فيه في حالة القصف الجوي. خلفهم، لاحظت ~~ما يشبه الخنزير الطويل، الذي كان على الأرجح الآنسة تودجرز. ~~ولكني أقول لك إنهم لوهلة بدوا تماما كقطيع من الخنازير. # لملمت شتات نفسي، ومشيت عبر السوق. كان الناس يهدئون من ~~روعهم بالفعل، وبدأت مجموعة صغيرة في الاتجاه نحو المكان الذي وقعت ~~فيه القنبلة. # أوه، أجل، معك حق، بالطبع؛ فلم تكن طائرة ألمانية، ولم تبدأ ~~الحرب بعد، بل كانت فقط حادثة؛ إذ كانت الطائرات تطير للتدرب على ~~قذف القنابل - وبطبيعة الحال كانت تحمل قنابل - ووضع أحد الطيارين ~~يده على ذراع القذف وحركه بالخطأ. ms222 أتوقع أنه سيتلقى توبيخا ~~جسيما على ذلك. في الوقت الذي اتصل فيه مدير مكتب البريد ~~هاتفيا بلندن للسؤال عما إذا كانت الحرب قد بدأت وأخبروه أنها لم ~~تبدأ، كان الجميع قد أدركوا أنها كانت حادثة. لكن كانت ثمة مساحة ~~من الوقت، بين دقيقة وخمس دقائق، كان فيها عدة آلاف من الأشخاص ~~يعتقدون فيها أن الحرب قد اندلعت. من الجيد أن ذلك لم يدم ~~طويلا؛ إذ إننا، بعد ربع ساعة أخرى، كنا سنعدم جاسوسنا الأول ~~دون محاكمة. # تبعت الحشد. كانت القنبلة قد سقطت في شارع جانبي صغير متفرع من ~~هاي إستريت، حيث كان متجر عمي إيزيكيال؛ ولم تكن تبعد خمسين ياردة ~~عن مكان المتجر القديم. وعندما اقتربت بشدة من المكان، كان بإمكاني ~~سماع أصوات همهمة هلع، كما لو كان الناس خائفين ولكنهم في الوقت ~~نفسه مفتونون بما رأوا. لحسن الحظ، وصلت إلى هناك قبل بضع دقائق من ~~وصول الإسعاف وعربة الإطفاء، وعلى الرغم من الأشخاص الخمسين أو نحو ~~ذلك الذين كانوا قد تجمعوا في المكان، رأيت كل شيء. # للوهلة الأولى، بدا الأمر كما لو أن السماء قد أمطرت طوبا ~~وخضراوات؛ فقد كانت أوراق الكرنب في كل مكان، حيث فجرت القنبلة ~~متجر خضري وسوته بالأرض. وقد تفجر جزء من سقف المنزل المجاور ~~له، وكانت النيران ممسكة في الألواح الخشبية للسقف، وكانت جميع ~~المنازل المحيطة قد أصابها ضرر بشكل أو بآخر، وكسرت نوافذها. ~~ولكن ما كان الجميع ينظر إليه هو المنزل على اليسار؛ فقد دمر ~~جداره، المشترك مع جدار متجر الخضري، على نحو مرتب كما لو أن ~~أحدا قد فعل ذلك بسكين. وما كان غريبا، أن شيئا لم يمس في ~~الغرف العلوية. كان الأمر تماما كما لو أنك تنظر إلى منزل دمية؛ ~~خزانة أدراج، وكراسي غرفة نوم، وورق حائط باهت اللون، وسرير غير ~~مرتب، ومبولة أسفل السرير، كل ذلك كان تماما كما تركه أصحابه، ~~باستثناء الجدار الوحيد الذي تحطم. أما الغرف في الطابق الأسفل، ~~فقد نالها الانفجار، حيث كان ثمة فوضى من الأشياء ms223 المحطمة ~~المروعة من طوب وجص وأرجل كراسي وبعض من أجزاء منضدة زينة ~~ملمعة وخرق من غطاء مائدة وأكوام من الأطباق المحطمة وقطع مكسورة ~~من حوض غسل الأطباق. وكان برطمان من المربى متدحرجا على الأرض، ~~تاركا خلفه خطا طويلا من المربى، وكان بمحاذاته شريط من ~~الدماء. ولكن وسط الآنية الفخارية المحطمة، كانت ثمة ساق ملقاة؛ ~~فقط ساق، ولا تزال بأحد زوجي البنطال وأحد زوجي الحذاء الأسود ~~ذي الكعب المطاطي ماركة وود ميلين اللتين كانتا يرتديهما صاحبها. ~~هذا ما كان يصيح عليه الناس. # نظرت جيدا إليها وفهمت الأمر. وكانت الدماء قد بدأت تختلط مع ~~المربى. وعندما وصلت عربة الإطفاء، انصرفت وذهبت إلى فندق جورج ~~كي أجمع أغراضي. # كانت هذه نهايتي مع لوير بينفيلد، على ما اعتقدت؛ فأنا ذاهب ~~للمنزل. ولكني في الواقع، لم أزل الغبار من على حذائي وأترك ~~المكان على الفور؛ إذ لا يتسنى للمرء أن يفعل ذلك أبدا، فعندما ~~يحدث شيء كذلك، يقف الناس دائما ويتناقشون حوله لساعات. لم يكن ~~ثمة الكثير من العمل الذي أنجز في لوير بينفيلد في ذلك اليوم؛ ~~فقد كان الجميع مشغولين بشدة بالحديث عن القنبلة، وعن نوعية صوتها، ~~وعما ظنوا عندما سمعوا صوتها. قالت الساقية في فندق جورج إن ما حدث ~~أصابها برعب شديد، وإنها لن تستطيع النوم جيدا في سريرها بعد ~~الآن؛ وماذا كنت تتوقع؟ فقد تبين لنا وجود قنابل لم نعرف عنها ~~شيئا من قبل. وكانت امرأة قد عضت جزءا من لسانها بسبب القفزة ~~التي جعلها الانفجار تقوم بها. تبين أنه بينما كان الجميع في هذا ~~الطرف من البلدة يتصورون أنها كانت غارة جوية ألمانية، فإن ~~الجميع في الطرف الآخر كانوا موقنين أنه كان ثمة انفجار في مصنع ~~الجوارب. بعد ذلك (وقد عرفت الأمر من الصحف) أرسلت وزارة ~~الطيران رجلا لتقصي الأضرار، وأصدروا تقريرا يقولون فيه إن ~~آثار القنبلة كانت «مخيبة للآمال». في الحقيقة، لم تقتل سوى ثلاثة ~~أشخاص: الخضري، وكان اسمه بيروت، وزوجا وزوجة مسنين كانا يعيشان ~~بجوار الخضري. لم يتحطم وجه ms224 المرأة كثيرا، وتمكنوا من التعرف ~~على الرجل من حذائه؛ ولكنهم لم يجدوا قط أثرا لبيروت، ولا حتى ~~زرا من أزرار بنطاله ليصلوا عليه. # بعد الظهيرة، دفعت فاتورتي وخرجت. لم يكن معي أكثر من ثلاثة ~~جنيهات متبقية بعد أن دفعت الفاتورة؛ فهؤلاء المنمقون الذين ~~يعملون في تلك الفنادق الريفية يعلمون كيف يحصلون منك على المال، ~~كما أنني كنت أنفق المال بسخاء على المشروبات والنثريات الأخرى. ~~تركت صنارتي الجديدة وبقية أدوات الصيد في غرفة النوم بالفندق. ~~دعهم يأخذونها فلا منفعة منها، ولم أضع فيها سوى جنيه واحد كي ~~أعلم نفسي درسا، وقد تعلمت الدرس جيدا؛ فالرجال البدناء ~~البالغون من العمر خمسة وأربعين عاما لا يمكنهم الذهاب للصيد، ~~ولن يحدث ذلك الأمر مجددا، فلم يكن سوى حلم، ولن أذهب للصيد مرة ~~أخرى في هذه الحياة. # من الطريف كيف تتغلغل الأشياء فيك بالتدريج. ماذا شعرت بالتحديد ~~عندما انفجرت القنبلة؟ في اللحظة نفسها، بالطبع، أفزعتني بشدة؛ ~~وعندما رأيت المنزل المحطم وساق الرجل العجوز، شعرت بهذه الهزة ~~الخفيفة التي تشعر بها عندما تشاهد حادث طريق. إنه لأمر كريه ~~بالفعل. كريه بما يكفي ليجعلني أسأم من هذه الإجازة المزعومة؛ ~~ولكنه لم يكن له تأثير كبير في الواقع. # ولكن بينما كنت أقود سيارتي على حدود لوير بينفيلد واتجهت ~~شرقا، تذكرت كل شيء. تعلم كيف يكون الأمر عندما تكون في سيارة ~~وحدك؛ هناك شيء، إما في الأسيجة التي تمر عليها سريعا أو في ~~خفقان المحرك، يجعل أفكارك تأخذ إيقاعا معينا. ينتابك الشعور ~~نفسه في بعض الأحيان عندما تكون في القطار. إنه شعور بالقدرة على ~~رؤية الأشياء من منظور أفضل من المعتاد؛ إذ أصبحت متأكدا من ~~جميع الأشياء التي كنت أشك فيها. في البداية، أتيت إلى لوير ~~بينفيلد وفي رأسي تساؤل: ما الذي ينتظرنا؟ هل أعلن القرار ~~بالفعل؟ هل بإمكاننا العودة إلى الحياة التي اعتدنا أن نعيشها، ~~أم أنها انتهت للأبد؟ حسنا، حصلت على إجابتي. الحياة القديمة قد ~~انتهت، وبالرجوع إلى لوير بينفيلد، لا يمكنك إرجاع يونان إلى بطن ~~الحوت. ms225 لقد تيقنت من ذلك، على الرغم من أنني لا أتوقع أن تجاريني ~~في أفكاري. وكان من الغريب أني أتيت إلى هنا. كل تلك السنوات ولوير ~~بينفيلد مختفية في مكان ما في ذهني، كركن هادئ يمكنني الرجوع ~~إليه عندما أشعر بأنني أريد ذلك، وأخيرا رجعت إليه ووجدت أنه لم ~~يكن موجودا؛ فقد دمرت بقنبلة أحلامي، وكي لا يكون ثمة خطأ في ~~الإصابة تبعتها القوات الجوية الملكية بخمسمائة رطل من مادة التي ~~إن تي. # الحرب آتية. قالوا إنها في 1941. وسيكون ثمة الكثير من الآنية ~~الفخارية المتكسرة، والبيوت الصغيرة المتفسخة كصناديق الشحن، ~~وستلتصق أحشاء موظف الحسابات المعتمد بالبيانو الذي اشتراه على ~~أقساط لا نهاية لها. ولكن ما أهمية ذلك على كل حال؟ سأخبرك بما ~~علمته لي إقامتي في لوير بينفيلد، وهو ما يلي: «كل ذلك سيحدث». ~~كل ما وضعته في مكان ما في ذهنك من الأشياء التي ترعبك، والأشياء ~~التي تقول لنفسك إنها مجرد كوابيس أو إنها لا تحدث إلا في البلاد ~~الأخرى. القنابل، والطوابير على الطعام، والهراوات المطاطية، ~~والأسلاك الشائكة، والقمصان الملونة، والشعارات، والوجوه الضخمة، ~~والمدافع الآلية التي تنثر رصاصها من نوافذ غرف النوم. كل ذلك ~~سيحدث، أعلم ذلك، على أي حال كنت أعلم في ذلك الحين. لا مفر من ~~هذا. فلتناهضها إن أردت، أو لتصرف نظرك وتتظاهر أنك لا تلاحظها، ~~أو لتجلب مفكك وتندفع لتحطيم بعض الوجوه مع الآخرين. ولكن لا ~~مفر، فهو شيء محتم. # ضغطت على دواسة الوقود، وتأرجحت السيارة القديمة صعودا وهبوطا ~~على التلال الصغيرة، ومرت على الأبقار وأشجار الدردار وحقول القمح ~~حتى كاد يحترق المحرك من الحرارة. شعرت أنني في المزاج نفسه الذي ~~كنت فيه في ذلك اليوم من شهر يناير، عندما مررت بشارع إستراند، ذلك ~~اليوم الذي حصلت فيه على طقم أسناني الجديد؛ إذ كنت كما لو أن قوة ~~النبوءة قد منحت لي، وبدا لي أنه بإمكاني رؤية إنجلترا كلها، ~~وكل الناس فيها، وكل الأشياء التي ستحدث لهم جميعا. أحيانا، ~~بالطبع، حتى في ذلك الحين، كنت أشك ms226 في أمر أو أمرين. العالم حقا ~~كبير للغاية، وهو ما تلاحظه عندما تقود سيارتك، ونوعا ما ~~يطمئنك ذلك. فكر في الأراضي الضخمة التي تمر عليها عندما ~~تعبر ركنا من أركان إحدى المقاطعات الإنجليزية. الأمر يشبه ~~سيبيريا. وفكر في الحقول وأيكات الزان ومنازل المزارعين ~~والكنائس، والقرى بمتاجر البقالة الصغيرة وقاعة الأبريشية والبط ~~الذي يتمشى عبر العشب. بالطبع، كل ذلك أكبر من أن يتغير، أليس ~~كذلك؟ ويبدو أنه سيظل كما هو بشكل أو بآخر. في ذلك الوقت، كنت قد ~~وصلت إلى ضواحي لندن، وأخذت طريق أوكسبريدج إلى ساوثهول؛ حيث أميال ~~وأميال من المنازل القبيحة، بأشخاص يعيشون حياة راقية مملة داخلها. ~~بعد ذلك، تمتد لندن بلا توقف؛ حيث الشوارع، والميادين، والأزقة ~~الخلفية، والمباني المشتملة على عدة شقق، ومجموعات الشقق السكنية، ~~والحانات، ومتاجر السمك المقلي، ودور السينما؛ يستمر ذلك مسافة ~~عشرين ميلا، وجميع الثمانية الملايين نسمة بحياتهم الخاصة ~~الصغيرة التي لا يرغبون في تغييرها. يبدو أنه لا توجد قنابل ~~كافية للقضاء على ذلك بالكامل. والفوضى الناتجة عنها! وخصوصية حياة ~~جميع هؤلاء! يقطع جون سميث قسائم كرة القدم، ويتبادل بيل ويليامز ~~القصص في متجر الحلاق، وتعود السيدة جونز إلى المنزل ومعها جعة ~~العشاء. ثمانية ملايين شخص! بالطبع سيتدبرون حالهم بطريقة ما، ~~سواء قذفت القنابل أو لم تقذف، كي يستمروا في الحياة التي ~~اعتادوا عليها، أليس كذلك؟ # وهم! هراء! لا يهم عددهم؛ فكلهم في قارب واحد. الأيام الصعبة ~~قادمة، والجيوش قادمة كذلك. لا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ولست ~~مهتما أن أعرف. كل ما أعرفه هو أنه إذا كان ثمة شيء تهتم ~~لأمره، فمن الأفضل أن تودعه الآن؛ لأن كل شيء تعرفه سيتهاوى ~~وسيسقط في الوحل، مع المدافع الآلية التي تصلصل طوال ~~الوقت. # ولكن عندما رجعت إلى الضاحية، تغير مزاجي فجأة. # خطر ببالي فجأة - ولم يكن قد خطر ببالي حتى تلك اللحظة - أن ~~هيلدا قد تكون مريضة بالفعل رغم كل شيء. # ذلك تأثير البيئة التي نعيش فيها. في لوير بينفيلد، كنت متأكدا ~~تماما أنها لم تكن ms227 مريضة، وأن الأمر لم يكن سوى خدعة كي أرجع ~~إلى المنزل. بدا الأمر طبيعيا في ذلك الوقت، ولا أعلم لماذا. ~~ولكن عندما وصلت إلى غرب بلتشلي وأغلقت علي عقارات هيسبيريدز ~~فيما يشبه سجنا من الطوب الأحمر، وهو كذلك بالفعل، رجعت لي ~~عادات التفكير المعتادة. شعرت بهذا الإحساس الذي أشعر به في صباح ~~يوم الإثنين عندما يبدو كل شيء كئيبا ومعقولا. رأيت كم كان ~~سخيفا ما ضيعت فيه الأيام الخمس الماضية؛ حيث ذهبت هاربا إلى ~~لوير بينفيلد في محاولة لاستعادة الماضي، ثم، في السيارة أثناء ~~رجوعي إلى المنزل، فكرت كثيرا في نبوءتي التي لا معنى لها عن ~~المستقبل. المستقبل! ما شأن المستقبل برجل مثلي ومثلك؟ أن نحافظ ~~على وظائفنا، ذلك هو مستقبلنا. أما بالنسبة لهيلدا، فحتى عندما ~~تسقط القنابل، فستظل تفكر في سعر الزبد. # وفجأة، أدركت حماقتي حين فكرت أنها فعلت شيئا كذلك؛ فبالطبع ~~نداء الاستغاثة لم يكن مزيفا! فشيء كهذا بعيد عن مخيلتها! لقد ~~كانت الحقيقة القبيحة والباردة. لم تكن تخدعني على الإطلاق، بل ~~كانت مريضة فعلا. يا إلهي! وقد تكون في تلك اللحظة مستلقية في ~~مكان ما وتعاني من ألم مبرح، أو قد تكون قد ماتت. تسببت لي ~~هذه الفكرة في أكثر الآلام رعبا، إذ شعرت بنوع من الإحساس البارد ~~المميت في داخلي. نزلت إلى شارع إلزمير بسرعة ما يقرب من أربعين ~~ميلا في الساعة، وبدلا من أن آخذ السيارة إلى موقف السيارات ~~الآمن كالمعتاد، توقفت خارج المنزل وأسرعت بالدخول. # لعلك تقول إنني إذن مغرم بهيلدا رغم كل شيء! لا أعلم تحديدا ~~ما تعنيه بالغرام. هل أنت مغرم بوجهك؟ ربما لا، ولكنك لا ~~يمكنك تخيل نفسك من دونه، فهو جزء منك. حسنا، هذا ما شعرت ~~به تجاه هيلدا. عندما تسير الأمور على ما يرام، لا يمكنني ~~تحمل رؤيتها؛ ولكن فكرة أنها قد تكون ميتة أو حتى تتألم ~~جعلتني أرتجف. # فتحت الباب بالمفتاح بعصبية، وشممت الرائحة المألوفة لمعاطف ~~المطر القديمة. # ناديت: «هيلدا. هيلدا!» # ولكن لم يجب أحد. لبعض الوقت أخذت ms228 أصيح: «هيلدا! هيلدا!» وسط ~~صمت تام، وشعرت ببعض العرق البارد على عمودي الفقري. ربما نقلوها ~~إلى المستشفى، وربما ثمة جثة مستلقية بالأعلى في المنزل ~~الخاوي. # اندفعت إلى الدرج، ولكن في اللحظة نفسها رأيت الطفلين في ~~ملابس النوم يخرجان من غرفتيهما من كلا جانبي بسطة الدرج. كانت ~~الساعة الثامنة أو التاسعة، على ما أظن، على أي حال كان الضوء في ~~بداية خفوته. تعلقت لورنا بالدرابزين، وصاحت: ~~«أوه، أبي! أوه، إنه أبي! لم رجعت اليوم؟ قالت أمي إنك لن ~~تأتي قبل يوم الجمعة.» # قلت لها: «أين أمكما؟» ~~«أمي بالخارج. لقد خرجت مع السيدة ويلر. لماذا رجعت اليوم يا ~~أبي؟» ~~«إذن لم تكن أمكما مريضة، أليس كذلك؟» ~~«بلى. من قال إنها كانت مريضة يا أبي؟ هل كنت في ~~برمنجهام؟» ~~«نعم. ارجعا إلى سريريكما الآن. ستصابان بالبرد.» ~~«ولكن أين هدايانا يا أبي؟» ~~«أي هدايا؟» ~~«الهدايا التي جلبتها من برمنجهام.» # قلت: «ستريانها في الصباح.» ~~«أوه، أبي! ألا يمكننا رؤيتها الليلة؟» ~~«لا. اذهبا إلى سريريكما وإلا فسأضربكما.» # إذن، لم تكن مريضة، وكانت تخدعني. لم أعرف حقيقة هل أفرح أم ~~أحزن. رجعت إلى الباب الأمامي، الذي كنت قد تركته مفتوحا، وهناك، ~~ويا للمفاجأة، كانت هيلدا آتية عبر ممشى الحديقة. # نظرت إليها وهي آتية نحوي في آخر ضوء في المساء. كان من الغريب ~~حين تذكرت أنني قبل ما يقل عن ثلاث دقائق كنت مرعوبا، وكان العرق ~~البارد يتصبب على عمودي الفقري بالفعل حين كنت أعتقد أنها ربما قد ~~ماتت. حسنا، إنها لم تمت، بل كانت كعادتها. هيلدا العجوز بكتفيها ~~النحيفتين ووجهها القلق، وفاتورة الغاز ومصاريف المدرسة، ورائحة ~~معطف المطر والمكتب في يوم الإثنين، كل الحقائق الراسخة التي ترجع ~~لها دون تغيير، الحقائق الأبدية كما يطلق عليها العجوز بورتيوس. ~~لاحظت أن هيلدا لم تكن في مزاج جيد؛ وقد رشقتني بنظرة خاطفة ~~سريعة، كما تفعل أحيانا عندما يدور شيء ما في ذهنها، كانت نظرة ~~تشبه تلك النظرة التي قد ينظر إليك بها حيوان نحيف وصغير كابن ~~عرس أو نحوه. مع ms229 ذلك، لم تبد أنها فوجئت برجوعي. # وقالت: «أوه، أوقد عدت؟» # بدا من الجلي أنني قد عدت، لذا، لم أجب. لم تتحرك ~~لتقبيلي. # واستأنفت حديثها على الفور قائلة: «لا يوجد شيء لتأكله.» تلك ~~هي هيلدا؛ فدائما ما تنجح في أن تقول شيئا محبطا في اللحظة ~~التي تطأ فيها قدماك المنزل. وأردفت: «لم أكن أتوقع مجيئك، ~~فليس أمامك سوى الخبز والجبن، ولكني لا أعتقد أن لدينا أي ~~جبن.» # تبعتها إلى الداخل، حيث رائحة معاطف المطر. ودخلنا إلى غرفة ~~الجلوس، ثم أغلقت الباب وأنرت الأنوار. كنت أنوي التحدث ~~أولا؛ لأنني كنت أعلم أن الأمور ستكون أفضل إذا اتخذت موقفا ~~حازما من البداية. # قلت: «حسنا، ما الذي عنيته بلعب تلك اللعبة السخيفة ~~علي؟» # كانت قد وضعت لتلوها حقيبتها أعلى الراديو، وبدت متفاجئة ~~حقا لوهلة. # ثم قالت: «أي لعبة؟ ماذا تعني؟» ~~«أن ترسلي لي نداء الاستغاثة ذلك!» ~~«أي نداء استغاثة؟ ما الذي تتحدث عنه يا جورج؟» ~~«أتحاولين أن تقولي لي إنك لم ترسلي نداء استغاثة تقولين فيه ~~إنك كنت مريضة جدا؟» ~~«بالطبع، لا! كيف يمكنني أن أفعل ذلك؟ لم أكن مريضة. لم أفعل ~~شيئا كذلك؟» # شرعت في شرح الأمر لها، ولكن قبل أن أبدأ مباشرة فهمت ما ~~حدث؛ فقد كان الأمر برمته خطأ، حيث سمعت آخر بضع كلمات من نداء ~~الاستغاثة، ومن الواضح أنها كانت هيلدا بولينج أخرى. أعتقد أنك ~~ستجد سجلا كاملا ممن اسمهن هيلدا بولينج إذا بحثت في الدليل؛ ~~فما كان الأمر سوى خطأ من تلك الأخطاء الغبية التي طالما تحدث. لم ~~يبد على هيلدا أي من التخيل الذي ظننت أنها قادرة عليه. كان ~~الاهتمام الأوحد في الأمر كله في الدقائق الخمس أو نحو ذلك التي ~~ظننت فيها أنها قد ماتت، حيث وجدت أنني أهتم بها رغم كل شيء، ~~ولكن ذلك قد ولى وانتهينا منه. وأثناء شرحي لما حدث، كانت ~~تشاهدني؛ ولاحظت في عينيها أن ثمة مشكلة ما في انتظاري. ثم ~~بدأت تسألني بما أسميه صوت انتزاع الاعتراف، والذي لم يكن - كما ~~قد ms230 تتوقع - غاضبا ومتذمرا، بل هو صوت هادئ ويقظ. # قالت: «إذن، لقد سمعت نداء الاستغاثة هذا في الفندق ببرمنجهام، ~~أليس كذلك؟» ~~«نعم، ليلة أمس، على الإذاعة الوطنية.» ~~«ومتى تركت برمنجهام إذن؟» ~~«هذا الصباح، بالطبع.» (حسبت الرحلة في ذهني، تحسبا إن احتجت ~~أن أكذب كي أخرج نفسي من المشكلة. خرجت في العاشرة، وتناولت ~~الغداء في كوفنتري، والشاي في بيدفورد، خططت لكل شيء.) ~~«إذن، كنت تعتقد ليلة أمس أنني مريضة جدا، ولم ترحل إلا في ~~الصباح؟» ~~«ولكني أقول لك إنني لم أكن أعتقد أنك مريضة، ألم أشرح لك؟ لقد ~~اعتقدت أنها إحدى خدعك، فقد بدا الأمر على الأرجح أقرب إلى ~~ذلك.» # قالت بكثير من المرارة في صوتها، ما جعلني أعلم أن المزيد قادم: ~~«إذن، من المفاجئ أنك غادرت من الأساس!» ولكنها استأنفت حديثها ~~بصوت أهدأ، قائلة: «إذن، غادرت هذا الصباح، أليس كذلك؟» ~~«بلى، غادرت في نحو الساعة العاشرة. وتناولت الغداء في كوفنتري ~~...» # صرخت في فجأة: «إذن، كيف تفسر هذا؟» وفي اللحظة نفسها فتحت ~~حقيبتها بعنف، وأخرجت قطعة من الورق، وأمسكت بها كما لو كانت شيكا ~~مزورا أو ما شابه. # شعرت وكأن أحدا قد لكمني في معدتي. كان يجب أن أتخيل ذلك! لقد ~~اكتشفت أمري في نهاية المطاف؛ وكان معها الدليل، مستند القضية. لم ~~أكن أعلم حتى ما هو، باستثناء أنه كان شيئا يثبت أنني كنت في ~~إجازة مع امرأة. فقدت رباطة جأشي بالكامل؛ فقد كنت منذ لحظة ~~أتنمر عليها بعض الشيء، وأتظاهر بالغضب لأنها جعلتني أهرع من ~~برمنجهام دون سبب، ولكنها الآن قلبت الدفة ضدي. لست بحاجة إلى ~~أن تخبرني بالشكل الذي بدوت عليه في تلك اللحظة؛ فأنا أعلم، وكان ~~الذنب مكتوبا بخط عريض على كامل جسدي. ولكنني لم أكن مذنبا! غير ~~أنها أصبحت عادة؛ فقد اعتدت أن أكون المخطئ. ولو أعطيتني مائة ~~جنيه، لم يكن بإمكاني التخلص من نبرة الذنب في صوتي، ~~فأجبتها: ~~«ماذا تعنين؟ ما هذا الشيء الذي لديك هنا؟» ~~«اقرأه وستعلم ما هو.» # أخذته، وقد كان خطابا مما بدا أنه ms231 شركة للمحاماة، وكان عليه ~~العنوان نفسه لشارع فندق روبوتوم، كما لاحظت. # قرأته: «سيدتي العزيزة، ردا على خطابك بتاريخ الثامن عشر من ~~الشهر الجاري، نعتقد أنه لا بد أن ثمة خطأ في الأمر. إن فندق ~~روبوتوم أغلق منذ عامين، وقد تحول إلى مبنى لمكاتب الأعمال. ~~ولم نر أحدا بأوصاف زوجك هنا. ربما ...» # لم أقرأ المزيد، وبالطبع رأيت على الفور ما حدث أمامي؛ فقد ~~تذاكيت أكثر من اللازم وورطت نفسي. ولم يكن أمامي سوى شعاع أمل ~~خافت، وهو أن يكون الشاب ساوندرز قد نسي أن يرسل الخطاب الذي ~~زعمت أنني أرسلته من روبوتوم؛ ففي تلك الحالة يمكنني أن أنكر ~~مزعمها. ولكن هيلدا سرعان ما كشفت عن الحقيقة. # قالت: «حسنا يا جورج، أرأيت ماذا يقول الخطاب؟ في اليوم الذي ~~غادرت من هنا، كتبت إلى فندق روبوتوم، فقط لأسالهم عما إذا كنت ~~قد وصلت، وها قد رأيت الإجابة التي وصلتني! فلم يكن ثمة مكان ~~يدعى فندق روبوتوم حتى. وفي اليوم نفسه، وفي البريد نفسه، تلقيت ~~خطابك الذي تقول فيه إنك كنت في الفندق. أعتقد أنك جعلت أحدا ~~يرسله لك. أهذا كان عملك الذي في برمنجهام؟!» ~~«ولكن اسمعي يا هيلدا! لقد أسأت فهم الأمر؛ فهو ليس كما ~~تعتقدين. أنت لا تفهمين.» ~~«لا يا جورج، أنا أفهم. وأفهم جيدا.» ~~«ولكن اسمعي يا هيلدا ...» # لم يكن ثمة فائدة في الأمر بالطبع؛ فقد كانت في ذلك الموقف ~~كالشرطي العادل، ولم أكن حتى أستطيع أن أنظر في عينيها. استدرت ~~وحاولت التوجه إلى الباب. # وقلت: «يجب أن أضع السيارة في موقف السيارات.» ~~«أوه، لا يا جورج! لن تهرب بهذه البساطة. ستظل هنا وتستمع لما ~~سأقوله إذا سمحت.» ~~«ولكن اللعنة! يجب أن أضيء الأنوار، أليس كذلك؟ لقد تجاوزنا ~~الوقت الذي يجب فيه إضاءة أنوار السيارة. أتريدينا أن نحصل على ~~غرامة؟!» # عندئذ تركتني أذهب، وخرجت وأضأت أنوار السيارة؛ ولكن عندما ~~رجعت، كانت لا تزال واقفة هناك كرمز للهلاك ومعها الخطابان، خطابي ~~وخطاب المحامي، أمامها على الطاولة. تمالكت نفسي بعض الشيء، ~~وحاولت مرة ms232 أخرى، قائلا: ~~«اسمعي يا هيلدا، إنك لم تفهمي الموقف جيدا؛ ويمكنني أن أشرح ~~لك الأمر كله.» ~~«أنا متأكدة أنك تستطيع أن تشرح وتبرر أي شيء يا جورج. ولكن ~~السؤال هو: هل سأصدقك؟» ~~«ولكنك تسرعت في الحكم! ما الذي جعلك تكتبين للفندق على كل ~~حال؟» ~~«لقد كانت فكرة السيدة ويلر. وكانت فكرة جيدة للغاية أيضا، كما ~~اتضح بعد ذلك.» ~~«أوه، السيدة ويلر، هل كانت هي صاحبة الفكرة؟ إذن أنت لا ~~تمانعين في إطلاع تلك المرأة اللعينة على شئوننا ~~الخاصة؟» ~~«لم تحتج إلى من يطلعها على شيء؛ فهي من حذرتني مما تنوي فعله ~~هذا الأسبوع. قالت إنه بدا أن شيئا أوحى لها بذلك. وقد كانت ~~محقة، كما ترى. إنها تعلم كل شيء عنك يا جورج؛ فقد كان لها زوج ~~مثلك تماما.» ~~«ولكن يا هيلدا ...» # نظرت إليها، وكان وجهها قد شحب لونه بعض الشيء؛ فقد كانت هكذا ~~تبدو عندما تظن أنني كنت مع امرأة أخرى. امرأة أخرى! يا ليت ذلك ~~كان صحيحا! # يا إلهي! ما الذي كان ينتظرني؟! تعلم ما سيبدو عليه الأمر. ~~أسابيع من التذمر المروع والعبوس المستمر، والملاحظات الخبيثة التي ~~تأتيك بعدما تظن أن الهدوء قد عاد؛ وتتأخر الوجبات دائما، ويريد ~~الطفلان أن يعرفا سبب كل ما يحدث. ولكن أكثر ما أحبطني كان ~~البؤس العقلي، تلك الأجواء الجنونية التي جعلت السبب الحقيقي ~~لذهابي إلى لوير بينفيلد لم يكن حتى مقنعا. كان ذلك ما خطر ببالي ~~في الأساس في تلك اللحظة، فلو قضيت أسابيع أشرح فيها لهيلدا سبب ~~ذهابي إلى لوير بينفيلد، فلن تفهم أبدا. ومن بإمكانه أن يفهم ~~ممن يعيشون هنا في شارع إلزمير؟ يا إلهي! هل أنا نفسي أفهم ~~السبب؟ بدا كل شيء يتبخر من ذهني. لماذا ذهبت إلى لوير بينفيلد؟ ~~وهل ذهبت إلى هناك بالفعل؟ بدا الأمر في تلك الأجواء بلا معنى؛ ~~فلم يكن شيئا حقيقيا في شارع إلزمير سوى فواتير الغاز، ومصاريف ~~المدرسة، والكرنب المسلوق، والعمل يوم الإثنين. # في محاولة أخيرة، قلت لهيلدا: ~~«ولكن اسمعي يا هيلدا! أعلم ms233 ما تظنين، ولكنك مخطئة تماما. أقسم ~~لك إنك مخطئة.» ~~«أوه، لا يا جورج! إن كنت مخطئة، فلماذا كان عليك إخباري بكل ~~تلك الأكاذيب؟» # لا مفر من ذلك، بالطبع. # سرت خطوة أو خطوتين جيئة وذهابا. كانت رائحة معاطف المطر ~~القديمة قوية للغاية. لم أهرب هكذا؟ ولم أهتم بالمستقبل ~~والماضي، وأنا أرى أن المستقبل والماضي لا يهمان؟ أيا كانت ~~دوافعي، فأنا بالكاد أتذكرها الآن. الحياة القديمة في لوير ~~بينفيلد، والحرب وما بعد الحرب، وهتلر، وستالين، والقنابل، ~~والمدافع الآلية، والطوابير على الطعام، والهراوات المطاطية، كل ~~ذلك كان يتلاشى. ولم يتبق شيء سوى شجار وضيع وسوقي في ظل رائحة ~~معاطف المطر القديمة. # وفي محاولة أخيرة، قلت: ~~«هيلدا! فقط استمعي لي دقيقة. اسمعي، إنك لا تعلمين أين كنت ~~طوال هذا الأسبوع، أليس كذلك؟» ~~«لا أريد أن أعلم أين كنت؛ فأنا أعلم ماذا كنت تفعل، وهذا ~~يكفيني.» ~~«لكن اللعنة ...» # لا فائدة، بالطبع؛ فقد قررت أنني مذنب، والآن ستخبرني بما ~~تظنه في، وقد يستغرق ذلك ساعتين. وبعد ذلك ستلوح مشكلة أخرى ~~في الأفق، لأنها عما قريب ستتساءل عن مصدر النقود التي أنفقتها في ~~الرحلة، ثم ستكتشف أنني كنت أخبئ عنها أمر الجنيهات السبعة عشر. ~~بالطبع لا يوجد ما يمنع أن يستمر هذا الشجار حتى الثالثة فجرا، ~~ولا فائدة من لعب دور البريء الضحية. كل ما كنت أريده هو أقل قدر ~~من المقاومة. وراجعت في ذهني الاحتمالات الثلاثة، والتي كانت: # أولا: # أن أخبرها بما كنت أفعله بالفعل، وأجعلها ~~تصدقني بطريقة أو بأخرى. # ثانيا: # أن ألجأ للحجة القديمة المتمثلة في عدم القدرة ~~على التذكر. # ثالثا: # أن أتركها تظن أنني كنت مع امرأة أخرى، وأتقبل ~~الموقف دون أن أعترض. # ولكن اللعنة! كنت أعرف أيها سأختار. ms234