######OpenITI# #META# URI: 1450YasminCarabi.Ivanhoe.Hindawi93029537 #META# Tags: novels #META# ID: 93029537 #META# Title: إيفانهو #META# AuthorID: 90516208 #META# Author: والتر سكوت #META# EditorID: 51613802 #META# Editor: محمد حامد درويش #META# TranslatorID: 62958680 #META# Translator: ياسمين العربي #META# Related_books: 1248WalterScott.Ivanhoe (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # شخوص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # مقدمة‏ # شخوص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # | إيفانهو # | إيفانهو # تأليف # والتر سكوت # ترجمة # ياسمين العربي # مراجعة # محمد حامد درويش # نسخة مختصرة ومنقحة مع مقدمة بقلم # فاني جونسون # مديرة مدرسة بولتون الثانوية سابقا. # قلعة كوننجزبيرج. # | مقدمة # كانت رواية إيفانهو (الصادرة عام 1820) إحدى روايات «وافيرلي» ~~الأخيرة. كان مؤلفها السير والتر سكوت، الذي ولد في مدينة إدنبرة ~~عام 1771 ودرس ليصبح محاميا، قد كرس بمرور الوقت الجزء الأكبر من ~~حياته للأدب، وكان أول نجاح كبير له في النثر هو رواية باسم «وافيرلي»، ~~أو «ستون عاما مضت» (أي ستون عاما منذ عام 1805، حيث كتبت بالفعل ms001 ~~أول بضعة فصول من الكتاب). كان من المفترض أن تقع أحداث القصة في ~~أثناء تمرد عام 1745، ومن بين جميع الكتب الثلاثين التي تلت وافيرلي ~~فإن وحدا وعشرين كتابا منها تستند إلى وقائع تاريخية. كثيرا ما ~~يقال إن سكوت «ابتكر الرواية التاريخية»، وربما أفضل الطرق لفهم ~~المقصود من هذا هو: أولا النظر في بعض الأسباب التي قادت إلى هذا ~~النوع من الكتابة بالتحديد، وثانيا دراسة رواية إيفانهو نفسها، وفهم ~~العناصر التي تتألف منها. ~~(1) # إن في الأدب صيحات كما في الملبس، والمعمار، والأطعمة، ~~وغيرها؛ إذ يمل الناس من قراءة نوع واحد من الحكايات أو ~~القصائد، أو الاستماع لنوع واحد منها، وكذلك يمل ~~الكتاب أنفسهم من تقليد بعضهم بعضا، ويستحضرون في ~~أذهانهم بعض الأمور الجديدة ليحكوا عنها. كتب قدامى ~~الروائيين الإنجليز، أمثال فيلدنج وريتشاردسون، قصصا عن ~~أشخاص عاشوا في زمانهم، وجعلوا حياتهم أقرب ما يمكن إلى ~~«الحياة الواقعية»، ولكن بعد ذلك بوقت ليس بالطويل نمت ~~ذائقة للقصص الأكثر إثارة (الحالمة)، التي تحوي أحداثا ~~غير طبيعية أو غير معتادة أو حتى غير ممكنة الحدوث. وفي ~~الوقت نفسه ظهر عدة مؤرخين، أمثال هيوم (تاريخ إنجلترا، ~~1754-1762)، وروبرتسون (تاريخ ~~اسكتلندا، 1759، إلخ)، ~~وجيبون (تاريخ ضعف وسقوط الإمبراطورية الرومانية، ~~1776-1788)، وتيرنر (تاريخ الأنجلوساكسونيين، 1799-1805)، ~~الذين تمكنوا بأساليبهم وطرقهم الممتازة من إثارة ~~اهتمام واسع بالتاريخ وزيادة المعرفة العامة به. كما أدت ~~ظروف أخرى إلى استرعاء الانتباه، ليس فقط إلى الأحداث ~~التاريخية كالمعارك والمجالس النيابية وحياة الملوك، ولكن ~~أيضا لكل ما فات من الحياة السابقة للأمم؛ ملابسهم، ~~ودروعهم، ومنازلهم، وأثاثهم. باختصار، نشأ اهتمام بكل شيء ~~يشمله مصطلح علم الآثار القديمة، أو ما كان يسمى ~~قديما بالعصور القديمة. # وعلى نحو مماثل انصب اهتمام كبير على القصائد ~~القصصية الإنجليزية والاسكتلندية القديمة، التي تروي قصصا ~~من التاريخ الأسطوري بأبطاله من أمثال: روبين هود، ووالاس، ~~وريتشارد قلب الأسد. كان سكوت نفسه جامعا كبيرا للقصائد ~~القصصية، وكذلك لقصص العصور القديمة، ومن بين كتاباته ~~الأولى كانت المقدمات والحواشي التي ساهمت في تأليف ~~الأشعار الشعبية للحدود الاسكتلندية ms002 (1802)، التي تتكون من ~~كتابين من القصائد من النوع الذي كان يغنيه قديما ~~الشعراء أو المغنون المتجولون. كان أبواه وجداه قد ~~شهدوا وقائع مشوقة (حالمة) من التاريخ الفعلي، كثورتي ~~1715 و1745، حيث سعى كل من المطالب بالعرش جيمس بن جيمس ~~الثاني و«الأمير تشارلي» على التوالي لإنجاح مزاعمهما ~~باستحقاق التاج الإنجليزي. وكان لدى أمه الكثير من ~~الحكايات والأساطير حول هذه الأحداث، وكذلك حول المعارك ~~والمغامرات الجامحة بين الاسكتلنديين على الحدود وفي ~~المرتفعات في سابق عصرهم. كما كان له اطلاع واسع باللغات ~~الأخرى إلى جانب لغته الأم، ولا سيما الألمانية ~~والإيطالية، اللتان لهما شأن في التاريخ العريق والحكايات ~~الخيالية. وهكذا عاشت أفكاره في الحاضر إلى حد كبير كما ~~في الماضي، وبالسير في شوارع إدنبرة، كان يرى بعيني خياله ~~الشخصيات التاريخية العظيمة؛ الملكة ماري، أو دندي، أو ~~مونتروز، حسبما تقتضي الحال، وذلك عندما تقع عيناه على أحد ~~آثار العصور القديمة كبعض النقوش الحجرية القديمة، أو زقاق ~~ضيق قديم. كتب كذلك قصصا شعرية، مثل أنشودة الشادي الأخير ~~(1805)، وامرأة البحيرة، ومارميون، حيث مزج بين شخصيات ~~حقيقية وخيالية؛ وهكذا نال شهرته بوصفه شاعرا. صدرت ~~رواية وافيرلي (1814) باسم مجهول، وكان نجاحها فوريا ~~ودائما لدرجة جعلت مؤلفها يقضي بعدها الجزء الأكبر من ~~حياته في كتابة روايات مماثلة. # أشهر تلك الروايات هي الوفيات القديمة (1816)، وبوب روي، ~~وقلب ميدلوثيان (1818)، وكانت كلها تدور في بعض فترات ~~التاريخ الاسكتلندي، وكينيلورث (1821) التي لعبت فيها ~~الملكة إليزابيث أحد الأدوار الرئيسة، وحظوظ نايجل (1822) ~~التي وقعت أحداثها في عهد جيمس الأول، وكوينتن دوروارد ~~(1823)، وهي قصة عن رامي سهام اسكتلندي كان في خدمة لويس ~~الحادي عشر ملك فرنسا. وتعد رواية إيفانهو نفسها أولى ~~«روايات وافيرلي» التي تتناول التاريخ الإنجليزي، وليس ~~التاريخ الاسكتلندي. ~~(2) # لا تستند رواية «إيفانهو» إلى أي أحداث تاريخية كما في ~~رواية الطلسم، على سبيل المثال، التي تستند إلى الحملة ~~الصليبية الثالثة، وإنما تحاكي في فصولها الكتب ~~التاريخية القديمة، التي كانت تحمل عناوين مثل «أحوال ~~العباد» أو «العادات والتقاليد»، حتى إن الكاتب نفسه أطلق ~~عليها اسم «حكاية ms003 فروسية»، و«الاختلاف بين النورمانديين ~~والساكسونيين»، وهو الموضوع الرئيس - من الناحية التاريخية ~~- للقصة؛ ما يشير إلى حالة الأمور التي كانت في فترة ~~تاريخية غير محددة، وليس إلى أحداث عام معين. ومع ذلك ~~فتاريخها محدد بحدث واحد معين، وهو عودة الملك ~~ريتشارد إلى إنجلترا بعد سجنه في عام 1194. لكن ظروف تلك ~~العودة، كما وصفها سكوت، بعيدة كل البعد عما حدث في ~~الواقع. والحقائق التاريخية، حتى ذلك التاريخ، كما هي ~~واردة في الرواية، هي كالآتي: # في عام 1192، تلقى فيليب ملك فرنسا من جون وأرسل له ~~معلومات عن أسر الملك ريتشارد على يد أرشيدوق النمسا، ~~وذلك خلال عودته من الحملة الصليبية. وكان الأمير جون، في ~~غياب الملك ريتشارد، قد أسقط سلطة الوصي على العرش، ~~المكروه من العامة، ويليام لونجشامب أسقف مدينة إيلي، ~~واستولى على القلاع الملكية في تيكهل ونوتينجهام. وهرع ~~إلى فرنسا لدى سماعه بسجن أخيه، حيث عقد اتفاقيات سرية ~~مع الملك فيليب للتعاضد في مواجهة عدوهما المشترك ريتشارد، ~~ثم عندما عاد إلى إنجلترا نشر بالخارج أخبارا عن وفاة ~~ريتشارد، وعندما رفض قضاة المحكمة العليا (مسئولون كانوا ~~يحفظون النظام إلى جانب الوصي على العرش) الاعتراف به ~~ملكا، لجأ إلى حمل السلاح. وقعت مناوشات، وجرت خسارة ~~قلاع والظفر بقلاع أخرى ما بين الطرفين، وأخذت إلينور، ~~الملكة الأم، الصف المعارض لجون، وعملت على جمع فدية ~~ريتشارد المتفق عليها برضا ملحوظ من معظم رعاياه. وفي ~~يوليو 1193، أرسل فيليب الرسالة المذكورة في الفصل الحادي ~~عشر، التي كانت تعني أن شروط إطلاق سراح ريتشارد قد قبلت ~~أخيرا. وعلى إثر ذلك رجع جون إلى فرنسا، وتابع مكائده مع ~~فيليب. أما ريتشارد فقد أطلق سراحه في فبراير 1194، ووصل ~~إنجلترا في مارس من نفس العام، ثم عبر بعد ذلك إلى ~~نورماندي، حيث قابل أخيرا أخاه المتمرد وعفا عنه، ~~قائلا إنه لم يكن سوى «طفل» طائش، وكان جون حينئذ في ~~السادسة والعشرين من عمره. # يا له من تسلسل للأحداث! يوصف مجتمع تلك الفترة بأنه (أ) في حالة ~~اضطراب مدني، (ب) وواقع تحت تأثير ms004 أفكار الفروسية وعاداتها، (ج ) وتابع ~~للثروة، ولكنه يميل إلى اضطهاد اليهود. ~~(أ) # كانت حالة الحرب الأهلية (أي النزاعات المشتملة على ~~القتال وإراقة الدماء بين الفصائل الصغيرة للمجتمع) سمة ~~مميزة بالطبع لجميع الدول الأوروبية في هذا الوقت. وكان ~~الوضع في إنجلترا متفاقما بفعل الغزو النورماندي الحديث ~~العهد نسبيا، وما تبعه من تغييرات في الملكية. وعلى ~~الرغم من أن الساكسونيين لم يجردوا من ملكية أراضيهم ~~(سيدريك وأثيلستان، على سبيل المثال، ممثلان كغير ~~مستهدفين في هذا الصدد)، فقد كانوا مستائين لكونهم ~~حزب الأقلية والهزيمة، وعانوا من احتقار النورمانديين ~~الأكثر رقيا بسبب عاداتهم وثقافتهم الأدنى. كما أن ~~صعوبات التواصل، وحالة الجموح غير المهذب التي سادت في ~~جزء كبير من البلد، أتاحت ظهور قطاع الطرق واللصوص ~~المنظمين. كما أدت قوانين الغابة الصارمة التي أصدرها ~~الملكان وليم الأول والثاني إلى ارتكاب النفوس الجريئة ~~للجرائم؛ ما أدى إلى حالة من الخروج عن القانون. وكان ~~الخارجون عن القانون (الأشخاص الذين لا تشملهم حماية ~~القانون؛ ومن ثم يمكن لأي أحد إهانتهم أو مهاجمتهم دون ~~الخوف من عقاب قانوني) يحمون أنفسهم بتكوين العصابات تحت ~~قيادة رجال أمثال لوكسلي، ويعيشون على الصيد من الغابات، ~~وعلى أسر المسافرين الأغنياء وطلب فدية عنهم. وكانت السلطة ~~السائدة تمنح العزب أو البارونيات، كتلك التي منحت ~~لإيفانهو، للمقربين من الملك، بغض النظر عن المطالبات ~~السابقة؛ ومن ثم نشأت النزاعات، ووقعت المناوشات ووقائع ~~فرض الحصار مثلما حدث لقلعة توركويلستون. وفي ظل حكم ملك ~~قوي، مثل حكم الملك هنري الثاني (1100-1154)، عولجت حالة ~~الفوضى هذه، ولكن حكم الضعف أو غياب السيادة أدى إلى ~~تدهور حال البلاد مرة أخرى لترجع إلى حالة غياب القانون ~~التي كانت عليها من قبل، ومن وقت لآخر ساد الوضع نفسه حتى ~~نهاية القرن الخامس عشر، وكان يتخلله فترات من ~~التحسن. ~~(ب) # هذا التأسيس لحالة الشهامة، أو الفروسية، بعاداتها، ~~ينتمي أيضا إلى فترة مطولة (تقريبا من القرن الحادي ~~عشر إلى القرن الرابع عشر). كان بإمكان كل جندي شجاع أن ~~يصبح فارسا جزاء لعمل بطولي يقوم ms005 به، ولكن شباب ~~العائلات العريقة كانوا يحملون لقب الفارس في جميع الأحوال ~~عندما يصلون إلى سن مناسبة، وكانوا يجتازون تدريبا ~~مسبقا كوصفاء أو خدم لسيدات العائلات، وكحاملي دروع ~~«إسكواير» أو مرافقين شخصيين للفرسان. وكانت الأجزاء ~~المميزة لملابس الفرسان هي الحزام الذي كان يعلق فيه ~~السيف والمهماز؛ لأنهم كانوا دوما يقاتلون على ظهور ~~الجياد. كما كانوا كثيرا ما يرتدون سلسلة حول العنق، ~~كعلامة مميزة لطائفة الفرسان التي ينتمون إليها؛ لذلك ~~كان ارتداء سلسلة ومهماز يعني كون الشخص فارسا. وكان كل ~~الفرسان يعتبرون نبلاء ومتساويين. فإذا أهان فارس ~~فارسا آخر يرمي الفارس المهان قفازه الواقي أو قفازه ~~المدرع في إشارة لتحد أو عرض للقتال، ثم يلتقط الآخر ~~القفاز ويحتفظ به، ويعطي قفازه للآخر كرمز أو تعهد ~~بقبول التحدي. كما كان يسمح في بعض الأحيان للشخص ~~المتهم بالطعن في محاكمة بالمبارزة لإثبات براءته، وكان ~~يفترض أن المنتصر في المبارزة قد أثبت بذلك عدالة ~~قضيته؛ إذ جرى الاعتقاد بأن الرب يعطي النصر للشخص ~~المحق، أو للمحارب الذي يقاتل نيابة عنه. وكان المكان ~~الذي تعقد فيه تلك المبارزات يحاط بحواجز تسمى ~~بالحلبات، وإذا تقاتل عدة فرسان أو أزواج من الفرسان ~~كانوا يشكلون عراكا أو احتشادا، وكانت المعركة نفسها ~~تسمى بمباراة الفروسية أو الدورة. كانت طريقة القتال ~~المعتادة في المباريات هي المطاعنة، أو امتطاء الجواد ~~والعدو به في اتجاه الخصم برمح أو حربة طويلة، كانت ~~تمسك أفقيا (مبسوطة أو في حالة سكون)، أي منخفضة ~~ومستقيمة، وفي استعداد للضرب. كان الهدف هو إيقاع الخصم ~~من على جواده (وفي أثناء ذلك يكسر رمحه عادة)، وبعدئذ ~~قد يتعرض للهجوم وقوفا بالسيف. وكان اسم المكان الذي ~~تعقد فيه المباريات يسمى عادة بساحة المطاعنة، وكانت ~~قطع من الأراضي تخصص لساحات المطاعنة، كما يحدث في ~~يومنا هذا في ملاعب الكريكيت. وقد انتشرت المباريات في ~~حوالي منتصف القرن الحادي عشر، وكانت للناس في ذلك العصر ~~وسيلة للترفيه كالألعاب الرياضية أو مباريات الكريكيت في ~~عصرنا الحالي. يروي أحد المؤرخين، وليام أوف نيوبورج، ~~بتاريخ 1194، عن ms006 وسائل الترفيه هذه باعتبارها إحدى بدع ~~العصر، ويصف الإثارة التي تتسبب فيها بين العامة. وقد ~~حرمها هنري الثاني، لكن ريتشارد الأول شجعها وأشرف ~~عليها؛ وكان ذلك، من ناحية، بلا شك، بغية الأموال التي ~~كان يأخذها من المتنافسين. وكانت درجة الخطر أو القتال ~~العنيف تتفاوت تبعا للوائح المنظمة لكل مناسبة، غير ~~أنهم كانوا دائما يختارون سيدة جميلة «ملكة الحب ~~والجمال»، التي كان حضورها يرمز إلى أنه من واجب الفارس أن ~~يقاتل نيابة عن جميع النساء (والقساوسة والضعفاء)، وكانت ~~تعطي الجوائز للفرسان المنتصرين في نهاية المنافسة. وقد ~~غنى الشعراء عن أحوال الفرسان والسيدات على القيثارة، ~~وكان هؤلاء الشعراء يعرفون بالتروبادوريين في فرنسا، ~~وبالشداة في إنجلترا. كان الفرسان في هذه الفترة يرتدون ~~دروعا مزردة مصنوعة من عقد أو حلقات من الحديد، ~~وكانوا يضعون فوق رءوسهم خوذات من الفولاذ أو الحديد، وكان ~~الجزء الذي يغطي الوجه فيها يسمى قناعا واقيا، وكان ~~يصنع من القضبان التي تتخللها مسافات للتنفس أو تثقب ~~فيه فتحات، ويمكن رفعه وإنزاله على الوجه؛ أما الجزء ~~الأسفل أو الجزء المواجه للفم في القناع، فقد كان يسمى ~~بالقبال. ~~(ج) # كانت الشعوب المسيحية في هذه الفترة تعامل اليهود ~~بكراهية شديدة؛ ففي معظم البلدان لم يكن يسمح لهم ~~بامتلاك الأراضي أو أن يصبحوا مزارعين أو صناعا؛ ومن ~~ثم كانوا يجبرون على العيش على التجارة، وشراء صناعات ~~الغير وبيعها، وإن أصبحوا أغنياء بهذه الطريقة فكثيرا ما ~~كانوا يقرضون المال للمحتاجين مقابل نسبة كبيرة من ~~الربا أو الفائدة، التي كان يطلق عليها في بعض الأحيان ~~أموال انتفاع، والتي كانت تدفع بالإضافة إلى المبلغ ~~الأصلي المقترض مقابل الانتفاع به. حرمت الكنيسة الربا ~~على المسيحيين، وكان ابتزاز اليهود للمسيحيين بها سببا ~~آخر للكراهية التي كان يشعر بها المسيحيون تجاههم. وقد ~~طردوا من إنجلترا على يد كنوت (1016-‏1035)، ولجئوا إلى ~~نورماندي. عاد عدد منهم تحت حماية وليام الفاتح، وسمح ~~لهم بالبقاء حتى الطرد الثاني في 1290 على يد ~~إدوارد الأول. في هذه الفترة، كانت تحكمهم قوانين خاصة في ~~كل ms007 مناحي الحياة. كانوا يعدون عبيدا أو أملاكا للملك ~~الذي حماهم من سرقة الآخرين لهم حتى يتمكن من سرقتهم هو ~~نفسه بحرية أكثر؛ ومن ثم كانوا معفيين من الضرائب ~~الاعتيادية، ولكن كان ثمة فرع خاص في محكمة بيت المال، ~~يسمى ببيت مال اليهود، الذي فرض عليهم الضرائب ~~والغرامات، وكانوا يحاكمون في محاكم خاصة عن الجرائم ~~والمخالفات الأخرى، كما خصصت لهم أحياء معينة معزولة، ~~كان يطلق عليها أحياء اليهود، وكانت في مدن معينة مثل ~~لندن ويورك ولينكولن وليستر، وكانت محاطة ببوابات كان ~~لزاما عليهم أن يظلوا بداخلها بعدما يحل الليل. بقيت ~~آثار أحياء اليهود في أسماء الشوارع والمنازل القديمة، ~~التي كان يطلق عليها منازل اليهود، والتي كانت تبنى من ~~الحجارة وليس من الخشب، وهو ما يشهد على تفوق ملاكها في ~~الثروة. كان اليهود، مثل فرسان الهيكل الأثرياء، ~~يتهمون بجرائم مقيتة، كممارسة السحر وما إلى ذلك، ~~وكانوا يعذبون عادة (على يد الملك جون وغيره) لإرغامهم ~~على الكشف عن ثرواتهم وتسليمها. وفي حفل تتويج ريتشارد ~~الأول، ذبح عدد من اليهود، الذين غامروا بالظهور بين ~~الحشود، وسط هياج مفاجئ من الجماهير؛ فقد جعلتهم ~~ملابسهم المميزة، التي ارتدوها في هذا اليوم باختيارهم ~~وليس بالإكراه، هدفا للهجوم. وكان اليهود في تعبيرهم عن ~~كراهيتهم للمسيحيين يسمونهم بأسماء القبائل والأمم التي ~~كانت عدوة لهم في الماضي، مثل الفلسطينيين والإدوميين ~~وغيرهم، ومن أسماء الازدراء الأخرى للمسيحيين كان اسم ~~الإسماعيليين؛ أي المنحدرين من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ~~وهاجر؛ ومن ثم ليسوا باليهود الأصليين، الذين كان ~~بإمكانهم دائما الادعاء بانحدارهم من نسل ابن إبراهيم ~~الآخر؛ يعقوب. # أحوال الناس هذه: (1) الخصومة بين النورمان والساكسونيين، (2) ~~والخارجون عن القانون والبارونات، (3) والمخاطر التي تواجه النساء ~~والقساوسة واليهود وجميع غير المحاربين بوجه عام في المجتمع، كلها ~~تقدمها لنا قصة إيفانهو بوضوح. كما يعطينا العدد الكبير لشخصيات ~~الحكاية والتعاقب السريع للأحداث أثر البانوراما، أو سلسلة من الصور ~~المتحركة. # يحتوي النص التالي على جزء مختار من أكثر المشاهد البارزة، والذي ~~يشكل نحو ثلث الرواية الأصلية، التي هي إحدى أطول ms008 روايات ~~«وافيرلي»، ولكن حتى قراء هذه النسخة الموجزة لن يجدوا صعوبة في ~~تكوين فكرة واضحة عن مباراة آشبي، وحصار توركويلستون، ومحاكمة ريبيكا ~~وغيرها من الوقائع؛ فالعرض الملخص للأجزاء المحذوفة من القصة ~~المقدم في الهوامش سيمكن القراء من ملء فراغات الحبكة، وآمل ~~أن تجعلهم يرجعون بعد ذلك إلى النسخة الكاملة لمزيد من المعلومات حول ~~الفارس الأسود، وأولريكا، ووامبا، وجيرث، وسيدريك، والشخصيات ~~الأخرى. # سيلاحظ القارئ أن (أ) عددا من الأحداث يقع في الهواء الطلق، وأن ~~(ب) بعض المواقع موصوفة بكثير من التفصيل؛ إذ إن قدرة سكوت على ~~التصوير، ومن ثم وصف الأماكن، هي إحدى مواهبه الأكثر إدهاشا. لم يكن ~~المشهد الإنجليزي مألوفا بدرجة كبيرة له كما كان مشهد بلده الأصلي، ~~ولكنه كان قد زار أجزاء من المقاطعة المدفون فيها إيفانهو؛ فكانت بعض ~~أوصافه، وخاصة لقلعة كونينجسبورج، هي أوصافا أدلى بها شاهد عيان. ~~وتتراوح الأماكن في القصة بين جورفولكس (أي جيرفولكس) آبي في الشمال ~~(يوركشاير) وآشبي دو لا سوج في الجنوب (ليسترشاير)؛ فالأحداث الرئيسة ~~تقع في آشبي وكونينجسبورج (موجودتان) وفي روثيروود، وتوركويلستون، ~~وتمبلستو (غير موجودة)، وكان يتعين على المسافرين من روثيروود العبور ~~عبر شيفيلد في طريقهم إلى آشبي؛ لذا من المفترض أنه لا بد أن تكون ~~الأحداث قد وقعت إلى الشمال قليلا أو الشمال الشرقي لشيفيلد، وبين تلك ~~البلدة وروثيرهام، التي جاء منها اسم روثيروود. أما توركويلستون، فهو ~~اسم لمكان تخيلي مشتق من الاسم الساكسوني «توركويل»، وهو من أسماء ~~الرجال. بالانتقال إلى القلعة، الموصوفة بالكامل، فعلى الرغم من أنه لا ~~يمكن استنتاج موقعها إلا من طول الزمن الذي يستغرقه المسافرون في ~~طريقهم شمالا من آشبي للوصول إليها؛ فقد بنيت على الطراز ~~النورماندي، الذي لا تزال عليه أمثلة حية في المقاطعة. أما تمبلستو، ~~فقد وصفت بإبهام. وثمة منشآت عديدة لفرسان الهيكل في يوركشاير في ~~هذا التاريخ (1194). كما زعم أن لوكسلي تشيس، حوالي ثمانية أميال إلى ~~الشمال الغربي لشيفيلد، كانت محل ميلاد روبن هود، ومنها جاء اسمه ~~البديل «لوكسلي». وكان «قوس روبن هود» معلقا فيما ms009 مضى في كنيسة ~~هاثرسيج في ديربيشاير، وهو الآن محفوظ في قاعة كانون بالقرب من ~~بارنسلي. # ثمة تفاصيل عديدة حول الأنواع المختلفة من الملابس، والدروع التي ~~كانت تلبس، والأسلحة التي كانت تستخدم في تلك الفترة، وفي كل ~~النواحي ثمة دليل على الاهتمام الذي أولاه المؤلف لموضوع علم الآثار ~~القديمة (أو العصور القديمة) في فروعه كافة. يمكن أن توصف رواية ~~«إيفانهو»، في الواقع، من وجهات نظر كثيرة، باعتبارها رواية «أزياء»؛ ~~أي رواية يركز فيها المؤلف على الأحوال، والملابس، والأطعمة، ~~والمنازل، وأساليب الحياة، وما إلى ذلك، لشخصياتها بالقدر نفسه تقريبا ~~الذي يتناول به أفعال تلك الشخصيات ومصائرها. وقد سعى سكوت أن يفعل في ~~زمن ماض ما يسعى من يطلق عليهم الكتاب الواقعيون في وقتنا ~~الحاضر أن يفعلوه في زمننا. بعبارة أخرى، لقد صور لنفسه البيئة ~~المحيطة والعادات، التي تشكل في نهاية المطاف جانبا كبيرا من حياة ~~الناس؛ وذلك من أجل أن يصور بوضوح أكبر الطريقة التي كان يعيش بها ~~الناس في ظل تلك الظروف. ومع ذلك، فقد قال سكوت صراحة عن نفسه إنه لا ~~يدعي الدقة المطلقة في تلك الأمور. وقد استخدم هذه المعرفة التي ~~كانت لديه عن العصور القديمة، التي كانت، بطبيعة الحال، معرفة ضخمة ~~لشخص عاش فترة طويلة (لنقل) في فرنسا؛ ما يجعله، إذا جلب الحياة ~~والشخصيات الفرنسية إلى القصة، أكثر دقة من شخص لم يعبر القنال ~~الإنجليزي قط. ومع ذلك، فإن الشخصيات في «إيفانهو» هي شخصيات حية، ~~وليست مجرد شخصيات عادية ترتدي ملابس رسمية؛ إذ نستمتع بتفاصيل الحصار ~~والموكب الفخم للمباراة، ولكننا نتحمس أكثر لمعرفة مصائر ويلفريد ~~وحلفائه، وينتابنا القلق الشديد حول إنقاذ ريبيكا من المستبدين بها، ~~ونتعرف على سيدريك وجيرث وبقية الأصدقاء الذين نتعرف عليهم. # إن كتابا مثل «إيفانهو» لا يقرأ بغية التعلم، كما نقرأ عن ~~الخصائص الجغرافية لآسيا أو معركة ووترلو، ولكن من خلال المتعة التي ~~نستقيها منه (وهذا ينطبق على جميع الأعمال الأدبية الجيدة) نزيد ~~معرفتنا بما نسميه «الحياة» بمعناها الأوسع والأعم. ففكرة «الفارس ~~المثالي» أو الرجل ms010 النبيل كما نطلق عليه الآن، وهو الشخص الذي يكتسب ~~بالولادة والمران وكذلك الشخصية وداعة ورحمة ودماثة ومراعاة لمشاعر ~~الآخرين، وكذلك شجاعة ومهارة في أعمال الرجال، هي فكرة لا تنتمي فقط ~~إلى عصر الفرسان، وإنما لكل العصور. لم يكن سكوت يعتقد أن الناس قد ~~ولدوا متساوين، ولكنه كان يعي النقائص التي كان النبلاء، الذين لا ~~يتمتعون بصفات الفارس المثالي، عرضة لها. وستكشف دراسة لسلوك ~~مجموعة من الفرسان في رواية «إيفانهو» عن تصور الكاتب عن أسمى أنواع ~~الرجولة. وبعيدا عن سحر ريبيكا والتشويق التراجيدي في قصتها، فربما ~~كان من السمات الخاصة لفترة كان العنف الوحشي مقبولا فيها باعتباره ~~أمرا عاديا، أنه كان لا بد من وجود رجل به من صفات الفروسية ما يكفي ~~لحماية حتى اليهوديات البائسات بقوة سلاحه. وعندما نتذكر أن الجزء ~~الأكبر من قصة «إيفانهو» قد أملي بينما كان المؤلف يعاني من ألم ~~مبرح جراء مرض لم يكن من المتوقع أن ينجو منه، فلا بد أن ~~نعده هو أيضا مثالا على السلوك البطولي الذي أعجب به كثيرا ~~ووصفه بأسلوب أدبي بارع. ~~••• # ملحوظة: ~~«الأجزاء المحذوفة من نص ~~الرواية الأصلي مشار إليها باختصار شديد في الهوامش بنهاية ~~الكتاب.» # | شخوص الرواية # (1) الشخصيات التاريخية # ريتشارد الأول: # الملقب بقلب ~~الأسد، خلال الجزء الأكبر من حكمه (1189-1199) كان في فلسطين في ~~إحدى الحملات الصليبية (1189-1193) يحارب الأتراك بقيادة سلطانهم ~~العظيم صلاح الدين؛ من أجل أن يسترد للأمم المسيحية القدس ~~وكنيسة القبر المقدس، التي بنيت فوق قبر المسيح. وفي طريق ~~عودته من الحملة الصليبية، وقع في الأسر على يد أرشيدوق النمسا. ~~في القصة، قدم على أنه أتى إلى إنجلترا خفية متنكرا في هيئة ~~«الكسلان الأسود»، أو «الفارس البليد». وقد نزل بالفعل في بلدة ~~ساندوتش جهرا، واستقبله شعبه علانية بترحاب شديد. # جون: # أخوه الأصغر، حاول تكوين ~~طائفة تتبعه آملا في عدم رجوع ريتشارد، وقد تآمر في سبيل تحقيق ~~هذا الغرض مع بعض البارونات ومع فيليب أغسطس ملك فرنسا. ~~(2) الشخصيات الخرافية، أو الشبه التاريخية # لوكسلي: # أو روبن هود، الخارج ms011 ~~عن القانون. وردت قصة روبن هود في أغان شعبية ألفت قبل نحو ~~200 سنة من تاريخ هذه القصة، وربما تشير إلى روبن هود حقيقي عاش ~~في عهد إدوارد الثاني. وقد روت عنه تلك الأغاني الشعبية حكايات في ~~الشجاعة ومآثر رائعة في الرماية كالتي أدتها شخصية لوكسلي. # الراهب: # أو كاهن بلدة ~~كوبمانهورست، عرف في الأغاني الشعبية بالراهب توك، وهو أحد ~~حلفاء روبن هود. جميع الخارجين عن القانون من الساكسونيين. ~~(3) شخصيات غير تاريخية ~~(أ) الساكسونيون # سيدريك: # سيد، أو فرانكلين ~~(مالك أراض)، أو كما يطلق عليه الآن إسكواير، روثيروود. ~~يدعي أنه سليل هيرورد، آخر الإنجليز الذين قاوموا وليام ~~الفاتح، ولكن هيرورد في الواقع لم يخلف سليلا. # ويلفريد: # ابن سيدريك، ~~وفارس إيفانهو. وقد أعطاه ريتشارد الأول ضيعة إيفانهو، ولكن ~~أثناء غيابه في الحملة الصليبية، منحها جون لفرونت دي بوف. كان ~~أول ظهوره كحاج مسعف، ثم في مباراة الفروسية كفارس محروم ~~من الإرث. # أثيلستان: # لورد ~~كونينجسبورج، وهي قلعة في يوركشاير ذات شأن كبير في العصور ~~القديمة. يوصف بأنه سليل إدوارد المعترف، آخر ملك إنجليزي ~~قبل وليام الأول، مع أن إدوارد في الواقع لم يخلف سليلا. ~~وكان المالك الفعلي لكونينجسبورج في هذا الوقت هو وليام دي ~~وارين، حيث منحها وليام الفاتح لسلفه. # روينا: # وريثة ضيعة ~~هارجوتستاندستيدي، وتوصف بأنها سليلة ألفريد العظيم ~~(871-890). وكانت تحت وصاية سيدريك، ويمكن، رهنا بموافقة ~~الملك، منحها للزواج من أي شخص يختاره، وحينئذ تصبح ~~ممتلكاتها ملكا لزوجها. كان ويلفريد يرغب في الزواج منها؛ ومن ~~أجل ذلك طرده أبوه وحرمه من الميراث؛ إذ كان ينوي تزويجها ~~لأثيلستان حتى تسنح الفرصة أمام مزاعمهما المشتركة في استحقاق ~~العرش في إعلاء شأن الساكسونيين. # أولريكا، المعروفة ~~بأورفريد: # ابنة توركيل ولفجانجر، المالك ~~الساكسوني السابق لقلعة توركويلستون. قتل توركيل وأبناؤه على ~~يد والد فرونت دي بوف، وأصبحت أولريكا عبدته والمفضلة لدى ~~ريجينالد، والعدوة اللدود له بعد ذلك. # إيديث: # والدة ~~أثيلستان. # جيرث مربي الخنازير، ووامبا المهرج، ~~وأوزوالد الساقي. # هونديبيرت: # كبير الخدم، ~~خدم سيدريك. # هيج: # ابن سنيل، والخادم ~~السابق لإيزاك اليهودي. ms012 ~~(ب) النورمانديون # براين دي بوا جيلبرت: # أحد ~~أعضاء طائفة فرسان الهيكل ، التي أسست عام 1118 بغرض الدفاع ~~عن الهيكل أو كنيسة القبر المقدس. أخذ فرسان الهيكل على ~~أنفسهم نذور الرهبان المعتادة؛ ألا يتزوجوا، وأن ~~يتشاركوا في كل شيء، وأن يطيعوا قائدهم السيد الأعظم دون ~~أسئلة. كما تعهدوا على أن يكونوا جنودا محاربين في الحملات ~~الصليبية، أو الحروب المقدسة. كان حب براين لريبيكا ~~مناقضا لقسم الرهبنة الذي قطعه على نفسه. # والديمار فيتزورس: # يوصف ~~بأنه ابن ريجينالد فيتزورس، الذي كان أحد قتلة توماس بيكيت. ~~لا يعرف في الواقع ما حدث لريجينالد فيتزورس، أو ما إذا كان ~~قد خلف سليلا. # موريس دي براسي: # قائد ~~مجموعة الرفقاء الأحرار، الذين قاتلوا تحت لوائه في سبيل ~~المال، والمغامرة تارة مع أحد الملوك أو أصحاب المقام، وتارة ~~أخرى مع ملك أو صاحب مقام آخر. كان دي براسي ما يطلق عليه ~~عادة الجندي المرتزق. والاثنان مناصران لفصيل الأمير ~~جون. # لوكاس بومانوار: # السيد ~~الأعظم لفرسان الهيكل. وكان الاسم الحقيقي للسيد الأعظم ~~لفرسان الهيكل في هذا الوقت روبرت دي سابليه. # آيمر: # رئيس دير جورفولكس، ~~راهب ثري وكسول. الاسم الحقيقي لرئيس دير جيرفولكس (جورفولكس) ~~في هذا الوقت كان جون برومبتون. # ألبيرت دي مالفوازان، وكونراد دي ~~مونتفيتشيت، وهيرمان أوف جودالريك: # كبار فرسان ~~الهيكل؛ أي الموظفون التالون للسيد الأعظم في السلطة. # ريجينالد فرونت دي بوف: # مالك قلعة توركويلستون. # ريتشارد دي مالفوازان، ورالف دي فيبون ~~فارس سانت جون، وهيو دي جراندميسنيل: # فرسان ~~شاركوا في مباراة الفروسية. # داميان: # إسكواير (ردف) ~~لفرسان الهيكل. # أمبروز: # راهب ~~جورفولكس. ~~(ج) اليهود # إيزاك أوف يورك: # مقرض ~~أموال ثري وبخيل يدعي الفقر للهرب من ابتزاز المسيحيين ~~ووحشيتهم. # ريبيكا: # ابنة إيزاك، وتحب ~~ويلفريد. # بين صامويل: # طبيب وصديق ~~إيزاك. # | الفصل الأول # في قاعة لا يتناسب ارتفاعها مع طولها وعرضها البالغين، كانت طاولة ~~طويلة، من ألواح خشنة من خشب البلوط المأخوذ من الغابة تكاد تكون لم ~~تصقل، معدة على أهبة الاستعداد لعشاء سيدريك الساكسوني. ولم يكن ~~السقف، الذي كان مكونا من حمالات وعوارض، يفصل ms013 الغرفة عن السماء ~~إلا بالألواح الخشبية والقش. وكانت توجد مدفأة ضخمة في كل طرف من ~~طرفي القاعة، ولكن نظرا إلى أن المداخن كانت مبنية بطريقة غير ~~متقنة على الإطلاق، فكان الكثير من الدخان يدخل إلى الغرفة متسربا ~~من مخرج الدخان. وكانت الأرضية فيما يقرب من ربع طول الغرفة مرتفعة ~~عن بقيتها عبر درج، وكانت هذه المساحة التي كان يطلق عليها المنصة ~~لا يشغلها سوى أفراد العائلة الرئيسيين والزائرين المميزين؛ لذلك ~~وضعت طاولة مغطاة جيدا بقماش قرمزي اللون بالعرض عبر المنصة، ~~حيث امتد من منتصفها تجاه الطرف القصي من القاعة طاولة أطول وأقل ~~ارتفاعا كان الخدم وتابعوهم يتناولون عليها طعامهم؛ فبدت الطاولتان ~~على شكل حرف تي. وكانت الكراسي الضخمة والمقاعد الخشبية الطويلة من ~~البلوط المنقوش قد وضعت على المنصة، وفوق تلك المقاعد والطاولة ~~الأكثر ارتفاعا ثبتت مظلة من القماش، كانت تحمي بعض الشيء ~~الأعيان الذين كانوا يشغلون ذلك المكان المميز من تقلبات ~~الطقس. # وفي مركز الطاولة العليا، كان ثمة كرسيان أكثر ارتفاعا من بقية ~~الكراسي لرب العائلة وربتها، وكان أحد هذين المقعدين يشغله عندئذ ~~سيدريك الساكسوني، الذي شعر عند تأخر عشائه على الرغم من كونه ~~سيدا أنجلوساكسونيا بصبر نافد من ذلك النوع الذي يعتري رؤساء ~~القبائل. وقد بدا من سيماء هذا المالك أنه كان صريحا، لكنه كان ~~متهورا وسريع الغضب. كان رجلا متوسط القامة، ولكنه كان عريض ~~الكتفين وطويل الذراعين وقوي البنية، كمن هو معتاد على تحمل ~~المصاعب. وكان وجهه عريضا بعينين زرقاوين كبيرتين، وملامح صريحة، ~~وأسنان حسنة الشكل، ورأس متناسق. وكان شعره الأصفر الطويل مقسوما ~~بالتساوي على قمة رأسه وعلى حاجبيه، ومصففا لأسفل على كلا ~~الجانبين وحتى كتفيه. ولم يكن به سوى بعض الشيب على الرغم من ~~اقتراب سيدريك من عامه الستين. # كان ملبسه سترة خضراء كخضرة الغابات، مكسوة بالفرو عند الحلق، ~~وبأكمام من فرو السناجب الرمادية. وكان يرتدي هذه السترة المحلولة ~~الأزرار فوق قميص قرمزي اللون كان ضيقا للغاية حتى كاد يلتصق بجسمه. ~~وكان يرتدي بنطالا من القماش نفسه، ms014 ولكنه لم يكن يصل أسفل الجزء ~~السفلي لفخذه، تاركا ركبتيه مكشوفتين. أما في قدميه، فقد كان يلبس ~~حذاء خفيفا مربوطا من الأمام بإبزيم ذهبي. كما كان يضع أساور من ~~الذهب في ذراعيه، وطوقا عريضا من المعدن النفيس نفسه حول عنقه. وحول ~~خصره، ارتدى حزاما مرصعا بغزارة، كان مغمودا فيه سيف قصير ~~مستقيم ذو حدين بذؤابة حادة، ويكاد يميل إلى التدلي رأسيا ~~بجانبه. # لم يكن سيدريك في حالة ذهنية شديدة الصفاء؛ لأن الليدي روينا، التي ~~كانت غائبة لحضور تجمع مسائي كبير في إحدى الكنائس البعيدة، كانت قد ~~عادت للتو، وكانت تغير ثوبها الذي بللته العاصفة؛ كما لم تكن ~~ثمة أنباء بعد عن جيرث، مربي الخنازير، وعن شحنته التي كان يجب أن ~~تكون قد عادت منذ وقت طويل من الغابة إلى مأواها. وعلاوة على مسببات ~~القلق هذه، كان السيد الساكسوني ينتظر حضور مهرجه المفضل وامبا ~~بصبر نافد. أضف إلى ذلك كله أن سيدريك لم يكن قد تناول الطعام منذ ~~الظهيرة، وقد فاتت ساعة غدائه المعتادة منذ وقت طويل؛ فظهر استياؤه في ~~جمله المتقطعة، التي كان يتمتم ببعضها لنفسه حينا، ويوجهها للخدم ~~الواقفين حوله حينا آخر؛ فتساءل: «لماذا تأخرت الليدي ~~روينا؟» # ردت إحدى الخادمات: «إنها فقط تغير غطاء رأسها؛ فبالطبع لا ترغب ~~في أن تجلس معك على المائدة بقلنسوتها وثوبها، أليس كذلك؟ ولا يمكن ~~لسيدة في المقاطعة أن تغلب سيدتي في سرعة تغييرها لملابسها.» # قال: «هراء! أتمنى أن تتخير تقواها طقسا أفضل في المرة ~~التالية التي تزور فيها كنيسة القديس جون، ولكن، بحق اللعنة، ما الذي ~~يؤخر جيرث في الحقل كل هذا الوقت؟ لا بد أن مكروها قد أصاب ~~القطيع.» # قال أوزوالد الساقي بتواضع: «لم تكد ساعة تمر منذ دق ناقوس إطفاء ~~الأنوار.» # قال سيدريك متعجبا: «ليأخذ الشيطان الأحمق ناقوس إطفاء الأنوار، ~~والطاغية وريثه، والعبد العديم الرحمة الذي يذكره بلسان ساكسوني على ~~أذن ساكسونية! ناقوس إطفاء الأنوار! أجل، ناقوس إطفاء الأنوار، الذي ~~يجبر الرجال الحقيقيين على إطفاء أنوارهم، فيبدأ اللصوص في عملهم في ms015 ~~الظلام! أجل، ناقوس إطفاء الأنوار. يعلم كل من ريجينالد فرونت دي بوف ~~وفيليب دي مالفوازان كيفية استغلال ناقوس إطفاء الأنوار كويليام الفاتح ~~نفسه، أو كما يعرفها أي مغامر نورماندي قاتل في هاستنجز. أظن أنني ~~سأسمع أن خادمي المخلص قد قتل، وأن ممتلكاتي قد أخذت غنيمة، وأن ~~وامبا ... أين وامبا؟ ألم يقل أحد ما إنه خرج مع جيرث؟» # أجاب أوزوالد بالإيجاب. ~~«أجل؟ هذا أفضل وأفضل! لقد اختطف أيضا، الأحمق الساكسوني، ليعمل في ~~خدمة اللورد النورماندي. سأذهب بشكواي إلى المجلس الأعظم؛ فلدي ~~أصدقاء وتابعون، وسأدعو النورماندي للقتال رجلا لرجل.» وصاح بصوت ~~أخفض: «آه، ويلفريد، ويلفريد! لو كنت قد استطعت إحكام عاطفتك ~~المفرطة، لما ترك أبوك في هذه السن كشجرة بلوط وحيدة.» # انتبه سيدريك فجأة من استغراقه في التفكير بفعل نفخة بوق. # وقال: «إلى البوابة أيها الأوغاد! لنسمع الأنباء التي يخبرنا بها ~~ذلك البوق.» # أعلن أحد الحراس قائلا: «إن آيمر رئيس دير جورفولكس، والفارس الكريم ~~براين دي بوا جيلبرت قائد طائفة فرسان الهيكل الباسلة الموقرة، ~~ومعهما حاشية صغيرة، يطلبان الاستضافة والمبيت الليلة؛ كونهما في ~~طريقهما إلى إحدى مباريات الفروسية المقرر عقدها في مكان ليس ببعيد ~~عن آشبي دي لا زوش بعد يومين.» # غمغم سيدريك قائلا: «آيمر، رئيس الدير آيمر؟ وبراين دي بوا جيلبرت؟ ~~كلاهما من النورمانديين، ولكن سواء أكانا من النورمانديين أو ~~الساكسونيين، فلا يجب أن تتهم ضيافة روثيروود بالتقصير؛ لذا فهما ~~مرحب بهما ما داما اختارا التوقف هنا، لكن ترحابي بهما كان سيزيد ~~لو كانا قد اختارا أن يمضيا في طريقهما دون توقف عندنا. اذهب ~~يا هونديبيرت، وأحضر ستة من الخدم، وأرشد الغرباء إلى مأوى ~~الضيوف، واعتن بجيادهم وبغالهم، وانظر إن كان ينقصهم أي شيء. وقل ~~لهم يا هونديبيرت إن سيدريك كان سيرحب بهم بنفسه لولا أنه قد أخذ على ~~نفسه عهدا ألا يخطو أكثر من ثلاث خطوات من منصة ردهته لمقابلة ~~أي أحد لا يشاركه الدم الساكسوني الملكي. انصرف! واخدمهم ~~بعناية.» # غادر كبير الخدم ومعه عدة خدام لتنفيذ أوامر سيده. وأخذ ms016 سيدريك ~~يكرر: «رئيس الدير آيمر! يقولون إن رئيس الدير هذا قس متحرر ~~ومرح، ويحب النبيذ وبوق الصيد أكثر من جرس الكنيسة والكتاب المقدس. ~~حسنا، فليدخل المنزل ولنرحب به. ما اسم فارس الهيكل؟» ~~«براين دي بوا جيلبرت.» # قال سيدريك: «بوا جيلبرت؟ بوا جيلبرت؟ لهذا الاسم شهرة واسعة في ~~الخير وكذلك الشر، ويقولون إنه في بسالة أشجع الرجال في طائفته، لكنه ~~موصوم بنقائصهم المعتادة؛ من كبر وعجرفة وقسوة وشهوانية. حسنا، ~~إنها مجرد ليلة واحدة، وهو مرحب به أيضا. يا إلجيثا، أعلمي سيدتك ~~روينا أننا لن ننتظرها الليلة في القاعة، إلا لو كانت تلك رغبتها ~~الخاصة.» # ردت إلجيثا: «ولكنها سترغب في ذلك؛ لأنها تريد دوما أن تسمع آخر ~~الأخبار من فلسطين.» # أجاب سيدريك: «صمتا، يا فتاة. إن لسانك يسبق تفكيرك. أبلغي رسالتي ~~لسيدتك واتركيها تقرر ما ترغب؛ فهنا، على الأقل، ما زالت سليلة ألفريد ~~أميرة.» # | الفصل الثاني # استغل رئيس الدير آيمر الفرصة التي أتيحت له في تغيير رداء ركوب ~~الجياد إلى رداء آخر من مواد أكثر قيمة، وارتدى فوقه رداء الكاهن ~~المطرز بغرابة. وأبدل فارس الهيكل قميصه المزرد بسترة من الحرير ~~الأرجواني الداكن المزخرف بالفرو، وأسدل فوقه رداءه الطويل الشديد ~~البياض ذا الطيات الواسعة. وكان صليب طائفته ذو الحواف الثمانية ~~منقوشا على كتف عباءته بقماش مخملي أسود. أما حواجبه، فقد كان ~~يظللها شعر قصير متموج كثيف شديد السواد كسواد الغراب، يتماشى مع ~~بشرته الداكنة على غير المعتاد. ولم يكن يمكن لشيء أن يكون أكثر ~~مهابة ورشاقة من خطواته وطريقته، لولا ما يسودهما من عجرفة. # كان يتبع الشخصين المبجلين خدمهما الخاص، وعلى مسافة أبعد ~~تبعهما مرشدهما، الذي لم يكن في هيئته ما يلفت الانتباه أكثر من ~~كونها مستمدة الثياب المعتادة للحجاج. تبع في تواضع آخر الركب ~~الذي دخل الردهة، وانسحب إلى مقعد طويل وضع في أحد الأركان وأسفل ~~إحدى المدخنتين الكبيرتين تقريبا، وبدا أنه يشغل نفسه بتجفيف ثوبه، ~~حتى يخلو مكان إلى الطاولة بقيام أحد الأشخاص. # قام سيدريك لاستقبال ضيفيه، ونزل من المنصة، وتقدم ms017 ثلاث خطوات ~~نحوهما، ثم توقف منتظرا اقترابهما. # قال: «يحزنني يا رئيس الدير الموقر أن قسمي يمنعني من التقدم ~~لأكثر من ذلك على أرضية آبائي هذه، حتى وإن كان لاستقبال ضيوف مثلك، ~~ومثل هذا الفارس الباسل من فرسان الهيكل المقدس، ولكن رئيس خدمي شرح ~~لكما سبب سلوكي الذي يبدو أنه يتنافى مع آداب اللياقة.» # بإشارة من يده جعل ضيفيه يتخذان مقعدين أقل ارتفاعا بعض الشيء ~~من مقعده، ولكنهما وضعا بجواره، ثم بإشارة أخرى أمر بوضع طعام ~~العشاء على الطاولة. # عندما أوشكوا على البدء في تناول الطعام رفع رئيس الخدم، أو ~~القهرمان، عصاه فجأة قائلا: «مهلا! أفسحوا الطريق لليدي روينا.» ~~وعلى الرغم من الشعور بالمفاجأة الذي انتاب سيدريك لظهور الوصي عليها ~~على الملأ في مناسبة كهذه، هرع إلى مقابلتها والترحيب بها بإجلال، ~~مرشدا إياها إلى المقعد المرتفع على يمينه المخصص لسيدة المنزل. ~~وقف الجميع لاستقبالها، وردت عليهم تحيتهم بإيماءة صامتة، وتقدمت ~~برشاقة متخذة مكانها إلى الطاولة. وقبل أن تجلس، همس فارس الهيكل ~~لرئيس الدير قائلا: «لن أرتدي ياقتك الذهبية في مباراة الفروسية. أما ~~نبيذ «شيان» فهو لك.» # رد رئيس الدير: «ألم أقل لك ذلك؟ ولكن انتبه ولا تفرط في إظهار ~~نشوتك بجمالها؛ فالفرانكلين يراقبنك.» # في غير انتباه لهذا التحذير، أبقى براين دي بوا جيلبرت عينيه ~~مثبتتين على الجميلة الساكسونية. كانت روينا تتمتع بملامح هي الأبهى ~~من بين بنات جنسها، وكانت طويلة القامة، وذات بشرة ناصعة البياض، ولكن ~~رأسها وقسماتها اللذين غلب عليهما أسلوب النبلاء قد أزالا عن حسنها ~~أن يكون بلا طعم مثلما تتسم أحيانا الفتيات الفائقات الجمال. ~~وكانت عيناها الزرقاوان الصافيتان تبدوان قادرتين على إشعال النار ~~وإخمادها، وعلى الأمر والنهي واستدرار العطف في الآن نفسه. أما شعرها ~~الغزير، فقد كان لونه بين البني والكتاني، وكان مصففا بطريقة ~~غريبة ورشيقة إلى عدة حلقات، مكونا قطعة فنية أسهمت فيها الطبيعة، ~~وكانت خصلاته مزينة بأحجار كريمة، ولما كانت مسترسلة على طولها ~~برز أصلها النبيل والحر. وكانت ترتدي قميصا طويلا، وفوقه سترة من ~~الحرير بلون ms018 البحر الأخضر الباهت، وفوقهما أسدلت ثوبا فضفاضا طويلا ~~قرمزي اللون، وكان مثبتا بجزئه العلوي غطاء رأس من الحرير ~~المجدول بالذهب. # عندما رأت روينا عيني فارس الهيكل لا تكفان عن التحديق فيها، سحبت ~~غطاء رأسها في وقار وغطت به وجهها. لاحظ سيدريك الحركة وسببها، فقال: ~~«سيدي الفارس، إن وجنات عذراواتنا الساكسونيات لم تر الشمس إلا بقدر ~~قليل لا يسمح لهن بتحمل نظرة ثابتة من أحد الصليبيين.» # رد السيد براين: «إن كنت قد أسأت التصرف فعذرا، أو بالأحرى أقدم ~~اعتذاري لليدي روينا؛ لأن تواضعي لن يحملني على الاعتذار لمن هو ~~أدنى.» # قال رئيس الدير: «عاقبتنا الليدي روينا جميعا بتأديبها لصديقي على ~~جرأته. آمل أن تكون أقل قسوة على الحشد الغفير الذي سيلتقي في ~~المباراة.» # قال سيدريك: «إن ذهابنا إلى هناك غير مؤكد؛ فأنا لا أحب هذه ~~التفاهات التي لم يعرفها آبائي عندما كانت إنجلترا حرة.» # قال رئيس الدير: «ومع ذلك لنأمل أن تجعلك صحبتنا تقرر الذهاب إلى ~~هناك؛ فعندما تكون الطرق غير آمنة فإن رفقة السيد براين دي بوا ~~جيلبرت أمر لا يستهان به.» # أجاب الساكسوني: «سيدي رئيس الدير، حيثما أذهب في هذه الأرض فإنني ~~حتى يومنا هذا أجد نفسي في غير حاجة إلى عون من أحد؛ بمساعدة سيفي ~~الجيد وأتباعي المخلصين. سأشرب في صحتك يا سيدي رئيس الدير كأس ~~النبيذ هذه، وأنا واثق من أن مذاقه سيلقى قبولك، وأشكرك على ~~لطفك.» # قال القس: «في ديرنا فقط نتقيد بالحليب المحلى، أما عندما ~~نتعامل مع العالم الخارجي فنحن نتبع طريقته في الحياة؛ لذلك سأقبل نخب ~~نبيذك القوي.» # قال الفارس وهو يملأ قدحه: «وأنا سأشرب نخب الجميلة روينا؛ لأنه منذ ~~أدخلت سميتها الكلمة إلى إنجلترا لم تأت من هي أحق منها بهذا ~~التقدير.» # قالت روينا بوقار ودون أن ترفع حجابها عن وجهها: «أنا في غنى عن ~~مجاملتك أيها الفارس، ولكني سأطلب منك أن تنبئنا بآخر الأخبار من ~~فلسطين.» # أجاب السيد براين دي بوا جيلبرت: «ليس لدي شيء مهم أخبرك به يا ~~سيدتي، باستثناء الأنباء ms019 المؤكدة عن عقد هدنة مع صلاح ~~الدين.» # قطع الحديث هنا دخول حارس البوابة، معلنا أن بالبوابة رجلا ~~غريبا يلتمس الدخول والاستضافة. # قال سيدريك: «اسمح له بالدخول، أيا من كان أو مهما كان؛ فليلة ~~كتلك تعصف في الخارج تجبر حتى الحيوانات الضارية على السير مع ~~القطعان المستأنسة في وداعة.» # عاد أوزوالد وهمس في أذن سيده: «إنه يهودي يدعى إيزاك أوف ~~يورك.» # | الفصل الثالث # باستقبال قليل الحفاوة، اقترب رجل عجوز ونحيف من الطرف الأدنى ~~للطاولة، وكان يتقدم بخوف وتردد، وينحني انحناء يدل على تواضع ~~شديد. كانت ملامحه حادة وعادية، وكان أنفه معقوفا، وعيناه سوداوين ~~ثاقبتين، وجبينه مرتفعا وبه تجاعيد، وكان ذا شعر ولحية رماديين ~~طويلين. وكاد يعد وسيما لولا سيماء وجهه المميزة لعرق معين كان ~~يكرهه العامة ويضطهده النبلاء في تلك العصور المظلمة. كان يرتدي ~~قبعة صفراء مرتفعة ومربعة ذات طراز غريب، وانتزعها بتواضع شديد عند ~~باب القاعة. # أومأ سيدريك برأسه ببرود ردا على تحيات اليهودي المتكررة، وأشار ~~إليه ليتخذ موضعا في الطرف الأدنى من الطاولة، ومع ذلك لم يفسح له ~~أحد مكانا هناك. وبينما كان إيزاك واقفا على إثر ذلك منبوذا بين ~~الحضور، كما كان قومه بين الأمم، يبحث عبثا عن ترحاب أو مكان ليجلس ~~فيه، تعاطف معه الحاج الذي كان جالسا بجوار المدخنة؛ واستغنى له عن ~~مقعدة قائلا باقتضاب: «أيها العجوز، إن ثوبي قد جف، وجوعي قد سكن، أما ~~أنت فمبتل وجائع.» قال ذلك ثم جمع الجمرات الخابية المتبعثرة على ~~الموقد الفسيح ورماها في اللهب، وأخذ من الطاولة الأطول وعاء من ~~الحساء ولحم جدي مسلوقا، ووضعه على الطاولة الصغيرة التي كان قد ~~تناول عشاءه عليها، ومضى إلى الجانب الآخر من القاعة دون انتظار شكر من ~~اليهودي. # انحنى اليهودي بجسده الضامر، ومد يديه المرتجفتين والمرتعشتين من ~~البرد أمام النار، وعندما تخلص من شعوره بالبرد رجع بهمة إلى ~~الوعاء الذي ينبعث منه البخار، الذي كان قد وضع أمامه، وأكل على عجل ~~وبتلذذ واضح يدلان على أنه مكث طويلا دون طعام. # في تلك ms020 الأثناء كان رئيس الدير وسيدريك يتبادلان الحديث حول الصيد، ~~وبدت الليدي روينا منخرطة في محادثة مع إحدى خادماتها. # قال رئيس الدير مستكملا حديثه مع سيدريك: «أتعجب أيها النبيل ~~سيدريك أنه على قدر عظم ولعك بلغتك التي تتسم بالرجولة، فإن ~~الفرنسية النورماندية لا تلقى لديك قبولا، على الأقل فيما يخص شئون ~~الغابات والصيد.» # قال الساكسوني: «أيها الأب الطيب آيمر، فلتعلم أنني لا أهتم بتلك ~~المصطلحات الأجنبية، التي لا أحتاج إليها كي أستمتع بالغابات.» # قال الفارس، رافعا صوته بنبرة وقحة ومتسلطة اعتاد استخدامها في ~~جميع المناسبات: «إن الفرنسية ليست فقط اللغة المعتادة للمطاردة، ~~ولكنها أيضا لغة الحب والحرب، التي تمتلك بها قلوب النساء، ويغلب ~~بها الأعداء.» # قال سيدريك: «فلتشرب معي أيها الفارس كأس نبيذ، ولتملأ كأسا أخرى ~~لرئيس الدير بينما أعود بذاكرتي ثلاثين عاما لأخبرك بحكاية أخرى. لم ~~تكن حكاية سيدريك الساكسوني بإنجليزيته السهلة في تلك الأيام بحاجة إلى ~~أي زخرف من القول من أي شاعر متجول فرنسي وهي تلقى على آذان ~~الحسناوات. أيها الساقي! يا ولد، املأ الأقداح لنشرب أيها السيد فارس ~~الهيكل نخب الأقوياء الذين حملوا السلاح، من أي عرق أو لغة كانوا، ~~الواقفين الآن ببسالة في فلسطين بين أبطال الصليب!» # قال السيد براين دي بوا جيلبرت: «لا يجدر بشخص يرتدي هذه الشارة أن ~~يجيب، ولكن إلى من يمنح إكليل الغار من بين أبطال الصليب، بخلاف ~~أبطال الهيكل المقدس المتخذين عهدا على أنفسهم؟» # قالت الليدي روينا: «ألا يوجد إذن في الجيش الإنجليزي من يستحقون ~~أن تذكر أسماؤهم مع فرسان الهيكل وفرسان القديس جون؟» # أجاب دي بوا جيلبرت قائلا: «معذرة يا سيدتي؛ فالعاهل الإنجليزي جلب ~~بالفعل لفلسطين زمرة من المحاربين البسلاء، الذين لا يفوقهم سوى ~~هؤلاء الذين كانت صدورهم دائما دروعا واقية لتلك الأرض ~~المباركة.» # قال الحاج، الذي كان واقفا قريبا بما يكفي لأن يستمع إلى حديثهم، ~~وقد استمع لهذه المحادثة بنفاد صبر جلي: «لا يفوقهم أحد.» فالتفت ~~الجميع نحو المكان الذي صدر منه هذا الإقرار غير المتوقع، وكرر ~~الحاج بصوت ms021 حازم وقوي: «أقول إن الفرسان الإنجليز لا يفوقهم أحد من ~~بين من حملوا يوما سيفا دفاعا عن الأرض المقدسة. وأضيف، لأنني ~~رأيت بأم عيني، أن الملك ريتشارد بنفسه ومعه خمسة من فرسانه قد ~~أقاموا مباراة فروسية بعد الاستيلاء على سانت جون داكر، وتحدوا فيها ~~كل المتقدمين. وأشهد أنه في ذلك اليوم خاض كل فارس ثلاث جولات، ~~وطرح أرضا ثلاثة خصوم. وأضيف أن سبعة من هؤلاء المهاجمين كانوا ~~من فرسان الهيكل؛ ويعلم السيد براين دي بوا جيلبرت جيدا صدق ما ~~أقوله لكم.» # قال سيدريك: «سأعطيك هذا السوار الذهبي أيها الحاج إن استطعت أن ~~تخبرني بأسماء أولئك الفرسان الذين رفعوا ببسالة منقطعة النظير اسم ~~إنجلترا الجميلة.» # رد الحاج: «سأفعل ذلك بسرور، ودون مكافأة؛ فقسمي يحرم علي، إلى ~~حين، أن أمس الذهب. الأول في الشرف كما في حمل السلاح، وفي الشهرة وفي ~~قدره على حد سواء، كان ريتشارد الشجاع، ملك إنجلترا.» # قال سيدريك: «أسامحه، وأغفر له انحداره من نسل الطاغية الدوق ~~«وليام».» # تابع الحاج قائلا: «الثاني كان إيرل ليستر، والثالث كان السيد ~~توماس مولتون أوف جيلسلاند.» # قال سيدريك مهللا: «إنه على الأقل من أصل ساكسوني.» # واصل الحاج: «والرابع هو السيد فولك دويلي.» # تابع سيدريك: «ساكسوني أيضا، على الأقل من ناحية الأم. ومن كان ~~الخامس؟» ~~«الخامس كان السيد إدوين تورنهارا.» # صاح سيدريك: «ساكسوني أصيل، وبه روح هينجست!» وتابع بتلهف: ~~«وماذا عن السادس؟ ما اسم السادس؟» # قال الحاج بعد أن توقف قليلا وبدا أنه يستجمع ذاكرته: «كان السادس ~~فارسا شابا أقل شهرة وأدنى منزلة، ولم يكن انضمامه إلى تلك ~~الصحبة المبجلة بهدف مساعدتهم في مغامرتهم بقدر ما كان لاستكمال ~~عددهم، أما اسمه فيغيب عن ذاكرتي.» # قال السيد براين دي بوا جيلبرت بسخرية: «أيها السيد الحاج، هذا ~~النسيان المزعوم، بعد كل ما تذكرته، جاء بعد فوات الأوان، ولن يخدم ~~غرضك. سأخبرك بنفسي باسم الفارس الذي تسبب حظه وخطأ جوادي في ~~سقوطي أمام رمحه. لقد كان الفارس إيفانهو، ولم يكن أي من الستة، ~~بالنظر إلى عمره، أكثر ms022 شهرة منه في استخدام السلاح، ولكني سأقول، ~~وبملء فمي، إنه لو كان في إنجلترا وجرؤ، في مباراة هذا الأسبوع، على ~~تكرار التحدي الذي حدث في سانت جون داكر، فسأعطيه، وأنا على صهوة ~~جوادي وحاملا سلاحي كما أنا الآن، كل أفضلية في اختيار سلاحه، ~~وسأتحمل نتيجة ذلك.» # رد الحاج: «كان تحديك سيلقى استجابة عاجلة لو كان خصمك بجوارك. ~~وما دام الأمر كما هو عليه فلا تعكر صفو هذه القاعة بتبجحك في ~~مسألة الصراع الذي تعرف تمام المعرفة أنه لن يقع. إن رجع إيفانهو يوما ~~من فلسطين فأنا ضامنه في أنه سيلاقيك.» # قال فارس الهيكل: «يا لها من ضمانة! وماذا تقدم رهنا على ~~ذلك؟» # قال الحاج وهو يخرج من جيب صدره صندوقا من العاج ويرشم الصليب على ~~نفسه: «هذا الأثر المقدس، الذي يحتوي على جزء من الصليب الحقيقي، ~~جلب من دير جبل الكرمل.» # دون أن يرفع قلنسوته أو يظهر أي تبجيل للقداسة المزعومة للأثر، ~~انتزع الفارس من عنقه سلسلة ذهبية ورماها على الطاولة، قائلا: ~~«ليحتفظ رئيس الدير آيمر برهينتي وبرهينة هذا المتجول المجهول ~~الاسم؛ دليلا على أنه عندما يأتي الفارس إيفانهو ويصبح داخل حدود ~~بحار بريطانيا الأربعة، فإنه سيخضع لتحدي براين دي بوا جيلبرت، وإن ~~رفض التحدي فسأعلن أنه جبان على جدران جميع أديرة الهيكل في ~~أوروبا.» # قالت الليدي روينا قاطعة صمتها: «لن تكون ثمة حاجة إلى ذلك؛ ~~فسأعلو بصوتي، إن لم يرفع أحد غيري في هذه القاعة صوته نيابة عن ~~إيفانهو الغائب. أؤكد أنه سيقبل كل تحد مبجل بنزاهة. إن كان ~~تعهدي الضعيف سيضيف ضمانا لرهن الحاج المقدس الذي لا يقدر ~~بثمن، فإنني أتعهد باسمي وسمعتي أن إيفانهو سيواجه هذا الفارس ~~المختال المواجهة التي يبغيها.» # حينئذ كانت كأس النعمة تدار على الضيوف، الذين - بعد انحناءات ~~عميقة للمالك والليدي روينا - نهضوا مختلطين بعضهم ببعض في القاعة، ~~بينما انصرف رأسا العائلة مع خدمهما من بابين منفصلين. # قال فارس الهيكل لإيزاك اليهودي عندما مر عليه بين الحشد: «أيها ~~الكلب الكافر، ألن تمر في طريقك ms023 على المباراة؟» # رد إيزاك وهو منحن في مذلة شديدة: «أنوي ذلك بالفعل ، إن سمحت ~~بسالتكم المبجلة.» # قال الفارس: «أجل؛ كي تنهش أحشاء نبلائنا بالربا، وتخدع النساء ~~والصبيان بالزينة والألعاب. أراهن على أن معك مخزونا من الشيكلات في ~~كيس نقودك اليهودي.» # قال اليهودي شابكا يديه: «ليس معي شيكل واحد أو بنس فضي أو نصف ~~بنس. ليكن إله إبراهيم في عوني! فلن أذهب إلا طالبا للمساعدة من بعض ~~إخوتي من بني جنسي ليعاونوني على دفع الغرامة التي فرضها علي بيت ~~مال اليهود. ساعدني يا أبانا يعقوب! أنا صعلوك فقير.» # ابتسم فارس الهيكل ابتسامة مريرة وهو يرد عليه قائلا: «اللعنة ~~عليك أيها الكاذب المنافق!» ثم مضى في طريقه كما لو كان يترفع عن ~~الاستمرار في الحديث معه، وأخذ يتحدث مع عبيده المسلمين بلغة غير ~~معروفة للمحيطين بهم. # | الفصل الرابع # بينما كان الحاج يسير، ومعه خادم يضيء له المكان بمشعل، عبر ~~التركيبة المعقدة لغرف هذا المنزل الكبير غير العادي، قابل وصيفة ~~روينا التي كانت في انتظاره، والتي قالت له إن سيدتها ترغب في الحديث ~~معه، وأخذت المشعل من يد آنولد وطلبت منه أن ينتظرها حتى تعود، مشيرة ~~إلى الحاج أن يتبعها. قاده ممر قصير إلى غرفة الليدي روينا؛ حيث ~~كانت الجدران مغطاة بمعلقات مطرزة، وكان السرير محلى بنسيج ~~مزدان بالرسوم والصور، ومحاط بستائر مصبوغة باللون الأرجواني. ~~كانت المقاعد كذلك مغطاة بأقمشة مصبوغة، وكان أحدها الذي كان أعلى ~~من البقية معدا للراحة بمسند قدمين من العاج المنقوش ~~بإبداع. # كانت الليدي روينا جالسة على هذا المقعد الذي يشبه العرش، وثلاث ~~من خادماتها واقفات خلفها يصففن شعرها قبل أن ترقد لتستريح. أعرب ~~الحاج عن إجلاله لها بأن جثا على ركبتيه. # قالت بلطف: «انهض أيها الحاج؛ فالمدافع عن الغائب له الحق في أن ~~ينال استقبالا مميزا من جميع من يقدرون الحق والشهامة الشريفة.» ثم ~~قالت لتابعاتها: «انسحبن، عدا إلجيثا! فأنا أود التحدث إلى هذا الحاج ~~التقي.» # تراجعت الخادمات إلى طرف الغرفة الأبعد دون أن يغادرنها. # قالت السيدة بعد ms024 توقف للحظة: «أيها الحاج، ذكرت هذه الليلة اسما، ~~أعني اسم إيفانهو، في قاعات من المفترض بطبيعة الحال وبحكم القرابة أن ~~يلقى فيها كل قبول، ولكن من سخرية القدر أنه من بين كثيرين ممن كان ~~لا بد أن تخفق قلوبهم لاسمه، لا يجرؤ أحد، سواي، على سؤالك أين، وفي ~~أي حال، تركت من تحدثت عنه؟» # رد الحاج بصوت مضطرب: «لا أعلم سوى القليل عن الفارس إيفانهو. ~~تمنيت لو عرفته أكثر بما أنك يا سيدتي مهتمة بمصيره. أعتقد أنه ~~تغلب على ظلم أعدائه في فلسطين، وهو على وشك العودة إلى إنجلترا، ~~حيث، كما لا بد أنك تعلمين يا سيدتي، أي فرصة في السعادة تنتظره ~~هنا.» # قالت الليدي روينا: «أدعو الله أن يصل إلى هنا سالما، وقادرا على ~~حمل السلاح في المباراة التي على وشك أن تقام؛ فلو حصل أثيلستان أوف ~~كوننجزبيرج على الجائزة فمن المحتمل أن يسمع إيفانهو أخبارا سيئة ~~عندما يصل إلى إنجلترا. كيف كان حاله، أيها الغريب، عندما رأيته آخر ~~مرة؟ هل نال المرض بشدة من قوته ووسامته؟» # قال الحاج: «كان أشد سمرة ونحافة مما كان عليه عندما أتى من ~~قبرص، وبدا أن الهم يثقل كاهله، ولكني لم أدن منه لأنني لا ~~أعرفه.» # روينا والحاج، بريشة أدولف لالوز. # قالت السيدة: «أخشى ألا يجد إلا قلة في وطنه ممن يبددون سحب ~~أحزانه. شكرا لك، أيها الحاج الطيب، على معلوماتك فيما يخص رفيق ~~طفولتي.» ثم قالت: «أيتها الخادمات، اقتربن وقدمن كأس ما قبل ~~النوم لهذا الرجل التقي الذي لن أحول أكثر من ذلك بينه وبين أن ينال ~~قسطا من الراحة.» # أحضرت إحدى الخادمات كأس ما قبل النوم، التي تحتوي على خليط غني من ~~النبيذ والبهارات، والتي وضعتها روينا بالكاد على شفتيها، ثم قدمتها ~~للحاج الذي، بعد أن انحنى احتراما، ذاق منها بضع قطرات. # استأنفت السيدة حديثها وهي تقدم له قطعة من الذهب قائلة: «اقبل هذا ~~العطاء يا صديقي؛ عرفانا بالمصاعب الشداد التي لاقيتها وبالأماكن ~~المقدسة التي زرتها.» # تلقى الحاج العطية بانحناءة أخرى ms025 وتبع إلجيثا إلى خارج الغرفة. ~~أرشده آنولد إلى جزء وضيع من المبنى ، حيث عدد من الغرف الصغيرة، أو ~~بالأحرى الصوامع، المعدة لمبيت الخدم الأدنى شأنا والغرباء من ذوي ~~المراتب الدنيا. # قال الحاج: «في أي من هذه ينام اليهودي؟» # أجاب آنولد: «إن وجار الكلب الكافر في الصومعة المجاورة لقداستك. ~~بحق القديس دونستان، كم ستحتاج إلى حكها وتنظيفها كي تعود صالحة ~~لمبيت مسيحي؟!» # قال الغريب: «وأين ينام جيرث مربي الخنازير؟» # رد العبد: «جيرث ينام في الصومعة عن يمينك؛ إذ إن اليهودي في تلك ~~التي عن يسارك.» # ألقى الحاج بجسده على الأريكة الخشنة بعد أن أخمد مشعله، ~~ونام حتى وجد أول شعاع من أشعة ~~الشمس طريقه عبر النافذة الصغيرة ذات القضبان؛ عندئذ انتفض ~~مستيقظا. وبعد أن أدى صلوات الصباح وهندم ثوبه، غادر الصومعة، ~~ودخل صومعة إيزاك اليهودي، رافعا المزلاق بهدوء. # كان النزيل مستلقيا في نوم قلق على أريكة، وكانت يداه وذراعاه ~~تتحرك بارتعاش كما لو كان يجاهد كوابيسه، وسمعت هذه الهتافات بوضوح: ~~«لأجل إله إبراهيم، اصفح عن رجل مسن تعيس! أنا فقير، أنا معدم. وإن ~~مزقت أسلحتكم أطرافي إربا إربا فلن أستطيع أن أرضيكم!» # لم ينتظر الحاج حتى ينتهي اليهودي من رؤياه، وإنما هزه بعصا الحج ~~التي كان يحملها. انتفض الرجل العجوز مستيقظا وثبت على الحاج ~~عينيه السوداوين الحادتين، اللتين كانتا تفصحان عن مفاجأة عارمة ~~وخشية. # قال الحاج: «لا تخش شيئا مني يا إيزاك؛ فقد أتيتك صديقا.» # قال اليهودي: «ليجازك إله إسرائيل. لقد حلمت، ولكن ليتمجد أبونا ~~إبراهيم، لم يكن سوى حلم! وما نفعك من يهودي بائس في مثل هذه الساعة ~~المبكرة؟» # قال الحاج: «جئت لأقول لك إنه إن لم تغادر هذا المنزل على الفور ~~وترحل على عجل، فقد تكون رحلتك محفوفة بالمخاطر.» # قال اليهودي: «يا أبانا المقدس! من ذا الذي يهتم بتعريض حياة ~~فقير بائس مثلي للخطر؟» # قال الحاج: «يمكنك تخمين الغرض أكثر مني، ولكن ثق فيما أقول؛ ~~فعندما عبر فارس الهيكل القاعة ليلة البارحة تحدث مع عبديه المسلمين ~~باللغة العربية، التي ms026 أفهمها جيدا، وكلفهما هذا الصباح أن يترقبا ~~رحيل اليهودي، وأن يمسكا به عندما يكون على مبعدة من المنزل، وأن ~~يقتاداه إلى قلعة ريجينالد فرونت دي بوف.» # من المستحيل وصف شدة الرعب الذي كان قد أطبق على اليهودي لدى سماعه ~~لهذه المعلومة؛ حيث بدا أنه قد سيطر على الفور على جميع قدراته. # وقال: «أيها الإله المقدس، إله إبراهيم! يا موسى المقدس! يا ~~هارون المبارك! لا يحلم المرء الحلم عبثا، ولا تأتي الرؤيا عبثا؛ ~~فأنا أشعر بالفعل بأسلحتهم تمزق أوصالي! أشعر بالمخلعة تمر فوق ~~جسدي!» # قال الحاج: «قف يا إيزاك، وأنصت لي. لرعبك ما يسوغه، ولكني أقول ~~لك قف، وسأدلك على وسيلة الهرب. غادر هذا المنزل في الحال. ~~سأرشدك عبر المسارات السرية للغابة، التي أعرفها كما يعرفها أيضا ~~أي حراجي يتجول فيها، ولن أتركك حتى تصبح في مأمن لدى شخص من ~~الأعيان أو بارون ذاهب إلى المباراة، وربما يكون لديك وسيلة لنيل ~~عطفه.» # عندما سمع إيزاك الجزء الأخير من الجملة، بدا خوفه الغريزي يتجدد ~~بكامل قوته، وتبدى مرة أخرى على وجهه وهو يصيح بدهشة: «لدي ~~وسيلة لنيل عطفه! وا حسرتاه! فليس ثمة سوى طريق واحد لنيل عطف مسيحي، ~~ولكن كيف ليهودي فقير أن يجده، وقد استنزفه اغتصاب أمواله فأصبح في ~~بؤس أليعازر؟ حبا في الرب، أيها الشاب، لا تخدعني. من أجل الآب ~~الأعظم الذي خلقنا جميعا، يهودا وغير يهود، إسرائيليين وإسماعيليين، ~~لا تخني! ليس لدي وسيلة لنيل رضا شحاذ مسيحي، ولو كان ذلك ~~ببنس واحد.» # قال الحاج: «لو كنت محملا بجميع ثروة قومك، فما الذي سأجنيه من ~~إلحاق الضرر بك؟ لقد نذرت نفسي للفقر في هذا الثوب، ولا يحق لي أن ~~أغيره بأي حال إلا لو كان ذلك بجواد ودرع من زرد. فلتبق هنا إن ~~شئت، وقد يحميك سيدريك الساكسوني.» # قال اليهودي: «وا أسفاه! لن يتركني أسافر مع أتباعه؛ فسيخجل ~~الساكسونيون أو النورمانديون على حد سواء من صحبة إسرائيلي مسكين، ~~وسيتركونني أسافر وحدي عبر أملاك ريجينالد فرونت دي بوف. أيها الشاب ~~الصالح، ms027 سأذهب معك! لنسرع! لنعد العدة! ولنفر! ها هي عصاك، ~~فلم تتلكأ؟» # قال الحاج: «لا أتلكأ، ولكن يجب علي تأمين وسيلة مغادرة هذا ~~المكان. اتبعني.» # قاد الطريق إلى الصومعة المجاورة، التي كان فيها جيرث مربي ~~الخنازير، وقال: «انهض يا جيرث. انهض سريعا. افتح البوابة الخلفية، ~~واجعلني أخرج أنا واليهودي.» # قال جيرث: «اليهودي يترك روثيروود. يجب أن ينتظر كل من كان يهوديا ~~أو غير يهودي حتى تفتح البوابة الكبيرة؛ فلا ندع الزوار يغادرون ~~متسللين في هذه الساعات غير المناسبة.» # قال الحاج بنبرة آمرة: «ولكني لا أعتقد أنك سترفض لي ذلك ~~الطلب.» # قال ذلك وانحنى على سرير مربي الخنازير المضطجع وهمس بشيء في أذنه ~~باللهجة الساكسونية. هب جيرث واقفا كما لو كان قد تكهرب، وأضاف ~~الحاج قائلا: «احترس يا جيرث، يجب أن تكون حريصا. أقول لك افتح ~~البوابة الخلفية، وستعرف المزيد قريبا.» # أطاعه جيرث بخفة وسرعة، وتبعهما اليهودي متعجبا من التغير المفاجئ ~~في سلوك مربي الخنازير. # بمجرد خروجهم من البوابة الخلفية قال اليهودي: «بغلتي! ~~بغلتي!» # قال الحاج: «اجلب له بغلته، واسمع، اجلب لي واحدة أخرى؛ كي ~~أتحمل رفقته حتى يتجاوز هذه الأنحاء. وسأرجعها لك سالمة مع أحد ~~مواكب سيدريك في آشبي. أما أنت ...» وهمس بالباقي في أذن جيرث. # قال جيرث: «سأفعل، سأفعل عن طيب خاطر.» ثم غادر على الفور لينفذ ~~مهمته. # وسرعان ما ظهر على الجانب الآخر من الخندق المائي ومعه بغلتان؛ فعبر ~~المسافران الخندق فوق جسر متحرك، وسرعان ما وصلا إلى البغلتين. ثبت ~~اليهودي بعد ذلك، بسرعة وبيدين ترتجفان، خلف السرج حقيبة صغيرة من ~~قماش البقرم الأزرق كان قد أخرجها من تحت عباءته، وكانت تحتوي - كما ~~غمغم قائلا: «على ملابس للتغيير، فقط ملابس للتغيير.» ثم امتطى ~~البهيمة بخفة، ولم يضع وقتا في تسوية حواف سترته الطويلة لتحجب ~~الحمولة التي كانت معه تماما عن الأنظار. # | الفصل الخامس # عندما استكمل المسافران مسيرتهما مسرعين عبر عدة مسارات ملتوية، ~~قطع الحاج الصمت أخيرا. # قال: «تحدد شجرة البلوط الكبيرة البالية تلك حدود الأراضي التي ~~يدعي فرونت دي ms028 بوف أنها واقعة تحت سيطرته؛ فالآن لا خوف من ~~المطاردة.» # قال اليهودي : «ليت عجلات مركباتهم تنخلع، كما حدث مع جيش فرعون؛ ~~فيصعب سيرهم! ولكن لا تتركني أيها الحاج الصالح، وفكر في فارس الهيكل ~~الهمجي الجبار وخادميه العربيين؛ فلن يراعوا أرضا ولا قصرا ولا ~~سيادة.» # قال الحاج: «يجب أن يفترق طريقانا هنا؛ إذ لا يليق برجلين مثلي ~~ومثلك أن يسافرا معا لأكثر مما تقتضي الحاجة. إضافة إلى ذلك، أي ~~عون يمكنك الحصول عليه مني، أنا الحاج المسالم، في مواجهة وثنيين ~~مسلحين؟» # أجاب اليهودي: «أيها الشاب الصالح، يمكنك الدفاع عني وأعلم أنك ~~ستفعل. أنا فقير، ولكني سأجازيك، ليس بالمال؛ فلا أملك - لتساعدني يا ~~أبانا إبراهيم - من المال شيئا سوى ...» # قال الحاج مقاطعا حديثه: «المال والتعويض، سبق وأن قلت لك إنني لا ~~أريد منك ذلك. يمكنني أن أرشدك، وقد أتمكن حتى من الدفاع عنك نوعا ~~ما؛ لذا سأتركك، أيها اليهودي، في أمان في صحبة ملائمة. نحن الآن ~~لسنا ببعيدين عن بلدة شيفيلد، حيث يمكنك بسهولة العثور على الكثيرين ~~من أبناء قومك الذين تستطيع أن تلجأ إليهم.» # قال اليهودي: «لتحل بركة يعقوب عليك أيها الشاب الصالح! ففي ~~شيفيلد يمكنني أن ألوذ بقريبي زاريث، وسأجد وسيلة لمتابعة ترحالي ~~بأمان.» # قال الحاج: «ليكن كما تقول؛ ولنتفرق إذن في شيفيلد، وبعد نصف ساعة من ~~السير بالبغلتين ستصبح تلك البلدة على مرمى بصرنا.» # مر نصف الساعة وكلاهما في صمت مطبق، ثم توقفا على قمة ربوة ~~مرتفعة قليلا، وأشار الحاج إلى بلدة شيفيلد، التي تقبع تحتهم، مكررا ~~كلماته: «هنا إذن نفترق.» # قال إيزاك: «ليس قبل أن تنال شكر اليهودي الفقير؛ إذ لا أتجرأ على ~~أن أطلب منك أن تذهب معي إلى قريبي زاريث، الذي قد يساعدني بوسيلة ما ~~على رد معروفك.» # رد الحاج: «سبق وأن قلت لك إنني لا أرغب في أي تعويض.» # قال اليهودي متشبثا بثوبه: «ابق، ابق، فالرب يعلم أن اليهودي ~~فقير، أجل، إيزاك هو شحاذ قومه، ولكن سامحني إن خمنت ما أنت في أمس ~~الحاجة إليه ms029 في هذه اللحظة.» # قال الحاج: «إذا كنت ستحسن التخمين فإنه شيء لا يمكنك تقديمه، ~~ولو كنت ثريا بقدر ما تزعم من فقر.» # كرر اليهودي قوله: «كما أزعم؟ أوه! صدقني فلا أقول غير الحقيقة؛ ~~فأنا رجل منهوب ومدين ومكروب، ولكن يمكنني أن أخبرك بما ينقصك، وقد ~~أمدك به كذلك؛ فأنت تحتاج الآن إلى فرس ودرع.» # أجفل الحاج، والتفت فجأة نحو اليهودي، وقال بسرعة: «أي شيطان جعلك ~~تخمن ذلك؟» # قال اليهودي مبتسما: «لا يهم ما دام تخمينا صحيحا، وكما يمكنني ~~أن أخمن ما تحتاج إليه، كذلك يمكنني أن أمدك به.» # قال الحاج: «ولكن لتراع شخصيتي وملبسي وقسمي.» # رد اليهودي: «إنني أعرفكم أيها المسيحيون، وأعرف أن أنبلكم يتخذ عصا ~~ويرتدي نعلا تكفيرا عن ذنوب وهمية، ويمشي على قدميه لزيارة مقابر ~~الموتى.» # قال الحاج متجهما: «لا تجدف أيها اليهودي!» # قال اليهودي: «سامحني؛ فقد تكلمت دون روية، ولكنك تلفظت ~~بكلمات ليلة أمس وهذا الصباح، كانت كالشرر المتطاير من قدح ~~الصوان، وكشفت عن معدنك. وتحت رداء ذلك الحاج تخبئ زرد فارس ~~ومهمازين من الذهب، وقد ظهروا عندما انحنيت على سريري في ~~الصباح.» # لم يستطع الحاج منع نفسه من الابتسام، وقال: «لو كانت ثيابك قد ~~فتشت بعين فاحصة كعينك يا إيزاك، ترى ماذا كنا سنكتشف؟» # تغير لون اليهودي وسحب أدوات الكتابة على عجل، وبدأ يكتب على قطعة ~~من الورق كان يضعها أعلى قبعته الصفراء، دون أن ينزل من فوق بغلته، ~~وقال: «كفى.» وحين انتهى أعطى اللفيفة للحاج، قائلا: «يعلم جميع ~~الرجال في مدينة ليستر الثري اليهودي كيرجاث جايرام أوف لومباردي؛ ~~أعطه هذه اللفيفة؛ فهو يعرض للبيع ستة أطقم للجياد من ميلان، ~~أسوءها يناسب رأسا متوجا؛ وعشرة جياد أصيلة، يصلح أسوءها لأن ~~يكون مطية لملك. وسيعطيك منها ما تختار، مع كل شيء آخر من شأنه ~~تجهيزك للمباراة. وعندما تنتهي المباراة سترجعها له سالمة، إلا لو ~~كنت تملك ما تسدد به ثمنها لمالكها.» # قال الحاج مبتسما: «ولكن يا إيزاك، ألا تعلم أن، في هذه المباريات، ~~تئول الأسلحة والجواد الذي ms030 يقع الفارس من فوق صهوته إلى المنتصر؟ وقد ~~أكون تعيس الحظ وأخسر ما لا يمكنني استبداله أو دفع ثمنه.» # بدا اليهودي مصدوما بعض الشيء من هذا الاحتمال، ولكنه استجمع شجاعته ~~وأجاب بسرعة: «لا، لا، لا، هذا مستحيل، لا أعتقد ذلك. ستحل عليك بركة ~~أبينا، وسيكون رمحك في قوة عصا موسى.» # قال ذلك وهو يدير رأس بغلته، وحينئذ تشبث الحاج، بدوره، بسترته ~~الطويلة، وقال: «كلا، ولكنك يا إيزاك لا تعلم جميع المخاطر؛ فقد يقتل ~~الجواد، وقد ينكسر الدرع لأنني لن أبقي على جواد أو رجل. إلى جانب أن ~~قومك لا يعطون شيئا بلا مقابل، ففي بعض الأحيان يجب دفع شيء ما ~~مقابل استعمال هذه الأشياء.» # لوى اليهودي نفسه على السرج كرجل يشعر بمغص في أحشائه، ولكن ~~مشاعره الطيبة تغلبت على طباعه المألوفة، وقال: «لا يهمني، لا ~~يهمني. دعني أذهب. إذا حدث ضرر فلن يكلفك شيئا. وإن كانت ثمة ~~أموال مقابل الاستعمال فسيتغاضى كيرجاث جايرام عنها من أجل قريبه ~~إيزاك. وداعا!» ثم قال وهو يتلفت حوله: «ولكن أصغ جيدا أيها الشاب ~~الصالح، لا تدفع بنفسك كثيرا في هذه الجلبة الفارغة. لا أتحدث عن ~~تعريض الجواد والدرع للخطر، ولكن لأجل المحافظة على حياتك ~~وسلامتك.» # قال الحاج مبتسما مرة أخرى: «شكرا جزيلا على تحذيرك. لن أتوانى ~~في الاستفادة من عطفك، وسأجازيك عنه، على الرغم من أن ذلك سيكون صعبا ~~علي.» # افترقا، وسلك كل منهما طريقا مختلفا إلى بلدة شيفيلد. # | الفصل السادس # على مسطبة مكونة من مرتفع طبيعي من الأرض، خلف المدخل الجنوبي ~~للحلبة في آشبي، نصبت خمسة سرادقات مهيبة، زينت برايات خمرية ~~وسوداء اللون، وهما اللونان اللذان اختارهما الفارسان المتنافسان. ~~وكانت حبال الخيام باللون نفسه. وأمام كل سرادق كان معلقا درع ~~الفارس الذي يشغله، وبجانبه وقف تابعه، متنكرا تنكرا عجيبا في ~~ملابس غريبة الأطوار. أما السرادق الذي كان في المنتصف، فقد كان ~~مخصصا لبراين دي بوا جيلبرت، الذي جعلته شهرته في كل مباريات ~~الفروسية يستقبل بترحاب شديد ضمن جماعة المتنافسين، بل إنهم ~~اتخذوه رئيسا ms031 وقائدا لهم. # كان يشغل جزءا من خارج ساحة النزال أروقة مؤقتة مفروشة بلوحات ~~نسيجية وسجاجيد، ومعدة بوسائد لراحة أولئك السيدات وهؤلاء النبلاء ~~الذين كان يتوقع حضورهم للمباراة. وكان ثمة مساحة ضيقة، فيما بين ~~هذه الأروقة وساحة النزال، مخصصة لصغار الملاك والمتفرجين من ~~مرتبة أعلى من العامة، وربما تضاهى بالجزء الخلفي من قاعة ~~مسرح. # كان أحد الأروقة، وهو المقابل تماما للبقعة التي كان يقع فيها ~~النزال، أعلى من بقية الأروقة، وأكثر تزينا منها، ويمتاز عنها بما ~~يشبه عرشا ومظلة، كانا مخصصين للأمير جون. في مواجهة ذلك ~~الرواق الملكي، كان ثمة رواق بالارتفاع نفسه في الجانب الغربي من ساحة ~~النزال، وكان أكثر بهاء، وإن كان أقل ترفا في زينته من ذلك المعد ~~للأمير نفسه. وكانت مجموعة من الصبيان والوصيفات - أجمل من يمكن ~~اختيارهم، يرتدون أردية بهيجة وفاخرة باللونين الأخضر والوردي - تحيط ~~بعرش مزين بهذين اللونين مخصص لملكة الجمال والحب. # كان إيزاك، مرتديا بترف وعظمة سترة طويلة مزخرفة بالأربطة ~~ومخططة ومبطنة بالفرو، ويسعى لإيجاد مكان في الصف الأول أسفل ~~الرواق لابنته، الجميلة ريبيكا، التي كانت قد انضمت إليه في آشبي، ~~والتي كانت حينئذ تتعلق بذراع أبيها. وبينما كان الأمير جون، معتليا ~~صهوة جواد أصيل رمادي اللون، يدور نصف دورة داخل ساحة النزال على رأس ~~مجموعة مرحة؛ لاحظت عيناه اللماحتان على الفور اليهودي، ولكنه كان ~~أكثر انجذابا وانسجاما بكثير بابنة صهيون الجميلة. # كان يمكن لشكل ريبيكا بالفعل أن يضاهي جميلات إنجلترا الأكثر ~~اعتدادا بأنفسهن؛ إذ كان قوامها متناسقا بإتقان، وأبرزه نوع من ~~الزي الشرقي، الذي ارتدته تبعا لأزياء النساء من قومها. وكانت ~~عمامتها، المصنوعة من حرير أصفر، تتناسب تماما مع سمرة بشرتها. ~~شكل تألق عينيها، وتقوس حاجبيها الفاتنين، وأنفها المعقوف ~~المتقن التكوين، وأسنانها البيضاء بياض اللؤلؤ، وغزارة خصلات شعرها ~~السوداء المرتبة كل على حدة في لفات متموجة صغيرة؛ شكل كل ~~ذلك آية من الجمال، لا يفوقها جمال أجمل الفتيات اللواتي أحطن بها. ~~ومن المشابك الذهبية المرصعة باللؤلؤ، التي كانت تغلق سترتها من ~~العنق إلى ms032 الخصر، تركت أول ثلاثة مشابك مفكوكة بسبب حرارة الجو، فكشفت ~~عن عقد ماسي بدلايات نفيسة. كما ميزت اليهودية الجميلة ريشة ~~نعامة مثبتة في عمامتها بمشبك مرصع بالماس. # قال الأمير جون: «بحق رأس إبراهيم الأصلع، لا بد أن هذه اليهودية هي ~~المثال الأعلى لذلك الكمال، الذي فتن سحره أكثر الملوك حكمة على مر ~~العصور! ما قولك يا رئيس الدير آيمر؟» # رد رئيس الدير، بنبرة ساخرة نوعا ما: «إنها وردة شارون وسوسنة ~~الوادي، ولكن يجب أن تتذكر سموك أنها، مع ذلك، ليست إلا ~~يهودية.» # أضاف الأمير جون دون أن يلتفت إليه: «أجل! وها هما رجلاي من أرباب ~~الثروة الفاسقين أيضا؛ مركيز الماركات وبارون العملات البيزنطية، ~~يتنافسان على مكان مع الكلاب المعدمة، الذين لا تحوي جيوب عباءاتهم ~~الرثة صليبا واحدا يقيهم من الشيطان. بحق جسد القديس مرقس، ينبغي ~~لأمير إمداداتي ويهوديته الجميلة أن يحظيا بمكان في الرواق! من هي يا ~~إيزاك؟ زوجتك أم ابنتك، تلك الحورية الشرقية التي تمسك بها تحت ذراعك ~~كما لو كنت تمسك بعلبة كنوزك؟» # رد إيزاك منحنيا: «إنها ابنتي ريبيكا، في خدمة سموك.» # قال جون وهو يجلجل من الضحك: «إنك رجل حكيم، ولكن سواء كانت ابنتك ~~أو زوجتك فستحظى بالتفضيل بسبب جمالها ومزاياها.» واستكمل كلامه مادا ~~عينيه إلى الرواق متسائلا: «من يجلس بالأعلى هناك؟ وضعاء ~~ساكسونيون مسترخون ممددون! عار عليهم! لتجعلوهم يجلسون متقاربين، ~~وليفسحوا مكانا لأمير المرابين وابنته الجميلة. سأجعل الفلاحين ~~يعلمون أنه يجب عليهم أن يتقاسموا الأماكن العليا من المعبد مع من ~~ينتمون حقا إليه.» # هؤلاء الذين كانوا يشغلون الرواق، الذين وجه إليهم هذا الكلام ~~المهين وغير المهذب، كانوا عائلة سيدريك الساكسوني، ومعهم حليفه ~~وقريبه أثيلستان من كوننجزبيرج؛ تلك الشخصية البارزة التي، نظرا إلى ~~انحدارها من آخر ملوك إنجلترا الساكسونيين، حظي بأعلى درجات الاحترام ~~من جميع الساكسونيين الأصليين لشمال إنجلترا. # كان هذا هو الشخص الذي وجه إليه الأمير أمره المستبد بإفساح مكان ~~لإيزاك وريبيكا. لم يكن أثيلستان، الذي أربكه الأمر تماما، يرغب في ~~الإذعان، لكنه، مترددا بشأن كيفية ms033 المقاومة، لم يعارض رغبة جون إلا ~~بالسلبية. ودون أن يتحرك فتح عينيه الرماديتين الكبيرتين وحدق في ~~الأمير مذهولا. # قال جون مخاطبا الفارس الذي كان يمتطي جوادا بالقرب منه: «إن ~~الخنزير الساكسوني إما أن يكون نائما أو لا يعبأ بي. انخزه برمحك يا ~~دي براسي.» مد دي براسي رمحه الطويل فوق الفراغ الذي يفصل الرواق عن ~~ساحة النزال، وكاد ينفذ أوامر الأمير لولا أن سيدريك استل بسرعة ~~البرق سيفه القصير من غمده، وبضربة واحدة فصل ذؤابة الرمح عن مقبضه. ~~احتدم الدم في وجه الأمير جون؛ فأقسم أغلظ أيمانه، وكان على وشك التلفظ ~~بتهديد على قدر عنفه، ولكن حال دون ذلك هتاف عام من الحشد وسط ~~تصفيقهم الحاد إعجابا بسلوك سيدريك الجريء. أدار الأمير عينيه في سخط، ~~وصادف أن تلاقت عيناه مع نظرة ثابتة من أحد الرماة، الذي بدا ~~عازما على الاستمرار في التهليل، على الرغم من نظرة العبوس التي نظرها ~~له الأمير، فسأله عن سبب هذا الصخب. # قال اليومن: «دائما ما أهتف عندما أرى رمية جيدة أو ضربة ~~شجاعة.» # رد الأمير: «أحقا ما تقول؟ إذن يمكنك إصابة العلامة البيضاء في ~~هدف ما بنفسك، أؤكد لك ذلك.» # رد اليومن: «يمكنني أن أصيب علامة رجل غابة، ومن المسافة التي ~~يصيبها منها رجل الغابة.» # قال جون: «بحق القديس جريزيل، سنختبر مهارة ذلك الرجل المستعد تمام ~~الاستعداد للهتاف للأعمال البطولية للآخرين.» # قال اليومن برباطة جأش اتسم بها سلوكه بالكامل: «لن أهرب من ~~الاختبار.» # قال الأمير الثائر: «الآن، فلتقفوا أيها الوضعاء الساكسونيون؛ لأنه، ~~بحق نور السموات، سيتخذ اليهودي مقعدا بينكم؛ بما أنني قد قلت ~~بذلك!» # قال اليهودي: «لن يحدث ذلك مطلقا! ولتأذن لي سموك! فلا يليق ~~بأمثالنا أن يجلسوا مع حكام الأرض.» # قال الأمير جون: «قف أيها الكلب الكافر عندما آمرك، وإلا سلخت جلدك ~~الأسمر وصنعت منه سرجا لحصاني!» # ومن ثم بدأ اليهودي، مدفوعا، يصعد الدرج المائل الضيق الذي كان ~~يقود إلى الرواق. # قال الأمير مثبتا عينيه على سيدريك: «لأر من يجرؤ على ~~إيقافه!» # ولكن وامبا ms034 هب ووقف بين سيده وإيزاك وهتف، ردا على تحدي الأمير ~~قائلا: «بحق العذراء مريم، أنا سأفعل!» قال هذا وهو يقف في مواجهة ~~لحية اليهودي دافعا نحوه بقطعة من لحم الخنزير أخرجها من تحت عباءته. ~~تراجع اليهودي عندما شهد إهانة قومه أسفل أنفه مباشرة، بينما كان ~~المهرج في الوقت نفسه يلوح بسيفه الخشبي أعلى رأسه، فزلت قدما ~~اليهودي وتدحرج على الدرج، فكان أضحوكة ممتازة للمشاهدين الذين ~~ضجوا بالضحك، وضحك معهم الأمير جون وأتباعه من أعماق قلوبهم. # قال وامبا: «امنحني الجائزة يا قريبي الأمير.» وأضاف ملوحا بلحم ~~الخنزير في يد وبالسيف الخشبي في اليد الأخرى: «فقد هزمت خصمي في ~~قتال عادل بالسيف والدرع.» # قال الأمير جون وهو لا يزال يضحك: «من أنت وماذا تعمل أيها البطل ~~النبيل؟» # رد المهرج: «أنا مهرج بالوراثة؛ اسمي وامبا بن ويتليس بن ~~ويثيربرين، الذي كان ابنا لأحد شيوخ البلد.» # قال الأمير جون: «أفسحوا مكانا لليهودي أمام الحلقة الدنيا؛ فإنه ~~مما يناقض شعارات النبالة أن يجلس المهزوم بجوار المنتصر.» # رد المهرج: «وأسوأ منه أن يجلس وغد مع أحمق، والأسوأ على الإطلاق ~~أن يجلس يهودي وأمامه لحم خنزير مقدد.» # صاح الأمير جون: «شكرا جزيلا أيها التابع الصالح؛ فقد أسعدتني. ~~إذن، فلتقرضني يا إيزاك حفنة من العملات البيزنطية.» # بينما كان اليهودي يتحسس حقيبته المبطنة التي كانت معلقة في ~~حزامه، وربما كان يحاول إخراج أقل عدد من العملات يمكن أن يمثل حفنة، ~~مال الأمير من فوق فرسه، وأنهى حيرة إيزاك بانتزاعه كيس النقود ذاته ~~من جانبه، ورمى إلى وامبا بقطعتين ذهبيتين مما كان في الكيس، ثم ~~تابع سيره حول ساحة النزال. # | الفصل السابع # توقف الأمير جون فجأة أثناء مسير موكبه، ونادى على رئيس دير ~~جورفولكس، معلنا أن المهمة الرئيسة لذلك اليوم قد أغفلت. # قال: «بحق الكنيسة، لقد نسينا يا رئيس الدير أن نختار ملكة الحب ~~والجمال الجميلة، التي ستسلم الجائزة بيدها البيضاء. من ناحيتي، أنا ~~متحرر في أفكاري، ولا يهمني إن أعطيت صوتي لريبيكا ذات العينين ~~السوداوين.» # قال دي براسي: «كلا، ms035 كلا. فلنترك عرش الملكة الجميلة شاغرا حتى ~~يعلن عن اسم المنتصر، ثم ليختر بنفسه السيدة التي ستشغله. سيضفي ~~ذلك فضلا آخر على انتصاره، ويعلم السيدات الجميلات أن يقدرن حب ~~الفرسان الشجعان، الذين يمكنهم أن يعلوا من شأنهن لمثل تلك ~~المكانة.» # رضخ الأمير، وجلس على عرشه، وأشار للمنادين أن يعلنوا قوانين ~~المباراة التي كانت باختصار تنص على الآتي: # أولا: # على المتنافسين الخمسة أن ينازلوا كل من يتقدم ~~للنزال. # ثانيا: # يجوز لأي فارس يتقدم للنزال أن يختار، إن رغب في ~~ذلك، خصما معينا من بين المتنافسين، وذلك بأن ~~يمس درعه. وإن فعل ذلك بمؤخرة رمحه يعقد اختبار ~~للمهارات بما يسمى الأسلحة التي لا ضرر منها؛ أي ~~بالرماح المثبت في طرفها قطعة مستديرة ومسطحة من ~~الخشب؛ ومن ثم لا يتعرض المتنافس لأي ضرر باستثناء ~~ضربات الجياد وراكبيها، ولكن إذا مس الدرع بطرف ~~الرمح المدبب يتعين على الفارسين النزال بأسلحة ~~حادة، كما في المعارك الحقيقية. # ثالثا: # عندما يفي الفرسان الحاضرون بقسمهم، بأن يكسر كل ~~منهم خمسة رماح، يعلن الأمير اسم المنتصر في اليوم ~~الأول للمباراة، والذي سينال جائزة عبارة عن جواد حرب ~~بالغ الجمال ولا يضاهى في قوته، وسينال الشرف ~~المتفرد بإعلان اسم ملكة الحب والجمال، التي ستمنح ~~الجائزة في اليوم التالي. # رابعا: # يعلن أنه في اليوم الثاني ستعقد مباراة عامة ~~يمكن لجميع الفرسان أن يشاركوا فيها؛ وبتقسيمهم إلى ~~مجموعتين، من عددين متساويين، يتقاتلون ببسالة حتى ~~يعطي الأمير جون الإشارة بوقف القتال، ثم تتوج ملكة ~~الحب والجمال المختارة الفارس الذي يقرر الأمير أنه ~~كان الأفضل في اليوم الثاني؛ وذلك بإكليل مكون من ~~صفيحة ذهبية رفيعة مصوغة على شكل إكليل غار. # وأخيرا، فتحت الحواجز، وتقدم خمسة فرسان، اختيروا بالقرعة، ~~ببطء إلى ساحة النزال، يتقدمهم أحد المتنافسين منفردا على جواده، ~~ويتبعه الأربعة الآخرون في زوجين. تقدموا نحو المرتفع الذي كانت ~~منصوبة عليه خيام المتنافسين، وهناك تفرقوا لامسا كل منهم برفق، ~~وبمؤخرة رمحه، درع الخصم الذي يرغب في منازلته. # بعدما أفصح الأبطال عن غرضهم السلمي، انسحبوا إلى ms036 طرف ساحة النزال، ~~التي ظلوا فيها يتراجعون في صف واحد، بينما انطلق المتحدون كل ~~منهم من سرادقه وامتطوا جيادهم، يتقدمهم براين دي بوا جيلبرت، وهبطوا ~~من فوق المرتفع، وواجه كل واحد منهم الفارس الذي كان قد لمس ~~درعه. # عندما نفخ في الأبواق والنفير انطلقوا عدوا بجيادهم كل منهم في ~~مواجهة الآخر، وكان المتحدون يمتلكون براعة فائقة أو حظا حسنا، ~~جعل خصوم بوا جيلبرت ومالفوازان وفرونت دي بوف يسقطون أرضا. احتفظ ~~الفارس الخامس وحده بشرف مجموعته، وابتعد عن رالف دي فيبوان، فارس ~~القديس جون، وقد حطم كل منهما رمح الآخر دون تفوق لأحد منهما على ~~الآخر. # نزلت الميدان مجموعة ثانية وثالثة من الفرسان. وعلى الرغم من ~~تحقيقهم لنجاحات متنوعة، ففي المجمل ظل التفوق بلا جدال للمتحدين ~~الذين لم يسقط أحد منهم من فوق جواده أو ينحرف عن مهمته، وهي تلك ~~البلايا التي وقعت لواحد أو اثنين من خصومهم في كل مواجهة؛ ولذلك بدت ~~معنويات خصومهم في تدهور كبير بسبب استمرار نجاحهم. بعد هذا توقف ~~النزال لفترة طويلة، ولم يبد خلالها أن أحدا كان راغبا في العودة ~~إلى النزال. # وأخيرا، بينما كانت موسيقى ~~المتحدين العربية تختتم إحدى مقطوعاتها الطويلة والعالية التي كسروا ~~بها صمت ساحة النزال، أجابها صوت نفير وحيد، أظهر إعلانا عن تحد ~~آت من الطرف الشمالي، وما إن فتحت الحواجز حتى انطلق بطل جديد إلى ~~ساحة النزال. لم يكن المغامر يتجاوز كثيرا في حجمه رجلا متوسط ~~الحجم، وبدا أقرب إلى النحافة من القوة. كان لباسه المدرع مصنوعا ~~من الصلب الموشى بغزارة بالذهب، ومرسوما على درعه شعار شجرة بلوط ~~فتية مقتلعة من جذورها، مع كلمة باللغة الإسبانية معناها «محروم من ~~الميراث». # صعد المرتفع عن طريق الممر المنحدر الذي يؤدي إليه من ساحة النزال، ~~وقاد جواده مباشرة إلى السرادق المركزي، ثم ضرب بالنهاية الحادة ~~لحربته درع براين دي بوا جيلبرت حتى تردد صدى صوته. وقف الجميع ~~مذهولين من جرأته، ولكن كان أكثرهم ذهولا كان الفارس المخيف الذي ~~كان واقفا غير آبه عند ms037 باب سرادقه؛ إذ كان بذلك قد تحداه لقتال ~~مميت، ولم يكن يتوقع أن يتحداه أحد بهذه الوقاحة. # قال فارس الهيكل: «هل مارست طقس الاعتراف يا أخي؟ وهل سمعت عظة ~~هذا الصباح حتى تخاطر بحياتك بهذه الجرأة؟» # أجاب الفارس المحروم من الميراث: «أنا جاهز لملاقاة الموت أكثر ~~منك.» # قال براين: «إذن فلتأخذ مكانك في ساحة النزال، ولتلق نظرتك الأخيرة ~~على الشمس؛ لأنك ستنام الليلة في الفردوس.» # أجاب الفارس المحروم من الميراث: «شكرا جزيلا على مجاملتك؛ وردا ~~عليها أنصحك بأن تأخذ جوادا نشيطا ورمحا جديدا؛ لأنك، وأقسم بشرفي ~~على ذلك، ستحتاج إلى كليهما.» # بعدما عبر عن نفسه بثقة هكذا كبح جواده، ونزل به متقهقرا المنحدر ~~الذي كان قد صعده، وأجبره بالطريقة نفسها على التراجع للوراء عبر ساحة ~~النزال، حتى وصل إلى الطرف الشمالي، حيث ظل ثابتا منتظرا ~~خصمه. # لم يتجاهل براين دي بوا جيلبرت نصيحة خصمه؛ فاستبدل بجواده جوادا ~~مجربا وجديدا شديد القوة والنشاط. واختار رمحا جديدا ومتينا؛ ~~خشية أن يكون خشب رمحه القديم قد التوى في المواجهات السابقة التي ~~كان قد ثبت فيها. وأخيرا، وضع جانبا درعه الذي كان قد لحقت به بعض ~~الأضرار، وتلقى درعا آخر من تابعه. # عندما وقف البطلان وجها لوجه في طرفي ساحة النزال، كان ترقب ~~الجماهير في أعلى درجاته. ولم يتوقع سوى قليل منهم أن تنتهي المواجهة ~~لصالح الفارس المحروم من الميراث، ولكن شجاعته وبسالته كانتا ضمانا ~~لآمال المشاهدين العريضة. # لم تكد الأبواق تعطي الإشارة حتى اختفى المحاربان من مكانيهما ~~بسرعة البرق، وتقابلا في مركز ساحة النزال بقوة الصاعقة. تفجر ~~الرمحان حتى مقبضيهما إلى شظايا، وبدا في تلك اللحظة أن الفارسين قد ~~سقطا؛ حيث كانت الصدمة قد جعلت كلا الجوادين يتراجعان ويسقطان على ~~رجليهما الخلفيتين. استعاد الفارسان زمامي جواديهما ببراعة ~~باستخدام اللجام والمهماز، وحدق كل منهما في الآخر للحظة، حيث ~~بدت عيناهما تقدحان بالشرر عبر قضبان خوذتيهما، ودار كل منهما نصف ~~دورة، متراجعا إلى طرف ساحة النزال ليأخذ رمحا جديدا من ~~تابعيه. # أطلق المشاهدون صيحة عالية، ms038 ملوحين بالأوشحة والمناديل، وهتافات ~~جماعية دلت على مدى اهتمام المشاهدين بالمواجهة التي كانت الأكثر ~~تكافؤا والأفضل أداء؛ مما زاد اليوم بهاء، ولكن ما إن عاد الفارسان ~~إلى مكانيهما حتى خمد صخب التصفيق، وحل مكانه الصمت العميق ~~والمميت، حتى بدا أن الجماهير كانوا يخشون حتى أن يتنفسوا. # سمح ببضع دقائق من التوقف حتى يستعيد المتنافسان وجواداهما ~~أنفاسهم، ثم أشار الأمير جون لحاملي الأبواق بعصاه أن يعلنوا بدء ~~الهجوم. اندفع البطلان للمرة الثانية من مكانيهما، والتقيا في مركز ~~ساحة النزال بنفس السرعة والبراعة والعنف، ولكن ليس بالحظ المتساوي ~~ذاته كما في الجولة الأولى. # في هذه المواجهة الثانية صوب فارس الهيكل رمحه نحو مركز درع خصمه، ~~وضربه ببراعة وقوة شديدتين، حتى إن رمحه استحال إلى شظايا، وترنح ~~الفارس المحروم من الميراث على سرجه. من الناحية الأخرى، كان ذلك ~~البطل، منذ بداية مسعاه، قد وجه طرف رمحه نحو درع براين، ولكنه ~~غير هدفه في اللحظة الأخيرة تقريبا من المواجهة، ووجهه نحو خوذته، ~~وهي بقعة أصعب في إصابتها، ولكنها لو أصيبت تكون صدمتها أصعب في ~~احتمالها. ببراعة وإحكام، أصاب النورماندي في قناع خوذته، حيث بقي طرف ~~رمحه معلقا في قضبانها، ولكن حتى مع هذا الضرر أبقى فارس الهيكل على ~~سمعته الرفيعة، ولو لم ينقطع حزام سرجه لما سقط من فوق صهوة جواده، ~~غير أنه تصادف أن سقط السرج والجواد والرجل على الأرض وسط سحابة من ~~الغبار. # ولم يستغرق تحرير فارس الهيكل لنفسه من السرج وجواده الذي سقط إلا ~~الجهد الجهيد للحظة، وإذ مسه جنون الغضب سحب سيفه ولوح به متحديا ~~قاهره، فوثب الفارس المحروم من الميراث من فوق جواده، واستل هو الآخر ~~سيفه، لكن منظمي الميدان استحثا جواديهما وفصلا بينهما، ~~وذكراهما بأن قوانين المباراة لم تكن تسمح، في تلك المناسبة، بهذا ~~النوع من المواجهات. # قال فارس الهيكل رامقا خصمه بامتعاض: «أنا واثق من أننا سنلتقي ~~مرة أخرى؛ وعندها لن يكون ثمة أحد ليفصل بيننا.» # قال الفارس المحروم من الميراث: «إن لم نلتق فلن يكون الخطأ ms039 خطئي. ~~وسواء كنا على أقدامنا أو على صهوة جوادينا، وبرمح أو بلطة أو سيف، ~~أنا على أتم الاستعداد لمواجهتك كهذه المرة.» # كان من الممكن أن يتبادلا المزيد من الكلمات الأشد غضبا، لكن ~~المنظمين حالا بينهما برمحيهما المتقاطعين، فأجبراهما على أن ينفصل ~~بعضهما عن بعض. فرجع الفارس المحروم من الميراث إلى مكانه الأول، ورجع ~~براين إلى خيمته حيث ظل قابعا بقية اليوم يتجرع مرارة الأسى. # | الفصل الثامن # دون أن يترجل عن حصانه طلب المنتصر إناء من النبيذ، ثم فتح قبال ~~خوذته، أو جزأها الأسفل، معلنا أنه قد تجرعه، قائلا: «إلى جميع ~~القلوب الإنجليزية الأصيلة، ومن أجل إرباك الطغاة الأجانب.» بعد ذلك ~~طلب من حامل بوقه أن يصدع بتحد لمن يرغب في نزاله، وقال لمناد أن ~~يعلن لهم أنه ينوي مواجهتهم بالترتيب الذي يريدون أن يتقدموا به ~~لمواجهته. # كان العملاق فرونت دي بوف، مسلحا بدرع أسود، هو أول من نزل ~~الميدان. تفوق الفارس المحروم من الميراث على هذا البطل تفوقا ~~يسيرا، ولكنه كان حاسما. تحطم رمحا كلا الفارسين إلى حد ما، ~~لكن فرونت دي بوف، الذي زلت إحدى قدميه عن الركاب في المواجهة، ~~اعتبر مهزوما. # انتصر الغريب أيضا في مواجهته الثالثة مع السيد فيليب مالفوازان؛ إذ ~~ضرب ذلك البارون بقوة شديدة على خوذته فكسرت أربطتها، وكل ما ~~تمكن مالفوازان من فعله هو أن تجنب السقوط بلا خوذة، ولكن هزيمته ~~قد أعلنت كرفقائه. # في نزاله الرابع مع دي جرانتمسنيل، أظهر الفارس المحروم من الميراث ~~من حسن الأخلاق القدر نفسه الذي كان قد أظهره حتى هذه اللحظة من ~~البسالة والبراعة. رفع جواد دي جرانتمسنيل، الذي كان يافعا وعنيفا، ~~رجليه الأماميتين واندفع بسرعة بالغة في مساره، فشتت هدف راكبه، ~~ورافضا أن يستغل الميزة التي منحها له هذا الحادث رفع الغريب رمحه ~~ومر بخصمه دون أن يمسه، عائدا بجواده إلى مكانه في ساحة النزال، ~~مقدما لخصمه، عبر المنادي، فرصة خوض مواجهة ثانية. ولكن دي ~~جرانتمسنيل رفض معترفا بأن حسن أخلاق خصمه قد هزمه بقدر ما هزمته ms040 ~~مواجهته معه. # جاءت مواجهة رالف دي فيبوان ختاما لقائمة انتصارات الفارس الغريب ؛ ~~فقد اندفع على الأرض بقوة بالغة حتى إن الدم تفجر من أنفه وفمه، وقد ~~حمل فاقدا للوعي خارج الحلبة. # هللت الآلاف بالجائزة الناتجة عن إجماع الأمير والمنظمين، الذين ~~أعلنوا أن من فاز بهذا اليوم هو الفارس المحروم من الميراث. # كان القائمان على النظام في الميدان هما أول من قدموا تهانيهم ~~للمنتصر، وطلبا منه أن يرفع خوذته قبل أن يقوداه لتلقي جائزة مباراة ~~اليوم من يدي الأمير جون. رفض الفارس المحروم من الميراث طلبهما بكل ~~ما تمليه عليه أخلاق الفرسان من تهذيب، زاعما أنه لا يمكنه الآن أن ~~يتحمل عواقب أن يرى وجهه؛ وذلك لأسباب سبق أن أوضحها للمنادين عندما ~~دخل إلى ساحة النزال. اقتنع المنظمان تمام الاقتناع بهذا الرد؛ ولذلك ~~لم يضغطوا عليه أكثر لمعرفة سره، وبعد أن أبلغا الأمير جون برغبة ~~المنتصر في أن يظل غير معروف، طلبا السماح بالإتيان به أمام سموه حتى ~~يتلقى جائزة شجاعته. # كان جون مستاء من نتيجة المباراة؛ حيث هزم المتحدون الذين ~~فضلهم واحدا تلو الآخر على يد فارس واحد، فأجاب المنظمين بغطرسة ~~قائلا: «بحق نور جبين السيدة العذراء، لقد حرم هذا الفارس من ~~الكياسة كما حرم من أرضه؛ ما دام يرغب في الظهور أمامنا دون أن يكشف ~~عن وجهه.» # تعالى همس بين الحاشية، ولكن لم يكن ليجزم بمصدره الأول. قال ~~قائل: «قد يكون الملك، قد يكون ريتشارد قلب الأسد نفسه!» فقال الأمير ~~جون، وقد صار وجهه، على الرغم منه، شاحبا كالموتى: «أسأل الرب ألا ~~يكون كذلك! والديمار! دي براسي! أيها الفارسان الشجاعان والرجلان ~~النبيلان، تذكرا وعودكما وشدا بصدق من أزري!» # قال والديمار فيتزورس، أحد أهم تابعيه: «ليس ثمة خطر وشيك. هل أنت ~~ذو إلمام يسير بأعضاء ابن أبيك الضخمة لدرجة أن تظن أنه يمكن أن ~~تناسبها بدلة مدرعة كهذه؟ انظر إليه من كثب يا صاحب السمو، ~~وستلاحظ أنه يقل طولا عن الملك ريتشارد بثلاث بوصات وضعف ذلك في ~~عرض كتفيه، كما ms041 أن الجواد الذي يمتطيه لا يمكنه أن يحمل وزن الملك ~~ريتشارد ولو لجولة واحدة.» # بينما كان يتحدث جلب المنظمان الفارس المحروم من الميراث وجعلوه ~~يتقدم إلى أسفل درج خشبي، يصل صعودا من الحلبة إلى عرش الأمير جون. ~~وبمديح قصير لشجاعته، قدم له جواد الحرب المخصص للجائزة. لم ينبس ~~الفارس المحروم من الميراث ببنت شفة ردا على مديح الأمير له، الذي ~~اكتفى بالتعبير عن تقديره له بانحناءة احترام عميقة. # قاد الجواد إلى ساحة النزال سائسان بملابس فخمة، وكان الجواد نفسه ~~مجهزا تجهيزا كاملا بعتاد حرب من أفخم ما يمكن. واضعا إحدى ~~يديه على مقبض السرج، قفز الفارس المحروم من الميراث في الحال على ظهر ~~الفرس دون أن يستعين بالركاب، ودار دورتين حول ساحة النزال رافعا ~~رمحه عاليا، ومستعرضا مزايا الجواد وخطواته بمهارة خيال ~~مثالي. # استبعد عن ذلك العرض مظهر الخيلاء، الذي قد يميز مثل تلك ~~العروض، بفضل اللياقة التي ظهرت في عرض أفضل ما يميز جائزة الأمير ~~التي نال شرف منحه إياها للتو. # بعدئذ حان الوقت الذي يجب فيه على المنتصر أن يظهر حكمه الصائب، ~~وليس بسالته، باختياره، من بين الجميلات اللواتي كانت تتزين بهن ~~الأروقة، سيدة تعتلي عرش ملكة الجمال والحب. وعلى ذلك، أشار الأمير ~~بعصاه، عندما مر عليه الفارس في مساره الثاني حول ساحة النزال. التفت ~~الفارس نحو العرش، وخفض رمحه حتى أصبح سنه على مسافة قدم واحدة من ~~الأرض، وظل بلا حراك كما لو كان ينتظر أوامر جون، بينما كان الجميع ~~معجبين بما أظهره من براعة مفاجئة في تحويل جواده الهائج على الفور ~~من حال عنف واهتياج شديد إلى حال السكون. # قال الأمير جون: «أيها السيد الفارس المحروم من الميراث، بما أن ذلك ~~هو اللقب الوحيد الذي يمكننا مخاطبتك به، إن من واجبك الآن، وكذلك ~~تشريفا لك، أن تختار السيدة الجميلة التي، بصفتها ملكة الشرف والحب، ~~ستترأس مهرجان الغد. إنه حق مقصور عليك أنت وحدك أن تمنح هذا التاج ~~لمن تريد؛ وبمنحك إياه للسيدة التي تختارها فإن انتخاب ms042 ملكة الغد ~~سيكون رسميا وتاما. ارفع رمحك.» # أطاع الفارس الأمر، ووضع الأمير جون على ذؤابة الرمح إكليلا من ~~الساتان الأخضر حول حافته دائرة من الذهب، وكانت حافته العليا ~~مزدانة برءوس سهام وقلوب موضوعة بالتبادل. # سار الفارس المحروم من الميراث ببطء راكبا جواده، بقدر ما كان في ~~السابق مسرعا على صهوته حول ساحة النزال، وأخيرا توقف أسفل ~~الشرفة التي كانت فيها الليدي روينا. # كان سيدريك الساكسوني، الذي كان مغتبطا للهزيمة التي لحقت بفارس ~~الهيكل، وجاره الشرير فرونت دي بوف، قد مال بنصف جسده العلوي من ~~الشرفة، مرافقا المنتصر في كل جولة، ليس فقط بعينيه، ولكن بكل ~~قلبه وروحه. كانت الليدي روينا قد شاهدت أحداث اليوم بانتباه مماثل، ~~غير أنها لم تفصح عن الاهتمام الشديد ذاته بوضوح. # كان ثمة جمع آخر، يجلس أسفل الرواق الذي يشغله الساكسونيون، قد ~~أظهر القدر نفسه من الاهتمام بما سيسفر عنه اليوم. # قال إيزاك أوف يورك، أثناء الجولة الأولى: «يا أبانا إبراهيم! كم هو ~~عنيف هذا المسيحي في ركوبه لجواده! آه، يا للجواد الأصيل الذي جلب ~~كل هذه المسافة الطويلة من الساحل البربري! إنه لا يوليه رعاية أكثر ~~مما لو كان مهر حمار بري.» # قالت ريبيكا: «إن كان يا أبي يخاطر بنفسه وأطرافه في معركة مميتة ~~كهذه، فلا يمكن أن يتوقع منه أن يعبأ بجواده ودرعه.» # رد إيزاك، غاضبا بعض الشيء: «يا بنيتي! إنك لا تعلمين شيئا عما ~~تتحدثين عنه؛ فعنقه وأطرافه ملك له، أما جواده ودرعه فملك ل ... بحق ~~يعقوب المقدس! ماذا كنت على وشك أن أقول؟! ومع ذلك، فهو شاب صالح. ~~اسمعي يا ريبيكا! اسمعي، إنه على وشك أن يذهب مرة أخرى ليقاتل ~~الفلسطينيين. صلي يا بنيتي، صلي من أجل سلامة الشاب الصالح، ~~والجواد السريع والدرع الثمين.» ثم هتف مرة أخرى قائلا: «يا إله ~~آبائي! لقد انتصر وسقط الفلسطيني أمام رمحه، تماما كما سقط عوج ملك ~~باشان وسيحون ملك الأموريين أمام سيف آبائنا! بالطبع سيأخذ ذهبهم ~~وفضتهم وجيادهم الحربية ودروعهم المصنوعة من النحاس والصلب مكسبا ms043 ~~وغنيمة.» # كان اليهودي الوجيه يبدي التوتر نفسه خلال كل جولة كان يجري ~~فيها. # ظل بطل اليوم ساكنا لأكثر من برهة، ثم تدريجيا وبرشاقة أخفض ~~ذؤابة رمحه، ووضع الإكليل الذي كان يحمله عند قدمي الجميلة روينا. ~~نفخ في الأبواق على الفور، بينما أعلن المنادون الليدي روينا ملكة ~~الجمال والحب لليوم التالي، مهددين بالعقوبات المناسبة من لم يطع ~~سلطتها. # سرت بعض الغمغمة بين الفتيات اللواتي ينحدرن من أصول نورماندية، ~~ولكن صياح الجماهير «تحيا الليدي روينا ملكة الحب والجمال المختارة ~~والشرعية!» حجب أصوات السخط هذه، وأضاف إليه كثيرون من المنطقة ~~السفلية قائلين: «تحيا أميرة الساكسونيين! تحيا سلالة ألفريد ~~الخالد!» # على الرغم من أن هذه الأصوات لم تلق استحسانا لدى الأمير جون ومن ~~حوله، وجد نفسه، مع ذلك، ملزما بالتصديق على ترشيح المنتصر؛ ومن ثم ~~غادر عرشه بعد أن طلب مطيته، ودخل ساحة النزال مرة أخرى ممتطيا ~~حصانه الإسباني الصغير ومصحوبا بحاشيته. # وكز حصانه بالمهماز، وجعله يقفز للأمام نحو الرواق الذي كانت تجلس ~~فيه روينا، حيث كان التاج لا يزال عند قدميها. # قال: «تقلدي يا سيدتي الجميلة رمز سيادتك الذي لا يفوقنا، نحن جون ~~أوف أنجو، إخلاصا في نذور ولائنا له أحد، وإن أردت اليوم، أنت ~~وأقاربك وأصدقاؤك النبلاء، أن تشرفي مأدبتنا في قلعة آشبي، ~~فأعلمينا لنخبر الإمبراطورة التي سنكرس الغد لخدمتها.» # ظلت روينا صامتة، وأجاب سيدريك عنها بلغته الساكسونية ~~الأصلية. # قال: «لا تعلم السيدة روينا اللغة التي ترد بها على مجاملتكم، أو ~~التي تؤدي بها دورها في مهرجانكم. وأنا والنبيل أثيلستان أوف ~~كوننجزبيرج كذلك لا نتحدث إلا لغة آبائنا، ولا نسلك إلا سلوكهم؛ لذلك ~~نمتنع، مع الشكر، عن قبول دعوة سموكم الكريمة إلى المأدبة. غدا ستحمل ~~السيدة روينا على كاهلها أعباء المنزلة التي أنزلها إياها الترشيح ~~الحر للفارس المنتصر، التي صدق عليها تهليل الجماهير.» # | الفصل التاسع # يجب علينا الآن تغيير المشهد إلى منزل ريفي في إحدى ضواحي آشبي ~~يمتلكه إسرائيلي ثري، حيث كان يقيم إيزاك وابنته في ضيافته. # في غرفة صغيرة حقا، ولكنها ms044 مجهزة بالكثير من الزخارف ذات ~~الطابع الشرقي، كانت ريبيكا جالسة على كومة من الوسائد المطرزة، ~~التي كانت متراصة أمام منصة منخفضة أحاطت بالغرفة، بدلا من ~~الكراسي والمقاعد. كانت تراقب حركات أبيها، وهو يذرع الغرفة جيئة ~~وذهابا بطلعة مغتمة وخطوات مضطربة؛ أحيانا يشبك يديه، ~~وأحيانا أخرى يجول بنظراته في سطح الغرفة. ثم صاح: «يا يعقوب! يا آباء ~~قومنا الاثني عشر المقدسين! يا لها من مغامرة خاسرة لشخص التزم ~~كما ينبغي بكل صغيرة وكبيرة في ناموس موسى. خمسون من العملات الذهبية ~~انتزعت مني دفعة واحدة، وببراثن طاغية!» # قالت ريبيكا: «ولكن يا أبي، بدا أنك قد أعطيت الذهب للأمير جون ~~طواعية.» ~~«طواعية؟! فلتصبه الضربات التي أصابت مصر! أتقولين طواعية؟ أجل، ~~طواعية كما حدث لي في خليج ليون، عندما رميت بضائعي لأخفف حمولة ~~السفينة، بينما كانت العاصفة تتقاذفها، كاسيا الأمواج المتلاطمة ~~الهائجة بحرائر منتقاة، وعطرت زبدها المالح بالمر والألوة. ألم تكن ~~تلك ساعة من البؤس الذي يعجز اللسان عن وصفه، على الرغم من أني قمت ~~بهذه التضحية بيدي هاتين؟» # أجابت ريبيكا: «ولكنها كانت تضحية فرضتها علينا السماء لإنقاذ ~~أرواحنا، وقد بارك إله آبائنا بضائعك ومكاسبك منذ ذلك الحين.» # أجاب إيزاك: «أجل، ولكن ما العمل إن أمسك بها الطاغية كما فعل اليوم، ~~وأرغمني على الابتسام له وهو يسرقني؟ يا ابنتي، إن أسوء شر يحدث ~~لقومنا، نحن المحرومين من الإرث والمتجولين، هو أنه عندما نكون ~~مظلومين ومسلوبين يضحك العالم أجمع من حولنا، ونجبر على كبت ~~شعورنا بالأذى وعلى الابتسام في خضوع، بدلا من أن نثأر لأنفسنا ~~بشجاعة.» # قالت ريبيكا: «لا تفكر في الأمر هكذا يا أبي، فنحن نستمتع أيضا ~~بمميزات؛ فهؤلاء المسيحيون، مع قساوتهم وظلمهم، يعتمدون نوعا ما على ~~أبناء صهيون المشتتين، الذين يحتقرونهم ويضطهدونهم. فبدون عون ~~ثروتنا لا يستطيعون أن يجهزوا أعدادهم الغفيرة أيام الحرب أو مسيرات ~~انتصارهم أيام السلم. وحتى مسابقة اليوم ما كانت ستعقد دون رضا من ~~اليهودي المشتت، الذي زودهم بوسائلها.» # قال إيزاك: «يا ابنتي، لقد عزفت على وتر آخر من أوتار ms045 تعاستنا. ~~الجواد الأصيل والدرع الثمين، إنها خسارة فادحة أيضا، أجل، خسارة ~~تبتلع مكاسب أسبوع، أجل، الفترة بين سبتين. ولكن قد ينتهي الأمر على ~~نحو أفضل مما أظن الآن؛ لأنه شاب صالح.» # قالت ريبيكا: «بالتأكيد لن تندم على رد الجميل الذي أسداه لك الفارس ~~الغريب.» # قال إيزاك: «أثق في ذلك يا ابنتي كثقتي في أننا سنعيد بناء ~~صهيون، ولكن كما آمل أن أرى بأم عيني جدران المعبد الجديد وأبراجه، ~~آمل أن أرى مسيحيا، نعم من أفضل المسيحيين، يرد دينا إلى يهودي، ~~لا خوفا من قاض أو سجان.» # كان ظلام الليل قد بدأ يحل عندما دخل خادم يهودي إلى الغرفة، ووضع ~~على الطاولة مصباحين فضيين ممتلئين بزيت عطري، وفي الوقت نفسه كان ~~خادم إسرائيلي آخر يقدم أغلى أنواع النبيذ وأطيب الأطعمة الخفيفة على ~~طاولة صغيرة من الأبنوس المرصع بالفضة. في الوقت نفسه كذلك أخبر ~~الخادم إيزاك بأن نصرانيا يرغب في التحدث إليه. على الفور وضع إيزاك ~~على الطاولة كأس النبيذ اليوناني التي لم يتذوقها، والتي كان لتوه قد ~~رفعها إلى شفتيه، وقال في عجل لابنته: «ضعي حجابك يا ريبيكا.» ثم أمر ~~بدخول الغريب. # بمجرد أن أسدلت ريبيكا على ملامحها الجميلة ساترا من نسيج رقيق ~~فضي اللون يصل إلى قدميها، فتح الباب ودخل جيرث ملتفا في طيات ~~عباءته الواسعة. # قال جيرث: «هل أنت إيزاك يهودي يورك؟» # رد إيزاك: «أنا هو، ومن تكون؟» # أجاب جيرث: «هذا لا يهم.» # رد إيزاك: «بل يهمني كما أن اسمي مهم لك؛ فكيف أتحدث إليك وأنا لا ~~أعرف اسمك؟» # أجاب جيرث: «الأمر سهل؛ فبما أنني سأدفع لك مالا يجب أن أتأكد من ~~أنني أسلمه للشخص المقصود، وأعتقد أنك، يا من ستتلقى المال لن تهتم ~~كثيرا باليد التي تسلمه لك.» # قال اليهودي: «أوه، أنت آت لتدفع لي مالا؟ يا أبانا إبراهيم ~~المقدس! إن هذا يغير علاقتنا. وممن أتيت بالمال؟» # قال جيرث: «من الفارس المحروم من الميراث المنتصر في مباراة اليوم. ~~إنه ثمن الدرع الذي أمده به كيرجاث جايرام أوف ليستر ms046 بناء على ~~توصيتك. أما الجواد، فقد أعيد إلى إسطبلك. وأرغب في معرفة المبلغ ~~الإجمالي الذي سأدفعه مقابل الدرع.» # صاح إيزاك مهللا بابتهاج: «لقد قلت إنه شاب صالح!» وأضاف وهو يملأ ~~شرابا من أثمن الأنواع التي لم يتذوقها جيرث من قبل، ويعطيه له: ~~«لن يضرك إن شربت كأسا من النبيذ.» ثم استكمل إيزاك حديثه قائلا: ~~«وكم من المال أحضرت معك؟» # قال جيرث واضعا الكأس بعد أن شرب ما فيها: «يا سيدتنا العذراء! ما ~~هذا الشراب الإلهي الذي يشربه هؤلاء الكلاب الكفرة، بينما يفرح ~~المسيحيون المخلصون بجعة المزر الموحلة والسميكة كبقايا الطعام التي ~~نطعمها للخنازير؟! أتسأل كم من المال أحضرت معي؟ إنه ليس إلا دفعة ~~صغيرة؛ إنه المبلغ المتاح حاليا. ماذا يا إيزاك؟! يجب أن يكون لديك ~~ضمير، حتى وإن كان ضميرا يهوديا.» # قال إيزاك: «كلا، ولكن سيدك قد ربح جيادا أصيلة ودروعا ثمينة بقوة ~~رمحه وبيمناه، ولكنه شاب صالح؛ لذلك سيأخذها اليهودي وفاء ~~بالالتزام الحاضر ويرد له الزيادة.» # قال جيرث: «لقد رفض سيدي بالفعل أن يأخذ الجياد والدروع.» # قال اليهودي: «آه، كان ذلك خطأ. كان ذلك تصرفا أحمق؛ فليس ثمة ~~مسيحي هنا يمكنه شراء الكثير من الجياد والدروع، وليس ثمة يهودي ~~غيري سيعطيه إياها بنصف القيمة.» ثم قال وهو يختلس النظر أسفل عباءة ~~جيرث: «ولكن معك في تلك الحقيبة مائة قطعة ذهبية؛ فهي تبدو ~~ثقيلة.» # قال جيرث بسرعة بديهة: «إن معي فيها أسهم نشاب.» # قال إيزاك: «حسنا إذن، إن قلت إنني سآخذ ثمانين قطعة ذهبية مقابل ~~الجواد الأصيل والدرع الثمين دون أن أربح جيلدرا واحدا، فهل معك ~~المال لتدفع لي؟» # مع أن المبلغ المطلوب كان معقولا أكثر مما توقع، قال جيرث: ~~«بالكاد، وسيترك ذلك سيدي معدوما تقريبا. ومع ذلك إن كان هذا هو أقل ~~عرض تقدمه، فيجب أن أرضى به.» # قال اليهودي: «املأ لنفسك كأسا أخرى من النبيذ. آه! ثمانون قطعة ~~ذهبية مبلغ صغير جدا. لن يبقى لي أي مكسب مقابل الانتفاع بالمال، ~~إلى جانب أن الجواد الأصيل ربما يكون قد ms047 أصيب في مواجهة ~~اليوم.» # أجاب جيرث: «وأنا أقول لك إنه سليم البنية والتنفس والأوصال، ~~ويمكنك أن تراه في إسطبلك. وأقول، مرارا وتكرارا، إن سبعين قطعة ~~ذهبية كافية مقابل الدرع، وآمل أن تلقى كلمة مسيحي عندك استحسانا ~~ككلمة اليهودي. إن لم تأخذ السبعين قطعة ذهبية، فسأرجع بهذه الحقيبة ~~(ورجها حتى رنت محتوياتها) إلى سيدي.» # قال إيزاك: «كلا، كلا! ضع الطالنتات - الشيكلات - الثمانين قطعة ~~ذهبية، وسترى أنني سأجازيك بسخاء.» # أذعن جيرث في النهاية، وأخرج ثمانين قطعة ذهبية ووضعها على الطاولة، ~~وأعطاه اليهودي إبراء ذمة عن الجواد والبدلة المدرعة. كانت يد اليهودي ~~ترتجف من الفرح وهو يلف أول سبعين قطعة ذهبية. أما العشرة الأخيرة، ~~فقد عدها بقدر كبير من التروي، ثم توقف برهة وقال شيئا وهو ~~يأخذ كل قطعة من فوق الطاولة ويسقطها في كيس نقوده. ~~«واحد وسبعون، اثنان وسبعون، إن سيدك شاب صالح، ثلاثة وسبعون، ~~شاب ممتاز، أربعة وسبعون، هذه القطعة ثقبت من داخل حافتها، خمسة ~~وسبعون، وهذه تبدو أخف وزنا، ستة وسبعون، عندما يريد سيدك المال ~~فليأت إلى إيزاك أوف يورك، سبعة وسبعون؛ أعني ومعه ضمان معقول.» هنا ~~توقف لبعض الوقت، ولكنه استمر في العد: «ثمانية وسبعون، إنك لتابع ~~صالح، تسعة وسبعون، وتستحق شيئا لنفسك.» # هنا توقف اليهودي مرة أخرى، ونظر إلى القطعة الذهبية الأخيرة، ~~ينوي، بتردد، أن يهبها لجيرث. وزنها على أنملة إصبعه، وجعلها ترن بأن ~~أسقطها فوق الطاولة، ولكن لسوء حظ جيرث كان صوت رن العملة عاليا ويدل ~~على أنها أصلية؛ فقد كانت عملة سميكة ومسكوكة حديثا، وتزيد عن الوزن ~~بمقدار حبة. لم تطاوع إيزاك نفسه في أن يفرط فيها، فأسقطها في ~~كيس نقوده كما لو كان فعل ذلك سهوا، وقال: «ثمانين تكمل العدد، واثق ~~أن سيدك سيكافئك بسخاء.» ثم أضاف وهو ينظر بلهفة إلى الحقيبة: ~~«بالتأكيد، لديك المزيد من النقود في تلك الحقيبة.» # ابتسم جيرث ابتسامة عريضة، وكاد يضحك وهو يجيبه عليه قائلا: ~~«تقريبا المبلغ نفسه الذي عددته للتو بحرص شديد.» ثم طوى الصك ~~ووضعه تحت قبعته، مضيفا: ms048 «فلتهلك لحيتك أيها اليهودي، انظر إلى تلك ~~الكأس الممتلئة الوافرة الشراب!» وملأ بنفسه كأسا ثالثة من النبيذ، ~~دون أن يأذن له اليهودي، ثم غادر الغرفة دون أن يلقي عليه ~~التحية. # قال اليهودي: «يا ريبيكا، إن هذا الإسماعيلي قد تفوق علي بعض ~~الشيء. ومع ذلك فسيده شاب صالح، أجل. وأنا سعيد للغاية أنه حصل على ~~شيكلات من الذهب وشيكلات من الفضة، حتى وإن كان بسرعة جواده وقوة رمحه ~~الذي، مثل رمح جالوت الفلسطيني، قد يباري نول النساجين.» # عندما التفت ليسمع رد ريبيكا، أدرك أنها قد غادرت الغرفة، دون أن ~~يلاحظ، أثناء مساومته مع جيرث. # في تلك الأثناء كان جيرث قد نزل الدرج، وعندما وصل إلى غرفة الانتظار ~~أو الردهة المظلمة، وقف متحيرا يبحث عن المدخل، وحينئذ أشار له طيف ~~امرأة، تتشح بالبياض، وتبدو على ضوء مصباح فضي كانت تحمله في يدها، ~~إلى غرفة جانبية. أذعن جيرث لدعوة طيف المرأة الذي يلوح له، وتبعها ~~إلى داخل الغرفة التي أشارت إليها، حيث فوجئ مفاجأة سارة بأن ~~مرشدته الجميلة كانت اليهودية الفاتنة. # سألته عن تفاصيل معاملته المالية مع إيزاك، فذكرها لها بتفصيل ~~ودقة. # قالت ريبيكا: «ما كان أبي إلا ممازحا لك أيها الرجل الطيب؛ فهو ~~مدين لسيدك بمعروف أكبر من أن يسدده ثمن هذه الأسلحة وهذا الجواد ~~ولو بعشرة أضعاف قيمتها. كم دفعت لأبي الآن؟» # قال جيرث وقد فاجأه السؤال: «ثمانين قطعة ذهبية.» # قالت ريبيكا: «في هذه الحقيبة ستجد مائة. أرجع لسيدك ما هو حق له، ~~واحتفظ بالباقي. انصرف بسرعة ولا تنتظر لتقديم الشكر! وكن حذرا في ~~سيرك عبر هذه البلدة المزدحمة؛ حيث قد تفقد بسهولة ما تحمله وكذلك ~~حياتك.» # | الفصل العاشر # قبل أن ترتفع الشمس كثيرا فوق الأفق، ظهر المشاهدون الأكثر كسلا أو ~~الأكثر تلهفا في أرض المهرجان في آشبي، متجهين إلى ساحة النزال؛ كي ~~يضمنوا موقعا جيدا لمشاهدة استكمال الألعاب المنتظرة. # تبعا للنظام المعمول به، كان الفارس المحروم من الميراث سيصبح ~~قائدا لأحد الفريقين، بينما عين براين دي بوا جيلبرت، الذي كان ms049 قد ~~صنف ثانيا في اليوم السابق، البطل الأول للفريق الآخر. # وفي نحو الساعة العاشرة، كان السهل كله مكتظا برجال على ظهور ~~الخيل، ونساء على ظهور الخيل، ومشاة على الأقدام؛ هرعوا إلى ~~المباراة. وبعد ذلك بقليل، صدعت الأبواق بنفير عظيم معلنة وصول ~~الأمير جون وحاشيته. # في الوقت نفسه تقريبا، وصل سيدريك الساكسوني مع الليدي روينا، ولكن ~~لم يكن أثيلستان برفقتهما. كان هذا السيد الساكسوني ذو الجسم الطويل ~~والقوي قد لبس درعا؛ كي يأخذ مكانه بين المتصارعين، وما فاجأ سيدريك ~~إلى حد بعيد أنه أدرج اسمه في فريق فارس الهيكل. # وعلى الرغم من أن طبيعة أثيلستان اللامبالية منعته من أن يتبع أي ~~وسيلة لتزكية نفسه لدى الليدي روينا، فلم يكن بأي حال غافلا عن سحر ~~جمالها، واعتبر زواجه منها أمرا مسلما به من غير شك، برضا سيدريك ~~وأصدقائها الآخرين؛ لذلك ساء سيد كوننجزبيرج المغرور المتراخي ~~وأغضبه أن رأى المنتصر في اليوم السابق يختار روينا لتحوز ذلك الشرف ~~الذي أصبح امتيازا له أن يمنحه. ولمعاقبته على هذه الأفضلية التي بدت ~~متعارضة مع مسعاه، أصر أثيلستان، واثقا من قوته، على ألا يكتفي ~~بتجريد الفارس المحروم من الميراث من عونه القوي، بل أيضا أن يذيقه ~~ثقل فأسه إن سنحت الفرصة. # بمجرد أن لاحظ الأمير جون أن الملكة المختارة لذلك اليوم قد وصلت ~~إلى الميدان، امتطى جواده وتقدم لمقابلتها، متظاهرا باللطف الذي ~~يلائمه كل الملاءمة عندما يطيب له أن يبديه، ثم خلع قبعته وترجل ~~من فوق الجواد ليساعد الليدي روينا على النزول من فوق سرج جوادها، ~~بينما كشف أتباعه عن رءوسهم، ونزل واحد من أرفعهم شأنا عن جواده ~~للإمساك بجوادها. # قال الأمير جون: «إننا بهذا نضرب المثل على الولاء الواجب لملكة الحب ~~والجمال، ونقودها بأنفسنا إلى عرشها الذي يجب أن تعتليه اليوم.» ثم ~~قال: «أيتها السيدات، أحطن ملكتكن بالرعاية، ما دمتن ترغبن بدوركن ~~أن تنلن مثل هذا الشرف.» # وبعد أن قال الأمير ذلك، قاد روينا إلى مقعد الشرف المقابل لمقعده، ~~بينما كانت أجمل السيدات الحاضرات وأكثرهن ms050 رفعة يحتشدن وراءها للحصول ~~على أقرب الأماكن قدر الإمكان من الملكة المؤقتة . # وسط القتال الذي تباينت فيه الحظوظ، كانت عيون الجميع تسعى لتبين ~~قائدي الفريقين، اللذين اختلطا في زحمة القتال، وأخذا يحثان رفاقهما ~~بالهتاف تارة وبضرب المثل تارة أخرى. أظهر كلاهما مآثر عظيمة من ~~البسالة، ولم يجد كل من بوا جيلبرت والفارس المحروم من الميراث في ~~الفريق المواجه لهما بطلا يمكن أن يوصف بأنه نظير لأي ~~منهما. # عندما قلت الأعداد في الميدان من كلا الجانبين، اللذين أصبحا غير ~~قادرين على مواصلة القتال، تواجه أخيرا فارس الهيكل والفارس المحروم ~~من الميراث بكل الغضب الذي يمكن أن يستحثه العداء المميت، مقترنا ~~بالتنافس على الشرف. # ولكن في ذلك الوقت كان فريق الفارس المحروم من الميراث يتعرض ~~للهزيمة؛ فقد كان ذراع فرونت دي بوف الضخمة من ناحية، وقوة أثيلستان ~~الكبيرة من ناحية أخرى، يسقطان من يتعرض لهما ويشتتان قوته ~~على الفور؛ لذلك أدار كل منهما جواده في اللحظة نفسها، واندفع ~~النورماندي نحو الفارس المحروم من الميراث من جانب، واندفع الساكسوني ~~من الجانب الآخر. # صاح جميع المشاهدين: «انتبه! انتبه! أيها السيد المحروم من ~~الميراث!» فانتبه الفارس للخطر القادم نحوه، وموجها لفارس الهيكل ~~ضربة بأقصى قوته تراجع بجواده متقهقرا في نفس اللحظة؛ من أجل أن ~~يفلت من هجوم أثيلستان وفرونت دي بوف. وإذ تفادي هذين الفارسين، ~~اندفعا من جانبين متقابلين بين هدف هجومهما وفارس الهيكل، وكادا ~~يصطدمان بجواديهما لولا أن كبحا جماحيهما وأوقفا ذلك الاندفاع، ~~ولكنهما استعادا السيطرة على جواديهما واستدارا بهما، وسعى الثلاثة ~~نحو هدفهم المشترك، وهو أن يطرحوا الفارس المحروم من الميراث ~~أرضا. # مباراة الفروسية، بريشة جيه ماكفارلين. # لم يكن يمكن أن ينقذه أي شيء إلا القوة والنشاط الباهرين اللذين ~~اتسم بهما جواده الأصيل، الذي كان قد فاز به في اليوم السابق؛ إذ ~~مكنته فروسيته الفائقة ونشاط جواده لبضع دقائق من أن يبقي خصومه ~~الثلاثة عند ذؤابة سيفه، آخذا في الالتفاف والاستدارة برشاقة وسرعة ~~الصقر الطائر، مبقيا أعداءه متفرقين قدر استطاعته، ومندفعا تارة ~~نحو ms051 أحدهم، وتارة أخرى نحو آخر، موجها بسيفه ضربات كاسحة دون أن ~~يتوقف ليتلقى الضربات التي وجهها إليه خصومه بدورهم، ولكن على ~~الرغم من التصفيق لبراعته الذي دوى في ساحة النزال، كان من الواضح ~~أنه لا بد أنهم سيتغلبون عليه في النهاية. # كان في فريق الفارس المحروم من الميراث بطل يلبس درعا أسود، ويمتطي ~~حصانا أسود كبير الحجم وطويلا، وبدا قويا وضخما كالفارس الذي ~~يمتطيه. لم يكن هذا الفارس الذي لم يكن درعه يحمل شعارا من أي نوع، ~~حتى تلك اللحظة، قد فعل شيئا سوى المشاهدة، فلم يكن قد شارك في ~~النزال؛ ما جعل المشاهدين يطلقون عليه اسم «الكسلان الأسود». # وفجأة بدا أنه قد تخلى عن كسله؛ إذ وكز بمهمازيه جواده الذي ~~كان نشيطا للغاية، وصاح بصوت أشبه بصوت البوق قائلا: «أيها المحروم ~~من الميراث، أنا آت لإنقاذك!» ولكن الأوان كان قد فات؛ فبينما كان ~~الفارس المحروم من الميراث يكر على فارس الهيكل، كان فرونت دي بوف قد ~~اقترب منه رافعا سيفه، ولكن قبل أن يهوي به عليه كان الفارس الأسود قد ~~وجه له ضربة على رأسه، وتدحرج فرونت دي بوف على الأرض مصعوقا هو ~~وجواده من ضراوة الضربة. بعد ذلك تحول الكسلان الأسود بجواده نحو ~~أثيلستان أوف كوننجزبيرج، وكان سيفه قد كسر في مواجهته مع فرونت دي ~~بوف؛ فانتزع من يد الساكسوني الضخم بلطة الحرب التي كان ممسكا بها، ~~وضربه على صدره ضربة جلعت أثيلستان هو الآخر يستلقي بلا حراك على أرض ~~الميدان. بعد أن حقق نصره المزدوج بدا أن الفارس قد عاد إلى كسله؛ إذ ~~رجع هادئا إلى الطرف الشمالي لساحة النزال تاركا قائده للتعامل ~~بأفضل ما في وسعه مع براين دي بوا جيلبرت. لم يعد هذا الأمر شديد ~~الصعوبة كما كان في السابق؛ فلقد نزف جواد فارس الهيكل كثيرا، وانهار ~~على إثر صدمة هجوم الفارس المحروم من الميراث. تدحرج براين دي بوا ~~جيلبرت على أرض الميدان، يعرقله ركاب سرجه الذي لم يستطع سحب قدمه ~~منه. وثب خصمه من ms052 فوق ظهر جواده، ولوح بسيفه المهلك فوق رأس خصمه ~~آمرا إياه أن يستسلم، وعندئذ تدخل الأمير جون الذي كان متأثرا ~~بالوضع الخطير الذي كان فيه فارس الهيكل أكثر من تأثره لوضع منافسه، ~~وأنقذه من عار الاعتراف بالهزيمة بأن ألقى بصولجانه وأنهى ~~القتال. # وإذ كان من واجب الأمير جون عندئذ أن يعلن اسم الفارس الأفضل، ~~قرر أن شرف اليوم بقي مع الأمير المحروم من الميراث؛ وبناء على ذلك ~~أعلن أنه بطل اليوم. # قال الأمير جون: «أيها الفارس المحروم من الميراث - حيث إنك لا ~~توافق على أن نعرفك إلا بهذا اللقب - نمنحك للمرة الثانية شرف هذه ~~المباراة، ونعلن إليك حقك في أن تطالب ملكة الحب والجمال بإكليل ~~الشرف الذي استحقته عن جدارة من أجل بسالتك، وأن تتلقاه من ~~يديها.» # انحنى الفارس انحناءة كبيرة برشاقة، ولكنه لم يرد. وقاده المنظمان ~~عبر ساحة النزال إلى أدنى عرش الشرف الذي كانت تعتليه الليدي ~~روينا. # طلب من البطل أن يجثو على ركبته على الدرجة السفلى لهذا العرش. في ~~الواقع، كانت جميع أفعاله منذ أن انتهى القتال تبدو مدفوعة ممن حوله ~~وليس بدافع من إرادته الحرة، ولوحظ أنه ترنح عندما قادوه للمرة ~~الثانية عبر ساحة النزال. نزلت روينا من منصتها بخطوات رشيقة ~~رصينة، وكانت على وشك أن تضع الإكليل الذي كانت تحمله في يدها على خوذة ~~البطل، عندما صاح المنظمان معا: «يجب ألا يكون الأمر هكذا؛ إذ يجب ~~أن يكون رأسه حاسرا.» لم يعر المنظمان أي اهتمام لتعبيراته التي ~~تنم عن ممانعته لما يفعلان، وخلعا عنه خوذته بأن قطعا رباطها، وفكا ~~إبزيم طوقه. وعندما نزعت الخوذة رأى الجميع الملامح الحسنة، التي ~~لفحتها الشمس، لشاب يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما، بين خصلات شعره ~~الأصفر القصير الغزير. كان وجهه شاحبا كالموتى، وعليه آثار دماء في ~~موضع أو موضعين. # ما إن أبصرته روينا حتى أطلقت صرخة خافتة، ولكن كبحت جماح نفسها على ~~الفور، وألزمت نفسها، إن جاز التعبير، بمواصلة ما كانت تقوم به؛ فوضعت ~~على رأس المنتصر المطأطئة الإكليل ms053 الفخم الذي كان الجائزة المقررة ~~لليوم، وقالت بنبرة واضحة ومميزة هذه الكلمات : «أمنحك هذا الإكليل ~~أيها السيد الفارس؛ جزاء على ما أظهرته اليوم من بسالة.» وهنا توقفت ~~برهة، ثم أضافت بثبات: «وليس ثمة جبين آخر أجدر بأن يوضع إكليل ~~الفروسية عليه!» # أحنى الفارس رأسه وقبل يد الملكة الجميلة التي كافأته على شجاعته، ~~ثم انحنى أكثر وسجد عند قدميها. # عم الجميع شعور بالرهبة. أما سيدريك، الذي كان الظهور المفاجئ ~~للابن المبعد قد ألجمه، فاندفع حينئذ للأمام كما لو كان يريد أن ~~يفصل بينه وبين روينا، ولكن المنظمين كانا قد سبقاه إلى فعل ذلك؛ إذ ~~خمنا سبب إغماء إيفانهو، وأسرعا إلى خلع درعه عنه مكتشفين أن رأس ~~رمح كان قد اخترق درع صدره وأصابه بجرح في جانبه. # | الفصل الحادي عشر # كان الأمير جون على وشك أن يعطي الإشارة بالانصراف من ساحة النزال، ~~حين وضعت رسالة صغيرة في يده. # قال الأمير جون ناظرا للشخص الذي سلمه إياها: «من أين؟» # رد خادمه: «من بلاد أجنبية يا مولاي، ولكني لا أعلم من أين تحديدا. ~~جلبها رجل فرنسي إلى هنا، وقال إنه سار بجواده ليلا ونهارا لوضعها ~~بين يدي سموك.» # الفارس وروينا، بريشة أدولف لالوز. # نظر الأمير بإمعان إلى عنوان الرسالة، ثم إلى الخاتم الذي وضع ~~لإحكام تثبيت قطعة الحرير المحيطة بالرسالة، والذي كان يحمل نقش ثلاث ~~زنبقات. فتح جون الرسالة باضطراب جلي ازداد جلاء بشدة عندما قرأ ~~محتوياتها التي جاءت بها هذه الكلمات: # انتبه لنفسك لأن الشيطان قد صار طليقا. # شحب وجه الأمير كشحوب الموتى، ولكن بعد أن أفاق من الآثار الأولى ~~لمفاجأته انتحى بوالديمار فيتزورس ودي براسي جانبا، ووضع الرسالة بين ~~يدي كل منهما واحدا تلو الآخر. وقال بصوت مضطرب: «إنها تعني أن ~~أخي ريتشارد قد نال حريته.» # قال دي براسي: «قد يكون هذا إنذارا كاذبا أو رسالة ~~مزورة.» # رد الأمير جون: «إنها بخط يد ملك فرنسا وخاتمه.» # قال فيتزورس: «حان الوقت إذن لاستدعاء جماعتنا إلى وجهة ما، إما في ~~يورك أو في مكان ms054 مركزي ما. يجب أن تأمر يا صاحب السمو أن تنهي هذا ~~الاحتفال ، الذي لا موجب له، الذي نحن فيه الآن.» # قال دي براسي: «يجب ألا ينصرف رجال الطبقة الوسطى والعامة وهم ~~مستاءون لعدم مشاركتهم في المباريات.» # قال والديمار: «لم يمر من اليوم إلا نزر يسير. فلنترك الرماة ~~يصوبون سهامهم لبضع جولات على الهدف، ونعلن الفائز بالجائزة. سيكون ~~هذا وفاء وافيا لوعود الأمير أمام هذا القطيع من العبيد ~~الساكسونيين.» # سرعان ما استدعى صوت الأبواق أولئك المشاهدين الذي كانوا قد بدءوا ~~بالفعل في ترك الميدان، وأعلن أن الأمير جون يسره أن يجعل رجال ~~الطبقة الوسطى، قبل مغادرة الساحة، يقيمون على الفور منافسة الرماية ~~التي كان من المقرر عقدها غدا. # بلغ العدد المدرج في قائمة المتنافسين من ذوي السمعة من رجال الغابات ~~ثمانية. ونزل الأمير جون من فوق مقعده الملكي ليرى عن قرب هؤلاء ~~الأشخاص المختارين من الطبقة الوسطى، الذين ارتدى العديد منهم الثياب ~~الرسمية لأتباع الملك. وبعدما أرضى فضوله بهذا الاستطلاع بحث عن الشخص ~~الذي كان قد أثار استياءه، ولاحظ جلوسه في البقعة نفسها، وبمظهره ~~الهادئ نفسه الذي كان عليه أمس. # قال الأمير جون: «أيها الرجل، لقد خمنت من ثرثرتك الوقحة أنك لم ~~تكن محبا مخلصا للقوس الطويلة، وأرى أنك لا تجرؤ على المغامرة ~~بمهارتك بين رجال يتسمون بالنشاط كأولئك الواقفين هناك.» # رد رجل الغابة: «لا أعلم إن كان هؤلاء الرجال من اليومن وأنا ~~معتادين على الرمي على العلامات نفسها، وبالإضافة إلى ذلك لا أعلم كيف ~~لسموك أن تستسيغ أن يكون الفائز بالجائزة الثالثة شخصا أغضبك بغير ~~عمد.» # احمر وجه الأمير جون غضبا وهو يسأله: «ما اسمك أيها ~~اليومن؟» # رد اليومن: «لوكسلي.» # قال الأمير جون: «إذن، يا لوكسلي، سترمي سهمك في دورك، عندما يظهر ~~هؤلاء الرجال من اليومن مهارتهم. وإذا فزت بالجائزة فسأضيف إليها ~~عشرين قطعة فضية، أما إذا رفضت عرضي العادل فسيقطع المشرف على ~~الحلبة وتر قوسك، ويكسر قوسك وسهامك، ويطردك من بين الحضور كجبان خائر ~~العزم.» # قال اليومن: «إن ما ms055 تقدمه لي ليس فرصة عادلة أيها الأمير العظيم، ~~ولكنني سأطيع مشيئتك.» # وضع هدف في الطرف العلوي للطريق الجنوبي الذي يقود إلى ساحة ~~النزال. # تقدم الرماة واحدا تلو الآخر، ورموا سهامهم كما يرميها الرجال ~~من اليومن وبكل شجاعة. ومن السهام العشرة التي أصابت الهدف أصاب ~~الدائرة الداخلية سهمان كان قد رماهما هوبيرت، وهو حارس غابة في خدمة ~~مالفوازان؛ ومن ثم أعلن عن فوزه. # قال الأمير جون بابتسامة ساخرة: «والآن، يا لوكسلي، هل ستحاول مرة ~~أخيرة مع هوبيرت؟» # قال لوكسلي: «بما أنه ليس أمامي من هو أفضل فيسعدني أن أجرب حظي، ~~بشرط أنه عندما أرمي سهمين على علامة هوبيرت التي هناك سيتعين عليه أن ~~يرمي سهما في المكان الذي أقترحه.» # رد الأمير جون: «ذلك عين الإنصاف، ولن يرفض لك هذا. إذا هزمت هذا ~~المدعي يا هوبيرت فسأملأ لك البوق ببنسات فضية.» # رد هوبيرت: «لا يسع المرء أن يفعل سوى قصارى ما بوسعه، ومع ذلك فقد ~~كان جدي راميا ماهرا في هاستنجز، وأنا واثق من أنني لن ألحق العار ~~بذكراه.» # أزيلت لوحة الهدف السابقة، ووضعت واحدة جديدة بالحجم نفسه في ~~مكانها. صوب هوبيرت نحو هدفه بترو شديد مستغرقا الكثير من الوقت ~~في قياس المسافة بعينه، بينما كان يمسك في يده بقوسه الملتوية، ~~واضعا السهم على وتره. أخيرا، خطا خطوة للأمام، ورفع القوس بأقصى ~~استطالة لذراعه اليسرى، حتى أصبح المركز أو المقبض في مستوى قريب من ~~وجهه، ثم سحب خيط القوس إلى أذنه. انطلق السهم مصفرا يخترق الهواء، ~~واستقر في الدائرة الداخلية للوحة الهدف، ولكنه لم يصب المركز ~~بالضبط. # قال خصمه وهو يشد قوسه: «أنت لم تحسب حساب الريح يا هوبيرت، ولو ~~كنت فعلت لكان تصويبك أفضل من ذلك.» # قال لوكسلي ذلك، ودون أن يظهر أدنى اهتمام بالتوقف للنظر مليا ~~إلى هدفه خطا إلى الموضع المحدد، وأطلق سهمه غير عابئ وكأنه لم ينظر ~~حتى إلى العلامات على لوحة الهدف. وكان يتحدث في نفس اللحظة تقريبا ~~التي انطلق فيها السهم من وتر القوس، ومع ذلك ms056 فقد استقر سهمه في ~~موضع أقرب ببوصتين من سهم هوبيرت للنقطة البيضاء للمركز. # قال الأمير جون لهوبيرت: «بحق نور السماء! إذا تركت هذا الوغد الآبق ~~ينتصر عليك فأنت تستحق الشنق!» # قال هوبيرت: «ولو شنقتني يا صاحب السمو فسأكرر أنه لا يسع المرء ~~أن يفعل سوى قصارى ما بوسعه. ومع ذلك فقد كان جدي راميا ماهرا ~~...» # قاطعه جون قائلا: «اللعنة على جدك وجيله كله! ارم سهمك أيها ~~الوغد، ارمه بأفضل ما في وسعك، وإلا فستسوء عاقبتك!» # بعدما تلقى هوبيرت هذا الوعيد رجع إلى مكانه، وحسب جيدا حساب ريح ~~خفيفة جدا كانت قد هبت لتوها، ثم أطلق سهمه بنجاح شديد، حتى إنه ~~استقر في مركز لوحة الهدف بالضبط. # قال الأمير مبتسما ابتسامة مهينة: «لا تستطيع تسديد رمية كتلك يا ~~لوكسلي.» # قال لوكسلي: «ولكني سأشطر له سهمه.» # وأطلق سهمه متوخيا الحرص أكثر قليلا من ذي قبل، فاستقر مباشرة ~~في سهم منافسه، الذي انشق إلى شظايا. # قال لوكسلي: «والآن، ألتمس إذن سموك في أن أضع علامة كما يفعلون في ~~المقاطعات الشمالية، وأرحب بكل يومن شجاع يحاول إصابته.» # ثم استدار مغادرا ساحة النزال قائلا: «دع حراسك يتبعوني إن شئت؛ ~~فلست إلا ذاهبا لأقطع غصنا من شجرة الصفصاف القريبة.» # رجع لوكسلي على الفور تقريبا بعصا من خشب الصفصاف يبلغ طولها نحو ~~ست أقدام، وكانت مستقيمة استقامة ممتازة، وأكثر سمكا بقليل من ~~إبهام رجل. شرع في تقشيرها ذاكرا أنه لكي تطلب من رجل غابة جيد أن ~~يصوب على هدف عريض كالذي استعمل حتى ذلك الحين، فإن ذلك كان يعد ~~إلحاقا للعار بمهارته. قال: «من ناحيتي، وفي الأرض التي نشأت فيها، ~~أرى أن الهدف الذي كنا نصوب عليه كبير كطاولة الملك آرثر المستديرة، ~~التي تتسع لستين فارسا حولها. إن طفلا في السابعة من عمره يمكنه ~~أن يصيب هدفا هناك بسهم لا رأس له، ولكن ...» وأضاف وهو يمشي بترو ~~على الطرف الآخر من ساحة النزال، ويغرز عصا خشب الصفصاف في الأرض: «من ~~يصب هذه القصبة من مسافة مائة ياردة ms057 أعده راميا يستحق أن يحمل ~~القوس وجعبة السهام أمام ملك.» # قال هوبيرت : «كان جدي راميا ماهرا في معركة هاستنجز، ولم يصوب على ~~علامة مثل هذه في حياته، وكذلك لن أفعل أنا. إذا تمكن هذا اليومن ~~من شق تلك القصبة فسأقر له بأنه غلبني، أو بالأحرى سأخضع للشيطان ~~الذي يتلبسه، وليس لأي مهارة بشرية. لا يسع المرء أن يفعل سوى قصارى ~~ما بوسعه، وسأصوب على هدف أنا متأكد من أنني لن أصيبه. من الأفضل ~~لي إذن أن أصوب على شعاع من أشعة الشمس، أو على شعاع أبيض وامض ~~بالكاد أراه.» # قال الأمير جون: «كلب جبان! فلتصوب يا سيد لوكسلي، ولكن إن أصبت ~~هدفا كهذا فسأقول إنك أول رجل يفعل هذا. ومهما يكن، فلا تتبجح علينا ~~بمجرد ادعاء مهارتك الفائقة.» # رد لوكسلي: «سأبذل قصارى ما بوسعي، كما يقول هوبيرت؛ فلا يملك أي ~~إنسان أن يفعل أكثر من ذلك.» # وبعد أن قال هذا شد قوسه مجددا، ولكنه هذه المرة نظر باهتمام إلى ~~سلاحه، وغير الوتر الذي اعتقد أنه لم يعد مستديرا كامل ~~الاستدارة؛ نظرا لاهترائه بعض الشيء بفعل الرميتين السابقتين، ثم ~~صوب ببعض التروي، وترقبت الجماهير الحدث بصمت واحتبست الأنفاس. ~~أثبت الرامي رأيهم في مهارته؛ فقد شق سهمه قصبة الصفصاف في المكان ~~الذي كانت مصوبة نحوه. تبع ذلك وابل من التهليل، حتى إن الأمير جون ~~نسي للحظة نفوره من شخص لوكسلي إعجابا بمهارته، وقال: «هذه القطع ~~الفضية العشرون، التي استحققتها هي والبوق بجدارة، قد أصبحت ملكك ~~الآن، وسنزيدها إلى خمسين إن قبلت أن ترتدي زينا وتعمل في خدمتنا ~~بصفتك أحد أفراد حرسنا الشخصي، وتصبح بقرب شخصنا؛ فلم تشد يد من ~~قبل قوسا بمثل هذه القوة، أو تصوب عين سهما بمثل هذه ~~الدقة.» # قال لوكسلي: «أستميحك عذرا، أيها الأمير النبيل، ولكني قطعت على ~~نفسي عهدا أنني إن قبلت خدمة أحد في يوم من الأيام فسيكون ذلك مع ~~أخيك الملك ريتشارد. أما هذه القطع الفضية العشرون فأتركها لهوبيرت، ~~الذي كان اليوم راميا لا يقل في ms058 شجاعته عما فعله جده في هاستنجز. ~~ولولا تواضعه الذي حال بينه وبين أن يجرب لكان قد أصاب العصا مثلما ~~أصبتها.» # هز هوبيرت رأسه وهو يتلقى على مضض هبة الغريب، أما لوكسلي الذي ~~كان متلهفا للابتعاد عن الأنظار، فاندس وسط الحشد، ولم ير ~~بعدها. # | الفصل الثاني عشر # في صباح اليوم التالي، غادر الفارس الملقب بالكسول الأسود مبكرا، ~~عازما على خوض رحلة طويلة، ولم تكن حالة جواده، الذي كان قد استخدمه ~~بحذر في القتال خلال صباح أمس، تسمح له بالسفر بعيدا دون الحاجة إلى ~~كثير من الراحة، لكن المسارات الملتوية التي قاد فيها جواده حالت بينه ~~وبين غايته؛ فعندما حل المساء عليه وجد أنه لم يبلغ إلا حدود ويست ~~رايدينج بيوركشاير. وكانت الشمس، التي كانت غالبا هي المرشد في ~~مسيره، قد توارت حينئذ خلف تلال ديربي شاير عن يساره، وكل جهد يمكن ~~أن يبذله في مواصلة رحلته قد يحيد به عن طريقه بقدر احتمال أن يجعله ~~يتقدم في مسيره. بعدما اجتهد دون جدوى في اختيار أكثر طريق مطروق، ~~وبعدما وجد نفسه أكثر من مرة عاجزا تماما عن أن يستقر على اختيار، ~~عزم الفارس على الوثوق في فطنة جواده. # ولم يكد الجواد الجيد، الذي كان متعبا بشدة من الرحلة الطويلة ~~التي قطعها خلال اليوم أسفل راكبه المتسربل بدرع مزرد، يشعر من ~~اللجام المتراخي أنه قد ترك ليقود نفسه، حتى بدا أنه يمضي بنشاط ~~وحيوية أكبر، متوليا زمام نفسه، وإذ بدا الجواد واثقا في اختياره ~~ترك الراكب نفسه لتقديره. # جاءت الأحداث موافقة لظنونه؛ إذ سرعان ما بدا ممر المشاة أعرض ~~قليلا ومطروقا أكثر، كما جعل رنين جرس صغير الفارس يعي أنه كان بجوار ~~كنيسة صغيرة أو دير. # ومن ثم سرعان ما وصل إلى قطعة أرض مفتوحة ومكسوة بالعشب، على ~~الجهة المقابلة لها صخرة مرتفعة بحدة، يمكن للمسافر أن يرى واجهتها ~~الرمادية ملساء بفعل بعوامل التعرية، فوق سهل منحدر بعض الشيء. عند ~~قاعدة الصخرة كان مبنيا كوخ بسيط، وكان، إن جاز القول، يستند عليها. ~~وغرس ms059 منتصبا بالقرب من الباب جذع شجرة تنوب يافع جرد من ~~أغصانه، عليه قطعة من الخشب مربوطة عرضا بالقرب من القمة، كرمز بدائي ~~للصليب المقدس. على مسافة قريبة جهة اليمين انبثق من الصخر ينبوع ~~من أعذب المياه، يصب في حجر أجوف كان عمل بشر قد حوله إلى حوض ~~بسيط. # بجوار هذا الينبوع كانت توجد أطلال كنيسة شديدة الصغر، ذات سقف قد ~~تداعى جزئيا. ولم يكن المبنى، عندما كان كاملا، يتعدى في طوله ست ~~عشرة قدما، وفي عرضه اثنتي عشرة قدما. وكان السقف، المنخفض نسبيا، ~~مستندا إلى أربع أقواس متلاقية تنبثق من الأركان الأربعة للمبنى، ~~وكل منها مدعوم بعمود قصير وضخم. كان المنظر الذي يتسم بالسكينة ~~والهدوء بأكمله يقبع متألقا في ضوء الشفق أمام عيني المسافر، ~~معطيا إياه شعورا بالثقة في أنه وجد مكانا للمبيت في تلك الليلة؛ ~~ومن ثم وثب الفارس من فوق جواده وضرب باب الكوخ بمؤخرة رمحه؛ حتى يجذب ~~الانتباه ويحصل على الإذن بالدخول. # مر بعض الوقت قبل أن يتلقى أي جواب، وعندما جاء الرد لم يكن ~~مبشرا بخير. # كان الجواب الذي جاءه بصوت شديد الغلظة من داخل الكوخ: «امض في ~~طريقك كائنا من كنت، ولا تزعج خادم الرب والقديس دونستان أثناء ~~صلواته الليلية.» # أجاب الفارس: «أيها الأب الفاضل، أنا عابر سبيل مسكين ضل طريقه في ~~هذه الغابة، ويقدم لك الفرصة لتغدق عليه من إحسانك وكرم ~~ضيافتك.» # رد ساكن الكوخ: «أيها الأخ الصالح، ليس لدي زاد هنا يمكن حتى ~~لكلب أن يتقاسمه معي، وأي جواد نشأ نشأة ناعمة سيحتقر مضجعي. امض في ~~طريقك وليرعاك الرب.» # الفارس عند الكوخ، بريشة أدولف لالوز. # رد الفارس: «ولكن كيف أستطيع أن أجد طريقي عبر غابة كهذه، والظلام ~~يوشك أن يحل؟ أتوسل إليك أيها الأب المبجل، بحق مسيحيتك، أن تفتح ~~بابك، وترشدني على الأقل إلى طريقي.» # رد الناسك: «وأنا أرجوك أيها الأخ المسيحي الصالح ألا تستمر في ~~إزعاجي؛ فلقد قطعت علي بالفعل صلاة ربانية وصلاتين مريميتين وصلاة ~~قانون الإيمان، التي يجب علي وفقا لنذري، ms060 أنا الآثم البائس، أن ~~أؤديها قبل طلوع القمر.» # صاح الفارس بأعلى صوته : «الطريق، الطريق! أرشدني إلى الطريق إن كان ~~يتوجب علي ألا أتوقع منك أكثر من ذلك.» # أجاب الناسك: «يسهل الوصول إلى الطريق. المسار من الغابة يقود إلى ~~مستنقع، ومنه إلى مخاضة يمكن الآن عبورها بما أن الأمطار قد توقفت. ~~بعدما تعبر المخاضة، انتبه إلى موطئ قدميك إلى الضفة اليسرى لأنها ~~منحدرة بعض الشيء، وقد انهار المسار المعلق فوق النهر مؤخرا، حسبما ~~سمعت (إذ نادرا ما أترك كنيستي)، في عدة أماكن. بعد ذلك تابع السير ~~في خط مستقيم ...» # قاطعه الفارس قائلا: «مسار منهار، ومنحدر، ومخاضة، ومستنقع! أيها ~~السيد الناسك، لو كنت أقدس من أطلق لحيته أو أمسك بمسبحة، فلن ~~تقنعني بأن أسلك هذا الطريق الليلة. إما أن تفتح لي الباب بسرعة أو، ~~بحق الصليب، سأحطمه وأدخل بنفسي.» # رد الناسك: «أيها الصديق عابر السبيل، لا تكن لحوحا. إذا ألجأتني ~~إلى أن أستخدم سلاحي المادي للدفاع عن نفسي فسيكون ذلك أشق ~~عليك.» # في هذه اللحظة، أصبحت ضوضاء بعيدة لنباح وزمجرة، كان المسافر قد ~~سمعها منذ حين، أكثر ارتفاعا وعنفا، وجعلت الفارس يظن أن الناسك، ~~خوفا من تهديده له بأن يدخل عليه عنوة، قد استدعى الكلاب التي أصدرت ~~هذا الصخب. ثار الفارس غضبا من ذلك، وضرب الباب بقوة بقدمه، لدرجة أن ~~أعمدته ودعائمه اهتزت اهتزازا عنيفا. # عندئذ صاح الناسك عاليا: «الصبر، الصبر، وفر قوتك أيها المسافر ~~الطيب، وسأفتح لك الباب على الفور، مع أن ذلك لن يسرك إلا ~~قليلا.» # وهكذا فتح الباب، وظهر الناسك، الذي كان رجلا ضخما، قوي ~~البنية، يلبس عباءة من الخيش وقلنسوة، ويحيط خصره بحبل من السمار، ~~ووقف أمام الفارس، ولكن عندما سقط ضوء مشعله على شعر عنق الجواد النبيل ~~ومهمازيه الذهبيين، اللذين وقف المسافر دونهما، دعاه لدخول كوخه، ~~معتذرا عن عدم رغبته في فتح باب كوخه بعد غروب الشمس، بزعم كثرة ~~اللصوص والخارجين عن القانون الذين كانوا في الخارج. # قال الفارس ناظرا حوله: «إن فقر صومعتك أيها الأب الصالح ms061 يبدو ~~كفيلا بالدفاع عنها في مواجهة خطر اللصوص، ناهيك عن مساعدة كلبين محل ~~ثقة، ويمتلكان من الضخامة والقوة ما يكفي، على ما أعتقد، لإسقاط أيل، ~~وبالطبع الوقوف في وجه معظم الرجال.» # قال الناسك: «سمح لي حارس الغابة الطيب باستخدام هذين الكلبين؛ كي ~~أحمي عزلتي حتى تتحسن الأحوال.» # بعد أن قال هذا ثبت مشعله في فرع ملتو من الحديد كان يستخدم ~~حاملا للشموع، ووضع كرسيا على أحد جانبي الطاولة، مشيرا للفارس ~~أن يفعل مثله على الجانب الآخر. # جلسا، وحدق كل منهما في الآخر بوقار شديد، وكان كل منهما يفكر ~~بينه وبين نفسه أنه نادرا ما رأى أحدا أقوى بنية وأشد عودا من ~~الجالس أمامه. # قال الفارس بعدما نظر طويلا وبثبات لمضيفه: «أيها الناسك الموقر، ~~إن لم يكن في الأمر مقاطعة لتأملاتك الورعة، أرجو معرفة ثلاثة أشياء من ~~قداستك؛ أولا: أين أضع جوادي؟ وثانيا: ما الذي يمكنني أن أحصل عليه ~~كعشاء؟ وثالثا: أين سأنام ليلتي؟» # قال الناسك: «سأرد عليك بإصبعي؛ فمما يخالف قواعدي أن أتحدث ~~بالكلام عندما يمكن للإشارات أن تفي بالغرض.» قال ذلك وأشار تباعا ~~إلى ركنين في الكوخ، ثم قال: «إسطبلك هنا، وسريرك هناك.» وأنزل من ~~رف مجاور طبقا كبيرا به حفنتان من البازلاء الجافة ووضعه على ~~الطاولة، ثم أضاف قائلا: «وها هو عشاؤك.» # هز الفارس كتفيه، وغادر الكوخ، ثم عاد بجواده، ونزع عنه سرجه ~~بعناية شديدة، وغطى ظهر جواده المرهق بعباءته. # غمغم الناسك بشيء عن علف ترك لحصان الحارس، وسحب من فجوة حزمة من ~~العلف، ونثرها أمام جواد الفارس، وبعد ذلك على الفور فرش بعض السرخس ~~المجفف في الركن الذي كان قد عينه مضجعا للمسافر. شكره الفارس على ~~لطفه، وبعد أداء هذه المهمة رجع كل منهما إلى كرسيه بجوار المائدة، ~~حيث كانت الصينية التي فيها البازلاء موضوعة بينهما. وبعد أن تلا ~~الناسك صلاة شكر طويلة، كانت يوما ما باللغة اللاتينية، ولكن لم يبق ~~من لغتها الأصلية سوى بضعة آثار، عدا النهاية الرنانة الطويلة لكلمة ~~أو عبارة تقال بين الحين ms062 والآخر، ضرب مثلا لضيفه بأن وضع بتواضع في ~~فمه الضخم، الممتلئ بأسنان تشبه أسنان خنزير بري في حدتها وبياضها، ~~ثلاث أو أربع حبات من البازلاء الجافة. # | الفصل الثالث عشر # وضع الفارس جانبا خوذته والجزء الأكبر من درعه، وكشف للناسك عن ~~رأس ذي شعر أصفر شديد التموج، وقسمات نبيلة، وعينين زرقاوين ~~لامعتين ووامضتين على نحو لافت، وفم حسن التكوين يكسو شفته العليا ~~شارب أشد دكنة من شعره. # أرجع الناسك قلنسوته للوراء، كما لو كان يريد أن يرد على ثقة ضيفه، ~~وكشف عن رأس مستدير صغير لرجل في ريعان شبابه. ولم يكن في ملامحه ~~شيء من تقشف الرهبان، بل على العكس، كانت ملامح وجهه الممتلئ تشي ~~بالجرأة، بحاجبين أسودين عريضين، وجبهة بهية، ووجنتين مستديرتين ~~وقرمزيتين، كوجنتي عازف بوق، وتتدلى منهما لحية سوداء طويلة ~~ومجعدة. # بعدما أتم الضيف بعناء شديد مضغ ملء فمه من البازلاء المجففة، ~~وجد أنه من الضروري للغاية أن يطلب من مضيفه التقي أن يمده ببعض ~~الشراب، فاستجاب لطلبه بأن وضع أمامه قدحا كبيرا من أنقى المياه من ~~الينبوع. # وقال: «إنها من بئر القديس دونستان، الذي عمد فيه، بين مطلع شمس ~~ومطلعها التالي، خمسمائة من البريطانيين والدنماركيين الوثنيين. ~~فليتبارك اسمه!» # قال الفارس: «يبدو لي أيها الأب المبجل أن تناولك للقيمات قليلة ~~مع الشراب المقدس الخفيف نوعا ما، قد أكسبك صحة على نحو مدهش؛ ~~إذ تبدو كرجل يلائمه أكثر أن يفوز بكبش في مباراة للمصارعة من أن ~~يمضي وقته في هذه البرية المهجورة مرددا للصلوات ومقتاتا على ~~البازلاء الجافة والماء البارد.» # أجاب الناسك: «سيدي الفارس، إن أفكارك تتبع الجسد كأفكار أولئك ~~العلمانيين الجهلاء. لقد سر سيدتنا العذراء وقديسي الشفيع أن ~~يباركا قوتي الزهيد الذي أضبط به نفسي.» # قال الفارس: «أيها الأب المقدس، الذي سعدت السماء أن تفعل مثل هذه ~~المعجزة في ملامحه، اسمح لعلماني آثم أن يطلب ملتمسا معرفة ~~اسمك.» # أجاب الناسك: «يمكنك أن تدعوني كاهن كوبمانهيرست؛ إذ هكذا أدعى في ~~هذه الأنحاء. ويضيف الناس حين ينادونني، وهم محقون في ذلك، ms063 نعت ~~«المقدس»، ولكني غير جدير بذلك. والآن، أيها الفارس الشجاع، أتسمح لي ~~أن أعرف اسم ضيفي الكريم؟» # قال الفارس: «في الواقع، يا كاهن كوبمانهيرست المقدس، يناديني ~~الناس في هذه الأنحاء بالفارس الأسود، ويضيف كثيرون منهم، يا سيدي، ~~نعت الكسلان، الذي لا أطمح على الإطلاق لأن أكون مشهورا به.» # لم يستطع الناسك أن يمنع نفسه من الابتسام لرد ضيفه. # وقال: «أرى أيها السيد الفارس الكسلان أنك رجل حذر وحكيم، وأرى ~~أيضا أن طعام الرهبان الفقير لا يعجبك؛ لأنك ربما تكون معتادا على ~~رغد القصور ومعسكرات الفرسان وترف المدن. والآن تذكرت، أيها السيد ~~الكسلان، أنه عندما ترك لي الحارس الخير لهذا الجزء من الغابة هذين ~~الكلبين لحمايتي وكذلك تلك الحزم من العلف، ترك لي أيضا بعض الطعام، ~~ولكنه لما كان غير مناسب لعاداتي في الطعام، فقد غاب عن ذهني وسط ~~تأملاتي التي تفوقه الأكثر أهمية.» # قال الفارس: «أجرؤ أن أقسم على أنه فعل ذلك؛ فقد كنت مقتنعا بأن ~~ثمة طعاما أفضل في صومعتك أيها الكاهن المقدس منذ أن نزعت ~~قلنسوتك. لنر إذن عطية الحارس دون إبطاء.» # رمق الناسك الفارس بنظرة متأملة بها نوع من التعبير الهزلي عن ~~التردد، كما لو كان غير متأكد إلى أي حد ينبغي عليه أن يتصرف بحذر بشأن ~~الوثوق في ضيفه. # بعدما تبادلا نظرة صامتة أو نظرتين، ذهب الناسك إلى الجانب الأقصى ~~من الكوخ، وفتح كوة كانت مغلقة بعناية شديدة وبشيء من البراعة. ومن ~~أعماق خزانة سوداء تؤدي هذه الكوة إليها، جلب فطيرة كبيرة مخبوزة ~~في صفيحة من القصدير ذات أبعاد غير معتادة. وضع هذه الفطيرة الضخمة ~~أمام ضيفه، الذي شقها بخنجره، ولم يضع وقتا في أن يعرف ~~محتوياتها. # قال الفارس لمضيفه بعدما ابتلع بسرعة عدة لقيمات من هذا المدد من ~~طعام الناسك الجيد: «كم مر على وجود الحارس الصالح هنا؟» # أجاب الأب على الفور: «ما يقرب من شهرين.» # قال الفارس: «أقسم بالرب الحق أن كل شيء في صومعتك معجز أيها ~~الكاهن المقدس! إذ أكاد أقسم أن الظبي ms064 السمين الذي حشيت هذه ~~الفطيرة من لحمه كان يعدو على أقدامه هذا الأسبوع. لقد كنت في فلسطين ~~يا سيدي الكاهن ...» ثم توقف قليلا فجأة، وعاد يقول: «وأذكر أنه كان ~~من عادة أهل تلك البلاد أنه يتعين على كل مضيف يستقبل ضيفا أن يثبت ~~له سلامة طعامه بأن يشاركه إياه. وسأكون ممنونا لك بشدة إن امتثلت ~~لهذه العادة الشرقية.» # أجاب الناسك: «كي أريحك من شكوكك غير الضرورية، يا سيدي الفارس، ~~سأحيد هذه المرة فقط عن قواعدي.» ونظرا لأنه لم تكن ثمة شوكات في ~~تلك الأيام، أنشب أصابعه على الفور في أحشاء الفطيرة. # قال الفارس عندما أشبع جوعه: «أيها الكاهن المقدس، أراهن بجوادي ~~الأصيل هذا مقابل قطعة ذهبية على أن الحارس الأمين الذي ندين له بلحم ~~الغزال هذا، قد ترك لك كأسا من النبيذ أو بعضا من الشراب مع هذه ~~الفطيرة الفاخرة. بلا شك هذا حدث لا يرقى تماما إلى أن يعلق بذاكرة ~~ناسك في مثل زهدك، ولكن أعتقد أنك إن بحثت في هذا السرداب الذي هناك ~~مرة أخرى فستجد أنني محق في حدسي.» # اكتفى الناسك بالرد عليه بابتسامة عريضة، وعاد إلى الكوة وأحضر ~~قربة من الجلد ربما كانت تحتوي على ما يعادل جالونا من الشراب، كما ~~أحضر قدحي شراب كبيرين مصنوعين من قرني حيوان. وبعد أن أحضر هذه ~~المؤن الجيدة لهضم العشاء، بدا أنه لم يعد يرى ضرورة لأن يبدي من ~~جانبه مزيدا من الحفاوة، لكنه ملأ القدحين وقال على الطريقة ~~الساكسونية: «نخب صحتك يا سيدي الفارس الكسول!» وأفرغ قدحه دفعة ~~واحدة. # أجاب المحارب، بتحية مماثلة بقدحه الممتلئ مثل قدح مضيفه بالقدر ~~ذاته من الشراب، قائلا: «نخب صحتك يا كاهن كوبمانهيرست ~~المقدس!» # قال الغريب بعد احتساء الكأس الأولى: «أيها الكاهن المقدس، لا ~~يسعني إلا أن أتعجب من أن رجلا لديه تلك العضلات والقوة، ولديه ~~شهية جيدة مثل شهيتك، ويفكر في أن يقيم وحيدا في هذه البرية. ~~أقل ما في الأمر، لو كنت مكانك، لوجدت لنفسي رياضة ورخاء في صيد ~~ظباء الملك؛ ms065 فثمة العديد من القطعان في هذه الغابات، ولن يفتقد أحد ~~أبدا ظبيا يذهب إلى خادم كنيسة القديس دونستان.» # رد الكاهن: «يا سيدي الفارس الكسول، هذه كلمات خطيرة، وأرجوك أن ~~تمسك عنها. أنا ناسك مخلص للملك وللقانون، ولو تعديت على صيد ~~مليكي لسيق بي إلى السجن، وإن لم تنقذني عباءة النساك فسيكون ~~مصيري الشنق.» # قال الفارس: «ولكني لو كنت مكانك لخرجت في ضوء القمر حين يغط ~~الحراجون والحراس في نومهم العميق، ومن وقت لآخر، وأنا أتمتم ~~بصلواتي، أرمي بسهم بين قطعان الظباء الشهباء التي ترعى في فرجة ~~الغابة. أيها الكاهن المقدس، ألم تمارس قط هذه التسلية؟» # أجاب الناسك: «يا صديقي الكسول، لقد رأيت كل ما يعنيك في تدبير شئون ~~منزلي. املأ كأسك ومرحبا بك، وأرجوك ألا تحملني، بمزيد من ~~الاستفسارات الوقحة، على أن أريك أنك ما كنت ستستطيع أن تدخل منزلي ~~لو كنت جادا في مقاومتك.» # قال الفارس: «بحق إيماني، لقد أثرت فضولي أكثر من ذي قبل! إنك أكثر ~~النساك الذين قابلتهم غموضا، وسأعلم المزيد عنك قبل أن نفترق. أما ~~عن تهديداتك، فلتعلم أيها الرجل المقدس أنك تتحدث مع رجل صنعته هي ~~البحث عن الخطر أينما كان لمواجهته.» # قال الناسك: «سيدي الفارس الكسول، سأشرب نخبك لاحترامي الشديد ~~لشجاعتك، ولكنني لا أقدر عقلك. وإذا أردت أن نتقاتل بأسلحة ~~متكافئة فسأمنحك بكل صداقة وحب أخوي كفارة كافية ومغفرة تامة، حتى ~~إنك لن تأثم إثم الإفراط في الفضول طوال الأشهر الاثني عشر ~~المقبلة.» # شرب الفارس نخبه، وأراد منه أن يذكر ما يجيده من أسلحة. # أجاب الناسك: «لا يوجد سلاح، من مقص دليلة ومسمار يائل الذي يساوي ~~عشرة بنسات إلى سيف جالوت المعقوف، لست ندا لك فيه، ولكن إن كنت ~~سأختار، فما قولك يا صديقي العزيز في هذه القطع البسيطة؟» # وبعد أن قال هذا فتح كوة أخرى، وأخرج منها زوجين من السيوف العريضة ~~والتروس مثل تلك التي كان يستخدمها رجال الملك في ذلك العصر. لاحظ ~~الفارس، الذي كان يتابع حركاته، أن مكان الإخفاء الثاني هذا ms066 كان يحوي ~~قوسين أو ثلاثا من الأقواس الطويلة الجيدة، ونشابا، وحزمة من ~~الأسهم القصيرة للنشاب، ونصف دستة من حزم الأسهم للأقواس الطويلة. ~~كما رأى كذلك قيثارة، وأشياء أخرى لا تمت إلى الكنيسة بصلة، عندما ~~فتحت هذه الكوة المظلمة. # قال: «أعدك يا أخي الكاهن أنني لن أطرح عليك مزيدا من الأسئلة ~~المزعجة؛ فمحتويات تلك الخزانة الصغيرة فيها الإجابة عن جميع ~~أسئلتي، وأنا أرى سلاحا هناك.» (عندئذ انحنى وأخرج القيثارة.) ~~«يسعدني أكثر أن أثبت لك مهارتي في استخدامه، أكثر من مهارتي في ~~استخدام السيف والترس.» # قال الناسك: «آمل أيها السيد الفارس ألا يكون ثمة سبب وجيه ~~يسوغ تسميتك بالكسول. أصارحك أن لدي شكوكا خطيرة تجاهك، ولكنك ~~ضيفي، ولن أختبر بسالتك دون إدارتك الحرة. فلتجلس إذن ولتملأ كأسك، ~~ولنشرب ونغني ونمرح. وإذا كنت تعرف أغنية جيدة فأنت مرحب بك ~~لتناول وجبة من الفطير في كوبمانهورست ما دمت أخدم في كنيسة القديس ~~دونستان؛ الأمر الذي أرجو من الرب أن يطول حتى أغير غطائي الرمادي ~~إلى آخر من العشب الأخضر، ولكن تعال واملأ قدحا؛ لأن القيثارة ~~ستستغرق وقتا في ضبط أوتارها، ولا شيء يضبط النغمات ويشحذ الأذن كقدح ~~من النبيذ. ومن ناحيتي، يروق لي أن أتحسس العنب بين أناملي قبل أن ~~أداعب بها أوتار القيثارة.» # | الفصل الرابع عشر # ما من عنكبوت حاول جاهدا إصلاح خيوط شبكته المهلهلة أكثر مما فعل ~~والديمار فيتزورس للم شمل أعضاء عصبة الأمير جون المتفرقين ~~وتوحيدهم. كان من الضروري أن يفتح أمامهم آفاقا جديدة للمنفعة، وأن ~~يذكرهم بتلك المنافع التي كانوا يستمتعون بها في ذلك الوقت. وقد ~~وزع هذا العميل النشط الوعود بإفراط، ولم يترك شيئا يمكن أن يقوي ~~عزم المترددين أو يشجع المحبطين إلا وفعله. تحدث عن رجوع الملك ~~ريتشارد باعتباره حدثا غير محتمل على الإطلاق، ولكن عندما لاحظ أن هذا ~~كان أكثر ما يخيف المتواطئين معه في الشر، وصف ذلك الحدث بجرأة ~~بأنه، إن حدث بالفعل، حدث يجب ألا يغير شيئا من حساباتهم ~~السياسية. # قال فيتزورس: «إن رجع ريتشارد ms067 فسيرجع لإثراء جنوده الصليبيين الفقراء ~~والمعوزين على حساب أولئك الذين لم يتبعوه على الأراضي المقدسة. سيرجع ~~ليدعو إلى محاسبة أولئك الذين فعلوا في غيابه ما يمكن تفسيره بأنه ~~إهانة أو تعد على قوانين الأرض أو امتيازات التاج. وإجمالا سيرجع ~~لمعاقبة كل من ناصر أخاه الأمير جون بصفته متمردا.» وأضاف: «من ~~ناحية الصفات الشخصية قد يكون الأمير جون أقل شأنا من أخيه ريتشارد، ~~ولكن عندما نأخذ في اعتبارنا رجوع الأخير شاهرا سيف الثأر في يده، ~~بينما منح الأول العطايا والامتيازات والثروة والمجد، فلا مجال للشك ~~بشأن من سيكون الملك الذي تقضي حكمة النبلاء أن يدعموه.» # كان لهذه الحجج وغيرها الكثير الأثر المتوقع بين نبلاء حزب الأمير ~~جون. وافق معظمهم على حضور الاجتماع المقترح في يورك؛ بغرض اتخاذ ~~التدابير لتتويج الأمير جون. # في وقت متأخر من الليل رجع فيتزورس إلى قلعة آشبي، حيث قابل دي ~~براسي الذي كان قد استبدل بثياب المأدبة سترة خضراء قصيرة وغطاء رأس ~~جلديا، وأمسك بسيف قصير وقوس طويلة في يده، ودس حزمة من السهام ~~في حزامه. نظر فيتزورس إليه بانتباه، وتعرف على الفارس النورماندي في ~~زي جندي إنجليزي. # قال فيتزورس: «أي هزل هذا يا دي براسي؟ أهذا وقت مناسب لارتداء ~~أزياء تنكرية، بينما مصير سيدنا الأمير جون على وشك أن يتخذ القرار ~~فيه؟ لم لم تكن، مثلي، بين هؤلاء الجبناء الرعاديد الذين يرعبهم ~~مجرد ذكر اسم الملك ريتشارد؟» # أجاب دي براسي بهدوء: «لقد كنت أعتني بشئوني، مثلما تعتني أنت أيضا ~~يا فيتزورس بشئونك الخاصة.» # قال والديمار مرددا عبارته: «أهتم بمصلحتي الخاصة! بل أهتم ~~بمصلحة الأمير جون، مولانا المشترك.» # قال دي براسي: «وهل لديك أي سبب آخر لذلك يا والديمار يفوق إعلاء ~~مصلحتك الخاصة؟ بربك يا فيتزورس، فكل منا يعرف الآخر. الطموح هو ~~مسعاك، أما ما أريده فهو المتعة، وهذا يتناسب مع عمرينا المختلفين، ~~ولكنك ترى الأمير جون كما أراه؛ أنه أضعف من أن يكون ملكا حازما، ~~وأكثر استبدادا من أن يكون ملكا سهلا لينا، وأكثر تقلبا في ms068 ~~المزاج وجبنا من أن يكون ملكا من أي نوع لمدة طويلة، لكنه ملك ~~يأمل كل من فيتزورس ودي براسي أن ينالا الرفعة والازدهار على ~~يديه؛ ولذلك نعاونه؛ أنت بسياستك، وأنا برماح رفقائي ~~الأحرار.» # قال فيتزورس بنفاد صبر: «إنك معاون واعد، تتظاهر بالحماقة في ~~لحظات الضرورة القصوى. بربك قل لي، ما غرضك من هذا التنكر السخيف ~~في مثل هذا الوقت العصيب؟» # أجاب دي براسي بهدوء: «لكي أحصل على زوجة بالقوة على طريقة قبيلة ~~بنيامين. بعبارة أخرى، سأباغت بهذا الزي نفسه ذلك القطيع من ~~الثيران الساكسونية الذين غادروا آشبي في هذه الليلة، وأخطف منهم ~~الجميلة روينا.» # قال فيتزورس: «أجننت يا دي براسي؟ تذكر أنه على الرغم من أن ~~أولئك الرجال ساكسونيون فإنهم أغنياء وأقوياء، ويحظون بأكبر قدر من ~~احترام مواطنيهم؛ فلا يتمتع بالثروة والشرف سوى عدد قليل من أبناء ~~النسل الساكسوني.» # قال دي براسي: «ويجب ألا يتمتع بهما أحد منهم على الإطلاق؛ لذا يجب ~~علينا أن نستكمل غزونا.» # قال فيتزورس: «على الأقل ليس هذا هو الوقت المناسب؛ فالأزمة الوشيكة ~~تحتم السعي لإرضاء الجماهير، وليس بوسع الأمير جون أن يأبى تحقيق ~~العدالة لأي شخص يضر بمصالحهم.» # قال دي براسي: «فليمنحهم العدالة إن جرؤ على ذلك، ولكني أعني أنني لن ~~أكشف عن نفسي في الحال. ألا أبدو في هذا الزي في جرأة حراج ممن ~~ينفخون في الأبواق. سيقع اللوم بشأن العنف على الخارجين عن القانون في ~~غابات يوركشاير. إن لي جواسيس أثق بهم يرصدون حركات الساكسونيين، ~~سينامون هذه الليلة في دير القديس ويزهولد، وغدا تجلبهم مسيرتهم إلى ~~براثننا، فننقض عليهم على الفور كالصقور. بعد ذلك بقليل سوف أظهر ~~بشكلي الحقيقي، وألعب دور الفارس الدمث الأخلاق، وأنقذ الجميلة ~~التعيسة المنكوبة، وأقتادها إلى قلعة فرونت دي بوف، ولا أجعل ذويها ~~يرونها حتى تصبح عروسي والسيدة موريس دي براسي.» # قال فيتزورس: «خطة حكيمة ورائعة، وأعتقد أنها ليست خالصة من بنات ~~أفكارك؛ فلتصارحني يا دي براسي، من ساعدك في ابتكارها؟ ومن الذي ~~سيساعدك في تنفيذها؟» # قال دي براسي: ms069 «بحق سيدتنا مريم، إذا كان لا بد أن تعرف فإن فارس ~~الهيكل براين دي بوا جيلبرت هو من حاك الخطة، وسيساعدني في الهجوم، ~~وسيمثل تابعوه دور الخارجين عن القانون.» # قال فيتزورس: «أقسم بحق مقدساتي، إنها خطة على قدر حكمتكما ~~معا! وإن حذرك يا دي براسي جلي بوجه خاص في فكرة ترك السيدة في ~~أيدي حليفك النبيل. أعتقد أنك قد تنجح في أن تخطفها من أصدقائها ~~الساكسونيين، ولكن ما يدعو إلى الشك على نحو أكبر هو كيف ستتمكن من ~~إنقاذها بعد ذلك من براثن بوا جيلبرت.» # قال دير براسي: «إنه أحد فرسان الهيكل؛ ولذلك لا يمكنه أن ينافسني ~~في خطتي للزواج من هذه الوريثة.» # قال فيتزورس: «إذن، ما من شيء يمكنني قوله ليبعد هذه الحماقة عن ~~مخيلتك (لأنني أعرف جيدا طبعك العنيد)، ولكن على الأقل قدر الإمكان ~~لا تضع الوقت؛ فلا تسلم نفسك لحماقتك طوال الوقت وتضعها في غير ~~موضعها.» # أجاب دي براسي: «قلت لك إن هذا الأمر لن يستغرق سوى ساعات قليلة، ~~وسأكون في يورك على رأس أتباعي ذوي الجرأة والبسالة، جاهزا لدعم أي ~~خطة جريئة يمكن لسياستك وضعها، ولكنني أسمع صوت رفقائي يتجمعون، ~~وأصوات حوافر الجياد وصهيلها في الساحة الخارجية. وداعا. سأذهب كفارس ~~حقيقي لأظفر بابتسامات الحسناء.» # | الفصل الخامس عشر # عندما رأى سيدريك الساكسوني ابنه يسقط فاقدا للوعي في ساحة النزال ~~بآشبي، كان أول شعور انتابه أن يأمر بوضعه في عهدة خدمه ورعايتهم، ~~ولكن الكلمات احتبست في حلقه. لم يستطع أن يحمل نفسه على الاعتراف، في ~~حضور مثل هذا الجمع، بابنه الذي أنكره وحرمه من الميراث. ومع ذلك أمر ~~أوزوالد أن يراقبه، لكن ساقي سيدريك حاول البحث عن سيده الشاب دون ~~جدوى. لقد رأى البقعة الملطخة بالدماء التي كان قد سقط فيها منذ ~~قليل، لكنه لم يعد يراه، وكانت المعلومة الوحيدة التي استطاع أن ~~يجمعها من المشاهدين أن بعض الخدم الذين يرتدون ملابس مهندمة حملوا ~~الفارس بعناية، ووضعوه على محفة تملكها سيدة من بين المشاهدين، ~~ونقلوه على الفور خارج ms070 الزحام. # كان سيدريك وأثيلستان والليدي روينا وخدمهم قد وصلوا إلى حدود منطقة ~~الغابات، في طريق عودتهم من آشبي، وإذا بهم يسمعون صرخات متكررة تطلب ~~المساعدة. وعندما وصوا بجيادهم إلى المكان الذي أتت منه هذه الصرخات، ~~فوجئوا عندما وجدوا محفة خيل موضوعة على الأرض، وبجوارها امرأة ~~شابة ترتدي ثيابا فاخرة على طريقة اليهود، ورجل عجوز، تدل قبعته ~~الصفراء على أنه من الأمة ذاتها، يمشي جيئة وذهابا وعلى وجهه ~~أمارات يأس بالغ، ويعتصر يديه غضبا كما لو أنه قد أصابته مصيبة ~~غريبة. # عندما بدأ إيزاك أوف يورك (إذ كان ذاك هو صديقنا القديم) يتمالك نفسه ~~من هول رعبه، تمكن أخيرا من تبيان أنه كان قد استأجر طاقما من ~~الحراس الشخصيين من ستة رجال من آشبي، مع بغال لحمل محفة صديق مريض. ~~كانوا قد وصلوا إلى هذا الحد بأمان، ولكن بعد أن علم مرتزقة إيزاك من ~~أحد الحطابين أن ثمة عصابة قوية من الخارجين عن القانون تكمن في ~~الغابة متربصة لهم، لم يكتفوا بالفرار، لكنهم أيضا أخذوا معهم الخيل ~~التي تحمل المحفة، وتركوا اليهودي وابنته، بلا وسيلة للدفاع عن ~~نفسيهما أو للتراجع، عرضة للسرقة وربما للقتل على يد قطاع ~~الطرق. # أضاف إيزاك قائلا بلهجة من التذلل الشديد: «إن أذنتم أيها البسلاء ~~لليهودي الفقير أن يسافر تحت حمايتكم، فأقسم بألواح ناموسنا أن ما ~~من إحسان قدم إلى أحد من بني إسرائيل منذ أيام أسرنا إلا ~~وسنقر به بمزيد من الشكر والامتنان.» # قال أثيلستان: «يا كلب اليهود! ألا تذكر تحديك لنا في الرواق عند ~~ساحة المثاقفة؟ لو لم يسرق الخارجون عن القانون إلا أمثالك الذين ~~يسرقون الناس كلهم لاعتبرتهم، من ناحيتي، أناسا صالحين ~~وشرفاء.» # لم يوافق سيدريك على رأي صاحبه القاسي، وقال: «سنفعل ما هو أفضل، ~~ونترك لهما اثنين من خدمنا وجوادين ليحملاهما إلى أقرب قرية. لن ينتقص ~~هذا من قوتنا إلا قليلا. وبفضل مهارتك في استعمال سيفك، أيها النبيل ~~أثيلستان، ومساعدة الباقين، سيكون من السهل علينا مواجهة عشرين من ~~أولئك الأوغاد.» # أثنت روينا بشدة ms071 على اقتراح الوصي عليها، ولكن ريبيكا قامت فجأة من ~~جلستها المغتمة، وشقت طريقها بين الخدم إلى جواد السيدة ~~الساكسونية، ثم جثت على ركبتيها، وعلى طريقة الشرقيين في مخاطبة من ~~هم أرفع مكانة قبلت طرف ثوب روينا، ثم قامت بعد ذلك مرجعة خمارها ~~خلف ظهرها، وناشدتها باسم الإله الأعظم الذي تعبده كلتاهما أن تأخذها ~~بهم الشفقة، وتدعهم يسافرون في حمايتهم. # قالت ريبيكا: «لا ألتمس هذا المعروف لأجلي، ولا حتى لأجل ذلك الرجل ~~العجوز المسكين. أعلم أن الإساءة إلى قومنا وسلبهم أموالهم سيئة ~~صغيرة، إن لم تكن حسنة لدى المسيحيين، ولكن بحق اسم شخص عزيز على ~~الكثيرين وعزيز حتى لديك، وأتوسل إليك أن تتركي هذا الشخص المريض ~~ينقل معنا وينال الرعاية والعطف تحت حمايتك؛ لأنه إن أصابه سوء ~~فستقضين آخر لحظات حياتك متجرعة مرارة الندم على رفض ما أطلبه ~~منك.» # كانت للطريقة النبيلة والوقورة التي قدمت بها ريبيكا طلبها أثر ~~مضاعف على الساكسونية الحسناء. # قالت للوصي عليها: «الرجل مسن وواهن، والفتاة صغيرة وجميلة، ~~وصديقهما مريض وحياته في خطر. ومع أنهم يهود لا يمكننا كمسيحيين أن ~~نتركهم في هذه الشدة. دعهم يرفعوا عن بغلتين من بغال الأحمال حملهما، ~~ويضعوا الأمتعة خلف اثنين من العبيد. يمكن للبغلتين أن تنقلا المحفة، ~~ولدينا خيل بلا راكب للرجل العجوز وابنته.» # وافق سيدريك عن طيب نفس على ما اقترحته. كان الطريق الذي يسافر ~~عليه الركب في ذلك الوقت شديد الضيق، بحيث لم يكن يتسع لأكثر من ~~راكبين يسيران جنبا إلى جنب، وبدأ في الانحدار في واد صغير وعميق، ~~يقطعه جدول ذو ضفاف محطمة وتكتنفها المستنقعات. رأى سيدريك ~~وأثيلستان خطر تعرضهم للهجوم في هذا الطريق، ولكن لا مفر من تجنب ~~تعرضهم للخطر إلا بأن يسرعوا في السير عبر الممر الضيق قدر ~~استطاعتهم؛ لذا تقدما دون كثير من التنظيم، وما كادا يعبران الجدول ~~مع جزء من أتباعهما حتى هوجموا من الأمام والجانبين والخلف دفعة ~~واحدة بعنف شديد حال بينهم وبين أي مقاومة فعالة؛ لأنهم كانوا في ~~حالة من الارتباك وضعف ms072 الاستعداد. سمعت من جميع الجهات صيحة: «تنين ~~أبيض! تنين أبيض! أيها القديس جورج، يا قديس إنجلترا البهيجة!» وكانت ~~صيحات حرب أطلقها المغيرون إعلانا عن شخصيتهم المزعومة باعتبارهم ~~ساكسونيين خارجين عن القانون، وظهر الأعداء من كل جانب مسرعين في ~~التقدم والهجوم؛ ما جعل أعدادهم تبدو مضاعفة. # أسر القائدان الساكسونيان في اللحظة نفسها، وسقط الخدم المثقلون ~~بالأمتعة فريسة سهلة في يد المعتدين، بعدما فاجأهم وأرعبهم ما حل ~~بسيديهم، كما لاقت السيدة روينا التي كانت في منتصف الركب، واليهودي ~~وابنته اللذان كانا في مؤخرته، المصير التعس نفسه. # لم يهرب أحد من الحاشية كلها إلا وامبا وجيرث، ولكن ظهر شخص ثالث ~~فجأة، وأمرهما بالتوقف. من ملبسه وسلاحه خمن وامبا أنه أحد أولئك ~~الخارجين عن القانون الذين كانوا قد أغاروا لتوهم على سيده، ولكن إلى ~~جانب أنه لم يكن يرتدي قناعا تمكن أن يعرف من الحمالة المبهرجة ~~على كتفه، والبوق الثمين الذي يحمله فيها، وكذلك التعبير الهادئ والآمر ~~في صوته وطريقته، وعلى الرغم من ظلمة الشفق، أنه اليومن ~~لوكسلي. # قال: «ما معنى كل هذا؟ ومن ذا الذي ينهب، ويطلب فدية، ويأخذ أسرى، في ~~هذه الغابات؟» # قال وامبا: «انظر إلى أرديتهم الطويلة عن قرب؛ لترى ما إذا كانت ~~سترات أطفالك أم لا؛ إذ إنها تشبه ثيابك، كما تتشابه حبات ~~البازلاء.» # رد لوكسلي: «سأعرف ذلك في الحال، وآمركما، منجاة لحياتكما، ألا ~~تبرحا مكانكما حتى أرجع. ولكن مهلا، لا بد أن أبدو كهؤلاء الرجال ~~قدر الإمكان.» # قال ذلك وفك إبزيم حزام الكتف الذي به البوق، وأخذ ريشة من قبعته ~~وأعطاها لوامبا، ثم أخرج قناعا من حقيبته، وكرر عليهم أوامره ~~بالبقاء بلا حراك، ثم مضى لتنفيذ أغراض استكشافه. رجع في غضون بضع ~~دقائق. # قال: «أيها الصديق جيرث، لقد اندسست وسط هؤلاء الرجال، وعرفت إلى من ~~ينتمون وإلى أين يتجهون. أعتقد أنه لا يحتمل أن يرتكبوا أي فعل عنيف ~~حقيقي مع أسراهم. وإذا حاول ثلاثة رجال الهجوم عليهم في هذه اللحظة ~~فلن يكون ذلك إلا ضربا من الجنون، ولكني أثق ms073 أنني سرعان ما سأجمع قوة ~~يمكنها إحباط كل سبل حيطتهم. أنتما خادمان ، وأعتقد أنكما خادمان ~~مخلصان لسيدريك الساكسوني. لن تعوزه أياد إنجليزية لمساعدته في ~~هذه المحنة. تعاليا إذن معي حتى أجمع المزيد من العون.» # قال ذلك ومشى عبر الغابة بخطى سريعة، يتبعه المهرج وراعي ~~الخنازير. وبعد ثلاث ساعات، وصلوا إلى فرجة صغيرة في الغابة ~~يتوسطها شجرة بلوط عملاقة، وأسفلها يستلقي أربعة أو خمسة من اليوامنة ~~ممددين على الأرض، بينما كان ثمة يومن آخر يمشي جيئة وذهابا ~~كالحارس في ظل ضوء القمر. # عندما سمع الحارس أصوات الأقدام أطلق على الفور صيحة تنبيه، وانتفض ~~النائمون وشدوا أقواسهم. كانت ستة أسهم موضوعة على الأوتار ~~وموجهة نحو المكان الذي اقترب منه المسافرون، ولكن عندما عرفوا ~~مرشدهم رحبوا به بكل أمارات الاحترام والمودة. # كان سؤاله الأول: «أين الطحان؟» ~~«في الطريق إلى روثيرهام.» # سأل القائد؛ إذ هكذا بدا: «وكم معه من الرجال؟» ~~«ستة رجال وأمل كبير في غنيمة، إن شاء ذلك القديس نيكولاس.» # قال لوكسلي: «قول تقي. وأين آلان أديل؟» ~~«اتجه صوب شارع واتلنج ليترقب رئيس دير جورفولكس.» # رد القائد: «ذلك تفكير سديد أيضا. وأين الراهب؟» ~~«في صومعته.» # قال لوكسلي: «سأذهب إلى هناك. تفرقوا وابحثوا عن رفقائكم، واجمعوا ~~ما تقدرون عليه من قوة، ثم قابلوني في الفجر.» وأضاف قائلا: «مهلا، ~~لقد نسيت أهم شيء في الأمر كله. فليمض اثنان منكم في الطريق ~~مسرعين إلى توركويلستون، حيث قلعة فرونت دي بوف. ثمة مجموعة من ~~البسلاء الذين تنكروا في ثياب كثيابنا، ينقلون عصابة من الأسرى إلى ~~هناك، راقباهم من كثب، ولترسلا بواحد من أسرع رفقائكم كي يجلب لنا ~~أخبار من هناك من اليوامنة.» # تعهدوا بالطاعة التامة، وافترقوا بخفة إلى مهامهم المختلفة. وفي ~~الوقت نفسه تابع قائدهم ورفيقاه طريقهم إلى كنيسة كوبمانهيرست. # | الفصل السادس عشر # كان الناسك وضيفه ينشدان، بملء ما تتسع رئتاهما من قوة، أنشودة ~~قديمة عن الشراب، كانت لازمتها: # تعال ومرر لي الوعاء البني. # أيها الفتى المرح، أيها الفتى المرح، # تعال ومرر لي الوعاء البني. # يا جينكين ms074 المرح، أراك مخادعا في ملء الشراب، # تعال ومرر لي الوعاء البني. # ولكن في النهاية عكرت مزاجهما طرقات لوكسلي العالية ~~والمتكررة، فقال الناسك متوقفا عن الإنشاد وسط مقطع طويل: «وحق ~~مسبحتي، ها قد جاءنا مزيد من الضيوف الجهال. لا أرغب، من أجل قلنسوتي ~~الرهبانية، أن يرونا ونحن نرتكب هذا الفعل الجسيم؛ فلكل رجل أعداؤه يا ~~سيدي الكسول الطيب، وثمة من يملكون من الحقد ما يكفي لأن يجعلهم ~~يفسرون هذا الترويح من باب كرم الضيافة الذي قدمته لك، أيها المسافر ~~المتعب، لمدة ثلاث ساعات قصار، على أنه جلسة سكر ليس إلا.» # رد الفارس: «افتراء دنيء! وددت لو كان بوسعي معاقبتهم، ولكن في هذه ~~البلاد أفضل الحديث معهم عبر قضبان خوذتي على أن أتحدث معهم سافر ~~الوجه.» # قال الناسك: «إذن ضع وعاءك الحديدي على رأسك أيها الصديق الكسول، ~~بينما أتخلص أنا من أباريق القصدير هذه التي ما زال أثر محتوياتها يجري ~~على نحو غريب في رأسي. ولكي نغطي على ما فعلته في ألسنتنا من لغو، ~~حيث أشعر حقا ببعض الدوار، فلتندمج معي في اللحن الذي ستسمعني ~~أغنيه، ولا تهتم بأمر الكلمات؛ فأنا نفسي أعرفها بشق ~~الأنفس.» # قال ذلك وبدأ ينشد بصوت راعد باللاتينية: «من الأعماق صرخت إليك ~~يا رب.» وهو يغطي في أثناء ذلك أدوات وليمتهما، بينما كان الفارس الذي ~~كان يضحك من كل قلبه ويلبس دروعه في الوقت نفسه، يساعد مضيفه بصوته ~~من وقت لآخر كلما سنحت له الفرصة بالطرب. # قال صوت من الخارج: «أي صلاة صبح شيطانية تتلوها في هذه ~~الساعة؟» # قال الناسك: «فلتسامحك السماء أيها السيد المسافر! ولتمض في طريقك ~~باسم الرب والقديس دونستان، ولا تقطع علي وعلى أخي المقدس ~~صلواتنا.» # رد الصوت بالخارج: «أيها القس المجنون، افتح الباب ~~للوكسلي!» # قال الناسك لرفيقه: «كل شيء آمن، كل شيء على ما يرام.» # قال الفارس الأسود: «ولكن من هو؟ يهمني كثيرا أن أعرف.» # أجاب الناسك: «من هو؟ أقول لك إنه صديق.» # رد الفارس: «ولكن أي صديق؟ فقد يكون صديقا لك، ولا يكون ms075 صديقا ~~لي.» # رد الناسك: «أي صديق؟ هذا أحد الأسئلة التي يسهل طرحها عن الإجابة ~~عليها. أي صديق؟ عجبا، الآن أتذكر بعض الشيء، إنه الحارس الأمين نفسه ~~الذي حدثتك عنه منذ قليل.» # رد الفارس: «أجل، إنه حارس أمين كما أنك ناسك تقي. لا أشك في ذلك، ~~ولكن افتح له الباب قبل أن يقتلعه من مفصلاته.» # فتح الناسك بابه سريعا وأدخل لوكسلي ومعه رفيقاه. # كان أول سؤال طرحه اليومن بمجرد أن رأى الفارس: «عجبا، أيها ~~الناسك، ما هذه الصحبة المرحة التي لديك هنا؟» # رد الراهب وهو يهز رأسه: «إنه أخ من طائفتنا، وقد كنا نصلي طول ~~الليل.» # أجاب لوكسلي: «أعتقد أنه راهب من محاربي الكنيسة، وثمة الكثير ~~منهم في الخارج. أقول لك أيها الناسك إنك يجب أن تضع مسبحتك جانبا ~~وتمسك بعصاك؛ فسنحتاج إلى كل واحد منكم أيها الرجال المرحون، سواء ~~أكنتم من رجال الكنيسة أم علمانيين.» ثم أضاف وهو يتنحي خطوة جانبا: ~~«ولكن هل أنت مجنون لتسمح بالدخول لفارس لا تعرفه؟ أنسيت ~~قواعدنا؟» # رد الناسك بجرأة: «لا أعرفه؟! بل أعرفه جيدا كما يعرف الشحاذ ~~صحنه.» # فسأله لوكسلي: «وما اسمه إذن؟» # قال الناسك: «اسمه، اسمه السير أنتوني أوف سكرابيلستون. عجبا، ~~وكأنني سأحتسي الخمر مع رجل لا أعرف اسمه!» # قال رجل الغابة: «لقد شربت أكثر من اللازم أيها الراهب، وأخشى أن ~~تكون قد ثرثرت بأكثر من اللازم أيضا.» # تقدم الفارس نحوه قائلا: «أيها اليومن الصالح، لا تغضب من مضيفي ~~المرح؛ فلم يفعل شيئا سوى أن منحني ضيافة كنت سأجبره عليها لو كان ~~رفض.» # قال الراهب: «أنت تجبرني! انتظر حتى أخلع هذا الرداء الرمادي ~~بسترة خضراء، وإن لم أجعل عصاي ترن اثنتي عشرة مرة على أم رأسك ~~فلن أكون رجل دين حقيقيا ولا رجل غابة جيدا.» # بينما كان يقول ذلك، خلع رداءه وبدا في سترة ضيقة سوداء من القماش ~~القاسي وسروال داخلي، وارتدى عليهما بسرعة سترته الخضراء وجوربا ~~باللون نفسه. # قاد لوكسلي الفارس متنحيا به بعيدا قليلا، وخاطبه قائلا: «لا ~~تنكر يا سيدي الفارس، ms076 إنك من تسببت في انتصار الإنجليز على الغرباء ~~في اليوم الثاني للمباراة في آشبي.» # رد الفارس: «وماذا إن كان تخمينك صحيحا أيها اليومن ~~الصالح؟» # أجاب اليومن: «سأعتبرك حينئذ صديقا للفريق الأضعف.» # رد المحارب الأسود: «ذاك على الأقل واجب الفارس الحقيقي، ولن أرغب ~~مختارا أن يكون ثمة أسباب للتفكير في أن أكون خلاف ذلك.» # قال اليومن: «ولكن لتحقيق غرضي يتعين أن تكون رجلا إنجليزيا ~~صالحا بقدر كونك فارسا جيدا؛ لأن ما علي أن أحدثك عنه في ~~الحقيقة هو واجب كل رجل شريف، ولكنه بالأحرى يخص الرجال الإنجليز ~~الأصليين.» # رد الفارس: «لن تجد أحدا تتحدث إليه وتكون إنجلترا وحياة كل إنجليزي ~~أعز عليه مني.» # قال رجل الغابة: «سأصدق ذلك عن طيب خاطر؛ فلم تكن هذه البلاد في ~~حاجة إلى دعم من يحبونها أكثر منها الآن. أنصت إلي، وسأخبرك ~~بمغامرة إن كنت حقا الأفضل كما تبدو فستنال فيها دورا مشرفا. إن ~~عصابة من الأشرار المتنكرين في زي رجال أفضل منهم قد أسرت ~~إنجليزيا نبيلا، يدعى سيدريك الساكسوني، ومعه ربيبته التي تحت ~~وصايته، وصديقه أثيلستان أوف كوننجزبيرج، ونقلوهم إلى قلعة في هذه ~~الغابة، تسمى توركويلستون. وأنا أسألك، بصفتك فارسا جيدا ~~وإنجليزيا صالحا، هل تساعد في إنقاذهم؟» # أجاب الفارس: «إن قسمي يلزمني أن أفعل ذلك، ولكني أريد أن أعرف من ~~أنت يا من تطلب مساعدتي نيابة عنهم؟» # قال رجل الغابة: «أنا رجل بلا اسم، ولكني مخلص لبلدي ولحلفائها، ~~وعليك أن تقنع بهذا القدر من معرفتك بي في الوقت الراهن، ولكن صدقني ~~عندما أقول لك إن كلمتي، عندما أتعهد بها، لها حرمتها كما لو كنت ~~أرتدي مهمازين من الذهب.» # قال الفارس: «أصدقك عن طيب خاطر؛ فقد اعتدت على دراسة سيماء ~~الرجال، ويمكنني أن أقرأ في ملامحك الإخلاص والعزم؛ لذلك لن أطرح ~~عليك مزيدا من الأسئلة، ولكني سأساعدك على تحرير هؤلاء الأسرى ~~المظلومين.» # | الفصل السابع عشر # بينما كانت هذه التدابير تتخذ نيابة عن سيدريك ورفاقه، كان الرجال ~~المسلحون الذين أسروه يسرعون بأسراهم نحو المكان الذي انتووا أن ms077 ~~يسجنوهم فيه. وفي تلك الأثناء، دار الحوار الآتي بين قائدي قطاع ~~الطرق . # قال فارس الهيكل لدي براسي: «حان الوقت لتغادرنا يا سيد موريس كي ~~تجهز للجزء الثاني من لغزك؛ فكما تعلم، عليك بعد ذلك أن تقوم بدور ~~الفارس المخلص.» # قال دي براسي: «لقد فكرت فيما هو أفضل من ذلك؛ فلن أتركك حتى نضع ~~غنيمتنا آمنة في قلعة فرونت دي بوف. وهناك سأظهر أمام الليدي روينا ~~بمظهري الحقيقي، وأنا واثق من أنها ستعزو العمل العنيف الذي ارتكبته ~~إلى شدة شغفي بها.» # أجاب فارس الهيكل: «وما الذي جعلك تغير خطتك يا دي براسي؟» # أجاب رفيقه: «ذلك لا يعنيك في شيء.» # قال فارس الهيكل: «على كل آمل أيها السيد الفارس ألا يكون ذلك ~~التغيير في التدابير نابعا من شك في نياتي الشريفة، كما حاول ~~فيتزورس أن يغرس في ذهنك. فلتسمع مني الحقيقة! أنا لا تعنيني حسناؤك ~~ذات العينين الزرقاوين؛ فهناك في ذلك الركب من تصلح رفيقة أفضل ~~لي.» # قال دي براسي: «ماذا؟! أتنزل بنفسك إلى مستوى الوصيفة؟» # قال فارس الهيكل بكبرياء: «لا يا سيدي الفارس، لن أتدنى إلى مستوى ~~الوصيفة؛ فلدي غنيمة بين الأسرى لا تقل جمالا عن جميلتك.» # قال دي براسي: «بحق القداس، أتعني الحسناء اليهودية؟!» # قال بوا جيلبرت: «وإن كنت أعني ذلك، فمن يعارضني؟» # قال دي براسي: «أنت أفضل من يعلم مميزاتك، ولكني أكاد أقسم أن ~~تفكيرك كان منصبا على أكياس نقود المرابي المسن أكثر مما تفكر ~~في عيني ابنته السوداوين.» # أجاب فارس الهيكل: «يمكنني الإعجاب بالاثنين، بالإضافة إلى أن ~~اليهودي العجوز ما هو إلا نصف غنيمة؛ إذ يجب أن أقتسم ماله مع فرونت دي ~~بوف الذي لن يعيرنا قلعته دون مقابل؛ ومن ثم يجب أن يكون لي شيء ~~يمكنني أن أعده مكسبا خاصا بي وحدي من غزوتنا هذه، وقد استقر ~~رأيي على أن تكون اليهودية الحسناء غنيمتي الخاصة، ولكن الآن وقد علمت ~~مقصدي فسترجع إلى استكمال خطتك الأصلية، أليس كذلك؟ فليس لديك، كما ~~ترى، ما تخشاه من تدخلي.» # أجاب دي ms078 براسي: «لا، بل سأظل بجوار غنيمتي.» # استمر الحراس يستحثون سيدريك، آخذين في السير بسرعة كبيرة، حتى ~~لاحت، عند نهاية ممر من الأشجار الضخمة، توركويلستون؛ قلعة ريجينالد ~~فرونت دي بوف. نفخ دي براسي في بوقه ثلاث مرات. وعندما رآهم الرماة ~~والرجال المسلحون بالنشاب الذين كانوا قد اعتلوا الجدار ~~يقتربون، أسرعوا إلى إنزال الجسر المتحرك والسماح لهم بالدخول. أجبر ~~الحراس الأسرى على الترجل، وأفهموا أثيلستان وسيدريك أنهما ~~سيسجنان في غرفة بعيدة عن روينا. # اقتادوا الليدي روينا، بلطف حقا ولكن دون استشارتها، إلى غرفة ~~بعيدة. ومنحت ريبيكا أيضا تمييزا مقلقا مماثلا، على الرغم من ~~توسلات أبيها الذي وصل به الأمر أن عرض عليهم المال، تحت وطأة هذا ~~الكرب العظيم، من أجل أن يسمح لها بأن تقيم معه. أجابه أحد حراسه ~~قائلا: «أيها الكافر الوضيع، عندما ترى مرقدك لن تتمنى أن تشاركك ~~ابنتك إياه.» # ودون مزيد من النقاش، سيق اليهودي العجوز بالقوة في اتجاه مختلف عن ~~بقية الأسرى، وزج به بسرعة داخل أحد أقبية القلعة الذي كانت أرضيته ~~تنخفض كثيرا عن مستوى الأرض، وكان شديد الرطوبة لأن مستواه كان ~~منخفضا عن مستوى الخندق المائي نفسه. كان الضوء الوحيد يأتي عبر كوة ~~أو كوتين تعلوان كثيرا عن متناول يد الأسير. وفي أحد جوانب هذه ~~الغرفة، كانت توجد مدفأة كبيرة، وكانت مبسوطا فوقها قضبان حديدية ~~مستعرضة نصف متآكلة بالصدأ. # جلس إيزاك في أحد أركان قبوه وقد جمع ثوبه تحته ليقي أطرافه من ~~الأرض الرطبة، وكان يمكن رؤية يديه المضمومتين، وشعره ولحيته ~~الأشعثين، وعباءته المبطنة، وقبعته العالية، في الضوء المتقطع؛ ما كان ~~من شأنه أن يمنح الرسام الشهير رامبرانت موضوعا للدراسة لو أنه كان ~~قد عاصر تلك الفترة. ظل اليهودي على حاله، دون أن يغير وضعه، قرابة ~~ثلاث ساعات، حتى سمع وقع خطوات على درج القبو، ثم أصدرت المزالج ~~صوت صرير مرتفعا عندما سحبت، وأصدرت المفصلات صوت أنين عندما ~~فتحت البوابة الصغيرة، ودخل ريجينالد فرونت دي بوف السجن يتبعه عبدا ~~فارس الهيكل العربيان. # توقف على بعد ثلاث ms079 خطوات من الركن الذي كان يجلس فيه اليهودي ~~التعس، حيث كان، إن جاز القول، قد طوى نفسه في أصغر مساحة ممكنة، وأشار ~~لأحد العبدين أن يقترب. تقدم التابع الأسود مستجيبا لإشارته، ووضع ~~ميزانا كبيرا ذا كفتين عند قدمي فرونت دي بوف، ثم تراجع مرة ~~أخرى، حيث كان رفيقه واقفا بلا حراك، إلى المسافة التي تظهر احترامه ~~لسيده. افتتح فرونت دي بوف بنفسه المشهد بأن خاطب الأسير التعيس ~~الحظ. # قال: «أيها الكلب اللعين المنحدر من جنس وضيع، أترى هذا ~~الميزان؟» # رد اليهودي التعيس بالإيجاب بوهن. ~~«بهذا الميزان ستزن لي ألف رطل من الفضة وفقا للكيل والميزان ~~الدقيقين لبرج لندن.» # أجاب اليهودي، باحثا عن صوته في خضم الخطر العظيم الذي يحيط به، ~~قائلا: «يا إبراهيم المقدس! هل سمع إنسان من قبل مثل هذا الطلب؟ ~~من سمع من قبل، حتى في حكايات الشعراء المتجولين، عن مبلغ كألف رطل من ~~الفضة؟ أي عينين بشريتين قد تباركت بالنظر إلى مثل هذا الكنز الكبير؟ ~~لن تجد عشر هذا المبلغ الضخم من الفضة الذي تتحدث عنه داخل أسوار ~~يورك، ولو فتشت منزلي ومنازل قومي كلهم.» # رد فرونت دي بوف: «إن مطلبي معقول، وإن كانت الفضة شحيحة فلن أرفض ~~الذهب، على أن يكون مقدارا معلوما من الذهب معادلا لستة أرطال من ~~الفضة؛ وبذلك يمكنك تحرير جسدك الكافر من عقاب لم يخطر ببالك ~~قط.» # صرخ إيزاك: «ارحمني أيها الفارس النبيل! أنا رجل مسن وفقير، وبلا ~~حول ولا قوة، ولا يليق بك أن تنتصر علي؛ فلا يليق بك أن تسحق ~~دودة.» # أجاب الفارس: «قد تكون مسنا، ولكن العار من نصيب هؤلاء الحمقى ~~الذين تركوك تشيب على الربا والاحتيال. قد تكون ضعيفا، ولكن متى كان ~~ليهودي قلب أو يد؟ ولكنك معروف بالثراء.» # قال اليهودي: «أقسم لك أيها الفارس النبيل بكل ما أومن به، وبكل ~~ما نؤمن به سويا ...» # قال النورماندي مقاطعا له: «لا تقسم حانثا، ولا تجعل عنادك يحكم ~~عليك بالهلاك، حتى ترى وتعي جيدا المصير الذي ينتظرك. أقسم لك بما ms080 ~~لا تؤمن به، بالإنجيل الذي تعلمه لنا كنيستنا، وبالسلطات المطلقة ~~التي منحت لها للتحريم والإباحة، إن غرضي أكيد وقاطع.» # أشار مجددا لخادميه بأن يقتربا، وتحدث معهما على انفراد ~~بلغتهما. أخرج العربيان مقدارا من الفحم ومنفاخا وقارورة زيت. ~~وبينما كان أحدهما يشعل نارا بصوان وفولاذ، أعد الآخر الفحم في ~~المدفأة الصدئة الضخمة التي سبق أن ذكرناها، واستخدم المنفاخ حتى ~~استحال اللهب إلى وهج أحمر. # قال فرونت دي بوف: «أترى يا إيزاك صف قضبان الحديد فوق ذلك الفحم ~~المتقد؟ سترقد على تلك الأريكة الدافئة عاريا من ثيابك، وكأنك ~~مستلق على سرير من الريش. سيبقي أحد هذين الخادمين على النار ~~متقدة من تحتك، بينما يدهن الآخر أطرافك الحقيرة بالزيت حتى لا يحترق ~~الشواء. والآن، فلتختر بين سرير من لهب وبين أن تدفع ألف رطل من الفضة؛ ~~لأنك بحق رأس أبي ليس أمامك خيار آخر.» # صاح اليهودي البائس: «هذا محال، محال أن يكون غرضك حقيقيا! فرب ~~الطبيعة الطيب لم يخلق قط قلبا قادرا على عمل بمثل هذه ~~الوحشية!» # قال فرونت دي بوف: «لا تكن متيقنا من ذلك يا إيزاك؛ فهذا خطأ ~~قاتل. أتظن أنني، أنا الذي رأيت بلدة تنهب وتدمر، ويهلك فيها ~~آلاف من بني جلدتي من المسيحيين بالسيف وبالفيضان وبالنار، سأتراجع عن ~~غرضي من أجل هتافات أو صرخات يهودي واحد حقير؟ كن عاقلا أيها الرجل ~~المسن، وافتد نفسك بجزء من ثروتك الزائدة عن الحاجة بأن تعيد إلى ~~مسيحي جزءا مما اكتسبته بالربا الذي مارسته على أولئك الذين من دينه. ~~أقول لك ادفع فديتك، وابتهج بأنه يمكنك بمثل هذا المبلغ أن تحرر نفسك ~~من زنزانة لم يبق على قيد الحياة ليروي أسرارها إلا القليلون. لن ~~أضيع مزيدا من الكلام معك، فلتختر بين أموالك الخبيثة وبين لحمك ~~ودمك، وأيهما تختار سيكون مصيرك.» # قال إيزاك: «إذن فليساعدني إبراهيم ويعقوب وجميع آباء قومي. لا ~~يمكنني الاختيار؛ لأنه ليس لدي وسيلة تحقيق طلبك الباهظ!» # قال الفارس: «فلتمسكا به ولتنزعا عنه ثيابه أيها العبدان، وليساعده ~~آباء بني جنسه إن ms081 استطاعوا.» # | الفصل الثامن عشر # تقدم المساعدان مرة أخرى، وقد أخذا أوامرهما من عين البارون ويده ~~أكثر مما أخذاها من لسانه، ووضعا أيديهما على تعيس الحظ إيزاك، ثم ~~اقتلعاه من فوق الأرض، وأوقفاه بينهما هما في انتظار الإشارة التالية ~~للبارون القاسي القلب. نظر اليهودي التعيس إلى وجهيهما وإلى وجه فرونت ~~دي بوف آملا في أن يكتشف بعض مظاهر الرحمة، ثم نظر إلى الأتون ~~المتوهج الذي كان سيمدد عليه عما قريب، وعندما لم يجد أي احتمال ~~لأن يرفق به معذبه ذهب عنه صموده. # قال: «سأدفع الأرطال الألف من الفضة.» ثم أضاف بعد لحظة من التوقف: ~~«أعني أنني سأدفعها بمساعدة إخواني؛ لأنه يتعين أن أتسول كشحاذ على ~~باب معبدنا قبل أن أجمع مثل هذا المبلغ الذي لم يسمع به أحد من قبل. ~~متى وأين يجب علي تسليمه؟» # أجاب فرونت دي بوف: «هنا، يجب تسليمه هنا، ويجب أن يوزن ويعد على ~~أرضية هذه الزنزانة نفسها. أتظن أنني سأتركك قبل أن أضمن ~~فديتك؟» # قال اليهودي: «وما الذي يضمن لي أن أنال حريتي بعد دفع هذه ~~الفدية؟» # أجاب فرونت دي بوف: «كلمة نبيل نورماندي أيها العبد المرابي؛ فوفاء ~~الرجل النورماندي النبيل لكلمته أكثر نقاء من ذهبك وفضتك ومن ذهب قومك ~~أجمعين وفضتهم.» # قال إيزاك خائفا: «أستميحك عذرا أيها السيد النبيل، ولكن ما الذي ~~يجعلني أعتمد فقط على كلمة شخص لا يثق في على الإطلاق؟» # قال الفارس عابسا: «لأنك لا تملك اختيارا آخر، أيها اليهودي. ولو ~~كنت الآن في غرفة كنزك في يورك، وكنت أنا في حاجة إلى قرض من ~~شيكلاتك، لأمليت أنت موعد السداد ورهن الضمان. هذه غرفة كنزي، ولي هنا ~~الأفضلية عليك، ولن أتنازل مرة أخرى، وأكرر عليك الشروط التي أمنحك ~~بموجبها حريتك.» # تأوه اليهودي تأوها عميقا، وقال: «امنحني، مع حريتي على الأقل، ~~حرية رفقائي الذين أسافر معهم. لقد ازدروني لأنني يهودي، لكنهم أشفقوا ~~على حالي البائس، ولأنهم أبطئوا في طريقهم لمساعدتي، نالهم حظ من ~~الأذى الذي نالني، كما أنهم يمكنهم أن يسهموا بطريقة أو ms082 بأخرى في ~~فديتي.» # قال فرونت دي بوف: «إن كنت تعني هؤلاء الساكسونيين الوضعاء، فإن ~~فديتهم ستعتمد على شروط أخرى غير شروطك. لا تفكر إلا في شئونك أيها ~~اليهودي، وأحذرك؛ لا تتدخل في شئون غيرك.» # قال إيزاك: «إذن، هل لي أن أنال حريتي مع صديقي الجريح فقط؟» # قال فرونت دي بوف: «هل علي أن أنصح أحد أبناء إسرائيل مرتين أن ~~يعتني بشئونه الخاصة ويترك الآخرين وشأنهم؟ بما أنك قد اخترت، يتبقى أن ~~تدفع فديتك، وذلك في غضون مدة قصيرة.» # رد إيزاك: «فلتدع ابنتي ريبيكا تمضي إلى يورك بضمان مرور آمن منك، ~~أيها الفارس النبيل، وبمجرد رجوع الرجل والجواد فإن الكنز ...» وهنا أن ~~أنة عميقة، ولكنه استطرد، بعد توقف لبضع ثوان، قائلا: «سيعد الكنز ~~على هذه الأرضية ذاتها.» # قال فرونت دي بوف كما لو أن المفاجأة قد أخذته: «ابنتك! بحق السموات، ~~يا إيزاك، ليتني كنت أعلم بهذا الأمر. لقد ظننت أن تلك الفتاة ذات ~~الحاجبين الأسودين هي زوجتك، وأعطيتها للسيد براين دي بوا جيلبرت لتكون ~~خادمة له، كما كان يفعل آباؤنا بطارقة الأيام الخوالي وأبطالها، ~~الذين ضربوا لنا في هذه الأمور مثالا ناجعا.» # عندما سمع إيزاك هذا الخبر الذي يخلو من الإنسانية، جلجلت الصرخة ~~التي أطلقها في أرجاء القبو، وأذهلت العربيين لدرجة أنهما أفلتا ~~اليهودي من أيديهما؛ فانتهز الفرصة كي يلقي بنفسه على الأرض ويتمسك ~~بركبتي فرونت دي بوف. # قال: «خذ كل ما طلبت يا سيدي الفارس، خذ عشرة أمثاله، اتركني للهلاك ~~والتسول إن شئت، لا بل اطعني بخنجرك، واشوني على أتونك، ولكن ارحم ~~ابنتي، ولتسلمها لي سالمة شريفة! إنها صورة من زوجتي الراحلة راشيل، ~~وهي آخر العهود الستة على حبها. هل ستحرم زوجا أرمل من عزائه المتبقي ~~الوحيد؟» # قال النورماندي وقد رق قلبه بعض الشيء: «وددت لو كنت أعلم ذلك ~~قبلئذ. لقد كنت أظن أن بني جنسك لا يحبون شيئا سوى حقائب ~~أموالهم.» # قال إيزاك: «لا تظن أننا، مع كوننا يهودا، فاسدو الأخلاق لهذه ~~الدرجة؛ فالثعلب المطارد والقط البري المعذب يحبان ms083 صغارهما، ~~وأبناء إبراهيم المحتقرون والمضطهدون يحبون أبناءهم!» # قال فرونت دي بوف: «فليكن . سأصدق ذلك في المستقبل يا إيزاك من ~~أجلك، ولكن لن يفيدنا ذلك الآن؛ فلا يمكنني فعل شيء فيما حدث، أو ~~فيما سيتبعه؛ فقد أعطيت كلمتي لرفيقي في السلاح، ولن أخلف عهدي من ~~أجل عشرة من رجال اليهود ونسائهم. علاوة على ذلك، لماذا تظن أنه ~~سيصيب الفتاة سوء، حتى وإن أصبحت غنيمة بوا جيلبرت؟» # صاح إيزاك وهو يعتصر يديه في ألم: «سيصيبها سوء، لا بد أنه سيصيبها ~~سوء! علام يعيش فرسان الهيكل إلا القسوة على الرجال وإلحاق العار ~~بالنساء!» # قال فرونت دي بوف: «أيها الكلب الكافر، لا تجدف على طائفة هيكل ~~صهيون المقدسة، ولكن فكر بدلا من ذلك في أن تدفع لي فديتك التي ~~وعدت بها، وإلا فالويل لعنقك اليهودي!» # قال اليهودي، ردا على إهانات ظالمه بانفعال لم يستطع جمحه مع ضعفه: ~~«يا لك من لص وشرير! لن أدفع لك شيئا، ولا بنسا فضيا واحدا، إلا ~~إذا سلمت لي ابنتي سالمة وعفيفة.» # قال النورماندي عابسا: «هل أنت في كامل قواك العقلية أيها ~~الإسرائيلي؟ أعلى لحمك ودمك تعويذة تحميهما من الحديد الساخن والزيت ~~الحارق؟» # قال اليهودي في يأس واستسلام منبعهما عاطفة الأبوة: «لا شيء يهمني! ~~افعل أسوأ ما عندك؛ فابنتي هي لحمي ودمي، وأغلى عندي ألف مرة من هذه ~~الأطراف التي تهددها وحشيتك. لن أعطيك أي فضة إلا إذا صببتها مذابة ~~في حلقك الجشع. لا، بل لن أعطيك بنسا فضيا واحدا أيها النصراني، ~~ولو كان سيخلصك من الخطيئة المميتة التي ابتليت بها طوال حياتك! ~~فلتسلبني حياتي إن شئت، ولتقل إن اليهودي، وسط آلام تعذيبه، قد علم كيف ~~يخيب ظن المسيحي.» # قال فرونت دي بوف: «سنرى؛ لأنك، وأقسم بالصليب المبارك، الشاهد ~~على فحش قومك الملعونين، ستذوق عذاب النار والفولاذ! جردوه من ~~ملابسه أيها العبدان، وألقيا به فوق القضبان مكبلا ~~بالسلاسل.» # على الرغم من محاولات المقاومة الضعيفة التي أبداها الرجل العجوز، ~~فقد مزق عنه العربيان ثوبه الذي يغطي نصفه العلوي، وكادا يشرعان ms084 في ~~تجريده تماما من ملابسه، عندما سمع صوت نفخ مرتين في بوق خارج ~~القلعة، واخترق حتى أعماق القبو، ثم سمعت بعد ذلك مباشرة أصوات عالية ~~تنادي على السيد ريجينالد فرونت دي بوف. ولأنه لم يكن يرغب في أن يعثر ~~أحد عليه متورطا في عمله الشيطاني، أعطى البارون الوحشي إشارة ~~لعبديه ليعيدا وضع ثوب إيزاك عليه، وخرج من القبو مع تابعيه تاركا ~~اليهودي وهو يشكر الرب على خلاصه. # | الفصل التاسع عشر # كانت الغرفة التي أودعوا فيها الليدي روينا مجهزة ببعض محاولات ~~الزخرفة والإبهار الفجة، وربما يعتبر وضعها فيها علامة خاصة على ~~احترام لم يقدم للسجناء الآخرين. كان الوقت قد قارب على الظهيرة ~~عندما ظهر دي براسي، الذي خططت الحملة في الأساس من أجله، ليواصل ~~جهوده في الفوز بيدها وبممتلكاتها. # خلع قلنسوته المخملية محييا الليدي. وبقلنسوته هذه أشار لها بلطف ~~لتجلس على أحد المقاعد. وإذ أصرت على أن تظل واقفة خلع الفارس قفاز ~~يده اليمنى، واقترب منها ليقودها إلى هناك، ولكن روينا رفضت مجاملته ~~لها بإشارة منها، وردت قائلة: «إن كنت في حضرة سجاني يا سيدي ~~الفارس - إذ لا تتيح لي الظروف أن أفكر في غير ذلك - فمن الأفضل ~~لسجينته أن تظل واقفة حتى تعلم مصيرها.» # رد دي براسي: «وا حسرتاه! أيتها الجميلة روينا، إنك في حضرة أسيرك ~~وليس سجانك؛ ومن عينيك الساحرتين يجب أن يتلقى دي براسي ذلك ~~المصير الذي تنتظرينه منه بلهفة.» # قالت السيدة: «أنا لا أعرفك يا سيدي. لا أعرفك، كما أن عدم الكلفة ~~الوقحة التي تتعامل بها معي برطانة شاعر متجول لا تشفع لعنف ~~لص.» # رد دي براسي بنبرة صوته السابقة: «بسببك أيتها الآنسة الحسناء، ~~بسبب سحرك، فعلت ما فعلت مما تخطى حدود الاحترام الواجب لمن اخترتها ~~ملكة على قلبي وقرة لعيني.» ~~«أعيد على سمعك يا سيدي الفارس أنني لا أعرفك، ولا يجدر بأي رجل ~~يرتدي زردا ومهمازين أن يدخل عنوة على سيدة بلا حماية.» # قال دي براسي: «إن كونك لا تعرفينني لهو حقا من سوء حظي، ولكن ms085 ~~دعيني آمل أن يتردد اسم دي براسي دائما متى أشاد المنشدون أو ~~المنادون بأعمال الفروسية.» # ردت روينا: «فلتترك مدحك إذن للمنادين والمنشدين؛ فهو أنسب ~~لألسنتهم من لسانك، وأخبرني من منهم سيسجل في أغنية أو في كتاب ~~للمباريات غزوتك التي لا تنسى في هذه الليلة؛ غزوة تغلبت فيها على ~~رجل مسن يتبعه بضعة خدم جبناء، ونقلت غنيمتها التي كانت فتاة ~~تعيسة الحظ رغما عنها إلى قلعة أحد اللصوص؟» # قال الفارس: «إنك ظالمة أيتها الليدي روينا. وما دمت بلا عاطفة ~~فلن تتلمسي العذر لجنون شخص آخر، على الرغم من أن جمالك هو ما ساقه ~~إلى ذلك الجنون.» # قالت روينا: «أرجوك يا سيدي الفارس أن تتوقف عن استخدام اللغة ~~الشائعة الاستخدام لدى الشداة المتجولين؛ لأنها لا تليق بالفرسان ~~أو النبلاء.» # قال دي براسي: «إنك فتاة متعالية، وستلاقين مني التعالي نفسه. ~~فلتعلمي إذن أنني دعمت مطلبي في التقدم لك بالطريقة التي تلائم ~~شخصيتك. إنه من الأنسب لطبعك أن يسعى المرء لاستمالتك بالقوس والرمح، ~~وليس بالعبارات المنمقة والكلام المعسول.» # قالت روينا: «عندما يستخدم الكلام المعسول ليغطي على وقاحة الفعل، ~~فما ذلك إلا كحزام فارس حول صدر مهرج دنيء. لا أتعجب من أن ضبط ~~النفس يبدو أنه يعكر مزاجك، وكان أنسب لشرفك لو احتفظت بملبس خارج ~~عن القانون وطريقته في الحديث، بدلا من أن تخفي أفعاله باصطناع لغة ~~النبلاء الرقيقة وسلوكهم.» # قال النورماندي: «أحسنت النصح يا سيدتي. وباللغة الجريئة التي هي ~~أفضل ما يسوغ عملا جريئا، أخبرك أنك لن تغادري هذه القلعة ~~أبدا، أو لن تغادريها حتى تصبحي زوجة موريس دي براسي. أنت معتدة ~~بنفسك يا روينا، وأنت الأصلح لأن تكون زوجتي. فبأي وسيلة أخرى غير ~~التحالف معي يمكنك أن ترتقي للشرف الرفيع ومكانة الأميرات؟ بأي وسيلة ~~أخرى يمكنك أن تهربي من الفناء الوضيع في مزرعة ريفية، حيث يحتشد ~~الساكسونيون كالقطعان مع الخنازير التي تقوم عليها ثروتهم؟» # ردت روينا: «سيدي الفارس، أصدقك القول؛ إنني عندما أترك المزرعة ~~التي كانت مأواي منذ طفولتي - إن جاء ذلك اليوم ms086 - فسيكون ذلك مع شخص لا ~~يعرف احتقارا للمسكن الذي نشأت فيه، ولا للآداب التي تربيت ~~عليها.» # قال دي براسي: «إنني أخمن ما تعنين يا سيدتي، ولكن لا تحلمي بأن ~~يستعيد ريتشارد قلب الأسد يوما عرشه، ناهيك عن أن يقودك تابعه ~~ويلفريد إيفانهو إلى موطئ قدميه ليرحب بك عروسا لأحد المقربين ~~إليه. اعلمي يا سيدتي أن هذا المنافس في قبضتي، ولم يبق سوى أن ~~أفشي سر وجوده في القلعة لفرونت دي بوف، الذي ستكون غيرته أشد ~~فتكا من غيرتي.» # قالت روينا في ازدراء: «ويلفريد هنا؟ إن صحة هذا الخبر كصحة الزعم ~~بأن فرونت دي بوف منافس له.» # نظر دي براسي إليها بثبات لوهلة، ثم قال: «ألم تكوني حقا تعلمين ~~بهذا؟ ألم تكوني تعلمين بأن ويلفريد أوف إيفانهو قد سافر في محفة ~~اليهودي؟» # قالت روينا، مجبرة نفسها على التحدث بنبرة من اللامبالاة، على ~~الرغم من أنها كانت ترتجف من الخوف: «وإن كان هنا، فعلام ينافس فرونت ~~دي بوف؟ أو ما الذي يخشاه أكثر من فترة سجن قصيرة، وفدية مشرفة، ~~وفقا لعادات الفروسية؟» # قال دي براسي: «ألا تعلمين يا روينا أن ثمة غيرة في الطموح والثروة ~~كما في الحب، وأن مضيفنا هذا، فرونت دي بوف، سيقصي من طريقه من ~~يعارض زعمه بحوزته لممتلكات إيفانهو الجميلة بلهفة وبلا ضمير كما لو ~~كانت فتاة ذات عينين زرقاوين قد فضلته عليه؟ ولكن إن قبلت طلبي ~~للزواج منك، يا سيدتي، فلن يخشى البطل الجريح شيئا من فرونت دي ~~بوف.» # قالت روينا: «فلتنقذه بحق السماء!» # قال دي براسي: «يمكنني أن أفعل - بل سأفعل - فهذا هو غرضي؛ لأنه متى ~~وافقت روينا على أن تصبح عروس دي براسي، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يؤذي ~~قريبها وابن الوصي عليها ورفيق شبابها؟ ولكن يجب أن تشتري حمايته بحبك ~~لي. فلتستخدمي تأثيرك علي من أجله، وسيكون آمنا. أما إذا رفضت، ~~فسيموت ويلفريد، ولن تكوني أنت نفسك أقرب للحرية.» # ردت روينا: «إن في الفظاظة اللامبالية في لغتك شيئا ما لا يمكن ~~التوفيق بينه ms087 وبين الأهوال التي يبدو أنها تفصح عنها. لا أعتقد أن ~~غرضك شرير إلى هذا الحد، أو أن قوتك بهذا العظم.» # قال دي براسي: «فلتخدعي نفسك إذن بهذا الاعتقاد حتى يثبت لك العكس ~~بمرور الوقت. إن حبيبك يرقد جريحا في هذه القلعة. معشوقك المفضل. ~~إنه يمثل عقبة بين فرونت دي بوف وبين ما يحبه فرونت دي بوف أكثر من ~~حبه للطموح أو الجمال. ماذا سيكلفه الأمر أكثر من ضربة خنجر أو طعنة ~~رمح لإسكات خصمه للأبد؟ كما أن سيدريك ...» # قالت روينا مكررة كلماته: «كما أن سيدريك، الوصي علي النبيل ~~الكريم! إنني أستحق ما لقيته من شر؛ لأني نسيت مصيره حتى وإن كان ذلك ~~لانشغالي بمصير ابنه!» # قال دي براسي: «إن مصير سيدريك يعتمد أيضا على قرارك، وأتركك كي ~~تتخذيه.» # حتى ذلك الحين كانت روينا قد حافظت على دورها في هذا المشهد الذي ~~يصعب احتماله بشجاعة ورباطة جأش؛ ولكن ذلك كان لأنها لم تكن تقدر أن ~~الخطر جاد ومحدق إلى هذا الحد. وبعدما جالت بعينيها فيما حولها كما ~~لو كانت تبحث عن العون الذي لم يكن موجودا في أي مكان، وبعد أن تمتمت ~~ببضع كلمات تعجب متقطعة، رفعت يديها إلى السماء، وانفجرت في نوبة ~~من الغضب والأسى الجامحين. كان من المستحيل أن يرى المرء كائنا بهذا ~~الجمال في محنة كهذه دون أن يشفق عليها، ولم يكن دي براسي غير ~~متأثر، لكنه كان مرتبكا أكثر منه متأثرا. كان حقا قد تمادى ~~لدرجة لا يمكن معها التراجع، ولكنه لم يكن من الممكن التأثير على ~~روينا في حالتها الحالية، سواء بالجدال أو الوعيد. # لم يستطع وهو مضطرب بسبب أفكاره سوى أن يطلب منها أن تهدأ، وأن يؤكد ~~لها أنه لم يعد الآن ثمة سبب يجعلها تقنط بهذا الشكل المفرط الذي ~~كانت عليه حينئذ، ولكن وسط مواساة دي براسي لها قاطعه صوت البوق ~~الذي كان قد أفزع في الوقت نفسه كل نزلاء القلعة الآخرين، وقطع ~~عليهم خططهم المختلفة. # | الفصل العشرون # بينما كانت المشاهد التي وصفناها تجري ms088 في أجزاء أخرى من القلعة، ~~كانت اليهودية ريبيكا تنتظر مصيرها في برج بعيد ومنفصل. وعندما زج ~~بها إلى الزنزانة الصغيرة وجدت نفسها في حضرة عرافة عجوز، ظلت ~~تتمتم لنفسها بلحن ساكسوني، كما لو كانت تضبط إيقاعا لرقصة بحركة ~~دائرية يؤديها مغزلها على أرضية الزنزانة. # قال أحد حراس ريبيكا: «يجب أن تنهضي وتغادري، أيها الصرصورة العجوز؛ ~~فسيدنا النبيل يأمر بذلك. يجب أن تتركي هذه الغرفة لضيفة ~~أجمل.» # قالت العجوز الشمطاء مزمجرة: «نعم، هكذا تكافأ الخدمة. لقد شهدت ~~الوقت الذي كانت فيه مجرد كلمة مني تطرح بأفضل الجنود بينكم من فوق ~~سرجه وتقصيه من الخدمة. أما الآن، فيجب أن أنهض وأغادر بناء على ~~أمر كل خادم مثلك.» # ريبيكا وأورفريد، بريشة أدولف لالوز. # قال الرجل الآخر: «أيتها السيدة الطيبة أورفريد، لا تتعاملي مع الأمر ~~بعقلانية، ولكن انهضي وغادري. لقد كان لك يومك أيتها السيدة العجوز، ~~ولكن شمسك قد غربت منذ وقت طويل.» # انسحب الرجلان تاركين ريبيكا في صحبة المرأة العجوز. # قالت العجوز الشمطاء: «من أي بلد أنت؟ أعربية، أم مصرية؟ لماذا لا ~~تجيبين؟ إنك تستطيعين البكاء، أفلا تستطيعين الكلام؟» # قالت ريبيكا: «لا تغضبي أيتها الأم الطيبة.» # أجابت أورفريد: «لست بحاجة إلى أن تقولي أكثر من ذلك؛ فالناس يعرفون ~~الثعلب من ذيله، واليهودية من لهجتها.» # قالت ريبيكا: «من أجل الرحمة، أخبريني عما ينبغي علي أن أتوقعه ~~نهاية للعنف الذي ساقني إلى هنا! هل ينشدون حياتي تكفيرا عن ديني؟ ~~سأتخلى عنها بسرور.» # أجابت العرافة: «حياتك أيتها التابعة؟ صدقيني، إن حياتك ليست في ~~خطر. إنهم سيعاملونك كما لو كنت فتاة ساكسونية نبيلة. انظري إلي، ~~لقد كنت شابة مثلك، وكان جمالي ضعف جمالك عندما اقتحم فرونت دي بوف، ~~والد ريجينالد هذا، وأتباعه من النورمانديين هذه القلعة. دافع أبي ~~وأولاده السبعة عن إرثهم من طابق إلى طابق، ومن غرفة إلى أخرى، ولكنهم ~~ماتوا؛ مات كل رجل منهم. وقبل أن تبرد جثثهم وتجف دماؤهم، كنت قد ~~صرت فريسة المنتصر وموضع سخريته!» # قالت ريبيكا: «أليس ثمة عون؟ ألا توجد وسيلة ms089 للهرب؟ بسخاء، ~~سأكافئك عن مساعدتك بسخاء.» # قالت العجوز: «لا تفكري في الأمر ؛ فمن الآن فصاعدا لا مفر إلا ~~عبر بوابات الموت. وداعا أيتها اليهودية! يهودية كنت أو غير يهودية، ~~فمصيرك واحد؛ لأن من ستتعاملين معهم ليس لديهم ورع ولا شفقة.» # قالت ريبيكا: «امكثي! امكثي! بحق السماء! إن في حضورك بعض ~~الحماية.» # ردت السيدة العجوز: «إن حضور أم الرب ذاتها لم يكفل لي الحماية.» ~~ثم أكملت مشيرة إلى صورة بسيطة للعذراء مريم، قائلة: «ها هي تقف ~~هناك؛ فلتنظري إن كان باستطاعتها أن تغير من المصير الذي ~~ينتظرك.» # غادرت الغرفة وهي تتكلم، وأغلقت الباب وراءها. # كانت ريبيكا في ذلك الحين تتوقع مصيرا أكثر هولا من مصير روينا، ~~ولكنها كانت أكثر استعدادا، بحكم ما كان لديها من عادة التفكير وقوة ~~عقلها الفطرية، لمواجهة الأخطار التي كانت عرضة لها. كان أول ما ~~اهتمت به هو أن تفحص الغرفة، ولكن لم تجد بارقة أمل في الهرب أو ~~الحماية؛ فلم يكن بالغرفة ممر سري أو باب مسحور. وباستثناء الباب ~~الذي كانت قد دخلت منه المتصل بالمبنى الرئيسي، كانت تبدو محاطة ~~بالجدار الخارجي المستدير للبرج. ولم يكن للباب مزلاج أو قفل داخلي. ~~وكانت النافذة الوحيدة تطل على فضاء له سور يعلو البرج؛ ما أعطى ~~ريبيكا، للوهلة الأولى، بعض الأمل في الهروب، ولكن سرعان ما اكتشفت عدم ~~وجود أي اتصال بأي جزء آخر من أسوار القلعة؛ لأنها كانت في برج صغير ~~معزول في زاوية القلعة. # ارتجفت السجينة وامتقع لونها عندما سمعت خطوة على الدرج وفتح ~~باب غرفة البرج ببطء، ثم ظهر رجل طويل يرتدي ثيابا كثياب قطاع ~~الطرق؛ أولئك الذين كانوا السبب فيما ألم بهم من بلاء، ودخل ببطء ~~وأغلق الباب خلفه. وكانت قبعته المتدلية على حاجبيه تغطي الجزء ~~العلوي من وجهه، وقد كان ممسكا بعباءته بطريقة تخفي بقيته. بهذه ~~الهيئة، كما لو كان مستعدا لتنفيذ أمر يخجل هو نفسه من مجرد التفكير ~~فيه، وقف أمام السجينة المرتعبة. كانت ريبيكا قد خلعت بالفعل سوارين ~~وعقدا من الحلي النفيسة، ms090 التي أسرعت بتقديمهم للخارج عن القانون ~~المزعوم. # قالت: «خذ هذه أيها الصديق الطيب، وأستحلفك بالرب أن تكون رحيما بي ~~وبأبي المسن! هذه الحلي ذات قيمة كبيرة، ومع ذلك فهي شيء تافه إذا ~~ما قورنت بما سيمنحه لك مقابل خروجنا من هذه القلعة في حرية ودون أن ~~يصيبنا أذى.» # رد الخارج عن القانون قائلا باللغة الفرنسية: «إنه لقول حسن، ولكن ~~اعلمي، يا زنبقة وادي بكة المتألقة، أن أباك بالفعل بين يدي ~~خيميائي قدير، يعرف كيف يحول حتى القضبان الصدئة لموقد قبو إلى ذهب ~~وفضة. يجب أن تدفع فديتك بالحب والجمال، ولن أقبلها بأي عملة ~~أخرى.» # قالت ريبيكا باللغة نفسها التي تحدث إليها بها: «أنت لست بقاطع ~~طريق؛ فما من قاطع طريق يرفض عرضا كهذا. ولا يوجد قاطع طريق في هذه ~~الأرض يستخدم اللهجة التي تتحدث بها. أنت لست قاطع طريق، وإنما ~~نورماندي، نورماندي وربما تكون قد ولدت نبيلا؛ فلتكن كذلك في ~~أفعالك، ولتخلع عنك قناع الاعتداء والعنف المخيف هذا!» # قال براين دي بوا جيلبرت وهو ينزل العباءة عن وجهه: «وأنت، التي ~~يمكنها تخمين تلك الحقيقة، لست إحدى بنات إسرائيل، ولكنك ساحرة من ~~ساحرات إندور في كل شيء، عدا شبابك وجمالك. حسنا، أنا لست بقاطع طريق ~~يا وردة شارون الجميلة، وأنا رجل أكثر استعدادا لإحاطة عنقك وذراعيك ~~باللآلئ والماسات، التي تليق بهم، من أن أحرمك من هذه الحلي.» # قالت ريبيكا: «ماذا تريد مني إذن إن لم تكن تريد ثروتي؟ لا يمكن أن ~~يكون بيننا شيء مشترك؛ فأنت مسيحي وأنا يهودية، وزواجنا مخالف لشريعة ~~الكنيسة والمعبد على السواء.» # رد فارس الهيكل ضاحكا: «هذا صحيح بالفعل. أتزوج من يهودية؟ يا ~~للعار! لن يكون ذلك حتى لو كانت ملكة سبأ! اسمعي يا ريبيكا، أنت ~~أسيرتي التي ظفرت بها بقوسي ورمحي، وخاضعة لإرادتي بشرائع جميع الأمم، ~~ولن أفرط قيد أنملة في حقي، أو أمتنع عن أن آخذ عنوة ما ترفضينه ~~خضوعا لتوسل أو ضرورة. شيء واحد فقط يمكنه إنقاذك، وهو أن ترضخي ~~لمصيرك وتعتنقي ديننا، وستبلغين ms091 في تلك الحالة مكانة عالية، ستجعل ~~الكثير من السيدات النورمانديات أقل أبهة وجمالا من محظية حامل ~~أفضل رمح بين المدافعين عن الهيكل.» # قالت ريبيكا: «أخضع لمصيري! بحق السماء المقدسة! لأي مصير أخضع؟ ~~أعتنق دينك! وأي دين هذا الذي يئوي شريرا مثلك؟ أنت أفضل حامل رمح ~~بين فرسان الهيكل! أيها الفارس الجبان! أيها القس الحانث القسم! إنني ~~أبصق عليك وأتحداك! إن وعد إله إبراهيم قد فتح مهربا لابنته، حتى من ~~هاوية العار هذه!» # وبينما كانت تتكلم، فتحت النافذة المطلة على البرج، وبعد لحظة ~~كانت واقفة على حافة شرفة، ولم يعد بينها وبين العمق الشاهق ~~أسفلها أي حاجز. لم يكن بوا جيلبرت مستعدا لمثل هذا العمل اليائس؛ ~~لأنها قبلئذ كانت تقف بلا حراك؛ لذا لم يكن لديه الوقت للتدخل أو ~~لإيقافها. وعندما شرع في أن يتقدم منها، صاحت قائلة: «الزم مكانك، يا ~~فارس الهيكل المغرور، أو تقدم إن شئت! ولكن إن اقتربت خطوة واحدة ~~فسألقي بنفسي من الهاوية.» # وبينما كانت تقول ذلك، شبكت يديها ومدتهما نحو السماء، كما لو ~~كانت تلتمس الرحمة لروحها قبل أن تقفز قفزتها الأخيرة. تردد فارس ~~الهيكل، وانهارت عزيمته التي لم تخضع قط لشفقة أو كرب أمام إعجابه ~~بجرأتها. قال: «انزلي أيتها الفتاة المتهورة! أقسم بالأرض والبحر ~~والسماء إنني لن ألحق بك أذى.» # قالت ريبيكا: «لن أثق فيك يا فارس الهيكل؛ فقد علمتني جيدا كيف ~~أقدر فضائل طائفتك.» # صاح فارس الهيكل بحماسة: «أنت تظلمينني. أقسم لك بالاسم الذي ~~أحمله، وبالصليب الذي على صدري، وبالسيف الذي بجانبي، وبشعار آبائي ~~القديم، إنني لن ألحق بك أي سوء كان! تراجعي! إن لم يكن من أجلك ~~فمن أجل أبيك! سأكون صديقه، وفي هذه القلعة سيحتاج إلى صديق ~~قوي.» # قالت ريبيكا: «وا أسفاه! أعلم جيدا، ولكن هل أخاطر وأثق ~~بك؟» # قال براين دي بوا جيلبرت: «ليلتو ذراعي وليلحق باسمي العار إن وجدت ~~سببا لتشتكي مني! كم من قانون وأمر خالفته، ولكني لم أخلف وعدي ~~قط.» # قالت ريبيكا: «إذن سأثق بك، إلى هذا الحد.» ms092 ثم نزلت من فوق حافة ~~الشرفة، ولكنها ظلت واقفة بالقرب من إحدى الفتحات في الجدار، ~~وقالت: «سأقف هنا، وابق حيث أنت، وإن حاولت أن تقترب خطوة واحدة ~~تقلل بها المسافة بيننا، فسترى أن الفتاة اليهودية تفضل أن تعطي ~~روحها لربها على أن تعطي شرفها لفارس الهيكل.» # بينما كانت ريبيكا تقول ذلك، كانت عزيمتها العالية والثابتة التي ~~تتوافق جيدا مع الجمال المعبر لملامحها، تعطي لمظهرها وروحها ~~وسلوكها جلالا بدا وكأنه يفوق جلال البشر. وقد اعتقد بوا جيلبرت، ~~المعتد بنفسه والجريء، أنه لم ير من قبل جمالا مفعما بالحيوة ~~والهيبة هكذا. # قال: «ليكن بيننا سلام يا ريبيكا.» # ردت ريبيكا: «ليكن سلام إن شئت. سلام، ولكن مع الحفاظ على هذه ~~المسافة بيننا.» # قال بوا جيلبرت: «لست بحاجة إلى أن تخشيني بعد الآن.» # ردت: «أنا لا أخشاك؛ فالشكر لمن أقام هذا البرج المسبب للدوار ~~بهذا العلو الشديد، الذي لا يمكن لأحد أن يسقط منه ويظل على قيد ~~الحياة. الشكر له، ولإله إسرائيل! أنا لا أخشاك.» # قال فارس الهيكل: «إنك تظلمينني. بحق الأرض والبحر والسماء إنك ~~تظلمينني! ليس من طبيعتي ما ترينني عليه من قسوة وأنانية وتشدد. ~~اسمعيني يا ريبيكا، من بين كل الفرسان الذين حملوا رماحا لم يوجد ~~فارس يحمل في قلبه إخلاصا لسيدته أكثر من براين دي بوا جيلبرت. كانت ~~ابنة إقطاعي صغير، وكان اسمها معروفا أينما جرت أعمال الفروسية. أجل، ~~جعلت أعمالي ومخاطراتي ودمي اسم أديلايد دي مونتيمار معروفا من بلاط ~~قشتالة إلى بلاط بيزنطة. ماذا كان جزائي؟ عندما رجعت بأمجادي التي ~~دفعت ثمنها غاليا بالعناء والدم، وجدتها قد تزوجت من تابع جاسكوني، ~~لم يسمع اسمه قط خارج حدود أرضه الوضيعة! منذ ذلك اليوم عزلت نفسي عن ~~الحياة وروابطها؛ لا تعرف رجولتي منزلا عائليا، ولا أسكن إلى زوجة ~~حنون، ولا تعرف سني دفء العيش داخل بيت، ولا بد أنني سأكون وحيدا في ~~قبري، ولن تخلفني ذرية لتحمل اسم بوا جيلبرت العريق. إن فارس الهيكل ~~عبد في كل شيء إلا اسمه؛ فلا يمكنه ms093 أن يحوز أراضي ولا متاعا، ولا ~~يحيا ويتحرك ويتنفس إلا بإرادة شخص آخر ومشيئته.» # قالت ريبيكا: «وا حسرتاه! ما المزايا التي يمكن أن تعوض عن مثل هذه ~~التضحية المطلقة؟» # رد فارس الهيكل: «قوة الانتقام يا ريبيكا، وآمال الطموح.» # قالت ريبيكا: «إنه لجزاء بغيض مقابل التخلي عن الحقوق الأعز ~~للبشرية.» # رد فارس الهيكل: «لا تقولي هذا يا آنستي؛ فالثأر عيد للآلهة! أما ~~الطموح، فهو الإغراء الذي يمكنه أن يعكر حتى صفو نعيم السماء نفسها. ~~يا ريبيكا، إن من تفضل الموت على تلويث شرفها لا بد أن لها نفسا ~~أبية وقوية. يجب أن تكوني لي! لا، لا تفزعي، فيجب أن يكون الأمر ~~برضاك ووفقا لشروطك. يجب أن توافقي على أن تشاركيني آمالي التي ~~تتسع إلى أكثر مما يمكن رؤيته من فوق عرش ملك! اسمعيني قبل أن ~~تجيبي، وحكمي عقلك قبل أن ترفضي. إن فارس الهيكل يخسر حقوقه ~~الاجتماعية، وقدرته على التصرف بلا قيود، ولكنه يصبح عضوا وفرعا في ~~كيان قوي تهتز أمامه العروش. وأنا لست عضوا متواضعا في هذه ~~الطائفة القوية، ولكني بالفعل أحد القادة الرئيسيين، وقد أطمح أن ~~أمسك يوما بعصا السيد الأكبر. إن جنود الهيكل المساكين لن يضعوا ~~أقدامهم وحدهم فوق أعناق الملوك؛ فأقدامنا التي يكسوها الزرد سترتقي ~~عرشهم، وسينتزع قفازنا الصولجان من قبضتهم. ولا حتى حكم مسيحكم ~~المنتظر عبثا يمنح لقبائلكم المشتتة من القوة بقدر ما يهدف طموحي. ~~إنني لم أبحث إلا عن روح متآلفة مع روحي لتشاركني حياتي، ولقد ~~وجدتها فيك.» # ردت ريبيكا: «أتقول هذا لفتاة من قومي؟ أتظن ...» # قال فارس الهيكل: «لا تجيبيني بعبارات تشدد على الفرق بين عقيدة ~~كل منا؛ ففي اجتماعاتنا السرية نسخر من هذه الحكايات الصبيانية، ولكن ~~صوت البوق هذا يعلن عن شيء قد يتطلب حضوري. فكري فيما قلته لك. ~~وداعا! لا أطلب منك أن تسامحيني على العنف الذي هددتك به؛ لأنه ~~كان ضروريا كي تظهر شخصيتك؛ فالذهب لا يظهر معدنه إلا بتعريضه ~~لمحك الذهب. سأعود على الفور، وسأسترسل في حديثي معك.» # | الفصل الحادي ms094 والعشرون # عندما وصل فارس الهيكل إلى ردهة القلعة، وجد دي براسي هناك بالفعل، ~~وسرعان ما انضم إليهما بعد ذلك فرونت دي بوف. # قال فرونت دي بوف: «لنر سبب هذه الجلبة اللعينة. ها هي رسالة، وهي، ~~إن لم أكن مخطئا، باللغة الساكسونية.» # نظر إليها وأخذ يقلبها في يده، كما لو كان بالفعل يأمل أن يعرف ~~معنى ما فيها بقلب وضع الورقة، ثم أعطاها إلى دي براسي. # قال دي براسي: «على قدر علمي، قد تكون تعاويذ سحرية.» # قال فارس الهيكل: «أعطها لي. إن لدينا من الصفات الكهنوتية ما يجعل ~~لنا بعض العلم الذي ننير به الطريق أمام بسالتنا.» # وهكذا قرأ فارس الهيكل ما يأتي: # أنا، وامبا بن ويتليس، مهرج تابع لرجل نبيل وحر ~~بالميلاد، سيدريك أوف روثيروود، الملقب بالساكسوني؛ وأنا ~~جيرث بن بيوولف، راعي خنازير لدى سيدريك المذكور؛ مع مساعدة ~~حليفينا وشريكينا، وهما الفارس الصالح الملقب حاليا ~~بالكسول الأسود، واليومن الشجاع روبيرت لوكسلي، نعلمك يا ~~ريجينالد فرونت دي بوف، أنت وشركاءك، أيا كانوا، أنه حيث ~~إنكم قد أسرتم ظلما واقتدارا مولانا وسيدنا سيدريك المذكور ~~وفرضتم عليه سيطرتكم، هو وفتاة نبيلة وحرة المولد هي السيدة ~~روينا أوف هاروجوتستاندستيد، وكذلك رجل نبيل حر المولد هو ~~أثيلستان أوف كوننجزبيرج، وكذلك يهودي يدعى إيزاك أوف يورك ~~ومعه ابنته اليهودية، وعدد من الخيل والبغال؛ وعليه نطلب تسليم ~~الأشخاص المذكورين سلفا، هم وجميع أغراضهم ومنقولاتهم، في ~~غضون ساعة من تسلم هذه الرسالة، من غير أذى أو ضرر يلحق ~~بهم. وإن أبيتم، نعلن لكم أننا سنعدكم لصوصا وخائنين، ~~وسنخاطر بأجسادنا ضدكم في معركة أو حصار أو غير ذلك، وسنبذل ~~قصارى جهدنا لتكدير سلمكم وإلحاق الدمار بكم. من أجل ذلك، ~~فليحفظكم الرب، وقعناها في عشية يوم القديس ويزهولد أسفل ~~شجرة البلوط الكبيرة المعينة مكانا لاجتماعنا في ممر هارت ~~هيل، وكتبها رجل مقدس، وهو أحد رجال الدين بطائفة القديس ~~دونستان، في كنيسة كوبمانهورست. # استمع الفرسان لقراءة هذه الوثيقة غير المعتادة من بدايتها ~~لنهايتها، ثم حدق كل منهما في الآخر في ذهول ms095 صامت، كما لو كانوا ~~في حيرة من أمرهم فيما يتعلق بما تعنيه . كان دي براسي أول من كسر ~~الصمت بنوبة ضحك جامحة، انضم إليه فيها، ولكن باعتدال أكثر، فارس ~~الهيكل. بينما بدا فرونت دي بوف، على النقيض، غاضبا من مزاحهما الذي ~~كان في غير وقته. # قال: «بحق القديس ميشيل، وددت لو استطعت أن تتحمل وطء هذه المغامرة ~~بنفسك يا دي براسي؛ فهؤلاء الرجال ما كانوا سيجرءون على ارتكاب مثل ~~هذه الوقاحة التي لا يمكن تخيلها ما لم تكن إحدى العصابات القوية ~~تدعمهم.» ثم أضاف مخاطبا أحد أتباعه: «تعال أيها الرجل، هل أرسلت ~~أحدا ليرى أي قوة تدعم هذا التحدي المفرط؟» # أجاب تابع كان حاضرا: «يوجد ما لا يقل عن مائتي رجل تجمعوا في ~~الغابات.» # قال فارس الهيكل: «فلنستدع رجالنا ونهجم عليهم؛ ففارس واحد، بل ~~رجل واحد مسلح، كفيل بالقضاء على عشرين من هؤلاء الفلاحين.» # قال دي براسي: «هذا كاف بل وزيادة؛ إنه لمن العار أن أسدد رمحي ~~نحوهم.» # رد فرونت دي بوف: «أقلت نهجم عليهم؟ إن ما معنا من الرجال لا يكاد ~~يكفي لحراسة القلعة؛ فأفضل رجالي في يورك، وكذلك فرقتك كلها، يا دي ~~براسي، ولدينا بالكاد عشرون إلى جانب الحفنة التي انخرطت في هذا العمل ~~الجنوني.» # قال فارس الهيكل: «ألا تخشى من استطاعتهم التجمع في قوة كافية ~~لمهاجمة القلعة؟» # أجاب فرونت دي بوف: «ليس الأمر كذلك، يا سيد براين؛ فهؤلاء الخارجون ~~عن القانون لديهم بالفعل قائد جريء، ولكنهم بدون المعدات، والسلالم ~~المدرجة، والقادة ذوي الخبرة، يمكن لقلعتي أن تصمد أمامهم.» # قال فارس الهيكل: «أرسل لجيرانك؛ دعهم يجمعوا رجالهم، ويأتوا ~~لإنقاذ الفرسان الثلاثة الذين يحاصرهم مهرج وراعي خنازير في القلعة ~~البارونية لريجينالد فرونت دي بوف.» # رد البارون: «أنت تمزح يا سيدي الفارس؛ فلمن أرسل أحدا؟ إن ~~مالفوازان الآن في يورك مع أتباعه من الجنود، وكذلك حلفائي ~~الآخرون.» # قال دي براسي: «أرسل إذن إلى يورك، واستدع رجالنا.» # قال فرونت دي بوف: «ومن سيحمل رسالة كهذه؟ إنهم سيحاصرون كل طريق، ~~ويستخرجونها من ms096 صدر المبعوث.» ثم أضاف بعد توقف للحظة: «وجدتها! ~~يمكنك، أيها السيد فارس الهيكل، أن تكتب كما يمكنك أن تقرأ، وستكتب ~~ردا على هذا التحدي الجريء.» # قال بوا جيلبرت: «كنت أفضل أن أفعل ذلك بذؤابة السيف لا بسن ~~القلم، ولكن كما تشاء.» # وعلى ذلك جلس وكتب باللغة الفرنسية رسالة كانت فحواها: # إن السير ريجينالد فرونت دي بوف، وحلفاءه وشركاءه من ~~النبلاء والفرسان، لا يتلقون رسائل تحد من عبيد أو ~~غلمان أو آبقين. أما عن السجناء الذين أسرناهم، فنحن نطلب ~~بدافع الإحسان المسيحي أن ترسلوا رجلا من رجال الدين ليأخذ ~~اعترافهم ويجعل الرب يتوب عليهم؛ لأن نيتنا قد انعقدت على أن ~~نعدمهم هذا الصباح قبل الظهيرة. # طويت هذه الرسالة وسلمت إلى التابع، ومنه إلى الرسول الذي كان ~~ينتظر بالخارج الرد على الرسالة التي كان قد جلبها. # بذلك كان الرامي قد أتم مهمته؛ ومن ثم رجع إلى مقر الحلفاء الذي ~~كان في ذلك الحين مقاما تحت شجرة بلوط مهيبة، على بعد ما يقرب من ~~ثلاث رميات سهم. هنالك كان وامبا وجيرث، مع حلفائهما الفارس الأسود ~~ولوكسلي والناسك المرح، ينتظرون على أحر من الجمر الرد على ~~دعوتهم. # أخذ الفارس الأسود الخطاب من لوكسلي، وقرأه أول مرة فيما بينه وبين ~~نفسه، ثم شرح معناه بالساكسونية لحلفائه. # صاح وامبا: «يعدمون النبيل سيدريك! بحق الصليب، لا بد أنك مخطئ يا ~~سيدي الفارس.» # رد الفارس: «لا، لست مخطئا يا صديقي العزيز؛ فلقد شرحت الكلمات كما ~~هي مسطورة هنا.» # قال لوكسلي: «هذه ليست إلا حيلة لكسب الوقت؛ فلا يجرءون على فعل شيء ~~يمكن أن أعاقبهم عليه عقابا وخيما.» # قال الفارس الأسود: «وددت لو كان بيننا من يمكنه الحصول على إذن ~~لدخول القلعة واكتشاف حالة المحاصرين. أظن، بما أنهم يطلبون إرسال أب ~~اعتراف، أن هذا الناسك المقدس يمكنه على الفور أن يؤدي مهمته ~~الدينية، ويجلب لنا المعلومات التي نريدها.» # قال الناسك الورع: «اللعنة عليك وعلى نصيحتك! أقول لك يا سيدي الفارس ~~الكسول إنه يمكنني أن أقتل عشرين ظبيا أفضل مما ms097 أستطيع أن آخذ اعتراف ~~مسيحي واحد.» # قال الفارس الأسود: «يؤسفني أن أقول إنه لا أحد هنا مؤهل، في الوقت ~~الحالي، لأن يؤدي شخصية أب الاعتراف.» # نظر كل منهم إلى الآخر في صمت. # قال وامبا بعد توقف قصير: «أرى أن الأحمق لا بد أنه يظل أحمق، ~~ويغامر بعنقه. عليكم أن تعرفوا، يا أقربائي وبني وطني الأعزاء، أنني ~~ارتديت ثوب الكاهن قبل أن أرتدي ثوب المهرج، وكانوا يعدونني لأصبح ~~راهبا، حتى أصابتني حمى في الدماغ وتركت من صوابي ما يكفي لأن أصير ~~أحمق. أثق أنني، بمساعدة عباءة ناسك جيدة، سأكون مؤهلا لبث ~~الطمأنينة الأرضية والروحية في نفس السيد الموقر سيدريك ورفاقه في ~~المحنة.» # قال الفارس: «فلترتد العباءة إذن أيها الرجل الصالح، ولتجعل سيدك ~~يبعث لنا بتقرير عن حالتهم داخل القلعة. إن الوقت يمر، فلتذهب.» # قال وامبا، الذي كان في ذلك الحين متنكرا في ردائه الديني، ~~باللاتينية: «سلام لكم.» # قال ذلك، وحاكى المشية الوقورة والجليلة للرهبان، وانصرف لتنفيذ ~~مهمته. # | الفصل الثاني والعشرون # عندما وقف المهرج، مرتديا قلنسوة الرهبان وثوبهم الطويل، أمام ~~بوابة قلعة فرونت دي بوف، سأله الحارس عن اسمه والمهمة التي أتى من ~~أجلها. # أجاب المهرج باللاتينية: «سلام لكم، أنا أخ فقير من طائفة رهبان ~~القديس فرانسيس، وقد جئت إلى هنا لأؤدي واجبي الكهنوتي نحو بعض الأسرى ~~التعساء المسجونين الآن في هذه القلعة.» # عندما وجد وامبا نفسه في حضرة ريجينالد فرونت دي بوف، ألقى بتحية ~~«سلام لكم» باللاتينية بقلق يفوق ما كان يشعر به من قبل، غير أن ~~فرونت دي بوف كان معتادا على رؤية الرجال يرتعبون في حضرته؛ ومن ثم ~~لم تكن الهيبة التي كان عليها الأب المزعوم تعطيه أي سبب ليرتاب فيه، ~~وقال: «من أنت ومن أين أيها القس؟» # كرر المهرج التحية باللاتينية قائلا: «سلام لكم، أنا خادم فقير ~~للقديس فرانسيس، كنت مسافرا عبر هذه البرية، ووقعت في يد اللصوص ~~الذين أرسلوني إلى هذه القلعة لتأدية مهمتي الروحية نحو شخصين حكمتم ~~عليهما بموجب عدالتكم الموقرة.» # رد فرونت دي بوف: «أجل ms098 صحيح، وهل يمكنك أن تخبرني أيها الأب المقدس ~~بعدد قطاع الطرق أولئك ؟» # أجاب المهرج: «سيدي الباسل، إنهم جمع غفير.» ~~«أخبرني بكلمات واضحة عن أعدادهم.» # قال الراهب المزعوم: «وا أسفاه! لقد كدت أموت رعبا! ولكني أعتقد ~~أنهم ربما كانوا خمسمائة رجل على الأقل من اليوامنة والعامة.» # قال فارس الهيكل الذي كان قد دخل إلى الردهة في تلك اللحظة: «ماذا! ~~أتحتشد الزنابير بهذا العدد هنا؟ حان الوقت للقضاء على تلك العصبة ~~الشريرة.» ثم تنحى بفرونت دي بوف جانبا، وقال له: «أتعرف ~~القس؟» # قال فرونت دي بوف: «إنه غريب من دير بعيد. لا أعرفه.» # رد فارس الهيكل: «إذن، لا تأمن له فيما تنوي إيصاله من كلمات، بل ~~اجعله يحمل أمرا كتابيا إلى فرقة دي براسي من الرفقاء الأحرار، بأن ~~يعودوا على الفور لمساعدة سيدهم. وفي الوقت نفسه؛ كي لا يشك الحليق ~~في شيء، اسمح له أن يمضي بحرية في مهمة تحضير هذين الخنزيرين ~~الساكسونيين للمجزر.» # قال فرونت دي بوف: «سأفعل ذلك.» وعلى الفور عين خادما لإرشاد ~~وامبا للغرفة التي كان سيدريك وأثيلستان سجينين فيها. # قال المهرج، باللاتينية، وهو يدخل الغرفة: «سلام لكم.» ثم أضاف: ~~«لتحل عليكما بركة القديس دونستان وجميع القديسين الآخرين أيا ~~كانوا.» # رد سيدريك على الراهب المزعوم: «ادخل بحرية. لأي غاية جئت إلى ~~هنا؟» # أجاب المهرج: «لمساعدتكما على تحضير أنفسكما للموت.» # رد سيدريك: «مستحيل! لن يجرءوا على ارتكاب مثل هذه الوحشية!» # قال المهرج: «يا للأسف! إن محاولة منعهم بدافع مشاعرهم الإنسانية ~~أشبه بمحاولة إيقاف جواد هارب بلجام مصنوع من خيط من الحرير. ~~استحضرا إذن الخطايا التي ارتكبتماها؛ لأنكما ستدعيان في هذا اليوم ~~نفسه للإجابة عنها أمام محكمة أعلى شأنا.» # قال سيدريك: «أسمعت هذا يا أثيلستان؟ يجب أن نحمس قلوبنا لهذا العمل ~~الأخير؛ لأنه من الأفضل لنا أن نموت رجالا على أن نعيش كالعبيد. لنشرع ~~في عملنا المقدس إذن أيها الأب.» # قال المهرج بنبرة صوته العادية: «انتظر لحظة أيها العم الطيب؛ فمن ~~الأفضل أن تمعن النظر قبل أن تقدم على أمر لا ms099 تعلم عواقبه.» # قال سيدريك: «أقسم بإيماني إنني أعرف هذا الصوت!» # رد وامبا وهو ينزع عنه قلنسوة الراهب: «إنه صوت عبدك ومهرجك ~~المخلص. لو كنت أخذت من قبل بنصيحة أحمق ما كنت ستصبح هنا من ~~الأساس. فلتأخذ بنصيحة الأحمق الآن، ولن يطول بك الوقت هنا.» # رد الساكسوني: «ماذا تعني يا غلام؟» # رد وامبا: «أعني أن تأخذ ثوب الراهب والحبل هذين، وهما كل ما لدي ~~من أغراض الكهنة، وتخرج بهدوء من القلعة، تاركا لي عباءتك وحزامك ~~لآخذ مكانك في مصيرك المجهول.» # قال سيدريك مذهولا من اقتراحه: «أتركك لتأخذ مكاني! عجبا! ~~سيشنقونك يا غلامي المسكين.» # قال وامبا: «فليفعلوا بي ما أرادوا.» # رد سيدريك: «حسنا يا وامبا، سألبي طلبك بشرط واحد، وهو أن ~~تبادل ملابسك مع اللورد أثيلستان بدلا مني.» # رد وامبا: «لا وحق القديس دونستان. ليس هذا من الحكمة، وإن الحق في ~~أن يعاني ابن ويتليس لإنقاذ ابن هيرورد، ولكن من قلة الحكمة أن يموت ~~من أجل شخص كان آباؤه غرباء عن آبائه.» # واصل سيدريك قائلا: «دع الشجرة العجوز تذبل؛ حتى نحافظ على الأمل ~~المهيب للغابة. أنقذ أثيلستان النبيل يا وامبا المخلص! إنه واجب كل ~~من لديه دماء ساكسونية تجري في عروقه.» # قال أثيلستان ممسكا بيده: «هذا لن يكون، يا أبي سيدريك.» واستطرد: ~~«هذا لن يكون؛ أفضل أن أبقى في هذه القاعة أسبوعا دون طعام أو شراب ~~إلا طعام السجناء، على أن أنتهز فرصة للهرب أتاحها عبد جاهل لسيده ~~بطيبته.» # قال المهرج: «إنكما رجلان معروفان بالحكمة يا سيدي، وأنا أحمق ~~مجنون، ولكن يا عمي سيدريك، ويا ابن العم أثيلستان، إن الأحمق سيحسم ~~هذا الجدل عنكما. إن الخدمة الكريمة لا يمكن تقاذفها من يد لأخرى ~~كالكرة أو الدمية. لن أشنق إلا فداء لمن كان سيدي منذ ~~مولدي.» # قال أثيلستان: «فلتذهب إذن أيها النبيل سيدريك؛ فوجودك في الخارج قد ~~يشجع أصدقاءنا على إنقاذنا، وفي بقائك هنا هلاك لنا ~~جميعا.» # قال سيدريك، ناظرا إلى المهرج: «وهل يوجد أي احتمال، إذن، في نجدة ~~من الخارج؟» # رد وامبا: ms100 «ثمة احتمال بالفعل! دعني أخبرك أنك عندما ترتدي عباءتي ~~فإنك بذلك تتدثر بمعطف قائد. يوجد خمسمائة رجل بالخارج، وقد كنت هذا ~~الصباح أحد كبار قادتهم. حسنا، سنرى أي نفع يجنونه عندما نستبدل ~~بالأحمق رجلا حكيما. وهكذا وداعا يا سيدي! ولتعلق حلية عرف ~~الديك التي كنت أضعها في قبعتي في الردهة في روثيروود؛ تذكارا لتضحيتي ~~بحياتي من أجل سيدي، كأحمق مخلص.» # خرجت الكلمة الأخيرة تحمل نوعا من الازدواج في التعبير بين المزاح ~~والجد، وتجمدت الدموع في عيني سيدريك. # قال: «إن ذكراك ستبقى ما دام للإخلاص والمحبة قيمة على ~~الأرض!» # كانا قد انتهيا حينئذ من تبادل ملابسهما، حين ساور سيدريك شعور ~~مفاجئ بالشك. # قال: «لا أعرف أي لغة سوى لغتي وبضع كلمات من نورمانديتهم المتصنعة. ~~كيف لي أن أتصرف كأخ موقر؟» # رد وامبا: «إن السحر يكمن في كلمتين اثنتين؛ فعبارة «سلام لكم» ~~ستجيب عن كل الأسئلة. إذا ذهبت أو جئت، أكلت أو شربت، باركت أو لعنت، ~~ستخرجك عبارة «سلام لكم» من كل ذلك. إن فائدتها للراهب كفائدة عصا ~~المكنسة للساحرة. قلها ولكن بنبرة عميقة ووقورة هكذا: «سلام لكم!» ~~إنها لا تقاوم.» # قال سيده: «إذا كانت هذه العبارة دليل كهنوتيتي، فسأحصل على رتبتي ~~الدينية سريعا. سلام لكم. أنا واثق من أنني سأتذكر كلمة السر. وداعا ~~أيها النبيل أثيلستان، ووداعا يا غلامي المسكين. سأنقذكما أو أرجع ~~وأموت معكما. لن تسقط شعرة واحدة من رأس الغلام الطيب الذي خاطر ~~بحياته من أجل سيده، إن تمكن سيدريك بتعريض نفسه للخطر من منع ذلك. ~~وداعا.» # قال وامبا: «وداعا يا عمي، وتذكر «سلام لكم».» # | الفصل الثالث والعشرون # عندما دخل فرونت دي بوف الغرفة التي كانت على الطراز القوطي، وجد ~~قنينة من النبيذ على طاولة كبيرة من خشب البلوط، والأسيرين ~~الساكسونيين في حراسة أتباعه. تجرع فرونت دي بوف جرعة كبيرة من ~~النبيذ، ثم خاطب سجينيه؛ لأن الطريقة التي سحب بها وامبا القبعة على ~~وجهه والتغير في الملبس والضوء المعتم والضعيف، وعدم تيقن البارون ~~من ملامح سيدريك، كل ذلك منعه ms101 من اكتشاف أن أكثر أسيريه أهمية قد ~~هرب. # قال فرونت دي بوف : «يا سيدي إنجلترا الباسلين، كيف تجدان ضيافتكما ~~في توركويلستون؟ أقسم بالرب وبالقديس دينيس، إن لم تدفعا فدية كبيرة ~~فسأعلقكما من أقدامكما! تكلما أيها الكلبان الساكسونيان، ماذا ~~تدفعان مقابل حياتكما التي لا تساوي شيئا؟ ما قولك أنت، يا أوف ~~روثيروود؟» # رد وامبا المسكين: «لن أدفع ولا حتى درهما واحدا. أما عن تعليقي من ~~قدمي فإن دماغي، كما يقال، قد قلب رأسا على عقب، منذ ارتديت ~~قلنسوتي أول مرة حول رأسي.» # قال فرونت دي بوف: «بحق القديسة جينفيف! ما الذي لدينا هنا؟» # وضرب قلنسوة سيدريك بظهر يده لتقع من فوق رأس المهرج، وفتح ياقته ~~عن آخرها، فاكتشف علامة العبودية المشئومة، وهي الطوق الفضي حول ~~عنقه. # صاح النورماندي الغاضب: «جايلز، كليمنت، أيها الكلاب والأوغاد! ماذا ~~جلبتم لي هنا؟» # قال دي براسي الذي دخل الغرفة لتوه: «أظن أن بوسعي أن أخبرك. إن ~~هذا هو مهرج سيدريك.» # رد فرونت دي بوف: «سيشنق إلا إذا دفع سيده وهذا الخنزير البري ~~أوف كوننجزبيرج مبلغا كبيرا مقابل حياته.» ثم قال لاثنين من أتباعه: ~~«اذهبا وابحثا عن سيدريك الحقيقي وأحضراه إلى هنا، وسأغفر لكما خطأكما ~~هذه المرة؛ لأنكما أخطأتما وظننتما أن أحمق هو مالك ساكسوني.» # قال وامبا: «أجل، ولكنك يا صاحب السعادة النبيل ستجد أن الحمقى بيننا ~~أكثر من الملاك.» # قال فرونت دي بوف: «ماذا يعني الوغد بقوله هذا؟» # صاح دي براسي بدهشة: «يا قديسي السماء! لا بد أنه قد هرب في ثياب ~~الراهب!» # رد فرونت دي بوف: «يا شياطين الجحيم! لقد كان إذن خنزير روثيروود ~~البري هو من أرشدته إلى الباب الخلفي، وسمحت له بالانصراف بنفسي!» ثم ~~قال لوامبا: «أما أنت، فسأعطيك مرتبة كهنوتية مقدسة؛ سأحلق لك ~~رأسك! هيا، ليقطعوا فروة رأسه، ثم اقذفوه رأسا على عقب من فوق ~~الأسوار. إن صنعتك هي المزاح، فهل تستطيع المزاح الآن؟» # انهمر وامبا المسكين في النحيب قائلا: «أنت تتعامل معي بأفضل مما ~~وعدت أيها الفارس النبيل، فإذا أعطيتني القلنسوة ms102 الحمراء التي تعتزم ~~إعطاءها لي فإنك ستجعل من راهب بسيط كاردينالا.» # قال دي براسي: «إن البائس المسكين عازم على الموت وهو يمارس مهنته. ~~لا تذبحه يا فرونت دي بوف، بل أعطني إياه لتسلية رفقائي الأحرار. ما ~~قولك أيها الوغد؟ هل ستكون شجاعا وتذهب معي للحروب؟» # قال وامبا: «أجل، بعد إذن سيدي؛ لأنني كما ترى لا يحق لي أن أخلع ~~الطوق (ولمس الطوق الذي يحيط بعنقه) دون إذنه.» # قال فرونت دي بوف: «يا له من عمل حسن، يا دي براسي، أن تقف هناك ~~مستمعا لرطانة أحمق، بينما الهلاك محيق بنا!» # قال دي براسي: «إلى الأسوار إذن؛ فمتى رأيتني من قبل عابسا عند ~~التفكير في المعارك!» وواصل حديثه مخاطبا أثيلستان: «تعال أيها ~~الساكسوني، وتمالك نفسك وأخبرنا ما بوسعك أن تفعله مقابل أن تنال ~~حريتك.» # رد أثيلستان: «أطلقا سراحي مع رفقائي، وسأدفع لكما فدية قدرها ألف ~~مارك.» # قال فرونت دي بوف: «وستضمن لنا أيضا تراجع تلك الحثالة البشرية ~~المحتشدة حول القلعة.» # رد أثيلستان: «سأحاول قدر استطاعتي أن أجعلهم ينسحبون.» # قال فرونت دي بوف: «اتفقنا إذن، سنطلق سراحك وسراحهم، ويعم ~~السلام كلا الجانبين، مقابل ألف مارك، ولكن لاحظ أن هذا الاتفاق لا ~~يشمل إيزاك اليهودي.» # قال فارس الهيكل الذي كان قد انضم إليهم عندئذ: «ولا ابنة إيزاك ~~اليهودي.» # قال فرونت دي بوف: «كل منهما لا ينتمي إلى مجموعة الساكسوني ~~هذه.» # رد أثيلستان: «ما كنت لأستحق أن أدعى مسيحيا لو كانوا كذلك؛ ~~فلتفعلوا بالكافرين ما تشاءون.» # قال دي براسي: «ولا تشمل الفدية أيضا الليدي روينا. لن يقال أبدا ~~إنني أكرهت بداعي الخوف على التخلي عن غنيمة حسناء دون أن أضرب ~~ضربة واحدة من أجل الاحتفاظ بها.» # قال فرونت دي بوف: «ولا يسري اتفاقنا أيضا على هذا المهرج ~~البائس.» # رد أثيلستان: «إن الليدي روينا هي عروسي المخطوبة لي، ولتسحلني ~~الجياد البرية قبل أن أوافق على الافتراق عنها. واليوم أنقذ العبد ~~وامبا حياة أبي سيدريك، وسأضحي بحياتي قبل أن تمس شعرة من ~~رأسه.» # قال دي براسي: «الليدي ms103 روينا عروس مخطوبة لخانع مثلك؟! أقول لك إن ~~أمراء بيت أنجو لا يرضون بزواج من هن تحت وصايتهم برجال من نسب ~~كنسبك.» # رد أثيلستان: «إن نسبي، أيها النورماندي المتكبر، ينحدر من أصل ~~أكثر نقاء وعراقة من نسب فرنسي حقير، يتكسب عيشه من بيع دماء ~~اللصوص الذين يجمعهم تحت لوائه الوضيع. إن أسلافي كانوا ملوكا؛ ~~أقوياء في الحرب وحكماء في الرأي، وكانوا يطعمون كل يوم في قاعاتهم ~~مئات أكثر مما يمكنك عده من أتباعك.» # قال فرونت دي بوف: «لقد أفحمت، يا دي براسي؛ أصابك الساكسوني ~~بإحكام.» # قال دي براسي: «بإحكام بقدر ما يمكن للأسير أن يصيب.» ثم أضاف ~~(مخاطبا أثيلستان): «ولكن طلاقة لسانك، يا رفيقي، لن تحرر الليدي ~~روينا.» # قطع الحديث وصول أحد الخدم، الذي أعلن أن الأخ أمبروز، وهو راهب من ~~دير جورفولكس، يطلب الدخول من البوابة الخلفية. # وعلى ذلك صرف السجينان الساكسونيان بمجرد إدخال الراهب الذي بدا ~~عليه القلق الشديد. # قال: «أيتها الأم المقدسة! لقد أصبحت في أمان أخيرا في حماية ~~مسيحيين! أنتم أصدقاء وحلفاء لأبينا في الرب، المبجل آيمر، رئيس دير ~~جورفولكس، وأنتم مدينون له بالمساعدة بدافع من إيمان الفرسان والبر ~~المقدس؛ فلتعلموا أيها الفرسان البسلاء أن بعض الجبناء القتلة قد ~~طرحوا وراء ظهورهم خشية الرب وتوقير كنيسته، و...» # قال فارس الهيكل: «أيها الأخ القس، كل ذلك نعلمه أو نخمنه، فأخبرنا ~~بوضوح؛ هل أسر سيدك رئيس الدير؟ ومن أسره؟» # قال أثيلستان: «بالطبع، وهو في أيدي رجال الشيطان بليعال الذين ~~اجتاحوا هذه الغابة.» # قال فرونت دي بوف ملتفتا إلى رفاقه: «ها هو سبب جديد لاستخدام ~~سيوفنا يا سادة. أفصح أيها القس، وأخبرنا على الفور، ما الذي ينتظره ~~سيدك منا؟» # قال أمبروز: «كما تشاء، لقد عومل سيدي الموقر معاملة قاسية على ~~أيدي أشرار، وفوق ذلك يطالبونه بمبلغ كبير؛ لذلك فإن الأب الجليل ~~يتوسل إليكم أن تنقذوه؛ إما بدفع الفدية التي يحتجزونه من أجلها، أو ~~بقوة السلاح، حسبما ترون.» # قال فرونت دي بوف: «ليخمد الشيطان اللعين أنفاس رئيس الدير! متى ~~سمع ms104 سيدك عن مالك نورماندي يفك كيس نقوده لينقذ أحد رجال الكنيسة ~~الذي تزن أكياسه عشرة أمثال ما لدينا؟ وكيف يمكننا بأي حال أن نقوى ~~على تحريره ونحن محاصرون هنا بعشرة أمثال عددنا؟!» # صاح دي براسي: «إلى الأسوار! ودعونا نراقب ماذا يفعل هؤلاء الأوغاد ~~بالخارج.» وبعد أن قال ذلك فتح نافذة، وعلى الفور نادى على من في ~~الغرفة قائلا: «بحق القديس دينيس! لقد جلبوا حواجز خشبية ودروعا ~~كاملة، والرماة يتجمعون على أطراف الغابة كغيمة سوداء تنذر ~~بعاصفة ثلجية.» # تطلع ريجينالد فرونت دي بوف أيضا إلى الحقل، وعلى الفور اختطف ~~بوقه. وبعد أن نفخ نفخة طويلة وعالية أمر رجاله باتخاذ مواقعهم على ~~الأسوار. ~~«يا دي براسي، راقب الجهة الشرقية، حيث الجدران أكثر انخفاضا. ~~وأنت أيها النبيل بوا جيلبرت، الذي علمتك صنعتك جيدا كيفية الهجوم ~~والدفاع، راقب الجهة الغربية. أما أنا فسأتخذ موقعي على البرج ~~الأمامي.» # صاح الأب أمبروز: «ولكن، أيها الفرسان النبلاء، أتوسل إليك أن ~~تسمعني يا أيها السيد النبيل ريجينالد!» # قال النورماندي العنيف: «اذهب وتمتم بتوسلاتك للسماء؛ لأننا على ~~الأرض ليس لدينا وقت لنستمع إليها.» # قال فارس الهيكل الذي كان في تلك الأثناء يتابع الأعمال التي يقوم ~~بها المحاصرون: «انظروا كيف يستفيدون ببراعة من كل ساتر توفره لهم ~~شجرة أو شجيرة، ويتجنبون تعريض أنفسهم لمرمى نشابنا؟ أراهن ~~بسلسلتي الذهبية على أن من يقودهم هو فارس أو سيد من ذوي المهارة في ~~أعمال الحروب.» # قال دي براسي: «إني أراه من بعيد. أرى اهتزاز خوذة فارس تهتز، وبريق ~~درع. أرى هناك رجلا طويلا في زردية سوداء. أقسم بالقديس دينيس على ~~أنه نفس الرجل الذي أطلقنا عليه اسم الكسول الأسود، الذي طرحك أرضا يا ~~فرونت دي بوف في ساحة النزال بآشبي.» # قال فرونت دي بوف: «هذا أفضل كثيرا؛ إذ يعطيني مجيئه إلى هنا ~~الفرصة للثأر منه.» # قطعت مظاهر الاقتراب السريع للعدو كل حديث آخر، فرجع كل فارس إلى ~~موقعه، وعلى رأس الأتباع القلائل الذين تمكنوا من حشدهم، انتظروا في ~~عزم ثابت الهجوم الوشيك. # | الفصل ms105 الرابع والعشرون # عندما سقط إيفانهو، وبدا أن الجميع قد تخلوا عنه، تمكنت ريبيكا ~~بإلحاحها من إقناع أبيها أن ينقل المحارب الشاب من ساحة النزال إلى ~~المنزل الذي كان اليهوديان آنذاك يقيمان فيه في ضواحي آشبي. # صاح إيزاك: «يا إبراهيم المقدس! إنه شاب صالح، وإن قلبي لينزف من ~~رؤية الدم يسيل على سترته المطرزة الثمينة، ودرعه الباهظة الثمن، ~~ولكن أنحمله إلى منزلنا؟! هل فكرت في الأمر جيدا يا فتاة؟ إنه ~~مسيحي، ووفقا لشريعتنا لا يجوز لنا التعامل مع غريب من غير اليهود إلا ~~لو كان لصالح تجارتنا.» # أجابت ريبيكا: «لا تقل هذا يا أبي العزيز؛ ففي الجراح والمآسي يصبح ~~غير اليهودي أخا لليهودي. دعهم يضعوه في محفتي، وسأمتطي أنا أحد ~~الخيول.» # قال إيزاك هامسا: «إن ذلك يعرضك لنظرات كلاب بني إسماعيل وإدوم. ~~بحق لحية هارون! ماذا لو هلك الشاب؟! إن مات وهو في عهدتنا أفلن ~~يحملنا الناس مسئولية دمه، ويقطعوننا إربا؟» # قالت ريبيكا: «لن يموت يا أبي. لن يموت إلا إذا تخلينا عنه، وإن ~~حدث ذلك فسنكون بالفعل مسئولين عن دمه أمام الرب وأمام الناس.» # قال إيزاك: «كلا، إنه ليحزنني كثيرا أن أرى قطرات دمه، كما لو كانت ~~قطعا بيزنطية ذهبية كثيرة تتساقط من كيس نقودي، وأعلم تمام العلم أن ~~دروس ميريام جعلتك ماهرة في فن المداواة؛ لذلك فلتفعلي ما يمليه ~~عليك عقلك.» # لم تضع ريبيكا الوقت، وعلى الفور نقلت المريض إلى مسكنهم المؤقت، ~~وباشرت بيديها فحصه وتضميد جراحه. كان اليهود، رجالا ونساء، يعرفون ~~العلوم الطبية بفروعها كافة ويمارسونها، وكانت قد نشئت بعناية على ~~تعلم جميع المعارف التي تميز بها قومها، والتي تلقتها على يد ~~يهودية عجوز تدعى ميريام. كان إيفانهو لا يزال فاقدا للوعي، وبعد أن ~~وضعت ريبيكا على جرحه العلاجات الشافية وفق ما ينص عليه ما تعلمته ~~من أصول الطب، أخبرت والدها أنه إذا كان الدهان المعالج لميريام لا ~~يزال يحتفظ بخواصه فلا خوف على حياة ضيفه، وأن بإمكانه السفر آمنا ~~معهما إلى يورك في اليوم التالي. # لم يستعد ms106 إيفانهو وعيه من الحالة التي كان عليها إلا في الهزيع ~~الأخير من الليل. وعندما أفاق من نومه المتقطع، لشد ما كانت دهشته أن ~~وجد نفسه في غرفة فاخرة الأثاث، ولكن كان بها وسائد ليستريح الناس ~~عليها بدلا من المقاعد، وكانت في نواح أخرى تشبه كثيرا الطراز ~~الشرقي، حتى إنه بدأ يشك فيما إذا كان قد نقل مرة أخرى إلى فلسطين ~~في أثناء نومه. زاد هذا الانطباع عندما انزاح الستار المزخرف عن ~~امرأة ترتدي ثيابا فاخرة أقرب إلى الذوق الشرقي منها إلى الأوروبي، ~~مرت عبر الباب، الذي كان الستار يحجبه، يتبعها خادم أسمر. # وعندما هم الفارس الجريح بمخاطبة هذا الطيف الجميل، فرضت عليه ~~الصمت بأن وضعت إصبعها الرشيقة على شفتيها الياقوتيتين، بينما اقترب ~~الخادم منه وشرع في الكشف عن جانب إيفانهو، وتأكدت اليهودية الحسناء ~~أن الضمادة كانت في موضعها، وأن الجرح يتحسن. في صمت تركهما ~~إيفانهو يتخذان التدابير التي اعتقدا أنها الأنسب لتعافيه. وعندما ~~كانت الطبيبة الطيبة على وشك الانصراف لم يستطع كبح جماح فضوله أكثر من ~~ذلك. بدأ حديثه بلسان عربي قائلا: «أيتها الفتاة الرقيقة، أرجو من ~~كرم أخلاقك أيتها الفتاة الرقيقة ...» ~~«أنا إنجليزية يا سيدي الفارس، وأتحدث بلسان إنجليزي، مع أن ملبسي ~~ونسبي ينتميان إلى منطقة أخرى.» # شرع الفارس إيفانهو في الحديث مرة أخرى قائلا: «أيتها الفتاة ~~النبيلة ...» # قالت ريبيكا: «لا تغدق علي يا سيدي الفارس بلقب النبيلة. واعلم ~~أن خادمتك يهودية فقيرة، ابنة إيزاك أوف يورك ذلك الذي كنت له منذ وقت ~~قريب جدا سيدا طيبا وعطوفا. إنه لمن دواعي سروره هو وأهل بيته أن ~~يقدموا لك الرعاية الدقيقة التي تتطلبها حالتك الحالية.» # لا أعلم إن كانت روينا الحسناء سترضى عن ذلك النوع من المشاعر التي ~~كان فارسها المخلص ينظر بها حينئذ إلى الجميلة ريبيكا، لكن إيفانهو ~~كان كاثوليكيا شديد التدين، وما كان من الممكن أن يكن المشاعر ~~نفسها ليهودية. وعلى الفور، حل محل نظرة الإعجاب المشوب بالاحترام، ~~التي لا تخلو من الرقة، التي كان ينظر بها في ms107 تلك اللحظة إلى محسنته ~~المجهولة، نظرة باردة وهادئة تنم عن رباطة جأشه . # ومع ذلك، فلم تنسب طبيعة ريبيكا المتسمة بالدماثة والصدق أي خطأ ~~إلى إيفانهو؛ لانخراطه في صور الإجحاف السائدة بين أبناء عصره ودينه. ~~أعلمته بضرورة رحيلهم إلى يورك، وبقرار أبيها بنقله إلى هناك ورعايته ~~في منوله حتى يستعيد عافيته. أبدى إيفانهو امتعاضا شديدا من هذه ~~الخطة، وكان مبعث هذا الامتعاض عدم رغبته في أن يتسبب في مزيد من ~~العناء لمن أحسنوا إليه. # قال: «ألم يكن في آشبي أو بالقرب منها سيد ساكسوني، أو حتى فلاح ~~غني، يمكنه تحمل عبء إقامة جريح من بني جلدته حتى يقوى مرة أخرى ~~على ارتداء درعه؟ ألم يكن يوجد أحد أديرة الصدقة الساكسونية الذي كان ~~يمكن أن يأوي إليه؟» # قالت ريبيكا بابتسامة يشوبها الحزن: «أيا يكن، فلا شك في أن أسوأ ~~هذه الأماكن كان سيغدو أنسب لك من الإقامة في منزل يهودي محتقر، ~~ولكن يا سيدي الفارس لا يمكنك تغيير مكان مقامك إلا إذا تخليت عن ~~طبيبك. إن قومنا، كما تعلم جيدا، يستطيعون مداواة الجروح، مع أننا لا ~~نتسبب فيها. وما من نصراني، عذرا أيها السيد الفارس، ما من طبيب ~~مسيحي في بحار بريطانيا الأربعة يستطيع أن يجعلك تقوى على ارتداء ~~درعك في غضون شهر واحد.» # قال إيفانهو بفروغ صبر: «ومتى ستمكنينني من أن أقوى على ~~ارتدائه؟» # أجابت ريبيكا: «في غضون ثمانية أيام، إذا كنت صبورا وممتثلا ~~لتعليماتي.» # قال ويلفريد: «أقسم بسيدتنا المباركة، إن لم يكن من الإثم أن أذكر ~~اسمها هنا، أن الوقت ليس ملائما لي، أو لأي فارس حق، لأن يلازم ~~الفراش، وإن وفيت بوعدك أيتها الفتاة فسأدفع لك ملء خوذتي قطعا ~~فضية، بقدر ما يتسنى لي أن أجمع.» # قالت ريبيكا: «سأفي بوعدي، وستقوى على ارتداء درعك في اليوم الثامن ~~من الآن، إن منحتني عطية واحدة فقط، عوضا عن الفضة التي تعدني ~~بها.» # أجاب إيفانهو: «إن كان في مقدوري، وكانت من العطايا التي يمكن ~~لفارس مسيحي مخلص أن يقدمها لقومك، فسأمنحها لك ms108 مسرورا ~~وشاكرا.» # ردت ريبيكا: «كل ما أرجوه منك أن تؤمن من الآن فصاعدا أن بوسع ~~اليهودي أن يحسن للمسيحي، دون رغبة في مكافأة إلا بركة الآب العظيم ~~الذي خلق اليهود وغير اليهود.» # رد إيفانهو: «إنها لخطيئة أن يشك المرء في ذلك يا فتاة، وسأستودع ~~نفسي بين يدي مهارتك دون مزيد من الشك أو الأسئلة، وأنا على ثقة من ~~أنك ستمكنينني من أن أقوى على ارتداء درعي في اليوم الثامن. والآن، ~~يا طبيبتي الطيبة، فلتطلعيني على الأنباء بالخارج. ما بال الساكسوني ~~النبيل سيدريك وذويه؟ وماذا عن الليدي الجميلة ...» توقف كما لو كان لا ~~يرغب في أن يتلفظ باسم روينا في منزل يهودي، واستطرد قائلا: «أعني ~~من لقبت بملكة المباراة؟» # أجابت ريبيكا: «والتي اخترتها أنت يا سيدي الفارس كي تنال هذا ~~المقام، بحصافة أعجب بها الناس بقدر ما أعجبوا ببسالتك.» # قال: «إن رغبتي في الحديث عنها ليست بقدر ما أرغب في الحديث عن ~~الأمير جون. وإن مما يبعث السرور في نفسي أن أعرف بعض الأخبار عن تابعي ~~المخلص، ولماذا ليس برفقتي الآن؟» # ردت ريبيكا: «دعني أستخدم سلطتي كطبيبة، وأوصيك بأن تلزم الصمت، ~~وتتجنب الأفكار المثيرة، بينما أعلمك بما تريد أن تعرف. أنهى ~~الأمير جون المباراة قبل موعدها، وانطلق بكل سرعته إلى يورك ومعه ~~النبلاء والفرسان ورجال الكنيسة من حزبه، بعدما جمعوا من المبالغ ما ~~تمكنوا من انتزاعه، بوسائل نزيهة أو غير نزيهة، من أولئك الذين ~~يعتبرون أثرياء البلاد. ويقال إنه يخطط للاستيلاء على تاج ~~أخيه.» # قال إيفانهو، وهو ينهض على الأريكة: «لن يحدث ذلك من دون توجيه ضربة ~~واحدة دفاعا عنه، وإن لم يكن في إنجلترا سوى شخص مخلص واحد. ~~سأقاتل أفضل من في البلاد من أجل الدفاع عن لقب ريتشارد. أجل، حتى ~~وإن لم يكن معي سوى شخص أو شخصين، في نزاعه العادل.» # قالت ريبيكا وهي تلمس كتفه بيدها: «ولكن لكي تتمكن من فعل ذلك، عليك ~~الآن أن تتبع تعليماتي وتركن إلى السكينة.» # قال إيفانهو: «صحيح أيتها الفتاة، يجب أن أركن ms109 إلى السكينة بقدر ما ~~تسمح لي هذه الأوقات المضطربة. وماذا عن سيدريك ومن معه؟» ~~«علمت أن سيدريك وأثيلستان أوف كوننجزبيرج كانا على وشك الرحيل في ~~طريق عودتهما إلى الديار، مع الليدي روينا. أما عن تابعك المخلص جيرث ~~...» # صاح الفارس: «عجبا! أتعلمين اسمه؟» ثم أضاف على الفور: «ولكن لا بد ~~من أنك تعرفينه؛ لأنه، حسب اعتقادي، قد تلقى من يديك ومن روحك ~~الكريمة مائة قطعة ذهبية أمس.» # قالت ريبيكا وقد توردت وجنتاها بشدة: «لا تتحدث في ذلك الأمر؛ ~~فأنا أرى كم هو سهل على اللسان أن يخون ما يسعد القلب أن ~~يخفيه.» # قال إيفانهو بجدية: «ولكنني ملزم، بداع من شرفي، برد هذا القدر ~~من الذهب إلى أبيك.» # قالت ريبيكا: «ليكن ما تشاء، عندما تمر الأيام الثمانية، ولكن دع ~~عنك التفكير والحديث الآن في أي شيء قد يؤخر شفاءك.» # قال إيفانهو: «يبدو أنه قد قدر لي أن أجلب الخراب على كل من ~~يظهر طيبته لي؛ فملكي الذي شرفني وميزني ها أنت ترين أخاه، ~~أكثر شخص مدين له، يمد يده لاغتصاب تاجه، وكيف أن الأجمل بين بنات ~~جنسها قد صارت في ضيق ومتاعب لأنها أولتني اهتمامها. تحلي بالحكمة، ~~واتركيني أذهب قبل أن تشملك أنت أيضا البلايا التي تلاحقني ككلاب ~~الصيد.» # قالت ريبيكا: «كلا، لقد استدعيت إلى وطنك عندما كان في أمس ~~الحاجة إلى عون يد قوية وقلب مخلص، وقد أذللت كبرياء أعدائك ~~وأعداء ملكك عندما كانوا في ذروة تعاليهم؛ لذلك عليك أن تتحلى ~~بالشجاعة، وبعد أن تتناول الدواء الذي سأرسله إليك على يد روبن، اخلد ~~للراحة مجددا.» # | الفصل الخامس والعشرون # اقتنع إيفانهو بهذا المنطق، وأطاع تعليمات ريبيكا. وفي الصباح، ~~وجدته طبيبته الطيبة وقد شفي تماما من أعراض الحمى، وأصبح قادرا ~~على تحمل مشقة الرحلة. # وضع في محفة الخيول التي كانت قد أتت به من ساحة النزال، ~~واتخذت جميع الاحتياطات لكي يكون سفره مريحا، ولكن إيزاك وضع الخوف ~~من السرقة نصب عينيه؛ ومن ثم سافر مسرعا في مسيره، وكان يتوقف ~~وقفات قصيرة، ويجعل وقت ms110 تناول وجبات الطعام أقصر، حتى إنه مر ~~بسيدريك وأثيلستان اللذين كانا قد سبقاه في سفرهم بساعات عدة. وكانت ~~السرعة التي أصر عليها في سفره قد أدت إلى مشاحنات عديدة بينه ~~وبين أولئك الذين كان قد استأجرهم لحراسته. وكانت النتيجة أنه عندما ~~أصبح الخطر وشيكا تخلى عنه المرتزقة الساخطون الذين كان قد اعتمد ~~على حمايتهم. # في هذه الحالة البائسة وجد سيدريك اليهودي ومعه ابنته ومريضها ~~الجريح، كما سبق أن ذكرنا، وسرعان ما وقعوا بعد ذلك في قبضة دي براسي ~~وأعوانه. كانت دهشة دي براسي كبيرة عندما اكتشف أن المحفة تضم ~~رجلا جريحا تصور أنه وقع في قبضة الخارجين عن القانون الساكسونيين، ~~واعتقد أن اسمه قد يمثل حماية له ولأصدقائه لديهم، فجهر لهم بأنه ~~ويلفريد أوف إيفانهو. # عندما وصلوا إلى توركويلستون، وبينما كان فارس الهيكل وسيد تلك ~~القلعة عازمين كل منهما على تنفيذ خططه الخاصة، فأحدهما كان يطمع في ~~كنز اليهودي والآخر في ابنته، نقل مساعدو دي براسي إيفانهو، تحت اسم ~~الرفيق الجريح، إلى غرفة بعيدة. وهنا انتقلت مسئوليته إلى أورفريد، أو ~~أولريكا، كما كانت تدعى حقا، ولكن إذ كان عقلها يستعر بذكرى ما ~~قاسته من إيذاء وبالآمال في الانتقام، اقتنعت بسهولة بأن تتولى ريبيكا ~~أمر الاعتناء بمريضها. # عندما وجدت ريبيكا نفسها مرة أخرى إلى جوار إيفانهو، شعرت بالدهشة ~~من إحساسها بالسعادة الشديدة. وعندما كانت تتحسس نبضه وتسأله عن ~~صحته، كانت ثمة نعومة في لمستها ونبرات صوتها، ينمان عن اهتمام ~~أكثر حنوا مما قد يسرها التعبير عنه طواعية، ولكن جاء السؤال ~~الذي كان يتسم بالبرود من إيفانهو حين قال «أهذه أنت أيتها الفتاة ~~الكريمة؟» ليجعلها تتمالك نفسها. وكانت الأسئلة التي سألتها للفارس حول ~~حالته الصحية بنبرة تنم عن صداقة هادئة. أجابها إيفانهو بأنه أصبح ~~بصحة جيدة كما توقع، بل أفضل مما توقع، قائلا: «شكرا يا عزيزتي ~~ريبيكا على مهارتك النافعة.» # قالت الفتاة لنفسها: «إنه يدعوني عزيزتي ريبيكا، ولكن بنبرة فاترة ~~ولا مبالية لا تتناسب مع الكلمة. إن جواد حربه وكلب صيده أعز ms111 عليه ~~من اليهودية المحتقرة!» # استطرد إيفانهو قائلا: «إن أثر الكدر الذي يعتري ذهني بفعل القلق ~~يفوق، أيتها الفتاة الكريمة، أثر الألم الذي يعتري جسدي. ومن أحاديث ~~هؤلاء الرجال الذين كانوا يحرسونني قبل قليل، أعرف أنني سجين في قلعة ~~فرونت دي بوف. وإن كان ذلك صحيحا، فكيف سينتهي ذلك الأمر، أو كيف ~~يمكنني حماية روينا وأبي؟» # قالت ريبيكا بينها وبين نفسها: «إنه لا يذكر اليهودي أو اليهودية، ~~ولكن أي نصيب لنا فيه، وكم كان عقاب السماء عادلا على تركي لأفكاري ~~تسترسل بشأنه!» ثم أسرعت في إعطاء إيفانهو المعلومات التي كان بإمكانها ~~أن تخبره بها، ولكنها لم تزد على أن فارس الهيكل بوا جيلبرت والبارون ~~فرونت دي بوف كانا هما القائدين داخل القلعة، التي كان يحاصرها من ~~الخارج أناس لا تعرفهم. # تزايدت داخل القلعة الضوضاء التي كانت ناجمة عن التجهيزات الدفاعية ~~التي كانت شديدة لبعض الوقت، لتصبح عشرة أمثالها في الصخب والجلبة. ~~وسمعت أصوات الفرسان وهم يستحثون أتباعهم أو يوجهون وسائل ~~دفاعهم، لكن أصوات اصطدام الدروع أو الصيحات الصاخبة لمن يخاطبونهم ~~كانت كثيرا ما تطغى على أوامرهم. توقدت عينا ريبيكا عندما رددت، ~~فيما يشبه الهمس لنفسها، النص المقدس: «عليه تصل السهام ... سنان ~~الرمح والمزراق ... صياح القواد والهتاف!» # كانت نفس إيفانهو تستعر بنفاد صبر ضيقا من خموله، وبرغبته المحتدمة ~~في الاشتراك في القتال. # قال: «ليت بوسعي أن أجر نفسي إلى تلك النافذة هناك، فأتمكن من ~~رؤية كيف تسير هذه المباراة الشجاعة. لا جدوى، لا جدوى؛ فأنا خائر ~~القوى وأعزل!» # أجابت ريبيكا: «لا تقلق أيها الفارس النبيل؛ فقد توقفت الأصوات ~~فجأة. من المحتمل ألا يكونوا قد انخرطوا في القتال.» # قال ويلفريد: «إنك لا تعرفين شيئا عن الأمر. إن هذا السكون المطبق ~~لا يدل إلا على أن الرجال في مواقعهم على الأسوار في انتظار هجوم عاجل؛ ~~ما سمعناه لم يكن سوى دمدمة لحظية للعاصفة، وستندلع قريبا بكامل ~~ضراوتها. ليتني أستطيع الوصول إلى تلك النافذة!» # أجابت مرافقته: «لن يصيبك إلا الأذى إن حاولت ذلك، أيها الفارس ms112 ~~النبيل. سأقف أنا بنفسي عند النافذة وأصف لك ما يحدث بالخارج قدر ~~استطاعتي.» # صاح إيفانهو: «يجب ألا تفعلي ذلك، لا تفعلي ذلك! فكل نافذة وكل ثقب ~~سيغدو قريبا مرمى للرماة. إن سهما طائشا ...» # تمتمت ريبيكا وهي تخطو بخطى ثابتة صاعدة درجتين أو ثلاث درجات، ~~كانت تؤدي إلى النافذة التي تحدثا عنها: «سأتلقاه على ~~الرحب!» # صاح إيفانهو: «ريبيكا، عزيزتي ريبيكا! لا تعرضي نفسك للجراح ~~والموت. على الأقل اتخذي ساترا بهذا الترس القديم هناك، ولا تظهري ~~من جسدك عبر النافذة سوى القليل قدر المستطاع.» # اتبعت ريبيكا بحماسة مذهلة تعليمات إيفانهو، ومستفيدة بحماية ~~الدرع القديم الكبير الذي وضعته أمام الجزء الأدنى من النافذة، ~~استطاعت، آمنة نوعا ما، أن تشهد جزءا مما يحدث خارج القلعة، وأخبرت ~~إيفانهو بالتجهيزات التي يتخذها المهاجمون استعدادا للعاصفة. ~~ونظرا لأنها كانت تقف في إحدى زوايا المبنى الرئيس، فلم تتمكن من رؤية ~~ما يحدث خارج حدود القلعة فحسب، بل أطلت أيضا على التحصينات ~~الخارجية التي كان من المحتمل أن تكون الهدف الأول للهجوم المأمول. ~~ضمن التحصينات الخارجية كان ثمة باب صغير مشابه للباب الخلفي ~~للقلعة، وكان كل شيء محاطا بسياج قوي من الأوتاد الخشبية. تمكنت ~~ريبيكا من أن تلاحظ من عدد الرجال المتمركزين للدفاع عن هذا الموقع ~~أن المحاصرين كانوا يخشون على سلامته. # وصفت تلك المظاهر بسرعة لإيفانهو، وأضافت قائلة: «يبدو أن الرماة ~~قد اصطفوا على أطراف الغابة، مع أنه لم يتقدم من ظلالها الداكنة إلا ~~قلة منهم.» # سأل إيفانهو: «تحت أي لواء؟» # أجابت ريبيكا: «ليسوا تحت أي راية من رايات الحرب التي يمكنني أن ~~أميزها.» # إيفانهو وريبيكا تطببه، بريشة أدولف لالوز. # غمغم الفارس قائلا: «إنها لبدعة فريدة أن يتقدم أحد لمهاجمة قلعة ~~كهذه دون رفع علم أو راية! هل ترين من يقودونهم؟» # قالت اليهودية: «فارس متشح بدرع أسود. هذا هو أكثرهم وضوحا. وهو ~~وحده الذي يلبس الدروع من رأسه حتى أخمص قدميه، ويبدو متوليا لأمر ~~توجيه جميع من حوله.» # رد إيفانهو: «ما الشعار الذي يضعه على درعه؟» ~~«شيء يشبه ms113 قضيبا من الحديد وقفلا مطليين باللون الأزرق على ~~الدرع الأزرق.» # قال إيفانهو : «قيد وقفل باللون الأزرق؛ لا أعرف أحدا يحمل هذا ~~الشعار، ولكني أظن أنه قد يكون شعاري الحالي. ألا يمكنك رؤية نص ~~الشعار؟» # أجابت ريبيكا: «تصعب رؤية الشعار نفسه من هذه المسافة، ولكن عندما ~~تنعكس أشعة الشمس جيدا على درعه تظهر ما أخبرتك به. يبدو أنهم ~~يستعدون الآن للتقدم. يا إله صهيون، احمنا! يا له من منظر ~~مروع! أولئك الذين يتقدمون أولا يحملون دروعا ضخمة وواقيات ~~مصنوعة من ألواح خشبية، يتبعهم الآخرون وهم يشدون أقواسهم وهم ~~يتقدمون. إنهم يرفعون أقواسهم! يا إله موسى، اغفر لخلقك الذين ~~خلقت!» # فجأة قاطعت عندئذ وصفها إشارة بالهجوم أعطيت بنفخة نفير ~~حادة، أجابتها على الفور أصوات أبواق فرسان الهيكل النورمانديين من ~~فوق الأسوار. وزاد صياح كلا الطرفين من الضجيج المروع؛ إذ كان ~~المهاجمون يصيحون قائلين: «القديس جورج مع إنجلترا البهيجة!» ويرد ~~عليهم النورمانديون بصيحات عالية قائلين: «إلى الأمام يا دي براسي! ~~حي على الجهاد! حي على الجهاد! فرونت دي بوف آت للنجدة!» بحسب ~~صيحات الحرب لقادتهم المختلفين. # | الفصل السادس والعشرون # أطلق الرماة سهامهم «كلهم معا»، حسب التعبير المناسب لذلك العصر، ~~حتى إن أقل موضع كان يظهره أحد المدافعين من جسده لم يكن يفلت من ~~سهامهم التي كان الواحد منها بطول ياردة من القماش. بهذا الوابل ~~المستمر قتل اثنان أو ثلاثة من حامية القلعة، وجرح عدة آخرون، ~~ولكن أتباع فرونت دي بوف وحلفاءه، واثقين من دروعهم المشهود بقوتها ~~وتحملها، ومن الحماية التي وفرها لهم موقعهم، أظهروا صلابة في ~~الدفاع تناسبت مع ضراوة الهجوم. لم يقطع أزيز السهام والقذائف من ~~كلا الجانبين إلا الصيحات التي كانت تعلو عندما يلحق أي من ~~الطرفين بالطرف الآخر خسارة كبيرة، أو يصيبه من الطرف الآخر خسارة ~~ملموسة. # صاح إيفانهو: «وها أنا ذا مجبر على أن أستلقي هنا كراهب طريح ~~الفراش، بينما المعركة التي تمنحني الحرية أو الموت تخوضها أيادي أناس ~~آخرين! انظري من النافذة مرة أخرى أيتها الفتاة الطيبة، ولكن ms114 احرصي ~~على ألا يلاحظك الرماة بالأسفل. انظري منها مرة أخرى وأخبريني عما ~~إذا كانوا لا يزالون يتقدمون للهجوم. ماذا ترين يا ريبيكا؟» ~~«لا شيء سوى غيمة شديدة الكثافة من سهام طائرة لدرجة أنها تحجب ~~الرؤية عن عيني، وتخفي الرماة الذين يقذفونها.» # قال إيفانهو: «لا يمكن لذلك أن يستمر. إن لم يهجموا على الفور ~~ليحملوا على القلعة بقوة السلاح الخالصة، فقد لا تجدي الرماية إلا ~~قليلا في مواجهة الجدران الحجرية والمتاريس. ابحثي عن الفارس ذي شعار ~~القفل والقيد أيتها الحسناء ريبيكا، وانظري كيف يتصرف؛ فكيفما يكن ~~القائد يكن أتباعه.» # قالت ريبيكا: «أنا لا أراه.» # صاح إيفانهو: «الجبان الأحمق! أيحجم عن توجيه الدفة عندما يكون ~~هبوب الريح على أشده؟» # قال ريبيكا: «لا يحجم! لا يحجم! إني أراه الآن. إنه يقود مجموعة ~~من الرجال الذين يقتربون من الحاجز الخارجي للحصن. إنهم يقوضون ~~الدعائم وسياج الأوتاد الخشبية، ويحطمون الحواجز بالفئوس. إن ريشته ~~السوداء المرتفعة تنساب أعلى الحشد، كغراب يحوم فوق حقل من القتلى. ~~لقد أحدثوا خرقا في الحواجز - إنهم يندفعون من خلاله - لقد دفعوا ~~للخلف! رونت دي بوف يقود المدافعين؛ أرى جسده الضخم فوق الحشد. إنهم ~~يحتشدون مرة أخرى نحو الخرق، ويتنازعون الممر يدا ليد، ورجلا لرجل. ~~يا إله يعقوب! إنها كمواجهة بين موجتين عاتيتين، نزاع بين محيطين ~~تحركه رياح متعاكسة!» # أشاحت برأسها عن النافذة كما لو كانت لم تعد قادرة على تحمل مرأى ~~مشهد بتلك الفظاعة. # قال إيفانهو، وقد أخطأ تأويل سبب تراجعها: «تطلعي مرة أخرى يا ~~ريبيكا. لا بد وأن الرماية قد توقفت بعض الشيء؛ لأنهم الآن يتقاتلون ~~بالأيدي. انظري مرة أخرى؛ فالخطر الآن أقل.» # نظرت ريبيكا مرة أخرى للأمام، وعلى الفور تقريبا صاحت قائلة: «يا ~~أنبياء الناموس المقدسين! إن فرونت دي بوف والفارس الأسود يتقاتلان ~~يدا بيد عند الخرق وسط زئير أتباعهما الذين يراقبون سير الصراع، إن ~~السماء تضرب إلى جانب المظلوم والأسير!» ثم أطلقت صرخة عالية، وصاحت ~~قائلة: «لقد سقط! لقد سقط!» # صاح إيفانهو: «من الذي سقط؟ كرامة لسيدتنا الغالية، ms115 أخبريني من ~~منهما الذي سقط؟» # أجابت ريبيكا بصوت واهن: «الفارس الأسود.» ثم على الفور عادت تصيح ~~بحماسة يملؤها البهجة: «ولكن لا! ولكن لا! ليتبارك اسم رب الجنود! إنه ~~يقف على قدميه مرة أخرى ويقاتل كما لو كان في ذراعه الواحد قوة ~~عشرين رجلا، قد كسر سيفه، إنه يختطف بلطة من أحد الجنود، ها هو ~~ينقض على فرونت دي بوف ويوجه له ضربة تلو أخرى، العملاق ينحني ~~ويترنح كشجرة بلوط تترنح تحت ضربات فأس حطاب من الصلب، لقد سقط، لقد ~~سقط!» # صاح إيفانهو: «فرونت دي بوف؟» # أجابت اليهودية: «أجل، فرونت دي بوف! ورجاله يسرعون لنجدته، وعلى ~~رأسهم فارس الهيكل المتكبر. إن قوتهم الموحدة تجبر البطل على ~~التوقف، إنهم يسحبون فرونت دي بوف إلى داخل الأسوار.» # قال إيفانهو: «لقد استولى المهاجمون على الحواجز، أليس ~~كذلك؟» # صاحت ريبيكا: «لقد فعلوا، لقد فعلوا! ويهاجمون المحاصرين بقوة فوق ~~الجدار الخارجي؛ بعضهم يثبت السلالم، والبعض الآخر يحتشد كسرب ~~النحل، ويحاولون الصعود فوق أكتاف بعضهم بعضا، تتساقط الحجارة، ~~والعارضات الخشبية وجذوع الأشجار فوق رءوسهم، وبالسرعة ذاتها التي ~~يحملون بها الجرحى للخلف يحل محلهم في الهجوم رجال جدد. يا إلهي ~~العظيم! أجعلت الرجال على صورتك كي تشوه بهذه القسوة على أيدي ~~إخوتهم؟!» # قال إيفانهو: «لا تفكري في ذلك؛ فهذا ليس وقت مثل هذه الأفكار. أي ~~الفريقين يستسلم؟ وأيهما يشق طريقه؟» # أجابت ريبيكا مرتعدة: «إنهم يسقطون السلالم، والجنود يسقطون ~~منبطحين أسفلها كزواحف مسحوقة، إن الغلبة للمحاصرين.» # صاح الفارس: «ليضرب القديس جورج من أجلنا! هل تراجع الجنود ~~الزائفون؟» # صاحت ريبيكا: «لا! إنهم يتصرفون كالجنود البسلاء؛ الفارس الأسود ~~يقترب من البوابة الخلفية ببلطته الضخمة، يمكنك سماع ضرباته التي ~~تدوي كالرعد تعلو جميع ضجيج المعركة وصياحها؛ الحجارة والعوارض ~~الخشبية ترمى كالوابل على البطل الجريء، وهو لا يعيرها انتباها كما ~~لو كانت زغبا أو ريشا!» # منظور عين طائر لقلعة، يبين الأجزاء المختلفة ~~المذكورة في وصف حصار قلعة توركويلستون، الذي يمثل ~~الرسم تصورا تخيليا له. صورة صغيرة أسفل يمين ~~الصفحة: الجسر المتحرك عند رفعه. ms116 # قال إيفانهو: «بحق القديس جون قديس عكا، كنت أظن أنه لا يوجد سوى ~~رجل واحد في إنجلترا يمكنه فعل شيء كهذا!» # تابعت ريبيكا قائلة: «إن البوابة الخلفية تهتز. إنها تتحطم. إنها ~~تتحول إلى شظايا بفعل ضرباته. إنهم يندفعون إلى الداخل. لقد استولوا ~~على الحصن الخارجي - يا إلهي! - إنهم يلقون بالمدافعين من فوق ~~الأسوار، إنهم يقذفون بهم في الخندق، يا رجال، إن كنتم رجالا حقا، ~~فاصفحوا عمن لم يعد بإمكانهم المقاومة!» # صاح إيفانهو: «الجسر - الجسر الموصل إلى القلعة - هل استولوا على ~~ذلك المعبر؟» # أجابت ريبيكا: «كلا، لقد حطم فارس الهيكل اللوح الخشبي الذي ~~مروا عليه، قلة من المدافعين هربوا معه إلى داخل القلعة، الصرخات ~~والصيحات التي تسمعها تنبئ بمصير الآخرين، وا أسفاه! أرى أن النظر ~~إلى النصر لا يزال أصعب من النظر على المعركة.» # قال إيفانهو: «ماذا يفعلون الآن يا فتاة؟ تطلعي مرة أخرى، هذا ليس ~~وقت الإغماء من منظر الدماء المراقة.» # أجابت ريبيكا: «لقد انتهى الأمر الآن، وأصدقاؤنا يدعمون أنفسهم ~~داخل التحصينات الخارجية التي سيطروا عليها، والحامية لا تطلق عليها ~~إلا بضعة سهام بين حين وآخر.» # قال ويلفريد: «إن أصدقاءنا بالتأكيد لن يتخلوا عن مهمة بدأت بعمل ~~مجيد كهذا، وتحققت بمثل هذا التوفيق. كلا! سأولي ثقتي للفارس الطيب ~~الذي حطمت بلطته قلب خشب البلوط والقضبان الحديدية، قفل وقيد على ~~لوحة سوداء؛ ماذا قد يعني ذلك؟ ألا ترين شيئا آخر، يا ريبيكا، يمكن ~~منه تمييز الفارس الأسود؟» # قالت اليهودية: «لا شيء؛ فكل ما فيه أسود كجناح غراب الليل. لا ~~يمكنني أن أرى شيئا يميزه أكثر، ولكن نظرا لأنني قد رأيته مرة ~~يستخدم قوته في المعركة، فأظن أنه يمكنني أن أتعرف عليه مجددا من ~~بين ألف محارب، إنه أمر مروع، لكنه مذهل، أن تشهد كيف يمكن ~~لذراع وقلب رجل واحد أن ينتصرا على مئات الرجال.» # قال إيفانهو: «لقد صورت بطلا يا ريبيكا. من المؤكد أنهم يركنون ~~إلى الراحة، ولكن لاستعادة قوتهم، أو لإعداد وسيلة لعبور الخندق. ~~أقسم بشرف عائلتي، أقسم باسم محبوبتي ms117 الحسناء، إنني قد أحتمل أن ~~أبقى في الأسر لعشر سنوات مقابل أن أقاتل ليوم واحد إلى جانب ذلك ~~الفارس الطيب في معركة كهذه!» # قالت ريبيكا، تاركة موقعها عند النافذة، ومقتربة من أريكة الفارس ~~الجريح: «وا أسفاه! هذا الاشتياق النافد الصبر للنشاط سيؤذي صحتك التي ~~تتماثل للشفاء، كيف يمكنك أن تأمل أن تصيب الآخرين بجراح قبل أن ~~تشفى من تلك التي أصبت بها؟» # رد قائلا: «يا ريبيكا، أنت لا تعلمين كم هو محال على شخص ~~مدرب على أعمال الفروسية أن يظل سلبيا كقسيس أو امرأة، بينما ~~يمارس آخرون أفعال الشرف من حوله. إن حب القتال هو الغذاء الذي نحيا ~~به.» # قالت اليهودية الحسناء: «وا حسرتاه! وما الذي يمثله هذا، أيها ~~الفارس الشجاع، سوى قربان لشيطان المجد الزائف؟ ما الذي يتبقى جزاء ~~لك عن كل الدم الذي أرقته؟» # صاح إيفانهو: «ما الذي يتبقى؟ المجد يا فتاة، المجد! الذي يطلي ~~بالذهب قبورنا ويخلد أسماءنا.» # استطردت ريبيكا: «المجد؟ وا أسفاه! وهل سترة الزرد الصدئة التي ~~تتدلى كشعار نبالة على قبر عفن يدفن فيه البطل مكافأة كافية ~~مقابل التضحية بكل عاطفة طيبة، مقابل حياة بائسة تعيشها كي تجعل من ~~الآخرين تعساء؟» # رد الفارس بنفاد صبر: «بحق روح هيرورد! إنك، يا فتاة، تتحدثين عما ~~لا تعرفينه. أنت لست مسيحية يا ريبيكا، ولا تعرفين تلك المشاعر ~~السامية التي تنعش صدر فتاة نبيلة عندما يؤدي محبوبها عملا من أعمال ~~البطولة يؤكد عاطفة حبه.» # قالت ريبيكا: «لقد نشأت حقا من عرق كانت شجاعة قومه مميزة في ~~الدفاع عن أرضهم، لكنهم لم يحاربوا، حتى عندما كانوا أمة، إلا بأمر ~~الإله، أو دفاعا عن وطنهم من الظلم. لقد أصبت في قولك، يا سيدي ~~الفارس، ولكن إلى أن يقيم إله يعقوب لشعبه المختار جدعونا ثانيا، أو ~~يهوذا مكابي جديدا، فإنه لا يليق بفتاة يهودية الحديث عن معركة أو ~~حرب.» # ثم نظرت صوب أريكة الفارس الجريح. # قالت: «إنه ينام؛ فالطبيعة التي أنهكتها المعاناة وفقدان المعنويات ~~جعلا جسده المرهق ينتهز أول لحظة راحة مؤقتة ms118 ويذهب في سنة من ~~النوم. وا أسفاه! أهي جريمة أن أنظر إليه عندما قد يكون ذلك للمرة ~~الأخيرة؟ وأبي! يا إلهي، أبي! إن ابنته ترتكب إثما عندما تنسى شعره ~~الأشيب من أجل خصلات شعر ذهبية شابة! وما يدريني أن هذه الآثام ليست ~~إلا رسل غضب يهوه إلى ابنة عاصية، تفكر في أسير غريب قبل أبيها؟ ~~ولكنني سأنتزع هذه الحماقة من قلبي على الرغم من أن كل نسيج فيه يدمى ~~وأنا أبعدها عنه!» # التفت بحجابها، وجلست على مبعدة من أريكة الفارس الجريح، وأولته ~~ظهرها محصنة عقلها أو محاولة تحصينه. # | الفصل السابع والعشرون # في تلك الأثناء، كان سيد القلعة المحاصرة والمعرضة للخطر ~~مستلقيا على فراشه يعاني ألما جسديا وكربا نفسيا. وقد جاءت ~~الآن اللحظة التي تتلاشى فيها الأرض وكل كنوزها من أمام عينيه، التي ~~أصبح فيها قلب البارون الهمجي، على الرغم من قسوته كحجر الرحى ~~السفلي، مرتعبا عندما تطلع بخياله إلى ظلام مستقبله ~~الضائع. # دمدم البارون قائلا: «أين هم هؤلاء القساوسة الكلاب الآن الذين ~~يتقاضون ثمن مسرحياتهم الروحية؟ أين كل أولئك الرهبان الكرمليين ~~الحفاة الذين أسس فرونت دي بوف دير القديسة آن من أجلهم؟ أنا، وريث ~~مؤسسهم، أنا، الذي تلزمهم مؤسستهم بالصلاة من أجله، أنا، يا لهم من ~~أنذال جاحدين! يتركونني أعاني حتى الموت كما تموت الكلاب الضالة ~~هناك في تلك الأرض المشاع، بلا قس يسمع اعترافي ولا قربان مقدس! قل ~~لفارس الهيكل أن يأتي إلى هنا؛ فهو قس وقد يفعل شيئا. لقد سمعت رجالا ~~مسنين يتحدثون عن صلاة - صلاة بأصواتهم - لا تحتاج إلى التودد ~~إلى القس الزائف أو رشوته، ولكنني لا أجرؤ على ذلك.» # قال صوت متقطع ذو نبرة حادة بجانبه: «لقد عاش ريجينالد فرونت دي ~~بوف حتى أتى اليوم الذي قال فيه: إن ثمة أمرا لا يجرؤ عليه!» # ارتعد فرونت دي بوف وانكمش حول نفسه، ولكنه سرعان ما استجمع ثباته ~~المعتاد، وصاح قائلا: «من هناك؟ من أنت يا من تجرؤ على ترديد ~~كلماتي بنبرة كنبرة غراب الليل؟ تعال أمام أريكتي ms119 كي أستطيع ~~رؤيتك.» # أجاب الصوت: «أنا ملاكك الشرير يا ريجينالد فرونت دي بوف.» # أجاب الفارس المحتضر: «دعني أنظر إليك إذن في شكلك الآدمي، إن كنت ~~بالفعل شيطانا، ولا تظن أنني سأجفل منك. أقسم بالزنزانة الأبدية، ~~لو كان بمقدوري أن أصارع تلك الأهوال التي تحوم حولي، كما صارعت ~~الأخطار البشرية، فإن الجنة أو الجحيم لن يقولا أبدا إنني تقاعست عن ~~الصراع.» # قال الصوت الذي كاد أن يكون غير بشري: «فكر في خطاياك يا ريجينالد ~~فرونت دي بوف، في التمرد، وفي السلب، وفي القتل! من الذي حرض جون ~~الفاسق على محاربة أبيه الذي خط رأسه المشيب وعلى محاربة أخيه ~~الكريم؟» # رد فرونت دي بوف: «سواء أكنت شيطانا أو قسا أو إبليس نفسه، فإنك ~~تقول كذبا! ليس أنا من حرض جون على التمرد، ليس أنا وحدي. أيها ~~الشيطان الكاذب، إنني أتحداك! انصرف، ولا تلازم أريكتي بعد الآن. ~~اتركني أمت في سلام.» # ردد الصوت: «لن تموت في سلام؛ فحتى في موتك ستفكر فيما ارتكبت من ~~جرائم قتل، وفي الأنات التي تردد صداها في جنبات هذه القلعة، وفي ~~الدماء التي اصطبغت بها أرضياتها!» # أجاب فروت دي بوف بضحكة مروعة ومتكلفة: «لا يمكنك أن ترعبني ~~بحقدك الحقير؛ فالطريقة التي تعاملت بها مع اليهودي الكافر هي عمل حسن ~~في نظر السماء، والخنازير الساكسونيون الذين ذبحتهم كانوا أعداء ~~لبلدي. هو! هو! كما ترى ليس ثمة ثقوب في سترتي المدرعة. هل فررت؟ ~~هل أصابك الصمت؟» # رد الصوت: «لا يا قاتل أبيك يا كريه! فكر في أبيك! فكر في موته! ~~فكر في غرفة طعامه وهي مغمورة بدمه، الذي أراقته يد ابنه!» # أجاب البارون بعد صمت طويل: «ها! بما أنك تعلم ذلك فأنت حقا منبع ~~الشر! لقد ظننت أنني احتفظت بهذا السر مكبوتا في صدري وصدر شخص آخر، ~~هو من أغراني، شريكي في الإثم. اذهب واتركني أيها الشيطان! اذهب وابحث ~~عن الساحرة الساكسونية أولريكا؛ فهي وحدها من يستطيع أن يخبرك بما ~~شهدنا أنا وهي وحدنا عليه. أقول لك اذهب إليها؛ فهي ms120 من نظفت الجراح ~~وأصلحت وضع الجثة، وأضفت على القتيل مظهر من فارق الحياة في أجله ~~ومات ميتة طبيعية. اذهب إليها؛ فهي من أغواني، هي الفاسقة التي ~~حرضتني على تلك الفعلة. اجعلها تذوق مثلي العذابات التي تسبق عذاب ~~الجحيم!» # قالت أولريكا وهي تخطو أمام أريكة فرونت دي بوف: «إنها تذوقها ~~بالفعل؛ فقد ظلت مدة طويلة تتجرع من هذه الكأس، وأصبحت مرارته ~~الآن حلوة برؤيتك وأنت تشاركني إياها. لا تعض على نواجذك يا فرونت ~~دي بوف، ولا تدر عينيك في محجريهما، ولا تشر لي بيدك بحركة ~~التهديد تلك!» # رد فرونت دي بوف: «أيتها العجوز الشمطاء القاتلة الوضيعة! أيتها ~~البومة الناعقة المقيتة! أنت إذن من جئت لتهللي على أنقاض ما ~~ساعدت في هدمه!» # ردت قائلة: «أجل يا ريجينالد فرونت دي بوف، أنا أولريكا! أنا ابنة ~~القاتل توركيل ولفجانجر! أنا أخت أبنائه المقتولين! أنا من تطالبك ~~وتطالب بيت أبيك، أبا وعشيرة، بالاسم والسمعة، وبكل ما خسرته بسبب ~~اسم فرونت دي بوف! لقد كنت ملاكي الشرير، وسأكون ملاكك الشرير. ~~سألاحقك ككلب الصيد حتى اللحظة التي تعاني فيها سكرات ~~الموت.» # صاح فرونت دي بوف: «يا إلهة الانتقام المقيتة! لن تشهدي تلك اللحظة ~~أبدا. هاي! جايلز، كليمنت، أوستاس، سانت مور، ستيفن! أمسكوا بهذه ~~الساحرة، وألقوا بها من فوق الأسوار. لقد خانتنا لصالح الساكسونيين! ~~هاي! سانت مور! كليمنت! أيها الوغدان المخادعان، أين ~~تتلكآن؟» # قالت العجوز الشمطاء بابتسامة سخرية دميمة: «ناد عليهم مرة أخرى، ~~أيها البارون الشجاع، ولتجمع أتباعك حولك، ولتحكم على أولئك ~~المتسكعين بالضرب بالسياط وبالسجن.» ثم استطردت مغيرة نبرة صوتها ~~فجأة: «ولكن اعلم أيها القائد الجبار أنك لن تحصل منهم على إجابة أو ~~مساعدة أو طاعة. استمع لهذه الأصوات المرعبة! إنه الساكسوني يا ~~ريجينالد! الساكسوني المحتقر يهاجم أسوارك! لماذا ترقد هنا كظبية ~~مجهدة، بينما يهاجم الساكسوني معقل قوتك؟» # صاح الفارس الجريح: «أيتها الآلهة والشياطين! امنحوني لحظة واحدة من ~~القوة؛ كي أحمل نفسي على القتال، وأموت كما يليق باسمي!» # أجابت قائلة: «لا تفكر في ذلك، أيها المحارب الشجاع! ms121 فلن تموت ~~ميتة جندي، بل ستهلك كالثعلب في وكره، بينما يشعل الفلاحون النار في ~~الحشائش من حوله.» # صاح فرونت دي بوف: «أيتها العجوز الكريهة! إنك تكذبين! إن أتباعي ~~صامدون أمامهم ببسالة، وأسواري قوية وعالية، ورفقائي في السلاح لا ~~يخشون جيشا كاملا من الساكسونيين! وأقسم بشرفي على أننا عندما ~~نضرم النيران في المشاعل، احتفالا بنجاح دفاعنا، فإنها ستأكل جسدك ~~وعظامك!» # ردت أولريكا: «تمسك بإيمانك حتى يأتيك اليقين.» ثم قالت ~~مقاطعة نفسها: «ولكن كلا! فسترى، عما قليل، المصير الذي ليس بمقدور ~~كل سلطتك وقوتك وشجاعتك تجنبه، على الرغم من أن هذه اليد الواهنة ~~هي من أعدته لك. أترى الدخان الخانق الذي يتصاعد في دوامات في ثنايا ~~سوداء في أنحاء الغرفة؟ أتذكر كمية الوقود المختزنة أسفل هذه ~~الغرف؟» # صاح في غضب: «يا امرأة! هل أشعلت فيها النار؟ بحق السماء! لقد ~~فعلت، والقلعة تلتهمها النيران!» # قالت أولريكا بهدوء مروع: «إنها على الأقل سترتفع سريعا. وداعا ~~يا فرونت دي بوف! لعل ميستا وسكوجيولا وزيرنيبوك، آلهة الساكسونيين ~~القديمة، يأتون بالمعزين عند فراش موتك، الذي تهجره أولريكا الآن! ~~والآن، وداعا للأبد يا قاتل أبيك! ليت كل حجر في هذا السقف المقبب ~~ينطق ليردد هذا اللقب على مسامعك!» # وبعد أن قالت ذلك غادرت الغرفة، وكان بوسع فرونت دي بوف أن يسمع صوت ~~ارتطام المفتاح الثقيل، وهي توصد الباب مرة تلو أخرى من خلفها. وفي ~~ذروة معاناته نادى على خدمه وحلفائه: «ستيفن، وسانت مور! كليمان ~~وجايلز! إنني أحترق هنا بلا معين! النجدة، النجدة، يا بوا جيلبرت ~~الشجاع ويا أيها الباسل دي براسي! إنه أنا فرونت دي بوف من ينادي! ~~إنه أنا سيدكم، أيها الأتباع الخونة! أنا حليفكما وأخوكما في السلاح، ~~أيها الفارسان حانثي اليمين والخائنان! فلتنصب كل اللعنات التي ~~يستحقها الخونة على رءوسكم الجبانة، تتخلون عني لأهلك في بؤس هكذا! ~~إنهم لا يسمعونني - إنهم لا يستطيعون أن يسمعوني - إن صوتي ضائع وسط ~~ضجيج المعركة. إن الدخان يتكاثف أكثر فأكثر، النار قد أمسكت بالطابق ~~الأسفل. آه، ليتني أستطيع أن أحصل ms122 على نفحة من هواء السماء، ولو ~~اشتريتها بالفناء العاجل.» # | الفصل الثامن والعشرون # عندما تم الاستيلاء على البرج الأمامي أرسل الفارس الأسود إشعارا ~~بالحدث السعيد إلى لوكسلي، طالبا منه في الوقت نفسه أن يراقب القلعة ~~مراقبة مكثفة؛ لمنع جمع المدافعين لقوتهم لهجوم مفاجئ، ~~واستعادة التحصينات الخارجية التي فقدوها. استغل الفارس الوقت في ~~إنشاء ما يشبه الجسر العائم، أو الطوف الطويل، آملا أن يتمكن ~~بواسطته من عبور الخندق المائي على الرغم من مقاومة العدو. # عندما اكتمل بناء الجسر، خاطب الفارس الأسود المحاصرين قائلا: ~~«لا فائدة من الانتظار هنا أكثر من ذلك يا أصدقائي؛ فالشمس تهبط نحو ~~الغرب، ولدي من المهام ما لا يسمح لي بالتلكؤ معكم يوما آخر. من ~~أجل ذلك، فليذهب أحدكم إلى لوكسلي، ويأمره بالبدء في إطلاق السهام على ~~الجانب المقابل للقلعة، والمضي قدما كما لو كانوا على وشك الهجوم ~~عليها؛ وأنتم، يا أصحاب القلوب الإنجليزية المخلصة، قفوا معي، ~~وكونوا مستعدين لدفع الطوف بالطول فوق الخندق عندما تفتح ~~البوابة الخلفية من ناحيتنا. اتبعوني عبره ببسالة، وساعدوني على ~~تحطيم البوابة التي هنالك في الجدار الرئيس للقلعة. باسم الرب، افتحوا ~~الباب وأنزلوا الجسر العائم.» # فتحت فجأة البوابة التي كانت تقود من الجدار الداخلي للبرج ~~الأمامي إلى الخندق المائي، ودفع الجسر المؤقت إلى الأمام، وسرعان ما ~~انزلق في الماء، مشكلا ممرا زلقا غير مستقر يسع رجلين لعبور ~~الخندق المائي جنبا إلى جنب. واندفع الفارس الأسود بنفسه، يتبعه عن ~~قرب سيدريك، فوق الجسر، ووصل إلى الجانب الآخر. حينئذ بدأ يضرب بوابة ~~القلعة ببلطته، محتميا بعض الشيء من سهام المدافعين وحجارتهم بأنقاض ~~الجسر المتحرك السابق، الذي كان فارس الهيكل هدمه عند تراجعه عن البرج ~~الأمامي، تاركا ثقله لا يزال متصلا بالجزء العلوي من ~~البوابة. # صاح لوكسلي: «باسم القديس جورج! اهجموا أيها اليوامنة ~~الشجعان!» # عندئذ شد قوسه الجيد، وأطلق سهما مباشرة اخترق صدر جندي، كان، ~~وفقا لتعليمات دي براسي، يأخذ قطعة حجر من أحد الأسوار ليلقيها على ~~رأس سيدريك والفارس الأسود. # قال دي براسي: «أتتراجعون أيها ms123 الأوغاد الأنذال؟! بحق تل ماونت جوي ~~حيث استشهدت القديس دينيس! أعطوني الرافعة !» # اختطفها وعاد لينقض على القمة الحجرية المخلخلة التي كانت شديدة ~~الثقل، لدرجة أنها كانت إذا أسقطت لا تدمر فقط بقية الجسر المتحرك ~~التي كانت تحمي المهاجمين اللذين كانا في المقدمة، بل أيضا تغرق ~~الجسر العائم البسيط، المكون من عارضات خشبية، الذي كانوا قد مروا ~~عليه. كانت القمة الحجرية الضخمة تتداعى بالفعل، وكاد دي براسي الذي ~~كان لا يزال يبذل قصارى جهده أن ينجز مهمته، لولا أنه سمع صوت فارس ~~الهيكل بالقرب من أذنه قائلا: ~~«كل شيء ضاع، يا دي براسي، القلعة تحترق.» # رد الفارس: «أجننت لتقول هذا؟!» ~~«إن النيران تلتهم الجانب الغربي كله، ولقد كافحت بلا جدوى لإخماده. ~~قد رجالك للأسفل كما لو كنت تقودهم لهجوم، وافتح البوابة الخلفية. لا ~~يوجد هناك سوى رجلين على الجسر العائم، اقذفوا بهما في الخندق، وشقوا ~~طريقكم إلى البرج الأمامي. سأنطلق أنا من البوابة الرئيسة، وأهاجم ~~البرج الأمامي من الخارج. وإذا تمكنا من استعادة ذلك الموقع ~~فتأكد من أننا سندافع عن أنفسنا حتى تأتينا النجدة، أو على الأقل ~~حتى يمنحونا شروطا عادلة.» # أسرع دي براسي إلى جمع رجاله، واندفع للأسفل إلى البوابة الخلفية ~~التي فتحها على الفور، ولكن ما إن حدث هذا حتى تمكن الفارس الأسود ~~بقوته الرهيبة من أن يشق طريقه للداخل على الرغم من وجود دي براسي ~~وأتباعه. على الفور سقط اثنان ممن كانوا في المقدمة، وتراجع الباقون ~~على الرغم من كل جهود قائدهم لإيقافهم. # قال دي براسي: «أيها الكلاب! أتتركون رجلين يستوليان على سبيلنا ~~الوحيد للنجاة؟ إن القلعة تحترق من خلفنا، أيها الأنذال! فليعطكم ~~اليأس شجاعة، أو دعوني أتقدم! وسأقاتل هذا البطل بنفسي.» # دوت في الممر المقبب الذي يؤدي إليه الباب الخلفي، والذي كان ~~هذان المحاربان المثابران يتقاتلان فيه يدا بيد، أصوات الضربات ~~العنيفة التي يسددها كل منهما على الآخر؛ دي براسي بسيفه، والفارس ~~الأسود ببلطته الثقيلة. وفي النهاية، تلقى النورماندي ضربة هوت ~~بعنف شديد على خوذته، فسقط ممددا ms124 على الأرضية المعبدة. # قال البطل الأسود: «استسلم يا موريس دي براسي، سواء أكانت النجدة ~~آتية أم لا، وإلا فلن تكون إلا قتيلا.» # أجاب دي براسي بصوت واهن: «لن أستسلم لمنتصر مجهول. أخبرني باسمك ~~أو افعل بي ما يحلو لك.» # همس الفارس الأسود بشيء في أذن المهزوم. # فرد النورماندي: «أسلم نفسي أسيرا حقا، سواء أكانت النجدة ~~آتية أم لا.» # قال المنتصر بنبرة من له سلطان: «اذهب إلى البرج الأمامي، وانتظر ~~المزيد من أوامري هناك.» # قال دي براسي: «ولكن أولا، دعني أخبرك بما يهمك أن تعرفه. إن ~~ويلفريد أوف إيفانهو جريح وسجين، وسيهلك في القلعة المشتعلة إن لم ~~يأته العون على الفور.» # صاح الفارس الأسود: «ويلفريد أوف إيفانهو! لن يبقى رجل في القلعة على ~~قيد الحياة إن احترقت شعرة واحدة من رأسه. أرني غرفته!» # قال دي براسي: «اصعد ذلك الدرج المتعرج هناك؛ فهو يؤدي إلى ~~غرفته.» # كان إيفانهو قد استيقظ من نومه القصير بسبب ضوضاء المعركة، وكانت ~~مرافقته، بناء على رغبته القلقة، قد عادت إلى الوقوف عند النافذة ~~لتشاهد ما يحدث وتخبره بمصير الهجوم. وفي النهاية، أدركا تفاقم هذا ~~الخطر الجديد من كثافة الدخان الذي تصاعد في الغرفة، والصيحات ~~المطالبة بالماء التي سمعاها تعلو حتى على صوت ضجيج المعركة. # قالت ريبيكا: «إن القلعة تحترق، إنها تحترق. ما الذي يمكننا فعله ~~لإنقاذ أنفسنا؟» # قال إيفانهو: «اهربي يا ريبيكا وانجي بحياتك؛ فلن يقدر أي عون بشري ~~أن ينفعني.» # ردت ريبيكا: «لن أهرب؛ إما أن ننجو معا أو نهلك معا، ولكن يا ~~إلهي العظيم! أبي، أبي، ماذا سيكون مصيره؟» # في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بعنف، ودخل فارس الهيكل في هيئة ~~شنيعة؛ إذ كان درعه المطلي بالذهب مكسورا ومخضبا بالدماء، وانتزع ~~جزء من ريشته واحترقت جزئيا من عند خوذته. قال لريبيكا: «لقد ~~وجدتك، وسأثبت لك أنني سأفي بوعدي بأن أشركك في السراء ~~والضراء. انهضي واتبعيني على الفور!» # ردت ريبيكا: «لن أتبعك وحدي. إن لم يكن قلبك قاسيا كدرع صدرك، ~~فأنقذ أبي المسن، وأنقذ هذا الفارس ms125 الجريح!» # رد فارس الهيكل بهدوئه المميز: «إن الفارس يا ريبيكا يجب أن يواجه ~~مصيره، سواء جاءه على هيئة سيف أو نار؛ ومن يهتم كيف وأين يلاقي ~~يهودي مصيره؟» # قالت ريبيكا: «أيها المحارب الهمجي، إني أفضل أن أموت في الحريق ~~عن أن أقبل النجاة على يديك!» ~~«لن تختاري يا ريبيكا؛ فلقد خدعتني مرة، ولكن لم يخدعني أحد قط ~~مرتين.» # قال ذلك، وأمسك بالفتاة المرتعبة التي ملأت الغرفة بصرخاتها، وحملها ~~إلى خارج الغرفة على ذراعيه دون أن يعبأ بصراخها، أو بتهديد إيفانهو ~~له؛ إذ قال له بصوت كالرعد: «يا كلب الهيكل، يا وصمة عار في جبين ~~طائفتك، أطلق سراح الفتاة! أيها الخائن بوا جيلبرت، إنه أنا إيفانهو ~~من يأمرك! أيها النذل، سأشرب من دم قلبك!» # قال الفارس الأسود الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة: «ما كنت لأعثر ~~عليك، يا ويلفريد، لولا صرخاتك.» # قال ويلفريد: «إن كنت فارسا حقا فلا تفكر في. لاحق ذلك ~~الخاطف. أنقذ الليدي روينا، وابحث عن سيدريك النبيل!» # رد الفارس ذو القفل: «في دورهما، ولكن دورك يأتي أولا.» # أمسك بإيفانهو وحمله بالسهولة نفسها التي حمل بها فارس الهيكل ~~ريبيكا، وأسرع به إلى البوابة الخلفية، حيث سلم عبء رعايته لاثنين من ~~الجنود، ثم عاد ودخل القلعة للمساعدة في إنقاذ السجينين ~~الآخرين. # في تلك الأثناء، كان أثيلستان قد تمكن من الهرب إلى فناء القلعة، ~~حيث كان فارس الهيكل الشرس جالسا على صهوة جواده ومحاطا بالعديد من ~~رجال الحامية. وكانت ريبيكا وسط تلك المجموعة الصغيرة، وأظهر بوا ~~جيلبرت، على الرغم من الفوضى الناتجة عن القتال الدامي، اهتماما ~~بسلامتها. لم يشك أثيلستان في أن من يحملها الفارس ليهرب بها، على ~~الرغم من كل المقاومة البادية، هي روينا. # قال: «أقسم بروح القديس إدوارد على أنني سأنقذها من ذلك الفارس ~~المتكبر، وسيلقى حتفه على يدي!» # لم يستغرق الأمر من قوة أثيلستان العظيمة سوى لحظة واحدة لكي يلتقط ~~هراوة من فوق الأرض، وينقض على عصابة فارس الهيكل، ويطلق ضربات ~~متتابعة يمنة ويسرة مسقطا محاربا مع كل ms126 ضربة، وسرعان ما أصبح ~~على مسافة ياردتين من بوا جيلبرت، فتحداه بأعلى صوته قائلا: ~~«استدر يا فارس الهيكل الخائن! اترك من لست أهلا لأن تلمسها. ~~استدر يا عضوا في عصابة من القتلة واللصوص المنافقين!» # قال فارس الهيكل وهو يعض على نواجذه: «أيها الكلب! سأعلمك كيف تسب ~~طائفة هيكل صهيون المقدسة.» وبهذه الكلمات استدار بجواده نصف ~~استدارة، وسدد ضربة مروعة إلى رأس أثيلستان. كان سلاحه حادا ~~للغاية، لدرجة أنه قصم الهراوة التي رفعها الساكسوني لتفادي الضربة، ~~وهوى على رأسه فأسقطه على الأرض. # صاح بوا جيلبرت: «ها! حي على الجهاد! إذن فليكن هذا مصير من ~~يهينون فرسان الهيكل!» ثم صاح عاليا: «فليتبعني كل من يرغب في ~~النجاة لأنفسهم!» واندفع عبر الجسر المتحرك، مفرقا الرماة الذين ~~كانوا يهمون باعتراض طريقه. # | الفصل التاسع والعشرون # كان الخارجون عن القانون كلهم محتشدين حول الشجرة التي اتخذوها ~~موضعا لتجمعهم، حيث كانوا قد أمضوا الليل في إنعاش أنفسهم بعد ~~متاعب الحصار، وفي إحصاء الغنائم التي أصبحت تحت تصرفهم بفضل ~~انتصارهم. # سمع صوت حوافر الجياد، وظهرت الليدي روينا محاطة بعدد من راكبي ~~الجياد ومجموعة تفوقهم عددا من المشاة الذين هزوا بابتهاج ~~رماحهم، وضربوا حرابهم بعضها ببعض فرحا بتحررها. وعندما مالت ~~بجوادها نحو مقعد لوكسلي، قام ذلك الرجل الباسل وجميع أتباعه ~~لاستقبالها. # قالت: «ليبارككم الرب والسيدة العذراء أيها الرجال الشجعان، ~~ويجازكم عن مخاطرتكم بأنفسكم ببسالة من أجل المظلومين! إن جاع أحد ~~منكم فتذكروا أن روينا عندها طعام، وإن عطشتم فإن لديها الكثير من ~~براميل النبيذ والجعة البنية.» # قال لوكسلي: «شكرا لك أيتها السيدة الكريمة. أشكرك بالأصالة عن ~~نفسي وبالنيابة عن رفاقي. ولكن إنقاذك هو في حد ذاته المكافأة.» # انحنت روينا مرة أخرى من فوق جوادها، واستدارت للمغادرة، ولكنها ~~انتظرت للحظة عندما وجدت نفسها على نحو غير متوقع قريبة من الأسير ~~دي براسي. كان واقفا أسفل شجرة في تأمل عميق، وقد عقد ذراعيه أمام ~~صدره، ولكنه رفع بصره، وعندما انتبه لوجودها غمر ملامحه الوسيمة تورد ~~شديد من فرط الخزي. وقف برهة ms127 في تردد شديد، ثم خطا للأمام، وأخذ ~~بزمام جوادها، وثنى ركبته أمامها ، وقال: ~~«هل تتلطف الليدي روينا وتنظر إلى فارس أسير، إلى جندي خسر ~~شرفه؟» # أجابت روينا: «سيدي الفارس، في أعمال كالتي تقوم بها لا تكمن خسارة ~~الشرف الحقيقية في الفشل، بل في النجاح.» # رد دي براسي: «إن الانتصار يا سيدتي يرقق القلب. فقط دعيني أعلم ~~أن السيدة روينا تعفو عن وحشية تسببت فيها عاطفة مشئومة، وأنها ~~ستعلم عما قريب أن دي براسي يعرف كيف يعاملها بطرق أكثر ~~نبلا.» # قالت روينا: «أسامحك يا سيدي الفارس بصفتي مسيحية.» # لوحت روينا بيدها في تحية وداع رشيقة لصاحب شعار القفل، وطلب ~~سيدريك من الله أن يحفظه، ثم ساروا قدما عبر ممر واسع في ~~الغابة. # قال لوكسلي للبطل الأسود: «أيها الفارس الشجاع، هل تتفضل وتأخذ من ~~ذلك القدر من الغنائم ما يرضيك، وكي يذكرك بشجرة التجمع ~~هذه؟» # قال الفارس: «أقبل العرض بالصراحة نفسها التي قدم بها، وأطلب ~~السماح في التصرف في السيد موريس دي براسي كما يحلو لي.» # قال لوكسلي: «إنه ملكك بالفعل، وهو آمن مع أنه قاتل أبي.» # قال الفارس: «يا دي براسي، أنت حر. ارحل؛ فمن أصبحت أسيره يستصغر أن ~~يأخذ ثأرا وضيعا على ما مضى، ولكن احذر من المستقبل، وإلا أصابك ما ~~هو أسوأ. أقول لك يا موريس دي براسي، احذر!» # روينا ودي براسي، بريشة أدولف لالوز. # انحنى دي براسي انحناءة عميقة، وفي صمت أمسك بجواد من زمامه ~~وامتطى السرج، وانطلق مبتعدا بالجواد عبر الغابة. بعدئذ أخذ قائد ~~الخارجين عن القانون من رقبته البوق الثمين وحزام الكتف اللذين كان قد ~~فاز بهما مؤخرا في آشبي. # قال لصاحب شعار القفل: «أيها الفارس النبيل، أرجوك أن تأخذ هذا ~~تذكارا لتصرفك الشجاع. وإن تصادف وواجهتك المشاق في أي غابة بين ~~نهري ترينت وتيز، فانفخ ثلاث نفخات في البوق، هكذا: وا - سا - هوا! ~~ومن المحتمل أن تجد من يساعدك وينقذك.» # ثم نفخ في البوق مرة تلو الأخرى بالنداء الذي وصفه حتى استوعب ~~الفارس النغمات. # قال ms128 الفارس: «شكرا جزيلا على الهدية أيها اليومن الجريء. ولن ~~ألتمس عونا أفضل من عونك وعون من معك من حراس الغابة.» ثم نفخ بدوره ~~في البوق بالنداء الذي وصفه له حتى دوى صداه في جميع أنحاء الغابة ~~الخضراء. # قال اليومن: «نفخ جيد وواضح. أراهن أنك تعرف عن الحراجة بقدر ما ~~تعرف عن الحرب! تذكروا أيها الرفاق هذه النغمات الثلاث. إنها نداء ~~الفارس ذي شعار القفل، وكل من يسمعه ولا يهب لخدمته في حاجته سأطرده ~~من جماعتنا وأجلده بوتر قوسه.» # تقدم لوكسلي في ذلك الحين لتوزيع الغنيمة، وفعل ذلك بنزاهة جديرة ~~بأفضل الثناء. وعندما أخذ كل شخص نصيبه من الغنيمة ظل النصيب ~~المخصص للكنيسة دون أن يوزع. # قال القائد: «وددت لو تمكنا من سماع أنباء عن قسنا المرح؛ فلم ~~يكن قط ليرغب في أن يغيب عن مباركة اللحم أو توزيع الغنائم. وإنه لمن ~~واجبه أن يعتني بهذه العشور التي اكتسبناها من مهمتنا الناجحة. ~~بالإضافة إلى ذلك، فإن لدي أخا مقدسا له سجينا في مكان غير ~~بعيد، وأرغب أن يساعدني الراهب في التعامل معه على النحو اللائق ~~به.» # بينما كان يقول ذلك، أعلنت صيحة عالية بين اليوامنة وصول ~~القس. # صاح الراهب: «أفسحوا يا رجالي المرحين! أفسحوا لأبيكم الروحي ~~ولسجينه.» وشق طريقه عبر الحلقة، حيث بدا في انتصار مهيب، وعصاه ~~الضخمة في يد، وفي اليد الأخرى حبل مشنقة، كان أحد طرفيه مثبتا بعنق ~~تعيس الحظ إيزاك أوف يورك، الذي انحنى في حزن ورعب، وكان القديس ~~المنتصر يسحبه. # قال القائد: «أيها القس الساخر، بحق القديس نيكولاس، من ذا الذي ~~أتيت به إلى هنا؟» # رد كاهن كوبمانهورست: «إنه أسير لسيفي ورمحي أيها القائد النبيل. ~~تكلم أيها اليهودي، ألم أفتدك من الشيطان؟ ألم أعلمك صلاة قانون ~~الإيمان والصلاة الربانية والصلاة المريمية؟» # قال لوكسلي: «أخبرنا أين وجدت أسيرك هذا.» # قال الراهب: «أقسم بالقديس دونستان، إنني وجدته حيث كنت أبحث عن ~~بضاعة أفضل! لقد دخلت إلى القبو لأرى ما يمكن إنقاذه هناك، وكنت ~~ممسكا ببرميل صغير من النبيذ، حين ms129 لمحت بابا قويا. أها! ففكرت: ~~هنا أفضل شراب في السرداب السري. ومن ثم ذهبت إليه، ولم أجد شيئا سوى ~~مجموعة من السلاسل الصدئة وهذا الكلب اليهودي الذي سلم نفسه على ~~الفور أسيرا لي. لم أفعل شيئا سوى أني أنعشت نفسي، بعد تعب العمل مع ~~هذا الكافر، بكأس واحدة رنانة من النبيذ، وشرعت في أن أقود أسيري ~~قدما عندما سمعت جدران برج خارجي تتداعى واحدا تلو الآخر، وسدت ~~الممر. وكان زئير سقوط برج يتبعه زئير آخر؛ ففقدت الأمل في الحياة، ~~ورأيت أن من العار لشخص في مهنتي أن يرحل عن هذا العالم في صحبة يهودي؛ ~~فرفعت بلطتي لأضرب رأسه، ولكني أشفقت على شعره الأشيب، ورأيت أنه من ~~الأفضل أن أضع سلاحي وأستخدم سلاح النقاش الروحي لهدايته. وحقا، ~~ببركة القديس دونستان، غرست الحبة في تربة صالحة؛ اهتدى اليهودي، ~~وهو يفهم كل ما أخبرته به، كله تقريبا، إن لم يكن قد فهمه تماما، حتى ~~إن رأسي قد أصابه الدوار.» # قال القائد: «أهذا صحيح أيها اليهودي؟ هل تخليت عن كفرك؟» # قال اليهودي: «أرجو أن أجد الرحمة في عينيك؛ فأنا لا أعرف كلمة ~~واحدة مما كلمني به الأسقف الموقر طوال هذه الليلة ~~المروعة.» # قال الراهب: «إنك تكذب أيها اليهودي، وتعلم ذلك. لقد وعدت بأن تعطي ~~كل ثروتك لطائفتنا المقدسة.» # قال إيزاك وقد انزعج أكثر من ذي قبل: «فليساعدني بوعد الرب ~~لإبراهيم، أيها السادة العدول، أن شفتي لم تنبسا بمثل هذا القول! وا ~~حسرتاه! إنني رجل مسن معدم، وأخشى أنه ليس لي أبناء. ترفقوا ~~بي، واتركوني أذهب!» # قال الراهب: «كلا، إن كنت ستتراجع عن العهود التي تعهدت بها لصالح ~~الكنيسة المقدسة، فتجب عليك كفارة.» # وهكذا رفع سلاحه، وكاد أن ينزل عصاه بكل قوة على كتفي اليهودي، ~~لولا أن الفارس الأسود أوقف الضربة؛ ومن ثم تحول غضب الكاهن ~~المقدس إليه. # قال: «أقسم بالقديس توماس، قديس كينت، أنني سأتمنطق بعدتي، ~~وأعلمك يا سيدي المحب الكسول ألا تتدخل إلا فيما يعنيك، رغم خوذتك ~~الحديدية هذه.» # قال الفارس: «لا، لا ms130 تغضب مني؛ فأنت تعلم أنني صديقك الحميم ~~ورفيقك.» # قال الراهب وهو يطبق على قبضته الضخمة: «صدقا، يا صديقي، سأمنحك ~~لطمة.» # قال الفارس: «يسعدني أن أتلقى لطمتك على سبيل القرض، ولكنني ~~سأردها لك مع فوائدها. اضرب، أيها الراهب، إن كنت تجرؤ، وسأتحمل ~~ضربتك إن تحملت ضربتي.» # قال رجل الكنيسة: «إنك تتميز عني بذلك الوعاء الحديدي على رأسك، ولكن ~~خذ هذه. سأطرحك أرضا.» # شمر الراهب عن ذراعه المفتول العضلات، ومودعا قوته كلها في ~~الضربة أعطى الفارس لطمة كانت كافية لأن تسقط ثورا، لكن خصمه وقف ~~في ثبات كالصخر. # قال الفارس وهو يخلع قفازه: «الآن أيها القس، إن كانت لدي ميزة على ~~رأسي فلن يكون لي ميزة في يدي. قف ثابتا كرجل حقيقي.» # قال القس: «لقد أدرت خدي للضارب. وإن تمكنت يا رجل من تحريكي من ~~مكاني فسأمنحك فدية اليهودي عن طيب خاطر.» # هوت لطمة الفارس بقوة وعزم جعلا الراهب يتدحرج فوق الأرض المنبسطة ~~رأسا على عقب، لكنه نهض بلا غضب أو خجل. # قال للفارس: «يا أخي، كان ينبغي عليك أن تستخدم قوتك بمزيد من ~~الحذر. ومع ذلك، ها هي يدي، في شهادة ودودة، على أنني لن أتبادل ~~الضربات معك بعد الآن؛ فقد خسرت المقايضة. لننته الآن من كل عداوة، ~~ولنأخذ من اليهودي فدية؛ لأن الفهد سيظل مرقطا، واليهودي سيظل ~~يهوديا.» # | الفصل الثلاثون # قال القائد: «فلتلتزموا الصمت جميعا! وأنت أيها اليهودي، فكر في ~~فديتك، بينما أستجوب أسيرا من نوع آخر. ها قد أتى الحبر الجليل، ~~السليط اللسان كغراب العقعق.» وبين اثنين من اليوامنة، اقتيد صديقنا ~~القديم، رئيس الدير آيمر أوف جورفولكس، إلى أمام عرش قائد الخارجين عن ~~القانون المنصوب في الغابة. # قال مساعد قائد العصابة للقائد، بعد أن تنحى به جانبا: «ألن يكون ~~من الأفضل أن يحدد رئيس الدير فدية اليهودي، ويحدد اليهودي فدية رئيس ~~الدير؟» # قال القائد: «إنك لوغد مجنون، ولكن خطتك رائعة! فلتتقدم إلى ~~الأمام أيها اليهودي، وانظر إلى الأب المقدس آيمر، رئيس دير آبي أوف ~~جورفولكس الغني، وأخبرنا بالفدية التي ms131 علينا أن نفرضها عليه.» # قال إيزاك: «ستمائة كراون، يدفعها رئيس الدير الطيب لرجالك البسلاء ~~الشرفاء، ولن يجلس أقل راحة على مقعده في الدير.» # قال القائد بجدية: «ستمائة كراون، أنا راض بذلك. أحسنت القول يا ~~إيزاك، ستمائة كراون، إنه حكم يا رئيس الدير.» # صاحت العصابة: «حكم! حكم!» # قال رئيس الدير: «إنكم مجانين، يا سادتي، فأين لي أن أجد مبلغا ~~كهذا؟» # قال إيزاك: «إن شئت، يمكنني أن أرسل إلى يورك في طلب ستمائة كراون ~~من بعض الأموال التي في حوزتي، إن كان رئيس الدير الموقر سيعطيني ~~صكا بالدين.» # قال القائد: «سيعطيك كل ما تريد يا إيزاك، وستدفع مال الفدية عن ~~آيمر رئيس الدير، وكذلك عن نفسك.» # قال اليهودي: «عن نفسي! آه، أيها السادة الشجعان، إنني رجل مفلس ~~وفقير، ولا بد أن عصا شحاذ ستكون نصيبي مدى الحياة، لو دفعت لكم ~~خمسمائة كراون.» # رد القائد: «سيحكم رئيس الدير في ذلك الأمر. ما قولك أيها الأب آيمر؟ ~~هل يستطيع اليهودي دفع فدية جيدة؟» # أجاب رئيس الدير: «أيستطيع دفع فدية؟! أليس هو إيزاك أوف يورك، الثري ~~بما يكفي ليفتدي أسرى قبائل بني إسرائيل العشر التي اقتيدت إلى ~~عبودية الآشوريين؟ أقول لكم بصراحة إنكم ستظلمون أنفسكم إن أخذتم منه ~~ما يقل عن ألف كراون بمقدار بنس واحد.» # صاح زعيم الخارجين عن القانون: «إنه حكم! إنه حكم!» # قال اليهودي: «فليكن إله آبائي في عوني! إنني في هذا اليوم بلا ~~أولاد، وستحرمونني من سبل العيش. آه يا ريبيكا! يا ابنة محبوبتي راشيل! ~~ما الذي سأعطيه من أجل أن أعرف إن كنت حية وهربت من يدي ~~النصراني!» # قال أحد الخارجين عن القانون: «أولم تكن ابنتك ذات شعر أسود، وكانت ~~ترتدي خمارا من الحرير المجدول المطرز بالفضة؟» # قال الرجل المسن: «نعم، إنها كذلك! لتحل عليك بركة يعقوب! هل ~~تستطيع أن تخبرني بشيء عن سلامتها؟» # قال اليومن: «كانت هي إذن التي كان فارس الهيكل المتكبر يحملها ~~عندما اخترق صفوفنا مساء أمس.» # رد اليهودي: «إيخابود (اسم عبري معناه «أين المجد؟» أو «لا ms132 مجد»)! ~~إيخابود! قد زال المجد من بيتي!» # قال الزعيم ناظرا حوله: «يا أصدقاء، إن الرجل المسن ليس إلا ~~يهوديا، ولكن حزنه يؤثر في. سنأخذ منك يا إيزاك الفدية نفسها التي ~~سنأخذها من رئيس الدير آيمر، بل أقل منها بمائة كراون، وسيظل معك ~~ستمائة كروان لتفتدي بها ابنتك. إن فرسان الهيكل يحبون بريق ~~الشيكلات الفضية كما يحبون بريق العيون السوداء. أسرع واجعل صوت ~~جلجلة الكروانات يرن في أذن دي بوا جيلبرت قبل أن تسوء الأمور. ~~ستجده، وفقا لتقرير كشافينا، في مركز طائفته القريب.» # أما إيزاك، بعد أن برئ من جزء من هواجسه، بعلمه أن ابنته على قيد ~~الحياة، وقد يكون بوسعه أن يفتديها، فقد ألقى بنفسه عند قدمي الخارج ~~عن القانون الكريم ممرغا لحيته في حذائه، ومحاولا تقبيل طرف ~~عباءته الخضراء. تراجع القائد إلى الوراء، وخلص نفسه من قبضة ~~اليهودي دون أن يخفي بعض علامات الازدراء. # قال: «كلا، اللعنة عليك أيها الرجل، قف! لقد ولدت إنجليزيا، ولا ~~أحب سجود الشرقيين. اسجد للرب وليس لآثم مسكين مثلي.» # قال رئيس الدير آيمر: «أجل أيها اليهودي، اسجد للرب، ممثلا في ~~خادم مذبحه. ومن يدري ما سيحل عليك من نعمة وعلى ابنتك ريبيكا؟ إنني ~~حزين على الفتاة؛ لأنها فتاة حسناء وذات وجه جميل، فلقد رأيتها في ~~ساحة النزال في آشبي. كذلك، فإن براين دي بوا جيلبرت هو أحد الذين ~~يمكنني أن أفعل الكثير من الأمور معه؛ فلتفكر كيف تستحق أن أقول له ~~عنك كلاما طيبا.» # قال اليهودي: «وا أسفاه! وا أسفاه! إن الطامعين يظهرون لي في كل حدب ~~وصوب؛ أنا أقدم كفريسة، كما سقط بنو إسرائيل فريسة في قبضة ~~الآشوريين والمصريين.» # أطلق إيزاك أنينا عميقا، وبدأ يعتصر يديه، ولكن قائد اليوامنة ~~تنحى به جانبا. # قال لوكسلي: «فكر جيدا يا إيزاك فيما ستفعل في هذا الأمر. ونصيحتي ~~لك أن تتخذ من رجل الكنيسة هذا صديقا لك. إنه رجل مختال، يا إيزاك، ~~وطماع؛ على الأقل يحتاج إلى المال ليشبع إسرافه. يمكنك بسهولة أن ~~ترضي جشعه؛ لأنه لا ms133 تظن أنني منخدع بمزاعمك الكاذبة عن ادعائك ~~الفقر. إنني مطلع تمام الاطلاع ، يا إيزاك، على الخزانة الحديدية ~~التي تحتفظ فيها بأكياس نقودك. ماذا! ألا أعلم بالصخرة الكبيرة أسفل ~~شجرة التفاح التي تقود إلى الغرفة المقببة أسفل حديقتك في يورك؟» شحب ~~وجه اليهودي كوجوه الموتى. واستطرد اليومن قائلا: «ولكن لا تخش مني ~~شيئا؛ فكلانا يعرف الآخر منذ وقت طويل. ألا تذكر اليومن المريض ~~الذي خلصته ابنتك الجميلة ريبيكا من الأصفاد في يورك، واستبقيته في ~~منزلك حتى استعاد صحته، وصرفته معافى، وأعطيته قطعة من النقود؟ ومع ~~أنك مراب فإنك لم تمنح قطعة نقود بفائدة أفضل من ذلك المارك الفضي ~~الزهيد؛ فقد وفر عليك اليوم خمسمائة كراون.» # قال إيزاك: «هل أنت إذن من كنا ندعوه ديكون جاذب القوس؟ لطالما ظننت ~~أنني أعرف نبرة صوتك.» # قال القائد: «أنا جاذب القوس، ولوكسلي، ولي اسم حسن آخر إلى جانب ~~كل ذلك.» ~~«ولكنك مخطئ يا جاذب القوس الطيب فيما يخص تلك الغرفة المقببة. ~~أشهد السماء على أنه لا شيء فيها إلا بعض البضائع التي سيسعدني أن ~~أتقاسمها معك؛ مئة ياردة من قماش لينكولن الأخضر لصنع معاطف لرجالك، ~~ومائة عصا من شجر الطقسوس الإسباني لصنع أقواس، ومائة وتر قوس من ~~الحرير قوية ومستديرة وسليمة؛ وسأرسل كل ذلك طلبا لرضاك يا ديكون ~~الشريف، على أن تلتزم الصمت بشأن القبو، يا ديكون الطيب.» # قال الخارج عن القانون: «سألتزم الصمت كالزغبة، وأصدقك القول إنني ~~حزين من أجل ابنتك. فلتأت معي نتنح جانبا، يا رئيس الدير آيمر، ~~أسفل هذه الشجرة. ها هو إيزاك عازم على أن يعطيك حقيبة بها مائة مارك ~~من الفضة، إذا نفعت وساطتك لدى حليفك فارس الهيكل في تحرير ~~ابنته.» # قال اليهودي: «على أن تكون سليمة وشريفة كما أخذت مني، وإلا فلا ~~اتفاق بيننا.» # قال آيمر: «حسنا إذن، أيها اليهودي، بما أنني يجب علي التدخل في ~~هذا الأمر، دعني إذن استخدم ألواح كتابتك، على الرغم من أنني كنت ~~أفضل أن أصوم أربعا وعشرين ساعة على أن أمسك بقلمك، ولكن ms134 أين لي ~~بقلم آخر؟» # قال اليومن: «إن كان ورعك المقدس يمكن أن يمنعك من استخدام ألواح ~~اليهودي، فيمكنني أن أجد لك قلما بديلا.» ثم شد قوسه، وصوب سهمه ~~نحو إوزة برية كانت تحلق فوق رءوسهم كحارس المقدمة لسرب من ~~قبيلتها. فسقط الطير مرفرفا وقد اخترقه السهم. # قال القائد: «ها هو، يا رئيس الدير، ريش يكفي كل نساك جورفولكس ~~طوال السنوات المائة القادمة.» # جلس رئيس الدير، وكتب بتأن شديد رسالة إلى براين بوا جيلبرت، وختم ~~الألواح بعناية، ثم أعطاها لليهودي قائلا: «سيكون هذا جواز مرورك ~~الآمن لمقر تمبلستو، وأغلب ظني أنه سيمكنك من تحرير ابنتك إن دعمته ~~يداك بسخاء بتقديم المنافع والبضائع؛ لأن الفارس الصالح بوا جيلبرت، ~~وثق في قولي جيدا، هو الوحيد في أفراد جماعته الذي لا يفعل شيئا ~~دون مقابل.» # | الفصل الحادي والثلاثون # امتطى إيزاك بغلة كانت هدية من الخارج عن القانون، ومعه اثنان من ~~اليوامنة طوال القامة ليقوما على حراسته وإرشاده، وانطلق بغرض التفاوض ~~على استرداد ابنته نحو مقر تمبلستو، حيث بدا أن صرامة نظام الهيكل ~~المتقشفة الزاهدة لتدريب فرسان الهيكل، التي كان قد حل محلها منذ ~~فترة طويلة إسراف في العبث، قد أعيد إحياؤها تحت عين السيد الأعظم، ~~لوكاس بومانوار، الصارمة. توقف إيزاك عند البوابة ليفكر في كيفية ~~الدخول بطريقة ينال بها العطف. # في تلك الأثناء، كان لوكاس بومانوار يمشي في حديقة صغيرة تابعة ~~للمقر، وخاض نقاشا حزينا وخاصا مع أخ في طائفته. ولم يكن كبير مقر ~~فرسان الهيكل، حيث كانت تلك رتبته، يسير محاذيا للسيد الأعظم، ~~ولكن خلف بومانوار بأقصى مسافة تمكنه من الحديث معه دون الحاجة إلى أن ~~يلتفت إليه برأسه. # قال السيد الأعظم: «كونراد، يا رفيقي العزيز في معاركي وكفاحي، إلى ~~قلبك المخلص وحده أستطيع أن أفضي بأحزاني. يجب علينا أن نرجع ~~أدراجنا ونظهر أننا أبطال الصليب المخلصون، مضحين في سبيل دعوتنا، ~~ليس بدمائنا وأرواحنا فحسب، وليس برغباتنا ورذائلنا فحسب، ولكن براحتنا ~~ودعتنا وبمشاعرنا الطبيعية، وأن نتصرف كرجال مقتنعين بأن كثيرا من ~~المتع التي ms135 قد تكون مشروعة للآخرين محظورة على جندي الهيكل الذي ~~نذر نفسه.» # دخل الحديقة وصيف، وانحنى انحناءة عميقة أمام السيد الأعظم، ووقف ~~صامتا في انتظار إذنه قبل أن يتجرأ بالإفصاح عن المهمة التي جاء من ~~أجلها. # قال السيد الأعظم: «أليس من الملائم أكثر أن نرى داميان هذا يرتدي ~~ثياب التواضع المسيحي، ويظهر صامتا هكذا في احترام أمام رئيسه، مما ~~رأيناه عليه منذ يومين، حين كان الأحمق يرتدي سترة مصبوغة، ويتمايل ~~في وقاحة وتكبر كأي ببغاء؟ تكلم يا داميان، إننا نأذن لك. ما ~~المهمة التي جئت من أجلها؟» # قال الوصيف: «أيها الأب النبيل الموقر، إن يهوديا يقف خارج ~~البوابة، وهو يرجو الحديث مع الأخ براين بوا جيلبرت.» # قال السيد الأعظم: «أحسنت صنعا أن أعلمتني بالأمر.» ثم استدار إلى ~~رفيقه قائلا: «إنه مما يهمنا كثيرا أن نعرف ما يقدم عليه هذا ~~المدعو بوا جيلبرت.» # قال كونراد: «يقال عنه إنه شجاع وباسل.» # قال السيد الأعظم: «وما يقال عنه صحيح، ولكن الأخ براين أتى إلى ~~طائفتنا رجلا مكتئبا وخائب الرجاء. ومنذ ذلك الحين، أصبح دءوبا ~~على إثارة الفتن، ومتذمرا، ودساسا، ومتزعما لأولئك الذين يطعنون ~~في سلطتنا.» ثم استطرد قائلا: «أدخل اليهودي إلى حضرتنا يا ~~داميان.» # غادر الوصيف بإجلال عميق، ورجع في غضون بضع دقائق يقود إيزاك أوف ~~يورك. وعندما أصبح على مسافة ثلاث ياردات، أشار بومانوار بعصاه أنه لا ~~ينبغي أن يقترب أكثر من ذلك. سجد اليهودي على الأرض، وقبلها ~~إجلالا، ثم نهض ووقف أمام فارسي الهيكل ويداه مضمومتان إلى صدره وقد ~~حنى رأسه. # قال السيد الأعظم: «انصرف، يا داميان، ودع أحد الحراس متأهبا في ~~انتظار أي نداء مفاجئ منا، ولا تسمح لأحد بدخول الحديقة حتى ~~نغادرها.» انحنى الوصيف وغادر. واصل العجوز المتغطرس كلامه قائلا: ~~«أيها اليهودي، استمع إلي جيدا. أوجز في إجاباتك عن الأسئلة التي ~~سأطرحها عليك، واجعل كلماتك صادقة؛ لأنه إن نطق لسانك كذبا فسأقتلعه ~~من بين فكيك الكافرين. صمتا أيها الكافر! لا تتحدث بكلمة في ~~حضورنا إلا ردا على أسئلتنا. ما شأنك ms136 مع أخينا براين بوا ~~جيلبرت؟» # لهث إيزاك في رعب وحيرة، ورأى بومانوار جزعه الشديد، فتفضل بأن ~~يعطيه بعض الثقة. # قال: «لا تخف شيئا أيها البائس اليهودي ما دمت تتعامل بصدق في ~~هذا الأمر. أطلب منك مرة أخرى أن أعرف منك شأنك مع براين بوا ~~جيلبرت.» # إيزاك أمام السيد الأعظم، بريشة أدولف لالوز. # قال اليهودي متلعثما: «أنا أحمل رسالة، إذا سمحت أيها الباسل ~~الموقر، إلى ذلك الفارس الصالح، من آيمر رئيس دير آبي أوف ~~جورفولكس.» # قال السيد الأعظم: «ألم أقل لك يا كونراد إن هذه أوقات مشئومة؟ رئيس ~~دير مسيحي يبعث برسالة إلى جندي من جنود الهيكل، ولا يجد رسولا أفضل ~~من يهودي كافر. أعطني الرسالة.» # بيدين مرتعشتين، فتح اليهودي طيات قبعته الأرمنية التي كان قد ~~أودع فيها ألواح رئيس الدير إمعانا في التأمين، وكان على وشك ~~الاقتراب، بيده الممتدة وجسده المنحني، لوضعها في متناول يد ~~مستجوبه المتجهم. # فقال السيد الأعظم: «تراجع، أيها الكلب! أنا لا ألمس الكفار، إلا ~~بالسيف. خذ، يا كونراد، الرسالة من اليهودي، وأعطها لي.» # عندما استلم بومانوار الألواح بهذه الطريقة فحصها من الخارج بعناية، ~~ثم شرع في فك الخيط الذي يؤمن طياتها. قرأ الرسالة بعد ذلك على ~~عجل، وأمارات الدهشة والهلع على وجهه، ثم قرأها مرة أخرى بتدقيق ~~وببطء أكبر، ثم أعطاها لكونراد بيد واحدة ضاربا إياها بالأخرى ضربا ~~خفيفا، صائحا: «ها هي أمور طيبة يكتبها مسيحي لمسيحي آخر، ~~وكلاهما عضو، وعضو ليس بالهين، في طائفة دينية! اقرأها بصوت عال ~~يا كونراد.» ثم وجه كلامه لإيزاك قائلا: «وأنت، انتبه إلى المقصود ~~منها؛ لأننا سنسألك عنه.» # قرأ كونراد الرسالة التي كان نصها: # من آيمر، الذي هو، بالنعمة الإلهية، رئيس الرهبانية ~~السيسترسية بدير جورفولكس، إلى السير براين بوا جيلبرت، مع ~~تمنياتي له بموفور الصحة. فيما يخص حالتنا الحالية أيها ~~الأخ العزيز، فنحن أسرى في يد بعض الرجال الزنادقة الخارجين عن ~~القانون، الذين لم يخشوا أن يسجنوا شخصنا ويطلبوا فدية عنا، ~~كما علمنا أيضا أنك هربت بتلك الساحرة اليهودية الحسناء ms137 التي ~~سحرتك عيناها السوداوان. إننا مبتهجون من كل قلبنا بسلامتك، ~~ولكننا نرجوك أن تحذر من أمر ساحرة إندور الثانية هذه؛ لأننا ~~متأكدون من مصدر خاص من أن معلمك الأكبر، الذي لا يهتم ~~مثال حبة بالوجنات الوردية والعيون السوداء، آت من نورماندي ~~لينغص عليك بهجتك ويقوم سوء فعلك. ولما كان أبوها اليهودي ~~الثري، إيزاك أوف يورك، قد ترجاني أن أكتب رسالة نيابة ~~عنه، فقد أعطيته هذه الرسالة ناصحا إياك بجد، وبتوسل ~~نوعا ما، أن تسلم الفتاة مقابل فدية. # حررت من وكر اللصوص هذا في حوالي ساعة صلاة الصبح، آيمر، ~~رئيس الرهبانية السيسترسية بدير جورفولكس. # قال السيد الأعظم: «ما قولك في هذا يا كونراد؟ وكر اللصوص! إن وكر ~~اللصوص هذا مقام ملائم لرئيس دير كهذا. وريبيكا أوف يورك هذه هي ~~تلميذة ميريام التي سمعت عنها، وستسمع اليهودي يعترف بذلك الآن.» ثم ~~التفت على إيزاك، وقال بصوت عال: «إن ابنتك إذن أسيرة لدى براين بوا ~~جيلبرت، أليس كذلك؟» # قال إيزاك المسكين متلعثما: «أجل أيها السيد الباسل الموقر، ~~وأيا كانت الفدية التي يمكن لرجل مسكين مثلي أن يدفعها مقابل ~~خلاصها ...» # قال السيد الأعظم: «اصمت! لقد مارست ابنتك هذه فن المداواة، أليس ~~كذلك؟» # أجاب اليهودي بمزيد من الثقة: «بلى، أيها السيد الكريم. وكم من فارس ~~ويومن ووصيف وتابع قد بارك الهبة الطيبة التي منحتها إياها ~~السماء.» # واصل كونراد حديثه لليهودي قائلا: «إن ابنتك تعالج المرضى، لا أشك ~~في ذلك، بالكلمات والطلاسم والتمائم، وغيرها من أسرار ~~الكابالا.» # رد إيزاك: «كلا أيها الفارس الشجاع المبجل، ولكن في الأساس بدهان ~~ذي مفعول مذهل.» # قال بومانوار: «من أين لها بهذا السر؟» # أجاب إيزاك بتردد: «لقد أعطته لها ميريام، وهي عقيلة حكيمة من ~~قومنا.» # قال السيد الأعظم: «آه، أيها اليهودي المخادع! ألم يكن من الساحرة ~~ميريام نفسها التي شاع خبر سحرها الشرير في كل أرض مسيحية؟» ثم صاح ~~السيد الأعظم، راشما الصليب على صدره: «إن جسدها قد أحرق على عمود، ~~وصار رمادا تذروه الرياح الأربعة، وليكن ذلك مصيري أنا وطائفتي ms138 إن لم ~~أفعل في تلميذتها ما فعلناه بها وزيادة! سأعلمها كيف تلقي كلمات ~~سحرها وتعاويذها على جنود الهيكل المبارك. هيا، يا داميان، ألق بهذا ~~اليهودي إلى خارج البوابة، وأطلق عليه سهامك واقتله إذا اعترض أو رجع ~~مرة أخرى. أما ابنته، فسنتعامل معها وفقا للقانون المسيحي وما يكفله ~~لنا مقامنا الرفيع.» # وعلى هذا، دفع بإيزاك المسكين إلى الخارج. وفي الوقت نفسه أمر ~~السيد الأعظم بمجيء ألبيرت مالفوازان، رئيس، أو بلغة الطائفة كبير، مقر ~~فرسان الهيكل بتمبلستو، إلى حضرته. # قال السيد الأعظم بنبرة صارمة: «إن في هذا القصر المخصص لأغراض ~~طائفة فرسان الهيكل المقدسة امرأة يهودية، جلبها إلى هنا أخ من ~~ديننا بتواطؤ منك، أيها السيد كبير مقر فرسان الهيكل. لماذا لا ~~تجيب؟» # أجاب المعلم بنبرة فيها تواضع عميق، على الرغم من أنه بسؤاله هذا ~~كان فقط يريد أن يحظى بلحظة لترتيب أفكاره: «هل يؤذن لي ~~بالرد؟» # قال السيد الأعظم: «تكلم، قد أذنا لك. وسأسألك مرة أخرى إذن، ~~كيف رضيت أن يحضر أحد الإخوة ساحرة يهودية إلى هذا المكان المقدس ~~لتلطخه وتدنسه؟» # ردد ألبريت مالفوازان قائلا: «ساحرة يهودية! فلتحرسنا الملائكة ~~الصالحة!» # قال السيد الأعظم بصرامة: «أجل يا أخي، ساحرة يهودية! كما قلت لك. ~~أتجرؤ على إنكار أن ريبيكا هذه، ابنة ذلك المرابي الحقير إيزاك أوف ~~يورك، وتلميذة الساحرة الفاسدة ميريام، هي الآن - أشعر بالعار من مجرد ~~التفكير في الأمر أو التحدث فيه! - تقيم داخل مقرك هذا؟» # أجاب المعلم: «إن حكمتكم أيها الأب الموقر قد كشفت الظلمة عن ~~بصيرتي، ولكم تعجبت من أن فارسا جيدا مثل براين بوا جيلبرت يبدو ~~مفتونا بولع بسحر هذه الأنثى التي لم أستقبلها في هذه الدار إلا لأضع ~~حاجزا بين مودتهما المتنامية. إن كنت قد أثمت باستقبالي لها هنا فقد ~~كان سوء تقدير مني أن ظننت أن بإمكاني أن أضع حدا لحب أخينا ~~المفتون لهذه اليهودية، والذي بدا لي طائشا وغير طبيعي إلى حد أنني لم ~~أستطع إلا أن أرجع سببه إلى مس من الجنون الذي يعالج باللين ms139 لا ~~بالتوبيخ، ولكن بما أن حكمتكم المبجلة قد اكتشفت أن هذه اليهودية ~~الفاسقة ساحرة، فربما يرجع سبب حماقته في التعلق بها بالكامل إلى ~~هذا.» # قال بومانوار: «إنه كذلك! إنه كذلك! وربما يكون أخونا براين بوا ~~جيلبرت في هذا الشأن يستحق الشفقة وليس العقاب الصارم، ولكن فيما ~~يخص هذه الساحرة الدنيئة التي فتنت بسحرها أخا من الهيكل المقدس، ~~فبالتأكيد مصيرها المحتوم هو الموت.» # قال كبير المقر: «ولكن قوانين إنجلترا ...» # قاطعه بومانوار قائلا: «قوانين إنجلترا تسمح لكل قاض وتفرض عليه ~~أن ينفذ العدالة في نطاق سلطته القضائية. وهل يستطيع أحد أن ينكر ~~على السيد الأعظم للهيكل هذه السلطة داخل أحد مقار طائفته؟ كلا! ~~سنحاكم وندين. فلتعدوا قاعة القلعة لمحاكمة الساحرة.» # | الفصل الثاني والثلاثون # كان جرس القلعة الثقيل قد دق معلنا ساعة الظهيرة، عندما سمعت ~~ريبيكا وقع أقدام فوق الدرج الخاص الذي يؤدي إلى مكان حبسها. وقد ~~أعلنت الضجة عن وصول عدة أشخاص؛ ما جعلها تشعر بالفرح بعض الشيء؛ لأنها ~~كانت تخشى من الزيارات المنفردة لبوا جيلبرت العنيف السريع الغضب أكثر ~~من خشيتها لأي شر آخر قد يصيبها. لم يكن باب غرفتها موصدا، ودخل ~~كونراد وكبير المقر مالفوازان، وبصحبتهما أربعة حراس كانوا متشحين ~~بالسواد ويحملون الرماح. # قال المعلم: «يا ابنة العرق الملعون! انهضي واتبعينا.» # قالت ريبيكا: «إلى أين ولم؟» # أجاب كونراد: «أيتها الفتاة، ليس لك أن تسألي، بل عليك أن تطيعي. ~~ومع ذلك، ليكن معلوما لك أنك ستمثلين أمام محكمة السيد الأعظم ~~لطائفتنا المقدسة كي تجيبي عن جرائمك.» # قالت ريبيكا وهي تضم يديها في ورع: «ليتبارك إله إبراهيم! إن اسم ~~أحد القضاة، ولو كان عدوا لقومي، هو حام لي. سأتبعكم طواعية، فقط ~~اسمحوا لي أن ألف خماري حول رأسي.» # نزلوا الدرج بخطوات بطيئة ومهيبة، واجتازوا رواقا طويلا، ومن ~~خلال باب ذي درفتين قابلتين للطي في نهايته دخلوا إلى قاعة كبيرة كان ~~السيد الأعظم قد أقام فيها في ذلك الوقت محكمة عدالته. وبينما كانت ~~ريبيكا تمر عبر الجمع ضمت ذراعيها وأحنت رأسها، ودس أحدهم ms140 ~~قصاصة من الورق في يدها، فأخذتها في غير وعي تقريبا، وظلت ممسكة ~~بها دون أن تتفحص محتواها. # كانت هيئة المحكمة المنعقدة لمحاكمتها تشغل المنصة أو الجزء المرتفع ~~من الطرف الأعلى للقاعة الكبيرة. وعلى مقعد مرتفع أمام المتهمة ~~مباشرة، جلس السيد الأعظم لطائفة فرسان الهيكل في ثوب طويل فضفاض ~~أبيض، ممسكا في يده بعصا سلطته الروحية التي حملت رمز الطائفة. وكان ~~كبار المقار، الذين كان أربعة منهم حاضرين، يشغلون المقاعد الأدنى التي ~~كانت بطريقة ما متراجعة وراء مقعد رئيسهم. أما الفرسان الذين لم ~~يكونوا يتمتعون بمثل هذه الرتبة في الطائفة، فقد جلسوا على مقاعد ~~أدنى، مع الحفاظ على المسافة نفسها من كبار المقار كالتي بين كبار ~~المقار والسيد الأعظم. وخلفهم، ولكن أيضا على المنصة أو الجزء المرتفع ~~من القاعة، وقف وصفاء الطائفة، وكانوا يرتدون ثيابا بيضاء أقل ~~جودة. # أما الجزء المتبقي والأدنى من القاعة، فقد كان ممتلئا بحراس ~~يحملون حرابا، وبخدم آخرين كان الفضول قد اجتذبهم إلى هناك لرؤية ~~السيد الأعظم والساحرة اليهودية في الوقت ذاته. افتتحت جلسة اليوم ~~بإنشاد ترنيمة، وارتأى لوكاس أن الألحان الوقورة لترنيمة «هلم ~~نرنم للرب» هي الأنسب للتمهيد للنصر الوشيك - إذ هكذا كان يعد هذه ~~المحاكمة - على قوى الظلام. # عندما توقفت الأصوات جال السيد الأعظم ببصره ببطء حول الدائرة، ~~ولاحظ أن مقعد أحد كبار المقار كان فارغا. كان براين دي بوا جيلبرت، ~~الذي كان يجلس في ذلك المقعد، قد غادر مكانه، وكان عندئذ يقف بالقرب ~~من الركن القصي لأحد المقاعد التي كان يشغلها رفقاؤه من فرسان الهيكل، ~~باسطا عباءته الطويلة بإحدى يديه، كي يخفي بها وجهه بعض الشيء، ~~بينما كان يمسك في اليد الأخرى بسيفه الذي كان له مقبض على شكل صليب، ~~وكان يرسم ببطء بسنه خطوطا على الأرضية المصنوعة من خشب ~~البلوط. # قال السيد الأعظم بعدما أولاه نظرة شفقة: «رجل تعيس! انظر يا كونراد ~~كيف يضنيه هذا العمل المقدس. انظر كيف لا يمكنه النظر إلينا، ولا ~~يمكنه النظر إليها، ومن يعلم بأي إيعاز من معذبته ms141 ترسم يده خطوط ~~الكابالا هذه على الأرضية؟!» # بعد ذلك رفع المعلم صوته ، وخاطب الجمع. ~~«أيها الرجال المبجلون البسلاء، أيها الفرسان، أيها الرؤساء، ~~الموقرون رفاقنا في هذه الطائفة المقدسة، إخوتي وأبنائي! وأنتم ~~أيضا أيها الوصفاء الطيبو النشأة الأتقياء، الذين تطمحون إلى ارتداء ~~هذا الصليب المقدس! وأنتم كذلك أيها الإخوة المسيحيون من كل الدرجات! ~~لقد استدعينا للمثول أمامنا امرأة يهودية تدعى ريبيكا ابنة إيزاك ~~أوف يورك، وهي امرأة معروفة بأعمال الشعوذة والسحر التي استطاعت بها ~~أن تسوق إلى الجنون، وتسلب عقل، ليس أحد الفلاحين، وإنما أحد ~~الفرسان؛ وليس فارسا علمانيا، وإنما أحد الفرسان الذين نذروا ~~أنفسهم لخدمة الهيكل المقدس؛ وليس فارسا من الرفقاء، ولكنه أحد كبار ~~مقار طائفتنا ذوي الصدارة في الشرف كما في المكانة. إن أخانا براين دي ~~بوا جيلبرت معروف عنه أنه بطل حق وغيور من أبطال الصليب، أتى ~~بالعديد من الأعمال الباسلة التي جرت في الأرض المقدسة. لو قيل لنا ~~إن رجلا كهذا، على هذه الدرجة من الشرف والتبجيل، متخليا فجأة عن ~~شخصيته ونذوره وإخوته وآماله، قد ربط نفسه بفتاة يهودية، وتجول مع ~~هذه الرفيقة المنحطة عبر أماكن منعزلة، ودافع عنها مفضلا إياها ~~على نفسه، وأخيرا أعمته تماما حماقته وسلبته عقله، حتى إنه جلبها إلى ~~أحد مقارنا، فماذا يسعنا أن نقول سوى أن شيطانا خبيثا قد استحوذ ~~على الفارس النبيل، أو أنه قد وقع تحت تأثير بعض التعاويذ السحرية؟ لو ~~كان بإمكاننا أن نفترض غير ذلك، فإن براين دي بوا جيلبرت كان يجب أن ~~يعزل ويطرد من طائفتنا، حتى ولو كان اليد اليمنى والعين اليمنى ~~لها.» # توقف قليلا، وسرت همهمة خفيضة بين الحاضرين الذين كانوا جميعا ~~ينتظرون بقلق ما سيقترحه السيد الأعظم بعد ذلك. # قال: «إن عقاب فارس الهيكل الذي انتهك عمدا قواعد طائفته، يجب ~~بالفعل أن يكون شديدا ومفحما، ولكن إذا كان الشيطان قد فرض بوسائل ~~السحر والتعاويذ سيطرته على الفارس، ربما لأنه نظر بعينيه نظرة ~~عابرة لجمال الفتاة، فإنه أولى بنا إذن أن نرثي لارتداده عن الطريق ms142 ~~القويم لا أن نعاقبه عليه، وبينما نفرض عليه كفارة كهذه قد تنقيه من ~~إثمه فإننا نحول دفة سخطنا بأكملها إلى الأداة المتهمة التي كادت ~~أن تتسبب في سقوطه الكامل. تقدموا إذن وأدلوا بشهادتكم، يا من ~~شهدتم هذه الأفعال التعيسة؛ حتى يمكننا أن نحكم على قدرها ~~ومغزاها.» # استدعي العديد من الشهود لإثبات الخطر الذي عرض بوا جيلبرت نفسه ~~له في محاولته لإنقاذ ريبيكا من القلعة المحترقة، وتجاهله الدفاع عن ~~نفسه لاهتمامه بسلامتها. أصبحت المخاطر التي تغلب عليها بوا جيلبرت، ~~التي كانت عظيمة في حد ذاتها، استثنائية في روايتهم. وبالغوا في وصف ~~إخلاص الفارس للدفاع عن ريبيكا بما فاق الحدود، ليس فقط حدود الرشد، بل ~~حتى حدود الإفراط الجنوني لحماسة الفرسان. # نودي بعد ذلك على كبير مقر ~~تمبلستو كي يصف كيف وصل بوا جيلبرت واليهودية إلى المقر. كان عرض ~~مالفوازان متسما بالحذر بإتقان. ولكن بينما كان يبدو أنه يحاول ~~الحفاظ على مشاعر بوا جيلبرت، فقد كان بين الحين والآخر يلقي ببعض ~~التلميحات التي بدا أنها تستنبط أنه كان تحت تأثير اختلال عقلي مؤقت، ~~لدرجة أنه بدا مفتونا بالفتاة التي جلبها معه. وبتنهدات من الندم ~~صرح كبير المقر بأسفه على أنه أذن لريبيكا وحبيبها بالإقامة داخل ~~جدران المقر، واختتم حديثه بأن قال: «ولكني قدمت دفاعي في اعترافي ~~لأبينا الموقر السيد الأعظم؛ فهو يعلم أن دوافعي لم تكن شريرة على ~~الرغم من أن مسلكي ربما كان شاذا.» # قال بومانوار: «أحسنت القول، أيها الأخ ألبيرت؛ فدوافعك كانت طيبة، ~~ولكن مسلكك كان خاطئا. أما كان من الأفضل، أيها الإخوة، أن نتقصى عن ~~شيء في الحياة السابقة لتلك المرأة وفي محادثاتها، خاصة أننا قد نكتشف ~~ما إذا كانت ممن يستخدمن التعاويذ السحرية والطلاسم.» # كان هيرمان أوف جودالريك أحد كبار المقار الحاضرين، وقد نهض وانحنى ~~للمعلم الأكبر الذي منحه على الفور الإذن بالكلام، فقال: «أود أن ~~أعرف، أيها الأب الموقر، من أخينا الباسل براين دي بوا جيلبرت، قوله ~~في هذه الاتهامات العجيبة.» # قال السيد الأعظم: «سمعت يا براين ms143 دي بوا جيلبرت السؤال الذي يرغب ~~أخونا أوف جودالريك في أن تجيب عنه، وأنا آمرك بأن تجيب عنه.» # أدار بوا جيلبرت رأسه نحو السيد الأعظم عندما خاطبه، وظل ~~صامتا. # قال السيد الأعظم: «لقد استحوذ عليه شيطان أبكم. انصرف أيها ~~الشيطان! تكلم، يا براين دي بوا جيلبرت، أناشدك برمز طائفتنا ~~المقدسة هذا.» # بذل بوا جيلبرت جهدا في كبت ~~ازدرائه وسخطه الجامحين، وأجاب قائلا: «إن براين دي بوا جيلبرت، أيها ~~الأب الموقر، لا يرد على مثل هذه التهم الهوجاء والغامضة. وإن ~~كان ثمة اتهام لشرفه فسيدافع عنه بجسده، وبهذا السيف الذي لطالما ~~حارب به من أجل المسيحية.» # قال السيد الأعظم: «إننا نسامحك يا أخ براين، على الرغم من أن ~~تفاخرك بانتصاراتك الحربية أمامنا ما هو إلا تمجيد لأعمالك الخاصة، ~~وهو نابع من العدو الذي يغرينا بتمجيد عبادتنا. والآن، فليتقدم أمامنا ~~أولئك الذين لديهم شهادة عن حياة هذه المرأة اليهودية ~~ومحادثاتها.» # كان ثمة لغط في الجزء الأدنى من القاعة، وعندما سأل السيد الأعظم ~~عن السبب كان الرد بأن بين الحشد رجلا كان طريح الفراش، وقد أعادت ~~السجينة إلى أطرافه كامل قدرتها بدهان عجيب. # | الفصل الثالث والثلاثون # سحب الفلاح المسكين الذي كان ساكسوني المولد أمام سياج منصة ~~المحكمة. كان من المؤكد أنه لم يشف تماما؛ إذ كان يستند على ~~عكازين وهو يتقدم لأداء الشهادة. وبكراهة شديدة، أدلى بشهادته ~~مصحوبة بدموع غزيرة، ولكنه أقر بأنه منذ سنتين، عندما كان مقيما ~~في يورك، ابتلي فجأة بمرض شديد عندما كان يعمل لدى إيزاك اليهودي ~~الثري في مهنته، وهي النجارة، لدرجة أنه كان غير قادر على النهوض من ~~سريره حتى أعادت له العلاجات التي أعطيت بتعليمات ريبيكا، وخاصة ~~دهان يبعث الدفء وله رائحة كرائحة التوابل، القدرة على استخدام أطرافه ~~على حد ما، وقال الرجل: «وإذا أذنت لي يا صاحب القداسة الكريم، فإني ~~لا يمكنني أن أظن أن الفتاة كانت تقصد إلحاق أذى بي، على الرغم من أن ~~حظها السيئ جعلها يهودية؛ لأنه حتى عندما كنت أستخدم دواءها كنت ms144 أتلو ~~الصلاة الربانية وصلاة قانون الإيمان، ولم يقل جهدها الكريم قط ولو ~~بمثقال ذرة.» # قال السيد الأعظم: «صمتا أيها العبد، واغرب عنا! إنه من الأنسب ~~لحيوانات من أمثالك أن يعبثوا ويلعبوا بالعلاجات الشيطانية، وأن تعمل ~~لدى أبناء الشيطان. هل معك ذلك الدهان الذي تتحدث عنه؟» # أخرج الفلاح، بعد أن تحسس صدره بيد مرتعشة، صندوقا صغيرا، على ~~غطائه بعض الأحرف العبرية، وهو ما اعتبره معظم الحضور دليلا قاطعا ~~على أن الشيطان هو صانعه. وبعد أن رشم بومانوار الصليب على صدره، أخذ ~~الصندوق في يده. ولما كان على علم بمعظم اللغات الشرقية، فقد قرأ ~~بسهولة الشعار المكتوب على الغطاء: «هو ذا قد غلب الأسد ~~الذي من سبط يهوذا.» قال: «إن قوى الشياطين الغريبة هي ~~التي يمكنها أن تحول الكتاب المقدس إلى تجديف على الرب، مازجة ~~السم بطعامنا الضروري! أليس ثمة طبيب هنا يمكنه أن يخبرنا ~~بمكونات هذا الدهان الغامض؟» # ظهر طبيبان، كما ادعيا، وكان أحدهما ناسكا والآخر حلاقا، ~~وأقرا بأنهما لا يعرفان شيئا عن مواده، باستثناء أنهما ذاقا في ~~طعمه المر والحناء، وهما كما اعتقدا من الأعشاب الشرقية. وعندما ~~انتهى هذا الفحص الطبي، طلب الفلاح الساكسوني بتواضع أن يسترد ~~الدواء، ولكن السيد الأعظم عبس بصرامة لدى سماعه الطلب، وقال للرجل ~~المقعد: «ما اسمك يا رجل؟» # أجاب الفلاح: «هيج، ابن سنيل.» # قال السيد الأعظم: «إذن يا هيج يا ابن سنيل، أقول لك أن تكون طريح ~~الفراش أفضل من أن تقبل أن تنتفع بدواء الكفار لتستطيع أن تنهض ~~وتمشي.» # انسحب هيج بن سنيل من بين الحشد، ولكنه لاهتمامه بمصير من أحسنت إليه ~~تباطأ حتى يعرف مصيرها. # في أثناء هذه الفترة من المحاكمة، أمر السيد الأعظم ريبيكا أن تكشف ~~عن وجهها، فتكلمت للمرة الأولى، وأجابت بصبر، ولكن بوقار، قائلة إنه ~~لم يكن من عادة بنات قومها أن يكشفن عن وجوههن عندما يكن وحدهن وسط ~~جمع من الغرباء. بعثت النبرة العذبة لصوتها ونعومة ردها إحساسا ~~بالشفقة والتعاطف لدى الحاضرين، لكن بومانوار كرر أوامره بأنه يتعين ~~على ms145 ضحيته أن تكشف عن وجهها. وكان الحراس على وشك أن يخلعوا عنها ~~نقابها امتثالا لأوامره عندما نهضت واقفة أمام السيد الأعظم، وقالت: ~~«كلا، ولكن من أجل بناتكم.» ثم قالت وهي تستعيد ذاكرتها: «وا أسفاه، ~~ليس لديكم بنات! ولكن من أجل ذكرى أمهاتكم، لا تجعلوني أعامل هكذا في ~~حضرتكم؛ فلا يليق بفتاة أن تنكشف أمام مثل أولئك الخدم الأجلاف.» ~~وأضافت، بنبرة تنم عن الأناة والحزن كادت أن تذيب قلب بومانوار ~~نفسه: «سأطيعك؛ فأنت الأكبر سنا بين قومك، ونزولا على أوامرك ~~سأظهر ملامح وجه فتاة ذات مصير تعس.» # أزاحت نقابها عن وجهها، ونظرت إليهم بملامح يختلط فيها الخجل ~~بالوقار. أثار جمالها الفائق همهمة اندهاش، ولكن شعور هيج بن سنيل كان ~~عميقا عندما أحس بأثر رؤية طلعة من أحسنت إليه. فقال للحراس على ~~باب القاعة: «دعوني أمض، دعوني أمض! فالنظر إليها مرة أخرى قد ~~يقتلني؛ لأنني شاركت في قتلها.» # قالت ريبيكا عندما سمعت صياحه: «صه أيها الرجل المسكين؛ فلم تؤذني ~~بقولك الحقيقة، ولا يمكنك أن تساعدني بالشكوى والعويل. أرجوك، اصمت؛ ~~امض إلى بيتك وانج بنفسك.» # كان الحراس على وشك أن يدفعوا بهيج للخارج شفقة عليه، ولكنه وعدهم ~~بالصمت، وأذن له بأن يبقى. عندئذ، نودي على جنديين، كان أحدهما ~~قد رأى ريبيكا تعالج رجلا جريحا، أحضر معهم إلى قلعة توركويلستون. ~~قال إنها أتت بإشارات معينة فوق الجرح، وكررت بعض الكلمات ~~الغامضة، فانفصل الرأس الحديدي لسهم نشاب مربع الشكل عن الجرح، ~~وتوقف النزيف، والتأم الجرح، وفي غضون ربع الساعة كان الرجل ~~المحتضر يمشي فوق الأسوار، ويساعد الشاهد في إدارة منجنيق أو آلة لقذف ~~الحجارة. من المحتمل أن هذه الأسطورة قد بنيت على حقيقة أن ريبيكا ~~كانت ترعى إيفانهو الجريح في قلعة توركويلستون. أخرج الشاهد من جيبه ~~رأس السهم نفسه الذي استخرج بمعجزة من الجرح طبقا لقصته. ونظرا إلى ~~أن وزن الحديد كان أونصة كاملة فقد أكد تماما على حكايته، رغم ~~كونها من نسج خياله. # كان رفيقه كذلك شاهدا من فوق سور مجاور للمشهد بين ريبيكا ms146 وبراين ~~دي بوا جيلبرت، وذلك عندما كانت على وشك أن تلقي بنفسها من أعلى ~~البرج. وحتى لا يتخلف عن رفيقه فقد صرح هذا الرجل بأنه رأى ريبيكا ~~جاثمة على سور البرج، وهناك اتخذت هيئة بجعة بيضاء كالحليب، وطارت ~~بهذه الهيئة ثلاث مرات حول قلعة توركويلستون، ثم عادت لتستقر فوق ~~البرج، ورجعت مرة أخرى إلى هيئتها الأنثوية. # كان السيد الأعظم قد أخذ الأصوات، ثم سأل ريبيكا بلهجة رسمية عما ~~لديها من أقوال ردا على حكم إدانتها الذي كان على وشك النطق ~~به. # قالت اليهودية الحسناء بصوت ~~مرتجف من أثر الانفعال: «أعي أن طلب رحمتك سيكون أمرا لا طائل منه، ~~كما أنني أعده وضيعا. ولو ذكرت أن علاج المريض والجريح من ديانة ~~أخرى لا يمكن أن يغضب المؤسس المسلم به لعقيدتينا، لكان ذلك غير ~~مجد أيضا! ولو رددت بأن كثيرا من الأقوال التي تفوه بها هؤلاء ~~الرجال ضدي (الذين أرجو أن تعفو عنهم السماء!) مستحيلة، ما نفعني ذلك ~~في شيء؛ لأنك تؤمن بإمكان حدوثها! كما أنني لن أدافع عن نفسي على حساب ~~ظالمي، الذي يقف هناك مستمعا للحكايات الخيالية والتخمينات التي يبدو ~~أنها تحول الطاغية إلى ضحية. فليحكم الرب بيني وبينه! ولكني أفضل ~~أن أستسلم للموت عشر مرات على النحو الذي تشي به رغبتكم تجاهي، على أن ~~أستمع لعبارات التودد والغزل التي ألح علي بها رجل الشيطان هذا، ~~وأنا أسيرته بلا صديق أو مدافع عني، ولكنه على إيمانكم، ومن شأن ~~أقل تأكيد يصدر عنه أن يبطل أشد احتجاجات اليهودية المكروبة ~~جدية؛ ومن ثم فلن أرد له التهمة الموجهة ضدي، ولكني سأحتكم له، ~~أجل يا براين دي بوا جيلبرت، سأحتكم لك، عما إذا لم تكن هذه التهم ~~باطلة، بل مروعة ومفتراة بقدر ما هي قاتلة.» # ساد صمت قصير، وتوجهت العيون كلها إلى براين دي بوا جيلبرت الذي ~~كان صامتا. # قالت: «تكلم إن كنت رجلا؛ إن كنت مسيحيا، تكلم! أستحلفك ~~بالرداء الذي ترتديه، وبالاسم الذي ورثته، وبالفروسية التي تتفاخر بها، ~~وبشرف أمك، وبقبر أبيك ms147 وعظامه؛ أستحلفك أن تجيب عما إذا كانت هذه ~~الأشياء صحيحة.» # قال السيد الأعظم: «أجب عليها يا أخي، إن كان العدو الذي تصارعه ~~سيعطيك القوة.» # في الواقع بدا بوا جيلبرت مضطربا بفعل عواطفه المتصارعة التي كادت ~~أن تجعل ملامح وجهه تتشنج، وفي النهاية أجاب بصوت مرتبك وهو ينظر ~~إلى ريبيكا ويقول: «اللفيفة! اللفيفة!» # قال بومانوار: «أجل، هذه شهادة بالفعل! إن ضحية سحرها لا يمكنه سوى ~~أن يذكر اللفيفة اللعينة التي لا بد أن الطلاسم المكتوبة فيها هي سبب ~~صمته.» # ولكن ريبيكا فسرت الكلمات المنتزعة الصادرة عن بوا جيلبرت ~~تفسيرا آخر، وناظرة إلى قصاصة الرق الذي كانت لا تزال ممسكة بها ~~في يدها، قرأت المكتوب عليها بحروف عربية: «اطلبي محاربا نصيرا!» ~~ثم أتاحت التعليقات المهمهمة، التي سرت بين الجمع على الرد الغريب ~~لبوا جيلبرت، الفرصة لريبيكا كي تفحص اللفيفة ثم تمزقها على الفور ~~دون أن يلاحظها أحد. وعندما توقف الهمس تكلم السيد الأعظم ~~قائلا: ~~«لا يمكنك يا ريبيكا أن تستخلصي أي نفع من شهادة هذا الفارس التعيس؛ ~~لأنه، كما نعي جيدا، ما زال العدو ذا سلطان قوي عليه. ألديك شيء آخر ~~تريدين قوله؟» # قالت ريبيكا: «ما زالت لدي فرصة واحدة للحياة، حتى بمقتضى قوانينك ~~القاسية. لقد كانت حياتي بائسة، بائسة، على الأقل مؤخرا، ولكني لن ~~أتخلى عن هبة الرب، بينما يعطيني وسيلة الدفاع عنها. إنني أنكر ~~هذه التهمة، وأصر على براءتي، وأعلن بطلان هذا الاتهام، وأطالب ~~بامتياز تحديد الحكم عن طريق القتال، وسأظهر ومعي نصيري.» # رد السيد الأعظم: «ومن يا ريبيكا الذي سيشهر رمحه دفاعا عن ساحرة؟ ~~من سيكون نصير اليهودية؟» # ريبيكا والسيد الأعظم، بريشة أدولف لالوز. # قالت ريبيكا: «إن الرب سيبعث لي بطلا؛ فلا يمكن ألا يوجد في ~~إنجلترا البهيجة والمضيافة والكريمة والحرة، حيث الكثيرون مستعدون ~~لتعريض حياتهم للخطر من أجل الشرف، من يقاتل من أجل العدالة، ولكنه ~~يكفيني أن أطالب بتحديد الحكم عن طريق القتال، وها هو عربون التحدي من ~~جانبي.» # خلعت قفازها المطرز من يدها، ورمت به أمام السيد ms148 الأعظم بحركة ~~امتزجت فيها البساطة بالوقار، وأثارت دهشة الجميع وإعجابهم. # قال: «أيتها الفتاة، إن كانت الشفقة التي أشعر بها تجاهك نابعة من ~~أي أعمال شريرة مارستها علي فإن إثمك عظيم، ولكني أفضل أن ~~أظنها أرق مشاعر الطبيعة التي يحزنها أن يصير هذا الجسد الجميل ~~وعاء للهلاك. توبي يا ابنتي، واعترفي بأعمال سحرك، وارجعي عن عقيدتك ~~الشريرة؛ قبلي هذا الرمز المقدس، وكل شأنك سيكون على ما يرام في ~~هذه الحياة وفي الحياة الآخرة. ففي أحد أديرة الراهبات، حيث الأنظمة ~~صارمة، سيكون لديك وقت للصلاة والتوبة السليمة التي لن تندمي عليها. ~~فلتفعلي هذا لتعيشي؛ فماذا فعل لك ناموس موسى حتى تموتي من ~~أجله؟» # قالت ريبيكا: «لقد كان شريعة آبائي التي نزلت بين رعود وعواصف على ~~جبال سيناء وسط السحاب والنيران.» # قال بومانوار: «فليتقدم راعي كنيستنا، ويخبر هذه الكافرة العنيدة ~~...» # قالت ريبيكا بوداعة: «عذرا على المقاطعة؛ فأنا فتاة لا أملك مهارة ~~الجدال في أمر ديني، ولكنني على استعداد لأن أموت من أجله إن كانت هذه ~~هي مشيئة الرب. أرجو أن تجيبني إلى طلبي بنصير يحارب عني.» # قال بومانوار: «أعطوني قفازها. إنه بالفعل رهن ضئيل لغرض مميت! ~~انظري يا ريبيكا، إن قفازك الهش والخفيف هذا مقارنة بقفازاتنا ~~الفولاذية الثقيلة هو مثلك مقارنة بفارس الهيكل؛ لأنك تحديت ~~طائفتنا.» # ردت ريبيكا: «ضع براءتي في الميزان، وسترجح كفة القفاز الحريري ~~على القفاز الحديدي.» ~~«إذن، فأنت مصرة على رفضك الاعتراف بذنبك، وعلى الإقدام على ذلك ~~التحدي الجريء؟» # أجابت ريبيكا: «أصر بالفعل، أيها السيد النبيل.» # قال السيد الأعظم: «فليكن الأمر كذلك إذن، باسم السماء، وليظهر ~~الرب الحق!» # أجاب كبار المقار من حوله قائلين: «آمين.» ودوت الكلمة بين الجمع ~~بأكمله. # | الفصل الرابع والثلاثون # قال بومانوار: «أيها الإخوة، تدركون أننا كنا نستطيع أن نرفض أن ~~تحظى هذه المرأة بميزة الحكم عن طريق المبارزة، ولكن على الرغم من ~~أنها يهودية كافرة فإنها أيضا غريبة، وليس لها من يدافع عنها، ~~وحاشا للرب أن تطلب الاستفادة من قوانيننا المعتدلة ونأبى أن نلبي ~~لها ذلك. ms149 وعلى ذلك فها هي تفاصيل القضية. إن ريبيكا، ابنة إيزاك أوف ~~يورك ، بناء على عدة حالات متكررة ومريبة، موصومة بممارستها للسحر ~~على شخص فارس نبيل من طائفتنا المقدسة، وقد طالبت بالمبارزة ~~لإثبات براءتها. من، برأيكم، أيها الإخوة الموقرون، ينبغي أن نوكل ~~إليه رهن المعركة ونجعله في الوقت نفسه نصيرنا في الميدان؟» # قال كبير المقر جودالريك: «إلى براين دي بوا جيلبرت الذي يخصه ~~الأمر في المقام الأول، علاوة على أنه الأعلم بحقيقة هذا ~~الأمر.» # قال السيد الأعظم: «حقا تقول يا أخي. يا ألبيرت مالفوازان، أعط ~~رهن المعركة هذا إلى براين دي بوا جيلبرت.» واستطرد مخاطبا بوا ~~جيلبرت: «إننا نكلفك، أيها الأخ، أن تخوض معركتك برجولة، ولا ريب في ~~أن القضية العادلة ستنتصر. أما أنت، يا ريبيكا، فانتبهي إلى أننا ~~نمهلك ثلاثة أيام من اليوم كي تجدي نصيرا يحارب عنك.» # ردت ريبيكا: «تلك مهلة قصيرة لغريبة، فضلا عن كونها من ديانة ~~أخرى، أن تجد شخصا ليحارب ويخاطر بحياته وشرفه من أجل قضيتها، في ~~مواجهة فارس معروف عنه أنه جندي مصدق عليه.» # رد السيد الأعظم: «لن نمد المهلة؛ إذ يجب أن يجري النزال في ~~الميدان في حضورنا، وثمة العديد من القضايا ذات الشأن التي تستدعي ~~تدخلنا في اليوم الرابع من الآن.» # قالت ريبيكا: «لتكن مشيئة الرب! إنني أضع ثقتي فيه؛ فهو القادر على ~~أن ينجز في لحظة ما يستغرق عمرا كاملا.» # قال السيد الأعظم: «أحسنت القول يا فتاة، ولكننا نعلم جيدا من ~~يمكنه أن يتمثل في صورة ملاك من نور. لم يبق إلا أن نحدد مكانا ~~مناسبا للنزال، وأيضا لتنفيذ حكم الإعدام إذا دعا الأمر. أين كبير ~~هذا المقر؟» # كان ألبيرت مالفوازان لا يزال ممسكا بقفاز ريبيكا في يده، ويتحدث ~~إلى بوا جيلبرت بجدية شديدة، ولكن بصوت خفيض. # قال السيد الأعظم: «ماذا! ألن يقبل التحدي؟» # قال مالفوازان وهو يخفي القفاز تحت عباءته: «سيقبله. لقد قبله ~~أيها الأب الموقر. وفيما يخص مكان النزال فأرى أن المكان الأنسب هو ~~حلبة القديس جورج التي يمتلكها هذا ms150 المقر، والتي نستخدمها للتدريبات ~~العسكرية.» # قال السيد الأعظم: «حسنا. يا ريبيكا، في هذه الحلبة ستقدمين ~~نصيرك. وإن لم تتمكني من ذلك، أو هزم نصيرك حسب حكم الرب، ~~فستموتين ميتة الساحرات وفقا لحكم القضاء. ليسجل حكمنا هذا ويتلى ~~بصوت عال؛ حتى لا يدعي أحد الجهل به.» # نسخ أحد قسيسين، كانا يقومان بدور كاتبي الجلسة، الأمر على الفور ~~في مجلد صخم. وعندما فرغ من الكتابة تلا الآخر حكم السيد الأعظم ~~بصوت عال، الذي كان نصه: # إن ريبيكا اليهودية، ابنة إيزاك أوف يورك، المتهمة بالسحر ~~وغيره من الممارسات الملعونة، التي مارستها على أحد فرسان ~~طائفة هيكل صهيون الأقدس، تنكر الاتهامات وتقول إن الشهادة ~~التي قدمت ضدها في هذا اليوم باطلة وشريرة وغادرة، وتعرض ~~أن تؤكد قضيتها عن طريق نصير يؤدي واجبه المخلص بكل صفات ~~الفروسية، وبكل الأسلحة التي يتطلبها تحدي النزال، وذلك على أن ~~تتحمل المخاطر والتبعات. وعلى هذا تقدمت بتحديها؛ ومن ثم ~~سمح الأب الموقر والسيد العظيم، لوكاس ماركويس أوف بومانوار، ~~بالتحدي المذكور، وحدد اليوم الثالث للنزال المذكور، على أن ~~يكون مكانه الساحة المعروفة باسم حلبة القديس جورج بالقرب من ~~مقر تمبلستو. وليكن الرب في عون القضية العادلة! # قال السيد الأعظم: «آمين!» وردد كل من كانوا حوله الكلمة. لم تتكلم ~~ريبيكا، وإنما رفعت ناظريها إلى السماء وقد ضمت يديها، وظلت ~~برهة على هذا الوضع، ثم بتواضع ذكرت السيد الأعظم أنه ينبغي أن ~~تمنح فرصة التواصل بحرية مع أصدقائها بغرض تدبر أمر نصير يقاتل من ~~أجلها، إن أمكن. # قال السيد الأعظم: «إن هذا مطلب عادل وقانوني؛ فلتختاري الرسول ~~الذي تثقين فيه، وسيتواصل بحرية معك في غرفة سجنك.» # قالت ريبيكا: «هل من أحد يؤدي المهمة لمخلوقة بائسة، بدافع من حب ~~الخير، أو بأجرة سخية؟» # ساد الصمت، بينما وقفت ريبيكا بضع لحظات في قلق لا يوصف، ثم صاحت: ~~«أحقا هكذا هو الحال؟ أفي أرض إنجليزية أحرم من فرصة النجاة ~~الواهية الباقية لي، للافتقار إلى رحمة تمنح لأعتى المجرمين؟» # أخيرا أجاب هيج بن سنيل قائلا: «سأؤدي ms151 لك مهمتك بقدر ما يستطيع ~~شخص مقعد، ويسعدني أن تقوى أطرافي بما يكفي على إصلاح ما أفسده ~~لساني. وا أسفاه! عندما تباهيت بالخير الذي فعلته لم أكن أتخيل أنني ~~أقودك إلى الخطر.» # قالت ريبيكا: «الرب وحده هو المدبر لكل أمر. وحتى تنفذ رسالته ~~يصبح الحلزون رسولا تماما كالصقر. ابحث عن إيزاك أوف يورك - ها هي ~~القطعة الذهبية التي ستدفع بها أجرة الجواد والرجل - أعطه هذه ~~اللفيفة. لا أعلم إن كانت الروح التي تلهمني من السماء أم لا، ولكني ~~على يقين من أنني لن أموت هذه الميتة، وأن بطلا سينهض للقتال من ~~أجلي. وداعا! إن حياتي وموتي يعتمدان على سرعتك.» # أخذ الفلاح اللفيفة التي لم يكن بها سوى بضعة أسطر باللغة ~~العبرية. # قال: «سآخذ جواد جاري بوثان الجيد، وسأكون في يورك في أقصر وقت يمكن ~~لرجل وحيوان أن يصل فيه إليها.» # ولكن كما شاء القدر، لم يضطر إلى المضي بعيدا هكذا؛ فعلى مسافة ربع ~~ميل من بوابة المقر، قابل رجلين على جوادين عرف من ملبسهما ~~وقبعتيهما الصفراوين الضخمتين أنهما يهوديان. ولما اقترب أكثر منهما ~~اكتشف أن أحدهما كان رب عمله القديم إيزاك أوف يورك. أما الآخر فكان ~~الطبيب الحاخام بن صامويل. # قال ابن صامويل: «من ذلك المسكين التعس المقبل علينا يتوكأ على ~~عكازيه، راغبا، على ما أظن، في الحديث معي؟» # لم يكد إيزاك يلقي نظرة على اللفيفة التي قدمها له هيج حتى صدرت ~~منه أنة عميقة، وسقط عن بغلته كرجل محتضر، وظل مستلقيا للحظات ~~فاقدا لوعيه. ترجل الحاخام عن جواده بفزع شديد، وبسرعة استخدم ~~العلاجات التي يوصي علمه باستخدامها لعلاج صاحبه، ولكن الحياة دبت ~~فجأة في الرجل الذي كان قد أثار قلقه الشديد. # قال: «يا ابنة حزني، كان يجب أن تدعي بن أوني وليس ريبيكا! ~~لماذا يقود موتك بشعري الأشيب إلى القبر، حتى ألعن الرب وأموت، من فرط ~~المرارة التي تعتصر قلبي!» # قال الحاخام في دهشة شديدة: «يا أخي، أتكون أبا في بني إسرائيل ~~وتتلفظ بمثل هذه الكلمات؟ إني واثق من ms152 أن ابنة بيتك لا تزال على قيد ~~الحياة.» # أجاب إيزاك: «إنها على قيد الحياة، ولكنها حياة كحياة دانيال، الذي ~~كان يطلق عليه بيلشاصر، حتى داخل عرين الأسود. إنها أسيرة عند رجال ~~الشيطان هؤلاء، وستحيق بها وحشيتهم غير عابئين بشبابها أو بجمالها. ~~أوه! لقد كانت تاجا من السعف الأخضر لخصلات شعري الأشيب، ولا بد أنها ~~ستذبل في ليلة ما كيقطينة يونان! يا ابنة حبي! يا ابنة شيبي! آه يا ~~ريبيكا، يا ابنة راشيل! لقد أحاط بك ظلام الموت.» # قال الحاخام: «ولكن اقرأ اللفيفة؛ فقد نجد طريقة يمكننا بها ~~تخليصها.» # رد إيزاك: «اقرأها أنت يا أخي؛ فعيناي تنهمران بالدمع كنبع ~~ماء.» # قرأ الطبيب، ولكن بلغتهما الأم، الكلمات الآتية: # على إيزاك، ابن أدونيكام، الذي يسميه غير اليهود إيزاك أوف ~~يورك، سلام أرض الميعاد وبركتها تحل عليك مضاعفة! أبي، لقد ~~حكم علي بالموت بتهمة لا تعرفها روحي، وهي جريمة السحر. يا ~~أبي، إذا أمكن العثور على رجل قوي ليقاتل من أجل قضيتي ~~بالسيف والحربة، وفقا لعادات النصارى، وداخل حلبة تمبلستو، في ~~اليوم الثالث من الآن، فلعل إله آبائنا يعطيه القوة للدفاع عن ~~البريئة التي ليس لها من يساعدها. وعلى ذلك، فلتنظر ما أنت ~~فاعل، وما إذا كان ثمة سبيل للخلاص. يوجد بالفعل محارب ~~نصراني واحد قد يحمل السلاح نيابة عني، هو ويلفريد، ابن ~~سيدريك، الذي يدعوه غير اليهود إيفانهو، ولكنه قد لا يقوى ~~حاليا على حمل ثقل درعه. ومع ذلك، فلترسل بالأنباء إليه يا ~~أبي؛ فإن له حظوة بين الرجال الأقوياء في قومه، وحيث إنه كان ~~رفيقنا في الأسر فقد يجد أحدا ليقاتل من أجلي. قل له، له هو، ~~ويلفريد، ابن سيدريك، إن ريبيكا إن عاشت أو ماتت فستعيش أو ~~تموت بريئة تماما من الذنب المتهمة به. # قال الحاخام: «تشجع؛ فالحزن لا يفيد في شيء. أعد عدتك ~~واذهب بحثا عن ويلفريد بن سيدريك هذا؛ فقد يكون هو من سيساعدك ~~بالمشورة أو بالقوة؛ لأن الشاب لديه حظوة في عيني ريتشارد قلب الأسد ~~الذي ترددت أنباء ms153 عن عودته إلى البلاد. وربما يحصل على رسالة منه، ~~عليها ختمه، يأمر فيها هؤلاء الرجال سفاكي الدماء بأن يحجموا عن ~~أعمالهم الخبيثة التي ينوونها.» # قال إيزاك: «سأبحث عنه؛ لأنه شاب طيب، ويشعر بالشفقة حيال شتات بني ~~يعقوب.» # | الفصل الخامس والثلاثون # في وقت الغسق من اليوم الذي حوكمت فيه ريبيكا، إن صح أن نطلق ~~عليها محاكمة، سمع قرع منخفض على باب محبسها. # قالت: «ادخل إن كنت صديقا، وإن كنت عدوا فلا أملك وسيلة لأرفض ~~دخلوك.» # قال براين دي بوا جيلبرت وهو يدخل الغرفة: «إن ما سيجري في هذه ~~المقابلة هو ما سيجعلني صديقا أو عدوا يا ريبيكا. لا يوجد سبب ~~يدعوك إلى أن تخشيني، أو من باب التحديد في كلامي، ليس لديك الآن على ~~الأقل سبب لتخشيني.» # ردت ريبيكا، على الرغم من أن أنفاسها التي كانت تسحبها ببطء بدت ~~مكذبة للبطولة التي كانت في نبرات صوتها: «أنا لا أخشاك، أيها السيد ~~الفارس؛ فإيماني قوي، ولا أخشاك.» # رد بوا جيلبرت بجدية: «ليس لديك سبب؛ فلن أعود إلى محاولاتي الهوجاء ~~السابقة. يوجد بالقرب منك حراس لا سلطان لي عليهم. إنهم مكلفون بأن ~~يسوقوك إلى الموت يا ريبيكا، ولكنهم لن يسمحوا لأي أحد بأن يؤذيك، ~~حتى لو كنت أنا، ولو دفعني جنوني - لأنه جنون بالفعل - إلى ارتكاب ~~ذلك.» # قالت اليهودية: «شكرا للسماء! إن الموت هو أهون ما أخشاه في عرين ~~الشر هذا.» # رد فارس الهيكل: «صمتا يا فتاة؛ فهذا الحديث لن يفيدك الآن إلا ~~قليلا. لقد حكم عليك بالموت، وهو ليس موتا سريعا أو سهلا كالذي ~~يختاره البائس ويرحب به اليائس، ولكنه سلسلة من العذاب البطيء التعس ~~المطول، الذي يتلاءم مع ما يطلق عليه التعصب الشيطاني الأعمى ~~لهؤلاء الرجال جريمتك.» # قالت ريبيكا: «ولمن، إن كان هذا مصيري، لمن أدين بهذا؟ بالطبع لا ~~أدين إلا له، الذي جاء بي إلى هنا لسبب شديد الأنانية والقسوة، والذي ~~هو الآن لغرض في نفسه غير معلوم يكافح ليبالغ في هذا المصير التعس ~~الذي ساقني إليه.» # قال فارس الهيكل: ms154 «لا تظني أنني سقتك إلى هذا المصير، بل إنني كنت ~~أود أن أحميك بصدري من هذا الخطر عن طيب خاطر، كما عرضته من قبل ~~للسهام، ولولاه لأنهت حياتك.» # قالت اليهودية: «ما غرضك إذن، أيها السيد الفارس؟ تكلم بإيجاز. إن ~~كان لديك ما تفعله، باستثناء أن تشهد البؤس الذي تسببت لي فيه، ~~فلتخبرني به، ثم أرجوك أن تتركني وشأني. إن الخطوة بين الزمن المحدود ~~والحياة الأبدية قصيرة، ولكنها مروعة، وليس متبقيا لي سوى بضع ~~لحظات لأعد نفسي لها.» # قال بوا جيلبرت: «أرى، يا ريبيكا، أنك تواصلين تحميلي مسئولية ما ~~أنت فيه من كرب، وقد كنت شديد الرغبة في منع وقوعه. أكان يمكنني ~~تخمين الوصول غير المتوقع لذلك الشخص الخرف، الذي ارتقت به، في الوقت ~~الحالي، بعض ومضات الشجاعة المجنونة، والثناء الذي أولاه إياه الحمقى، ~~فوق المئات من طائفتنا الذين يفكرون ويشعرون كرجال متحررين من ~~التحيزات السخيفة والحمقاء؟» # قالت ريبيكا: «ومع ذلك فقد دفعت بي إلى المحاكمة، وأنت تعرف أنني ~~بريئة، شديدة البراءة. لقد شاركت في إدانتي، وإن كان ما أفهمه صحيحا ~~فتظهر بنفسك مسلحا للتأكيد على تهمتي وضمان عقابي.» # رد فارس الهيكل: «فلتتحلي بالصبر، أيتها الفتاة. لا يعلم قوم ~~كقومك كيف يسلمون أمرهم للوقت؛ ومن ثم كيف يميلون بأشرعتهم للاستفادة ~~حتى من الرياح المعاكسة.» # قالت ريبيكا: «تعسا لتلك الساعة التي تعلم فيها بنو إسرائيل هذا ~~المسلك! إنها لعنتنا، أيها السيد الفارس، ونحن نستحقها، بلا شك، ~~بأفعالنا الآثمة وبأفعال آبائنا، ولكن ماذا عنك أنت؟ أنت الذي تتفاخر ~~بحريتك كحق اكتسبته منذ مولدك، كم يكون خزيك أشد عندما تنحني ~~لتسترضي أحكام الآخرين المسبقة التي تخالف اعتقادك الشخصي؟» # قال بوا جيلبرت، وهو يذرع الغرفة في نفاد صبر: «إن كلماتك تفيض ~~مرارة، ولكني لم آت إلى هنا لأبادلك اللوم. ولتعلمي أن بوا جيلبرت ~~لا يخضع لمخلوق، ولكن قد تدفعه الظروف إلى تغيير خطته لبعض الوقت. تلك ~~اللفيفة التي نبهتك إلى أن تطلبي نصيرا، ممن تظنين أنها أتت إن لم ~~يكن من بوا جيلبرت؟» # قالت ريبيكا: ms155 «إرجاء قصير للموت العاجل، لن يجديني نفعا إلا ~~قليلا. أكان هذا كل ما استطعت فعله لمن جلبتها بالقرب من حافة ~~القبر؟» # قال بوا جيلبرت: «لا أيتها الفتاة، لم يكن هذا كل ما نويت فعله؛ ~~فلولا التدخل الملعون من ذلك الأخرق المتعصب ومن الأحمق جودالريك، لما ~~وكلت إلي مهمة البطل المدافع، ولما وكلت إلى أحد كبار المقار، ~~بل لأحد المحاربين في الطائفة، ثم كنت - كما كانت نيتي - سأظهر، ~~فور النفخ في البوق، في الحلبة على هيئة نصيرك، متنكرا في الواقع في ~~زي فارس متجول، يسعى للمغامرات ليثبت مهارته في القتال بالدرع ~~والرمح. وبعد ذلك، ليختر بومانوار ليس شخصا واحدا، بل شخصين أو ~~ثلاثة من الإخوة المجتمعين هنا، ولم يكن لدي شك في أنني سأطيح بهم ~~برمحي وحده من فوق سروجهم؛ وبذلك، يا ريبيكا، كانت ستتأكد براءتك، ~~وكنت سأترك لعرفانك بالجميل مكافأتي على نصري.» # قالت ريبيكا: «إن هذا، أيها السيد الفارس، ما هو إلا تفاخر تافه؛ ~~تبجح بما كنت ستفعله لو لم تجد أنه من الأنسب فعل شيء آخر. لقد ~~تلقيت قفازي، وعلى نصيري - إن استطاعت مخلوقة شديدة البؤس مثلي أن ~~تجد لها نصيرا - أن يواجه رمحك في الحلبة، ومع ذلك تتظاهر بأنك صديقي ~~وحامي!» # قال فارس الهيكل بجدية: «سأظل صديقك وحاميك، ولكن فكري في ~~الخطر، أو بالأحرى في العار الذي سيلحق بي، ثم بعد ذلك لا تلوميني إن ~~وضعت شروطي، قبل أن أقدم كل ما اعتبرته عزيزا على نفسي حتى الآن، ~~لإنقاذ حياة فتاة يهودية.» # قالت ريبيكا: «أفصح عما تريد؛ فأنا لا أفهمك.» # قال بوا جيلبرت: «حسنا إذن، سأتحدث بصراحة كما يتحدث تائب إلى ~~أبيه الروحي عندما يجلس على كرسي الاعتراف المخادع. إن لم أظهر في هذه ~~الحلبة، يا ريبيكا، فسأخسر سمعتي ومكانتي، سأخسر نسمة الهواء التي ~~أتنفسها من منخري؛ وأعني بذلك التقدير الذي يكنه لي إخوتي، ~~والآمال التي أعقدها في تولي مقاليد تلك السلطة التي يسيطر عليها ~~الآن الأخرق المتعصب لوكاس دي بومانوار.» ~~«لقد اخترت بين أن تتسبب في سفك ms156 دم امرأة بريئة، وبين تعريض منزلتك ~~الدنيوية وآمالك الفانية للخطر. فما الفائدة من أن نتدبر الأمر معا؟ ~~لقد حسمت اختيارك.» # قال الفارس بنبرة أكثر لطفا، مقتربا منها: «كلا يا ريبيكا، إنني ~~لم أحسم اختياري، كلا. ولتعلمي أن الاختيار راجع إليك أنت. إن ظهرت ~~في الحلبة فسيتعين علي أن أحافظ على سمعتي في السلاح. وإذا ما ~~فعلت ذلك فستموتين محترقة على الوتد، سواء كان لك نصير أم لم ~~يكن؛ لأنه لا يوجد على وجه الأرض فارس تبارى معي في السلاح وكان ~~ندا لي، إلا ريتشارد قلب الأسد وتابعه إيفانهو. وإيفانهو، كما ~~تعلمين جيدا، لا يقدر على تحمل ارتداء درعه، وريتشارد سجين في ~~سجن أجنبي.» # قالت ريبيكا: «وما الفائدة من تكرار هذا القول مرارا ~~وتكرارا؟» # رد فارس الهيكل: «إن فائدته كبيرة؛ إذ يجدر بك أن تتعلمي أن ~~تتأملي مصيرك من كل جانب.» # قالت ريبيكا: «حسنا إذن، فلتدر الستار، ودعني أرى جانبه ~~الآخر.» # قال بوا جيلبرت: «إن ظهرت في حلبة الموت فستموتين موتة بطيئة ~~وقاسية، وبعذاب كالذي يقال إنه كتب على الخاطئين في الآخرة، ولكن إن ~~لم أظهر فسأخسر سمعتي، وسأخسر شرفي، وسأخسر أملي في عظمة لم يحظ بها ~~إلا قليل من الأباطرة. إنني أضحي بطموح هائل.» ثم أضاف، ملقيا ~~بنفسه عند قدميها: «ولكني يا ريبيكا، سأضحي بهذه العظمة، وأتخلى ~~عن هذه الشهرة، وسأتخلى عن هذا السلطان الذي يكاد الآن أن يكون في قبضة ~~يدي، إن قلت: إني أقبلك حبيبا لي، يا بوا جيلبرت.» # قالت ريبيكا: «لا تفكر في مثل هذه الحماقة يا سيدي الفارس، ولكن ~~أسرع بالذهاب إلى الوصي على العرش، والملكة الأم، والأمير جون؛ فلا ~~يمكنهم، حرصا على شرف التاج الإنجليزي، أن يسمحوا بما يفعله سيدكم ~~الأعظم؛ بذلك تكفل لي الحماية دون تضحية من جانبك، أو تذرع بحجة ~~تتطلب مني أي تعويض.» # تابع، وهو يمسك بأهداب ثوبها، قائلا: «أنا لا أتعامل مع هؤلاء، ~~أنت فقط من أخاطبها. وما الذي يمكن أن يجعلك توازنين في اختيارك؟ ~~فكري، إن كنت شريرا فالموت أشد ms157 شرا، والموت هو خصمي.» # قالت ريبيكا: «أنا لا أوازن بين هذه الشرور . كن رجلا، كن ~~مسيحيا! إن كان إيمانكم يوصيكم حقا بتلك الرحمة التي تتظاهر بها ~~ألسنتكم أكثر مما تظهر في فعالكم، فلتنقذني من هذا الموت المروع ~~دون أن تسعى إلى تعويض من شأنه أن يحول شهامتك إلى مقايضة ~~وضيعة.» # نهض فارس الهيكل المتعالي واقفا على قدميه، وقال: «كلا يا فتاة! ~~لن تفرضي شيئا علي هكذا. إن تخليت عن الشهرة الحالية والطموح ~~المستقبلي، فإنني أتخلى عنهما من أجلك، وسنهرب معا.» ثم قال وهو ~~يلطف نبرة صوته من جديد: «اسمعيني يا ريبيكا، إن إنجلترا وأوروبا ~~ليستا هما العالم؛ فثمة آفاق أخرى يمكننا العمل فيها، وتتسع بما ~~يكفي لطموحي. سنذهب إلى فسلطين حيث يعيش كونراد، ماركيز أوف مونتسيرات، ~~صديقي؛ فهو صديق متحرر مثلي من الشكوك الملحة التي تقيد ~~منطقنا الحر الذي ولدنا عليه. سنتحالف حتى مع صلاح الدين؛ أفضل لنا ~~من أن نكابد ازدراء المتعصبين الذين نحتقرهم. ستكونين ملكة يا ~~ريبيكا؛ فعلى جبل الكرمل سننصب العرش الذي سأظفر لك به ببسالتي، ~~وسأمسك بالصولجان بدلا من العصا التي لطالما رغبت فيها.» # قالت ريبيكا: «إنه حلم، بل أضغاث أحلام. وحتى لو كانت حقيقة واقعة ~~فلن يكون لها أثر في نفسي. كفى، فذلك السلطان الذي قد تحظى به لن ~~أشاركك فيه أبدا. لا تضع سعرا لإنقاذي يا سيدي الفارس. لا تبع ~~فعلا من أفعال الشهامة. احم المظلوم من أجل الإحسان، لا من أجل منفعة ~~أنانية. اذهب إلى بلاط عرش إنجلترا، وسيستمع ريتشارد إلى استغاثتي من ~~هؤلاء الرجال القساة.» # قال فارس الهيكل بعنف: «لن يحدث أبدا يا ريبيكا! إن تخليت عن ~~طائفتي فسيكون ذلك من أجلك أنت وحدك. وسيظل لدي طموح إن رفضت ~~حبي. لن أخدع من جميع النواحي. أأحني رأسي لريتشارد؟ أأطلب عطية من ~~ذلك الرجل ذي القلب المتعالي؟ أبدا يا ريبيكا، لن أضع طائفة الهيكل، ~~ممثلة في، عند قدميه. قد أهجر الطائفة، ولكني لن أقلل من شأنها ~~أو أخونها أبدا.» # قالت ريبيكا: «إذن، فليكن ms158 الرب رحيما بي، ما دام عون الإنسان يكاد ~~يكون ميئوسا منه!» # قال فارس الهيكل: «إنه كذلك بالفعل؛ لأنه كما أنك متكبرة فقد وجدت ~~نظيرا لك هو أنا. إذا دخلت الحلبة شاهرا رمحي فلا تظني أن أي ~~اعتبار إنساني سيحول بيني وبين بذل قوتي، ثم فكري في مصيرك؛ أن ~~تموتي الميتة البشعة التي يموتها أعتى المجرمين، أن تحترقي فوق كومة ~~حطب مشتعلة، ولا يبقى من ذلك الجسد الرشيق أثر، يمكننا منه أن نقول ~~إنه عاش وتحرك! يا ريبيكا، ليس من طبيعة المرأة أن تتحمل هذا المشهد. ~~ستذعنين لطلبي.» # ردت اليهودية: «إنك يا بوا جيلبرت لا تعرف قلب المرأة، أو لم يسبق ~~لك أن تحدثت إلا مع أولئك اللواتي فقدن أسمى مشاعرهن. أقول لك يا ~~فارس الهيكل المتكبر: إنك لم تظهر من شجاعتك الصلفة في أشد معاركك ~~ضراوة أكثر مما تظهره المرأة عندما تعاني بسبب عاطفتها أو واجبها. ~~أنا نفسي امرأة، نشأت على أن أكون لينة الجانب، وأخاف بطبيعتي من ~~الخطر ولا أتحمل الألم، ولكن عندما ندخل تلك الحلبات المميتة، أنت ~~لتحارب وأنا لأعاني الألم، أشعر بثقة تامة في داخلي أن شجاعتي ~~تفوق شجاعتك بكثير. وداعا. لن أضيع مزيدا من الكلمات معك؛ فالوقت ~~المتبقي على الأرض لابنة يعقوب يجب أن يقضى في غير ذلك؛ إذ لا بد لها ~~أن تنشد المعزي الذي يصغي دوما لأنات أولئك الذين ينشدونه ~~بإخلاص وصدق.» # قال فارس الهيكل بعد صمت قصير: «أسنفترق إذن هكذا؟ ليت السماء لم ~~تجعلنا نلتقي قط، أو ليتك كنت نبيلة المولد ومسيحية الديانة! كلا، ~~بحق السماء! عندما أنظر إليك، وأفكر أين وكيف نلتقي مرة أخرى، يصل ~~بي الأمر إلى حد أن أتمنى لو كنت واحدا من بني قومك المحتقرين، ~~وأن تتعامل يدي بالسبائك الذهبية والشيكلات وليس بالرمح والدرع، وأن ~~ينحني رأسي أمام كل نبيل تافه، وألا ترعب نظرتي إلا المدين المرتجف ~~والمفلس.» # قالت ريبيكا: «لقد تحدثت عن اليهودي بالصورة التي جعله عليها ~~اضطهاد أمثالك. فلتقرأ التاريخ القديم لشعب الرب، وأخبرني عما إذا كان ms159 ~~أولئك، الذين صنع يهوه مثل تلك المعجزات بأيديهم بين الأمم، كانوا ~~آنذاك شعبا من البخلاء والمرابين! وداعا! إني لا أحسدك على أمجادك ~~التي فزت بها بالدماء، ولا أحسدك على نسلك الهمجي الذي ينحدر من ~~الوثنيين الشماليين، ولا أحسدك على إيمانك الذي هو دائما في فمك، ولكن ~~لا أثر له أبدا في قلبك ولا في فعلك.» # قال بوا جيلبرت: «بحق السماء، إن تعويذة قد أصابتني! أكاد أظن أن ~~ذلك الهيكل العظمي المسلوب العقل نطق بالحق، وأن التردد الذي أشعر به ~~وأنا أفارقك فيه شيء يفوق الطبيعة.» ثم قال مقتربا منها، ولكن ~~باحترام كبير: «أيتها المخلوقة الجميلة! إنك في ريعان الشباب، ~~وبالغة الجمال، ولا تهابين الموت! ومع ذلك فالموت، في خزي وعذاب شديد، ~~هو مصيرك. من ذا الذي لا يذرف الدمع من أجلك؟ إن الدمع الذي لم يعرف ~~سبيلا إلى هذين الجفنين طيلة عشرين عاما أصبح يبللهما عندما أنظر ~~إليك، ولكن لا بد لهذا المصير أن يكون؛ فلا شيء الآن يمكنه أن ينقذ ~~حياتك. أنا وأنت لسنا إلا أداتين عمياوين في يد قدر محتوم لا ~~يقاوم، يسرع بنا إلى الأمام كالسفن الضخمة التي تشق طريقها أمام ~~العاصفة، فيرتطم بعضها ببعض، وهكذا تتحطم. سامحيني إذن، ودعينا نفترق ~~على الأقل كما يفترق الأصدقاء. لقد حاولت عبثا أن أثنيك عن قرارك، ~~وقراري أيضا ثابت كأحكام القدر العنيدة.» # قالت ريبيكا: «هكذا يرمي الرجال مسألة عواطفهم الجامحة على القدر، ~~ولكني أسامحك يا بوا جيلبرت على الرغم من أنك سبب موتي قبل الأوان؛ ~~فثمة أشياء نبيلة تعبر بذهنك القوي، ولكنه كحديقة الكسلان التي تنمو ~~حشائشها وتتضافر لخنق البراعم الجميلة واليانعة.» # قال فارس الهيكل: «أجل؛ فأنا، يا ريبيكا، كما قلت عني، عفوي وجامح. ~~وأنا فخور أنني، بين قطيع من الحمقى الفارغين والمتعصبين الماكرين، ~~احتفظت بالإقدام الفائق الذي يضعني في مكانة أعلى منهم. لقد خضت ~~المعارك منذ ريعان شبابي وإلى الآن، وكانت أهدافي عالية، وكنت ثابتا ~~ولا أحيد في السعي وراءها. وهكذا يجب أن أبقى؛ فخورا وعنيدا وثابتا، ~~وسأثبت للعالم ms160 ذلك، ولكن أتسامحينني يا ريبيكا؟» ~~«برحابة صدر كما لم تسامح ضحية من قبل جلادها.» # قال فارس الهيكل: «وداعا إذن.» وغادر الغرفة. # | الفصل السادس والثلاثون # عندما ترك الفارس الأسود شجرة اجتماع الخارج عن القانون الشهم، شق ~~طريقه مباشرة نحو بيت العبادة المجاور الذي كان يطلق عليه اسم دير ~~القديس بوتولف، حيث كان إيفانهو الجريح قد نقل - بعد الاستيلاء على ~~القلعة - تحت قيادة جيرث المخلص ووامبا الشهم. وفي الصباح التالي، كان ~~الفارس الأسود يستعد للمضي في رحلته، في صحبة المهرج وامبا الذي ~~كان يصحبه كدليله. # قال لإيفانهو: «سنتقابل في كوننجزبيرج، قلعة أثيلستان الراحل؛ إذ إن ~~أباك سيقيم مأدبة الجنازة لقريبه النبيل. أود أن أرى أفراد عشيرتك ~~الساكسونية مجتمعين يا سيد ويلفريد، وأن أوثق الصلات معهم أكثر من ~~ذي قبل. وستقابلني أيضا هناك، وستكون مهمتي أن أصلح بينك وبين ~~أبيك.» # قال إيفانهو: «يا سيدي الفارس ذي القفل، حيث إنه يسعدك أن تعرف ~~بهذا الاسم، إني أخشى أن تكون قد اخترت أحمق ثرثارا ومسببا ~~للمشاكل ليكون دليلك، ولكنه يعرف كل طريق وممر في الغابات كما يعرفها ~~صياد دائم التردد عليها، كما أن الوغد المسكين، كما رأيت في بعض ~~النواحي، صلب في إخلاصه كالفولاذ.» # قال الفارس: «كلا، بما أن لديه موهبة تبيان الطريق، فلن أضيق من ~~رغبته في تسليتي أثناء مسيرنا. وداعا يا ويلفريد الطيب. أوصيك بألا ~~تحاول السفر حتى الغد على الأقل.» # قال ذلك ومد يده لإيفانهو الذي قبلها بشفتيه، واستأذن رئيس الدير ~~في الرحيل، وامتطى جواده ورحل وفي صحبته وامبا. # بينما كانا يسيران على مهل عبر أعماق الغابة، قال وامبا: «أيمكنك ~~أن تفسر لي هذا يا سيدي الفارس؛ متى يكون إبريق النبيذ وكيس نقودك ~~وهما فارغان أفضل منهما وهما ممتلئان؟» # رد الفارس: «عجبا، مطلقا، على ما أظن.» ~~«بسبب إجابتك الشديدة السذاجة هذه لا تستحق أبدا أن يكون أي منهما ~~ممتلئا في يدك! من الأفضل أن تفرغ إبريقك قبل أن تناوله لساكسوني، ~~وأن تترك أموالك في البيت قبل أن تسير في الغابة الخضراء.» # قال ms161 الفارس ذو القفل: «أتعد أصدقاءنا لصوصا إذن؟» # قال وامبا: «إنك لم تسمعني أقول ذلك يا سيدي الطيب؛ فقط أفضل أن ~~تكون درعي في المنزل، وكيس نقودي في غرفتي، عندما أقابل هؤلاء الرجال ~~الطيبين؛ لأن ذلك من شأنه أن يوفر عليهم بعض المتاعب.» ~~«إننا ملزمون أن نصلي من أجلهم يا صديقي، على الرغم من الصفات ~~الطيبة التي تصفهم بها.» # قال وامبا مقتربا من الفارس: «ومع ذلك يوجد رفاق لقاؤهم أخطر ~~بكثير على المسافرين من لقاء أولئك الخارجين على القانون.» # قال الفارس: «ومن يكونون، بما أن ليس لديكم دببة أو ذئاب، على ما ~~أظن؟» # قال وامبا: «أجل يا سيدي، ولكن لدينا جنود مالفوازان، ودعني ~~أخبرك أنه في وقت الحرب الأهلية فعشرة من هؤلاء يعادل عصابة من ~~الذئاب في أي وقت آخر. إنهم الآن ينتظرون حصادهم، وهم معززون بالجنود ~~الذين هربوا من توركويلستون؛ لذلك إن قابلنا عصابة منهم فمن المحتمل ~~أن ندفع ثمن انتصاراتنا الحربية. والآن أسألك يا سيدي الفارس، ماذا ~~ستفعل إن التقينا برجلين منهم؟» ~~«سأثبت الأشرار في الأرض برمحي يا وامبا إن اعترضوا سبيلنا.» ~~«ولكن ماذا لو كانوا أربعة؟» # أجاب الفارس: «سيتجرعون من الكأس نفسها.» # تابع وامبا: «ماذا لو كانوا ستة ونحن على ما نحن عليه الآن، اثنان ~~فقط، ألا تتذكر بوق لوكسلي؟» # صاح الفارس: «ماذا! أأطلق النفير في مواجهة عشرين وغدا كهؤلاء ~~الذين يمكن لفارس جيد واحد أن يسوقهم أمامه كما تسوق الريح أوراق ~~الشجر الذابلة؟» # قال وامبا: «كلا، إذن، أرجوك أن تجعلني ألقي نظرة عن قرب على ذلك ~~البوق ذي النفير القوي.» # فك الفارس إبزيم حزام الكتف، وأعطاه لرفيق سفره الذي علق البوق ~~على الفور حول عنقه. # قال مصفرا بالنغمات: «ترا - ليرا - لا. كلا، إنني أعرف السلم ~~الموسيقي كما يعرفه أي شخص آخر.» # قال الفارس: «ماذا تعني أيها الوغد؟ أعد إلي البوق.» ~~«اطمئن يا سيدي الفارس؛ إنه في يد أمينة. عندما يسافر الباسل ~~والأحمق معا، يجب أن يحمل الأحمق البوق؛ لأنه الأفضل في نفخه.» # قال الفارس الأسود: «كلا أيها ms162 الوغد، هذا يتجاوز صلاحياتك؛ فانتبه ~~ولا تعبث مع صبري.» # قال المهرج وهو يبقي مسافة بينه وبين البطل النافد الصبر: «لا ~~تنذرني بالعنف، يا سيدي الفارس، أو سيرجع الأحمق أدراجه تاركا ~~الباسل يتلمس طريقه عبر الغابة قدر استطاعته.» # قال الفارس: «كلا، لقد أصبتني بتلك، وأقول لك برفق إنه ليس لدي ~~الكثير من الوقت للتناحر معك. فلتحتفظ بالبوق إن أردت، ولكن دعنا نتقدم ~~في رحلتنا.» # قال وامبا: «لن تؤذيني إذن؟» ~~«قلت لك لا أيها الوغد!» ~~«والآن، يرتدي الأحمق البوق، ولينهض الباسل ويهز عرف فرسه؛ حيث ~~إنه، إن لم أكن مخطئا، ثمة رفقة في تلك الأجمة هناك ~~يترقبوننا.» # قال الفارس: «ما الذي جعلك تقرر هذا؟» ~~«لأنني لاحظت مرتين أو ثلاث مرات وميض خوذة من بين أوراق الشجر ~~الخضراء. ولو كانوا رجالا شرفاء لالتزموا بالطريق، ولكن تلك الأجمة ~~هناك ما هي إلا كنيسة صغيرة لرجال الدين التابعين للقديس ~~نيكولاس.» # قال الفارس مغلقا قناع خوذته: «أقسم بإيماني، إنك على ~~حق.» # وما كاد يغلقه حتى طارت ثلاثة سهام دفعة واحدة من الموقع الذي كانا ~~قد ارتابا في أمره ومرت أمام رأسه وصدره، وكاد سهم منها يخترق دماغه ~~لولا أن القناع الفولاذي حول مسارها جانبا. # قال الفارس: «الشكر لصانع الدروع الأمين. وامبا، هيا نشتبك معهم.» ثم ~~انطلق مباشرة نحو الأجمة. قابله ستة أو سبعة رجال مسلحون، ركضوا ~~نحوه برماحهم بكامل سرعتهم. ارتطمت فيه ثلاثة من الأسلحة، وتحولت إلى ~~شظايا دون أن تؤثر فيه، كما لو كانت سددت نحو برج من الفولاذ. وبدت ~~عينا الفارس الأسود وكأنهما تقدحان شررا من خلال فتحة الرؤية في قناع ~~خوذته؛ فانتصب على ركابيه بوقار لا يوصف، وصاح قائلا: «ماذا يعني ~~هذا يا سادة؟!» لم يرد الرجال إلا بأن سحبوا سيوفهم وهاجموه من كل ~~جانب صائحين: «مت أيها الطاغية!» # قال الفارس الأسود وهو يصرع رجلا مع كل ابتهال إلى الرب: «ها! ~~ببركة القديس إدوارد! ها! ببركة القديس جورج! ألدينا خونة ~~هنا؟» # ظهر فارس بدرع أزرق، كان قد ظل حتى تلك اللحظة خلف المهاجمين ms163 ~~الآخرين، واستحث جواده للأمام رافعا رمحه، وصوب نحو هدفه الذي لم ~~يكن راكب الجواد، بل الجواد نفسه، فجرح الحيوان الأصيل جرحا ~~مميتا. # صاح الفارس الأسود والجواد يسقط على الأرض مسقطا راكبه معه: «تلك ~~كانت ضربة غادرة!» # وفي هذه اللحظة نفخ وامبا في البوق، حيث كان كل شيء قد جرى بسرعة، ~~فلم يكن لديه وقت ليفعل ذلك قبلئذ. جعل الصوت المفاجئ القتلة ~~يتراجعون، ولم يتردد وامبا، على الرغم من أنه لم يكن مسلحا بشكل جيد، ~~في الاندفاع ومعاونة الفارس الأسود على النهوض. # صاح الفارس ذو العدة الزرقاء الذي بدا أنه قائد المهاجمين: «عار ~~عليكم، أيها الجبناء المزيفون! أتهربون من نفخة بوق فارغة يطلقها ~~مهرج؟» # استحثتهم كلماته، فهجموا من جديد على الفارس الأسود الذي كان أفضل ~~ملجأ له حينئذ أن يسند ظهره إلى شجرة بلوط، ويدافع عن نفسه ~~بسيفه. كان الفارس الغادر قد أخذ رمحا آخرا، منتظرا اللحظة التي ~~يشتد فيها الضغط على خصمه الضخم، ثم انطلق بفرسه نحوه آملا في أن ~~يثبته برمحه في الشجرة، عندما اعترض وامبا هدفه مرة أخرى؛ حيث حام ~~المهرج حول حدود مكان القتال، وكبح بكفاءة التقدم المروع للفارس ~~الأزرق؛ وذلك بأن قطع أوتار ساق جواده بضربة من سيفه. سقط الجواد ~~والرجل أرضا، ومع ذلك ظل موقف الفارس ذي القفل حرجا للغاية، وعندئذ ~~انطلق فجأة سهم به ريشة إوزة رمادية، فألقى أرضا أحد أكثر ~~مهاجميه ضخامة، واندفعت مجموعة من اليوامنة من الفرجة في الغابة، على ~~رأسهم لوكسلي والراهب المرح، وسرعان ما أجهزوا على الغادرين الذين ~~ارتموا جميعا على الأرض ما بين قتيل أو مجروح جرحا مميتا. شكر ~~الفارس الأسود منقذيه بوقار لم يلاحظوه في سلوكه السابق. # قال: «يعنيني كثيرا، حتى قبل أن أعبر عن امتناني الكامل لأصدقائي ~~الحاضرين، أن أكتشف - إن استطعت - هوية من اعتدوا علي هذا ~~الاعتداء غير المسوغ. وامبا، ارفع قناع ذلك الفارس الأزرق الذي يبدو ~~أنه زعيم هؤلاء الأشرار.» # قال وامبا: «تعال أيها السيد الشرير. يجب أن أكون صانع دروعك كما ~~كنت سائس جوادك. ms164 لقد أنزلتك من فوق جوادك، والآن سأنزع عنك ~~خوذتك.» # وبعد أن قال ذلك، بيد غير رفيقة فك خوذة الفارس الأزرق التي ~~تدحرجت لمسافة على العشب، كاشفة للفارس ذي القفل عن خصلات شعر أشيب، ~~ووجه لم يكن يخطر بباله أن يراه في مثل هذه الظروف. # قال مندهشا: «والديمار فيتزورس! اصدقني القول. اعترف وقل لي من ~~دفعك إلى ارتكاب هذا العمل الغادر.» # أجاب والديمار: «إنه ابن أبيك، الذي لم يكن يهدف من هذا العمل إلا ~~أن ينتقم منك لعصيانك لوالدك.» # برقت عينا الفارس الأسود في غضب، ولكنه تغلب عليه بطبيعته الطيبة. ~~اعتصر جبينه بيده، وظل لحظة يحملق في وجه البارون الذليل الذي كانت ~~ملامحه يختلط فيها الفخر بالعار. # قال: «أنت لا تطلب مني الإبقاء على حياتك، يا والديمار.» # رد فيتزورس: «إن من يقع بين براثن الأسد يعرف أن استجداء الحياة بلا ~~طائل.» ~~«إنني أمنحها لك دون استجداء؛ فالأسد لا يتخذ فرائسه من الجيف ~~العاجزة. أبقي على حياتك، ولكن بهذا الشرط؛ أن تغادر إنجلترا خلال ~~ثلاثة أيام، وتذهب لتخفي عارك في قلعتك النورماندية، وألا تذكر ~~أبدا اسم جون أوف أنجو باعتباره كان ذا صلة بخيانتك. أعط هذا الفارس ~~جوادا يا لوكسلي؛ فإني أرى أن رجالك قد أمسكوا بتلك الجياد التي كانت ~~تجري طليقة، ودعه يغادر دون أن يصيبه أذى.» # رد اليومن: «لولا ظني بأني أستمع لصوت من لا يجب مجادلة أوامره، ~~لأرسلت خلف النذل المتسلل سهما يوفر عليه مشقة رحلة طويلة.» # قال الفارس الأسود: «إنك تحمل قلبا إنجليزيا يا لوكسلي؛ وحسنا ~~رأيت عندما التزمت بطاعة أمري. أنا ريتشارد ملك إنجلترا!» # عندما قيلت هذه الكلمات التي نطقت بنبرة ملكية، انحنى اليوامنة ~~أمامه على الفور، وفي الوقت نفسه قدموا له ولاءهم، وطلبوا العفو عن ~~إساءاتهم. # قال ريتشارد: «انهضوا يا أصدقائي؛ فإن انتهاكاتكم، سواء في الغابة ~~أو في ميدان القتال، قد كفرت عنها الخدمات المخلصة التي قدمتموها ~~لرعاياي المكروبين أمام أسوار توركويلستون، وإنقاذكم لملككم اليوم. ~~انهضوا يا أتباعي، وكونوا رعايا صالحين في المستقبل. وأنت أيها الشجاع ms165 ~~لوكسلي ...» ~~«لا تنادني باسم لوكسلي بعد الآن يا مولاي، ولكن لتعرفني بالاسم ~~الذي أخشى أن تكون شهرته التي بلغت القاصي والداني لم تصل إلى مسامعكم ~~الملكية. أنا روبن هود غابة شيروود.» # | الفصل السابع والثلاثون # إن طريقة الدخول إلى البرج الكبير لقلعة كوننجزبيرج شديدة الغرابة، ~~وتغلب عليها بساطة العصور القديمة التي أنشئت فيها. يوجد درج سحيق ~~وضيق حتى إنه يكاد يكون شديد الانحدار، يؤدي إلى بوابة منخفضة في ~~الجانب الجنوبي من البرج. عبر هذا المدخل، اقتيد الملك الصالح ~~ريتشارد، يتبعه إيفانهو الوفي، إلى الغرفة المستديرة التي تشغل ~~الطابق الثالث بأكمله. حظي ويلفريد، أثناء الصعود الشاق، بالوقت ليغطي ~~وجهه بعباءته؛ إذ كانا قد اتفقا على ألا يظهر نفسه لأبيه حتى يعطيه ~~الملك الإشارة. # كان مجتمعا في هذه الغرفة، حول طاولة كبيرة من خشب البلوط، نحو ~~اثني عشر من أكثر ممثلي العائلات الساكسونية وجاهة في المقاطعات ~~المجاورة. وكان سيدريك الجالس بين مواطنيه يبدو وكأنه يتصرف ~~باعتباره رئيسا للجمع. عند دخول ريتشارد نهض بوقار، ورحب به بالتحية ~~المعتادة: «في صحتك»، رافعا في الوقت نفسه قدحا إلى رأسه. ورد ~~الملك التحية بالكلمات المناسبة: «في صحتك»، ورشف من كأس أعطاها له ~~كبير الخدم، وأدى المجاملة نفسها مع إيفانهو، الذي شرب نخب أبيه في ~~صمت. # وبعد أداء هذه المراسم الاستهلالية نهض سيدريك ومد يده إلى ريتشارد، ~~وقاده إلى كنيسة صغيرة شديدة البساطة، كانت محفورة، إن جاز القول، ~~داخل إحدى الدعامات الخارجية. وأظهر مشعلان بضوئهما الأحمر الدخاني ~~المذبح الحجري البسيط، والصليب المصنوع من المادة نفسها. أمام هذا ~~المذبح وضع نعش، وعلى كلا جانبي النعش ركع ثلاثة قساوسة، يحركون ~~حبات مسابحهم ويتمتمون بصلواتهم. وكي يقوموا بهذه الخدمة دفعت ~~والدة المتوفى رسوما جنائزية كبيرة لدير القديس إدموند. تبع ~~ريتشارد وويلفريد سيدريك إلى داخل غرفة الموتى؛ حيث أشار مرشدهم ~~بطريقة مهيبة نحو نعش أثيلستان الذي مات قبل أوانه، وقد احتذيا حذوه ~~في رشم الصليب في ورع على صدريهما، وتمتما بصلاة قصيرة من أجل خلاص ~~روح الراحل. # بعد أداء هذا العمل الورع ms166 أشار إليهما سيدريك مرة أخرى ليتبعاه، ~~وهو يخطو على الأرضية الحجرية بخطى صامتة. وبعد صعود بضع درجات فتح ~~بحذر شديد باب مصلى صغير كان ملاصقا للكنيسة. ظهرت، في الضوء ~~النافذ من الكوة الضيقة، امرأة جليلة ملامح المظهر، محتفظة وكان ~~وجهها لا يزال محتفظا ببقايا واضحة لجمال باهر. أبرزت ثياب حدادها ~~الطويلة، وخمارها المنسدل من القماش القبرصي الأسود، بياض بشرتها. ~~وأفصحت ملامح وجهها عن الحزن العميق المقترن بالاستسلام. # قال سيدريك بعدما وقف صامتا للحظة، كما لو كان يعطي ريتشارد ~~وويلفريد وقتا ليلقيا نظرة على سيدة القصر: «يا إيديث النبيلة، إن ~~هذين الغريبين الشريفين قد أتيا ليشاطراك أحزانك. وهذا، بالأخص، هو ~~الفارس الباسل الذي قاتل بكل شجاعة لإنقاذ من نحزن عليه ~~اليوم.» # أجابت السيدة: «أشكره على شجاعته، كما أشكره هو ورفيقه على لطفهما ~~الذي أتى بهما إلى هنا لرؤية والدة أثيلستان في ساعة حزنها العميق. ~~أودعهما، أيها القريب الكريم، رعايتك، وإني على ثقة من أنك ستفي بحق ~~ضيافتهما بقدر ما تستطيع هذه الجدران الحزينة.» # انحنى الضيفان بشدة للوالدة الحزينة، وانصرفا مع مرشدهما ~~ومضيفهما. # قادهم درج ملتف آخر إلى غرفة بالمساحة نفسها التي كانوا قد ~~دخلوها أولا، كانت في الواقع تشغل الطابق الذي يعلوهم مباشرة. عندما ~~دخلوا وجدوا أنفسهم في حضرة ما يقرب من عشرين سيدة وفتاة من السلالة ~~الساسكونية الرفيعة الشأن، من بينهم السيدة روينا، وقد انشغلن في تطريز ~~غطاء حريري كبير معد لتغطية نعش أثيلستان، وفي اختيار أكاليل الزهور، ~~كن ينوين استخدامها للغرض الحزين نفسه، من السلال الموضوعة ~~أمامهن. # بدا لسيدريك أن حزن التي هو الوصي عليها أعمق بكثير من حزن أي ~~فتاة أخرى، فرأى لزاما عليه أن يهمس مفسرا الأمر: «لقد كانت العروس ~~المخطوبة للنبيل أثيلستان.» # قادهما بعد ذلك إلى حجرة صغيرة معدة، كما أخبرهما، للإقامة ~~الحصرية للضيوف من ذوي المكانة، وكان على وشك أن ينصرف عندما أمسك ~~الفارس الأسود بيده. # قال: «أرغب في أن أذكرك أيها السيد النبيل أنه عندما تفرقنا ~~آخر مرة، وعدت أن تجيب لي مطلبا مقابل ms167 الخدمة التي قدر لي أن ~~أقدمها إليك.» # قال سيدريك: «مطلبك مجاب قبل أن تذكره أيها الفارس النبيل، ولكن ~~في هذه اللحظة الحزينة ...» # قال الملك: «لقد فكرت في هذا أيضا، ولكن وقتي قصير، كما يبدو لي ~~أنه يجدر بنا، عندما نغلق القبر على النبيل أثيلستان، أن نضع فيه بعض ~~التحامل والآراء المتسرعة.» # قال سيدريك وقد ظهر عليه الغضب، ومقاطعا بدوره الملك: «سيدي الفارس ~~ذا القفل، إنني آمل أن يكون مطلبك متعلقا بشخصك وليس بشخص آخر؛ لأنه ~~عندما يتعلق الأمر بشرف بيتي فإنه من غير الملائم أن يتدخل فيه ~~غريب.» # قال الملك بلين: «وأنا لا أريد أن أتدخل إلا بالقدر الذي تسمح لي ~~به. إنك لم تعرفني حتى الآن إلا بصفتي الفارس الأسود ذا القفل. ~~فلتعرف الآن أنني ريتشارد بلانتاجنت.» # صاح سيدريك متراجعا للوراء بمنتهى الدهشة: «ريتشارد أوف ~~أنجو!» # قال الملك: «كلا أيها النبيل سيدريك، بل ريتشارد ملك إنجلترا! الذي ~~شاغله الأكبر ورغبته الأعمق أن يرى أبناءها متحدين معا. والآن ~~فيما يخص مطلبي، فأنا أطلب منك باعتبارك رجلا يحفظ كلمته، وإلا ~~اعتبرت رجلا خائنا ومخلفا لوعده وجبانا، أن تسامح الفارس الصالح ~~ويلفريد أوف إيفانهو وتشمله بعاطفتك الأبوية. وستقر أن لي في هذا ~~الصلح منفعة، وهي سعادة صديقي، وقمع الشقاق بين رعاياي ~~المخلصين.» # قال سيدريك مشيرا لابنه: «وهذا هو ويلفريد!» # قال إيفانهو منبطحا عند قدمي سيدريك: «أبي! أبي! امنحني ~~عفوك!» # قال سيدريك وهو ينهض به من الأرض: «عفوت عنك يا بني. إن ابن هيرورد ~~يعرف كيف يحفظ كلمته، حتى عندما يعطيها لرجل نورماندي.» وأضاف: «إنك ~~على وشك أن تتكلم، ويمكنني أن أخمن الموضوع. يجب على السيدة روينا أن ~~تتم سنتين من الحداد على زوجها الذي كانت مخطوبة له؛ فكل أسلافنا ~~الساكسونيين سيتبرءون منا لو تطرقنا إلى زواج جديد في وقت مبكر ~~عن ذلك، بل إن شبح أثيلستان ذاته سيندفع من كفنه الدامي ويقف أمامنا ~~ليمنع مثل هذا التدنيس لذكراه.» # بدا وكأن كلمات سيدريك قد أقامت شبحا؛ إذ لم يكد ينطق بها حتى فتح ms168 ~~الباب على مصراعيه، وظهر أثيلستان متشحا بأكفان القبر، ووقف ~~أمامهم في شحوب وإنهاك وأشبه ما يكون بمخلوق بعث من الموت! # قال سيدريك مخاطبا ما بدا أنه شبح صديقه الراحل: «باسم الرب! إن ~~كنت إنسا فانيا فتكلم! أما إن كنت روحا راحلة فلتقل لأي سبب ~~تعاودنا، أو إن كان بوسعي فعل شيء ينزل السكينة على روحك. حيا كنت ~~أم ميتا، تكلم أيها النبيل أثيلستان إلى سيدريك!» # قال الشبح بهدوء شديد: «سأتكلم عندما أستجمع أنفاسي، وعندما تمنحني ~~الوقت. أقلت إنني حي؟ إنني حي كمن يأكل الخبز والماء لثلاثة أيام تبدو ~~وكأنها ثلاثة دهور.» # قال الفارس الأسود: «عجبا، أيها النبيل أثيلستان. لقد رأيتك بنفسي ~~تسقط أرضا على يد فارس الهيكل الشرس عندما كان الهجوم على توركويلستون ~~يوشك على نهايته، وحسبما ظننت، وحسبما روى وامبا، فإن جمجمتك قد ~~شجت حتى أسنانك.» # قال أثيلستان: «لقد أخطأت الظن يا سيدي الفارس، وكذب وامبا. وعلى ~~الرغم من ذلك فلا فضل لفارس الهيكل الذي استدار سيفه في يده فضربني ~~النصل بالجهة غير الحادة، وتمكنت من تلقي الضربة بيد عصاي الجيدة. ~~لقد فقدت الوعي بالفعل، ولكني لم أجرح. وسقط آخرون من كلا طرفي ~~القتال أرضا، وذبحوا فوقي؛ ومن ثم لم أعد إلى وعيي حتى وجدت نفسي ~~في كفن (كان مفتوحا لحسن حظي) موضوع أمام مذبح كنيسة القديس إدموند. ~~عطست عطسات متكررة، وأصدرت بعض الأنات، واستفقت، وكدت أنهض عندما ~~جاء حافظ غرفة المقدسات ورئيس الدير يجريان في غاية الرعب على إثر ~~الضجة مذهولين، بلا شك، وبالطبع ساءهما أن يجدا الرجل الذي كانا قد ~~افترضا أنهما سيصبحان من ورثته حيا. طلبت نبيذا، فأعطياني بعضا ~~منه، ولكن لا بد أنه كان به كثير من المخدر؛ لأنني نمت بعمق أكثر ~~حتى من ذي قبل، ولم أستيقظ إلا بعد ساعات طويلة؛ فوجدت ذراعي، وكذلك ~~قدمي، محكمة الوثاق، حتى إن كاحلي يؤلماني بمجرد تذكر ~~الأمر، وكان المكان حالك الظلمة. لا بد أنني كنت سأظل هناك لولا ~~بعض الضجة في الدير التي اكتشفت أنها من موكبهم ms169 إلى هنا ليتناولوا ~~طعام مأدبة جنازتي، بينما يعلمون تمام العلم كيف وأين دفنت حيا، ~~وخرجوا محتشدين كخروج النحل من خليته. ومع ذلك ذهبوا، وانتظرت الطعام ~~طويلا. ولا عجب في أن حافظ غرفة المقدسات المصاب بالنقرس كان شديد ~~الانشغال بطعامه على أن ينتبه لطعامي. وأخيرا، أقبل علي، وترك لي ~~قطعة من الفطير وقنينة من النبيذ. أكلت وشربت وكنت قد انتعشت عندما، ~~في إضافة لحظي السعيد، أقفل حافظ غرفة المقدسات، الذي كان ثملا ~~للغاية فلم يتمكن من أداء واجبه كسجان على الوجه الملائم، الباب ~~دون أن يحكم إغلاقه؛ ومن ثم أصبح الباب مواربا. أثار الضوء ~~والطعام والنبيذ قدرتي على الابتكار، وكان المشبك المثبتة فيه أغلالي ~~صدئا أكثر مما ظننت. لما وجدت نفسي قد تحررت منه، تحاملت على نفسي ~~صاعدا الدرج بقدر ما يمكن لرجل مثقل بالأغلال وهزيل بفعل الصوم، ~~وجئت إلى هنا بأقصى سرعة، وكان كل من يمر علي من رجل أو طفل يفر ~~من أمامي حيثما ذهبت، معتبرا إياي شبحا، خاصة أنني، حتى لا يعرفني ~~أحد، كنت قد سحبت غطاء رأس الجثة فوق وجهي. ولم أكشف عن هويتي إلا ~~لأمي، قبل أن آتي بحثا عنك، يا صديقي النبيل.» # قال سيدريك: «وها قد وجدتني مستعدا لاستكمال مشاريعنا الباسلة من ~~أجل الشرف والحرية. وأقول لك إنه لن يحل فجر أسعد من فجر غد لخلاص ~~العرق الساكسوني النبيل.» # قال أثيلستان: «لا تحدثني عن خلاص أي أحد؛ فيكفيني أنني خلصت ~~نفسي.» # قال سيدريك: «يا للعار أيها النبيل أثيلستان! أخبر هذا الأمير ~~النورماندي، ريتشارد أوف أنجو، أنه بقلب أسد كقلبه لن يحصل بلا نزاع ~~على عرش ألفريد ما دام لا يزال رجل من نسل المعترف المقدس على قيد ~~الحياة لينازعه عليه.» # قال أثيلستان: «ماذا! أهذا هو الملك النبيل ريتشارد؟» # قال سيدريك: «إنه ريتشارد بلانتاجنت نفسه، ولكني لست بحاجة إلى أن ~~أذكرك أنه بقدومه إلى هنا ضيفا حر الإرادة لا يمكن أن يلحق ~~به أذى، ولا أن يتحفظ عليه أسيرا. وأنت تعلم جيدا واجبك نحوه ~~كمضيفه.» # قال ms170 أثيلستان: «أجل، بحق إيماني! وكذلك واجبي كأحد رعاياه؛ لأنني هنا ~~أقدم له ولائي بقلبي ويدي.» # قال سيدريك: «فكر في حرية إنجلترا أيها الأمير المنحل!» # قال أثيلستان: «كف عن توبيخك لي؛ فالخبز والماء والسجن محطمات ~~هائلة للطموح، ولقد قمت من القبر رجلا أكثر حكمة مما كنت عندما ~~نزلت إليه.» # قال سيدريك: «وفيما يخص روينا التي تحت وصايتي آمل أنك لا تنوي أن ~~تتركها.» # قال أثيلستان: «فلتكن حصيفا يا أبي سيدريك. إن الليدي روينا لا ~~تهتم لأمري؛ فهي تحب الإصبع الصغيرة لقفاز قريبي ويلفريد أكثر من ~~شخصي كله. هيا يا ابن العم ويلفريد أوف إيفانهو؛ فأنا أتنازل وأتراجع ~~من أجلك. يا إلهي! بحق القديس دونستان، لقد اختفى ابن عمنا ويلفريد! ~~ولكن ما لم تكن عيناي لا يزال بهما عشى من أثر الصيام الذي عانيته، ~~فقد رأيته منذ قليل واقفا هناك.» # عندئذ نظر الجميع حولهم باحثين عن إيفانهو، ولكنه كان قد اختفى. ~~وأخيرا اكتشف أن يهوديا كان يبحث عنه، وأنه بعد محادثة شديدة ~~القصر بينهما طلب جيرث ودرعه، وغادر القلعة. # كان الملك ريتشارد قد رحل هو الآخر، ولا يعلم أحد إلى أين. وأخيرا ~~عرفوا أنه كان قد أسرع إلى فناء القلعة، واستدعى اليهودي الذي كان قد ~~تحدث مع إيفانهو للمثول في حضرته، وبعد حديث معه دام للحظات طلب ~~بلهجة عنيفة جوادا، وألقى بنفسه فوق صهوته، وألزم اليهودي بامتطاء ~~آخر، وانطلقا بسرعة وصفها وامبا بأنها جعلت عنق اليهودي لا يساوي ~~بنسا واحدا. # | الفصل الثامن والثلاثون # يعود بنا المشهد الآن إلى خارج القلعة، أو إلى مقر فرسان الهيكل، ~~مقر تمبلستو، حيث كانت الساعة التي يحدد فيها الحظ حياة ريبيكا أو ~~موتها قد أشرفت. كان مشهدا يفيض صخبا وحياة، كما لو أن ساكني ~~المنطقة المجاورة بأكملها قد تدفقوا على احتفال قروي أو عيد ريفي. ~~نصب عرش للسيد الأعظم في الطرف الشرقي لساحة المطاعنة، تحيط به ~~مقاعد مميزة لكبار الطائفة وفرسانها. وفي الطرف المقابل من ساحة ~~النزال، كانت ثمة كومة من حزم الحطب، مرتبة بعناية حول وتد ms171 ~~مثبت بعمق في الأرض، بحيث تترك مساحة للضحية التي كانت معدة ~~لإحراقها للدخول في نطاق دائرة الموت؛ كي توثق في الوتد بالأغلال ~~التي كانت معلقة بالفعل لذلك الغرض. # وأخيرا، سقط الجسر المعلق، وفتحت البوابات، وخرج من القلعة ~~فارس يحمل علما كبيرا للطائفة، يسبقه ستة من حملة الأبواق، ~~ويتبعه كبار الفرسان في أزواج. وأخيرا أتى السيد الأعظم ممتطيا ~~جوادا مهيبا مجهزا بأبسط العتاد، وجاء خلفه براين دي بوا جيلبرت ~~مسلحا من رأسه إلى أخمص قدميه بدروع لامعة، ولكن دون رمحه أو ~~ترسه أو سيفه، التي كان يحملها وصيفاه من خلفه. # بعد هؤلاء، جاءت حامية من الحراس مترجلة، وكان وجه المتهمة ~~الشاحب يبدو من بين عصيهم وهي تسير بخطوة بطيئة، ولكنها رابطة ~~الجأش، نحو موقع تقرير مصيرها. كانت ثيابها الشرقية قد استبدل بها ~~ثوب أبيض خشن شديد البساطة. ومع ذلك كان في نظرتها مزيج بديع من ~~الشجاعة والخضوع، حتى إنها في هذا الثوب الرديء، ومن دون أي حلية ~~باستثناء ضفائر شعرها الطويلة السوداء، أبكت جميع العيون التي نظرت ~~إليها. # سيقت ريبيكا التعسة إلى الكرسي الأسود الموضوع بالقرب من الكومة. ~~وفي نظرتها الأولى للبقعة المروعة، حيث كانت تجري التجهيزات لميتة ~~ترعب الذهن وتؤلم الجسد على حد سواء، لوحظ أنها ارتجفت وأغلقت ~~عينيها، وكانت بلا شك تصلي في سرها؛ لأن شفتيها كانتا تتحركان على ~~الرغم من عدم سماع صوت منهما. بعد لحظات فتحت عينيها، ونظرت مليا ~~إلى الكومة كما لو كانت تريد أن يألفها ذهنها، ثم أشاحت برأسها ببطء ~~وتلقائية. # وفي تلك الأثناء، كان السيد الأعظم قد جلس على مقعده، ثم تقدم ~~للأمام مالفوازان، الذي كان يؤدي مهمة عراب البطل، ووضع قفاز ~~اليهودية الذي كان رهن المعركة عند قدمي السيد الأعظم. # قال: «أيها السيد الشجاع والأب الموقر، هنا يقف الفارس الصالح ~~براين دي بوا جيلبرت، أحد كبار فرسان طائفة الهيكل، والذي بقبوله رهن ~~المعركة الذي أضعه الآن عند قدميكم الجليلتين أصبح لزاما عليه أن ~~يؤدي واجبه في النزال في هذا اليوم؛ كي يؤكد على ms172 أن هذه الفتاة ~~اليهودية التي تدعى ريبيكا قد استحقت بعدل الحكم الصادر بحقها في ~~مجلس عام لهذه الطائفة المقدسة.» # أمر السيد الأعظم المنادي أن يتقدم ويؤدي واجبه؛ ومن ثم صدحت ~~أصوات الأبواق، وتقدم أحد المنادين خطوة للأمام معلنا بصوت ~~عال: «أنصتوا، أنصتوا، أنصتوا. هنا يقف الفارس الصالح السيد براين ~~دي بوا جيلبرت جاهزا لقتال أي فارس من دم حر، يدعم النزاع المسموح ~~والمخصص لليهودية ريبيكا.» # قال السيد الأعظم: «لم يظهر أي فارس نصير لمقدمة الطعن في الحكم. ~~اذهب أيها المنادي، واسألها عما إذا كانت تنتظر قدوم أي أحد للقتال من ~~أجلها في سبيل قضيتها هذه.» ذهب المنادي إلى الكرسي الذي كانت تجلس ~~عليه ريبيكا، وفجأة أدار بوا جيلبرت رأس جواده نحو طرف ساحة النزال، ~~فأصبح بجانب كرسي ريبيكا بمجرد وصول المنادي إليها. # تحدث المنادي مع ريبيكا بهذه الكلمات: «يا أيتها الفتاة، إن السيد ~~الأعظم المبجل والموقر يسألك عما إذا كنت قد أعددت نصيرا ليخوض ~~معركة هذا اليوم بالنيابة عنك، أم أنك مذعنة للحكم باعتبارك مدينة ~~بحكم عادل مستحق؟» # ردت ريبيكا: «قل للسيد الأعظم إني أصر على براءتي، ولا أقر ~~بأنني قد حكم علي بالعدل، وإلا أكون قد أجرمت في حق دمي. قل له ~~إنني أتمسك بالمهلة التي ستسمح بها عادات محاكمته لأرى إن كان الرب، ~~الذي يفتح أبواب الفرج لمن هو في محنة، سيبعث لي منقذا. وعندما تمر ~~تلك المهلة القصوى المسموح بها فلتكن إذن مشيئته المقدسة!» انصرف ~~المنادي ليحمل هذه الإجابة إلى السيد الأعظم. # قال لوكاس بومانوار: «حاشا للرب أن يتهمنا يهودي أو وثني بالظلم! ~~سننتظر حتى تسقط الظلال من الغرب إلى الشرق؛ لنرى ما إذا كان سيظهر ~~نصير لهذه المرأة التعسة. وعندما يمر النهار فلتستعد ~~للموت.» # نقل المنادي كلمات السيد الأعظم إلى ريبيكا، التي أحنت رأسها في ~~خضوع، وضمت ذراعيها، ورفعت ناظريها إلى السماء، فبدت وكأنها ~~تتوقع أن يأتيها ذلك العون من السماء؛ إذ لم تعد قادرة على أن ~~تمني نفسها بأن يأتيها من بشر. وخلال هذا التوقف ms173 المرعب، سمعت صوت ~~بوا جيلبرت في أذنيها، ولم يكن سوى همسة، لكنه أجفلها أكثر مما يبدو ~~أن صيحات المنادي قد فعلت. # قال فارس الهيكل: «ريبيكا، أتسمعينني؟» # قالت الفتاة التعسة: «لا شأن لي بك، أيها الرجل الفظ القاسي ~~القلب.» # قال فارس الهيكل: «أجل، ولكن أتفهمين كلماتي؟ لأن نبرة صوتي مرعبة ~~في أذني أنا نفسي. إنني لا أعلم على أي أرض نحن، ولا لأي غرض جلبونا ~~إلى هنا. هذه الساحة المحاطة بالأسوار وذلك الكرسي وهذه الحزم من ~~الحطب، أعرف الغرض منها، ولكنها تبدو لي شيئا غير حقيقي.» # ردت ريبيكا: «إن ذهني وحواسي متصلان من ناحية الشعور والزمن، ~~وكلاهما يقول لي إن حزم الحطب هذه مجهزة لتحرق جسدي الأرضي، وتفتح ~~ممرا مؤلما ولكنه قصير إلى عالم أفضل.» # قال فارس الهيكل: «اسمعيني يا ريبيكا، إن لديك فرصة أفضل في الحياة ~~والحرية من التي يحلم بها أولئك الأوغاد وذلك الخرف. امتطي جوادي ~~خلفي. فوق زامور، الجواد الشهم الذي لم يخذل راكبه قط، وفي ساعة واحدة ~~قصيرة، نكون قد خلفنا وراءنا بمسافة طويلة أي مطاردين ~~ومستجوبين؛ لينفتح أمامك عالم جديد من السعادة، وأمامي مسار جديد ~~من الشهرة. لينطقوا بالحكم الذي أزدريه، ويمحوا اسم بوا جيلبرت من ~~قائمة عبيد الدير! سأغسل بالدماء أي وصمة قد يجرءون على إلقائها على ~~شعار نبالتي.» # قالت ريبيكا: «اغرب عن وجهي، يا فارس الهيكل! لن تستطيع في هذه ~~اللحظة الأخيرة أن تزحزحني قيد أنملة عن مثواي. ومع أني محاطة ~~بأعداء فإني أعدك أسوأهم وأكثرهم قسوة. انصرف بحق اسم ~~الرب!» # كان ألبيرت مالفوازان منتبها لطول مدة حديثهما، ونفد صبره فتقدم ~~لمقاطعته. # سأل بوا جيلبرت: «هل اعترفت الفتاة بذنبها، أم أنها مصرة على ~~إنكارها؟» # قال بوا جيلبرت: «إنها مصرة كل الإصرار.» # قال مالفوازان: «إذن، عليك أيها الأخ النبيل أن ترجع إلى مكانك ~~لتستمع إلى القرار المتخذ. تعال أيها الشجاع بوا جيلبرت.» # قال ذلك ووضع يده على لجام جواد الفارس كما لو أنه يقوده ليرجع إلى ~~موقعه. # ريبيكا على الوتد، بريشة أدولف لالوز. # قال السير ms174 براين غاضبا: «أيها النذل المخادع، ما الذي تعنيه بوضع ~~يدك على لجام جوادي؟» ثم انتزع يد رفيقه، وقاد الجواد راجعا إلى الطرف ~~العلوي من ساحة النزال. # في ذلك الوقت كان قد مر على وجود القضاة في ساحة النزال ساعتان، ~~منتظرين عبثا ظهور نصير. # ومع ذلك، كان الاعتقاد العام أنه لا يمكن لأحد أن يظهر من أجل ~~يهودية متهمة بالسحر، وتهامس الفرسان فيما بينهم بأنه قد حان الوقت ~~لإعلان أن تحدي ريبيكا قد سقط. في تلك اللحظة ظهر على السهل فارس ~~يستحث جواده على الإسراع، متقدما نحو ساحة النزال. صاحت مئات ~~الأصوات: «نصير! نصير!» وهتف الحشد بينما كان الفارس يدخل راكبا جواده ~~إلى ساحة المطاعنة، لكن النظرة الثانية إليه بددت الأمل الذي كان ~~قد بعثه ظهوره في الوقت المناسب؛ فقد بدا جواده، الذي كان قد استحثه ~~للعدو عدة أميال بأقصى سرعة، مترنحا من التعب، وكان الراكب يبدو، ~~سواء بسبب الضعف أو الإعياء أو كليهما، غير قادر على أن يثبت على ~~السرج. # وعندما استدعاه المنادي الذي طلب معرفة رتبته واسمه وغرضه، أجاب ~~الفارس الغريب في الحال وبجرأة قائلا: «أنا فارس طيب ونبيل، جئت إلى ~~هنا لأساند برمحي وسيفي هذه الفتاة ريبيكا ابنة إيزاك أوف يورك في هذا ~~النزاع العادل والشرعي، ولكي أبين أن الحكم الذي صدر ضدها باطل وكاذب، ~~ولكي أتحدى السير براين دي بوا جيلبرت بصفته خائنا وقاتلا وكاذبا، ~~كما سأثبت في هذا الميدان بجسدي في مواجهة جسده، بعون الرب وسيدتنا ~~العذراء وسيدنا القديس جورج الفارس الصالح.» # قال مالفوازان: «يجب أن يظهر الغريب أولا أنه فارس جيد ومن نسب ~~شريف؛ فالهيكل لا يدفع بأبطاله في مواجهة رجال مجهولين.» # قال الفارس رافعا عنه خوذته: «إن اسمي، يا مالفوازان، أشهر من ~~اسمك، ونسبي أنقى من نسبك. أنا ويلفريد أوف إيفانهو.» # قال فارس الهيكل وقد تغير صوته وأصبح مكتوما: «لن أدخل في نزاع ~~معك الآن. فلتعالج جروحك ولتتزود بجواد أفضل، وحينئذ قد أرى أنه ~~يليق بي أن أعاقبك وأستأصل منك روح التبجح الصبيانية هذه.» ms175 # قال إيفانهو: «ها! يا فارس الهيكل المتكبر، أنسيت أنك قد سقطت ~~مرتين أمام هذا الرمح؟ تذكر ساحة النزال في عكا، وتذكر مهرجان ~~السلاح في آشبي، وتذكر تبجحك المتعالي في ردهات روثيروود، ورهان ~~سلسلتك الذهبية مقابل صندوق ذخائري، ولا تنس أنك ستقاتل ويلفريد أوف ~~إيفانهو وتستعيد شرفك الضائع! بحق صندوق الذخائر هذا والأثر المقدس ~~الذي يحتوي عليه، سأعلن يا فارس الهيكل في كل بلاط في أوروبا، وفي كل ~~مقر من مقرات طائفتك، أنك جبان، إلا إذا قاتلتني دونما مزيد من ~~إبطاء.» # أدار بوا جيلبرت وجهه في تردد نحو ريبيكا، ثم صاح ناظرا بغضب إلى ~~إيفانهو: «أيها الكلب الساكسوني! خذ رمحك واستعد للموت الذي جلبته ~~لنفسك!» # قال إيفانهو: «هل يسمح لي السيد الأعظم بالقتال؟» # قال السيد الأعظم: «لا يمكنني أن أنكر عليك تحديك، شريطة أن ~~تقبلك الفتاة نصيرا لها. غير أنني كنت أود أن تكون في حالة أفضل ~~للقتال. لقد كنت دوما عدوا لطائفتنا، ومع ذلك أود أن تواجه ~~بشرف.» # قال إيفانهو: «هكذا، هكذا بالحال التي أنا عليها، ولا أملك أن أكون ~~غير هذا؛ فهذا هو حكم الرب، وفي رعايته أستودع نفسي.» ثم قال ماضيا ~~على صهوة جواده إلى الكرسي المشئوم: «يا ريبيكا، هل تقبلين بي نصيرا ~~لك؟» # قالت باضطراب لم يتمكن الخوف من الموت أن يصيبها به: «أقبل. أقبل بك ~~نصيري الذي أرسلته لي السماء، ولكن كلا، كلا؛ فإن جراحك لم تشف. لا ~~تواجه هذا الرجل المتكبر. لماذا تهلك أنت أيضا؟» # ولكن إيفانهو كان بالفعل قد اتخذ موقعه، وأغلق قناع خوذته، وأمسك ~~برمحه. فعل بوا جيلبرت مثلما فعل. ولاحظ وصيفه وهو يغلق قناع خوذته ~~أن وجهه الذي كان شاحبا كالرماد طوال النهار على الرغم من ~~الانفعالات التي كانت قد أثارته، فجأة أصبح حينئذ شديد ~~النضارة. # ثم بعدما رأى المنادي أن كل محارب قد اتخذ مكانه، رفع صوته وكرر ~~ثلاث مرات بالفرنسية: «قوما بواجبيكما، أيها الفارسان الباسلان!» أما ~~السيد الأعظم الذي كان يمسك في يده قفاز ريبيكا، رمز التحدي للقتال، ~~فقد ألقاه ms176 في ساحة النزال، ونطق كلمة إيذان بدء القتال الرهيبة: ~~«هيا!» # نفخ في الأبواق، وهجم كل فارس على الآخر بأقصى سرعته. سقط جواد ~~إيفانهو المتعب، وراكبه الذي لا يقل عنه إرهاقا، سقطا أرضا، كما ~~توقع الجميع، أمام رمح فارس الهيكل المصوب جيدا وجواده القوي. ~~كان الجميع قد تكهنوا بنتيجة القتال، ولكن على الرغم من أن حربة ~~إيفانهو، بالمقارنة، لم تفعل شيئا سوى أنها لمست ترس بوا جيلبرت، فإن ~~ذلك المحارب ترنح على سرجه، وأفلتت قدماه من ركابيه، وسقط على ~~أرض ساحة النزال؛ مما أذهل جميع من رأوا الأمر. # سرعان ما انتصب إيفانهو واقفا على قدميه بعدما حرر نفسه من جواده ~~الساقط، عامدا بسيفه إلى إصلاح حظه، لكن خصمه لم ينهض، فوضع ~~ويلفريد قدمه على صدره، وذؤابة سيفه على عنقه، آمرا إياه أن يستسلم أو ~~يموت على الفور، ولكن بوا جيلبرت لم يجبه. # صاح السيد الأعظم: «لا تقتله، أيها السيد الفارس، وهو لم يعترف ولم ~~يبرأ من ذنبه. لا تقتله جسدا وروحا! إننا نسلم بهزيمته.» # نزل إلى ساحة النزال، وأمر بأن يخلعوا عن المحارب المهزوم خوذته. ~~كانت عيناه مغلقتين، وكانت جبهته لا تزال متوردة بحمرة قانية. ~~وبينما كانوا ينظرون إليه في ذهول فتحت عيناه، ولكنهما كانتا ~~ثابتتين ولامعتين. ذهب التورد عن جبينه، وحل محله شحوب الموت. لم ~~يكن قد أصيب بأذى من رمح عدوه، ولكنه مات ضحية لعنف عواطفه ~~المتنازعة. # قال السيد الأعظم ناظرا لأعلى: «إن هذا حقا هو قضاء الرب.» وأضاف ~~باللاتينية: «فلتكن مشيئتك!» # | الفصل التاسع والثلاثون # بعد وقت قصير من القتال الفاصل، استدعي سيدريك الساكسوني إلى بلاط ~~ريتشارد الذي كان في ذلك الوقت قائما في يورك؛ بغرض تهدئة المقاطعات ~~التي كان طموح أخيه قد أحل فيها الاضطراب. أبدى سيدريك استياءه وغضبه ~~الشديد أكثر من مرة من الرسالة، ولكنه لم يرفض أن يطيع. الواقع، أن ~~عودة ريتشارد كانت قد أخمدت كل أمل كان يمني به نفسه في إعادة إحدى ~~السلالات الساكسونية إلى عرش إنجلترا. كان مقته لملوك العرق ~~النورماندي قد تقوض ms177 لسببين؛ أولهما: إدراكه استحالة تخليص إنجلترا من ~~السلالة الحاكمة الجديدة. والثاني: الاهتمام الشخصي الذي أولاه إياه ~~الملك ريتشارد الذي سره أسلوب سيدريك الصريح، الذي قبل أن يقضي سبعة ~~أيام ضيفا في البلاط كان قد حصل على موافقته على زواج وصيته روينا ~~وابنه ويلفريد أوف إيفانهو. # احتفل بزفاف بطلنا، بعد موافقة والده عليه رسميا، في أكثر الكنائس ~~مهابة، وهي كاتدرائية يورك النبيلة. # وفي صبيحة اليوم التالي لهذا العرس السعيد، علمت الليدي روينا من ~~وصيفتها إلجيثا أن فتاة تطلب الإذن بالمثول في حضرتها، وتلتمس أن يكون ~~حديثهما دون شهود. تعجبت روينا وترددت وأصابها الفضول، وانتهت إلى ~~أن أمرت بالسماح للفتاة بالدخول وبانصراف خدمها. # دخلت، وكانت ذات مظهر نبيل ومهيب، وكان خمارها الطويل الأبيض الذي ~~كانت تتغطى به يحدد بهاء مظهرها وفخامته بدلا من أن يخفيهما. ~~اتسم سلوكها بالاحترام غير الممتزج بأدنى ظل من الخوف أو الرغبة في ~~الاسترضاء، ولكن بمجرد انصراف إلجيثا بخطوات متثاقلة ممانعة، ~~فوجئت الليدي إيفانهو بزائرتها الحسناء تركع على إحدى ركبتيها، وتضغط ~~بيديها على جبهتها، وتحني رأسها إلى الأرض، وعلى الرغم من مقاومة ~~روينا قبلت الفتاة طرف ثوبها المطرز. # قالت العروس المندهشة: «ماذا تعنين بهذا يا سيدتي؟ أو لماذا تقدمين ~~لي احتراما غير معتاد كهذا؟» # قالت ريبيكا وهي تنهض وتستعيد وقارها الهادئ المعتاد: «لأنني بذلك ~~يا ليدي إيفانهو قد أرد، بطريقة مشروعة ودون تعنيف من أحد، دين ~~العرفان الذي أنا مدينة به لويلفريد أوف إيفانهو. إنني، ولتسامحيني ~~على جرأتي في إظهاري لاحترامك كما نفعل في بلدي، أنا اليهودية ~~التعيسة التي خاطر زوجك بحياته من أجلها في مواجهة تلك المخاطر ~~المروعة في ساحة مطاعنة تمبلستو.» # قالت روينا: «يا فتاة، إن ما فعله ويلفريد أوف إيفانهو في ذلك اليوم ~~لم يكن إلا ردا لجزء بسيط من رعايتك غير المنقطعة له عندما كان ~~جريحا ومبتلى. أخبريني، هل من شيء يمكنني أنا أو هو أن نقدمه ~~لك؟» # قالت ريبيكا بهدوء: «لا شيء سوى أن تنقلي له تحية وداعي المفعمة ~~بامتناني.» # قالت روينا وهي ms178 لا تزال مندهشة من هذه الزيارة غير العادية: ~~«أسترحلين عن إنجلترا إذن ؟» ~~«أجل، سأرحل يا سيدتي قبل أن يعاود هذا القمر الظهور مرة أخرى. إن ~~لأبي أخا ينعم بعطف محمد أبي عبد الله، ملك غرناطة، وسنذهب إلى هناك ~~واثقين من أننا سننال الأمن والحماية مقابل دفع الجزية التي يأخذها ~~المسلمون من قومنا.» # قالت روينا: «ألا تجدون تلك الحماية في إنجلترا؟ إن لزوجي حظوة لدى ~~الملك، والملك نفسه عادل وكريم.» # قالت روينا: «لا أشك في ذلك يا سيدتي، ولكن أهل إنجلترا عرق عنيف، ~~دائمو التناحر مع جيرانهم أو فيما بينهم، وهم على استعداد لإغماد ~~السيوف في أحشاء بعضهم بعضا؛ وهذا ليس مقاما آمنا لبني ~~قومي.» # قالت روينا: «ولكن أؤكد لك، يا فتاة، أن ليس ثمة ما تخشين.» ثم ~~استطردت وهي تنهض في حماسة: «فمن طببت إيفانهو في سرير مرضه لا يمكن ~~أن تخشى شيئا في إنجلترا، حيث سيتنافس الساكسونيون والنورمانديون على ~~من يكرمها أفضل تكريم.» # قالت ريبيكا: «حديثك جميل يا سيدتي، وأجمل منه مقصدك، لكنه لن ~~يكون؛ فثمة هوة بيننا يحظر على كلينا اجتيازها بسبب نشأة كل ~~منا وإيمانه. وداعا، ولكن قبل أن أذهب أرجو أن تجيبي لي مطلبا ~~واحدا. خمار العروس المعلق يخفي وجهك، فهل ترفعينه وتسمحين لي ~~برؤية ملامحك التي يتحدث عن جمالها الجميع.» # قالت روينا: «إنها لا تكاد تستحق النظر إليها، ولكني أزيل نقابي ~~متوقعة المثل من زائرتي.» # وهكذا خلعته، ولإدراكها لجمالها من ناحية ولخجلها من ناحية أخرى ~~احمر وجهها بشدة، حتى كسا لون قرمزي وجنتيها وجبينها وعنقها ~~وصدرها. # قالت ريبيكا: «إن الوجه الذي أظهرته لي يا سيدتي سيظل طويلا عالقا ~~في ذاكرتي. سأتذكر ملامحك طويلا، وحمدا للرب على أنني أترك منقذي ~~النبيل في رباط مع ...» # توقفت فجأة، واغرورقت عيناها بالدمع، وسرعان ما مسحتهما، وأجابت ~~عن تساؤلات روينا القلقة قائلة: «إنني بخير يا سيدتي، بخير، ولكن ~~الألم يعتصر قلبي عندما أتذكر توركويلستون وساحة نزال تمبلستو. ~~وداعا. يتبقى علي فعل شيء واحد، هو أتفه جزء من واجبي. اقبلي مني ms179 ~~علبة المجوهرات هذه، ولا تفزعي مما فيها.» # فتحت روينا علبة المجوهرات الصغيرة المطعمة بالفضة، ورأت قلادة ~~أو عقدا، وقرطين من الماس، كان من الواضح أنها ذات قيمة ~~عظيمة. # قالت وهي تعيد إليها العلبة: «هذا مستحيل. لا أجرؤ على قبول هدية ~~بمثل هذه القيمة.» # ردت ريبيكا: «ولكن احتفظي بها يا سيدتي؛ فأنت تملكين السلطان ~~والمكانة والسيادة والتأثير، ونحن لدينا الثروة، مصدر قوتنا وضعفنا ~~في الوقت نفسه. وقيمة هذه الألعاب، وعشرة أمثالها، لن يعادل تأثيرها ~~نصف تأثير أبسط أمانيك. اقبليها يا سيدتي؛ فلا قيمة لها عندي؛ فلن ~~أرتدي حليا بعد اليوم.» # قالت روينا مذهولة من الطريقة التي قالت بها ريبيكا كلماتها ~~الأخيرة: «أنت حزينة إذن! أوه، ابقي معنا؛ فإن نصح الرجال المقدسين ~~سيحولك عن شريعتك الخاطئة، وسأكون أختا لك.» # ردت ريبيكا بالهدوء الحزين نفسه الذي ساد صوتها الناعم وملامحها ~~الجميلة: «كلا يا سيدتي، هذا لن يكون؛ فأنا لن أغير دين آبائي. إن ~~الذي سأهب له قادم حياتي سيكون سلوتي إن أطعت مشيئته.» # سألت روينا: «ألديكم إذن أديرة تنوين أن تعتكفي في أحدها؟» # قالت اليهودية: «كلا يا سيدتي، ولكن بين قومنا، منذ زمن إبراهيم وإلى ~~الآن، نساء كرسن أفكارهن للسماء، وأفعالهن لأعمال الخير للناس؛ من ~~رعاية مريض، وإطعام جائع، وتخفيف عن مكروب. ستكون ريبيكا واحدة من ~~هؤلاء. قولي هذا لسيدك، إذا ما خطر في باله أن يسأل عن مصير تلك التي ~~أنقذ حياتها.» # كان في صوت ريبيكا رعشة لا إرادية، ورقة في نبرتها، ربما كانت تشي ~~بأكثر مما كانت تنوي التعبير عنه. أسرعت لوداع روينا. # وقالت: «وداعا. وأدعو من خلقنا، نحن اليهود والمسيحيين، أن يغدق ~~عليك أفضل بركاته! إن المركب الذي سيحملنا بعيدا سيكون جاهزا ~~للإبحار قبل أن نصل إلى الميناء.» ms180