######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.AminKhuli.Hindawi86174619 #META# Tags: philosophy #META# ID: 86174619 #META# Title: أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول‏ # 1 - أمين الخولي ورسالة التطور في الفكر الديني‏ # 2 - في الآفاق الفلسفية للتفسير‏ # الباب الثاني‏ # 3 - حوار مع الفكر المتطرف‏ # 4 - التفكير العلمي‏ # 5 - قتل القديم بحثا‏ # 6 - أول التجديد‏ # مقدمة‏ # الباب الأول‏ # 1 - أمين الخولي ورسالة التطور في الفكر الديني‏ # 2 - في الآفاق الفلسفية للتفسير‏ # الباب الثاني‏ # 3 - حوار مع الفكر المتطرف‏ # 4 - التفكير العلمي‏ # 5 - قتل القديم بحثا‏ # 6 - أول التجديد‏ # | أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد # | أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد # تأليف # أ.د. يمنى طريف الخولي # الشيخ المجدد أمين الخولي (مايو 1895-مارس 1966). # أول التجديد قتل القديم بحثا وفهما ودراسة. # أمين الخولي # | مقدمة # | سيرة شبه ذاتية # منذ مطلع النهضة العربية الحديثة مع بدايات القرن التاسع عشر ونحن ندرك جيدا أن التجديد ~~يكاد يكون فرض عين على المعنيين بالفكر فينا. والمقصود بالتجديد البحث في بعث وتحديث وتنهيض ~~وتنمية معاملات أصالتنا، أو بمصطلح أفضل وأكثر حيوية وحركية وتطورية نقول: تحديث معاملات ~~خصوصيتنا الحضارية. # وعلى مدار القرن العشرين كان فرض التجديد يزداد وجوبا وإلحاحا؛ لمواجهة المستعمر ورياح ~~التغريب العاتية، ثم لتوطيد وتدعيم الثورات القومية وحركات التحرر الوطني التي أينعت ~~وازدهرت مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. إنها نفس الحقبة التي شهدت أخطر تحدياتنا ~~الحضارية طرا، وأكثرها وبالا، غرس العدو الصهيوني في قلب الوطن العربي معززا ومدعما ~~بتأييد الحضارة الغربية التي تملك عناصر القوة والتقدم والعلم والحداثة، ومدعما بنموذجها ~~الحضاري ذاته، ليزداد فرض التجديد إلحاحا، لا سيما بعد أن حططنا السلاح وسلكنا طريق ~~المفاوضات والمواجهة المباشرة. ثم يشهد العقد الأخير طوفان العولمة يندفع مهددا باكتساح كل ~~الخصوصيات الحضارية، فيفقد العالم الإنساني ثراءه وتنوعه وتعدديته، ولا يبقى إلا النموذج ~~الغربي الأمريكي. وفي مواجهة العولمة يغدو فرض التجديد أكثر وجوبا من كل ما سبق. هكذا ~~فرض القرن العشرون قضية التجديد علينا، فرضا متواترا يزداد إلحاحا. وها هو ذا القرن ~~ينصرف عنا ويودعنا ليكون مثمرا أن نلقي نظرات شمولية عامة لتقييم وسبر حصائله، وحصائل ~~الأعلام الذين ساهموا في توجهاته الكبرى. # ومن منطلق ms01 الإحساس بخطورة قضية التجديد في حضارتنا لكي تتواصل فيها عوامل النماء ، والتقدم ~~والازدهار، دون أن تتماوه حدودها وتتميع شخصيتها، دون أن تتحول إلى ظل باهت للآخر ~~الغربي وتندثر خصوصياتها بحرائر العلم الأمريكي ونجومه الزاهية. من هذا المنطلق يتقدم ~~الكتاب بمحاولة لتعيين الأبعاد الفلسفية العميقة، وأيضا تطويرها وتفعيلها عند واحد من رواد ~~التجديد في النصف الأول من القرن العشرين، وهو الشيخ أمين الخولي، فتتكشف أمامنا آفاق ~~فلسفية رحيبة يمتد إليها إسهامه الفكري. ~~••• # ومع هذا يبدو من الملائم طرح صورة عامة للإطار الخاص الذي تخلقت فيه سطور هذا ~~الكتاب. # فقد كان لدي بطبيعة الحال تصوري لأمين الخولي، كإنسان فذ الشخصية، وكعالم لغوي لا يشق له ~~غبار، وكأستاذ من جيل الرواد الذين اضطلعوا بعبء تمصير الجامعة، وكمفكر هو واحد من ~~التجديديين العظام. وكنت طبعا قد قرأت له وعنه بعض الشيء، في إطار قراءاتي الغزيرة ~~المتنوعة، وقد دربني عليها أبي الطبيب النطاسي - رحمه الله وأكرم مثواه بقدر ما ملك من كريم ~~الشمائل - وعلمني كيف أقتنص رحيق الحياة وآفاق الثراء الباذخ من صفحات الكتب. ومنذ بواكير ~~الصبا لا يمر علي يوم دون أن أفتح كتابا. # وأعترف بأنني لم أكن أتوقف إزاء قضية التجديد ومجدديه وضرورته الحضارية، وأبعاده الفلسفية ~~وتشغيلها في منظومتنا الثقافية، لم أكن لأتوقف بإزاء هذا منذ البداية وحتى لقائي الحقيقي ~~الواعد بأمين الخولي. # بداية، واصلت تفوقي الدراسي، وكنت من أوائل الثانوية العامة، وتحت تأثير الافتتان بعالم ~~الثقافة والفكر والفلسفة التحقت بكلية الآداب العريقة التي تعتز كثيرا بأمين الخولي في ~~الصف الأول من روادها، حين كان تاريخ النهضة العربية وقيم الحرية والاستقلال وتحديث العقل ~~العربي، يسجل من قاعاتها الأثيرة ذات العطاء الجزل للأمة. # بيد أنني تخصصت في واحد من أحدث فروع الفلسفة: فلسفة العلم، التي تفلسف ظاهرة العلم ~~الحديث فتبحث في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية وشروطها وطبائع تقدمها وكيفياته ~~وعوامله ... على الإجمال، التفكير في الإبستمولوجيا؛ أي في نظرية للمعرفة العلمية، ثم العلاقة ~~بينها وبين المتغيرات المعرفية الأخرى، والعوامل الحضارية المختلفة. هكذا تتقدم فلسفة ms02 العلم ~~بوصفها تقنينا لأصلاب أشد عناصر الحضارة الغربية إيجابية وفاعلية واتقادا ؛ أي العلم ~~الحديث. # وحين كنت - ولا أزال - أبذل قصارى العزم في تمثل فلسفة العلوم واستيعابها ونقلها للمكتبة ~~العربية بأفضل ما أستطيعه، كنت أحسب في هذا - بما يحمله من مقولات للتحديث والعقلنة والتقدم ~~المطرد - ردا لدين ماء النيل على شراييني وخلاياي، وتعبيرا كافيا عن التزامي إزاء ~~الثقافة العربية، التي أراها دائما تمثيلا لوحدة حضارية واحدة أبقى من كل متغيرات السياسة ~~وألاعيبها وترهاتها. هكذا انصرفت بمجامع نفسي وتفكيري إلى الفلسفة الغربية وميراث الحضارة ~~الغربية وأصول العلم الغربي الحديث، وعوامل نشأته وتناميه وتقدمه المطرد في الحضارة ~~الغربية. وكنت في حالة تصالح تام مع نموذجها الثقافي الذي بدا لي خيار التقدم المطروح ~~وليحاكيه من شاء تقدما، خصوصا بعد أن انتهى الاستعمار واجتثت ثورة يوليو المباركة جذوره. ~~وزاد من هذا التصالح أنني قضيت شطرا من طفولتي في أوروبا، وتفتحت عيناي على ظلالها الوارفة ~~وتلقيت تعليما في مدارسها ورأيت قطوفها الدانية رؤية العين، وترددت عليها فيما بعد. زادني ~~هذا انكبابا على إيجابيات الثقافة الغربية، فاستقطرت مني صدر الشباب، واندفاعته المتحمسة، ~~عشر سنوات أو يزيد وأنا غارقة حتى الأذنين في الفكر الغربي، ولا ألتفت إلى واقعي، إلى ~~الأنا، إلى الذات، إلى موطئ القدم الذي قدر له أن يواجه المحن تلو المحن. وكانت المحصلة ~~أن أنشغل فقط بإشكاليات مطروحة في الفكر الغربي، وأعرف عن الحضارة الغربية ومسارها وأعلامها ~~أضعاف أضعاف ما أعرفه عن الحضارة العربية، وأدرس من نصوصها كل ما أستطيعه بينما لا أتعامل ~~مع نصوص التراث العربي إلا لماما، وبقدر ما يفيد كهوامش لفكرة أعالجها في التراث الغربي. ~~من هنا خرجت كل أبحاثي وأعمالي، بل ومقالاتي حتى نهاية الثمانينات، وكل سطورها محصورة حصرا ~~داخل أطر الفكر الغربي، ولا تكاد تتمايز عنه إلا في أنها مكتوبة باللغة العربية! # حتى كان مطلع التسعينيات والهيئة العامة للكتاب مضطلعة بإصدار مجموعة الأعمال الكاملة ~~لأمين الخولي، ووجدتني متورطة في هذا، ولم ألق مفرا. انشغلت في عملية تجميع الأصول ~~وإعدادها للنشر، ومراجعة ms03 مستنسخات الطباعة، وكتابة نبذة الغلاف، وما إليه. وكما هو معروف، ~~مراجعة المستنسخات أسخف شيء، ولعلها الفصل الوحيد السخيف المضجر في تجربة التأليف التي تظل ~~بكل المقاييس أروع التجارب الإنسانية طرا. لكن مراجعة المستنسخات هنا كانت بالنسبة لي ~~فتحا مبينا. لقد قرأت بدقة - وبعيون أصبحت مدربة - كل أعمال أمين الخولي، وأذكر على وجه ~~التحديد كتابيه «المجددون في الإسلام» و«مناهج تجديد»، وأيضا مجموعة محاضرات مخطوطة غير ~~منشورة، كانت في مكتبة أبي تحت عنوان «كتاب الخير»، وهي محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق من ~~الفكر الشرقي القديم حتى العصر الحديث، ألقاها أمين الخولي في أعقاب عودته من ألمانيا عام ~~1927. وفي هذه المحاضرات يدافع الخولي ببسالة عن نظرية التطور لتشارلز دارون، والفلسفة ~~التطورية مع هربرت سبنسر وليزلي ستيفن وأمثالهما! وقد قدمت «كتاب الخير» إلى المجلس الأعلى ~~للثقافة، لتنشره مطبعة دار الكتب لأول مرة عام 1996، في إطار أعمال الندوة التي أقامها ~~المجلس «أمين الخولي: الأصالة والتجديد» في أبريل من ذلك العام. وخرج «كتاب الخير» مصحوبا ~~بدراسة كتبتها كتقديم له، يتضمنها هذا الكتاب أيضا # الفصل الأول # بعد إضافة وتنقيح. ~~«المجددون في الإسلام» و«مناهج تجديد» و«كتاب الخير» فعلت بي فعلة أمين الخولي بتلامذته، ~~ومن يقترب من الجذوة المضرمة في عقليته وفي أسلوبه لطرح الأفكار القادر على تثوير كل خلجة ~~بعقل المتلقي، في خضم وابل من المنهجية والرصانة والدقة والعمق والاستنارة التي تفيض بها ~~أعمال الخولي. وأنا أتتبع أمين الخولي في جولاته بأنحاء التراث وصولاته لتجديده، كنت أستجمع ~~فرائد كنز مذخور من الأصول المنهجية للنظرة الحضارية التي لا تنفصل أبدا عن ذاتها وعن ~~تراثها، ما دامت تراه قابلا للتجديد والتطوير. وأدركت كم كان بصري حسيرا. # وكانت تلك فاتحة لسلسلة من الزلازل والتوابع سوف تتصدع لها ثوابت في عقليتي وفي منظوري ~~وأسلوبي للتفكير. لقد تزامن معها كارثة الخليج الكابية التي اهتزت لها الأركان وتبعها ما ~~سمي بالنظام العالمي الجديد - إثر الانهيار المدوي للاتحاد السوفيتي - ليعني تنظيم العالم ~~وفقا لقيم ومصالح أمريكا، ولماذا لا نقول؛ وأيضا مصالح إسرائيل؟! تدفق طوفان الحيرة ms04 من ~~عيون ابني وطلابي، توالت تساؤلاتهم القلقة الموجعة ، وقد فجرتها أزمة الخليج التي اختلط ~~فيها العدو بالصديق بالشقيق: ما القومية؟ ما العروبة؟ ما الوطن؟ من نحن؟ هل ستبقى هذه ~~الأمة؟ هل انتهى عصر الاستعمار؟ أيهما أقسى: الاستعمار الأوروبي البائد أم الاستعمار ~~الأمريكي الراهن المجلوب جلبا؟ # وفي الإجابة على هذا لم أكن أملك إلا وقد اللهيب وحمم البركان بين ضلوعي، ما دمت أؤمن ~~دائما بأن القومية العربية أشد حقيقية من الهواء الذي نتنفسه معا، ومن التاريخ الذي عشناه ~~معا والكتاب الذي نقرؤه معا، وقيم الحياء الجميل، ولهفة الأمومة، ومنزلة الأخ الأكبر، ~~والانتماء للأسرة، التي نحياها معا، والفيلم المصري الذي نشاهده معا، والأغنية التي نستمع ~~إليها معا والشعر العربي الذي نردده معا ... # وكأن الله شاء أن يزداد الجرح القومي في النفس إيلاما، فأحصل في عام الطوفان وكوارث ~~المعمعان عام 1991 على جائزتين من الطرفين المتناحرين، جائزة العلماء العرب الشبان من مؤسسة ~~عبد الحميد شومان الفلسطيني في الأردن، وجائزة الإبداع الفكري بين الشباب العربي من الكويت. ~~يتقاتل الطرفان، ويجتمعان على تقدير خاص لكتابي «مشكلة العلوم الإنسانية»، تأكيدا على أن ~~البحث العلمي العربي كالإبداع الفكري العربي لن تقف في وجهه الحدود المصطنعة، ولو كانت ~~بضراوة الأسلاك الشائكة وحقول الألغام. ويلتقي تقدير الطرفين المتقابلين وفي صلب الزمن ~~العصيب، تجسيدا لثابت باق يعلو على كل الكوارث ومؤامرات الفرقة، ومصداقا لقول أستاذ ~~الأجيال الدكتور زكي نجيب محمود: «العروبة ثقافة لا سياسة»، وهذه الأولى - الثقافة عند الله ~~وعند الناس خير وأبقى. # تبدو المتغيرات والوقائع آنذاك وكأنها تريد أن تعصف بهذا الثابت الباقي، وتؤكد أن سؤال ~~القومية والهوية وخيار التقدم الحضاري ليس محسوما كما كنت أتصور، ومن ثم بدا لي الموقف ~~الفكري القاصر على ميراث التقدم الغربي، والمنبت الصلة بتعينات واقعنا ومشاكله التي ~~تستلزم المعالجة ... ذاك الموقف ليس مجرد بصر حسير، بل هو جريمة في حق الوطن، وكانت أزمة ~~نفسية وعقلية طاحنة. # مثلت الأصول المنهجية التي استقيتها من صحبتي لأمين الخولي طوق نجاة ومرشدا لتدارك ما ~~فاتني. ورحت أستقبل ms05 بفعالية بالغة مؤثرات نفر من أساتذتي العظام ذوي الطرح الأبعد ~~لإشكاليات التجديد في الفكر العربي الحديث، وقرناء لهم في أنحاء شتى من الوطن العربي، ~~وأيضا مؤثرات نفر من تلامذتي النابهين من شباب الباحثين الجادين في أطروحات الفكر العربي ~~الحديث ومناقشاتهم المستفيضة. هكذا تجمعت عوامل عديدة فشهدت التسعينيات منحنى حادا في ~~طريقة تفكيري وأبعاد معالجاتي وطرحي لما أخرجته من أعمال. # وتظل فلسفة العلم دائما هي البوصلة الموجهة لعقليتي ومسار أبحاثي. ومن حسن الطالع أن ~~تواكب مع هذا تطور ملحوظ في فلسفة العلم إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين، يتلخص في ~~أنها انتقلت من وضع مبتسر - استمر طويلا - يولي ظهره لتاريخ العلم ولدوره في تمكيننا من ~~فهم ظاهرة العلم فهما أعمق، فضلا عن دفع معدلات التقدم العلمي، ويكتفي بالنسق العلمي ~~المنجز الراهن، ويفلسفه بما هو كذلك على أساس النظرة إليه من الداخل، أو النظرة إلى النسق ~~العلمي في حد ذاته. انتقلت فلسفة العلم من هذا إلى وضع مستجد يرتكز على الوعي بتاريخ العلم، ~~فيفلسف العلم في ضوء تطوره التاريخي، وعبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية، مما ~~يعني تطورا ذا اعتبار في منطلقات وحيثيات وعوامل النظرة الفلسفية إلى العلم. وهذا التطور ~~في الواقع هو تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع النظرة إليه من الخارج؛ أي باختصار نظرة ~~فلسفية أشمل لظاهرة العلم، ترتكز - كما أشرت - على الوعي بتاريخه. وباستيعاب هذا البعد ~~الجديد سرعان ما علمتني فلسفة العلم أن تاريخ العلم - وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب ~~والمؤامرات - هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد. # من هنا سهل علي اتخاذ الخطوة الأولى للخروج من ذلك الموقف الحسير، بل بدت واجبا ~~أكاديميا، وهي أن أمد نطاق معالجاتي المصمتة لظاهرة العلم الحديث الأوروبية إلى المرحلة ~~الأسبق منها، والمفضية منطقيا وتاريخيا إليها؛ أي مرحلة تاريخ الرياضيات والعلوم عند ~~العرب. فانكببت بعزم أكيد على نصوص من تراثنا متصلة بالحركة العلمية التي كانت قمة الازدهار ~~والعطاء في عصرها الوسيط، واكتشفت - لأول مرة - في الحضارة الإسلامية عقلا مبدعا ms06 باذخ ~~العطاء، وعالما هائجا مائجا يفيض زخما وثراء. ورحت أطرح السؤال: كيف وصل إلى طريق ~~مسدود؟ وكيف يمكن مواصلة ما انقطع؟ فتعود معاملات أصالتنا قوة دافعة للتقدم والازدهار ~~والسؤدد، وإزالة ما يعتريها من وهن أو تصلد. في هذا الإطار خرجت أعمالي في التسعينيات وقد ~~أصبحت إيجابيات الحضارة الغربية أدوات لدفع تقدمنا الحضاري وليس مجرد تراتيل نرددها. ~~والهم ينطلق من إشكاليات يطرحها واقعنا نحن الحضاري. وضمن هذا السياق خرجت الفصول التي ~~تمثل كتابا عن الآفاق الفلسفية لفكر أمين الخولي التجديدي. ~~••• # كانت السطور السابقة التي أفاضت واستفاضت - رغما عني - ضرورية لكي توضح أن قراءتي لأعمال ~~أمين الخولي - التي كانت هي الأخرى رغما عني - لم تأت مجرد اطلاع وتلق لأفكار وأطروحات، ~~وهل يستطاع التلقي السلبي لأفكار أمين الخولي؟ واتضح كيف كانت بدايات ثورة في تفكيري، ثورة ~~منهجية تعني استملاك أدوات جديدة للبحث والنظر، فيخرج إنجاز مختلف يحمل أبعادا لم تكن ~~مطروحة فيما سبق. # من هنا لم يقتصر هذا الكتاب على مجرد عرض لبعض الأبعاد والآفاق الفلسفية للتجديد التي ~~حاولت تعيينها واستكشافها في فكر أمين الخولي، ويحملها الباب الأول من هذا الكتاب - بفصليه ~~- تحت عنوان «منهاج»، بل كان لا بد من إردافه بالباب الثاني الذي يحمل آفاق محاولاتي لتطبيق ~~بعض من فرائد هذا المنهاج، لتفعيلها وتطويرها، طبعا بمصاحبة أدوات منهجية ومعرفية أخرى، لم ~~تكن مطروحة في زمان الخولي، في النصف الأول من القرن العشرين. ألم يطرح أمين الخولي معادلته ~~الشهيرة: التلميذ = الأستاذ + الزمن؟! # في المحاولات التطبيقية المنصبة على الهم الراهن، بدا لي أن جنوحات وترديات الفكر السلفي ~~المتطرف الذي بلغ حد الإرهاب راجعة إلى أنه يفتقد على وجه التحديد أسسا منهجية حرص أمين ~~الخولي - بوصفه شيخا أصوليا - على إرسائها وترسيخها. وبتطوير وتعميم هذا كانت أول ~~محاولات التطبيق المطروحة في الباب الثاني، الفصل الثالث، وهي مواجهة عامة أو حوار مع الفكر ~~المتطرف. # ثم أعقبته بفصل تال، هو تطبيق لتأكيد أمين الخولي على أن الإسلام دين العقل والتفكير ~~يدفع للنظر العلمي في الكون و«قادر على تحرير ms07 العقل والعلم أكمل حرية يمكن أن تتحقق» ~~فيستوعب على الرحب والسعة ظاهرة العلم. لكن الإسلام «هدي وإرشاد» و«ليس البتة درسا في ~~الفيزياء أو الكيمياء» و«لا يقصد إلى شيء في العلم الرياضي أو الطبيعي» بتعبيرات الخولي ~~الذي رفض بشدة وبحسم التناحر والجدل السطحي بين مضامين النظريات العلمية وبين النصوص ~~القرآنية، لافتا الأنظار إلى أن الأولى متغيرة متطورة، والثانية مطلقة ثابتة. # لقد كان الخولي في طليعة الرافضين لما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن، وأكد أن «إنكاره من ~~كبريات قضايا المنهج الأدبي للتفسير» الذي أسسه ودعا إليه، كما سنرى. ومن أجل طرح تطبيق ~~أشمل يوضح أن هذا هو قمة الاستنارة الدينية، أتى الفصل الرابع عن «التفكير العلمي والعلاقة ~~بينه وبين الاستنارة الدينية». # إذن عقائد الإسلام موجهات للحضارة، بدلا من الخوض الظاهري العقيم في التفاصيل العلمية ~~المتغيرة، فكيف السبيل إلى جعلها موجهات لتوطين ظاهرة العلم الحديث ذاتها في ثقافتنا ~~مجددا، تأكيدا على أن الإسلام في كل عصر هو دين العقل والعلم؟ هذا هو أهم سؤال حاولت ~~الإجابة عليه إجابة مستفيضة في كتابي «الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل»، ~~وقد نال جائزة البحوث المستقبلية في الإنسانيات من جامعة القاهرة، ويتلخص مضمونه في الفصلين ~~الأخيرين من الباب الثاني. والمسألة في جملتها تطبيق لأخطر وأهم المبادئ المنهجية التي ~~طرحها أمين الخولي: «أول التجديد قتل القديم بحثا وفهما ودراسة.» # فقبل العمل على تجديد أصولنا الحضارية من أجل توطين العلم الحديث في ثقافتنا مجددا، لا ~~بد من محاولة الإجابة على السؤال: لماذا وصلت الحركة العربية العلمية الزاهرة في الماضي إلى ~~طريق مسدود؟ # ومنهاج الإجابة على هذا السؤال يقتضي «قتل القديم بحثا وفهما ودراسة»، كما حاولت أن ~~أفعل في الفصل الخامس من هذا الكتاب عن «الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في الفكر العربي»، ~~ثم أعقبه فصل سادس يتلمس طريق التجديد من أجل توطين العلم الحديث في ثقافتنا ~~المعاصرة. # وبعد، فإن بعض فصول هذا الكتاب - باستثناء الأول والثالث - أوراق ألقيت في مؤتمرات وندوات ~~ثقافية، وجميعها قبعت فرادى حبيسة الأدراج. أما خروجها ms08 معا في إطار متكامل ومتحاور ~~الأطراف يشكل متن هذا الكتاب، فالفضل كل الفضل في ذلك يعود إلى المفكر المستنير رجب البنا، ~~الذي يقود بثقة واقتدار دفة دار المعارف لتظل دائما هرما من أهرامات مصر الشامخة. # لقد تفضل سيادته بخبرته المكينة في الإنجاز الفكري وفي صناعة الكتاب على السواء، وأشار ~~علي بفكرة هذا الكتاب، وبث في نفسي الحماس لإعداده وإنجازه، حتى خرج في صورة أعتز بها ~~حقا، وتحملني مزيدا من الامتنان لسيادته. # وفقنا الله جميعا لما فيه خير الثقافة العربية. # منيل الروضة في ديسمبر 1999. # د. يمنى طريف أمين الخولي # أستاذ الفلسفة بآداب القاهرة # وعضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة # | الباب الأول # منهاج # الفصل الأول # | أمين الخولي ورسالة التطور في الفكر الديني # (1) توطئة # إذ شهد شهر مايو (1995) مرور مائة عام على ميلاد أمين الخولي، يتبدى أمامنا قرن ~~من تاريخ الحضارة العربية، لنذكر كيف كان الربع الثاني منه - في أعقاب ثورة 1919 ~~المصرية - مرحلة توهج للثقافة العربية، وتوثب طامح للعقل فيها. # الوطأة الوبيلة للاستعمار، التخلف الضارب في الأعماق، البون الشاسع بيننا وبين ~~العالم الصناعي المتقدم والمتسيد ... كان هذا قوة دفع هائلة لمفكرينا ومثقفينا في ~~بحثهم الدءوب عن الخروج من هذا الوضع المأزوم واللحاق بركاب العصر، إثبات الذات فيه ~~ونشدان الهوية، والمساهمة بنصيب في آفاق التقدم المتسارع. # انطلقت جهودهم في جملتها من الثبات البنيوي في حضارتنا - النص الديني والتراث - نحو ~~استشراف روح العصر وقيم الحداثة التي تبلورت في تجربة الحضارة الأوروبية. كانت ~~انطلاقة ساهمت في ترسيمها خطوط متفاوتة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من أعمق ~~جذور الأصالة إلى أبعد آفاق المعاصرة، خطوط سلفية وإصلاحية وتحديثية وعلمية ~~وعلمانية توفيقية وليبرالية واشتراكية، تحاورت جميعها في أجواء متفتحة مواتية، ~~نجدها الآن! أكثر مواءمة لقيم العقلانية النقدية، وأشد نزوعا لغاية «التجديد» ~~التي يناط بها تحديث وجودنا الحضاري بتميزه، ومن ثم التنهيض المرجو ~~والتنمية. ~~(2) شيخ التجديد # في هذا المناخ الموار كان الدور الريادي الذي لعبه الشيخ أمين الخولي، بتمكنه ~~الأستاذي من التراث ونصوصه - من أصوليات حضارتنا - لينذر جهوده ms09 لقضايا التجديد. ~~فكان بحق شيخ الأصوليين في التجديد، وشيخ المجددين في الأصولية؛ # 1 # إيمانا منه بالماضي كركيزة، والحاضر كحياة متوثبة، وبالحوار الدائم ~~بينهما ليتفاعلا ويتلاقحا فيثمرا المستقبل المأمول. # رفع شعاره الشهير والسديد: أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة، «أما إذا ~~مضى المجدد برغبة في التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضي وغفلة عنه، يهدم ويحطم ~~ويشمئز ويتهكم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد.» # 2 # هكذا كان الخولي يبث «أصول» التجديد في كل المجالات المتصلة بإسهامه: ~~التجديد في اللغة ونحوها، في البلاغة وجمالياتها، في الأدب ونقده، في تفسير القرآن، ~~وفي الفكر الديني ... وحتى حين تعرض لترجمة إمام من عصر التدوين، لن يحمل خطوطا ~~تجديدية بل فقط أصول السلفية، هو الإمام مالك بن أنس (90-179ه / 708-795م)، حتى في ~~هذا أعطى الخولي درسا تجديديا في أصول تحرير التراجم # 3 # و«ثارت بينه وبين العقاد معركة أدبية شهيرة حول كتابة التراجم.» # 4 # لذلك قيل عن الخولي - بحق - أنه في كل إسهاماته قد «حرر عقله من سلطان ~~التقليد الذي يبطل الإرادة الحرة، ويميت روح الإبداع، ويشل حركة العقل، فبعدت مطارح ~~أفكاره، وسما في نظر طلابه، ودأب على سموه في كل يوم في النفوس والعقول معا.» # 5 # لقد تأتت إسهامات الخولي - جهوده الأصولية التجديدية في مجالات تجعلها بنية ~~حضارتنا في موقع ثقافي محوري، فضلا عن ارتكازها على الثابت البنيوي فيها - النص ~~الديني/القرآن الكريم، فلم يكن للتجديد في هذه المجالات - عند الخولي - إلا طريق ~~واحد هو النظر العلمي الذي لا يستقيم بغير الفهم العميق للقرآن الكريم، بل وجاهر ~~الخولي بأن هذا الفهم ليس سهلا لمن لا يتذوقون العربية، # 6 # ومهما فعل المستشرقون، ومهما بذلوا من جهود رصينة، لن يستطيعوا النفاذ ~~إلى جوهر القرآن، بعبارة أخرى هذا التجديد مهمة منوطة بنا وحدنا، واجب علينا وحق ~~لنا. # وفي خضم الخطوط التجديدية العديدة، المتوازية والمتحاورة، التي خطها الخولي سوف ~~نتوقف في بحثنا هذا عند الخط الذي يتماس مع أخطر ما في حضارتنا، والأعمق في عقولنا ~~ونفوسنا وضمائرنا، ألا وهو خط وخطة الخولي ms10 في تجديد الفكر الديني، لنخلص إلى أنه ~~ليس حقا وواجبا فحسب، بل هو الآن طوق النجاة لنا من الضياع الحضاري والانسحاق ~~الثقافي وتشويه الهوية. ~~(3) الأستاذ الإمام يشق الطريق # إذن يستوقفنا من ميراث أمين الخولي مقولة تجديد الفكر الديني في تفاعلها مع ~~مقتضيات الواقع العربي الحديث. # لا بد إذن من العود بها إلى أصولها، فلم يكن الخولي بتجديده للفكر الديني إلا ~~سائرا في طريق سبق أن ترسمت معالمه وتشكلت تضاريسه في خريطة الفكر العربي الحديث، ~~وبفعل جهود دءوبة لرواد أسبق، يتقدمهم بجدارة الشيخ محمد عبده (1849-1905) الأستاذ ~~الإمام، إمام المجددين، وقائد جيش الهجوم على التقليد، والذي هوى بمعوله على معاقل ~~المرض الخبيث «مرض الجمود على الموجود»، # 7 # وكان سلاحه الماضي في كفاحه التجديدي هو «تآخي الدين والعقل في الإسلام.» # 8 # فالإسلام دين العقل يعمل دائما على استثارته ويدعو إلى استعماله. يقول ~~الأستاذ الإمام: «لو أردت سرد جميع الآيات التي تدعو إلى النظر في آيات الكون، ~~لأتيت بأكثر من ثلث القرآن، بل من نصفه.» # 9 # والقرآن في هذا «يقصد تحريكا» للعبرة، وتذكيرا بالنعمة وحفزا ~~للفكرة، لا تقريرا لقواعد الطبيعة، ولا إلزاما باعتقاد خاص في الخليفة، وهو في ~~الاستدلال على التوحيد لم يفارق هذا السبيل.» # 10 # من هنا كان الأصل الأول من أصول الإسلام عند محمد عبده هو النظر العقلي ~~لتحصيل الإيمان، والأصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما، ~~وكان محمد عبده بهذا يعلن حقوق الفكر الحر، مؤكدا أنه واجب على الموجود ~~العاقل. # والنتيجة الطبيعية المنطقية لهذا أن ينتقل محمد عبده إلى تأكيد ضرورة التجديد، ~~ورفض الجمود والتقليد. فالدين عنده شعور فطري، لكن فطرية الشعور الديني لا تمنع ~~الدين من أن يتطور بترقي الإنسانية، حتى بلغ كماله في الدين الإسلامي. وها هنا تظل ~~الضرورة الحيوية هي «ضرورة تجديد بناء عقائدنا تجديدا موصولا كي تلائم تغيرات الموجودات»، # 11 # وهذا التجديد يجعل الدين مسايرا لحركة العلم المطردة التغير والتقدم، ~~ويجعل العلاقة بين الدين وبين الحياة سائرة قدما، وتبرأ من اهتراء أصابها ms11 ردحا من ~~الزمن. # كان محمد عبده يقول إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم يرد لها ذكر ~~في كتب الفقه القديمة، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إن هذا لا يستطاع، إنه جمود ~~وموات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذي لا يجاري وقائع حياتهم. # 12 # أجل! يجب أن نسير في وجودنا الحاضر مهتدين بتجارب السلف، لكن ليس من ~~واجبنا أن نقبل جميع ما يؤثر عنهم من تقاليد دون فحص أو تمحيص، بل ينبغي أن نستعمل ~~فيه تفكيرنا، فإذا وجدناها صحيحة - ومعنى هذا أنها موافقة للعقل - قبلناها، وإلا ~~رفضناها «هذا البحث الحر، وهذه الحاسة الناقدة فيما يرى محمد عبده، هي ما يميز ~~الحيوان الناطق عن سائر الحيوان» # 13 # الذي لا يعرف تغيرا ولا تقدما. # وهذا الموقف من تراث السلف هو ما تبلور عند أمين الخولي في قولته الشهيرة: هم ~~رجال ونحن رجال، لهم عصرهم ولنا عصرنا، نتعلم منهم ولا نحذو حذوهم النعل ~~بالنعل. # وإذا كان أمين الخولي يؤثم المقلد الرافض للتجديد، فإن الأمر قد سبق أن بلغ بمحمد ~~عبده حد اعتبار المقلد كافرا؛ لأنه مردد وليس مستيقنا من الأصول، وأسهب عبده في ~~التعبير عن ضيقه من التقليد والجمود على القديم، وراح في تعداد مفاسد هذا الجمود ~~ونتائجه - أو بتعبيره - جناياته على اللغة والنظام والاجتماع والشريعة وأهلها، وعلى ~~العقيدة، وفي نظم التعليم. وبعد أن هوى بمعوله على معاقل الجمود جميعها في هذه ~~المواقع وسواها، راح يستدل ويؤكد أنه علة تزول لأنه مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام، # 14 # فالإسلام كما يقول الأستاذ الإمام: «أنحى على التقليد وحمل عليه حملته، ~~لم يردها عنه القدر، فبددت فيالقه المتغلبة على النفوس، واقتلعت أصوله الراسخة في ~~المدارك، ونسفت ما كان له من دعائم وأركان في عقائد الأمم، وصاح بالعقل صيحة أزعجته ~~من سباته وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها.» # 15 # لقد أكد الإسلام أن الإنسان لم يخلق ليقاد، بل ليهتدي، وصرف القلوب ~~عن التعلق بما كان عليه الآباء، ونبه على أن ms12 السبق في الزمان ليس آية من آيات العرفان. # 16 # هكذا، على أساس من إيقاظ الإسلام للعقل وإبطاله التقليد، انطلقت دعوة التجديد ~~الديني من رحاب الأستاذ الإمام محمد عبده، وتحولت إلى قوة تثويرية نابضة بفعل صحبته ~~الحميمة للمناضل الرائد السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897). # إنها قوة شقت طريق التيار الإصلاحي، المنطلق من المقدمة التي رأيناها مع عبده، ~~ومفادها أن الجمود على القديم هو العلة المباشرة لتخلفنا وخروجنا من مسار التاريخ، ~~فضلا عن دورة التقدم. وكان هذا هو الطريق الذي سار فيه أمين الخولي إلى غايته، حتى ~~إن التجديد عنده ليس إلا حماية المجتمع من العوامل المفسدة لأمره - عوامل الجمود ~~والتخلف. ~~(4) على خريطة الفكر العربي الحديث # وكما لاحظنا تجديد الفكر الديني يستدعي بالضرورة قضية الموقف من التراث، والتي هي ~~في تقاطعها مع قضية الموقف من الغرب، هيكل الشغل الشاغل للفكر العربي الحديث، حتى ~~يمكن القول إنها هي التي ترسم حدود خريطته. إنها مشكلة الأصالة والمعاصرة الشهيرة، ~~أو بتعبير آخر هي مشكلة التراث والتجديد. # والتيار الإصلاحي الذي شقه محمد عبده - كما رأينا - قد تمثل هذه القضية - الموقف ~~من التراث - تماما. أما أمين الخولي فإن تجديده الأصولي ذروة من ذرى هذا التمثيل، ~~ونحن نتمسك بأن الموضع السليم لأمين الخولي في منظومة الفكر العربي، أو على خريطته، ~~إنما هو في امتداد هذا التيار الإصلاحي. # والآن أصبح الفكر العربي الحديث حقلا خصيبا للدراسة، وميدانا فسيحا للبحث ~~والتنظير. خرجت تنظيرات عديدة لموقع أمين الخولي فيه # 17 # ولعل أدعاها للنقاش رؤية د. طيب تيزيني؛ لأنه مفكر بارع وتنظيراته ~~للفكر العربي الحديث ذات شأن، ليندهش المرء من إصراره على وضع أمين الخولي في إطار ~~ما أسماه: النزعة التحييدية للتراث في فرعها الوثائقي، التي بزعم الدفاع عن حرمة ~~العلم ترى الحقيقة التاريخية الكاملة مجسدة في الوثيقة بعيدا عن ممارسة التفسير ~~والتقويم التاريخي والتراثي لها، # 18 # مما يعني نفي النظرة التاريخية والأيديولوجية للتراث؛ أي نفي النظر ~~إليه في إطار عصره ومقتضيات واقعه الحضاري، ومن خلال المشكلات والآفاق المعاصرة ~~للتقدم والتخلف، وبالتالي ms13 من خلال ضبط طرحنا للتراث بضوابط اللحظة المعاصرة في ~~واقعنا، بكل ما تنطوي عليه من مضامين اجتماعية واقتصادية وقومية وأخلاقية # 19 ~~- أينفي الخولي كل هذا؟! رغم اعتراف تيزيني بأن الخولي يشير إلى أفكار ~~مسيسة للتراث، أصر على أن أمين الخولي يرى من الخير تأجيل الانتفاع بالتراث إلى ~~ما بعد اقتفاء أصوله جميعا. والخولي لهذا تحييدي وثائقي! # لقد اعتمد تيزيني على ندوة ببيروت تحت عنوان «التراث: كيف نعمل على إحيائه»، # 20 # اشترك فيها الخولي. يقول تيزيني: «تهيمن على المنتدبين فكرة توثيق ~~التراث بشكل يدعو إلى الاعتقاد بأن هؤلاء يرون مهمة الباحث في التراث العربي تكمن ~~في إحيائه عن طريق جمعه وتحقيقه وإخراجه للناس. وإذا كانت هناك إشارات متعلقة ~~بالأبعاد القومية فهي سريعة وضحلة وتنظر إلى التراث باعتباره تركة، والسؤال: كيف ~~نتملكها جيدا؟» # 21 # وعلى أساس هذه الندوة كان حكمه بأن الخولي يندرج في إطار النزعة التحييدية للتراث ~~- الوثائقية. وهنا نجد خطأ تيزيني في أخذ الجزء على أنه الكل، والمرحلة على أنها ~~الغاية. لا شك أن الخولي - كأستاذ وكأصولي - يهتم كثيرا بتوثيق وتحقيق التراث ~~وإخراجه، ولكن ليس كموقف نهائي وإطار منظومي له، بل فقط كخطوة ضرورية من أجل ~~التجديد والتثوير وسد مقتضيات العصر، وما لا يبعد كثيرا عن هدف تيزيني ~~نفسه. # فكيف يزعم أن الخولي - وهو المجدد الأعظم - ينفي النظرة التاريخية للتراث (وينفي ~~معها # الفصل الثالث # من هذا الكتاب)، ومجرد مصطلح الجدة ~~لا يتأتى إلا في سياقها. فالجدة تعني التمايز عن القديم واختلاف الحاضر عن الماضي. ~~وماذا تكون النظرة التاريخية سوى الإدراك الواعي لهذا التمايز والاختلاف، كشرط ~~ضروري للتجديد. # كلا، ليس التوثيق الأكاديمي للتراث هو البطاقة النهائية للخولي - كما رأى طيب ~~تيزيني - فهذا التوثيق في إطار قتل القديم بحثا وفهما ودراسة، فقط كمعبر إلى ~~التجديد الأصولي والتنهيض على الإجمال من أجل الخدمة المخلصة الجادة والعميقة لذلك ~~التيار الإصلاحي الذي عبده عبده، والذي في سويدائه موقع أمين الخولي على خريطة ~~الفكر العربي المعاصر. ~~(5) مزيد من التواصل # خطوط التواصل بين محمد عبده وأمين الخولي ms14 أكثر مما يمكن نفيه، أو حتى اللجاج فيه، ~~وإن كانت جميعها تصب في التيار الإصلاحي ومنحاه التجديدي. # أولا، كلاهما انشغل بقضية إصلاح الأزهر ورسالته في القرن العشرين. ومن الأعمال ~~المتميزة لأمين الخولي بحثه «رسالة الأزهر في القرن العشرين»، إذ كانت وزارة علي ~~ماهر قد أعلنت عام 1936 عن مسابقة في عدة مواضيع، منها هذا الموضوع. وكان أمين ~~الخولي قد انتهى من بحثه هذا قبل الإعلان عن المسابقة، ولأنه اختير عضوا في لجنة ~~التحكيم فلم يتقدم ببحثه، وأهداه إلى الأزهر بعد صدور الحكم. # نشر الأزهر طبعة أولى لهذا البحث، ونفذت فورا، وتوالت طبعاته فيما بعد، والجدير ~~بالذكر أن الخولي بدأه بالدهشة والتهكم من أن تشغلنا رسالة الأزهر في القرن العشرين ~~الميلادي وليس في القرن الرابع عشر الهجري. # المهم أن نلاحظ كيف أن كلا من الأستاذ الإمام محمد عبده، والشيخ المجدد أمين ~~الخولي قد انشغل بقضية إصلاح الأزهر الشريف ورسالته في القرن العشرين، كلاهما أبلى ~~فيها، وأيضا كلاهما دخل في صدام عات مع شيوخه المتعنتين الذين دأبوا فيما مضى على ~~معارضة أي إصلاح؛ فرفضوا دعوى الخولي الحارة في الربط بين الدين والحياة. وفي ~~النهاية أخفق كلاهما ولم يحقق أهدافه، فعلق آماله في إصلاح التعليم على الجامعة ~~المصرية. # ولكن محمد عبده كانت الجامعة بالنسبة له أملا وحلما - حلما انهار - فقد استطاع ~~إقناع صديقه المنشاوي باشا «فأبدى استعداده لإقامة الجامعة على نفقته بأراضيه بقرية ~~بسوس قرب القناطر الخيرية، لكن وفاة المنشاوي باشا عصفت بالفكرة، ثم لحق به محمد عبده» # 22 # ولم يريا ميلاد الجامعة عام 1908. أما بالنسبة للخولي، كانت الجامعة ~~واقعا ماثلا، بل هي واقعه الأول، حلبة كفاحه وساحة نضاله الذي أتى بكثير من ~~الثمار المرجوة. وكان يؤكد دائما أن تدريسه في كلية الآداب بالجامعة المصرية - ~~جامعة القاهرة الآن - هو مهمته الكبرى، وأن صناعته لعقول الطلاب إنجازه الأعظم، ~~وانتشر تلاميذ له في مواقع شتى من حياتنا الأكاديمية والثقافية، فزادوها ثراء بما ~~تعلموه واكتسبوه من روح الأستاذ المعلم أمين الخولي «شيخ الأمناء»، الجماعة التي ~~ضمت ms15 هؤلاء التلاميذ بريادته. # لم يدرس الخولي في الأزهر - بل في مدرسة القضاء الشرعي - لكن درس فيه. نذكر من ~~هذا أول ما يدرس من الفلسفة رسميا في العهد الجديد للأزهر، إنه محاضراته غير ~~المنشورة «كناش في الفلسفة وتاريخها» سنة 1934، فأهداها «إلى روح الأستاذ الإمام». # 23 # للخولي ثلاث مجموعات من المحاضرات في الفلسفة غير منشورة، فثمة «كناش» و«كتاب ~~الخير» و«تاريخ الملل والنحل» تبدو لنا ذات أهمية ريادية لعهدها المبكر. ولا نعلم ~~لماذا لم ينشرها؟ بصفة عامة لم يكن نشر الكتب يغري الخولي كثيرا. همه الأكبر - كما ~~ذكرنا - في صناعة التلاميذ، وكان يسميهم «أبناءه من العقل» في مقابل «أبنائه من ~~الصلب» وهم بنوه الطبيعيون. # من ناحية أخرى، نلاحظ - مثلا - أن محمد عبده قد أشار إلى «اقتباس الإصلاح الديني ~~في أوروبة من الإسلام» # 24 # فتطورت هذه الفكرة عند الخولي إلى بحثه «صلة الإسلام بإصلاح المسيحية» ~~والذي ألقاه في مؤتمر تاريخ الأديان الدولي السادس، المنعقد بمدينة بروكسل من ~~16-20 سبتمبر 1935. # 25 # كما رفض محمد عبده البلاغة التي أفسدتها الفلسفة، ورام إصلاحا فيها ~~يسير بها نحو النمط الذي يربي الذوق ويرقي الوجدان. # 26 # ويمكن القول إن هذا هو الأساس الأولي الذي تنامى وتصاعد باسقا في شكل ~~دروس الخولي في البلاغة، أو فن القول بتعبيره، ويراها اللغويون أثمن ما خلفه ~~الخولي. # ونعود إلى موضوعنا الأساسي: تجديد الفكر الديني؛ لنجد مدرسة الأفغاني/عبده في ~~ريادتها للتيار الإصلاحي، قد شقت تيارا عميقا وممتدا في الفكر العربي الحديث ~~والمعاصر، يرتاد الخطوط الباحثة عن عقلنة الإسلام وتحديثه. ولكن - كما أشار ~~المنظر البارع للفكر العربي حسين مروة: «على الرغم من أهمية مدرسة الأفغاني/عبده ~~في تصديح جدار التصديق المطلق للتراث، فإنها لم تضع منهجا يغير من المناهج ~~التقليدية الشائعة تغييرا عميقا. وذلك لارتباطها بالأسس الأيدلوجية نفسها التي ~~قامت عليها تلك المناهج التقليدية. ثم نضجت هذه المدرسة بفعل التحولات المتصاعدة ~~لحركة التحرر الوطني وتطور مستوى المعارف والمناهج لدى الباحثين العرب.» # 27 # ولا شك أن أمين الخولي من الذين قاموا بدور كبير في ذلك التطوير للمناهج ms16 ومستوى ~~المعارف، والذي نجم عنه صور ذات ثراء وفعالية لم تطف بخلد المؤسسين الأفغاني ~~وعبده، وتعمر الآن ميدان الفكر العربي المعاصر. ~~(6) التجديد حياة وتطورا وارتقاء # وكانت جهود الخولي في منهجية التجديد عميقة الأصول ومترامية الحدود، وغزيرة ~~المضمون، ومتعددة العناصر. لكننا نلتقط منها خيطا بدا لنا مفتاحا يفض مغاليق، ~~مما يلقي ضوءا كثيفا على أهمية ميراث الخولي. # ذلك أن هاجس الحياة والارتباط بالواقع الحضاري الحي كان مهيمنا على فكر الخولي، ~~حتى قيل إن الحياة والحيوية أكثر الكلمات شيوعا في كتاباته وأحاديثه؛ # 28 # لذلك كان من السهل أن يبلغ التجديد الديني معه مقولة «التطور» ذاتها؛ ~~ليكون طبيعيا متأصلا سائرا نحو الأصلح والأكمل والأكثر بقاء. # والواقع أن بحثنا هذا في تجديد الفكر الديني عند الخولي، قد انطلق أصلا من تلكم ~~النقطة شديدة الأهمية والتميز في ميراثه، ألا وهي تشغيله الحذر البارع لمقولة ~~التطور والانتخاب الطبيعي ... النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح. # نظرية التطور - كما هو معروف - مجرد نظرية بيولوجية؛ أي محاولة لوصف وتفسير نشوء ~~ظاهرة الحياة على سطح، وارتقائها عن طريق الانتخاب الطبيعي - حتى بلوغها الشكل ~~الراهن. وعلى الرغم من أنها من الوجهة العلمية البيولوجية تحوي ثغرات ومواطن قصور جمة، # 29 # كما أوضح كثيرون، من أكفئهم فيلسوف العلم البارز كارل بوبر # K. Popper ~~(1902-1994)، فإنها - بتعبير بوبر ~~نفسه - برنامج بحث ميتافيزيقي ممتاز، # 30 # وحتى هذه اللحظة لا يوجد بديل لها، وأبدت خصوبة وفعالية فرضتا التسليم ~~بها كنظرية عامة لسائر علوم الحياة، فضلا عن خصوبتها في مجالات أخرى عديدة، تتجاوز ~~كثيرا ظاهرة الحياة، كما سنرى مع أمين الخولي لا سواه. # بادئ ذي بدء نرى أمين الخولي في صدر شبابه يوفد إماما للمفوضية المصرية في ~~روما ثم في برلين. وفور عودته من ألمانيا عام 1927 انتدب للتدريس في الأزهر، فيلقي ~~على طلاب كلية أصول الدين محاضرات في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها ~~الفلسفة الأدبية. # 31 # وما أن يأتي للعصر الحديث حتى يحلو له أن يقدم فلسفته الخلقية بأسرها من مدخل، أو ~~في إطار شامل هو ms17 نظرية التطور وفلسفة النشوء والارتقاء. وهل يمكن اختزال الفلسفة ~~الحديثة للأخلاق بسائر اتجاهاتها وفروعها فقط في التيار التطوري؟ ما لم ينطو هذا ~~على وجهة نظر حادة للمحاضر نحو تحبيذ وتأييد هذا التيار. وبلغ حيود الخولي في هذا ~~الاتجاه حدا غير مقبول، حين يحشر توماس هل ~~جرين # Th. H. Green ~~(+ 1882) في زمرة فلاسفة الأخلاق التطوريين! في حين أن جرين ~~من تيار مقابل تماما للتيار العلمي التطوري، ألا وهو «المثالية المحدثة»، ليمثل ~~جرين انتقاله من ألمانيا إلى العالم الأنجلو سكسوني في إنجلترا، # 32 # ويبرر الخولي هذا بتأويل متعسف يصعب قبوله وهو أن فلاسفة التطور - ~~المتفق عليهم - يبحثون في نشوء المثل الخلقية وارتقائها - كما هو معروف - عبر ~~الماضي، أما «توماس هل جرين» فيبحث عن هذا من زاوية الغاية، أو المستقبل! # 33 # على أية حال يقدم الخولي لطلابه عرضا جيدا لنظرية التطور مع إمامها تشارلز دارون # Ch. Darwin ~~(+ 1822)، مع الإشارة إلى الرواد ~~الآخرين لامارك # J. Lamarck ~~(+ 1829)، و ألفرد والاس # A. Wallace ~~(+ 1913). وببيانه المحكم البديع، ~~يوضح الخولي كيفية تفسيرها للحياة، فأنواع الأحياء - وعلى رأسها الإنسان - لم تظهر ~~هكذا منذ خلقت، بل هي دائمة التغير من حال إلى حال، وبهذا تتطور من البساطة إلى ~~التركيب المتدرج بالتغير والتطور تنشأ بعض الأنواع عن بعض، وترتقي بعمل ناموس ~~الانتخاب الطبيعي - بقاء الأصلح للحياة وانقراض ما عداه. ويتهكم الخولي من رد ~~النظرية إلى القول الدارج: إن الإنسان أصله قرد! ولا يفوته تعداد مواطن القصور ~~المعروفة فيها. # ويبين الخولي أصول نظرية التطور في الفكر البشري، عند الإغريق ثم عند الإسلاميين، ~~خصوصا مع جماعة «إخوان الصفاء وخلان الوفاء»، # 34 # ومع ابن سينا (+ 428ه)، وابن طفيل (+ 518ه)، والقزويني (+ 682ه)، وابن ~~خلدون (+ 818ه). # وهنا يتوقف الخولي لتبيان أن نظرية التطور الحديثة في صلبها لا تتناقض مع العقيدة ~~الدينية ولا تتعارض مع الإسلام، والقرآن هدى للمتقين لا درسا في الفيزياء ~~والكيمياء والأحياء، والإسلام في أصوله وفروعه يحث على عمل العقل، ويستحيل أن يصادر ~~على نظرية أو تفسير علمي ما. أما مقاومة نظرية التطور والنزاع ms18 الشهير بشأنها في ~~أوروبا وأمريكا، فهذا - كما يؤكد الخولي - لا يخصنا؛ لأنه تناقض بينها وبين نصوص في ~~التوراة. # يصر أمين الخولي إصرارا على أن النزاع مع التطورية من فعل الإسرائيليات لا ~~سواها. وقبل أن نتوغل أكثر عبر أبعاد وآفاق التطور في التجديد عند أمين الخولي، لا ~~بد وأن نتوقف هنيهة بإزاء هذا النزاع الشهير بين نظرية التطور وبين فريق من رجال ~~الدين. والحق أنه ليس هينا أن يدافع شيخ أصولي - كأمين الخولي - عن التطورية ~~الداروينية، بعد كل ما كان من تفاصيل هذا النزاع. وقد يرد إلى الأذهان هجوم ~~السلفيين المعهود فقط، أو أن هذا قصرا على ثقافتنا، وليس هذا صحيحا. فقد أشار ~~الخولي إلى أن التطور لا يزال يلقى مقاومة عنيفة من بعض التيارات في الولايات ~~المتحدة الأمريكية، حيث أقوى معاقل الروح العلمية، واستمرت بعد زمان الخولي. # وكاتبة هذه السطور حين دخلت متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك عام 1996 تلمست ~~بوضوح الجهد المنهجي المبسط الجميل في إقناع جمهرة الزائرين بنظرية التطور عن طريق ~~كل الوسائل العينية والبطاقات التفسيرية. أما في متحف التاريخ الطبيعي في شيكاغو، ~~فقد رأت قاعة مخصصة للنزاع الذي لا يزال دائرا بين الكنيسة وبين نظرية التطور. ~~وثمة إقرار لأستاذ في جامعة نبراسكا بأنه في كل محاضرة ثمة طالب واحد على الأقل ~~يناقشه في أن نظرية التطور تعارض الدين، وهي لهذا مرفوضة. ولا يفوت معرض شيكاغو ~~إبراز أن العلاقة بين العلم والدين ليست موضوعا لمواعظ يوم الأحد (راجع # الفصل الرابع # من هذا الكتاب) ولا هي موضوع للمعالجات ~~الصحفية السريعة. # فهل هذا الذي لوحظ في شيكاغو يعني أن النزاع مع التطور ليس كما يؤكد الخولي من ~~فعل الإسرائيليات، استنادا إلى آيات في التوراة، وأنه لا بد أن يمتد أيضا إلى ~~العقيدة المسيحية من حيث هي كذلك؟ لا سيما وأن هذا هو ما يومئ به النزاع الضاري بين ~~دارون والتطورية وبين فريق من رجال الدين المسيحي. # إنها ملحمة مشهودة ومشهورة، ولن يجدي الخوض في تفاصيلها العقيمة. ومن أجل فصل ~~القول ms19 ربما كان مثمرا أكثر أن نحتكم إلى شخصية لها ثقلها في الجانبين الديني ~~والعلمي، وقد يبدو العثور على مثل هذه الشخصية مستحيلا أو عسيرا؛ لكن يتقدم ~~جون بولكين هورن # J. Polkinghorne ~~(1930) وهو ~~شخصية فريدة حقا. فقد تبوأ منزلة عالية كعالم في فيزياء الجسيمات الأولية. وكان ~~أستاذا للفيزياء الرياضية في جامعة كمبردج العريقة فيما بين عامي 1968 و1979. وفي ~~عام 1974 اختير عضوا في الجمعية الملكية للعلوم التي تضم جهابذة علماء الفيزياء، ~~لكنه ترسم عام 1982 قسيسا في الكنيسة الإنجيلية «البروتستانتية»، فأصبحت أعماله ~~تدور حول استكشاف المقولات الكبرى في هذين القطبين - ويكاد يجري العرف على أنهما ~~متنافران أو على الأقل متباينان - أي العلم الفيزيائي أولا، ثم الرؤى الدينية ~~المستنيرة ثانيا. وأهم أعماله «لعبة الجسيم الذري 1979» و«عالم الكوانتم 1984» ~~و«العلم والعقيدة المسيحية 1994». # ويبدو كتابه «ما وراء العلم: السياق الإنساني الأرحب 1996» أروع أعماله، ومن أجمل ~~إصدارات العقد الأخير من القرن العشرين في هذا المجال. في كتابه «ما وراء العلم» ~~يوضح بولكين هورن - العالم القس - كيف أن العاصفة القوية التي هبت من كتاب «أصل ~~الأنواع» لتشارلز دارون، جاءت من فكرة التطور القائلة إن التغيرات الصغيرة البطيئة ~~المتراكمة خلال عملية الانتخاب الطبيعي طويلة المدى هي السبيل الذي يصل به الكائن ~~الحي إلى الشكل الضروري للبقاء في بيئته، بغير حاجة إلى القوة الربانية العليا، إلى ~~حكمة الله وقدرته؛ لكي تفسر ما أحرزته الكائنات الحية من استعدادات وقدرات، ~~فالمسألة كلها تجري على ظهر الأرض في إطار المحاولة والخطأ والتغير ~~والانتخاب. # بالقطع - كما يؤكد بولكين هورن - لم يعد ممكنا التفكير في التنوع الرائع للحياة ~~بوصفه خلقا فجائيا، أو تنفيذا نهائيا لتصميم إلهي مسبق، ومع هذا لا توجد ~~إطلاقا حجة تنكر أي غرض أو قصد إلهي من هذا التطور الحيوي الذي تتوالى مراحله عبر ~~مسار التاريخ، هذا على الرغم من أن كثيرين من علماء الحياة يميلون إلى هذا الإنكار، ~~ويؤكدون بلا أسانيد كافية أن العملية التي اكتشفها دارون عمياء تتم بلا وعي أو قصد ~~أو رؤية للمستقبل، قائلين إنه إذا ms20 كان ثمة صانع للساعة الحيوية، فهو صانع أعمى بلا ~~هدف. # بيد أن المسألة أعمق من هذا وذاك، كما يوضح بولكين هورن. فأولا بعض من رجال ~~الدين رحبوا بالنظرية التطورية، ورأوها متفقة مع الفهم الصحيح للدين، وأكثر من ~~نظرية الخلق المكتمل المناقضة لها. وفي واقعة أغفلها التاريخ بشأن تقويم كشف دارون، ~~وردود أفعال رجال الدين إزاءها، نجد رجل دين إنجيليا بروتستانتيا هو ~~تشارلز كنجزلي # Ch. Kingsley # يرحب بأفكار التطور ~~تأييدا وتحبيذا للبروتستانتية ذاتها بوصفها تقدمية، في مقابل الإظلامية التي ~~مارستها الكنيسة الكاثوليكية خصوصا في العصور الوسطى. وكما يقول كنجزلي، تصور ~~العلماء أن التطور الحيوي يعني التخلص نهائيا من الألوهية ومن تدخلها في الطبيعة، ~~وأن المسألة أصبحت اختيارا حاسما بين بديلين، الأول هو مجال مطلق للمصادفة ~~والأحداث العمياء، والثاني هو الرب الحي القدير الذي يمارس عمله المحايث في الكون. ~~بيد أن الله - كما يؤكد كنجزلي ومعه جمهرة من رجال الدين المستنيرين - الله لم يخلق ~~عالما جاهزا مكتملا، لقد خلق شيئا أكثر حذقا وبراعة، وأكثر إثباتا لذاته ~~تعالى، عالما خاضعا دائما للتطور. وعلى نفس هذا المنوال سار رجل دين آخر معاصر ~~لتشارلز كنجزلي هو أبري مور # A. Moore # الذي أوضح أن ~~الخلق الفجائي قد حل محله مفهوم الخلق المستمر. ولا تزال هذه الفكرة تلعب دورا ~~هاما في التأملات الدينية حول الكون التطوري، وتجد تعبيرات شتى خصوصا في كتابات ~~تيار دو شاردان P. Teilhard de Charidan ~~(1881-1955) وأيضا آرثر بيكوك # A. Peacocke # في ~~كتابه «الخلق وعالم العلم 1979». # 35 # وفي طريق مشابه إلى حد كبير يسير أمين الخولي، كما سوف نرى في الصفحات ~~المقبلة. # هكذا نجد رجال الدين المستنيرين وجدوا في التطور خلقا مستمرا أكثر إثباتا ~~للذات الإلهية. وفكرة الخلق المستمر ترددت بين جمع من كبار فلاسفة الإسلام في العصر ~~الذهبي للحضارة الإسلامية، خصوصا ابن رشد. لكن الذي يهمنا رجال الدين المستنيرين ~~في الغرب المسيحي الذي دخل في صراع مع دارون، بل وفي إنجلترا ذاتها التي كانت حلبة ~~ذلك الصراع من حيث كانت موطن دارون. ms21 رجال الدين المستنيرون في إنجلترا رحبوا ~~بالتطورية، وعملوا على تشغيلها في صلب رؤاهم الدينية. إذن لم يأت أمين الخولي ~~فعلا إذن حين رحب بالتطورية وحاول أن يجعلها بعدا، بل محورا من محاور دعواه ~~التجديدية. # وبالعود إلى محاضرات أمين الخولي، نجده بعد أن عرض الأصول التاريخية لنظرية ~~التطور وفحواها مع دارون - مدافعا عن هذا وذاك - ينتقل الخولي إلى فلسفة النشوء ~~والتطور العامة، وهي تطبيق هذا الناموس الحيوي على المظاهر الأخرى للوجود الإنساني، ~~فحتى المعنويات العقلية كلها تتطور من أصل بسيط وتتنافس والبقاء للأصلح. هكذا تكون ~~التطورية في الفلسفة الخلقية، فيقدم الخولي عرضا بارعا لمذاهبها، أولا بتوسع مع ~~الرائد هربرت سبنسر # H. Spencer ~~(+ 1903). وثمة ~~مراسلات بينه وبين محمد عبده، ثم مع ليسلي ~~ستيفن # L. Stephen ~~(+ 1904)، وصمويل ~~ألكسندر # S. Alexander ~~(+ 1938) حتى يصل إلى حيوده غير المقبول مع توماس هل ~~جرين. # وكان كل هذا في محاضرات الخولي موضوعا للعرض والنقد والتقويم، حتى احتل التطور ~~ما يقرب من نصف محاضراته في تاريخ الأخلاق. # وفي هذا السياق عني الخولي بتأكيد أن ناموس التطور الحيوي لا يقل ثبوتا في ~~المعنويات لذلك عم تطبيقه وسيطر على نظام البحث في سائر المجالات. و«صار كل باحث ~~يتصدى لدرس شيء من ذلك إنما يتقدم إليه مسلما بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى ~~وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعة واحدة، ~~فكرة كان أو لغة أو فنا أو حضارة.» # 36 # إذن يعمل هذا الناموس في عالم الأفكار ذاتها، يقول الخولي: «إن ظهور الفكرة ~~الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، ~~وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في ~~الحي على البقاء، وأن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة ~~الفكرة القديمة، تقابل حال البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة، وأن ~~قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها وترسيخهم لها في أذهان الناس تشبه قوة الحي ~~على إفناء منافسه وإبادته، واقتناع الناس رويدا ms22 بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من ~~الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي، وأن تأصل الفكرة ~~وثباتها في نفوس مقتنعيها يشبه تأصل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها في البيئة.» # 37 # ويضرب الخولي مثلا لهذا بفكرة تحرم تدريس العلوم الرياضية والطبيعية ~~الحديثة في الأزهر تبناها كبار الشيوخ من ذوي السلطان، وفكرة تدعو إلى تدريسها ~~تبنتها قلة نابهة غير ذات سلطان يتقدمهم الأستاذ الإمام. بدا أن الكفة الأولى هي ~~الراجحة، لكن ناموس البقاء للأصلح حكم في النهاية لصالح الكفة الثانية، بكل هذا ~~التشابه للانتخاب الطبيعي في الأحياء، وفي المعنويات نجد «حياة الأديان والإصلاح ~~كلها، وكفاح الرسل عليهم الصلاة والسلام والقادة المصلحين على سنن طبيعية ثابتة # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك # 38 ~~(سورة الإسراء، آية: 76-77).» # هكذا كان مدخل الخولي إلى تجديد الفكر الديني على أسس حيوية نازعة إلى التطور ~~والارتقاء مؤكدا أن «في الدين فكرة صريحة عن التجديد تبين ناموسا كونيا، وتنسبه ~~إلى سنن اجتماعية مطردة لا تتبدل» # 39 # هي سنة التطور. ~~(7) طريق التجديد التطوري # في مرحلة لاحقة على هذه المحاضرات يعترف الخولي بأن النفس منه قد ملكها شعور ~~الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى «تجديد تطوري» يفهم به الإسلام الذي يقرر لنفسه ~~الخلود والبقاء، فهما حيا يتخلص من كل ما يعرض هذا البقاء للخطر ويعوق ~~الخلود. # لذلك أهدى الخولي كتابه الرائد «المجددون في الإسلام» الذي يحمل رسالة التطور ~~والتجديد في الفكر الديني إلى: الذين يدينون بعالمية الإسلام وخلوده، فالكتاب - كما ~~ينص الإهداء - بحث في وسائل هذه العالمية وذلك الخلود. وبناء على ما سبق نتفهم ~~بسهولة أن هذه الوسائل ترابض في فكرة «التطور» التي يقول عنها الخولي في هذا ~~السياق: «تلك الفكرة بمجملها وعامة معناها لا تلزم العقيدة الإسلامية بشيء خاص، ولا ~~تكلفها قليلا أو كثيرا من شطط، إذ لا تمس فيها كليات ولا جزئيات، تزيد عليها أو ~~تنقص منها، في الوقت الذي يكون فيه تقرير فكرة التجديد المدانية ms23 لمعنى التطور إنما ~~هو قبول لأصل حيوي، لا يهون إنكاره، ولا من الخير المماراة فيه، إذ إنه واقع لا ~~يجمد ومشاهد لا يطمس، ذلك هو مبدأ التطور في الحياة»، # 40 # والذي هو - كما لا بد وأن تعرفوا - الأصل التجريبي لفهم سير الحياة ~~على اختلافها. # 41 # هكذا انطلق أمين الخولي مؤكدا أن التجديد تطور، والتطور الديني هو نهاية التجديد ~~الحق. والتجديد بهذا انطلاق مع الحياة ووفاء بجديد حاجتها، وما كان أصل الاجتهاد في ~~الدين إلا تقديرا للحاجة الماسة والضرورة القاضية بحدوث تغيير يوجبه التطور. وكشف ~~عن حاجة النصوص إلى توسيع يمدها بحيوية، تجعلها أصلح للبقاء الذي نودي به لها، بهذا ~~نجد التجديد لا يكون مع منطق الحياة والواقع إلا تطورا. # 42 # الدين في حاجة دائمة للتجديد والتطور بفعل المتغيرات العاتية والأمواج ~~العالية، والعوامل القومية التي تصطخب حوله؛ لهذا كان الاجتهاد والتجديد أصلا ~~ثابتا في العقيدة. ~~(8) براعة النزال في ساحة التطور # ها هنا يتبدى بجلاء تفتح واستنارة الشيخ الخولي، وقدرته على سحب البساط من تحت ~~أقدام الخصوم. فقد كان التطور مقولة رفعت لواءها المدرسة العلمية العلمانية ~~المناوئة لكل الخطوط السلفية والأصولية والدينية؛ إن لم نقل ولعناصر الأصالة ~~ذاتها، مدرسة سلامة موسى (1887-1958) وشبلي شميل وإسماعيل مظهر. وبينما تكرس سلفيون ~~لشن حرب شعواء على «نظرية التطور»، بل ويقف في مقدمة المهاجمين جمال الدين الأفغاني ~~نفسه، ها هو ذا أمين الخولي يستفيد منها ويسخرها لخدمة الفكر الديني وضرورة ~~التجديد فيه. # هذا بغير أن يتوانى عن واجبه في كبح جماح أولئك العلمانيين التطوريين وكف غلوائهم ~~حين يجورون على الحق والحقيقة. # فقد أخرج إسماعيل مظهر عام 1924 كتابه «ملقي السبيل» حيث حاول أن يؤلف بين الدين ~~ونظرية التطور، وينفي عنها مفهوم الدهرية # 43 # أو الإلحاد. لكن الخولي يتصدى بضراوة للرد على مظهر حين صب وابل اتهامه ~~على الشخصية المصرية وتحقيره للعقلية العربية وتسفيه ميراثها العلمي في مقال نشره ~~مظهر في عدد فبراير 1926 من مجلة المقتطف - كان الخولي آنذاك في برلين إماما ~~للبعثة الدبلوماسية المصرية في ms24 ألمانيا، كما ذكرنا - مع هذا أرسل على الفور إلى ~~«المقتطف» مقالا يرد فيه سهام مظهر إلى صدره، ويدحض اتهاماته للعقلية العربية ~~بأسانيد تاريخية وبراهين معرفية، خاتما مقاله بقوله: «آمل أن يتقبل الكاتب الفاضل ~~ما قدمت بروح الحب للحقيقة وطلبها حيث كانت.» # 44 # في هذا الإطار وبذلك التشغيل الحذر الفعال لمقولة التطور، كان الخولي يسير على ~~الحبل المشدود، ويقدم واحدة من أخصب مواطن العطاء في إسهاماته، وأكثرها تميزا حتى ~~يمكن اعتبارها علامة فارقة له عن موقف جمهرة الشيوخ. # فقد كاد التطور أن يكون لافتة مميزة، قصرا على تلك المدرسة العلمية العلمانية ~~التي أرادت أن تحتكر لها كل الخطوط، حتى إن أقطابها يلقبون القرن التاسع عشر - على ~~كثرة إنجازاته - «بعصر ظهور نظرية التطور، التي أخذت منذ منتصفه تملك على العقول ~~مسالك التفكير، وتصبغ النظريات والأحلام والترسيمات العمرانية بصبغتها.» # 45 # والحق أن هذه النظرية حين تطبيقها عمرانيا أو اجتماعيا نجدها تملك ~~قوة جذب وقوة دفع في خدمة كل تواق للتقدم، راغب حقا في الإصلاح، لكنهما قوتان ~~تتبوءران في قول الخولي: «ناموس التناحر على البقاء يعني الجهاد والنضال في سبيل ~~الحياة، والفوز للفرد الممتاز على غيره.» # 46 # قوة الجذب في أنها تجعل طريقه مفعما بالأمل الحي الماثل في أن ينصلح حال ~~الإنسان، بحيث يرتقي إلى منزلة أعلى ومباينة جدا، أسماها نيتشه منزلة السوبرمان، ~~أو الإنسان الفائق، تماما مثلما ارتقى في الماضي عن حيوانات أدنى، أو أشكال بدائية ~~للحياة. أما قوة الدفع، ففيما تحمله هذه النظرية من حث للإنسان على النضال ~~والكفاح من أجل الترقي والصعود، بل ومن أجل مجرد البقاء. خصوصا إذا أخذنا في ~~الاعتبار أن نظرية دارون في تفسيرها لحدوث التغيرات العضوية وظهور وانقراض أنواع من ~~الحياة، لا تجعل دور الكائن الحي سلبيا كمجرد متلق لمؤثرات البيئة مثلما تذهب ~~نظرية لامارك في التطور، بل تؤكد الداروينية على سلسلة لا تنتهي من حلقات الكفاح من ~~أجل الحياة والبقاء، تتنافس جميع الكائنات الحية في الحصول على الغذاء والماء ~~والمأوى، الأقوى والأسرع والأصلب هو الذي يظفر، ms25 أما الضعيف فيهلك. الأنواع القوية ~~القادرة على الفتك بمنافسيها، القادرة على التكيف مع البيئة تبقى وتحكم بالفناء على ~~الأنواع الضعيفة، الأقل تكيفا مع البيئة. # 47 # على هذا النحو يتم الانتخاب الطبيعي بحيث يكون للكائن الحي ولإمكانياته ~~الدور الأعظم في قصة التطور، والبقاء دائما للأصلح. إن التطور والارتقاء والتقدم ~~واقع متحقق وإمكانية مفتوحة دوما لمن يملك العزم على خوض غمار الحياة. # هكذا تمثل نظرية التطور استقطابا لتينك القوتين: الجذب والدفع، لتخاطب بسهولة ~~تشوفات الراغبين في الإصلاح، وتمثل في هذا الصدد أداة فعالة - أو كما أشار بوبر ~~برنامج بحث ميتافيزيقي ممتاز - فتستطيع المدرسة العلمية العلمانية أن تفرض ذاتها ~~على الواقع الثقافي وهي حاملة لواءها. # ولعل الخط الفاصل الذي جعل الشيوخ - بل وجمهرة المعنيين بالسلف - ترفضها بشدة ~~وتحاربها بشراسة يائسة، تتمثل في أن النظرية قد تستغني عن فعل الخلق المستقل وتنقض ~~الأيام الستة التي تم فيها. فقصة الحياة تشكلت عبر ملايين من السنوات، وليس يصعب ~~استئصال تلك الزوائد الضارة، فعن أي يوم يتحدثون؟! يوم مقداره ألف عام مما تعدون. ~~أم أكثر أم أقل؟ فضلا عن أن «أسلوب عمل الانتخاب الطبيعي يمكن من حيث المبدأ أن ~~يظهر بمظهر أفعال الخالق وأغراضه.» # 48 # وكما أشار الخولي؛ قرر لامارك أن الله هو الذي خلق الأصل وجعل فيه هذه القابلية ~~للتطور. وقال دارون إن وجودها يستبعد المصادفة العمياء ويستلزم قوة عجيبة مدبرة، ~~وأكد توماس هكسلي # T. Huxley ~~(+ 1895) استحالة نقض ~~الألوهية بمقتضى هذا المذهب. # 49 # بصفة عامة، لم يأل الخولي جهدا في استئصال تلك الزوائد ~~الضارة. # ثم يقول: «القرآن يقرر في إجمال تام خلق الناس من تراب، أو طين، وخلقهم أطوارا ~~دون أن يذكر في ذلك تفصيلا، فإن كنا ولا بد ملتمسين التفصيل فخير لنا وأعقل أن ~~نلتمسه من سنن علمية تثبت إطرادها وسريانها فيما مضى وفيما هو أت، فتفصيلها لإجمال ~~القرآن أكرم وأهدى من التصور السطحي الساذج الذي يجعل الخلق جبلا للتراب بالماء ~~وتسوية جسم كعرائس الأطفال، تدخله الروح من رجليه، وما إلى ذلك من تفاهة تضيع ms26 ما في ~~هذا الكون من روعة وعظمة.» # 50 # أما عن الخلق المستقل لكل نوع من الأحياء في ستة أيام وراحة الخالق في ~~اليوم السابع، فتفاصيل مذكورة فقط في سفر التكوين من التوراة، ولم يرد لها ذكر في ~~القرآن. لذا يخلص الخولي إلى أن النزاع المفتعل بين الإسلام ونظرية التطور لا يأتي ~~إلا من دجل الإسرائيليات المدخولة. # هكذا ينصرف الخولي عن الخوض في مسائل خلافية لا تجدي فتيلا، ليستقطر - ببراعة - ~~إمكانيات نظرية التطور التي تجعل من غير الممكن ولا المجدي إغفالها في أية ثقافة ~~معاصرة، فضلا عن أن تكون تحديثية تجديدية. ~~(9) التطور في اللغة أيضا ... وقبلا # وما دام التطور متجذرا في فكر الخولي وتجديده، كان من الطبيعي أن يتوغل في ~~تناوله التجديدي لقضايا اللغة العربية ونحوها وبلاغتها، # 51 # والتي لا تنفصل طبعا عن تجديد الفكر الإسلامي. وهما دائما قطبان ~~متعامدان، اللغة وسيلة إثبات وجودنا، والدين وسيلة تقويم هذا الوجود واتخاذ هدف له. ~~كما أن تجديد الفقه مقدمة لتجديد النحو؛ لأن أصول النحو قائمة على الفقه عند القدماء. # 52 # أما البلاغة فهي فن القول وجماله، وعلم التفريق بين الجيد والرديء منه، ~~ودراسة البلاغة لإعجاز القرآن دراسة للون خاص معياري من القول الجيد. # على أية حال، كان الدرس اللغوي هم الخولي الأساسي، والحلبة الأولى لنضاله من ~~أجل الاجتهاد والتجديد وتأثيم التقليد، مستندا على أصل عريق هو إجماع النحاة ~~القدامى على ذم التقليد. وحتى في عصور الانحطاط أغلق الفقهاء باب الاجتهاد، ولم ~~يفعل النحاة مثلهم # 53 # ورأوا الاجتهاد قائما في كل آن ومكان، وإلا عجزنا عن ضبط وتفهم ما ~~نقوله. # وفي هذا نجد سنة النشوء والارتقاء قائمة في اللغات أيضا، والتفسير التطوري للغة ~~مفتاح من مفاتيحها، فالبيئة الطبيعية المادية التي تعيش فيها اللغة، والظروف ~~النفسية والعقلية لمتكلميها، وأنماط الحياة التي يحيونها وتوارثها بين الأجيال ... كل ~~هذا وغيره من عوامل يصعب حصرها، يؤثر في تطور اللغة، بل ويمكن القول إن ثمة صراعا ~~بين اللغات نفسها، كما بين الأفراد والجماعات. # 54 # لكن هل البقاء هنا أيضا ms27 للأصلح؟ لم يبين الخولي، فقد عني فقط بإبراز ~~أهمية فكرة التطور في اللغة من حيث هي لغة، حتى جاهر بأمله في أن ينتفع من درسه هذا ~~المعنيون بالدراسات اللغوية غير العربية. # لا بد من التسليم بأن التطور سنة طبيعية خضعت لها العربية في كل شيء، أصواتها ~~وحروفها وكلمها وجملها وأسلوبها وبيانها ... فلم تظهر العربية - كما يقول الخولي - ~~خلقا سويا مستقلا، بل تغيرت وتحولت، إن لم نقل - عن رأيهم - تطورت - بمعنى ~~التطور عندنا اليوم. ولم يكن هذا التغير في زمن قصير، بل في زمن هو تاريخ ترقي ~~البشرية وتكملها إلى أن تهيأت للرسالة الختامية الموحدة للإنسانية؛ أي من آدم إلى ~~بعث محمد عليه السلام، وهذا التغيير غير طليق ولا متحرر، بل مقيد في كل حال. # 55 # الخولي في هذا ينفي سائر التفسيرات الغيبية اللاهوتية اللاعقلانية، التي تزعم أن ~~العربية - دونا عن سائر لغات العالمين - هبطت فجأة من السماء بالغة الكمال، لتظل ~~هكذا إلى قيام الساعة، وأيضا إلى ما بعدها. فأكد الخولي أن اللغة العربية خضعت ~~لسائر ما خضعت له اللغات البشرية، نافيا أي أصل إلهي لها. وفي هذا يستند إلى الآية ~~الكريمة: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم ~~(سورة إبراهيم آية 4). فليست العربية فقط، ~~بل ثمة لغات أخرى نزل بها كلام الله ووحيه. وجد الخولي في رفض ودحض كل الدعاوى ~~الانفعالية العاطفية التي تزعم «فضل العربية ... وكمال العربية ... وانتهاء العربية إلى ~~ما لا شيء بعده!» # 56 # أمثال هذه الدعاوى الهوجاء هي التي تقذف بنا خارج دورة الزمان وصيرورة التقدم، من ~~حيث تبتر أصول التطور والارتقاء. ~~(10) أسانيد تأصيلية # ونعود إلى الفكر الديني وتجديده على أسس تطورية، لنجد الخولي قد وصل في هذا إلى ~~حد تعداد الأسانيد التي تدعمه، أو بتعبيره تحديد «أسس التطور في الإسلام». # 57 # وأولا: # امتداد دعوة الإسلام أفقيا إلى الناس جميعا، ورأسيا مع ~~توالي الأزمنة والأجيال. وهذا الاتساع الزماني المكاني يجعل مواجهة ~~الإسلام للتغيرات لا مفر منها، فالبيئات المتغيرة لها حاجات متغيرة ~~ومتطورة، والإسلام قادر دائما ms28 على سد حاجات كل عصر وكل ~~أمة. # من هنا كان الاجتهاد أساس الحياة الإسلامية لمواجهة التغيرات، ~~حتى قيل إن علم أصول الفقه ما هو إلا تدريب على الاجتهاد. واحترم ~~الإسلام المحاولات الإنسانية لاستنباط حلول لمشكلاتهم العارضة، ~~وكان لكل مجتهد نصيب. والاعتراف بحق الإنسان في تفسير وتدبير ~~حياته، فقرر الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم # أن الناس أعلم بشئون دنياهم. ~~وللتدبير الإسلامي توجهات عامة تهدف لخير الإنسان وصلاحه، وتتيح ~~اختلافا بين الأئمة؛ رحمة بالأمة، وليس حسما لتفاصيل جزئية ~~لتتكبل كل إمكانيات التغير والتطور. # وثانيا: # بينما تخوض العقائد البدائية والأديان الأخرى في تفصيليات غيبية ~~وتوصيفات جزئية لقصة الخلق ووقائع حيوات الرسل، كانت أقوى الأسس ~~التي تهيئ الإسلام للتطور المحتوم هي اقتصاد دعوته في الغيبيات ~~واكتفاؤه بالإجمال العام فيما يجب الإيمان به، كالله والملائكة ~~واليوم الآخر. هذا الوضوح واليسر في العقيدة لا يدع فرصة للصدام ~~بينها وبين ما يستطيع الإنسان اكتشافه من قوانين الطبيعة، مما يجعل ~~الإسلام أكثر من سواه مسايرة للتجديد والتطوير. ولم يذكر الإسلام ~~في كتابه الكريم شيئا عن نشأة الحياة على سطح الأرض وأطوار ~~الإنسان (وهذا العنصر محوري لبحثنا هذا ما دام ينطلق من تشغيل ~~الخولي لخطوط نظرية التطور البيولوجية). وأخيرا عدم تورط الإسلام ~~في تفاصيل تاريخ الأمم والرسل، فلا يعنى القرآن بتحديد مكان وزمان ~~الحادث، اكتفاء بالدلالة العامة والدرس الحضاري المستفاد. # هذه الأسس تجعل الإسلام مسايرا لنظرية التطور، وللتطور ذاته في الحياة وفي ~~العلوم، فلا مناوأة لقانون الوجود. يقول الخولي: «إذا ما شعر الإسلام أنه يستطيع أن ~~يمضي مع أصحاب التاريخ دون تأزم، كما مضى مع أصحاب طبقات الأرض دون أزمة، وكما مضى ~~مع أصحاب العلم الطبيعي دون ارتباك، فإنه ليستطيع أن يتقدم على تطور الحياة منطلقا مطمئنا.» # 58 # ولا يبقى إلا أن يكون في المجتمع من يضمن مسايرة الفكرة للحياة ~~ووقايتها من عوادي الجمود. وبهذا يظل الإسلام دائما كما كان في عهده الذهبي: قوة ~~دافعة للتقدم، ورسالة الحياة والعالمية والخلود. # وأردف الخولي هذا بوقفة مع مجددي القرون الهجرية ms29 الأربعة الأوائل - فكرا وعملا ~~- وهم: عمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي، وابن سريج، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو ~~الحسن الأشعري، والباقلاني، لإبراز مواطن تجديدهم وأهميتها وفاعليتها، هادفا إلى ~~«استخلاص ما في أقوال أولئك الأخيار وأفعالهم، مما تفيد منه الحياة فتتجدد وتتطور ~~وتبرأ من آفات آراء وأضرار أفعال.» # على أن الخولي - وهو الشيخ الأصولي - لم يكتف بهذا التنظير في تأصيل التطور، ~~وأردفه بالاستناد إلى الحديث الشريف: عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد ~~المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «إن الله يبعث ~~لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» اتفق الحفاظ على أنه حديث ~~صحيح . # يمضي الخولي في هذا التأصيل دفعا لمظنة المحافظين، فيستهل كتابه «المجددون في ~~الإسلام» بأنه على أساس تحقيق مخطوطتين في دار الكتب المصرية، هما كتابا «التنبئة ~~بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للإمام جلال الدين السيوطي (متوفى 911ه)، و«بغية ~~المقتدين ومنحة المجددين» للمراغي الجرجاوي في القرن الثالث عشر الهجري، وهما ليسا ~~من عهود الثوثب والإشراق، بل من أجواء مسرفة في الانغلاق، ومع هذا ظلت فكرة ~~التجديد قوية الحضور؛ لأنها أصل من أصول الدين، حتى إنه لا يجوز في عرف السيوطي خلو ~~العصر من مجتهد، واستعاذ بالله من صيرورة الأمر إلى هذا الحد. # للسيوطي كتاب مفقود هو «الفوائد الجمة في من يجدد الدين لهذه الأمة» فضلا عن أنه ~~نظم شعرا أسماه «تحفة المهتدين في بيان أسماء المجددين»، ويلاحظ الخولي أن الكثرة ~~المطلقة منهم «رجال أنجبتهم وآوتهم وعلمتهم مصر، ذات الفضل العتيد على المدنية منذ ~~عرفها بنو آدم.» # 59 # وقد بلغ الأمر بالسلف حد اعتبار المجددين بمثابة الأنبياء في عصرهم. وإذا كان ~~الأقدمون تحدثوا مثل هذا الحديث عن التجديد، كيف إذن يعد بدعة، حين يضيء طريق ~~المستقبل واتجاه التطور فيه؟ # ونلامس في أحاديث الأقدمين وأفعالهم أن التجديد تغير وانتقال من حال إلى حال، ~~تأثرا بعوامل مادية ومعنوية تتعرض لها الأحياء، ونتفق جميعا على ms30 هذا. ولكن حين ~~يكون التجديد متلاقحا ومعضدا بمثل تشغيل الخولي الحذر البارع لمقولة التطور، فإن ~~التجديد في هذه الحالة - التجديد التطوري ينفصل تماما عن تصور قديم له يحصره في ~~مجرد إحياء ما اندثر، أو إعادة قديم كان، فالتجديد - كما يقول الخولي هو: «اهتداء ~~إلى جديد كان بعد أن لم يكن، سواء أكان الاهتداء إلى هذا الجديد بطريق الأخذ من ~~قديم كان موجودا، أم بطريق الاجتهاد في استخراج هذا الجديد بعد أن لم يكن.» # 60 ~~(11) مثالية شاملة، لا مذهبية # وإذا سخرت نظرية التطور إلى كل هذا الحد في صلب الديمومة الزمانية للإسلام، فلن ~~يعني هذا البتة أن أمين الخولي مناد بمذهب جديد هو - مثلا - التطورية الإسلامية، ~~أو أن هذا امتداد ما للدعاوى الزائفة بأسلمة النظريات العلمية والمذاهب الغربية ~~الكبرى. كلا، فالأمر - كما ذكرت - مجرد تشغيل حذر بارع لمقولة مجدية من العبث ~~تجاهلها أو إنكارها. # في كل حال يظل ديدن الإسلام - بتعبير الخولي - هو «مثالية لا مذهبية»، مثالية ~~تتقبل كل إصلاح اجتماعي دون ضغط، فليس الإسلام هو الذي يزيد المذاهب مذهبا والآراء ~~رأيا، بل الإسلام مثالية تقابل الواقعية. بهذه المثالية «يفتح باب الخلود والبقاء ~~الأبدي للدعوة الإسلامية، إذ تستطيع مع هذه المثالية أن تساير التطور وتجاري ~~التقدم، وتتلقى كل جديد صحيح مدروس، لا تبرم به، ولا تعارضه بفهم سابق، يمثل مرحلة ~~من مراحل الماضي التي غادرتها الدنيا، وتقدمت عنها الحياة، وتلك هي المثالية ~~المقابلة للواقعية.» # 61 # لقد أكد الخولي على أنه لا مذهبية في القرآن أبدا. وكرس لهذه القضية كتابه «في ~~أموالهم» ليدحض القول برأسمالية الإسلام وباشتراكيته على السواء، فهذا «محاولات ~~تلفيقية يجل عنها الإسلام، وتكلفات مغتصبة يأبى أن يشد إليها الإسلام، على حين هو ~~يقدم من الشعور الإنساني والأصل الاجتماعي ما يدع للإنسانية حرية الفكر وحرية ~~الممارسة وحرية التجربة.» # 62 # التطور أفق مثالي للإسلام، وليس مذهبا جديدا يوضع بجوار مذهب هربرت سبنسر ~~مثلا. ومن منطلق المثالية بآفاقها الرحيبة مقابل المذهبية بحدودها التعصبية التي ~~ينبغي طرحها عن رحاب الإسلام، يتبدى أمامنا التطور ms31 كمجرد أفق شامل للتجديد الديني، ~~فيصادر الخولي على أن كل شيء يتغير مع الزمن في صورته ومفهومه العقلي ووقعه على ~~النفس، وفي التعبير عنه والتمثل له. والقرآن يقرر أنه بالتغير يعامل المتغير، فيجب ~~على المفكر الديني أن يقدر كل هذا، فيغير عرضه وتعبيراته واستدلالاته. # ويعترض الخولي على قول لشيخ الأزهر - منشور بجريدة الأهرام في 27 رمضان 1384 - ~~يقصر فيه التطور على أحكام العبادات، وينأى به عن الأصول والعقائد. فيؤكد الخولي أن ~~التغير والتطور سنة شاملة في الأصول: العقائد والعبادات والمعاملات، وفي هاتين ~~الأخيرتين شريعة الإسلام هي انتخاب ما نراه أيسر عملا وأصلح للبقاء. # لقد كان التغير أمرا واقعا في الحياة الاعتقادية لعصر الإسلام الذهبي إبان ~~القرون الهجرية الأربعة الأوائل، حيث تتكشف اختلافات، بل صراعات جمة حول العقيدة. ~~ومن العقائد ما بلغ الاختلاف حولها حد سفك الدماء، كالذات والصفات وخلق القرآن. ~~بالطبع ليس مثل هذا التغيير ولا موضوعاته هو المنشود أو حتى المطروح، لكنه بيان ~~لإمكانية الاختلاف، وبالتالي قابلية التطوير والتجديد، فينتهي الخولي إلى أن «تطور ~~العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره.» # 63 # هكذا كان التجديد الديني مع الخولي جذريا حقا، حتى بلغ أصول العقائد ذاتها، ~~وهذا ما يسمى في المصطلح الفلسفي التجديد في علم الكلام، أو علم التوحيد في التسمية ~~التي يفضلها محمد عبده. وقد كان علم الكلام دائما هو الفلسفة الإسلامية الحقة ~~والتعبير العقلي الأصيل عن الروح الإسلامية، وفيه لا سواه نجد ما يمكن أن نسميه ~~الأيديولوجيا الإسلامية. # 64 # فلئن كان أشهر ما اشتهر به الخولي هو ما سنتوقف عنده في الفصل التالي؛ أي تجديده ~~في تفسير القرآن بمدرسته في التفسير الأدبي موضوعا موضوعا، لا سورة سورة، أو آية ~~آية، وعلى أساس من وثيق اتصال القرآن بالحياة الإنسانية؛ # 65 # فالمرجو أن يكون قد اتضح الآن لماذا بدا لنا أن أخطر ما في تراث ~~الخولي، وما يستحق أن نتوقف عنده فعلا، هو هذا التجديد في الفكر الديني، والذي ~~جعله التطور الشامل جذريا إلى أقصى ms32 الحدود، إلى أصول العقائد، إلى علم ~~الكلام. # وذلك هو ما يلح علينا الواقع الراهن لكي نستنه في خطوطه التأصيلية التي تحققت مع ~~الخولي. ~~(12) التجديد: أن نكون أو لا نكون # فلم يكن ما سلف عرضا تاريخيا مصمتا لجهود الخولي التجديدية، فقط كما تحققت في ~~إطار عصرها، بل من أجل الانتهاء إلى المتغيرات الأخيرة على مشارف القرن الحادي ~~والعشرين، إذ تجعلنا أشد احتياجا لاستلهام روح التجديد التطوري في الفكر الديني، ~~والتي ناضل من أجلها الشيخ الخولي. # ذلك أن أصالتنا - أو بمصطلح أفضل خصوصيتنا الحضارية - إنما يتمركز في سويدائها ~~الدين، وكثيرا ما أشار الخولي إلى قوة البعد الديني في الشخصية المصرية، ولا ~~يستبعد وحيا إلهيا هبط على قدماء المصريين. # 66 # وعلى مدار القرون الماضية احتل الإسلام المخزون النفسي للجماهير والنسيج الشعوري ~~والإطار القيمي، بعد أن شكل دائرة خفاقة استوعبت الدوائر الحضارية الأسبق. على ~~الإجمال الخطوط الإسلامية هي صلب شخصيتنا الحضارية وقسماتها. # لذا فإن البحث في تجديد الفكر الديني بمثابة البحث عن طوق النجاة من الانسحاق ~~الحضاري والضياع الثقافي في خضم ما نعانيه الآن من طوفان الانفلاقات الذي لا ~~يتنازعنا فحسب، بل ويتنازع دعائم وجودنا على خريطة العالم. وبعد أن ماهت الفوارق ~~بين التبعية والاستقلال الحضاري، وترسم بديلا موقف هامشي هو موقف التنازلات تلو ~~التنازلات، التي أصبحت تلامس ثوابت الهوية، ووضع القومية موضع الاستفهام، والعروبة ~~موضع التشكيك، والإسلام كرديف للرجعية. # ولا غرو أن يعقب هذا انتهاب الأرض وعلو الصهيونية، واهتزاز قيم الحرية والعدل، ~~وانحسار العقلانية وهبوط الوعي، وتراجع المشروع القومي، وشيوع التعصب وذيوع التطرف. ~~وفتية تنتابهم هيستريا الفرار المخبول للماضي، أو نوبات علاقة إجرامية بالحاضر ~~مضمخة بالإرهاب والدماء. # ثم العجز عن الخروج من التبعية للغرب، وهو لا يكتفي بميراثه الإمبريالي والصهيوني ~~الطويل الوبيل مع حضارتنا، بل يعقب هذا - أخيرا - بما سمي «الحرب الثقافية». وقد ~~ظهر هذا المفهوم في أعقاب حرب الخليج، وكان اعتماده صراحة في مقال و.س. لنيد ~~«الدفاع عن الحضارة الغربية» بمجلة السياسة الخارجية الأمريكية، ثم في مقال صمويل ~~هنتنجتون - الأستاذ بجامعة هارفارد ms33 - «الصدام بين الحضارات» بمجلة «الشئون ~~الخارجية» الواسعة الانتشار. وخلاصة مقال هنتنجتون - الذي حاز شهرة واسعة - أنه بعد ~~انتهاء الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات ~~هي خطوط القتال في المستقبل، بين الغرب وبين الحضارات غير الغربية الست، وأولها ~~الحضارة الإسلامية. ويخلص هنتنجتون إلى دعوة الغرب كي يتصدى لهذا الخطر الزاحف من ~~الشرق الإسلامي إلى الغرب والشمال. # 67 # إنها مواجهة ثقافية صريحة، تستنفرنا لبعث الحياة والنماء والتطور ... التجديد في ~~عصب ثقافتنا ومعامل خصوصيتنا الحضارية: الفكر الديني، لا سيما بعد أن نخلص من كل ~~هذا إلى ما نشهده الآن من ضياع القدس نهائيا من بين أيدينا. # ويصعب اعتبار هذه الأوضاع المتأزمة - أو المحنة الراهنة - أمرا عارضا، حين نجد ~~كتاب السيوطي المذكور «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» يقوم على أن المحن ~~تحدث على رءوس القرون، فتقتضي التجديد جبرا لما حصل من الوهن بالمحن، ويعدون هذه ~~المحن على رءوس المائين، فيذكرون الحجاج ومحنة خلق القرآن وخروج القرامطة وأفاعيل ~~الحاكم بأمر الله، واستيلاء الفرنج على بلدان شامية من بينها بيت المقدس. # وحين تكون المحنة دهماء من قبيل استيلاء الفرنج على بيت المقدس، فإن أمين الخولي ~~يفضل مجددا في أصول العقائد - وهو متكلم على مجدد في الفروع والعبادات - هو فقيه. ~~إن التجديد قد يكون دوريا مع التغيرات الدورية، وقد يكون جذريا مع المحن التي ~~تحدث عند رءوس المائين، وقد رام الخولي هذا التجديد الجذري المستجيب لاحتياجات ~~الواقع، فيقول: «إن ذلك التجديد الجذري في رءوس القرون هو العمل الثوري الكبير الذي ~~تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية.» # 68 # وتحتاجه الأمة الآن على ضوء التداعيات الراهنة أكثر من احتياجها إياه في أية ~~مرحلة أخرى، أو على رأس أية مائة سابقة - هجرية أو ميلادية. إن الحاجة تلح الآن إلى ~~إعادة قراءة أصولنا الدينية قراءة تاريخانية علمية تجديدية تطويرية، لا أن ننفصل ~~عنها وننكر لها إمعانا في التبعية والاستسلام. # لقد بات من الضروري السير في الطريق الذي عبده الرائد الشيخ أمين الخولي ~~للتجديد ms34 والتطور في الفكر الديني، استنقاذا للوعي القومي وللشخصية الحضارية، بل ~~ولوجودنا الحضاري ذاته لا سيما بعد أن تصاعد مد العولمة مهددا باكتساح كل ~~الخصوصيات الحضارية والتنوع الثقافي فلا يبقى إلا النمط الأمريكي. # الفصل الثاني # | في الآفاق الفلسفية للتفسير # أمين الخولي هيرمنيوطيقيا # 1 # طبيعي أن يكون موضوعنا العمود الفقري لجهود أمين الخولي؛ أي الأصالة في تقاطعها مع ~~التجديد. والواقع أن هذا هو الهيكل والإطار لمجمل إشكاليات الفكر العربي الحديث، وشغله ~~الشاغل، كما هو معروف. فكان من الضروري أن يتمثل في عقلية لها ثقل ومضاء عقلية أمين ~~الخولي. # وسؤالنا الآن عن التفسير، هل يقبع في محور الأصالة الرأسي، أم في محور التجديد ~~الأفقي؟ والحق أنه يرابض في صلب التقاطع بينهما. # وما نريد الآن أن نلقي عليه الضوء هو أن نظرية أمين الخولي في التفسير، لا سيما من ~~حيث ارتباطها بأفق المفسر، إنما ترابض في صلب الهم الفلسفي المعاصر، شرقا وغربا. مما ~~يلقي ضوءا كثيفا على أهمية وثراء وخصوبة وحيوية، يتفجر بها فكر أمين الخولي وميراثه، ~~وأكثر من كل ما يمكن أن يتبدى للنظرة العابرة. ~~••• # لكن لا بد قبلا من الاتفاق على أن التفسير - أي الجهد المتجدد دوما لتفهم النص ~~القرآني - إنما هو منطلق أولي للجهود الفكرية التأصيلية التي تعمل من أجل تنهيض واقعنا ~~الحضاري في تعينه وفي خصوصيته؛ لأن القرآن الكريم هو نقطة الإحالة المرجعية الثابتة ~~التي تمثل مبتدأ حضارتنا ومرتكزها، ومنطلق وعينا بالهوية كأمة متميزة بأنها ~~إسلامية. # إن الوحي القرآني فعل توحيد فذ، مثل نقطة تحول متفردة، ولم يكن استمرارا لأي مسار ~~كان قبله، نثريا أو شعريا، إنه كما قال طه حسين - الأستاذ العميد - ليس شعرا ولا ~~نثرا بل قرآنا. ولعل ظهور القرآن في سيرورة الحضارة العربية «يماثل ظهور الفلسفة في ~~سيرورة الحضارة الغربية، منعطف جذري وتغيير حاسم من حيث الرؤية التي أتى بها والمنهاج ~~الذي استنه.» # 2 # صحيح أن هذه المنطقة تتميز بسعة الموروث الثقافي قبل الوحي بزمان سحيق. وأمامنا في ~~مصر الحلقة الفرعونية والحلقة القبطية اللتان لا يمكن إغفالهما، ms35 إذ لا تزالا ماثلتين في ~~شعور الجماهير، من الفرعونية: شم النسيم، السبوع، ذكرى الأربعين، الحانوتي أو الحنوطي ~~رغم اندثار التحنيط، الفول المدمس ... إلخ. أما القبطية فيكفي أن الفلاح المصري حتى الآن ~~يعمل ويعيش في تقويمها، وينظم وقائع حياته وفقا للشهور القبطية المطابقة لمناخ مصر ~~ولبيئتها الزراعية. وشبيه بوضع مصر أقطار إسلامية أخرى لها موروث حضاري ماثل قبل الوحي ~~القرآني. كل هذا صحيح، ولكن أو لم يمثل القرآن الكريم، أو الوحي الإسلامي بسرعة غير ~~مسبوقة دائرة حضارية استوعبت كل هذا لتمثل مرحلة جديدة، نقطة بدء جديدة، مشكلة كل ~~المسار التاريخي اللاحق؟! # ثم كانت لغوية الحدث القرآني، وما أدراك ما لغوية الحدث القرآني؟ إنها هي - قبل كل ~~شيء - التي تجعل من مشكلة الخصوصية أو الأصالة واقعا شاغلا لنا دونا عن أية أمة ~~أخرى؛ لأننا نحن الأمة الوحيدة التي لا تزال تتحدث بلغة تراثها القديم وكتابها المقدس، ~~وكما تثبت الفلسفة التحليلية المعاصرة، ليست اللغة قالبا أو وعاء يملأ بالفكر مثلما ~~تملأ السلة بالفاكهة، بل إن اللغة هي ذاتها نسيج التفكير وخامة من خامات الوعي. # وقد مارس جلال الحدث القرآني نوعا غريبا - لعله غير مسبوق - من فقدان الذاكرة ~~التاريخية، ترسخ بلغوية الحدث، وهجران البلدان المفتوحة للغاتها القومية التي هي إطار ~~تفاعلاتها السابقة الطويلة مع واقعها، والنسيج الذي تمثلت فيه قيمها ونواتج ~~حضارتها. # وقد كان الإسلام باستراتيجية حضارية وسياسية معجزة ورائعة، يعد نفسه امتدادا ~~وتطويرا وتنقيحا للديانات السماوية السابقة، وبالتحديد اليهودية والمسيحية؛ لذلك فإنه ~~بخلاف الديانات السماوية السابقة، نجد أن كل ما تبقى في الوعي الجمعي من حاصل تاريخ ما ~~قبل الوحي والنص القرآني؛ إما نماذج شاخصة للطاغوت والجاهلية والشرك وكل ما يتوجب نقضه ~~ونفيه، وإما خيالات باهتة وأمساخ شائهة لفرعون الجبار، وإرم ذات العماد، وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد. ولما تنامت مؤخرا البحوث التاريخية والأركيولوجية والأنثروبولجية ~~وتجلت ذخائر أصول القوميات، كان تيار الوعي سواء احتوى هذا أم لا، قد استقر تماما في ~~إطار النص القرآني. فكيف إذن لا نشير إليه قائلين: من هنا نبدأ؟ ms36 # وقد كان النص القرآني بالتالي هو المركز الذي نشأت حوله دوائر علوم تراثنا؛ لذلك كان ~~نصا أو وحيا تحول إلى حضارة، وهذا أميز ما يميزنا كأمة، لقد خرج تراثنا من الكتاب ~~المبين/القرآن الكريم، كانت أولا الانبثاقة الجبارة الفريدة لعلوم اللغة، التي أسفرت ~~عن جهاز اشتقاقي ونحوي وصرفي لا مثيل له في لغات العالمين؛ لأن القرآن نص، ظاهرة لغوية، ~~ثم البلاغة لتكشف عن إعجازه، يتبعهما الفقه ليستنبط الأحكام قياسا عليه، وعلم الكلام ~~من أجل عقلنة القرآن ليتطور إلى الفلسفة، مما جعلنا حضارة تدور حول مركزها الثابت: ~~القرآن الكريم. وقد أشار المفكر الإسلامي المجدد حسن حنفي إلى أن هذا هو الفارق المحوري ~~والجدلي بين الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية المسيحية التي أصبحت طردية ~~بلا مركز؛ لأن الكتاب فيها قد خرج من التراث ولم يخرج التراث من الكتاب. # 3 # لم تكتب الأناجيل إلا بعد اكتمال الدعوة المسيحية، فكانت لاحقة على العقيدة ~~وتعبيرا عنها، ليست سابقة عليها أو مصدرا لها. ثم كان ظهور علم النقد التاريخي للكتب ~~المقدسة في القرن السابع عشر مع سبينوزا وريتشارد سيمون وجان أوستريك، ليتناول تحريفا ~~وتبديلا وتغييرا وقع في الكتب المقدسة، على كل هذا يقول حسن حنفي: # أهم ما يميزنا كأمة، سواء إذا كنا مجتمعا حاليا أو حضارة سابقة هو أننا قد ~~تلقينا «وحيا» يمتاز على الأقل بخصائص ثلاث، أولا: أنه آخر مرحلة من تطور ~~الوحي في التاريخ ابتداء من آدم حتى محمد، وبذلك يكون لدينا الوحي مكتملا في ~~صورته النهائية، يمكن أخذه كأصل للشرائع دون انتظار تغيير أو تبديل أو نسخ. ~~ثانيا: أنه محفوظ كتابة بين دفتي القرآن، وبذلك أمن خطورة التحريف التي ~~انتابت الكتب المقدسة الأخرى من إنجيل وتوراة عند بني إسرائيل. ثالثا: أن ~~القرآن ككتاب مقدس لم ينزل دفعة واحدة، بل نزل منجما كما يقول علماء التنزيل؛ ~~أي إنه ليس وحيا معطى، ولكنه وحي منادى به اقتضته أحوال الناس واحتياجاتهم، ~~تأتي كل آية كحل لموقف، ثم تجمع الآيات على مدى ثلاثة وعشرين عاما وتصبح ~~القرآن. فأهم ms37 ما يميزنا عن الأمم والحضارات الأخرى هو هذا القرآن. # 4 # ونلاحظ أن هذا الاقتباس يلفت أنظارنا إلى أن الوحي منادى به، لم ينزل دفعة واحدة، بل ~~منجما، هو تواتر من حلول لمشكلات واجهت الفرد والجماعة، وذلك قريب مما أسماه شيخنا ~~أمين الخولي: «وثيق اتصال القرآن بالحياة الإنسانية»، # 5 # وكان أساسا قامت عليه مدرسته في التفسير الأدبي للقرآن، التي نطرق الآن ~~أبوابها، خصوصا من حيث هي نقض للتفسير الحرفي الثبوتي الجامد، الذي لا يؤذن بتطوير أو ~~تجديد، ولن يومئ إلى تنهيض أو تنمية. # ننتهي من هذا إلى محورية قضية تفسير القرآن في أطروحاتنا الحضارية الهادفة إلى تأصيل ~~توجهات الحداثة، وتحديث معاملات الأصالة، أو باختصار الهادفة إلى التجديد، وأن اتجاه ~~أمين الخولي الرائد بمدرسته في التفسير من الخطوط المحورية في هذا المضمار. ~~••• # وإذا كان أمين الخولي ينعت اتجاهه بأنه تفسير «أدبي» للقرآن، فإن الخولي بدوره كان في ~~طليعة روادنا الذين تعرضوا لصلة علم النفس بالبلاغة والأدب. # 6 # وقد توقف عند الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على ~~النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها، # 7 # بطلاوته وعذوبته في مبناه وفي معناه، وفي جرسه وإيقاعه. وعن طريق الاستعانة ~~بأمهات عيون التراث، يبين الخولي الأثر النفسي لأساليب القرآن الكريم البلاغية، خصوصا ~~التكرار. # يرى الخولي الإعجاز النفسي للقرآن متروكا للإحساس الفني والذوق الأدبي؛ لأنه - كما ~~انتهى السكاكي - يدرك ولا يوصف أو يعلل. والأمر كله رجوع إلى مصدر الحياة الفنية في ~~الإنسان باعتبارها من أرقى ملكاته. # 8 # لكنه - أي الإعجاز النفسي للقرآن الكريم - يستتبع التفسير النفسي للقرآن، ~~والذي يمكن أن يساهم فيه علم النفس بما يملكه من فروض ونظريات. إن التفسير النفسي ~~للقرآن الكريم يقوم على أساس وطيد من صلة الفن القولي بالنفس الإنسانية. # والتفسير النفسي يعني أن القرآن الكريم فن أدبي معجز، من حيث هو هدى وبيان ديني، يقوم ~~على سياسة النفوس البشرية وترويض الوجدان. الفن هو نجوى الوجدان، والدين حديث الاعتقاد ~~وخطاب القلوب، وصلته بالنفس أوضح من أن تفسر. # هكذا عن طريق البعد ms38 النفسي يبلور الخولي نقطة التلاقي بين الدين وبين الأدب، ليخرج ~~بدعواه للتفسير الأدبي للقرآن الكريم، موضوعا موضوعا، لا سورة سورة، أو آية آية. وقد ~~أشرت في البحث السابق إلى أن هذا هو أشهر ما اشتهر به الخولي. # إن ترتيب القرآن في المصحف الشريف ترك وحدة الموضوع، ولم يلزمها مطلقا. وترك أيضا ~~الترتيب الزمني لظهور الآيات، فتتداخل الآيات المكية مع الآيات المدنية. وقد فرق الحديث ~~عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات متعددة ومقامات مختلفة. لكل هذا يكون الطريق ~~إلى المعايشة الأعمق للقرآن ومضامينه هو تناوله موضوعا موضوعا. # على أن هذا التناول مصبوغ بصبغة العصر الذي يتم فيه. # إن النص القرآني - كما صدرنا الحديث - مركز حضارتنا وثقافتنا، ثابت بنيوي، لكن تبيان ~~أغراضه ومعانيه ومراميه يكون في ضوء التفسير. لقد أشار الخولي إلى العلاقة بين التفسير ~~والتأويل، على أساس أن الأول أعم من الثاني. وقد استعمل القرآن الكريم كلمة «التأويل»، ~~ثم ذهب الأصوليون إلى اصطلاح خاص لها، حتى شاع استعمالها مع المتكلمين، باعتبارها لونا ~~خاصا من التفسير، والتفسير دائما له صور متعددة «وقد تنوعت ألوانه وتعددت بتعدد ~~ثقافات المتصدين له.» # 9 # وهكذا إذا كانت ثقافتنا تتميز بتمركزها حول محور ثابت هو النص الديني، فإن التفسير ~~يحمل دماء الحياة والتجديد والتطور دائما مع كل عصر، سيما وأن التفسير علم - كما أشار ~~الأقدمون - ما نضج وما احترق، مقابل النحو وعلم أصول الدين الذي نضج واحترق، وعلم الفقه ~~والحديث الذي نضج وما احترق، أما التفسير فهو نهر دافق يتدفق بتدفق الحضارة والحياة ~~نفسها، والنهر لا يكون فجا أو ناضجا، النهر لا يحترق أبدا. ~~••• # بكل هذه الحيوية والتدفق والتجدد المستمر الذي اتسم به التفسير مع أمين الخولي، نتوقف ~~عند واحد من أهم تيارات الفكر الفلسفي المعاصر، وهو المعروف باسم الهيرومنيوطيقا. وهذا ~~المصطلح # Hermeneutics # له معنيان أو مدلولان، أحدهما ~~قديم متوارث، والآخر حديث معاصر. لئن كان كلاهما يتمثل في الخولي، فإن ما يهمنا هو تحقق ~~المدلول المعاصر في شخصيته التفسيرية، فضلا عن مسيس احتياجنا الحضاري لذلك المدلول ms39 ~~المعاصر. # الهيرمنيوطيقا في أصوله القديمة هو علم تأويل الكتب أو النصوص المقدسة. ومع تطوره ~~التاريخي اكتسب مرونة واتساعا، حتى أصبح أخيرا وبفضل الفلسفة الألمانية، واحدا من ~~أهم تيارات الفلسفة في الربع الأخير من القرن العشرين. # الهيرمنيوطيقا كتيار فلسفي معاصر ينطوي على موقفين متقابلين، أحدهما يتبع ~~فيلهلم دلتاي # W. Dilthey ~~(1833-1911) ويرى التأويل ~~أو الفهم # Verstehen # منهاجا للعلوم الاجتماعية ~~والتاريخية. أما الموقف الثاني فيتبع مارتن ~~هيدجر # M. Heidegger ~~(1889-1976) ويرى التأويل «حدثا أنطولوجيا» أي حدثا ~~وجوديا. التفاعل بين النص وبين المفسر/المئول إطار ضروري لتفهم الموضوع المطروح، إنه ~~جزء من تاريخ ذلك النص، كما أن طرح قواعد ومعايير لتفهم ما يقوله النص إنما هو موقف ~~تاريخي ووجودي للمئول/المفسر. # 10 # وسوف نسير الآن عبر الخط الهيدجري لنجد الهيرمنيوطيقا نظرية عن الخبرة الواقعية الحية ~~بالنص. إنه علم قراءة وفهم النصوص على إطلاقها، سواء دينية أو تراثية أو فلسفية أو ~~قانونية. ويكتسب أهمية خاصة في النصوص التراثية؛ لأن القراءة الهيرومنيوطيقية ينصهر ~~فيها النص والقارئ معا، الماضي والحاضر في علاقة جديدة تبادلية وتكاملية، إنها حوار ~~مستمر مع النص يجعله مفتوحا دائما لفهم جديد وتأويل جديد. هكذا تغدو النصوص معاصرة ~~دائما، معاصرة لكل من يقرؤها مجددا. ~~«النص لا يقول الحقيقة، بل يفتح علاقة مع الحقيقة»، # 11 # أو قل علاقات كل قارئ، كل عصر يدخل في العلاقة الموائمة لحيثياته. النص ~~مادة خام، قالب يتسع لمضامين عديدة، ويكتسب مضمونا محددا حين يتحدث المفسر القارئ ~~نيابة عنه، يتحدث بلغته، لغة الحاضر، ودون مشاركة الحاضر يتجمد النص وتتخلخل علاقته ~~بالواقع. إن التأويل والتفسير يملؤه بالمضمون طبقا لما أسماه الفقهاء في تراثنا: ~~(المقاصد العامة). # هكذا يظل النص ظاهرة حية باستمرار. إن النص - أي نص - تنتهي مهمة تصنيفه، أو تنتهي ~~مهمة الكاتب بخروج النص. أما القراءة، التأويل والتفسير فمهمة مستمرة، إمكانية مفتوحة ~~دوما لفهم جديد، لتفسير أو تأويل جديد. # هكذا تحولت ظاهريات النصوص إلى علم مستقل هو الهيرمنيوطيقا، يستفيد من علوم إنسانية ~~عديدة، وبنفس القدر يفيدها. وتصب فيه نظريات المعرفة والوجود والقيمة على ms40 السواء، وإن ~~كان أوثق اتصالا بنظرية المعرفة. ولكن لعلنا لاحظنا أن أمين الخولي يركز أيضا على ~~اتصال علم النفس بالذات بالتفسير وتأويل النصوص الأدبية، وعلى رأسها جميعا القرآن ~~الكريم. # لقد أتى أقوى السائرين في الخط الهيدجري، وهو هانز ~~جيورج جادامر # H. G. Gadamer # بكتابه الرائد «الحقيقة والمنهج» # Wahrheit Und Methode ~~(1960)، فتستوي الهيرمنيوطيقا منهاجا فعالا، ~~قيل إنه يوازي في خطورته وأهميته المنهاج العلمي التجريبي. فهذا الأخير لتناول الواقع ~~الفيزيقي والحيوي، أما الهيرمنيوطيقا فمنهاج لتناول النصوص، وهي واقع إنساني لا يقل ~~عينية وتجسدا وأهمية وصعوبة مراس، إن لم يزد. # 12 # وبفضل هذه الصبغة المنهجية الطاغية أصبحت الهيرمنيوطيقا علما له مدارسه، واتجاها ~~واسعا مارس سيطرة كبيرة على الأجواء الثقافية ومدارس النقد الأدبي في العقدين ~~الأخيرين. # إنه علم يقوم على إلغاء التباعد بين القارئ والنص، أو ما يتمثل في فلسفة المناهج ~~المعاصرة من إلغاء للتباعد بين الذات والموضوع الذي وقعت في إساره الفلسفة الحديثة. ~~وبالتالي فهم النص ليس كموضوع مفارق، بل في سياق إنتاجه وفي أفق المتلقي له، فتتعدد ~~مدلولاته بتعدد آفاق المتلقين باختلاف الأزمنة والأمكنة. ويبقى النص معينا لا ينضب ~~أبدا وإمكانية متجددة دوما. # هكذا تتجلى الهيرومنيوطيقا كمنهاج ذي قدرة متفردة على بث الحياة مجددا ودائما في ~~النص، من حيث يلقي تلك التبعة والمسئولية على عملية القراءة والتأويل والتفسير، هو في ~~كلمة واحدة: انصهار النص والقارئ معا. النص مادة خام، القارئ يشكلها ويعيد تشكيلها في ~~عصره تبعا للأفق الثقافي المعطى. # القراءة والتفسير مهمة مستمرة، والتأويل إمكانية مفتوحة ومتجددة دائما. ~~••• # بهذا، وبعد أن رأينا الخطوط العامة للتفسير عند أمين الخولي ومدرسته الأدبية، يتضح ~~تماما كيف كان الخولي هيرمنيوطيقيا كبيرا، ويكفي أن نستشهد بالفقرة التالية من ~~مناهج تجديده. يقول الخولي: # إن الشخص الذي يفسر نصا، يلون هذا النص - لا سيما النص الأدبي - بتفسيره له ~~وفهمه إياه، إذ إن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، ~~وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها. يفعل ذلك كله وفق ~~مستواه الفكري وعلى سعة ms41 أفقه العقلي؛ لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ~~ولا تمكنه مجاوزته أبدا، فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره ويمتد إليه ~~عقله. وبمقدار هذا يحتكم في النص ويحدد بيانه، ولا يستخرج منه إلا قدر طاقته ~~الفكرية واستطاعته العقلية. وما أكثر ما يكون ذلك واضحا حين تسعف اللغة عليه، ~~وتتسع له ثرواتها، من التجوزات والتأولات، فتمتد هذه المحاولة المفسرة بما ~~لديها من ذلك، وإن المستطاع منه في اللغة العربية لكثير وكثير. # 13 # وأخيرا نشير في الختام إلى أن أزمة الثقافة الإسلامية والحضارة العربية حدثت حين ~~عجزت عن التأويل، وتوقفت عن التفسير المتجدد، ودخلت في ليل الشروح والتعليقات والمتون ~~والهوامش والحواشي. فكان تجديد التفسير شرطا لتجديد الفكر العربي الإسلامي وازدهاره، ~~وكما قيل بحق هذا هو الهدف الذي يسعى إليه المفكرون الإسلاميون منذ فجر النهضة حتى اليوم. # 14 # ونحسب أن أمين الخولي قد أصاب الكثير من سويداء هذا الهدف. # | الباب الثاني # محاولات للتطبيق # الفصل الثالث # | حوار مع الفكر المتطرف # يبدو أول وأهم تطبيق مباشر لمنهجيات أمين الخولي - كشيخ أصولي - هو وضعها في مواجهة ~~مع الفكر الأصولي المتطرف، الثبوتي الجامد المتحجر. إنهم يتمسكون بحديث الفرقة الناجية ~~من النار - الذي شكك في صحته، وفي جواز الاستدلال به ابن حزم الأندلسي وآخرون - تمسكوا ~~به ليلزموا الطرف الأقصى الواحد والوحيد، رافضين كل المتغيرات في تدرجاتها إلى أطراف ~~أخرى تشكل جميعها الواقع، ثم اتخذ هذا الرفض شكلا تمخض عن ظاهرة الجماعات الإسلامية ~~المتطرفة التي نتأت بارزة في السنوات الماضية لتضمخ واقعنا بالدماء والإرهاب وترويع ~~الآمنين باسم الإسلام! # لقد أمكن تحجيمها إلى حد كبير في مصر، بفضل ما تملكه من قوى الاستنارة العقلية ~~والقدرة على التلقي السديد لرسالة الدين، والدين فيما يقال اختراع مصري، نشأ أول مرة ~~على ضفاف النيل، لكن الجماعات المتطرفة ما زالت تمارس فعلها في أنحاء شتى من العالم ~~العربي، والعالم الإسلامي، فيتحول الدين على أيديهم إلى قوة معوقة للتقدم والتطور، ~~مثلما كان قوة لسفك دماء الأهلين في أعماق مصر الغالية. ولله ms42 في خلقه شئون! # واللافت حقا أن مكمن الخلاف بينهم وبين أمين الخولي هو عينه العلة التي جعلت الدين ~~يتشوه على أيديهم هكذا. فبينما كان البعد المحوري في منظومة الخولي العقلية هو قدرة ~~الفكر الديني على التجدد والتطور، لينساب تيارا دافقا في مسار التاريخ، قادرا على ~~استيعاب ومواجهة متغيراته، نجد الفكر المتطرف يقف في مواجهة يائسة بائسة مع التاريخ ~~والتاريخانية. # إن التاريخ هو حجر العثرة الذي يتصاعد منه مستصغر الشرر ليضرم مستعظم النيران. فإذا ~~كان الله تعالى قد جعل الإنسان تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية؛ فذلك لأن الإنسان هو ~~الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخا. التاريخ هو ما يجعل عالم الإنسان مختلفا عن عالم ~~الحيوان والنبات والجماد، الذي لا يعرف صنع المتغيرات ولا تراكماتها. التاريخ هو فاعلية ~~الإنسان هو صيرورة الحضارات وسيرورة الثقافات، هو التغير الذي جعل الإنسان الكائن ~~الوحيد الذي يدرك معنى الزمان ويصنع له حسابا، فكان الوحيد الذي يعرف معنى الصعود ~~والتقدم واختلاف الأمس عن اليوم. # ومهما كانت نوايا الجماعات المتطرفة، ومهما كانت أهدافهم وأسانيدهم، فإن الخطأ ~~المحوري في استدلالاتهم الذي يؤدي إلى هذا الاصطدام الدامي العقيم مع الواقع لهو في ~~إنكار تلك التاريخانية. # بداية، إذا كان الواقع مأزوم، فكلنا يجب أن نعمل على تجاوز الأزمة، بآفاق فكر نهضوي - ~~لا يمتنع أن يكون دينيا - وبمجالات عمل تنموي لا يقتصر على أن يكون اقتصاديا. ~~التنهيض والتنمية هما الشكلان الإيجابيان لرفض أزمة الواقع، كلاهما يسير على معامل ~~التغيرات في مسار التاريخ، بحثا عن الأفضل والأجدى. # مشكلة الجماعات الإسلامية المتطرفة أنها لا ترفض الواقع المأزوم فحسب، بل تدفعها ~~الثبوتية إلى رفض المتغيرات أيضا وأصلا، انطلاقا من رفض التاريخانية، فيطابقون بين ~~الدين وبين التراث، بين الثابت وبين المتحول، بالتحديد بين الإسلام وبين الفتاوى لابن ~~تيمية، وتلخيصها في (الفريضة الغائبة)، نيل الأوطار وفتح القدير لتلميذه الشوكاني، وكتب ~~ابن القيم الجوزية، وفتح الباري للعسقلاني، والمحلى لابن حزم، المغني لابن قدامة. حتى ~~المصطلحات الأربعة: الحاكمية والألوهية الربانية والوحدانية للمودودي ... وصولا إلى ~~«معالم على الطريق» لسيد قطب. معظمها ms43 أعمال قيمة، لكن تنبع قيمتها من قدرتها على ~~تمثيل روح عصرها والاستجابة لمتطلباته وتحدياته التي تختلف عن متطلبات وتحديات عصرنا. ~~كلها خارجة من الثابت في حضارتنا: الكتاب والسنة، لكنهم ليسوا أوصياء علينا، ونحن لسنا ~~قاصرين عاجزين عن الإبداع والاجتهاد مثلهم، والخروج من هذا المعين الثابت بما يسد حاجات ~~عصرنا. وكما قال إمامنا شيخ الأصوليين في التجديد وفي مراعاة تاريخية الوضع الإنساني، ~~كما قال أمين الخولي: لهم عصرهم ولنا عصرنا، نتعلم منهم ولا نحذو حذوهم النعل ~~بالنعل. # ينفعنا الآن أبو المنهج التجريبي فرنسيس بيكون (1561-1626) فقبل أن يعرض للمنهج يبدأ ~~بالتحذير من أربعة أنواع من الأخطاء، أو الضلالات المتربصة بالعقل البشري لتحول بينه ~~وبين سلامة الاستدلال المنهجي، أسماها بيكون «الأوثان الأربعة». النوع الرابع «أوثان ~~المسرح» النابعة من الافتنان بممثلي أو أعلام الفكر السابقين، وكما ينبهر متفرج المسرح ~~ببراعة الممثل في تجسيد الدور (أو براعة المفكر في تجسيد روح عصره ومتطلباته) ينسى ~~المتفرج واقعه ومشكلاته، يتألم لمآسي الممثل ويفرح لظفره بالمحبوبة، حتى وإن كان بين ~~المتفرج ومحبوبته فراسخ وأميال! # كذلك تعيش الجماعات المتطرفة في واقع تلك المصنفات التراثية، التي كانت نتاجا أو ~~استجابة لظروف حضارية انتهت منذ قرون عديدة، ملغين ظروفنا وواقعنا، ولا يلتفتون إلى أن ~~فتاوى ابن تيمية لمواجهة المغول لا تصلح لمواجهة أمريكا ومجلس الأمن، وأن معالم سيد قطب ~~كانت على طريق الاصطدام مع التجربة الناصرية الاشتراكية التي أضحت الآن أثرا بعد ~~عين. # من هنا يتصاعد الشرر، من المطابقة بين الدين والتراث، بين العقائد من ناحية ونواتج ~~الجهد البشري في مرحلة تاريخية معينة، من ناحية أخرى فيريدون صياغة الحاضر على غرار ~~الماضي، من حيث المحتوى المعرفي والمفاهيم، حتى تفصيليات الأنماط السلوكية. تنشغل ~~إسرائيل بالأسلحة النووية والقنابل الذكية، وينشغلون هم بالشهب والحراب على من حرم ~~النقاب، متصاغرين متخاذلين في التحدي الحقيقي أمام الآخر الغربي الذي نزع النقاب عن ~~المادة ليكشف الذرة، ثم نزع النقاب عن الذرة ليكشف الجسيمات، ثم نزع النقاب عن الجسيمات ~~الذرية ليكشف - أخيرا - الكواركات، ولا يكتفي أبدا. أي ms44 النقابين الانشغال به الآن عند ~~الله وعند عباده خير وأبقى! فالمطابقة الخاطئة بين الإسلام وتراثه تضر الإسلام قبل ~~سواه؛ لأنها تفرض فيه تحجرا عند مرحلة تاريخية أسبق، تحجرا زائفا لا يوجد إلا في ~~عقولهم. فالدين رسالة، مسئولية أبت أن تحملها السموات والأرض وحملها الإنسان، إنه ~~إيجابية؛ أي عمران ونماء وتطور. # بهذا المفهوم المتحجر للدين يصرون على أن التراث حاضر اليوم وفاعل، استمرارا للماضي ~~في الحاضر، والزمان يسجل لحظات كمية لا كيفية فيها. هذه رومانتيكية صريحة (الرومانتيكية ~~عادة تضرج في الدماء لأسباب مختلفة) رومانتيكية اللياذ بالعوالم الذاتية المنفصلة عن ~~العالم الموضوعي المشترك، رومانتيكية العجز عن الفكر الخلاق والفعل الإيجابي، ~~رومانتيكية التضاد مع العقلانية. من هنا كانت ضد التنوير، بل هي الإظلام بعينه؛ الإظلام ~~هو تغييب الواقع. وبهذا يشحذون سلاح الخصم، فلن يعود الدين - كما يقول أعداؤه - أفيونا ~~للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية فحسب، بل أيضا لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن، ~~إلغاء للزمان ونفي فكرة التقدم، مخالفين صحيح السنة، حيث اعتبر الرسول عودة ساكن الحضر ~~إلى البداوة والعيش مع الأعراب (ارتداد على العقبين) كبيرة من الكبائر صاحبها كالمرتد. ~~كيف ولماذا ينفون التقدم الحضاري؟ # بل إنهم يفعلون بالتقدم ما هو أكثر من النفي، إذ يعكسونه، يجعلونه قهقريا بالعود ~~إلى الوراء، مستندين إلى فهم تعسفي أو تحجري للحديث الشريف: «خير القرون قرني ...» ملغين ~~مفهوم المثل الأعلى، ومنكرين أن الحضارة مسار تراكمي. إنهم يفضلون القرون الأربعة ~~الأولى. وكلما سرنا قدما مع التاريخ سرنا مع انهيار تدريجي متوال لتلك الذروة ~~التقدمية، ليكون عصرنا أدنى درجات الانهيار، وكل عصر آت درجة أدنى، ما لم يحدث التقدم ~~القهقري بالرجوع إلى الوراء واللحاق المستحيل بعصر ولى وفات. # من هنا كانت «الماضوية» محورهم. إنهم يعتبرون اللحظة الماضية منطلق الحلول للحاضر ~~والمستقبل، فيكون الماضي هو الفاعل الوحيد، المبتدأ والخبر. مرة أخرى يضرون الإسلام قبل ~~سواه؛ لأن الماضوية التي ترفض الحاضر والمستقبل تقف في مربع واحد مع الأسطورية التي ~~تعلو على التاريخ، ولا تعترف بالزمان أو بأبعاد المكان. أهذا ما ينشدون؟ ms45 ألهذا يغمضون ~~العيون ويصمون الآذان عن كل متغيرات؟ # في كل حال ينبثق فكر الجماعات المتطرفة عن كراهية الواقع، ونفور من الحاضر، وعجز عن ~~التعامل معه، حتى شكلها الحنين الدافق والهيام الرومانتيكي المشبوب بالماضي، فتلوذ ~~بعوالمه المنفصلة، متوهمة إحياء الدين في الواقع وإحياء الواقع في الدين، وهي في حقيقة ~~الأمر تدمر الطرفين معا، تدمر الواقع حين تنفيه أو تتصور إمكانية نفيه بكل زخمه ~~وإنجازاته وعثراته وتحدياته المستجدة، وتفر إلى واقع انتهى منذ قرون. وتدمر الدين حين ~~تنفي عنه الحياة والقدرة على التواصل والاستمرارية، وأن يؤدي مهامه حين تختلف الأزمنة ~~والأمكنة. # هكذا تنتهي منظومتهم إلى تدمير - أو على الأقل - استلاب الحياة والفاعلية من الدين ~~والواقع على السواء، وهذه محصلة طبيعية، ما داموا ينطلقون من التسليم باغتراب الواقع عن ~~الدين، واغتراب الدين عنه، كوضع منته، لا مخرج منه إلا بالنفي، نفي الواقع، بمعنى ~~السلب أو اللا أو التكفير والهجرة، ونفي الدين إلى عوالم أخرى ماضوية، يتصورونها أكثر ~~حضورا من أي حاضر، ولله في خلقه شئون! # والآن، ما العمل؟ كيف نخرج من ذينك الطرفين الدين/التراث، والواقع/الأزمة، ليس بما ~~يدمر أحدهما أو كليهما، بل بالمركب الحضاري المنشود القادر على الاستيعاب ~~والتجاوز؟ # ليست الإجابة في تجفيف الينابيع، كما يرى دعاة سوق شيمون بيريز الشرق أوسطية التي ~~يزعمون أنها ستأتينا بالمن والسلوى. الينابيع غير قابلة للتجفيف ولا التهميش، فنحن ~~الأمة الوحيدة في العالم التي تتحدث نفس لغة نصوصها السماوية والمقدسة، واللغة ليست ~~وعاء بل هي نسيج التفكير والوعي. الدين غريب ومغترب عن أوروبا، والحضارة الغربية أتاها ~~من حضارة أخرى، من المشرق. الدين هو صلب خصوصيتنا وعماد هويتنا القومية ومكنون مخزوننا ~~النفسي، بناؤنا القيمي، فحوى الأعراف ... باختصار لب أيديولوجيتنا، ولا حل لمشاكلنا بدون ~~تغذية منابع الفكر الديني بكل ما نملك من زاد، لتتدفق فيها كل ما في شراييننا من دماء ~~الحياة والبحث والتفكير والإنجاز، لنكون أقدر من أسلافنا في التعامل مع الثوابت: الكتاب ~~والسنة، تعاملا اجتهاديا فتيا دافقا متجددا. بهذا فقط نملك واقعنا، ونعيش عصرنا ~~بأن نجتهد ونبدع ms46 مثلهم وأكثر، لكي نسد حاجات عصرنا، مثلما سدوا هم حاجات عصرهم، فيكون ~~التواصل الحقيقي معهم، واستمرارية تاريخنا صعوديا لا دائريا. # الفصل الرابع # | التفكير العلمي # والعلاقة بينه وبين الاستنارة الدينية # 1 # مهما تمخضت مسالك العلماء في النهاية - أو في تطبيقاتها - عن إنجازات تلغي الزمان ~~والمكان، كالسفر بسرعة الصوت والتواصل بسرعة الضوء، وغزو الفضاء والذرة وتحويل مجاري ~~الأنهار، اخضرار الصحاري، ومقاومة الأمراض، ومداواة العاهات الجسدية والنفسية ~~والاجتماعية، تتابع أجيال الحاسوب، ثورة الهندسة الوراثية واستنساخ الكائنات الحية، ~~مهما تحققت إنجازات تتضاءل بجوارها معجزات الأساطير، فسيظل المغزى الأعظم لمسلك العلماء ~~أنه بلورة مستصفاة وتجسيد متعين لتعقيل السير نحو الهدف، لطريقة التفكير المثمرة ~~السديدة الملتزمة بالواقع والوقائع، والتي تعرف باسم التفكير العلمي. # وكل لحظة تشهد بتصديق مستديم على أن التفكير العلمي هو أنجح وسيلة امتلكها الإنسان ~~للسيطرة على واقعه. إنه السبيل إلى الظفر المبين في خضم عالم الواقع ومشكلاته. # لذلك نلاحظ أن التفكير الرياضي ينعت أساسا بأنه تفكير منطقي، أما التفكير العلمي ~~بألف ولام التعريف، فهو أسلوب التفكير المتعين والمتجسد في العلوم التجريبية؛ أي العلوم ~~الإخبارية التي هي منظومة متوالية من الأبحاث الممنهجة، تنتج وتعيد إنتاج وتصوب وتنقح ~~وتدقق وتعمم ... المعرفة التي تضطلع بالوصف والتفسير والتنبؤ ثم السيطرة على ظواهر العالم ~~الواقعي المعاش والمشترك بين الذوات أجمعين. هذا العالم الواقعي المعاش هو المعامل ~~الأولي للحضارة، ولمجرد حضور الإنسان في هذا الكون، لكن تتوالى في إثره سائر الأبعاد ~~والخصوصيات والعموميات والآفاق الحضارية. # العلوم الإخبارية التي تضطلع بهذا العالم الأولي الفيزيقي عديدة، فيزيوكيماوية وحيوية ~~وإنسانية، فروعها شتى ومناهجها أو أساليبها التجريبية التخصصية تعد بالعشرات، ثم يأتي ~~التصور الفلسفي العام لصلب التفكير العلمي ليقف على المعالم المحورية والثوابت البنيوية ~~في شتى متغيرات الممارسات العلمية، ليعطينا الأساس العام أو خلاصة التفكير العلمي ~~وفحواه، فيما يعرف بالعقلانية التجريبية. ~~••• # التفكير العلمي هو العقلانية التجريبية، هو - كما ذكرنا - تجسيد لطريقة التفكير ~~المثمرة السديدة الملتزمة، للعقل حين يرسم سبلا موجهة ناجحة، حين ينطلق بمجمل طاقاته ~~وقدراته أقصى انطلاقة في محاولاته الجسورة لوضع الفروض ms47 العلمية، لكنها دونا عن كل ~~انطلاقات العقل ملتزمة بالواقع - بما تنبئ به التجربة - لتتعدل الفروض أو تقبل أو ~~تلغى وفقا له ... أسلوب التفكير العلمي التجريبي ينصت لشهادة الحواس ومعطيات الوقائع، ~~فتعين موضع الخطأ والكذب في الفرض حين يتعارض معها، يتم تصحيحه والبحث عن فرض جديد ~~متلاف لذلك الخطأ، يعرض بدوره على محكمة التجريب، ويتم تعديله بفرض جديد. وهكذا ~~دواليك في متوالية لتقدم لا يتوقف أبدا، حتى ليكاد يكون البحث العلمي هو التمثيل ~~العيني لمقولة التقدم. # كل إجابة يتوصل إليها العلم تطرح تساؤلات أبعد، فيؤدي كل تقدم إلى تقدم أعلى. ومهما ~~علونا في مدارج التقدم لن تغلق المعامل أبوابها، ولن ينتهي البحث العلمي أبدا، بل ~~يزداد حمية ونشاطا في سعيه الدءوب المتخطي دوما لحاضره، مغيرا إياه. # فليس العلم بناء مشيدا من حقائق قاطعة، بل هو نسق من فروض ناجحة، كل يوم فروض أنجح ~~من سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة. كل يوم جديد يتلافى أخطاء ~~وقصورات القديم، فيلغيه أو على الأقل يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع في طريق التقدم خطوة أبعد ~~منه، في صيرورة تغير مستمر إلى الأقرب من الصدق، الأفضل والأقدر. # في خضم هذه الحركية التقدمية تقوم وقائع التجريب بدور ناقد قاس لا يعرف الرحمة حين ~~تعيينه لمواضع الخطأ، دور الفيصل والفاروق بين الصدق والكذب، القاضي الحاتم ذي الحكم ~~الموجب النفاذ. إنها مسئولية عسيرة أمام الواقع والوقائع، الاضطلاع بها هو أسلوب ~~التفكير العلمي، فهو التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والتجريب، الفهم والحواس، ~~اليد والدماغ، الفكر والواقع، إنه العقلانية التجريبية. # هكذا يستقي التفكير العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري ~~والنبيل، لكنه ينصب في قلب البناء الحضاري ليس البتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل ~~كبلورة للتفكير المثمر السديد الملتزم - كما ذكرنا - بالواقع والوقائع، لتعقيل السير ~~نحو الهدف. فضلا عن أن التفكير العلمي يعني الالتزام بقيم منشودة في التعامل مع الواقع ~~المتعين، قيم من قبيل التخطيط والتفكير الممنهج والإبداع والتنافس لحل المشاكل في ~~تعددية الرأي والرأي الآخر، ثم الالتجاء ms48 لمحك الواقع المشترك بين الذوات أجمعين للفصل ~~بين المتنافسين. والأهم من هذا نجد البحث الدءوب عن الأخطاء والقصورات الكائنة في كل ~~محاولة إنسانية، والمجال المفتوح دوما للنظرية أو المحاولة الأقدر والأجدر والتقدم ~~الأعلى والاقتراب المستمر مما هو أفضل. وهذا يعني الاحتمالية والنسباوية والراهنية ~~المؤقتة لأية خطوة تتم أو إنجاز يحرز. # لكل هذا كان التفكير العلمي هو أنجح وسيلة امتلكها الإنسان في التعامل مع الواقع، على ~~المستويين العلمي والعملي. لكن لنضع خطا بل خطوطا تحت لفظة «الواقع». # فلئن امتلك أسلوب التفكير العلمي كل هذه الفعاليات، فلا ننسى أبدا أنه في كل ~~مستوياته - أي العلمية والعملية - ينصب على العالم الواقعي أو الكون الفيزيقاني. وإذا ~~كنا قد اتفقنا على أن هذا العالم الواقعي أو هذا المستوى من الوجود هو الأولي المعاش ~~المشترك بين الذوات، فإنه بالتأكيد ليس المستوى الأوحد لوجود الإنسان، بل يتميز الإنسان ~~عن أي موجود آخر بتعدد مستويات الوجود التي تتراوح بينها أبعاد تجربته الوجودية الفريدة ~~الثرية. وبخلاف العالم الواقعي الفيزيقي ثمة العالم الممكن والمرجو، عالم ما ينبغي أن ~~يكون، عالم العاطفة والوجدان، عالم القيم والمثل، عالم الفن الاستطيقي، العالم ~~الميتافيزيقي، العالم الأيديولوجي، وأخيرا عالم الغيب. # إذن فليس في العالم الواقعي الفيزيقي وحده يحيا الإنسان، وبالتالي ليس بالعلم وحده ~~يحيا الإنسان، بل بتآزر سائر أبعاد تجربته الحضارية العلم والدين والفلسفة والقيم والفن ~~والأيديولوجيا ... الحضارة الراشدة الناضجة تعني تفتح وتفاعل وتآزر سائر هذه الأبعاد، ما ~~دامت جميعها تهدف إثراء الإنسان ووجودا أكثر اكتمالا وأكثر إشباعا. ولا شك أن الصراع ~~بين جانبين أو أكثر من جوانب الحضارة يعني قصورا وأزمة يجب العمل على تجاوزها. بعبارة ~~مباشرة، نتفق جميعا على الاحتياج الحضاري للعلم والدين معا، وليس مجديا البتة ~~التضحية بأيها على مذبح الآخر. # هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإنه مثلما تبدت لنا فعاليات التفكير العلمي، فقد ~~تبدت أيضا سماته التي تتبلور في الاختبارية والقابلية للتكذيب والنسباوية والاحتمالية. ~~ومن الواضح أنها تتناقض تماما مع سمات التفكير الديني التي تتبلور في التسليم والتصديق ~~والمطلقية واليقين. ms49 # إذن تنتهي الآن إلى اختلاف طبيعة التفكير العلمي عن طبيعة التفكير الديني، مع التسليم ~~باحتياج الحضارة الإنسانية إلى كلا الأفقين: الدين والعلم. # على هذا الأساس نناقش قضية علاقة التفكير العلمي بالاستنارة الدينية. ولن نخوض الآن ~~في محاولات لتعريف وتحديد مفهوم الاستنارة الدينية، وقد أعطانا أمين الخولي تمثيلا ~~عينيا لها، ونكتفي بالاتفاق على الأساس العام للاستنارة في كل صورها، الذي يعني النظر ~~بعين الاعتبار للعقل الإنساني ولقدراته وإمكانياته المتوالية دوما، وبالتالي الانفتاح ~~على متغيرات الواقع، والقدرة على الاستماع للرأي الآخر. هذا في مقابل الدوجماطيقية - أي ~~التطرف - التزام الطرف الأقصى الواحد والوحيد وإنكار كل ما عداه، والانغلاق على قطعيات ~~متصلبة عمياء، أو على ظاهر النصوص الدينية. # لا شك أن النص هو محور الارتكاز في كل أفق ديني، سواء أكان منغلقا أو مستنيرا. لكن ~~الاتجاه المستنير لإيمانه بقدرة العقل وبتغير الواقع، يتعامل مع النص الديني بمناهج ~~قادرة على التحديث وبعث الحياة فيه، ليتجدد مع كل جديد ويغدو ملائما لكل العصور، ولكل ~~الأزمنة والأمكنة، فيكون الدين رسالة شاملة حقا. وكما لاحظنا في الفصل السابق حين ~~اضطلع أمين الخولي بهذه الأطروحة لامس حدود الهيرومنيوطيقا. إذن تفرض الهيرومنيوطيقا ~~نفسها علينا الآن مجددا. الهيرومنيوطيقا في أصوله القديمة - كما ذكرنا - هي علم تأويل ~~الكتب المقدسة، لكنه قفز قفزة هائلة عبر المناهج المعاصرة، وأصبح الآن نظرية عن الخبرة ~~الحية بالنص. لقد أصبحت علم فهم وقراءة النصوص على إطلاقها، لكن تظل تكتسب أهمية خاصة ~~في النصوص الدينية والتراثية؛ لأن القراءة الهيرومنيوطيقية ينصهر فيها النص والقارئ ~~معا، الماضي والحاضر في علاقة متجددة هي موقف أنطولوجي (أي وجودي) للقارئ المفسر، كما ~~أنها جزء من تاريخ النص. # 2 # ثمة حوار مستمر مع النص يجعله مفتوحا دائما لفهم جديد وتأويل جديد، ~~وبالتالي تغدو النصوص معاصرة دوما، لكل من يقرؤها مجددا فهي لا تقول الحقيقة، بل ~~تفتح علاقة أو علاقات مع الحقيقة. # 3 # كل عصر يدخل في العلاقة الموائمة لحيثياته، فيتحدث النص بلغة الحاضر ~~دائما، حاضر كل قارئ له، ولا يفقد النص علاقته بالواقع الحي ms50 أبدا. # لقد نضجت الهيرومنيوطيقا وترعرعت بفضل آباء اللاهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر، ~~نذكر منهم الرائد البروتستانتي العظيم فردريش ~~شلايرماخر # F. Schleirmacher ~~(1768-1834) الذي أكد - كما عبر عن ذلك تلميذه المعاصر ~~باول تيليش P. Tillich ~~(1886-1965)، أكد شلايرماخر ~~أن الدين ليس سرا ملغزا، وليس ثمة لغة قدسية وضعت بين دفتي كتاب، ولا شأن للعقل بها، ~~بل إن «اللغة الدينية لغة عادية تتغير تبعا للقوى التي تعبر عنها» # 4 ~~... حتى ظهر عام 1960 كتاب «هانز جيورج جادامر» الخطير، وهو «الحقيقة ~~والمنهج» لتستوي الهيرومنيوطيقا علما له مدارسه واتجاها واسعا مارس سيطرة طاغية على ~~الأجواء الثقافية ومدارس النقد الأدبي في العقدين الأخيرين # 5 ~~... إنه علم يقوم على إلغاء التباعد بين القارئ والنص مهما تقادم به الزمن، ~~بل ينبعث النص حيا في أفق كل متلق له، فيبقى معينا لا ينضب أبدا وإمكانية متجددة ~~دوما. # إن الهيرومنيوطيقا التي نشأت أصلا في أعطاف اللاهوت، وترعرعت في أفياء البروتستانتية ~~تكاد تكون تمثيلا منهجيا للاستنارة الدينية، ولقدرة الدين، الذي يرتكز دائما على ~~النص، قدرته على الانبثاق مجددا مع كل طلعة شمس، وقدرته على البقاء والاستمرار وأداء ~~المهام الروحية المنوطة به، مهما تعمقت متغيرات حضارية أخرى، على رأسها العلم. مما يعضد ~~موقف الاستنارة الدينية، ويطرحها كهدف متاح ذي طريق ممنهج أو مرسوم. وإذا نظرنا نظرة ~~عميقة تعود إلى الأصول، وأخذنا في الاعتبار أن النص الديني في حضارتنا العربية يمثل ~~الأساس المكين للمنطلقات القيمية والتوجهات الحضارية، أمكنا عن طريق القراءة المتجددة ~~للنص أن نعمل على تجذير وتوطين ظاهرة العلم الحديث في أصوليات حضارتنا. وسنعالج هذه ~~القضية فيما بعد، في الفصل الأخير. ~~••• # ونعود الآن إلى السؤال الملح، فمع التسليم بالاختلاف بين التفكير العلمي والتفكير ~~الديني، وبالاحتياج لكليهما، أولا: ما هي علاقة الاستنارة الدينية بالتفكير العلمي؟ ~~وثانيا: كيف يمكنها الاستفادة من أبعاده؟ # الإجابة على هذا في أن الموقف الديني المستنير موقف حضاري راشد، يدرك خاصية الاستقلال ~~والتميز التي يتسم بها العلم والبحث العلمي والتفكير العلمي. فقد ترسمت شرائع العلم ~~ونواميسه، وتعقدت آلياته ms51 وشق طريقه المظفر كفعالية إنسانية مستقلة، بمعنى أنها تحمل في ~~صلب ذاتها حيثياتها وإمكانيات تناميها وفاعلية عوامل تقدمها المطرد، في طريقها ذي ~~المعالم الواضحة. # المعالم الواضحة تعني إحكام المشروع العلمي فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات ~~منهجية، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، ترسم للمشروع العلمي تخوما واضحة، مما يكفل ~~تآزر الجهود العلمية، فتمثل متصلا صاعدا، يواصل صعوده أو تقدمه باستمرار، غده أفضل من ~~يومه مثلما كان يومه أفضل من أمسه، فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم إضافة لرصيده، أو ~~بالأحرى لرصيد الإنسانية. # 6 # إن استقلالية البحث العلمي هي أخص خصائصه، حتى إن معيار العلم، وهو معيار القابلية ~~للاختبار التجريبي والتكذيب يفرق بين ما هو علمي وما هو غير علمي، يرسم حدودا صارمة ~~حول العلم وقضاياه، فكل ما لا يقبل الاختبار التجريبي والتكذيب لا يعد علما؛ أي لا ~~يحمل مضمونا معرفيا وقدرة تفسيرية عن العالم التجريبي، وهي حدود لن يتخطاها ما لا ~~يحمل هذه الوظيفة المحددة للعلم الطبيعي؛ أي لا تتخطاها قضايا الدين والميتافيزيقا ~~والفلسفة والفن والمشاريع الأيديولوجية والأخلاق المعيارية، بعضها أهم وأعلى من العلم ~~وأكثر فعالية، لكنها ليست علما # Science ~~، فهي غير ~~قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، وليس مطلوبا منها أن تقبله؛ لأنها تقوم بوظائف ~~أخرى، وليس بوظيفة العلم التي تتجسد عينيا في السيطرة على الظاهرة الطبيعية. معيار ~~التكذيب شهادة الصلاحية للقيام بهذه الوظيفة، إنه معيار العلوم الطبيعية، وفي نفس الوقت ~~الخاصة المنطقية المميزة إياها. إلى كل هذا الحد تفرض المعرفة العلمية الطبيعية ~~استقلالها. # موقف الاستنارة الدينية هو الذي يعترف بهذه الاستقلالية، ويدرك أنه لم يعد مجديا ولا ~~مقبولا ولا حتى معقولا أية ملاحقة للعلم أو مصادرة أو تهميش له، أو محاولة لفرض ~~الوصاية عليه. فندع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، ما للعلم للعلم، وما للدين للدين. ~~وينفسح المسرح الحضاري للعلم والدين معا. # هذا الواقع المنشود ليس حلما طوباويا، بل شهده التاريخ في بعض من أينع مراحله، ~~فلئن شهدت بدايات العلم الحديث طغيان الكنيسة ومعاركها الدامية معه، لا سيما ms52 في القرن ~~السادس عشر، وشهد القرن التاسع عشر اكتمال تصور العلم للكون كآلة ميكانيكية مغلقة تسير ~~بفعل العلل المادية والقوانين الحتمية، مؤكدا أنه لا إله ولا نفس ولا روح؛ أي شهد ذلك ~~القرن طغيان العلم على الدين وجوره على إيمان العلماء. نقول لئن حدث هذا وذاك، فبينهما ~~نجد القرن السابع عشر، حيث أحرز نجاح العلم الطبيعي خطى جوهرية بلغت الذروة في إنجلترا ~~التي اكتمل فيها نسق الفيزياء الكلاسيكية على يد إسحق نيوتن ومواطنيه، حتى يلقب مؤرخو ~~العلم القرن السابع عشر بعصر تفجر العبقرية الإنجليزية. # 7 # وليس غريبا أن نجاح حركة الإصلاح الديني واكتمال تحقق البروتستانتية كان ~~أيضا في إنجلترا آنذاك. وعوامل نجاح الحركتين - الفيزياء الكلاسيكية والإصلاح الديني ~~البروتستانتي - تشترك في الثورة على السلطة الدينية المتصلبة، وليس على الدين نفسه، بل ~~من أجل الدين. وكما أشار مؤرخ الأفكار «فرانكلين باومر»، اعتقد «فرنسيس بيكون» مع ~~جهابذة الجمعية الملكية - التي تضم أساطين العلوم الطبيعية - أنهم يدرسون توراة ~~الطبيعة، وأن للعلم روافد دينية جياشة تكشف قدرة الله التي تتجسم في خلائقه. غير أن هذا ~~الاعتقاد لم يحل دون قيام «بيكون» بحماية العلم من تدخل اللاهوت. # 8 # هذا هو المطلوب دائما. # أما عن كيف تستفيد الاستنارة الدينية من أبعاد التفكير العلمي، فالاستفادة تكمن في ~~تحقيق هذا الهدف؛ أي الاعتراف باستقلال العلم. # لقد انجلت طبيعة التفكير العلمي الحقة إثر انهيار الآلة الميكانيكية الكلاسيكية ~~المغلقة كتصور للكون، وذلك باقتحام عالم الذرة والإشعاع على مشارف القرن العشرين ~~وانبثاقة النظرية النسبية، وميكانيكا الكوانتم، هذه الطبيعة التي تبدت لنا آنفا في ~~قابلية العلم الدائمة للتكذيب والاحتمالية والنسباوية والتغير والتقدم المطرد، حتى قيل ~~إن العلم «شيء حي» بمعنى أنه بناء صميم طبيعته الصيرورة، هو نسق متتالي التوالد ~~والتنامي والتغير. فالقابلية للتكذيب تعني أن العلم يحمل في صلب طبيعته إمكانية التصويب ~~والتقدم المستمر، حتى أن منطق العلم منطق تصحيح ذاتي؛ لذلك ينتهي «جاستون باشلار» ~~(1884-1962) - شيخ فلاسفة العلم في فرنسا - إلى أن العلم يتنكر دائما لما ينجزه، من ~~حيث دأبه على اختباره ms53 ونقده وتصويبه. فالعلم لا يخرج من الجهل؛ لأن الجهل ليس له بنية، ~~العلم يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق. # 9 # وهذا التصحيح المستمر هو الذي يكفل التقدم المستمر، حتى كانت التقدمية هي ~~صلب طبيعة العلم التي تجعله شيئا حيا وليس البتة بناء متكاملا. إن الوجود المتعين ~~صنيعة الله، والعلم المتنامي صنيعة الإنسان. الوجود قديم والعلم حادث، الوجود ثابت ~~والعلم متغير، الوجود باق والعلم نام، الوجود حتم والعلم حرية، الوجود مفعول فيه والعلم ~~فاعلية، الوجود كينونة والعلم صيرورة. # 10 # إن أدركت الاستنارة الدينية هذا الواقع المتقد المتغير المتميز للعلم، أمكنها استيعاب ~~العلم كفاعلية إنسانية متنامية ومستقلة، وأدركت عبثية التوقف عند هذه النظرية أو تلك، ~~وتطابقها أو تناقضها مع هذه الإشارة أو تلك في النصوص المقدسة. فبدلا من النزاع الضاري ~~والعقيم الذي خاضته الكنيسة لتناقض بعض نظريات العلم الحديثة مع ظاهر النصوص الدينية، ~~نجد كثيرين اليوم يستنفدون جهدا أشد عقما للتوقف عند تشابه بعض النظريات مع ظاهر ~~النصوص الدينية. # 11 # كلا الاتجاهين عقيم، الاتجاه المثمر هو المستنير الذي يدرك استقلالية العلم ويعترف ~~بها، ويعرف أن طريق العلم يختلف عن طريق الدين، وكل الطرق في تشعبها وتوازيها وتكاملها، ~~تؤدي إلى حضارة إنسانية ثرة. ~~••• # وأخيرا لنا أن نطالب التفكير العلمي بمثل هذه الاستنارة، وأن يعترف هو الآخر ~~باستقلالية وحرمة المجال الديني، ويدرك حدود وقصورات التفكير العلمي، ولا يتهور في نفي ~~ما يتجاوزها. # ويحضرنا في هذا الصدد فيلسوف العلم المتمكن «بول فييرآبند» (1924-1994) الذي تساءل ~~بدهشة: هل العلم الغربي المجيد مطية للعقم والخواء والإجداب ونفي ما عداه من جوانب ~~حضارية أخرى؟ إن حرمنا الإنسان منها أصابه تصحر وجفاف لا يطاق. # واستغل فييرآبند تمكنه من ظاهرة العلم وفلسفته وتاريخه، ليؤكد أن العلم ليس كل شيء ~~وليس معرفة فائقة تقهر كل ما عداها، بل هو تقليد ضمن تقاليد حضارية أخرية، أهمها الدين، ~~وثمة أيضا الأعراف وحكمة الشعوب وثقافات العالم الثالث. وأكد فييرآبند أن المجتمع الحر ~~حقا لا يقوم على نظرية جزئية هي النظرة العلمية فقط، أو ms54 على عقلانية واحدة هي ~~العقلانية العلمية، بل يقوم المجتمع الحر على تعددية التقاليد، وسيادة روح التعاون ~~بينها، وأيضا التعاون بين الأمم جميعا، وليس سيادة الغرب فقط. # 12 # لأن الإنسان في حاجة إلى العلم وإلى الدين، فهو في حاجة لاعتراف كليهما بالآخر، ~~والاستقلالية والاحترام المتبادل بينهما، تلك هي الاستنارة الدينية والعلمية على ~~السواء. # الفصل الخامس # | قتل القديم بحثا # الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي # 1 # علم الطبيعة دائما ذو موقع استراتيجي، موضوعه هو مجمل حلبة عالم العلم التي تصب ~~فيها شتى فروع العلم، فيتربع العلم الفيزيوكيماوي على صدر نسق العلم الحديث، كجسده ~~وجذعه وإنجازه الأعظم، بغض النظر عن تقاناته التي شقت أجواز الفضاء - حقيقة لا ~~مجازا. # وفلسفة الطبيعة هي السلف المباشر للعلم الفيزويوكيماوي الحديث، وأي تفهم لأصوله ~~في العصور القديمة والوسيطة، يستدعي تفهما للأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في إطار ~~الحضارة المعنية ومجمل بنيتها المعرفية. # 2 # وبالنسبة للتراث العربي، فقد أتى في جملته - ككل وكفروع - كنتيجة لمعلول محدد هو ~~الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها نزول الوحي وظهور الإسلام في المجتمع البدوي ~~القبلي. # وقد كان علم الكلام هو أول دائرة معرفية ترسمت حول الوحي، إنه نبتة أصيلة نشأ قبل ~~عصر الترجمة - قبل التأثر بالفلسفة اليونانية - كأول محاولة لتجاوز النص الديني ~~وإعمال العقل البشري في تفهمه وإثبات مضامينه، فكان بحق أوسع وأهم المجالات لما ~~أسماه محمد عابد الجابري «العقلانية العربية الإسلامية»، أو أنه - كما رأى الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق - الفلسفة الإسلامية الشاملة حتى لعلم أصول الفقه بكل تألقه ~~المنهجي. # ومن ثم فعلى الرغم من أن منظور عصرنا يبدي سلبيات جمة في علم الكلام، تفرضها ~~المهام المنوطة به في إطار الحدود الحضارية والقصورات المعرفية لذلك العصر البعيد، ~~فإنه تبقى إيجابية علم الكلام العظمى في أنه تشكل للعقل العربي الصميم. والحق أنه ~~لم يكن إلا ممارسة للتفكير الفلسفي في القضايا التي أثارها نزول الوحي في المجتمع ~~العربي، اتخذت شكل البحث في العقائد لأنه الشكل الأيديولوجي المتفاعل والمثير ~~للقضايا الفكرية. # 3 # لقد كان بمثابة الفلسفة الإسلامية ms55 الخاصة التي شقت الطريق ومهدته ~~للفلسفة الإسلامية العامة أو الحكمة. # فلئن كان كل من الكلام والفلسفة طريقا مستقلا نسبيا في سياق الحضارة ~~الإسلامية، فإن الحدود بينهما مموهة إلى حد ما. لقد استفاد علم الكلام كثيرا في ~~مراحله المتأخرة من أتون التفلسف العقلاني، من المنطق، فكان ينمو ويتطور، ينضج ... ~~ينضج، فنضج حتى احترق - كما يقول الأقدمون، # 4 # وتنبعث من رماده عنقاء الفلسفة. «ومن القرن السادس الهجري حتى القرن ~~الثامن أصبحت موضوعات علم الكلام هي نفسها موضوعات الفلسفة»، # 5 # ولا شك أن المعتزلة لهم دور خاص في توجيه الفكر الكلامي الإسلامي إلى ~~طريق يؤدي في النهاية إلى التفلسف الذي عاش طور الحضانة تحت جناحهم - بتعبير حسين ~~مروة، وقد أسهب ابن خلدون - على الرغم من أشعريته - في إيضاح هذه القضية والمجرى ~~الذي شقه المعتزلة بين الكلام والفلسفة. # فلم تكن الفلسفة إلا تطويرا لعلم الكلام، ظهرت بعد أن استوفى نضجه، لتمثل دائرة ~~أو مرحلة فكرية أعلى من مرحلة التمهيد الكلامي، أصبح الفكر والواقع مهيئين لها. ~~وكانت الفلسفة أكثر اتصالا بسيرورة العقل البشري، وفي حل عن التمثيل الأيديولوجي ~~الصريح - إن كانت بالطبع لن تتحلل من روابطها به - فتميزت عن الكلام بأنها أولا ~~انطلقت من المفاهيم والمضمون الفكري لا من القضايا المثارة في المجتمع النص بصورة ~~مباشرة، وثانيا لم تتخذ من عقائد الدين مسلمة أو قاعدة مباشرة للبحث. # 6 ~~••• # خلاصة ما سبق أن نتوقف عند الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي، كما ~~تشكلت على أيدي المتكلمين، ثم نتتبع نمو الأصول على أيدي الفلاسفة لنصل إليها مع ~~أولئك الطبائعيين الذين نتفق على أنهم العلماء العرب القدامى. ~~••• # وعلى خلاف الظن الشائع احتلت الطبيعيات في علم الكلام مكانا فسيحا في صدر ~~المسرح الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة من المشكلات الكبرى أو العناوين التقليدية ~~للمصنفات الكلامية، فإنها منبثة في كل هذا، حتى شهدت مع المتكلمين زخما ~~وثراء. # وكما أشار دي بور، غلب النظر في الطبيعة على المعتزلة الأولين، حتى أن أبا عمرو ~~الجاحظ (+ 255ه) وهو من رواد النزعة الطبيعية ms56 في علم الكلام الاعتزالي، ومن المعالم ~~البارزة في تاريخ الثقافة العربية لم يفته التأكيد على أن العالم الحق يجب أن يضم ~~إلى دراسة الكلام دراسة العالم الطبيعي، وكان هو نفسه يصف دائما أفاعيل الطبيعة. # 7 # فالطبيعيات هي العالم، أو كما قال الجويني إمام الحرمين: «هي كل موجود سوى الله تعالى» # 8 # وملكوته وملائكته، هي عالم الشهادة، بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي، ~~وبتعبير المتكلمين هي اللطائف. # وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام، إما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه كموضوعات. ~~بهذا الأخير يمكن تصنيف الموضوعات إلى ستة، هي: التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، ~~الإمامة ثم اللطائف أي الطبيعيات. الإلهيات (= العقليات) تشمل التوحيد والقدر، ~~والسمعيات (= النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة. # 9 # أما اللطائف؛ أي الطبيعيات، فموضوعها الجسم والحركة والمادة في الزمان ~~والمكان؛ أي العالم الفيزيقي عالم العلم الطبيعي. وقد كانت الطبيعيات لطائف - كما ~~أوضح عابد الجابري - لأنها «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل ~~الكلام» أي العقائد التي يفزع فيها إلى كتاب الله. # على هذا الأساس انشغل المتكلمون الرواد - كما أشرنا - باللطائف، فكانت بداية ~~اشتباك العقل الإسلامي بالعالم الفيزيقي، وبداية التفكير في الطبيعة، إنه بزوغ ~~الفكر العلمي من ثنايا الفكر الديني المهيمن، مما يسهم في تفسير زخم الدفع العلمي ~~الذي جعل الحضارة الإسلامية تنفسح للحركة العلمية وتحمل لواءها طوال العصور الوسطى. ~~وهذا يوضح ولماذا كانت العلوم عند العرب تتدفق في إطار الأيديولوجيا السائدة وتحت ~~رعاية ومباركة السلطة الحاكمة، وليس ضدها بالمواجهة والصراع الدامي معها كما كان ~~الحال بالنسبة للعلم الحديث في أوروبا. # وسوف يفسر لنا أيضا لماذا كان العلم العربي معلولا ومفعولا وليس علة فاعلة في ~~تشكيل البنية المعرفية الإسلامية، ولماذا استنفد ذلك الدفع ذاته، وبلغت الحركة ~~العلمية الثرية الدافقة طريقا مسدودا، ولم يقدر له التواصل والنماء في العصر ~~الحديث، بل أسلم الحصيلة والراية إلى أوروبا لتقوم بهذا الدور. # فقد انحل العالم الطبيعي على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض مأخوذة من المذهب ~~الذري القديم، # 10 # وأصبحت الجواهر والأعراض هي الأنطولوجيا الكلامية أو ms57 أساس تصورهم للطبيعة، # 11 # فعن طريقهما أثبت المتكلمون هدفهم، وهو أن العالم متغير، لتوالي ~~الأعراض عليه، وبالتالي حادث؛ أي مخلوق لله. # دليل الحدوث، أي كون العالم الحادث المخلوق دليلا على وجود الله وقدرته وعلمه ~~الشاملين وحكمته وحياته، ذلك ما سلم به المتكلمون، بل المسلمون جميعا، فلم يكن ~~العالم بالنسبة للمتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما ورائه. «إنما سمي ~~«العلم» علما لأنه إمارة منصوبة على وجود صاحب العلم. فكذلك «العالم» بجواهره ~~وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى، # 12 # كلمة «عالم» مشتقة أصلا من العلم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد ~~من الحسي: العلام أي الحناء لما يترك من أثر باللون. والعلامة ما تترك في الشيء ~~مما يعرف به. ومن هذا العلم، لما يعرف به الشيء أو الشخص كعلم الطريق، وعلم الجيش ~~«الراية»، وسمي الجبل علما لذلك، ومنه علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ~~ونقيضه الجهل. وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية في «العلم». # 13 # لم ترد لفظة «العالم» ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدا، وردت ~~فقط في صيغة الجمع: العالمين - ربما على سبيل التأكيد - ثلاثا وسبعين مرة. هذا غير ~~«العالمين» - بكسر اللام - من العلم بالشيء التي وردت ثلاث مرات.» # 14 # وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين، ~~أو العالم أو الطبيعة، والتي اتخذت مبدئيا شكل الإيجاد والخلق من العدم، إحداث ~~المحدث، هذا العالم، وهذا ما يتبلور في دليل الحدوث. وبصرف النظر عن عبقرية اللغة ~~التي تطابق بين العلم والعالم وتجعلهما من نفس المصدر نجد دليل الحدوث هو في جوهره ~~قياس الغائب على الشاهد، وهو شكل من أشكال الاستدلال العلمي الإمبيريقي، إنه ينطلق ~~من المحسوس إلى المعقول، فتمتد له خطوط في صلب التيار العلمي البازغ من ثنايا الفكر ~~الديني، الذي جعل البحث في الطبيعة يغلب على المتكلمين الأوائل. لكن دليل الحدوث ~~ذاته بتوغله في الدوائر المغلقة كان من العوامل التي أدت إلى انفصال علم الكلام عن ~~البحث في الطبيعة - بعد انتهاء ms58 عصور الازدهار، وإجهاض الفكر العلمي البازغ وإسقاطه ~~من الحساب وسيادة الفكر الديني وحده. # الدوائر المغلقة لدليل الحدوث تتمثل في أن الطبيعيات ليست إلا سلما للعقائد، ~~خادمة للإلهيات وليس للإنسان، في حين أن الإنسان هو الذي يحيا في الطبيعة، وهو الذي ~~يحتاج لترويضها وتطويعها. الطبيعيات ليست مطلوبة في حد ذاتها للتفهم والتفسير - ~~كإشكالية إبستمولوجية - المطلوب فقط استخدامها كوجود أنطولوجي حدوثه يدلل على وجود ~~الله. # ظل دليل الحدوث دائما إطار الطبيعيات الكلامية ككل وكأجزاء، مما جعل الإلهيات هي ~~النهاية والغاية، مثلما كانت قبلا هي البداية والمنطلق، وزخم الدفع في دائرة مغلقة ~~من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس. ~~••• # وإذا تتبعنا مسار التراث العربي في تطوره إلى الفلسفة أو الحكمة، وجدنا الطبيعة ~~ومباحثها عند الفلاسفة أكثر وضوحا وتميزا منها عند المتكلمين. فقد سلموا جميعا ~~بأنها قسم من أقسام الحكمة الثلاثة: العقليات والطبيعيات والإلهيات. # ثم تفرعت إلى فروعها عند كل منهم، أفردوا لها مصنفات أو رسائل أو فصولا. إنها ~~أصبحت عنوانا للبحث وموضوعا محوريا للحديث. # ولئن ناقش نفر من أهل الاعتزال فكرة خلق القديم، فقد سلم المتكلمون جميعا - من ~~أولهم لآخرهم - بأن العالم حادث. بدأ الفلاسفة بالتسليم بهذه القضية، لكن بوصفها ~~محل نظر ومحتاجة لبرهان «الكندي». # 15 # وتحت تأثير فلسفة الإغريق الذين عجزوا تماما عن تصور الخلق من العدم، ~~وتأكيد أرسطو أن العالم قديم غير مخلوق، راح فلاسفة الإسلام يتلمسون سبل التعامل مع ~~أطر قضية حدوث العالم لجئوا إلى الفيض # 16 # والصدور كبديل «الفارابي وابن سينا»، # 17 # ثم رفض ابن رشد هذا البديل وأسرف في تبيان أن العالم قديم ومخلوق، في ~~فلسفته الطبيعية الأنضج نسبيا من حيث هي المركب الشامل في تلك الصيرورة الجدلية: محدثة - فيض - قديمة. # 18 # في كل هذه التوترات المتتالية، ظلت الطبيعة قابعة دائما في قلب الأنطولوجيا ~~المتجهة أولا وأخيرا نحو المتجه الإلهي، نحو الثيولوجيا؛ أي إنه لا فرق جوهري ~~بينها وبين الطبيعيات الكلامية. ~~••• # وأخيرا، بل أولا يبقى أولئك الذين يتحملون المسئولية المباشرة للتراث العلمي ~~العربي، المعروفون باسم الطبائعيين، وكأن ثمة مصادرة على ms59 إبقائهم خارج دائرة ~~الفلسفة التي كانت آنذاك تحوي كل الإسهام العقلي ذي الاعتبار. # فضلا عن أن المتكلمين عدوهم زنادقة ملحدين، ولئن كانت أفكارهم الفلسفية غير ~~مترابطة وغير نسقية، ربما لاهتمامهم أكثر بالوقائع التجريبية، وهم أنفسهم نادرا ما ~~واتتهم الجرأة على أن يعتبروا أنفسهم فلاسفة، فإن المسائل الفلسفية فرضت نفسها ~~عليهم، بحيث إن إسهامهم الفلسفي جزء تكميلي لتاريخ العلم ولتاريخ الفلسفة. # 19 # فضلا عن تمركز دورهم في تشكيل الطبيعيات الإسلامية وتأصيلها ~~فلسفيا. # في وقت مبكر - منذ القرن الثاني - وقع رائدهم التجريبي الشهير جابر بن حيان في ~~إسار إيمانه الطاغي بحيوية الطبيعة وكل شيء فيها، بل رآها عاقلة مريدة، والكواكب ~~قوى حية علوية تمارس تأثيرها، الفرق بينها وبين الله هو دخول المادة فيها. ولعل ~~إفراط جابر في حيوية الطبيعة والتنجيم - وهو الذي يتصدر باكورة الاهتمام الإسلامي ~~التواق بالطبيعة - هو الذي أدى إلى ثبوتهما المزعج في الطبيعيات الإسلامية، فلا ~~ننسى دور علوم الأوائل وما حملته من تيارات غنوصية وهرمسية. # أما في القرن الرابع الهجري، حين بدأ هؤلاء الطبيعيون في التميز كفئة، أو كدائرة ~~من الدوائر التي ارتسمت حول الوحي، في هذا القرن آمن بحيوية الطبيعة والتنجيم ~~الطبيب العالم أبو بكر الرازي، وكان إيمانه بالغ الحماس. لقبه المتكلمون بالملحد ~~الكبير الخارج عن الروح الإسلامية، والحق أنه «تبنى موقف الحرانيين تبنيا كاملا.» # 20 # وهم مدرسة ظهرت في حران، انتهت إلى تجسيم الله، ودخلت في إطار الصابئة. ~~وتحمل أقوى تأكيد بحياة الأجرام السماوية، وتصرفها في شئون الطبيعة والحياة والبشر، ~~وتغلغلت في التراث الإسلامي. تأثر بها الكندي وإخوان الصفا - كما بدا فيما سبق - ~~وابن سينا، وينسب إليهما عابد الجابري ما حملته الفلسفة المشرقية من عناصر هرمسية ~~وغنوصية أدت إلى انتقال البيان إلى العرفان. # ويكاد يكون الرازي أكمل تمثيل لتلك الفلسفة الحرانية، أنكر مثلهم المعجزات ~~والنبوة لأن الناس سواسية في إمكان الاتصال بالعالم العلوي، عن طريق تطهير النفس ~~ومفارقة المحسوسات، وقال بقدمائهم الخمسة: الهيولي، والصورة أو النفس، والزمان، ~~والمكان، والحركة وكلها لا متناهية، وكل لا متناه قديم، والخلق ms60 من العدم مستحيل. ~~الخلق حدث من اشتياق النفس إلى الهيولي. ابن الرازي يسخر نظرية الفيض ذات الأصول ~~المثالية، لكن التطور النسبي لمنجزات العلوم الطبيعية في عصره عموما وعلى يديه ~~خصوصا، مكنه من توجيه نظرية الفيض توجيها ماديا أكثر. # بصفة عامة، ابتعد هؤلاء العلماء عن طريق المتكلمين، وتلمسوا طريق الفلاسفة. تولوا ~~عن فيثاغورث والفيض، وساروا مع الأرسطية عموما وبصفة غير ملزمة، وعلى الرغم من أن ~~اهتمامهم كان بالوقائع المادية وما ينجم عنها من آثار، وعنايتهم فقط بدراسة الطبيعة ~~وظواهرها المادية، فإنهم جميعا «جاوزوا الطبيعة والعقل والنفس في أبحاثهم، وارتقوا ~~إلى ذات الله فجعلوه العلة الأولى أو الصانع الحكيم الذي تتجلى حكمته، ويتمثل ~~إحسانه في مخلوقاته» # 21 # نفس التوجه الإلهي ونفس الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية. # فيستهل البيروني - مثلا - مبحثا هندسيا خالصا بأنك إذا تحققت من ماهية ~~الهندسة تعرف نسبة الأجناس والكمية ومقدار المزروع والمكيل والموزون، وما بين مركز ~~العالم في أقصى المحسوس منه ... «ثم ترتقي بواسطة التدريب بها من المعالم الطبيعية ~~إلى المعالم الإلهية.» # 22 # ولعل ابن الهيثم المعاصر للبيروني في ذلك القرن الباذخ العطاء - الرابع الهجري - ~~خير من يمثل موقف العلوم الطبيعية، لنلقاه يرفض طريق المتكلمين، ويبرهن على أن دليل ~~حدوث العالم عندهم فاسد. فالعالم قديم أزلي أبدي، لكنه يخضع للخلق المستمر، تماما ~~كما رأى ابن رشد. ولابن الهيثم «مقالة في إبانة غلط من قضى أن الله لم يزل غير فاعل ~~ثم فعل.» وأيضا ينقسم العلم معه انقساما ثلاثيا إلى رياضي وطبيعي وإلهي. وعن ~~فضل علم الهندسة «فإن به وبالمنطلق يوصل إلى علم الأمور الطبيعية، التي هي الحكمة، ~~ومبادئها وعللها وأسبابها، وإلى علم الأمور الإلهية، ويوقف بذلك على حكمة الله ~~تعالى ذكره، في هيئة السماء والأرض وما بينهما فلزم بذلك الباري الإله تعالى، ~~حكيما قادرا خبيرا.» # 23 # هكذا تحيط الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية بالطبيعيات الإسلامية من كل صوب وحدب، ~~لتنصب في المتجه الإلهي، حتى انصبت جهود الطبيعيين أنفسهم فيه. لم يعق هذا حملهم ~~للواء التجريبية طوال العصور الوسطى؛ لأن بحوثهم العلمية - كما أشار ms61 برتراند رسل - ~~اتصلت بالوقائع الجزئية دون القوانين الكلية، فضلا عن الأنساق العلمية؛ أي إنهم ~~كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي. # 24 # كانت الطبيعة بؤرة من بؤر اهتمام المتكلمين، ووضعها الفلاسفة قبل الإلهيات، ثم ~~ظهر الطبائعيون المتكرسون لها، ولكنها كانت في كل حال متجهة نحو الألوهية، مما ~~جعلها قابعة في نظرية الوجود، وبعيدة عن نظرية المعرفة التي هي مجال التنامي ~~والصيرورة والفعالية الإنسانية. لهذا لم يقدر لها تواصل تاريخي؛ ولهذا أيضا لم ~~يعن الطبائعيون بصياغة أنساق علمية، واقتصرت جهودهم العلمية والإمبيريقية الجادة ~~على صياغة القوانين الجزئية. ولكن - كما هو معروف - كانت هذه الجهود مقدمات ضرورية ~~لنسق العلم الحديث، بحكم التواصل التاريخي لحركية العلم. # وأخيرا، تجمل الإشارة إلى أن المتجه الإلهي وإن استوجب القطع المعرفي في عصرنا ~~هذا، فإنه صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في ذلك العصر الوسيط، فلا هي ~~انساقت مع مادية القبل سقراطيين المتطرفة، ولا مع مادية أرسطو المعدلة، إلى آخر ~~المدى. وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينة، أيضا لم ~~تنسق معها إلى آخر المدى. فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود ~~الموضوعي. وهذا ما لا يمكن أن تفعله الفلسفة الإسلامية. قد تحرمه من استقلاله، أما ~~وجوده الموضوعي فلا؛ لأن العالم الطبيعي فعلا متعينا للقدرة الإلهية. مما يوضح أن ~~العرب أسرفوا في استغلال وتسخير التراث اليوناني، لكن كل هذا في إطار تصوراتهم ~~وثوابتهم الحضارية. # وكان التراث العربي الإسلامي تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، ~~استوعب ذينك الطرفين: المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل. لم يكن محض ~~انتقاء بينهما، أو توفيق لهما مع الشريعة، كان خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي، ~~عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي، وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ظروف ~~العصر. # وأخيرا نرجو لهذا العرض المقتضب أن يكون قد أبان عن مواطن القوة التي خلقت ~~التراث العلمي العربي الزاخر، مثلما أبان عن مواطن الضعف التي تبرر لماذا كان عرضة ~~للتوقف والانحسار بفعل عوامل عديدة داخلية وخارجية. # الفصل السادس # | أول التجديد # من منظور فلسفة ms62 العلوم الطبيعيات في علم الكلام الجديد # 1 # نتفق في لقائنا هذا على الهوية الإسلامية، والإطار الإسلامي كمنقذ لنا من ~~الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي في طوفان ما نعانيه من تخلف وعوز وتراجع وتمزق ~~وتبعية، شريطة أن يكون إطارا قادرا على التلاؤم مع روح العصر المتأزم بإشكالياته ~~الخاصة، والناهض في وجه تحدياته المستجدة. من هذه الفكرة المبدئية البسيطة ينطلق ~~المشروع التركيبي الضخم لإقامة علم الكلام الجديد. # والأطروحة التي أتقدم بها الآن تهدف إلى انضباط وضع الطبيعيات في منظومة علم ~~الكلام الجديد المعاصر لعصر أميز ما يميزه أنه جعل الطبيعة والسيطرة عليها ~~واستغلالها وتسخيرها الحلبة الأولى لمعركة التفوق بين الحضارات. وكان من الضروري ~~جعل فلسفة العلوم المدخل لهذا باعتبارها التمثيل العيني والرسمي، وأيضا الوحيد ~~للتفكير المعاصر في الطبيعة، إن رمنا قهرا لتحدياتنا وتقدما نريد من علم الكلام ~~الجديد أن يكون الإطار الأيديولوجي له. # ومجرد البحث في علم الكلام الجديد يعني ضمنا استيعاب وتجاوز علم الكلام القديم، ~~استيعابه لأنه التراث الذي يمثل المخزون النفسي والنسيج الشعوري والبناء القيمي، ثم ~~نتجاوزه لأنه نتج عن ظروف تاريخية انتهت وتخلقت ظروف مباينة تماما. إن جدلية ~~الاستيعاب/التجاوز هي القادرة على شق طريق علم الكلام الجديد. # في هذا الطريق السائر قدما لن تكون علاقة حاضر علم الكلام بماضيه علاقة اتصال ~~سلبي تجعل الماضي فاعلا، والحاضر مفعولا فيه، والأقدمون أوصياء علينا في الإجابة ~~على تساؤلات لم يطرحها عصرهم، ولعلها لم تدر بخلدهم. وهي أيضا ليست علاقة انفصال ~~بائن تجعل الحاضر منبت الجذور وكأنه ناشئ عن فراغ. إنها جدلية الانفصال/الاتصال ~~المنبثقة عن جدلية الاستيعاب/التجاوز، ليمثلا الأداة الفعالة في يد علم الكلام ~~الجديد. وتتحول هذه الأداة إلى سلاح ماض قادر على الحسم والإنجاز، إذ يبلغ علم ~~الكلام مركبهما الشامل الذي يعني وضع «القطيعة المعرفية»، وهي تعني أن تنفض اليد ~~تماما من مرحلة انتهت، ومن مسلماتها ومصادرها ومناهجها، ونحط الرحال على مرحلة ~~جديدة بمسلمات ومصادرات ومناهج ملائمة لها. # 2 # من هنا - من الانتقال الجذري إلى مرحلة أو دورة جديدة، نخلص إلى أن ~~القطيعة ms63 المعرفية مناظرة لوظيفة علم الكلام الجديد التي أسماها «د. حسن حنفي» ~~الانتقال من التنوير إلى التثوير أو من العقيدة إلى الثورة، خصوصا إذا أخذنا ~~الدلالة السيمانطيقية للفظ الثورة في أصوله اللغوية الإنجليزية، لا العربية، حيث ~~تعود ثورة إلى ثار بمعنى هاج وماج. أما في الإنجليزية فتعني # Revolutionary # ثوري جذري ودوار، ثورة # Revolution ~~، وأيضا دورة كدورة الجرم السماوي في ~~مداره، نجد مصطلح الثورة لا يجعل الرفض هياجا انفعاليا ومفاجئا، بل هو تقدم ~~مكثف شديد الفعالية، انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها، لانتهاء المرحلة ~~السابقة واستنفاد مقتضياتها. # 3 # وهذا هو المنشود من علم الكلام الجديد. # إذن نخلص إلى وضعية لهذا العلم مسلحة بالقطيعة المعرفية. على أن القطيعة المعرفية ~~الآتية عبر الطريق الجدلي من المفاهيم الأساسية في فلسفة العلوم المعاصرة. فهكذا ~~ابتدعها «باشلار» ليبلور الوضع التقدمي بعد ثورة العلم العظمي في مطالع القرن ~~العشرين، ثورة النسبية والكوانتم والفيزياء الذرية التي قوضت عالم نيوتن ~~الميكانيكي، ومسلمات الفيزياء الكلاسيكية، وانطلقت بمفاهيم ومناهج مناقضة تماما ~~لتتضاعف معدلات التقدم العلمي في متوالية. من هنا تمثل القطيعة المعرفية أداتنا ~~للربط، بل والتفاعل بين طبيعيات علم الكلام وفلسفة العلوم. # وتجد القطيعة المعرفية لعلم الكلام الجديد بيانها وإعلانها في أن الهدف من العلم ~~القديم، والغاية التي يجتهد كي يصلها هي إثبات العقيدة. وقد حسمت هذه القضية، ~~وانتهى زمان أو على الأقل خطر اللجاج فيها من قبل العقائد المخالفة، وأصبح الوضع ~~معكوسا في مرحلتنا الحضارية، فالعقيدة المثبتة هي نقطة البدء التي يسلم بها ويسير ~~على أساسها علم الكلام الجديد. وبعد أن كان الإنسان والعالم المخلوق فيه مقدمة ~~لإثبات وجود الله الواحد أصبح الله الأحد والعالم الخالق إياه مقدمة مثبتة نجاهد كي ~~ننتهي منها إلى إثبات حضور الإنسان المسلم في تيار التاريخ. على هذا الأساس يتحدد ~~موضوع الطبيعة في علم الكلام الجديد. # بداية، الدليل - أي دليل - هو معرفة أي إبستمولوجيا. ولكن لأن دليل الحدوث أهم ~~الأدلة على وجود الله، والحادث هو الجسم الطبيعي فقد احتلت الطبيعيات مكانا فسيحا ~~في علم الكلام ms64 القديم، بوصفها صلب نظرية الوجود. # 4 # وفي مرحلة اكتمال العلم في القرنين السابع والسادس الهجريين بلغت نظرية ~~الوجود نصف العلم، وتضم مباحث المبادئ العامة والجواهر والأعراض، لا سيما الأخيرين، ~~فهما بنية الوجود والقطاع الأعظم من نظرية الوجود الحاوي للطبيعيات إثباتا لوجود ~~بارئها الأحد. # 5 # هكذا رسم المتجه الإلهي طريقا سائرا من المعرفة إلى الطبيعيات إلى الإلهيات، أو ~~من الإبستمولوجيا إلى الأنطولوجيا إلى الثيولوجيا، فتقوقعت الطبيعيات في قلب ~~الأنطولوجيا - نظرية الوجود - وانقطعت الصلة أو كادت بينها وبين الإبستمولوجيا - ~~نظرية المعرفة - التي تكرست للاستدلال على العقائد وإثباتها. # وها هنا في أنطولوجية الطبيعيات الكلامية تكمن المهمة التي توجب القطيعة ~~المعرفية، فثمة خطر يتمثل في أن الطبيعيات المعاصرة؛ أي النظريات الفيزيائية ذات ~~دلالة أنطولوجية أي وجودية، أو منصبة على الوجود، فالتحقق الواقعي للفرض والإنصات ~~لوقائع الوجود هو ما يميز العلم التجريبي الحديث. فهل سندخل في لجاج حول التقارب ~~والتلاقي الأنطولوجي بين الجانبين. إن هذا يجعلنا ننشغل بالمحتوى المعرفي والمضمون ~~الإخباري للنظريات، في حين أن المحتوى في نسق العلم يمثل المتغير الخاضع دوما ~~للاختبار والتكذيب والتصويب، ومن ثم التقدم العلمي المتتالي، مما يجعل العلم بناء ~~صميما طبيعته الصيرورة والتغير، والبقاء فقط للمناهج القوية المثمرة الولود لكل ما ~~يترى من تغير وتقدم. إن البقاء للجهاز الإبستمولوجي - أي المعرفي - الذي هو موضوع ~~فلسفة العلوم. # فلنستوعب من تراثنا كيف يبزغ التفكير الطبيعي العلمي من ثنايا الفكر والإطار الديني، # 6 # ثم نتجاوزه محدثين القطيعة المعرفية للطبيعيات القديمة كي نتمكن من نقل ~~المبحث برمته من الأنطولوجيا إلى الإبستمولوجيا، لتغدو الطبيعيات موضوعا لجهاد ~~العقل العلمي الضاري والنبيل في طريق التقدم المستمر. فبهذا تضطلع بدورها في إثبات ~~حضور الإنسان المسلم. # ولكن نظرية علم الكلام الجديد أو جهازه الإبستمولوجي هو في جوهرة تخطيط ~~أيديولوجي. فهل سننقل الطبيعة من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا. إن التفكير العلمي ~~الطبيعي له جهازه الإبستمولوجي الخاص به والمطروح في فلسفة العلوم؛ والمطلوب أن ~~نبحث عن حلقة الوصل بينه وبين نظرية علم الكلام الجديد لينضبط وضع الطبيعيات في ~~منظومته. # ويمكن أن ms65 نجد هذا في منطوق تعريف حسن حنفي للعلم تعريفا فينومينولوجيا بوصفه ~~دراسة بنائية فلسفية للإنسان من حيث هو إنسان، وتحليل أبعاده ووصف وجوده، فما يحدث ~~في العالم الخارجي لا يمكن فهمه ومعرفته إلا من خلال الإنسان. # وهنا هنا نجد حلقة الوصل والمدخل المفضي إلى أحدث التطورات في فلسفة العلوم ~~الطبيعية ومناهجها. فقد انهار المنهج الاستقرائي الذي يقوم على الملاحظة ثم تعميمها ~~في فرض واختباره. ولا حاجة إلى الإنسان المبدع الخلاق، وأصبح المنهج المعاصر هو ~~المنهج الفرضي الاستنباطي الذي يهبط من الفرض إلى وقائع التجريب، فلن يبدأ البحث ~~العلمي إلا بفرض يبدعه العالم الموهوب، يتلوه فرض آخر أنجح وهكذا في متوالية ~~التقدم. فليس العلم اكتشافا لحقائق مطلقة، بل محض سلسلة من فروض ناجحة. # كما يقول «هيزينبرج» النظريات الفيزيائية المتوالية حلقات في سلسلة الحوار بين ~~الإنسان والطبيعة. وإذا كان عالم نيوتن آلة ميكانيكية تسير في مسارها المحتوم وفقا ~~لقوانينها المطرودة بفعل عللها الداخلية في مكان وزمان مطلقين بإزاء أي مراقب في أي ~~وضع كان، لتختفي فعالية الذات الإنسانية، بل ووجودها، تحقيقا لموضوعية موهومة، فإن ~~عالم النسبية ليس هكذا البتة، ولا بد من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة ~~المراقبة. ولا تتأتى الملاحظة أصلا في عالم الكوانتم (الكمومية) بغير فرض يبدعه ~~العقل ويستنبط منه وقائع الملاحظة. وهكذا أدرك العلم المعاصر أنه نشاط إنساني بحت، ~~وأصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية، من ~~خلال الإنسان. إن العلماء - كما أشار نيلز بور - ليسوا فقط المراقبين أو المشاهدين، ~~بل هم أيضا الممثلون والمخرجون والمؤلفون لملحمة العلم، # 7 # فحق قول مارجوليس إن العلوم الفيزيائية محض مغامرة إنسانية. # 8 # فهل يستطيع علم الكلام الجديد أن يفسح لنا الحلبة ويلقي في روعنا العزائم ~~والجسارة لخوض أمثال هذه المغامرات؟ ms66