######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.FalsafaSiyasiyya.Hindawi79028406 #META# Tags: politics #META# ID: 79028406 #META# Title: ركائز في فلسفة السياسة #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تصدير‏ # أولا: اليمين واليسار‏ # اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي‏ # ما هي الليبرالية؟‏ # أصول الليبرالية‏ # تطور الفلسفة الليبرالية‏ # الاشتراكية‏ # الماركسية‏ # نقد النظرية الماركسية‏ # الهندسة الاجتماعية الجزئية طريق ثالث‏ # ثانيا: الاستعمارية وما بعد الاستعمارية‏ # الاستعمارية‏ # نموذج لفلسفات ما بعد الاستعمارية‏ # حاشية‏ # القومية العربية في المعمعان‏ # إهداء‏ # تصدير‏ # أولا: اليمين واليسار‏ # اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي‏ # ما هي الليبرالية؟‏ # أصول الليبرالية‏ # تطور الفلسفة الليبرالية‏ # الاشتراكية‏ # الماركسية‏ # نقد النظرية الماركسية‏ # الهندسة الاجتماعية الجزئية طريق ثالث‏ # ثانيا: الاستعمارية وما بعد الاستعمارية‏ # الاستعمارية‏ # نموذج لفلسفات ما بعد الاستعمارية‏ # حاشية‏ # القومية العربية في المعمعان‏ # | ركائز في فلسفة السياسة # | ركائز في فلسفة السياسة # تأليف # يمنى طريف الخولي # | إهداء # إلى المهندس محمد طريف الخولي # هذا المثقف الليبرالي، المولع بالتحليلات الفلسفية للمفاهيم السياسية، وبالفلسفة ~~الأمريكية. # ي. ط. # | تصدير # هذه مجموعة دراسات نشرت في مواضع فكرية وثقافية مختلفة، تجتمع في أنها تتناول بالتحليل ~~الفلسفي والنقدي بضعة مصطلحات ومفاهيم مما ترتكز عليه تيارات الفلسفة السياسية الحديثة ~~والمعاصرة، من قبيل الليبرالية والاشتراكية والماركسية والطريق الثالث والديمقراطية ~~والاستعمارية والقومية والمقاومة وما بعد الاستعمارية والنسوية والعولمة وحوار الحضارات؛ ~~بخلاف مفاهيم فرعية تندرج تحت هذه المفاهيم الكبرى أو الركائز، من قبيل العقد الاجتماعي ~~والقوانين الطبيعية والاحتكار وفائض القيمة والعدالة الاجتماعية والفابية والراديكالية ~~والتخطيط الكلي والجزئي والهندسة الاجتماعية وحقوق الأقليات والمهمشين والإمبريالية ~~والمركزية الغربية؛ تسهم جميعها في رسم معالم للفلسفة السياسية الحديثة، بقدر ما أسهمت في ~~تشكيل الواقع السياسي والمسار الحضاري عبر حقب الفلسفة الحديثة والمعاصرة. # وفي هذا ربما نجد فلسفة السياسة تماثل فلسفة المعرفة العلمية من حيث إنها حوار بين الفكر ~~والواقع أو بين النظرية والتجربة، ومركب جدلي منهما؛ فلا يستطيع أحد الجانبين - الفكر أو ~~الواقع - إغفال الآخر بحال. # وقد جاء تتبع المفاهيم أو الركائز مواكبا لتتابعها التاريخي عبر مسار الفلسفة السياسية ~~الحديثة والمعاصرة، وكانت الليبرالية هي أول ركيزة فرضت نفسها؛ فقد ارتهنت نشأتها بأفول ~~العصور الوسطى وانهيار النظم الإقطاعية، حتى باتت الليبرالية تمثل معلما من معالم تجربة ~~الحداثة الأوروبية، وتطورت على مدار تطورها، ثم أدى نموها ms01 ونضجها إلى ظهور التيار المقابل ~~الذي يحاول تجاوز سلبياتها ومثالبها؛ أي الفكر الاشتراكي، فباتت الليبرالية بإطارها ~~الرأسمالي تمثل فلسفة الأمر الواقع الذي ينبغي الحفاظ عليه، ولعل ارتباط الرأسمالية ~~والليبرالية بالأمر الواقع أو العالم الواقعي المعاش يفسر لنا لماذا كان فيلسوف العلم ~~والمعرفة التجريبية البارز في حقب متتالية من العصر الحديث هو فيلسوف الليبرالية البارز ~~أيضا، فهكذا كان جون لوك ثم جون ستيوارت مل ثم برتراند رسل ثم كارل بوبر. # باتت الرأسمالية تمثل اليمين وما هو كائن، لتمثل المذاهب الاشتراكية اليسار؛ أي النزوع إلى ~~التغيير والنقض وتحقيق ما يراه معتنقوها هو ما ينبغي أن يكون. إنه التقابل بين اليمين ~~واليسار الذي حكم أطر الفلسفة السياسية الحديثة طويلا، حتى تساءل الفيلسوف الليبرالي ~~أشعيا برلين # Isaiah Berlin ~~(1909-1997م) في سبعينيات ~~القرن الماضي عما إذا كان القرن العشرون قد عجز عن إنجاب أية فلسفة سياسية جديدة. # ظل هذا التقابل بين اليمين الليبرالي واليسار الاشتراكي ماثلا، حتى كان الانهيار المدوي ~~للاتحاد السوفيتي، والمتغيرات التي شهدها العقد الأخير من القرن العشرين صوب ما سمي - ~~حقا أو زورا - النظام العالمي الجديد، الذي يفتقر كثيرا للنظامية أصلا، لا سيما بعد ~~ارتفاع وتيرة العولمة وسواها من مفاهيم صاخبة يموج بها الفكر السياسي الراهن، ليمثل ما سمي ~~بالطريق الثالث؛ المفهوم الجدير حقا بالتوقف عنده. # ولعل من أبرز ما يميز الفكر والواقع وجدليتهما في قرننا الحادي والعشرين، هو انتهاء عصر ~~المركزية الغربية وبروز مراكز حضارية أخرى، وعلى وجه الخصوص تمثل نهضة شرق آسيا ومعدلات ~~التحديث والتصنيع والتنمية المتصاعدة هنالك مركزا متألقا ونموذجا يحتذى، ليس فقط مع ~~العملاقين اليابان الرائدة والصين الواعدة، بل أيضا مع بقية النمور الآسيوية المنطلقة بعزم ~~أكيد. # لقد اقترنت المركزية الغربية بالاستعمارية والإمبريالية، وهما نتيجة من نواتج النمو ~~الرأسمالي الذي وطدت له الليبرالية. والاستعمارية بدورها من المرتكزات التي سوف نتوقف ~~عندها، ثم عند أفولها وبروز عصر ما بعد الاستعمارية المرتهن بعصر ما بعد الحداثة، وتحديدا ~~عند واحد من أهم التيارات الفكرية الراهنة؛ أي الفلسفة النسوية وموقفها النقدي الراديكالي ms02 ~~الرافض للمركزية الغربية والاستعمارية، ورؤيتها لحقوق الأقليات والطبقات المهمشة والشعوب ~~والثقافات المقهورة، وللعولمة في مقابل القومية، وأخيرا ننتهي عند نقطة ساخنة حقا وهي ~~الدفاع المشبوب عن القومية العربية، كواقع وكمثال. # ولعل الصفحات المقبلة التي تتناول هذه الركائز بالعرض والنقد والتحليل تساهم في ترسيم ~~معالم للفكر السياسي والفلسفة السياسية الحديثة في ذهن القارئ. # وبالله قصد السبيل. # أ.د. يمنى طريف الخولي # منيل الروضة في 15 يناير 2008م # | أولا: اليمين واليسار # | اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي # بشكل عام، يمثل اليمين موقف المحافظين الراغبين في الإبقاء على الوضع القائم، بينما ~~يمثل اليسار موقف الثوريين الراغبين في التغيير؛ إما التغيير الفابي # 1 # أي التدريجي، وإما التغيير الراديكالي أي الجذري. # أما بالنسبة لليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي، فقد تبلورت الليبرالية في القرن ~~الثامن عشر لتكون فلسفة نبيلة تدافع عن منطلقات الرأسمالية والحق في الملكية، فقد كانت ~~الليبرالية أصلا من أجل الدفاع عن الطبقة الوسطى، طبقة صغار الملاك (= البرجوازية؛ أي ~~سكان المدن) # 2 # التي كانت طبقة نامية آنذاك، وللبحث عن الاعتراف الكامل بها، بسائر حقوقها ~~في الحياة والحرية والملكية. هذا في مواجهة طبقة الإقطاعيين التي كانت مهيمنة أساسا ~~على الحياة الاقتصادية، وبالتالي على سائر جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية ~~في العصور الوسطى، وقد زوت طبقة الإقطاعيين بانتهاء العصور الوسطى وإشراقة العصر ~~الحديث. # هكذا كانت الليبرالية في أصولها فلسفة الطبقة البرجوازية وفلسفة الملكية، وبالتالي ~~تعني الليبرالية - من حيث هي فلسفة للرأسمالية - أن ترفع الدولة يدها عن وسائل الإنتاج ~~وتترك ملكيتها للأفراد في تنافسهم الحر وصراعهم؛ وذلك تحقيقا للمبدأ المعروف باسم مبدأ ~~الاقتصاد الحر # Laissez faire ~~، والذي يعبر عنه ~~الشعار الليبرالي/الرأسمالي الشهير: دعه يعمل، دعه يمر، إن العالم يسير من تلقاء ~~نفسه. # بل وتعني الليبرالية في أصولها ألا تتدخل الدولة في العلاقات الاقتصادية بين الأفراد، ~~أو بين الجماعات، أو بين الطبقات؛ فكان التنافس هو الصورة العامة للاقتصاد ~~الليبرالي. # هكذا باتت الليبرالية تمثل اليمين والحفاظ على الأمر الواقع، فتدافع عن الملكية الخاصة ~~والطبقة المالكة (= البرجوازية) وتجسد قيمة التنافس، بينما تمثل الاشتراكية اليسار، ms03 ~~فتقوم من أجل الملكية العامة - ملكية الدولة لا ملكية الأفراد - لوسائل الإنتاج لتحقيق ~~العدالة الاجتماعية، وبحثا عن تغيير الأمر الواقع لمداواة عيوبه، بله الثورة عليه وعلى ~~أشكال الظلم والقهر فيه، إنها تدافع عن حقوق الطبقة العاملة (= البروليتاريا) وعن ~~التقارب الطبقي إجمالا وتجسد قيمة التعاون. # وكما سنرى، كانت الماركسية من أشهر صور الفكر الاشتراكي وأكثرها تطرفا، وبالطبع ~~الماركسية هي فلسفة البروليتاريا أو الطبقة العاملة، في حين أن الليبرالية هي فلسفة ~~البرجوازية أو الطبقة المالكة، وفي هذا نلاحظ أن الفكر الاشتراكي عموما والماركسية ~~خصوصا هي فلسفة شمولية، تضع نصب أعينها الطبقة والجماهير، فيضيع الفرد في غمارها، هذا ~~بينما الليبرالية فلسفة فردية، تضع الفرد نصب أعينها وترفع اهتمامها بالفرد فوق ~~اهتمامها بالطبقة، أو على الأقل لا تربطه بعجلاتها وتترك له حرية الاستقلال عنها وعن ~~أهدافها ومطامحها، من حيث تترك له كل حرية متاحة؛ إن الليبرالية هي المسئولة عن سمة ~~الفردية وتقديسها والإعلاء من شأن الفرد، هذه السمة التي تسود الحضارة الغربية. # أما من الناحية السياسية، فكانت غاية النظام الماركسي هي اضمحلال الدولة بوصفها دولة، ~~ولأنها أداة اليمين، أداة الرجعية للحفاظ على البرجوازية؛ على الرغم من أن الماركسية ~~نظام شمولي؛ وكان الفكر الفوضوي اللاسلطوي # anarchism # الذي ينادي بسقوط الدولة تيارا موازيا. وبينما نجد الليبرالية تعظم من شأن الفرد، ~~وتحد من سلطة الدولة أو الجماعة، ومع هذا فإن الدولة في الليبرالية مؤسسة ضرورية لا غنى ~~عنها البتة، ليس بوصفها غاية وإنما بوصفها وسيلة لتحقيق غاية أبعد تتمركز أخيرا حول ~~الفرد، وهي تحقيق الأمن؛ النظام والقانون في الداخل، ودفع الأعداء الأجانب من الخارج؛ ~~وذلك ضمانا للأجواء الصالحة لممارسة الحرية. ثم إن الدولة أداة لتحرير المواطنين من ~~الجهل والمرض، عن طريق اضطلاعها بتقديم الخدمات التعليمية والصحية. # وكان النظام السياسي الماركسي هو الديكتاتورية - ديكتاتورية البروليتاريا - ولو حتى ~~بصفة مؤقتة، ويقوم على أساس أن الجميع ارتضوا أيديولوجيا محددة واستكانوا إلى مذهب ~~فلسفي معين. وفي مقابل هذا نجد النظام السياسي الليبرالي هو النقيض للديكتاتورية، ولأي ~~استبداد بالسلطة أو انفراد بالرأي ms04 أو خضوع دوجماطيقي أو إلزام بمذهب معين؛ وذلك على ~~أساس أن المبادئ النهائية التي تمثل الحقيقة الحقة لا وجود لها في إمكانيات البشر، ثمة ~~فقط آراء تتفاوت صحة وبطلانا، وقصارى ما يستطيع الليبرالي تأكيده - كما أشار ~~برتراند رسل # Bertrand Russell ~~(1872-1970م) - هو ~~أن ذلك الرأي يبدو له أصح من غيره؛ وبالتالي لا يغدو اختلاف الرأي مثارا للعداء وللزج ~~في السجون والمعتقلات، ويتسع المجال للتسامح الديني وتحقيق الحرية الفكرية. # | ما هي الليبرالية؟ # على أساس الدفاع عن الحرية والرأي الآخر تعد الليبرالية أساس الديمقراطية، ويشهد ~~التاريخ أنها هي التي كافحت وجاهدت من أجل إرساء أسس الحكم الدستوري، وأنها هي التي ~~علمت البشر أصوله، ووجوب استقلال السلطات عن بعضها؛ السلطة التنفيذية (= الحكومة ~~والوزارة القائمة) عن السلطة التشريعية (= البرلمان والنواب أي مجلس الشعب في مصر) وعن ~~السلطة القضائية، وأيضا - بل وأصلا - دافعت الليبرالية عن استقلال المواطن نفسه ما ~~دام ملتزما بالقانون، وإطلاق حرياته في كافة المجالات إلى أقصى حد ممكن؛ وأهمها حرية ~~الرأي والدين والفكر والاعتقاد والقول والفعل، وحرية انتخاب من يمثله، وإبداء رأيه في ~~الاقتراع العام؛ مع ضرورة إقرار أكبر قسط ممكن من الوسائل التي تحد من تعسف الحكومات ~~وتطاولها على حرياته. ~~••• # لعلنا لاحظنا أن «الليبرالية» هي «مذهب الحرية»؛ حرية الفرد، وهذا هو على وجه الدقة ~~المعنى اللغوي لمصطلح الليبرالية # Liberalism ~~، المأخوذ ~~من اللفظة حرية # Liberty # في الإنجليزية ~~و # Liberté # في الفرنسية وسائر البدائل في اللغات ~~الأوروبية ذات الأصل اللاتيني؛ فهي راجعة إلى الاسم اللاتيني حرية # Libertas ~~، المشتق من الصفة حر # Liber ~~، التي تشير إلى وضع اجتماعي يفيد منزلة رفيعة وسجايا كريمة، ~~وأساسه الانعتاق من العبودية، وأيضا من الأسر والسجن والجزية، كما تشير الصفة ~~حر # liber # أيضا إلى غياب القهر والقسر والإرغام ~~والإجبار والإكراه، في الفعل أو في الاختيار أو القرار ... إلخ، وسائر معوقات الحرية. ~~الليبرالية إذن هي مذهب الحرية اسما ومضمونا. ~~••• # على أن الحرية في واقع الأمر لم تكن هي الدافع أو المشكلة الملحة. المشكلة الحقيقية ~~التي تستنفر الجميع لحلها، والتي هي ms05 أساس كل تنازع أو اختلاف حول يمين ويسار ووسط، هي ~~مشكلة الملكية؛ أي حق الفرد في التملك أو الامتلاك، وليس المقصود طبعا امتلاك ~~المقتنيات الشخصية والسلع الاستهلاكية كالملابس والأثاث وما إليه، بل المقصود ملكية ~~وسائل الإنتاج كالمزارع والمراعي والمصانع والشركات والمتاجر الكبرى والمصارف. # اليمين، أي النظام الرأسمالي، هو الذي يترك ملكيتها للأفراد، وبطبيعة الحال الذي يقضي ~~بكثرة عدد الأفراد وقلة عدد موارد الإنتاج، لن يتملك كل شخص، بل فقط قلة أو طبقة معينة ~~هي طبقة الملاك أو البرجوازيين أو الرأسماليين. أما اليسار، أي النظام الاشتراكي، فهو ~~الذي يرفض هذا، ويصر على أن تبقى سائر موارد الإنتاج ملكا لكل شخص وللا شخص، أي ملكية ~~عامة للدولة أو للجماعة. وبين هذا وذاك نجد الوسط وهو النظام المطبق في معظم دول العالم ~~يجعل بعضا من موارد الإنتاج - خصوصا الأساسية والحيوية والاستراتيجية - ملكا للدولة، ~~ويترك بعضها الآخر ملكا للأفراد في تنافسهم الحر، ويكون تأرجح الوسط تجاه اليمين أو ~~تجاه اليسار تبعا لحجم الموارد المتروكة للأفراد وتلك التي تسيطر عليها الدولة، وأيضا ~~مدى وحدود هذه السيطرة. # لقد قامت الليبرالية أساسا لكي تؤكد حق الفرد في الملكية، وأنها - أي الملكية - ~~غريزة فطرية قد تعلو على كل الغرائز الأخرى؛ لذلك وأدها مستحيل أو على الأقل خطر محقق ~~على الحياة الإنسانية السوية، وقصارى ما يمكن هو تحديدها بحدود وربطها بواجبات ~~والتزامات، كالضرائب والجمارك وحقوق الطبقة العاملة التي لا تملك، وقال الليبراليون في ~~هذا الصدد قولة عجيبة مفادها أن الشخص قد يتسامح في مقتل أبيه ولكنه لا يتسامح في ~~الاستيلاء على ممتلكاته. # في مقابل هذا نجد الماركسية قد سميت الشيوعية # Communism ~~، أي أقصى صور اليسار أو الاشتراكية؛ لأنها تقوم من أجل ~~إلغاء الملكية الفردية - أي الملكية الخاصة - وإشاعة الملكية بين الجميع عن طريق تحقيق ~~الملكية العامة لوسائل الإنتاج؛ هذه الملكية العامة في رأي الماركسية، وفي الفكر ~~الاشتراكي عموما بمتغيراته الجمة ومذاهبه العديدة، هي المفتاح الذهبي لحل كل المشاكل ~~والخلاص من كافة البلايا والنوائب والتصدعات التي تشوب البنيان الاقتصادي والسياسي، ms06 ومن ~~ثم الاجتماعي. # هكذا نجد أن الملكية هي مربط الفرس والمشكلة الأم التي تشغل الجميع، وباسمها تفرقوا ~~إلى يمين ويسار متصارعين، وهي في الواقع أساس التنظيم الطبقي والاجتماعي عموما، وهي ~~التي ربطت الاقتصاد والسياسة برباط عضوي؛ فالاقتصاد هو علم تنظيم الثروة في المجتمع، ~~والسياسة هي علم تنظيم القوة في المجتمع، والثروة (= الملكيات) هي الوجه الآخر للقوة، ~~حتى إن كلمة سلطة في الإنجليزية # authority ~~، وبسائر ~~بدائلها في اللغات الهندوأوروبية، مشتقة من الكلمة اللاتينية # auctor # التي تعني المالك أو المحدث أو الممارس ~~للحق؛ ومن هنا كان زيوس عند الإغريق - ونظيره جوبيتر عند الرومان - إله كل الآلهة، لأنه ~~مالك الملك وصاحب السلطة على الآلهة والبشر على السواء. # | أصول الليبرالية # في العهود البدائية السحيقة من عمر البشرية، لم يكن ثمة بالطبع بنيان اجتماعي اقتصادي ~~سياسي؛ ذلك لأنه لم يكن ثمة ملكية. وعلى حد تعبير طريف لأحد رواد الفكر الليبرالي هو ~~جان جاك روسو (1712-1778م) أتت المشكلة من أول وغد وضع سياجا حول قطعة أرض، وقال هذه لي ~~ولا شأن للآخرين بها، إنها ملكي! وقبل أن يأتي هذا الوغد لم يكن ثمة ملكيات، ولا حاجة ~~لتنظيمها والحفاظ عليها؛ أجل كان ثمة فوضى، لكن كان الجميع أحرارا متساوين. # وحين استكمل الإنسان خروجه النهائي من فصيلة الحيوان، وبدأ يمارس أولى أنشطته ~~الاقتصادية كالتقاط الثمار وصيد الحيوان ثم الزراعة، عرف قيمة العمل والإنتاج؛ وكان ~~يحدث أن يسطو فرد كسول على إنتاج فرد آخر نشيط، وهو سطو قد يقتضي التعدي على الحياة ~~ذاتها، مما جعل الإنسان على استعداد لهجر هذا الوضع المليء بالمخاوف والأخطار، حتى ولو ~~كان هجرا يقتضي التنازل عن قطاع كبير من حريته للحاكم وللآخرين، إنقاذا للبقية ~~الباقية من هذه الحرية. لقد ارتضى الجميع الدينوية لقوة أعلى تملك حق عقاب الخارجين ~~والفصل بين المتنازعين، فيأتمر بأمرها جميع الأطراف. هكذا عرف الإنسان نظام الحكم ~~والسلطة السياسية في المجتمع، والتي تطورت أيما تطور عبر تاريخه الطويل. # على هذا التفسير الأنثروبولوجي البسيط لنشأة الاقتصاد والسياسة، أي لنشأة تنظيم ~~الثروة وتنظيم ms07 القوة في التجمع البشري، ترتكز الأسس الليبرالية، السياسية والاقتصادية ~~على السواء. # فمن الناحية السياسية نلاحظ أن المسألة عقد - ولنضع خطا تحت عقد - بين الحاكم ~~والمحكومين، ليقوم الحاكم بدور معين في تنظيم حياتهم، نشدانا لظروف أفضل للاجتماع ~~الإنساني ولحياة البشر سويا؛ إنها فكرة العقد الاجتماعي التي اهتم بها الفلاسفة ~~الليبراليون، خصوصا جون لوك وجان جاك روسو - وفيما بعد الفيلسوف جون رولز - أيما ~~اهتمام؛ وذلك ليحدوا من طغيان الملوك ويلزموهم بحدودهم، ليخبروهم بأنهم في خدمة الشعب ~~وليسوا ملاكا لقطيع. # وحقا إن فيلسوف الديكتاتورية الإنجليزي توماس ~~هوبز # Thomas Hobbes ~~(1588-1679م) قد سبقهم في الاهتمام بفكرة العقد الاجتماعي، ليصل ~~إلى نتائج مخالفة كثيرا، إلا أن مقتضى الفكرة على كل حال هو أن تفسير نشأة السلطة ~~الحاكمة، وأيضا طبيعتها ودورها أولا وأخيرا، عقد بين الحاكم والمحكومين الذين يدينون ~~له بالولاء والطاعة، فقط ليقوم بدور معين في حياتهم - كما ذكرنا، بحيث إنه إذا عجز أو ~~فشل أو انحرف في أداء هذا الدور الذي خوله له المحكومون، أصبح من حقهم عزله وإبرام عقد ~~جديد مع حاكم آخر. # من هنا انطلقت الليبرالية - مسلحة بفكرة العقد الاجتماعي - لتؤكد رفض حق الملوك ~~الإلهي في الحكم، أو أنهم ورثة الله على الأرض كما كان شائعا في العصور الوسطى ~~الإقطاعية والعصور القديمة. بهذا الرفض الذي أصبح الآن أمرا مسلما به، بل وبديهية في ~~غير حاجة إلى الذكر فضلا عن النقاش، أنجزت البشرية بعضا من أعظم خطوات التقدم ~~الاجتماعي في تاريخ البشر. لقد استبدلت حكم القانون بحكم الفرد، وجعلت الشعوب مواطنين ~~لا رعايا، واستطاعت أن تسير قدما في هذا الصدد مرسية الدعائم الحديثة للحكم الديمقراطي ~~المنشود، وتأكيد حق المواطنين في الإشراف على الحكم من خلال ممثلين مختارين أو نواب، ~~ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث - التنفيذية والتشريعية والقضائية - والذي أصبح الأساس ~~الديمقراطي المكين بعد أن وضع مونتسكيو (1689-1755م) كتابه الخالد ذا الأجزاء الثلاثة ~~«روح القوانين». ودأبت الليبرالية على وضع أقصى ضمانات ممكنة لضبط ممارسة السلطة ~~لعملها، وللحيلولة بينها وبين صور الانحراف السلطوي التي شد ms08 ما عانت منها العصور الوسطى ~~والقديمة، كالعسف والظلم والديكتاتورية وتكديس الأموال بلا حدود وبلا قانون. # وعلى نفس ذلك التفسير الأنثروبولوجي البسيط يعود أيضا الاقتصاد الليبرالي ، والذي ~~يمكن أن نعتبر مركزه ومحوره - كما أوضحنا - هو الاعتراف بحق الفرد في الملكية بل وتأكيد ~~هذا الحق. # ولنلاحظ أن الملكية كانت تعني في البداية ملكية ناتج العمل. العمل امتداد مباشر لشخص ~~الإنسان، أما الأرض ومواردها فهبة إلهية وهبها الله لعباده أجمعين. في البداية كان ~~البشر قليلين، والأراضي شاسعة جرداء مواردها وفيرة، أكثرها عادم لا يجد مستغلا أو ~~مستثمرا، لا مشاحنة خطيرة في توزيعها وهي كل موارد الإنتاج آنذاك. # وحتى منشأ الليبرالية في القرن السابع عشر، كان هذا هو الوضع إلى حد ما، مما جعل رائد ~~الليبرالية جون لوك يتحدث عن الملكية بوصفها حق كل فرد في تحويل قطعة جرداء من الأرض ~~بفضل عمله إلى مزرعة مثمرة ومنتجة، أي مورد إنتاج أو وسيلة إنتاج؛ إنه إذن الحق الطبيعي ~~في ناتج العمل الذي لا نقاش فيه، لا من قبل أهل اليمين الليبراليين ولا من قبل أهل ~~اليسار الاشتراكيين، ولا حتى من الشيوعيين الذين رفعوا - ضمن شعارات عديدة لهم - شعارهم ~~الشهير: «الأرض لمن يزرعها»، وإن كان بالطبع شعارا رفع في ظروف مغايرة ولأهداف ~~مغايرة. # بيد أن حياة الإنسان قصيرة، ووسائل الإنتاج مستمرة، وطالما أن حقوق الملكية الفردية ~~مكفولة ومصونة، فسوف يتلقاها الورثة الشرعيون بغير جهد ولا فضل، بغير عمل وجهد، وإذا ~~أضافوا إليها عملا، فقد تركوها لورثتهم مضاعفة، وهي قد تتضاعف بغير عمل؛ فمن طبيعة ~~وسيلة الإنتاج - كالأرض الزراعية وقطيع الأغنام مثلا - أنها مثمرة ولود؛ وتتراكم ~~الثروات وتنمو عبر الأجيال، مما أدى إلى تضخم الملكيات ورءوس الأموال بصورة استنفرت ~~الجميع من أجل التنظير الاقتصادي السياسي، خصوصا بعد ما تفاقم الأمر بالثورة ~~الصناعية. # مع الثورة الصناعية تضاعفت إمكانيات تشغيل رأس المال واستغلال الطبقة العاملة بصورة ~~مهولة، فتبلورت كافة مساوئ النظام الرأسمالي، التي بلغت الذروة بظهور الاستعمار ~~والإمبريالية الحديثة، ثم أدى التقدم العلمي التكنولوجي إلى قيام الصناعات الضخمة ~~المتكاملة ms09 التي هي في غير حاجة لمهارات صغار العمال. # هذه الصناعات الضخمة المتكاملة القادرة على ابتلاع صغار المنافسين؛ لقد اكتسبت القدرة ~~على الاحتكار، أي الانفراد بسوق السلعة، وبالتالي التحكم المطلق فيها وفي ثمنها، وهذا ~~أدى إلى جعل الجميع - عمالا أو منتجين أو مستهلكين - فريسة سهلة لجشع أصحاب المال ~~والأعمال، ثم إن الاحتكار الذي استشرى بصورة واسعة مع مطالع القرن العشرين كان كفيلا ~~بأن يفقد الرأسمالية طابعها المميز الذي تنادي به وتدافع عنه الليبرالية، أي ~~التنافس. # هكذا كان النتاج التاريخي لترك الملكيات الخاصة تنمو وتتراكم لا يبعث على الاطمئنان ~~لأسس الليبرالية، خصوصا وأنه من الناحية الأخرى يولد من لن يرثوا شيئا، ولن يجدوا ~~قطعة أرض ليجعلوها بواسطة عملهم وجهدهم وسيلة إنتاج. إن تعداد البشر يتزايد بصورة رهيبة، ~~أو بمتوالية هندسية حسب تعبير مالتوس، والأرض ما زالت كما هي، وربما تعرضت لنحر البحر ~~أو للتصحر، ولم يعد ثمة أية قطعة أرض أو مورد للإنتاج ليس ملكا لشخص أو لهيئة أو ~~لدولة؛ وأصبح من المؤكد أن الشخص المعدم سوف يهلك جوعا قبل أن يجد قطعة أرض جرداء ~~يحولها بواسطة عمله إلى وسيلة إنتاج تعد من ممتلكاته الشخصية؛ والمحصلة أن العمل ذاته ~~قد أصبح مجرد سلعة يبيعها الشخص ليجد قوت يومه، أو أكثر أو أقل؛ ويا ليت هذا فحسب، بل أصبحت ~~المشكلة الملحة هي إيجاد سوق لهذه السلعة المسماة بالعمل، والتي لا تملك الأغلبية ~~العظمى شيئا سواها؛ إنها المشكلة المعروفة باسم البطالة والتي تؤرق العالم أجمع شرقا ~~وغربا. # وقد بدأت مشكلة البطالة تميل إلى مؤشرات خطيرة منذ بداية العصور الحديثة، بل وقبيل ~~أفول عصر الإقطاع؛ إذ انتشرت في تلك الآونة ظاهرة عرفت باسم ظاهرة «التسييج أو ~~التسوير»؛ وهي أن يأتي واحد من الأشراف أو من ذوي البأس والنفوذ ليضع سياجا أو سورا ~~حول قطعة أرض كانت في الأصل مشاعا يقطنها مزارعون ورعاة بسطاء فقراء يستخرجون منها ~~بالكاد قوت يومهم، فتصبح الأرض ملكا خاصا لذلك الذي قام بتسييجها، ويهجرها قاطنوها ~~البسطاء إلى المدن، والمدن تعاني أصلا ms10 من البطالة، فأصبح الذين لا يجدون عملا يقتاتون ~~منه جحافل وجيوشا؛ ثم أخذت جحافل البطالة تنمو نموا سرطانيا مع نشأة وتطور التقدم ~~العلمي التكنولوجي الذي استبدل بالصناعات اليدوية أنظمة التصنيع الآلي؛ فهي أولا ~~تستغني عن عدد كبير من العمال، وثانيا تتمكن من استغلال النساء والأطفال بأجور زهيدة، ~~أقل كثيرا من أجور الرجال الأصحاء ذوي القوة والقدرة على التحمل. هكذا تفاقمت البطالة، ~~وتبعا لقانون العرض والطلب الذي سيظل دائما يحكم كل السلع في كل الأسواق، أصبح عمل ~~الطبقة الكادحة - العمال المطحونين أو البروليتاريا - سلعة بخسة لا تكاد تفي بقوت ~~اليوم، ولا أبسط مقتضيات الحياة الكريمة؛ ودع عنك تكوين الملكيات الخاصة ~~والثروات. # لقد تبلورت مساوئ الرأسمالية، فتصاعد النقد الموجه لها؛ ظهر الفكر الاشتراكي لمواجهة ~~ليبراليتها، بمذاهبه العديدة، مثل: الإيكارية والبلانكية والسان سيمونية والطوباوية ~~والراديكالية والأكاديمية والتعاونية والفابية والفوضوية اللاسلطوية والماركسية ... إلخ. ~~هكذا نجد المنظور الأنثروبولوجي ونموه وتطوراته أسهم بدوره في إعطاء التفسير لنشأة ~~الصراع بين اليمين واليسار، ولكن ماذا عن نشأة الفكر الليبرالي وتطور الفلسفة ~~الليبرالية؟ # | تطور الفلسفة الليبرالية # الليبرالية كما ذكرنا هي «مذهب الحرية»، ولم يعرف تاريخ الفكر ولا حتى تاريخ اللغة ~~مصطلحا أشد هلامية وفضفضة من مصطلح الحرية؛ لذلك لا بد أن نتوقع من الليبرالية أن ~~تعطينا قائمة طويلة من فلاسفة تتباين مشاربهم، ومن تنظيمات سياسية اقتصادية تختلف فيما ~~بينها إلى حد ما. # هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن كل دول وسط وغرب أوروبا تقريبا تمثل حقب من ~~تاريخها روافد في نهر الليبرالية، ولا تعدم دولة في غرب أوروبا فيلسوفا أدلى بدلوه في ~~التنظير لليبرالية، وتبقى فرنسا صاحبة باع أعظم وقدح معلى، تليها ألمانيا. أما الولايات ~~المتحدة الأمريكية فقد كانت منذ نشأتها الشيطانية المهجنة وحتى الآن معقلا من معاقل ~~الليبرالية، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودينيا؛ فضلا عن أن الثورة الأمريكية ~~كانت، كرائدتها الثورة الفرنسية، مجرد ترجمة عملية أو محض تطبيق للمبادئ الليبرالية، ~~خصوصا السياسية منها. # لكن على الرغم من كل هذا وذاك، فإن الليبرالية أساسا نبتة إنجليزية أصيلة، إنها أحد ms11 ~~الدروس التي تلقتها البشرية على يد هذه الأمة العريقة التي علمتها أصول التنظير السياسي ~~الحديث، ربما من حيث علمتها أصول العلم الحديث والمنهج العلمي؛ فكان أول سك واستعمال ~~وتداول لمصطلح الليبرالية في إنجلترا مع بدايات القرن الثامن عشر. # وقد لاحت بشائر الليبرالية كواقع عملي وكمثال نظري في أواخر القرن الخامس عشر وبدايات ~~القرن السادس عشر، أي مع أفول العصر الإقطاعي وبداية العصر البرجوازي؛ وأرهصت بها بعض ~~من كتابات مفكري هذه الحقبة، وأهمهم الإيطالي ميكيافيللي والإنجليزي توماس مور، وإن كان ~~هذا الأخير قد لوح باشتراكية اقتصادية من بين طيات ليبرالية سياسية واجتماعية. # على أية حال لم تتبلور الفلسفة الليبرالية إلا بعد أن تبلور النظام البرجوازي ~~الرأسمالي ذاته، والذي تعد الليبرالية المتحدثة الرسمية باسمه، أي بعد ذلك بقرنين من ~~الزمان في أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، حيث كانت نشأة مصطلح ~~الليبرالية، في إنجلترا كما ذكرنا. # كان مصطلح الليبرالية آنذاك ذا مغزى سياسي بحت، ولا يخلو من روابط مع الثورة على سطوة ~~المؤسسات الدينية، وهيمنتها على سائر مناحي الحياة النظرية والعملية في أوروبا. إنها ~~الثورة التي بدأت منذ بدايات عصر النهضة وعصر الإصلاح الديني في القرنين الرابع عشر ~~والخامس عشر، ونمت واشتد عودها في القرن السابع عشر باطراد التقدم العلمي، والإيمان ~~بالعقل وقدرة الإنسان ورشده، واستغنائه عن الوصاية، ولم يعد ثمة حرج في الحديث عن ~~حرياته والدعوة إليها والمطالبة بها جهارا نهارا. # الفيلسوف الرائد: جون لوك # كانت الأجواء إذن تنبئ بمجيء الأب الروحي لليبرالية، أي الفيلسوف الإنجليزي ~~جون لوك # John Lock ~~(1632-1704م) فيلسوف المعرفة ~~التجريبية الذائع الصيت، صاحب القول الشهير: «الحياة، الحرية، الملكية» الذي يلخص ~~مبادئ الليبرالية؛ وبالتالي أصبح شعارا لها يؤكد على العلاقة بله الترابط بين ~~الحرية الشخصية والملكية الخاصة. # أكد جون لوك أن الملكية حق من أهم الحقوق الطبيعية التي قامت الدولة من أجل ~~تأمينها، والأصل فيها هو ملكية الإنسان لشخصه، وبالتالي لناتج عمله، على أن الملكية ~~لن تقتصر على هذه الحدود، بل تمتد إلى موارد الإنتاج ذاتها؛ ms12 وتفاوت الملكيات في ~~المجتمع راجع إلى تفاوت قدرات الأفراد في العمل، وتفاوت طاقات جهدهم وملكاتهم ~~وإمكانياتهم وذكائهم ومواهبهم. # بهذا التبرير، الذي يبدو مقنعا، للملكية الخاصة الممتدة إلى موارد الإنتاج، وأيضا ~~لتفاوتها بين شخص وآخر، كانت الليبرالية مع إمامها جون لوك؛ إنه يصوغ الليبرالية ~~ويشكلها على أساس فكرة سادت القرن الثامن عشر تعرف باسم «القوانين الطبيعية»؛ ~~ومؤداها أن ثمة قوانين طبيعية تحكم حياة البشر وتجمعاتهم وأنشطتهم، وتنظمها بصورة ~~تلقائية، ويمكن لأي فرد أن يكتشفها باستبطان ذاته، ليجد مثلا أنه هو نفسه في ~~تصرفاته وعلاقاته وتعاملاته الاجتماعية محكوم بقوانين طبيعية، كقانون «المحافظة على ~~الذات» وقانون «التعاون مع الآخرين». والواقع أن فكرتي العقد الاجتماعي والقوانين ~~الطبيعية هما الأساس الفلسفي لليبرالية؛ العقد الاجتماعي أساس السياسة الليبرالية، ~~والقوانين الطبيعية أساس الاقتصاد الليبرالي، وهما بالتالي محورا الفكر الاجتماعي ~~لجون لوك. # وكانت فكرة القوانين الطبيعية هي حيثيات دفاع جون لوك عن الملكية الخاصة، وأنه لا ~~خوف منها مهما تضخمت، فهي محكومة بقوانين طبيعية، أي بحدود تلقائية طبيعية ومعقولة، ~~أبسطها أن قدرة الفرد على العمل محدودة. # هكذا نلاحظ أن الملكية التي دافع عنها جون لوك كانت أساسا ملكية ناتج العمل، حتى ~~إنه جاهر أن الدولة يجب عليها تأمين حدود التفاوت في الملكيات بحيث تضمن ألا يجور ~~شخص على آخر، فيمتلك ما لا يرجع إلى جهده، وأننا إذا افترضنا جدلا أن ملكية شخص ما ~~زادت على ناتج عمله، فإن هذه الزيادة ليست من حقه بل من حق الآخرين. # هذا حسن! ولكن كيف يمكن إلزام الواقع به من دون الخروج على مقتضيات الليبرالية ~~التي أرادها جون لوك؟! يصعب أن تسعفنا القوانين الطبيعية في هذا الصدد. # الفيزيوقراطيون الفرنسيون # وقد حمل لواء الليبرالية في القرن التالي على جون لوك - أي في القرن الثامن عشر - ~~جماعة من الاقتصاديين الفرنسيين، عرفوا باسم الفيزيوقراطيين أي أنصار الحكومة ~~الطبيعية، وهم يمثلون أقوى اعتقاد بفكرة القوانين الطبيعية؛ فكما توجد قوانين عامة ~~تحكم الطبيعة، ثمة قوانين عامة تحكم المجتمع. # أهم القوانين التي تحكم المجتمع قانونان: ~~(1) # قانون المنفعة الخاصة ms13 التي تجعل كل فرد يعمل على تحقيق مصلحته ~~الخاصة. ~~(2) # قانون المنافسة الحرة ومؤداه أن كل فرد مجبول على منافسة الآخرين ~~ومحاولة التفوق عليهم. # الثاني، أي قانون المنافسة الحرة ، يمثل ضوابط للأول أي لقانون المنفعة الخاصة؛ ~~بعبارة أخرى قانون المنفعة يكفل تحقيق الصالح الخاص وقانون المنافسة يكفل تحقيق ~~الصالح العام؛ أي أنهما معا يوفقان بين الصالح الخاص والصالح العام في آن ~~واحد. # الله هو واضع هذه القوانين الطبيعية، والله عادل وخير، يريد الخير لعباده ~~أجمعين؛ ومن ثم وجب أن تكون هذه القوانين عادلة فيها الخير للبشر، ويستحيل أن يدانيها الظلم من بين يديها ولا من خلفها؛ وبالتالي يجب على الدولة أن ~~تركن إليها، فلا تحاول عرقلتها بالقوانين البشرية الوضعية التعسفية. قوانين الله - ~~القوانين الطبيعية - كفيلة بتحقيق الخير والعدل للبشر أجمعين، وأي إنكار لهذا كفر ~~وتجديف. # فلترفع الدولة يدها تماما عن النشاط الاقتصادي، وتتركه للأفراد في تنافسهم الحر ~~بحثا عن منفعتهم الخاصة، أي تترك حريات الأفراد الاقتصادية تحقيقا للمبدأ: «دعه ~~يعمل، دعه يمر، إن العالم يسير من تلقاء نفسه.» وهذا المبدأ الشهير الذي يعد شعار ~~الليبرالية الاقتصادي من وضع فنسنت دي جورناي، وهو واحد من هؤلاء الاقتصاديين ~~الفرنسيين. # ونتيجة لاطراد التقدم العلمي التكنولوجي، وتطور الأوضاع السياسية والاجتماعية ~~وتعقد البنيات، سرعان ما تغيرت مقتضيات الحياة الاقتصادية وأنظمة العمل والإنتاج، ~~مفصحة عن سذاجة فكرة القوانين الطبيعية والركون إليها، وسذاجة تفاؤل جون لوك وأولئك ~~الفيزيوقراطيين الفرنسيين، وأصبحت رؤاهم يشوبها القصور، واتضح أن نظرية جون لوك ~~ببساطة لم تعد تطابق الأوضاع والأحوال. # الاقتصاديون الكلاسيكيون # نهض مع مطلع القرن التاسع عشر جماعة جملتهم إنجليز، تواتروا حتى القرن العشرين، ~~وسموا باسم الاقتصاديين الكلاسيكيين؛ وهم في الواقع من الآباء الشرعيين لعلم ~~الاقتصاد الحديث بأسره، منهم ديفيد ريكاردو وجيرمي بنتام ومالتوس وساي في القرن ~~التاسع عشر، وألفرد مارشال وتشارلز جيد وتشارلز رست في القرن العشرين؛ على أن ~~رائدهم الحق هو مؤسس علم الاقتصاد آدم سميث (1723-1790م) الذي يعد الأب الروحي ~~للاقتصاد الليبرالي الحديث، وهو في واقع الأمر الأب الروحي لعلم ms14 الاقتصاد بأسره، ~~وضع في كتابه الشهير «ثروة الأمم» أصولا للاقتصاد الليبرالي متمشية مع التغيرات ~~الحادة في أوضاع الملكية والعمل والإنتاج، التي صاحبت القرن التاسع عشر والقرن ~~العشرين. # الاقتصاديون الكلاسيكيون لا يقيمون ليبراليتهم - أو دعوتهم للحرية الاقتصادية - ~~على أساس العناية الإلهية الخيرة وما تبثه في الكون من قوانين طبيعية لصالح البشر، ~~بل على أساس وجود نوع من التوافق الطبيعي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، كفيل ~~بتحقيق التوازن الطبيعي مهما أطلقنا الحريات؛ مثلا: الصانع يبحث عن أجر أعلى ~~لصناعته كي يحقق مصلحته الخاصة، فيضطر لتجويدها لكي ترتفع قيمتها، فيحقق مصلحة عامة ~~بإيجاد سلعة جيدة الصنع؛ مثال آخر: الصانع يبحث عن سرعة دورة رأس المال - عن عملاء ~~يبيعهم بضائعه لكي يحقق مصلحته الخاصة، ولكي يجتذبهم فإنه يعمل على خفض الأسعار، ~~فيحقق مصلحة عامة؛ وهكذا. # على هذا يمكن بل يجب إطلاق حريات الأفراد في نشاطهم الاقتصادي؛ والتوازن ~~التلقائي الذي يكاد يمثل يدا خفية تحكم السوق، كفيل بتحقيق الانضباط المنشود، ولا ~~حاجة لتدخل الدولة فضلا عن سيطرتها على وسائل الإنتاج. # ولكن ماذا عسى أن يكون هذا التوازن التلقائي سوى قانون طبيعي؟ وهل ثمة ~~اختلاف حقيقي بين القانون الطبيعي والتوازن التلقائي اللهم إلا في ~~المصطلحات؟ # على أية حال أسس الاقتصاديون الكلاسيكيون علما يبحث في قوانين هذا «التوازن ~~التلقائي»، فكان ميلاد علم الاقتصاد الحديث في بداية القرن التاسع عشر؛ ليتطور ~~ويتشعب كثيرا، لا سيما بعد أن انضمت إليه جهود الاقتصاديين الاشتراكيين وأشهرهم ~~بالطبع كارل ماركس؛ ليغدو الاقتصاد الآن علما ضخما واسعا متشعبا، متعدد الأصول ~~والفروع، يستوعب الليبرالية والاشتراكية، والوسط بينهما ونقائضهما وما لا علاقة له ~~بكليهما. # ومنذ العقود الأخيرة في القرن العشرين باتت السمة الغالبة على الليبرالية ~~المعاصرة هي أنها تراجعت تماما عن إصرارها على ألا تتدخل الدولة إطلاقا في ~~الأنشطة الاقتصادية، وسلم الجميع بوجوب وضع قوانين توجه الأنشطة الاقتصادية للصالح ~~العام، وتحفظ حقوق الطبقة العاملة التي لا تملك، وأيضا حقوق المستهلكين. إنها الآن ~~تتخذ موقفا وسطا أبعد عن الرجعية المحافظة وأقرب إلى الاشتراكية التي كانت قوة ms15 ~~كابحة لها، بلغت مداها مع إعصار الماركسية الذي علا وخبا؛ فماذا عن هذا؟ # | الاشتراكية # النظريات والمذاهب الاشتراكية عديدة مديدة، لعل أوجه الاختلاف بينها أكثر من أوجه ~~التقارب، ربما كانت الماركسية أشهر وأهم النظريات الاشتراكية، إلا أنها ليست الأوسع ~~انتشارا على أرض الواقع الذي يشهد صنوفا شتى من الأحزاب الاشتراكية، والتطبيقات ~~الاشتراكية والتشريعات الاشتراكية. # فما هي الاشتراكية؟ # هي نظام اجتماعي واقتصادي يحاول أن يكون عادلا بأن يقوم على الملكية العامة ~~لوسائل الإنتاج، منعا لاستغلال أقلية من الملاك لأكثرية عاملة؛ قد تتخذ هذه ~~الملكية العامة شكل ملكية الدولة، كاشتراكية كارل ماركس (1818-1883م)، أو الملكية ~~التعاونية كاشتراكية سان سيمون (1760-1825م) في فرنسا وروبرت أوين (1771-1825م) في ~~إنجلترا، التي تؤكد على عدم تركيز رأس المال في أيد قليلة، أو ملكية الجماعة ~~كاشتراكية شارل فورييه (1772-1858م) الذي رأى أن الإنسان خير بطبعه وليس في حاجة إلى ~~القمع، وأن ارتكابه للأخطاء والجرائم بسبب خلل في المجتمع وليس فيه؛ لذلك كان شارل ~~فورييه فوضويا لا سلطويا، حارب مفهوم الدولة، وقال إن شموليتها واتساعها يقودان ~~إلى المركزية والبيروقراطية، ورأى أن ينقسم البشر إلى جماعات صغيرة أسماها «الزمر»، ~~تمثل كل جماعة وحدة إنتاجية تكفي احتياجات أعضائها، ويعمل كل فرد فيها بواعز من ~~ضميره ساعات عمل قليلة، وتكون الملكية مشاعا بينهم. # ثمة أيضا الاشتراكية الفابية، وهي حركة إنجليزية تنتمي لأقدم جمعية اشتراكية في ~~العالم، وتمثل واحدا من أقوى تيارات الاشتراكيات اللاماركسية التي ترفض الثورة الدموية ~~والانقلاب الكلي المفاجئ إلى المجتمع الشيوعي اللاطبقي؛ وقد اتخذت اسمها نسبة إلى ~~القائد فابيوس الذي انتصر على هانيبال عن طريق استراتيجية مؤداها ألا يهاجم الجيش ككل ~~أبدا، بل ينتظر ريثما تأتي اللحظة المناسبة فينفرد بميمنة الجيش، حتى إذا فرغ منها ~~وتركها حطاما انتقل إلى الميسرة ثم المقدمة وهكذا، وفي النهاية كان له النصر. # هكذا يتبنى الاشتراكيون الفابيون استراتيجية تدريجية لتحقيق المجتمع الاشتراكي وإلغاء ~~الفقر، عن طريق التشريع والإدارة وسيطرة المجتمع على إنتاجه وعلى حياته؛ وذلك على أساس ~~أن تكون الاشتراكية أولا ديمقراطية تتحقق عن طريق ms16 قبول الأغلبية والقرارات التي تحظى ~~بأعلى نسبة في الاقتراع العام؛ لذلك لا بد أن تكون السبل ممهدة في عقول الجماهير، ~~فينبغي العمل على تنويرها بالحقائق الواقعية عن أوضاع العمال، والدعوة إلى الاشتراكية ~~والإقناع بها، وتكون هذه الاشتراكية - ثانيا - تدريجية حتى لا تسبب قلقلة واضطرابا في ~~الأوضاع؛ وتكون - ثالثا - دستورية سلمية؛ ورابعا لا تعتمد على أية قرارات يعتبرها ~~الجمهور لا أخلاقية، من قبيل استلاب الملكيات الخاصة عنوة، أو مهاجمة الدين والمؤسسات ~~الدينية. # وقد تبلور الفكر الاشتراكي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نتيجة لتفاقم مساوئ ~~النظام الرأسمالي، خصوصا بعد قيام الثورة الصناعية، وبداية الهجرة من الريف، وزيادة ~~حجم الطبقة العاملة، وزيادة إمكانية استغلالها بصورة بشعة، تطرقت حتى استغلال النساء ~~والأطفال بأجور منخفضة وساعات عمل طويلة، تستغرق هي وساعات النوم كل عمر العامل، بلا ~~أية ضمانات أو تأمينات، مما جعل استغلال العمال شكلا آخر من أشكال العبودية. # | الماركسية # كان كارل ماركس هو الفيلسوف الاشتراكي الذي استطاع أن يخرج بفلسفته من قاعات البحث ~~الأكاديمي، ويجعلها تدفع من يؤمن بها إلى حد بذل الحياة من أجل تحقيقها، وتؤرق من لا ~~يؤمن بها، بحيث كانت حتى العقد قبل الأخير من القرن العشرين صداع العالم المزمن. # وذلك لأن الماركسية وضعت من أجل تغيير الأوضاع؛ فقد آمن ماركس بأن ما تقاسيه الطبقة ~~العاملة لا يرجع إلى ظلم أفراد لأفراد، بقدر ما يرجع إلى النظام الاجتماعي الفاسد الذي ~~لا بد من تغييره؛ فكان بهذا مخالفا لسنة الفلاسفة في الاقتصار على محاولة الفهم ~~والوعي والتوضيح، دون محاولة التغيير. وقد أكد ماركس أن الإنسان لكي يستطيع أن يغير ~~العالم يجب عليه أولا فهم المادة التي يتناولها فهما علميا، فتصبح سيطرته على تطور ~~المجتمع أشبه بسيطرته على سير الطبيعة. وضع ماركس أساس هذا الفهم بما أسماه المادية ~~الجدلية # Dialectical Marterialism ~~. # المادية - وهي أسبق في فكر ماركس من الجدلية - هي المذهب الذي يفسر كل شيء بالعلل ~~المادية وحدها، وهي هنا مادية تاريخية؛ بمعنى أنها لا تؤمن بأية عوامل غير مادية لتطور ~~المجتمع ms17 وتحرك التاريخ، لا علمية ولا فلسفية ولا دينية ولا غيرها، فكل هذا بنية فوقية، ~~ما يحركها ويحرك التاريخ هو البنية التحتية التي تكمن خلفها، وهي العوامل المادية؛ أي ~~الأحوال الاقتصادية التي تتمثل في صورتين: # قوى الإنتاج: أي المصادر الطبيعية كالمواد الخام والطاقة ورأس المال ~~والتكنولوجيا والأيدي العاملة. # علاقات الإنتاج: أي التقسيم الطبقي للمجتمع، فما يضفي على المجتمع ~~طابعه المعين هو نظام العلاقات التي تحكم عملية الإنتاج فيه. # تلك العوامل المادية هي القوة الأساسية التي تحدد هيئة المجتمع وطابع التنظير ~~الاجتماعي والاقتصادي فيه، وتقرر تطور المجتمع من نظام إلى آخر؛ فهي أسلوب الحصول على ~~وسائل المعيشة الضرورية لحياة الناس، أي أسلوب إنتاج الحاجات المادية الضرورية كالغذاء ~~والملبس والمسكن. لقد استفاد ماركس كثيرا من أبحاث لودفيج فويرباخ # L. Feuerbach ~~(1804-1872م) في إثبات هذه المادية، وفي دحض الفكر ~~الديني واعتباره أفيون الشعوب من حيث يجعلها تساعد على تسكين الأمر الواقع الفاسد، ~~ممنيا إياها بالجزاء في الحياة الآخرة. # غير أن ماركس مع كل هذا لم يعتبر المادية التاريخية مذهبا فلسفيا جديدا، بقدر ما ~~كان يعتبرها أسلوبا علميا مفيدا في التحليل الاجتماعي والتاريخي، وقاعدة ~~للاستراتيجية السياسية؛ فهي أساس الفهم العلمي لمسار التاريخ. # وهذه المادية التاريخية تتميز عن المادية التقليدية بأنها جدلية. الجدل أي منطق هيجل ~~هو منهجها، وهذا يعني أنها تنفي أية سكونية عن العالم والطبيعة، وترى في الحركة والتغير ~~الدائمين أساس فهمهما؛ فأي حادث من حوادث الطبيعة لا يمكن فهمه إذا نظرنا إليه منفردا، ~~ويمكن فهمه وتبريره إذا نظرنا إليه من حيث ارتباطه بالحوادث الأخرى، ومن حيث إنه في ~~تغير مستمر وحركة مستمرة. # هذه الحركة - وأية حركة سواء في الطبيعة أو في الفكر - لا بد أن تسير عبر خطوات الجدل ~~الهيجلي الثلاث: ~~(1) # القضية كما هي: أ. ~~(2) # ثم تتحول إلى نقيضها: لا أ. ~~(3) # ثم نصل إلى مركب يجمع خسر ما في القضية وما في نقيضها، ثم يتجاوزهما إلى ~~ما هو أفضل. في كل جانب منهما - من القضية ومن نقيضها - جانب من الحق وجانب ~~من الباطل؛ ms18 الحقيقة الكاملة لا توجد في أي منهما، بل في المركب الذي يوفق ~~بينهما ولا يتعارض مع أي منهما، هذا المركب بدوره سرعان ما يصبح في مرحلة ~~أعلى من الجدل «قضية» تنقلب إلى نقيضها، ثم تصل إلى المركب الذي يتجاوزهما، ~~وهكذا دواليك. # وقد قدم هيجل هذا المنهج الجدلي بصورة مثالية متطرفة؛ فهيجل هو الميتافيزيقي الصميم ~~الذي يرى الواقع مجرد انعكاس للفكرة أو للروح، فقد جعل الجدل خطوات صيرورة الروح؛ الذي ~~ينتقل من الروح الذاتي أو الروح في ذاته، الذي يتمثل في الطبيعة؛ إلى نقيضه أي الروح ~~الموضوعي أو الروح لذاته، الذي يتمثل في الإنسان بالقانون والأخلاق والسياسة؛ ثم يصل ~~إلى الروح المطلق الذي يتمثل في الدين والفن والفلسفة؛ الجدل بهذا هو الفكرة إذ تنمي ~~ذاتها، أما الطبيعة فهي انحطاط الفكرة. # غير أن ماركس ورفيقه فردريك إنجلز # F. Engles ~~(1820-1895م) وهما الماديان الصميمان ~~اللذان يريان في الفكرة مجرد انعكاس للواقع، قد نزعا عن الجدل هذه القشرة المثالية، ~~فجعلا جدل الفكرة مجرد الانعكاس الواعي لحركة العالم الواقعي الجدلية، وبذلك جعلا الجدل ~~يقف على قدمه المادية ثم ينعكس منها فيرتفع إلى رأسه المثالي، بعد أن كان مع هيجل يقف ~~على رأسه المثالي وينعكس منها فيرتفع إلى قدميه الماديتين. إن جدل ماركس مادي وهو أساس ~~تطور عمليات الطبيعة وأشكال المادة ومسار التاريخ وأشكال المجتمعات تبعا لتطور عمليات ~~الإنتاج. إنه علم القوانين العامة للحركة، سواء في العالم الخارجي أو في الفكر البشري، ~~وهو منهج للبحث هدفه امتلاك المادة بكل تفصيلاتها، وتحليل أشكال تطورها المختلفة ~~واكتشاف قوانينها الداخلية. # وقد وضع ماركس وإنجلز لهذا الجدل قوانين ثلاثة ومقولات، أو بالأصح استخلصا من جدل هيجل ~~قوانين الجدل، وهي: ~~(1) # التغيرات من الكم إلى الكيف: فالتغير الذي يحدث في العالم هو انتقال ~~من التغيرات الكمية إلى التغيرات الكيفية والعكس، وانتقال الشيء من حالة ~~كيفية معينة إلى كيفية أخرى نتيجة للتغيرات الكمية المتدرجة هو طفرة في ~~مجال التطور، والطفرة هي تحطيم لتدرج التغير الكمي للشيء أو هي الانتقال ~~إلى كيف جديد، مثل ms19 تدرج التغيرات الكمية لدرجة حرارة الماء، حتى إذا وصلت ~~إلى مرحلة معينة انتقلت من كيف إلى كيف آخر، من سائل إلى بخار. ~~(2) # صراع الأضداد وتداخلها: سبب التغير والحركة المستمرة في العالم هو ~~التناقض الكامن في الأشياء، وهو ما أسماه هيجل مبدأ السلب. ~~(3) # نفي النفي: سير التطور كله يتم عبر سلسلة من نفي النفي، كل مرحلة ~~تنفي سابقتها، ثم تنفيها هي نفسها مرحلة ثالثة، وهكذا. والنفي هنا لا يعني ~~الفناء، كل مرحلة تنفي المرحلة السابقة وتحفظها في آن واحد؛ النفي الجدلي ~~هو نفي واحتفاظ معا، هدم وتطور أبعد؛ يضرب الجدليون المثل على هذا بقانون ~~الجبر: −1 × −1 = 1. # أما المقولات فهي كثيرة؛ مثل: الكم والكيف والمقدار، العلة والمعلول والتفاعل، ~~المضمون والصورة، الماهية والمظهر، الضرورة والحرية، الإمكان والواقع، الفردي والجزئي ~~والكلي، الهوية والاختلاف، الطرد والجذب، اللامتناهي الزائف واللامتناهي الحقيقي، القوة ~~ومظهر تحققها، الكم المنفصل والكم المتصل، المجرد والعيني ... إلخ. والمجال مفتوح دائما ~~أمام مقولات أخرى يمليها علينا التطور الجدلي. # بهذه الصورة سنجد الدنيا كلها تسير وفقا لإيقاع الجدل الذي لا يفلت من قبضته القوية ~~شيء لا في العالم المادي ولا في العالم الروحي، حتى إن الخلافات التي تقع بين الرفاق ~~داخل الحزب الشيوعي نفسه لا يفسرها إلا ذلك الجدل الهيجلي العظيم! ~~••• # على أساس هذه النظرة الجدلية المادية يكون تناول تاريخ البشرية، فنجده عملية واحدة لا ~~تكرار فيها، تخضع لقوانين يمكن اكتشافها؛ وهي قوانين تختلف عن قوانين العلوم الطبيعية ~~والكيميائية التي تسجل اقترانات وتتابعات لظواهر متداخلة، أينما وكلما تكررت هذه ~~الظواهر. إنها قوانين أقرب شبها إلى علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) وعلم النبات، التي ~~تتضمن المبادئ التي تتم تبعا لها عملية تغيير مستمرة. كل مرحلة في هذه العملية جديدة، ~~تحمل سمات جديدة. وعلى الرغم من كونها جديدة وفريدة وغير متكررة، فإنها مع ذلك تنبعث من ~~الحالة السابقة عليها مباشرة، نتيجة للأسباب نفسها، وخضوعا للقوانين الطبيعية نفسها ~~التي أدت إلى انبعاث الحالة السابقة عليها من تلك التي كانت قبلها. # المجال الوحيد للبحث عن مبدأ هذه الحركة ms20 التاريخية هو ذلك المجال الذي يظل مفتوحا ~~للاختبار العلمي التجريبي. ولما كانت الظواهر المراد تفسيرها هي تلك التي تتعلق بالحياة ~~الاجتماعية، فإن التفسير يجب أن يكمن في طبيعة البيئة الاجتماعية، على أن يكون تفسيرا ~~علميا. # لقد ضاق ماركس بالمثاليين الذين يتطلعون إلى التخلص من أوضاع الواقع بواسطة قيم ومثل ~~عليا، ورأى أن أكبر خطأ وقعوا فيه - بسبب من الفردية البروتستانتية - هو إيمانها بأن ~~تغيير ما في أنفسهم من شأنه أن يؤدي إلى قلب أسلوب حياتهم بالكلية. وآمن هو إيمانا ~~راسخا بأن التاريخ تتحكم في مسار أحداثه قوانين حتمية تشبه القوانين التي تتحكم في ~~مسار ظواهر الطبيعة؛ وكما أن السيطرة على الطبيعة تكون بالتوصل إلى هذه القوانين، فإن ~~السيطرة على التاريخ تكون - أيضا - بالتوصل إلى قوانينه التي تمكننا من التنبؤ بما ~~سيكون، والتي لا تقبل ردا ولا استثناء، وإن كانت تقبل تعجيلا. # ها هنا نلاحظ معلما يميز النظرية الماركسية عن سواها من النظريات الاشتراكية، ألا ~~وهو ما تزعمه من خاصة علمية، وبالتالي ما تدعيه من إخبار عن الواقع، الواقع التاريخي. ~~فكما كان نيوتن عالم الفيزياء وكان باستير عالم البيولوجيا، أراد ماركس أن يكون عالم ~~التاريخ الذي يدرسه ويحلله ويفهمه، فيستطيع التوصل إلى القوانين الحتمية التي تحكمه ~~والتي تمكننا من التنبؤ بما سيكون من أحداثه، تبعا لطبيعة العلم ووظيفته. # والقانون الأساسي الذي يحكم حركة التاريخ كما توصل إليه ماركس هو: صراع الطبقات الذي ~~يتطور تطورا جدليا من مرحلة إلى أخرى؛ فمنذ أن انتقلت الحضارة الإنسانية من الشيوعية ~~إلى الملكية بدأ الصراع بين الأحرار والرقيق، ومع الانتقال الجدلي إلى المرحلة ~~الإقطاعية أصبح الصراع بين طبقة ملاك الأرض وطبقة رقيق الأرض، ومع الانقلاب الصناعي ~~أصبح الصراع بين طبقة البرجوازية (أي ملاك رأس المال) وبين طبقة البروليتاريا (أي عمال ~~الصناعة الكادحين). إنه الصراع الدائم بين الحاكمين والمحكومين، بين القاهرين ~~والمقهورين، بين الذين يملكون وسائل الإنتاج وبين العمال الذين لا يملكون ويقومون ~~بعملية الإنتاج. # إن الباعث الأساسي على العمل في حياة الإنسان هو علاقته بالطبقات المختلفة ms21 في الصراع ~~الاقتصادي، وهو باعث تزيد قوته لأن الإنسان لا يدركه؛ فهذه العلاقة حرب مستترة، تظهر ~~تارة وتختفي تارة أخرى، حرب كانت تنتهي دائما إما إلى إعادة تشكيل المجتمع بأسره ~~بطريقة ثورية، وإما إلى انهيار الطبقتين معا. # المجتمع البرجوازي الحديث الذي قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي، لم يقض على ~~التناقضات، لكنه أقام طبقات جديدة تحل محل الطبقات القديمة، وأوجد ظروفا جديدة للقهر، ~~وأشكالا جديدة من الصراع بدلا من الأشكال القديمة، وإن كانت أشكالا قد بلغت الذروة ~~في تناقضها، وهذا ما توضحه نظرية ماركس الاقتصادية التي أسماها «نظرية القيمة وفائض ~~القيمة». # نظرية القيمة هي التي قال بها ديفيد ريكاردو (1772-1823م) وخلاصتها أن قيمة السلعة ~~تتناسب تناسبا طرديا مع عدد ساعات العمل - أي كمية العمل - المبذولة فيها. أما نظرية ~~فائض القيمة فقد توصل إليها ماركس، وخلاصتها أن العامل يبيع عمله للبرجوازي مقابل أجره ~~الذي يكفيه الحد الأدنى من ضرورات الحياة، لكن البرجوازي يبيع ناتج العمل بأجر أعلى ~~بكثير مما دفعه للعامل؛ فارق السعر بين أجر العامل وبين ثمن بيع عمله هو ما أسماه ماركس ~~«فائض القيمة»، وهو الذي يبلور مدى استغلال البرجوازي للبروليتاري؛ فالثروات تتراكم ~~بتراكم فائض القيمة، التي تشكل بدورها رأسمالا آخر يفيض عن إشباع حاجات البرجوازي، ~~فيستغله في عملية إنتاج أخرى، أي في توسع صناعي أكبر واستغلال عدد أكبر من العمال، يحقق ~~فائض قيمة أعلى، وهكذا دواليك. # ويبدو التناقض أوضح في أن العامل يبيع عمله كسلعة بثمن بخس، ولما كان عمله يستغرق ~~عمره، فهو محروم من كل وسائل الترفيه والتثقيف، ويصبح العامل نفسه سلعة شقية، ويتناسب ~~شقاؤه تناسبا طرديا مع حجم وقوة إنتاجه؛ كلما زاد الإنتاج، كلما انخفضت قيمة العامل، ~~مما يوضح اغتراب العامل عن عمله الذي يسبب له الشقاء، بينما يسبب للبرجوازية المستغلة ~~رفاهية ونعيما. # وبطبيعة الحال الجدلي، لن يستمر هذا الوضع إلى الأبد ولا حتى طويلا؛ فالبرجوازية شأن ~~أية مرحلة تطور اقتصادي أخرى، تحمل في ذاتها عوامل فنائها، إلا أن البرجوازية تتميز ~~بأنها أكثر بساطة؛ فالمجتمع يسير أكثر ms22 فأكثر في طريق الانقسام إلى طبقتين كبيرتين ~~متعارضتين تماما، هما البرجوازية والبروليتاريا؛ فسوف تبتلع البروليتاريا الحرفيين ~~والصناع والتجار - لأنهم لن يستطيعوا الصمود أمام الصناعات التكنولوجية الضخمة - وأيضا ~~الفلاحين، وسوف تنكمش البرجوازية، فتتركز الثروة في أيد قليلة؛ مما سيزيد من حدة ~~الصراع الطبقي وقوته ويعجل بانهيار النظام البرجوازي. سوف يشتد ساعد البروليتاريا ~~ويقوى، فتقهر البرجوازية وتصل إلى مواقع السلطة، وتكون حكومة ديكتاتورية تحافظ على ~~مكاسب البروليتاريا، وتصفي بقايا النظام والعادات البرجوازية، تؤمم كل وسائل الإنتاج، ~~فيختفي الاستغلال والقهر، وتضمحل الدولة نفسها، أو تنتهي بوصفها دولة، لأن الدولة هي ~~أداة الرجعية للحفاظ على النظام البرجوازي القائم. وشيئا فشيئا تنضم الدول الواحدة ~~بعد الأخرى إلى هذا المجتمع - وعلى الأغلب سيكون المجتمع الإنجليزي أو الألماني - الذي ~~سيشمل العالم أجمع في نهاية الأمر، لأنه ذروة التقدم وغايته: المجتمع الشيوعي اللاطبقي، ~~الذي يحكمه مبدأ: من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته. بدلا من المبدأ البرجوازي: من كل ~~حسب قدرته ولكل حسب إنتاجه؛ فيتساوى الجميع مهما كانت أعمالهم. # لكن البرجوازية سوف تستخدم كل الأساليب في محاولة عرقلة مسار التاريخ وتعويض تقدمه ~~المحتوم نحو الشيوعية؛ لذلك من الضروري أن يتحد العمال للقيام بثورة دموية عنيفة، تقهر ~~البرجوازية وتحقق الشيوعية بقوة السلاح، فقط لكي تخفف آلام الوضع وتقصرها، وتختصر ~~المراحل التاريخية المطلوبة للوصول إلى المرحلة الشيوعية، وإن كانت هذه المرحلة على أية ~~حال هي النهاية الحتمية لمراحل التطور الاقتصادي. # فتنت هذه النظرية في عصرها ألباب الكثيرين؛ فقد بدت حلما طوباويا خلابا يؤكد مجيء ~~اليوتوبيا الموعودة للكادحين المطحونين، بعد طول قهر وحرمان. فهل هذا عن حق؟ هل كانت ~~النظرية صادقة؟ لماذا إذن كل الانهيار المدوي لبعض أو لمعظم تطبيقاتها المخلصة؟ # | نقد النظرية الماركسية # أولا: نقد الماركسية من حيث هي نظرية علمية # في نقد وتقويم النظرية الماركسية نجد أن أول ما يلفت النظر فيها دونا عن سواها ~~من نظريات اشتراكية، هو الزعم بأنها نظرية علمية. # فقد جاء ماركس في عصره الذي بلغ حد الثمل والدوار في الانتشاء بالعلم، وطرح ~~نظريته بوصفها ms23 نظرية علمية، وسوف نرى أنها ليست علمية ولا يمكن أن تكون هكذا، أو ~~أنها على أوسع الفروض تحاول أن تتمسح بالعلم وأن يكون لها الشكل العلمي، ولكنها في ~~حقيقة الأمر ليست من العلم في شيء. # فأولا: منهج ماركس مضطرب غامض مبهم، حتمي وتنبؤي وقطعي وجدلي في الوقت نفسه. لقد ~~صارح بأنه يعتمد على الجدل؛ والمنهج الجدلي والمنهج العلمي متضادان لا يمكن أن ~~يلتقيا؛ فالجدل يحذف قانون عدم التناقض وينتقل من الفكرة إلى نقيضها إلى مركب يجمع ~~بينهما أي يقر بهما معا، والعلم لا يسمح بهذا، ومن غير المعقول البتة أن ننتظر من ~~كل قضايا العلم أن تكون جدلية. السمة المميزة للمنهج العلمي هي حذف القضية التي ثبت ~~خطؤها وإحلالها بأخرى أكثر منها صوابا، بغير مبرر للبحث عن نقيضها فضلا عن مركب ~~من القضية ونقيضها، ثم إن عالم العلم كمي، والكمية مجرد عناصر موجودة معا، أي أنها ~~نقيض الوحدة الجدلية. العلم لا يعنيه البتة الانتقال من الكم إلى الكيف، كما يؤكد ~~الجدل. وليس يفترض العلم أية انقلابات جدلية في مسار الطبيعة، بل على العكس يفترض ~~استمرارية ما. جملة القول أن أبسط تحليل منطقي يكشف عن التضارب بين المنهج الجدلي ~~والمنهج العلمي، ولم يكن هذا خافيا عن أي ملم بأساسيات المنطق؛ لذا دأب الشيوعيون ~~على القول إن منهج العلم يناقض الجدل لأنه يكشف عن وجهة النظر البرجوازية. # ولما كان العلم أساسا هو المنهج، وكان منهج ماركس بكل هذا الاضطراب والتناقض، ~~كانت نظريته علمية زائفة؛ إنها تحاول علمنة التاريخ، أي أن تجعله علما كالطبيعة، ~~له قوانين نستخلص منها تنبؤات يقينية، أي تنبؤات ستحدث حتما، لينتهي إلى أن ~~الشيوعية ليست نظرية نقبلها أو نرفضها، أو ننقدها أو نعدلها، بل هي أمر محتوم، ~~سيحدث قطعا شئنا أم أبينا، وقصارى ما نستطيع أن نفعله هو الثورة الدموية التي تخفف ~~آلام الوضع، أي فقط تقصر المرحلة التاريخية التي ستعقبها الاشتراكية، حتما على ~~أية حال. وفضلا عن أننا الآن في عصر النسبية والكوانتم اللتين لم يشهدهما ماركس، ~~فقد ms24 أدركنا أنه لا التاريخ علم كالطبيعة، ولا الطبيعة أو أي علم آخر يمكن أن يكون ~~حتميا بمثل هذا المنظور. # وفضلا عن هذا نجد أن مصداق الخلل المنهجي قد أتى من الوقائع التاريخية التي حدثت ~~فكذبت كل تنبؤات ماركس تقريبا، مما يعني أن النظرية ذاتها كاذبة؛ وبالتالي ليست ~~الشيوعية حتما مقضيا كما وعدتنا: ~~(أ) # تنبأ ماركس بأن طبقة البروليتاريا سوف تزداد زيادة غير محدودة، ~~وتنكمش طبقة أصحاب رءوس المال انكماشا غير محدود، وهذا لم يحدث أبدا؛ ~~فقد تعقد اتجاه الصناعة وتغير في حالات كثيرة، وأصبحت تعتمد على الثورة ~~التكنولوجية، وثورة المعلومات والكومبيوتر أكثر من اعتمادها على ~~العمال. زادت أهمية المهارة الكيفية للعامل عن أهمية العدد الكمي ~~للعمال، وبدلا من أن تزداد البروليتاريا، ظهرت طبقة ثالثة لم يلتفت ~~إليها ماركس بحكم طبيعة عصره، وهي طبقة المهندسين والعلميين والفنيين ~~والمحاسبين والإداريين ... ودورها في عملية الإنتاج أهم من دور ~~البرجوازية ومن دور البروليتاريا. # وبسبب من تطور المنتجات وتطور الاحتياجات لم تعد المؤسسات الكبرى ~~تفلس أصحاب الصناعات الصغيرة فتضمهم للبروليتاريا، بل قد تعتمد عليها. ~~المؤسسة الكبرى لصناعة السيارات - مثلا - تعتمد على صناعات صغيرة ~~لإنتاج ما يلزمها من جلود المصانع وغيره. من الناحية الأخرى لم تنكمش ~~طبقة أصحاب رءوس الأموال انكماشا غير محدود، بل على العكس، امتلك أسهم ~~كثير من الشركات صغار المساهمين. ~~(ب) # كذبت أيضا نبوءة ماركس القائلة إن الطبقات سوف تختصر إلى طبقتي ~~البرجوازية والبروليتاريا؛ لم يحدث هذا وليس من المحتمل أن يحدث، ~~ومهما تقدمت الصناعة لن تختفي طبقة المزارعين بالذات، ولن تنضم إلى ~~البروليتاريا، وتظل الحياة الريفية متميزة بطابعها المعين. ويمكن القول ~~إن تاريخ الاشتراكية في أواخر القرن العشرين هو في أحد جوانبه تاريخ ~~الصراع بين الحركة البروليتارية وبين طبقة الفلاحين. لقد عالج ماركس ~~الإنتاج الزراعي بسطحية بالغة، الأمر الذي كلف خمسة ملايين من الفلاحين ~~الروس أن يموتوا أو يرحلوا حتى يتحقق نظامه. # على أية حال لم تسفر التطورات التي أعقبت ماركس عن طبقتين، بل عن ~~الطبقات الآتية: (1) البرجوازية. (2) كبار ملاك الأراضي. (3) الملاك ms25 ~~الآخرين. (4) العمال الزراعيين. (5) طبقة وسطى من الإداريين والفنيين. ~~(6) طبقة العمال الصناعيين. هذا فضلا عن طبقة المثقفين التي عدها ~~ماركس برجوازية، وهي ليست هكذا إذا تحرينا دقة في المصطلح. ومثل هذا ~~التطور وهو الأمر الواقع في معظم البلدان، من شأنه أن يحطم اتحاد طبقة ~~العمال الصناعيين أو وضعهم ككتلة متحدة، وذلك لتداخل علاقاتهم بالطبقات ~~الأخرى. ~~(ج) # تنبأ ماركس بأن انتصار البروليتاريا ومجيء الشيوعية سوف يتبعه ~~حتما المجتمع اللاطبقي، وليس هذا محتوما، لا نظريا ولا تطبيقيا؛ ~~نظريا، سوف يتحد البروليتاريون ليواجهوا البرجوازيين، ولنفترض أنهم ~~انتصروا وابتلعت البروليتاريا البرجوازية، فلن يعود أمامها خطر تخشاه ~~وتتحد لتواجهه، بل الأدنى إلى المعقول أن الصراعات والمشاكل الخاصة ~~بالبروليتاريا ستنشأ داخلها فتقسمها إلى طبقات من جديد، ثم إنه في حالة ~~انتصارها سوف يقفز إلى السلطة قادة الحركة الثورية ويشكلون طبقة ~~الحكام الجدد في المجتمع الجديد. إنه مجرد نوع جديد من الأرستقراطية ~~والبيروقراطية. هذا ما تحقق في المجتمعات الشيوعية، ولوحظ البون الشاسع ~~بين طبقة الحكام وطبقة المحكومين. ~~(د) # تنبأ ماركس بأن تراكم فائض القيمة سوف يؤدي إلى زيادة بؤس ~~العمال، زيادة في شدته أي في شدة بؤس العامل الواحد، وزيادة في مداه ~~أي بؤس عدد أكبر من العمال؛ وأكد ماركس أن البؤس مادي وأيضا معنوي، ~~فاستغراق العامل في عمله الشاق الذي يغترب عنه من شأنه أن يزيد من ~~بلاهة العامل ومن تشويه قواه العقلية. # فهل حدث هذا؟ وهل زادت بلاهة العمال؟ كلا بالطبع، بل العكس تماما هو ~~الذي حدث؛ جزء من فائض القيمة الآن يستغل في إقامة مجتمعات سكنية ونواد ~~اجتماعية ورياضية وأنشطة ترفيهية للعمال. تطورت النظم التربوية ~~الحديثة، وأصبح التعليم حقا لكل مواطن، برجوازي أو بروليتاري. وتفجرت ~~وسائل الإعلام المسموعة والمرئية التي تشد الطبقات كلها في اللحظة ~~نفسها للمادة الإعلامية الواحدة، ثم أتت ثورة المعلومات العظمى وثورة ~~الإنترنت التي جعلتها متاحة للجميع بكبسة زر. # كل هذا فضلا عن الصورة التكنولوجية التي أدت إلى إنتاج بالجملة، ~~فجعلت كماليات كثيرة - فضلا عن الأساسيات - في متناول كل الطبقات. ~~والنتيجة هي ms26 نمو الوعي العمالي، وباتت طبقة العمال تسقط حكومات وترفع ~~أخرى، وتطور التكوين الثقافي لطبقة البروليتاريا، ولدرجة لم يكن ماركس ~~يحلم بها. ~~(ه) # تنبأ ماركس بأن الشيوعية ستبدأ في أكبر الدول المتقدمة ~~تكنولوجيا، وبالذات إنجلترا وألمانيا، والذي حدث هو عكس هذا تماما؛ ~~فقد تحقق أول انقلاب شيوعي في دولة كانت متخلفة تكنولوجيا، هي روسيا ~~التي استبعدها ماركس تماما على الرغم من علاقته بالمفكر باكونين ~~(1814-1876م) ممثل الفكر الاشتراكي في البرجوازية الروسية، وأعقبت روسيا ~~دولة أكثر تخلفا هي الصين. وفي الربع الثالث من القرن العشرين توالت ~~انقلابات شيوعية في دولة متخلفة كاليمن الشمالية وأفغانستان. ~~(و) # تنبأ ماركس باضمحلال الرأسمالية وبالتالي مجيء الشيوعية لتحل ~~محلها، ولكن الرأسمالية التي عرفها ماركس وحللها هي رأسمالية عدم ~~التدخل، أي الرأسمالية الحرة حرية مطلقة والتي لا تسمح بأي تدخل أو فرض ~~قيود؛ فحتى لو تدخلت الدولة فهي - تبعا لنظرية ماركس - أداة ~~البرجوازية ولن تتدخل إلا لحمايتها والإبقاء عليها. والأمر الواقع الذي ~~كذب نبوءة ماركس هو أن مثل هذه الرأسمالية اختفت تماما فعلا، ولكن لم ~~تكن الاشتراكية هي البديل الوحيد الذي حل محلها دائما. في معظم ~~البلدان حل نظام الرأسمالية الخاصة المقيدة، أو نظام مختلط يجمع بين ~~الملكية الخاصة والملكية العامة، وحتى في أكثر الدول رأسمالية تتدخل ~~الحكومات بإرشاد والتوجيه والتخطيط والتحريم والإلزام، ومنح التسهيلات ~~ورفع الجمارك والضرائب، وحماية حقوق العمال وشملهم بالضمانات ~~والتأمينات الاجتماعية والمعاشات والتأمين ضد البطالة، بل أصبح للعمال ~~حق الإضراب عن العمل وإجبار أصحاب رءوس المال على رفع أجورهم. # وكانت السويد هي التي قامت بأولى الخطوات الحاسمة في هذا الطريق حين حددت ساعات ~~العمل بثمان وأربعين ساعة في الأسبوع. لقد عاش ماركس حتى رأى بعض الإصلاحات في ~~أحوال العمال، لكنه لم ير في هذا تفنيدا لنبوءته، بل إيذانا بانهيار ~~الرأسمالية. # وكان ماركس في هذا قصير النظر؛ فالتعديل التدريجي والحلول التوفيقية التي أنجزت ~~الكثير وسوف تنجز الأكثر، لم تكن إلا تطويرا لشكل من أشكال الرأسمالية وإبقاء ~~عليها. وإذا رأى العمال أنهم يستطيعون تحسين أحوالهم تدريجيا ms27 بالتطوير السلمي، ~~فما الذي يدفعهم إلى المخاطرة بثورة دموية تدمر كل شيء؟! # هكذا كذب الواقع نبوءات ماركس، ليتضح أنها تحاول أن تتعلمن، وأن تجعل العلم ~~التاريخي جدليا رغما عنه وعن الواقع التاريخي، وإذا كانت تنصب على تحليل عملية ~~الإنتاج الاقتصادي، فقد كان يمكنها أن تقتصر على وصف ماضي تاريخ الإنتاج وليس ~~مستقبله الذي يظل في عوالم الاحتمال، وبذلك تكون وظيفة المادية الجدلية هي إيجاد ~~منهج نقدي للمجتمع المعاصر، ولا يمكن أن يكون ما قاله ماركس ذا قيمة إلا إذا كان قد ~~كف عن التنبؤ بالمستقبل وعن تأكيد حتمية مجيء المجتمع الشيوعي اللاطبقي. # ديدن العلم هو الاختبار التجريبي، بمعنى أن نستنبط من النظرية ما يلزم عنها من ~~نتائج وتنبؤات لنواجهها بالواقع التجريبي، فإذا كان ثمة تطابق ظلت النظرية حائزة ~~للقبول، أما إذا كان ثمة تناقض فالنظرية في موقف حرج ويتم تركها أو تعديلها. وقد ~~تناقضت تنبؤات الماركسية إلى كل هذا الحد مع الواقع والوقائع التاريخية، ثم تصدعت ~~البقية الباقية من أركان ادعائها السمة العلمية بعد أن حل الاحتمال - في العلم ~~المعاصر - محل الحتمية التي تقوم عليها الماركسية وتؤكد بها مجيء الشيوعية، حين ~~حاولت أن تتعلمن كعلم عصرها، علم القرن التاسع عشر الذي كان حتميا. # إذن لم يستطع ماركس أن يعلمن التاريخ، ويعلمن مجيء الاشتراكية، أي لم يستطع أن ~~يكون عالما ناجحا؛ فهل استطاع أن يكون فيلسوفا ناجحا؟ # ثانيا: نقد الماركسية من حيث هي نظرية فلسفية # انتهينا من نقد الماركسية من حيث هي نظرية علمية، أي بوصفها نظرية ذات مضمون ~~معرفي ومحتوى إخباري عن الواقع، يمكننا من التنبؤ بمقبل أحداثه، واتضح أنها حاولت ~~أن تكون علمية ففشلت، وعلينا الآن أن نناقشها على الأرض التي بقيت لها، أي من حيث ~~هي نظرية فلسفية. # إذا كان النقاش أو بالأحرى الاختبار العلمي التجريبي يعتمد أساسا على الواقع ~~والوقائع، فإن النقاش الفلسفي لا يعول كثيرا على هذا. ليس يحط من قدر النظرية ~~الفلسفية أنها لا تنطبق على هذا العالم الفج المضطرم؛ فالفلسفة سوف تعنى دائما ~~بتصور ms28 ما ينبغي أن يكون، وربما تترك ما هو كائن للعلم. # لكن ما هو إذن معيار النقاش الفلسفي والحكم على منازل النظريات الفلسفية؟ المعيار ~~الفلسفي يتكون عادة من شقين؛ الأول هو الاتساق أي اتساق النظريات مع نفسها ~~ومسلماتها وقواعد منهجها، ومع مقولات المنطق ومقولات التفكير بعامة . أما الشق ~~الثاني فهو قوة البرهنة والتدليل، فليس يجوز في الفلسفة إلقاء القول على أعنته وفرض ~~الفروض جزافا، ولا يحق البتة للفيلسوف أن يطرح قضية ليست بديهية واضحة بذاتها ~~ويطلب منا التسليم بها، ما لم يكن قد أتى بالمسوغات الكافية والبراهين المثبتة لها. ~~وحين نناقش الماركسية من هذا المنظور سنجد أنها وقعت في تناقضات كثيرة وزلت قدمها ~~في مواطن عدة. # فأولا: تعتمد الماركسية على الزعم بالحتمية التاريخية، أي القول إن التاريخ يسير ~~في مسار محتوم يمكن قولبته في مراحل أو أنماط أو إيقاعات - هي مع ماركس مراحل جدلية ~~- ومن ثم يمكن التنبؤ به؛ وهذه فكرة قديمة وعتيقة، معروفة منذ أيام هيزيود ~~وهيراقليطس وأفلاطون وفكرة اليهود عن مآل شعب الله المختار، ولم تنقطع أبدا من ~~تاريخ الفلسفة، وظلت مستمرة حتى يومنا هذا، مع فيكو وبوسويه وكوندرسيه وهيجل ~~وشبنجلر وتوينبي ... وغيرهم؛ وعلى الرغم من هذا ومن مرور عشرات القرون من عمر ~~البشرية، لم نجد لها دليلا واحدا مؤيدا أو برهانا مثبتا، فضلا عن انهيار ~~دعاوى الحتمية تحت معاول العلم المعاصر، معاول النسبية والكوانتم، فلماذا يتصور ~~ماركس أن العلم الاجتماعي بالذات هو القادر على تحقيق حلم العهود القديمة بالكشف ~~عما يخبئه لنا المستقبل؟ وأن يحل محل الكهنوت وإنجيل العهد القديم في التنبؤ بمسار ~~التاريخ ومآل البشر؟ ولما كانت نبوءات ماركس لم تتحقق، كان هو إذن نبيا ~~زائفا. # ثم إنها - أي حتمية ماركس التاريخية - جعلته يتناقض مع نفسه ومع قوله الشهير: ~~مهمة الفيلسوف تغيير العالم لا فهمه. فإذا كان التاريخ محددا سلفا بحتمية قاطعة، ~~فكيف يمكن التغيير؟ # إن التغيير سوف يقتصر على التعجيل بمجيء المجتمع الشيوعي الآتي حتما، وليس هذا ~~تغييرا حقيقيا؛ كل ما فعله ماركس أن وضع أمامنا ms29 بديلين؛ إما أن يبقى العالم ~~طويلا في فوضى ونزاع وصراع، وإما أن يتحد العمال ليقيموا ثورة دموية تعجل بمجيء ~~الشيوعية، وبالطبع ليس من المعقول أن يختار أحد الاحتمال الأول، هذا بالإضافة إلى ~~الوسائل الدعائية الإعلامية اللاعقلانية لدرجة تمجيد العنف الذي أحاط بها ماركس ~~الاحتمال الثاني . لقد كان ماركس متناقضا مع نفسه بوصفه فيلسوفا عقلانيا حين مجد ~~العنف والحرب الأهلية التي قد تؤدي إلى دمار وخراب شامل، وإلى التضحية بجيل الثورة ~~من أجل أجيال لم تأت بعد، بل ومن أدرانا أن العنف سوف يتمخض عن صالح هذه الأجيال ~~المقبلة؟! الأدنى إلى المعقول أن يؤدي إلى ضياع الحرية وإلى حكم لا يساير العقل، ~~حكم الرجال الأقوياء قادة الثورة الناجحين. ثم إن قهر الطغيان بالعنف يؤدي إلى ~~طغيان آخر، كما بينت الانقلابات التي كانت تحدث كل يوم في البلدان النامية. # ولما كانت الحتمية تلغي أي دور للإرادة الإنسانية، كانت حتمية ماركس تجعله يتناقض ~~أيضا مع نفسه من زاوية أخرى، مع قوله الشهير: «يا عمال العالم اتحدوا!» لكي يخططوا ~~للثورة؛ فاتحاد البروليتاريا من أهم المقدمات الأساسية التي استنبط منه حتمية مجيء ~~الشيوعية. # غير أن الحتمية التاريخية - كما هو معلوم بعامة وكما يؤكد ماركس بخاصة - تعني أن ~~مسار التاريخ مستقل عن إرادة الإنسان؛ فهو محكوم فقط بعلاقات الإنتاج، ولكن ليس ~~هناك اتحاد وتخطيط من دون تدخل عنصر الإرادة الموجهة، فضلا عن أن الاتحاد يعني ~~العقل والصحوة، والعقل المخطط المدبر؛ وإذا تذكرنا أن هذا سيأتي نتيجة لتفاقم بؤس ~~العمال وازدياد بلاهتهم وتشويه قواهم العقلية، أدركنا كيف تناقض ماركس في تنظيره ~~للثورة الاجتماعية. # ثم إنه رأى أن أية ثورة اجتماعية ستؤدي بالضرورة إلى الشيوعية أو بالأحرى تعجل ~~بها، وليس هذا صحيحا، فمثلا ثورة إيران لم تؤد إلى الشيوعية. # وماركس له نظرية أخلاقية، خلاصتها أن ثمة نمطين للأخلاق، أحدهما في صالح ~~البرجوازية يؤدي إلى حفاظ على الوضع القائم عن طريق تمجيد الملكية والتفاوت الطبقي (الأخلاق اليمينية)، والنمط الأخلاقي الآخر في صالح البروليتاريا يمجد التقارب ~~الطبقي وساعات العمل القليلة ms30 لمزيد من الحرية ونبذ الملكية وتراكم فائض القيمة ~~(الأخلاق اليسارية). ويؤكد ماركس على قضية مفادها أن كل بورجوازي يعتنق القيم ~~البرجوازية اليمينية، وكل بروليتاري يعتنق القيم البروليتارية اليسارية، وليس هذا ~~صحيحا دائما، وماركس نفسه برجوازي لكنه يعتنق القيم الاشتراكية مثله في هذا مثل ~~كثير من أنصار الاشتراكية نظريا وتطبيقيا. وهذا الحكم الماركسي تعميم بغير مبرر ~~لتأثير الوضع الاجتماعي على قيم الإنسان، والإنسان ليس نتاجا لطبقته فقط كما يزعم ~~ماركس؛ فثمة مؤثرات عديدة تشكل شخصية الإنسان وقيمه. # إن التفسيرات الماركسية دائما تعميم لجانب واحد وإغفال لبقية الجوانب؛ فكيف ~~يتصور أن الاقتصاد هو المؤثر الوحيد على حركة التاريخ؟! والواقع أن هناك عوامل أخرى ~~لها تأثير أقوى، كالدين الذي ظل العامل الأساسي لنشأة الحضارات وازدهارها وأفولها ~~وقيام الإمبراطوريات وسقوطها طوال العصور الوسطى، وكالعلم وهو السبب الأساسي للثورة ~~الصناعية التي أدت إلى بؤس العمال وأيضا إلى الاستعمار. # وكما أوضح كارل بوبر، العلاقات متداخلة بين الظروف الاقتصادية وبين المعرفة، ~~ويستحيل أن نرجع الأولى (= الظروف الاقتصادية) ببساطة إلى الثانية (= المعرفة). وإن ~~كان يمكن أن نرجح كفة الأولى على الثانية؛ فلو تحطمت كل وسائل الإنتاج وبالتالي ~~انتهت علاقاته، وبقيت لدينا المعرفة، لأمكننا أن نقيم الحياة الاقتصادية ثانية. ~~أما لو اختفت المعرفة تماما وجاءت قبيلة بدائية بكل احتياجاتها المادية ~~والاقتصادية، فلن تستطيع أن تقيم حياة اقتصادية كتلك التي كانت في كنف معرفة ~~متقدمة. المعرفة إذن - وليس الاقتصاد - هي العامل الأكثر حسما وهي البناء التحتي ~~للحياة الاجتماعية. # وبكل هذا الركام من الأخطاء يشكل ماركس أيديولوجية صارمة لمجتمع مغلق، ~~أيديولوجيا تحدد سلفا أسلوب حل كل المشاكل ومواجهة كل المواقف، فلا يقبل المجتمع ~~أية ديمقراطية ولا تبادل آراء ولا حتى محاولة التوصل لحل أصيل مرن لمشكلة ~~طارئة. # إن الماركسية نظرة كلية، تفترض أنها بضربة واحدة - هي الثورة الدموية - ستقلب ~~التطور التاريخي إلى المرحلة اليوتوبية الشيوعية، التي يتصور ماركس أنها نهاية ~~التاريخ وخاتمة العالم. # وعلى هذا نتفهم سر دعوى «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما التي ترددت وعلا صيتها ~~في العقد الأخير من القرن ms31 العشرين، فقد كان الاتحاد السوفيتي أقوى وأمضى تمثيل ~~لتطبيق النظرية الماركسية، وتمثيلا عينيا للسير في طريقها؛ وشهد النصف الثاني من ~~القرن العشرين استعار أوار الحرب الباردة بين اليمين وتمثله رأسمالية وليبرالية ~~الولايات المتحدة الأمريكية والسائرون في فلكها، واليسار وقد انبرى له الاتحاد ~~السوفيتي والسائرون في فلكه، الزاعمون أن المستقبل ملك لهم، أوليست الشيوعية آتية ~~لا ريب فيها؟! وعلى حين غرة انهار الاتحاد السوفيتي، فخرج فرنسيس فوكوياما - المفكر ~~الأمريكي اليميني المتشدد ذو الأصول اليابانية - ليعلن أن هذا هو النصر المؤزر ~~لليمين الليبرالي والقضاء المبرم على غريمه اليسار الاشتراكي، مما يعني أن نهاية ~~التاريخ لن تكون الشيوعية كما زعم ماركس بل هو تلك الليبرالية والرأسمالية التي ~~تجدد نفسها، والإصلاحات المتوالية. # لسنا الآن بصدد مناقشة فوكوياما الذي تثير رؤيته حفيظة العقلاء؛ لأن التاريخ ~~ببساطة لم ينته بعد، غير أن الإصلاح مثل النقد من الأفضل أن يكون على مراحل وقائما ~~على أساس هندسة اجتماعية جزئية تتعامل مع المؤسسات الاجتماعية كل على حدة، بالأسلوب ~~الذي يناسبها، وليس بأسلوب محدد سلفا. الاتجاهات الكلية التي تريد الإصلاح بضربة ~~واحدة قاصمة فاصلة قد لا تصلح شيئا، وقد تؤدي إلى خراب أو فساد شامل، ثم إن النزعة ~~الكلية الاجتماعية مستحيلة منطقيا، فكل تحكم جديد في العلاقات الاجتماعية من شأنه ~~أن يخلق مجموعة جديدة من العلاقات الاجتماعية التي تحتاج هي الأخرى إلى التحكم ~~فيها، وهكذا في سلسلة بغير نهاية؛ لذلك أعلن فلاديمير إيلتش لينين القائد السوفيتي ~~المبرز أن الحزب الشيوعي السوفيتي بمجرد أن تولى السلطة لم يجد في النظرية ~~الماركسية أية تكنولوجيا اجتماعية أو خطط للإصلاح الاجتماعي، فكل بحوث ماركس كانت ~~مكرسة لخدمة نبوءاته التاريخية التي فشلت. ~~••• # ولكن مهما اختلفنا مع ماركس، ومهما كان وضوح الأخطاء في النظرية الماركسية ومواطن ~~الزلل فيها، فإن أحدا لا يستطيع إنكار أن ماركس كان واحدا من أعظم أقطاب الفلسفة، ~~وأن هناك الكثير مما يسجل له. # حاول مخلصا أن يطبق المنهج العلمي العقلاني على أكثر مشاكل الحياة العملية ~~إلحاحا، كانت رغبته متأججة لمساعدة المطحونين المقهورين، ms32 وبإخلاص نادر بذل حياته ~~قولا وفعلا من أجل تحسين أحوالهم، ضرب عرض الحائط بفرص حياة عريضة كانت مفتوحة ~~أمامه غير نادم ولا آسف، ولم يلق من دعوته إلا العنت والفاقة التي تسببت في موت نفر ~~من بنيه. # وحين هاجر إلى لندن هربا من الاضطهاد الذي لاقاه في وطنه ألمانيا وفي أوروبا ~~عموما، كان يستجدي من رفيقه وتابعه الوفي فردريك إنجلز رجل الأعمال الثري، وأحد ~~أقطاب صناعة النسيج في معقلها آنذاك، في بريطانيا. أما ماركس فقد كان شغله الأول ~~مكتبة المتحف البريطاني، يقضي فيها جل ساعات يومه بلا ملل ولا كلل، قرأ بنهم محموم ~~كل ما وقع في يديه من بحوث ومراجع وهوامش، ربما كما لم يقرأ أحد مثله، وليس هذا ~~غريبا من شخصية جبارة مثله. كان قد درس التاريخ والفلسفة في جامعة برلين، وحصل على ~~درجة الدكتوراه في الفلسفة برسالة موضوعها أكاديمي خالص هو: «المذهب المادي بين ~~ديمقريطس وأبيقور». وبتأثير من المحامي المثقف أوستفالن - والد زوجته المحبوبة - ~~اطلع بحماس على الآداب الكلاسيكية القديمة والفكر الإنساني، ولما انتقد عام 1840 ~~لأنه يحاول تنظيم الاقتصاد وتخطيطه في حين أنه لم يدرس الاقتصاد بما يكفي، انكب ~~بعزيمة حديدية على دراسته ثماني سنوات، فلما جاء العام 1848 كان ماركس أعلم علماء ~~عصره بالاقتصاد. # وهو في كل هذا لم يكن يرى في المعرفة إلا وسيلة لدفع تقدم الإنسان وتحسين أحواله، ~~أحوال الكادحين؛ وإن كان مسار التاريخ قد أثبت أن ماركس أخطأ أكثر مما أصاب. # هذا عن ماركس، أما عن ماركس الفيلسوف فإن الحديث يطول، ويكفي أنه قلب النظرة ~~الوضعية الإستاتيكية للمجتمع والتاريخ، وعلمنا أصول النظرة الحركية الديناميكية ~~التي تنظر إلى مسار التاريخ الإنساني من حيث التغيرات الحدية فيه. # ولا شك أن ثمة مثلا عليا لا ينكرها إلا مكابر منغلق على ذاته غير مبال بالصالح ~~العام، كالعدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروات في المجتمع وتحقيق التقارب الطبقي ~~والحياة الكريمة للجميع مهما كانت أعمالهم ومهما تواضعت قدراتهم، وتقديس قيمة العمل ~~كحق للجميع وواجب عليهم وشرف لهم، ونبذ استغلال ms33 الإنسان لأخيه الإنسان ... إلخ، وهي ~~مثل قد تتحقق في المجتمع الاشتراكي أكثر مما تتحقق في المجتمع الرأسمالي الليبرالي، ~~ولا شك أيضا أن ماركس فعل لهذه القيم ما لم يفعله سواه، وأنه جعل الاشتراكية من ~~أهم نقاط التحول في مسار التاريخ البشري الحضاري والفكري، ومن أهم تيارات الفلسفة ~~في القرنين التاسع عشر والعشرين. # ولكن حين ننشد تحقيق مثل تلك القيم وتحقيق المجتمع الاشتراكي، لم يعد واردا الآن ~~أن نتبع كارل ماركس الذي رحل عنا منذ أكثر من مائة عام، باعا بباع، ولا تزال هناك ~~تيارات اشتراكية متبصرة تفعل فعلها في واقعنا المعاصر، كالاشتراكية الفابية ~~والاشتراكية الديمقراطية والماركسية المعدلة المتطورة دائما في الصين، إنها تيارات ~~متبصرة واعية لمتغيرات الواقع وأخطاء المثال. # لقد تراجعت الليبرالية المعاصرة عن كثير من تطرفها اليميني، مثلما تراجعت ~~الاشتراكية الآن عن كثير من تطرفها لتصب فيما يعرف الآن بالطريق الثالث، وفي هذا ~~يحق لنا اعتبار فكرة الهندسة الاجتماعية التي طرحها كارل بوبر - كفلسفة للتنظير ~~وللتخطيط السياسي - كانت من الشعاب الممهدة حقا لتؤدي إلى هذا الطريق ~~الثالث. # ولا غرو أن يمهد كارل بوبر الطريق الثالث؛ فهو فيلسوف الليبرالية البارز الذي ما ~~فتئ يؤكد أن القيم الاشتراكية بمعية قيم التنوير هي أنبل ما حملته الفلسفة، وقبل ~~وفاته بعامين قال إنه دائما اشتراكي، بمعنى إحساس العاقلين بالمسئولية تجاه ~~الآخرين الأقل منهم حظا ونصيبا في الحياة، بيد أن البشر للأسف لا تحركهم مثل هذه ~~الدوافع النبيلة، ومع ذلك يظل بوبر من أبرز فلاسفة الديمقراطية الليبرالية في القرن ~~العشرين. # والسؤال الآن كيف تمهد الهندسة الاجتماعية الجزئية ذلك الطريق الثالث. # | الهندسة الاجتماعية الجزئية طريق ثالث # لئن كان كارل بوبر (1902-1994م) هو فيلسوف العلم ومناهج البحث الأول، فإنه يشتهر ~~أكثر بوصفه فيلسوف المجتمع المفتوح، الذي يمثل واحدة من أنضر صور الديمقراطية ~~الليبرالية؛ ونظرا لسعة مجال السياسة وشيوع جمهورها، فقد حاز بوبر شهرته أساسا من ~~كتابه «المجتمع المفتوح وخصومه» في جزأين (1945م)، الذي طبق الخافقين وترجم إلى أكثر من ~~عشرين لغة، من بينها العربية، ولقي اهتماما ms34 واسع النطاق في مجالات ومستويات ~~مختلفة. # اقترن اسم بوبر بالمجتمع المفتوح وصار عنوانا لفلسفته السياسية والاجتماعية، حيث ~~التمثيل العيني لتطبيق منهج العلم العقلاني النقدي على مشكلات السياسة والاجتماع، حيث ~~ممارسة العقلانية النقدية في الفلسفة السياسية كي تكفل للمجتمع طريقا للتقدم مثلما ~~تكفل للعلم تقدما مطردا. تنعكس إيجابيات المنهج العلمي ها هنا في صورة مجتمع مفتوح ~~للرأي والرأي الآخر، ليفوز الحل الأقدر والرأي الأرجح، ويكون الانتقال من المشكلات إلى ~~حلولها في إطار ديمقراطي، ولا أحد يمكنه الزعم بامتلاك الحقيقة، ليصب المجتمع داخل ~~إطارها ويقود الآخرين كالقطيع. لا بد من إفساح كل مجال للرأي والرأي الآخر، ليتغلب ~~الرأي الأقدر على حل المشكلة، وهذا يستلزم الديمقراطية والتعددية والمناقشات النقدية ~~والعقلانية والتسامح؛ باختصار: المجتمع المفتوح، وينقض كل دعاوى الديكتاتورية والانفراد ~~بالرأي والتعصب والتطرف ويستحيل معه صب المجتمع داخل الإطار الشمولي والنسق الموحد؛ لأن ~~هذا مجاف لمنطق العلم ومنطق الواقع ومنطق التاريخ، سواء أكان هذا النسق الشمولي الموحد ~~هو الماركسية أو سواها. # ويمكن القول إن كتاب «المجتمع المفتوح»، وبشكل خاص الجزء الثاني منه، هو أصلا وفروعا ~~نقد للنظرية الماركسية، واعتبره كثيرون أقوى نقد وجه للماركسية. # وفي هذا نلاحظ أن بوبر في إطار نقده للماركسية وللمجتمع المغلق إجمالا، كانت أهم ~~الجوانب التي حاربها بشراسة هو ما تنطوي عليه الماركسية من نزعة يوتوبية كلية؛ النزعة ~~الكلية تتناقض مع النزعة العلمية تناقضا حادا؛ افترضت الماركسية أنها بضربة واحدة - ~~هي الثورة الدموية - سوف تقلب التطور التاريخي إلى المرحلة اليوتوبية والجنة الموعودة ~~للكادحين؛ وهذا في جوهره مواصلة لمسيرة الفكر اليوتوبي الذي يطرح تخطيطا كليا ~~للمدينة الفاضلة أو جلب السماء إلى الأرض، صارفا الأبصار عن الطابع المرحلي لكل بناء ~~معقد، وعن مشاكله التي يتولد عن حلولها مشاكل أخرى غير متوقعة، كما يعلمنا منهج العلم ~~وأصول التفكير العلمي. # وإذا كان التفكير الرومانتيكي هو نقيض التفكير العلمي، فإن هذا المنزع الكلي نحو عالم ~~أفضل إنما هو نوع من «الرومانتيكية الصريحة، بحث عن المدينة المثالية ككل متكامل في ~~الماضي أو في المستقبل». # ربما كان ms35 البحث عنها في الماضي أكثر حضورا في واقعنا نحن. في كلتا الحالتين يرى بوبر ~~أن: «عودوا على الماضي المجيد» أو «سيروا نحو مجتمع العدالة الاجتماعية» نداءات إلى ~~العواطف أكثر منها إلى العقل، طابعها الكلي يستلزم إحكام قبضة الاتجاه الواحد والرأي ~~الموحد على المجتمع بأسره، وغلق الأبواب أمام الرأي الآخر وإخماده، وبالتالي لا مندوحة ~~عن أساليب القهر والقسر والعنف. ومع أخلص نواياهم بصنع جنة السماء على الأرض، لا يفلحون ~~إلا في جلب حدود الجحيم؛ لأنه الواقع المضطرم الحي الذي يأبى الانصياع بسائر جزئياته ~~المتكثرة والصب في إطار هندسة كلية شمولية أيا كانت، ليأتينا بكل ما نريد جملة ~~وتفصيلا. # ولكن هل يعني هذا أنه لا سبيل إلى البحث عن عالم أفضل؟ # كلا بالطبع، بل يمكن القول إن البحث عن عالم أفضل هو حادي مجمل الجهد الواعي العاقل ~~للإنسان (لبوبر كتاب عنوانه «بحثا عن عالم أفضل») وينبغي أن يظل هكذا، وأن نعمل دائما ~~على تغيير الأوضاع من أجل درء المثالب وحل المشكلات التي تواجه المجتمع والاقتراب دوما ~~من الأهداف المنشودة والمثل العليا، ولكن لا يكون هذا بالأسلوب الكلي الشمولي، ~~والتخطيط المركزي الذي يحكم قبضته على المجتمع المغلق، بل عن طريق ما أسماه بوبر ~~بالهندسة الاجتماعية الجزئية # Social Piecemeal Engineering # المتسقة مع ليبراليته؛ فما ~~هي الهندسة الاجتماعية الجزئية؟ ~~••• # الهندسة الاجتماعية على إطلاقها تعني إنشاء النظم والمؤسسات الاجتماعية أو تكييفها ~~وتعديلها وفقا لخطة مرسومة قبلا، أو بالمصطلح الأنيق نقول تبعا لمخطوطات ~~زرقاء # blue prints # على أن الخطة أو المخطوطة يمكن أن تكون شمولية تنحو ~~إلى قلب المجتمع بأسره من وضع إلى وضع، بصورة حدية متطرفة، بضربة واحدة، أو حتى بثورة ~~دموية؛ وهذه هي الهندسة الاجتماعية الكلية التي رفضها بوبر بشدة. # في مقابل هذا، يمكن أن تكون الهندسة الاجتماعية جزئية؛ مخطوطات زرقاء أبسط وأضيق ~~حدودا، مخطوطة تنصب مثلا على مكافحة البطالة أو مرض متوطن، أو تطوير نظام تعليمي ... ~~إلخ. ولما كانت كل محاولة في واقع الإنسان لا بد أن يشوبها خطأ ما كما يعلمنا التفكير ~~العلمي، ms36 فإن مخطوطات الهندسة الجزئية المحدودة تجعل الخطأ بدوره محدودا، درؤه أيسر، ~~والخسران الناجم عنه أقل مخاطرة من المغامرة بتخطيط كلي. # إن الهندسة الاجتماعية الجزئية تتلمس الطريق خطوة خطوة، وتبحث عن أكثر المشكلات ~~إلحاحا، يتبارى الرأي والرأي الآخر للوصول إلى أفضل الحلول، فتحل الديمقراطية محل ~~القمع والديكتاتورية، نقارن النتائج المتوقعة بالنتائج المتحققة فعلا، نترقب على ~~الدوام ظهور النتائج غير المرغوب فيها، والتي لا مفر منها في كل إصلاح بل وفي كل محاولة ~~إنسانية. هكذا يحل التناول العقلاني المرحلي محل التحمس المشبوب والعنف والقسر. ونرفض ~~كل دعوى بحتمية التاريخ - ماضيه ومستقبله - ليترك المجال مفتوحا للتعديلات والتصويبات ~~وفق أية مستجدات في الواقع. # تلك هي الهندسة الاجتماعية القريبة حقا من روح المنهج العلمي بل أيضا من روح ~~التقانة (التكنولوجيا)، حتى يمكن القول إنها الأسس العلمية للسياسة؛ فهي تتوقف على ~~السياسة الواقعية الضرورية لتشييد أو تعديل أو تبديل المؤسسات الاجتماعية وفقا ~~لأهدافنا، سوف تخبرنا بأي الخطوات هي التي يجب اتخاذها فعلا إذا رغبنا مثلا في تفادي ~~الكساد لمؤسسة ما، أو عدالة توزيع الربح الناتج عن مؤسسة أخرى. # المهندس الاجتماعي هنا يتصور شيئا ما يشبه التكنولوجيا الاجتماعية من قبيل تصميم ~~النظم والمؤسسات الاجتماعية الجديدة، وتشغيل وإعادة تركيب ما هو موجود فعلا. النظم ~~الاجتماعية هنا تستعمل بمعنى واسع، فتشمل الهيئات الاجتماعية العامة والخاصة، أي عمل ~~تجاري كبير أو صغير، شركات التأمين والمصارف، الشرطة، مؤسسات الخدمات التعليمية ~~والصحية، الهيئات الدينية والقضائية والإعلامية ... إلخ، كلها تتناولها الهندسة ~~الاجتماعية الجزئية بوصفها وسائل علينا أن نجعلها تحقق أهدافا معينة، ونحكم على كل ~~منها على حدة تبعا لملاءمتها وقدرتها على تحقيق الهدف منها. # طرح بوبر تصوره للهندسة الاجتماعية الجزئية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في ~~محتدم الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، فبدت كأسلوب ترقيع جزئي متواضع، عزف عنه ~~المتحمسون من كلا الجانبين، التواقون للإصلاح والكمال ككل لا يقبل تجزئة؛ والآن اتضح أن ~~طريقهم أكثر التواء وأبعد منالا، إن لم نقل مستحيل المنال. ~~••• # كما ذكرنا، شهدت بدايات القرن العشرين انتهاء الرأسمالية المطلقة، رأسمالية «دعه ms37 يعمل، ~~دعه يمر، إن العالم يسير من تلقاء نفسه» بلا أي توجيه أو تدخل من الدولة، إنها ~~الرأسمالية التي كانت سائدة في عصر الثورة الصناعية وحاربتها الاشتراكيات الصاعدة ~~آنذاك، وتنبأ ماركس بأفولها، وهذه هي نبوءته الوحيدة التي تحققت وإن لم تحل محلها ~~الشيوعية كما زعم. على أية حال كان اختفاء تلك الرأسمالية المتطرفة أو تكييفها أو ~~تعديلها تقدما إيجابيا بلا شك، وبوبر نفسه يعلن ارتياحه لانتهاء مثل هذه ~~الرأسمالية. # ومثلما شهدت بدايات القرن العشرين انتهاءها، شهد العقد الأخير منه نهاية الاشتراكيات ~~المتطرفة وانهيار الأنظمة الشمولية المغلقة باسم الاشتراكية في شرق أوروبا. لقد ثبت فشل ~~التطرف من كلا الاتجاهين، اليمين واليسار على السواء؛ وتتقدم الهندسة الاجتماعية ~~الجزئية حين تقنينها وصياغتها وتوجيهها وفق أهداف ومثل عليا، وتبدو حلا في متناول ~~كل الأطراف، يصعب أن يستأثر بها أحد الطرفين، إنها فكرة عالجها فيلسوف ليبرالي اقترن ~~اسمه بتطوير ليبرالية النصف الثاني من القرن العشرين في اتجاه خطوط الاشتراكية ~~الديمقراطية التي ما فتئ بوبر يثني عليها. # لهذا نجد الهندسة الاجتماعية الجزئية التي عالجها فيلسوف ليبرالي قد أتت في جوهرها ~~أقرب إلى الاشتراكية الديمقراطية، بل والاشتراكية الفابية التي عرفت كيف تزرع القيم ~~الاشتراكية في صلب الحضارة الإنجليزية، معقل الرأسمالية، حيث ينازع حزب العمال حزب ~~المحافظين ويتغلب عليه كثيرا ويمسك بزمام الحكم. # وفي هذا نلاحظ أن زعماء كلا الحزبين الأكبرين في بريطانيا يقرون بأنهم متأثرون ببوبر ~~الذي هو أشهر وأهم فلاسفة إنجلترا المعاصرين، وبفلسفته السياسية والاجتماعية التي ~~يرونها أول تطوير حقيقي وتغيير لمسار الليبرالية منذ وفاة جون ستيوارت مل، أيضا في ~~إنجلترا العام 1873م. # إنهم الآن يتحدثون كثيرا عن الطريق الثالث، بعد ما رأيناه من أفول التطرف الرأسمالي ~~اليميني والتطرف الاشتراكي اليساري على السواء، وظهر مصطلح الطريق الثالث وكاد يفرض ~~نفسه حتى ظهور مصطلح العولمة كغول ينذر بابتلاع كل ما عداه، وذي صخب عال يطغى على كل ~~ما سواه؛ ودون أن ندور في متاهات العولمة، نكتفي بإيجابيات التفكير العلمي وقد تمثلت في ~~الهندسة الاجتماعية الجزئية، كآلية فعالة ms38 في صلب الطريق الثالث، الذي يبدو طريقا ~~مربحا لكلا الجانبين. # | ثانيا: الاستعمارية وما بعد الاستعمارية # | الاستعمارية # وجه قبيح لليبرالية الغربية # رأينا لوك يرفع شعاره الشهير: «الحياة، الحرية، الملكية» الذي يلخص مبادئ ~~الليبرالية، وكان بهذا يؤكد على اعتبار سوف يصبح من أهم أسس الليبرالية، وهو العلاقة ~~بين الحرية الشخصية والملكية الخاصة؛ فالاعتراف بمجال خاص (= مجال الملكية الفردية) ~~يستقل فيه الفرد دون تدخل يتطلب أن تتوزع الملكيات ولا تتركز في يد واحدة، ولو كانت يد ~~الدولة. هكذا رأت الليبرالية أن الحرية تتطلب تنوع الملكيات، لتصبح الملكية شرطا لحرية ~~الأفراد. # والواقع أن الملكية في الليبرالية ليست شرطا للحرية بل هي الحرية ذاتها، أو هي ~~بتعبير هارولد لاسكي الذي يجسد به الليبرالية الأمريكية المعاصرة: الملكية هي الحرية ~~التي تحققت. # هكذا حين رفع لوك الشعار «الحياة، الحرية، الملكية» كان يبلور خلاصة الليبرالية وهي ~~أن الإنسان هو المالك الوحيد لحياته، ولامتدادها الذي هو العمل، والعمل يتجسد ناتجه في ~~ملكية خاصة هي التمثيل العيني للحرية، فتكون غاية الحكومة هي الحفاظ على الملكية ~~الخاصة، ويغدو الوطن فقط لأصحاب الضياع والعقارات ومن يملكون. أما الأجراء الذين لا ~~يملكون غير قدرتهم على العمل، فقد أكد لوك في أكثر من موضع أنهم ناقصو الأهلية والتعقل، ~~ولا يمكن أن يشاركوا في الحياة السياسية ولا في حقوق المواطنين وحرياتهم؛ فما شأنهم ~~بالوطن ما داموا لا يملكون فيه شيئا؟! وهكذا حيث لا ملكية فلا حرية ولا مواطنة ولا ~~إنسانية؛ فكان من الطبيعي أن يتنامى الفكر الاشتراكي فيما بعد ليدافع عن حريات وحقوق ~~ومواطنة الذين لا يملكون. # حرية الذين يملكون هذه تجعلنا لا نصدق ببساطة على زعم الليبرالية أنها مذهب الحرية ~~وأقوى المدافعين عن حرية المواطن أو حرية الإنسان من حيث هو إنسان؛ ولا غلو إذا قلنا إن ~~حرية الإنسان وكرامته هي هدف الفلسفة السياسية الحديثة أصلا وغايتها جملة وتفصيلا، كل ~~مذهب من مذاهبها يحاول تحقيق هذا الهدف من الزاوية التي اتخذها ومن المنظور الذي تبدى ~~له، الكل يحاول، وليس الكل يصيب، ولكن جميع مذاهبها ms39 تنطلق صوب هذا الهدف. # ورب معترض: حتى الفاشية والنازية؟! # أجل حتى الفاشية والنازية؛ فالأولى أي «الفاشية» لم تقتنع بحرية وكرامة لمواطن في وطن ~~ضعيف مقهور، فانشغلت بعزة الدولة انشغالا أعماها عن عزة الفرد، لتقع في الخطأ ~~التقليدي، خطأ الوسيلة التي تلهي عن الغاية. # أما «النازية» فلم ترفع الدعوة بسيادة الجنس الآري وتحقير الجنس السامي إلا حين أمعنت ~~الدولتان الليبراليتان الكبريان إنجلترا وفرنسا في مدهما الاستعماري واقتسام المعمورة ~~فيما بينهما وكأن العالم ملك لهما وحدهما، فانطلقت الصرخة الألمانية النازية: نحن هنا! ~~جعلها الضغط الليبرالي الاستعماري من أمام ومن وراء صرخة هوجاء رعناء غير متريثة الخطى ~~أو مأمونة العواقب. # وبطبيعة الحال ليس يعنينا الآن محاكمة النازية والفاشية، بل يعنينا لفت الأنظار إلى ~~حقيقة كشمس الجنوب مشرقة ومحرقة، وهي أن «حركة الاستعمار» كانت من الثمرات اليانعات ~~لليبرالية، وكوابح الاستعمار التي رانت على الكواهل هي الأيادي البيضاء لليبرالية ~~الغربية على العالم الذي أصبح ثالثا، المواطن فيه إنسان من الدرجة الثالثة. # ومن منطلق موقعنا في العالم الثالث الذي ذاق الأمرين - ولا يزال - من وبال الاستعمار ~~والتبعية للغرب، لا نستطيع أن نغض النظر عن هذا الوجه القبيح لليبرالية، حين نتطلع إلى ~~الاستفادة من إيجابيات الليبرالية أو وجهها الجميل. # على هذا يكون التفهم العميق لليبرالية حين نضعها داخل أطرها الأوروبية لننتبه إلى أن ~~ما يميز الليبرالية حقا ليس الحرية والكرامة، بقدر ما يتمثل في أنها - كما رأينا - ~~صيغت أولا كواقع أوروبي، ثم صيغت لاحقا كنظرية، لعل هذا هو مكمن قوتها، فهي بعكس ~~النظريات الاشتراكية والماركسية التي هي صياغة للنظرية أولا ثم بحث عن تطبيقها؛ لذلك ~~قيل إن اليمين الليبرالي هو فلسفة الأمر الواقع، وانتصاره على غريمه الاشتراكي هو نهاية ~~التاريخ؛ وإذا كانت الديمقراطية القائمة على العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين هي ~~أهم الإيجابيات، فإنها ليست حكرا على الليبرالية أو صنيعتها بقدر ما كانت اتجاه العصر ~~الذي قامت الليبرالية بالتنظير له. وأهم فلاسفة العقد الاجتماعي جان جاك روسو قد شن ~~حملة شعواء على قدس أقداس الليبرالية: الملكية الخاصة. ms40 # كان نمو النظرية الليبرالية، منذ أن بدأت دفاعا عن طبقة صغار الملاك الناشئة حديثا ~~مرورا بليبرالية التجاريين والفيزوقراطيين في فرنسا ورأسمالية عدم التدخل والاقتصاديين ~~الكلاسيكيين، هو ذاته تطور الحضارة الغربية الحديثة منذ انهيار الإقطاع وازدهار الحياة ~~في المدن وظهور البرجوازية «وصولا إلى مرحلة الثورة الصناعية وانفجار المد الاستعماري ~~وما تلاه من صنوف التبعية للغرب». إن الاستعمار هو الوجه القبيح لليبرالية. # لقد كانت الفترة منذ نهاية حروب نابليون بونابرت عام 1815م حتى قيام الحرب العالمية ~~الأولى عام 1914م هي أظهر فترات الحكم الليبرالي خاصة في إنجلترا، وهي ذاتها الفترة ~~التي اجتاح فيها الاستعمار عالمنا الثالث كمهمة اضطلعت بها الدول الليبرالية، إذ ~~أفرزتها آليات الليبرالية؛ وأكدتها أهداف الليبرالية وباركها أقطاب الليبرالية. # وحتى مع جون ستيورات مل وكتابه الرائع «في الحرية» الذي يعد تاج الأدبيات الليبرالية، ~~نجد أن مل نظرا لموقعه الشخصي في شركة الهند الشرقية يندد باحتلال الهند، ومع هذا ~~يفسح صفحات في كتابه المذكور ليدافع عن حق وواجب الدول المتقدمة في احتلال الدول ~~المتخلفة؛ لأنها بمثابة القاصر! # إذ كان من الضروري أن يتجه الفكر الإنجليزي - الليبرالي جدا - بمجامع نفسه لتأكيد ~~المد الاستعماري، طالما أنه يؤمن مصادر المواد الخام للصناعات الغربية وفتح الأسواق ~~لمنتجاتها، والحيلولة دون ظهور صناعات تزاحمها في البلدان المتخلفة التي لا بد وأن تبقى ~~هكذا، لينفتح المجال على مصراعيه - فقط في عالمهم الغربي - للمبادرة الفردية وهامش ~~الربح والتنافس الخلاق ... إلى آخر مثاليات الاقتصاد الليبرالي، الذي تهدف سياساته إلى ~~تأكيد حقوق الإنسان، فقط الغربي أو الأبيض. أما إنسان الدول المحتلة، في الهند أو مصر ~~أو الجزائر ... إلخ، فلم تتوان الدول الليبرالية عن سحب كل حق له - فضلا عن حق وطنه - في ~~الحرية والاستقلال والكرامة، والحياة أحيانا، كما في حالة شهداء حركات وحروب التحرير. ~~وسلاما على عبد الحكم الجراحي طالب جامعة القاهرة - جامعة فؤاد الأول آنذاك - الذي قضى ~~نحبه من التعذيب في سجون الاحتلال الإنجليزي فقط لأنه قاد مظاهرة تنادي بأن تكون مصر ~~حرة مستقلة. # والآن يبدو طبيعيا جدا ومتوقعا أن ms41 تنزع الولايات المتحدة الأمريكية اليوم إلى ~~الاضطلاع بالدور الذي قامت به إنجلترا وفرنسا بالأمس، وهو السيطرة على مقدرات العالم ~~وتنظيمه وتوجيهه بما يتفق مع مصالح الغرب، وطبقا لآليات العصر طالما أن أمريكا قد ورثت ~~عن إنجلترا وفرنسا عرش الليبرالية. # وبالمثل حين اندفعت الليبرالية الغربية لتأسيس المشروع العنصري الإسرائيلي، والعمل ~~على تكريس تفوقه وبقائه، فإنه يستوي في تبرير موقفهم هذا أن إسرائيل حاملة لواء ~~الديمقراطية الليبرالية في الشرق الاستبدادي المتخلف، أو أنها أقوى وأبهى إنجازات ~~المشروع الاستعماري وأعلى أشكاله. # فتجلجل الصيحة بحقوق الإنسان في الانتقال والإقامة حيث يريد، ليكتسب أي شخص في العالم ~~- عدا الفلسطينيين المكدسين في مخيمات البؤس - حق الإقامة في فلسطين! طالما انتمى ~~لشراذم اليهود. ولا تقلق حقوق الإنسان الليبرالية قيد أنملة ولا تغير توجهاتها لتكسير ~~عظام الفلسطينيين وتعذيبهم وهدم منازلهم وطردهم من أراضيهم، طالما أن في هذا ما يؤكد ~~الأهداف النهائية للحضارة الغربية ومدها الاستعماري، أي تأكيد هيمنة المشروع الحضاري ~~الغربي كمشروع أوحد، وهو ما بات قاب قوسين أو أدنى مع تصاعد صيحات العولمة. ~~••• # على أية حال يظل التقدم المتوالي خاصة من خصائص الحضارة الإنسانية، وليس اليوم ~~كالأمس أبدا، وبالتالي ليس وضع الاستعمارية الغربية اليوم كما كانت منذ قرنين ماضيين، ~~على الرغم من وجود بعض امتدادات وانعكاسات لها مع الإمبريالية الأمريكية وتصاعدها البشع ~~مع المحافظين الجدد. # لقد كانت نهاية الحرب العالمية الثانية لحظة فارقة في تاريخ المشروع الاستعماري ~~الغربي الأوروبي، لتعلن إفلاسه. وفي أعقاب هذه الحرب وكنتيجة لها خرجت الدولتان ~~الاستعماريتان الكبريان إنجلترا وفرنسا متهالكتين غير قادرتين على مواصلة الزحف ~~الاستعماري. ومن الناحية الأخرى تعاظم شأن حركات التحرير والمد القومي في الدول ~~المحتلة. # وتزامن مع هذا تصاعد النقد الموجه لقيم الحداثة الغربية والتنوير. لم تعد الحداثة ~~كما كانت قبل الحرب، مسلما بها بوصفها طريق التقدم الواحد والوحيد والتمثيل العيني لكل ~~إيجابيات الحضارة الإنسانية. # ومن ثم شهدت الفلسفة الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين تيارات دأبت على نقد ~~قيم الحداثة والتنوير وإعلان أوان انتهائها أو إفلاسها، والبحث عن ms42 طريق آخر ومنظومة ~~قيمية أخرى، تعرف هذه التيارات باسم تيارات ما بعد الحداثة. # وفي إطار نقد الحداثة وصياغة توجهات ما بعد الحداثة شهدت الفلسفة الغربية دعاوى نبيلة ~~صادقة مع النفس ومع الواقع تنحو باللائمة على المشروع الاستعماري البائد وجرائمه، ~~وتؤكد على ضرورة انتهاء تلك المرحلة التي كان الزحف الاستعماري الغربي يرسم خريطة ~~العالم وشكل العلاقات بين الثقافات والحضارات. إنه عصر التحرر القومي والتسليم بحق كل ~~الكيانات الحضارية في الوجود المستقل. # ولعل الفلسفة النسوية التي ظهرت في أوروبا وخصوصا فرنسا وأينعت وازدهرت في أمريكا ~~إبان العقدين الأخيرين من القرن العشرين، من أبرز التيارات التي أتت في سياق ما بعد ~~الحداثة وما بعد الاستعمارية؛ وامتازت النسوية بحدة هجومها على الاستعمار وفضحها لزيف ~~مزاعمه. # فما هي النسوية وكيف كانت فلسفتها السياسية فلسفة بعد استعمارية متقدة حقا؟ # | نموذج لفلسفات ما بعد الاستعمارية # الفلسفة النسوية # 1 # ما هي الفلسفة النسوية؟ # في سبعينيات القرن العشرين ظهر لأول مرة ما يعرف بالفلسفة النسوية # Feminism # كإضافة حقيقية لتيارات الفكر الغربي، تقوم بشكل أساسي من ~~أجل رفض المركزية الذكورية # Androcentrism # ورفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة ~~الذكورية واعتبار الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة ~~جميعا، وتجد النسوية لإبراز الجانب الآخر للوجود البشري وللتجربة الإنسانية الذي ~~طال قمعه وكبته. # وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر إلى ذكورية ~~وأنثوية، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية هرمية (هيراركية) سادت لتعني وجود الأعلى ~~والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع؛ امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى ~~الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الأشكال الاستعمارية ~~والإمبريالية، وكما تقول لوريان كود: الظلم الذي نراه في معالجة أرسطو للنساء ~~والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي. إنه تصنيف البشر والكيل ~~بمكيالين. # وتعمل الفلسفة النسوية على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر ~~والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش ~~والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور ~~والارتقاء المتناغم الذي يقلب ms43 ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنا وعدلا. أمعنت ~~الفلسفة النسوية في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في ~~استجواب قسمتها غير العادلة، وراحت تكسر الصمت وتخترق أجواء المسكوت عنه، حتى قيل ~~إنها تولدت عن عملية إعطاء أسماء لمشكلات لا اسم لها، وعنونة مقولات لا عناوين ~~لها. # وبهذه النزعة النقدية المتقدة للوضع القائم في الحضارة الغربية ولمنطلقات التنوير ~~والحداثة، تندرج الفلسفة النسوية في إطار ما بعد ~~الحداثة # modernism-post # وما بعد الاستعمارية # colonialism-post # اللذين يستقطبان ~~أقوى التيارات النقدية للحضارة الغربية. # ولئن كان ظهور الفلسفة النسوية إنجازا لافتا للحركة النسوية، فإن امتدادها إلى ~~مجال الإبستمولوجيا وفلسفة العلم ضربة استراتيجية حقا أحرزت أكثر من سواها ~~أهدافا للحركة النسوية والفكر النسوي، وجعلت الفلسفة النسوية استجابة واعية وأكثر ~~عمقا للموقف الحضاري الراهن. # فقد كان العلم الحديث أكثر من سواه تجسيدا للقيم الذكورية، وأحادي الجانب ~~باقتصاره عليها واستبعاده لكل ما هو أنثوي، فانطلق بروح الهيمنة والسيطرة على ~~الطبيعة وتسخيرها واستغلالها مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوى العلم ~~المعرفية والتكنولوجية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وجاءت العولمة لتنذر بعالم ~~يفقد تعدديته وثراءه وخصوبته. وتأتي فلسفة العلم النسوية لترفض التفسير الذكوري ~~الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية و«تحاول إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم ~~مختلفة خاصة بالأنثى، جرى تهميشها وإنكارها والحط من شأنها بحكم السيطرة الذكورية، ~~في حين أنها يجب أن يفسح لها المجال وتقوم بدور أكبر، لإحداث توازن منشود في مسار ~~الحضارة والفكر». # 2 # وكبديل عن الإبستمولوجيا التي تقطع علاقتها بالميتافيزيقا وبالقيم لكي ~~تكون علمية على الأصالة، تريد الإبستمولوجيا العلمية النسوية أن تكون تحريرية، تمد ~~علاقة بين المعرفة والوجود والقيمة، بين الإبستمولوجيا والميتافيزيقا لتكشف عن ~~الشكل العادل لوجود البشر في العالم، # 3 # وترى العلم علما بقدر ما هو محمل بالقيم والأهداف الاجتماعية، ولا بد ~~أن يكون ديمقراطيا يقبل التعددية الثقافية والاعتراف بالآخر؛ إنها الانفتاح على ~~الطبيعة والعالم بتصورات أنثوية تداوي أحادية الجانب، لا تنفي الميثودولوجيا ~~العلمية السائدة أو تريد أن تحل محلها، بل فقط أن تتكامل معها من ms44 أجل التوازن ~~المنشود، فالنسوية ضد الاستقطابية والمركزية. # هكذا، تحاول الفلسفة النسوية أن تضيف إلى العلم قيما أنكرها، فتجعله أكثر ~~إبداعية وإنتاجا، أكثر دفئا ومواءمة إنسانية، مستجيبا لمتطلبات واقعه الثقافي ~~ودوره الحضاري، وتجعل فلسفة العلم ذاتها تطبيقية مرتبطة بالواقع الحي النابض، بحيث ~~يمكن القول إن فلسفات العلم التقليدية جميعها تبلور إيجابيات العلم وتستفيد منها، ~~تأخذ من العلم، أما الفلسفة النسوية فهي تحاول أن تضيف إلى العلم ما ينقصه ويجعله ~~أفضل. # بدأت الفلسفة النسوية في السبعينيات بداية واعدة متقدة، وشهد ذلك العقد فيضا من ~~الإنتاج النسوي في سائر فروع الفلسفة، يتحدى أبرز الافتراضات الفلسفية الجوهرية ~~ويقدم بدائل شديدة التفصيل؛ بدأت بما يسمى بفروع الفلسفة اللينة السهلة وهي السياسة ~~والأخلاق والجمال. ومع الثمانينيات كانت الفلسفة النسوية قد وصلت إلى كبد الحقيقة ~~وقلب الأوضاع من جذورها، حين تطرقت إلى ما يسمى بفروع الفلسفة العسيرة الشاقة وهي ~~الميتافيزيقا والإبستمولوجيا والميثودولوجيا وفلسفة العلوم. # وفي هذا نلاحظ أن فلسفة العلم النسوية لها نظريتها الإبستمولوجية، وأطروحتها ~~الميثودولوجية ورؤيتها الخاصة لمنطق التفكير العلمي، فضلا عن اشتباكها الحميم ~~بالقضايا المستجدة في هذا الصدد، من قبيل قضايا فلسفة البيئة وأخلاقيات العلم وقيم ~~الممارسة العلمية، وعلاقة العلم بالأبنية الحضارية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى ~~وبالأشكال الثقافية المختلفة، واتخاذه أداة لقهر الثقافات والشعوب الأخرى. إن ~~الفلسفة النسوية في جملة توجهاتها فلسفة بعد استعمارية. # النسوية فلسفة بعد استعمارية # هكذا نجد أن ما يستوقفنا بإزاء الفلسفة النسوية هو أولا وقبل كل شيء هو موقفها ~~النقدي الرافض للاستعمار الغربي ومقاومتها النبيلة والشرسة للإمبريالية؛ وكيف لا ~~يستوقفنا هذا وتاريخنا العربي الحديث قد غلب عليه أن يكون تاريخ الغزو والاستعمار ~~والمقاومة؟ والحق أنه لا الفقر ولا الجهل ولا المرض، بل الاستعمار هو شد ما منيت به ~~البشرية. # ونعود إلى الشغل الشاغل للفلسفة النسوية، أي العقل الذكوري، عقل الهيمنة ~~والسيطرة، بخصائصه التنظيرية والتجريبية. لقد تجسد وتبلور نهائيا في العقل ~~التنويري الحداثي الذي يرابط في سويدائه الإيمان بالسيطرة على الطبيعة بواسطة العلم ~~وآلياته. مثلت قيم التنوير في الفلسفة الغربية منذ القرن الثامن ms45 عشر صلب قيم ~~الحداثة وخلاصة تجربة الحداثة، وهي في الآن نفسه الأساس الأيديولوجي للحركة ~~الاستعمارية؛ فقيم التنوير هي طريق التقدم الواحد والوحيد، والذي قطعه الرجل ~~الأوروبي الأبيض باقتدار، ومن حقه وواجبه أن يفرضه على الشعوب الأخرى المتخلفة ~~طوعا أو كرها، ليغدو الاستعمار حقا للرجل الأبيض، وواجبا عليه. # وكان هذا هو الأساس الأيديولوجي للحركة الاستعمارية البائدة، إنها مركزية النموذج ~~الذكوري للإنسان التنويري الحداثي العاقل ، ولها وجه آخر هو المركزية الأوروبية # Eurocentrism # التي امتدت إلى الشاطئ ~~الآخر من المحيط الأطلنطي، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني أن الحضارة ~~الأوروبية والثقافة الغربية تتمتع بالسيادة والتفوق المطلق، وبالتالي تمثل معايير ~~الحكم على سائر الحضارات والثقافات الأخرى، ليكون تقدمها تبعا لمدى اقترابها من ~~النموذج الغربي الذي هو المثل الأعلى للجميع. إنها فردانية الرجل الأبيض، التي تبلغ ~~حد الأنا وحدية # solipsism ~~، فهو وحده مركز الوجود، ~~أصبح ناموس كل الأشياء، إما أن تكون الرجل الأبيض وإلا فأنت في منزلة أدنى، الثانية ~~أو الثالثة أو العاشرة ... تبعا لمدى الاقتراب منه في التراتب الهرمي الجامع. # سادت مركزية الحضارة الغربية العالمين بفضل المد الاستعماري، وقهرت ثالوث ~~الأطراف؛ قهرت المرأة، وقهرت الطبيعة لتخلق مشكلة البيئة الملحة، وقهرت شعوب العالم ~~الثالث؛ وجاءت الفلسفة النسوية لترفض التراتب الهرمي أصلا في العلم وفي الحضارة ~~على السواء، نازعة إلى تقويض مركزية العقل الذكوري، تحريرا للمرأة وقيمها ~~الأنثوية، وبالمثل تحريرا للبيئة، ثم تشعر بأنها مسئولة أكثر من سواها عن مواجهة ~~الوجه الآخر المتضخم للمركزية الذكورية، أي مركزية الحضارة الغربية. # لقد وجدت الفلسفة النسوية طريقها لكي تكون فلسفة للمرأة بقدر ما هي فلسفة للبيئة ~~بقدر ما هي فلسفة لتحرر الثقافات والقوميات وشعوب العالم الثالث من نير الاستعمارية ~~والمركزية الغربية، وهي في كل هذا فلسفة بعد حداثية رافضة لقيم الحداثة والتنوير - ~~التي رأيناها قيما استعمارية - من حيث إن الفلسفة النسوية هي فلسفة بعد ~~استعمارية. # لقد نشأت «الموجة النسوية الثانية» التي تمخضت عن «الفلسفة النسوية» في أوان انتهاء ~~الاستعمار البائد الذي يمثل أقوى تجسيد للفلسفة الذكورية. ما بعد الاستعمارية لحظة ms46 ~~فارقة في تاريخ النسوية لتتسلح بمناهج لمراجعة الأبنية الغربية في المعرفة ~~والإنتاج، ومزيد من الكشف عما فيها من مركزية جائرة وتراتبية هرمية أدت أيضا إلى ~~العنصرية والاستعمارية في سجل الجرائم الغربية الحافل. # في ما بعد الاستعمارية التقت الفلسفة النسوية الغربية مع المجتمعات التي تحررت من ~~الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التقت في الخلاص من قهر الرجل ~~الأبيض، كلاهما كان آخر بالنسبة له. وبينما ينضم نفر من مفكرينا إلى المارينز ~~دفاعا عن الاستعمار الأمريكي، تفخر النسوية الغربية بدور النساء المكافحات اللاتي ~~شاركن في النضال للتحرر من الاستعمار، شاركن بأنفسهن ولم يقتصرن على إنجاب الرجال ~~المناضلين، فكانت المرأة قوة خفية وقوة ظاهرة في النضال من أجل الحرية وتحقيق الذات القومية. # 4 # وهنا نلاحظ أن الحركة النسوية في العالم الثالث انصهرت في حركات التحرر ~~القومي، ودخلت بمجامعها في مقاومة الاستعمار. # 5 # وأمثال شفيقة محمد - أولى شهيدات ثورة 1919م - وجميلة أبو حريد وسناء ~~المحيدلي، والمستشهدات الفلسطينيات وفاء إدريس وآيات الأخرس وريم الرياشي ... إلخ، ~~يمثلن انتصارا وتبيانا وبرهانا للنسوية أقوى وأمضى من كل ما عرفه الفكر أو الواقع ~~على السواء. # اشتبكت النسوية الجديدة وفلسفتها للعلم بالقضايا الشائكة المتعلقة بالهوية واللغة ~~والقومية. في مرحلة سابقة، قالت الأديبة المجددة فرجينيا ولف إنها ضد القوميات، ~~وبوصفها امرأة فهذا العالم كله هو بلدها، وبحثت النسويات الاشتراكيات - وسواهن - عن ~~التكتل في مواجهة القوميات، ولكن فيما بعد تسلحت النسوية بالتحليل العابر للثقافات، ~~من أجل استكشاف وتقويم المفاهيم المتعلقة بالمرأة عبر الثقافات المختلفة. قد تستخدم ~~أدوات معرفية مأخوذة من الثقافة الغربية، لكن الثقافات تتحاور مع بعضها، لا ثقافة ~~تفوق الأخرى أو تعتبر نفسها الأرقى؛ فالنسوية قامت أصلا من أجل تقويض كل أشكال ~~التراتب الهرمي كما اتفقنا. # ثم تنامت أهمية مفهوم الجنوسة أو النوع # Gender # وبات واضحا أهمية مسألة القومية ~~في بحث قضية الجنوسة، التي لا تنفصل عن وضع النساء في مجتمعات العالم الثالث بعد ~~نجاح حركات التحرر القومي. بحثت النسوية السياقات الثقافية والقوميات المختلفة، ~~بعضهن يحجمن عن استعمال مصطلح العالم الثالث؛ ms47 لأنه يعكس التراتب الهرمي الذي يسعين ~~إلى تقويضه، وظهرت الدعوة لاتحاد نساء الشمال ونساء الجنوب لمواجهة الأخطار ~~الثقافية والاقتصادية للعولمة. # وفي إطار حرص النسوية على تحرر الثقافات والقوميات، تتقدم آن ماك كلينتوك التي ~~عنيت بدراسة حركات المد القومي ومدى نجاحها في قهر الاستعمارية وكيف كانت مدفوعة ~~بالرغبة الصادقة في التقدم والاستنارة، وتلتهب بالرموز القومية كالعروض العسكرية ~~والأعلام والأناشيد وأصناف الطعام والانتصار في مباريات كرة القدم، وكم هو ممتع ~~كتاب ماك كلينتوك الذي يعالج قضايا التفرقة في السياق الاستعماري من منظور الجنس والجنوسة! # 6 # حيث توضح أن الجنوسة ليست سؤالا عن جنس العامل بل عن القهر والنهب ~~الإمبريالي، وسؤال العرق ليس سؤالا عن لون البشرة، بل عن قوة العمل المسلوبة بفعل ~~الإمبريالية. # ولا تنفصل الإمبريالية عن غزو ثقافي وقهر ثقافة الآخر وتدمير وحشي للثقافات ~~البدائية، وإحلالها بالثقافة الغازية المنتصرة، وبالتالي تنطوي مقاومة الإمبريالية ~~على مقاومة ثقافية، ومحاولة الإبقاء على ثقافة الأنا وحمايتها من الضياع، وعلى نقد ~~للثقافة الإمبريالية. واستعملت ماك كلينتوك تعبيرين مجازيين، هما الزمان المنطوي ~~على مفارقة مكانية والمكان المنطوي على مفارقة زمانية؛ الأول يكون حين تمثل تاريخ ~~الكرة الأرضية بأسرها من نقطة واحدة - غربية طبعا - تشوه معظمه في حين تبدو وكأنها ~~الموضوعية التامة، أما المكان المنطوي على مفارقة زمانية فتكون حين يتحدث الغربيون ~~عمن يبدون أمامهم رجعيين متخلفين، فيحكمون على النساء وسكان المستعمرات والعمال ~~بأنهم خارج المكان المتحضر والحداثة. إنها ألاعيب من الرجل الأبيض وتشويه للأمور كي ~~يمارس الهيمنة والسيطرة. من هنا عملت الكاتبة ذات الأصول الفيتنامية ترينه تي منه-ها # Trinh T. Minh-Ha ~~(1952م-؟) على ~~تحليل ثقافات الشرق الأقصى خصوصا الصينية، مبرزة العناصر النسوية فيها لتؤكد على ~~أن القضية النسوية تتحقق بالقضاء على هيمنة الثقافة الغربية ومركزيتها. # في ما بعد الاستعمارية يجب أن ينتهي عصر المركز والأطراف، قهر الآخر وتوجيهه وفرض ~~الوصاية عليه ليسير وفقا لرؤى ومصالح الأقوى أو السيد، لا بد من ظهور فلسفة جديدة ~~تنقض تلك المركزية الجائرة وتقر بقيمة وحقوق تلك الأطراف، وبالتالي تصون الحقوق ~~التي ms48 أهدرت للمرأة وللطبيعة ولشعوب العالم الثالث. وكانت فلسفة العلم النسوية ~~محاولة جادة للسير في هذا الاتجاه وهي تبحث عن ديمقراطية العلم والتعددية الثقافية ~~فيه والاعتراف بالآخر، فيكون العلم إنجازا إنسانيا مشتركا مفتوحا أمام أي ~~حضارة غربية كانت أم شرقية، وأمام أي إنسان رجلا كان أم امرأة. وفي نقدها ~~للموضوعية التقليدية ومزاعم تحرر العلم من القيمة، كانت تكشف عما يكمن خلف تلك ~~المزاعم من مركزية الرجل الأبيض والحضارة الغربية، وإلغاء الثقافات والأعراق ~~والأجناس الأخرى . بدأت البشائر مع توماس كون الذي أثبت أن نسق العلم الغربي الراهن ~~ليس كيانا منغلقا على ذاته واحديا، بل ظاهرة اجتماعية نشأت وتطورت كمراحل داخل ~~المنظومة الثقافية العامة للمجتمع؛ وتأتي فلسفة العلم النسوية مقتفية خطاه لتوضح ~~أن هذا يعني أن ثمة أنساقا معرفية في أزمنة أخرى وأمكنة أخرى، وبالتالي لا مركزية ~~للعلم الغربي أو الحضارة الغربية، كما أكد فييرآبند. # شنت الرائدة الكبرى ساندرا هاردنج حملة شرسة على المركزية الغربية والعقبات ~~الإبستمولوجية للإمبريالية. رأت الحرب العالمية الثانية بما حملته من كوارث ~~هيروشيما وموت ودمار رهيب قد كشف عن زيف التسليم الوضعي بالعلم والفصل بينه وبين ~~التكنولوجيا والعوامل الاجتماعية، مثلما كانت هذه الحرب هي نهاية مشروع إقامة ~~مستعمرات غربية. إنه عصر ما بعد الاستعمار الذي يدعونا إلى الوصول لنماذج أكثر دقة ~~للأنساق المعرفية ولدور الذات العارفة، نماذج أكثر ديمقراطية تكشف عن علم هو نتاج ~~لثقافات متعددة؛ وذلك عن طريق تنضيد العقبات الإبستمولوجية الناجمة عن التحرر ~~والتطور في العالم الثالث، وإعادة النظر في مفهوم عالمية العلم، وأخرجت كتابيها ~~الرائعين «هل العلم متعدد الثقافات: ما بعد الاستعمارية والنسوية والإبستمولوجيا» (1998م)، و«نقض مركزية المركز: الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات بعد استعماري ونسوي» (2000م)، وصادرت منذ البداية في كتابها الرائد «سؤال العلم في النسوية» على ~~أن استبعاد المركزية الذكورية من العلم هو استبعاد للعنصرية والاستعمارية ~~والرأسمالية، وإذا كان الكفاح ضد هذا بدا أهم من الكفاح النسوي ضد السيطرة ~~الذكورية، فإن قضية المرأة لا تنفصل عن كل هذا. وحق قول ساندرا هاردنج إن ms49 الفلسفة ~~النسوية منزع نقدي «مثلها في هذا مثل كل حركة نقد لوضع قائم ينطوي على أشكال للظلم ~~والغبن، مثل كل أشكال الكفاح ضد العنصرية والاستعمارية والرأسمالية، ومثل الحركات ~~الثقافية المضادة وثورة الشباب في الستينيات، وحركات الدفاع عن البيئة ومناهضة ~~الجهود العسكرية. كل هذه الاتجاهات النقدية توقفت عند مثالب استغلال العلم، لكن ~~النقد النسوي يلامس عصبا عاريا». # وأخيرا لا نملك بإزاء هذه الفلسفة الرائعة النبيلة أو بالتعبير النسوي الفلسفة ~~الجميلة، إلا القول بأنها كانت تملك حيثياتها في العقود الأخيرة من القرن العشرين ~~ما دام الاستعمار بدا آنذاك وكأنه ملف أغلق نهائيا، شأنه شأن العبودية ووباء ~~الطاعون وما إليه، والموجع حقا أن عاد الاستعمار العسكري السافر مجددا مع إطلالة ~~القرن الحادي والعشرين، في العراق وأفغانستان، فضلا عن الهم المقيم والحزن القديم ~~في فلسطين، ولا عزاء للفلسفات بعد الاستعمارية وسيدات النسوية الغربية. أما بالنسبة ~~لنا في المشرق العربي فلا عزاء للسيدات ولا للرجال. # انتهى الاستعمار الأوروبي ليصعد الاستعمار الأمريكي، مصداقا لقول شاعر القوم أمل ~~دنقل: لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد. # | حاشية # القومية العربية في المعمعان # ربما كانت الصفحات القادمة دفاعا مشبوبا عن مفهوم القومية العربية في معمعان القرن ~~الحادي والعشرين، إلا أنها على أية حال لا تخلو من تحليلات فلسفية، فضلا عن أن مفهوم ~~«القومية» بشكل عام و«القومية العربية» بشكل خاص، من ركائز الفكر السياسي ومن معالم ~~الفلسفة السياسية الحديثة؛ على أية حال، فقد جعلناها محض حاشية ختامية. # 1 # | القومية العربية في المعمعان # لم نفق بعد من قارعة العولمة التي نزلت على أم رءوسنا، لتغدو شغلنا الشاغل وهمنا ~~المقيم ليلا ونهارا، وحتى وقت قريب كان يصعب أن يمضي يوم دون أن يعقد مؤتمر أو ندوة ~~أو أمسية ثقافية أو ملتقى على أعلى مستوى لمناقشة موضوع العولمة، واحتلت موقعها في صدر ~~عناوين المطبوعات، تنافست سائر الجهات المعنية، وأحيانا غير المعنية، لإصدار الكتب ~~والبحوث والدراسات والمقالات حول العولمة، وبات من الضروري أن يستقر رأي المتبصرين ~~والمستنيرين وأولي الأمر على أن ms50 العالم أصبح قرية كونية واحدة، وبالتالي أصبحت العولمة ~~شريعة العصر وقانون الوجود، تيار دافق لا مندوحة عن أن نمخر عبابه ونجيد السباحة فيه. ~~من يتوانى ليتمسك بأهداب القومية والهوية والوطنية وتحقيق الذات، ودع عنك المقدسات ~~والأعراف والقيم المطلقة وما إليه، فهو متخلف يخوض في أطلال دوارس، عاجز عن مواكبة روح ~~العصر، وسوف يجرفه التيار العولمي الدافق، ليلقي به في مقلب نفايات التاريخ. # بدت أصوات المعارضين صيحات غوغاء أو همج متخلفين، حتى الذين أثبتوا بمناهج راقية أن ~~العولمة التي يتحدثون عنها سوف تزيد الفقير فقرا والغني غنى، وتزداد الهوة بين الشمال ~~والجنوب وبين العالم المتقدم والعالم المتخلف، ويزداد العالم ظلما وبؤسا، ضاعت ~~أصواتهم في معمعان العولمة ولم يصغ إليهم أحد، ومثلهم الباحثون عن التنوع الثقافي ~~الخلاق الذي يثري عالم الإنسان ويكسبه طابعه المميز. لقد باتت العولمة قوة كاسحة ولا ~~سبيل إلا للحاق بركبها بقصارى ما نستطيع. # 1 # وقبل أن نفيق من هول العولمة، فاجأتنا قارعة الشرق الأوسط الكبير، وكأن الشرق الأوسط ~~الصغير لم يعد يكفي لابتلاع وهم القومية العربية والعالم العربي والوجود العربي، ولا ~~العولمة كفيلة بهذا، والكل منشغل الآن بالشرق الأوسط الجديد. # وعلينا أن نصادر على المطلوب، وأول المطلوب أن نتحرر من وهم تآمر الغرب علينا، نحن ~~العرب والمسلمين. # لا تفكير مرضي في التآمر؛ العالم الغربي المتقدم بحكم تقدمه لا يريد إلا الخير ~~والفلاح والصلاح للعالمين، والإنقاذ من براثن التخلف. كان الاستعمار الأوروبي البائد ~~يستهدف العمران والعمار والتحديث، وكنتيجة جانبية يأتي تأمين مصادر المواد الخام ~~لمصانعه والأسواق لمنتجاته، وتمتلئ خزائن أوروبا وتحكم السيطرة على المواقع ~~الاستراتيجية لجيوشها وطرق التجارة العالمية. والآن قد آل عرش الهيمنة الغربية إلى ~~الإمبريالية الأمريكية الراهنة، وهي بقروضها ومعوناتها ومبادراتها وضرباتها الوقائية ~~واحتلالها العسكري والخراب والدمار وتدمير نظام الحكم في الدولة وتسريح الجيوش ونهب ~~المتاحف ومقتنيات التراث الإنساني وخزائن البنوك؛ أمريكا بهذا لا تنشد إلا الديمقراطية ~~والتعددية والحرية والمساواة وتمكين المرأة وتطوير التعليم وتأهيل الشباب لسوق العمل، ~~وكنتيجة جانبية يأتي تأمين مصادر البترول ومواقع المصالح الاستراتيجية، ms51 ثم الخلاصة ~~المستصفاة التي تجسد وتجرد كل الأهداف المعلنة والخفية، الظاهر منها والباطن، الناتئ ~~والغائر، المكشوف والمستور؛ أي سؤدد دولة إسرائيل. # ينبغي أن نتقبل كل هذا حرصا على الحداثة والتقدم والوفرة والحرية والتعددية ~~والديمقراطية، وكل ما تشتهي الأنفس وتقر به الأعين، وإن لم نقبل فلن تعني عروبتنا إلا ~~شاهد قبر ولن يعني إسلامنا إلا التخلف والرجعية والسلفية والإظلامية وقهر المرأة ... # علينا أن نتقبل كل هذا على الرغم من أن لغتهم الإنجليزية تحوي كلمة سباب ليس لها ~~مقابل في اللغة العربية، وهي # quisling # التي تعني على وجه التحديد القاموسي الدقيق: ~~خائنا يبيع وطنه بأن يتعاون مع الاحتلال ويقبل الاشتراك في حكومة تشكلها قوات الاحتلال؛ ~~وبالتالي فإن مجلس الحكم العراقي الذي نصبته أمريكا في أعقاب الغزو والاحتلال ليضم ~~شراذم بعضهم شخصيات تافهة، وآخرين دخلاء لم يروا العراق إلا في أبريل 2003م، وعلى رأسهم ~~فتى أمريكا المدلل أحمد الجلبي بصحيفة سوابقه الزاخرة وسطوه الشهير على بنك البتراء في ~~الأردن وأحكام السجن الصادرة ضده؛ جميعهم «كويزلنج»، بل إن متابعة أخبارهم ولقاءاتهم ~~تجعلنا نحن أيضا «كويزلنج». # لا غرو، ما دام العالم الغربي المتقدم لم يترك مفردة في قاموس الجرائم إلا وارتكبها من ~~أجل تحرير العراق من الديكتاتورية وإسباغ الديمقراطية والتعددية والعلمانية عليها، كل ~~الجرائم، بدءا من أفظع الجرائم وأكثرها هولا التي ترتكب في حقوق إنسان جوانتانامو ~~والمعتقلات العراقية - بعد السجون الإسرائيلية - ومرورا بالكذب والغش والتضليل ~~والتزييف والتزوير (مستندات شراء العراق اليورانيوم من النيجر) والرشوة والخروج على ~~القانون الدولي والنصب على الدولة (الأسعار التي وردت بها شركة تشيني البترول إلى ~~القوات الأمريكية في العراق) والتجسس على الأمم المتحدة وقتل آلاف البشر وتدمير حياتهم ~~وبلدهم وتبديد تراث إنساني لا يعوض وانتهاء بالجريمة الأم وهي السطو المسلح على دولة ~~ثرية. # وحتى هذه اللحظة ما زال الجميع يضربون أخماسا في أسباع، ومع كل الشفافية التي تكفلها ~~الديمقراطية، لا يعرف شخص واحد في أمريكا لماذا اتخذ بوش قرار الحرب على العراق، ولا ~~يملك بوش نفسه إجابة محددة على هذا السؤال! ms52 ولا يهم أن يملك ما دام يستعد بمنتهى ~~الديمقراطية لخوض الانتخابات من أجل فترة رئاسية أخرى، وما دام بلير متربعا على عرشه ~~الذي علم البشرية معنى الديمقراطية ولا يزال. # وفي كل هذا ينبغي أن نصادر على المطلوب وهو أن الغرب يعني التقدم، أي الديمقراطية ~~والتعددية والعلمانية والمعرفة والحرية وحقوق المرأة ... ولا بد من الذوبان في هذا التقدم ~~لو أردنا البقاء. وإذا بحثنا أمر الإسلام، فالموقف التنويري التقدمي يفرض المصادرة على ~~المطلوب، أي العمل على إثبات أن هذه المنطلقات التقدمية كائنة بصورة أو بأخرى في ~~الإسلام، لتسهل سبل الذوبان في أطر التقدم، ويتحقق المنشود، وأي شيء غير هذه المصادرة ~~على المطلوب هو معاداة للتقدم والتنوير وللتسامح والسلام وحوار الحضارات، ومعاداة ~~للسامية أيضا. # لكننا اخترنا طريقا آخر غير المصادرة على المطلوب، طريقا قد يبدو استفزازيا، ~~أولا لن خوض في أمر تلك المنطلقات؛ لأن المناهج الفلسفية تجعل أمرها يطول، خصوصا أن ~~الفلسفة تعلمنا أنه لا تسليم قبليا بأية مقولة، مثلما تعلمنا أن مناهج المصادرة على ~~المطلوب تفضي إلى تحصيل حاصل ولا ينجم عنها مكسب معرفي. سوف نبحث أمر الإسلام والغرب ~~كما يطرح نفسه كتقابل بين كيانين حضاريين، لنسأل لماذا كان هذا التقابل إشكالية ملحة، ~~ونسأل في هذا سياق التطور الحضاري. ~~••• # هكذا قد يبدو أن إشكالية الإسلام والغرب، قبل أن تكون إشكالية التقدم والتخلف، هي ~~إشكالية الأنا والآخر، أو منظومة التقابل بين الشرق والغرب، أو بين الحضارة العربية ~~والإسلامية وبين الحضارة الأوروبية والأمريكية، وأن الطرف الثاني في موقع القوة واختار ~~تحجيم الطرف الأول. وتلح الإشكالية وتغدو أزمة بل كارثة ساحقة ماحقة بعد أن تماهت ~~الفوارق بين التبعية والاستقلال الحضاري، وترسم بديلا موقفا هامشيا هو التنازلات تلو ~~التنازلات التي أصبحت تلامس حدود ثوابت الهوية، ووضع القومية موضع الاستفهام والعروبة ~~موضع التشكيك والإسلام رديفا للرجعية، وبعد طول النضال والكفاح صارت التبعية تجلب ~~وأحيانا تشترى! # مبادرة الشرق الأوسط الكبير حلقة أخرى ولعلها ليست الأخيرة في سلسلة طويلة، فقبلها ~~كانت العولمة كما أشرنا، العولمة سبقها «النظام العالمي الجديد» ms53 الذي ظهر في مطالع ~~تسعينيات القرن العشرين في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية. وفي إطار ~~النظام العالمي الجديد ظهرت «الحرب الثقافية» ضد الثقافات المغايرة على العموم والثقافة ~~الإسلامية على الخصوص بهدف تحجيمها والحيلولة دون وصولها إلى وضع ينازع الثقافة ~~الغربية. والجلبة المحيطة الآن بالشرق الأوسط الكبير، أحاطت آنذاك بمقال و. س. لنيد ~~«الدفاع عن الحضارة الغربية» بمجلة السياسة الخارجية الأمريكية، عدد 84، 1991م، ومقال ~~صمويل هتنجتون الشهير جدا «الصدام بين الحضارات» بمجلة الشئون الخارجية، 1993م، حيث ~~ناقش هتنجتون نظرية صراع الحضارات، واعتمد مفهوم «الحرب الثقافية». وخلاصة هذا المفهوم ~~أنه بعد انتهاء الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية السوفيتية، ستكون الخطوط ~~الفاصلة بين الحضارات هي خطوط القتال في المستقبل، بين الغرب وبين الحضارات غير الغربية ~~الست، وأولها حضارة الإسلام. ويخلص هتنجتون إلى دعوة الغرب إلى الاتحاد كي يتصدى لهذا ~~الخطر الزاحف من الشرق الإسلامي إلى الغرب والشمال. كما هو معلوم في إطار الحرب ~~الثقافية المعلنة وغير المعلنة، ألح مفهوم «حوار الحضارات» وصار آنذاك شغلنا الشاغل ~~وهمنا المقيم. # لماذا نغوص في هذه الجزئيات الراهنة، ولا نرسل النظر أبعد قليلا؟! ليس إلى الحروب ~~الصليبية التي هدفت إلى تحرير القدس من المسلمين (ونعجب لماذا لا يحررونها الآن من ~~اليهود، واليهود هم الذين صلبوا المسيح وليس المسلمون!) ولا إلى الحلم الذي اشتد في ~~أعقاب فشل الحروب الصليبية خصوصا في القرن الثالث عشر حلم القضاء على الإسلام والذي ~~أسرف في التعبير عنه روجرز بيكون جد فرنسيس بيكون نبي العلم الحديث. نرسل النظر إلى ~~الحقبة الحديثة من الحضارة العربية، التي جرى الاتفاق على أنها بدأت بالحملة الفرنسية. ~~هكذا كانت فاتحة علاقتنا بالحداثة الغربية هي تلك الحملة الاستعمارية التي فشلت لكن نجح ~~بعدها المشروع الاستعماري الغربي نجاحا طبق الخافقين، ليخلق مشكلة المشاكل وهي الحداثة ~~أو المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، والتي تتلخص في أن الغرب جعل نفسه بالنسبة ~~للعالم الإسلامي النار والنور؛ نار من حيث هو معتد محتل مستعمر مسيطر مستغل مستنزف ~~للموارد عنصري صهيوني، ونور من حيث ms54 استملاكه للعلم ولحصائل الحداثة، ويزيد الطين بلة ~~أن الثانية علة للأولى. # كان الاستعمار الأوروبي والإمبريالية الأمريكية التوجه السياسي لعلاقة الغرب بالعالم ~~الإسلامي، وبالارتكان عليه اتخذ الغرب بمعية حليفته وربيبته الصهيونية موقفا من تقدم ~~وسؤدد العالم الإسلامي، موقفا يلقي الرعب في قلوبنا ويجعلنا نتوجس دائما في النوايا ~~مهما ارتدت مبادرة الشرق الأوسط الكبير من مسوح براقة. # ويمكن أن نعود بهذا الموقف من تقدم العالم الإسلامي إلى جذور أبعد، زرعت في أعماق ~~الوعي الغربي خطورة التفوق الإسلامي على مصالحه خصوصا إذا اقترن بالدائرة العربية التي ~~يريدونها شرقا أوسط، أي حضارة لا عربية ولا غربية، تكتسح بقايا المخلفات ~~القومية. ~~••• # هذه الجذور نجدها حين تحول البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية تجوبها الألوية العربية ~~المرتفعة، فتختنق موانئ أوروبا ويذبل اقتصادها، ويعتريها الوهن والذبول وتدخل ليل ~~قروسطيتها الطويل. # نذكر في هذا الصدد هنري بيرن # H. Pirnne ~~(1826-1935م)، فقد اشتهر بتفسيراته الثاقبة للعصور الوسطى الأوروبية، وعزو تخلفها إلى التقدم ~~السريع للإسلام الذي أدى إلى الانقطاع عن التراث الإغريقي والروماني وإلى نهاية وحدة ~~حوض المتوسط التي لم تعد إلا مع الحروب الصليبية، وفي كتابه الشهير «محمد وشارلمان» ~~تبدأ العصور الوسطى، لا بسقوط الإمبراطورية الرومانية، بل بالفتوحات العربية وسيطرة ~~المسلمين على موانئ البحر المتوسط الجنوبية وطرق الملاحة والطرق البرية إلى الشرق ~~الأوسط والأقصى، التي كانت سببا في ثراء اليونان قديما، ثم ثراء إيطاليا ووسط أوروبا ~~حديثا. # هذه السيطرة الإسلامية عزلت أوروبا عن مصادر الثروات التجارية، فتدهور اقتصادها ليبدأ ~~عصرها الوسيط؛ والدليل على هذا - فيما يرى بيرن - أن العصر الوسيط المظلم انتهى باكتشاف ~~إيطاليا لطرق برية إلى الصين في القرن الثالث عشر، واكتشاف البرتغال لرأس الرجاء ~~الصالح، ووصولهم إلى شرق آسيا من دون الاحتكاك بالمسلمين. وبالمثل يقول مؤرخ العلم ج. ~~ج. كروثر إن المسلمين حين قضوا على الملاحة الأوروبية في البحر المتوسط قضوا على التجارة ~~الخارجية والمواصلات في غرب أوروبا، وذبلت موان ومدن تجارية على الأنهار في داخل ~~القارة لانعدام موارد التجارة، وتلاشى ما بقي من الحكومة المركزية الرومانية، وأغلقت ms55 ~~مكاتب الإدارة والمحاكم والمدارس واختنقت دعائم النظام الإمبراطوري، ولم يبق من الطبقات ~~الاجتماعية إلا كبار الملاك أبناء الأعيان والفلاحين وبعض الفلاحين الأحرار. انتهت ~~الصناعة لعدم تموينها بما تحتاج إليه، وانتهت حركة الإنشاء والعمل باستثناء متطلبات ~~الحياة اليومية. لم يعد هناك حاجة للعبيد، الوسائل الفعلية لإنتاج العمل آنذاك، ولم يعد ~~الوضع يتطلب إلا المشتغلين بالزراعة. # وإن بدا هذا الحديث يخوض في أوضاع ولت وانقضت، تتقدم دراسات إدوارد سعيد بإجابة شاملة ~~على السؤال: لماذا كان الإسلام فقط هو الدين الوحيد الذي يمثل تقدمه ونهضته تهديدا ~~خطيرا للحضارة الغربية وسطوتها وقيمها؟ ~~••• # ومهما تحدثت الفقرة السابقة عن أوضاع ولت وانقضت، يبقى منها أن العروبة هي أرومة ~~الإسلام، وأن الإسلام - عمود العروبة الفقري وعمادها - ليس فقط عقيدة وشريعة وتدين به ~~أمم شتى، بل هو أيضا هوية حضارية ومنظومة ثقافية وإطار لبنية احتلت قصب السبق ورسمت ~~معالم التقدم والمسيرة الحضارية عبر حقبة طويلة من حقب التاريخ، امتدت من القرن السابع ~~إلى القرن الثاني عشر، وهي في حركة العلم وتقدم العقل البشري تشغل في واقع الأمر كل ~~الفضاء الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر في القرن الأول الميلادي، ~~أو بالكثير منذ إغلاق مدارس الفلسفة في جنوب أوروبا في القرن الخامس الميلادي وحتى بزوغ ~~الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة. وعلى الرغم مما اعترى هذه البنية من وهن وشحوب ~~وذبول، وما ألم بها من كوارث خارجية وأمراض داخلية، رغم هذا ما زالت بنية قائمة بشكل ~~أو بآخر؛ لذا تظل مسألة الإسلام والغرب مطروحة. # لقد كان الوحي القرآني فعل توحيد فذ، مثل نقطة تحول متفردة، لم يكن استمرارا لأي ~~مسار كان قبله، نثريا أو شعريا، إنه كما قال طه حسين - الأستاذ العميد - ليس شعرا ~~ولا نثرا، بل قرآنا. ولعل ظهور الوحي في سيرورة الحضارة العربية/الأنا، يماثل - كما ~~قال علي حرب في كتابه «الحقيقة والتأويل» - ظهور الفلسفة في سيرورة الحضارة الغربية، ~~منعطف جذري وتغيير حاسم من حيث الرؤية التي أتى بها والمنهاج الذي استنه. # أجل يمثل الوحي القرآني ms56 منعطفا جذريا يحدد هوية العروبة، صحيح أن هذه المنطقة ~~تتميز بسعة الموروث الثقافي قبل الوحي بزمان سحيق، وأمامنا في مصر الحلقة الفرعونية ~~والحلقة القبطية، ولا تزالان ماثلتين حتى في الوجدان المسلم، ما زلنا نعيش رموزا من ~~الحقبة الفرعونية؛ مثل شم النسيم، السبوع، الفول المدمس، ذكرى الأربعين لأن التحنيط كان ~~يستغرق أربعين يوما، بل ما زال ثمة الحانوتي أي الحنوطي رغم اندثار التحنيط. أما الحلقة ~~القبطية فلا يزال الفلاح المصري - سواء أكان مسلما أو مسيحيا - يعيش حتى الآن في ~~تقويمها وينظم وقائع حياته وفقا للشهور القبطية المطابقة لمناخ مصر وبيئتها الزراعية، وشبيه بهذا أقطار زراعية لها موروث حضاري ماثل قبل الوحي الإسلامي بزمان سحيق، كل هذا ~~صحيح. # لكن ألم يمثل الوحي الإسلامي بسرعة غير مسبوقة دائرة حضارية استوعبت كل هذا لتتمثل ~~مرحلة شكلت كل المسار التاريخي اللاحق للأنا؟! # ثم كانت لغوية الحدث القرآني، ونحن الأمة الوحيدة التي لا تزال تتحدث بلغة تراثها ~~القديم وكتابها المقدس، وكما تثبت الفلسفة التحليلية المعاصرة، ليست اللغة قالبا أو ~~وعاء يملأ بالفكر مثلما تملأ السلة بالفاكهة؛ اللغة لحمة في نسيج الفكر وخامة من خامات ~~الوعي. # وقد مارس جلال الحدث القرآني نوعا غريبا - لعله غير مسبوق - من فقدان الذاكرة ~~التاريخية، ترسخ بلغوية الحدث وهجران البلدان المفتوحة للغاتها القومية التي هي إطار ~~تفاعلاتها السابقة الطويلة مع واقعها، والنسيج الذي تمثلت فيه قيمها ونواتج حضارتها. ~~وبخلاف الأديان السماوية التي عد الإسلام ذاته امتدادا وتطويرا لها، نجد أن كل ما ~~بقي في الوعي الجمعي من حاصل تاريخ ما قبل الوحي، إما نماذج شاخصة للطاغوت والجاهلية ~~والشرك وما يتوجب نقضه، وإما خيالات باهتة وأمساخ شائهة لفرعون الجبار وإرم ذات العماد ~~وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. ولما تنامت حديثا البحوث التاريخية والأنثروبولوجية ~~والأركيولوجية تجلت ذخائر أصول القوميات، أمكن استيعابها وتمثلها، ولكن في إطار ووعي ~~كان قد استقر في إطار الظاهرة القرآنية. # لقد كانت استراتيجية الإسلام البارعة حقا هي اعتبار ذاته امتدادا للأديان الأخرى، ~~هذا ما جعل الإسلام دائرة حضارية قادرة على استيعاب ms57 الدوائر الأخرى. وبمعية اللغة ~~العربية سهل أن يغدو الإسلام صلب أصلاب القومية العربية، وهذا ما أكده الرواد المنظرون ~~للقومية العربية ومعظمهم من مسيحيي الشام، إنهم يسلمون بأنهم مسيحيون لكن يعيشون في ~~إطار هوية حدد الإسلام معالم لها، كان مكرم عبيد يقول دائما إنه مسيحي دينا ومسلم ~~وطنا. وكما هو معروف يزخر الفكر العربي الحديث بالمشاريع العديدة التي تروم تنهيض ~~وتنمية الواقع العربي اعتمادا على تجديد منطلقات الخطاب الديني. وشهد البحث عن ~~المركزية الشرقية لتعارض المركزية الغربية. ويتحدث القبطي الأصيل أنور عبد الملك في ~~«ريح الشرق» عن الدائرة الإسلامية من المغرب حتى الفلبين، ونلاحظ أنها دائرة الحضارة ~~الإسلامية في عصرها الذهبي حين كانت تقود مسيرة التقدم الحضاري، وهي الآن - بعد أن ~~سقطنا في قاع الهزائم والقهر والتخلف - هي الدائرة نفسها للشرق الأوسط الكبير. # هكذا كانت مشكلة الإسلام والغرب أنه ليس دينا وشريعة فحسب، بل إطار لهوية حضارية، ~~وكان باستراتيجيته البارعة قادرا طوال تاريخه على استيعاب واحتواء دوائر حضارية أخرى. ~~من هنا كانت العروبة هي أرومة الإسلام والإسلام هو صلب أصلاب العروبة. # وهذا ما يجعل القومية العربية مختلفة عن تصور القوميات الأوروبية في العصر الحديث ~~والتي كانت دعامة قوية من دعامات تأكيد العلمانية وإقصاء الدين تماما عن السياسة ~~والمجتمع المدني. والواقع أن الاختلاف بينهما جذري إلى أبعد الحدود، ويكفي الإشارة إلى ~~أن القومية في الغرب باتت مفهوما رومانتيكيا مستهجنا ومتخلفا، وإذا أخذت مأخذ الجد ~~باتت جريمة، وهذا طبيعي ما دام مفهوم القومية ليس في صالح الغرب والثقافة الغربية؛ إذ ~~تعني اصطناع حدود سياسية، لتتصارع القومية الفرانكوفونية مع القومية الأنجلوسكسونية، ~~وتنافسهما القومية الجرمانية، وتطل برأسها أصول الفايكنج والصرب، في خطر داهم على وحدة ~~الثقافة والحضارة. أما القومية العربية فهي في الوضع المعاكس تماما، إنها معامل مكين ~~لخلق وتأكيد وحدة حضارية ثقافية، ذات ماض عريق وحاضر مضطرم وباحثة عن مكان تحت الشمس، ~~وتظل القومية العربية على الرغم من كل شيء وحدة ثقافية قائمة. أما أن المشروع السياسي ~~لا يعكس هذا الواقع الثقافي أو المصالح ms58 الحضارية فتلك هي الأزمة. # وإذا نزعت الهجمات الاستعمارية والإمبريالية الغربية إلى تحجيم الإسلام والحضارة ~~الإسلامية، فإنها تنزع إلى القضاء المبرم على القومية العربية. وإن بدا مشروع الشرق ~~الأوسط الكبير يريد أن يعلن وفاة القومية العربية وانتهاء أمرها تحت وطأة التقدم الكاسح ~~لمعايير ومصالح الغرب، التي هي معايير التقدم والفلاح والصلاح، فإن هذا - مرة أخرى - ~~حلقة أخرى وليست أخيرة في سلسلة طويلة، لعلها تبدأ بالشرق الأوسط الصغير. ~~••• # مع مطالع القرن العشرين تفككت الإمبراطورية العثمانية وانهارت الخلافة الإسلامية، ~~وألح التفكير في الشكل المنتظر لهذه المنطقة من العالم، فظهر مشروع القومية العربية ~~والعالم العربي، وفي الآن نفسه ظهر مشروع القومية الصهيونية ودولة إسرائيل في الشرق ~~الأوسط الجديد، وكان تاريخ القرن العشرين من زاوية ما هو تاريخ الصراع - الدامي أحيانا ~~- بين هذين المشروعين. # وبصرف النظر عما يتبدى الآن من نجاح ساحق للمشروع الثاني على أنقاض المشروع الأول، ~~بصرف النظر عن الانتصارات والانكسارات والإخفاقات السياسية، والصدام بين حاكم عربي وآخر ~~أو نظام الحكم في هذه الدولة أو تلك، على الرغم من هذا نقول ما نقوله دائما، وهو أن ~~ثمة واقع أنثروبولوجي أكيد نحياه جميعا شئنا أم أبينا، ما زلنا نحيا الجرح الواحد، وقد ~~بات جرحين فلسطين والعراق، والهم الواحد والمعاناة الواحدة من إسرائيل، من طبع ومن لم ~~يطبع ومن في سبيله إلى التطبيع؛ نتحدث اللغة الواحدة ونقرأ الكتاب الواحد ونشاهد ~~الفيلم والمسلسل التلفزيوني الواحد، نعيش معا لهفة الأمومة ومنزلة الأخ الأكبر وقيم ~~الحياء الجميل، قدسية ثوب الزفاف الأبيض وطقس السبوع والسبع آيات المنجيات، كرم الضيافة ~~وعمق الاحتفال بالأعياد الدينية وشعائر الصلاة، تعلو أصوات المآذن والكنائس ونلتجئ إلى ~~الله في بنية تعبيراتنا اللغوية القصدية والعفوية، نبحث معا عن الغزالي وابن رشد ~~والمتنبي ومحمد عبده، أم كلثوم وفيروز وأشعار نزار قباني ومصرع السندريلا وأغاني كاظم ~~الساهر وهل هو امتداد لعبد الحليم، نفخر معا برواد تحريرنا من الاستعمار البائد وترتعد ~~فرائصنا من أهوال الاستعمار القادم. مع هذا وسواه يسير العالم في زمن العولمة نحو ~~تكتلات شتى ولا مكان ms59 فيه للكيانات المتناثرة، بينما تجري الجهود على قدم وساق وعلى ~~الأصعدة كافة من أجل اقتلاع وهم القومية العربية من الأذهان وهي التي تمثل وحدة حضارية ~~وثقافية أعمق من كل تكتل آخر على خريطة العالم. ~~••• # هكذا نجد القومية العربية كواحدة من التجليات الحضارية التي تفرض نفسها، وتحمل ~~المقاربة من ألف مدخل ومدخل، وقد يبدو أكثرها معاصرة وتقدما مدخل التقدم والتخلف، أو ~~مدخل الإرهاب والتطرف ... إلخ. # إننا نحيا في عصر توظيف المعلومة وتشغيلها، وقبل أن نخوض في الجدل الدائر حول القومية ~~العربية ونضعها في مواجهة مع الهوية المصرية الفرعونية أو الهوية الإسلامية على إطلاقها ~~بما تضمه من دول نووية وأخرى شديدة التخلف، باذخة الثراء أو مدقعة الفقر، علمانية صراحة ~~كتركيا أو ثيوقراطية كإيران، في خضم هذا اللغو نجد أن التشغيل والتوظيف إنما يكون من ~~نصيب فكرة واضحة الحدود والمعالم لتمثل تكتلا حضاريا منشودا في عالم التكتلات ~~الكبرى، ولا يتوافر هذا إلا في القومية العربية. # ولا نعتذر عن دفاعنا المستبسل والذي قد يكون استفزازيا لقوى التقدم الكاسحة، دفاعنا ~~عن وجود وبقاء العالم العربي، فعلى الرغم من العواصف العاتية التي تقتلع الآن أعز ~~الثوابت ما زال يراودنا الحلم ببقاء هويتنا الحضارية تحت الشمس، وليس تحت ظلال تقدم ~~الغرب وإسرائيل. ms60