######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.FalsafatCilm.Hindawi60270863 #META# Tags: philosophy #META# ID: 60270863 #META# Title: فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # 1 - العلم بين فلسفته وتاريخه‏ # 2 - ميراث تلقاه القرن العشرون: العلم الحديث‏ # 3 - فلسفة العلم الحديث (الكلاسيكي)‏ # 4 - ثورة الفيزياء الكبرى من منظور فلسفة العلم‏ # 5 - التجريبية أصبحت منطقية‏ # 6 - من منطق التبرير إلى منطق التقدم‏ # 7 - فلسفة العلم والوعي بتاريخ العلم‏ # تصدير الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # 1 - العلم بين فلسفته وتاريخه‏ # 2 - ميراث تلقاه القرن العشرون: العلم الحديث‏ # 3 - فلسفة العلم الحديث (الكلاسيكي)‏ # 4 - ثورة الفيزياء الكبرى من منظور فلسفة العلم‏ # 5 - التجريبية أصبحت منطقية‏ # 6 - من منطق التبرير إلى منطق التقدم‏ # 7 - فلسفة العلم والوعي بتاريخ العلم‏ # | فلسفة العلم في القرن العشرين # | فلسفة العلم في القرن العشرين # | الأصول - الحصاد - الآفاق المستقبلية # تأليف # أ.د. يمنى طريف الخولي # | تصدير الطبعة الثانية # هذا الكتاب محاولة طموحة لتقديم رؤية بانورامية شاملة لفلسفة العلم، هي بدورها رؤية شاملة ~~لظاهرة العلم ذاتها في إطارها المعرفي والحضاري وعلاقتها بالأبنية والظواهر الثقافية ~~الأخرى، فليس العلم محض مهنة تحترفها فئة من ذوي العقول المتميزة جيدة الإعداد؛ هي فئة ~~العلماء. العلم أعم وأهم، إنه أخطر ظواهر الحضارة الإنسانية، ألقيت أصوله في الحضارات ~~الشرقية القديمة، وصيغت أسسه النظرية في حضارة الإغريق، حتى كان الدور العظيم الذي قامت به ~~الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي. ولم نتوان عن إبراز هذا الجانب في الفصل الأول ~~من الكتاب، فقد كان تاريخ العلوم عند العرب هو المقدمة الشرطية، التاريخية والجغرافية ~~والمنطقية، المفضية لنشأة العلم الحديث. # لقد سار العلم عبر التاريخ، حتى كانت التطورات التي لحقت بالعلم الحديث فخلقت الخلفية ~~الضرورية لنشأة فلسفة العلم، واكتمل الإطار اللازم لها منذ ما يسمى بعصر التنوير، فتجسدت ~~وتبلورت ونمت كفرع من فروع الفلسفة الغربية في القرن التاسع عشر. وفي القرن العشرين باتت ~~فلسفة العلم من أهم فروع الفلسفة المعاصرة وأكثرها استقطابا لأبعادها الشتى وتعبيرا عن ~~منحنياتها، وبالتالي الأجدر بالعناية ... وتجتهد صفحات الكتاب لتكشف عن تفاصيل هذا ومبرراته ~~وحيثياته ومردوداته. # صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في الشهر الأخير من القرن العشرين، ديسمبر من عام ms001 2000م ~~على سبيل توديع القرن برؤية شاملة لواحد من أسطع جوانب النبض العقلي في أعطافه، رؤية تتبع ~~الأصول وتستقصي الحصاد، وتحاول استشراف الآفاق. وقد صدرت عن سلسلة «عالم المعرفة» المرموقة ~~التي يخرجها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت الشقيقة ذات العطاء الباذخ ~~في مضمار المنشورات الثقافية العربية رفيعة المستوى، خرجت الطبعة الأولى في أربعين ألف نسخة ~~نفدت فور صدورها في سويعات معدودة كمؤشر إيجابي على ما ينتظره القارئ العربي الجاد من ~~الدراسات الفلسفية، أما وقد تصاعد الطلب عليه، فلا نملك إلا أن نزجي الشكر بالغا منتهاه ~~للهيئة المصرية العامة للكتاب، وهي هرم مصري رابع، ومنبر رسمي شاهق لإنتاجنا الثقافي؛ إذ ~~تتفضل بإتاحته مجددا للقارئ العربي ... بعد أن شرفتني على مدار العشرين عاما الماضية بنشر ~~أول أعمالي، ثم خمسة من أهمها، في طبعات متتالية. # وقد راودني التفكير في أن أضيف إلى هذا الكتاب فصلا جديدا عن مستجدات لاحقة في فلسفة ~~العلم، وكان بعضها موضوعا لأعمالي التالية التي نشرت في العقد الأول من القرن الحادي ~~والعشرين، أي في السنوات التالية على صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، ولعل أبرزها ~~الفلسفة النسوية وفلسفة البيئة وما بعد الاستعمارية في فلسفة العلم، والتوجهات الصاعدة عن ~~شرق آسيا خصوصا اليابان الرائد العملاق، وأخلاقيات العلم، والتطورات المستحدثة في فلسفة ~~الكوانتم ... ولكني آثرت أن يبقى على صورته في طبعته الأولى، بحدودها المرسومة لتحقيق أهدافها ~~المتعينة، التي مثلت بنية معمارية متكاملة ومترابطة اتسم بها هذا الكتاب الأثير إلى نفسي، ~~وقد لاقى بحمد الله تعالى استحسانا جما وثناء جميلا من المتخصصين في الفلسفة وفي العلم ~~على السواء، ومن صفوة المثقفين وجمهرة القراء ... # نحمده تعالى ونسأله التوفيق والسداد في خدمة الثقافة العربية والوطن العربي، الوطن ~~الأكبر، ولتبقى مصر قلبه النابض ومنارة من منارات المعرفة، إن فلسفة العلم بدورها تجل ساطع ~~من تجليات سؤال المعرفة. # يمنى طريف الخولي # 4 مايو 2008م # | مقدمة # ظاهرة العلم أخطر ظواهر الحضارة الإنسانية، وأكثرها تمثيلا إيجابيا لحضور الإنسان - ~~الموجود العاقل - في هذا الكون. ولئن كان العلم ms002 الحديث يمثل مرحلة شديدة التميز والتوهج من ~~مراحل تطور العلم والعقل والحضارة إجمالا، فإن القرن العشرين أتى في إثرها ليضاعف مردودات ~~العلم وحصائله بمعدلات متصاعدة غير مسبوقة، وبات العلم العامل الفاعل الحاسم في تشكيل العقل ~~والواقع على السواء، ومن ثم باتت فلسفة العلم بدورها أهم فروع الفلسفة في القرن العشرين، ~~والمعبرة عن روحه العامة وطبيعة المد العقلي فيه، وحواراته العميقة التي يتلاقى فيها الرأي ~~والرأي الآخر. # وهذا الكتاب يستغل القدرة الفريدة للمناهج الفلسفية من أجل تأطير ظاهرة العلم في الوعي. ~~كيف بدأت أصول العلم بالبدايات الأنثروبولوجية السحيقة؟ كيف نما وتطور؟ كيف اتجه وسار عبر ~~الحضارات؟ حتى وصل القرن العشرين عملاقا باذخ العطاء ... منذ الحضارات الشرقية القديمة ~~والحضارة الإغريقية والعصر السكندري ... لماذا بلغ العلم القديم قمته في رحاب الحضارة العربية ~~الإسلامية؟ كيف كانت المرحلة العربية هي المقدمة المفضية منطقيا وتاريخيا وجغرافيا ~~إلى مرحلة العلم الحديث؟ ما هي الظروف الحضارية والمعرفية التي انبثق عنها وبفعلها العلم ~~الحديث في أوروبا؟ كيف استقامت في نسقه الصاعد الواعد فروع العلم المختلفة؟ ما دور الفلك؟ ~~لماذا تحتل الرياضيات المنزلة العليا حتى تلقب بملكة العلوم والمبحث الصوري الرفيع ~~المترفع عن شهادة الحواس؟ كيف اتحد الاستدلال الرياضي مع وقائع التجريب في بنية الفيزياء ~~لتعطي مثلا أعلى للمعرفة بهذا الكون استوعبته سائر العلوم الفيزيوكيمائية؟ كيف تمثلته ~~العلوم الحيوية وهي لم ترتكز على الاستدلال الرياضي؟ وأيضا العلوم الإنسانية، على الرغم من ~~الاختلاف النوعي لظواهرها، وكيف يمكن دفعها قدما؟ انعكس كل هذا في الفلسفة فصاغت الأسس ~~المعرفية التي تميز العلم الحديث كأنجح مشروع ينجزه الإنسان، هذا النجاح المطرد اعترضت ~~مساره أزمة الفيزياء الكلاسيكية، استقبلها القرن العشرون بثورة حق اعتبارها أعظم انقلاب ~~في تاريخ العقل البشري، ثورة الكوانتم والنسبية، ومن قبل كان ظهور الهندسات اللاإقليدية ~~والرياضة البحتة، فصاغت فلسفة القرن العشرين نظرية مختلفة للمعرفة، تمثيلا لمرحلة جديدة ~~ارتقى إليها العقل العلمي وباركتها المنجزات والحصائل، وواكبها انقلاب مماثل في الصياغة ~~الفلسفية للمنهج العلمي، بوصفه أنجع وسيلة امتلكها الإنسان للتعامل مع الواقع وحل المشكلات. ms003 ~~كيف نشأ المنطق الرياضي ليصبح عصبا لفلسفة القرن العشرين عموما؟ كيف تطورت بفضله أدوات ~~فلسفة العلم خصوصا ومعالجتها لبنية النظرية العلمية، فيتضح كيف أن إمكانية التقدم مفطورة ~~في صلبها، في أصفى وأقوى صياغة لمقولة الثورة والتقدم في حياة البشر. بمنطق التقدم العلمي ~~أصبحت الفلسفة تنظر إلى العلم كفاعلية إنسانية متحركة نامية دوما، عبر التفاعل مع البنيات ~~الحضارية المختلفة، وفي ضوء تطوره التاريخي. حدث أخيرا تلاق حميم بين قطبي الثقافة ~~العلمية: فلسفة العلم وتاريخه، فأصبحت فلسفة العلم أكثر شمولية للموقف الإنساني من أية ~~فلسفة أخرى، وتشابكت علاقاتها وانفتحت أمامها آفاق مستجدة تماما ... # هذه بعض من الموضوعات التي يعالجها هذا الكتاب في إطار محاولة لطرح إجابة متكاملة ~~متحاورة الأطراف عن السؤال: كيف تسلم القرن العشرون فلسفة العلم؟ وكيف تطورت على مداره؟ ~~وكيف أسلمها إلى القرن الحادي والعشرين؟ # وبعد ... يخرج هذا الكتاب بين يدي القارئ الكريم، وقد مضى أكثر من عشرين عاما وأنا سابحة ~~في بحور فلسفة العلم ومياهها العميقة، في نصوصها وإشكالياتها ومنحنياتها ومراميها ~~وفعالياتها ... والرؤى المختلفة والمتقابلة لتاريخ العلم ومسيرته عبر الحضارات، خرجت بحصائل ~~جمة لا بأس بها، لكنها كانت فرائد، أتى توجيهها وتوظيفها في هذا الإطار المتكامل، من فيء ~~لقائي بأستاذ جيلي الدكتور فؤاد زكريا، لقد تفضل سيادته بأستاذيته المكينة والمعطاءة، ~~وأرشدني إلى فكرة هذا الكتاب، وتتابعت الإرشادات والتوجيهات عبر خطوات الإنجاز، ثم يتضاعف ~~عرفاني وامتناني لأستاذي الجليل الدكتور فؤاد زكريا، لما تحقق من استفادة بالغة بأعمال ~~سيادته، تأليفا وترجمة، والتي هي أعمال رائدة وفاعلة وناجزة في إرساء أسس فلسفة العلم ~~وأصول التفكير العلمي في الحضارة العربية. # ويبقى امتناني لسائر أساتذتي الذين تعلمت على أيديهم ومن أعمالهم، وأيضا ابني حكيم حاتم، ~~وحبي العظيم له - ولشقيقته يمنى - وقد اختار لدراساته فرعا متقدما من فروع العلم ~~ورياضياته العالية، لا شك أن مناقشاتي معه الحية المستفيضة حول أصول مفاهيم علمية وأبعادها ~~الحضارية والمنظورات الإنسانية الشاملة لها ... قد ساهمت في إضفاء مزيد من الحب والحيوية ~~والنضارة على إنجازي لهذا الكتاب، وتتفضل سلسلة عالم المعرفة ms004 المرموقة بتقديمه إلى القارئ ~~العربي، في إطار السعي نحو توطين الوعي بظاهرة العلم كظاهرة إنسانية حميمة متدفقة في سياق ~~حضاري موات، وتعميق أبعاد الروح العلمية بين قراء العربية، لا سيما أمثاله من شباب ~~العلميين. # وفقنا الله جميعا لما فيه خير الثقافة العربية. # الفصل الأول # | العلم بين فلسفته وتاريخه # (1) مدخل # أولا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم # يقول هيدجر: إن العلم لا يفكر في ذاته. ويمكن أن نضيف إلى هذا أنه لا يعنى ~~كثيرا بذاكرته، ولا يلتفت إلى ماضيه، فديدن العلم في أن يصحح ذاته ويجدد نفسه ~~ويتجاوز الوضع القائم، ناهيك عن الماضي، إنه يشحذ فعالياته المنطلقة بصميم الخصائص ~~المنطقية صوب الاختبارية والتكذيب والتصويب، صوب مزيد من التقدم والكشف، أي صوب ~~المستقبل دوما. # لذلك لم تكن علاقة العلم بتاريخه مماثلة لعلاقة الكيانات الحضارية الأخرى ~~بتاريخها، فقد تعتبره بمثابة سجلها المدون الذي يحمل معالم تشكل هويتها، فلا تنفصل ~~عن تاريخها إلا إذا كان للشخص أن ينفصل عن بطاقة هويته، ولعل المنطلق الفلسفي يطرح ~~علاقة الفلسفة - قبل أي شيء آخر - بتاريخها، ولما كان تاريخ الفلسفة هو ذاته ~~الفلسفة، فإن هذا يبرز كيف تنفرج الهوة بين العلم وتاريخه. # ولكن بقدر ما نجد العلم في القرن العشرين قد أصبح الفعالية العظمى التي تشكل ~~وتعيد تشكيل العقل المعاصر والواقع المعاصر، يوما بعد يوم وإلى غير نهاية، نجد ~~تاريخ العلم هو تاريخ العقل الإنساني والتفاعل بينه وبين الخبرات التجريبية أو ~~معطيات الحواس، هو تاريخ المناهج وأساليب الاستدلال وطرق حل المشكلات التي تتميز ~~بأنها واقعية عملية ونظرية على السواء، إنه تاريخ تنامي البنية المعرفية وحدودها ~~ومسلماتها وآفاقها، تاريخ تطور موقف الإنسان بإمكاناته العقلية من الطبيعة والعالم ~~الذي يحيا فيه، تاريخ تقدم المدينة المدنية والأشكال الحضارية والأساليب الفنية ~~التي يصطنعها الإنسان للتعامل مع بيئته؛ لكل ذلك يحق لنا القول: إن تاريخ العلم ~~وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب ~~قصة الحضارة في تطورها الصاعد. # وعلى أية حال، إذا كان العلم لا يفكر في ذاته، ms005 فإن فلسفة العلم هي التي تتكفل ~~بذلك العبء وتضطلع بالتفكير في ذات العلم ... في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية ~~وشروطها وطبائع تقدمها وكيفياته وعوامله ... على الإجمال التفكير في الإبستمولوجيا - ~~أي نظرية المعرفة العلمية - ثم العلاقة بينها وبين المتغيرات المعرفية الأخرى ~~والعوامل الحضارية المختلفة. # وإذا كان العلم لا يلتفت كثيرا إلى ماضيه، فإن فلسفة العلم أصبحت لا تنفصل عن ~~الأبعاد التاريخية لظاهرة العلم فغدت شديدة العناية بتاريخ العلم، بحيث إن المتابع ~~لتطورات فلسفة العلم في القرن العشرين يلاحظ أن أبرز ما أسفرت عنه هذه التطورات هو ~~حلول الوعي التاريخي في صلبها، فتستقبل فلسفة العلم القرن الحادي والعشرين، وقد ~~انتقلت من وضع مبتسر استمر طويلا يولي ظهره لتاريخ العلم ولدوره في تمكيننا من فهم ~~ظاهرة العلم فهما أعمق، فضلا عن دفع معدلات التقدم العلمي، ويكتفي بالنسق العلمي ~~المنجز الراهن، ويفلسفه بما هو كذلك على أساس النظرة إليه من الداخل، أو النظرة إلى ~~النسق العلمي في حد ذاته ... انتقلت فلسفة العلم من هذا إلى وضع مستجد يرتكز على ~~الوعي بتاريخ العلم، فيفلسف العلم في ضوء تطوره التاريخي، وعبر تفاعله مع البنيات ~~الحضارية والاجتماعية، مما يعني تطورا ذا اعتبار في منطلقات وحيثيات وعوامل النظرة ~~الفلسفية إلى العلم، وهذا التطور في الواقع هو تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع ~~النظرة إليه من الخارج، أي باختصار نظرة فلسفية أشمل لظاهرة العلم. # ولا شك أن فلسفة العلم هي المعبر الرسمي والشرعي عن أصول التفكير العلمي، وهي ~~مسئولة عن وضعية ودور تاريخ العلم، وسوف تكشف صفحات مقبلة عن عوامل عديدة أفضت فيما ~~سبق إلى إغفالها البعد التاريخي طويلا. # ولكن نلاحظ مبدئيا أن فلسفة العلم كمبحث أكاديمي متخصص ومستقل عن نظرية المعرفة ~~بصفة عامة، قد نشأت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهذه حقبة شهدت ذروة من ~~ذرى المجد العلمي؛ إذ كان العلم الكلاسيكي الذي تؤطره فيزياء نيوتن معتدا بذاته ~~إلى أقصى الحدود، فلم ينشغل رجالاته كثيرا بتاريخ العلم، ولم يعن فلاسفته ~~بالإجابة على السؤال: كيف بدأ ms006 العلم؟ كيف اتجه وسار؟ كيف نما وتطور حتى وصل إلى تلك ~~المرحلة التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر حين شوهد ما بدا للعيان من شبه ~~اكتمال للعلوم الفيزيوكيماوية المسلحة باللغة الرياضية، وقد آتت مصداقيتها العينية ~~والواقعية بانفجار الثورة الصناعية التي غيرت تماما من شكل التكوينات والعلاقات ~~الاجتماعية والتقسيمات الطبقية والصراعات الدولية. # وإزاء هذا الواقع المستحدث والحي المتوقد، انصرف اهتمامهم عن تاريخ العلم، وكأن ~~حسبهم الافتتان بالعلم ذاته في تلك المرحلة النابضة، والتأمل في رونق جلالها وجبروت ~~شموخها، الذي نجح آنذاك - القرن التاسع عشر - في أن يضوي تحت لوائه فروعا كانت ~~عصية للعلوم الحيوية، فضلا عن العلوم الإنسانية، وهذه الأخيرة - أي العلوم ~~الإنسانية - تعد نشأتها الواعدة من المنجزات اليانعة التي يفخر بها القرن التاسع ~~عشر وعلمه الكلاسيكي. # هكذا بدأ العلم الحديث عملاقا يزداد تعملقا بصورة مطردة، فانبهر به أهلوه ~~ورجالات عصره، حتى بدا تاريخ العلم مسألة ثانوية، وليس من شأنها أن تلقي الضوء على ~~الظاهرة العلمية التي غدت باهرة مبهرة، فجرى التفكير العلمي آنذاك على منوال إغفال ~~قيمة أو دور تاريخ العلم في تفهم الظاهرة العلمية وتعميق موقفها، فضلا عن استشراف ~~مستقبلها ودفع معدلات تقدمها. على الإجمال عدم الالتفات إلى تاريخ العلم ... إلا ~~قليلا. # بل منذ البدايات، كان النجاح الصاعد الواعد الذي صاحب نشأة العلم الحديث في العصر ~~الحديث منذ القرن السابع عشر، وقد خلق ثقة زائدة في العقل وقدراته، ساهمت بدورها في ~~الغض من قيمة تاريخ العلم! فكيف كان ذلك؟ # إنها العقلانية التي ترى الحقيقة واضحة فيمكن أن يكتشفها الإنسان، ويميزها عن ~~الباطل، إن العقلانية اتجاه تنويري مستنير يثق في الإنسان ويرفع الوصاية من عليه؛ ~~لأنه يملك العقل وأيضا الحواس، يملك الوسائل التي تمكنه من إدراك الحقيقة واكتساب ~~المعرفة، ولا حاجة إلى سلطة تفرض عليه لكي تدله على الحقيقة، كما كان الوضع في ~~أوروبا طوال العصور الوسطى، فإذا كانت العقلانية مطروحة دائما بشكل أو بآخر عبر ~~مراحل ومواضع شتى على مدى تاريخ الفلسفة، فإنها سادت القرن السابع عشر في ms007 أوروبا ~~كثورة على خضوع العصور الوسطى الطويل للسلطة الدينية ولأرسطو، وأرست الأسس المكينة ~~لظاهرة العلم الحديث ، وهي في هذا تدين لاثنين من كبار الأئمة، أولهما رينيه ديكارت # R. Descartes ~~(1596-1650م) أبو الفلسفة ~~الحديثة الذي أكد أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس يدرك البديهيات بالحدس - أي ~~بالإدراك الفوري المباشر - ويصل إلى الحقائق اليقينية. الله لا يخدع أبدا، فلنثق ~~في الله وفي العقل، ونرفع الوصاية عن الإنسان لينطلق باحثا عن الحقيقة ومشيدا ~~للعلوم. فقدم ديكارت واحدة من أمضى صور العقلانية. أما الإمام الثاني لعقلانية ~~القرن السابع عشر، فيرتبط اسمه مباشرة بحركة العلم الحديث، إنه فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1561-1626م) الذي رفع الوصاية عن ~~الإنسان عن طريق الثقة في الحواس وفي الطبيعة، فكان أبا التجريبية الحادة التي ~~اقترن بها العلم الحديث في مراحله الأولى. # ومع تباشير النجاح الصاعد للعلم الحديث، بدت هذه الثقة بالإنسان وقدراته في محلها ~~تماما، فنتج عنها ثقة زائدة في العقل، تمخضت في القرن الثامن عشر عما يعرف باسم ~~عصر التنوير، عصر الإيمان بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود، كانت فلسفة ~~التنوير الوريثة الأمينة للعقلانية وللتجريبية العلمية في القرن السابع عشر، ~~صهرتهما معا في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية ~~باطراد في طريق واحد لا سواه، طريق العقل والعلم. # وفي إقرار هذا استعان التنويريون بمقولة هيمنت هيمنة طاغية على التفكير الحديث، ~~إنها مقولة الحتمية # Determinism # الميكانيكية ~~الشاملة التي فرضتها فيزياء نيوتن على العلم الكلاسيكي الحديث من رأسه حتى أخمص ~~قدميه، وحكمته بقضبان حديدية. والحتمية تعني عمومية قوانين الطبيعية وثبوتها ~~واطرادها، فلا تخلف ولا مصادفة ولا جواز ولا إمكان؛ لأن كل شيء في الكون ضروري ذو ~~علاقات ثابتة، وكل حدث مشروط بما يتقدمه أو يصحبه، فترتبت أحداث الكون في اتجاه ~~واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل، مما يجعل نظام الكون ثابتا شاملا مطردا، ~~وكل ظاهرة من ظواهره مقيدة بشروط تلزم حدوثها اضطرارا، أي خاضعة لقانون يجعلها ~~نتيجة ضرورية لما قبلها ومقدمة شرطية لما بعدها، ms008 مما يعني أن كل ما يحدث لا بد أن ~~يحدث ويستحيل حدوث سواه. # لقد أصبحت الحتمية العلمية شاملة، ومن هذه الحتمية الفيزيائية خرجت الحتمية ~~الاجتماعية التي تزعم قوانين ضرورية للحركة الاجتماعية، وتعضدت الحتمية التاريخية ~~التي تزعم طريقا واحدا محتوما لمسار التاريخ، وقد استعان التنويريون في القرن ~~الثامن عشر بهذه الحتمية العلمية في إقرار وتعيين وترسيم ما رأوه من طريق واحد لا ~~سواه للتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية باطراد، طريق العقل والعلم. # وإذ عني التنويريون بترسيم المراحل المنقضية من هذا الطريق، مثلا مراحل التاريخ ~~عند فيكو # G. B. Vico ~~(1668-1744م)، وعند ~~تورجو # A. R. Turgot ~~(1727-1781م) ومخطط ~~«كوندرسيه» # J. A. Condorcet ~~(1743-1794م) ~~التاريخي لتقدم العقل البشري ... فقد بدت المراحل المنقضية عقبات كئود ظفر العقل ~~البشري بالتحرر من ربقتها، وإذا كان ثمة تاريخ منقض لماضي العلم فلن يعدو أن يكون ~~سجلا لإزاحة الجهل، فهل نوليه اهتماما؟! وهل تناط به أدوار أبستمولوجية؟! بالطبع ~~كلا! هكذا تراجعت أهمية تاريخ العلم. # وهذا الميراث العقلاني التنويري في القرن الثامن عشر حملته باقتدار وامتياز فلسفة ~~العلم حين نشأت في القرن التاسع عشر، ومن ثم سيطر على فلسفة العلم آنذاك، وحتى ~~أواسط القرن العشرين، الاقتصار على النسق العلمي كمنجز راهن تطرد كشوفه ويتوالى ~~تقدمه؛ ليغدو تاريخه مسألة شاحبة غير ذات صلة بالموضوع. # على العموم، تم تجاوز هذه المرحلة الآن، وحدث اندماج واقتران حقيقي وحميم بين ~~فلسفة العلم وتاريخه، وسوف نرى أن هذا حدث أساسا كتطور ونماء لفلسفة العلم ذاتها، ~~وبفضل جمع من كبار فلاسفتها لا سيما في الثلث الأخير من القرن العشرين، فيما يحق ~~اعتباره ظفرا للعقل الفلسفي، ولكن لا يمكن أن نفصل هذا تماما عن إنجاز آخر تميز ~~به القرن العشرون، ألا وهو أنه قد شهد أخيرا نضج مبحث تاريخ العلم «إذ لم يكتمل ~~الاعتراف به كمبحث أكاديمي يتفرغ له دارسون متخصصون إلا في عام 1950م فقط، حين بدأ ~~ذلك في بعض الجامعات الأمريكية»، # 1 # التي أنشأت لأول مرة أقساما مستقلة لتاريخ العلم، وليس فقط كراسي ms009 ~~لأساتذته. # وما دام العلم ظاهرة إنسانية تنمو وتتدفق في سياق الحضارة الإنسانية وبفعل ~~الإنسان، فلا بد وأن نسلم بقيمة تاريخ العلم في النظرة الفلسفية للعلم، وأنه فرع ~~مهم من فروع المعرفة؛ لذلك يجمل بنا أن نلقي نظرة على تشكل مبحث تاريخ العلم ونمائه ~~ونضجه الذي يحسب للقرن العشرين، بعبارة موجزة، نلقي نظرة على تاريخ «تاريخ ~~العلم». # ثانيا: تاريخ العلم يتقدم في القرن العشرين # أجل! يقال: إن التاريخ هو الأب الشرعي للعلوم الإنسانية جميعا، وواحد من أقدم ~~المجالات التي انشغل بها العقل تعبيرا عن اهتمام إنساني خالص هو اهتمام بالماضي ~~البشري، إلا أن التاريخ كان دائما - ولعله لا يزال إلى حد ما - متمحورا حول ما ~~يمكن أن نسميه بالتاريخ السياسي، قيام الإمبراطوريات وسقوطها، الحروب ونواتجها، ~~صراعات الدول والعائلات والأفراد على السلطة، والسيطرة على الحكم ... ولم تحظ بقية ~~جوانب الحضارة الإنسانية بنفس القدر من الاهتمام، ولم يكن تاريخ العلم أفضل حالا، ~~بل لعله الأسوأ حظا؛ نظرا لما صدرنا به الحديث من تضارب علاقة العلم بماضيه ~~واتجاهه دوما نحو المستقبل. # وبالتالي كانت مباحث تاريخ العلم متروكة كنشاط هامشي للهواة من العلماء المحترفين ~~الذين رأوا فيه ما يستهويهم ويجذبهم بصفة شخصية ويعينهم على اجتذاب طلبتهم بأحاديث ~~شيقة، أو على توضيح أصول لمفاهيمهم. ولا يختلف الحال إذا كان هؤلاء العلماء ذوي ~~إسهامات فلسفية، أي فلاسفة للعلم واهتموا بتاريخه، كما فعل إرنست ماخ # E. Mach ~~(1828-1916م) وبيير دوهيم P. M Duhem ~~(1861-1916م) مثلا؛ لأن فلسفة ~~العلم - كما أشرنا - سادها آنذاك إهمال للبعد التاريخي، فكانت مباحثهم التاريخية ~~أيضا نشاطا فرديا جانبيا على هامش نظرياتهم الفلسفية، مثلما كانت على هامش ~~البحوث العلمية. # وهذه المحاولات الفردية كانت تقتصر على فرع واحد محدد من التخصصات، كتاريخ ~~الرياضيات وتاريخ الكيمياء وتاريخ البصريات. وقد اهتم ماخ بتاريخ الميكانيكا، بينما ~~اهتم دوهيم بتاريخ الإستاتيكا وتاريخ الفلك، ولم يكن هناك اهتمام بتاريخ العلم أو ~~تاريخ المعرفة الوضعية ككل إلا من بعيد في إطار الاهتمام الفلسفي العام الذي تنامى ~~منذ عصر التنوير بمراحل تطور العقل ms010 البشري. # وفي هذه المرحلة الكلاسيكية التي استمرت حتى نهايات القرن التاسع عشر، إذا بحثنا ~~عن وعي بأهمية تاريخ العلم خارج إطار بحوث العلم وفلسفته - أو بالأحرى خارج هوامشها ~~- فسوف يستوقفنا عالم الرياضيات النابغة وليم ~~كنجدون كليفورد # W. k. Clifford ~~(1845-1879م) الذي أصبح إبان حياته القصيرة أستاذ ~~الرياضيات التطبيقية في جامعة كمبردج العريقة ذات القدح المعلى في الرياضيات، وهو ~~أول من تكفل بعرض هندسة ريمان - هندسة السطح المحدب - في بريطانيا وبحث طوبولوجيا ~~المساحات فيها، وله أيضا أبحاث متميزة في الجبر. وفي كتابه الصادر عام 1878م قبيل ~~رحيله، أوضح كليفورد خطورة الاقتصار على تدريس العلوم الحديثة واعتبارها الثقافة ~~الشاملة، مع الجهل بماضي العلم، ورأى كليفورد أن مباحث تاريخ العلم من شأنها أن ~~تردم الهوة التي انشقت وتعمقت بين الدراسات العلمية الحديثة وبين الدراسات ~~الإنسانية، كما تعبر عنها الفنون الحرة والآداب. # 2 # ويمكن اعتبار دعوى كليفورد هذه إرهاصا ومقدمة للقضية الهامة التي فجرها فيما بعد ~~لورد سنو # C. P. Snow # في محاضرته الشهيرة «ثقافتان» ~~التي ألقاها في الجامعة التي شهدت كليفورد، جامعة كمبردج، وذلك عام 1959م، فقد كان ~~لورد سنو عالما طبيعيا محترفا يقضي نهاره مع العلماء، وأديبا هاويا يقضي ~~أمسياته مع الأدباء، وأفزعته الشقة الواسعة بين الثقافة العلمية والثقافة ~~الأدبية، حتى أصبحا فريقين متقابلين لكل خصائصه ومنطلقاته، ويجعل أو يتجاهل الآخر ~~وعالمه ومنجزاته، # 3 # لقد بدا واضحا خطورة فصل العلم كمضامين وأجهزة ورموز عن علاقته ~~بالحياة والثقافة بمعناها الشامل، ولعل هذا ما تمخض عما يسود الآن من ضرورة أن يدرس ~~طلبة العلوم مادة إنسانية ويدرس طلبة الإنسانيات مادة علمية، كما كان يحلم ~~كليفورد. # لقد أدرك كليفورد في وقت مبكر قدرة تاريخ العلم على الإسهام في رأب الصدع بين ~~الثقافتين وضرورة أنسنة الظاهرة العلمية - أي الوعي بها كظاهرة إنسانية في عالم ~~الإنسان ومن صنع الإنسان - عن طريق العناية بتاريخ العلم، لكن نظرا لرحيل كليفورد ~~المبكر وفي قلب أجواء القرن التاسع عشر التي همشت تاريخ العلم، فإن هذه القضية لم ~~تلق الاستجابة إلا في ms011 القرن العشرين. # إذن نخلص من كل ما سبق إلى أن العلم - وهو الابن النجيب والأثير للتاريخ الإنساني ~~- ظل تاريخه لا يلقى ما يستحقه من الاهتمام حتى نهايات القرن التاسع عشر. # أما في القرن العشرين فقد لفتت وقائع الحرب العالمية الانتباه إلى خطورة العلم ~~وتأثيراته الحاسمة في المنظومة الحضارية، وبدأ الاهتمام بتاريخه يتكثف ويتعين أكثر ~~وأكثر ، ولأسباب كثيرة معظمها يتعلق بطبيعة موضوع البحث وأساليب دراسته ومناهجه ~~المشتبكة بتطور العقل وتفاعل الأفكار والمقولات وعلاقة الإنسان بالطبيعة ... لأسباب ~~كثيرة ارتبط تاريخ العلم ارتباطا وشائجيا خاصا بالفلسفة، وتعلم المعنيون به من ~~أهل الفلسفة هذا التعاطف الحميم مع مفكري الماضي، ومحاولة تفهم موقفهم المعرفي، ~~فتشكلت معالم مبحث تاريخ العلم كتيار متميز ومتخصص في السياق المعرفي. # وكان هذا بفضل الجهود الجبارة لرواد عظام، على رأسهم جورج سارتون # G. Sarton # مؤسس تاريخ العلم في أمريكا، والأب ~~الروحي لجعله مبحثا نظاميا أكاديميا في القرن العشرين، ومجالا لنشاط جمعي ~~تعاوني. # فقد آمن جورج سارتون بأهمية تاريخ العلم كما لم يؤمن أحد من قبل، ورآه ضرورة ~~علمية وضرورة تربوية وضرورة ثقافية في آن واحد، فأكد أن الطريق إلى تأسيس الجهد ~~العلمي بأن نلقحه بشيء من الروح التاريخية، فكيف يجهل العالم أصول أفكاره وكيفية ~~تخلقها وجهد السابقين العظام الذين يقف على أكتافهم؟! أما بالنسبة للطلبة فلا جدال ~~طبعا في أهمية تدريس العلوم وقيمتها العملية، ولكنها تفقد كل قيمة تربوية لها، بل ~~تصبح مضرة إن قدمت للدارسين كمعرفة بلا تاريخ، وفضلا عن هذا وذاك، كان تاريخ ~~العلم عند سارتون أيضا ضرورة ثقافية؛ لأنه القادر على رأب الصدع بين العلوم ~~الطبيعية وبين النزعة الإنسانية «وهذه أشأم معركة عرفتها البشرية»، # 4 # كما لاح لوليم كليفورد من قبل، وكما أكد لورد سنو من بعد، وشرع جورج ~~سارتون في ترسيم معالم النزعة الإنسانية الجديدة، حيث يتضافر العلم عن طريق تاريخه ~~مع الدين والفلسفة والفنون والآداب ... # كان سارتون بلجيكيا، درس الفلسفة في جامعة غنت # Ghent ~~، ثم تحول إلى العلم وحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام ~~1911م، وله ms012 بحوث في الكيمياء، وأيضا قصائد شعر منشورة، وفي هذا الأفق العقلي ~~الواسع، يبرز إعجاب سارتون بأوجست كونت # A. Comet ~~(1798-1857م) وتنميطه الثلاثي لمراحل تطور العقل البشري من المرحلة الغيبية الدينية ~~إلى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية الوضعية التي تأتي في ~~إثرهما لتتوجهما وتمثل التقدم المنشود، وقد قطع طريقا طويلا، فاقتنع سارتون بأن ~~تاريخ العلم هو أساس كل تفكير علمي، وانكب على بحوثه الجادة في هذا المجال، وأصدر ~~أول مجلة متخصصة في تاريخ العلم هي «إيزيس» # Isis # التي يصفها بأنها بالنسبة له «بمثابة الروح والمطمح والأمل»، صدر عددها الأول في ~~مارس عام 1913م. # ثم هاجر سارتون إلى هولندا، ومنها إلى إنجلترا، وتزوج من فنانة تشكيلية إنجليزية، ~~واستقر أخيرا في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ عام 1916م راح يلقي محاضراته في ~~جامعة هارفارد في الفلسفة، ثم في تاريخ العلم. ومنذ ذلك الحين فصاعدا وحتى الآن، ~~وجامعة هارفارد العريقة أصبحت مشهورة ومتميزة بالاهتمام بتاريخ العلم وعمق وجدية ~~أبحاثها فيه، حتى باتت قبلة المعنيين به. # وقد صدر العدد الثاني من «إيزيس» في سبتمبر عام 1919م، ثم أصبحت المجلة منذ عام ~~1924م لسان حال «جمعية تاريخ العلم» التي ساهم سارتون في تأسيسها. وفيما بعد أصدر ~~مجلة أخرى تنشر بحوثا مطولة أكثر أسماها «أوزوريس»، ونلاحظ ولعه بالعناوين ~~الشرقية، فعمق انشغاله الحقيقي الأصيل بتاريخ العلم جعله شديد التقدير لدور ~~الحضارات الشرقية القديمة وتاريخ العلوم عند العرب إبان العصور الوسطى في رسم فصول ~~قصة العلم العالمية، التي يؤكد دائما أنها معامل الوحدة بين البشر. واضطلع سارتون ~~بالتأريخ النظامي الممنهج للعلم منذ هوميروس إلى عمر الخيام حتى روجرز بيكون، ولكي ~~يزداد تمكنا من التأريخ للعلم انتقل إلى المشرق في عامي 1931-1932م لدراسة الإسلام ~~واللغة العربية، مما يبرز أهمية تاريخ العلوم عند العرب في ملحمة العلم ~~المجيدة. # أصبح سارتون أستاذا لتاريخ العلم في جامعة هارفارد منذ عام 1940م وحتى تقاعده ~~ورحيله. ولا شك أن جهوده وجهود زملائه من أعضاء «جمعية تاريخ العلوم» أمثال ~~«بول تانري» P. Tannery # من العوامل التي ms013 تمخضت ~~عن تأسيس أقسام متخصصة في تاريخ العلوم بالجامعات الأمريكية منذ عام 1950م - كما ~~ذكرنا. # وخلال النصف الثاني من القرن العشرين انتشرت هذه الأقسام الجامعية المتخصصة في ~~أنحاء شتى من العالم - للأسف الشديد ليس من بينها مصر والبلاد العربية - معظمها ~~يحذو حذو أكسفورد وكمبردج في إنشاء قسم لفلسفة العلم وتاريخه معا، يعطي شهادة ~~جامعية في هذا التخصص الذي يضم المبحثين. وتجدر الإشارة أيضا إلى التجربة ~~الإيطالية في دراسة تاريخ العلوم التي ازدهرت منذ الستينيات، تمت هي الأخرى تحت ~~رعاية الفلسفة وأنجزت حصادا طيبا. # في هذا الإطار التنظيمي ظل المبحثان - فلسفة العلم وتاريخ العلم - مختلفين ~~متمايزين ومستقلين إلى حد ما، يجتمعان فقط على عنايتهما بنفس الموضوع، أي ظاهرة ~~العلم. قد يكون هذا في حد ذاته علاقة، لكنها صورية شكلية تنظيمية واهية، حتى بدت ~~هذه العلاقة على مستوى الأبحاث والأطروحات وكأنها مشكلة غير قابلة للحل، # 5 # ولم يدخل الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم كصيرورة ونماء لها، إلا ~~بفضل تطوراتها الداخلية على يد الرواد المتأخرين من فلاسفتها المحترفين، هذا صحيح، ~~لكن لا شك أن تنامي الاهتمام الأكاديمي بتاريخ العلم، وتدفق البحوث العلمية ~~والمجلات المتخصصة والندوات والمؤتمرات الدولية ... كانت من العوامل القوية التي ~~ساهمت في أن يحل الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم. # لقد بدا واضحا أن كلا الطرفين - تاريخ العلم وفلسفة العلم - في حاجة إلى التفاعل ~~العميق مع الآخر، وهؤلاء المحترفون المتخصصون في تاريخ العلم الذين برزوا في العقود ~~الأخيرة ورثوا عن الرواد العظام تركة زاخرة، لكنها رؤى متنافرة خلقت توترا في ~~الميدان يستدعي تضافرا منشودا بين فلسفة العلم وتاريخه؛ لأن الإبستمولوجيا - كما ~~يقول جان دومبريه # J. Dhombres ~~- تقدم العون ~~الأساسي في التعريف الحقيقي لنشاط تاريخ العلم، وتاريخ العلم بدوره ليس مجرد ذاكرة ~~العلم، بل هو مختبره ~~الإبستمولوجي # Epistemological Laboratory ~~، # 6 # أو كما قال إمري لاكاتوش # I. Lakatos ~~(1922-1974م) فيلسوف العلم البارز بعبارته النافذة التي كانت قوية التأثير حقا: ~~«فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء.» وسوف نتوقف ms014 عندها ~~تفصيلا في الفصل الأخير. # لقد كان إغفال أهمية تاريخ العلم قصورا كبيرا في بنية التفكير العلمي وفلسفته، ~~وكان لا بد من تجاوزه، كما فعلت فلسفة العلم في واحد من اتجاهات تطورها اللاحقة ~~والمحمودة حقا، التي شهدتها المراحل الأخيرة من القرن العشرين. # وإذا سلمنا بهذا، وبأن المعالجة المتكاملة للظاهرة تقتضي الإحاطة بأبعادها ~~التاريخية، وجب علينا أن نمهد لمقبل الحديث بصورة عامة لتاريخ العلم أو لصيرورته ~~عبر مسار الحضارة الإنسانية. # حقا إن موضوعنا هو فلسفة العلم في القرن العشرين، أي إنه منصب على هذه الحقبة ~~الأخيرة، والتي كانت الحضارة الغربية مسرحها، إلا أن الطرح المنهجي المتكامل يقتضي ~~أن نعطي كل مرحلة حقها؛ لأن العلم أنبل مشروع ينجزه الإنسان طرا، إنه أعظم شأنا ~~وأجل خطرا من أن تستأثر بإنجازه من ألفه إلى يائه حضارة معينة، أو مرحلة واحدة ~~من مراحل التاريخ، وإذا كان مبدأ «أرنولد ~~توينبي» # A. Toynbee ~~(1889-1975م) في دراسة التاريخ هو أنه لا توجد أمة في ~~العالم يتأتى دراسة تاريخها بمعزل عن تواريخ بقية الأمم، فإنه لا يمكن دراسة مرحلة ~~من تاريخ العلم وفلسفة التفكير العلمي بمعزل تام عن المراحل الأخرى المفضية إليها. ~~وأول تساؤل يفرض ذاته: متى يبدأ تاريخ العلم؟ # ثالثا: متى يبدأ تاريخ العلم: الأصول الأنثروبولوجية # إن العلم أنبل فعاليات الإنسان وأكثر أشكال الحضارة البشرية حضورا وتعينا ~~وتمثلا وأشدها إيجابية، ويمكن القول: إن العلم كموقف إنساني هو في جوهره أقدم ~~عهدا من التاريخ، بدأ قبل أن يبدأ التاريخ، ببداية وجود الإنسان في العالم، إنسان ~~نياندرتال، أو على أقل الفروض منذ العصر الحجري قبل بداية الحضارة الإنسانية ~~وتاريخها المكتوب بزمان سحيق. وهذه الحقب السحيقة من تاريخ وجود الإنسان في ~~الكون، ما كان يمكن اقتحامها ومحاولة دراستها إلا بواسطة مناهج للبحث وأساليب ~~وأدوات ووسائل، تطورت فقط في القرن العشرين. # ويأتي ج. ج. كراوثر # J. J Crowther # الذي يعد من ~~أهم مؤرخي العلم في القرن العشرين؛ ليذهب ببدايات العلم إلى ما هو أبعد من ذلك، ~~طارحا الاحتمال بأن يكون العلم أقدم ms015 عهدا وأسبق في الوجود من الإنسان ذاته! فيقول ~~كراوثر في كتابه الممتع حقا «موجز لتاريخ العلم 1969م» والذي ترجم إلى العربية ~~تحت عنوان «قصة العلم» يقول: # المضادات الحيوية والحاسبات الإلكترونية والطاقة النووية والسفر عبر ~~الفضاء ... هذه المكتشفات بالغة التطور التي تثير الدهشة والإعجاب قد تبدو ~~للوهلة الأولى وكأنها تنتمي لجنس آخر أو نظام مختلف من الوجود لا صلة له ~~بإنسان ما قبل التاريخ، وهي على العكس من ذلك تمتد بجذورها للجهد الإنساني ~~البدائي فيما قبل التاريخ المكتوب، ومحاولات أسلافنا الساذجة في استخدام ~~الحجارة لصنع أدواتهم هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين، ومثلها من ~~محاولات لتصحيح الأخطاء، قادت إلى ما يتصف به علمنا التجريبي اليوم من ~~كمال، فالجهد الذي بذله أسلافنا الأوائل للتنسيق بين أفعالهم البصرية ~~وحركات أيديهم، والذي هو نوع من النشاط العلمي التجريبي، وإن كان في صورة ~~بدائية، كان أحد أسباب نمو المخ، والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيا من ~~الحيوانية إلى الإنسانية؛ إذن العلم - بمعنى ما - أقدم من الإنسان. # 7 # هكذا يطرح كراوثر بواكير محاولات التحاور بين المخ وبين المعطيات الحسية والخبرات ~~التجريبية أو بين الدماغ واليد، وتصويبها وتعديلها عبر آلية المحاولة والخطأ، وأثر ~~ذلك على تطور المخ ليبلغ المرحلة الإنسانية، ومن هذا المنظور تكون المحاولات ~~البدائية للعلم أقدم عهدا من إنسانية الإنسان، بل ومؤدية إليها، ويبقى أن نلاحظ ~~كيف أن التحاور بين اليد والدماغ عبر آلية المحاولة والخطأ هو جوهر نظرية المنهج ~~العلمي التجريبي! # ربما انطوى هذا التأويل على قليل من العسف وشيء من المبالغة، وكراوثر نفسه يطرحه ~~كاحتمال، لكن بدايات العلم منذ العصر الحجري هو ما يأخذ به غالبية مؤرخي العلم من ~~الراغبين في الطرح المتكامل. # وهذا هو ما يسلم به كراوثر نفسه، وعلى أساسه يؤرخ للعلم من حيث هو سجل موثق لتطور ~~العقل الإنساني في استجابته للظروف المحيطة به؛ لذلك تتمركز تأريخات كراوثر حول صلة ~~العلم بالمجتمع، والعلاقة التبادلية بينهما، وضرورة أن يهيئ المجتمع الظروف ~~المواتية للتقدم العلمي، والتأثير الشديد للعلم على مناحي ms016 الحياة الاجتماعية، بدءا ~~من الحرب والعلاقات الدولية وانتهاء بأشكال التقسيم الطبقي ووقائع الحياة ~~اليومية. # تماما كما أكد جون ديزموند برنال # J. D. Bernal # على الوظيفة الاجتماعية للعلم، في تأريخاته المسهبة وكتابه الشهير «العلم في ~~التاريخ» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1954م، وصدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقحة ~~والذائعة الصيت عام 1957م. # ولم تكن مقابلة كراوثر ببرنال من بين جمهرة مؤرخي العلم جزافا، فكلاهما إنجليزي ~~من أبناء القرن العشرين، من أبرز مؤرخي العلم فيه، ومن المهم أن نلاحظ دلالة تناقض ~~المشارب بينهما؛ ذلك أن برنال ماركسي متحمس فيحمل عرضه لتاريخ العلم تمجيدا للقيم ~~الاشتراكية وقدحا في الرأسمالية والطبقات المهيمنة التي جعلت العلم أمدا طويلا - ~~طوال العصور القديمة والوسطى - مهنة أرستقراطية محجوبة عن العقول الموهوبة من جموع ~~الشعب، فضلا عن تجهيل العلماء بمشاكل الجماهير واحتياجاتها، هذا بخلاف استغلال ~~الرأسمالية الحديثة والمعاصرة لإمكانيات العلم وتقاناته «التكنولوجيا» استغلالا ~~بشعا في قهر الطبقات والشعوب الأقل حظا، بينما نجد كراوثر أكثر اعتدالا، بلا ~~تحزب أو تعصب، لكن يقدم الرد على هذا بكتابه المذكور؛ إذ يركز على أن العلم الحديث ~~صنيعة الطبقة البرجوازية التي تشكلت في العصر الحديث، وشكلت بدورها معالمه. # وفي كلتا الحالتين المتقابلتين (دفاع برنال الصريح عن البروليتاريا ودفاع كراوثر ~~الضمني عن البرجوازية) يكون الانطلاق من الفعالية الاجتماعية للعلم عبر التاريخ، ~~وأن تاريخ العلم يبدأ منذ العصر الحجري، وكأن هذه مسلمات تلزم الباحثين في هذا ~~الميدان مهما تناقضت المشارب والرؤية الأيديولوجية للعملية الاجتماعية. # والحق أن كتاب كراوثر المذكور، وإن كان يقف في مواجهة تطرف برنال اليساري، إلا ~~أنه - أي «موجز تاريخ العلم» أو «قصة العلم» لكراوثر - يخلو من التحزب ويصعب دمغه ~~ببطاقة سياسية أو أيديولوجية، ويمكن اعتباره أنموذجا للعرض المنهجي الشامل والسلس ~~لتاريخ العلم كفعالية إنسانية، تنبع من استجابة الإنسان للتحديات البيئية ثم ~~العوامل الاجتماعية التي ينبثق عنها العلم، في مثل هذا العرض لا بد وأن تبدأ قصة ~~العلم المثيرة - تماما كما بدأت مع جون برنال - منذ ما قبل التاريخ، أي بإنسان ~~العصر الحجري ليصل كراوثر ms017 في النهاية إلى اختراع الحاسب الآلي وغزو الفضاء واقتحام ~~سر الحياة، فضلا عن أن يختتم الكتاب بنظرة مستقبلية هي بعض أحلام الإنسان التي ~~يرجوها من العلم، وهي نظرة ما زالت تحتفظ بنضارتها رغم تسارع التطورات العلمية ~~الراهنة. # وها هنا أكد كراوثر أن العلم أقدم عهدا من التاريخ؛ لأن معطياته الأساسية كانت ~~أول ما تأمله الإنسان في العصر الحجري، والواقع أن رموز الأعداد - كما يؤكد كراوثر ~~- اخترعت قبل اختراع حروف الكتابة مما يدل على أن التوجه العلمي متأصل في صلب أقدم ~~مناحي الإنجاز الإنساني وفي بنية توجهه العقلي. # وإذا صح هذا فلا غرو أن أصبحت التقانة «التكنولوجيا» البدائية والعلم البدائي ~~مواضيع دراسية متخصصة، يتكرس لها باحثون جادون ليخرجوا بنواتج جيدة، تفيد مباحث ~~الأنثروبولوجيا، بقدر ما تفيد مباحث تاريخ العلم الراغبة في تأصيل موضوعها، بمعنى ~~الوقوف على أصوله البعيدة؛ نشدانا لرؤية شاملة. # نذكر في هذا - على سبيل المثال - دراسة ممتازة اتخذت موضوعها قبائل الأزتك التي ~~نزحت من الشمال واستقرت في هضبة المكسيك منذ عام 1267م، وحين اكتشاف الأمريكتين عام ~~1492م كانت قبائل الأزتك من أكثر الثقافات البدائية تكاملا في أمريكا الوسطى، على ~~أنهم افتقدوا كثيرا من أوليات التقانة «التكنولوجيا» فكانوا لا يعرفون العجلة أو ~~المحراث أو التقطير، ولا صهر المعادن والزجاج؛ لذلك اعتبرهم الباحث مرحلة بدائية ~~جدا لم تصل حتى إلى العصر البرونزي، ومع هذا سيطروا على مشاكل تكنولوجية في ~~بيئتهم بطريقة مدهشة، انطوت على كثير من أوليات الأفكار العلمية القابلة للتطوير، ~~من قبيل التصورات العامة للتعاقب الزماني والأوزان والمقاييس وأوليات الحساب ~~والهندسة والطب والجراحة والهيدروليكا وطبقات الأرض وأنواع الحجارة - أي الجيولوجيا ~~- وقد عرفوا مجموعة محددة من المعادن منها النحاس، وأيضا الذهب الذي أطلقوا عليه ~~اسم «المقدس» وظنوه الشمس مقابل الفضة التي هي القمر، ولكن نظرا لثراء بيئتهم ~~بالنبات مقابل فقرها في أنواع الحيوانات، فقد اهتموا كثيرا بتصنيف النبات بالذات ~~حتى امتلكوا في هذا قاموسا رائعا، وقد بذل الباحث جهدا مضنيا معتمدا على ~~توصيفات الرحالة عبر التاريخ، وفحص الوثائق، بجانب الدراسة الميدانية، ms018 حتى إنه أتقن ~~لغتهم «النيوتل» # Nahutl # ليعطي بلورة واضحة لأصول ~~هذه البذور العلمية وتطورها، # 8 # وعن مثل هذه البذور، وعبر تاريخ الحضارة الإنسانية الطويل، كانت شجرة ~~العلم التي تبدو الآن ريانة الغصون وارفة الظلال. # ولئن كانت التقانة «التكنولوجيا» البدائية ألحت كثيرا على الدراسات ~~الأنثروبولوجية؛ لأن البيئة الإنسانية - بما هي إنسانية - تتأثر دائما بالأساليب ~~الفنية التي يصطنعها الإنسان لتيسير التعامل معها، # 9 # فإن اهتمام الأنثروبولوجيا الأحدث نسبيا بأصول العلم النظري هو تطور ~~جوهري حقا للأنثروبولوجيا، بقدر ما هو تطور جوهري لقضية التأريخ للعلم؛ ليفيد هذا ~~التطور بكلا وجهيه في استكشاف قصة الحضارة ومسارها، لا سيما وأن العلم شريان تاجي ~~من شرايين الحضارة الإنسانية، ونبضه مؤشر شديد الدلالة على درجة تدفق الحياة ~~وإمكانيات النماء في الحضارة المعنية. # ويجمل بنا أن نتوقف مليا بإزاء هذا التطور في الأنثروبولوجيا الذي حدث إبان ~~القرن العشرين فأتاح للمعنيين بتاريخ العلم أن يبدءوه ببداية الحضور الإنساني منذ ~~العصر الحجري وما قبل التاريخ؛ لأن التحاور بين أطراف المنظومة المعرفية ورجع الصدى ~~بين جنباتها يجعلنا نلمح توازيا دالا جدا بين هذا التطور في الأنثروبولوجيا ~~وذاك التطور في وضع تاريخ العلم كمبحث نضج الاهتمام به فقط في القرن ~~العشرين. # بادئ ذي بدء يمكن الاتفاق مع علم الأنثروبولوجيا البارز إدوارد إيفانز بريتشارد # E. E. Evans-Pritchard ~~(1902-1973م) على أن النشأة الحقيقية المهيأة للنماء للمباحث الأنثروبولوجية كانت ~~مع انشغال فلاسفة القرن الثامن عشر بالسؤال حول الحالة الطبيعية للإنسان، أو ما كان ~~عليه قبل نشوء الحكومات المدنية، # 10 # لذا يمكن اعتبار علم الأنثروبولوجيا وليد عصر التنوير الذي حكمته عقيدة ~~العقل والعلم والتقدم اللامحدود الذي تنجزه البشرية باطراد. طريق التقدم واحد هو ~~خطى كتب على البشر أجمعين أن يقطعوها، وإن كان بعضهم أبطأ أو أسرع من الآخر. ثم ~~توطدت هذه العقيدة بفعل نظرية التطور الداروينية ونجاحها اللافت في تفسير الارتقاء ~~الحيوي، فساد الميدان ما عرف بالأنثروبولوجيا التطورية، والتطورية الجديدة، ~~نازعتها في بعض الأبعاد النظرية الانتشارية التي أسسها في إنجلترا إيليوث سميث # E. ~~Smith ~~، وتزعم أن ms019 ~~العنصر الحضاري ينتشر من مواطن ظهوره إلى المواطن الأخرى، وأن حضارة العصر تبدأ في ~~مركز ثم تنتشر منه لتتنامى؛ إذ لا يوجد قوم قادرون على صنع الحضارة بأسرها بمفردهم، ~~ولكن كما أوضح جوردون تشايلد # G. Ghilde ~~، فإن ~~النزاع بين التطورية والانتشارية زائف ووهمي؛ لأن الأولى تستفيد من الثانية، # 11 # ويكاد يتفق الأنثروبولوجيون على أن الأنثروبولوجيا كعلم بدأت بالنظرة التطورية # 12 # التي حكمت إطار الأنثروبولوجيا ومنطلقاتها، بل واستأثرت بها في تلك ~~المرحلة الأسبق والتي استمرت حتى الحرب العالمية الثانية. # وما دمنا معنيين الآن بأصول تاريخ العلم، فيمكن اعتبار «لوسيان ليفي بريل» # L. Levy-Bruhl ~~(1857-1939م) أبرز ممثلي تلك النظرة الأنثروبولوجية التطورية، إنه الوريث الأمين ل ~~«سان سيمون وأوجست كونت»، # 13 # و«إميل دوركايم» ليكون من أهم الشخصيات الأنثروبولوجية في الربع الأول ~~من القرن العشرين، يعطينا كتابه الشهير «العقلية البدائية» صورة مثلى لمنطلقات هذه ~~المرحلة الأسبق من علم الأنثروبولوجيا التي تقطع كل صلة بين الأصول البدائية ~~للإنسان وبين أشكال التحضر الحديثة وعلى رأسها العلم، مما يساهم في تبرير النظرة ~~التي تغفل أهمية تاريخ العلم. فقد ذهب بريل إلى أن العقلية البدائية مختلفة ~~اختلافا جذريا عن العقلية المتحضرة، ويستعين برأي ثورنفالد # Thurnwald # بغياب قانون العلية تماما عن العقلية البدائية؛ ليؤكد ~~أنها لا علاقة لها البتة بالمنطق والتفكير الاستدلالي، بل هي محض خليط من الخرافات ~~والسحر والغيبيات والاعتقاد بقوى خفية تحكم العالم، وبسطوة الأحلام وأرواح الموتى ~~وعلامات التطير، ولا تميز بين الإنسان والطبيعة، بل تعتبره مشاركا فيها وجزءا ~~منها. الإنسان البدائي - فيما يزعم بريل - يعجز تماما عن النظر إلى الطبيعة ~~باعتبارها واقعا موضوعيا على نحو ما يفعل الإنسان الأوروبي المتحضر صانع العلم. ~~وينتهي ليفي بريل إلى أن العقلية البدائية لا تتقدم ولا تكتسب القوى المنطقية إلا ~~عن طريق احتكاكها بالإنسان الغربي الأبيض بالكشوف أو التبشير أو الاستعمار! # تتضح إذن بمزيد من الجلاء تلك النزعة العنصرية والاستعلاء الغربي، أو بمصطلحات ~~فلسفة العلم «التشويه الأيديولوجي» للعلوم الأنثروبولوجية ومدى طغيانه على الروح ~~العلمية الحديثة في موطنها الأوروبي، مما يعني ms020 أن هذا التشويه الأيديولوجي بدوره من ~~العوامل التي دفعت التفكير العلمي - ولو من بعيد - إلى الاقتصار على المعطى الراهن ~~وإهمال تاريخ العلم. # وها هو ذا واحد من أقطاب الروح العلمية المبرزين، كارل بيرسون # K. Pearson ~~) 1857-1936م) وكتابه الشهير «أركان العلم» # 14 ~~- والذي صدرت طبعته الأولى عام 1892م (الثانية عام 1900م، والثالثة عام ~~1911م) - ليجسد الروح العلمية التجريبية المتطرفة تطرفا حادا، فيرفض ~~الميتافيزيقا، بل وحتى الشعر ما لم يكن قائما على أساس علمي هو الحسية المتطرفة. ~~فكل ما لا يرتد إلى انطباعات حسية - كما أكدت الوضعية المنطقية فيما بعد - هو لا ~~علمي، هو لغو وهراء، ولغة العلم «ليست إلا رموزا مختزلة لتتيح أبسط تعبير ممكن عن ~~تعاقب الانطباعات الحسية»، # 15 # وقد كان بيرسون نصيرا متحمسا وداعية مفوها للفكر الاشتراكي، ومن أهم ~~أعماله «الاشتراكية نظريا وعمليا 1887م»، وعلى الرغم من هذا يدافع جهارا ~~نهارا في كتابه المذكور «أركان العلم» عن مشروعية إحلال الجنس الأبيض عنوة محل ~~القبائل البدائية من السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، (ويمكن أن نضيف إليهما ~~فيما بعد فلسطين) ما داموا يعجزون عن استغلال الأرض وإثراء الحضارة والإسهام في ~~المعرفة الإنسانية والعلم التجريبي. # إنه إذن الهدف الأيديولوجي العنصري المشبوه: إضفاء المشروعية والتبرير لسؤدد ~~الغرب والاستعمار الإمبريالي والاستيطان في أراضي الغير. ولما كان التشويه ~~الأيديولوجي يستأثر بالعلوم الإنسانية دونا عن العلوم الطبيعية - كما سنرى في ~~الجزء الأخير من الفصل السادس - فلا غرو أن يجعل الدراسات الأنثروبولوجية نهبا ~~مستباحا له، فضلا عن طبيعة موضوعها، كانت العلاقة بينها وبين الاستعمار علاقة ~~تبادلية وطيدة. الاستعمار احتاج إليها لترسيخ سيطرته على الشعوب المقهورة بأن يزداد ~~علما بأوضاعها وأحوالها ومعارفها، ففتح المجال للأنثروبولوجيين وأتاح لهم منحا ~~وتسهيلات لم تتح سابقا للباحثين، فكان لا بد وأن ترد الأنثروبولوجيا الدين للاستعمار، # 16 # وتسير نحو العمل على تبريره عن طريق الحط من شأن الحضارات المستعمرة ~~وتهوين قيمة معارفها وإنكار دورها في قصة الحضارة، وأنبل فصولها قصة العلم. وسوف ~~يواجهنا هذا التشويه الأيديولوجي مرة أخرى حين نتعرض لفصول قصة العلم ms021 عبر ~~الحضارات. # ولما كان ليفي بريل من أهم الأنثروبولوجيين في عصره - كما ذكرنا - كان أكثرهم ~~تعبيرا عن هذا، حتى إن تطرفه بمعية قيم الصدق التي لا بد وأن تبرز في الميدان ~~العلمي ... هذا جعل نظريته التي تقطع كل صلة بين الإنسان البدائي وبين أصول الحضارة ~~والعلم تتعرض لنقد حاد من الأنثروبولوجيين أنفسهم، رآها كثيرون منهم على حقيقتها، ~~عنصرية قاسية، وفي سبيل إثبات تفرد وسيادة الإنسان الأبيض تتحامل بضراوة ولا ~~موضوعية على الإنسان البدائي الذي لا يصح أبدا أن ننفي عنه أية قدرة منطقية، ولئن ~~اختلطت رؤاه بالتصورات الساذجة واللامبررة عقلانيا، فلا شك أنه له موقفه الأولي ~~وتفكيره المنطقي البسيط. لقد بلغت ضراوة النقد الموجه إلى ليفي بريل حدا دفع ~~بريتشارد إلى الزعم بأن بريل أسيء فهمه، على الرغم من أنه هو نفسه رفض نظرية بريل ~~«الذي يدرس العقول البدائية بمعايير عقل تشكل في ظروف مغايرة». # 17 # وضراوة هذا الاحتجاج ليست إلا أصداء ثورة عارمة هبت في ساحات الأنثروبولوجيا على ~~مصطلح «البدائية» ذاته، فاستخداماته المثقلة بالانحياز العنصري والتشويه ~~الأيديولوجي تكاد تفرغه من المضمون العلمي، فهي «تحشر معا كل شعوب العالم ماضيها ~~وحاضرها، فيما عدا تلك التي تشكل جزءا من المدنية الغربية وأسلافها القدماء!» # 18 # وظهر الانشغال بمصطلح البدائية وتحديده وإعادة تعريفه، حتى اقترح البعض ~~- عام 1948م - نبذه وإحلال مصطلح اللاكتابية # Non-Literal # محل البدائية. # إن هذه الثورة هي الطريق الذي شقته الأنثروبولوجيا نحو مرحلتها الأحدث الأكثر ~~تحررا من التشويه الأيديولوجي، أي الأكثر موضوعية وعلمية. فتبعا لمنطق العلم تحرر ~~العلم من التشويه الأيديولوجي يسير طرديا مع تنامي ونضج المنهج فيه، وأيضا سوف ~~يواجهنا هذا النضج المتحرر من التشويه الأيديولوجي مرة أخرى حين نتعرض للعلم عبر ~~الحضارات. # لقد كان بريل وزملاؤه التطوريون فلاسفة نظريين أكثر منهم علماء متخصصين، فلم ~~يقوموا بأي بحث حقلي ميداني، واعتمد بريل على مادة سبق أن جمعها من قبل الرحالة ~~والمبشرون. ومع نمو العلم وإلحاح المنهج العلمي التجريبي بات واضحا أنه إذا كان ~~للأنثروبولوجيا أن تصبح علما متقدما فلا بد ms022 أن يجمع الأنثروبولوجيون الملاحظات ~~بأنفسهم، وأصبحت مناهج الأنثروبولوجيا تفرق بين أساليب دارسي الحضارات الراهنة ~~المعتمدة على الأثنوجرافيا والأثنولوجي «أي دراسة الأنماط والأنساق الثقافية»، وبين ~~أساليب دارسي الحضارات الماضية والبائدة التي تعتمد على الأركيولوجيا «علم الآثار». ~~والبحث عن الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم إنما هو - إلى حد كبير - مع هؤلاء ~~«الذين تطورت مناهجهم لجمع المعطيات الأركيولوجية تطورا كبيرا»، # 19 # واستطاعت الكشوف الأركيولوجية أن تملأ كثيرا من الفجوات التي كانت ~~تعيب معرفة الأنثروبولوجيين، فأسهمت بشكل فعال في القضاء على الفكرة التي سادت في ~~القرن التاسع عشر عن تطور الحضارة خلال مراحل متمايزة ومستقلة، وبذلك «ظهرت الحضارة ~~على أنها عملية مستمرة ومتصلة، وإذا كانت هناك فترات انتقالية للمظاهر الحضارية ~~الكبرى، فإن هذه الفترات ليست حدودا فاصلة بين مراحل متمايزة كل التمايز بقدر ما ~~هي حالات من التغير المتسارع التي تمهد لظهور حلقات حضارية جديدة ضمن تلك العملية ~~الواحدة المتصلة، وأن الحلقات الجديدة إنما تقوم وتنبعث عن الأوضاع والأحوال التي ~~سبقتها في الوجود»، # 20 # وعلى هذا يمكن النظر إلى تاريخ العلم كعملية متصلة بدأت ببداية الحضارة ~~وتنتهي بقيام الساعة، تتباطأ حينا وتتسارع حينا. # ومن الناحية الأخرى تطور علم الأنثروبولوجيا بالبحوث الميدانية الحقلية التي ~~تعتمد على الاتصال المباشر بالثقافات البدائية وإدراك أنها ببساطة ثقافات إنسانية، ~~فانزاحت النظرة إليها بوصفها رواسب أو بقايا مراحل منحطة وأدنى، ملغاة تماما بفضل ~~التقدم الحضاري، ولم يعد متآلفا مع النظرة العلمية إلغاء الماضي أو نفي الآخر بناء ~~على تقدم الحاضر ورقي الأنا، أو حتى الحكم عليه بأنه همجي وحشي، فلا بد وأنه يملك ~~رصيده - وإن تواضع - من مبدئيات النظرة العلمية. لقد تدخلت النسبوية # Relativism # 21 # الثقافية التي تعطي لكل حضارة قيمتها بالنسبة لظروفها ولعصرها. # وفي حدوث هذا التقدم الجوهري للأنثروبولوجيا، والذي يضرب بسهمه في الطرح المتكامل ~~لتاريخ العلم، يكون من الملائم تماما أن نختم الحديث بالوقوف مع الرائد العظيم، ~~عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الإنجليزي ذي الأصول البولندية برنسلو مالينوفسكي # B. ~~Malinowski ~~(1884-1942م)، فجهوده العلمية الرصينة ساهمت في دفع الأنثروبولوجيا وإرساء علميتها، ~~بقدر ms023 ما ساهمت في إرساء دراسة الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم. ولا غرو، فقد ~~بدأ مالينوفسكي حياته الجامعية بدراسة الرياضيات والفيزياء، وبعد أن أبلى فيهما ~~اجتذبته العلوم الإنسانية. # إن مالينوفسكي رائد، نظريا وتطبيقيا، فهو رائد بارز من رواد النظرية ~~البنائية الوظيفية # Structural Functionalism # في علم الاجتماع التي تدرس الحياة الاجتماعية أو الثقافية كبنية ذات علاقات متبادلة ~~بين جوانبها أو مؤسساتها العديدة، كالجانب التربوي والدين والقيم والاقتصاد وأنساق ~~المعرفة والقانون ونظم الثواب والعقاب ... إلخ، وكل جانب أو مؤسسة يدرس على أساس ~~الوظيفة التي يؤديها. إن النظرة الوظيفية إلى كل مؤسسة تساهم في إماطة اللثام عن ~~نسبوية الثقافات، مما يفتح الطريق أمام إزاحة العنصرية والتعالي الأوروبي وأمثال ~~تلك التوجهات الآتية من التشويه الأيديولوجي. # وأيضا كان برنسلو مالينوفسكي رائدا تطبيقيا، أي رائدا للبحوث الميدانية أو ~~الحقلية، وقد دفعها خطوات إلى الأمام، فمن أجل دراساته الأنثروبولوجية أقام أربع ~~سنوات في جزر التروبرياند # Trobriand # قرب أستراليا ~~(من 1914م إلى 1918م)، وكان أول من أجرى بحوثه باللغة الأهلية للسكان. ويمكن اعتبار ~~الدراسة التي تعرضنا لها سابقا - عن مبدئيات العلم والتكنولوجيا عند قبائل الأزتك ~~- تطبيقا للتعاليم التي أرساها مالينوفسكي للمعنيين بهذه المجالات. # في عام 1936م أخرج مالينوفسكي دراسة هامة بعنوان «السحر والعلم والدين» تعد في ~~طليعة الأبحاث الرائدة التي تلقي الضوء على الأصول الأنثروبولوجية بظاهرة ~~العلم. # بادئ ذي بدء يسلم مالينوفسكي تسليما بأن العلم الحديث هو هذه القوة المتعملقة ~~الدافقة في سياق الحضارة المعاصرة، كإنجازات عقلية جبارة لا تهدأ ولا تستكن أبدا، ~~تصوب ذاتها وتتجاوز الوضع الراهن باستمرار، وتفتح دوما أفقا أعلى وأبعد في ~~متوالية لتقدم يتسارع؛ ليمثل العلم الحديث العقل النقدي البناء في أبهى صوره، ~~وأكثرها حسما وجزما وفعالية ... العلم بهذه الصورة التي تنامت في العصور الحديثة لا ~~وجود له بالقطع في المجتمعات البدائية، ولا حتى في الحضارات القديمة. بيد أن العلم ~~بشكل عام هو أساسا نمط من المعرفة تستند على الملاحظات التجريبية لوقائع العالم في ~~إطار من افتراض النظام والاطراد في الكون وما شابه هذا من خطوط ms024 منطقية أولية، فتزيد ~~من سيطرة الإنسان على بيئته وإحكام تعامله مع عالمه. والمعرفة العلمية بهذا التوصيف ~~المبدئي لا بد حاضرة في كل مجتمع إنساني مهما كان بدائيا. وإذا كنا نسلم بأن ~~الدين والسحر كائنان وحاضران بقوة في المجتمعات البدائية، فلا بد وأن نضيف إليهما ~~أيضا العلم. # ويسهب مالينوفسكي في إيضاح كيف أن هذه الدوائر الثلاث، السحر والعلم والدين، ~~متمايزة تماما في العقلية البدائية، وغير صحيح أن دائرة السحر تبتلع دائرة العلم، ~~أو أن دائرة الدين تنفيها، فلولا المساحة التي تنفرد بها أصول التفكير العلمي من ~~ملاحظة للطبيعة واعتقاد راسخ بنظام فيها، لما سارت عمليات الصيد والزرع وسائر ~~الفنون والحرف والصنائع التي تقيم الحياة البدائية. # لقد اهتم السير إدوارد ب. تايلور # E. B. Tylor ~~(1832-1917م) مؤسس علم الأثنولوجيا الحديث بدور الدين في المجتمعات البدائية، واهتم ~~جيمس فريزر بالسحر البدائي، ووضع ما يشبه موسوعة كبرى في هذا الصدد، وهي كتابه ~~الشهير «الغصن الذهبي»، فضلا عن كتابه المترجم إلى العربية «الفولكلور في العهد ~~القديم» الذي يعرض للأصول الأنثروبولوجية أو الأصول الفكرية البدائية لمضمونات ~~التوراة. وبعد السحر والدين يأتي مالينوفسكي ليهتم بدور العلم في المجتمعات ~~البدائية وإبراز تمايزه عن السحر وعن الدين. فالدين مختص بالعالم العلوي والحياة ~~الأخرى وما بعد الموت، والعلم مختص بالعالم الأرضي والحياة الدنيا، يمكن أن يتواجدا ~~معا في نفس العقلية في حالة الإنسان البدائي، كما هو الأمر في حالة الإنسان ~~المعاصر. # أما السحر، فصحيح أنه يتشارك مع العلم في أن كليهما يصدر عن رغبة في السيطرة على ~~الطبيعة، إلا أنهما مع هذا يختلفان جذريا في أن السحر إقصاء تام للعقل ولا يستند ~~إلا على قوة التقاليد والاعتقادات المتوارثة، في عالم غامض هلامي مجهول، مما يجعل ~~السحر حكرا على طبقة معينة في المجتمع البدائي؛ هي طبقة الكهنة والسحرة. أما العلم ~~البدائي، فلأنه علم ينبع من العقل البدائي وتصوبه الملاحظات البدائية، ويمثل خيرا ~~عميما متاحا للجميع، وليس حكرا على فئة ما، ولن يصبح العلم هكذا إلا بعد أن ~~تمتهنه الكهنة في الحضارات ms025 الشرقية القديمة. # ربما كان كل إنسان بدائي مؤمنا بقوة السحر الخارقة وقدرة التمائم والتعاويذ على ~~صد الكوارث الطبيعية الجامحة والغير متوقعة كالفيضان والأعاصير والزلازل والأوبئة ~~وهجوم أسراب الحيوانات الضارية ... لكن الإنسان البدائي لن يترك أصوليات حرفته أو ~~زراعته أو طهوه للطعام ... إلخ ارتكانا على السحر فقط، ويؤكد مالينوفسكي بأن الإنسان ~~البدائي سوف يستخف تماما بأي اقتراح كهذا، مما يعني حدودا مصونة لأصوليات المعرفة ~~العلمية في عقل الإنسان البدائي، وبطبيعة الحال يستشهد مالينوفسكي على هذا من واقع ~~دراساته لجزر التروبرياند. # وعلى هذا الأساس يرفض مالينوفسكي تماما رأي ليفي بريل الذي يقطع كل صلة بين ~~الإنسان البدائي والعقلية البدائية، وبين العلم وأصوله المنطقية، ولكنه أيضا لا ~~يأخذ بالرأي المناقض تماما من قبيل الرأي الذي يأخذ به عالم الاجتماع ~~والأنثروبولوجيا الأمريكي ذو الأصول الروسية ألكسندر جولدنفايزر # A. Goldenweiser ~~(1880-1940م) الذي يرى تماثلا تاما أو ~~تطابقا بين الميول العلمية في العقلية البدائية والميول العلمية في العقلية ~~المعاصرة. والأدنى إلى الصواب موقف وسط نعتمده عبر هذه السطور ويأخذ به مالينوفسكي ~~وهو يؤكد فقط الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم في المجتمعات البدائية ... وبالتالي ~~في العهود السحيقة من الحضارة الإنسانية ثم تطورها عبر اتجاهات تطور الحضارة ~~الإنسانية. # وإذا اتفقنا على الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم التي تجعل العلم يمتد بجذوره ~~إلى العصور الحجرية فيوازي وجوده وجود الإنسان، أمكن ببساطة أن نتتبع سيرورة العلم ~~عبر الحضارات. # رابعا: العلم عبر الحضارات # كما اتفقنا، العلم شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية، ونبضه مؤشر دال على ~~حيوية الحضارة المعنية، والحضارة بدورها ليست مراحل منفصلة متمايزة بقدر ما هي ~~عملية متصلة وسيرورة متنامية، تسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى؛ لذلك فإذا غادرنا ~~تلك الأصول الأنثروبولوجية وجدنا حركية العلم خطا موازيا لحركة الحضارة عبر ~~التاريخ، وتقدمه هو عينه مسار تقدمها. كما أشار مؤرخ العلم جون برنال، بتوجهه ~~اليساري الذي يستدعي تفسيرا ماديا للتاريخ، في الأعم الأغلب يتفق ازدهار العلم ~~مع ازدهار الاقتصاد وتقدم التقانة «التكنولوجيا»، فتنتقل جميعها من بلد إلى بلد ومن ~~عصر إلى آخر. ms026 ومن وادي النيل ووادي الرافدين - مصر وبابل - انتقل العلم والتقانة ~~إلى الإغريق، ومن الإغريق رحلا إلى الإمبراطورية الإسلامية، ومن غربها الأندلسي ~~انتقلا إلى إيطاليا في عصر النهضة، ومن إيطاليا إلى فرنسا وهولندا، حتى حطا في ~~إنجلترا واسكتلندا إبان عصر الثورة الصناعية. وهذا هو نفسه مسار الازدهار الاقتصادي ~~والتجاري والصناعي. ويمكن ملاحظة أن هذا المسار واصل سيره ليصل إلى الولايات ~~المتحدة الأمريكية من ناحية، واليابان ومراكز عدة في شرق آسيا الناهض من الناحية ~~الأخرى، وكلها مراكز ازدهار صناعي وتقني وعلمي في نفس الوقت. # بداية، تخلق الأساس العريض والجذع المتين للعلم في الحضارات الشرقية القديمة، ~~خصوصا في منطقة الشرق الأوسط منذ ما قبل عام 4000ق.م حتى 6000ق.م، وعلى رأسها أعظم ~~الحضارات طرا وفجرها الناصع، أي الحضارة الفرعونية التي كانت المنشأ الأصيل ~~لمحاور شتى في العلم، بدءا من الرياضة والهندسة والفلك، مرورا بعلوم المعادن ~~والكيمياء وصولا إلى الطب والجراحة. علم الكيمياء بالذات لا يزال يحتفظ باسمه ~~المنسوب إلى اسم مصر، إلى «الكي /مي» # che-mi # أي ~~التربة السوداء؛ كناية أرض مصر الخصيبة، ومنذ أن أمر الإمبراطور دقلديانوس بحرق ~~الكتب الكيمية، أي المصرية، كتب العلم الذي يحيل المعادن ذهبا فيفتن الألباب. # 22 # على أن رجحان كفة الحضارة الفرعونية لا ينفي دور جيرانها الفينيقيين الذين فاقوها ~~براعة في ركوب البحار وبعض المعارف المتصلة بهذا، كانوا بحارة جسورين وتجارا على ~~اتصال مباشر بالبابليين. والحق أنه لا يضاهي الإنجاز المصري إلا إنجاز حضارات بلاد ~~الرافدين، خصوصا الحضارة البابلية. بعض مؤرخي العلم يرون الإنجاز البابلي في الفلك ~~والتقاويم متقدما على الإنجاز المصري، واتفق العلم المصري مع العلم البابلي في أنه ~~كان حكرا على طبقة الكهنة. # بصفة عامة، كان التقدم أكثر للحساب في بابل وللهندسة في مصر؛ لأن وادي الرافدين ~~يخلو تقريبا من الأحجار الصلبة، بينما مصر عامرة بالجبال والحجارة شديدة الصلابة، ~~والصلابة التي تحفظ الشكل ثابتا هي أساس جيد لتقدم الهندسة. وكان البابليون هم ~~الذين ابتكروا واستخدموا نظام الخانات العددية، ويرى بعض مؤرخي العلم أنهم هم الذين ~~ابتكروا رموز ms027 الأرقام، ثم انتقلت من العراق القديم إلى الهند القديمة، فوجب أن نزجي ~~الشكر لبابل على أهم ابتكار في تاريخ الرياضيات. # 23 # أما الهند وجارتها الصين، فهذه المنطقة في شرق آسيا مهد من مهود نشأة الحضارة ~~الإنسانية، وبالتالي ساهمت بنصيبها في هذه المرحلة الباكرة والأولية التمهيدية من ~~تاريخ العلم، حيث وعورة شق وتعبيد الطريق؛ ليكون الإبداع الأصيل، إن دور الصين كبير ~~في تاريخ الحضارة الإنسانية وفي الواقع المعاصر على السواء. لكن حتى أواخر العصور ~~الوسطى، كان العلم الصيني يسير في مسار مختلف ومستقل عن مسار الحضارتين الغربية ~~والعربية، فلم يعرفوا شيئا عن أرسطو وإقليدس وبطليموس، وبالتالي افتقر العلم ~~الصيني منذ بواكيره وحتى مشارف العصور الحديثة إلى المنطق البرهاني والرياضيات ~~الاستنباطية والأصول النظرية التي برع الإغريق في صياغتها، وكانت جميعها طوع بنان ~~العرب، وظلت الرياضيات الصينية دائما متعثرة مرتبكة يعتمد العد فيها على استخدام ~~العصي، ولم يعرفوا الترقيم العربي الهندي واستخدام الصفر ولا عرفوا شيئا عن حساب ~~المثلثات، على الرغم من أهميته في علم الفلك. وكما يقول توبي هف # T. E. Huff # عوضوا ذلك بتوظيف فلكيين عرب في بكين ~~منذ القرن الثالث عشر، وفي هذا التاريخ عرفوا لأول مرة الترقيم والنظام العشري ~~والصفر واستخداماته، خصوصا بعد مجيء المبشرين المسيحيين. وقد لحق التفكير النظري ~~في الطبيعة بوضعية الرياضيات. عرفت الصين بالتأكيد فكرا قانونيا، وعرفوا أيضا ~~تفكيرا في الطبيعة، ولكنهم لم يعرفوا علم الفيزياء. وكان نظام التعليم في الصين ~~يوطد هذا الوضع ويدعمه، فهو نظام أوتوقراطي يهدف إلى إعداد موظفين للحكومة المركزية البيروقراطية، # 24 # والحصول على الوظيفة هو الهدف الوحيد من العملية التعليمية، وهذا يقتضي ~~إتقان الإنسانيات والكلاسيكيات الخمس، أو التراث الصيني القديم، خصوصا منتخبات كونفوشيوس، # 25 # ومسائل أخرى إدارية وثقافية. وكل هذا لا علاقة له بالرياضيات ولا ~~بالتفكير العلمي في الطبيعة، فلم يكن ثمة بواعث لتعلمهما، فضلا عن البحث والإبداع ~~فيهما. # ولكن إذا كان هذا هو حال العلوم النظرية كالرياضيات والطبيعة، فإن الصين قد أسهمت ~~برصيد هائل في العلوم التطبيقية، ومنها الطب الصيني ms028 الشهير. والحق أنه يمكن اعتبار ~~التقانة «التكنولوجيا» الميكانيكية في أصلها ابتكارا صينيا، بخلاف ابتكارات أخرى ~~كثيرة كالساعة المائية والورق والبارود ... لذلك فإن جوزيف نيدهام، هذا العالم الذي ~~ترك معمله ليكشف عن دور الصين في تاريخ العلم وتاريخ الحضارة وخرج بإنجازات كبيرة ~~وفاصلة في هذا الصدد تمثلت في موسوعة ضخمة من سبعة أجزاء عن تاريخ العلم والحضارة ~~في الصين، أعدها نيدهام للنشر، ثم قام بتلخيصها # 26 # يقول جوزيف نيدهام: «إن العلم الصيني شبه تجريبي # quasi-empirical # وتطبيقي في جملته؛ لذا كانت ~~الجوانب النظرية فيه أقل تقدما. وفي غضون القرنين الأول والثاني الميلاديين كانت ~~الصين قد بلغت قمة من قمم التقدم العلمي والتقاني عبر التاريخ؛ لذلك فإنه من ~~الناحية التقانية بالذات، يحق اعتبار الصين غاية وذروة الحضارات الشرقية ~~القديمة.» # ومهما قيل عن ارتباط العلم في الحضارات الشرقية القديمة بالاحتياجات العملية، ~~فإنه لم ينفصل أبدا عن الإطار المعرفي والبنية التصورية. والحق أن هذا الانفصال ~~يكاد يكون مستحيلا؛ لأن العلم أولا وقبل كل شيء نشاط معرفي. وعلى سبيل المثال ~~ارتبطت معارفهم الأولية لمواقع الكواكب وحركتها بمعايير ضبط الحياة اليومية، وبنفس ~~القدر لم تنفصل عن التأمل النظري في عناية القوى العلوية؛ لأن الوجدان الشرقي وثيق ~~الصلة بالألوهية، وأوضح راشكوفسكي في كتابه «نظرية العلم والشرق، 1980» بمزيد من ~~التفصيل أن كوزمولوجيا العهد القديم ترجع إلى أساطير ما بين النهرين، ويمكن عن طريق ~~هذا تتبع الصلة بين الميثولوجيا، أي الأساطير التي مثلت إطارهم المعرفي وبين عناصر ~~العلم في هذه الحضارات؛ ليظل العلم في كل حال خير شاهد على حركية العقل البشري عبر ~~الحضارات. # ولأن الجزر الإغريقية تتميز بقربها وتوسطها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات ~~الشرقية الأسبق، فقد استوعبت ميراثها وواصلت المسير لتمثل المرحلة التالية في قصة ~~العلم المناظرة لقصة الحضارة، وكان الفضل العظيم للإغريق في صياغة الأصول النظرية ~~العقلانية للعلم، فضلا عن الفروض الخصيبة التي طرحها بعضهم خصوصا القبل سقراطيين، ~~وكما هو معروف، بلغت حصافة الأصول النظرية مع الإغريق حدا، فتح الباب أمام نزعات ~~الاستعلاء الغربي للزعم بأن العلم بدأ ms029 مع الإغريق من نقطة الصفر المطلق بإهدار تام ~~لدور الحضارات الشرقية القديمة، # 27 # وعبر فجوة باهتة مظلمة هي العصور الوسطى قام فيها العرب بدور ساعي ~~البريد أو حافظ الأمانة الذي أدخل عليها بعض التجديدات، انتقل العلم من الإغريق إلى ~~أحفادهم وورثتهم الشرعيين في غرب أوروبا، هكذا تبدو قصة العلم من ألفها إلى يائها ~~قصة غربية خالصة! # لقد كان الإغريق أول قوم في أوروبا يخرجون من الوضع القبلي البدائي، ويصنعون ~~مدنية وثقافة متنامية، قبل الميلاد بستة قرون. إنهم بداية الحضارة الأوروبية التي ~~تطورت عبر التاريخ حتى بلغت مرحلة المد الاستعماري، فلم يتوان مفكرون غربيون في ~~تسويغه، حتى شكلوا فيلقا في الجيوش الاستعمارية، بزعم أن الغرب هو صانع الحضارة ~~ابتداء وأبدا، فيغدو السؤدد الحضاري والسيطرة على العالمين نصيب الغرب المشروع ~~ومكانه الطبيعي، وكان السبيل لهذا هو الإسراف في تمجيد ما أسموه المعجزة الإغريقية، ~~وإهدار ميراث الحضارات الشرقية القديمة الأسبق منها، والتي أصبحت مستعمرة. وبينما ~~الحضارة اختراع مصري خالص، أنجزه الفراعنة - قبل الإغريق بألفي عام - ليكون الفجر ~~الناصع ونقطة البدء الحقيقية، راحوا يزعمون أن هذا قد انزوى، والإغريق هم نقطة بدء ~~الحضارة الإنسانية بجملتها، وليس الأوروبية فقط، فالعلم بدأ مع الإغريق، كما بدأت ~~الفلسفة مع طاليس، وبدأت الرياضة مع فيثاغورث، والميثولوجيا «الأساطير» مع هوميروس، ~~والمسرح مع يوربيديس وأسخيلوس، وبدأت الديمقراطية في أثينا ... إلخ ... إلخ ... فيبدو ~~الغرب هو الفاعل الوحيد لكل فعل حضاري، المالك الوحيد لكل غنيمة حضارية، صاحب الحق ~~في تصريف شئون الحضارة البشرية وفقا لمصالحه. إذن الاستعمار والهيمنة على العالمين ~~نصيب الغرب المشروع، ولأن العلم فارس الحلبة في الحضارة الحديثة فإنه يستأثر بنصيب ~~الأسد من هذه الملحمة الزائفة التي تؤكد نقطة البدء مع الإغريق؛ تجسيدا لما أشرنا ~~إليه سابقا من تشويه أيديولوجي، وقد انصب على تاريخ العلم. # وأجج من هذا ضعف الحصيلة المعرفية عن العلم القديم وما كان شائعا من خفوت الوعي ~~بتاريخ العلم، ومع انطلاقة الوعي التاريخي وتنامي الدراسات في تاريخ العلم، تراجع ~~ذلك الزعم وبدأ الإدراك الواضح لدور كل الحضارات ms030 بفضل جهود جورج سارتون وجوزيف ~~نيدهام وأمثالهما، هذا بخلاف المحاولات الدءوبة التي مرت علينا، محاولة أن تتبع ~~حركة العلم حتى الأصول الأنثروبولوجية، والمحصلة أن تتكامل قصة العلم عبر الحضارات، ~~فيما يعد ظفرا معرفيا كبيرا. # وبهذا الطرح الموضوعي المتكامل يبدو العلم الإغريقي مرحلة تالية لمرحلة الحضارات ~~الشرقية القديمة، مستفيدة منها ومواصلة لمسارها. بدأت في أيونيا ببلاد اليونان ~~وليس في أي مكان آخر من أوروبا، لقربها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية ~~الأسبق منها، مصر وفينيقيا وبابل، فكانت تمثلا واستيعابا لميراثها، ثم تطورا ~~لها. وكما يقول هال: اختلف العلم الأيوني عن العلم المصري القديم في أنه افتقر إلى ~~أساس من الملاحظات التجريبية، وإذا عد طاليس - أول الفلاسفة الإغريق - من الحكماء ~~السبعة؛ لأنه استطاع التنبؤ بكسوف الشمس، فقد فعل هذا على أساس الوثائق البابلية ~~التي استطاع الاطلاع عليها. وعلى أية حال فإن التطور الجوهري العظيم حقا الذي ~~أنجزه الإغريق يتمثل في بلورة مثل البحث العلمي وإرساء أسسه العقلانية. بصفة عامة ~~انحسرت المباحث التجريبية وتمركزت إنجازات الإغريق العظمى في العقل النظري والعلوم ~~الاستنباطية، أي في المنطق والرياضيات؛ هذا لأنهم دأبوا على تمجيد النظر وتحقير ~~العمل حتى جاهر أرسطو بأن العبيد مجرد آلات حية لخدمة السادة الأحرار المتفرغين ~~لممارسة فضيلتي التأمل والصداقة! لقد كان العلم الإغريقي هو المقابل الصريح للعلم ~~الصيني، فبينما اهتم هذا الأخير بالجوانب التطبيقية والتقانية «التكنولوجية» وأغفل ~~الجوانب النظرية والاستنباطية، فعل العلم الإغريقي العكس تماما. والواقع أن النمو ~~الحضاري الصحي الواعد يأتي بتكامل الجانبين: العلم والتقانة، والمنهج العلمي ذاته ~~يقوم على دعامتين؛ هما الفرض والتجربة، أو النظرية والملاحظة. # لذا ففي أعقاب المرحلة الإغريقية - الهلينية الخالصة - شهدت الجوانب النظرية ~~والجوانب التطبيقية، أي العلم والتقانة على السواء فترة توهج وتألق فذة في العصر ~~السكندري، حيث انصهرت العقلانية الإغريقية مع الحكمة والخبرة المصريتين الخصيبتين. ~~وإذا كانت الإسكندرية قد ورثت عرش أثينا كمركز للعقل والمعرفة، فإن العلم في أثينا ~~غير جدير بالمقارنة مع العلم في الإسكندرية، وحتى الرياضيات مجد أثينا العظيم قطعت ~~في الإسكندرية خطى تقدمية واسعة، ms031 وأحرزت على يد إقليدس كمالا لا يزال مثالا ~~يحتذى، ثم استئناف مسيرته بهندسة المجسمات والقطوع المخروطية مع هيبسكليس ~~وأبولونيوس ومينا يخوموس وأريستا يوس # 28 ~~... وارتبط بهذا تقدم في الفلك، فقدمت الإسكندرية نظريتين معالجتين ~~رياضيا؛ الأولى لأرسطارخوس الساموسي على أساس من مركزية الشمس، والثانية لبطليموس ~~على أساس من مركزية الأرض. ولأسباب كثيرة لا معرفية بل حضارية، أو بمصطلحات فلسفة ~~العلم لأسباب نجدها في النظرة إلى العلم من الخارج وليس من الداخل، قدرت لمركزية ~~الأرض السيادة طوال العصور الوسطى. # ونالت علوم الحياة أيضا حظا عظيما من العناية في مكتبة الإسكندرية ومتحفها، ~~والذي لم يكن متحفا بالمفهوم الحديث، بل هو بهذا المفهوم أول جامعة في العالم. لقد ~~جاهر جاليليو - أعظم آباء العلم الحديث - بأن إنجازاته ما كانت لتتاح دون إنجازات ~~أرشميدس في ذلك العصر الزاخر، فهو الذي علمه التآزر الخصيب الولود بين الرياضيات ~~ووقائع التجريب، وهذا التآزر هو مجمر توقد الفيزياء الحديثة. على الإجمال، يعد ~~مؤرخو العلم المرحلة السكندرية من أهم مراحل تاريخ العلم، حتى يراها بعضهم تقف على ~~قدم المساواة مع مرحلة الثورة العلمية الحديثة في القرن السادس عشر. # ومعلوم جيدا دور العلماء العرب في حمل لواء المنهج العلمي ومواصلة مسيرة البحث ~~التجريبي في العصور الوسطى، التي كانت مظلمة في أوروبا وشهدت انحسار الحركة العلمية ~~عنها. وكما قال برتراند رسل (1872-1970م): «في العصور الوسطى المظلمة كان العرب هم ~~الذين يقومون بمهمة تنفيذ التقاليد العلمية، أما المسيحيون أمثال روجرز بيكن، فقد ~~اكتسبوا منهم إلى حد بعيد ما اكتسبوه من معرفة علمية حازتها العصور الوسطى اللاحقة.» # 29 # لقد ترامت إمبراطوريتهم الناهضة وضمت مراكز الحضارات الأسبق في مصر والعراق ~~والشام وفارس وجيرانها الآسيويين، وحتى الصين التي لم يفتحها العرب ولم يطئها جندي ~~مسلم واحد، تكفلت طرق الحرير والقوافل التجارية بنقل تراثها التقاني الزاخر إلى ~~العرب. وأصبح في متناول أيديهم كل التراث العلمي السابق عليهم تقريبا، في الحضارات ~~الشرقية القديمة والتراث الإغريقي والسكندري؛ ليتفاعل مع تفتحهم الذهني وتسامحهم ~~العقلي وعوامل شتى في حضارتهم التي كانت دافقة، ms032 وعبقرياتها من ذوي الملل والأجناس ~~الشتى، فتشكلت أهم مراحل العلم القديم وغايته وقمته بإبداعاتهم الرائعة في شتى فروع ~~العلم. # يقول ج. كراوثر: «كان من الطبيعي بعد أن اطمأنوا إلى قوتهم العسكرية ومعتقداتهم ~~الإيمانية أن يتجهوا لتشييد المدن الرائعة ودراسة ثقافة الحضارات التي دانت لهم. ~~وكان العرب المسلمون أمة جديدة بلا معرفة أو تراث سابق، فقرءوا التراث الفكري ~~للقدماء بعقول متفتحة بلا خلفيات تعوقهم؛ ولذلك وقفت الثقافات الإغريقية واللاتينية ~~والهندية والصينية جميعا بالنسبة لهم على قدم المساواة. وكان من نتائج هذه العقلية ~~المتعطشة للمعرفة عند المسلمين أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم ~~العالمية في المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية، وهي إحدى السمات بالغة الأهمية ~~بالنسبة للعلم الحديث.» # 30 # وكما لاحظ هال، فإن العرب في هذا التفتح الواعد لم يرتدوا عن إيمانهم ~~بالله أو تهاونوا في أخذ الدين مأخذ الجد، بيد أن تعصبهم انحسر وتنامى إحساسهم ~~بمغزى التناسب، فشرعوا في تفهم واستيعاب فضائل النزعة الإنسانية. # 31 # ومن هنا انطلقت مرحلة هامة من مراحل الحضارة ومن مراحل العلم على السواء، تميز ~~العلم فيها عن العلم الغربي الحديث في أن هذا الأخير انفصل انفصالا بائنا عن ~~القيم والأخلاق، أما العلم العربي في الحضارة الإسلامية فقد تأتى في إطار توجههم ~~الأخلاقي المثالي العام. وبينما انطلق العلم الحديث من صراع دام مرير مع ~~الأيديولوجيا السائدة في أوروبا، فإن العلم العربي انطلق من داخل إطار الأيديولوجيا ~~الحاكمة وبرعايتها. إن تمويل الخلفاء السخي للترجمة والبحث العلمي مسألة مذكورة ~~ومشهورة، بيد أن هذا لا ينفي أبدا تجذر العلم في التربة العربية. # وتظل الرياضيات أعلى مدارج العقل العلمي وأرقى أشكال التفكير المنطقي المنظم ~~والمدخل الحق للطرح العلمي، وقد لعب العرب دورا كبيرا في تاريخ الرياضيات ومسارات ~~تطورها، وعلى مفترق الطرق بين الحساب والجبر وبين الجبر والهندسة؛ لذلك يجمل بنا أن ~~نتوقف هنيهة إزاء الرياضيات العربية، خصوصا وأنها تبلور إلى أي حد كان العلم ~~العربي استيعابا وتمثلا لروافد العلم القديم الشرقية والأوروبية على السواء، أو ~~الهندية والإغريقية، ثم دفعا لمسيرة التقدم ms033 العلمي، وإلى الدرجة التي تضع ~~الرياضيات العربية على مفترق الطرق كما ذكرنا. # وبصفة عامة أخذ العرب بتصنيف الإغريق للمباحث الرياضية، فانقسمت الرياضيات ~~العربية إلى أربعة علوم أساسية هي: الحساب والهندسة والفلك «علم الهيئة» والموسيقى، ~~وتتفرع فروعا عدة. ويعد الجبر - إنجاز الرياضيات العربية الأعظم - امتدادا أو ~~فرعا للحساب. # لم يكن للعرب قبل الإسلام باع في العلوم الرياضية، الرياضة ليست كالشعر، بل هي ~~كالفلسفة، أي نتيجة مباشرة لمعلول مستحدث هو الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها ~~الإسلام، ثم تعاظمت بفعل عوامل عديدة سوف نشير إليها، فسارت الرياضيات في الحضارة ~~الإسلامية بالمرحلتين التاريخيتين اللتين مرت بهما الإنجازات المستحدثة للعقلانية ~~العربية، أي مرحلة الترجمة والنقل، ثم مرحلة الإسهام والإبداع. # بدأت المرحلة الأولى حين أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بترجمة ~~«السدهانات»، أي «مقالة الأفلاك» التي عرفها العرب باسم «السندهند»، وهي أكبر ~~موسوعة هندية في الحساب والفلك والتنجيم، ومن وضع براهما جويت، وتتألف من جزأين، ~~أحدهما عن الأزياج، أي سير الكواكب التي نستخرج منها جداول التقاويم، والآخر عن ~~الوسائل الحسابية لهذه الجداول والتي فتحت أمام العرب آفاق الحساب وحساب المثلثات، ~~وقد حملها إلى بغداد عام 153ه/770م العالم الهندي كنكه، فترجمها إلى العربية يعقوب ~~بن طارق (ت796م)، وإبراهيم بن حبيب الفزاري المنجم (ت777م). كانت «السدهانات»، أو ~~«السندهند» فاتحة الاتصال بالرياضيات الهندية، التي كانت بدورها العلة المباشرة ~~لنشأة الرياضيات العربية، تنامت فيما بعد عن طريق الاتصال المباشر بالحضارة ~~الهندية، خصوصا على يد اثنين من أكبر الرياضيين العرب؛ هما الخوارزمي والبيروني، ~~كلاهما أتقن اللغة السنسكريتية وزار الهند. # لكن لم تشف «السندهند» غليل العقلية العربية الناهضة المتشوقة آنذاك، فأمر جعفر ~~البرمكي بترجمة كتاب «إقليدس» ليكون أول ما ترجم من كتب اليونان، وأيضا البوابة ~~العظمى التي دخل منها العقل العربي الإسلامي إلى عالم الهندسة، ويبدأ عصر ازدهار ~~الرياضيات العربية. # فقد اهتم الإسلاميون بالرياضيات أكثر من اهتمامهم بسواها من مباحث العلوم ~~العقلية، وانشغلوا بموقعها في النسق المعرفي. وضعها الكندي - أول الفلاسفة ~~الإسلاميين - كمدخل للعلوم، فتسبقها جميعا، حتى المنطق ذاته يأتي بعد الرياضيات، ms034 ~~وجعلها جسرا للفلسفة، وللكندي رسالة في أنه «لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات»، وله ~~من الكتب والرسائل أحد عشر في الحساب، وثلاثة وعشرون في الهندسة، فضلا عن تسعة عشر ~~في النجوم. # وإذا كان ابن سينا - الشيخ الرئيس - يضع المنطق في المدخل ثم الطبيعيات وبعدها ~~تأتي الرياضيات، وأخيرا الإلهيات، فهذا يعكس مسار العقل وتدرج خطاه، فقد اهتم ~~بالرياضيات أكثر من الكندي، وصنف علومها إلى علوم الرياضة الرئيسية؛ وهي العدد ~~والهندسة والهيئة «الفلك» والموسيقى، ويتشعب عنها علوم الرياضة الفرعية، فعن العدد ~~يتفرع الجمع والتفريق والحساب الهندي وعلم الجبر والمقابلة، وعن الهندسة يتفرع علم ~~المساحة وعلم الحيل المتحركة وعلم جر الأثقال، وعلم الأوزان والموازين، وعلم الآلات ~~الجزئية، وعلم المناظر والمرايا، وعلم نقل المياه، أما علم الهيئة فيتفرع عنه علم ~~الأزياج والتقاويم، ومن فروع علم الموسيقى اتخاذ الآلات الغريبة. # وفي كل حال سلم التراث الإسلامي بالعلوم الرياضية بوصفها مبرهنات يقينية لا بد ~~أن تحتل موقعها بدقة في بنية العقل، وحتى الإمام الغزالي حين صب جام غضبه على ~~العقلانية وعلوم العقل، استثنى الرياضيات، وقال: إن أعظم جناية على الإسلام الظن ~~بأنه ينكر الرياضيات، فظلت الرياضيات دائما لا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها - ~~بتعبير الغزالي. # على أية حال، أدى اهتمام الإسلاميين بالرياضيات وإعلاء شأنها إلى تناميها على ~~أيديهم تناميا يصعب تفسيره فقط بهذه النظرة الداخلية للنسق المعرفي، فثمة عوامل ~~خارجية في الحضارة الإسلامية دفعت إلى هذا، منها اهتمام العرب وأسلافهم العتيق ~~بالتجارة وحساب الأنصبة والأرباح في البضائع والبيوع، وكمثال على مشاكل التجارة ~~العربية التي احتاجت في حلها إلى عقلية رياضية متطورة: تناقص قيمة الجارية كلما ~~تقدمت في العمر وحساب ثمنها، ثم نظام المواريث الإسلامي المعقد، وأيضا تعاظم جحافل ~~الجيوش الجرارة وتوزيع رواتبها وغنائمها وحساب نفقاتها، ثم الرخاء الاقتصادي ~~والتراكم المالي الذي تلى تكوين الإمبراطورية الإسلامية، ومشاكل حساب أنظمة الجزية ~~والخراج والضرائب والزكاة، هذا فضلا عن مشاكل عمليات المساحة وتقسيم الأراضي ~~وتشييد المدن. # أما عن الفلك أو الهيئة فسنجد تحديد مواقيت الصلاة والشعائر والأعياد الدينية ~~تدفع الإسلاميين إلى ms035 اهتمام مكثف بالفلك، خصوصا وأن البيئة الصحراوية دفعتهم إلى ~~الاعتماد على التقويم القمري بصعوباته في تحديد التواريخ سلفا، وفي الوقت نفسه ~~اهتموا بالتقويم الشمسي في الأمصار الزراعية التي دانت لهم من أجل تحديد أوقات ~~جباية الجزية والضرائب والزكاة وفقا لمواسم الحصاد، والمحصلة أن استطاع العرب ~~تطوير علم حساب المثلثات، وتصنيع آلات فلكية لتعيين المواقيت والاتجاهات، وكانت من ~~أدوات اكتشاف الأمريكتين وإثبات كروية الأرض. # وتظل المأثرة الكبرى للرياضيات هي تأسيس علم الجبر الذي يحتفظ حتى الآن باسمه ~~العربي في كل اللغات الأوروبية، منذ أن ترجم روبرت أوف شستر في عام 1245 «الكتاب ~~المختصر في الجبر والمقابلة» الذي وضعه محمد بن موسى الخوارزمي، فيما بين عامي ~~813-833م، أي في عهد الخليفة المأمون، وهنا ظهرت لأول مرة في التاريخ كلمة «جبر»، ~~وهي تدل على علم تأكدت استقلاليته وتطورت مفرداته وأدواته، أجل. تباشير الجبر كائنة ~~منذ الحضارات البابلية والهندية القديمة وعند الإغريق، وأهمها كتاب «المسائل ~~العددية» لديوفانطس السكندري، لكن جميعها كانت مجرد إرهاصات مشوبة بقصورات جمة، أما ~~«الجبر والمقابلة» فيلقي أسس العلم بصورة ناضجة قابلة للنماء. أطلق الخوارزمي على ~~الكمية المجهولة اسم «الجذر» إشارة إلى جذر النبات الذي عادة ما يكون مختفيا تحت ~~الأرض، وأطلق على مربع الجذر اسم «المال»، انطوى جبر الخوارزمي على جدة حقيقية ~~وإبداع أصيل في المنهج لا يتعلق بأي تقليد حسابي سابق عليه لا شرقي ولا غربي، فقطع ~~شوطا يفصله كثيرا عن ديوفانطس. # شهد الجبر في الحضارة الإسلامية قفزة تالية مع عمر الخيام الذي وضع قواعد لحل ~~ثلاث فئات من معادلات الدرجة الثالثة وفئة من معادلات الدرجة الرابعة. لقد تدافعت ~~أفواج الرياضيين العرب منذ القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري، فقد ظهر «كتاب ~~الجبر والمقابلة» في نفس وقت ظهور ترجمة كتاب «الأصول لإقليدس» الصرح الأعظم ~~للهندسة، وقد كان يظن أن الله خلق العالم بموجبها، وأنه لا هندسة سواها، ونقلت ~~أوروبا الأصول على يد إدلارد الباثي الذي تعلم العربية ودرس في قرطبة - مركز ~~العلم العربي في الأندلس - وترجم «أصول إقليدس» حوالي عام 1120م ms036 من العربية إلى ~~اللاتينية، وظلت هذه الترجمة تدرس في مدارس أوروبا حتى عام 1583م حين تم اكتشاف ~~الأصل اليوناني. # كان الحجاج بن يوسف قد ترجم بعض كتب الأصول لإقليدس من اللغة السريانية إلى ~~العربية. وعلى مدار عهدي هارون الرشيد والمأمون وما تلاهما عمل على ترجمة أجزاء ~~كتاب الأصول ومراجعة الترجمات وتنقيحها كوكبة من ألمع المترجمين الرياضيين. وفتح ~~الأصول شهية العرب للرياضيات الإغريقية، خصوصا في عصرها الذهبي - العصر السكندري - ~~فتوالت دفعة واحدة ترجمة العديد الجم من أمهات هذا التراث، ولعل أهمها كتاب ~~أبلونيوس «القطوع المخروطية» الذي ترجم إلى العربية في عصر المأمون تحت اسم ~~«المخروطات»؛ ولأن أصول إقليدس معنية بهندسة المسطحات، فإن اقتحام عالم المجسمات ~~والقطوع المخروطية كان مرحلة جديدة ارتقى إليها العقل الهندسي في الحضارة الإسلامية ~~وأسدى إليها وأبدع فيها. # وكشأن «الأصول» نجد كوكبة من المترجمين الرياضيين في الحضارة الإسلامية ومن أجيال ~~متعاقبة توالت على ترجمة كتاب «المخروطات» لأبلونيوس ومراجعة الترجمات وتنقيحها، ~~وأيضا كشأن «الأصول» قل أن يمر رياضي عربي بغير أن يصنف رسالة في «المخروطات»، ~~والجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد ضاع ولم يبق للبشرية وللنهضة الأوروبية الحديثة ~~إلا الترجمة العربية، انتقلت إلى أوروبا واستفاد منها يوهانس كبلر عام 1609م وطبقها ~~في الميكانيكا السماوية التي أحرزت معه خطوة تقدمية هائلة. # وبطبيعة الحال، الرياضيات في الحضارة الإسلامية إبان عصرها الذهبي كانت أوسع ~~مجالا، لكننا تخيرنا منطلقا محوريا على مفترق الطرق بين الحساب والجبر، وبين ~~الجبر والهندسة؛ ليتبدى الدور المحوري الذي قامت به الرياضيات العربية؛ أما على ~~مفترق الطرق بين الحساب والجبر، فقد كانت نشأة علم الجبر وتأسيسه تأسيسا، أما عن ~~دورها بين الجبر والهندسة فيتمثل في أنها صانت للبشرية هذا السفر الثمين «القطوع ~~المخروطية لأبلونيوس»، والذي يقف كعامل جوهري لنشأة الهندسة التحليلية في القرن ~~السابع عشر مع فرما وديكارت. # حقا إن الهندسة التحليلية تقدم طرقا أعمق وأسهل من طريقة أبلونيوس، وتوضح وحدة ~~القطوع المخروطية بطريقة أبسط؛ إذ تمثلها بمعادلات من الدرجة الثانية بمجهولين، فلا ~~يعد كتاب أبلونيوس أو شروحه من ms037 لدن نصير الدين الطوسي وإبراهيم بن سنان والحسن بن ~~الهيثم مجديا في الوقت الحاضر. # بيد أن هذا الكتاب شأنه شأن مجمل إسهامات العرب الرياضية في عهدهم الذهبي إبان ~~العصر الوسيط، له دور خطير في تاريخ الرياضيات وتطور مساراتها. # ولم تكن الثقافة «التكنولوجيا» أقل شأنا، وليس أدل على تجلي روح التقانة العلمية ~~في الحضارة العربية من أن ابن سينا كما رأينا أوضح أن علم الهندسة يتفرع عنه علم ~~المساحة، وعلم الحيل المتحركة، وعلم جر الأثقال، وعلم الأوزان والموازين، وعلم ~~الآلات الجزئية، وعلم المناظر والمرايا، وعلم نقل المياه. وكما أشار برتراند رسل، ~~كان العلم العربي أكثر انكبابا على البحوث التجريبية ولم يعن كثيرا بصياغة ~~النظريات العلمية العامة أو البحتة، أي إن العلماء العرب كانوا تجريبيين أكثر مما ~~ينبغي. وفي سياق البحوث التجريبية تواترت الإنجازات المعروفة للعلم العربي لا سيما ~~في الطب والجراحة والصيدلة والنبات، أما الكيمياء أو السيمياء فإن كثيرين من مؤرخي ~~العلم القديم حذوا حذو ابن خلدون وأسموا الكيمياء «علم جابر»، وقد كان جابر بن حيان ~~- في القرن الثاني الهجري - في طليعة الرواد العظام للعلماء العرب التجريبيين، وقد ~~أسماهم علماء الكلام «الطبائعيين»؛ لأنهم يبحثون في طبائع الطبيعة، وجابر بن حيان ~~هو الإمام الأكبر الذي خرجت من أعطافه كل كيمياء العرب وكل كيمياء العصور الوسطى ~~حتى قال برتيلو: إن جابر له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق، أي إنه أسسها ~~تأسيسا، وعلم العلماء العمل في قلب المعمل والعزوف عن التأمل النظري الخالص حين ~~البحث في العلوم الطبيعية. # وأخيرا ما دمنا معنيين بتاريخ العلم يجمل أن نشير إلى سبق العرب في هذا أيضا، ~~فكما أشار مؤرخ العلم جان دومبريه «وجدت تواريخ علوم كثيرة قيمة في الكتابات ~~العربية الحريصة كل الحرص على تتبع الأنساب وإثباتها.» # 32 # ولعل أشهر الآثار في هذا «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي ~~أصيبعة، و«إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطي، و«معجم الأدباء» لياقوت الحموي، ~~الذي ضم بين دفتيه أعلام العرب في مجالات علمية خالصة. # ويلقى تاريخ العلوم عند العرب الآن ms038 ما يستحقه منا من اهتمام كبير، إنه يشغل مساحة ~~تاريخية تمتد من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، وهو في ~~الواقع يملأ كل الفراغ الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر في ~~العصر البطلمي، إبان القرن الأول الميلادي، حتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر ~~النهضة. # بيد أن القيمة الخطيرة والماثلة لتاريخ العلم عند العرب تتمثل في أنه - ببساطة ~~المقدمة المفضية منطقيا وتاريخيا إلى مرحلة العلم الحديث، وتفصيل هذا أمر طويل ~~عريض؛ لذلك نكتفي باللفتة النافذة التي أسرف توبي هف في التعويل عليها وتأكيدها وهو ~~يحاول تفسير بزوغ فجر العلم الحديث، إنها اللفتة الخاصة بمرصد «مراغة» الواقعة الآن ~~في حدود إيران، حيث استطاع العاملون فيه، خصوصا إبان القرنين الثالث عشر والرابع ~~عشر، التوصل إلى ابتكار أول نظام فلكي غير بطلمي، ومن هؤلاء العاملين في مراغة ~~الأزدي المتوفى عام 1261م، والطوسي المتوفى عام 1279م، وقطب الدين الشيرازي المتوفى ~~عام 1279م، وأهمهم جميعا ابن الشاطر المتوفى عام 1375م. ويؤكد توبي هف تأكيدا ~~مشددا على أن ابن الشاطر بالذات هو الذي مهد لكوبرنيقوس، وعلى تفاصيل التناظر بين ~~نماذج هذا الأخير ونماذج مرصد مراغة ، بحيث إن السؤال الذي بحثه نفر من مؤرخي العلم ~~الحديث ليس عما إذا كان، وإنما متى وأين تعلم كوبرنيقوس نظرية مراغة؟ يقول توبي ~~هف: # وشد ما هو ذو دلالة خطيرة فعلا، أن العلماء العرب المسلمين هم الذين مهدوا ~~الطريق المفضي إلى الثورة العلمية في أوروبا، لقد عمل العرب على تطوير ومناقشة ~~جوانب عديدة للمنهج التجريبي، وتخطيط كيفية التسلح بها، ليس هذا فحسب، بل أيضا ~~طوروا الأدوات الضرورية للوصول إلى أرقى مستويات الفلك الرياضي، علاوة على هذا، فإن ~~العمل الذي اضطلع به مرصد مراغة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، قد بلغ ذروته ~~في عمل ابن الشاطر (المتوفى عام 1375م)، وتمخض عن تطوير نماذج كوكبية جديدة للكون، ~~كثيرا ما توصف بأنها باكورة النماذج اللابطليمية على طول الطريق المفضي إلى العلم ~~الحديث. وفضلا عن هذا، فإن تلك ms039 النماذج الكوكبية هي ما اتخذه كوبرنيقوس فيما بعد، ~~لم يكن ينقصها العامل الرياضي، أو أية عوامل علمية أخرى، العامل الوحيد المفتقد في ~~هذه النماذج هو أن ترسو على فرض مركزية الشمس، وكان الفشل في الإقدام على هذه ~~الوثبة الميتافيزيقية من كون مركزه الأرض إلى كون مركزه الشمس هي التي حالت بين ~~العرب وبين إحداث النقلة من العالم المغلق إلى الكون المفتوح. # 33 # وكان كوبرنيقوس هو الذي أقدم على هذه الوثبة، فكانت بداية حركة العلم الحديث بفضل ~~يعود إلى تاريخ العلوم عند العرب على العموم، ومرصد مراغة على الخصوص. # بيد أن النقلة المحورية من العلم القديم إلى العلم الحديث، والتي قدر لها أن ~~تتخذ من الحضارة الأوروبية مسرحا، إنما هي مسألة تحتاج - بلا شك - إلى مزيد من ~~التوضيح والتفصيل. # خامسا: من العلم القديم إلى العلم الحديث # في ذلك الطريق الطويل العريض، والذي امتد حتى نهايات العصور الوسطى، قطع العلم ~~القديم شوطا كبيرا لا يستهان به البتة، لا شك أنه كان الخلفية العريضة والمقدمة ~~الضرورية لكي ينبثق عنها عملاق العلم الحديث في العصر الحديث؛ ليصنع العالم الحديث ~~للإنسان الحديث. ومهما صادرنا على الأهمية الكبرى والمحورية للعلم القديم وأوليناه ~~ما يستحقه من عناية، فلا بد من الاعتراف بأن العلم الحديث لم يكن مجرد بوابة كبرى ~~انفتحت لتنطلق منها ظاهرة العلم انطلاقة عظمى ويتسارع تقدمها بمعدلات لا عهد للبشر ~~بها من قبل، بل كان العلم الحديث أيضا، من زاوية العقل ومن زاوية الواقع على ~~السواء، مستوى جديدا ومغايرا من مستويات وجود الإنسان في هذا الكون. # لقد سار العلم القديم بمعدلات تقدم متباطئة للغاية، خصوصا إذا قورنت بالوضع في ~~العلم الحديث؛ لأن البحث العلمي ذاته كان نشاطا مشتتا مبعثرا، ملحقا ~~بالاحتياجات العملية المباشرة في العهود السحيقة، ثم بالكهنوت في الحضارات القديمة، ~~وبالفلسفة في الحضارة الإغريقية، وبالإطار الديني في حضارات العصر الوسيط، وحتى ~~الحضارة الإسلامية التي رأيناها تحمل لواء البحث العلمي آنذاك، لا يمكن فهم الحركة ~~العلمية فيها بصرف النظر عن توجهها نحو الإلهيات والذي صنع ms040 الملامح الخاصة ~~للطبيعيات الإسلامية في العصر الوسيط، فلا هي انساقت مع مادية القبل سقراطيين ~~المتطرفة ولا مع مادية أرسطو المعدلة، إلى آخر المدى، وعلى الرغم من استفادتها من ~~الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينية، أيضا لم تتسق معها إلى آخر المدى، فهذه ~~فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود الموضوعي، وهذا ما لا يمكن أن تفعله ~~الفلسفة الإسلامية، قد تحرمه من استقلاله أما وجوده الموضوعي فكلا؛ لأن العالم ~~الطبيعي فعلا متعينا للقدرة الإلهية ودليلا ماثلا عليها، مما يوضح أن العرب ~~مهما أسرفوا في استغلال وتسخير التراث اليوناني، فقد كان هذا في إطار ثوابتهم ~~الحضارية وتصوراتهم المتجهة نحو الإلهيات. # فكان التراث العربي الإسلامي تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، ~~استوعب ذينك الطرفين - المادية والمثالية - وتجاوزهما إلى مركب جدلي # 34 # أشمل، لم يكن محض انتقاء بينهما أو توفيقا مع الشريعة، بل كان خطوة في ~~طريق تطور الفكر الطبيعي ... أدت فيما بعد إلى العلم الحديث. وقد عرفت الحضارة ~~الإسلامية كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي وتوجهها اللاهوتي. # 35 # والخلاصة أنه بالنسبة للعلم القديم كان الإطار الثقافي يحتويه بصورة ضمنية، ولم ~~يكن مؤسسة مستقلة بذاتها، مستقلة بمناهجها ونواميسها وشرائعها ورجالاتها، فندر أن ~~يوجد العالم المتخصص المتكرس لأبحاثه العلمية، ويصدق هذا حتى على الحضارة الإسلامية ~~التي رأيناها تحتل قمة العلم القديم، ومن أعظم رجالاتها أبو الريحان البيروني ~~(362-440ه/973-1048م) الذي قال عنه المستشرق الألماني إدوارد ساخاو: إنه أعظم عقلية ~~علمية عرفتها العصور الوسطى، ويحق لنا اعتباره أعلى مد بلغته العقلية العلمية ~~آنذاك، ومع هذا نجد البيروني معنيا بالفلك والرياضيات والمباحث التجريبية قدر ~~عنايته بالإنسانيات والحضارات حتى إنه بكتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في ~~العقل أو مرذولة» كان مؤسس علم الأديان المقارن، وكان كل هذا في إطار توجهات دينية ~~وفلسفية إسلامية ... ودع عنك مثالا آخر، جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري الذي ~~اختلطت كيمياؤه التجريبية البارعة بركام هائل من الخزعبلات والخرافات والغنوصيات المشرقية، # 36 # ولا غرو في أن تحمل كيمياؤه تعثر البدايات ووعورة شقها ms041 للطريق، وفي ~~الآن نفسه زخم التأثيرات المحورية والامتدادات المستقبلية، وبهذا وذاك كان أبا ~~الكيمياء القديمة كما رأينا. # وبفعل متغيرات ثقافية وتحولات حضارية جديدة وعميقة اقترنت بها نشأة العصر الحديث، ~~انبثق من ركام العلم القديم عملاق هو العلم الحديث، انبثق في صورة نسقية، أي مهيأة ~~للاستقلال، بحيث تحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانيات تناميها وفاعلية عوامل ~~تقدمها ذي المعالم الواضحة. إن النسقية موطن لتميز العلم الحديث عن العلم القديم، ~~ويمكن أن تتمثل نقطة التحول في أن العلم في العصر الحديث، أو العلم الحديث قد أصبح ~~نسقا. # والنسقية تعني إحكام البحث العلمي، فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية ~~صارمة، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، تحدد لظاهرة العلم تخوما واضحة، مما يكفل ~~تآزر الجهود العلمية فيجعلها تمثل متصلا صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار، ويلقي في ~~جوانحنا الثقة بأن غده أفضل من يومه، تماما كما أن يومه أفضل من أمسه، فتمثل كل ~~ممارسة من ممارسات العلم الطبيعي إضافة لرصيده، أو بالأحرى لرصيد الإنسانية. # فكما أشرنا، لم يكن العلم الحديث مجرد تغير أو تطور في آليات الكسب المعرفي، بقدر ~~ما كان نقلة حضارية شاملة، وما إن بدأ مشروعه ينمو ويتصاعد، إلا وقد امتثل نصب ~~الأعين منهاج واضح قاطع ألا وهو المنهج التجريبي المعروف باسم «الاستقراء # Induction ~~»، وقد بات معتمدا بوصفه شريعة العلم ~~الحديث وناموسه وسر عظمته، بقدر ما هو روح العصر الحديث وأوضح تعبير عن متغيراته ~~وعن آفاقه المستهدفة. # ولا غرو في أن يحتل المنهج التجريبي مثل هذا الموقع في منظومة العصر الحديث، فإذا ~~حق القول: إن الفلسفة تجريد وتجسيد لروح عصرها، فإن منهج البحث أو نظرية المنهج ~~العلمي «الميثودولوجيا # Methodology ~~» دونا عن كل ~~فروع الفلسفة هي الأجدر والأقدر على تجريد وتجسيد روح العصر، فهل من تعبير عن ~~صراعات العصر المعني وطموحاته وتوثباته، وأيضا عن قصوراته ومواطن زلله أصدق ~~خبرا من المنهج؟! أي الأسلوب الذي يتبعه ويعتمده العصر المعني بشكل عام للبحث عن ~~الحقيقة، أو بالأحرى عن الوجه المعين من الوجوه الشتى للحقيقة ... الوجه ms042 الذي استقطب ~~الاهتمام والاتجاه العام للعصر المعني، فتكشف نظرية المنهج عن ديناميكياته، أما حين ~~تكون المعالجة متتبعة لمشارف التقدم التي أحرزت فيما تلى العصر المعني - كما سيحدث ~~في فصول الكتاب القادمة - فسوف تكون النظرية المنهجية كاشفة أيضا عن قصوراته ~~والتقييدات التي حاقت بإمكانياته المعرفية، وسبيلنا الآن إلى تفصيل هذا، وهو في ~~الوقت نفسه تفصيل لنشأة العلم الحديث، أليس المنهج التجريبي مفتاحه وآيته، على أن ~~العلم الحديث وفلسفته على السواء قد اتخذا - للحق المر - من قارة أوروبا ... أو من ~~الحضارة الغربية مسرحا وموطنا؛ لذلك وجب أن نصوب الأبصار للعالم الغربي؛ لكي نفهم ~~أصول نشأة العلم الحديث وبيرقه المرفوع والمعروف باسم المنهج التجريبي، ونعود ~~قليلا إلى الوراء لنتتبع مسار الأحداث في الحضارة الغربية. # وكما ذكرنا كان التحقير من شأن العمل اليدوي المنكب على جزئيات الواقع التجريبي ~~هو دأب الحضارة الإغريقية، والذي تأدى بها إلى حد التردد في اعتبار العبيد القائمين ~~عليه والنساء المتصلات به بشرا! فالإنسان هو الرجل الإغريقي الحر الذي يتوافر له ~~فراغ يمكنه من ممارسة فضيلتي التأمل العقلي الخالص والصداقة؛ ليتحاور مع الأصدقاء ~~الأحرار - الفارغين - في نتاج تأملاته العقلية، وبطبيعة الحال انعكس هذا على الفكر ~~الإغريقي، خصوصا بمجيء الثالوث الأعظم سقراط الرائد وأفلاطون شيخ المثالية المهيب ~~وعدو التجريبية اللدود، ثم المعلم الأول أرسطو. # لقد أتى أرسطو (384-322ق.م) في ذروة مد الفلسفة الإغريقية وخاتمة عصرها الذهبي ~~الذي شهد فيض إبداعاتها العظيمة وصياغاتها الباقية لأسس العقل النظري، فمكنته ~~عبقريته من أن يكون خير تعبير عنها وأصفى بلورة لها، أو كما اتفقنا خير تجريد ~~وتجسيد لروح عصره - روح الحضارة الإغريقية؛ لذلك فعلى الرغم من نزعته العملية ~~الواقعية، ومن تجريبيته الشهيرة التي جعلته يوصي قواد تلميذه الإسكندر الأكبر بجلب ~~عينات من البلدان المفتوحة؛ ليستكمل بحوثه في علم الأحياء، وعلى الرغم أيضا من ~~إشارته إلى أهمية الحواس بوصفها أبواب المعرفة، بل ومن أنه واضع مصطلح الاستقراء # Epagoge # وقد بحث معانيه وطرائقه في كتاب ~~«الطوبيقا» وحددها بثلاث طرق هي: الاستقراء التام الذي يستقرئ كل أفراد العينة ms043 أو ~~كل أمثلة الظاهرة. والاستقراء الناقص أو الحدسي الذي يكتفي بعدد قليل أو أمثلة ~~قليلة ويصعد منها إلى القانون الكلي. ثم الاستقراء الجدلي الذي لا يبدأ من عد كلي ~~أو عدد بسيط، بل يبدأ من مقدمات مشهورة ظنية أو شائعة فتكون نتائجه احتمالية عرضة ~~للشك. والنوع الثاني، أي الاستقراء الناقص أو الحدسي، هو القريب من المعني الحديث، ~~وقيل: إن إيمان أرسطو بالاستقراء يبلغ درجة إيمانه بالقياس، فإذا كان القياس هو ~~الوسيلة اليقينية للخروج من مقدمات بنتيجة، هي ربط الحد الأصغر بالحد الأكبر عن ~~طريق الحد الأوسط، فإن الاستقراء هو الوسيلة لتكوين المقدمات الكبرى، ولا قياس ~~طبعا بغير مقدمات، إذن لا قياس بغير استقراء ... نقول: إن أرسطو على الرغم من كل هذا ~~جرد وجسد الروح الإغريقية الممجدة للنظر العقلي الخالص، وذلك حين وضع أعظم ~~إبداعاته طرا، أي علم المنطق الذي خلقه أرسطو خلقا مما يشبه العدم، من أجل نظرية ~~القياس التي تعد من المنطق بمثابة الثمرة من الشجرة. # والقياس الأرسطي هو طريقة يقينية للخروج بقضية «نتيجة» من قضيتين مطروحتين ~~«مقدمات»، إذا كانت المقدمات يقينية واتبعنا سبل القياس الأرسطي فلا بد وأن تكون ~~النتيجة يقينية، بغير أي احتياج للتجريب أو التجاء لمعطيات الحواس أو استشهاد ~~للواقع . القياس إذن صورة من صور المنهج الاستنباطي الخالص، أي منهج استنتاج النتائج ~~من المقدمات المطروحة اعتمادا على قوانين العقل والمنطق فقط. وقد كان القياس ~~الأرسطي منطقا خالصا وفعلا عقليا صرفا، إنه الابن الشرعي للحضارة التي دأبت ~~على تمجيد النظر وتحقير العمل، والصياغة النهائية لطابع الفكر الإغريقي، أو ببساطة ~~تجسيد وتجريد لروح الحضارة الإغريقية، ولكنه أيضا أول صياغة في تاريخ الفكر البشري ~~لمنهج البحث، وأول نظرية منطقية مقننة لأساليب الاستدلال وأشكال التفكير. # ثم انتهت مرحلة الحضارة الإغريقية بخيرها وشرها، وراحت ظروفها العينية التي أنجبت ~~إنجازاتها، وبدأت مرحلة العصور الوسطى # 37 # كمعلول مباشر للأديان السماوية، أي لنصرة المسيحية بعد طول نضال ~~واستشهاد في الغرب وانبثاقة الإسلام الفتي في الشرق. والفلسفة التي كانت تعني شتى ~~العلوم والمعارف الكسبية والمباحث ms044 العقلية أصبحت دينية أو خادمة للاهوت، فتقوم ~~النظرة الأنطولوجية أساسا على وجود الكيان الأعلى المفارق للطبيعة، وكل الجهود ~~الإبستمولوجية تسلم بالوحي الصادر عنه وتسير في إطاره. الدين الآن هو المحور ~~والراعي والمهيمن والذي اصطبغت الحضارة بصبغته، فكانت حضارة العصور الوسطى حضارة ~~دينية. إنها مرحلة العصور الوسطى المسيحية في الغرب، والعصور الوسطى الإسلامية في ~~الشرق لكن المتألقة الناضرة. # وتعطينا الدراسات الأنثروبولوجية أعدادا لا حصر لها من عقائد وديانات اعتنقتها ~~البشرية منذ أولى عهودها. ومن منظور العقيدة الدينية ذاتها، نجد الدين قائما منذ ~~آدم أول البشر ونوح أول الأنبياء، أي إن الدين قائم قبل المسيحية والإسلام بزمان ~~سحيق. فلماذا مثلت هاتان الديانتان السماويتان نقطة تحول في مسار الحضارة الإنسانية ~~شكلت العصور الوسطي؟ وقد كان تحولا حاسما سوف نراه يتبلور - أو يتجرد ويتجسد - في ~~سيادة منهج معين للتفكير وللبحث ... # في الإجابة على هذا السؤال، نلاحظ أولا اختلاف المسيحية والإسلام عن اليهودية، ~~فهذه الأخيرة ديانة خاصة لشعب خاص شعب الله المختار (نراه الآن شراذم من الأفاقين ~~مصاصي الدماء ينهبون الأراضي ويهدمون المنازل ويكسرون العظام! ولله في خلقه شئون). ~~أما المسيحية والإسلام فديانتان مفتوحتان هما دعوة للعالمين. # وقد مثلتا نقطة تحول؛ لأن المعلم المميز للدين السماوي هو اقترانه بكتاب منزل ~~من رب العالمين، الأناجيل والقرآن. # إن الكتب المنزلة زاخرة بحقائق مسلم بصحتها، قضايا كلية لا جدال في يقينها، ~~يمكن أن توضع كمقدمات لنخرج بالجزئيات المترتبة عليها والمتضمنة فيها، أي نتوصل ~~إلى النتائج الضرورية الصدق بواسطة القياس الأرسطي. إذن فهذا المنطق الاستنباطي ~~منهج أكثر من ملائم للتعامل مع الكتب المقدسة، التي هي الشغل الشاغل والهم الأول، ~~فأصبح قياس أرسطو خصوصا ومنطقه عموما هو منهج البحث المعتمد طوال العصور الوسطى، ~~فيسمى المنطق الأرسطي «الأورجانون» # Organon ~~، أي ~~الأداة، أداة التفكير وآلة البحث. # من هنا كان أرسطو المعلم الأول، واحتل في تاريخ الفكر منزلة لم يحتلها فيلسوف من ~~قبل ولا من بعد، حتى قدم توما ~~الأكويني # Thomas Aquinace ~~(1225-1274م) في كتابه «الخلاصة اللاهوتية» حلولا ~~لأمهات مشاكل الفلسفة المسيحية، وكانت ms045 حلولا مستمدة من فلسفة أرسطو وشروح ابن رشد ~~لها، هذا فضلا عما طرحته الفلسفة الأرسطية من براهين على وجود محرك أول لا يتحرك ~~شديد الشبه بالرب المسيحي، وبإله الأديان السماوية عموما. لكل ذلك اعتمدت الكنيسة ~~فلسفة أرسطو فلسفة رسمية لها، حتى إذا وصل الباحث إلى فكرة تخالف مثيلتها عند ~~أرسطو، أو حتى لم يقل بها أرسطو وجب أن يتغاضى عنها، وإلا عد كافرا زنديقا ~~مستحقا لطائلة محاكم التفتيش. وكما يقول توبي هف، حتى بدايات القرن السابع عشر ~~كانت الهيئات الجامعية الرسمية تفرض غرامة على خريجيها وأساتذتها قدرها خمسة شلنات ~~مقابل كل نقطة افتراق عن أرسطو أو عدم التزام بمنطقه. # أما الشرق الإسلامي فكان آنذاك أكثر استنارة وعقلانية وتقدما، واتسع للمنهج ~~التجريبي وكان موطنا للحركة العلمية. ولم تحز كتب أرسطو في الشرق نفس المنزلة التي ~~منحتها إياها الكنيسة في الغرب، بل إن نفرا من الفقهاء على رأسهم ابن تيمية ~~(661-728ه) صاحب «نقض المنطق»، و«الرد على المنطقيين» قد شنوا حملة شعواء على أرسطو ~~ومنطقه، فضلا عن أن الإسلام لا يعرف كهنوتا ولا سلطة لرجال الدين كي يكتسب أرسطو ~~بعضا منها. لكن بصرف النظر عن الصياغة السلطوية الرسمية، لم ينج التفكير الإسلامي ~~هو الآخر من هيمنة أرسطو، وكانت مباحث الطبيعة عند فلاسفة الإسلام مشبعة بالمعالم ~~والموضوعات والمصطلحات الأرسطية. والطب أيضا بدأ عند الإغريق - الهيلين - ممتزجا ~~بالفلسفة، ثم امتزج بالمنطق عند الهيلنستيين في مدرسة الإسكندرية، واستمر هكذا عند ~~العرب. فكان ثمة «الفلاسفة الأطباء» وهم مدرسيون قياسيون رائدهم ابن سينا، ~~و«الأطباء الفلاسفة» وهم ممارسون تجريبيون رائدهم الرازي. # لقد آمن علماء العرب بأن قواعد القياس قابلة للتطبيق في كل العلوم، طالما هي ~~معنية بصورة الفكر دون مضمونه. ولما كان الإسلام بمرجعه النصي الثابت (القرآن ~~الكريم) ضاما لمجمل الإطار الحضاري ومحددا لمعالم الأبنية الثقافية، فإن إيمان ~~العلماء التجريبيين العرب بالقياس الأرسطي كان بعدا من أبعاد اعتماد فقهاء الدين ~~له، فكان المنهج التجريبي مضمرا في إطار حضارة سادها النص والقياس عليه كمنهج ~~وأسلوب للبحث. # وفي هذا يمكن القول: ms046 إنه من الناحية الواقعية الفعلية، استفاد الإسلاميون من ~~القياس الأرسطي أضعاف استفادة لاهوتيي الكنيسة منه، وذلك بسبب جهاز الشريعة المهيب ~~في الإسلام، وضرورة استنباط الأحكام الجزئية من قواعده العامة. لقد اتخذ الأصوليون ~~أربعة أسس لوضع الفتاوى والأحكام، هي: أولا القرآن الكريم، وثانيا السنة والحديث، ~~وثالثا إجماع المسلمين، أما الأساس الرابع فهو القياس الفقهي بمعنى الحكم على فرع ~~لثبوت ذلك الحكم على أصل مشابه أو مشارك. وبالطبع المصادر الثلاثة الأسبق، القرآن ~~أولا وقبل كل شيء ثم السنة والحديث، ثم الإجماع - هذه المصادر الثلاثة أهم وأكثر ~~مرجعية من المصدر الرابع، أي القياس، ولا يلتجأ إلى القياس أصلا إلا إذا تعذر ~~الخروج بالحكم الشرعي من هذه المصادر الثلاث، ولم نجد له نصا صريحا في القرآن أو ~~الحديث، والقياس الصحيح بدوره هو ما وافق الكتاب والسنة. بيد أن النصوص ثابتة ~~وقاطعة ومحددة، وإجماع المسلمين أيضا لم ينعقد إلا على وقائع معدودة. وفي مقابل ~~هذا نجد القياس الفقهي إمكانية ولود متجددة، يمكنها التعامل مع كل واقعة مستجدة ~~بقياسها على أصل مشابه، ولا شك أن الفقهاء في صوغهم لأسس ومناهج القياس الفقهي قد ~~استفادوا كثيرا من قياس المناطقة الأرسطي. لا غرو إذا أن تبارى فقهاء الإسلام في ~~إسباغ الألقاب الرنانة على المنطق الأرسطي، فهو : معيار العلم، محك النظر، القسطاس ~~المستقيم، فيصل التفرقة بين الخطأ والصواب، الفاروق بين الحق والباطل، آلة العلوم، ~~أداة العقل، علم قوانين الفكر الثابتة ... أو هكذا اعتبروه، فيقول حجة الإسلام الإمام ~~أبو حامد الغزالي (450-505ه/1059-1111م) عن المنطق، أو بالتحديد عن كتابه المدرسي ~~في المنطق الأرسطي والقياس، والذي أسماه «معيار العلم» ... يقول الغزالي: ~~... معيارا للنظر والاعتبار، وميزانا للبحث والافتكار، وصقلا للذهن، ~~ومشحذا لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة ~~إلى الشعر والنحو، بالإضافة إلى الإعراب؛ إذ كما لا يعرف منزحف الشعر من ~~موزونه إلا بميزان العروض، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو، ~~كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه، وصحيحه وسقيمه، إلا بهذا الكتاب، فكل ~~نظر لا يتزن ms047 بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار ~~غير مأمون الغوائل والأغيار. # 38 # على هذا النحو كان المنطق الأرسطي وقياساته منهج بحث مهيمن ومعبر عن روح العصر ~~في الحضارة الإسلامية الوسيطة والمشرقة، وأكثر من هذا في الغرب المسيحي طوال ما ~~يقرب من عشرين قرنا من الزمان. كانت الحضارة الإسلامية أكثر عقلانية واستنارة ~~وتوثبا ومرونة، فاتسع إطارها الثقافي لفعاليات المنهج التجريبي وحمل لواء الحركة ~~العلمية - كما أشرنا - وكان ذلك لعوامل كثيرة لا يتسع لها المجال وليست موضوعنا ~~الآن؛ لأننا معنيون الآن بسياق الحضارة الغربية التي أنجبت العلم الحديث في العصر ~~الحديث، بعد أن كان المنطق الأرسطي كمنهاج للبحث يحكم قبضته عليها، حتى كادت أن ~~تختنق، فكيف كان هذا؟ كيف انتقلت الحضارة الأوروبية من وضع يسوده القياس الأرسطي ~~العقيم، إلى وضع يرفع لواء المنهج التجريبي فينطلق منه عملاق العلم الحديث؟ # في الإجابة على هذا السؤال نلاحظ أن القياس الأرسطي طوال العصور الوسطى المسيحية ~~لم يكن هو المنهج الملائم فحسب، بل أيضا المنهج الأوحد الذي ينبغي أن ينفرد بحلبة ~~البحث ويستأثر بشتى الجهود العقلية، فكيف نترك الحقائق الكلية الإلهية اليقينية في ~~الكتب المقدسة لننشغل نحن البشر الخطائين المضللين بإعمال عقولنا الفانية ~~الزائلة لنصل إلى حقائق مشكوك في صوابها عرضة للخطأ، أو على أفضل الفروض حقائق ~~قاصرة محدودة؟! وكما يقول جورج سارتون: «آنذاك لم يكن فن الملاحظة العلمية قد تطور ~~بعد، وبينما بدت الحقائق العلمية القائمة على الملاحظة والخبرة مزعزعة الأركان، فإن ~~الأنساق الدينية كانت راسخة.» # 39 # فحسبنا ممارسة الاستنباط القياسي الذي لا يدانيه الخطأ من بين يديه ولا ~~من خلفه ما دامت مقدماته يقينية، وهي بالقطع هكذا، أليست إلهية؟! وإذا كان المنهج ~~القياسي الأرسطي مصادرة على المطلوب ولا يأتي بجديد، فما الحاجة إلى الجديد؟ أو إلى ~~أي علم كسبي بعد أن ظفرنا بالحقيقة في الدارين؟! وإذا كان منهجنا لا يمس الطبيعة ~~المتأججة من حولنا، فما ضر هذا؟! «ألم يجد رجل هذه العصور في الله وقصة الخلق ~~وعقيدة الإرادة الشاملة تفسيرا كاملا ms048 عن كيفية نشوء العالم وتوجيهه وأساليب ذلك ~~وأهدافه؟ فلماذا يبني الإنسان في كد وجهد بناء متشابكا كائنا هناك منذ البداية، ~~وواضحا وظاهرا للجميع؟!» # 40 # وهذا التفسير الخاطئ للرسالة الدينية الذي ساد أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، ~~إذا أضفنا إليه دأب المسيحية على التحقير من شأن المادة واعتبارها أصلا لكل شر ~~وخطيئة، بل وتأثيم الانشغال بها، تبين لنا أن سيادة المنهج الأرسطي قد تأكدت بأن ~~السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها لم يكن مطروحا آنذاك. # وإقصاء السؤال عن الطبيعة في العصور الوسطى الأوروبية يعود إلى أصول أعمق، ثم ~~عضدتها الكاثوليكية وأعطتها الصياغة النهائية؛ إذ إنه بعد الفلاسفة الطبيعيين ~~السابقين على سقراط - رواد التفكير العلمي حقيقة - اتجهت الفلسفة بفعل سقراط ثم ~~التأثير الناجع لأفلاطون وأرسطو إلى الأخلاق والسياسة والميتافيزيقا، وأقصيت ~~العقول عن التفكير في الطبيعة وتقلص السؤال عنها. واحتياجات الإمبراطورية الرومانية ~~فيما بعد جعلتها تفعل المثل وينصب اهتمامها على القانون. ثم بدأت الحقبة التالية من ~~تاريخ الحضارة الغربية في العصور الوسطى المسيحية التي كرست العقول الموهوبة ~~والطاقات الذهنية من أجل اللاهوت، وانحطت الطبيعة أكثر لتغدو مجرد خادمة من خدم ~~اللاهوت، تلبي ما تستطيعه من مطالب علومه. المفكرون لا يرون فيها إلا شيئا خلقه ~~الرب، الطبيعة صنيعة الخالق، والتساؤل عنها وعن العالم المادي بمعزل عن الرب بدا ~~لرجال ذلك العصر هراء لا طائل من ورائه. هكذا تراجع السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها ~~إلى أقصى الحدود، إن لم يتوار نهائيا، فلا يعود ثمة احتياج لمناهج تجريبية تنصب ~~عليها. وبالتالي ينفرد القياس الأرسطي بميدان البحث ليبدأ من يقين وينتهي إلى ~~يقين. # إلى كل هذا الحد كان نجيب الحضارة الإغريقية - المنطق الصوري وقياساته ~~الاستنباطية - منهجا أكثر من مناسب للاستحواذ على منزع العقل في العصور الوسطى ~~الأوروبية، وكانت المحصلة فلسفتها «المدرسية» المتكرسة لمناقشات نظرية خالصة، تميزت ~~بالتنسيق المنطقي الشديد والعقم الأشد عن الإتيان بجديد، فتلقب الفلسفة المسيحية ~~للعصور الوسطى المتأخرة في أوروبا بالفلسفة المدرسية، وتعد أقوى تمثيل لسيادة ~~المنطق الأرسطي. # ولأن المنهج السائد أقوى تجريد وتجسيد ms049 لروح العصر - كما اتفقنا - فقد اقترن إغلاق ~~أبواب العصور الوسطى وفتح بوابة العصر الحديث بالضيق البالغ منتهاه من المنطق ~~الأرسطي وقياساته، والبحث عن مناهج جديدة ملائمة للعصر الجديد، كان هذا لعوامل ~~عديدة، من البديهي أنها عوامل كانت في الوقت نفسه وراء انبثاقة العصر الحديث بأسره، ~~وإلا لما كان المنهج تجريدا وتجسيدا لروح العصر. # وأوضح هذه العوامل هي الكشوف الجغرافية التي أخبرت إنسان عصر النهضة في نهايات ~~القرن الخامس عشر أن العالم الطبيعي أوسع كثيرا مما تصور أرسطو ومن كل ما تضمنته ~~الصحائف وكتب الأقدمين، فبدت الطبيعة عالما مثيرا يغري بالكشف واقتحام المجهول ~~فيه، وتغير موقفها فلم تعد أولا وأخيرا مجرد شيء خلقه الله. لقد طرأ تطور على ~~الفكر المسيحي الغربي: أصبح الله عاليا في السماء بعيدا فوق الأرض، حتى إن ~~التفكير في الأرض بمعزل عن الله يمكن أن يكون ذا معنى. ولم يكن من قبيل الصدفة أن ~~تصبح الطبيعة بحد ذاتها في ذلك العصر موضوع تمثيل فني لا علاقة له بأمور الدين، ~~فالطبيعة استقلت عن الله وعن الإنسان أيضا، وتستجيب هذه الصورة إلى الدراسة. # 41 # ومع نهايات القرن السادس عشر كان السؤال عن الطبيعة قد ارتفع إلى ~~الصدارة بعد طول توار، وأوشك أن يكون سؤال العصر الذي تنشغل به كل العقول الكبرى ~~وطبقة المثقفين والصفوة من العلماء والبحاث والفلاسفة والمفكرين، بل كانت الطبيعة ~~هي موضوع الحوار بين وجهاء القوم من رجال الكنيسة والبلاط، وحتى في صالونات سيدات ~~المجتمع، ومنذ عهد الأيونيين والفلاسفة القبل سقراطيين لم تثر الطبيعة مثل هذا ~~الاهتمام، ولم تتمركز هكذا كمحور للنشاط العقلي. # وسرعان ما توالت المتغيرات على كافة الأصعدة: الصعيد الديني والسياسي والاقتصادي ~~والاجتماعي والتجاري ... وظهرت المطبعة وبدأت المخترعات والماكينات تغير من وجه ~~الحياة، وراحت العقول الواعدة تتلمس الجديد من كشوف العلم الطبيعي، فطغى الإحساس ~~بعقم وإجداب المنطق الأرسطي وقياساته، وما يتسم به القياس من دوران منطقي ومصادرة ~~على المطلوب وتحصيل لحاصل. غير أن ما عابه على الخصوص هو أنه ساهم في إقصاء العقول ~~عن التفكير ms050 في الطبيعة بسبب من مجافاته للواقع؛ إذ لا يتعامل إلا مع قضايا مطروحة ~~في الصحائف والأوراق؛ ليعنى فقط باتساق النتائج مع المقدمات. وحتى إذا كانت ~~النتئاج صادقة على الواقع، فهي لا بد وأن تكون متضمنة قبلا في مقدماته، أي نعرفها ~~سلفا. ربما كان لهذا المنهج قيمته في الدراسات القانونية أو اللغوية أو سواها من ~~دراسات نظرية. أما إذا أردنا أن نكسب خبرا عن الواقع أو فهما أكثر للطبيعة ~~المتأججة حولنا، فإن هذا مستحيل باتخاذ هذا المنطق وقياساته منهجا؛ ليجعلنا نلف ~~وندور حول أنفسنا في دائرة مغلقة، أو دائرة محصورة بين أغلفة الكتب، فينتهي بنا ~~المطاف من حيث بدأنا ولا جديد البتة. ومن أين الجديد والعملية كلها انتقال من معلوم ~~كلي إلى معلوم جزئي، من قضية إلى أخرى، في أطر فلسفة لفظية عقيمة لا تثمر جديدا، ~~ولا مساس إطلاقا بآفاق المجهول الرحيبة. وكانت الثورة على قياس أرسطو ومنطقه ~~المعروف باسم الأورجانون، بمثابة الإعلان الصريح برفض الماضي والرغبة في الإقبال ~~بمجامع النفس على الآفاق الجديدة للعصر الجديد، واستكشاف العالم الطبيعي النابض ~~الذي امتد وترامت آفاقه أمام إنسان العصر الحديث. # ومن ثم أصبح هم الفلاسفة الأول هو البحث عن منهج جديد يلائم الروح الجديدة ويلبي ~~المتطلبات المستجدة للعصر الجديد، فكان القرن السابع عشر هو قرن المناهج ، منذ ~~ديكارت الرائد (1596-1650م)، وخطابه الشهير في المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث عن ~~الحقيقة في العلوم عام 1637م. # 42 # وحتى الأسقف «نيقولا ~~مالبرانش» # N. Malberanch ~~(1638-1715م) الذي يكاد يكون الوحيد من رجالات عصره ~~الذي فعل فعلة الإمام الغزالي وأنكر السببية في الطبيعة وقال بنوع من اللاحتمية. ~~ومثلما فسر الغزالي اطراد الظواهر الطبيعة وارتباطها معا بمذهب الاقتران، فسر ~~مالبرانش هذا بما أسماه مذهب المناسبة # Occasionalism ~~. مالبرانش هو الآخر اعتنى بسبل البحث عن الحقيقة، ~~واجتمع فلاسفة بوررويال لبحث فن التفكير، ووضع إسبينوزا # B. Spinoza ~~(1632-1677م) رسالة في إصلاح العقل. وكان ليبنتز # G. W. ~~Leibnitz ~~(1646-1716م) يحلل ويشرح فكرة منهج رياضي يبشر بها بالمنطق الرياضي الحديث ... ~~إلخ. # يعد ديكارت ذا ms051 أهمية خاصة؛ إذ يعتبر بمثابة علامة فارقة بين العصور الوسطى ~~والعصر الحديث من حيث هو مؤسس الفلسفة الحديثة، بيد أنه كان يبحث عن وضوح الرياضيات ~~ويقينها؛ لذا اعتمد منهجه على الاستنباط الرياضي، وليس على التجريب في محاولة ~~لتأسيس للمبادئ العامة للمعرفة بأسرها، وإذا استثنينا ديكارت، لكان أهم فلاسفة ~~المنهج في القرن السابع عشر - قرن المناهج - هو بلا مراء وبلا منازع فرنسيس بيكون ~~الذي يقترن اسمه بالمنهج التجريبي والعلم التجريبي وحركة العلم الحديث ~~بأسرها. # وقد كان العلم الحديث بمضموناته البالغة الثراء وانعكاساتها الفلسفية، بتألقاته ~~وتأزماته على السواء هو الميراث العيني الذي تسلمه القرن العشرون، فأجاد القرن ~~العشرون استثمار هذا الميراث بمعدلات ظلت تتصاعد وتتصاعد حتى شقت أجواء الفضاء ... ~~حقيقة ومجازا. # الفصل الثاني # | ميراث تلقاه القرن العشرون: العلم الحديث # أولا: بيكون: روح العصر ... منهج العلم # إن الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1561-1626م) هو الجدير حقا بالاعتبار دونا عن فلاسفة المنهج في القرن السابع عشر. ~~فما دامت الطبيعة قد أصبحت سؤال العصر، فإن بيكون كان الأقدر على تجريد وتجسيد روح عصره ~~باستقطابه لسؤال الطبيعة وتبنيه الدعوة لمنهج البحث المنصب عليها والملائم لها، المنهج ~~التجريبي أو الاستقرائي أساس شريعة العلم الحديث. فاقترن اسم بيكون بحركة العلم الحديث ~~وعد وكأنه أبوه الشرعي الذي صاغ صك شهادة ميلاده الرسمية، فتنقش مكتبة الكونجرس ~~الأمريكي في واشنطن - أكبر مكتبة في العالم - اسمه أعلى إحدى بواباتها المذهبة بوصفه ~~واحدا من الذين قادوا البشرية إلى العصر الحديث وعلمه الحديث. # وكان هذا أساسا بسبب كتابه «الأورجانون ~~الجديد # Novum Organon ~~» الصغير الحجم والذائع الصيت الذي نشره عام 1620م، وهو في ~~الأصل ليس كتابا بمعنى الكلمة، بل مجرد جزء من عمل ضخم أسماه بيكون «الإحياء العظيم # Instauratio Magna ~~» وضع تخطيطه في ستة أجزاء، ~~لكن لم ينجز منها - أي لم يكتب وينشر - إلا الجزء الثاني فقط والذي هو «الأورجانون ~~الجديد»، أي إنه «ليس كتابا مستقلا إنما هو جزء من كتاب، أو على الأقل جزء من خطة ~~عامة لإصلاح العلم وللنهوض بحياة الإنسان». # 1 ms052 # وحتى هذا الجزء، أي الأورجانون الجديد، لم يكتمل تماما؛ لأنه مكون من ~~كتابين أو فصلين، والكتاب الثاني ينطوي على خطة فرعية لم ينجزها بيكون هي الأخرى. وقد ~~جاء الأورجانون في هيئة فقرات قصيرة منفصلة متتابعة ومرقمة، وإلى حد ما مفككة غير ~~مترابطة، فقد يتم الانتقال من فقرة إلى أخرى فجأة بلا معبر بينهما، لكنها جميعا قاطعة ~~كالسيف واضحة كالنهار، موجزة مكثفة بحيث لا تتسلل كلمة زائدة، ومكتوبة بأسلوب بليغ ~~وبيان رائع عد قمة من قمم النثر في عصره. # على أن اللافت حقا هو عنوان الكتاب «الأورجانون الجديد»، أي «الأداة الجديدة»، أو ~~«الآلة الجديدة»، في إشارة واضحة إلى أن أورجانون أرسطو قد أصبح أداة قديمة بالية عفا ~~عليها الدهر. والكتاب يقدم الأداة أو الآلة الجديدة المناسبة لاحتياجات العصر، وهي ~~المنهج التجريبي. # شارك بيكون رجال عصره في رفضهم الضاري للمنطق الأرسطي، وكان من أعنفهم هجوما على ~~القياس وعقمه، وحتى الاستقراء الأرسطي، لم ينج من نقد بيكون الحاد ومحاولاته لإثبات ~~اهترائه وتهافته. على الإجمال كان «الأورجانون الجديد» أقوى تجسيد لروح عصره الرافض ~~للماضي العقيم، ماضي العصور الوسطى الأوروبية المدرسية ينظر إليها في غضب ويروم القطيعة ~~المعرفية عنها، فيقول بيكون، في الفقرة 83 من الأورجانون الجديد: # لقد فقدوا غاية العلوم وهدفها، واختاروا طريقا خاطئا باتباعهم منهجا ليس ~~من شأنه أن يكشف جديدا من مبادئ المعرفة، ويكتفي باتساق النتائج مع بعضها. ~~فليكف الناس عن التعجب من أن تيار العلوم لا يجري قدما في طريقه الصحيح؛ فقد ~~ضللهم منهج البحث الذي يهجر الخبرة التجريبية ويجعلهم يلفون ويدورون حول أنفسهم ~~في دوائر مغلقة، بينما المنهج القويم يقودهم من خلال أحراش التجربة إلى سهول ~~تتسع لبداهات المعرفة. # 2 # وفي الفقرة (82) يدين بيكون العصور الوسطى إدانة كبيرة من حيث هي عصور أهملت الطبيعة ~~والمعارف الجزئية ورأتها تحط من قدر العقل الذي لا ينبغي أن ينشغل إلا بالقضايا الكلية ~~والقياس الأرسطي الذي يستنبط منها ما يلزم عنها، فأوصدت الباب أمام السبيل القويم ~~للمعرفة، أي المعطيات الحسية والخبرة التجريبية التي تخبرنا ms053 بما يحدث في الطبيعة. لم ~~تهجرها أو أساءت التصرف بشأنها فحسب، بل رفضتها احتقارا. # 3 # لقد كان الجد الأكبر لفرنسيس بيكون من المذكورين في تاريخ المنهج التجريبي، إنه ~~روجرز بيكون # Rogers Bacon ~~(1214-1294م) الملقب ~~بأمير الفكر العلمي في العصور الوسطى؛ لأنه مارس التجريب ووصل إلى نتائج مبهرة بالنسبة ~~لعصره، في الكيمياء وطب العيون، ووضع تنبؤات تحققت بالفعل في ميادين الفلك والجغرافيا ~~والميكانيكا. ولما كان رجل دين فرانسيسكانيا فقد كان هذا مدعاة للنقمة عليه ومثارا ~~لمتاعب كثيرة واجهها في حياته، فكيف لرجل دين في تلك الآونة أن يدعو إلى التجريب العلمي ~~ويمارسه؟! ويخبرنا توماس ماكولي # T. B. Machaulay ~~(1800-1859م) أشهر مؤرخي القرن التاسع عشر أن أبا فرنسيس بيكون، السير نيقولا بيكون ~~حامل أختام الملكة إليزابيث، لم يكن شخصا عاديا، لكن شهرة الابن طغت على شهرة ~~الوالد. أما الابن فرنسيس بيكون نفسه، فقد كان رجل قانون وعضوا في البرلمان خلال عهد ~~الملكة إليزابيث التي كان يمرح في بلاطها طفلا، وبعد رحيلها علا نجم فرنسيس بيكون ~~وأصبح قاضي القضاة وكبير مستشاري الملك جيمس الأول وحامل أختامه، ومنح أعلى الألقاب. ~~إنها إذن حياة مزدحمة بالأعباء القانونية والمهام والطموحات السياسية، وزادها ازدحاما ~~ما شاب سيرة بيكون من فضائح أخلاقية، كالغدر بالأصدقاء وتملق ذوي السلطان وتقاضي ~~الرشاوى والمحاكمات والعقوبات التي تعرض لها من جراء هذه التهمة الأخيرة. # ويرى الدكتور فؤاد زكريا أن هذه الحياة الصاخبة التي حرمت بيكون الوقت الكافي والقدرة ~~على التركيز، هي المبرر الذي جعله لا يكمل كتبه الكبرى ومشروعاته الفكرية، وأيضا الذي ~~جعله يكتب الأورجانون في صورة فقرات قصيرة منفصلة، # 4 # على أن بيكون نفسه يبرر هذا الأسلوب في الكتابة بعدم رغبته في أن يخرج ما ~~يبدو له في صورة العلم الكامل المتكامل كما كان يفعل المدرسيون، وأن الفلاسفة القبل ~~سقراطيين المخلصين حقا للطبيعة كانوا يكتبون بهذه الطريقة، # 5 # وكل ما بقي منهم شذرات منفصلة. # وما يهمنا حقا من الإشارة إلى تلك الحياة السياسية الصاخبة، هو إيضاح كيف أن بيكون ~~لم يكن عالما ms054 ولا حتى متابعا جيدا لحركة العلم الحديث التي بدأت بواكيرها قبله ~~واستحثت خطاها الناشطة في عهده! كان وليم ~~هارفي # W. Harvey ~~(1578-1657م) الطبيب الخاص لفرنسيس بيكون، وهذا الأخير لم يهتم ~~باكتشاف هارفي للدورة الدموية، ولا بأبحاث فيساليوس (1514-1564م) الأسبق في مجال ~~التشريح. وحتى نظرية كوبرنيقوس ذاتها عارضها بيكون! بوصفها فرضا أهوج، ما دامت الخبرة ~~الحسية التجريبية تخبرنا بأن الشمس هي التي تدور في سماء الأرض! ولم يقدر نظريات كبلر ~~وجاليليو حق قدرها، ولم يعترف أصلا بأبحاث جيلبرت في المغناطيسية. هكذا كانت ثقافة ~~بيكون العلمية ضحلة. أجل قام ببعض التجارب البسيطة أو الساذجة، أشهرها تجربة دفع حياته ~~ثمنا لها، وذلك حين قام بدفن دجاجة مذبوحة في جليد لندن ليختبر أثر البرودة في وقف ~~تعفن اللحم، وبعد بضع ليال خرج في يوم قارس البرودة ليرى نتيجة التجربة، وكم كانت ~~سعادته حين وجد الدجاجة سليمة، لكنه أصيب ببرد قاتل ألزمه فراش الموت، حيث قال قولته ~~الشهيرة التي أصبحت شعار العصر: «لقد نجحت التجربة»، فهل يقصد تجربة الدجاجة والبرودة؟ ~~أم كان يقصد أن التجربة قد نجحت في فرض ذاتها على روح العصر؟ على أية حال لم ينتفع ~~بيكون شخصيا بمنهجه في إضافة تذكر للعلم، ولم يتتلمذ على يديه أو يستفد حقيقة من ~~كتاباته أي من العلماء الذي صنعوا حركة العلم الحديث، وترجموا المنهج التجريبي أبلغ ~~ترجمة ممكنة؛ لذلك يرى بعض الباحثين أمثال ألكسندر كواريه أن اقتران اسم بيكون بحركة ~~العلم الحديث سخافة لا معنى لها، وإذا أضفنا إلى هذا ما سنراه من نقائص ومآخذ على منهجه ~~التجريبي، حق لنا أن نتساءل فعلا: كيف ولماذا اقترن اسم بيكون بحركة العلم ~~الحديث؟ # ويمكن أن نطرح هذا السؤال من زاوية أخرى فنقول: هل كان على البشرية الانتظار حتى مجيء ~~بيكون لتدرك أن الحواس نوافذ ضرورية لإدراك العالم من حولنا؟! ألم يكن الاتجاه التجريبي ~~قائما في الفلسفة منذ أول مدرسة فلسفية في التاريخ؟! ألم يمارس التجريب العلمي على ~~أتم وجه منذ هيرو السكندري وأرشميدس وجابر بن حيان والبيروني ms055 وابن الهيثم خصوصا هذا ~~الأخير؟ ألم تتسع الحضارة الإسلامية لفعاليات المنهج التجريبي؟ فماذا بقي إذن ~~لبيكون؟ # في الإجابة على هذا نقول: أجل اتسعت الحضارة الإسلامية للعلم ومنهجه التجريبي وقطع ~~فيها شوطا كبيرا، ولكن لم يكن محورا أو مركزا، بل دائرة من الدوائر التي ترسمت حول ~~المركز الحضاري، أي النص الديني ... القرآن الكريم، والثورة الثقافية العظمى التي أحدثها. ~~لذلك يختلف وضع العلم في الحضارة العربية الإسلامية اختلافا كبيرا عن وضعه في الحضارة ~~الأوروبية الحديثة؛ فقد كان في الأولى مجرد بعد، بينما هو في الثانية محور، بل محور كل ~~المحاور، بمعالمه تترسم القيم، وعلى أساسه تتشكل أيديولوجية العصر أو إطاره ~~المرجعي. # على هذا يتضح لماذا يقترن اسم بيكون بالعلم الحديث؟ فقد بدا جليا الآن أن الإجابة ~~مطروحة في الجزء الأخير من الفصل السابق، في تأكيد قدرة الفلسفة على العموم وفلسفة ~~المنهج على الخصوص في تجسيد وتجريد روح العصر، وقد كان بيكون بمنهجه هكذا، أقوى تجسيد ~~لروح عصره وإلى درجة لا يطاولها إلا أرسطو. # فقد رأينا كيف كان بيكون من أعنف من هاجموا الاتجاه النظري الخالص بقياساته العقيمة ~~عند الفلاسفة المدرسيين السابقين، ورفض بقطع تصورهم بإمكانية حل كل المشاكل الكبرى عن ~~طريق التأمل وإقامة الحجج اللفظية، وأكد على ضرورة استخدام حواسنا وعقولنا في ملاحظة ~~الوقائع، وتسجيلها بأمانة، هكذا «حدد بيكون سمة من أهم سمات التفكير العلمي الحديث، وهي ~~الاعتماد على ملاحظة الظواهر ومشاهدتها تجريبيا، بدلا من الاكتفاء بالكلام عنها»، # 6 # فيرى الدكتور فؤاد زكريا أن بيكون يستحق فعلا لقب فيلسوف الثورة الصناعية ~~قبل ظهور هذه الثورة بمائتي عام، # 7 # وليس فقط فيلسوف الحركة العلمية. والثورة الصناعية على أية حال نتيجة من ~~نتائج العلم الحديث، وسليلة من سليلاته. # أجل، اقترن اسم بيكون بحركة العلم الحديث؛ لأن دعواه المنهجية كانت أقوى تجريد وتجسيد ~~لعصر العلم الحديث، أقوى تجسيد للحداثة، للانقلاب على الماضي رفضا له والقطيعة مع ~~العصور الوسطى المدرسية، فمنهجها قياسي يبدأ بمقدمات كلية ليخرج بنتائج جزئية تلزم عنها ~~ولا التجاء إلى الحواس أو التجريب. ms056 وكان المنهج الذي رفع لواءه بيكون هو الانقلابة، هو ~~الضد الصريح تماما لهذا، إنه منهج يعتمد على الحواس والتجريب، ويبدأ من جزئيات ليخرج ~~بنتيجة كلية هي قانون من قوانين الطبيعة، إنه المنهج الذي يستقطب سؤال العصر ... سؤال ~~الطبيعة. # وبيكون بدوره - بتجسيده لروح العصر - يصف الطبيعة بالأم الكبرى للعلوم، أو جذع شجرة ~~المعرفة، ولا أمل في التقدم إلا بأن ترتد إليها العلوم جميعا، # 8 # وفي وجه آخر من وجوه تجسيداته البارزة لروح العصر، يؤكد أن المعرفة هي قوة الإنسان، # 9 # وليست ترفا وزينة كما كانت عند الإغريق، أو دوائر نظرية مغلقة وجوفاء كما ~~كانت عند المدرسيين، وإذا كانت المعرفة قوة، فإن الطبيعة - ومنذ الفقرة الأولى في ~~الأورجانون الجديد - هي مملكة المعرفة الإنسانية، والميدان الوحيد المثمر والمأمول ~~لسيطرة الإنسان، وفقط عن طريق المنهج التجريبي، أي ملاحظة الواقع والتفكير في مسار ~~الطبيعة. وإذا تجاوز الإنسان هذا فلن يستطيع أن يعرف أو يفعل شيئا، # 10 # ويراه بيكون منهج كشف بسيطا للغاية وطبيعيا إلى أقصى الحدود طالما يعتمد ~~على معطيات الحواس، وهو فقط الذي يحقق وعد التوراة بأن يصبح الإنسان سيد الكائنات وتاج ~~الخليقة وبطل الرواية الكونية. # هكذا كان بيكون وهو يقدم الطبيعة بوصفها المملكة البشرية الكبرى التي يستطيع الإنسان ~~غزوها والسيطرة عليها عن طريق التجريب، إنما كان يقدم أقوى تجريد وتجسيد لروح العصر ~~الحديث، وحتى المتغيرات التي أنجبته، وكان أبرزها - كما ذكرنا - اكتشاف العالم الجديد. ~~وكثيرا ما كان بيكون يستشهد بالرحلات إلى العالم الجديد قبل أن يعبر عن أمله في ~~اتساع المعرفة «بحيث تتجاوز أي شيء اكتشفه القدماء أو المدرسيون، اعتمادا على منهج ~~فاسد، وهدف بيكون لأن يكون - كما قال - مثل كولومبوس، أي يكتشف عالما جديدا، وأن يبحر ~~مخترقا أعمدة أروقة هرقل - رمز العالم القديم - مبحرا في المحيط الأطلسي؛ لكي يكتشف ~~جديدا، والآخرون قادرون على تحقيق شيء مشابه لو أنهم تخلوا عن التوقير غير المناسب ~~للقديم واتبعوا الأورجانون الجديد، أو المنهج الاستقرائي». # 11 # من هنا مثل الاستقراء - المنهج التجريبي - أقوى تجليات الحداثة من حيث ms057 هو ~~تمثيل لشريعة العلم الحديث. # وتتوالى فقرات «الأورجانون الجديد» لتفصيل هذا المنهج الذي جاء مع بيكون على جانبين ~~أو قسمين: الأول سلبي مختص بالتنويه إلى الأخطاء المتربصة بالعقل البشري كي يتجنبها، ~~والثاني إيجابي مختص بقواعد التجريب، والجانب الإيجابي - مهما كانت قدرته على التعبير ~~عن روح العصر - يعبر عن مرحلة باكرة ومبدئية، فكان مشوبا بقصورات ومآخذ جمة كما سنرى. ~~لذا يحق لنا الحكم بأن الجانب السلبي لا يقل عنه أهمية، إن لم يكن أهم؛ لأنه يمثل إضافة ~~حقيقية ولفتة ثاقبة من بيكون، مثمرة وتظل صالحة لكل العصور. لقد انتهى القرن العشرون ~~ولا تزال البشرية تعاني من تلك الأخطاء التي نوه إليها بيكون في الجانب السلبي من ~~منهجه. ولا بد من الحذر بشأنها ليتجنب العقل البشري مزالقها. # إن العقل عند بيكون أداة مماثلة وتجريد وتصنيف لمعطيات الحواس، وفي تجسيده لخطورة هذه ~~الأوهام المتربصة بالعقل يطلق عليها اسم الأوثان أو الأصنام # Idol ~~، فهي تتحكم في العقل تحكما رهيبا وتحجبه عن جادة الصواب، ~~فتكون بمثابة أصنام يعبدها ... كأوهام يتشبث بها، وقد كرس لها بيكون أكثر من ثلاثين ~~فقرة من فقرات الكتاب الأول في الأورجانون الجديد، وهو يقسمها إلى أربعة أنماط على ~~النحو التالي: ~~(1) # أوهام الجنس أو القبيلة: والمقصود الجنس البشري بعامة أو القبيلة ~~الإنسانية بأسرها، أي إنها الأخطاء المتربصة بالعقل البشري من حيث هو كذلك، ~~ومن أمثلتها سرعة التعميمات والقفز إلى الأحكام الكلية، فلا ينبغي التسرع ~~في التعميم دون التثبت الكافي؛ كي لا نقع في أحكام خاطئة. وأيضا سيطرة ~~فكرة معينة على الذهن، تجعلنا نختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض ~~البصر عما ينفيها، فلا بد من توخي النزاهة العلمية في التعامل مع الوقائع ~~كي ندرأ هذه النوعية من الأخطاء، ومن أمثال هذه الأخطاء الشائعة في طريقة ~~التفكير الإنساني بصفة عامة افتراض الانتظام والاطراد في الطبيعة أكثر مما ~~هو متحقق فيها، حتى إذا صادفنا مثال شارد حاولنا إدخاله بأية طريقة في إطار ~~القانون، فلا ينبغي افتراض أكثر مما هو متحقق فعلا. وثمة أخيرا ما ms058 يميل ~~إليه عقل الإنسان من تجريد وإضفاء معنى الجوهر على المظاهر المتغيرة، وهذا ~~يقود إلى عدم التمييز بين طبائع الأشياء ومظاهرها. ~~(2) # أوهام الكهف: والمقصود بالكهف البيئة التي نشأ فيها الفرد، فهي إذن نوعية ~~من الأوهام خاصة بالفرد المعين الذي نشأ في بيئة معينة، بخلاف أوهام الجنس ~~العامة، أوهام الكهف تتمثل في التأثير الكبير لعوامل البيئة ومكوناتها ~~وثقافتها على عقل الإنسان، فيتصور المتواضعات الخاصة بها وكأنها حقائق ~~مطلقة وقد يقصر جهوده المعرفية على إثباتها، مما يحول بينه وبين اقتفاء ~~جادة الصواب، ولو تأملنا مليا في مشكلة التشويه الأيديولوجي للعلوم بعامة ~~والعلوم الإنسانية بصفة خاصة، والتي أشرنا إليها في الفصل السابق، ~~واعتبرناها من كبريات مشاكل فلسفة العلوم الإنسانية، وسوف نعالجها في - ~~الجزء الأخير من الفصل السادس - لوجدنا أن التشويه الأيديولوجي هو ذاته ما ~~أسماه بيكون في الأورجانون الجديد، بأوهام الكهف. ~~(3) # أوهام المسرح: وهي الأوهام أو الأخطاء الناتجة عن تأثير المفكرين القدامى ~~على عقل الإنسان، فيصبح هذا العقل وكأنه خشبة مسرح يعرض عليها المفكرون ~~السابقون رؤاهم المتضاربة والمنفصلة عن الواقع الراهن، إن المتفرجين قد ~~يأسرهم الإعجاب بالممثل وبراعته في تجسيد الدور، فينسى المتفرج واقعه ~~ومشكلاته، ويعيش بمجامع نفسه مع الممثل، يتألم لمآسيه ويفرح لظفره ~~بالمحبوبة، حتى ولو كان بين المتفرج ومحبوبته فراسخ وأميال! المثل تماما ~~يحدث حين يأسر الإنسان الإعجاب بممثلي الفكر السابقين، فيعيش في إطار ~~مصنفاتهم ويلف ويدور حول قضاياهم منفصلا عن واقعه ومستجداته، وتبدو أوهام ~~المسرح أخطر أنواع الأوهام، ربما كان أرسطو يلح على خاطر بيكون وهو يحذرنا ~~من أوهام المسرح، ولكن إذا التفتنا حولنا في واقعنا العربي الراهن إبان ~~الربع الأخير من القرن العشرين وجدناه يعاني من ظاهرة الجماعات الإسلامية ~~المتطرفة التي أصبحت إرهابية. والواقع أنهم حالة مثلى لأوهام المسرح التي ~~حذر بيكون منها؛ فقد سيطرت على أذهانهم مصنفات تراثية معينة، كانت نتاجا ~~أو استجابة لظروف حضارية انتهت منذ قرون عديدة، ملغين ظروف واقعنا، ولا ~~يلتفتون إلى أن فتاوى ابن تيمية لمواجهة المغول لا تصلح لمواجهة القوى ~~الإمبريالية المعاصرة بعد ms059 أن تسلحت بالعولمة، أو أن معالم سيد قطب كانت على ~~طريق الاصطدام مع التجربة الناصرية الاشتراكية التي أصبحت الآن أثرا بعد ~~عين. وتماما كما أشار بيكون، الافتنان بممثلي الفكر السابقين لا ينجم عنه ~~إلا خسران الواقع ومستجداته. ~~(4) # أوهام السوق: وهي الناجمة عن الخلط اللغوي وسوء استخدام اللغة، وقد ~~اعتبرها بيكون أبرز ما ينبغي تجنبه. فالضجيج يرتفع في الأسواق، يحجب ~~الإنسان عن الإدراك الواضح للغة، فتنشأ الأوهام الناجمة عن هذا، كأن تستعمل ~~أسماء لأشياء لا وجود لها، ثم نتصور وجود هذه الأشياء الزائفة، أو نترك ~~أشياء حقيقية بلا أسماء نتيجة لقصور في الملاحظة. ويحذرنا بيكون من تلافي ~~هذه الأخطاء عن طريق المناقشات اللفظية. فالفيصل الحق في الرجوع إلى ~~الواقع. إن أوهام السوق تجعل الإنسان يتصور وكأنه هو الذي يملك زمام اللغة ~~ويتحكم فيها ويستعملها كما يشاء، في حين أن اللغة قد تمارس تأثيرها على ~~العقل الإنساني دون أن يعي هذا؛ لذلك ينبغي الحذر والحيطة؛ كي لا نقع في ~~أسر أوهام السوق ... الاستعمالات الخاطئة للغة. # وسوف نرى أن أهم تيارات الفلسفة العلمية في القرن العشرين هو التيار التحليلي الذي ~~جعل الفلسفة منصبة على اللغة وتحليلاتها للتخلص مما يشوب التعبيرات اللغوية من لبس أو ~~غموض أو خلط أو زيف. فلم يكن جزافا إذا الحكم بأن أوهام بيكون أو الجانب السلبي من ~~منهجه، أهم وأكثر حيوية من الجانب الإيجابي. # لقد عرض بيكون لهذه الأوهام ضمنا في كتاب سابق له، كتبه بالإنجليزية وأهداه للملك ~~جيمس الأول ليساعده في النهوض بالبلاد، ونشره عام 1605م وهو كتاب «النهوض بالتعليم # Advancement of Learning ~~»، ثم أعطاها أسماءها ~~وفصلها تفصيلا في الكتاب الأول من «الأورجانون الجديد» الذي يغلب عليه الطابع ~~النقدي؛ وذلك لكي يعقد الإنسان العزم على التحرر منها والتخلص من أدرانها، فيمارس ~~التجريب بعقل تأهب تماما لجني مغانمه. # وفي الكتاب الثاني من «الأورجانون الجديد» يعرض بيكون للجانب الإيجابي من منهجه، أي ~~لقواعد التجريب، وقد أسماها «صيد بان»، و«بان Pan ~~» هو ~~إله الصيد عند الإغريق، قيل: إنه ابن زيوس من ms060 إحدى حوريات الطبيعة الأركاديات وتدعى ~~كاليستو # Calisto ~~، فتعود أصول «بان» وعبادته إلى ~~الأركاديين القدامى الذين يمثلون الجانب الرعوي الريفي في حضارة الإغريق، حيث الطبيعة ~~الخالصة، إنه إله البراري والتلال والغابات والوديان والرب الحامي لأسراب الطيور وقطعان ~~الحيوانات، وللرعاة والقناصين، وكانوا يتصورونه ذا أنف أفطس ولحية كثة، وشعر أشعث، وله ~~قدما ماعز، يجول أثناء النهار في البراري والوديان ليحمي القطعان، خصوصا قطعان الماعز، ~~ويطارد الحيوانات الضارية التي تهددها، وفيما بعد أصبح «بان» رمزا للكون الطبيعي ~~بأسره، وتركزت عبادته في الريف، # 12 # وتبدو براعة هذه الاستعارة واضحة جلية، فهي تحمل تمثيلا لهاجس الطبيعة ~~المسيطر على الأذهان. وبيكون يقصد منها أن ممارسة المنهج التجريبي تغتنم معارف تماثل ما ~~يغتنمه إله الصيد حين يمارس الصيد! # وهذا الجانب الإيجابي في منهج بيكون ينقسم بدوره إلى قسمين أو مرحلتين: المرحلة ~~الأولى هي إجراء التجارب، وقد تحدث بيكون عن أنواع ودرجات التجريب من قبيل تنويع ~~التجربة وتكرارها وإطالة أمدها ونقلها إلى فرع آخر من فروع العلم، وعكسها، أي إجرائها ~~بصورة معكوسة، وإلغائها لدراسة الصورة السلبية لموضوع البحث ... إلخ. أما المرحلة الثانية ~~فهي مرحلة التسجيل، تسجيل نتائج التجريب في قوائم تصنيفية. وتعد «القوائم» من المعالم ~~المميزة لمنهج بيكون، وقد أكد عليها تأكيدا؛ إذ يقول: إن الجزئيات أو الوقائع ~~التجريبية أشبه بجيش ضخم العدد مبعثر ومتفرق، وما لم تنتظم الوقائع التجريبية المتعلقة ~~بموضوع البحث سوف يضطرب التفكير ويتشتت ويضل طريقه، ولن يصل إلى شيء. والأمل معقود على ~~استخدام قوائم الكشف لكي يصنف العقل الوقائع التجريبية وينظمها تبعا لدرجاتها ويحدد ~~الأمثلة النافية، وبهذا يستطيع العقل أن يمارس عمله ويستخلص نتائج التجريب، وفقا لما ~~تمده به تلك القوائم، # 13 # وهي ثلاث على النحو التالي: ~~(1) # قائمة الحضور والإثبات، ويسميها بيكون أحيانا بالقائمة الجوهر، وهنا يضع ~~الباحث جميع الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة أن الظاهرة أو الطبيعة ~~البسيطة موضوع الدراسة تتبدى فيها. ~~(2) # قائمة الغياب أو النفي، وفيها يسجل الباحث الحالات التي تغيب فيها ~~الظاهرة، فمثلا إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء ms061 الشمس على نمو النبات، ~~نحاول أن نعرف ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب عنه ضوء الشمس، وهذه القائمة ~~أهم القوائم وأخطرها والتي جعلت استقراء بيكون منهجا علميا وليس مجرد ~~تعداد ساذج. ~~(3) # قائمة التفاوت في الدرجة، حيث يسجل الباحث الدرجات المتفاوتة لحدوث ~~الظاهرة موضوع الدراسة، وهذا التنويه السطحي لأهمية التجريب لا يجدي ~~فتيلا، فبيكون قد تحامل على الرياضيات؛ لأنها استنباط خالص وتجريد ينأى ~~بالباحث عن الطبيعة والتجريب! هذا بينما يقوم العلم الحديث على التآزر بين ~~الوقائع التجريبية واللغة الرياضية، وتعد الصياغات الرياضية من معالمه ~~المميزة؛ لذلك يقال: إن ديكارت الذي انطلق من أهمية الرياضيات وخصائص ~~التفكير الرياضي إنما يشارك بيكون في إرساء الأصول المنهجية للعلم ~~الحديث. # وهناك عامل آخر يوضح مدى ابتعاد بيكون عن الروح الحقيقية للعلم الحديث أكثر من هذا ~~الإغفال لأهمية الرياضيات؛ ذلك أنه كان يهدف من الاستقراء هدفا مغايرا لهدف العلم ~~الحديث، فإذا كان العلم الحديث يهدف إلى وصف وتفسير الظواهر الطبيعية، فإن بيكون كان ~~يريد من هذا المنهج أن يفضي به إلى معرفة أو اكتشاف الصور # Forms ~~، أي صور الطبائع ~~البسيطة # Simple Natures ~~، فقد رأى أن كل شيء في هذا العالم يمكن رده إلى مجموعة من ~~الطبائع البسيطة عددها اثنتا عشرة، كالضوء والوزن والحرارة ... إلخ. ومن اجتماع هذه ~~الطبائع وتفرقها تتكون سائر الموجودات، وهدف العلم الطبيعي هو اكتشاف أسباب هذه ~~الطبائع، أي صورها. فالصورة ليست تجريدا أو فكرة مثالية، بل هي شرط فيزيائي للطبيعة ~~البسيطة، أساس لها ومباطنة فيها، إن الصورة تمثل علة معلولها الطبيعية البسيطة. بيد أن ~~الطبائع البسيطة ذاتها فكرة ميتافيزيقية لا علمية، توضح أن بيكون لم يتخلص تماما من ~~شوائب العصور الوسطى المسرفة في الميتافيزيقيات، والأدهى أنه تصور مجموعة من الأبحاث ~~تجرى في بضع سنوات تستقصي صور الطبائع البسيطة، فيكتمل نسق العلم الطبيعي! هكذا كان ~~تصور بيكون لعالم العلم على قدر كبير من السذاجة! # على أية حال، كان السبيل الوحيد لمعرفة صور الطبائع البسيطة هو تطبيق المنهج ~~الاستقرائي، أي التجريب، ثم تسجيل نتائج التجريب ms062 في القوائم الثلاث المذكورة، وهذا ما ~~فعله بيكون بشأن الطبيعة البسيطة: الحرارة، وانتهى إلى أن صورتها أو علتها هي ~~الحركة. # ويبقى أهم المآخذ على منهج بيكون هو أنه لم يفطن لأهمية الفروض، بل حذر منها ~~وأسماها استباق الطبيعة # Anticipation of Nature ~~؛ # 14 # أي استنتاجات للعقل الإنساني تنصب على الطبيعة، بينما هي تتجاوز ما تخبر به ~~الطبيعة. وفي سياق هجومه على المنطق الأرسطي هاجم الفروض باعتبارها كالقياس الأرسطي، ~~قضايا لفظية وليست سيطرة على الأشياء، هذا في حين أن الفروض سر تقدم العلم، إن لم تكن ~~هي العلم نفسه، وبغيرها لا جديد إطلاقا. ثم إن بيكون بعد إنكاره للفروض كان هو نفسه ~~يستخدمها دون أن يدري، وإلا كيف توصل إلى أن الحركة هي علة الحرارة؟ «ليست الحركة هي ~~الظاهرة التي كان يبحثها، وإنما كان يبحث ظاهرة الحرارة، ولم تكن الحركة مذكورة في أي ~~من القوائم الثلاث، فالحركة اقتراح، أي فرض لتفسير تلك القوائم.» # 15 # بخس قيمة الفرض كان أعظم أخطاء بيكون. على العموم سوف نرى في موضع لاحق أن ~~بيكون بهذا الخطأ، أيضا كان يجسد روح عصره. # على أن أوجه قصور منهج بيكون في مرحلته الباكرة لن تبخس أبدا فضله العظيم في التنويه ~~لأهمية التجربة والتعويل عليها في اكتساب المعارف بالواقع المحيط بنا، كتجسيد لروح ~~العصر، تجسيدا قويا حقق مأربه في تحطيم سيطرة منطق أرسطو كمنهج، وإعلان عصر العلم ~~التجريبي ... العلم الحديث وحسبه هذا الإعلان القوي المدوي، حتى يقول بيكون عن نفسه: إنه ~~ليس إلا «نافخ البوق». # لقد كان بيكون نزاعا بمجامع نفسه نحو الاتجاه العلمي، مؤمنا أكثر من سواه بقدرة ~~العلم التجريبي. وقد وضع تصورا لمدينة فاضلة أسماها «أطلانطس الجديدة» لا تعدو أن تكون ~~نموذجا مثاليا لمجتمع علمي متكامل يضم أمة من العلماء في سائر التخصصات؛ لكي يحقق ~~العلم المنفعة القصوى للبشر. وصف بيكون «بيت سليمان» في هذه المدينة وهو صورة مثالية ~~للمعمل العلمي وللأكاديميات العلمية، اقتفيت خطوطه فيما بعد، # 16 # وحين تأسست الجمعية الملكية للعلوم في لندن لتضم جهابذة العلم ms063 وتنسق بين ~~أبحاثهم، وقف المؤسسون في حفل الافتتاح عام 1662م ليشيدوا بفضل بيكون على تيار العلم ~~الحديث. # وكان إيمان بيكون بالعلم لا يحده حدود، فسبق عصره فعلا في التبشير بالعلوم ~~الإنسانية، فقد أشار إلى أن القياس الأرسطي السائد يمتد ليشمل كل العلوم. وبالمثل ~~تماما المنهج التجريبي سوف يمتد ليشمل كل شيء فنرى قوائم تصنيفية للتجارب المتعلقة ~~بالكره والخوف والغضب واتخاذ القرارات والامتناع عنها وسائر جوانب الحياة المدنية، ~~تماما كقوائم البرودة والحرارة والضوء والنباتات وما إليها، # 17 # وفي كل هذا لم يفته دور الفلسفة، منوها إلى أن العلم في حد ذاته لا يكفي، ~~فلا بد من قوة ونظام خارج العلوم لتنسيقها وتوجيهها إلى هدف، هكذا تحتاج العلوم إلى ~~الفلسفة لتحليل الطريقة العلمية - أي المنهج، وتنسيق الأهداف والنتائج العلمية، وكل علم ~~بغير هذا، بغير فلسفة العلم يعد سطحيا. # وبناء على ما سبق في هذا الجزء من الفصل عد بيكون - على الرغم من قصورات منهجه - ~~أقوى تجسيد لروح العصر الذي أنجب العلم الحديث لينمو ويعلو ويعلو ... كنزا مذخورا ~~للبشرية، هو بلا شك رأسمال فعال في الثراء المعرفي الباذخ الذي تمتع به القرن ~~العشرون. فكيف تجمعت فرائد هذا الكنز في كل متكامل، أو بتعبير مباشر: كيف تشكل نسق ~~العلم الحديث؟ # ثانيا: نسق العلم الحديث # والآن لنصوب الأنظار على النسق العلمي في حد ذاته، أو النسق العلمي من الداخل كمنظومة ~~معرفية متوالية من القضايا الممنهجة، تحمل مضمونا إخباريا وقوة تفسيرية وطاقة تنبئية ~~منصبة على العالم الذي نحيا فيه، فتجعل العقل البشري يحكم قبضته عليه، هذا النسق العلمي ~~كيف انبثق وتشكل وتنامى وتكامل؟ # بهذه النظرة الإبستمولوجية الخالصة، تعد نقطة البدء في نسق العلم الحديث هي فرض ~~مركزية الشمس بدلا من مركزية الأرض، وليس هذا مجرد فرض مختص بفرع من العلوم هو الفلك، ~~بل كان لا بد من تصويب النظرة الكوزمولوجية العامة للكون لكي يستقيم نسق العلم ~~الطبيعي. # فقد ساد العلم القديم فرض كلاديوس بطليموس السكندري (القرن الثاني بعد الميلاد) ~~المأخوذ من نظرية هيبارخوس (القرن الثاني قبل ms064 الميلاد)، وهو فرض ينص على أن الأرض ثابتة ~~وكل الأجسام السماوية الأخرى تدور حولها في حركة دائرية بسرعة مطردة. كان بطليموس ~~عليما بالهندسة وأقام تصوره للكون على أساس ما تراه الحواس ويتقبله الحس المشترك، فرأى ~~أن القمر والشمس يتحركان عبر السماء، أما الكواكب الخمسة التي كانت معروفة في ذلك الوقت ~~فتتحرك بحرية، والنجوم فقط هي الثابتة، وهل هناك ما هو طبيعي وبديهي أكثر من كون تحتل ~~الأرض مركزه؟ ولما كانت هذه النظرية البطلمية تتسق مع العقيدة المسيحية من حيث مركزية ~~الأرض في هذا الكون، ومع فلسفة أرسطو من حيث إن الدائرة أكمل الأشكال، والحركة الدائرية ~~هي فقط اللائقة بالأجرام السماوية، فقد أيدها رجال الكنيسة وأصبح التسليم بها مشتقا ~~من التسليم بالكتب المقدسة. لقد ظلت النظرية البطلمية سائدة شرقا وغربا أربعة عشر ~~قرنا من الزمان. # وبالنجم هم يهتدون # كان البحارة يعملون بها ~~في رحلاتهم بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وشواطئ المحيط الهندي بلا مشاكل تذكر. ~~ومع الكشوف الجغرافية والرحلات الطويلة عبر المحيط الأطلنطي وحول الكرة الأرضية بدأت ~~تظهر المشاكل والصعوبات لتنبئ بفشل نظرية بطليموس، وها هنا جاء من بولندا رياضي متمكن ~~هو رجل دين واقتصادي ودبلوماسي وطبيب، إنه نقولا كوبرنيقوس # N. Copernicus ~~(1473-1543م) ليقتنع في عام 1507م بأن بطليموس على خطأ، ومن الضروري وضع تفسير أبسط ~~لحركة الكواكب. # كان كوبرنيقوس قد اطلع في قراءاته الواسعة على نظرية مراغة - كما ذكرنا في الفصل ~~السابق - وعلى نظرية أرسطارخوس الساموسي (310-230ق.م) في العصر السكندري القائلة ~~بمركزية الشمس، واطلع أيضا على فكرة مؤداها أن الأرض لعلها ليست ثابتة ولا تتحرك. ~~التقط كل هذا بحسه العلمي وقدراته الرياضية العالية، وافترض أن الشمس هي مركز الكون، أو ~~مركز الدائرة الخارجية للنجوم الثابتة، وأن الكواكب تدور حول الشمس في مدارات هي دائرية ~~كما قال بطليموس، لكن كوبرنيقوس افترض أن الكواكب الأقرب إلى الشمس تدور أسرع وفي ~~مدارات أصغر، وترتيب الكواكب على النحو التالي: عطارد - الزهرة - الأرض - المريخ - ~~المشتري - زحل، على هذا يكمل عطارد مداره في حوالي ثلاثة أشهر، ms065 بينما يستغرق المشتري ما ~~يقرب من اثنتي عشرة سنة، أما الحركة اليومية البادية فيمكن تفسيرها بأن الأرض تدور حول ~~محورها دورة كاملة كل يوم، وللأرض أيضا حركة ثالثة، فهي تتغير ببطء في اتجاه محورها، ~~وهي الحركة المسماة بالاستقبال Precession ~~، وكان ~~العالم السكندري هيبارخوس قد اكتشفها وأشار إليها، # 18 # ولم يدعم كوبرنيقوس نظريته إلا بحجة واحدة هي حجة «البساطة». فإذا نظرنا ~~إلى الكواكب من على سطح الشمس، أي إذا افترضنا أن الشمس هي المركز فسوف تبدو مدارات ~~الكواكب أبسط وأجمل وحساباتها الرياضية أبسط. وباسم مبدأ البساطة شن هجومه على تعقيدات ~~معينة في نظرية بطليموس. # وضع كوبرنيقوس نظريته في كتابه الشهير «دوران الكرات ~~السماوية # Revolution Orbium ~~Coelestium ~~» وظل مترددا في إكماله ونشره، حتى جاءه وهو على فراش الموت ~~عام 1543م، ودون أن يعلم كوبرنيقوس الذي كان يحتضر، حملت الطبعة الأولى للكتاب مقدمة ~~كتبها اللاهوتي أندرو أوسياندر # A. Osiandre ~~، يحاول ~~فيها المصالحة بين محتوياته وبين الدين، على أساس أنها مجرد فروض وليست حقيقة، ويظل ~~اليقين من نصيب الدين فقط. ومع هذا كفر البابا كوبرنيقوس من أجل كتابه، الذي يناقض ما ~~نصت عليه الكتب المقدسة من أن الأرض ثابتة وهي مركز الكون. ونشطت محاكم التفتيش في ~~أعقاب حائزيه ومؤيديه، لكن بعد أن فجر ثورة عارمة أعلنت نهاية العلم القديم وبداية ~~العلم الحديث، إنها الثورة الكوبرنيقية التي أزاحت الأرض من مركز الكون، ووضعت الشمس ~~بدلا منها. # وعلى الرغم من كل هذه التضمنات الثورية، كانت نظرية كوبرنيقوس مجرد نظرية هندسية، ~~تفتقر إلى الأدلة التجريبية، ولا تدعمها إلا حجة البساطة. لا شك أن البساطة قاعدة ~~منهجية ومنشودة دوما، لكنها وحدها لا تكفي، فضلا عن اعتراضات أخرى أثيرت في وجه ~~النظرية ولم يستطع العلم الفلكي والميكانيكي بحالته الكائنة أيام كوبرنيقوس أن يواجهها، ~~منها مثلا أن الجسم الساقط عموديا في الهواء يجب أن يقع غرب نقطة سقوطه إذا كانت ~~نظرية كوبرنيقوس صحيحة والأرض تتحرك، وهذه حجة ظلت غير قابلة للدحض حتى أرسى جاليليو ~~أساس الديناميكا الحديثة. وأيضا لو صحت ms066 النظرية لوجب أن تكشف النجوم عن اختلاف في ~~مستوى مرآها بالنسبة لمكان الناظر يرجع إلى 186 ألف ميل هي الاختلاف في وضع الأرض كل ~~ستة أشهر، ولم تتم الإجابة على هذا التساؤل حتى اكتشف بيزيل # Bessel # هذا الاختلاف بالنسبة لمكان الناظر عام 1838م، وهذان المثالان ~~نموذج لاستنباطات عديدة من نظرية كوبرنيقوس جعلت الأدلة التجريبية تعارضها؛ لذلك، فبصرف ~~النظر عن أن الكتب المقدسة تعارضها، فقد رفضتها العقول النيرة عبر أوروبا بأسرها، ~~خصوصا العقول ذات المنزع التجريبي، إنهم لم يجدوا مبررا لتقبل ثمرة من ثمرات الخيال الجامح. # 19 # وجاء الفلكي الدانمركي تيخو براهة # T. Brahe ~~(1536-1601م) ليزود النظرية الكوبرنيقية ببعض الأدلة التجريبية، كان تيخو أيضا ~~رياضيا متمكنا، لكنه لم يكن عبقرية خلاقة ولا حتى عقلية علمية جريئة، وحسبه ما تمتع ~~به من موهبة وصبر نادر في إجراء الملاحظات والرصودات الفلكية، فتكمن قيمته العلمية في ~~محاولاته لتحسين المشاهدات الفلكية، وفي أنه أول من رأى بوضوح وجوب الحصول على معلومات ~~تجريبية وإجراء مشاهدات منتظمة على امتداد سنوات طويلة. وعلى مدار عشرين عاما من 1576م ~~إلى 1596م، واظب تيخو بمعاونة هيئة من مساعديه على مراقبة أوضاع الشمس والقمر والكواكب. ~~استخدم آلات متطورة صنعت بعناية تحت إرشاده، فنجح في تقليل التفاوت في دقة المقاييس. ~~وهذا النجاح في البحوث التجريبية لم يحالف تيخو في بحوثه النظرية. كان منتبها بالطبع ~~إلى نقائص نظام بطليموس، ومدركا للتقدم الذي أحرزه كوبرنيقوس وأخذ بنظرية هذا الأخير ~~مبقيا على أن المدار دائري، لكنه رفض حركة الأرض لأسباب بعضها لاهوتية وبعضها ~~فيزيقية، فحاول التوفيق بين النظامين البطلمي والكوبرنيقي باختراع «نظام تيخو» الذي ~~حافظ على الوضع المركزي الساكن للأرض، بينما تصور الكواكب تدور حول الشمس. # 20 # ليس لنظام تيخو قيمة علمية، وبصفة عامة الدور الحقيقي لتيخو يتبدى من خلال الفلكي ~~الألماني الشاب يوهانس كبلر # J. Kepler ~~(1571-1630م) ~~الذي استفاد من الاتصال الشخصي بينه وبين تيخو، واستخدم آلات ورصودات تيخو وحدوس ~~كوبرنيقوس ليعمل عبقريته العلمية في الإنجاز النهائي لهذه المرحلة الفلكية الهندسية من ~~العلم الحديث. ms067 # وبينما كان تيخو على فراش الموت، أوصى كبلر بإتمام جداوله لحركات الكواكب، مستعملا ~~نظريته الفلكية (نظام تيخو) كإطار للعمل وليس نظرية كوبرنيقوس. وقد نفذ كبلر الشق الأول ~~من الوصية، وأكمل الجداول الفلكية ونشرها عام 1627م باسم «الجداول الرودلفية»، على شرف ~~الإمبراطور رودلف الثاني راعي تيخو وكبلر الذي استضافهما على الرحب والسعة في براغ ~~ووهبهما قلعة كمركز للرصودات الفلكية ولقب «عالما الرياضة صاحبا الفخامة»؛ لأنهما كانا ~~يستكشفان له طالعه وحظه عن طريق «التنجيم» حرفتهما الرسمية؟! # 21 # ولم ينفذ كبلر الشق الثاني من الوصية، فقد رفض نظام تيخو، واعتنق الكوبرنيقية بتعصب؛ ~~إذ كان في شبابه يعبد الشمس، فآمن بأن المكان الملائم لهذا النجم العظيم هو مركز الكون، ~~واعتقد أن الله خلق الكواكب تبعا لمبدأ الأعداد التامة، وكان يبحث عن التناغم ~~الهارموني في الكون الخاضع للمبدأ الرياضي، ويمكن التوصل إليه بالتدوينات الموسيقية، ~~كما حاول أن يفعل في كتابه «تناغم ~~العالم # Harmony of World ~~». المهم أنه طرح فكرته بأن المدارات الفلكية ليست دائرية، بل ~~أهليجية، أي بيضاوية، أو تمثل قطعا ناقصا، ويعد الفرض الأهليلجي أو القطع الناقص ~~ثورة فجرها كبلر، وتكاد «تناظر ثورة كوبرنيقوس، إنها ثورة على الاعتقاد الإغريقي ~~والوسيط بأن الأجرام السماوية مقدسة، وبالتالي لا بد وأن تدور في الشكل المقدس وهو ~~الدائرة الكاملة»، # 22 # وفي النهاية أعطى كبلر لنظرية كوبرنيقوس أسسها وحججها عن طريق هذا الفرض ~~الأهليلجي وقوانين حركة الكواكب التي توصل إليها. # فقد انتهت جهود كبلر الفلكية إلى أن الحركة اليومية والسنوية البادية للشمس والنجوم ~~والكواكب يمكن تفسيرها بأبسط صورة وبأعلى درجة تقريبية إذا افترضنا أن الأرض تدور حول ~~محورها مرة كل أربع وعشرين ساعة، وتوصل إلى قوانينه الثلاثة المشهورة التي أودعها كتابة ~~«الفلك الجديد»، وهي: ~~(1) # الأرض والكواكب تدور حول الشمس في مدارات إهليلجية، تقع الشمس في إحدى ~~بؤرتيها. ~~(2) # يقطع الخط الواصل بين الشمس والكوكب مساحات متساوية في فترات زمانية ~~متساوية. ~~(3) # نسبة مربع الزمان الدوري للكوكب إلى مكعب متوسط بعده عن الشمس واحدة ~~بالنسبة لجميع الكواكب. # ولم تكن جهود كبلر فلكية ms068 مصمتة، بل تطور مفهوم الطبيعة بأسره على يديه؛ لأنه كان قد ~~أخذ فكرة جيلبرت في المغناطيسية وعممها، فقال: إن كل الأجسام تمارس جذبا، وبهذا ~~المفتاح لظاهرة الجاذبية ألغى كلمة الكائن الحي # anima # في معالجة الطبيعة، وأحل محلها مصطلح القوة ~~المادية # vis # ذات الطاقة الميكانيكية، # 23 # وبهذا أنهى عهدا قديما طويلا تصور أن الطبيعة حية، وكانت نهاية التصور ~~الحيوي للطبيعة بدورها من البدايات الحاسمة للعلم الحديث، فتح بها كبلر الطريق أمام ~~التصور الحتمي الميكانيكي للكون، والذي هو مشروع أنجزه العلم الحديث بنجاح ساحق حقا، ~~سحق في طريقه أشياء كثيرة منها ميتافيزيقا حرية الإنسان وتفرده. # كما رأينا كان كبلر، على الرغم من إنجازه العظيم، مدفوعا بدوافع لا عقلانية، ثم جاء ~~جاليليو (1564-1642م) ليكون صورة مثالية للعقل العلمي الحديث الناضج تماما، القادر على ~~التوحيد بين اللغة الرياضية والوقائع التجريبية والفروض الجريئة تمثيلا للمنهج العلمي ~~الحديث. آمن بأن الرياضيات لغة العلم والواقع، وعبر عن هذا الإيمان بمقولته الشهيرة: ~~«كتاب الطبيعة المجيد مكتوب بلغة الرياضيات»، وهي الفكرة الفيثاغورية الأفلاطونية ~~القديمة، لكنها مع جاليليو أصبحت أساس علم ناضج بالطبيعة، كان مبدأ العلم عنده هو: لا ~~شيء قابل للمعرفة إلا ما هو قابل للقياس الكمي، ومن ثم قصر العلم على الدراسة الكمية ~~وألغى أي عنصر كيفي، وذلك عن طريق القسمة التي اصطنعها بين الخصائص الأولية والخصائص ~~الثانوية. الخصائص الأولية هي الكميات في الشكل والوزن والحجم والحركة، وهي لا سواها ~~موضوع العلم، أما الخصائص الثانوية فهي الكيفيات، أي الروائح والعطور والألوان ~~والأصوات، وهي ليست من العلم في شيء البتة، إنها خارجة عن مفهوم الطبيعة. ولحق بهذا ~~المصير مفهوم العقل، فبينما آمن الإغريق بأن العقل محايث في الطبيعة، أكد جاليليو أن ~~الطبيعة ليس فيها عقل، وهذا يعني أنها ليست من الكائن العضوي في شيء، بل هي آلة، ~~عملياتها وتغيراتها ليست بسبب علل نهائية أو غائية، بل فقط بسبب العلة الكافية المؤدية ~~لحدوث الحدث التالي لها. على هذا النحو اكتمل في ذهن جاليليو التصور الحتمي الميكانيكي ~~للكون المقترن بالعلم الحديث. ms069 # كان جاليليو قد توصل إلى المقراب «التلسكوب» وصنع لنفسه واحدا، وفي السابع من يناير ~~عام 1591م وجهه نحو المشتري فلاحظ أقمارا ثلاثة له، وفي الليلة التالية شاهدها أيضا، ~~لكن على الجانب الآخر من المشتري. ثم داوم رصده وكان أحيانا يرى قمرين وأحيانا أربعة، ~~فانتهى من هذا إلى أن أقمار المشتري تدور حوله كما يدور قمر الأرض حولها؛ إذ لو صح نظام ~~بطليموس لكان قد رأى أقمار المشتري تدور حول الأرض، لا حول المشتري، وتوصل أيضا إلى أن ~~الكواكب ليست أجساما مضيئة بذاتها، وأيضا إلى كشف هام هو أن كوكب الزهرة له أطوار ~~تماثل أطوار القمر؛ إذ يبدو أحيانا بدرا كاملا وأحيانا أخرى هلالا رفيعا، وبكل ~~هذا انتهى جاليليو إلى تدعيم النظام الكوبرنيقي بحيث فرض نفسه على الوسط العلمي، فكانت ~~جهوده في علم الفلك هي أساسا تعزيز النتائج المطروحة قبله. # أما الخطوة الحاسمة التي أضافها جاليليو لتمثل مرحلة جديدة في نسق العلم فهي في علم ~~الميكانيكا، فقد كانت المرحلة السابقة تحكم قوانين الحركة السماوية، ومع جاليليو بدأت ~~مرحلة تحكم قوانين الحركة على سطح الأرض. # بحث جاليليو ظاهرة سقوط الأجسام، وانتهى إلى أن الجسم يسقط بسرعة تتزايد بانقضاء ~~الزمن منذ أن بدأ يسقط، وهذا يعني أن الأجسام تسقط بعجلة، أي بتغير في السرعة # acceleration ~~، وهي عجلة ثابتة، أي تغير ثابت في السرعة، ~~والسرعة تساوي العجلة مضروبة في الزمن «س = ع ن»، وسرعة الأجسام التي تقذف إلى أعلى ~~عموديا تتناقص تبعا لنفس القانون، وتوصل أيضا إلى أن العجلة واحدة لكل الأجسام في ~~نفس المكان ومستقلة تماما عن الشكل أو الحجم أو الوزن أو المادة، باستثناء إمكانية ~~مقاومة الهواء لها. فالجسم ذو العجلة المنتظمة يتحرك بمسافة «ف» في فترة من الزمن «ن» ~~تساوي المسافة التي يتحركها خلال نفس الزمن لو أنه سار بمتوسط السرعة، ومن ذلك انتهى ~~إلى القانون «ف = نصف ع ن # 2 ~~»، وكان جاليليو قد حلل الحركة ~~إلى عنصرين منفصلين: الحركة الأفقية إلى الأمام والحركة الرأسية الساقطة ، وذلك على أساس ~~بحثه في ms070 حركة الجسم المتحرك على سطح مائل - أي المتدحرج، ومنه توصل إلى أن الأجسام ~~الساقطة على سطوح مائلة تخضع لنفس القانون «ف = نصف ع ن # 2 ~~»، ~~ثم استخدم هذا القانون لتحديد مسار القذيفة المدفعية، فحركتها تبرز هذين العنصرين؛ إذ ~~تندفع إلى الأمام ثم تسقط على الأرض، وتتميز بأن عنصر مقاومة الهواء لها ضعيف للغاية ~~بحيث يمكن إهماله، وبهذا المنظور انتزع جاليليو الميكانيكا من أسسها الثبوتية التي ~~أرساها أرسطو حين افترض أن كل جسم ثابت إلى أن تؤثر عليه قوة تجعله يتحرك، أما جاليليو ~~فقد أرساها على أسس كينماتيكية # Kinematical ~~، أي حركية ~~وتقتصر على الحركة فقط دون التعرض للقوة المحدثة لها. فالأفلاك والأجسام جميعها تتحرك ~~بذاتها، وكل تأثير القوى الخارجية عليها هو تغيير سرعتها أو اتجاهها؛ لأن فرض الجاذبية ~~النيوتني لم يتدخل بعد. ومن الناحية الأخرى كانت ميكانيكا جاليليو قائمة على أساس فكرة ~~القصور، فقد أدرك ببصيرته النافذة أن الجسم إذا أعطي سرعة في اتجاه معين، فإن السرعة ~~لا تتوقف من تلقاء نفسها أو تحتاج إلى تجديد مستمر، بل تبقى ثابتة ما لم يغيرها عامل ~~خارجي، لقد أنجز جاليليو إنجازا واسعا في نسق العلم الحديث بالقوانين التي وضعها ~~لتحكم سبل الحركة على سطح الأرض. # وأصبح الطريق ممهدا للخطوة الأخرى والحاسمة حقا في نسق العلم الحديث، على يد بطل ~~أبطاله بغير منازع إيزاك نيوتن # Issac Newton ~~(1642-1727م). في عام 1687م نشر في لندن كتابه العظيم «الأسس الرياضية للفلسفة ~~الطبيعية» ليحتوي على الإطار العام والهيكل المتكامل للفيزياء الكلاسيكية ولنسق العلم ~~الحديث بأسره، لا سيما قوانين الحركة التي اكتملت تماما مع نيوتن بعد أن استفاد من ~~جهود السابقين عليه ومنهم سلفه الأقل حظا وقدرات رياضية والذي يكبره بسبعة أعوام ~~روبرت هوك. # 24 # على أية حال بدأ نسق العلم وكأنه شارف الاكتمال حين وضع نيوتن الصياغات ~~الرياضية الدقيقة لقوانينه الثلاث للحركة، وهي: ~~(1) # كل جسم يظل على حاله سكونا أو حركة في خط مستقيم، ما لم يجبره مؤثر ~~خارجي على تغير حالته. وهذا هو قانون «القصور ~~الذاتي ms071 # Inertia ~~» (القصور الذاتي يعني أن الجسم قاصر بذاته عن ~~تغيير حالته، ولا بد من مؤثر خارجي هو «القوة»). ~~(2) # معدل التغير في العزم (كمية ~~التحرك # Momentum ~~) يتناسب مع القوة المؤثرة على الجسم، ويكون اتجاه ~~العزم نفس اتجاه القوة المؤثرة. ~~(3) # لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس في الاتجاه. # وبدا نيوتن وكأنه وصل بنسق العلم إلى الذروة حين وضع الصياغات الرياضية لأعظم فروضه ~~طرا وأكثرها عمومية وشمولية، والذي أحكم قبضة العقل على كل وأية حركة في هذا الكون؛ ~~أي فرض الجاذبية العام الذي ينص على أن كل جسمين بينهما قوة تجاذب تتناسب طرديا مع ~~كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. فوضع نيوتن لأول مرة في تاريخ البشرية نظرية ~~تحكم كل وأية حركة في هذا الكون، وأمكنه أن يضم المرحلتين السابقتين في نسق العلم، أي ~~الحركتين السماوية والأرضية في نسق فيزيائي متكامل. وبحكم عمومية الفيزياء وشموليتها ~~وتربعها على قمة العلوم الإخبارية أصبح هذا هو الإطار العام للعلم الحديث بأسره. لقد ~~أيقن الجميع أن نيوتن اكتشف حقيقة هذا الكون، وهو أنه قد قد على قد آلة ~~ميكانيكية ضخمة مغلقة على ذاتها، من مادة وطاقة «قوى» تسير تلقائيا بواسطة عللها ~~الداخلية وتبعا لقوانينها الخاصة في مسار صارم، تفضي كل مرحلة من مراحلها إلى المرحلة ~~التالية، أي يؤذن حاضرها بمستقبلها، ولم يبق إلا رتوش تفصيلية لتكتمل الصورة النهائية ~~لنسق العلم بالعالم. # وقد قدم فيلسوف العلم الإنجليزي تشارلي دنبر ~~برود # C. D. Broad ~~(1887-1971م) عرضا بديعا وسلسا لكيفية توصل مواطنه إيزاك ~~نيوتن إلى هذه القوانين، # 25 # فأشار إلى أن نيوتن قد بدأ عمله بمبادئ الديناميكا التي يمكن وصفها بأنها ~~تعميمات للنتائج التي توصل إليها جاليليو في بحثه للأجسام الساقطة والقذائف المجاورة ~~لسطح الأرض. وقد لاحظ نيوتن أن جاليليو تعامل مع الحركة تبعا لشروط خاصة مبسطة، من ~~قبيل أنها حدثت في مجال قوى من نوع واحد، وأن مجال القوة مطرد، والقوة نفسها من نوع ~~مخصص جدا بحيث لا تكشف عن الكتلة كمتميزة عن الوزن، فضلا عن ms072 أن جاليليو لم يأخذ في ~~اعتباره دوران الأرض حول محورها وحول الشمس، وبينما تعامل جاليليو مع الحركة وفقا لتلك ~~الشروط، كان إنجاز نيوتن العظيم هو صياغة فئة من المبادئ تنطبق على أية حركة مهما كانت، ~~وبصرف النظر عما إذا كان سببها الجاذبية أو الكهربية أو أي نوع آخر من القوة، فقط احتاج ~~نيوتن إلى توضيح أفكار معينة عن الزمان والمكان والحركة تركها جاليليو غامضة. فالجسم ~~الذي يتحرك في خط مستقيم من سطح الأرض يصف مسارا شديد التعقيد وبسرعات مختلفة، وكذلك ~~إذا أخذنا الشمس في الاعتبار، وإذا قيست استمرارية الحركة بمقدار الماء المتساقط ~~بانتظام من خزان مثلا سيبدو الجسم متحركا بسرعة ثابتة مطردة، أما إذا قيست استمرارية ~~الحركة ببندول ساعة فلن تبدو سرعة ذلك الجسم ثابتة مطردة، ومن العبث صياغة مبدأ القصور ~~عن استمرارية الجسم في حركته في خط مستقيم بسرعة مطردة ما لم يؤثر عليها مؤثر خارجي، ~~إذا لم نحدد معيارنا لاستقامة واطراد الحركة وثبات السرعة. وقد واجه نيوتن هذه الصعوبة ~~عن طريق التسليم بكيانين واتخاذهما مصادرة؛ وهما المكان المطلق والزمان المطلق، فصاغ ~~قانون القصور الذاتي في حدود الحركات التي تصف مسافات متساوية على طول خط مستقيم في ~~المكان المطلق خلال فترات متساوية من الزمان المطلق، فقام العلم على أساس مكين هو تحرك ~~الكتل في المكان والزمان المطلقين. # والتقدم المهم الآخر الذي أحرزه نيوتن هو تقديم مصطلح الكتلة وتمييزها عن الوزن. ~~الكتلة هي مقدار ما يحتويه الجسم من مادة، أما الوزن فهو مقدار جذب الأرض للجسم، ~~وتتناسب عجلة السرعة التي تحدثها القوة مع كتلة الجسم، بحيث يمكن قياس القوة بحاصل ~~النسبة بين كتلة الجسم والعجلة التي أحدثتها القوة عليه في اللحظة المعينة. وكل الأجسام ~~تسقط على الأرض بنفس العجلة - كما أوضح جاليليو، ويتبع ذلك أن قوة الجاذبية - أي الوزن ~~في أي مكان معين - تتعادل مع الكتلة، وتكفي هذه المفاهيم لصياغة الديناميكا، لكن ثمة ~~احتياج لمبدأ آخر هو ما صاغه نيوتن في القانون الثالث، فلنفترض أن الجسم أ يحدث قوة ~~على ms073 الجسم ب، يرى نيوتن أن هذا مجرد جانب واحد من العملية المتبادلة؛ لأن الجسم ب يجب ~~أن يمارس قوة على الجسم أ، واستنتج من هذا أن الأفعال # action # المتبادلة لمجموعة من الأجسام لا يمكن أن تغير حركة أو سكون ~~مركز جاذبيتهما. هكذا صاغ نيوتن المبادئ الكاملة التي تنطبق على كل الحركات. حقا أن ~~هذه الصياغة مستحيلة بدون جهود جاليليو السابقة، بيد أن هذا لا ينفي أنها من أعظم ~~إنجازات العقل البشري. وإذا نظرنا إلى صعوبة المهمة لن يدهشنا - كما يرى برود - أنها ~~تحتاج إلى تكامل عقلين عظيمين مثل: جاليليو ونيوتن. # ونستطيع الآن أن نفهم توصل نيوتن إلى قانون الجاذبية ~~العام # Gravity ~~(أو التثاقل في ترجمة أخرى للمصطلح)، فطالما أن الكواكب تدور ~~حول الشمس، والقمر يدور حول الأرض، وأقمار المشتري تدور حوله؛ فلا بد أن ثمة قوة في كل ~~حالة من هذه الحالات تؤثر دائما على تلك الأجسام المتحركة وتمنعها من الاستمرار في ~~طريقها بسرعة مطردة في خط مستقيم. إن قانون كبلر الثاني عن المساحات المتساوية في ~~الأزمنة المتساوية يمكن أن يكفي، لكن إذا - وفقط إذا - كانت القوة تؤثر على طول الخط ~~الذي يربط الجسم المتحرك بالجسم المركزي. فوجد نيوتن نفسه أمام ثلاثة تساؤلات ~~هي: ~~(أ) # هل القوة هي نفسها في كل حالة؟ ~~(ب) # وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تتغير القوى على المسافة بين الجسم المتحرك ~~والجسم المركزي؟ ~~(ج) # هل يمكن أن تكون هذه القوة السماوية هي نفسها قوة ما أخرى نعلمها على ~~كوكب الأرض؟ # تأتي الإجابة على السؤال الأول من أن أقمار المشتري تتبع قانون كبلر الثاني والثالث ~~في حركتها حول المشتري، تماما كما تتبعهما الكواكب في حركاتها حول الشمس، مما يعني أن ~~القوة هي ذاتها في الحالتين. أما بالنسبة للسؤال الثاني، فعلى الرغم من أن الكواكب تدور ~~في مدارات أهليليجية (أي بيضاوية) الشمس إحدى بؤرتيها، وليست في دائرة الشمس مركزها، ~~فقد يحدث أن تكون الأهليلجات قريبة جدا من الدوائر، وبالتالي البؤرة قريبة جدا من ~~أن تكون مركزية. وعلى الرغم ms074 من أن سرعة أي كوكب ليست مجرد مسألة نقاط، بل أجساما ضخمة ~~تتحرك، إلا أنه يمكن مقارنة أبعادها بأنصاف أقطارها، لدرجة تمكننا من التعامل معها ~~ببساطة على أنها نقاط كتل. وعلى هذا يمكن افتراض أن الشمس والكواكب جسيمات كتلية، وأن ~~كل كوكب يدور حول الشمس بسرعة ثابتة خاصة به تميزه. وبهذا الفرض المبسط يمكن إيضاح ~~الزمان الدوري للكوكب متصلا ببعده عن الشمس بالطريقة التي ينص عليها قانون كبلر ~~الثالث، إذا - وفقط إذا - كانت القوة التي تجذب كل كوكب إلى الشمس تتناسب طرديا مع ~~حاصل كتلتي الجسمين وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. # وكانت الخطوة التالية كالآتي: ألا يمكن أن تكون القوة التي تحفظ الكواكب في مداراتها ~~حول الشمس وتحفظ أقمار المشتري في مداراتها حوله، وقمر الأرض في مداره حول الأرض ... هي ~~ذاتها القوة التي نلم بها على سطح الأرض بوصفها الجاذبية «أو التثاقل»؟ أي السؤال «ج». ~~وقد عمل نيوتن على اختبار هذا الفرض، بالنظر إلى نتائجه فيما يتعلق بحالة القمر، فيحسب ~~جاذبية الأرض على أساس كتلتها ومربع نصف قطرها، ويحسب القوة التي تؤثر بها الأرض على ~~القمر على أساس الكتلة ومربع المسافة بينهما، فيستطيع بسهولة أن يحسب فترة دوران القمر ~~حول الأرض، على أساس الفرض التبسيطي بأنه يسير بسرعة مطردة وفي مدار دائري، فإذا اتفقت ~~الفترة المحسوبة لدوران القمر مع الفترة الفعلية سيصدق الفرض، ويمكن اعتبار القوة التي ~~تحفظ الأقمار والكواكب في مداراتها هي ذاتها القوة التي تجعل الأجسام تسقط على سطح ~~الأرض، أي الجاذبية. # وهذا ما فعله نيوتن وهو في الثالثة والعشرين من عمره عام 1666م بالمعطيات التي كانت ~~متاحة في ذلك الحين، وعلى أساسها حسب فترة دوران القمر، وكانت حوالي 23,3 يوما، لكن ~~الفترة الفعلية حوالي 27,3 يوما، على هذا فالفارق حوالي 16٪، رآه نيوتن فارقا كبيرا ~~واستنتج منه أن الفرض خاطئ، وطرح الفكرة تماما من ذهنه طوال الستة عشر عاما التالية. ~~وفي يونيو (حزيران) عام 1682م دارت في اجتماع الجمعية الملكية للعلوم مناقشة حول قياس ~~بيكارد Picard # لنصف قطر ms075 الأرض، انتبه نيوتن إلى أن ~~نصف القطر الحقيقي هو 3956 ميلا، وليس كما اتخذه في حساباته الماضية ، ومن ثم أعاد تلك ~~الحسابات فور عودته إلى كمبردج على أساس تصويب قيمة نصف قطر الأرض، فانتهى من حساباته ~~إلى أن القمر يتم دورته في سبعة وعشرين يوما، بفارق أكثر قليلا من 1٪، أي يمكن ~~إهماله، فيمكن إذن استصواب توحيد قوة الجاذبية السماوية والأرضية. # والآن على نيوتن أن يضع في اعتباره أن الأرض والشمس والكواكب ليست في الواقع نقاطا ~~رياضية، وأن الكواكب تدور في أهليلجات وليس في دوائر، وأن سرعة دوران الكوكب ليست ~~مطردة، ولمواجهة هذا المطلب نجح نيوتن في إثبات واحد من أجمل فروضه أو نظرياته، وينص ~~على معاملة الجسم الكروي كما لو كانت كل كتلته في مركزه، وجاذبيته على أية نقطة خارجة ~~عنه تحسب على هذا الأساس. وبهذا الفرض نجح نيوتن في إثبات أن الجسم المتحرك حول مركز ~~ينجذب نحوه تبعا لقانون التربيع العكسي الذي يعني أن الطاقة أو القوة تتناقص تبعا ~~لمربع البعد عن المصدر، وأن هذه صيغة تصف الحركة الإهليليجية حول المركز من حيث هو ~~بؤرة، وبهذا ثبتت قوانين كبلر، وثبت فرض الجاذبية العام، أعظم إنجازات العقل الفيزيائي ~~في تلك المرحلة، والذي ضم الأرض والسماء معا في خضوعهما لقانون واحد من آيات العلم ~~الحديث. # وقد استأنف نيوتن أبحاثه في الجاذبية، بأن عمل على تطبيق قوانينه لتفسير ظواهر معينة ~~راجعة إلى تأثير جاذبية الأجسام السماوية على الأرض، مثل ظاهرة المد والجزر، وطبقها ~~أيضا لتفسير الانحرافات الصغرى في حركة الكواكب خصوصا حركة القمر، والتي تعود إلى أن ~~كل جسم ينجذب إلى حد ما بواسطة كل الأجسام الأخرى في النظام الشمسي، هذا بالطبع بخلاف ~~إنجازات أخرى جمة لنيوتن، أبرزها اهتمامه بالبصريات النظرية والتجريبية، وعن طريق ~~منشوره الشهير حلل الضوء إلى أطيافه السبعة، وصنع أول مقراب «تلسكوب» عاكس يعالج الزيغ ~~الضوئي الناجم عن العدسات المستخدمة في المقاريب الأخرى. وقد فكر في هذا المقراب كثيرون ~~قبل نيوتن أبرزهم الفيلسوف الفرنسي ديكارت، والصورة البدائية التي صنعها ms076 نيوتن وأهداها ~~إلى الجمعية الملكية للعلوم قد تطورت مع الأيام، حتى وصلت في القرن العشرين إلى مقراب ~~عملاق تكلف ملايين الدولارات ووضع على جبل بالومار. ثم شهد هذا القرن المقاريب ~~الإلكترونية التي تضاعفت قدراتها بصورة مبهرة، كالمقاريب الفلكية المحمولة على أقمار ~~صناعية تدور في مدارات حول الأرض كمقراب هابل ومقراب شاندرا، وهذا الأخير بدأ إطلاقه في ~~التاسع والعشرين من يوليو عام 1999م، في ذكرى مرور ثلاثين عاما على هبوط الإنسان (نيل ~~أرمسترونج) على سطح القمر. # على أن الإنجاز النيوتني الذي قام في نسقية العلم الحديث بدور يقارن بدور فرض ~~الجاذبية، بل يفوقه، إنما يكمن في الجهاز الرياضي المهيب اللازم للقوانين الفيزيائية، ~~وقد أحرز كمالا يحتذى على يد نيوتن. كان ديكارت قد ابتكر الهندسة التحليلية لاستخدام ~~الجبر في حل المشاكل الهندسية، كوسيلة لحساب الكميات في رسوم جاليليو التخطيطية لحركة ~~الأجسام. وقد اهتم نيوتن بكلا الجانبين ليكسبهما دقة أعظم، ومثلما ساهم في تطوير ~~ميكانيكا جاليليو، ساهم أيضا في تطوير الهندسة التحليلية، وفروع أخرى من الرياضيات. ~~ويتقدم إنجازه الأعظم وهو اختراع أداة رياضية فعالة احتاجتها أفكاره الفيزيائية ~~اللامعة، إنها حساب التفاضل والتكامل، وإن لم يعطه هذا الاسم، بل أسماه طريقة الدفق # Fluxional Method ~~. # 26 # فلكي يحسب نيوتن قوة الجاذبية المبذولة من جسم كروي صلب على نقطة خارجة، كان عليه أن ~~ينظر إلى الجسم الكروي وكأنه مؤلف من عدد كبير جدا من جسيمات لا متناهية الصغر لدرجة ~~أن كلا منها يمكن معاملته بصورة تقريبية كما لو كان مجرد نقطة، وهي تؤلف معا قوى جذب ~~صغيرة جدا يبذلها كل من الجسيمات اللامتناهية الصغر على النقطة الخارجية محل البحث، ~~ولكي يعين نيوتن الحد الذي يمكن أن تقترب منه محصلة القوة كان عليه أن يجعل الجسيمات ~~أصغر وأصغر، وعددها أكبر وأكبر، وهذا ما يجب تسميته بمشكلة التكامل. ولننظر الآن إلى ~~مشكلة تعيين مسار جسم انطلق من مدفع بسرعة مبدئية معينة، ثم ترك بعد ذلك ليتحرك تحت ~~تأثير مركز جاذبية، لنلاحظ أن المبادئ الديناميكية المطلوبة هي تماما تلك ms077 التي ~~استعملها جاليليو في تعامله مع مسار قذيفة المدفع. غير أن المشكلة الآن أكثر تعقيدا، ~~فمع جاليليو كانت القوة المؤثرة على القذيفة ثابتة في المقدار وفي الاتجاه خلال العملية ~~كلها، أما مع نيوتن، فإن القوة تتغير باستمرار في المقدار، بسبب دخول فرض الجاذبية؛ ~~لذلك كان عليه أن يتعامل مع سرعات تختلف من لحظة إلى أخرى، والحق - كما يقول برود - ~~أننا نطلب في كل مشكلة ديناميكية مفهومي السرعة اللحظية والعجلة اللحظية. وواضح أن هذه ~~المشكلة في غاية الصعوبة والتعقيد، وإذا حصرنا أنفسنا تماما في لحظة منفردة، فإن ~~الجسيم لا يتحرك على الإطلاق، وإذا أخذنا تاريخ الجسيم خلال أية فترة زمنية مهما كانت ~~قصيرة، فليس ثمة اتجاه واحد معين ومقدار واحد معين يمكن أن نعزوه لسرعة هذا الجسم ... مثل ~~هذه المفاهيم وقوانينها هي ما عرفه نيوتن وحدده في نظريته عن التفاضل أو حساب ~~اللامتناهي في الصغر أو بمصطلحه طريقة الدفق. بالطبع كان ثمة جهود في هذا العلم من ~~قبله، لكنها مشتتة ومبعثرة، ونيوتن هو الذي جمعها في نسق موحد على صورة علم رياضي دقيق ~~هو حساب التفاضل والتكامل، ربما ينازعه في هذا الشرف معاصره الفيلسوف الألماني ~~جوتفريد فيلهلم ليبنتز # Leibniz, W. G. ~~(1646-1716م)، وبلا جدال كان في يد نيوتن منهاجا عاما يمكن بواسطته حساب معدلات ~~التغير في السرعة، ولم يكن العلماء من قبل يعرفون أن مشكلة تعيينها عكس مشكلة التفاضل، ~~نيوتن هو الذي أدرك كل هذا ورسم السبل الدقيقة للخوض في غماره. # والآن يبدو أمامنا بوضوح مدى الاتحاد الكامل، أو بالأحرى المتكامل، بين الفيزياء ولغة ~~الرياضيات، وكانت المعادلات التفاضلية هي التي حسمت القول في انسحاب الضرورة الرياضية ~~إلى حتمية فيزيقية أو علمية. # كان القرن السابع عشر الذي شهد في بدايته بيكون وفي نهايته نيوتن، عصر ازدهار وتوقد ~~العبقرية الإنجليزية، تواترت عبره إسهامات الإنجليز لتشييد النظام الديمقراطي للحكم ~~وتشييد نسق العلم الحديث. وبالطبع يتربع نيوتن على القمة، تركزت جهود الفيزيائيين بعده ~~على تأكيد وتأمين وإكمال نسقه. خفت حدة الإبداع في القرن الثامن عشر، ms078 والخطوات الهامة ~~التي تمت فيه لم تكن إنجليزية، انتقلت ساحة الإنجازات العلمية اللافتة إلى القارة ~~الأوروبية، حتى حساب التفاضل والتكامل توقف في إنجلترا، بينما عمل علماء أوروبا على ~~تطويره ودفعه للأمام. # ربما يستوقفنا سيمون بيير دو لابلاس # S. P. De Laplac # الملقب بنيوتن فرنسا بسبب أعماله الهامة في كتابه «حركة الأفلاك السماوية»، فضلا عن ~~تأسيسه حساب الاحتمال بكتابيه «مقال فلسفي في الاحتمال»، و«النظرية التحليلية ~~للاحتمال». # تعرض لابلاس لمشكلة ضخمة هي الرجوع في حركة الكواكب، أي إنها لا تتحرك بشكل منتظم ~~تماما. وقد أشار تلميذ نيوتن النجيب إدموند ~~هالي # E. Hally ~~(1656-1742م) إلى أن المشتري وزحل خلال حوالي تسعمائة عام يتأخر ~~أحدهما عن الآخر، ثم يعود فيسبقه، كأن بينهما سباقا يحتلان فيه أماكن غير الأماكن ~~المنتظرة، وقد أحس نيوتن نفسه بالقلق من هذه الظاهرة؛ مخافة أن يصطدم الكوكبان ببعضهما ~~في وقت ما، مما يؤدي إلى انهيار الكون. لم يتوصل العلماء إلى حل جذري لمشكلة سلوك ثلاثة ~~أجسام تتجاذب فيما بينها حسب قانون التربيع العكسي. غير أن هذا لم يمنع لابلاس من ~~معالجة موضوع أعقد هو تجاذب كافة الكواكب فيما بينها وبين الشمس، وفي هذه المعالجة أوضح ~~أن الرجوع في حركتي المشتري وزحل لا يتراكم، بل يعود فيصحح نفسه تدريجيا. وفي هذا ~~تأمين معقول لمستقبل الكون، وكأن نظرية لابلاس جاءت كحصن أمان لحسن سير آلة الكون ~~النجومية، أما التخبط وعدم النظام المشاهد فهو شيء ثانوي يصحح نفسه تلقائيا، فكتب ~~لابلاس يقول: # إن الحركة غير المنتظمة لهذين الكوكبين كانت تبدو أول الأمر، ولا تفسير لها ~~من وجهة نظر قانون الجاذبية العام، أما الآن فإن هذه الحركة ذاتها تعتبر أحد ~~الأدلة الرائعة على سلامته، هذه صورة مميزة للنظام الحق للطبيعة. إن كل صعوبة ~~تبرز أمام هذا الكشف الرائع تعود فتصبح دعامة من الدعامات القوية التي تبرهن عليه. # 27 # ومن أمثال هذه الصعوبات التي عارضت نظرية نيوتن في البداية ثم عادت لتثبتها انحرافات ~~في مسار كوكب أورانوس، فتقدم جون آدامز من إنجلترا وأوربان لوفرييه من ms079 فرنسا بافتراض عن ~~وجود كوكب وراء أورانوس يؤثر على حركته الخاضعة لقانون الجاذبية. وفي عام 1846م اكتشف ~~الفلكي الألماني جاله بمقرابه هذا الكوكب وهو نبتون؛ ليكون تأكيدا قويا على صحة ~~النسق النيوتوني؛ لهذا لا نلوم علماء ذلك العصر؛ إذ استقر في روعهم أن نيوتن اكتشف ~~حقيقة هذا الكون، وصاغها صياغات رياضية دقيقة، فكان نسق الفيزياء الرياضية إطارا لمجمل ~~نسق العلم بهذا العالم. # وكان من الطبيعي أن تندرج سائر علوم المادة كالكهربية والمغناطيسية وغيرها في هذا ~~النسق، وتهدف جميعها إلى وضع قوانين تضاهي قوانين نيوتن في دقتها الرياضية الفائقة ~~ونجاحها وصدقها الذي بدا يقينيا، وتواترت جهود العلماء لتنعش هذا الأمل. كان ~~تورتيشللي في إيطاليا قد أثبت أن للهواء ضغطا يقل بازدياد الارتفاع ويمكن إخضاعه ~~للتكميم الدقيق. ووضع بويل القانون الرياضي الخاص بالعلاقة العكسية بين ضغط الغاز ~~وحجمه. وأظهر دالتون الأساس الفيزيقي في سلوك العناصر الكيميائية، بينما أظهر همفري ~~دافي أساسه الكهربي. أما فاراداي فقد أوجد الرابطة بين الحركة الآلية وحدوث التيار ~~الكهربي، ثم استطاع جيمس كلارك ماكسويل توحيد الظواهر الكهربية والمغناطيسية والضوء في ~~معادلات تفاضلية من أعظم إنجازات العقل الفيزيائي، أثبتت أن جميع صور الطاقة متطابقة ~~أصلا. # وقد يبدو الطريق ميسرا معبدا أمام الكيمياء، قرينة الفيزياء وأقرب العلوم الإخبارية ~~إليها، فضلا عن أنها أعرق المناشط التجريبية للإنسان، فرضت عليه تعامل فرنسيس بيكون ~~الحي مع المادة واستجوابها، والإنصات لشهادة الحواس بشأنها واستقراء متغيراتها، منذ أن ~~كان لزاما عليه في العهود السحيقة تدبير احتياجاته العملية من قبيل الفخار والزجاج ~~والأصباغ وتقطير الخمور والعطور والأشكال البدائية للعقاقير والأدوية. كانت هذه ~~البدايات الخام تجريبية، لكنها حرف عملية تفتقر إلى الأساس النظري، ثم اقتربت الكيمياء ~~من الإطار النظري والمنظومة المعرفية - المهوشة طبعا - منذ أن استبد بالإنسان القديم ~~الحلم الجامح بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب بغية الثراء السريع. وفي سياق الجهد ~~المشبوب والفاشل لتحقيق هذا الحلم تخلف رصيد هائل من المعارف بشأن طبائع المواد ~~وتحولاتها، طبعا مشتت ومبعثر، لكنه منطلق كيمياء جابر بن حيان، وبالتالي السلف ~~التاريخي ms080 للكيمياء الحديثة التي خرجت من أعطاف العلم المعني بتحويل المعادن إلى ذهب ~~واكتشاف إكسير الحياة الذي يشفي من كل الأمراض - أي علم الخيمياء أو السيمياء # Alchemy ~~، مثلما خرج الفلك الرياضي الرائع من أعطاف ~~علم التنجيم الذي يستكشف طوالع البشر وحظوظهم عن طريق البروج السماوية وحركات الكواكب! ~~وسبحانه يخرج الحي من الميت. # التراث الطويل العريض للكيمياء - أو السيمياء - جعل عالمها ملبدا بكم هائل من ~~الخرافات والتهاويم والتصورات الخزعبلية، عرقلت طريق الكيمياء للحاق بركب العلم الحديث، ~~أبرز هذه الأفكار الخزعبلية التي هيمنت على الكيمياء في عصر العلم الحديث فكرة ~~الفلوجستون Phlogiston ~~، وهي كلمة إغريقية تعني ~~النار أو الشعلة أو الاحتراق. والفلوجستون شيء مشترك بين كل العمليات الكيميائية من ~~احتراق وتكلس واستخلاص الفلزات من خاماتها، ومقدار الفلوجستون في بعض الأجسام قليل وفي ~~بعضها كثير، وهذه الأخيرة سريعة الاشتعال، وقد تكون النار نفسها مظهرا من مظاهره تعمل ~~معه أو على أساسه. قال بهذه النظرية الألمانيان يوشيم ~~يوهان بيشر # J. J. Becher ~~(1635-1682م) وتلميذه إرنست جورج شتال # E. G. Stahl # وحتى العقد الثامن من القرن الثامن عشر كان ~~الفلوجستون أساس الكيمياء التي تدرس بالجامعات، # 28 # مانعا إياها من التكميم الرياضي والامتثال للمثل التي تمكنها من اللحاق ~~بفيزياء نيوتن، حتى جاء أبو الكيمياء الحديثة أنطوان ~~لوران لافوازييه # Lavoisier ~~(1743-1794م) فأثبتت له التجارب أن الكبريت والفوسفور ~~إذا احترقا لا يقل وزنهما؛ لأن الفلوجستون خرج منهما، بل يزيد لأن مقدارا ضخما من ~~الهواء يثبت أثناء الاحتراق. وانتهى - قبل أن تطيح الثورة الفرنسية برأسه؛ لأنه من جباة ~~ضرائب الملك - إلى أن هذا يحدث في كل حالة تزيد وزنا عندما تتكلس أو تحترق. واكتشف ~~العالم الإنجليزي بريستلي Priestely ~~(1733-1804م) أن ~~الغاز الذي تمتصه المعادن في هذه الحالات هو الأكسجين فانتهى لافوازييه إلى التركيب ~~الصحيح للهواء، وطرد الكيميائيون الفلوجستون إلى غير رجعة. وكان جوزيف بلاك قد اخترع في ~~عام 1754م التحليل الكيميائي الكمي وتوالت الإنجازات المشابهة، فانفتح الطريق أمام ~~الكيمياء فوصلت إلى قوانين رياضية دقيقة تعلو وتعلو، تضاهي قوانين نيوتن وتتكامل ms081 معها ~~في تشييد نسق العلم الحديث. # وكانت علوم الحياة بدورها قد نالت نصيبها من الانتصارات المتوالية في هذا المعمعان ~~الظافر، وأحرزت إنجازاتها الملموسة، منذ أن ظهر كتاب أندريه فيساليوس عن تركيب الجسم ~~البشري في نفس العام الذي ظهر فيه كتاب كوبرنيقوس «دوران الكرات السماوية»، عام 1543م، ~~كان فيساليوس آنذاك لم يبلغ بعد عامه الثلاثين، ولكنه بثقة وجرأة يلفت الانتباه إلى ~~أخطاء جالينوس الذي هيمن على الطب ألف عام، فكأن فيساليوس يعلن الثورة على الطب القديم ~~ويشق طريقا جديدا لعلوم الطب الحديثة يؤكد فيها على التجريب، أو بتعبيره «وضع اليد في ~~قلب العمل». أجرى بنفسه الكثير من عمليات التشريح وصنف مادته ببراعة وعني بتزويدها ~~بالرسوم التوضيحية البديعة والدقيقة. كان فيساليوس بلجيكيا، درس الطب في فرنسا، ~~وعين أستاذا له في جامعة بادوا بإيطاليا عام 1537م. خلفه في منصبه فابريزي # Fabrizzi # فواصل التشريح على الأسس التي أرساها ~~فيساليوس، وحينما نشر فابريزي عمله عن صمامات الأوردة، كان وليم هارفي قد وصل من ~~إنجلترا لدراسة الطب في بادوا، تلقف هذه المشكلة ليخرج بكشفه للدورة الدموية، التي كانت ~~إيذانا ببدء تملك العلم لناصية الجسم الحي. في ذلك الوقت، كان النمساوي باراسيلسوس Paracelsus ~~(1493-1541م) الذي عين أستاذا للطب ~~في جامعة بازل بسويسرا عام 1526م، يساهم هو الآخر في ثورة الطب الحديث، جمع المصنفات ~~الطبية القديمة وأشعل فيها النار أمام طلبته في قاعة الدرس! ليعلمهم تجاهل الكتب ~~القديمة والتعامل مع الطبيعة مباشرة. وعلى الرغم من طبعه المتبجح الشرس، ساهم في تحرير ~~الطب من السحر والسيمياء والتقاليد العتيقة، وعمل على تأسيس طب حديث قائم على كيماويات ~~من مصدر معدني كالزئبق والأنتيمون، و«كمحصلة لتأثير باراسيلسوس إلى حد بعيد، ارتفع الطب ~~الكيميائي إلى موقع السيطرة على مجريات الطب في القرن السابع عشر». # 29 # ومنذ ذلك الحين فصاعدا والتعاون بين الطب والكيمياء يجري على قدم وساق، ~~ولعله بلغ ذروة من ذراه مع عالم الكيمياء ذي التأثير الثوري على الطب لوي باستير # L. Pasteur ~~(1822-1895م)، خصوصا بكشوفه في نشاط ~~الميكروبات والبكتريا، التي كان ms082 العلم الحديث قد اكتشف عالمها منذ أن توصل أنطون ليفنهوك # A. Leeuvenhoek ~~(1632-1723م) إلى المجهر ~~«الميكروسكوب»، وفي هذه الحقبة التي تمثل مرحلة العلم الحديث، أي منذ القرن السادس عشر ~~حتى نهاية القرن التاسع عشر، توالت إنجازات الفروع المختلفة لعلوم الحياة، كوظائف ~~الأعضاء «الفيزيولوجيا» والحيوان والنبات والحشرات والبكتريا والكائنات البحرية ... إلخ، ~~فضلا عن علم الحياة العام أي تاريخ الحياة على سطح الأرض. # أجل شهدت نهايات القرن العشرين أسسا وصياغات رياضية لنظريات وفروض حيوية، خصوصا في ~~مجالات البيوفيزياء «الفيزياء الحيوية» والهندسة الوراثية وما إليها، فضلا عن دور ~~الإحصاء وحساب الاحتمال في المجالات الحيوية، أي حدث الآن تلاق وتعاون بين الرياضيات ~~وبعض فروع العلوم الحيوية، أما في مرحلة العلم الحديث، بل وحتى منتصف القرن العشرين، ~~فنجد أن طبيعة الظواهر الحيوية ومستوى التقدم المحرز حال دون الصياغات الرياضية ~~للنظريات البيولوجية، ولم تستطع العلوم الحيوية بلوغ التكميم الدقيق الذي بلغته العلوم ~~الفيزيوكيماوية، وما زالت بعض علوم الحياة الوصفية لا علاقة لها بالرياضيات. # ومع هذا اندرجت علوم الحياة في نسق العلم الحديث، وتكاملت مع العلوم الفيزيوكيماوية ~~في تشييده، وهذا بفضل امتثالها للنموذج الذي هيمن على حركة العلم الحديث، حتى اصطنعته ~~تماما وأكدته نظرية نيوتن، وفرضته كإطار للعلم وللعالم، أي النموذج الآلي الميكانيكي ~~الحتمي. # وقد كانت الميكانيكية بشكل ما عقيدة وإطار عمل فيساليوس وفابريزي وهارفي وقرنائهم ~~رواد العلوم الحيوية، نظروا إلى الجسم الحي نظرة ميكانيكية، أي بوصفه آلة ميكانيكية، ~~تنامت حتى أصبحت مشتقة من النظرة الفيزيائية؛ لترتد كل ظواهر الحياة في النهاية إلى ~~مبدأي الفيزياء: المادة والحركة، ويمكن تفسير كل ظواهر الحياة بما فيها الإحساس والوعي ~~والتفكير على هذا الأساس، إذن فما أيسر أن تندرج العلوم الحيوية مع العلوم ~~الفيزيوكيماوية الأكثر منها عمومية، في نسق العلم الحديث ليبلغ كماله وشموليته، وتبلغ ~~العلوم الحيوية بدورها المنزلة العلمية بعد أن أصبح العلم عنوان النجاح المعرفي وطريقه ~~الوحيد. # وكشأن الفلوجستون، نجد مقولتين حلقتا في أجواء العلوم الحيوية، وكان التخلص منهما ~~يعني الامتثال الكامل لمثاليات النسق العلمي والانخراط تماما في صفوفه؛ ms083 لأنهما ناوأتا ~~التفسير الميكانيكي، ألا وهما: # افتراض القوى الحيوية في الأجسام العضوية. # افتراض الغائية في الكائنات الحية بسبب ما بدا فيها من تكيف طبيعي يوحي ~~بأنها تهدف قبلا إلى تحقيق غاية مقصودة. # أما افتراض القوى الحيوية، فيعني أن الكائن الحي مزود «بقوة حيوية» تنظم المظاهر ~~الحيوية فيه وأداءه المتكامل لوظائف الحياة، وتحرره من المؤثرات الفيزيوكيماوية، مما ~~يبرر - مثلا - احتفاظ الكائن الحي بدرجة حرارته ثابتة في البيئة الباردة والبيئة ~~الحارة على السواء. وهذا يعني انقطاعا بين الظواهر البيولوجية والظواهر الفيزيوكيماوية ~~وأن قوانين الأولى تختلف في طبيعتها عن قوانين الثانية، مما يعني اختلاف منهج العلوم ~~البيولوجية عن منهج العلوم الفيزيوكيماوية؛ ليكون أقرب شبها بمنهج التاريخ، على أساس ~~أن العنصر الزماني «العمر» له أهمية جوهرية في الجانبين، بخلاف الفيزيوكيمياء التي لا ~~تأبه بماضي مادة بحثها، وتمسك أنصار القوى الحيوية بأن منهج الاستبطان الذاتي - أي تأمل ~~الذات لما يحدث داخلها أو في باطنها - يمكن أن يفيدنا في إدراك القوى الحيوية، مما يوضح ~~كيف تتسع الشقة بينهم وبين طريق العلم الحديث. # 30 # ويعد جورج كوفييه # G. Cauvier ~~(1769-1832م) من أبرز أنصار فرض القوى الحيوية، هاجم الفيزيولوجي «علم وظائف الأعضاء» ~~ورآه عبثا لا يجدي! لأن فصل العضو عن الجسم وعن إطار عمل القوة الحيوية يعني إفساد ~~طبيعته وإرجاعه إلى نظام المادة الميتة، وبدا له أن الأهم من وظيفة العضو وفائدته أن ~~نعرف شكله وتكوينه، من هنا كان كوفييه من مؤسسي علم التشريح المقارن. # كثيرون من علماء الحياة رفضوا مفهوم القوى الحيوية، لكن أبا الفيزيولوجي الحديث ~~كلود برنار # C. Bernard ~~(1813-1878م) هو الذي أطاح ~~تماما بمفهوم القوى الحيوية، حين وضع بدلا منه مفهوم البيئة الداخلية # Inner Environment # ليفسر قيام الجسم العضوي ~~بوظائفه كوحدة منسجمة، ولا يزال هذا المفهوم من أسس الفيزيولوجي الحديث، وكما أوضح ~~برنار، الجهاز الوقائي - أو جهاز المناعة بمصطلحات القرن العشرين - في البيئة الداخلية ~~العضوية الباطنة الخاصة بالإنسان والحيوانات ذوات الدم الحار، هو الذي يجعلها تبدي ~~شيئا من الاستقلال عن ظروف البيئة الخارجية وعواملها من ms084 ماء وحرارة وهواء وضغط، وظواهر ~~الحياة تنشط أو تفتر تبعا لهذه العوامل، لكن الحيوانات الدنيا لا تملك استقلالا ~~حقيقيا عن البيئة الخارجية، وعلى أساس مفهوم البيئة الداخلية أكد برنار أن «الكائن ~~الحي مجرد آلة مبنية بصورة ما من شأنها أن توجد اتصالا بين البيئتين الداخلية والخارجية»، # 31 # وأننا نستطيع أن نحلل الآلة الحية كما نحلل آلة جامدة لكل جزء من أجزائها ~~دوره في الإطار المتكامل، أي إننا لن نعرف خواص المادة الحية إلا بنسبتها لخواص المادة ~~الجامدة، فوجب أن تكون العلوم الفيزيوكيماوية الأساس الضروري لعلوم الحياة، هكذا ~~استكملت علوم الطب والأمراض علميتها واندرجت في نسق العلم الحديث. # أما الغائية في علم البيولوجيا العام، الذي يدرس ظاهرة الحياة على سطح الأرض، فقد ~~أطاحت بها نظرية التطور لتشارلز دارون # Ch. Darwin ~~(1809-1882م) حين وضعت تفسيرا آليا عليا لنشأة الكائنات الحية وتطورها وبقائها ~~واندثارها، ووضعت تصنيفا لها تبعا لدرجة التعقيد بحيث تبدأ من الأميبا ذات الخلية ~~الواحدة ثم تنتقل من النوع إلى النوع الأقرب إليه شبها، تشريحيا وفيزيولوجيا، حتى ~~ننتهي إلى تسلسل أو ترتيب منظم يقف الإنسان على قمته، تشكل عبر ملايين السنوات، عن طريق ~~آلية التكيف مع البيئة والصراع من أجل الحياة ليكون البقاء للأصلح، وهذا من شأنه أن ~~يغلق جميع أشكال الحياة في دائرة من التسلسل العلي، يفضي ماضيها إلى حاضرها عن طريق ~~عوامل آلية أولا وأخيرا، لا غائية، كما تقضي نواميس نسق العلم الحديث. # فرض التطور طرحه كثيرون قبل دارون، أبرزهم الطائفة الإسماعيلية «الموسوعية» المعروفة ~~باسم «إخوان الصفاء وخلان الوفاء» في العهد الذهبي للحضارة الإسلامية، وأيضا جد دارون، ~~الطبيب إرازموس دارون (1731-1802م) ذو الاهتمامات والإنجازات العلمية، خصوصا في مجال ~~الأرصاد الجوية، كتب قصيدة بعنوان «معبد الطبيعة» ترسم صورة لتطور الإنسان عن بقع ~~مجهرية تشكلت في البحار في العهود السحيقة، هذا بخلاف معاصر تشارلز دارون جان لامارك # J. Lamarck ~~(1744-1829م) الفرنسي الذي وصل من ~~أبحاثه التجريبية بصورة مستقلة إلى نتائج متشابهة. وعلى أية حال، فإن دارون قد أتى بكم ~~هائل من ms085 الشواهد التجريبية والأسانيد النظرية لفرض التطور، بحيث إن نظريته «هي النظرية ~~الوحيدة في ميدانها - وحتى الآن - التي تنسجم مع الفيزياء، بل هي قائمة عليها بلا ~~تحفظات ولا إضافات، إنها تضمن آخر الأمر، ما نسميه بالانسجام الإبستمولوجي لعلم ~~الحياة، وتهب هذا الأخير مكانة بين علوم الطبيعة الموضوعية» # 32 # في نسق العلم الحديث، وأمامنا الآن ثلاث حجج لهذا: ~~(1) # ظاهرة الحياة على الأرض، كانت في وقت ما مستحيلة، وذلك في العصور الغابرة ~~حين كانت الحرارة مرتفعة والقشرة لم تبرد بعد ... إلخ ، إذا فلا بد أن الحياة ~~قد تشكلت عن المادة اللاعضوية. ~~(2) # التقدم الفعلي للعلوم البيولوجية عبر الخطوط الفيزيوكيماوية يبرز صحة هذا ~~التفسير. ~~(3) # أي نمط آخر من التفسير سيكون خارج نطاق العلم الطبيعي. # 33 # هكذا استوعب نسق العلم الحديث - بمثالياته الصارمة - سائر علوم الحياة. # ولم تبق إلا الدراسات الإنسانية لتجتهد هي الأخرى في سعيها نحو اقتفاء مثاليات نسق ~~العلم الحديث ومبادئه، عساها أن تندرج فيه وتنال نصيبها من نجاحه المطرد المتوالي. وهذا ~~الموقف بمبرراته ودوافعه وطموحاته، يجمله الفيلسوف الإنجليزي المعني بإشكاليات الدراسات ~~الإنسانية، أشعيا برلين (1909-1998م) يجمله على النحو التالي: # والآن إذا كان نيوتن قادرا من حيث المبدأ على تفسير كل حركة وكل مكون من ~~مكونات الطبيعة الفيزيقية في حدود عدد صغير من القوانين ذات العمومية المطلقة، ~~إلا أنه يناقض العقل الافتراض القائل: إن استخدام مناهج مماثلة لنفسر الأحداث ~~والوقائع الاجتماعية والسيكولوجية؟! صحيح أننا نعرف عنها أقل كثيرا مما نعرفه ~~عن الوقائع الفيزيوكيماوية، ولكن هل ثمة اعتراض من حيث المبدأ على أننا يمكن أن ~~نكتشف يوما ما قوانين قادرة على أن تعطينا تنبؤات في نفس دقة تنبؤات العلم ~~الطبيعي؟ إذا لا بد من العمل على كشف هذه القوانين بواسطة بحوث في الإنسان على ~~قدر كاف من الحذر والخيال. # 34 # وكان هذا هو معتقد العقلانيين والتنويريين في القرن الثامن عشر، هولباخ ودولامبير ~~ولامتري وكوندرسيه، إنهم أكدوا إمكانية الرياضة الإنسانية والفيزياء الاجتماعية ~~وفيزيولوجيا كل شعور أو اتجاه أو نزوع، في نفس دقة وجدوى أصولها في العلوم ms086 الطبيعية، ~~وأن الميتافيزيقيين ضحية الوهم والخداع، فلا شيء في الطبيعة غائي، وكل شيء خاضع للقياس ~~والتكميم، وفي الإجابة على الأسئلة التي تؤرقنا سيشرق علينا الفجر بنور العلم، # 35 # بل إن أصحاب الدراسات الإنسانية خصوصا النفس والاجتماع، نازعهم الحلم ~~الطوباوي بالظفر بمنزلة تساوي منزلة الفيزياء، بمناهجها الرياضية وتطبيقاتها القوية، ~~وربما الظفر بمنزلة تفوق الفيزياء؛ وذلك عن طريق إعادة تشكيل البشر والمجتمعات. # 36 # كان هذا هو الحلم الذي أينع طوال القرن الثامن عشر، حتى عرف كيف يتلمس طريقه إلى أرض ~~الواقع خلال القرن التاسع عشر . وأبرز من أسهموا في إنجاز هذا الفرنسي أوجست كونت # A. Comte ~~(1798-1857م)، رأى نسق العلم يستوعب ~~الظواهر الكونية جميعا ما عدا الإنسان، فبدا له العلم بالمجتمع ضروريا لكي يكتمل ~~النسق العلمي، كان تلميذا للواحديين الماديين والتنويريين كوندرسيه وسان سيمون، فبدأ ~~من قضيتهم القائلة: إن الإنسان ليس فريدا ولا يحتاج لمعالجة فريدة، بل هو قاطن في ~~مملكة الحيوان والنبات، يخضع مثلها لقوانين عامة، حين نكتشفها ستقودنا إلى الهناء ~~والتجانس، ومن أجل كشفها دعا كونت إلى إنشاء الفيزياء الاجتماعية التي تدرس المجتمع ~~بمنهج العلم الحديث، فتقتصر على تفسير الظواهر بفضل ما بينها من علاقات ثابتة لتماثلها ~~وتعاقبها، إنها الطريقة الوضعية، لا اللاهوتية ولا الميتافيزيقية، طريقة العصر الحديث ~~الوضعي، إن الفيزياء الاجتماعية تدرس الظواهر الاجتماعية، تماما كما تدرس العلوم ~~الأخرى الظواهر الفلكية أو الفيزيائية أو الكيميائية أو البيولوجية. وقسم كونت ~~الفيزياء الاجتماعية إلى قسمين، هما: الديناميكيا الاجتماعية التي تدرس المجتمعات في ~~حركيتها وتقدمها، والاستاتيكا الاجتماعية التي تدرس المجتمعات في حالة ثباتها ~~واستقرارها خلال مرحلة معينة من تاريخها. ولنلاحظ أننا إزاء حدود الميكانيكا والفيزياء ~~الرياضية، وكونت بطبيعة الحال يقر أن الرياضيات على رأس نسق العلم وأنها النموذج الأمثل ~~الذي ينبغي أن تحتذيه كل دراسة لكي تصير علما. لكن كونت اعترف فيما بعد بأن الظواهر ~~الاجتماعية أكثر تعقيدا؛ لذلك فإن تطبيق المنهج الرياضي في دراستها سيكون محدودا - في ~~الوقت الراهن على الأقل، وقد يعطي فقط مظهرا أو وهما علميا، ولن يصل بالاجتماع ms087 إلى ~~قوانين دقيقة وحتمية؛ لذلك نبذ كونت مصطلح «فيزياء اجتماعية» واستقر على مصطلح علم ~~الاجتماع (سوسيولوجي # Sociology ~~). وجاء من بعده ~~إميل دوركايم # E. Durkheim ~~(1858-1917م) ليؤكد أن ~~علم الاجتماع قائم بذاته ويدرس ظواهر لا يشاركه بها أي علم آخر، وعليه أن يبحث عن علل ~~ظواهره، وراح يؤكد أن كل ظاهرة لها علة واحدة، وليس هناك غائية أو هدف، ولكي تكتمل ~~الإحاطة بالظاهرة الاجتماعية علينا أن نحدد علتها وأيضا وظيفتها، فقد تمسك بأن كل ~~ظاهرة اجتماعية لها وظيفة ما، تماما كالوظيفة الحيوية للعضو؛ لأنه كان مولعا بإدخال ~~المماثلة البيولوجية في علم الاجتماع، بمعنى النظر إلى المجتمع كما لو كان كائنا ~~عضويا مترابط الأعضاء في وحدة منسجمة. # وإذ نعود إلى التقدم الذي أحرزته علوم الحياة والدفعة التي أعطاها كلود برنار ~~للفيزيولوجي، نجد أن ذلك القرن الخصيب - التاسع عشر - يشهد كشوفا في فيزيولوجيا الجهاز ~~العصبي خصوصا مع دراسات الألماني يوهانس ~~مولر # J. Muller ~~(1801-1885م) ومبدئه القائل إن كل عصب ينتج نوعا واحدا فقط من ~~الإحساسات بصرف النظر عن المؤثر الحسي ذاته. وبتطوير المناهج المعملية الملائمة، أرسى ~~رجال جملتهم ألمان، أمثال فيبر # Weber ~~، وهلمهولتس # Helmholtz ~~، وفخنر # Fechner ~~، وفونت # Wundt # أسس علم محدد ~~للسيكوفيزيقا، أصبح فيما بعد علم النفس الفسيولوجي. وانتشرت هذه الحركة سريعا من ~~ألمانيا إلى إنجلترا وأمريكا، حتى تبلورت مع فيلسوف أمريكا الرائد وليم جيمس # W. James ~~(1842-1910م) في كتابه «مبادئ علم النفس» ~~الصادر عام 1890م، وفيه يزهو بأنه يتناول علم النفس كعلم طبيعي، # 37 # وهذا كتاب يضع نهاية لمرحلة وليس فاتحة طريق، # 38 # نهاية المرحلة التجريبية الحسية لعلم النفس التي أنجزها القرن التاسع عشر ~~كانت ضرورية، لكنها بدائية أو مبدئية تغفل تميز الظواهر النفسية، وبوضع هذا التميز في ~~الاعتبار نضجت علمية علم النفس في القرن العشرين، متمثلة في مدارس عديدة، أبرزها ~~القصدية والجشتلط وتحليلية فرويد وأشياعه وسلوكية واطسن وسكينر وقرنائهما، وأخيرا علم ~~النفس المعرفي في الثلث الأخير من القرن العشرين. ولا شك أن ميراث العلم الحديث في ~~القرن التاسع عشر كان مقدمة ms088 ضرورية. # ولعلنا لاحظنا أن تطور العلم الحديث وتقدمه في مساره الواعد كان من زاوية ما عملية ~~تخلص متوال من مفاهيم وكيانات لا علمية، منذ مفهوم الحركة الكينماتيكية المستقلة عن أي ~~قوة أو مؤثر حتى الفلوجستون والقوى الحيوية والغائية ... وبالمثل تخلص علم النفس تباعا ~~من مفاهيم تعرقله كعلم وتعوق طريقه إلى نسق العلم الحديث، من قبيل مفاهيم الروح والأنا ~~الترانسندنتالية والوعي التحتي والنفسي الكلية وما قبل الشعور والإدراك اللاواعي ~~والجوهر العقلي. انتهى أيضا مفهوم «القوى العقلية» الرديف السيكولوجي لمفهوم «القوى ~~الحيوية» بكل بواعثه الكامنة في التشبث بالجهل المريح والبعد عن نسق العلم الحديث ~~بمثالياته الصارمة، هجره علماء القرن التاسع عشر هجرانهم لمفهوم القوى الحيوية ، وأيضا ~~تبتلا للتصور الميكانيكي الحتمي. واضطلع يوهان ~~هربارت # J. Herbart ~~(1776-1841م) بمحاولة لإقامة علم نفس يمكن أن يكون علم ~~ميكانيكا العقل، قائم على منهج الاستبطان (أي تأمل الفرد لذاته أو حياته الباطنية ~~كوسيلة لاستكشاف النفس وإقامة علم النفس)، ويستعين ببعض الفروض الفلسفية عن ماهية العقل ~~وإمكانياته وببعض القوانين الرياضية. وكان هدف هربارت من هذا الجهاز المعقد هو إثبات ~~أنه مهما كان استقلال العقل عن المادة، فإن له هو الآخر طبيعة ميكانيكية، بلغت مثل هذه ~~الجهود نضجها مع أبحاث العالم الروسي إيفان بافلوف # I. Pavlov ~~(1849-1936م) في أنشطة الجهاز العصبي في الإنسان ~~والحيوان عن طريق آلية ردود الأفعال الشرطية المنعكسة التي تنطبق في الإنسان والحيوان ~~على السواء. فأرسى بافلوف أسس علم النفس الحيواني، وانزاحت تماما فرضية ديكارت بأن ~~الحيوان آلة، بينما للإنسان الجوهر العقلي والإرادة الحرة. لقد أصبح الكل سواء في خضوعه ~~لمد العلم الحديث والانضواء في أطر نسقه العظيم. # إن علم الاجتماع هو أكثر فروع العلوم الإنسانية عمومية، يكاد يماثل وضع الفيزياء ~~بالنسبة لنسق العلم ككل، فهو يتناول النسق الاجتماعي نسق الأوضاع الإنسانية حيث تتفاعل ~~شتى العوامل ككل متكامل، بينما علم النفس هو الأكثر خصوصية وجزئية؛ إذ يبحث سلوك الفرد؛ ~~لذلك يقال: إن علمي الاجتماع والنفس هما قطبا العلوم الإنسانية أو القوسان اللذان ~~يقوسانها، وإلقاء الضوء على ms089 نشأتهما الناضجة في القرن التاسع عشر يوضح كيف انفتح الطريق ~~أمام العلوم الإنسانية بمختلف فروعها لتلحق بمسيرة العلم الظافرة. وتحتل مواضع في نسقه ~~وتتفتح أكمامها العلمية بري إبستمولوجيته، وقد شهد القرن التاسع عشر أيضا - بخلاف ~~القطبين الكبيرين النفس والاجتماع - نشأة فروع أخرى من العلوم الإنسانية، كعلم الاقتصاد ~~على يد آدم سميث، ثم طريقه الجديد مع كارل ماركس، واستقام جذع علوم السياسة ومنها ~~الاقتصاد السياسي، وأصبحت الجغرافيا علما دقيقا منضبطا يستعين بالرياضيات في بعض ~~فروعه، واستحدثت مناهج دقيقة وأكفأ للتأريخ وللكشف عن آلية التاريخ الكبرى ... إلخ. وصحيح ~~أن العلوم الإنسانية لم تحرز نفس درجة التقدم التي أحرزتها العلوم الطبيعية، وإلى حد ~~يمثل مشكلة ملحة سنبحثها في الفصل السادس، لكنها أثبتت ذاتها كعلوم منتمية لنسق العلم ~~وانفتح أمامها طريقه الواعد بمزيد من التقدم دائما. # ومن الناحية الأخرى استطاع نسق العلم الحديث أن يستوعب قوانين وفروض ونظريات تحكم ~~ظواهر هذا الوجود، سواء فلكية فيزيوكيماوية أو بيولوجية أو إنسانية. # ثالثا: إبستمولوجيا العلم الحديث # إبستمولوجيا العلم الحديث، أي نظرته لطبيعة المعرفة العلمية ومسلماتها وحدودها ~~وأهدافها ... كانت منبثة خلال كل سطور الجزء السابق من هذا الفصل، ونحتاج فقط لبلورتها ~~وتعيينها لوضع النقاط على الحروف. فقد اتضح أمامنا كيف انتظم العلم الحديث نسقا، ~~والنسقية تعني أن لكل مكون من المكونات موضعه، وفقا لعلاقات منطقية. # هنالك أولا الرياضيات، إنها تاج العلم الحديث وأقنومه رمزه المبجل، تتبارى العلوم في ~~الاقتراب منها والتسلح بلغتها، وتأمل أن تبلغ ما بلغته الفيزياء في هذا. على أن العلوم ~~الرياضية هي علوم صورية # Formal Sciences # تعنى بصورة ~~الفكر دون محتواه، قالب بحت يملأه التطبيق بالمضمون، إنها ملكة العلوم والمبحث الرفيع ~~المترفع عن شهادة الحواس ولجة الواقع والوقائع، فلا تغوص فيه وليس مطلوبا منها أن تأتي ~~بخبر عنه. والرياضيات تتلوها العلوم ~~الإخبارية # Informative Sciences # وهي العلوم التجريبية التي تأتينا بالخبر عن الواقع. وقد ~~رأينا كيف انتظمت في ثلاث مجموعات كبرى هي العلوم الفيزيوكيماوية، ثم الحيوية، ثم ~~الإنسانية. هذا التدرج المنطقي تبعا لدرجة عمومية موضوعها. المقصود ms090 بالعمومية # generality # سعة المجال الذي يحكمه العلم المعني، ~~ودرجة العمومية تتناسب طرديا مع درجة البساطة، أي عكسيا مع درجة التعقيد. والمقصود ~~بالتعقيد كثرة المتغيرات والعوامل الفاعلة؛ لهذا كانت الفيزياء في المقدمة، قمة العلوم ~~الإخبارية. فموضوع الفيزياء الكلاسيكية المادة في الزمان والمكان، مجمل عالم الظواهر، ~~مجال شتى العلوم الإخبارية، فبدت قوانين الفيزياء كإطار لهذا الكون، لعالم العلم، ~~قوانين الفيزياء هي الأكثر عمومية، تنطبق على مجمل موضوعات العلم، فلا بد وأن تسلم ~~بمسلماتها كل فروع العلم الأخرى، ما دامت تضطلع بالإخبار عن هذا العالم. # وينتقل العلم إلى المجموعة الثانية، مجموعة العلوم الحيوية التي تدرس موضوعا أعقد من ~~مجرد المادة. إنها المادة التي أضيفت إليها القدرة على القيام بوظائف الحياة، فلا بد ~~وأن نضيف القوانين والفروض العلمية المختصة بظاهرة الحياة ووظائفها. وكما أوضح داعية ~~الفلسفة العلمية، العالم الفيزيائي هانز ~~رايشنباخ # H. Reichenbach ~~(1891-1953م) الفيزياء - كما نرى - ليست علما موازيا ~~للبيولوجيا، بل علما أكثر أولية يحكم حركة المادة بأسرها، بينما لا تحكم البيولوجيا ~~إلا قطاعا محددا من المادة هو المادة العضوية الحية فحسب، لكن قوانين الفيزياء تشمل ~~المادة الحية وغير الحية على السواء، بينما تقتصر البيولوجيا على دراسة تلك القوانين ~~التي تسري مع القوانين الفيزيائية على الكائنات الحية. وبالتالي ينبغي أن تلحق القوانين ~~البيولوجية بالقوانين الفيزيائية حتى تكتسب دقتها وعموميتها. ويساعد البيولوجيا على هذا ~~أنها لا تملك استثناء للقوانين الفيزيائية؛ فالجسم الحي يسقط كالحجر تماما ولا يمكنه ~~أن ينتج طاقة من لا شيء، # 39 # والعمليات الكيميائية تجري داخله كما تجري خارجه. ما يحدث هو مزيد من ~~التعقيد. هكذا تتكامل العلوم البيولوجية مع العلوم الفيزيوكيميائية، وهاتان المجموعتان ~~الفيزيوكيماوية والبيولوجية يمكن أن يمثلا معا مجموعة علوم المادة، الجامدة والحية، ~~التي تقابل المجموعة الثالثة وهي مجموعة العلوم الإنسانية، موضوعها أعقد وأعقد، فلن ~~تكفي قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وإن كانت بالطبع تنطبق على الإنسان حين ~~يسقط من عل وفقا لقانون سقوط الأجسام الفيزيائي، وحين تؤدي أعضاؤه وظائفها وفقا ~~لقوانين البيولوجيا. ومن أجل الإحاطة بالظواهر الإنسانية لا بد وأن ms091 ينضاف إلى هذا وذاك ~~قوانين أو فروض أو نظريات تتناول ظواهر الوعي الفردي والجمعي بسائر تشكلاته وتمثلاته ~~ونواتجه، وهذه هي العلوم الإنسانية. # ويمكن ملاحظة أن هذا التدرج المنطقي للعلوم تبعا لمستوى تعقيد موضوعها يوازيه تدرج ~~عكسي في مستوى تقدمها، ولعله أيضا تبرير منطقي لتدرج مستوى التقدم - من منظور العلم ~~الكلاسيكي على الأقل. فالفيزياء أكثر العلوم تقدما وموضوعها أبسط، وكانت درجة تقدم ~~البيولوجيا آنذاك أقل كثيرا؛ لأن موضوعها أعقد. والعلوم الإنسانية درجة تقدمها أقل ~~وأقل؛ لأن موضوعها أعقد وأعقد وأضيفت إليه كل تعقيدات ظواهر الوعي بعد تعقيدات ظواهر ~~الحياة. والجدير بالذكر أن تشكل نسق العلم على هذا النحو، أدى إلى فكرة سادت آنذاك عن ~~العلم الواحد الموحد، بمعنى رد كل العلوم إلى الفيزياء، ومعالجة سائر الظواهر حتى ~~الظواهر النفسية في حدود ومصطلحات ولغة الفيزياء، في إطار من العلم الموحد الذي كان ~~مشروعا لم يحرز نجاحا، على الرغم من أنه كسائر تصورات العلم الكلاسيكي، يحدوه النجاح ~~الذي أحرزته الفيزياء، وعلى وجه التحديد نظرية نيوتن، المثل الأعلى المطروح والتي حددت ~~إطار نسق العلم الحديث؛ ليكون بحق أنجح المشاريع التي أنجزها الإنسان. # وقد رأينا نسق العلم الحديث يترسم طريقه واضحا، ويقطعه بثقة وثبات من إنجاز إلى ~~إنجاز ومن نصر إلى آخر؛ لأنه استند إلى تصور واضح لطبيعة المعرفة العلمية، وكان أخطر ما ~~في هذا التصور أنه في الوقت نفسه انعكاس لطبيعة موضوع المعرفة، أي تصور لطبيعة الكون ~~والعالم الفيزيقي. وهذا ما يبلوره مبدأ العلم الحديث الذي هيمن على العلم وحكمه من رأسه ~~حتى أخمص قدميه، أي مبدأ الحتمية # Determinism ~~. وقد ~~كانت الحتمية العلمية مبدأ أنطولوجيا «وجوديا» وإبستمولوجيا «معرفيا» في آن ~~واحد، أي تصور لطبيعة الوجود الفيزيقي - طبيعة الكون ومسار أحداثه، ولطبيعة المعرفة به ~~أي العلم وقوانينه. ولا غرو، فلم تكن المعرفة العلمية أو نسق العلم الحديث بأسره إلا ~~تمثيلا مجردا لهذا الوجود الذي نحيا فيه. # 40 # لم تكن الحتمية آنذاك مجرد مبدأ من مبادئ العلم، بل كانت ركيزة يرتكز عليها وفي الوقت ~~نفسه هدفا ms092 منشودا يسعى للوصول إليه، وبين هذا وذاك نجدها أيضا المحك المعتمد طوال ~~الطريق العلمي، وهذا ما عبر عنه كلود برنار قائلا: إنه لا بد للعقل من نقطة ارتكاز ~~أولى، ونقطة الارتكاز هذه هي مبدأ الحتمية المطلقة ولولاها لكان قد قضي على الإنسان ~~وعقله أن يدور في دائرة مفرغة وألا يتعلم شيئا قط، # 41 # هكذا آمن العلماء، ولم يكتفوا بأن الحتمية هي الأساس، بل سلموا أيضا بأن ~~الغرض الأولي من كل دراسة علمية تجريبية هو تعيين حتمية موضوعها، وصولا إلى الحتمية ~~الشاملة التي هي الحقيقة المطلقة، وبالتالي هدف العلم النهائي، وفي غضون الطريق السائر ~~من ذاك الأساس إلى هذا الهدف المنشود، يظل مبدأ الحتمية أيضا هو المحك التجريبي، ~~والعلاقات الحتمية هي مقياس الحقيقة المنشودة، فيؤكد برنار أنها المبدأ الوحيد الذي ~~يسندنا في وصولنا إلى النظريات العلمية وفي حكمنا عليها. # 42 # إلى كل هذا الحد سلم العلماء آنذاك بمبدأ الحتمية وبأنه المعبر الوحيد المفضي إلى ~~العلم الحقيقي، وأن إليه يرجع الفضل فيما أصابه العلم من تقدم، والتسليم به سرعان ما ~~جعل قوانين العلم تنطلق بسلاسة من نجاح إلى نجاح أعظم، ومن يقين إلى يقين أدق، ومن ~~الناحية الأخرى أكد اطراد الطبيعة البادي أمام العلماء في ذلك العصر، وتواتر صدق قوانين ~~العلم، خضوع تلك الطبيعة للحتمية، من هنا كانت الحتمية مؤكدة أنطولوجيا ~~وإبستمولوجيا. # أنطولوجيا «أي وجوديا» تعني الحتمية أن نظام الكون مطرد ثابت شامل، لا يشذ عنه في ~~أي زمان ولا في أي مكان شيء، فهو ذو علاقات علية ضرورية ثابتة تجعل كل حدث من أحداثه ~~نتيجة ضرورية «معلولا» لما سبق، ومقدمة شرطية «علة» لما سيلحق أوضاع الكون في أي لحظة ~~محصلة للوضع السابق، تبعا لقوانين ثابتة وهكذا دواليك، حتى إن مجرى الأحداث بجملته ~~حتمته اللحظة الأولى في تاريخ العالم، ومنذ أن تحددت تلك اللحظة والطبيعة تسلك طريقا ~~واحدا لا سواه، يستكشفه العلم، فتعني الحتمية - إبستمولوجيا - عمومية قوانين العلم ~~وثبوتها واطرادها ويقينها، فلا استثناء لها ولا تخلف عنها ولا اتفاق فيها أو جواز ms093 أو ~~إمكان أو عرضية، طالما أنه لا مصادقة في الواقع، وكل حدث محتوم وسواه مستحيل. # إن العلم يتوصل إلى القوانين التي تحكم مسار الطبيعة الأوحد؛ لذلك يستنبط أو يتنبأ ~~مما هو حادث بما سوف يحدث في المستقبل، وبما كان من أمر الماضي كما هو - مثلا - في ~~علوم الجيولوجيا والتاريخ البيولوجي والإنساني. تنبؤات العلم يقينية، وكذلك قوانينه ~~ونظرياته، إنه يقين في يقين. واليقين هو التحديد المطلق الجازم الذي لا خطأ فيه ولا ~~احتمال. إنهم يعملون بالرياضيات الإقليدية، ولا يعرفون إلا قيمتي الصدق والكذب، ولا وسط ~~بينهما. صحيح أن الظواهر التي بدت مصادفة وموضع احتمال قد لفتت أنظارهم، حتى إن رجالات ~~ذلك العصر هم مؤسسو الإحصاء وحساب الاحتمال، إلا أنهم فسروه تفسيرا ذاتيا، أي ~~بإرجاعه إلى الذات العارفة وليس موضوع المعرفة، إلى الإنسان وعجزه عن إدراك العلة ~~الحقيقية أو الكافية. نسبة الاحتمال إذن تعبر عن الجهل - فالعلم لا يكون إلا يقينا - ~~وهي مسألة مؤقتة ستضمحل بالتقدم العلمي، لنصل يوما ما إلى اليقين في هذه الظواهر كما ~~وصلنا إليه في سواها. إن اليقين هو التمثيل العيني للعلم بعالم يسير في مسار ~~محتوم. # وأصبح كل هذا مثبتا حين أصبح العلم رياضيا. الرياضيات دائما هي الأنموذج الأمثل ~~لليقين وللضرورة المطلقة. في كل مكان يظل دائما «2 + 2 = 4»، والمثلث شكلا محوطا ~~بثلاثة أضلاع؛ لأن إنكار هذا يعني إنكار أن المثلث مثلث! وطالما أمكن التعبير عن ~~القوانين الفيزيائية في صورة رياضية بلغت حد المعادلات التفاضلية للامتناهي في الصغر - ~~كما رأينا، فمعنى هذا أن الضرورة الرياضية المطلقة قد أصبحت حتمية كونية شاملة، والواقع ~~أن السمة الرياضية هي التي قلبت الحتمية من مبدأ فلسفي - يمكن أن تختلف بشأنه وجهات ~~النظر - إلى مبدأ علمي صريح لا بد وأن يسلم به الجميع تسليمهم بالعلم. # أما الفارق بين الحتمية العلمية وبين الجبرية اللاهوتية أو الأسطورية العتيقة فيتمثل ~~في مبدأ العلية «السببية»، وهي المبدأ القائل: إن كل حدث لا بد له من علة أحدثته، ~~والعلية مبدأ متوشج في الحس المشترك - أي تفكير الإنسان ms094 العادي - وأيضا في الفكر ~~الفلسفي، لكنه اتخذ موقع العمود الفقري في العلم الحديث؛ لأن حتمية الظاهرة لا تعدو أن ~~تكون العلة الكافية لحدوثها، فأصبحت مهمة العلم هي تعليل كل الظواهر وتحديد علة كل حدث. ~~أما التسليم بحدث بغير علة فلا يعني إلا إنكار العلم به، وتتلخص قوانين العلم في أحكام ~~علاقة العلة بالمعلول؛ لتتخذ جميعها الصورة المنطقية: إذا كان ... فإن ... دائما طبعا، ~~مما يجعل الطبيعة متصفة بالاطراد # Uniformity ~~، أي حدوث ~~أحداثها على وتيرة واحدة لا تتغير ولا تتذبذب، في الماضي كما في المستقبل. واطراد ~~الطبيعة هو الذي يدعم القانون العلمي؛ لأن مجرد التفكير في البحث عن قانون يفترض قبلا ~~أن الطبيعة مطردة منتظمة تخضع لقانون ما، نبحث عنه، وبفضل العلية وما تضفيه من اطراد ~~على الطبيعة كان القانون العلمي ذا عمومية مطلقة فلا يحكم حالاته الواقعة أمامنا فحسب، ~~بل كل الحالات المتماثلة التي حدثت في الماضي والتي ستحدث في المستقبل، وطالما هو قانون ~~صادق فلا يشذ عنه شيء، وتغدو الضرورة تحكم الطبيعة بفضل العلاقات الداخلية بين أحداثها، ~~بين العلة والمعلول، وتسير أحداث الكون في تسلسل علي، يجعله أشبه بالسلسلة المحكمة ~~الحلقات، تفضي كل حلقة إلى - وفقط إلى - لاحقتها، مثلما نشأت عن - وفقط عن - سابقتها، ~~فيغدو الكون نظاما مغلقا، مساره مرسوم منذ الحلقة الأولى أو اللحظة الأولى في تاريخه، ~~كما ذكرنا؛ لذا تعد العلية صلب الحتمية العلمية أو وجها آخر لها، حتى إن المصطلحين - ~~الحتمية والعلية - كثيرا ما يستعملان كمترادفين، العلية هي التي تؤكد نظام الطبيعة ~~الحتمي وقانون تسلسل الأحداث فيه، الحدث السابق علة واللاحق معلول، فيتدفق الزمان في ~~اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل. إنه الزمان المطلق والمكان المطلق، ~~الثابتان لجميع الراصدين مهما اختلفت مواقعهم، وهما الخلفية الأساسية لفيزياء نيوتن، ~~وعليهما كان قانون نيوتن الأول، قانون القصور الذاتي، الذي ينص أن كل جسم يبقى على حاله ~~ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي، أي «قوة» هي تجسيد للعلية. # وكما لاحظنا تصور نظرية نيوتن الكون ككتل مادية تتحرك على سطح ms095 مستو عبر الزمان ~~والمكان المطلقين، والميكانيكا هي علم حركة الأجسام. إذن فالكون بالتأكيد نظام ~~ميكانيكي، وهذا التصور الميكانيكي للكون الذي رفعته نظرية نيوتن على رءوس الأشهاد هو ~~التمثيل العيني لأنطولوجية الحتمية. والواقع أنه لا حتمية علمية بغير الميكانيكية، أي ~~بغير النظر إلى الكون بكل محتوياته وعناصره وظواهره على أنه مترتب في صورة آلة ~~ميكانيكية ضخمة مغلقة على ذاتها، من مادة متجانسة، تسير تلقائيا بواسطة عللها ~~الداخلية، وتبعا لقوانينها الخاصة في مسار تفضي كل حالة من حالاته إلى الحالة التالية. ~~وبعد أن وضع العلماء فرض الأثير، وهو وسط لا نهائي المرونة كثافته أقل من الهواء، ~~افترضوه بوصفه يملأ كل الفراغات في الآلة الميكانيكية العظمى، بحيث يحمل الضوء ~~والإشعاعات لتندرج بدورها في التفسير الميكانيكي، وبعد أن اكتشفوا أن المادة الحية ~~مؤلفة من نفس الذرات التي تؤلف المادة الجامدة، وأنها بالتالي تخضع لنفس القوانين، ~~وتصوروا أن الحياة أيضا ذات طبيعة ميكانيكية، وأن الإنسان لا يعدو أن يكون آلة ~~ميكانيكية حية، وإن تكن أكثر تعقيدا، والعقل بدوره هكذا ... بعد هذا أيقن العلماء أنهم ~~يستحيل أن يفهموا أي شيء بغير أن يصطنعوا له نموذجا ميكانيكيا، وأن التفسير الوحيد ~~الممكن لهذا الكون، ككل وكأجزاء، هو التفسير الميكانيكي. # وجاء لابلاس عام 1814م؛ ليصوغ في مقدمة كتابه «مقال فلسفي في الاحتمال» أشهر صياغة ~~للحتمية العلمية، ومؤداها أننا إذا استطعنا أن نجمع معلومات دقيقة عن كل الظروف، لأمكن ~~استنباط الحالة اللاحقة للكون بكل دقة، والعقبة الوحيدة أننا لا نعلم كل الظروف والشروط ~~في وقتنا الحالي، فإذا تصورنا عقلا فائقا يعرف كل القوى التي تعمل في الطبيعة والوضع ~~الراهن لكل مكوناتها - أي يعلم كل تفاصيل الكون - فإنه يستطيع التنبؤ بمنتهى الدقة بوضع ~~كل جسيم في كل لحظة، ولن يكون ثمة أي شيء غير يقيني بالنسبة له، سواء ما يختص بحركة ~~أضخم الأجسام أو أصغر الذرات، أو الإنسان المحصور بين هذا وذاك. # ولا غرو أن يراود العلماء طموحات جامعة مانعة هكذا، ما دام كل شيء في هذا الوجود، ~~الكوكب في السماء ms096 والفقاعة في الهواء، موج البحر وأديم الأرض، النبتة الصاعدة والحجر ~~الساقط، القذيفة المنطلقة والجبل الراسخ ... كل ما تراه الأعين وتدركه الحواس لا تراه ولا ~~تدركه إلا وهو يقدم فروض الطاعة والولاء لقوانين نيوتن الصارمة. وكل علم يقتفي أثرها ~~ويسير بهدي إبستمولوجيتها يحرز النجاح تلو النجاح، فيعلو نسق العلم ويتعاظم ويتكامل، ~~حتى بات حلم فرنسيس بيكون بالعلم الكامل الشامل لمجمل هذا الوجود قاب قوسين أو ~~أدنى. # ولم يبق إلا عقد أو عقدان من السنين ليأتي القرن العشرون، وبدلا من أن تقبع هذه ~~الطوبى العلمية الوردية في انتظاره، انفجرت قبيل مجيئه أزمة الفيزياء الكلاسيكية لتعصف ~~بتلك الإبستمولوجيا الواثقة المتفائلة؛ ونظرا للموقع الريادي للفيزياء، تأزم معها ~~العلم الحديث بأسره حتى أصوليات التفكير العلمي، فما هي تلك الأزمة؟ # رابعا: أزمة الفيزياء الكلاسيكية # أزمة الفيزياء الكلاسيكية، أو أزمة العلم الحديث في القرن التاسع عشر تتلخص في ظهور ~~وقائع وعلاقات فيزيائية في عالم التجارب العلمية، استحالت أن تنحصر في أطر تلك ~~الإبستمولوجيا أو تبدي خضوعها هي الأخرى لقوانين الفيزياء النيوتينية - أي الفيزياء ~~الكلاسيكية. فقد كانت تؤدي مهامها بنجاح تام حينما كانت مقصورة على الظواهر ~~الميكانيكية، بيد أن العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر شهدت اقتحام الفيزياء لمجالات ~~جديدة، منها مثلا العمليات الحرارية التي أدت إلى علم الديناميكا الحرارية، وتطور ~~أبحاث الضوء والظواهر الكهرومغناطيسية التي كانت فاتحة علم الديناميكا الكهربية، في ~~البداية أمكن إخضاعها لأطر الفيزياء الكلاسيكية بقوانينها وإبستمولوجيتها، ولكنها سرعان ~~ما أفصحت عن حقائق أقضت مضجع الحتمية حتى أطاحت في النهاية بمقولاتها وتصوراتها التي ~~رأيناها ركيزة العلم وإطاره، وكانت تبدو واضحة تماما للحس المشترك، ومن تلك الجبهات ~~التي فتحتها الفيزياء الكلاسيكية على نفسها تسرب الهوينى إلى بنية العلم ما ينقض ~~الحتمية الميكانيكية كتفسير لعالم العلم الكلاسيكي، وما أصاب إبستمولوجيته بالتصدع الذي ~~يؤذن بالانهيار، وأصبح من الضروري التسليم بنظرية نيوتن والفيزياء الكلاسيكية بأسرها، ~~لا كتفسير لطبيعة الكون وترسيم لطبيعة العلم، بل كمجرد حالة محدودة، في إطار معرفي - ~~إبستمولوجي - مختلف تماما. من هنا كان القرن العشرون مرحلة جديدة ms097 من التفكير العلمي، ~~أعلى وأكثر خصوبة وثراء بما لا يقارن، فكيف كانت تلك الأزمة قبلا؟ # لأن قوانين الحفظ والبقاء # Conservation # من أسس ~~الفيزياء، فإن القانون الثاني للديناميكا الحرارية من أخطر مواطن تلك الأزمة، وقانون ~~بقاء س يعني أنه مهما كانت س فإن المقدار الكلي ل س يبقى على الدوام كما هو. وهذا ~~القانون فرضي، فهو لا يقول أكثر من أننا لم ننجح حتى الآن على الرغم من كل ما بذلناه في ~~تغيير المقدار الكلي ل س، ومع هذا سلم الفيزيائيون تسليما قطعيا لا يقبل نقاشا ولا ~~جدلا حتى منتصف القرن التاسع عشر، بأن هذا الكون يرسو على ثلاثة قوانين أساسية للحفظ ~~والبقاء: ~~(1) # بقاء المادة. ~~(2) # بقاء الطاقة. ~~(3) # بقاء الكتلة. # واستنبطوا منها قوانين حفظ وبقاء أخرى فرعية، كبقاء كمية التحرك «العزم» مثلا. على ~~أن بقاء المادة - بمعنى أن كمية المادة في الكون ثابتة لا تفنى ولا تستحدث - بدا هو ~~الأساس، أما بقاء الطاقة فأحدث نسبيا، وإن كان نيوتن قد بشر به، وقال: إنه يسري ~~بمنتهى الدقة في الظروف المثالية، غير أن جول # J. P. Joule # هو الذي أكده حين أثبت أن الطاقة تتحول، ولا تفنى ولا تنعدم، ~~ولكن تجارب جول نفسه التي أجراها بين عامي 1840م و1850م، بمعية تجارب ماير # D. R. Mayer # عام 1842م، أطاحت بالتصور القديم للحرارة على ~~أنها سيال لا يمكن وزنه أو نتيجة لاهتزاز جزيئات المادة، وأثبتت تلك التجارب أن الحرارة ~~ليست إلا شكلا من أشكال الطاقة، وأن كمية الطاقة داخل أي نظام ما ثابتة أو باقية ~~محفوظة، فإذا فقدها في شكل ما عادت إلى الظهور في شكل حرارة مثلا، مما يعني مبدأ بقاء ~~الطاقة المذكور ليكون أول مبادئ علم الديناميكا الحرارية الذي يدرس الظواهر ~~الحرارية. # هكذا نجد المبدأ الأول للديناميكا الحرارية يتسق تماما مع أسس الفيزياء النيوتنية ~~الكلاسيكية، بيد أن المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية ينقضها بوضوح؛ لأنه ينص على عدم ~~قابلية الظواهر الحرارية للارتداد، فالحرارة لا تنتقل أبدا إلا في اتجاه واحد من الجسم ~~الأسخن إلى الجسم ms098 الأبرد، ولا ترتد أبدا في الاتجاه المعاكس من الأبرد إلى الأسخن. ~~وكان العالم النمساوي لودفيج بولتسمان # L. Boltzmann ~~(1844-1906م) هو الذي أثبت أن أسلوب الفيزياء الكلاسيكية في التحديد الفردي اليقيني لا ~~يجدي هنا، ذلك أن كمية الحرارة في جسم ما تتحدد بسرعات جزيئاته التي تتباين تباينا ليس ~~يسيرا، وكل جزيء على حدة له سرعة خاصة به، ولا يمكن تفسير عدم القابلية للارتداد إلا ~~بطريقة إحصائية نحسب بها متوسط سرعة الجزيء، وكلما زاد هذا المتوسط ارتفعت الحرارة، ~~فإذا حدث اتصال مباشر بين جسيم ساخن وجسيم بارد واصطدمت جزيئاتهما السريعة والبطيئة، ~~كان الناتج على وجه الإجمال هو تعادل السرعات عن طريق الصدمات، وهذا تفسير معقول تماما ~~لانتقال الحرارة من الجسم الساخن إلى الجسم البارد، لكنه احتمالي، والاحتمالية هنا ليست ~~جهل الذات العارفة المؤقت بالعلل المحتمة، بل هي احتمالية موضوعية، تفرضها طبيعة ~~الموضوع. هكذا نجد المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية - مبدأ عدم قابلية الحرارة ~~للارتداد - يعصف بالتصور الحتمي الميكانيكي وجدوى التعيين الفردي اليقيني لموقع كل مكون ~~من مكوناته على حدة. إنه أول اقتحام حقيقي للإحصاء وحساب الاحتمال في أعطاف الفيزياء، ~~فكان بولتسمان مؤسسا لعلم الميكانيكا الإحصائية. # على أن نتيجة المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية لا تقف عند تصور الحرارة وشكل ~~انتقالها، وإنما تنسحب على حركة الكون جميعا، فبينما يؤكد المبدأ الأول بقاء الطاقة ~~وبقاء الكون على حاله إلى الأبد - كما تنص الإبستمولوجيا الكلاسيكية - يعني المبدأ ~~الثاني أن حالة الكون تتغير أكثر فأكثر، وأنه لن يبقى على حاله إلى الأبد. فقدم العالم ~~رودلف كلاوسيوس # R. Clausius # لأول مرة في عام 1865م ~~مفهوم الإنتروبي # Entropy # الذي يتغير نحو حد أعلى ~~بمقتضى هذا المبدأ الثاني. والإنتروبي ببساطة هو افتراض قدر من فوضى أو اضطراب يقتحم ~~النظام الفيزيائي، من أجل ضبط هذا النظام وتحديده! إن الإنتروبي كمية تقدم في المقام ~~الأول لتسهيل الحساب ولتعطي تعبيرا واضحا لنتائج الديناميكا الحرارية. أما إنتروبي ~~النسق # System # فهو قياس درجة اضطرابه # disorder ~~، وإنتروبي أي نسق منفصل إما أن يتغير بعملية ~~غير قابلة للارتداد، ms099 وإما أن يظل ثابتا بعملية قابلة للارتداد، لكنه لا ينقص أبدا في ~~أي تغير. على هذا يتزايد الإنتروبي الكلي للكون، متجها نحو حد أقصى، يناظر اضطرابا ~~تاما للجزيئات فيه، # 43 # وبدا واضحا أنه لا يمكن تفسير الإنتروبي بالمبادئ الميكانيكية، فقدم ~~جيمس كلارك ماكسويل # J. C. Maxwell ~~، وأيضا ~~جوزيا ويلارد جيبز # J. W. Gibbs ~~(1839-1903م) ~~المناهج الإحصائية، فتصورا عددا كبيرا غير محدود من الجزيئات في سرعات مختلفة، وعلى ~~أساس الدرجات المختلفة للسرعة ومبادئ الاحتمال الإحصائية يكون حساب الأثر النهائي، ~~وتوطدت هذه النتائج بأبحاث لويس جوي. # هكذا أكدت الديناميكا الحرارية المناهج الإحصائية الاحتمالية لاتفاقها مع طبيعة ~~موضوعها الذي يرفض التحديد الفردي الميكانيكي، فتعمل على أساس المتوسطات وتطرح تنبؤات ~~تقريبية لا يقينية، تأكيدا لتمردها على الإبستمولوجيا الكلاسيكية، فضلا عن أنها تشير ~~إلى أن الكون لن يبقى ثابتا على حاله إلى الأبد. # على أن أزمة الفيزياء الكلاسيكية لم تقتصر على قانون بقاء الطاقة والديناميكا ~~الحرارية المتصلة به، بل لحق به قانون بقاء المادة وبقاء الكتلة. # وهذا الأخير - أي بقاء الكتلة - بدا وكأنه يجب أن يغادر ميدان العلم، منذ أن أثبت ~~جوزيف جون طومسون # J. J. Thomson ~~(1856-1940م) أن ~~كتلة الجسيم المشحون بالكهرباء تتغير حين يتحرك، وكلما كانت سرعة الحركة أكبر كلما ~~أصبحت كتلة الجسيم أكبر. بدأ هذا الفرض في صورة نظرية رياضية، ومع نهايات القرن التاسع ~~عشر بدأ طومسون وأتباعه في تحطيم الذرة، وأصبح من اليسير التحقق التجريبي من أن كتلة ~~الجسيم الذري تتغير بتغير سرعته تماما، كما تنبأت حسابات طومسون، خصوصا بعد اختراع ~~المعجل النووي. وإثر تحطيم الذرة، جاء التلميذ النجيب لطومسون وهو إرنست رذرفورد # E. Rutherford ~~(1871-1937م) وانتهى إلى أن الذرة ~~مكونة من جسيمات مشحونة بكهرباء سالبة وهي الإلكترونات، وجسيمات مشحونة بكهرباء موجبة ~~وهي البروتونات، فأصبحت المادة بأسرها جسيمات مشحونة بالكهرباء في حركة دائبة. وإذا ~~كانت كتلة الجسم تتغير بتغير سرعته، فإن كلا من النظرية والتجربة أثبتا أن هذا التغير ~~يتناسب تماما مع طاقة حركة الجسم، فتتغير كتلة الإلكترون بتغير طاقته. وسوف ms100 نرى أن ~~آينشتين في نظريته النسبية قد مد هذا إلى درجة هائلة من التعميم، وأكد نهائيا تغير ~~الكتلة الذي يتعارض تماما مع المفهوم النيوتوني ببقاء الكتلة، فضلا عن أن بقاء الكتلة ~~- كما لاحظنا - لم يعد نتيجة لبقاء المادة فقط، بل يتدخل بقاء الطاقة أيضا، كما أن ~~نظرية النسبية أدخلت في ذات الهوية بقاء المادة وبقاء الطاقة معا، فلم يعد أي منهما ~~بالصورة التي تتطلبها الفيزياء الكلاسيكية. # وكما ذكرنا، كان بقاء المادة بالذات هو أساس الفيزياء الكلاسيكية، وربما يبدو للنظرة ~~العابرة أنه مع كل هذا يظل بمنأى عن أي نقاش أو جدل، إلا أنه قد ظهرت في القرن العشرين ~~فروض قوية مؤيدة بتحليل رياضي للوقائع الفلكية وترجح حدوث فناء للمادة في الأعماق ~~السحيقة للفضاء، حيث تتوافر مادة فلكية ذات كثرة كافية، وأن عملية الفناء الذري تلك ~~تحدث في أعماق النجوم تلقائيا بنفس تلقائية تفكك ذرات المواد ذات النشاط الإشعاعي. # 44 # وليست هذه الفروض قاطعة، لكن القاطع حقا هو حدوث تطورات علمية متوالية ومعقدة، يمكن ~~أن ننتهي منها إلى أن التسليم بقوانين الحفظ والبقاء لا يكون راسخا إلا في نطاق ~~الأنظمة الفيزيائية المغلقة. وقد أتت الأزمة من أن الفيزياء الكلاسيكية تصورت الكون ~~بأسره نظاما ميكانيكيا مغلقا، فسهل عليها التسليم اليقيني بقوانين الحفظ والبقاء. ~~وفي القرن العشرين انهار تماما التصور الميكانيكي المغلق للكون، واتضح أن التسليم ~~بكمية المادة فيه ليست أمرا بسيطا كما تصور الكلاسيكيون، وكمية المادة يمكن تقديرها ~~على أساس حركة الكواكب، فمنها يمكن حساب جاذبية الشمس، وبالتالي حساب كتلتها ووزنها، ~~فلو كان وزن الشمس أقل ستكون حركة الكواكب أبطأ وهكذا. وفي الثلاثينيات أدرك الفلكيون ~~أن حاصل جمع كتل النجوم التي يمكن رصدها أقل كثيرا مما ينبغي؛ لأن الجذب الحادث عنه لن ~~ينتج إلا مقدارا ضئيلا من الحركة الكونية المرصودة، فاستنتج العلماء وجود نوع غامض من ~~المادة لا تستطيع التلسكوبات الكشف عنه، لكنه يمارس جذبا هائلا على الأجرام المرصودة. ~~تلك هي «المادة المظلمة»، فهي موجودة، تمارس جذبا هائلا يشد حتى الضوء فلا ms101 يصدر عنها، ~~وبالتالي لا يمكن رؤيتها. من هنا سميت بالمادة «المظلمة»، ويبلغ مقدارها ما يتراوح بين ~~90٪ و99٪ من كتلة الكون! # 45 # معنى هذا أن ما نعرفه من مادة الكون قد لا يتجاوز 1٪، ولن يزيد عن ~~10٪. # ويرتبط بالمادة المظلمة الثقوب السوداء، و«الثقب الأسود» هو البقية الثقيلة لنجم ميت ~~استنفد وقوده النووي فانكمش على ذاته، وأصبح له هو الآخر مجال جاذبية قوي جدا، بحيث ~~لا يستطيع أن يفلت منه أي شيء ولا حتى الضوء، # 46 # وثمة أيضا الأوتار الكونية. و«الوتر الكوني» بمثابة انقطاع أو شق في بنية ~~الزمان/المكان كما لو كان شقا على سطح بحيرة متجمدة، والأوتار الكونية ثقيلة جدا، ~~حتى إن القطعة الواحدة من الوتر التي في حجم ذرة واحدة سيكون وزنها ألف مليون طن، على ~~أن «الأوتار الكونية» ما زالت مجرد فرض نظري بلا أي دليل تجريبي، وما زالت الحاجة ملحة ~~لتفسير وجود المادة المظلمة التي ثبت أنها تشكل القطاع الأعظم من مادة الكون ولا نستطيع ~~أن نعرف عنها شيئا. والخلاصة أنه إذا أردنا الآن التسليم بمبدأ بقاء المادة فسوف يتم ~~هذا في إطار يختلف تماما عن إطار الفيزياء الكلاسيكية، إن لم يعن هجران هذا الأخير ~~وتقويضه. # وكما رأينا، انطلقت الأزمة التي أثارتها الديناميكا الحرارية في عالم الفيزياء ~~الكلاسيكية الحتمية من إقحامها الإحصاء وحساب الاحتمال كأداة تفرضها فرضا طبيعة ~~الظواهر المدروسة، فاتسع مجال هذه الأزمة وازدادت حدتها بفعل ظواهر أخرى فرضت بدورها ~~تلك المعالجة الإحصائية الاحتمالية، وأكدت عجز الصياغات الإقليدية الكلاسيكية التي تنزع ~~إلى التحديدي اليقيني، والمقصود على وجه التحديد: # أولا: # النظرية الحركية للغازات. # ثانيا: # نظرية الحركة البراونية. # أما عن الأولى، فإن الغاز الموجود في إناء مقفل - بالونة مثلا - يقوم بالضغط على ~~جدران الإناء بدرجة واحدة في كافة جوانب الإناء، فيقع على سطح الإناء نفس الضغط الواقع ~~على الأرضية، في حين أن السائل والجامد يمارس ضغطه على الأرضية فقط؛ لأن ضغط الماء ~~مثلا يعزى إلى ثقله، أما ضغط الغاز فيعزى إلى أن الغاز يتألف من مجموعة كبيرة للغاية ~~من الجزيئات ms102 التي أمكن اعتبارها كرات صغيرة متساوية، تتحرك حركة دائبة لا تنقطع، ~~ويتصادم بعضها مع بعض، كما تتصادم مع الجوانب المحيطة بها، عددا كبيرا للغاية من ~~المرات في كل ثانية. لذلك فدراسة الضغط الذي يبذله الغاز على جدران الإناء لا يتأتى ~~بمعرفة مواضع جزيئات الغاز وسرعاتها معرفة تفصيلية دقيقة، كما علمتنا الفيزياء ~~الكلاسيكية، فمن المستحيل دراسة حركات أي جزيء من جزيئات الغاز دون الدخول في معادلات ~~يعجز العقل الإنساني عن تحديدها، بل هو عدد لا حصر له من المعادلات التي ينبغي صياغتها ~~لتحديد حركة كل جزيء؛ لذلك لا سبيل إلى التنبؤ بتفاصيل حركتها، ولا إلى حساب طاقة كل ~~جزيء على حدة؛ لما تمارسه من مصادمات وتغاير في الاتجاه لا ينقطع. أما لو حسبنا الطاقة ~~الكلية الناجمة عن اصطدامات جزيئات الغاز البالغة التعدد، والتي تتحرك في سرعات هائلة ~~غير منتظمة وفي جميع الاتجاهات لوجدنا أن الضغط على جدران الإناء يتناسب تناسبا قريبا ~~جدا مع كثافة الغاز ومع مربع سرعة الجزيئات. على هذا لا يتأتى حساب ضغط الغاز ~~بالمعرفة التفصيلية التحديدية، وإنما بمعرفة المتوسط الإحصائي لطاقة وحركة الجزيئات في ~~وحدة حجمية معينة، # 47 # هكذا نجد النظرية الحركية للغازات تعني هي الأخرى أن المناهج إحصائية ~~والنتائج احتمالية وضرورة هجران الحتمية. # ثم تفاقمت خطورة هذا الأمر حين اتضح أنه ليس مقصورا على الغازات، وإنما يمتد إلى ~~المادة السائلة، كما أوضحت الحركة البراونية، نسبة إلى براون مكتشفها، والتي يمكن ~~اعتبارها شرارة البدء في أزمة الفيزياء الكلاسيكية؛ لأنها الأسبق تاريخيا. # فقد كان أمين القسم الذي أصبح فيما بعد قسم النبات في المتحف البريطاني عالما ~~اسكتلنديا يدعى روبرت براون # R. Brown ~~(1773-1858م)، ~~وكان قد أمضى بضع سنوات من شبابه في رحلة استكشافية بأستراليا، فجلب معه أربعة آلاف نوع ~~من النبات ظل يدرسها طوال عشرين عاما. وفي صيف عام 1827م كان براون يستخدم الميكروسكوب ~~في دراسة نبات # Clarkia Pulchella ~~، فلاحظ أن بعض ~~الجزيئات الميكروسكوبية المتعلقة بالماء هي في حالة اهتزاز دائم، يحدث على منضدة ~~متأرجحة أو على حامل ثابت، ms103 في الليل أو في النهار، في الريف أو في المدينة. وفي عام ~~1880م انتهت تجارب الأب البلجيكي إجناس ~~كاربونيل # I. Carbonelle ~~، والعالم الفرنسي - المذكور آنفا - لويس جوي إلى أن هذا ~~الاهتزاز ليس مقصورا على الماء، بل يتحقق في جميع السوائل، وأنه حركة دائبة في جميع ~~الأحوال وتحت كل الظروف لا تكف أبدا. والأهم أنها ليست نتيجة لمؤثر ما، ولا تخضع لأي ~~عامل خارجي، ولا تتوقف حتى على نوع الجزيئات، بل فقط على حجمها. # 48 # كان اكتشاف الحركة الدائمة لجزيئات السوائل، الحركة البراونية، أزمة خطيرة للفيزياء ~~الكلاسيكية؛ فهي خروج مباشر على قوانين الحركة النيوتنية التي تنص على أن الجسم لا ~~يتحرك ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي، علة هي قوة، فضلا عن أن حساباتها تستلزم هي الأخرى ~~مناهج الإحصاء والاحتمال، لا لحساب درجة جهل الذات العارفة بالموضوع؛ ولكن لأن طبيعة ~~الموضوع ذاته احتمالية تفرض المناهج الإحصائية مما ينقض مبدأ الحتمية الذي رأيناه شريعة ~~العلم الكلاسيكي. وتتصل الحركة البروانية بالحركة الحرارية «الديناميكا الحرارية»، فكل ~~جزيئات السائل في حركة دائبة، وعلى الرغم من أنها مجهرية لا تراها العين المجردة فإنها ~~تزداد بارتفاع درجة الحرارة حتى تصل لدرجة ملحوظة جدا تعرف بالغليان، وتحدث تهيجا ~~في ألياف الأعضاء باللمس، وهو إحساس نسميه بالسخونة، وفي المقابل تقل الحركة بانخفاض ~~درجة الحرارة، حتى تنعدم في حالة تجمد السائل؛ لذا فإن ما نطلق عليه اسم درجة الحرارة ~~ليس إلا مقياسا لدرجة الاضطراب الجزيئي. # مثلت قوانين الديناميكا الحرارية والنظرية الحركية للغازات والحركة البروانية، ~~الثلاثة معا، أزمة للفيزياء الكلاسيكية، من حيث كانت تمردا وعصيانا لحتميتها ~~العلمية، وتكاتفت لتؤكد عجز مناهجها، وأن الإحصاء والاحتمال ضرورة موضوعية تتفق مع ~~الطبيعة الخاصة لهذه الظواهر؛ فهي في تغير دائم وحركة متواصلة عشوائية وغير منتظمة، ~~تداخل وتفاعل وتشابك بين عناصرها، مما يجعل التحديد الفردي الميكانيكي خروجا عن ~~طبيعتها الوضعية، وعبثا لن يفضي إلى معرفة ذات قيمة، فليس الأمر قصورا أو عجزا عن ~~تحديد علل في الواقع، إنما هي وقائع موضوعية تختلف في طبيعتها عن وقائع ms104 الفيزياء ~~الكلاسيكية، إنها قابلة للتحديد الكمي، لكن في غير الحدود الميكانيكية الحتمية. # والأخطر من كل هذا أن الحركة الغازية والحركة البراونية كانتا براهين مباشرة على ~~الوجود الحقيقي للذرات توضح بجلاء الطبيعة المتجزئة للمادة، # 49 # ومن هذه الطبيعة واصلت الخلايا السرية للثورة العلمية نشاطها ليخرج من حدود ~~خلق أزمة إلى موقف الإعلان الصريح عن انهيار الإبستمولوجيا الكلاسيكية. # كان افتراض الذرة قد ورد لأول مرة في الفلسفة الهندية القديمة، ثم أكده يمقريطس ~~وأبيقور ولوكريتوس في الفلسفة الإغريقية، وأخذ به علماء الكلام الإسلاميون وأسموا ~~الذرة: الجوهر الفرد، وأيضا تمسك به بعض من أنصار الواحدية المادية في القرن الثامن ~~عشر، ولكنه اقتحم عالم العلم على يد عالم الكيمياء الإنجليزي ويليم بروت # W. Prout ~~(1785-1850م) حين قدمه عام 1815م كفرضية ~~بشأن وجود جسيمات دقيقة تساهم في مختلف التفاعلات الكيميائية دون أن تتحطم أو تستحدث، ~~ثم صاغ جون دالتون # J. Dalton ~~(1766-1844م) هذا الفرض ~~الذري صياغة دقيقة في نظريته عن التفاعلات الكيميائية. # فكان الكيميائيون هم واضعو فرض الذرة في العلم الحديث، وحين أخذه الفيزيائيون منهم لم ~~يسبب في بداية الأمر أزمة كبيرة، فقد بدأ هذا بافتراض دالتون ومندليف القائل: إن المادة ~~مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام، وهذا افتراض يدعمه نيوتن نفسه، لكنه بدأ يزعج ~~الإبستمولوجيا الكلاسيكية حين تمكن ج. ج. طومسون - كما أشرنا - من تحطيم الذرة عام ~~1897م بدراسته لأشعة الكاثود التي أظهرت أنها تدفق الإلكترونات حاملة الشحنات الأحادية ~~السالبة، فكان اكتشاف الإلكترون الذي يعني أن العلم قد اقتحم الذرة. واقتحم رذرفورد بعد ~~ذلك نواة الذرة حين حطمها عام 1924م مكتشفا بهذا قوى جديدة في الطبيعة، ثم انطلقت من ~~الذرة جسيمات عديدة، وقبل أن يأتي الربع الأخير من القرن العشرين كانت تعد بالعشرات. ~~وبمجرد ظهور الجسيمات الأولية الأساسية وهي الإلكترون والبروتون والنيوترون، كانت ~~الفيزياء الكلاسيكية قد ناءت تماما بثقلها. # وقد تبدى الثقل الوبيل للذرة وجسيماتها منذ أن شرع العلماء في دراسة النشاط الإشعاعي، ~~والتي يمكن اعتبارها المقدمة الفعلية للفيزياء الذرية. فقد اكتشف العالم الفرنسي ~~هنري ms105 بيكريل # H. Bacqueral # عام 1896م أن ثمة ~~إشعاعا متصلا ينبعث من اليورانيوم بصورة ثابتة لا تنقطع في أي ظروف، والأهم أنه ليس ~~نتيجة لأية علل خارجية، فهو عملية تفكك تلقائي للذرات دون أية شروط محددة، وأن هذا ليس ~~مقتصرا على اليورانيوم، بل سائر المواد المشعة وأقواها الراديوم. وكشأن الحركة ~~البراونية، تعجز الفيزياء الكلاسيكية مرة أخرى عن تفسير انطلاق الطاقة من المواد المشعة ~~بلا أي علة خارجية أو قوة مؤثرة، بل فقط تبعا لنظرية التفكك التلقائي التي وضعها ~~رذرفورد وفردريك سودي في عام 1903م. فالراديوم مثلا يقذف بثلاثة أنواع من الأشعة: ألفا ~~وبيتا وجاما، فتتفكك ذراته بمجرد مرور الزمن عليها، وتخلف وراءها ذرات من الرصاص ~~والهليوم، فينقص حجم كتلة الراديوم باستمرار ويحل محلها رصاص وهليوم. وفي مقابل حتمية ~~الفيزياء الكلاسيكية، نلاحظ لا حتمية القانون الذي يحكم هذا التفكك، فيمكن تماما تحديد ~~معدلات التفكك والإشعاع. لكن ما لا سبيل إليه ولا جدوى منه تحديد الأجل المحتوم الذي ~~سوف يحل بهذه الذرة دونا عن تلك، فتخضع العمليات الإشعاعية للمعادلات ~~الإحصائية. # والواقع أن الإشعاع كان معلوما تماما للكلاسيكيين، وقد حكمته معادلات ماكسويل الفذة ~~حكما بارعا ويتفق مع الإبستمولوجيا الكلاسيكية، بيد أنه تلقى مددا عظيما باكتشاف ~~أنواع جديدة من الإشعاع تختلف عن الضوء في أن موجاتها أقصر أو أطول، وظلت هذه الموجات ~~مجهولة لوقت طويل؛ لأنها غير مرئية لا تؤثر على العين المجردة، ولكنها قادرة على إظهار ~~تأثيرات فيزيائية معينة كالحرارة والتصوير الفوتوغرافي والتأثير الكهربي، ومن هذه ~~الظواهر ألم بها الفيزيائيون. # 50 # فبدأ الإشعاع رويدا بالثورة على الوضع الذي تصورت الفيزياء الكلاسيكية ~~أنها تملكت ناصيته، ثم استفحل شأن الإشعاع حتى تمكن في القرن العشرين من امتصاص مجمل ~~عالم المادة من الكون الحتمي الضيق الصلب الساذج وألقى بها في عالم اللاحتمية الرحب ~~المرن ذي الدهاء العميق. لقد تحولت كتل المادة الصلبة إلى إشعاع، إلى احتمالات موضوعية ~~- كما سنرى - وكل ما ينقض الحتمية الميكانيكية التي رأيناها صلب عالم الفيزياء ~~الكلاسيكية وإطار إبستمولوجيا العلم الحديث، فكانت أزمة علمية ms106 مضنية، قبعت في استقبال ~~القرن العشرين، ويجمل عالم الطبيعة النووية الروسي فيتالي ريدنيك أمر هذه الأزمة ~~التي عرضناها الآن على النحو التالي: # مع نهايات القرن التاسع عشر أضحت الميكانيكا النيوتونية في موقف متأزم، ~~وشيئا فشيئا اتضح أن تلك الأزمة تعني سقوط الحتمية الكونية التي تسمى ~~علميا مبدأ الحتمية الميكانيكية، ولم يعد الكون بسيطا إلى هذا الحد ولا ~~باقيا على حاله إلى الأبد، فلم تجلب ميكانيكا الكوانتم معها عرفانا جديدا ~~فحسب، بل أعطتنا تفسيرا لظواهر العالم مختلفا اختلافا جذريا، ولأول مرة ~~يعترف العلم اعترافا كاملا بالمصادفة، ربما كان علينا أن ننحى باللائمة على ~~الفيزيائيين؛ لأنهم وقفوا حيارى، لكن كان عليهم فقط أن يتخلوا تماما عن فكرة ~~الحتمية الأبدية التي ابتدعوها هم أنفسهم؛ فقد ظنوا أن مثل هذه الحتمية إن هي ~~انسحقت فإن الفوضى المطلقة ستحكم الكون ولن تعود الأشياء تطيع القوانين ~~الدقيقة، ومضى ردح من الزمن قبل أن يجد الفيزيائيون مخرجهم من هذه الأزمة. # 51 # وقد كانت ميكانيكا الكوانتم ونظرية النسبية اللتان أبدعهما القرن العشرون هما المخرج ~~من الأزمة، وكان مخرجا يعني انهيار الحتمية الميكانيكية، وبالتالي انهيار تصور حقيقة ~~الكون وطبيعة العلم اللتين ساد الظن بأن نيوتن قد اكتشفهما، وبعد عهود من التسليم ~~الدوجماطيقي «أي القطعي»، اتضح أن الفيزياء الكلاسيكية ليست اكتشافا لهذا أو ذاك، بل ~~مجرد إنجاز عبقري ونظرية ناجحة فقط في مجال محدود وسطحي من الظواهر. # هكذا يمكن اعتبار أزمة الفيزياء الكلاسيكية بمثابة رأس المال الجاري والنقد السائل في ~~ميراث القرن العشرين، وقد أحسن تصريفه وتشغيله حين قوض دعائم الإبستمولوجيا الكلاسيكية، ~~وانطلق إلى إبستمولوجيا جديدة، تمثل مرحلة مختلفة تماما من مراحل التفكير العلمي، ~~مرحلة جديدة أعلى وأدهى تسارعت معها معدلات التقدم العلمي بصورة غير مسبوقة، فاقت كل ~~توقع أو حتى تخيل. # وكانت هذه المهمة التي اضطلع بها القرن العشرون مهمة عسيرة حقا؛ لأن أزمة الفيزياء ~~الكلاسيكية كانت مثقلة بالنجاح المتوالي والمستجد للفيزياء الكلاسيكية وإبستمولوجيا ~~العلم الحديث، ومثقلة أيضا بفلسفة العلم التي نضجت وتبلورت لتعكس هذا النجاح؛ لتبرره ~~وتفسره. # فماذا ms107 عن هذا؟ ماذا عن ميراث فلسفة العلم الذي تلقاه القرن العشرون؟ # الفصل الثالث # | فلسفة العلم الحديث (الكلاسيكي) # أولا: حوار الفلسفة والعلم الحديث # رأينا كم كانت روح العلم الحديث دافقة متوثبة. وكما هو معروف بين الفلسفة والعلم ~~علاقة وثقى وحوار عميق، بطول الحضارة الإنسانية وعرضها. وكانت الفلسفة قديما هي الأم ~~الرءوم التي تطوي جناحيها على سائر العلوم، فتعد امتدادا لها، وكانت نشأة فروع العلم ~~الحديث واحدا إثر الآخر - التي تتبعنا معالمها في الفصل السابق - بمثابة انفصال ~~واستقلال تام لهذه العلوم عن الفلسفة، فشهد العصر الحديث العلم والفلسفة كتيارين ~~متمايزين. # ومع هذا لا شك أن الروح الدافقة للعلم الحديث الذي استقل وتنامى وتصاعد وتعاظم أمره ~~قد انعكست في كل خلجة من خلجات الفلسفة الحديثة المواكبة زمانيا للعلم الحديث، من ~~القرن السادس عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر. وحتى التيارات اللاعقلانية في الفلسفة ~~الحديثة، الصوفية والروحية والحدسية والرومانتيكية إلى الوجودية التي بدأت مع ~~سرن كيركجور # S. Kierkegaard ~~(1813-1855م) ... هذه ~~التيارات المناهضة لروح العلم لا تفهم حق الفهم إلا كرد فعل لعملقة الروح العلمية ~~وصرامة حتميتها التي تهدد فردانية الإنسان وحريته. # بيد أننا معنيون بالتيارات الفلسفية التي عملت على استقطاب روح العلم وبلورتها ~~فانعكست فيها مثالياته وطبائعه وشرائعه، على الإجمال منهجه. والفلسفة بحكم طبيعتها كانت ~~بالضرورة سباقة إلى هذا الاستقطاب لروح العلم الحديث وعصر العلم، وقد رأينا إلى أي حد ~~أفلح فرنسيس بيكون في هذا، حتى عد إماما لتيار العلم الحديث. وكانت الروح العلمية كما ~~بلورها بيكون هي الاستقراء: المنهج التجريبي والإنصات لشهادة الحواس كمصدر للمعرفة، ~~الطبيعة هي مملكة المعرفة الإنسانية، ويجب الحيلولة دون أن يتجاوزها العقل، ولو حتى ~~بفرض يحاول تفسير الوقائع. روح العلم يجب أن تحرر العقل من جنوحات الميتافيزيقا مثلما ~~تحرره من الأوثان والأخطاء المتربصة به، هكذا علمنا الرائد فرنسيس بيكون أن روح العلم ~~ترتكز على معاملين؛ هما التجريبية ورفض الميتافيزيقا. # وبفعل عوامل عديدة، تهيأت إنجلترا - أكثر من سواها - لتمثل هذه التجريبية والانتصار ~~لها؛ فقد كانت إنجلترا جزرا ملقاة على هامش ms108 العالم القديم، فلا تضاهي الأمم العريقة في ~~القارة الأوروبية، ذوات التراث الزاخر كإيطاليا وفرنسا مثلا. وباكتشاف الأمريكتين ~~أصبحت الجزر البريطانية فجأة في المركز بين العالمين القديم والجديد. هكذا بدأ العصر ~~الحديث - عصر العلم - بوضع مركزي مستجد لإنجلترا، فانطلقت بلا تراث يثقلها نحو استكشاف ~~العالم الجديد والخبرة التجريبية المباشرة به، والمحصلة أن فرض أسطولها هيمنته على بحار ~~الأرضين، بعد أن علا شأنه حتى على الإرمادا أسطول إسبانيا العظيم. وأفل العصر الحديث مع ~~نهايات القرن التاسع عشر وقد أصبحت إنجلترا إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، فلا ينفصل ~~هذا عن أن يرفع بيكون الإنجليزي في البداية لواء التجريبية، وينتصف العصر ونيوتن ~~الإنجليزي يزهو بأن نسق العلوم التجريبية الإخبارية قد اكتمل على يديه. # وعلى مدار العصر الحديث تبارى الفلاسفة الإنجليز في تأكيد التجريبية والنظرية الحسية ~~في المعرفة والعزوف عن الميتافيزيقا حتى ارتبطت هذه النزعة ارتباطا خاصا بروح ~~الفلسفة الإنجليزية، وقد بلغت ذروتها وأكثر صورها شعبية وشيوعا في إنجلترا إبان القرن ~~السابع عشر مع جون لوك # J. Locke ~~(1632-1704م). هاجم ~~لوك القياس الأرسطي بطبيعة الحال وأشبعه تهكما وسخرية ورفض بقطع أي ادعاء بوجود أفكار ~~مقطورة في العقل البشري ترتكز عليها المذاهب العقلية المقابلة للتجريبية. وأكد أن العقل ~~يولد صفحة بيضاء ثم تخطها المعطيات الحسية والتجربة. ومع هذا تقدم الأسقف جورج بركلي # G. Berkeley ~~(1685-1753م) بتجريبية ونظرية حسية في ~~المعرفة أكثر تطرفا، تهدف إلى إثبات وجود الله، وأيضا إلى تخليص فلسفة لوك من عناصر ~~لا تتسق مع التجريبية، فأنكر الوجود الحقيقي للمادة كجوهر مستقل، وهذا عن طريق نظرية ~~حسية متطرفة في المعرفة، ترهن الوجود بالإدراك الحسي له، الوجود هو المدرك، فيغدو الشيء ~~هو فقط الصفات أو الصور الحسية التي تبدو في أذهاننا عن طريق الحواس لا أكثر ولا أقل، ~~وكل ما لا يدرك لا وجود له. ولا يعني إنكار المادة إنكارا لوجود الأشياء، فما دمنا ~~ندرك المحسوسات لا نستطيع الشك في وجودها، إن لا مادية بركلي لا تجعل الأشياء معاني، بل ~~تجعل المعاني أشياء، وكل شيء ms109 يدرك فقط داخل الذهن الإنساني كمحسوسات جزئية. إذن جميع ~~معارفنا جزئية، ولا وجود للكليات، إنها مجرد «أسماء» تنطبق على جزئيات عديدة. هكذا ~~انتهت التجريبية والمعرفة الحسية مع باركلي إلى المثالية الذاتية التي تربط الوجود ~~بإدراك الذات له، وإلى اللامادية والاسمية. وعن طريق الألوهية يفسر باركلي تآلف ~~الإحساسات في مجاميع واطرادها، والمعاني ونظامها. وبقاء الله هو التأييد الوحيد لبقاء ~~الأشياء وبقاء العلاقات بينها التي تعرض نظام العالم الطبيعي، وتغدو الطبيعة - التي ~~يستكشفها العلم - بمثابة رسالة الله إلينا. # ولكن في هذا القرن الثامن عشر، يتزعم التجريبية الإنجليزية حقا شكاك اسكتلندا ~~الشهير ديفيد هيوم # D. Hume ~~(1711-1766م)، وسوف نرى ~~لاحقا أثره الكبير على أم مشكلات فلسفة العلم: مشكلة الاستقراء، قامت فلسفة هيوم على ~~أساس من الانطباعات الحسية وارتباطاتها. الانطباع هو الخبرة الفورية التي يمر بها الفرد ~~حين يدرك شيئا بحواسه أو حين يعيش حالة انفعالية معينة، وعن طريق ما تخلفه الانطباعات ~~من صور ذهنية وذكريات تتكون الأفكار. وبواسطة مبدأ تداعي المعاني السيكولوجي يرجع هيوم ~~كل شيء إلى التجربة بمعنى الخبرة النفسية الفورية بالمحسوسات، أي الانطباعات، وأنكر ~~هيوم كل وأية فرضية إخبارية أو عبارة متعلقة بالعالم وتكون مستقلة عن الحواس ولا يمكن ~~ردها بشكل ما إلى الانطباعات الحسية، حتى ولو كانت هذه الفرضية هي قانون العلية المجيد ~~الذي يقيم قائمة العلم الطبيعي آنذاك. وقد قام هيوم بالتمييز بين نوعين من المعرفة: ~~النوع الأول هو المعارف المنطقية والرياضية، أي التحليلية التي تقتصر على تحليل الأفكار ~~الذهنية لتحديد ما بينها من علاقات لزومية استنباطية. أما النوع الثاني فهو المعرفة ~~المتعلقة بالإخبار عن الواقع كما تفعل العلوم الطبيعية، وهذه لا مصدر لها إلا انطباعات ~~الحس ومعطيات التجريب. وعلى هذا ينصح هيوم القارئ أن يسأل نفسه قبل أن يتصفح كتابا: هل ~~هذا الكتاب مبحث في العلاقات اللزومية، أي رياضة أو منطق؟ أم إن عباراته قائمة على ~~الخبرة الحسية؟ فإذا كان الكتاب لا هذا ولا ذاك، كان ميتافيزيقا ووجب إلقاؤه فورا في ~~النار! بهذه النصيحة الخرقاء، يجسد هيوم الروح ms110 العلمية آنذاك المقتصرة على التجريب ~~والرافضة لأية أبعاد ميتافزيقية. # في هذه الآونة - النصف الثاني من القرن الثامن عشر - كانت تزدهر في فرنسا وألمانيا ~~فلسفة التنوير التي مرت علينا في الفصل الأول بوصفها انعكاسا لنجاح العلم الحديث ~~المبهر، فترفع كل وصاية عن الإنسان انطلاقا من الإيمان المطلق بقدرة العقل على فض كل ~~مغاليق هذا الوجود لا سيما إذا استعان بالتجريب ومعطيات الحواس، فتصهر فلسفة التنوير ~~عقلانية العلم وتجريبيته معا في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم البشري، في طريقه الواحد ~~والوحيد الذي يترسم بتطور الوعي الإنساني في طريق العقلانية والعلم. وعلى هذا الأساس ~~كانت خطوط التنوير الإيجابية النيرة في الفكر السياسي والاجتماعي. # خرجت خلاصة فلسفة التنوير الفرنسية في مقالات الموسوعيين، وهم كوكبة من أقطاب الفكر ~~الفرنسي التنويريين، أدباء وفلاسفة وعلماء، التفوا حول التنويري الرائد دينس ديدرو # D. Diderot ~~(1713-1784م) من أجل وضع موسوعة عامة ~~للعلوم والفنون والصنائع، تضاهي الموسوعة الإنجليزية التي لاقت رواجا تجاريا كبيرا ~~وتقف على آخر تقدم للعلوم في العصر، خرج المجلد الأول من الموسوعة الفرنسية عام 1751م، ~~بمقدمة عن أصل العلوم وتصنيفها كتبها العالم الرياضي دالامبير # d’Alember ~~(1717-1783م)، وقد كان الأشد تحمسا للموسوعة ومختصا ~~بالأجزاء الرياضية فيها، في هذه المقدمة هاجم دالامبير بضراوة الميتافيزيقا وأيضا ~~الدين، وأسهب في محاولة إثبات عدم جدواهما البتة، مما يوضح الاتجاه العام للتنوير ~~ولموسوعته التي أثارت كثيرا من النقاش والجدل والشبهات والمصاعب القانونية، حتى بلغت ~~حد الاستدعاء من قبل الشرطة للتحقيق وإنزال العقوبات بسبب ما تحمله من بصمات إلحادية ~~سافرة؛ لهذا تراجع دالامبير بعد صدور المجلد الأول، بينما ثابر ديدرو حتى أخرج المجلد ~~السابع عشر عام 1772م، يعاونه في هذا، ويكتب مقالات الموسوعة، أئمة عظام للتنوير من ~~أمثال مونتسكيو # C. S. Montesquieu ~~(1689-1755م)، صاحب ~~«روح القوانين» الشهير، وقد كتب للموسوعة مقالا في «الذوق»، وجان جاك روسو # J. J. Rousseau ~~(1712-1787م)، وفولتير # Voltaire ~~(1694-1778م). إنهم الثالوث المبشر بالثورة ~~الفرنسية، ومعهم سائر أقطاب الفكر الاجتماعي التقدمي في فرنسا آنذاك أمثال كوندرسيه ~~ونايجون وتورجو ... إلخ. # وبطبيعة الحال، ساهم ms111 أيضا في تحرير الموسوعة دعاة التفكير العلمي الطبيعي الفرنسيون ~~في القرن الثامن عشر. واللافت حقا أنهم اعتنقوا مذهبا متطرفا، ظنوه المذهب المتسق ~~مع الروح العلمية والأمين عليها كل الأمانة، ألا وهو مذهب الواحدية المادية، الذي يعرف ~~أيضا باسم المادية الكلاسيكية، ويبدو وكأنه المذهب الرسمي للموسوعيين الفرنسيين. وهذا ~~المذهب - بصفة عامة - قد ارتبط ارتباطا خاصا بروح العلم في الفلسفة الحديثة؛ لذا ~~يجمل بنا أن نتوقف إزاءه مليا. # ويمكن تعريف المادية بأنها المذهب الذي لا يعترف إلا بوجود المادة فقط، وجودا ~~واقعيا مستقلا عن أية ذات عارفة، ويفسر كل شيء بالعلل المادية فقط، والمادة ذاتها ~~لا تعتريها إلا تغيرات كمية، وتنتفي عنها أية تغيرات كيفية، وأحداث العالم هي الأوجه ~~المختلفة للمادة المتحركة؛ لذلك استطاعت المعرفة العلمية المثبتة بالتجربة أن تنفذ ~~نفاذا تاما إلى العالم وقوانينه. # هذا الوجود صيغ من مادة خالصة، المادة هي الأصل والأساس وستوجد كما هي، حتى ولو لم ~~يكن ثمة أي عقل يدركها ويحكم بوجودها أو عدمه؛ وذلك ببساطة لأن الأرض - تلك الكتلة من ~~المادة - موجودة كما هي قبل أن يستطيع أي عقل أن يدركها، بل حتى قبل أن يوجد عليها أي ~~إنسان. المادة إذن سابقة على الفكر، والفكر ذاته ظاهرة لاحقة للمادة، فيرتد إلى عمليات ~~فيزيائية ميكانيكية أو فيزيولوجية تجري في قطعة متعينة ومتحيزة من المادة اسمها المخ، ~~وفقا لقوانينها الخاصة. وكما يوضح الفيلسوف اليساري الفرنسي المعاصر روجيه جارودي - ~~قبل أن يصبح المفكر الإسلامي المتحمس المخلص رجا جارودي - عندما تعلن المادية أن المادة ~~هي الواقع الأول والفكر هو الواقع الثاني، فإن هذا يعني أمرين: ~~(1) # الفكر لا يمكن أن يوجد دون موضوع خارجي، أي لا بد من وجود العالم الخارجي ~~مستقلا عن وعي الإنسان، ثم ينعكس في هذا الوعي، وما هو منعكس «الطبيعة أو ~~المادة» يمكن أن يوجد مستقلا عن العاكس «العقل»، غير أن العاكس لا يمكن ~~أن يوجد مستقلا عن المنعكس. ~~(2) # الفكر لا يمكن أن يوجد دون شروط مادية هي المخ أو الدماغ. # 1 # بدت الواحدية المادية وكأنها ms112 تفضي بالضرورة إلى النظرة الميكانيكية الحتمية التي ~~فرضتها فيزياء نيوتن واقترنت بحركة العلم الحديث، خصوصا، وأن الأقدمين - وإن عرفوا ~~المادية - لم يفرقوا تماما بين العقل والمادة، ولم يعرف الإغريق عالما عقليا بلا ~~مادة، ولا عالما ماديا منتظما بلا عقل. في القرن السابع عشر تغير كل هذا؛ إذ كان ~~العلم يكتشف عالما ماديا بمعنى محدد تماما، عالما من المادة تتخللها الحركة في كل ~~الاتجاهات، حركة مطردة، بلا إضافات كيفية وقابلة للتكميم الرياضي، فلم تعد المادة ~~المؤلفة للعالم الطبيعي مادة خاما بلا شكل، صنع منها كل شيء بفرض صورة أو علة صورية ~~عليها - كما قال أرسطو - بل أصبحت الطبيعة المادية هي الحركة الكلية للأشياء المنظمة ~~تنظيما كليا، وأفضت هذه النظرة إلى نتيجة صلبة في شكل علم فيزيائي استمد هيلمانه من الرياضة، # 2 # وكان هذا في نظر التنويريين الفرنسيين يعني: الواحدية المادية. # ويمكن إرجاع أصول الواحدية المادية المستقاة من النظرة العلمية إلى جيوردانو برونو # G. Bruno ~~(1548-1600م)، وقد فعل هذا بتأويله ~~للكوبرنيقية، رأى برونو أن كوبرنيقوس مجرد رياضي متمكن، ولم يفقه المعنى الحقيقي - أي ~~المعنى الفلسفي - لاكتشافه، وراح برونو يوضح هذا المعنى للفلك الذي تقبله بحماس وحرق ~~من أجله فيما بعد، فنفى أي اختلاف بين المادة السماوية والمادة الأرضية. ومد برونو نطاق ~~هذا النفي - كما لم يفعل كوبرنيقوس نفسه - من النظام الشمسي إلى النجوم البعيدة في ~~السماء، مقرا بنوع واحد من الاختلاف والتميز بين الأجسام المعتمة والأجسام المضيئة أو ~~النارية، والأجسام جميعها تتحرك تبعا لنفس القوانين في حركة دائرية، رفض برونو قسمة ~~أرسطو إلى عالم ما فوق فلك القمر وعالم ما تحت فلك القمر، ورفض أيضا فكرته عن المحرك ~~الأول المنفصل الذي لا يتحرك الشبيه بالألوهية، وأكد برونو أن الحركة حالة داخل صميم ~~المتحرك، العالم المادي بهذا متصور كمكان لا متناه، لا خلاء فيه، مملوء بمادة مرنة، هي ~~التي أدت إلى فرض الأثير فيما بعد، في هذا الأثير عدد لا حصر له من العوالم المماثلة ~~لعالمنا، تشكل في جملتها كونا لا يتغير هو ms113 نفسه ولا يتحرك، لكن يحوي داخل ذاته كل تغير ~~وكل حالة، إنه المادة الحاوية للكل، غير المتغيرة، قاعدة كل تغير، مادة في قدرتها على ~~الامتداد والحركة، وهي أيضا صورة أو روح الله في قدرتها على التواجد بذاتها. # 3 # وهذا نمط من وحدة الوجود Pantheism ~~- أي النظر إلى ~~الكون ككل واحدي - تطور في القرن السابع عشر في اتجاه جديد، هو فكرة عالم الطبيعة ~~الحاكم لذاته # Self-regulating # بفعل قوانينه ~~الداخلية، وهذا هو الاتجاه الذي ارتبط ارتباطا وثيقا - كما يوضح كولنجوود - بفكرة ~~الطبيعة كآلة ميكانيكية، ارتباطا أفضى بصورة مباشرة إلى النظرة المادية للطبيعة التي ~~تمخضت عن الواحدية المادية، وهي بدورها شكل آخر من وحدة الوجود، شكل عار مجرد ~~بارد. # ولكن برونو على الرغم من إعلانه أن العالم ليس مقدسا بل ميكانيكيا، فإنه لم يتخلص ~~تماما من النظرة الحيوية للطبيعة ككائن عضوي، والتي كانت سائدة قبل عصر العلم الحديث ~~وتصوره الميكانيكي للطبيعة، فضلا عن أن برونو كان مفتونا بالفكر المصري القديم لدرجة ~~الهوس، ففسر حركة الأرض حول الشمس تفسيرا مأخوذا من اتجاه في الحضارة الفرعونية يردها ~~إلى طاقة الحياة. ولمثل هذه العناصر التي تبعد جيوردانو برونو عن الروح الحقيقية للعلم ~~الحديث - كما يحاول مذهب الواحدية المادية أن يجسدها - يمكن اعتباره فقط مبشرا بالمذهب ~~أو مساهما في تأسيس أصوله. # والواقع أن الصياغة المتكاملة لمذهب الواحدية المادية تستلزم بالضرورة التفسير المادي ~~الميكانيكي للحياة ذاتها. وقد رأينا كيف كان هذا مراما هينا أحرزته علوم الحياة ~~الحديثة بسهولة، وعلى الرغم من أن ديكارت معارض تماما للواحدية المادية، وأرسى دعائم ~~ثنائية مكينة سيطرت على الفلسفة الحديثة، تؤكد جوهرية المادة وجوهرية العقل على السواء، ~~فإن ديكارت مع هذا رأى أن كل الظواهر سواء حيوية عضوية أو لا عضوية قابلة بالضرورة ~~للتفسير الميكانيكي، وأكد أن الجسم الحي لا يختلف عن أي جسم آخر فتحكمه خصائص الامتداد ~~والشكل والحركة - كما أشار جاليليو في إرسائه لأصول علم الميكانيكا - بيد أن ثنائية ~~ديكارت الحادة جعلت تفسيره الميكانيكي قاصرا على الحيوان دونا عن الإنسان ذي ms114 العقل ~~والروح والإرادة. # ومن أجل اكتمال الواحدية المادية تماما، كان من الضروري إنكار جوهرية العقل، ومد ~~نطاق التفسير الميكانيكي من ظواهر الحياة إلى ظواهر الوعي أيضا. وعلى هذا، كان ظهور ~~الواحدية المادية بصورتها الفلسفية المتكاملة في إنجلترا مع توماس هوبز # T. Hobbes ~~(1588-1679م)، وهو تلميذ لفرنسيس بيكون ~~عمل مساعدا أو سكرتيرا له، وطبعا تأثر به وبالروح العلمية الناهضة. وقد أكد هوبز أن ~~كل حدث يحدث في العالم إنما هو نوع من الحركة، حتى إن الإحساسات والأفكار ليست سوى ~~حركات داخلية في جسم حي. وباطراد نجاح العلم وازدياد علم العلماء بالصلة بين الظواهر ~~النفسية والظواهر البدنية، وتوقف الأولى على الثانية، ترعرعت المادية واتخذت صورا أكثر ~~تحديدا ويقينا، فسار في ركاب هوبز جمهرة من مواطنيه، نذكر من الفلاسفة جون تولاند # J. Toland ~~(1670-1722م) الذي عرف الفكر بأنه ~~وظيفة من وظائف المخ، وكان من دعاة الدين الطبيعي. ومن العلماء روبرت هوك الذي رأيناه ~~سلفا لنيوتن أقل حظا وقدرات رياضية، نظر هوك إلى الذاكرة كمجرد خزانة مادية، وزعم أن ~~الفحص المجهري «الميكروسكوبي» لخلايا المخ يظهر أن فيه متسعا لنحو مليوني فكرة يحصلها ~~الفرد البالغ أثناء حياته. # وانتقلت المادية من إنجلترا إلى القارة الأوروبية؛ لتصبح المذهب الرسمي للموسوعيين ~~الفرنسيين الذين تفانوا في عرضها وتأكيدها كما لم يحدث من قبل، مسلمين بأن كل ~~الظواهر الغير مادية كالفكر والانفعالات والروح وما شابه هذا، إما أنها وظيفة ثانوية ~~للمادة أو أنها خرافة لا معنى لها. أخرج الموسوعي جوليان دي لامتري # J. Lamattri ~~(1709-1751م) كتابه «الآلة الإنسانية»، الذي يعد ~~من أكمل عروض الفلسفة المادية فيعزو إلى المادة القدرة على الحس والحركة. صحيح أن العقل ~~هو العلة، لكنه مادي بالضرورة؛ لأنه متحيز في الجسم، وإذا كان يصعب علينا تصور قيام ~~المادة بفعل التعقل فثمة أشياء أخرى كثيرة يصعب علينا تصورها. ويبحث لامتري في علم ~~التشريح والمشاهدات الطبية عما يؤكد توقف الظواهر النفسية على الظواهر البدنية، وأن ~~العقل مجرد وظيفة من وظائف المخ. وإلى مثل هذا ذهب أدريان هلفثيوس # A. Helvetius ms115 ~~(1712-1771م)، وطبعا ديدرو نفسه الذي بدأ مؤمنا ~~بالله، منكرا للعناية الإلهية، وانتهى إلى أن المادة اكتسبت الحياة والحركة بذاتها عن ~~طريق التطور عن خلية أولى. وقد بلغت ماديته حدا جعله يشكك في قيمة الرياضيات وجدواها؛ ~~ربما لأنها تقطع الصلة بالتجريب والتعامل الحسي مع المادة! وربما لأن العالم الرياضي ~~دالامبير تراجع ولم يكمل معه الموسوعة! ثم أفرط الطبيب الفرنسي بيير كابانيس P. Cabanis ~~(1757-1808م) في إرجاع الظواهر ~~النفسية إلى العوامل المادية كالبيئة والمناخ والغذاء، وقال قولته الشهيرة: «المخ يفرز ~~التفكير كما تفرز الكبد الصفراء!» ... وهذه صورة متطرفة يصعب قبولها، وإذا كان المخ يفرز ~~التفكير، فبالتأكيد ليس كما تفرز الكبد الصفراء، بل بآلية مختلفة تماما وأكثر تعقيدا ~~بما لا يقارن. وإلى مثل هذا التطرف انتهى الموسوعي هولباخ P. Holbach ~~(1723-1789م) وهو ألماني لكن قضى حياته في باريس وكتب بلغة ~~فرنسية بليغة كتابه الضخم «نسق الطبيعة» 1770م، حيث يتحدث عن الطبيعة بنفس اللهجة التي ~~يتحدث بها المؤمنون عن الله، ويحارب أي موجود فائق للطبيعة، فلا وجود إلا للمادة ~~والحركة، وهما أزليتان أبديتان، خصائصهما هي القوانين الطبيعية الضرورية، ولا مصادفة ~~ولا تدبير إلهي ولا غائية ولا نفس ولا حرية للإنسان؛ لأنها إنكار للنظام في الطبيعة، ~~ويختتم كتابه - كما يقول كولنجوود - بما لا يزيد أو ينقص عن الصلاة للمادة، بحيث إن ~~تغيير كلمة أو كلمتين يعطي صورة لصلاة مسيحية. هكذا كانت الواحدية المادية من جبهات ~~المواجهة بين العلم والدين، ولله في خلقه شئون! # وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الواحدية المادية، على الرغم من شديد اتساقها في ~~حدودها مع الفيزياء الكلاسيكية ونظرتها الميكانيكية الحتمية للكون، لا تلقى رواجا ~~كبيرا، كانت مجرد تيار من تيارات الفلسفة الحديثة التي غلب عليها بصفة عامة الثنائية ~~الديكارتية، ثنائية المادة والعقل، فضلا عن أن القرن التاسع عشر شهد مادية أخرى أكثر ~~حركية وتطورا من تلك المادية الواحدية أو الكلاسيكية، إنها «المادية الجدلية» التي لا ~~تكتفي بأن تعزو إلى المادة تغيرات كمية، بل تعزو إليها أيضا تغيرات كيفية، وقد وضعها ms116 ~~كارل ماركس # K. Marx ~~(1818-1883م) برفقة ~~فردريك إنجلز # F. Engels ~~(1820-1895م) في محاولته ~~لجعل التاريخ علما دقيقا، تماما كما جعل نيوتن الفيزياء علما دقيقا. فوضع ماركس ~~أساسا منهجيا لتفسير مراحل التاريخ هو هذه المادية الجدلية. وقد بلغها عن طريق تطوير ~~منهج أستاذه العظيم هيجل # F. Hegel ~~(1770-1831م) المنهج ~~الجدلي، أو قلبه ليقف على قدميه الماديتين، بعد أن كان يقف على رأسه المثالي مع هيجل. ~~وعن طريق المراحل الثلاث للمنهج الجدلي: القضية أو الوضع، ثم النقيض، ثم المركب الشامل ~~الذي يجمع خير ما في النقيضين ويتجاوزهما إلى الأفضل - يزعم ماركس أن التاريخ انتقل من ~~المرحلة الإقطاعية إلى النقيض؛ وهو المرحلة البرجوازية الرأسمالية، وتغدو المرحلة ~~الجدلية الثالثة هي المرحلة الشيوعية التي تجمع خير ما في النقيضين وتتجاوزهما إلى ~~الأفضل، آتية حتما، وفقا للحتمية الشاملة التي ألقاها العلم على الوجود. # وإذا عدنا إلى عصر التنوير، حيث استبدت الواحدية المادية بمجامع الموسوعيين ~~الفرنسيين، نجدها لم تلق هوى مع التنويريين الألمان. على العموم بلغ التنوير الألماني ~~الذروة الشاهقة مع إيمانويل كانط # I. Kant ~~(1724-1804م) ~~شيخ الفلسفة الحديثة بلا منازع، تقوم فلسفته على الثنائية الشائعة، فيفرق بين الأشياء ~~في ذاتها «النومينا» والأشياء لذاتها «الفينومينا»، النومينا موضوع الميتافيزيقا، أما ~~الفينومينا أو الظواهر فهي موضوع العلم. ووضع كانط نظرية للمعرفة، هي علامة فارقة في ~~تاريخ الفلسفة، وفي الوقت نفسه أقوى تمثيل لروح الفيزياء النيوتينية والعلم الحديث، ~~وتقوم على عنصرين: هما العقل والحس، فالمقولات العقلية تتلقى المدركات الحسية لتشكلها ~~في صورة معرفة بعالم الظواهر، وعبر كانط عن هذا بقوله الشهير: «المقولات بدون المدركات ~~الحسية خواء، والمدركات الحسية بدون المقولات عمياء.» وعلى أساس من انسحاب الضرورة ~~الرياضية إلى حتمية فيزيقية، سلم كانط بأن القضايا الفيزيائية تماما كالقضايا ~~الرياضية، مطلقة يقينية ضرورية الصدق، والفارق الوحيد أن قضايا الرياضة قبلية - أي قبل ~~الخبرة الحسية وسابقة عليها، بينما قضايا الفيزياء بعدية. # هكذا صاغت التجريبية الإنجليزية روح العلم، ثم أفرط التنوير الفرنسي في محاولة ~~إنضاجها حتى كادت تحترق، وأعطتها قمة التنوير الألماني أصفى بلورة ms117 لها بنظرية كانط التي ~~عينت حدود العلم بعالم الظواهر، أي الفينومينا، وأوضحت أن النومينا - موضوعات ~~الميتافيزيقا - غير قابلة للإدراك. # فأصبحت أجواء النصف الأول من القرن التاسع عشر مهيأة لطرح الأساس والخلفية المكينة ~~التي سوف تنطلق منها فلسفة العلم، ألا وهي «الفلسفة ~~الوضعية Positivism ~~» التي تعني الاقتصار على ما هو موضوع Posited # أمامنا في العالم الواقعي التجريبي، ورفض أية استنتاجات فلسفية ~~أو ميتافيزيقية تتجاوز هذه الحدود، انطلاقا من رفض كل ما لا يتحقق تجريبيا. # وكان هذا الطرح في فرنسا، وأول من استخدم لفظ وضعي Positif # هو المفكر الطوباوي المبشر بالدراسة العلمية للإنسان والمجتمع ~~سان سيمون # Saint-Simon ~~(1760-1825م)، أراد أن يجعل ~~العلم شريعة البشرية وناموسها ودينها الجديد؛ لأنه طريق الخلاص الحقيقي للإنسانية، وكان ~~التفكير «الوضعي» مع سان سيمون يمثل اتجاها إيجابيا (كما يفيد معنى اللفظ) مقابلا ~~لأخلاق المسيحية السلبية، ويجب أن يحل محل الأفكار الخارقة للطبيعة ~~والميتافيزيقية. # ثم أتى تلميذ سان سيمون وسكرتيره، أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع ليضع الصياغة ~~المعتمدة للمذهب الوضعي. انتقد كونت الواحدية المادية، لكنه بالطبع تجريبي اعتبر ~~الميتافيزيقا من مخلفات الماضي، ويجب أن نستبدل بها القوانين العلمية، أي العلاقات ~~الثابتة بين الظواهر، ومن أجل هذا صاغ الوضعية بوصفها أساس ومنهاج ومنطق التفكير في ~~المرحلة العلمية، تعتمد على الملاحظة الحسية وترفض تجاوزها، وتنكر الفلسفة في صورتها ~~التقليدية كرؤية للعالم؛ اكتفاء بالتفكير الوضعي الواقعي المباشر النسبي المقيد ~~بالمعطى التجريبي. وأصبحت الوضعية فلسفة ظاهرية متطرفة، أي مقتصرة فقط على الظواهر ~~البادية للملاحظات الحسية، حتى ذهب كونت إلى أن العلم ذاته وصف محض ولا شأن له ~~بالتفسير، وهدف العلم هو التنبؤ، وإنجاز هذا الهدف يعتمد على الوصول إلى قوانين تعاقب ~~الظواهر وفقا للعلية. # وظلت الوضعية حاضرة قوية في الفلسفة الفرنسية بفضل أتباع كونت المخلصين، خصوصا إميل ~~ليتريه وبيير لافيت. اعتبر ليتريه # E. Littre ~~(1801-1881م) نفسه من أشياع الفلسفة الوضعية، وأصدر عام 1867م مجلة «الفلسفة الوضعية» ~~التي استمرت حتى عام 1883م، لكنه يعرض الوضعية لمنظار النقد ويعدد مناقصها في مجالات ~~الأخلاق والجمال وعلم ms118 النفس، ويعدل ويرفض بعض جوانبها خصوصا منظورها السياسي. من ثم ~~كان لافيت P. Laffite ~~(1823-1903م) أكثر تكرسا ~~للوضعية. وتحت تأثير تنميط كونت الثلاثي لمراحل تطور الفكر البشري، أخرج لافيت كتابه ~~«الأنماط الكبرى للإنسانية»، ومثلما وضع كونت «محاضرات في الفلسفة الوضعية» وضع لافيت ~~كتابه «دروس في الأخلاق الوضعية». وكما أشرنا حين الحديث عن جورج سارتون (في الفصل # الأول ~~) فإن تنميط كونت لمراحل الفكر البشري من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة ~~الميتافيزيقية وصولا إلى المرحلة العلمية الوضعية، يوعز أهمية تاريخ العلم. وقد أنشئ ~~كرسي التاريخ العام للعلوم في الكوليج دو فرانس عام 1892م من أجل بيير لافيت، شغله حتى ~~وفاته عام 1903م، وكان قد أصدر «المجلة ~~الغربية # Revue Occidental ~~» # 4 # عام 1878م؛ لتكون معبرة عن الفلسفة الوضعية بوصفها اتجاها عاما للحضارة ~~الغربية. # والواقع أن الوضعية إلى حد كبير هكذا، لقد صيغت في فرنسا كتجسيد لروح العلم التي ~~انتشرت في أوروبا، فلا تنفصل البتة عن اتجاه جون ستيوارت مل وهربرت سبنسر في إنجلترا أو ~~اتجاه أفيناريوس وماخ في ألمانيا وأمثالهم، وسوف نعرض لهم لاحقا. ولكن الآن - في تلك ~~الحقبة من القرن التاسع عشر - قد نشأت فلسفة العلم، وفي سياقها كمبحث تخصصي، ثم احتواء ~~الروح الوضعية في إطار صورة أكثر منهجية، تعرف بالنزعة الاستقرائية، وهي بالنسبة لنا ~~بيت قصيد. # ثانيا: نشأة فلسفة العلم # كل هذه الاستجابات القوية لروح العلم التي رأيناها، كانت موزعة بين مباحث الفلسفة ~~ومناحي الفكر الإنساني الذي رام أن يكون تقدميا، وباستثناء عمل فرنسيس بيكون ~~«الأورجانون الجديد» عام 1620م ظل السؤال عن الإبستمولوجيا العلمية مطروحا في إطار ~~انشغال الفلسفة بنظرية المعرفة عموما، وبعد أن صيغ مصطلح العالم # Scientist # فقط في عشرينيات القرن التاسع عشر لتعيين ذلك النشاط المعرفي ~~الاحترافي، حينئذ فقط ترسمت حدود ومعالم فلسفة العلم كمبحث تخصصي مستقل ومتميز وتوالت ~~أدبياتها، بوصفها نشاطا يهدف إلى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية أو نظرية عن النظرية ~~العلمية. # فلم تكن صياغة مصطلح العالم مجرد مفردة أضيفت للقاموس، بل كانت دلالة واضحة على أن ~~البحث العلمي ms119 قد ترسمت معالمه الراسخة بوصفه منشطا ذا حدود مهنية قاطعة وآليات متعينة ~~ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة وراهنة للمعرفة. باختصار انتصب مارد النسق العلمي ~~كفعالية جبارة، ترتكز على منهج محدد عمادة التجربة، فتبلورت فلسفة العلم لتصبح الوسائل ~~المعرفية نفسها - أي المنهج العلمي - مادة بحث. # وساد الإجماع آنذاك ولحقبة طويلة لاحقة على أن المنهج العلمي هو الاستقراء الذي ~~رأيناه بصفة مبدئية تجريدا وتجسيدا لروح العصر الحديث بأسرها، وعلينا الآن أن نقف ~~عليه كما بلورته فلسفة العلم بوصفه منهج العلوم التجريبية الإخبارية التي تضطلع ~~بالإخبار عن هذا الواقع، سواء فيزيوكيماوية أو حيوية أو إنسانية. # والمنهج # Method # بصفة عامة هو الطريقة، # 5 # بمعنى الطريق الواضح الذي يفضي إلى غاية مقصودة، فيكون المنهج طريقا ~~محددا لتنظيم النشاط من أجل تحقيق الهدف المنشود. والمنهج العلمي هو طريقة تنظيم عملية ~~اكتساب المعرفة العلمية، إنه المبادئ التنظيمية الكامنة في الممارسات الفعلية للعلماء ~~الذين انخرطوا بنجاح في إنتاج المعرفة العلمية والإضافة لنسق العلم. # وكان المنهج العلمي التجريبي هو الاستقراء. الاستقراء في اللغة هو التتبع، ومن استقرأ ~~الأمر فقد تتبعه لمعرفة أحواله. وعند التطبيقيين هو الحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي، # 6 # إن منهج الاستقراء # Induction # هو المقابل ~~تماما لمنهج الاستنباط # deduction ~~، فهذا الأخير ~~استدلال هابط يبدأ من مقدمات كلية ويهبط منها إلى نتائج جزئية تلزم عنها بالضرورة، ~~وبغير حاجة إلى تجريب، ويظل دائما - في صورته المثمرة - منهج العلوم الصورية # Formal Sciences # كالمنطق والرياضيات. وكان ~~القياس الأرسطي إحدى صوره المجدبة، أما الاستقراء - منهج العلوم الإخبارية # informal sciences ~~- فهو استدلال صاعد، يبدأ ~~من ملاحظة جزئيات تجريبية ليصعد منها إلى صيغة كلية على هيئة قانون عام يحكم جميع ~~الحالات المتماثلة أينما وقعت ووقتما وقعت. فإذا حدثت الظروف التي لوحظ أنها توجب وقوع ~~الظاهرة أمكن التنبؤ بحدوثها. هكذا نجد الاستقراء في جوهره عملية تعميم للملاحظات ~~التجريبية، وهذا التعميم يستند على مبدأين هما - أولا - قانون العلية ، أي إن كل ظاهرة ~~لها علة سببتها، فتنتظم أحداث الكون في تسلسل علي، وثانيا ms120 - قانون اطراد الطبيعة، ~~بمعنى أن ظواهر الطبيعة تجري بشكل مطرد على وتيرة واحدة لا تتغير، ما حدث اليوم سوف ~~يحدث غدا وإلى الأبد. فكل شيء حدث وسوف يحدث هو مثال لقانون عام لا يعرف الاستثناء ~~طالما أنه محكوم بعلاقة علية ضرورية، وكما رأينا في عرض إبستمولوجيا العلم الحديث، هذان ~~القانونان - العلية والاطراد - وجهان لعملة واحدة طالما أن العلية لا تعدو أن تكون ~~اطراد التعاقب في الطبيعة، وذلك في إطار الحتمية الكونية الشاملة. # وبلغ الإيمان بالاستقراء كقواعد تنظم عملية إنتاج المعرفة العلمية حدا جعل فلاسفة ~~العلم يتبارون في تحديد خطوات الاستقراء وترتيبها تصاعديا وصولا إلى الكشف أو ~~النظرية العلمية. وأهم ما في هذا الترتيب أن الخطوة الأولى هي الملاحظة التجريبية، فلا ~~بد أن يبدأ العالم بملاحظة عدة أمثلة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة مقصودة ~~منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف طبعا بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب ~~استخدام الأجهزة المعملية إلى أقصى حد ممكن وصولا للتكميم الدقيق، وما التجربة ~~المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها، وهناك علوم تعتمد على الملاحظة فقط ~~كالفلك والجيولوجيا، وعلوم تعتمد على التجربة فقط كالفيزياء والكيمياء، وعلوم تجمع بين ~~الاثنتين كعلوم الطب والحياة. # الخطوة الثانية للمنهج العلمي التجريبي هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، ~~فإذا اشتعل الخشب كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم ~~الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال، وعلى سبيل المثال، أجرى باستير ملاحظات عديدة على ~~مواد قابلة للفساد، تعتبر مثالا يحتذى للتجريب العلمي، وخرج بتعميم استقرائي لها في ~~صور القانون: لا تفسد المواد القابلة للفساد إلا إذا تركت مكشوفة. والخطوة الثالثة ~~للمنهج الاستقرائي - كما صاغه فلاسفة العلم - هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، ~~كافتراض أن الخشب قابل للاشتعال؛ لأنه يتحد بالأكسجين، أو افتراض باستير أن الهواء يسبب ~~الفساد؛ لأنه يحتوي على كائنات دقيقة. والخطوة الرابعة هي التحقق من صحة الفرض، لا بد ~~أن يكون من الناحية المنطقية قادرا على حل المشكلة المطروحة للبحث ومتسقا مع ذاته، ~~ومع القوانين العلمية الأخرى المعمول بها. ms121 وتبرز محورية التجريب مجددا حين نجد أن ~~إنجاز هذه الخطوة يكون بإثبات الفرض أو دحضه، عن طريق اختباره تجريبيا، ويكون قبول ~~الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا تم دحض، كل هذا وفقا لنتائج محكمة ~~التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، وهي بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلى ~~بنيان العلم. # ولا نحسبن أحدا من فلاسفة العلم المحترفين آنذاك قد اعتقد حقا أن هذه المصفوفة ~~لخطوات المنهج الاستقرائي (ملاحظة ثم تعميم، افتراض فرض، التحقق منه، البرهان أو الدحض ~~وبالتالي المعرفة) الشائعة في الكلاسيكيات البائدة لفلسفة العلم التجريبي هي المفتاح ~~الذهبي للإنجاز في العلم، كما تصور بيكون من قبل. الواقع أنها لم تكن إلا تبريرا # Justification # للقانون العلمي وتمييزا للمعرفة ~~العلمية. إنها معيار يلحق بنتيجة جاهزة، فقد انطلق فلاسفة العلم التجريبيون المتطرفون ~~من هاجس الافتتان بالنسق العلمي في حد ذاته؛ لتغدو فلسفة العلم معنية فقط بتبرير ~~المعرفة العلمية كما هي معطاة. وهذا التبرير يستند أولا وأخيرا على إحكام العلاقة بين ~~الوقائع التجريبية والنظرية العلمية أو القانون العلمي، وكيفية الانتقال من هذه إلى ~~تلك، وما ينبغي أن نلاحظه هنا أن «تاريخ العلم» يغدو مسألة ثانوية أو جانبية، ليس من ~~شأنها أن تلقي الضوء على النسق العلمي الذي تفجر ألقه، أو أن تساهم في تعميق النظرة ~~إليه، فضلا عن دفع معدلات تقدمه واستشراف آفاقه، وأصبح هذا هو الموقف السائد المعترف ~~به لفلسفة العلم وإلى ما بعد منتصف القرن العشرين بعقد من الزمان. # إذن فحين تبلورت فلسفة العلم وأصبحت وسائل المعرفة العلمية ذاتها مادة بحث - أي حين ~~انفصل النشاط النظري الهادف إلى تكوين نظرية عن النظرية العلمية - انحصر هم فلاسفة ~~العلم في أطر المنهج من حيث هو تقنين للانتقال من التجربة إلى القانون، وداروا بين رحى ~~جهاز من المفاهيم رأوه قادرا على تبرير المعرفة العلمية، بوصفها معرفة صدقها أفضل ما ~~يمكن أن يوثق به. وفي إطار منطق التبرير اللاتاريخي الذي ازدهر وساد طوال القرن التاسع ~~عشر، تنامت مباحث فلسفة العلم، وأينعت نظرياتها ms122 حول المنهج العلمي وخطواته ومصادراته ~~وطبائعه، ومقولاته العلمية كالحتمية والعلية واليقين والاحتمالية، ووظيفة العلم بين ~~الوصف والتفسير والتنبؤ، وطبيعة القانون العلمي، وترسخ الاتجاه نحو اعتبار النظرية ~~العلمية أساسا مجرد تعميمات استقرائية، خصوصا وأن هذا الاعتبار ملائم تماما للفيزياء ~~الكلاسيكية، وهي لم تقتحم بعد عالم ما دون الذرة وتتعامل مع كون فيزيائي كل شيء فيه ~~قابل للملاحظة الحسية، فما أيسر أن نلاحظ ثم نعمم؛ لذا ساد المرحلة الأولى من فلسفة ~~العلم هذا الاتجاه التبريري اللاتاريخي، المواصل لمسار الفلسفة الوضعية، والمفرط في ~~الارتكاز على المنهج الاستقرائي بصورته التقليدية التي تصر على البدء بالملاحظة، وتجعل ~~نسق العلم بناء مشيدا على أسس صلبة هي الملاحظات أو الوقائع التجريبية. وهذا الاتجاه ~~هو ما يعرف بالمذهب الاستقرائي أو النزعة الاستقرائية # Inductivism ~~، على أن نلاحظ الفارق بين المنهج الاستقرائي والمذهب ~~الاستقرائي. # أجل، كان الاستقراء آنذاك مسلما به بوصفه منهج العلوم التجريبية، لكن الاقتصار عليه ~~فقط، والارتكاز على حجة تعميم الوقائع التجريبية بوصفها تبريرا كافيا للمعرفة ~~العلمية، هو تجريبية متطرفة انتهى إليها أصحاب النزعة الاستقرائية. إنهم الاستقرائيون ~~الخلص، أو أكثر الاستقرائيين استقرائية التجريبيون المتطرفون، وأكثرهم تطرفا جون ~~ستيوارت مل، أبرز من تفانوا في صياغة الاستقراء كمنهج وكمذهب. # وعلى الرغم من أنه يصعب إرجاع التوجهات الفكرية السائدة إلى اعتبارات شخصية، فضلا عن ~~أن العلم بالذات هو الذي علم البشرية كيف تكون العوامل الموضوعية، إلا أنه لا يمكن ~~فصل سيادة النزعة الاستقرائية التبريرية اللاتاريخية عن قوة شخصية جون ستيوارت مل، ~~وانتصاره في المناظرة بينه وبين وليم هيوول في أواسط القرن التاسع عشر، وانتهت بالغلبة ~~لمل وفريقه التجريبي المتطرف، بينما توارى في الظلام وليم هيوول ورؤاه الثاقبة. # ربما كان جون ستيوارت مل أكثر تعبيرا عن روح العصر الوضعي، بينما كان هيوول سباقا ~~لعصره. على أية حال، فإن المناظرة أو المقابلة بينهما تعد نقطة البدء والمرحلة الأولى ~~الريادية لفلسفة العلم كنشاط فلسفي مستقل ومتميز عن فروع الفلسفة الأخرى؛ لذا يجمل بنا ~~التوقف عند كل من طرفيها. وصحيح أن وليم هيوول - الأقل حظا ms123 وشهرة - هو الطرف المغلوب، ~~إلا أنه الأكبر سنا والأسبق في الإنتاج، ويمكن أن نقول وأيضا الأبعد نظرا؛ لذلك سوف ~~نبدأ به، ثم ننتقل إلى جون ستيوارت مل واتجاهه الذي ساد، فيمكن في إثره أن نتتبع مسار ~~فلسفة العلم وتطوراتها. وفي أعقاب مل، لا بد من العود إلى فرنسا والإشارة إلى نظرية ~~كلود برنار المنهجية؛ لأنها تعد من المعالم البارزة في مسار نظرية المنهج التجريبي ~~آنذاك، والتي رأيناها صلب فلسفة العلم. إن فلسفة العلم في منتصف القرن التاسع عشر تكاد ~~تكون موزعة بين إنجلترا وفرنسا، مع بضعة إسهامات لاحقة من ألمانيا. فهل جزافا أن كانت ~~إنجلترا وفرنسا آنذاك سيدتا العالمين، تتباريان لاقتسامه واحتلاله، أم إن الأمر كما قال ~~فرنسيس بيكون منذ البداية: العلم قوة؟ # ولد وليم هيوول # W. Whewell ~~(1794-1866م) في لانكستر، ~~وتوفي في كمبردج بعد أن قضى معظم حياته في جامعتها، طالبا وزميلا وأستاذا بكلية ~~ترنتي «الثالوث» العريقة، حيث شغل منصب أستاذ كرسي فلسفة الأخلاق، وقبل أن يكون فيلسوف ~~علم رائدا، كان أيضا عالما وعضوا في الجمعية الملكية للعلوم، وبفضله وضعت الجمعية ~~مصطلح عالم # Scientist ~~. درس علم المعادن، وله أعماله ~~في الفلك والفيزياء العامة والميكانيكا، قيل عنها: إنها أساسا كتابات تعليمية، ولكنه ~~ساعد فاراداي في وضع عدد من المصطلحات الهامة في مجال الصلة بين الكهرباء والتحاليل ~~الكيميائية. # وهو أيضا مؤرخ للعلم، في عصره الذي لم يعن بتاريخ العلم إلا قليلا، وتركه ~~للمحاولات الفردية. أصدر هيوول في عام 1837م «تاريخ العلوم الاستقرائية» في ثلاثة ~~مجلدات تمتد من أقدم العصور حتى عصره الراهن. وطبعا في سياق النعرة الأوروبية الممهدة ~~لعصر الاستعمار الوبيل، تكون أقدم العصور هي العصور الإغريقية، ثم السكندرية، الكتاب ~~يستبعد الإشارة لما هو خارج مسار ونطاق الحضارة الغربية. ثم أصدر عام 1840م كتابا آخر ~~بعنوان «فلسفة العلوم الاستقرائية المؤسسة على تاريخها»، وفي مواجهة النزعة الاستقرائية ~~التجريبية المتطرفة اللاتاريخية، يؤكد هذا الكتاب أن فلسفة العلم لا تدرك المنهج العلمي ~~حق الإدراك إلا من خلال فاعليته عبر تاريخ العلم؛ لذلك يتلاحم في ms124 عنوان الكتاب الطرفان: ~~تاريخ العلوم الاستقرائية وفلسفة العلوم الاستقرائية. وصدرت لهذا الكتاب طبعة ثالثة ~~مزيدة وموسعة تحت ثلاثة عناوين مستقلة: الأول «تاريخ الأفكار العلمية» في مجلدين عام ~~1858م، والثاني في نفس العام بعنوان «إحياء الأورجانون الجديد»، والثالث «في فلسفة ~~الكشف» عام 1860م؛ حيث يعرض نظرية جون ستيوارت مل المنهجية للنقد الشديد. # والوعي التاريخي الذي سبق به هيوول فلسفة العلم في عصره، يتجلى بقوة في الكتاب الأول ~~«تاريخ الأفكار العلمية» يقول: إنه عنوان فرضته طبيعة المادة المعروضة ومضمونها، وإنه ~~استقى هذه المادة من صلب الأعمال الكبرى خلال تاريخ العلم وهو بصدد إعداد كتابه الأول ~~«تاريخ العلوم الاستقرائية» الذي يعرض لتاريخ العلم بقدر ما هو معتمد على الوقائع ~~والملاحظات، بينما «تاريخ الأفكار العلمية» يعرض لتاريخ العلم بقدر ما هو معتمد على ~~الأفكار والمفاهيم والتصورات. ويوضح الكتاب أن مناقشة النظريات تهدف إلى جعلها متسقة مع ~~شروط وظروف التفكير البشري. ومن ثم يناقش الكتاب تاريخ المفاهيم العلمية الكبرى كالمكان ~~والزمان والعدد والحركة والعلة والقوة والمادة والوسط والكثافة والعنصر والانجذاب ~~والجوهر والذرة والتماثل والمشابهة والأنواع والحياة والوظيفة والقوى الحيوية والعلل ~~الغائية والعلة الأولى ... ويؤكد هيوول أن المناظرات حول التحديد الدقيق لهذه الأفكار أو ~~المفاهيم وخصائصها ودورها تشكل القطاع الأساسي من تاريخ العلم وأيضا من فلسفته، ولن ~~تكتمل أية فلسفة للعلم بدون أن تضع حلولا للإشكاليات والصعوبات والتناقضات التي تثيرها ~~المناظرات حول هذه الأفكار والمفاهيم؛ لذلك حاول هيوول عبر صفحات الكتاب أن يوضح الأصول ~~الباكرة لهذه المفاهيم وتطوراتها حتى وصولها إلى الأشكال التي اتخذتها في القرن التاسع ~~عشر، موضحا ما بدا له من حل أمثل لكل إشكالية تثيرها تلك المناظرات، وقد تأدى به الأمر ~~إلى التوغل أحيانا في أعماق الميتافيزيقا، مؤكدا أن مثل هذه الميتافيزيقا جزء جوهري ~~من تقدم العلم، # 7 # في مواجهة الوضعية والنزعة الاستقرائية التي تقصف تماما الأبعاد ~~الميتافيزيقية. # هكذا أعطانا وليم هيوول فلسفة للعلم قائمة على الوعي بتاريخه، مخالفا بهذا النزعة ~~الاستقرائية التجريبية المتطرفة باتجاهها اللاتاريخي المقتصر على النسق العلمي كمنجز ~~راهن. وبالتالي ms125 لا بد أن تكون نظرة هيوول للمنهج التجريبي مختلفة. # بداية سلم هيوول بناموس العصر: الاستقراء كما هو واضح من مجرد عناوين كتبه، لكن ~~الوعي التاريخي الذي تسلح به جعل المنهج التجريبي معه - ولنقل الاستقراء - أكثر حيوية ~~وتبصرا من الاستقراء التقليدي القائم على تعميم الملاحظات المستقرأة، الذي اعتمدته ~~النزعة الاستقرائية، فيقول هيوول: إن دراسة تاريخ العلم تكشف عن عملية استقرائية لا ~~تماثل البتة حجة التعميم التي يتمسكون بها، بل ثمة ربط للوقائع التجريبية من خلال ~~مفهوم عقلي عبقري. من هنا أكد على نقطة ~~غامضة # Mysterious Point # في الانتقال من الملاحظة إلى القانون، وأوضح أن الفروض العلمية ~~بالأمس قد تبدو اليوم في صورة وقائع تجريبية. إنها نظرية عقلية تم إدراكها؛ لذلك قيل: ~~إن فلسفة هيوول عقلانية ~~استقرائية # Inductive Rationalism ~~. # 8 # لقد صحبه في السنوات الأخيرة من عمره شعور حاد بأن الاستقراء لا يكفي. لم يكن عصره ~~يسمح بإسقاط الاستقراء، فاكتفى هيوول بأن الاستقراء والاستنباط يصعدان ويهبطان نفس ~~الدرج. وعلى أساس المفهوم العقلي العبقري أو النقطة الغامضة، عمل هيوول على تطوير ~~المنهج التجريبي؛ ليتخذ صورة المنهج الفرضي الاستنباطي الذي يعني إبداع فروض علمية ثم ~~اختبارها تجريبيا، والحكم عليها والاختبار بينها وفقا لنتائج التجريب. ولم تعرف ~~قيمة هذه الدعوة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، حين تبلورت صورة المنهج ~~التجريبي بوصفه اختبارا للفروض وليس البتة تعميما لوقائع مستقرأة، وأصبحت الأطراف ~~المعنية تتفق على أن المنهج التجريبي هو المنهج الفرضي الاستنباطي؛ لذلك قلنا: إن هيوول ~~سبق روح عصره. # لقد أدرك بجلاء أن المسألة أعمق من التعميم الاستقرائي، وأن المعرفة العلمية ليست ~~محصلة التجريب، بل محصلة تفاعل العقل مع معطيات الحواس. وبينما انشغل أصحاب النزعة ~~الاستقرائية بالوقائع الجزئية الملاحظة، انشغل هيوول بإبداع الفرض العلمي وبالنظرية ~~ودور العالم وإمكانياته العقلية، مؤكدا خطأهم في إهمال الفرض والتعويل على التعميم. من ~~هنا صب جون ستيوارت مل جام نقده على هيوول، واعتبر فكرة الفرض عنده تأثرا منه بكانط ~~ونزوعا نحو المثالية الألمانية. # 9 # فتراجعت نظرية هيوول الأكثر نفاذا واستبصارا ms126 التي تقرر دور العقل الإنساني المحوري ~~في الإنجاز العلمي، مثلما تراجعت رؤيته لفلسفة العلم المسلحة بتاريخه، وساد الاتجاه ~~المقابل لأصحاب النزعة الاستقرائية التبريرية اللاتاريخية. إنهم التجريبيون المتطرفون، ~~وقد التفوا حول علم أعلام فلسفة العلم آنذاك، جون ستيوارت مل، بكل ما ملكه من ألق ~~اجتماعي ومقام رفيع يغرينا بأن نتعرف على شخصيته كمدخل لعرض فلسفته للعلم التي ~~سادت. # لقد قيل: إن حياة جون ستيوارت مل # J. S. Mill ~~(1806-1873م) تلخيص لمسار الأمة الإنجليزية في تلك الحقبة من العصر الفيكتوري - حكم ~~الملكة فيكتوريا - الذي يعد من أزهى عصورها. وكان مل رفيع الخلق، جم الفضائل، مرهف ~~المشاعر، وإذا كانت قدراته الإبداعية محدودة فإنه أنموذج للباحث الجاد والمفكر الملتزم، ~~ومحل احترام وإكبار من الخصوم قبل الأنصار ومن الأعداء قبل الأصدقاء، وقد نشئ تنشئة ~~خليقة بإخراجه هكذا، فأبوه جيمس مل (1773-1836م) من أعلام فلاسفة عصره، أدرك منذ نعومة ~~أظفار ولده تألق قواه العقلية، فاستشعر المسئولية إزاء تربيته وتثقيفه وإعداده للمهام ~~الفكرية، لم يأل الأب جهدا ولا وقتا من أجل هذا، وبلغ إحساسه بالمسئولية إزاء الطفل ~~النجيب أن استبد به الخوف من أن توافيه المنية قبل أن يتم تنشئته، فأهاب بصديقه ~~الفيلسوف الأبعد منه صيتا وأثرا جيرمي ~~بنتام # J. Bantam ~~(1748-1832م) بأن يشاركه العبء في حياته، وأن يتكفل بالفتى إن ~~هو توفي، فرحب بنتام بهذا، غير أنه قضى نحبه قبل صديقه جيمس مل بأربع سنوات! # ومن جراء هذا نشأ الصبي بين طوفان من عوالم المعرفة، ينهل على عقليته بمنهجية ~~وإحكام، فأتقن اليونانية قبل أن يتم عامه الثامن واطلع على تراثها الزاخر، وتراث ~~الرومان. علم نفسه الرياضيات واتصل - طبعا - بمنجزات العلوم في عصره. قرأ كثيرا في ~~التاريخ والقوانين وأصول التشريع والاقتصاد السياسي، وانتابته أزمة نفسية عنيفة في ~~العشرين من عمره، خرج منها بأهمية الشعر والأدب. وبينما بدت الفلسفة الألمانية في نظره ~~كتابا مغلقا بسبعة أختام لم يجد في نفسه أدنى رغبة لفضها، فتن فتنة شديدة بالحضارة ~~الفرنسية وأتقن لغتها وتتبع منجزاتها، وكان كثير التردد على فرنسا. أمضى ms127 جون ستيوارت مل ~~حياته في قصة حب رومانسية غريبة لليدي هارييت تيلور التي ما فتئ يعدد مناقبها وأياديها ~~البيضاء على إنجازاته الفكرية. ظل أكثر من عشرين عاما ينتظرها، حتى توفي زوجها عام ~~1849م وتزوجها جون ستيوارت عام 1852م وبعد ست سنوات أسلمت الروح وكانا في فرنسا، ~~فواراها التراب هناك واشترى منزلا بجوار قبرها المحبوب. كان صديقا لأوجست كونت، رفيقه ~~في نفس المنطلقات. ألف مل عام 1865م كتابا عن فلسفته الوضعية وناصره بحماس في دعواه ~~بضرورة إخضاع العلوم الاجتماعية للمنهج التجريبي. # كان جون ستيوارت مل قد عمل في مطلع حياته بشركة الهند الشرقية، وتدرج في مناصبها حتى ~~وصل إلى أعلاها. ولما حلت الشركة عام 1858م وصار البرلمان الإنجليزي هو الذي يحكم ~~الهند، وعم الفرح في إنجلترا بالجوهرة التي ظفر بها التاج البريطاني، كان مل - وهو ~~عضو بالبرلمان في ذلك الوقت - من أعنف المهاجمين لهذا والمنددين بالاستغلال الوحشي ~~للهند، والمطالبين بترك حكم الهند لأهلها! ولا غرو، فقد اقترن اسم مل بتمجيد الحرية ~~واحترام رأي الفرد وحقوقه. ويعد كتابه «في الحرية 1859م» دستورا للنظام الديمقراطي ~~للحكم في إطار ليبرالي. واتخذ في الأخلاق المذهب الذي ورثه عن أبيه وأستاذه بنتام، مذهب ~~المنفعة العامة الذي يعني أن هدف القيم الأخلاقية هو تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر ~~عدد من الناس. وفي النهاية أخرج مل كتابه «استعباد النساء 1869م» الذي يعد المقدمة ~~الحقيقية لاستقلال المرأة في القرن العشرين. لقد عاش مل ملء الأسماع والأبصار، فهل ساعد ~~هذا على التمكين للنزعة الاستقرائية؟! # فقد كان جون ستيوارت مل متطرفا في تجريبيته حتى بلغ إيمانه بالاستقراء مبلغا لم ~~يبلغه أحد من قبله ولا من بعده، فالاستقراء عنده الطريق الوحيد الذي لا طريق سواه، ليس ~~فقط للمعرفة العلمية، بل أيضا لكل وأية معرفة صحيحة أو حقيقية. وباختصار كل مكونات ~~الذهن ومحتوياته مجرد تعميمات استقرائية، لا يستثنى من ذلك شيء البتة، حتى قوانين ~~الرياضة «2 + 2 = 4»، وقوانين الفكر الصورية مثلا «أ هو أ» ... كلها ليست إلا تعميمات ~~استقرائية لكثرة ما لاحظته ms128 حواسنا من أن اقتران 2 و2 ينتج عنه دائما 4، ومن أن أ هي ~~دائما أ، لم يكن الاستقراء عند مل مجرد منهج للعلم، بل هو أيضا منطق الحقيقة # Logic of ~~truth ~~. # أجل، كان مل معاصرا لمواطنه جورج بول # G. Boole ~~(1815-1864م) الذي فجر ثورة المنطق الرياضية الرمزية، لكنه لم يشهدها وهي تؤتي أكلها ~~في القرن العشرين. وفي أيام مل كان المنطق لا يزال هو المنطق الصوري الأرسطي. رفض مل ~~المنطق الصوري بجملته وليس فقط قياساته العقيمة، قائلا: إنه منطق للاتساق وإقامة ~~البرهان ... لذلك فهو استدلال ظاهري لا يتضمن أية إضافة ولا يناسب إلا الله الذي أحاط بكل ~~شيء علما، فيستنبط من هذا العلم الشامل ما يريد. أما الإنسان فهو بحاجة إلى منطق يتعقب ~~الحقيقة ويأتيه بمعرفة جديدة لن تكون إلا بالاستقراء؛ # 10 # أي الاستدلال التجريبي الذي هو الاستدلال الحقيقي الوحيد. إن الاستقراء - ~~كما يجزم مل - هو منطق العلم ومنطق العمل ومنطق التفكير ومنطق الحياة، والسبيل المعرفي ~~الواحد والوحيد المثمر الذي يمتلكه الإنسان. # وفي هذا الإطار وضع مل أضخم وأهم كتبه «نسق المنطق 1843م»، محاولا تحقيق حلمه بأن ~~يكون نبي الاستقراء مثلما كان أرسطو نبي القياس. وكما وضع أرسطو للقياس أشكالا ~~وضروبا، وضع مل للاستقراء لوائح أو مناهج، ضمنها الكتاب الثالث من «نسق المنطق»، ~~الفصول الثامن والتاسع والعاشر. إنها خمسة مناهج رآها مل جامعة مانعة لأساليب البحث ~~التجريبي والعلمي، ولطرق التفكير المنتج إجمالا! خمسة مناهج هي وسيلة اكتشاف العلاقات ~~العلية وإثباتها، وهي على النحو التالي: ~~(1) # منهج ~~الاتفاق # Method of Agreement ~~: وينص على أنه إذا اتفق مثالان أو أكثر للظاهرة المطروحة للبحث في نفس ~~الظرف، كان هذا الظرف الذي تتفق فيه كل الأمثلة علة لهذه الظاهرة، أو ~~معلولا لها، # 11 # إنه منهج التلازم في الوقوع بين العلة والمعلول، ويستلزم جمع ~~أكبر عدد ممكن من الحالات التي تبدو فيها الظاهرة، والمقارنة بين عناصرها، ~~وتحديد ما هو السابق وما هو اللاحق، السابق هو العلة واللاحق هو ~~المعلول. # وهذا المنهج يعبر عن طريقة شائعة الاستعمال ms129 في الحياة اليومية أكثر منها ~~في البحوث العلمية، فالظواهر الطبيعية قد لا تكون بهذه البساطة بحيث يظهر ~~دائما العامل الواحد الذي لا يتغير، وقد تتشابك الظروف وتختلط، ويظهر ~~العنصر مع آخر من قبيل التصادف العرضي في الوقوع. ~~(2) # منهج ~~الاختلاف # Method of Difference ~~: وينص على أنه إذا حدث مثالان تقع الظاهرة المطروحة للبحث في أحدهما ولا ~~تقع في الآخر، واتفق المثالان في كل شيء ما عدا عامل واحد، كان هذا العامل ~~المختلف فيه هو علة الظاهرة، أو معلولها، أو جزءا ضروريا من علتها، ~~بحدوثه في المثال الأول حدثت الظاهرة، وبغيابه في الآخر غابت. إنه نوع من ~~البرهان العكسي، وقد يحوي نفس قصور المنهج السابق فيكون اختلاف العاملين ~~مجرد تصادف، بالإضافة إلى صعوبة تحقيقه، فاستبعاد العلة قد يعني استبعاد ~~الظاهرة بأسرها، وإن كانت الوسائل التحليلية للبحث العلمي تستطيع التغلب ~~على هذه الصعوبة. # على أية حال يعد هذا المنهج أقوى المناهج، وفكرته الأساسية خصبة للغاية ~~وأساس نظريات منهجية حديثة في القرن العشرين، وإن كان بيكون قد أرسى أصوله ~~بقائمة الغياب. ~~(3) # منهج الجمع ~~بين الاتفاق والاختلاف # Joint Method of Agreement and Difference ~~: وهو منهج يجمع بين الطريقتين السابقتين، فيكون أكثر فعالية من أيهما على ~~حدة. إنه محاولة التحقق من ظهور المعلول بظهور العلة، واختفائه باختفائها، ~~أو ما أسماه الإسلاميون دوران العلة مع معلولها وجودا وعدما. ~~(4) # منهج البواقي # Method of Residue ~~: وهو منهج لوضع الافتراض أكثر منه لتحقيقه، وينص على أنه إذا كان لدينا ~~ظاهرة ما لها عدة عناصر، عرفناها بالعمليات الاستقرائية السابقة على أنها ~~علة لمعاملات لاحقة معينة، فإن ما يتبقى من عناصر تلك الظاهرة هو علة لما ~~تبقى من معلولاتها اللاحقة، # 12 # ونوه مل إلى أنه يعتبر هذا المنهج من مناهج التجريب بشيء من ~~التجاوز؛ لأنه لا يستقل عن الاستنباط ثم يتطلب خبرات تجريبية، فضلا عن أنه ~~يعتمد على ممارسات المناهج الثلاثة السابقة. إذن كان من الأليق أن يأتي هذا ~~المنهج في مؤخرة قائمة المناهج، غير أن مل وضعها في «نسق المنطق» بهذا ms130 ~~الترتيب. ~~(5) # منهج التلازم في ~~التغير # Method of Concomitant Variation ~~: وهو يعني الكشف عن العلاقة الكمية بين العلة والمعلول، أي التناسب الطردي ~~بين شدتيهما؛ لذلك فهو أدق المناهج؛ لأنه منهج للتكميم. # وضع جون ستيوارت مل هذه المناهج الخمسة ليلزم بها الباحث إلزاما، إن لم نقل ليلزم ~~البشرية بأسرها طالما أن الاستقراء أسلوب المعرفة والتفكير المثمر الوحيد، ومل «لا يعرف ~~ولا حتى يستطيع أن يتخيل مناهج سواها»! # 13 # ويعترف مل بفضل وليم هرشل # W. Herschel ~~(1738-1822م)، وهو عالم فلكي، صنع بمعاونة شقيقته كارولين مرصدا يحوي مراقب «تلسكوبات» ~~محسنة، فاكتشف عام 1781م كوكب أورانوس وأقماره وأيضا قمرين لزحل، ووضع كتابه ~~«خطاب تمهيدي لدراسة الفلسفة الطبيعية Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy ~~»، حيث كان مصطلح الفلسفة ~~الطبيعية في القرن الثامن عشر لا يزال يعني «العلوم الطبيعية»، ويعد هذا الكتاب من ~~معالم تاريخ الاستقراء في صورته التقليدية ومحاولة صياغته كمنهج للعلم الحديث، وكانت ~~صياغة مزيدة بثروة مستقاة من ممارسة العلوم الطبيعية. في هذا الكتاب وضع هرشل إرشادات ~~تشبه مناهج مل، غير أن كليهما لم يزد كثيرا على منهج فرنسيس بيكون وإرشاداته؛ ذلك أن ~~مل قال: إنه سيأتينا بأربعة مناهج، ثم أتانا بخمسة، وبعد أن شرحها ظل مصمما أنها ~~أربعة! واختلف الباحثون أي المناهج هو الزائد وتمسك كل فريق بواحد منها، ولكن يمكن ~~ملاحظة أن منهجي البواقي والتلازم في التغير يعتمدان على المناهج الثلاثة الأولى، وأن ~~الثالث (منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف) مجرد ربط للمنهجين الأولين معا، وأن المنهج ~~الثاني نفي أو عكس للأول، فلا يبقى إلا المنهج الأول وهو معروف منذ أن دعا بيكون إلى ~~التجريب. # وفلسفة مل المنهجية بصفة عامة مليئة بأوجه القصور، فهو مثلا خلط بين اكتشاف الفروض ~~أو ابتداعها وبين تأييدها، ودافع عن هذا بأن القانون العلمي ليس فرضا، بل حقيقة نريد ~~أن نثبتها ومناهجه تثبت أنها فعلا قانون # 14 # مؤكدا بهذا خطأ بيكون في إغفال أهمية الفرض، وأقام مل بنيانه الضخم على ~~أساس العلية ومن أجلها، ومع هذا لم ms131 يقف إزاءها موقفا فلسفيا للحظة واحدة، بل سلم ~~بها كما يفعل الإنسان العادي، هل لأنها تقيم صلب العلم؟ فماذا بقي لفلسفته إذن؟ صرح ~~مل بإمكانية رد معلول واحد إلى عدة علل، ومع هذا تجد منهجي الاتفاق والاختلاف يردان ~~المعلول إلى علة واحدة ... ويمكن أن نستأنف المسير طويلا في تعداد المآخذ على نظرية مل ~~المنهجية، خصوصا بسبب تطرف تجريبيته حتى بلغت حد التسطيح. # بيد أن هذا التطرف التجريبي ذاته هو الذي جعلها صلب النزعة الاستقرائية، وبنظرة واحدة ~~نلاحظ كيف أنها تساير إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي المطروحة في الفصل السابق؛ فقد كانت ~~الروح العلمية آنذاك تنزع نحو التجريبية المتطرفة. وحين أتى عام 1850م كان هذا المنزع ~~التجريبي مصوغا جيدا بفضل جون ستيوارت مل وكتابه «نسق المنطق» إنه النزعة الاستقرائية ~~التي أفلح مل في تأكيدها حين أسهب في تبيان أن كل المفاهيم العلمية يجب أن ترتد إلى ~~دوال قابلة للملاحظة عن طريق الاستقراء الذي تنشأ عنه النظرية العلمية، والاستقراء ~~يستند على العلية العامة التي لا تعدو أن تكون اطراد التعاقب في الطبيعة؛ لذلك يقوم ~~منهج العلم على تعميم الوقائع الملاحظة، وسار خلف مل جمع غفير من فلاسفة العلم ذوي ~~المنزع الوضعي، تواصلت مسيرتهم حتى بلغت النصف الثاني من القرن العشرين، بدا هؤلاء - ~~أصحاب النزعة الاستقرائية - وكأنهم المعبرون الشرعيون عن العلم وفلسفته، على الرغم من ~~أن تجريبيتهم الحادة فجة ومباشرة، لا تولي اعتبارا كافيا لدور العقل الإنساني في ~~ملحمة العلم المجيدة، فضلا عن أنها ملغومة بمشكلة الاستقراء ... أشهر مشكلات فلسفة ~~العلم. # وقبل أن ننتقل إلى مشكلة الاستقراء لا بد من العود إلى كلود برنار، الذي رأيناه، في ~~الفصل السابق مقوضا لفرض القوى الحيوية ومؤسسا لعلم وظائف الأعضاء الحديث على أساس من ~~الحتمية الشاملة والعلية والنظرة الميكانيكية، لقد انطلق من الخلفية الوضعية التي صيغت ~~في وطنه فرنسا، اتخذ الموقف التبريري اللاتاريخي فلم يعارض النزعة الاستقرائية كما فعل ~~هيوول، بل على أساس من استيعاب توجهاتها، حاول أن يداوي قصوراتها، ويضيف إلى النظرية ~~المنهجية الاستقرائية إضافات ثاقبة سوف ms132 تفتح الطريق للحركة النقدية، وهذه سوف يتعاظم ~~أمرها حتى تعصف في النصف الثاني من القرن العشرين بالنزعة الاستقرائية، عصفا مواكبا ~~ومتسقا مع نواتج ثورة الفيزياء الكبرى في هذا القرن. # وقد كان كلود برنار أيضا من الشخصيات النبيلة حقا في مسار العلم وفلسفته على ~~السواء، تخرج في كلية الطب، وتنازل تماما منذ بدء حياته العملية عن الممارسة ~~الإكلينيكية والعمل في العيادات، مضحيا بفرص الكسب المالي لكي يتفرغ تماما للبحث ~~العلمي في الفيزيولوجيا، تكرس له طوال حياته، حتى بعد أن وهنت صحته وغزاه المرض كان ~~يحمل إلى قلب معمله، علم البشرية كيف يكون التفاني بين جدرانه كما يتبتل العابد ~~الصوفي في محرابه، لم يكن يتوقف إلا إذا قهره الإرهاق. وذات مرة طلب فنجانا من الشاي ~~ليقاوم الإرهاق ويجدد نشاطه، وبهدوء وضعه الخادم الذي تعلم ألا يقطع تركيزه، امتدت يد ~~برنار للفنجان، لكنه سحب كأسا به عينة من بول أرانب جيء بها من أجل التجارب على ~~فيزيولوجيا الجهاز الهضمي. الوعي كله مكرس للتجربة العلمية، وبلا وعي أخذ برنار رشفة من ~~بول الأرانب! ربما انتفض الإنسان العادي اشمئزازا وتقززا إن حدث هذا، لكن العالم ~~المتبتل برنار انتبه فجأة على خبرة تجريبية لا تعوض، فلم يهدرها ولاحظ المذاق السكري ~~لبول الأرانب التي لم تتناول طعاما منذ فترة. طرح برنار السؤال: من أين جاء المذاق ~~السكري؟ وللإجابة عليه دخل في سلسلة أبحاث معملية طويلة انتهت إلى اكتشاف وظيفة ~~البنكرياس ومرض السكر الذي يعاني منه الكثيرون. # وما يعنينا من أمر كلود برنار الآن، أنه توقف هنيهة في خضم أبحاثه العلمية التي لا ~~يشغله عنها شاغل؛ ليضع في عام 1865م كتابه «مدخل إلى دراسة الطب ~~التجريبي» # Introduction a l’etude de la medicine experimental. ~~، حيث يؤكد أن فن البحث العلمي حجر الزاوية من كل العلوم ~~التجريبية، لكن قواعد المنهج لا تفرض على العالم من الخارج، بل تنبع من صميم ممارساته، ~~وتتطور وفقا لمتطلبات البحث العلمي ذاته، من هنا شرع في تطوير النزعة الاستقرائية ~~تطويرا نقديا يكاد يفتح طريقا جديدا. ms133 # وقد رأينا كيف كان كلود برنار كعلماء عصره شديد التمثل لإبستمولوجيا العلم الحديث ~~الحتمية، وبالتالي العلية واليقين والضرورة، وتراتب العلوم الفيزيوكيماوية والحيوية في ~~نسق واحد. وإذا كان يشق طريقا جديدا، طريقا نقديا لحدود المعرفة التجريبية، فإنه ~~حريص على تأكيد الطابع النقدي للعلم ذاته ولمنهجه التجريبي، فيقول: «عندما تكون الواقعة ~~التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة، يجب قبول الواقعة ونبذ النظرية، حتى ولو أخذ ~~بها الجميع؛ نظرا لتأييد مشاهير العلماء لها.» # 15 # ويؤكد برنار أن الفارق بين التفكير المدرسي في العصر الوسيط والتفكير العلمي، يتمثل ~~في أن المدرسيين يبحثون دائما عن نقطة بدء مطلقة الصدق كي يبدءوا منها. أما العالم ~~المجرب فعلى العكس من ذلك؛ يشك في كل شيء دائما، حتى في نقطة بدئه، وذهنه بالضرورة ~~متواضع مرن؛ لأن العلم الصحيح يعلم الشك والتورع والإحجام عند الجهل. ومن هنا يؤكد ~~برنار على ضرورة تسلح الباحث بروح النقد المتشككة؛ لأن القاعدة العامة التي تمثل أساس ~~المنهج التجريبي هي الشك. نتيجة الاستدلال العلمي يجب أن تظل دائما ظنية، فالعلم يتقدم ~~دوما في طريقه نحو إدراك الحتمية الشاملة، والحالة الراهنة مصيرها إلى زوال لا محالة ... ~~إلى هنا ويتوقف برنار ليؤكد أن «النقد التجريبي يشك في كل شيء ما عدا مبدأ الحتمية ~~العلمية والعقلية المسيطرة على الوقائع»، # 16 # وحتى النظريات نفسها يجب أن يزول الشك فيها بمجرد الوقوف على الحتمية التجريبية، # 17 # ومن السهل ملاحظة أن برنار بهذا ينقض نفسه، فما هو إذن الفارق بين العلماء ~~والمدرسيين؟ طالما أن مبدأ الحتمية هو نقطة البدء المطلقة للعلماء والغير قابلة ~~للشك. # وفي إطار مثل هذا التسليم بالحتمية، مبدأ الإبستمولوجيا دعا برنار إلى التجريب ~~المقارن بين الوقائع ومحاولة تعيين الشدة العددية لها بمعنى تكميم الوقائع إذا أمكن. ~~ومع هذا لم يرحب برنار كثيرا بإدخال الرياضيات في العلوم الحيوية؛ لأن الرياضيات ~~الملائمة للتطبيق فيها هي الإحصاء وحساب الاحتمال التي تهز من دعائم الصورة الحتمية ~~المكينة، وهذا هو بالضبط موقف أوجست كونت نفسه في علم الاجتماع، فقد أسماه في البداية ~~«الفيزياء ms134 الاجتماعية»، حتى أخرج عالم الفلك البلجيكي المهتم بالاجتماع أودلف كيتليه ~~كتابه «الفيزياء الاجتماعية 1869م»، حيث يعالج الظواهر الاجتماعية معالجة رياضية ~~إحصائية دقيقة تأسيسا للعلم بها. فثار كونت، ومن أجل رفض الإحصاء وحساب الاحتمال ترك ~~مصطلح «الفيزياء الاجتماعية» إلى «علم الاجتماع»، وسحقا للسمة واللغة الرياضية بجلال ~~قدرها، فلا رياضة ولا فيزياء المهم علم حتمي بأي شكل كان ولندعوه علم الاجتماع. أجل ~~سحقا لكل ما يمس الحتمية العلمية، وليس هذا تعبيرا إنشائيا بل دلاليا، فقد «أدان ~~كونت المجهر؛ لأنه هدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات»! # 18 # وقد رأينا النظرية الحركية للغازات من مواطن أزمة الفيزياء الكلاسيكية ~~وبوادر الثورة على الحتمية. # وبهذا التمثل للإبستمولوجيا الكلاسيكية وحتميتها، انطلق كلود برنار من فلسفة العلم ~~المواكبة لها والمتسقة معها، الوضعية والنزعة الاستقرائية، لم يرفض حجة التعميم ~~الاستقرائي كما فعل هيوول، سلم بها ثم واصل المسير في طريقه النقدي، فأضاف إليها الفرض. ~~وبفضل برنار استقر الفرض في منظومة المنهج الاستقرائي، ومنذ برنار فصاعدا أصبح منهج ~~العلوم الإخبارية يقوم على دعامتين هما الفرض والتجريب. # لقد علمنا الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط أن النقد كمصطلح فلسفي لا يعني فقط تصيد ~~الأخطاء، بل أيضا وقبلا سبر الإمكانيات وتعيين الحدود. وبهذا نتفهم تسليم برنار ~~النقدي بالنزعة الاستقرائية، إنه يقبلها بمنحاها التبريري اللاتاريخي ثم يعين حدودها ~~وقصوراتها. ومن أجل استئناف مسار البحث العلمي يصبح الفرض ضرورة، وفي هذا يميز برنار ~~تمييزا قاطعا بين الملاحظة # observation ~~، والتجربة # experiment ~~. إن الملاحظة إمبيريقية # empirical # أي تجريبية خالصة، وهي تمهيدية عامة ~~بسيطة، تلاحظ الواقعة الغفل كما تحدث لجمع المعلومات بتعميم استقرائي مباشر، أما ~~التجربة والبحوث التجريبية # experimental # فهي موجهة في ~~إطار محدد ومسلحة بالأجهزة المعملية الدقيقة، تخلق الظواهر خلقا في المعمل، ويكون ~~التعميم الاستقرائي نتيجة اختبار فرض. إذن الفارق الكبير بين الملاحظة والتجربة يعود ~~إلى الفرض، يفرق برنار بين الطب الإمبيريقي القائم على الملاحظة ومحض تراكم وقائع ~~الخبرة، وبين الطب التجريبي الذي يطمح في معرفة قوانين الجسم السليم والمريض، بحيث لا ~~نتمكن من توقع حدوث الظواهر فحسب، بل ms135 نتمكن أيضا من تنظيمها وتعديلها في حدود معينة. ~~الطب التجريبي هو العلمي حقا، هو القائم على الفرض مع التجربة، وكتاب برنار المذكور ~~في المنهج بعنوان مقدمة أو مدخل إلى دراسة «الطب التجريبي»؛ إذن إثبات دور الفرض مرماه ~~الأساسي. # بغير الفرض يكون الاستقراء منهجا إمبيريقيا للملاحظة فقط، وتكون النزعة ~~الاستقرائية التقليدية التي تمسكت به هكذا، أي فلسفة إمبيريقية، فلسفة للملاحظة أكثر ~~منها للتجربة، ربما تعبر عن مراحل تمهيدية في العلم، لكنها لا تكفي، فلا علم بغير فرض. ~~هاجم برنار بشدة إغفالهم لقيمة الفرض وإفراط الإمام بيكون في التحذير منه ومن الأفكار ~~المسبقة، وأوضح أنهم خلطوا بين ابتداع التجربة وبين تسجيل نتائجها، يقول برنار: # صحيح أنه من الواجب تسجيل نتائج التجربة بذهن خلا من الفروض وتجرد من الأفكار ~~السابق تصورها، لكن واجب المجرب في الوقت نفسه أن يحذر العدول عن استخدام ~~الفروض والأفكار، حين يكون الأمر خاصا بوضع التجربة أو تصور وسائل الملاحظة. ~~وعلى المرء أن يفعل عكس هذا فيطلق لخياله العنان؛ ذلك أن الفكرة هي أصل كل ~~استدلال واختراع، وإليها يرجع الفضل في البدء، ولا يجوز للمرء وأدها أو ~~استبعادها، بحجة أنها قد تضر، وكل ما يقتضيه الأمر هو تنظيمها وإخضاعها لمقياس. # 19 # يشدد برنار على أهمية الفكرة والفرض، ويراها أسبق من التجريب، وقد تتولد عن الحدس أو ~~العقل أو الشعور أو الملاحظات الإمبيريقية العامة، لكن الفرض هو الذي ننتقل منه إلى ~~التجريب ونصمم التجربة على أساسه ولكي نختبره. الفكرة أو الفرض أسبق من التجريب وأيضا ~~أهم منه، ويستشهد برنار بالعالم الطبيعي الفرنسي فرانسوا هوبر # Francois Huber # وهو أيضا من القرن التاسع عشر وترك أبحاثا وتجارب ~~علمية جديرة بالإعجاب، على الرغم من كفاف بصره؛ إذ كان يتصور هذه التجارب ثم يعهد ~~بتنفيذها إلى خادمه الذي كان خالي الذهن من أية فكرة علمية. فكان هوبر الذهن المدبر ~~ينشئ التجارب ويديرها، ولكنه لكفاف بصره مضطر لاستعارة حواس غيره، يقول برنار إن الخادم ~~يقوم بعمل الحواس المنفعلة التي تطيع العقل لتحقيق التجربة المنشأة تبعا ms136 لفكرة سابقة، ~~إن الفرض هو العقل المدبر والتجارب هي الحواس التي تعمل تبعا للعقل وفي الإطار الذي ~~يحدده. # يقول برنار إن الفروض حتى ولو كانت فاسدة تفيد في اهتدائنا إلى الاكتشافات، وينطبق ~~هذا على جميع العلوم، فقد تأسس علم الكيمياء في محاولة العصور القديمة لتحقيق فرض فاسد ~~هو تحويل المعادن إلى ذهب. الفروض فقط هي التي تمكننا من تجاوز الوقائع الحسية المحدودة ~~والسير بالعلم قدما إلى الأمام. الفروض لا تفتح الطريق للتجارب الجديدة فقط، بل أيضا ~~تجعلنا نكتشف وقائع جديدة ما كنا لنلحظها دون الفرض . ويشير برنار إلى أهمية العمليات ~~المنطقية كالاستنباط والقياس، في العلوم التجريبية. الفرض قد يكون مستنبطا من نظرية، ~~مع هذا لا بد دائما من التحقق التجريبي، أي إن الاتساق المنطقي لا يغني عن وقائع ~~التجريب. # إن العالم ليس طفلا يجلس بين يدي الطبيعة ليتعلم منها ما تمليه عليه كما تومئ النظرة ~~التي تغفل أهمية الفرض، بل هو - في رأي برنار - أشبه بقاض يحقق مع الطبيعة، وإن كان لا ~~يواجه أفرادا يضللونه بالشهادات الكاذبة، بل يتناول ظواهر طبيعية أشبه بأشخاص يجهل ~~لغتهم ويريد أن يعرف أغراضهم ومراميهم، وهو يستخدم من أجل ذلك كل ما يستطيعه من حيل، أو ~~بعبارة أخرى يبدع قصارى ما يستطيعه من فروض، ما دامت ستخضع لمحكات التجريب. # وسوف نرى لاحقا أن دخول الفرض في منظومة المنهج التجريبي ليس مجرد عنصر أضيف، بل ~~إيذانا بتغيير جذري في طبيعة المعرفة العلمية وفي علاقة العقل الإنساني بالعالم. إذا ~~لم يكن التطوير النقدي للنزعة الاستقرائية مع برنار أمرا هينا، وله أيضا افتراقه ~~البين عن أساسها الوضعي بما يمثل إضافة حقيقية، فقد حرصت الوضعية على أن تنعى الفلسفة ~~وتعلن انتهاء عصرها بمجيء المرحلة العلمية الوضعية. أما كلود برنار فقد دافع عن الفلسفة ~~والحاجة إليها بقوة. هناك فارق واضح بين الفلسفة والأدب وبين العلم، الفلسفة - بتعبير ~~برنار - معبرة عن طموحات العقل البشري من حيث هو عقل في أي زمان ومكان، الأدب يعبر عن ~~عواطف غير قابلة للتغير؛ لذلك فهما ms137 من آيات التراث الإنساني، تظل إلى الأبد جديرة ~~بالبحث والدراسة. أما العلم فأمره مختلف، إنه يعبر عن وقائع تجريبية تكشفت أمام الباحث، ~~ولما كانت هذه الوقائع في ازدياد مستمر كان العلم في تقدم مستمر، وعلم الأمس غير ذي ~~جدوى اليوم لا ينبغي إهدار الوقت في كتب الأقدمين، وحتى الفروض والنظريات لا نهتم بها ~~كثيرا، بل يكون البحث دوما في الوقائع ذاتها واليقظة لملاحظة كل ما يظهر ويستجد أثناء ~~التجربة، فالعلم في صعود مستمر. ومع هذا الفلسفة والعلم كلاهما ضروري ومطلوب، وكلاهما ~~مفيد للآخر، الفلسفة تضيف للعلم أبعادا فلسفية، والعلم يطامن من غرورها وتحليقها في ~~آفاق المطلق - كما يرى برنار. # بهذه التوجهات النقدية التطويرية نجد كلود برنار أقرب إلى فلاسفة المنهج في القرن ~~العشرين منه إلى المعاصرين له. لقد كان فيلسوف علم عظيما، كما كان عالما عظيما شغل ~~مناصب علمية رفيعة وحاز جوائز عديدة على كشوفه في الهضم والسموم والتخدير وسواها. ومع ~~كل هذا النفاذ في نظرة برنار الميثودولوجية - أي المنهجية - كان يعمل في إطار تسليم ~~عصره المطلق بالحتمية ووجهها الآخر وهو العلية الشاملة التي هي أساس التعميم ~~الاستقرائي، وإذ يدخل الفرض في هذا الإطار يغدو قبوله مستندا أيضا على تعميم ~~استقرائي، مما يعني أن مشكلة الاستقراء ما زالت ملحة، فما هي هذه المشكلة؟ # ثالثا: مشكلة الاستقراء # رأينا كيف نشأت فلسفة العلم معنية بتبرير المعرفة العلمية، وأنها وجدت هذا التبرير في ~~تقنين الانتقال من الملاحظات إلى النظرية العلمية، أي في حجة التعميم الاستقرائي التي ~~هي في الوقت نفسه معيار يميز العلم ويرسم حدودا للمنشط المعرفي الذي يعطينا محتوى ~~إخباريا عن العالم التجريبي الواقعي الذي نحيا فيه، فإذا كانت العبارة تعميما لوقائع ~~مستقرأة من هذا العالم التجريبي فلا بد أنها إخبار عنه، هكذا حققت حجة التعميم ~~الاستقرائي الهدف، فهي معيار يميز المعرفة العلمية كتبرير كاف لها. # ولكن ما هو تبرير التعميم الاستقرائي ذاته؟ # إن العالم في معمله يلاحظ عددا محدودا من الحالات، مثلا القطعة (1) من الحديد ~~تمددت بالحرارة ... القطعة (2) ... القطعة (3) ... القطعة (4) ... القطعة ms138 (ن) ... فيخرج بتعميم ~~استقرائي: الحديد يتمدد بالحرارة. أو مثلا افترض باحث أن المضاد الحيوي «س» فعال في ~~علاج التيفود، وجربه على المرضى الذين يعالجهم وهم عشرة أو عشرون أو حتى ألف، وهب أنهم ~~شفوا جميعا، سيخرج بتعميم استقرائي: المضاد الحيوي «س» يشفي من التيفود، القانون ~~العلمي طبعا عبارة عامة تحكم الحالة المطروحة للبحث بصفة كلية، وليس مجرد حصر أو تعداد ~~ساذج لأمثلة لوحظت، إن العالم يلاحظ ويجرب على عدد من الوقائع الجزئية مهما كان كبيرا ~~فهو عدد محدود، ثم يخرج منه بعبارة كلية تنطبق على كل الوقائع المماثلة في أي زمان ~~ومكان. # والسؤال الآن: بأي مبرر يخرج من وقائع جزئية محدودة إلى قانون كلي عام؟ كيف يسحب ~~الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ لماذا يفترض أن الوقائع التي لم يشاهدها تماثل تلك ~~التي شاهدها؟ من أدرانا أن الحديد منذ مليون عام أو بعد ألف سنة أو على كوكب المريخ أو ~~في مجرة أخرى يتمدد أيضا بالحرارة؟ ما الذي يضمن عدم وجود عينات من الحديد هنا أو هناك ~~لا تتمدد بالحرارة ولم يصادفها الباحثون؟ مشكلة الاستقراء هي مشكلة تبرير القفزة ~~التعميمية من عدد محدود من الوقائع التجريبية إلى قانون كلي عام، على أي أساس تمارس ~~التعميم الاستقرائي وهو صلب عملية إنتاج المعرفة العلمية؟ «وهذا التساؤل ليس إثارة لكشف ~~جديد، فأرسطو لاحظ الفارق بين الحجة الصورية المنطقية والحجة الاستقرائية التجريبية، ~~وأن الأخيرة ليست مبرهنة، # 20 # ولكنه تساؤل اكتسب خطورة كبيرة لما تصدر العلم التجريبي مسيرة العرفان في ~~العصر الحديث. # أول ما يتبادر إلى الذهن أن الاستقراء يمارس - كما أوضحنا - على أساس الحتمية والعلية ~~والاطراد. والعلية بالذات هي اطراد التعاقب في الطبيعة وهي الوجه الآخر للحتمية التي ~~افترض العلماء أنها تحكم عالم الظواهر. وبفضل الحتمية الكونية تغدو العلية شاملة لا ~~تعرف استثناء ولا جوازا، وكما حكمت الوقائع الماثلة سوف تحكم كل الوقائع المماثلة. ~~فيمكن تعميم ما لوحظ على ما لم يلاحظ. هكذا سلم فلاسفة العلم «بقانون العلية» كمبدأ ~~للاستقراء نمارس على أساسه ms139 التجريب ونعمم الوقائع، وانقسموا في هذا إلى فريقين يعبران ~~عن اتجاهي الفلسفة الأساسيين: # أولا: # الاتجاه التجريبي - خصوصا الإمبيريقي - يرى أن العقل لا يعرف ولا ~~يصل إلى المبادئ أو غيرها إلا عن طريق الاستقراء. الاستقراء مردود إلى ~~العلية، والعلية بدورها توصلنا إليها - كما توصلنا إلى كل شيء في ~~عقولنا - عن طريق التجريب. فالتجارب تدل على أن الظواهر ترتبط ببعضها ~~ارتباطا ضروريا هو بلا شك ارتباط العلة بالمعلول. وعلى أساس العلية ~~نقيم الاستقراء ومبدأه إقامة تجريبية، أبرز الممثلين لهذا الاتجاه جون ~~ستيوارت مل، وسار وراءه معظم دراويش النزعة الاستقرائية. # بيد أن الدوران المنطقي هنا شديد الوضوح، تبرير الاستقراء - أي ~~العلية - يبرره الاستقراء، التجريب الذي دلنا على العلية! فما زلنا في ~~حاجة إلى مبدأ لتبرير الاستقراء وقفزته التعميمية. # ثانيا: # الاتجاه العقلي: يصدق أيضا على أن الاستقراء يستند على العلية، لكنه ~~يجعلها مبدأ عقليا أوليا سابقا على التجربة كامنا في الذهن ~~سلفا. إن مبدأ الاستقراء ومبرره - أي قانون العلية - ليس مشتقا من ~~التجريب، ولكن هذا هو ما يعرف بالنزعة ~~الأولانية # Apriorism ~~، أي المصادرة على مبادئ معينة بزعم أنها ~~كامنة في الذهن سلفا، وما أيسر الالتجاء إلى هذا حين يستحيل العثور ~~على مصدر أو تبرير معقول لتلك المبادئ. # وأبرز ممثلي هذا الاتجاه إيمانويل كانط، وأيضا برتراند ~~رسل # B. ~~Russell ~~(1872-1970م)، وذهب رسل في تحليله لمنطق الترابط ~~بين الأحداث إلى أن تصورات الحتمية والضرورة الكونية والعلية ليست ~~قضايا تحمل خبرا محددا قد يكون صادقا أو كاذبا، بل هي مسألة دالة ~~قضية أي صورة منطقية خاوية من المضمون، وبالتالي هي صورية سابقة على ~~الخبرة التجريبية وليست مشتقة منها. # 21 # إن كانط ورسل فيلسوفان عملاقان بلا شك، لكنهما لم يثبتا العلية. ورسل بالذات - بحكم ~~حداثته وأنه أدرك فلسفة العلم في القرن العشرين - انتهى من تحليلاته إلى أن الحتمية ~~والضرورة والعلية دعاوى غير ذات بأس شديد. وعلى أية حال يصعب موافقة الاتجاه العقلي على ~~أن قانون العلية كامن في الذهن سلفا؛ لأن المبادئ والقوانين العقلية لا تكون إلا تحصيل ms140 ~~حاصل. العقل لا يستقل بنفسه إلا في العلوم الصورية التحليلية كالمنطق والرياضة، فيقتصر ~~عمله على تحليل الرموز وإعادة تركيبها دون أن يأتينا بفتوى عن الواقع، أما قانون العلية ~~فهو قضية إخبارية تركيبية بشأن العالم الواقعي، وقضية هائلة فكيف يكون العقل الخالص ~~مصدرها كما ذهب كانط، وأيضا رسل في مراحل تفكيره الأسبق. # هكذا لا يمكن أن نجعل قانون العلية سابقا على الخبرة التجريبية - أي قبلها - كما ~~يذهب العقليون، ولا أمكن أن نجعله بعدها، أي تاليا للخبرة ومشتقا منها كما ذهب ~~التجريبيون. # نلاحظ مما سبق أن مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة العلية ، وتتبدى خطورتها حين نجد ~~العلية قائمة في التفكير العادي للحياة اليومية والتفكير الفلسفي والتفكير العلمي على ~~السواء، اعتبرها المعلم الأول أرسطو ذات مبادئ أربعة هي الصورة والمادة والفاعل ~~والغاية، قادرة على تفسير شامل للوجود بأسره. كان الإمام الغزالي سبق وشكك فيها، وتبعه ~~الأب نيقولا مالبرانش في العصر الحديث، بينما كان ديكارت يعتبرها علاقة ضرورية. ~~وعلمنا بيكون أنها تفسر طبائع الظواهر الطبيعية واطرادها، حتى قامت بهذا الدور الكبير ~~في إبستمولوجيا العلم الحديث ومنهجه على السواء. # وأول متحد لقانون العلية في عصور العلم الحديث هو الفيلسوف المادي توماس هوبز، اتفق ~~مع أستاذه بيكون في أن الحواس مصدر المعرفة، ثم أشار إلى أن الحواس لا تعطينا ذلك ~~الكائن الغيبي المسمى بالعلية. لكن هوبز على الرغم من نزعته العلمية ومن ماديته، وأيضا ~~على الرغم من تواضع قدراته الرياضية، كان مفتونا بالرياضيات وقوة الاستنباط الرياضي، ~~ولم يتوقف كثيرا أمام التجريب ومشاكله، فكان أول متحد حقيقي ذي خطر لقانون العلية هو ~~ديفيد هيوم الذي رأيناه يرد المعرفة إلى انطباعات الحس. لقد بدأ معه تاريخ مشكلة العلية ~~في العلم الحديث. # أجل تشكك الغزالي ومالبرانش وأمثالهما في العلية، لكن كان هذا مقدمة لسحب الثقة من ~~المعرفة الحسية والتجريب، إنه إنكار للترابط بين الأحداث والوقائع ليسفر إدراكنا الحسي ~~لها عن ركام لا يفضي إلى شيء ولا تعود الحواس مصدرا للمعرفة. فكان إنكار العلية أداة ~~في يد الراغبين في ms141 تقليص سطوة العلم التجريبي وهدم النظرية الحسية في المعرفة أصلا. ~~وأتت خطورة هيوم من أنه أول فيلسوف علمي النزعة يشكك في العلية من أجل النظرية الحسية ~~في المعرفة وبناء عليها وإخلاصا لها. # وقد كان هيوم شكاكا كبيرا، يرى أن منهج الشك هو الكفيل بأن يقي الفلسفة مغبة التطرف ~~والحيود في هذا الاتجاه أو ذاك وسائر الأشكال غير الملائمة للتفلسف، يقول هيوم: # على أية حال هناك نوع واحد من الفلسفة يبدو أقل تعرضا لأن يكون بهذا الشكل ~~غير الملائم؛ وذلك لأنه لا ينبثق عن نزوع أهوج للعقل الإنساني، ولا يمكن أن ~~يختلط بأي ميل طبيعي أو وجدان، وتلك هي الفلسفة الأكاديمية أو الفلسفة الشكية، ~~ودائما يتحدث الأكاديميون عن الشك وتعليق الحكم، وعن خطورة التحديدات الرعناء، ~~وعن أن نحصر تساؤلات الفهم الإنساني في حدود ضيقة جدا، وعن إنكار كل التأملات ~~التي لا تقع داخل حدود الحياة والممارسة المألوفة. # 22 # بهذا النبذ للميتافيزيقا - إذ تتجاوز تلك الحدود - راح يعرض كل شيء لمنظار الشك؛ لكي ~~يتثبت من أنه مردود إلى انطباعات الحس، وإلا كان خرافة بلا معنى. # وكانت تحليلات هيوم قد انتهت إلى أن العلاقة العلية هي العلاقة الوحيدة التي تنقل ~~الذهن إلى أبعد مما هو محسوس، إنها المبرر الوحيد للاستدلال على الوقائع، # 23 # ومع هذا راح يتشكك فيها ويفحصها متسائلا: على أي أساس نستنتج أن العلل ~~المعينة سوف يكون لها بالضرورة تلك المعلولات المعينة؟ لماذا نستدل من إحداهما على ~~الأخرى، وذلك هو التساؤل الذي اتخذ فيما بعد شكلا أكثر عمومية كالآتي: لماذا نخرج من ~~الخبرة التجريبية الراهنة بأية استنتاجات تتجاوز الحالات الماضية التي مرت بخبرتنا؟ أي: ~~لماذا نمارس الاستقراء؟ وهي الأسئلة التي لم نجد إجابة عليها، وأوضح هيوم أن أية إجابة ~~لا بد أن تلتجئ إلى مبدأ عام - من قبيل العلية - يحكم بأن الحالات التي لم تمر بخبرتنا ~~لا بد وأن تماثل تلك التي مرت، وأن مسار الطبيعة يسير دائما بصورة مطردة، # 24 # وقد رأينا آنفا أن مشكلة الاستقراء في جوهرها مشكلة العلية؛ ms142 لذلك لا يختلف ~~الوضع حين نلاحظ أن هيوم لم يتعرض لمشكلة الاستقراء بصورة مباشرة، بل فقط أثار مشكلة ~~العلية، وبينما نجد مصطلح «الاستقراء» شديد الحضور في كتابات بيكون، وأيضا جون لوك، ~~فإنه لا يرد في كتابات ديفيد هيوم إلا لماما وعرضا، وبدلا من الاستقراء أو حجة ~~التعميم، يستعمل هيوم مصطلحات من قبيل الاستدلال أو الحجج المحتملة أو التعقل من ~~الخبرة، ثم تركزت في مصطلح الدليل البين والحجج المستنبطة. # 25 # ويستخدم هيوم هذه المصطلحات وسواها بالمغزى التجريبي المعروف عن فلسفته، وما كان ليشك ~~لحظة واحدة في الحسية والتجريبية، بل يشك ليرد كل شيء إلى التجريبية، أو بمصطلحاته ~~المتطرفة، إلى انطباعات الحس، ونحن لا نجد في انطباعات الحس أبدا هذه العلية، لا أحد ~~رآها أو سمعها أو لمسها، إننا لا نلاحظ إلا تعاقبا بين الأحداث، أما العلية فهي ملاط ~~غيبي لنربط بين هذه الأحداث، ولا مرد لها إلا العوامل السيكولوجية. إن العلية مجرد عادة ~~نفسية! يقول هيوم في نص طويل نسبيا لنتبين مجمل حجته: # هب أن شخصا ما جيء به على حين غرة إلى هذا العالم، على أنه مزود بأمضى ملكات ~~العقل والتفكير، حقا سيلاحظ للوهلة الأولى تتابعا متصلا للأشياء، وأن حادثة ~~ما تعقب الأخرى، لكنه لن يستطيع البتة أن يستكشف أي شيء أبعد من هذا، وفي ~~البداية لن يكون قادرا على الوصول إلى فكرة العلة والمعلول بأي شكل من أشكال ~~التفكير، ما دامت القوى التي تحدث بفعلها سائر العمليات الطبيعية لا تظهر أبدا ~~للحواس، وليس من المعقول أن يستنتج أنه ما دامت حادثة في مثال ما قد سبقت أخرى، ~~فلا بد أن تكون الأولى علة والثانية معلولا، فقد يكون الارتباط بينهما جزافا ~~أو عرضا عليا، وقد لا يكون ثمة ذريعة لأن يستدل على وجود واحدة من ظهور ~~الأخرى، وبعبارة موجزة، فإن مثل هذا الشخص، بغير مزيد من الخبرة، يستحيل عليه ~~أن يوظف حدسه أو تفكيره فيما يتعلق بأي أمر من أمور الواقع، أو أن يكون على ثقة ~~من أي شيء يتجاوز ms143 ما هو حاضر حضورا مباشرا أمام ذاكرته وحواسه. # وهب، مرة أخرى، أنه اكتسب خبرة أوسع، وعاش فترة طويلة في العالم تكفي لأن ~~يلاحظ كيف ترتبط الأشياء والاحداث المألوفة معا ارتباطا ثابتا، فماذا عساه ~~أن ينجم عن هذه الخبرة؟ إنه لا يلبث أن يستدل على وجود شيء ما من ظهور الآخر، ~~إلا أنه وبكل الخبرة التي تزود بها، لا يكتسب أبدا أية فكرة أو أية معرفة ~~بالقوة السرية التي عن طريقها ينتج شيء ما شيئا آخر، كلا ولا توجد أية عملية ~~من عمليات التفكير تلزمه بأن يخرج بهذا الاستدلال، لكنه يجد نفسه لا يزال ~~ملزما بأن يستنتج هذا الاستدلال، وعلى الرغم من أنه لا بد مقتنع بأن الفهم لا ~~يلعب دورا في هذه العملية، فإنه مع هذا يظل سائرا في هذا المسار للتفكير، ~~فثمة مبدأ آخر يحتم عليه أن ينتهي إلى مثل هذه المحصلة، هذا المبدأ هو العادة ~~أو الطبع. # 26 # معنى هذا أنه لا يوجد في العالم الحسي التجريبي، عالم العلم، شيء اسمه العلية، إنها ~~مجرد عادة سيكولوجية تجعلنا نتوقع الاطراد في الحالات المستقبلة، إذا تكرر في الخبرات ~~الماضية، وإذا كانت العلية عادة أو ~~طبعا # Custom or habit ~~، فلا بد أن يكون وجهها الآخر، أي افتراض الاطراد في الطبيعة، ~~بدوره هكذا، ولا شيء يضمن وجوده فعلا في الطبيعة. وحين نلاحظ الحادثة «أ» تتبعها ~~الحادثة «ب» في أكثر من مرة أو حتى في كل المرات، لا نستطيع القول إن ذلك يحدث لأن «أ» ~~علة معلولها «ب»، وما دامت العلية والاطراد قد ارتدا إلى مجرد عادة سيكولوجية أو طبع، ~~فكل ما نستطيع أن نقوله إن «أ» قد أعقبتها «ب» فحسب، وليس لدينا ما يبرر توقع الحادثة ~~«ب» حين نرى «أ» مرة أخرى، أو أن نفترض قانونا يربطهما، فكل ما في الأمر أن تكرار ~~الخبرات التجريبية أو الانطباعات الحسية يخلق فينا عادة الاعتقاد في قانون. إن ~~معرفتنا بالعالم الخارجي، أو بالأحرى «معتقداتنا» بشأنه من قوانين علية مطردة مجرد ~~عوائد نفسية، وليس ثمة مبرر ms144 للزعم بمثولها الفعلي في عالم التجربة الخارجي، وانطلق هيوم ~~في تحليلات سيكولوجية للاعتقاد ولأثر تكرار الانطباعات الحسية، وهي طبعا تحليلات ~~بدائية بالنسبة لعلم النفس اليوم، لكنه يخلص منهما إلى أن العلية والاطراد - مبدأي ~~الاستقراء - هما تكويننا النفسي ولا نملك أن نحيد عنه. # لقد كان هيوم من السائرين في مسار النزعة النفسية التي تنكر استقلال المنطق عن الحياة ~~والنفس، وتحاول رد العلوم والحقائق وكل شيء إلى الحياة النفسية ومكوناتها، وهذا اتجاه ~~قديم يعود إلى ما قبل سقراط، إلى السفسطائي بروتاجوراس حين قال إن الإنسان مقياس ~~الأشياء جميعا. وسار فيه ميشيل دي ~~مونتاني # M. Montaigne ~~(1532-1592م) داعية الشك المذهبي بغية توطيد الدين والعلم ~~المنزل من الله. ولعل ديفيد هيوم أشد أقطار النزعة النفسية تطرفا، أخرج أول عمل له ~~باسم «رسالة في الطبيعة البشرية»، رغم أنها في المنطق ونظرية المعرفة، وهي تسمية واضحة ~~الدلالة على أن العقل البشري لا ينفصل في رأيه عن الطبيعة البشرية، بل إن العقل على نحو ~~ما معبر عن هذه الطبيعة وثمرة لها. # 27 # وبالغوص في الدروب النفسية أوضح هيوم أن تكرار الخبرة الحسية التي تقع فيها «ب» بعد ~~«أ» يخلق عادة لتوقع «ب» كلما شوهدت «أ»، في الإنسان وفي الحيوان أيضا، فكما يقول ~~برتراند رسل، الحيوانات المنزلية تتوقع الطعام حين ترى الشخص الذي يطعمها عادة، ولكن ~~أوليس يمكن أن يأتي يوم يطيح فيه برقبة الدجاجة الشخص نفسه الذي اعتادت أن تتلقى منه ~~الطعام كل يوم؟ إذن تكرار الوقائع التجريبية لا يعني شيئا ولا يضمن شيئا، فمن أدرانا ~~أن الطبيعة لن تفعل بنا ذلك في الغد، فتسممنا ثمرة فاكهة اعتدنا أنها شهية. # 28 # هكذا اتضح أن مبدأي الاستقراء، العلية والاطراد، يقومان على شفا جرف هار، ومردودان ~~إلى عادة سيكولوجية أو طبع، فهل يمكن أن نقيم نسق العلم العظيم الذي علم البشرية ~~المعنى الحق للموضوعية على مجرد عادة سيكولوجية؟! وإذا أخذنا في الاعتبار أننا سنرى في ~~الفصل القادم توا كيف اهتزت أركان الحتمية أيضا، اتضح أمامنا كيف تتفاقم مشكلة ~~الاستقراء، ms145 وأصبحت حجة التعميم لا عقلانية! ما دامت لا تقوم على أساس مقبول، لا ~~منطقيا ولا تجريبيا، وأصبح على الجميع - شاءوا أو أبوا - الاعتراف بأن قوانين العلم ~~تفتقر إلى أساس مطمئن وحجة تثبت مصداقيتها، طالما أن القانون العلمي - مهما كان عدد ~~الوقائع التي تؤيده - يتجاوز بعموميته الخبرة التجريبية والمنطق على السواء، حتى إن ~~التأمل في أصول المعرفة العلمية جعل نفرا من الفلاسفة التجريبيين شكاكا أو لا ~~عقلانيين أو متصوفة. لا عجب إذن أن يدين رسل هيوم بأنه المسئول عن الشيزوفرنيا «انفصام ~~الشخصية» التي أصابت التجريبيين العلميين. وعن اللاعقلانية التي تفشت في الفكر الأوروبي ~~في القرن التاسع عشر، يقول رسل: # لقد أثبت هيوم أن التجريبية الخالصة لا تشكل أساسا كافيا للعلم، في حين ~~أننا إذا سلمنا بتلك القاعدة الوحيدة، أي الاستقراء، كل شيء بعد ذلك يتلاءم مع ~~النظرية القائلة إن كل معرفتنا قائمة على الخبرة، ويجب التسليم بأن هذا افتراق ~~خطير عن التجريبية الخالصة. فقد يتساءل بعض التجريبيين لماذا نسمح بالخروج عن ~~نطاق التجربة في هذه النقطة المتعينة ونمنع في غيرها؟! وعلى أية حال هذه ~~تساؤلات لا تثيرها مناقشات هيوم بصورة مباشرة، ولكن ما تثبته تلك المناقشات - ~~ولا أعتقد أن هذه الحجة يمكن معارضتها - هو أن الاستقراء كقاعدة منطقية مستقلة ~~لا يمكن أن نستدل عليها من التجربة، ولا من قواعد منطقية أخرى، وأنه بغير هذه ~~القاعدة يصبح العلم مستحيلا. # 29 # هذه هي مشكلة الاستقراء التي حيرت الفلاسفة منذ هيوم، و«عدت واحدة من أعقد المشاكل ~~الفلسفية وأكثرها إثارة للمناقشة والجدل». # 30 # وكانت طبعا شغلا شاغلا لفلاسفة العلم، قل أن يمر أحدهم دون أن يبذل ~~قصارى جهده لمواجهتها، حتى ذهب البعض إلى محاولة حلها عن طريق القياس الأرسطي ذاته الذي ~~نهض الاستقراء أصلا في القرن السابع عشر لكي يناهضه ويلغيه، ويحل محله كأسلوب للتفكير ~~ومنهج للبحث. قال هؤلاء القياسيون إن كل استدلال استقرائي يتضمن قياسا مقدمته الكبرى ~~عقلية قبلية مؤداها «الصدفة لا تتكرر دائما ولا حتى كثيرا»، ومقدمته الصغرى هي «أ» ~~و«ب» اقترنتا في ms146 كل الحالات المستقرأة والنتيجة: إذن «أ» علة «ب». # 31 # والمناقشة السابقة للاتجاه العقلي في التسليم بالعلية كمبدأ قبلي، ورفض ما ~~ينطوي عليه هذا من نزعة أولانية # Apriorism ~~... ذلك يعني ~~بالضرورة رفض التسليم بالمقدمة الكبرى في هذا القياس، فمن أين أتينا بها؟ وما الذي يمنع ~~أن تتكرر الصدفة؟! # ولكن ماذا عن أصحاب النزعة الاستقرائية أنفسهم، الاستقرائيين الخلص أو أكثر ~~الاستقرائيين استقرائية، كيف واجهوا مشكلة الاستقراء؟ إنهم لا ينكرون أن هيوم أثبت ~~استحالة وضع تبرير حاسم للاستقراء، وراح بعضهم يزعم أن الاستقراء ليس في حاجة إلى ~~تبرير؛ لأن المنهج ذاته لا يبرر، فقط يمكن تطويره وتحسينه، # 32 # وبإعفاء أنفسهم من التبرير غاصوا في مستنقع ما يمكن أن نسميه باللاعقلانية ~~التجريبية، حين نجدهم يقولون: إن العلم يتقدم سواء حلت هذه المشكلة أم لا، فلا داعي ~~لإثارتها! ويجعلون التقدم العلمي تبريرا برجماتيا - أي عمليا نفعيا - للاستقراء، ~~فنسلم به؛ لأنه نافع ومفيد. بيد أن منطق العلم ليس مرابيا يتنازل عن الاعتبارات مقابل ~~الفائدة والربح، وفتح الباب لقبول أي شيء غير مبرر وبلا حجة ولا سند، فقط لأنه نافع ~~ومفيد، يؤدي إلى نتائج وبيلة، كما يسلم نقاد الفلسفة البرجماتية الكثيرون والرافضون ~~لها. # أما أصحاب النزعة الاستقرائية في القرن العشرين، حيث انتهت الضرورة والحتمية ~~الميكانيكية، وأصبح الاحتمال هو منطق العلم - كما سنرى، فقد ذهبوا إلى أنهم كان يمكن أن ~~يتركوا الاستقراء لو أنهم يبحثون به عن اليقين، لكن طالما أن جميع القوانين العلمية ~~احتمالية، فلا بأس أن يكون أساس الاحتمال ليس ثابتا. # 33 # وببساطة نلاحظ أنهم لم يفعلوا شيئا أكثر من سحب السمة اللاعقلانية من ~~القوانين اليقينية لتغطي أيضا القوانين والفروض الاحتمالية. والمحصلة أن الاستقراء ~~يجعل العلم - سواء يقينيا أو احتماليا - قائما على غير أساس. # ليس فقط أصحاب النزعة الاستقرائية، بل جل فلاسفة العلم التجريبي حاولوا جاهدين حل ~~مشكلة الاستقراء ولم يفلح أحد. فما دام البدء من وقائع تجريبية محدودة، يستحيل العثور ~~على مبرر للقفزة التعميمية، وفي النهاية يحق القول الدارج: الفلسفة لا منها ولا كفاية ~~لشرها! ms147 لم تستطع أن تنجز ما أنجزه العلم، وحين قنعت بمحاولة تبريره وتمييزه بمعيار يحدد ~~معالمه، انتهت إلى ما لا يمكن تبريره وما لا يعني إلا أن العلم التجريبي بجلال قدره ~~قائم على غير أساس، وأسفر الوضع بفلسفة العلم عن موقف مأساوي وهزلي: العلم الحديث هو ~~النحيب الأثير للعقل الإنساني وآيته ودرة ما أنجزه «ولكن منذ زمان هيوم أصبحت البدعة ~~المستحدثة في العلم هي إنكار عقلانيته!» # 34 # لذا يقول وايتهد # A. N. Whitehead ~~(1861-1947م) إن مشكلة الاستقراء هي «يأس الفلسفة» وأسماها برود «فضيحة الفلسفة»! إن ~~فلسفة العلم من الأعضاء الجدد في الأسرة الفلسفية، فهل حقا جلبت للأسرة العريقة ~~النبيلة كل هذا العار والشنار ... الفضيحة واليأس؟! # كلا وألف كلا! والسؤال الحاسم: هل مشكلة الاستقراء - غير القابلة للحل - دليل على عقم ~~المباحث الفلسفية؟ أم هي برهان وتبيان لمدى ثقوب النظر الفلسفي؟ # الواقع أن التطورات اللاحقة للعلم وفلسفته في القرن العشرين تجعل كل الشواهد تؤكد ~~البديل الثاني، تؤكد قدرة التفلسف الفذة على استشراف الآفاق المستقبلية واستبصار ما ~~ينبغي أن يكون، قدرة الفلسفة على كشف عقم وقصور ظروف حضارية ومعرفية معينة وضرورة ~~تجاوزها بعد أن أدت دورها واستنفدت مقتضياتها، ووجب الصعود إلى مرحلة أعلى من التقدم، ~~والمقصود على وجه التحديد قصورات ظروف حضارية معينة دفعت العلماء والمعنيين بظاهرة ~~العلم آنذاك إلى تأكيد أن الملاحظة هي نقطة البدء، والقانون العام هو النهاية التي نخلص ~~إليها، في حين أن العكس هو الصحيح، ولا يمكن إيضاح هذا إلا من موقع يرابط في قلب القرن ~~العشرين. # رابعا: الملاحظة أم الفرض: آفاق القرن العشرين # إن مشكلة الاستقراء شاهد قوي على مكانة الفلسفة ومآلها؛ لأنها - بنظرة شاملة وعميقة - ~~ليست مجرد مشكلة تقنية منهجية وأسلوب عمل خاص بقوم يحترفون مهنة جليلة اسمها «البحث ~~العلمي»، بل إن مشكلة الاستقراء من أمهات مشاكل الموقف الفلسفي إطلاقا؛ لأنها مشكلة ~~العلاقة بين التجريب والتنظير ... الحواس والعقل ... اليد والدماغ ... الواقع والفكر، ~~وبمصطلحات فلسفة العلم وقد أضحت فلسفة العصر: الملاحظة والفرض «إن بينهما انفصالا ~~وتمايزا لا يمكن تجاهله، ms148 وتأييد أحدهما للآخر مسألة لا تخلو من الغموض، حتى إن العلاقة ~~بينهما ملتبسة أمامنا»، # 35 # مما يجعلها دائما من المحاور المركزية لفلسفة العلم. # والسؤال الآن الذي ظل ردحا طويلا ماثلا هو: أيهما أسبق: الملاحظة أم الفرض؟ وليس ~~الأمر تلاعبا بأطراف منظومة معرفية، بل هو طرح انقلابي لطبيعة العلم وطبيعة موقع العقل ~~في هذا الكون، فلو كانت الملاحظة هي الأسبق والفرض أو القانون يتبعها - كما ينص ~~الاستقراء - فإن العلم تعميم آلي للوقائع ودور العقل الإنساني تابع للحواس سلبي هامشي، ~~فقط يخدم الملاحظة الحسية ليخرج بقوانين مستقرأة من صلب الواقع التجريبي فتكون يقينية ~~ضرورية حتمية، ويغدو نسق العلم بناء مشيدا راسخا ثابتا، يعلو ولكن لا تبديل ولا ~~تعديل، أما إذا كان الفرض هو الأسبق، فإن العقل الإنساني المبدع للفرض هو الذي يخلق ~~ملحمة العلم المجيدة، لا يخدم الملاحظة الحسية، بل يستخدمها لتمحيص وتقنين الفروض، ~~لقبولها أو رفضها، وتظل دائما إبداعا إنسانيا، وكل شيء في عالم الإنسان متغير ~~ومتطور، فلا يعود نسق العلم بناء مشيدا، بل فعالية إنسانية حية نامية ومتطورة دائما، ~~ويتضح لماذا نجد التقدم العلمي مفطورا في صلب البحث العلمي. # هكذا قدمت فلسفة العلم نظريتين في المنهج التجريبي، متقابلتين ومتعاقبتين، الأولى ~~تبدأ بالملاحظة والثانية تبدأ بالفرض: # أولا: # نظرية البدء بالملاحظة، أي الاستقراء التقليدي الذي رأيناه فيما سبق، ~~ويثير المشكلة الشهيرة، وهي نظرية منهجية تواكب العلم الحديث حتى نهاية ~~القرن التاسع عشر، العلم الكلاسيكي الذي تؤطره فيزياء نيوتن، فكان ~~نيوتن هو الممثل الرسمي لهذه النظرة، جسدها بقوله: أنا لا أفترض الفروض # Hypotheses non Fingo ~~، ~~بمعنى أن القوانين العلمية مأخوذة من تعميم الوقائع التجريبية مباشرة، ~~وحتى بعد أن تدخل الفرض في القرن التالي ظل مردودا أيضا لنفس هذا ~~المصدر: الوقائع التجريبية الملاحظة، من أجل تفسير تعميمها. # ثانيا: # نظرية البدء بالفرض، والهبوط منه إلى وقائع التجريب والملاحظة لتحدد ~~مسير ومصير الفرض، وهذا ما لاح لعبقرية كلود برنار وذهب إليه وليم ~~هيوول، في القرن التاسع عشر بيد أنها نظرية منهجية تفرضها طبيعة العلم ~~والإبستمولوجيا العلمية ms149 في القرن العشرين، المختلفة تماما عن المرحلة ~~الأسبق المعروضة آنفا، من هنا كان عنوان هذا الفصل «فلسفة العلم ~~الحديث الكلاسيكي» كمرحلة سابقة ومختلفة ومتمايزة عن فلسفة العلم في ~~القرن العشرين. # العلم في القرن العشرين أملى نظرية البدء بالفرض، وإذا كان آينشتين - كما سنرى - هو ~~الذي تربع على عرش نيوتن، فإنه بدوره خير ممثل لهذه النظرية، فقد رأى أن منهج البحث ~~يتلخص في أن يتخذ الباحث لنفسه مسلمات عامة أو مبادئ يستنبط منها النتائج، فينقسم عمله ~~إلى جزئين: يجب عليه أولا أن يهتدي إلى المبادئ التي يستند إليها، ثم يتبع ذلك بأن ~~يستنبط من هذه المبادئ النتائج التي تترتب عليها، ويؤكد آينشتين تأكيدا حاسما على أن ~~الوقائع التجريبية بمفردها تظل عديمة النفع للباحث ما لم يهتد إلى قاعدة لاستنباطاته. # 36 # وقد صيغت نظرية المنهج التجريبي البادئ بالفرض فيما يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي # Hypothetical deductive Method ~~، ~~يبدأ بفرض صوري عام لا يشتق من الخبرة ولا يخضع هو ذاته للتحقيق التجريبي المباشر، ~~فيلجأ الباحث إلى منهج الاستنباط؛ كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج الجزئية التي ~~تلزم عنه، وهنا يأتي التجريب ودور الملاحظة، فيقابل بين النتائج المستنبطة من الفرض ~~وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها تم التسليم المؤقت بالفرض، وإن لم تتفق يكون تعديله ~~أو الاستغناء عنه والبحث عن غيره، مع ملاحظة أن مصدر الفرض لا يعنينا، فقد يأتي به ~~العالم من الحصيلة المعرفية السابقة أو من وقائع التجريب أو من صفاء ضوء القمر أو رؤية ~~وجه المحبوبة، أو من أي أين تستطيع العقلية العلمية المبدعة الخلاقة أن تستلهمه ~~فرضا. # أهم ما يميز هذا المنهج أن الاستدلال الرياضي عموده الفقري وأهم من وقائع التجريب ~~ذاتها. الاستدلال الرياضي عملية استنباطية، فلا يعود التجريب مقابلا تماما للاستنباط ~~كما كان الحال مع الاستقراء، على أن الاستنباط هنا لا يعود طبعا إلى القياس الأرسطي، ~~ولا علاقة له بأرسطو ولا حتى في استنباط النتائج الجزئية من الفرض؛ لأن الاستنباط هنا ~~منطقه هو المنطق الرمزي الحديث الذي تنامى في القرن العشرين، ms150 منطق العلاقات، والفروض ~~العلمية الآن لم تعد تحكم وقائع بقدر ما تحكم قوانين وعلاقاتها ببعضها. # وحتى هذه الآونة قد يرد في الأحاديث الجارية مصطلح «الاستقراء» كمرادف للمنهج ~~التجريبي، ولكن في سياق المعالجة الدقيقة عبر هذه الصفحات يعني الاستقراء منهج البدء ~~بالملاحظة، وهو حالة خاصة للمنهج التجريبي، فضلا عن أنها متخلفة وقاصرة، منهج العلم ~~التجريبي فعلا هو المنهج الفرضي الاستنباطي. # وكان الاستقراء بهذا التعريف قرين فلسفة العلم الحديث الكلاسيكي، إنه يساوق التفسير ~~الميكانيكي للكون ومبدأه الحتمي، وأيضا يماثله من حيث كونه افتراضا ساد مرحلة مر بها ~~العقل العلمي، كانت مهمة وضرورية في أوانها، ولكن به وبها من المزالق والأخطاء ~~والقصورات المعرفية التي تكشفت للعقل العلمي أثناء سيره أو تقدمه المطرد، فوجب أن ~~يتجاوزها، بعد أن أدت دورها واستنفدت مقتضياتها ودواعيها، وارتفع التقدم العلمي إلى ~~مرحلة أعلى من سابقتها. # والحق أن استيعاب الإبستمولوجيا العلمية في القرن العشرين يرتهن بالرفض المنطقي لمنهج ~~الاستقراء بمعنى البدء بالملاحظة. ولم يكن هذا أمرا يسيرا؛ لأن الاستقراء أكد حركة ~~العلم الحديث وتأكد بها. # ولكي يتضح هذا ونتمكن من استقبال إبستمولوجيا العلم في القرن العشرين بمجامع الصدور ~~لا بد من العودة مرة ثانية إلى نشأة العلم الحديث؛ لكي نلقي الضوء على أبعاد وعوامل لم ~~يتسع لها المجال فيما سبق، وتغدو الآن ضرورية لتفسير سيادة الزعم بالبدء بالملاحظة ~~الحسية، على الرغم مما في هذا الزعم من قصور وأغاليط. فقد رأينا كيف انبثق العلم الحديث ~~في أعقاب العصور الوسطى التي تحددت معالمها بكتب سماوية جعلت القياس الأرسطي هو المنهج ~~الملائم للعصر ومنهج رجال الكنيسة، وأن هذا القياس استدلال هابط، استنباط يتطرف في ~~التنظير والعزوف عن التجريب، ويمكن الآن أن نفهم كيف تمخض في العصر الحديث عن رد فعل ~~معاكس في الاتجاه ومساو في المقدار من حيث إنه يتطرف في التجريب والعزوف عن التنظير، ~~بعد أن أثبتت العصور الوسطى الأوروبية عقم التنظيرات المنبتة الصلة بالطبيعة النابضة ~~والواقع المتأجج الحي، فبدا للعقول الناهضة آنذاك أن شق الطريق الحديث للعلم الحديث ~~يعتمد على ms151 نبذ القياس الأرسطي والاستنباطات العقلية طرا، وسلك الطريق العكسي وهو ~~الاستقراء، منهج البدء بالملاحظة ثم تعميمها، يقول برتراند رسل: # لم يكن الصراع بين جاليليو ومحاكم التفتيش صراعا بين الفكر الحر والتعصب، أو ~~بين العلم والدين، بل كان صراعا بين الاستنباط والاستقراء. # 37 # محاكم التفتيش تستدعي العوامل الخارجية المحيطة بنشأة العلم الحديث، لنجد أنه حين كان ~~يشق أولى خطواته الغضة في القرن السادس عشر لم يكن يتفتح كالزهر، بل كان ينبجس كالدم، ~~وتفاصيل الصراع الدامي بينه وبين السلطة المعرفية التي كانت آنذاك لا تزال في يد رجال ~~الكنيسة معروفة جيدا، ورجال الدين استمدوا سلطانهم هذا، لا لأنهم مبدعون أو يفترضون ~~فروضا جريئة، بل العكس تماما؛ لأنهم فقط أقدر البشر طرا على قراءة الكتاب المقدس، ~~ولكي يستطيع رجال العلم احتلال مواقع معرفية والاستقلال بنشاطهم ، بدا من الحمق الصراح ~~والخسران المبين إقحام فكرة الفرض صنيعة العقل الإنساني الخطاء، القاصر في المواجهة ~~مع رجال الدين المتوسلين بالكتاب المقدس والحقائق الإلهية، فأصر العلماء على أنهم هم ~~الآخرون أقدر البشر طرا على قراءة كتاب آخر لا يقل عن الأناجيل عظمة ولا دلالة على ~~قدرة الرب وبديع صنعه، إنه كتاب الطبيعة المجيد. وأصبح تعبير «قراءة كتاب الطبيعة المجيد» # 38 ~~- ومنذ أن استعمله جاليليو قائلا: إنه مكتوب بلغة الرياضيات - تعبيرا ~~شائعا في تلك المرحلة للدلالة على نشاط العلماء. إنه محض قراءة مصوغة باللغة الرياضية، ~~محض مشاهدة لوقائع التجريب ثم تعميمها، فلا إبداع ولا فروض، بل وفي تجسيد وتجريد ~~الفلسفة لروح الموضوع وعصره، عمل فرنسيس بيكون على تحذير العلماء من مغبة الفروض، ~~وأسماها «استباق الطبيعة» موضحا طرق تجنبها، كما رأينا، هكذا لم ينحصر الاستقراء في ~~تلك المرحلة المبكرة من تاريخ العلم الحديث في البدء بالملاحظة، بل وأيضا الاقتصار ~~عليها. # ومع انتهاء الصراع مع سلطة رجال الدين، واستقلال حركة العلم الطبيعي، ثم تحررها التام ~~بفضل قوتها المنطقية المتنامية، شهد القرن الثامن عشر فكرة الفرض العلمي تتقدم على ~~استحياء، خصوصا على يد عالم الكهرباء الفرنسي أمبير، ثم تعاظم شأنها وأثبتت ذاتها ms152 في ~~القرن التاسع عشر بفضل العالم الفرنسي أيضا المتوقد الذهن كلود برنار الذي أكد أن عماد ~~البحث العلمي شقان: الفرض والملاحظة. # وإذا تركنا العوامل الخارجية وعدنا إلى قلب حركة العلم وعواملها الداخلية، نجد أن ~~المنهج الاستقرائي يتواكب أيضا وأكثر مع إبستمولوجيا العلم الحديث زمانيا ~~وتاريخيا. وهو هكذا؛ لأنه على تمام التساوق والاتساق المنطقي مع تفسيرها الميكانيكي ~~للكون ومبدأها الحتمي. وإذا كانت فرضية الاستقراء كمنهج قد مكنت رجال العلم من خوض ~~صراعهم مع رجال الدين والانتصار عليهم، فإن الحتمية الميكانيكية قد مكنت لفرضية ~~الاستقراء من التربع جاثمة على صدر حركة العلم الحديث «الكلاسيكي»، فيستند التعميم ~~الاستقرائي على قانون العلية الذي هو وجه آخر للحتمية، وكل وجوه أو عناصر الحتمية ~~الميكانيكية، هي الأخرى تتساوق وتتسق مع الاستقراء كمنهج. فإذا كانت الحتمية تعني - كما ~~ذكرنا - ضرورية قوانين الطبيعة المطردة دائما وثبوتها ويقينها، فلا تخلف ولا مصادفة ~~ولا احتمال موضوعي ... فسوف يكون الجزء شاهدا على الكل، وتكفي ملاحظة بسيطة، وقائع ~~تجريبية محدودة ثم تعميمها، لا سيما وأن العلم الكلاسيكي تعامل مع ظواهر كبرى، جميعها ~~واقعة في خبرة الحواس، فتبدو موضوعا قابلا للملاحظة المباشرة، وبموضوعية مطلقة بلا ~~أدنى تدخل من الذات العارفة، ويكاد يقتصر عملها على تعميم وقائع الملاحظة المحدودة في ~~قوانين كلية، وسنصل في النهاية إلى الصورة الكاملة لكون ميكانيكي، آلة ضخمة مغلقة على ~~ذاتها، من مادة واحدة متجانسة، وبواسطة عللها الداخلية، وتبعا لقوانينها الخاصة تسير ~~تلقائيا في مسارها المحتوم. # فكانت كل خطوة ناجحة يحرزها العلم الكلاسيكي في إطار مشروعه الحتمي الميكانيكي، تؤكد ~~الاستقراء، ويتأكد بها. ومنذ الوهلة الأولى بدا للعيان أن هذا النجاح المنقطع النظير ~~الذي أحرزه العلم، دونا عن كل المحاولات المعرفية التي بذلها الإنسان من قبل، لا بد ~~وأنه يدور وجودا وعدما مع العنصر المستحدث في هذا النسق المعرفي الجديد - العلم. ~~العنصر المستحدث هو التجربة: الاعتماد النظامي على معطيات الحواس فبدأ العلم تجريبيا ~~متطرفا - لردة الفعل العكسية للاستنباط الأرسطي - ثم جعله نجاحه يتطرف أكثر وأكثر في ~~تجريبية. إن الاستقراء، الذي يبدأ ms153 بالملاحظة التجريبية ليتقهقر دور العقل والإبداع ~~الإنساني - إن لم يلغ - هو طبعا تجريبية متطرفة، إمبيريقية صاغتها النزعة ~~الاستقرائية وإمامها جون ستيوارت مل. # هكذا كان العلم الحديث منتشيا بتجريبيته المتطرفة، وتحرص النزعة الاستقرائية على ~~تأكيدها والتطرف بها أكثر. ولكن في قلب تلك الأجواء، وقبل جون ستيوارت بقرن من الزمان، ~~نهض ديفيد هيوم ليلفت الأنظار إلى أن التعميم الاستقرائي ينطوي على مغالطة هي قفزة غير ~~مبررة، فكانت مشكلة الاستقراء، يأس الفلسفة وفضيحتها؛ إذ بدا أنها وصلت بالميثودولوجيا ~~- أي فلسفة أو نظرية المنهج العلمي - إلى طريق مسدود. والواقع أنها كانت إيذانا ~~بالطريق المسدود الذي ستصل إليه الفيزياء الكلاسيكية ذاتها وضرورة الانقلاب على ~~إبستمولوجيتها، كما فعلت نظرية الكوانتم ونظرية النسبية لآينشتين في القرن ~~العشرين. # لذلك أكدنا أن مشكلة الاستقراء التي أثيرت قبل أزمة الفيزياء الكلاسيكية بمائة عام ~~ونيف ليست يأس الفلسفة أو فضيحتها، بل هي تأكيد لقدرة الفلسفة على استشراف الآفاق ~~المستقبلية. إن استعصاء مشكلة الاستقراء على الحل وفقا لإبستمولوجيا العلم الكلاسيكي ~~الحديث (حتمية، علية، اطراد، ضرورة، يقين ...) لم يكن يعني عقم الميثودولوجيا وضرورة وأد ~~فلسفة العلم، بل كان يعني عقم الاستقراء ذاته وضرورة الانقلاب عليه من أجل الوقوف على ~~الكنه الحقيقي للنشاط العلمي، بعبارة أخرى، لم تكشف المشكلة عن مثلب في الفلسفة، بل عن ~~مثلب أو مثالب منطقية في فرضية الاستقراء ذاتها، كالآتي: ~~(1) # استحالة تبرير القفزة التعميمية. ~~(2) # لو كان القانون العلمي محض تعميم لوقائع مستقرأة، فكيف يتسلل إليه الخطأ، ~~وهو طبعا أمر واقع في العلم؟! ~~(3) # إذا عجزنا عن تبرير الخطأ، وبالتالي تبرير التصحيحات، فكيف يتأتي التقدم ~~العلمي. ~~(4) # البدء بالملاحظة يرسم طريقا إلى الفرض أو القانون، كل من يسلكه، ويتبع ~~خطوات الاستقراء يصل إلى قانون، إلى اكتشاف حقيقة كما أوضحت مناهج جون ~~ستيوارت مل، وأوضح بيكون أن البحث العلمي متاح لذوي العقول المتوسطة. إذن ~~العلم - بتعميماته الاستقرائية - نشاط آلي، فكيف يمكن أن نفلسفه كفعالية ~~إنسانية نامية باستمرار؟! ~~(5) # إذا كان العلم نشاطا آليا، ولا نجد دورا للذكاء والإبداع الإنساني، ~~فما هو تبرير التفاوت في قدرات ms154 العلماء وإنجازاتهم؟! ~~(6) # والأهم، ما هو تبرير بقاء مشاكل علمية (مثلا السرطان) بغير حل، مع توافر ~~كم هائل من المعطيات التجريبية بشأنها يمكن ملاحظتها ثم تعميمها. # ثم تقدمت فلسفة العلم في القرن العشرين خطوة منطقية أبعد وأجرأ؛ لتؤكد أن الاستقراء ~~كمنهج للعلم التجريبي ليس به مثالب وأغاليط منطقية فحسب، بل به استحالة منطقية أصلا، ~~بعبارة موجزة البدء بالملاحظة يستحيل أن يفضي إلى شيء، والمسألة - كما طرحها جاستون ~~باشلا - أن الواقع هو نقطة نهاية التفكير العلمي لا نقطة بدايته. وهذه فكرة انطلق فيها ~~فلاسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين وأمعنوا في الانطلاق، فقد أصبح من ~~الممكن بعد كل هذا الشوط من التقدم العلمي والإحاطة الوصفية بالوقائع - من الممكن أن ~~يناقش بول فيبرآبند فكرة علم طبيعي بغير خبرة تجريبية، بغير عناصر حسية! # 39 # وكما سنرى كان كارل بوير أول وأهم من اعتنوا بتوضيح وإثبات أن البدء بالملاحظة ~~الخالصة فقط، ثم تعميمها فنصل إلى قانون أو نظرية علمية وبغير أن يكون في الذهن أي شيء ~~من صميم طبيعة النظرية ... هذه فكرة مستحيلة خلف محال، وقد مثل بوبر لهذا بأقصوصة عن ~~رجل كرس حياته للعلم فأخذ يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى أن تورث هذه المجموعة ~~من الملاحظات التي لا تساوي شيئا إلى «الجمعية الملكية للعلوم بإنجلترا»؛ لكي تستعمل ~~كدليل استقرائي! وهي طبعا لن تفيد العلم في شيء ولن تفضي إلى شيء. وإذا افترضنا ~~كومبيوتر يقوم بدور آلة استقرائية فيجمع المعطيات الحسية المتماثلة ليعممها في قانون، ~~فإن عمله هذا مستحيل بدون فرض مسبق، لا بد قبلا من برنامج يحدد للكومبيوتر ما هي أوجه ~~التماثل التي يبحث عنها ومتى يأخذ الوقائع التجريبية أو المعطيات الحسية على أنها ~~متماثلة. وقد حاول بوير أن يؤكد هذا أكثر، فبدأ إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب ~~الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه.» بالطبع تساءل ~~الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، وهنا أوضح لهم كيف أن «لاحظ!» فحسب لا تعني ~~شيئا، العالم ms155 لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ~~ما، ومهمة محددة، واهتمام معين، ووجهة من النظر نريد من الملاحظة أن تختبرها. المشكلة ~~هي ما يبدأ به العالم وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، فماذا عساه أن ~~يلاحظ ويسجل؟ بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق ... أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه؟ ~~إن العالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ على أساسها، فهو يبدأ من الحصيلة المعرفية السابقة ~~لتحدد له موقف المشكلة وتعين على فهمها، فيقدح عبقريته العلمية ليتوصل إلى الفرض الذي ~~يستطيع حلها، ها هنا فقط يلجأ إلى الملاحظة ليختبر فرضه تجريبيا عن طريق النتائج المستنبطة؛ # 40 # تلك هي الصورة العامة لمسار البحث التجريبي، إنه المنهج الفرضي ~~الاستنباطي. # ومن الرائع أن نحسم الأمر بشهادة أعظم عالم فيزياء نظرية الآن، يزهو القرن العشرون ~~حقا به مستقبلا القرن الحادي والعشرين، وهو الوحيد الذي يمكن مضاهاته بآينشتين، إنه ~~ستيفن هوكنج # S. Hawking ~~(1942-؟): # 41 ~~«لم أسمع عن أية نظرية كبرى قد طرحت على أساس من التجربة فحسب، فالنظرية هي ~~التي تأتي دائما أولا، ويتم طرحها بسبب الرغبة في الحصول على نموذج رياضي رائع ومتسق. ~~ثم تعطي النظرية تنبؤات، وهذه يمكن اختبارها بالملاحظة، وإذا اتفقت الملاحظات مع ~~التنبؤات فإن هذا لا يبرهن على النظرية، وإنما تظل النظرية باقية لتصنع تنبؤات جديدة، ~~يتم مرة أخرى اختبارها بالملاحظة. وإذا لم تتفق الملاحظات مع التنبؤات، نتخلى عن النظرية.» # 42 # وحين يعرض الفصل السادس لنظرية كارل بوبر المنهجية سوف نلاحظ أن قول هوكنج ~~هذا بمثابة تلخيص لنظرية بوبر بأسرها، وليس فقط تأكيدا لأسبقية الفرض مع الملاحظة التي ~~بات مسلما بها من قبل الأطراف المعنية. وهذا عالم الفيزياء الرياضية بولكين هورن، الذي ~~ينعم بزمالة النابغة الفذ ستيفن هوكنج في قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية ~~بجامعة كمبردج، يقول إن الملاحظة لا تفضي إلى الفرض أبدا؛ لأن الفرض قراءة للوقائع ~~التجريبية بواسطة فعل فردي خلاق، إبداع لعقلية علمية، ثم يمحص المجتمع العلمي تلك ~~البصيرة الخلاقة جيدا قبل أن يصدق عليها. ms156 والواقع أنه لا كوبرنيقوس ولا جاليليو ولا ~~نيوتن، ولا أي رائد من الرواد الذين شيدوا صرح العلم الحديث، ولا أي من العلماء الأقل ~~حجما ولا من العلماء طرا، توصل إلى إنجازاته عن طريق الاستقراء، أي عن طريق البدء ~~بالملاحظة ثم تعميمها لكي يصل إلى القانون العلمي، بل جميعهم يبدأ بفرض يستنبط نتائجه ~~ثم يقوم باختبارها تجريبيا، ولكن بفعل العوامل الداخلية والخارجية لحركة العلم الحديث ~~ران الوهم الاستقرائي على العقول، من حيث ران الوهم الحتمي الميكانيكي. # وقد تبددت هذه الأوهام في ضوء ثورة الكوانتم والنسبية، ثورة الفيزياء الكبرى في القرن ~~العشرين، وسوف يتكرس لها الفصل التالي توا. وأصبح العلم الإخباري التجريبي يتعامل مع ~~كيانات غير قابلة للملاحظة أصلا، فلا يمكن رصد الجسيمات الذرية، يمكن فقط رصد آثارها ~~على الأجهزة المعملية، لقد انتهى القرن العشرون مهللا للإنجاز العبقري للعالم المصري ~~أحمد زويل، وقد فاز عن جدارة بجائزة نوبل، فعن طريق أشعة الليزر استطاع لأول مرة في ~~التاريخ تصوير ميلاد الجزيئات، أي رصده تجريبيا وهو يحدث في زمن يقدر بالفمتو ثانية؛ ~~أي واحد على مليون بليون من الثانية، والجزيئات وحدة كبيرة نسبيا، على مدار القرن ~~العشرين يتعامل العلماء مع ما هو أصغر كثيرا كثيرا، الذرة والإلكترون وسائر الجسيمات ~~الذرية التي ارتدت إلى الكواركات، وأنجز علم القرن العشرين ما أنجزه وسائر هذه الكيانات ~~غير قابلة للملاحظة والرصد، لكن يمكن الملاحظة التجريبية الدقيقة لتأثيراتها على ~~الأجهزة المعملية، مما يعني أن التجريب يشترط قبلا فرضا نصمم التجربة والآثار ~~المتوقعة على أساسه، وإلا سيدخل العالم معمله ولا يجد شيئا يفعله. تبعا لما ترسمه ~~نظرية المنهج الفرضي الاستنباطي التي وضعت الإصبع على حقيقة المنهج التجريبي، لا بد من ~~فرض يفترضه العقل، يخلقه خلقا ويبدعه إبداعا، ثم يستنبط نتائجه وهنا ينزل إلى ~~الملاحظة التجريبية، بل وأحيانا كثيرة يصعب إجراء التجربة لأسباب فنية أو لأنها باهظة ~~التكاليف فيحتكم العلماء إلى «التجارب العقلية»، أي تخيل التجربة وافتراض نتائجها ~~المتوقعة، وعلماء الفيزياء النظرية في القرن العشرين مغرمون «بالتجارب العقلية» ~~هذه. # وفي كل ms157 حال «العلم تجريبي» كما أن «أ هي أ»، ولكن في ضوء المنهج الفرضي الاستنباطي ~~ليست الملاحظة التجريبية مصدرا للفرض العلمي، بل محكا له، فهو لا يحدد الطريق إلى ~~الفرض، هذا الطريق لا يمكن أن يكون تحديده مسألة منطق أو قواعد منهجية؛ لأنه يعتمد على ~~عنصر العبقرية والإبداع والذكاء الإنساني، فيمكن أن يترك مثلا للدراسة السيكولوجية ~~للإبداع العلمي. معنى هذا ببساطة أن العلم صنيعة الإنسان، وقد تبدو هذه حقيقة أوضح من ~~شمس النهار، لكنها غابت بفعل الغيوم الاستقرائية، ولم تتبلور إلا في القرن العشرين، ~~الذي أدرك أن العلم ليس البتة نشاطا آليا متاحا لذوي العقول المتوسطة كما رأى ~~بيكون، أو مجرد قراءة لكتاب الطبيعة المجيد كما قال جاليليو. وبغير حاجة لتفصيلات ~~واستطرادات يمكن إدراك كيف أن كل المثالب المنطقية المحيقة بالاستقراء تنداح كما تنداح ~~دوائر في لجة ماء ألقي فيه بالحجر، مع رؤية المنهج الفرضي الاستنباطي. # إن العلم صنيعة الإنسان أي فعالية نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم؛ ~~لذلك يجعل المنهج الفرضي الاستنباطي كل قانون مجرد فرض ناجح، في حين أن المنهج ~~الاستقرائي يجعل كل فرض ناجح قانونا، اكتشافا لحقيقة. إن الاستقراء - منهج البدء ~~بالملاحظة الصلبة - هو منهج لتأسيس وتبرير العبارات العلمية على أساس مكين هو الوقائع ~~التجريبية، في حين أن العلم التجريبي بناء صميم طبيعته الصيرورة والتقدم المستمر، وها ~~هنا نجد المنهج الفرضي الاستنباطي نظرية في الإبداع والتقدم المستمر. # إن وضع الفرض قبل الملاحظة بمثابة ثورة منهجية، تكاد تشابه الثورة الكوبرنيقية التي ~~وضعت الشمس بدلا من الأرض كمركز، فتغيرت منظومة الكون والنظرة إلى طبيعته وحلت ~~إشكاليات فلكية جمة وارتسم طريق لتقدم متسارع للعلم. وبالمثل تغيرت منظومة المنهج ~~والنظرة لطبيعة المعرفة العلية وحلت إشكاليات إبستمولوجية جمة وارتسم طريق لتطور ~~متسارع في فلسفة العلم. # على أن النظرية الميثودولوجية (أي نظرية المنهج العلمي) التي تبدأ بالفرض لا يقتصر ~~مردودها على عقر دارها - الإبستمولوجيا وفلسفة العلم - بل أيضا هي القادرة على صياغة ~~المنهج التجريبي من حيث هو العقلانية التجريبية، وبوصفه قوة إيجابية امتلكها ms158 الإنسان ~~وفعالية حضارية يمكن استغلالها وتسخيرها في كل تعامل مع الواقع المتعين. # وقبل أن نوضح هذه النقطة الهامة والمجدية كثيرا، نلاحظ قبلا أن المنهج العلمي واحد ~~وهو كثير! واحد على مستوى النظر الفلسفي وكثير متعدد على مستوى التطبيقات ~~العينية. # ذلك أن النظرية الفلسفية الميثودولوجية ليست مجرد توصيف لما يفعله العلماء، ولا هي ~~محض معيار صوري يفرض عليهم، بل مركب جدلي من الوصفية والمعيارية. إن الفلسفة دائما هي ~~الوعي بموضوعها، الوعي المتميز عن الفهم التفصيلي التفتيتي، متميز بأنه أشمل نظرة لما ~~هو كائن؛ تأصيلا له واستشرافا لما ينبغي أن يكون، استشراف الطبائع العامة المميزة ~~للبحث العلمي، أي المعالم المحورية أو الثوابت البنيوية، علم مناهج البحث - الذي رأيناه ~~صلب فلسفة العلم - حين يتعرض للمنهج التجريبي بهذه النظرة الجذرية التأصيلية والشمولية ~~الاستشرافية، يحاول الاهتداء إلى سمات البنية والقسمات الجوهرية، فيكون المنهج الفرضي ~~الاستنباطي - كما كان المنهج الاستقرائي - هو التصور الفلسفي المنطقي للهيكل العام الذي ~~يرسم أسلوب التعامل العلمي مع الواقع؛ لذلك فهو واحد. # لكن الواقع العلمي متنوع، فالعالم التجريبي للبكتريا مختلف عن العالم التجريبي للفلك، ~~وغير العالم التجريبي للنفس ... إلخ، وبطبيعة الحال لا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه ~~الإجرائية وتقاناته الإمبيريقية من علم إلى علم، بل إنها تختلف داخل العلم الواحد، ~~أولا تبعا لدرجة تقدمه، وثانيا تبعا لزوايا ومستويات تناوله لموضوعه. على هذه ~~الاختلافات الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين، كل يسخره لخدمة موضوعه، وبما ~~يتلاءم مع الطبيعة النوعية لمادة بحثه، بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد العلوم الأخرى. ~~بهذا المنظور التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث ملحقة بفروع العلوم المختلفة لتعالج ~~الأساليب التقانية والوسائل الاختصاصية المتكيفة مع موضوع البحث ومادته التي تختلف من ~~علم لآخر، فنجد مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع»، و«مناهج البحث في علم الفلك»، ~~و«مناهج البحث في الهندسة الوراثية»، و«مناهج البحث في علم النفس» ... إلخ، وكل فرع قد ~~ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي»، و«مناهج البحث في ~~علم نفس الشخصية»، و«مناهج البحث في علم النفس الإكلينيكي» ms159 ... إلخ هذه المسائل المتعلقة ~~بنوعيات الإمبيريقيات وأساليب الممارسة الإجرائية، مسألة تخصصية يعالجها كل علم وفقا ~~لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم الأخبر. # والفلسفة دائما هي النظرة الكلية الباحثة عن المبادئ العمومية الكامنة في الأعماق ~~البعيدة، وبهذا المنظور نجد الميثودولوجيا - أي علم مناهج البحث الذي رأيناه صلب فلسفة ~~العلم - يبحث من وراء هذه الاختلافات عن الأسس العامة التي يمكن تجريدها من المواقف ~~العلمية المختلفة، لنجدها أسسا منطبقة لا على الفلك دون الاجتماع أو النفس دون ~~الكيمياء، بل هي منطبقة على كل بحث علمي من حيث هو علمي. معنى هذا أن المنهج الفرضي ~~الاستنباطي هو المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية الفيزيوكيماوية والعلوم الحيوية ~~والعلوم الإنسانية على السواء. # وكما ذكرنا لا يقتصر أمره على تجريد روح العلوم الإخبارية وطرائق تناميها، والتصور ~~الفلسفي للمنهج التجريبي حين يقف على المعالم المحورية والثوابت البنيوية في شتى ~~متغيرات المناهج العلمية التجريبية، فإنه يعطينا خلاصة وفحوى آلية تعامل العقل الإنساني ~~- الملتزم والمثمر - مع الواقع الذي نعيش فيه، ولا غرو أن تأتينا من العلم، فمهما تمخضت ~~البحوث العلمية في النهاية - أو في تطبيقاتها - عن إنجازات تلغي الزمان والمكان، كالسفر ~~بسرعة الصوت والتواصل بسرعة الضوء، وغزو الفضاء والذرة، وتحويل مجاري الأنهار واخضرار ~~الصحاري، مقاومة الأمراض ومداواة العاهات الجسدية والنفسية والاجتماعية ... مهما تحققت ~~إعجازات تتضاءل بجوارها معجزات الأساطير، سيظل المغزى الأعظم للبحث العلمي هو أنه تجسيد ~~لطرائق التفكير السديدة المثمرة، لقوة إيجابية وآلية فعالة امتلكها عقل الإنسان وأحسن ~~تشغيلها وتطويرها، ويمكن تسخيرها في تعاملات شتى مع الواقع وليس البحث العلمي فحسب، ~~فتمثل قوة دافعة للحضارة بجملتها. # ربما لهذا رأى جون ستيوارت مل أن المنهج الاستقرائي هو آلية الاستدلال الوحيدة التي ~~يمتلكها العقل ومنطق العلم ومنطق العمل ومنطق الحياة، وكما رأينا، التعميم الاستقرائي ~~الساذج محاط بقصورات وصعوبات وإشكاليات جمة. أما حين تقدم النظرة الفلسفية المنهج ~~العلمي التجريبي بوصفه المنهج الفرض الاستنباطي الذي ينطلق من فرض أبدعه عقل الإنسان ثم ~~يخرج منه بنتائج جزئية يهبط بها إلى الواقع التجريبي ليختبر الفرض، فيقبله أو ms160 يعدله أو ~~يرفضه، فإن النظرية الفلسفية بهذا تقدم صياغة مثلى للعقلانية التجريبية، للعقل حين ~~يرسم سبلا موجهة ناجحة، حين ينطلق بمجمل طاقاته وقدراته أقصى انطلاقة في محاولاته ~~الجسورة لوضع الفروض العلمية، لكنها دونا عن كل انطلاقات العقل ملتزمة بالواقع بما ~~تنبئ به التجربة لتتعدل الفروض أو تقبل أو تلغى وفقا له. منهج العلم التجريبي ينصت ~~لشهادة الحواس ومعطيات الوقائع، فتعين موضع الخطأ والكذب في الفرض حين يتعارض معها، يتم ~~تصحيحه والبحث عن فرض جديد متلاف لذلك الخطأ، يعرض بدوره على محكمة التجريب، ويتم ~~تعديله بفرض جديد ... وهكذا دواليك في متوالية لتقدم لا يتوقف أبدا، حتى ليكاد أن يكون ~~البحث العلمي هو التمثيل العيني لمقولة التقدم، كفعالية مستمرة تحمل في صلب ذاتها عوامل ~~تناميها المتواصل دوما، كل إجابة يتوصل إليها العلم تطرح تساؤلات أبعد، فيؤدي كل تقدم ~~إلى تقدم أعلى، ومهما علونا في مدارج التقدم لن تغلق المعامل أبوابها، ولن ينتهي البحث ~~العلمي أبدا. لذلك لم يكن العلم بناء مشيدا من حقائق قاطعة، بل هو نسق من فروض ~~ناجحة، كل يوم فروض أنجح من سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة، ~~كل يوم جديد يتلافى أخطاء وقصورات القديم، فيلغيه أو على الأقل يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع ~~في طريق التقدم خطوة أبعد منه، في صيرورة - تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق، الأفضل ~~والأقدر. # وفي خضم هذه الحركية التقدمية الجبارة ينتصب مارد المنهج العلمي بوصفه الثابت ~~الديناميكي إن جاز التعبير، أو القوة المثمرة الولود لكل ما يتواتر من تغيرات. في أعطاف ~~هذا المارد تقوم وقائع التجريب بدور ناقد قاس لا يعرف الرحمة حين تعيينه لمواضع الخطأ، ~~دور الفيصل والفاروق بين الصدق والكذب، القاضي الحاتم ذي الحكم الموجب النفاذ: إنها ~~مسئولية عسيرة أمام الواقع والوقائع لا يقوى على الاضطلاع بها إلا المنهج العلمي، فهو ~~التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والتجريب، الفهم والحواس، اليد والدماغ، الفكر ~~والواقع، إنه العقلانية التجريبية. # هكذا يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، ~~لكنه ms161 ينصب في قلب البناء الحضاري ليس البتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل كبلورة ~~مستصفاة للتفكير المثمر الملتزم بالواقع والوقائع؛ لتعقيل السير نحو الهدف، وكل لحظة من ~~لحظات زماننا الظافر ببلورة المنهج العلمي - بفضل فلاسفة العلم في بحثهم الدءوب عن ~~صياغة طرائق التفكير العلمي السديد - تشهد بتصديق مستديم على أن هذا المنهج أنجع وسيلة ~~امتلكها الإنسان للسيطرة على واقعة، إنه سبيل إلى الظفر المبين في خضم عالم الواقع ~~ومشكلاته. # لقد امتد هذا السبيل واضحا ممهدا بفضل جهود القرن العشرين في العلم وفلسفته. ~~وترسم عبر الصفحات السابقة في هذا الفصل حد واضح بين فلسفة العلم الحديث حتى نهاية ~~القرن التاسع عشر وفلسفة العلم في القرن العشرين، حد أو فارق يتبلور حول مغزى ~~التجريبية، فبعد أن كانت معينا نغترف منه الفروض العلمية أصبحت في القرن العشرين ~~محكا نلتجئ إليه لاختبار الفروض وقبولها أو تعديلها أو رفضها، فاتضح أن التجريبية في ~~جوهرها هي الاختبارية. ويمكن أن نلاحظ عبقرية اللغة العربية التي وضعت مصطلح «المختبر» ~~مرادفا للمعمل، ورمزه النمطي أنبوبة «الاختبار» الشهيرة. وأخيرا إذا كانت نظرية ~~المنهج الفرضي الاستنباطي قد ارتهنت بها كل تلك الإيجابيات الجمة، فالواقع أنها انعكاس ~~لإيجابيات التطورات العلمية التي تسارعت في القرن العشرين واقتحمت أعماق الذرة وأغوار ~~الفضاء السحيق. ألم نتفق قبلا على أن نظرية المنهج خير تجريد وتجسيد لروح العصر ~~والقرن؟! # والحق أن المحصلات الباذخة للعلم وفلسفته ونظريته المنهجية في القرن العشرين، كانت ~~نتاجا للثورة المباركة التي اقترنت بها مطالع القرن العشرين. # فما خطب هذه الثورة؟ # الفصل الرابع # | ثورة الفيزياء الكبرى من منظور فلسفة العلم # أولا: الكوانتم # 1 # في فاتحة القرن العشرين، وبالتحديد في السابع عشر من ديسمبر العام 1900م، في جلسة ~~الجمعية الفيزيائية التابعة لأكاديمية العلوم في برلين، أعلن ماكس بلانك # M. Plank ~~(1858-1947م) فرض الكوانتم العبقري، ولحقت ~~به نظرية النسبية لآينشتين بعد سنوات خمس. هذه البداية الحاسمة تجعل القرن العشرين ~~متميزا كوحدة فريدة ونقطة تحول في مسار العلم، فلم تكن بدايته مجرد مسألة تقويم ميلادي ~~أو تعدادا في ms162 تواريخ الأيام، بل هي مستهل طريق جديد في البحث العلمي، وطريق جديد بكل ~~معاني الجدة المتمايزة عن المألوف والقديم. إنه طريق شقته ثورة كبرى تقوم بصفة أساسية ~~على دعامتين هما نظرية الكوانتم ونظرية النسبية. # سرعان ما أثبتت سنوات القرن العشرين وعقوده كم كانت هذه الثورة مباركة، وكم كان ~~الانقلاب الذي أحدثته في مسلمات العقل العلمي ومنظوره ورؤاه انقلابا إيجابيا ممثلا ~~لمرحلة أعلى من تطور التفكير العلمي، وكم كان طريقها الجديد مثمرا واعدا، وحق ~~اعتباره طريقا للظفر العلمي المبين. فقد انتهى القرن العشرون متوجا بحصاد علمي يتيه ~~به على القرون أجمعين، تفجرت فيه الطاقة التقدمية للعلوم الطبيعية، وفاقت كل معدلات ~~التقدم المعهودة من قبل، وبمجرد أن انتهى نصفه الأول قيل: إن «أكثر من ثلاثة أرباع علم ~~الفيزياء المعروف لنا اليوم قد أنتجه القرن العشرون»، # 2 # وفي نصفه الثاني تضاعف هذا النتاج . ولحقت بالفيزياء - وهي العلم الطبيعي ~~الأم - بقية أفرع العلوم الطبيعية، ونشأت فروع أخرى ولا تزال تنشأ في حركية تقدمية ~~دافقة، تبدو فيها الفيزياء وكأنها ظلت طوال القرن العشرين محتفظة بدماء الثورة، ومحورا ~~تدور حوله فلسفة العلم. # ومنذ البداية تصدر فرض الكوانتم طليعة المد الثوري، فما هو الكوانتم؟ # لكي نجيب على هذا السؤال، لا بد من العود إلى المشكلة العلمية التي تقدم فرض الكوانتم ~~لمحاولة حلها، ثم تعاظم أمره فيما بعد، وتلك المشكلة لم تكن مجرد مشكلة، بل كانت معضلة ~~في إطار أزمة الفيزياء الكلاسيكية زادت من حدة الأزمة، يمكن أن نسميها «الكارثة فوق ~~البنفسجية نسبة إلى الأشعة فوق البنفسجية». # إن عائلة الإشعاع الكهرومغناطيسي رحيبة جدا، تمتد بطول الكون وعرضه، ويمكن تصنيفها ~~تبعا لصغر طول الموجة كالآتي: الأشعة الكونية - أشعة جاما - الأشعة السينية - الأشعة ~~فوق البنفسجية - الأشعة المرئية «وهي الضوء بالمعنى المعتاد للكلمة» - الأشعة تحت ~~الحمراء - ذبذبات الراديو. وتنبعث الأشعة تحت الحمراء بفعل التأثير الحراري للمصباح أو ~~الموقد أو اللهب أو الشمس أو النجوم البعيدة ... إلخ. وقد وضعت الفيزياء الكلاسيكية ~~قوانين للإشعاع الحراري، نشير الآن إلى اثنين مألوفين في التجربة اليومية ms163 للحس ~~المشترك: ~~(1) # كلما سخن الجسم ازداد سطوعه. ~~(2) # يتغير لون التوهج بازدياد درجة الحرارة. # 3 # ولكن ظهر للأجسام السوداء خاصية القدرة على امتصاص أشعة الضوء، كما للفلزات خاصية ~~عكسها، فقرر الفيزيائيون اختيار الأجسام السوداء في بحثهم عن الجسم المثالي لتكون ~~عاملا قياسيا، فالجسم الأسود يمتص الإشعاع الكهرومغناطيسي، وهذا يعني أنه يسخن ~~بواسطته إلى أعلى درجة حرارة بالنسبة للأجسام الأخرى، والعكس صحيح فالجسم الأسود يصبح ~~عند التسخين لدرجة حرارة عالية مصدرا للضوء وتنبعث منه الإشعاعات في درجة الحرارة ~~العالية بقوة أكبر من جميع الأجسام الأخرى. إذن فباستعمال الجسم الأسود يمكن وضع قوانين ~~الإشعاع الحراري الكمية بأفضل شكل. وتمثلت هذه القوانين في قانونين، الأول وضعه ~~العالمان ستيفان وبولتسمان، وينص على أن الطاقة التي تنبعث من الجسم الأسود في كل ثانية ~~على صورة إشعاع حراري يتناسب مع الأس الرابع لدرجة حرارته المطلقة، # 4 # وتحسب درجة الحرارة المطلقة ابتداء من 273 مئوية تحت الصفر فأعلى. أما ~~القانون الثاني فقد وضعه العالم النمساوي فين # W. Wien ~~، ~~وينص على أنه: بارتفاع درجة حرارة الجسم الأسود فإن طول الموجة المناظرة لأقصى سطوع ~~للضوء المنبعث منه يجب أن يكون أقصر وتنحرف باتجاه القطاع البنفسجي من الطيف الضوئي. # 5 # وكان كل شيء يسير على ما يرام؛ إذ تشهد الوقائع بالصحة الكاملة لكل قانون منهما على ~~حدة، بيد أن الأزمة التي وصلت إلى حد الكارثة جاءت من إجراء بسيط قام به الفيزيائيان ~~الإنجليزيان رايلي # Rayleigh ~~، وجينز # Jeans ~~؛ ليصلا إلى القانون الشامل الذي يجمعهما معا ومؤداه: قوة ~~الإشعاع المنبعث من جسم ساخن تتناسب طرديا مع درجة حرارته المطلقة وعكسيا مع مربع ~~طول الموجة الضوئية المنبعثة منه. وبدا أن هذا القانون يتوافق تماما مع المعطيات ~~التجريبية، ثم اكتشف العلماء أن التوافق يحدث فقط في نطاق الموجات الطويلة من الطيف ~~المرئي وهي الأخضر والأصفر والأحمر. ولكن قانون رايلي/جينز لا ينطبق على الموجات ~~القصيرة عند الاقتراب من الأشعة الزرقاء والبنفسجية وفوق البنفسجية. على هذا يتبع قانون ~~رايلي/جينز الشامل أنه كلما قصرت الموجة كلما ازدادت شدة ms164 الإشعاع الحراري، بيد أن شيئا ~~من هذا لم يحدث إبان التجربة، والأدهى أن شدة الإشعاع يجب أن تنمو بغير حدود عند ~~الانتقال إلى موجات أقصر وأقصر، وبالطبع، هذا لا يحدث فيستحيل أن يوجد نمو غير محدود في ~~شدة الموجة، لا شيء في الطبيعة غير محدود باستثناء الكون نفسه؛ لذلك عندما يفضي قانون ~~فيزيائي إلى اللامحدودية فمعنى هذا أن نهايته قد حلت. # 6 # أصبح هذا المأزق الناجم عن نظرية الإشعاع معروفا باسم الكارثة فوق البنفسجية؛ لأنها ~~بخلاف ما تصور الجميع لم تكن أزمة قانون واحد، بل أزمة التصور الفيزيائي الكلاسيكي ~~بأسره. # هكذا كانت المشكلة التي حاول ماكس بلانك حلها هي إيجاد رابطة بين قانون ~~بولتسمان/ستيفن وقانون فين، بطريقة مختلفة تؤدي إلى نتائج معقولة، وبعد أبحاث عدة، وجد ~~بلانك المعادلة التي تربط بينهما، بطريقة تحول دون الكارثة فوق البنفسجية. بيد أن هذه ~~المعادلة كانت متورطة في مصاعب عديدة ، تتلخص في أنها تأبى الخضوع للأطر الحتمية، أطر ~~الفيزياء الكلاسيكية بينما تتجاوب تجاوبا رائعا مع المعطيات التجريبية، وكان هذا ~~موقفا تراجيديا وجد بلانك نفسه فيه فماذا يفعل؟ هل يأخذ بمنظور العقيدة الحتمية ~~ويحارب الوقائع؟ أم يقف في صف الحقائق ويحارب النظرة القديمة؟ وقد اختار بلانك البديل ~~الثاني. # كانت الفيزياء الكلاسيكية كما أشرنا تقوم على مبدأ بقاء الطاقة، وترى أن الجزيئات ~~تتبادل الطاقة عند اصطدامها مع بعضها، وإن كانت قد وجدت ضربا آخر من الطاقة، لا علاقة ~~له بحركة الجزيئات ويسمى بطاقة الحركة الموجية. ومنذ أن وضع ماكسويل معادلاته ~~الكهرومغناطيسية تحتم على طاقة الإشعاع الضوئي - خصوصا ذات الأصل الحراري - أن تخضع ~~للقوانين العامة للموجات، وهذه الطاقة أيضا مستمرة منتشرة مع الموجة المتحركة، وكان ~~الفيزيائيون على أية حال يسلمون تسليما بأن المادة يمكن تقطيعها أجزاء صغيرة، حتى ~~نصل إلى حد الجزيء والذرة وما هكذا الطاقة. بيد أن تطورات العلم، قد أفصحت عن أن «أية ~~محاولة لاعتبار سيل # Flow ~~، الطاقة # Stream # عينيا، على الفور تدحض نفسها». # 7 # حتى جاء ماكس بلانك، فقال: إن الأجسام تكتسب الطاقة أو ms165 تعطيها، لا باستمرار ~~كسيل، بل على كمات أو كوانتات حسب المصطلح الذي اختاره «كوانتم وهو كلمة لاتينية تعني ~~كمية أو وجبة»، وكوانتم الضوء بمثابة قطاع ضئيل للغاية من الطاقة إدراكه ليس أسهل من ~~إدراك الذرة. وهذا الكوانتم الذي استحدثه بلانك هو الوحدة الأولية للضوء وللطاقة، يناظر ~~الذرة بوصفها الوحدة الأولية للمادة. وبهذا غزا المنظور الذري الضوء تحت قيادة ~~بلانك. # كل إشعاع - وبالطبع ضمنه الضوء - يخضع لتحكم أعداد صحيحة من وحدة الطاقة الأولية، أي ~~من الكوانتم، فتغدو الطاقة مؤلفة من وحدات أولية، هي الكوانتات جمع كوانتم، وحينما ~~تنبعث الطاقة أو تستوعب، ينتقل كوانتم واحد أو اثنان أو مليون كوانتم، لكن لا يكون ثمة ~~أبدا جزء أو كسر من الكوانتم، الكوانتم بمثابة ذرة الطاقة، ولكن مع ملاحظة أن حجم هذه ~~الذرة، أي مقدار وحدة الطاقة، يتوقف على طول موجة الإشعاع الذي ينتقل به الكوانتم، ~~فكلما كان طول الموجة أقصر كان الكوانتم أكبر؛ # 8 # إذن يختلف كوانتم الطاقة في مقداره باختلاف أنواع الإشعاع، وبينما نعرف ~~عددا معينا من الذرات يحددها الجدول الدوري لمندليف، ثمة عدد لا محدود من ~~الكوانتات. # وها هنا نصل إلى اكتشاف بلانك الفائق الأهمية بخصوص مقدار الكوانتم وسيبدو مؤقتا ~~بطلا متواضعا للنجاة من الكارثة فوق البنفسجية، كوانتم الطاقة - كما ذكرنا - يختلف ~~باختلاف أنواع الإشعاع، فكلما قصر طول موجة الضوء، أي كلما ازداد ترددها، أو بعبارة ~~أخرى كلما كانت أكثر بنفسجية، كلما ازداد كوانتم الضوء، ويعبر عن هذا رياضيا بعلاقة ~~بلانك بين التردد وبين طاقة الكوانتم: # أو ط = ه د. ~~«ط ~~» ترمز للطاقة # energy # و«د ~~» للتردد، أما «ه» # فمعامل التناسب، وهو ثابت في جميع أنواع الطاقة المعروفة حتى الآن؛ ~~لذلك يعرف بثابت بلانك، «أو كوانتم الفعل» وهو ضئيل للغاية تبلغ قيمته: ~~6,55-10 ~~−27 # أرج في الثانية، «أي الرقم 6,55 مقسوما على ~~واحد أمامه سبعة وعشرون صفرا»، ولما كان هذا ثابتا، كانت الطاقة ط تتغير فقط بتغير ~~التردد د، أي بالتوغل في المنطقة فوق البنفسجية، وعلى هذا النحو تنحل ببساطة الكارثة ~~فوق ms166 البنفسجية، التي أتت من الجمع بين قانونين؛ هما قانون بولتسمان/ستيفن وقانون فين، ~~في قانون واحد هو قانون رايلي/جينز. # هذه العلاقة المعجزة ط = ه د، لا يمكن إطلاقا إثباتها بأي استنباط منطقي، شأنها في ~~هذا شأن قانون التثاقل «أي الجاذبية» النيوتوني. # 9 # إنها مثله طريق جديد طرحته العبقرية الخلاقة، ويفضي إلى طرق تزداد رحابة كل ~~يوم، حتى إنها المنعطف الجذري - بألف ولام التعريف - أي المفرد العلم في دنيا العلم ~~الذري. # ليست الكوانتم مجرد حل لمشكلة إشعاع الأجسام السوداء، أو حتى لأية مشكلة معينة، حقا ~~إنها محض نظرية عن أو حول الطبيعة الفيزيائية للإشعاع، ولكن ما أدراك ما الإشعاع! وقد ~~تفاقم أمره حتى استحال الكون بأسره إلى مجموعة من الإشعاعات، كل شعاع منها يتملك زمامه ~~تماما الكوانتم، إنها إبداع جديد كل الجدة، سرعان ما أتى السير فيه بالثمار التي تفوق ~~الحصر والخيال، «وفي كل ظاهرة تدرسها الفيزياء في القرن العشرين يثبت فرض الكوانتم منذ ~~أولى تطبيقاته كل ما يؤيده ويعززه، كل تطبيق يفضي إلى صياغة يظهر فيها ثابت بلانك «ه» ~~بحيث إن مقارنة هذه الصياغة بالنتائج التجريبية تكون دائما مقارنة نشتق منها «ه»؛ أي ~~ثابت بلانك، كوانتم الفعل، وكل قيم «ه» التي حصلنا عليها من دراسة ظواهر شديدة التباين ~~والاختلاف كانت على اتفاق جلي، إنها نفس القيمة التي حددها بلانك». # 10 # والنتيجة أن دخل الكوانتم في صلب العلم بالعالم الذري. # إن ثبات هذا الثابت هو مناط عظمته المدهشة، وعلى الرغم من أن الظواهر الذرية كانت ~~مطروحة للدراسة المظفرة المطردة النجاح، وموضوعا للعلم الذي يستأثر بأعظم العقول قبل ~~أن يضع بلانك ثابته وفرض الكوانتم بسنوات عديدة، فإن كشف بلانك بلا جدال أعظم إنجاز في ~~ميدان الذرة والأكثر أصالة وعبقرية، وكما يقول لويس دي بروي، لم يكن محض منبه أو دافع ~~للفيزياء الذرية التي شهد القرن العشرون بأنها أكثر فروع العلم حيوية وطموحا، ولكنه ~~أيضا وبلا جدال قد وسع الآفاق، وطرح عديدا من أساليب الفكر الجديدة ستظل نتائجها ~~العميقة في المستقبل الرحيب للفكر البشري. ms167 وأدرك الفيزيائيون أنهم بغيرها كانوا سيظلون ~~عاجزين عن فهم واستيعاب أي شيء بخصوص الطبيعة الحقة للظواهر الفيزيائية، لا ظواهر الضوء ~~ولا ظواهر المادة. وفيما بين عامي 1900 و1930م انضافت إلى إنجاز بلانك العبقري جهود ~~كوكبة من ألمع عقول القرن العشرين، أمثال آينشتين نفسه ونيلز بور وإيرفين شرودنجر ولويس ~~دي بروي وفيرنر هيزنبرج وماكس بورن وبول ديراك، فأصبح الكوانتم نظرية شاملة تحكم قبضتها ~~على عالم الإشعاع والذرة، العالم المتناهي في الصغر، الذي تعجز فيزياء نيوتن الكلاسيكية ~~عن التعامل معه، ولن تجد أية همزة وصل بينه وبين حتميتها الميكانيكية البائدة. إن عالم ~~الكوانتم والذرة والإشعاع عالم لا حتمي، وهذا انقلاب جذري في إبستمولوجيا العلم، من ~~النقيض إلى النقيض، من الحتمية إلى اللاحتمية. # وبهذا الانقلاب كان استيعاب أزمة الفيزياء الكلاسيكية التي أتت من ظواهر وعلاقات ~~فيزيائية تأبت على الإطار الحتمي. وفي عرض تلك الأزمة، رأينا النظرية الحركية للغازات ~~وكيف ظهرت الميكانيكا الإحصائية، وقد واجهت مشكلة التجزئة المتساوية # Equipartition # للطاقة على النحو التالي: في أي نظام ميكانيكي ذي ~~عدد كبير من الأجزاء، نجد هذه الأجزاء في حالة توازن أو تعادل حراري # Thermal equilibrium # في درجة الحرارة الثابتة، بحيث تكون طاقة ~~الاضطراب الحراري مقسمة بالتساوي على الدرجات المختلفة للحرية - أي القابلية للحركة - ~~في النظام. # 11 # وهذه نظرية إحصائية، لكن ما زالت مرتبطة بالمبادئ الكلاسيكية، وقد أثبتت ~~نجاحها إلى حد معقول، إلا أنها وصلت إلى طريق مسدود خلق مشكلة في نظرية التجزئة ~~المتساوية للطاقة، فكيف أتت هذه المشكلة؟ # في الإجابة على هذا نلاحظ أنها ذات علاقة بقانون رايلي/جينز الذي أدى إلى الكارثة فوق ~~البنفسجية. ومن ناحية أخرى، ترى فيزياء الجوامد أن الذرات في الجسم الجامد المتجانس ~~تأخذ مواضعها من التوازن، بحيث تظل غير قابلة للتزحزح ما لم يكن ثمة اضطراب حراري، ~~وتتذبذب الذرات - كنتيجة للاضطراب الحراري - عن مواضعها الأصلية من التوازن، بشدة ~~تتزايد كلما ارتفعت درجة الحرارة، ولكل الذرات هنا نفس متوسط الطاقة، وهذا المتوسط ~~مكن الميكانيكا الإحصائية الكلاسيكية من استنباط النتيجة التالية: الحرارة النوعية ~~الذرية ms168 لأي جسم جامد (كمية الحرارة التي تلزمه لكي ترتفع حرارة جرام واحد منه درجة ~~حرارة واحدة) معادلة لما يقرب من 6 سعرات حرارية، وهذا القانون يعرف بقانون ~~دولون وبيتي # Dulong & Patit # باسم واضعيه. وقد ~~بدت صحته إلى حد كبير، ولكن ظهرت جوامد معينة خصوصا الجوامد شديدة الصلابة كالماس لها ~~حرارة ذرية نوعية أقل من ستة سعرات حرارية. وبالنسبة لكل الأجسام الجامدة إذا انخفضت ~~درجة الحرارة ستأتي نقطة يسقط معها قانون دولون وبيتي؛ إذ تصبح الحرارة النوعية أقل مما ~~قدرا، مما يعني مشكلة تهز دعائم فرضية التجزئة المتساوية للطاقة. # أما نظرية الكوانتم فقد فسرت هذه الظواهر الشاذة تفسيرا جيدا، فدرأت مثلمة قانون ~~دولون/بيتي مثلما درأت مثلمة قانون رايلي/جينز، وأحرزت بدقة فائقة هدف تحاشي التجزئة ~~المتساوية للطاقة؛ ذلك أن ذرات الجسم الجامد تهتز فعلا عن مواضعها من التوازن بتردد ~~يعتمد على كتلتها وعلى شدة القوة المتجددة، وتبعا لفرض الكوانتم، يكون تذبذب الذرة ~~معادلا لما لا يقل عن كوانتم واحد من الطاقة مناظرا لتردد التذبذب، فإذا كان الاضطراب ~~الحراري يستطيع بصعوبة بالغة أن يمد الذرة فقط بالكوانتم الذي تحتاجه لكي تهتز، لن ~~تتحرك الذرة عن موضعها ولن تحدث التجزئة المتساوية. كوانتم التذبذب بالنسبة لذرات عدد ~~كبير من الجوامد صغير جدا لدرجة أن الاضطراب الحراري في درجات الحرارة العادية، يمكنه ~~بسهولة تزويد الذرات به، فتحدث التجزئة المتساوية للطاقة وينطبق قانون دولون وبيتي. ~~ولكن بالنسبة للأجسام شديدة الصلابة كالماس، نجد أن كوانتم التذبذب كبير، حتى إن ~~التجزئة المتساوية لا يمكن أن تحدث في درجات الحرارة العادية؛ لهذا ينهار قانون دولون ~~وبيتي. وأخيرا كلما انخفضت درجة الحرارة ستأتي نقطة حيث لا يعود الاضطراب الحراري ~~كافيا - بالنسبة لكل الجوامد - ليزود كل الذرات بما تحتاجه من كوانتم للتذبذب، ونتيجة ~~لهذا تسقط الحرارة النوعية دون معدلها العادي، # 12 # وهكذا يحل الكوانتم المشكلة ببساطة ويبقى ليحكم الميدان. # لقد استطاع الكوانتم أن يحل هذه المشكلة أو تلك في هذا الميدان أو ذاك؛ لأنه استطاع ~~قبلا أن يجتاح العالم الذري بأسره، ففي ms169 عام 1913م كان مفهوم بلانك الألمعي المدهش قد ~~تدعم بالعديد الجم من الوقائع، وفي هذا الوقت جاء أهم تطبيق للكوانتم؛ وهو نظرية الذرة ~~عند نيلز بور # Niels Bohr ~~(1855-1962م)، حيث توحد ~~أخيرا اتجاها التطور: اتجاه نظرية الذرة واتجاه نظرية الإشعاع؛ إذ رأى بور أن الوصف ~~الكامل للظواهر يتطلب كليهما، بعد أن كانت الفيزياء الكلاسيكية ترى أنهما يستبعدان ~~بعضهما، فالظاهرة إما ذرة وإما إشعاع. رفض بور هذا، ووضع مبدأه المعروف باسم مبدأ ~~التكامل # Complementary # الذي لبى الاحتياج لكلا ~~المفهومين بغير أن يتصادما أو يتعارضا، بل يتحدا ويتآلفا. # كان قد اتضح أن الذرة ذاتها ينبغي أن تعد مجموعة من الجسيمات الأصغر منها، والتي مع ~~هذا تتماسك بقوة تجعل الذرة تسلك بالنسبة لجميع التفاعلات الكيميائية كوحدة ثابتة، ~~فكانت الفيزياء النظرية السابقة على عصر الكوانتم تعلم أن للذرة تركيبا داخليا هو ~~ذلك الذي قام به العالم الروسي مندلييف في أواخر القرن التاسع عشر، ثم ربط العالم ~~الإنجليزي إرنست رذرفورد بين هذه الكشوف الكيميائية وبين كشف الإلكترون، ووضع الأنموذج ~~الكوكبي الشهير للذرة بوصفها مؤلفة من نواة يدور حولها عدد معين من الإلكترونات، كأنها ~~الكواكب تسير في مداراتها. والعلماء بالطبع لا يستطيعون اختراق الذرة، ولكن يكشفون عن ~~بنيتها عن طريق ملاحظة الظواهر الناجمة عن هذه البنية، ومن بين هذه الظواهر أطياف ~~الأشعة الكهرومغناطيسية التي تنبعث من الذرة أو من مكوناتها تحت ظروف اضطراب حراري أو ~~كهربي معينة، وهذه الأشعة تعد بحق مميزة للذرة التي تنبعث عنها، فهي تناظر الأحداث ~~التي تحدث داخلها فيمكن أن تعلمنا الكثير عن بنية الذرة، من هنا كان تصنيف الأطياف ~~ودراستها دراسة منهجية هي مهمة كبرى للفيزيائيين، وقاموا بجهود ضخمة في هذا الصدد ~~ووصلوا إلى نتائج هامة، وهذا منذ أن تمكن هيرشيل في عام 1832م من التمييز بين المواد ~~الكيميائية المختلفة عن طريق معرفة الأطوال الموجبة للضوء المنبعث منها. وفي السنوات ~~التالية لذلك تمكن العالمان الألمانيان روبرت فيلهلم بانسين وجوستاف روبرت كيرتشوف من ~~تصنيف أطياف عدد كبير من الموجات وتسجيلها في كتالوجات ms170 خاصة. وفي عام 1868م درس الفلكي ~~الإنجليزي جوزيف لوكير الطيف الشمسي المجهول واكتشف غاز الهيليوم، كما أنه درس بالتفصيل ~~طيف ذرة الهيدروجين، # 13 # وتوالت الجهود المماثلة. وكما يقول لويس دي بروي، بدت الأفكار الكلاسيكية ~~عاجزة تماما عن تفسير القوانين الطيفية التي نجح الفيزيائيون بعد جهد ومثابرة في ~~استخلاصها. # وكان طوق النجاة في نظرية الكوانتم، ألقى به نيلز بور، وهو دانمركي، لكنه سافر عام ~~1912م - بعد حصوله على الدكتوراه - إلى إنجلترا وعمل في كمبردج مع ج. طومسون ثم اتجه ~~إلى مانشستر وعمل مساعدا لرذرفورد، وقبل أن يعود إلى كوبنهاجن عام 1916م، وبالتحديد في ~~عام 1913م طرح نظريته التي توضح أن أنموذج الذرة عند رذرفورد ينبغي أن يرتبط بكوانتم ~~الطاقة عند بلانك، # 14 # فالإلكترونات لا يمكنها إلا أن تدور في مدارات تقع على مسافات محددة معينة ~~من المركز، وهذه المسافات محددة بحيث إن الطاقة الميكانيكية التي يمثلها كل مدار، إما ~~أن تكون كوانتم واحدا أو اثنين أو ثلاثة، وهكذا دواليك، فأدى إدخال بور لفرض الكوانتم ~~إلى نجاح مذهل في إيضاح ما لوحظ من وقائع القياس الطيفي الناتجة من دراسة الأشعة ~~المنبعثة عن الذرة، أو لسلسلة الأطياف الإشعاعية التي تميز كل عنصر على حدة. ومن ناحية ~~أخرى، كان هذا نقطة البداية التي أدت إلى توليد أشعة الليزر، أي التضخيم الضوئي عن طريق ~~الانبعاث التحريضي للإشعاع. وقد تعاظم أمر الليزر في النصف الثاني من القرن العشرين، ~~حتى سمي «شعاع القرن» وبدا حلا ينتظر أية مشكلة. # طرح بور نظريته في الذرة عام 1913م، كما ذكرنا، والسنوات التالية وحتى عام 1925م ~~وبزوغ ثورة الكوانتم الثانية مع هيزنبرج، شهدت تطبيقا وتعميقا لنظرية بور، بحيث تقدم ~~تفسيرا للتركيب الذري لكل عنصر على حدة. وقد أدى إنجاز نيلز بور العظيم في فيزياء ~~الأطياف إلى توحيد بين الذرة والإشعاع، سوف يتعاظم شأنه مع الميكانيكا الموجية، وسنصل ~~إليه عبر انتصار آخر للكوانتم في الظاهرة الكهروضوئية. # كان تطبيق الكوانتم في دراسة التأثير الكهروضوئي أسبق زمانيا من نظرية بور، وأول ~~لفت للأنظار إلى ms171 اتساع مداها، وكان هذا على يد ألبرت آينشتين، وعنه لا عن نظرية النسبية ~~حصل على جائزة نوبل! فقد خرج بنتائج عظيمة حين توسع في تطبيق نظرية بلانك واعتبر الضوء ~~يتألف من حزم من الموجات يحمل كل منها كوانتم واحدا من الطاقة، لكن ما هو التأثير ~~الكهروضوئي أو الظاهرة الكهروضوئية؟ # عندما تصطدم حزمة من الأشعة الضوئية أو من الأشعة فوق البنفسجية بسطح معدني تنطلق منه ~~إلكترونات، وهذا ما يسمى بالظاهرة الكهروضوئية ولا يحدث انبعاث الإلكترون إلا لأشعة ~~يتجاوز تردد موجاتها قدرا معينا، دونه لا يمكن أن يحدث الضوء أي تأثير كهروضوئي، ~~ويجب افتراض أن الطاقة الكهروضوئية تتكثف في نقطة معينة من سطح الموجة بحيث تتمكن من ~~انتزاع الإلكترونات من المعدن. على ذلك فالظاهرة الكهروضوئية، تقتضي وجود حبيبات للطاقة ~~وجسيمات للضوء، وكان آينشتين أول من أدرك هذا، فقدم الصياغة الآتية: # أو ه د = ط + 1 / 2 ك س # 2 ~~. # وهي صياغة يسهل فهمها على أنها تطبيق لمبدأ الطاقة «ط = ه د» حيث ه ثابت بلانك، وه د ~~حاصل ضربه في تردد الضوء، وط طاقة جسيم الضوء، وعندما تصطدم هذه الطاقة بالمعدن تعمل ~~على انتزاع الإلكترون من المجال الكهربي الذي توجد فيه الطاقة ط، وفي إعطاء الإلكترون ~~القوة الكبيرة 1 / 2 ك س # 2 ~~، حيث ك كتلته وس سرعة خروجه، ~~وتسمى كمية الطاقة المضيئة «الكوانتم» في هذه الحالة بالفوتون. الفوتون هو الجسيم في ~~كل إشعاع، هناك فوتونات الأشعة السينية وفوتونات الأشعة تحت الحمراء وهكذا. # 15 # وليس الأمر مجرد تطبيق للكوانتم الذي فرغنا من شأن نجاحه الخفاق، بل نحن بإزاء ثورة ~~فرعية؛ إذ كان العلماء منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر - كما سنرى - قد طردوا ~~التفسير الجسيمي لطبيعة الضوء واجتمعوا على التفسير الموجي له. لكن آينشتين يعود ومعه ~~التفسير الجسيمي من جديد. إن الفوتون هو الكوانتا، هو الجسيم في الإشعاع كمتميز عن ~~الموجة، وإذا كان كل جسيم له كتلته، فإن الفوتون كتلته صفر، وكان الفوتون من الكيانات ~~التي أدت إلى الانقلابة الجذرية في ms172 إبستمولوجيا العلم، وإلى أقوى وأرسخ تصور للاحتمية، ~~وهو الميكانيكا الموجية. # نشأت الميكانيكا الموجية البارعة حين أصبح من الضروري في حالة الضوء - كما هو في حالة ~~المادة - أن نضع موضع الاعتبار الأمواج والجسيمات معا، لكي نحصل على نظرية تخليقية ~~فريدة قادرة في نفس الوقت على تفسير النواحي الجسيمية والموجية التي تعرضها خواص الضوء، # 16 # فكانت الميكانيكا الموجية على يد رائدها الفرنسي لويس دي بروي وتطويرها مع ~~النمساوي إيرفين شرودنجر # I. Schrodinger ~~(1887-1961م) ~~وسواه لتقوم بهذه المهمة. # فقد أدت دراسة الظاهرة الكهروضوئية إلى قوانين لا تتفق مع التصور الموجي للإشعاع، ~~بينما أثبتت فكرة آينشتين بأن الضوء يتكون من جسيمات هي الفوتونات خصوبتها، ومهدت ~~السبيل - طبعا بفضل يعود إلى الكوانتم الداخل في صلبها - إلى تفسير وقائع حاسمة عجزت ~~النظرية الموجية عن تفسيرها، مثلا وجود حد أعلى للترددات في الأشعة السينية و«تأثير ~~كومبتون». إن تأثير كومبتون هو الكشف الذي توصل إليه العالم الفيزيائي الأمريكي ~~آرثر هولي كومبتون # A. H. Compton # 17 ~~(1892-1962م)، ويعد من أهم تعزيزات نظرية الكوانتم وتطبيق آينشتين لها، ~~ومن أدق البراهين على فرضية الفوتون. لقد درس كومبتون التأثير الكهروضوئي حينما ينتج عن ~~الأشعة السينية؛ ليثبت أن هذه الأشعة بدورها وحدات فوتونية هي كوانتات. وكان من المعروف ~~أن الأشعة إذا اصطدمت بجسم معدني، فإن جزءا من هذه الطاقة يتشتت في كل الاتجاهات على ~~صورة أشعة مشتتة، # 18 # فدرس كومبتون الأشعة السينية والأشعة السينية المشتتة، ووضع عام 1923م ~~نظريته المعروفة باسم «تأثير كومبتون» ومفادها اختزال أو تخفيض طاقة الفوتون كنتيجة ~~لتبادله الفعل مع إلكترون حر، ذلك أن جزءا من طاقة الفوتون ينتقل إلى الإلكترون ~~(الإلكترون المرتد أو إلكترون كومبتون)، وجزءا يتوجه ثانية بوصفه فوتون الطاقة ~~المختزلة (بعثرة # scatter # كومبتون)، # 19 # هكذا نجد هنا ظاهرة تقتضي التفسير الجسيمي للضوء والإشعاع، ولكن ظاهرة ~~التداخل مثلا وهي من أهم خواص الإشعاع ستظل أولا وأخيرا خاصية موجية، وتظل الموجة ~~متميزة بها عن سيال الجسيمات، ومثلها أيضا ظاهرة الحيود في الضوء، # 20 # والخلاصة أن بعض الظواهر تقتضي تفسيرا ms173 جسيميا للضوء والإشعاع وبعضها ~~الآخر يقتضي تفسيرا موجيا. # بدا وكأنه لا توجد وسيلة للتوفيق بين النظرتين المتناقضتين، حتى تقدم لويس دي بروي في ~~رسالته للدكتوراه عام 1917م - التي أنجز بعض فصولها في خنادق الحرب العالمية الأولى - ~~وأعلن أن الضوء مكون من جسيمات ومن موجات، ولأول مرة نقل هذه الفكرة إلى ذرات المادة، ~~فأصبح كل جسيم صغير من المادة مقترنا بموجة على أساس رياضي دقيق، هكذا بدأ العقل ~~العلمي عصر التفكير المزدوج، وأصبحت طبيعة الضوء جسيمية وموجية في آن واحد، وكذا ~~المادة، ويخبرنا دي بروي أن هذا أمر قد يبدو بالغ الصعوبة إذا فكرنا بمفاهيم الفيزياء ~~الكلاسيكية وبحثنا عن الحتمية، ولكنها تبدو واضحة وبسيطة عندما ندخل الاحتمالات بصورة ~~منتظمة في صلب الظواهر الأولية، ونضع موضع الاعتبار في وصف الظواهر نواحي تكميلية ~~معينة، فالمادة التي افترضها دي بروي هي توزيع لاحتمال وجود الفوتونات على المكان، بحيث ~~إن فكرة الاحتمال هنا أساسية. # وبفضل توالي أبحاث العلماء تجددت في عام 1927م بالنسبة إلى الإلكترون الثنائية ~~الموجية الجسيمية التي ثبتت في عام 1917م بالنسبة للضوء، فلم تقتصر على الضوء، بل توسع ~~هذا الازدواج بين الأمواج والجسيمات حتى يشمل كل عناصر المادة وعلى الأخص الإلكترونات، ~~فطبقت على كل عناصر المادة تصورات الاحتمال واللاحتمية ، وعدم التحديد واللافردية ~~والمظاهر التكميلية. # 21 # والآن لم يعد ثمة تعارض بين المادة والطاقة، أو الذرة والإشعاع، ولا من أن الطاقة مع ~~بقائها دائما يمكن أن تنتقل من حالة المادة إلى حالة الضوء والعكس، ونعلم اليوم أن هذا ~~هو الواقع بالفعل، فقد أصبح الضوء باختصار أنقى أشكال المادة وأكثرها تحررا من القصور ~~والشحنة. لقد سقط الحاجز الذي بدا كما لو كان فاصلا بين الضوء والمادة، في حين أنهما ~~معا ليسا إلا مظهرين مختلفين للطاقة، يمكن أن يأخذ أحدهما مظهر الآخر. # فتحت الميكانيكا الموجية الباب اللاحتمي على مصراعيه؛ لتنطلق الفيزياء في طريق التقدم ~~بسرعة مذهلة، فجاء إيرفين شرودنجر عام 1925-1926م؛ ليأخذ بآراء دي بروي، ويضع معادلة ~~تفاضلية أصبحت أساسا رياضيا في نظرية الكوانتم، وأتاحت ms174 لعالم الفيزياء أداة رياضية ~~قوية، ثبت بها الاتحاد بين صورتي الميكانيكا الجديدتين: ميكانيكا الكوانتم والميكانيكا ~~الموجية. # كان دي بروي يعتقد أن ثمة جسيمات تصحبها موجات، أما شرودنجر فكان يعتقد أنه يستطيع ~~الاستغناء عن الجسيمات، وأنه لا توجد إلا موجات تتجمع في بقاع صغيرة معينة فينتج عنها ~~شيء يشبه الجسيم، ومن ثم قال بوجود حزم موجية تسلك على نحو شبيه بالجسيم، ولكن بعد أن ~~اتضح أن الرأيين لا يمكن قبولهما معا، اقترح ماكس ~~بورن # Max Born # الفكرة القائلة: إن الموجات لا تمثل أكثر من احتمال، فتعمقت ~~جذرية التحول اللاحتمي في الذرة. الكيانات الأولية جسيمات لا تتحكم في سلوكها قوانين ~~علية إنما قوانين احتمالية، وواصل فيرنر هيزنبرج السير في هذا الطريق، فبين أن هناك ~~قدرا محددا من اللاتعين أو اللاتحدد أو اللايقين، فيما يتعلق بالتنبؤ بمسار الجسيم. ~~وبفضل كشوف بورن وهيزنبرج، تمت الخطوة الأخيرة في الانتقال من التفسير العلي الحتمي إلى ~~تفسير إحصائي للعالم الأصغر، وأصبح من المعترف به أن الحادث الذري المنفرد لا يتحدد ~~بقانون علي، بل قانون احتمالي فحسب، واستعيض عن فكرة «إذا كان ... فإن» التي عرفتها ~~الفيزياء الكلاسيكية بفكرة «إذا كان فإن، بنسبة مئوية معينة»، وأخيرا جمع نيلز بور بين ~~نتائج ماكس بورن ونتائج هيزنبرج، فوضع مبدأ التكامل الذي أشرنا إليه سابقا. # ومع فيرنر هيزنبرج # W. Heisenberg ~~(1901-1976م) حدث ~~التطور الأعظم أو الميلاد الثاني للكوانتم، وذلك حين وضع مبدأه الشهير المعروف باسم ~~مبدأ ~~اللاتعين # Indeterminacy Principle ~~، وهذا المبدأ بصورته العامة يأخذ في اعتباره أدوات القياس أو ~~الأجهزة المعملية وتأثيرها على الظواهر المرصودة، فينص على استحالة التعيين الدقيق ~~لموضع الإلكترون، وسرعته في آن واحد؛ لأننا إذا أردنا أن نحدد سرعته لا بد من إثارة ~~الاضطراب في موضعه، وإذا أردنا تحديد الموضع لا بد من إثارة الاضطراب في سرعته، ومن ثم ~~فإن دقة تحديد أحد الجانبين تكون على حساب الدقة في تحديد الجانب الآخر. وهذا المبدأ ~~الذي ينطبق على جسيمات الذرة قد لا يكون ملحوظا في الموضوعات الكبيرة، فيمكن إهماله ~~بالنسبة ms175 للذرة ككل؛ لأنها كبيرة إلى حد ما فما بالنا بموضوعات الفيزياء الكلاسيكية، ~~إنها من الكبر بحيث إن اصطدام شعاع الضوء بها لا يغير مسارها، أما في حالة جسيمات الذرة ~~فإن الأمر يختلف؛ لأن التغيير الذي يحدثه الملاحظ وأدوات الملاحظة يجعل من المستحيل ~~قياس الوضع والسرعة معا في نفس الوقت بنفس الدرجة من الدقة، هكذا لم يعد من الممكن ~~إغفال أثر أدوات القياس والرصد والتجريب على الظواهر موضوع الدراسة. # وأصبح من الضروري في وصف العمليات الذرية، وضع خط فاصل واضح بين جهاز القياس الذي ~~يمكن وصفه بالمفاهيم الكلاسيكية وبين الظاهرة دون الذرية التي تمثل دالة الموجة سلوكها. ~~العلاقات الموجودة في كل من هذين الجانبين متميزة عن العلاقات الموجودة في الجانب ~~الآخر، في الأول يمكن تطبيق المفاهيم الكلاسيكية أما في الثاني فلا بد من تطبيق معادلة ~~التفاضل لميكانيكا الكوانتم، على أن وجود الخط الفاصل لا يبدو إلا في شكل علاقات ~~إحصائية، وتأثير جهاز الدراسة على موضوعها هو إحداث إقلاق في منطقة الخط الفاصل الذي ~~يفرض حدا قاطعا على تطبيقات المفاهيم الكلاسيكية. # 22 # هكذا أعلن مبدأ هيزنبرج الخروج النهائي من العالم الميكانيكي الحتمي، وفي ~~واضحة الضحى. # استغرق مد ثورة الكوانتم العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ثلاثين عاما حق ~~اعتبارها أروع وأخصب الحقب في ملحمة العلم وفي ملحمة العقل البشري إجمالا. وهناك بعض ~~الظواهر المحددة في العالم الماكروسكوبي - عالم الخبرة العادية - أمكن تفسيرها استنادا ~~على قواعد ميكانيكا الكوانتم، مثل خصائص التبلور في المواد الصلبة. # 23 # ومن ناحية أخرى كان جيمس كلارك ماكسويل قد وضع في النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر معادلات تفاضلية تحكم المجال الكهربي والمجال المغناطيسي على السواء، فكان ~~التوحيد بينهما في المجال الكهرومغناطيسي. وتقوم فيزياء القرن العشرين على أربع قوى ~~أساسية في الطبيعة؛ هي القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية ~~الضعيفة وقوة الجاذبية «أو التثاقل النيوتوني». وفي عام 1971م تمكن العلماء محمد عبد ~~السلام وستيفن واينبرج # S. Weinberg # وشلدون جلاشو # S. Glashow # من توحيد المجال ~~الكهرومغناطيسي والمجال النووي الضعيف ms176 في إطار الكوانتم، فحصلوا على جائزة نوبل مشاركة ~~عام 1979م. ثم قطع شوط جزئي محدود في التوحيد بين هذا وبين مجال القوة النووية الشديدة ~~«القوية». كما يحاول العلماء التوحيد بين القوى الأربع بما فيها الجاذبية في إطار نظرية ~~الكوانتم. ومع هذا فإن الكوانتم لم يثبت سطوته ويحكم الميدان إلا في العالم ~~الميكروسكوبي المتناهي في الصغر، عالم الذرة وما دون الذرة، فهل يعني هذا أن ثورة ~~الفيزياء الكبرى في مطالع القرن العشرين قصرا على عالم الذرة؟ وظل العالم الأكبر ~~بمنجاة عن مدها، قابعا في أمان تحت رعاية فيزياء نيوتن الكلاسيكية؟ # الواقع أن الثورة على هذا المستوى الأكبر كانت أعنف وأشد وطأة على مسلمات الفيزياء ~~الكلاسيكية وأكثر تقويضا لعالمها، فهذا هو ما فعلته نظرية النسبية التي وضعها ألبرت ~~آينشتين - أول رجل في التاريخ استطاع أن يأتي بنظرية يمكن أن تحل محل نظرية نيوتن وتؤدي ~~مهامها بصورة أكفأ وأدق. # ثانيا: النسبية # كما كانت الكوانتم إبداعا حقيقيا وطريقا جديدا كل الجدة، كانت النسبية هكذا، ~~وكما بدأ ماكس بلانك من مشكلة رايلي/جينز التي أدت إلى الكارثة فوق البنفسجية، بدأ ~~آينشتين من مشكلة تمخضت عنها تجربة ميكلسون/مورلي وأدت إلى كارثة أخرى حلت بالفيزياء ~~الكلاسيكية، هي كارثة الأثير، أي سقوط فرض الأثير الذي اعتمدت عليه الفيزياء الكلاسيكية ~~خصوصا في تفسيرها الموجي للضوء والإشعاع. وفي النهاية نجحت النسبية في معالجة انتقال ~~الضوء وحركته مثلما نجحت الكوانتم في تفسير الانبعاث الضوئي وامتصاصه «بحيث تبلورت ~~هاتان النظريتان حول ظاهرة فيزيائية واحدة هي الأمواج الضوئية»، # 24 # وبينما بدت كتل المادة ~~في الفيزياء الكلاسيكية كأنها تحمل سر الوجود، إن اكتشفناه فقد أحكمنا قبضة اليد على ~~هذا الكون، فإن فيزياء الكوانتم والنسبية في القرن العشرين جعلت شعاع الضوء هو الحامل ~~لأسرار الوجود. # والسؤال الآن: كيف حدثت كارثة الأثير التي أفضت إلى النظرية النسبية؟ # على الرغم من اتساع عائلة الإشعاع، فإن الضوء خصوصا يحتل مكان الأولوية في الطبيعة؛ ~~لأن له سرعة لا يمكن أن يبلغها أي شيء آخر يتحرك، وكان ثمة نظريتان متعارضتان لتفسير ms177 ~~طبيعة الضوء - كما لاحظنا فيما سبق - النظرية الجسيمية والنظرية الموجية، الأولى تشبه ~~الضوء بمجموعة من الجسيمات المنفصلة أو القذائف الصغيرة تسير في مسارات متقاربة جدا، ~~فهي تتصور المصدر الضوئي كما لو كان يقذف جسيمات مضيئة في كل اتجاه، وكان هذا هو تصور ~~فيلسوف الذرة الإغريقية الشاعر الروماني لوكريتوس # Lucretius ~~(99-55ق.م) والحسن بن الهيثم وديكارت، وأيضا نيوتن ~~ولابلاس، الجسم المتحرك - كالقذيفة مثلا - ينطلق في خط مستقيم، وحينما أثبت نيوتن أن ~~الضوء ينطلق أيضا في خط مستقيم في الوسط المتجانس اعتبره سيالا من الجسيمات يقذف بها ~~مصدر الضوء؛ لذا عرفت نظرية نيوتن في الضوء باسم النظرية الجسيمية # Corpuscular Theory of Light ~~. ولما كان الضوء ~~شكلا من أشكال الإشعاع، فإن أي إشعاع سيال من الجسيمات، على أساس النظرة ~~النيوتنية. # ولكن هذه النظرية وصلت إلى طريق مسدود بسبب ظواهر ضوئية من قبيل الانعكاس والانكسار ~~والتداخل والحيود، الانعكاس يحول مسار جزء من الضوء، والانكسار يقطع طريقه إذا دخل في ~~الماء أو أي وسط سائل مسببا مظاهر للخداع البصري كأن يتغير مظهر المجداف المغموس في ~~الماء أو يبدو النهر أكثر ضحالة. وقد توصل عصر نيوتن إلى القوانين التي تحكم هذه ~~الظواهر، فكانوا يعرفون مثلا أن زاوية سقوط الضوء هي زاوية انعكاسه نفسها، وفي حالة ~~الانكسار جيب زاوية السقوط ذو نسبة ثابتة إلى جيب زاوية الانكسار. # ولكن حين يسقط شعاع الضوء على سطح ينكسر جزء من الشعاع، وينعكس الجزء الآخر مسببا ~~انعكاس صورة الأجسام أو انعكاس ضوء القمر على سطح البحيرة مثلا. ونظرية نيوتن الجسيمية ~~تفشل في تفسير هذا، فلو كان الضوء مكونا من جسيمات لكائن أثر الماء واحدا فيها ~~جميعا، وإذا انكسر مسار جسيم واحد وجب أن تنكسر جميع الجسيمات، وقد حاول نيوتن مواجهة ~~هذا بأن يعزو إلى سطح الماء أدوارا متبادلة من النفاذ والانعكاس # Alternative fits of ~~transmission and Reflection ~~، مما يجعل جسيما معينا ينفذ ~~من سطح الماء، بينما يمتنع نفاذ الجسيم الآخر، فيحدث الضوء المنعكس، لكن النظرية ~~الجسيمية واجهت صعوبة أخرى أخطر، تتلخص في ms178 أن الضوء لا يسير دائما في خطوط مستقيمة ~~تماما، بحيث يمكن فعلا القول: إنه جسيمات تنطلق أو تتحرك، فالأجسام الضخمة تحجب الضوء ~~وتلقي ظلا، أما الجسم الصغير - كالسلك الرفيع أو الخيط أو الشعرة - لا يلقي مثل هذا ~~الظل، إنه لا يحجب الضوء فلا نرى ظلا، بل نرى ما يعرف بمناطق التداخل. وبالمثل ثمة ~~حلقات الحيود في حالة تمرير الضوء من ثقب صغير جدا، وقد تصور نيوتن أن الضوء ينحني ~~حول الأجسام الصغيرة الرفيعة، فلا تلقي ظلا، وبدا لعبقريته النافذة أن هذا دليل على ~~أن الجسيمات الضوئية قد جذبتها الأجسام الصلبة، وقال إن أشعة الضوء تنحني حول هذه ~~الأجسام كأنما هي منجذبة إليها، وأن أشد الأشعة انحناء هي الأقرب في أثناء سيرها إلى ~~هذه الأجسام، كأنما هي الأكثر انجذابا إليها، ولعله بهذا كان يبشر بكشوف الفيزياء في ~~القرن العشرين، لكنه فشل في إقناع معاصريه بهذا وإعطائهم تفسيرا مفصلا لظاهرة الحيود ~~في الضوء، فلم تلق نظريته الجسيمية استحسانا. # 25 # وقدر للنظرية الموجية في تفسير طبيعة الضوء أن تنتصر وتسود، وهي تشبه الضوء بموجات ~~متصلة تنتشر على سطح الماء، بحيث يكون المصدر الضوئي مركز الاهتزاز الذي تتولد عنه ~~الموجات فتنتشر بعد ذلك من حوله في كل اتجاه. لقيت النظرية الموجية مساندة قوية في ~~«كتاب الضوء» الذي صدر العام 1690م للفيزيائي الهولندي الكبير كريستيان هويجنز # C. Huygens # وهو معاصر لنيوتن ومن أقرب أصدقاء ~~ديكارت. لكن تجارب العالم الفرنسي أوجست ~~فرزنل # A. Fresnel ~~(1788-1827م) التي أجراها فيما بين العامين 1815م و1820م بدت ~~كأنها إثبات للتصور الموجي للضوء، وأنه هو وحده الذي يستطيع تفسير ظواهر التداخل ~~والحيود التي عجزت النظرية الجسيمية عن تفسيرها، ويشارك فرزنل في هذا زميله فرانسوا ~~أراجو، وإن كان يعمل بتصورات مختلفة لطبيعة الضوء وكيفية دراسته، وانفصمت عرى الزمالة ~~بين فرزنل وأوراجو العام 1821م، # 26 # لكن توطد التفسير الموجي للضوء. # وإذا كان الضوء موجات تنتشر في الفضاء فيجب أن نتخيل له حاملا هو وسط يهتز أو يتموج. ~~وكما أن الاهتزازات الميكانيكية والصوتية هي ms179 اهتزاز للأوساط الجامدة أو السائلة ~~والغازية التي تنتشر فيها، كذلك الضوء لا بد أن يكون اهتزازا لوسط ما يؤدي وظيفة ~~الحامل للموجات، أو هو فاعل الفعل يتموج. افترض العلماء الأثير # Ether # بوصفه هذا الوسط. والأثير فكرة يونانية قديمة، عادت إلى ~~الظهور في العلم الحديث منذ أن رأى فيها ديكارت مادة أولية مسئولة عن الثقل وعن صفات ~~أخرى ليست مستمدة من خاصية الامتداد في حد ذاتها، واستفاد منها كبلر ليفسر كيف تحتفظ ~~الشمس بالكواكب السيارة في حركة، ثم لعب الأثير دورا جوهريا في الفيزياء الكلاسيكية ~~لكي يكتمل التفسير الموجي للضوء والإشعاع، ويكتمل التفسير الميكانيكي للكون بأسره، ~~فافترضوا أن الأثير يملأ كل الفراغ أو الفضاء في الآلة الكونية العظمى، وأن كثافته أقل ~~من الهواء، وأنه لا نهائي المرونة، وحاول العلماء محاولات مستفيضة لتحديد خواص مرونته ~~كوسيلة للاهتداء إلى قوانين انتشار الضوء، وقدموا خواص متعارضة تماما، كأن نتصور مثلا ~~أنه صلب على الرغم من أن حواسنا لا تدركه، وأن النجوم تمرق فيه دون أن تعاني احتكاكا ~~أو مقاومة، وقد بذل أوجست فرزنل جهودا مكثفة لتوطيد شأن الأثير. وعندما أصبح مألوفا ~~العام 1860م - اتباعا لماكسويل - أن ننظر إلى الضوء كما لو كان ذا طبيعة ~~كهرومغناطيسية، سلم العلماء تسليما بالأثير بوصفه حامل الإشعاعات الكهرومغناطيسية أو ~~الوسط الذي يحدث فيه انتشار الإشعاعات، وكما يقول جيمس جينز لم يتحرج العلماء من الزعم ~~بوجود نسق من قوى الجذب والدفع والالتواء يمكن تدبيرها في الأثير كي تنتقل كل ظواهر ~~الطبيعة خلال الفضاء، ظواهر الضوء والإشعاع وظواهر البصريات، بل وأيضا ظواهر الجاذبية ~~«التثاقل»، هكذا يستوعب التفسير الحتمي الميكانيكي كل الظواهر، ويبدو عالم الفيزياء ~~الكلاسيكية - تلك الآلة الكونية العظمى - كأنه قائم على أكتاف الأثير. # ولأن الكون ليس آلة ميكانيكية بحال، لم يكن غريبا أن تضاف إلى أزمة الفيزياء ~~الكلاسيكية كارثة أخرى حلت بالأثير من جراء تجربة قام بها - ابتداء من العام 1886م - ~~ألبرت ميكلسون # A. Michelson ~~، وهو من أصل ألماني ~~وأول عالم أمريكي يحصل على جائزة نوبل (العام 1907م)، ورفيقه إدوارد ms180 مورلي # E. Morley ~~. وتعد تجربة ميكلسون/مورلي من أخطر ~~التجارب في حركية العلم ومن نقاط تحوله العظمى. فما فكرة هذه التجربة، أو الفرض الذي ~~قامت لاختباره؟ # فكرتها ببساطة تأتي من أن المركب تسير في اتجاه الريح أسرع مما تسير بعكسه، كما ينشأ ~~على جانبيها تيار من الماء يتجه عكس اتجاه سير المركب - كما هو معروف للجميع - فإذا ~~كانت الأرض تمخر عباب الأثير، سوف ينشأ في الأثير تيار يتجه عكس اتجاه سير الأرض، ستكون ~~سرعة هذا التيار أو هذه الريح الأثيرية المفترضة حوالي 185 ميلا في الثانية وهي سرعة ~~الأرض في مدارها حول الشمس، فهل لهذا من إثبات؟ من هنا جاءت تجربة ميكلسون/مورلي للتحقق ~~من الآتي: هل سرعة الضوء في اتجاه الريح الأثيرية تتأثر إيجابا بال 18,5 ميلا/ثانية، ~~وسرعته ضدها تتأثر عكسيا بهذا المقدار؟ وأحسن طريقة لاكتشاف الفرق بين السرعتين، هي ~~أن نأتي بشعاعين يختلفان في الاتجاه والسرعة ونجعلهما يتقابلان في نقطة لنرى طريقة ~~تقابلهما، هذه هي الفكرة البسيطة لتجربة ميكلسون/مورلي. # فقد أقام ميكلسون/مورلي سباقا بين شعاعين ضوئيين متعامدين، ثم أعادا السباق بعد ~~تبادل الشعاعين وبحثا عن الانحراف في الوضع النهائي لكلا الشعاعين، فمثل هذا الانحراف ~~يثبت وجود ريح الأثير. # والكارثة تتلخص في أنه عندما أجرى ميكلسون ومورلي التجربة لم يلحظا أي انحراف لأي من ~~الشعاعين، ومعنى هذا أنهما لم يستدلا على وجود للأثير وأعادا التجربة في أوقات مختلفة ~~من النهار وفي أيام مختلفة من العام، ولكن ظلت النتائج هي هي لم يستدلا على وجود أي ريح ~~للأثير. # 27 # وبذلت أربع محاولات مختلفة كتفسيرات محتملة لفشل العلماء في الاستدلال على وجود ~~الأثير، لكنها جميعا كشفت عن استحالة، وفشلت فشلا ذريعا. # وكانت هذه هي المشكلة الكبرى، إن كل الجهود التي بذلت للاستدلال على وجود الأثير لم ~~تفشل فحسب، بل إن أسباب فشلها متعارضة وغير واضحة، فهل يوجد الأثير أم لا؟ وإذا كان ~~موجودا فلماذا لا يمكننا الاستدلال عليه؟ وإذا لم يكن موجودا فما تفسير حركة الضوء ~~الموجية؟ # إننا مضطرون إلى ترك الأثير الآلي ms181 هذا وأن نبدأ من جديد. لقد نجمت كل الصعوبات عن ~~افتراض مبدئي مؤداه: أن كل شيء في الطبيعة - وموجات الضوء على وجه الخصوص - قابل ~~للتفسير الآلي، وعلى الإجمال من أننا حاولنا أن نعامل الكون كما لو كان آلية ~~ميكانيكية، وفقا لما أملته علينا الفيزياء الكلاسيكية. # هكذا جاء الألماني ألبرت آينشتين # A. Einstein ~~(1879-1955م) الموظف في مكتب براءات الاختراع ببرن في سويسرا التي هاجرت إليها أسرته؛ ~~ليشترط على الجميع التخلي تماما عن فرض الأثير وعن التصور الميكانيكي للكون، ويضع ~~نظرية عامة للحركة، أي نظرية فيزيائية بحتة بدلا من نظرية نيوتن وأكفأ وأدق منها، ~~وتعد أشهر نظريات القرن العشرين طرا، وهي نظرية النسبية. # تنقسم النظرية النسبية إلى نظرية النسبية الخاصة التي أعلنها آينشتين العام 1905م، ~~ونظرية النسبية العامة التي أعلن تخطيطها في العام 1916م. النظرية الخاصة تتناول ~~الأجسام أو المجموعات التي تتحرك بالنسبة لبعضها بسرعة ثابتة، أي حركة منتظمة من دون ~~عجلة (فالعجلة هي مقدار التغير في السرعة)، والنظرية النسبية العامة تعالج الأجسام أو ~~المجموعات التي تتحرك بالنسبة لبعضها بسرعة متزايدة أو متناقصة، أي تتحرك بعجلة. إذن ~~النظرية الخاصة سميت هكذا؛ لأنها حالة خاصة من النظرية العامة، فالمجموعات التي تتحرك ~~بسرعة ثابتة يمكن اعتبارها تتحرك بعجلة مقدارها صفر، وهي أسهل في دراستها من المجموعات ~~التي تتحرك بسرعة متغيرة؛ لذلك استطاع آينشتين أن يضع النظرية الخاصة أولا، وبصورة ~~مكتملة أكثر كثيرا من النسبية العامة. ومن الناحية المنطقية الفلسفية لا تتخلى النسبية ~~العامة أبدا عن أي من المبادئ الإبستمولوجية الأساسية للنسبية الخاصة، ولا تناقضها بأي ~~حال ما دامت تستوعبها داخلها كحالة خاصة. # 28 # وكانت نقطة البداية هي تجربة ميكلسون/مورلي التي انتهت إلى سقوط الأثير وذلك لثبات ~~سرعة الضوء، فبدأت النظرية النسبية بالتسليم بهذين الفرضين الأساسيين، وهما استبعاد ~~الأثير ثم ثبات سرعة الضوء بصورة مطلقة، وهذا هو الشيء الوحيد الثابت المطلق في الكون ~~النسبي، وليس الضوء فقط، بل المقصود السرعة الكونية لجميع الظواهر الكهرومغناطيسية، ~~كلها تتحرك بالسرعة نفسها وهي 229,776كم/ثانية أو 186,300 ميل/ثانية، وعبثا الحديث ms182 عن ~~سرعة أكبر منها، فهذا مستحيل كما تثبت النظرية النسبية، وعلى هذا الأساس كانت قوانين ~~النظرية النسبية الخاصة، وهي أنموذج أمثل على ما يمكن تحقيقه في الفيزياء بحد أدنى من ~~الفروض البسيطة والتطوير الرياضي لها المفرط في الدقة والصرامة. # في القانون الأول للنسبية الخاصة تنكمش الأجسام في اتجاه حركتها، # 29 # وبما أننا نفترض عادة أن الجسم يتحرك في اتجاه طوله فإننا نتكلم عن انكماش ~~الطول، بيد أن العرض أيضا - وأي بعد آخر - ينكمش إذا تحرك الجسم في اتجاهه، وهذا ~~القانون يحدد مقدار انكماش الجسم بالنسبة لسرعته، بحيث يزداد الجسم في القصر أو ~~الانكماش كلما ازدادت سرعته، حتى إذا اقتربت السرعة من سرعة الضوء اقترب طول الجسم من ~~الصفر، أي إنه يختفي ببلوغه سرعة الضوء، مما يعود بنا إلى مصادرة استحالة تجاوزها. وفي ~~القانون الثاني تزداد كتلة الجسم بازدياد سرعته، حتى إذا وصل إلى سرعة الضوء تصبح كتلته ~~لا نهائية؛ لذلك - مرة أخرى - كانت سرعة الضوء هي أقصى سرعة ممكنة، ولا يمكن أن يتحرك ~~أي شيء أسرع من الضوء؛ لأنه ينكمش حتى يتلاشى وتزداد كتلته حتى تصبح لا نهائية، لقد ~~كانت الكتلة في الفيزياء الكلاسيكية ثابتة لا تتغير، سواء أكانت ساكنة أم متحركة، قد ~~يتغير وزنها فقط من موضع لآخر، لكن النسبية الآن تقول: إن الكتلة تتغير بالحركة فتزداد ~~بازدياد السرعة، طبعا من العبث البحث عن هذا التغير في الكتلة والطول أو العرض في ~~الماكروكوزم، أي العالم الأكبر العياني الذي تتعامل معه الفيزياء الكلاسيكية وهو عالم ~~الخبرة اليومية العادية؛ لأن الكتل ضخمة والسرعات بطيئة نسبيا؛ لذلك فالتغير في الطول ~~أو الكتلة سيكون ضئيلا للغاية، ومن العبث أن نحسب له حسابا، السيارة التي تسير بسرعة ~~خمسين ميلا في الساعة ينكمش طولها فعلا، لكن بمقدار قطر نواة الذرة، والطائرة النفاثة ~~التي تسير بسرعة 600 ميل في الساعة تنكمش بمقدار قطر الذرة، وحتى الصاروخ الفضائي ~~السائر بين الألفاك بسرعة 25000 ميل في الساعة والبالغ طوله مائة متر، ينكمش طوله ~~بمقدار 1٪ من المليمتر، ولكن حين ms183 دراسة جسيمات أشعة بيتا مثلا، أو دراسة جسيمات الذرة ~~في دورانها حول النواة، فنحن هنا إزاء كتل متناهية الضآلة وتتحرك بسرعة يمكن مقارنتها ~~بسرعة الضوء؛ لذلك فالتغير الناجم كبير، وقد أمكن إخضاع قانوني النسبية الخاصة هذين ~~للاختبار التجريبي والتحقق منهما بصورة ملحوظة للغاية، خصوصا بعد اختراع المعجل النووي ~~الذي يستطيع الإسراع بحركة الجسيم الذري. # وفي أوائل سنة 1952م، أعلن المختبر الوطني في بروكهافن # Brokhaven ~~، أنه استطاع أن يسارع البروتون في نواة ذرة الأيدروجين حتى ~~وصلت سرعته إلى 177 ألف ميل/ثانية، أي حوالي 95٪ من سرعة الضوء، ونتيجة لذلك، فإن كتلة ~~البروتون زادت ثلاثة أضعاف. وفي يونيو 1952م، أعلن معهد التكنولوجيا في كاليفورنيا أنه ~~استطاع أن يسارع بالإلكترون حتى وصل به إلى سرعة تقل عن سرعة الضوء بعشر ميل في الثانية ~~أو 0,9999999 من سرعة الضوء، فزادت كتلة الإلكترون حوالي 900 مرة. # 30 # أما القانون الثالث فهو خاص بجمع أو تحصيل السرعات، كحساب السرعة النسبية لجسمين ~~يتحركان بالنسبة لبعضهما في اتجاه معاكس، فينص على أنها ليست حاصل جمع السرعتين - كما ~~تتصور الفيزياء الكلاسيكية - بل هي أعقد كثيرا، وتحكمها معادلة تدخل فيها سرعة الضوء ~~كثابت أساسي، بحيث إذا عوضنا عن الرموز في هذه المعادلة بحالة جسم سائر بسرعة الضوء إلى ~~حالة جسم آخر سائر بسرعة الضوء نفسها، كان الحاصل سرعة الضوء أيضا، مما يعود بنا من ~~جديد إلى مصادرة استحالة تجاوز سرعة الضوء. # أما القانون الرابع فينص على أن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء. وهذا ~~القانون، كما رآه آينشتين نفسه ووافقه الجميع على هذا «أهم النتائج ذات الطابع الخاص ~~التي أدت إليها النسبية الخاصة، فقبله كان قانون بقاء الطاقة وبقاء الكتلة يبدوان ~~مستقلين عن بعضهما، لكنهما عن طريق نظرية النسبية قد أدمجا في قانون واحد»، # 31 # وكما سبق أن أشرنا حين الحديث عن قوانين الحفظ والبقاء في أزمة الفيزياء ~~الكلاسيكية، فإن الطاقة مع هذا القانون أصبحت مظهرا من مظاهر المادة، والمادة مظهرا ~~من مظاهر الطاقة. وأيضا فسر هذا القانون الطاقة ms184 التي تنبعث من الشمس كل هذه الملايين ~~من السنين، وعلم البشر أن كمية صغيرة من المادة تعطي كمية ضخمة من الطاقة في ظروف ~~التفاعلات النووية، وعليه كانت القنبلة الذرية. # في القانون الخامس يتباطأ الزمن تبعا للسرعة، وبالمعامل نفسه الذي ينكمش به الطول؛ ~~لذلك يختلف الزمن أو يتباطأ باختلاف السرعة التي يسير بها حامل الساعة - أي الذي يقوم ~~برصد الزمن - وبهذا ينهار تماما الزمن الموضوعي المطلق في الفيزياء الكلاسيكية الذي ~~يتدفق بمعدل واحد بالنسبة للجميع من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل. # وكان هذا كما يقول هيزنبرج: «أول هجوم سلط على الفرض الأساسي للفيزياء الكلاسيكية.» # 32 # والمقصود فرض الزمان والمكان الموضوعيين المطلقين كخلفية لمجمل الأحداث، ~~أطاحت بهما النظرية النسبية، وأطاحت بالانفصال التقليدي بين مفهومي الزمان والمكان، حين ~~جعلت الزمان بعدا رابعا للأبعاد الثلاثة التي لم يخطر الكلاسيكيون سواها: الطول ~~والعرض والارتفاع، وأتت بالمتصل الزماني/المكاني # spatio-temporal # الرباعي الأبعاد، ويعد الفيزيائي مينكوفسكي # Minkowisky # من رواد معالجة العالم ذي الأبعاد ~~الأربعة، وقد أوضح كيف يمكن تطويق المطلق بالعود إلى أصله الرباعي، وأن نبحثه بعمق أكثر، # 33 # وهذا ما فعله آينشتين حين طرح المتصل الزماني المكاني الرباعي الأبعاد، وهو ~~ليس كيانا واحدا يحل محل كيانين هما الزمان والمكان، وليس شيئا وليس مسرحا جديدا ~~للوقائع الفيزيائية، بل هو نظام من العلاقات بين الأحداث، يهدم تماما التصورات ~~الكلاسيكية عن التتابع الزماني والتجاور المكاني، وعن المادة بوصفها مكونة من جزيئات ~~عبر آنات الزمان في نقطة من المكان، # 34 # من حيث يهدم مفهومي الزمان والمكان المنفصلين والمطلقين. # لقد نقض آينشتين المطلق النيوتني، في أول صياغة لقانون النسبية العام 1905م، حين أعلن ~~أن الطبيعة تجعل من المستحيل تعيين الحركة المطلقة عن طريق أية تجربة مهما كانت. والحق ~~أن نيوتن نفسه قد أعرب عن استحالة تعيين الحركة المطلقة والسكون المطلق، فظلا في الواقع ~~نسبيين، أي بالنسبة للأرض التي تتحرك بالنسبة للشمس المطلقة والسكون المطلق، وفي هذا ~~ألمعية فذة منه، لكنه في النهاية لم يضع النسبية في اعتباره وأقام نظريته على الأساس ~~المطلق ms185 كما رأينا، بينما عجز العلم عن إيجاد الجسم الذي افترضه نيوتن في حالة سكون ~~مطلق، أو بالأصح أثبت استحالة وجوده، فالقمر متحرك بالنسبة للأرض، والأرض متحركة ~~بالنسبة للشمس والمجموعات الكونية الأخرى متحركة، والكون كله في حركة دائبة. # 35 # لذلك نجد أن النسبية تعلم أنه لا يوجد في الكون كله مقياس معياري للطول أو ~~الكتلة أو الزمان؛ لأنه سوف يتضمن الثبوت في مكان معين وهذا شيء لا وجود له. الزمان ~~الذي تحدده حركة الأجرام السماوية، وبعدها المتغير عنا، كلاهما نسبي غير منتظم، ولا ~~يجري في جميع أنحاء الكون بالتساوي، فأين الزمان المطلق الذي تحدث عنه نيوتن؟ # والواقع أن المطلق لا وجود له إلا في ذهن نيوتن وأشياعه، والنظرية النسبية نسبية؛ ~~لأنها تدخل الذات العارفة كمتغير في معادلة الطبيعة؛ إذ تجعل موقع الراصد وسرعته معينات ~~أساسية، والقائمون بالملاحظة الذين يتأملون السماء من كواكب مختلفة سوف يدرك كل منهم ~~سماء مختلفة. كذلك يتحكم تأثير المكان في ساعاتهم - بمعنى أجهزتهم للرصد - بحيث إن ~~الوقت الذي يقرأه كل منهم يختلف في اللحظة الواحدة، بل كلا منهم يقدر مرور الزمن ~~تبعا لسرعة مختلفة، قد يكون مكان الملاحظ بالنسبة لنا هو الأرض في كل الأحوال، لكن ~~الملاحظ المرتبط بالأرض لا يستطيع أن يجري الأقيسة الفلكية نفسها التي يجريها الملاحظ ~~بكوكب آخر، والنسبية تدرس كيف تؤثر حركتا هذين الملاحظين النسبية في ملاحظاتهما، ولم ~~يكن هذا بطريقة لا ذاتية فحسب، بل ولتحرز درجة هائلة من الموضوعية المدهشة، لكن غير ~~المطلقة. # يقول آينشتين: # يمكن وصف عالم الأحداث وصفا ديناميكيا عن طريق تصور يتغير عبر الزمان في ~~إطار خلفية من الفضاء ثلاثي الأبعاد، ولكن يمكن أيضا وصف الأحداث عن طريق تصور ~~إستاتيكي في إطار خلفية من المتصل الزماني/المكاني رباعي الأبعاد. من منظور ~~الفيزياء الكلاسيكية التصوران متكافئان، ولكن من منظور النظرية النسبية التصور ~~الإستاتيكي أكثر ملائمة وأكثر موضوعية، وحتى في إطار نظرية النسبية ما زلنا ~~نستطيع استخدام التصور الديناميكي، إذا كنا نفضل هذا، لكن يجب أن نتذكر أن تلك ~~القسمة التي تفصل ms186 بين الزمان والمكان ليس لها أي معنى موضوعي، ما دام الزمان ~~لم يعد مطلقا. # 36 # في المتصل الزماني/المكاني رباعي الأبعاد قد يصبح الزمان مكانا والمكان زمانا، فلم ~~تعد المسافة هي البعد بين نقطتين مكانيتين بصورة بحتة، بل هي البعد بين نقطتين متحركتين ~~أو حادثتين تفصل بينهما فترة زمانية بالإضافة إلى الفترة المكانية، بحيث تأتي المسافة ~~بجمع مربع الطول مع مربع العرض، ثم مربع الارتفاع، ثم طرح مربع الفاصل الزمني من ذلك، ~~وفي هذا يقول آينشتين إنه يمكن تحديد المسافة ذات الأبعاد الأربعة بتعميم بسيط لنظرية ~~فيثاغورث، وإن هذه المسافة تلعب دورا أساسيا في العلاقات الفيزيائية بين الأحداث ~~الكونية أهم من الدور الذي يلعبه الفاصل الزمني وحده. # 37 # وأجرى آينشتين من العلاقات ~~الرياضية شديدة التعقيد ما يحافظ على طبيعة البعد الزماني، دامجا المكان والزمان في ~~وحدة واحدة ترسي القانون: «إذا وقع حادثان في المكان نفسه، لكن في لحظتين مختلفتين من ~~وجهة نظر مشاهد، فيمكن اعتبارهما قد وقعا في مكانين مختلفين إذا نظر إليهما مشاهد في ~~حالة حركية أخرى»، وعلى أساس تكافؤ الزمان والمكان الذي يجعل أحدهما دالا على الآخر، ~~يصح العكس، فإذا وقع حادثان في اللحظة نفسها، فيمكن اعتبارهما قد وقعا في لحظتين ~~مختلفتين إذا نظر إليهما مشاهد آخر في حالة حركية أخرى، وأيضا إذا وقع حادثان في ~~اللحظة نفسها من وجهة نظر مشاهد، فإن هذين الحادثين من وجهة نظر مشاهد آخر - في حالة ~~حركية أخرى - يكونان منفصلين عن بعضهما بفترة زمانية معينة. # كل هذه المتغيرات المتحركة في تحديد الزمان، والتي تجعل حادثا بعينه ماضيا لمشاهد ~~ومستقبلا لمشاهد آخر، نجم عنها ما يعرف بمشكلة التآني # Simultaneity ~~، أي استحالة الحكم بأن حادثا وقع قبل أو بعد الآخر، كما ~~يشترط التحديد العلي للأحداث إلى علة سابقة ومعلول لاحق في خط الزمان الواحد المطلق. ~~لقد تلاشت العلية الكونية، كما سبق أن تلاشت في الكوانتم، لكن النسبية تنفي أيضا خاصية ~~عدم قابلية الزمان والأحداث للارتداد، ويمكن افتراض التتابع الزماني للأحداث في الاتجاه ~~المعاكس. مع النسبية ms187 أصبح الذهن البشري يستطيع إدراك نظم مختلفة للترتيب الزماني، ~~النظام الكلاسيكي التسلسلي مجرد واحد منها. # والتوغل بإشكالية الزمان إلى هذا الحد يطرح التناقض بين صورة الكون كما ترسمها ~~الفيزياء في القرن العشرين، وصورة الكون في الخبرة العادية للإنسان في حياته اليومية ~~التي تتفق مع صورة الكون في العلم النيوتني، على أن قوانين الديناميكا الحرارية غير ~~القابلة للارتداد والظواهر التي تعكس اتجاها وترتيبا زمانيا واضحا أبسطها الفيلم ~~السينمائي، وآثار الأقدام على الرمال وقرص العجة الذي لا يمكن أن يعود بيضا ... إلخ، ~~كلها يمكن أن تهب دفاعا عن الزمان غير القابل للارتداد الذي اغتالته النظرية النسبية. ~~وقد تصدى لهذه المشكلة كثيرون، من أبرزهم هانز رايشنباخ الذي أسمى هذه الظواهر أنساقا ~~فرعية: تنشأ عن ظروف أو شروط مبدئية معينة، وليس عن طبيعة الكون الفيزيائي. إنها «أنظمة ~~ثانوية» داخل النظام الكوزمولوجي الكوني الذي لا يعني البتة أن الزمان له اتجاه معين أو ~~ترتيب أوحد، ويمكن أن نأخذ هذه الأنساق الفرعية مأخذا برجماتيا، أي عمليا ~~إجرائيا، ونتصرف على أساسها بغير حاجة للدخول في النظريات الشديدة العمومية كالنظرية ~~النسبية العامة. # 38 # وتقوم النظرية النسبية العامة على أساس تكافؤ كل النظم الإحداثية في وصفها للظواهر ~~الفيزيائية، لذلك فعند أي نقطة في الفضاء ثمة تكافؤ بين الآثار الناتجة عن قوى ~~الجاذبية، وعن الحركة بعجلة، أي بسرعات متغيرة، ولا يمكن التمييز بينهما، # 39 # وحين جعل آينشتين «مبدأ التكافؤ» فرضا أساسيا حل التحدب محل قوى ~~الجاذبية «التثاقل»، حيث نجد الكون مكانا تسري عليه هندسة ريمان - هندسة السطح المحدب. ~~إن الكون مكان محدب ذو شكل كروي، وليس معنى هذا أنه مقفل بنوع من القشرة الكروية، وإنما ~~معناه أن المكان متناه دون أن تكون له حدود، وحيثما كنا نجد على الدوام مكانا لا تبدو ~~نهاية له، وإذا تحركنا قدما في خط مستقيم سوف نعود يوما إلى نقطة بدايتنا من الاتجاه ~~الآخر، وقد قام الرياضيان فريدمان # Friedman ~~، ~~ولوميتر # Lemaitre # بإدخال تعديلات على آراء ~~آينشتين، بحيث أصبحت تقوم على افتراض أن مجموع المكان المتناهي ms188 ليس له حجم ثابت، وإنما ~~هو يتمدد، والرياضيات التفاضلية في النظرية النسبية تسمح بهذا. وعموما فإن تمدد الكون ~~أصبح فرضا فيزيائيا مأخوذا به وتشهد عليه ملاحظات عدة. # 40 # وأهم ما في الأمر أن آينشتين أخذ بهندسة ريمان التي تفترض أن السطح متحدب، في مقابل ~~هندسة إقليدس التي تأخذ بها الفيزياء الكلاسيكية، والتي تفترض أن السطح مستو، وترى ~~النسبية أن الفضاء غير منسجم ولا متشابه ولا متناسق كما يزعم نيوتن مرتكزا على ~~الاطراد، إنما هو يتحدب حول الكتل السابحة فيه، ويزداد تحدبه حول الكتل الكبيرة، فيتحدب ~~حول الشمس أكثر من تحدبه حول الأرض، ويتحدب حول الأرض أكثر من تحدبه حول القمر، وهكذا. ~~وعلينا أن ندرك أنه متحدب هكذا بأبعاده، ورابعها الزمن. # تحدب الفضاء يحل مشاكل عدة عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن حلها، مثبتة بهذا أن هندسة ~~إقليدس بسطحها المستوي لا تصلح تفسيرا لظواهر الكون جميعا، فمثلا، ثمة نقطة في مدار ~~الكوكب تسمى بالحضيض الشمسي، وهي أبعد نقطة في مدار الكوكب عن الشمس، ولا يمر الكوكب ~~في نقطة الحضيض الشمسي نفسها؛ لأن هذه النقطة بدورها تتحرك حول الشمس حركة بطيئة جدا، ~~فالتغير طفيف جدا في مواضع هذه النقطة، وقد لجأ العلماء إلى حسابات دقيقة لتحديدها ~~واضعين في الاعتبار أن دوران الحضيض الشمسي لكل كوكب يتأثر بالكواكب المجاورة له، ~~وقانون جاذبية نيوتن كاف لحساب مقدار تأثير الكواكب. خضعت دورات الحضيض الشمسي كلها ~~للحسابات النيوتنية إلا عطارد - أقرب الكواكب إلى الشمس وأسرعها. وكان اختلاف حضيض ~~عطارد الشمسي لغزا لم يستطع العلماء أن يجدوا له حلا. حضيضه يدور حول الشمس 574 ~~ثالثة كل قرن (إذا قسمنا الدرجة 60 ثانية، كانت الثالثة جزءا من 60 جزء للثانية) لا ~~تستطيع جاذبية نيوتن إلا أن تفسر 531 ثالثة فقط، أما الثلاث والأربعون الباقية فليس ~~لها تفسير بحال. # 41 # وتأتي جاذبية آينشتين الكونية، وهي نتيجة لتحدب الكون الذي يؤدي إلى انحراف ~~الضوء وانحراف الأجسام أيضا، هذا الانحراف يبدو لنا في صورة الجاذبية ويجعل الكوكب ~~بدوره منجذبا حول الشمس، أي إن ms189 حركته تنعطف نحوها، ولولا هذا التأثير لسارت الكواكب في ~~خط مستقيم وفي اتجاه مطرد. وهذا التصور للجاذبية وبالقوانين التي وضعها آينشتين قد حل ~~المشكلة عند تطبيقها على دوران عطارد، وأعطى الجواب الصحيح: 574 ثالثة كل قرن. وكان هذا ~~شاهدا على صحة الفرض الأساسي للنسبية العامة، ودليلا مقنعا نظرا للفارق الكبير ~~الملموس بين الواقع التجريبي ونتائج نيوتن. إنه انتصار للتصور اللاميكانيكي على التصور ~~الميكانيكي وفي عقر داره: الماكروكوزم، أي العالم الأكبر العياني، والتعامل مع الكتل ~~الضخمة. # والواقع أن أول شاهد تجريبي يعزز النظرية النسبية جاء في أثناء كسوف للشمس في 29 مايو ~~العام 1919م، وكان حدثا جللا هز أركان المجتمع العلمي. فعالم الفيزياء النيوتنية هو ~~العالم نفسه الذي يمر به الشخص العادي في خبرته العادية وحياته اليومية - أي عالم الحس ~~المشترك. وبقدر ما ناقض آينشتين مسلمات الفيزياء الكلاسيكية فقد ناقض أيضا عالم الحس ~~المشترك والخبرة اليومية الذي يبدو معقولا أمام الناس أجمعين، وكما أوضحنا، رسمت ~~النسبية أطر كون يصعب تصوره ويبدو لا معقولا، فواجهت النظرية في البداية ردود أفعال ~~قوية وتيارات علمية رافضة، ورآها بعض العلماء تركيبة عبقرية قد نعجب بها، لكن لا ينبغي ~~أخذها مأخذ الجد، فضلا عن الذين رأوها مؤامرة يهودية خبيثة لتقويض دعائم العلم ~~الفيزيائي والنيل من مجده. # حتى كان مايو من العام 1919م الذي سيشهد كسوفا كليا للشمس في منطقة جنوب إفريقيا. ~~والمكان في النظرية النسبية وسط محدب يفرض على الضوء نوعا من الانحراف يمكن حسابه ~~مقدما والتنبؤ به، فيتحدب حول الأجسام الثقيلة كالشمس كما لو كان منجذبا نحوها. ~~بعبارة أخرى، على أساس من مبدأ التكافؤ بين الجاذبية والتحدب، فإن الضوء تجذبه الأجسام ~~الثقيلة كالشمس تماما كما تجذب الكتل المادية، إنها تجذب الضوء جذبا يحرفه عن ~~مساره لو لم تكن هذه الشمس موجودة، ونتيجة لهذا يمكن التنبؤ بأن الضوء المنبعث من نجم ~~في وضع ظاهري قريب من الشمس يصل إلى الأرض من اتجاه يجعل النجم يبدو كما لو كان مائلا ~~قليلا عن الشمس. بعبارة أخرى، نقول: إن ms190 النجوم القريبة من الشمس تبدو كما لو كانت قد ~~تحركت قليلا عن بعضها البعض، وهذا الشيء لا يمكن ملاحظته في الأحوال الطبيعية، ما دامت ~~النجوم حول الشمس غير مرئية في النهار بسبب اللمعان الشديد للشمس، ولكن يمكن تصويرها ~~فوتوغرافيا إبان كسوف الشمس، حيث يحجب القمر ضوء الشمس فتتكشف النجوم حولها. ولو ~~صورنا هذه النجوم في أثناء الليل - أي في أثناء غياب الشمس - يمكن قياس المسافات على ~~الصورتين، وحساب الأثر المتوقع. # وهنا تقدم اللورد آرثر ستانلي ~~إدنجتون # A. S. Eddington # وهو من أعظم علماء الفلك في النصف الأول من القرن العشرين، ~~ويقف في طليعة فيزيائيي النسبية الذين أسهموا في تطويرها وتنقيحها خصوصا في كتابيه ~~«المكان والزمان والجاذبية 1920م»، و«النظرية الرياضية للنسبية 1923م». لقد أجاد ~~استيعاب الآثار العميقة لثورة الفيزياء وتمثل إبستمولوجيا القرن العشرين، فكان فيلسوف ~~علم مرموقا، وإن رآه البعض واقعا في براثن المثالية الذاتية. هذا على الرغم من أن ~~إدنجتون هو الذي اقترح أن نطلق على مبدأ هيزنبرج اسم مبدأ اللاتعين # Indeterminacy # بدلا من اسم مبدأ اللايقين # Uncertainty ~~؛ لأن اللاتعين أكثر موضوعية، أكثر ~~انطباقا على موضوع البحث وليس على الذات العارفة ويقينها أو تشككها. وإدنجتون على أي ~~حال راهب من رهبان المعرفة، لم يتزوج ونذر حياته الهادئة - في جامعة كمبردج - تماما ~~للعلم وفلسفته. تقدم إدنجتون بطلب رسمي بألف جنيه لتمويل حملة علمية إلى جنوب إفريقيا ~~العام 1919م، وذهب لتصوير النجوم في أثناء كسوف الشمس، وذلك لمقارنتها بصورة النجوم في ~~أثناء الليل التي التقطت منذ شهور خلت حين كانت الشمس في الموقع نفسه المرصود من ~~السماء، وتمت المقارنة وحسابات الآثار، وجاءت النتيجة تماما كما تنبأ آينشتين مخالفا ~~بهذا جموع العلماء، # 42 # أبرق إدنجتون إلى آينشتين يزف النتيجة، وبروح الدعابة التي اشتهر بها ~~آينشتين قال: إنه واثق من صحة نظرياته وسلامة تنبؤاته، ولو كانت النتيجة قد جاءت مختلفة ~~لرثي لحال صديقه العزيز آرثر إدنجتون! # هكذا بفضل بعثة إدنجتون اجتازت النظرية النسبية الاختبار التجريبي العسير، وهنا فقط ~~وبعد أعوام من إعلانها، خرجت من ms191 صفحات مجلة «الفيزياء: وقريناتها، ودوائر ثلة من ~~العلماء المتخصصين غير المتعاطفين أحيانا، وأدرك الجميع أنهم بإزاء أثقب نظريات القرن ~~العشرين وواحدة من أخطر المنجزات في تاريخ العلم بأسره. وأصبح آينشتين أشهر علماء القرن ~~العشرين، وتوالت الاختبارات التجريبية التي اجتيزت بنجاح، وفرضت النظرية النسبية نفسها ~~على روح القرن وعلى جميع الأوساط والمستويات الفكرية، وحين انتصف القرن كانت مكتبة ~~نيويورك المركزية تضم أكثر من خمسمائة كتاب عن النظرية النسبية. # وعلى الرغم من أن إسهام الكوانتم في التقدم الفعلي للعلوم الطبيعية في القرن العشرين ~~أثقل وأكثر وأشد عينية من إسهام النسبية، فإن الأخيرة حازت شهرة أكثر في الأوساط ~~الثقافية العامة وأيضا الشعبية، حتى إذا ذكرت ثورة الفيزياء ورد إلى الأذهان اسم ~~آينشتين ونظريته النسبية دونا عن أو قبل اسم ماكس بلانك وزملائه من فرسان الكوانتم ~~العظام، الذين دفعوا العلم الطبيعي دفعته الجبارة في القرن العشرين. على العموم، ~~النظريتان معا هما أساس ثورته الفيزيائية الكبرى وإنجازاته التقانية «التكنولوجية» ~~الباهرة. # وقد أسلم آينشتين الروح رافضا تولي الرئاسة الشرفية لإسرائيل أو حتى الانتقال إليها ~~من مهجره الأمريكي، ويحاول تحقيق أمل العلماء في ضم النظريتين معا في إطار نظرية واحدة ~~للمجال الموحد، بدلا من اثنتين، مثلما ارتكزت الفيزياء الكلاسيكية على نظرية واحدة هي ~~نظرية نيوتن. لم يتمكن آينشتين من إنجاز هذا الأمل، وما زال الشوط طويلا أمامه. وعلى ~~كرسيه المتحرك بالكومبيوتر الشخصي الذي يعوضه العجز عن النطق وعن الحركة، يحاول العبقري ~~الفذ ستيفن هوكنج تحقيق هذا الأمل والجمع بين الكوانتم والنسبية في نظرية واحدة، ربما ~~يتوصل إليها في القرن الحادي والعشرين. # على أن النظرية النسبية حين اتخذت من هندسة ريمان هندسة تطبيقية، بدلا من هندسة ~~إقليدس التي عمل بها نيوتن، جعلت الرياضيات بجلال قدرها وعظيم شأنها تسير في ركاب ~~الثورة، ولا نستطيع أن نتغاضى عن هذا. # ثالثا: الرياضيات في ركاب الثورة # لقد عم المد الثوري وساد تصورات العلم ومفاهيمه واكتسب منتهى الشرعية والمشروعية ~~حين بلغ مداه رحاب السلطة الحكمة وملكة العلوم: الرياضيات، بحيث أصبح التطور المعرفي ~~منذ ms192 بدايات القرن العشرين يسير من كل حدب وصوب في ركاب المتغيرات الثورية. على أن نلاحظ ~~قبلا أن الرياضيات ضرورية، بل هي - بتعبير إميل بوترو - علم الضرورة. إننا إذا سلمنا ~~بالمقدم في القضية الرياضية لا بد بالضرورة أن نسلم بالتالي. لم تكن الرياضيات في أي ~~مرحلة من مراحل تطورها التاريخي أكثر أو أقل من تلك الصورة النهائية للضرورة التي تربط ~~بين طرفي القضية الرياضية من حيث هي قضية رياضية في إطار نسقها المطروح. القضية ~~الرياضية بهذا هي الكيان الوحيد في عالم العلم الذي ينبثق كاملا، أو هي الوليد المعجز ~~الذي يولد ناضجا، وكانت الرياضيات دائما هي النموذج الأمثل للضرورة المنشودة في ~~الاستدلال العقلي واليقين المطلق. # ومع هذا، فإن الرياضيات مجرد بناء عقلي بحت وإنشاء منطقي خالص، لا يلتجئ ولا يحتاج - ~~إن قليلا وإن كثيرا - إلى ذلك الوجود المتعين موضوع الفيزياء وسائر العلوم الإخبارية ~~التجريبية. إن الرياضيات ملكة العلوم والمبحث الصوري الرفيع المترفع عن شهادة الحواس ~~وجزئيات الواقع التي تغوص في لجتها العلوم الإخبارية. بعض الأحداث في خبرتنا العادية، ~~كرؤية سحابة تجتمع بأخرى، فنجد حاصل جمعهما سحابة واحدة وليس اثنتين، قد ينقض قواعد ~~الحساب، وأبسط قواعد الهندسة قد يحتاج إلى عالم هندسي مثالي، وقد لا يصدق على الواقع، ~~ولكن نحن لا نطلب منها أن تصدق عليه، بل فقط أن تكون متسقة مع مقدماتها، وأن تتسق معها ~~نتائجها، وبهذا تكون قواعد علم ناجح، و«كما هو معروف العلم الناجح الصحيح على نطاق واسع ~~جدا، بل وغير محدود، إنما يعمل بقواعد الرياضة». # 43 # على هذا ليس من المفروض إطلاقا على عالم الرياضة البحتة أن يغادر أوراقه وحجرة عمله؛ ~~لينظر إلى الخبرات الواقعية يستمليها أو يستفتيها، ولا حتى عن طريق الرياضة التطبيقية، ~~فكأننا به يقول ملخصا عمله: افترضوا معي هذه المسلمات أو المقدمات، وتعالوا لأريكم ما ~~عساه أن ينتج عنها بواسطة المنهج الاستنباطي الصرف من نظريات، إن صحت فهي ضرورية يقينية ~~يستحيل أن يدانيها سوى اليقين المطلق. # والرياضيات بهذا دونا عن لغات العالمين هي اللغة المنضبطة ms193 والاستدلال الدقيق الذي لا ~~مثيل له في أي شكل آخر من أشكال التفكير؛ لذلك قال كانط إن الرياضيات هي الحظ السعيد ~~للعقل البشري. والواقع أنها فعلا هدية الله الحقيقية للإنسان. # وهي مطردة التقدم شأن كل قاطني عالم العلم، فما بالنا بملكة العلوم! يومها أفضل من ~~الأمس، يسجل العقل فتحا متتاليا لآفاق أوسع وإحرازا متواليا لمنجزات مستجدة. لكن ~~تقدم العلوم الإخبارية التجريبية يلغي المراحل السابقة من تاريخ العلم، فينسخ الجديد ~~القديم، يكشف عن مواطن كذب فيه وأحيانا يبلغ هذا حد اكتشاف مواطن للخطل واللامعقولية. ~~أما في الرياضيات فقد تستوعب المناهج المتطورة المشاكل القديمة وتقدم طرقا أبسط وأعمق ~~لمعالجتها، فضلا عن فتح آفاق أوسع، لكن ما دامت ثبتت صحة قضية رياضية في إطار نسقها؛ ~~أي ما دام ثبت الارتباط بين المقدم والتالي فيها، فسوف تظل صحيحة إلى أبد الآبدين ~~وتتمتع القضية الرياضية داخل نسقها بثبات صدق وضرورة منطقية تميزها عن قضايا العلوم ~~التجريبية، ومهما علت الرياضيات في مدارج التقدم لن تسخر من براهين القدامى في العهود ~~السحيقة أو تكتشف خطأها فجأة، كما يحدث في العلوم الأخرى. ما زال آينشتين منبهرا ~~بنظرية فيثاغورث الموضوعة قبل الميلاد بقرون ويعمل على أساسها، وما زالت هندسة إقليدس ~~نموذجا لبناء النسق الهندسي، وقد وضعها في مصر في العصر البطلمي، في الإسكندرية في ~~أثناء القرن الثالث قبل الميلاد. إن القضية الرياضية إذا كذبت كانت متناقضة ذاتيا، ~~وإذا صدقت كانت ضرورية الصدق، وكذبها مستحيل إطلاقا في أي ظروف وشروط «2 + 2 = 4» لا ~~ترتبط بأي شروط زمانية أو مكانية، بل تصدق دائما وأبدا ما دمنا متفقين على معان محددة ~~للرموز: 2، 4، الجمع، التساوي، وسائر حدود نسقها الرياضي. وبالمثل إنكار أن المثلث شكل ~~محاط بثلاثة أضلاع يعني إنكار أن يكون المثلث مثلثا! # وإذا كان هذا هو حال الرياضيات، فكيف بلغها المد الثوري؟ # لقلد تلمسناه حين رأينا آينشتين يستبدل بالهندسة الإقليدية هندسة لا إقليدية للكون هي ~~هندسة ريمان، فأدركنا فقط في القرن العشرين أن تطبيق الإقليدية على الكون مسألة تعسفية ~~إن لم تكن ms194 قاصرة. أما فيما سبق، فقط كانت هندسة إقليدس هي الأنموذج الأعظم لليقين، بكل ~~معاني اليقين ودلالاته، الإبستمولوجية والأنطولوجية وما قبلهما وما بعدهما، حتى إن ~~القديس توما الإكويني # Thomas Acquinace ~~(1225-1274م) ~~قد شغلته قضية مهمة هي: ما الذي يكون فوق إرادة الله؟ فوضع إجابة تتضمن بضعة أشياء، ~~منها: أن الله لا يستطيع أن يجعل مجموع زوايا المثلث أقل من قائمتين! فقد كان الجميع - ~~فلاسفة وعلماء ومثقفون وعوام - شأنهم شأن إيفان كرامازوف بطل رائعة دستويفسكي «الإخوة ~~الأعداء» على يقين من أن الله قد خلق العالم بموجب الهندسة الإقليدية. # فليس غريبا أن تطرح النيونية كل تلك الحتمية واليقين وهي تقوم بتطبيق الهندسة ~~الإقليدية على الواقع الفيزيائي أو على الكون. ولأن هندسة إقليدس كانت آنذاك هي الهندسة ~~الوحيدة التي لا هندسة سواها - ولا حتى تصورا - كانت بمنأى عن كل جدال، «ولم تكن هناك ~~مشكلة متعلقة بهندسة المكان الفيزيائي، وكان من الطبيعي أن تعد الهندسة الإقليدية ~~منطبقة على المكان الفيزيائي لعدم وجود هندسة أخرى. وقد كان الفضل يرجع إلى كانط في أنه ~~أكد أكثر من غيره على تطابق الهندسة الرياضية مع الهندسة الفيزيائية». # 44 # لكن تماما كما أثارت الفيزياء الكلاسيكية مشاكل أدت إلى الخروج من عالمها ~~الميكانيكي، أثار نسق الهندسة الإقليدية مشاكل أدت إلى الخروج منه إلى أنساق هندسية ~~أخرى، وهي المشاكل الخاصة بالمسلمة الخامسة. # فالنسق الهندسي يقوم على مقدمات أساسية، هي تعريفات للحدود الهندسية المستخدمة، ثم ~~قضايا نسلم بها بلا برهان، يحددها العالم فنسلم بها معه ما دام رآها ضرورية لبناء النسق ~~بشرط أن تكون متسقة فيما بينها وكافية للبرهنة على نظريات النسق، وأيضا لا بد أن تكون ~~كل مسلمة مستقلة بذاتها فلا يمكن استنتاجها أو استنباطها من القضايا الأخرى المسلم بها؛ ~~لأنه لو أمكن استنباطها لكانت نظرية مبرهنة وليست مسلمة. من هذه المقدمات، وعن طريق ~~الوسائل المنطقية وقواعد الاستدلال، تستنبط النظريات أو المبرهنات. النظرية الرياضية ~~مبرهنة # theorem # وليست مجرد نظرية # theory # مطروحة؛ فقد برهن عليها، وتم إثباتها بناء على ~~المقدمات. وبهذه العناصر الثلاثة ms195 - المقدمات والقواعد المنطقية والمبرهنات - يكتمل بناء ~~النسق الصوري. # والواقع أن المعلم الأول أرسطو قد أرسى هذه الأسس الباقية، حين ميز في كتابه ~~«التحليلات الثانية» بين المبادئ المشتركة لكل العلوم (وهي قوانين الفكر الأساسية: ~~قانون الهوية، أي «أ» هي «أ»، وقانون عدم التناقض، وقانون الثالث المرفوع أو الوسط ~~الممتنع، أي إن الشيء إما «أ» وإما لا «أ»، ولا وسط، أي: لا طرف ثالث) وبين المبادئ ~~الخاصة بكل علم على حدة. والمبادئ الخاصة بالرياضيات هي أولا التعريفات للحدود ~~المستعملة، وثانيا البديهيات وهي قضايا واضحة بذاتها، وتعد صادقة عند كل من يفهم ~~معناها بغير حاجة إلى برهان، وثالثا المسلمات التي نصادر عليها كي تؤسس العلم وتقيم ~~البرهان، وقد لا تكون واضحة لكنها تتضح فيما بعد. وبهذا التحليل غير المسبوق كان أرسطو ~~يرسي على أساس منهجي ومنطقي مقنن حجر الزاوية للتعاون بين الرياضيات والفلسفة - والذي ~~لن تنفصم عراه بعد ذلك أبدا - مثلما يرسي أسس نسق الهندسة. لكن أرسطو لم يتجاوز حد ~~التأسيس، ولم يقم نسقا رياضيا، # 45 # على الرغم من أن جهوده الرياضية تمتد إلى محاولة إثبات بعض المبرهنات، مثل ~~مبرهنة تساوي الزاويتين المقابلتين للساقين المتساويين في المثلث. # 46 # على أية حال، جاء إقليدس المعاصر تقريبا لأرسطو ليقوم بتطبيق ذلك التحليل الأرسطي في ~~إقامة نسقه. لم يضف إقليدس كثيرا للجهود السابقة عليه، لكنه فعل ما هو أهم: الربط ~~المنطقي بينها ربطا بلغ حدا جعله مثالا يحتذى للمنهج الرياضي الاستنباطي طوال ~~ألفين من السنين، عالج إقليدس كل الرياضيات المعروفة في عصره: الهندسة والحساب ونظرية ~~الأعداد، وأودعها كتابه «الأصول». ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة عشر كتابا أو فصلا، ~~الستة الأولى منها تشكل نسقا متكاملا لهندسة السطح المستوي، وكان أول ما فعله إقليدس ~~هو وضع تعريفات من قبيل: النقطة هي ما ليس له أجزاء وليس له حجم، والخط طول بغير عرض ... ~~إلخ، فيستهل الكتاب الأول بخمسة وثلاثين تعريفا، بخلاف التعريفات المطروحة في صدر كل ~~كتاب من الكتب الخمسة التالية، # 47 # وأيضا وضع إقليدس في مقدمة الكتاب الأول ms196 من الأصول اثنتي عشرة بديهية ~~بخلاف بديهيات مطروحة في كتب أخرى، من قبيل: الكل أكبر من جزئه، والمقدران المساويان ~~لثالث متساويان ... إلخ، واكتملت مقدمات إقليدس بخمس مسلمات من قبيل: يمكن رسم خط مستقيم ~~بين أي نقطتين ويمكن مده إلى أي طول نشاء ... ومن هذه المقدمات - أي التعريفات والبديهيات ~~والمسلمات - أقام البرهان على نظرياته العدة التي كانت جميعها مناط الإكبار ~~والإعجاب. # وكما ذكرنا أتت المشاكل من المسلمة الخامسة وهي مسلمة الخطين المتوازيين، وأبسط ~~صورها: الخطان المتوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، أو: من نقطة خارج مستقيم معلوم لا ~~يمكن رسم إلا مستقيم واحد يوازيه. فقد شك الرياضيون - ومن بينهم نصير الدين الطوسي ~~والحسن بن الهيثم - في كونها مسلمة، وراودهم الاعتقاد بأنها يمكن أن تكون نظرية مبرهنة ~~نثبتها، فحاولوا إثباتها باستخدام المسلمات الأخرى، ولم ينجح أحد في إثباتها، وبعضهم ~~أسلمته هذه المسلمة للجنون. # وبصفة عامة يمكن القول: إن البراهين المباشرة تعرب عن فشلها للوهلة الأولى، فلم يكن ~~أمام الرياضيين إلا برهان الخلف وهو منهاج أثير لديهم، يعني إثبات صدق القضية عن طريق ~~إثبات كذب نقيضها أو عكسها، فإذا أثبت كذب (لا «أ») فمعنى هذا أننا أثبتنا أن («أ» ~~صادقة)، وبالتالي إذا أثبت الرياضيون خطأ أو كذب القضية: الخطان المتوازيان يلتقيان، ~~كان هذا إثباتا لصدق القضية القائلة إنهما لا يلتقيان مهما امتدا، أي تلك المسلمة ~~المذكورة. # ولكي يفترضوا عكسها، أي إمكان التقاء المتوازيين، افترضوا أن السطح غير مستو، أي غير ~~إقليدي، ومن هنا أدت المسلمة الخامسة إلى الهندسات اللاإقليدية، وهي الأنساق الهندسية ~~التي تختلف عن نسق إقليدس من حيث إنها لا تفترض أن السطح مستو، فلا تسلم بمسلماته، بل ~~بمسلمات مختلفة. # وكان العالم الإيطالي جيرولامو ساكشيري # G. Saccheri # قد أحرز بعض النجاح في الكفاح اليائس ضد المسلمة الخامسة، لكنه لم يصب الهدف، شأن جميع ~~سابقيه ومعاصريه من الرياضيين. ثم جاء الألماني يوهان ~~لامبرت # J. H. Lambert ~~(1667-1733م) من دون أن يعرف شيئا عن أعمال ساكشيري واستخدم ~~شكلا رباعيا مختلفا نوعا ما، به أربع زوايا، ms197 ثلاث منها قائمة والرابعة إما أن تكون ~~حادة، وإما أن تكون قائمة أو منفرجة. أما الحادة فقد حار فيها لامبرت - كما حار من قبله ~~ساكشيري - وبين أن فرضية الزاوية القائمة تكافئ مسلمة إقليدس، ودحض - كما فعل ساكشيري - ~~فرضية الزاوية المنفرجة، ولكن لامبرت زاد فبين أنها لا يمكن أن تتحقق إلا على سطح كرة، ~~إذا ما قامت الخطوط المنحنية لدائرة كبيرة بدور الخطوط المستقيمة، فكان لامبرت - بهذا - ~~المبشر الأول بالهندسة اللاإقليدية. # 48 # وبعد حوالي عشرين عاما من وفاة كانط، أي العام، 1824م، اكتشف رياضي مجري شاب هو ~~جون بولياي # J. Bolyait ~~(1802-1860م) أن مسلمة ~~التوازي ليست عنصرا ضروريا، فشيد هندسة تخلى فيها عنها، وأحل محلها مسلمة جديدة هي ~~القائلة: إن هناك أكثر من مواز واحد لمستقيم معين من نقطة معينة، وفي هذا الوقت كانت ~~فكرة الهندسة اللاإقليدية قد تراءت بوضوح في ذهن العالم الألماني الفذ كارل جاوس # K. F. Gauss ~~، بل إنه قام بمحاولة لقياس مجموع زوايا ~~المثلث اللاإقليدية في الطبيعة، بيد أنه لم يكسب أفكاره أي شكل متكامل، ولم ينشر ~~أعماله، واقتصر على الرسائل الخاصة، وكتب في إحداها يقول: # إنني أميل أكثر فأكثر إلى الاقتناع بأنه لا يمكن إثبات ضرورة علم الهندسة بشكل ~~دقيق، على أي حال يستحيل ذلك بالعقل البشري وللعقل البشري. # 49 # وكان يعني بهذا أن الهندسة الإقليدية على قدم المساواة مع الهندسة اللا ~~إقليدية، كلتاهما خاضعة لعدم التناقض، معيار الرياضة البحتة، ولا ضرورة ~~لإحداهما من دون الأخرى. # هكذا شهد الثلث الأول من القرن التاسع عشر بدايات ثورة في عالم الرياضيات، حين أصبحت ~~ضرورة انطباق الرياضيات على الواقع لأول مرة محل أخذ ورد، وظهر نسق للهندسة اللا ~~إقليدية مع العالم الروسي نيكولاي نوفتش لوباتشيفسكي (1792-1856م)، المعاصر لبولياي ~~وجاوس، فقد نشر العام 1829م في جامعته قازان مذكراته حول مبادئ الهندسة، وكان هذا أول ~~عرض منهجي مكتمل لهندسة لا إقليدية، ترفض مسلمة التوازي، فتفرض أن السطح ليس مستويا بل ~~مقعرا. # ثم جاء الألماني ريمان # E. Riemann ~~(1826-1866م) ~~ليفترض أن السطح ms198 محدب، ووضع نسق هندسة لا إقليدية لا توجد فيه أي خطوط متوزاية على ~~الإطلاق. # هكذا أدركنا أن الله يمكن أن يخلق مثلثات زواياها أكثر أو أقل من قائمتين، وأن ما ~~قاله إقليدس محض بناء عقلي معجز، وليس ضربة لازب مفروضة على الله قبل الإنسان! # هاتان الهندستان: هندسة لوباتشيفسكي بسطحها المقعر وهندسة ريمان بسطحها المحدب، ~~تناقضان الهندسة الإقليدية بسطحها المستوي، ومع ذلك فكل منهما لا تنطوي على أي تناقض ~~داخلي، وإنما هي نظام متسق بالمعنى نفسه الذي تكون به هندسة إقليدس متسقة، وعن طريق ~~معادلات تحويل مناسبة أثبت كلين # Klein ~~، وكايلي # Cayley ~~، ووايتهد أن كل قضية في هندسة إقليدس تناظرها ~~قضية في هندسة ريمان، وتناظرهما ثالثة في هندسة لوباتشيفسكي، فإذا كان ثمة خلل أو عدم ~~اتساق في أي من هاتيك الأنساق الثلاثة فلا بد أن يكون الأمر هكذا في الباقيتين. والآن ~~أي من هذه الأنساق هو الحقيقة؟ هذا سؤال لا تثيره الرياضة البحتة، الثلاثة في نظرها ~~متساوية، كل منها صحيح ما دام متسقا مع البديهيات، أو بالأصح المقدمات التي بدأت منها، ~~وانطباق أي منها على الطبيعة مسألة فيزيائية وليست رياضية. # 50 # وكان يمكن أن تظل هذه الثورة على المستوى الخالص، مستوى الرياضيات البحتة التي تبلورت ~~وتميزت فقط في القرن التاسع عشر بفعل عوامل أهمها ظهور هذه الهندسات اللاإقليدية، وكما ~~يقول دافيد هيلبرت، لرياضيات البحتة غير ذات صلة إطلاقا بالرياضيات التطبيقية والهندسة ~~الفيزيائية! إنها لا تصبح تطبيقية إلا بعد اتباع طرق رياضية خاصة، أما الرياضيات البحتة ~~في حد ذاتها فلا تلتزم إطلاقا بأي متعينات أنطولوجية - أي وجودية. لذلك أمكن ~~للكلاسيكيين في البداية الحكم بأن هذه الهندسات تعبر عن عبقرية رياضية لا أكثر، أو أنها ~~إنجاز عقلي فحسب، فتبقى إبستمولوجيتهم مصونة، أي يبقى عالمهم حتميا ميكانيكيا ويبقى ~~علمهم يقينيا قطعيا ضروريا، ولوباتشيفسكي نفسه كان يميل إلى الاعتقاد بأنه تحقق ~~في عالمنا الهندسة الإقليدية. # ولكننا ذكرنا أن جاوس حاول أن يثبت قابلية الهندسة اللاإقليدية للتطبيق التجريبي على ~~العالم الفيزيائي، وبفضل جهود جاوس وغيره نشأت ms199 عن هذه الهندسات المتعددة مشكلة هندسة ~~العالم الفيزيائي، فأيتها هندسته؟ وقد أدى هذا إلى مآزق، كان المخرج القوي منها ~~إجرائيا بحتا وهو: أن ننظر إلى مسألة التطابق بين النسق الهندسي والعالم الفيزيائي ~~لا على أنها مسألة ملاحظة تجريبية، بل مسألة تعريف، فينبغي ألا نقول: إن القضيبين ~~الموضوعين في مكانين مختلفين هما بالفعل متساويان، إنما الواجب أن نقول: إننا نسميهما ~~قضيبين متساويين، ويسمى هذا النوع من التعريفات بالتعريفات ~~الإحداثية # Coordinative ~~Definition # وهي تربط أو تكون إحداثيا بين موضوع كالقضيب الصلب، وبين ~~تصور الطول المتساوي. وعلى هذا فإن القضايا المتعلقة بهندسة العالم الفيزيائي لا يكون ~~لها معنى إلا بعد وضع تعريف إحداثي للتطابق، فإذا غيرنا التعريف الإحداثي للتطابق، نتجت ~~هندسة جديدة، وهذه الحقيقة يطلق عليها اسم نسبية الهندسة، وهي تدل على أنه لا يوجد وصف ~~هندسي واحد للعالم الفيزيائي، وإنما توجد فئة من الأوصاف المتكافئة، وكل من هذه الأوصاف ~~صحيح داخل نسقه، أما الفروق الظاهرة بينها فلا تتعلق بمضمونها، وإنما باللغة التي تصاغ ~~فيها فحسب. # 51 # والحق أن هذا التفسير الإجرائي بشكل عام هو أساس مدرسة مهمة من مدارس الاتجاه الأداتي ~~في فلسفة العلم سنتوقف عندها في نهاية الفصل التالي، وهي المدرسة الإجرائية التي تعمم ~~هذا التصور على كل المفاهيم العلمية. # المهم الآن أن نلاحظ كيف أن وجود أنساق هندسية تناقض بعضها، وإمكان تطبيق أكثر من نسق ~~واحد وطبيعة هذا التطبيق نفسه «التعريفات الإحداثية»، كل هذا ينهار معه، بل يستحيل معه، ~~مد الضرورة المنطقية الرياضية إلى ضرورة أنطولوجية تتخذ صورة الحتمية الميكانيكية، ~~فضلا عن إقامتها على الأساس الإقليدي. فلم تعد الخاصة الأولية للهندسة الإقليدية ~~مسلما بها، وأوضح بناء الهندسات اللاإقليدية إمكان الاتساق التصوري لمسلمات إقليدس ~~التي كانت تبدو مبرهنة حدسيا. إنها حرمت الهندسة الإقليدية من صفة الضرورة، طبعا ~~الهندسة الإقليدية صحيحة، ولم يختلف أحد على صحتها، الاختلاف فقط في تبرير هذه الصحة ~~وفي تأويلها الإبستمولوجي؛ # 52 # أي في محاولة اشتقاق ضرورة أنطولوجية من تطبيقها. # ثم جاء آينشتين وأثبت القصور في محاولة تطبيق ms200 الهندسة الإقليدية على العالم، فوضع ~~المسمار الأخير في نعش الحجة الرياضية الإقليدية للتصور الميكانيكي الكلاسيكي للكون، ~~حين جعل من هندسة ريمان الهندسة الفيزيائية، أي هندسة الكون الذي نحيا فيه. وكان ~~آينشتين يعتبر هذا أعظم إنجازاته، فحين سأله ولده عن سبب شهرته الفائقة، أجابه: «أتعلم ~~يا ولدي، عندما يزحف صرصور أعمى على سطح كرة فإنه لا يلاحظ أن الطريق الذي سار فيه ~~منحن، بينما أنا بالعكس أسعدني الحظ أن ألاحظ ذلك!» # 53 # أفلا يعني هذا أن الكلاسيكيين حين استمدوا من إقليدية النيوتنية سندا لإبستمولوجيتهم ~~الحتمية كانوا صراصير عميانا؟! # ومن ناحية ثانية، شهد رحاب الرياضيات على مشارف القرن العشرين منجزات أخرى تعد من ~~المنظور الفلسفي ثورة وعلى مستوى آخر أعمق غورا وأكثر أولية، مستوى المنطق الرياضي، ~~إنها ثورة المنطق الرياضي أو ثورة الرياضة المنطقية مع رسل ووايتهد اللذين رأيا - بخلاف ~~جبر المنطق مع جورج بول، أي رد المنطق إلى الرياضة - رأيا أن الرياضيات هي التي ترد ~~بأكملها إلى المنطق، خاصة بعد تحسيب الرياضيات، أي ردها إلى علم الحساب على يد فريجه، ~~ورد علم الحساب إلى مفهوم العدد على يد بيانو، ورد العدد إلى المنطق على يد برتراند ~~رسل، الأمر الذي جعل رسل يعبر عن العلاقة بين المنطق والرياضة بقوله الشهير إنهما لا ~~يختلفان، إلا كما يختلف الصبي عن الرجل، فالمنطق هو صبا الرياضيات، والرياضة هي رجولة ~~المنطق. # ثم أخرج رسل ووايتهد معا كتابهما العظيم «برنكبيا ماتيماتيكا» أي «أصول الرياضيات» ~~العام 1910-1913م ليبدآ فيه بثلاثة لا معرفات هي الإثبات والنفي والبدائل، ومنها فقط ~~تمكنا بواسطة التدوين الرمزي من استنباط قواعد المنطق الصوري بأسرها. وهذا التناول ~~التحليلي للرياضة أثبت أنها مثلها مثل المنطق، قضايا تحليلية فارغة من أي مضمون، وأصبح ~~مبرهنا أن الرياضة بأسرها لا تعني إلا اشتقاق النتائج الضرورية التي تلزم عن مقدمات ~~معينة، ومقدمات الرياضة البحتة بأسرها ليست إلا قواعد للاستدلال، إنها تحصيلات حاصل، ~~المقدم هو ذاته التالي، لكن في صورة أخرى ولا إضافة البتة؛ لذلك يستحيل أن تقبل الكذب ~~أو أن ms201 تتعرض للتكذيب، إنها يقينية؛ لأنها لا تمثل إلا ارتباطات جديدة بين مفاهيم معروفة ~~وتبعا لقواعد معروفة. # وهذا الكشف عن الطبيعة التحليلية للرياضيات، حل كثيرا من الألغاز المستعصية، فمثلا ~~يمكن أن نفهم الآن كيف فقدت الإقليدية أي ضرورة أنطولوجية، بل إبستمولوجية، بينما ظلت ~~محتفظة بالضرورة المنطقية، فتبقى إلى أبد الآبدين صحيحة؛ وذلك لأنها محض تحصيلات حاصل ~~تربط الضرورة المنطقية بين طرفيها، فإذا سلمنا بالمقدم وهو البديهيات والمسلمات وجب أن ~~نسلم بالتالي، وهو النظريات أو المبرهنات في إطار النسق الإقليدي. لقد أدرك الجميع أن ~~الهندسة ليست أكثر من لعبة منطقية إلى حد معين، وكل ما يعرفه عنها عالم الرياضيات هو ~~البديهيات، أي قواعد اللعب، المستقيم والنقطة والسطح المستوي ... هي بيادق هذه اللعبة، ~~وقواعد المنطق هي قواعد اللعب بهذه البيادق. # 54 # أقر الرياضيون أن النسق الهندسي قد بني وفقا لمتواضعات # conventions ~~. إنها تمثل صيغا فارغة، لا تتضمن أي ~~عبارات حول العالم الفيزيقي، اختيرت على أسس صورية محضة، ويمكن أن تحل محل الصيغ ~~الإقليدية صيغا لا إقليدية، وبهذا اكتشف الرياضياتي أن ما كان يستطيع إثباته لا يعدو ~~أن يكون نسقا من علاقات اللزوم الرياضية، أي علاقات «إذا كان ... فإن» التي تؤدي من ~~البديهيات إلى النظريات الهندسية، وأصبحت الهندسة الرياضية بدورها مجرد حقيقة ~~تحليلية. # وحل أيضا اللغز المتمثل في أن الخاصة المميزة للفيزياء هي أنها مطروحة في حدود ~~المعادلات الرياضية، وبينما تظل المعادلات الرياضية البحتة يقينية، فإن المعادلات ~~الفيزيائية الرياضية محض احتمالية، خصوصا كما يؤكد عالم الكوانتم، والحل بات واضحا، ~~فصدق القضايا الرياضية يعتمد على العلاقات الداخلية بين حدودها وأطرافها داخل نسقها، ~~أما صدق القضايا الفيزيائية - من الناحية الأخرى - فيعتمد على علاقتها بشيء ما خارجي، ~~مرتبط بالخبرة. إن التمييز راجع إلى اختلاف موضوعات العلمين، واختلاف الخاصة المنطقية ~~لكليهما: الرياضة تحليلية والفيزياء تركيبية، وموضوعات الفيزياء لا يمكن أن تتحدد ~~ببديهيات ومسلمات؛ لأنها شيء من العالم الواقعي التجريبي، وليست في العالم المنطقي ~~للرياضيات، ومهما درسنا الفيزياء في سمتها الرياضية، فستظل دوما في حاجة إلى إثبات صدق ~~معادلاتها ms202 على الواقع، وهذه العلاقة تختلف بالمرة عن الاتساق الداخلي للرياضيات؛ # 55 # لذا تظل الفيزياء رياضية بغير أن تستطيع الزعم بيقين الرياضيات. # وعلى الرغم من أنه ليس ثمة نتيجة منطقية حظيت بالقبول الذي حظيت به إثباتات الطبيعة ~~التحليلية للرياضيات؛ لأنه ليس ثمة نتيجة منطقية كانت دامغة ومثمرة مثلها، فإنها لم ~~تنج من الاعتراض، شأن كل قضية كبرى مترامية الأطراف، يصعب أن يصدق عليها ~~الجميع. # فهذا التوحيد بين الرياضة والمنطق يقابله اعتراض، يشترك فيه العقلانيون والتجريبيون، ~~مؤداه أنه ليس ثمة شيء جديد في نتيجة الحجة المنطقية لم يكن متضمنا في المقدمات، ~~فالمنطق بأسره يتكون من التقرير «أ هي أ» وعلى هذا؛ فإن كانت الرياضيات منتجة حقا فهي ~~لا يمكن أن تكون محض منطقية، بعبارة أخرى، الزعم المنطقي التحليلي للرياضيات يفشل في ~~تفسير الجدة # Novelty # وهي حادثة بلا مراء في الرياضيات، ~~غير أن هذا الاعتراض - كما يخبرنا موريس كوهين - لا يعدو أن يكون سوء استعمال للألفاظ، ~~فما الذي نعنيه حين نسأل: هل نتيجة الحجة الاستنباطية محتواة # containing # في المقدمات؟ إننا بالطبع لا نعني ما نعنيه نفسه حين نقول: إن ~~الأشياء محتواة في الحجرة، والمعنى الوحيد الملائم الذي نعزوه إلى علاقة الاحتواء بين ~~المقدمات والنتيجة هو معنى التضمن المنطقي، أي اللزوم # logical ~~Implication ~~، الذي يجعل التالي يلزم بالضرورة عن المقدم. من هذه ~~الزاوية يصبح التمسك بأن الاستنباط يفضي إلى قضايا متضمنة في المقدمات واضحا تماما، ~~ونحن لسنا على وعي بكل النتائج المتضمنة في افتراضاتنا، وهذه واقعة أساسية في الخبرة ~~الإنسانية، ومن ثم فإن اكتشاف ودراسات تلك التضمينات، يجب أن يشغل نطاقا واسعا من ~~البحث عن الحقيقة، # 56 # فتظل الرياضيات مجالا لإنجازات مستجدة. # ويبدو أن مثل هذا الاعتراض - الذي عرف كوهين كيف يرده - من الآثار التي خلفها منطق ~~أرسطو، ولو تخلصنا من هذا ولفتنا الأنظار شطر المنطق الحديث - الذي سنتوقف عنده تفصيلا ~~في الفصل القادم، والذي أنجب هذا الكشف التحليلي العظيم للرياضيات - لأدركنا أنه حتى ~~القضية «أ» هي «أ» يمكن أن تكون نتيجة مثبتة وليست ms203 بديهية؛ فقد كانت هكذا في نسق دوال ~~الصدق التكرارية الذي وضعه رسل، # 57 # إن هذا المنطق الحديث منطق علاقات، والرياضيات - بأسرها، وبكل جديتها ~~وجدتها - إثبات لعلاقات بين رموز، أو علاقات بين أطراف معادلات؛ هكذا نستطيع أن نسلم ~~بأن الرياضيات بأسرها ليست إلا محصلات منطقية ونتيجة للمنطق. # إن الرياضة محض أداة ولغة فحسب، وليس ثمة لغة أخرى غير الرياضة يمكن أن تصف ظواهر ~~الكون، بمثل هذا الكمال والبساطة والمواءمة والدقة. كانت الرياضيات، منذ أفلاطون وحتى ~~كانط، تعد نسقا من قوانين العقل، يتحكم في العالم التجريبي، واتضح الآن أن الرياضة ~~ليست هكذا، وأنها لا تقيم قوانين للعالم الفيزيائي، إنما تقتصر على صياغة علاقات فارغة ~~تسري على كل عالم ممكن. وعلى المعنيين بالأمر استغلالها أو تطبيقها للتعبير عن عالمنا ~~المتعين، دون أن يعني هذا سحب الضرورة الرياضية على قوانين العالم الفيزيائي. # لقد أثبتت الخاصة التحليلية للرياضيات، وأنها فارغة من المضمون الإخباري بفضل المنطق ~~الرياضي وأقطابه العظام: بيانو وجوتلوب فريجه، ثم رسل ووايتهد وكتابهما العمدة «برنكبيا ~~ماتيماتيكا» الذي ينبغي أن نعده من المعالم البارزة للقرن العشرين. وبطبيعة الحال، ~~عينت بعض المآخذ والقصورات فيه، وخضعت بعض الجوانب لتعديلات وتنقيحات، فظل طوال القرن ~~العشرين وحتى الآن فاعلا ومتطورا، بجهود أنصاره وخصومه معا. # لقد كان تأثير «برنكبيا ماتيماتيكا» في تطور العقل إبان القرن العشرين أكثر جذرية ~~وخطورة، ربما أكثر مما تصور برتراند رسل نفسه. وفي العام 1931م أخرج كورت جودل # K. Gdel ~~(1906-1978م) بحثا بعنوان «حول قضايا غير ~~قابلة للبت صوريا في برنكبيا ماتيماتيكا ومنظومات ذات صلة»، صحيح أن رسل أعلن بعد هذا ~~بسبع سنوات أنه لا يرى ما يدعو لتعديل الأطروحة الأساسية للكتاب وهي أن المنطق ~~والرياضيات متطابقان، إلا أن بحث جودل المذكور حمل تخطيطيا لنظريته في مبرهنتين نالتا ~~حقا من بهاء اليقين الرياضي حين أثبت أنه لا اكتمالا في الأنساق الرياضية. وتعد ~~«نظرية جودل» بدورها من معالم تطور العقل الصوري في القرن العشرين. # برهن جودل في نظريته على أنه في أي نسق صوري يقوم على ms204 سلسلة الأعداد الطبيعية التي ~~تبدأ من الصفر، توجد قضية أو صياغة # formula # لا يمكن ~~إثباتها ولا إثبات نفيها، أي غير قابلة للبت أو الحسم صوريا، وينتج عن هذا مبرهنة ~~جودل الثانية التي تبرهن على أنه لا يمكن إثبات اتساق النسق الصوري ببرهان من داخله، ~~الإثبات الذاتي للاتساق يقتضي توافر خصائص جوهرية لا يتمتع بها النسق الصوري الملائم ~~لسلسلة الأعداد الطبيعية، وهذا يعني لا اكتمالا في النسق الصوري؛ لذلك تعرف مبرهنتا ~~جودل أو نظريته باسم «نظرية اللااكتمال»، وكان لها بدورها تأثير بالغ في القرن العشرين. ~~فقد اشترط جودل صفات جوهرية أخرى في النسق لكي يكون متكملا ومتسقا ذاتيا، منها أن ~~تكون مسلماته قابلة للميكنة، وقدم جودل العام 1934م تعريفا فنيا واسعا لمفهوم ~~الميكنة، فقام آلان ~~تورنج # A. M. Turing # العام 1936م بتصميم ماكينات نظرية معروفة باسمه، تمثل تعريف ~~جودل الأوسع لمفهوم الميكنة. وفي الأربعينيات نجح جون فون نيومان # J. Von Newmann ~~(1903-1957م) وآخرون في تجسيد ماكينات تورنج فعليا ~~باستخدام دوائر كهربائية، ومن هنا كانت نشأة الكومبيوتر، # 58 # فهل كان انهيار اليقين الرياضي مثمرا إلى كل هذا الحد؟! فقد تبدل وضعه ~~تماما بعد نظرية كورت جودل في اللااكتمال. # لحق اليقين الرياضي بثوابت أخرى في الإبستمولوجيا العلمية، اهتزت أركانها أو تبدل ~~وضعها بعد ثورتي الكوانتم والنسبية، والمحصلة أن إبستمولوجيا العلم - أي نظرية المعرفة ~~العلمية - في القرن العشرين أصبحت مختلفة تماما عن إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي، ~~وعلينا الآن أن نرسم ملامحها، كخلفية عامة لفلسفة العلم في القرن العشرين، من حيث هي ~~خلفية عامة لمعدلات تقدم علمي غير مسبوقة. # رابعا: إبستمولوجيا العلم في القرن العشرين # اتضح الآن مدى خصوبة المنجزات العلمية التي ارتهنت بإشراقة القرن العشرين وتوالت ~~قدما في الثلث الأول منه، فكانت حقبة فريدة في توهجها، وتعد من أخصب وأروع الحقب في ~~تاريخ العلم وفي ملحمة العقل البشري بأسرها. لم تكن هذه المنجزات مجرد إضافات تتراكم ~~فوق ما سبق، بل هي تقويض لدعائم ارتكز عليها العلم ثلاثة قرون أو يزيد، وشق لطريق جديد، ~~فحق اعتبار ms205 ثورة الكوانتم والنسبية من أعظم الثورات التي أحرزها الإنسان وخطوة تقدمية ~~جريئة وواسعة. ببساطة، بعدها لم يعد العلم الحديث «حديثا»! بل أصبح ينعت بمصطلح ~~«العلم الكلاسيكي»، والحداثة الحقيقية أو ما بعد الحداثة إنما هي في القرن العشرين. ~~الفيزياء الحديثة # Modern # الآن هي فيزياء القرن ~~العشرين، فيزياء الكوانتم والنسبية ونواتجهما التي تلت. # لقد كشفت قصورا في تصورات الكلاسيكيين العينية لمفاهيم الكتلة والسرعة والأبعاد ~~الثلاثة الثابتة والجامعة المانعة، وفي مطلب الدقة المتناهية في تحديد موضع وسرعة كل ~~جسم والتنبؤ بتفاصيل حركته. على الإجمال اتضحت سذاجة تصورهم لعالم فيزيقي يمكن وصفه ~~بدقة متناهية، إن لم يكن بواسطة علماء اليوم فعن طريق علماء الغد، وهو المشروع الذي ~~طرحه فرنسيس بيكون منذ البداية. وكما يقول لويس دي بروي: «لقد ظنوا أن أية حركة أو تغير ~~يجب تصويره بكميات محددة الموضع في المكان والتغير في مجرى الزمان، وأن هذه الكميات لا ~~بد أن تيسر الوصف الكامل لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، ويستكمل هذا الوصف تماما ~~بواسطة معادلات تفاضلية أو مشتقات جزئية، تتيح لنا تتبع موقع الكميات التي تحدد حالته، ~~ويا له من تصور رائع لبساطته! توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه لمدة طويلة.» # 59 # وبهذه البساطة ولذلك النجاح ساد الكلاسيكيين غرور علمي أهوج، فرأوا أن قوانين نيوتن ~~ذات عمومية مطلقة، لا تفلت من بين يديها ولا من خلفها كبيرة ولا صغيرة، لا في الأرض ولا ~~في السماء، بحيث إنها اكتشاف لحقيقة هذا الكون. فت في عضد هذا الغرور أزمة الفيزياء ~~الكلاسيكية، ثم تلقى ضربة قاصمة من عالم الذرة والإشعاع، غير الخاضع لقوانين نيوتن، ~~لكنه خضع لعملاق متناه في الصغر اسمه الكوانتم. حررتنا ميكانيكا الكوانتم من وهم ~~التحديد الفردي اليقيني، واتخذت الإحصاء منهجا يفضي إلى النتائج الاحتمالية الرائعة ~~التي يمكن أن نلمس جبروتها في كل شيء، بدءا من غزو الفضاء وقهر الأمراض الخبيثة ~~وانتهاء بأدوات التسلية والترفيه، بغير الزعم بأن تنبؤاتها قضاء مبرم أو كشف عن القدر ~~المحتوم. والرياضة محض الأداة عقلية خاوية نملؤها بالمضمون، مضمون المتوسطات ms206 التي لا ~~تزعم عمومية مطلقة ولا تبحث عنها؛ هكذا كان نجاح الكوانتم الخفاق في العالم دون الذري ~~«الميكروكوزم». # أما عن العمومية في النظرية الفيزيائية العامة للحركة، نظرية نيوتن ثم نظرية آينشتين، ~~فإنه بينما تقتصر نظرية نيوتن على العالم الأكبر أو العالم العياني «الماكروكوزم» وتفشل ~~في الاقتراب من الميكروكوزم، فإن النظرية النسبية تحكم العالمين معا «الماكروكوزم ~~والميكروكوزم» بالقوانين نفسها وتخضعهما للمعادلات الرياضية نفسها، فكانت درجة أعلى من ~~العمومية وأيضا من الدقة. # لقد شيدت النظرية النسبية عالمها الرباعي الأبعاد، # 60 # بمتصله الزماني/المكاني. إنه عالم أو بالأحرى تصور لعالم، محدب يختلف بل ~~يتناقض مع عالمنا المستوي الواحد والوحيد المعهود في تجربة الحس المشترك، والذي ثبتته ~~في أذهاننا خبرتنا العادية السطحية وحواسنا الفجة الغليظة، وجاءت نظرية نيوتن لتصدق على ~~هذا العالم وعلى حدوده وتجعلها حدودا لها، فتكتسب بهذا يقينا فوق يقين! يقينا ~~مطلقا، ثم علمتنا النسبية أنه لا شيء مطلق في عالم الإنسان، وليس ثمة تساؤل حول التصور ~~الوحيد المطلق للزمان والمكان، فثمة إطار زماني/مكاني لملاحظي الأرض، وآخر لملاحظي ~~الأفلاك السماوية، وآخر لملاحظي السدم، وبالمثل الطول والعرض وكل الأبعاد. لقد أحدثت ~~النسبية تغييرا جذريا في أفكارنا حول المكان والزمان والجاذبية، وثورة في ~~الكوزمولوجيا - أي نظرية تصور الكون - الكلاسيكية، فكان تأثيرها بالغ العمق في المبادئ ~~الإبستمولوجية الراسخة في تجربة الحس المشترك، والتي كستها النيوتنية برداء الفيزياء ~~الرياضية المهيب. # في عالم النسبية تدخل الذات العارفة - كمتغير في معادلة الطبيعة؛ لتحرز بهذا درجة ~~أعلى من الموضوعية، أو بالأحرى درجة مباينة تماما، قامت على أنقاض موضوعية نيوتن ~~المطلقة والموهومة، في خضم هذه الأطلال الدوارس أضحى التصور الميكانيكي للكون أثرا بعد ~~عين، واستبينت تفاهة الواحدية المادية التي عززها. لم تعد المادة مجرد كتل تصطدم بها ~~القدم حين تتعثر في الطريق، ولم يعد يجدينا البتة التفكير فيها على أنها شيء صلب جامد ~~تشعر بها حاستنا اللمسية كمقاومة لها. كانت النظرة الميكانيكية تعتمد على هذا المفهوم ~~للمادة، والآن يجب هجرانه نهائيا لكي نحقق الحد الأدنى من تفهم مغزى الفيزياء في ~~القرن ms207 العشرين، حيث تحولت المادة إلى كيان أكثر شفافية من أي كيان تحدث عنه الروحانيون، ~~إنها شعاع من مركز. وكما أشرنا، تبلورت الكوانتم والنسبية حول الشعاع وحلت أمواجه محل ~~كتل المادة في الفيزياء الكلاسيكية. # هكذا نجد ثورة الكوانتم والنسبية التي تعززت بتطور الرياضيات، قد أقامت العلوم ~~الإخبارية على أسس ومنطلقات مختلفة، قلبت رأسا على عقب عناصر إبستمولوجية راسخة ~~كالحتمية والميكانيكية والعلية واطراد الطبيعة وثبوت ويقين قوانينها، والضرورة لكليهما ~~- للطبيعة وقوانينها - والموضوعية المطلقة وكتل المادة المتحركة في مكان مستو من مطلق ~~الماضي إلى مطلق المستقبل ... هذه المبادئ التي لم يكن أحد في المجتمع العلمي يجرؤ على ~~رفضها فضلا عن قلبها، بحيث أصبح لدينا الآن حد فاصل بين إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي ~~وإبستمولوجيا العلم في القرن العشرين. # وإذا كانت الأولى يعبر عنها مبدأ الحتمية الميكانيكية، فإن الثانية يمكن أن يعبر ~~عنها النقيض تماما، أي مبدأ اللاحتمية # Indeterminism # الذي رفعته الكوانتم جهارا نهارا. أما النسبية فإنها في حد ذاتها لا تنفي الحتمية ولا ~~تؤكدها، لكنها تكفلت بتقويض الإطار الأنطولوجي للحتمية - أي التصور الميكانيكي للكون - ~~الذي سارت في أطره العلوم الحيوية والإنسانية أيضا، كما رأينا في الفصل الثاني. # كان العلم الكلاسيكي مراهقا يشق طريق النمو والنضج، وفي حاجة إلى راع وجده في مبدأ ~~الحتمية، لكن المبدأ أدى دوره واستنفد مقتضياته وتكشفت قصوراته ووصل إلى طريق مسدود، ~~أصبحت مسلماته لا يقبلها العقل العلمي، فوجب تجاوزه لاستيعاب المرحلة الأعلى من التقدم ~~العلمي التي يمثلها القرن العشرون. # في العقود الأولى قوبل انهيار الحتمية الكونية بالتوجس والارتياب. تصور البعض أن هذا ~~يجعل الفوضى تعم عالم العلم، وكان آينشتين نفسه من غير المحبذين للاحتمية، بتعبيره ~~الشهير: الله لا يلعب النرد في الكون، فسمع كارل بوبر فيزيائيين شبانا لامعين يصفون ~~آينشتين - وكان لا يزال يعمل بجد - بأنه في رفضه للاحتمية إنما يقف ضد الطوفان، وهذا، ~~كما يقول دي بروي، نتيجة لعادات فكرية متأصلة؛ لأن الفيزيائيين الشبان - آنذاك - الذين ~~تعودوا منذ بداية دراستهم على النظر إلى الأشياء بمنظار الفيزياء الجديدة كانوا لا ~~يقابلون ms208 من الصعاب في التخلي عن مبدأ الحتمية قدر ما يقابل الأكبر سنا. أما اللورد ~~آرثر إدنجتون فيؤكد أن صديقه آينشتين من أوائل الذين أدركوا اللاحتمية في الفيزياء ~~الجديدة، ولم تكن الحتمية عنده إلا مسألة معتقدات شخصية، # 61 # ولا شك أن الحتمية تحظى بقبول سيكولوجي، تريح الإنسان حين تخبره أنه يعيش ~~في عالم كل ما فيه ضروري، بيد أنها راحة قد أصبحت حراما في عالم العلم، فلا يبحث عنها ~~العالم ولا يسترشد بهديها، ولا بد دوما من النقد والاختبار ومواصلة طريق ~~التقدم. # ورب قائل: حتى يومنا هذا ربما يدافع عالم عن الحتمية! الواقع أنه يدافع عنها مثلما ~~يدافع عن أي قضية تروقه، لكنها خرجت من إبستمولوجيا ولن تعد الفيزياء رهينة النظام ~~الحتمي بحال. وبعد ثورة الكوانتم الثانية ومبدأ اللاتعين لهيزنرج انتقل الفيزيائيون من ~~لا مبالاة تجاه الحتمية إلى جهود موجهة بتعمد من أجل الخلاص النهائي منها، فلم يعد ~~الأمر عجزا عن إثبات صدقها، بل بالأحرى لقد اكتشفنا أنها استندت إلى مبررات كاذبة أو ~~زائفة. # وتطور الأمر على مدار القرن العشرين، فأصبح لدينا الكومبيوتر، كل شهر كومبيوتر أفضل، ~~وهذا الجهاز يمكنه أن يقوم بدور العقل الذي افترضه لابلاس في صياغته الشهيرة لمبدأ ~~الحتمية، العقل الفائق الذي يستطيع التنبؤ بحالة الكون في أية لحظة إذا ما أعطي حالته ~~الراهنة بكل تفاصيل شروطها المبدئية، ولكن من المستحيل أن تعين بدقة فائقة كل الشروط ~~المبدئية المرادة، ولا يمكن التنبؤ بتفاصيل موضع وحركة كل جزيء في أي نظام مركب، في ~~فقاعة من الهواء، ودع عنك الكون بأسره، فهنالك كثرة لا نهائية من المكونات ومن ~~المتغيرات. واتضحت خاصة مميزة هي عنصر من عدم القابلية للتنبؤ في التطورات اللاحقة ~~للنظام الفيزيائي. هذه الخاصة المميزة أو العنصر اللاتنبئي يسمى بالنسق الكايوسي # System Chaotic ~~، والأنساق الكايوسية كائنة في ~~كل مكان من عالمنا الفيزيقي، # 62 # وتقدم الكايوس (= علم الشواش) وهو علم يبحث كيفية دراسة الآثار المتراتبة ~~بعيدة المدى لتغير أولي يبدو بسيطا، يتراكم ويتضخم بفعل العلاقات المتبادلة بين كثرة ~~لا نهائية ms209 من العوامل والمكونات في النظم المركبة. والمثال النمطي على هذا هو إمكان ~~الربط بين فراشة ترفرف بجناحيها في الصين وعاصفة تهب في المحيط الهادي عن طريق تراكم ~~وتضخم آثار هذه الرفرفة في نظام الطقس بمكوناته العدة. (الكايوس # Chaos # كلمة إغريقية تعني الفوضى والعماء)، وأصبح الكايوس أو علم ~~الشواش في العقدين الأخيرين موضوعا مهما يتكاتف في بحثه فيزيائيون ورياضيون ومناطقة، ~~فهل نتحدث بعد ذلك عن حتمية علمية؟! # وبخلاف النسق الكايوسي اللاتنبئي، علمتنا الكوانتم أن التنبؤات الناجحة ذاتها لا تعني ~~حتمية شاملة، وأن الارتباط اللزومي بين حدث وآخر لا يعني أن ذلك الحدث، وكل الأحداث، ~~محتومة سلفا، وكان الإحباط العنيد لكل الجهود التي تحاول إدخال عالم الذرة والإشعاع في ~~قلب التصور الحتمي إيماءة قوية لضرورة تبديل هذا التصور الذي يهدف إلى مثال زائف، هو ~~مثال الوصف الكامل للعالم، فقد اتضح أن العالم ليس البتة نظاما مغلقا كما تفترض ~~الحتمية، ولا هو نظام ميكانيكي. # هكذا، بعد أن كانت العقول تتصور اللاحتمية بوصفها قرينة الجهل والظلام واللاعلمية ~~تبدل وضعها وارتفع لواؤها في إبستمولوجيا القرن العشرين، نفيا للحتمية؛ لأن تكون كل ~~الأحداث محددة سلفا بدقة مطلقة في كل تفاصيلها المتناهية في الكبر أو في الصغر. في ~~المنظور اللاحتمي المنفتح، الأرحب والأكثر دهاء وعمقا، ثمة عوامل عدة تؤدي علاقاتها ~~ببعضها إلى احتمالات عدة ممكنة، لم يعد حدوث الحدث ضروريا، ولا سواه مستحيلا يهدم ~~العلم والعالم، العالم اللاحتمي يستوعب الأنساق الكايوسية ويظل منتظما ومعقولا، تخضع ~~وقائعه للقوانين العلمية، لكن في إطار تعاقب الأحداث الاحتمالي وليس الحتمي. حل الترابط ~~الإحصائي محل الترابط العلي الضروري، وأصبح التنبؤ العلمي أفضل الترجيحات بما سوف يحدث ~~وليس كشفا عن القدر المحتوم، فانقطعت كل همزة وصل بين العلم والجبرية العتيقة، بعد أن ~~تكفل في مراهقته الحتمية بمواصلة مسيرتها، إنه زيف اليقين الذي انكشف كما انكشف زيف ~~المطلق، فاختفى المثل الأعلى للعالم العالم بالحقيقة المطلقة، حينما اختفى المثل ~~الأعلى للعالم الذي يسير كما تدور الساعة المضبوطة. # كان البحث عن قوانين وعلاقات رياضية لا تتغير ms210 بالنسبة لجميع الراصدين، لجميع الذوات ~~العارفة أيا كان الموضع والموقع، هو صميم مهمة العلم، حتى جاء آينشتين ليجعل موقع ~~الراصد وسرعته معينات أساسية للطبيعة، # 63 # فكان دخول الذات العارفة كمتغير في معادلة الطبيعة واحدة من أخطر النتائج ~~الإبستمولوجية للنظرية النسبية كما أشرنا. إن الراصدين الذين يلاحظون من كواكب مختلفة ~~أو مجرات مختلفة يدرك كل منهم سماء مختلفة، ويتحكم تأثير السماء في ساعاتهم - بمعنى ~~أجهزتهم للرصد - بحيث إن الوقت الذي يقرأه كل منهم يختلف في اللحظة الواحدة، وكل منهم ~~يقدر مرور الزمن تبعا لسرعة مختلفة، فارتبطت الملاحظة بالملاحظ - بالذات العارفة - ~~بموقع الملاحظ وحركته، قد يكون موقع الملاحظ بالنسبة لنا هو الأرض في كل الأحوال، لكن ~~الملاحظ المرتبط بالأرض لا يستطيع أن يجري الأقيسة الفلكية نفسها التي يجريها الملاحظ ~~المرتبط بكوكب آخر، والنسبية تدرس كيف تؤثر حركتا هذين الملاحظين النسبية في ملاحظاتهما، # 64 # ولم يتيسر هذا إلا بعد تقدم ملحوظ في الرياضيات ساعد على الترجمة المتبادلة ~~للمظاهر التي تبدو لملاحظين مختلفين، وهي الترجمة التي تبلغ حدا عظيما من الصعوبة ~~شاعت عن النظرية النسبية. # وكما رأينا، في هذا الإطار ظهر التآني، أي استحالة الحكم بأن حدثا وقع قبل أو بعد ~~الآخر، فثمة أنظمة زمانية مختلفة، حتى إنه يمكن أن يكون الزمن قابلا للارتداد، للرجوع ~~إلى الوراء. هكذا قوضت النسبية مفاهيم الاطراد والتسلسل الزماني المتعاقب، الضروري ~~لمفهوم العلية ليجعل الحدث السابق علة واللاحق معلولا، بالإضافة إلى أن جاذبية نيوتن ~~«التثاقل» التي تعد التمثيل العيني للعلية قد حل محلها تحدب الكون، لقد اهتزت العلية ~~الكونية، واهتز تسلسل الأحداث العلي في اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل، ~~وكل ما على العالم أن يلاحظها بموضوعية مطلقة وكأنه يراقبها من وراء ستار، فلا يتدخل ~~إطلاقا، دوره سلبي لا يؤثر البتة في نتيجة استقراء الظاهرة: القانون العلمي الذي هو ~~اكتشاف لحقيقة الظاهرة. # لقد أثيرت مشكلة الاستقراء حين كشفت التحليلات الفلسفية والمنطقية، منذ أيام هيوم، عن ~~استحالة تبرير مبدأ العلية واطراد الطبيعة، وما أضافته ثورة الفيزياء الكبرى هو ms211 أنه ليس ~~ثمة حاجة إليهما، إن الكوانتم جعلت الفيزيائي في القرن العشرين لا ينشغل بالعلية، بل ~~بالقوانين الإحصائية، يحصر همه في الارتباطات والعلاقات والتأثيرات والتفسيرات، وليس ~~التعليلات، يعمل بالآلات الدقيقة في معمله ليكشف قوانين انتظام الطبيعة، ولا يعوزه ~~البتة مفهوم الاطراد الحتمي؛ لأنه يعلم جيدا حدود الدقة المتاحة ويدرك صعوبة أن يجعل ~~الظاهرة تكرر نفسها تماما، إلا داخل حدود من اللاتعين - بعد أن لفت هيزنبرج الأنظار ~~إلى تأثير الأجهزة المعملية في الظواهر المرصودة - فلا يبحث عن اطراد الطبيعة، ويكفيه ~~انتظامها القائم على أساس إحصائي لا علي ليبحث عن احتمالية الظاهرة - أي ترددها بنسبة ~~مئوية معينة مستمدة من ترددات لوحظت في الماضي - ويفترض أنها سوف تسري تقريبا في ~~المستقبل. # هكذا تبرأت الإبستمولوجيا العلمية من مبدأ العلية الكونية واطراد الطبيعة ودورانهما ~~المنطقي الشهير. ربما ظل مبدأ العلية هاديا للعقل حين التفكير في هذه الزاوية أو تلك، ~~لكنه بالتأكيد لم يعد أساس الإبستمولوجيا العلمية كما كان في الفيزياء الكلاسيكية، ~~خصوصا بعد دخول المصادفة في بنية الطبيعة. لقد ارتدت المصادفة ثوبا قشيبا، وتخلصت من ~~أدران جائرة لحقت بها في عصور يقين العلم الحتمي الذي كان يفسر المصادفة والاحتمال ~~تفسيرا ذاتيا، أي كان يرجعه إلى جهل الذات العارفة وعجزها عن الإحاطة بعلل الظاهرة. ~~علمتنا الميكانيا الموجية ومعادلات إيرفين شرودنجر أن المصادفة والاحتمال تفسيران لصميم ~~طبيعة الظاهرة موضوع الدراسة، لقد أصبح الاحتمال موضوعيا. # والمحصلة أن تبخر اليقين من عالم العلم، حتى شاع القول الدارج: إن العلماء ليسوا على ~~يقين من أي شيء، ويكفي أن العوام على يقين من كل شيء. وتبقى أبرز معالم إبستمولوجيا ~~القرن العشرين أنها انتهت إلى أن أي قضية إخبارية، بما هي إخبارية، تظل احتمالية، ~~اليقين فقط في القضايا التحليلية الفارغة من أي مضمون، كقضايا المنطق والرياضيات، وحتى ~~اليقين الرياضي اتضح أن أمره ليس بسيطا ومحسوما كما كان يظن، ولكن نتفق على أن صياغة ~~القوانين العلمية في لغة رياضية لن تعني حتمية أو لا حتمية؛ لأن الرياضيات في حد ذاتها ~~محايدة، محض رموز ms212 نعبر بها عن أي مرموز إليه، ونملؤها بالمضمون التطبيقي، سواء افترضناه ~~حتميا أو لا حتميا. # ومع تقدم فيزياء القرن العشرين المتوالي في طريقها اللاميكانيكي اللاعلي الإحصائي ~~الاحتمالي، امتدت اللاحتمية إلى فروع العلم الأخرى. وإذا كانت نظرية دارون قد جلبت ~~ظاهرة الحياة تحت مظلة الحتمية، فإن البيولوجيا في القرن العشرين قد انتهت إلى خطأ ~~افتراض دارون القائل: إن الصفات المكتسبة تنتقل وراثيا. وعن طريق الاسترشاد ~~باللاحتمية أمكن تفسير التغيير الوراثي تفسيرا مبنيا على الإثبات التجريبي للتحولات ~~- أي للتغيرات في المادة الوراثية وأنها تتم بفعل أسباب عشوائية - فيترك الأمر لقوانين ~~الاحتمال التي تؤدي بمضي الوقت وببطء إلى أشكال من الحياة نزداد علوا بالتدريج. ومن ~~ناحية أخرى، تقدم العالم البريطاني جبرييل ~~دوفر # G. Dover # من جامعة كمبردج في الثمانينيات بفرض يطرح مبدأ الصدفة التي تحكم ~~الطفرات الوراثية. # تمسك كلود برنار في القرن التاسع عشر بمبدأ الحتمية لكي تلتحم العلوم البيولوجية ~~بالعلوم الفيزيوكيمائية، ومن أجل هذا الالتحام في القرن العشرين تقدم البيولوجي ~~الفرنسي مونو (1910-1976م) الحاصل على جائزة نوبل بنظرة لا حتمية تستوعب أبعاد الكوانتم ~~والنسبية ومحصلات ثورتيهما، ويخرج منها بأن العالم الحي لم يظهر البتة بصورة ميكانيكية، ~~بل هو ظاهرة فريدة ولا تنبئية، لكن يمكن تماما تفسيرها على أساس الإبستمولوجيا العلمية ~~اللاحتمية، وقبل أن يثبت خصوبة هذا الفرض ينبهنا إلى قسوة اللاحتمية البيولوجية؛ لأننا ~~نريد لوجودنا أن يكون ضروريا وحتميا ومرادا منذ أول الخلق. والعلم البيولوجي ~~الحتمي استمرار لجهد البشرية الدائب والبطولي في سبيل قلب احتمال وجودها إلى ضرورة. # 65 # إن خصائص الكائنات الحية لا تنتهك طبعا القوانين الفيزيوكيمائية، لكنها غير قابلة ~~للاستنتاج منها أو الرد إليها كما رأى الكلاسيكيون. ثمة عنصر لا حتمي كايوسي في بنى ~~الكائنات الحية. لقد انهارت الحتمية الميكانيكية في المادة الجامدة التي اتضح أنها أكثر ~~دهاء وتعقيدا، فما بالنا بالمادة الحية؟! الحق أن مبدأ اللاحتمية بترابطاته الإحصائية ~~يفرض نفسه على البيولوجيا أكثر من أي علم آخر. # أما في العلوم الإنسانية فقد وصل المد اللاحتمي إلى حد ثورة مناظرة ms213 لثورة الفيزياء - ~~وإن تأخرت عنها نصف قرن وأتت في أواسط الخمسينيات - نتيجة لتطور العلوم الإحصائية، ولكي ~~تنشئ نوعا جديدا من المرونة الفكرية وامتدادا لاستراتيجيات بحث الظواهر النفسية. إنه ~~علم النفس المعرفي # Cognitive Psychology # الذي يدرس ~~الاختيار والحرية والإرادة، وهي ظواهر أسرف علم النفس التحليلي والسلوكي على السواء في ~~إلغائها انسياقا وراء الحتمية العلمية الشاملة . أما علم النفس المعرفي فهو طريق ثالث، ~~لكن يستوعب إيجابيات السلوكية بإمبيريقياتها الفعالة في إجراء وضبط التجارب والقياسات ~~والاختبارات السيكوميترية والجداول الإحصائية، ثم يتجاوز قصوراتها وتسطيحها للظاهرة ~~النفسية؛ ليصوب الانتباه على الطريقة التي يفكر بها الناس وعلى معرفتهم وتصوراتهم ~~كمحددات أساسية للشعور والفعل والسلوك، وهذا ما أغفلته السلوكية امتثالا للإبستمولوجيا ~~الكلاسيكية الميكانيكية. إن الناس يختارون الكثير من معارفهم ومداركهم. نحن لا نشاهد كل ~~وقائع الرؤية ولا نسمع كل وقائع الصوت، الانتباه انتقائي إلى حد كبير مما يجعل وقائع ~~معينة دون غيرها تدخل حيز الإدراك، وليس من الضروري أن تكون هي الأقوى في إثارتها ~~للأعصاب الحسية، فالبرنامج المعرفي للشخص أقوى في توجيه الانتقاء في الانتباه. اللغة ~~أيضا تخضع لهذا الاختيار الانتقائي في اكتسابها وفي استخدامها، وبفضل الجهود الدءوبة ~~لرواد - نخص منهم بالذكر أولريك نايسر وجيروم برونر وريتشارد لازاروس - تبلور علم النفس ~~المعرفي خلال الستينيات وشق طريقه الواعد مستفيدا من إيجابيات للعلم في القرن العشرين، ~~وأيضا تقاناته، خصوصا نظريات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الكومبيوتر كمناظرة تخطيطية ~~لفهم أنظمة الذكاء الطبيعي أو العقل الإنساني في حل المشكلات. # وأيضا لم يعد علم الاجتماع في القرن العشرين أسيرا للحتمية الميكانيكية التي حكمت ~~منظور أوجست كونت الوضعي في القرن التاسع عشر ظهرت مدارس عدة تستوعبها وتتجاوزها، وتبدي ~~مزيدا من الفعالية والكفاءة في دراسة الظواهر الاجتماعية ودراسة العنصر الكايوسي فيها. ~~ولم يدحض الواقع قضية مثلما دحض الزعم الفاسد بحتمية التاريخ. والواقع أن الحتمية ~~التاريخية في أصلها - كما أوضح كارل بوبر - حيلة أيديولوجية للصهيونية: حتمية تحقق وعد ~~الله وعودة شعب الله المختار إلى أرض الميعاد، وأصبحت هكذا للشيوعية والنازية والفاشية، ~~تخلى عنها جمهرة المؤرخين في ms214 القرن العشرين الباحثين عن منظور علمي للتاريخ، لدرجة أن ~~المؤرخين الألمانيين إدوارد ماير وماكس فيبر قاما بدراسة جادة للاحتمال الموضوعي في ~~التاريخ، أي تصور ما كان يمكن أن يحدث في الماضي، وهذا تصور علمي يعين على فهم أعمق للحاضر. # 66 # إن هناك نهاية مفتوحة للتاريخ تفرض دائما نظرة لا حتمية. # ولا يذكر التاريخ من دون الجغرافيا، وهي علم علاقة الإنسان ببيئته، النظرة الحتمية ~~التي تدين للإبستمولوجيا الكلاسيكية ترى المسألة نتاجا آليا للعوامل البيئية، أما ~~النظرة اللاحتمية في القرن العشرين فتنطلق من أن العامل البشري أكثر حسما. مراكز ~~الصناعة مثلا لا تعتمد على العوامل البيئية قدر اعتمادها على العوامل البشرية، وهناك ~~بيئات متشابهة طبيعيا لكنها مختلفة بشريا، مثلا يختلف سكان خط الاستواء في إفريقيا ~~عنهم في جزر جنوب آسيا. وظهرت لا حتمية صريحة في جغرافيا القرن العشرين صاغتها بقوة ~~«مدرسة الإمكانات Possibilism ~~»، وهذا مصطلح قدمه ~~لوسيان فيفر # L. Febvre # في كتابه «مقدمة جغرافية ~~للتاريخ» تعبيرا عن الاتجاه الذي أسسه أستاذهفيدال ~~دو لابلاش # V. D. La Blache ~~(1845-1918م) مؤكدا على تحالف الإنسان مع عوامل البيئة، ~~وكان تلميذه فيفر متطرفا في تأكيده على دور الإنسان. مدرسة الإمكانات بجملتها تنطلق من ~~أنه لا توجد في الطبيعة ضرورات أو حتميات، بل توجد إمكانات تنتظر فعالية الإنسان. ولما ~~كانت الجغرافيا علما إنسانيا اتضح لماذا تكون اللاحتمية هي الأنسب لها. وقد بلغت ~~اللاحتمية في الجغرافيا ذروتها بنشأة علم «الجغرافيا الإرادية»، وهي مبحث مستقبلي يقوم ~~على معلومات تتقاطع فيها تحليلات الاجتماع والاقتصاد والسياسة لتكتمل معطيات المواجهة ~~بين الإنسان والبيئة، وتوضع بين أيدي فريق عمل مزود بأدوات تمكنه من التنبؤ بوجوه ~~التطور ونتائجه، ويسهم في إمداد اختيارات واسعة لمصلحة الحريات الجديدة، حرية العمل ~~وحرية الراحة وحرية شغل أوقات الفراغ. # 67 # إن المنظور اللاحتمي عم فروع العلوم الإنسانية هي الأخرى، وساد مجمل عالم ~~العلم في القرن العشرين، إيذانا بالتقدم المتسارع وأفقه المفتوح في هذا القرن ~~المتوهج. # هكذا لم يكن الانقلاب الإبستمولوجي في القرن العشرين عميقا فحسب، بل أيضا شاملا ~~بقدر ms215 ما كان مثمرا. على أن انهيار الأسس الإبستمولوجية التي ارتكن إليها العلم ~~الكلاسيكي وتأكد نجاحها يوما بعد يوم، قد خلق أزمة أضنت العلماء في نهايات القرن ~~التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قبل أن تنحسم الأمور. هكذا عادت التساؤلات الفلسفية ~~تلح من جديد في الأفق العلمي، وهذا بدوره بعث قوة دافقة في أعطاف فلسفة العلم، جعلتها ~~أبرز فروع الفلسفة في القرن العشرين. قبيل نشأة فلسفة العلم ساد الاعتقاد بأن الانفصال ~~أصبح نهائيا بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي، وحتى مشارف القرن العشرين نجد ~~علماء أمثال دالتون ورذرفورد ومندليف يتصورون أن العالم عالم بقدر ما لا ينشغل البتة ~~بأية تساؤلات فلسفية. ثم جاءت ثورة الفيزياء الكبرى لتطيح بالأسس التي كانت ثابتة، ~~وتطرح منظورات جديدة لا تستغني عن المعالجات الفلسفية، وتجعل الإبستمولوجيا سؤالا ~~ملحا. وشهد القرن العشرون مجددا فئة متميزة هي فئة العالم/الفيلسوف، مثل ألبرت ~~آينشتين وإرنست ماخ وهنري بوانكاريه وفيرنر هيزنبرج وآرثر إدنجتون وموريتس شليك وجيمس ~~جينز وآرثر هولي كومبتون ... إلخ. وفي كل حال لم تعد الإبستمولوجيا واضحة قاطعة كما كانت ~~في العصر الكلاسيكي، بل هي كيان أكثر عمقا، ملبدا بالتساؤلات الفلسفية، فتظل الفلسفة ~~دائما الأفق الضروري للعقل الإنساني في حركيته المتوثبة. # برزت الفيزياء كل فروع العلم في طرحها للتساؤلات الفلسفية وتأكيد الاحتياج إلى ~~التحليلات المنطقية والميثودولوجية والإبستمولوجية؛ لأن الثورة كانت أساسا ثورة ~~فيزيائية كما رأينا، وعلى عاتقي الكوانتم والنسبية تقع مسئولية الانقلاب الذي حدث في ~~طبيعة التفكير العلمي ومنظور العقل العلمي ورؤاه، وأيضا التقدم المتسارع للعلم. وهذا ~~الزحف التقدمي المظفر جعل القرن العشرين بحق عصر الفيزياء، وفضلا عن هذا تظل الفيزياء ~~- بحكم عمومية موضوعها - ذات موقع استراتيجي في نسق العلم. كل هذه العوامل جعلت فلسفة ~~العلم على مدار القرن العشرين مرتهنة بالفيزياء وتدور في مدارها وبين رحاها، وتستكشف ~~دائما أبعادا أرحب وأكثر خصوبة ودفعا للتقدم في الإبستمولوجيا الجديدة. # ربما لم يعد العلم الآن - بعد أن انتهى القرن العشرون - متصورا بوصفه نسقا راسخ ~~المعالم كما كان، وأصبحت تسود العلوم علاقات بينية وتخصصات متداخلة ms216 ومتقاطعة ومزدوجة، ~~يصعب معها الإجماع على موقع معين بوصفه الموقع الاستراتيجي. وشهدت نهايات القرن العشرين ~~دعاوى تزعم أن عصر الفيزياء قد انتهى، وانبثق عصر البيولوجيا بخطاه التقدمية المتسارعة ~~وقفزاته التي تزلزل ثوابت في العلم وفي الحياة على السواء، وأن البيولوجيا أكثر ~~تعقيدا، يمكن أن تحتوي الفيزياء داخلها باعتبار الفيزياء حالة خاصة أبسط، فيرتد البسيط ~~إلى المعقد في مقابل إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي التي ترد المعقد إلى البسيط. ولكن ~~سواء أصبحنا في عصر البيولوجيا أو عصر الهندسة الوراثية أو عصر الحاسب الآلي ~~«الكومبيوتر» والمعلوماتية أو عصر الاتصالات ... فإن هذه المنجزات وسواها إنما هي من ~~الثمار اليانعة والقطوف الدانية لثورة الفيزياء الكبرى، ولولا تملك ناصية الإلكترون ~~بفضل الكوانتم لما تطورت فيزياء الموصلات التي حولت ماكينة تورينج النظرية البحتة إلى ~~هذا العملاق المائل: الكومبيوتر، ولولاه لما استطاع العقل البشري أن يتعامل مع عشرات ~~الآلاف من المورثات وأن يشيد عصر الهندسة الوراثية ومشروع الجينوم البشري. بصفة عامة ~~«تقف أشباه الموصلات وراء تكنولوجيا القرن العشرين في تصنيع الإلكترونيات الدقيقة ~~والدوائر المتكاملة التي تحتوي على عدد كبير من الترانزستورات والثنائيات الكهربية ~~والمكثفات والملفات وسواها، مما ساهم في تطوير الصناعات الإلكترونية المسموعة والمرئية ~~والأقمار الصناعية». # 68 # هكذا تقف ثورة الفيزياء الكبرى وراء تطورات العلم والتقانة «التكنولوجيا» ~~والحضارة الإنسانية على مشارف القرن الحادي والعشرين، وبالتالي - ومن باب أولى - وراء ~~تطورات فلسفة العلم المتوقعة فيه، فإذا شهدت فلسفة العلم منحى مغايرا يعني علاقة أوهى ~~بالفيزياء واتخاذ محاور سواها، فلن يعدو هذا أن يكون امتدادا للازدهار والتوقد الذي ~~بثته ثورة الفيزياء في فلسفة العلم على مدار القرن العشرين. # ولكي نصل في النهاية إلى هذه الآفاق المستقبلية المستشرفة، آن الأوان لوقفة منهجية عن ~~كثب أكثر إزاء التيارات الكبرى لفلسفة العلم في القرن العشرين، وقد انبثقت انطلاقتها ~~اللافتة حين تسلحت الفلسفة التجريبية بالكيان المهيب الذي صادفنا حين الاقتراب من ثورة ~~الرياضيات، ألا وهو المنطق الرياضي أو المنطق الرمزي. # إن التجريبية - معقل فلسفة العلم - قد أصبحت منطقية. # كيف حدث هذا؟ وإلام تأدى؟ # الفصل الخامس ms217 # | التجريبية أصبحت منطقية # أولا: المد التجريبي في فلسفة القرن العشرين # مثلما كان عام 1900م الذي شهد نشأة فرض الكوانتم حاسما بالنسبة للعلم، والقرن ~~العشرون في إثره مرحلة علمية شديدة التميز والتوهج، كان هذا العام حاسما، وأكثر حسما ~~بالنسبة للفلسفة، والقرن العشرون أيضا مرحلة فلسفية شديدة التميز والتوهج. ومن الطبيعي ~~أن تستقطب فلسفة العلم التميز والتوهج من كلا الجانبين، فتغدو أبرز فروع الفلسفة في ~~القرن العشرين والمعبر الفلسفي الأول عن روحه العامة وطبيعة المد العقلي فيه. # ويأتي الحسم من أن الفلسفة بأسرها تنقسم بصفة مبدئية إلى تياري المادية التجريبية ~~والمثالية العقلية. وقد شهد العام 1900م صدور أعمال فلسفية رائدة وتكاثفا لمد فلسفي ~~سوف يتنامى ليزيح المثالية لحساب التيار التجريبي، ويغدو تقلص نفوذ المثالية ~~الميتافيزيقية الخالصة من المعالم المميزة لفلسفة القرن العشرين. ويمثل تطور مد ~~التجريبية وعلو شأنها - كما وكيفا - أهم عناصر الالتقاء بين الفلسفة والعلم. # كما لاحظنا مما سبق، كانت التجريبية دائما تمثيلا عاما لروح العلم. والتجريبية ~~المتطورة المتبصرة في القرن العشرين أكثر تمثيلا لروح العلم. وهناك مبررات قوية ~~لاعتبار فلسفة العلم فلسفة تجريبية، من حيث هي فلسفة للعلوم الإخبارية، الفيزيوكيماوية ~~والحيوية والعلوم الإنسانية التي تحذو هذا الحذو وتضطلع بالإخبار عن الواقع التجريبي. ~~وأقوى مواطن تميز ونجاح العلم الحديث دخول الرياضيات التطبيقية في صلبه، كلغة للإخبار ~~عن الواقع وأداة للاستنباط الدقيق الولود. أما المشاكل الفلسفية للرياضيات البحتة ~~وأصولها فهي أكثر ارتباطا بالمنطق منها بفلسفة العلم. وقد رأينا كيف تطور مفهوم المادة ~~ودور التجربة في فيزياء القرن العشرين، وحتى السبعينيات منه كان الأمر محسوما لصالح ~~الفيزياء بوصفها أنجح وأقوى ضروب المعرفة التي امتلكها الإنسان، وبات ينظر إلى علماء ~~الفيزياء على أنهم في عتاد الأمن القومي. ولئن شهد العقدان الأخيران رجحان كفة علوم ~~الحاسب الآلي والمعلومات، فإن الفيزياء تظل طرازا معرفيا رفيعا ومرتبة عالية ارتقى ~~إليها العقل الإنساني، وارتقى تصوره للتجريبية إلى درجة تمثل قطعا معرفيا عن ما سبق، ~~واتضح في ضوئها الصورة الحقيقية الخلاقة للتكامل والتآزر بين العقل والحواس، أو الفرض ~~والملاحظة، ms218 فاكتسبت السمة العلمية والتجريبية قوة توجيهية كبيرة للفكر الفلسفي في القرن ~~العشرين. وبجانب فلسفة العلم التي غدت أبرز فروع الفلسفة، أصبحت معظم التيارات الكبرى ~~في فلسفة القرن العشرين توصف بأنها «فلسفات علمية» مما يعكس المد الكبير للتجريبية. ~~فلسفة العلم موضوعها ظاهرة العلم الحديث، أما الفلسفة العلمية فتبحث الموضوعات الأخرى ~~التقليدية للفلسفة، لكن بأسلوب جديد يقتبس روح العلم وطابعه، خصوصا كما يتمثل أساسا ~~في تجريبية القرن العشرين المتطورة بأبعادها الجديدة. أجل، موضوعنا هو فلسفة العلم وليس ~~الفلسفة العلمية، بيد أن التجريبية نقطة التقاء وأرضية مشتركة؛ لذلك سنحاول الآن رسم ~~تخطيط عام لهذه الأراضي، أي نتتبع مد التجريبية، مما يساهم في اكتمال أطر الصورة العامة ~~لفلسفة العلم، وتبرير موقعها الريادي في فلسفة القرن العشرين. # في مقال لبرتراند رسل بعنوان «فلسفة القرن العشرين» بكتابه «مقالات شكية 1928م» يقول ~~إنه في عام 1900م بدأت الثورة على المثالية الألمانية بعملاقيها كانط وهيجل، والتي مثلت ~~قوة طاغية إبان القرن التاسع عشر، موازية لفلسفة العلم وللفلسفة العلمية ومحتلة ~~لأراض على حسابهما. # لقد رأينا التجريبية العلمية العتيدة للفلسفة الإنجليزية، منذ فرنسيس بيكون ثم جون ~~لوك وباركلي وديفيد هيوم وصولا إلى جون ستيوارت مل، ومع هذا لم تنج هي الأخرى من مد ~~المثالية الألمانية. وفي بدايات القرن التاسع عشر انضم الشعراء والكتاب ~~الرومانتيكيون في إنجلترا إلى زملائهم في القارة الأوروبية، واستقطبوا اتجاهات مثالية ~~فرارا من عقلانية التنوير المفرطة وتعملق العلم الذي كان حتميا ميكانيكيا. وظهرت ~~المثالية الألمانية في أشعار شيلي ووردزورث وكتابات توماس كارليل، واكتسبت ثقلا مع ~~الشاعر الكبير كولريدج # S. T. Colerid ~~(1772-1834م) ~~الذي درس فلسفة كانط بتفاصيلها. ومع هذا كانت غزوة ضعيفة؛ لأنها تمت على أيدي هؤلاء ~~الرومانتيكيين من الكتاب والشعراء، وجميعهم غير متخصصين في الفكر الفلسفي ولا ~~محترفين إياه؛ لذلك سهل اندحارها على يد جون ستيوارت مل، وقد رأيناه يناصب المثالية ~~الألمانية العداء. لكن هبت على الأراضي الإنجليزية غزوة مثالية ثانية في الثلث الأخير ~~من القرن، افتتحها ستيرلنج # J. H. ~~Stirling # بكتابه «سر هيجل 1865م»، حيث ms219 أوضح كيف أن هدف هيجل أو سره هو ~~إحياء الإيمان بالله وخلود الروح وحرية الإرادة، فانتشرت المثالية مجددا في أعطاف ~~الفلسفة الإنجليزية، من أجل إحياء تلك القيم التي هددها تقدم العقل العلمي، وتبدى ذلك ~~في كتابات جمع من الفلاسفة الإنجليز أهمهم فرنسيس ~~برادلي # F. H. Bradley ~~(1846-1924م) وجون ~~ماكتاجارت # J. E. Mctaggart ~~(1866-1925م) وقرناء لهم من فلاسفة كمبردج العظام ذوي ~~الثقل، ليبرزوا قوة المد المثالي آنذاك. في كتابيه «المظهر والحقيقة 1893م»، وأيضا ~~«أصول المنطق 1883م» يعرض فرنسيس برادلي للمذهب الواحدي الذي يرى العالم ككل واحديا ~~محكوما بعلاقات داخلية ولا أجزاء له ولا تعدد فيه، فيما يمكن اعتباره من أقوى عروض ~~المثالية المتطرفة التي تنكر أية جدوى أو دور للتجريبية، وفي تاريخ الفلسفة بصفة ~~عامة. # أما في فرنسا فالذي ينبغي أن يستوقفنا في تلك الحقبة هو تيار «نقد العلم» الذي يحاول ~~تقليص نفوذ التجريبية وتقليم أظافرها، مستعينا في هذا بفلسفة كانط، يؤكد فلاسفته أنهم ~~وضعيون. فقد نشأ هذا التيار النقدي موازيا للوضعية العلمية مع أوجست كونت وأشياعه، كرد ~~فعل لها، لا يرفضها ولا يناصبها العداء كما تفعل الرومانتيكية، وإنما يحاول تحقيق شيء ~~من التوازن معها عن طريق إبراز مشروعية المعرفة العلمية التجريبية كمعرفة وضعية بالعالم ~~التجريبي، ثم الرفض البات لأن يتجاوز العلم الحدود المعرفية «الإبستمولوجية»، فلا ترتع ~~حتميته في العالم الأنطولوجي لتهدد حرية الإنسان؛ لذلك غلب على أقطاب حركة «نقد العلم» ~~الفرنسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أنهم يتبارون في محاصرة الحتمية العلمية ~~داخل القوقعة الإبستمولوجية، أو دحضها ورفضها إجمالا؛ دفاعا عن الحرية الإنسانية ~~والتصور الإنساني للعالم؛ لذلك يسمون بفلاسفة الحرية، هدفهم الأساسي إثباتها؛ وذلك عن ~~طريق البدء منها، من الحرية كفكرة ... كشعور معطى ... كواقعة أولية للأنا ... كنشاط روحي ~~مستور. باختصار الحرية واقع أولي معاش سابق على العلم وخارج عن إطاره، فلا تستطيع ~~حتميته التي كانت أن تلغي تلك الحقيقة الماثلة: الحرية الإنسانية. # من هذا المنطلق كان تيار «نقد العلم» الذي يمثل استجابة قوية لفلسفة كانط، ويزعم ~~أصحابه أن ms220 أساس فلسفتهم هو الوضعية، أو نوع متبصر من الوضعية. وينقسم هذا التيار إلى ~~فرعين هما: الوضعية الميتافيزيقية أو الروحية، والوضعية النقدية. # الفرع الأول، الوضعية الميتافيزيقية أو الروحية، يجمع بين تأثير كانط وتأثير ~~مين دي بيران # Main De Biran ~~(1766-1824م) الذي رأى ~~أن الواقع الأولي السابق على كل شيء هو الحياة الروحية الباطنية، والعلامة المميزة ~~للحياة الإنسانية هي الشعور، والواقعة الأولية للشعور هي الأنا بوصفها العلة والقوة ~~والفعل. ها هنا - كما يرى دي بيران - نجد معاني أولية هي أصول الفكر وأصول العلم على ~~السواء من قبيل الوجود والجوهر والوحدة والهوية والقوة والعلة، وأهمها معنى الحرية كما ~~يتجلى في معارضة الإرادة للنزوع. إن هذا الفرع يريد استيعاب الوضعية في إطار الروحية ~~الميتافيزيقية. وقد رأينا نسق العلم يبدأ من المادة؛ لأنها المفهوم البسيط ويتدرج منها ~~إلى الأكثر تعقيدا، إلى الحياة. أما هذا الفرع فيريد العكس، البدء من المعقد ليصل ~~إلى البسيط؛ لأن المعقد يحتوي البسيط، فيبدأ من الروح والوجدان ليصل إلى الحياة وأخيرا ~~المادة، ويرون المادة قاصرة غير قادرة على الاستقلال أو الاستمرار بدون الروح. # ومن أقطاب هذا الفرع جول لاشيليه # J. Lachelier ~~، ~~وكانت رسالته للدكتوراه عام 1871م «في أساس الاستقراء»، حيث يخرج من مشكلة الاستقراء - ~~غير القابلة للحل - بأن التجريبية لا تكفي، إنها تعين العلل الفاعلة الخاضعة للحتمية، ~~ولا بد أن نضيف إليها العلل الغائية التي هي مجال الحرية الإنسانية. على أن أهم رجال ~~الوضعية الروحية هو إميل ~~بوترو # E. ~~Boutroux ~~(1845-1921م) الذي يقف في صفوف فلاسفة العلم، يحاول الإطاحة ~~بالحتمية منذ رسالته للدكتوراه عام 1874م في «إمكان قوانين الطبيعة» حتى بحثه الهام ~~«القانون الطبيعي في الفلسفة المعاصرة 1895م». يهدف بوترو إلى إثبات أن الضرورة العقلية ~~لا تتحقق في الأشياء كما يزعم الحتميون الميكانيكيون، وأن قوانين العلم مجرد مناهج ~~للملاءمة بين الأشياء وبين عقولنا، إنها تعبر عن طريقتنا في النظر إلى الأشياء. بعبارة ~~أخرى، قوانين العلم كيانات إبستمولوجية، أي معرفية فقط ولا شأن لها بالأنطولوجيا، ~~بالوجود، بالواقع المعاش. إن رؤية إميل بوترو ms221 لطبيعة القوانين العلمية هي ما سوف ينمو ~~ويتطور في شكل المذهب الأداتي في فلسفة العلم. لكن مع هذا - وبفعل تأثير المثالية ~~الألمانية - يعد بوترو فيلسوفا مثاليا، كسائر رفاقه الوضعيين الروحيين. # الفرع الثاني لتيار نقد العلم هو الوضعية النقدية، وهو أقوى تأثيرا وأوسع انتشارا ~~وأكثر خلوصا للمؤثرات الكانطية. الفلسفة النقدية هي فلسفة كانط، هي محاولة سبر وتعيين ~~إمكانيات وحدود المعرفة الإنسانية. واللافت حقا أن معظم رجال هذا الفرع من كبار علماء ~~الرياضيات، في مقدمتهم أوجست كورنو # A. Cournuot ~~(1801-1877م) وهو من آباء حساب الاحتمال وأول من صاغ نظرية موضوعية للمصادفة، أي تحسب ~~احتماليات حدوث عدة بدائل لواقعة من وقائع الطبيعة، فلا تعود الاحتمالية ذاتية، أي ~~تعتمد على الذات العارفة وتطورات علمها وانحسار جهلها. وعلى هذا انتهى كورنو إلى أن ~~اللاحتمية البادية لا ينبغي تفسيرها تفسيرا ذاتيا، أي بوصفها حتمية مجهولة، بل العكس ~~هو الصحيح، والحتمية البادية هي التي ينبغي أن تفسر تفسيرا ذاتيا. وكان كورنو يحرص ~~دائما على تأكيد أن العلم بدون فلسفة أعمى، كما أن الفلسفة بدون علم جوفاء. أما العالم ~~الرياضي شارل ~~رينوفييه # C. Renouvier ~~(1815-1903م) فهو واحد من أهم فلاسفة الحرية في الفلسفة بصفة ~~عامة. لم يشهد رينوفييه التحليل الحقيقي والتحليل المركب والتحليل الدالي وسواها من ~~فروع الرياضيات البحتة التي تطورت في القرن العشرين لتحكم تعامل العقل مع اللامتناهي. ~~وفي حدود رياضيات القرن التاسع عشر حاول إثبات أن اللامتناهي الرياضي ممتنع، وأقام ~~فلسفته على أساس التناهي والنسباوية والحرية. # إن فلاسفة هذا الفرع يسمون أنفسهم أصحاب النقدية المثالية المحدثة، هم نقديون مثاليون ~~إبستمولوجيون مثل كانط، فيؤكدون مثله على الدور الإيجابي للعقل بالنسبة للحواس، وحجتهم ~~في هذا أنه لا علم بغير فرض، ثم يفترقون عن كانط في حداثتهم، أي في تأكيدهم على حساب ~~الاحتمال الذي يعني أن العلم لا يصل أبدا إلى المطلق، يأخذون باللاحتمية في الطبيعة ~~ويرفضون اعتراف كانط بالحتمية الشاملة لعالم الظواهر حتى إنه نفى الحرية من عالم ~~الظواهر «الفينومينا» إلى عالم النومينا «الشيء في ذاته» المفارق. لكنهم ms222 على أية حال ~~يفخرون بانتسابهم إلى مثالية كانط وسيرهم على منواله. # إن تيار نقد العلم بفرعيه، خصوصا الفرع الوضعي النقدي الأكثر علمية والأكثر كانطية، ~~يوضح كيف كان تأثير المثالية الألمانية - الكانطية خصوصا - قويا ومترامي الآفاق قبيل ~~مجيء القرن العشرين توا، حتى إنها اقتحمت ساحات للتفكير العلمي والتفكير في العلم، ~~فتصبغها بصبغة مثالية. # وإذا كان هذا هو الوضع في إنجلترا وفرنسا، الأمتين اللتين اضطلعتا أكثر من سواهما ~~بتأسيس فلسفة العلم وإنمائها وصقل المنهج العلمي والروح التجريبية، فلنا أن نتصور قوة ~~نفوذ المثالية الألمانية في شتى مواطن الفلسفة الأوروبية. # حتى كان العام الحاسم 1900م لتبدأ الثورة على المثالية الألمانية من جهات شتى، كما ~~أشار برتراند رسل. # في ألمانيا نفسها كان الانشقاق على المثالية، حين شهد ذلك العام صدور كتاب ~~إدموند هوسرل # E. Husserl ~~(1861-1938م) «بحوث ~~منطقية» الذي يعنى عناية بالغة بتوصيف الزمان، ويؤسس مذهب الفينومينولوجيا Phenomenology ~~، أو الفلسفة الظاهرية. ترى ~~الفينومينولوجيا أن افتقاد العلم للأسس الإنسانية وأبعاد الوعي الإنساني بمثابة خطر ~~داهم يهدد الحضارة. أما التخلف النسبي للعلوم الإنسانية فهو أزمة العلم الغربي بجملته، ~~ويرجع إلى تبنيها الأعمى لمسلمات ومناهج العلوم الطبيعية على الرغم من الاختلاف النوعي ~~للظواهر الإنسانية عن الظواهر الطبيعية بكل ما تفتقده. وعلى هذا تعمل الفينومينولوجيا ~~على أن تشق طريقا جديدا مختلفا للعلوم الإنسانية يقيلها من عثرتها ويحقق تقدمها ~~المأمول، ويبطل ردها إلى العلوم الطبيعية أو اتباع طريقها. # إنه طريق يقوم على أساس أن التجربة الحية هي المدخل الوحيد للعلم. والمنهج ~~الفينومينولوجي الذي نما وتطور خلال القرن العشرين، مع كثيرين نذكر منهم مرويس ميرلو بونتي # M. Merleau Ponty ~~(1908-1961م)، يعني ~~تركيزا خاصا على الظاهرة، أي ما يظهر أمام الوعي. إنه يبدأ من الواقعة الأولية ~~المعطاة للوعي والمدركة حدسا، فنكون بإزاء «الإحالة» إلى الوعي و«قصدية» الوعي، أي إن ~~الوعي يقصد الظاهرة المعنية فيتوجه إليها، إلى شيء آخر سوى ذاته. بالقصدية والإحالة ~~المتبادلة بين الوعي وموضوعه تنهار القسمة المصطنعة بين الذات والموضوع التي ورثناها عن ~~الفلسفة التقليدية والتقابل الشهير فيها بين ms223 المثالية والمادية. بالمنهج الفينومينولوجي ~~لا يبقى إلا التجارب الشعورية الحية التي تحمل الطابع الخاص لما هو إنساني. إنها معطيات ~~واقعية، فتظهر الحقيقة بوصفها تيارا من الخبرات، الخبرات باعتبارها أفعالا خاصة ~~بالوعي، ومن حيث هي بنيات وتراكيب وليست مجرد تجارب شخصية. لا بد إذن من وصف المضامين ~~الخالصة لما هو حاضر في الوعي، في الخبرة أو الشعور، وتأويل الظواهر بحيث تعرض نفسها ~~للتحليل في شكل خالص لتكشف لنا عن الأشياء نفسها، عن الماهيات. ومن ثم يقوم المنهج ~~الفينومينولوجي على تعليق الظاهرة في حد ذاتها أو وضعها بين قوسين، ثم إعادة بنائها عن ~~طريق تحليلها كما هي معطاة للوعي، أي من حيث هي خبرة شعورية مندرجة في تيار ~~الزمان. # تطورت الفينومينولوجيا وكان لها حضور قوي في فلسفة القرن العشرين، خصوصا في مجال ~~الهيرمنيوطيقا # Hermeneutics # أو فلسفة التفسير ~~والتأويل، ولا سيما تأويل النصوص. فما دامت الفينومينولوجيا تعنى بتحليل الظواهر من ~~حيث هي تجارب معاشة، لإدراك معانيها المستقلة «ماهياتها» فلا غرو أن يدخل النص في صميم ~~موضوعها، فهو ظاهرة حية في وعي الكاتب وفي وعي القارئ، مهمة الكاتب تنتهي بخروج النص، ~~أما القراءة والتأويل فمهمة مستمرة وإمكانية مفتوحة دوما لفهم جديد ... لتأويل. من هنا ~~تحولت فينومينولوجيا أو ظاهريات النصوص إلى علم مستقل هو الهيرمنيوطيقا، يستفيد من علوم ~~إنسانية عديدها ويفيدها، وعلى اتصال وثيق بنظرية المعرفة. وبفضل هانزجيورج جادامر # H. G. Gadamer # وكتابه الرائد «الحقيقة ~~والمنهج 1960م» استوت الهيرمنيوطيقا علما له مدارسه، واتجاها واسعا مارس سيطرة كبيرة ~~على الأجواء الثقافية ومدارس النقد الأدبي في الربع الأخير من القرن العشرين. إنه علم ~~يقوم على إلغاء التباعد بين القارئ والنص، أو ما رأينا الفينومينولوجيا تمارسه من إلغاء ~~التباعد بين الذات والموضوع. وبالتالي فهم النص ليس كموضوع مفارق، بل في سياق إنتاجه ~~وفي أفق المتلقي له أو القارئ، فتتعدد مدلولاته بتعدد آفاق المتلقين باختلاف الأزمنة ~~والأمكنة، ويبقى النص معينا لا ينضب وإمكانية متجددة دوما ... باختصار التعامل مع النص ~~كظاهرة في تيار الشعور معطاة للوعي، هكذا نجد الهيرمنيوطيقا أقوى ms224 امتدادات الفلسفة ~~الفينومينولوجية. # ولكن كان الهم الأساسي للفينومينولوجيا - كما ذكرنا - هو العلوم الإنسانية وتقدمها. ~~والواقع أنها لم تساهم كثيرا في هذا الصدد، وأسفرت عن مدارس محدودة التأثير في علم ~~النفس وعلم الاجتماع، ولم تأبه بها المدارس الكبرى التي أحرزت حصادا علميا هائلا ~~كالسلوكية المعدلة وعلم النفس المعرفي والوظيفية والسوسيومترية في علم الاجتماع ~~والاقتصاد التحليلي ... إلخ. وحتى حين نشأ علم النفس الفينومينولوجي ظل أقرب إلى الفلسفة ~~منه إلى العلم السيكولوجي، وأيضا لم يكن للفينومينولوجيا تأثير على فلسفة العلم، ولم ~~تتلاق معها إلا فيما ندر. # من الأعمال المبكرة للرائد إدموند هوسرل كتابه «الفلسفة بما هي علم دقيق 1910م» فقد ~~كانت الفينومينولوجيا حريصة على تمثيل ما لروح العلم، وفعلت هذا بطريقتها المتميزة ~~والخاصة جدا التي ترفض الاستنباط الرياضي والاستقراء التجريبي على السواء. انصبت على ~~عالم الظواهر كما يفعل العلم، وشقت لهذا طريقا مختلفا - كما صادرت منذ البداية - بما ~~أسمته بالتجربة الحية المعاشة وتحليل ماهية الظواهر المعطاة للوعي، وبهذه الطريقة ~~افترقت الفينومينولوجيا عن التيار المثالي في القرن التاسع عشر، واقتبست - بأسلوبها ~~الخاص - الروح التجريبية للقرن العشرين. وعلى أية حال فإن الفينومينولوجيا بتفرعاتها ~~وامتداداتها وتطبيقاتها من التيارات الهامة في فلسفة القرن العشرين التي تساهم في ~~التعبير عن روحه العامة، خصوصا وأن الفينومينولوجيا منهاج للبحث وأسلوب للنظر، وليست ~~البتة مصفوفة من الحقائق الأولية المثالية أو الميتافيزيقية المطلقة. # وكانت معاقل الهجوم الأخرى على المثالية الألمانية في مطلع القرن العشرين أكثر ~~تمثيلا لروح التجريبية العلمية. جاء مد تجريبي قوي من الفلسفة الأمريكية التي لم تكن ~~أبدا مرعى خصيبا للمثالية، بحكم روح وطبيعة الحضارة الأمريكية، وإن كان يوجد بالطبع ~~قلة من المثاليين الأمريكيين أهمهم جوزيا ~~رويس # J. Royce ~~(1855-1916م) الذي يجاهر بأنه فيلسوف هيجلي، ومع هذا تأثر ~~بأستاذه وليم جيمس، فلم تخل فلسفته المثالية من استجابة ما للبرجماتية Pragmatism # التي هيمنت على الفلسفة الأمريكية. لقد ~~اكتملت البرجماتية، ونضجت لتكون بمثابة التمثيل العيني للفلسفة الأمريكية حديثة النشأة ~~والنماء، حتى اتخذت أساسا لتفسير الدستور والقوانين والقيم الأمريكية. البرجماتية اسم ~~مشتق من ms225 اللفظ اليوناني «براجما» ومعناه العمل. الفلسفة البرجماتية إذن هي الفلسفة ~~العملية التي تبحث عن النافع والمفيد. # أول من صاغ البرجماتية كاسم وكمسمى هو الفيلسوف الأمريكي العظيم حقا، والمغبون الذي ~~لم يلق ما يستحقه من تقدير، تشارلز ساندرز ~~بيرس # C. S. Peirce ~~(1839-1914م)، وهو رائد من رواد المنطق الحديث وفلسفة اللغة ~~وفيلسوف علم جدير بالإعجاب، في طليعة المثبتين للاحتمية على أسس منطقية وفي سياق ~~الفيزياء الكلاسيكية ذاتها. وضع بيرس نظرية للمنهج العلمي شديدة الشبه والتقارب مع أهم ~~نظريات المنهج في القرن العشرين، أي نظرية كارل بوير، حتى يمكن أن تعد استباقا لها ~~وإرهاصا بها. كان ابنا لأستاذ رياضيات مبرز في جامعة هارفارد، حيث درس بيرس ونال ~~إجازته في الكيمياء، ثم انشغل بالمنطق والفلسفة، ولكنه للأسف لم يظفر بمنصب أكاديمي ~~رفيع في الفلسفة على الرغم من محاولاته المستميتة . ويعنينا من أمره الآن أنه طرح أساس ~~البرجماتية بمقاليه «تثبيت الاعتقاد 1877م»، و«كيف نجعل أفكارنا واضحة 1878م»، ثم صاغ ~~المذهب ببحثه الهام «البرجماتية» الصادر عام 1905م، حيث نجد القاعدة الأساسية للمذهب ~~البرجماتي؛ وهي أن معنى القضية يتوقف على نتائجها العملية، وإذا أردنا الحكم بأن ~~مفهوما عقليا ما ذو معنى، لا بد وأن نأخذ في الاعتبار النتائج العملية التي تنتج ~~بالضرورة من صدق هذا المفهوم. وخلاصة هذه النتائج تشكل المعنى الكلي للمفهوم. # ثم تحددت معالم البرجماتية وأصبحت مذهبا فلسفيا متكاملا على يد وليم جيمس ذي ~~الفلسفة التجريبية الراديكالية «الجذرية»، والنظرة التعددية للعالم رفضا للواحدية ~~المثالية. ويراه برتراند رسل صاحب أقوى أثر في تقويض المثالية الألمانية، فقد شن جيمس ~~حملة شعواء على فلسفة هيجل ومطلقها المثالي ورآه كفيلا بتدمير القوى الخلاقة للإنسان ~~الفرد، وقدم واحدا من أقوى عروض الفلسفة التجريبية لدرجة يصح معها الحكم بأن فلسفة ~~جيمس المدخل الحق للتجريبية الغالبة على فلسفة القرن العشرين. وقد أشرنا سابقا إلى ~~كتابه «مبادئ علم النفس 1890م» ودوره في علم النفس التجريبي، وهذا الكتاب له أيضا دور ~~في لفت النظر الفلسفي إلى أن التحليل المجرد للعقلانية لا يكفي ولا ms226 بد من الانتباه إلى ~~أهمية التفاعل والتواصل بين ما هو ذهني وما هو بيولوجي واقعي، أي علمي تجريبي، ورأى أن ~~البرجماتية في ربطها المعنى بالنواتج الواقعية إنما هي تطوير طبيعي للتجريبية ~~التقليدية، فأخرج عام 1907م كتابه «البرجماتية»، بعنوان فرعي: «اسم جديد لمنهج قديم في ~~التفكير»، وأهداه إلى ذكرى جون ستيوارت مل مؤكدا أنه لو كان حيا لناصر البرجماتية ~~بكل قوة. وكان جيمس دائما يميل إلى الدين ونصرة الإيمان، وفي كتابه «إرادة الاعتقاد ~~1897م» قدم تبريرا برجماتيا للدين، بمعنى أن نؤمن به؛ لأن الإيمان الديني نافع ~~ومفيد في جلب الراحة والهدوء النفسي والضبط الأخلاقي. يحتوي «إرادة الاعتقاد» على أشهر ~~مقال لجيمس وهو «معضل الحتمية» حيث يبين تناقضات الحتمية مع ذاتها ومع القضايا المتصلة ~~بها، ويرفضها تماما إثباتا للحرية، وأبلى جيمس بلاء حسنا في قضية الحرية حتى عد ~~من سدنتها المخلصين، وربما أيضا لأسباب برجماتية، فالحرية الإنسانية لها نتائج عملية ~~مفيدة في تحمل المسئولية، وجدوى الثواب والعقاب والقيم الخلقية إجمالا، والإبداع ~~والتميز ... إلخ. وقبيل وفاته بعام واحد، أصدر عام 1909م كتابه «معنى الصدق: تتمة ~~للبرجماتية»، حيث فصل ما أجمله تشارلز بيرس، فأوضح جيمس أن الصدق أو الحقيقة # truth # خاصية للاعتقاد الإنساني وليست كيانات مطلقة، وكل ~~ما يقع خارج الدائرة الإنسانية ليس حقائق بل وقائع، وإذ تصبح الحقائق مسألة إنسانية ~~فإنها بالتالي نسبية قابلة للخطأ متغيرة ومتطورة شأن كل ما هو إنساني؛ وذلك هو صلب ~~الفلسفة البرجماتية. # ثم تطورت البرجماتية واتسع مداها مع فلاسفة أمريكيين لاحقين، خصوصا جون ديوي # J. ~~Dewey # الذي بدأ من الفلسفة ~~الهيجلية ولكي يداوي ما رآه فيها من انفصال بين الفكر والواقع انساق تماما للبرجماتية ~~ورأى أن المعرفة وظيفتها تنظيم السلوك، وأن الفكرة أداة للعمل، فتنعت برجماتية ديوي ~~بأنها وظيفية أو أداتية، وقد جعلها أساسا فلسفيا للتربية وللدفاع عن الحرية ~~والليبرالية الحديثة ونظريته السياسية إجمالا. # خلاصة الفلسفة البرجماتية أن العقل يحقق هدفه حين يقود صاحبه إلى العمل الناجح. إذن ~~الفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة، ولا تقاس الفكرة إلا بنتائجها ms227 العملية، أي بفائدتها. ~~هكذا تنتفي تماما الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة التي تبحث عنها المثالية. الحق ~~والخير والجمال هو العملي النافع المفيد. تنشأ القيم من الواقع الطبيعي وتكون متغيرة ~~متطورة تبعا لنواتج الخبرة التجريبية التي تشهد بقدرة المبدأ الخلقي أو القيمة على حل ~~المشكلات. في هذا تلتقي البرجماتية مع سائر مدارس فلسفة الأخلاق التي تستلهم الروح ~~العلمية التجريبية، وترفض الحاسة الخلقية والحدسية الأخلاقية ومبدأ الواجب المطلق عند ~~كانط ... وما إليه من اتجاهات مثالية في فلسفة الأخلاق، وعلى الرغم من أن وليم جيمس لم ~~يتعاطف مع التطورية الاجتماعية، فإن البرجماتية بتأكيدها على قدرة القيمة والمبدأ ~~الخلقي على حل المشكلات إنما تلتقي مع التطورية الخلقية. والتطورية اتجاه في الفلسفة ~~الإنجليزية استقطب مد الروح العلمية والعلم عموما ونظرية دارون التطورية خصوصا، ومن ~~أعلامه هربرت سبنسر # H. Spencer ~~(1820-1903م) ~~وليزلي ستيفن # L. Stephen ~~(1823-1904م) والتطورية ~~الخلقية تواصل المد الوضعي الذي يريد الأخلاق علما طبيعيا وليس فلسفيا بل ~~مثاليا، يدرس السلوك الإنساني وغاياته، أخضعوا القيم لناموس التطور الحيوي كما أفصحت ~~عنه نظرية دارون، أي ناموس الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح، فيبقى من مبادئ الأخلاق ما ~~يثبت أنه الأصلح، أي الأكفأ في مساعدة الفرد على حل مشكلات الحياة والتكيف مع البيئة، ~~والأخلاق بهذا متطورة متغيرة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وليست البتة مطلقة ثابتة ~~كما يتوهم المثاليون. # كان دارون كما هو معروف إنجليزيا، والفلسفة التطورية الأخلاقية والاجتماعية أيضا ~~إنجليزية، على أن أقوى التمثلات الإنجليزية للفلسفة العلمية التجريبية مذهب انطلق من ~~ذلك العام الحاسم 1900م وهو الفلسفة التحليلية التي سنراها تفصيلا في حينها. # تنطلق البرجماتية وقريناتها من مذاهب الفلسفة التجريبية العلمية من الخبرة # experience ~~. الخبرة هي التفاعل المتنامي دائما بين ~~الكائن الحي والبيئة، المعرفة ذاتها وسيلة لتنظيم الخبرة، ويبقى صلب التجريبية الجذرية ~~في أن حقائق الأشياء يستحيل إدراكها بصورة قبلية سابقة على الخبرة التجريبية، والصدق ~~خاصة للمعتقد الإنساني حين يستوفي شروط تمليها التجربة. وتؤكد البرجماتية على مقولتين ~~قوضتا روح المثالية وسادتا في فلسفة القرن العشرين وساهمتا كثيرا في جعلها وثيقة ms228 ~~الاتصال بروح العلم التجريبية: المقولة الأولى هي الواقعية بمعنى الاعتراف بالوجود ~~الواقعي المستقل للعالم التجريبي، فلا يعود فكرة أو تصورا مرتهنا بالعقل الذي يدركه ~~كما تذهب المثالية المتطرفة. المقولة الثانية هي التعددية، بمعنى أن العالم ليس كما ~~يذهب المثاليون - وفي طليعتهم فرنسيس برادلي - ليس كلا واحديا محكوما بعلاقات ~~داخلية ولا أجزاء له ولا تكثر فيه، بل إن العالم تعددي ... كثرة متكثرة من الوقائع ~~والجزئيات. والتعددية هي نظرية أنطولوجية متسقة مع روح العلم أو مع التجريبية، ومن ~~الذين مكنوا لها، شارل رينوفيه الذي اعتبره جيمس أستاذا له في إثبات الحرية ~~الإنسانية، وأيضا الفيزيائي إرنست ماخ فيلسوف التجريبية الألمانية الشهير الذي ارتد ~~العالم بأسره على يديه إلى إحساسات، بينما ارتد مع جيمس إلى خبرات، وفي النهاية أتت ~~التعددية التجريبية مع وليم جيمس ومعاصره إرنست ماخ قوية ماضية، ولم يكن ينقصها إلا ~~خطوة واحدة سوف تقطع لاحقا على يد برتراند رسل، وهي التسلح بالصياغات المنطقية. # لقد التقت مختلف مذاهب الفلسفة التجريبية في القرن العشرين على خصائص عامة مقتبسة من ~~روح العلم، باتت تميز فلسفة هذا القرن بأسرها، فهي جميعا تتجه نحو عالم الظواهر ~~والخبرة وتنصب على الواقع فتغدو وثيقة الاتصال بفرائده لا تنفصم البتة عنه، ولا قبل لها ~~بالتحليق في سرمد الفلسفات المثالية الخالصة. وبتأثير المد التجريبي شهد القرن العشرون ~~عزوفا عن بناء أنساق شامخة تستوعب الوجود والمعرفة والقيم جميعا، على غرار مذاهب كانط ~~وهيجل والفلسفات المثالية عموما منذ أفلاطون. وأصبحت الفلسفة في القرن العشرين مناهج ~~أكثر منها مذاهب، أي أسلوبا للبحث وطريقة للنظر وليست مصفوفة من الحقائق أو بناء ~~مهيبا من الأفكار المطلقة. وبالتالي أخذت الفلسفة من الروح العلمية التجريبية التناول ~~الجزئي، وأحيانا التفتيتي للموضوع، فانفسح رحاب الفلسفة لطابع العلم الجمعي التعاوني؛ ~~لتتآزر الجزئيات معا نحو التصور الأكمل للموضوع والمتنامي دوما. لم يعد المذهب ~~الفلسفي فتحا لعبقرية جبارة يقتصر اللاحقون على ترتيله، بل أصبح شقا لطريق تتوالى ~~فيه الجهود وتتواصل. # لقد نجحت التجريبية منذ مطالع القرن العشرين والعام الحاسم 1900م في أن ms229 تفرض ذاتها، ~~وتفرض هذا الطابع العلمي على التيارات الكبرى المشكلة لفلسفة القرن؛ لأنها أصبحت ~~تجريبية قوية، متطورة ومتبصرة ومدججة، بحيث تمثل تقدما فلسفيا وعقليا عما سبق. ~~إنها تختلف اختلافا ملحوظا عن التجريبية الفجة الساذجة السالفة، التي بلورتها النزعة ~~الاستقرائية، خصوصا في تسلحها ببعدين: # فقد تسلحت تجريبية القرن العشرين بالتطور الذي أنجزته ثورة الفيزياء ~~الكبرى في تصور المادة والعالم التجريبي، وفي تصور دور التجربة وعلاقة ~~المعطيات الحسية بالعقل المبدع للفروض العلمية، كما أوضحنا سابقا. # تسلحت أيضا بأداة نافذة مكينة جليلة الشأن، تخلقت وتشكلت في النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر؛ ليغدو تسخيرها واستغلالها، استخدامها وخدمتها، ~~علامة فارقة مميزة للقرن العشرين، إنها المنطق الرياضي. # إن المنطق الرياضي أو الرمزي هو عصب تميز التجريبية على العموم وفلسفة العلم على ~~الخصوص ... في القرن العشرين. # ثانيا: المنطق الرياضي عصب لفلسفة القرن العشرين # المنطق علم يدرس قوانين التفكير الأساسية، بصرف النظر عن مادة هذا التفكير أو موضوعه، ~~فهو معني بصحة الاستدلال وسلامة الانتقال من المقدمات إلى النتائج، ولا شأن له بالحكم ~~بانطباقها أو عدم انطباقها على الواقع، إنه معني بالصحة وليس بالصدق، فالصحة أو البطلان ~~خاصة للاستدلال، أما الصدق أو الكذب فمجرد خاصة للقضية. وأيضا يدرس المنطق التصورات ~~والمفاهيم، لا في علاقاتها بالعالم الخارجي، بل في علاقاتها الداخلية بمبادئ التفكير ~~المنطقي، وببعضها واتساقها معا. هكذا نجد الهدف الذي يتعقبه المنطق في النهاية هو ~~دراسة الاستدلال، أو العلاقة بين قضايا الحجة والعلاقة بين المفاهيم، فيضع قواعد إذا ~~تحراها الذهن البشري سوف تعصمه من الزلل ومن الاستنتاجات الخاطئة، رآه ابن سينا آلة ~~عاصمة للذهن من الخطأ، وخادما للعلوم جميعا، بينما رآه الفارابي رئيس العلوم لنفاذ ~~حكمه فيها. وهو على أية حال ليس علما يوضع بجوار بقية العلوم، بل هو من مستوى مخالف ~~وأسبق منها جميعا، ما دام آلة وأداة للفكر معنيا بصورته العامة لا بمضمونه. # أكد كانط وهيجل على أن المنطق صورة بغير مضمون، وكانط أول من استعمل مصطلح ~~«الصوري # Formal ~~» كصفة للمنطق التصقت به دائما، ~~فيقال: «المنطق ms230 الصوري»، وهو فعلا صوري، معني - كما ذكرنا - بصورة التفكير وهيكله ~~وقالبه وإطاره العام، وليس بمضمونه الإخباري ومحتواه المعرفي. هذه الصورية هي التي جمعت ~~المنطق والرياضة في مستوى واحد أو سلة واحدة هي سلة العلوم الصورية التي لا تضطلع ~~بالإخبار عن الواقع التجريبي، ولكنها تسبق العلوم الإخبارية جميعا كقانون كإطار وكلغة ~~لها. وكانت نشأة المنطق مع الإغريق في سياق النزعة العقلانية الوليدة، وارتبط بجهودهم ~~في تأسيس الهندسة كمبحث أكسيوماتيكي، أي نسق استنباطي يستند على بديهيات. وقد أوضحنا في ~~الفصل السابق كيف مهد أرسطو لإقليدس، ومع هذا فإن المنطق الحديث الذي صبغ فلسفة القرن ~~العشرين بصبغة منطقية يختلف ويتمايز تماما عن المنطق التقليدي في أنه منطق رياضي - كما ~~سنرى. # بداية وبصرف النظر عن الإرهاصات والمقدمات والتوجهات الخاصة للمنطق الصيني والمنطق ~~الهندي القديمين، نشأ علم المنطق الصوري ناضجا مكتملا في القرن الرابع والثالث قبل ~~الميلاد على يد المعلم الأول أرسطو أعظم فلاسفة الإغريق. واللافت حقا أن أرسطو لم ~~يعرف مصطلح «المنطق # Logic ~~»، وضع بحوثه المنطقية تحت ~~عنوان «التحليلات» وأسماها تلامذته «الأورجانون»، أي الأداة أو آلة التفكير. وكان ~~الإسكندر الأفروديسي في القرن الثاني الميلادي أول من استخدم مصطلح # Logic # المشتق من اللفظة الإغريقية الشهيرة ~~«لوجوس # Logos ~~» ذات المعنى المزدوج: الكلمة/العقل. ~~في هذا الازدواج البارع للمعنى كل الدلالة المطلوبة، والتي تجعل # ology ~~- المأخوذ من # Logos ~~- مقطعا بعديا للفظ للدلالة على العلم ~~بمدلوله، الحياة # Bio ~~، وعلم ~~الحياة # Biology ~~، النفسي Psyche ~~، وعلم النفس Psychology ~~، أرض # Geo ~~، وعلم طبقات الأرض # Geology ~~... ~~وهكذا. فماذا عسى أن يكون العلم بموضوع ما سوى كلمة العقل في هذا الموضوع. # لقي المنطق اهتماما وتطويرا من الرواقيين في الحضارة الهلينستية، وفي رحاب الحضارة ~~العربية الإسلامية قام المسيحيون السريان في سوريا والعراق، في أواسط القرن التاسع ~~الميلادي/الثالث الهجري بترجمة الكتب الأربعة لأرسطو في المنطق إلى اللغة العربية. كانت ~~ترجمة حرفية فجة، راجعها على الأصل اليوناني ونقحها وهذبها الجيل الثاني من المترجمين ~~وعلى رأسهم حنين بن إسحق وولده إسحق بن حنين، وترجموا أيضا شروحا وتعليقات. أصبح ms231 ~~المنطق الأرسطي مطروحا بوضوح في الحضارة الإسلامية، وانفتح المجال لتوالي جهود العرب ~~وإسهاماتهم المنطقية، دشنتها دراسات الكندي - أول الفلاسفة العرب - وتوالت إنجازات ~~المناطقة العرب من فرق شتى. # منذ البداية أرسي هذا العلم في الحضارة العربية تحت اسم «المنطق»، وهو علم الميزان؛ ~~إذ به توزن الحجج والبراهين، يقول التهانوي: # إنما سمي بالمنطق؛ لأن النطق يطلق على اللفظ وعلى إدراك الكليات وعلى النفس ~~الناطقة، ولما كان هذا الفن يقوى بالأول ويسلك بالثاني مسلك السداد ويحصل بسببه ~~كمالات الثالث اشتق له اسم منه وهو المنطق، وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق ~~الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. # 1 # قسم الإسلاميون المنطق إلى التصور والتصديق، التصور هو إدراك جزئية أو مفردة، إنه بحث ~~يتناول الألفاظ والتعريفات والحدود والكليات الخمس، # 2 # وكان مناط إضافة وإبداع ملحوظ عند العرب. أما التصديق فهو إدراك العلاقة ~~بين التصورات بحيث يمكن وصف هذه التصورات بالسلب والإيجاب، بالنفي والإثبات. ومبحث ~~التصديق يضم موضوعين هما القضايا والاستدلال. ميز العرب بين ثلاثة سبل للاستدلال؛ ~~وهي: القياس والاستقراء والتمثيل. الشكلان الأولان مرا علينا فيما سبق، واتضح أن ~~القياس هو الانتقال من الكليات إلى الجزئيات التي تلزم عنها، والاستقراء هو الانتقال من ~~الجزئيات إلى الكلي أو الحكم على الكلي لثبوته في الجزئيات، أما التمثيل فهو الانتقال ~~من جزئية إلى جزئية أخرى تماثلها. وكان القياس هو الاستدلال العمدة كما رأينا في العصور ~~الوسطى الأوروبية والإسلامية على السواء. # ثم تكاثفت مؤثرات الحضارة الإسلامية على أوروبا، وعبر سبل شتى من قبيل قرطبة في ~~الأندلس وبقية مراكز العلم العربي والأسفار والرحلات التجارية والحروب الصليبية ... إلخ. ~~انتقل إلى أوروبا المد العقلي الإسلامي، وفي سياقه إنجازاتهم المنطقية وشروح ابن رشد ~~الرائدة لأرسطو ومنطقه. وبفضل المد العربي أعاد آباء الكنيسة الكاثوليكية اكتشاف المنطق ~~إبان القرن الثاني عشر الميلادي، وبدأت مرحلة جديدة لازدهار المنطق الأرسطي في الحضارة ~~الأوروبية استمرت حتى منتصف القرن الرابع عشر، وهي مرحلة التفكير المدرسي الذي كان ~~نموذجا للصرامة المنطقية في التفكير وأيضا ms232 للعقم والخواء. من أهم المناطقة في هذه ~~الحقبة القديس أبيلار # Abelard ~~(1079-1142م) أخرج دراسة ~~شاملة للمنطق في خمسة أجزاء تحت عنوان «الجدل # Dialectica ~~»، ومع هذا فإنه المسئول عن شيوع مصطلح # Logic # كاسم لهذا المبحث طوال العصر المدرسي وما ~~تلاه. وفي بدايات القرن الثالث عشر الميلادي تأسست جامعتا باريس وأكسفورد، وقع تدريس ~~المنطق الصوري الأرسطي في الصفوف الأولى من كلية «الفنون الحرة»، أي كلية الآداب ليشكل ~~عقلية الطالب منذ البداية؛ نظرا لاعتماد آباء الكنيسة هذا المنطق كمنهج للبحث. إنها ~~المرحلة المدرسية التي سادها المنطق الأرسطي أكثر مما ينبغي، حتى استغرقها التفكير ~~النظري الخالص والدوران في القياسات الأرسطية العقيمة التي لا تأتي بجديد عن الواقع، ~~خصوصا مع تراجع الاهتمام بالرياضيات والطبيعة، وتكرس العقل لخدمة اللاهوت، وتفسير ~~الكتاب المقدس. # وكما رأينا في الانتقال «من العلم القديم إلى العلم الحديث» (الجزء الخامس من الفصل ~~الأول) اقترنت حركة العلم الحديث بالثورة على المنطق الأرسطي وقياساته العقيمة، وسلك ~~الطريق المضاد تماما وهو طريق الاستقراء التجريبي. فلا يدهشنا أن المنطق الصوري منذ ~~النصف الثاني من القرن الرابع عشر يدخل في مرحلة بيات شتوي طويل استمرت خمسمائة عام، ~~وهي المرحلة التي تصدرها المنهج الاستقرائي كتعبير عن روح العلم وروح العصر ساد فيها ~~الظن بأن المنطق غير ذي نفع كبير ما دام لا يصلح لاكتشاف الطبيعة المتأججة وتنحصر ~~معاملاته في الصحائف والأوراق، وأنه بحكم طبيعته لا يقبل تطويرا، بل إنه عائق دون ~~استقبال العصر الحديث والعالم الحديث. هيمنت الروح التجريبية بوصفها روح العصر ومنهج ~~البحث، وتراجع المنطق إلى زوايا الإهمال والجمود لما يقرب من خمسمائة عام. # حتى كانت الانبثاقة الكبرى للمنطق الحديث في منتصف القرن التاسع عشر، فلماذا حدثت؟ ~~وكيف جعلت المنطق الحديث رياضيا؟ # نلاحظ أنه يغلب على الباحثين تتبع نشأة المنطق الحديث في سياق منطقي خالص، وجهود ~~مناطقة كبار في إنجلترا أمثال ريتشارد ~~ويتلي # R. Whately ~~(1787-1863م)، ووليم هاملتون # W. ~~Hamilton ~~(1788-1856م) ~~حاولوا - من داخل حدود المنطق الأرسطي - إخراجه من زوايا النسيان وبعث الحياة والدماء ~~فيه وتطويره وتجديده. ms233 ثم يأتي جورج هنريك فون رايت، وهو من كبار أساتذة المنطق في القرن ~~العشرين، مارس تدريسه وتطويره لما يربو على ستين عاما من هذا القرن، وارتبط بعلاقات ~~حميمة مع كبار المناطقة فيه، يسهب فون رايت في إيضاح أن المنطق الحديث جاء في منتصف ~~القرن التاسع عشر كنتيجة لنشأة الرياضيات البحتة من جانب وتطور الرياضيات التطبيقية ~~كأداة للعلم من جانب آخر، مما جعل السؤال عن الفحص النقدي لأصول الرياضيات والأسس التي ~~تستند عليها سؤالا ملحا. ومن خلال الجهود المبذولة للإجابة على هذا السؤال كانت نشأة ~~ونماء المنطق الرياضي الحديث، # 3 # وعلى هذا نستطيع أن نربط تماما بينه وبين فلسفة العلم. # أجل، كانت نشأة المنطق الرياضي الحديث مساوقة تماما لنشأة فلسفة العلم، في نفس ~~الزمان والمكان ولنفس العوامل والمبررات والأهداف، تقنين أسس العلم الحديث وفحصها فحصا ~~نقديا، فلا غرو أن يتكامل المنطق الرياضي مع فلسفة العلم ويتآزرا في القرن العشرين ~~حتى كادت تلحق به من منظورات ذات اعتبار، خصوصا حين كانت فلسفة العلم مستغرقة في سؤال ~~المنهج، فقيل: إن المنطق صوري كما ذكرنا، وفلسفة العلم هي مناهج البحث هي المنطق المادي ~~أو المنطق التجريبي، وما زالت كثير من الجهات الأكاديمية تعتبر المنطق وفلسفة العلم ~~تخصصا واحدا، أو على الأقل متصلا، فهكذا كانا منذ بواكير النشأة. # في ذلك الأوان - منتصف القرن التاسع عشر - بلغ العلم الحديث درجة عالية من النضج ~~والنماء؛ ليغدو من الممكن تأمل أسسه وتقنينها وفحصها فحصا نقديا. من أجل هذا كانت ~~المناظرة بين وليم هيوول وجون ستيوارت مل التي أسفرت عن صياغة النزعة الاستقرائية ~~كتقنين للأساس التجريبي للعلم. بيد أن العلم الحديث لم يكن تجريبا فقط، بل تجريبا ~~مسلحا بلغة دقيقة وأداة فعالة لرسم الصورة الحديثة للكون وهي الرياضيات، فكان لا بد من ~~فحص وتقنين أسس وأصول الرياضيات أيضا. وفي هذا انتهت النزعة الاستقرائية إلى أنها مثل ~~أي علم آخر تعميمات استقرائية، وتتمتع باليقين لسعة مجالها وكثرة الوقائع الشاهدة على ~~صدقها، كثرة ما لاحظته حواسنا من أن اقتران 1 و1 ms234 - مثلا - ينتج عنه دائما 2. ونظرا ~~لطبيعة الرياضيات كعلم صوري غير مستقى من الواقع التجريبي ولا متكفل بشأنه، فإن هذه ~~الإجابة التجريبية المتطرفة لم تقنع علماء الرياضيات، ونهض فريق منهم لفحص أصول ~~الرياضيات من الطريق المخالف لهذه الاستقرائية، أي طريق التعقل المنطقي الخالص. ومن أجل ~~هذا انكبوا بأدواتهم الرياضية على دراسة علم قوانين الفكر الأساسية، أي علم المنطق. ~~ولما كان أميز ما يميز الرياضيات أنها لغة رمزية خالصة كانت بحوثهم وفحوصهم علة لترميز ~~المنطق وجعله هو الآخر لغة رمزية خالصة كالرياضيات. # إن «المنطق الحديث» هو «المنطق الرياضي» هو «المنطق الرمزي»، المصطلحات الثلاثة ~~مترادفة، ويمكن أن نضيف إليها مرادفا رابعا طرحه في ذلك العام الحاسم 1900م ~~لويس كوترا # L. Coutrat ~~(1868-1914م) لتمييز المنطق ~~الرمزي الحديث عن المنطق الأرسطي التقليدي، وهو مصطلح اللوجسطيقا # Logistic ~~، أو بلغته الفرنسية # Logistiqe ~~، وأعاد طرحه أليستون عام 1904م. وقد فند ~~كواترا براهين سلفه شارل رينوفيه على امتناع اللامتناهي وقام بدوره في تطوير الرياضيات ~~البحتة وفحص أصولها، وأيضا تطوير المنطق الرياضي أو اللوجسطيقا بمصطلحه. # وفي طليعة أولئك الرياضيين الفاحصين لأصول الرياضيات يتقدم الأيرلندي جورج بول # G. ~~Boole ~~(1815-1871م) الذي يعزى ~~إليه الفضل في تأسيس المنطق الحديث. استفاد بول من أستاذه أغسطس دي مورجان # A. de Morgan ~~(1806-1871م) الذي خصه بالرعاية ~~والتشجيع. كان دي مورجان عالم رياضيات أيضا معنيا بتطبيق الأدوات الرياضية على ~~المنطق التقليدي، وفي كتابه «المنطق الصوري 1847م» صاغ نظرية العلاقات لأول مرة في صورة ~~رمزية، وعلم بول أن المنطق يمكنه استخدام أساليب الرياضة، وأن قوانين الجبر يمكن ~~تعميمها بصرف النظر عن تفسيراتها الجزئية، فاستطاع بول أن يصل إلى جبر عام مجرد يتمثل ~~في قوانين الفكر الأساسية، واستبعاد اللغة الجارية كوسيط غير دقيق والتعبير عن هذه ~~القوانين بلغة رمزية دقيقة كلغة الحساب، وإقامة علم المنطق على هذا الأساس. هكذا تم ~~تأسيس المنطق الرياضي بكتابي جورج بول «التحليل الرياضي للمنطق 1847م»، و«فحص قوانين ~~الفكر 1854م». نلاحظ أن الأول صدر في نفس عام صدور كتاب أستاذه مورجان، فيمكن اعتبار ~~هذا ms235 العام - 1847م - عام ميلاد المنطق الرياضي الرمزي الحديث. # استخدم بول ثلاثة أنواع من الرموز، أولا رموز لغوية مثل: «س» و«ص» و«ك» و«م» لتدل ~~على مفاهيم وقضايا. ولكي يمكن استخدام هذه الرموز تبعا لقوانين تركيب معروفة تعطي ~~نتائج متسقة، استخدم بول - ثانيا - رموزا أو علامات دالة على عمليات مثل +، −، ×، ~~وثالثا علامة الهوية «=» التي اعتبرها بول علاقة أساسية، # 4 # وكما يقول الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه الرائد «المنطق الوضعي، الجزء ~~الأول 1952م» ليست المسألة مجرد استعمال رموز من أحرف الهجاء أو غيرها لتحل محل الحدود ~~والقضايا، وإلا لكانت لعبة صبيانية لا طائل وراءها يستحق اهتماما، بل إن جوهر المنطق ~~الحديث هو تحويل القضية المنطقية إلى قضية شبيهة بمعادلات الجبر فتكتسب عمليات التفكير ~~ما في الرياضة من صرامة ودقة وانضباط. # طبق بول جبره المنطقي على فروع المنطق وموضوعاته، بما في ذلك نظرية القياس ~~الأرسطية، واتضح أنها مجرد حالة لمنطق الفئات. إن المنطق الرياضي يستوعب المنطق ~~التقليدي في سياق أوسع وأرحب، والأهم أنه أدق وأكفأ. لا يعرف المنطق الأرسطي التقليدي ~~إلا القضية الحملية «أ هي ب»، حيث تحمل «ب» على الموضوع «أ»، أما في المنطق الرياضي ~~فثمة القضية اللزومية الشرطية، والقضية الانفصالية، والقضية العطفية، والقضية المنفية، ~~والقضية التركيبية من هذا وذاك ... وينقسم المنطق الرياضي إلى ثلاثة مباحث رئيسية، وهي: ~~حساب القضايا، وحساب الفئات، وحساب العلاقات. طبعا تعامل المنطق الأرسطي مع القضايا، ~~وأيضا مع الفئات، أما العلاقات فهي الإنجاز المستجد تماما للمنطق الرياضي، والذي لم ~~يعرفه المنطق التقليدي بحال، والواقع أن مبحث العلاقات هو الأسبق تاريخيا؛ إذ طرحه دي ~~مورجان، وهو أيضا أخصب الإضافات وصاحب الأثر الأكبر في تصويب الأطروحات، في الفلسفة ~~وفي الرياضة البحتة على السواء، وفي المعرفة الإنسانية بصفة عامة، لقد اتضح أخيرا أن ~~القضية «أ» على علاقة ب «ب» مثلا «أ يماثل ب»، أو «أ يحب ب» لا تحمل طرفين هما «أ» و«ب» ~~فحسب، بل ثمة طرف ثالث هو العلاقة بينهما، التماثل أو الحب أو أية علاقة أخرى. وإغفال ~~العلاقة كطرف ms236 ثالث يكمن وراء كثير من الترديات في عمليات التفكير، والآن نجد المحصلة ~~الواسعة لحساب العلاقات تبرز - أكثر من سواها - الأهمية الكبيرة التي ترتبت على ترييض ~~المنطق. وكما أشار برتراند رسل - في كتابه «مقدمة للفلسفة الرياضية 1919م»، «ليست ~~الرياضيات إلا أنماطا من العلاقات تتم معالجتها بالأسلوب الرمزي». # وفي إثر الإنجاز الرائد لجورج بول توالت جهود المناطقة لتطوير وتنقيح وتبسيط وإكمال ~~المنطق الرياضي، في مقدمتهم تشارلز بيرس، وأيضا وليم ~~ستانلي جيفونز # W. S. Jevons ~~(1835-1882م) وجون ~~فن # J. Venn # وسواهم. إنهم سالكون طريق جورج بول وأستاذه دي مورجان فيعملون على ~~تطبيق الأدوات الرياضية على المنطق التقليدي، أي رد المنطق إلى الرياضيات، حتى خرج من ~~بين أيديهم منطق رمزي يستقي أرومته من الرياضيات. # وكما أوضحنا، انطلقت هذه الجهود بصفة مبدئية من هاجس الفحص النقدي لأصول الرياضيات، ~~التقت معها جهود أخرى سلكت الطريق المخالف لتصل إلى نفس المقصد، وبدلا من رد المنطق ~~إلى الرياضة حاولوا العكس، أي رد الرياضيات إلى المنطق بغية تأمين أصولها. إنه الطريق ~~الذي شقه جوتلوب فريجة # G. Frege ~~(1848-1925م)، ~~وجوزيب بيانو # G. Peano ~~(1858-1932م) وواصله وايتهد ~~وبرتراند رسل حتى أخرجا كتابهما الفذ «برنكبيا ماتيماتيكا»، أي «أصول الرياضيات» الذي ~~يفصح عن الخاصة التحليلية للرياضيات، وعن أن المنطق صبا الرياضيات والرياضيات رجولة ~~المنطق، كما سبق أن أوضحت ثورة العلوم الرياضية في الفصل السابق. وكان كتاب «برنكبيا ~~ماتيماتيكا» علامة فارقة على نضج المنطق الحديث واستوائه على العرش. ويظل برتراند رسل ~~أعظم الباحثين في - أو عن - أصول الرياضيات وأعظم المناطقة في القرن العشرين وفي تاريخ ~~الفكر الإنساني برمته. # وكان عالم الرياضيات البحتة ديفيد هيلبرت # D. Hilbert ~~(1862-1943م) يبحث أصول الرياضيات من اتجاه آخر هو الاتجاه الصوري أو الشكلي # Formalism # الذي يذهب إلى أن قضايا الرياضة ~~صيغ متفق على معاني رموزها دون أن يكون لها مدلولات خارجية، بمعية الاتفاق على قواعد ~~متى راعيناها فقد ضمنا بلوغ اليقين والضرورة. فانصب منظور هيلبرت على المفاهيم ~~والتصورات الرياضية والتحسيب الصوري لها على أساس نسق من البديهيات يتوافر فيها ms237 الاتساق ~~والكفاية والاستقلال وخصائص الاكتمال الأخرى التي تتحدد في مبحث ما بعد الرياضيات # Meta-Mathematics ~~. يرى فون رايت أن مشروع ~~هيلبرت هو بشكل ما إحياء لمشروع ليبنتز في القرن السابع عشر، الذي كان يطمح إلى وضع لغة ~~رمزية عالمية يتحد الناس جميعا في استعمالها بصرف النظر عن لغاتهم الطبيعية، تماما ~~كالرياضيات، وتشكل حروفها أبجدية الفكر البشري، فيناظر كل حرف مفهوما أوليا بسيطا، ~~وعن طريق قواعد التركيب نشكل من هذه المفاهيم البسيطة مفاهيم مركبة. وأشار ليبنتز ~~صراحة إلى أن فن التركيب هذا حساب عقلي كالجبر تماما. هكذا تصور الفكرة الأساسية ~~للمنطق الرياضي، ولكنه لم ينجز مشروعه هذا ولم يفطن إلى أهمية العلاقات ولم يتحرر أصلا ~~من إعجابه بأرسطو. يظل ليبنتز مجرد مبشر، أو هو المبشر الأول، تبعه في القرن الثامن عشر ~~مبشرون آخرون من علماء الرياضيات المعنيين بالمنطق أهمهم ليونارد أويلر # L. Euler ~~، ويوهان ~~لامبرت # J. Lamber ~~، وبرنار بولزانو # B. Bolzano ~~، ~~حتى كانت نشأة المنطق الرياضي المهيأة للنضج والنماء في القرن التالي كما رأينا. # الاتجاه الثالث نحو أصول الرياضيات هو الاتجاه العقلي الحدس المثالي، الذي يرى أن ~~الحدس # intuition ~~، أي الإدراك الفوري المباشر هو ~~الطريق لإدراك حقائق الرياضيات وأسسها. وهذا اتجاه قديم منذ أفلاطون حتى ديكارت وكانط. ~~وحين أثيرت مشكلة أصول الرياضيات بعث مجددا على يد الهولندي لويتسجن بروور # L. E. Brouwer ~~(1881-1966م)، وأيضا أرند هايتنج # A. Heyting ~~. أنكر الحدسيون أن يكون المنطق قادرا ~~على تأسيس أصول الرياضيات، وعرضوا قوانين التفكير الأساسية لمنظار النقد، وأثاروا الشك ~~في قانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع، أي «الشيء إما أ أو لا أ، ولا ثالث أو وسط». ~~لقد اختلفت رؤيتهم لدور المنطق عن رؤية فريجة ورسل والمدرسة المنطقية في أصول ~~الرياضيات، واختلفت أيضا عن رؤية ديفيد هيلبرت والمدرسة الصورية، وكان النقاش حادا ~~بين الحدسيين والصوريين. # لقد تراجع تماما التفسير التجريبي الاستقرائي لأصول الرياضيات، وأصبح المنطقيون ~~والصوريون والحدسيون يمثلون المدارس الثلاث الكبرى المتنافسة فيما بينها، إلا أن ~~المدرسة المنطقية مع رسل كانت بمثابة ثورة وصاحبة الأثر ms238 الأكبر في توجيه فلسفة القرن ~~العشرين. وبشكل عام تمخضت المناقشات الدائرة بين هذه المدارس الثلاث في أصول الرياضيات ~~عن نماء ونضج المنطق الحديث، الذي أصبح بالضرورة منطقا رمزيا ما دام في أصله ~~رياضيا. # انطوى ترميز المنطق على قفزة عقلية هائلة طرحت إمكانيات إبستمولوجية أبعد، بحيث يمكن ~~أن نماثلها بالقفزة التي حدثت ممهدة لنشأة العلم الحديث من جراء استخدام رموز الأرقام ~~الهندية العربية بدلا من الأرقام الرومانية القاصرة العقيمة التي استمرت في أوروبا حتى ~~القرن الثالث عشر أو بالتحديد عام 1202م، عام عودة ليوناردو فيبوناسي إلى بيزا؛ لينشر ~~شروحا للأرقام التي تعلمها من العرب. يكفي أن نقارن مثلا العدد 988 في صورته العربية ~~هكذا أو 988 وهي صورة عربية أخرى، وبين صورته بالأرقام الرومانية هكذا: # DCCCCLXXXVIII ~~، أو بين إمكانية إجراء عملية حسابية ~~بسيطة مثل «113 × 8» بصورتها العربية وبين إجرائها في الصورة الرومانية # VIII X CXIII ~~، حيث تحتاج لجهد خارق وعقيم، المثل ~~تماما يحدث بفضل ترميز قضايا وعلاقات الحجة أو البرهان أو الصياغة في المنطق الرياضي. ~~وإذ يصطنع المنطق لغة رمزية مبرأة من عيوب اللغات الطبيعية، فإنه يتجنب الخلط والإبهام ~~وعدم دقة التعبير والمراوغة في المعنى الكامنة في اللغة الطبيعية، أجل، استخدم المنطق ~~الأرسطي الرموز إلى حد ما، رمز للموضوع ورمز للمحمول، ربما كان الفرق في الرمزية بينه ~~وبين المنطق الرياضي الحديث فرق درجة وليس فرق نوع، لكنها درجة هائلة شاسعة تصل إلى حد ~~صنع اختلاف كيفي بين المنطق القديم والمنطق الحديث، وتجعل هذا الأخير أداة قوية ناجزة ~~للتحليل وللاستنباط، وقادرا على أن يكشف عن البنية المنطقية للقضايا والحجج بوضوح لم ~~يكن متاحا البتة قبل كل هذا القدر من الترميز. # 5 # منح المنطق الرياضي فلسفة القرن العشرين ذات المنزع المعرفي والتجريبي والعقلي ~~إجمالا أسلوبا فنيا للصياغة الدقيقة والتعبير المنضبط، وأداة فريدة مكنتها من ~~استنباط النتائج من المقدمات بطرق ممهدة لم تكن متاحة من قبل، لقد جعل من الممكن صياغة ~~مشكلات فلسفية تقليدية بطرق جديدة خصيبة ومثمرة، فقام بدور كبير في تطوير مدارس ms239 وأنساق ~~فلسفية عديدة. وقدم التحليل المنطقي للقضايا عتادا هائلا للنظرة التعددية للعالم ~~رفضا للواحدية وعلاقاتها الداخلية، فقد أوضح أن خواص الشيء أو أوصافه لا تفصح عن ~~علاقاته بالأشياء الأخرى مما يعني أن العلاقات خارجية، وبالتالي العالم تعدديا. # 6 # وبشكل عام أدى المنطق الرياضي إلى إزالة مواطن لبس وغموض رانت طويلا على صدر الفلسفة ~~متذرعة بالخلط اللغوي، مثلا توصل برتراند رسل عام 1905م إلى «نظرية الأوصاف المنطقية»، ~~وعن طريقها تستطيع الفلسفة - أخيرا - إثبات أن غولا أو دائرة مربعة مفاهيم لا وجود ~~لها. «كل العفاريت حمراء»، و«كل المصريين عرب»، «قضيتان متساويتان في نظر المنطق ~~الأرسطي، وعن طريق الأوصاف المنطقية يتم إثبات أن المقدم «المبتدأ أو الموضوع» في ~~القضية الأولى لا وجود له، بينما هو في الثانية موجود، هناك فئة فارغة وفئة غير فارغة، ~~هدف «الأوصاف المنطقية» هو تمييز الصور المنطقية عن الصور النحوية وإبعاد الكيانات ~~الزائفة التي لا يستطيع النحو إثبات زيفها. فتعتبر نظرية الأوصاف المنطقية مثالا ~~نموذجيا للفلسفة في القرن العشرين المتسلحة بالمنطق الرياضي، ومثلها أيضا نظرية رسل ~~في الأنماط المنطقية عام 1908م التي تفرق بين قضية تشير إلى شيء جزئي وقضية تشير إلى ~~مبدأ عام أو تشير إلى قضايا أخرى، مما أدى إلى حل مفارقات كثيرة. # وبالعود إلى العام الحاسم 1900م نجد شهر يوليو منه يشهد مؤتمرا دوليا للفلسفة عقد ~~في باريس، حضره كبار الفلاسفة والمناطقة أمثال: ألفرد نورث هوايتهد وبرتراند رسل ~~وجوتلوب فريجه وجوزيب بيانو ... كان هذا المؤتمر علة فاعلة لتلاقح الفلسفة والمنطق ~~الرياضي، وشهد القرن العشرون فئة مستجدة تفلح أراضي لم تستكشف من قبل هي فئة ~~الفيلسوف/المنطقي، غالبية أعضائها من فلاسفة العلم، مما أدى إلى توظيف فلسفي واسع ~~للمنطق الرياضي. لم يعد المنطق كما كان مجرد أورجانون أو أداة للفلسفة، ومن أسبق ~~الشواهد على هذا أعمال هوايتهد «مبادئ المعرفة الطبيعية 1919م»، و«مفهوم الطبيعة 1920م» ~~و«مبدأ النسبية 1922م». وكان هوايتهد من أعظم الباحثين في أصول الرياضيات والمساهمين في ~~تطوير المنطق الرياضي، بلغت إسهاماته الذروة في الكتاب الفذ «برنكبيا ماتيماتيكا»، ms240 ~~لكنها أيضا توقفت بهذا العمل واتجه إلى الفلسفة الخالصة، بينما واصل رسل جهوده ~~المنطقية بلا كلل أو ملل. وكان رسل قد أعلن أن أي مشكلة فلسفية إذا خضعت للتدقيق ~~والتحليل الضروريين؛ اتضح أنها إما أن تكون مشكلة منطقية أو أنها ليست مشكلة فلسفية ~~فعلا، بعبارة أخرى، كل المشاكل الفلسفية فعلا هي مشاكل منطقية، # 7 # وأصبح مألوفا أن تكنى فلسفة العلم بمنطق العلم. وكان فريجه قد رأى أن ~~العلوم الفيزيائية تدرس قوانين الطبيعة، والمنطق يدرس قوانين تصور قوانين الطبيعة، ~~المنطق من هذه الزاوية هو علم قوانين الطبيعة ليدخل في ذات الهوية مع علم العلم أو ~~فلسفة العلم. # وإذا كان المنطق الرياضي قد لعب دورا كبيرا في تطوير فلسفة القرن العشرين ذات ~~المنزع العقلاني والمعرفي، فإن فلسفة العلم على الخصوص هي التي أحرزت تقدما تقنيا ~~كبيرا بفضله، وإذ تسلحت بهذه الأداة الفعالة - أي المنطق الرياضي - أصبحت التجريبية ~~فيها مقننة تقنينا دقيقا يفصلها بمراحل عن التجريبية الفجة التي عبرت عنها النزعة ~~الاستقرائية في القرن الأسبق. لقد أصبح من الممكن تجريد بنية النظرية العلمية للتعامل ~~معها ومع العلاقات بين عناصرها، وبينها وبين وقائع الملاحظة، وانفتح الطريق إلى محاولة ~~صياغة التجريبية ذاتها بلغة منطقية دقيقة تكون لغة للعلم الموحد. # إن المنعطف الحاد الذي جعل فلسفة القرن العشرين تصطبغ بصبغة منطقية إنما يتبوأر في ~~حجر زاوية أساسي هو اللغة. أجل، المنطق هو علم قوانين الفكر منذ أرسطو وحتى عنوان كتاب ~~جورج بول. ولكن القرن العشرين أدرك أن المنطق لا يدرس قوانين الفكر كسديم سابح في ~~الأجواء الميتافيزيقية، أو كما يدرسها علم النفس مثلا، بل يدرس المنطق قوانين الفكر ~~كما تتمثل في الانتقال من قضايا لغوية إلى أخرى، أسرف تشارلز بيرس في إيضاح أن اللغة ~~جوهر التفكير، إنها الموضوع الفعلي للمنطق ومادته الخام التي يتعامل معها ويعالجها، ~~فيبدو جليا أن المنطق يدرس الارتباط بين التفكير واللغة؛ لذا يزدهر في الأجواء التي ~~تشهد ازدهارا في المباحث اللغوية، كما كان الوضع في كمبردج وأكسفورد، ومن قبل في ~~الحضارة العربية ms241 الإسلامية. # الواقع أن العرب أدركوا مبكرا هذا الارتباط الوثيق بين المنطق واللغة، وأرسوها قاعدة ~~تقول: إن المنطق هو نحو التفكير، والنحو هو منطق اللغة، وفي قول آخر: المنطق نحو يوناني ~~والنحو منطق عربي، خصوصا وأن النحو العربي يتميز بأصول للاشتقاق وبتقنين وتقعيد محكم ~~لا مثيل له في لغات العالمين. لقد رأينا التهانوي يعرف المنطق بالنطق والنفس الناطقة ~~واللفظ، بحيث ارتبط المنطق - اشتقاقا ومضمونا، كاسم وكمسمى - بالنطق وباللغة، يقول التهانوي: # النطق بالضم وسكون الطاء يطلق على النطق الخارجي وهو اللفظ، وعلى النطق ~~الداخلي الذي هو إدراك الكليات، وعلى مصدر ذلك الفعل وهو اللسان، وعلى مظهر هذا ~~الانفعال، أي الإدراك. المراد بالنطق في قولهم الإنسان حيوان ناطق هو القوة ~~الموجودة في جنان الإنسان التي تنتقش فيها المعاني، ولا خفاء في أنها لا توجد ~~في الببغاء والملائكة والجن؛ لفقد الجنان في الجن والملائكة، وفقد انتقاش ~~المعاني في الببغاء. # 8 # هكذا نلاحظ التطابق بين التفكير والنطق أو اللغة كقوة مميزة للإنسان، فيغدو المنطق في ~~ذات الهوية مع التفكير ومع اللغة، وحينما أصبح المنطق الرياضي عصبا لفلسفة القرن ~~العشرين اتجهت هذه الفلسفة بقوة نحو الاهتمام باللغة، وأصبحت فلسفة اللغة من ~~محاورها. # في دفع الفلسفة نحو الاتجاه اللغوي، ربما تكاتفت مع المنطق فروع أخرى لعلوم نهضت في ~~القرن العشرين من قبيل اللغويات النظرية وعلوم الكومبيوتر ودراسة الذكاء الاصطناعي ~~وتشغيل برامج المعلومات، بيد أن دور المناطقة الرياضيين كان العلة الفاعلة بلا شك. ألم ~~يتضح أن الرياضيات ليست حقائق ووقائع ميتافيزيقية كامنة في الما وراء، بل هي محض لغة ~~للتعبير الدقيق؟! ثم تحمل الحركة التحليلية وفيلسوفها رسل فلسفة اللغة على كواهلها، مما ~~يعني ارتباطا بالمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات. في منتصف القرن العشرين اتضح الدور ~~الكبير لجوتلوب فريجة كفيلسوف لغة. ربما لم يكن لديفيد هيلبرت دور في فلسفة اللغة، لكن ~~الاتجاه الحدسي مع بروور - فيما يرى فون رايت - لعب دورا غير مباشر، فهجوم بروور على ~~النزعة الصورية لهيلبرت هو بشكل ما نقد للغة في اتصالها بالحدوس الكامنة خلف ms242 التفكير ~~الرياضي، والتي تشكل أصول الرياضيات كما يرى الحدسيون. هكذا تبدو مختلف المدارس في أصول ~~الرياضيات والمنطق الرياضي وهي تدفع الفلسفة نحو اللغة، حتى أصبحت مناط ثورة فلسفية في ~~القرن العشرين. معظم تياراته الفلسفية تهتم باللغة ولم تعد تسلم بها كوسيط شفاف للتعبير ~~والتواصل، وكأنها اكتشفت فجأة أن عدسات النظارة التي ننظر بها دائما محتاجة لجلو ~~وتنظيف. # وهنا يتقدم الفيلسوف النمساوي لودفيج ~~فتجنشتين # L. Wittgenstein ~~(1889-1951م) بوصفه صاحب الأثر الواسع والعميق في صبغ فلسفة ~~القرن العشرين بالصبغة المنطقية، تقنينا وتنضيدا للغة، وإحكاما وضبطا للتفكير ~~بواسطة قصر اللغة على صياغة العبارات التجريبية والعلاقات المنطقية. فيمثل فتجنشتين ~~نقطة التقاء الخطوط السابقة، المد التجريبي والمنطق الرياضي كعصب الفلسفة وكيف يتبوأر ~~تلاقيهما معا وتفاعلهما في التجريبية وهي تتمنطق في شكل فلسفة للغة. # كان فتجنشتين يدرس هندسة الطيران والملاحة الجوية، اجتذبته الرياضيات في سياق دراسته ~~الهندسية، وانكب على الرياضيات البحتة وألحت عليه التساؤلات بشأن أصولها. أرشده أساتذته ~~إلى كتاب «برنكبيا ماتماتيكا» الذي دفعه إلى دراسة أعمال فريجه، سافر فتجنشتين إلى ~~يينا # Jena # في ألمانيا عام 1911م؛ لكي يناقش أصول ~~الرياضيات مع فريجه، فنصحه بالدراسة في كمبردج على يد برتراند رسل. هكذا شد فتجنشتين ~~الرحال إلى إنجلترا والتحق بكلية تيرنتي في كمبردج لينتقل من أصول الرياضيات إلى ~~المنطق، ويتفرغ بقية حياته للفلسفة، عازفا عن إمكانياته المهنية الهندسية ومتنازلا عن ~~ثروة طائلة ورثها ومعرضا عن الزواج ... إلخ. هذا لكي يتكرس تماما لثورة المنطق الرياضي ~~في المملكة التجريبية كما تمخضت عن فلسفة اللغة التي ستلعب دورا كبيرا في فلسفة ~~العلم. # نمت بينه وبين أستاذه برتراند رسل صداقة عميقة ورفقة فلسفية ثمينة، أثمرت ثمرا ~~وفيرا في مضمار الفلسفة التحليلية. في أوائل العشرينيات صدر كتاب فتجنشتين «الرسالة ~~المنطقية الفلسفية»، ترجم توا إلى اللغة الإنجليزية ثم ترجم مرارا وتكرارا، ويظل من ~~أهم النصوص الفلسفية في القرن العشرين، ومن أقوى الموجهات التي أثرت على فلسفة العلم. ~~إنه كتاب شديد التميز، عباراته قصيرة حادة مركزة قاطعة حاسمة مرقمة بدقة، لا يمكن ~~قراءتها بسرعة ms243 أو فهمها بسهولة. # كان فتجنشتين نموذجا لفئة المنطقي/الفيلسوف، بل هو حاد في الاتسام بالسمة المنطقية. ~~الفلسفة في عرفه إما هي منطقية أو أنها لا شيء وقول فارغ يخلو من المعنى، بله الجدوى. ~~قام بدوره في تطوير وسائل المنطق الرياضي من قبيل قوائم الصدق، ودوال الصدق التكرارية ~~(انظرها في الفصل # الرابع ~~) انطلق من الرياضيات وله بحث في أصولها، ويقف عمله على أكتاف ~~فريجه ورسل، إلا أنه لا يوضع ضمن أقطاب المدرسة المنطقية في فلسفة الرياضيات، ويظل من ~~أرباب الفلسفة التحليلية. وتحتل «الرسالة المنطقية الفلسفية» موقعا استراتيجيا ~~بالنسبة لدور المنطق في فلسفة القرن العشرين على العموم، وفي فلسفة العلم على ~~الخصوص. # أوضحت «الرسالة المنطقية الفلسفية» أن المنطق ما هو إلا صورة للفكر كما يتمثل في ~~اللغة. إذن فالمنطق ما هو إلا صورة للغة، وكل ما يمكن التفكير فيه يمكن التعبير عنه ~~بوضوح، يقول فتجنشتين: # تهدف الفلسفة إلى التوضيح المنطقي للأفكار، وليست الفلسفة علما # Lehre # إنما هي نشاط. حصيلة الفلسفة ليست عبارات ~~فلسفية، وإنما توضيح للعبارات. يجب أن تعمل الفلسفة على توضيح الأفكار وتحديدها ~~تحديدا قاطعا، وإلا ظلت تلك الأفكار مبهمة وغامضة. # 9 # هكذا يؤكد على أن الفلسفة مجرد نشاط مهني لتوضيح الأفكار؛ وذلك عن طريق التحليل ~~المنطقي للعبارات التي تصاغ فيها الأفكار وردها إلى عناصرها الأبسط، فتزداد وضوحا ~~ونتأكد من مطابقتها للواقع التجريبي وإلا اعتبرناها لغوا. رأى فتجنشتين أن معظم ~~المشكلات الميتافيزيقية والفلسفية الكبرى، إذا خضعت لمجهر التحليل اتضح أنها تحير ~~العقول؛ لأنها بلا معنى وليست مشكلات على الإطلاق! الفلسفة بهذا المنظور التحليلي لا ~~تحمل معرفة ولا تضيف جديدا، بل هي توضيح للأفكار ومعركة ضد البلبال الذي يحدث في ~~عقولنا نتيجة سوء استخدام اللغة، معركة سلاحها المنطق الرياضي. # كان موقف فتجنشتين في منتهى الجذرية، فنجده يبحث في إمكانية اللغة أصلا، وما الذي ~~تعنيه العلامات اللغوية؟ في الإجابة على هذا ارتبطت اللغة بالعالم ارتباطا وثيقا، ~~فتمثلت التجريبية في أكثر صورها نصوعا وسطوعا، طبعا بفضل المنطق الرياضي. فقد وضع ~~نظريته التصويرية للغة التي تقوم ms244 على تماثل وتطابق هيئة التكوينات اللغوية مع تكوينات ~~الأشياء في العالم التجريبي. إن جوهر اللغة هو جوهر العالم هو الصورة المنطقية العميقة ~~المشتركة بينهما. الغلالة النحوية التي تحكم ظاهر استخداماتنا للغة، تخفي هذا التشارك ~~من حيث تحجب جوهرية البنية المنطقية العميقة للغة. كشفت «الرسالة المنطقية الفلسفية» عن ~~المفاهيم عميقة الجذور المشتركة بين اللغة والعالم، وطبيعة الصورة المنطقية والضرورة ~~والصدق؛ وما إليه من زوايا منطقية محورية. # والمثير حقا أن فتجنشتين وضع في الأربعينيات عمله الآخر المكتوب بنفس طريقة الفقرات ~~القصيرة المرقمة، 693 فقرة، والذي يمثل المرحلة الثانية من تفكيره وهو «بحوث فلسفية»، ~~حيث يتطرف في الاتجاه اللغوي المنطقي إلى آخر المدى مما يمثل انفلاقا واضحا. فلم يعد ~~ينطلق من منطلق الرسالة؛ وهو أن العبارات اللغوية لا بد وأن ترتبط بوقائع العالم ~~التجريبي، بل يولي ظهره لهذا مؤكدا أن العبارات تعتمد أولا وأخيرا على القواعد التي ~~اصطلحنا عليها لاستعمال اللغة، وليس المقصود بقواعد اللغة هنا النحو والصرف والاشتقاق ~~التي يعنى بها علماء اللغويات. القواعد اللغوية التي هي موضوع الفلسفة المنطقية هي ~~قواعد السيمانطيقا # Semantics ~~، أي التحليل المنطقي ~~لدلالات الألفاظ وقواعد السينتاطيقا # Syntax ~~، أي ~~التحليل المنطقي لبنية اللغة والتراكيب اللغوية. وأصبح يطلق على مبحث السيمانطيقا ~~والسينتاطيقا معا اسم ما بعد المنطق # Metalogic ~~. ~~والواقع أن أية لغة لا تعدو أن تكون رموزا دالة وقواعد لتركيبها. وبهذا نفهم كيف ~~تتعامل الفلسفة المنطقية مع اللغة من حيث هي لغة لا من حيث هي لغة عربية أو يونانية أو ~~فرنسية أو إنجليزية ... # في فاتحة «بحوث فلسفية» يؤكد فتجنشتين أنه لا يزال يبحث المعنى والفهم والقضية ~~والمنطق وأصول الرياضيات وحالات الوعي وما إليه، بيد أنها عولجت مجددا من اتجاه مغاير. # 10 # لقد باتت العبارات اللغوية مقطوعة الصلة بالخبرة التجريبية، ولا تعتمد على ~~أية إحساسات يتلقاها شخص ما أو حتى كل الأشخاص. ليس هناك لغة خاصة تعبر عن الخبرة ~~الخاصة؛ لأن مثل هذه اللغة تشير إلى إحساسات فورية خاصة بالمتكلم لا يعرفها سواه، ~~فيستحيل أن يفهمها شخص آخر. «أنا ms245 أتألم» ليست لغة بالمعنى الصحيح، هذا التعبير اللغوي ~~عن الألم يحل محل الصراخ والتأوه، وليس توصيفا للألم، # 11 # أو معرفة به. الخبرة الحسية ليست معرفة أصلا. الوحدة الأولية للمعرفة هي ~~القضية التي تقبل الخطأ أو الصواب والكذب أو الصدق. لا يمكن أن يخطئ المرء وهو يقول: ~~«أنا حزين»، أو «أرى مقعدين في الغرفة»، فلا يمكن أن تكون المدركات الحسية موضوعا ~~للمعرفة ولا أساسا للغة. أساس اللغة هو فقط قواعدها. هب أنك اعتدت أن تقرن إحساسا ~~معينا بالعلامة «س»، فإن أي تركيز على خبرتك الحسية ذاتها لا يكسب العلامة «س» معنى، ~~إنها تكتسب كل المعنى فقط من القواعد التي نصطلح عليها لاستعمال «س» في اللغة المتداولة ~~بيننا. هكذا كل العلامات اللغوية - كالألفاظ - لا يتوقف معناها على الخبرة الحسية، بل ~~على قواعد اللغة، السيمانطيقية والسينتاطيقية، أي القواعد التي تحكم الدلالات والتراكيب ~~اللغوية. # وبعد أن كانت وظيفة اللغة في «الرسالة» هي تصوير العالم، أصبحت وظيفتها التواصل مع ~~الآخرين. واللغة بهذا المنظور نشاط جمعي مثل المباريات الرياضية، ينبغي أن نتعلم ~~قواعدها تماما كما نتعلم قواعد المباراة الرياضية. يستعمل فتجنشتين مصطلح «مباراة # game ~~» ليعني أن اللغة لها الخصائص الآتية: ~~(1) # الطابع التنافسي. ~~(2) # محكومة بقواعد. ~~(3) # تتطلب مهارات تتفاوت. ~~(4) # ليس لها هدف نهائي، مجال الأهداف مفتوح. ~~(5) # يمكن اعتبار اللغة مجموعة أنشطة مستقلة تماما كما أن المباريات الرياضية ~~أنشطة مستقلة. وهذا لا يعني البتة أن اللغة نشاط تافه أو مجرد تسلية، بل هي ~~الفاعلية الاجتماعية الأم. # ومع هذا الانتقال من وقائع العالم التجريبي في «الرسالة» إلى قواعد اللغة في «بحوث ~~فلسفية» ما زال فتجنشتين مخلصا لهدفه الأولي، وهو أن تكون مهمة الفلسفة التوضيح لنحذف ~~اللغو وينفرد العلم بمجال المعرفة. إننا نتعلم قواعد الدلالة أو السيمانطيقا والتركيب ~~اللغوي أو السينتاطيقا كما نتعلم قواعد مباراة، وعن طريق هذه القواعد يتم تمييز المعرفة ~~العلمية واستبعاد الميتافيزيقيات التي يتسع لها النحو، بينما هي خالية من المعنى. «حتى ~~إذا تساءلنا لماذا يهتم الفيلسوف بدراسة قواعد مباريات اللغة؟ لكان ذلك فقط من أجل ~~التوضيح والتمييز ms246 بين اللغو وبين الكلام ذي المغزى»؛ # 12 # أي المنطق والرياضة والعلوم الطبيعية وسائر العبارات التجريبية. جميعها ~~يسير التعبير فيها تبعا لإرشادات تخطيطية مجردة، وتبني لنفسها سياقها الخاص الذي يسير ~~بواسطة فروض مطروحة بوضوح في إطار للعمل أو البحث. ويمكن الحكم على انتماء العبارات ~~لهذه المجالات وفقا لاقتفاء العبارات قواعد السير فيها، أي قواعد التعبير اللغوي. وإذا ~~أخذنا عبارة علمية أو منطقية كنموذج للوضوح وكمورد نهائي للصدق الأصيل، سوف نستطيع ~~تحديد القواعد اللغوية للتمييز، وسوف يتجه تصورنا للوضوح نحو نوع من الصفاء الفطري الخالص. # 13 # لقد رأينا بادئ ذي بدء أن نشأة النزعة الاستقرائية، وفلسفة العلم إجمالا كانت بهدف ~~تمييز المعرفة العلمية، ويأتي فتجنشتين متسلحا بالمنطق الرياضي؛ ليجعل التعبيرات ~~التجريبية هي كل الكلام ذي المغزى وما عداه لغوا، ويحقق هدف التمييز عن طريق قواعد ~~التعبيرات اللغوية، فلا غرو أن يصر إصرارا على قصر الفلسفة على منطق اللغة، متخذا ~~موقفا غاية في القسوة والعنف من بقية امتدادات الفلسفة وفروعها - خصوصا الميتافيزيقا ~~- يهدف إلى استئصالها جميعا بضربة واحدة! # يقول هنريك فون رايت إن المناطقة والرياضيين على السواء قابلوا إنجاز فتجنشتين ببرود. ~~لعل كارل بوبر يفوق زملاءه المناطقة في هذا، فقد أسرف في رفض دعاوى «الرسالة المنطقية ~~الفلسفية»، أما «بحوث فلسفية» فيصفه بوبر بأنه غث وتافه ومضجر! وأنه لا يجد فيه ما ~~يستحق الاتفاق أو الاختلاف! ولا نندهش فديدن الفلسفة دائما هو الرأي والرأي الآخر، ~~ومهما كان هذا الرأي أو ذاك فالذي لا شك فيه أن «الرسالة المنطقية الفلسفية» بالذات ظلت ~~باقية وأعيد إحياؤها المرة تلو المرة، في الفلسفة المنطقية وفي تطورات النظرية اللغوية، ~~ومن ناحية أخرى في فلسفة العقل التي تستلهم الكومبيوتر كما تتمثل في العلوم المعرفية ~~ودراسة الذكاء الاصطناعي، وكان تأثيرها الأقوى في فلسفة العلم. ويظل فتجنشتين بمنطقه ~~الصارم صاحب أخطر رسالة لغوية تلقتها الفلسفة. # كانت المحصلة القوية لفلسفة فتجنشتين في التيار التحليلي العريض، وأقوى مدارسه ~~الوضعية المنطقية. هذا التيار كثيرا ما ينعت بأنه أهم تيارات الفلسفة في القرن ~~العشرين، وإليه تعود ms247 الصبغة المنطقية القوية فيها. يلزم التوقف إزاء الفلسفة التحليلية ~~وفيلسوفها برتراند رسل، ثم الوضعية المنطقية التي انسلت عنها لتمثلها في فلسفة العلم، ~~بكل القوة والمضاء. وقبل أن ننتقل إلى هذا وذاك، نختم حديثنا في هذا الجزء من الفصل ~~بنظرة شاملة على مآل ومسير المنطق حتى نهاية القرن العشرين. # أهم تطور حدث في المنطق بعد الحرب العالمية الأولى أتى من المدرسة المنطقية البولندية ~~التي أسسها في وارسو، في فترة ما بين الحربين العالميتين أحد تلاميذ برنتانو وهو ~~تفاردوفسكي # K. Twardowiski ~~(1866-1938م) لتعكف على ~~المنطق الحديث وأبعاده في الفلسفة وأصول الرياضيات، استمرت حتى نهاية الحرب العالمية ~~الثانية لتتفكك بوفاة وهجرة أعضائها، بعد أن تنجز خطى تقدمية محورية، لعل أهمها ظهور ~~المنطق المتعدد ~~القيم # many-valued ~~logic # لا يعرف المنطق الأرسطي التقليدي إلا قيمتي الصدق والكذب، ~~القضية إما صادقة وإما كاذبة والقيمة الثالثة ممتنعة. أما المنطق الرياضي الحديث فلا بد ~~وأن يعمل بقيم متعددة، فهو تحليلي يرد القضية إلى مكوناتها، كل مكون صادق أو كاذب، أما ~~القضية في حد ذاتها فقد لا يمكن الحكم عليها بهذا أو ذاك. إذن ظهرت قيمة ثالثة، فضلا ~~عن القيم المتعددة لحساب الاحتمالات بين قيمتي الصدق والكذب. لا ينفصل هذا عن بعث ~~وإحياء منطق الجهة # Modal ~~Logic ~~؛ ~~أي الحكم على القضية من جهة الضرورة أو الإمكان أو الامتناع. وهذا مبحث عني به أرسطو ~~والمناطقة العرب - خصوصا الفارابي وابن رشد - ثم أهمله جورج بول وفريجة. فلم يكن منطق ~~الجهة محط اهتمام في مرحلة نشأة المنطق الرياضي. وفي العشرينيات بعثته البحوث ~~السيمانطيقية مجددا وأعادت إحياءه. وكان هذا أساسا في إطار نقد منطق برتراند رسل. إن ~~أعمال رسل ذات مردودات وحصائل لا أول لها ولا آخر، إنه عملاق في الفلسفة وفي الرياضيات ~~على السواء. وقد رأينا كيف مثل المنطق الحديث معاملا مشتركا بينها. # منذ أرسطو وحتى يومنا هذا، المنطق جزء لا يتجزأ من دراسة الفلسفة، وهو الجزء الأهم، ~~سار المنطق التقليدي في سياق مختلف عن الرياضيات، أما المنطق الحديث فيحتل مكانته في ms248 ~~أقسام الفلسفة وأقسام الرياضيات على السواء بمختلف الجامعات في شتى أنحاء العالم. ولم ~~يكن انضمامه للأسرة الرياضية سهلا، هذا ألفرد ~~تارسكي # A. Tarski ~~(1901-1983م) صاحب الإنجازات الحاسمة في مبحث ما بعد المنطق ~~خصوصا السيمانطيقا وما بعد اللغة وما بعد الرياضيات والمنطق المتعدد القيم، ووصل إلى ~~تعريف حاسم لمفهوم الصدق، وهو على الإجمال من أبرز رجال المدرسة البولندية، هاجر بعد ~~تفككها إلى الولايات المتحدة. ويحدثنا تارسكي عن الصعوبات التي واجهته لكي يجعل المنطق ~~تخصصا موقرا في أقسام الرياضيات بجامعة باركلي. على العموم، احتل المنطق الآن موقعه ~~بين علوم الرياضيات في مختلف الجامعات. # في «برنكبيا ماتيماتيكا» يلتحم المنطق مع الرياضيات تماما، في إطار نسق موحد يبدأ من ~~حساب القضايا وينتقل إلى حساب الفئات ثم العلاقات، ويتدرج دون أدنى فجوة أو قطع إلى ~~الحساب العددي منتقلا منه إلى بقية فروع الرياضيات كما نسقها المذهب الحسابي لفريجه في ~~تسلسلها عن العدد الصحيح. نحن هنا لا نستطيع أن نقول أين انتهى المنطق وأين بدأت الرياضيات. # 14 # لذلك أصر فتجنشتين على أن المنطق بأسره جزء من الرياضيات. وأوضح رسل أن ~~المنطق يأخذ من الفلسفة، بخلاف التطبيق والتفعيل في المجالات العقلية الواسعة، فقط ~~البدايات والأسس والأصول والقواعد، ثم يتوغل في متاهات قاصرة على الرياضيات. ومع هذا، ~~ما أن انضم المنطق إلى الأسرة الرياضية الأرستقراطية الجليلة، إلا وراح يثير غبار الشك ~~على أفرادها الموقرين، وتكفي مبرهنة كورت جودل الشهيرة التي أثبتت عنصرا من اللااكتمال ~~في الإنساق الرياضية. فهل لهذا كان المنطق - خصوصا في الثلث الأول من القرن العشرين - ~~قوة هائلة تجذب الطلبة الواعدين من أقسام الرياضيات إلى أقسام الفلسفة؟ # رأينا هذا يحدث لفتجنشتين، ويشبه ما حدث لبرتراند رسل نفسه. فقد التحق بجامعة كمبردج ~~في أكتوبر 1890م واختار دراسة الرياضيات وحصل على إجازته فيها بعد ثلاث سنوات. رأى رسل ~~أسلوب التدريس في كمبردج عقيما ومجرد حشد للأذهان بحيل بارعة تمثل إهانة لذكاء الطالب، ~~حتى بدت الرياضيات بأسرها أمامه مثيرة للغثيان! يقول رسل: # لما انتهيت من آخر امتحاناتي في الرياضيات ms249 عند نهاية سنتي الثالثة في كمبردج، ~~أقسمت ألا أنظر بعدها إلى الرياضيات، وبعت كل كتبي الرياضية، وفي هذه الحالة ~~النفسية والعقلية واجهتني الفلسفة بكل البهجة التي يبتهج بها الهارب من نفق إلى ~~واد مزدهر فسيح. # 15 # وأيضا الفيلسوف الكبير ألفرد نورث هوايتهد، أستاذ رسل ورفيقه في «برنكبيا ~~ماتيماتيكا» وصاحب الرؤية العضوية العميقة للطبيعة في إطار فلسفة شاملة للعلم، كان هو ~~الآخر أستاذ رياضيات بارزا في كمبردج ولندن، وانتقل من الرياضيات إلى أصولها إلى ~~المنطق الرياضي والفلسفة المنطقية، ثم الفلسفة إجمالا حتى فلسفة الحضارة وفلسفة ~~التربية، وسافر عام 1924م إلى جامعة هارفارد العريقة أستاذا للفلسفة بها ومكرسا لها ~~بقية حياته، وهو لم يتلق دراسة نظامية في الفلسفة، ولا حصل على شهادة فيها. # تأثير المنطق كقوة جذب للعقول النابهة من رحاب الرياضيات إلى رحاب الفلسفة لا يقتصر ~~على طبقة وايتهد ورسل وفتجنشتين، بل حدث كثيرا حتى كان مألوفا في ألمانيا - كما ~~يخبرنا فون رايت - أن يهجر الطلبة النابهون أقسام الرياضة ذاهبين إلى الفلسفة بفعل سحر ~~المنطق. # وفيما بعد خف هذا كثيرا، وكما أوضحت ثورة العلوم الرياضية في الفصل السابق، مثلت ~~مبرهنة كورت جودل التي طرحت في أوائل الثلاثينيات منعطفا حادا في توجهات العقل ~~الصوري. وبعدها فقد البحث في أصول الرياضيات كثيرا من سحره وجاذبيته، وفقدت الأحلام ~~العظيمة للمنطقيين والصوريين والحدسيين بهاءها ورونقها، لكن بعد أن تخلف عنها هذا العلم ~~المهيب: المنطق الرياضي الذي أجادت فلسفة القرن العشرين تشغيله واستثماره والاستفادة ~~منه. ومن قبل ومن بعد، فإن المنطق الرياضي نهض على أكتافه عملاق القرن العشرين والقرون ~~التالية - أي الكومبيوتر - في برمجياته أو جانبه ~~المرن # Soft-Ware # وفي عتاده أو جانبه ~~الصلب # hard-ware # على السواء. # وإذ يودعنا القرن العشرون، يبدو المنطق - كما يلاحظ فون رايت - وكأنه يلحق بمصير ~~مباحث عديدة - بدءا من الفيزياء ووصولا إلى علم النفس - تنفصل عن الفلسفة وتصبح ~~علوما مستقلة. فلم يعد المنطق الآن مرتبطا بالفلسفة كما كان طوال تاريخه، وبعد ~~تطوراته المتتالية أصبح علما مستقلا ووثيق الصلة بالرياضيات وبعلوم أخرى استحدثت ms250 على ~~مسرح القرن العشرين مثل علوم الكومبيوتر والدراسات المعرفية والسيبرناتيكا واللغويات ~~العامة، وجميعها أصبحت مباحث تنحدر بشدة تجاه الرياضيات، إلا أن فون رايت يقول: # إن الفلسفة تزدهر في غسق الغموض، وستظل ثمة جوانب غامضة في المنطق في حاجة ~~إلى جهود الفلاسفة، فلن ينفصل عن الفلسفة أبدا، وسيظل الفلاسفة يجدون في ~~المنطق نسيجا لأثواب ميتافيزيقية قشيبة، ولكن لا أعتقد أن المنطق سوف يلعب مرة ~~أخرى دورا جسيما وهائلا كهذا الذي لعبه في فلسفة القرن العشرين. فقد كان ~~القرن العشرون العصر الذهبي للمنطق. # 16 # ثالثا: برتراند رسل والفلسفة التحليلية # من العوامل التي جعلت القرن العشرين عصرا ذهبيا للمنطق أن شهد هذا القرن ~~برتراند رسل # B. Russell ~~(1872-1970م) الذي رأيناه ~~عملاق الفلسفة وعملاق الرياضيات على السواء، فأينعت الثمار في المعامل الذي أضحى ~~مشتركا بينهما وهو المنطق. وقدم لنا رسل فلسفة علمية بلغت الذروة في تسلحها بالمنطق ~~الرياضي. والواقع أن رسل على وجه التحديد هو الذي علم فلسفة القرن العشرين كيف يمكن ~~أن تصبح التجريبية منطقية. على العموم اجتمعت صفحات سابقة في مواضع متفرقة على التنويه ~~بدوره الكبير في فلسفة هذا القرن، منذ رؤيته للعلية ومشكلة الاستقراء حتى كتاب «برنكبيا ~~ماتيماتيكا» والمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات والإسهام الحاسم في ثورة العلوم ~~الرياضية، وفي المنطق الرياضي وفي جعل فلسفة القرن العشرين مصطبغة بالصبغة المنطقية ... ~~والآن نلتقي به عن كثب أكثر. # ولد برتراند آرثر وليم رسل لأسرة أرستقراطية عريقة من أرفع طبقات المجتمع الإنجليزي، ~~وتولى جده رئاسة الوزارة ثلاث مرات، وقبل أن يبلغ عامه الرابع كان قد فقد أبويه، تعهدت ~~جدته ذات الصرامة الأرستقراطية بتربيته وتنشئته وتثقيفه، لم ترسله إلى أية مدرسة ~~نظامية، وقامت بتعليمه في المنزل بمساعدة مدرسين خصوصيين، على عادة الطبقة الرفيعة في ~~إنجلترا آنذاك. تبدى نبوغه في الرياضيات، وهو بعد طفل يرفل في مدارج الصبا ويتلقى ~~دروسه في الحساب والهندسة من أخيه الأكبر والوحيد، ويشكك في بديهيات إقليدس. ولعل هذه ~~الشكوك هي ما أدت في النهاية إلى «برنكبيا ماتيماتيكا» وما تلاه. التحق بجامعة ms251 كمبردج ~~عام 1890م ليدرس الرياضيات، وعين عام 1910م محاضرا بها، وفي عام 1916م فصل منها ~~وصدر حكم بحبسه ستة أشهر؛ لأنه معارض لدخول إنجلترا الحرب العالمية الأولى ورافض ~~لسياستها الاستعمارية. بعد انتهاء الحرب سافر إلى الصين وروسيا اللتين زادتا عقليته ~~رحابة وثراء. تبرع بثروته خصوصا لجامعة كمبردج، وتكسب عيشه من كتاباته الغزيرة ~~ومحاضراته العامة. أمضى فترة الحرب العالمية الثانية في أمريكا يحاضر في جامعاتها، ~~وواجهته اعتراضات حادة بسبب دعواه إلى حرية العلاقات الجنسية، وهو الذي تزوج أربع مرات! ~~لكنه حظي باعتراف العالم به كشخصية مرموقة وواحد من أعظم عقول القرن العشرين. وحين عاد ~~إلى وطنه عام 1944م أعيد انتخابه زميلا بكلية ترينتي في جامعة كمبردج. وفي كل هذا ~~كانت إنجازاته الفلسفية تتوالى باطراد معالم بارزة على طريق الفلسفة العلمية في القرن ~~العشرين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحتى رحيله، لم يأل جهدا ولا فكرا ولا ~~مالا لخدمة قضايا السلام ونزع السلاح النووي وإنهاء الاستعمار والدفاع عن الحرية في كل ~~مكان. آخر ما كتبه - قبل وفاته بيومين - رسالة إلى المؤتمر البرلماني العالمي الذي كان ~~منعقدا بالقاهرة في أوائل شهر فبراير عام 1970م، يندد فيها بإسرائيل ويطالب بانسحابها ~~من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967م، محذرا إياها بأن «الغارات في عمق الأراضي ~~المصرية لن تقنع المدنيين بالاستسلام، بل ستعزز تصميمهم على المقاومة». # 17 # فقد كان رسل بحق عقل القرن العشرين الصوري المحلل، وروحه العلمية الدافقة، ~~وأيضا ضميره الحي، فلا غرو أن يلقب «بفيلسوف القرن» # 18 # وبغير منازع. # عاش رسل حياة طويلة عريضة عميقة، القراءة والكتابة في أعقد المواضيع خبزه اليومي، وظل ~~حتى آخر لحظة محتفظا بتوقده الذهني وقدرته الفريدة على مراجعة نفسه وتعديل مواقفه ~~وتطوير فلسفته. وفي كل حال ظلت رسالته الراسخة التي يصر عليها إصرارا أن تكون الفلسفة ~~علمية تصغي باهتمام لشهادات العلم ، وتستفيد من مناهجه التجريبية والصورية معا، وتتحلى ~~بطبائعه، من هنا كان أكثر العقول تجريدا وتجسيدا لروح القرن العشرين، بآلام مخاضه ثم ~~تطورات نمائه الثورية. استقبل الدنيا عام 1872م ms252 في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ~~ليتلقى خلاصة مده، التيار العلمي التجريبي المغرور من ناحية ومد المثالية الألمانية ~~كتيار مواز له من الناحية الأخرى. وقع رسل في إسار كانط وهيجل، ثم انقلب عليهما؛ ~~ليستقبل القرن العشرين وهو في صدر الشباب وأوج النضج ويكون في طليعة الجاعلين عام 1900م ~~عاما حاسما لصالح المد التجريبي، تأكيدا للثابت الباقي في كل المتغيرات والتطورات ~~التي خضعت لها فلسفته، أي الرسالة التي حملها باقتدار وامتياز وأجاد إبلاغها للقرن ~~العشرين، وهي أن تكون الفلسفة علمية، ومن أجل هذا لا بد وأن تصبح التجريبية ~~منطقية. # رأى رسل الفلسفة تتميز عن العلم في أن القضية الفلسفية لا تتعلق إطلاقا بالشيء ~~المتعين في إطار زماني مكاني محدد، إنها ذات عمومية شاملة، مما جعل الفلسفة العقلانية ~~تعين دائما على فهم العالم ككل ما أمكنها ذلك، أما الفلسفة في جانبها الوجداني، فتضع ~~قيما وغايات للحياة. ويؤكد رسل أن مهام الفلسفة لا تختلف باختلاف العصور، والفلسفة حين ~~تصل إلى تصور عام للعالم، إنما تصل بنا إلى أقصى نقطة ممكنة في الابتعاد عن الموقف ~~الإنساني المحدود المتعين في الهنا والآن، في المكان المحدد بالزمان المعين. كل الأنشطة ~~المعرفية - على رأسها العلم - ترتفع بالإنسان عن قوقعته الزمانية المكانية، وتجعل حياته ~~أرحب بأن يترامى تفكيره إلى سعة الأفق الوجودي، فلا ينحصر في موطئ قدميه. التاريخ ~~والجيولوجيا مثلا يبتعدان بالإنسان عن الآن، الجغرافيا والفلك يبتعدان عن الهنا، أما ~~الفلسفة في نظرتها الأنطولوجية «الوجودية» العامة فينبغي أن تستوعب كل هذا وتتجاوزه حين ~~تغامر بوضع تصور عام للعالم أو الكون؛ فذلك هو البحث الشامل الذي تتميز به الفلسفة ولا ~~يستطيعه سواها. وحين تصبح الفلسفة علمية تغدو هذه المغامرة مأمونة ومحسوبة، وأيضا ~~ضرورية؛ لأن العلم في القرن العشرين طرح أمامنا عالما جديدا تماما ومفاهيم ومناهج لم ~~تعرفها الأزمنة الأسبق، وتعد بسبل أكثر خصوبة وثراء من كل ما أتيح للأقدمين. # 19 # لكي تكون الفلسفة علمية وتتقي جنوحات الخيال وشاعرية الأحلام عليها الالتزام بحدود ~~المنطق وأطره والعمل بأدواته المشحوذة؛ لهذا ms253 أكد أن كل المشاكل الفلسفية في جوهرها ~~مشاكل منطقية. حاول أن يتجاوز المنطق الرياضي إلى ما أسماه بالمنطق الفلسفي الذي يعنى ~~بحصر الصور المنطقية والأنواع المتعددة للقضايا وأنماط الوقائع وتصنيف مكوناتها ~~المنطقية. والمنطق الفلسفي أكثر صعوبة من المنطق الرياضي وأهم؛ لأنه هو الذي جعل من ~~الممكن مناقشة القضايا الفلسفية مناقشة علمية، وهذا الجزء الفلسفي من المنطق في حقيقة ~~الأمر نظرية ميتافيزيقية يحاول رسل أن يجعلها منطقية تبدو وكأنها نتيجة لفلسفة الرياضيات، # 20 # ولم يصل رسل إلى تصوره للمنطق الفلسفي إلا بعد أن أشبع المنطق الرياضي ~~دراسة وتطويرا وتطبيقا، وكل هذا في إطار نزوعه نحو أن تتمنطق الفلسفة بأسرها لكي تكون ~~علمية. وبالتالي لم يصل إلى تصوره المنطقي الخالص الشامل للفلسفة العلمية دفعة واحدة، ~~بل عبر مراحل متعاقبة من التطور الفلسفي، فكيف كانت هذه المراحل؟ # بدأت علاقة رسل النظامية بالفلسفة فور انتهائه من دراسة الرياضيات في كمبردج عام ~~1893م، نفس العام الذي صدر فيه كتاب برادلي «المظهر والحقيقة» ليكون أول ما قرأه رسل، ~~وهو أقوى تمثيل للغزوة المثالية الألمانية التي اجتاحت إنجلترا آنذاك. فوقع رسل بدوره ~~في إسار المثالية الألمانية، ودرس الفلسفة في عامه الجامعي التالي بهذه الروح، وكان ~~أستاذاه هما الفيلسوفان المثاليان ستوت وماكتاجارت الهيجلي الكبير. نمت صداقة بينه وبين ~~ماكتاجارت جعلته يرتاح معه لرؤية هيجل للعالم ككل واحد ومتماسك، ينكر حقيقية المادة أو ~~الزمان والمكان. الحق الوحيد هو المطلق ... إله هيجل، ومن قبل كان أستاذه في الرياضيات ~~وايتهد ميالا إلى كانط. وأيضا سافر رسل مع زوجته الأولى إليس إلى ألمانيا في خريف ~~1895م، لدراسة الاقتصاد والاشتراكية الديمقراطية. وكان رسل يجيد الألمانية ويتحدثها بطلاقة، # 21 # لكل تلك العوامل غرق رسل حتى أذنيه في المثالية الألمانية بعملاقيها كانط ~~وهيجل. وسوف نرى كيف كان رسل حتى في هذه المرحلة المثالية الباكرة، التي استمرت فيما ~~بين عامي 1893م و1898م، مخلصا لوعده الصادق بأن تكون الفلسفة علمية، وأن فلسفة العلم ~~هي الممارسة الفلسفية الأصيلة، لنستطيع صياغة المحصلات العلمية بواسطة المناهج ~~الفلسفية. # تجلت المثالية في ms254 أول أعمال رسل «مقال في أسس الهندسة 1897م»، وهو بحث نال به رسل ~~درجة الزمالة من كمبردج، بعد أن ناقشه وايتهد وجيمس وارد عام 1896م وأثنيا عليه. وفيه ~~يطرح رسل السؤال الكانطي الشهير: كيف كان علم الهندسة ممكنا؟ وانتهى إلى أنه لا يكون ~~ممكنا إلا إذا كان المكان واحدا فقط من التصورات الثلاثة المطروحة، مكان إقليدس ~~المستوي أو مكان لوباتشيفسكي المقعر أو مكان ريمان المحدب. ولأن الأخيرين لا يستغنيان ~~البتة عن مقياس ثابت للانحناء، بدت الإقليدية هي الهندسة الوحيدة الممكنة، وما كانت ~~الكانطية تسمح بغير هذا. لم تكن نظرية النسبية لآينشتين التي جعلت هندسة ريمان هندسة ~~تطبيقية قد ظهرت بعد لتطيح بكل هذا، فتصور رسل في حينه أنه أرسى التصور الإقليدي ~~للعالم، وأنه حل كل المشاكل الفلسفية المتعلقة بأسس الهندسة! # وإمعانا في الانسياق مع المثالية الألمانية، انتقل رسل من هذا الأساس الكانطي إلى ~~هيجلية ديالكتيكية «أي جدلية تنتقل من القضية إلى النقيض إلى المركب الشامل لكليهما». ~~راح إبان العامين التاليين (1896-1898م) في انشغال عميق بتفسير ديالكتيكي «جدلي» لأسس ~~العلوم الرياضية والفيزيائية على السواء، وخرج مقاله «في العلاقات بين العدد والكمية» ~~ليعلن أنها علاقة انقلابات جدلية، وشرع في معالجة مماثلة لأسس الفيزياء، وانشغل ~~بالمقابلة بين الحركة المطلقة والحركة النسبية، وبأن المادة في حقيقتها تجريد غير ~~واقعي، وليس ثمة علم بالمادة - كالفيزياء - يمكن أن يستوفي الشروط المنطقية، وعلى هذا ~~انتهى إلى تفسير جدلي أو منطق ديالكتيكي لأسس الفيزياء، ينتقل بين الطرفين المقابلين ~~وهما المقولات العقلية والإحساسات، ويرتبط بالمظهر البادي أكثر من ارتباطه بالمنطق ~~الصوري؛ ليكون منهجا لتحويل المظهر إلى حقيقة، بدلا من أن نبني الحقيقة أو الواقع ~~أولا، ثم تواجهنا بعد ذلك ثنائية لا مخرج منها. # 22 # وكان رسل يأمل في كتابة سلسلة كتب في فلسفة العلم، تتجه تدريجيا نحو ما ~~هو أكثر عينية، فينتقل من الرياضيات والفيزياء إلى البيولوجي، وتوازيها سلسلة أخرى من ~~الكتب بشأن المسائل الاجتماعية والسياسية، تتجه تدريجيا نحو ما هو أكثر تجريدا، عساه ~~أن يحرز في النهاية، بعملية ms255 تركيب جدلية هيجلية، عملا موسوعيا يغطي النظرية والتطبيق ~~على السواء. # 23 # لكنه لم يفعل، فقد انقلب فجأة على هذه المثالية، واعتبر كل ما قاله فيها - خصوصا ~~بشأن أصول الهندسة - لغوا، انقلب إلى النقيض تماما، إلى فلسفة واقعية، انسياقا مع ~~المد التجريبي في مطالع القرن العشرين أو بالأحرى إحداثا له. وكانت هذه الانقلابة في ~~ذلك الأوان هي التي شهدت نشأة الفلسفة التحليلية، ولكننا سنوضح الآن كيف جعلت المنطق ~~الرياضي عصب الفلسفة وجعلت التجريبية منطقية. # بدأت رحلة الخروج من المثالية الكانطية الهيجلية عام 1898م بفعل عدة عوامل، منها أن ~~رسل قرأ كتاب هيجل «المنطق الأكبر» فوجد ما يقوله هيجل عن الرياضة لغوا ناتجا عن رأس ~~مشوشة أو موحلة # muddle # بتعبير رسل! والواقعة ~~العارضة شديدة الأهمية هي أن ماكتاجارت سافر فجأة لزيارة أهله في نيوزيلندة، وعهدت ~~كمبردج إلى رسل بتدريس ليبنتز بدلا من ماكتاجارت، فوجد نفسه منكبا على أعمال ليبنتز. ~~وها هنا اكتشف أن أساس الميتافيزيقا المثالية الواحدية هو المنطق الأرسطي الحملي، منطق ~~الجوهر وأعراضه الذي يعجز عن التعبير عن العلاقات الخارجية، أية علاقة تتحول إلى محمول ~~يحمل على الموضوع فتغدو كيفية مباطنة للموضوع محايثة فيه. من هنا كانت العلاقات داخلية ~~والجوهر واحدا حاويا للكل. هكذا كان المنطق الأرسطي وراء الخديعة المثالية بتصور ~~العالم ككل واحدي وإنكار المادة والتعددية والعلاقات الخارجية. أدرك رسل ضرورة الإطاحة ~~به تماما والأخذ بالمنطق الرياضي النامي حديثا، وهو الذي علم رسل أهمية العلاقات في ~~الرياضة وفي الفلسفة على السواء، وأن إهمالها أدى إلى نتائج وبيلة في كليهما، شن رسل ~~حملته المضرية على المنطق الأرسطي وميتافيزيقاه في سلسلة محاضراته آنذاك والتي حملها ~~كتابه «عرض نقدي لفلسفة ليبنتز 1900م». # كان هذا الكتاب علامة فارقة في مستهل طريق فلسفة القرن العشرين توجهها صوب المنطق ~~الرياضي وتعلمها أنه صلب الفلسفة، فلا بد وأن تكون منطقية. وكان رسل بدوره قد اكتشف ~~بفضل المنطق الرياضي - منطق العلاقات - العالم الخارجي التعددي الذي كان محروما منه ~~بفعل الإسار المثالي الذي يرى العالم مجرد تصور للذات. انقلب ms256 رسل إلى الواقعية المفرطة ~~الساذجة # naive # التي تقر بالوجود الواقعي لكل شيء ~~حتى الأسماء الكلية والأعداد ... واستقبل القرن العشرين وهو مفعم بالبهجة والثراء. وبهذه ~~الروح حضر المؤتمر الدولي للفلسفة في يوليو 1900م، وألقى بحثا يؤكد فيه هذا التصور ~~الجديد للعالم الواقعي التجريبي التعددي ذي العلاقات الخارجية. إنه عالم مكون من جماع ~~هائل من الجزئيات المادية والنقاط المكانية واللحظات الزمانية ... كل منها وجميعها حقيقي ~~حقيقية المطلق الهيجلي، وبدلا منه. # كان هذا المؤتمر الهام نقطة تحول في حياة رسل، فقد قابل فيه بيانو لأول مرة، وأدرك ~~دقة تفكيره وخطورة أبحاثه في مفهوم العدد والتصورات الرياضية. أثناء المؤتمر طلب منه ~~رسل أعماله الكاملة ودرسها جميعا، ووجد في منطقه الرياضي أداة للتحليل طال البحث عنها. ~~وحين أتى سبتمبر من هذا العام الحاسم كرسه رسل لتطبيق هذه الأداة التي استقاها من ~~بيانو على منطق العلاقات، وخصص أمسيات سبتمبر لمناقشة هذه الفكرة مع وايتهد، يقول رسل: ~~«سبتمبر 1900م أعلى قمة بلغتها في حياتي.» # 24 # فمن هذه الأمسيات أتت فكرة «برنكبيا ماتيماتيكا 1910-1913م» إلى الوجود، ~~ويؤكد رسل أن تركيز الاهتمام على منطق العلاقات أخطر الدلالات الفلسفية لهذا العمل ~~الجبار. # كان رسل قد عكف منذ أكتوبر 1900م على عمله الأسبق «أصول الرياضيات 1902م»، # 25 # وهو يحمل محاولات لرد الرياضيات إلى المنطق، محاولات مليئة بأوجه قصور ~~تجاوزها برفقة وايتهد في «برنكبيا ماتيماتيكا». بيد أن «أصول الرياضيات» يحمل أقوى ~~تجسيد لهذه المرحلة الواقعية من فلسفة رسل، يحمل أيضا العلامة الفارقة وهي تآزر المنطق ~~والفلسفة. منذ هذا الكتاب فصاعدا سوف تصبح فلسفة رسل فلسفة منطقية وحججها قائمة على ~~أساس المنطق الرياضي، وسوف يحمل رسل بامتياز وريادة هذه البطاقة النادرة التي طبعها ~~القرن العشرون، بطاقة المنطقي/الفيلسوف الذي يمنطق الفلسفة. # وكما رأينا كان المنطق هو الذي رسم لرسل العالم الواقعي المفرط في واقعيته حتى امتدت ~~إلى فلسفته للرياضيات، فجعل كياناتها واقعية، عبر رسل عن هذا بقصة طريفة تدور حول حلم ~~تراءى لعالم رياضيات، لم تكن الأرقام فيه مجموعات جامدة كما كان يظنها من ms257 قبل، بل ~~كائنات تنبض بالحياة، الأعداد الفردية مذكرة والزوجية مؤنثة، كلها تتراقص وتنشد: # نحن الأعداد المتناهية ... خامة هذا الكون # تفعل الفوضى ما شاءت ... ونحن نحيل الأرض بسيطة # ونبجل أستاذنا فيثاغورث ... ونعمنا بتكريم الخالد أفلاطون # نكره الحمقى الأفاقين ... ويعرف كل الناس أنا نبع الحكمة. # وتسير أحداث القصة بحيث يندفع في النهاية جيش الأعداد العرمرم صوب أستاذ الرياضة في ~~ثورة عارمة، ويستبد به الرعب هنيهة، ما لبث بعدها أن تمالك نفسه وصاح بصوت جهوري: ~~ابتعدوا عني فما أنتم سوى رموز ملائمة. ثم استيقظ من نومه، # 26 # في إشارة إلى انقلابة رسل بعد ذلك على هذه الواقعية المفرطة. # فقد ظل رسل ينعم بهذا التصور الواقعي الزاخر، حتى قال له وايتهد ذات مرة: «إنك ترى ~~العالم كما يتراءى في ظهيرة يوم مشرق بديع، أما أنا فأراه كما يبدو في بكرة الصباح ساعة ~~يصحو المرء من نوم عميق.» # 27 # وراح وايتهد يوضح له كيف أنه يستعمل المنطق الرياضي في عالمه الغامض كصباح ~~لندن ذي الضباب الكثيف، فهب رسل من سباته على صدر الواقعية الوثير؛ ليجد وايتهد يعلمه ~~منهاجا منطقيا لبناء الجسيمات المادية والنقاط المكانية واللحظات الزمانية بوصفها ~~مجموعات من الأحداث، كل حدث ذي امتداد متناه في المكان وديمومة متناهية في الزمان. وهذا ~~يعني أن الأحداث # events # هي خامة العالم، أما الجسيمات ~~والنقاط واللحظات التي ترتد جميعها إلى الأحداث، فينبغي استئصالها وحذفها بواسطة «نصل ~~أوكام». # هكذا تعلم رسل من وايتهد استخدام «نصل أوكام» وهو قاعدة منهجية تعني التقليل من ~~الفروض والكيانات التي لا تدعو الحاجة إليها وحذفها تحقيقا لمبدأ الاقتصاد في التفكير. ~~فإذا كان لدينا الكيانات «أ وب وج» وأمكن رد «ج» إلى «أ وب»، حذفنا «ج» لنعمل بكيانين ~~بدلا من ثلاثة. وفيما بعد سيجعل رسل «نصل أوكام» القاعدة العليا للتفلسف العلمي؛ لأنه ~~القادر على جعل التصورات الفلسفية أصفى وأنقى. وحين حذف النصل الجسيمات والنقاط ~~واللحظات، وأبقى فقط على الأحداث أمكن التوفيق في كل منسجم بين الإدراك الحسي وبين ~~فيزياء القرن العشرين التي ابتعدت تماما عن ms258 التصورات العادية للحس المشترك. أوضح نصل ~~أوكام قدرة المنطق الرياضي على تصفية الأنطولوجيا وتطويرها، واكتشف رسل - بفضل وايتهد - ~~القوى الفلسفية الجبارة للمنطق الرياضي، وأن الأمر لا يقتصر على منطق العلاقات، فثمة ~~نصل أوكام وتطبيقه بمنهج البناء المنطقي وهو التخلص من كيانات مستدل عليها، أي غير ~~واضحة، فنحل محلها بناء منطقيا من كيانات تجريبية نكون على معرفة مباشرة بها من قبيل ~~المعطيات الحسية، وثمة أيضا اللغة الرمزية المثالية للتعبير عن هذا تعبيرا منطقيا؛ ~~كل تلك الأدوات المنطقية تمثل عتاد الفلسفة التحليلية، وعن طريقها تصبح التجريبية ~~منطقية. # أخذ رسل عن وايتهد أن العالم مكون من أحداث # events ~~، ~~وبتطبيق تلك الأدوات المنطقية عليها أصبحت الأحداث محايدة لا هي عقل ولا مادة، بل شيء ~~مختلف عن كليهما وأسبق منهما. إنها نظرة واحدية محايدة تقضي على الثنائية الديكارتية ~~ثنائية العقل والمادة، وتختلف عن الواحدية المثالية التي تقر بجوهرية العقل فقط، وبنفس ~~القدر تختلف عن الواحدية المادية التي تقر بجوهرية المادة فقط، والتي اقترنت بالفيزياء ~~الكلاسيكية. # في واحدية رسل المحايدة قد تبدو الظواهر العقلية مختلفة عن الظواهر المادية، إلا أن ~~كليهما أبنية منطقية من نفس الخامة وهي الأحداث المحايدة. كلاهما خطوط أو سلاسل من ~~أحداث تنظمها قوانين علية. العلية ليست قوة إجبار وإحداث كما كانت في الفيزياء ~~الكلاسيكية، بل أصبحت مجرد قوانين للتعاقب، وهي بهذا المفهوم الواسع تضم كل القوانين ~~التي تربط الأحداث في مختلف الاتصالات الزمانية المكانية. السلسلة العلية خط من الأحداث ~~نستطيع أن نستدل من أية حادثة فيه على شيء ما يتعلق بحادثة أخرى في نفس السلسلة أو الخط ~~العلي شبه المستقل. الإدراك الحسي بوصفه مصدرا للمعرفة المتعلقة بالعالم الفيزيقي ~~مستحيل بدون السلاسل العلية شبه المستقلة. # 28 # هناك قوانين علية تنظم سلاسل الأحداث في صور ~~ذهنية # images # فتكون ظواهر عقلية وموضوعا لعلم النفس، وهناك قوانين علية ~~أخرى تنظمها في هيئة إحساسات # sensations # فتكون ظواهر ~~مادية وموضوعا لعلم الفيزياء. # 29 # اقترنت الأحداث المحايدة باسم رسل؛ لأنه هو الذي صاغها صياغة منطقية دقيقة بفضل ~~أدواته المشار ms259 إليها آنفا، وهي نصل أوكام والأبنية المنطقية واللغة المثالية الرمزية. ~~لكنها كانت شائعة من قبل بين فلاسفة الواقعية الجديدة في أمريكا وعلى رأسهم وليم جيمس، ~~وأيضا تشونسي رايت # C. Wright ~~(183-1875م) ورالف بارتون بيري # R. B. Perry ~~(1876-1957م) فضلا عن نفر من ~~فلاسفة القارة الأوروبية أهمهم إرنست ماخ. رسل نفسه يطلق على الواحدية المحايدة اسم ~~«فرضية ماخ وجيمس». قام ماخ في كتابه «تحليل الإحساس 1886م» بتحليل الأشياء الفيزيقية ~~إلى عناصر أسماها الإحساسات ما دمنا نكتشفها من الخبرة الحسية، وليست الإحساسات علامات ~~على الأشياء، بل الشيء هو الذي يعد رمزا فكريا لإحساسات ذات ثبات نسبي. والإحساسات ~~ليست ذهنية ولا هي فيزيقية، إنها محايدة وتشكل النسيج الذي يتألف منه العالم. وهذا الذي ~~بلغه ماخ من خلال الفيزياء بلغة وليم جيمس من خلال علم النفس. فمن أجل تجريبيته الجذرية ~~أراد جيمس الوصول إلى تصور للعالم لا يسمح بدخول أي عنصر غير تجريبي لا يقع في الخبرة، ~~وبهذا تغدو الخبرة الخالصة هي الخامة الواحدة والوحيدة التي يتركب منها كل شيء في ~~العالم، عقلي أو مادي، وهي مختلفة عن كليهما. # إحساسات ماخ أو خبرات جيمس أو أحداث رسل، خامة واحدة لا هي عقل ولا هي مادة، بل ~~محايدة بينهما، ويتشكل كلاهما منها. تلك هي الواحدية المحايدة، فلسفة العالم التعددي ~~تعددية أحداثه البالغة الكثرة، والتي تمثل أساسا أنطولوجيا ملائما للعلم التجريبي. ~~وبعد أن كان رسل ينتقد جيمس ويرفض خبراته المحايدة، انقلب فجأة في عام 1919-1920م ~~ليسلم بها ويثني على جيمس الثناء الجميل ويعتبره من أهم الأعلام المشكلين لفلسفة ~~القرن العشرين. # لماذا كان هذا الانقلاب من رسل؟ الإجابة: لأن عام 1919م شهد نصرة النظرية النسبية ~~لآينشتين التي أوضحها الفصل السابق، حين خضعت للاختبار التجريبي العسير واجتازته بفضل ~~بعثة آرثر إدنجتون. كان شغف رسل بالغا بمتابعة أخبار وتفاصيل هذه البعثة، وانفعاله ~~بنتائجها عميقا حتى مر عليه وقت - على حد تعبيره - رأى فيه أي شيء بخلاف النسبية لا ~~يستحق اهتماما وندم على أعوام عمره السابقة، التي أنجزت ما أنجزت؛ ms260 لأنه أنفقها في غير ~~مجالات النظرية النسبية! على العموم يسير رسل في الاتجاه العام لفلسفة العلم في القرن ~~العشرين ويعتبر الفيزياء أخطر العلوم وأهمها والبوصلة الموجهة للعقل العلمي ومحور فلسفة ~~العلم. # الواقع أن النظرية النسبية هي التي جعلت رسل يقلع تماما عن أية ثنائية للعقل والمادة ~~ويأخذ بالتصور الواحدي المحايد للعالم؛ لأن النظرية النسبية تملي الأحداث المحايدة. لقد ~~أطاحت بالانفصال التقليدي بين مفهومي الزمان والمكان، وأحلت بدلا منهما المتصل ~~الزماني/المكاني الرباعي الأبعاد، وهو ليس كيانا واحدا يحل محل كيانين وليس شيئا ~~وليس مسرحا جديدا للحدوثات، بل هو نظام من العلاقات بين الأحداث، يهدم تماما ~~التصورات التقليدية عن التتابع الزماني والتجاور المكاني، وعن المادة بوصفها مكونة من ~~جزئيات عبر آنات الزمان في نقطة من المكان. يبين رسل الواحدية المادية والواحدية ~~المثالية كلتيهما ذات فكرة مرتبكة عن المادة، أصحابهما عاشوا عبيدا لتصور الزمان ~~والمكان ككيانين منفصلين، فتصوروا المادة حدثا في المكان والعقل حدثا في الزمان، # 30 # تملي علينا النسبية الإطاحة بكل هذا، فلا يبقى إلا أحداث محايدة. الحادثة ~~لا تبقى ولا تتحرك كقطعة المادة، إنها توجد ثم تنتهي، فتنحل قطعة المادة إلى سلسلة من ~~الحوادث، والجسم سلاسل من هذه الحوادث، الجسم هو تاريخه وليس كيانا ميتافيزيقيا يحمل ~~تلك الحوادث، تماما كما أن العقل هو تاريخ سلاسل أحداث وليس كيانا ميتافيزيقيا، # 31 # الكوانتم أيضا تملي علينا هذا، فقد ارتدت الذرة إلى إشعاعات، إلى سلاسل من ~~الأحداث، ولا سكون البتة في قلب الذرة، ولا وجود للشيء أو الجوهر المادي. ولعل المخ ~~أبعد منا عن المادة؛ لأننا أكثر جهلا به، وكل ما يعرفه عالم الفيزيولوجيا عن المخ ما ~~هو إلا نتاج سلاسل أحداث واتصالات علية أعقد وأطول. # هكذا نجد أن تصور عالم من أحداث محايدة، تكاتفت لتشييده أربعة علوم هي: المنطق ~~الرياضي والفيزياء وعلم النفس والفيزيولوجيا. وكان انعكاسا لكشف العلم عن الطبيعة ~~الذرية لكل شيء، وقد وجد صياغته الدقيقة عام 1918م في مذهب الذرية المنطقية # Logical Atomism # الذي يعتز به رسل كثيرا، ~~فيؤكد دائما أنه ms261 لا يرتبط إلا ببطاقة فلسفية واحدة هي أنه ذري منطقي، عالم الأحداث ~~المتكثر يتشكل في هيئة وقائع ترتبط بعلاقات، الواقعة هي شيء معين له كيفية معينة، أو ~~أشياء معينة ترتبط بعلاقات معينة، الواقعة ترسمها القضية الذرية التي تعبر عن الشيء ~~الواحد في نقطة معينة من المكان ولحظة معينة من الزمان. أما إذا ارتبطت واقعتان أو أكثر ~~فإن القضية التي تسميهما هي القضية الجزيئية. ويعترف رسل بأنه يدين في هذا المذهب ~~كثيرا لتلميذه وصديقه فتجنشتين، فهو مذهب مشترك بينهما، طوره كل منهما تطويرا ~~خاصا به، بدا عند فتجنشتين أكثر تطرفا. # تلك هي أنطولوجية رسل أو تصوره للعالم، هيكل فلسفته العلمية التحليلية التي علمت ~~القرن العشرين كيف تكون التجريبية منطقية. إنها تجريبية تختلف اختلافا كبيرا عن ~~تجريبية القرن الأسبق الفجة التي راودت رسل أيام واقعيته الساذجة المفرطة، وقد كان ~~إمامها جون ستيوارت مل صديقا لوالديه، وكان أباه في العماد، وبنفس القدر تختلف ~~التجريبية المنطقية عن مثالية برادلي وسواه التي ترى العقل وحده بمنطقه كفيلا بإدراك ~~العالم ولا حاجة لمعطيات الحواس، فتطيح بالتجريبية من أساسها. # كان رسل مثاليا، ثم انقلب إلى النقيض إلى الواقعية الساذجة، وفي مرحلة ثالثة افترق ~~عن الواقعية؛ ليصل إلى مركب جدلي شامل يختلف عن المثالية وعن الواقعية يجمع خير ما ~~فيهما ويتجاوزهما إلى الأفضل، مما يجعل تجريبية القرن العشرين تقدما فلسفيا ملحوظا. ~~إنها تستبقي مساحة ما من المثالية، من حيث ترهن وجود العالم بقوى الإدراك، وترى المعرفة ~~الأصل الذي ترتكز عليه نظرية الوجود، فترتد الأنطولوجيا إلى الإبستمولوجيا. إن أسبقية ~~المعرفة على الوجود هي عنصر مثالي. # رأينا مع رسل أن نوع سلسلة الأحداث يتحدد تبعا للنظرية العلية للإدراك، فإذا كانت ~~إحساسات أي مدركة عبر أعضاء الحس فالعلة مادية فيزيقية تجعل سلسلة الأحداث مادية منتمية ~~لعلم الفيزياء، وإذا كانت صورا ذهنية، أي مدركة عبر علية مركزية في المخ والذاكرة ~~فالسلسلة علية سيكولوجية منتمية لعلم النفس. إذا التمييز بين العقل والمادة ليس خاصة ~~كامنة في أيهما، بل يتوقف على طريقة إدراكنا للشيء. ms262 ولما كان هذا الإدراك يحدث في ذهن ~~الإنسان، فإن التمييز بين الحوادث التي تشكل العالم بأسره يكون في ذهن الإنسان، بل ~~الحوادث ذاتها في ذهن الإنسان! فنحن لا نعلم شيئا عن العالم إلا استدلالا مما يقع في ~~خبرتنا، فلا نستطيع القول: إن العالم المادي خارج رءوسنا يختلف أو لا يختلف عن العالم ~~العقلي داخلها؛ لأنه لا عالمين أصلا، بل مجاميع أحداث ترتبط بروابط علية مختلفة. ~~يعقب رسل على هذا وتأثيره على التجريبيين الخلص بقوله: «قد أفزعت الفلاسفة بقولي إن ~~أفكارهم في رءوسهم، وراحوا يؤكدون في صوت واحد أن رءوسهم ليس فيها أفكار قط، لكن الأدب ~~يمنعني من قبول هذه القضية.» # 32 # إننا إزاء ما يمكن وصفه بالتجريبية المثالية، وكان المنطق هو القادر على تطعيم ~~التجريبية بعنصر مثالي، يحد من غلوائها الاستقرائي وتطرفها المغرور، ما دام المنطق في ~~أصله علم قوانين الفكر. والرائع حقا أن تطورات العلم وفلسفته ونظريته المنهجية في ~~القرن العشرين تبارك هذه التجريبية المثالية، من حيث نجعل الفرض قبل الملاحظة، والعقل ~~قبل الواقع. # سوف تغمر مثل هذه التجريبية المنطقية المثالية فلسفة العلم في القرن العشرين، وكان ~~رسل هو القادر على شق الطريق المنطقي للتجريبية. وكما يقول فيلسوف التحليل جيلبرت رايل # G. Ryle ~~(1900-1976م) كان رسل دائما ذلك المخلوق ~~النادر، الفيلسوف الموزع بين الترانسندنتالية المتعالية والنزعة الطبيعية. القمم ~~المثالية لأفلاطون وليبنتز وفريجه تتنازعه، تماما كما تتنازعه وديان هيوم ومل وجيمس، ~~أو أنه موزع بينهما. ومنذ يفاعة الصبا تشكلت عقليته بأصابع جون ستيوارت مل من ناحية ~~وبصمات الرياضة البحتة من الناحية الأخرى. وفي سنوات إنتاجه المتميز لم يكن مستكنا ~~على قمم المثالية، ولا كان هاجعا في وديان التجريبية، وأيضا لم يكن متأرجحا كالبندول ~~بينهما، الحق الصراح أنه كان دائم البحث عن طريق آمن وممهد بينهما، ربما كان أكثر ~~ارتياحا للسفوح التجريبية، لكنه لم يهجر القمم المثالية أبدا. وكان منذ البداية يأمل ~~في أن يجمع بين النزعة العقلية المثالية كما تتجسد في المنطق والرياضيات وبين النزعة ~~الحسية كما تتمثل في التجريبية؛ ms263 ليصل إلى إطار تتلاءم داخله المكتشفات الثورية ~~للعلم. # وأصبح رسل هذا الفيلسوف المنطقي، وقدم فلسفته العلمية التحليلية، الذرية المنطقية، ~~التي كانت قوة موجهة لفلسفة العلم في القرن العشرين. وقد وقفنا على هيكلها الأنطولوجي ~~المتمثل في نظرية الأحداث المحايدة. أما فلسفة العلم ذاته عند رسل فلم تكن بهذه القوة ~~والمضاء. لعل أهم ما فيها أنه وضع خمس مصادرات للمنهج التجريبي هي: (1) الثبات النسبي، ~~(2) الاستدلال الزمكاني، (3) السلاسل العلية شبه المستقلة، (4) المصادرة البنائية، ~~(5) مصادرة التمثيل. وبنظرة عميقة لوحظ أنها جميعا - باستثناء التمثيل - بمثابة خصائص ~~للأحداث المحايدة. # 33 # وتأتي نظرية رسل للمنهج التجريبي - التي يمكن اعتبارها الفلسفة المباشرة ~~للعلم - أقل من العادية. وتتلخص في أنه أيام واقعيته الساذجة وحتى ظهور نظرية النسبية ~~العامة اعتبر الاستقراء التقليدي المرتكز على مبدأي العلية الكونية واطراد الطبيعة هو ~~منهج العلم، على الرغم من تأكيده أن مشكلة الاستقراء غير قابلة للحل، مما يعني الشك في ~~أسس الاستقراء وصحته. وبحكم طبائع التطور في القرن العشرين فقد الاستقراء التقليدي هذه ~~المكانة، وتمسك رسل بالمنهج الفرضي الاستنباطي الذي يبدأ بفرض ثم نستنبط منه جزئيات ~~تكون محل الاختبار التجريبي. كما بحث رسل نظرية الاحتمالات وخصائص المعرفة العلمية، ~~وأيضا «أثر العلم في المجتمع»، وهذا عنوان كتاب ممتع له مترجم إلى العربية. أخرج رسل ~~معالجة مبكرة وقوية لمبدأ الاستقراء ومشكلته في كتابه «مشكلات الفلسفة 1912م»، وينتهي ~~منها إلى أن القوانين التجريبية لا يمكن أن تكون إلا احتمالية، فنهض جمع من فلاسفة ~~العلم الشبان في كمبردج يعالجون منطق العلم التجريبي، ويحاولون إنقاذ الاستقراء كتبرير ~~للمعرفة العلمية على أساس حساب الاحتمالات، كلما زادت الوقائع التجريبية المفضية إلى ~~القانون كلما زادت درجة احتماليته. أبرز هؤلاء جونسون # W. E. Johnson ~~، وجون ماينارد ~~كينز # J. M. Keynes # قبل أن يتحول إلى الاقتصاد وهارولد جيفرييز # H. Jeffreys ~~، والعبقري الفذ فرانك ~~رامزي # F. Ramsy # الذي رحل عام 1930م عن سبعة وعشرين عاما، وتعرف حركتهم باسم ~~البيزية # Bayesianism # نسبة إلى عالم الرياضيات ~~توماس بييز # T. Bayes ~~(1702-1761م) الذي كان من ~~رواد حساب الاحتمال ms264 ردا على تشكيك معاصره ديفيد هيوم في التجريبية والاستقراء. # 34 # وقد أشرنا إلى هذه المحاولة أثناء مناقشة مشكلة الاستقراء في الفصل الثالث ~~وأوضحنا أنها ليست حلا حاسما ما دامت تسحب المشكلة من اليقين إلى الاحتمال. # ظل رسل من أقوى موجهات الفلسفة طوال الربع الأول من القرن العشرين، إنها الفترة التي ~~شهدت نشأة ونماء وتطبيقات الفلسفة التحليلية التي وصفت بأنها ثورة فلسفية مدوية رافضة ~~للوضع الفلسفي، آتية بالجديد في المنهج، أي أسلوب البحث، وفي المذهب، أي موضوع البحث. ~~خفتت الأضواء عن رسل فيما بعد إلى حد ما، ولم تعد أعماله قوية التأثير مثلما كانت، ~~وتصدر الواجهة أتباعه من فلاسفة التحليل الآخرين. على أن رسل لم يفجر الثورة التحليلية ~~بمفرده، شاركه صديقه مور وتلميذه فتجنشتين. انطلق ثلاثتهم من جامعة كمبردج. # رافق جورج إدوارد مور # G. E. Moore ~~(1873-1958م) رسل ~~منذ البداية في الثورة على المثالية الألمانية التي طغت في كمبردج، وهذا تصعيد للمد ~~التجريبي. ثار رسل عليها؛ لأنها لم تعد تتفق مع روح العلم الذري والمنطق الرياضي، بينما ~~ثار عليها مور؛ لأنها لا تتفق مع الحس ~~المشترك # Common Sense ~~، أي الإدراك الفطري والخبرة العادية للإنسان العادي. وترجع ~~فاتحة الفلسفة التحليلية إلى مقال كتبه مور عام 1903م بعنوان «تفنيد المثالية» قدم ~~فيه مثالا عمليا لمنهج جديد في معالجة المشكلات الفلسفية مطبقا على الحس المشترك. ~~وهذا المنهج الجديد يقوم على فكرة مؤداها أن المشكلات الفلسفية ترجع إلى سبب غاية في ~~البساطة، وهو محاولة الإجابة على الأسئلة المطروحة دون أن نتبين أولا وعلى نحو دقيق ~~حقيقة السؤال الذي سنجيب عليه. وأكد مور أن الفلاسفة لو حاولوا اكتشاف المعنى الحقيقي ~~للأسئلة التي يطرحونها - عن طريق تحليلها - قبل أن يشرعوا في الإجابة عليها، لكانت هذه ~~المحاولة الحاسمة كافية في الغالب لضمان النجاح. وإذا تم هذا سوف تختفي معظم المشاكل ~~الخادعة والخلافات الفلسفية، فغموض المعنى هو مصدر الاضطراب في البحث الفلسفي. ويتألف ~~التحليل عند مور من ترجمة العبارة الغامضة المراد تحليلها، إلى عبارة أخرى مرادفة لها ~~وأوضح منها، ms265 أي أقل إثارة للحيرة. إن التحليل عند مور يتعلق بشكل أو بآخر بالتعريف، أما ~~رسل فقد رأى أن التحليل هو ترجمة العبارة المصوغة في اللغة العادية إلى صيغ منطقية؛ ~~وذلك لأن الصيغ النحوية مضللة يمكن أن نصب فيها أي شيء بغير معنى، وما هكذا المنطق. ~~إذا هناك اختلاف بينهما، مور يبغي الأوضح باللغة، ورسل يريد الأدق بالمنطق. وثمة أيضا ~~اختلاف في الهدف، فبينما يهدف جهاز رسل المنطقي إلى حل مشاكل فلسفية وميتافيزيقية فإن ~~تحليل اللغة اليومية عند مور يهدف إلى إثبات وجهة نظر الذوق الفطري أو الحس المشترك. ~~على هذا كان تحليل مور منصبا على اللغة، وتحليل رسل منصبا على المنطق، أما تحليل ~~الرائد الثالث فتجنشتين فهو منصب على منطق اللغة، كما رأينا في الجزء السابق من هذا ~~الفصل. هكذا خلق هؤلاء الرواد الثلاثة التيار التحليلي الذي هو أقوى تشغيل واستثمار ~~للمنطق الرياضي في فلسفة القرن العشرين في فلسفة للغة. # كان فتجنشتين بعباراته الصاروخية القاطعة هو الأقوى تأثيرا في التيار التحليلي، حتى ~~اعتبر الأب الروحي لسائر فلاسفته، وهو الذي صبغه بالصبغة اللغوية الساطعة. كان متطرفا ~~إلى حد يلامس العصابية في حكمه بأن كل المشاكل الفلسفية لغو ينبغي استئصاله؛ لأنها لا ~~تطابق الواقع التجريبي، حتى قيل: إن «نصل أوكام» يهدف إلى استئصال الشطحات الفلسفية ~~الزائدة، بينما هدف فتجنشتين إلى استئصال شجرة الفلسفة من جذورها! أمثال هذه الدعاوى ~~الهوجاء تظهر في كل عصر ومصر، وتظل شجرة الفلسفة ريانة الأفنان غير قابلة للاستئصال. ~~وقد ظلت ناضرة مثمرة على الرغم من شيوع فلسفة فتجنشتين بشكل أو بآخر في سائر المذاهب ~~التي تفرعت عن التيار التحليلي. # أول فروع التيار التحليلي هو ما يمكن أن نسميه مذهب التحليل العلاجي # Therapeutic Analysis # الذي ساد في كمبردج ~~ذاتها طوال الثلاثينيات مع جون ويزدم وموريس ليزرويتز ومالكوم وسواهم. أخذوا عن ~~فتجنشتين أن التحليل المنطقي «علاج» للالتباسات والبلبال الناشئ عن سوء استخدام اللغة، ~~ويشفينا من الترهات الفلسفية، إلا أنهم لم يهاجموا الفلسفة بالضراوة التي هوجمت بها من ~~فتجنشتين، بل رأوا ms266 المشاكل الفلسفية الكبرى تقوم بدور في تنوير العقل البشري، ولا بد أن ~~ثمة أسبابا وجيهة تدفع إلى الانشغال بالمشاكل الميتافيزيقية الكبرى كحقيقة المادة ~~ووجود الآخرين وخصائص المطلق ... إلخ. على هذا رأوا أن مهمة التحليل الفلسفي ليس مجرد ~~التوضيح وإزالة اللبس والغموض، بل أيضا تهدئة القلق الفلسفي وعلاج العقول من الهم ~~الميتافيزيقي وتحريرها من ضغوطه؛ وذلك بالكشف عن حقيقة المشاكل الفلسفية بواسطة التحليل ~~المنطقي الدقيق، حتى إن جون ويزدم في كتابه «الفلسفة والتحليل النفسي 1953» يقارن هذا ~~بالتحليل النفسي. والتحليل الفلسفي العلاجي لا يستأصل شأفة الفلسفة، بل يزيل المشكلة ~~الفلسفية مبقيا على الدور الذي لعبته في تنوير العقول. والفلسفة التحليلية في كل حال ~~نشاط فني احترافي للتوضيح، وقد أصبح هنا أداة للعلاج. # استمر فلاسفة كمبردج في تحليلاتهم للمشاكل الفلسفية حتى نهاية الحرب العالمية ~~الثانية، وبعدها انتقل مركز التحليل إلى إكسفورد متخذا طورا جديدا ينصب على تحليل ~~اللغة الجارية بين الناس مع جيلبرت رايل وجان أوستن وبيتر ستراوسون، هذا بخلاف فروع ~~التيار التحليلي في قلب القارة الأوروبية وعلى رأسها بالطبع الوضعية المنطقية في ~~النمسا. وأيضا التحليلات البولندية التي مورست في ظلال مدرسة المنطق العظيمة في وارسو، ~~وقد كان رائدها تفاردوفسكي يؤكد أن السيمانطيقا وتحليلات المعاني مدخل ضروري للفلسفة، ~~فقط مدخل، وليس كل الفلسفة كما ذهبت الوضعية المنطقية. # وقد حدد سكوليموفسكي # H. Skolimowisk # في كتابه ~~«الفلسفة التحليلية البولندية 1967م» أربع خصائص تجتمع عليها سائر فروع التيار ~~التحليلي، على ما بينها من خلافات وفوارق، حتى إن هذه الخصائص الأربع تمثل صلب الفلسفة ~~التحليلية. أولها الاهتمام الواعي المتزايد باللغة، فأصبحت اللغة نفسها موضوع البحث ~~الفلسفي، حتى قيل: إن الفلسفة التحليلية مجرد دراسة للغة، وكما أوضحنا في الجزء السابق، ~~ليس المقصود اللغة الإنجليزية دونا عن العربية أو الصينية ... إلخ، بل اللغة من حيث هي ~~لغة كما تتمثل في رموز وقواعد للتركيب، أو في السيمانطيقا والسينتاطيقا. الخاصة الثانية ~~هي التفتيت، بغرض معالجة المشاكل الفلسفية جزءا جزءا، وهذا التفتيت يجعل الممارسة ~~الفلسفية أقرب شبها بروح العلم التجريبي ومناهضة للاتجاه ms267 الشمولي الهادف إلى بناء ~~الأنساق الميتافيزيقية الواحدية الشامخة. وقد وجد هذا التفتيت التحليلي لغته المنطقية ~~الرسمية في مذهب الذرية المنطقية لرسل وفتجنشتين. يتصل التفتيت بالخاصة الثالثة وهي ~~السمة المعرفية، كل الفلسفات التحليلية ترتبط بشكل أو بآخر بمشكلات المعرفة والعلاقة ~~بعالم العلم التجريبي؛ لذلك اتصلت اتصالا وثيقا بفلسفة العلم وأفضت إلى واحد من أهم ~~مذاهبها هو الوضعية المنطقية. أما الخاصة الرابعة فهي التناول البين- ذاتي، التحليل ~~المنطقي لا يرتبط بذات دون أخرى، بل له دائما معناه ومدلوله المشترك بين الذوات ~~جميعا، كلها تشارك فيه وتتفق عليه. إن البين-ذاتية هي المفهوم المعاصر للموضوعية ~~المتفادي لمشاكلها، وبهذا تتميز الفلسفة التحليلية عن سواها من فلسفات قد تمارس تحليلا ~~لا هو موضوعي ولا هو لغوي ولا هو منطقي، وأبرز الأمثلة تحليلات الوجوديين المسهبة للوضع ~~الإنساني. ويمكن ملاحظة أن الخصائص كلها تستقطب روح العلم، وتمثل طابع الفلسفة العلمية ~~التي سادت القرن العشرين. # هذه الصفات أو الخصائص الأربع تجتمع في سائر فروع الفلسفة التحليلية، حتى «الرسالة ~~المنطقية الفلسفية» لفتجنشتين، ومنطق رسل وفلسفته التحليلية التي قامت هذه الرسالة على ~~أكتافها. إن رسل هو الرائد الأكبر، وانطلقت الفلسفة التحليلية من رحابه؛ لتنمو وتتطور ~~وتتجاوز الحدود التي رسمها، كما يحدث كثيرا للأفكار الفلسفية الكبرى. وكان رسل في كل ~~حال دائم الاستعداد للدفاع عن التحليل، ويسهب في تبيان أن رفضه هو رفض للتقدم العلمي ~~ولروح العلم، وإن ساءته بعض التطورات اللاحقة. منذ البداية أراد جورج مور قصر الفلسفة ~~على التحليل، ورفض رسل هذا مؤكدا أن التحليل اللغوي مجرد وسيلة مفيدة جدا، ولا ينبغي ~~أن يتحول إلى غاية تلهي عن إنجاز الأهداف الفلسفية الكبرى، وجاهر بأن التحليل في حد ~~ذاته لا يكفي أبدا لحل المشكلة الإبستمولوجية والمشكلة الأنطولوجية. هاجم رسل الفروع ~~التي جعلت التحليلات اللغوية غاية وقصرت الفلسفة عليها، مؤكدا أن المأخذ الوحيد الذي ~~يمكن أن يؤخذ على الفلسفة التحليلية هو أنها أدت إلى هذه الفروع المتطرفة حيث أصبحت ~~الفلسفة معنية أكثر بفهم نفسها وتنكرت للمهمة التي اضطلعت بها منذ طاليس وطوال عهودها، ms268 ~~وهي مهمة فهم هذا العالم. أوسع رسل هذه الفروع نقدا، وقال عن فلاسفة اللغة الجارية في ~~أكسفورد: إنهم ينشغلون بالأشياء التافهة التي يقولها البلهاء، وهذا أمر قد يكون مسليا ~~لكنه ليس هاما! # وعلى الرغم من أن الوضعية المنطقية أكثر المدارس استفادة من جهاز رسل المنطقي المهيب، ~~وتوظيفا لنظريته في الأوصاف المنطقية والخلو من المعنى، فإن رسل خص الوضعية المنطقية ~~بالقسط الأكبر من نقده الموجه، وأفرد لهذا مقالا مطولا بكتابه «المنطق والمعرفة ~~1956م» الذي حمل أهم محاضراته ومقالاته طوال النصف الأول من القرن العشرين، فهل هذا ~~لشدة تطرف الوضعية المنطقية التحليلي أم لعلو صيتها حتى كادت تكون التمثيل الرسمي ~~لفلسفة العلم، ليس في سياق الفلسفة التحليلية فقط، بل في سياق الربع الثاني من القرن ~~العشرين بأسره؟! # رابعا: الوضعية المنطقية # الوضعية المنطقية هي المسئولة عن كل تطرفات وجنوحات التيار التحليلي، فقد تمسكت ~~بمفهوم رسالة فتجنشتين الضيق للفلسفة بوصفها منطقا للغة العالم التجريبي، كما تتبلور ~~في لغة العلم. وشيئا فشيئا تخلق عن هذا مفهوم للفلسفة بأسرها بوصفها تحليلا منطقيا ~~لكل أشكال الأقوال حتى في اللغة الجارية. هكذا نجد الوضعية المنطقية - بتعبير فون رايت ~~- هي ينبوع التحليل، يتدفق ليتفرع ويتشعب في التيار التحليلي العريض. # وليست الفلسفة التحليلية فحسب، بل كل الخطوات السابقة في فلسفة العلم تتجمع وتتكثف في ~~فلسفة الوضعية المنطقية. هذا منذ أن علمنا فرنسيس بيكون أن الروح العلمية تعني ~~التجريبية ورفض الميتافيزيقا رفضا لكل ما يتجاوز العالم التجريبي أو الطبيعة مملكة ~~المعرفة الإنسانية، ثم تطورات الروح العلمية مع التجريبيين الإنجليز والتنويريين ~~الفرنسيين، حتى صاغ أوجست كونت الفلسفة «الوضعية» ذاتها؛ لتقوم النزعة الاستقرائية ~~بمنهجتها، أي صبها في شكل المنهج الاستقرائي الذي يميز العلم عن أي نشاط عقلي ~~آخر. # سلم الوضعيون المنطقيون بالنزعة الاستقرائية كما صيغت في القرن التاسع عشر بتجريبيتها ~~الحادة؛ ليمنطقوها بعد أن تمنهجت، أي ليجعلوها منطقية بحكم ناموس القرن العشرين، فبدأوا ~~من الأصول في الرياضيات ثم مدوا نطاق استخدام المنطق الرياضي لتحليل مفاهيم العلم، ثم ~~لبناء لغة العلم، أو السيمانطيقا، ثم ms269 السينتاطيقا، فلم يعد المنطق الرياضي مع الوضعية ~~المنطقية عصبا للفلسفة فحسب، بل هو مجمل جهازها العصبي وهيكلها بأسره. # وإذ تستجمع الوضعية المنطقية كل المد السابق في فلسفة العلم، فإنها - بغرور قاصم - ~~تكثفه وتحوله إلى بؤرة تشع نورا ساطعا ونارا تحرق ما حولها، وفي إصرار على الانفراد ~~بفلسفة العلم التي رأوها ينبغي أن تكون الفلسفة برمتها، اتخذت الوضعية المنطقية اسم ~~«التجريبية المنطقية» بألف ولام التعريف، # 35 # وكأن ما سواها من فلسفات للعلم لن تكون هكذا! اتخذت أيضا أسماء أخرى مثل ~~التجريبية العلمية والتجريبية المتسقة والوضعية الحديثة ... ولكن شاع اسم «الوضعية ~~المنطقية» الذي صاغه بلومبرج وفيجل عام 1931م. والواقع أن الاسم الأصلي لهذه المدرسة هو ~~«دائرة فيينا»، فكيف تشكلت دائرة فيينا لتشكل فلسفة الوضعية المنطقية؟ # في عام 1895م قررت جامعة فيينا لأول مرة إيجاد كرسي لفلسفة العلوم التجريبية؛ لتنمية ~~وصقل هذا الفرع الفلسفي الهام النامي حديثا، وكانوا يفضلون أن يشغله عالم طبيعي ذو ~~ميول فلسفية قوية. أول من شغله إرنست ماخ. وفي عام 1922م استدعت جامعة فيينا شليك من ~~وطنه ألمانيا لشغل هذا الكرسي، فقد كان موريتس ~~شليك # M. Schlick ~~(1882-1936م) عالم طبيعة، حصل عام 1904م على درجة الدكتوراه ~~برسالة موضوعها «انعكاس الضوء في وسط غير متجانس» تحت إشراف ماكس بلانك أبي الكوانتم، ~~وعمل أستاذا للفيزياء في جامعة روستوك من عام 1911م حتى 1917م، ثم في جامعة كيل حتى ~~عام 1921. وكان شليك واسع الإلمام بالفلسفة وتاريخها وعميق الاهتمام بها. صدر له في ~~برلين «المكان والزمان في الفيزياء المعاصرة 1917م»، و«النظرية العامة للمعرفة، 1918م»، ~~فضلا عما صدر له من كتب بعد ذلك، أهمها «عن مغزى الحياة 1927م»، و«مشكلات علم الأخلاق ~~1930م»، و«مستقبل الفلسفة 1932م»، ثم «الأبحاث المجمعة» في فيينا عام 1938م، أي بعد ~~وفاته. وكان منذ البداية يأخذ بتجريبية ماخ وهلمهولتس الحادة واصطلاحية بوانكاريه، ~~ويرفض فينومينولوجيا إدموند هوسرل والكانطية الجديدة التي شاعت في جامعات ألمانيات ~~آنذاك، ويرفض الكانطية الأصلية رفضا للمطلق النيوتوني ولاعتبار قضايا الفيزياء قطعية ~~أو قضايا الرياضة تركيبية. هكذا كان شليك ms270 فيلسوفا على الأصالة، معنيا بنظرية المعرفة ~~ومنطق العلم، وأيضا بالأخلاق وفلسفة الحياة والثقافة؛ لذلك اصطنع شليك لنفسه لقب ~~العالم/الفيلسوف، ربما أسوة بآينشتين، وقد كان شليك في طليعة شراح النظرية النسبية ~~ومفلسفيها بألمانيا. # وما إن حط شليك رحاله في فيينا عام 1922م، إلا وتحلق حوله جمع من علماء ذوي ميول ~~فلسفية قوية وفلاسفة ذوي ميول علمية قوية ورياضيين ومنطقيين محترفين، كانوا يجتمعون في ~~لقاءات دورية استمرت من عام 1922م حتى عام 1938م، لمناقشة قضايا ومفاهيم فلسفة العلم. ~~هذه هي دائرة فيينا التي صاغت مناقشاتها فلسفة الوضعية المنطقية. # أوصى بتشكيل هذه الدائرة عالم الرياضيات هانزهان والفيزيائي فيليب فرانك وعالم ~~الاجتماع أوطو نويراث، ومن أعضائها هربرت فيجل وفيزمان وجوستاف بيرجمان وفيكتور كرافت، ~~وأبرزهم رودلف كارناب. انتسب إليها كورت جودل صاحب مبرهنة اللااكتمال الشهيرة، وأيضا ~~كارل منجر وفليكس كاوفمان وإدجار تسيلزل. اتخذت الدائرة صيغة رسمية عام 1929م، وأصدرت ~~مجلة «المعرفة # Erkenntnis ~~»، وتعاونت مع جمعية برلين ~~للفلسفة التجريبية برجالها هانز رايشنباخ وجريلنج وليفين وفردريك كراوس وكارل همبل ~~وريتشارد فون ميرس صاحب النظرية الهامة في حساب الاحتمال، كلهم ذوو اتجاه واحد، عقدوا ~~معا مؤتمرا دوليا في براغ وكونجسبرج. صالت الوضعية المنطقية وجالت وتدفقت عنها ~~الكتابات المتميزة جدا في فلسفة العلم، وصارت أعلى مدارس فلسفة العلم صوتا وأبعدهم ~~صيتا، حتى أصيبت باغتيال رائدها موريتس شليك في 22 يونيو عام 1936م في قلب جامعة فيينا ~~على يد طالب يدعى نلبك # Nelbock # لقي عقوبة مخففة ولم ~~يتحدد سبب فعلته هذه. ثم أعقب هذا الغزو النازي لتتفكك دائرة فيينا تماما، فقد ~~انتمى معظم أعضائها البارزين إلى أصول يهودية، وخوفا من بطش النازية باليهود فروا إلى ~~غرب أوروبا وأمريكا، وذهب آخرون ليسوا يهودا بفعل إغراء العروض والعقود، فقد كانوا ~~جميعا ذوي قدرات منطقية متميزة في العصر الذهبي للمنطق، حملوا معهم الوضعية المنطقية ~~من الإطار الجرماني في النمسا وألمانيا إلى الإطار الأنجلو أمريكي في إنجلترا وأمريكا ~~وأيضا أستراليا؛ لتنمو وتستمر بعض الوقت، قبل أن تخبو تماما، بفعل عوامل عديدة سوف ~~تتضح في ms271 حينها، أهمها التطرف الحاد الذي لا بد أن يصل إلى طريق مسدود. # مهما يكن الأمر، فإن دائرة فيينا تداخلت فيها الفئتان اللتان ميزتا القرن العشرين فئة ~~العالم/الفيلسوف وفئة الفيلسوف/المنطقي، جميعهم سلموا تسليما «بالرسالة المنطقية ~~الفلسفية» لفتجنشتين، حتى عدت إنجيل الدائرة، كانوا يرتلونها ويتدارسونها ويجدون ~~العزم في تطبيقاتها حتى في الوقت الذي كان فتجنشتين فيه مشغولا بنقض الرسالة وتطويرها ~~في «بحوث فلسفية»! ولولا أنه كان يرفض الانتماء لأية جماعة أو مذهب، لكان مركز دائرة ~~فيينا وقطبها. والحق أن الأمر الواقع كان على خلاف النهج التقليدي في نشأة المدارس ~~الفلسفية، فلا نجد في الدائرة أستاذا نفذ ببصيرته العبقرية إلى كنه الحقيقة، فاصطف من ~~حوله التلاميذ ينصتون إليه في رهبة وخشوع، بل نجد أقوى تمثيل لروح الفلسفة العلمية في ~~القرن العشرين، نجد جمعا من الزملاء التفوا حول زميلهم شليك، اختلفت آراؤهم وتقاربت ~~هاماتهم تقاربا شديدا، وراحوا يتعاونون لتحقيق غاية واحدة؛ هي قصر النشاط العقلي على ~~العلم الرياضي والطبيعي ثم تحليلاته المنطقية، وإذا طرح سؤال تناولوه تناول الأنداد، قد ~~تختلف الإجابات فيحاول كل منهم تنقيح إجابة الزميل وتصويب أخطائه، وقد تتباين مشاربهم ~~الفلسفية في هذه القضية أو تلك، لكنهم يتفقون على مبادئ تمثل دعائم الفلسفة الوضعية ~~المنطقية لا بد من التسليم بها جميعا، ولا بأس من الاختلاف في أية مسألة بعد هذا، هذه ~~المبادئ على وجه التحديد هي: # أولا: # الفلسفة تحليلية. # ثانيا: # الفلسفة علمية. # ثالثا: # القضية إما تحليلية أو تركيبية. # رابعا: # الميتافيزيقا لغو. # خامسا: # معيار التحقق سيمانطيقيا، ولغة العلم سينتاطيقيا؛ لتمييز المعرفة ~~العلمية. # على هذا يجتمع الوضعيون المنطقيون على أن تكون الفلسفة مقتصرة على التحليل بخصائصه ~~الأربع المذكورة، وهي: اللغوية والتفتيتية والمعرفية والبين ذاتية، ثم تتميز الوضعية ~~المنطقية بقصر هذا التحليل بأدواته المنطقية على العبارات العلمية لا سواها، بهذا تغدو ~~الفلسفة علمية. # رأوا أن الفلسفة مهمتها التحديد، ومع هذا لم تحدد لنفسها مجالاتها، وأخذت تصول وتجول ~~حيث تشاء حيث ضاق بها الجيران، وراحوا يستبعدونها من أراضيهم واحدا بعد الآخر، بادئين ~~بالفلك والطبيعة ومنتهين بالنفس ms272 والاجتماع، ولم يبق أمام الفلسفة إلا العلوم المعيارية ~~والميتافيزيقا والمنطق. العلوم المعيارية هي فلسفة الأخلاق والسياسة وفلسفة الجمال، أصر ~~الوضعيون على أنها جميعا عبارات انفعالية وجدانية لا تزيد عن ضحكة المسرور أو صرخة ~~المتألم، طالما أنها ليست البتة عبارات معرفية، أما الميتافيزيقا فهي جلبة أصوات بغير ~~معنى ولا جدوى يجب أن تقبع أبنيتها الشامخة التي لا تضر ولا تنفع في متاحف التاريخ ~~المهجورة. ولا يبقى أمام الفلسفة ميدان جدير بالبقاء إلا المنطق، عليها أن تتمسك به ~~وتجعله شغلها الشاغل والوحيد، والعقل البشري لا ينبغي أن ينشغل إلا بالمجالات العلمية؛ ~~أي مجال سواها من خلق الخيال العاجز، وبالتالي تقتصر الفلسفة على تسخير المنطق لتقديم ~~الخدمات التحليلية للعلم، فتقتصر نفسها على مجالاته وتدور معه وجودا وعدما. وليس معنى ~~هذا أن ينازع الفلاسفة العلماء في بحوثهم التي تبغي المعلومات عن العالم التجريبي ~~الواقعي الواحد والوحيد، فهذا شأن العلماء فقط، والفلسفة تختلف، فهي توضح ولا تضيف، ~~إنها كما قال فتجنشتين علم البحث عن المعنى، معنى العبارات العلمية. بعض المصطلحات ~~العلمية قد يكتنفها من اللبس والغموض ما يستطيع التحليل المنطقي أن يجلوه. ومن ناحية ~~ثانية قد تكون مقولة علمية مترتبة على أخرى أو متضمنة فيها أو متناقضة مع نفسها أو مع ~~أخرى تم التسليم بها ... والتحليل المنطقي للعلم يتكفل بكل هذا ويكشف عنه. # هكذا جعل الوضعيون المنطقيون العلم هو النشاط العقلي الأوحد، الذي ينقسم بين فئتين ~~ولا ثالث لهما، فئة العلماء الذين يقومون بجمع المعلومات ووضع النظريات، ثم فئة فلاسفة ~~العلم الذين يقومون بتحليلات منطقية تساعد على تقدم العلم وازدهاره. قد يقوم العالم ~~نفسه بهذه التحليلات، وفي هذه الحالة سوف يصبح فيلسوفا بعد أن كان عالما، أو يصبح ~~العالم/الفيلسوف، بالمفهوم الوضعي المنطقي للفلسفة الذي يعني المطابقة بينها وبين ~~التحليل المنطقي للعلم، فتغدو الفلسفة بأسرها علمية، ولا يعود ثمة متسع للميتافيزيقي ~~السابح في أجواء المطلق، أو الأخلاقي الحالم بمجتمع الفضيلة أو السياسي الباحث عن ~~اليوتوبيا أو الجمالي الهائم في العالم الأستطيقي الخلاب. # ولكي يستطيع الوضعيون المنطقيون ms273 أن يعلمنوا الفلسفة بهذا الحصر والقصر ارتكزوا ~~على حجة منطقية؛ وهي أن القضية إما تحليلية، وإما تركيبية. فقد كانت الرياضيات عقبة ~~كئود في وجه التجريبيين، طالما أن العقل الرياضي يستقل بنفسه عن التجربة ليصل إلى ~~القضايا الرياضية الضرورية الصدق ذات اليقين المطلق. فكيف نفضل على هذا المنهج ~~العقلي الخالص المستقل عن التجربة - منهج الرياضة الذي تقتفيه الميتافيزيقا - ~~منهجا آخر يعتمد على التجربة، فتجيء نتائجه احتمالية؟! ولم يكن التجريبيون جميعا ~~بجرأة جون ستيوارت مل وصلابته التجريبية كي يزعموا معه أن الرياضة أيضا تستند على ~~تعميمات تجريبية. # 36 # ربما كانت هذه العقبة الرياضية هي التي منعت التجريبيين خمسة وعشرين قرنا ~~- هي عمر الفلسفة - من اتخاذ موقف شديد التطرف كموقف دائرة فيينا. # حتى كان كتاب «برنكبيا ماتيماتيكا» والمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات التي أثبتت ~~أنها امتداد للمنطق ومثله تحصيل لحاصل لا تحمل خبرا جديدا عن الواقع. ثم أكدت رسالة ~~فتجنشتين أن الصورة المنطقية للقضية الرياضية هي: أ هي أ، بينما تتخذ قضايا العلوم ~~الطبيعية الإخبارية الصورة المنطقية: أ هي ب. من هذا المنطق كان تقسيم الوضعية المنطقية ~~الشهير للعبارات أو الجمل أو سائر ما يتمثل في الصور النحوية إلى فئتين ~~هما: ~~(1) # العبارات ذات المعنى # meaningful ~~: وهي ~~إما العبارات التحليلية، أي قضايا العلوم الصورية «المنطق والرياضة»، وإما ~~القضايا التركيبية التجريبية «قضايا العلوم الطبيعية الإخبارية»، واصطلاح ~~«ذات معنى» أفضل من اصطلاح «لها ~~معنى # has a meaning ~~»؛ لأن الأول يظهر أن المعنى ليس شيئا يضاف إلى ~~العبارات، بل صفة تتحد بنفس طبيعة العبارة. ~~(2) # العبارات الخالية من ~~المعنى # meaningless ~~: وهي كل ما يخرج عن النوعين السابقين، وخصوصا قضايا ~~الميتافيزيقا. إن الوضعية المنطقية تطابق بين المعنى وبين العلم، وحيث لا ~~علم لا معنى! # ولكي يكون الحديث ذا معنى، لا بد وأن يقتصر على نوعين من القضايا لا ثالث لهما، هما ~~نوعا العبارة العلمية: القضايا التحليلية # Analytic # والقضايا التركيبية # Synthetic ~~. # القضايا التحليلية هي قضايا العلوم الصورية حيث تنحصر قيمة القيمة داخل ذاتها، فهي ~~تحصيل حاصل تكرارية، تكرر في الشق ms274 الثاني، أي التالي عين ما قيل في الشق الأول، أي ~~المقدم، ليس لها محتوى معرفي أو مضمون إخباري عن الواقع، نصل إليها استنباطا، ونعرف ~~صدقها أو كذبها فقط بتحليلها تحليلا منطقيا لغويا، فإذا أوضح التحليل أن الشق ~~الأول هو عينة الشق الثاني مثلا «الأرملة امرأة مات زوجها»، أو «للمربع أربعة أضلاع» ~~كانت صادقة؛ لأن القضية التحليلية مجرد إثبات للهوية، في المثال هوية أ لأرملة أو ~~المربع، أو ما اصطلحنا على تسميته أرملة مربعا. من هنا كان صدقها مطلقا يقينيا؛ ~~لأنه يعتمد على الضرورة المنطقية التي تعني استحالة النقيض. القضية التحليلية إذا كانت ~~صادقة كانت ضرورية وإذا كانت كاذبة كانت متناقضة ذاتيا. الضرورة هنا في قوانين منطق ~~الفكر واللغة وليست في الواقع، فالواقع لا ينطوي على ضرورة، غير أن القضية التحليلية لا ~~تلتزم بالواقع؛ لأنها لن تحمل خبرا جديدا بشأنه. والخلاصة أن القضية التحليلية صورية ~~تكرارية استنباطية عقلية يقينية ضرورية، محك الصدق فيها هو منطق اللغة. # أما القضايا التركيبية فهي قضايا العلوم الطبيعية وشتى المباحث التجريبية، التي تنقل ~~خبرا عن العالم الواقع من حولنا، فهي إذن إخبارية ذات محتوى معرفي، نصل إليها باستقراء ~~خبرة الحواس. التحليل المنطقي للقضية التركيبية يردها إلى سلسلة من القضايا الذرية، كما ~~علمتنا ذرية رسل وفتجنشتين المنطقية، ثم ينتهي تحليل الوضعيين إلى سلسلة من المعطيات ~~الحسية التي تبعث بها الواقعة الذرية. المرجع هنا في الحكم بالصدق أو الكذب هو خبرة ~~الحواس، وهو حكم نسبي يستحيل إطلاقه. المعطيات تشير الآن إلى صدق القضية، لكن من يدري؟ ~~قد تأتينا في الغد معطيات أخرى عن العالم الطبيعي، أو تتكامل بعد نقص، فتصبح القضية ~~كاذبة. إنها إذن عرضية احتمالية يستحيل أن تكون ضرورية. والخلاصة أن القضية التركيبية ~~تجريبية استقرائية احتمالية عرضية محك الصدق فيها هو خبرة الحواس. # هذان هما نوعا القضايا ذوات المعنى. # وعلى هذا الأساس يسهل الوصول إلى الهدف الاستراتيجي لدائرة فيينا، وهو إثبات أن ~~الميتافيزيقا لغو # nonsense # ما دامت قضاياها لا هي ~~تحليلية ولا هي تركيبية بذلك التحديد المنطقي ms275 الدقيق. # أجل، اتخذت النزعة الوضعية منذ أن شق بيكن طريقها موقف الرفض للميتافيزيقا، وسبق أن ~~رأينا ديفيد هيوم يدعو إلقاء كتب الميتافيزيقا في النار، وهو في الواقع يعد أباهم ~~الشرعي ورائدا لهم. إلا أن هذا الموقف قد تكاثف في فلسفة الوضعية المنطقية إلى درجة ~~رهيبة جعلت الهجوم على الميتافيزيقا هيكل فلسفتهم ومضمونها وغايتها. لقد حملوا تجريبية ~~النزعة الاستقرائية في القرن التاسع عشر التي عززتها الفيزياء الكلاسيكية التجريبية ~~المباشرة، ثم فاجأهم القرن العشرون بكارثة الأثير المطلق التي تصدع لها عرش الفيزياء ~~الكلاسيكية، وكما أشار بريدجمان P. W. Bridgman ~~، رأى ~~الوضعيون المنطقيون أن الكارثة التي سببها الأثير راجعة إلى أنه مفهوم ميتافيزيقي لم ~~يختبر تجريبيا بما يكفي وبالمثل تماما مفهوم المطلق. من هنا أخذ الوضعيون المنطقيون ~~على عاتقهم تأمين العلم من أمثال هذه الكوارث والأزمات التي لحقت بالفيزياء الكلاسيكية ~~عن طريق الحيلولة دون أي اختراق ميتافيزيقي للعلم مرة أخرى، أو أن يتسلل إليه مفهوم ليس ~~تجريبيا بما يكفي. وإذ هم مضطلعون بهذه المهمة كانت فيزياء القرن العشرين توالي السير ~~قدما نحو مزيد من الاقتراب من الرياضي والعقلي والمجرد ومزيد من الابتعاد عن العيني ~~الشيئي المحسوس مباشرة؛ لتزداد مهمة الوضعيين المنطقيين صعوبة وتأزما، وتزداد حساسيتهم ~~تجاه الميتافيزيقا وضراوة حروبهم المنطقية عليها. # من هنا كان أميز ما يميز دائرة فيينا أن فلاسفتها ضاقوا ذرعا بما تصوروه من عقم ~~للمشاهد الميتافيزيقية، زاعمين أنها بقيت ثلاثة وعشرين قرنا حيث خلفها أرسطو، بينما ~~يحقق العلم التجريبي تقدما متصلا لا ينقطع، فمن ذا الذي يزعم أن ميتافيزيقا القرن ~~العشرين أدنى إلى الصواب من ميتافيزيقا أرسطو؟ ما هو هذا الصواب؟! وهل من خبرة عساها أن ~~تخبرنا به؟! وآمنوا أن الوضعية على العموم والمنطقية منها على أخص الخصوص فلسفة قامت ~~لكي تقوض دعائم الميتافيزيقا وتزيحها تماما من عالم ينبغي أن ينفرد به العلم وحده، ~~ورأوا أن هذا يمكن أن يتيسر لهم بناء على ما سبق، فمبدؤهم التجريبي الأساسي هو: «أية ~~قضية إخبارية مفهومة لا بد وأن تقوم على أساس الخبرة ms276 الحسية». وقد انزاحت العقبة ~~الرياضية حين اتضح أنها إثباتات للهوية ولا تخبر بشيء عن الواقع، وبفضل جهود رسل ~~وفتجنشتين، أمكن للوضعي المنطقي أن يحتفظ تماما بالمبدأ التجريبي، فقط يضيف إليه: «ما ~~لم تكن إثباتا للهوية»، وبطبيعة الحال لا يوجد ميتافيزيقي واحد يمكنه الاعتراف بأن ~~قضاياه مجرد إثبات للهوية ولا تخبر بشيء عن العالم، وهي طبعا ليست قائمة على أساس ~~الخبرة الحسية، فيمكن استئناف المسير الوضعي إلى غايته والانتهاء إلى أن القضايا ~~الميتافيزيقية غير واضحة ولا مفهومة؛ لأنها غير ذات معنى ولا أي مغزى نفهمه منها لكي ~~نحكم عليها بالصدق أو الكذب. إنها لا ترقى إلى مرتبة الكذب؛ لأنها تدعي الإخبار عن عالم ~~يخرج عن حدود الخبرة، أي تخبر عما لا يمكن الإخبار عنه وتدعي فعل ما لا يمكن أن يفعل! ~~من هنا تعج ساحة الميتافيزيقا بقضايا تناقض بعضها، كما سبق أن أوضح كانط في تعيينه ~~لنقائض العقل الخالص. # وسرعان ما زودهم المنطق الرياضي بأدوات تحليلية نافذة يقطعون بها أوصال المعالجات ~~الميتافيزيقية لينتهوا إلى أنها كلام غير ذي معنى؛ إما لأنها تحوي مصطلحات لا معنى لها ~~مثل المطلق والعقل والنفس والجوهر، أو لأنها تستخدم مصطلحات ذات معنى، لكن في تركيب ~~لغوي غير ذي معنى. وفي محاولاتهم لإثبات هذا بتحليلاتهم المنطقية، أسرفوا في تسخير ~~أدوات المنطق الرياضي، ومنها نظرية رسل في الأوصاف المنطقية والخلو من المعنى، وإلى ~~درجة من التطرف كان رسل نفسه في طليعة الرافضين إياها. # وهذا الاستخدام للمنطق الرياضي في تجسيد دعاويهم الفلسفية يتبلور نهائيا في ~~معيار التحقق # Criterion of Verification # الذي يميز ~~المعرفة العلمية ويمثل الفيصل الحاسم بين العلم واللاعلم، وبالتالي بين المعنى ~~واللامعنى؛ ليكون الأساس الذي تقوم عليه فلسفة الوضعية المنطقية وتقوم من أجله، حتى إذا ~~قيل في تعريفها إنها المذهب الذي ينادي بمعيار التحقق لما جانب هذا الصواب. والواقع أن ~~معيار التحقق هو بالضبط ما رفضه رسل، وكان محور معظم الخلافات التي اشتجرت بينهم وبين ~~الفلاسفة والنقاد. وبشكل عام يترسم التاريخ الحق للوضعية المنطقية بمحاولاتهم لحل ~~طائفة ms277 من المشاكل نجمت عن تعويلهم على هذا المعيار، وأدت محاولات الحلول إلى طرح بدائل ~~أخرى لتحرز نفس الهدف متفادية الأخطاء. فلم يعد أمامنا معيار التحقق فقط، بل أيضا ~~معيار القابلية للاختبار والتأييد، بالإضافة إلى لغة العلم عند كارناب. # وخلاصة معيار التحقق أن كل قضية تركيبية لا بد وأن تكون تجريبية، وبالتالي يمكن ~~«التحقق» منها بواسطة الخبرة الحسية، ويترتب على هذا أن كل قضية تركيبية لا يمكن تحديد ~~صدقها أو كذبها من ملاحظات حسية هي جملة بغير معنى، إنهم يستبعدون قضايا المنطق ~~والرياضة التحليلية ، وهي كل ما يساهم به العقل في عملية المعرفة لينطبق المعيار فقط على ~~القضايا التركيبية فيحدد منها ما ينتمي للعلم الطبيعي والعالم التجريبي، ويستبعد ~~الميتافيزيقا. ودع عنك الأوامر والنواهي وسائر التعبيرات الدالة على قيم معيارية مثل ~~«ما أجمل الزهور!» «القتل جريمة بشعة»؛ فهم يعتبرون أمثال هذه التعبيرات إنشائية محضة. ~~ولما كانت الوضعية فلسفة معرفية، فهي لا تهتم بهذه التعبيرات وما إذا كان لها معنى أم ~~لا، فمعناها بالقطع ليس معرفيا ولا تمثل موضوعا للمعرفة، قد يهتم بها نقاد الأدب ~~والفن والمصلحون الاجتماعيون، أما الوضعيون المنطقيون بوصفهم فلاسفة معرفيين فلن ~~يعيروها التفاتا، لا بالإحلال والتعظيم كقضايا العلم، ولا بالرفض والاستنكار كقضايا ~~الميتافيزيقا، شريطة ألا يدعي أصحابها - فلاسفة الفن والجمال والأخلاق والسياسة - أنهم ~~يزيدوننا معرفة وإدراكا للعالم الواقعي. # كان تشارلز بيرس هو الذي قدم الفكرة الخصيبة التي تربط معنى القضية بالخبرة ~~التجريبية، لكن معيار التحقق بهذه الصورة القاطعة مأخوذ من رسالة فتجنشتين التي كانت ~~رائدة في محاولة إثبات أن المشاكل الفلسفية لغو، وانتهت إلى ضرورة مقارنة القضية ~~بالوجود الخارجي - أي الواقع - الذي ترسمه، فإن طابقته كانت صادقة، وإلا فهي كاذبة، وفي ~~كلتا الحالتين القضية ذات معنى، أما إذا استحال مقارنتها بالواقع فهي قضية زائفة وبغير ~~معنى. وأدى هذا بالوضعيين إلى المطابقة بين معنى القضية وأسلوب تحققها. # وطالما أن التحقق معيار لتمييز المعنى، فإنه ينطبق أيضا على المفاهيم والكلمات، بل ~~إن التحقق منها أهم؛ لأن العبارة لن تقبل التحقق إلا ms278 إذا كانت كل المفاهيم الواردة فيها ~~ذات معنى ومرتبطة بعلاقات منطقية ارتباطا سليما. فذهب شليك إلى ضرورة أن نستطيع ~~الإشارة بأصابعنا إلى مدلول الكلمة أو المفهوم؛ ليكون التحقق النهائي منه. # غير أن هذا المعيار أثار من النقاش والجدل الشيء الكثير، فمثلا منطوق المعيار ذاته ~~ليس قضية تحليلية ولا هو ممكن التحقق تجريبيا؛ لذا يجب عليهم هم أنفسهم أن يرفضوه ~~بوصفه لغوا! وقد تنبه فتجنشتين إلى هذا التناقض الذاتي، فقال: إن نتيجة التفلسف ليس ~~عددا إضافيا من القضايا، بل النتيجة هي جعل القضايا واضحة ، لذلك فالرسالة مجرد سلم ~~نصعد عليه بغية الوصول إلى الوضوح في فهم القضايا، حتى إذا وصلنا إلى هذه البغية وجب ~~إلقاؤه بعيدا، وذهب الوضعيون مذهبا قريبا من هذا فقالوا: لا يجب أن نأخذ معيار ~~التحقق بوصفه عبارة، بل فقط بوصفه اقتراحا أو مجرد «توصية» بألا نقبل القضية إلا إذا ~~كانت ممكنة التحقق، وما أسهل أن يرفض الفلاسفة أجمعون هذه التوصية كي لا يذهبوا ~~بفلسفاتهم إلى الجحيم! ويجيء رودلف كارناب لينصحنا بتواضع غير معهود منه أن نقبل معيار ~~التحقق على أساس قريب من البرجماتية؛ لأنه سوف يمكننا من تحقيق الهدف: تمييز المعرفة ~~العلمية واستبعاد الميتافيزيقا، وبالتالي تحديد مجالات الأنشطة العقلية بدلا من أن ~~تختلط ببعضها. # وثمة مناقشات أخرى حول طبيعة الكائنات التي ينطبق عليها المعيار، أهي القضايا أم ~~الجمل أم العبارات؟ إذا كان يطبق على القضايا، فإن القضية بحكم تعريفها المنطقي هي ما ~~يوصف بالصدق أو الكذب، فهي لا بد وأن يكون لها معنى خبري نبحث عن صدقه، فكيف نجعل ~~إمكانية التحقق - التي قد تكون أو لا تكون - في ذات الهوية مع المعنى؟ وعلى أحسن الفروض ~~يكون هذا المعيار الذي يبحث عن المعنى زائدا ولا ضرورة له، على أساس أن السؤال الذي ~~وضع للإجابة عليه لا بد وأن يكون مجابا قبل أن نفكر في تطبيق المبدأ. وأبرز من دافعوا ~~عن هذا، الفيلسوف البريطاني ألفرد جوليوس أير (1910-1989م) الذي قام باستيراد الوضعية ~~المنطقية من فيينا إلى بريطانيا ... وقد حاول ms279 درء هذا الاتهام بتقديم مصطلحات فنية يمكن ~~عرضها على هذا النحو: # الجملة # Sentence ~~: # هي أية صورة للكلمات تراعي القواعد النحوية للغة. # العبارة # Statement ~~: # كل جملة دلالية # indicative ~~، أي ~~إخبارية، سواء أكان لها معنى أم لا، تبعا لمفهوم الوضعية للمعنى. وعلى ~~هذا فأي جملتين خبريتين يمكن أن تترجم الواحدة منهما للأخرى، يعبران عن ~~عبارة واحدة. # القضية Proposition ~~: # هي العبارة التي لها معنى حرفي، أيضا تبعا لمفهوم الوضعية للمعنى. ~~وعلى هذا تكون القضايا فئة فرعية للعبارات، كما يوضح الرسم: # ويكون التحقق معيارا لتمييز العبارات التي تنمي لفئة القضايا عن تلك التي لا تنتمي ~~لها، متخذا الصورة الآتية: «تكون العبارة ذات معنى حرفي فقط إذا ما كانت تحليلية أو ~~كانت ممكنة التحقق تجريبيا.» # 37 # ونلاحظ أن التعديل الوحيد هو استبدال مصطلح عبارة بمصطلح جملة، وآير فعلا ~~يحل المشكلة كما لو كانت اصطلاحية بحتة، وليس هذا غريبا من فيلسوف تبنى مذهبا لغويا ~~متطرفا. # ومن المناقشات التي أثيرت في وجه المعيار أن القضايا قد تكون غير قابلة للتحقق، إما ~~لأننا لا نستطيع التحقق منها في اللحظة الراهنة، أو لأننا لا نستطيع التفكير في طريقة ~~للتحقق منها، أو لأنه من المستحيل علينا فيزيائيا التحقق منها، أو لأننا نستبعد أية ~~محاولة للتحقق منها لأسباب منطقية بحتة. فأي وجه من هذه الوجوه لعدم القابلية للتحقق ~~يحمل معه الخلو من المعنى؟ فالقضية قد تكون علمية تجريبية، ولكنها مستحيلة التحقق - ~~الآن على الأقل - مثل: «ثمة جبال على كوكب أورانوس» ويستحيل أن نذهب إلى أورانوس لنتحقق ~~منها. لحل هذه المشكلة ميز الوضعيون بين التحقق المباشر، وهو للقضايا التي تقرر شيئا ~~ما حول المدركات الحالية، والتحقق غير المباشر لبقية القضايا العلمية ذات المعنى. # 38 # وقريب من هذا ما فعله آير حين اقترح التفرقة بين: التحقق بالمعنى القوي وهو ~~الفوري والحاسم والقاطع، والتحقق بالمعنى الضعيف، كمجرد إمكانية وليست استحالة. وهذا هو ~~فقط المطلوب من العلم البحت. # غير أن هناك مشكلة معينة على درجة كبيرة من الأهمية، وهي أن قوانين العلم بطبيعة ~~الحال مستحيلة ms280 التحقق؛ إذ ليست هناك أية مجموعة من الخبرات يكون اكتسابها مكافئا لصدق ~~قانون علمي. وقد تنبه فتجنشتين إلى هذا مقدما في رسالته، فأكد أثناء بحثه للمنزلة ~~المنطقية للقضايا العلمية على أن الكثير من العبارات العامة في العلم لا تحتاج إلى ~~معاملتها على أنها دالات صدق للقضايا الأولية؛ لأنها ليست تجريبية، وبالتالي ليست قضايا ~~بالمعنى الدقيق، هي على الأصح توصيات بمنهج لتمثيل فئة معينة من الظواهر. # 39 # وكان حل شليك قريبا من حل أستاذه وصديقه فتجنشتين، فقد ادعى أن القوانين ~~العلمية ليست عبارات، بل هي قواعد أو رخص للاستدلال، غير أن كارناب ونويرات اعترضا على ~~هذا؛ لأن القواعد لا يمكن اختبارها أو تكذيبها، وما هكذا قوانين العلم. وقد كان هذا ~~الخلاف بشأن القوانين العلمية، واعتبار أنها ليست قضايا ورفض البعض لهذا فيصلا في ~~تاريخ الوضعية قسمها، أو قسم جماعة فيينا على ذاتها إلى شعبتين. # تلك بصفة عامة المشاكل التي تبدت في وجه معيار التحقق، مما جعله يتخذ تدريجيا صورا ~~أخرى، على أمل التغلب على هذه الصعوبات. # أول هذه الصور «القابلية للتأييد # Conformability ~~» ~~وهي تعني أن القضية لا تكون ذات معنى إلا إذا أمكن تأييدها، أي اشتقاق قضايا صادقة ~~منها. وقد ارتبط معيار القابلية للتأييد بالقابلية ~~للاختبار # Testability ~~. والواقع أن نقد كارل بوير لمعيار التحقق هو الذي أجبر أعضاء ~~الجماعة على تعديله والاتجاه به نحو القابلية للاختبار، ومنطوقة كالآتي: تكون الجملة ~~قابلة للاختبار إذا كنا نعرف الإجراءات المعينة (مثلا تنفيذ تجارب معنية) التي من ~~شأنها أن تؤيد الجملة أو تؤيد نفيها بدرجة ما، بينما تكون الجملة قابلة للتأييد إذا ~~أمكن منطقيا لأي نوع من الأدلة التجريبية أن يؤيدها، حتى ولو كنا لا نعلم المسار ~~المعين لإجراءات الحصول على هذه الأدلة. وواضح أن القابلية للاختبار مجرد صور قوية ~~فعلية من القابلية للتأييد المضعفة. والفارق بينهما يطابق الفارق بين التحقق القوي أو ~~المباشر والتحقق الضعيف أو غير المباشر، مما يعني أن القابلية للتأييد هي الأصل وهي ~~الأوسع في ماصدقاتها، والقابلية للاختبار تابع لها يحدد ms281 فئة معينة من ماصدقاتها، هي ~~الفئة القابلة للتأييد فعلا. # ورغم هذا ميزت الوضعية في أحد أطوارها بين أربعة معايير: القابلية التامة للتأييد - ~~القابلية التامة للاختبار - درجة معينة من القابلية للتأييد - درجة معينة من القابلية ~~للاختبار، وكلها تتعاون معا لتمييز العلم واستبعاد الميتافيزيقا. # وكان كارل همبل # C. Hempel ~~(1905-1997م) بالذات أكثر ~~الوضعيين استجابة لنقد بوير للتحقق، فأكد أن هذا المبدأ يفضي إلى مشكلات منطقية يستحيل ~~الخروج منها، فضلا عن أن تاريخ العلم لا يدلنا بصورة واضحة على ما يمكن أن نسميه بالتحقق. # 40 # ولهذا تمسك بمعيار القابلية للتأييد والاختبار بصورة تجعله معيار الوضعيين ~~الوحيد الذي يفيد العلم ومنهجه ؛ إذ يمكن بواسطته تمييز النظرية العلمية، وأيضا ~~المفاضلة بينها وبين النظريات العلمية الأخرى عن طريق ما أسماه بدرجات القابلية للتأييد ~~والاختبار، وقد عني همبل عناية شديدة بمسألة الدرجات هذه، التي هي فعلا ذات فائدة ~~عظمى للمنهج وإجراءات البحث العلمي، في حين أننا لم نسمع إطلاقا عن درجات للقابلية ~~للتحقق. # هكذا نجد أن معيار التحقق بعد أن كان غاية في القوة والمضاء قد قنع بأن يحل محله ~~معيار التأييد الذي هو غاية في الضعف والتواضع؛ إذ يقنع فقط بإمكانية تأييد أية قضية ~~لكي يقول بأنها ذات معنى، ومع هذا لم يستطع أن يؤدي المهمة بجدارة أو أن ينجو من ~~الصعوبات ومن النقد العنيف. # إن هذه المعايير جميعا تنحو في التحليل المنحى السيمانطيقي، أي تحليل الدلالات ~~والمعاني؛ لتصل إلى الهدف الوضعي وهو الشيء التجريبي العيني المحسوس، ولما تبدت ~~الصعوبات في وجه هذه المعايير، حاول نفر من الوضعيين المنطقيين الوصول إلى تمييز ~~المعرفة العلمية واستبعاد الميتافيزيقا من الطريق التحليلي الآخر، وهو طريق السينتاطيقا ~~أو التركيب اللغوي بتحليل منطق اللغة ذاتها، ومن حيث هو مطابق لمنطق بنية العالم ~~التجريبي. # من هنا جاءت محاولة عضو الجماعة البارز رودلف ~~كارناب # R. Carnap ~~(1891-1970م) في البناء المنطقي للغة العلم، على أساس أن العلم ~~يتعامل فقط مع وصف الخصائص البنائية للأشياء في الزمان والمكان والعلاقات التي تربطها ~~ببعضها، ووضع كارناب قواعد ms282 هذه اللغة على نوعين؛ هما قواعد تشكيل وصياغة الجمل ~~والتعبيرات الفيزيائية ثم قواعد استنباط جملة من أخرى، وهي قواعد يمكن تعديلها فور أن ~~يتضح لنا ما هو أفضل، # 41 # المهم أن تكون هذه القواعد دقيقة فتستوعب كل التعبيرات الفيزيائية وتستبعد ~~تماما أي تعبير ميتافيزيقي. # أما الأسس التجريبية التي ترتكز عليها لغة العلم فهي ما يسمى بجمل البروتوكول، ~~ويعرفها كارناب بأنها الجمل التي تشير مباشرة إلى خبرات حسية متاحة، جمل البروتوكول هي ~~المحك الذي نبدأ منه قياس واختبار بقية جمل اللغة العلمية، بغير أن تكون هي ذاتها، ~~بحاجة إلى قياس أو اختبار أو تبرير، وهي جمل أساسية غير قابلة للتعديل. # على هذه الأسس تكون لغة العلم المنطقية التي شيدها كارناب برفقة أوطو نويراث # O. ~~Neurath ~~(1882-1945م) قادرة ~~على حصر التعبيرات داخل حدود العالم التجريبي، وتنغلق دون متاهات الميتافيزيقا التي لا ~~تقبل بحال الصياغة في حدود هذه اللغة، وكل ما هو ذو معنى يمكن التعبير عنه في حدودها، ~~خصوصا علم النفس على قدر ما هو علم، هكذا ترتد العلوم جميعها إلى الفيزياء داخل إطار ~~هذه اللغة، وأي مجال فرعي للعلم يمكن ترجمة عباراته - بصورة مكافئة تماما لصورتها ~~الأصلية - إلى لغة العلم. ونخلص إلى أن العلم نسق واحدي تكاملي مركزي، لا نجد داخله ~~مجالات لمواضيع ذات تباين جوهري، وتبعا لهذا لا نجد هوة بين العلوم الطبيعية والعلوم ~~السلوكية مثلا، # 42 # وهذا صلب من أصلاب الوضعية المنطقية، إنه الدعوة إلى العلم الموحد في إطار ~~الفيزياء؛ ليغدو أي علم آخر مجرد فرع أو امتداد للفيزياء، فيقول كارناب: إنه مع لغة ~~العلم كلغة عمومية ستتحول جميع العلوم إلى الفيزياء وتستبعد الميتافيزيقا على أنها لغو، ~~وتصبح العلوم المختلفة أجزاء من العلم الموحد. # اتفق الوضعيون المنطقيون جميعا على مشروع العلم الموحد، الذي يبرز مدى تطرفهم في ~~الافتتان بالفيزياء بنفس درجة تطرفهم في الغضب المضري الذي لا يبقي ولا يذر على ~~الميتافيزيقا. لكن الدائرة انقسمت على نفسها انقساما حادا بين فريقين، أحدهما فريق ~~التحقق السيمانطيقي وعلى رأسه شليك وفيزمان، ms283 حصر نفسه في الخبرة التجريبية. والثاني هو ~~فريق التركيب اللغوي السينتاطيقي، على رأسه كارناب ونويراث، حصر نفسه في العبارات ~~والأنساق اللغوية. هذا في حين أن الوضعية المنطقية قامت أصلا للربط بين هذين الجانبين: ~~الخبرة التجريبية والتعبيرات اللغوية؛ لتنحصر الثانية في حدود الأولى كوسيلة لاستبعاد ~~الميتافيزيقا وتمييز المعرفة العلمية، استمرارا لمهمة فلسفة العلم منذ أن نشأت في ~~القرن الأسبق من أجل تبرير وتمييز العلم. # في القرن العشرين لم تعد حجة التعميم الاستقرائي تصلح بحال لتمييز وتبرير العلم، فجاء ~~الوضعيون مواصلين لنفس التطرف التجريبي، ويحاولون إنقاذ النزعة الاستقرائية باستخدام ~~سلاح مستجد هو المنطق الرياضي، وعن طريقه كانت محاولاتهم التي رأيناها لتمييز المعرفة ~~العلمية، وبدلا من أن يستخدموه لتطوير التجريبية والكف من غلوائها الاستقرائي بإثبات ~~دور العقل الإنساني كما ينبغي أن تفعل التجريبية المنطقية المتبصرة في القرن العشرين، ~~فعلوا العكس وحاولوا استغلال وتسخير المنطق الرياضي للإبقاء على الحسية التجريبية ~~المتطرفة. هذا بينما كان العلم يواصل السير قدما في الابتعاد عن الحسي المباشر إثباتا ~~لدور العقل الإنساني في صنع التقدم العلمي، فلا غرو أن تنقسم دائرة فيينا على نفسها، ~~وتصل الوضعية المنطقية إلى نفس الطريق المسدود الذي وصلت إليه النزعة ~~الاستقرائية. # كان تطرفهم القاصم حقا في قصر الفلسفة بأسرها فقط على التحليل المنطقي للعلم. لا شك ~~أن منهج التحليل مفيد ومثمر للغاية، لكن غاب عنهم أنه يكون أكثر فائدة إذا تعاون مع ~~المناهج الفلسفية الأخرى، ومتى كان فريق فلسفي واحد يستطيع الزعم باحتكار الحقيقة؟! هذا ~~فضلا عن الحروب الضروس وجبهات الرفض العريضة التي فتحوها على أنفسهم بإثارتهم لحفيظة ~~كل مقدر لدور الميتافيزيقا في ملحمة العقل البشري، وكل رافض لأن تنحسر الفلسفة بجلال ~~قدرها إلى مجرد ظل باهت للعلم. كما أن الماركسيين رأوهم ثبوتيين رجعيين تعمل تحليلاتهم ~~المنطقية على تسكين الأمر الواقع والحيلولة دون الثورة والتغيير. # ومع كل هذا لا مندوحة عن الاعتراف بالجوانب الأخرى الإيجابية. يكفي فضل الوضعيين في ~~تطوير المنطق الرياضي وتطبيقاته الفلسفية. ومنذ الوضعية المنطقية فصاعدا لم تعد فلسفة ~~العلم نشاطا على ms284 هامش الفلسفة، ولا تسكعا للعقول المتميزة، بل أصبحت فلسفة العلم ~~نشاطا فنيا احترافيا دقيقا ومرموقا. والحق أن فلسفة العلم كنشاط أكاديمي تخصصي ~~إنما هي ربيبة جامعة فيينا، كانوا تنويريين يشنون الحرب على الخرافة والعقل المنطلق بلا ~~ضوابط، ألقوا في النفوس رهبة من الاسترسال في الأقوال الفضفاضة بغير حساب، وأجبروا ~~الفلاسفة الآخرين على مزيد من الدقة والوضوح في التعبير، حتى بات التعبير الواضح ~~المفهوم من سمات الفلسفة في القرن العشرين، بعد أن اشتهرت طوال تاريخها بالغموض ~~والإلغاز والصعوبة. # وفي الحضارة العربية ظفرت الوضعية المنطقية بما لم يظفر به سواها من مذاهب الفلسفة ~~الغربية، ظفرت بنصير متحمس هو عملاق الفلسفة العربية في القرن العشرين زكي نجيب محمود ~~(1905-1993م). وكان يدرس للدكتوراه في جامعة لندن إبان الأربعينيات، وحضر محاضرات لرسل ~~وآير وسواهما يقول: # شعرت في اللحظة التي قرأت فيها عن الوضعية المنطقية بأنه إذا كانت الثقافة ~~العربية في حاجة إلى ضوابط تصلح لها السير، فتلك الضوابط تكمن ها هنا. # 43 # فهي دعوة إلى الأخذ بأحكام العقلي العلمي الصارم - وحده دون ~~العاطفة - والتزام الدقة البالغة في استخدام الألفاظ والعبارات. # 44 # وتبنى زكي نجيب الوضعية المنطقية تبنيا كاملا، واتخذها عنوانا وبطاقة لهويته ~~الفلسفية وتكرس إبان الخمسينيات لنشرها والدعوة إليها، غير آبه بمردودها على العقائد ~~الدينية. وفي عرضه المنهجي الأستاذي الرائد للمنطق الرياضي وفلسفة العلم، وضع عمله ~~بجزأيه تحت عنوان «المنطق الوضعي»! أجل بعض فصول الكتاب مكرسة للوضعية التي تنتسب إلى ~~المنطق، ولكن المنطق الرياضي ذاته بحث مجرد لا ينتسب لمذهب دون الآخر، ومهما كان ~~استغلال فلاسفة الوضعية للمنطق وإنجازاتهم فيه، فهذا «ليس من شأنه أن يسحب صفة الوضعي ~~على المنطق نفسه، فلم يأت المنطق الرياضي لخدمة مقاصد الفلاسفة الوضعيين»، # 45 # على العموم أعقبه الدكتور زكي نجيب بكتابيه «خرافة الميتافيزيقا 1953م»، ~~و«نحو فلسفة علمية 1958م»، وهما من أفضل عروض الوضعية المنطقية، وعلى مستوى العالم. ~~وثمة أيضا الجزء الثاني من «قشور ولباب 1956م»، هذا بجانب أنها منبثة في معظم ما كتبه ~~بعد هذا. # كانت الوضعية المنطقية مع ms285 الأستاذ المعلم زكي نجيب محمود رسالة تنويرية وسبيلا إلى ~~صحوة عربية، بتوجيه الأنظار إلى الواقع بدقة وصرامة المنهج العلمي، ووجهت بهجوم عربي ~~حاد لم ينل من عزيمة الأستاذ المعلم. لكن خفت وطأة الهجوم حين انتقل زكي نجيب إلى ~~الاهتمام بتجديد الفكر العربي والبعد الإسلامي لحضارتنا وتمثل الوضعية المنطقية بشيء من ~~الهوادة، فأخرج طبعة ثانية من «خرافة الميتافيزيقا» تحت عنوان «موقف من الميتافيزيقا ~~1983م». وظل زكي نجيب دائما على إيمان بضرورة الوضعية المنطقية لتوجيه العقل العربي ~~نحو الواقع، ومحاربة الخرافة التي تعشعش فيه وكبح استرسالنا في الإنشائيات والخطابيات ~~والخوض في لغو العقول. # خامسا: الأداتية # الاتجاه السياسي الآخر في فلسفة العلم هو الأداتية # instrumentalist # بمعنى النظر إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية ~~بوصفها أدوات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها توصف بالصلاحية أو عدم ~~الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم ~~التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب. فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرتها على أداء وظائف ~~العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق. القانون العلمي لا يصف الطبيعة، بل ~~لعله يصف تصورنا للطبيعة. إنه اختراع أكثر منه اكتشاف ولا يمليه الواقع التجريبي. العقل ~~يبدع النظرية العلمية بقدر من الحرية، مثلما يبدع أية أداة أخرى يريدها لأداء وظيفة ~~معينة. وليست التجربة محكا حاسما للحكم على النظرية العلمية، المحك هو الملاءمة ~~لأداء الوظيفة، ومعايير الملاءمة منطقية منهجية قبل أن تكون تجريبية، فهي المرونة ~~والخصوبة والدقة في التنبؤات والشمولية والاتساق، ومن قبل ومن بعد البساطة. والمقصود ~~بالبساطة # Simplicity # أن تكون النظرية محتوية على ~~أقل عدد ممكن من المفاهيم الأساسية والعلاقات. والوقائع التجريبية ذاتها تقبل أو ترفض ~~تبعا لقرار منهجي بناء على تلك المعايير المنطقية. # أطاح الأداتيون بالأساس الاستقرائي، وألقوا مشكلة الاستقراء وراء ظهورهم، أصبح العلم ~~في نظرهم مجرد نسق منطقي من عبارات هي دوال منطقية، لا تعدو أن تكون مجرد أدوات تحقق ~~هدف العلم أو تؤدي وظيفته؛ وهي السيطرة على العالم ثم التقانة «التكنولوجيا». وبالتالي ~~أعفوا أنفسهم من العلية وافتراض الاطراد ms286 في الطبيعة، فلا تواجههم مشكلة الاستقراء، ما ~~دامت قوانين العلم ليست تعميمات نحكم عليها بالصدق وحدود الصدق، بل هي - كما ذكرنا - ~~أدوات نافعة ومفيدة لأداء وظيفة معينة، ومن إبداع العالم وخلقه الحر. وهذه الحرية ليست ~~عشوائية أو تعسفية، بل محكومة بالمعايير المنطقية. القانون العلمي لا يمكن التحقق ~~التجريبي من صدقه أو كذبه، ولا جدوى من هذا، يكفي أن يكون عبارة متسقة بسيطة ومثمرة، ~~فيوصف بالمواءمة والصلاحية. # أصر الأداتيون على أنه لا يمكن اعتبار القانون العلمي مشتقا من الاختبارات ~~التجريبية؛ لأن القانون عام والتجربة جزئية، القانون محدد بدقة والتجربة تقريبية تحتوي ~~على عديد من التعقيدات يستبعدها القانون. # 46 # التجربة منتهية والقانون قابل دائما للتطور والتقدم، فكيف تكون النظرية ~~العلمية نتاجا للوقائع التجريبية؟! إنها نتاج العقلية العلمية المبدعة، وتكشف عن ~~عمليات منطقية أكثر مما تكشف عن وقائع تجريبية. قد تتكيف النظرية وفقا لمقتضيات ~~التجربة التي لا تمثل أكثر من مرشد، فدورها استشاري فقط لتحديد أنسب الفروض العلمية ~~والأكثر ملاءمة، أي الأدق في التنبؤ والأوسع في العمومية، دون الزعم بأن القانون حقيقة ~~متمثلة في الواقع التجريبي. # لم تعد التجربة إطارا مرجعيا للحكم على القوانين والنظريات. الإطار المرجعي معايير ~~منطقية هي على وجه التحديد المواءمة والاتساق والبساطة المرتبطة بمبدأ الاقتصاد في ~~التفكير، خصوصا البساطة؛ لأن الواقع معقد ومهمة القوانين العلمية تبسيطه. البساطة إذن ~~معبرة عن وظيفة العلم في نظرهم، من هنا كانت أهم المعايير المنطقية والإطار المرجعي ~~الأكبر بالنسبة للأداتيين. # ومع رفع لواء البساطة وتحجيم دور التجربة، تظل الأداتية فلسفة تجريبية منطقية بالمعنى ~~الشامل المستخدم على هذه الصفحات. إنها لا بد وأن تكون تجريبية مهما جعلت دور التجربة ~~استشاريا وتاليا للمعايير المنطقية؛ لأنها فلسفة للعلم التجريبي. والواقع أن ~~الأداتيين أخذوا الأساس الوضعي الذي صاغه كونت حين قال إننا لا نبحث عن حقيقة الظاهرة ~~إنما نكتفي بالوقوف عند سطحها الخارجي وعلاقاتها بالوقائع الأخرى. وهذا إرنست ماخ ~~التشيكي المولد النمساوي الجنسية الذي اعتلى لأول مرة في تاريخ الجامعات كرسيا لفلسفة ~~العلوم التجريبية، ويعد ماخ رائدا للأداتية ms287 وفي الوقت نفسه رائدا للوضعية المنطقية. ~~إنه وضعي متطرف في فلسفته التي ترتكز على رد كل شيء إلى الإحساسات حتى إنه يرفض الصعود ~~من الإحساسات إلى أية دلالة إخبارية للعبارات العلمية. من هنا رأى ماخ في النظرية ~~العلمية محض أداة نافعة وإجراء مفيد ليس أكثر، والقوانين العلمية مجرد وصف للعالم ~~التجريبي وليست تفسيرا له، وصف لعلاقات بين الظواهر قابلة للملاحظة، ولا مكان في العلم ~~لغير هذا. وكان ماخ يبرر انطباق الرياضة على الواقع الفيزيائي بأن علم الرياضة ~~التطبيقية ميكانيكا، وهو ببساطة وصف مناسب للظواهر. والنظرية الفيزيائية عند ماخ أوصاف ~~من حيث هي تعريفات ضمنية مطابقة للخبرة، وهي في الواقع وصف له دور وقوة الأداة. ~~والقانون العلمي مهما كان مجرد أداة، هو أسلوب للبحث ودالات قضايا توصف بالصلاحية وعدم ~~الصلاحية، ولا توصف بأنها صادقة أو كاذبة. # هكذا انطلق ماخ من الأساس التجريبي الوضعي الحاد ليصل إلى لب الأداتية، وهو في هذا ~~وذاك يهدف إلى نفس هدف الوضعية المنطقية وهو تأمين العلم من أي اختراق ميتافيزيقي أو ~~تسلل لمفاهيم وأبعاد ميتافيزيقية. قصر ماخ وظيفة العلم على الوصف ورفض أن يضطلع العلم ~~بالتفسير؛ لأن التفسير هو الباب الذي تتسلل منه الرؤى الميتافيزيقية إلى نسق العلم. وقد ~~بلغ به الأمر أن حارب النظرية الذرية في الفيزياء؛ لأنها ليست توصيفات قائمة على ~~الخبرة! وبالمثل يجاهر بيير دوهيم بأن «فلسفته تقتصر على إثبات أن الفيزياء ليست مأخوذة ~~من أية رؤية ميتافيزيقية». # 47 # يقترن اسم بيير دوهيم برفيقه هنري ~~بوانكاريه # H. Poincare ~~(1854-1912م) بوصفهما مؤسسين للأداتية في فلسفة العلم في ~~القرن العشرين في شكل الاصطلاحية. وقد أشاد كارناب بماخ وبوانكاريه بوصفهما من أبطال ~~حركة تحرير العلم من الميتافيزيقا. لكن الأداتيين لم يشنوا حربا هوجاء لا قبل للعلم ~~بها على الميتافيزيقا لتحقيق هذا الهدف، كما فعلت الوضعية المنطقية، بل اقتصروا على ~~حدود العلم وحاولوا تجريدها من الأبعاد الأنطولوجية التي تسمح بتسلل الميتافيزيقا. وعلى ~~أية حال، فإن هذا الموقف من الميتافيزيقا في نظرية العلم لا يتأتى إلا من تجريبية ms288 ~~قاطعة. # وتجريبية الأداتيين بدورها تجريبية منطقية، لكن بأسلوبهم المختلف. حقا لم يستخدموا ~~المنطق الرياضي بالتقنية الحرفية التي رأيناها مع الوضعيين المنطقيين والتحليليين، ولم ~~يهتم دوهيم بأبحاث بيانو وفريجه ورسل. درسها بوانكاريه، لكن لم يستفد كثيرا منها، ~~وهاجم إفراطهم في التفاصيل المنطقية، وقال متهكما: «إذا كانوا قد احتاجوا إلى سبع ~~وعشرين معادلة لإثبات أن الواحد عدد، فكم معادلة يحتاجونها لإثبات مبرهنة حقيقية؟!» # 48 # واستأنف بوانكاريه هجومه على رسل وكواترا وأقرانهما. ومع هذا كانت ~~التجريبية الأداتية تجريبية منطقية في احتكامها لمعايير منطقية مثل البساطة والاتساق ~~والمواءمة، هذا بعد أن أطاحوا بالأساس الاستقرائي لتنفرد المعايير المنطقية بالميدان. ~~وفوق هذا نجد أن الأداتية في جوهرها مد لنطاق فلسفة العلم الرياضي إلى فلسفة العلم ~~التجريبي، على أساس أن أي نسق منطقي أو رياضي متسق ومترابط قابل للتطبيق على الواقع، ~~ولا فارق في نظرهم بين النسق الرياضي والنسق التجريبي. في كلتا الحالتين ثمة حقائق ~~بسيطة ومتسقة وموائمة، أبدعها العقل بحرية ولم تفرضها عليه التجربة ويمكن أن نصطلح ~~عليها لتنظيم وقائع الخبرة، «والرياضيات تصدق على الطبيعة؛ لأن هذا النمط من التفكير ~~يمكننا من التعامل مع الطبيعة بأكثر الصور ملاءمة. وإنها لصورة منتقاة عبر عملية تطور ~~لصور الفكر الكائنة في أذهاننا». # 49 # هكذا تساهم الأداتية بدورها في إبراز النقلة المحورية لفلسفة العلم في ~~القرن العشرين في اتجاه أبعاد المنطق والرياضيات بحيث أصبحت التجريبية منطقية. # هذه الحدود المموهة بين الرياضيات والعلوم التجريبية تبرز الفارق المحوري بين ~~الأداتية وسواها من مذاهب فلسفة العلم، ويتمثل هذا الفارق في عدم التزام الأداتية ~~بالواقعية، بمعنى الوجود الواقعي المستقل للعالم الخارجي كإطار مرجعي. لقد رأينا فلسفة ~~العلم من حيث هي فلسفة تجريبية تسلم بالواقعية، وترى العلوم التجريبية إخبارية، أي ~~تحاول أن تعطينا مضمونا خبريا ومحتوى معرفيا عن هذا العالم. وهي محاولات ليست ~~نهائية أو مطلقة الصدق، لكنها متطورة وتظل في الوقت المعني أفضل ما لدينا. وهي على أية ~~رؤية حصيفة لبنية العالم وطبيعته ومحاولة بارعة لوصف وتفسير جوانب معينة منه، تلتزم ~~بأفضل صياغة نستطيعها ms289 للعالم التجريبي. بالنسبة للأداتية الموقف مختلف، فليس هناك مضمون ~~خبري أو محتوى معرفي، ولا التزام بصياغة الواقع، بل فقط أدوات لإقامة الروابط بين ~~ظواهره والتنبؤ والسيطرة، أدوات مفيدة، لكنها خاوية. إنها مجرد اصطلاحات ومتواضعات ~~اتفقنا عليها؛ لأنها أكثر ملاءمة من البدائل أو النظريات الأخرى. وفي النهاية تنفرد ~~الأداتية بهذا الفصل بين المعرفة والوجود، وتجريد الإبستمولوجيا العلمية من دلالاتها ~~الأنطولوجية، في حين تتفق بقية الأطراف على أن معلم نجاح العلم الحديث هو هذا التمثل ~~الواقعي للإبستمولوجيا وهذه القيمة الأنطولوجية للنظرية العلمية، خصوصا الفيزيائية. ~~ومن الصعوبة بمكان تجريد الفيزياء بالذات من ارتباطها بمشكلة تفهم العالم الذي نحيا ~~فيه. هذا الموقف من أنطولوجية النظرية العلمية واعتبارها بنية إبستمولوجيا خالصة، هو ~~الذي صنع حدودا للاتجاه الأداتي. # ولكن الأداتية مثل كل الأطروحات الفلسفية الكبرى، يمكن تتبع الأصول إلى مراحل تاريخية ~~أسبق، وتصل بنا إلى الخطوة الأولى من نسق العلم الحديث في القرن السادس عشر، حين كتب ~~اللاهوتي أوسياندر - كما ذكرنا - مقدمة لكتاب كوبرنيقوس «دوران الأجرام السماوية» كان ~~يعبر عن هذا الموقف الأداتي؛ إذ يقول إن الفلكي يبدع فروضا يمكن بواسطتها وطبقا ~~لمبادئ الهندسة أن نحسب بدقة حركة الأجرام السماوية، وليس من الضروري أن تكون هذه ~~الفروض صادقة في الواقع، شيء واحد يكفي هو أن تمدنا بحسابات مطابقة للملاحظة. معنى هذا ~~أن نظرية كوبرنيقوس ليست وصفا صادقا أو كاذبا للعالم، بل مجرد «جهاز حسابي يسمح بربط ~~مجموعة من مواقع الكواكب القابلة للملاحظة بمجموعة أخرى مماثلة. والحسابات تكون أيسر ~~وأسهل إذا عوملت منظومة الكواكب وكأن الشمس تشغل مركزها». # 50 # وأمل أوسياندر أن ينجح هذا التفسير الأداتي في تمرير النظرية أمام رجال ~~الدين، ما دامت مجرد أداة وليست خبرا عن الواقع يناقض أو يطابق ما هو مذكور في الكتب ~~المقدسة. ثم تبناها بيير جاسندي وأعلنها كنظرية للعالم في كتابه # Syntagma # عام 1658م. # 51 # أما عن الأصول الفلسفية الصريحة، فقد أسهب كارل بوير في إيضاح أن مؤسس الاتجاه ~~الأداتي في فلسفة العلم هو الأسقف جورج باركلي الذي رأيناه في ms290 «حوار الفلسفة والعلم ~~الحديث» بالفصل الثالث من أعلام التجريبية الإنجليزية في القرن الثامن عشر، رهن الوجود ~~بالإدراك الحسي له، ورأى أن النظريات العلمية كنظريات كوبرنيقوس وكبلر وجاليليو ونيوتن ~~مجرد أدوات للحساب والتنبؤ بشأن الظواهر وشيكة الحدوث. إنها لا تصف العالم ولا أي جانب ~~من جوانبه، ولا يمكنها أن تفعل هذا؛ لأنها ببساطة خالية من المعنى. المصطلحات الواردة ~~فيها من قبيل القوة والتثاقل والجذب والقصور لا معنى لها من حيث إنها لا تشير إلى ~~وقائع مدركة أو ملاحظات حسية أو ظواهر طبيعية، بل تصف خصائص غير مرئية لعالم غير مرئي، ~~إنها مفاهيم خفية غامضة # occult ~~. وبالتالي فإن نظرية ~~نيوتن لا تعني شيئا، وليست تفسيرا للعالم، بل هي ببساطة وهم # Fiction # رياضي وحيلة رياضية، لا يمكن أن تكون صادقة ~~أو كاذبة، بل فقط مفيدة أو غير مفيدة. ويستعمل باركلي مصطلح «الفروض الرياضية» لهذا ~~النوع من الحيل الخلو من المعنى لكن المفيدة، والتي وضعت من أجل المواءمة الرياضية ~~لاختزال وتيسير الحسابات. # وفي أعقاب باركلي جاء شيخ الفلسفة الحديثة إيمانويل كانط بنظريته في المعرفة التي ~~تجعل العقل مزودا بمقولات معينة تنصب في إطارها المعطيات الحسية، فتتشكل المعرفة. وهذا ~~يعني: العقل هو الذي يفرض مقولاته وتصوراته على الطبيعة، وليست الطبيعة هي التي تفرض ~~صورتها على العقل، كما توحي النزعة الاستقرائية التي تمثل التجريبية المتطرفة والمادية ~~الخالصة. تلك هي الدرة الثمينة في فلسفة كانط التي توصف بأنها مثالية، واستفادت منها ~~الأداتية وفلسفات علم مناهضة للأداتية، وسوف تستوعبها تجريبية القرن العشرين فتغدو ~~متبصرة أكثر، وتمثل مركبا جدليا يجمع خير ما في المثالية والمادية ويتجاوزهما إلى ~~الأفضل، كما سبق أن فعل الرائد الأكبر برتراند رسل بطريقته. # وعلى مشارف القرن العشرين نجد أن الأداتية كاسم وكمسمى صيغت في إطار الفلسفة ~~البرجماتية الأمريكية التي رأيناها تؤكد على أن الفكرة لا توصف بأنها صادقة أو كاذبة، ~~بل بأنها مفيدة أو غير مفيدة، وارتهن المعنى عندهم بالنفع في الواقع العملي الذي يوجه ~~السلوك ويرسم العمل كما تفعل الخريطة الجغرافية. ألقوا بالمشاكل المنطقية ms291 للصدق وراء ~~ظهورهم، وعني جون ديوي على وجه الخصوص بطرح النظرة الوظيفية للمفاهيم، وتبيان أن ~~التفكير أداة للمعرفة والمعرفة أداة لتنظيم الخبرة، والعلم ذاته مجرد أداة كي يؤمن وجود ~~الإنسان ويكفل له الانتصار في معركة الصراع من أجل البقاء، والمعيار هو الصلاحية لأداء ~~هذه الوظيفة وليس الصدق أو الكذب. ويستخدم مصطلح «الأداتية» أيضا للدلالة على فلسفة ~~ديوي. لا مغالاة إذن في القول: إن الأداتية هي تطبيق إبستمولوجي للبرجماتية في فلسفة ~~العلم. # ومع كل هذه الأصول والأساس الذي ألقاه باركلي والريادة المباشرة لإرنست ماخ، فإن ~~الأداتية احتلت موقعها المرموق في فلسفة العلم في القرن العشرين بفضل يعود إلى الفلسفة ~~الفرنسية قبل سواها. وكانت الأصول المباشرة في حركة نقد العلم التي رأيناها تسود ~~الفلسفة الفرنسية في القرن التاسع عشر حاملة التأثير الكانطي، وفي سياقه تلك الدرة ~~الثمينة: العقل هو الذي يفرض تصوراته على الطبيعة. وكما رأينا في الجزء الأول من هذا ~~الفصل، هدفت حركة نقد العلم إلى تحجيم الحتمية العلمية انتصارا لحرية الإنسان، وكانت ~~وسيلتهم إلى هذا هي الزعم بأن الحتمية العلمية مجرد أداة إبستمولوجية خالصة لتنظيم ~~المعرفة العلمية والمشروع العلمي، ولا تنطوي البتة على أي تصور للوجود أو خبر أنطولوجي ~~بشأن الواقع. ونذكر على وجه الخصوص إميل بوترو ورسالته «إمكان قوانين الطبيعة 1874م» ~~التي تؤكد أن الحتمية والضرورة فكرة عقلية خالصة لا توجد إلا في الأنساق المنطقية ~~والرياضية، ويحاول العقل أن يفرضها قسرا على تصوراته للواقع؛ لأن هذا مفيد للبحث ~~العلمي، في حين أن الواقع خلو منها ويتسم بالتعددية والتداخل فهو احتمالي وقوانين ~~الطبيعة ممكنة وليست ضرورية. وإذا اتسمت الأبنية الإبستمولوجية العلمية بالضرورة فلا ~~يعني ذلك اتسام الواقع بها؛ لأن عالم الأعيان يختلف عن عالم الأذهان بتعبير الإسلاميين. ~~الخلاصة أن حركة نقد العلم فسرت الحتمية العلمية تفسيرا أداتيا، ثم واصلت الفلسفة ~~الفرنسية تعميم هذا التفسير على النسق العلمي بأسره. # وكان هذا كشأن كل اتجاهات فلسفة العلم في القرن العشرين، مدفوعا بثورة العلم الكبرى ~~التي عرضها الفصل السابق. ولما كانت الأداتية في ms292 جوهرها مدا لنطاق فلسفة الرياضيات ~~إلى العلم التجريبي، فإن ظهور هندسات لا إقليدية متسقة ومكافئة لهندسة إقليدس كان أقوى ~~سند للفلسفة الأداتية، فقد اتضح أن مسلمات إقليدس ليست البتة حقائق مطلقة، بل متواضعات ~~أبدعها العقل الإنساني، ثم اصطلحنا عليها؛ لأنها موائمة ونافعة. وما أسهل الزعم بأن ~~اتخاذ هندسة إقليدس أو سواها مسألة متروكة للاختيار الحر المحكوم باعتبارات الفائدة ~~البرجماتية والبساطة والمواءمة. وحين كشفت مبرهنة كورت جودل عن لا اكتمال في الأنساق ~~الرياضية، مثلت هي الأخرى سندا قويا، فهنالك صياغة غير قابلة للبت ولا يمكن إثباتها ~~ولا إثبات نفيها، إذن قبولها أو رفضها لن يتم إلا على أساس برجماتي ولاعتبارات ~~المواءمة. ويخرج الأداتيون من هذا بأن الحقائق الحسابية مثل الحقائق الهندسية، لا تفرض ~~على الذهن ويتوقف قبولها أو رفضها على المتواضعات التي اصطلحنا عليها. يختلف المنطق عن ~~الهندسة ونظرية الحساب، ولا يخضع للرؤية الاصطلاحية فكل حقائقه مبرهنة ولا يمكن ~~الاستغناء عن مسلماته، وقواعده كافية للاستدلال ولوضع معايير الملاءمة. ولكن ما أسهل أن ~~نمد التفسير الأداتي إلى الفيزياء، بعد أن انهارت الفيزياء الكلاسيكية وصعدت فيزياء ~~الكوانتم والنسبية. فشهد العلم نظريات متعددة لنفس الظاهرة كلها ذات صلاحية ومواءمة في ~~حدود معينة يختار العقل أن يعمل في إطارها، الضوء جسيم وموجة، والإلكترون داخل الذرة ~~جسيم له كتلة، وإذا خرج منها تحول إلى طاقة، ومبدأ هيزنبرج يكشف عن أثر أدوات الرصد على ~~الظاهرة المرصودة؛ ليمكن الزعم بأنه ليس هناك واقع متعين يكشف عنه العلم. وأسفر اقتحام ~~عالم الذرة بأسره عن معرفة استدلالية بحتة، ولم تعد النظرية العلمية تشير إلى وقائعه ~~بعلاقة واحد إلى واحد كما تصور الكلاسيكيون. وعلى هذا نزعوا البعد الأنطولوجي عن ~~المفاهيم العلمية وحولوها إلى أدوات. فهل المفاهيم الذرية كيانات حقيقية حتى وإن تعذر ~~إدراكها؟ أم إنها مجرد أدوات تيسر الاستنباط والتنبؤ؟ بدا للأداتيين أن البديل الثاني ~~أصوب وأقرب إلى واقع ممارسة البحث العلمي. # وعلى هذا الأساس أمكن لفلسفة العلم الفرنسية في القرن العشرين، بفضل بوانكاريه ~~ودوهيم، أن تستهل طريقها بتأسيس أقوى صورة ms293 للاتجاه الأداتي تعرف باسم الاصطلاحية # Conventionalism ~~، وتعني أن حقائق المنطق والرياضة ~~متواضعات اصطلح العلماء على استخدامها تبعا لرموز معينة وقواعد لصياغة التعريفات ~~والمسلمات وللاستدلال، وتظل صادقة ما دامت تستخدم بطريقة متفقة مع هذه الرموز والقواعد، ~~بصرف النظر عن معطيات الواقع. ومع بدايات القرن العشرين قام هنري بوانكاريه بتطبيق هذه ~~الرؤية الاصطلاحية على الفيزياء، فتدين الاصطلاحية بنشأتها الناضجة إليه. أخرج ~~بوانكاريه ثلاثة أعمال رائدة في فلسفة العلم هي «العلم والفرض 1902م»، و«قيمة العلم ~~1905م»، و«العلم والمنهج 1908م». لقد كان فيلسوف علم وأيضا عالم رياضيات عظيم الشأن. ~~حصل على درجة الدكتوراه في الرياضة عام 1883م، وأصبح أستاذا للفيزياء الرياضية بكلية ~~العلوم بباريس، وعضوا بالأكاديمية الفرنسية للعلوم منذ عام 1887م. «قبيل ظهور النسبية ~~وبالتحديد عام 1904م أعطى بوانكاريه محاضرة أشار فيها إلى أن نظرية نيوتن لا تستطيع ~~تفسير الظواهر المستجدة في الفيزياء، وناقش إمكانية أن تحل نظرية أخرى محل الميكانيكا ~~النيوتونية. فكان بوانكاريه أكثر من مجرد ممهد للنظرية النسبية». # 52 # رأى أن الفيزياء لا تنفصل أبدا عن الهندسة، وكان منطلق اهتمامه المركزي الهندسات ~~اللاإقليدية، رأى أن هندسة إقليدس ستظل دائما متربعة على عرش العلم لأنها الأبسط، ومع ~~هذا لا توجد هندسة أفضل من الأخرى، فقط ثمة بدائل عديدة لحل المشكلة العلمية، ثم يتخذ ~~العالم قرارا باختيار بديل دون سواه، كما ذكرنا، ليست الوقائع التجريبية هي التي تحسم ~~هذا القرار، بل الاعتبارات المنطقية المذكورة. إنها اعتبارات برجماتية وأيضا جمالية. ~~فماذا عسى أن يكون الجمال الخلاب سوى تكامل قيم الاتساق والبساطة والمواءمة، لكنه ليس ~~الجمال الحسي المباشر الذي تتذوقه الحواس، بل هو نوع رفيع من الجمال لا يتذوقه إلا ~~الذكاء العلمي. # كان بوانكاريه في طليعة المؤكدين على أن دور التجربة ليس ملزما بحال، بل فقط يتفاعل ~~مع العوامل الأخرى لاتخاذ القرار، وأن الوقائع التجريبية لا تكفي أبدا لتبرير المعرفة ~~العلمية، فهي تعطينا ركاما مهوشا، ولا بد من عنصر في ذهن العالم يضفي الوحدة والنظام ~~والنسقية على ركام الوقائع المتناثرة. وهذه في رأيه هي وظيفة العلم ms294 في مواجهة الوقائع، ~~إنها التفسير والتنبؤ والسير نحو الوحدة. يميز بوانكاريه بين الواقع المعقد والقوانين ~~البسيطة، وإذا كان هناك تعميم استقرائي فمهمته التنبؤ، وليجعل الواقع أبسط ويعبر عن ~~الوحدة في مجال العلم «إبستمولوجيا»، ولكن لا يتبعها بالضرورة افتراض الوحدة ~~أنطولوجيا. فكما رأينا، يجعل الأداتيون جميعا الإبستمولوجيا في واد والأنطولوجيا في ~~واد آخر. # بطبيعة الحال رفض بوانكاريه تماما التفسير التجريبي لأصول الرياضيات مع جون ستيوارت ~~مل، وجعل الرياضيات عقلية خالصة. أما في الفيزياء فيميز بوانكاريه بين عناصر التجربة ~~والنتائج الاختبارية وبين عناصر التعقل الرياضي والاصطلاح والفرض، موضحا أننا نميل إلى ~~الخلط بينهما، لكن لا بد من التمييز بين المبادئ والنظريات البحتة وبين القوانين ~~الجزئية، ودور العناصر التجريبية في القوانين الجزئية فقط. صحيح أن التجربة تصدق على ~~قوانين نيوتن الثلاثة، إلا أن التجربة لا يمكنها أبدا انتهاك هذه القوانين أو إثبات ~~خطأها، وستظل إلى أبد الآبدين صحيحة، فهي مجرد اصطلاحات وتعريفات متفق عليها ونحن ~~نقبلها؛ لأنها الأبسط، ونمارس البحث العلمي كما لو كانت هي أبسط نظرية، على الرغم من ~~صعوبة إثبات هذا. وأخيرا انتهى بوانكاريه إلى أن هذه النظرة الاصطلاحية لا تنطبق على ~~العلم التجريبي بأسره، بل فقط على المبادئ الأولية والنظريات البحتة والقوانين شديدة ~~العمومية كقانون القصور الذاتي مثلا، أما القوانين التجريبية الجزئية فليست ~~اصطلاحية. # كان بوانكاريه عالما ثوريا تقدميا مشهودا له بالنجاح، بينما هو فيلسوف علم ~~محافظ، يتحفظ في تطبيق اصطلاحيته ذاتها. ثم يرى الإقليدية ستظل متربعة دائما على عرش ~~العلم، ويصر على أن قوانين نيوتن فوق مطاول الاختبار التجريبي، وهذا ما نقضته تطورات ~~العلم التالية في القرن العشرين. # أما بيير دوهيم (1861-1916م) فقد سحب التفسير الاصطلاحي على العلم بأسره، وذلك في ~~كتابه «هدف وبنية النظرية الفيزيائية 1906م»، رأى أن النظرية العلمية تمدنا بنظام صوري ~~عام لضم عدد كبير من القوانين الجزئية. وهي بهذا بنية من كيانات مجردة، ليست وصفا ولا ~~تفسيرا لوقائع العالم التجريبي، بل هي مجرد أدوات اصطلحنا عليها للتنبؤ، صيغت بحيث ~~تكون أكفأ وتنبؤاتها أدق. كل ما ms295 يبدو وصفا هو مجرد تعيين لعلاقات تجعل التنبؤ أسهل ~~وأدق. أما التفسير فغير ذي قيمة ولا دور. مهمة العلم تنحصر في تحديد العلاقات بين ~~الظواهر. # يتفق دوهيم مع بوانكاريه على دور الرياضيات الجوهري في أداء هذه المهمة. وأوضح دوهيم ~~أننا حين نستخدم الرياضيات في العلم فإننا نعبر بها عن خصائص قابلة للقياس بطريقة ~~اصطلاحية بحتة، وذلك عن طريق الرموز الرياضية التي تربط الظواهر بعلاقات فيما يسمى ~~«بالفروض» وتترابط الفروض على أساس الطرق الرياضية، والنتائج تترجم إلى لغة الفيزياء ~~لكي تصبح تنبؤات. وبشكل عام يلعب «الفرض» دورا بارزا في الفلسفة الاصطلاحية ~~بأسرها. # لم يهتم بوانكاريه بتاريخ العلم، بينما كان دوهيم شديد الاهتمام به. وهذا الوعي ~~التاريخي الفريد جعل دوهيم يرى النظريات العلمية في نشأتها ونموها ثم ذبولها لتحل محلها ~~أخرى، ورفض تماما ما ذهب إليه بوانكاريه من أن قوانين نيوتن تظل دائما صحيحة ولا يمكن ~~أن تنتهكها تجربة. كان دوهيم على عكس بوانكاريه الفيلسوف المحافظ والعالم الثوري ~~التقدمي الناجح، أما دوهيم فهو فيلسوف ثوري تقدمي وعالم محافظ، بل رجعي وذو نجاح محدود، ~~وعلى الرغم من قدراته المنطقية العالية، فإنه في كل قضية علمية تصدى لها اتخذ الجانب ~~الخاطئ الخاسر، رفض معادلات ماكسويل الكهرومغناطيسية الفذة وانتصر لنظرية هلمهولتس التي ~~راحت الآن في طي النسيان. لم يرحب بالفرض الذري في الفيزياء وهاجم النسبية بشراسة حين ~~ظهورها، على الرغم من أن هذه الجوانب التي يرفضها هي الأكثر اتساقا مع فلسفته الاصطلاحية. # 53 # ويبدو أن ما دفع دوهيم وأقرانه إلى مثل هذه المواقف المناوئة لخطى التقدم العلمي هو ~~المذهب الاصطلاحي ذاته حين ينفصل عن الدلالة الأنطولوجية للقانون العلمي، ويرفض المحك ~~التجريبي ومفهوم التجربة الحاسمة، وتغدو النظريات المتعاقبة أوصافا متكافئة لنفس ~~الظاهرة. ولن يعترف الاصطلاحيون والأداتيون عموما بتزايد المحتوى الإخباري أو عمق ~~القوة التفسيرية للعالم الذي نحيا فيه. ولم يكن بوانكاريه موفقا في هجومه على المدرسة ~~المنطقية في أصول الرياضيات، تماما كما لم يكن ماخ موفقا في رفضه للنظرية الذرية في ~~الفيزياء، ولا كان دوهيم موفقا ms296 في هجومه على النسبية. # ثم شهدت فلسفة العلم في القرن العشرين فلاسفة آخرين قادرين على جعل الاصطلاحية مسايرة ~~وموائمة أكثر لخطى التقدم العلمي الثورية، منهم آرثر إدنجتون نفسه الذي ربط منزلة ~~القوانين العلمية بمناهجنا لاكتساب المعرفة، ولويس # C. I. Lewis # الذي بحث في عناصر أولانية سابقة على الخبرة التجريبية تتسلل ~~إلى نسق العلم في شكل التعريفات والتصنيفات والمعيار المقبول ضمنا للحقيقة. ذهب لويس ~~إلى أنه لا توجد معرفة بدون تأويل عقلي، والتأويل يعتمد على هذه العناصر الأولانية، وفي ~~إطارها ينمو العلم ويتطور بحيث إن ما يبدو قانونا تجريبيا قد يصبح في مرحلة لاحقة ~~مبدأ اصطلاحيا، وأخرج لويس عملية «العقل ونظام العالم 1929م»، و«المفهوم البرجماتي ~~للأولانية 1932م»، وهما من العروض الهامة للمذهب الاصطلاحي. ثم عمل آرثر باب # A. Pap # على تطوير نظرية لويس في التصور البرجماتي ~~للمعرفة الأولانية، وأخرج كتابه «الأولانية في النظرية الفيزيائية 1946م»، حيث يؤيدها ~~بالممارسات الفعلية وإجراءات البحث العلمي في الفيزياء. # وها هنا نعرج على صورة أخرى من الصور القوية التي اتخذتها الأداتية في فلسفة العلم، ~~وهي الصورة التي تعرف باسم الإجرائية # Operationalism ~~. ~~صاغ هذا المصطلح العالم الفيزيائي بيرسي ~~بريدجمان P. W. Bridgman # الحاصل على جائزة نوبل عام 1946م عن دراساته لفيزياء الضغوط ~~العالية، وقدم لفلسفة العلم كتابيه «منطق الفيزياء الحديثة 1927م»، و«طبيعة النظرية ~~الفيزيائية 1936م»، حيث نجد عروضا للإجرائية. إنها مذهب يربط المفاهيم العلمية ~~بإجراءات البحث العلمي والتجارب المعملية ومحصلات الملاحظة، ويستبعد كل المفاهيم التي ~~لا تتعين إجرائيا بوصفها ليست تجريبية، وبالتالي يغدو النسق العلمي بأسره أدوات ~~للبحث. فأي قانون مؤلف من مفاهيم، وأي مفهوم هو طريقة قياسه والإجراءات التي تتخذ ~~بشأنه، فلا يمكن الحكم على القانون العلمي بالصدق أو الكذب ولا معنى لهذا. # يزعم الإجرائيون أن مفاهيم المتصل الزماني المكاني والتآني والتكافؤ في النظرية ~~النسبية هي التي فرضت المنظور الإجرائي، خصوصا بعد أن تقدم مفهوم «التعريفات ~~الإحداثية» الذي أشار إليه الفصل السابق من جراء تطبيق النسبية لهندسة ريمان. إن ~~النظرية النسبية بأسرها فروض عبقرية غاية في ms297 التجريد، ولا يمكن فهمها حقيقة إلا بوصفها ~~إجراءات معينة للبحث العلمي. هكذا دأب بريدجمان على تعريف المفاهيم العلمية بواسطة ~~عمليات قياسها وتكميمها؛ لتتلاقى الإجرائية مع معايير الوضعية المنطقية الدالة على ~~المعنى. والواقع أن بريدجمان يكاد يتخذ موقفها، فما هو الطول؟ هو إجراءات قياسه؛ ليكافئ ~~المفهوم ما هو ملاحظ بشأنه، لا من وقائع تجريبية، بل من إجراءات فعلية. وعلى الرغم من ~~أن هذا التعريف الإجرائي قليلا ما استخدمه العلماء وفلاسفة العلم، فإن بريدجمان يرى أن ~~الإجرائية تعبر عما يحدث بالفعل في الواقع العلمي. وهكذا يعمل العلماء أنفسهم بالنظريات ~~والقوانين والمفاهيم العلمية. وباقتدار وتطرف واصلت الإجرائية ما دأبت عليه الأداتية من ~~حذف مفهوم الحقيقة العلمية والواقع والصدق وإمكانية التحقق من القانون أو ~~تكذيبه. # وإذا كانت الإجرائية مذهبا أداتيا طرحه علماء محترفون، فثمة مذاهب أخرى للأداتية ~~في فلسفة العلم طرحها فلاسفة محترفون، ساروا في الاتجاه الأداتي الذي يجرد النظرية ~~العلمية من مضمونها المعرفي ودلالتها الأنطولوجية. وأول من يتقدم في هذا الصدد الفيلسوف ~~الألماني هانز فاينجر # H. Vaihinger ~~(1852-1933م) الذي ~~يعد المواصل الحقيقي لميراث الرائد الأول باركلي وفلسفته عن الوهم الرياضي. درس فاينجر ~~الدين والأدب والأساطير الإغريقية، وتأثر بنظرية دارون وبالفلسفة الكانطية. ورأى أننا ~~لن نعرف حقيقة العالم، فلننظر أي التصورات التي نتوهمها أقدر على التعبير عن العالم، ~~ويتصرف العقل «كما لو» كان العالم هكذا. وضع فاينجر فلسفة الأوهام # fictions ~~، الوهم يعني إهمال الواقع والانفصال عنه؛ لينصب الاهتمام على ~~تشييد كيانات ذهنية تتصف بخصائص معينة. هكذا تشيد النظريات العلمية، بيد أنها أوهام ~~مفيدة وسليمة بخلاف الأوهام الأسطورية الفارغة. وأوضح الأمثلة على أن مفاهيم العلم ~~كيانات وهمية هو اللامتناهي الرياضي، سواء في الصغر أو في الكبر. إنه منفصل عن الواقع ~~وتوهمه العقل ليفتح أمامه آفاقا أوسع. إن الأبنية العلمية كيانات وهمية ترشد العقل ~~لتحقيق المهام المنوطة بالعلم، حتى إذا أدت دورها زالت وحلت محلها نظريات أكثر تقدما؛ ~~أي أوهام مفيدة أكثر. من هنا كانت الأوهام العلمية مؤقتة ومتطورة، بينما تتحجر الأوهام ~~الأسطورية وتبقى دائما، النظرية ms298 المعمول بها هي الوهم العلمي الراهن، وتعني أن نعمل ~~على تحقيق مهام العلم «كما لو» كان العالم بالصورة التي ترسمها النظرية. من هنا صاغ ~~فاينجر فلسفته عن الأوهام العلمية في كتابه الشهير الصادر في برلين بعنوان «فلسفة كما ~~لو 1911م». # وفي النصف الثاني من القرن العشرين يظل الإنجليزي ستيفن تولمان # S. Toulmin ~~(1922م-؟) من أهم الفلاسفة المحترفين الذين أفادوا ~~الأداتية وطوروها وجعلوها تدفع فلسفة العلم إلى آفاق مستشرفة، بأعماله الكثيرة وأهمها: ~~«فلسفة العلم 1958م»، «البصيرة والفهم 1961م»، «الفهم الإنساني 1972م»، وهو يشبه ~~القانون العلمي بالخريطة الجغرافية التي توجه السائر وترشده في التعامل مع الواقع دون ~~الزعم بأن الخريطة صورة طبق الأصل من الواقع. ويتميز تولمان بقدرته على تجسيد وعي ~~الأداتية الفريد بتاريخ العلم والذي ناهضته الوضعية المنطقية؛ لذلك سوف يحتل موقعه بين ~~فلاسفة الردح الأخير من القرن العشرين الواعدين بآفاق مستقبلية لفلسفة العلم، وسوف نعود ~~إليه مجددا. # إن الأداتية بلا جدال تيار قوي ومتميز يملك حيثياته، ويمثل إضافة حقيقية لفلسفة العلم ~~ونجح في حل مشاكل منهجية فنية معقدة. وأجمل ما في الأداتية أنها تبرز دور العقل ~~الإنساني المبدع في مواجهة الواقع وفي خلق قصة العلم، فتومئ لأهمية تاريخ العلم، وكانت ~~قوة جذب لفلاسفة وفرق شتى. تستطيع الأداتية أن تفسر بطريقتها زوال النظريات العلمية بعد ~~أن كانت عمدا، ولماذا تعمل نظرية نيوتن في الماكروكوزم ومستوى الخبرة العادية حيث ~~نعتمد عليها، ونحن نعلم أن هناك نظرية أفضل هي النسبية، وأيضا كيف تدب الحياة ثانية ~~في نظرية ماتت ودفنت كما حدث لفرض الذرة. إنهم يرون الواقع ثابتا والعلم متغيرا. وإذا ~~اعتبرنا النظريات العلمية ليست تمثيلا للواقع بل مجرد أدوات نصطلح عليها لتسفر عن ~~إجراءات معملية، فنعدل هذه الأدوات ونطورها، استقامت النظرة إلى طبيعة المعرفة العلمية ~~في مواجهة الواقع، وأصبح من السهولة أن يتدفق التقدم والتغير في العلم واستبدال نظرية ~~بأخرى. لم يعد الحكم قاطعا بأن هذه النظرية صادقة وتلك كاذبة، بل فقط ثمة نظرية أفضل ~~وأكثر تقدما؛ ليس لأنها الأصدق، بل لأنها الأبسط ms299 والأنفع والأكثر مواءمة. وعلى مشارف ~~القرن الحادي والعشرين، حين احتلت برامج الحاسب الآلي موقعها على صدر المسيرة المعرفية ~~استبينت أكثر فعالية وجدوى التفسير الأداتي والإجرائي للأنساق العلمية. # ولكن مهما كانت إيجابيات الأداتية، ومهما أمكن الاستفادة منها في هذه الزاوية أو تلك، ~~يصعب كثيرا موافقتهم على نزع الدلالة الأنطولوجية عن العلم بأسره؛ لينصرف العلم ~~والفلسفة جميعا عن المشكلة الأنطولوجية ولا يبقى إلا أدوات مفيدة أجل لكن خاوية من ~~المضمون. كيف تغض الفلسفة النظر عن الانسجام الآسر والمتنامي بين العلم وبين الواقع ~~الفيزيقي الذي يوجهه ويدفعه نحو مزيد من التقدم؟! خصوصا وأن الفيزياء كانت محور فلسفة ~~العلم طوال القرن العشرين، ويظل العلم دائما ذا دلالة إخبارية هي أصدق وأفضل ما نملك، ~~ولا نستطيع أن نلقيها وراء ظهورنا مع الأداتيين. فقال ماكس بلانك: «إن نشاط الأداتيين ~~ضروري ونافع، ولكنه ينطوي على خطر لا يستهان به، وهو أن الصورة الفيزيائية للعالم يختفي ~~معناها فتظهر صورة فارغة من المحتوى.» # 54 # وفند رسل الإجرائية ببساطة حين أشار إلى أن العلماء كثيرا ما يتحدثون عن ~~إجراءات معملية أفضل من إجراءات أخرى للوصول إلى نتيجة معينة. معنى هذا أن هناك معيارا ~~يعلو على الإجراءات المعملية ويفاضل بينها، فكيف تحدد الإجراءات كل شيء؟! # ثم تقدم كارل بوبر بالنقد الحاسم فعلا. فإذا كان إرنست ناجل يأخذ على هنري بوانكاريه ~~أنه لم يميز بين الهندسة البحتة والهندسة التطبيقية، فإن بوبر يوضح خطورة إصرار ~~الأداتية على أن تغفل أصلا الفوارق الجوهرية العميقة بين العلوم البحتة والأساسية وبين ~~التطبقيات التكنولوجية، فتنظر الأداتية إلى ميكانيكا نيوتن مثلا تماما كما تنظر إلى ~~القواعد الحسابية # Computation rules # لوضع جداول ~~الملاحة أو ضبط عمل آلة التصوير الفوتوغرافي أو سواهما من تمثلات العلوم التطبيقية والهندسية، # 55 # في حين أن الفوارق ضخمة بين الجانبين سواء في البنية أو في الدور ~~الإبستمولوجي أو في الاعتبارات المنهجية ... إلخ. والنظرة الأداتية التي توحد بين ~~الجانبين وتغفل هذه الفوارق الجوهرية تنطوي على تشويه جسيم لتصور العلم وفلسفته. هذا ~~فضلا عن أن بوبر يصر ms300 إصرارا على أن الرؤية الواقعية للعالم وفكرة الاقتراب التدريجي ~~من الصدق ضروريان ولا يمكن الاستغناء عنهما لتفهم منطق العلم أو فلسفته. لقد أخرج بوبر ~~أكثر من دراسة لمناقشة ونقد الأداتية من زوايا عديدة، على أن نقده للوضعية المنطقية ~~أعنف وأكثر تفصيلا وأعمق تأثيرا على تطور فلسفة العلم. # الأداتية والوضعية المنطقية كانتا التيارين الأساسيين المشكلين لفلسفة العلم في أواسط ~~القرن العشرين، مثلا تطورا ملحوظا حين جعلا التجريبية منطقية. فعلت الوضعية هذا حين ~~صبت الأساس الاستقرائي لتبرير العلم في القرن التاسع عشر في قالب منطقي هو معيار التحقق ~~أو لغة العلم، هذا القالب قادر على تمييز المعرفة العلمية وتبريرها. أما الأداتية ففعلت ~~هذا عن طريق معايير منطقية كالاتساق والبساطة قادرة على تمييز المعرفة العلمية ~~وتبريرها. في كلتا الحالتين فلسفة العلم هي منطق تبرير المعرفة العلمية، تبرير يسوغ ~~الوضع القائم وقد يمهد لتطوراته المقبلة. # ربما كانت الأداتية أكثر معقولية وتفتحا وإيجابية. لكنها كما رأينا اتجاه شاع بين ~~فلاسفة وفرق شتى واتخذ صورا متعددة، لم تكن مذهبا محددا بمنهاج متعين ومشروع مرسوم ~~أو فريق عمل متكاملا كشأن الوضعية المنطقية التي تصدرت الواجهة. استطاعت الوضعية أن ~~«تستوعب الأداتية بنقاط الالتقاء المشترك فضلا عن أنها استخدمت الأداتية صراحة لمواجهة ~~عدم قابلية النظريات العمومية للتحقق، فميزت الوضعية المنطقية بين العبارات التي تشير ~~إلى وقائع ملاحظة وبين النظريات، الأولى تفترض عالما واقعيا، والثانية مجرد أدوات ~~وحيل منطقية للربط بين الظواهر ولا تلتزم بتعيين الواقع التجريبي. وبجانب هذا تتقدم ~~الوضعية المنطقية بوصفها مواصلة للمسيرة الرسمية لفلسفة العلم التي بدأت في القرن ~~التاسع عشر بالنزعة الاستقرائية. ومع تعنت الوضعيين المنطقيين وحدة مواقفهم وصلابتهم ~~وتماسكهم وتدفق أعمالهم نجدهم في الربع الثاني من القرن العشرين وقد استبدوا تماما ~~بفلسفة العلم وكادوا أن ينفردوا بالميدان حتى استقر في التصورات العامة أن فلسفة العلم ~~هي الوضعية المنطقية، هي تبرير المعرفة العلمية. # وكان كارل بوبر أعظم فلاسفة العلم في القرن العشرين وأهمهم وأخطرهم تأثيرا؛ لأنه كان ~~قادرا على مواجهة كل هذا، وإحداث التطور الجوهري في ms301 فلسفة العلم الذي يفتح أمامها ~~آفاقا مستقبلية بلا حدود، ما دام ينتقل بها نقلة جذرية من منطق تبرير المعرفة العلمية ~~إلى منطق الكشف العلمي والتقدم المطرد. # فكيف كانت فلسفته للعلم التي أدت إلى كل هذا؟ # الفصل السادس # | من منطق التبرير إلى منطق التقدم # أولا: كارل بوبر ... نقطة تحول # رأينا كيف سارت فلسفة العلم بشكل عام في إطار منطق تبرير المعرفة العلمية بمعنى تحديد ~~مبررات تميزها ووثوقها ومصداقيتها ونجاحها في أداء المهام المنوطة بالعلم، سواء استند ~~هذا التبرير على معطيات التحقق التجريبي الاستقرائية أو على معايير البساطة والمواءمة ~~الأداتية، وإن مالت كفة الطرح الأول الوضعي، في كلتا الحالتين ثمة تبرير للنسق العلمي ~~كمنجز راهن وراسخ ويمكن أن يستوعب تطورات أبعد. من هنا تمثل فلسفة كارل ريموند بوبر # K. R. Popper ~~(1902-1994م) نقطة تحول حاسمة، ~~ما دامت فلسفة العلم قد انتقلت معها من منطق التبرير إلى منطق الكشف العلمي والمعالجة ~~المنهجية له على أساس من قابليته المستمرة للاختبار التجريبي والتكذيب؛ لتعيين الخطأ كي ~~يحل محله - يوما - كشف أفضل وأكفأ وأقرب إلى الصدق. وسوف نرى أن الكشف علمي بقدر ما ~~يكون قابلا للتكذيب، بقدر ما يفتح طريقا إلى تقدم أبعد. فليس منطق الكشف العلمي منطق ~~لبنة جديدة تضاف إلى صرح العلم، بقدر ما هو منطق فتح طريق جديد للتقدم العلمي، إنه ~~فلسفة التقدم المستمر. وكان لهذا تأثيره الكبير على التطورات اللاحقة للوضعية المنطقية ~~والأداتية ذاتهما. # تستند فلسفة بوبر بأسرها على أن الخاصة المنطقية المميزة للعلم التجريبي هي إمكانية ~~تكذيب عباراته، هي قابليته المستمرة للمواجهة مع الواقع والوقائع، للنقد والمراجعة ~~واكتشاف الأخطاء وبالتالي التصويب والاقتراب الأكثر من الصدق، التقدم المستمر. بهذا ~~علمنا كارل بوبر كيف تكون فلسفة العلم هي منطق قابليته المستمرة للتقدم، بحيث تكون ~~قواعد البحث العلمي قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي يقرر ~~يوما ما أن العبارات العلمية أصبحت لا تستدعي أية اختبارات أخرى ويمكن أن نعتبرها ~~متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة؛ لذا فنحن لسنا ms302 في حاجة إلى منطق للتبرير ~~والتحقق أو المواءمة، بقدر ما نحن في حاجة إلى منطق للكشف والتقدم المستمر. # لاحظ بوبر أن كل فلاسفة العلم منذ جون ستيوارت مل، بل كل فلاسفة المعرفة التجريبية ~~منذ ديفيد هيوم حتى ماخ والوضعيين والأداتيين على السواء، ينظرون إلى المعرفة العلمية ~~بوصفها حقائق مثبتة مؤسسة فينشغلون بتبريرها. وصمم بوبر على إحراز الخطوة الأبعد، وأكد ~~أنه على عكسهم جميعا لا يعنى البتة بتبرير المعرفة العلمية أو حدود صدقها وصحتها، بل ~~يعنى فقط بمشكلة نمو المعرفة وكيفية تقدمها، فيصوب الأنظار إلى منطق الكشف العلمي ~~واللحظة الدراماتيكية الكبرى المتمخضة عن الجديد، لحظة التكذيب والتفنيد، في إطار من ~~معالجة منطقية منهجية بالغة الدقة والإحكام، بحيث كانت النظرة البوبرية أقدر من سواها ~~على طرح المعرفة العلمية بوصفها قابلة للاختبار البين ذاتي، أي الموضوعي، كمعرفة ~~ديناميكية متحركة لا ثبات ولا جمود فيها. يرى بوبر أن المعرفة على العموم والمعرفة ~~العلمية على أخص الخصوص بناء صميم طبيعته الصيرورة، التقدم المستمر. فلا تكون نظرية ~~العلم نظرية في تبريره، بل في أسلوب هذه الصيرورة أو كيفية التقدم المستمر. الأسلوب أو ~~الكيفية هو ما يعرف بالمنهج العلمي، ومن ثم تكون نظرية العلم أو فلسفة العلم هي نظرية ~~المنهج العلمي، هي ذاتها منطق الكشف العلمي. # أتت فلسفة بوبر رائدة قادرة على دفع فلسفة العلم إلى آفاق أبعد؛ لأنها انطلقت من موقف ~~الاستيعاب والاستشراف لآفاق ثورة العلم العظمى، ثورة الكوانتم والنسبية، بعقل تحرر ~~تماما من رواسب المرحلة النيوتونية الحتمية، فاستطاع بوبر أن يقدم صياغة دقيقة لمنطق ~~الكشف العلمي في أعقد وأدق تفصيلاته حققت استفادة بالغة من تقنيات المنطق الرياضي. وما ~~دام بوبر يؤكد أن منطق العلم ومنهجه وجهان لعملة واحدة، كان من الطبيعي أن تنصب فلسفته ~~الرائدة للعلم في إطار نظرية منهجية. # وتتفق الأطراف المعنية على أن كارل بوبر فيلسوف المنهج العلمي الأول وبغير منازع على ~~هذه الأولوية. وفي نهاية القرن العشرين يقول واحد من علماء الفيزياء النظرية، بتعبير ~~بليغ حقا: «إن كارل بوبر هو المفرد العلم ms303 الذي يشار إليه بالبنان حين طرح السؤال عن ~~المنهج العلمي.» # 1 # كما قال عالم الفلك الإنجليزي سير هيرمان ~~بوندي # H. Bondi ~~: «إن العلم ببساطة ليس شيئا أكثر من منهجه، وليس منهجه شيئا ~~أكثر مما قاله بوبر.» # 2 # هذا بخلاف علماء حصلوا على جائزة نوبل أمثال جاك مونو وبيتر مدوار P. ~~Medawar # وسيرجون إكسلز # J. Eccles # أكدوا على أهمية الاسترشاد ~~بفلسفة بوبر للمنهج العلمي، وكانت نصيحتهم للعلماء الشبان أن يقرءوا ويتدبروا كتابات ~~بوبر في فلسفة العلم. نخص منهم بالذكر جون إكسلز الذي وقف في حفل استلامه لجائزة نوبل ~~في البيولوجيا يوضح القوة التحررية العظيمة التي يكتسبها ذهن العالم بفضل تمثل نظرية ~~بوبر في المنهج العلمي؛ ليتخلص من فكرة محببة ثبت عقمها ويستقبل بفعالية فكرة جديدة ~~مثمرة. وفي النهاية أخرج إكسلز بمشاركة بوبر كتاب «النفس ودماغها 1977م»، حيث يبحثان ~~مشكلة العقل والمادة والتفاعل بينهما عن طريق تأكيد لعنصر بيولوجي قوي في فلسفة بوبر ~~يستحق أن نبرزه الآن؛ إذ يمثل بوبر الاتجاه العام لفلسفة العلم في القرن العشرين من حيث ~~إن الفيزياء هي محورها والمثال الأعلى للمعرفة العلمية التي نريد أن نفلسفها. # وعلى هذا الأساس الفيزيائي كانت فلسفة بوبر للمنهج العلمي كما يتدفق في قلب معامل ~~العلماء، لكننا سنرى أنه في جوهره صورة مستصفاة متطورة جدا للوسيلة التي امتلكها ~~الإنسان عموما للتعامل الناجح مع واقعه والسيطرة عليه، وبمزيد من التدقيق والتعميم ~~الفلسفي يتكشف هذا المنهج بوصفه محض صياغة لأسلوب تعامل الكائن الحي عموما مع مشكلات ~~واقعه. إن نظرية بوبر في المنهج العلمي امتداد لنظريته في المعرفة، وكلاهما ينطلق من ~~أصول بيولوجية أولية منذ أن وجدت الحياة على سطح الأرض، ثم تنمو المعرفة العلمية وتتطور ~~بتطور الحياة والحضارة. والمحصلة أن فلسفة بوبر للمنهج العلمي فلسفة دارونية تطورية، ~~وفي عرضنا الآتي لنظريته في المنهج سوف نتفهم حيثيات إصراره على قدرة هذا المنظور ~~التطوري البيولوجي في تفسير النشاط المعرفي والعلم. الجدير بالذكر أن بوبر بعد أن تجاوز ~~الثمانين من عمره حاد بشدة في اتجاه الإبستمولوجيا التطورية ms304 حتى أعلن أن هدف نظرية ~~المعرفة هو البحث عن أوجه التشابه والاختلاف بين معرفة الحيوان ومعرفة الإنسان، بمعنى ~~إنشاء جهاز معرفي مقارن يكون منطلقا للإبستمولوجيا، # 3 # وقد أثار هذا الحيود تساؤلات حول ما إذا كان بوبر قد هجر الفيزياء إلى ~~البيولوجيا. # وسوف نرى أنه ليس هناك حيود أو هجران، بل نماء عادي جدا لتوجهات فلسفة بوبر. ولما ~~كانت فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين تنتظرها آفاق مستقبلية واسعة في اتجاه ~~البيولوجيا والمنظورات البيولوجية، أدركنا منذ البداية كيف كان بوبر نقطة تحول، ودفع ~~فلسفة العلم إلى آفاق مستقبلية متتالية. # ومن ناحية أخرى انعكست صياغة بوبر للمنهج العلمي في مجموعة من الآليات والقيم، ترتد ~~نهائيا في صورة مجتمع مفتوح للرأي والرأي الآخر، لكل محاولات حل المشاكل؛ ليفوز الحل ~~الأقدر والرأي الأرجح، فيكون الانتقال بهندسة اجتماعية جزئية من المشكلات إلى حلولها في ~~إطار ديمقراطي، يستلزم التسامح وينقض كل دعاوى الديكتاتورية والانفراد بالرأي والتعصب ~~والتطرف، فضلا عن الإرهاب، ويستحيل معه صب المجتمع داخل الإطار الشمولي الكلي والنسق ~~الموحد، سواء أكان النسق هو الماركسية أو سواها؛ لأن هذا مجاف لمنطق العلم ومنطق ~~الواقع ومنطق التاريخ، وإن استحقت الماركسية بالذات نقدا مكثفا. هذا هو مضمون كتاب ~~بوبر «المجتمع المفتوح وخصومه 1945م» في جزأين، حيث تعقب بوبر جذور الاتجاه الشمولي ~~فيما قبل الماركسية والهيجلية حتى أرسطو وأفلاطون، بل وما قبل أفلاطون ليصل في النهاية ~~إلى أقوى نقد وجه للماركسية. وعلى الرغم من أن بوبر أساسا ودائما فيلسوف علم، فإنه ~~حاز شهرته من هذا الكتاب الذي طبق الخافقين، وتوالت طبعاته منذ صدوره وحتى الآن، وترجم ~~إلى عديد من اللغات. وبمجرد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي أتى مصداقا لمضمون «المجتمع ~~المفتوح»، صدرت ترجمته الروسية عام 1992م في خمسين ألف نسخة. # أعقب بوبر «المجتمع المفتوح» بكتابه «عقم النزعة التاريخية: دراسة في مناهج العلوم ~~الاجتماعية 1957م» الذي يكاد يكون ملحقا له؛ لأن بوبر ينقض فيه كل حجج الاتجاه الفلسفي ~~المعتقد في مسار محتوم للتاريخ يرى وظيفة العلوم الاجتماعية في التنبؤ بهذا المسار. ms305 إنه ~~اتجاه عريق موغل في القدم، معروف منذ فكرة اليهود عن مآل شعب الله المختار، وهيراقليطس ~~وهيزيود وأفلاطون، وفيكو وبوسويه وكوندرسيه وهيجل وأوجست كونت وغيرهم، تحدثوا عن أنماط ~~أو إيقاعات أو مراحل تاريخية لا بد حتما أن تحدث، لكن ماركس بالذات؛ نظرا لأثره ~~العظيم، قد ضلل معظم ذوي العقول النيرة حين جعلهم يعتقدون أن الأسلوب العلمي لتناول ~~المشاكل الاجتماعية هو النبوءة التاريخية. فماركس - كما يقول بوبر - هو المسئول عن ~~الأثر المدمر للمنهج التاريخي أو للنزعة التاريخية، # 4 # على أن كتاب «عقم النزعة التاريخية» لا يعنى أساسا بالماركسية، بل يعمل ~~على تفنيد كل حجج النزعة التاريخية، سواء أكانت مستقاة من النزعة الطبيعية والتوجه ~~العلمي أم معارضة لهذا. # وفي غضون الطريق السائر من فلسفة العلم ومنهجه إلى فلسفة المجتمع والسياسة تترسم ~~فلسفة كارل بوبر كاتجاه قوي مترامي الأطراف، متعدد الجوانب متسق الأبعاد، شديد الولاء ~~والإخلاص لمنطلقات وتوجهات فلسفة العلم، يوسم بالعقلانية النقدية، ويعد من أهم تيارات ~~فلسفة القرن العشرين وأكثرها خصوبة وأعمقها تأثيرا، أدلى بوبر بدلوه في ميادين حضارية ~~ومجالات فلسفية عديدة ترك فيها بصماته، بحيث ساهم في تشكيل ملامح الفكر الغربي في النصف ~~الثاني من القرن العشرين. # ويظل أهم ما في فلسفة بوبر أنها دفعت فلسفة العلم دفعة واسعة في اتجاه منطق الكشف ~~والتقدم، فتحت أمامها آفاقا أوسع، واستحق بوبر أن يكون أهم فلاسفة العلم خصوصا في ~~العالم المتحدث بالإنجليزية والألمانية. وحتى في فرنسا، حيث لا تتمتع أعماله بالدرجة ~~نفسها من الذيوع والانتشار، سعى إدكار فور المفكر ووزير التعليم المتميز إلى تأسيس مركز ~~للدراسات البوبرية في فرنسا عام 1982م، ولا غرو ما دام بوبر عملاق المنهج العلمي، داعية ~~المجتمع المفتوح، نصير الديمقراطية الليبرالية في أكثر صورها إنسانية، مهاجم الماركسية ~~ذا البأس الشديد الذي سبق الأحداث بنفاذ بصيرة رائع واستبصر ذلك المآل للأنظمة الشمولية ~~المغلقة في أوروبا، العدو الشرس للفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية بانكبابها على ~~تحليل عبارات العلم لتنزع عن الفلسفة بهاءها السرمدي، وتحاول سحق الميتافيزيقا. كان ~~بوبر مجيدا ومجيدا وهو يدافع ms306 عن الميتافيزيقا من أجل العلم، فهي الأفق النهائي ~~للفروض العلمية الخصيبة. # ويعنينا من كل هذا أنه إطار فلسفته للعلم، فلسفة التقدم العلمي، وقبل أن نعرض لها ~~نلقي نظرة على حياة الفيلسوف التي كانت مسرحا مواتيا لها. # ولد كارل ريموند بوبر في فيينا، في 28 يوليو عام 1902م، لأسرة نمساوية خليقة بأن تنجب ~~فيلسوفا، الأب حاصل على درجة الدكتوراه وكذا أخواه، وكان أستاذا للقانون في جامعة ~~فيينا ومحاميا، ويبدو أنه كان مثقفا ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبرنا الابن ~~كارل بوبر - حجرة واحدة في منزله غير مكتظة بالمراجع الكبرى وأمهات الكتب الفلسفية ~~وآيات التراث الإنساني، باستثناء حجرة المعيشة كانت بدورها مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي ~~أعمال باخ وهايدن وموزار وبيتهوفن ... وبوبر يعتز كثيرا بأنه يمتلك نسخة من طبعة القرن ~~السابع عشر لكتاب لجاليليو، ونسخة من طبعة القرن الثامن عشر لكتاب لإيمانويل كانط ~~فيلسوفه الأثير. وقد كان الأب حريصا على تنشئة ابنه، ومنذ نعومة أظفار الصبي كارل ~~بوبر، ووالده يحفزه على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي ~~والماهية والجوهر، وحينما تعييه حذلقة الصبي يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة. # أما عن أمه جيني تي شيف، جيني بوير، فهي تنتمي لأسرة تسري في دمائها الموهبة ~~الموسيقية ، كانت هي وشقيقاتها شأن غالبية مواطني فيينا - عاصمة الألحان وكعبة الموسيقى ~~- عازفات ماهرات على البيانو، أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون. وقد لعبت ~~الموسيقى دورا كبيرا في حياة الابن بوبر، فهو أيضا عازف على البيانو، ومتذوق عميق ~~لها، مما ساعد في صقل شخصيته وإرهاف مشاعره، ويخبرنا في تفصيلات مسهبة كيف أن الموسيقى ~~الأوروبية البوليفونية كانت ملهمة ببعض توجهاته الفكرية. ولم يسلم بوبر الروح إلا بعد ~~أن حقق حلم حياته وقام بتأليف قطعة موسيقية وهو في التسعين من عمره! # والحق أن كل ما في سيرة الفيلسوف مدعاة للإجلال والإكبار، فهو ذو حس إنساني رفيع، ~~شديد التعاطف مع مظاهر البؤس والحرمان والشقاء، وكانت منتشرة في أحياء فيينا الفقيرة - ~~نتيجة حرب أهلية - إبان صبا الفيلسوف، وكان أول ms307 حب خفق له قلبه - وهو طفل صغير يرفل في ~~الخامسة من عمره - لطفلة صغيرة في روضة أطفال ذهب إليها مرة واحدة، برؤية وجهها انفطر ~~قلب الطفل بوبر، وهو لا يدري: ألروعة ابتسامتها الأخاذة؟ أم لمأساة كف بصرها؟ # وحينما شب عن الطوق ورث عن أبيه العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المهملين والأيتام، ~~ولما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها (1919-1920م) وهذا العام حاسم في فلسفته، ترك ~~منزل والديه رغم توسلاتهما، كي يستقل بنفسه، وكي لا يشكل عبئا عليهما، فقد أصبح أبوه ~~شيخا جاوز الستين، فقد كل مدخراته في التضخم المالي الذي استشرى في أعقاب الحرب، وأقام ~~بوبر في مبنى قديم لمستشفى عسكري مهجور، حوله الطلبة إلى بيت طلاب بدائي جدا. عمل ~~بغير أجر في عيادة النفساني ألفرد آدلر، وبأجور زهيدة في أعمال أخرى كتدريس أو تدريب ~~لطلبة أمريكيين، أو كمساعد لنجار ... هذا النجار أثر كثيرا على شخصية بوبر، ولكن ترك ~~في نفسه رد فعل عكسيا عنيفا حين كان بوبر يراه دائما يؤكد أنه يعرف كل شيء وأنه على ~~صواب ولا يخطئ أبدا، فأصبحت احتمالية الخطأ الكامنة في كل موقف هي جذع الفلسفة ~~البوبرية. لم يكن بوبر يدخن أو يحتسي خمرا، كان يأكل قليلا ويرتدي ثيابا متواضعة. ~~المتعة الوحيدة التي لم يستطع التخلي عنها آنذاك هي التردد على حفلات الموسيقى ~~السيمفونية، وكانت التذاكر رخيصة؛ لأنه كان يستمع واقفا. # بخلاف العمل الاجتماعي من أجل الأيتام، والموسيقى، كان اهتمام بوبر الثالث في يفاعته ~~هو الفلسفات السياسية اليسارية، أمضى إبان مراهقته ثلاثة أشهر ماركسيا، لكنه انقلب ~~بحماس إلى الاشتراكية الديمقراطية ... وأصبح في النهاية داعية ما يمكن أن نسميه: ليبرالية ~~معدلة، ليبرالية النصف الثاني من القرن العشرين، التي اقترنت باسم بوبر. # التحق بوبر بجامعة فيينا عام 1918م، حضر مختلف المحاضرات: تاريخ الموسيقى والأدب وعلم ~~النفس والفيزياء ... بل وحتى العلوم الطبية، وسرعان ما ترك هذا، وقصر حضوره على محاضرات ~~الفيزياء النظرية والرياضة البحتة ... إذ كان يرى تلك المحاضرات «رائعة بحق». # وفي عام 1922م قيد طالبا منتظما بالجامعة، فأمضى ms308 عامين للحصول على إجازة للعمل في ~~المدارس الابتدائية، حصل عليها إبان عمله كنجار، وواصل دراساته حتى حصل على إجازة ~~التدريس في المدارس الثانوية. ظل بوبر لآخر يوم في حياته على اعتقاد راسخ بأن تربية ~~النشء والتعليم - في كل صوره - أقدس مهمة عرفتها البشرية. حصل على إجازته تلك من معهد ~~تربوي أنشئ حديثا، وفيه تعرف بوبر على محبوبته، التي أصبحت زوجته حتى آخر العمر، وما ~~فتئ بوبر في كل موضع أن ينوه بفضلها وفضل حبها العظيم عليه. وبعد تخرجه استأنف دراساته، ~~حتى حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، من جامعة فيينا عام 1928م. # وكسب عيشه من العمل كمدرس طبيعة ورياضة في المدارس الثانوية، ولم يكن هذا شيئا ~~يسيرا في النمسا آنذاك. # وتبقى ملاحظة أن كارل بوبر حارب بشراسة كل زعم بمسار محتوم للتاريخ والماركسية أنضج ~~صور هذا الزعم، لكن أولاها هي حتمية إياب اليهود إلى أرض الميعاد. وقال في سيرته ~~الذاتية: «إن كل الدعاوى العنصرية والعرقية شر مستطير، وإن الصهيونية لا تستثنى من ذلك» # 5 ~~... وهذا الرجل الذي يرفض الصهيونية بعمق ومنهجية ولد لأبوين يهوديين، اعتنقا ~~المسيحية البروتستانتية قبل إنجاب أي من أطفالهما؛ لكي يخرجا من وضع الأقلية ويندمجا في ~~الأغلبية النمساوية المسيحية. وهكذا لأن بوبر ينحدر من أصول يهودية اضطر إلى الهجرة من ~~النمسا عام 1937م، بسبب الغزو النازي، واتجه إلى نيوزلاند حيث قضى سني الحرب وكتب ~~«المجتمع المفتوح»، وظل يدرس الفلسفة في جامعتها حتى عام 1945م، وفي عام 1946م انتقل ~~إلى إنجلترا واستقر في إحدى ضواحي لندن حتى وفاته؛ إذ عمل أستاذا للمنطق ومناهج العلوم ~~في جامعة لندن إلى أن بلغ سن التقاعد عام 1969م، وكان قد حصل على لقب «سير» عام 1965م، ~~وعلى رفقة أو رتبة شرف من ملكة إنجلترا إليزابيث الثانية في عام 1982م، مثلما حصل على ~~خمس عشرة دكتوراه فخرية من جامعات أمريكا وبريطانيا والنمسا وكندا، وعديد من الجوائز من ~~جامعات أوروبا، والميدالية الذهبية للخدمة المتميزة للعلم من المتحف الأمريكي للتاريخ ~~الطبيعي ... وبالمثل عديد من المناصب ms309 الأكاديمية والعلمية الفخرية. ورحل بوبر في السابع ~~عشر من سبتمبر عام 1994م، بعد أن أنجز في فلسفة العلم خطوات تقدمية واسعة، ونال ما ~~يستحقه من تقدير وتكريم. واللافت حقا أن بوبر استهل طريقه ببداية شديدة التميز ~~والتوقد، فأول أعماله، وأهمها كتابه الرائد «منطق البحث العلمي # Loik der Forschung ~~» الصادر في فيينا باللغة الألمانية عام 1933م، وهو ~~في طليعة النصوص المشكلة لمسار فلسفة العلم في القرن العشرين. # وبحكم انتشار وسيادة اللغة الإنجليزية عموما وفي مجال فلسفة العلم خصوصا، فإن هذا ~~الكتاب لم يمارس تأثيره الكبير إلا بعد أن ترجم إلى اللغة الإنجليزية عام 1959م، تحت ~~عنوان أكثر حصافة ودلالة هو «منطق الكشف العلمي»، وفي حوار شهير بين بريان ماجي وكارل ~~بوبر، تساءل ماجي عن سبب هذا التغيير في العنوان، تجاهل بوبر السؤال ولم يعره انتباها، ~~فلم يكن السبب جليا. # 6 # وفيما بعد اتضح تأثير بوبر الكبير على مسار فلسفة العلم وعلى فلاسفتها ~~التالين - كما سيوضح الفصل التالي - وأزاحت الدراسات الإبستمولوجية التالية النقاب عن ~~السبب المطمور لهذا التغيير، وهو أن «الكشف» أكثر حركية وديناميكية من «البحث» فيكون ~~الأقدر على أن يبلور الانتقال من منطق تبرير المعرفة العلمية، إلى منطق التقدم ~~المستمر. # ألحق بوبر بالترجمة الإنجليزية «منطق الكشف العلمي» ملحقا مطنبا بعنوان «بعد عشرين ~~عاما» أثبت فيه بضعة مستجدات، منها محصلة لقائه بآينشتين ومحاولات بوبر لكي يقنعه ~~بالعدول عن الإيمان بالحتمية العلمية التي تبخرت، جرى هذا اللقاء عام 1950م، حين ذهب ~~بوبر إلى أمريكا تلبية لدعوة تلقاها كي يلقي محاضرة بجامعة هارفارد في ذكرى وليم جيمس. ~~ما زالت طبعات «منطق الكشف العلمي» تتوالى حتى يومنا هذا، وترجم إلى سبع عشرة لغة منها ~~العربية، كما ترجمت أربعة كتب أخرى لبوبر إلى اللغة العربية. # بعد هجرة بوبر إلى أستراليا ثم إلى إنجلترا ليستقر فيها صدرت كتبه بالإنجليزية، ~~وتوالت على مدار السنين أبحاثه ودراساته ومحاضراته في فلسفة العلم بصورة نظامية متواترة ~~حتى آخر لحظة في حياته التي غطت القرن العشرين بأسره إلا قليلا، حمل بعضها كتاباه ms310 ~~الكبيران في الحجم والقيمة «الحدوس الافتراضية. # 7 # والتفنيدات: نمو المعرفة العلمية 1963م»، و«المعرفة الموضوعية: تناول تطوري ~~1972م». وليس بوبر من نمط الفلاسفة الذين يمرون بمراحل فكرية أو تتعرض فلسفاتهم لتطورات ~~وتعديلات، بل هو - على عكس رسل مثلا - ظلت منطلقاته وتوجهاته الفلسفية ثابتة راسخة ~~بطريقة غير عادية. ساعد هذا على أن يظل «منطق الكشف العلمي» دائما مركز فلسفته، حتى ~~إنه بعد نصف قرن، في عامي 1982م و1983م صدرت ثلاثة أعمال لبوبر، هي: «الواقعية وهدف ~~العلم»، و«الكون المفتوح: حجة للاحتمية»، و«نظرية الكوانتم والانشقاق العظيم في ~~الفيزياء»، حرص الناشر على أن يثبت على أغلفتها أن ثلاثتها مأخوذة من شروح وهوامش على ~~«منطق الكشف العلمي»! صدر بعدها كتابان باللغة الألمانية هما «بحثا عن عالم أفضل ~~1992م»، و«الحياة بأسرها حلول لمشاكل 1994م» يضمان مقالات فلسفية عامة، كلاهما مترجم ~~إلى الإنجليزية وأيضا إلى العربية. وكان آخر ما صدر له قبيل رحيله كتاب «أسطورة ~~الإطار»، وهو دفاع عن العلم وعن العقلانية التنويرية في مواجهة تيارات ما بعد الحداثة ~~التي تنقض مفاهيم عصر التنوير أو تتجاوزها. وفي هذا يعد بوبر نفسه آخر التنويريين ~~العظام، ولا مفر من الاعتراف بأنه بهذا المنظور كان أيضا آخر الاستعماريين العظام. إنه ~~شوفوني الإعجاب بالحضارة الغربية، يراها بما حققته من حرية وفردانية وتقليص للفقر ~~والجهل والمرض أعلى مد بلغة الإنسان، والحضارات الأخرى في ناظريه بمثابة أطفال نفكر ألف ~~مرة قبل إعطائهم أي قدر من الحرية والاستقلال! # ثانيا: بوبر ضد الوضعية والاستقرائية # والآن لا يدهشنا أن كتاب «منطق الكشف العلمي» كان الدافع الأساسي إلى تأليفه هو نقد ~~الوضعية المنطقية، وطرح البنية المنطقية والاختبارية للنظرية العلمية بأسلوب يكشف عن ~~حيودات وأخطاء الطرح الوضعي. من هذا المنطلق يعالج الكتاب نفس موضوعات دائرة فيينا ~~كالاستقراء والاحتمالية والتأييد ومشاكل المفاهيم النظرية للكوانتم ... إلخ. وأيضا لا ~~يدهشنا أن اعترف الوضعيون أنفسهم بأنه كتاب فذ وفريد على درجة عالية من العمق ومن ~~التقدم، وأصدرته دائرة فيينا في سلسلة منشوراتها، وكان موريتس شليك وفرانك هما اللذان ~~أعداه للطبع. فكما رأينا، كان ms311 بوبر يدرس في جامعة فيينا، فيما بين عامي 1918م و1928م في ~~نفس مكان وزمان نشأة دائرة فيينا، كان أعضاؤها هم أساتذته وزملاؤه، وارتبط بصداقات ~~شخصية حميمة مع بعض منهم، خصوصا كارناب وفيجل وفيزمان ومنجر وفيكتور كرافت وكورت جودل ~~صاحب مبرهنة اللااكتمال، حضر بوبر اجتماعات فرعية للدائرة في منزل العضو إدجار تسيلزل، ~~وألقى محاضرة هي أساسا نقد للوضعية المنطقية، كان بوبر مثلهم منطقيا وفيلسوف علم ~~معنيا بتمييز المعرفة العلمية وبالأسس المنطقية للتجريب، وداعية لوحدة المنهج بين ~~العلوم الطبيعية والإنسانية ... لكنه ليس وضعيا ولا استقرائيا بحال، وقف وحيدا ليتخذ ~~موقفا معارضا لهم، حتى أطلق نويراث على بوبر لقب المعارض الرسمي»، وفيما بعد طرح مؤرخ ~~الفلسفة جون باسمور سؤاله: من الذي قضى على الوضعية المنطقية؟ وبوبر يخشى أن يكون هو المسئول. # 8 # والواقع أن اضمحلال الوضعية المنطقية لا يعزى إلى فرد بعينه، بل إلى صعوبات داخلية ~~وإلى إصرارها على مواصلة طريق التحقق الاستقرائي المباشر ... إلى آخر ما رأيناه. ولكن ~~بوبر على أية حال استنشق أجواء مشبعة بسيادة الوضعية المنطقية في فيينا، ولاحقته هذه ~~الأجواء في إنجلترا حين هاجر إليها، ثم زفرها ثورة ضد الوضعية المنطقية. كانت أولى ~~المهام الإجرائية التي اضطلع بها بوبر في فلسفة العلم هي وقف المد الوضعي، ثم الإطاحة ~~بأساسها الأبعد وهو النزعة الاستقرائية، هذا وذاك رفضا لمنطق التبرير. # بادئ ذي بدء نلاحظ أن الوضعية المنطقية أتت كثورة في عالم التفلسف ، تقلبه رأسا على ~~عقب حين زعمت أن التحليل المنطقي يمكنه الكشف عن أن المشاكل الفلسفية لغو بغير معنى، ~~وبوبر لا يرى في هذا ثورة ولا حتى جديدا، فالمناقشات الحامية الوطيس حول ما إذا كانت ~~الفلسفة توجد أو لها الحق في أن توجد أم لا، قديمة قدم الفلسفة ذاتها، مرارا وتكرارا ~~تقوم حركة فلسفية «جديدة تماما» تدعي أنها ستتمكن «أخيرا» من كشف النقاب عن المشاكل ~~الفلسفية لتبدو على حقيقتها كمشاكل زائفة، وأنها ستواجه اللغو الفلسفي الخبيث بأحاديث ~~العلم التجريبي الوضعي ذي المعنى الرفيع والمغزى الحميد. ومرارا وتكرارا ينهض حماة ~~الفلسفة ms312 التقليدية ليشرحوا لقادة الهجوم الوضعي الأخير أن الالتجاء إلى سلطة الخبرة ~~الحسية بالنسبة له برنامج بحث وليست في حاجة للفحص النقدي. # 9 # الوضعيون المنطقيون هم قادة الهجوم في القرن العشرين، وبوبر هو المدافع المستخف به عن ~~الفلسفة التقليدية الذي يصر على أن مشاكلها حقيقية. وليس هناك شيء على وجه الإطلاق - في ~~نظر بوبر - يعز على النقد أو حتى يستغنى عنه. ولما كان بوبر يرى أن الفلسفة هي الدراسة ~~النقدية، للخبرة الحسية وسواها، بدا بوضوح لماذا يعادي بصراحة هذا التوجه الذي يعادي ~~وجود الفلسفة أصلا. النقد دائما هو حجر الزاوية من أفكار بوبر، وهو الآن يصوبه على ~~الوضعية المنطقية. # أما عن منحاها اللغوي، فهو أيضا ليس بالجديد، الاهتمام بالكلمات ومعانيها واحد من ~~أقدم المشاكل الفلسفية، كان السفسطائي بريديقوس مهتما بتمييز المعاني المختلفة ~~للكلمات، فأطلق أفلاطون على هذا الاهتمام اسم «مبدأ بريديقوس»، يقول بوبر: إن هذا ~~المبدأ كان جديدا وهاما عام 420ق.م فهل نعتبره جديدا وهاما في القرن العشرين؟! ~~ببساطة يرفض بوبر الفلسفات التحليلية اللغوية بتعبير موجز يقول فيه: «ما زلت على ~~اعتقادي بأن أقصر طريق إلى الخسران العقلي المبين هو هجران المشاكل الحقيقية من أجل ~~المشاكل اللفظية.» # 10 # ليس معنى هذا أن بوبر لا يعتبر اللغة مهمة، إنها في نظره أخطر مكونات العالم ~~الإنساني، لكن لا ينبغي أن تدور فلسفة اللغة في متاهات لفظية، بل يجب أن تعمل على شرح ~~الوظائف الأربع الأساسية للغة ، وهي: الوظيفة التعبيرية بمعنى التعبير عن النفس، ~~والوظيفة الإشارية والوظيفة الوصفية والوظيفة الجدلية بمعنى النقاشية. ويوضح بوبر أن ~~اللغة - أيا كان مستواها - لن تكون لغة إلا إذا كانت قادرة على إثارة استجابة من كائن ~~حي آخر. لغات الحيوان أو وسائل تواصله من رقص أو تلامس أو إصدار أصوات أو غيره، قادرة ~~على أداء الوظيفتين التعبيرية والإشارية، ثم تتميز اللغة الإنسانية فقط بقدرتها على ~~أداء الوظيفتين العليتين الوصفية والنقاشية. اللغة الإنسانية بوظائفها الأربع - لا سيما ~~العليتين - هي علة خروجنا من مملكة الحيوان وعلة كوننا بشرا، فالوعي نتيجة لها. ms313 إننا ~~ندين بعلمنا وحضارتنا للغة، فهي التي كفلت تواصل الأجيال واستئناف المسير. هكذا يعلي ~~بوبر من قدر اللغة، بينما يحط من قدر الفلسفات اللغوية التحليلية المتطرفة التي عرضها ~~الفصل السابق كالتحليل العلاجي وفلسفة اللغة الجارية في أكسفورد، ومن قبل ومن بعد ~~الوضعية المنطقية، فلسفة العلم التي اقتصرت على التحليل المنطقي اللغوي وأرادت قصر ~~الفلسفة عليه. # هذا هو الخلاف الأساسي بين بوبر والوضعية، إصراره على أن المشاكل اللغوية لم تكن ~~أبدا مشكلة فلسفية، فضلا عن أن تكون المشكلة الفلسفية الوحيدة. يؤكد بوبر أن المشكلة ~~الفلسفية الوحيدة هي عينها المشكلة العلمية الوحيدة: المشكلة الكوزمولوجية، أي مشكلة ~~فهم العالم بما في ذلك نحن أنفسنا كجزء من العالم. العلم والفلسفة معا يساهمان في حل ~~هذه المشكلة، وإنهما ليفقدان كل روعتهما وجاذبيتهما إذا ما تخليا عنها. قد يساعدنا فهم ~~وظيفة اللغة على الحل، أما أن نحيل المشكلة بأسرها إلى متاهات لغوية فإن هذا مرفوض، ولا ~~يمكن أبدا إحلال دراسة اللغة وأنساقها الاصطناعية الرمزية محل دراسة الإبستمولوجيا ~~لنمو المعرفة العلمية وتطور محتواها. لقد أخطأ الوضعيون المنطقيون حين حددوا الفلسفة ~~بمشكلة معينة واحدة هي المشكلة اللغوية. # وأخطئوا قبلا حين حددوا منهج الفلسفة بمنهج واحد لا سواه هو التحليل المنطقي. يرى ~~بوبر أن التحليل إذا طرح أصلا لا يكون فقط للغة، بل تحليلا لموقف المشكلة العلمية ~~بأسره وللمناقشات الدائرة حولها، ولا يمكن تكثيف ماهية الفلسفة وتعريفها بممارسة منهج ~~محدد، وهي المتميزة عن العلم بأنها مبحث لا تقيده حدود قاطعة. كل المناهج الفلسفية ~~مشروعة، طالما ستفضي إلى نتائج يمكن مناقشاتها ونقدها، وليس الذي يعنينا في الفلسفة هو ~~المنهج أو الأساليب الفنية، تحليلية كانت أم تركيبية، بل الحساسية للمشكلات واستنفاد كل ~~الجهد من أجل حلها. # يروم بوبر التعامل الديناميكي مع النظرية العلمية، أي البحث في صيرورتها: كيفية ~~تقدمها وعوامل هذا التقدم ودرجته، تكريسا لمنطق التقدم. أما التحليل المنطقي فيتعامل ~~مع النظرية بصفة استاتيكية: يحلل منطوقا معينا للنظرية أو تعريف مصطلح معين أو يحلل ~~عبارة معينة من نسق يفترض أنه محدد، ms314 كل هذا تكريس لمنطق التبرير والتسويغ؛ لذلك يناصب ~~بوبر التحليل المنطقي العداء، إنه يحلل ما هو كائن ولا يبحث عن الجديد، ولن يجدي في نمو ~~المعرفة العلمية، ولن يصل بنا أبدا إلى أعتاب منطق الكشف والتقدم. # يرى بوبر أن هدف الإبستمولوجيا - سواء مثالية أو تجريبية - هو المساهمة في تقدم ~~المعرفة. والفلسفة يحدوها دائما الأمل في أن تعرف أكثر عن المعرفة العلمية، حتى جاء ~~الوضعيون المنطقيون ليفقدوها هذه النغمة الحلوة المتفائلة التي ألهمتها يوما بالتقليد ~~العقلاني، فهم يقصرون مهمة تقدم العلم على العلماء وحدهم، ويعرفون الفلسفة بنفس الذي ~~سوف تصبح عليه طالما ستنحصر في تحليل معاني اللغة ودراسة أنساقها، وتصبح بحكم التعريف ~~غير قادرة على أدنى مساهمة في معرفتنا بالعالم إنهم يجعلون الفلسفة خواء وفراغا؛ إذ ~~يجردونها من مشكلاتها أو يقصمون جذور هذه المشكلات، ويحترفون ممارسة منهج مستحدث كموضة، ~~فتغدو الفلسفة معهم تطبيقات وممارسات وليست بحثا وطرح أفكار. والفلسفة ليست احترافا ~~أو تخصصا، إنها انشغال ومعاناة. # إن بوبر يعادي التخصص الاحترافي المنغلق حتى في العلم، يقول: إن العظام من العلماء ~~أمثال كبلر وجاليليو ونيوتن وآينشتين ونيلز بور، هم الرجال الذين يكرسون حياتهم بتواضع ~~من أجل البحث عن الحقيقة ونمو المعرفة العلمية، وحياتهم هي أفكارهم الجريئة، يمكن أن ~~نضم إليهم مساعديهم الأقل ألمعية، لكن لن ينضم إليهم أبدا أولئك الذين لا يعني العلم ~~بالنسبة لهم أكثر من احتراف ومهنة فنية. # أما إذا كان التحليل من أجل هدفه المعروف وهو تحقيق الوضوح والدقة، فإن الوضوح في حد ~~ذاته له قيمته العقلية الكبرى، أما الدقة فليست هكذا، إنها طبعا مرغوبة، دقة التنبؤ ~~مثلا لها قيمة كبرى، لكن البحث عن الدقة - كما يؤكد بوبر - يكون فقط ذا طابع برجماتي، ~~فلا نبحث عن الدقة فقط من أجل الدقة؛ لأن هذا إهدار للوقت والجهد في مسائل جانبية. ولم ~~يعتد الفيزيائيون الدخول في مناقشات حول معاني المصطلحات التي يستخدمونها أو تعريفاتها، ~~مثل الطاقة أو الضوء ... إنهم يعتمدون عليها وهي ليست محددة بدقة، ولم يعق هذا تقدم ~~العلوم الطبيعية. ms315 # تردى الوضعيون في متاهات التحليل اللغوي والبحث عن الدقة بهدي رائدهم فتجنشتين الذي ~~شبه الميتافيزيقيين بفراشة دخلت في زجاجة وأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن ~~التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق الخروج من الزجاجة لينتهي الزن الميتافيزيقي ~~إلى الأبد. لكن بوبر يرى أن فتجنشتين هو الذي دخل الزجاجة وراح يزن ولم يستطع الخروج ~~منها؛ لأنه نسي أن اللغة وسيط للتعبير، ربما هدف من تحليلاته إلى الوضوح، إلى تلميع ~~النظارات اللغوية؛ كي يحظى برؤية واضحة للعالم، غير أنه أمضى العمر كله في هذا التلميع ~~ولم يستفد منه، فاندفع في ممارسة التحليلات بطريقة مملة مللا عقيما ولا يطاق، شأنه في ~~هذا شأن نجار أمضى العمر كله في صقل أدواته وشحذها ببعضها البعض وفاته أن يستخدمها في ~~صنع شيء مفيد. # إن فتجنشتين بلا ريب تطرف، لكنه قمة فلسفية على أية حال، وما ينبغي أن يتحدث بوبر عنه ~~بهذه اللهجة. إن بوبر - بصراحة - يتجاوز حدود اللياقة حين الحديث عن فتجنشتين أو معه ~~فهو خصمه الفلسفي اللدود، حتى إن بوبر يقسم الفلاسفة إلى فريقين متقابلين، أحدهما يأتم ~~بفتجنشتين، والآخر يأتم بإيمانويل كانط الذي جعل العقل يفرض تصوراته على الطبيعة، ~~الوضعيون المنطقيون في الفريق الأول، وبوبر في الفريق الثاني الكانطي. وعلى الرغم من ~~حدة صراع بوبر مع فريق الوضعيين فإنه أحيانا قليلة يشير إلى إيجابياتهم كاقتدائهم برسل ~~ومنحاهم التنويري وتأكيدهم للعقلانية وحرب العقل ضد السلطة التعسفية وضد الخرافة، وأنهم ~~بلا مراء علامة بارزة في فلسفة القرن العشرين ومنطقه على السواء. ويعترف بوبر بأن كتابي ~~كارناب «التركيب المنطقي للعالم»، و«القابلية للاختبار والمعنى» من أهم نصوص فلسفة ~~العلم في تلك المرحلة. أما بالنسبة للإمام فتجنشتين فلا تفاهم ولا هوادة في ~~القتال. # والواقع أن موقف فتجنشتين وأتباعه الوضعيين من الميتافيزيقا هو الذي دفع بوبر إلى هذا ~~العداء السافر، فهو يرى أن الميتافيزيقا ضرورية لتقدم العلم ذاته؛ لتوسيع الخيال العلمي ~~فتلهم بفروض خصيبة. وبالنظر إلى هذه المسألة من الزاوية السيكولوجية، فإن بوبر يرى ~~الكشف العلمي مستحيلا بغير الإيمان ms316 بأفكار من نمط تأملي خالص، لعل النظرة العلمية ~~الصارمة لا تبيح هذا الهامش الميتافيزيقي، لكنه الأمر الواقع. # وربما عاقت بعض الأفكار الميتافيزيقية طريق التقدم العلمي، وأبرزها فكرة أفلاطون ~~بتحقير المادة وكل ما يتصل بالحواس كأداة للمعرفة. لكن إذا تركنا الأمثلة القليلة، ~~وأيضا بعضا من الشطحات الميتافيزيقية التي يمكن أن نعدها فعلا ثرثرة ولغوا، وجدنا ~~أفكارا ميتافيزيقية جمة ساعدت على تقدم العلم، بل كانت ضرورية له، وبعضها أوحى بصورة ~~مباشرة بنظريات علمية تطورت عن فروض ميتافيزيقية صريحة أبرزها مركزية الشمس وفرض الذرة ~~ذاته الذي طرحه ديمقريطس في القرن الخامس ق.م وظل حتى عام 1905م غير قابل للاختبار ~~التجريبي، أي أقرب إلى الميتافيزيقا؛ لذلك رفضه هلهولتس وماخ ودوهيم. # يتفق الكثيرون مع بوبر على أن معظم مشكلات العلم لها جذور في الفلسفة، لكن من زاوية ~~أخرى تبرز العلاقة التبادلية. أخرج بوبر مقالا بعنوان «طبيعة المشكلات الفلسفية ~~وجذورها في العلم»، # 11 # يوضح فيه كيف أن المشاكل الفلسفية والميتافيزيقية دوما ذات جذور علمية ~~واجتماعية ودينية وسياسية، وإنها لتنهار وتتحول إلى لغو إذا ما أنكرت عليها تلك الجذور ~~أو استئصلت منها، ويذهب بوبر إلى إثبات دعواه بشروح مسهبة لأمثلة عديدة لمشكلات من أخص ~~خصائص الفلسفة كالمثل الإفلاطونية والأعداد الفيثاغورية والمقولات الكانطية ... ليثبت ~~جذورها في حدود علم عصرها، وينتهي إلى أن الوضعيين المنطقيين هم الذين قلبوا المشاكل ~~الفلسفية الحقيقية إلى لغو ومشاكل زائفة، حين أنكروا تلك الجذور أو لم يفطنوا إليها ~~وراحوا يتعقبون منطوقات ظاهرية بمنهج التحليل المنطقي ليغووا الفلسفة إلى مستنقع ~~المشاكل الزائفة واللغو. بعبارة موجزة يرى بوبر أن مشاكل الفلسفة حقيقية ومشاكل ~~الوضعيين المناطقة هي التي ينبغي أن تعد ثرثرة بغير معنى ولغوا، والقواعد التي وضعوها ~~لاستعمال اللغة تجعل حياتنا بأسرها لغوا، طالما ترد كل أنشطة العقل بما في ذلك العلم ~~والمناقشات الإبستمولوجية إلى ما لا يمكن قبوله، إلى محض مدركات حسية. # لا يمل بوبر من التأكيد على ضرورة التفلسف وإلا لما كان هو فيلسوفا، وعلى أن المشاكل ~~الفلسفية أصيلة وليست مشاكل مستهلكة # Second hand ms317 # متخلفة ~~عن العلم في صياغته اللغوية. وبهذا يرفض كل محاولات الوضعية والتحليلية لإذابة المشاكل ~~الفلسفية، ويرفض أيضا اعتبار المشاكل الفلسفية مشاكل منطقية على أساس أن حلها يمكن فقط ~~بواسطة الأساليب المنطقية، يرد بوبر على هذا بأن كثيرا من مشاكل الفيزياء لا يمكن حلها ~~إلا بأساليب الرياضة البحتة، ولا يؤثر هذا على تصنيفها كمشاكل فيزيائية ما دامت موضوعا ~~لبحوث الفيزيائيين. # وبوبر ككل إبستمولوجي جاد في القرن العشرين، شديد التقدير والإكبار والولاء لبرتراند ~~رسل، ويرى نظريته في الأنماط المنطقية إنجازا عظيما وعالجت مفارقات كانت في حاجة إلى ~~التحليل المنطقي ليكشف عنها، لكن الخطأ جاء من فتجنشتين والوضعيين حين عمموا هذه الفكرة ~~وعدوا جميع المشاكل الميتافيزيقية قائمة على مغالطات منطقية ونتيجة لسوء استعمال اللغة. ~~ونلاحظ أن رسل نفسه انتقد تعميمهم لأفكاره في شكل معيار التحقق الذي وضعوه لتمييز ~~العلم، وكانت معاييرهم لتمييز العلم جبهة ساخنة لهجوم ضار ومفصل من بوبر. # يرى بوبر أن معايير الوضعية لم تهدف إلى تمييز العلم حقيقة، بل لتحقيق الغرض المسبق ~~والمستحيل وهو استبعاد الميتافيزيقا بأسرها بوصفها لغوا بغير معنى، ولا يمكن استبعاد ~~كيان ثري مهيب كالميتافيزيقا بجرة قلم، ولو أرادوا استبعاد اللغو حقا فعليهم أن ~~يقوموا بفحصها فحصا نقديا مفصلا، ولو فعلوا لاكتشفوا كنوز الأفكار الخصيبة التي ~~تحويها الميتافيزيقا. وكما رأينا استبعاد الميتافيزيقا بجرة قلم ألقى بالنظريات العلمية ~~البحتة في نفس هوة العبارات الزائفة؛ لأنها لن ترتد إلى وقائع الملاحظة ولن تقبل التحقق ~~التجريبي أكثر مما تقبله عبارات الميتافيزيقا. وقد نفذ الوضعيون من هذا بالتفسير ~~الأداتي كما أوضحنا. # فكان الخطأ الكبير الذي تعثرت فيه الوضعية ولا مخرج منه هو المطابقة بين العلم ~~والمعنى واللاعلم واللامعنى، هذه المطابقة هي التي ردت سهامهم إلى نحورهم وجعلت ~~مناقشاتهم عن المعنى بغير معنى، وبهذا المنظور يغدو كثيرا مما قيل في العلم والرياضيات ~~- لا سيما - في الكلاسيكيات ينبغي أن يعد بغير معنى. يضرب بوبر مثالا بحساب التفاضل ~~والتكامل في عهوده الأولى حتى القرن الثامن عشر، فكان بلا شك لغوا وتناقضات بغير معنى ~~وفقا ms318 لمعايير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، فهل كان عليهم أن يشهروا أسلحتهم في وجه رواد ~~هذا الحساب وينجحوا في استبعاد جهودهم، بينما فشل في هذا نقادهم المعاصرون لهم كجورج ~~باركلي الذي كانت أحاديثه في هذا الصدد ذات معنى ومطابقة تماما لمعايير الوضعية! إن ~~تهمة الخلو من المعنى فضفاضة ولا يمكن وضع خط فاصل قاطع بين المعنى واللامعنى. وكما ~~يوضح المثال إذا أمكن وضع هذا الخط تبعا لتصور مسبق ومحدد لمفهوم المعنى، فلن يكون هذا ~~في صالح التقدم العلمي أبدا. # من ناحية أخرى يطابق الوضعيون بين معنى القضية وأسلوب تحققها وصدقها، لكن التحقق ~~نهائي ما دام واقعا، فهل يعني هذا أن الصدق نهائي وكل قضايا العلوم التجريبية يقينية؟! ~~إنهم أول من يرفض هذا، ومع ذلك جعلوا التحقق منهجا لتمييز الكلمات أيضا فيما يعني ~~تأويلا عدديا لمعنى الكلمة بإحصاء الأشياء التجريبية التي تسميها الكلمة، وهذا يفضي ~~بنا إلى لغة اسمية لا تناسب إطلاقا الأغراض العلمية! وينتهي بوبر إلى أن معيار التحقق ~~لن يميز العلم، بل هو مكنسة تكنس الكثير كالنظريات البحتة والقوانين العلمية العمومية، ~~وتكنس القليل لأن قضايا العلوم الزائفة كالتنجيم والفراسة يمكن الزعم بأساليب للتحقق ~~منها. وليس معيار القابلية للتأييد والاختبار أسعد حظا، بل هو أكثر غموضا والتباسا ~~في موقعه من المعنى وتمييز العلم. # ويرى بوبر أن لغة العلم الموحد هي الأخرى لن تميز العلم ولن تستبعد الميتافيزيقا. ~~الميتافيزيقيون يعلمون أن عباراتهم ليست تجريبية ولن يتخلوا عنها؛ لأنها لا تصاغ داخل ~~لغة مناسبة للعلم التجريبي، فهناك لغات أخرى كثيرة يمكن أن تناسب الميتافيزيقا، بل وضع ~~بوبر فرضا ميتافيزيقيا موغلا هو: توجد روح مشخصة عالمة بكل شيء وقادرة على كل شيء ~~وحاضرة في كل مكان. وراح بوبر في تفاصيل منطقية مسهبة يوضح كيف يمكن التعبير عن هذا ~~الفرض داخل لغة العلم الموحد! فضلا عن أن قيام هذه اللغة على حمل البروتوكول جعلها ~~تقيم نسق العلم على خبرات ذاتية. وجمل البروتوكول في حقيقتها مخلف أثري وذكرى ~~باقية من زعم النزعة الاستقرائية البائد بأن العلم يبدأ ms319 من وقائع تجريبية ثم تعميمها. ~~وبالمثل لم يكن معيار التحقق إلا رد العبارة إلى معطياتها الاستقرائية، أما معيار ~~القابلية للاختبار والتأييد، فلأنه حرص على الناحية الميثودولوجية، كان صريح الارتباط ~~بالمنهج الاستقرائي مباشرة. وكما أوضح الفصل السابق، كانت فلسفة دائرة فيينا معالجة ~~منطقية للنزعة الاستقرائية؛ ليبقى تبرير العلم على أساس ارتكازه على الوقائع التجريبية ~~وخروجه منها. # وهنا نصل إلى حجر الزاوية ومفترق الطرق في فلسفة العلم، ولعل هجوم بوبر الضاري على ~~الوضعية المنطقية انطلق من عزمه الأكيد على استئصال شأفة النزعة الاستقرائية من فلسفة ~~العلم، وتلك هي معركة بوبر الكبرى حتى لو أردنا تلخيص فلسفته التجريبية في كلمة واحدة ~~لكانت: ضد الاستقراء أو اللااستقراء، فما من محاضرة يلقيها أو مقالة يكتبها وإلا ويؤكد ~~فيها أن الاستقراء خرافة، لا هو يصف ما يفعله العلماء في الواقع ولا ما يجب أن يفعلوه ~~ولا حتى ما يمكن أن يفعلوه؛ لأن البدء بالملاحظة الخالصة مستحيل ولن يفضي إلى شيء. ~~ويدخل في مناقشات تفصيلية مسهبة ليوضح أن أيا من نظريات العلم يستحيل أن تكون قد ~~انتشرت نتيجة للتعميمات الاستقرائية. # يقول بوبر: إن النزاع الضاري بينه وبين الاستقرائيين يتلخص في السؤال: ما الذي يأتي ~~أولا الملاحظة «ح» أم الفرض «ض»؟ وهذا يشبه السؤال التقليدي: ما الذي أتى أولا ~~الدجاجة «ح» أم البيضة «ض»؟ وبوبر يجيب على كلا السؤالين ب «ض»، نوع أولي بدائي من ~~البيض، وأيضا نوع أولي بدائي من الفروض هي التوقعات الفطرية التي يولد الذهن مزودا ~~بها لتمثل أولى تعاملات العقل مع العالم التجريبي. ويمتد إنكار دور الملاحظة الحسية في ~~التوصل إلى الفرض أو القانون حتى أعمق الجذور. # طبعا بوبر فيلسوف تجريبي، لكنه لا يرى الذهن يولد صفحة بيضاء تخطها التجربة كما ~~يدعي التجريبيون المتطرفون أمثال لوك وهيوم، ولا هو يرى الذهن يولد بأفكار فطرية كما ~~يدعي المثاليون المتطرفون، لكنه يرى الذهن يولد مزودا بمجموعة من الاستعدادات ~~السيكولوجية والنزعات والتوقعات الفطرية التي قد تتغير وتتعدل مع تطور الكائن الحي، ~~ومنها النزوع إلى الحب والعطف وإلى ms320 مناظرة الحركات والأصوات، وأيضا إلى توقع الاطراد ~~في الطبيعة. والاطرادات ليست نتيجة الخبرات المتكررة، بل لوحظت في الحيوانات والأطفال ~~الحاجة إلى إشباع هذا التوقع بأي شكل، وإذا تحطمت بعض الاطرادات المتوقعة يؤدي هذا إلى ~~الشقاء والحيرة وربما حافة الجنون. يستعين بوبر بأبحاث مواطنه ومعاصره كونراد لورنتس # K. ~~Lorentz # في علم النفس ~~الحيواني التي أجراها على البط والإوز، وخرج منها بأن الحيوانات تولد مزودة بآلية فطرية # inborn Mechanism # في القفز إلى نتائج وطيدة. ~~مثلا، فرخ الإوز حديث الخروج من البيضة يتخذ أول شيء متحرك يراه على أنه أمه، وهذه ~~آلية ملائمة في الظروف العادية، لكنها قد تكون خطيرة في بعض الظروف إذا كان هذا الشيء ~~الكبير ثعلبا مثلا. والطفل حديث الولادة يتوقع أن يجد من يحبه ويحميه. كل كائن حي ~~لديه توقعات أو نزوعات فطرية قد تكون متكيفة مع أحداث وشيكة الوقوع، إنها فطرية وسابقة ~~زمانيا ومنطقيا على أي تعرف على البيئة أو تلقي خبرة حسية عن العالم التجريبي، وقد ~~تكون خاطئة وخطيرة كما في حالة الثعلب، والوليد قد يهجر ويترك ليموت جوعا. التوقعات ~~الفطرية ليست ذات صحة أولية، وهي قابلة للتعديل والتصحيح. أمثال هذه التوقعات هي نقطة ~~البدء. فتكون أولى حلقات المعرفة التجريبية في العصر الحجري توقعا فطريا أخطأ في ~~مواجهته للواقع التجريبي، فحاول الإنسان البدائي تصويبه بتوقع آخر، كانت له قصوراته ~~ومشاكله، فتم تصويبه بفرض جديد، وهكذا دواليك وصولا إلى نسق العلم اليوم. ولا يكون ثمة ~~استقراء لوقائع الحس من الطبيعة ثم تعميمها في أي مرحلة على وجه الإطلاق، الأسبقية ~~دائما للكائن الحي وللعقل، فيمكن استئصال الاستقراء أو البدء بالملاحظة الخالصة من ~~أعمق الجذور. # في نهايات الفصل الثالث طرحت إشكالية الفرض والملاحظة، وأوضحنا أن القرن العشرين ~~استقر على أن الأسبقية للفرض، وكان هذا بفعل عدة عوامل أهمها تطورات البحث العلمي ذاته ~~وجهود بوبر المستميتة في هذا الصدد. # ونحن الآن في حاجة لتحديد المعالم الأساسية لإبستمولوجيا بوبر وأركان نظرية المعرفة ~~عنده، وهذا بعبارة أخرى هو تخطيط لاستراتيجية الحرب الضروس ضد ms321 منطق التبرير سواء في ~~الشكل الذي صاغته النزعة الاستقرائية أو في امتداداته المتطورة مع الوضعية ~~المنطقية. # وفي هذا نجد أن المنطلق الأساسي لنظرية بوبر في المعرفة أو ركنها الركين هو إصراره ~~على أن المعرفة في كل صورها - وعلى رأسها العلم - موضوعية؛ ذلك أن بوبر يميز بين مغزيين ~~لمعنى كلمة «معرفة # Knowledge ~~»: # المعرفة بالمغزى الذاتي: # وهي تتكون من اعتقادات الذات ونزوعاتها ومشاعرها ~~وما تراه أو تقره أو تنكره، وبوبر يرى أن المعرفة بهذا المغزى من اختصاص ~~علم النفس. # المعرفة بالمغزى الموضوعي: # وهي تتكون من كل مخزونات الكتب وأجهزة ~~الكومبيوتر، أي كل الأفكار المطروحة سواء فلسفية أو علمية، ما دامت مصاغة ~~لغويا إنها موضوع الإبستمولوجيا التي تبحث في محتواها المعرفي وعلاقاتها ~~المنطقية وأسسها المنهجية ... تفكير نيوتن في نظريته ونزوعه نحو صياغتها مثال ~~للمعرفة الذاتية، أما اللحظة التي صاغها فيها فهي الحد الفاصل الذي نقلها ~~من بحوث علم النفس إلى بحوث الإبستمولوجيا؛ هذا لأن الصياغة اللغوية هي ~~التي تجعلها قابلة للنقد والنقاش والتداول بين الذوات فتصبح ~~موضوعية. # ويلاحظ بوبر خطأ كبيرا تردت فيه الإبستمولوجيا التقليدية منذ أرسطو وديكارت وهوبر، ~~ثم باركلي وهيوم حتى كانط وصولا إلى رسل وفريجه، حين اعتبروا الإبستمولوجيا بحوثا في ~~المعرفة التي تؤول إلى علاقة تربط عقولنا الذاتية بموضوع المعرفة، أسماها رسل ~~الاعتقاد # belief ~~، أو الحكم # Judgement ~~، يكثف بوبر جهوده ليستأصل هذا الخطأ، ويؤكد أن الإبستمولوجيا ~~لا شأن لها البتة بالذات العارفة، بل فقط بموضوع المعرفة. وهذه الموضوعية المنفصلة ~~تماما عن الذوات تنسحب على العلم، وسواء اعتبرناه إبستمولوجيا متقدمة أو ظاهرة ~~اجتماعية أو بيولوجية أو مجرد أداة معرفية أو حتى وسيلة للتكنولوجيا والإنتاج الصناعي، ~~فهو بناء موضوعي متجرد من معرفة الذوات. وفلسفة بوبر بهذا تفترق تماما عن بعض ~~التأويلات المثالية الذاتية التي شهدتها فلسفة العلم في القرن العشرين نتيجة التطرف في ~~معالجة التغير الكبير الذي طرأ على مفهوم التجريبية. # ولكي تكون المعرفة العلمية موضوعية تماما لا بد من محك موضوعي للحكم عليها بالصدق أو ~~الكذب، خصوصا وأن بوبر يسلم تسليما ms322 بالواقعية، بمعنى الوجود الواقعي المستقل للعالم ~~الخارجي، ويرى أن العلم هدفه الوصول إلى تفسير مرض لهذا العالم، والنظرية العلمية ذات ~~مضمون معرفي ودلالة إخبارية، فيفترق بوبر افتراقه الحاد عن الأداتية، ويؤكد أن وظيفة ~~العلم هي البحث الدءوب عن حقيقة العالم وعن الصدق # Truth ~~. ويلعب الصدق دور المبدأ التنظيمي الذي يحكم شتى الجهود ~~المعرفية بوصفه الغاية المرومة بعيدة التحقيق. البحث عن الصدق ومزيد من الصدق هو الهدف ~~الدائم للعلم التجريبي، الصدق وليس اليقين، فليس هناك علم تجريبي يقيني ولن يكون. ويوضح ~~بوبر هذا بأن يشبه الصدق بقمة جبل عادة ما تكون مغلفة بالسحب، من يحاول تسلق الجبل ~~والصعود إليها تواجهه صعوبات كثيرة، وحتى إذا وصل إليها قد لا يعرف أنه بلغها فعلا؛ ~~لأنه قد يعجز وسط أطياف السحب عن التمييز بين ذروة الجبل الحقيقية وبين القمم الثانوية. ~~غير أن هذا لا يؤثر على الوجود الموضوعي لذروة الجبل الحقيقية، واستحالة اعتبار النظرية ~~العلمية يقينية أو مطلقة الصدق ويمثل اعترافا ضمنيا بالوجود الواقع للصدق الموضوعي ~~الذي نفشل في الوصول إليه رغم أن العلمي يتقدم نحوه باستمرار. # وإذا كان الصدق يلعب هذا الدور الكبير، فما هو معياره؟ في هذا يتخذ بوبر الموقف ~~الشائع وهو التناظر # correspondence # مع الواقع. معيار ~~التناظر يحقق أهداف بوبر الإبستمولوجية، ويؤكد رفضه للأداتية ومعاييرها، والأهم أن ~~التناظر على طرف النقيض من النظريات الذاتية في الصدق التي ترجعه إلى تاريخ أو علاقة ~~المعتقد بالمعتقدات الأخرى، فيكون الصدق هو ما نستطيع تبرير الاعتقاد فيه أو قبوله ، # 12 # وبوبر بالطبع لا يريد معيارا للتبرير، ولا للاعتقادات التي هي مسألة ~~ذاتية، بينما يصر دائما على موضوعية المعرفة. # يضفي بوبر منتهى الموضوعية على المعرفة لدرجة الاستقلال التام عن أي شخص يعرف أو ~~يعتقد، حتى يزعم أنها معرفة بغير ذوات عارفة أصلا. ما دام مكانها هو العالم3، فما هو ~~العالم3؟ إنه ابتكار مثير لبوبر حين يقول: إن هناك ثلاثة عوالم: # العالم 1: # هو العالم الفيزيقي المادي. # العالم 2: # هو العالم الذاتي، عالم الوعي والشعور والمعتقدات والإدراكات ~~والحالات العقلية ms323 والميول السيكولوجية. # العالم 3: # عالم المحتوى الموضوعي للفكر كالعلم والفلسفة والأعمال الأدبية ~~والفنية والنظم السياسية والتقاليد والقيم والأعراف ... محتوى هذا العالم ~~هو محتوى الكتب والصحائف وأجهزة الكومبيوتر والمتاحف والمعارض. # والعلاقة بين العوالم الثلاثة متداخلة، لكن العالم 2 هو الوسيط الذي يربط بين العالم ~~1 والعالم 3 بفضل علاقاته بكليهما، فهو يدرك العالم 1 بالمفهوم الحرفي للإدراك، ويخلق ~~العالم 3 ويظل يدرسه ويضيف إليه ويحذف منه، حتى القوة التكنولوجية في العالم 3 تمارس ~~تأثيرها على العالم 1 بفضل العالم 2. # يقول بوبر: إن هذه النظرية في جوهرها موقف تعددي جديد، يرفض الواحدية والثنائية، يرفض ~~بوبر أيضا الواحدية المحايدة مع ماخ وجيمس ورسل وتعدديتها المفرطة، ويحل مشكلة العقل ~~والمادة عن طريق طرف ثالث يربط بينهما، ويرجع أصولها إلى سائر النظريات الميتافيزيقية ~~التعددية كالأفلاطونية والهيجلية ومونادات ليبنتز الروحية ... كلها في رأي بوبر نظريات ~~تقول بوجود عالم غير عالمي العقل والمادة مثل العالم 3، لكن بوبر يتلافى تطرفاتها ~~الميتافيزيقية فلا يجعل العالم 3 سرمديا مطلق الثبات كعالم المثل الأفلاطوني نتأمل ~~فيه كما لو كان نجوما في السماء، العالم 3 من صنع الإنسان، ومكوناته واقعية، إنها ~~المشاكل وحلولها، ويحوي دائما الخطأ بجانب الصواب، وهو دائم التقدم والتغير والنمو، ~~وهذه المرونة تجعله ملائما للعلم الحديث. # العالم 3 يجسد موضوعية المعرفة بفضل استقلاله، فهو منتج مباشر لنشاطات الإنسان ~~المختلفة، لكن مكوناته تستقل عن الإنسان بعد أن يخلقها الكتاب، كتاب وإن لم يقرأه أحد، ~~وتستقل في خلق مشاكلها التي قد يعجز الإنسان عن حلها، وفي خلق خصائصها التي تظل في حدود ~~المجهول وقد يعرفها الإنسان أو لا يعرفها . مثلا لا تزال كثير من مشاكل الأعداد الأولية ~~والصماء واللامتناهية مثارة في علوم الرياضة، فالإنسان خلق سلسلة الأعداد، لكنه لم يخلق ~~مشاكلها ولا خصائصها كالتمييز بين الأعداد الفردية والزوجية. مثل هذا نتيجة لخلقنا، غير ~~مقصودة ولا يمكن تجنبها، نتيجة ثانوية أو ~~جانبية # by-product ~~. # على هذا يفرق بوبر في مكونات العالم 3 بين المنتجات المقصودة التي اجتمع أشخاص معينون ~~وبذلوا جهدا موجها لخلقها مثل ms324 الأديان والمؤسسات والأعمال الفنية والعلمية والقوانين ~~والدساتير ... وبين المنتجات الجانبية الثانوية التي لم يخلقها الإنسان بقصد، بل انبثقت ~~من تلقاء ذاتها، والغريب أنها قد تكون أكثر أهمية من المنتجات المقصودة. فأهم كيانات ~~العالم 3 طرا اللغة، وليس هناك جماعة اجتمعت لتخطيطها، بل تبدأ بنشاط أولي توجهه ~~الحاجة، ثم يتسع ويتطور ويتحسن تدريجيا بغير خطة سابقة. إنها أشياء صنعها الناس بغير ~~أن يصنعها واحد منهم، وحين تتبدى فائدتها تتطور وتتحسن، العالم 3 هو الذي يميز الإنسان ~~عن الحيوان. موضوع الإبستمولوجيا يقطن فيه ولا شأن لها البتة بالعالم 2. وأهم مكونات ~~العالم 3 اللغة والنقد، وبفضل النقد يكون تطوره ونماؤه الدائم نحو الأفضل. # وما دام بوبر يولي كل هذه الأهمية للنقد يمكن أن نتفهم جيدا لماذا كانت البطاقة ~~الفلسفية التي يتخذها عنوانا لفلسفته هي العقلانية ~~النقدية # Critical ~~Rationalism ~~. # والعقلانية أساسا هي الاتجاه التنويري الذي يثق في الإنسان وقدراته فيرفع كل وصاية ~~من عليه ويتركه يبحث عن الحقيقة بلا سلطة تفرضها. وترتبط العقلانية في الفلسفة الغربية ~~بالثورة على خضوع العصور الوسطى الطويل للسلطة الدينية وأرسطو، واتخذت شكلين يمثلان ~~العقلانية الكلاسيكية هما الاتجاه التجريبي مع بيكن وأشياعه الذين يرون التجربة هي ~~الوسيلة التي تمكنا من قراءة الحقيقة فتثق في الطبيعة وفي حواس الإنسان ليعتمد عليها في ~~الوصول بنفسه إلى الحقيقة. والاتجاه الثاني هو الاتجاه المثالي الذي افتتحه ديكارت ~~مؤكدا الثقة في العقل كوسيلة امتلكها الإنسان للوصول إلى الحقيقة. # يرى بوبر أن كل منجزات الحضارة الغربية المعاصرة تدين في نشأتها إلى العقلانية ~~الكلاسيكية التي كانت الملهم الأعظم للتقدم الحضاري والاجتماعي وبغير نظير ينافسها عبر ~~التاريخ ... ومع هذا فهي نموذج للفكرة الخاطئة التي تلهم بأفكار رائعة، # 13 # فقد تردت في خطأ كبير هو الاعتقاد بأن الحقيقة بينة وأن المعرفة اليقينية ~~سهلة المنال، وانغلقت العقلانية الكلاسيكية إلى تياريها في محاولتها لتبرير هذا اليقين ~~وتحديد المصدر النهائي لمعرفة الحقيقة، أهو الحواس أم العقل؟ وهذا الطرح خاطئ أصلا، ~~فلا يهم مصدر المعرفة، المهم هو المعرفة ذاتها، محتواها ومدى صدقها وقدرتها ms325 على حل ~~المشكلة المطروحة للبحث. إنهم بالسؤال عن المصدر أهو العقل أم الحواس، يكررون الخطيئة ~~الأرستقراطية التي تهتم بالحسب والنسب وتغفل عن تقييم الشخص ذاته، # 14 # وهذه الخطيئة تجسدت في الاستقرائية والوضعية، وهي تنشغل بتبرير المعرفة ~~العلمية عن طريق التثبت من ردها إلى أصولها في الوقائع التجريبية. # إن السؤال الذي يحدد البحوث الإبستمولوجية ليس عن المصدر، بل هو: كيف نكتشف أخطاءنا ~~ونستبعدها لكي تنمو المعرفة وتتطور ويكون دائما الكشف والإضافة والتقدم؟ وقد أجاب بوبر ~~على هذا بالنقد، واتخذ موقف العقلانية النقدية. # وعلى الرغم من هذا الخلاف الحاد في الرؤية الإبستمولوجية بينه وبين العقلانية ~~الكلاسيكية، فإنه يشترك معها في الموقف الذي يجعلها عقلانية، أي في رفض أية سلطة معرفية ~~على الإنسان وضرورة استقلاله بنفسه في البحث عن الحقيقة رغم أنها ليست بينة، وفي اكتشاف ~~المعرفة رغم أنها ليست يقينية. ليس هناك سلطة معرفية، وأيضا ليس هناك مصدر معين ~~للحقيقة، المعرفة لا تتمتع بأية أسس غير قابلة للخطأ، لا في الحواس ولا في العقل، كل ~~فرض وكل اقتراح وكل مصدر للمعرفة على الرحب والسعة، ما دام كل اقتراح وكل مصدر يمكن ~~تعريضه للنقد، واكتشاف أخطائه وتصويبها، والانتقال إلى وضع أفضل في صيرورة نحو التقدم ~~المستمر. من هنا كانت العقلانية نقدية، وكانت بدورها موقفا فلسفيا شاملا قادرا على ~~تأطير منطق الكشف العلمي والتقدم الدائم. # وبهذه الرؤية الإبستمولوجية المحددة والموقف الفلسفي الشامل، يمكن أن يواجه بوبر ~~النزعة الاستقرائية ومنطقها لتبرير المعرفة العلمية الذي واصلته الوضعية المنطقية، ~~مواجهة هي بدورها شاملة. # يرى بوبر أن هذا التبرير يرتد إلى الحس ~~المشترك # Common Sense # الموقف العادي للإنسان بشعبيته الفائقة. وبوبر يعتبر الحس ~~المشترك خامة فلسفية بالغة الأهمية، لكنه في حد ذاته يفتقر إلى الموقف النقدي، ويا لها ~~من جريمة في عرف بوبر! وبموقفه اللانقدي يتخذ الحس المشترك نظرية معرفية تشبه العقل ~~بالدلو أو السلة، وتقوم الحواس - لا سيما البصر - بجمع المعلومات وتعبئتها في هذا ~~الدلو. وإذا أردنا اكتساب معرفة بأي شيء، فما علينا إلا أن نفتح عيوننا ms326 وحواسنا، فيمتلئ ~~الدلو بالمدركات الحسية ونعرف الشيء تماما. هكذا ببساطة وبإهدار القوى الخلاقة للعقل. ~~وتفسر هذه النظرة توقعات العقل، توقع الاطراد في الطبيعة مثلا، بتأثير الملاحظات ~~المتكررة التي حدثت في الماضي. نحن نعتقد أن الشمس ستشرق غدا؛ لأنها أشرقت في الماضي ~~كل يوم. لدينا ملاحظات متكررة، وهي كفيلة بتفسير نشأة الاعتقاد وبتبريره. هكذا نجد ~~الموقف الساذج للحس المشترك هو الأصل الذي صدر عنه منطق التبرير الاستقرائي، فنفس هذه ~~النظرة التي يرسمها تشبيه الدلو، هي التي أخذتها التجريبية الكلاسيكية، وعبر عنها جون ~~لوك قائلا إنه ليس في العقل شيء إلا ودخله عن طريق الحواس، وأخذها بقية التجريبيين، ~~وحتى صاغتها النزعة الاستقرائية في شكل منهج قادر على تبرير العلم وتمييزه. # وفي كل هذا السياق العريض، لم يتوقف أحد لمناقشتها مناقشة نقدية حتى جاء ديفيد هيوم ~~ليقوض أركان العلية فأثار مشكلة الاستقراء. وبوبر يتمسك بالدلالة الإخبارية للنظرية ~~العلمية ومحتواها المعرفي ومعيار الصدق ... وفي هذا لا بد له أن يواجه مشكلة ~~الاستقراء. # لم يتوان بوبر في هذا أبدا، بل يحلو له التأكيد على أن أهم إنجازاته في فلسفة العلم ~~هو حل مشكلة الاستقراء. وقد عني عناية بالغة بفحص تفصيلي مستجد لأعمال يهوم. ويرى بوبر ~~أنه أثار بشأن الاستقراء مشكلتين وليس مشكلة واحدة كما هو شائع. فثمة المشكلة المنطقية ~~المتعلقة بتبرير صحة الاستقراء، فهل لدينا تبرير للانتقال من الحالات التي وقعت في ~~خبرتنا إلى تلك التي لم تقع بعد؟ وأجاب هيوم على هذا بالنفي مثيرا مشكلة الاستقراء. ~~ولكن ثمة أيضا مشكلة ثانية، هي المشكلة السيكولوجية المتعلقة بأثر التكرار على حياتنا ~~النفسية، فلماذا نتوقع جميعا بثقة كبيرة أن الحالات التي لم تقع في خبرتنا سوف تطابق ~~تلك التي وقعت؟ وكما رأينا، أجاب هيوم على هذا بالعادة أو الطبع، وبعد أن نسف التبرير ~~الاستقرائي، أو طرده من الباب المنطقي، عاد ليسمح له بالدخول من الشباك السيكولوجي، فظل ~~الاستقراء جاثما على الصدور. # وبطبيعة بوبر، يصب جام نقده على هيوم، فيجده قد انتهى إلى أن التكرار قد خلق فينا ms327 ~~عادة الاعتقاد في قانون، غير أن بوبر يؤكد أن هذا خطأ والعكس تماما هو الصحيح، ~~فالتكرار يحطم الوعي بالقانون ولا يخلق اعتقادا فيه. فمثلا في حالة عزف قطعة موسيقية ~~صعبة على البيانو، يبدأ العازف مركزا وعيه وشعوره، وبعد قدر كاف من التكرار يتم العزف ~~بلا انتباه لقانون. وحين البدء في قيادة الدراجة نتعلم أن ندير الدفة في الاتجاه الذي ~~نخشى السقوط فيه، وتبدأ المحاولات الأولى للركوب وأذهاننا مركزة تماما على هذا ~~القانون، وبعد قدر كاف من التكرار ننساه تماما. إذن فالتكرار يحطم الوعي بالقانون ولا ~~يخلقه كما ذهب هيوم. فنحن لا نشعر بدقات الساعة المنزلية لكن نشعر أن الساعة توقفت. ومن ~~ناحية أخرى نجد أن السلوك - كالأكل أو النوم في ساعة معينة - لكي يكون عادة، فإنه ينشأ ~~أولا ثم يتكرر ثانيا. معنى هذا أن نشأة العادة لا ترجع إلى التكرار كما ذهب ~~هيوم. # وكان التكرار الذي عناه هيوم قائما على التماثل بين الوقائع أو تشابهها، وفي هذا ~~يحرص بوبر على تبيان أن العقل البشري هو الذي يحكم على الوقائع بأنها متشابهة أو ~~متماثلة، وبالتالي بأنها تكرارات. ليس هناك تكرارات في صلب الطبيعة، بل هناك وقائع يحكم ~~العقل عليها بأنها متماثلة، وبالتالي متكررة، وتبعا لمنظور معين في العقل سابق على ~~إدراك الوقائع ذاتها. هكذا نجد بوبر يلف ويدور في نفس محور أسبقية الفرض على الملاحظة ~~والعقل على الواقع. # وينتهي بوبر إلى أن هيوم غرق في متاهات النزعة الذاتية، وانشغل بالاعتقاد في مشابهة ~~الماضي للمستقبل والخبرة والعادة والطبع، وكلها بحوث أليق بعلم النفس وليس ~~بالإبستمولوجيا، أو بمصطلحات بوبر متصلة بالعالم 2، وليس العالم 3، ومع هذا لم تكن ~~صائبة حتى من المنظور السيكولوجي ذاته. لكن في خضم هذه الغياهب السيكولوجية ثمة جوهرة ~~ثمينة تظفر بها المعرفة الموضوعية، وهي ببساطة التفنيد المنطقي لأن يكون الاستقراء ~~تبريرا كافيا للمعرفة العلمية، أو ما يعرف بمشكلة الاستقراء. وهذه المشكلة التي ~~أخرجها هيوم في مصطلحات سيكولوجية ذاتية مثل الاعتقاد والعادة والخبرة سوف يصبها بوبر ~~في قالب المنطق الموضوعي بحيث ms328 لا تكون مشكلة الاستقراء مشكلة لمعتقداتنا وتبريرها أو ~~مشكلة العلاقة بين الحالات الماضية التي مرت بخبرتنا والحالات المستقبلة التي لم تمر ~~بعد بخبرتنا، بل هي مشكلة العلاقة المنطقية بين الوقائع التجريبية «أو العبارات ~~الجزئية التي تصفها» وبين النظريات العمومية التفسيرية «أو العبارات الكلية». # وعلى هذا الأساس الموضوعي يطرح بوبر السؤال: هل يمكن للوقائع التجريبية أن تبرر ~~الدعوى بصدق النظرية العمومية التفسيرية؟ وأجاب بوبر على هذا نفس إجابة هيوم، أي بالنفي ~~مهما كان عدد الوقائع كبيرا. # وهنا يصل إلى السؤال الثاني: هل يمكن للوقائع التجريبية أن تبرر الدعوى بأن النظرية ~~العمومية كاذبة؟ وبوبر يرد على هذا بالإيجاب فالوقائع التجريبية لا تبرر الدعوى بصدق ~~النظرية، لكنها تبرر الدعوى بكذبها. # وترتكز هذه الإجابة - والحق منطق الإبستمولوجيا البوبرية بأسره - على قاعدة منطقية ~~صارمة، هي قاعدة اللاتماثل المنطقي # Logical Asymmetry # بين التحقيق، أي إثبات الصدق وبين التكذيب، عن طريق الوقائع التجريبية. المنطق يقضي ~~باختلاف المنزلة المنطقية بين التحقيق والتكذيب، ألف حالة لا تثبت القضية؛ لذا برزت ~~مشكلة الاستقراء، لكن حالة نفي واحدة تحسم القول في كذب القضية ويكون رفض الإثبات وقبول ~~النفي صوابا منطقيا نقيم عليه منطق التجريب العلمي، كما سيفعل معيار التكذيب. # القضية: كل البجع أبيض «لن يثبت صدقها ملايين البجعات البيضاء، فمن أدرانا أنه توجد ~~بجعة ليست بيضاء، لكن لم تصادفنا ولم نرها بعد، أما رؤية بجعة واحدة غير بيضاء فهي ~~كافية لإثبات كذب القضية. وعلى هذا الأساس يمكن الانتقال إلى السؤال الثالث في صياغة ~~بوبر لمشكلة الاستقراء، وهو: هل يمكن للوقائع التجريبية أن تبرر تفضيل بعض من النظريات ~~العمومية المتنافسة مع الأخرى؟ # بوبر يرد على هذا بالإيجاب بناء على ما سبق، فإذا توصلنا إلى إثبات كذب بعض من ~~المفروض المتنافسة، أي تم تفنيدها، أصبح من الواضح منطقيا تفضيل الفروض التي لم يتم ~~تفنيدها بعد. وهذه نتمسك بها مؤقتا بوصفها حد التقدم العلمي حتى اللحظة الراهنة، ثم ~~نستأنف الجهود العلمية التالية المسير منها بأن نحاول تفنيدها هي الأخرى، ونحاول أن تضع ~~بدلا منها ms329 فروضا أكثر اقترابا من الصدق، نأخذ أفضلها نسبيا ونتمسك بها مؤقتا فقط؛ ~~لأنها أفضل ما لدينا حتى الوقت الراهن إلى أن يتم تفنيدها هي الأخرى والوصول إلى فروض ~~أفضل، نسلم بها بصفة مؤقتة ... وهلم جرا. # هكذا لا يتوقف العلم أبدا، بل يسير سيرا متصلا في إطار منطق للتقدم المستمر. ولا ~~توجد فجوة أو قفزة لا عقلانية كتلك التي تمثلت في التعميم الاستقرائي، فأين اللاعقلانية ~~في معرفة تسير بمنهج نقدي، يبحث عن الخطأ في النظريات المتنافسة؟! إنه منهج التفضيل ~~العقلاني تماما، الذي يتحول إلى لا عقلاني فقط حين نبحث عن التبرير، عن اليقين ~~والنظرية الصادقة أبدا. وكما أوضح مفهوم الصدق والتناظر، التخلي عن مطلب اليقين لا ~~يعني أبدا التخلي عن الصدق. والبحث العلمي محكوم دائما بفكرة الكشف عن نظرية أكثر ~~اقترابا من الصدق، أكثر تقدما. وعلى هذا النحو تتسق تماما الأسس المنطقية للعلم ~~التجريبي، بلا مشاكل استقرائية، ما دامت منطقا للكشف والتقدم وليس للتبرير. # وكانت مشكلة الاستقراء التي أثارها هيوم ذات شق سيكولوجي، وسوف يحيط بوبر به عن طريق ~~مبدأ الطرح Principle of transference ~~، وخلاصته أن ~~ما يصدق في المنطق يصدق أيضا في علم النفس، أو يطرح عليه، كأن نقول: إن ما يصدق في ~~منهج العلم يصدق أيضا في تاريخ العلم، ويضع بوبر السؤال السيكولوجي هكذا: هل نشعر ~~باليقين من النظريات العمومية حتى المختبرة جيدا كنظرية شروق الشمس كل يوم مثلا؟ بوبر ~~يجيب بالنفي، فاليقين دائما مستحيل الشمس قد لا تشرق غدا، فقد تنفجر أو تقوم القيامة. ~~ولكن إذا كان المبرر العقلاني للشعور باليقين مستحيلا، فهناك بالضرورة اعتقادات قوية ~~نتصرف على أساسها في حياتنا العملية. # إن الحياة العملية لا بد أن تسير، وهي لن تسير إلا إذا اخترنا من بين البدائل أو ~~الاحتمالات المطروحة بديلا نتصرف على أساسه، ومن هذه الزاوية العملية البرجماتية نهمل ~~البدائل الضعيفة - كاحتمال عدم شروق الشمس غدا - ونتصرف على أساس اعتقاداتنا القوية ~~الناجمة عن البدائل المختبرة جيدا، والتي صمدت أمام النقد ومحاولات التفنيد، أي نتصرف ~~- مثلا - على ms330 أساس شروق الشمس غدا، بغير أن يعني هذا يقينا مبررا. # إذا في هذا المستوى المبدئي أيضا تتسق علاقة العقل الإنساني بالعالم التجريبي، كما ~~اتسقت في المستوى الأعلى مستوى البحث العلمي، ولا توجد قفزات لا عقلانية غير مبررة، أي ~~تتبخر تماما مشكلة الاستقراء؛ لأن الاستقراء ذاته قد تبخر. ولكي يحسم بوبر هذا يعاود ~~التأكيد على أن اعتقاداتنا السيكولوجية القوية التي نتصرف على أساسها في حياتنا العملية ~~ليست البتة نتيجة التكرار كما أوضح في نقده لهيوم، وأن العقل هو الذي يفرض مفهوم ~~التكرار على الواقع بناء على توقعاته الفطرية السابقة على التجربة، هذه التوقعات كفيلة ~~بأن تجتث الاستقراء من أعمق الجذور. يقول عالم النفس جيرولد ~~كاتس # J. Katz ~~: إن الحيوان الجائع يقسم البيئة إلى أشياء تؤكل وأشياء غير قابلة ~~للأكل، وحينما يشعر بالخطر لا يرى أمامه إلا أماكن الاختباء وطرق الهروب، فالحالة ~~الداخلية للكائن الحي واهتماماته العقلية هي التي تحدد ردود أفعاله إزاء البيئة وترسم ~~له إطارها أو تصنف وقائعها التجريبية. وإذا كان الحيوان مهتما فقط بالطعام والأمان، ~~فإن العالم مهتم بمشكلة علمية معينة، وعقله ليس مقصورا بالطبع على التوقعات الفطرية - ~~كحالة الإنسان البدائي - فثمة أيضا علمه الذي جعله عالما، أي النظريات التي درسها ~~ويقبلها كخلفية علمية، والافتراض الذي يتصوره لحل المشكلة ... ثم يهبط من كل هذا إلى ~~وقائع التجريب، أما التصور الاستقرائي بأن هذه الوقائع هي نقطة البدء التي نصعد منها ~~إلى الفرض، فقد اتضح أن هذا مستحيل سيكولوجيا ومنطقيا وميثودولوجيا «منهجيا» ~~على السواء. # هكذا لم يعد أمامنا استقراء من أي نوع كان، لا في أية مرحلة من مراحل المعرفة ولا في ~~أي مجال من مجالات العلاقة بين العقل والواقع التجريبي. وبهذا يرى بوبر أنه حل مشكلة ~~الاستقراء وتخلص نهائيا من المعضلة التي أعيت العقول منذ هيوم وحتى برتراند ~~رسل. # والسؤال الآن: هل حل بوبر مشكلة الاستقراء فعلا؟ لا شك أنه أخرج منطقا للمعرفة ~~التجريبية بلا مشاكل أو قفزات تعميمية، لكنه لم يحل مشكلة الاستقراء ليصل إلى هذا، بل ~~فقط اجتث ms331 جذوره تماما، زعم أنه سيعيد صياغة مشكلة هيوم كي تصبح مشكلة موضوعية، لكنه في ~~واقع الأمر استغل براعته المنطقية لكي يصيغ المشكلة في صورة تساؤلات حول ما إذا كان ~~هناك استقراء أم لا؛ وذلك لكي يجيب بلا فيتخلص من الاستقراء ومن مشكلته معا. إنه حل ~~ينطبق عليه المثل الدارج «حل العقد بالمنشار»، بمعنى حل المشكلة بأسلوب لا يسمح لها بأن ~~تقوم، ولا يسمح أيضا للنزعة الاستقرائية بأن تقوم لها قائمة بعد الآن. # لقد اجتث بوبر جذور الاستقراء تماما، ليس فقط كتبرير وتمييز للمعرفة العلمية، بل ~~أيضا كمنهج، كمجرد آلية منهجية يمكن أن تتمثل في اكتساب أي شكل من أشكال المعرفة ~~التجريبية. باختصار لا يوجد شيء اسمه المنهج الاستقرائي، أي لا يوجد منهج يبدأ ~~بالملاحظة التجريبية، أو بتعبير بوبر الأثير: الاستقراء خرافة. # وإذا قبلنا هذا، لا بد أن يجيب بوبر على السؤال: ما هو منهج العلم إذا؟ # ثالثا: منهج العلم ... الإبستمولوجيا التطورية # بوبر لا يعتبر نظرية دارون نظرية علمية متكاملة ذات مضمون معرفي ومحتوى إخباري متكامل ~~كنظرية نيوتن مثلا، بل هي أساسا برنامج بحث ممتاز، ومع هذا اشتهر بوبر دائما بأن ~~فلسفته داروينية تطورية، وهذا هو ضلعها الأساسي المأخوذ من توجهات بيولوجية والذي ~~استقطبه كثيرا في أيامه الأخيرة. # ولأن بوبر أولا وقبل كل شيء فيلسوف المنهج العلمي، فلا بد وأن تتمثل هذه الداروينية ~~التطورية في نظريته في المنهج العلمي، التي تتلخص في كلمة واحدة هي آلية المحاولة ~~والخطأ كما تتمثل في صياغته الشهيرة «م1 - ح ح - أ أ - م2» فترسم قصة العلم وقصة ~~الحضارة، وقصة الحياة بأسرها على سطح الأرض كما تصور الداروينية نشوءها وارتقاءها أو ~~تطورها. # ينظر بوبر إلى العلم والمعرفة نظرة واحدة، فليس العلم إلا مرحلة متقدمة من المعرفة، ~~بل من علاقة الكائن الحي بالبيئة، حتى إننا لو كشفنا القصة كلها مرة واحدة، منذ الأميبا ~~حتى آينشتين لوجدناها تعرض النمط نفسه. # فأنماط السلوك أيا كانت، سلوك العالم في معمله، أو سلوك الكائن الحي في صراعه مع ~~البيئة من أجل ms332 البقاء، أو ما بين هذا وذاك، أي سلوك ليس إلا محاولة لحل مشكلة معينة، ~~والمعرفة بدورها ليست إلا نشاطا لحل مشاكل معرفية. # لذلك يبدأ أي موقف بمشكلة محددة لتكن «م1»؛ لتأتي محاولة حلها «ح ح»، لكن لا بد من ~~مناقشة أو اختبار الحل و«استبعاد الخطأ» «أ أ»، وإلا لن تستمر الحياة، بعد حذف الخطأ ~~يبرز موقف جديد، وأي موقف يحتوي على مشاكل؛ لينتهي إلى مشكلة جديدة «م2» هكذا نجد ~~الصورة المنهجية لأية محاولة: «م1 - ح ح - أ أ - م2». # وقد تقترح كثرة من الحلول تختبر جميعها من أجل الوصول إلى أفضل «م2» بالصورة: # أما حين يصعب حسم القول في أفضل الحلول المتنافسة، فإن الصياغة تتخذ الشكل: # إنها صورة تعدد الاتجاهات السياسية والمذاهب الفلسفية مثلا، وهي أيضا صورة تطور ~~الحياة على وجه الأرض في أنواع بيولوجية عديدة. # هذه الصياغة من أخصب أفكار بوبر، وضع عليها سرجا جيدا، وامتطى صهوتها خلال الكثير ~~المتباين من حقول التساؤل الإنساني، وحتى المجالات التي لم يطرقها هو طرقها أحد أتباعه، ~~طبقها مؤرخ الفن إرنست جومبريش في تفسير تطور الفنون، كما دعا إمرى لاكاتوش إلى تطبيقها ~~في مجال تفسير بناء الاستدلال الرياضي. أما النتائج الخصبة التي تنتج عنها فتفوق الحصر. ~~لعل أهمها أن المعرفة تسير في حلقات متتالية، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث ~~بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدم المستمر. الخطأ ~~داخل في صميم كل محاولة ويستحيل تجنبه، وهو ذاته طريق التقدم المستمر عن طريق استبعاده. ~~معنى هذا أن الصياغة قادرة على تجسيد منطق التقدم، ومنطق الكشف العلمي. # وإذا سئل بوبر عن مسار المنهج العلمي، أصبحت الإجابة سهلة في صورة الخطوات أو ~~بالأحرى المراحل التالية: # م1: # يبدأ العالم بحوثه من مشكلة، إما مشكلة عملية تجريبية، وإما مشكلة ~~نظرية أي فرض وقع في صعوبات، العالم يجد في العلم دائما مواقف معينة ~~لمشاكل، فيختار منها المشكلة التي يأمل في استطاعته حلها. البدء إذا ~~ليس بالملاحظة، بل بالمشكلة. وهذه المشكلة ms333 بدورها ليست نتيجة للملاحظة ~~أو حتى للتجريب، بل هي مأخوذة من البناء المعرفي السابق. # ح ح: # الفكرة عن المشكلة تكون غامضة، التعرف الكامل عليها لن يكون إلا بطرح ~~حل ونقده فهم المشكلة يكون بفهم صعوباتها، بأن يعرف العالم لماذا لا ~~يسهل حلها، لماذا لا تصلح الحلول الواضحة، بهذا يفهم المشكلة جيدا، ~~يعرف تفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها بالمشاكل الأخرى. إنه يحيط ~~بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل الملائم، الحل دائما اختباري، وهو ~~فرضي، محاولة الحل قد تفضي إلى طرح عدة حلول، عدة نظريات تتنافس لحل ~~نفس المشكلة، أو تتنافس بأن تمنح حلولا لبعض المشاكل المشتركة، على ~~الرغم من أن كلا منها قد تمنح - بالإضافة إلى هذا - حلولا لمشاكل لا ~~تشترك فيها مع النظريات الأخريات. كيف يمكن الاختيار بين مجموعة ~~النظريات المتنافسات والاستقرار في هذه الخطوة على «ح ح» محددة؟ أولا ~~على الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده، أي اكتشاف الاختبار الفاصل، ~~التجارب الحاسمة التي تستطيع تفنيد واستبعاد بعض منها، ثم يختار الباحث ~~النظرية الأفضل من بين المجموعة المتبقية، والنظرية الأفضل هي الأكثر ~~قابلية للتكذيب؛ لينتهي بتعيين «ح ح» أي محاولة حل. # أ أ: # ثم يحاول العالم نقد «ح ح»، أي فرضه الجديد. لا بد من إيجاد الخطأ في ~~الحل المقترح، بل ومحاولة تفنيده. قد يصمد الفرض أمام اختبارات النقد، ~~وقد ينهار سريعا، إذا كان ضعيفا. لكن القاعدة أن العالم سيجد افتراضه ~~الحدسي قابلا للاختبار التجريبي، وإلا لما كان علميا، وقد يجد أنه ~~لا يحل المشكلة، بل يحل جزءا منها فقط، وسيجد حتى أفضل الحلول، أي ~~الذي يقاوم أعنف نقد لألمع العقول، من شأنه أن يثير صعوبات جديدة، فهو ~~نظرية لم تفند حتى الآن. ولما كانت لا بد أن تفند يوما ما، فعلى ~~الباحث محاولة هذا دائما، فيحاول إقامة مواقف اختبارية قاسية. لذلك ~~فإن هذه الخطوة «أ أ» قد تفضي إلى بناء قانون مفند، قانون قد تكون درجة ~~عموميته منخفضة، فقد لا يستطيع شرح مواطن نجاح النظرية، لكن يستطيع ~~الأهم: اقتراح اختبار حاسم ms334 وتجربة تفند النظرية، وتبعا لنتيجتها إما ~~يأخذ العالم بهذا القانون المفند، وإما بالنظرية موضع الاختبار. # 15 # ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي ~~أساليب اختبار النظرية واستبعاد الخطأ، في أربع طرق: ~~(أ) # مقارنة النتائج الاستنباطية بعضها ببعض، والتثبت من ~~اتساقها معا وخلوها من التناقض، أي اتساق النظرية مع ~~نفسها. ~~(ب) # فحص النظرية نفسها فحصا منطقيا، لنرى هل هي من نطاق ~~العلم التجريبي، وهل هي إخبارية؛ فقد تكون تحصيل ~~حاصل. ~~(ج) # مقارنة النظرية بالنظريات الأخرى في البناء المعرفي لنرى ~~هل تتسق معها، وهل تمثل تقدما علميا عليها. ~~(د) # اختبار النظرية تجريبيا، أي عن طريق التطبيقات ~~التجريبية للنتائج المستنبطة منها. # 16 # بالنظر إلى هذه الأساليب، نجد المنهج المتبع أساسا هو الاختبارات الاستنباطية، وليس ~~البتة أدلة استقرائية، رغم أن الأهمية القصوى للملاحظة والتجريب تبرز في هذه الخطوة؛ ~~فهي التي تفصل القول أولا وأخيرا في قبول أو رفض النظرية المتسقة منطقيا. إن اتفقت ~~الملاحظات مع النتائج المستنبطة من النظرية، سلمنا بها مؤقتا، إن تناقضت استبعدناها، ~~ولا أثر إطلاقا للاستقراء، فليس هناك أي انتقال من الوقائع إلى النظريات، ما لم يكن ~~انتقالا تكذيبيا. حقا إن الاستدلال هنا من أدلة تجريبية، ولكنه استدلال استنباطي ~~صرف. # وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالم يبلغ من السذاجة ~~حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها ~~القريبة، وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالم يبلغ من ~~السذاجة حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في ~~نتائجها القريبة. # ومهما كانت نتيجة الاختبار، فلا بد وأن العالم قد تعلم منها شيئا، فإذا فشل ~~الاختبار، واجتازته المحاولة، فقد عرف الباحث الكثير ، عرف أن حله هو الأكثر ملاءمة، وهو ~~أفضل ما لدينا حتى الآن، وأنه هو الذي ينبغي الأخذ به. أما إذا نجح النقد وفند النظرية، ~~فقد عرف الباحث الكثير أيضا، عرف لماذا أخطأ، فيلم بالمشكلة أكثر، وربما ms335 فشلت ~~النظرية في حل المشكلة المطروحة للبحث، ولكنها قد تنجح في حل مشكلة بديلة، وقد تعطي ~~شحنة تقدمية أكثر مما لو كانت المشكلة الأصلية قد حلت، وحتى وإن لم تحل، لا المشكلة ~~الأصلية، ولا أية مشكلة بديلة، فإن العالم يجب أن يهتم أيضا بالتكذيب في حد ذاته؛ لأن ~~اكتشاف كذب نظرية يعني اكتشاف صدق نقيضها، وإن كان نفي النظرية التفسيرية ليس بدوره ~~نظرية تفسيرية. # م2: # وعلى أية حال، لا بد وأن ينتهي العالم إلى موقف جديد، يحمل بين طياته مشاكل ~~جديدة ليأخذ العالم منها م2 ... يبدأ بها الحلقة الجديدة. # بالطبع ليس من اليسير إدخال فكرة المحاولة والخطأ البسيطة في ذات الهوية مع المنهج ~~التجريبي المعقد، إنما هي الأصل والإطار العام الذي تفرعت شتى التعقيدات داخل خطواته، ~~إن منهج المحاولة والخطأ، أي «م1 - ح ح - أ أ - م2» هو أسلوب التعلم، أسلوب تعرف الكائن ~~الحي على بيئته، وقد تطور قليلا قليلا حتى بدأ في اتخاذ سمة المنهج العلمي التجريبي ~~الحديث، الذي هو على وجه الدقة: منهج الحدوس الافتراضية الجريئة «المحاولة» والاختبارات ~~العملية الحاذقة البارعة لتكذيبها وتصويب الخطأ فيها. # خلاصة المنهج هي أن يتعلم الباحث أن يفهم المشكلة فيحاول حلها، ويفشل في هذا الحل ~~فيردفه بحل آخر أقوى يفشل فيه هو الآخر، العالم يسير من حلول سيئة إلى حلول أفضل، ~~عارفا في كل حال أن لديه القدرة على طرح تخمينات جديدة، فطريق التقدم العلمي الوحيد هو ~~طريق الكشف، هو طريق طرح فروض أفضل. # وبطبيعة الحال تحدد هذه النظرية المنهجية منطق العلم وطبيعته، من حيث إنه دائما غير ~~يقيني، مؤقت نسلم به الآن لأنه الأفضل، وفي وقت لاحق لا بد من التوصل إلى ما هو أفضل، ~~فالمسألة نسبية وهي متغيرة من حيث هي دائمة التطور والتقدم. # إن الصياغة «م1 - ح ح - أ أ - م2» تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة ~~إلى المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية وتكذيباتها، بواسطة التعديلات ~~والتكييفات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم ~~زجزاجيا ms336 متعرجا وليس خطا مستقيما، إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم ~~يصحح نفسه بنفسه تصحيحا مستمرا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها مجرد ~~حدوس افتراضية، تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق، وأن العالم حتى لو توصل جدلا إلى ~~نظرية صادقة، فلا هذا المنهج - ولا أي منهج آخر - يتمكن من تبرير صدق النظرية العلمية، ~~وكيف نبحث عن تبرير الصدق ونحن عالمون أن النظرية قد تجتاز كافة اختبارات النقد ~~والتكذيب، فقط لأن العلم لم يتوصل بعد إلى الاختبار الحاسم لها، أي القانون المفند، ~~والباحث لا يفضل النظرية فقط لأنها الأقرب إلى الصدق، ولكن أيضا لأنها محتملة الكذب، ~~إنها موضوع شيق لاختبارات أكثر، أي محاولات تكذيب، وتكذيب أي نظرية علمية يشكل مشكلة ~~لكل نظرية جديدة؛ إذ إن عليها أن تنجح فيما نجحت فيه سابقتها، وفيما فشلت فيه أيضا، ~~فهذا المنهج يعني الترابط المتسلسل بين النظريات، بحيث تكون كل نظرية أقرب إلى الصدق من ~~سابقتها. # على ضوء ما سبق، يمكن أن تراعى التقاليد الميثودولوجية، فنستخلص من نظرية بوبر ~~المنهجية، الخطوات الآتية للمنهج العلمي: ~~(1) # المشكلة «وهي عادة تفنيد لنظرية موجودة». ~~(2) # الحل المقترح «أي نظرية جديدة». ~~(3) # استنباط القضايا القابلة للاختبار من النظرية الجديدة. ~~(4) # الاختبار، أي محاولة التفنيد بواسطة الملاحظة والتجريب، من ضمن وسائط ~~أخرى. ~~(5) # الأخذ بأفضل الحلول، أي النظرية الأفضل من بين مجموعة النظريات المقترحة ~~المتنافسة. # والعالم حينما يدرس موقف مشكلة، فهو بهذا يحاول مواصلة مسار طويل يستند على كل حصيلة ~~البشر، البدء من الصفر استحالة، وإن أمكن فإن حياة العالم لن تسفر عن تقدم أكثر مما ~~أحرزه آدم، أو بعبارة علمية: أكثر مما أحرزه إنسان نياندرتال. وهذه واقعة يرفض كثيرون ~~من ذوي المنعطفات الجذرية والمستقلة في حياتهم أن يقبلوها. في العلم يجب أن نحرز تقدما ~~وهذا يعني أننا نقف على أكتاف الأجيال السابقة . العالم معقد لدرجة كبيرة، ونحن لا نعرف ~~من أين ولا كيف نبدأ تحليله، إننا نعرف فقط من أين وكيف بدأت المحاولات السابقة، وأنها ~~محاولات إقامة بناء العالم خلال إطار معين، ms337 وهي أطر لم تكن محكمة كثيرا. نحن نحاول أن ~~نجعلها أكثر إحكاما بأن نطورها، فنستبدل بها محاولات أقرب إلى الصدق، والمحاولات ~~مستمرة على صورة تلك الصياغة في طريق التقدم المستمر. # المعرفة، في هذا المسار الطويل والبادئ منذ إنسان نياندرتال حتى اليوم، تمر بمرحلتين، ~~هما مرحلة التفكير الدوجماطيقي القبل علمي ومرحلة التفكير النقدي «العلمي». # مرحلة التفكير الدوجماطيقي أي القطعي الجامد الجازم تتمثل في الحضارات البدائية ~~«السابقة على حضارة الإغريق» بتعبير بوبر! فهو يجهل تماما الميراث المشرقي العظيم وكل ~~ما هو خارج حدوده الغربية التي صنعت العلم الحديث! على العموم الحضارات مهما كانت ~~بدائية لها موقف معرفي يتمثل في تفسير العالم بواسطة الأساطير والخرافات، والتمسك بها ~~يكون قطعيا صارما حيث يعتبر الشك أو النقد جريمة، بعبارة أخرى لا تمارس الخطوة «أ ~~أ» لا تستبعد الخطأ، وبالتالي لا تخرج بجديد «م2»، وطالما أنه لا تغيير للاعتقاد ~~الخاطئ، فإن المخطئ يهلك بهلاك عقيدته الخاطئة، فكان التقدم - كما يقول بوبر - ~~مأساويا وخطيرا إن أمكن أصلا. وهنا نتوقف هنيهة لنقول: لو كان بوبر قد اطلع مثلا ~~على شكوك قدماء المصريين في الآلهة ونقدهم للديانات والأفكار المطروحة وعلى تقدمهم ~~العلمي لما قال هذا، ولما جرؤ على ضم هذه الحضارات إلى المرحلة البدائية، ولما واصل ~~طريقه ليعتبر الإغريق هم الذين بدءوا مرحلة التفكير العلمي النقدي، والنقد ذاته من ~~اكتشاف المدرسة الآيونية، أول مدرسة فلسفية إغريقية حيث ينقد أنكسمندر أستاذه طاليس ~~ويطرح فرضا أفضل. # المهم أن التفكير العلمي هو ذاته التفكير النقدي، ربما يصنع العلم أساطير، لكن ~~الأساطير تظل ثابتة على حالها دائما بسبب التفكير الدوجماطيقي، أما الاتجاه النقدي ~~للعلم فيغير الأساطير في اتجاه التقدم والاقتراب الأكثر من الصدق؛ لأن النقد يحذف الخطأ ~~ويقلل دوما نطاقه، وكما يقول بوبر: ليس التعاقب بين المرحلتين زمانيا أو حادا ~~قاطعا، فكل إنسان - حتى العالم نفسه - يعيش في إسار توقعاته وجهازه المعرفي بقدر من ~~الدوجماطيقية ولا يخرج منها إلا حينما يحاول النقد واستبعاد الخطأ، كما أن العلاقة بين ~~المرحلتين تبادلية، فإذا كانت المرحلة ms338 النقدية ضرورية للمرحلة الدوجماطيقية كي تقيها شر ~~هلاك محتوم، فإن المرحلة النقدية أيضا في حاجة إلى قدر من الدوجماطيقية حتى في البحث ~~العلمي ذاته. فالعالم - أثناء اختبار نظريته - لا بد أن يستمسك بها استمساكا ~~دوجماطيقيا إلى حد ما، فلا يتخلى عنها بسهولة، كما أن الدفاع عنها في مواجهة النقد من ~~شأنه أن يطورها ويحسنها في معركتها من أجل البقاء. # ولعلنا لاحظنا أن منهج تطور العلم ذاته يماثل إلى حد كبير ما أسماه دارون بالانتخاب ~~الطبيعي، إنه الانتخاب الطبيعي بين الفروض. العلم يتكون دائما من تلك الفروض التي ~~أوضحت ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى ~~الوقت الراهن، كما أنها استبعدت تلك الفروض الأضعف منها، أو التي حاول واضعوها أن ~~يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفا مطابقا للمطلوب، وحكمت عليها الفروض الأقوى ~~بالفناء، وبوبر في هذا تطوري داروني وليس لاماركيا. # ذلك أن ثمة نظريتين لتفسير التطور البيولوجي، الأولى هي نظرية العالم الفرنسي ~~جان لامارك # J. Lamarck ~~(1744-1829م) التي ترجع ~~التغيرات البيولوجية إلى تأثيرات البيئة وتجعل دور الكائن الحي سلبيا، فقط يتلقى هذه ~~المؤثرات وإلا حكمت عليه البيئة بالفناء والهلاك. والنظرية الثانية هي نظرية دارون التي ~~ترجع التغيرات البيولوجية إلى فعالية الكائن الحي وقدرته على التكيف مع البيئة فيكون ~~البقاء للأصلح في عملية الانتخاب الطبيعي التي تعني أن الأنواع الأقوى القادرة على ~~الفتك بمنافسيها هي التي تبقى وتحكم بالفناء على الأنواع الأضعف، كما حكمت الفروض ~~العلمية القوية على الفروض الضعيفة بالفناء. # وبوبر يفسر التقدم العلمي بكلمة واحدة هي النقد؛ لأن النقد يبرز ثورية التقدم العلمي، ~~الكشف الجديد تكذيب للفرض المطروح، إنه يحطم ويبدل مجسدا الإيجابية الداروينية، ويلح ~~بوبر على قسوة النقد للفروض والنظريات العلمية، على وعورة محاولات الاختبار التجريبي ~~والتكذيب؛ لأنها تماثل وعورة الظروف البيئية التي تؤدي بالكائن الحي إلى مزيد من التكيف ~~والتحدي، من التطور والارتقاء، أما الاستقرائية فهي اللاماركية، تفسر التقدم العلمي ~~بتراكم النظريات والمعلومات، تراكم تأثيرات البيئة، كمخزن بضائع أو مكتبة نامية ~~باستمرار. # هكذا ms339 كان بوبر داروينيا في تفسيره لتطور النظريات العلمية ومنطق تقدمها، وهو أيضا ~~داروني في تفسيره لموقف العالم وطرحه لفروضه، بينما الاستقرائيون لاماركيون في هذا ~~وذاك، إنهم يجعلون دور العالم سلبيا يتلقى وقائع التجريب التي تمليها الطبيعة، ~~فيعممها في فرض علمي. أما بوبر فيجعل للعالم دورا إيجابيا في طرح الفرض وخلق قصة ~~العلم، كما جعل دارون للكائن الحي دورا إيجابيا في خلق قصة الحياة وتطوراتها. إننا ~~لا نعرف - كما يؤكد بوبر - من خلال معطيات البيئة، بل من خلال تحديها ومحاولة فرض ~~تصوراتنا عليها، وكما قدر للداروينية الانتصار وانزوت نظرية لامارك في تاريخ العلم، ~~قدر للبوبرية الانتصار، وفي نهايات القرن العشرين أصبحت النزعة الاستقرائية مرحلة ~~منتهية من مراحل تطور فلسفة العلم، ولم يعد لها نصير. # لكن كان الاستقراء ذا خطوات تبدأ بالملاحظة وتنتهي إلى الفرض العلمي، بينما لم يفض ~~بنا منهج بوبر إلى طريق محدد للكشف العلمي، إلى ذات اللحظة التي تخلق فيها النظرية ~~خلقا. أجل الخطوة «أ أ» تعني طرح فرض جديد، لكنها لم توضح كيف ولا من أين نأتي ~~به. # الواقع أن مثل هذا التوضيح مستحيل، وليس هناك منهج للوصول إلى الأفكار الجديدة، لا ~~استقراء الوقائع ولا غيره، وبالنظر إلى المنهج العلمي من هذه الزاوية نكون في عرف بوبر ~~نتحدث هراء يخلو من المعنى، يقول بوبر: # إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح فلا بد أن يصاب بخيبة ~~أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي ~~كطريق لتبرير النظريات العلمية فسيصاب أيضا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا ~~يمكن أن تبرر، إنها فقط تنقد وتختبر. # 17 # لقد اتضح الآن كيف أطاح بوبر بمنطق التبرير وأحل محله منطق التقدم، وفي هذا ليس ~~المنهج العلمي طريقا للكشف، بل هو منطق للعلم، ولا يرسم طريق الوصول إلى النظرية - كما ~~حاول الاستقراء أن يفعل - بل يرسم أسلوب التعامل مع الفرض وكيفية اختباره والتحكم في ~~نتائج الاختبار. نظرية المنهج تبدأ من الفرض، أما ما قبله ms340 وأفضى إليه فليس من اختصاص ~~الإبستمولوجيا والميثودولوجيا، بل من اختصاص علم النفس التجريبي الذي يدرس ظاهرة ~~الإبداع. # الكشف العلمي ليس عملية آلية، بل عملية خلق وإبداع، والعبقرية الخلاقة بمثابة العنصر ~~الفاعل، فلا يمكن الوصول إلى الفرض عن طريق خطوات منهجية محددة، بل عن طريق الإلمام ~~بالحصيلة المعرفية السابقة، ثم قدح ذهن العالم ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، ~~وهذا الحل حدس لا تنبته إلا الموهبة العلمية والعبقرية الخلاقة في انشغالها العميق ~~بالمشكلة. هكذا نجد كل كشف علمي يحوي عنصرا إبداعيا حدسيا قائما على الحب ~~العقلاني لموضوع البحث. ليس هذا رأيا لبوبر أو غيره، بل هو الأمر الواقع، يقرر ~~العلماء أنفسهم أنهم توصلوا إلى النظريات العلمية بالعديد من الطرق المختلفة وليس بأي ~~منهج محدد، قد تظهر النظرية كومضة إلهام في حالات الحلم أو ما يشبه الحلم، قد تومض في ~~الذهن فجأة، وقد تهبط رويدا كضياء الفجر، تشرق النظرية العلمية في الذهن كما يشرق أي ~~إبداع إنساني آخر. قد لا يوافق البعض على هذا؛ لأن الإبداع العلمي يعتمد على كم هائل من ~~المعارف التخصصية الدقيقة لا بد أن يكتسبها العالم، والبحث ذاته نشاط تركيبي عظيم بحيث ~~أصبح لا يستغني عن الكومبيوتر، ويتطلب العمل الشاق والصبر العظيم والشجاعة النفسية التي ~~تدفع إلى بذل العمر والاضطلاع لمشكلة بالغة الصعوبة، وإذا فشل الجهد وراح هباء ليس ثمة تعويض. # 18 # ولكن مع التسليم بكل هذا تظل العبقرية المبدعة الخلاقة هي العامل ~~الحاسم. # من هنا يرى بوبر مماثلة بين روح العلم وروح الفن شاعت في فلسفة العلم في العقود ~~الأخيرة من القرن العشرين. وعمل جاستون شلار بالذات على أن يفلسف العلم والفن معا من ~~نفس المنطلقات القيمية. حقا الخلق العلمي ليس حرا كالخلق الفني؛ لأن العالم عليه ~~الصمود أمام الاختبارات التجريبية والالتزام بشهادة الواقع والوقائع، إلا أن محاولة فهم ~~العالم مهمة مفتوحة أمام عالم يتمتع بمواهب خلاقة، فيكون خلقه أو إبداعه العلمي إلهاما ~~خطر برأسه، كما أن الخلق الفني وحي وإلهام خطر برأس الفنان الموهوب. عالم الفن ms341 من خلق ~~الإنسان، جميع الأعمال الفنية صنعها الإنسان الفنان، وكذلك عالم العلم من خلق الإنسان، ~~وجميع النظريات العلمية مخلوقات من صنع الإنسان العالم، يخلقها ثم يحاول فرضها على ~~العالم لتفسره، فهي «شباك يحاول بها اصطياد الواقع التجريبي، والجهود مستمرة دائما ~~لجعل ثقوبها أضيق وأضيق». # 19 # ليست النظريات العلمية حقائق نكتشفها في الواقع عن طريق الاستقراء، بل هي ~~منجزات إنسانية كسائر مكونات العالم 3، وتماثل في نشأتها الأعمال الفنية. ولم يعد ~~ممكنا وجود منطق ومنهج لعملية الخلق في العلوم أكثر من إمكانية وجوده في الفنون. ~~«وكعبقرية خلاقة يقف جاليليو ونيوتن وآينشتين على قدم المساواة مع مايكل أنجلو وشكسبير وبيتهوفن». # 20 # دور المنهج فقط في اختبار الفرض ذاته وتحديد مصيره ومسيره في طريق التقدم ~~المستمر. # وأخيرا ... سبق أن انتهى الفصل الثالث بإيضاح عام لمعالم التقدم الذي أحرزته فلسفة ~~العلم ذاتها في القرن العشرين، حين استوعبت آفاق ثورة الفيزياء الكبرى وانتقلت نظريتها ~~المنهجية من البدء بالملاحظة إلى البدء بالفرض، أي حين انتقلت إلى المنهج الفرضي ~~الاستنباطي وتجاوزت الاستقرائية بكل قصوراتها التي فرضتها ظروف حضارية وحدود معرفية ~~سابقة. والآن نرجو أن تكون معالم هذا التقدم المنهجي قد استبينت أكثر، واستبين أيضا ~~الدور الكبير الذي قام به كارل بوبر في هذا الانتقال، الذي كان بمثابة انتقال من منطق ~~التبرير إلى منطق التقدم. # رابعا: معيار القابلية للتكذيب # كان الاستقراء منهجيا لتبرير وأيضا تمييز المعرفة العلمية، وتم تجاوز النزعة ~~الاستقرائية. حاول الوضعيون المنطقيون تداركها بمعاييرهم لتمييز العلم التي يصعب قبولها ~~بسبب تطرفهم الحاد. وبوبر نفسه في طليعة الرافضين لمعيار التحقق، وأيضا لغة العلم. ~~وإذا سلمنا بأن النظريات العلمية ليس مجرد أداة، بل ذات دلالة إخبارية، فلا بد وأن نسأل ~~بوبر ما هو معيار العلم الذي يضمن أن العبارة علمية، أي ذات محتوى معرفي ومضمون إخباري ~~عن العالم التجريبي، فيميز العلم عن سواه من ضروب الأنشطة العقلية ، خصوصا وأن المنهج - ~~منهج المحاولة والخطأ - في جوهره ليس تقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل هو صورة متبلورة ~~متطورة للشكل النمطي للتعامل الإيجابي ms342 الفعال مع العالم الواقعي، ولا يميز ~~العلم. # معيار القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب هو الذي يميز العلم، وهو أول أطروحات بوبر ~~الفلسفية، وظل دائما محور فلسفته للعلم ومركزها، ويمكن أن نلاحظ هذا في ثنايا العرض ~~السابق لنظريته المنهجية. والواقع أن هذا المعيار إنجاز بوبر الحقيقي، ومن أخطر أطروحات ~~فلسفة العلم في القرن العشرين وأقوى معابرها إلى منطق التقدم. لقد رأينا أن معيار تمييز ~~العلم مهمة محورية لفلسفة العلم منذ نشأتها، وكان هكذا أيضا لفلسفة بوبر منذ نشأتها، فيقول: # بدأ عملي في فلسفة العلم منذ خريف 1919م، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة: ~~متى تصنف النظرية على أنها علمية؟ أو هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة ~~العلمية لنظرية ما؟ لم تكن المسألة التي أقلقتني آنذاك متى تكون النظرية صادقة؟ ~~ولا متى تكون مقبولة؟ كانت مشكلتي شيئا مخالفا، إذا أردت أن أميز بين العلم ~~والعلم الزائف Pseudo-Science ~~، وأنا على ~~تمام الإدراك أن العلم يخطئ كثيرا، والعلم الزائف قد يحدث أن تزل قدمه فوق الحقيقة. # 21 # يمعن بوبر في الانفلاق عن الاستقرائية والوضعية، ولا يريد معياره تطويرا أو تعديلا ~~أو حتى بديلا لتلك المعايير، ويصر على منطلق منفصل ومستقل تماما عن ذلك المسار ~~التبريري، فيقول إن أجواء فيينا في صدر شبابه هي التي جعلت مشكلة التمييز تلح على عقله، ~~فقد كان جو يسيطر عليه سقوط الإمبراطورية النمساوية، وامتلأ بأفكار وشعارات ثورية ~~ونظريات جديدة ثار حولها الكثير من الجدل والصخب. وبينما لم تكن المنزلة العلمية ~~للنظرية النسبية قد ثبتت بعد، كان الإعجاب شائعا بعلمية النظرية الماركسية، وأيضا ~~التحليل النفسي لفرويد وعلم النفس الفردي لآدلر وهما نمساويان، بدت هذه النظريات وكأنها ~~قادرة على تفسير كل شيء يحدث في مجالاتها ولا بد أن تجد حالات ووقائع تؤكدها في كل ~~مكان، وامتلأت الدنيا بإثباتات لها حتى بدا أن المنكرين قوم لا يريدون أن يروا صدقها ~~الجلي، إما لأنه ضد مصالحهم الطبقية أو بسبب عقد مكبوتة لديهم. وفي ذلك الوقت - خريف ~~1919م - كان بوبر ضمن طلبة يدرسون ms343 نتائج بعثة إدنجتون التي رأيناها امتحانا عسيرا ~~للنظرية النسبية وقامت بتصوير النجوم إبان كسوف الشمس، وتوقع الجميع نتائج مخالفة ~~للنظرية النسبية التي كان من الممكن أن تبدو غير متوافقة مع نتائج معينة محتملة ~~للملاحظة، أي إنها كانت قابلة للتكذيب، لكن النظرية النسبية اجتازت هذا الاختبار ~~العسير، وثبتت منزلتها العلمية، واجتازت اختبارات تجريبية متوالية. # فتوصل بوبر إلى أن معيار القابلية ~~للتكذيب # Falsifiability Criterion # هو ما يميز العلم دونا عن أي نشاط عقلي آخر. الخضوع المستمر ~~للاختبار وإمكانية التفنيد بالأدلة التجريبية هي الخاصة المنطقية المميزة للقضية ~~العلمية دونا عن أية قضية تركيبية أخرى، عبارات العلم التجريبي هي فقط التي يمكن إثبات ~~كذبها؛ لأنها تتحدث عن الواقع الذي يمكن الرجوع إليه ومقارنتها به، لذلك فهي في موقف ~~حرج حساس، فنجد نظرية بوبر في منهج العلم تؤكد على مطلب الجرأة، فالجرأة هي التي تمكن ~~من اقتحام المجهول، واكتشاف الجديد. الحقيقة ليست ظاهرة، بل تكمن خلف ما يبدو لنا من ~~العالم، وما يفعله العالم العظيم هو أن يخمن بجرأة ويحدس بإقدام كيف تكون هذه الحقائق ~~الداخلية الخفية. ويمكن أن تقاس درجة الجرأة بقياس مدى البعد بين العالم البادي وبين ~~الحقيقة المفترضة حدسا. أرسطارخوس وكوبرنيقوس عالمان عظيمان؛ لأنهما افترضا أن الشمس ~~هي مركز الكون، في حين أن المظهر البادي يقول إنها قابعة في سماء الأرض. # غير أن ثمة نوعا آخر من الجرأة لا يتعمق، بل هو متعلق بالمظاهر البادية: إنه جرأة ~~التنبؤ، جرأة المواجهة المسبقة المسئولة مع الواقع. هذا النوع من الجرأة هو الأهم وهو ~~ما يميز الفرض العلمي بالذات. الفرض الميتافيزيقي يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الأول، ~~يمكنه أن يحدس الحقيقة الكامنة التي لا تبدو للعيان، لكن لا يمكنه أن يحقق الجرأة ~~بالمعنى الثاني. لا يمكن للفرض الميتافيزيقي الخروج بمشتقات أو التنبؤ بوقائع تجريبية ~~تحدث أمامنا في العالم التجريبي وقابلة للملاحظة. إنه لو فعل هذا لتعرض لمخاطرة كبيرة، ~~مخاطرة الاختبار والتفنيد، مخاطرة التصادم مع الخبرة. إنها مخاطرة لا يقوى عليها إلا ~~العلم. لذلك نكتشف كل ms344 يوم أخطاء بعض من نظرياته، فنتركها ونصل إلى الأفضل. # بفضل إمكانية التكذيب كان العلم التجريبي هو البحث المطرد التقدم، فإمكانية تكذيب ~~العبارات العلمية هي قابليتها الشديدة للنقد والمراجعة لأن تترك وتحل محلها عبارات أفضل ~~... من هنا كان رفض بوبر لنظرية التراكم في تفسير طبيعة التقدم العلمي والأخذ بالنظرة ~~المضادة لها - أي الثورية - ومن هنا أيضا رأى بوبر أن تكون الجرأة من النوع الثاني، ~~والبعد المنهجي الذي يطابقها، أي الاستعداد للبحث عن الاختبارات والتفنيدات هي ما يميز ~~العلم التجريبي. البعد المنطقي والبعد المنهجي هما وجها عملة التكذيب الواحدة؛ حيث إن ~~القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية ~~للاختبار # Testability ~~، الاختبار التجريبي بالطبع. # والقابلية للاختبار قد ترتبط بالقابلية للتحقق، ولكن الخاصة المنطقية المميزة للعبارة ~~العلمية هي إمكانية التكذيب، أي التفنيد والنفي، وليس مجرد التحقق، مثلا العبارة ~~«السماء ستمطر غدا» عبارة علمية؛ لأنها قابلة للاختبار التجريبي بمجيء الغد، وقد تمطر ~~السماء، أي قد نتحقق منها، ولكن ليس هذا هو المناط في علميتها، بل المناط في إمكانية ~~ألا تمطر السماء غدا، إمكانية تكذيبها. وبالبحث عن التكذيب وليس التحقق يمكن استبعاد ~~عبارات مثل «غدا قد تمطر السماء أو لا تمطر»، وهي واجبة الاستبعاد؛ لأنها لا تعطينا ~~محتوى إخباريا، فهي تحصيل حاصل، وحينما يأتي الغد فأيا كانت الخبرة الحسية، فسوف ~~نتحقق منها، ولكن تكذيبها مستحيل، فنستطيع الحكم بأنها لا علمية. هكذا يمكننا معيار ~~القابلية للتكذيب من استبعاد تحصيلات الحاصل المتنكرة في هيئة إخبارية، وهي واضحة ~~متجلية في الفروض الميتافيزيقية الموغلة في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر ~~الثيولوجي «الإلهيات»، وهما نمطان من التفكير غير قابلين للتكذيب، لا أصلا ولا فروعا، ~~ولا مطلوب منهما هذا، فهما ليسا علما تجريبيا. # وبالطبع ثمة فارق بين القابلية ~~للتكذيب # Falsifiability # وبين التكذيب # Falsification ~~. ~~وليس يعني المعيار التثبت بالفعل من كذب كل عبارة علمية وتفنيدها! كلا بالطبع، فهذه ~~كارثة محققة، وإلا فما هو علمنا اليوم؟! إنه نسق العبارات القابلة للتكذيب والتي لم يتم ~~تكذيبها بعد، فالمعيار هو القابلية للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث ms345 القوة بمصطلحات ~~أرسطو، أن نتثبت من أن إمكانية التكذيب قائمة في النظرية؛ لأن النظرية كاذبة بالفعل. إن ~~القابلية للتكذيب مجرد معيار يحدد الخاصة العلمية للنظرية، أما التكذيب فهو حكم عليها، ~~تقييم نهائي لها، رفض، وبالتالي تجاوزها، وإحراز خطوة تقدمية أبعد، قابلة بدورها ~~للتكذيب، ويتم تكذيبها يوما ما بفرض أبعد قابل للتكذيب ... وهلم جرا في مسيرة العلم ~~المطردة التقدم. # ولما كانت القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار، كانت محاولة تكذيب النظرية ~~هي ذاتها اختبار النظرية، وهذا الاختبار يفضي إما إلى التكذيب، وإما إلى التعزيز # Corroboration ~~، على النحو التالي: # التكذيب: # نحكم به على النظرية إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها، أي إذا ~~تناقضت النتائج المستنبطة منها مع الوقائع التجريبية؛ لأن تكذيب ~~النتائج تكذيب للنظرية ذاتها، فتستبعد من نسق العلم، رغم أنها علمية، ~~لكننا وضعنا الإصبع على مواطن خطأ أو كذب، فيمكن تلافيه فيما سيحل ~~محلها، فيكون أكثر اقترابا من الصدق، وأغزر في المحتوى المعرفي وفي ~~القوة التفسيرية ... لذلك فكل تكذيب ظفر علمي جديد، وليس خسارة كما قد ~~يبدو للنظرة العابرة. # التعزيز: # إذا تجاوزت النظرية الاختبار، والتعزيز هو جواز مرور الفرض إلى النسق ~~العلمي، المرور من اختبارات منهج العلم القاسية، وكلما كانت الاختبارات ~~أقسى كلما حازت النظرية التي تجتازها على درجة تعزيز أعلى، وكانت أعظم ~~- أي أغزر في المحتوى المعرفي، وأجرأ في القوة التفسيرية ... لذلك يؤكد ~~بوبر دائما على قسوة الاختبارات، حتى لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر ~~إلى نسق العلم بسهولة. إن التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة ~~منهجية ناجحة، فالنجاح يعني التوصل إلى فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة ~~أعلى من سابقه. # أما الذي يجعل القابلية للاختبار والتكذيب خاصة منطقية مميزة للقضية العلمية ومعيارا ~~قادرا على تمييز العلم التجريبي؛ فذلك لأنها ترسو على أسس تجريبية هي العبارات الأساسية # basic statements ~~، وهي عبارات تجريبية مفردة ~~لها الصورة المنطقية للعبارات الوجودية المحددة التي تقرر وجود أشياء معينة متصفة بصفة ~~معينة في زمان معين ومكان معين، مثلا مؤشرات الأجهزة المعملية في وقت معين. إن ms346 العبارة ~~الأساسية تشير علانية لموضوع مادي يمكن ملاحظته، ويمكن مباشرة إقرار العبارة أو ~~إنكارها، على أنها صادقة أو كاذبة. # أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك س في ~~مكان ما من زمان ما» فهي تبعا لمعيار القابلية للتكذيب ليست علما؛ ذلك لأنها لا يمكن ~~أن تخبر بشيء ما، ما لم ننسب إليها الشروط التي تحددها - أي التي تجعلها وجودية محددة. ~~وهذه العبارات تمثل عمود التكذيب الفقري ودماءه، وهي التي خولت له إمكانياته في منطق ~~العلم التجريبي. # فلنفترض أننا فتتنا العالم التجريبي على طريقة برتراند رسل إلى أقصى درجة ممكنة، أي ~~إلى عدد لا نهائي من الأحداث # events ~~، كل حدث واقع في ~~آن معين من الزمان ونقطة معينة من المكان، جماع هذه الأحداث هو العالم التجريبي، ولنضع ~~لكل حدث جملة تنقله - بتعبير رسل جملة ذرية. هذه الجمل الذرية وارتباطاتها معا هي فئة ~~«العبارات الأساسية»، إنها جميع العبارات الخصوصية الوجودية الممكن تصورها عن الواقع؛ ~~لذلك ستحتوي الفئة على عبارات كثيرة ليس بينها توافق؛ إذ إنها تعبر عن كل الوقائع ~~التجريبية الممكنة، أي التي قد تحدث وقد لا تحدث. # ونظريات العلم الطبيعي، أي محاولات الكشف عن القوانين التي تحكم العالم التجريبي هي ~~محاولات رسم حدود وفواصل بين هذه العبارات الأساسية، حدود تحدد الممكن الذي سوف يحدث ~~وسوف نلقاه في خبراتنا، وتمنع ما خارجها من الحدوث. لذلك يقول بوبر: «إن إمكانية ~~التكذيب هي إمكانية الدخول في علاقات منطقية مع عبارات أساسية محتملة - أي من فئة كل ~~العبارات الأساسية الممكنة. وإن هذا لهو المطلب الجوهري والمبدئي؛ لأنه متعلق بالصورة ~~المنطقية للفرض.» # 22 # من حيث هو فرض علمي، ومن ثم يكون التعبير المنطقي للقابلية للتكذيب كالآتي: ~~تكون النظرية قابلة للتكذيب - أي علمية - إذا كانت تقسم فئة كل العبارات الأساسية ~~المحتملة تقسيما واضحا إلى الفئتين الفرعيتين اللافارغتين: # فئة كل العبارات الأساسية التي لا تتسق النظرية معها، أي التي تستبعدها ~~وتمنعها، فإن حدثت أصبحت النظرية كاذبة، وهذه هي فئة المكذبات المحتملة Potential Falsifiers # للنظرية. # فئة كل العبارات الأساسية ms347 التي تتسق النظريات معها ولا تناقضها، وهي ~~العبارات التي تسمح بها النظرية. # الخطورة والتعويل في السمة العلمية على الفئة الأولى، بحيث ننتهي إلى الآتي: «تكون ~~النظرية قابلة للتكذيب إذا كانت فئة مكذباتها المحتملة ليست فارغة»، هكذا تتم عملية ~~الكشف عن القابلية للتكذيب - أي التحقق من السمة العلمية - وعملية التكذيب - أي إمكانية ~~مواجهة - ومواجهة القضايا بالواقع التجريبي بناء على العبارات الأساسية. # بالنسبة للعبارات المفردة، فإن إثبات كذبها - إذا كانت كاذبة - يمكن في التو واللحظة. ~~وعلى الرغم من أن هذه العبارات أساس عملية التكذيب، فإنها ليست موضع مشكلة التمييز بين ~~العلم واللاعلم، فهذه مشكلة القضايا الكلية، صورة القوانين والنظريات. والطبيعة الكلية ~~العمومية لقوانين ونظريات العلم تعني استحالة مواجهتها بالواقع التجريبي؛ لأنها تتحدث ~~عن أفق لا نهائي، يستحيل حصره في فئة عبارات أساسية، في زمان ومكان معينين يمكن إخضاع ~~ما يضمانه لنطاق اختبار تجريبي. فكيف يمكن الكشف إذن عن كونها قابلة للتكذيب أو غير ~~قابلة له؟ يمكن هذا عن طريق استنباط عبارات مفردة من النظرية، يسهل أن نواجهها بالواقع، ~~فيكون الاستدلال التكذيبي استدلالا استنباطيا صرفا هابطا من الكليات إلى جزئيات. ~~هكذا نلاحظ أن المعيار هو التمثيل المنطقي للمنهج الفرضي الاستنباطي الذي استقر الرأي ~~على أنه المنهج العلمي التجريبي. وهنا نلاحظ أن مجرد استنباط عبارات مفردة من النظرية ~~لا يعني أن النظرية علمية؛ إذ لكي نستنبط عبارات مفردة من النظرية التي هي كلية سنحتاج ~~حتما إلى عبارات مفردة أخرى تمثلالشروط ~~المبدئية # initial conditions # لما يجب أن تخضع له متغيرات النظرية. وفي اختبار التكذيب ~~تكون النظرية إحدى مقدمات الاستنباط، وبقية المقدمات عبارات مفردة أخرى تخدم كشروط ~~مبدئية لحدوث ما تخبر به النظرية، والذي سيكون نتيجة الاستنباط التي نقابلها بالوقائع ~~التجريبية. # ولكن هل مجرد استنباط عبارات مفردة من النظرية بمساعدة عبارات مفردة أخرى، هي عينها ~~القابلية أو إمكانية التكذيب التي تميز النظرية العلمية؟ بالطبع كلا! فأية عبارة لا ~~تجريبية، مثلا ميتافيزيقية أو تحصيل حاصل، يمكن استنباط عبارات مفردة أخرى منها، ~~مثلا: «إذا كانت أ هي أ، ms348 لكانت السماء ستمطر غدا، لكن أ هي أ، إذن السماء ستمطر ~~غدا»، وهي نتيجة تمثل عبارة أساسية، فهل يمكن أن نبحث عن إمكانية استنباط عبارات مفردة ~~تخبر بشيء جديد لم تخبر به العبارات المفردة التي خدمت كشروط مبدئية؟ # هذه الإضافة سوف تستبعد تحصيلات الحاصل، لكن لن تستبعد العبارات الميتافيزيقية، مثلا ~~«كل حادث لا بد له من علة غائية، وقد حدث اليوم زلزال في أثينا، إذن زلزال أثينا له علة ~~غائية»، إنها أكثر من المقدمات، لكنها ليست عبارة تجريبية مفردة، ولكي نتجنب كل هذا، ~~وتصبح القابلية للتكذيب معيارا يميز العلم بكفاءة، نضع مطلب القاعدة الآتية: «يجب أن ~~تسمح النظرية بأن نستنبط منها عبارات تجريبية مفردة، أكثر من العبارات التي يمكن ~~استنباطها من العبارات التجريبية التي تمثل الشروط الأولية فقط». فإذا سمحت النظرية ~~بهذا أمكن مواجهة تلك العبارات المستنبطة بالوقائع التجريبية التي قد تكشف عن كذبها، أي ~~كانت النظرية قابلة للتكذيب، فهي إذن علمية. هذه العبارات المستنبطة منها تمثل محتواها ~~المعرفي الذي تخبرنا به عن العالم التجريبي. # وكما يقول بوبر: «إن النظرية التي تقبل مخاطرة التفنيد - أي القابلة للتكذيب - ستصف ~~عالمنا المعين، عالم خبرتنا الوحيد، وستفرده عن فئة كل العوالم الممكنة منطقيا، ~~وبمنتهى الدقة المستطاعة للعلم.» # 23 # وكلما ازدادت النظرية في محتواها المعرفي وفي عموميتها وفي دقتها، كلما ~~عينت هذا العالم أكثر. إن إمكانية التصادم مع الواقع - أي القول بما قد لا يحدث في ~~الواقع فيكذب النظرية - هي التي تميز النظرية العلمية، إنها قدرتها على الاستبعاد، على ~~منع بعض الحوادث المحتملة من الحدوث. # وكلما منعت النظرية أكثر، كلما أخبرتنا أكثر، وعرضت نفسها لإمكانية انتهاكات أكثر، ~~وبالتالي زادت قابليتها للتكذيب. فمثلا أبسط عبارات العلم «الماء يغلي في درجة 100°» ~~طبعا يمكن مواجهتها بالواقع، ويمكن - منطقيا - ألا يغلي الماء في هذه الدرجة. هي إذن ~~قابلة للتكذيب، لكن نلاحظ أن العبارة تمنع حدوث غليان الماء في أية درجة أخرى، في 60° ~~أو 80° ... وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر، وقلنا: إن «الماء يغلي في درجة 100° في مستوى ~~سطح البحر» ms349 كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها منعت أكثر، فقد منعت كل ما منعته ~~سابقتها، بالإضافة إلى أنها منعت غليان الماء في 100° فوق سفح جبل أو في هوة سحيقة، أو ~~في أي مكان ضغطه الجوي مختلف عن الضغوط فوق سطح البحر. وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر، ~~وقلنا: «في مستوى سطح البحر يغلي الماء في درجة 100° في الأوعية المكشوفة» كانت هذه ~~العبارة تخبر أكثر؛ لأنها تمنع غليان الماء في هذه الدرجة عند سطح البحر، في الأنابيب ~~أو في المراجل المغلقة. إنها تمنع الأكثر؛ ولهذا قابليتها للتكذيب أكثر. # هذا المثال يوضح كيف ترتبط القابلية للتكذيب بالمحتوى المعرفي ارتباطا مباشرا، يجعل ~~العلاقة بينهما تناسبا طرديا. فمثلا تزيد عمومية العبارة بزيادة المحتوى، النظرية ~~الأكثر عمومية ذات محتوى معرفي يفوق محتوى النظرية أو النظريات الأقل منها عمومية؛ إذ ~~إنها تمنع ما تمنعه، بالإضافة إلى منع ما جعلها أعم؛ لذلك فهي أكثر قابلية للتكذيب، وهي ~~أيضا أغزر في محتواها المعرفي؛ لأنها تضم محتوى العديد من العبارات التي تعممها. إن ~~العبارة العلمية، هي العبارة ذات المحتوى المعرفي الإخباري عن العالم التجريبي، وهي ~~لذلك العبارة القابلة للتكذيب، والفيزياء الأكثر قابلية للتكذيب؛ لأنها الأكثر ~~عمومية. # وعلى أساس الأساليب الدقيقة للمنطق الرياضي - ولا داعي للخوض في تفصيلياتها الفنية ~~المعقدة هنا # 24 ~~- يعالج بوبر المحتوى المعرفي للنظرية العلمية وتضمنه لمحتوى تجريبي ومحتوى ~~منطقي، وارتباط مقاييسهما بالنسبة لنظريتين متنافستين، وعلاقة هذا بالاحتمالية، وأيضا ~~فئة محتوى الصدق وفئة محتوى الكذب التي إن كانت غير فارغة كانت النظرية مكذبة. وميز ~~بوبر بين المحتوى المنطقي المطلق وبين المحتوى المنطقي النسبي، أي في حالة التسليم ~~بمحتوى منطقي لنظرية أخرى، والمحتوى النسبي له الأهمية الفعلية في منطق العلم؛ لأن ~~العبارة العلمية موضع الاختبار عادة ما ترتبط بالخلفية العلمية المطروحة، أي بمحتويات ~~منطقية أخرى. # ولما كان الصدق هو الهدف المروم والمبدأ التنظيمي في خضم هذا المعمعان التكذيبي، فقد ~~تقدم بوبر بمفهوم يكفل السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر، وهو رجحان الصدق # Verisimilitude # الذي يعني أن النظرية أصبحت ms350 ~~أكثر مماثلة للصدق # more truthlikeness ~~، فالنظريات ~~تتنافس في الاقتراب من الصدق، وكل إنجاز علمي هو توصل إلى نظرية جديدة تلافت مواطن كذب ~~في سابقتها، فأصبحت أكثر منها اقترابا من الصدق؛ ولهذا قهرتها وتغلبت عليها وأزاحتها ~~من نسق العلم وحلت محلها. ومفهوم «رجحان الصدق» مفهوم نسبي، يتعلق بالمناقشة العلمية ~~المطروحة في الوقت المعين، والمنافسة بين الفروض وبعضها؛ لذلك فهو أساسا للحكم بتفوق ~~فرض على آخر، أو نظرية على أخرى، حين تتميز عليها برجحان صدقها. وطبعا رجحان صدق ~~النظرية «ن1» على النظرية «ن2» له شروط منطقية، وهي: أن تكون «ن1» متضمنة في «ن2» التي ~~تفوقت عليها، وإلا لما أمكنت المقارنة بينهما، وأن تقول «ن2» كل ما قالته «ن1»، ثم ~~تتجاوزها فتفسر جميع الوقائع التي تفسرها «ن1»، ثم تستطيع أيضا أن تفسر بعض الوقائع ~~التي تفشل «ن1» في تفسيرها، وبالتالي ستكون أية معلومة تكذب «ن2» تكذب أيضا «ن1»، ~~فيكون الحكم بتفضيل «ن2» لا غبار عليه. وأخيرا يجب أن تكون العبارات الصادقة التي يمكن ~~اشتقاقها من «ن2» أكثر من التي يمكن اشتقاقها من «ن1» والعبارات الكاذبة أقل؛ وكل ذلك ~~يعني أن «ن2» أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي، أي أكثر قابلية للتكذيب. هكذا يتضح لنا أن ~~النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، هي الأقل كذبا. # وليس رجحان الصدق فقط، بل كل مفاهيم منطق التكذيب هي الأخرى نسبية. القابلية للتكذيب ~~ذاتها مسألة نسبية، مسألة درجات، وتتفاوت درجات القابلية للتكذيب على أسس منطقية - ~~حددها بوبر بدقة - تتصاعد جميعها في سلم التقدم العلمي المطرد. # هكذا كان معيار القابلية للتكذيب في معالجته الدقيقة لبنية النظرية العلمية بمثابة ~~التمثيل العيني لمنطق التقدم العلمي، وما كان من الممكن طبعا تصور هذا المعيار في إطار ~~العلم الكلاسيكي النيوتوني الحتمي. إنه أقوى وأنضج المحصلات الفلسفية لثورة الفيزياء ~~الكبرى في القرن العشرين. # والمعيار في كل هذا كفؤ تماما في أداء مهمته، وهي تمييز المعرفة العلمية عن ~~الميتافيزيقا واللاهوت وسواهما من مباحث ذات معنى وأهمية، لكنها ليست علما وليس ~~مطلوبا منها أن تخبرنا عن وقائع العالم التجريبي. ms351 المهم فعلا أن المعيار قادر على ~~استبعاد العلوم الزائفة التي تدعي الإخبار عن الواقع وتتذرع بما يبدو من تأكيد وتحقيق ~~لها فتختلط بالعلم، وهذا هو الخطر المعرفي الداهم. مثلا علم التنجيم القائم على افتراض ~~زائف؛ وهو أن حركة الكواكب لها تأثير على الأحداث الأرضية، يسهل العثور على الوقائع ~~المؤيدة للتحقق منه، فلو قيل: إن مواليد برج الميزان سعداء، فإنه من السهل الإتيان بألف ~~شخص من مواليد هذا البرج السعداء. وطالما انخدع المنجمون وخدعوا بما اعتقدوه من وقائع ~~مؤيدة لنظرياتهم، ويتغاضون عن الوقائع المفندة لها. ودع عنك الاختبار ومحاولة التفنيد، ~~إن البعد المنهجي للتكذيب غير قائم في أمثال هذه العلوم الزائفة. ومن الواضح الآن أن ~~المعيار ومحاولات الاختبار التجريبي والتكذيب كفيلة باستبعادها. # وليس التحليل النفسي لفرويد وعلم النفس الفردي لآدلر علوما؛ لأنهما ببساطة نظريات ~~غير قابلة للتكذيب إطلاقا، وليس لها أية فئة مكذبات محتملة، فليس ثمة أي سلوك إنساني ~~يمكن أن يعارضهما، وليس ثمة أي سلوك إلا ويمكن تفسيره وفقا لمصطلحات هاتين النظريتين. ~~والمثال الذي يضربه بوبر على هذا هو رجل يدفع بطفل إلى الماء بقصد إغراقه، ثم رجل آخر ~~يضحي بحياته محاولا إنقاذ الطفل، كل من هذين السلوكين المتناقضين يمكن تفسيره بنفس ~~السهولة بنفس المصطلحات في نظرية فرويد، وأيضا بنفس المصطلحات في نظرية آدلر. فتبعا ~~لفرويد يمكن أن نفسر موقف الرجل الأول بأنه يعاني من الدوافع المكبوتة، مثلا إحدى ~~مركبات عقدته الأوديبية. أما الرجل الثاني فنفسر سلوكه بنفس الدوافع المكبوتة، ولكنها ~~في حالة إعلاء وتسام. وطبقا لنظرية أدلر نجد الرجل الأول يعاني من شعور بالنقص سبب ~~له الرغبة في إثبات جرأته على ارتكاب جريمة ما، ونفس الشعور بالنقص سبب للرجل الثاني ~~الرغبة في إثبات جرأته على إنقاذ الطفل! على هذا النحو نجد النظريات التحليلية دائما ~~يمكن تطبيقها، دائما يمكن تأكيدها، تفسر كل شيء وتشرح كل شيء، ولو جاء رجل ليؤكد أنه ~~لم يشعر إطلاقا بعقدة أوديب ولم يصدر عنه أي سلوك ينم عنها - وهذا ما لا بد أن يؤكده ~~الأسوياء ms352 - فلن يعتبر التحليليون هذا تفنيدا لنظرياتهم، بل على الفور سيتملصون من هذا ~~التكذيب بأن عقدة أوديب مكبوتة في اللاشعور، والنظرية بهذا غير قابلة للاختبار، ~~وبالتالي غير قابلة للتكذيب. ويمكن على هذا النحو إدخال كل الأحداث الممكنة وكل الوقائع ~~الممكنة وكل النماذج السيكولوجية الممكنة في نطاق هذه النظريات، بل وكتأكيدات لها، وهذه ~~القدرة الظاهرية على تفسير كل شيء وأي شيء بدت في نظر العوام معلما على قوة النظرية ~~الفائقة، لكنها من وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب تبدو نفس سبب ضعفها الحقيقي ~~وخوائها، فالنظرية تشرح كل شيء وتفسر كل شيء لذلك تعجز عن التنبؤ بأي شيء، ولا يترتب ~~عليها - أو على الغالبية العظمى من أجزائها - نتائج تجريبية. # لا ينكر بوبر أن فرويد وآدلر رأيا أشياء معينة بطريقة صحيحة، وأن بعضا مما قالاه له ~~أهميته ويمكن تطويره ليلعب دوره في علم نفس قابل للاختبار والتكذيب، لكن النظريتين ~~بالصورة المطروحة من قبلهما تفتقران إلى السمة العلمية ولا تخبرانا بشيء. # أما النظرية الماركسية فوضعها مختلف، فهي كما طرحها ماركس نظرية علمية، ما دامت ترتبت ~~عليها تنبؤات معينة تجعلها قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، غير أن وقائع التاريخ أتت ~~لتنقض كل تنبؤات ماركس وتكذبها، لكن المأخوذين بها رفضوا الاعتراف بهذا التكذيب - كما ~~يقضي منطق العلم - وأعادوا تأويل كل من النظرية والوقائع المكذبة ليجعلوهما متوافقين، ~~ويعود كل شيء يؤكد النظرية ويحققها، فأصبحت الماركسية على أيدي أنصارها غير قابلة ~~للتكذيب، غير علمية، بل باتت - بتعبير بوبر - عقيدة دوجماطيقية مقواه، وإذا شاء أنصارها ~~يمكنهم الانصراف عن العلم والسمة العلمية، فلا يستطيع معيار التكذيب التطاول عليهم، ~~ولكنهم مع كل هذا يصممون على الإبقاء عليها بوصفها نظرية علمية، بل والتفسير العلمي ~~الوحيد للتاريخ. في أواسط القرن العشرين ناضل بوبر كثيرا من أجل هذه القضية، ثم أتت ~~نهايات القرن بتعزيز لموقفه يعفيه من مواصلة النضال. # وظل بوبر حتى آخر لحظة يؤكد على القضية الأوسع، وهي أن علم التاريخ ذو طبيعة مختلفة ~~ويتعامل مع وقائع منفردة ويستحيل أن نماثله بالعلوم الطبيعية لكي نصل فيه ms353 إلى نظريات ~~تنبوئية، فلا يمكن التنبؤ بمسار التاريخ أبدا. # لكن العلوم الاجتماعية والإنسانية أمرها مختلف عن التاريخ، فيمكن دراسة ظواهرها دراسة ~~علمية قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، أي قابلة للتقدم، والطريق الوحيد المفتوح ~~أمامها هو أن تنسى تماما النزعات الكلية والنبوءات التاريخية الواسعة النطاق، وتحيط ~~بالمشاكل المطروحة فعلا، كل مشكلة على حدة لتدرس النتائج غير المقصودة وغير المرغوبة، ~~فتضع تنبؤات مشروطة قابلة للاختبار التجريبي بدلا من النبوءات التاريخية الحتمية ~~الواسعة النطاق غير القابلة لهذا. وقد أوضح بوبر أن الطبيعة التكذيبية للنظرية العلمية ~~تعني أنها تنفي وقوع حوادث ممكنة، وهذا يعني أن القانون العلمي يمكن وضعه في صورة ~~نافية. والعلوم الاجتماعية بتلك الوظيفة ستستطيع التوصل إلى قوانين أو فروض علمية ~~نافية، ويعطي بوبر أمثلة على هذا: «لا يمكن فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية ~~ونقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة»، أو «لا يمكن تحقيق العمالة الكاملة دون أن ~~يتسبب ذلك في حدوث تضخم» ... وهكذا. # 25 # وهذا سعي مشكور من بوبر، لكن لا نستطيع الاكتفاء به؛ لأن مشكلة العلوم الإنسانية من ~~أمهات مشاكل فلسفة العلم. والمدهش حقا أن معيار القابلية للتكذيب يفتح أمامها آفاقا ~~مستقبلية لم يفطن إليها بوبر نفسه، وسنحاول أن نستكشفها، وربما نكون في هذا بوبريين ~~أكثر من بوبر نفسه! # خامسا: مشكلة العلوم الإنسانية # تمثل العلوم الإنسانية بدورها ما يضاف حقا إلى الرصيد العلمي للقرن العشرين، فعلى ~~مدار عقوده قطعت شوطا طويلا، وبذلت جهودا مضنية وناجحة إلى حد كبير في تحديد ~~موضوعاتها وتعريف ظواهرها وصياغة مفاهيمها ومصطلحاتها، وقد أرست مناهجها وأساليبها ~~الإجرائية، كالتحليلات الرياضية - مثلا الاقتصادية - والمناهج الإحصائية والقياسات ~~العددية، والوسائل الأمبيريقية (أي التجريبية الخالصة) كالاختبارات والمقاييس ~~السيكوميترية والسوسيوميترية، والتجربة المعملية والتجربة الميدانية، والعينة التجريبية ~~والعينة الضابطة، والاستبار وقوائم الاستبيان وكشف الأسئلة واستمارة المقابلة والمشاهدة ~~بالمشاركة، فضلا عن الأساليب الدقيقة لتحليل وتنظيم واستخلاص ما تفيد به المعطيات ... ~~إلى آخر ما يدرب عليه الباحثون - تبعا لتخصصاتهم المختلفة - من منهجيات إجرائية دقيقة، ~~أفضت بالعلوم الإنسانية إلى محصلات جليلة الشأن، ولا تزال تفضي، ms354 خصوصا بعد تطور ~~الكومبيوتر الذي يسر السيطرة على جماع هائل من المعطيات الإمبيريقية. # ومنذ الربع الثاني من القرن العشرين، كان قد اتضح تماما أن الدراسات الإنسانية ~~الإخبارية قد شقت لنفسها طريق «العلم» بالمعنى الدقيق، وقطعت منه شوطا كبيرا واستقام ~~عودها. وهذا النضج اللافت جعلها في منزلة تؤهلها للمقارنة بالعلوم الطبيعية، ومن هنا ~~تثار مشكلة العلوم الإنسانية والتي تتمثل في تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية، أحرزت ~~العلوم الإنسانية - ولا شك - قدرا ملحوظا من التقدم والنجاح، لكنه أقل كثيرا مما ~~حققته العلوم الطبيعية، ولم يتكون بعد نسق متكامل من القوانين التفسيرية في أي مجال من ~~مجالات العلوم الإنسانية، يماثل من حيث القوة المنطقية أنساق القوانين التفسيرية في أقل ~~فروع العلوم الطبيعية حظوة من التقدم. # وكما لاحظنا مما سبق، الهدف من أي علم تجريبي إخباري هو الإجابة على السؤال كيف ~~ولماذا تحدث الظاهرة موضوعه؟ لينجز العلم أربع مهام بشأنها هي الوصف والتفسير والتنبؤ ~~والسيطرة. المرحلة الأولى من العلم هي المرحلة الوصفية التي تجيب على السؤال: كيف تحدث ~~الظاهرة؟ كيف تتبدى؟ ولكن هذا لا يكفي، فتمهيد الطريق لإحكام السيطرة على الظاهرة، فيما ~~يعرف بالتقانة «التكنولوجيا» التي ارتهنت بنسق العلم التجريبي الحديث، دونا عن سواه ~~من أنساق جمة أنشأها العقل البشري ... هذا يستلزم الانتقال من المرحلة الوصفية، وبناء ~~عليها، إلى المرحلة التالية عليها، وهي المرحلة التفسيرية التي تجيب على السؤال: لماذا ~~تحدث الظاهرة؟ أما التنبؤ، وهو الغاية النهائية المرومة من العلوم الطبيعية، فليس يفترق ~~عن التفسير، بل هو محك لنجاح التفسير. والواقع أن التفسير هو الإحاطة الحقيقية ~~بالظاهرة، وإذا كان الوصف هو محك وجود العلم أو عدم وجوده، فإن التفسير هو محك التقدم ~~العلمي. ويمكن أن تقاس درجة تقدم العلم بمدى توغله في المرحلة التفسيرية ونجاحه فيها، ~~أو درجة دقة هذا النجاح. وتبلغ المرحلة التفسيرية اكتمالها المنطقي في النظرية العامة ~~أو البحتة، التي تعني الدامغ المعتمد للنسقية العلمية. # وفي هذا نلاحظ أن حصاد العلوم الإنسانية قد تنامى تناميا ناجحا في المرحلة الوصفية، ~~دونا عن المرحلة ms355 التفسيرية، فضلا عن البحتة، وإذا كنا بإزاء أية ظاهرة إنسانية، مثلا ~~التفوق الدراسي أو الإرهاب أو تعاطي المخدرات، يمكن أن نتوقع من العلوم الإنسانية ~~توصيفات علمية دقيقة للظاهرة، أي إجابة على السؤال كيف تحدث؟ أما عن التفسير، فمن الصعب ~~أن يتفق باحثو الإنسانيات على إجابة للسؤال: لماذا يحدث التطرف الديني مثلا، ويمكن أن ~~نتوقع إجابات متعددة وأيضا متناقضة. # ومن أوضح الأمثلة على تناقضات العلوم الإنسانية تحليلية فرويد وسلوكية واطسن اللتان ~~تصدرتا علم النفس في أواسط القرن العشرين، وبينما نجد خطأ التفسير التحليلي في أنه ~~يبالغ في تعميق وتعقيد الظاهرة النفسية وعلى حساب منهج العلم ومنطقه، نجد خطأ السلوكية ~~في أنها تبالغ في تسطيح الظاهرة النفسية وتبسيطها، وإن كان تبسيطا لحساب منهج العلم ~~فإنه في النهاية يقتصر على الوقوف على سطح الظاهرة والاستسلام الكامل للمعطى التجريبي، ~~وتفتيت موضوع الدراسة إلى ذرات مغفلة الطبائع التكاملية للكيانات الإنسانية. وبتأكيد ~~السلوكية على أن التجريب المعملي هو فقط الذي يؤدي إلى نتائج يعتمد عليها تراخى ~~اهتمامها بعمليات التفكير والمعرفة في الذهن، وعجزت عن تفسير الظواهر النفسية شديدة ~~التعقيد التي لا يمكن الإحاطة بها عن طريق تعميم تجريبي مباشر يفترض أن الإنسان مجرد ~~متلق سلبي لعوامل البيئة والوراثة. وأدى هذا إلى تجاوز السلوكية منذ الستينيات بعلم ~~النفس المعرفي المستفيد حقا من إبستمولوجيا القرن العشرين وتقاناته وطرح إمكانات ~~مستقبلية تقدمية أمام علم النفس، لكن لا تزال مشكلة التفسير قائمة. ولا يزال هذا ~~التناقض بين التفسيرات وعجزها عن التكامل ماثلا في فروع شتى من العلوم الإنسانية كأن ~~تسرف مدارس الوضعية والوظيفية والبنيوية وقرائنها في التركيز على ثبوت المجتمع ~~واستقراره، بينما تسرف مدارس أخرى في التركيز على حركية المجتمع وتغيره. # وليس يعني هذا إنكار قيمة ما أنجزته العلوم الإنسانية في محاولاتها المحدودة النجاح ~~للتفسير، أو في محاولاتها الناجحة تماما للوصف. وليس الوصف أمرا يسيرا أو هينا أو ~~مجرد مرحلة تمهيدية، بل إن الوصف بمثابة اكتشاف # Discovery # للظاهرة؛ لأنه عملية تعيين واختبار علاقات أكثر أو أقل عمومية ~~بين خواص الظاهرة ms356 موضوع البحث، وهو اكتشاف؛ لأن هذه العلاقات لم تكن معروفة قبل الوصف ~~العلمي الذي كشف عنها. # 26 # لكن التفسير يتجاوز الوصف فيستعين به ويضيف إليه القوانين أو النظريات كي ~~يحقق هدفه فيمثل التقدم الحقيقي للعلم. وبينما تتكامل التفسيرات في العلوم الطبيعية أو ~~يتجاوز بعضها البعض في متصل التقدم الصاعد أو على أقصى الفروض يميل تفسير إلى التأكيد ~~على زاوية دون الأخرى؛ نجد التفسيرات في العلوم الإنسانية تتناقض وقد تبلغ حد العداء ~~الصريح، وتعجز عن التكامل والإحاطة بالظاهرة، وبالتالي تحقيق نصيبها المأمول من التقدم ~~العلمي. # والسؤال الآن: لماذا تتناقض التفسيرات؟ أو لماذا تعجز العلوم الإنسانية عن خوض ~~المرحلة التفسيرية باقتدار ونجاح؟ لعل الإجابة على هذا هي نفسها تحديد حيثيات مشكلة ~~العلوم الإنسانية أو أسباب تخلفها النسبي. # وقد قيل الكثير في هذا الأمر الذي أصبح مألوفا بقدر ما هو عجيب؛ لأن مسائل العلوم ~~الإنسانية كانت منذ الأزمنة البعيدة موضع الاهتمام الأكبر وتستقطب أعاظم العقول، فكان ~~تناولها أكثر نضجا من تناول مسائل العلوم الطبيعية، وأبسط مقارنة بين دساتير أرسطو ~~وبين فيزيائه أو بين تناول أفلاطون وفلاسفة الإسلام لمسائل الأخلاق والمجتمع والسياسة ~~وبين تناولهم لمسائل الكواكب والمعادن تبين هذا. ولعل الفروق النوعية للظواهر الإنسانية ~~وما تختص به من مثاليات غائية وإسقاطات حميمة هي التي جعلتها موضع الاهتمام الأكبر في ~~الأزمنة القديمة، وهي نفسها التي جعلتها عصية إلى حد ما على مثاليات العلم الحديث، ~~ومتعثرة في محاولات التفسير العلمي. تدور كثير من محاولات تحديد أسباب التخلف النسبي ~~حول خصائص تتميز بها الظاهرة الإنسانية دونا عن الطبيعية، هذا من قبيل صعوبة التكميم ~~واستخدام ألفاظ كيفية، وبالتالي صعوبة صياغة قوانين دقيقة، وأن الباحث جزء لا يتجزأ من ~~الظاهرة التي يبحثها؛ فلا بد وأن يشعر تجاهها بميول وأهواء معينة تفرضها البيئة ~~الثقافية والحضارية التي ينتمي إليها. نفس الظاهرة (تعدد الزوجات مثلا) تبحث في بيئة ~~على أنها عرف محمود وفي بيئة أخرى كعرف مذموم، وفي بيئة ثالثة كجريمة يعاقب عليها ~~القانون، فيؤدي هذا إلى إضفاء الأحكام الخلقية والإسقاطات التقييمية ms357 على موضوع البحث. ~~ثمة قيم الباحث التي تؤثر على أحكامه، بل ومجرد رصده للوقائع وثمة القيم الموجهة لموضوع ~~البحث ذاته، لن يتعامل الباحث مع العينة في حالة دراسته لظاهرة الدعارة نفس تعامله مع ~~العينة حين دراسة الإبداع العلمي مثلا ... # هناك أيضا تعقد الظواهر الإنسانية وتعدد أبعادها بخلاف الظواهر الطبيعية، فثمة جانب ~~جواني للحياة النفسية وآخر براني وهما غير متطابقين دائما، فضلا عن عامل الحرية ~~الإنسانية الذي يمكن أن يمس من فكرة القانون العلمي ذاته ويجعله خاضعا للأهداف ~~والأغراض البعيدة. ولعل أشهر الصعوبات هو ما يسمى بتفرد # uniqueness # الظاهرة الإنسانية، حتى إن محاولة التجريد والتعميم وإسقاط ~~خصوصية الظاهرة قد ينطوي على تشويه لطبيعتها. ويتصل بهذا التغير السهل السريع للظواهر ~~الإنسانية الذي يجعل الاطراد في مجالها أقل ظهورا، وصعوبة تكرارها # 27 ~~... وكل هذا يجعل صياغتها في قانون تحتاج لعدد كبير من المتغيرات يبعد بها عن ~~أن تكون دالة بسيطة كقوانين الطبيعة. # ويمكن أن نضيف إلى هذا معوقات البحوث الإنسانية لا سيما في البلاد المتخلفة، من قبيل ~~ضعف التمويل نتيجة التشكيك في جدواها وحصائلها التطبيقية مقارنة بالعلوم الطبيعية، ~~والانبهار بالآلة عنوان التقدم لحد اعتبار الدراسات الإنسانية ترفا يمكن بل يجب ~~تأجيله! وانعدام التخطيط والتساوق بين هيئات البحث، وثمة نظام التعليم وإعداد كوادر ~~الباحثين الذي يركز على باحثي العلوم الطبيعية ويخصهم بالقروض والمنح والبعثات ~~والمراكز، دونا عن باحثي العلوم الإنسانية، فتستأثر الأولى بالطلبة النابهين؛ على أن ~~تلك المعوقات تخرج عن مجال فلسفة العلم وتندرج تحت سوسيولوجية العلم أو عوامله ~~الاجتماعية. # وبالعود إلى فلسفة العلم نجدها عن طريق الاختزال المنطقي تستطيع رد كل حيثيات أو ~~أسباب مشكلة العلوم الإنسانية إلى عاملين أساسيين، هما: أولا: نوعية الظاهرة ~~الإنسانية، وثانيا: طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع بحثه حين دراستها. وتفاعل هذين ~~العاملين معا ينجم عنه افتقاد البحث العلمي للحدود المحكمة، أي افتقار العلوم ~~الإنسانية إلى التقنين المنطقي الدقيق مما يجعل حدودها مستباحة، ومن هنا تأتي عوامل ~~تعثر المرحلة التفسيرية. # إن المحتوى المعرفي للعلوم الطبيعية ينصب على ظواهر محايدة ms358 لخلوها من الوعي والإرادة، ~~فيمكن للإطار الثقافي والسياق الحضاري أن يرفع يده تماما، وحين رفض هذا - كما حدث حين ~~فرضية مركزية الشمس لكوبرنيقوس أو التطور لدارون - انهزم السياق الثقافي تحت القوة ~~المنطقية للنظرية العلمية، حتى إن درجة التقدم التي أحرزتها العلوم الطبيعية الآن جلبت ~~لها استقلالا معرفيا تاما، وأصبح السياق الثقافي لا يجرؤ على التدخل في صوغ فروضها ~~أو عناصر نظرياتها، أي في محتواها المعرفي، ويقتصر فقط على التفاعل مع حصائلها ~~التطبيقية وتكنولوجياتها. مثلا يتدخل السياق الحضاري لمناقشة استضافة الجنين في رحم ~~آخر، أو نقل الأعضاء، أو الاستنساخ، أو التحكم في الصفات الوراثية للجنين، أو إنتاج ~~القنبلة الهيدروجينية ... هل هذه التطبيقات مشروعة أم لا؟ مطلوبة أم غير مطلوبة؟ كيف يمكن ~~توجيهها؟ ... إلخ. ولكن لا يتدخل في منطوق النظرية العلمية ذاتها أو يحاول استبدال فرض ~~تفسيري بآخر مضمونه أقرب إلى ما يريد السياق الثقافي، أي إنه يتعامل مع العلوم الطبيعية ~~من الخارج فقط، ولا يحدث خلطا منطقيا في محتواها المعرفي من الداخل. # وهكذا تجري العلوم الطبيعية في طرق حددت معالمها ممارسات عريقة وراسخة متفق عليها. ~~فتسير عبر تخوم واضحة وتصاغ فروضها وقوانينها ونظرياتها في حدود منطقية مقننة بدقة، ~~فقدر لها أن يتوالى تقدمها، واستقلت تماما عن الأوضاع والمؤثرات الخارجية. # أما بالنسبة للعلوم الإنسانية فالأمر يختلف، وافتقارها للإحكام المنطقي يجعل البدائل ~~الأخرى تتدخل في مناقشة منطوق النظريات ذاتها، ويمكن للحس المشترك ببساطة أن يعارض ~~مضمون نتيجة بحوث شاقة وطويلة أسفرت عن الأثر السيئ لضرب الأطفال مثلا أو تزويج ~~الفتيات القاصرات، والمثل يحدث من قبل البدائل الحضارية الأخرى كالأعراف والتقاليد ~~والفلسفات والمنحى السياسي وتوجهات الطبقة السائدة، وما تبثه وسائل الإعلام والإعلان ~~والمصالح القومية وفي النهاية الأيديولوجيا ... كلها تنافس العلوم الإنسانية في صلب ~~حلبتها وصميم مفاهيمها وتصوراتها ومنطوق نظرياتها وتتبرع بالتفسيرات التي تميل إليها ~~للظواهر الإنسانية والاجتماعية؛ لتنافس التفسيرات العلمية أو تستوعبها أو توجهها وتؤثر ~~عليها. وفي النهاية لا نظفر بتفسيرات علمية متكاملة للظواهر الإنسانية. # إن تكامل التفسيرات الطبيعية يتمخض فعليا وإجرائيا في التساوق ms359 والتآزر بين ~~النظرية والتجربة، الأولى ترسم للثانية خطاها وتحدد أطرها، والثانية تحمل اختبارات ~~الأولى ومحكاتها وشواهدها، وأيضا مواطن كذبها وضرورة تعديلها أو حتى رفضها، وسرعان ما ~~يستجيب المنظرون، كما حدث مثلا حين أثبتت تجرية ميكلسون/مورلي كذب الأثير. وفي المقابل ~~نجد تناقض التفسيرات الإنسانية يرتد في الانفلاق الذي تشهده العلوم الإنسانية بين ~~اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب، مما يساهم في تباطؤ معدلات التقدم. والجدير بالذكر ~~أنه في الثلث الأول من القرن العشرين ساد علم الاجتماع، بتأثير من المدرسة الأمريكية - ~~خصوصا مدرسة شيكاغو - انكباب محموم على التجريب وعزوف عن التنظير ربما على سبيل التمثل ~~الأكثر لروح العلم. وسرعان ما أثبتت التجريبية المحضة عقمها وقصورها. ولعل سيادة ~~البنيوية في المرحلة التالية من مسار علم الاجتماع في القرن العشرين بمثابة رد فعل عكسي ~~لهذا. وتعتمد البنيوية التجريد غير الرياضي لأقصى حد ممكن في بحثها الدءوب عن الهيكل ~~الثابت. والمحصلة أن تزايد فيما بعد إحساس الباحثين بالبون الذي أخذ يتسع بين التنظير ~~والتجريب، بحيث كادت منهجيات علم الاجتماع أن تنفلق إلى شقين، أحدهما غارق في النظرية ~~والآخر منغمس تماما في رصد الوقائع التجريبية، والحال يشبه هذا في علم الاقتصاد. أما ~~في علم النفس فيبز السلوكيون جميع باحثي العلوم الإنسانية في انكبابهم على التجريب ~~وعزوفهم عن التنظير، حتى عن مناقشة النظرية السلوكية ذاتها، ربما كرد فعل عكسي على ما ~~كان من إفراط التحليليين المضجر بشأن الصروح النظرية الشاهقة والسحيقة التي ابتدعها ~~خيال فرويد وأودعها في دياجير مفترضة للنفس الإنسانية. مرة أخرى وأخيرة نشير إلى علم ~~النفس المعرفي كوسط ذهبي يحمل آفاقا تقدمية بتدارك هذا الانفلاق. # والخلاصة أن تناقض التفسيرات في العلوم الإنسانية ومعها قصور الممارسات سواء أغرقت في ~~التنظير أو أفرطت في التجريب ترتد إلى تأثير العوامل الخارجية المذكورة التي تجعل ~~المشروع العلمي يمتزج ويتشابك مع أمور ليست علمية ولا تهدف إلى أهداف العلم، فيتعرقل ~~مساره نحو التفسير المتكامل وتتباطأ معدلات التقدم. وعلى هذا يبدو أن الطريق نحو حل ~~مشكلة العلوم الإنسانية يتطلب التمييز بين ما هو ms360 علمي وما هو لا علمي يتعلق بأيديولوجيا ~~أو فلسفة أو عرف أو رأي شائع بحيث تكون حدود العلم واضحة لا تسمح بتسلل كل ما هو لا ~~علمي. # عدنا إذا إلى المشكلة الأم لفلسفة العلم، أي تمييز المعرفة العلمية، وأنضج حل لها ~~وهو معيار القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب الخاصة المنطقية المميزة. ومن الواضح أن ~~هذا المعيار يطرح أمام العلوم الإنسانية محكا حاسما لتحديد ما هو علمي إخباري ويحول ~~دون تسرب الأيديولوجيات والإسقاطات التقويمية وأحكام الحس المشترك ... وكل ما هو لا علمي ~~ينجم عن اقتحامه بنية العلم افتقاد الإحكام في المشروع العلمي وافتقاره للتقنين ~~المنطقي. والواقع أن هذا المعيار لا يعدو أن يكون الصياغة المنطقية الصورية المقننة ~~الدقيقة للسمة التجريبية التي هي العلاقة المسئولة مع الواقع والتآزر الحميم بين العقل ~~والممارسة المعملية أو بين التنظير والتجريب. وكان نضج العلوم الإنسانية ونموها راجعا ~~إلى أنها وجدت أساليبها التجريبية الإمبيريقية وأحكمتها، ويبقى أن مضاعفة درجة التقدم ~~وتجاوز التخلف النسبي سوف يعتمد على التقنين المنطقي الأدق والأشمل لهذه التجريبية، ~~خصوصا أن التكالب عليها أدى إلى تدفق سيل من التعميمات التجريبية بغير أن تؤسس حصيلة ~~مثمرة. في ذلك الانفلاق الضار بين التنظير والتجريب، وتلك السمة التجريبية، أي القابلية ~~للاختبار والتكذيب تطرح أمام العلوم الإنسانية محكا لضبط التجريب وتوجيهه نحو فروض ~~محددة، مما يداني بين التنظير والتجريب. # والأخذ بهذا المعيار لا يشترط قبلا إلا إمكانية العلم بالظواهر الإنسانية ~~والاجتماعية، وأنها ليست قائمة في ملكوت السموات ولا في عالم الغيب، بل هي قائمة في ~~عالم الشهادة الذي نحيا فيه. وأثبت منطق العلم التجريبي أنه أصدق من يأتينا بخبر عنه، ~~وأكفأ من يقوم بمحاولة وصفه وتفسيره في سلسلة متوالية كل حلقة أنجح من سابقتها وأكثر ~~تقدما. ولا ينطوي هذا البتة على رد العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية. فنحن بإزاء ~~إبستمولوجيا العلم الراهنة وآفاقها المستقبلية، بينما كان المشروع الردي في إطار ~~الإبستمولوجيا الكلاسيكية وتفسيرها الميكانيكي للكون الذي أضحى أثرا بعد عين. ثم كانت ~~محاولة إحياء المشروع الردي في إطار العلم ms361 الموحد أو لغة العلم التي عكف الوضعيون ~~المنطقيون على بنائها، وكلاهما انتهينا منه فيما سبق، وليس ثمة نموذج مفروض ولا وصاية ~~على علم ولا وحدة حديدية للعلوم تردها جميعا إلى الفيزياء، بل فقط الاستفادة من الأسس ~~الصورية لمنطق التقدم في العلوم التجريبية، كما هي متمثلة على أكمل وجه في الفيزياء، ~~ويمكن أن تقترب منها سائر العلوم بدرجات متفاوتة، وحين تقترب منها العلوم الإنسانية لن ~~تتسرب العناصر الأخرى للإطار الحضاري والسياق الثقافي إلى المشروع العلمي بسهولة؛ لأنها ~~لا تستطيع اجتياز المواجهة مع الواقع التجريبي التي يتطلبها اختبار التكذيب، ولا من ~~المطلوب منها أصلا أن تجتاز هذا الاختبار، طالما أنه ليس مطلوبا منها القيام بمهام ~~العلم والإخبار عن الواقع التجريبي، بل المطلوب منها مهام حضارية أخرى هامة. فليس العلم ~~كل شيء ولا حتى أهم شيء، لكنه بالتأكيد شيء هام جدا، ومن الأفضل أن يشق طريقه ويؤدي ~~مهامه الدقيقة على الوجه المنشود، وتلتزم البنيات الثقافية الأخرى موقعها في السباق ~~الحضاري. # ومن الناحية الأخرى ليس مطلوبا أيضا عزل العلوم الإنسانية عن واقعها الحضاري، ~~ومتطلباته وأهدافه، ولا خضوع أو تكريس له بزعم الحياد العلمي، أو ثورة عليه لمجرد الشغب ~~والفوضى والرفض تحت اسم العلم المجيد. على هذا يمكن التأكيد أنه ليس منشودا البتة - ~~ولا حتى متصورا - اجتثاث الأصول والجذور الحضارية للمشروع العلمي في المباحث ~~الإنسانية. إن السياق الحضاري والثقافي والقيمي رافد لها، إن لم يكن منبعا، وهو ذاته ~~صلب موضوعها ومسرح ظواهرها، لكن إثراء السياق الحضاري وإثراء العلوم الإنسانية، وحل ~~مشكلتها ومشاكل عديدة له يتطلب التفاعل المثمر السليم بينهما، ويشترط هذا أن يكون كل ~~في موقعه لأداء دوره، ولا يقتحم حدودا مميزة للآخر وخاصة به. # وكما حرصنا على تحقيق هدف مؤداه ألا تقتحم البنيات الحضارية والأيديولوجيات المشروع ~~العلمي، فإننا نحرص أيضا على ألا يقتحم منطق العلم البنى الحضارية والمشاريع ~~الأيديولوجية. ومنطق العلم لا يملك حكما، لا قبولا ولا رفضا، لمشروع حضاري معين أو ~~بنية أيديولوجية دون سواها. معنى هذا أنه لا خوف إطلاقا على عناصر ms362 هويتنا وقيمنا ~~ومنطلقاتنا من صرامة منطق العلم ومعيار التكذيب، فإن المنابع الأيديولوجية في حد ذاتها ~~محتمية بحدودها، حتى ولو كانت مصدرا لفرض علمي، فإن الفرض هو فقط وفي حد ذاته الذي ~~يخضع للاختبار التجريبي، فيتم تكذيبه أو تعديله أو تعزيزه، أما المصادر الحضارية ~~الكبرى، فلا علاقة لمنطق العلم ومعاييره بها. # وأخيرا، ليس في هذا إنشاء خطة عمل مستحدثة أو برنامج مستجد للعلوم الإنسانية، أو ~~أمثال هذه التصورات الهوجاء. كل ما في الأمر محاولة للخروج من واقع العلم الراهن بالأسس ~~المنطقية المتجهة صوب الإمكانيات المستقبلية، لكي تتلاقى شعاب التوجهات الواعدة في ~~العلوم الإنسانية على محك موضوعي معتمد، توسلا إلى الأمل المفتقد إلى حد ما في العلوم ~~الإنسانية، والمتحقق بأجلى صورة في العلوم الطبيعية، أي الاتفاق على معيار مشترك يصون ~~أهداف العلم ويرسم نحوها حدودا واضحة، يتلاقى داخلها الرأي والرأي الآخر؛ لأن الاتفاق ~~بين العلماء هو السبيل إلى الإحاطة بالظواهر الإنسانية، وصفا وتفسيرا، ومن ثم تنبؤا ~~وتحكما وسيطرة. # والواقع أن تبرير كل هذا وتسويغه إنما هو في حقيقة تنامي اقتفاء العلوم الإنسانية ~~لمنطق العلم، وتدفق أبحاثها وفق الفروض القادرة على الخضوع لإجراءات منهجية دقيقة، فيها ~~يتردد كثيرا مصطلح الاختبار والقابلية للاختبار، ولولا هذا الواقع الواعد وحصائله ~~المتنامية كما وكيفا لما كان ثمة جدوى لتوضيح سبل التقنين المنطقي الأدق. إن منطق ~~العلم تجريد للقوالب الصورية المتضمنة لتدفقات واقعه المنهجي، فيزداد الطريق وضوحا ~~ويزداد التقدم صعودا. # تلك هي مهمة منطق التقدم العلمي. # الفصل السابع # | فلسفة العلم والوعي بتاريخ العلم # أولا: فلسفة للعلم لا تاريخية # كان انتقال فلسفة العلم في القرن العشرين من منطق التبرير إلى منطق التقدم ذا نتائج ~~ومحصلات جمة، لا تقتصر على الإسهام في حل هذه المشكلة أو تلك، ولكي نستطيع استشراف ~~الآفاق المستقبلية الواسعة لهذا الانتقال، يجمل بنا أن نبدأ بإلقاء نظرة شاملة على حصاد ~~كل ما سبق في الفصول الستة المتتالية، فنضع النقاط على الحروف. والسير في هذا الاتجاه ~~سيبين لنا أن تأثير كارل بوبر على فلسفة العلم في القرن ms363 العشرين لا يقتصر على خصوبة ~~أفكار طرحها، بل تجسد تأثيره أكثر في أبواب معبرة عن مراحل انقضت من تطور العقل العلمي ~~في القرن العشرين «الاستقرائية والوضعية» رأيناها قد أغلقت بفضل غير منكور لبوبر، ~~والأهم في آفاق مستقبلية سوف تنفتح أمام فلسفة العلم، أيضا بفضل غير منكور ~~لبوبر. # ومنذ البداية كان المستهل في الفصل الأول - بل الصفحة الأولى - بالإشارة إلى العلاقة ~~الواهية بين العلم وتاريخه، والعلاقة التي كانت متوترة، بل شبه منقطعة بين فلسفة العلم ~~وتاريخ العلم. على مدار الفصول السابقة، نشأت فلسفة العلم وتنامت وهي تولي ظهرها لتاريخ ~~العلم، ولا تعتد كثيرا بدوره في تفهم الظاهرة العلمية، واقتصرت على النظر إلى النسق ~~العلمي من الداخل؛ لتتمثل فلسفة العلم في منهجه ومنطقه بغض النظر عن تاريخه. فكما اتضح، ~~كانت فلسفة العلم معنية بتبرير المعرفة العلمية كمحصلة جاهزة ومعطاة، استند التبرير ~~أساسا على إحكام العلاقة بين الوقائع التجريبية والقانون العلمي أو النظرية العلمية. ~~وتصدرت النزعة الاستقرائية الميدان بوصفها أقوى صياغة لهذه العلاقة القادرة على تبرير ~~المعرفة العلمية وتمييزها. وفي إطار منطق التبرير اللاتاريخي تنامت فلسفة العلم. # في القرن التاسع عشر علا نجم جون ستيوارت مل الاستقرائي الكبير، وطغى على جهود وليم ~~هيوول فتوارت فلسفته الثاقبة للعلم الملتفتة إلى دور العقل الإنساني في خلق قصة العلم، ~~والقائمة على الوعي بتاريخ العلم. وبفضل سيادة النزعة الاستقرائية توارت بالمثل ~~الاتجاهات التي أدركت أهمية تاريخ العلم بالنسبة لفلسفته. وجاء القرن العشرون ليجد ~~الاستقرائية بمثابة التعبير الرسمي عن فلسفة العلم لتغدو غير ذات صلة بتاريخه. # ولا يختلف هذا عما حدث في الردح الأول من القرن العشرين، حين كانت الوضعية المنطقية ~~والأداتية هما القطبان الكبيران لفلسفة العلم. إن الإنسان يتميز بأنه الكائن الوحيد ~~الذي يصنع تاريخا، والنظرة الإنسانية التي تنطلق من دور الإنسان هي الأكثر إدراكا ~~لأهمية البعد التاريخي. هكذا كانت الأداتية - خصوصا الاصطلاحية - على عكس الوضعية ~~المنطقية؛ تؤكد فعالية العقل الإنساني بإزاء الطبيعة ودوره في خلق قصة العلم، وبالتالي ~~لم تفتقد تماما الوعي بتاريخ العلم. لكن مرة ms364 أخرى، سادت النزعة اللاتاريخية، وها هنا ~~بفضل سيادة الوضعية المنطقية، ولا غرو فهي امتداد للاستقرائية. # هذا على الرغم من أن الرائد إرنست ماخ كان مهتما بتاريخ العلم، وأراد من العروض ~~التاريخية أن تضفي مزيدا من التأكيد والمصداقية على نظريته الفلسفية في منطق العلم. ~~كتابه «علم الميكانيكا 1883م» مثلا هو محاولة لإعادة كتابة تاريخ الميكانيكا بطريقة ~~تعرض المبادئ المنطقية والإجراءات التي تشيد على أساسها الميكانيكا، بحيث يؤكد هذا ~~نظرية ماخ في أن المعرفة العلمية ترتد فقط إلى المعطيات الحسية لا سواها. فأوضح أن أصول ~~علم الميكانيكا انطلقت من خبرات الحرف اليدوية والاحتياج للربط بين هذه الخبرات. وكما ~~رأينا، كان ماخ رائدا عظيما من رواد التجريبية الحادة، استفادت منه الأداتية والوضعية ~~المنطقية، كلتاهما. وفي هذا وذاك عد البعد التاريخي عنده مسألة ثانوية أو ~~جانبية. # وكان بيير دوهيم، الرائد الفعلي للاصطلاحية والأداتية، أكثر اهتماما بتاريخ العلم، ~~وله أبحاث مستفيضة فيه، خصوصا تاريخ الميكانيكا والفلك والفيزياء. اعتقد أن المعرفة ~~بتاريخ المفهوم العلمي أو المشكلة العلمية تفضي إلى فهم أعمق، وأن كل عالم لا بد وأن ~~يضطلع بتاريخ مبحثه ليس كهواية، وإنما كجزء جوهري من عمله، وأهم أعمال دوهيم في تاريخ ~~العلم هي «تطور الميكانيكا 1903م»، و«أصول الإستاتيكا 1905م»، ثم كتابه «ليوناردو ~~دافنشي 1913م» في ثلاثة أجزاء يحاول أن يؤكد فيها أن العلم الحديث تطور عادي ونتيجة ~~طبيعية للعلم في عصر النهضة، فلا قطائع ولا انفصالات في تاريخ العلم. وكان عمل دوهيم ~~الأكبر والواقع في اثني عشر جزءا هو «نظام العالم»، ويغطي تطور الفلك منذ ما قبل ~~السقراطيين حتى جاليليو. وحين توفي دوهيم كان قد أنجز عشرة أجزاء فقط. ومن ناحية أخرى، ~~فإن دوهيم كاثوليكي متدين جدا، إن لم نقل متعصب، على الرغم من الأجواء العلمانية ~~الحادة المحيطة به، وأراد من تأريخاته للعلم أن يعيد الاعتبار للمرحلة الكاثوليكية من ~~التاريخ الأوروبي، مرحلة العصور الوسطى. وبعد أن أفرط عصر التنوير بنزعته العلمانية في ~~إدانتها، وسار التيار العقلاني في إثره على منوال النظر إليها كعقبة في سياق ms365 التقدم ~~العلمي ومرحلة مظلمة في تاريخ العلم، أراد دوهيم مواجهة النظرة المعتمدة لتاريخ العلم ~~في أوروبا بوصفه انتهى مع الإغريق وبدأ مع كوبرنيقوس؛ ليعاد تقدير مرحلة العصور الوسطى. ~~وكانت وسيلته لهذا الاستمساك بأن تاريخ العلم استمرار ونماء متصل، وبالتالي لا ثورة في ~~العلم الحديث، بل هو استمرار وتطور لعلم العصور الوسطى. # لم يرض هذا النعرة الأوروبية ولا أوساطها العلمية المشبعة بالعلمانية والتي تسلم ~~بإدانة المرحلة الوسطى الكاثوليكية؛ لذلك لم يرحب المجتمع العلمي بتأريخات بيير دوهيم، ~~ورحب أكثر بفلسفته الاصطلاحية للعلم التي قدمت تبريرا قويا للمعرفة العلمية بصرف ~~النظر عن الأبعاد التاريخية. واندرج دوهيم في صفوف فلاسفة العلم بهذه البطاقة ~~الاصطلاحية، ولم يبد زملاؤه من الاصطلاحيين وسائر الأداتيين - خصوصا الإجرائيين - مثل ~~هذا الاهتمام بتاريخ العلم، فتوارى أكثر وأكثر عن مجال فلسفة العلم من بعد ~~دوهيم. # كلا العالمين ماخ ودوهيم عند نقطة الالتقاء بين القرنين التاسع عشر والعشرين، ~~وتوفيا عام 1916م، وما زالت النزعة الاستقرائية قوية باتجاهها التجريبي المتطرف المعني ~~بتبرير المعرفة العلمية. وهذا التبرير يستقي - مرة أخرى وأخيرة - من العلاقة بين ~~المعطيات أو الوقائع التجريبية وبين النظرية العلمية أو القانون العلمي. أما العلاقة ~~بين الأفكار فلم يعترف جون ستيوارت مل وخلفاؤه الاستقرائيون بأية قيمة لها، فكان تعاقب ~~الأفكار أو النظريات عبر تاريخ العلم غير ذي اعتبار. # ثم تكلفت الوضعية المنطقية بمد هذا التوجه وتكريسه وتسييده حتى أواسط القرن العشرين. ~~ولئن دأبت فلسفة العلم الوضعية الاستقرائية، أي التجريبية المتطرفة، في القرن التاسع ~~عشر على إهمال أو تهميش تاريخ العلم واعتباره مسألة ثانوية جانبية، فإن فلسفة الوضعية ~~المنطقية في القرن العشرين لم تكتف بالإهمال أو التهميش، بل خطت خطوة أبعد وشنت حربا ~~ضروس على أبعاد الوعي التاريخي، حربا ضد التاريخية. # ولا غرو، فالوضعية المنطقية فلسفة تكثفت فيها كل خطوط التجريبية المتطرفة، وكانت في ~~واقع الأمر أمينة لميراث القرن التاسع عشر كما تمثل في النزعة الاستقرائية، وحاول ~~الوضعيون المنطقيون استغلال قدراتهم المنطقية المكينة وتمكنهم من تطورات العلم لتأكيد ~~هذا الميراث في بنية القرن العشرين، ms366 وفاقوا الجميع في الافتتان بالنسق العلمي في حد ~~ذاته؛ فقصروا فلسفة العلم، بل الفلسفة بأسرها، على محض التحليل المنطقي للعبارات ~~والمفاهيم العلمية في أقوى وأعنف تكريس لمنطق تبرير المعرفة العلمية، مصرين على أن هذا ~~هو الثورة التقدمية، التي تقيل الفلسفة من تعثرها عبر تاريخها الطويل بين رحى مشكلات ~~زائفة. # كانت نشأة الوضعية المنطقية متزامنة مع مبدأ هيزنبرج وثورة الكوانتم الثانية. عايش ~~فلاسفتها إذن فورة للتقدم العلمي وإحدى انقلاباته العظمى وتسارع اكتشافاته بقوة، ولم ~~ينل هذا من تكريسهم لمنطق التبرير السكوني، مؤكدين أنه لا منطق للكشف العلمي. والتقدم ~~العلمي في منظورهم أحداث متعاقبة، يمكن فقط وصفه وتبريره. نمو المعرفة العلمية عملية ~~تراكمية متصلة متدفقة بسلاسة، حيث الوقائع الإمبيريقية التي تكتشفها عمليات الملاحظة ~~والتجريب تؤدي إلى الجديد وتلزم بتنقيح الفروض أو تعديلها، فتنضاف إلى معرفتنا بالعالم ~~المتنامية دوما، والسياق النظري لهذا يتضمن عملية الرد، أي رد كل العلوم إلى الفيزياء ~~مما يفضي في النهاية إلى وحدة العلم. وكما أشرنا يستند هذا على التسليم بالواقعية ~~المحدثة، بمعنى أنه ليس هناك إلا عالم واحد ووحيد، نحاول الكشف عنه بواسطة العلم ~~التجريبي لا سواه. ودور الفلسفة يقتصر على تحليل العبارات والمفاهيم العلمية لتوضيحها ~~وكشف ما بها من لبس وغموض، وحين يبحث فيلسوف العلم النظرية العلمية، فإنه لا يعنى ~~طبعا بمضمونها الذي هو عمل العلماء وحدهم، بل يهتم فيلسوف العلم بتحليل بنية النظرية ~~العلمية، أي خصائصها الصورية العامة، وخصائص التفسيرات الممكنة لها وما قد يشتق منها ~~مستقبلا. # وقد استغل الوضعيون المناطقة التمييز الذي وضعه المنطقي البولندي المتميز ألفرد ~~تارسكي بين اللغتين الشيئية والبعدية، قائلين: إنه إذا كانت عبارات العلم لغة شيئية أو موضوعية # Object Language # منصبة على الشيء أو ~~الموضوع نفسه، فإن عبارات فلسفة العلم لغة ~~بعدية # Meta-Language # تأتي بعد عبارات العلم كتحليل منطقي لها. ومثلما نادوا بأن كل ~~قضية تركيبية لا ترتد إلى معطيات الحواس ولا تقبل التحقق التجريبي تعد لغوا يخلو من ~~المعنى وليس لها أية قيمة معرفية، نادوا أيضا بأن كل ما ليس ms367 لغة بعدية لا يعد من فلسفة ~~العلم في شيء. وعن طريق شهر سلاح اللغة البعدية أزاحوا المنظورات التاريخية للعلم ~~تماما، حتى إن الوضعي المنطقي هربرت فيجل # H. Feigl # أكد تأكيدا على أن المدارس التي تعنى بتاريخ العلم لا علاقة لها بفلسفة العلم. ~~واهتمت ماري برودبك # M. Brodbeck # اهتماما خاصا بفصل ~~فلسفة العلم عن دراسة العوامل الأخرى الاجتماعية أو النفسية أو سواها الضرورية ليتنامى ~~البحث العلمي، واعتبرتها نوعا من البحث العلمي في العلم منفصلا تماما عن فلسفة ~~العلم. واشترك فيجل وماري برودبك في تحرير كتاب هام يحمل هذه الدعاوى وساهم فيه كبار ~~المتخصصين؛ وهو كتاب «قراءات في فلسفة العلم 1953م». وعلى هذا انتهوا إلى أن اعتبار ~~العلم ظاهرة تاريخية والعناية بأبعادها الاجتماعية قد يكون انشغالا بالعلم، لكنه ليس ~~البتة فلسفة للعلم، طالما أنه ليس لغة بعدية معنية بالتحليل المنطقي لهيكل القضايا ~~العلمية دون مضمونها! هذه العناية بالقضايا العلمية فقط كمعطى منطقي هي ذاتها فلسفة ~~العلم المنفصلة عن تاريخه، والتي تجعله غير ذي صلة بالموضوع. # هكذا حصرت الوضعية المنطقية فلسفة العلم في تقنيات المنطق الصوري وأساليبه وقطعت كل ~~علاقة بالعلم في تعينه الواقعي المتدفق النابض بالحياة في مجرى التاريخ وسياق الحضارة ~~الإنسانية. # إذن فمع اعتبار كل العوامل الأخرى والمقدمات السابقة، إلا أنه يمكننا الحكم بأن فلسفة ~~الوضعية المنطقية بالذات هي المسئولة مسئولية مباشرة عن السمة اللاتاريخية، بل الضد ~~تاريخية التي اتسمت بها فلسفة العلم حتى النصف الثاني من القرن العشرين. # وكما انتهينا آنفا، لا شك أن الوضعية المنطقية قامت بدور كبير في توطيد أسس النظرة ~~العلمية، وتعبيد الطرق الاحترافية لفلسفة العلم بخلاف أفضالهم الجليلة في مجال المنطق ~~الرياضي. والواقع أن عصر البرمجيات الراهن وعلم الذكاء الاصطناعي أسفر أخيرا عن أهمية ~~وقيمة التحليلات المنطقية للقضايا والمفاهيم العلمية. ولا شك أيضا - وإطلاقا - في أن ~~التحليلات المنطقية أداة فعالة من أدوات فلسفة العلم المتعددة، لكن الوضعية المنطقية ~~كانت فلسفة علمية تجريبية متطرفة تطرفا يعمي البصر والبصيرة. وحين قصرت فلسفة العلم - ~~بل الفلسفة بأسرها - على محض ms368 تحليلات منطقية للقضايا العلمية، جردوا الفلسفة من آفاقها ~~الرحيبة وأبعادها المترامية التي تجعلها فلسفة، وشنوا حملتهم الشعواء على ربيبتها ~~المدللة: الميتافيزيقا التي تحتل أبعد نقطة عن معطياتهم الإمبيريقية ومعيارهم للتحقق ~~التجريبي . # لقد نزعوا إلى نسق علمي فوق هامات كل الأبنية الحضارية، بل وعلى أشلائها، لا سيما ~~أشلاء الميتافيزيقا، نزوعا منهم إلى تجريبية مطلقة لا ترتبط بسواها، فأمعنوا في تنزيه ~~فلسفة العلم من التوجهات الاجتماعية وفي إنكار الدور الذي يلعبه تاريخ العلم في تمكيننا ~~من فهم ظاهرة العلم فهما أعمق وأشمل، وأكدوا أن المعايير المنطقية وليست التاريخية هي ~~التي تحدد وتحكم فلسفة العلم التي يجب أن تولي ظهرها لتاريخ العلم اكتفاء بالمعطى ~~الراهن منه. ورأوا التجربة قادرة على تفسير كل شيء، ويجب أن يرتد إليها كل شيء، حتى ~~إنها بمثابة المعطى النهائي والبديهي. وحين ترتفع التجربة إلى مستوى بديهيات المنطق، ~~فإنها تكاد تلامس حدود المطلق الذي يعلو على الزمان والمكان، ودع عنك التاريخ! وكانت ~~الوضعية المنطقية فلسفة متطرفة متعصبة، مارست نوعا من الإرهاب الفكري في أجواء فلسفة ~~العلم، فمن لا يكتفي بتحليلاتهم المنطقية هو المتخلف الغارق في سدم الأوهام المعيارية، ~~أو السادر في الشطحات الميتافيزيقية. # هكذا بدا سدنة الوضعية المنطقية في عكوفهم على تبرير المعرفة العلمية وكأنهم حراس ~~الكهنوت العلمي، وتباروا في إقامة السدود المنيعة بين فلسفة العلم وتاريخه. ونظرا ~~لسطوة الوضعية المنطقية وهيلمانها على أجواء فلسفة العلم، سادها هذا الموقف اللاتاريخي، ~~المحاط بسياج مكينة، هي المواقف الحدية للوضعية المنطقية وتطرفها الذي بات مضرب الأمثال ~~للموقف الفكري المستبد. # ولأن كل فعل له رد فعل مساو، فإن استبداد الوضعية المنطقية أثار روح التمرد والعصيان ~~والثورة عليها، وتعرضت لموجات نقد كثيرة من داخل فلسفة العلم ومن خارجها. وكان نقد كارل ~~بوبر بلا مراء هو الأقوى والأكثر حسما وفاعلية وتبيانا لتهافت الطرح الوضعي الذي يحل ~~إلى الأبد وببساطة يحسد عليها كل القضايا الفلسفية والمنهجية المرتبطة بطبيعة المعرفة العلمية، # 1 # وبنفس البساطة والاستبداد أزاحوا الأبعاد الميتافيزيقية والمنظورات ~~التاريخية على السواء من فلسفة العلم. # وعلى الرغم ms369 من أن مشكلة تمييز المعرفة العلمية - كما رأينا - كانت ملازمة لفلسفة ~~العلم منذ بواكير إرهاصاتها مع فرنسيس بيكون، إلا أن فيلسوف العلم الروسي شفيريف يقول ~~إن الرفض الحاد لهذا الطرح الوضعي هو الذي فرض بشدة أكثر من كل ما سبق مسائل معايير ~~العلم وتمييز المعرفة العلمية عن الفلسفة وعن المعرفة الاعتيادية والدين، والصلة في ~~العلم بين العناصر الفلسفية والأنطولوجية وبين النظرية والتجربة. وكل هذه القضايا ~~يطرحها أولا وقبل كل شيء التطور الفعلي عبر التاريخ للثقافة والإنتاج المادي والروحي، ~~والتعاظم المتزايد لدور العلم في المجتمع. ذلك أن شفيريف في عرضه البارع الذي لا يتوقف ~~عند أشخاص، بل يتعقب صيرورة الفكر الفلسفي العلمي، قد أوضح أن نقد الوضعية المنطقية ~~بصفة عامة هو الذي أثار إشكاليات استدعت التناول التاريخي للظاهرة العلمية، حين استلزمت ~~تمييز المعرفة العلمية بشدة. وسمة المثالية التي تضفي على المعرفة العلمية قد تكون ~~كافية لمنهج العلم، لكنها لا تكفي لتمييز العلم عن الأشكال الأخرى للوعي. # 2 # هذا التمييز يتطلب بالضرورة النظر إلى العلم في حركيته وتناميه، ما يستدعي ~~النظر إليه في الواقع الاجتماعي المتطور عبر التاريخ، بعبارة موجزة، نقول: إن تمييز ~~المعرفة العلمية من منطلق نقد الوضعية المنطقية هو الذي يضع فلسفة العلم على مشارف ~~الوعي بتاريخ العلم. # ثانيا: ثورية التقدم ومشارف الوعي التاريخي # وهكذا، فلأن كارل بوبر انطلق من نقد الوضعية المنطقية حتى لقبوه بالمعارض الرسمي، كان ~~محور فلسفته مشكلة تمييز العلم في حركيته وتقدمه، عن طريق معيار القابلية للتكذيب، وكان ~~بوبر بهذا رائدا شق الطريق الجديد لفلسفة العلم الذي سيؤدي إلى استيعاب الوعي ~~التاريخي. وهذا بدوره سوف يطرح أمام فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين آفاقا ~~مستقبلية مستجدة تماما. وإذا كانت نهاية القرن العشرين تكشف عن كارل بوبر بوصفه أعظم ~~فلاسفة العلم في النصف الثاني منه، خرجت من رحابه الاتجاهات الأساسية اللاحقة، فلنتذكر ~~أنه كان منذ البداية رائدا عملاقا شق عصا الطاعة على الوضعية المنطقية التي كانت ~~مهيمنة وسائدة، وقاد انقلابا، بل ثورة زلزلت عروشهم وعصفت بسلطانهم؛ لتصنع ms370 ملامح ~~التطور التالية في فلسفة العلم. وكما رأينا، كانت خلايا الثورة البوبرية عديدة مديدة، ~~وزوايا هجومه عليهم كثيرة مكينة. لكن نتوقف الآن مجددا عند المنطلق المحوري ألا وهو ~~انتقال بوبر بفلسفة العلم من منطق التبرير إلى منطق الكشف ... منطق التقدم ~~المستمر. # صوب بوبر الأنظار إلى أن التقدم المطرد خاصة أساسية من خصائص المعرفة العلمية، ~~وصاغ هذا في معالجته البارعة لمنطق العلم المرتكزة على التكذيب، ومنذ كارل بوبر فصاعدا ~~بات الكثيرون يرون أن فلسفة العلم في جوهرها هي فلسفة التقدم، وهذا اتجاه لا نملك إلا ~~أن نشايعه؛ لأن التقدمية هي فعلا صلب طبيعة العلم. # أجل، التقدمية وليس العقلانية! فهذه الأخيرة - أي العقلانية العلمية - تعرضت لتغيرات ~~عاصفة، وظل مفهومها يتبدل مع الانقلابات الثورية وأشكال القطع المعرفي التي شهدها العلم ~~في القرن العشرين، حتى كادت تلك العقلانية العلمية أن تفقد مدلولها المألوف. وفي نهايات ~~القرن أصبح مصطلح «النظرة العقلانية» في فلسفة العلم بشكل عام يرادف النظرة ~~الإبستمولوجية الكلاسيكية، أي الداخلية التي تنظر إلى نمو المعرفة العلمية فقط في حد ~~ذاتها في سياق النسق العلمي. وهذا لتتمايز عن النظرة إلى العلم ونموه من الخارج في إطار ~~تفاعلاته الاجتماعية والحضارية والعوامل المختلفة عن العقل العلمي الخالص، وهي النظرة ~~التي سوف نرى كيف أضيفت مؤخرا إلى فلسفة العلم. # وعلى أية حال، فإنه في العقود الأخيرة انصرف هم جمع من فلاسفة العلم - خصوصا بول ~~فييرآبند - في محاولة تحديد المفهوم الجديد المعاصر للعقلانية العلمية. وعبر مناقشات ~~مقنعة وتحليلات دقيقة ينتهي لاري لوضان إلى ضرورة أن نخطو خطوة ثورية انقلابية، ونجعل ~~العقلانية متعلقة بإمكانية التقدم، بل ومتطفلة عليها، والاختيار العقلاني هو الاختيار التقدمي. # 3 # والجدير حقا بالذكر أن لاري لوضان يفلسف العلم على أساس تعريف محدد له، وهو أنه ~~نشاط تقدمي لحل المشكلات. وبالتالي تغدو النظرية الجديدة أكثر تقدما؛ لأنها أكفأ في حل ~~مشكلات، وليس لأنها أقرب إلى الصدق أو أكثر قابلية للتكذيب ... إلخ. وحتى إذا سلمنا بهذا، ~~فما دمنا لا نأخذ بالاتجاه الأداتي، ونرى النظرية العلمية ملتزمة إزاء ms371 العالم التجريبي ~~الواقعي الذي نحيا فيه، فإن مشكلة التقدم تزداد إلحاحا وتغدو مرتكز المعالجة المنطقية ~~لبنية النظرية العلمية؛ فثمة محك ماثل هو العالم التجريبي، ولكي تثبت النظرية أنها أكثر ~~تقدما، عليها إثبات أنها أكثر تمثلا وتمثيلا له، وفاعلية في التعامل معه ومواجهة ~~وقائعه التجريبية. وفي كل حال، ومن أي منظور، نجد مشكلة التقدم العلمي تفرض نفسها على ~~فلاسفة العلم؛ لأنها أيضا مشكلة العلاقة بين النظريات المتعاقبة في السياق ~~العلمي. # وأول سؤال يفرض نفسه: ما هي طبيعة التقدم العلمي؟ بأي منوال يسير ويتواتر؟ وكيف يمكن ~~تفسيره؟ في الإجابة على هذا يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تجمل ردود فلاسفة العلم، # 4 # وهي: ~~(أ) # تتعاقب الأحداث بغير اطراد عام، وبالتالي لا يمكن تفسير طبيعة التقدم ~~العلمي، يمكن فقط رصده ووصفه. وهذا تصور نفر من الوضعيين المنطقيين ~~المتطرفين، وهو تصور سلبي بمثابة امتناع عن التصويت وعن وضع فلسفة للتقدم ~~العلمي. ~~(ب) # تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات، التي تحدث أحيانا بغير ~~رابطة داخلية، وعبر انفصالات جذرية وقطائع في صيرورة التقدم العلمي. وهذه ~~هي النظرة الثورية الأحدث التي توصف بأنها راديكالية. ~~(ج) # وكنقيض للرأي السابق نجد الرأي «التراكمي» الذي يؤكد على استمرارية ~~المعرفة العلمية، وأنها خط صاعد متصل يمثل تقدمها اتصالا متناميا. وهذا ~~هو رأي الاستقرائيين جميعا ومؤرخي العلم الكلاسيكيين، أمثال جورج سارتون ~~وكارل بيرسون، أخذ به أيضا إرنست ماخ وبيير دوهيم. # وجملة القول أننا إزاء نظرتين لطبيعة التقدم العلمي: الأولى هي النظرة ~~التراكمية الاتصالية، وهي شديدة الاتساق مع العلم الكلاسيكي النيوتوني. ~~والثانية هي النظرية الثورية الانفصالية المتسقة مع تقدم العلم في القرن ~~العشرين - بعد ثورة النسبية والكوانتم. على أن ثمة نظرة رابعة آتية تحاول ~~الجمع بينهما، وهي: ~~(د) # التصور الجدلي «الديالكتيكي» لهيجل وماركس وإنجلز وأشياعهم. وتبعا له ~~يؤدي التقدم الكمي التدريجي، أي «التراكمي» إلى قفزات كيفية أو «ثورية» ~~تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، يؤدي عند نقطة معينة إلى قفزة ~~كيفية ... وهكذا، وفقا لقانون «الكم والكيف» الجدلي، أي الذي ينتقل عبر ~~مراحل ms372 الجدل الثلاث: (1) القضية، ثم (2) نقيضها، ثم (3) المركب الذي يجمع ~~خير ما فيهما ويتجاوزهما إلى الأفضل، ويصبح المركب بدوره - في مرحلة أعلى ~~من الجدل - قضية تنقلب إلى نقيضها ... وهلم جرا ... وعلى الرغم من النقد ~~العنيف، بل الرفض الحاد الذي يلقاه الجدل من قبل نفر من فلاسفة العلم على ~~رأسهم كارل بوبر، فإننا نرى في التصور الجدلي لطبيعة التقدم العلمي وسيلة ~~ناجحة للربط بين التصورين التراكمي والثوري في مركب متسق لمن شاء الاستفادة ~~من التصورات الثلاثة، التراكمية والثورية والجدلية معا في كل متآزر. ويمكن ~~أن ننظر فيما بعد إلى فلسفة توماس كون بهذا المنظور؛ فهي جدلية تجمع بين ~~التصورين، التراكمي والثوري. # بيد أن الغاية المرومة في النهاية من كل فلسفة للعلم هي أن تبلور روحه، فتضع الإصبع ~~على شد ما يفجر الطاقة التقدمية للبحث العلمي والتفكير العلمي، ومن ثم للعقل الإنساني ~~والحضارة الإنسانية والنظرية الثورية أقوى ما يدفع الطاقة التقدمية للعلم، أو ليست ~~تجعله ثوريا؟! # ولا بد قبلا من الوقوف عند مصطلح «الثورة» وقفة فيلولوجية؛ لنميز بين جانبين للدراسة ~~السيمانطيقية للمصطلحات هما الجانب الإشاري المباشر والجانب الدلالي الإيحائي. من ~~الناحية المباشرة نجد «الثورة» تعني دائما نمطا من التغيير المفاجئ السريع، مغايرا ~~لمجرد النمو أو حتى التطور الذي هو تغير تدريجي بطيء «يوازيه في تفسير التقدم العلمي ~~النظرة التراكمية»؛ لذلك قيل: إن الثورة مقابلة للتطور: الثورة تحول مفاجئ سريع والتطور ~~تدريجي بطيء. # وهذا المعنى الإشاري المباشر مقصود بعينه، ولكن فيما يختص بالجانب الدلالي الإيحائي، ~~نلاحظ تفاوتا بين لفظة المصطلح الأوروبي # Revolution # وبين المقابل العربي «ثورة»؛ إذ تعود ثورة إلى: «ثار الغبار: سطع. وأثاره غيره، ~~وتثويرا: هيجه. وثوارنا: هاج، ومنه قيل: فتنة ثارت وأثارها العدو. وثار الغضب: احتد. ~~وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا»، # 5 # فنجدها في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي الرفض ~~والتغيير الجذري بفعل قوى انفعالية، وليس هذا مقصودا تماما. ولكن في الإنجليزية نجد ~~المصطلح ثوري، جذري متطرف # Revolutionary ~~، وأيضا دوار؛ ~~لأنه مأخوذ من # Revolution # التي تعني ms373 ثورة، وتعني أيضا ~~إتمام دورة كاملة (مثلا دورة الجرم السماوي في مداره) ولنلاحظ أواصر القربى ~~الفيلولوجية بين «ثورة» # Revolution ~~، «نماء أو تطور» # Evolution ~~. فهل جزافا أن جعل بوبر فلسفته ~~الإبستمولوجية تطورية. على هذا نجد المصطلح الإنجليزي لا يجعل الرفض هياجا مفاجئا ، بل ~~هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها، لانتهاء المرحلة ~~السابقة أو استنفاد مقتضياتها. وهذا هو المقصود على وجه الدقة من القول بالطابع الثوري ~~للتقدم العلمي. # وتبقى ملاحظة أن مفهوم «الثورة» في أصله كان مفهوما فلكيا رياضيا بريئا، ولكن ~~لأنه يشير إلى تغير ذي اعتبار فقد أصبح مثقلا بإسقاطات جمة نقلته إلى مجال الأوضاع المدنية، # 6 # ولئن أبدى مفهوم الثورة فعالية في تفسير تاريخ المدنية، فسوف يبدي فعالية ~~أكثر في موطنه الأصيل، أي في تفسير تاريخ العلم. # والواقع أن التقدم المتسارع للعلم في القرن العشرين يجعل من النظرية الثورية لتقدم ~~العلم، والتي هي الضد الصريح لنظرية التراكم الكمي، والتعديل الحق للقول بالتطور ~~العادي، إنما هي النظرة التي يفرضها منطق العلم ذاته - منطق الكيان المطرد التقدم ذي ~~الثورات الحقيقية في تاريخ البشر. # وفي العقود الأخيرة أصبح مفهوم «الثورة» شبه معتمد في فلسفة العلم وكثير الشيوع كأداة ~~قوية لتفسير طبيعة التقدم العلمي والخطوات الجذرية التي يقطعها العلم. # وها هنا تبرز الريادة البوبرية مجددا؛ إذ إنه في طليعة الذين أكدوا تأكيدا لا يخلو ~~من تطرف على «الثورة»، وعلى أن التقدم العلمي لا يعرف تراكما البتة، بل هو سلسلة ~~متوالية من الثورات. وما دام كل تقدم يقوم على تكذيب الفرض السابق، فهو إذن ثورة عليه، ~~وإنهاء لدورته وبدء دورة جديدة. وكما لاحظنا لا يعنى بوبر بالفروق النوعية بين الفرض ~~والقانون والنظرية، الكل قضايا علمية تختلف فقط في درجة العمومية والقابلية للتكذيب، ~~والكل سائر في طريق التقدم المطرد ... طريق الثورة/الدورة. # يرافق بوبر في هذا التصور الثوري المتطرف جاستون ~~باشلار # G. Bechelard ~~(1884-1962م) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا وواحد من أهم فلاسفة ~~القرن العشرين. في عام 1934م صدر كتاب بوبر ms374 الأول في طبعته الألمانية «منطق البحث ~~العلمي»، وصدر أيضا كتاب جاستون باشلار «الفكر العلمي الجديد»، كلاهما حاول تثوير ~~التقدم العلمي بطريقته. لم ينعكس مفهوم «الثورة» حقا على فلسفة العلم انعكاسا قويا ~~إلا لاحقا في الثلث الأخير من القرن العشرين. # ولكن في تلك الآونة، في الثلاثينيات ، أخرج ألكسندر ~~كواريه # A. Koyre # كتابه «دراسات عن جاليليو 1939م» الذي يحمل تطبيقا عينيا ~~لمفهوم «الثورة» كأداة لتفسير نشأة العلم الحديث وطاقته التقدمية. وفي عام 1948م ألقى ~~مؤرخ العلم هربرت بطرفيلد # H. Buterfield # سلسلة ~~محاضرات، حملها بعد عام واحد كتابه «أصول العلم الحديث 1300-1800م» الذي يبشر فعلا ~~بالتفسير الثوري لطبيعة التقدم العلمي. وخلاصة رؤية بطرفيلد لمفهوم الثورة العلمية ~~يتمثل في أن العلماء في مرحلة ما يحدثون تغييرا في مخططات تفكيرهم، يرون الأشياء ~~القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل مفتاحا ~~( # Keyidea # وهو تعبير بطرفيلد المفضل) يفض مغاليق ~~التعثر الطارئ. وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة. ~~ويرفض بطرفيلد اعتبار تاريخ العلم تاريخا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو ~~تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع ... فذلك لا يعبر البتة عن التناول السليم لتاريخ ~~العلم. هذا التاريخ المتقد لا تحيط به إلا الرؤية الباحثة عن ثوراته، عن هذا التغيير في ~~مخططات التفكير. وعلم بطرفيلد فلاسفة العلم أن الثورة تعني تغيير مخططات ~~التفكير. # وكما ذكرنا، يعد باشلار من أشد فلاسفة العلم حرصا على إبراز الطابع الثوري للتقدم ~~العلمي؛ إذ يرى أن الخطأ أساسي وأولي، وهو الذي يظل مسيطرا على العقل البشري ما لم ~~يعمل هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحدا بعد الآخر بجهد وكفاح وصراع لا يتوقف. فكل ~~حقيقة لا بد وأن تكتسب بنوع من النضال والانتصار، وكل معرفة لا بد أن تحارب لكي تحتل ~~مواقع الجهل. لذلك فالتقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم، ولا يتحقق ~~إلا بنوع من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر معبد مباشرة إلى ~~الحقيقة، بل إن طريقها ملتو متعرج، تمتزج ms375 فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه الصواب ~~الخطأ صراعا مريرا كيما يخلص نفسه منه. وهكذا نلاحظ أن فعل المعرفة في كل حال ينطوي ~~في حد ذاته على ثورة ما من حيث ينطوي على صراع، يتبلور هذا الصراع في السلب في «اللا» ~~التي أصبحت مقولة لا يستغني عنها العلم في القرن العشرين «لا حتمية، لا تعين، ميكانيكا ~~لا نيوتنية، وهندسات لا إقليدية ...» ذلك أن الجدة العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها إلا ~~عن طريق السلب المنظم، الذي يصارع القديم ويرفضه، ويعبر عن ما يطرأ على العلم من ~~تحولات أساسية، عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، ويراجعها من جديد. وبالتالي يصر ~~باشلار إصرارا على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم، فمراحل المعرفة العلمية تتصف ~~أساسا بالانفصال في صورتها أو في مضمونها، # 7 # ولكي يتماسك الكيان العلمي على الرغم من الانفصالات المتوالية في حركيته، ~~يلجأ باشلار إلى المنهج الجدلي، ويزعم أن الفيلسوف الذي يتتبع بالتفصيل حياة الفكر ~~العلمي سيدرك التزويجات غير المألوفة بين اللزوم والجدلية. لذلك كان مصطلح الجدل ~~«الديالكتيك» الذي يعبر عن عدم اتصال المعرفة والانتقال من القضية إلى سلبها، شديد ~~الشيوع في أعمال باشلار، ويحتل عناوين فرعية جمة، وثمة كتابه «جدلية الزمان ~~1951م». # على أساس الصراع مع الخطأ، السلب والجدلية، الانفصال ... يتضح لنا عمومية التصور ~~الثوري، ويغدو التقدم العلمي مرهونا بجدوسات جريئة تمثل بدورها قفزات ثورية، تعقبها ~~أفكار تصحح أفكارا، فروح العلم هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها أو ما أسميناه منطق ~~التصحيح الذاتي. وهذا الأفق من الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي، # 8 # صاغه بوبر في التكذيب وتجاوزه، وصاغه باشلار في الخطأ وتصويبه. يقول ~~باشلار: «العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام؛ لأن الجهل ليس له بنية، بل ~~يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، ~~والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك.» # 9 # فيؤكد باشلار - تماما كما أكد بوبر - على أهمية النقد، أو حسب تعبيره ms376 «هذا ~~الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي.» # 10 # من هنا ينتهي باشلار إلى الانفصالات في حركية العلم اللاتراكمية، إلى أن ~~العقل العلمي يتنكر دائما لما ينجزه من حيث دأبه على نقده وتصويبه. من هنا كان منطق ~~العلم منطقا تكذيبيا ومنطق تصحيح ذاتي. إنه لهذا يكفل لتواتر محاولات العلماء ~~الإبداعية، ومحض توالي البحوث المنهجية ... يكفل لها التقدم المستمر، ودائما يفتح أمامها ~~آفاقا أوسع. هكذا كان منطق «الثورة» هو الأقدر على تجسيد التقدم العلمي. # يؤكد باشلار على عمومية الثورة فيقول: «تتضمن أزمات النمو الفكري إعادة نظر كلية في ~~منظومة المعرفة.» # 11 # وأيضا على عمقها فيقول: «إن الإنسان يصبح بواسطة الثورات الروحية التي ~~يستلزمها الإبداع العلمي جنسا مغايرا.» # 12 # فهي تؤثر تأثيرا عميقا على بنية العقل المتجددة دوما، وحتى الثورات ~~المتصلة بمفهوم واحد - فيما يرى باشلار - تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في ~~تاريخ الفكر العلمي. وكل شيء يمضي جنبا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم. فليس الأمر ~~مجرد كلمات يتبدل معناها بينما يظل الترابط ثابتا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد ~~يفوز دائما بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها. إن العلاقات النظرية بين ~~المفاهيم تبدل تعريفها، كما يبدل تغير المفاهيم علاقاتها المتبادلة. ويمكننا أن نعبر عن ~~هذا تعبيرا منطقيا فنقول: إن الفكر لا بد حتما أن تتبدل صورته إذا ما تبدل مضمونه، ~~فينفي باشلار أية سكونية تراكمية عن نمو المعرفة العلمية. والمعرفة التي تبدو ثابتة ~~تجعلنا نؤمن باستمرارية الأشكال العقلية وثباتها واستحالة قيام أية طريقة جديدة ~~للفكر. # هكذا يرى باشلار أن الفكر العلمي هو الإبداع الحقيقي وإنشاء الموضوعية، وأن مستنداته ~~الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية. وعلى هذا النحو تتم كتابة التاريخ الحركي ~~للفكر. فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر، في تلك اللحظة بالذات التي يغير فيها معناه، وإذ ذاك ~~تصبح حدثا من أحداث إنشاء المفاهيم، انفصالا جديدا في تاريخ العلم وحركية تقدمه التي ~~أسرف باشلار على إبراز ما فيها ms377 من انفصالات وقطائع، تبلغ الذروة في مفهوم القطيعة ~~المعرفية. # ويمكننا الآن - وعلى ضوء ما سبق - التوقف عند هذه الفكرة الجوهرية التي أبدعها باشلار ~~في إطار فلسفته الجدلية؛ لتلعب فيها دورا محوريا، بحيث تناظر تكذيب النظرية المقبولة ~~عند كارل بوبر، وتكون من أقوى تجسيدات النظرية الثورية وأعتى رفض للنظرية التراكمية ~~الاتصالية، ألا وهي فكرة «القطيعة ~~المعرفية # La Rupture Epistemologique ~~» التي تكاد تكون تلخيصا لما سبق من خطوط فلسفة باشلار، ~~ولكنها خرجت من أعطاف فلسفته، بل ومن حدود فلسفة العلم بأسرها، وشاعت وذاعت وترددت في ~~سائر جنبات الفكر في النصف الثاني من القرن العشرين، حتى كادت أن تصبح من معالمه، لا ~~سيما وأنها أبدت خصوبة وفعالية في تفسير التحولات الحضارية. # والقطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهي شق ~~طريق جديد لم يتراء للقدامى ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي ~~الأضيق والأكثر قصورا. وليس هذا بمعنى نفي الماضي وإنكاره والتنكر له؛ فذلك غير وارد ~~في التقدم العلمي الذي يمتاز عن أي تقدم آخر في حضارة البشر بأنه ليس أفقيا بل ~~رأسيا، يرتفع طابقا فوق طابق، فلا يرى نيوتن - كما أكد هو نفسه - أبعد من سابقيه إلا ~~لأنه يقف على أكتافهم ... القطيعة تعني أن التقدم لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار ~~تراكمي لمسار الماضي، أو تعديلا أو إضافة كمية له، بل هو شق طريق جديد كل الجدة، ~~والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربي»، فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية ~~التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة ~~تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق ... فهي خلق وإبداع جديد ~~تماما. والجدة العلمية # Scientific Novelty # هي بؤرة ~~التقدم والانفصال عن ماضي العلم والإضافة الحقيقية لحاضره. # رأى باشلار أن الجدلية تجعل القطيعة المعرفية مركبا من الانفصال والاتصال، إلا أنه ~~جنح كثيرا ورفض فكرة الاتصال تماما، وركز على الانفصال في حركية العلم وتقدمه، وكان ~~تركيزا يخل بجدلية باشلار التي تجمع ms378 بين الطرفين - الاتصال والانفصال - ما دام يجعل ~~القطيعة انفصالات متوالية في تقدم العلم. والواقع أن عنصر الاتصال واستمرارية المعرفة ~~العلمية له أهميته ولا بد أن يلعب دورا ما، وليس من السهل الإطاحة به تماما على طريقة ~~باشلار. # على أية حال، القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق ~~للحاضر. فلا تعود اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب، وهي إنجاز - إنجاز ~~للحداثة. وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي ~~الكائنة، وبين غير الكائنين: الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية - بتعبير باشلار ~~- في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، وأن تجعل منها منبعا لحدسنا، متدفقا ~~دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لمعرفة تكون ~~أفضل وأوضح. # أبدت فكرة القطيعة المعرفية فعالية جمة في تجسيدها للتقدم كثورة تنفصل عن الماضي ~~وتبدأ طريقا جديدا، وشهدت استغلالات وتطبيقات كثيرة في مجالات شتى عبر القرن العشرين، ~~استخدمها ميشيل فوكوه # M. Foucault ~~(1909-1984م) للفصل ~~بين الحقب المعرفية واستخدمها الماركسي الفرنسي المجدد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير ~~بصورة موسعة في قراءاته البنيوية للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل ~~الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا والعلم؛ لتتخلص من الأولى وتبقى علما عن ~~طريق القطيعة المعرفية. فتنامت القطيعة مع ألتوسير لتقوم بدور جوهري للخلاص من تشويهات ~~الأيديولوجيا للعلم التي نوقشت في أواخر الفصل السابق. وكانت محاولة ألتوسير في هذا ~~دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية وأيضا ما قبل وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن ~~مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجية الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا ~~من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر. # 13 # رأى ألتوسير أن المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعين التخلص منها وإحلال ~~العلم محلها عن طريق القطيعة المعرفية، فكانت القطيعة معه لإفساح الطريق أمام ~~الاشتراكية العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانا بنمو مفهوم «القطيعة» أو تمثيلا ~~لخروجه من أعطاف فلسفة العلم ومن قلب صيرورة التقدم العلمي؛ ليعم المفهوم ويسود بعد ~~ذلك، ويصبح بمثابة «موضة ms379 شائعة» في القرن العشرين في مجالات الفكر والفن وما إليه. ~~وعبر عنها الأدب تعبيرا رديئا، بات قولا مأثورا هو «انظر وراءك في غضب». وهذا ~~إسفاف ما كان يداني مفهوم القطيعة وهي في موطنها الأصيل فلسفة التقدم العلمي، حيث ~~أنجبها جاستون باشلار. # وبالعود إلى فلسفة العلم، نجد باشلار - ولا شك - قد أبلى بلاء حسنا في فلسفته ~~للتقدم العلمي التي استطاعت بلورة وتنقيح مفهوم «الثورة». بيد أن باشلار لا يعبأ ~~إطلاقا بالمنطق ويطلق رؤاه النافذة المحيطة بأعماق ظاهرة العلم كشاعر ملهم، بينما ~~القرن العشرون هو العصر الذهبي للمنطق، وفلسفة العلم فيه هي منطق العلم. من هنا كان ~~كارل بوبر هو الأقدر على غرس مفهوم الثورة؛ لأن بوبر منطقي من الطراز الأول، وعالج ~~ثورية التقدم العلمي في إطار معالجة دقيقة لمنطق العلم، فأمكن «للثورة» أن تنمو وتترعرع ~~في فلسفة العلم بعد بوبر وبفضله. # التقدم العلمي ثوري؛ لأن كل نظرية علمية في عرف بوبر ثورة قامت على أكتاف تكذيب ~~سابقتها وإتمام دورتها؛ لتبدأ دورة جديدة قابلة هي الأخرى للتكذيب؛ لتشهد الثورة ~~التالية ... وهلم جرا، فيسير التقدم العلمي في سلسلة متصلة من الثورات. إنه معيار ~~القابلية للتكذيب ذو الصياغات المنطقية الدقيقة التي تستقطب كل أبعاد فلسفة العلم ~~البوبرية، فهو بمثابة حجر الزاوية ومحور الارتكاز فيها، يجسد الطبيعة التقدمية الثورية ~~للعلم، طالما أن الخاصة المنطقية المميزة إياه هي القابلية للتكذيب ... لتعيين الخطأ، ~~وبالتالي تصويبه وتجاوز الوضع إلى ما هو أفضل وأصوب، أي التقدم خطوة إلى الأمام، أو ~~بالأحرى ثورة/دورة إلى أعلى. # بهذا الوضع القلق التواق والحركية الدءوبة نتعلم جيدا أن فلسفة العلم يستحيل أن ~~تقتصر على محض التحليلات المنطقية، فهي فلسفة الفعالية الحية والهم المعرفي للإنسان. ~~الميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض الخصيبة. إنها تمهد للعلم على اعتبار أن ~~الجهود المعرفية حلقات في سلسلة تطورية تمثل خط نماء المعرفة الإنسانية، العلم بهذه ~~الصورة التطورية أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دوما للتكذيب ~~والتعديل والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة دورا أساسيا في رسم ms380 قصة ~~العلم المثيرة، التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم، وأنه ثورة مستمرة. # هكذا أغلق بوبر أبواب النظرة السكونية الوضعية للعلم كمنجز راهن منته، فانتقل بفلسفة ~~العلم - كما أبان الفصل السابق - من منطق التبرير إلى منطق التقدم الثوري ... منطق الكشف ~~النابض الدافق، وجعل تغييرا في عنوان أول وأهم كتبه ينص على هذا، وأكد أن شغله الشاغل ~~وهمه الأول تقدم المعرفة العلمية ونموها؛ لينظر إلى العلم كفاعلية ونماء وصيرورة، العلم ~~في حيويته وديناميكيته، في حركيته وتقدميته، مما سيفتح الباب للوعي بصيرورته عبر ~~التاريخ، فكان بوبر الرائد لتلك المرحلة الجديدة من فلسفة العلم، مرحلة ما بعد سلطان ~~الوضعية المنطقية، التي سوف تتسع لتتسلح بالوعي بتاريخ العلم. # ولكن من منظور الوعي التاريخي في حد ذاته، كان كارل بوبر بكل هذا محض رائد مقدام، فتح ~~الطريق ولم يسر فيه إلى غايته، بل حتى لم يقطع فيه شوطا كافيا. # فقد كان بوبر شديد العناية بإمكانيات التقدم، باستشراف مستقبل العلم ودفعه قدما، فظل ~~اهتمامه محصورا في أطر منهج العلم كما هو جار وكما ينبغي أن يكون، بمعايير العلم أو ~~خصائصه المنطقية الراهنة، والتي تهيئ لمستقبل واعد أكثر، مما يعني أنه ظل معنيا ~~بالإشكالية المنهجية، حتى وإن أصبحت منطقا للكشف والتقدم وليس منطقا للتبرير. بل لعل ~~بوبر أكثر الجميع استغراقا في المنهج؛ لأنه ميثودولوجي متطرف يرى علم مناهج البحث ليس ~~مجرد أحد فروع الفلسفة، بل هو أخص خصائص الفلسفة وحصنها الحصين. كل المشاكل الفلسفية - ~~فيما يرى بوبر - حتى الميتافيزيقية يمكن تأويلها بحيث تصبح مشاكل ميثودولوجية! ويضرب ~~بوبر مثالا أثيرا على هذا بواحدة من أعقد المشاكل الميتافيزيقية، وهي مشكلة السببية ~~التي تحل في إطار معالجة مشكلة منهجية بحتة هي مشكلة الاستقراء، أو مثلا مشكلة ~~الموضوعية، يمكن أن تؤول هي الأخرى إلى القاعدة المنهجية الآتية: «العبارات التي تطرح ~~في العلم هي - فقط لا غير - العبارات القابلة للاختبار بين الذوات». # 14 # وهاك مثال آخر يوضح أكثر مدى حيود النظرة البوبرية في اتجاه المنهج العلمي ~~أو الميثودولوجيا، وهو مشكلة الكليات # Universalities # أو ms381 الألفاظ الكلية، فهل هي اسمية أي مجرد أسماء وبدلا من أن نطلقها على فرد واحد ~~نطلقها على مجموعة أفراد، أم إنها واقعية لها كينونة ووجود حقيقي؟ طبعا «الواقعية» هنا ~~ميتافيزيقية جدا، ونظرا لأن مصطلح الواقعية له دلالات كثيرة، ومدلوله الشائع في ~~الفلسفة المعاصرة يختلف كثيرا عن ذلك الاستعمال، فإن بوبر يقترح وضع مصطلح آخر لهذا ~~الاتجاه في النظر إلى طبيعة الألفاظ الكلية، هو مصطلح الماهوية # Essentialism ~~. وكانت مشكلة الكليات واحدة من أعرق مشكلات الفلسفة التي ~~تتوغل في أعماق الميتافيزيقا، ودارت حولها رحى معركة كبيرة في العصور الوسطى تعود أولها ~~إلى فلسفتي أفلاطون وأرسطو، معركة بين ذينك الطرفين: الاسمية # Nominalism ~~، والواقعية # Realism # أو ~~الماهوية بتعبير بوبر. # هذه المشكلة يراها بوبر مثل سائر المشاكل الميتافيزيقية الكبرى، ~~يمكن إخراجها في صورة جديدة تجعلها مشكلة ميثودولوجية منتمية لعلم مناهج البحث. فالموقف ~~الواقعي الماهوي من الألفاظ الكلية يؤكد أهميتها بالنسبة للعلم، على أساس أن الأشياء ~~الجزئية تظهر فيها صفات عرضية لا تهم العلم، فمثلا يعنى علم الاقتصاد بدراسة النقد ~~والائتمان، ولكنه لا يعنى بما يمكن أن تتخذه القطع النقدية من أشكال ولا بمظهر ~~الأوراق النقدية والشيكات «فعلى العلم أن يجرد الأشياء من صفاتها العرضية وينفذ إلى ~~ماهيتها، وماهية لا شيء على أية حال هي دائما كلية». # 15 # هكذا جعل بوبر الموقف الماهوي من الألفاظ الكلية يعني موقفا من طبيعة ~~القانون العلمي يرى أن العلم ينفذ إلى ماهيات الموضوع، فيكون هدفه إعطاء تفسير نهائي ~~للعالم. فالقانون العلمي هذا بمثابة اكتشاف لحقيقة مطلقة يقينية ضرورية، وهو طبعا ~~اتجاه يرفضه بوبر تماما وينقده بالتفصيل، ويشاركه في هذا الرفض جمهرة فلاسفة العلم ~~المعاصرين. فهو اتجاه انتهى تقريبا وأوهى من أن نخوض في نقده. والذي يهمنا من أمره أنه ~~- في لي عنق مشكلة الكليات لكي تؤدي إليه - يوضح إلى أي حد اتسع مفهوم المنهج عند بوبر ~~حتى استوعب جل المشكلات الفلسفية الكبرى. وكان هذا الاستطراد ليبين كيف استغرقت ~~الإشكالية المنهجية فلسفة بوبر. # وفي المقابل فإن سؤال المنهج بلغ مع بوبر ms382 غايته. الغاية ~~بمعنى قمة النضج والنماء فلا يرجى من ورائها مزيد، ولا تعود فلسفة العلم في حاجة إلى ~~طرح سؤال المنهج مجددا، بل عليها استئناف المسير في الطريق الجديد، إلى حدود قد تسمح ~~بدعاوى «هذا المنهج» مع فييرآبند وأقرانه، ما لم يتسع مفهوم المنهج ليصبح شاملا للنظرة ~~الإبستمولوجية. # تعملق الوعي بمنهج العلم عند شيخ فلاسفة المنهج كارل بوبر لم يترك مجالا رحيبا ~~للوعي بتاريخ العلم أو بماضيه. ولئن كان بوبر يصوب الأنظار شطر مستقبله فليس هذا ~~مبررا. وبوبر أكثر الجميع إقرارا لكون «أية مشكلة من مشكلات الماضي إذا أعيد طرحها في ~~الوقت الحاضر تغدو مشكلة حاضرة، # 16 # وكثيرا ما استعان بهوامش من تاريخ العلم لتعضيد هذه الفكرة أو تلك. وهو ~~يؤكد أن كل النظريات العلمية تطورت عن الميتافيزيقا أو عن الأساطير البدائية، هذا فضلا ~~عن ولع بوبر الخاص وباعه الطويل في تاريخ الفلسفة الذي يكتسب على يديه حيوية لا تضاهى، ~~تثبت أن كل محاولة للتاريخ لنظرية فلسفية، ولو كانت المحاولة رقم ألف، تحمل إمكانيات ~~لبعث حياة جديدة لهذه النظرية واستكشاف أبعاد ما كانت تخطر على بال. # 17 # وعلى الرغم من كل هذا ظلت الأبعاد التاريخية مجرد هوامش لفلسفة بوبر تخدم ~~المتن الذي لم يخرج عن بحث منهج ومنطق العلم في آخر صوره وأعلى طوابقه، اللهم إلا في أن ~~العلم عند بوبر ليس نسقا مشيدا بقدر ما هو فاعلية ونماء وصيرورة وثورة ~~متواصلة. # وفي النهاية لم يمثل بوبر شخصيا وعيا حادا بتاريخ العلم، بل إن «منطق الكشف ~~العلمي» في أصله الألماني اتسم إلى حد كبير بسمة لا تاريخية، خفت في أعمال بوبر ~~المتأخرة، ولكن حسبه تماما الريادة وشق الطريق الجديد وتمهيده إياه بكل ذلك العزم ~~والحسم. # ثالثا: حلول الوعي التاريخي: توماس كون # ويظل تأكيد بوبر على مفهوم «الثورة» من أثرى مواطن إسهامه، فسوف يلتقط توماس كون # T. ~~Kuhn # أيقونة الثورة من كارل ~~بوبر، ويقيم بنيانه لتاريخ العلم وفلسفته على أساس «الثورة» التي هي انتقال من نموذج ~~قياس إرشادي Paradigm # إلى آخر، ms383 فيما يمكن اعتباره ~~بمثابة الإعلان الصريح لحلول الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم. # أجل، كان التحول الحاسم في اتجاه الوعي التاريخي مع توماس كون، إنه عالم فيزياء نظرية ~~ثم مؤرخ علم متخصص ومقتدر، قام بتدريس تاريخ العلم في أعرق المعاهد الأمريكية: جامعة ~~هارفارد (1952-1956م)، ثم جامعة باركلي بكاليفورنيا، ثم المعهد التكنولوجي في ماساشوتس. ~~وبرصيد تاريخي وافر أقدم كون على رحاب فلسفة العلم كمؤرخ علم ينطلق إلى رحاب الفيلسوف ~~وفيلسوف علم يستند على ركائز المؤرخ: فكان قادرا على إحداث التحول في اتجاه الوعي ~~التاريخي. # والسيرة الذاتية لتوماس كون شخصيا تعكس بدورها مثل هذا التحول، فقد كان يستعد لنيل ~~درجة الدكتوراه في الفيزياء النظرية - التي حصل عليها عام 1949م - فأتيحت له فرصة ~~الاشتراك في مقرر دراسي بالجامعة يقدم علم الفيزياء لغير العلماء المتخصصين، فتعرف لأول ~~مرة على تاريخ العلم، ثم جال في ميادينه حين ظفر بمنحة لمدة ثلاثة أعوام في جامعة ~~هارفارد العريقة التي تهتم كثيرا بمباحث تاريخ العلم لا سيما بعد أن وطد أركانه فيها ~~جورج سارتون. وفي هارفارد نعم توماس كون برعاية شخصية خاصة من رئيس الجامعة مؤرخ العلم ~~البارز جيمس كونانت، وله كتاب مترجم إلى العربية هو «مواقف حاسمة في تاريخ العلم»، فتح ~~تاريخ العلم أفقا واسعا أمام كون، فتغيرت تصوراته الراسخة عن طبيعة العلم وعوامل ~~تقدمه، والتي كان قد استقاها من اهتمامه القديم بفلسفة العلم. هكذا كان تحول كون من ~~دراسة العلم إلى تاريخه إلى فلسفته؛ ليهجر البحث العلمي ويحط به الرحال في مضمار فلسفة ~~العلم المسلحة بتاريخه. ويحق لنا اعتبار توماس كون صاحب الفضل المباشر في استحضار الوعي ~~بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم. # ولعل دراسته التمهيدية الرائدة «للتاريخ ~~دور» # A Role For History ~~، التي جعلها مقدمة لكتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» بمثابة ~~العلامة الفارقة في حدوث هذا؛ إذ يؤكد فيها أننا إذا أدركنا أن التاريخ ليس مجرد سرد ~~أحداث متعاقبة، فسوف يحدث تاريخ العلم تغييرا جوهريا في تصور العلم الذي يسيطر على الأذهان. # 18 # ومن سجلات ms384 التاريخ سوف تخرج صورة مختلفة تماما لمفهوم العلم، شريطة ألا ~~يكون هدفنا هو تقييم الماضي بمقاييس اليوم أو أن يجيب التاريخ عن أسئلة يطرحها ذلك ~~التصور النمطي للعلم في وضعه الراهن. # عني كون في دراسته «للتاريخ دور» بتوضيح قصور وسلبيات المعالجة المقتصرة على الإنجاز ~~العلمي في اكتماله الراهن. وهذه هي صورة العلم المطروحة في المراجع العلمية والكتب الدراسية # Textbooks ~~، ومهما استصوبتها النظرة المجردة ~~واحتاجتها لأغراض تعليمية، فإنها لا تطابق بحال المغامرة العلمية كما تدفقت وتتدفق في ~~الواقع، وإذا حاولنا أن نخرج منها بصورة عامة للنشاط العلمي أو المشروع الذي أنجز هذا ~~النسق الراهن فإننا في هذه الحالة أشبه بمن يحاول الخروج بصورة عامة عن الثقافة القومية ~~لقطر ما من خلال كتب دعاية سياحية أو من خلال نص لغوي وصفي. معنى هذا أن فلسفات العلم ~~التي انفصلت عن تاريخه وتعاملت فقط مع المعطى الراهن لتدور في إطار الصياغة المثلى ~~للمنهج العلمي ولبنية النظرية العلمية وخصائصها ومعاييرها ... هي أشبه بمنشورات سياحية عن ~~أروع وأبرز المعالم، ما يستحق الرؤية ويمتع الناظرين والجوالة في دولة العلم الزاهرة، ~~ربما يثري رحلتهم، ويجعلها ذات مردود مستحق للإنفاق، لكنه ليس البتة الصورة الحقيقية أو ~~المتكاملة للواقع العملي المتعين والمتدفق حيث المغامرة العلمية التواقة العسيرة في ~~صعودها وهبوطها ومنحنياتها. إن التخطيط الحقيقي للعلم كمشروع متنام ونشاط دافق وفعالية ~~متقدة، أنتجت في النهاية ذلك النسق العلمي المنجز الراهن الذي نبحث عن فلسفته ... مثل هذا ~~التخطيط لا يستقى إلا من سجلات تاريخ العلم، كما أكد توماس كون - قولا وفعلا. # لعل أبرز العوامل التي استحضرت الوعي المتقد بتاريخ العلم في فكر كون أن علمه الغزير ~~بهذا التاريخ كشف له عن اختلافات حادة بين القواعد والمبادئ والمفاهيم والأوليات التي ~~يعمل بها العلماء في مرحلة عن تلك التي يعملون بها في مرحلة أخرى، وما يبدو لجيل من ~~العلماء بديهية أو مسلمة أولية قد يبدو لجيل آخر خرافة أو مسألة ثانوية. ونذكر في هذا ~~الصدد قولا للفيلسوف الأمريكي المنتمي للواقعيين الجدد آرثر لفجوي # A. ms385 Lovejoy ~~(1872-1962م) في كتابه «سلسلة الوجود الكبرى» إذ يقول: # وقد تجد قسما من تفكير امرئ أو مدرسة أو قل جيل ما، يهيمن عليه ويطبعه شكل من ~~أشكال الاستدلال أو حيلة من حيل المنطق أو الافتراض المنهجي التي لو أفصح عنها لتبين ~~أنها عبارة عن قضية منطقية أو ميتافيزيقية ضخمة وهامة، ربما كانت موضع جدل طويل. # 19 # ومن الملائم تماما الاستشهاد بلفجوي وكتابه «سلسلة الوجود الكبرى» الذي ما ~~فتئ كون يؤكد في كل موضع أنه ترك التأثير الأعظم على تفكيره. ولفجوي في هذا ~~الكتاب يعرض تاريخا للفكر الفلسفي لا بوصفه أشخاصا أو مذاهب متعاقبة، بل ~~سلسلة من الوحدات الفكرية الكبرى أو المراحل، تأخذ برقاب بعض وتؤكد الدور الذي ~~تلعبه المفاهيم الكبرى في تطور الفكر العام، وسيطرة بعض أنماط التفكير في شتى ~~حقول الحياة العقلية والاجتماعية في حقبة ما، أو عند جماعة ما، وضرورة النفاذ ~~إلى فحواها الأخير. # 20 # وليس يصعب إدراك كيف ألهم هذا توماس كون، بتصور تاريخ العلم كسلسلة ~~من النماذج الإرشادية المتعاقبة، التي سنراها مركز فلسفته للعلم المعروضة في ~~أبحاثه، وعلى رأسها بالطبع كتابه الذائع الصيت والواسع الانتشار «بنية الثورات ~~العلمية». # كل صفحة من صفحات هذا الكتاب بمثابة البيان المبين عن إيجابيات تسلح فلسفة العلم ~~بالوعي التاريخي، وعن خصوبة التناول التاريخي حين يتم في الأطر الفلسفية. وهذا هو ما ~~تعكسه خطوط فلسفة كون للعلم، فهي لا تترسم أصلا إلا عبر مساحة زمنية معينة، مراحل ~~تاريخية متعاقبة للمعرفة العلمية. ولئن كانت النظريات الأخرى لفلسفة العلم - بما فيها ~~نظرية بوبر ذاته - تترسم مرة واحدة متكاملة متحاورة عن المعرفة العلمية بما هي كذلك، أي ~~بما هي مواصلة لتاريخ التقدم، فإن فلسفة كون تقوم على أساس التمييز بين مراحل العلم ~~العادي ومراحل الأزمة ومراحل الثورة. # وفي تبيان هذا نلاحظ قبلا أن توماس كون في طليعة السائرين في ركاب الثورة على ~~الوضعية المنطقية و- طبعا - مفهومها الضد تاريخي لفلسفة العلم. ويسلم معنا بأن التقدم ~~المستمر هو السمة المميزة للمعرفة العلمية، وأن دراسة تاريخ العلم تفصح ms386 عن زيف مفهوم ~~«التراكم» إذا أخذنا به على خط مستقيم. ويؤكد مع بوبر على أن الثورة هي مفتاح هذا ~~التقدم، لكنه يختلف عنه حين يرفض تطرف بوبر الثوري واعتبار كل تقدم علمي ثورة. وفي كل ~~حال نجد أن إشكالية التقدم العلمي قد تمركزت الآن حول مصطلح الثورة/الدورة. # في البداية بحث كون نظرية كوبرنيقوس كمثال نموذجي للثورة العلمية. # 21 # وكان هذا موضوع محاضراته في جامعة هارفارد، ثم صدر كأول كتاب له عام 1957م. ~~وبعد هذا بخمس سنوات صدر كتابه الأشهر «بنية الثورات العلمية» الذي يحمل فلسفته ~~المتكاملة للعلم. # تقوم فلسفة كون على التمييز في مسار العلم أو تقدمه بين مراحل العلم العادي # Normal ~~Science # الذي يسير في ~~إطار النموذج القياسي الإرشادي Paradigm ~~، وبين المراحل ~~الثورية في هذا التقدم التي هي انتقال من نموذج إرشادي إلى آخر. # النموذج القياسي الإرشادي هو النظرية العامة التي يلتزم بها المجتمع العلمي في مرحلة ~~ما، وبلوغ النظرية مرتبة النموذج الإرشادي يعني أنها أفضل من كل منافساتها، أي ثبتت ~~ووجب التسليم بها وبكل مسلماتها ومناهجها ومفاهيمها العلمية وخلفياتها الميتافيزيقية، ~~فتغدو النظرية بكل هذه الأبعاد بمثابة نموذج إرشادي يحدد مدلول الوقائع التجريبية، يطرح ~~معايير الاختبار والتقويم والتنقيح، والتعديل إذا لزم الأمر. والأكثر فاعلية أنه يطرح ~~المشاكل التي يجب دراستها وأنماط الحلول المطلوبة. المجتمع العلمي الناضج يسهل نسبيا ~~تحديد نماذجه الإرشادية، وغني عن الذكر أن الرياضيات كانت أسبق العلوم طرا في اصطناع ~~نموذج إرشادي واضح المعالم. ولا بد للنموذج الإرشادي أن يثير مشكلات للبحث، وإذا توقف ~~عن هذا مع استمرار التسليم به لا يعود برنامج بحث علمي، بل هو مجرد تقنية خاصة بمهنة ~~معينة. # إن مشكلات البحث العلمي مختلفة والنموذج الإرشادي لا يثير منها إلا الألغاز Puzzle # التي تفسح المجال لإثبات قدرة الباحث الخلاقة ~~ومهارته الخاصة في الوصول إلى حل لها. التسليم بنموذج إرشادي معين هو الذي يطرح ~~ألغازا، بمعنى أنه يهيئ للباحثين اختيار مشكلات يمكن الوصول إلى حل لها طالما نسلم ~~بهذا النموذج. # 22 # هكذا نلاحظ أن العلم ms387 العادي لا يقوم باختبار النموذج ذاته أو محاولة تكذيبه كما يرى ~~بوبر في ثورته الدائمة. فالعلم ينمو ويتقدم في مراحله العادية من خلال حل الألغاز التي ~~يثيرها النموذج الإرشادي المسلم به، والمعرفة هنا تزداد دقة واتساعا وتوالي إحراز ~~أهدافها ليتمثل نجاح المشروع العلمي بصورة تدعو حقا للإعجاب، لكنها تخلو من ~~الابتكارات الجوهرية والإبداع العظيم. وعلى هذا النحو تنمو المعرفة العلمية في إطار ~~العلم العادي بصورة مطردة - صورة تراكمية. # ويظل الحال على هذا المنوال التراكمي حتى يظهر الشذوذ، أي ظاهرة لا يتوقعها النموذج ~~الإرشادي المعمول به، لا يتنبأ بها ولا يهيأ الباحث للتعامل معها، فيبدأ الخروج عن ~~أطر النموذج الإرشادي ومحاولات تعديله، وهذا عادة ما يلقى مقاومة ما في البداية. ولكن ~~لنلاحظ مبدئيا كيف أن النموذج الإرشادي ذاته هو الذي يفتح الطريق للخروج منه والبحث ~~عن نموذج جديد. وهذه هي صياغة توماس كون لخاصية التصحيح-الذاتي # Self-Correction # التي نتفق على أنها من خواص المعرفة العلمية. # ظهور الشذوذ تتلوه محاولة لاستكشاف مجاله، والمواءمة بينه وبين النموذج الإرشادي، ~~ومحاولة تعديل أدوات النموذج. ولكن إذا بدا إسراف في هذا التعديل فها هنا أزمة. الأزمة ~~تعني أنه قد آن الأوان للخروج من سياق العلم العادي وتعديل النموذج. المعرفة هنا ليست ~~تراكمية بل ثورية، تماما كما تحدث الثورة السياسية حين يشعر أفراد المجتمع أن المؤسسات ~~القائمة لم تعد كافية لحل المشكلات أو قادرة على هذا. الثورة العلمية تحدث نتيجة تغيرات ~~لاستيعاب ظاهرة من نوع جديد من قبيل الأكسجين أو الأشعة السينية، ظاهرة خلقت أزمة. عن ~~الأزمات تنبثق النظرية العلمية الجديدة التي تغير تقاليد البحث وأبعاد الرؤية ~~الميتافيزيقية ومدلولات المفاهيم العلمية والوقائع التجريبية. فإن تغلبت النظرية ~~الجديدة على منافساتها وأثبتت ذاتها يتم التسليم بها كنموذج إرشادي جديد، يطرح ألغازا ~~تحتاج لمهارة الباحثين ... وهكذا دواليك. # وما ينتج عن الأزمة من انتقال إلى نموذج إرشادي جديد هو الثورة العلمية، التي تعني ~~تغييرا في النظرة إلى العالم. وهذا التغيير يبلغ حد اللامقايسة # uncommensurability ~~، أي عدم قابلية النظريات ~~العلمية للقياس المتكافئ، للحكم ms388 عليها بنفس المقاييس وتقييمها بنفس المعايير. لكل نظرية ~~إطارها ومفاهيمها وعالمها، حتى إن الحوار بين نظريتين في مرحلتين مختلفتين، أي في ~~نموذجين إرشاديين متعاقبين هو بمثابة حوار بين الصم، لن يسمع أحدهما الآخر. # 23 # مفهوم الكتلة أو مفهوم ~~الجاذبية عند نيوتن مختلف تماما عن مفهوم الكتلة أو مفهوم الجاذبية عند آينشتين، فكيف ~~يتحاوران؟! الحكم على النظرية العلمية وتقييمها لا يكون البتة بالقياس إلى نظرية سابقة ~~عليها أو تالية لها في صيرورة التقدم العلمي، بل فقط في إطار عصرها وتحدياتها وظروفها ~~العلمية، مما يجعل لكل نظرية مقاييسها الخاصة في ضوء نموذجها الإرشادي الذي تعمل به. ~~هكذا نجد مفهوم اللامقايسة أو عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ بمثابة ~~بلورة للوعي التاريخي في فلسفة العلم، واعتبار النظرية العلمية فقط في ضوء الموقع الذي ~~احتلته من تاريخ العلم، فلا تضاهيها نظرية أخرى في موقع تاريخي آخر. # اللامقايسة تكاد توازي مفهوم القطيعة المعرفية عند جاستون باشلار. اللامقايسة أو ~~القطيعة مفاهيم تعبر عن فواصل وانفصالات في التقدم العلمي تنقض الاستمرارية الآلية ~~والاتصال التراكمي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر وسايرته الوضعية المنطقية. إنها ~~تنكر الاتصال في العلم، بمعنى الطريق الممهد السائر قدما للبحث العلمي، وتؤكد ~~الانفصالية من حيث تؤكد الوعي التاريخي، وتعيين المرحلة التاريخية للنظرية ~~العلمية. # وبلغت حدة استشعار كون لأهمية الوعي التاريخي أن اهتم اهتماما كبيرا بشأن المراجع ~~العلمية أو كتب تدريس العلوم # Textbooks ~~؛ لينحو ~~باللائمة على افتقادها للبعد التاريخي، وكأنه أخذ على عاتقه أن يحل الوعي التاريخي في ~~كل أرجاء المعمورة العلمية! # إن هذه الكتب - فيما يرى كون - ذات هدف إقناعي تربوي هو تعليم وتدريب دارسي العلوم ~~على مزاولة حرفتهم في إطار العلم العادي، فتعرض بنية المعرفة العلمية التي اكتملت وتم ~~إنجازها، أي تسجل الناتج الثابت المستمر لثورات الماضي وتمثل الأساس لتقاليد العلم ~~العادي الناتج عنها، ولا تعرض للثورة نفسها فتبدأ بوأد إحساس طالب العلم وباحث المستقبل ~~بالبعد التاريخي لمبحثه، أو تكتفي بلمحات منه كمقدمة ومدخل، ولا تذكر من التاريخ إلا ما ~~يؤدي ms389 في خط مستقيم إلى النموذج الإرشادي المعمول به. وكأن الانتقاص من قيمة التاريخ ~~يكاد يكون متأصلا في «أيديولوجيا الصنعة العلمية»، فما الحاجة «إلى بذل الجهد من أجل ~~ما تم نبذه ورفضه وتجاوزه. والنتيجة هي عرض تاريخ للعلم يؤدي في خط مستقيم إلى النقطة ~~التي أقف فيها - أي النموذج الإرشادي المعمول به - وهذا يفسد تصور طبيعة العلم». # 24 # هكذا يعرج كون على ما أسماه «أيديولوجيا المجتمع العلمي» ويهتم بها اهتماما ~~بالغا. ولئن كان المجتمع يغدو مجتمعا وليس مجرد حاصل جمع آحاد من الأفراد عن طريق ~~الأيديولوجيا، فإنه يمكن اعتبار النموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي ~~التي تصنع تماسكه وتجانسه في الحقبة التاريخية المعنية. فقد صدر «بنية الثورات العلمية» ~~عام 1962م، وبعد فترة اختمار ومراجعة واستجابة لردود الفعل، أعقبه توماس كون بدراسة ~~صدرت عام 1971م هي «أفكار لاحقة بشأن ~~النماذج الإرشادية # Second Thoughts on Paradigm ~~» تدور حول مجموعتين من الأفكار التي نستكشفها ~~بواسطة النماذج الإرشادية. فأولا هناك العناصر المشتركة التي تفسر خاصية التواصل ~~المهني في المجتمع العلمي الذي يسري بسهولة نسبيا بغير مشاكل، وإجماع العلماء على ~~الأحكام التي يصدرونها بشأن النظريات وسواها. وهذا ما أسماه كون القالب الانضباطي # Disciplinary Matrix ~~. وثانيا مجموعة من ~~الأفكار حول ما يجعل المجتمع العلمي يقبل حلولا عينية لمشكلة معينة قبولا سلسلا ~~ومتآلفا، فيما أسماه كون قالب ~~المثلية # Exemplar Matrix ~~. وهاتان المجموعتان من الأفكار تبرزان إلى أي حد يحمل ~~النموذج الإرشادي أيديولوجيا تقولب المجتمع العلمي. # ومثل هذا الجنوح نحو «الأيديولوجيا» والتعويل عليها دفع جون واتكينز إلى إخراج دراسة ~~بعنوان «ضد العلم العادي» فحواها أن كون خرج من أعطاف كارل بوبر، وبقدر ما ابتعد عن ~~بوبر بقدر ما ضل الطريق. وانتهى واتكينز إلى أن العلم العادي يماثل - من المنظور ~~البوبري - أداء العقول المغلقة في قلب المجتمع المغلق. # 25 # وبصرف النظر عن تفاصيل ردود كون على واتكينز، # 26 # فإن كون بعامة يبدو أكثر استيعابا ومجاراة لتطور العلم في النصف الثاني أو ~~الربع الأخير من القرن العشرين. فصحيح أن العلم الحديث ms390 منذ نشأته يتسم بطابع جمعي ~~تعاوني، إلا أنه في الآونة الأخيرة تزايدت حدة هذا الطابع إلى درجة غير مسبوقة، بحكم ~~تصاعد متوالية المعرفة ومدى الأبحاث العلمية واتساع نطاقها وارتفاع تكاليفها. وكما ~~سنوضح حين نتوقف لاحقا عند سوسيولوجية العلم التي يتحمل كون الآن أعباءها ويرفع ~~لواءها، فقد انتهت تقريبا صورة العالم الفرد المنعزل بأبحاثه وعبقريته العلمية، وأصبح ~~الشكل العام للبحث العلمي الآن في صورة برنامج ضخم يعكف على إنجازه فريق من الفنيين ~~والدارسين والباحثين والعلماء. قد يقودهم عالم أكثر عبقرية وقدرات عقلية تكون السبب ~~المباشر في الإنجاز العلمي، لكن لا بد أن يعملوا جميعا في إطار مؤسسة كبرى - جامعة أو ~~مركز أبحاث أو شركة عملاقة أو هيئة قومية - قادرة على تمويل برنامج البحث وتوفير ~~متطلباته. # والحق أن العلماء أنفسهم بهيئاتهم وأجهزتهم ومجالات عملهم وموضوعاته وأهدافه، يمثلون ~~أهم مؤسسات الحضارة المعاصرة بالمعنى الاعتباري أو الاجتماعي لمفهوم مؤسسة # Institution ~~. # 27 # وكان توماس كون أشد فلاسفة العلم إدراكا لهذا الطابع الجمعي الذي لازم ~~العلم الحديث منذ نشأته وتزايد في الوقت الراهن. لم يعن كون كثيرا - كما فعل كارل بوبر ~~مثلا - بدور العبقرية الفردية في خلق قصة العلم، وانصب اهتمامه على المجتمع العلمي أو ~~الجماعة العلمية أو بالأحرى المؤسسة العلمية، التي تعمل في إطار النموذج الإرشادي ~~المطروح، حتى نعتت فلسفته للعلم بأنها «عقلانية مؤسساتية» # Institutionalized Rationality ~~. # 28 # لا غرو إذن أن يمثل النموذج الإرشادي أيديولوجيا المجتمع العلمي أو المؤسسة العلمية، ~~التي لا تقتصر على خلق نوع من الانسجام بين أفراد المجتمع أو الجماعة كما تفعل أية ~~أيديولوجيا، بل يتسم المجتمع العلمي بدرجة فريدة من التآزر والتضافر والتكاتف إلى حد ~~يكاد يميزه عن أي منشط إنساني آخر، فيهتف جاستون باشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.» # 29 # بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية. إن هذا الإجماع على النتائج له تأثير كبير في ~~المنزلة الفريدة التي يتمتع بها العلم، وهو الذي يجعل الناس يتصورون أن العلم هو الشكل ~~الوحيد للمعرفة الحقيقية طالما أن هذا الإجماع لا يحدث في سواه، ms391 فتتواتر وقائع تاريخ ~~العلم وكأنه - كما يقول بولكن هورن - سير القديسين، أو المصدر الشرعي الوحيد لأية معرفة ~~بالحقائق. ومن يريد معتقدات قائمة على أساس صلب فعليه بالعلم الذي تجتمع كل الأطراف ~~المعنية على نتائجه. هذا الإجماع على النتائج الذي ينفرد به العلم هو ما حاول توماس كون ~~تفسيره بالقالب النظامي وقالب المثلية، مؤكدا أن إجماع المجتمع العلمي قيمة فائقة ~~الأهمية تضمحل معها احتمالات الصراع الذي يبدد الوقت والجهد، وسرعان ما يعيد القالب ~~النظامي تنظيم وتوحيد مسار الجهد حول مجموعة محددة من القواعد لحل الألغاز. # من هنا يرى كون أن تفسير التقدم العلمي لا بد وأن يرسو في نهاية المطاف على عوامل ~~سوسيولوجية وسيكولوجية وعلى توصيف لنسق القيم أو الأيديولوجيا، بمعية تحليل وتوصيف ~~المؤسسات التي يتقدم العلم من خلالها. وإذا عرفنا قيم العلماء يمكن أن نتفهم المشاكل ~~التي يضطلعون بها والحلول التي يرسون عليها. وينكر كون إمكانية طرح هذه العوامل ~~الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية من أية إجابة عن سؤال التقدم العلمي. # 30 # فكان كون شديد العناية بهذه النواحي مؤكدا تآخي العلم مع الظواهر الحضارية ~~الأخرى. لقد قامت فلسفته للعلم - كما رأينا - على أساس التحقيب التاريخي للعلم عن طريق ~~توالي النماذج الإرشادية، ويشير صراحة إلى أن مؤرخي المناشط الإنسانية كالآداب ~~والموسيقى والفنون والتطور السياسي ... قد سبقوه، فكثيرا ما استعانوا بتحقيب تاريخ هذه ~~الأنشطة عبر قطائع ثورية في الطرز والأذواق وبنية المؤسسات، وكان هذا التحقيب أداة ~~أثيرة من أدواتهم المعيارية. وكل أصالة ينسبها كون إلى نفسه - كما يقول - فقط في أنه ~~أول من طبق هذا على العلم الذي كان يظن أن تطوره في طريق مخالف تماما. # 31 # إذن لا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب والنظم ~~السياسية والإنسانيات والتطور في العلم. وله صراحة دراسة حول العلاقة أو التشابه ~~والتماثل بين هذا وذاك. # 32 # هكذا كان توماس كون شديد العناية بالنواحي الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية ~~والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة ... إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي - ببساطة ~~- ظاهرة في عالم الإنسان. فتلك ms392 هي الأبعاد الحميمة للظواهر الإنسانية. # وقد لام كارل بوبر كون على كثرة انشغاله بهذه الأبعاد. وفي المقابل تماما ليم كون ~~على أن نظرته السوسيولوجية لم تكن شاملة بما يكفي، فقد قصر اهتمامه على ما أسماه ~~الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية، واقتطعها عن سائر المجتمع الذي تحيا في سياقه ~~الثقافي، فعزل اكتشافات الوقائع والابتكارات النظرية عما يحفز إليها في الواقع المتغير ~~للمجتمع والثقافة، فأوشكت الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية أن تكون صومعة رهبان أو ~~تكية للصوفية يديرونها بأنفسهم، ولا تختلف عنها إلا في أن الانقلابات والثورات تقع فيها ~~بين الحين والآخر. # 33 # وحتى ينطلق النقد من مرميين متقابلين هكذا، فإن هذا يوضح عظم البوابة التي فتحتها ~~فلسفة كون للعلم حين تدججت بالوعي التاريخي، وكيف أنها ستأتي بالوابل الغزير من أبعاد ~~الظاهرة الإنسانية. وهو وابل رآه البعض - منهم كارل بوبر والوضعيون المناطقة - طوفانا ~~قد يطيح بركائز منزل فلسفة العلم، ورآه البعض الآخر فيضانا حين نتحكم في منسوبه يعد ~~فلسفة العلم بخصب ونماء ممتد. والواقع أن الطبيعة التقدمية المفطورة في بنية العلم، ~~وبالتالي في بنية التفكير العلمي، تجعلنا نرحب بكل تطور آت، وبالتالي تجعل الاحتمال ~~الثاني هو الأرجح. وهذا ما ستكشف عنه الصفحات المقبلة بشيء من التفصيل. # بداية، أخرج كون دراسته المذكورة في الهوامش «منطق الكشف أم سيكولوجية البحث»؛ ليحاول ~~تبيان أن بوبر أيضا يشاركه الانشغال بهذه الأبعاد، وأن فلسفته تستند عليها مثلما تستند ~~فلسفة بوبر عليها. والجدير بالذكر أن هذه الدراسة في صلبها مناقشة نقدية لكارل بوبر، ~~توضح ما أراد كون أن يضيفه أو يبدله في الطريق البوبري، مما يعني أنه مواصل بشكل ما ~~لهذا الطريق. # إن بوبر حين فتح باب الخروج من أطر الوضعية والاقتصار على تحليلاتها المنطقية، وأكد ~~أن المشكلة العلمية والمشكلة الفلسفية على السواء هي المشكلة الكوزمولوجية الشاملة؛ كان ~~يمهد الطريق لعناية فلسفة العلم بتاريخه وبهذه الأبعاد الخارجية اللاإبستمولوجية. وإن ~~تطرف المسار أكثر مما أراد بوبر فلنذكره بنظريته الرائعة في العالم 3، المختلف عن ~~العالم 1 عالم المادة والعالم 2، عالم ms393 الذات والخبرات الشخصية، ففي العالم 3 يستقل ~~المنتج الذهني عن مبدعه ويخلق نواتجه ومشكلاته، ثم إن بوبر أنكر تماما البدء بالملاحظة ~~وتعميمها، وأسرف في تأكيد أن منطلق البحث العلمي فكرة في ذهن العالم أو فرض ما يعمد إلى ~~اختباره تجريبيا أو محاولة تكذيبه. وإذا سألنا بوبر: من أين يجيء الفرض، وهو اللبنة ~~الأساسية للعلم وتقدمه؟ لعولت إجابته بصفة أساسية على عوامل سيكولوجية متعلقة بقدرات ~~العالم المبدع ونصيبه من الذكاء وحسن استيعابه للحصيلة المعرفية السابقة، أما منهج ~~العلم ومنطقه فيستحيل أن يرسم الطريق إلى الفرض العلمي. فهل يمكن بعد هذا الزعم بأن ~~بوبر يستبعد تماما العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية وسواها من أبعاد لا إبستمولوجية ~~خارجية، لكن حميمة تؤكد ببساطة أن العلم ظاهرة إنسانية ونشاط إنساني. وهذه بديهية غابت ~~تماما عن العلم النيوتوني الحتمي الميكانيكي، ولم تتبد إلا مع ثورة العلم في مطالع ~~القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم وما تلاهما. ولئن كان كارل بوبر رائدا عظيما ~~فلأنه في طليعة المتمثلين لهذه الثورة العلمية ولانعكاساتها التي تؤكد فعالية العقل ~~الإنساني في صنع قصة العلم. # لقد اكتسبت فلسفة العلم مع توماس كون - جهارا نهارا - كل أبعادها الإنسانية كمحصلة ~~منطقية لتسلحها بالوعي التاريخي. أو ليس التاريخ مجال التغير والصيرورة والفعل، فكان ~~أخص خصائص الإنسان، الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخا، وكان علم التاريخ بدوره أبا ~~العلوم الإنسانية، فكان الوعي التاريخي يفضي بفلسفة العلم إلى أنسنة الظاهرة العلمية، ~~في فلسفة توماس كون التي حق اعتبارها تمثيلا عينيا للوعي بتاريخ العلم. # وكما هو معروف، أثارت فلسفة كون جدلا عاصفا، وما زالت تثير المزيد حتى بعد رحيله، ~~وعدت من العلامات الفارقة في تطور فلسفة العلم، وتباينت الآراء بشأن التأثير والتغير ~~الذي أحدثته. والمنظور المطروح الآن أن استحضار الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفته مركز ~~التأثيرات الموارة التي أحدثها كون. # رابعا: ذروة الوعي التاريخي: إمري لاكاتوش # رافق توماس كون وأعقبه رعيل من المستقطبين لتلك التطورات الموارة، السائرين في هذا ~~الطريق البوبري - الكوني اللاوضعي، معرضين عن منطق تبرير المعرفة العلمية، ومعنيين ~~بمنطق ms394 الكشف والتقدم العلمي تأكيدا وتوطيدا لتيار الوعي التاريخي، وفي طليعتهم وأشدهم ~~تجريدا وتجسيدا للوعي التاريخي في فلسفة العلم الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش # Imre ~~Lakatos # صاحب القول ~~النافذ والشهير: «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته ~~عماء.» # وقد صاغه عن طريق تعديل قول إيمانويل كانط المتواتر: «إن المدركات الحسية بدون تصورات ~~عقلية عماء والتصورات العقلية بدون مدركات حسية خواء.» وكأن وقائع تاريخ العلم محض ~~مدركات عمياء، ونظريات فلسفة العلم محض تصورات عقلية فارغة، فلا معنى ولا جدوى ولا قيمة ~~لأحدهما بدون الآخر. ذانك معا في فلسفة كانط يفضيان إلى إدراك الطبيعة أو عالم ~~الظواهر، وهذان معا في فلسفة لاكاتوش يفضيان إلى إدراك ظاهرة العلم. وكما جاهر كانط في ~~مقدمة الطبعة الثانية لعمله الأكبر «نقد العقل الخالص» العالم لا يعرف من الطبيعة إلا ~~ما يفرضه عليها، وليس المقصود بما يفرضه مجرد الافتراض العلمي أو التفسير المؤقت، بل ~~أيضا «إعادة بناء الظاهرة وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليها» # 34 # عن طريق مقولات العقل أو تصوراته القبلية. وبالمثل تماما سوف يجاهر ~~لاكاتوش بأن المؤرخ لا يعرف من تاريخ العلم إلا ما يفرضه عليه، بمعنى إعادة بناء تاريخ ~~العلم وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليه عن طريق فلسفة العلم أو نظرياتها ~~الميثودولوجية. # رحل لاكاتوش فجأة إثر حادث سيارة مروع بعد أن استقر في إنجلترا في مدرسة الاقتصاد ~~والعلوم السياسية بجامعة لندن، التي كان بوبر أستاذ المنطق ومناهج البحث بها، وكان ~~لاكاتوش من أنجب تلاميذه وأخلصهم، وجيد الاستيعاب للدرس البوبري. # أخذ عن بوبر أن فلسفة العلم هي نظرية المنهج أو «الميثودولوجيا»، لكن بعد أن اكتسبت ~~الميثودولوجيا مع لاكاتوش فعالية وحركية تاريخية، أما النظريات العلمية ذاتها فهي عند ~~لاكاتوش برامج أبحاث تذكرنا بالنماذج الإرشادية عند توماس كون وأيضا الاستراتيجيات ~~العقلية عند ستيفن تولمن. لذلك فإن فلسفة العلم هي «ميثودولوجيا برامج الأبحاث ~~العلمية»، وهذا هو عنوان كتابه الرئيسي. # أخذ عن بوبر أيضا أن التكذيب هو الخاصية المميزة للعلم، من حيث إنه القوة المفسرة ~~للتقدم العلمي المتوالي، مبقيا ومصدقا ms395 على جبهة افتراق الفلسفة التكذيبية عن الوضعية ~~المنطقية التحققية الاستقرائية. وهذا الافتراق يتمثل فيما أسماه المنطقي المتميز ويلارد ~~كوين بالمنحى النافي أو الطبيعة النافية للتكذيب، على أساس أن البينة التجريبية قد تفند ~~الفرض، ولكن ملايين البينات التجريبية لا تثبته، أو تثبته فقط بمعنى سلبي ناف هو غياب التفنيد. # 35 # ولكن توقف لاكاتوش أمام نقطة مقلقة أثارت كثيرا من الجدل، فإذا افترضنا أن كل البجع ~~أبيض، فإن بجعة واحدة سوداء سوف تكذب الفرض. هذا صحيح منطقيا، ولكن هل ينمو العلم ~~بهذه الطريقة البسيطة؟! واقعة نافية أو بينة تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة ~~مستقلة؛ ليتم رفضها هي فقط في حد ذاتها، ويستبدل بها أخرى تعرض بدورها على محكمة ~~التكذيب؟! هذا ما يؤكده بوبر. بينما يرى بيير دوهيم ومن بعده كوين أن المعقبات أو النواتج # Consequences # التي تلزم الفرض العلمي ~~الجديد ، والتي تكون محكا للاختبارات التجريبية والتكذيبية، لا تخص الفرض الجديد وحده، ~~بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض، وهذا ما يعرف «بأطروحة دوهيم-كوين # Duhem-Quine Thesis ~~»، وهي من المقولات ~~الهامة في فلسفة العلم، وتنص على أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة ~~بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به؛ لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضا منفردا لمحكمة ~~التجريب، بل مجموعة فروض معا، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته ~~تكذيبا حاسما للفرض. # 36 # وليس هناك «تجربة حاسمة» بصورة قاطعة. والواقع أن أطروحة أو مقولة ~~دوهيم-كوين تبلور الفارق بين فلسفات العلم الإخبارية، الاستقرائية والتكذيبية على ~~السواء، وبين فلسفات العلم الأداتية. في الجانب الأول عولجت مشكلة العلاقة بين الفكر ~~والواقع من حيث هي مشكلة العلاقة بين الفرض والملاحظة. أما مع الأداتية فقد اتخذت هذه ~~المشكلة شكلا جديدا، وأصبحت مشكلة العلاقة بين النسق العلمي ككل وبين العالم التجريبي ~~ككل الذي نفترض أن النسق ينطبق عليه ويحاول إقامة روابط بين ظواهره. وتبعا للأداتية ~~ليس هناك فارق بين الفرض أو القانون أو أية عبارة علمية في حد ذاتها؛ لذلك تكون ~~معالجتها ms396 في إطار معالجة النسق ككل، كما تنص مقولة دوهيم-كوين، يرفض بوبر الاتجاه ~~الأداتي، ويرفض هذه المقولة تماما على أساس أن اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة ~~مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة. والتجربة الحاسمة واقع ماثل في ~~هذا الصدد. # وأمام هذا الإصرار من بوبر أثير كثير من الجدل حول التعامل مع الفرض أو العبارة ~~العلمية بصورة منفردة. بدا هذا وكأنه تبسيط للأمور يخل بواقع العلم وبأبعاده المنطقية ~~على السواء، ولعله يعود في جانب منه إلى إغفال الدلالة الكاملة لتاريخية تنامي الأنساق ~~العلمية. وهو على أية حال يمثل زاوية افتراق لاكاتوش عن رائده بوبر. # وعبر تحليلات مسهبة بين لاكاتوش قصور التعامل مع النظرية بصورة منفردة؛ لأن ~~الوحدة الوصفية # Descriptive Unit # للإنجازات العظمى ~~في العلم ليست النظرية على انفراد، بل هي برنامج متكامل للبحث، مما يعني أن لاكاتوش ~~يعمل بأطروحة دوهيم -كوين، على الرغم من أنه بوبري وليس أداتيا، ويؤكد أن التقدم ~~العلمي لا يتأتى من نظرية معينة أو حتى مجموعة نظريات، بل بالانتقال من برنامج بحث علمي ~~أصبح متدهورا إلى برنامج بحث آخر يبدو تقدميا. ثم طرح لاكاتوش نظريته الجميلة حقا ~~في برامج الأبحاث العلمية، أو نظريتها المنهجية. # في برنامج البحث العلمي ليست كل النظريات أو العبارات العلمية سواء، هنالك أولا ~~النواة الصلبة # hard core # للبرنامج، لا تخضع في حد ~~ذاتها للتكذيب ولا تقبل التفنيد، فهي فرضيات عامة جدا هي اللب أو الصلب الذي على ~~أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور. النواة الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية مثلا هي فرض ~~الجاذبية العام وقوانين نيوتن الثلاثة، كثيرون - منهم أخلص أتباع لاكاتوش وهو الآن ~~موسجريف - رفضوا أن تكون النواة الصلبة غير قابلة للتفنيد بأي إجراء أو قرار منهجي داخل ~~برنامج البحث ذاته، على أساس أن هذا غير مفيد من الناحية الميثودولوجية، فضلا عن أن ~~تاريخ العلم لا يصدق عليه كثيرا. # 37 # ومع هذا أصبح «مصطلح نواة صلبة» واردا ودارجا في أدبيات فلسفة العلم ~~المعاصرة، سواء اتفقت مع تفاصيل فلسفة لاكاتوش أم لا، ms397 فقد أظهر هذا المصطلح فعالية جمة ~~في التناول الفلسفي للنظرية العلمية، إنه تعيين لها حين تصاغ بدقة كموضوع مثالي تتضح ~~سماته الأساسية التي تحدد برنامج البحث العلمي. # 38 # وكان بوبر قد ناقش مشكلة التحصين ضد التكذيب، فمن الممكن دائما التملص من التكذيب ~~بأن نضيف للنظرية فروضا جديدة تتلافى مواطن الكذب. وفي مواجهة هذا رأى بوبر أن نميز ~~بين الفروض العينية المغرضة # Ad hoc Hypothesis ~~، ~~وبين الفروض المساعدة # Auxiliary Hyp ~~. الفرض العيني ~~هو الذي يوضع بغرض تفسير ظاهرة معينة أو حدث بعينه وليس له ما يؤيده غير هذه الظاهرة ~~أو ذاك الحدث الذي يكذب النظرية. إنه يحمي النظرية من التكذيب دون أن يضيف إلى مضمونها ~~المعرفي وقواها التفسيرية فيؤدي إلى إضعافها. وفي مقابلة الفرض المساعد الذي يمكن ~~اختباره في حد ذاته وتؤيده أمور أخرى غير التي وضع لتفسيرها فيزيد من مضمون النظرية ~~وقوتها؛ لذا نرحب بالفروض المساعدة، بينما ينبغي رفض الفروض المغرضة حرصا على دفع ~~الطاقة التقدمية للبحث العلمي. # ومثلما التقط توماس كون من الكنز البوبري أيقونة الثورة، التقط لاكاتوش منه أيقونة ~~الفروض المساعدة التي تحصن ضد التكذيب، بعد تطويرها عن الصورة البوبرية لتصبح مرتبطة ~~بالنسق ككل أو بالأحرى برنامج البحث ككل تبعا لقاعدة دوهيم-كوين. فذهب لاكاتوش إلى أن ~~العبقرية العلمية تلحق بالنواة الصلبة فروضا مساعدة هي بمثابة الحزام الواقي لها # protective belt ~~. الحزام الواقي هو الذي ~~يصطلي بنار الاختبارات التجريبية التكذيبية، ويتحمل التفنيدات والتعديلات والتصويبات، ~~بل حتى قد يستبدل به حزام واق آخر؛ ليحمي ويصون النواة الصلبة لبرنامج البحث الذي ~~يزداد قوة وصلابة بفضل كل هذا. أما النواة ذاتها أو اللب الصلب فلا تتعدل ولا يعين فيها ~~خطأ، فقط تهجر حين يستنفذ دورها، أو حين تنسحق تحت شروط معينة هي منطقية وتجريبية - كما ~~رأى بوبر، وليست جمالية كما كان الحال مع بيير دوهيم. # 39 # وهنا ينتهي برنامج البحث العلمي بأسره، ويتم الانتقال إلى سواه. في هذا ~~الإطار العام يتم الانتقال من نظرية علمية مفندة إلى أخرى؛ لذلك يقال: إن لاكاتوش ms398 أحرز ~~تقدما ذا اعتبار بشأن طبيعة التكذيب في العلم وأعطى توصيفا أكثر تحديدا للنشاط ~~العلمي، يفسر بقاء النظرية التي لا تتمتع بتوافق تام مع الملاحظة فثمة النواة الصلبة ~~التي ترتكز عليها والحزام الواقي الذي يصونها. # وفضلا عن النواة الصلبة والحزام الواقي، يحتوي برنامج البحث أيضا على موجه ~~مساعد على الكشف # heuristic ~~، يعين القواعد المنهجية ~~ويرسم مسار عمل العلماء. وكان وليم هيوول العظيم قد استخدم مقولة الموجه المساعد على ~~الكشف فيما أسماه فن الكشف # Art of Discovery # الذي يعني ~~شيئا قريبا من الميثودولوجيا، لكن لاكاتوش جعله ينقسم إلى موجه إيجابي وموجه سلبي، ~~الموجه الإيجابي هو التصميم العام لبرنامج البحث، يساعد العلماء على تحديد المشكلات ~~التي ينبغي حلها، والموضوعات المطروحة للبحث والقواعد العامة والطرق المعتمدة ... ربما ~~يبالغ لاكاتوش إلى حد ما في تقدير قيمة وفعالية الموجه الإيجابي، لكن هناك أيضا الموجه ~~السلبي الذي يدافع عن النواة الصلبة، إنه يؤدي إلى تكون منظومة الفروض المساعدة التي ~~تشكل الحزام الواقي، ويحول دون تسرب نظريات لا علمية أو ضعيفة أو متناقضة مع برنامج ~~البحث المعمول به. ويضرب لاكاتوش مثلا على هذا بالميتافيزيقا الديكارتية، حيث افترض ~~ديكارت أن العالم كساعة مهيبة ونسق من الدوامات، يرى لاكاتوش أنها كانت موجها سلبيا ~~للكشف بالغ الفعالية في مراحل تأسيس العلم الحديث، أحبطت وناوأت نظريات ضد علمية ~~كالنظرية الحيوية ونظرية التأثير عن بعد وسواها من نظريات لا تتسق مع برامج العلم ~~الحديث. وبنفس القدر كانت الميتافيزيقا الديكارتية موجها إيجابيا بشأن نظرية نيوتن. ~~وبعبارة موجزة، الموجه الإيجابي يرشد العلماء إلى ما ينبغي أن يحتذوه، والموجه السلبي ~~يرشدهم إلى ما ينبغي أن يتجنبوه. وفي إطار هذا وذاك تبقى النواة الصلبة، بينما يتعدل ~~ويتكيف الحزام الواقي أو يستبدل به. وبرنامج البحث ناجح ويظل تقدميا بقدر ما يكشف كل ~~تعديل فيه - أو بالأحرى في حزامه الواقي - عن تنبؤات جديدة، ويسفر عن طرح مشاكل أخرى ~~أبعد مراما. إذا كف برنامج البحث العلمي عن هذا، وزاد محيط الظواهر الشاذة التي يعجز ~~عن تفسيرها مهما زودنا حزامه ms399 الواقي بفروض مساعدة، فإنه يصبح برنامج بحث تقهقريا ~~متدهورا، وهنا تبرز الحاجة إلى تغيير النواة الصلبة ذاتها، أي ترك برنامج البحث بأسره ~~والانتقال إلى آخر تقدمي، نشأ في محيط تلك الشذوذات، ولكنه استطاع أن يحولها إلى أمثلة ~~معززة، فالموجه الإيجابي المساعد على الكشف فيه يفتح طرقا لاستيعاب تلك الظواهر ~~الشاذة. # على هذا النحو يترسم تاريخ العلم مع إمري لاكاتوش عبر انتقالات متوالية من برنامج بحث ~~أصبح تقهقريا متدهورا إلى آخر تقدمي واعد. تلك هي نظرته لتاريخ العلم الداخلي عبر ~~حركية برامجه، أو هي محاولة لاكاتوش لإعادة بنائه من حيث هو معرفة عقلانية متنامية. فكل ~~فلسفة للعلم - فيما يؤكد لاكاتوش - بمثابة إعادة بناء عقلانية لتاريخ العلم ~~الداخلي. # بينما تركز اهتمام توماس كون على دور تاريخ العلم في فلسفته، تميز لاكاتوش بأنه اهتم ~~بهذا، واهتم أيضا بدور فلسفة العلم في تاريخه، أو بالأحرى في تأريخه، أي أنه اهتم ~~بالعلاقة التبادلية بين الطرفين. # تبين لاكاتوش جيدا أن فلسفة العلم - أو ميثودولوجيته بمصطلحاته - لم تعد قواعد ~~وطرقا لحل المشاكل العلمية كما كان يأمل فلاسفة القرن التاسع عشر، ولم تعد مجرد تبرير ~~للمعرفة العلمية، إنما هي نظريات في العقلانية العلمية ومعايير لتمييز العلم أو تعريفه، ~~ومحكات لقبول ورفض النظريات العلمية # 40 # تحاول أن تعطي صياغة لنمو المعرفة العلمية الموضوعية، أي للتطور العقلي ~~الخالص؛ لذلك كانت فلسفة العلم أو ميثودولوجياته صياغة لعقلانية التقدم العلمي، أي نموه ~~الإبستمولوجي الذي هو تطور عقلاني خالص. # ولما كانت فلسفة العلم تزودنا بتفسير عقلاني لنمو المعرفة الموضوعية العلمية، فهي إذن ~~تزودنا بنظريات منهجية أو ميثودولوجية معيارية تشكل إطارا نظريا، في حدوده يستطيع ~~المؤرخ إعادة بناء التاريخ الداخلي للعلم الذي هو تاريخ العقلانية. كل فلسفة للعلم هي ~~ميثودولوجيا، هي محاولة لإعادة بنائه عقلانيا، هي خطوط معيارية ترشد مؤرخ العلم وتوجه ~~خطاه. وانكب لاكاتوش على تخطيط عام واستعراض للميثودولوجيات أو المذاهب الأربعة الكبرى ~~في فلسفة العلم، أي الصياغات الرئيسية لعقلانية التقدم العلمي بوصفها برامج بحث في ~~تاريخ العلم، تحدد للمؤرخ المنظور الذي يتخذه ms400 والمعالم التي يتوقف عندها وانتقاءه ~~أحداثا معينة. # هناك أولا النزعة الاستقرائية، أي المذهب الاستقرائي # Inductivism # الذي يضوي تحت لوائه التجريبية المتطرفة والوضعية ~~المنطقية، حيث يتحول التاريخ الداخلي للعلم إلى وقائع تجريبية صلبة تعقبها تعميمات ~~استقرائية. وهناك - ثانيا - مذهب الاصطلاحيين # Conventionalism # والأداتيين ليتحول تاريخ العلم إلى تشييد لأنساق مفتوحة، ~~حيث النظرية تحل محلها نظرية أخرى أبسط منها تبعا لولع الاصطلاحيين بمعيار البساطة. ~~وخلاصته أن أبسط تفسير يتفق مع الملاحظات المتعلقة بالموضوع هو الصحيح على الأرجح، وهو ~~المفضل عن سواه. كانت البساطة من مسلمات التفكير العلمي وفلسفة العلم بصفة عامة، إلا ~~أنها تكتسب أهمية خاصة عند الاصطلاحيين والأداتيين كما رأينا، حيث تعني القدرة على ~~تبسيط الظواهر التي هي معقدة. والتبسيط هنا لا يخلو من مغزى أستطيقي جمالي. وكما أشرنا ~~إبان الحديث عن الأداتية، تحتكم المدرسة الاصطلاحية إلى معايير منطقية وجمالية، أما ~~الوقائع التجريبية ذاتها فتقبل أو ترفض بقرار منهجي تبعا لتلك المعايير. ومن هنا ~~نتفهم ولع الأداتيين بمعيار البساطة في المفاضلة بين النظريات، إنه يلبي المطلبين ~~المنطقي والجمالي. لكل ذلك يذهب إمري لاكاتوش إلى أن تاريخ العلم معهم سوف يصبح تاريخ ~~انتصارات معيار البساطة. أما عند الفريق الثالث، وهم التكذيبيون البوبريون، فإن التاريخ ~~الداخلي العقلاني للعلم هو تاريخ الحدوس الجريئة وتصويبها لتكتسب محتوى متزايدا، ~~والأهم اللحظات الدراماتيكية الكبرى لتكذيبها وتفنيدها، وظهور حدوس أجرأ وأغزر في ~~المحتوى المعرفي ... إلخ، ثم يجعل لاكاتوش مذهبه الخاص به - أي ميثودولوجيا برامج الأبحاث ~~العلمية - ممثلا للاتجاه الرابع والأخير، وهو اتجاه يؤكد على المنافسة طويلة المدى ~~نظريا وتجريبيا بين برامج الأبحاث ومتغيرات المشاكل التدهورية والتقدمية، ثم النصر ~~الذي يبزغ رويدا رويدا لبرنامج بحث تقدمي على آخر تدهوري. # كل واحدة من هذه الميثودولوجيات الأربع - وسواها - تعطينا نمطا معياريا للنمو ~~العقلاني للمعرفة العلمية. إنه التاريخ الداخلي الإبستمولوجي الخالص، ويستحيل أن يكون ~~كاملا شاملا. التاريخ الفعلي للعلم دائما أكثر ثراء وحيوية؛ لأن البشر ليسوا كائنات ~~عقلانية خالصة، بل تتنازعهم عوامل أخرى لا عقلانية، لا إبستمولوجية، تجعل الأبحاث في ~~نظرية مندل الوراثية ms401 - مثلا - تختفي تماما من روسيا السوفيتية في الخمسينيات، أو بعض ~~الأبحاث ذات الأغراض العرقية العنصرية تزدهر في أماكن أخرى من العالم الغربي. ويمكن أن ~~نبحر إلى مدى أبعد ونتوقف عند دور الكنيسة الكاثوليكية في تثبيط حركة العلم إبان العصور الوسطى. # 41 # والواقع أن دور العوامل الخارجية اللاعقلانية في ترسيم تاريخ العلم الفعلي أكبر مما ~~نتصور. وتكفي الإشارة إلى أن علم الفلك نشأ عن التنجيم، مثلما نشأت الكيمياء عن ~~السيمياء أو محاولات تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. لذلك فإن أية فلسفة للعلم - أي أية ~~ميثودولوجيا لإعادة بنائه العقلاني - لا بد من تزويدها بالتاريخ الخارجي للعلم الذي هو ~~التاريخ التجريبي المعني بالجوانب الاجتماعية والنفسية لظاهرة العلم، أو ما يسميه ~~لاكاتوش بالتاريخ السوسيوسيكولوجي للعلم. نعم، التاريخ الداخلي الإبستمولوجي هو الأولى ~~والمبدئي والأكثر حسما، والتاريخ الخارجي ثانوي وفي منزلة أدنى، لكنه ضروري لكي تتكامل ~~النظرة إلى العلم - أو لبرامج أبحاثه بتعبير لاكاتوش. # إن التاريخ الداخلي العقلاني الإبستمولوجي المعياري يؤول أحداث التقدم العلمي، ثم ~~يعطي التاريخ الخارجي التجريبي السوسيوسيكولوجي تفسيرا - ليس عقلانيا - لتسارعها أو ~~تباطؤها أو حلولها في مكان معين أو حدوثها دون سواها ... إلخ. وأيضا حين تختلف بعض جوانب ~~التاريخ الفعلي للعلم عن محاولة إعادة بنائه عقلانيا - أي عن فلسفته أو نظريته ~~الميثودولوجية - يمكن للتاريخ الخارجي أن يفسر هذا الاختلاف. # وكما هو معروف، الحياد المطلق مستحيل في التأريخ. ولما كان المؤرخ - أي مؤرخ - ينزع ~~إلى إعادة ترتيب الأحداث ... إلى إعادة بناء موضوعه، كان من العسير أن يشرع أحد في ~~التأريخ للعلم بدون فلسفة للعلم ... بدون نظرية في إعادة بنائه العقلاني، سواء أكان ~~المؤرخ على وعي بهذا أم لا. وكما أوضح لاري لوضان، ربما كان تاريخ العلم كوقائع حدثت ~~مسألة محايدة، لكن المؤرخ يسجلها على أساس فلسفي، ولإحراز أهداف فلسفية. # 42 # ويلاحظ لوضان أن لاكاتوش يفترض إمكانية المقارنة بين التاريخ الواقعي ~~الفعلي وبين إعادة بنائه عقلانيا، فيتساءل: هل من الضروري إذن تلفيق تاريخ العلم لكي ~~نفهمه؟! ولكن ليست المسألة تلفيقا بل هي تعامل وتحاور مع ms402 وقائع غفل كمدركات كانط ~~الحسية، مع مادة خام، من أجل تنميطها وتفسيرها والاستفادة منها واستخلاص دلالة التقدم، ~~حتى اعتبر لاكاتوش الميثودولوجيا «نظرية فيما وراء ~~التاريخ # Metah historical ~~»، إنها كما أوضحنا برنامج بحث في تاريخ العلم وإطار لترسيمه، ~~بمصطلح لاكاتوش الحرفي: محاولة لإعادة بنائه عقلانيا. # وما دامت فلسفة العلم «الميثودولوجيا» تضطلع بهذا الدور المحوري والعبء في تأريخ ~~العلم، حق إذن قول لاكاتوش: إن تاريخ العلم بدون فلسفته أعمى أو عماء، إنهما وجهان ~~لعملة واحدة كي تظل صالحة للتداول وأداء الوظائف المنوطة بها. # وإذا انتقلنا إلى الوجه الآخر للعملة، أي دور تأريخ العلم في فلسفته والذي بدونه تصبح ~~هذه الفلسفة خواء، لوجدنا لاكاتوش يؤكد أن تاريخ العلم هو محك اختبار الميثودولوجيات؛ ~~أي نظريات فلسفة العلم، إن تقويم الميثودولوجيتين المتنافستين والفصل بينهما يكون عن ~~طريق تاريخ العلم الذي استطاعت الميثودولوجيا المعنية أن تخضعه لتأويلها العقلاني؛ # 43 # وكلما نجحت في تأويل قطاع أكبر من تاريخ العلم الفعلي تأويلا عقلانيا؛ ~~أي بوصفه تاريخا داخليا إبستمولوجيا، كلما كانت أفضل. الميثودولوجيا الضعيفة هي ~~التي تلقي بكثير من الأحداث في إطار التاريخ الخارجي التجريبي أو السوسيوسيكولوجي. لذلك ~~يرى لاكاتوش أن الخط الفاصل بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي يختلف من ميثودولوجيا ~~لأخرى. الميثودولوجيا في حد ذاتها يصعب نقدها لأسباب عديدة، لكن يمكن نقدها على أساس ~~هذا المحك التاريخي. # وبالفعل انكب لاكاتوش على تطبيق المحك التاريخي في نقد الميثودولوجيات الأربع الكبرى، ~~أركان فلسفة العلم، ويخلص إلى أن نظريته - ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية - هي ~~الأفضل! لأنها تنجح في تفسير القطاع الأعظم من الوقائع والأحداث في إطار التاريخ ~~الداخلي العقلاني. فإذا كانت البوبرية التكذيبية تفوق الاستقرائية في هذا، فإن ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية تفوق البوبرية؛ لأن هذه الأخيرة، أي البوبرية ترى - ~~مثلا - أن التشبث بنظرية ثم تفنيدها مسألة لا عقلانية، فتنأى به البوبرية عن ~~الإبستمولوجيا، وتلقي به في التاريخ الخارجي للعلم، ولكن هذا يمكن أن يتحول في ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية إلى تاريخ داخلي هو دفاع عقلاني عن برنامج بحث لا ~~يزال ms403 واعدا. ولعل لاكاتوش يقصد بهذا المثال النظرية الماركسية بالذات، فموقفه منها ذو ~~شئون وشجون. # 44 # وخلاصة القول: إن معيار قبول نظرية فلسفة العلم أو الميثودولوجيا إنما هو في قدرتها ~~على إرشاد مؤرخ العلم، والنظرية الأفضل هي التي تتمخض عن إعادة بناء أشمل لعقلانية ~~العلم، أي لتاريخه الداخلي. # وها هنا تجدر إشارة تفيد في إيضاح الصورة العامة لتفكير لاكاتوش وإطار فلسفته. إنه ~~منذ البداية يطرح قضاياه ومعالجاته لفلسفة العلم في حدود أربع ميثودولوجيات تمثلها، هن ~~أولا الاستقرائية التحقيقية، وثانيا الاصطلاحية والأداتية، وثالثا التكذيبية ~~البوبرية. ورابعا وأخيرا المذهب الخاص به وهو ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية. وفي ~~هذا لا يمكن تجاهل دراسة رائده كارل بوبر الهامة «ثلاث وجهات للنظر بشأن المعرفة الإنسانية»، # 45 # وهذه الرؤى الثلاث كما حددها بوبر، هي أولا نظرية العلم - أو ~~الميثودولوجيا بمصطلح لاكاتوش - الجاليلية التي سادت بفضل جاليليو منذ القرن السابع عشر ~~وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، وترى هدف العلم في الوصول إلى نظريات هي توصيفات ~~صادقة ويقينية عن طريق تعميم الملاحظات التجريبية، أي إنها المذهب الاستقرائي، وإن كان ~~بوبر ينحو به نحو ما أسماه الماهوية # Essentialism ~~(راجع [الفصل الأول: العلم بين فلسفته وتاريخه - أولا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم])، أي بلوغ ماهيات الأشياء وحقائقها الثابتة. والمذهب الثاني هو ~~الأداتية الاصطلاحية، وبوبر يشبعهما مقارنات وتحليلات وتمحيصا ونقدا وتفنيدا. أما ~~خصمه الخصيم، أي الوضعية المنطقية، فهي موزعة بين هذين الاتجاهين، فهي استقرائية لكن ~~ليست ماهوية. وبعض الوضعيين المناطقة أخذوا بالاتجاه الأداتي. وبوبر بعد أن أشبع ~~الاستقرائية والأداتية الاصطلاحية تمحيصا ونقدا، يعرض لوجهة النظر الثالثة بشأن ~~المعرفة الإنسانية وهي النظرة الخاصة به، أي التكذيبية. فلا غرو من أن يسير لاكاتوش على ~~نفس المسار ويضع بجوار هذه النظريات الثلاث نظرية رابعة هي الخاصة به - ميثودولوجيا ~~برامج الأبحاث العلمية - ويحاول إثبات أن نظريته تضوي تحت لواء التاريخ الداخلي ~~العقلاني مساحة من وقائع وأحداث تاريخ العلم، أوسع من المساحة التي تستطيعها التكذيبية ~~البوبرية. فهكذا يتصور أنه صاحب أنجح فلسفة للعلم، حتى ms404 مثل تقدما عن رائده كارل ~~بوبر. # وبطبيعة حال الفلسفة تعرض لاكاتوش للنقد والأخذ والرد. رفض كثيرون اعتبار الخط الفاصل ~~بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم متحركا هكذا، ورفض آخرون أن تكون ~~الميثودولوجيا إبستمولوجية ومنطقية معيارية، ثم تتخذ التاريخ محكا لها ومعيارا ~~لتقويمها، لم يمهله رحيله المفاجئ للرد عليهم جميعا. ولكن يكفي تماما أنه مع لاكاتوش ~~تمايزت ثلاثة مقومات جوهرية في اعتبار الظاهرة العلمية، وهي: # أولا: # المعايير المنطقية والميثودولوجية. # وثانيا: # التاريخ الداخلي أو نمو المعرفة الموضوعية العقلانية، أي التقدم ~~الإبستمولوجي. # وثالثا: # العوامل الإمبيريقية السوسيوسيكولوجية الخارجية، التي ليست بعوامل ~~عقلانية. # لقد نجح لاكاتوش في هدفه، كما حدده لنفسه، وهو إيضاح كيف يمكن لفيلسوف العلم أن يتعلم ~~من تاريخه، مثلما يلزم على مؤرخ العلم أن يصغي بانتباه لفلسفته، ويعين النظرية الفلسفية ~~التي سوف يرتكز عليها في تأريخه، مع ملاحظة أن كل ميثودولوجيا يجب أن تفصل بأساليبها ~~الخاصة بها بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم. ومؤرخو العلم وفلاسفته على ~~السواء عليهم أن يستفيدوا لأقصى درجة من التفاعل النقدي بين عوامل التاريخ الداخلي ~~وعوامل التاريخ الخارجي للعلم. وفي النهاية يذكر لاكاتوش القارئ بدعابته المفضلة، وهي ~~أن تاريخ العلم صورة كاريكاتورية من إعادة بنائه العقلانية التي هي بدورها صورة ~~كاريكاتورية لتاريخه الفعلي، # 46 # وهذه الدعابة تجسد إلى أي حد لم تعد المسألة مجرد حلول الوعي التاريخي، بل ~~هي توشج وتشابك تاريخ العلم مع فلسفته، حتى أصبحا وجهين لعملة واحدة يحيل كل منهما ~~للآخر. فحق اعتبار فلسفة لاكاتوش ذروة الوعي التاريخي في فلسفة العلم. # خامسا: انطلاقة الوعي التاريخي: باول فييرآبند ... والطريق الجديد # انتشر في أوساط فلسفة العلم وعمر أرجاءها فلاسفة كثيرون، أجادوا استيعاب الدرس ~~التاريخي الذي كثفه إمري لاكاتوش، واصلوا المسار البوبري - الكوني الضد وضعي؛ ليدعموا ~~المرحلة التالية من فلسفة العلم، المتحررة من قصورات الوضعية المنطقية وتطرفاتها ~~وحيوداتها التي ترتد إلى حد كبير لنزعة الوضعية اللاتاريخية، ومؤكدين لمنطق الكشف ~~والنماء والتغير والتقدم والثورة، لا مكرسين لمنطق تبرير المعرفة وإثبات الصحة، وقد ~~تأدى هذا إلى رفع لواء النسبية ms405 أو بالأحرى النسبوية # Relativism # التاريخية للمعرفة العلمية، لا مطلقيتها المنطقية، والنظرة ~~التكاملية لفلسفتها لا المحض إبستمولوجية، تأكيدا لأنسنة الظاهرة العلمية. # وربما كان أهم هؤلاء وأكثرهم بروزا واستحقاقا للذكر، فيلسوف العلم الثائر المشاغب ~~باول فيبرآبند P. K. Feyerabend ~~(1924-1994م) الذي ~~يمثل ظاهرة فريدة حقا في فلسفة العلم والفلسفة بأسرها والحضارة الغربية ذاتها، يريد ~~أن يحمي العلم من شوفونية الروح العلمية وطغيانها، والفلسفة من أساتذتها المحترفين ~~إياها، والحضارة الغربية من توجهها الغربي! ومهما أثارت جنوحاته الشاردة من دهشة، ومهما ~~تكشفت كتاباته المندفعة عن تفاصيل يصعب قبولها - بل يصعب التوفيق بينها! وتثير جدلا لا ~~ينتهي، فإنه يظل من أهم شخوص فلسفة العلم في مرحلتها الراهنة، ويهمنا من أمره أنه وضع ~~المسمار الأخير في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم، وبلغ الوعي التاريخي بالعلم معه ~~انطلاقة لا تحدها حدود. # بادئ ذي بدء، لا بد من محاولة لتوضيح المقصود من أن فييرآبند قد وضع المسمار الأخير ~~في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم. # في هذا نلاحظ مجددا ما بيناه سابقا من أن هذه النظرة اللاتاريخية هي ذاتها الانشغال ~~بمنطق تبرير المعرفة العلمية كمنجز راهن، وهذا التبرير يكمن أصلا في العلاقة بين ~~الملاحظة التجريبية والنظرية العلمية، وهي علاقة يمكن أن تحكمها خطوات المنهج العلمي. ~~ومن ثم شاع التصور آنذاك أن فلسفة العلم هي ذاتها نظرية المنهج المعنية بخطواته. وكان ~~هذا المنهج هو الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظات أو الوقائع التجريبية ليعممها ويصل منها ~~إلى القانون العلمي. # ثم كان تطور نظرية المنهج على يد كارل بوبر ليمثل المسمار الأول في نعش النظرة ~~التبريرية اللاتاريخية، حين انتقل بالمنهج من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم. كثف ~~بوبر جهوده تكثيفا لقلب النظرة الاستقرائية رأسا على عقب، وأسرف في التأكيد على أن ~~البدء ليس بالملاحظة التجريبية وأصبح المنهج التجريبي هو المنهج الفرض الاستنباطي الذي ~~يبدأ بالفرض ثم يختبره عن طريق التجريب، كما سبق أن بشر هيوول. وكان هذا انقلابا من ~~النقيض إلى النقيض، فانحلت كثير من الإشكاليات المنهجية التي تجسدها مشكلة الاستقراء، ~~أي استحالة تبرير ms406 القفزة التعميمية من ملاحظات محدودة إلى قانون كلي. ثم واصلت فلسفة ~~العلم مسارها بتصورات من قبيل النموذج الإرشادي مع توماس كون وميثودولوجيا برامج البحث ~~مع إمري لاكاتوش، والاستراتيجيات العقلية مع ستيفن تولمن ... وهي تصورات توضح كيف أن ~~الوقائع التجريبية لا تتحدد إلا في ضوء النظرية العلمية، والنظرية بدورها لا تتعين بدون ~~الوقائع، بمعنى أن قطبي الموقف العلمي - الوقائع التجريبية والنظرية العلمية - ليسا ~~طرفين متقابلين، نضع كلا في واد ثم نبحث عن العلاقة بينهما وأيهما يؤدي إلى الآخر ~~وأيهما الأسبق. إنهما كل واحد متعضون في إطار متكامل، قد يقبل هذا الإطار، أو يرفض ~~ويتم الانتقال إلى إطار آخر أكثر تقدمية. والحق أن واقع البحث العلمي الآن يؤكد هذا. ~~ويضرب بولكين هورن مثالا يوضحه وهو اكتشاف الجسيمين الذريين # Z # و # W # وهما وسيطان ~~في القوى النووية الضعيفة. وكان ثمة اثنان من زملاء بولكين هورن الباحثين في فيزياء ~~الجسيمات الأولية هما كارلو روبيا # C. Rubbia ~~، ~~وسيمون فان دير مير # S. V. Der Meer ~~، عملا في إطار ~~فريق بحثي كبير، استخدم مصفوفة واسعة ومترابطة من الكواشف الإلكترونية للنشاط الإشعاعي، ~~وتحليلات الكومبيوتر هي التي يمكنها تقييم ما تشير إليه هذه الكواشف. إنها معطيات ~~الملاحظة الحسية أو المادة التجريبية الخام، بيد أنها في حد ذاتها لا تعني شيئا البتة، ~~ولا تدل على شيء محدد، وما كان يمكن الإعلان بأن هنا الجسيم # W # وهناك الجسيم # Z # إلا عن طريق تأويل لمعطيات الملاحظة التجريبية، تأويلا يستخدم أفكارا فيزيائية معينة، ~~هي فرض وجود هذين الجسيمين الذي تقدم به العالمان المذكوران عام 1984م، ونالا عنه جائزة نوبل. # 47 # هكذا نجد أنه لا معنى لملاحظات في حد ذاتها، وأيضا لا معنى للفرض في حد ~~ذاته، إنهما كل متكامل أو كيان واحد. # وبهذا يسفر تطور نظرية المنهج العلمي عن صيرورة جدلية، فقد كانت الاستقراء الذي يبدأ ~~بالملاحظة، ثم انقلبت إلى النقيض الذي يبدأ بالفرض. وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين ~~اتخذت نظرية المنهج العلمي صورة المركب الجدلي الذي يجمع خير ما في هذين ms407 النقيضين ~~ويتجاوزها إلى الأفضل، إلى نظرة ترى الفرض والملاحظة كلا متكاملا. # وبهذا؛ فإن سؤال التجريبية التقليدي عن المنهج العلمي، وكيفية الانتقال من الملاحظة ~~إلى النظرية أو العكس، قد بدا وكأنه وجد إجابته، وآتت أكلها، فاستنفد ذاته ولم يعد ~~مطروحا. # لعل هذه هي الدلالة العميقة جدا، الكامنة في الأعماق والمطمورة، لكتاب فييرآبند ~~البالغ الخطورة «ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في المعرفة»، صدرت طبعته الأولى ~~عام 1975م ليحدث بلبلة شديدة، وتتوالى طبعاته وترجماته إلى لغات عديدة، وهي الدلالة ~~التي تجعلنا نعتبره بمثابة المسمار الأخير في نعش تلك النظرة التبريرية اللاتاريخية ~~للمعرفة العلمية وسؤالها المركزي. # الدعوى الأساسية لهذا الكتاب تأكيد لتلك المحصلة، وهي أن السؤال عن المنهج سؤال زائف، ~~وأن العلم لم يكن أبدا أسير منهج واحد محدد، بل هو مشروع فوضوي # Anarchic Enterprise ~~، أي لا يعترف بأية سلطة، وكل ~~المناهج يمكن أن تجدي فيه، # 48 # تبعا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء ~~مقبول # Anything goes ~~. وكانت أسانيد فييرآبند الأساسية في فحص تسلسل الأحداث الكبرى ~~التي شكلت تاريخ العلم ليوضح أنها لم تأت عن طريق منهج واحد محدد، بل مناهج عديدة، ~~وانكب فييرآبند على تأكيد التعددية المنهجية، كل منهج مقبول على الرحب والسعة طالما ~~يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة إلى رصيد العلم. أما ~~تكبيل البحث العلمي بمنهج واحد محدد، فهذا ضد الإبداع يخنق روحه الضرورية للإنجاز في ~~العلم، والإجماع على رأي واحد - بشأن منهج واحد - يناقض طبيعة نشاط عقلاني على الأصالة ~~كالعلم التجريبي. # من هنا كانت نظرية فييرآبند الميثودولوجية هي «التعددية المنهجية» التي هي ذاتها ~~الفوضوية أو اللاسلطوية المعرفية، فإن شئنا عنوانا لفلسفته للعلم فهو «العقلانية ~~الفوضوية» التي ترفض بشدة تنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، وترفض أيضا تنصيب السلطة ~~المعرفية للعلم بالذات! على أساس أن التقدم المعرفي يأتي عن طريق إطلاق طاقات الإبداع ~~والخلق والابتكار، وليس البتة بالتشديد على اتباع منهج معين، أو اقتفاء خطى نظام معرفي ~~محدد دون سواه. # وكما يؤكد فييرآبند - بجرأة يحسد عليها - ليس العلم نظاما ms408 معرفيا مقدسا يستلزم ~~الكفر بكل ما عداه أو خالفه، إنه نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية ~~الأخرى. وعلى الرغم من أن العلم ليس البتة دينا، فإننا نعامله من منطلق الإجلال ~~الديني، من نظرة تقديسية تنظر إليه وكأنه كيان لا يدانيه إلا الحق المطلق والخير ~~المطلق، بل أيضا - ولا ينبغي أن نندهش - الجمال المطلق! فتمثيل العلم للجمال المطلق ~~دعوى مرفوعة منذ فيثاغورث وحتى أبرزتها المدرسة الاصطلاحية التي تعامل النظرية العلمية ~~بالمعايير الأستطيقية الجمالية، لكنه الجمال الذي لا يتذوقه إلا الذكاء العلمي بتعبير ~~هنري بوانكاريه. # هذه النظرية التقديسية للعلم ازدادت جمودا وتحجرا على يد فلسفات العلم الوضعية الضد ~~تاريخية، التي ترفع العلم فوق التاريخ. ثم أوتي فييرآبند الجرأة على هتك الحجاب المقدس ~~الذي طالما اتشح به العلم الحديث، وكأنه ليس نشاطا إنسانيا وليس واحدا من إنجازات ~~حضارية عديدة. ولم يكن هذا الهتك من أجل نفي العلم، كما تفعل الفلسفات الضد علمية ~~كالرومانتيكية مثلا، بل من أجل استبصار أعمق لمضامين العلم ووظائفه وحدوده وإطلاق ~~الطاقات التقدمية فيه ... إلى آخر هذه المهام التي لا يضطلع بها إلا فلاسفة العلم ~~المحترفون، المخلصون له أكثر من سواهم. # وفي هذا الإطار، كان فييرآبند شديد التحمس للنسبوية في العلم، وكان عمل فييرآبند ~~البارز «ضد المنهج» ليقوض تصور المنهج العلمي الواحد الثابت دائما، وإذا كانت المناهج ~~ذاتها نسبية أو نسبوية - أي بالنسبة لطبيعة المشكلة المطروحة للبحث - فلا غرو أن يؤكد ~~فييرآبند على أن كل شيء في العلم نسبوي، # 49 # مثلما أكد توماس كون على أن الأحكام العلمية نسبوية، أي بالنسبة للنموذج ~~الإرشادي المعمول في إطاره. وفييرآبند يقر صراحة أنه أخذ بهذه النسبوية حين تعلم من ~~توماس كون - ومن آخرين - أن يتناول الموضوع تناولا تاريخيا وليس تناولا منطقيا. ~~هكذا نلاحظ ربط فييرآبند بين النسبوية وبين الوعي التاريخي، وهو في هذا وذاك يحاول ~~التوصل إلى بعض البنيات الثابتة # 50 # التي تذكرنا بنماذج كون الإرشادية. # وكان تتابع النماذج الإرشادية يفضي إلى اللا ~~مقايسة # Uncommensurability # أي عدم قابلية النظريات العلمية ms409 للقياس المتكافئ للحكم عليها ~~بنفس المعايير. واللامقايسة ترتبط هي الأخرى بالوعي التاريخي، وقد اعتبرناها من أقوى ~~تجسيداته، وهي فكرة رفضها كارل بوبر تماما ولم يرحب بها إمري لاكاتوش، فقد أخذا ~~بالنظرة البوبرية لموضوعية المعرفة المشتركة بين الذوات أجمعين في كل زمان ومكان، ~~وطالما انفصلت المعرفة عن مبدعها، أي عن العالم 2، وانتمت إلى العالم 3، فهي واحدة أمام ~~الجميع، ولو قدر لأي عالم من أي عصر أن يطلع على أي تراث علمي أسبق لأدرك أنه أقل ~~تقدما، وأقل إحرازا لأهداف العلم، وبالمثل لو تمكن أي عالم من تفهم الحصيلة في عصر ~~لاحق لأدرك أنه أكثر تقدما. وعلى أساس هذا الزعم يرفض بوبر ومعه لاكاتوش نسبوية ~~المعرفة العلمية واللامقايسة. # أما فييرآبند - النسبوي حتى النخاع - فقد جن بمقولة اللامقايسة وانطلق معها إلى أقصى ~~الحدود، وعايشها وامتزج بها حتى نجد مواضع في كتاباته توحي بأنها من وضعه، وإن كان يشير ~~في مواضع أخرى، وأحيانا في نفس المواضع «!» إلى فضل توماس كون وآخرين. وليس غريبا أن ~~يناقض فييرآبند الواقع أو يناقض نفسه، فهو يفعل هذا كثيرا، ولكنه في كتاباته المبكرة، ~~الأكثر رصانة وموضوعية يؤكد أن اللامقايسة ليست أطروحة فلسفية، بل هي تلخيص لإجراء علمي ~~واسع الانتشار كثيرا ما يثبت نجاحه، والهجوم عليها ليس هجوما على موقف فلسفي معين، بل ~~هو هجوم على العلم ذاته. # 51 # واضح أن هذا على أساس النظرة إلى العلم المتسلحة بالوعي التاريخي؛ لأن ~~اللامقايسة قرينة التناول التاريخي للعلم ونتيجة من نواتجه، ومن ثم يتقد دفاع فييرآبند ~~عن كليهما معا. # وبعد هذا يزعم فييرآبند في عمل متأخر له أنه لا يروم من اللامقايسة إسهاما ~~إيجابيا، بل هي أساسا لنقد وتبيان الخطأ في تصور شائع للتفسير العلمي ورد العلوم إلى ~~الفيزياء؛ هذا لأن اللامقايسة تشير إلى جوانب في التغير العلمي والتقدم لا يمكن الإحاطة ~~بها عن طريق تلك النظرة في الرد - وهو يقصد نظرة الوضعية المنطقية. ويؤكد فييرآبند أن ~~اللامقايسة لا تمثل أية مشكلة للعلوم المختلفة ولا لسواها، إنها مشكلة فقط بالنسبة ~~لبعض فلسفات ms410 العلم المفرطة السذاجة - وهو يقصد العقلانية الخالصة والعقلانية النقدية ~~كفلسفة بوبر! ثم إن اللامقايسة - والحديث ما زال لفييرآبند - استشرت بصورة رهيبة وأصبحت ~~ملمحا أصيلا من ملامح كل فكر مبدع خلاق، ومن ناحية أخرى سرعان، ما أصبحت تستخدم ~~لتعليل افتقاد التفاهم بين الثقافة العامة وبين العلم. ويزعم فييرآبند أيضا أن هذا محض ~~هراء. بيد أن مزاعم فييرآبند المتأخرة لا حد لها، ولا ينبغي أخذها جميعا مأخذ الجد، ~~والحق الصراح أنه أكثر الجميع تأكيدا على اللامقايسة، وتطرفا فيها، فلم تعد معه فقط ~~بين نموذجين متتاليين في تاريخ العلم، بل أصبحت بين أي نظريتين. # ومعنى هذا أن كل نظرية يجب أن تحتفظ بمكانها في تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، والحكم ~~عليها فقط بالنسبة لظروفها وتحدياتها التاريخية. ويؤكد فييرآبند على قدرة النظريات ~~القابعة في تاريخ العلم على إخصاب الواقع العلمي الراهن وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل ~~المشاكل المطروحة للبحث، مما يعني دور تاريخ العلم في توسيع وإخصاب الأفق الإبداعي ~~للعلم. # ثم يواصل فييرآبند المسير بمقولة اللامقايسة ليصبح من أقوى وأجرأ نقاد الحضارة ~~الغربية العلمية العلمانية، حين يجعل اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل بين ~~الأنماط المعرفية ذاتها. فلا يعود ثمة مبرر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم الغربي ~~بالذات على أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، إنه مجرد تقليد معرفي ضمن تقاليد معرفية ~~عدة، ويجاهر فييرآبند صراحة برفضه لفلول موقف الحضارة الغربية الاستعماري حين تجعل من ~~العلم كلمة حق يراد بها باطل، أي ذريعة لفرض نموذجها الحضاري وقهر ووأد الثقافات ~~الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتحرم البشرية من خصوبة وثراء وتعدد جوانب، إن ~~نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. فهل العلم الغربي المجيد مبرر أو مطية للخواء ~~والإجداب؟! # إن هذا الاحترام لكل الأشكال الثقافية نتيجة منطقية للنسبوية المستقاة من النظرة ~~التاريخية، التي تجعلنا ننظر إلى البنية المعرفية بالنسبة لتاريخها وظروفها، وليس في ~~إطار معايير مطلقة. وبفضل هذه النسبوية سبق أن تغيرت نظرة علماء الأنثربولوجيا للبدائية ~~فلم يعودوا يعتبرونها وجودا متخلفا انتهى أمره أو يجب أن ينتهي ولا شأن ms411 لها بالحضارة ~~والعلم، بل أصبحوا ينظرون إليها كمراحل أولية قامت بدورها التمهيدي في إطار ظروفها ~~وعصرها فاحتلت موقعها في بدايات قصة الحضارة. هذا عن البدائية، فما بالنا بالمراحل ~~الأسبق من الحضارة، والبنيات الأسبق للعلم، بالطبع لا بد وأن يحفظ لها دورها. إن الوعي ~~التاريخي كفيل بإضفاء الخصوبة والثراء الباذخ من كل الجوانب. # لقد بدأ فييرآبند بوبريا يستن خطى بوبر في فلسفة العلم، وهو مثله نمساوي قضى صدر ~~الشباب في جامعة فيينا - الحاضنة الرءوم لفلسفة العلم - ثم هاجر إلى أمريكا، بينما سبقه ~~بوبر في الهجرة إلى إنجلترا. في أعمال فييرآبند المبكرة الرصينة، وهي «بحوث فلسفية ~~1981م» في مجلدين: الأول بعنوان «الواقعية والعقلانية والمنهج العلمي»، والثاني بعنوان ~~«مشكلات التجريبية»، نجده يدور حول محاور أرساها بوبر، وينطلق من عناصر الفلسفة ~~البوبرية بوصفها مبادئ الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، ولا ضير في أن يعمل على نقدها، ~~فهذا في حد ذاته بوبرية أصيلة، ولكنه في أعماله المتأخرة، خصوصا «ثلاث محاورات في ~~المعرفة 1992م» الذي اختلط بقدر غير يسير من خطوط العبث واللامعقولية نجده ينقلب ليتنصل ~~من بوبر ويهاجمه بضراوة وتهور. # أما إمري لاكاتوش فهو صديق فييرآبند الفكري وزميله في الفوضوية والتعددية، وظل رفيقه ~~الأثير حتى آخر العمر. كان لاكاتوش قد انتحى به جانبا في حفل عام 1972م، وقال له: «إنك ~~- أي باول - لديك أفكار مدهشة، لماذا لا تسجلها وأكتب أنا ردا عليها، وننشر هذا وذاك ~~في عمل واحد، وأعدك بأنه سيكون مبعث سرور لكلينا.» ففعل فييرآبند وأرسل المخطوطة إلى ~~لاكاتوش في لندن، لكنها ضاعت لأسباب مجهولة، أعادها الإنتربول وراجعها فييرآبند، وفور ~~انتهائه من صياغة جديدة لها عام 1974م اختطف حادث السيارة إمري لاكاتوش وأجهض التشارك ~~المزمع بينهما # 52 # فصدرت هذه الأفكار في كتاب «ضد المنهج» بصورته المعروفة لفييرآبند الذي ظل ~~دائما يرفع آيات الثناء الجميل لذكرى رفيقه. وقد رأينا هذا الرفيق - إمري لاكاتوش - ~~تلميذا مخلصا لبوبر، قيل عنه: إنه في بعض الجوانب «أكثر بوبرية من بوبر نفسه»، # 53 # أما توماس كون فإن دراسته «منطق للكشف أم سيكولوجية ms412 البحث؟» مكرسة لتبيان ~~أواصر القربى بينه وبين بوبر وتماثلهما في المنطلقات وتشاركهما المبدئي في رفض الموقف ~~الوضعي، وأن اختلافات الطريق في بعض الشعاب لن تنفي هذا أبدا. # كان هذا الفاصل البيوجرافي عن سير الشخصيات ضروريا؛ ليلقي الضوء على خلفية من ~~العلاقات المتشابكة تساهم في إبراز هذا الرباعي الإبستمولوجي العظيم: كارل بوبر وتوماس ~~كون وإمري لاكاتوش وباول فييرآبند، كفريق عمل متكامل، على الرغم من خلافات جمة في ~~تفاصيل فلسفاتهم - استبينت فيما سبق. إنهم الأربعة الكبار، ممثلو الصف الأول ~~للإبستمولوجيا، للنظرة إلى العلم من الداخل كعقلانية تواصل تقدمها. وقد شكلوا بصفة ~~أساسية معالم فلسفة العلم في المرحلة التالية لسيادة الوضعية المنطقية، لا سيما في ~~الثلث الأخير من القرن العشرين، تحررت فيها فلسفة العلم من القصورات والحيودات الوضعية، ~~وأصبحت أكثر تكاملا، فأصبح العلم ذاته ظاهرة إنسانية حين انفتحت البوابة أمام الوعي ~~التاريخي ليحتل موقعه بعد طول غياب. والوعي التاريخي بدوره يعني الوعي بالظاهرة العلمية ~~ليس كمحض نسق منجز ومنته بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضا الوعي بالعلم ~~كفاعلية متغيرة ومتنامية ومتقدمة عبر الزمان، مما يعني أن المتغيرات الزمانية ~~السوسيوسيكولوجية - أي العوامل الخارجية للنسق العلمي - هي قوة فاعلة وناجزة لا بد أن ~~تؤخذ في الاعتبار. # وانضم إلى هذا الرباعي العظيم آخرون، من رجالات الصف الثاني لفلسفة العلم في أواخر ~~القرن العشرين وخواتيمه؛ ليأخذوا الوعي التاريخي مأخذا جادا، ويعالجوا الأبعاد ~~الحضارية والسوسيولوجية والسيكولوجية للظاهرة العلمية وسواها من موضوعات ما كانت ~~الوضعية تسمح بمعالجتها من قبل. ونذكر في هذا الصدد جون ~~واتكينز # J. Watkins # وقد رأيناه نصيرا للبوبرية، وهانسون # N. R. Hanson # وخصوصا كتابه «أنماط من الكشف» وماري هيس # M. Hesse ~~، وسواهم من فلاسفة ~~العلم المعاصرين ... لعل أبرزهم ستيفن تولمن وميشيل بولاني. # يجمع تولمن الخير من طرفيه، فهو أداتي بارز فيسهل عليه تأكيد أن صدق المعرفة العلمية ~~في حد ذاته ليس موضع الاهتمام، ثم يلتقي مع بوبر بعد ذلك حين يؤكد أن الاهتمام فقط بنمو ~~المعرفة وتطورها، ويلتقي معه أكثر وأكثر حين يرى المعرفة تنمو ms413 في ضوء النقد الموجه لها. ~~ولكنه أكثر من بوبر وعيا بتاريخ العلم، فهو يصغر بوبر بعشرين عاما تمثل مزيدا من ~~تقدم فلسفة العلم نحو الوعي بتاريخه. رأى تولمن - بحكم أداتيته - أن تاريخ تطور معالجات ~~المشكلة المطروحة للبحث، أهم بالنسبة للعالم الباحث من الانشغال بقضايا المحتوى المعرفي ~~وإشكالية الصدق. # وتولمن شديد العناية بنقد الوضعية المنطقية وتوضيح قصوراتها، استند في هذا على ضرورة ~~النظرة التاريخية للعلم، وأن الوضعية المنطقية في تناولها لفلسفة العلم ابتعدت عن تغير ~~التصورات الذي هو التقدم الحقيقي للعلم، وحذفوا من الممارسات الفلسفية كل ما يتعلق بهذا ~~وبعوامله. # ويرفض تولمن تماما النظرة إلى العلم من الداخل، إذا كانت مقتصرة على علاقاته ~~المنطقية وأسسه المنهجية، بحيث إن الجديد تنحصر جدته داخل الحدود والمصطلحات المطروحة. ~~وفي مقابل هذا، ينبغي على العلماء أن يدركوا أفق تاريخ العلم، ولا يتجاهلون أن نظرياتهم ~~أتت في سياق نظريات أخرى سابقة هي محاولات ناجحة، تمثل معالم بارزة في تاريخ العقل ~~وتاريخ الحضارة وتاريخ الثقافة. إن العلم - كما ينتهي تولمن - هو أولا وأخيرا كيان ~~تاريخي ونشاط اجتماعي. # 54 # ويعد ميشيل بولاني # M. Polanye # صاحب أقوى نزعة علمية ~~ضد وضعية في بحثه عن الصفة الشخصية للمعرفة العلمية، كما يعبر عنوان كتابه في فلسفة ~~العلم «المعرفة الشخصية 1958». ويستحق ميشيل بولاني اهتماما خاصا؛ لأن فلاسفة العلم ~~لم يهتموا كثيرا بدعاويه الجادة، ربما لأنه كان منغمسا في عمله كعالم كيمياء فيزيائية ~~ولم يثبت حضوره بما يكفي في أوساط فلاسفة العلم، هذا على الرغم من أنه سبق فييرآبند ~~وسحب فلسفة العلم إلى موقف نقدي من الحضارة الغربية، مؤكدا أن تمجيد المجتمع العلماني ~~العقلاني بمعية قيم عصر التنوير هي التي أدت بالحضارة الغربية إلى العدمية والنزعات ~~الشمولية من قبيل الفاشية والنازية والشيوعية، # 55 # وبالنسبة لفلسفة العلم أتى بولاني بفكرة بالغة الأهمية حين أكد على الطابع ~~الشخصي للمعرفة العلمية. فصحيح أن العلم يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أن العلم ~~ذاته نشاط ذو سمة شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة ms414 من أفعال أشخاص ~~وإنجازاتهم وأحكامهم وكشوفهم، جميعها تتطلب تعهدا والتزاما شخصيا بوجهة ما للنظر، ~~وقابلية العلم المستمرة للاختبار والتكذيب والتصويب تعني أن هذه الوجهة من النظر قد ~~تكون خاطئة، وثمة فرض ما يجب استبعاده. وفي هذا - كما يؤكد بولاني - لا توجد قواعد ~~محددة يمكن برمجتها في حاسب آلي، لكنها أيضا ليست مسألة هوى شخصي، أو مزاج خاص، فهي لا ~~تتم إلا في إطار مجتمع من العلماء قد تم إعدادهم إعدادا خاصا ولهم مقصد كلي عام. كل ~~هذا لا يقرأ مباشرة من المعطيات التجريبية، بل يتضمن وثبة عقلية خلاقة. هكذا نجد أن ~~تفسير بولاني لظاهرة العلم يتقدم بتوازن حصيف بين جانبين هما: البصيرة الفردية لخيال ~~العالم من ناحية، ومن الناحية الأخرى تقبل المجتمع العلمي لهذه الرؤية ودوره النقدي ~~بإزائها. ومن الأهمية بمكان تتبع حركية العلم في إطار التوازن بين هذين الجانبين - كما ~~يؤكد الفيزيائي بولكين هورن. # ونلاحظ أن ذاك الرباعي العظيم فضلا عن هؤلاء التالين لهم من فلاسفة الصف الثاني ~~ينطلق من قلب القارة الأوروبية إلى الجزر البريطانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ~~أي إنهم ممثلون لمجمل فلسفة العلم في العالم الغربي. وعرضنا السابق استضاف معهم من ~~روسيا فيلسوف العلم شفيريف الذي يتميز عرضه بالعمق والإحاطة. # وفي هذا، يظل الخط الفرنسي جديرا بالعناية، لم نغفله فيما سبق. فقد رأينا جاستون ~~باشلار من أئمة الثورة/الدورة ، يتقدم بمفهوم القطيعة المعرفية التي تناقض التراكم ~~واتصالية التقدم العلمي وتبرز أكثر من سواها المنظورات التاريخية للعلم. وينبغي الآن ~~إيضاح كيف أن باشلار قد رأى المعرفة العلمية تسير دائما عبر عقبات وقهرها، حين يتحقق ~~الانتصار على العقبة تكون القطيعة المعرفية والانتقال الكلي إلى عقبة جديدة، ثم انتصار ~~جديد وإنجاز جديد وقطيعة أخرى، ثم عقبة ... وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي التي ~~لا تتوقف أبدا. وتكتسب العقبة دورا محوريا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم ~~بينها وبين «القطيعة»، العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في ~~منظومة المعرفة» # 56 # تذكرنا بمفهوم اللامقايسة، حتى يعرض ms415 باشلار لتكوين العقل العلمي عبر سلسلة ~~من العقبات، وجود العقبة أو العائق يؤذن دائما بتحول جديد في المعرفة يعني قطيعة ~~بالنسبة للمعرفة السابقة. # هكذا تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على العلم عندما يعيد النظر في مفاهيمه ~~الكبرى، مما يجعل البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية ~~التالية لها في تاريخ العلم في جدليات ناشطة حقا، # 57 # إن الفكر العلمي فكر قلق، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره ~~الخاصة، وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف تلك الأهمية الوظيفية المفترضة، # 58 # الأهمية الفعلية للقطيعة، للانتصار على العقبة الذي يتحقق - كما يؤكد ~~باشلار - بالصراع مع القديم ورفضه، بتصحيح الأخطاء فيه ورفض مواطنها، بتعبير كارل بوبر ~~بتكذيب النظرية التفسيرية المقبولة، بالصراع مع نموذج توماس كون الإرشادي حين يكشف عن ~~شذوذات، بالانتقال مع لاكاتوش من برنامج بحث أصبح تدهوريا إلى آخر يبدو تقدميا. ~~وتلتقي القطيعة المعرفية لباشلار مع التعددية المنهجية لفييرآبند أكثر وأكثر، فعن ~~طريقها يؤكد باشلار أن العلم حين يغير مناهجه يصبح أكثر منهجية، فالروح العلمية تأمل ~~دائما في استنفاد إمكانيات المنهج المعمول به لتعلن انتهاءه، فيظهر منهج جديد في سلسلة ~~من القطائع المنهجية والاستحداثات المستمرة دوما. # ولكل هذا رفض باشلار تماما إهمال المتغيرات التاريخية أو اعتبار العقل العلمي ثابتا ~~يتدفق عبر الزمان، وأكد أن الذات في العلم ذات تاريخية؛ لأن المعرفة العلمية ليست إلا ~~قوة متطورة عبر التاريخ. رفض باشلار كل صور الوضعية وأولاها وضعية مواطنه أوجست كونت ~~مؤكدا أننا لا نحيا في مرحلتها أبدا، بل ربما في مرحلة رابعة لمراحل كونت الثلاث، فهي ~~مرحلة قطع فيها العلم صلته بالحس المشترك ومعرفة الخبرة العادية التي كانت متفقة مع ~~وضعية كونت، وفي كل هذا كان باشلار صاحب فضل كبير في إنهاء النظرة إلى تاريخ العلم أو ~~ماضيه كسجلات لإزاحة الجهل، وعلمنا كيف أن تاريخ العلم مقدمة لفهم الظاهرة العلمية، ~~مقدمة ضرورية لفلسفته. # ويبقى جان بياجيه # J. Piaget ~~(1896-1980م) من أهم ~~الذين واصلوا المسير في مثل هذا الطريق، ms416 لم تتسع له المعالجة السابقة ولا نستطيع أن ~~ننهيها مغفلين ذكره. وبياجيه بعقليته المتعددة الأبعاد، ينتمي بجدارة إلى فئة ~~العالم/الفيلسوف، إنه رائد علم النفس الارتقائي وعلم نفس الطفل. بحث تطور إدراك الأطفال ~~للمفاهيم والتصورات العلمية، أولا الرياضية، وثانيا الفيزيائية، وثالثا البيولوجية ~~والسوسيولوجية والسيكولوجية. بحث تطور مفاهيم الرمز والعدد والهندسة وتمثيل الفراغ، ~~الزمن والحركة والسرعة، العلية والصدفة والحكم والاستدلال، الصورة الذهنية والحكم ~~الخلقي ... إلخ عبر مرحلتي الطفولة الباكرة والمتأخرة. ثم رأى أن نمو إدراك هذه المفاهيم ~~بمثابة صورة مصغرة للتوجهات الأساسية في نماء المعرفة البشرية، فربط بينها وبين فلسفة ~~العلم المسلحة بتاريخه، ونزع إلى أن تكون الإبستمولوجيا علما مستقلا، لكن مرتبطا ~~ببقية العلوم، ودرس في كتابه «الإبستمولوجيا التكوينية 1950م» المعرفة العلمية في ~~تاريخها ومسار تشكلها الاجتماعي، المستند بدوره إلى أصول سيكولوجية، ثم أسس المركز ~~العالمي للإبستمولوجيا التكوينية في جامعة جنيف، حيث عمل معه متخصصون في علم النفس ~~والبيولوجيا والرياضة والمنطق لبحث ارتقاء المفاهيم العلمية، وخرجت الأبحاث في «دراسات ~~في الإبستمولوجيا التكوينية 1971م». # في كتابه «حكمة الفلسفة وأوهامها 1965م» يحاول تحديد العلاقة بين الفلسفة والعلم، ~~ويقول إن أكبر المشاريع في تاريخ الفلسفة تكونت من التفكير في المشروع العلمي المطروح ~~في عصرها، مما يعني أن فلسفة العلم هي أخصب فروع الفلسفة، وعليها النظر إلى العلم في ~~نموه وارتقائه، فإذا كانت المعرفة العلمية تتشكل وتتكون، فكيف ننظر إلى المنجز الراهن ~~كثابت منته ونغفل أصوله التاريخية؟! إن المنجز الراهن - كما يؤكد بياجيه - محض وضع ~~تاريخي يختلف عن سابقه، وسوف يختلف عنه لاحقه؛ لذلك ينبغي العناية بارتقاء هذه العملية ~~المتوالي، الذي يتضمن تحولا مستمرا وإعادة تنظيم مستمرة. لكل هذا تتدخل العوامل ~~التاريخية والاجتماعية والسسيكولوجية ... كعوامل بالغة الأهمية، إذا رمنا تفهما حقيقيا ~~لطبيعة المعرفة العلمية، ولم يفت بياجيه التأكيد على اختلاف هذه النظرة تماما عن ~~النظرة التي تبحث عن تبرير المعرفة العلمية ومعايير صحتها، بيد أنه اختلاف في اتجاه ~~التكامل والتطور. لقد دارت بينه وبين جورج مور مناقشات حادة يحاول فيها إثبات عقم ~~التحليلات الخالصة وأهمية أنظمة ms417 العمليات. الذكاء نفسه مجرد نظام عمليات. والرياضيات ~~بأسرها هكذا، ولا جدوى من النظرية التحليلية السكونية، والإبستمولوجيا دائما في حاجة ~~إلى النظرة الحركية، التي تبلغ أقصى انطلاقتها عبر التطور التاريخي. # إذن فقد بلغ الوعي التاريخي مع فييرآبند أقصى انطلاقة، بعد أن عم وساد في أرجاء فلسفة ~~العلم. # سادسا: هذا التطور في فلسفة العلم وآفاقه # هكذا قطعت فلسفة العلم في القرن العشرين طريقا شاقا وطويلا ذا مراحل متتالية، من ~~وضع بلغ حالة ضد تاريخية إلى وضع يتسلح بالوعي التاريخي ويستقبل على الرحب والسعة ~~المنظورات التاريخية للعلم، بكل ما سيحمله هذا من خصوبة ورحابة آفاق مستقبلية. # لقد ترددت - بفعل اندفاعات فييرآبند وسواه - أراجيف بشأن انتهاء سؤال المنهج أو بلوغه ~~طريقا مسدودا، والواقع، كما يقول جوزيف ماجوليس بعبارته الرصينة والعميقة حقا، إن ~~سؤال المنهج قد سقط من الاعتبار فقط بوصفه شفرة مدونة تعبيرا عن الولاء لفئة فرعية من ~~المعتقدات انبثقت عن العقيدة العلمية المركزية - أي التجريبية - معتقدات تشكلت في مرحلة ~~أسبق من العلم الحديث، واستنفدت الآن مبرراتها. إذا صح هذا ينبغي أن نعمد - والحديث ما ~~زال لمارجوليس - إلى استغلال مميزات الموجة المساعد على الكشف الكامنة في استحضار ~~المناقشات الأسبق، بغير أن نقع في شراكها الاصطلاحية، # 59 # وهذا ما فعلناه في تحليلاتنا السابقة التي خلصت إلى أن سؤال المنهج لم ~~ينته، بل واصل سيره حتى أصبح نظرة إبستمولوجية، شاملة وليس مجرد خطوات سائدة - كشفرة ~~رمزية. ومهما يكن الأمر فسوف نرى كيف أن انبثاقة الوعي التاريخي قد بعثت حياة دافقة في ~~شرايين فلسفة العلم، أكسبتها حيوية ونضارة وشبابا متجددا، يطرح أمامها مستقبلا ~~رحيبا حاملا دوائر يتوالى اتساعها لتساؤلات مستجدة لا تنتهي ... ومتى كانت النهاية تلحق ~~بعنقاء الفلسفة؟! # بداية، إذا كان الوعي التاريخي يعني الوعي بالظاهرة العلمية، ليس كمحض نسق منجز ~~ومنته، بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضا الوعي بالعلم كفعالية إنسانية ~~متنامية ومتغيرة عبر تيار الزمان، فلا شك أن هذا التطور في فلسفة العلم يرتد - في جانب ~~منه - إلى ما تزامن معه من تسارع التقدم ms418 العلمي وتصاعد معدلاته تصاعدا غير مسبوق، بلغ ~~الذروة بتسخير الكومبيوتر بإمكانياته الجبارة كأداة عملاقة في يد العبقرية العلمية ~~المبدعة، التي بدا واضحا الآن أنه لا حد ولا نهاية لإمكانياتها المتوالية. فهذا هو ~~الذي علم فلاسفة العلم اللاحقين أن العلم لم يعد البتة بناء مشيدا من المعرفة ~~المنجزة المثبتة، تبحث الفلسفة في تبريرها وتبرير صحتها ومصداقيتها، بل العلم فعالية ~~منطلقة وكشوف متوالية تصوب ذاتها وتتجاوزها بثورات/دورات مظفرة، لا تهدأ ولا تسكن ~~أبدا. # وكما رأينا، كانت الوضعية المنطقية بنزعتها الضد تاريخية أقوى المدافعين وآخرهم عن ~~منطق التبرير الذي يقتصر على بحث العلاقة بين النظرية والملاحظات التجريبية ورفضت بشدة ~~منطق الكشف على أساس أنه متعلق بعوامل لا منطقية ولا تحليلية. وكان انتقال فلسفة العلم ~~إلى موقف الوعي التاريخي مرتهنا بانتقالها من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم ~~والثورة، فيما يعد تقويضا لأسس النظرة الوضعية السكونية التبريرية الضد تاريخية، ~~تقويضا لعوامل نفي البعد التاريخي، ليتسع له المجال فيما بعد. # ولما كان كارل بوبر صاحب الفضل السابغ في الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الكشف ~~والتقدم، كان بدوره الرائد الجسور الذي أنجزت فلسفة العلم تحت رايته هذا العبور العظيم ~~إلى الضفة الأخرى من القناة؛ ليواصل الزحف من بعد بوبر قواد آخرون لألوية في جيوش فلسفة ~~العلم، تصل إلى العمق الاستراتيجي للوعي بتاريخ العلم، وتحصن مواقعها، فلا تقبل معاهدة ~~ولا تطبيعا مع جيوش الضد تاريخية المدحورة . # لم تعد أوساط فلسفة العلم الآن ترحب بنظرية تفشل في الاشتباك مع الوعي بتاريخ العلم، ~~وأصبحت كل فلسفة لا تاريخية للعلم هي فلسفة عاجزة عن أداء مهامها باقتدار، أو هي - ~~بتعبير لاكاتوش - خواء. فمضامين النظريات العلمية ذاتها، فضلا عن مفاهيمها ومصطلحاتها ~~- ومن قبل ومن بعد مناهجها - مرتبطة ومتكاملة مع تطورها التاريخي، ونحن في حاجة إلى ~~فلسفة لتاريخ العلم، تنظر إليه بوصفه مستودعا زاخرا بالتصورات والرؤى التي تعين ~~الفلسفة على تفهم حركية العلم، وتقوم بتوظيف تاريخ العلم كأداة تحليلية ونقدية للمفاهيم ~~العلمية في نشأتها ونموها وتطورها عبر صيرورة التقدم العلمي. وصحيح ms419 أن العلم أولا وقبل ~~كل شيء نشاط عقلاني نظري، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، العلم نمط من الممارسة المعرفية ~~للإنسان، ممارسة ككل ممارساته لا تتأتى في جزائر منعزلة، بل في سياق جمعي مؤسسي. فلم ~~يعد مرغوبا النظر إلى العلم فقط بوصفه محض نشاط نظري عقلاني معرفي خالص، يحكمه أولا ~~وأخيرا تعقب مزيد من الصدق. النظرية لا تنفصل عن إطارها، أو بتعبير توماس كون، نموذجها ~~الإرشادي، وظروف وشروط نشأتها، بل وأهدافها وأغراض البحث الذي تمخض عنها حتى يمكن وصف ~~العلم بأنه نشاط غائي يهدف إلى تحقيق غاية مسبقة. # 60 # والإبستمولوجيا التي استأثرت بالميدان طوال عهود غياب البعد التاريخي لم ~~تعد كافية إذا رمنا تفسيرا شاملا للظاهرة العلمية وتقدمها المتوالي. المطلوب لتحقيق ~~هذا فلسفة تاريخية تنظر إلى العلم كتنام إبستمولوجي، وبوصفه نشاطا إنسانيا ~~اجتماعيا متغيرا ومتطورا. ويعني هذا ضرورة استيعاب الإبستمولوجيا وتجاوزها إلى ~~أنطولوجيا للعلم - إن جاز التعبير - تستلزم فلسفة تاريخية وتاريخا فلسفيا للعلم. # 61 # ومن الناحية الأخرى أو الوجه الآخر للعملة، تغيرت النظرة إلى تاريخ العلم، فلم يعد ~~مجرد سلسلة متوالية من الإجراءات الناجحة والكشوف المتعاقبة أو سير لشخصيات عظيمة ~~وسجل زمني لتتابع مكتشفات العلماء، أو مجرد ترتيب زمني لوقائع متعلقة بكل هذا، بل هو ~~رؤى تتخلق وتنمو وتتطور وتتبدل وتتعدل، وكأننا بإزاء أحداث الدراما الكبرى للفكر ~~الإنساني، وقد تبوأ العلم دور البطولة المعرفية بلا منازع. وكان إنجاز توماس كون العظيم ~~في تمثيل تاريخ العلم كتاريخ رؤى للعالم تفرضها النماذج القياسية الإرشادية المتوالية. ~~لذا فكل تاريخ للعلم لا يتسلح بنظرة فلسفية هو تاريخ مصاب باعتوار قاتل، بل هو - كما ~~أوضحت تحليلات إمري لاكاتوش - تاريخ أو تاريخ مستحيل أصلا. # يمكن اعتبار هذه الأطروحة وقد لاقت تطبيقها في دراسة جوزيف أجاسي # J. Agassi # نحو أصول لتأريخ العلم # Towards a Historiography of Science # الصادرة عام ~~1963م مع دراسة جرينباوم # A. Grünbaum # عن نظرية النسبية ~~الخاصة كحالة أو مثال يوضح مدى أهمية فلسفة العلم بالنسبة لتاريخه. فقد انكبا على تبيان ~~أن كل تأريخ ms420 للعلم مثقل بافتراضات فلسفية، في تطبيق أكثر عينية للخطوط العامة التي ~~حملتها معالجة لاكاتوش للميثودولوجيات المختلفة. مثلا إذا تبنى المؤرخ التجريبية ~~المتطرفة الاستقرائية ورأى الوقائع الملاحظة تفصل القول في النظرية، انصب تأريخه على ~~التجارب الفاصلة في تاريخ العلم، بينما يهتم آخر بالإشكاليات النظرية وأوجه التناقض ~~ومناقشات المجتمع العلمي، وكأننا بإزاء فيلسوف التاريخ الشهير بندتو كروتشة # B. Croce ~~(1866-1952م) وهو يؤكد أن كل مؤرخ ~~فيلسوف شاء أو أبى. وقد كان أجاسي أكثر توفيقا في إثبات أن أي تصنيف لوقائع التاريخ ~~العلمي يفترض قبلا معايير فلسفية عن خصائص العلم التي تجعل الواقعة علمية، ومعيارا ~~واضحا للتقدم العلمي يصنف على أساسه واقعة معينة بوضعها في سياق التطور العلمي. أما ~~إذا انتقلنا من تأريخ التاريخ إلى تفسير تاريخه فبديهي أن دور المعايير الفلسفية سيصبح ~~أشد وضوحا وأكثر فعالية، إن لم تستأثر بالميدان. # أجل! تاريخ العلم وفلسفته مبحثان مختلفان ومتمايزان، لكنهما بنفس القدر يتكاملان. ~~ولئن كان «يظن فيما مضى أن تاريخ العلم يبحث في وقائع وأحداث التطور العلمي، أو كيف كان ~~العلم، أما الفلسفة فهي تبحث في معيار تقويمي لهذا التطور وكيف ينبغي أن يكون العلم، ~~فقد اتضح الآن أنه لا تعامل مع وقائع بدون معيار، ولا تقويم بدون أحداث. # 62 # إنه شعار لاكاتوش الشهير «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون ~~فلسفته عماء»، والذي ألقى ضوءا كاشفا على التمييز بين التاريخ الداخلي للعلم وتاريخه ~~الخارجي. # هكذا أعادت الأوساط المعنية بالظاهرة العلمية ترتيب أوراقها، بحثا عن نسيج لحمته ~~فلسفة العلم وسداه تاريخه، بعد أن تجلت العلاقة التكاملية التبادلية الوثيقة بينهما، ~~هذا بغير أن تتماوه الحدود بين النظرة إلى العلم من الداخل والنظرة إليه من الخارج. وقد ~~اهتم فيلسوف العلم الفرنسي جورج كانجيم # G. Canguilhem # بإبراز التقابل بينهما. النظرة الداخلية # internal # الإبستمولوجية معنية بالعلم كفاعلية تخصصية مستقلة، كعقلانية إبستمولوجية - أو ما أسماه ~~لاكاتوش الميثودولوجيات، تنصب على الأدوات الداخلية للنسق العلمي كدور الرياضيات ~~والملاحظة والتجربة والفرض، والتنبؤ والتفسير ... إلخ. وهي تحمل الشروط الضرورية لكنها ~~ليست كل ms421 الشروط. هناك شروط أخرى، غير كافية بمفردها لكنها فعالة، نجدها في النظرة إلى ~~العلم من الخارج، النظرة الخارجية # external # إلى العلم ~~كنشاط إنساني يتأثر بأبعاد الحضارة الإنسانية ويؤثر فيها، ها هنا العوامل الاجتماعية ~~والسيكولوجية والاقتصادية والسياسية والتقانية والبيئية ... إلخ لا تتدخل مباشرة في ~~المحتوى المعرفي أو في صميم مساره، لكنها تؤثر تأثيرا فعالا في تسارع أو تباطؤ التقدم ~~العلمي، وقد تكون عامل بعث أو عامل وأد، كما نتبين - خصوصا - من تحليل نشأة وانهيار ~~الحضارات الكبرى في التاريخ. # إن العلم لا يتقدم، ولا ينفسح المجال أصلا للجهود الإبستمولوجية، ما لم ينشأ في بيئة ~~ثقافية متساندة تملك بواعث هذا التقدم؛ «لأن العلم لا يعمل وحده في فراغ، بل هو يفلح ~~أرضا مهدتها الثقافة السائدة من قبل أو تركتها صعيدا زلقا»، # 63 # إنه كما يقول جون ديوي يعمل في نطاق مؤسسة ثقافية تستوعب كافة الشئون ~~الثقافية التي كانت قد استقرت حتى يمكن أن يتقدم العلم ذاته. والدور الأساسي للعبقرية ~~الفردية في الكشف العلمي لا ينفي بحال أن العلم ليس البتة ظاهرة منعزلة تنمو بقدرتها ~~الذاتية أو قوة دفعها الخاصة أو لا تخضع إلا لمنطقها الداخلي البحت، فتفاعل العلم مع ~~المجتمع حقيقة لا سبيل لإنكارها، # 64 # ولا جدوى من هذا الإنكار. # إن العوامل الاجتماعية علة فاعلة وناجزة حتى في أبعد العلوم عن الواقع الاجتماعي وعن ~~علم الاجتماع، ولعلها الرياضيات والفلك. الرياضيات هي ذاتها النظرة الصورية المجردة عن ~~أي تشكل متعين، وناهيك عن التشكل الاجتماعي. وعلم الفلك يتعامل مع كيانات هي - بتعبير ~~هنري بوانكاريه الطريف - بعيدة جدا عن الصراعات الانتخابية، ولا يحتمل أبدا أن تدلي ~~بصوتها أو تشارك فيها بحال ولن ينفق الساسة الناجحون أموالا طائلة على الأبحاث ~~الفلكية. فهل الرياضيات والفلك ينفصلان حقا عن الواقع الاجتماعي؟ # أما الرياضيات - فمثلا - إنجاز العرب البارز فيها وعلى مفترق الطرق بين الحساب ~~والهندسة وبين الحساب والجبر لا يمكن فصله عن احتياج الحضارة الإسلامية الملح للتقاويم ~~وتحديد مواقيت الشعائر واتجاه القبلة، وطرق الحجيج والتجار، والتوفيق بين التقويم ~~الهجري القمري ms422 الذي تعمل به الدولة الإسلامية والتقويم الميلادي الشمسي الذي يحدد مواسم ~~الحصاد، وبالتالي أوقات جباية الزكاة والضرائب والجزية في الأمصار الزراعية التي دانت ~~للدولة الإسلامية، وحساب نفقات كل هذا، ونفقات الجيوش الجرارة وتوزيع أنفالها ونفقات ~~المشاريع العمرانية الضخمة ومشاكل المساحة تقسيم الأراضي ثم نظام المواريث المعقد ~~والدقيق في الشريعة الإسلامية، وحساب أثمان الجواري والعبيد الذين هم القوة الإنتاجية ~~التي يستثمر فيها المال، ولكن يتناقص الثمن تدريجيا كلما تقدم بهم العمر. وبالمثل، ~~الإنجازات الفلكية التي شكلت العمود الفقري للعلم الحديث منذ الثورة الكوبرنيفية ~~وقوانين كبلر وكشوف جاليليو حتى إنجاز نيوتن العظيم ... فهذا لا يمكن فصله عن اكتشاف ~~العالم الجديد واتساع حركة الملاحة العالمية وانشغال العصر باكتشاف خطوط وطرق ملاحية ~~جديدة. # لذا أكد كارل مانهايم # K. Manheim ~~(1893-1947م) أن كل ~~العلوم حتى المتخصصة جدا يمكن النظر إليها بوصفها قابلة للتشكل اجتماعيا، فضلا عن ~~عبثية محاولة الوصول إلى أية حقيقة بصورة مستقلة عن المعاني الاجتماعية والتاريخية. # 65 # يعد كارل مانهايم مؤسس علم ~~اجتماع المعرفة # Sociology of Knowledge ~~، والذي انبثق عنه علم اجتماع العلم أو سوسولوجية ~~العلم، وقد لامسنا حدودها مع توماس كون. # تنقسم سوسولوجية العلم إلى سوسيولوجيا معرفية # Cognitive # وسوسيولوجيا لا ~~معرفية # non-Cognitive # للعلم. هذه الأخيرة اللامعرفية تبحث أثر العوامل الاجتماعية في ~~التشكلات الخارجية للظاهرة العلمية، أسباب ومبررات نشأة معامل ناجحة في مكان ما، ارتفاع ~~نسبة العلماء في تخصص معين في زمان ما، نمو واضمحلال التخصصات العلمية، احتياج ومتطلبات ~~العلم من حيث هو مؤسسة، نزاهة أساليب منح ومنع الجوائز والبراءات، المسارات المتغيرة ~~لمستقبل العلماء ... وأمثال هذه الظواهر العلمية التي شكلت موضوعات مدرسة الدراسات ~~الاجتماعية للعلوم في أمريكا، والتي ارتبطت على وجه الخصوص بأعمال روبرت مرتون # R. ~~Merton ~~. # أما سوسيولوجيا العلم المعرفية، فهي تبحث في أثر العوامل الاجتماعية في تشكيل تصورات ~~العلماء ومفاهيمهم، جذورها وأصولها الاجتماعية، كيف تكونت ولماذا دعمها المجتمع، خصوصا ~~المعتقدات التي لا تكفي العوامل الإبستمولوجية والقرارات الميثودولوجية - أي العقلانيات ~~- لتبريرها. وتتفاعل سوسيولوجيا العلم مع فلسفة العلم وتتكامل معها إلى أقصى الحدود. ms423 في ~~السوسيولوجيا اللامعرفية أكد روبرت مرتون على دور العالم الفرد، لكن في سياق عالمية ~~العلم. العالمية تعني الحكم على الإنجازات العلمية بمعايير موحدة في أي مجتمع علمي في ~~العالم أجمع. حاول مرتون تحديد هذه المعايير # 66 # في إشاعة النتائج بين الباحثين، والنزاهة والأصالة، بمعنى أن يكون الإنجاز ~~العلمي إبداعا أصيلا للباحث وليس مسروقا أو منحولا أو ملفقا، وأيضا معيار الشك ~~المنهجي الذي يذكرنا بالاختبارية ومحاولات التكذيب، على الإجمال تماثل هذه المعايير ما ~~بحثه توماس كون تحت عنوان القيم التي هي محكات لتقويم الإنجازات العلمية والمفاضلة ~~بينها، وتسهل ملاحظة كيف أن معايير مرتون وقيم كون على السواء تتشارك معا في شغل منطقة ~~وسطى، لن تملأها القيم الاجتماعية بمفردها، ولا المعايير المنهجية الفلسفية ~~بمفردها. # أما الفرع الآخر من سوسيولوجيا العلم، وهو السوسيولوجيا المعرفية، فأكثر اتصالا ~~بفلسفة العلم ويشتبك معها مباشرة بحيث يمثل رافدا لها. مثلا صدرت عام 1961م في مجلة # Science # دراسة إمبيريقية رصينة لعالم الاجتماع ~~برنارد باربر # B. Barber # ذي النزعة الوضعية ~~التجريبية الحادة، موضوعها «مقاومة العلماء للكشف العلمي»، حاولت استكشاف العوامل التي ~~تجعل عالما يميل لرفض مكتشفات وأفكار جديدة. وكشفت الدراسة عن عوامل تكاد تكون الصورة ~~المعاصرة لأوثان فرنسيس بيكون. وقد وضع برنار النظرة المنهجية والنظرة اللاهوتية ~~بوصفهما اثنين من أهم العوامل التي تدفع العالم إلى الوقوف في وجه الأفكار الجديدة. ~~وليست تتكامل هذه الدراسة مع أوثان بيكون في القرن السابع عشر فحسب، بل من السهولة ~~بمكان تصورها وهي تتكامل أكثر وأكثر مع المقولات الإبستمولوجية الحديثة، من قبيل ~~التحصين ضد التكذيب وما تلقاه باكورة محاولات الخروج عن النموذج الإرشادي من مقاومة. ~~وكد العلماء لطرح فروض مساعدة تشكل حزاما واقيا للنواة الصلبة في برنامج بحثهم ~~وتدعيمها كي يواجه الشذوذات المستجدة ... # هذا المثال يوضح إلى أي حد تغذي سوسيولوجيا العلم في جانبها المعرفي فلسفة العلم، ~~وتتكامل معها إلى حد أن يتداخلا في بعض المواقع، وفلسفة العلم؛ إذ تستفيد من هذا المبحث ~~فإنها مدينة بقدر ما هي دائنة له، فكما قيل بحق: «ظهور ms424 البرنامج القوي في الدراسات ~~الاجتماعية للعلوم لا يمكن أن يحسب له حساب دون الرجوع إلى التطورات التي صاحبت ذلك في ~~مجال فلسفة العلوم - التي لم تعد تضع أية حواجز أمام التفسيرات المبنية على الدراسات الاجتماعية.» # 67 # وكان الوعي التاريخي لا سواه هو الذي أزال تلك الحواجز، فضلا عن أن أي تطبيق للتحليل ~~الاجتماعي على تاريخ المعرفة العلمية يستلزم قبلا تطور التاريخ العقلاني للعلم الذي ~~تنجزه فلسفته # 68 # وبخلاف الوعي بتاريخ وفلسفة العلم، يضيف توماس كون عوامل أخرى أدت إلى ~~تنامي الاهتمام بسوسيولوجيا العلم مؤخرا، عوامل من قبيل دراسات التاريخ العام وعلم ~~الاجتماع الألماني والفلسفة الماركسية ... # 69 # والحق أن توماس كون شخصيا من أقوى هذه العوامل، وإذا استعرنا المصطلحات السابقة، ~~يمكن القول إن سوسيولوجيا العلم تبحث في العوامل الاجتماعية للعلم من الخارج، من حيث ~~علاقاته بالبنية الاجتماعية ككل وبوصفه إحدى - أو حتى أهم مكوناتها. أما توماس كون، فقد ~~وجه الانتباه إلى أهمية سوسيولوجيا العلم من الداخل، شبكة العلاقات والعوامل التي تحكم ~~مجتمع العلماء من حيث هو مؤسسة، والتي حاول كون أن يؤطرها بالقالب المبحثي وقالب ~~المثلية. # وأصبح البحث في سوسيولوجيا المؤسسة العلمية مطلبا ملحا بعد أن تعاظم شأنها في ~~الواقع الراهن، حتى قيل إن عدد العلماء أو المشتغلين بالبحث العلمي الآن ثلاثة أرباع ~~الذين اشتغلوا بالبحث العلمي طوال تاريخ البشرية! أما نسبتهم إلى إجمالي عدد السكان فلا ~~تقارن بأي عصر مضى، فضلا عن تعقد لغتهم الرمزية وارتفاعها تماما عن مستوى الفهم ~~العام بدون إعداد دراسي طويل يستغرق خير سني العمر، ومعداتهم وأجهزتهم بالغة التعقيد ~~باهظة التكاليف، وصميم العمل الذي يؤدى في البحث العلمي، وهو عمل ذو كم وكيف، وبالتالي ~~نتائج وآثار ومردودات لا تضاهى. فبات العالم المعاصر وبين ظهرانيه أمة من العلماء تفوق ~~عددا وعدة وعتادا وإعدادا أمما أخرى كثيرة، لا بد أن لها هي الأخرى قوانينها ~~ومنظوماتها الاجتماعية. # لقد تأخر ظهور البعد السوسيولوجي في فلسفة العلم كثيرا، ربما بسبب تأخر نمو علم ~~الاجتماع ذاته، بينما كان هذا البعد يستلزمه منذ ms425 البداية الطابع الجمعي التعاوني الذي ~~صاحب العلم الحديث منذ نشأته، بل منذ أن بشر فرنسيس بيكون بهذا في «أطلانطس الجديدة» ~~عام 1627م المدينة العلمية الفاضلة، حتى تم اعتماده رسميا بنشأة الجمعيات العلمية ~~إبان القرن السابع عشر وأولها «أكاديمية التجربة العلمية» التي أنشئت في فلورنسا ~~بإيطاليا عام 1657م، وأهمها «الجمعية الملكية» في لندن عام 1662م، ثم الأكاديمية ~~الفرنسية في باريس عام 1666م. وتلتهما أكاديميات أخرى كأكاديمية سان بطرسبرج الروسية ~~عام 1629م وأكاديمية برلين عام 1744 ... # 70 # وكان أحد انعكاسات هذا في القرن الثامن عشر أن تكاتف علماء فرنسا أجمعين ~~بريادة العلماء ذوي الاستبصارات الفلسفية لإنجاز الموسوعة التي تهدف إلى تجميع المعارف ~~المتفرقة، فلم يعد العلم إنجازا شخصيا أو معرفة فردية. وبمرور الأيام وتواتر التقدم ~~العلمي يزداد العلم إمعانا في طابعه الجمعي التعاوني، بحكم العوامل الراهنة من قبيل ~~التطور المعرفي الذي تسارع بمعدلات رهيبة بفعل الكومبيوتر وسائر التجهيزات المعملية ~~المتقدمة وارتفاع تكاليف البحث العلمي وتعقد آلياته وضخامة برامجه، حتى برز التخطيط ~~كقيمة كبرى في البحث العلمي، ودخلنا عهد التنظيم والإدارة والبحوث المستمرة التي تمولها ~~المؤسسات الكبرى أو الدول. وأمام هذا الوضع لم يعد ممكنا بحال أن تغفل فلسفة العلم ~~أبعاده السوسيولوجية، فقد انزوت تماما صورة العالم يعكف وحيدا مترهبنا متصومعا في ~~معمله، الذي قد يكون مشيدا بقبو منزله أو في أطراف حديقته، وهي صورة العالم منذ ~~هيروفيلوس السكندري قبل الميلاد حتى جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري/الثامن ~~الميلادي وابن الهيثم وابن النفيس وصولا إلى جاليليو ووليم جلبرت في القرن السادس عشر، ~~وروبرت هوك في القرن السابع عشر، وبريستلي في القرن الثامن عشر وكلود برنار ولوي باستير ~~في القرن التاسع عشر، وحتى بواكير القرن العشرين كانت ماري كوري لا تزال تحتفظ ببعض ~~ملامح هذه الصورة التي اندثرت مع النماء والتطور المعاصر. والآن كما علمنا توماس كون ~~الرائد ينبغي النظر إلى البحث العلمي من حيث هو برنامج ضخم يعكف على تنفيذه فريق من ~~الباحثين في إطار مؤسسة كبرى. # فهل يمكن بعد كل هذا ms426 أن تظفر الفلسفة بتفهم حقيقي للظاهرة العلمية بصرف النظر عن ~~أبعادها الاجتماعية؟ لقد فرضت الأبعاد السوسيولوجية نفسها على فلسفة العلم من حيث فرضت ~~نفسها أيضا الأبعاد السيكولوجية والسياسية والاقتصادية والتخطيطية والإدارية والبيئية ~~والقيمية. على الإجمال أبعاد الظاهرة الإنسانية، جميعها انفتحت لها البوابة حين خرجت ~~فلسفة العلم مدججة بالوعي التاريخي. # وفي هذا نلاحظ إلى أي حد نجد الوعي التاريخي كفيلا بأنسنة النظرة العلمية والروح ~~العلمية، كما لاح للمبشرين الرواد الذين آمنوا بقيمة الدراسة المنهجية الأكاديمية ~~لتاريخ العلم، وعلى رأسهم وليم كليفورد # W. K. Clifford ~~(1845-1879م)، وجورج ~~سارتون # G. ~~Sarton ~~(1884-1956م) وهذا الأخير رأيناه في الفصل الأول رائدا عظيما ~~يرسم خطوط نزعة إنسانية جديدة تشتجر مع البعد العلمي على أساس من تاريخ العلم الذي يصور ~~العلم كفاعلية إنسانية أصيلة ونبيلة. # وفي النهاية تتجلى في الضوء الكاشف للوعي التاريخي أطروحة بالغة الأهمية تؤكد ببساطة ~~أن العلم «ظاهرة إنسانية»، إنها حقيقة أشد وضوحا من شمس النهار، وتحت غيوم المطلق ~~النيوتني، الزمان والمكان المطلقين، غابت هذه الحقيقة عن أنظار العلم الكلاسيكي ~~وفلاسفته، الذين رأوا العلم نسقا مغلقا معقلنا مجردا يقينيا حتميا، هو محض صورة ~~إبستمولوجية لواقع أنطولوجي يلاحظه الباحث بحياد مطلق وموضوعية موهومة؛ ليعمم الملاحظات ~~التي استقرأها في قوانين ضرورية الصدق، تلغي دور الفاعلية الإنسانية والإبداع الإنساني ~~في خلق قصة العلم المثيرة والرائعة. ثم تقوضت هذه الصورة بفعل انهيار المطلق النيوتوني ~~الحتمي الآلي الميكانيكي، باقتحام عالم الذرة وما دون الذرة، وبزوغ ثورتي الكوانتم ~~والنسبية مع مطالع القرن العشرين. وقد ارتدت في نظرية المنهج الفرضي الذي يبدأ بفرض ~~يبدعه العالم ثم يهبط إلى وقائع التجريب، وفي نهاية القرن يتكامل الفرض والتجربة، وتجلت ~~الحقيقة الساطعة وهي أن العلم صنيعة إنسانية وإبداع إنساني، ونشاط إنساني وفعالية ~~إنسانية ومغامرة إنسانية. وكما يقول مارجوليس في عمله الجاد المحيط المذكور آنفا: «علم ~~بغير وحدة: إصلاح ذات البين للعلوم الإنسانية والطبيعة» حيث يقول: «... إن مشاريع العلم ~~هي بصورة حاسمة إنجازات إنسانية، الصفة الجذرية للعلم بعد كل شيء أنه نشاط إنساني. كل ~~أنظمته ms427 الجديرة بالإعجاب نصونها نحن البشر، تحت الشروط والظروف التي تجعلها أكثر في ~~الإعجاز والروعة؛ لذلك فكل العلوم هي علوم إنسانية من زاوية إنجازها الفعلي فلا يمكن ~~تعيين خصائصها بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية والتاريخ الإنساني واللغة الإنسانية، ~~والخبرة الإنسانية والاحتياجات والاهتمامات الإنسانية.» # 71 # لذلك فحتى العلوم الفيزيائية ذاتها لا تعدو أن تكون مشاريع ومغامرات ~~إنسانية، وإذا كانت تفترض وجود عالم فيزيقي مستقل فإنها أولا وأخيرا تقبع داخل ~~تساؤلات باحثين من البشر المثقلين بالأبعاد الثقافية. # 72 # ويقول مارجوليس إنه في هذا يأخذ تماما برأي توماس كون بأننا يمكن أن ~~نتساءل عن عالم مستقل، ولكننا لا يمكن أن نقيم طبيعته بوصفه مستقلا عن ~~تساؤلاتنا. # وبالطبع ليست المسألة تصورا لتوماس كون أو مارجوليس أو سواهما، بل هو تصور لطبيعة ~~العلم أدت كل العوامل إلى رجحان كفته، لا سيما بعد أن تغلغل فيها الوعي التاريخي، هذا ~~التصور هو أنسنة الظاهرة العلمية، حتى انتقلت من وضع المطلق الثابت اليقيني الحتمي ~~الضروري الأليق بأحكام الألوهية، إلى وضع النسبوية التي هي سمة كل موقف إنساني، والتي ~~قد تبلغ حد اللامقايسة. إن النسبوية مهما تطرفت لا تقلل بحال من شأن المعرفة العلمية، ~~ولا تمس من القيمة الموضوعية للتقدم؛ لأنها تصادر على أن التقدم العلمي مثل التطور ~~البيولوجي، هو تسلسل لا يقبل الارتداد أو الانعكاس، أي إنه متصاعد دائما. ويتأكد وجود ~~الإنسان ودوره المحوري في كل مرحلة وكل خطوة من خطوات العلم. وكما يقول عالم الفيزياء ~~النووية الرائد الذي قاد ثورة الكوانتم الثانية بمبدئه الشهير في اللاتعين، ألا وهو ~~فيرنر هيزنبرج: «إن بناء أو نظريات العلم في أية مرحلة ليست سوى حلقة من السلسلة ~~اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن ~~طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة إذن تفترض وجود الإنسان. وعلينا كما يقول نيلز بور # N. ~~Bohr # أن نأخذ في الحسبان أننا ~~لسنا المشاهدين، بل الممثلين في مسرح الحياة.» # 73 # وإذا كان عالم نيوتن، تلك الآلة الميكانيكية العظمى التي تسير وفقا لقوانينها ms428 ~~الذاتية وبفعل عللها الداخلية في زمان ومكان مطلقين، إزاء أي مراقب في أي وضع كان وبأية ~~سرعة كانت، وكل ما عليه فقط أن يراقبه من وراء ستار إذا كان هذا هو عالم نيوتن، فإن ~~عالم النسبية ليس هكذا البتة ولا بد من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة. ~~ولا تتأتى الملاحظة أصلا في العالم الكمومي أو عالم الإلكترونات والجينات بغير فرض ~~يفترض العقل ويستنبط منه وقائع الملاحظة. هكذا أصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من ~~قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية ومتغيراته التاريخية، وأصبح العلماء كما أشار نيلز ~~بور، ليسوا فقط مراقبين أو مشاهدين، بل هم أيضا الممثلون والمخرجون والمؤلفون. فكأن ~~العمل العلمي كالعمل المسرحي محض صنيعة للإنسان، وإن تميزت الصنعة العلمية بخصائصها ~~ومميزاتها وفعالياتها وإيجابياتها الخاصة جدا جدا، التي تجعل العلم بلا جدال أنبل ~~صنائع الإنسان طرا، وتاريخه أروع فصول حضارة الإنسان. # وفي النهاية ترتد أنسنة الظاهرة العلمية في هيمنة الوعي التاريخي على أجواء فلسفة ~~العلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. والمحصلة أن انتقلت من محض تحليلات منطقية إلى ~~نظرة منهجية شاملة إلى فلسفة إبستمولوجية هي فلسفة الفعالية المعرفية والهم العقلي ~~للإنسان، فأصبحت فلسفة العلم في النهاية فلسفة إنسانية حية خفاقة، لا تستغني طبعا عن ~~رصانة المنطق، وتظل دائما تنطلق من المحور المركزي الإبستمولوجي، لكن تستوعبه ~~لتتجاوزه، فلم تعد قاصرة حتى على المشكلة الكوزمولوجية - التي رامها بوبر في تفجيره ~~لطاقات الميثودولوجيا، بل أصبحت مشكلة فلسفة العلم أيضا أنطولوجية وأكسيولوجية ~~وسيكولوجية وسوسيولوجية واقتصادية وسياسية وتقانية وتخطيطية وإدارية وبيئية ... بعبارة ~~موجزة، أصبحت فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين تعني تكامل النظرة إلى العلم من ~~الداخل مع النظرة إليه من الخارج. وبرز علم الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحاسب الآلي ~~لتؤكد أهمية النظرة المنطقية من الداخل، بينما تبرز العوامل الإنسانية الحضارية أهمية ~~النظرة من الخارج. لذا يمكن القول: «إن النظرة المنطقية تفلسف علم الكومبيوتر أما ~~النظرة التاريخية فتفلسف علم الإنسان». # 74 # ومن جراء تفاعل كل هذه العوامل تخلق الآن علم ~~العلم # Scientology # 75 ms429 # ليضم كل فروع الدراسات التي تؤدي إلى الإحاطة بظاهرة العلم، أولها بالطبع ~~تاريخ العلم لا سيما من حيث هو رافد قوي لفلسفته التي أصبحت الآن مستعينة بسوسيولوجية ~~العلم وسيكولوجيا البحث والإبداع العلمي، قيم البحث وقيم المجتمع العلمي الكائنة وما ~~ينبغي أن تكون، علاقة العلم بالأطر الأيديولوجية وبالأنظمة السياسية، اقتصاديات العلم ~~والدراسة المقارنة للمؤسسات العلمية والأسس التخطيطية لنشأتها، وتحديد أهدافها ~~والأساليب المثلى لإدارتها، والتوظيف الأمثل لنظم المعلومات وبرامج الحاسوب وشبكة ~~الاتصالات العالمية «الإنترنت» والإعلام العلمي على إطلاقه، أي مقروءا أو مسموعا أو ~~مرئيا، والأشكال الأخرى لعلاقة العلم بالمجتمع، وقضية الثقافة العلمية، والاهتمام ~~الخاص بمناهج وأساليب تدريس العلوم وإعداد العالم، وسائر أبعاد تنمية المناخ المهيئ ~~للعطاء العلمي. # ومهما ابتعدت أو استقلت بعض فروع هذه الدراسات من الفلسفة، فإن فلسفة العلم تظل حاجة ~~ملحة، كبوتقة ضامة تتكثف فيها كل الجهود الرامية لتفسير وتفهم ظاهرة العلم من الداخل ~~ومن الخارج. # والخلاصة التي ننتهي إليها أن الوعي التاريخي لم يكن مجرد عامل مستجد أو حدث طارئ في ~~مسار فلسفة العلم، بل كان ضرورة لا بد وأن تستجيب لها لتواصل النماء والتقدم، فقد جعل ~~الفلسفة تنظر إلى العلم في ضوء تطوره التاريخي، وبالتالي عبر تفاعله مع البنيات ~~الحضارية والاجتماعية والثقافية بأبعادها الشتى، ومن هنا دفع الوعي التاريخي بفلسفة ~~العلم إلى فتح قوقعة اللؤلؤة الإبستمولوجية، وإلى أن تكف عن حصر نفسها بين أصدافها ~~الصلدة التي تصون كيانها الجوهر. # وأدرك الرواد اللاحقون أن قلائد فلسفة العلم إذا أرادت أن تحتل موقعها اللائق على ~~الصدر الراهن، فلا بد وأن تعمل على التكامل والتناظم بين هذا اللؤلؤ الإبستمولوجي ~~بأضوائه المنطقية والمنهجية الوهاجة وبين فرائد أخرى للنظرة العلمية. # أجل، لا مماراة البتة في قيمة اللؤلؤ المكنونة المصونة على الدوام، بيد أن نهايات ~~القرن العشرين تجاوزت مرحلة الافتنان والانبهار بالعلم وسر عظمته إلى مرحلة حسن تشغيله ~~وتوجيهه، وتطويعه وترويضه لمواجهة مشكلات مستجدة بفعله، من قبيل المشكلة الإيكولوجية - ~~مشكلة البيئة - واستنفاد الموارد ومصادر الطاقة المخزونة وتراكم النفايات والتكنولوجيات ~~الترفيه الفارغة ومشروع الجينوم البشري ms430 وأخلاقيات الاستنساخ والتحكم في الصفات الوراثية ~~للإنسان التعاظم المتوالي لأسلحة الدمار الشامل التي لا تستخدم إلا في استنفاد موارد ~~الدخل القومي ... إلخ. # إن القرن الحادي والعشرين هو عصر توظيف وتشغيل المعلومة والنظم المتكاملة والتخصصات ~~المتداخلة والبرامج المركبة ... تتعاون جميعها لسد حاجات معرفية ملحة ومتزايدة ... # واللؤلؤ وحده لم يعد يكفي. ms431