######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.FalsafatKarlBuber.Hindawi48649370 #META# Tags: philosophy #META# ID: 48649370 #META# Title: فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تصدير‏ # المقدمة‏ # الباب الأول: المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارا لتمييز ~~العلم‏ # تمهيد‏ # 1 - المعيار التقليدي: المنهج الاستقرائي‏ # 2 - المعرفة موضوعية‏ # 3 - حل مشكلة الاستقراء‏ # 4 - الاستقراء خرافة‏ # 5 - منهج العلم‏ # 6 - تعقيب‏ # الباب الثاني: موقف بوبر من الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم‏ # تمهيد‏ # 1 - الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم‏ # 2 - نقد بوبر للوضعية المنطقية‏ # 3 - بوبر ينقد معايير الوضعية لتمييز العلم‏ # 4 - تعقيب‏ # الباب الثالث: معيار القابلية للتكذيب‏ # تمهيد‏ # 1 - معيار القابلية للتكذيب‏ # 2 - العبارات الأساسية‏ # 3 - درجات القابلية للتكذيب‏ # 4 - تطبيقات المعيار‏ # 5 - تعقيب‏ # الخاتمة‏ # ثبت المراجع‏ # الإهداء‏ # تصدير‏ # المقدمة‏ # الباب الأول: المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارا لتمييز ~~العلم‏ # تمهيد‏ # 1 - المعيار التقليدي: المنهج الاستقرائي‏ # 2 - المعرفة موضوعية‏ # 3 - حل مشكلة الاستقراء‏ # 4 - الاستقراء خرافة‏ # 5 - منهج العلم‏ # 6 - تعقيب‏ # الباب الثاني: موقف بوبر من الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم‏ # تمهيد‏ # 1 - الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم‏ # 2 - نقد بوبر للوضعية المنطقية‏ # 3 - بوبر ينقد معايير الوضعية لتمييز العلم‏ # 4 - تعقيب‏ # الباب الثالث: معيار القابلية للتكذيب‏ # تمهيد‏ # 1 - معيار القابلية للتكذيب‏ # 2 - العبارات الأساسية‏ # 3 - درجات القابلية للتكذيب‏ # 4 - تطبيقات المعيار‏ # 5 - تعقيب‏ # الخاتمة‏ # ثبت المراجع‏ # | فلسفة كارل بوبر # | فلسفة كارل بوبر # | منهج العلم ... منطق العلم # تأليف # يمنى طريف الخولي # | الإهداء # إلى كنز قلبي ... أبي الحبيب # الذي علمني كيف أجد المتعة كل المتعة بين جدران هذا العالم الرائع الثر المثير عالم ~~الثقافة والمعرفة والعلم. # يمنى # سبتمبر 1980م # | تصدير # منذ سبع سنوات خلت تقدمت لنيل درجة الماجستير، من كلية الآداب جامعة القاهرة، ~~بأطروحة هي أول دراسة عربية على وجه الإطلاق، لفلسفة العلم عند كارل بوبر. # إن المبادأة والمبادرة باقتحام المعاقل الرحيبة الدافقة لهذا الفيلسوف المجدد العملاق لم ~~تأت جزافا، بل كادت تكون ضرورة قومية فرضت نفسها، فبوبر من أهم فلاسفة النصف الثاني من ~~القرن العشرين؛ وذلك أولا لأنه أقدر من استوعب وتمثل ومثل أحدث تطورات العلم المعاصر، ~~وغني عن الذكر مسيس احتياجنا الحضاري الملح في هذه المرحلة المتعثرة إلى ms001 جرعات متزايدة من ~~روح المنهج العلمي، إلى التشبع به؛ كيما يداني بيننا وبين اللحاق بركاب العصر، وكيما نكف عن ~~استيراد الحلول الجاهزة لمشاكل واقعنا والذي يبلغ حد استيراد الإدارة الأجنبية لبعض ~~المؤسسات! ولكي نتجاوز مرحلة أن نظل مستهلكين مقتصرين على النقل دون الإضافة في العلم؛ أي ~~في البحث الهادف إلى استكناه المجهول وإشباع نزوع العقل الإنساني نحو الفهم والتفسير، ~~ومستهلكين في التكنولوجيا؛ أي في التطبيق العملي لنتائج هذا البحث، غير منتجين لا في هذا، ~~ولا في ذاك. فقط مستهلكون، هذا اللفظ الذي تربطه أواصر القربى اللغوية والواقعية بالهلاك، ~~بينما ينتج آخرون، في شرق آسيا وشرق أوروبا، أضعاف احتياجاتهم، وهم ذوو موارد طبيعية أقل ~~كثيرا مما وهبنا الله إياه، لكنهم يملكون ما هو أهم، يملكون الأسلوب الأمثل لمواجهة الواقع ~~واستغلال الطبيعة وتسخيرها؛ أي المنهج، أصول التفكير العلمي وطبائع الروح العلمية. # فكان لا بد من مد الجسور إلى كارل بوبر؛ لإثراء الفكر العربي بفلسفته الثرية، التي تحمل ~~أكمل وأنضج النظريات في هذا الصدد. # وعلى الرغم من أنني تحت وطأة مقتضيات الطبع والنشر قد اضطررت لحذف الكثير من متن أطروحتي ~~الضخمة، فإن الكتاب في صورته الراهنة ظل يحوي مجمل فلسفة بوبر، بسائر عناصرها بل وتفاصيلها، ~~لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا وعالجها بإطناب أو أشار إليها باقتضاب، حسبما يقضي السياق. ~~وعلى الرغم أيضا من أن الأطروحة كانت أصلا صدرت عنه خلال السنوات الماضية دراسات بوبرية ~~أو متعلقة ببوبر ... على الرغم من هذا وذاك، فإن هذا الكتاب يظل يحوي أشمل إحاطة عربية ~~بنظريات بوبر، التي هي أشمل إحاطة فلسفية بالعلوم الطبيعية. # وبعد، فإن أطروحتي المتواضعة جدا، قد تجللت وتكللت بأن ناقشتها - في السابع عشر ~~من شهر يونيو عام 1981م - لجنة من كبار أساتذة الفلسفة في مصر، مكونة من أستاذتي الأثيرة ~~الدكتورة أميرة مطر رئيس قسم الفلسفة بآداب القاهرة، وأستاذي الجليلين الدكتور يحيى ~~هويدي والدكتور صلاح قنصوة، وقد أجازتها اللجنة بامتياز، مع التوصية بتبادلها مع الجامعات ~~الأخرى. # ويبقى امتناني وعرفاني لزوجي الفاضل، فبفضل ما أفاءه ms002 علي من ظلال وريفة طوال رحلة ~~العمر؛ استطعت إنجاز هذا العمل، وكل ما أنجزته قبله وبعده، بتوفيق من العزيز ~~الحكيم. # يمنى طريف # منيل الروضة، في فبراير 1988م # بدأ عملي في فلسفة العلم منذ خريف عام 1919م، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة: متى ~~تصنف النظرية على أنها علمية؟ أو هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة العلمية ~~لنظرية ما؟ # لم تكن المسألة التي أقلقتني، متى تكون النظرية صادقة، ولا متى تكون النظرية مقبولة، ~~كانت مشكلتي شيئا مخالفا، إذا أردت أن أميز بين العلم والعلم الزائف، # 1 ~~⋆ # وأنا ~~على تمام الإدراك بأن العلم يخطئ كثيرا، وأن العلم الزائف قد يحدث أن تزل قدمه فوق ~~الحقيقة. # كارل بوبر # Conjectures and Refutations, p. 33 # ما زلت أعتبر معيار القابلية للتكذيب مركز فلسفتي. # كارل بوبر # Replies to my Critics # إنه طريقة وقائية تحدد ما هو علمي وما هو غير علمي في مجال العلم، فتحمي العلم من ~~الأفكار الدخيلة والأعشاب الضارة، والنظريات الخاطئة غير العلمية والأفكار البالية، ~~وترسم مبادئ ثابتة تساعد على استقرار العلم. # لنوربرت فيير تصريح شهير فحواه أن 5٪ من الرياضيات هي من صنع الرياضيين والباقي قدره ~~95٪ يقوم بدور وقائي في حماية الرياضيات من آفة النظريات التي تفتقر إلى قدر كاف من ~~الدقة. # ف. ف. ناليموف # مقتبسا من مقال «قبول الفرضية العلمية» # | المقدمة # (1) أهمية البحث في فلسفة العلم، وعند كارل بوبر ~~(1) إحدى وجهات النظر الشائعة في تبيان ماهية الفلسفة، وما وظيفتها وجدواها، هي تلك ~~الوجهة من النظر التي يتبناها كثير من الفلاسفة المعاصرين - لا سيما التحليليين منهم - ~~التي تنظر إلى الفلسفة بوصفها تحليلا للمقومات والعمد والدعائم التي تقوم عليها ~~الحياة العقلية في العصر الذي توجد الفلسفة بين ظهرانيه، فإن كانت تلك العمد دينية - ~~كالعصور الوسطى - كانت مهمة الفلسفة تحليل دعائم الدين وإثبات مقوماته؛ بعبارة أخرى ~~كانت الفلسفة هي فلسفة الأديان. وإن كانت تلك العمد سياسية اجتماعية - فرنسا إبان ~~ثورتها مثلا - كانت مهمة الفلسفة تحليل النظم السياسية القائمة والتي ينبغي أن تقوم، ~~والبحث في ms003 مقومات المجتمع وعناصره وطريقه إلى الحياة المثلى ... وهكذا. # وغني عن الذكر أن عصرنا هذا يحتل العلم مكان السبق من واجهته العقلية والفكرية ~~والثقافية حتى شاع نعته بأنه عصر العلم، وتمشيا مع هذه الوجهة من النظر، تكون فلسفة ~~العصر الراهن أولا وقبل كل شيء هي الفلسفة التي تحاول فهم ظاهرة العلم فهما يعمقها، ~~فتبحث في خصائصه ومقوماته والتنظيم الأمثل لمناهجه، ومحاولة حل مشاكله التي تخرج عن ~~دوائر اختصاص العلماء؛ أي فلسفة العلم. # هذا ما يراه بعض أقطاب المدارس المعاصرة، الذين بهر التقدم الساطع للعلم أنظارهم ~~فآمنوا بعلمية الواقع وعلمية الحياة الإنسانية، وأرادوا أن تنسحب هذه الخاصة العلمية ~~على الفلسفة مثلما انسحبت على سائر قطاعات الحياة، فتكون الفلسفة إما علمية - أي تحل ~~المشاكل الفلسفية التقليدية مستفيدة بإنجازات العلم، كما يرى رسل مثلا # 1 ~~- وإما مقصورة على فلسفة العلم، أي تبحث في مشاكل العلم فقط، كما يرى ~~الوضعيون المناطقة مثلا. إنهم معبرون عن تيارات أخذها العلم جملة وتفصيلا، فنجد ~~الكثيرين من المشتغلين بالفكر الفلسفي، لا سيما في الغرب حيث معقل العلم، يقرون كبديهية ~~في غير حاجة إلى نقاش أن كل ما عدا فلسفات العلم ومناهج البحث، من مخلفات عصور الجهالة، ~~ينبغي أن يوضع في متاحف التاريخ. ~~(2) وإن كان عرض هذه الفكرة لا يحمل اقتناعا بها، فإن الاقتناع - كل الاقتناع - بأن ~~فلسفة العلم لا يجادل أحد في جدواها بالنسبة للفكر المعاصر، وهي من ناحية ثانية أقل ~~فروع الفلسفة حظوة في المكتبة العربية، ومن ناحية ثالثة فبحكم كونها نقطة التقاء بين ~~القطبين الأساسيين لنتاج العقل ومحوري المعرفة «العلم والفلسفة» فإن البحث فيها أكثر ~~إثراء. هذا كله بالإضافة إلى أن فلسفة العلوم الطبيعية بالمعنى الناضج المعاصر لم ~~يكتمل نموها، ويتم الاعتراف بها كعلم مستقل قائم بذاته، إلا بعد أن ازدهرت العلوم ~~الطبيعية نفسها ازدهارا فائقا في الآونة الأخيرة؛ لذلك فهي أصغر الأبناء في الأسرة ~~الفلسفية؛ ومن ثم أحقهم بالعناية، أين هي من فروع الفلسفة الأخرى التي يعد عمرها ~~بالمئات من السنين وتكاد تكون قد قتلت بحثا ms004 ودراسة؟! ~~(3) وبخلاف دوائر احتراف التفلسف، فإننا من الناحية القومية، لو أردنا اجتياز الهوة ~~الحضارية السحيقة التي تفصلنا عن الغرب، وتدارك ما فاتنا من خطواته العلمية الواسعة، ~~فالخطأ كل الخطأ يتمثل في تعجيل الوصول إلى عصر العلم دون تأصيل لمناهجه، عن ظن بأننا ~~نستطيع أن نأخذ بما حققته الدول التي سبقتنا على الطريق، غير ملتفتين إلى الطريق نفسه: ~~من أين بدأ، كيف اتجه وسار. # أي لا بد من الإلمام بأسلوب التفكير العلمي - أي منهجه - أولا؛ كي نستطيع أن نعيشه ~~ونمارسه ثانيا، فقد أثبت منهج العلم - ولا جدال - أنه الطريق الأمثل، والأوحد، لحل ~~المشاكل الواقعية العملية، وربما كان العامل الوحيد الذي فجر تقدم الغرب هو تشربهم ~~حتى النخاع بالمنهج العلمي في مواجهة المشاكل العملية، وبجذور تمتد حتى نتاج عصر النهضة ~~حيث رينيه ديكارت وفرنسيس بيكون، بينما نحن مفصولون عنه بفراسخ وأميال. # ولا يكابر أحد بادعاء أننا أخذنا بالعلمية، مشيرا إلى أكاديميات العلوم ومجامعها ~~والميكنة والتقنية التي تعمر أرجاء البلاد، فقد أخذنا بهذا ونحن غافلون عن أن العلم هو ~~المنهج، فنهلل فقط لنتائجه (أي قطع التكنولوجيا) غير مدركين أننا لو استوردنا كل ~~تكنولوجيا الغرب، فسيظل علمنا - بداهة - حيث هو، ما لم نكن على وعي بروح هذا العلم، ~~بمساره وكيفية تقدمه (أي منهجه). إغفال حضارتنا لمنهج العلم، كقانون التفكير العملي ~~السليم، هو الباعث على التشكك في مسايرتنا لروح العصر، فكل ما نقلناه من أنظمة علمية ~~وأجهزة تكنولوجية محض مظاهر سطحية، لم تشكل رافدا جديدا، شق ليثري نهر حضارتنا ~~الخالد. # على هذا يبدو من الملائم تماما اختيار فلسفة العلوم - التي هي مناهج بحثها - ميدانا ~~للدراسة، وعساها أن تساهم في نمط من اليقظة الفكرية، بلاد الشرق من أحوج بقاع الدنيا ~~له. ~~(4) ومن الملائم أكثر اختيار كارل بوبر بالذات (1902م-؟) # Karl Popper ~~؛ لأنه فيلسوف العلم ومناهج البحث الأول، وبغير منازع على ~~هذه الأولوية. # فهو أصلا دارس للرياضة والطبيعة، بجانب الفلسفة بالطبع، ثم مدرس لهما، إذن يستند في ~~فلسفته للعلم على خلفية صلبة وأرض ثابتة من الإلمام الأكاديمي ms005 الواسع بالعلم ذاته، إنه ~~- كما قال العالم الفيزيائي الكبير هنري مارجينو - على خلاف معظم معاصريه، قد أخذ على ~~عاتقه دراسة موضوع تفلسفه أي الفيزياء المعاصرة، # 2 # وهو رغم سعة إلمامه بالعلم وفلسفته، ليس من قبيل الفلاسفة الذين بهرهم هذا ~~العلم فذابوا معه وراحوا ينكرون أدنى فعالية لشتى ضروب الأنشطة العقلية، بل إنه من خلال ~~العلم ذاته ينظر بعين الاعتبار لسائر تلك الضروب، وعلى رأسها جميعا ~~الميتافيزيقا. # وهو أحد المعاصرين القلائل - إن لم يكن الوحيد بعد رحيل رسل - الذين تتميز بحوثهم ~~بالسمة شبه الموسوعية، لا نجد ميدانا من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه بوبر، له ~~بحوث في العلم، لا سيما الفيزياء البحتة ونظرية الكوانتم، ونظريات في فلسفته ومناهج ~~بحثه، وهو مجدد في المنطق ونظرية المعرفة، ومبدع في الميتافيزيقا، أما نظريته ~~السياسية، فهي من أشهر ما اشتهر به، وقيل إن كتابه: «المجتمع المفتوح وخصومه» من أهم ~~منجزات القرن العشرين في مجال الفلسفة السياسية والاجتماعية، وقد أردفه بعمل آخر هو ~~«عقم النزعة التاريخية» الذي كتب عنه الناقد آرثر ~~كوستلر # Arthur Koestler # في مجلة التايمز البريطانية يقول: إنه العمل الوحيد في مناهج ~~العلوم الاجتماعية الذي سيخلد إلى ما بعد هذا القرن. # 3 # ورغم ذلك فبوبر يؤكد في كل مناسبة أن اهتمامه الأساسي هو فلسفة العلوم الطبيعية. # 4 ~~(5) وفلسفة بوبر - رغم دقتها وصرامتها الأكاديمية - تتخطى الحدود الأكاديمية وتؤثر ~~تأثيرا فعالا في الحياة العملية، فنجد مثلا: ~~(أ) # العلماء التجريبيون الحاصلون على جائزة نوبل - أمثال سير بيتر ميداوار، ~~وجاكس مونود، وسير جون إكسلس - يؤكدون أنهم وصلوا إلى تلك النتائج العلمية ~~الباهرة بفضل اتباع تعاليم بوبر المنهجية، والاسترشاد بفلسفته للعلوم؛ إذ ~~كانت نصيحة إكسلس # John Eccles # للعلماء ~~الآخرين هي أن «يقرءوا ويتأملوا كتابات بوبر عن فلسفة العلوم وأن يتخذوا ~~منها أساسا للعمل في حياة الفرد العلمية.» ~~(ب) # لم يتبن هذا الرأي العلماء التجريبيون فقط؛ فعالم الفلك البحت ~~والرياضي الشهير سير هيرمان ~~بوندي # Sir Herman Bondi # قال: «ببساطة ليس العلم شيئا أكثر من منهجه، وليس ~~منهجه شيئا أكثر ms006 مما قاله بوبر.» فأثر بوبر إذن امتد ليشمل كلا من ~~العلماء التجريبيين وعلماء العلوم البحتة. ~~(ج) # وليس العلماء فقط، بل وبعض رجال السياسة من الوزراء البريطانيين في كل ~~من الحزبين الأساسيين؛ حزب المحافظين وحزب العمال، على سبيل المثال: سير ~~أنطوني كروسلاند، وسير إدوارد ~~بويل # E. Boyle # يقرون أن أيديولوجياتهم السياسية متأثرة تماما ~~بفلسفة بوبر. ~~(د) # وبوبر أحد عشاق الفن ومتذوقيه ، يلعب الفن ولا سيما الموسيقى دورا كبيرا ~~في حياته، ورغم أنه نادرا ما يتعرض في فلسفته للفن، فإن أثره يمتد حتى ~~مؤرخي الفن؛ فمؤرخ الفن الكبير سير ~~إرنست جومبريش # Sir Ernest Gombrich # يقول في كتابه «الفن ~~والخداع # Art and ~~Illusion ~~» إنه سيشعر بالفخر لو أحس القارئ بأثر بوبر يشيع ~~في كل مكان من هذا الكتاب. # 5 ~~(ه) # أما أشعيا برلين # Isaiah Berlin # فيصرح في ~~كتابه الشهير عن سيرة كارل ماركس - وله ترجمة عربية - أن نقد بوبر ~~للماركسية يمثل أخطر ما قد وجه لها من نقد حتى الآن. وهو يعتقد مع بريان ~~ماجي أنه لا يمكن أن يطلع أحد على نقد بوبر للماركسية ويظل على اقتناع ~~بمبادئها. ~~(6) وإيراد الشواهد التي تثبت أن أهمية بوبر لا يقربها أي فيلسوف آخر من الفلاسفة ~~الأحياء لا نهاية له، ولكن الغريب حقا أنه لا يتمتع بالشهرة الكافية، ولا يلقى ما ~~يستحقه من التقدير، خصوصا في عالم الدراسات الفلسفية العربية؛ إذ لا يتبين الكثيرون ~~فلسفته بوضوح، فضلا عن أنه شبه مجهول لمثقفي العربية العاديين. # لذلك سيحاول هذا البحث سد فجوة كبيرة. ~~(2) سيرة الفيلسوف وأعماله ~~(1) وقد ولد كارل ريموند بوبر، في فيينا، في 28 يوليو عام 1902م، لأسرة نمساوية ~~خليقة بأن تنجب فيلسوفا، فهذا أبوه «دكتور سيمون سيجموند كارل بوبر» حاصل على درجة ~~الدكتوراه، وكذا أخوه، وكان أستاذا للقانون في جامعة فيينا، ومحاميا. ويبدو أنه كان ~~مثقفا ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبرنا الابن كارل بوبر - حجرة واحدة في ~~منزله غير مكتظة بالمراجع العلمية، وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني، ~~باستثناء حجرة المعيشة، وكانت بدورها ms007 مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي أعمال باخ وهايدن ~~وموزار وبيتهوفن وشوبيرت. # 6 # ويبدو أن الرجل - كما نلاحظ من متفرقات في السيرة الذاتية لبوبر - كان حريصا على ~~تنشئة ابنه؛ فهو الوحيد بين ثلاث أخوات، فمنذ نعومة أظفار الصبي كارل بوبر ووالده يحفزه ~~على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي والماهية والجوهر، ~~وحينما تعييه حذلقة الصبي يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة. # أما عن أمه «جيني ني شيف، جيني بوبر» فهي تنتمي لأسرة تسري في دمائها الموهبة ~~الموسيقية، كانت هي وشقيقاتها شأن غالبية مواطني النمسا - عاصمة الألحان الرائعة وكعبة ~~الموسيقى - عازفات ماهرات على البيانو، أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون؛ # 7 # لذلك نجد الموسيقى تلعب دورا كبيرا في حياة الابن بوبر، فهو متذوق لها ~~وعازف على البيانو، مما ساعده على صقل شخصيته وإرهاف مشاعره، وهو يخبرنا في تفصيلات ~~مسهبة كيف أن الموسيقى الأوروبية المتعددة ~~النغم Poiyphonic # كانت ملهما لبعض اتجاهاته الفكرية. # 8 ~~(2) والحق أن كل ما في سيرة الفيلسوف مدعاة للإجلال والإكبار، فهو ذو حس إنساني ~~رفيع، شديد التعاطف مع مظاهر البؤس والحرمان والشقاء، وكانت منتشرة في أحياء فيينا ~~الفقيرة - نتيجة حرب أهلية - إبان صبا الفيلسوف، وكان أول حب خفق له قلبه وهو طفل صغير، ~~يرفل في الخامسة من عمره لطفلة صغيرة في روضة أطفال ذهب إليها مرة واحدة، وبرؤية وجهها ~~انفطر قلب الطفل بوبر، وهو لا يدري، ألروعة ابتسامتها الأخاذة؟ أم لمأساة كف ~~بصرها؟ # وحينما شب عن الطوق ورث عن أبيه العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المهملين ~~والأيتام. # ولما وضعت الحرب الأولى أوزارها (1919-1920م) ترك منزل والديه - رغم توسلاتهما - كي ~~يستقل بنفسه، وكي لا يشكل عبئا عليهما؛ فقد أصبح أبوه شيخا جاوز الستين، فقد كل ~~مدخراته في التضخم المالي الذي استشرى في أعقاب الحرب، # 9 # وأقام في مبنى قديم لمستشفى عسكري مهجور، حوله الطلبة لبيت طلاب بدائي ~~جدا، فعمل بغير أجر في عيادة النفساني ألفرد أدلر، وبأجور زهيدة في أعمال أخرى ~~كمساعد نجار أو تدريس أو تدريب لطلبة أمريكيين، ولم ms008 يكن يدخن أو يحتسي خمرا، كان يأكل ~~قليلا ويرتدي رث الثياب، المتعة الوحيدة التي لم يستطع التخلي عنها هي التردد على ~~حفلات الموسيقى السيمفونية، وكانت التذاكر رخيصة ولا سيما وأنه كان يستمع ~~واقفا. # وبخلاف العمل الاجتماعي من أجل الأيتام، والموسيقى، كان اهتمام بوبر الثالث هو ~~الفلسفات السياسية اليسارية، فقد أمضى إبان مراهقته ثلاثة أشهر ماركسيا، ولكنه انقلب ~~بحماس إلى الاشتراكية الديمقراطية. # 10 ~~(3) أما عن دراساته، فكان بوبر يحضر محاضرات علوم مختلفة في جامعة فيينا؛ التاريخ، ~~الأدب، علم النفس ، الفيزياء ... بل حتى العلوم الطبية، لكنه سرعان ما ترك هذا وقصر حضوره ~~على محاضرات الفيزياء النظرية والرياضة البحتة، حيث كانت المحاضرات رائعة بحق. # 11 # وفي عام 1922م أصبح طالبا منتظما مقيدا بالجامعة، فأمضى عامين للحصول على إجازة ~~للعمل في المدارس الابتدائية، حصل عليها إبان عمله كنجار، لكنه واصل دراساته حتى حصل ~~على إجازة التدريس في المدارس الثانوية من معهد Pedagogic ~~Institution ~~، كان قد أنشئ حديثا وهو مستقل ولكنه مرتبط بالجامعة، ~~حيث كانت بعض مقرراته إجباريا كعلم النفس، والبعض الآخر اختياريا، # 12 # في هذا المعهد تعرف بوبر على محبوبته، التي أصبحت زوجته حتى الآن، وما ~~فتئ بوبر في كل موضع ينوه بفضلها، وفضل حبهما العظيم عليه. ~~(4) وبعد تخرجه من الجامعة استأنف دراساته حتى حصل على شهادة PH. ~~D. # في الفلسفة، وكسب عيشه من العمل كمدرس طبيعة ورياضة في المدارس ~~الثانوية، ولم يكن هذا شيئا يسيرا في النمسا آنذاك. # ونظرا لأنه ينحدر من أصول يهودية، فقد اضطر إلى الهجرة من النمسا عام 1937م؛ خوفا ~~من النازية واتجه إلى نيوزيلاند حيث قضى سني الحرب وظل يدرس الفلسفة في جامعتها حتى عام ~~1945م، وفي عام 1946م هاجر إلى إنجلترا واستقر في إحدى ضواحي لندن - حتى الآن - إذ عمل ~~أستاذا للمنطق ومناهج العلوم في جامعة لندن، وفي عام 1965م منح رتبة شرف في المجتمع ~~الإنجليزي (لقب سير) وفي عام 1969م بلغ سن التقاعد. ~~(5) أما عن أعماله: فقد بدأت بكتاب «منطق البحث العلمي»، وقد صدر بالألمانية عام ~~1933م ms009 وهو من أكثر كتب بوبر إيغالا في منطق العلم وفلسفته بالمعنى الفني الدقيق، وقد ~~صدرت له ترجمة إنجليزية عام 1959م، بعنوان «منطق الكشف العلمي» وهي مصحوبة بملحق مطنب ~~تحت عنوان «بعد عشرين عاما»، ولو كانت قد ظهرت هذه الترجمة قبل ذلك بربع قرن، لكان وجه ~~الفلسفة الإنجليزية على صورة مغايرة تماما. مع ملاحظة أن بوبر يتقن اللغات الألمانية ~~والإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية فإن كتبه بعد ذلك كلها بالإنجليزية؛ لأنه ~~اتخذ من إنجلترا موطنا، وهي «المجتمع المفتوح وخصومه» في جزأين عام 1946م، حيث ينادي ~~بالديمقراطية الليبرالية، المفتوحة للمناقشة النقدية لكافة أنواع حلول المشاكل، ويحارب ~~فيه الديكتاتورية وكافة الفلسفات المغلقة التي تحاول أن تحدد النظام السياسي ~~الاجتماعي بأيديولوجية محددة، وأبرز الأمثلة: أفلاطون وهيجل وماركس، الذين ينقدهم بوبر ~~نقدا لا يبقي منهم ولا يذر، ثم أعقبه «بعقم النزعة التاريخية» وهو أصلا مجموعة ~~مقالات رفضت مجلة مايند # Mind # نشرها، وهو يكاد يكون ~~ملحقا للمجتمع المفتوح؛ لأن بوبر ينقد فيه الاتجاه الفلسفي المعتقد في مسار محتوم ~~للتاريخ، الذي يرى أن وظيفة العلوم الاجتماعية هي التنبؤ بهذا المسار، وواضح أن المجتمع ~~المغلق يستند على الدعوى بمسار محتوم للتاريخ، ويريد أن يغلق المجتمع على أساس حدود هذا المسار. # 13 # وقد أخرج بعد ذلك: «الحدوس ~~الافتراضية والتفنيدات» # Conjectures and Refutations # نمو المعرفة العلمية عام 1963م، ثم «المعرفة ~~الموضوعية: تناول تطوري»، وهما مجموعتان من المقالات، تدور حول مختلف جوانب فلسفته، ~~وبالطبع الجانب الإبستمولوجي العلمي هو البارز، وهذه المقالات كان قد سبق نشرها من قبل ~~في المجلات المتخصصة والأوساط الفلسفية المختلفة، وبالطبع يوجد خلافا لها مقالات أخرى ~~لم تنشر في كتاب كامل، أو نشرت كجزء من كتاب بالاشتراك مع آخرين، وحينما أخرج بول ~~آرثر شيلب في مكتبته الثمينة عن الفلاسفة الأحياء، مجلدين قيمين عن فلسفة بوبر، استهل ~~بوبر الجزء الأول بسيرته الذاتية العقلية، نشرها بعد ذلك في كتاب مستقل، كما ختم الجزء ~~الثاني بردود مسهبة على نقاده، كما هو متبع في هذه السلسلة. وفي العام الماضي أخرج ~~كتابين هما «النفس ms010 ودماغها» مشاركة مع جون إكسلس، ويدور حول مشكلة العقل والمادة، ثم ~~كتاب «الفلسفة والفيزياء». # هذه هي أعماله التي طرحها حتى الآن، ما زال يعمل في كتب أخرى، ويؤكد أصدقاء الفيلسوف ~~المقربون أن لديه كثيرا من الأعمال حبيسة أدراجه يحجبها عن الناشرين لاقتناعه بأن هناك ~~دائما متسعا من الوقت لمزيد من التحسينات والإضافات. ~~(6) تلك خلاصة لسيرة حياة الفيلسوف، مسار أعماله، أما موقفه الفلسفي فمن الأليق ~~الحديث عنه في الخاتمة، بعد أن نتعرف تماما على بوبر من سياق تفاصيل البحث. ~~(3) مشكلة تمييز المعرفة العلمية ~~(1) وقد تناولنا فلسفة العلم عند كارل بوبر عن طريق مشكلة هي بالنسبة لهذه الفلسفة ~~نقطة البدء، وتخطيط الطريق والهدف المنشود، ألا وهي مشكلة وضع معيار يحدد متى تكون ~~النظرية علمية ومتى لا تكون، وقد تبدو غريبة لأنها غير مألوفة، ولم تطرح من قبل في ~~المكتبة العربية، وهذا هو الغريب حقا، فالمفروض أن هذه المشكلة هي الأساسية، وهي التي ~~تحدد نطاق باقي المشاكل، إنها بحق المحور الجوهري بالنسبة لكل من: ~~(أ) # الأيدلوجية الحضارية المعاصرة. ~~(ب) # العلم. ~~(ج) # فلسفة العلم. ~~(د) # فلسفة بوبر. ~~(أ) # بالنسبة للحضارة المعاصرة، فهي الحضارة العلمية التي أثبتت الفائدة ~~القصوى للعلم ماديا ومعنويا، فجعلته يتبوأ أرفع منزلة معرفية، أصبح ~~كل نشاط يطمح إلى مثل هذه المنزلة يتسمى بمصطلح العلم، غير أن هذا ~~المصطلح شأنه شأن سائر المصطلحات ذات القيمة العليا: الحرية، الديمقراطية، ~~الحقيقة ... مبهمة وغير واضحة، فلا بد وأن نتساءل: ما هو العلم؟ هل هو النشاط ~~الذي يضم علم الكف وعلم الفيزياء البحتة، وعلم التحليل النفسي، وعلم ~~التنجيم، وعلم الديناميكا الحرارية ... أم أن بعض هذه الأنشطة علوم حقيقية، ~~والبعض الآخر علوم زائفة أي أشباه ~~علوم Pseudo-Science ~~، ما هو العلم الحقيقي وكيف يمكننا تحديده؟ ... الإجابة ~~على هذا بحل مشكلة التمييز. ~~(ب) # وهو حل يعني العلم ذاته، لا بد وأن يتبين العالم ما هي حدود عمله، ما هي ~~النظريات العلمية الحقة التي يأخذ بها، وكيف يمكنه تحديد الحدود التي يطرح ~~فيها الفروض، فلا يطرح فرضا غير علمي لحل ms011 مشكلة علمية. ~~(ج) # وهي بالتالي أساسية لفلسفة العلم، فهي شأنها شأن أية فلسفة أخرى، تحاول ~~فهم ظاهرة مجالها «الأخلاق، السياسة، الدين، الجمال ...» فهما يضم بين شطآنه ~~سائر جزئيات الظاهرة محاولا الارتفاع عنها ارتفاعا يليق بعمومية الفلسفة ~~وكليتها، ويمكنها من تجاوز ما هو كائن؛ لتصور ما ينبغي أن يكون، إنها ~~محاولة لفهم ظاهرة العلم، وهي حديث يأتي بعد العلم نفسه لأنه حديث عنه؛ ~~لذلك يسمى باللغة البعدية # Meta Language # لغة فلاسفة العلم، المتميزة عن اللغة ~~الشيئية # Object Language # التي هي العلم نفسه محتواه المعرفي، أي عمل ~~العلماء أنفسهم. إذا صدق هذا، وصدق أيضا أن الإبستمولوجيا مبحث رحب واسع ~~عريق عراقة الفلسفة ذاتها، يبحث فيما يمكننا أن نعرف، أيا كان: الله ~~المطلق، الطبيعة ... وكيف يمكن معرفته وبأية وسيلة: العقل، الحس، الحدس، ~~الإلهام الصوفي ... وأن فلسفة العلم بدورها فرع متطور محدد جدا من ~~الإبستمولوجي يبحث فقط في الأسس المنطقية والفلسفية لنمط معين مخصوص ~~جدا من المعرفة، إذا صدق كل هذا، وجب على فلسفة العلم أن تعرف كيف تميز ~~هذا النمط، أي العلم، عن بقية أنماط الإبستمولوجي العديدة، وإنه حد لمختلط ~~بها، «فكلمة العلم # Science # مشتقة من ~~الكلمة اللاتينية # Scire # ومعناها أن يعرف؛ ~~لذلك فالعلم إذا أخذ بمعنى فضفاض، # 14 # كان يدل على ما نعرفه، وعلى مجموع المعرفة البشرية بأسرها.» # 15 # والعرب أيضا يطابقون بين العلم والمعرفة، فيقولون: علم ~~الشيء بالكسر (كسر اللام) يعلمه علما، أي: عرفه، # 16 # أي من الناحية الفيلولوجية، ليست هناك حدود بين العلم وبين ~~المعرفة، وإن كان العرف الإسلامي قد جرى على أن ينسب إلى الله تعالى العلم ~~لا المعرفة فنقول: «عليم» بينما ينسب إلى العبد المعرفة فقط، وهذه لفتة ~~ثاقبة؛ لأن العلم أرسخ من المعرفة، والعلم - لا المعرفة - هو الذي ينقض ~~الجهل، ولكنها للأسف لم تقنن ترمينولوجيا بما يكفي وحتى المصطلح الفلسفي ~~للعلم يرادف بينه وبين المعرفة؛ فالعلم «هو الإدراك مطلقا تصورا كان أو ~~تصديقا، يقينا كان أو غير يقيني، وقد يطلق على التعقل، أو على حصول صورة ~~الشيء ms012 في الذهن، أو على الإدراك الكلي مفهوما كان أو حكما، أو على ~~الاعتقاد الجازم المطابق للواقع أو على إدراك الشيء على ما هو به، أو على ~~إدراك حقائق الأشياء وعللها، أو على إدراك المسائل عن دليل، أو على الملكة ~~الحاصلة عن إدراك تلك المسائل، والعلم مرادف للمعرفة لكنه يتميز عنها.» # 17 # فكيف لنا أن نميزه؟ # إن مشكلة التمييز إذن أساسية في فلسفة العلم، أو على حد تعبير بوبر هي المشكلة ~~الأساسية التي تتفرع عنها كل المشاكل الأخرى في فلسفة العلم. # وعلى هذا تتفق جميع الأطراف المعنية على ضرورة تمييز العلم، على ضرورة الإجابة على ~~التساؤل: ما هو العلم؟ فكيف يمكن مثل هذا التمييز؟ # أولا وقبل كل شيء، فكرة التعريف الجامع المانع قاصرة، وهي مستحيلة، فلو قلنا مثلا: ~~العلم هو البحث عن الحقائق، لكانت الجاسوسية علما. أو قلنا: هو بناء نسقي من ~~المعلومات الواقعية، لكانت شجرة العائلة علما ... أو هو بناء نسقي من المعلومات ~~الواقعية المفيدة، لكان دليل التليفون علما ... وهكذا يستحيل وضع تعريف يحصر جميع ~~الأنشطة العلمية ويميزها، وهذا شيء يكاد يكون مسلما به، فهل يمكن مثلا تمييز العلم ~~بواسطة مجموعة من الخصائص، كأن نقول: هو النشاط الذي يتسم: بالعمومية والموضوعية ~~والتجريد والنسقية وثبات الصدق، والتسليم ببعض مبادئ معينة، # 18 # بالطبع هذه محاولة ليست أقل قصورا من فكرة التعريف، فبغض النظر عن أن ~~العلم ليس ثابت الصدق، وليس هناك أية مبادئ معينة من الضروري التسليم بها، فإنه من ~~الممكن مثلا تناول مشكلة شخصية تناولا موضوعيا، كما يمكن تكميم ميزانية الشركة بل ~~وسائر أنشطتها، ويمكن تجريد خطوط الرسم في لوحة فنية ... إن الصفات كيفية، وهي فضفاضة ~~يمكن أن تجتمع في أي نسق، وهو ليس علميا، لا سيما وأن أنساق العلوم الزائفة تقوم على ~~تنسيق عقلاني خلاب، وإلا فلماذا نخشى اختلاطها بالعلم؟ العلم نشاط دقيق، فلا بد وأن ~~يكون تمييزه على أساس دقيق دقته، إن لم يكن أكثر، بعبارة أخرى: لا بد من تمييز العلم ~~على أساس منطقه، أي منهجه. ~~(2) ولو رمنا ms013 مثل هذا التمييز؛ لوجدنا أن ~~نظرية كارل بوبر، تمييز العلم على أساس قابليته المستمرة للتكذيب هي أصوب وأدق ما ~~طرح حتى الآن من معايير لتمييز العلم، والأهم أنها لا تميز فحسب، فنظرية التكذيب - ~~كما سيوضح الباب الثالث - هي أوفى وأشمل دراسة ميثودولوجية للبنية المنطقية للنظرية ~~العلمية، توضح أفضل منهج للتعامل معها، كي نصل بها إلى الصورة المثلى الممكنة. لكل ذلك ~~كانت هي المدخل الأمثل لدراسة نظرية بوبر في فلسفة العلم الطبيعي، لا سيما أنها، كما ~~يقول بوبر نفسه: كانت نقطة البدء في هذه الفلسفة، كما ظلت دائما مركزها. # 19 # وإن لم يكن بوبر أول من أثارها، فأول من فعل ذلك بوضوح هو إيمانويل كانت؛ ~~لذلك يسميها بوبر مشكلة كانت؛ لأنه أول من انشغل بمشكلة الحدود التي تميز العلم ~~التجريبي، وأول من تساءل عن معيار يحدد العبارات التي تنتمي للعلوم التجريبية، ويميزها ~~عن تلك التي لا تنتمي لها، وتنتمي للميتافيزيقا مثلا. ~~(3) أما الذي جعلها نقطة البدء، فهو أن بوبر قد نشأ في جو يسيطر عليه سقوط ~~الإمبراطورية النمساوية، وقيام ثورات ملأت الجو في النمسا بشعارات وأفكار ثورية ونظريات ~~جديدة، ثار حولها الكثير من الجدل والهراء، لا سيما: # النظرية النسبية. # النظرية الماركسية في التاريخ. # نظرية فرويد في التحليل النفسي. # نظرية أدلر في علم النفس الفردي. # كان الإعجاب شائعا بعلمية النظرية الماركسية، ونظريات فرويد وأدلر وقوتها البادية، ~~حتى بدت هذه النظريات وكأنها قادرة عمليا على شرح كل شيء يحدث في مجالات بحثها، ~~فلا بد وأن تجد الحالات التي تؤكدها في كل مكان، وامتلأت الدنيا بإثباتات لها، وأيا ~~كان ما يحدث فهو دائما يؤكدها، لقد ظهر صدقها جليا، واتضح أن المنكرين كانوا قوما ~~لا يريدون أن يروا الصدق الجلي، أو رفضوا أن يروه، إما لأنه ضد مصالح طبقتهم، وإما هو ~~بسبب عقد مكبوتة لديهم. # ولم تكن المنزلة العلمية للنسبية - التي جذبت بوبر بشدة - قد ثبتت بعد، لكن بوبر كان ~~ضمن مجموعة من الطلبة يدرسون نتائج ملاحظات آدنجتون عن الخسوف، التي جلبت عام 1919م أول ms014 ~~تحقيق هام لنظرية آينشتين في الجاذبية، في حين أنه كان مغامرة، كان يمكن جدا أن تجلب ~~ملاحظات آدنجتون عكس ما توقع آينشتين؛ مما يعني ببساطة أن النظرية مرفوضة؛ لأنها غير ~~متوائمة مع نتائج معينة محتملة للملاحظة، وهي في الواقع نتائج كان يمكن أن يتوقعها أي ~~باحث قبل آينشتين. # ألحت مشكلة التمييز بشدة على بوبر، ومن جراء هذا بدا له من السهل جدا الحصول على ~~وقائع تؤيد أية نظرية، وأن القوة البادية لنظريات فرويد ويونج وأدلر على شرح كل شيء، هي ~~في الواقع مكمن ضعفها الحقيقي، # 20 # فهي غير قادرة على التنبؤ بأي شيء؛ إذ إن العسير حقا هو وضع النظرية في ~~موقف يستطيع منع حدوث وقائع معينة، يمكن جدا أن تحدث فتكذبها. # على هذا توصل إلى أن إمكانية تكذيب # Falsifiability # النظرية إمكانية تصادمها، أي تعارض النتائج المستنبطة منها مع وقائع ملاحظة ممكنة ~~الحدوث منطقيا هي المعلم المميز للعلم الطبيعي، معلم يرسم حوله حدودا تحدد صورته ~~المنطقية، بوصفه النسق الوحيد - بين أنساق عدة - القادر على إعطائنا قوة شارحة، مضمون ~~معرفي ومحتوى إخباري، عن العالم التجريبي الواحد والوحيد الذي نعيش فيه، القابلية ~~للتكذيب هي التي تميز العلم التجريبي دون سواه، فتفرده عن العلوم الزائفة، وعن ~~الميتافيزيقا، وعن المنطق والرياضة ... وعن سائر الأنشطة العقلية التي لها دورها العظيم، ~~وربما الأعظم في بناء الحضارة، وتقدم الإنسان ولكن اختلاطها، بالعلم الطبيعي، ادعاءها ~~القدرة الإخبارية عن العالم التجريبي، من شأنه أن يلحق الضرر بالحضارة المعاصرة وبالعلم ~~وبالفلسفة، ولا سيما أن العلوم الزائفة Pseudo-Science # كالتحليل النفسي مثلا، تقوم على تنسيق عقلاني خلاب، يجعلها تتشح بوشاح العلم، في حين ~~أنها مجردة من أية قوة شارحة معرفية، إنها دجل العصور الحديثة، المناظر للتنجيم ~~والسيمياء، دجل العصور الغابرة. # معيار القابلية للتكذيب، يكشف عن كل هذا، إذ يميز العلم، ويعطينا صورة المنهج الأمثل ~~للتعامل معه. ~~(4) لكن ليس من السهل قبول هذا المعيار. # أولا: هناك رأي شائع مؤداه أن النظرية تكون علمية، إذا كنا قد أتينا بها عن طريق ~~المنهج الاستقرائي، أي ms015 لو كانت تعميما لوقائع مستقرأة من العالم التجريبي، فلا بد وأن ~~تكون إخبارا عن هذا العالم، غير أن بوبر يرى أن عملية التعميم الاستقرائي هذه مستحيلة ~~الحدوث أصلا، فكيف لها أن تميز العلم؟ # لذلك أفردنا الباب الأول لمناقشة المنهج الاستقرائي، وإثبات أنه محض خرافة، وأن منهج ~~العلم الحقيقي، منهج المحاولة والخطأ النقدي، لا يميز العلم فقط، فهو منهج كل نقاش ~~عقلاني، وأي نشاط مجد أو مثمر. # ثم أفردنا الباب الثاني للوضعية المنطقية وموقف بوبر منها، فصلب هذا المذهب هو ~~المعيار الذي يفصل بحسم قاطع بين الأحاديث التي تنصب على الواقع الحسي التجريبي وبين ~~الأحاديث أو الثرثرة الميتافيزيقية التي تتجاوزه، وهذا فقط لأن العلم يقصر أحاديثه على ~~الواقع التجريبي وقد بذلوا محاولات عدة لإقامة مثل هذا المعيار ، أشهرها معيار التحقق ~~كما وضع كارل همبل معيار القابلية للتأييد، ووضع رودلف كارناب نسقا اصطناعيا للغة، ~~أو مشروعا له، يحاول استيعاب العلم واحتواءه ونبذ كل ما عداه، كما وضع فتجنشين محاولة ~~متأخرة. # كل هذا بالإضافة إلى أن الوضعية المنطقية أهم المؤثرات الفلسفية على بوبر، فقد هيمنت ~~على الجو الفلسفي الذي نشأ فيه، كما أن بوبر بدوره من أهم المؤثرين على هذا المذهب، كما ~~يرى الوضعي المنطقي فيكتور كرافت، أو هو بالأصح من أقسى نقاده، كما يرى الوضعي المنطقي ~~أوتونيورات. # لهذا كان الباب الثاني للوضعية المنطقية، ونقد بوبر الشامل والمحيط لها ولمعاييرها ~~لتمييز العلم، لتنتهي في النهاية إلى أن هذه المعايير محاولات فاشلة، بل وأن المذهب ~~نفسه فاشل. # حتى إذا وصلنا إلى الباب الثالث «معيار القابلية للتكذيب»، ألفينا أنفسنا بإزاء ~~المعيار الأصوب لتمييز العلم؛ لأن قوام العلم هو منهجه، ومنهجه هو منهج أية مناقشة ~~عقلانية أي المنهج النقدي الساعي دوما إلى حذف الخطأ وتقليل نطاقه، أي تقليل مواطن ~~الكذب، والذي جعل العلم يتقدم هذا التقدم الفائق إنما هو - وهو فقط - معلمه المميز ~~الداخل في نسيج منطقه، أي القابلية للتكذيب، فقد تتم محاولة التكذيب وقد لا تتم، وقد ~~تتم في وقت لاحق، المهم هو الإمكانية المنطقية ms016 لها، الإمكانية المنطقية لاكتشاف الخطأ ~~والوصول إلى الأقرب من الصدق، وبالتالي التقدم المستمر نحو الحقيقة. # في هذا الباب سنلقي دراسة منطقية لنسق العلم، محيطة بالجوانب الميثودولوجية، ~~والإبستمولوجية؛ لنتمكن في النهاية من تمييز النظرية العلمية، وتقنينها تقنينا دقيقا، ~~على أساس درجة قابليتها للتكذيب، وبالطبع معنيون - في فصل خاص - بتطبيق نتائج هذا ~~المعيار. # كل باب من الأبواب الثلاثة ينتهي بفصل خصص لمناقشة الدعاوى المطروحة فيه، لكن لا ~~بد وأن ينتهي البحث بخاتمة عن موقف بوبر بصفة عامة. ~~(5) والآن في هذا الموضع - وفي كل موضع - لن يكفي كل ما في الأرض من آيات عرفان ~~وامتنان كيما أرفعها إلى الرحاب الرحب لأستاذتنا الدكتورة أميرة مطر، حيث ننهل جميعا ~~من أرفع قيم للبحث العلمي، ومن أعمق حب للفلسفة ومتفلسفيها، لقد تفضلت سيادتها منذ ~~البداية بإرشادي إلى موضوع هذا البحث، ثم بقبول الإشراف عليه، فلم أجد إلا تثبيتا ~~لدعائم مثل عليا، كانت قد أرستها في نفسي قبل هذا البحث بسنوات. # الباب الأول # | المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارا لتمييز ~~العلم # | تمهيد # لقد فهمت تماما لماذا حصنت بهذا الإحكام نظرية العلم الخاطئة، تلك التي ~~سادت منذ بيكون - والتي ترى أن العلوم الطبيعية هي العلوم الاستقرائية، وأن ~~الاستقراء هو عملية تأسيس أو تبرير النظرية بواسطة ملاحظات أو تجارب متكررة - ~~والسبب هو أن العلماء كان عليهم أن يميزوا أنشطتهم عن العلوم الزائفة، وبالمثل ~~عن اللاهوت، والميتافيزيقا، وقد أخذوا من بيكون المنهج الاستقرائي كمعيار ~~يميزهم، ومن ناحية أخرى: كان العلماء متشوقين لتبرير نظرياتهم، متوسلين بمصدر ~~للمعرفة يمكن مقارنته من ناحية الوثوق بمصادر الدين. # 1 ~~(1) # أولى تلك المصادر التي وضعت لحل مشكلة التمييز وأكثرها شيوعا، حتى ~~لتكاد أن تكون هي الموقف المعتمد، هي تلك التي ترى أن استخدام المنهج ~~الاستقرائي هو - وهو فقط - الذي يدمغ المعرفة بالسمة العلمية ويميزها عن ~~سواها. ~~(2) # وقد فطن بوبر إلى أن أساس التشبث بأهداب المنهج الاستقرائي، بوصفه معلم ~~العلم هو رغبة العلماء في معيار يحدد حدودا حصينة لهم، وفي نفس الوقت ~~يؤكدها، هذا بعد أن ظل فترة ms017 طويلة (1920-1926م) معتقدا أن مشكلة الاستقراء ~~ومشكلة تمييز العلم هما مشكلتان منفصلتان تماما حتى اهتدى إلى العلاقة ~~الوثيقة بينهما، وكيف أن مشكلة الاستقراء مجرد نتيجة لمشكلة التمييز أي ~~تابعة أو ملحقة بها، وكيف أن الذي يجعل الاثنتين مشكلتين مستعصيتين هو ~~الخطأ الشائع في أن التمييز يتم عن طريق المنهج الاستقرائي. ~~(3) # يقف بوبر بحسم وبقطع - وبشجاعة أيضا - رافضا هذا المعيار المسلم به، ~~معتزا بحله لمشكلة الاستقراء، وحينما نرى كم حيرت هذه المشكلة الفلاسفة ~~منذ هيوم حتى رسل العظيم، سندرك أنه محق في هذا الاعتزاز، مصرا على أن ~~الاستقراء بجلال سلطانه محض خرافة، آتيا بمنهج جديد للعلم ... كل ذلك لكي ~~يفسح المجال أمام معياره في التمييز. ~~(4) # على هذا يجمل بنا رسم صورة عامة للمنهج الاستقرائي ولمشكلته الشهيرة، حتى ~~يتضح الميراث الفلسفي الذي تسلمه بوبر من علم مناهج البحث، ثم نوضح موقفه ~~الفلسفي من هذا الميراث. # الفصل الأول # | المعيار التقليدي: المنهج الاستقرائي # (1) الاستقراء معيار تمييز العلم ~~(1) تطبيق المنهج الاستقرائي في العلوم التجريبية، ومراعاة قواعده مراعاة دقيقة، ~~يعتمد بوصفه الفيصل الحاسم بين العلم واللاعلم، ويعتبر ذلك من المسلمات التي تعلو ~~فوق النقاش. # فانظر إلى هذه المقتبسات: # تعريف العلم على أساس منهجه، أمر يطابق العادات المألوفة في كل حالة ~~لا يكون فيها خلاف؛ لهذا السبب فسأستعمل كلمة علم للدلالة على مجمل ~~المعرفة التي يصار إلى جميعها بواسطة المنهج العلمي. # 1 # ومنهج تأسيس العبارات العامة على الملاحظات المتراكمة لحالة معينة ~~يعرف بالاستقراء، وينظر إليه على أنه سمة العلم، بعبارة أخرى فإن ~~استخدام المنهج الاستقرائي، يعتبر معيار التمييز بين العلم واللاعلم، ~~وبذلك تتعارض العبارات العلمية القائمة على أدلة ملحوظة تجريبيا - أي ~~القائمة باختصار على حقائق - مع أية عبارات من نوع آخر، سواء قامت على ~~النفوذ أو العاطفة أو التقاليد أو التأمل أو الانحياز أو العادة، أو أي ~~أساس آخر. # 2 # تطلق العلوم الطبيعية على كل دراسة تتناول الظواهر الجزئية ~~بمناهج الملاحظة والتجربة والاستقراء. # 3 # الالتزام بالمنهج العلمي في أية دراسة؛ أي اتباع الموضوعية، ~~والاستناد إلى الملاحظة الدقيقة، ms018 والاعتماد على الاستقراء السليم، ~~وإجراء التجربة المنضبطة؛ يجعل الدراسة بحق علما. # 4 # مجتمعات كثيرة من البشر تجهل أو ترفض قاعدة العلم - أي الاستقراء - ~~ومن بين هؤلاء: أعضاء المجتمعات المناهضة للتطعيم، والمعتقدون في ~~التنجيم، وأية مناقشة مع هؤلاء بغير جدوى، لا يمكن قسرهم على قبول نفس ~~المعيار، الاستقراء السليم، الذي نؤمن بأنه شريعة القوانين العلمية. # 5 # ويقدم ستانلي بيك تعريفا للعلم هو: «ضرب من المعرفة الموضوعية المختبرة، نكتسبه ~~ونبعث الوحدة فيه - من حيث المبدأ - بالمناهج الاستقرائية.» # 6 ~~(2) اختصارا للقول، فإننا لا بد وأن نلقي قولا يحمل مثل هذا المعنى، تقريبا في ~~كل كتاب يتعرض لهذه المواضيع؛ إذ وجد العلماء فيه ضالتهم المنشودة، التي تحقق ~~بغيتهم في تأكيد المعارف العلمية تأكيدا يميزها عن غيرها، إلا أنه رغم كل شيء لم ~~يكن تأكيدا ممهدا، بل ملغما بلغم خطير فجره هيوم فيما يعرف بمشكلة ~~الاستقراء. # وكيف يعود الفضل كل الفضل في تقدم العلوم الطبيعية إلى هذا المنهج الاستقرائي، ~~وكيف شكل مفتاحا ذهبيا لفض مغاليق أسرار هذا الوجود، ولحل مشاكل البشر العلمية ~~والعملية وكيف ميز العلم الطبيعي تمييزا، وحدده بسياج ذهبية جعلته يتقدم المسيرة ~~المعرفية، وكيف أنه رغم كل ذلك مقلقل مضطرب مزعزع، بفعل شكاك أسكتلندا المثير ~~للمتاعب، ويفيد هيوم ... حول هذا تكاد تنحصر الأحاديث التقليدية التي لا بد وأن ~~نسمعها تتردد في كافة أحاديث فلسفة العلوم ومناهج البحث التقليدية. # لكن ماذا عسى أن يكون هذا المنهج، وماذا عسى أن تكون مشكلته. ~~(2) التعريف بالمنهج الاستقرائي ~~(1) المنهج هو الطريقة، بمعنى الطريق الواضح المستقيم الذي يمكن التوصل بصحيح ~~النظر فيه إلى غاية معينة، # 7 # ويوضع اصطلاح «المنهج» في اللغة العربية كترجمة للاصطلاح الأوروبي # Method # في الإنجليزية، ~~و # Methodè # في الفرنسية، ~~و # Methode # في الألمانية، وسائر البدائل في ~~اللغات الأوروبية الأخرى، «وكلها تعود في النهاية إلى الكلمة اليونانية # Mἐθoaδ ~~، وهي كلمة يستعملها ~~أفلاطون بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، كما نجدها كذلك عند أرسطو وأحيانا كثيرة ~~بمعنى «بحث»، والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدل على الطريق أو المنهج المؤدي ms019 إلى ~~الغرض المطلوب خلال المصاعب والعقبات.» # 8 # فاصطلاح «المنهج» في أشد معانيه عمومية، هو وسيلة تحقيق الهدف، وهو الطريق المحدد ~~لتنظيم النشاط، أما معناه الفلسفي على وجه الخصوص فهو وسيلة المعرفة، فالمنهج هو ~~طريق الخروج بالنتائج الفعلية من الموضوع المطروح للدراسة، هو الطريقة التي يتبعها ~~العقل في دراسة موضوع ما، للتوصل إلى قانون عام أو مذهب جامع، أو هو فن ترتيب ~~الأفكار ترتيبا دقيقا بحيث يؤدي إلى الكشف عن حقيقة مجهولة أو البرهنة على صحة ~~حقيقة معلومة. ~~(2) أما المفهوم الفلسفي لمصطلح المنهج العلمي خصوصا، أي قواعد الوصول إلى ~~الحقيقة في العلم بالذات فهو لم يظهر مستقلا إلا منذ عصر النهضة، ومثله مثل # 9 # جل المفاهيم الفلسفية قد اتخذ عبر العصور معاني عدة متقاربة غير ~~متباينة، تتحدد تبعا لروح التفلسف العلمي في العصر، والحديث التاريخي عن مفهوم ~~المنهج العلمي يمكن إجماله على النحو التالي: ~~(أ) # هو مجموعة القواعد التي توضع لتنظيم عملية اكتساب المعرفة بالعالم ~~بصفة عامة (الفلسفة القديمة). ~~(ب) # هو مجموعة القواعد التي توضع كتنظيم لعملية اكتساب المعرفة الطبيعية، ~~التي تعرف بوصفها معرفة علمية (بدايات الفلسفة الحديثة). ~~(ج) # هو المبادئ التي نجردها من الممارسات العملية للأفراد الذين عملوا ~~بنجاح في عملية اكتساب المعرفة العلمية (المائة سنة الأخيرة) وهذا ~~التجريد ليس مجرد وصف لسلوك العلماء، بل إنه يتضمن تقييما للمغزى # Significance # الذي يدل عليه هذا ~~السلوك، كما عبر عنه بوبر قائلا هو تقييم للعبة العلوم التجريبية، # 10 # هذا هو أقصى تطور وصل إليه مفهوم المنهج. ~~(3) والواقع أن العلماء لهم أساليب عدة في ممارسة بحوثهم؛ فهذه أساليب لعالم ~~الفيزياء، تخالف تلك التي ينتجها عالم البيولوجيا، تناقض تلك التي يمارسها عالم ~~التاريخ، بل إننا نجد داخل العلم الواحد أكثر من منهج؛ إذ يستعمل الباحث لكل مشكلة ~~المنهج الذي يلائم طبيعتها، وفي ذلك ضرورة لإضفاء المرونة على البحث العلمي، غير أن ~~العرف قد جرى على حصر المناهج في فرعين: # المنهج الاستنباطي: # تسير فيه من فروض أولية إلى نتائج تلزم عنها بالضرورة، متبعين في ~~ذلك ms020 قواعد المنطق، دون التجاء إلى التجربة، هذا هو منهج العلوم ~~الصورية، أي الرياضة والمنطق على وجه الخصوص، ويفيد أيضا في علوم ~~الشريعة والقانون، وبعض المباحث اللغوية. # المنهج الاستقرائي: # أي المنهج الذي نبدأ فيه بجزئيات تجريبية غير يقينية غير ضرورية، ~~لكي نصل إلى قضايا عامة كلية، هذا هو منهج العلوم الطبيعية، وما ~~تحاوله العلوم الإنسانية من احتذاء حذوها، وطالما نتحدث الآن ~~حديثا تقليديا فلا بد وأن نطابق بين منهج العلوم التجريبية وبين ~~الاستقراء. # بالطبع هناك مناهج فرعية ثانوية أخرى كالمنهج الاستردادي الذي نسترد فيه الماضي ~~تبعا لما تركه من آثار، وهو منهج العلوم التاريخية والأخلاقية، والمنهج الجدلي ~~الذي يحدد مناهج التناظر والتحاور بين الجماعات العلمية # 11 # في نتائج المناهج السابقة، والأهم من كل هذا نظريات المنهج التجريبي ~~الحديثة، لكننا الآن معنيون بالاستقراء فقط، فما هو هذا المنهج ~~الاستقرائي: ~~(4) الاستقراء في اللغة هو التتبع، من استقرأ الأمر فقد تتبعه لمعرفة أحواله، ~~وعند التطبيقيين هو الحكم على الكلي لثبوت الحكم في الجزئي، # 12 # إما باستقراء جميع الجزئيات أو بعض منها، والمقصود بالمنهج الاستقرائي ~~هو «عملية الانتقال من حالات جزئية ملاحظة تجريبيا إلى صيغة كلية فرض أو نظرية؛ ~~وذلك بأن يقوم الباحث بملاحظة مجموعة من الجزئيات المتماثلة أو المتشابهة، إما ~~بملاحظتها كما هي في الطبيعة، وإما باصطناعها في المعمل وإجراء التجارب عليها؛ بغية ~~اكتشاف ما تسببه العلل فيها من معلولات، وفقا للواقع المحسوس، ثم يخرج من ملاحظة ~~هذه الجزئيات بتعميم لها في صيغة كلية على هيئة قانون عام يحكم جميع الحالات ~~المتماثلة أينما وقعت ووقتما وقعت حتى إذا وقعت العلة تنبأ الباحث بوقوع المعلول؛ ~~أي إذا حدثت الظروف التي لاحظ أنها توجب وقوع الظاهرة؛ أمكنه التنبؤ ~~بوقوعها. # فالاستقراء إذن هو الطريق: أي المنهج إلى وضع قوانين عامة تفسر الظواهر الطبيعية، ~~وهي طبعا مستحيلة اليقين أي احتمالية، ولكنها تعميمات تصنع تقدم العلم من ناحية، ~~وأساس سير الحياة العملية من الناحية الأخرى، ومن المعروف أن عملية التعميم هذه ~~يبررها قانونان: ~~(أ) قانون ~~السببية # Law of Causality ms021 ~~: # وهو الاعتقاد بأن لكل ظاهرة علة سببتها، ولكل علة معلول ينشأ ~~عنها، فحوادث هذا الكون تسير في عملية تسلسل على كل ظاهرة علة ~~للظاهرة التي تليها، ومعلول للظاهرة التي سبقتها. ~~(ب) قانون اطراد ~~الطبيعة # Law of Uniformity of Nature ~~: # وهو الاعتقاد بأن ظواهر الطبيعة تجري بشكل مطرد على وتيرة واحدة ~~لا تتغير، ما حدث اليوم سوف يحدث في الغد وإلى الأبد، فكل شيء حدث ~~وسوف يحدث هو مثال لقانون عام # 13 # لا يعرف الاستثناء، طالما أنه محكوم بعلاقة عليه ~~ضرورية. # ووظيفة العلم التقليدي، هي الكشف عن هذه العلاقات السببية التي تحدد قوانين اطراد ~~الكون، وذلك الكشف بالطبع عن طريق المنهج الاستقرائي، وجدير بالذكر أن هذين ~~القانونين ليس لهما ما يبررهما. ~~(3) تناول تاريخي للاستقراء ~~(1) وترجع نشأة الاستقراء بوصفه منهج العلم، إلى الحين الذي ضاق البحاث فيه بعقم ~~وإجداب المنطق الأرسطي بوصفه المنهج، ذلك الذي هيمن هيمنة غريبة على الفكر البشري ~~شرقا وغربا طوال العصور الوسطى بعد أن قدم توما الأكويني # Thomas Aquinace ~~(1225-1274م) كتابه «الخلاصة اللاهوتية» أو ~~المجموعة اللاهوتية، موفقا فيه بين العقل والدين ومقدما تفسيرا عقليا لمشكلات ~~العلم الإلهي والعلم الإنساني والسببية والقضاء والقدر، والمشيئة الإلهية وحرية ~~الإرادة، وفكرة الوجود والعدم والخلق المستمر المرتبط بالحفظ الإلهي للكون، وغيرها ~~من العقد التي كانت أزمة الفكر الديني في المسيحية، ولما كانت حلوله لهذه المشاكل ~~مستمدة من فلسفة أرسطو بالإضافة إلى ما قدمته هذه الفلسفة من براهين عقلية بحتة ~~على وجود «آلة» مفارق للكون، محرك له، فقد اعتمدت الكنيسة فلسفة أرسطو فلسفة رسمية ~~لها، حتى إذا وصل الباحث إلى فكرة تخالف مثيلتها عند أرسطو، أو حتى لم يقل بها ~~أرسطو وجب أن يتغاضى عنها، وإلا تعرض لهلاك محاكم التفتيش بوصفه كافرا زنديقا، ~~فالكنيسة اعتبرت فلسفة الحقيقة الحقة، أما منطقه القياس فهو المنهج المفضي إلى ~~اليقين؛ لأن هناك كتابا منزلا أو كتبا منزلة، تنطوي على حقائق مسلم بصحتها، ~~يمكن أن نأخذها كمقدمات في القياس، ثم نتوصل إلى نتائج ضرورية الصدق على أساس ~~المقدمات اليقينية ms022 الإلهية بواسطة قياس المنطق الأرسطي. # ولنفس هذا السبب اعتبره فقهاء الإسلام، ومنهم الغزالي نفسه، معيار العلم ومحك ~~النظر والقسطاس المستقيم، وفيصل التفرقة بين الخطأ والصواب وآلة العلوم وعلم قوانين ~~الفكر الثابتة؛ فالأصوليون قد انتفعوا به كثيرا في استنباط الأحكام الشرعية، هكذا ~~كان المنطق الأرسطي هو منهج البحث الوحيد طوال عشرين قرنا. # وغني عن الذكر ما يتسم به هذا المنطق وقياسه، من دوران منطقي ومصادرة على المطلوب ~~وتحصيل لحاصل ... إلى آخر ما قيل في نقده، غير أن الذي عابه على وجه الخصوص هو ~~مجافاته للواقع، فهو لا يعنى إلا باتساق النتائج مع المقدمات، فحتى وإن كانت ~~نتائجه صادقة على الواقع، فهي ولا بد وأن تكون متضمنة قبلا في مقدماته، أي إننا ~~نعرفها سلفا، أما إذا أردنا أن نكتسب أدنى إخبار عن الواقع أو فهما أكثر للطبيعة ~~المتأججة من حولنا، فإن هذا شبه مستحيل باتخاذ هذا المنطق وقياسه منهجا، فإن ~~انتهجناه سنين عدة - كما حدث طوال العصور الوسطى - ألفينا أنفسنا نلف وندور في ~~دائرة مفرغة، فينتهي بنا المطاف إلى حيث بدأنا ولا جديد البتة، ومن أين الجديد ~~والعملية كلها انتقال من معلوم كلي إلى معلوم جزئي، ولا مساس إطلاقا بآفاق المجهول ~~الرحيبة. # وقد بلغ هذا الضيق أوج مداه في نهايات عصور النهضة، وبدايات العصر الحديث؛ إذ ~~تطور العلم تطورا ملحوظا وتوصل العلماء إلى قوانين فسرت الطبيعة تفسيرا ~~عقليا واقعيا مكنهم من فهمها وبالتالي من السيطرة عليها، واكتشفوا أشياء رائعة ~~كالقارات والكواكب والأجهزة العلمية والفلكية والطباعة، ومن ثم أصبح هم الفلاسفة ~~الأول هو البحث عن منهج جديد يلائم الروح الجديدة للعصر، فكان القرن السابع عشر بحق ~~هو قرن المناهج «منهج ديكارت - مالبرانش: البحث عن الحقيقة - فلاسفة بور رويال: فن ~~التفكير، اسبينوزا: رسالة في إصلاح العقل - ليبنتز: يحلل ويبحث في فكرة منهج ~~رياضي»، ولكن الجدير بالاعتبار من بين كل هؤلاء هو فرنسيس بيكون الذي يتصدر قائمة ~~طويلة من الفلاسفة ذوي العقول العلمية، أولئك الذين أكدوا أهمية الاستقراء كنقيض للاستنباط» # 14 # وما يدخل في حوزة ms023 هذا الاستنباط من قياس أرسطي، وعلى مدى عصور العلم ~~الحديث حتى بداية القرن العشرين، تلا بيكون العديد من المعنيين بالمنهج العلمي؛ ~~لينكبوا على تأكيد الاستقراء، وتخليصه من الشوائب التي شابت محاولة بيكون ~~وبلورته، نذكر منهم: كلود برنار # Clauide Bernard ~~(1813-1818م) ووليم ويول # Wè Whewell ~~(1794-1866م)، ~~وجون ستيورات مل الذي يعد بحق أكثر الاستقرائيين استقرائية حتى استقام المنهج ~~الاستقرائي في صورة خطوات محددة، على العالم اقتفاؤها، فيصل في النهاية إلى القانون ~~ويضيف لحصيلة العلم. ~~(2) لكن والحق يقال - رغبة الباحثين في العود إلى الطبيعة، واستخلاص المعرفة بها ~~عن طريق جزئياتها الحسية، قديم قدم الفكر البشري، فقد عرفت البشرية روادا عدة ~~مهدوا لهذا المنهج الاستقرائي، منهم أرسطو نفسه الذي فطن إلى أهمية الحواس بوصفها ~~أبواب المعرفة، بل إن إيمانه بالاستقراء يبلغ درجة إيمانه بالقياس، فكما أن القياس ~~هو الوسيلة اليقينية لربط الحد الأصغر بالحد الأكبر عن طريق الحد الأوسط، فإن ~~الاستقراء هو الوسيلة اليقينية، بل والوحيدة لتكوين المقدمات الكبرى، أي لا مقدمات ~~بغير استقراء ولا قياس بغير مقدمات، إذن لا قياس بغير استقراء، هكذا كان أرسطو ~~استقرائيا كبيرا، وأكثر من ذلك فهو صاحب مصطلح الاستقراء نفسه «إيباجوجي # Epagogya # 15 ~~⋆ # وإن استخدمه بأكثر من معنى: ~~(أ) # الاستقراء ~~التام # Complete Induction ~~: وهو عملية إحصاء تام # Complete enumeration # ليجمع الأمثلة ~~الجزئية التي تنطوي تحت الحكم الكلي، وهذا ما يسميه بعض المناطقة ~~بالاستقراء ~~التلخيصي # Summary Induction ~~، # 16 # ومن الواضح أنه مجرد عملية عد ساذجة. ~~(ب) # الاستقراء ~~الحدسي # Intuitive Induction ~~: وهو الانتقال الحدسي من مثالي جزئي واحد أو ~~عدد بسيط من الأمثلة إلى حكم كلي عام، وواضح أن هذا هو القريب من ~~المعنى المعاصر للاستقراء العلمي. ~~(ج) # الاستقراء الجدلي: وهو لا يبدأ من عدد كلي أو عدد بسيط من الأمثلة، ~~لكنه يبدأ من مقدمات مشهورة أو ظنية أو شائعة؛ لهذا فهو قياس نتائجه ~~ليست يقينية بل موضعا للشك والاحتمال والجدل. # وواضح أن النوعين الأولين يحملان الفحوى الحديثة للاستقراء، أي الوصول إلى الحكم ~~الكلي أو القانون العام عن طريق ms024 الاستقراء الحسي لجزئياته، ويلقب هذا الاستقراء ~~الأرسطي عادة بالاستقراء القديم. # غير أن الظروف الفكرية الإغريقية لم تكن تسمح لأرسطو أن يمارس هذا الاستقراء ~~جديا، أو أن يتوقف لينتظر نتائج التجربة، فعاقه هذا كثيرا كثيرا عن أن يكون ~~مؤسسا للمنهج، أو حتى داعية له، وعاق أكثر البشرية بأسرها معه. ~~(3) وبخلاف أرسطو فإنا نلقى نفرا من مفكري العرب - لا سيما الكيمائي جابر بن ~~حيان (المتوفى عام 813م)، وعالم البصريات الحسن بن الهيثم (المتوفى عام 1039م) - ~~بشروا بهذا المنهج بل ومارسوه. # وهناك أيضا نفر من مفكري العصور الوسطى ذاتها لا سيما روجرز بيكون # R. Bacon ~~(1214-1294م) - جد فرنسيس بيكون - ~~الذي لقب بأمير الفكر في العصور الوسطى؛ لأنه مارس التجريب ووصل به إلى نتائج ~~علمية باهرة، لا سيما في طب العيون والفلك والكيمياء، بل ووضع تنبؤات علمية حدثت ~~بالفعل في ميادين الفلك والميكانيكا والجغرافيا، وكان هذا مدعاة للنقمة عليه، ~~ومثارا لمتاعب كبيرة في حياته بوصفه راهبا فرنسيسكانيا، فكيف يدعو إلى التجريب ~~العلمي بل ويمارسه. ~~(4) (أ) أما فكرة الاستقراء بوصفه منهجا محدد المعالم، ينبغي على العالم أن ~~يقتفي خطاه في بحوثه، فتعود في ميلادها بصورة كاملة مهيئة للنمو والنضوج إلى ~~فرنسيس بيكون # Francis Bacon ~~(1561-1626م)، ~~الذي يعد بحق ذا الأهمية العظمى كمؤسس للمنهج الاستقرائي الحديث والرائد في ~~محاولة التنسيق المنطقي لمسار الإجراءات العلمية.» # 17 # هذا بصرف النظر عن أن فلسفته بصورة عامة لم تكن مرضية إلى حد كبير، ~~ولكن كفاه فخرا ذلك الكتاب الذي وضعه وأسماه «الأورجانون الجديد» # Novum Drganum # نشر عام 1620م أي الآلة الجديدة، منوها ~~بذلك إلى أن منطق أرسطو قد أصبح آلة بالية قديمة عفا عليها الدهر، وها هو ذا يقدم ~~لنا الآلة الجديدة الفعالة المناسبة لاحتياجات العصر، وما هذه الآلة سوى المنهج ~~الاستقرائي. ~~(ب) منهج بيكون # يبدأ بيكون وضعه لهذا المنهج، بأن ينبه الباحثين إلى أن العقل «أداة تصنيف ~~وتجريد مماثلة.» # 18 # وإنه ليقع في أخطاء عظمى، لا سيما إذا سار معتمدا على نفسه بغير ~~ما تعويل على التجربة، وهذه الأخطاء ms025 قد تتحكم فيه تحكما رهيبا، وتحجبه عن ~~جادة الصواب فتكون بمثابة أصنام يعبدها أو أوهام يتشبث بها. # وبعد أن ينبهنا إلى الأخطاء - كيما نتجنبها - يوضح المنهج الذي ينبغي اتباعه ~~في البحث عن المعرفة، وعلى هذا يقسم عادة منهج بيكون إلى قسمين؛ قسم سلبي وقسم ~~إيجابي. # القسم السلبي # وهو المختص بالتنويه إلى الأخطاء ولكن يوضحها بيكون يقوم بتقسيمها إلى ~~أربعة أنماط على النحو التالي: ~~(1) # أوهام الجنس أو القبيلة # Idols of Tribe ~~: وهي ~~التي يقع فيها الجنس البشري عامة، أو القبيلة بأسرها؛ أي إنها ~~أخطاء مفطورة في الإنسان بصفة عامة وليست خاصة بفئة معينة، ومن ~~أمثلتها: ~~(أ) # التعميمات السريعة وسرعة التوصل إلى الأحكام ~~العامة، دون أن نتأكد من الأساس الذي أقمنا عليه هذه التعميمات، # 19 # وهذا من شأنه أن يقودنا إلى تعميمات ~~خاطئة، إذن لا ينبغي أن نتسرع في عملية ~~التعميم. ~~(ب) # سيطرة فكرة معينة على الذهن سيطرة تجافي ~~النزاهة، فنختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض ~~البصر عما ينفيها، وهذا من شأنه أن يثبت الأفكار ~~الخاطئة، ينبغي إذن توخي النزاهة. ~~(ج) # افتراض الانتظام والاطراد في الطبيعة أكثر مما ~~هو متحقق فيها حتى إذا صادفنا مثال شارد حاولنا ~~إدخاله بأية طريقة في أي قانون إدخالا قد يكون ~~خاطئا، لا ينبغي إذن أن نفترض أكثر مما هو ~~متحقق. ~~(د) # ما يميل إليه عقل الإنسان من تجريد، وإضفاء معنى ~~الجوهر والحقيقة الواقعية على الأشياء الزائلة، وهذا ~~يقود إلى عدم التمييز بين طبائع الأشياء ~~ومظاهرها. ~~(2) # أوهام الكهف # Idols of the Cave ~~: المقصود بالكهف ~~... البيئة التي نشأ فيها الفرد، فيكون لعوامل مكوناتها وثقافتها ~~تأثير كبير عليه يجعله يقصر جهوده المعرفية على إثبات الأفكار ~~التي تلقاها في كهفه أو بيئته فيحول هذا بينه وبين اقتفاء ~~جادة الصواب، هذه إذن نوعية من الأوهام خاصة بالفرد المعين ~~الذي نشأ في بيئة معينة، بخلاف أوهام الجنس العامة. ~~(3) # أوهام ~~المسرح # Idols of the Theatre ~~: كتلك التي يقع فيها ~~المتفرجون على مسرح، حين يأسرهم الإعجاب بالممثلين، يأسر ~~الإنسان الإعجاب بممثلي الفكر السابقين، ms026 إعجابا ينزل أفكارهم ~~منزلة التقديس نوع من الدوجماطيقية المرضية والتعصب الذي يعمي ~~الإنسان ويصرفه عن اكتشاف الجديد من الواقع، ولما جناه الفكر ~~الأرسطي من سيطرة على البشرية طوال العصور الوسطى، سيطرة ~~جعلتها عصورا مظلمة، خير مثال على هذا النوع من الأوهام، ~~أوهام المسرح. ~~(4) # أوهام ~~السوق # Idols of the Market ~~: يرتفع في الأسواق ضجيج ~~يحجب الإنسان عن الإدراك الواضح لما يسمعه، أي للغة، فأوهام ~~السوق إذن هي الأوهام التي يقع فيها الإنسان نتيجة لسوء ~~استخدام اللغة، فيأخذ اللغة وكأنها غاية، بدلا من أن يعتبرها ~~- كما هي في الواقع - مجرد وسيلة في التعبير # Expression Communication # والتوصيل. # وقد قسم بيكون هذا النوع من الأخطاء إلى ~~قسمين: ~~(أ) # أسماء لأشياء لا وجود لها، ثم نتصور نحن وجود ~~هذه الأشياء الزائفة. ~~(ب) # أشياء تركنا بلا أسماء نتيجة لنقص في ~~الملاحظة. ~~(ج) # ويحذرنا بيكون من محاولة تلافي هذه الأخطاء عن ~~طريق التعريفات اللفظية، فذلك من شأنه أن يجعلنا ~~ندور في متاهات لغوية، بل نصلح الأخطاء عن طريق ~~الرجوع دائما إلى الواقع والتعويل عليه. # ولأننا قد عرفنا ما هي الأخطاء التي تعيقنا عن التقدم ~~المعرفي؛ وجب علينا إذن تجنبها ونحن نبحث عن الحقيقة باستخدام ~~المنهج السليم، الذي يستقرئ الحقائق بالاعتماد على التجربة ~~الحسية، ووضع بيكون لقواعد هذا المنهج هو ما يعرف بالجانب ~~الإيجابي في منهجه. # القسم الإيجابي # كان بيكون بحق هو أول من وضع القواعد الحقيقية لجمع المعلومات عن طريق ~~إجراء التجارب وقد سمى بيكون هذه القواعد باسم «صيد بان» # 20 ~~... وبان هو آلة الصيد والقنص والبراري والطبيعة عند الإغريق، ~~وكانت الأساطير القديمة في الميثولوجيا الإغريقية تصور أن صيد بان يبلغ من ~~البراعة والمهارة حدا يجعل من يمارسه أو يحاكيه يقتنص شوارده من الطيور ~~لم يكن يقصد إليها من البدء، بيكون إذن يقصد من هذه الاستعارة التعبير ~~المجازي عن أن ممارسة هذا المنهج تشبه ممارسة صيد بان؛ أي ييسر لنا اكتشاف ~~أشياء في الطبيعة، لم نكن نفكر قبلا في اكتشافها، ولم نسع قصدا إلى هذا ~~الاكتشاف. # لا ms027 بد وأن نتنبه جيدا إلى أن بيكون كان يهدف من الاستقراء هدفا مغايرا ~~تماما للمفهوم الحديث لهدف العلم الطبيعي؛ فبيكون يريد من هذا المنهج أن ~~يفضي به إلى معرفة الصور # Form # صورة ~~الطبيعة البسيطة # Simple Nature # فهو ~~يرى أن كل شيء في هذا العالم يمكن رده إلى مجموعة من الطبائع البسيطة، ~~عددها 12 طبيعة، كالضوء والوزن والحرارة ... إلخ، ومن اجتماع هذه الطبائع ~~وتفرقها تتكون سائر الموجودات، وهدف للعلم الطبيعي هو اكتشاف أسباب وقوانين ~~هذه الطبائع - أي صورها - فالصورة إذن ليست تجريدا أو فكرة مثالية، بل هي ~~شرط فيزيائي للطبيعة، وأساس لها مباطنة فيها، فهي تمثل علة، ومعلولها هو ~~الطبيعة البسيطة. # والسبيل الوحيد إلى معرفة هذه الصور هو تطبيق المنهج الاستقرائي، بأن ~~نجري سلسلة من التجارب على الظواهر في المواد والجزئيات التي تتبدى ~~فيها الطبيعة البسيطة، ثم نقوم بتسجيل نتائج هذه التجارب تسجيلا تصنيفيا ~~في قوائم ثلاث تنظم لنا المعلومات تنظيما يتيح لنا معرفة صور هذه الطبيعة ~~البسيطة. # أولا: مرحلة التجريب # هذه المرحلة تتناول وضع أنواع ودرجات التجريب وهي: ~~(1) # تنويع التجربة: فإما أن تنوع مواد التجريب، فإن عرفنا مثلا ~~أثر عامل معين على مركب كيميائي معين، نحاول أن ننوع المادة؛ ~~لنرى إن كان لهذا العامل نفس الأثر على مركب كيميائي آخر، وإما ~~أن ننوع مصادر الدراسة، فإذا عرفنا مثلا أن المرايا المحرقة ~~تستطيع أن تركز أشعة الشمس نحاول أن نعرف هل من الممكن أن تركز ~~أيضا أشعة القمر. ~~(2) # تكرار التجربة: مثل تقطير الكحول الناتج عن تقطير أول. # 21 ~~(3) # إطالة التجربة: أي مدها، فنحاول أن نجعل المؤثر يؤثر لأطول ~~فترة زمانية ممكنة لنعرف هل طول التأثير من شأنه أن يخلق ظواهر ~~جديدة. ~~(4) # نقل التجربة: أي إجراؤها في فرع آخر من فروع العلم، لعل هذا ~~يكشف عن خواص أخرى في مجال جديد. ~~(5) # قلب التجربة: أي جعلها في وضع مقلوب؛ فمثلا لدراسة أثر ~~التسخين على قضيب نجعل مصدر الحرارة من أعلى ثم نجعله من أسفل، ~~فنجد مثلا أن الحرارة تنتقل من أعلى إلى أسفل، ms028 أكثر مما تنتقل ~~من أسفل إلى أعلى. ~~(6) # إلغاء التجربة: أي طرد أو استبعاد الكيفية المراد دراستها ~~لمعرفة أثر غيابها. ~~(7) # تطبيق التجربة: أي استخدامها في اكتشاف ما ينفع، وهذا قريب ~~من مفهوم التكنولوجيا. ~~(8) # جمع التجارب: أي الزيادة في فاعلية مادة ما؛ فالجمع بينها ~~وبين فاعلية مادة أخرى، مثل خفض درجة التجميد بالجمع بين الثلج والنطرون. # 22 ~~(9) # صدف التجربة: أي جعلها مجرد مصادفة، فهنا لا نجري التجربة ~~للتأكيد من حقيقة، بل فقط لأنها لم تجر من قبل، ولا يعرف ~~ماذا عسى أن ينشأ من إجرائها. # تلك هي مرحلة التجريب كما صورها بيكون، وهي - كما نرى - مجرد مجموعة من ~~الإرشادات إن اتبعها الباحث، حقق التجارب على نحو أوفى وأكمل. # 23 ~~⋆ # ثانيا: مرحلة التسجيل # وهنا يرشد بيكون الباحث إلى الكيفية، التي يسجل بها ما يكون قد أجراه من ~~تجارب تسجيلا تصنيفيا في ثلاث قوائم: ~~(1) # قائمة الحضور والإثبات ~~: ~~ويسميها أحيانا بالقائمة الجوهر، فهنا الباحث يضع جميع ~~الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة أن الظاهرة أو الطبيعة ~~البسيطة، موضوع الدراسة تتبدى فيها. ~~(2) # قائمة الغياب أو النفي ~~: ~~يسجل فيها الحالات التي تغيب فيها الظاهرة أو الطبيعة البسيطة، ~~ومن الواضح أن محاولة حصر جميع حالات غياب ظاهرة ما أمر شبه ~~مستحيل، فضلا عن أنه نوع من العبث الذي لا يجدي، إنما ~~المقصود «أن نأتي في مقابل كل حالة من حالات الحضور بالحالة ~~التي لا تحدث فيها الظاهرة بالنسبة إلى هذه الحالة عينها، سواء ~~أكانت حالة غياب واحدة أو أكثر من واحدة.» # 24 # فمثلا: إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء الشمس ~~على نمو النبات، نحاول أن نعرف ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب ~~عنه ضوء الشمس، لا أن نعرف جميع الأحوال التي يغيب فيها ضوء ~~الشمس. ~~(3) # قائمة التفاوت في الدرجة ~~: ~~حيث يسجل الباحث الدرجات المتفاوتة لحدوث الظاهرة أو الطبيعة ~~البسيطة موضع الدراسة، وهنا تنويه لأهمية التكميم في العلم، ~~لكن بصورة ضعيفة. # وقد أكد بيكون على أهمية القوائم، فيقول: إن الجزئيات والأمثلة أشبه بجيش ~~كبير العدد مبعثر ومتفرق؛ مما ms029 قد يؤدي إلى تشتت الفكر واضطرابه، والأمل ~~قليل في العثور على الأمثلة النافية وإذا لم تنتظم الجزئيات المتعلقة ~~بموضوع البحث، فقد ينحرف مسار الفكر؛ ولذا فمن المفيد استخدام الوسائل ~~الموضحة في قوائم الكشف، فعن طريقها يمكن تصنيف الجزئيات وتحديدها، وترتيب ~~آثارها ودرجاتها؛ مما يساعد الإدراك الذي يعمل حينئذ وفقا لما تمده به ~~هذه القوائم. # 25 # ومن المعروف أن بيكون قد طبق المنهج السالف على الطبيعة البسيطة؛ ~~الحرارة، محاولا استكشاف صورتها، فانتهى إلى أن صورتها هي الحركة. ~~(ج) تقييم # هذه خلاصة المنهج الاستقرائي، كما وضعه إمامه الرسمي فرنسيس بيكون أعظم رواد ~~الحضارة المعاصرة، والذي يوضع في مقدمة المسئولين عن نهضة العلم. # ويقول ول ديورانت عن فلسفة بيكون: إنها كانت مشروعا عظيما، لا مثيل له في ~~تاريخ الفكر باستثناء أرسطو؛ وهي تختلف عن كل فلسفة أخرى بالاتجاه إلى الناحية ~~العلمية أكثر من الناحية النظرية؛ حيث تقوم على إنتاج متماسك خاص أكثر من ~~قيامها على تناسق الفكر والتأمل، وأن المعرفة قوة، وليست نقاشا أو زينة، وليست ~~فكرة نتمسك بها، بل عملا علينا عمله، وكان بيكون يعمل لوضع أساس، لا لمذهب أو ~~مبدأ، ولكن لفائدة وقوة، لكل ذلك كان صوته أول نغمة جديدة للعلم الجديد. # 26 # فقد كان بيكون نازعا بصدق نحو الاتجاه العلمي، يرغب في التخلص من كلمة ~~مصادفة تماما، ويحلم بمجتمع للعلماء، ينظمهم فيه التخصص، ويجمعهم التعاون ~~والاختلاط الدائم ، على أساس نهج العلم السليم؛ الاستقراء. # وإن نظرية بيكون العلمية المتطورة واسعة بطريقة جديرة بالإعجاب حقا؛ إذ ~~يقول في الأورجانون الجديد: «كما أن المنطق القائم الآن لا يقتصر بأقيسته على ~~العلم الطبيعي وحده بل يشمل جميع العلوم، فمنهجنا الاستقرائي - بالمثل - يمتد ~~لكل العلوم، فإننا نعتزم تجميع تاريخ وقوائم الاكتشافات المتعلقة بالغضب ~~والخوف، وما شابهها، بالحياة المدنية، وبعمليات الذاكرة والتركيب والتقسيم، ~~واتخاذ القرارات والامتناع عنها، بنفس المقدار الذي نجمع به تاريخ وقوائم ~~الحرارة والبرودة، والضوء والنباتات وما إليها.» # 27 # وربما كان هذا هو المنطلق، الذي قال منه ول ديورانت عن بيكون: إنه من أول ms030 ~~المبشرين بأحدث العلوم؛ السلوكية في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي. # بل وإنه - أي بيكون - أحد مؤسسي علم مناهج البحث، أي فلسفة العلوم؛ إذ توصل ~~في نهاية بحثه إلى أن العلم في حد ذاته لا يكفي، حيث ينبغي إيجاد قوة ونظام ~~خارج العلوم لتنسيقها وتوجيهها إلى هدف، فالعلوم تحتاج إلى الفلسفة لتحليل ~~الطريقة العلمية؛ أي المنهج وتنسيق الأهداف والنتائج العلمية. وكل علم بغير هذا ~~يكون سطحيا. # 28 # وبعد كل هذا لا بد وأن نسجل لبيكون بلاغة أسلوبه؛ إذ تعد أعماله من قمم ~~النثر الإنجليزي اللاتيني. والأهم من ذلك قدرته الفائقة على تركيز العبارة، ~~وتكثيف الأسلوب؛ بحيث لا تتسلل كلمة واحدة زائدة. # إلا أن بيكون تعرض لانتقادات شديدة، ونقد أشد، ربما لما شاب سيرته من فضائح ~~أخلاقية؛ كالغدر بالأصدقاء وتملق ذوي السلطان، وتقاضي الرشاوى والاختلاس، وربما ~~لأنه لم يكن عالما ولا حتى ملما بتقدم العلوم، فرغم أن العلم كان يسير ~~بخطا حثيثة في عصره، فإنه لم يهتم بأبحاث فيساليوس # Visaliud ~~(1514-1564م) رائد علم التشريح، ولا وليم هارفي # William Harvey ~~(1578-1657م) مكتشف الدورة ~~الدموية، بل ولم يرض عن أبحاث كوبرنيقوس (1473-1543م)، فهو إذن لم يعرف حق ~~قدرها، وبخس قيمة أبحاث وليم ~~جلبرت # William Gilbert ~~(1544-1603م) في المغناطيسية والكهرباء، كانت ثقافة ~~بيكون العلمية ضحلة، فلم ينتفع بمنهجه في خلق إضافة تذكر إلى تقدم العلم، ~~ويعود ذلك أيضا إلى أنه لم يفهم الاستقراء الفهم الحديث له، أي على أنه منهج ~~لاكتشاف القوانين الطبيعية وتعلق الظواهر الطبيعية ببعضها تعلقا عليا، بل ~~وضعه لتحقيق غاية ميتافيزيقية أسماها تصور الطبائع البسيطة، فقد اعتقد أن ما ~~بالكون من مركبات، إنما هي مؤلفة بدرجات متفاوتة من عدة طبائع محدودة العدد، ~~وهذا بالطبع اعتقاد ساذج، والكون أكثر تعقيدا مما تصور بيكون، # 29 # هذا بالإضافة إلى أن تسليمه بالعلية كان مستمدا من فلسفة أرسطو ~~التي أراد أن يطيح بها. # غير أن النقد قد يمتد ليشمل أصالة المنهج ذاته، فهذا توماس بابينجتون ~~ماكولي # T. B. ~~Macaulay ~~(1800-1859م)، الكاتب والسياسي الإنجليزي الكبير وأشهر ~~مؤرخي ms031 القرن التاسع عشر، # 30 # قال عن بيكون: إن شهرته طغت على شهرة والده الذي لم يكن شخصا ~~عاديا، لكنه أنكر عليه كل ريادة وأصالة، وقال: إن منهجه هذا هو طريقة الناس ~~في التفكير في كل زمان ومكان. # لكن النقد الجدير بالاعتبار حقا هو ما يشوب منهجه من نقائص خطيرة، فهو لم ~~يفطن إلى أهمية التسلح باللغة الرياضية، في حين أن قوة العلم - لا سيما الطبيعي ~~منه - تكمن في استخدامه لهذه اللغة، والأخطر من ذلك أنه لم يفطن إلى أهمية ~~الفروض والنظريات، بل وحذر منها، وكان يسميها استباق الطبيعة # Anticipation of Nature # أي الإدلاء ~~بآراء غير تجريبية، نظن أنها تفسير لما أمامنا من وقائع تجريبية، في حين أنها ~~سر تقدم العلم إن لم تكن هي العلم نفسه. وبغير وضع الفروض واختبارها لما تمكن ~~العالم إطلاقا من إضافة أي جديد، ولما اختلف العالم عن دارس العلم فضلا عن أن ~~بيكون - بعد إنكار الفروض - كان هو نفسه يستخدمها ولا يدري، وإلا فكيف توصل ~~إلى أن الحركة علة الحرارة؟ وليست الحركة هي الظاهرة التي بحثها وإنما كان يبحث ~~ظاهرة الحرارة، ولم تكن الحركة مذكورة في أي من القوائم الثلاث؛ فالحركة ~~اقتراح، أي فرض، لتفسير تلك القوائم، # 31 # بخس قيمة الفرص كان أعظم أخطاء بيكون قاطبة. # لكن كل هذا لا يبخس فضل بيكون العظيم في التنويه إلى أهمية التجربة، والتعويل ~~عليها في اكتساب المعارف بالواقع المحيط بنا، وكان تنويها حقق مأربه العظيم في ~~تحطيم سيطرة منطق أرسطو كمنهج، بالإضافة إلى هذا، كان منهجه رحبا مرنا، يرشد ~~الباحث ويدله، بغير أن يقيده تقييدا ملزما، وبغير أن يدعي أنه يفضي به إلى ~~البرهان القاطع. ~~(5) من أبرز من صححوا أخطاء بيكون: ألفرنس ~~كلود برنار # Claud Bernard ~~(1813-1878م) وذلك في كتابه الشهير: مقدمة لدراسة الطب ~~التجريبي # Introduction to the Study of Empirical Medtcine # الذي يعد بحق درة الدراسات المنهجية في القرن التاسع ~~عشر وإن كان قد كتب خصيصى لباحثي العلوم الطبية. # وكلود برنار فيلسوف علم ومناهج بحث أصيل؛ إذ ms032 يرى أن «فن البحث العلمي هو حجر ~~الزاوية من كل العلوم التجريبية»، # 32 # ولكن قيمة برنار العالية في فلسفة العلم تأتي أولا من كونه عالما ~~رفيع الشأن في ميدان العلوم الطبية، خصوصا الفسيولوجي (علم وظائف الأعضاء)، ~~الباثولوجي (علم الأمراض)، ثم شعر أثناء بحوثه العلمية الثمينة، بضرورة الوقوف ~~هنيهة، وإعادة النظر في أسس العلم العقلية والتجريبية، وفي صلة العلوم ببعضها، ~~وفي القوانين من حيث يقينها ومن حيث هي عنصر من عناصر تفسير الكون بأسره، وقد ~~ضمن برنار آراءه في هذه المشاكل الفلسفية، في عدة مقالات وفي كتابه السالف ~~الذكر. # ويرى برنار أن عماد البحث العلمي شقان هما التجريب والفرض؛ لذلك هاجم الذين ~~عابوا استخدام الفروض والأفكار السابق تصورها أثناء البحث العلمي، وأوضح أنهم ~~خلطوا بين ابتداع التجربة وبين تسجيل نتائجها. «وصحيح أنه من الواجب تسجيل ~~نتائج التجربة بذهن خلا من الفروض وتجرد من الأفكار السابق تصورها، لكن واجب ~~المجرب في الوقت نفسه أن يحذر العدول عن استخدام الفروض والأفكار، حين يكون ~~الأمر خاصا بوضع التجربة أو تصور وسائل الملاحظة، وعلى المرء أن يفعل عكس هذا ~~فيطلق لخياله العنان، ذلك أن الفكرة هي أصل كل استدلال واختراع، وإليها يرجع ~~الفضل في البدء، ولا يجوز للمرء وأدها أو استبعادها بحجة أنها قد تضر، وكل ما ~~يقتضيه الأمر هو تنظيمها وإخضاعها لمقياس.» # 33 # وإن الفروض، وحتى ولو كانت فاسدة، تفيد في اهتدائنا إلى ~~الاكتشافات، وينطبق هذا الحكم على جميع العلوم؛ فقد أسس كيمائيو العصور ~~الوسطى علم الكمياء بمحاولتهم لحل مسائل وهمية متعلقة بالسيمياء؛ أي تحويل ~~المعادن الأخرى إلى ذهب؛ لذلك لا يمكن إطلاقا الاستغناء عن الفروض، وإن ~~فائدتها ترجع إلى أنها تجعلنا نتجاوز حدود الواقع ونسير بالعلم إلى الأمام، ~~فليس من شأن الفروض أن تسمح لنا بالقيام بتجارب جديدة فحسب، بل كثيرا ما ~~تجعلنا نكتشف وقائع جديدة لا يمكن لنا أن نلحظها بدونها، وقد يكون الفرض ~~مستنبطا منطقيا من نظرية ما، غير أن هذا الاستنباط لا يخرج عن كونه فرضا ~~يجب التحقق من صحته ms033 بواسطة التجربة، فالنظريات في هذه الحالة لا تخرج عن كونها ~~وقائع سابقة يستند إليها الفرض، لكنها لا تغني عن التحقق التجريبي. # أي إن برنارد هنا يعني أن الاتساق المنطقي لا يغني عن وقائع التجريب. # وعلى أساس كل هذه الأهمية للفرض، يفرق كلود برنار تفريقا حاسما قاطعا بين ~~الملاحظة والتجربة، وبين العلوم القائمة على الملاحظة، والعلوم القائمة على ~~التجربة، بين الطب القائم على الملاحظة - أي على محض تراكم وقائع الخبرة - وبين ~~الطب التجريبي الذي يطمح في معرفة قوانين الجسم السليم والمريض؛ بحيث لا نتمكن ~~من توقع حدوث الظواهر فحسب، بل ونتمكن أيضا من تنظيمها وتعديلها في حدود ~~معينة، كل هذا الفارق بين الملاحظة والتجربة يعود إلى الفرض. # إذن فقد صحح برنار خطأ بيكون الكبير في إغفال أهمية الفرض، وصحح خطأ أكبر ~~حين رفض النظرة البيكونية إلى العالم المجرب على أنه طفل يجلس بين يدي ~~الطبيعة، يتعلم منها ما تمليه عليه؛ إذ يقول برنار: إن العالم المجرب هو ~~- من وجهة ما - قاض يحقق مع الطبيعة، وإن كان لا يواجه أفرادا يضللونه ~~بالشهادات الكاذبة، بل يتناول ظواهر طبيعية هي بالنسبة له بمثابة أشخاص يجهل ~~لغتهم وطباعهم، يعيشون وسط ظروف يجهلها، ويريد من ذلك أن يعرف أغراضهم ~~ومراميهم، وهو يستخدم من أجل ذلك كل ما يستطيعه من حيل. # 34 # ويبدو عمق تفكير برنار في دعواه الملحة بضرورة اعتبار الظواهر الحيوية ~~تماما مثل الظواهر الفيزيائية الكيميائية، نخضعها لنفس المنهج؛ أي التجريب؛ ~~بغية تحقيق نفس الهدف؛ أي اكتشاف العلل القريبة؛ فالمنهج التجريبي ومبادئ البحث ~~والتفكير واحدة في ظواهر الأجسام الجامدة، وظواهر الأجسام الحية على السواء. ~~وقد تبدو هذه الدعوة مألوفة بل ومسلم بها الآن، غير أنها لم تكن هكذا أيام ~~برنار، بل كانت الغلبة لفريق الحيويين، الذين يرون وجود قوة حيوية في الأجسام ~~الحية لا تنفك تصارع القوى الفيزيوكيمائية، وإلا فكيف يحتفظ الحيوان بحرارته ~~في الجو البارد مثلا، وكان كوفييه هو أبرز الحيويين المناهضين لبرنار، وكان ~~تبعا لهذا يرى أن الفسيولوجي فقط علم ملاحظة واستنتاج تشريحي، ms034 ويقول: إن جميع ~~أجزاء الجسم الحي مرتبطة وهي لا تعمل إلا متضامنة معا، والرغبة في فصل جزء من ~~أجزاء الجسم معناها إرجاعه إلى نظام المادة الميتة، أي تغيير جوهره تغييرا كليا. # 35 # برنار بالطبع يؤكد الترابط المتسلسل في وظائف الجسم الحي، لكنه يرى ~~أن هذا الترابط ذاته يمكن دراسته بالمنهج التجريبي كمادة محضة. # ولم يفت كلود برنار أن يدعو إلى التكميم والإحصاء، فأكد أن القانون لن ~~يكون علميا ما لم يثبت عدديا علاقات الشدة الموجودة بين الظواهر وبعضها، ~~وذلك في سياق ما أسماه «بالتجريب المقارن»؛ إذ يرى برنار أن جميع الأخطاء ~~التجريبية تقريبا تنشأ من إهمالنا الحكم على الوقائع حكما مقارنا، أو من ~~اعتقادنا بأن حالات معينة يمكن مقارنتها في حين أنها في الحقيقة مما يتعذر مقارنته. # 36 # ويتم برنار نظراته الثاقبة بتوضيح الفارق بين الفلسفة والأدب وبين العلم؛ ~~فالفلسفة معبرة عن طموحات العقل البشري، من حيث هو عقل في أي زمان ومكان، ~~والأدب يعبر عن عواطف غير قابلة للتغير؛ لذلك فهما من آيات التراث الإنساني، ~~التي تظل إلى الأبد جديرة بالبحث والدراسة، ولكن العلم أمره مختلف؛ إذ هو ~~يعبر عن حقائق، عن وقائع تجريبية تكشفت أمام الباحث، ولما كانت هذه الوقائع ~~في ازدياد مستمر، كان العلم في تقدم مستمر وكان علم الأمس غير ذي جدوى لنا ~~اليوم؛ لذلك يحذر برنار الطلبة من إضاعة أي وقت في البحث في كتب الأقدمين، ~~ويؤكد لهم أن العالم في صعود مستمر في بحثه عن الحقيقة، وإذا قدر له ألا ~~يجدها أبدا كاملة، فإنه يكتشف منها أجزاء هامة جدا، وهي تلك الأجزاء ~~المقتبسة من الحقيقة الكلية التي تكون العلم؛ أي تبلج أمام برنار قبس من ~~أحدث الاكتشافات المنهجية، وهي أن العلم لا يصل إلى نهاية الحقيقة أبدا؛ فقد ~~أكد أن النظريات ليست سوى فروض، أثبتتها عدد قليل أو كثير من الوقائع، غير أن ~~هذه الفروض لن تكون أبدا نهائية، فلا يجب أن نثق في صحتها بطريقة مطلقة، ولا ~~يجب أن نهتم إلا قليلا بالفروض ms035 والنظريات، وأن نكون دائما في حالة يقظة وفطنة ~~لملاحظة كل ما يظهر أثناء التجربة. # 37 # كل هذا يؤكد كم كان برنار كسبا عظيما للدراسات المنهجية ولا يزال وسيزال ~~دائما. # أما عن أهم المآخذ التي نأخذها على برنار، فتتمركز في أنه للأسف من أبرز ~~ممثلي النظرية المنهجية التقليدية من حيث كونها استقراء يوضح الروابط العلية ~~الضرورية الحتمية التي لا تحتمل أدنى استثناء، بل وحتى حين يدعو الباحث دعوة ~~متبصرة بأن يتسلح بروح النقد؛ لأن الحالة الراهنة لعلم الحياة لا تمثل إلا ~~حقائق محدودة غير ثابتة مصيرها إلى الزوال، يعود فيقول: إن النقد التجريبي يشك ~~في كل شيء، ما عدا مبدأ الحتمية العلمية والعقلية المسيطر على الوقائع. # 38 # وفعلا «مقدمة لدراسة الطب التجريبي» من أبرز المراجع التي تؤكد ~~الحتمية، وصحيح أننا عرفنا اليوم أنها خرافة، غير أن برنار لا حيلة له في ذلك، ~~فقد عاش في القرن التاسع عشر، العصر الذهبي للحتمية. ~~(6) أما الفيلسوف الإنجليزي وليام ~~ويول # William Whewell ~~(1794-1866م) فهو أيضا من أبرز الرواد في حقل الدراسة ~~الفلسفية للمنهج العلمي، مؤكدا أنه الاستقراء والإضافة الحقيقية لويول هي ~~تأكيده للنقطة الغامضة # Mysterious step # في ~~الانتقال من الملاحظة إلى القانون، وعلى أساس هذه الخطوة طور ما أسماه ~~بالمنهج الغرضي ~~الاستنباطي # hypothetico-deductive Method ~~، وهو تشكيل عدة فروض للاختيار بينها، # 39 # لقد كان تفكير ويول متقدما بدرجة معجزة، «وكان أسبق من عصره بكثير ~~فقد صحبه شعور في السنوات الأخيرة من عمره بضرورة إسقاط الاستقراء؛ لذلك نادى ~~بالمنهج الفرضي الاستنباطي، أحدث النظريات المنهجية، لكن عصر ويول لم يكن يسمح ~~له بالتخلي عن الاستقراء؛ لذلك اكتفى بالقول: «إن الاستقراء والاستنباط ~~يصعدان ويهبطان نفس الدرج»، # 40 # يعني بذلك نفس ما يعنيه عالم المنطق الكبير ستانلي ~~جيفونز # William ~~Stanely Jevons ~~(1835-1882م) الأستاذ في جامعة لندن بقوله: إن كل ~~استدلال استقرائي ليس إلا تطبيق استدلال استنباطي معكوس.» # 41 # ولقد تعرض ويول لنقد عنيف من «مل»، # 42 # الذي اعتبر فكرة الفرض عند ويول نزوعا منه نحو المثالية ~~الألمانية، وتأثرا بفلسفة كانط، ms036 وكانت هي وسائر الفلسفة الألمانية في نظر مل ~~كتابا مغلقا بسبعة أختام، لم يجد في نفسه أدنى رغبة لفتحه، ولكن لا نقد ولا ~~نقد غيره، ينفي عن ويول الفضل العظيم في التأكيد على أهمية الفرض، وذلك في ~~كتابيه الشهيرين: «تاريخ العلوم الاستقرائية» الذي صدر عام 1837م، ثم «فلسفة ~~العلوم الاستقرائية». ~~(7) أما عن جون ستيورات ~~مل # John Stiwart Mill ~~(1806-1873م) فهو تجريبي شهير، متطرف في تجريبيته؛ فقد ~~بلغ إيمانه بالاستقراء مبلغا لم يبلغه أحد لا من قبله ولا من بعده؛ فهو - في ~~نظره - الطريق الأوحد، الذي لا طريق سواه، إلى أية معرفة حقيقية صحيحة، فكل ~~المعلومات والمبادئ والأفكار والمفاهيم ... باختصار كل مكونات الذهن ومحتوياته ~~مجرد تعميمات استقرائية، لا يستثنى من ذلك شيء البتة، حتى قوانين الرياضة ~~البحتة مثل القضية: (2 + 2 = 4)، بل وحتى قوانين الفكر الصورية كالذاتية ~~والهوية وعدم التناقض، كلها ليست إلا تعميمات استقرائية لكثرة ما لاحظته حواسنا ~~من أن اقتران 2 و2 ينتج عنه دائما 4، ومن أن «أ» هي دائما «أ»، فهذا لا يعني أكثر ~~من تقرير ما نفعله في خبراتنا التي هي أولا وأخيرا حسية، فمصدرها فقط هو ~~الذاكرة، وتفسر فقط على أساس قوانين تداعي المعاني؛ لذلك يبدو طبيعيا أن ~~«يعتبر مل المنطق الاستقرائي هو الأصل، والمنطق الصوري فرعا منه.» # 43 # ومن زاوية الحديث المنطقي، فإن أعظم ما يسجل لمل هو نقده المعروف للقياس ~~الأرسطي، وعلى الرغم من أن مل قد عاش قبل ثورة المنطق العظيمة؛ الثورة الرياضية ~~الرمزية، التي تفجرت تماما مع جورج ~~بول # George Boole ~~(1815-1864م)، وعلى الرغم من أن المنطق أيامه كان لا يزال ~~يعني منطق أرسطو، # 44 # فإن مل في مقدمة الثائرين الرافضين لهذا المنطق؛ فأكد على ضرورة ~~وضع منطق الحقيقة # Logic of Truth # كما وضع ~~أرسطو منطقا للاتساق؛ إذ رفض مل اعتبار المنطق متعلقا بالبرهنة أو إقامة ~~الحجج؛ لأن هذه هي النظرة الأرسطية، أما هو فالمنطق في عرفه متعلق بالبحث ~~عن الحقائق، وتعقبها في الواقع التجريبي، والذي لا واقع سواه، على أن تكون ms037 ~~هذه الحقائق نتائج الاستدلال - الاستدلال الاستقرائي بالطبع - وليست البتة ~~حقائق حدسية، # 45 # فالاستقراء هو منطق العلم، وهو ذاته منطق العمل والحياة، # 46 # وهو يعني استدلالا حقيقيا، أما منطق أرسطو فمجرد استدلال ظاهري ~~وليس حقيقيا؛ فهو لا يتضمن أية إضافة، النتيجة لا بد وأن تكون موجودة سلفا ~~في المقدمة الكبرى؛ لذلك فهو تحصيل حاصل ومصادرة على المطلوب ودوران منطقي ... ~~إلى آخر ما قاله مل في نقده المعروف للمنطق الأرسطي، والذي انتهى منه إلى أن ~~هذا المنطق أسلوب تفكير لا يناسب إلا الله، الذي يعلم كل شيء، فيستنبط من هذا ~~العلم الشامل ما يريد، أما نحن فبحاجة إلى معرفة جديدة، وهي معرفة لن تكون إلا بالاستقراء. # 47 # ومعروف عن مل إخلاصه وتفانيه في البحث والعمل؛ لذلك استفاد من أبحاث سابقيه؛ ~~أولهم ريتشارد ويتلي # Richard Whately ~~(1787-1863م) رئيس أساقفة دبلن؛ إذ نشر عام 1826م «كتابه عناصر المنطق # Elements of Logic ~~»، ورغم أنه كتاب مدرسي ~~في المنطق الأرسطي، إلا أنه هو الذي نمى في مل النزوع إلى المنطق والانشغال ببحوثه، # 48 # وأهم من ويتلي بحوث الموسيقار والعالم الفلكي الألماني البارز سير ~~وليام هرشل # William Herschel ~~(1738-1822م) ~~الذي صنع بنفسه وبمعاونة شقيقته كارولين هرشل مرصدا يحوي عديدا من التلسكوبات ~~المحسنة، وهو وصل إلى العديد من الاكتشافات الفلكية الخطيرة، على رأسها كوكب ~~أورانوس (في 13 / 3 / 1781م) واكتشف أقماره، كما اكتشف القمرين السادس والسابع ~~لزحل، وقد تميز هرشل بأنه استقرائي كبير، فزود المهتمين بالاستقراء بثروة من ~~المادة مستقاة من العلوم الطبيعية، وقد أصدر كتابا بعنوان: مقال تمهيدي لدراسة الفلسفة الطبيعية Preliminary ~~Discourse on the Study of Natural Philosophy ~~، وضع فيه إرشادات تشبه ~~المناهج التي وضعها مل في كتابه الشهير «نسق المنطق»، وفي هذا الكتاب لا يمكن ~~إغفال ألكسندر بين # Alexander Bain ~~(1818-1903م)، أبرز تلاميذ مل وأقرب أصدقائه، فقد وافق على مراجعة الكتاب بأسره ~~مع تركيز خاص على الاستقراء، وقد نفذ مل كثيرا من مقترحاته حرفيا. # 49 # وهذا هو الكتاب، الذي حاول مل أن يحقق فيه حلمه ms038 بأن يكون نبي الاستقراء مثلما ~~كان أرسطو نبي القياس، وكما وضع أرسطو للقياس أشكالا وضروبا، فقد وضع مل ~~للاستقراء مناهج أو لوائح خمسا، يمكن للباحث عن طريقها التحقق من صحة الفروض ~~التي افترضها؛ بغية اكتشاف العلاقات العلية التي تحكم الظواهر الطبيعية، ~~ومعروف أن العلية هي محور تفكير مل، فهو من أبرز من آمنوا بالعلية وبضرورتها ~~وبحتميتها التي لا تقبل أدنى استثناء، ولا حتى نقاش واهتمامه الأساسي بالمنطق ~~منصب على خصائص القوانين العلية العمومية، وشرح المناهج التي يمكن أن تقيمها، # 50 # والتي هي مناهج الاستقراء، وهذه المناهج هي: ~~(1) # منهج ~~الاتفاق # Method of Agreement ~~: # أي التلازم في الوقوع، وهو ينص على أنه إذا اتفق مثالان أو أكثر ~~للظاهرة المطروحة للبحث، في نفس الظرف كان هذا الظرف الذي تتفق فيه ~~كل الأمثلة علة (أو معلولا) لهذه الظاهرة. # 51 # يقوم هذا المنهج على أساس تلازم العلة والمعلول في الوقوع؛ بحيث ~~إذا حدث الأول تبعه الثاني، والعكس بالعكس، ويستلزم هذا المنهج جمع ~~أكبر عدد ممكن من الحالات التي تبدو فيها الظاهرة والمقارنة بين ~~عناصرها؛ أي البحث عما هو السابق واللاحق في حدوث تلك الظاهرة، ~~فالسابق هو العلة واللاحق هو المعلول. # ويمكن التعبير عنه رمزيا كما يلي: # الظاهرة: ~~«أ»1 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ج. د. ه. ~~«أ»2 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. و. ز. ح. ~~«أ»3 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ط. ي. ك. ~~«أ»4 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ل. م. ن. # 52 # وهذا المنهج يعبر عن طريقة شائعة الاستعمال في الحياة اليومية، ~~أكثر منها في البحوث العلمية، ونقدها أظهر من أن يذكر؛ فالظواهر ~~الطبيعية ليست بهذه البساطة بحيث يظهر دائما العامل الواحد الذي ~~لا يتغير، فالظروف متشابكة تختلط ببعضها، والعنصر قد يتضافر هو ~~وعنصر آخر في جميع الأحوال، دون أن يكون هذا العنصر علة حقيقية له ~~إنما يوجد بالعرض دائما. # لذلك شأن هذا المنهج يشجع مغالطة أخذ ما ليس بعلة على أنه علة؛ ~~فقد يكون توالي حدوث العامل ليس ms039 بعلة بل مجرد مصادفة. # ويعضد هذا النقد الكشف الحديث من أنه لا حتمية في العلم، ومن ~~إعطاء الدور الأكبر للمصادفة - أي للاحتمال - في القوانين العلمية، ~~بينما كان مل، وعصر مل مشبعا بالحتمية حتى النخاع، حتمية اقتران ~~العلل بالمعلولات والظروف ببعضها، وهو على أية حال منهج ضعيف، ~~حذر كلود برنار من الاعتماد عليه، وإن كان من الممكن تقليل ~~خطورته بتنويع التجارب قدر المستطاع، كما نصحنا فرنسيس بيكون من ~~قبل. ~~(2) # منهج ~~الاختلاف # Method of Difference ~~: # أو التلازم في التخلف والافتراق، وهو نوع من البرهان العكسي ~~الذي حبذه كلود برنار، وينص على أنه إذا حدث مثال تقع فيه ~~الظاهرة المطروحة للبحث، ومثال آخر لا تقع فيه هذه الظاهرة، واتفق ~~المثالان في كل شيء إلا في ظرف واحد، وهو الذي يظهر فيه المثل ~~الأول وحده دون سواه، كان الشيء الذي يختلف فيه المثالان معلولا ~~لهذه الظاهرة أو علة لها، أو جزءا ضروريا من علتها. # 53 # فالعامل المختلف هو علة اختلاف النتيجتين، في الحالة الأولى سبب ~~ظهوره حدوث الظاهرة، وفي الحالة الثانية كان هذا العامل الوحيد ~~الغائب هو العلة إذ غاب معلولها بغيابها. # وواضح أن مل استفاد في هذا المنهج بمنهج الحذف والاستبعاد الذي ~~نادى به فرنسيس بيكون، # 54 # وهو يحوي نفس خطأ المنهج السابق؛ أي منهج الاتفاق؛ فقد ~~يكون اختلاف العاملين مجرد تصادف، هذا بالإضافة إلى صعوبة تحقيقه؛ ~~إذ يصعب بعض الشيء استبعاد العلة المؤثرة، فهذا قد يعني استبعاد ~~الظاهرة بأسرها، لكن الوسائل التحليلية التفتيتية التي توصل إليها ~~العلم الآن، تغلبت على هذه الصعوبة كثيرا، وهذا المنهج هو أهم ~~المناهج الخمسة، وفكرته الأساسية بصفة عامة خصبة، وعلماء المناهج ~~منذ بيكون حتى بوبر ما فتئوا يؤكدون أهميته. ~~(3) # منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف # Joint Method of Agrement and Difference ~~: # وينص على أنه إذا حدثت ظاهرة ما في مثالين أو أكثر، واختلف هذان ~~المثالان في كل شيء ما عدا شيئا واحدا دون سواه، وكان هناك ~~مثالان آخران (أو أمثلة أخرى) لا يحدث فيها هذه الظاهرة، ولا ~~يشتركان ms040 إلا في غياب الشيء الذي وجد في المثالين الأولين (أو ~~الأمثلة الأولى)، استنتجنا أن الشيء الذي يشترك فيه هاتان الفئتان ~~من الأمثلة (وهو الذي يوجد في المثالين الأولين، ويختلف في ~~المثالين الآخرين) هو معلول الظاهرة أو علة لها أو جزء ضروري منها. # 55 # وواضح أن هذا المنهج لا يعني أكثر من الجمع بين الطريقتين ~~السابقتين، أي محاولة التحقق من ظهور المعلول بظهور العلة ~~واختفائه باختفائها، أو ما أسماه الإسلاميون: دوران العلة مع ~~معلولها وجودا وعدما، وهذا تأكيد أكثر للعلاقة السببية التي نبحث ~~عنها. ~~(4) # منهج ~~البواقي # Method of Residues ~~: # وهو منهج لوضع الافتراض أكثر منه لتحقيقه، وهو ينص على أنه إذا ~~كان لدينا ظاهرة ما لها عناصر عدة، عرفناها بالعمليات الاستقرائية ~~السابقة على أنها علة لمعلولات لاحقة معينة، فإن ما يتبقى من ~~عناصر تلك الظاهرة هو علة لما يتبقى من معلولاتها اللاحقة. # 56 # ويمكن التمثيل لهذا المنهج على النحو التالي: لو كان لدينا ~~حالتان: «أ» و«ب»، وكانت «أ» هي علة «ب»، وتبينا في «أ» عدة عناصر ~~هي «س»، «م»، «ق»، وتبينا في «ب» عدة عناصر هي «ص»، «ل»، وإذا ~~عرفنا أن «س» هي علة «ص»، و«م» هي علة «ل»، فإننا نفترض أن العنصر ~~المتبقي في «أ» وهو «ق»، لا بد وأن يكون علة لعنصر آخر في «ب»، ~~فنفترض وجود هذا العنصر، وليكن مثلا «ك» ونعتبره نتيجة للعلة «ق» ~~أي معلولا لها. # ويمكن التعبير عن هذا المنهج رمزيا كما يلي: # 57 # وقد نوه مل إلى أن هذا المنهج يستحيل أن يستقل عن الاستنباط، ~~ورغم أنه يتطلب هو الآخر خبرات معينة، فإننا لا نستطيع اعتباره ~~من بين مناهج الملاحظة المباشرة والتجريب إلا بشيء من التجاوز، # 58 # وواضح أنه منهج يعتمد أساسا على نتائج الممارسات ~~السابقة لبقية المناهج الأخرى؛ لذلك كان من الأليق أن يأتي هذا ~~المنهج في مؤخرة قائمة المناهج، غير أن مل وضع المناهج في «نسق ~~المنطق» بهذا الترتيب. ~~(5) # منهج التغير ~~النسبي # Method of Concomitant Variation ~~: # أو منهج التلازم في التغير، أو ms041 بمصطلح أدق: منهج التغيرات ~~المساوقة المتضايفة أو التغيرات المساوقة النسبية، # 59 # وهو ينص على أنه إذا تغيرت ظاهرة ما بطريقة معينة، ~~وصاحب هذا التغير في ظاهرة معينة أخرى بنفس الطريقة المعينة، ~~كانت تلك الظاهرة علة للثانية أو معلولة لها، أو مقترنة بها ~~اقترانا عليا من ناحية ما. # 60 # أي إن هذا المنهج للكشف عن العلاقة الكمية بين العلة والمعلول، ~~عن التناسب الطردي بين شدة العلة وبين شدة معلولها، فإذا كان هناك ~~تغير فيما نفترضه من عوامل الظاهرة يتبعه تغير وبنفس النسبة في ~~نتيجتها، كان ذلك تثبيتا للعلاقة العلية التي ~~افترضناها. # ويمكن التعبير عن هذا المنهج رمزيا هكذا. # 61 # في العلاقة الطردية (الاتفاق): # أ + 0 # ب + 0 # أ + 1 # ب + 1 # أ + 2 # ب + 2 # في العلاقة العكسية (الاختلاف): # أ + 0 # ب − 0 # أ + 1 # ب − 1 # أ + 2 # ب − 2 # هذا المنهج أسهل المناهج الخمسة عمليا وأدقها؛ لأنه يأخذ في ~~الاعتبار التكميم؛ أي إن مل ينبه فيه إلى سر التقدم ~~العلمي. ~~(ب) تقييم # هذا هو الاستقراء بالصورة المنهجية التي وضعها مل، وهو يختلف عن بيكون في ~~أنه يلزم الباحث إلزاما مقيدا، ويدعي أنه يفضي به إلى البرهان، وهو لا ~~يريد للباحث أن يتخطى حدوده أبدا إذ يقول مل: إن هذه هي - وهي فقط - ~~أساليب البحث التجريبي ومناهج الاستقراء المباشر، وإنه لا يعرف ولا حتى ~~يستطيع أن يتخيل سواها، # 62 # بالطبع هذه نظرة غاية في القصور، أن يتصور أن علم مناهج البحث ~~قد وصل إلى ذروة المنتهى على يديه، وبصفة عامة، فإن فلسفة مل المنهجية ~~مليئة بأوجه القصور، فهو مثلا خلط بين اكتشاف الفروض؛ أي اختراعها، وبين ~~تأييدها، ودافع مل عن هذا بأن القانون العلمي ليس فرضا، بل هو حقيقة نريد ~~أن نثبتها، وهو قد وضع مناهجه لتوضيح كيف يمكن التثبت من أنها فعلا قوانين، # 63 # وبالطبع مل على خطأ بين، ليست الفروض هي التي في جوهرها ~~قوانين، بل إن القوانين هي التي في جوهرها وفي مظهرها فحص فروض، كما سيثبت ms042 ~~هذا البحث. # ثم إن مل قال: إنه سيأتينا بأربعة مناهج، ثم أتانا بخمسة، وبعد أن شرحها ~~ظل مصمما على أنها أربعة! وقد اختلف الباحثون؛ أية الطرق هي الزائدة؟ ترى ~~سوزان ستبنج أن البواقي هي الزائدة، أما جوزيف فيرى أن منهج الجمع بين ~~الاتفاق والاختلاف هو الزائد، بينما يذهب وليم نيل إلى حذف طريقتي البواقي ~~والتغير النسبي. # لكن ثمة تحليلا معقولا، خلاصته أن منهجي البواقي والتغير النسبي ~~يعتمدان على المناهج الثلاثة الأولى، في حين أن المنهج الثالث - منهج الجمع ~~بين الاتفاق والاختلاف - مجرد تكرار للمنهجين الأول والثاني معا، زد على ~~ذلك أنه يمكن رد المنهج الأول إلى المنهج الثاني؛ لأن الوقائع لن تكشف لنا ~~بطريق مباشر أن الحادثة «أ» مثلا علة الحادثة «س»، وإذا لوحظت عدة وقائع ~~تثبت أن «أ» علة «س»، فإن تلك الملاحظات لا تقدم دليلا على أن «أ» علة ~~«س»، بل يجب أن نتثبت أنه لا يوجد علة للحادثة غير الحادثة «أ»، ذلك يستلزم ~~القيام بتجارب سالبة؛ أي منهج الرفض أو الاختلاف، وهو المنهج الثاني، وبذلك ~~ننتهي إلى أن هذا المنهج الثاني هو فقط الأساس، ومع ملاحظة أن فرنسيس بيكون ~~قد سبقه إليه، ننتهي إلى أن مل لم يأت البتة بأي شيء جديد لم يقله أحد من ~~قبله. # ويمكن أن نضيف إلى هذا أن المنهج الأساسي - أي التخلف - هو في جوهره قياس ~~شرطي منفصل، يتخذ الصورة: # علة «س» إما أن تكون «أ» أو «ب» أو «ج». # لكن علة «س» ليست «ب» أو «ج». # لكن علة «س» هي «أ». # 64 # بالإضافة إلى أنه يمكن إثبات المقدمة الصغرى في هذا القياس بأقيسة شرطية ~~متصلة؛ مما يجعل موقف مل محرجا؛ # 65 # لأنه لم يقدم منهجه إلا لدحض القياس الأرسطي كمنهج، والآن هذا ~~الدحض سوف يعني بدوره دحض منهج الاختلاف؛ مما يؤدي إلى دحض بقية مناهج ~~مل. # الحق أن هذا النقد فيه شيء من السفسطة؛ لأن القياس الأرسطي يدور حول ~~قوانين الفكر الصورية؛ لذلك من السهل جدا إثبات دخوله بطريقة أو بأخرى ms043 في ~~شتى أنواع الاستدلال. # أما النقد الجدير بالاعتبار حقا، فإنه للعلية التي جعلها مل محور ~~تفكيره، بينما لم يقدم لها أي إثبات، وأصر على أنها تقوم على أساس الخبرة ~~الإنسانية، فلم يزد موقفه في هذا عن موقف رجل الشارع، ثم إن العلية ~~بالصورة التي آمن بها مل كانت تحتاج إلى استقراء تام لأحداث الكون تقتضينا ~~أن ننتظر حتى نهاية العالم، إن مل رأى فعلا أنه من الممكن رد حادثة واحدة ~~إلى عدة علل اشتركت في أحداثها، لكن مناهجه - خصوصا منهجي الاتفاق ~~والاختلاف - كانت تشير بوضوح إلى أن لكل معلول علة واحدة، وهذا بالطبع ~~خطأ، كما أن التفسير العلمي ليس هو كل التفسير العلمي، وليست القوانين ~~العلمية دائما قوانين الربط العلمي فقط. # 66 # لقد كان مل عظيما عظيما بوصفه إنسانا وبرلمانيا، وما هكذا بوصفه ~~فيلسوفا وميثودلوجيا، فقد كان رفيع الخلق جم الفضائل مرهف المشاعر، ~~نموذجا للباحث الجاد والمفكر الملتزم، يبذل قصارى ما يستطيعه، مهدرا ~~الكثير من حقوقه الخاصة، غير أنه لم يكن يستطيع الكثير، فلا هو ذو مقدرة ~~عقلية غير عادية، ولا هو ذو طاقة إبداعية، ولا حتى حس فني أو قدرات جمالية، ~~وفي تذوقه للفنون كان يبحث فيها عن المضمون ولا يلقي بالا إلى القيم ~~الجمالية؛ لذلك فنصوصه الكثيرة ثرية ولكنها جافة، لكل ذلك ليس غريبا أن ~~يبلغ إيمانه بالتجريبية وبالاستقراء هذا المبلغ، والحق أن مبلغ هذا الإيمان ~~كفيل بأن يفقد أبحاثه المنطقية والميثودولوجية والإبستمولوجية أية قيمة ~~لها، فستانلي جيفونز بعد أن درس كتابه «نسق المنطق» عشر سنوات - كما يقضي ~~برنامج الجامعة - صرح بأن هذا الكتاب يسيء إلى تكوين عقلية الطالب ونمو ~~تفكيره المنطقي، بل وإن عقلية مل ليست عقلية منطقية، وإنه استعار طرق ~~البحث العلمي من بيكون، وسلب المادة التي بنى عليها فصوله في الاستقراء من ~~سابقيه ويول وهرشل؛ # 67 # ولذلك أيضا قال عنه برتراند رسل: «ناطحات السحاب لا يمكن ~~بناؤها في لندن؛ لأنها تقتضي أساسا صخريا، وكذلك آراء مل كانت كناطحات ~~سحاب مقامة على أساس من الطفل، تظل ms044 مهزوزة لأن أساسها غائر على الدوام»، # 68 # وأيا ما كان يعنيه رسل بهذا الطفل من خضوعه لتأثير والده ~~وإتيانه في مرحلة تحول فلم يضف جديدا إلى السابقين، وعزف عنه اللاحقون ... ~~فإنا نشير به ها هنا إلى التجريبية المتطرفة؛ أي الاستقراء المباشر. # وأخيرا فإن هذا المثلب التجريبي لمل، لا يشفع فيه إلا شيء واحد، هو أنه ~~من أوائل من نادوا - في الأمة الإنجليزية - بضرورة إخضاع العلوم الأدبية ~~والعقلية - خصوصا علم النفس - للمنهج التجريبي، وكان يؤازره في هذا صديقه ~~الفرنسي أوجست كونت، وقد قوبل باستنكار ورفض شديدين، ولكننا بالطبع أصبحنا ~~اليوم ندرك قيمة هذه الدعوة. ~~(8) تلك هي الخطوط العريضة في تاريخ المنهج الاستقرائي؛ إذ لم يتعرض ~~الاستقراء إلى إضافة تذكر بعد مل، بل اتخذ مفهوم المنهج العلمي طريقا ~~مغايرا، بلغ أوج انحرافه على يد بوبر. # السالف ذكرهم هم الأعلام الذين مكنوا من عقيدة الاستقراء كل هذا ~~التمكين. # ومن هذا العرض التاريخي، نخرج إلى استعراض خطوات المنهج ~~الاستقرائي. ~~(4) خطوات الاستقراء # أما عن خطوات الاستقراء، فقد يختلف الباحثون اختلافا يسيرا في ترتيب خطوة أو ~~أخرى ولكن الترتيب التالي هو الأمثل: ~~(1) الملاحظة ~~والتجربة # Observation and Experiment # يبدأ الباحث عمله بملاحظة عدة أمثلة للظاهرة موضوع الدراسة ملاحظة دقيقة، ~~مقصودة ومنتقاة وهادفة، أي مقصورة فقط على ما يخص الظاهرة موضوع الدراسة، وقد ~~فرق كلود برنار بين الملاحظة البسيطة وهي بالحواس المجردة وبين الملاحظة ~~المسلحة، وهي التي يستعان فيها بالأجهزة الدقيقة التي تمكن الحواس من عملية ~~الملاحظة بكفاءة أعلى ودقة أكثر. # والملاحظة العلمية يجب أن تكون متواترة ومرتبة، وإذا كانت متعلقة بظواهر ~~تستغرق حيزا زمانيا واسعا كمسارات الأفلاك، أو دورات الحياة مثلا، تكون ~~الملاحظة فيها متصفة بالتعاقب الاستمراري. # وبديهي أن الملاحظة العلمية يجب أن تتصف بالدقة والنزاهة وتوخي الموضوعية، ~~وأن تستند على الدقة التي توجب استخدام الأجهزة المذكورة آنفا، أما النزاهة ~~والموضوعية فيوجبان: التجرد عن كل هوى شخصي، والتعبير الكمي القياسي عن ~~الملاحظة. # ولكن بعض الظواهر - وبالذات الظواهر الكيميائية - لا ينتظر الباحث فيها أن ~~تحدث الظاهر فيلاحظها، بل ms045 يصطنعها أمامه في المعمل، فتكون الملاحظة هنا ~~بالتجريب، وهذه التجربة تسمى التجربة ~~الابتدائية # Elementary Experiment # 69 # أو العابرة، أي التي تجري فقط لتحقيق الملاحظة وجمع المعلومات عن ~~مسار الظاهرة فهي بغير فروض تحققها، بل إنها تجرى للتوصل إلى هذا ~~الفرض. # على ذلك فالخطوة الأولى التي هي جمع المعلومات، قد تكون إما بالملاحظة وإما ~~بالتجريب الابتدائي حسب طبيعة العلم: # فهناك علوم تعتمد فقط على الملاحظة؛ لا سيما الفلك والجيولوجيا. # وهناك علوم تعتمد فقط على التجريب؛ لا سيما الكيمياء والطبيعة. # وهناك علوم تجمع بين الاثنين؛ لا سيما علوم الطب والحياة. # هذه هي المرحلة الأولى: مرحلة العيان الحسي، الذي نجمع به الحقائق التمهيدية ~~عن الظاهرة موضوع الدراسة. ~~(2) التعميم ~~الاستقرائي # Inductive Generalization # ومن الأمثلة التي لاحظها الباحث أو جربها، يخرج بتعميم مطلق لنتيجة ~~الملاحظة، تعميم يطبق فيه الباحث ما رآه، على ما لم يره من جميع الحالات ~~المماثلة للأمثلة موضوع ملاحظته، تلك التي حدثت والتي تحدث الآن، والتي سوف ~~تحدث، فمثلا إذا لاحظ الباحث أن بعض قطع من الخشب كلما تعرضت للهب اشتعلت؛ خرج ~~بتعميم استقرائي ينطبق على جميع قطع الخشب في كل زمان ومكان وهو «الخشب قابل ~~للاشتعال»، أو مثلا كما لاحظ باستير من تجاربه على بعض عينات لمواد قابلة ~~للفساد، ملاحظة خرج منها بتعميم استقرائي هو «لا تفسد المواد القابلة للفساد ~~إلا إذا تركت مكشوفة.» ~~(3) افتراض الفرض # Hypothesis # ثم يحاول الباحث افتراض فرض يعلل به ما وصل إليه من تعميم استقرائي، كأن ~~يفترض أن الخشب قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين، أو كما فعل باستير حين ~~افترض أن الهواء يسبب الفساد؛ لأنه يحتوي على كائنات دقيقة، الفرض إذن هو ~~محاولة اكتشاف العلاقة العلية التي تحكمها في كل زمان ومكان، هو - على حد ~~تعبير إرنست ماخ - تفسير مؤقت للظاهرة. # أما عن نشأة الفرض فهي تقوم على عوامل خارجية وأخرى باطنية؛ العوامل الخارجية ~~هي الخطوة الأولى التي جمع الباحث فيها الملاحظات، وعليها يتأسس الفرض، وقد ~~يلقى الفرض فيها مصادفة؛ أما العوامل الباطنية فهي نصيب العالم ms046 من الذكاء ~~وحصيلته المعرفية، وبتفاوت قدرات العلماء تتفاوت قيمة فروضهم. # والفروض على نوعين؛ فهي إما فروض جزئية متعلقة بأحوال معينة لأحداث معينة، ~~وإما هي فروض عامة، والفروض العامة على قسمين؛ المبادئ والنظريات. # المبادئ هي الروابط العامة التي تربط بين جملة قوانين؛ # 70 # أي إنها قوانين مفرطة في الكلية، شديدة العمومية، أما النظريات فهي ~~التي تفسر مجموعة من الظواهر تدخل في نظام واحد، أما عن شروط الفرض لكي يكون ~~علميا فهي: ~~(أ) # يقوم على أساس الملاحظة والتجريب، فلا يكون فرضا خياليا، ولا ~~يكون مجرد ربط منطقي بين الأفكار، فمثلا قانون الديناميكا ~~الحرارية يقول: إن الحرارة تنتقل من الأجسام الأكثر سخونة إلى ~~الأجسام الأقل سخونة في حالة التماس بينهما، في حين أن التفكير ~~المنطقي الخالص لا يمنع افتراض أن الجسم الأسخن هو الذي يسحب ~~الحرارة فتزداد حرارته، ويزداد الجسم الملامس له برودة. ~~(ب) # ألا يكون متناقضا، # 71 # لا مع نفسه ولا مع الوقائع المسلم بها. ~~(ج) # أن يقبل التحقق، فيمكن للتجربة أن تثبت صحته أو خطأه، وهذا شرط ~~غاية في الأهمية؛ لأنه هو الذي يكفل استمرار الإجراءات ~~الاستقرائية، حتى نصل في النهاية إلى الهدف، وبعد أن يضع العالم ~~على هذا النحو فرضا مستوفيا لهذه الشروط، ينتقل للخطوة ~~التالية. ~~(4) التحقق من صحة ~~الفرض # Verification of Hypothesis # وهنا تبرز أهمية التجريب، فيلجأ العالم إلى التجربة لكي تحسم له القول في صحة ~~أو خطأ ما افترض من فروض، والتجربة هنا مخالفة للتجربة الابتدائية التي لجأ ~~إليها العالم في الخطوة الأولى، التجربة هنا علمية حقيقة، يصطنعها العالم من ~~أجل التحقق من فكرة معينة في ذهنه وهي افتراضه. # وبعض الباحثين يميلون إلى تقسيم خطوة التحقق إلى قسمين: # الجانب السلبي: # يمارس فيه الباحث ما أسماه كلود برنار: منهج برهان الضد أو ~~شاهد النفي؛ إذ يحاول الباحث أن يأتي ببرهان مضاد للحالة التي ~~يفترضها الفرض، ففي امتحان العكس إثبات للأصل. # الجانب الإيجابي: # يحاول فيه الباحث التثبت من صحة الفرض في الأحوال المتغيرة ~~على قدر الإمكان. # 72 # وهذه الخطوة هي ms047 أهم خطوات البحث العلمي، فهي الخطوة الفاصلة، وعليها سيتوقف ~~ما إذا كان العالم سيضيف إلى المعرفة العلمية، أم أن جهوده العلمية ما زال ~~عليها استئناف المسير. # ولا ينبغي الإطناب أكثر من ذلك، فالتناول التاريخي في الحديث عن مل، لم يكن ~~إلا حديثا عن كيفية التحقق من صحة الفرض. ~~(5) البرهان أو ~~الدحض Proof or Disproof # وتلك هي المحصلة الطبيعية للخطوة السابقة، فإما أن تنتهي إلى إدخال الفرض في ~~نطاق الحقائق العلمية إذا ما ثبتت صحته، وإما أن ننتهي إلى دحضه، فنتركه ونلجأ ~~إلى غيره إذا ثبت خطؤه، ومن هنا يتضح كيف أن الفرض من شأنه أن يوحي بتجارب ~~وملاحظات جديدة. # ولا بد على العالم أن يترك فرضه إذا ثبت خطؤه، وليس ذلك باليسير فالعالم يعتز ~~بالفرض الذي توصل له يسعد به فيتمسك به، ويتغاضى عن الوقائع التي تدحض هذا ~~الفرض، يجب على العالم أن يتخلى عن الفرض سريعا ويحاول أن يضع غيره، ولا ~~يعلن أن فرضه قد تم البرهان عليه إلا إذا كان هذا البرهان مراعيا لأدق دقائق ~~الموضوعية والنزاهة الكاملة. # وإن أثبتت التجارب صحة الفرض على هذا النحو، فقد أصبح قانونا ويكون الباحث ~~قد وصل إلى الخطوة الأخيرة. ~~(6) المعرفة # Knowledge # وهذه بالبداهة هي غاية البحث العلمي، فماذا يبغي العالم من كل ما سلف إلا ~~الإضافة إلى بنيان المعرفة، وزيادة عدد القوانين الطبيعية التي ظفر بها الإنسان ~~قانونا وإزاحة حدود الجهل خطوة إلى الوراء، وتقديم حدود العرفان خطوة إلى ~~الأمام. # ذلك هو الاستقراء وخطواته، فما هي مشكلته تلك التي ما فتئ فلاسفة العلوم ~~ومناهج البحث والمناطقة يثيرونها في كل مناسبة وبغير مناسبة؟ ~~(5) مشكلة الاستقراء ~~(1) لقد اتضح الآن أن العلوم التجريبية هي - من الوجهة التقليدية - علوم ~~استقرائية؛ أي عمليات تعميم استقرائي يقوم بها الباحث، وقد اتضح ما هو الاستقراء، ~~وكيف تطور على يد الأعلام الذين مكنوا له. # لكن أوليس لنا الحق بوصفنا باحثين في الأسس المنطقية للمعرفة العلمية أن نتساءل ~~عن مبدأ هذا الاستقراء، و«هذا التساؤل ليس إثارة لكشف جديد، فأرسطو أول ms048 من لاحظ ~~الاختلاف بين الحجة الصورية والحجة الاستقرائية، وأن الأخيرة ليست مبرهنة # non demonstrative ~~.» # 73 # والمقصود بمبدأ ~~الاستقراء Principle of Induction ~~«عبارة تمكننا من وضع الاستدلالات الاستقرائية في صورة ~~مقبولة منطقيا.» # 74 # فهو تساؤل عن مصدر الاستقراء، كيف أتينا به ولماذا نأخذ به، وكيف لنا ~~أن نقيمه كأساس للعلم؟ في الإجابة على هذا، هناك اتجاهان: # الاتجاه التجريبي # العقل لا يعرف ولا يصل إلى المبادئ أو غيرها إلا عن طريق التجريب، فالاستقراء ~~مردود إلى السببية، والسببية توصلنا إليها عن طريق التجريب كما توصلنا إلى كل ~~شيء في عقولنا، فتجاربنا قد دلتنا على أن الظواهر ترتبط ببعضها ارتباطا ~~ضروريا، هو - بلا شك - ارتباط العلة بالمعلول، وعلى أساس السببية نقيم ~~الاستقراء ومبدأه إقامة تجريبية، وأهم الممثلين لهذا الاتجاه جون ستيورات ~~مل. # ونلاحظ أن الدوران المنطقي هنا شديد الوضوح، فمبدأ الاستقراء قد أتينا به من ~~نفس الاستقراء، من التجريب الذي دلنا على السببية، وهو على هذا مرفوض بالطبع؛ ~~لأنه يقود إلى ارتداد لا نهاية ~~له # Infinite Regress ~~، نقيم الاستقراء بمبدأ استقرائي نبحث له عن أساس فنأتيه ~~بأساس استقرائي نبحث له عن أساس ... وهكذا. # الاتجاه العقلي # وهو يتفق مع الاتجاه السابق في أن الاستقراء يعود إلى السببية ولكن السببية ~~مبدأ عقلي سابق على التجربة، إذن مبدأ الاستقراء كامن في الذهن سلفا، ولم ~~نشتقه من التجريب الاستقرائي، أهم الممثلين لهذا الاتجاه: إيمانويل كانط ~~(1724-1804م) وبرتراند رسل. # وهذا الاتجاه مرفوض بدوره؛ لأنه يقود إلى الأولية # Apriorism # أي الإيمان بمبادئ أولية، تدعي أنها كامنة في ~~الذهن سلفا، وهم في العادة يلجئون إلى هذا الادعاء حين يستحيل عليهم العثور ~~على مصدر معقول لهذه المبادئ، لكن المبادئ العقلية لا تكون إلا تحصيل حاصل؛ ~~فالعقل لا يستقل بنفسه إلا في التعامل مع العلوم الصورية التحليلية كالمنطق ~~والرياضة، فيكاد يقتصر عمله على فك الرموز وإعادة تركيبها دون أن يأتينا بفتوى ~~عن الواقع، لكن من الواضح أن قانون السببية قضية إخبارية تركيبية، فكيف للعقل ~~الخالص أن يكون مصدرها كما ادعى كانط ورسل؟ # إذن ms049 مصدر المبدأ لا يمكن أن يكون العقل، وقد سبقت استحالة أن يكون مصدره ~~التجربة، هكذا فإن أية محاولة لوضع مبدأ الاستقراء، إما أن تقود إلى ارتداد لا ~~نهاية له، وإما أن تقود إلى الأولية، # 75 # لقد استحال تأسيس الاستقراء على مبدأ، فكيف إذن نقيم العلم على غير ~~ذي مبدأ؟ لقد أصبح هذا المنهج موضع شك كبير ومشكلة تؤرق الفلاسفة تعرف باسم ~~مشكلة الاستقراء. ~~(2) وهذه المشكلة لا تقتصر على البحث عن مبدأ، بل هي أساسا قائمة في صلب ~~الاستقراء، وإن كانت نتيجة لمشكلة أخرى هي مشكلة السببية والاطراد، اللذين ~~يبرران الاستقراء. # فقد أتانا ديفيد هيوم # David Hume ~~(1711-1776م) في أواسط القرن الثامن عشر حاملا معه تساؤلات واعتراضات جد خطيرة، ~~خطيرة حول المبررات المنطقية للاعتقاد في هذين القانونين، وبالتالي في صحة ~~الاستقراء الذي يستند عليهما: # مشكلة السببية # إذا كان الاستقراء منهجا يحقق هدف العلم الطبيعي من الكشف عن العلاقات ~~العلية، فهو إذن يفترض مسبقا فكرة العلية أو السببية، والسببية بدورها ~~راسخة رسوخ البداهة في التفكير الفلسفي قبل التفكير العلمي، وفي تفكير ~~الحياة اليومية قبلهما؛ فالحس المشترك والفلسفة والعلم التقليديان يعتبران ~~ترتب ظاهرة على أخرى ترتبا متكررا مطردا مرجعه إلى السببية التي تجعل ~~الظاهرة الأولى علة والثانية معلولا لها. # وتعود الأصول الأولى للسببية إلى افتراض الفلاسفة الميتافيزيقيين أن كل ~~ما يحدث في الطبيعة يمكن أن ينحل إلى حوادث منفردة قد تتجمع أزواجا ~~أزواجا على صورة تكون فيها حوادث كل زوج متصلة بعلاقة العلة والمعلول، # 76 # وحين جاء أرسطو فسر فكرة السببية تفسيرا يوائم العقلية ~~الميتافيزيقية الإغريقية؛ إذ اعتبرها، بمبادئها الأربعة؛ المادية والصورية ~~والفاعلة والغائبة، فكرة أولية سابقة على الوجود ومسببة له، فهي إذن إحدى ~~الأفكار التي يتوصل إليها العقل الخالص معتمدا على نفسه، ثم يفهم الوجود ~~عن طريقها؛ ولذلك اعتبر أرسطو هدف العلم الطبيعي هو الكشف عن علل التغير في ~~الكون، وجاء المدرسيون من فلاسفة العصور الوسطى، فسلموا بالسببية تسليما ~~يوائم الدين، حين قبلوها بمعنى العلة الفاعلة الأرسطية أحيانا، بمعنى ~~القوة الخفية التي ms050 تنتج الظواهر أحيانا أخرى، وبالمثل افترضت الفلسفة ~~الديكارتية العلاقة العلية بوصفها علاقة ضرورية، إلى أن جاء فرنسيس بيكون ~~فكان أول من ذهب من المحدثين إلى تفسير معنى السببية على أنها علاقة توضح ~~معنى الاطراد في ظواهر الطبيعة، # 77 # وكان هذا هو التفسير الذي لزم العلم الطبيعي، وثبته وقواه مل ~~حين وضع مناهج اكتشاف العلل. # وأول متحد ظهر لهذا الافتراض ~~الراسخ هو توماس هوبز # Thomas Hobbes ~~(1588-1679م)، وهو تلميذ لفرنسيس بيكون ومساعد له، نظر في منهج أستاذه فرضي ~~تماما عن اعتبار التجريب الحسي مصدرا للمعرفة، غير أن الحواس لا تعطينا ~~ذلك الكائن الغيبي المسمى بالسببية، فكيف نربط بين المعطيات الحسية عن ~~طريقها، بل وربطا معمما؟ لكن هوبز على الرغم من ماديته وتجريبيته بل ~~ونزعته العلمية المتطرفة، كان شديد الإعجاب بالرياضيات؛ لذا لم يؤمن أبدا ~~بجدوى الاستقراء، وبالتالي لم يتوقف كثيرا عند السببية، فكان أول متحد ~~ذي خطر لها هو هيوم الذي بدأت معه الفلسفة الحديثة للسببية. # وهيوم هذا تجريبي شديد التطرف، لا يعترف بمصدر للمعرفة إلا انطباعات الحس ~~التي تخلف وراءها الأفكار، وكل ما يخرج عن المنطق والرياضة لا بد وأن يرتد ~~إلى انطباعات الحس، وإلا كان حديث خرافة، والسببية ليست علاقة منطقية، فلا ~~بد إذن أن نبحث عن أصولها في الخبرة الحسية، غير أن الحواس لا تعطينا إلا ~~سلسلة من الأحداث متعاقبة زمانيا ومتجاورة مكانيا، وكل ما أدركناه هو ~~وقوع هذه الأحداث في هذا الآن وعلى هذا النحو، ولم يصل إلى انطباعاتنا ~~للحسية ما يفيد بالعلاقة العلية بينهما، فمن أين أتينا إذن بالاعتقاد في ~~السببية؟ هذا اعتقاد ليس له ما يبرره لا تجريبيا ولا منطقيا. # وقد أثار هيوم مشكلة السببية في الصورة الآتية: لماذا نستنتج أن المؤثرات ~~المعينة سوف يكون لها بالضرورة تلك الآثار المعينة؟ ولماذا نستدل من ~~الواحدة على الأخرى؟ ثم اتخذت المشكلة فيما بعد صورة تساؤل أكثر عمومية ~~هو: لماذا نخرج من الخبرة بأي استنتاجات تتجاوز الحالات الماضية التي مرت ~~بخبرتنا؟ أي لماذا نمارس الاستقراء؟ # وهي أسئلة بغير ms051 إجابة، فقد أوضح هيوم أن أي إجابة سوف تلتجئ إلى مبدأ عام ~~يحكم بأن الحالات التي لم تمر بخبرتنا لا بد وأن تماثل تلك التي مرت، وأن ~~مسار الطبيعة يسير دائما بصورة مطردة، # 78 # غير أن الاطراد بدوره ليس له ما يبرره. # مشكلة الاطراد # حين نلاحظ أن الحادثة «أ» قد أعقبتها في أكثر من مرة أو حتى في كل المرات ~~الحادثة «ب»، فإننا لا نستطيع الاعتقاد بأن ذلك قد نشأ لأن «أ» علة معلولها ~~«ب» - فقد رفضنا السببية - بل لأن «أ» قد أعقبتها «ب» فحسب، وليس لدينا ما ~~يبرر توقع الحادثة «ب» حين نرى الحادثة «أ» مرة أخرى، فتوقع الاطراد ~~عادة مسألة سيكولوجية بحتة وليست منطقية حتى نأخذها أساسا للمعرفة، ~~وينطلق هيوم مستغرقا في تحليلات سيكولوجية للاعتقاد وأبعاده وأثر التكرار، ~~تحليلات يخرج منها بأن افتراض الاستقراء وهو فقط تكويننا السيكولوجي ولا ~~نملك أن نحيد عنه، التكرار يرسخ في الذهن الاعتقاد في قانون ~~الطبيعة. # وإن تكرار الخبرة التي يقع فيها «ب» بعد «أ» تخلق في الإنسان عادة لتوقع ~~«ب» كلما رأى «أ»، وليس في الإنسان فحسب، بل - كما يقول رسل - وفي الحيوان ~~أيضا، والحيوانات المنزلية تتوقع الطعام حين ترى الشخص الذي يطعمها عادة، # 79 # ولكن أوليس قد يأتي يوم يطيح فيه برقبة الدجاجة نفس الشخص ~~الذي اعتادت الدجاجة أن تتلقى منه الطعام كل يوم؟ ذلك يعني أن تكرار الخبرة ~~لا يعني شيئا، فمن أدرانا أن الطبيعة لن تفعل بنا ذلك في الغد، فتسممنا ~~ثمرة فاكهة اعتدنا أنها شهية، وإذا كان الاطراد هكذا بلا أساس، فلا بد وأن ~~ينهار الاستقراء؛ لأن التنبؤ هو هدفه؛ إذ يمكن أن نضع الاستقراء على الصورة ~~الآتية: «عمم الاطراد المكتشف في الأحداث الملاحظة، وضعها كاطراد يحكم كل ~~الأحداث من نفس النوع.» # 80 # حكما يتنبأ بوقوعها في كل مكان وزمان، والآن كيف يمارس العالم ~~التنبؤ، وهو سر الروعة الأخاذة للعلم، طالما أن اطراد الطبيعة افتراض وجب ~~استبعاده، مثله مثل السببية، فهما مرتبطان بعلاقة تبادلية، وقد سقطا معا ~~على ms052 أي حال. ~~(3) وفي إطار الحديث عن انهيار السببية والاطراد تلوح مشكلة شهيرة في ~~فلسفة العلم، جديرة حقا بالذكر، وهي مشكلة انهيار الحتمية # Determinism ~~، # 81 ~~⋆ # والحتمية هي المذهب الذي يرى أن كل ما يقع في الكون من أحداث نتيجة حتمية ~~للأحداث التي سبقتها ومقدمة ضرورية للأحداث التي ستلحقها ولا استثناء، فهذا ~~الكون نظام مغلق صارم يؤذن حاضره بمستقبله، وتخضع سائر أجزائه لقوانين ~~صارمة يكتشفها العلم، إنها تتحدث عن كون مثالي لممارسة التعميمات ~~الاستقرائية. # وقد اعتمدت الحتمية على الصورة الميكانيكية التي رسمها نيوتن للكون، على ~~أنه كتل تتحرك على السطح المستوي عبر الزمان المطلق في اتجاهه من الماضي ~~إلى المستقبل، لتغدو كل حركة قابلة للتحديد والتنبؤ الدقيق. # لكن ظهرت نظرية النسبية لآينشتين التي تحطم هذه الخلفية المفترضة ~~والضرورية للحتمية؛ أي فكرتي الزمان والمكان المطلقين، وظهرت نظرية ~~الكوانتم، فلم نجد في عالم جسيمات الذرة الدقيقة أية مقدمات ضرورية ولا ~~نتائج حتمية، ولا علية ولا اطراد على وجه الإطلاق، فانهارت الحتمية بعد ~~أن كانت هي نفسها حتمية ورفضتها الغالبية العظمى من الفلاسفة والعلماء ~~المعاصرين، وتشبثت بها قلة. # لكن الغلبة بلا شك لأساطين العلم الرافضين، وبالطبع ينضم إليهم بوبر، فهو ~~يعتبر الحتمية كابوسا مزعجا ويحمد الله كثيرا لأنه خلص البشرية منها. # 82 ~~(4) وبعد انهيار السببية والاطراد ثم الحتمية، أصبح الاستقراء مبدأ ~~لاعقلانيا، بل ليس بمبدأ البتة، فإذا سئلنا مثلا: لماذا نعتقد أن الشمس ~~سوف تشرق غدا؟ سنجيب: لأنها في الماضي أشرقت كل يوم، وهذا مثل أي تعميم ~~استقرائي ليس له ما يبرره. ~~«إلا أن أحدا قد يقول: لكننا في الواقع نستطيع التنبؤ بالوقت الدقيق ~~الذي سوف تشرق فيه الشمس غدا؛ وذلك بواسطة القوانين الثابتة في الفيزياء ~~كما تنطبق على أحوال مثل تلك التي نعيشها هذه اللحظة، غير أن هذا يمكن الرد ~~عليه مرتين، فأولا حقيقة أننا قد وجدنا أن قانون الفيزياء يصح في الماضي ~~لا يستتبع ذلك منطقيا أن يستمر في الصحة في المستقبل، ثانيا أن قوانين ~~الفيزياء هي نفسها عبارات عامة لا تتضمنها منطقيا ms053 وقائع الملاحظة التي ~~تساندها مهما كثرت وتعددت» ... # 83 # إنها هي نفسها قائمة على أساس الاستقراء الذي جئنا بها لتقيمه، ~~وقد يستمر الجدل والنقاش فندعي أننا نملك السبب الذي يعلل أن المستقبل ~~سوف يماثل الماضي؛ ذلك لأن كل المستقبلات الماضية قد شابهت كل الماضيات ~~الماضية إلا أن الخبرة التي لدينا هي بالمستقبلات الماضية، # 84 # ها نحن ذا ما زلنا نحتاج إلى تعميم أحداث الماضي على المستقبل ~~على أساس الاستقراء، وهذا الدوران المنطقي ينطبق على شق المشكلة الأول ~~الخاص بالسببية، فكلما تكرر توالي «ب» ل «أ» استنتجنا أن «أ» علة ل «ب»، ~~لماذا نعتبر «أ» علة ل «ب»؟ لأن «ب» تتبع «أ » دائما، ولماذا تتبع «ب» «أ» ~~دائما؟ لأن «أ» علة «ب». ~~(5) هكذا تعقدت مشكلة الاستقراء واستعصت على الحل، وهذا رسل يصفها بأنها ~~واحدة من أصعب المشاكل الفلسفية وأكثر إثارة للمناقشة والجدل، # 85 # فقد حيرت الفلاسفة منذ هيوم وحتى الآن، وحين عجزوا عن حلها ~~وقفوا منها عدة مواقف، هاك أمثلة لها: ~~(أ) # المنطق الأرسطي، وقد كان متضمنا لباكورة الاستقراء، قد حل ~~هذه المشكلة بادعاء أن كل استدلال استقرائي يحتوي على مقدمة ~~كبرى عقلية قبلية مؤداها أن الصدفة لا تتكرر دائما ولا حتى ~~كثيرا، ومقدمة صغرى هي «أ» و«ب» اقترنتا في كل الحالات ~~المستقرأة، إذن «أ» علة ضرورية ل «ب». # 86 # وواضح أن هذا لا يحل المشكلة بل يؤكدها، يؤكد وقوعها في ~~الأولية # Apriorism # وما زالت المشكلة قائمة، من أين أتينا بهذه المقدمة ~~الكبرى؟ ~~(ب) # التجريبيون المتطرفون التقليديون قالوا: لا داعي لإثارتها، ~~فالعلم يتقدم سواء حلت هذه المشكلة أم لا، وهم بهذا دعاة ~~لما يمكن أن نسميه باللاعقلانية التجريبية. # إنهم الاستقرائيون المتعصبون تعصبا هو الذي قادهم ~~اللاعقلانية، أبرز ممثليهم في الوقت الحاضر ستراوسون، الذي يرى ~~أن الاستقراء ليس بحاجة إلى تبرير، تماما كما أن الاستنباط ~~ليس بحاجة إلى تبرير؛ لذلك فالاستدلال الاستقرائي صحيح تماما، ~~كما أن الاستدلال الاستنباطي صحيح. # 87 # وقد ذهب الباحث فارهانج ~~تسابيه # Fahrhang Zabeeh # مذهب الفيلسوف ستراوسون، فقد رأى أن ms054 ~~الاستقراء تماما كالاستنباط هو منهج لتبرير المعتقدات، المنهج ~~نفسه لا يمكن أن يبرر، وإن كان من الممكن تحسينه، # 88 # وأكثر من هذا فقد اتخذ تسابيه من رأي بوبر نفسه في ~~خرافية الاستقراء معينا له ... فقد أثبت بوبر أن الباحث يفترض ~~قبل التجريب فرضا، ثم يجرب فقط لكي يمتحنه، فيكون القانون ليس ~~مشتقا من الوقائع المستقرأة، وبالتالي لا استقراء البتة - ~~كما سنرى بالتفصيل - لقد راح تسابيه يناظر هذا الافتراض السابق ~~على التجريب بمقدمات الاستدلال الاستنباطي ... كي يثبت أن مكانة ~~الاستقراء تكافئ منطقيا مكانة الاستنباط، رغم أنه أوضح أن ~~بوبر يقصد بهذا استحالة الاستقراء وخرافيته، بل وأوضح أيضا أن ~~بوبر في هذا الموقف قوي متماسك! # 89 # بالطبع مضاهاة الاستقراء بالاستنباط قول أجوف، وإلا فأين ~~مشكلة الاستقراء التي تكاد تكون الفكرة الفلسفية الوحيدة ~~المقبولة من الجميع، والتي تحكم حكما لا جدال فيه بأن ~~الاستقراء غير ~~صحيح # invalid ~~. ~~(ج) # الاستقرائيون المحدثون، سلموا بمشكلة الاستقراء، فقد أكد ~~رايشنباخ فضل هيوم الكبير على الاستقراء بتأكيده استحالة وضع ~~تبرير حاسم له، # 90 # لكنهم كانوا ليتركوا الاستقراء لو أنهم يبحثون به ~~عن اليقين، لكن طالما أن جميع القوانين العلمية احتمالية، فلا ~~بأس أن يكون أساس الاحتمال ليس ثابتا، أبرز من حاولوا تبرير ~~الاستقراء على أساس الاحتمال كينز # Keynes # وبيرس ورايشنباخ. # 91 # لكن أبسط ما يقال لهم هو قول بوبر: إن الاحتمالية لن تنقذ ~~الاستقراء، فإذا أسندنا درجة الاحتمالية للقضايا القائمة على ~~استدلال استقرائي، فلا بد من تبرير درجة الاحتمالية عن طريق ~~مبدأ استقرائي جديد، وهذا المبدأ الجديد لا بد من تبريره وهكذا ... # 92 # لا نلقى مناصا من الارتداد الذي لا نهاية له ~~والذي يوقعنا فيه الاستقراء، إنهم لم يفعلوا شيئا أكثر من سحب ~~السمة اللاعقلانية من القوانين اليقينية لتغطي أيضا الفروض ~~الاحتمالية، والمحصلة أن العلم، سواء كان يقينا أم ~~احتماليا، هو لاعقلاني. ~~(د) # من المدارس التي استطاعت بحق حل المشكلة: المدرسة الأداتية ~~التي ترى في العلم مجرد نسق منطقي من عبارات هي دالات منطقية؛ ~~لأنها لا تعدو أن ms055 تكون محض أدوات تستنبط منها العبارات التي ~~تعين على فهم العالم وتحقيق الهدف التكنولوجي للعلم. # وبهذا تنتهي مشكلة الاستقراء، فإذا كانت العبارة العلمية ~~دالة وليست إخبارية فإنها لن تكون مجرد حصر لجميع الحالات التي ~~وقعت في الخبرة، فتكون تحصيل حاصل، وهذا خلف لأنه مناقض ~~للطبيعة الإخبارية، ولا هو قياس على الشاهد فتواجهنا مشكلة ~~الاستقراء أن دالة القضية المنطقية تعفي نفسها من اختبار الصدق والكذب # 93 # ومن الاعتماد على الوقائع المستقرأة، الدالة ~~المنطقية مقولة مبهمة غير محددة معفاة من أي قيود سببية أو ~~استقرائية، فهي إذن بلا مشاكل. # هذا موقف متماسك فعلا، لكن المشكلة هي صعوبة التسليم معهم ~~بافتراضهم الأولي من أن العبارات العلمية محض أدوات، فالغالبية ~~العظمى ترى في العلم عبارات تركيبية إخبارية لها محتوى معرفي ~~عن الواقع تعرقله مشكلة الاستقراء. ~~(ه) # والجدير بالذكر حقا أن الوضعية المنطقية اضطرت إلى ~~الالتجاء لهذا الملجأ الأدائي لكن فقط بالنسبة للقوانين ~~الكلية، فاعتبروها محض قواعد أو أدوات للاستدلال على العبارات الجزئية # 94 # الإخبارية، فهي بغير محتوى معرفي تقيم حوله دلالته ~~الإخبارية مشاكل استقرائية، بالطبع الرد عليهم نفس الرد ~~السابق. ~~(و) # أما البراجماتيون فقد قالوا: ليكن الاستقراء مجرد عادة كما ~~قال هيوم، إلا أنها ليست عادة مرذولة، بل هي عادة حسنة تفضي ~~بنا إلى حصاد هائل، فلماذا لا نبقي عليها طالما أنها مفيدة، ~~وقد وقف بجانب البراجماتيين رايشنباخ، فهو استقرائي متطرف، ~~يحاول تبرير الاستقراء بكل الطرق، و«على أساس أنه أفضل الوسائل ~~للوصول إلى معرفة عن الطبيعة، هذا الموقف مقبول على نطاق واسع ~~إلا أنه بالطبع غير حاسم.» # 95 # فهو لم يفعل من تبرير اللاعقلانية بأنها مفيدة، ~~والمنطق ليس مرابيا يتغاضى عن حقوقه نظير الفائدة ~~المادية. # وبالإضافة لهذه المدارس فهناك فلاسفة آخرون حاولوا أيضا حل ~~المشكلة بصورة مستقلة. ~~(ز) # المنطقي المعاصر وليام ~~نيل # William Kneale ~~، حلها بالتمييز بين أربعة أنواع من الاستقراء: # الاستقراء التلخيصي، وهو الذي سماه أرسطو ~~بالاستقراء التام، وهو مجرد عملية حصر ~~الوقائع. # الاستقراء الحدسي، أو التجريبي، وهو موضع ~~المشكلة، فهو إقامة مبدأ ms056 كلي عام اعتمادا على حالات محددة، # 96 # وقد اعترف نيل بأننا لن نستطيع تبرير ~~الاستقراء على أساس احتمالية نتائجه ولا على أساس ~~صدقها، فلا صدق الآن، ولكن يمكن تبريره فقط بالنظر ~~إليه على أنه خطة معقولة ~~( Policy ~~) على أنه ~~النهج الوحيد الذي يوصلنا إلى تنبؤات صحيحة صادقة ~~صدق مؤقت، أي معرض للمراجعة والحساب في المستقبل، # 97 # ومن هذا المنظور ينبغي التمييز بين ~~نوعين من الاستقراء: # الاستقراء الأولي Primary Induction ~~، ينصب على اكتشاف ~~القوانين المعبرة عن اطرادات موجودة في الطبيعة، كما ~~اتفقنا في الخطة الاستقرائية، واستمرارنا فيها يكون ~~من أجل الحصول على بينات مخالفة # Counter-Evidence ~~، ~~ليمكن رفض الفروض الخاطئة، ولا يبقى في النهاية إلا ~~أرسخ الفروض. # الاستقراء الثانوي # Secondary-Induction ~~، يهتم بالنظريات ~~الكلية التي هي مجموعة من القوانين المترابطة؛ أي ~~بالفروض الصورية ذات الطابع التفسيري الذي ينطوي على ~~تبسيطات فتكون النظرية تقترح علينا موضوعات نبحثها ~~بالاستقراء الأولي. # 98 # والحق أن هذه محاولة جادة من نيل للإبقاء على كيان عزيز ~~وغال يسمونه الاستقراء، لكنها لا تعدو الإقرار الواقعي الصريح ~~باحتمال إتيان الخطأ في غضون المستقبل، حتى لا يتسرب خفية، ~~فيمثل مشكلة الاستقراء التي لا تحل أبدا. ~~(ح) # من قبل نيل كان فيلسوف العلم الكبير وايتهد استطاع أن يحل ~~المشكلة على أساس نظريته الشهيرة: النظرة العضوية للطبيعة، ~~التي ترفض النظر إلى الطبيعة على أنها واقعة سكونية آلية، بل ~~تنسب إليها نوعا من الحياة وتراها مترابطة # 99 # ارتباط التعضون، بواسطة العلاقات الداخلية التي ~~يمكنها أن تبرر الاستقراء، فالارتباط الداخلي بين الحوادث يجعل ~~إدراكنا الحسي للحوادث كافيا لاستبصار ما بينها من علاقات ~~سببية ضرورية، # 100 # وقد أوضح وايتهد أولا أنه يختلف مع هيوم في أن ~~الأمثلة متشابهة لا تنطوي أي منها على أكثر مما في بقيتها من ~~مضمون، كلا هذه الأمثلة ليست بهذه البساطة المتناهية والانفصال ~~عن بعضها كما اعتقد هيوم، وحينئذ نكون مضطرين بالفعل إلى ~~ضرورة عقلية للربط بينها؛ فالتحليل في حد ذاته ضروري للفهم، ~~ولكن الوقوف عند نهاياته والزعم بأنها تمثل الحقيقة هو جريمة ms057 ~~في حق الطبيعة العضوية، فالأمثلة الجزئية هي الحوادث وهي ليست ~~مفككة، بل يمتد بعضها فوق البعض الآخر في متواليات تزداد ~~تركيبا وعينية، ومغزاها وضرورتها لا يتضمان إلا في تلاحمها ~~على هذا النحو، بحيث نعطي لأنفسنا الحق في التنبؤ بما سيكون ~~قياسا لما كان، وتستطيع الفلسفة أن تهدأ بالا من مشكلة ~~الاستقراء التي أرقتها زمنا طويلا. # 101 # الآن هذا قول لا بأس به، ولكن عضوية الطبيعة وعلاقاتها ~~الداخلية محض افتراض ميتافيزيقي ليس لوايتهد أن يلزمنا به، ~~والحق أنه في حد ذاته ليس مقنعا، فكيف نقيم أساس العلم؛ منطقه ~~ومنهجه على افتراضات ميتافيزيقية، يمكن أن نقول عنها: إنها ~~ذاتية، أساس العلم يجب أن يكون مثله موضوعيا ثابتا. ~~(ط) # فتجنشتين حاول هو الآخر تبرير الاستقراء تبريرا سيكولوجيا ~~فقال: إن العملية على أية حال ليس لها أساس منطقي ولكن لها ~~أساسا سيكولوجيا، فمن الواضح أننا لا نجد أساسا للاعتقاد ~~بأن أبسط تسلسل للأحداث يصلح للاعتماد عليه، # 102 # لكننا مدفوعون سيكولوجيا إلى هذا، من الواضح أن ~~فتجنشتين أكد خطورة المشكلة، كيف نسمح بإقحام دوافع سيكولوجية ~~في منطق العلم. ~~(ي) # النظرة الشاملة لكل هذه المواقف، تجعلنا نقول قول جيرولد ~~كاتز من أن طرق الإحاطة بمشكلة الاستقراء ثلاثة: # محاولة وضع تبرير للاستقراء، ولكن هذا ~~مستحيل. # محاولة توضيح أن الاستقراء غير ذي مشكلة حقيقية، ~~وأن المشكلة تقوم على خلل في استعمال المفاهيم، ~~فالخطأ هو محاولة البحث عن تبرير للاستقراء. # أن يوضح الباحث استحالة الانتهاء إلى أي تبرير ~~للاستقراء، كما فعل كاتز الذي راح في فصل مسبب يوضح ~~هذا، ويوضح أن أي تبرير كان لأي شيء كان لا بد وأن ~~يقود إلى ارتداد لا نهاية له؛ # 103 # لذلك فقد حل المشكلة عن طريق إثبات أن ~~الحل الموجب لها مستحيل منطقيا، ويمكن الحل فقط ~~بالأخذ بجوانب الاحتمال والبساطة وما إليها؛ لذلك ~~كان حله - كما يقول هو - حلا سالبا لا بد وأن ~~يلزم عنه المشكلة الملحة، وهي أن الاستقرار طالما ~~بغير تبرير، سيبدو التميز والفصل بين الاستدلال ~~السليم والاستدلال غير ~~السليم ms058 # invalid ~~، أيضا غير ممكن. # 104 # لم يفعل كاتز في النهاية أكثر من تأكيد استحالة حل ~~المشكلة. ~~(ك) # وأخيرا فإن الموقف السليم هو - وهو فقط - موقف التجديديين ~~الذين يرون أن الثقة قد سحبت من الاستقراء، فهو لا يصلح ~~إطلاقا مبدأ للعلم، وألحوا على ضرورة البحث عن مبدأ جديد، ~~وأقوى من تبني هذه الدعوى إيجابيا هو كارل بوبر، كما سيثبت ~~في غضون هذا الباب. ~~(6) لكن حتى الآن بدا الحل شبه مستحيل، وأصبحت القوانين العلمية تفتقر ~~شديد الافتقار إلى الأسس العقلانية المطمئنة، فما لها من هذه الأسس شيء، لا ~~في المنطق ولا في الخبرة، طالما أن أي قانون علمي - وهو عام عمومية غير ~~مقيدة، يتجاوز كليهما، # 105 # وفي هذا الشأن قال وايتهد: إن الموضة المستحدثة في العلم منذ ~~وقت هيوم قد أصبحت إنكار عقلانية العلم؛ # 106 # لذلك فهو يسمي المشكلة يأس الفلسفة # Despair of Philasophy ~~، كما يسميها ~~برود # C. D. Broad ~~، فضيحة الفلسفة # Scandal of Philasophy ~~، # 107 # فيا لها من مشكلة خطيرة أن يصبح العلم التجريبي بجلال قدره ~~مزعزعا، وأن المشكلة أشمل من العلم التجريبي، فهي تصدع في بناء المعرفة ~~بالعالم بأسرها، والمفروض أنها أوثق المعارف، مما يؤكد ذلك «أن كلمة ~~الاستقراء التي يستخدمها بيكون ولوك، لم تظهر في نصوص هيوم إلا عن طريق ~~التصادف، وبدلا من الاستقراء كان هيوم يستخدم اصطلاح استدلال # Inference # أو الحجج المحتلة Probable Arguments # أو التعقل من الخبرة # Reason from Experience ~~، وقد ~~ركز هذه المصطلحات في إصلاح الدليل ~~البين # Demonstrative # أو الحجج ~~الاستنباطية # Deduetio Arguments ~~.» # 108 # والدلالة الفيلولوجية والفلسفية لكل؛ لذا هي شمولية المشكلة ~~وخطورتها على معرفتنا بالعالم بأسرها، لقد أصبح على الجميع - سواء رضوا أو ~~أبوا - أن يعترفوا بأن القوانين العلمية تفتقر إلى البرهان المثبت، مهما ~~كان عدد الحالات التي تؤيدها، وهذا الانهيار المريع في بناء المعرفة حول ~~الكثير من الفلاسفة التجريبيين إلى شكاك أو لاعقلانيين أو متصوفة، وقاد ~~البعض إلى الدين، # 109 # فلا عجب إذن أن يدين رسل هيوم بأنه المسئول عن الشيزوفرينيا ~~(انفصام الشخصية) التي ms059 أصابت التجريبيين والعلميين وعن اللاعقلانية التي ~~أصابت الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، وفي هذا كتب رسل يقول: # لقد أثبت هيوم أن التجريبية المحضة لا تشكل أساسا كافيا للعلم، لكن ~~إذا سلمنا بهذه القاعدة الوحيدة - أي الاستقراء - فأي شيء بعد ذلك يتلاءم ~~مع النظرية القائلة: إن كل معرفتنا قائمة على التجربة. ويجب التسليم بأن ~~هذا افتراق خطير عن التجريبية المحضة، فقد يتساءل بعض التجريبيين: لماذا ~~نسمح بالخروج عن نطاق التجربة في هذه النقطة بالذات ونمنع في غيرها، وهذه ~~على أية حال تساؤلات لا تثيرها مناقشات هيوم بصورة مباشرة، ولكن ما تثبته ~~هذه المناقشات - ولا أعتقد أن هذه الحجة يمكن معارضتها - هو أن الاستقراء ~~كقاعدة منطقية مستقلة، لا يمكن أن نستدل عليها من التجربة ولا من قواعد ~~منطقية أخرى، إنه بغير هذه القاعدة يصبح العلم مستحيلا. # 110 ~~(7) هذا هو الاستقراء، الذي سيطر على الأذهان كمعيار للعلم، وتلك هي ~~مشكلته ومدى خطورتها على البنيان المعرفي، فماذا فعل كارل بوبر بإزاء كل ~~هذا؟ ~~(6) موقف بوبر ~~«وكان المقصود بكتابة «منطق الكشف العلمي» أن يمدنا بنظرية المعرفة وفي نفس الوقت ~~يبحث في المنهج؛ منهج العلم، وكان هذا الربط ممكنا لأني أنظر إلى المعرفة ~~الإنسانية بوصفها مكونة من نظرياتنا وفروضنا، والمعرفة بهذا المعنى موضوعية، وهي ~~فرضية أو افتراضية حدسية. # 111 # هذه الطريقة في النظر إلى المعرفة، مكنتني من إعادة صياغة مشكلة هيوم في ~~الاستقراء. # بهذه الصورة الجديدة أصبحت المشكلة قابلة للحل، وهذا الحل أعطانا نظرية جديدة ~~في منهج العلم.» # 112 ~~(1) الفلسفة هي البحث في الأسس النظرية العميقة التي تكمن خلف موضوع البحث، فتكون ~~فلسفة العلم هي البحث في الأسس المنطقية للعلم كما هو معروف، ولما كان العلم هو ~~أنساق من النظريات كانت فلسفته التي هي منطقه؛ نظرية في هذه النظريات، والمشكلة ~~المطروحة هنا هي: نظرية تميزها عن غيرها من الأنساق قد تختلط بها. # ولكن هل تكون المعرفة العلمية متبوئة عرش السيادة، وجديرة بالعناية الدقيقة ~~بتميزها، بعد أن رأينا هيوم يصفها باللاعقلانية، واهتراء الأساس والافتقار إلى ~~المبررات ms060 المنطقية وما إليه، بحيث إن من يعتبر عقله يرفض التسليم بها بوصفها معرفة ~~على الإطلاق، فضلا عن أن تكون في طليعة المسيرة المعرفية. ~~(2) إن بوبر فيلسوف العلم الأول، وأحد العوامل التي خولت له هذه الأولوية هي ~~حله لمشكلة الاستقراء وإخراجه منطقا عقلانيا راسخا للعلم، فيكون محقا في ~~اعتباره المعرفة العلمية أرفع ضروب المعرفة وأكثرها تقدما ونجاحا، وأقدرها على حل ~~المشاكل، وبالتالي من الضروري تمييزها عن غيرها من المعارف؛ إذ إنها جميعا ~~موضوعية. # والأهم أن هذا الحل يمثل الوجهة المنطقية لضرورة حذف الخرافة الاستقرائية، فنرى ~~أمامنا المنهج الحقيقي للعلم، وهذا من شأنه أن يعود بنا إلى لب المشكلة المطروحة في ~~هذا الباب، الفصل في الزعم الشائع من أن الاستقراء هو المعيار الذي يميز ~~العلم. ~~(3) لكن كيف نعرض كل هذه الأفكار المتداخلة المتشابكة عرضا منهجيا منسقا؟ ~~الواقع أن الفقرات المقتبسة المستهل بها، توفر الكثير من عناء المحاولة لاستيضاح ~~الطريق. # فإننا إذ نعرض لنظرية بوبر في موضوعية المعرفة التي تحررها من أي بعد ذاتي، ~~وتجعلها نسقا من العبارات المحكومة بالعلاقات المنطقية، الخاضعة للمناقشة النقدية، ~~سنجدها تقودنا إلى إعادة صياغة مشكلة هيوم، صياغة تجعلها موضوعية، فلا تعود مشكلة ~~لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل مشكلة العبارات الكلية أو النظريات، وكيف ~~يمكن قبولها أو رفضها على أسس منطقية عقلانية، وعن طريق هذه الصياغة، تمكن بوبر ~~من حل المشكلة، وحينما حلت وجدنا أمامنا منهجا جديدا سليما للعلم لا أثر ~~لاستقراء فيه البتة، أي سار بوبر على النهج التالي: نظرية في موضوعية المعرفة # إعادة صياغة مشكلة الاستقراء وحلها # علم بلا استقراء البتة # منهج جديد للعلم. ~~(4) على هذا نخصص الفصل الثاني من هذا الباب؛ لعرض نظرية بوبر في أن «المعرفة ~~موضوعية»، وفي الفصل الثالث تستغل هذه النظرية في «حل مشكلة الاستقراء»، وحينما ~~تحل لن نجد مناصا من اعتبار «الاستقراء خرافة»، ولكننا رأيناه في الفصل الأول ~~وثنا أعظم، تفانى في عبادته العلماء وفلاسفة العلم، على هذا نخصص الفصل الرابع ~~لتأكيد أن الاستقراء محض خرافة، ولكن ما هو المنهج العلمي إذن؟ ms061 موضوع الفصل الخامس ~~هو: «منهج العلم»، وفي نهاية هذا الباب فصل سادس لتقييم كل هذا تقييما نقديا، ~~نناقش بوبر لنرى ما له وما عليه وإلى أي حد يؤدي كل ما سلف إلى حل المشكلة المطروحة ~~للبحث: كيف يمكن تمييز المعرفة العلمية؟ # الفصل الثاني # | المعرفة موضوعية # مقدمة ~~(1) لا يجوز لرسالة في الفلسفة أن تمر دون التعرض لنظرية المعرفة، فهي أخص خصائص ~~البحث الفلسفي عامة، فما بالنا بفلسفة العلم خاصة، أي فلسفة المعرفة في أرفع صورها ~~وأكثرها تقدما ونجاحا، وبوبر بالذات فيلسوف معرفي قبل كل شيء، همه الأول: تقدم ~~المعرفة ونموها؛ المعرفة الموضوعية. ~~(2) وحين تكتمل الصورة لفلسفة بوبر العلمية، من خلال البحث في تمييزه للمعرفة ~~العلمية، سيتضح كيف أن سائر فلسفته تترتب على نظريته في موضوعية المعرفة، فما يدخل ~~تحت نطاق هذه النظرية عناصر شتى تشكل الأطر العامة لفلسفته؛ لأنها ترسي الأسس ~~الإبستمولوجية لفلسفة في العلم، فضلا عن أن حل مشكلة الاستقراء يأتي كنتيجة مباشرة ~~لها. # لهذا يبدو من الملائم تماما استهلال الحديث عن فلسفة بوبر بعرض نظريته أو ~~نظرياته في موضوعية المعرفة، التي بلغ اعتزازه بها أن يجعلها عنوانا لأحد ~~كتبه. ~~(1) الموضوعية البوبرية مقابل الذاتية التقليدية ~~(1) يميز بوبر بين مغزيين لمعنى كلمة «معرفة»: # المعرفة بالمغزى الذاتي: # الذي يتكون من حالة العقل أو الشعور أو النزوع إلى تصرف أو ~~ممارسة رد فعل، المعرفة هنا هي اعتقادات الذات، ما تراه وتقره أو ~~تنكره، ولكن حينما أقول: أنا أعرف، فهذا يعني أنني أعتقد، بهذا ~~المعنى يستحيل أن أكون مخطئا، طالما أنني فعلا أعتقد، ولكن لا ~~معرفة بغير احتمال دائم للخطأ. # إذن بهذا المغزى الذاتي لا يمكن أن نعرف، ولا يسمى محتوى البحث ~~هنا معرفة بالمفهوم الإبستمولوجي. إنها تتكون من اعتقادات في ~~أشياء معينة، فتجعل معرفتي متكونة من نزوعاتي ومعرفتك من نزوعاتك ... وهكذا، # 1 # وبوبر يرى أن المعرفة بهذا المغزى من اختصاص علم ~~النفس. # المعرفة بالمغزى الموضوعي: # التي تتكون من الأفكار العلمية والفلسفية ومخزونات الكتب والعقول ~~الإلكترونية، أي كل النظريات المصاغة لغويا، وبوبر يراها موضوعية ms062 ~~لدرجة الاستقلال التام عن أي شخص يعرف أو يعتقد، فهي معرفة بغير ~~ذات عارفة، # 2 # وهذه هي البحوث الملائمة للإبستمولوجيا، فتدرس محتواها ~~المعرفي وعلاقاتها المنطقية، أي المشاكل ومواقف المشاكل ولا تدرس ~~البتة اعتقادات، فالعالم لا يدعي أن افتراضه صادق أو أنه يعتقد ~~فيه أو يعرفه، كل ما يفعله هو أن يطرحه في العالم الموضوعي، فتدرسه ~~الإبستمولوجيا، وتقنن مدى قدرته على إعطاء قوة شارحة وعلى حل ~~المشكلة المطروحة، وتقارن بينه وبين الفروض الأخرى ... إلخ. # باختصار، مجال الإبستمولوجيا يقتصر على الموضوع القابل للنقد، ويقطع كل صلة بينه ~~وبين الذوات. ~~(2) والفارق بين مغزيي المعرفة كبير، رغم أنه قصير المدى، فنظرية نيوتن كما هي ~~مطروحة في العلم من أوضح الأمثلة على المعرفة الموضوعية، أما نزوع نيوتن نحو كتابة ~~نظريته أو مناقشاتها فهو مثال للمعرفة الذاتية، اللحظة التي كتب فيها نيوتن نظريته، ~~لحظة الصياغة اللغوية هي حد الفصل الذي نقلها من بحوث علم النفس إلى بحوث ~~الإبستمولوجيا الموضوعية والمنطق. # أما الذي جعل بوبر يخول كل هذا العبء على الصياغة اللغوية للنظرية؛ فذلك لأنها ~~تجعلها قابلة للنقاش والتداول بين الذوات، فتكون قابلة للنقد، قبل ذلك كانت جزءا ~~من حياة نيوتن النفسية، فلا يمكن أن ننقدها كما ننقد نظرية مطروحة في تقرير مكتوب، ~~إذن القابلية للنقد هي التي تميز المعرفة الموضوعية عن المعرفة الذاتية. # النقد دائما حجر الزاوية من كل فكرة بوبرية. ~~(3) غير أن ثمة ملاحظة يبديها بوبر بأسف، وهي أنه طوال الإبستمولوجيا التقليدية ~~منذ أرسطو حتى ديكارت، مرورا بهوبز ولوك ثم باركلي وهيوم # 3 # حتى كانط، وصولا إلى رسل وفريجه، والإبستمولوجيا تتردى في خطأ عظيم؛ ~~إذ اعتبرت بحوثا في المعرفة التي تؤول على أنها علاقة تربط عقولنا الذاتية ~~بموضوعات المعرفة أسماها رسل الاعتقاد # Belief # أو ~~الحكم # Judgement ~~، # 4 # والعلم مجرد نوعية خاصة آمنة للمعتقدات، أي دارت في متاهات ذاتية حول ~~اعتقادات الذوات وأسسها وأصولها، في بحوث أنسب لعلم النفس منها للمنطق. ~~(4) ويرجع بوبر هذا الخطأ إلى الحس المشترك، فرغم أن بوبر على إعجاب به لأنه ~~يمارس ms063 النقد الذاتي ولأنه واقعي، ويعتبره نقطة البدء في المعرفة، شريطة تعريضه ~~للمناقشة النقدية، إلا أنه يرى في نظريته المعرفية - وهي حسية محضة # 5 ~~⋆ ~~- ~~غلطة ذاتية # Subjective Blunder # جعلت ~~الإبستمولوجيا تنحرف عن جادة الطريق الموضوعي. ~~(5) لذلك يكثف بوبر جهوده ليستأصل هذا الخطأ، ويؤكد أن الإبستمولوجيا بهذه ~~الصورة غير ملائمة # irrelevant ~~، فالمباحث التي تدور ~~حول اعتقادات الذوات لا تساوي مثقال ذرة في عالم المعرفة العلمية؛ لأن المعرفة بكل ~~ضروبها طالما صيغت في لغة فهي موضوعية وهذه الموضوعية تنسحب على العلم، فسواء ~~اعتبرناه إبستمولوجيا متقدمة، أو ظاهرة اجتماعية أو بيولوجية، أو مجرد أداة معرفية، ~~أو حتى وسيلة من وسائل الإنتاج الصناعي، # 6 # فهو بناء موضوعي مجرد عن معرفة الذوات، على هذا يقول بوبر إنه ينتهك ~~هذا التقليد الذي يمكن تتبعه إلى أرسطو، ويحاول أن يضع مكانه نظرية ملائمة في ~~المعرفة تجعلها موضوعية، وبوبر يدرك أن هذه دعوى جريئة ولكنه لا يعتذر عنها. # 7 ~~(6) غير أن هذه الذاتية واسعة الاستشراء، إذ وصلت حتى المنطق فيما يعرف ~~بالمنطق المعرفي ~~الحديث # Modern Epistemic Logic # وحساب الاحتمال، بل ونظريات العلوم الفيزيائية. ~~(أ) فالمنطق المعرفي الحديث يتعامل مع صياغات مثل ««أ» يعرف «ب»» أو ««أ» يعتقد أن «ب»» ~~أي مع حالات معرفية أو اعتقادية، أي حالات ذاتية لا علاقة لها بالمعرفة العلمية ~~فالعالم لا يعرف ولا هو يعتقد في بحثه العلمي. # ويرمز بوبر للعالم بالرمز «ل»، ويعطينا قائمة بما يفعله: ~~«ل» يحاول أن يفهم «ب». ~~«ل» يحاول أن يفكر في بديل ل «ب». ~~«ل» يحاول أن يفكر في نقد ل «ب». ~~«ل» يحاول إجراء اختبار تجريبي ل «ب». ~~«ل» يحاول وضع نسق بديهيات ل «ب». ~~«ل» يحاول أن يشتق النتائج من «ب». ~~«ل» يحاول أن يثبت أن «ب» غير قابلة للاشتقاق من «ك». ~~«ل» يقترح أن المشكلة الجديدة «س» تنشأ من «ب». ~~«ل» يقترح حلا جديدا للمشكلة «س» التي تنشأ عن «ب». ~~«ل» ينتقد حله الأخير للمشكلة «س». # 8 # يمكن أن تطول القائمة، لكنها لا يمكن أن تحوي ms064 عبارات مثل ««ل» يعرف «ب»» أو ««ل» يعتقد ~~في «ب»» أو حتى ««ل» يعتقد في خطأ «ب»» أو ««ل» يشك في «ب»»، فنحن، ذوي المطلب الموضوعي، لا ~~نعنى بالشك أو الاعتقاد في الخطأ؛ لذلك لا بد من رفض هذا والأخذ بمنطق موضوعي ~~يقتصر على المحتوى المعرفي. ~~(ب) في حساب الاحتمال حصن النزعة الذاتية، فمن أسسه التفرقة بين الاحتمال ~~الموضوعي والاحتمال الذاتي الذي يؤول درجة الاحتمالية كدرجة لعقلانية المعتقد، # 9 # أو كحساب للجهل وعدم تأكد الذات من المعرفة، ويمكن توضيح الفرق بين ~~الاحتمالين على هذا النحو: في حالة رمي قطعة النقود رمية واحدة فإن احتمال ظهور أحد ~~الوجهين 1 / 2 أي 50٪، على افتراض أن قطعة النقود كاملة التوازن وأن الرامي غير ~~متحيز، وبالمثل احتمال ظهور رقم 6 في حالة رمي الزهر: # لكن الغريب أن الكثيرين يعولون الأهمية على الحساب الذاتي للاحتمال، حينما لا ~~يكون في الاستطاعة تعيينه كما في المثال السابق، مثلا: حين يريد مدير مؤسسة اختيار ~~مشروع فسيأخذ في اعتباره الحالة الاقتصادية للبلد في الخمس سنوات المقبلة، لكن ~~تحديدها مستحيل، فقط يعتمد على التقدير والخبرة الشخصية؛ لذلك يعتمد الاحتمال هنا ~~على رأي متخذ القرار، وليس من السهل أن تجمع عليه الآراء كما تجمع على أن ~~احتمال ظهور أحد الوجهين 1 / 2، # 10 # الاحتمال الذاتي يكون حينا لا تتيسر العوامل الموضوعية التي تعين ~~الاحتمال، فيصبح للذات المحتملة دور كبير. # وقد حاربه بوبر لأنه ينشأ من الإبستمولوجيا الذاتية التي تعزو إلى العبارة: «أنا ~~أعرف أن الثلج أبيض.» مكانة أعظم من مكانة العبارة «إن الثلج أبيض.» أي التي تنسب ~~إلى ما تعرفه الذات مكانة إبستمولوجية أعظم من التقرير الموضوعي. # أما بوبر فينسب المكانة الإبستمولوجية الأعظم للعبارة «على ضوء جميع الأدلة ~~المتاحة لي فأنا أعتقد أن الثلج أبيض.» # 11 # أي حتى الاعتقاد الذاتي نعامله على أساس أدلته الموضوعية، والمثل نفعله ~~مع الاحتمال: حينما يتعذر تحديده، نعامله على أساس الأدلة الموضوعية التي تأدت ~~بالذات إلى وضع هذا الاحتمال. ~~(ج) وقد عرفت النزعة الذاتية طريقها إلى الفيزياء ms065 منذ عام 1926م، وكان أول اقتحام ~~لها في مجال ميكانيكا الكوانتم، وكان موقفها قويا ثم أدخلها ليو سيزيلارد # Leo Szilard # إلى الميكانيكا الإحصائية، # 12 # حيث نجد نظرية واسعة القبول مؤداها أن إنتروبي # Entropy # النسق يتزايد بنقص معلوماتنا عنه، والعكس صحيح، فهو ينقص ~~بتزايدها، والإنتروبي هو كمية تقدم - في المقام الأول - لتسهيل الحساب ولتعطي ~~تعبيرا واضحا لنتائج الديناميكا الحرارية، أما إنتروبي النسق فهو قياس درجة ~~اضطرابه # disorder ~~، والإنتروبي الكلي لأي نسق ~~منفصل لا ينقص أبدا في أي تغيير، فهو إما يتزايد بعملية غير قابلة للاسترجاع # irreversible process # أو يظل ~~ثابتا بعملية قابلة للاسترجاع؛ لذلك يتزايد الإنتروبي الكلي للكون متجها نحو حد ~~أقصى يناظر اضطرابا تاما للجزئيات فيه، # 13 # وتبعا لنظرية سزيلارد الذاتية نجد تناسبا عكسيا بين الإنتروبي وبين ~~معلوماتنا؛ لهذا فأي كسب للمعرفة يجب تأويله على أنه نقص في الإنتروبي. # وكان لهذه النظرية ثقل كبير، لا سيما على ذوي النزعة الذاتية في الاحتمال؛ إذ ~~يمكنهم جعل درجة احتمالية النسق مسايرة للإنتروبي فيه، وبناء على هذا: # المعلومة = عدم الإنتروبي: # negentropy ~~= # information ~~. # الإنتروبي = نقص في المعلومات = عدم العلم. # 14 ~~⋆ # هذه المعادلات تؤخذ على حذر، فكل ما توضحه هو إمكانية قياس الإنتروبي ونقص ~~المعلومات بواسطة الاحتمالية، أو تأويلها كاحتماليات، فالمعادلات لم توضح أن ~~الإنتروبي هو ذاته نفس الاحتمالية التي نعزوها للنسق. # وقد أخرج بوبر بحوثا في الفيزياء البحتة - على مدى عشرين عاما - لدحض هذه ~~النظرية الذاتية، وتناول نظرية سزيلارد في نقد يوضح مدى قصورها، فالإنتروبي نعامله ~~فقط على أساس العوامل الموضوعية المختصة بالنسق ومواضع جزئياته، ولا نأخذ في ~~الاعتبار عنصرا ذاتيا مثل كمية معلومات العالم عنه. # 15 ~~(7) وليس يصعب تبيان أن تلك التفسيرات الذاتية في الاحتمال والفيزياء إنما تتسق ~~مع العلم في مرحلته النيوتونية السابقة، وأن رؤية بوبر هي المتسقة مع العلم الذري ~~المعاصر، على # 16 ~~⋆ # أية حال كان هذا ليوضح أن دعوى بوبر بموضوعية المعرفة، دفعته إلى حرب على مدى جبهات ~~عريضة، وليوضح أيضا أنها نظرية شاملة متماسكة. ~~(2) نظرية الصدق ~~(1) وفي إطار موضوعية ms066 المعرفة تبرز مشكلة الصدق # Truth ~~، فالصدق له دور أساسي؛ لأن بوبر يرى للنظرية العلمية دلالة ~~إخبارية، فلا بد من الحكم عليها تبعا لصدق هذا الخبر أو كذبه، وهو يقول: إن «وظيفة ~~العلم هي البحث الدءوب عن الصدق والحقيقة طالما أن هدفه إعطاء شرح مرض لهذا العالم» # 17 # لذلك يجعل من الكذب - اللاصدق - العمود الفقري لمنطق العلم. # على وجه الدقة، يلعب الصدق دور المبدأ ~~التنظيمي # Regulative Principle # الذي يحكم شتى الجهود المعرفية بوصفه الغاية المرومة ~~بعيدة التحقيق. # وأفضل مثال يوضح دوره هو تشبيهه بقمة جبل عادة ما تكون مغلفة بالحسب، ومن يحاول ~~تسلق هذا الجبل ستواجهه صعوبات جمة، ليس فحسب في الوصول إلى القمة، بل لأنه قد لا ~~يعرف حين يصل إليها أنه وصل إليها فعلا؛ فقد يعجز عن التمييز وسط أطياف السحب بين ~~ذروة الجبال الحقيقية وبين القمم الثانوية، غير أن هذا لا يؤثر على الوجود الموضوعي ~~لذروة الجبل الحقيقية، وإذا قال المتسلق: «أنا أشك فيما إذا كنت قد وصلت إلى الذروة ~~الحقيقية.» فإنه يتعرف ضمنا على الوجود الموضوعي للذروة؛ # 18 # لذلك فإن استحالة اعتبار النظرية العلمية مطلقة، تمثل اعترافا ضمنيا ~~بالوجود الواقعي للصدق الموضوعي، والذي نفشل في الوصول إليه، رغم أن العلم يتقدم ~~دوما نحوه، فكما يوضح المثال، إثبات اليقين مستحيل. ~~(2) وإذا كان الصدق يلعب هذا الدور، فما هو معياره؟ في هذا يتخذ بوبر الموقف ~~الشائع، أي نظرية التناظر # Corresponding # في الصدق، ~~لكنه يركز على الفضل الكبير للمنطقي البولندي ألفرد تارسكي # Alfred Tarski ~~، فيعترف أنه ظل أمدا طويلا يتجنب قدر الإمكان ~~استعمال مفهوم الصدق حتى تسلح بإخراج تارسكي الأمثل لنظرية التناظر والتي كانت ~~محل ارتياب. # 19 # وقد عاب آير على بوبر هذا واعتبره ثغرة في الأمانة العلمية تشين أبحاث بوبر ~~المبكرة، فكيف يعمل بغير مفهوم الصدق فقط؛ لأنه يخشى منه وليس لأنه في غير حاجة إليه. # 20 # على العموم بوبر يعفي نفسه من حل مشكلة الصدق، ويكتفي بالتسليم بنظرية تارسكي، ~~فما هي هذه النظرية؟ # أفضل شرح لها يتم بواسطة ms067 هاتين الصياغتين: # العبارة أو التقرير: «الثلج الأبيض» تناظر الواقع إذا - وفقط إذا - ~~ما كان الثلج فعلا أبيض. # العبارة أو التقرير: «النجيل أحمر» تناظر الواقع إذا - وفقط إذا - ما ~~كان النجيل فعلا أحمر، هاتان الصياغتان معروفتان، وكشف تارسكي يكمن في ~~توضيحه أنهما تنتميان للغة البعدية أو الشارحة # Metalanguage ~~، فاللغة الشيئية أو الموضوعية تتعلق ~~بالوقائع فتتناول مباشرة موضوعات البحث وأشياءه، وهي لغة العلم، أما ~~اللغة البعدية فلا علاقة لها بالوقائع والأشياء، إنما تأتي بعد اللغة ~~الشيئية لتشرح هذه اللغة وتبحث فيها، إنها أحاديث فلسفة العلم. # وكان توضيح تارسكي أن العبارات التي تشرح نظرية التناظر نفسها من اللغة البعدية، ~~مما يجعلها من مستوى منطقي مخالف لمستوى القضايا ذاتها التي نحاول أن نعرف ما إذا ~~كانت متناظرة؛ أي صادقة، أم لا، والتي هي من اللغة الشيئية، وهذا التوضيح أعظم ~~إنجاز منطقي يظفر به مفهوم الصدق؛ لأنه بدونه سيقع أي حكم بالصدق في تناقضات ~~ودورانات، تماما مثل قول إبمنديز الأقريطي: «كل الأقريطيين كذابون.» وطالما هو ~~أقريطي كان هو الآخر كاذبا، ويصبح القول: «كل الأقريطيين كذابون.» كاذبا، أي إنهم ~~صادقون ولما كان إبمنديز أقريطيا كان صادقا، وكان قوله: «كل الأقريطيين كذابون.» ~~صادقا؛ وبالتالي يكون هو الآخر كاذبا ... وهكذا، وكانت هذه إحدى المشاكل المستعصية، ~~والتي حلها رسل بنظريته في الأنماط ~~المنطقية # Logical Types ~~، ومفادها أن أقوال الأقريطيين من مستوى أقل عمومية من ~~قول إبمنديز ؛ لذلك فكل منهما له نمط منطقي خاص به، وما يصح على هذا لا يصح على ذاك، ~~وعلى ذلك، لا يمكننا أن ننسب خاصية للقضايا بوجه عام بل فقط لقضايا من مستوى معين، # 21 # ومن هنا تنحل المفارقة؛ لنحكم بأن إبمنديز صادق وأن كل الأقريطيين ~~كذابون، ولهذه النظرية نتائج جمة في فلسفة الرياضة البحتة. # وقد فعل تارسكي بشأن نظرية التناظر مثل هذا، فكيف نجعل العبارة: «العبارة «س هي ~~ص» عبارة صادقة» محكا للعبارة «س هي ص» وكلتاهما عبارة، هذا شبيه بدوران إبمنديز، ~~لكن بفصل تارسكي بين اللغتين، أصبح لكل لغة مقاييسها الخاصة مما يخلصنا ms068 من هذا ~~الدوران فلا تعود نظرية التناظر خالية من المعنى ولا هي عقيم كما رأى فرانك رامزي، ~~أو من نافلة القول التي يمكن أن نسير بدونها. # 22 ~~(3) وما فتئ بوبر يرفع آيات العرفان لتارسكي؛ لأنه مكنه من الأخذ بالتناظر الذي ~~يحافظ على موضوعية المعرفة واستقلالها عن الذوات؛ إذ يمكن أن تكون صادقة حتى ولو لم ~~يوجد أي شخص يعتقد فيها، وقد تكون كاذبة حتى ولو كان لدى الذات العارفة أسباب وجيهة ~~كي تتقبلها. # فالتناظر على طرف النقيض من النظريات الذاتية في الصدق، التي ترجعه إلى تاريخ أو ~~علاقة المعتقد بالمعتقدات الأخرى كنظرية الترابط # Coherence ~~، فيكون الصدق هو ما نستطيع تبرير الاعتقاد فيه أو قبوله. # 23 ~~(3) نظرية العوالم الثلاثة ~~(1) ويضفي بوبر منتهى الموضوعية على المعرفة، حين يصر على أن مكانها ليس في ~~الأذهان، بل إن مكانها العملي هو العالم الفيزيقي، ومكانها النظري هو الكتب، أو ~~بالأدق هو العالم 3 مراعاة للمصطلحات البوبرية، # 24 ~~⋆ # فما هو هذا العالم 3؟ ~~(2) لبوبر نظرية ميتافيزيقية مؤداها أن هناك ثلاثة عوالم، هي: # العالم 1: # العالم الفيزيقي المادي، عالم الحالات الفيزيقية والأشياء ~~المادية. # العالم 2: # العالم الذاتي، عالم الوعي والشعور والحالات العقلية والميول ~~السيكولوجية، المعتقدات والإدراكات. # العالم 3: # عالم المحتوى الموضوعي للفكر، كالعلم والفلسفة والأعمال الأدبية ~~والفنية، فيه المشاكل ومحاولات حلولها، الفروض ومناقشاتها النقدية، ~~والنظم السياسية والتقاليد والقيم ... محتوى هذا العالم هو محتوى ~~الكتب والصحف والمعارض والمتاحف، والموضوع السليم للإبستمولوجيا ~~يقطن فيه لا في العالم 2. # 25 ~~(3) والعلاقة بين العوالم الثلاثة متداخلة؛ فالعالم 1 مستقل عن العالم 3، لكن ~~العقل؛ العالم 2، هو الوسيط الذي يربط بينهما بواسطة علاقاته بكليهما؛ إذ له وثيق ~~الصلة بالعالم 3، فهو الذي يخلقه ثم يظل يدرسه ويضيف إليه ويحذف منه، وهو يدرك ~~أيضا مكونات العالم 1 بالمعنى الحرفي لمفهوم الإدراك الحسي، وأيضا العالم 2 له ~~أثر كبير على العالم 1، لكن القوى التكنولوجية تكمن في النظرية وهي في العالم 3، ~~والذات أي العالم 2، هي التي تستخرج القوة التكنولوجية من النظرية وتقوم بتطبيقها، ~~فتغير بها العالم 1. # خلاصة القول في العلاقة بينهما، أن ms069 العالم 2 يربط بين العالمين: 1، 3، وأن هناك ~~عملية تغذية استرجاعية # Feed-Back Process # للعالم 3 من العالم 2 بل وحتى من العالم 1. # 26 ~~(4) هذه النظرية ابتكار مثير، غير أنها - كما يقول بوبر - ليست إلا موقفا ~~تعدديا جديدا، أي رافضا للواحدية وللثنائية، فقد حلت مشكلة العقل والمادة بأن ~~أتت بطرف ثالث يربط بينهما؛ لذلك يرجع بوبر أصولها إلى كافة المذاهب التعددية ~~كالأفلاطونية والواحد الأفلوطيني والهيجلية ومونادات ليبنتز الروحية ... كلها نظريات ~~تقول بوجود عالم غير عالمي العقل والمادة مثل العالم 3: ~~(أ) # يخبرنا بوبر أن نظريته تتلافى أخطاء المثل الأفلاطونية، فالعالم 3 ~~ليس سرمديا ولا مطلق الثبات، مثلها مثل الواحد الأفلوطيني، بل هو من ~~صنع الإنسان وهو دائم التغير والتقدم والنمو، وهذه المرونة تجعله ~~ملائما للمعرفة العلمية بالمفهوم الحديث، كما أن عالم المثل يعطينا ~~الحقيقة اليقينية المطلقة؛ لذا فمكوناته مفاهيم مفرطة التجريد نتأمل ~~فيها كما لو كانت نجوما في السماء، أما مكونات العالم 3 فواقعية، هي ~~المشاكل وحلولها، فهو لا يحمل أية صفة للإطلاق، بل يحوي الخطأ بجانب ~~الصواب، خطؤه هو المرجح دائما، لكن أكبر قصور في المثل هو القصور عن ~~تصوير العلاقات، فالمثل تصور الحقائق، أي المفاهيم، «كل مفهوم = مثال ~~مستقل» لكنها لم تصور المفاهيم وهي تدخل في علاقات، # 27 # فمثلا تصور الحقائق 5 - 25 - الضرب - التساوي، لكن لا ~~تصور العلاقة «5 × 5 = 25»، والقصور عن تصوير العلاقات يشوب الفلسفة ~~القديمة بأسرها، فهي فلسفة واحدية تعاملت مع كون افترضت أنه ساكن وكل ~~حركة فيه تغير؛ لذلك فمنطق العلاقات أهم إنجازات الفلسفة المعاصرة، ~~والعالم 3 يساير هذا فهو يحوي كل معلومة يتوصل إليها البشر وبالتالي كل ~~علاقة، وفي سياق المقارنة مع أفلاطون ينبغي التنويه إلى أن العالم 3 لا ~~مكان فيه للكليات؛ فبوبر يأخذ بالمذهب الأسمى ويعادي الواقعية ~~الأفلاطونية، كل ما في الأمر أن كليهما أتى بطرف ثالث غير الثنائي ~~الديكارتي، ولنلاحظ أن بوبر يعتبر أفلاطون تعدديا وليس ثنائيا كما ~~جرى العرف. ~~(ب) # أما عن الروح المطلق الهيجلي، فإن العالم 3 لا يعرف الصدق المطلق، ms070 ~~كما أن بوبر - المعادي للجدل - لا يعترف بالتناقض بل يراه خطأ يجب ~~إبعاده، وأكبر اختلاف هو أن هيجل لا يجعل للفرد دورا خلاقا، وحتى ~~عظيم العصر مجرد وسيلة تكشف روح العصر عن نفسها فيه، # 28 # أما في العالم 3 فالدور الأعظم للإنسان الفرد وللنقد «نفس ~~رأي رسل في التأكيد على أهمية الفرد؛ البطل العظيم.» ~~(ج) # وقد ميز برنارد بولزانو # B. Belzano ~~(1781-1848م) بين الحقائق أو العبارات في ذاتها، وبين عمليات الفكر ~~الذاتية، العبارات في ذاتها يمكنها الدخول في علاقات منطقية مع بعضها ~~فتكون متوافقة أو غير متوافقة، ويمكن اشتقاق عبارة من أخرى، أما عمليات ~~التفكير فتدخل فقط في علاقات سيكولوجية أي تزعج أو تسلي أو تهدئ أو ~~تلهم بتوقعات أو تحجم عن أعمال انتويت، لكن لا يمكن أن تناقض عمليات ~~تفكير إنسان آخر ولا حتى عمليات الإنسان نفسه في وقت آخر؛ لأن التناقض ~~علاقة سيكولوجية، فالفكر بمعنى العمليات والفكر بمعنى العبارات في ~~ذاتها ينتميان لعالمين مختلفين، فإذا كان العالم الفيزيقي هو العالم 1، ~~والخبرات الشعورية هي العالم 2، كانت العبارات في ذاتها هي العالم 3، ~~وكانت نظرية بولزانو مناظرة لنظرية بوبر. ~~(د) # وقد فرق فريجه بين العمليات الذاتية للفكر وبين مضمونها الموضوعي، ~~غير أنه الأب الروحي للمنطق المعرفي؛ لذلك فهو لم يفكر في ~~الإبستمولوجيا كنظرية في المعرفة الموضوعية. # هذه صورة عامة لموقع نظرية العالم 3 من السياق التاريخي. # 29 ~~⋆ ~~(5) والعالم 3 يجسد موضوعية المعرفة بفضل استقلاله، فهو منتج مباشر لنشاطات ~~الإنسان المختلفة، وسائر مكوناته من صنع الإنسان، لكنها تستقل عنه بعد أن يخلقها، ~~فالكتاب كتاب حتى وإن لم يقرأه أحد، بل ويمكن أن يكون حتى بغير أن تؤلفه ذات، مثلا ~~يمكن إنتاجه وطبعه بواسطة الكمبيوتر، # 30 # وحتى لا يتحول الكتاب إلى مجموعة من الورق والنقاط السوداء، يكفيه ~~إمكانية القراءة وفهم المحتوى؛ لذلك يضع بوبر تصورا لفناء الجنس البشري، لكن ~~مكونات العالم 3 باقية، فأي خلفاء عاقلين من الأرض أو من الفضاء يمكنهم مواصلة ~~الحضارة طالما استطاعوا فك رموز الكتب، أي إن العالم 3 ms071 يستطيع الاستمرار بغير أي ~~إنسان، أي ذات. # بل وإنه يستقل في خلق مشاكله التي قد يعجز الإنسان عن حلها، وفي خلق خصائصه التي ~~قد تظل في حدود المجهول وقد يعرفها الإنسان وقد لا يعرفها، مثلا كثير من مشاكل ~~الأعداد الأولية والصماء واللامتناهية ما زالت مثارة في علوم الرياضة، رغم أن ~~الواقع لا يوجد فيه اثنان وثلاثة، يوجد فيه فقط مثان ومثالث، والإنسان هو الذي خلق ~~سلسلة الأعداد لكنه لم يخلق مشاكلها ولا خصائصها كالتمييز بين الأعداد الزوجية ~~والفردية، مثل هذا نتيجة لخلقنا؛ غير مقصودة ولا يمكن تجنبها. # على هذا يفرق بوبر - في مكونات العالم 3 - بين المنتجات الثانوية وبين المنتجات ~~المقصودة التي اجتمع أشخاص معينون في فترات معينة، وبذلوا جهدا بهدف خلقها مثل ~~الأديان والمؤسسات والأعمال الفنية والعلمية والدستور ... # أما المنتجات الثانوية # by-Products ~~، فهي التي لم ~~نخلقها بقصد أو نية، بل انبثقت بمحض ذاتها، والغريب أن هذه المنتجات قد يكون لها ~~قيمة أكثر أهمية من المنتجات المقصودة، مثلا اللغة منتج ثانوي؛ إذ ليس هناك جماعة ~~اجتمعت لتخطط اللغة، كيف إذن تنشأ مثل هذه المخلوقات الهامة؟ «إنها تنشأ على نفس ~~النحو الذي ينشأ به طريق الحيوان في الغابة، فحيوان ما يحاول أن يشق طريقه وسط ~~الأحراش والأشجار المتكاثفة ليصل إلى مكان الشرب، ثم تأتي حيوانات أخرى تجد أن ~~الأسهل لها هو استعمال نفس الطريق، فيتسع ويتحسن بواسطة الاستعمال، إنه غير مخطط ~~نتيجة غير مقصودة للحاجة إلى حركة أسهل وأيسر.» # 31 # على هذا النحو تنشأ جميع المنتجات الثانوية، كاللغة والعرف والتقاليد ~~والتنظيمات الاجتماعية. # إنها تبدأ من نشاط توجهه الحاجة، ثم يتسع ويتحسن تدريجيا بغير خطة سابقة «إنها ~~أشياء صنعها الناس بغير أن يصنعها واحد منهم.» # 32 ~~⋆ ~~، # 33 # ويرجع الفضل في وجودها إلى فائدتها # Usefulness # التي ربما لم تكن موجودة قبل أن تنشأ، لكن تحققت بعد ~~وجودها، فأدى هذا إلى أن تتحسن وتتطور. # بخلاف المنشآت التي تنشأ بغير نية، يدخل أيضا تحت نطاق المنتجات الثانوية تلك ~~المنتجات التي تنشأ كنتيجة غير مقصودة، لمنتج ms072 أصلي مقصود، كالمشاكل التي تنشأ عن ~~صعوبات أو قصور أو تعقيد لنتائجه. # المنتجات الثانوية تجسد استقلال العالم 3، وبالتالي موضوعية مكوناته، غير أن هذا ~~الاستقلال يمتد إلى حدود، فالمشاكل الجديدة التي تخلق تواجه بمحاولات حلها، ~~وهذه المحاولات تؤدي إلى خلق جديد ثمة دائما استمرار للعلاقة الدينامية، علاقة ~~التغذية الاسترجاعية التي تربط الإنسان بالعالم 3. ~~(6) العالم 3 هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وأهم مكوناته، وصاحبا أكبر الفضل ~~في خلقه هما: اللغة ثم النقد. ~~(7) نظرية العالم 3 تثبت العبارة التي وردت في بدايات الفصل: «إن المعرفة موضوعية ~~لدرجة أنها بغير ذات عارفة.» فقد وضح مدى استقلال مكوناته والمعرفة إحداها، بل وحتى ~~عملية الفهم # Understanding # نقطن فيه # 34 ~~⋆ # لأنها تنصب على محتوياته. # على هذا أصبح منطقيا: إصرار بوبر على موضوعية المعرفة، ومدى الخطأ الكبير حين ~~ندرس المعرفة بوصفها اعتقادات، أي حين تتورط الفلسفة في العالم 2. ~~(4) نظرية المحاولة والخطأ ~~(1) كيف تبدو المعرفة خلال هذا المنظور الموضوعي؟ # ينظر بوبر إلى المعرفة والعلم نظرة واحدة، فالعلم ليس إلا مرحلة متقدمة من ~~المعرفة، بل وأكثر من ذلك، فلو كشفنا القصة كلها مرة واحدة منذ الأميبا حتى ~~آينشتين؛ لوجدنا أنها تعرض لنفس النمط وعلى طول المدى، # 35 # فالمسار الذي تسلكه الأميبا لحل مشكلة حصولها على الغذاء، هو نفس ~~المسار الذي سلكه آينشتين لحل مشكلة النسبية. # فأنماط السلوك أيا كانت، أي سلوك يسلكه أي كائن حي؛ العالم في معمله أو الإنسان ~~العادي أو الطفل أو الحيوان أو حتى الحشرة ... أي سلوك كان ليس إلا محاولة لحل مشكلة ~~معينة؛ لذلك لا بد وأن تكون المعرفة بدورها ليست إلا نشاطا لحل مشاكل. # ولا بد وأن يبدأ أي موقف بمشكلة محددة «لتكن م1»، تأتي بعد ذلك محاولة حل اختباري ~~لهذه المشكلة «ح ح»، يتخذ الآن النقد دورا أساسيا في مناقشة هذا الحل المقترح، ~~فيستبعد الخطأ منه «استبعاد الخطأ: 11»، بعد حذف الخطأ يبرز موقف جديد، وأي موقف لا ~~بد وأن يحتوي على مشاكل، إذن الموقف ينتهي بمشكلة جديدة «م2»، فيتخذ الصورة: # إنها الصورة المنهجية ms073 لأية محاولة تجري على ~~وجه الأرض؛ لذلك لو طلبنا من بوبر وصفا للإبستمولوجيا من وجهة النظر الموضوعية، ~~وصفا لمسارها وكيفية نموها المطرد لما قال سوى: «م1 # ح ح # أ أ # م2» فعلى هذا النحو تسير المعرفة في حلقات متتالية تبدأ بمشكلة ~~وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية # Cycle ~~؛ فهي لا ~~تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل ~~التقدم المستمر. ~~(2) وهذه الصياغة فيها عنصر مفقود فقد تقترح كثرة من الحلول، علينا أن نختبرها ~~جميعا حتى نصل إلى أفضل «م2» ممكنة، ويمكن أن تطور الصياغة حتى تتخذ هذه الصورة: # 36 # ويمكن أن نطورها أكثر كي تعبر عن الموقف، حين يصعب حسم القول في أفضل الحلول ~~المتنافسة، فتتفرع المشكلة الواحدة إلى عدة طرق، كل منها ينتهي إلى مشاكله الخاصة ~~به، ويمكن التعبير عن هذا بتطوير الصياغة على النحو التالي: # 37 # هذه الصورة واضحة جدا في المسائل الأيديولوجية كتعدد الاتجاهات السياسية ~~مثلا. ~~(3) وبوبر يؤكد أن كل مكونات العالم 3 تسير في هذا المسار، بل وأيضا مكونات ~~العالم 2 مثل العواطف والاعتقادات، ويؤكد بريان ماجي أن كل عمليات التطور العضوي ~~جوهرية كانت أم شكلية، وكل عمليات التعلم يمكن النظر إليها من هذا المنظور. ~~(4) وهذه الصياغة أخصب أفكار بوبر، «وضع عليها سرجا جيدا، وامتطى صهوتها خلال ~~الكثير المتباين من حقول التساؤل الإنساني، وحتى تلك التي لم يطرقها هو، كان هناك ~~في الأغلب أحد أتباعه ليطرقها.» # 38 # فمثلا ظل بوبر لفترة طويلة يعتقد أنها بمعزل تام عن التحليل الصوري، ~~أي عن المنطق والرياضة، حتى أقنعه إمر ~~لاكاتوس # Immre Lakatos # أنها كذلك، فإن ما يفعله الرياضي لا يخرج إطلاقا عن ~~محاولة حل مشكلة رياضية، ثم إصلاح أخطاء المحاولة، فيخرج بموقف جديد، حاملا مشاكل ~~جديدة، وحتى في الفنون الجميلة، فإن تاريخ الفنون التشكيلية، قد فسر في كتاب ~~إرنست جومبريش «الفن الوهم» بمصطلحات بوبرية؛ فالفنان واقع تحت ضغط متطلبات الفكرة ~~الفنية، يقوم بعمليات تعديل لانهائية وتدريجية للأنساق الهيكلية التقليدية لتكوين الصورة، # 39 # هناك ms074 دائما محاولة لاستبعاد الخطأ، المنهج إذن هو نفس الصياغة، ~~المحاولة والخطأ ... ~~(5) ولكن كيف تنطبق أيضا على جميع أنشطة الحيوان ابتداء من الأميبا؟ بوبر يجيب ~~على هذا بأن الصياغة مثلما تصور نمو المعرفة ونمو مكونات العالم 3 بل والعالم 2، ~~فإنها تصور أساسا التطور البيولوجي؛ فالحيوانات - بل والنباتات - أيضا تحل ~~المشاكل عن طريق ردود الأفعال الجديدة والتوقعات الجديدة والأنماط الجديدة من ~~السلوك، أي يحل الحيوان بيولوجيا المشاكل عن طريق الحلول الاختبارية المتنافسة ~~واستبعاد الخطأ؛ أي منهج المحاولة والخطأ. # الحلول الاختبارية # Tentative Solutions # التي ~~يحتويها تشريح الحيوان والنبات أو التي يحتويها سلوكها، هي المثيل البيولوجي ~~للنظريات، والعكس صحيح، فالنظريات تناظر الأعضاء الداخلية للأجسام وأداءها لوظائفها ~~وحلها للمشاكل، وبخلاف الأعضاء الداخلية وتطورها، نجد أيضا الإفرازات الخارجية ~~كأقراص العسل وخيوط العنكبوت هي الأخرى تماثل الأدوات التي يصنعها الإنسان لتكيفه ~~مع البيئة ولحل المشاكل. # 40 # الخلاصة: النظريات والأدوات = الأعضاء المتطورة للحيوان ووظائفها والأنماط ~~الجديدة من سلوك الكائنات الحية = محاولات حل المشاكل والتكيف مع العالم والعمل على ~~تغييره = # م1 # ح ح # أ أ # م2 ~~(6) إذن هذه النظرية المعرفية تناظر ~~الداروينية البيولوجية، فحل المشاكل نشاط أولي، مشكلته الأولى هي البقاء # Survival ~~، كل الكائنات تنشغل ليلا ونهارا في حل ~~المشاكل، وكل النتائج التطورية التي طرأت على الحياة إنما تشير إلى تلك التعويذة ~~التي بدأت مع أول أشكال الحياة، هذه الأشكال التي تعتبر الكائنات الحية الآن آخر أعضائها، # 41 # هذه التعويذة؛ أي الصياغة السالفة، لا تصور إلا ما تصور نظرية دارون من ~~أسلوب التطورات التي تطرأ على أعضاء الكائن الحي، إنها الداروينية # 42 ~~⋆ # لا ~~سيما إذا أخذنا في الاعتبار صورتها: # لا لقيناها تصلح تماما للتعبير عن الداروينية، مع اعتبار م1 أول خلية حية انبثقت ~~عنها كافة أشكال الحياة. # وبوبر يؤكد على التماثل الشديد، بل التطابق، بين النمو البيولوجي ونمو المعرفة، # 43 # وإن أحد أهداف صياغته هذه توضيح نظرية دارون. ~~(7) وجميع الكائنات الحية تسير في كل تطوراتها - سواء البيولوجية أو العقلية - ~~بمقتضى تلك الصياغة؛ فالأميبا تحل مشاكلها بمقتضاها وأيضا آينشتين، والنقد ms075 هو ~~الفارق الوحيد، به يستطيع الإنسان اكتشاف الخطأ وحذفه فيقترب أكثر من الصدق، أما ~~الحيوانات والإنسان في الحضارات البدائية، فلا يستطيعون النقد والاستبعاد، إنهم ~~يهلكون «بهلاك» نظرياتهم - أي محاولاتهم - الخاطئة؛ # 44 # لذلك جعل بوبر النقد أهم مكونات العالم 3 دائما حيث أية فكرة بوبرية، ~~حيث النقد. ~~(8) ورغم أن هذه الصياغة الداروينية، زمانيا من أفكار بوبر اللاحقة، فإن سائر ~~خطوط فلسفته يمكن اشتقاقها منها، ونتائجها تفوق الحصر، لكن لا بأس من إجمال أهمها، ~~ولن نجد أية نظرية لبوبر، ولا تلزم بصورة أو بأخرى عن إحداها: ~~(أ) # الخطأ داخل في صميم كل محاولة، يستحيل أن نتجنبه، يمكن فقط أن نتعلم ~~من أخطائنا فنسير إلى الأفضل، # 45 # بل وإنها سبيلنا الوحيد للتعلم؛ لذلك كانت نظرية بوبر في ~~أسلوب التعلم هي المحاولة ~~والخطأ # Trial and Error # فهي بالطبع أساس نظريته المنهجية، لكنه يجعلها ~~منهج شتى الأنشطة. # منهج المحاولة والخطأ ليس نتيجة، بل هو الصياغة ذاتها، النتيجة هي ~~وحدة المناهج ليست هناك خطوات محددة يقتفيها العالم، وأخرى يقتفيها ~~الفيلسوف، والأسلوب في جوهره واحد لجميع الباحثين والمفكرين؛ المنهج ~~النقدي الذي يمكنهم من استبعاد الخطأ من محاولاتهم. # هذه النظرية في وحدة المناهج تحل مشاكل كثيرة، أو بالأصح تفض نزاعات ~~جمة: التجريبية أم العقلانية، الحسية أم المثالية. ~~(ب) # هذه الصياغة تجعل المعرفة تسير في حلقات متتالية، كل حلقة تبدأ من ~~سابقتها وتؤدي إلى لاحقتها، طالما تبدأ بمشكلة وتنتهي بمشكلة؛ لهذا فهي ~~تؤسس دعوى بوبر في خلق أواصر القربى بين شتى الجهود المعرفية، وهو لهذا ~~يعطي الفضل الكبير للنظريات الفلسفية - بل وللأساطير الدينية والخرافات ~~- في التقدم العلمي الحديث؛ لأنها مثلت إحدى حلقات التطور العلمي ~~الراهن. # وهذا من ناحية يؤسس رفضه لرأي الوضعية المنطقية في أن كل ما عدا ~~العلم لغو، ومن ناحية أخرى يؤسس رأيه في ربط حصيلة الجيل ومنجزاته ~~بأجيال لا تحصى من البشر سبقته وأعدت له، وأن الفضل الأعظم في كل ~~إنجاز يعود إلى الحصيلة المعرفية والبناء الحضاري الذي تسلمناه. # وهذا بدوره يؤسس نظرته إلى تاريخ العلم ms076 والفلسفة والفن ... إلخ على أنه ~~نقاش جار، سلسلة من المشكلات المترابطة وحلولها الاختبارية، وبينما ~~قل اهتمام الفلاسفة الوضعيين واللغويين بتاريخ مادتهم فإن التناول ~~البوبري يقود إلى معنى المشاركة الشخصية في تاريخ الأفكار؛ ومن ثم فإن ~~بوبر نفسه - فيلسوف العلم الذي يألف الفيزياء الحديثة - هو أيضا دارس عاطفي. # 46 ~~(ج) # اعتبار كل حلقة معرفية، مهما كانت متقدمة، لا بد وأن تنتهي هي الأخرى ~~إلى مشكلة، تدخل في حلقة أخرى، يعني أن الجهود المعرفية لا بد وأن تكون ~~دوما في حاجة إلى استئناف المسير، مما يعني إمكانية التقدم المستمرة، ~~وهذا يؤسس فكرة بوبر - المواتية لروح العصر - في اعتبار اليقين من ~~مخلفات عصور الجهالة. ~~(د) # هذه الصياغة تصف شتى المحاولات وتمثل المنهج الواحد، مما يعني محو ~~الفوارق بين التخصصات الدقيقة، وإهمال الفروق التقليدية بين المواد، كل ~~ما يهم أن يكون لدى المرء مشكلة شيقة يحاول حلها بصدق وأصالة، وهذا ~~يؤدي إلى أن يلتزم وجوديا بالعمل، ومن أجل العمل نفسه، حتى يكون له ~~ما يسميه الوجوديون بالأصالة # Authenticity ~~. # 47 # وهذا يؤسس دعوى بوبر في محاربة التخصص الدقيق # 48 # التي تجافي روح العصر، لكنه يؤكد أنه هو نفسه هاو للعلم ~~والفلسفة، وليس محترفا لأي شيء، كثير من الباحثين تسعدهم هذه الدعوى # 49 ~~⋆ # في محاولة لعلاج مرض شاع في هذا العصر، مرض العالم الذي يقضي ثلاثة ~~أرباع عمره في معمله ولا يدري شيئا عن الحروب الطاحنة والمقولات ~~الدينية والأعمال الفنية، فيصاب بالتفاهة وقصر أبعاد الشخصية وضحالة ~~خبرتها بالحياة الرفيعة، محققا المعادلة الصعبة؛ العالم ~~الجاهل. ~~(ه) # الطابع المرحلي لكل بناء معقد، طالما أن أية محاولة، وأي جهد يسير في ~~حلقات متتالية كل حلقة تحاول حل مشكلة معينة واحدة، في هذا ما يؤسس ~~عداء بوبر العنيف للنزعات الكلية التي تحاول تحقيق كافة ما ترومه بضربة ~~واحدة كالماركسية على الخصوص، والنزعات اليوتوبية على العموم. # وهذا بدوره يؤسس دعوى بوبر إلى الهندسة الاجتماعية ~~الجزئية # Social Piecemeal Engeneering # التي تعني الإصلاح الاجتماعي خطوة خطوة، ~~مشكلة مشكلة. # هذا أيضا أسلوبه السليم في ms077 النقد؛ خطوة خطوة، جزء جزء، وليس أبدا ~~استبعاد كائن مهيب بجرة قلم واحدة كما فعلت الوضعية بخصوص ~~الميتافيزيقا، أو الماركسية بخصوص البناء الاجتماعي البرجوازي. ~~(و) # هذه الصياغة التي تصف شتى ضروب الأنشطة إنما تبدأ بمشكلة، هذا يؤسس ~~دعوى بوبر بأن أي نشاط مبذول هو محاولة لحل مشكلة، وأن هذا ما يجعل ~~النشاط موجها بغير أن نقع في أسر البراجماتية. # وهذا يؤسس دعوى بوبر بأن نمركز الاهتمام حول المشاكل المهمة، لا نبدأ ~~بمحاولة حل المشكلة الحل هو العامل الثاني في الصياغة لا الأول، إننا ~~نبدأ بالمشكلة نفسها وبالأسباب التي جعلتها مشكلة - بموقف المشكلة، ~~فيتعلم الباحث أن يهتم بصياغة المشكلة وفهمها قبل أن يحاول حلها ومدى ~~فهمه للمشكلة ولموقفها، يحدد درجة نجاحه في التوصل إلى حل. # هذا - من ناحية أخرى - يؤسس دعوى بوبر من ضرورة الاهتمام بموقف ~~المشكلة. # كما يؤسس دعواه في فلسفة السياسة والاجتماع، من الانتقال من مشكلة ~~إلى حلها، دون الوقوع في براثن العبودية المذهبية. ~~(ز) # النقد يدخل في صميم عملية المعرفة، بل وفي صميم جميع الأنشطة الحيوية ~~بطريقة أساسية تمكننا من القول بأنه هو نفسه مسار التطور وجوهر التقدم، ~~وهذه النتيجة - أي أهمية النقد - هي ببساطة فلسفة بوبر برمتها. ~~(ح) # إقرار صريح وواقعي، بضرورة التعثر في الخطأ؛ مما يجنبنا مهاوي النزوع ~~إلى الكمال، الخطأ هو القدر الذي لا مفر منه إذن، وهذا يؤسس دعوى بوبر ~~في استحالة أن تتمتع المعرفة بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في ~~العقل ولا في الحس، وهذا أساس دعواه السالفة باستحالة اليقين، ودعواه ~~الآتية إلى العقلانية النقدية. ~~(5) العقلانية النقدية ~~(1) إذا أردنا أن نراعي تقاليد البحث الإبستمولوجي العريقة، ونضع لبوبر تصنيفا ~~تقليديا، لكان هو العقلانية، ولكنها العقلانية النقدية # Critical Rationalism # المختلفة أيما اختلاف عن العقلانية الكلاسيكية # Classical Rationalism ~~. ~~(2) والعقلانية هي اصطلاح يوضع للاتجاه الفلسفي الرافض للمذاهب التسلطي # Authoritarianism ~~، الذي يضع سلطة معينة بوصفها ~~مصدرا للمعرفة بل والمصدر الوحيد وللمعرفة اليقينية. # إنها - أي العقلانية - المذهب التنويري المستنير، الذي جاء ثائرا على خضوع ~~العصور الوسطى ms078 الطويل للسلطة الدينية وأرسطو؛ فهي تقوم على أساس أن الحقيقة بينة # Truth is Manifest ~~، قد تكون محجبة، لكن يمكن ~~أن تكشف عن نفسها، وإذا لم تكشف عن نفسها، فمن الممكن أن نكشفها نحن، وكشف الحجاب ~~قد لا يكون يسيرا، لكن متى وقفت الحقيقة أمامنا مكشوفة فإن لدينا المقدرة على أن ~~نراها، وأن نميزها عن الباطل، وأن نعرف أنها هي الحقيقة، # 50 # نحن إذن نملك الوسائل التي تمكننا من التوصل إلى الحقيقة واكتساب ~~المعرفة، ولسنا في حاجة إلى سلطة تفرض علينا كي تدلنا عليها؛ لذلك يطلق بوبر على ~~هذا الاتجاه - العقلانية الكلاسيكية - اسم «الإبستمولوجيا المتفائلة»؛ فهي تثق في ~~الحقيقة وفي الإنسان مقابل «الإبستمولوجيا المتشائمة» التسلطية التي تسحب الثقة من ~~الإنسان وقدراته المعرفية. # والعقلانية شائعة في الفلسفة منذ سقراط وأرسطو، ثم غفت في سبات عميق طوال العصور ~~الوسطى، غير أنها عادت لتكون الموقف المعتمد في الفلسفة الحديثة، # 51 # وأصبحت موقفا رسميا ذا بطاقة محددة حيث تصف عادة اتجاهين مختلفين: # العقلانية ~~التجريبية # Emprical Rationalism ~~: والتي تقتاد ببيكون وأشياعه، وهم القائلون: ~~إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الحقيقة هي التجريب، إنها تثق في الحس ~~وفي الطبيعة، فليعتمد الإنسان فقط على نفسه، على حواسه، ويرفض أية سلطة ~~معرفية عليه. # العقلانية ~~العقلية # Intellectual Rationalism ~~: اتجاه الذين يقتادون برينيه ديكارت ~~(1596-1650م) وهم القائلون: إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الطبيعة ~~هي العقل # Intellect ~~، إنها تثق في ~~العقل وفي الله، فكما هو معروف في فلسفة ديكارت: الله لا يخدع أبدا؛ ~~لذلك فهو يضمن ثبات الحقائق؛ لذلك يرفضون التسلط المعرفي، ويتركون ~~الإنسان يتوصل إلى الحقيقة، بنفسه، بعقله. ~~(3) ويرى بوبر أن لهاتين النظريتين - أي للاتجاه العقلاني - الآثار الرائعة التي ~~تمثلت في الحضارة الغربية الحديثة. # فلقد كانت العقلانية - وبغير نظير ينافسها عبر التاريخ - الملهم الأعظم للثورات ~~الاجتماعية والأخلاقية، هي التي علمت الإنسان الثورة على دوجماطيقية الدين، وعلمته ~~أن يحاول إصلاح الحياة الدينية، وهي التي حفزته على السعي وراء التحرر العقائدي ~~والاجتماعي والسياسي، لقد شجعت الإنسان على أن يفكر من أجل نفسه ms079 المستقلة، وأعطته ~~الأمل في المعرفة فبواسطتها يستطيع أن يحرر نفسه ويحرر الآخرين من العبودية ~~والبؤس. # وهي التي مكنت للعلم الحديث، وكانت أساس الحرب ضد رقابة واكبت الفكر الحر، كما ~~أصبحت أساس النزعة التي تؤكد فردية الإنسان واستقلاليته، وأعطته الحق في أن ينشق عن ~~الجماعة، ويخالف المعتقد العام، فهو مستقل بنفسه، يستطيع أن يعرف الحقيقة، بغير ~~توجيه أو إرشاد، أوليس لديه العقل والحواس، فلقد كانت العقلانية أساس المعنى ~~الحديث لكرامة الإنسان، والمطالبة بالتربية والتعليم والتثقيف الكلي الشامل، وقد ~~جعلت الإنسان يستشعر المسئولية نحو نفسه ونحو الآخرين ويطمح في تحسين أوضاعه، بل ~~وأوضاع الآخرين. # 52 # كل ذلك لأنها وجهت الإنسان نحو نفسه، فقوت وعيه بذاته، وجعلته يبحث عن ~~الحقيقة البينة بنفسه بواسطة حواسه أو عقله، لا يعتمد على سلطة خارجية عنه منفصلة ~~عن عالمه، يخشى منها ولا يعلم حدودها ومداها. ~~(4) وعلى هذا يرى بوبر في العقلانية الكلاسيكية أنموذجا للفكرة الخاطئة السيئة، ~~التي تلم بأفكار رائعة! # 53 # فقد تردت في خطأ كبير هو الاعتقاد بأن الحقيقة بينة، وأن المعرفة اليقينية سهلة ~~المنال، وراحوا يتساءلون: ما هو مصدر هذا اليقين؟ ما هو المصدر النهائي للمعرفة ~~النهائية القاطعة؟ أهو الحس أم العقل، وأولا اليقين مستحيل، والحقيقة ليست ~~بينة. # وثانيا: السؤال الذي قامت أصلا للإجابة عليه خاطئ؛ إذ لا يهمنا مصدر المعرفة ~~أهو العقل أم الحس، المهم هو المعرفة نفسها، محتواها ومدى صدقها، إنهم بالسؤال عن ~~المصدر يكررون الخطيئة الأرستقراطية التي تهتم بالحسب والنسب، وتصرف النظر عن ~~تقييم الشخص ذاته. # 54 # على هذا فالعقلانية اتجاه خاطئ، ولا بد وأن يكون لها آثار خطيرة تتلخص فيما ~~يلي: ~~(أ) # طالما أن الحقيقة بينة لكل من يريد أن يراها، فلقد أصبحت العقلانية ~~أساس التطرف والتعصب # Fanaticism ~~؛ ذلك ~~لأن الخبثاء المثبطين للهمم هم - وهم فقط - الذين يرفضون رؤية الحقيقة ~~البينة، وأولئك الذين يخشون منها، هم فقط الذين سيدبرون المكائد كي يخفوها. # 55 ~~(ب) # وليس التعصب فحسب، بل إنها تقود بطريق غير مباشر إلى المذهب ~~التسلطي ذاته، الذي قامت أصلا لتحاربه، ms080 فطالما أن الحقيقة بينة ~~وواضحة، فلا بد ألا يختلف عليها اثنان، لكن هذا غير واقع ؛ مما يجعل ~~البحوث الإبستمولوجية ليست في حاجة فقط إلى التأويل والتأكيد، بل ~~وأيضا إعادة التأويل وإعادة التأكيد، فتكون المعرفة في حاجة إلى سلطة ~~دائمة تحكم - ربما من يوم لآخر - بما هي تلك الحقيقة البينة، وقد نتعلم ~~أن نفعل ذلك بطريقة تعسفية بل وساخرة؛ لذلك نجد كثيرا من ~~الإبستمولوجيين الذين يصابون بخيبة الأمل سوف يتحولون عن هذه ~~الإبستمولوجية المتفائلة، ويحاولون إقامة مذهب تسلطي متألق على أسس ~~إبستمولوجية متشائمة، # 56 # ويرى بوبر في أفلاطون أنموذجا لهذا التحول المأساوي من ~~إبستمولوجيا عقلانية متفائلة، إلى إبستمولوجيا تسلطية تفرض ما اقتنعت ~~يوما أنه الحقيقة البينة، وما يتسق معها. # ومن هذا - من أن العقلانية تتحول إلى التسلطية التي قامت أصلا لتحاربها - ينتهي ~~بوبر إلى أن العقلانية الكلاسيكية اتجاه فاشل، فهو يعتقد أنه يحرر العقل البشري من ~~دوجماطيقية الخضوع لسلطة معينة، هي السلطة الدينية والأرسطية، وقد كانت الحرب على ~~هذه السلطة هي موضة زمانها، زمان بيكون وديكارت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، # 57 # لكنهما لا ينجحان في محاولة التحرير هذه، وكل ما حدث إبدال سلطة بأخرى ~~ولا جديد البتة. # فالعقلانية التجريبية، تبدل سلطة الكنيسة والإنجيل وأرسطو بسلطة الحواس، ~~والعقلانية العقلية تبدلها بسلطة العقل أو الحدس العقلي وما يبدو له واضحا ~~متميزا. # إنهما ما زالا يلجآن إلى ما يشبه سيطرة السلطة الدينية، فقط يغيران مصادر الحقيقة ~~القصوى القاطعة اليقينية التي لا تناقش، فقد وضع بيكون الحس، ووضع ديكارت العقل ~~بدلا من الله. ~~(5) إن السؤال الذي يحدد البحوث الإبستمولوجية ليس عن المصدر، بل هو: كيف نكتشف ~~أخطاءنا ونستبعدها؟ وقد أجاب بوبر على هذا: بالنقد. # لذلك فالنقد هو الذي يحدد الموقف الإبستمولوجي لبوبر مثلما يحدد كل موقف آخر له، ~~الذي هو العقلانية النقدية. # أما لماذا هو عقلاني بعد كل هذه الثورة النقدية على العقلانية الكلاسيكية؟ فلأنه ~~يشترك معها في المبرر الذي يجعلها عقلانية، أي في رفض أية سلطة معرفية على الإنسان ~~في استقلاله بنفسه ms081 في البحث عن الحقيقة رغم أنها ليست بينة، وفي اكتساب المعرفة رغم ~~أنها ليست يقينية. # ليس هناك أية سلطة على الحياة المعرفية، ليس هناك أي مصدر معين للحقيقة النهائية، ~~فالمعرفة لا تتمتع بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في العقل ولا في الحواس، # 58 # كل اقتراح وكل مصدر للمعرفة على الرحب والسعة، فقط لأن كل اقتراح وكل ~~مصدر للمعرفة يمكن تعريضه للنقد. # فحتى العقلانية الكلاسيكية ذاتها لا نرفضها، بل نوليها الاعتبار بتعريضها للنقد، ~~كما فعلنا، فعرفنا مواطن الخطأ فاستبعدناها، ومواطن الصواب فأبقينا عليها. # خاتمة ~~(1) لقد استفاض الحديث، ونحن نجوب خلال فلسفة بوبر الإبستمولوجيا الثرية. # والآن تصب كل الطرقات في هذا الملتقى لنخرج بأن المعرفة موضوعية من مكونات ~~العالم 3، ولا علاقة لها بالاعتقاد، لكن مشكلة هيوم الاعتقادات التي ترسخ في الذهن ~~بسبب أثر التكرار، وهذا ما لا يمكن قبوله الآن؛ لأن الاعتقاد من مكونات العالم 2، ~~سيحاول بوبر إخراج المشكلة في صورة موضوعية تنتمي للعالم 3؛ أي يمارس حلقة معرفية ~~جديدة، تبدأ ب «م1» هي مشكلة هيوم، ليستبعد الخطأ منها، مطبقا العقلانية النقدية؛ ~~لنرى ما أثر كل هذا على منطق العلم وموضوعنا الأساسي؛ المعيار الذي يميزه. # الفصل الثالث # | حل مشكلة الاستقراء # هذه الطريقة في النظر إلى المعرفة، مكنتني من إعادة صياغة مشكلة هيوم في ~~الاستقراء، وبتلك الصياغة الجديدة الموضوعية لم تعد مشكلة الاستقراء مشكلة ~~لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل أصبحت مشكلة العلاقة المنطقية بين ~~العبارات المفردة والنظريات الكلية، وبهذه الصورة أصبحت المشكلة قابلة للحل. # 1 # مقدمة ~~(1) تماما كما فعل آينشتين بشأن المشاكل المتعلقة بطبيعة الأثير، وهو وسط ~~لانهائي المرونة كثافته أقل من الهواء ويشغل الفضاء، وكان مفترضا بوصفه الوسط الذي ~~تحدث فيه ذبذبات الموجات، تبعا لنظرية هويجنز الموجية في تفسير طبيعة الضوء، ~~المقابلة لنظرية نيوتن الجسيمة وقد حل آينشتين المشاكل المستعصية المتعلقة بطبيعة ~~الأثير بأن دحض افتراض الأثير نفسه، وبالتالي دحض النظرية الموجية في الضوء؛ فتخلص ~~من الأثير ومن مشاكله. # 2 # المثل تماما فعله بوبر بشأن فرض الاستقراء؛ فقد حل مشكلته ms082 بأن عرضها عرضا ~~منطقيا، يخرج منه بأسس لمنطق العلم لا أثر لاستقراء فيها البتة لكي يحكم حياتنا ~~العلمية أو حتى العملية ، وبالتالي يتخلص من الاستقراء ومشاكله، ويسجل نصرا ~~فلسفيا مؤداه حل مشكلة الاستقراء. ~~(2) ولكي يثبت بوبر هذا، يبدأ تناوله للمشكلة بأن يبسطها على صورتها التقليدية، ~~مبينا عيوب هذه الصورة وجذورها، وكيف ظلت آمادا طويلة مسلما بها، وحتى جاء هيوم، ~~وإذا وصل بوبر إلى هيوم، يطرح مشكلته طرحا مميزا بين عنصريها المنطقي ~~والسيكولوجي، مبينا أخطاءها وأخطاء هيوم الكبيرة، ثم يعيد بوبر صياغة مشكلة ~~الاستقراء، صياغة ترضى عنها نظريته السابق عرضها في موضوعية المعرفة، وتستبعد أخطاء ~~المحاولة الهيومية السابقة، وتحل المشكلة تماما حلا ذا نتائج جمة. # لم يعالج بوبر الموضوع بهذا الترتيب، بل عالج نقطة هنا وأخرى هناك، غير أن أفضل ~~عرض نسقي لأفكاره، إنما هو كالآتي؛ أي كما سنعرضه بهذا التنسيق. ~~(1) نقد المشكلة في صورتها التقليدية ~~(1) أولا وقبل كل شيء، المشكلة في صورتها التقليدية التي عرضها الفصل الأول، ~~قسم (5)، خاطئة، فإذا كانت صياغتها تتمثل في: ما هو تبرير الاعتقاد الواسع بأن الماضي ~~سوف يشابه المستقبل؟ أو: ما هو تبرير الاستدلالات الاستقرائية؟ # فإن بوبر يرى كلتا الصياغتين قائمة على أساس خاطئ؛ لأن الصياغة الأولى تفترض ~~الاعتقاد بأن المستقبل سوف يشابه الماضي، ومثل هذا الافتراض خاطئ من أصله، ليس هناك ~~اعتقاد بمشابهة الماضي للمستقبل ما لم نأخذ مفهوم المشابهة بمعنى مرن، يجعله خاويا ~~من المعنى غير ضار. أما الصياغة الثانية فهي تفترض أن هناك شيئا اسمه الاستدلالات ~~الاستقرائية، ثم تبحث عن تبرير لها، مثل هذا الافتراض، حتى وإن كان شائعا الشيوع ~~الذي لمسناه في الفصل الأول، محض وهم، وإنا إذ نعرضه للنقد نلقاه خرافة، ليس هناك ~~شيء - كما سيتضح - اسمه الاستدلال الاستقرائي حتى نقيم حول تبريره المشاكل. # 3 ~~(2) والذي جعل له هذه القامة الفائقة، وشيد له تلك الصروح الفلسفية الهائلة؛ ~~فهو أساسها الذي يعود إلى الحس المشترك ذي الشعبية الفائقة، فللحس المشترك # Commonsense # نظرية في المعرفة - فيما يصورها ~~بوبر - تشبه العقل بالدلو أو ms083 السلة، تقوم الحواس - لا سيما البصر - بجمع ~~المعلومات وتعبئتها في هذا الدلو، إذا أردنا اكتساب معرفة بأي شيء، فما علينا إلا ~~أن نفتح عيوننا وحواسنا # 4 # فنعرفه تماما، هكذا ببساطة وبإهدار سائر القوى الخلاقة للذهن؛ لذلك ~~يسميها بوبر نظرية التعبئة ~~المعرفية # Bucket Theory of Mind # ويرسم لها تصويرا غاية في الطرافة على هذا ~~النحو: # وهي النظرية التي عبر عنها جون لوك قائلا: ليس في العقل شيء إلا ودخله عن طريق ~~الحواس، وإن كان بوبر قد كشف عن أن بارميندس أول من صاغها، وإن كان على نحو تهكمي ~~ساخر يهجوها؛ إذ قال: «معظم البشر الفانين، لا يوجد في عقولهم الضالة خطأ إلا ~~ودخلها عن طريق حواسهم الضالة.» # 5 # بصفة عامة نظرية الحس المشترك في المعرفة قريبة جدا من نظريات التجريبية ~~الإنجليزية التقليدية؛ أي من باركلي ولوك وهيوم، وعلى أية حال، فنحن نجد الفكرة ~~الشائعة هي أن عقولنا فعلا فيها توقعات، نحن نعتقد بعمق في اطرادات معنية، أي ~~قوانين للطبيعة، وهذا يقودنا إلى مشكلة الحس المشترك في الاستقراء: كيف نشأت هذه ~~التوقعات والاعتقادات؟ # ببساطة يجيب الحس المشترك على هذا، بسبب الملاحظات المتكررة التي حدثت في الماضي، ~~نحن نعتقد أن الشمس سوف تشرق غدا؛ لأنها في الماضي أشرقت كل يوم، # 6 # لدينا ملاحظات متكررة، وهي كفيلة بتفسير نشأة الاعتقاد وتبريره. # ببساطة يسلم الحس المشترك بكل هذا، ولا يفكر في إثارة أية مشاكل، وكان هذا هو ~~الموقف الذي تشبث به الفلاسفة الاستقرائيون منذ أرسطو وشيشرون، كما أوضح الفصل ~~الأول، لم يفكر أحد في مناقشتها مناقشة جدية حتى جاء هيوم. ~~(3) يرى بوبر أن هيوم قد أثار بشأن الاستقراء مشكلتين، وليس مشكلة واحدة كما هو ~~شائع؛ إذ يفصل بوبر في المشكلة بين شقيها المنطقي والسيكولوجي على هذا النحو: # المشكلة المنطقية: المتعلقة بتبرير صحة الاستقراء: هل لدينا التبرير ~~الكافي للانتقال من الحالات المتكررة التي وقعت في خبرتنا إلى الحكم ~~على (الاستنتاجات) الحالات التي لم تقع في خبرتنا؟ # وقد أجاب هيوم على هذا بالنفي مكونا مشكلة الاستقراء ~~المنطقية. ms084 # المشكلة السيكولوجية: المتعلقة بالتكرار وأثره السيكولوجي: لماذا ~~نتوقع جميعا - وبمثل هذه الثقة العظيمة - أن الحالات التي لم تقع في ~~خبرتنا سوف تطابق تلك التي وقعت، ونعتقد في ذلك؟ # وقد أجاب هيوم على هذا بسبب العادة # habit # أو التعود # custum # اللذين ينشآن عن التكرار، فنحن مزودون ~~بميكانيزم # Mechanism ~~(أسلوب عمل) ~~سيكولوجي، هو ميكانيزم ربط الأفكار عن طريق التكرار، فالنتيجة إذن هي ~~أن التكرار هو الحجة التي تحكم حياتنا المعرفية، لكنه في واقع الأمر ~~ليس بحجة على الإطلاق، أي إن المعرفة العلمية ليست قائمة على حجة، أي ~~لاعقلانية إذن إما نتخلى عن العلم، وإما عن مطلب العقلانية. # 7 # موقف محرج حقا أدى إلى هذه المشكلة المتفاقمة؛ مشكلة الاستقراء. # لكن رغم هذا الانفجار المدوي الذي فجره هيوم في بهو الفلسفة، فإن فلسفته هو ~~الاستقرائية ذاتية مهلهلة، غاية في الاهتراء، ولا ينبغي أن نترك هذا الجانب من ~~فلسفة هيوم، بغير أن نعرضه لمنظار النقد، فبوبر فيلسوف النقد. ~~(4) نقد هيوم # هذه المجهودات الهيومية، والتي صاغها ~~ببساطة في اللغة العادية وتبعا للمفاهيم العادية لألفاظها، لا يمكن في واقع ~~الأمر أن تكون في حد ذاتها ثورية كما أراد لها هيوم، بل إنها لا ترقى أصلا إلى ~~أن تكون فلسفية؛ فشروحه للاستقراء في مصطلحات كالعادة والتعود، هي شروح - أو ~~نظرية سيكولوجية - بدائية؛ ذلك لأنها تحاول أن تعطي شرحة لواقعة سيكولوجية، هي ~~واقعة اعتقادنا في اطراد الطبيعة، فنرجعها إلى العادة التي تنشأ عن التكرار، ~~ولكن هذه الواقعة هي نفسها يمكن أن توصف بأنها عادة الاعتقاد في الاطراد، وليس ~~غريبا أن نقول إن عادة الاعتقاد في الاطراد يمكن أن تفسر على أنها عادة من ~~نوع آخر، # 8 # وهكذا في دوران لا ينتهي في متاهات سيكولوجية، ونلاحظ أنه في فلسفة ~~بوبر ليس ثمة فارق بين العادة والاعتقاد؛ لأن كليهما لا موضوعي ومن مكونات ~~العالم 2 وغير ذي قيمة بالنسبة لمنطق العلم، وإذا لاحظنا أن هيوم يستعمل اصطلاح ~~العادة نفس استعماله في اللغة العادية، أي في وصف سلوك وفي نفس الوقت في ms085 وضع ~~نظرية في أصل هذا السلوك بأن يعزوه إلى التكرار؛ أدركنا أن جهود هيوم حتى ~~بوصفها سيكولوجية غير ذات قيمة؛ فهي نظرية سيكولوجية شعبية إلى حد كبير، تكاد ~~تكون جزءا من الحس المشترك، تفتقر إلى الدقة العلمية فضلا عن الصرامة ~~الفلسفية المنطقية، فهي على هذا قابلة للتفنيد البات؛ أولا على أسس تجريبية ~~علمية، وثانيا على أسس منطقية بحتة، وثالثا بوصفها نظرية سيكولوجية. # أولا: النقد العلمي التجريبي # وهو يدور حول نقاط ثلاث: ~~(أ) # نفس النتيجة ~~بالضبط # Typical Result # للتكرار: # لقد انتهى هيوم إلى أن التكرار قد خلق فينا عادة الاعتقاد في ~~قانون، غير أن هذا خطأ والعكس تماما هو الصحيح؛ فالتكرار يحطم ~~الوعي بالقانون ولا يخلق اعتقادا فيه، فمثلا في حالة عزف ~~قطعة موسيقية صعبة على البيانو، يبدأ العازف مركزا وعيه ~~وشعوره، وبعد قدر كاف من التكرار يتم العزف بلا انتباه ~~لقانون، وحين البدء في قيادة الدراجة نتعلم أن ندير الدفة في ~~الاتجاه الذي نخشى السقوط فيه، وتبدأ المحاولات الأولى للركوب ~~وأذهاننا مركزة تماما على هذا القانون، ولكن بعد قدر كاف من ~~التكرار ننسى تماما هذا القانون وتصبح عملية القيادة بغير ~~تركيز، هكذا يتضح أن التكرار يحطم الوعي بالقانون، فنحن لا ~~نشعر بدقات الساعة المنزلية، ولكن نشعر أن الساعة قد توقفت. # 9 # وقصارى ما يمكن قوله هو أن التكرار يخلق عادة متعلقة فقط ~~بأسلوب أداء العمل أداء آليا أكثر سهولة ومرونة، ولكنه - ~~كما رأينا - لا يحمل أي بعد لخلق قانون، بل يحطم مثل هذا ~~البعد. ~~(ب) # نشأة ~~العادة # Genesis of habit ~~: # ممارسة السلوك قد يسمى عادة فقط بعد التكرار، لكن ليس بسببه، ~~فهو ينشأ أولا ثم يتكرر ثانيا، إذن لا يمكن أن نعزو نشأة ~~العادة إلى التكرار كما فعل هيوم. ~~(ج) # خاصية الاعتقاد في قانون: # وهو شيء، والسلوك الذي ينم عن توقع لما يشبه القانون في ~~تسلسل الأحداث شيء آخر، قد يكونان وثيقي العلاقة بدرجة تكفي ~~لكي نعاملها معاملة واحدة، # 10 # ولنرضي هيوم أكثر فلنقر أنهما قد يحدثان - في بعض ~~الأحيان ms086 - كنتيجة للتكرار. # لكننا في معظم الأحيان نجد أمامنا واقعة غير مرغوب فيها ~~بالنسبة لهيوم؛ وهي: أن الاعتقاد في قانون أو التوقع له قد ~~يكون نتيجة لملاحظة واحدة ملفتة للنظر (ملاحظة واحدة تعني عكس ~~التكرار)، وهذه واقعة حاول هيوم أن يستبعدها؛ لأنها بالطبع ~~مهددة لنظريته بأن أرجعها إلى العادة الاستقرائية، التي ~~تكونت كنتيجة لعدد كبير جدا من سلسلة تكرارات طويلة، والتي ~~وقعت في فترة مبكرة من الحياة. # إلا أن هذه المحاولة الهيومية فاشلة، يؤكد فشلها تجارب عالم ~~النفس بيجيه # Bage # فهو قد أمسك ~~بسيجارة مشتعلة قريبا من أنوف جراء صغيرة، وفي الحال ~~استنشقتها ثم أدارت ذيولها، ولا شيء بعد ذلك جعلها تعود إلى ~~مصدر الرائحة أو تستنشقها مرة ثانية، وبعد أيام قليلة كان لها ~~نفس رد الفعل لمجرد منظر السيجارة، أو حتى قطعة ورق بيضاء ~~مبرومة عن طريق القفز بعيدا أو العطس، وبالطبع فإن عادة هيوم ~~الاستقرائية، والتي تكونت في فترة مبكرة من الحياة، تعتبر ~~هنا محض هراء؛ وذلك لأن الحياة القصيرة للجرو لا يمكن أن ~~يتوفر فيها مجال للتكرار، فضلا عن التعامل الواسع مع الجدة # Novelty ~~؛ # 11 # وبالتالي للاتكرار. # على ذلك تبقى الواقعة بأن ملاحظة واحدة كفيلة بخلق خاصية ~~الاعتقاد في قانون أو التوقع له في السلوك قائمة حتى في أصغر ~~المواليد والحيوانات، لتحكم على نظرية هيوم بالفشل ومجانبة ~~الصواب، بوبر فعلا محق، لو أخذنا مثال رسل السابق # 12 ~~⋆ # من أن التكرار يخلق في الدجاجة عادة استقرائية تجعلها تتوقع ~~الطعام ممن أطعمها كل يوم، نجد أن الأمر لا يستدعي تكرارا ~~استقرائيا، الدجاجة سوف تتوقع الطعام بمجرد أن ترى شخصا ~~يحمله حتى لو كانت تراه لأول مرة، التكرار لا ينشئ الاعتقاد، ~~ولا هو يقويه، فلو كانت قوة الاعتقاد نتيجة للتكرار؛ لكان ~~بينهما تناسب طردي بحيث تزيد قوة الاعتقاد مع تزايد الخبرة، ~~فيكون أقوى في الأشخاص المتمدينين؛ نظرا لزيادة خبرتهم عن ~~البدائيين، غير أن العكس هو الصحيح، فقوة الاعتقاد تكون دائما ~~حيث الخبرة الضحلة، وتبلغ ذروتها في الدوجماطيقية مع المرحلة ~~البدائية للحضارة. ms087 # 13 # وبعد يمكن أن نضيف إلى نقد بوبر هذا، نقد وايتهد الوجيه من ~~أن لفظي التكرار والعادة يجعلان هيوم تجريبيا مزيفا؛ لأنه ~~لو دقق فيهما لوجدهما بغير تعريف تجريبي سليم، فكيف يتخذهما ~~أساسا لفلسفة تجريبية. # 14 # كل هذا - متضمنا لأدلة تجريبية - تبطل دعاوى هيوم ~~التجريبية، وفي تحليله للمعرفة التي ادعى أنها استقرائية ليس ~~فحسب، لدى بوبر أيضا حجج منطقية، تبطل هي الأخرى دعاويه، كل ~~ذلك لأن المعرفة ليست استقرائية. # ثانيا: النقد المنطقي لهيوم # قامت نظرية هيوم على التكرار القائم على التماثل # Similarity # أو التشابه # resemblance # لكنه استعمل هاتين الفكرتين بطريقة لا نقدية، فلم ~~يفطن إلى أن هناك تكرارات في تسلسل الأحداث غير قابلة للبحث، وتفرض نفسها ~~علينا وعلى واقعنا، مثل نقطة الماء التي تجوف الصخر بكثرة تكرارها، أو دقات ~~الساعة المنزلية مثلا، لكن في نظرية هيوم فإن فقط ما نسمح بأن يكون له ~~تأثير علينا، هو فقط التكرار بالنسبة ~~لنا # Repitition for-us # القائم على التماثل، بالنسبة لنا # Similarity-for-us ~~، فيجب علينا أن نتجاوب مع المواقف ~~كما لو كانت متكافئة؛ نأخذها على أنها متماثلة ونفسرها كتكرارات، فيجب أن ~~نفترض أن الجراء الماهرة ترينا بتجاوباتها - أي بطريقتها في الفعل ورد ~~الفعل - أنها تتعرف على، أو تفسر الموقف الثاني بأنه تكرار للأول، فهي ~~تتوقع عنصره الأساسي؛ أي الرائحة المرفوضة، # 15 # بعبارة أخرى توضح هذا، نقول: إن التجربة قد أثبتت أن الجراء ~~هي التي تفترض التكرار، وليس التكرار هو الذي يخلق فيها افتراضات لقوانين، ~~إن عقولنا واستعداداتنا النفسية هي التي تصنع التكرار، مثلما تصنع معظم ~~المفاهيم المنطقية، وليس التكرار هو الذي يصنعها. # خلاصة هذا ببساطة، هو أن بوبر يشرح المفهوم السيكولوجي العلمي الأصيل ~~للتكرار، ليثبت أنه شيء مخالف تماما لذلك الذي أراده هيوم له ومنه، وأنه ~~لا يمكن - في واقع الأمر - أن يقوم بالدور الذي خوله هيوم له؛ لأننا نحن ~~الذين نحكم على الأحداث بأنها تكرار، وليست هي التي تحكمنا بما يبدو من ~~تكرار لها فتجعلنا نستنتج قانونا؛ ومن ثم فليس التكرار علة لما تصوره ms088 ~~هيوم معلولا له - أي العادة - وقد أعطانا دليلا سيكولوجيا تجريبيا ~~على هذا. # وهذا النقد قد يبدو سيكولوجيا، لكنه في واقع الأمر يقوم على أسس منطقية ~~بحتة، وهي أن نوع التكرار الذي تصوره هيوم، لا يمكن أن يكون كاملا؛ ~~فالحالات التي وضعها في ذهنه، لا يمكن أن تكون حالات من ذات الهوية Perecf Sameness # بل يمكن فقط أن تكون ~~حالات تماثل # Similarity ~~؛ لذلك تكون ~~تكرارات؛ فقط من وجهة نظر معينة، وهذه الوجهة سابقة على إدراك التكرار، # 16 # ثم تحكم بعد ذلك العملية المنطقية لإدراك التكرار، أو لإدراك ~~تجعله تكرارا، فكيف يدعي هيوم إذن أن التكرار يخلق وجهات للنظر، ويخلق ~~اعتقادات. # إن محاولاتنا بأن نفرض تفسيراتنا على العالم «= وضع القوانين العلمية» ~~أولية منطقيا على إدراك المتماثلات، أي على إدراك ما نحكم عليه بأنه ~~تكرارات، إذن من الناحية المنطقية، هناك سبق منطقي للفروض والتوقعات من ~~النظريات و«الافتراضات ~~الحدسية» # Conjectures # تكون قبل أن تكون التكرارات، أو بالأحرى إدراك ~~التكرارات؛ لذلك يكون الفرض العلمي سابقا منطقيا وزمانيا على إدراك ~~الملاحظات المتكررة، وليس نتيجة استقرائية لها، «هذه الأسبقية هي حجر ~~الزاوية والعمود الفقري من فلسفة بوبر المنهجية، والتي تجعلها رافضة ~~للاستقراء.» # لكل ذلك يرى بوبر أن هيوم لم يستطع أن يحلل المعرفة تحليلا صحيحا، ولم ~~يدرك الترتيب المنطقي السليم لعناصرها؛ لذلك لم يستوعب القوى الكاملة ~~لتحليلاته المنطقية؛ إذ إنه حين فند الاستقراء، واجهته المشكلة الآتية: ~~كيف نكتسب بالفعل معرفتنا - كمسألة واقعة - بعد أن اكتشفنا أن الاستقراء لا ~~يصلح، وكان أمامه إجابتان محتملتان: ~~(أ) # نحن نكتسب المعرفة بإجراء لا استقرائي، علينا إذن أن نترك ~~الاستقراء، ونبحث عن مثل هذا الإجراء، هذه الإجابة خليقة بأن ~~تستبقي هيوم عقلانيا، بل وتتوجه في عالم منطق العلم، لكنه ~~للأسف لم يقو على الأخذ بها، ربما - فيما يرى بوبر - لأن ~~الأصالة المنطقية تنقصه، وربما - فيما يبدو لي - لأن الاستقراء ~~كان مسيطرا سيطرة يصعب على فيلسوف مثل هيوم، وجاء في زمن كزمن ~~هيوم، أن يتخلص من أسرها. ~~(ب) # أما الإجابة الثانية فهي: نحن ms089 نكتسب معرفتنا بالتكرار ~~الاستقرائي، رغم أن الاستقراء باطل منطقيا، وقد رأينا هذا ~~يعني أن جماع معرفتنا العلمية لا عقلانية. # وهناك نقطة جديرة حقا بالذكر هي: أننا لا يمكن بالطبع أن نقول: إن ~~الاستقراء عقلاني تبعا لمقاييس المنطق الاستقرائي، فهذا دوران منطقي وموقف ~~لا نقدي (تعبير لا نقدي # un-critical # عند ~~بوبر يعني جماع الخطايا الفلسفية، وخلاصة لكافة ما يمكن توجيهه من اتهامات ~~منطقية) لأنه يعني إدخال السؤال عن الواقعة # fact ~~، واقعة وجود الاستقراء كمنهج للعلم - والسؤال عن ~~التبرير أو الصحة - في ذات الهوية # Justification or ~~validity ~~، وقد كان إنجاز هيوم العظيم هو تحطيمه لهذا ~~الموقف اللانقدي، وهذا الدوران والفصل بينهما، غير أنه رفض الثانية: ~~• أنكر التبرير والصحة ولكن لم يستطع رفض الأولى، الاستقراء أمر واقع؛ ~~لذلك بقي متشبثا بالإجابة الثانية «نحن نكتسب المعرفة بالاستقراء.» متفقا ~~مع الحس المشترك في أنهما بمنتهى الضعف يسمحان للاستقراء بأن يعاود الدخول ~~عن طريق التكرار في شكل نظرية سيكولوجية، # 17 # بعد أن رفضه المنطق، أي خرج الاستقراء من الباب، لكنه عاد ودخل ~~من الشباك فما الداعي لكل هذه الجعجعة؟ # كل هذا يعني أن نظرية هيوم - رغم آثارها العميقة - من الناحية المنطقية ~~مهترئة، وقد سبقت الإشارة إلى أنها في حقيقة أمرها نظرية سيكولوجية في ~~الاعتقاد والعادة، فهل يمكن أن يرفضها المنطق، لكن نقبلها في عالم علم ~~النفس، الإجابة: كلا، بناء على الآتي: # ثالثا: النقد السيكولوجي لنظرية هيوم # إذا أردنا أن نضع نظرية سيكولوجية عن أصل الاعتقاد، فينبغي أن نحذف ~~الفكرة البدائية «الأحداث المتماثلة»، ونضع بدلا منها «الأفعال التي تكون ~~ردود أفعالنا عليها هو تفسيرها بأنها متماثلة» ذلك هو التعبير العلمي ~~السليم. # فالتماثل بالنسبة لنا هو نتاج تجارب تتضمن تفسيرا (قد يكون غير متوافق) ~~أو انتظارات أو توقعات (قد لا تتحقق أبدا)؛ لهذا يكون في حكم المستحيل أن ~~نشرح هذه التفسيرات أو التوقعات كنتاج لتكرارات عدة كما اقترح هيوم، فحتى ~~التكرار - بالنسبة لنا - يجب وأن يكون مؤسسا على التماثل - بالنسبة لنا - ~~ولهذا على توقعات - هي على وجه الدقة ms090 - نفس ما ابتغى هيوم شرحه، بعبارة ~~أخرى: التوقعات التي يمارسها الذهن، هي الأساس الذي يقوم عليه مفهوم ~~التكرار، وليست هي التي تجيء كنتيجة للتكرار، # 18 # وفي تجربة بيجيه # F. Bage # ما ~~يؤكد ذلك. # الواقع أن بوبر يدور مدارا واحدا، محوره أن الاعتقاد يسبق مفهوم ~~التكرار، وليس العكس كما أراد هيوم، ويأخذ بوبر في تكييف هذه الفكرة، وإما ~~تكييفا علميا تجريبيا وإما منطقيا، وإما سيكولوجيا، حسب وجهة ~~النقد الذي يريد أن يوجهه إلى هيوم، لينتهي في النهاية إلى أن نظرية هيوم، ~~سواء بوصفها فلسفية أو منطقية أو حتى سيكولوجية لا تساوي شيئا. # ولما كانت أساسا سيكولوجيا كانت ذاتية ليست موضوعية، ويا لها من جريمة ~~في عرف بوبر، الفلسفة مثل العلم هي كائنات موضوعية تقطن في العالم 3، ~~وفلسفة هيوم لا تساوي مثقال ذرة بالنسبة لهذا العالم ولا بالنسبة لأي عالم؛ ~~نظرا لما تجوس فيه من غياهب الذاتية لكن في خضم هذه الغياهب الذاتية، ~~يعثر بوبر على جوهرة ثمينة تظفر بها المعرفة الموضوعية وهي ببساطة التفنيد ~~المنطقي لأي ادعاء بأن الاستقراء يمكن أن يكون ذا صحة منطقية # 19 # لإقامة المعرفة أو تبريرها؛ أي مشكلة الاستقراء، تشبث بوبر ~~بهذه الجوهرة، وحاول أن يجلو عنها الشوائب الذاتية، أن يصيغها صياغة ~~موضوعية، لنرى ماذا عسى أن ينجم عن هذه الصياغة. ~~(2) حل المشاكل الاستقرائية ~~(1) لقد اتضح أن بوبر لا يرضى عن مفهوم المنطق في ذهن هيوم، بعبارة أخرى: هيوم لا ~~يدرك تماما ما هو المنطق ولا كيف تكون المشاكل المنطقية، الآن سيصب بوبر مشكلته - ~~التي أخرجها هو في مصطلحات ذاتية سيكولوجية - في قالب المنطق الموضوعي؛ بحيث لا ~~تكون مشكلة الاستقراء هي مشكلة لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل هي مشكلة ~~العلاقة المنطقية البحتة بين العبارات المفردة، أي أوصاف للوقائع المفردة القابلة ~~للملاحظة # Descriptions of observable Singular facts # وبين النظريات الكلية؛ لذلك لا بد وأن يستبدل مصطلحات ~~هيوم الذاتية بمصطلحات موضوعية على هذا النحو: # مصطلحات هيوم الذاتية # مصطلحات بوبر الموضوعية # الحالات التي مرت بخبرتنا # عبارات الاختبار # test statements # أي ms091 العبارات المفردة التي تصف أحداثا ملاحظة، وهي عبارات # observable Statement # أو ~~العبارات ~~الأساسية # basic Statement ~~. ~~* # الحالات التي لم تمر بخبرتنا # النظرية الكلية ~~الشارحة # Universal Explanatory Theory ~~. ~~* # انظر تفصيل الحديث عن «العبارات الأساسية» الفصل الثاني ~~من الباب الثالث. # وبوبر يبرر إجراء هذا التعديل بمبررات ثلاثة: ~~(أ) # من الناحية المنطقية، فإن الحالات تؤخذ بالنسبة لقانون عام، أو على ~~الأقل بالنسبة لدالة عبارة # Statement ~~Function ~~، يمكن أن تعمم؛ إذ نأخذ هذه الحالات ~~بوصفها أمثلة دالة على قانون عام. ~~(ب) # الانتقال من الحالات الماضية إلى استدلال يتعلق بالحالات المستقبلة ، ~~يتم بمساعدة نظريات كلية. ~~(ج) # بوبر - مثل رسل - يرغب أن يصل مشكلة الاستقراء بالقوانين الكلية ~~ونظريات العلم، وليس بالحالات المستقبلة. # 20 ~~(2) من هذا المنطق تخرج المشكلة على هذا النحو: # أولا: # هل يمكن أن تبرر الأسباب التجريبية، الدعوى بصدق النظرية الكلية ~~الشارحة؟ أي عن طريق افتراض صدق عبارات اختبار معينة - أو عبارات ~~ملاحظة - هل يمكن أن نبرر النظرية؟ # 21 # إجابة بوبر نفس إجابة هيوم؛ أي بالنفي مهما كان عدد الحالات ~~كبيرا. # وهناك مشكلة منطقية أخرى، وهي لا تعدو أن تكون تعميما للسابقة؛ ~~فهي تتأتى لنا بمجرد أن نحل «صدق أو كذب» محل صدق وهي: # ثانيا: # هل يمكن للأسباب التجريبية أن تبرر الدعوى بصدق أو كذب النظرية ~~الكلية الشارحة؟ أي هل يمكن لافتراض صدق عبارات اختبار معينة، أن ~~تبرر إما الدعوى بأن النظرية الكلية صادقة، وإما الدعوى بأنها ~~كاذبة؟ # بوبر يجيب على هذا بالإيجاب، فإذا كان صدق عبارات الاختبار لا ~~يتمكن من تبرير الدعوى بصدق النظرية الكلية الشارحة، فإنه يتمكن ~~أحيانا من تبرير كذبها. # 22 # وترتكز هذه الإجابة من بوبر - والحق فلسفته المنطقية بأسرها - ~~على قاعدة منطقية صارمة، هي قاعدة اللاتماثل المنطقي # logical Asymmetry # بين ~~التحقيق - أي إثبات الصدق - وبين التكذيب عن طريق الخبرة؛ فالمنطق ~~يقضي باختلاف المنزلة المنطقية بين التحقيق والتكذيب؛ لأن ألف حالة ~~لا تثبت القضية منطقيا؛ لذا برزت مشكلة الاستقراء، ولكن حالة رفض ~~واحدة تحسم القول في كذب القضية، فيكون رفض الإثبات وقبول النفي ms092 ~~أصوب الصواب - الصواب المنطقي الذي نقيم عليه العلم. # تبعا لمشكلة الاستقراء، يستحيل علينا التمييز - كما أشار رسل - ~~بين فرض علمي وبين اعتقاد مجنون بأن بيضة مسلوقة: الاثنان قائمان ~~على أسس لامنطقية لاعقلانية؛ لذلك كان الاستقراء عاجزا منطقيا ~~عن الاختيار بين الفروض المتنافسة، وتفضيل الفرض الأكثر صدقا، ~~ولكن بهذا التناول البوبري نستطيع التوصل إلى تفنيد بعض من الفروض ~~المتنافسة، فتكون فرصة التفضيل متاحة أكثر؛ لأنها تنحصر بين ~~الفروض التي لم يتم تفنيدها بعد، وهذه يقود إلى صياغة ثالثة ~~لمشكلة الاستقراء لا تعدو أن تكون مجرد بديل للمشكلة الثانية، ~~والمشكلتان الثانية والثالثة مجرد تعميم للأولى، «وفي هذا إيماءة ~~واضحة إلى أننا نتحرك فقط - ها هنا - في مجال المنطق» وهذه الصياغة ~~الثالثة هي: # ثالثا: # هل يمكن للأسباب التجريبية أن تبرر تفضيل Preference # بعض من النظريات الكلية ~~المتنافسة على الأخرى؟ # 23 # بوبر يجيب على هذا بالإيجاب تبعا لإجابته بالإيجاب على المشكلة ~~الثانية، فإذا توصلنا إلى تفنيد بعض من الفروض المتنافسة، أصبح من ~~الواضح تفضيل الفروض التي لم يتم تفنيدها بعد، وهذه نتمسك بها ~~مؤقتا بوصفها حد التقدم العلمي حتى هذه اللحظة، ثم تستأنف الجهود ~~العلمية التالية المسير منها بأن تحاول تفنيدها هي الأخرى، وتحاول ~~أن تضع بدلا منها فروضا أكثر اقترابا من الصدق، نأخذ بأفضلها ~~نسبيا، ونتمسك بها مؤقتا، فقط لأنها أفضل ما لدينا حتى الآن، ~~إلى أن يتم تفنيدها هي الأخرى، وهذا التفنيد سيتم - لا محالة - ~~يوما ما حين نتوصل إلى فروض أفضل نسلم بها بصفة مؤقتة ... وهلم ~~جرا؛ إذ لا يتوقف العلم أبدا، بل يسير سيرا متصلا، هو في ~~جوهره نفس مسار المعرفة بجملتها - والتي هي موضوعية - بل ومسار ~~سائر الأنشطة الحيوية، والذي رأيناه يتلخص في المعادلة «م1 # ح ح # أ أ # م2»، على هذا المنوال يسير العلم في حلقات متصلة، ~~كل منها أكثر تقدما من سابقتها، مهما بلغت من تقدمها وقوتها ~~يستحيل أن تعتبر يقينية، ولا حتى صادقة، فقط أكثر اقترابا من ~~الصدق. # هكذا نجد العلم مطرد التقدم، لا يمكن أن ms093 نسمه بالسمة ~~اللاعقلانية، فأين اللاعقلانية في معرفة تسير بمنهج نقدي، يبحث عن ~~الخطأ في النظريات المتنافسة، إنه منهج التفضيل العقلاني، الذي ~~يتحول إلى لاعقلاني، فقط حين يبحث عن اليقين، عن النظرية الصادقة ~~أبدا لكن التخلي عن مطلب اليقين أو الصدق، لا يعني إطلاقا التخلي ~~عن البحث عن الصدق؛ فالبحث العلمي محكوم أولا وقبل كل شيء بفكرة ~~الصدق، فكرة الكشف عن نظرية أكثر اقترابا من الصدق، فالصدق الغاية ~~المرومة، والهدف النهائي بعيد التحقيق، فهو - كما عرفنا في الفصل ~~السابق - يلعب دور الفكرة التنظيمية. ~~(3) المشكلة السيكولوجية: إعادة الصياغة والحل: تناول بوبر للجانب السيكولوجي من ~~مشكلة هيوم محكوم بمبدأ أسماه مبدأ ~~الطرح Principle of Transference ~~، خلاصته أن ما يصدق في المنطق، يصدق أيضا في علم النفس ~~«كأن نقول: إن ما يصدق في منهج العلم، يصدق أيضا في تاريخ العلم.» # 24 # والآن قد انتهينا في حل المشكلة المنطقية الثالثة، إلى منهج تفضيل منطقي، بطرحه ~~على الجانب السيكولوجي نصل مباشرة إلى منهج المحاولة والخطأ الذي رأيناه في الفصل ~~السابق بحكم سائر الأنشطة الحيوية؛ حيث إن: # محاولات الحل المختلفة تناظر تكوين النظريات المتنافسة. # بينما: استعاد الخطأ يناظر تفنيد النظريات عن طريق الاختبارات التجريبية. # لذلك يقترح علينا مبدأ الطرح المشاكل الآتية، وحلولها على النحو التالي: # أولا: إذا أخذنا النظرية مأخذا نقديا، أي من وجهة نظر الأدلة الكافية، بدلا ~~من أية وجهة للنظر براجماتية، فهل سنشعر على الدوام بالتأكد التام، أي باليقين من ~~صدقها؟ حتى لو أخذنا في الاعتبار النظريات المختبرة جيدا مثل نظرية شروق الشمس كل يوم؟ # 25 # بوبر يجيب على هذا بالنفي، إننا لا نشعر باليقين أبدا مهما نظرنا إلى الأدلة ~~الكافية، إن اليقين هو المستحيل، فالشمس قد لا تشرق غدا؛ فقد تنفجر مثلا بعد نصف ~~ساعة، ولكن لا ينبغي أن نأخذ هذا الاحتمال مأخذ الجد؛ لأننا لا نستطيع أن نفعل ~~بإزائه شيئا، إذن لا بد وأن نأخذ في الاعتبار السلوك العملي «البراجماتي» الذي يأتي ~~نتيجة للاعتقاد، فإذا كان المبرر العقلاني للشعور السيكولوجي باليقين مستحيلا، فإن ms094 ~~هناك فعلا شعورا قويا، أو اعتقادات، وهذه المعتقدات سواء كانت عقلانية أو غير ~~عقلانية، يقينية أو غير يقينية، تحكم حياتنا العملية؛ لذلك لا بد وأن نأخذ في ~~الاعتبار المعتقدات البراجماتية، أي التي تحكم حياتنا العملية، والتي قد تكون على ~~جانب عظيم من القوة، هل هي حقا كما ادعى هيوم نتيجة للعادة الاستقرائية؛ أي ~~للتكرار، إن ذلك يقود إلى طرح المشكلة الآتية: ~~• هل تلك الاعتقادات البراجماتية القوية التي نتمسك بها جميعا، مثل الاعتقاد بأنه ~~سوف يكون هناك غد، هي نتائج لا عقلانية للتكرار؟ # 26 # بوبر يجيب بالنفي بناء على الفكرة التي عرضها بوضوح في نقده لهيوم، وهي أن ~~التكرار لا يخلق عادة ولا اعتقادا، وأن عقل الإنسان أو استعداداته الفطرية هي التي ~~تخلق مفهوم التكرار نفسه؛ لذلك فالاعتقادات البراجماتية هي نتيجة لنزوعات فطرية، ثم ~~تعديلاتها كنتيجة لمنهج المحاولة والخطأ، المناظر لمنهج تفضيل النظريات العلمية، ~~ولما كنا قد انتهينا إلى أن منهج التفضيل عقلاني تماما، ولا يخل بأية قوانين ~~منطقية، فإن هذه السمة العقلانية تطرح على الجانب السيكولوجي. ~~(4) المشكلة البراجماتية وحلها: بدا من التساؤل الأخير، كيف أن الناحية ~~السيكولوجية وثيقة الاتصال بالتصرفات العملية أي بالناحية البراجماتية، فهما وجهان ~~لعملة واحدة؛ فالاعتقاد البراجماتيكي، هو طبعا شيء وثيق الصلة بالفعل # Action ~~، وبالاختيار بين البدائل، أي بتصرفاتنا في ~~الحياة العملية؛ لذلك يعالج بوبر مشكلة للاستقراء براجماتيكية، مثلما عالج مشكلته ~~السيكولوجية. # بوبر يطرح المشكلة البراجماتيكية وحلها على هذا النحو: # أولا: # من وجهة النظر العقلانية، على أي نظرية يجب أن نعتمد بالنسبة ~~لأفعالنا العملية؟ # 27 # رد بوبر: # من وجهة النظر ~~العقلانية، لا يجب أن نعتمد # Rely ~~- ~~بمعنى الوثوق الكامل - على أية نظرية، مهما اعتقدنا أن صدقها قد ~~ثبت، فالصدق لا يمكن أن يثبت. # ثانيا: # من وجهة النظر العقلانية، أي نظرية يجب أن نفضلها بالنسبة ~~لأفعالنا العملية؟ # رد بوبر: # أفضل النظريات المختبرة # best-tested # أكثر ~~النظريات صمودا أمام اختبارات النقد ومحاولات التفنيد هي التي يجب ~~أن نفضلها بالنسبة لأفعالنا العملية، # 28 # فتتصرف على أساسها. # إننا نختار؛ لأن الحياة اليومية ms095 لن تسير، وهي لا بد أن تسير بغير ~~أن يتم هذا الاختيار، وإذ يتم على هذا النحو، فإن بوبر لا يرى ~~شيئا أكثر عقلانية منه. # وأكثر من هذا فحتى الاعتقاد البراجماتي في نتائج العلم، فقد أصبح ~~الآن عقلانيا على الأصالة، طالما حلت مشكلة الاستقراء، قد ~~أصبح قائما على المناقشة النقدية التي هي منهج العلم الآن، والذي ~~يبدو لاعقلانيا فقط إذا أخذناه على سبيل اليقين، أما إذا أخذناه ~~كأساس للسلوك العملي في الحياة اليومية، فهو الأساس الأمثل، أساس ~~عقلاني بلا مشاكل؛ لأنه يعني أننا قد اخترنا النظرية، وجعلناها ~~كمعتقد نؤسس عليه تصرفاتنا العملية؛ فقط لأنها الأفضل، وتصرفاتنا ~~على أساسها ستكون أنجح مما لو اخترنا فرضا آخر من الفروض المتاحة ~~لنا في هذا الآن، لكن هذا الاختيار لا يعني أننا نأخذها كحقيقة ~~موثوق بها نعتمد عليها تماما، بل يعني فقط أننا فضلناها على ~~منافساتها لا أكثر ولا أقل. # وإجابة بوبر السلبية الاحتمالية الشكية على مشكلة الاستقراء البراجماتية، لا يمكن ~~أن تعاب؛ لأنها تعد من قبيل الاحتياط والحذر الواجب بعدما أدركه العلم من تقدم، ~~فالعلم يضع نظريات عديدة، تحمل احتمالات متناقضة، كلها قائمة، منها احتمال دمار هذا ~~العالم كليا أو جزئيا، وانفجار الشمس وفناء الجنس البشري، فإذا كانت نظريات ~~العلم صادقة، وتؤخذ مأخذ اليقين، فإن هذا العالم الذي نعرفه بكل اطراداته ~~وانتظاماته الملائمة لنا براجماتيكيا، قد يتحطم في أية لحظة، قد تكون اللحظة التالية # 29 # مباشرة، وطبيعي فإننا من الوجهة البراجماتية لا نتخذ هذه النظرية رغم ~~أنها نظرية علمية، وقد تكون اعتقادا سيكولوجيا أساسا للتصرف؛ لأن التصرف على ~~أساسها لن يكون هو الأنجح بل الأفشل، ولكن طالما أنه احتمال، فمن الضرورة المنطقية ~~أن نأخذ نقيضه - الذي فضلناه - فقط مأخذ الاحتمال. # على هذا النحو، حل بوبر مشكلة الاستقراء من كافة جوانبها المنطقية والسيكولوجية ~~البراجماتية. ~~(3) نتائج هذا الحل ~~(1) وقبل أن نتحدث عن نتائج هذا الحل لا بد أن ندرأ أولا نقد هيلاري باتنام # Hilary Putnam # المجانب للصواب، فهو يبدأ ~~حديثه بأن بوبر يشير بمفهوم الاستقراء ms096 إلى أي منهج يحاول تحقيق أو تبيان صدق أو حتى ~~حساب احتمالية القوانين العامة على أساس الوقائع الملاحظة ومعطيات التجريب. # 30 # غير أن بوبر لم يشر إلى هذا، بل يقصد بالاستقراء المقصد السليم له، أي إن الوقائع ~~هي أصل النظرية، هي تعميم لها، أو فرض مشتق منها ومن تكراراتها. # ثم ذهب باتنام إلى أن هذه النظرة من بوبر، التي تعني أن النظرية فقط صمدت أمام ~~الاختبار تجعل العلم بأسره نشاطا لا حاجة له؛ لأن العالم لن يخبرنا إطلاقا أن ~~النظرية تصلح جيدا للاعتماد عليها عمليا، وهو أيضا لا حاجة له لأغراض الفهم ~~العقلي؛ لأن العالم لن يقول: إن النظرية صادقة أو حتى محتملة. # 31 # أبسط رد على بتنام هو حل بوبر للمشكلة البراجماتية، أو إثباته الصلاحية التامة ~~للاعتماد على النظرية، أما نظرته هذه لأغراض الفهم العقلي، فليس لها إلا مبعث واحد ~~وهو أنه لم يستطع التحرر من الرغبة الدفينة في اليقين، التي يفسرها رايشنباخ في ~~«نشأة الفلسفة العلمية» بالرغبة في العود في عهود الطفولة، التي لا يعكر صفوها أدنى ~~شك بفضل الثقة في حكمة الوالدين، ثم تقويها التربية الدينية؛ إذ تعتبر الشك خطيئة، # 32 # فمنطق بوبر يعني أن النظرية التي توقفنا عندها هي أكثر النظريات ~~اقترابا من الصدق. # ثم إننا لم نستطع التسليم بالنظرية احتماليا على أساس منطق الاستقراء، بينما ~~نستطيع هذا على أساس نظرية بوبر في منطق العلم، هذه إحدى النتائج الهامة ~~للحل. ~~(2) إذ سيكون تسليما عقلانيا تماما، وعقلانية تطرح على الجانب السيكولوجي، ~~فتقينا من الشيزوفرينيا التي عرضنا لها هيوم، أو بالأصح الاستقراء، خلاصة القول في ~~نتائج هذا الحل أننا الآن بمأمن من كافة الآثار الخطيرة للاستقراء ومشكلته. ~~(3) في سياق الحديث عن نتائج الحل، لا بد من إلقاء الضوء على زاوية هامة جدا في ~~فلسفة بوبر، شاعت في ثنايا هذا الفصل، وستشيع في سائر ثنايا فلسفة بوبر المنهجية، ~~وهي فكرة التوقعات الفطرية، أو الاستعدادات السيكولوجية «منها الاستعداد لخلق مفهوم ~~التكرار وعلى أساسه كان نقد هيوم، وحل المشكلة السيكولوجية.» # ذلك ms097 أن الفيلسوف التجريبي بوبر لا يرى أن الذهن يولد صفحة بيضاء تخطها التجربة ~~كما يدعي التجريبيون المتطرفون، على رأسهم جون لوك، ولا هو يرى أن الذهن يولد ~~بأفكار فطرية كما يدعي المثاليون المتطرفون، كلا، الأفكار الفطرية خلف ~~محال # absurd ~~، فقط يولد الذهن مزودا بمجموعة ~~من النزوعات والتوقعات الفطرية، التي قد تتغير وتتعدل مع تطور الكائن الحي، # 33 # والتي قد تكون على درجة كبيرة من الاختلاف والتعقيد، وهي تتحد فيما ~~بينها لخلق ملكات الإنسان؛ النزوع إلى الحب، إلى العطف، إلى مناظرة الحركات إلى أن ~~نتحكم في هذه الحركات المناظرة ونصححها، وأن نستعملها ونتواصل بواسطتها والاحتياج ~~إلى لغة نتسلم بواسطتها الأوامر والطلبات والتحذيرات والإنذارات ... والنزوع إلى ~~تأويل العبارات الوصفية، وإلى استعمالها وإلى وضعها، # 34 # وهذه التوقعات سابقة منطقيا وزمانيا؛ لأنها سابقة وراثيا، على أي ~~تعرف على البيئة، على تلقي أية خبرة حسية، وبالطبع على أي تجريب. # أهم هذه النزوعات هو توقيع الاطراد؛ ~~فالاطراد ليس نتيجة خرجنا بها من ملاحظة الطبيعة، ولا هو عادة ذهنية اكتسبناها من ~~أثر التكرار؛ فقد ثبت بطلان كل هذا، بل هو في حقيقته مجرد نزوع فطري في الإنسان ~~والحيوان، يولد كل كائن حي مزودا بافتراض الاطراد في الطبيعة، فيحاول فرضه عليها؛ ~~فقد لوحظ في الحيوانات والأطفال، ثم في البالغين من بعد؛ لوحظت الحاجة القوية ~~الملحة إلى الاطراد، هذه الحاجة تجعلهم يبحثون عنه فيقفزون بلا مبرر إلى إشباع ~~هذا التوقع، مما يشعرهم في بعض الأحيان أنهم مروا بخبرة الاطراد حيث لا يوجد بالفعل ~~هذا الاطراد، وقوة هذا التوقع تجعلهم يتشبثون به بطريقة دوجماطيقية، فإذا تحطمت بعض ~~الاطرادات المفترضة، فإن هذا يقودهم إلى الشقاء والقنوط واليأس، بل وإلى حافة الجنون، # 35 # ويؤكد قوة هذا التوقع ما نلاحظه من شعور الطفل بالسعادة حينما تشبع ~~لديه هذه الحاجة إلى افتراض الاطراد في البيئة أو الطبيعة. # 36 # هكذا نجد افتراض الاطراد في الطبيعة، ومحاولة فرضه عليها هي مسألة سيكولوجية ~~مؤسسة على الدوافع الفطرية، مثل الدافع أو الحاجة إلى عالم يتفق مع توقعاتنا، ~~تماما ms098 كالاحتياج إلى استجابات اجتماعية مطردة، أو إلى تعلم لغة ذات قواعد مطردة، ~~مسألة سيكولوجية كيف نتخذها أساسا عميقا نقيم عليه منطق العلم الاستقرائي، ~~الاطراد ليس قانونا نبرر به منهج العلم، وعلى هذا يمكن ببساطة دحض افتراض السببية، ~~طالما أنه وضع أصلا لتفسير الاطراد في الطبيعة؛ لماذا يطرد اتباع «ب» ل «أ»؛ ~~لأن «أ» علة «ب»، لكن لا اطراد في الطبيعة كي نبحث عن مبدأ أو قانون يفسره، إذن لا ~~سببية، بمنتهى البساطة استطاع بوبر حل المشكلة الفلسفية العميقة، مشكلة السببية، ~~بعض النقاد يرفضون هذا الحل فقط لأنه بسيط غير معقد، على العموم نحن الآن بصدد ~~نتيجة منهجية هامة؛ هي انهيار الاطراد والسببية، أي انهيار أساس الاستقراء. # ونظرية الاستعدادات الفطرية هذه لها أبعاد كثيرة، أكثر من انهيار أساس الاستقراء ~~فكل كائن حي له نزوعات فطرية، له ردود أفعال واستجابات فطرية، بعض هذه الاستجابات ~~قد تكون متكيفة مع أحداث وشيكة الوقوع، هذه الاستجابات هي ما يسميها بوبر ~~بالتوقعات، بغير أن يتضمن هذا أنها شعورية، بهذا المغزى يقول: إن الطفل حديث ~~الولادة يتوقع أن يجد من يطعمه، بل أكثر من هذا يتوقع أن يجد من يحبه ويحميه، ~~طالما أن هناك علاقة وثيقة بين المعرفة والتوقع، فيمكن أن نتحدث عن هذه المعرفة ~~الفطرية حديثا معقولا تماما، ولكن هذه المعرفة الأولية، ليست ذات صحة أولية، ~~مثلها مثل أية معرفة قد تصدق وقد تخيب، فالتوقع الفطري يمكن أن يكون خطأ، بصرف ~~النظر عن مدى قوته، فالطفل حديث الولادة يمكن أن يهجر وأن يموت جوعا، # 37 # والآن لو تذكرنا أن المعرفة تسير في حلقات «م1 # ح ح # أ أ # م» وارتددنا إلى الوراء، إلى أولى هذه الحلقات في العصور ~~الحجرية؛ لوجدناها بدأت بأول م1 في التاريخ بتوقع فطري سابق على أية ملاحظة، أخطأ ~~ووقع في مشاكل، فحاول الإنسان البدائي أن يعدله، فدخل في هذه العملية وانتهى إلى ~~م2، جعلها م1 ... وهكذا. # إذن المعرفة في كافة مراحلها بدأت بفرض سابق على التجريب، ولا مكان على وجه ~~الإطلاق لأدنى ms099 شائبة استقرائية في البنيان المعرفي. # ويتخذ بوبر عضدا لهذه النظرية الهامة، من أبحاث عالم النفس العظيم كونراد لورنتس # Konrad Lorentz # الذي يتبوأ مكانة عالية على ~~عالم علم النفس الحيواني، ويتمتع بشعبية فائقة في وطنه النمسا؛ لما اشتهر به من ~~تجارب بارعة، أثبت بها نتائج أكثر من رائعة من عالم جد غريب، عالم البط ~~والأوز. # وعلى الرغم من أن الصبي كارل بوبر كان على معرفة بمواطنه الصبي كونراد لورنتس، ~~إلا أن بوبر قد توصل إلى نظريته هذه قبل أن يسمع عن أبحاث لورنتس، ولما عرفها وجد ~~فيها خير معين على دعاويه، والذي يهمنا من أبحاث لورنتس نظرية يصفها بوبر بأنها ~~معجزة، وهي نظرية في علم النفس الحيواني يطلق عليها لورنتس اسم # Emprinting Theory # مؤدى هذه النظرية أن ~~الحيوانات الصغيرة لها أسلوب عمل ~~فطري # inborn mechanism # للقفز إلى نتائج وطيدة غير قابلة للزعزعة، فمثلا فرخ الأوز ~~حديث الخروج من البيضة، يتخذ أول شيء متحرك تقع عليه عيناه على أنه أمه، وهذا ~~الأسلوب في العمل ملائم في الظروف العادية، لكن قد يكون خطيرا في بعض الظروف، # 38 # حينما يكون هذا الشيء ثعلبا مثلا. # فرخ الأوز يخرج إلى الحياة متوقعا أن يجد له أما، متوقعا أن حجمها أكبر ~~نسبيا من حجمه، أفلا يولد الإنسان - وهو تاج الخليقة - بأمثال هذه التوقعات لتكون ~~نقطة البدء في محاولاته المعرفية، ولا تكون هذه النقطة استقراء وقائع الحس من ~~الطبيعة، فيخرج أول إنسان في التاريخ بنتيجة استقرائية مصابة بآفة الاستقراء، جاعلة ~~التصدع المنطقي لبنيان المعرفة متغلغلا حتى آخر الأعماق، كلا بالطبع. # غير أن لي ملاحظة هامة: نظرية التوقعات الفطرية الخطيرة هذه، التي كفلت تأمين ~~العلم من أية شائبة استقرائية، حتى أولى بداياته، لها عضد هام هو عالم النفس العظيم ~~كارل يونج # Carl Jung ~~، الذي أكد على الأصول ~~العنصرية في التكوين السيكولوجي حتى إنه يعتبر شخصية الفرد نتاجا ووعاء يحتوي على ~~تاريخ أسلافه، # 39 # وقد أدى هذا إلى اتهام يونج بأنه نصير النازية. # لكن الذي يهمنا الآن هو تأكيد يونج ms100 بأن الإنسان يولد مزودا بكثير من الاستعدادات ~~التي يتركها له أسلافه، وهذه الاستعدادات توجه سلوكه، وتحدد جزئيا ما سيصبح ~~شعوريا لديه وما سيستجيب له في عالم خبراته الخاصة، بعبارة أخرى هناك شخصية ~~تتكون ابتداء ذات طابع عنصري وجماعي تتجه نحو عالم الخبرات بصورة اختيارية، كما ~~أنها تتعدل وتتطور بفضل ما تتلقاه من خبرات. # وقد أطلق يونج على هذه الاستعدادات اسم الأنماط # Types # واعتبرها أحد العوامل الرئيسية في تكوين الشخصية. # إذن أكد يونج على استعدادات فطرية يولد الإنسان مزودا بها، تؤثر على تلقيه ~~الخبرات من البيئة، بل وتتطور بتطور الكائن الحي، وهذا تأييد آخر لنظرية بوبر ~~المنهجية، وتعميق سيكولوجي لها، الفارق الوحيد هو تأكيد يونج على أن هذه الأنماط أو ~~الاستعدادات تتأثر بالعنصر الجنسي البشري؛ أنماط السامي غير أنماط الآري ... # هذا لا يعني نظرية بوبر، لكن أيضا لا يضيرها، ولقد عكف يونج على دراسة علم ~~الأساطير والدين والرموز القديمة، والطقوس وعادات الشعوب البدائية؛ مما جعله - بغير ~~جدال - أعظم علماء النفس ثقافة وأعمقهم معرفة، وأشملهم فكرا. # 40 # لعل السبب الوحيد الذي جعل بوبر لا يلتفت إلى هذا التأييد السيكولوجي لنظريته هو ~~أنه ببساطة يعتقد أن نظرية يونج لا علمية؛ لأنها من تيار التحليل النفسي، والتحليل ~~النفسي ليس علما، كما سيثبت الفصل الرابع من الباب الثالث من هذا البحث. ~~(4) المهم الآن أن هذه التوقعات، أو الاستعدادات، هي أساس حل المشكلة ~~السيكولوجية؛ لأنها تجعل التكرار والتماثل مفروضين على الطبيعة، وليس بسبب أثر ~~العادات الاستقرائية، ولو تعمقنا قليلا لوجدناها أساس حل المشاكل المنطقية ~~أيضا، حيث لم نجد أي انتقال من وقائع مستقرأة إلى فروض؛ لأن فلسفة بوبر المنهجية ~~قائمة على حجر زاوية راسخ، هو أن الفرض سابق على إدراك الوقائع وعلى التجريب، وكانت ~~الاستعدادات الفطرية تأييدا علميا يعمق هذه النظرية اللااستقرائية حتى أبعد ~~الأصول؛ لذلك يقول بوبر: إن حله للمشكلة السيكولوجية أهم وأسبق زمانيا من حله ~~لبقية المشاكل الاستقرائية؛ # 41 # المنطقية والبراجماتية. ~~(5) لم يعد أمامنا الآن، أن استقراء من أي نوع كان، ولا في أية ms101 مرحلة من مراحل ~~المعرفة، ولا في أي مجال من مجالات الحياة، وفي سياق الحديث السالف عن منطق العلم، ~~لم يرد أي انتقال من وقائع إلى فرض جديد، لقد تخلص بوبر نهائيا من المعضلة ~~التي أعجزت الفلاسفة منذ هيوم حتى رسل، أثبت هيوم أن الاستقراء لا يصلح أساسا ~~منطقيا للعلم لكن لم يستطع التخلص منه بسبب ما ادعاه من إثبات سيكولوجي له، فظل ~~الاستقراء جاثما على الصدور حاكما على حياتنا المعرفية والعلمية باللاعقلانية، ~~أما بوبر فقد استأصله من أعمق أعماق جذوره، إن كان له جذور أصلا. # ولكن أولم نر الاستقراء صرحا أعظم يتفانى في الإخلاص له العلماء وفلاسفة العلم؟ ~~هل يمكن أن نقول ببساطة: ليس هناك استقراء؟ الواقع أن بوبر فعلا قال هذا، لكن لم ~~يقله ببساطة، بل تحدث حديثا طويلا مدعما بالأدلة العلمية التجريبية والنظريات ~~السيكولوجية والبراهين المنطقية؛ ليثبت أن الاستقراء خرافة، فماذا قال بوبر في هذا ~~الحديث؟ # الفصل الرابع # | الاستقراء خرافة # بريان ماجي ~~: # إنك - أي بوبر - تنادي بمبدأ مخيف، إذ تقول: ليس هناك شيء اسمه الاستقراء، ~~وإنك لتصور أن الاستقراء لا يصف ما يفعله العلماء في الواقع ولا هو يصف ما يجب ~~أن يفعلوه. # كارل بوبر ~~: # نعم ... وجهة نظري كانت ولا تزال مختلفة. # 1 # مقدمة ~~(1) عرض الفصل السابق حل بوبر لمشكلة الاستقراء، وما أعقب هذا الحل من إخراج منطق ~~العلم ثابتا بلا مشاكل بعد طول اتهام باللاعقلانية؛ ذلك لأن بوبر دحض افتراض ~~الاستقراء. # فلو أردنا وصف فلسفة بوبر التجريبية بكلمة واحدة، لكانت «فلسفة ضد الاستقراء» أو ~~اللااستقراء، فما من مقالة يكتبها أو محاضرة يلقيها، أيا كانت مناسبتها، وأيا ~~كان موضوعها، إلا ويهاجم فيها الاستقراء، إما من قريب وإما من بعيد، بوبر يصر على ~~هذا الهجوم إصرارا يكاد يصيب المتتبع لكتاباته بالملل، ويشعره أن الأمل العزيز ~~الذي تهفو إليه نفس بوبر هو أن يرى عالما لا يعرف شيئا اسمه الاستقراء. ~~(2) ولما كان الفصل الأول قد أوضح مكانة الاستقراء الشاهقة، استطعنا أن نعذر بوبر ~~على هذا الإصرار والتأكيد، وفعلا إن إنكار ms102 بوبر له في أول الأمر، كان غالبا ما ~~يقابل باستحالة التصديق، وهو نفسه قد تشكك كثيرا في أول الأمر في أن يكون ~~«مخلصا وصادقا في إنكار ما لا يستطيع أحد البتة أن يشعر بأدنى شك فيه، ما يؤخذ ~~بمثل هذا الانتشار الواسع واليقين الثابت.» # 2 # ومهما يكن الأمر فإننا لا نملك إلا الاعتراف بأن بوبر يملك فعلا مبررات هذا ~~الإصرار، ويملك حيثيات الحكم على الاستقراء بجلال شأنه وعظيم سلطانه، بأنه محض ~~خرافة لم نجن منها إلا الخسران المبين ... فما هي هذه الحيثيات؟ ~~(3) بدأت أولاها في الفصل السابق، بتقويض أساس الاستقراء من اطراد وسببية، لكن ~~هذا ليس جديدا تماما؛ فالاستقرائيون يسلمون بهما ليبررا الاستقراء، وهم عارفون ~~أنهما ليس لهما ما يبررهما، أي عارفون أن الاستقراء بغير أساس، فجاء بوبر ليؤكد لهم ~~أنه يقيم على شفا جرف هاو، وليس هذا بالشيء الكثير. # إنما حيثيات حكم بوبر القاطعة، تتبدى في صلب الاستقراء ذاته، أي في أن القانون ~~العلمي تعميم لمجموعة من الملاحظات التجريبية، بوبر في هذا الفصل سيتكفل بدحض هذا ~~الزعم فلسفيا وسيكولوجيا ومنطقيا وتاريخيا ... أي من كل الوجوه، فنتأكد أن ~~الاستقراء محض خرافة. ~~(1) البدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء ~~(1) أولا وقبل كل شيء لا شك إطلاقا في أهمية الملاحظة التجريبية للبحث العلمي، ~~هذا أمر لا يحتمل نقاشا ولا جدلا، وبوبر أول من يؤكد هذا، ولكن الخلاف العميق ~~والعنيف الناشب أظفاره بين بوبر والاستقرائيين هو واحد ووحيد، يتلخص في دور ~~الملاحظة. الاستقراء يقول: إن الملاحظة الحسية هي نقطة البدء التي توصلنا إلى ~~الفرض. أما بوبر فيقول: كلا الفرض قبل الملاحظة وهو الذي يدفع إليها، فلا بد وأن ~~يكون قد نبت في ذهن العالم قبلا فيدفعه إلى عملية الملاحظة التي قد تؤيد الفرض وقد ~~تفنده. الآن سيثبت بوبر استحالة هذا الدور الاستقرائي للملاحظة في التوصيل إلى ~~الفرض، مع ملاحظة أن هذا الدور هو لب الاستقراء وخلاصته وماهيته. ~~(2) فكرة أننا نستطيع البدء بالملاحظة الخالصة فقط، ونعمم نتائجها فنصل إلى ~~النظرية العلمية بغير أن يكون في ms103 الذهن أي شيء من صميم طبيعة النظرية؛ هي فكرة ~~مستحيلة، خلف محال، ويمكن توضيح هذا بأقصوصة عن رجل كرس حياته للعلم الطبيعي، فأخذ ~~يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى بأن تورث هذه المجموعة من الملاحظات التي لا ~~تساوي شيئا إلى الجمعية الملكية للعلوم بإنجلترا، كيما تستعمل كدليل استقرائي، # 3 # من الواضح أن هذه المجموعة من الملاحظات لا يمكن أن تبرهن على أي شيء ~~أو تفضي إلى أي شيء. # وقد حاول بوبر أن يؤكد هذا أكثر، بأن بدأ إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب ~~الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه!» بالطبع تساءل ~~الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، فعبارة «لاحظ» فحسب لا تعني شيئا وهي خلف محال. # 4 # العالم لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ~~ما، ومهمة محددة، واهتمام معين، ووجهة من النظر، نريد من الملاحظة أن تختبرها، ~~المشكلة هي ما يبدأ به العالم، وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، ~~فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل؟ بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق، أم يلاحظ أن ~~كل هذا يعرقل بحثه، حتى إن لاحظ بدقة ملاحظة علمية فحسب، فمهما كانت مجموعة الوقائع ~~التي سيخرج بها كبيرة، فيستحيل أن تضيف للعلم؛ فالعالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ ~~على أساسها. # 5 # إن العالم يبدأ بالحصيلة المعرفية السابقة التي يجدها في العالم 3، هي التي تحدد ~~له موقف المشكلة وتعينه على فهمها، فيقدح عبقريته العلمية ليتوصل إلى الفرض العلمي ~~الذي يستطيع حلها، وها هنا فقط يلجأ إلى الملاحظة ليختبر فرضه، إننا في حاجة إلى ~~الفرض قبلا لنلاحظ على أساسه، لنفسر في ضوئه الملاحظات ونؤولها، ولنسألها بعد ذلك ~~نعم أم لا، هل نجح الفرض أم لم ينجح؟ # 6 # أما الافتراض الاستقرائي بأن الملاحظة هي الكنز الذي يستخرج منه العالم ~~الدرر الثمينة، فلا معنى له. ~~(3) لكن الاستقراء هو منهج تعميم التكرارات الملاحظة، هنا نقطة ذات أهمية قصوى هي ~~التكرار، ما قاله بوبر الآن ينقصه تقدير دورها العظيم. # الواقع ms104 أن كل ما قاله بوبر في الفصل السابق في نقد هيوم هو رد حاسم على هذه ~~النقطة، فقد رأينا بوبر ينفي أي أثر سيكولوجي للتكرار، أثبت استحالة أن يخلق ~~اعتقادا سيكولوجيا في قانون، أو عادة عقلية سيكولوجية؛ أثبت هذا سيكولوجيا، ~~أما بالنسبة لمنطق العلم - أي منهج البحث - فمن النقد المنطقي لهيوم نخرج بأن مفهوم ~~التكرار يفترض مسبقا مفهوم التماثل، حتى نحكم على المتماثلات بأنها تكرارات، ~~ومفهوم التماثل يفترض مسبقا نظرية أو توقعا، # 7 # يجعلنا نبحث عن متماثلات معينة؛ أي إن النظرية سابقة منطقيا على ~~ملاحظة التكرار، وهي التي تجعله تكرارا، وليست هي التي تكون نتيجة أو تعميما ~~له. # تماما كما فند بوبر الاطراد في الطبيعة، فقال: إن توقعاتنا الفطرية هي التي ~~تبحث عنه فيها، يفند دور ملاحظة التكرارات في الاستقراء، فيقول: إن النظرية هي التي ~~تبحث عنه لا تنبثق منه. # فالحالة الداخلية للكائن الحي هي التي تحدد ردود أفعاله بإزاء البيئة الخارجية، ~~وهذا هو السبب في أننا نجد ردود أفعال مختلفة لنفس المثيرات، أو قد نجد ردود أفعال ~~متماثلة لمثيرات مختلفة، # 8 # الحالة الداخلية للكائن الحي عليها معول كبير، فقد كتب عالم النفس ~~كاتس # Katz # يقول: «يقسم الحيوان الجائع ~~البيئة إلى أشياء قابلة للأكل، وأشياء غير قابلة للأكل، وحينما يشعر بالخطر لا يرى ~~أمامه إلا أماكن الاختفاء وطرق الهروب.» # 9 # وبوبر يتخذ من هذا تأييدا له فهو برهان على أن الحاجة، أو النزوع ~~النفسي شيء ما داخل النفس أو العقل يحكم الرؤية إلى الأشياء، فالأشياء تصنف ~~وتصبح متماثلة أو غير متماثلة فقط عن طريق ارتباطها بالحاجات والاهتمامات، هذه ~~القاعدة التي خرج بها كاتس من دراسة الحيوان، يطبقها بوبر على العلماء أيضا. ~~بالنسبة للحيوان فإن وجهة نظره التي تحكم رؤياه مستمدة من حاجته في نفس اللحظة ~~بالنسبة للعالم، فإن وجهة نظره مستمدة من المشكلة المعينة المطروحة للبحث، ~~والنظريات التي يقبلها كخلفية علمية، والافتراض الذي يضعه لحل المشكلة، # 10 # كل هذا سابق منطقيا وزمانيا على الملاحظة التجريبية، وعلى إدراك ~~المتشابهات والحكم عليها ms105 بأنها تكرارات. # بعبارة أخرى، أية ملاحظة يمارسها العالم لا بد وأن تكون ملقحة قبلا بنظرية ~~معينة، بافتراض معين، نبت في ذهنه فألجأه إلى ملاحظات معينة، بل وأية ملاحظة ~~يمارسها أي كائن حي لا بد وأن تكون ملقحة قبلا بتوقع سابق. # ولتوضيح ذلك نفترض معا أننا نستطيع - ونحن بلا شك نستطيع - بناء آلة استقرائية، ~~ونضعها في عالم مبسط، هذه الآلة تتعلم أن تصوغ قوانين التعاقب المعمول بها في ~~عالمها من خلال التكرارات، يبدو الآن أن افتراض الاستقراء سليم، فإذا كانت الآلة ~~قادرة على ممارسة الاستقراء على أساس التكرار، فليس هناك أسباب منطقية تمنعنا من أن ~~نفعل المثل. # كلا، هذا خطأ، الأمر ليس كذلك، فبناة هذه الآلة الاستقرائية لا بد وأن يكونوا قد ~~قرروا مسبقا ما هي مكونات عالمها وما الذي يؤخذ كمتماثلات، وما الذي يعتبر ~~تكرارات، وأي نوع من القوانين يراد من الآلة أن تكتشفها في عالمها، بعبارة أخرى لا ~~بد أن نبني داخل الآلة إطارا للعمل يحدد الملائم والمهم في عالمها؛ أي إن صناع ~~الآلة قد حلوا مشكلة المتماثلات بالنسبة لها، فأصبح لها مبادئ انتقاء أولية مكنتها ~~من ممارسة عملها واكتشاف القوانين. # 11 # وهذه المبادئ هي التوقعات الفطرية في سلوك الحياة اليومية، وهي الافتراضات ~~الحدسية في ذهن العالم، والتي لا مناص من اعتبارها سابقة على أية ملاحظة، فيصبح ~~لا مناص من إسقاط المنهج الاستقرائي كافتراض خاطئ. ~~(4) إن النزاع الحاد بين بوبر والاستقرائيين يدور حول من الذي أتى أولا: الفرض ~~أم الملاحظة؟ بوبر يقول الفرض، والاستقرائيون يقولون الملاحظة، وبوبر يضع تشبيها ~~طريفا لهذا النزاع بالمشكلة التقليدية: من الذي أتى أولا الدجاجة أم ~~البيضة؟ # من الذي أتى أولا: الدجاجة «ج» أو البيضة «ض»؟ # من الذي أتى أولا: الملاحظة «ج» أم الفرض «ض»؟ # بوبر يجيب على كلا السؤالين ب «ض» بالنسبة للسؤال الأول فإن الإجابة عليه هي: نوع ~~أولي بدائي من البيض «ض»، أما للسؤال الثاني فهي أيضا نوع أولي بدائي من الفرض ~~«ض»، هي التوقعات الفطرية. # أي إن إنكار دور الملاحظة في ms106 التوصل إلى الفرض العلمي، لا يقصره بوبر على مراحل ~~العلم البحت المتقدمة فحسب، بل ويسحب بوبر هذا الإنكار على البحث المعرفي في سائر ~~مراحله حتى أشدها بدائية، فضلا عن مراحل العلم الوصفي. # ويخرج بوبر من هذا إلى استئناف هذا الإنكار بعيدا عن نطاق العلم في الحياة ~~اليومية، وفي تعرف الكائن الحي على بيئته، وعلى البيئة الطبيعية من حوله، فليس عن ~~طريق الملاحظة الحسية الخالصة، بل عن طريق المحاولة والخطأ. # ويجمل بنا أن نشير مرة أخرى إلى نقد هيوم المطروح في الفصل السابق، سنجد فيه ~~تفنيدا لأي ادعاء بأن ملاحظة التكرارات لها أي أثر على الحياة السيكولوجية، ونشير ~~إلى حله لمشكلتي الاستقراء السيكولوجية والبراجماتية، فقد انطوى حلهما على استبعاد ~~أي دور للملاحظة الاستقرائية في الحياة السيكولوجية وفي التصرفات العملية، وهذا ~~يعني إثبات ما نعنيه في هذه الفقرة؛ دور الملاحظة الاستقرائي لا وجود له في الحياة ~~اليومية أيضا، وليس في العلم فحسب، هكذا أفكار بوبر دائما متشابكة ومترابطة ، ~~الفصل التصنيفي بينها لا بد وأن يكون تعسفيا. # إن بوبر يتمادى في إنكار دور الملاحظة بالمفهوم الاستقرائي، أي بوصفها أولى ~~الخطوات التي نبدأ بها من لا شيء، لا في العلم، ولا حتى في الحياة اليومية، ولا في ~~سلوك الحيوان، فسلوك أي كائن حي لا يعدو أن يكون محاولة حل مشكلة للتكيف مع البيئة ~~هي «م1 # ح ح # أ أ # م2»، تبدأ بمشكلة وبافتراض لحلها ثم نخرج إلى التجريب لبحث هذا ~~الحل، بهذا لا يكذب افتراض الملاحظة الاستقرائية كمقدمة للعمل في البحث العلمي فقط، ~~بل وفي الحياة على كوكب الأرض بأسرها. ~~(2) البرهان المنطقي ~~(1) غير أن هذا الجدل الفلسفي قد لا ينتهي أبدا، فلنحسم الأمر بإثبات منطقي، ~~إثبات استحالة أن تكون النظرية العلمية مشتقة من مجموعة من الملاحظات الحسية، وقد ~~وضع بوبر هذا البرهان المنطقي وهو بصدد إثبات استحالة أن تكون نظرية نيوتن بالذات ~~استقرائية، لكن بالطبع يمكن أن يعمم هذا الدليل على أية نظرية تدعي أنها ~~استقرائية، لا سيما وأن نظرية نيوتن هي قمة العلم ms107 الاستقرائي كما يزعم ~~الاستقرائيون. ~~(2) هاك الدليل المنطقي: ~~«ك»: فئة تتكون من أي عدد من عبارات الملاحظة الصادقة، فأية عبارة من الفئة «ك» ~~تصف ملاحظة فعلية، أي حدثت في الماضي، وطالما أن كل العبارات «صادقة»، فهي ~~متسقة # Consistent ~~، ومتفقة مع بعضها # Compatible ~~. ~~«ب» عبارة ملاحظة، تصف ملاحظة مستقبلة ممكنة منطقيا، مثلا: «سوف يحدد كسوف ~~الشمس غدا.» وطالما أننا قد لاحظنا بالفعل كسوف الشمس، فيمكن أن نجزم على أسس ~~منطقية خالصة بأن هذه العبارة ممكنة، أي متسقة ذاتيا، متسقة مع نفسها طالما أنها ~~ليست مستحيلة منطقيا. # وقد أوضح هيوم أن «ب» يمكن دائما أن ترتبط مع «ك»، بلا أدنى تناقض منطقي، طالما ~~أن «ب» عبارة ممكنة تجريبيا ومتسقة ذاتيا، و«ك» فئة من العبارات الصادقة، ويمكن ~~أن نصوغ هذا الكشف الهيومي على النحو التالي: «ليست هناك عبارة ملاحظة ممكنة ~~منطقيا يمكن أن تتناقض مع فئة من عبارات الملاحظة الماضية.» # 12 # وبوبر سوف يضيف إلى هذه القاعدة الهيومية نظرية من المنطق البحت: حيثما أمكن ~~للعبارة «ب» أن ترتبط بلا أي تناقض مع فئة العبارات «ك»، فحينئذ يمكن لها أن ترتبط ~~بلا تناقض مع أية فئة من العبارات تتسق وفئة العبارات «ك»، ومع أية عبارة يمكن أن ~~نشتقها من «ك»، # 13 # أي من الممكن: ~~«ب + أي فئة متسقة مع الفئة «ك» + أي عبارة مشتقة من «ك».» # هذه الصياغة ممكنة منطقيا، تبعا لقواعد المنطق البحت. # والآن إذا كانت نظرية نيوتن - مثلا - يمكن اشتقاقها من «ك»، فلا يمكن أن تتناقض ~~معها أي «ب»، هذا هو حكم المنطق، ولكن في الأمر الواقع نجد أننا قد نشتق منطقيا ~~من النظرية العلمية ومن الملاحظات السابقة التي أسستها عبارة تخبرنا ما إذا كان ~~الغد سيحدث فيه كسوف شمس أم لا، فإذا أخبرتنا هذه العبارة أن الغد لن يحدث فيه كسوف ~~شمس، أي كانت «لا - ب» فقد أصبحت غير متفقة مع النظرية العلمية ومع «ك»؛ لأن «ب» ~~اتفقت معهما، ومنطقيا يستحيل أن تتسق العبارة ونقيضها مع ذات الفئة ~~المنطقية. # إذن يستحيل منطقيا ms108 اشتقاق النظرية العلمية من فئة الملاحظات «ك» ... # فأمامنا الآن أشياء ثلاثة: ~~«ب» و«لا - ب». # النظرية العلمية. # فئة الملاحظات «ك». # وربطهما معا استحال منطقيا، وبديهي لا يمكن حذف النظرية العلمية، ولا «ب، ولا ~~ب» لأنهما التنبؤ، أي الهدف الذي نرومه من النظرية، إذن لا يبقى أمامنا إلا حذف ~~«ك»، وهو الحذف ضروري لتجنب اللااتساق، أي نحذف فئة الملاحظات التي ندعي أن ~~النظرية مشتقة منها، أي نحذف افتراض الاستقراء ودور الملاحظة فيه، ونبدأ - كما يرى ~~بوبر - بالفرض. ~~(3) وقد يكون تعبير «خرافة» ليس منطقيا، التعبير المنطقي السليم هو أن ~~الاستقراء مبدأ زائد # Superfluous # غير ضروري ينبغي ~~حذفه؛ لأنه يفضي إلى عدم الاتساق المنطقي، وكما ثبت في الفصل الأول، لو حاولنا ~~إقامته بادعاء أننا نشتقه من الخبرة، لكن ذلك يعني أننا توصلنا إلى «الاستقراء» ~~استقرائيا، ولا بد من اللجوء إلى استدلالات استقرائية نبرر بها هذا الاستدلال ~~الأخير، ولكي نبرر هذا الاستدلال الأخير، يجب افتراض مبدأ استقرائي أعلى في درجة نظامه، # 14 # وهكذا يسير الاستقراء في دوران منطقي، يجعله منغلقا على نفسه أو يدور ~~حولها بغير نهاية، فالبحث عن مبدأ للاستقراء إما أن يقود إلى هذا الارتداد الذي ~~لا نهاية له وإما يقود إلى الأولية كما أوضحنا. ~~(4) وفي نطاق البرهان المنطقي على استحالة الاستقراء، نورد ببساطة: قابلية العلم ~~- ولا جدال - للخطأ، فالمنهج الاستقرائي معيار يميز المعرفة العلمية؛ لأنه يجعلها ~~معرفة آمنة، وهي يقينية لأنها نتيجة للملاحظة والتكرار، اللذين يقودان إلى صياغة ~~الفروض، التي تصبح - حينما تختبر جيدا - نظرية علمية مبرهنة أو مؤسسة؛ # 15 # لذلك فالخطأ وهو أكبر دليل على استحالة الاستقراء، # 16 # فإذا كانت المعرفة مجرد تعميمات لوقائع مستقرأة، فمن أين يأتي الخطأ؟ ~~وبالطبع كما وضح آنفا الاحتمالية لن تنقذ الاستقراء. # 17 ~~⋆ ~~(5) إن الاستحالة المنطقية تحيط بالاستقراء من كل صوب وحدب، فكيف بالله نجعله ~~أساسا لأعظم أنماط المعرفة؟ ~~(3) أدلة شواهد ~~(1) لقد انتهينا الآن من التفنيد النظري للادعاء بأن الاستقراء - أي الملاحظة ~~الخالصة - طريق النظرية العلمية، تعالوا بنا الآن ننزل إلى الوقع التاريخي نستشهده ~~على هذا ms109 الزعم فنمر مع بوبر مرورا عابرا سريعا على بعض من أهم المعالم البارزة ~~في تاريخ العلم، هل هي حقا نتائج الاستقراء. ~~(2) لنبدأ بمثال منذ فجر المعرفة، هذا الفجر - في عرف بوبر - يعني العلم ~~الإغريقي، بوبر شديد الافتتان بالحضارة الغربية، يراها نقطة البدء ونقطة الانتهاء، ~~وكأن الكرة الأرضية ليس فيها غير العالم الغربي. # المهم أن الإغريق كانوا معجزة جاءت على غير مثال، والعامل الذي فجر ازدهار ~~الحضارة اليونانية هو اكتشافهم للتعويذة السحرية لتقدم المعرفة أو للتقدم بصفة ~~عامة، إنها: النقد وتقبله. # لقد أفضت بحوثهم في الطبيعة إلى نتائج أكثر من رائعة، لا سيما إذا أخذنا في ~~الاعتبار ظروفهم المعرفية العسيرة، وكانت كثير من نظرياتهم ملهمة لنظريات العلم ~~الحديث، وبعض من هذه النظريات اكتشفنا اليوم أنها صائبة، غير أن أفضل هذه النظريات ~~وأصوبها لم يكن له علاقة بأسس الملاحظة. # فلقد ذهب طاليس # Thalés ~~(625-545ق.م) إلى أن ~~الأرض معلقة على الماء كالسفينة، على هذا تكون اهتزازات الماء هي سبب الحركات ~~الأرضية، وكان افتراضه الحدسي الكبير بأن الأرض تطفو قريبا من الصواب، وهو الملهم ~~للنظرية العلمية الحديثة نظرية الجرف القاري # 18 # ولم يكن هذا مؤسسا على الملاحظة. # وإذا استمر الادعاء بأن طاليس لاحظ المياه وحركة السفينة عليها، والاهتزاز قبل أن ~~يضع نظريته، فماذا يمكننا أن نقول بشأن تلميذه الأعظم أنكسمندر # Anixmander ~~(611-546ق.م) الذي قال: إن الأرض ليست ~~مقامة على الماء ولا على أي شيء، وإن ثباتها يعود إلى بعدها المتساوي عن جميع ~~الأشياء الأخرى، # 19 # وبالقطع لم يصل أنكسمندر إلى نظريته الرائعة عن طريق الملاحظة، بل عن ~~طريق نقد نظرية طاليس أستاذه، وقد أخرج بوبر من نظرية أنكسمندر النقد الآتي لأستاذه ~~طاليس: # افتراض الطفو فوق الماء كسبب لثبات الأرض يقود إلى ارتداد لا نهاية له؛ لأننا يجب ~~أن نضع افتراضا مماثلا يشرح سبب ثبات المحيط المائي؛ أي البحث عن دعامة للمحيط، ~~ودعامة للدعامة وهكذا ... لذلك محاولة طاليس غير مقنعة؛ لأنها تحل المشكلة بخلق مشكلة ~~مماثلة، وثانيا لأنه لو فشلت أية دعامة من هذه الدعامات ms110 المتتالية، فسوف ينهار ~~الصرح بأكمله. # أي إن نسقا من الدعامات لن يفسر ثبات الأرض؛ لذلك التجأ أنكسمندر إلى تماثل ~~داخلي بنائي للعالم، حيث لا نجد اتجاها معينا لحدوث الانهيار، فهو يطبق المبدأ ~~الآتي؛ حيث لا يوجد اختلاف لا يوجد تغير، وطالما أن أبعاد الأرض متساوية فلن يحدث ~~تغير في وضعها والنتيجة الثبات، لم تكن نظرية أنكسمندر متعارضة مع الملاحظة فحسب، ~~بل وإنها يصعب تصورها، وأنكسمندر نفسه لم يتصورها بصورة كاملة، فنظريته في تساوي ~~الأبعاد كان من شأنها أن تقوده إلى أن الأرض لها شكل الكرة، لكنه اعتقد أن لها شكل ~~البرميل ذي المسطحين الأعلى والأسفل المستويين، وإننا نعيش على أحد هذين ~~السطحين. # والسؤال الآن: ما الذي منع أنكسمندر من الوصول إلى كروية الأرض، بدلا من شكل ~~البرميل؟ يعتقد بوبر أن السبب هو الملاحظة الحسية الاستقرائية؛ فهي علمته أن سطح ~~الأرض مستو، وهذا يؤكد صميم دعوى بوبر: الحجج النقدية والمناقشة العقلانية ~~الاختبارية لنظرية طاليس هي التي كانت على وشك أن تقوده إلى الافتراض الحدسي السليم ~~عن شكل الأرض، لولا أن الملاحظة الحسية قد عاقته، # 20 # بوصفها نقطة بدء لا بد أن تكون. # وقد يبرز اعتراض بأن هذا المثال ليس حجة ضد الاستقراء، ولكنه خروج عن الموضوع، ~~«فنظريات المدرسة الأيونية تأملية وليست استقرائية؛ ولذلك نسميها فلسفة يونانية ~~قديمة وليس علما يونانيا قديما.» # كلا، هذا خطأ ودوران منطقي ورجوع إلى الاستقراء، فليس أصل النظرية استقراء كان ~~أم استنباطا هو الذي يعني، الذي يعني هو النظرية ذاتها وقيمتها العلمية، مدى ~~اقترابها من الصدق وقوتها الشارحة، قدرتها على حل مشاكل وإثارة مشاكل أكثر ... هذه ~~النظرية مثل كثير من نظريات الفلسفة اليونانية القبل سقراطية، بها من الخير الشيء ~~الكثير، فقد فندت - أي نظرية أنكسمندر - فكرة الاتجاهات المطلقة إلى الأمام وإلى ~~الخلف ليست تعبيرات عامة بل نسبية، لم تدرك قيمة هذا الكشف العظيم إلا مع آينشتين، ~~وقد أوضحت الطريق أمام نظريات أرسطارخوس وكوبرنيقوس وكبلر وجاليلية، وفكرته في أن ~~الأرض تقف حرة في الفضاء، وثباتها يرجع إلى تساوي ms111 أبعادها، كانت عاملا ألهم نيوتن ~~بنظرية قوى الجاذبية غير المرئية، حقا أن نظرية أنكسمندر خاطئة، لكنها مثلها مثل ~~عديد من النظريات ظنت أنها مؤسسة على عدد لا يحصى من الملاحظات الاستقرائية، ثم إن ~~بوبر يعارض باتجاه بعض مؤرخي العلم الذي يحكمون على كل نظرية ثبت خطؤها بأنها أصبحت ~~لا علمية، # 21 # بوبر يقول: كلا يجب أن نحفظ لكل نظرية بمكانها من التاريخ، تاريخ ~~العلم، فطالما أنها ساعدت يوما على التقدم فلها فضل على علمنا اليوم وبعض النظريات ~~الخاطئة، بما أثارته من مشاكل، دفعت إلى التقدم أكثر مما دفعت إليه نظريات أخرى ~~أقرب منها إلى الصدق، كل هذا بالإضافة إلى أن أية نظرية مهما كانت، مصيرها المحتوم ~~هو التكذيب يوما ما. # يمكننا أن نجد أدلة كثيرة من هذه الفلسفة الخصيبة، كنظرية التغير التي فتحتها ~~المدرسة الأيونية بأنكسمندر طبعا، وبلغت ذروتها في معالجة هيراقليطس لها، وكنظرية ~~ديمقريطس في الذرة ... ولكن حسبنا هذا المثال الناصع من الفكر القديم، الذي أوضح أن ~~التفكير النقدي هو سر تقدم النظريات، وأن الملاحظة الاستقرائية، وإن كانت تفضي إلى ~~شيء فهو العرقلة والتشويش والإرباك، وليس النظرية العلمية، لننتقل إلى مثال آخر من ~~الفكر الأكثر تقدما، والذي قد يرضي الجميع على أن الحديث عنه منتم للعلم. ~~(3) مثال آخر: توصل كوبرنيقوس # Copernicus ~~(1473-1543م) إلى فرضه بمركزية الشمس، لم يكن نتيجة لملاحظات استقرائية جديدة قام ~~بها. # فقد ولد كوبرنيقوس في ثورن ببروسيا، وتلقى دروسه على يد معلم أفلاطوني يشك في ~~الفلك القديم، # 22 # وفرضه الهليوسنتري كان تأويلا جديدا لحقائق قديمة معروفة جيدا على ~~ضوء الأفكار الأفلاطونية - المحدثة، الشبه - دينية، ويمكننا تتبع فكرة كوبرنيقوس ~~هذه إلى الكتاب السادس في جمهورية أفلاطون، حيث نجد أن الشمس تلعب في مجال رؤية ~~الأشياء نفس الدور الذي تلعبه فكرة الخير في مجال الأفكار، وفكرة الحق في أعلى ~~الترتيب الهيرارشي للأشياء المرئية. # 23 # وكان لهذه الفكرة أهمية بارزة من ضمن أفكار كثيرة أقيمت عليها الأفلاطونية ~~المحدثة، ولا سيما الأفلاطونية المحدثة المسيحية. # فإذا كان للشمس فخر المكان، وكانت ms112 مميزة بمنزلها القدسية في هيرارشية الأشياء ~~المرئية فحينئذ يصعب اعتبارها تدور حول الأرض، والمكان الوحيد الملائم لهذا النجم ~~العظيم، هو مركز الكون، وعلى هذا تصبح الأرض قريبة من الدوران حول الشمس. # 24 # هكذا أخذ كوبرنيقوس فرضه من الخلفية العلمية السابقة عليه، من الأفكار ~~الميثولوجية، ولما كان هو عالما أصيلا، فقد عمل بجد ومثابرة على اختبار فرضه في ~~ضوء الملاحظات، لكن الفرض العلمي أتى أولا كما هو ثابت من سيرته، وليس بعد ~~الملاحظة الاستقرائية. ~~(4) أما يوهان كبلر # Kepler ~~(1571-1630م)، فهو ~~كوبرنيقي وكان - كأفلاطون - متأثرا بعمق بفكرة الأعداد المقدسة الفيثاغورية، وقد ~~كرس حياته لاكتشاف معين كان يأمل فيه، هو اكتشاف القوانين الرياضية، التي تحكم ~~النظام الفلكي، ومدارات النظام الشمسي الكوبرنيقوسي لا سيما القوانين التي تحكم ~~الأبعاد النسبية عن الشمس، رائع هو اقتناعه بأن الفلك محكوم بقوانين يمكن التعبير ~~عنها رياضيا، إن كان لم يتوصل أبدا إلى كشفه المأمول هذا. # كان كبلر تلميذ العالم العظيم تيكو براهة (+1601) ومساعدا له، وقد ترك تيكو ~~لتلميذه مجموعة من الملاحظات الاستقرائية لم يكن قد نشرها، إلا أن كبلر لم يجد فيها ~~تعضيدا لاعتقاده في الكشف المأمول، بل العكس وجد في هذه الملاحظات تفنيدا ~~لافتراضه الدائري، فتركه وحاول - بلا جدوى - الحصول على حلول أخرى مختلفة، وفجأة ~~توصل إلى أعظم كشوفه، وهي الفرض الإهليجي أو البيضاوي، ثم وجد أن ملاحظات تيكو ~~براهة يمكن أن تتفق مع هذا الفرض الجديد فقط مع الافتراض المسبق - غير المرحب به - ~~بأن سرعة المريخ في الدوران ليست واحدة. # إذن الملاحظات في حد ذاتها لا تفضي إلى شيء، فلدى كبلر مجموعة ملاحظات تركها له ~~أستاذه، ولكن لديه ذهن العالم، يضع الفروض، على ضوء هذه الفروض يحاول تفسير ~~الملاحظات فأخفق في محاولة ونجح في أخرى، بل وإن عدم دقة هذه الملاحظات كانت عاملا ~~في عرقلة فكرة عظيمة اعتقد فيها. # 25 # غير أن كبلر كان لا يزال متعلقا بالتنجيم - رغم أنه يتمتع بذهن نقدي - وهذا ما ~~جعل جاليليو لا ينظر إلى أبحاثه بعين الاعتبار، وقد ألهمه التنجيم ms113 باعتقاد قوي في ~~علة أو قوة تنبثق كأشعة الضوء عن الشمس، فتسبب حركة الكواكب بما فيها الأرض، وتفسر ~~مد البحار كنتيجة لتأثير القمر، ولكن كان هناك خط فاصل بين التنجيم والفلك، وكانت ~~فروض كبلر الرائعة هذه مشتقة من - أو تمثل فكرة أساسية في التنجيم - معارضة ~~لعقلانية أرسطو، فرفضها الفريق الفلكي العقلاني كجاليليو وديكارت وبويل، وتقبلوا ~~تفسير جاليليو للمد على أنه نتيجة لحركة الأرض نفسها وهذا الفصل بين الفلك والتنجيم ~~هو الذي جعل نيوتن يرفض فكرته هو نفسه في الجذب # Attraction # وإن كانت أصلا نظرية روبرت هوك، وهذا أيضا هو السبب في ~~أن الديكارتيين الفرنسيين قد ظلوا أمدا طويلا غير متقبلين لنظرية نيوتن في ~~الجاذبية # Gravity ~~. # 26 # لكن أولم يثبت الآن أن الأفكار التي ألهمها التنجيم لكبلر بجاذبية الشمس وتأثير ~~القمر هي الأصوب وهي التي استطاعت أن تصبح عقلانية تماما، وإن تناسينا أصلها ~~الأسطوري، وفي هذا درس عميق لمن يرفض رأي بوبر في أننا لا يجب أن نبالي، إن قليلا ~~وإن كثيرا، بأصل النظرية ومن أين أتت، فضلا عن أن نصر على أن أصلها هو ~~الاستقراء. # وقد كانت هذه النظريات بعضا من المقدمات التي أفضت إلى نظرية نيوتن. ~~(5) أما إذا وصلنا إلى نيوتن، فقد وصلنا إلى واحد من أعظم إنجازات العقل البشري ~~على وجه الإطلاق، وإلى ما يؤخذ على أنه قمة العلم الاستقرائي، فهي نظرية ما إن ~~قبلت حتى وجدنا كل شيء في العالم الملحوظ يتفق معها، وقد توثقت قوانينها على ~~مدى قرنين من الزمان، ليس فقط بالملاحظة، ولكن بالتطبيق الخلاق، وأصبحت أساس ~~العلم والتكنولوجيا الغربية، وأخرجت تنبؤات معجزة الدقة، وإذا كان لأي شيء أن يكون ~~معرفة؛ لكان هذا الشيء هو نظرية نيوتن، بل هي أثبت وأسلم معرفة حصل عليها ~~الإنسان عن بيئته الطبيعية، # 27 # لقد جعلتنا نظرية نيوتن بإزاء نسق كلي صحيح حول العالم، يصف قوانين ~~الحركة الكونية بأبسط وأوضح طريقة ممكنة وبدقة متناهية، # 28 # مبادئها بسيطة ودقيقة كالهندسة نفسها؛ لذلك كانت كإنجاز إقليدس العظيم ~~أنموذجا لكل العلوم، أنموذجا لا ms114 يفوقه فائق، # 29 # لقد قدم نيوتن نوعا من الهندسة الكوزمولوجية تتكون من نظرية إقليدس ~~مزودة بنظرية عن حركة نقاط الكتلة # mass-point ~~، تحت ~~تأثير القوى، وهي نظرية يمكن التعبير عنها هندسيا، وقد أضافت إلى هندسة إقليدس ~~مفهومين أساسيين جديدين بخلاف مفهوم الزمان، هما مفهوم الكتلة المادية ومفهوم القوى ~~المباشرة، إنها علم أصيل عن الطبيعة جعلنا ولأول مرة نعلم أشياء حول الكون الذي ~~نحيا فيه، ومكنتنا من أن نضع أكثر التنبؤات تفصيلا ولأنواع جديدة من المؤثرات ~~كالانحرافات عن قوانين كبلر، وكانت هذه التنبؤات تقف في وجه أقسى الاختبارات، ثم ~~كان أعظم نجاح للنظرية هو اكتشاف كوكب نبتون بالملاحظة، بعد أن تنبأت به النظرية، # 30 # لقد أصبح لدينا مبررات معقولة للقطع بأننا اكتسبنا نظرية صادقة. # وبصرف النظر عن العلو الشاهق للنظرية، فإن النقطة الحاسمة بالنسبة لنا الآن هي أن ~~نيوتن نفسه أقر أنه اشتق نظريته العظيمة من الخبرة وبواسطة الاستقراء؛ # 31 ~~⋆ # لذلك كانت من أعظم الشواهد التي أقامت الاستقراء، لكن بوبر سيوضح هنا أن الاستقراء ~~لم يكن هو الذي أقامها: # ففضلا عن أننا أوضحنا بالأساليب المنطقية البحتة أن مثل هذه النظرية لا تقبل ~~الاشتقاق من عبارات الملاحظة (وقد أفردنا لهذا الجزء 3)، وأيضا فضلا عن الفقرتين ~~السالفتين 3، 4 واللتين أوضحتا أن المقدمات التاريخية للنظرية لم تكن استقرائية، ~~فضلا عن هذا وذاك، سيثبت بوبر الآن إثباتا فلسفيا أن النظرية ليست مشتقة من ~~الملاحظة. # خصائص نظرية نيوتن مختلفة كلية عن خصائص عبارات الملاحظة كالآتي: # عبارات الملاحظة # نظرية نيوتن ~~• لا يمكن أن تكون دقيقة، هي # Inexact ~~. ~~• في منتهى الدقة، كيف تشتق الدقة المتناهية مما هو أقل دقة. ~~• تكون تحت ظروف معينة، وأي موقف ملاحظ لا بد بداهة أن يكون ~~محددا جدا. ~~• المفروض أنها عامة، وتطبق في كل الظروف الممكنة مثلا قانون ~~الجاذبية، ليست فقط على الأرض، بل وفي المريخ وفي كل كواكب ~~المجموعة الشمسية، بل وفي الأماكن التي لم تلاحظ حتى اليوم. ~~• الملاحظة عينية وخاصة. ~~• النظرية مجردة وكلية. # إننا لم نلحظ أبدا الكتلة، وإنما نرى الكواكب أجساما ms115 ممتدة، ولا يمكن إطلاقا ~~أن نلاحظ القوى النيوتونية كقوى الجاذبية التي نعرفها جيدا، ونتمكن من قياسها ~~بواسطة عجلات السرعة، وقد نتمكن من قياسها يوما بواسطة الميزان ذي الزنبرك ... إلا ~~أننا دائما - وفي جميع المقاييس بلا استثناء - نفترض مسبقا صدق قوانين الحركة النيوتونية، # 32 ~~⋆ # وبدون هذا الافتراض الديناميكي المسبق، فإنه ببساطة يستحيل قياس القوى، غير أن ~~القوى ومتغيراتها من أهم ما تعالجه النظرية، على هذا ينبغي أن نعترف على الأقل بأن ~~بعضا من الأشياء التي تعالجها النظرية، هي موضوعات مجردة وغير قابلة للملاحظة، ~~فكيف إذن ندعي أنها مشتقة أصلا من الملاحظة. # وهذه النتيجة لا يمكن تجنبها بأية حال، حتى إذا تمكنا من إعادة صياغة النظرية، ~~صياغة تتجنب تماما أية إشارة إلى القوى، وحتى إذا استبعدناها كمجرد أوهام، أو محض ~~بناءات منطقية نظرية بحتة، تخدمنا فقط كأدوات، لماذا؟ لأن مثل هذه المجالات ستجعل ~~النظرية أشد تجريدا وأكثر بعدا عن الأسس التجريبية الملاحظة استقرائيا، طالما ~~أننا لا نستطيع أن نلاحظ إلا أشياء عينية، نظرية نيوتن في القوى بأية صورة مجردة وعامة. # 33 # بعد هذا هل يمكن أن نعتبر نظرية نيوتن مشتقة من عدة ملاحظات؟ ~~(6) حتى إذا وصلنا إلى قمة العلم في يومنا هذا، أي الفيزياء البحتة، ألفينا ~~القطيعة تكاد تكون نهائية بينها وبين المقدمات الملاحظة استقرائيا، بل وإنها قد ~~تجافي الملاحظة، فنظريتا الكم والنسبية هما الأساس الفكري لها، # 34 # أما عن نظرية الكم أو ميكانيكا الكوانتم، فإنها تتعامل مع كائنات غير ~~قابلة للملاحظة الحسية أصلا، جسيمات الذرة لا تلمس ولا ترى ولا تسمع على ~~وجه الإطلاق، فأصبح علمها استنباطيا إلى حد كبير. # أما نظرية النسبية # 35 # فهي مفرطة التجريد، وهي تأملية إلى حد بعيد، شديدة البعد عما يمكن أن ~~نسميه بالأسس الملاحظة، كل المحاولات التي بذلت لإثبات أن لها أسسا مباشرة في ~~الملاحظة إلى حد كبير أو حد قليل لم تكن مقنعة، # 36 # والفضل العظيم للنسبية هي أنها حررتنا من اعتقاد دوجماطيقي سيطر على ~~العقول هو أن نظرية نيوتن مطلقة الصدق لا يتطرق ms116 إليها شك أو نقد، وقد استمر هذا ~~الاعتقاد قرنين من الزمان، حتى إن هنري بوانكاريه مثلا، وهو أعظم رياضي فيزيائي ~~وأعظم فيلسوف في جيله، وقد توفي قبل الحرب العالمية الأولى بقليل، اعتقد أن نظرية ~~نيوتن صادقة وغير قابلة للتفنيد، وتقريبا كان هذا اعتقاد جميع من لم يشهدوا ~~النسبية، وقد جر هذا الاعتقاد الدوجماطيقي بنظرية نيوتن اعتقادا دوجماطيقيا ~~آخر في الاستقراء على أنه منهج العلم إلى أن جاء آينشتين ونسبيته، حتى أولئك الذين ~~رفضوا نظريته في الجاذبية يجب عليهم الاعتراف بأنها حدث ذو مغزى عظيم، بدأ عصر جديد ~~لا مناص فيه من الاعتراف بأن الاستقراء ليس هو منهج العلم؛ فقد أقامت نظرية آينشتين ~~دعوى تقول: إن نظرية نيوتن بصرف النظر عن كونها خطأ أم صوابا هي بالقطع ليست النسق ~~الوحيد الممكن للميكانيكا، الذي يستطيع شرح الظواهر بطريقة مبسطة ومقنعة. # 37 # إن نظريتي نيوتن وآينشتين مختلفتان، تسير كل منهما في طريق مغاير، وبأسس منطقية ~~متناقضة، «نظرية آينشتين للجاذبية تختلف عن قانون الجذب العام لنيوتن، فبديهي أن ~~أحد هذين القانونين غير صحيح مهما كان الخطأ طفيفا.» # 38 # ولكن براهين الملاحظة التي تدعي أنها تؤيد نظرية نيوتن، يمكن أيضا أن ~~نستخدمها في تأييد نظرية آينشتين، وهذا بالطبع يحسم القول في أننا ببساطة نخطئ حين ~~نظن أن نظرية نيوتن مؤسسة على براهين الملاحظة، فأين هو البرهان الاستقرائي، هل ~~نأخذ بنظرية نيوتن أم بنظرية آينشتين، وليست هناك أية نظرية علمية على وجه الإطلاق، ~~يمكن أن تدعي أنها مبرهنة استقرائيا، ويوجد اتفاق بينهما وبين أدلتها ~~الاستقرائية الملاحظة أكثر من نظرية نيوتن، فإن كان الاستقراء لا يمكنه أن يؤسسها ~~في مواجهة مغايرتها ومنافستها النسبية، فلن يمكنه هذا لأية نظرية أخرى على وجه الإطلاق. # 39 # الفضل العظيم لآينشتين علينا - كباحثين في فلسفة العلم وليس في العلم - هو أنه ~~حررنا من الاعتقاد الدوجماطيقي بنظرية نيوتن، فوضعنا بذلك آخر مسمار في نعش ~~الاستقراء. ~~(7) وبعد كل هذا، فلنترك الشواهد التاريخية التي تتفاوت نصيبا من الصدق والكذب، ~~تقدما أو تخلفا، ولنأت إلى أدلة ms117 شواهد ذات عمومية وموضوعية، وهي نماذج لأكثر ~~القوانين العلمية ثبوتا ويقينا، وما اكتسبت هذا الثبوت وهذا اليقين، إلا من تواتر ~~الأدلة الاستقرائية بعدد لا يحصى من بلايين الحالات، هذه النماذج هي: ~~(أ) # الشمس تشرق مرة كل 24 ساعة. ~~(ب) # كل الناس فانون. ~~(ج) # الخبز يطعمنا. # 40 # هذه النماذج هي الأسلحة التي شهرها الاستقرائيون في وجه بوبر، كأمثلة لتأكيدات ~~قاطعة يستطيع أن يأتينا بها الاستقراء، هي هي حقا هكذا كما ادعى ستراوسون ~~مثلا. ~~(أ) # القانون الأول تم تفنيده، بعد أن اكتشف بايثيز أوف مرسيليا Pythease of Marseilles # البحر المتجمد والشمس التي تشرق في منتصف الليل، # 41 # وكان رسوخ هذا الاعتقاد استقرائيا هو السبب في أن الناس ~~ظلوا قرونا عديدة يعتقدون أن بايثيز يكذب. # 42 ~~(ب) # أما القانون الثاني، فهو مثال الإغريق الدارج للقوانين الكلية ~~اليقينية، لكن بوبر يرى أن الترجمة سيئة؛ لأن اللفظة اليونانية ~~(ثنيتوس # thnetos ~~) لا تكون ترجمتها ~~«فان» # mortal # بل ترجمتها الدقيقة ~~هي «صائر إلى الموت # bound to die ~~، أو ~~قابل أن يموت.» # وهذا المثال مأخوذ أصلا من رأي أرسطو أن كل الكائنات الحية ~~صائرة إلى الفناء # bound to decay # لا بد وأن تموت بعد فترة معينة، # 43 # ثم جاءت أعداد لا تحصى من مليارات الأمثلة الاستقرائية ~~التي تؤكد هذه النظرية، فأصبحت في منزلة علمية لا تضاهى. # ولكن يمكن تفنيدها باكتشاف حديث هو أن البكتريا لا تموت طالما أن ~~التكاثر # multiplication # بواسطة ~~الانقسام الذاتي ليس موتا، وتأكد هذا التفنيد أكثر بأن المادة الحية ~~بصفة عامة ليست صائرة إلى الفناء، على الرغم من أن جميع أشكال الحياة ~~يمكن أن تقتل بوسيلة فعالة فعالية كافية. # 44 # ويمكن أن نضع تفنيدا ثالثا لهذا المثال بتجربة أجراها علماء ~~بيولوجيون تمكنوا فيها من الاحتفاظ بقلب دجاجة يخفق لأكثر من خمسين ~~عاما بصورة متواصلة، # 45 # ومعروف جيدا أن عمر الدجاجة في حدود عامين، ولا يزيد عن ~~أربعة عشر عاما. ~~(ج) # أما القانون الثالث «الخبز يطعم» فهو المثال المفضل والشائع في ~~كتابات هيوم! ولكن فنده أو ms118 على الأقل أخرجه عن يقينه القاطع، الخبز ~~الذي أصيب وهو في الحقل بالمرض النباتي # Ergotism ~~، وأحدث كارثة بإحدى قرى ~~فرنسا في عهد قريب، وبالطبع فإن هذا يعني أن القانون القائل: إن الخبز ~~المصنوع من قمح بذر في الحقل، ثم حصد تبعا لأساليب الزراعة ~~المعروفة والمسلم بها، يطعم الناس ولا يسممهم، لكن أحيانا يسممهم. # 46 ~~(8) بوبر يسحب البساط من تحت الاستقرائيين، فيثبت أن أمثلتهم بعدما تمتعت به من ~~رسوخ استقرائي لم تعد الآن يقينية مطلقة الصدق. # إذن الاستقراء لا يؤكد النظرية، وهو - كما سلف - لا يفضي إليها، بعد كل هذا يصبح ~~مضيعة للوقت أن يجادل بوبر الاستقرائيين أكثر من هذا. ~~(4) بيكون لم يأت بجديد ~~(1) بل وإن إثبات بوبر لخرافية الاستقراء، يمتد إلى أبعد من المنهج ذاته واسمه ~~المنطقية ليصل إلى ما يسلم به الاستقرائيون، ويسلم به بوبر نفسه، على أنه الأصول ~~التاريخية للاستقراء، فيثبت أنها لا هي أصول ولا هي استقراء. # فالمعتمد في تاريخ مناهج البحث، أن الفضل المباشر في قيام الاستقراء يعود إلى ~~بيكون، الذي يتبوأ مكانة عظمى في عالم الفكر العلمي والتجريبي، رغم تهافت فلسفته ~~وتهلهل علمه؛ لأنه أخرج المارد الاستقرائي من قمقمه، هذا يكاد يكون مسلما به ~~وبوبر نفسه يحلو له أن يطلق على الاستقراء اسم «خرافة بيكون». # لكن لأن الاستقراء خرافة، سيثبت بوبر الآن أن بيكون لم يأت بجديد، وأن كل ما قاله ~~ليس إلا تكرارا لما قاله أستاذنا العظيم سقراط منذ فجر التفلسف، بعبارة أخرى: ~~الفكرة المطروحة في هذا الجزء من الفصل، هي أن الاستقراء البيكوني مجرد صورة أخرى ~~من صور التوليد السقراطي فلكلا المنهجين نفس الهدف ونفس مسار الإجراءات. # ولا غرو فتأريخ الفلسفة - نقيضا لأي تأريخ آخر - هو علم ذو حيوية لا تضاهى في ~~كل محاولة لتأريخ نظرية فلسفية، حتى وإن كانت المحاولة رقم ألف، ما زالت هناك ~~الإمكانية لبعث حياة جديدة وتفجير طاقات وإمكانيات ما كانت لتخطر على بال، وما يصدق ~~هذا مثلما يصدق على بوبر وقدرته على تأريخ النظريات، لا سيما تلك التي ms119 مل التاريخ ~~من كثرة تأريخها، كالمثل الأفلاطونية والروح الهيجلية فيخرجها في ثوب جديد، فتبدو ~~وكأننا نتعرف عليها لأول مرة. ~~(2) وبادئ ذي بدء، لا بد أن نضع في الاعتبار أن المفهوم القديم للاستقراء الذي ~~نتحرك في نطاقه في هذا الجزء هو: المنهج الذي يرشدنا إلى النقطة التي نستطيع أن ~~ندرك أو نحدس عندها ماهية الشيء وطبيعته الحقيقية، # 47 # أي يختلف كثيرا عن المفهوم الحديث الذي يعني الاستدلال على القوانين ~~الكلية من ملاحظة الحالات الجزئية. # كان هذا المفهوم القديم هو الذي في ذهن بيكون وأيضا في ذهن أرسطو، حين ذكر في ~~كتابه الميتافيزيقا أن سقراط مخترع الاستقراء، منوها بذلك إلى منهجه في التوليد، # 48 # هذا هو الإقرار الصريح لدعوى بوبر. ~~(3) وهي واضحة، فمن تعريف مفهوم الاستقراء، نجد هدف بيكون منه هو الإدراك الحدسي ~~لماهيات الأشياء، وهذا عينه هدف سقراط من منهج التوليد # maieutic # كما قال في محاورة ثياتيتوس، إن هدف ~~منهجه هو أن يساعدنا على - أو يقودنا إلى - التذكر # an ~~amnesis # وهو قوة رؤية الشيء أو طبيعته الحقيقية، أي إن الهدف ~~هو أيضا الإدراك الحدسي لماهيات الأشياء، # 49 # إذن هدف بيكون ينأى بمنهجه بعيدا بعيدا عن هدف المنهج العلمي الحديث، ~~بل وحتى هدف المنهج الاستقرائي، ويلقى به في قلب الرحاب السقراطية. # وإن التماثل بين المنهجين أكثر من الهدف، فهو أيضا في مسار الإجراءات؛ ففن ~~التوليد السقراطي يتكون أساسا من مرحلتين؛ مرحلة التهكم ومرحلة التوليد، مرحلة ~~التهكم هي مرحلة طرح الأسئلة التي وضعت كي تحطم الانحيازات والاعتقادات الخاطئة، ~~التي غالبا ما تكون إما تقاليد عتيقة، وإما «موضة» مستحدثة شائعة، سقراط لم يكن ~~يدعي أنه يعرف، فقط كان يثير الأسئلة، ولكن لم يكن يجيب عنها - كما هو معروف - ~~إنه يطهر الروح من اعتقاداتها الخاطئة التي تبدو وكأنها معرفة، وكان يحقق هذا بأن ~~يعلمنا كيف نشك في الأفكار التي نقتنع بها. # 50 # وقد كان نفس هذا الإجراء جزءا أساسيا من منهج بيكون # 51 ~~⋆ # هو ~~الجانب السلبي، متمثلا في توضيح بيكون للأوهام الأربعة، وكيف نتخلص منها، ms120 كي تكون ~~قراءتنا للطبيعة - أي الجانب الإيجابي - خالصة، مطبقين بهذا ما أسماه بيكون بالمنهج ~~الصادق، والذي ميزه عن المنهج الكاذب. # أراد بيكون بالمنهج الصادق: أن نقرأ الطبيعة كما هي أمامنا، وإن كان قد استعمل ~~اللفظ اللاتيني # interpretati # الذي يقابل لفظ # interpret # الإنجليزي، والذي يعني يؤول ويفسر، ~~فهو إذن يضفي نكهة ذاتية ووجهة النظر الشخصية على الموضوع، غير أن بوبر في شروح ~~مسهبة يوضح كيف تغير معنى هذه الكلمة على مر العصور، أيام بيكون كانت مختلفة، فإن ~~استعملت هذه اللفظة الآن في وصف عمل القاضي مثلا؛ لكان معناها أن عليه تأويل ~~القانون وتفسيره، وتكييفه مع القضية، أما أيام بيكون فكان معناها أن القاضي عليه أن ~~يقرأ القانون كما هو، وأن يشرحه ويطبقه بالطريقة الواحدة التي هي طريقته الصحيحة، # 52 # أي إن بيكون أرادنا أن نقرأ الطبيعة كما هي بلا أدنى إضافة، والخطأ ~~الكبير إذا تصورنا في منهجه أي مكان للفرض فقد حذر من الفروض، وكان يسميها ~~استباق ~~الطبيعة # anticipation of Nature ~~. # على ضوء كل هذا يتضح رأي بوبر: الاستقراء البيكوني هو نفسه التوليد السقراطي، ~~فكلاهما يعني إعداد العقل عن طريق تطهيره من الانحيازات؛ ليتمكن من التعرف على ~~الحقيقة البينة ومن قراءة كتابة الطبيعة، # 53 # لقد اتحد المنهجان في مسار الإجراءات وفي الهدف، وماذا عسى أن يكون ~~المنهج سوى مسار وهدف. ~~(4) بل إن بوبر يتمادى في هدم المعبد فوق رأس بيكون أكثر من ذلك؛ فلقد درجنا في ~~تأريخ الفلسفة على وضع منهج بيكون التجريبي الاستقرائي، كمقابل تماما لمنهج ~~ديكارت؛ المثالي العقلاني، أما بوبر فيرى أن الشك الديكارتي هو في جوهره صورة أخرى ~~من منهج بيكون. # 54 # ويمكن وضع التماثل بين المناهج الثلاثة الساعية إلى اليقين، في إيجاز كالآتي: # منهج سقراط = منهج بيكون = منهج ديكارت. # مرحلة التهكم = الجانب السلبي = البدء بالشك. # مرحلة التوليد = الجانب الإيجابي = الوصول إلى اليقين. # فأين هو الكشف الخطير لبيكون، والذي أقام له العلماء فلاسفة العلم هذا المحراب ~~الجليل، لم يتجاوز بيكون قيد أنملة الخطأ الكبير؛ مطلب اليقين على اعتبار ms121 أن ~~الحقيقة بينة، # 55 ~~⋆ # ولم يفعل أكثر من ضرورة البدء بالملاحظة كي نصل إلى ماهيات الحقائق الثابتة، غير ~~أننا قد أثبتنا أن البدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء، ثم إن الملاحظة لن تكون أبدا ~~ضمان الصدق، أو ضمان الوصول إلى الحقائق الثابتة؛ فالعلم لا يصل إلى حقائق أبدا، ~~بل هو دوما افتراضات حدسية، ينقلب معظمها - كما انقلب افتراض بيكون نفسه - إلى ~~محاولات خاطئة توصلنا إلى ما هو أفضل منها. ~~(5) هكذا لم يقنع بوبر بتقويض الاستقراء، بل تعقب فلوله إلى الأصول ~~التاريخية، ولم يسلم أبوه الشرعي من بطش بوبر، فبرأه مما يدعيه من نسب، حتى تبدى ~~الاستقراء محض فقاعة في الهواء. # لكن هل يمكن حقا التسليم مع بوبر بهذا التقييم لبيكون، أعتقد أن هذا عسير، فقد ~~أعطانا بوبر نظرية مستحدثة في تفسير منهج بيكون، لها قيمتها في تبيان أن البحث ~~الفلسفي سلسلة متصلة بأواصر القربى، مما يؤكد صياغته «م أ # ح ح # أ أ # م2» ويؤكد أيضا نظريته في وحدة المناهج، كل هذا رائع، لكن من ~~الصعب أن نسحب مع بوبر أي فضل لبيكون حتى وإن كان هدف الصورة عنده مماثلا لهدف ~~الماهية عند سقراط، فإن سقراط لم يدلنا على أن التجريب هو السبيل الأمثل لمعرفة هذا ~~الهدف أيا كان، كلا ولا دلنا سقراط على أنماط هذه التجارب وكيفية تسجيل نتائجها ~~في حين «أن بيكون قد وصف في يوتوبياه ما أسماه بيت سليمان، يعتبره مؤرخو العلم قدوة ~~لمعامل العصر الحديث المعنية بالتحليل والتطبيق ومثالا للمجامع والأكاديميات.» # 56 # رسالة بيكون عظيمة؛ لأنها تلخصت في غرضين هما: تحويل العلم إلى منفعة الناس، ~~وإقامته على أساس الاستقراء، بعد قيامه زمنا طويلا على أساس التقدير والقياس. # 57 # بالنسبة للغرض الأول، حقا كان قد بدأ قبل بيكون بعهد طويل، فقد فصل أرسطو مثلا ~~بين العلوم النظرية والعلوم العملية، وسطعت الفائدة العملية للعلم مع بدايات العصر ~~الحديث، لكن بيكون هو الذي أكد عليها، وقد كان الناس يحتقرون الانتفاع بالعلم ~~لاعتقادهم أن الآخرة هي محور كل علم، وأن ms122 الزهد في الدنيا هو صبغة العلماء، # 58 # كما أكد فيثاغورث مثلا الداعي إلى السعادة القصوى القائمة على التأمل ~~الصرف. # وإذا كان بيكون لا يزال واقعا تحت شوائب ميتافيزيقية، بحكم المرحلة الزمانية ~~التي جاء فيها والتي تقع على أعتاب العصور الوسطى، فرسل يقول: إن الفيلسوف صنيعة ~~عصره، وقد أثبت هذا في مجلده الضخم «تاريخ الفلسفة الغربية»؛ لذا فليس من العدل أن ~~نطالب بيكون بالتخلص من أدنى شوائب العصور الميتافيزيقية السابقة عليه، لقد شهدت ~~العصور الوسطى انصرافا بعيدا عن التجريب، حكم على العلم الطبيعي أن يظل في ~~مكانه لا يتقدم ولا يتأخر، بل حتى لا يلتفت يمينا ولا يسارا، ولم يوقظ العلم ~~الطبيعي من سباته العميق إلا الالتفات إلى أهمية التجريب، وهذا ما لا يمكن أن يجادل ~~فيه أحد وبالذات بوبر، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يسحب فضل بيكون العظيم في التنويه ~~إلى أهمية التجريب، حتى وإن كان فضلا مشوبا بالكثير الجم من الأخطاء ~~الميتافيزيقية والاستقرائية التي أوضحناها في الفصل الأول. # خاتمة ~~(1) الملاحظة الهامة التي نبديها في الخاتمة، هي أن بوبر التجريبي بإنكاره للدور ~~الاستقرائي للملاحظة يحفظ كيان العقل والقوى الخلاقة، ويرفض أن يحيل الإنسان إلى ~~آلة صماء، تقصر عملها على تسجيل انطباعات التجريب، وتعمم نتائجها لتصل إلى القانون، ~~وكأن الإنسان حس فحسب وليس حسا وعقلا وقدرات على الابتكار العلمي والخلق الفني ~~... وسائر مكونات العالم 3، هذا درس عميق للتجريبيين، وقد نصت كتابات بوبر على أنه ~~يناصبهم العداء، أولئك الذين ينصحون بالاحتفاظ بالمدركات الحسية خالصة صافية بقدر ~~الإمكان، بلا إضافة أو نقصان، فتكون بهذا المعرفة اليقينية، حتى جاء كانط ليقول ~~لهم: المعطيات الحسية لا تشكل إلا المادة الخام. # 59 ~~(2) على هذا فبوبر بإنكاره للدور الاستقرائي للملاحظة لم يأت بجديد تماما، فقد ~~سبقه إلى هذا كثيرون، وهو يواصل مسار فكرة فلسفية أخذوا بها، مثل أكد ويويل في ~~كتابه «فلسفة العلوم الاستقرائية» أن العلم لا يمكن أن يكون بهذه الصورة، بل لا بد ~~من اختراع النظرية اختراعا، أي لا بد من عنصر الخلق، # 60 # ودارون ms123 الذي قال: من الغريب حقا أن أحدا لم ير أن أية ملاحظة يجب أن ~~تكون من أجل أو ضد وجهة نظر معينة، # 61 # وآينشتين الذي أرسل إلى بوبر خطابا يؤكد فيه استحالة صياغة نظرية ما ~~من الملاحظات، النظرية يمكن فقط أن تخترع، # 62 # ورفض لايبج # Leibig # الاستقراء صراحة في ~~كتابه «الاستقراء والاستنباط» من قبل عام 1848م. # 63 # لكن على رأس هؤلاء كانط الذي أدرك بوضوح استحالة أن تكون النظرية العلمية نتيجة ~~استقرائية، بل واعتبر هذا خلفا محالا وتناقضا في القول، وقال: إننا نحن أنفسنا ~~نكيف الطبيعة مع متطلباتنا ونطلب منها الإجابة على أسئلتنا، وبدا أمامه أن العلم قد ~~فند - ربما بفضل من هيوم - الخرافة البيكونية التي لم تحدث إطلاقا في تاريخ ~~العلم، من هنا وضع نظرية في المعرفة ترجعها إلى عاملين: الذهن # understanding # من ناحية، والمعطيات الحسية من ناحية ~~أخرى، وهما شرطان منفصلان ومتمايزان لكل معرفة، وكلاهما ضروريان، وقد عبر عن هذا ~~بمقولته الشهيرة المفاهيم بدون حدوس حسية جوفاء، كما أن الحدوس الحسية بدون مفاهيم ~~عمياء؛ لذلك أوضح لبوبر الطريق حينما قال: إن العالم كما نعرفه هو تفسيرنا للوقائع ~~الملاحظة على ضوء النظريات التي اخترعناها نحن أنفسنا، # 64 # لقد رأى كانط في النظرية العلمية شيئا أعظم بكثير من مجرد نتيجة ~~لتراكم الملاحظة، إنها نتيجة لأسلوبنا نحن في التفكير ولمحاولتنا لتنظيم المعطيات ~~الحسية، وفهمها على ضوء المقولات المفطورة في طبيعة العقل، وقد عبر كانط عن هذا ~~بقوله الثوري: «عقولنا لا تأخذ القوانين من الطبيعة، ولكن تفرضها على الطبيعة.» # 65 # فأحدث ثورته الكوبرنيقوسية، حينما قلب مركز المعرفة وجعله في عقل ~~الإنسان، بدلا من أن يكون مفارقا في عالم المثل أو في الجوهر إن كانت المعرفة ~~مثالية، أو في الطبيعة، إن كانت المعرفة تجريبية، ثم علمنا الاستقراء كيف نستجدي ~~الطبيعة لتكشف لنا عنها، حتى قلب كانط مركز المعرفة، وجعله العقل الذي يتوصل إلى ~~القوانين بواسطة مقولاته الخاصة المجبولة في طبيعته. # 66 ~~⋆ # بوبر إذن لم يأت ببدعة، والتوقعات الفطرية ثم الفروض العلمية، تلعب في ms124 فلسفته ~~دورا شبيها بدور المقولات في فلسفة كانط؛ مما حدا بالمؤرخين إلى الحكم بأن بوبر ~~متأثر بكانط، وهذا ما يؤكده بوبر نفسه في كل مناسبة، لكن مقولات كانط فكرة مثالية ~~ميتافيزيقية، بينما توقعات بوبر فكرة علمية سيكولوجية، خول لها دورا منطقيا ~~ميثودولوجيا، ويظل على تمام الحفاظ على بعده عن أية نزعة سيكولوجية، حينما يوضح ~~أن التعامل معها بعد ذلك منطقي صرف، وهو الذي يميزها، وأن أصل النظرية لا صلة له ~~البتة بمنزلتها العلمية. # ثم إن كانط كان واثقا في المعرفة الإنسانية أكثر مما ينبغي، كان يتفلسف واضعا ~~نصب عينيه نظرية نيوتن بوصفها أنموذجا للعلم، وكان كسائر معاصريه يعتبرها مطلقة ~~الصدق، واعتبر قوانينها - أي قوانين العلم - بعدية تركيبية، ولكنها في الآن نفسه ~~ضرورية الصدق، فالعقل يحاول أن يفرض القوانين التي يخترعها على الطبيعة، وهو لا بد ~~حتما أن ينجح في هذه المحاولة. # على هذا تبدو محاولة بوبر صورة متطورة متواضعة من محاولة كانط المغرورة، ولا غرو ~~فالتواضع المعرفي إحدى دعاوى بوبر الهامة، فلا ندعي اليقين أبدا، ولا نترفع ~~على أي نمط معرفي. # محاولة كانط - بلا شك - رؤية عميقة ورصينة، من فيلسوف عميق ورصين، أوشكت أن تروح ~~في طي النسيان بسبب خطأ كانط الكبير في اعتبار نظرية نيوتن مطلقة الصدق، لكن - كما ~~وضح آنفا - لم يكن أمام كانط العظيم الذي عاش في مجد نظرية نيوتن، أي مناص من ~~الوقوع في هذا الخطأ. ~~(3) وبعد كل هذا يستحيل الآن أن نأخذ في الاعتبار شيئا اسمه الاستقراء، إنه ~~خرافة فكيف له أن يميز العلم، لكن العلم بدا الآن غريبا عن الدار، فما كنا نظنه، ~~بل ونسلم بأنه منهج العلم في الفصل الأول اتضح كخرافة جوفاء حين انتهينا من الفصل ~~الرابع، فلا بد وأن نسأل بوبر، وما هو المنهج العلمي إذن؟ # الفصل الخامس # | منهج العلم # منهج العلم هو المنهج النقدي، منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح الفروض ~~الجريئة، وتعريضها لأعنف نقد ممكن كيما نتبين مواطن الخطأ فيها. # 1 # مقدمة ~~(1) إذا كان الاستقراء - وهو وثن الميثودولوجيين الذي شاع ms125 له التقديس قرونا - ~~محض خرافة، فما هو المنهج العلمي إذن؟ ما هي قواعده؟ ولماذا نحتاج إليها؟ هل يمكن ~~وضع نظرية في مثل هذه القواعد؟ أي علم لمناهج البحث؟ # لما كانت قواعد المنهج مسألة اصطلحنا عليها لتحكم مباراة العلوم الطبيعية، كقواعد ~~لعبة الشطرنج مثلا، وتختلف عن قواعد منطق البحث، التي لا بد وأن نتفق عليها بغير ~~أن ننتظر اصطلاحا أو اتفاقا؛ # 2 # لأنها قواعد تحليلية محض تحصيلات حاصل، وكانت الإجابة على هذه الأسئلة ~~تعتمد إلى حد كبير على الموقف المتخذ من العلم ذاته، والموقف الذي يتخذه بوبر ~~من العلم واضح، وهو أن الخاصة المميزة للعلم التجريبي هي إمكانية تكذيب عباراته، أي ~~ستكون نظرية بوبر المنهجية قائمة على معيار التكذيب، بل هي قائمة أصلا بهدف إثبات ~~إمكانية تطبيق هذا المعيار بل وضرورة تطبيقه، فعرض هذه النظرية - كما سنرى - ما هو ~~إلا عرض لقابلية العلم المستمرة للتكذيب؛ أي للنقد ولاكتشاف الأخطاء، وبالتالي ~~لقابلية العلم المستمرة للتقدم بحيث تكون قواعده قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا ~~نهاية، أما العالم الذي يقرر يوما أن العبارات العلمية أصبحت لا تستدعي أية ~~اختبارات أخرى، ويمكن أن نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة، ~~إننا في حاجة دوما إلى الانتخاب الطبيعي بين الفروض، أي حذف الأضعف منها عن طريق ~~النقد، والأسلوب الفني المختص بنقد العلم الطبيعي هو التكذيب، بهذا الوجه الفني ~~المنطقي الدقيق يكون التكذيب هو منهج العلم، ولكن منهج العلم في صورته العامة ~~ومساره العام هو مسار أية محاولة عقلانية، فلا يخص العلم ولا يميزه. ~~(2) من هنا كانت نظرية بوبر المنهجية وثيقة الاتصال بنظريته في المعرفة؛ لأنه ~~ينظر إلى المعرفة الإنسانية على أنها مكونة من الفروض والنظريات والافتراضات ~~الحدسية، على أنها نتاج الأنشطة العقلية، # 3 # سائر الفلاسفة منذ هيوم مرورا بمل حتى ماخ، ينظرون إليها بوصفها حقائق ~~ثابتة مؤسسة، بوبر على عكسهم، لا يعنى بتبرير المعرفة أو بصدقها أو بصحتها، أو ~~بأمثال هذه المشاكل الإبستمولوجية، إنه يعنى فقط بمشكلة نمو المعرفة وكيفية تقدمها، # 4 # وهذه ms126 النظرية من بوبر تجعل المعرفة العلمية قابلة للاختبار البين-ذاتي ~~أي الموضوعي للنقد والتكذيب، ديناميكية متحركة لا ثبات فيها؛ ومن ثم قابلة للتقدم ~~المستمر إن جاز التعبير، المعرفة بناء صميم طبيعته الصيرورة، ومن هنا لا تكون نظرية ~~المعرفة نظرية في مكوناتها، بل نظرية في أسلوب هذه الصيرورة، أي في كيفية التقدم ~~المعرفي، أي في منهج العلم؛ على هذا كانت نظرية بوبر المعرفية وثيقة الاتصال - أو ~~هي الوجه الآخر - لنظريته المنهجية، فجاء عرضهما معا في سياق واحد، في باب ~~واحد. # إن نظرية المنهج العلمي هي ذاتها منطق الكشف العلمي، هي ذاتها النظرة ~~الإبستمولوجية، إنها اختيار المنهج ووضع القرار الحاسم في الأسلوب الذي تتعامل به ~~مع العبارات العلمية. # 5 ~~(3) وقبل الحديث عن هذه النظرية المنهجية، تثار مشكلة ما إذا كان هذا الحديث ~~جائزا أصلا أم لا، إنها مشكلة كثيرين - على رأسهم الوضعيون المناطقة - لا يرون ~~في علم مناهج البحث فرعا من فروع الفلسفة، بل فرعا من العلوم الطبيعية، إنها ~~النظرة التطبيعية له # naturalistic ~~، أي جعله علم ~~الدراسة التجريبية لسلوك العلماء في ممارسة عملهم، أو للإجراءات الفعلية للعلم، ~~بوبر لا ينكر قيمة هذه الدراسة لعلم النفس مثلا، لكن علم مناهج البحث في رأيه شيء ~~مختلف تماما، فهو أولا ليس فرعا من الفلسفة فحسب، بل هو حصنها الحصين، هو وليس ~~الميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقا يمكن أن نؤول مشاكلها بحيث تصبح قواعد ميثودولوجية؛ ~~مثلا، مشكلة السببية - وهي واحدة من أعمق المشاكل الميتافيزيقية - حلت ببساطة ~~في سياق معالجة مشكلة منهجية بحتة؛ هي مشكلة الاستقراء. مثال آخر: مشكلة الكليات، ~~هي مشكلة قاعدة منهجية بخصوص طبيعة القانون العلمي؛ أو مثلا مشكلة الموضوعية، يمكن ~~أن تؤول هي الأخرى إلى قاعدة منهجية؛ هي القاعدة الآتية: العبارات التي تطرح في ~~العلم هي - فقط ولا غير - العبارات القابلة للاختبار بين الذوات، # 6 # بالمثل يمكن تأويل معظم المشاكل الفلسفية لتصبح ميثودولوجية، علم مناهج ~~البحث هو أخص خصائص الفلسفة. # وأكثر من هذا، فبعض الذين يريدون جعله علما طبيعيا، لا يرومون هذا من أجل تقدم ~~العلوم السلوكية ms127 فحسب، بل ولأنهم متأثرون بنظرتهم الاستقرائية التي سيطرت عليهم، ~~حتى يريدون من علم مناهج البحث؛ العلم الذي يستقرئ سلوك العلماء، هم مخطئون، الحاجة ~~ملحة للدراسة الفلسفية المنهجية، لنعرف ما هو الأسلوب الذي يسير به البحث ~~العلمي. ~~(1) مسار البحث العلمي ~~(1) عرض المنهج لن يكلفنا الآن كبير عناء، فطالما أن النظرية المنهجية مناظرة ~~للمعرفية، فإن صياغة المعرفة الموضوعية «م أ - ح ح - أ أ - م2» التي تصف شتى ضروب ~~الأنشطة العقلية والحيوية، تصف العلم أيضا، بوصفه إحدى هاتيك الضروب، # 7 # عرض منهج العلم لن يعدو أن يكون تطبيقا لها. ~~«م1»: # يبدأ العالم بحوثه من مشكلة، إما مشكلة عملية واقعية، وإما مشكلة ~~نظرية، أي فرض وقع في صعوبات، العالم يجد في العلم دائما مواقف ~~معينة لمشاكل، فيختار منها المشكلة التي يأمل في استطاعة حلها، ~~البدء إذن ليس بالملاحظة بل بالمشكلة، وهذه المشكلة بدورها ليست ~~نتيجة للملاحظة أو حتى التجريب، بل هي من البناء المعرفي ~~السابق. ~~«ح ح»: # الفكرة عن مشكلة لا بد وأن تكون غامضة، التعرف الكامل عليها لن ~~يكون إلا بطرح حل ونقده، فهم المشكلة يكون بفهم صعوباتها، بأن يعرف ~~العالم لماذا لا يسهل حلها، لماذا لا تصلح الحلول الواضحة، بهذا ~~يفهم المشكلة جيدا، يعرف تفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها ~~بالمشاكل الأخرى، إنه يحيط بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل ~~الملائم، الحل دائما اختباري، وهو فرضي، محاولة الحل قد تفضي إلى ~~طرح عدة حلول، عدة نظريات تتنافس لحل نفس المشكلة، أو تتنافس بأن ~~تمنح حلولا لبعض المشاكل المشتركة، على الرغم من أن كلا منها قد ~~تمنح بالإضافة إلى هذا حلولا لمشاكل لا تشترك فيها مع النظريات ~~الأخريات، كيف يمكن الاستقرار في هذه الخطوة على «ح ح» محددة، أي ~~كيف يمكن الاختيار بين مجموعة النظريات المتنافسات؟ أولا: على ~~الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده، أي اكتشاف الاختبار الفاصل، ~~التجارب الحاسمة التي تستطيع تفنيد واستبعاد بعض منها، ثم يختار ~~الباحث النظرية الأفضل من بين المجموعة المتبقية، والنظرية الأفضل ~~هي الأكثر قابلية للتكذيب، # 8 ~~⋆ # وهي الأكثر نزاهة، ms128 أي لا تكون عينية # ad hoe ~~، فهي وضعت فقط لحل المشكلة وليس لتلافي ~~نقد معين أو مواجهة اختيار معين، إذن المنهج النقدي يمكن اعتباره ~~منهجا داخل المنهج؛ لأنه يعين على تقرير النظرية الأفضل من بين ~~نظريات متنافسات، لتنتهي بتعيين «ح ح» أي محاولة حل. ~~«أ أ»: # ثم يحاول العالم نقد «ح ح» أي فرضه الجديد، لا بد من إيجاد الخطأ ~~في الحل المقترح، بل ومحاولة تفنيده، قد يصمد الفرض أمام اختبارات ~~النقد، وقد ينهار سريعا إذا كان ضعيفا، لكن القاعدة أن العالم ~~سيجد افتراضه الحدسي قابلا للتكذيب، وإلا لما كان علميا، وقد ~~يجد أنه لا يحل المشكلة، بل يحل جزءا منها فقط، وسيجد حتى أفضل ~~الحلول، أي التي تقاوم أعنف نقد لألمع العقول، من شأنها أن تثير ~~صعوبات جديدة، فهو نظرية لم تفند حتى الآن، ولما كانت لا بد أن ~~تفند يوما ما، فعلى الباحث محاولة هذا دائما، فيحاول إقامة ~~مواقف اختبارية قاسية؛ لذلك فإن هذه الخطوة «أ أ»، قد تفضي إلى ~~بناء قانون مفند، قانون قد تكون درجة عموميته منخفضة، فقد لا ~~يستطيع شرح مواطن نجاح النظرية، لكن يستطيع الأهم: اقتراح اختبار ~~حاسم وتجربة تفند النظرية، وتبعا لنتيجتها إما يأخذ العالم بهذا ~~القانون المفند، وإما بالنظرية موضع الاختبار. # 9 # ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي أساليب ~~اختبار النظرية واستبعاد الخطأ في أربع طرق: ~~(أ) # مقارنة النتائج الاستنباطية بعضها ببعض، مخافة أن ~~تحوي شيئا من التناقض، لا بد من التثبت من اتساقها مع ~~بعضها، أي اتساق النظرية مع نفسها. ~~(ب) # فحص النظرية نفسها فحصا منطقيا، لنرى هل هي من ~~نطاق العلم التجريبي، وهل هي إخبارية فقد تكون تحصيل ~~حاصل، «تطبيق معيار التكذيب.» ~~(ج) # مقارنة النظرية بالنظريات الأخرى في البناء المعرفي؛ ~~لنرى هل تتسق معها، وهل تمثل تقدما علميا ~~عليها. ~~(د) # اختبار النظرية تجريبيا، أي عن طريق التطبيقات ~~التجريبية للنتائج المستنبطة منها. # 10 # بالنظر إلى هذه الأساليب، نجد المنهج المتبع أساسا هو ~~الاختبارات الاستنباطية، وليس البتة أدلة استقرائية، ms129 رغم أن ~~الأهمية القصوى للملاحظة والتجريب تبرز في هذه الخطوة، فهي التي ~~تفصل القول أولا وأخيرا في قبول أو رفض النظرية المتسقة ~~منطقيا، إن اتفقت الملاحظات مع النتائج المستنبطة من النظرية؛ ~~سلمنا بها مؤقتا، إن تناقضت استبعدناها، ولا أثر إطلاقا لأي ~~استقراء من أي نوع كان لا سيكولوجيا ولا منطقيا، فليس هناك أي ~~انتقال من الوقائع إلى النظريات ما لم يكن انتقالا تكذيبيا ~~حقا، إن الاستدلال هنا من أدلة تجريبية، ولكنه استدلال استنباطي صرف. # 11 # وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك ~~عالم يبلغ من السذاجة حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ ~~فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها القريبة. # ومهما كانت نتيجة الاختبار، فلا بد وأن العالم قد تعلم منها ~~شيئا، فإذا فشل الاختبار واجتازته المحاولة، فقد عرف الباحث ~~الكثير، عرف أن حله هو الأكثر ملاءمة، وهو أفضل ما لدينا حتى الآن، # 12 # وأنه هو الذي ينبغي الأخذ به، أما إذا نجح النقد ~~وفند النظرية، فقد عرف الباحث الكثير أيضا، عرف لماذا أخطأ، ~~فيلم بالمشكلة أكثر، وربما فشلت النظرية في حل المشكلة المطروحة ~~للبحث، ولكنها قد تنجح في حل مشكلة بديلة، والتي قد تعطي شحنة ~~تقدمية أكثر مما لو كانت المشكلة الأصلية قد حلت وحتى إن لم تحل، ~~لا المشكلة الأصلية ولا أية مشكلة بديلة، فإن العالم يجب أن يهتم ~~أيضا بالتكذيب في حد ذاته؛ لأن اكتشاف كذب نظرية يعني اكتشاف صدق ~~نقيضها، وإن كان نفي النظرية الشارحة ليس بدوره نظرية ~~شارحة. # في هذه الخطوة «أ أ» يتركز دور معيار التكذيب ومنطقه. ~~«م2»: # وعلى أية حال، لا بد وأن ينتهي العالم إلى موقف جديد، يحمل بين ~~طياته مشاكل جديدة ليأخذ العالم منها م2 ... يبدأ بها الحلقة ~~الجديدة. ~~(2) بالطبع ليس من اليسير إدخال فكرة المحاولة والخطأ البسيطة في ذات الهوية مع ~~المنهج التجريبي المعقد، إنما هي الأصل والأساس الذي تفرعت شتى التعقيدات داخل ~~خطواته «ح ح، أ أ» إن منهج المحاولة والخطأ هو أسلوب ms130 التعلم، أسلوب تعرف الكائن ~~الحي على بيئته، وقد تطور قليلا حتى بدأ في اتخاذ اسمه المنهج العلمي التجريبي الحديث، # 13 # الذي هو على وجه الدقة: منهج الحدوس الافتراضية الجريئة (المحاولة) ~~والاختبارات العملية الحاذقة البارعة لتكذيبها، إنه الصورة المعاصرة لأسلوب التعلم ~~الداخل في صميم الحياة على كوكب الأرض، أسلوب المحاولة والخطأ. # خلاصة المنهج هي أن يتعلم الباحث أن يفهم المشكلة، فيحاول حلها، ويفشل في هذا ~~الحل فيردفه بحل آخر أقوى يفشل فيه هو الآخر، # 14 # العالم يسير من حلول سيئة إلى حلول أفضل، عارفا في كل حال أن لديه ~~القدرة على طرح تخمينات جديدة، فطريق التقدم العلمي الوحيد هو طرح فروض ~~أفضل. ~~(3) هذه النظرية المنهجية بالطبع، تحدد منطق العلم وطبيعته الحدسية ~~اللااستقرائية؛ من حيث إنه يظل على الدوام تقريرا غير يقيني مؤقتا، نسلم به الآن ~~لأنه الأفضل في وقت لاحق، لا بد حتما من التوصل إلى ما هو أفضل منه، المسألة ~~نسبية وهي متغيرة، حتى يمكن القول إنها مسألة رأي وليست حقيقة واقعة قاطعة مطلقة. # 15 # إن الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة إلى ~~المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية وتكذيباتها، بواسطة التعديلات ~~والتكييفات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم ~~زجزاجيا متعرجا وليس خطا مستقيما، # 16 # إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم يصحح نفسه بنفسه تصحيحا ~~مستمرا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها مجرد حدوس افتراضية، ~~تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق، وأن العالم حتى لو توصل جدلا إلى نظرية ~~صادقة، فلا هذا المنهج ولا أي منهج آخر يتمكن من إقامة صدق النظرية العلمية، وكيف ~~نبحث عن إقامة الصدق ونحن عالمون أن النظرية قد تجتاز كافة اختبارات النقد ~~والتكذيب، فقط لأن العلم لم يتوصل بعد إلى الاختبار الحاسم لها، أي القانون ~~المفند، وأن الباحث لا يفضل النظرية فقط؛ لأنها الأقرب إلى الصدق، ولكن أيضا لأنها ~~محتملة الكذب، إنها موضوع شيق لاختبارات أكثر، أي محاولات تكذيب، وتكذيب ms131 أي نظرية ~~علمية يشكل مشكلة لكل نظرية جديدة؛ إذ إن عليها أن تنجح فيما نجحت فيه سابقتها، ~~وفيما فشلت فيه أيضا، فهذا المنهج يعني الترابط المتسلسل بين النظريات، بحيث تكون ~~كل نظرية أقرب إلى الصدق من سابقتها. ~~(4) على ضوء ما سبق، يمكن أن تراعى التقاليد الميثودولوجية، فنستخلص من نظرية ~~بوبر المنهجية الخطوات الآتية للمنهج العلمي على الترتيب الآتي: ~~(1) # المشكلة (وهي عادة تفنيد لنظرية موجودة). ~~(2) # الحل المقترح (أي نظرية جديدة). ~~(3) # استنباط القضايا القابلية للاختبار من النظرية الجديدة. ~~(4) # الاختبار؛ أي محاولة التفنيد بواسطة الملاحظة والتجريب، من ضمن وسائط ~~أخرى. ~~(5) # الأخذ بأفضل الحلول، أي النظرية الأفضل من بين مجموعة النظريات ~~المقترحة المتنافسة. # 17 # والصورة التامة لهذا تكملها فكرة التوقعات الفطرية، التي يولد بها الكائن الحي، ~~هذه التوقعات من شأنها - إذا ما أحبطت - أن تخلق مشاكل؛ فليكن أولى مشاكل البحث ~~العلمي على الإطلاق - أي أول «م1» في بناء المعرفة - هي إحباط لتوقع فطري ولد به ~~إنسان بدائي، # 18 # وكانت محاولة تعديل هذا التوقع هي أول نظرية في تاريخ العلم، وكانت ~~محاولة انتهت ب «م2»، دخلت بدورها في حلقة جديدة ... وهكذا. # وبالطبع فإن ذهن العالم اليوم، ليس مقصورا على النزوعات والتوقعات الفطرية، علمه ~~الذي جعله عالما - أي الحصيلة المعرفية - يولد في ذهنه نزوعات وتوقعات علمية، أي ~~فروض حدسية هي نظريات جريئة. # ولكن العالم حينما يأتي الآن ليدرس موقف مشكلة، فهو بهذا يحاول مواصلة مسار طويل ~~يستند على كل حصيلة البشر، البدء من الصفر استحالة، وإن أمكنت فإن حياة العالم لن ~~تسفر عن تقدم أكثر مما أحرزه آدم، أو بعبارة علمية: «أكثر مما أحرزه إنسان ~~نياندرثال.» وهذه واقعة يرفض كثيرون من ذوي المنعطفات الجذرية والمستقلة في حياتهم ~~أن يقبلوها، # 19 # في العلم يجب أن نحرز تقدما، وهذا يعني أننا نقف على أكتاف الأجيال ~~السابقة، العالم معقد لدرجة كبيرة، ونحن لا نعرف من أين ولا كيف نبدأ تحليله، ~~إننا نعرف فقط من أين وكيف بدأت المحاولات السابقة، وإنها محاولات إقامة بناء ~~العالم خلال إطار معين، وهي أطر ms132 لم تكن محكمة كثيرا، نحن نحاول أن نجعلها أكثر ~~إحكاما بأن نطورها، فنستبدلها بمحاولات أقرب إلى الصدق، # 20 # والمحاولات مستمرة على صورة تلك الصياغة. ~~(5) المعرفة في هذا المسار الطويل والبادي منذ إنسان نياندرثال حتى اليوم، تمر ~~بمرحلتين: ~~(أ) # مرحلة التفكير الدوجماطيقي (القبل-علمي). ~~(ب) # مرحلة التفكير النقدي (العلمي). # مرحلة التفكير الدوجماطيقي: # هي المرحلة البدائية، بتحديد بوبر، المرحلة السابقة على حضارة ~~الإغريق، ولما كانت محاولات المعرفة بدأت مع أول إنسان في التاريخ ~~فإن المجتمعات البدائية لها موقف معرفي لها محاولات لتفسير العالم ~~بالأساطير والديانات البدائية بالخرافات والخزعبلات، وكان التمسك ~~بها قطعيا وصارما، وكانوا يعتبرون الشك فيها أو حتى محاولات ~~التفكير فيها لتقييمها أو نقدها جريمة ما بعدها جريمة، التساؤل عن ~~مدى صدقها كان محرما ينتهي بالموت، أو على الأقل بنفي المتسائل، ~~إنها مرحلة لا تسمح بالخطأ، ولا بأي إمكان أو احتمال له، وكانت ~~الفكرة الخاطئة - أي الحل الخاطئ للمشكلة - لا بد لها من الهلاك، ~~كان أميز ما يميز مرحلة التفكير الدوجماطيقي، أن المخطئ فيها ~~يموت أو يهلك بهلاك عقيدته الخاطئة، كان التقدم فيها مأساويا ~~خطيرا إن أمكن أصلا. # 21 ~~⋆ # مرحلة التفكير النقدي: # بدأت حينما عرف الإنسان سر التقدم، النقد ثم تقبله؛ لذلك كانت ~~المدرسة الأيونية أعظم مدرسة في التاريخ؛ لأنها علمت الإنسان ~~أعظم درس والأهم على وجه الإطلاق؛ ألا هو النقد وتقبله، لأول مرة ~~في التاريخ لم يتحرج أنكسمندر من نقد أستاذه طاليس وتبيان أخطائه، ~~بل والإتيان بنظرية أفضل من نظريته، والأدهى: على مرأى ومسمع من ~~أستاذه، بل وبترحيب وتشجيع منه، في هذه المرحلة حينما تكون ~~المحاولة - أي الفكرة - خاطئة، فإن الهلاك لها وحدها، معتنقوها لا ~~يهلكون معها بل هم الذين يهلكونها ليحاولوا المحاولات الأفضل، ~~وليضعوا نظريات أقرب إلى الصدق. # ولما كان بوبر يرى أن القوانين العلمية ليست مستقرأة من الواقع، بل مفروضة عليه، ~~فهو يقول: إن العلم التجريبي النقدي يصنع أساطير، تماما كالتي يصنعها الدين ~~الدوجماطيقي، لكن الاختلاف بين أساطيرهما كالاختلاف بين الدوجماطيقية والنقدي، ~~فالاتجاه النقدي للعلم من شأنه أن يغير ms133 الأساطير ويطورها فلا تبقى على حال واحد ~~أبدا، إنها في تغير مستمر، والتغير في اتجاه وضع الشرح الأفضل، والاقتراب من الصدق ~~أكثر وأكثر؛ لأن النقد يحذف الخطأ، ويقلل دوما من نطاقه. # 22 # غير أن هذه النظرية ليست ذات أدنى تناظر مع نظرية كونت في المراحل الثلاثة ~~المتعاقبة لتاريخ الفكر؛ ذلك لأن التفكير الدوجماطيقي والتفكير النقدي، ليسا ~~مرحلتين متعاقبتين زمانيا فحسب، بل منطقيا أيضا، بل، وكعادة بوبر في التعميم ~~الشديد لأفكاره، عمم هذا التقسيم، حتى أدخلهما في صميم كل محاولة على وجه الأرض، ~~وفي صميم الحياة بصفة عامة، فإذا كانت الأميبا وسائر الحيوانات الدنيا تعيش إلى ~~الأبد في أسر المرحلة الدوجماطيقية، فإن الإنسان المعاصر - وكل إنسان - في نزوعه ~~للبحث عما يريده وفرض القوانين على الطبيعة، في فرض نزوعاته وتوقعاته - خصوصا ~~توقع الاطراد - هو أسير الاتجاه الدوجماطيقي، لا يخرج منه إلا حينما يحاول النقد ~~واستبعاد الخطأ. # كما أن الاتجاهين ليسا متعارضين، والعلاقة بينهما ليست تناقضا، هما متعاقبان ~~زمانيا وموضوعيا، لكل منهما سمات وخصائص قد تختلف وقد تتفق مع سمات الأخرى ~~الواحدة منهما لا تسير بغير الأخرى، لكن يكون للتفكير العلمي مسار، المرحلة النقدية ~~ضرورية للدوجماطيقية؛ كي تقي شر هلاك محتوم، والدوجماطيقية ضرورية للنقدية؛ كي تمثل ~~لها المادة الخام، وأكثر من هذا فإن الدوجماطيقية ليست شرا محضا، بل لا بد من ~~قدر منها حتى في البحث العلمي، فالعالم أثناء اختبار نظريته لا بد وأن يتمسك بها ~~تمسكا دوجماطيقيا نوعا ما، فلا يتخلى عنها بسهولة، ثم إن الدفاع عنها في ~~مواجهة النقد من شأنه أن يطورها ويحسنها، إن بوبر لم يعن بهذا التقسيم أكثر من ~~الإشارة إلى الاعتقاد القوي، الذي يثبتنا عن انطباعاتنا الأولى، وهو الاتجاه ~~الدوجماطيقي، بينما الاتجاه النقدي يشير إلى الاستعداد لتعديل الأفكار وتصحيحها، ~~إلى السماح بالشك والاختبار، إلى تقبل النقد وإقرار الخطأ، ببساطة إلى الاعتقاد ~~الضعيف، بمعنى الاعتقاد المتبصر غير المتزمت. # خلاصة القول: التفكير الإنساني بصفة عامة، إنما يسير عبر هاتين المرحلتين، ويبلغ ~~السمة العلمية مع سيادة المرحلة النقدية، وهذه النظرية ms134 - نظرية المرحلتين ~~الدوجماطيقية والنقدية - هي بحق من أجمل مواطن إبداع بوبر فهي نظرية منطقية ~~إبستمولوجية ميثودولوجية سيكولوجية أنثربولوجية. ~~(6) تلك هي الأفكار - من طيات فلسفة بوبر - في سياق الإجابة على السؤال التقليدي: ~~ما هو منهج العلم؟ ولكنها لم تكن إجابة تقليدية، وأكثر من هذا، لم تكن القواعد التي ~~ترسيها قواعد مختصة بالعلم فحسب، بغض النظر عن التفصيلات الفنية التكذيبية ~~للخطوة «أ أ»، بل هي قواعد للنقاش العقلاني بصفة عامة؛ لأنها أساسا قواعد منهج ~~المحاولة والخطأ الذي يحكم شتى المحاولات على وجه الأرض. ~~(2) الداروينية المنهجية ~~(1) في فصل «المعرفة موضوعية» بدا أن الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» أي نظرية المحاولة والخطأ تجعل نظرية بوبر في المعرفة ~~داروينية، ولما كان هناك تناظر بين نظرية بوبر المعرفية وبين نظريته المنهجية، ~~كانت المنهجية هي الأخرى داروينية، بل الواقع أنها تجسيد صارخ للداروينية. # منهج تطور العلم يماثل إلى حد كبير ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي، إنه ~~الانتخاب الطبيعي بين الفروض، العلم يتكون دائما من تلك الفروض التي أوضحت ~~ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى ~~الوقت الراهن، كما أنها استبعدت تلك الفروض التي لم تلائم، أو التي حاول واضعوها أن ~~يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفا مطابقا للمطلوب. # وعلى العكس من ذلك نظريات المنهج الاستقرائية، التي تؤكد على التحقيق بدلا من ~~التكذيب هي بالضبط اللاماركية، إنهم يقررون البناء بواسطة البيئة، بدلا من الانتخاب # 23 # الطبيعي للفروض والبقاء للأصلح منها. # إن منهجية بوبر داروينية، في مقابل الاستقرائية اللاماركية. ~~(2) فمن المعروف أن هناك اتجاهين أساسيين في نظرية التطور: # الاتجاه الأول، الأسبق زمانيا والأقل منزلة علمية، ينتسب للعالم ~~الفرنسي الكبير جان لامارك # Jean Lamarck ~~(1744-1829م) الذي يذهب إلى أن التغير الذي يحدث ببطء في نوع ما من ~~الكائنات الحية، إنما مرده إلى الظروف البيئية قد يتبعه تغير في سلوك ~~هذا الكائن ، وأن كثيرا من الكائنات والحيوانات لم تستطع الملاءمة فماتت؛ ~~لأن ظروفا بيئية تغيرت فلم تستطع التكيف معها، # 24 # معنى ذلك أن نظرية ms135 لامارك تعول في حدوث التغيرات العضوية على ~~المؤثرات البيئية وتجعل دور الكائن الحي سلبيا فقط يتلقى هذه المؤثرات، ~~وإن لم يتلقاها حكمت عليه البيئة بالفناء والهلاك. # أما الاتجاه الآخر الداروني، فهو يذهب إلى أن أنواع الكائنات الحية ~~جميعا، إنما تنتهي إلى أصل واحد هو أولى الكائنات الحية البدائية، وأن كل ~~كائن حي إنما هو حلقة تطورية، في سلسلة متصلة تنتهي بالإنسان، ولكن عبر ~~السلسلة البيولوجية الطويلة، تبقى بعض الأنواع وتتطور أخرى وتنقرض ~~أخرى. # فكيف تبقى بعض الأنواع؟ وكيف يتطور أو ينقرض البعض الآخر؟ # في الإجابة على هذا ذهبت نظرية دارون إلى أن دنيا الطبيعة فيها سلسلة لا تنتهي من ~~الكفاح من أجل الحياة؛ إذ ينقض الحيوان الوحشي على غيره فيهلكه، وكذلك تتنافس ~~جميع الكائنات الحية في الحصول على الغذاء والماء والمأوى، فما كان فيها منها ~~الأقوى والأسرع والأصلب، فهو الذي يبقى، أما الضعيف فيهلك، الأنواع القوية القادرة ~~على الفتك بمنافسيها، القادرة على التكيف مع البيئة تبقى وتحكم بالفناء على الأنواع ~~الضعيفة الأقل تكيفا مع البيئة، # 25 # على هذا النحو يتم الانتخاب الطبيعي، أي تجعل نظرية دارون المعول ~~الأكبر على الكائن الحي، له ولإمكانياته، الدور الأعظم في سلسلة التطور. # من هنا كان الاستقرائيون لاماركيين، بمعنى أنهم يجعلون للعالم دورا سلبيا، فقط ~~يتلقى نتائج التجريب التي تمليها الطبيعة، فيعممها في فرض علمي، أما بوبر فلا ~~يرضى بهذا الدور السلبي الاستقرائي للعالم، أو بهذا الدور السلبي اللاماركي للكائن ~~الحي، في الخطوة «ح ح»، كان العالم هو الذي يضع الفرض من عنده، هو الذي يخلق ~~النظرية، إن العالم في نظرية بوبر المنهجية له دور إيجابي في خلق قصة العلم، كما ~~جعل دارون للكائن الحي دورا إيجابيا في خلق قصة الحياة، إننا لا نعرف من خلال ~~التعاليم التي تلقيها البيئة علينا كما يدعي الاستقراء، بل نعرف من خلال تحديها ~~وفرض تصوراتنا عليها؛ لذلك يفسر بوبر التقدم العلمي بالنقد، فهو الذي يبرز ثورية ~~هذا التقدم، فهو يحطم ويغير ويبدل مجسدا إيجابية العالم الداروينية، أما ~~اللاماركية الاستقرائية، ms136 فتفسر التقدم العلمي بتراكم المعلومات كمكتبة نامية ~~باستمرار، مسألة آلية. ~~(2) إن بوبر يعظم من نجاح نظرية دارون؛ فلا يقصر تطبيقها على البيولوجي، بل ~~ويسحبه إلى الإبستمولوجي والميثودولوجي، بل وإلى سائر التطورات، طالما أن الصياغة ~~«م1 # ح ح # أ أ # م2» تحكم شتى الأنشطة على كوكب الأرض. # لكن رغم هذا لا يعتبرها نظرية علمية بالمعنى القابل للتكذيب، أي بالمعنى ذي ~~المحتوى المعرفي الإخباري؛ إذ يعتقد البعض أن نظرية دارون في علم الحياة هي المثيل ~~لنظرية نيوتن في علم الطبيعة وهذا خطأ، حقا أثرها ثوري، لكن ليس في عمق أثر ~~نيوتن؛ لأن نظرية نيوتن تعطي وصفا تفصيليا لكثير من القوانين التي تحكم الطبيعة، ~~بينما لا تشتمل نظرية دارون على أي قوانين، وحينما حاول هربرت سبنسر أن يضع قوانين ~~تحكم التطور فإن دارون لم يعر هذا أي اهتمام، # 26 # إن نظرية دارون بغير محتوى معرفي أو تجريبي؛ فمحتواها تحصيل حاصل؛ ~~لأنها تنتهي في النهاية إلى أن هؤلاء الذين يبقون هم الأصلح للبقاء، فقط لأن هؤلاء ~~الذين يبقون هم هؤلاء الذين يبقون، # 27 # ويبين الانتخاب الطبيعي أنه من حيث المبدأ يمكن رد الغائية إلى ~~العلية في حدود فيزيائية بحتة، ويبين دارون أن أسلوب عمل الانتخاب الطبيعي يمكن ~~من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر أفعال الخالق وأغراضه، ويمكن أيضا من حيث المبدأ أن ~~يظهر بمظهر الأفعال الإنسانية العاقلة الموجهة نحو غرض أو هدف، # 28 # وإذا صح هذا فسيصبح لعلماء الحياة تمام الحرية في استعمال الشروح ~~الغائية في علم الحياة، حتى الذين يعتقدون أن جميع الشروح يجب أن تكون علية؛ لأن ~~ما بينه دارون على وجه الدقة؛ من حيث المبدأ، أي شرح غائي معين يمكن يوما ما أن ~~يرد إلى، أو يشرح أكثر بواسطة شرح، على الرغم من أن هذا إنجاز عظيم، فإن تعبير من ~~حيث المبدأ «هو تقييد ذو خطورة»؛ فلا دارون ولا أي داروني، أعطى شرحا عليا ~~للتطور التكيفي # adaptive Evolution ~~، وكل ما ~~نظفر به أن مثل تلك الشروح قد توجد، أي ليست مستحيلة ms137 منطقيا، وهذا شيء كثير لكن ~~ليس بنظرية تجريبية إخبارية أي ليس علما بالمفهوم الدقيق الذي نرومه في هذا ~~البحث. # من هنا كان إيمان بوبر الشديد بنظرية دارون والذي يشيع في ثنايا فلسفته بأسرها، ~~شيوع تلك الصياغة، لكن ليس بوصفها نظرية علمية، إنما بوصفها برنامج بحث ميتافيزيقي # Metaphysical Research Porgramme ~~، # 29 # فلما كانت نظرية دارون فكرة عظيمة، لكنها ميتافيزيقية مبهمة، ينقصها ~~الشيء الكثير، كانت تلك الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» التي تصف أسلوب المحاولة والخطأ، أسلوب النزاع من أجل البقاء ~~والانتخاب الطبيعي الذي يستبعد الأقل تكيفا، هي محاولة من بوبر لإعادة صياغة هذه ~~النظرية، بوصفها برنامج بحث صياغة تخلصها مما بها من غموض وإبهام، # 30 # وتحددها طالما أنها تعطي وصفا داخليا محكما لعمليات الانتخاب ~~الطبيعي. ~~(3) وفي سياق هذه المماثلة بين تطور المعرفة وتطور الكائنات الحية، يضع بوبر ~~تماثلا بين شجرة التطور البيولوجي وشجرة التطور المعرفي، # 31 # وإن كان تماثلا عكسيا، فالشجرة التطورية البيولوجية انبثقت عن أصل ~~واحد ظل يتفرع إلى فروع أكثر وأكثر، إنها تشبه العائلة، والأصل المشترك هو ~~أسلافنا أحادي الخلايا، أسلاف جميع الكائنات الحية، والفروع هي التطورات التي ~~انبثقت عن هذا الأصل الحي، الكثير منها اتخذ أشكالا خاصة إلى حد بعيد، اختلفت أو ~~«تفاضلت # differiantated ~~» كل شكل منها، فتكامل ~~بالدرجة التي تمكنه من حل صعوباته الخاصة، أي مشاكله من أجل البقاء (تفاضلت وتكاملت ~~مصطلحات سبنسر في محاولته لأن يحكم النظرية الداروينية بقوانين). # والشجرة التطورية لأدواتنا تماثلها جدا، فقد بدأت بأصل واحد، قطعة صخر وعصا، ~~وتحت تأثير مشاكل مختلفة تطورت وتفرعت إلى أعداد كبيرة من الأشكال المختلفة جدا، ~~بنفس الأسلوب التفاضلي. # أما نمو المعرفة البحتة، فهو بأسلوب عكس تماما، تتجه كما لاحظ سبنسر نحو تكامل ~~متزايد، تكامل بعضها والبعض الآخر، بدلا من أن يتفاضل كل فرع عن الآخرين أو يكامل ~~نفسه بنفسه، كما في حالة الأدوات والحيوان. # لو أمكن التصور، فإن نمو المعرفة، هو على صورة هذه الشجرة لكن مقلوبة، أصلها أو ~~جذورها هو الفروع المنتشرة في الهواء، ms138 تتجمع رويدا رويدا، حتى تنتهي إلى أصل ~~واحد، جذع واحد يؤدي بها إلى نهاية واحدة ثابتة في الأرض، هذا الجذع يضمها نحو ~~التكامل المتزايد، نحو نظريات تتوحد أكثر، بلغت أوجها في النظريات الفيزيائية ~~البحتة الحديثة، على رأسها النسبية، التي تحاول ضم أكبر نطاق ممكن من المعارف ~~العلمية، إن المعرفة البحتة لم تبدأ بأصل واحد، بل بعدد كبير من الأصول (توقعات ~~فطرية - نزوعات - خرافات - أساطير - نظريات ميتافيزيقية ... إلخ) كانت تهيم في الهواء ~~وأخذت تقترب تتجمع وتسير إلى جذع واحد رسخ في الأرض، بدأت أوضح الأمثلة في نيوتن ~~حينما حاول ربط ميكانيكا جاليليو الأرضية، بنظرية كبلر في الحركات السماوية. # 32 ~~(4) من الناحية المعرفية المنهجية، بوبر داروني حتى النخاع؛ لذلك أضاف لعنوان ~~كتابه «المعرفة الموضوعية» تذييلا هو: تناول تطوري # Evolutionary Approach ~~. ~~(3) العبقرية الخلاقة ~~(1) لكن لنلاحظ أن بوبر لم يوضح حتى الآن، ما هو طريق الوصول إلى النظرية ~~الجديدة، كما أوضح الاستقراء، في خطواته المفضية منطقيا إلى خطوة الفرض ثم المعرفة، # 33 ~~⋆ # بينما لم يفض بنا منهج بوبر إلى ذات اللحظة التي تخلق فيها النظرية خلقا، فحتى ~~«أ أ» تعني طرح فرض جديد، نظرية جديدة، لكن لم توضح إطلاقا من أين ولا كيف نأتي ~~به. # الواقع أن مثل هذا التوضيح مستحيل، فمنذ البداية وبوبر يستعمل كثيرا ودائما ~~اصطلاح: افتراض حدسي # Conjecture # افتراض لأنه حتما ~~يقيني ومؤقت، أما عن كونه حدسيا فهو حقا ليس في طبيعة الحدسي البديهي # Intuition # عند ديكارت مثلا، فالحدس البديهي بسيط، ~~يبدو جليا للعقل، الذي هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، بينما الحدس الافتراضي ~~العلمي معقد، وقد لا يسهل فهمه إلا للعقول العلمية الجبارة، ولكن كليهما حدس من حيث ~~أصله، وطريقة الوصول إليه، الفرض العلمي يلمع في الذهن بغتة كلمعة الحدس، على هذا ~~يستحيل رسم طريق محدد، منهج معين الخطا للوصول إليه، لنأخذ مثالا: نظام مندليف ~~الدوري للعناصر الكيميائية، القائم على المستوى الذري لبناء المادة، والذي يعتبر ~~أعظم إنجاز للعلم المتجه إلى معرفة كيفية نشوء العالم، «لقد أنشأه مندليف مستندا ~~فقط ms139 إلى قيمة الأوزان الذرية للعناصر المعروفة في ذلك الزمان وعلى حدسه الرائع، كما ~~قال نيلس بور.» # 34 # هذه شهادة من عالم لعالم، تؤكد نظرية بوبر المنهجية التي ترى أن الوصول إلى الفرض ~~يكون عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة (في المثال: قيمة الأوزان الذرية ~~المعروفة) ثم قدح الذهن ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، هذا الحل حدسي، لا ~~تنتبه إلا الموهبة العبقرية العلمية الخلاقة، كعبقرية مندليف وأمثاله، على هذا لا ~~يمكن أن ننظر إلى المنهج العلمي، كطريق يفضي حتما إلى فرض، فضلا عن إضافة للمعرفة ~~(كما انتهت آخر خطوات الاستقراء). # بالنظر إلى المنهج العلمي من هذه الزاوية، نكون في عرف بوبر، نتحدث هراء يخلو من ~~المعنى، هذه النظرة إلى المنهج، هي التي حدت به إلى أن يقول لطلاب فيزياء في بداية ~~سلسلة لمحاضراته عن المنهج العلمي: إن مادة هذا المقرر ليس لها وجود، # 35 # إنه يكره كلمة منهج بما تتضمنه من تقرير أبله، من رسم طريق محدد، أن ~~يلتزم به العالم التزاما لا بد حتما أن يفضي إلى نظرية، # 36 # وربما كان بوبر يرفض تحديد مثل هذا المنهج، من نفس المنطق الذي يرفض ~~منه تعيين مصدر معين للمعرفة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار، الربط الوثيق بين ~~نظرية بوبر المنهجية وبين نظريته المعرفية. ~~«إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ~~ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير ~~النظريات العلمية فسيصاب أيضا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، ~~إنها فقط تنقد وتختبر.» # 37 # ليس هناك منهج منطقي للوصول إلى الأفكار الجديدة، لا استقراء الوقائع ولا غيره، ~~المنهج العلمي ليس طريق الكشف، بل هو منطق العلم، وليس رسم طريق الوصول إلى ~~النظرية، كما رسمته خطوات الاستقراء، بل هو رسم أسلوب التعامل مع النظرية كما ~~سيرسمه باب التكذيب، لقد ميز بوبر بحسم بين عملية تلقي المعلومة الجديدة، عملية ~~التوصل إلى - أو اختراع ms140 - فرض جديد، وبين منهج اختبارها منطقيا ، والتحكم في نتائج ~~هذا الاختبار، فذلك هو موضوع المنهج العلمي ومجاله، أما العملية الأولى، فإنها لا ~~تستدعي التحليل المنطقي ولا هي تقبله، في هذا قال العالم ماكس بلانك: «إن كل فرضية ~~تظهر في عالم العلم تعرض نوعا معينا من الانفجار المفاجئ، وقفزة في الظلام لا ~~يمكن تفسيرها منطقيا، ثم تدق ساعة ميلاد نظرية جديدة، وبعد أن ترى نور العالم ~~تسعى جاهدة إلى النمو والتقدم باستمرار ويتوقف مصيرها أخيرا على المقاييس.» # 38 # بناء على كل هذا نجد أن التساؤل حول كيفية توصل شخص معين إلى فكرة جديدة؛ لحن ~~موسيقي، أو بناء درامي، أو فرض علمي؛ هو من عمل علم النفس التجريبي، حينما يريد أن ~~يفهم الظاهرة السيكولوجية الهامة؛ ظاهرة الإبداع، # 39 # لكن يستحيل دراستها في منهج العلم، أو منطقه؛ لأن كل اكتشاف علمي «يحوي ~~عنصرا لا عقلانيا أو حدسا خلاقا.» # Creative ~~Intuition ~~، بتعبير بيرجسون، حدسا مؤسسا على الحب العقلاني ~~لموضوع البحث. # 40 # لقد استشهد بوبر بهنري بيرجسون # H. Bergson ~~(1859-1941م) لأنه يفسر عملية الإبداع من خلال الحدس، الذي يحتل مكانا بارزا في ~~فلسفته؛ إذ يرى بيرجسون نوعا من الوحدة الروحية تضم الوجود بكل ما فيه ومن فيه، ~~ونحن لا نمارس الشعور بالوحدة أو الاتحاد مع العالم إلا في ظروف معينة، كما أننا ~~نتفاوت في المقدرة على هذا الاتحاد، والعباقرة المبدعون هم ذوو المقدرة العظمى ~~عليه، ولا فضل لهم في هذا؛ لأنها قدرة تقوم على أساس فطري يتمثل في درجة السهولة ~~التي تصل بها الغريزة إلى مستوى الشعور؛ فالغريزة هي الجانب الذي نشارك به في وحدة ~~الوجود، والاتصال بينها وبين مستوى الشعور أو الوعي يتيح لصاحبه أن يرى مشهدا ~~عاما للوجود بعلاقاته الباطنية العميقة، وهذا المشهد العظيم هو الحدس، الذي يتميز ~~به كل العباقرة والمبدعين من علماء وفنانين، # 41 # والحدس هو الذي يزيل الحواجز الزمانية المكانية بين المبدع والموضوع، ~~ويجعله ينفذ إليه بنوع من التعاطف # Sympathy ~~، ~~ويعرف بيرجسون هذا الحدس الخلاق بأنه الغريزة، وقد صارت غير ms141 مبالية أو مكترثة، بل ~~شاعرة بنفسها فقط وقادرة على تأمل موضوعها، وقد ركز بيرجسون في كتاباته الأخيرة على ~~الجهد العقلي المبذول في عملية الإبداع، ولكن هذا لا ينفي الدور الأساسي للعنصر ~~اللاعقلاني في عملية الإبداع. ~~(2) لم يوافق بعض الباحثين على هذا العنصر اللاعقلاني، فقد أبدى بول بيرنايز Paul Bernays # دهشته، فكيف يرفض بوبر رسم خطوات ~~منهجية منطقية تؤدي إلى الفرض، # 42 # وقد يرى البعض أنها تتناقض مع عنوان المؤلف المذكور فيه «منطق الكشف ~~العلمي»، ويعتبرها محاولة من بوبر لتفادي تدخل العناصر السيكولوجية في البحث، ~~وإننا إذا ما أخذنا بوجهة نظر بوبر فإننا بالضرورة ينبغي وأن نستأصل مبحث الفرض من ~~مجال البحث في دائرة المنطق. # 43 # والحق أن هذه النظرة من بوبر هي الأسلوب السليم في النظر إلى مصدر الفرض، وليست ~~محاولة لتفادي العناصر السيكولوجية، فلو حذفنا هذا العنصر اللاعقلاني، وحصرنا ~~الموضوع في قواعد منطقية صارمة - كقواعد القياس مثلا - للوصول إلى الفرض، لاستطاع ~~كل عالم أوتي عقلا أن يتبع هذه القواعد، ويصل إلى فرض علمي يحل المشكلة، كما ~~يستطيع كل منطقي أوتي عقلا أن يتوصل إلى النتائج التي تلزم عن مقدمات القياس، غير ~~أن الأمر الواقع ليس هكذا، قد يقضي عالم عمره في حل مشكلة ولا يستطيع، بينما ~~يستطيع عالم آخر أكثر عبقرية أن يحلها فورا؛ لأن الكشف العلمي ليس عملية آلية، بل ~~عملية خلق وتعديل ثوري، فهناك عنصر العبقرية وهو الأساس وعليه التعويل، ولن يجدي كل ~~منطق الدنيا إذا لم يتوافر هذا العنصر اللامنطقي اللاعقلاني، ثم إنه لا يتناقض بأية ~~حال مع عنوان «منطق الكشف العلمي»؛ لأن الكشف ليس هو الفرض الذي نبدأ منه، بل نتيجة ~~اختبار هذا الفرض، والكتاب بأسره لا يعالج إلا أساليب هذا الاختبار نتائجه، فهل لو ~~وضع العالم فرضا، ثم أثبت الاختبار خطأه كان كشفا؟ كلا بالطبع. # وأخيرا فإن موقف بوبر لا يجعلنا نستأصل مبحث الفرض من المنطق، بل فقط نجعله نقطة ~~البداية التي لا بداية قبلها، أو بالأصح ما قبلها من اختصاص علم النفس، وليس ms142 منطق ~~العلم، هذا مقابل الاستقراء الذي يجعل نقطة البداية هي الوقائع الملاحظة. # ويمكن أن نستأنف مناقشة هذا النقد أكثر، فنقول : إنه فور انتهائه نلقى تأكيدا ~~للطبيعة الحدسية للكشف العلمي، وكيف أضفى عليه بوانكاريه طابع التركيز والمفاجأة ~~واليقين الفوري، وأن الأفكار عادة ما ترد للعالم في ~~ومضة # In flash ~~، كما وصف ولاس ند دارون: «وفجأة ومض في ذهني خاطر كالبرق، ~~وهو أن هذه العملية التلقائية، قد ترقى بالجنس ... إذ ينزع الأصلح إلى البقاء.» ~~وإسهاب في توضيح رأي جون ديوي في أن الومضة هنا تأتي في سرعة البرق الخاطف، وأنها ~~تنطوي على عنصر المفاجأة والإثارة، فهي حدس شبهه كلود برنار بأنه شعاع من نور ~~يهبط فجأة فيضيء السبيل، الأكثر أنه ثمة عروج على علم النفس لإعطاء صورة عامة ~~لموقفه من الإبداع. # 44 # كل هذا سليم تماما، غير أننا نتساءل: أين الاعتراض إذن على بوبر؟ واضح أن هذه ~~المناقشة النقدية لبوبر ليست أكثر من تأكيد نظرية بوبر وتعميقها بصورة أشمل كثيرا ~~كثيرا مما فعل بوبر نفسه! # ولعل سبب هذا الالتباس، هو الالتباس الشائع في النظر إلى المنهج من أنه منهج ~~التوصل إلى الفرض، وليس فقط منهج التعامل معه، لعل بوبر أول - أو أحد القلائل - ~~الذين عنوا بتوضيح هذا اللبس، وأكد بحسم قاطع ووضوح ناصع أن العلماء لا يتوصلون ~~إلى الفرض عن طريق منهج. ~~(3) وليس هذا رأيا لبوبر أو غيره، بل يكاد يكون تقريرا للأمر الواقع؛ إذ «لدينا ~~شروح من العلماء أنفسهم توضح كيف توصلوا إلى النظريات العلمية بالعديد من الطرق ~~المختلفة، في حالات حلم أو ما يشبه الحلم، في ومضات من الإلهام حتى نتيجة لسوء فهم ~~أو خطأ، دراسة تاريخ العلم تؤكد أن العلماء لم يتوصلوا إلى النظريات بأي منهج محدد.» # 45 # من هنا كان لبوبر نظرية تماثل روح العلم تماما بروح الفن، حقا أن الخلق العلمي ~~ليس حرا بنفس مفهوم الخلق الفني؛ لأن العلم عليه الصمود أمام اختبارات التكذيب، ~~ومطابقة نتائجه الاستنباطية للوقائع الملاحظة، ولكن محاولة فهم العالم مهمة مفتوحة ~~أمام عالم ms143 يتمتع بمواهب خلاقة، # 46 # فيكون خلقه العلمي إلهاما خطر برأسه، كما أن الخلق الفني وحي وإلهام ~~خطر برأس الفنان الموهوب. ~~«إن الخلق العلمي يماثل تماما الخلق الفني.» # وإن عالم الفن من خلق الإنسان، جميع الأعمال الفنية مخلوقات من خلق الإنسان ~~الفنان، كذلك تماما عالم العلم، كل النظريات العلمية مخلوقات من خلق الإنسان ~~العالم يخلقها، ثم يحاول فرضها على الواقع لتشرحه وتفسره، فهي شباك يحاول بها ~~اصطياد الواقع التجريبي، والجهود مستمرة دائما لجعل ثقوبها أضيق وأضيق. # 47 # سقوط اليقين أسقط النظر إلى نظريات العلم كحقائق نكتشفها في الواقع، ~~وجاء منهج بوبر ليؤكد هذا، فهو يرفض أن يستجدي العالم الطبيعة بواسطة الاستقراء؛ ~~كي تكشف له عن أسرارها، بل يؤكد أن العالم يخلق النظريات خلقا، تماما كما يخلق ~~الفنان العمل الفني، وكما يخلق الإنسان سائر مكونات العالم (3). ~~- إن النظريات العلمية، تماثل تماما الأعمال الفنية. # وعلى هذا لم يعد ممكنا وجود منطق لعملية الخلق في العلوم، أكثر من إمكانية وجوده ~~في الفنون وكعبقرية خلاقة يقف جاليليو ونيوتن وآينشتين على قدم المساواة مع مايكل ~~أنجلو وشكسبير وبيتهوفن. # 48 ~~(4) وهذا الموقف السلبي المحتم على الميثودولوجي بإزاء التوصل إلى النظرية، يعقبه ~~بوبر بمنحى إيجابي، هو نصائح ذهبية للعالم الشاب: ~~(أ) # أولا لا بد أن يكون العالم قد عرف الآن أن نجاح العلم لا يعتمد على ~~قواعد الاستقراء، بل على العبقرية والحظ، والقواعد الاستنباطية البحتة ~~للحجج النقدية، # 49 # وأن النظرية العلمية يستحيل أن تبرهن فقط يمكن أن ~~تختبر وتكذب، ولا يمكن أن يقال أي شيء من أجلها أكثر من أنها ~~بعد النقد هي الأفضل الأهم الأقوى التي تعد بالمزيد، والأكثر ~~اقترابا للصدق من منافساتها. # 50 ~~(ب) # حذار من ضلال الاستقرائيين، انزع تماما فكرة البدء من الملاحظة، ~~طريق العلم المثمر يبدأ من معرفة النقاش الدائر هذه الأيام في العلم، ~~فحاول أن تكتشف أين تقع الصعوبات واهتم أكثر بأوجه الاختلاف # 51 # وأسبابها، وحاول أن تعرف أهم المشاكل، وعلاقتها ببقية ~~المشاكل الأخرى، وبالبناء المعرفي الذي يمثل «علمنا اليوم». # ملخص هذا: البدء ms144 بموقف المشكلة. ~~(ج) # في أية مرحلة من مراحل البحث، حاول أن تكون المشكلة واضحة بقدر ~~الإمكان، وراقب أسلوب تغيرها، واجعلها أكثر تحديدا، ولتكن النظريات ~~المختلفة التي تأخذ بها، واضحة بقدر الإمكان. # يمكن تلخيص هذا: وضوح موقف المشكلة. ~~(د) # ولتكن حذرا من أننا جميعا نأخذ بنظريات دون وعي، نسلم بها على ~~الرغم من أن معظمها قد يكون خاطئا، فحاول مرة ومرة أن تعيد صياغة ~~النظرية التي تتمسك بها وأن تنقدها، بل وحاول أن تبني نظريات بديلة، ~~وحتى تلك النظريات التي تبدو أمامك وكأنها الاحتمال الوحيد، اعتبرها ~~علامة على أنك لم تفهم لا النظرية ولا المشكلة التي تعنى هذه النظرية ~~بحلها. # يمكن تلخيص هذا: الفهم التام للبناء المعرفي فهما نقديا. ~~(ه) # بقي عليك أن تنظر إلى التجارب دائما على أنها اختبارات لنظريتك، ~~ومحاولات لاكتشاف خطئها أي لتنفيذها، وإذا أيدت النتائج والملاحظات ~~نظريتك، فلتتذكر أن هذا ليس تأييدا بقدر ما هو إضعاف لبديلها المناقض، ~~ولعله بديل لم تفكر فيه أبدا. # 52 # يمكن تلخيص هذا: التأكيد على أهمية التكذيب والنقد، ولكن دعوة بوبر للعالم الشاب ~~هنا إلى نقد نظريته، والمحاولة المستمرة للبحث عن مواطن خطئها كي يتوصل إلى النظرية ~~الأفضل، تبدو وكأنها قد استحالت إلى دعوة العالم إلى أن يشن الحرب على النظرية، ~~ولا يرحمها أبدا، وإذا أخطأتها الضربة، فليجعلها تصيب نظرية أخرى تقف معها في نفس ~~موقف المشكلة! # كل ذلك من أجل دعوة بوبر الحارة لأن يكون طموح العالم دائما هو أن يفند نظريته ~~ويضع الأفضل؛ لأن هذا أفضل من أن يدافع عنها، بينما التفنيد أمر واقع لا محالة، ~~والواقع أن هذه دفعة قوية للعالم الشاب، كي ينجز أكثر وأسرع، ولا يستكين إلى نظرية ~~اعتقد أنها ناجحة، وشبيه بنصيحة بوبر هذه، نصيحة جورج ديهاميل إلى الأديب الشاب، في ~~كتابه «دفاع عن الأدب» الذي ترجمه إلى العربية محمد مندور؛ حيث يقول ديهاميل: ~~«سأفكر أيضا - عندما أهمس بنصيحتي - في النجاح الملتوي المخاتل، ذلك الذي يثني ~~يوما بعد يوم عن مدى أهداف، ويقلم من أظافره وأجنحته، ms145 حتى يزج بقدميه في رفق إلى ~~مباذل المجد، سأفكر في هذا النجاح الذي ينال من الشجاعة الحقيقية برضاب قبلاته ~~السامة، كما يجف دماء الحياة، احذر النجاح، كل نجاح باب يغلق، كل نجاح أمل يكبل، ~~كل نجاح مستقبل يقبر، كل نجاح عدو لي. # نعم، احذر النجاح ... احذر هجماته واحذر مكايده، احتقر النجاح، ولكن كيف تحتقره إذا ~~لم تكن قد سيطرت عليه.» # 53 # وهذا الاقتباس من فقرة تحت عنوان «نقيض النجاح»، يقول ديهاميل في ~~آخرها: «هيا افتح يديك، ضع الكرة البيضاء في يدك اليمنى، والكرة السوداء في يدك ~~اليسرى، النجاح في جهة وعدم النجاح في الجهة الأخرى ... وحاول أن تسير قدما معتدل ~~القامة، محافظا على اتزانك، ولا تذكر غير كلمة واحدة، احذر النجاح، أما الباقي فلم ~~أقله، لقد اكتفيت بأن فكرت فيه فقط.» # 54 # ولكن رغم كل هذا، لا بد أن يتمسك العالم دائما بقدر من الدوجماطيقية؛ لأنها ~~تمكنه من الاحتفاظ بنظريته إذا كانت تستحق الاحتفاظ، ومن تطويرها كي تواجه النقد، ~~فتصبح في صورة أفضل، ومن ناحية أخرى فإنها مدعاة لأن يكون النقد بدوره قويا ~~حاسما؛ كي يواجه الدوجماطيقية، ولا يمكن الكشف عن مواطن قوة النظرية، ومواطن قوة ~~النقد الموجه إليها بغير هذا الدفاع المشوب بشيء من الدوجماطيقية، وليس هناك أية ~~نقطة في مناقشة النظرية أو نقدها بغير فائدة، كل هذا كي يحاول العالم دائما وضعها ~~في أقوى صورة ممكنة. # 55 # وأخيرا في نطاق نصح العالم الشاب، ينبغي تنبيهه إلى الداروينية المنهجية؛ إذ ~~ستجعله يضع أمام النظرية اختبارات دقيقة صعبة، كي يجعل صمودها عسيرا، فلا يكون ~~البقاء إلا للأصلح بحق. # هذا هو أقصى ما يمكن أن يقوله بوبر للعالم الشاب، راجيا من هذا أن يفيده أو ~~يدفعه إلى تحقيق أفضل نتائج ممكنة، وهذا قصارى ما يستطيعه علم مناهج البحث بوصفه ~~الضيق السخيف كعلم معياري، أما الطريق إلى خلق النظرية فهو استحالة على أي علم ~~معياري أو لامعياري، بغير توافر عنصر العبقرية الخلاقة. ~~(5) وفي ختام الحديث عن عنصر العبقرية الخلاقة، نقول: إنها، بوصفها ms146 مناط الإبداع ~~في العلم، قد ساعدت في تأمين منهج بوبر تماما تماما من أية مشاكل استقرائية؛ لأن ~~مشكلة الاستقراء كانت تبرير القفز من الحالات المحدودة إلى النظرية الكلية، بوبر ~~حذف الاستقراء، ووضع بدلا منه منهج التصحيح الذاتي، ولكن عين المشكلة ما زالت ~~قائمة: فما هو تبرير القفز من موقف المشكلة إلى حلها؛ أي إلى النظرية العلمية؟ ~~العبقرية العلمية هي التي تبرر هذا القفز. # 56 # وتأكيد أهمية هذا العنصر من أهم النقط التي تسجل لبوبر في مواجهة ~~الاستقرائيين، فأهم عيوب الاستقراء أنه يضفي على البحث آلية ورتابة يستحيل قبولها، ~~وببساطة، كما قال همبل: «لو كان ثمة مثل هذا الإجراء الاستقرائي الميكانيكي العام ~~الذي يكون في متناول أيدينا، لما ظلت على سبيل المثال المشكلة الخاصة بتعليل ~~السرطان دون ما حل حتى اليوم بالرغم من دراستها كثيرا.» # 57 # خاتمة ~~(1) ربما كان اجتياز العلم في اختباره لوقائع التجريب، هو الذي جعل بعض ~~الميثودولوجيين ينخدعون بأن نظرة بوبر المنهجية فيها استقراء، غير أنها ليست كذلك ~~البتة، والأهم أنها لا تثير على وجه الإطلاق أيا من المشاكل الاستقرائية؛ ذلك لأن ~~عدد الحالات المؤكدة لا يعني لا في قليل ولا في كثير، وحالة نفي واحدة أهم من مليون ~~حالة تأكيد، # 58 # كل ذلك لأن الفرض العلمي الجديد يوضح طريق الملاحظات الجديدة، أما ~~الملاحظات الجديدة فلا توضح أي طريق لأي فرض علمي جديد؛ لذلك نجد أن هذه النظرية ~~المنهجية البوبرية يلزم عنها الجدة ~~الأصيلة # genuine Novelty # لأفكار العلم الجديدة، جدة تذهب بعيدا بعيدا عن مجرد ~~إعادة تجميع عناصر موجودة بالفعل في صورة جديدة، تلك هي أقصى جدة يمكن أن تسمح بها ~~التجريبية الكلاسيكية الاستقرائية. # 59 ~~(2) وفي هذا الصدد نقول: إن ج. س. ~~كيرك # G. S. Kirk # توصل إلى نتيجة خاطئة هي: طالما أن بوبر قد فند ~~الاستقراء، فلا بد أن تكون نظريته المنهجية هي الحدس البديهي # Intuition ~~، على هذا فهو يدافع عن الفلسفة التقليدية، ويناهض ~~التجريبية الحديثة. # 60 # هذا التأويل لمنهجية بوبر بالقطع خاطئ؛ لأن الحدس البديهي ليس ms147 هو طبعا البديل ~~الوحيد للاستقراء، ولأن فلسفة بوبر المنهجية ليست تقليدية، بل هي تجريبية نقدية، ~~ويبدو لي أن خطأ كيرك نتيجة لخطأ فلسفي شائع، هو خطأ المطابقة بين التجريبية ~~والاستقراء، فكل ما هو تجريبي لا بد أن يكون استقرائيا، وكل ما هو لا استقرائي، ~~لا بد أن يكون لا تجريبيا، وكل هذا نتيجة للتشبث العميق بخرافة الاستقراء، فلسفة ~~بوبر أوضح البراهين على بطلان هذا؛ فبوبر على تمام الاحتفاظ بمبدأ تجريبية المعرفة، ~~طالما أن مصير النظرية - قبولها أو رفضها - تقرره الملاحظة التجريبية، بواسطة نتائج ~~الاختبارات التجريبية، بوبر لا يحتفظ بمبدأ التجريبية فحسب، بل يرسخه ويثبت أقدامه ~~بعد طول اهتزاز وقلقلة استقرائية. ~~(3) والذي يهمنا الآن أن هذا الفصل قد عرض لأسلوب يدعي أنه يحكم نمو المعرفة، ~~أو مباراة العلم الطبيعي، لكنه لا يدعي على وجه الإطلاق أدنى زعم بتمييزها، أسلوب ~~مسار المعرفة ومسار أي نشاط عقلاني، وفي أكثر صيغه عمومية، هو نشاط أية محاولة على ~~وجه الأرض، فلا بد أنه كان أسلوب مسار الميتافيزيقا، الأساطير، العلوم الزائفة، وكل ~~ما نخشى اختلاطه بالعلم. ~~(4) ومن الطريف حقا، إشارة بوبر - لا أدري بوعي أم بدون وعي - إلى أن هذا ~~المنهج ينقلب على نفسه، ليحكم نمو المنهج ذاته، أو ليس بمنهج تصحيح ذاتي، وفي هذا ~~كتب بوبر يقول: «المثمر من المناقشات المتصلة بالمنهج، هي دائما المناقشات التي ~~أوحى بها ما يصادفه الباحث من مشكلات عملية، أما المناقشات المنهجية، التي لم تنشأ ~~على هذا النحو، فيكاد يحيط بها جميعا جو من الغلو في التدقيق لا طائل من ورائه، ~~وقد كان ذلك داعيا للباحث العلمي أن يبخس البحوث المنهجية حقها، واجبنا أن ندرك أن ~~البحوث المنهجية العملية ليست نافعة فقط، بل إنها ضرورية كذلك، نحن لا نزداد علما ~~في أثناء تطور المنهج وإصلاحه، إلا عن طريق المحاولة والخطأ، كما هي الحال في العلم ~~نفسه، ونحن في حاجة إلى نقد الآخرين، حتى تتكشف لنا أخطاؤنا، ولهذا النقد أهمية ~~عظمى؛ لأن الأخذ بالجديد في المناهج ربما يؤدي إلى تغيير شامل ms148 وثوري، ومن الأمثلة ~~على ذلك إدخال المناهج الرياضية في علم الاقتصاد، أو الأخذ بما يعرف بالمناهج ~~الذاتية أو السيكولوجية في نظرية القيمة، ثم مثال أحدث عهدا وهو اقتران مناهج هذه ~~النظرية الأخيرة بالمناهج الإحصائية فيما يعرف بتحليل الطلب، وقد جاءت هذه ~~الثورة المنهجية الأخيرة إلى حد ما نتيجة للمناقشات الطويلة التي كان يغلب عليها ~~الطابع النقدي، وفي هذا المثال ما يشجع الداعي لدراسة المناهج.» # 61 # الفصل السادس # | تعقيب # (1) المنهج لا يميز العلم ~~(1) بعد كل هذا، لم يعد أمامنا أي مجال كيما نناقش: هل المنهج الاستقرائي يصلح ~~كمعيار لتمييز العلم أم لا؛ فليس هناك أصلا شيء اسمه الاستقراء ولا المنهج ~~الاستقرائي، وإذا كانت الملاحظة لها فعلا دور في التوصل إلى نظريات العلم، فليس ~~هذا الدور - على أحسن الفروض - إلا دور محرك الإلهام، والذي قد يقوم به صفاء ضوء ~~القمر أو حلم نوم هادئ، # 1 ~~⋆ # أو ~~هو - على أسوأ الفروض - دور العرقلة والإرباك والتقييد. # أولم نر الملاحظة تعرقل إنسكمندر، فتمنع نظريته من الوصول إلى موقف أقرب من ~~الصدق كان يمكن أن تصل إليه، دور الملاحظة - والذي هو دور جوهري وأساسي وهام - يأتي ~~بعد التوصل إلى النظرية، وليس كمقدمة إليها كما يدعي الاستقرائيون. # وطالما أن الاستقراء خرافة، فيستحيل إذن أن يميز المعرفة من أية زاوية، وإذا كان ~~قد استمد سلطانه الزائف في تمييز المعرفة العلمية لأنه يؤصلها؛ أي يرجع أصولها ~~إلى الملاحظة الحسية، فتكون بذلك مختلفة عن المعرفة الفلسفية التي ترجع أصولها إلى ~~التأمل، أو أية معرفة أخرى لا استقرائية، فإن بوبر لا يدري لماذا نبحث عن أصل ~~المعرفة، ولا فيما يعنينا هذا الأصل. في فصل المعرفة موضوعية، رفض بوبر تعيين أي ~~مصدر محدد للمعرفة، ورحب بكل المصادر طالما نتائجها قابلة للنقد، أصل النظرية لا ~~يهم، وإلا كنا نكرر الخطيئة الأرستقراطية، التي تبحث في الأصل والنسب وتغفل تقييم ~~الشخص ذاته، المهم هو قوتها الشارحة وصمودها أمام اختبارات النقد ... أما أصلها، من ~~أين أتت وكيف أتت؟ فهو «سؤال شخصي» # 2 # للعالم، لا يهم إلا ms149 مترجما يكتب السيرة الذاتية للرجل الذي توصل إلى النظرية، # 3 # أو عالما سيكولوجيا تجريبيا يدرس ظاهرة الإبداع العلمي. # وقد اختلف بعض الباحثين مع بوبر في هذا، مثلا ج. س. كيرك، يرفض موافقة بوبر أن ~~أصل النظرية غير ذي أهمية، ويؤكد أن له دورا في تاريخ العلم وفي فلسفة العلم ؛ لأن ~~سيرة حياة واضع النظرية، هي بوضوح متعلقة بالتطور التاريخي للنظرية، وفلسفة العلم ~~تستخدم بالفعل أمثلة تاريخية، # 4 # لتوضح مثلا أن كل النظريات العلمية فروض مؤقتة، ولعل كيرك مصيب هنا؛ ~~فقد اضطر بوبر نفسه، في فصل الاستقراء خرافة - مثلا - إلى الرجوع لأصل النظريات ~~العلمية؛ ليثبت أنه ليس استقراء. # ولكن مهما كانت النظرة إلى أصل النظرية، فإنه على أية حال لا يميزها ~~أبدا. # ثم إن آيات فشل الاستقراء - أو الأصل الاستقرائي بالذات - كمعيار للتمييز واضحة ~~وضوح الشمس، ففضلا عن أنه أصاب النظرية العلمية ذاتها - التي يميزها - ~~باللاعقلانية وسائر نتائج مشكلة الاستقراء، فإن أبسط ما لا ينبغي بداهة أن يختلط ~~بالعلم التجريبي، كعلم التنجيم مثلا، يمكن تأصيل نظرياته استقرائيا؛ إذ يمكن ~~الإتيان بكم هائل من الأدلة الاستقرائية القائمة على الملاحظة وخرائط البروج ~~السماوية، والتراجم والسير الذاتية، # 5 # يمكن مثلا الإتيان بألف شخص ولدوا في سبتمبر، ويتميزون بالحساسية ~~الفائقة، لنعمم ذلك استقرائيا في قانون تجريبي علمي أصيل: كل من ولد في ~~سبتمبر، يتميز بالحساسية الفائقة، وبالمثل أيضا علم الفراسة Phrenology ~~، يمكن الإتيان بألف شخص، يتميزون بالجبهة العريضة ~~والذكاء الحاد ... ذلك لأنها علوم زائفة، تدعي أنها تتبع منهجا تجريبيا زائفا ~~زيف الاستقراء. # النتيجة الحتمية الضرورية، لكل ما جاء في هذا الباب، هي استحالة أن يكون المنهج ~~الاستقرائي معيارا لتمييز المعرفة العلمية. ~~(2) والحق أن هذه النتيجة - رغم بداهتها - إنجاز ضخم وعظيم، تكمن عظمته في ~~الشجاعة الأدبية والأصالة الفكرية اللتين انطوى عليهما، كيف يفكر بوبر أصلا في حسم ~~القول في رفض فكرة شائعة شيوع الإيمان، «الاستقراء معيار العلم» تكاد تكون الفكرة ~~الوحيدة في فلسفة العلم التي تدخل في معتقدات رجل الشارع، فهو يجزم بأن العلم ~~التجريبي عظيم؛ ms150 فقط لأن العالم يقتصر على تسجيل ما تبوح به التجربة - استقرائيا - ~~من أسرار الطبيعة. # بل وأكثر من هذا، فالإيمان بالاستقراء - كمعيار للعلم - قد تطاول إلى الإيمان ~~بالله سبحانه وتعالى؛ بحيث يمكن اعتبار الثانية نتيجة للأولى، وليس هذا تعبيرا ~~مجازيا بل تقرير لواقعة، هي أن الإمام محمد باقر الصدر، وهو زعيم شيعي من علماء ~~النجف الأشراف، يتمتع بمنزلة دينية وعلمية وقومية فائقة، وقد أخرج دراسة وافية ~~شاملة محيطة بالاستقراء كمنهج للعلم الطبيعي، محددا أسسه المنطقية وجوانبه ~~الميثودولوجية، كي يتبع هذه الأسس بدقة في استدلال استقرائي ينتهي إلى وجود الله، # 6 # وكأن الاستدلال الاستقرائي هو الاستدلال الذي ما بعده استدلال - تماما ~~كما أن العلم الطبيعي هو العلم الذي ما بعده علم - فيوطد هذه النتيجة العظمى ~~الجليلة، ترى ما موقف الإمام الصدر، لو أنه اطلع على أبحاث بوبر وتبين أن ~~الاستقراء محض خرافة. ~~(3) وأكثر من هذا، فقد حاول بوبر أن يوضح كيف يمارس العالم عمله، فوضع جدلا ما ~~يمكن أن نسميه بالكاد منهجا للعلم: مشكلة، محاولة حلها، استبعاد الخطأ ... # لكن هذا المنهج لم يدع إطلاقا أية خاصة لتمييز العلم؛ فهو منهج البحث العلمي، ~~بمعنى منهج محاولة حل المشاكل العلمية، لكنه لا يختلف في جوهره عن منهج أية محاولة ~~أخرى لحل أية مشكلة أخرى، لقد كانت نظرية منهجية، أكدت رأيه في أن النظرية العلمية ~~آتية تقريبا من نفس الطريق الذي أتت منه النظرية الميتافيزيقية، أو أية نظرية ~~أخرى، من هذه الوجهة لا تمييز إذن، التميز والاختلاف فقط في الأساليب الفنية التي ~~نتعامل بها مع النظرية العلمية على أساس الخصائص المنطقية لبنيتها. # لكن هل حقا المنهج بمعنى الإجراءات الفعلية والخطوات الواقعية التي يجري بها ~~العلم أبحاثه، لا يمكنه أن يدمغ هذه الأبحاث بالسمة العلمية؟ # في هذا يقول جان ~~فوراستيه # Jean Fourastie ~~: ~~«إن للمنهج العلمي مدى يمتد من العالم إلى الإنسان المتوسط، ومن الميكانيكا ~~الموجبة إلى الأحداث المبتذلة للحياة اليومية، فليس هناك مجالان منفصلان: مجال ~~العلم ومجال الحياة، والنهج العلمي ليس تقنية خاصة بذوي الاختصاص كما ms151 يختص خبراء ~~التأمين بنظام الاحتمالات، والقضاة بالقانون، وعلماء الآثار المصرية بالهيروغليف، ~~بل هو أحد الوسائل المعطاة لكل إنسان، وأكثر هذه الوسائل سهولة وضمانا لمعرفة ~~العالم الذي انتظم فيه الإنسان؛ الكون والأرض والنباتات والحيوان والأشخاص. # ودائرة العلم ليست مقتصرة على علم الفلك والكيمياء الذرية أو الفيزياء الكمية، ~~إنما على أسرار المادة والكون وغوامض الحياة العميقة، بل يشمل كل الواقع الملموس، ~~والمنهج التجريبي لا ينطبق إذن على وصف الكواكب والإلكترون أو سيانور البوتاسيوم ~~وتفسيرها ومعرفتها فحسب، بل ينطبق كذلك على كل وقائع وأحداث الحياة اليومية لكل ~~إنسان حي.» # 7 ~~، # 8 ~~⋆ # واضح أن جان فوراستيه هنا، يعني نفس ما عناه بوبر حين قال: إن الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» تصف النشاط العلمي كما تصف سائر الأنشطة ولا فارق البتة، ~~وهذا هو الرأي السديد؛ لأن العلماء ليسوا فصيلة آتية من كوكب آخر، كما يراهم مثلا ~~عالم الرياضة والتناسليات الإنجليزي كارل ~~بيرسون # Karl Person ~~(1857-1936م)؛ إذ يعطي كتابه قواعد العلم # The Grammar of Science # انطباعا بأن العلماء ~~قوم غرباء، يمارسون نشاطا غريبا هو الاستقراء، المتلخص في جمع الحقائق وتبويبها ~~بمنتهى الآلية، وهذا بالطبع خطأ، «العلماء مجموعة عادية من البشر، لهم طبائع عدة، ~~بعضهم ذوو صنعة، وبعضهم موسيقيون أو شعراء أو متصوفة، بعضهم يستلقط الأخطاء، وبعضهم ~~يكتشف الحقائق، وبعضهم يبني الأنساق، فليس هناك تكوين محدد اسمه العقلية العلمية، ~~ولا شيء محدد اسمه المنهج العلمي.» # 9 # أما رأي كارل بيرسون السطحي الساذج، فقد أثار ثائرة العالم الأمريكي الكبير ~~جيمس كونانت # James Conant ~~(1893م-؟) الذي أكد ~~ما أكده بوبر من أن منهج العلم لا هو الاستقراء، ولا هو خاص به كي يميزه، فيقول: ~~«لا يوجد شيء واحد يشار إليه وحده فيقال: هذا هو المنهج العلمي ولا شيء سواه، إن ~~العلوم الطبيعية المختلفة لا تكتشف عن طريقة يقال إنها واحدة وحيدة.» # 10 # وحينما يضطر كونانت جدلا لرسم صورة عامة لمنهج العلم - كما اضطر بوبر ~~لرسمها جدلا - يطرحها في ست خطوات: ~~(1) # يصادف الرجل مشكلة يتعرف بها، ويحدد أغراضه ms152 فيها. ~~(2) # يجمع كل الحقائق المتصلة بموضوعها. ~~(3) # صياغة فرض مؤقت تمهيدي يكون أساسا للعمل. ~~(4) # يستخرج من هذا الفرض استنتاجات لو صحت لصح الفرض الذي خرجت ~~منه. ~~(5) # يكشف عن صحة هذه الاستنتاجات بالتجربة الفعلية. ~~(6) # وبناء على ما تخرجه التجربة، يقبل الفرض أو يعدله أو يرفضه. # 11 # تماما طبقا لما قاله بوبر في خطوات المنهج، بل وقد عقب عليه تعقيبا بوبريا ~~إذ قال كونانت: «وماذا في هذا المنهج من جديد، إنه منهجنا طوال الحياة، وإن كان هذا ~~هو المنهج العلمي، فنحن إذن علماء طوال الحياة ونحن لا ندري كما قال أحد أشخاص ~~رواية كوميدية لموليير، حين عرف ما النثر بعد جهل «إذن أنا كنت أقول النثر طوال ~~حياتي ولا أدري».» # 12 # أجل، فقد أصاب كونانت، كما سبق أن أصاب بوبر من قبل، إن المنهج العلمي بمعنى مسار ~~إجراءاته، وأسلوب العمل الفعلي فيه لا يميزه، بل يميز الإنسان العاقل في شتى ~~مناشطه، بل ويميز الحياة على كوكب الأرض. # منهج العلم ليس خاصا به كي يميزه، إنه ليس معيارا للمعرفة العلمية. ~~(4) غير أن موافقة بوبر على هذه الدعوى الكلية التي انتهى إليها الباب، لا تمنع ~~من مناقشة فصوله في الكثير الجم من الأفكار التي أفضت إلى هذه النتيجة. # فلنناقش موضوعية المعرفة بشتى جوانبها، وننتقل إلى مناقشة موقف بوبر من الاستقراء ~~لننتهي بتقييم نظريته في منهج العلم. # 13 ~~⋆ ~~(2) تعقيب على المعرفة الموضوعية ~~(1) أول ما ينبغي أن يقال لبوبر حول موضوعية المعرفة هو أنه من التهور الفلسفي أن ~~نطلق ببساطة على البحوث الإبستمولوجية - منذ أرسطو حتى رسل - الحكم بأنها غير ~~ملائمة وليست في مكانها السديد فقط؛ لأنها تحسب حساب الاعتقاد، هذا حكم جزافي واسع ~~وخطير، وليس من السهل تقبله، لا من بوبر ولا من أي فيلسوف آخر، بل وليس من السهل ~~حتى أن ندعه يقوله. # فقبل كل شيء هل يمكن حقا أن تقطع المعرفة كل صلة بينها وبين الذوات قطعا ~~باتا - كما يريد بوبر - كي تكون موضوعية، في حين أن المفهوم الحديث للموضوعية، ~~والذي يستعمله بوبر نفسه، ms153 هو مفهوم أو مصطلح البين-ذاتية # inter-subjectivity ~~. # ومن الناحية الأخرى، فليس الانشغال بالاعتقاد في المعرفة هو الإثم المعرفي البين؛ ~~فالاعتقاد ليس مجرد عملية بيولوجية تدور داخل ذهن معين في العالم، ولا ينبغي أن ~~نلتفت إليها في العالم الموضوعي العالم 3، كلا، في العالم 2، ولا ينبغي أن نلتفت ~~إليها في العالم الموضوعي، ولأكثر من سبب يمكن على سبيل الاختصار حصرها بين سببين: # أولا: # النظرية قبل أن تخرج إلى العالم 3، لا بد أن تكون اعتقادا في ~~ذهن العالم أو الفيلسوف أو المفكر الذي قال بها. # ثانيا: # أهم العوامل التي تجعل المثقف العادي يهتم بالعالم 3، هو أنه ~~يعينه على تكوين اعتقاداته؛ فشخصية الإنسان هي مجموعة اعتقاداته، ~~وهي الهدف النهائي للبحوث الفلسفية، فالفلسفة - فيما يراها بوبر ~~نفسه - مجرد بحث نقدي في معتقدات الإنسان العادي. # 14 # الاعتقاد إذن هو نقطة البدء ونقطة النهاية للبحوث الفلسفية. # وفضلا عن هذا، نجد أن الفارق الذي أقامه بوبر فيصلا حاسما بين المعرفة ~~الموضوعية وبين الاعتقادات الذاتية، لا يصلح في واقع الأمر لأن يفرق بينهما، فهذا ~~الفارق هو القابلية للنقد، والمعرفة طالما صيغت في لغة، فقد خرجت عن حدود الذات ~~وأصبحت موضوعية - أي أصبحت بين-ذاتية - ووجب أن تدق لها أجراس المنطق والفلسفة ~~والعلم فقط لأنها أصبحت قابلة للنقد بين الذوات، أي بين الباحثين، لكن بوبر أتى في ~~موضع آخر ليخبرنا بأن هذا النقد للمحاولات المعرفية من الأفضل أن يكون ذاتيا. # 15 # وأن نكتشف مواطن الخطأ في نظرياتنا خير من أن يكتشفها الآخرون؛ ومن ثم يمكن أن ~~نقول لبوبر: إن المعرفة الذاتية؛ أي الاعتقادات، هي طبعا قابلة للنقد الذاتي الذي ~~حبذه هو نفسه، فلا يصبح النقد، أو القابلية له، مبررا لكل هذه التفرقة ~~الحاسمة. # ومما يؤكد هذا أكثر أن العالم النفساني أنطوني ~~ستور # Anthony Storr # قد توصل - ودون أن يقرأ أعمال بوبر - إلى الاستنتاج ~~التالي: «حينما نلج موقفا جديدا في الحياة، ويواجهنا شخص جديد، فإننا نصطحب معنا ~~الانحيازات المكتسبة من الماضي، ومن خبراتنا السالفة مع الناس، ونسلط هذه ~~الانحيازات على الشخص الجديد، والحق ms154 أن محاولة التعرف على شخص ما، هي إلى حد كبير ~~سحب إسقاطات وطرد ستار دخان مما نتخيله، وإبدال ذلك بحقيقة حاله فعلا.» # 16 # أي إن التعرف على شخص جديد محاولة نستبعد منها الخطأ فنجد أمامنا ~~موقفا جديدا بمشاكل جديدة، مما يعني انطباق الصياغة التي وضعها بوبر لوصف المعرفة ~~الموضوعية: ~~«م1 # ح ح # أ أ # م2» على المواقف النفسية، وقد اتخذ بريان ماجي - أبرز شراح بوبر ~~- من هذا معوانا لكي يؤكد على عمومية تلك الصياغة وانطباقها على كل عمليات التطور ~~وعلى كل عمليات التعلم، حتى العملية النفسية التي يتعارف بها البشر فيما بينهم، أي ~~إن بريان ماجي قد رأى في تلك النتيجة التي توصل إليها العالم النفساني أنطواني ستور ~~كسبا لبوبر، يزيد من نطاق نظريته، لكنه هنا خسارة له؛ إذ يؤكد أن الفارق بين ~~المعرفة الموضوعية وبين الاعتقادات السيكولوجية ليس بهذا الحسم القاطع. # ويمكن أن نجادل بوبر أكثر من ذلك، فنقول: إنه هو نفسه كثيرا ما يستعمل - وهو ~~بصدد إثبات دعاوى موضوعية صرفة - اصطلاحات مثل: اعتقاد، أعتقد أن، ... فلماذا يدعو ~~إلى الاستئصال التام لشأفة الاعتقاد وكأنه نبتة غريبة في حديقة التفلسف ~~المعرفي. # دعوى بوبر إلى موضوعية المعرفة واستقلالها عن أي ذات أصوب، وتركيز الجهود على ~~المحتوى الموضوعي يفيد هذا المحتوى أكثر، كل ذلك رائع، وقد سبق أن أكد وايتهد على ~~ضرورة استبعاد الذات العارفة من الدخول كمتغير في معادلة الطبيعة وما بين الأشياء ~~من علاقات # 17 # وموضوعية بوبر بلا شك أقوى وأشمل، وهي الجديرة بالأخذ دون سواها من ~~النظريات المعرفية، لكن الذي لا يمكن الأخذ به أبدا هو الحكم على الفلسفة بعمرها ~~الطويل وعمالقتها العظام، الذي نحني الهام إجلالا وتكرمة لهم، بأنها غير ملائمة، ~~لا تعرف ما هو مبحثها، وينبغي أن نزيلها هكذا بجرة قلم، هذا أسلوب نقد كلي، رفض ~~كيان مهيب ثري بمبدأ واحد، بوبر أول من يعيب هذا الأسلوب كما عابه على الوضعية في ~~رفضها للميتافيزيقا بمبدأ واحد، كما عاب على الماركسية رفضها للوضع القائم بأسره ~~مرة واحدة ... ~~(2) أما ms155 عن نظرية الصدق التي يأخذ بها بوبر، أي التناظر، فهي الموقف الشائع شبه ~~المعتمد، فهذه النظرية تبدو وكأنها النغمة المسيطرة على سيمفونية الفلسفة ~~والاستثناءات البسيطة كنظرية الترابط أو الاتساق # Theory of ~~Coherence # أو الالتجاء إلى التحقق الحسي بوصفه معيارا ~~للحقيقة، أو النظرية البراجماتية التي ترى الصدق في المنفعة، أو الاتجاه الصوفي ~~الحدسي أو الديني، أو ما عدا ذلك من معايير مثل السلطة # authority # أو معيار الاتفاق الاجتماعي، أو اليقين الباطن، أو حتى ~~المعيار المركب الذي يرى أن الدليل الوحيد الكافي على الحقيقة، ينبغي أن يكون ~~مركبا من كل هذه النظريات والمعايير المتعددة، # 18 # كل هذه النظريات بمثابة نغمات نشاذ، والسؤدد الأعظم إنما هو لنظرية ~~التطابق، منذ أن قال بها أفلاطون في محاورة السفسطائي مرورا بالعصور الوسطى شرقا ~~وغربا، فالحقيقة عند الإسلاميين هي تطابق «تناظر» ما في الأذهان مع ما في الأعيان، ~~وهي كذلك عند اللاهوتيين في الغرب حتى قال بها رسل، # 19 # خصوصا في الفصل الثاني عشر من كتابه «مشكلات الفلسفة» فهذا الفصل يدور ~~حول الصدق والكذب # Truth and Falsehood # يشرح رسل ~~فيه أن الصدق هو تناظر الاعتقاد - الذي يغضب بوبر - أو الحكم مع الواقعة، هي إذن ~~الموقف الشائع، وليكن ألفرد تارسكي - كما يرى بوبر - هو الذي أخرجها في أفضل صورة، ~~وخلصها من الدوران المنطقي، فهي على أية حال نظرية منطقية، والمنطق بحكم الطبيعة ~~الصارمة لا يحتمل الكثير من القيل والقال. ~~(3) أما عن نظرية بوبر في العوالم الثلاثة، فهي من أمتع إبداعاته، حتى لقد أخرج ~~عنها العالم البيولوجي سير جون إكسلس # John Eccles # كتابا قيما هو: «مواجهة الحقيقة، مغامرة فلسفية بذهن عالم» حيث بحثها بالتفصيل، ~~وأثراها بتبيان العلاقة بينها وبين فسيولوجي الأعضاء، وبوبر لا يزال يخرج ~~أعمالا عنها وعن تطبيقاتها في حل مشاكل فلسفية كثيرة، خصوصا العقل ~~والمادة. # هذه النظرية خصبة للغاية، فهي تساعد على توضيح لماذا استعصى على الحل ذلك النزاع ~~القديم حول ما إذا كانت الأخلاقيات والجماليات وسائر المقاييس المعيارية ذاتية أم ~~هي موضوعية، حلت المشكلة ببساطة، وأصبحت ms156 هذه الأشياء من مكونات العالم 3، كما ~~أنها تزودنا بتحليلات لمشكلة أهم، هي مشكلة التغير الاجتماعي؛ إذ سيصبح هذا التغير ~~بسبب الخاصة الموضوعية لمخلوقات الإنسان في العالم 3، وللعلاقات التبادلية بينه ~~وبينها، والتي تنمي تلك العلاقات، وتجعل له ولها تاريخا. # 20 # والأهم أن هذه النظرية - فوق كل هذا - خسارة مبينة للوضعيين والتجريبيين ~~المتطرفين الذين يرون في المثل وسائر النظريات الميتافيزيقية تشبيهات مجازية ~~وتحليقات خيالية تخلو من المعنى، ومحاولة من الفلاسفة لتغطية جهلهم وعجزهم عن تفسير ~~الحقائق، بوبر يوفر أدنى عناء أو اختلاف في الرأي، حين يناظرها ويقارنها ~~بالنظريات الميتافيزيقية العتيدة، كالمثل الأفلاطونية والروح الهيجلي، لقد درج ~~الوضعيون على إدانة كل من ينشغل بالمباحث الميتافيزيقية بالجهل والرجعية والتأخر، ~~فماذا عساهم أن يقولوا في بوبر - العالم وفيلسوف العلم: إنه شاهد من أهلهم. ~~(4) أما عن الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» فهي ذات قيمة كبيرة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار النتائج ~~الجمة التي ترتبت عليها، لكن يبدو أن بوبر قد قفز بها قفزا جزافيا، وأنه عمم ~~إياها تعميمات شديدة تجافي الواقع، فهي محاولة لقولبة الأنشطة، كي ننظر إليها نظرة ~~كلية عامة، أي نظرة فلسفية، ورغم أنها مبهمة، فمن الصعوبة بمكان الاقتناع بأن أسلوب ~~الأميبا في الحصول على طعامها، هو نفس أسلوب وصول آينشتين إلى نظريته، لقد عاد بوبر ~~ليقول: إن النقد وممارسة التصحيح الذاتي هو الذي يميز آينشتين عن الأميبا، التي لا ~~تستطيعه فلا تستطيع حذف الخطأ، والخطأ يعني هلاك محاولتها وهلاكها، معنى ذلك أن ~~نشاط الأميبا تختفي منه الخطوة «أ أ: استبعاد الخطأ» فلا بد أن يتبع ذلك منطقيا ~~اختفاء الخطوة «م2»، وهذا فعلا ما يؤيده الواقع، فحياة الأميبا ليست فيها أية ~~مشاكل جديدة أو مواقف جديدة، إنها تحيا الآن، تماما كما كانت تحيا منذ ملايين ~~السنين، لكن باختفاء «أ أ» و«م2» ماذا بقي إذن من الصياغة؟ وبالتالي، كيف يمكن أن ~~تسير حياة الأميبا في حلقات؟ على هذا ينتفي انطباق الصياغة على الأميبا وسائر الصور ~~الدنيا من الحياة. # وقد يقال: إن هذه ms157 الصياغة تنظيم لنظرية داروين، وإن بوبر يقصد بها حلقات الحياة ~~التي أفضت إلى الأميبا، من هذه الوجهة: لا اعتراض، الاعتراض على قوله المحدد من أن ~~منهج الأميبا في حل مشاكل حياتها، هو عينه نفس منهج الوصول إلى النسبية، وعلى قول ~~بوبر: «آينشتين قد يخطئ، تماما كما أن الأميبا قد تخطئ.» # 21 # لقد أخطأ بوبر وهو يضع آينشتين مع الأميبا في نفس الفئة، فئة ما صدقات ~~نظريته، خطأ منطقيا وأدبيا. ~~(5) أما بخصوص عقلانيته النقدية، فقد تجنى بوبر كثيرا على العقلانية ~~الكلاسيكية، غير صحيح أنها فلسفة تسلطية، وكون ديكارت يجعل العقل ووضوحه وتميزه ~~معيارا، كما يجعل التسلطيون الكتاب المقدس وفلسفة أرسطو معيارا، فهذا لا يعني ~~تطابقا بينهما، السبب بسيط هو أن الكتاب المقدس - أو فلسفة أرسطو - محدود المعالم، ~~بل محدود الصفحات والكلمات والعبارات والأفكار، يرسم أطرا راسخة لمحتوى الفكر، ~~يلتزم بها المفكر التزاما، فيقصر جهوده على استنباط ما يلزم عنها وكشف العلاقات ~~بينها، وما هكذا العقل ولا حتى الحس، فالمجال أمامه مفتوح وله حرية الحركة وحرية ~~الخلق والإبداع، كل ما في الأمر أن العقل هو الفيصل، تماما كما أن النقد هو الفيصل ~~في العقلانية البوبرية، فهل نجاري بوبر فنقول: إنه هو الآخر تسلطي وليس عقلانيا، ~~وقد وضع سلطة النقد بدلا من سلطة الكتاب المقدس وأرسطو؟ إننا لا نقول هذا؛ أولا ~~لأن النقد عملية دينامية متحركة متطورة، باكتشافها لمواطن الخطأ تدفع إلى الأمام في ~~شكل الحلقات «م1 # ح ح # أ أ # م2»، وثانيا - وهو الأهم: إننا لو فعلنا هذا لأصبحنا مكررين ~~لنفس الخطأ الذي ارتكبه بوبر وننقده الآن. # زعم بوبر أن العقلانية تسلطية، يماثل الزعم بأن الوضعية المنطقية ما هي إلا ~~مثالية ميتافيزيقية متطرفة، أمثال هذه الانتقادات الدائرية تضر الفلسفة أكثر مما ~~تفيدها ألف مرة، فهي تجعلها كائنا رخوا أو عالما مفككا كل شيء فيه جائز. # الخطأ الحقيقي للعقلانية الكلاسيكية - بشقيها التجريبي والعقلي - هو اعتبارها ~~الحقيقة بينة واليقين سهل المنال، ولكن حتى في هذا الخطأ لا نستطيع أن نلومها، لا ~~بد أن نلتمس ms158 لهم العذر تقديرا للظروف المعرفية للعصر الذي نشأ فيه الاتجاه بشقيه؛ ~~فقد كان عصرا يسلم بداهة بأن اليقين هو الهدف المنشود، وإلا فعما نبحث؟ عن الشك ~~أم الجهل، لقد رأينا - إبان الحديث عن مشكلة الاستقراء - أن الحتمية ظلت من بديهيات ~~العلم التجريبي، منذ عرف طريقه إلى النور مع عصر النهضة، وقد بلغ الإيمان بها ذروته ~~في القرن الماضي، الذي ننفصل عنه ببضع عشرات من السنين فحسب، حيث كان المبدأ ~~المسلم به، حيث لا حتمية لا علم، والحتمية واليقين صنوان، # 22 ~~⋆ # أما اعتبارهما من مخلفات عصور الجهالة، وأن حساب الاحتمال هو المنطق الملائم لطبيعة ~~المعرفة العلمية، فإن هذا من أحدث ما توصل إليه العلم في قرننا العشرين، وهو من ~~سمات الفلسفة المعرفية المعاصرة، فليس من العدل أن نحاسب مراحل فلسفية سابقة على ~~هذا المطلب اليقيني. # إن العقلانية النقدية أصوب - بلا شك - من أية عقلانية، أو من أية نظرة ~~إبستمولوجية أخرى؛ فأولا: ليس هناك نقد جامع شامل يفند كل محاولة للبحث عن اليقين ~~القاطع يمكن أن نعثر عليه في كتابات أي فيلسوف من الفلاسفة المعاصرين، # 23 # أكثر من المذهب الذي يجعل البحث عن الخطأ والنقد لحمة سداها العقلانية، ~~وثانيا هي عقلانية لا تحصر نفسها في حدود معطيات الحواس، ولا تطلق نفسها مع عنان ~~العقل الخالص، ثم إن النقد يجمع خير ما في الطرفين، فضلا عما له من طاقة غير ~~منكورة لحذف الخطأ، والاقتراب من الحقيقة، أي لدفع عجلة التقدم، لكن هذا لا يعني أن ~~العقلانية الكلاسيكية - خصوصا عقلانية ديكارت - بكل هذا القبح الذي صوره ~~بوبر. # ومن الملاحظ أننا عرضنا الآن ثلاثة أطوار للعقلانية: # العقلانية التجريبية «بيكون». # العقلانية العقلية «ديكارت». # العقلانية النقدية «بوبر». # أفلا يبدو للوهلة الأولى، أن هذا ليس إلا تطبيقا للروح الهيجلية في أطوارها ~~الثلاثة، فقد بدأت بالعقلانية التجريبية، وهي أبسط الأنواع وأكثرها سطحية «الروح في ~~ذاتها»، ومن المعروف أن البحث الفلسفي، قد درج على اعتبار الإبستمولوجية العقلية ~~نقيض الإبستمولوجية التجريبية، فالعقلانية العقلية إذن هي الروح لذاتها أتت بعدهما ~~العقلانية النقدية، ms159 لتجمع خير ما فيهما وتتجاوزهما بما هو الأفضل، إنها إذن الروح ~~المطلق تكشف عن نفسها في الحركة الجدلية. # 24 ~~⋆ ~~(3) تعقيب على موقف بوبر من الاستقراء ~~(1) قبل أن نناقش موقف بوبر من الاستقراء، نناقش أولا نقده لهيوم، والفحوى ~~الأساسي لهذا النقد، أي القالب الذي صبت فيه جزئياته، لا يخرج كثيرا عن تصنيف معروف لمنطق هيوم، هو إدراجه تحت النزعة ~~النفسية، التي تنكر استقلال المنطق عن الحياة والنفس، وتحاول رد كل شيء وكل الحقائق ~~وكل العلوم إلى الحياة النفسية ومكوناتها، وهذا اتجاه قديم يعود إلى بروتاجوراس حين ~~قال: إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا، وسار فيه ميشيل دي مونتني # M. DeMontaigne ~~(1532-1592م)، داعية الشك المذهبي بغية توطيد ~~الدين والعلم المنزل، ثم ديفيد هيوم، ولعله أشد أقطاب النزعة النفسية تطرفا؛ إذ ~~أخرج عمله الأول باسم «رسالة في الطبيعة البشرية» رغم أنها في المنطق والمعرفة «وهي ~~تسمية واضحة الدلالة على أن العقل البشري لا ينفصل في رأيه عن الطبيعة البشرية، بل ~~إن العقل على نحو ما معبر عن الطبيعة وثمرة لها.» # 25 # إذن الحكم بأن هيوم ضائع جملة وتفصيلا في غمار هذه النزعة النفسية، ~~ليس من كشف بوبر بل هو معروف منذ أكثر من مائتي عام، الجديد الذي أتى به بوبر هو ~~الجزئيات التي أكد بها هذا الحكم، ثم الشواهد من العلم الحديث، التي تؤكد أن هيوم ~~على خطأ، وأن أبحاثه غير ذات قيمة، حتى بالنسبة للنزعة النفسية. ~~(2) أما عن حل بوبر للمشكلة، فهو اعتمد كثيرا على براعته المنطقية، فاستخدامها ~~في صب المشكلة على صورة نخرج منها بمنطق للعلم لا أثر فيه لاستقراء البتة، وربما ~~كانت هذه الفكرة في ذهن بوبر قبل أن يحاول حل المشكلة، إنها افتراضه الحدسي ونزوعه ~~الفلسفي المسبق الذي كان في ذهنه ففسر على ضوئه الملاحظات الفلسفية، إن جاز لنا أن ~~نستخدم مصطلحاته، لقد زعم بوبر أنه سيعيد صياغة النظرية كي تصبح موضوعية، غير أن ~~«الموضوعية» لم تكن هدفه الحقيقي من إعادة الصياغة، بل كان هدفه هو أن يطرح التساؤل ~~حول ms160 ما إذا كان هناك استقراء فعلا أم لا؛ وذلك كي يجيب بلا فيخلصنا من الاستقراء ~~ومن مشكلته معا، إنه حل ينطبق عليه المثل الدارج «حل العقدة بالمنشار» أي تخلص ~~منها نهائيا، «وبأسلوب لا يسمح لها بأن تقوم.» # 26 # لذلك لا جدوى من مناقشة الحل في حد ذاته، بل ينبغي أن نناقش الفكرة الأساسية ~~والتي لا يعدو هذا الحل سوى أن يكون ظلا لها، بل وفلسفة بوبر المنهجية بأسرها ~~ظلا لها، أي فكرة خرافية الاستقراء. # هل يمكن أن نوافق بوبر على أن الواقع لا يحوي شيئا اسمه الاستقراء البتة؟ ~~(3) قامت الدنيا وقعدت بسبب هذه الدعوة من بوبر، خصوصا في الثلاثينيات ~~والعشرينيات من هذا القرن، وأثارت ردود أفعال لا حصر لها، غالبيتها إما منبعثة من ~~الإيمان الدوجماطيقي بالاستقراء الذي لا يطيق أدنى تشكيك فيه، مثل ردود استراوسون ~~ورايشنباخ، وإما منبعثة من الثورة على شخص بوبر؛ لأنه أوتي من الجرأة حدا بحيث ~~يشكك في فكرة بمثل هذا الرسوخ كردود جيوفري وأرنوك. # وأقيم المناقشات في هذا الصدد هي مناقشة ب. بيرنايز، التي تتلخص في أن دعوى ~~بوبر صادقة في حدود العلم البحت فقط، # 27 ~~⋆ # إذ ~~يجب التمييز بين فرعين: العلوم الوصفية والعلوم البحتة، العلوم الوصفية تسير بلا ~~مشاكل، أي بغير التزام بتقديم عالم جديد من المفاهيم والمقولات، والعلوم التجريبية ~~الوصفية تبدأ من الملاحظات، فهي جمع وترتيب للخبرات؛ ذلك لأننا نستطيع الإقرار ~~بالوظيفة الإبستمولوجية الأساسية للمدركات في العلوم التجريبية الوصفية، بغير ~~الوقوع في النزعة السيكولوجية Psychologism # طالما ~~لا نشير إلى الدركات بوصفها حقائق، بل نشير إلى استعمالاتها. # 28 # أي يرى بيرنايز أن الاستقراء بمعناه الحرفي، أي جمع الوقائع التجريبية وتعميمها، ~~هو منهج العلوم الوصفية، دون العلوم البحتة، وأنه ليست هناك مشاكل منطقية مثل ~~الوقوع في النزعة السيكولوجية، تجعل بوبر ينفي الاستقراء عن العلوم الوصفية تفاديا ~~لها. # وشبيه بهذا نقد ح. س. كيرك، وخلاصته أن بوبر تجاهل المرحلة التمهيدية الأساسية من ~~إجراء الملاحظات (يمكن القول: إن المرحلة التمهيدية تناظر العلوم الوصفية) وهي - في ~~نظر كيرك - تشييد ms161 بناء معقد من الخبرات، تخرج منه الحدوس والنظريات الكلية بطريقة ~~استقرائية إلى حد ما، تجاهلها بوبر وركز فقط على المرحلة الثانية، التي يخرج منها ~~ذلك الحدس البديهي الذي قوض بوبر به الاستقراء، «ولكن تجاهله للمرحلة التمهيدية ~~الاستقرائية، والتي هي حيوية للتنظير العلمي، تجعله لم يطوق بالفعل مشكلة الاستقراء ~~كما تصور.» # 29 # لكن لا بيرنايز ولا كيرك أصابا، ذلك أن بوبر لم ينكر الدور الأساسي الاستقرائي ~~للملاحظات تفاديا للنزعة السيكولوجية كما تصور بيرنانز، بل نكرها إقرارا لحقيقة ~~الأمر التي أثبتتها البحوث السيكولوجية، من أسبقية التوقع على الملاحظة الحسية؛ ~~لذلك فهو لم يتجاهلها ويقفز مباشرة إلى الفرض كما تصور كيرك، بل فقط سبق الفرض ~~عليها، يستحيل أن يتجاهل بوبر دور الخبرة؛ لأنه فيلسوف العلم التجريبي، وهو يعلق ~~عليها الاختبار الذي يحدد مصير النظرية، فقط لا يجعل لها الدور الاستقرائي، مرة ~~أخرى وأخيرة نقول لبيرنايز وكيرك ورايشنباخ وأمثالهم: إن العلوم الوصفية لم تنبعث ~~من محض ركام هائل من وقائع، بل انبعثت من نزوعات عقلية، من افتراضات مسبقة، خلقها ~~العقل خلقا مثلا تشريح الحشرة، سبقه افتراض التماثل بين سائر أفراد جنسها، بحيث ~~إن تشريح واحدة، يصلح نموذجا معبرا عن تشريح جنسها. # ومن أين أتينا بهذا الافتراض، من نزوع العقل الإنساني نحو افتراض التماثل، خرجنا ~~به إلى عالم التشريح، وأوضحت نتائج اختباره أنه ملائم، وما به من أخطاء صححناها، ~~والنتيجة أن لدينا الآن فكرة علمية عن تشريح هذه الحشرة، ونحن عالمون أن المستقبل ~~يحمل تطويرا وتمكينا أكثر لأدوات التشريح، ونحن في انتظار هذا المستقبل لنحصل على ~~صورة أدق لتشريح هذه الحشرة، أي صورة أقرب إلى الصدق. # الاستقراء خرافة في العلوم البحتة، وهو أيضا خرافة في العلوم الوصفية، وفي كل ~~علم وكل مجال الفارق بينهما - الذي غاب عن بيرنايز وكيرك - هو أن العلوم الوصفية ~~تلجأ إلى التجريب في النتائج المباشرة والسطحية للفروض العامة، أما في العلوم ~~البحتة فنلجأ إلى التجريب في النتائج البعيدة المستنبطة استنباطا منطقيا ~~ورياضيا من الفروض الصورية، وفي كلا العلمين التعديل في الوصول ms162 إلى الفروض - وكل ~~علم محض فروض - على العقل الخلاق، وتقوم التجارب بدور الاختبار، ولا وقائع مستقرأة ~~البتة. # وليس من المجدي الاستمرار أكثر في مثل هذه المناقشات. # 30 # ومن يدرس أعمال بوبر بإتقان ونزاهة، لا بد حتما أن ينتهي في النهاية ~~إلى التحرج من التفوه بلفظ الاستقراء، هل كانت البشرية في حاجة إلى انتظار بوبر كي ~~تتيقن من خرافية الاستقراء؟ إن هذا لأمر غريب حقا، كيف قفز إلى الأذهان تصور كل ~~هذه القوى الخلاقة لمحض وقائع الحس للحيوان حواس أقوى - أحيانا أكثر من مائة مرة - ~~من حواس الإنسان، فلماذا لم يستقرئ الوقائع بدقة، ويبني علوما ولو حتى وصفية فقط؟ ~~الجواب بديهي: لأنه يفتقر إلى العقل المبدع الخلاق الذي يطرح الفروض التي تمكنه من ~~الدخول المنهجي المنظم لعالم الوقائع الحسية، دخولا يخرج منه بنتيجة قد تكون ~~تصحيحا لافتراضه المسبق، وقد تكون الإبقاء المؤقت عليه، وينطلق من هذه النتيجة إلى ~~جولة جديدة ... # للحيوان لغة تواصل: وبالقطع أقصى استخدام لها هو الإشارة إلى وقائع الاستقراء، ~~فلماذا لم يخرج من هذه الوقائع بقانون علمي واحد، هذا بينما نجد نموذجا صارخا، هو ~~العالم الطبيعي فرانسس هوبر # Francios Huber # 31 ~~⋆ # فقد ترك تجارب وأبحاث علمية جديرة بالإعجاب حقا، على الرغم من كفاف بصره؛ إذ كان ~~يتصور هذه التجارب ثم يعهد بتنفيذها إلى خادمه، الذي كان خالي الذهن من أية فكرة ~~علمية. # فكان هوبر إذن الذهن المدبر الذي ينشئ التجارب ويديرها، لكنه كان مضطرا ~~لاستعارة حواس شخص غيره، وكان الخادم يقوم بعمل الحواس المنفعلة التي تطيع العقل ~~لتحقيق التجربة المنشأة تبعا لفكرة سابقة، # 32 # أوليس في هذا الدليل الساطع على استحالة أن يكون استقراء وقائع الحس ~~هو المنطلق الذي انبثق منه هذا البناء العلمي الشامخ. # كلا، ليس للاستقراء أي دور في حياة الإنسان؛ لأن الإنسان لم يكن أبدا في أي طور ~~من أطواره - حتى أشدها بدائية - محض آلة تستقرئ وقائع الحس فتعممها. ~~(4) يقول فرانك رامزي: # 33 ~~⋆ ~~«حقا أن أحدا إذا لم يكتسب العادة الاستقرائية، فلن نستطيع أن نثبت ms163 له أنه على ~~خطأ، غير أننا لا نجد شيئا معينا في هذا؛ لأن أحدا إذا تشكك في ذاكرته أو في ~~إدراكه الحسي، فإننا لا نستطيع أن نثبت له أنهما جديران بالتصديق، البحث عن إثبات ~~شيء كهذا، هو الصراخ توسلا للقمر، والمثل تماما صحيح بالنسبة للاستقراء.» # 34 # لقد قال رامزي تماما عكس ما ينبغي أن يقال، وهو أن أحدا إذا اكتسب ~~العادة الاستقرائية - جدلا - فإننا بالقطع مستطيعون أن نثبت له أنه على خطأ، وأن ~~هذه العادة لا تعطيه أكثر من قصور أسس العلم العقلانية، وقد حصر رسل أوجه القصور ~~هذه في ثلاثة عناصر رئيسية: ~~(1) # الشك في صحة الاستقراء. ~~(2) # صعوبة استنتاج ما لا يقع في تجربتنا، قياسا على ما قد وقع فيها ~~«مشكلة الاستقراء». ~~(3) # حتى بفرض إمكانية هذا الاستنتاج، فإنه بالضرورة ذو طابع مجرد، يعطي ~~قدرا من المعلومات، أقل مما يبدو أنه معطيه لو استخدمت اللغة العادية. # 35 # وبمناقشة هذه العناصر انتهى رسل إلى أنها لم تحل، وغير قابلة للحل تقريبا، وقد ~~سد رسل الطريق على أية محاولة للحل بأن قال: «لقد استشاط الفلاسفة غضبا، ~~وابتكروا نقضا لآراء هيوم وقد قبل هذا النقد بسبب غموضه البالغ، والحق أن الفلاسفة ~~قد حرصوا زمنا طويلا على أن يكونوا غير مفهومين، ولو لم يفعلوا لاستطاع كل امرئ أن يتبين خطأهم على الرد على هيوم، وأنه ~~من السهل أن نبتكر ميتافيزيقا نخلص منها إلى سلامة الاستقراء، وقد فعل ذلك كثيرون ~~لكنهم لم يقدموا أي مبرر للإيمان بميتافيزيقاهم إلا كونها ميتافيزيقا ممتعة.» # 36 # غير أن بوبر لم يبرر الموقف بميتافيزيقا ممتعة، كما فعل وايتهد مثلا، ~~بل بحذف الوجهين الأول والثاني من أوجه قصور الأسس العقلانية للعلم، أما الوجه ~~الثالث فسيعالجه باب التكذيب، وبعد كل هذا يصرون على مجادلة بوبر، والتشبث بخرافة ~~الاستقراء. ~~(5) والحق أن الاستقراء من أعجب الخرافات قاطبة التي هيمنت على عقول البشر، البشر ~~وهي الأعجب لأنها حلت بأكثر الميادين عقلانية؛ فلسفة العلم! ولا بد أن نطرح التساؤل ~~الآتي: كيف ولماذا هيمنت أتفه الخرافات؛ الاستقراء، على ms164 أعظم الميادين؛ فلسفة ~~العلم؟ # من أبرز الدراسات التي أجريت لتبرير الاستقراء؛ دراسة جول لاشيليه # 37 ~~⋆ ~~(1832-1918م) وهي رسالة للدكتوراه بعنوان «في أساس الاستقراء» سنة 1871م انتهى منها ~~إلى أن إمكان الاستقراء يقوم على أساس مبدأ مزدوج، هو مبدأ العلل الفاعلة ومبدأ ~~العلل الغائية، والأول يقول: إن الظواهر تكون سلاسل، فيها وجود السابق يعين وجود ~~اللاحق، والثاني يقول: إن هذه السلاسل تكون بدورها نظما # Systems # فيها فكرة الكل تعين أو تحدد وجود الأجزاء، ومبدأ العلل ~~الفاعلة متصل بالحتمية الفيزيقية، ومبدأ الغائية متصل بالفسيولوجيا، # 38 # ولكن لما كنا قد تيقنا - في العلم الحديث - من أن فكرة الغائية وفكرة ~~الحتمية خرافتان، وجب أن نتيقن أكثر من أن الاستقراء خرافة. # ورغم أننا استخلصنا من رأي جول لاشيليه تعضيدا لبوبر، فإن هذا الرأي ليس سليما ~~تماما؛ فالباحثون لم يتمسكوا بخرافة الاستقراء على أساس العلية والغائية، بل على ~~أساس تاريخي محض، مؤاده أنهم أرادوا العزوف عن التجريد والتفكير النظري العقيم الذي ~~ساد حتى القرن السادس عشر، وأرادوا الانقلاب على أسلوب التفكير الذي يبدأ من ~~التسليم بمقدمة كلية، ثم استخدام العقل الخالص في الأقيسة الأرسطية التي تستنبط ~~منها ما يلزم عنها، وكأن الوجود لا يحوي إلا محتويات الكتب والصحائف، وليس في طبيعة ~~متأججة حية، وكيف يكون الانقلاب؟ يكون بالسير في الطريق العكسي تماما، حتى قيل: إن ~~«البدء بالملاحظة كان الأساس العام للثورة على المنطق القديم.» # 39 # إنه رد الفعل المساوي في المقدار والمعاكس في الاتجاه، والذي جعل ~~تطرف العصر الوسيط في المنهج العقلي الخالص - أي الاستنباط - يتمخض عنه تطرف ~~العصر الحديث في المنهج التجريبي الخالص - أي الاستقراء - الملاحظة ثم التعميم، ~~فأصبح استقراء وقائع التجريب هو نقطة البدء والطريق إلى كل كسب معرفي جديد. # 40 ~~⋆ # ولما كان التجريب هو سر تقدم العلم ولا جدال ... أعمت الرغبة في الثورة على منطق ~~أرسطو بصيرة الباحثين، فراحوا يؤكدون أن الملاحظة هي نقطة البدء في البحث، وأساس ~~مساره حتى نصل إلى نتيجة، غير مبالين بما أوضحه هيوم، وحينما نشأت فلسفة العلم ~~الطبيعي ms165 تسلمت أسسها من تراث الفكر الإبستمولوجي التجريبي، ولما كان تراثا مثقلا ~~بهذا، شاع فيها الخطأ الكبير، خطأ اعتبار الاستقراء مرادفا للمنهج التجريبي، ~~ومقابلا تماما للاستنباط، منهج العلوم الصورية، حقا أن فلسفة العلم الطبيعي، ~~بتطورها الحالي تسلم بأن الاستقراء ليس هو المنهج المتبع في العوم البحتة، وأن ~~منهجها هو المنهج الفرضي الاستنباطي، غير أن هذه النظرة لم تصف بعد، وما زالت الأشباح الاستقرائية تحل بمنطقة أو ~~بأخرى من فلسفة العلم مثل العلوم الوصفية أو التمهيدية أو المراحل التاريخية ~~السابقة للعلوم البحتة، أو بخطوة أو بأخرى من خطوات المنهج الفرضي ~~الاستنباطي. # ولكي نستأصل شأفة الاستقراء تماما، لا بد من الانتباه إلى أن ما نعنيه به هو: ~~منهج البدء بالملاحظة، والمصطلح - شأن معظم المصطلحات الفلسفية - ليس قاطعا جامعا ~~مانعا، بل وإن «البحث عن معنى لمصطلح «الاستقراء» كان ملهاة فلسفية لأكثر من مائة ~~عام، وكان صمويل نايل # Sammuel Niel # يرى أن ~~الاستقراء محصور في عملية اختبار الحدس الافتراضي العلمي المسبق، وهذا نفس ما عناه ~~بيرس حين قال: إنه يسمي عملية اختبار الفروض بواسطة التجارب؛ بالاستقراء.» # 41 ~~، # 42 ~~⋆ # وبالطبع فإن هذا هو نفس ما يعنيه بوبر تماما باللااستقراء، وبأن الاستقراء خرافة، ~~إن ما يجب أن نرفضه الآن هو اعتبار قوانين العلم أو قوانين البناء المعرفي في أية ~~مرحلة من مراحله، محض تعميمات للخبرة، وهذا الرفض أصبح الآن محصلة منطقية ضرورية، ~~بناء على الآتي: ~~(أ) # أثبت بوبر الاستحالة التامة للبدء بالملاحظة ثم تعميمها، بل أكد ~~العكس تماما، أن الفرض سابق على الملاحظة التجريبية؛ ومن ثم ليس ~~مستقرأ منها إطلاقا. ~~(ب) # ثم أكد أن الباحث يبحث في الوقائع التجريبية عن النفي لا الإثبات؛ ~~ونظرا للاتماثل المنطقي بين النفي والإثبات، نجد المنزلة المنطقية ~~لهذا تناقض تماما المنزلة المنطقية للاستقراء. ~~(6) تقريبا لا يوجد أحد من المفكرين النابهين، إلا وأحس بقصور خرافة الاستقراء، ~~وقد أعطانا بوبر أمثلة كثيرة في نهاية فصل الاستقراء خرافة، ويمكن أن نطرح أمثلة ~~أكثر، ويكفي أن العالم التجريبي الحاصل على جائزة نوبل؛ سير بيتر ميدوار، قد ms166 أكد أن ~~«الاستقراء الذي انشغل به هيوم، لا بد أن يكون محض خرافة.» # 43 # ويؤكد الفنان الشاعر والعالم الرياضي والباحث الفلسفي النابه ~~ج. برونوفسكي # J. Bronoviskt ~~(1908م-؟) هذا؛ إذ ~~يقول: «ما زال يسود نظرياتهم - أي نظريات فلاسفة العلم - الاعتقاد بأن العلم جمع ~~تراكمي للوقائع، وأن التعميم ينمو بذاته من تكديس أمثلة منفردة في مجال واحد ضيق، ~~وهم يظنون أن العالم يقتنع بأن الضوء يصل إلى العين في كميات متلاحقة؛ لأن هذا ~~العالم يجري تجربة ويكررها لكي يتأكد، ولكن هذا للأسف الشديد ليس على الإطلاق ما ~~يفعله العالم، إنه بالفعل قد يكرر التجربة مرتين أو ثلاثا، إذا كانت نتيجتها ~~تصدمه بغرابته، ومخالفتها لما هو متوقع.» # 44 # أي هناك توقع سالف، ننتظر على أساسه نتيجة التجربة، ويؤكد برونوفسكي ~~الموقف أكثر بأن ينفي عن التكرار أية شبهة استقرائية. # 45 ~~⋆ # ويؤكد د. عبد الرحمن بدوي في «مدخل جديد للفلسفة» أن عصب المنهج التجريبي هو الفكرة، # 46 # وأن الفكرة تكون بالنسبة للمجرب نوعا من الاستباق # Anticipation ~~، وأنه إذا ما نبتت الفكرة يمكن فقط ~~أن نقرر كيف ينبغي إخضاعها لتعليمات محددة وقواعد منطقية دقيقة، ليس في وسع أي ~~مجرب أن ينحرف عنها، لكن ظهورها كان تلقائيا تماما، وطبيعتها فردية # 47 # لا استقرائية، ثم عاد دكتور عبد الرحمن بدوي في «مناهج البحث العلمي» ~~ليؤكد ذلك قائلا: «إن الباحث يجب أن يكون لديه فكرة سابقة يحاول بها أن يحدد ~~المضمون الذي يستخلص من الوقائع المشاهدة، أما أن يكون خاليا من كل فكرة سابقة، ~~فهذا ما لا يمكن أن يؤدي به إطلاقا إلى وضع أي فرض.» # 48 # ويقول ول ديورانت - ذو العقلية الموسوعية الجبارة: «هل طريقة بيكون الاستقرائية ~~صحيحة؟ وهل هي أكثر الوسائل التي استخدمها العلم فائدة؟ والجواب: كلا، لم يستخدم ~~العلم جميع المعلومات بطريقة بيكون المعقدة، ولكن العلم استخدم وحصل على أفضل ~~النتائج من الطريقة الأسهل، وهي الافتراض والاستدلال والتجربة.» # 49 # ولنأخذ مثالا أشد سطوعا، واحدا من أئمة الدراسات المنهجية في العصر الذهبي ~~للاستقراء، ألا وهو كلود برنار؛ ms167 فقد أكد أن الفكرة سابقة على إجراء التجارب، فهي ~~تتولد من الحدس أو العاطفة أو العقل، ثم تأتي لتتقدم بالخطوة التجريبية الأولى؛ إذ ~~نصمم التجربة على أساسها لنختبرها. # 50 # وأخيرا، فإن أقيم الدراسات العربية التي خرجت على أساس من إدراك قصور ~~الاستقراء، واستحالة أن يكون منهجا للعلم، دراسة الدكتور ياسين خليل «منطق المعرفة ~~العلمية» فقد رأى دكتور ياسين أن فكرة الاستقراء غير مرضية إطلاقا خصوصا ~~بالنسبة للعلوم الدقيقة، وأن الشروط التي يجب توافرها في الفرضية الميثودولوجية ~~المناسبة لا تتوافر في فكرة الاستقراء. # 51 # وهو يناقش أولا: ما المقصود بالاستقراء، أو بأن العبارة مشتقة من التجربة بواسطة ~~الاستقراء؟ ويرى أنه لو كان المقصود هو أن الأفكار والمبادئ العلمية مجردات توصلنا ~~إليها بالتجريد والتعميم، وأن الاستقراء طريقة نهتدي بها للوصول إلى الأفكار ~~والمبادئ، فإن الدكتور ياسين يعترض على ذلك بأنه سيؤدي إلى الاعتقاد بوجود طريقة ~~ثابتة تتألف من خطوات تبدأ بمشاهدة الوقائع لتصل بعد اجتياز مراحل معينة إلى ~~الأفكار والمبادئ العامة كما أوضح الجزء الخاص بخطوات الاستقراء، وإذا عبرنا عن ~~العملية بأجمعها بمنحنى بياني، فإن هذا المنحنى سيكون التعبير التام عن الفكرة، ولا ~~يوجد أي منحنى آخر غيره، ولكننا في العلم قد نصل إلى أفكار مختلفة، على الرغم من ~~صلتها جميعا بالواقع، وقد تختلف النظريات العلمية في الأفكار والمبادئ والفرضيات، ~~ولكنها تتفق في النتائج، وفي تعليل الظواهر، وهذا يدل على قصور الاستقراء، ومن ~~ناحية أخرى على إمكانية استحداث أفكار ومبادئ كثيرة دون الالتزام بمنهج واحد أو ~~بمنحنى واحد، # 52 # هذا نفس ما يعنيه بوبر باستحالة تحديد خطوات صارمة لمنهج محدد. # وقد أوضح الدكتور ياسين خليل أن الاستقراء يرجع في أساسه إلى التجريبيين ~~المتطرفين الذين بدءوا في الوقت الذي انتهى فيه العالم من صياغة نظريته، ليدعوا ~~سلفا أن الطريقة التي اتبعها هي مبدأ ارتضوه مسبقا أي الاستقراء، في حين أن الأمر ~~ليس كذلك. # ولإثبات أن الأمر ليس كذلك، أكد الدكتور ياسين أولا أن المفاهيم العلمية لا ~~تتقيد في تشكيلها بالاستقراء، وأنها من خلق ms168 العقل، في سبيل فهم أوسع لوقائع العالم ~~الخارجي، وأن المفاهيم والمبادئ العلمية ذات طبيعة استدلالية وليست استقرائية، وأكد ~~ثانيا أن العالم قد يستند إلى عدد قليل جدا من المشاهدات أو تجربة واحدة، يكون ~~بها عدد كبير من الأفكار والفرضيات التي قد تكون مختلفة، ولا يمكن تصور العالم ~~وقد انهمك باستقراء الحالات الجزئية لينتقل بخطوات منطقية نحو بناء نظرية عامة؛ لأن ~~هذا العمل لا يحقق غاية العلم مطلقا وهي الاقتصار على أقل عدد ممكن من المبادئ ~~لتفسير العالم، ولكل هذا كان الاستقراء غير ممكن من الوجهتين العملية والمنطقية. # 53 # وبعد يؤكد د. ياسين على قوة الرياضة، وقدرة المناهج الاستنباطية على التعامل ~~الأمثل مع النظرية العلمية - كما أكد بوبر على أن منهج العلم استنباطي - وأن تقدم ~~العلوم إنما يعتمد على هذا، وليس على تجميع وقائع مستقرأة. # تكفي هذه الأمثلة، فلن ننتهي من عملية المسح التأريخي للمفكرين الذين أحسوا ~~بخرافية الاستقراء، أو على الأقل قصوره، من الناحية الأخرى، نجد رأي بوبر ليس في ~~حاجة إلى تعضيد، كل ما في الأمر أن بوبر ليس أول من نوه إلى خرافية الاستقراء، ~~لكن هو أول من أيقنوا هذا، فخصصوا لإثباته مساحة كبيرة من أبحاثهم، هو أول من ~~قاله بحسم قاطع ووضوح ناصع؛ لأنه أول من استطاع التحرر بالمعنى المطلق التام من ~~هذا الوثن الكاذب، ونرجو أن يكون الأخير، كي يغلق تماما ملف خرافة الاستقراء ~~كاسم وكمسمى. ~~(4) تعقيب على نظرية بوبر المنهجية ~~(1) رأينا ول ديورانت يرفض الاستقراء، ويقول بمنهج مشابه لمنهج بوبر، وقد أعطى ~~مثالا مصداقا لما يقوله بوبر، وهو دارون؛ فقد استنبط من نظرية مالتوس عن السكان، ~~تطبيقها على جميع الأجسام الحية، مما سيؤدي إلى صراع على وسائل الطعام والغذاء من ~~أجل التعايش، يكون البقاء فيه للأصلح، وبعد ذلك اتجه إلى الطبيعة وأجرى بحوثه التي ~~استمرت عشرين عاما، ويعطي ديورانت مثالا آخر: آينشتين، فقد أخذ عن نيوتن ~~الافتراض بأن الضوء يسير في خطوط منحنية وليست مستقيمة، واستدل بذلك على النتيجة ~~أن النجم الذي يبدو على أساس ms169 نظرية الخطوط المستقيمة بأنه في مكان بعيد في السماء، ~~يكون في الحقيقة بعيدا قليلا إلى جانب ذلك المكان، ثم أجرى التجربة والملاحظة ~~ليفحص النتيجة. # 54 # ثم يوضح ديورانت أن بيكون نفسه قد توقع الاستغناء عن طريقته، وأن مزاولة العلم ~~بطريقة «علمية» ستؤدي إلى اكتشاف وسائل أفضل في البحث من طريقته التي توصل إليها ~~خلال فترات راحته وابتعاده قليلا عن مشاغل السياسة. # 55 # ولنأخذ مثالا أوقع من ديورانت، مثالا من المعسكر المخالف تماما لبوبر، أي ~~الوضعية المنطقية؛ فقد أكد الوضعي المنطقي كارل همبل أن الفرض يسبق الرجوع إلى ~~الوقائع، وأن هناك إجابة تجريبية عن المشكلة يضمرها الباحث في صورة تخمين أو فرض، ~~وهي التي تحدد أنواع المعطيات التجريبية التي ينبغي جمعها، وهذه المعطيات قد تؤيد ~~الإجابة التمهيدية - أي الفرض - وقد تفنده، # 56 # بل وقد بلغت بوبرية همبل إلى أن انتهى قائلا: ليست هناك إذن قواعد ~~استقرائية عامة يمكن تطبيقها، تلك القواعد التي يمكن بواسطتها أن نستنتج الفروض ~~والنظريات من المعطيات التجريبية يحتاج الانتقال من المعطى إلى النظرية إلى خيال ~~مبدع؛ فالفروض والنظريات العلمية لا تستنتج من المعطيات الملاحظة، ولكن تخترع ~~الفروض لتفسيرها. # 57 # ليس هذا فحسب، بل وينصح همبل العالم الشاب بنفس ما نصحه به بوبر، أي بضرورة ~~الإلمام بموقف المشكلة ومعرفة كل ما قيل، أو تصادم سبق؛ مخافة أن يضيع جهدا في ~~نظرية وضعت من قبل، أو تصادم نظريات مأخوذا بها في الموقف العلمي، وبعد أن يعيب ~~همبل ما في الاستقراء من آلية، لا يبدو معها أي مبرر لأن تبقى مشكلة علمية واحدة ~~بغير حل، ما دام استقراء وقائعها ممكنا، ويؤكد على أهمية عنصر الخيال، يطرح احتمال ~~أن يؤثر عنصر الخيال على موضوعية العلم، ويوضح أن الاختبار النقدي هو الذي يضمن الموضوعية، # 58 # فيذهب إلى نفس ما ذهب إليه بوبر من أن منهج العلم هو أسلوب الاختبار، ~~أي هو المنهج الاستنباطي، والذي يزيده همبل هو توضيح أن هذه الصورة المنهجية إنما ~~تسري أيضا على العلم الرياضي، # 59 # فهو أيضا تحتاج ms170 في حل مشاكله إلى خيال خلاق كي يطرح الفرض، ثم يختبره، ~~وبعد، فقد أكد همبل صراحة على تأثره الشديد بنظرية بوبر المنهجية، وبكتابه «منطق ~~الكشف العلمي». ~~(2) ليس من الضروري أن نلجأ إلى النظريات المنهجية، التي تطابق نظرية بوبر كي ~~تعضده؛ إذ إن المسلم به اليوم هو استحالة أن يكون الاستقراء هو المنهج للعلوم ~~الطبيعية البحتة الآن، ومن المسلم به أيضا أن المنهج هو المنهج الفرضي الاستنباطي، # 60 # وهو منهج تماثل صورته العامة الصورة العامة لمنهج بوبر. # والمنهج الفرضي ~~الاستنباطي # Hypothetico Deductive Method ~~. # يبدأ بفرض صوري عام، يستحيل أن يشتق من الخبرة أو أن يخضع هو نفسه لتحقيق ~~المباشر، فيلجأ الباحث إلى منهج الاستنباط، كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج ~~الجزئية التي تلزم عنه، وهنا يلجأ الباحث إلى التجريب، فيقابل بين هذه النتائج وبين ~~وقائع التجريب، إن اتفقت معها ثم التسليم المؤقت بالفرض، وإن لم تتفق تم تعديله أو ~~الاستغناء عنه والالتجاء إلى غيره، مع ملاحظة أن مصدر هذا الفرض الصوري لا يعنينا، ~~قد يأتي به العالم من الحصيلة المعرفية أو من الوقائع التجريبية، أو من عبقريته ~~الخلاقة التي هي أساسية بالنسبة لأي مصدر، تحديد المصدر المعين مستحيل. # والجدير بالذكر أن الباحثين يؤكدون أن هذا هو منهج العلوم البحتة في كل مراحلها، ~~فيبذلون جهودا شبيهة بجهود بوبر ليثبتوا أن هذا هو المنهج الذي اتبعه نيوتن وليس ~~الاستقراء كما تصور. # 61 # وأهم ما يميز هذا المنهج أن عموده الفقري هو استخدام اللغة الرياضية ومعادلاتها، ~~بل وإن الاستدلال الرياضي أهم فيه من وقائع التجريب الملاحظة؛ إذ إن الفرض فيه لا ~~يحكم وقائع، بل قوانين وعلاقاتها ببعضها. # ونظرا لأن النظرية المنهجية التقليدية، كانت تقوم على التقابل بين الاستقراء ~~والاستنباط تقابل العلوم الطبيعية مع العلوم الصورية، كان علينا الآن أن نودع هذه ~~النظرية التقليدية وإلى غير رجعة. # الباب الثاني # | موقف بوبر من الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم # | تمهيد # (1) انتهى الباب السابق من إسقاط المعيار الشائع لتمييز العلم؛ أي المنهج الاستقرائي، ~~غير أن هذه النظرية العتيقة ليست ms171 هي المحاولة الوحيدة، فهناك محاولات أخرى أجل شأنا ~~وأعظم خطرا، فلو كان هذا العصر قد لقب «بعصر التحليل» فإننا الآن بإزاء معايير مذهب ~~من أخطر مذاهب هذه الفلسفة التحليلية من جهة، والفلسفة العلمية من الجهة الأخرى، أعني ~~مذهب الوضعية المنطقية «الولد القلقال المقلاق المثير للمتاعب في الفلسفة المعاصرة.» # 1 ~~(2) والتعرض لهذا المذهب ذو أهمية قصوى لموضوعنا، فلو عدنا مثلا لسلسلة عبقريات ~~العقاد - باستثناء عبقريتي النبيين محمد وعيسى - لوجدناها دائما تحوي فصلا يحرص عليه ~~العقاد ويسميه: مفتاح الشخصية، يحاول فيه الاهتداء إلى مدخل إذا دخلنا منه تفتحت أمامنا ~~مغاليق العبقرية «عمر: العدل، أبو بكر: الصدق، خالد: الجندية ... وهكذا» ويبدو هذا الفصل ~~وكأنه الهدف المروم من الترجمة بأسرها. # والواقع أنه مناط الابتكار والإبداع في العبقريات - إن كان فيها إبداع - وبغيره ما ~~كان للعقاد أن يقدم جديدا يعيننا على فهم الشخصية. # أما الآن فيمكن أن نقول ببساطة: إن مذهب الوضعية المنطقية هو مفتاح الشخصية الفلسفية ~~لبوبر؛ فقد قال فيكتور كرافت - عضو الدائرة # 2 ~~⋆ # ومؤرخها: إن أعمال بوبر لا يمكن أن تفهم فهما تأصيليا # genetically # بغير الإشارة إلى دائرة فيينا التي هي ذات أهمية عظمى في ~~تطوره الفلسفي، # 3 # وقد أوضح بوبر أن عمل كارناب «التركيب المنطقي للغة» قد شكل بداية ثورة ~~في تفكيره الفلسفي، # 4 # وكان بوبر على علاقة شخصية بأعضاء الدائرة كارناب وفيجل وفيزمان ومنجر ~~وجودل وفيكتور كرافت وإدجار تسيلزل. # والوضعية ليست المفتاح فحسب، فتوضيح المفكر في إطار عصره شيء ضروري، والوضعية ~~المنطقية هي الإطار بالنسبة لبوبر، فازدهارها وسيطرتها على المناخ الفكري والفلسفي كان ~~مواكبا زمانيا ومكانيا لنشأة بوبر الفلسفية في العشرينات والثلاثينات من هذا ~~القرن، في جامعة فيينا، بل ولاحقته هذه السيطرة إلى إنجلترا حين هاجر إليها، وكان من ~~جراء هذا أن المشاكل التي شغلت كليهما متشابهة إلى حد كبير؛ مشكلة معيار العلم ومنهجه، ~~مشكلة أسس المعرفة التجريبية، والأهم أن كليهما فيلسوف علم وداعية فلسفة علمية، ينطلق ~~من نفس المنطلق التجريبي، وإن كانت انطلاقاتهما التجريبية، وطرق إحاطتهما بالمشاكل ~~مختلفة إلى حد ms172 كبير، وأيضا من نقاط الالتقاء القول بوحدة المنهج بين العلوم الطبيعية ~~والإنسانية، لكن الوضعيين ينادون بالوحدة؛ لأن الاستقراء هو منهج العلم الواحد والوحيد، ~~سواء طبيعي أو إنساني، أما بوبر فينادي بالوحدة على ~~أساس «م1 # أ أ # ح ح # م2» التي تعني وحدة البناء المعرفي وتماثل أسلوب حلقاته، وأن منهج ~~العلم ليس خاصا به ... إلخ؛ أساسا الدعوتين بوحدة المنهج متناقضان. # على العموم، فإن تواكبهما الزماني والمكاني، وانشغالهما بمشاكل متشابهة، قد أدى إلى ~~انتشار خطأ كبير هو أن «بوبر وضعي منطقي، أو على أحسن الفروض وضعي منشق يحل القابلية ~~للتكذيب محل القابلية للتحقيق.» # 5 # إلا أن العكس تماما هو الصحيح، لم يكن بوبر أبدا وضعيا بأية صورة من ~~الصور، لا منطقية ولا غير منطقية، بل وإن عضو الجماعة، العالم الاقتصادي الكبير ~~أوتو نيوراث # Otto Neurath # يلقبه - على سبيل المزاح ~~- ب «المعارض الرسمي». # 6 # ذلك لأن موقف بوبر من الجماعة هو الموقف النقدي، موقف الهجوم الرافض، ولم يفكر في ~~تأليف الكتب وإخراج أول أعماله «منطق الكشف العلمي» إلا من أجل نقدهم وتبيان أخطائهم ~~أولا وقبل كل شيء، وكان حضوره لبعض من الاجتماعات الفرعية للدائرة في منزل العضو إدجار ~~تسيلزل، ليلقي عليهم محاضرة هي نقد لهم، وأكثر من ذلك فإن المؤرخ جون باسمور يطرح ~~تساؤلا: من الذي قضى على الوضعية المنطقية؟ وبوبر يخشى أن يكون هو المسئول. # 7 ~~(3) إذن الموقف النقدي هو الأساس، بصفة أكثر شمولا يمكن أن نقول: إن فلسفة بوبر هي ~~رد فعل للوضعية المنطقية، ولاكتساحها العاتي لبيئته الفلسفية، ولولا مذهب الوضعية ~~المنطقية لما عرفنا اسم بوبر مقرونا بهذا اللقب الرائع الجميل «فيلسوف»، بل ولما ~~عرفناه البتة ولظل مدرسا في المدارس الثانوية وفي الجامعات، كان بوبر قانعا بحياته ~~كمدرس وسعيدا بها، يقرأ ويفكر ويدون ما وصل إليه من أفكار وانتقادات، ويواظب على ~~متابعة الحركة الفلسفية والعلمية والفكرية؛ فقط لأنه مثل قلة وهبهم الله هذه الهبة ~~الرائعة الجليلة؛ متعة تذوق الفكر والبحث العلمي، لكن الوضعية المنطقية هي علة كونه ~~فيلسوفا محترفا، فقد ألح ms173 عليه طغيان المذهب طغيانا يأباه علميا وفلسفيا، وكان ~~هذا الإباء هو الحافز المباشر والأول، وربما الأخير لإخراج «منطق الكشف العلمي» عام ~~1933م. # بل وأكثر من هذا، فإن الكتاب قد نشرته دائرة فيينا في سلسلة منشوراتها، ونظرا ~~للعلاقة الشخصية بين بوبر والمذهب، فإن شليك وفرانك هما اللذان أعداه للنشر، ويقول ~~بوبر: إنه لم يكن ينوي أبدا إصدار كتاب كامل؛ لأن إصدار الكتب مناقض لأسلوبه في ~~الحياة، لولا أنه عرض بعضا من أفكاره على صديقه الوضعي هربرت فيجل، فأخبره بأنها ثورية ~~وضرورية للنشر، ثم رحل فيجل إلى أمريكا وترك بوبر يفكر في إخراج كتاب، وكان صديقه هنري ~~جومبريش يحذره من صعوبة هذا العمل، وأن نشر الأفكار الفلسفية، ومحاولة احتلال مكان بين ~~الفلاسفة أمر في غاية الصعوبة، ووالده لا يريده أن يؤلف كتابا؛ مخافة أن ينتهي به ~~المطاف إلى أن يصبح مجرد صحفي، أما زوجته فإنها تريده أن يقضي أوقات فراغه يمارس معها ~~هوايتهما المفضلة؛ الانزلاق على الجليد وتسلق الجبال، لا في تأليف الكتاب، # 8 # لكن يبدو أن تأثير فيجل كان قويا فنشر بوبر الكتاب بمعاونة دائرة فيينا، ~~فلاقى نجاحا كبيرا، فتح أمامه الطريق الفلسفي. # هكذا كانت الوضعية المنطقية هي الدافع شكلا وموضوعا، الذي دفع بوبر إلى ~~التفلسف. ~~(4) لكن موقف بوبر ليس سلبيا بحيث تحدد الوضعية إطار فكره، ثم يأتي هو يتلقى آراءها ~~لينقدها، بل إن موقفه فعال لأقصى الدرجات، أولم نره يستشعر المسئولية إزاء انتهائها، ~~فكتابه «منطق الكشف العلمي» المصبوب أساسا في صورة نقد للوضعية المنطقية، ناقشه بعض من ~~أعضاء الدائرة قبل نشره، # 9 # ولم يملك الوضعي المنطقي كارل همبل إلا أن يقول عنه: «إنه عمل رائع ومثير، ~~يتناول على وجه الخصوص البنية الاختبارية للنظريات العلمية بدرجة متقدمة إلى حد كبير.» # 10 # أثر بوبر كبير في نمو الدائرة وتطوراتها، خصوصا على كارناب - كما اعترف هو - في أكثر ~~من موضع، وإذا كان المؤرخون يجمعون على أن فتجنشتين هو الأب الروحي للوضعية المنطقية ~~التي تكاد تكون لازمة منطقية عن رسالته، فإن فيكتور كرافت يقول: ms174 «إن الوضعية تدين ~~كثيرا لبوبر من أجل تطورات جوهرية طرأت على مبادئهم بسببه مما أكسبهم قوى من خارجهم ~~بالإضافة إلى قواهم الخاصة، بحيث حل بوبر محل فتجنشتين في التأثير على الدائرة في إحدى ~~مراحلها المتأخرة.» # 11 # أثر بوبر عليهم قويا حقا؛ فقد لاحظنا في نهاية الباب السابق تأثير نظريته ~~المنهجية على كارل همبل مثلا، وسيبدو هذا الأثر أكثر حين عرض محاولات الوضعية لتمييز ~~العلم، وهي المشكلة التي تشغل بوبر أساسا، إلا أن مضاهاة بوبر بفتجنشتين في التأثير ~~عليهم مبالغة حقا، ولكنها رأي فيكتور على أية حال. ~~(5) العلاقة بينهما تبادلية متشابكة معقدة، ولما كانت الدراسات المقارنة هي إحدى ~~المناهج كان من الأجدى تطبيقها هنا بين بوبر والوضعية المنطقية. # 12 ~~⋆ # لذلك سنعرض فلسفة الوضعية المنطقية # 13 ~~⋆ # بصفة ~~عامة، ثم نعرض معاييرها لتمييز العلم لنناقش رأي بوبر في هذا وذاك، ونعقب عليه بما ~~نرى. # الفصل الأول # | الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم # مقدمة # الفلسفة بالمعنى المحدد الذي نريده لها، لا تورط نفسها ~~في مجالات العلوم الخاصة، ولا تخلق لنفسها مجالات غير مجالات العلوم، بل ~~تجعل مهمتها تحليلا منطقيا للمدركات العلمية والقضايا العلمية، وبهذا ~~تصبح الفلسفة فلسفة للعلم أو تحليلا له ، هدفها هو التوضيح لا الإضافة ~~الجديدة، فليس هناك عالم إلا عالم الواقع، وليس لأحد أن يتحدث عنه حديثا ~~موضوعيا إلا رجالات العلوم المختلفة، وللفلسفة أن تجيء بعد ذلك فتحلل ~~وتوضح. # د. زكي نجيب محمود ~~(1) الوضعية ~~المنطقية # Logical Positivism ~~، مذهب على قدر عظيم من قوة الرأي وصلابة الحجة ووضوح ~~الرؤية، دعامته الأولى وسنده الأعظم أقوى الدعامات وأعلاها شأوا ألا وهي العلم ~~الحديث، أما دعامته الثانية فأجل خطورة، إنها المنطق الرياضي. ~~(2) وأقطاب هذا المذهب ذوو ثقافة علمية عميقة وأصيلة، بل إن معظمهم علماء أصلا، ~~فهذا مؤسس الجماعة موريتس شليك # Moritz Schlick ~~(1882-1936م) حصل على درجة الدكتوراه برسالة موضوعها «انعكاس الضوء في وسط غير ~~متجانس» وليس فحسب، بل وإنها تحت إشراف عالم الطبيعة العظيم ماكس بلانك # Max Planncke # صاحب الكشوف الفيزيائي الخطير في ~~استحداث الكمات بوصفها وحدات ms175 أولية للطاقة (عام 1900م)؛ لذلك اصطنع شليك لنفسه لقب ~~العالم الفيلسوف # Scientist-Philosopher ~~، ربما ~~أسوة بآينشتين، فقد كان شليك شارحا كبيرا له. # ويرجع ذلك إلى عام 1895م، حين قررت فيه جامعة فيينا، اصطناع كرسي لفلسفة العلوم ~~التجريبية منتظرين من هذا سبر مدى عمق الاتجاه التجريبي في الجامعة من ناحية، ومن ~~ناحية أخرى آملين منه أن يؤدي إلى تقوية هذا الاتجاه وصقله، # 1 # على أن يتقلد هذه الأستاذية أحد علماء الطبيعة يكون ذا ميل للعلوم ~~الفلسفية، وكان إرنست ماخ # Ernest Mach ~~(1838-1916م) أول من تقلده إلى أن اعتلاه موريتس شليك. # وهذه الخلفية العلمية المتينة خلقت فيهم اتجاها أمتن نحو العلمية حتى أرادوا أن ~~يكون العلم وتحليلاته المنطقية، هو فقط النشاط العقلي الوحيد، الذي لا نشاط ~~سواه. ~~(3) وعلى هذا فهم وضعيون؛ لأنهم يقصرون جهودهم على ما هو موضوع Posited # في الواقع الحسي الخارجي، وهم مناطقة؛ لأنهم ~~ينظرون إلى هذا الموضوع في الواقع الحسي من خلال منظور المنطق؛ إذ يصوبونه على ~~العبارات التي يضعها العلماء في وصف هذا الواقع وشرحه، فيقومون بتحليلها تحليلا ~~منطقيا، يجعلها أكثر دقة وأقل غموضا وأبعد عن الالتباس؛ هذا تبعا لأكثر الأسماء ~~شيوعا، وأكثرها دلالة، والذي وضعه بلومبرج وفيجل عام 1931م، وإن كان قد أطلق عليها ~~فيما بعد أسماء عدة مثل: «التجريبية المتسقة، والتجريبية المنطقية، والتجريبية ~~العلمية، والوضعية المنطقية الحديثة» # 2 # وكلها - كما نرى - تدور في نفس المدار. ~~(4) قد كانت فلسفة فتجنشتين، وبالتحديد الرسالة المنطقية الفلسفية، هي السبب ~~المباشر في نشأة الدائرة، مضافا إليه المقدمات التاريخية، # 3 ~~⋆ # وتقدم العلوم الطبيعية من ناحية ثانية، وعنصر الإبداع والابتكار من ناحية ثالثة، كل ~~هذه العوامل شكلت مجموعة الآراء التي نادت بها دائرة فيينا، والتي أصبحت تعرف ~~فيما بعد باسم فلسفة الوضعية المنطقية، فما هي الخطوط العريضة لهذه الفلسفة؟ ~~(1) فلسفة دائرة فيينا ~~(1) على خلاف النهج المعهود في نشأة المذاهب الفلسفية، فإننا لا نجد أمامنا ~~أستاذا نفذ ببصيرته وعبقريته الفردية إلى كنه الحقيقة، فاصطف من حوله التلاميذ ~~ينصتون إليه في رهبة وخشوع بل هم جمع ms176 من الزملاء، معظمهم علماء طبيعة ورياضة، ~~التفوا حول زميلهم موريتس شليك منذ عام 1922م، اختلفت آراؤهم، وتقاربت هاماتهم ~~تقاربا شديدا، يتعاونون علميا لتحقيق غاية فلسفية واحدة، إذا طرح سؤال ~~يتناولونه تناول الأنداد، بدلا من أن ينصتوا في رهبة لجواب أستاذهم، وقد تختلف ~~الإجابات بل وتتناقض، ويحاول كل تنقيح إجابة زميله واكتشاف أخطائه، قد تختلف ~~مشاربهم الفلسفية اختلافا شديدا يبلغ حد العداء الفلسفي لكنهم يتفقون على مبادئ ~~أربعة هي الممثلة لدعائم مذهبهم الفلسفي، من اعتنقها كان وضعيا منطقيا، وإن ~~اختلف معهم في أية مسألة أخرى أو حتى في كل المسائل الأخرى، أما من يرفض مبدأ ~~واحدا منها لم يكن وضعيا منطقيا بحال. # أولا: الفلسفة تحليلية # 4 ~~⋆ # التيار التحليلي من أهم تيارات الفلسفة المعاصرة، وقد امتاز عن سواه بأنه ~~ثورة فلسفية في المنهج (أسلوب البحث) وأكثر ثورية في المذهب (مضمون البحث)، ~~وترجع فاتحته إلى مقال كتبه جورج مور عام 1903م يقول فيه إن مشكلات الفلسفة ~~تعود إلى أننا لا نتبين حقيقة السؤال الذي نجيب عليه، ولو حاولنا اكتشاف المعنى ~~الدقيق للأسئلة فستختفي معظم المشاكل الفلسفية الخادعة. ويتألف التحليل عنده من ~~ترجمة العبارة إلى أخرى أوضح، ولم ينفرد مور بقيادة الحركة، بل شاركه برتراند ~~رسل الذي رأى أن التحليل هو رد العبارة إلى صيغ منطقية؛ لأن اللغة مضللة، أما ~~الرائد الثالث فهو فتجنشتين الذي وجه العناية إلى الدراسة المنطقية ~~للغة. # وإذا كان التحليل معروفا منذ القدم في الفلسفة، فإن التحليل المعاصر شيء ~~مختلف تماما، ويتميز بخصائص أربع؛ الأولى هي قصر الاهتمام على اللغة ورد ~~الفلسفة كلها إلى الدراسات اللغوية، ليس البتة بمعنى النحو والصرف، ولكن بمعنى ~~البحث الفلسفي في دلالات الألفاظ «السيمانطيقا» من ناحية، وقواعد التركيب ~~والبناء اللغوي من الناحية الأخرى. والخاصة الثانية هي تفتيت المشكلات الفلسفية ~~بغرض معالجتها جزءا جزءا اقتداء بالعلم، ومناهضة للاتجاه الشمولي الهادف إلى ~~بناء الأنساق الميتافيزيقية. والخاصة الثالثة هي الاقتصار على البحوث المعرفية. ~~أما الرابعة فهي المعالجة البين-ذاتية، أي استخدام نوع من التحليل له معناه ~~المشترك بين الذوات ms177 بمعنى قريب من الموضوعية. # هذه هي أسس الوضعية المنطقية بوصفها فلسفة تحليلية، بل وتحليلية بموقف أكثر ~~جذرية من أي مذهب تحليلي آخر، لكنها أسس تنطبق على الوضعية مثلما تنطبق على ~~تيارات تحليلية قد تختلف معها؛ لذلك لا بد أن نوضح بقية الأسس التي تشكل ~~الوضعية وتميزها عن سواها. # ثانيا: الفلسفة علمية ~~(أ) # لقد اتفقنا على أن البحوث الفلسفية مقتصرة على التحليل، باق أن ~~نتفق على قصر هذا التحليل على العبارات العلمية، شريطة أن يكون ~~تحليلا منطقيا. ~~(ب) # فالفلسفة - وهي مهمتها التحديد - لم تحدد لنفسها مجالاتها، فأخذت ~~تصول وتجول حيث تشاء، حتى ضاق بها الجيران، وأخذوا يطردونها من ~~أراضيهم واحدا بعد الآخر، بادئين بالطبيعة منتهين بالاجتماع ~~والنفس، ولم يبق أمامها إلا العلوم المعيارية والميتافيزيقا ~~والمنطق. # أما العلوم المعيارية (= الأخلاق والجمال)، فما هي إلا عبارات وجدانية ~~انفعالية، لا تزيد عن ضحكة الضاحك أو صرخة المتألم، فلا ترقى بالطبع إلى أن ~~تكون علوما، أما الميتافيزيقا فما هي إلا جلبة أصوات بغير معنى، إذن لم يبق ~~للفلسفة ميدان جدير بحق البقاء إلا المنطق، فعليها أن تتمسك به وتجعله شغلها ~~الشاغل، والعقل البشري لم يعد ينشغل إلا بالبحوث العلمية، فإذا أرادت الفلسفة ~~لنفسها البقاء، فما أمامها إلا سبيل واحد هو تطبيق منطقها على العلم، أي تجعل ~~نفسها منطقا للعلم، أو فلسفة له، وبهذا تصبح الفلسفة علمية. # ثالثا: القضية إما تحليلية أو تركيبية ~~(أ) # لقد كانت العلوم الرياضية - بما تنطوي عليه من ضرورة الصدق ~~المطلق - تمثل عقبة كئودا في وجه التجريبيين، فمبدأ التجريبية ~~الأساسي هو أية قضية مفهومة، ولها محتوى معرفي لا بد أن تكون قائمة ~~على أساس الخبرة، لكن من الواضح أن العقل في الرياضة يستقل بنفسه ~~عن التجربة، فتكون النتيجة قضايا يقينية الصدق. فبأي عقل، وبأي ~~منطق نفضل عن هذا المنهج المستقل عن التجربة - أي منهج الرياضة ~~الذي تقتفي خطاه الميتافيزيقا - منهجا آخر يعتمد على التجربة، ~~فتجيء نتائجه وهي العلوم الطبيعية، في قضايا احتمالية الصدق، ~~والواقع أن التجريبيين لم يكونوا جميعا بجرأة مل وصلابته ms178 ~~التجريبية، حتى يزعموا معه أن قضايا الرياضة ما هي إلا تعميمات تجريبية، # 5 # وربما كانت هذه العقبة هي التي منعت التجريبيين طوال ~~خمسة وعشرين قرنا - هي عمر الفلسفة - من اتخاذ موقف شديد التطرف، ~~كموقف دائرة فيينا. ~~(ب) # وكتاب برنكبياما تيماتيكا هو الذي أتاح للدائرة هذا الموقف، حين ~~تمكن من تبيان الخاصة التكرارية للقضايا الرياضية، وكيف أن شق ~~القضية الأول يشير إلى عين ما يشير إليه شقها الثاني تبعا لما ~~اصطلحنا عليه من دلالات الرموز، أنها تحصيل حاصل، فارغة من المحتوى ~~المعرفي، لا تدعي أدنى إخبار عن الواقع، وكانت هذه النتيجة هي ~~الأساس الذي انطلقت منه رسالة فتجنشتين مقررة أن الصورة المنطقية ~~للقضية الرياضية: «أ» هي «أ»؛ أي لا ~~تقول شيئا أكثر من إثبات ذات الهوية، عكس قضايا العلوم الطبيعية، ~~فهي إخبارية وتتخذ الصورة المنطقية: «أ» هي «ب». ~~(ج) # ومن هذا المنطلق كان تقسيم الوضعية المنطقية الشهير للعبارات أو ~~الجمل أو سائر ما يتمثل في الصور النحوية إلى قسمين: ~~(1) # العبارات ذات ~~المعنى # Meaningful ~~، وهي إما العبارات التحليلية، ~~أي قضايا العلوم الصورية (= المنطق والرياضة)، وإما ~~القضايا التركيبية القائمة على الخبرة (= قضايا العلوم ~~الطبيعية والتجريبية). ~~(2) # العبارات الخلو من ~~المعنى # Meaningless ~~: وهي التي تخرج عن هذين ~~النوعين، أي العبارات الميتافيزيقية؛ فالوضعيون ~~يطابقون بين المعنى وبين العلم، وحيث لا علم لا ~~معنى. # لذلك لا بد أن يقتصر الحديث على نوعين من القضايا لا ثالث لهما؛ هما نوعا ~~العبارة العلمية: ~~(1) # القضايا التحليلية # Analytic ~~: ~~قضايا العلوم الصورية، حيث تنحصر قيمة القضية داخل ذاتها فهي ~~تحصيل حاصل # Tautology ~~، شقها ~~الأول يعني عين ما يعنيه شقها الثاني؛ لذلك فهي تكرارية - تكرر في ~~المحمول عين ما قالته في الموضوع - تبعا للمصطلحات الأرسطية، ليس ~~لها أي محتوى معرفي أو قوة إخبارية، تصل إليها استنباطا، نعرف ~~صدقها أو كذبها فقط بتحليلها تحليلا منطقيا لغويا، فإذا أوضح ~~التحليل أن الشق الأول هو بعينه الشق الثاني مثل «للمربع أربعة ~~أضلاع» كانت صادقة؛ لأن القضية التحليلية مجرد إثبات للهوية، إثبات ~~لهوية المربع، أو ما اصطلحنا ms179 على تسميته مربعا؛ لذلك فهي يقينية، ~~أي مطلقة الصدق؛ لأن صدقها يعتمد على الضرورة المنطقية، فلا مجال ~~إطلاقا للخطأ، هنا وفي كل مكان في الدنيا وفي الآخرة، يستحيل ~~القول بأن المربع ليس له أربعة أضلاع؛ لأنه يعني ببساطة أن المربع ~~ليس مربعا، والضرورة المنطقية تستلزم استحالة النقيضين؛ لذلك ~~فالقضية هنا إن كانت صادقة كانت ضرورية، وإن كانت كاذبة كانت ~~متناقضة ~~ذاتيا # Self Contradict ~~. # ورغم كل ذلك فالمسألة اتفاقية بحتة؛ لأن اللغة اتفاقية بحتة، ~~تتوقف على أسلافنا القدامى، فقد اتفقوا على الإشارة بلفظ «المربع» ~~إلى شكل له أربعة أضلاع، وكان يمكن أن يتفقوا على الإشارة إليه ب ~~«س» أو «ع» أو أي رمز آخر، الضرورة في قوانين منطق اللغة والفكر ~~وليس في الواقع؛ فالواقع لا ينطوي على أية ضرورة، لكن القضية ~~التحليلية ليس لها أية علاقة بالواقع. # خلاصة القول: إن القضية التحليلية تكرارية، تحصيل حاصل، ~~استنباطية عقلية يقينية ضرورية، محك الصدق فيها هو اللغة. ~~(2) # القضايا التركيبية # Synthatic ~~: ~~وهي قضايا العلوم الطبيعية، التي تنقل خبرا عن العالم الواقع من ~~حولنا، فهي إذن إخبارية ذات محتوى معرفي، نصل إليها استقراء # 6 ~~⋆ # لخبرة الحواس، والتحليل المنطقي لأمثال هذه القضايا يردها إلى ~~سلسلة من القضايا الذرية، أي القضية التي تشير إلى واقعة معينة في ~~نقطة معينة من نقاط المكان، ولحظة معينة من لحظات الزمان حتى ينتهي ~~تحليل الوضعيين إلى سلسلة من المعطيات الحسية التي تبعث بها ~~الواقعة؛ إذ المرجع هنا في قيمة الصدق (أي الصدق أو الكذب) هو خبرة ~~الحواس، لكن ينبغي التحفظ؛ فالصدق أو الكذب هنا نسبي يستحيل ~~إطلاقه، المعطيات الحسية تشير الآن إلى صدقها، لكن من يدري قد ~~يتغير في الغد العالم الطبيعي، أو تتغير المعطيات الحسية، أو ~~تتكامل بعد نقص، فتصبح القضية كاذبة، إنها لذلك عرضية احتمالية، ~~يستحيل أن تكون ضرورية. # خلاصة القول: إن القضية التركيبية تجريبية استقرائية احتمالية ~~عرضية، محك الصدق فيها هو خبرة الحواس. # هذان هما نوعا القضايا ذات المعنى، وهم يفضلون اصطلاح ~~عبارة ذات ~~معنى # Meaningful Statement ~~، عن اصطلاح ms180 لها معنى # has a meaning ~~؛ لأن الصيغة ~~الأولى تظهر بمزيد من الوضوح أن المعنى صفة للعلاقات، وليس شيئا ~~يضاف إليها، # 7 # أي شيء يتحد بنفس طبيعة الجملة. # رابعا: الميتافيزيقا لغو ~~(أ) # أما الحديث عن الميتافيزيقا، فهو حديث ذو شجون، فأميز ما يميز ~~الوضعيين أنهم قوم ضاقوا ذرعا بعقم المشاهد الميتافيزيقية، التي ~~بقيت ثلاثة وعشرين قرنا حيث خلفها أرسطو، بينما تحقق المباحث ~~التجريبية تقدما متصلا لا ينقطع أبدا، فمن ذا الذي يزعم أن ~~ميتافيزيقا القرن العشرين أدنى إلى الصواب قيد أنملة من ميتافيزيقا ~~أرسطو، فما هو هذا الصواب، وهل من خبرة عساها أن تخبرنا به؛ لذا ~~كانت الوضعية على العموم، والمنطقية منها على أخص الخصوص هي فلسفة ~~قامت لكي تقوض دعائم الميتافيزيقا، وتزيحها تماما من عالم ينبغي ~~أن ينفرد به العلم وحده. ~~(ب) # وقد تيسر لهم ذلك فيما اعتقدوا بناء على النقطة السابقة من ~~تقسيم القضايا ذات المعنى أي العلمية إلى تحليلية وتركيبية، ولما ~~كان مبدؤهم الأساسي هو أن أية قضية واضحة ومفهومة لا بد أن تقوم ~~على أساس الخبرة، فقد انزاحت العقبة الرياضية حين اتضح أنها مجرد ~~إثبات للهوية لا تخبر بشيء - كما أوضحنا آنفا - فبفضل جهود رسل ~~وفتجنشتين أمكن للتجريبي - وهو هنا الوضعي المنطقي - أن يحتفظ ~~تماما بمبدئه، وعليه فقط أن يضيف إليه: «ما لم تكن إثباتا ~~للهوية.» فيصبح أية قضية واضحة ومفهومة لا بد أن تقوم على أساس ~~الخبرة ، ما لم تكن ثباتا للهوية، وطالما أنه لا يوجد ميتافيزيقي ~~واحد قد أعد نفسه ليعترف بأن قضاياه لا تخبر بشيء عن العالم «2» - ~~أي ليست مجرد إثبات للهوية، وهي بالطبع ليست قائمة على أساس الخبرة ~~الحسية - أمكنهم استئناف المسير إلى هدفهم المروم، فيدعون أن ~~القضايا الميتافيزيقية غير واضحة ولا مفهومة؛ لأنها غير ذات معنى ~~ولا حتى مغزى # nonsense # تفهمه ~~منها، لكي نحكم عليها بالصدق أو بالكذب، إنها لا ترقى حتى إلى ~~مرتبة الكذب؛ ذلك لأنها تدعي الإخبار عن العالم، أي تخبر عما لا ~~يمكن الإخبار عنه، أي تدعي فعل ما ms181 لا يمكن أن يفعل، إنها إذن ~~تناقض نفسها كما أوضح كانت، أوليس من الجائز أن نلقى في إحدى ~~صفحات كتاب يؤرخ للميتافيزيقا قضية تزعم أن الحقيقة هي المطلق، وفي ~~صفحة أخرى «الحقيقة ليست هي المطلق.» وكل من القضيتين مصحوبة بأدلة ~~تبدو دامغة، ولما كان الفصل بينهما مستحيلا، أوجبت الأمانة ~~العلمية على المؤرخ تقرير القضية ونقيضها، وما هكذا يكون تقرير ~~الكلام ذي المعنى. ~~(ج) # هذه هي الأفكار التي تحدد الهيكل العام لفلسفة الوضعيين المناطقة، والتي ~~أخذت الدائرة تناقشها وتتداولها في اجتماعاتها المستمرة، حتى أصيبت باغتيال ~~رائدها موريتس شليك عام 1936م على يد طالب مأفون من جامعة فيينا، فكان أن ~~انحلت الدائرة، وأكد على هذا الانحلال الغزو النازي الذي أصاب النمسا في ~~بوادر الحرب العالمية الثانية، ولنزعتهم العقلانية والعلمية أقيل كثيرون منهم ~~من الجامعة وكان معظمهم - كبوبر - ينحدر من أصول سامية يهودية؛ مما أدى إلى ~~تفرقهم في غرب أوربا وأمريكا، مخافة بطش هتلر باليهود. # لكن النظرة الثاقبة تبين أننا لا نجد أمامنا إلا مجموعة أفكار مستقلة ~~تقريبا، والذي يمثل العمود الفقري الذي يقيمها ويقيم المذهب ويحقق هدفه ~~الأساسي، إنما هو معيار التحقق وما تبع اهتراءه من معايير، إنه أهم أفكار ~~المذهب وأشهرها، فضلا عن أنه موضوعنا الأساسي الذي جرنا إلى الحديث عن ~~الوضعية. ~~(2) المعايير الوضعية لتمييز العلم ~~(1) لقد اتضح الآن مدى افتتان الوضعية بالعلم التجريبي الحديث، وفي الآن نفسه مدى ~~غضبهم (المضري) الذي لا يبقي ولا يذر على شتى المباحث الميتافيزيقية، حتى نادوا ~~بأن يصبح العلم ومنطقه هو فقط النشاط العقلي والذي لا نشاط سواه. # ولكن كيف ننقح ميادين النشاط العقلي حتى لا يصبح فيها إلا العلم؟ لا بد من معيار ~~يمثل الفيصل الحاسم بينه وبين اللاعلم، عدنا إذن إلى المشكلة التي يعالجها هذا ~~البحث مشكلة تمييز المعرفة العلمية. ~~(2) ونحن الآن بإزاء محاولة الوضعية المتمثلة في معيار التحقق الذي اصطنعوه لهذا ~~الغرض، وهذا المعيار هو الأساس الذي يقوم عليه المذهب، بل ويقوم من أجله، حتى إذا ~~قيل في تعريف الوضعية: إنها المذهب ms182 الذي ينادي بمعيار التحقق لما جانب هذا الصواب ~~إذ إن رسل مثلا الذي يتفق معهم في الكثير - أو بالأحرى يتفقون هم معه - فقد عرفناه ~~أحد الرواد الذين مهدوا لهم الطريق، والذين تعاطفوا مع المذهب إلى حد كبير يعد في ~~الآن نفسه واحدا من أقسى نقادهم، وهو ليس وضعيا بأية حال، والسبب واحد ووحيد، ~~وهو أنه لا يوافقهم على معيار التحقق خصوصا، ومعاييرهم لتمييز العلم عموما، بصفة ~~عامة كان هذا المعيار هو أساس معظم الخلافات التي اشتجرت بينهم وبين الفلاسفة ~~والنقاد، ذلك ببساطة لأنه مربط الفرس في مذهبهم هذا، وقد أصبح سريعا هو الفكرة ~~التي تقود وراءها المذهب بجملته، # 8 # بل وإن التاريخ اللاحق لحركة الوضعية، قد تحدد بمحاولاتهم لحل طائفة من ~~المشاكل بدت أمامهم، وكانت إلى حد كبير بسبب تعويلهم على معيار التحقق. # 9 # وقد أدت محاولات الحلول هذه إلى طرح أفكار لحل نفس المشكلة - تمييز المعرفة ~~العلمية - فلم يعد أمامنا معيار التحقق فحسب، بل ومعيار القابلية للاختبار ~~والتأييد، ولغة العلم ومحاولة فتجنشتين المتأخرة، كلها تحاول تحقيق هدف التحقق ~~متفادية أخطاءه. ~~(3) من ناحية أخرى فقد سبقت هذه المعايير - خصوصا معيار التحقيق - معيار ~~القابلية للتكذيب البوبري، فقد عرف طريقه إلى الأسماع والأبصار، وشغل الأوساط ~~الفلسفية قبل أن تعرف هذه الأوساط بوبر أو معياره؛ لذلك كان عبثا كبيرا على بوبر ~~أن يلقى مكانا لمعياره، لا سيما أن الوضعية كانت موضة شائعة في عصرها، ومن يخرج ~~عليها - كبوبر - يعد رجعيا متخلفا. # بالإضافة إلى ما يبدو للوهلة الأولى من تشابه بين التحقيق والتكذيب، مما ساعد على ~~شيوع الخطأ الكبير باعتبار بوبر وضعيا، واعتبار القابلية للتكذيب مجرد امتداد ~~للقابلية للتحقيق أو تعديلا له. # ولقد ذاع هذا الخطأ، لدرجة أن دائرة المعارف الفلسفية - وهي المرجع العلمي الرفيع ~~الذي لا يتطرق إليه شك أو نقد - تعتبر التكذيب مجرد امتداد للتحقق، فتتناوله تحت ~~مادة مبدأ التحقق، وتعالجها في إطار واحد، ومن منظور واحد، والحقيقة الحقة أنهما جد ~~مختلفان شكلا وموضوعا، وقد وجه بوبر نقده الحاسم لمعيار التحقق ولسائر ms183 معايير ~~الوضعية جملة وتفصيلا، واختلفت محاولته لتمييز العلم اختلافا شكليا وموضوعيا ~~وفلسفيا عن معيار التحقق وعن سائر معايير الوضعية. # لكن ما هو معيار التحقق هذا أولا؟ ~~(4) معيار التحقق هو قاعدة تجسد مبادئهم السابقة، من أن كل حقيقة تركيبية ~~تستمد من الملاحظة، وأن كل ما يسهم به العقل في المعرفة ذو طبيعة تحليلية، فكان ~~مضمونه هو أن الجملة التي ليست بتحليلية لكي تكون ذات معنى، لا بد أن تعبر عن واقع ~~حسي تجريبي، وأن الجملة التي لا يمكن تحديد صدقها من ملاحظات حسية ممكنة هي جملة لا ~~معنى لها، # 10 # حيث إن المعنى هو العلم، واللاعلم هو اللامعنى، فكان أن صاغ ألفرد آير ~~المعيار كالآتي: «يكون للجملة معنى حرفي فقط، إذا كانت تعبر عن قضية تحليلية أو ~~قضية ممكنة التحقق تجريبيا.» # 11 # لقد استبعدوا القضايا التحليلية: الرياضة والمنطق، المعيار يطبق فقط على ~~القضايا التركيبية، ليحدد منها العلم الطبيعي، ويستبعد الميتافيزيقا، ودع عنك ~~الأوامر والنواهي وسائر التعبيرات الدالة على قيم معيارية من قبيل: «ما أجمل ~~الزهور» «القتل جريمة بشعة» ومثال هذه التعبيرات في عرفهم محض إنشائية، ونظرا لأن ~~فلسفة الوضعية ذات خاصة معرفية فهي لا تعنيهم البتة، بل تعني نقاد الفن والأدب، ~~المهم ألا يزعم أصحابها أنهم يزيدوننا معرفة بالواقع. # ولما كان التحقق معيارا للمعنى فهو يشمل أيضا التحقق من المفاهيم والكلمات، ~~وطبعا العبارة لن تقبل التحقق إلا إذا كانت كل المفاهيم الواردة فيها قابلة ~~للتحقق. # غير أن المعيار أثار الكثير من النقاش، فهو ذاته لا قضية تحليلية ولا قضية ~~تركيبية تقبل التحقق، فكان أن عرض الوضعيون قبوله على أساس براجماتي، ثم إن القضية ~~قد لا تقبل التحقق لأسباب منطقية، أو لأسباب فنية قاصرة على الوقت الراهن، أو ~~لأسباب فيزيائية ... إلخ، فأي من هذه الوجوه يحمل معه الخلو من المعنى، لحل هذا ميزوا ~~بين التحقق المباشر للقضايا التي تدور حول المدركات الحالية، والتحقق غير المباشر ~~لبقية القضايا ذات المعنى، وقريب من هذا ما فعله آير حين ميز بين: التحقق بالمعنى ~~القوي، والتحقق ms184 بالمعنى الضعيف. # وهو يعبر عن الفرق بينهما بأن القضية يمكن التحقق منها بالمعنى القوي، إذا وفقط ~~إذا ما كان ممكنا أن تؤسس بصفة حاسمة وقاطعة على الخبرة، # 12 # وهي قابلة للتحقق بالمعنى الضعيف إذا كان للخبرة أن تجعلها ممكنة، ~~وواضح أن هذا الحل لا يعني أكثر من التمييز بين القابلية للتحقق كأمر واقع فعلا، ~~وبينها كمجرد إمكانية وليست استحالة، ويوضح آير أن التحقق بالمعنى الضعيف هو فقط ~~المطلوب. # غير أن هناك مشكلة معينة بدت على درجة قصوى من الخطورة، فلقد أحس الوضعيون ~~أنفسهم أن معيار التحقق لن يحطم الميتافيزيقا فقط، بل وسوف يحطم العلم أيضا؛ ذلك ~~أن قوانين العلم بطبيعة الحال ليست قابلة للتحقيق، إذ ليست هناك أية مجموعة من ~~الخبرات يكون اكتسابها مكافئا لصدق قانون علمي. # وقد تنبه فتجنشتين إلى هذا مقدما في رسالته، فأكد - إبان بحثه للمنزلة المنطقية ~~للقضايا العلمية - على أن كثيرا من العبارات العامة في العلم لا تحتاج إلى ~~معاملتها على أنها دالات صدق للقضايا ~~الأولية # Elementry Proposition ~~؛ لأنها ليست تجريبية؛ وبالتالي ليست قضايا بالمعنى ~~الدقيق، هي بالأصح توصيات بمنهج لتمثيل فئة معينة من الظواهر Phenomena ~~. # 13 # وكان حل شليك قريبا من حل صديقه وأستاذه فتجنشتين؛ فقد ادعى أن القوانين العلمية ~~ليست عبارات، بل هي قواعد ورخص للاستدلال، غير أن كارناب ونيوراث اعترضا على هذا ~~مستندين إلى أن القاعدة - طبعا - تستحيل محاولة تكذيبها، أما القوانين العلمية ~~فإننا نحاول تكذيبها، فهي إذن عبارات إخبارية وليس مجرد قواعد، وواضح أن هذا مجرد ~~استجابة من كارناب لتأثيرات بوبر، وأثر بوبر يمتد لدرجة أن الوضعيين أنفسهم اعترفوا ~~بأنه حتى القضايا الجزئية والمفاهيم لا يمكن أن نتحقق منها تحققا كاملا. # لكن الخطورة الحاسمة كانت حقا على القوانين العلمية التي قام المعيار أصلا ~~لتمييزها، وكان قبول البعض اعتبارها ليست بقضايا ورفض البعض الآخر، فيصلا حاسما ~~في تاريخ الوضعية، # 14 # قسمها على ذاتها. # أما القصور لا نقاش فيه، فهو أن التحقق أو إمكانية التحقق - ولا فارق بينهما - ~~تميز العلم، ولكن لا تستطيع إطلاقا ms185 التمييز بين العلم، فلا يمكن مثلا للعالم إبان ~~بحثه اختيار فرض علمي بين مجموعة فروض متنافسة؛ لأنه أكثر أو أقل قابلية للتحقق، ~~بعبارة أخرى: لم نسمع من الوضعيين أي شيء عن درجات القابلية للتحقق، فهو لا يجدي ~~العالم في شيء، فكيف بالله يكون أساسا لفلسفة هي أولا وأخيرا علمية. # تلك بصفة عامة المشاكل التي تبدت في وجه معيار التحقق، مما جعله يتخذ تدريجيا ~~صورا أخرى، باعتقاد أنها مستطيعة التغلب على هذه الصعوبات. ~~(5) أولى هذه الصور: القابلية للتأييد # Confirmability # التي تعني أن القضية ذات معنى، فقط إذا أمكن تأييدها، أي ~~اشتقاق قضايا صادقة منها. # وقد ارتبط معيار القابلية للتأييد بالقابلية ~~للاختبار # Testability # وقد أوضح عضو الدائرة فيكتور كرافت أن نقد بوبر لمعيار ~~التحقق أجبر الدائرة على تعديله والاتجاه به نحو القابلية للاختبار، والتي هي أحد ~~أوجه معيار التكذيب، # 15 # وإن ظلت شخصية الوضعيين متميزة؛ إذ إن صورة المعيار لديهم هي: تكون ~~الجملة قابلة للاختبار إذا كنا نعرف الإجراءات المعينة «مثلا تنفيذ تجارب معينة» ~~التي من شأنها أن تؤيد الجملة، أو تؤيد نفيها لدرجة ما، بينما تكون الجملة قابلة ~~للتأييد إذا أمكن منطقيا لأي نوع من الأدلة التجريبية أن يؤيدها، حتى ولو كنا لا ~~نعلم المسار المعين لإجراءات الحصول على هذه الأدلة، # 16 # واضح أن القابلية للاختبار مجرد صورة قوية فعلية من قابلية التأييد ~~المضعفة، والفارق بينهما يطابق الفارق بين التحقق بالمعنى القوي - أو المباشر - ~~والتحقق بالمعنى الضعيف - أو غير المباشر - مما يعني أن القابلية للتأييد هي الأوسع ~~في ما صدقاتها وفي الأصل، والقابلية للاختبار مجرد تابع لها، يحدد فئة معينة من ما ~~صدقاتها، هي فئة القابلية للتأييد الفعلية، ورغم هذا فقد ميزت الوضعية في أحد ~~أطوارها بين أربعة معايير: القابلية التامية للاختبار - درجة معينة من القابلية ~~للاختبار - القابلية التامية للتأييد - درجة معينة من القابلية للتأييد، كلها ~~تتعاون معا في تمييز قضايا العلم واستبعاد الميتافيزيقا. # وكان كارل همبل # Karl Hempel # أكثرهم استجابة ~~لبوبر، حتى اقترب منه متخذا طريقا مخالفا للوضعيين؛ إذ أعلن ms186 رفضه للتحقق على ~~أساس رفض الاستقراء، وأعلن أنه لا يمكن اعتبار النظرية علمية ما لم تكن قابلة ~~للاختبار التجريبي والتأييد ببينات تجريبية، أي ما لم نتمكن من استخلاص قضايا ~~لزومية اختبارية معينة منها، لها الصورة «إذا تحققت شروط الاختبار «ح» يحدث الناتج «ه».» # 17 # وتكفينا الإمكانية من حيث المبدأ، فهي غير قائمة في القضايا اللاعلمية ~~اللاتجريبية. # وحينما تكون النظرية علمية، فلا يمكن بالطبع أن يفضي الاختبار إلى تأييد حاسم، بل ~~فقط إلى بينة مؤيدة بدرجة أكبر أو أصغر، ومن هنا يمكن اعتبار معيار القابلية ~~للتأييد والاختبار، هو أيضا للاختيار بين الفروض العلمية، فنختار الفرض الأكثر ~~قابلية للتأييد على أساس المحكات الآتية: كمية ونوعية ودقة البيئة المؤيدة - ~~التأييد بالقضايا اللزومية الاختبارية الجديدة - التأييد النظري. # وبالطبع يجب أن نأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى، مثل درجة البساطة ودرجة الاحتمالية، # 18 # ويأتي كارناب خصوصا ليطابق بين التأييد والاحتمالية، أو درجة التأييد ~~ودرجة الاحتمالية. # والآن فبصرف النظر عن أن معيار التكذيب يحل محل التأييد بصورة أكفأ كثيرا ~~كثيرا، فإن أبسط ما تقوله لهمبل هو أن شذى الاستقراء ما زال يفوح طالما نبحث عن ~~البينات المؤيدة إيجابا، وأن التأييد لا يعلو أن يكون صورة ضعيفة من ~~التحقق. # لكن الذي يعلي من شأن نظرية همبل، هو أنه طرح خرافة المعنى جانبا؛ استجابة لدعوى ~~بوبر، رغم أن فكرة المعنى من أسس الوضعية المميزة، وأوضح أن التأييد فقط لتمييز ~~العلم والتعامل مع الفروض العلمية. # ليسوا جميعا بتبصر همبل، فقد تمسك آير مثلا بالتأييد كمعيار للمعنى، على أساس ~~من مبدأ الوضعية في المطابقة بين العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، ومن هذا ~~المنظور لكي تكون العبارة ذات معنى يجب أن تتصل بفئة من عبارات الملاحظة، تعطي فقط ~~درجة من التأييد البرهاني للعبارة الأصلية، وليس تحقيقا قاطعا، فأية عبارة لها ~~معنى معرفي، ولتكن العبارة «س»، يجب أن يكون لها فئة من عبارات الملاحظة الأساسية ~~وهي «م1 م2 # م ن»، فتكون «س» مؤدية إلى «م1 م2 # م ن» وتكون «م1 م2 # م ن» تؤيد ms187 أو تعطي درجة أكبر من الاحتمالية للعبارة «س». # إلا أن آير عاد ليقول: إن هذا المعيار لن يميز العلم؛ إذ إنه قد يسمح لأية عبارة ~~خالية من المعنى أن تجتازه، فإذا كانت «ن» عبارة خالية من المعنى - أي لا علم - ~~و«م» عبارة ملاحظة أساسية، فيمكن أن نستنبط «م» من العبارة «ن» مرتبطة مع «م» ~~كمقدمة إضافية، على الصورة المنطقية «إذا ما كانت «ن» لكانت «م».» ومنها يمكن استنباط ~~«م» من «ن»، رغم أننا لا نستطيع استنباط «م» من «ن» بمفردها، # 19 # فمثلا إذا كان لدينا العبارة الخالية من المعنى «المطلق لا نهائي» ~~وعبارة الملاحظة الأساسية «الجو ممطر» يمكن أن نضعهما معا في الصورة المنطقية ~~«إذا كان المطلق لا نهائي لكان الجو ممطرا، ولكن المطلق لا نهائي إذن الجو ممطر.» ~~هكذا أفضت العبارة الخالية من المعنى إلى عبارة تجريبية، أي يمكن لقضايا ~~الميتافيزيقا أن تجتاز المعيار! وعلى هذا النحو نلاحظ أن معيار التحقق بعد أن كان ~~غاية في القوة والمضاء، قنع بأن يحل محله معيار التأييد الذي هو غاية في التواضع ~~والضعف، ورغم هذا لم يستطع الصمود أو أن يؤدي المهمة بجدارة. ~~(6) من هنا كانت محاولة أحد زعماء الدائرة البارزين رودولف كارناب لتمييز المعرفة ~~العلمية، تطيح تماما بمعيار التحقق، وتضع بدلا منه محاولة جديدة للتمييز بين ~~العلم واللاعلم، وهي المتمثلة فيما أسماه كارناب بلغة العلم # Language of Science ~~، وقد وضعها متأثرا ~~بمناقشاته مع بوبر - إذ أكدت الصعوبات التي حاقت بمعيار التحقق - من ناحية ~~وبعبقريته هو الرياضية من ناحية ثانية، وبنزعته اللغوية المنطقية المتطرفة جدا من ~~ناحية ثالثة. # وفي محاولة بناء هذه اللغة، دعا كارناب في البداية للغة الفيزيائية أو اللغة ~~المنتمية للفيزياء Physicalistic Language # والتي تقوم على ما يمكن أن نسميه بالأنا وحدية المنهجية # Methodological Solipsism ~~، وهي ذلك ~~الاعتقاد القائل بأني أنا وحدي الموجود، والذي عبر عنه رسل قائلا: الأنا وحدية هي ~~تلك النظرة القائلة بأنني لا أستطيع أن أعرف شيئا على أنه موجود، باستثناء ما يقع ~~في خبرتي أنا. # 20 ms188 # وعلى أساس الأنا وحدية المنهجية، اتخذ كارناب خبرات الشخص الفردية أساسا تبنى ~~عليه مفاهيم العلم، فحاول أن يبني العالم من أفكار أولية Primitive Ideas ~~، ترتبط ببعضها عن طريق علاقات أولية، فاقتطع قطاعا ~~عرضيا من الخبرة، ليقدم لنا فيه أفكاره الأولية، وقد ابتدع كارناب عددا من الحيل ~~الفنية الفذة ليحقق هذا الغرض، فهو يربط بين شظايا الخبرة على أساس تماثلها ~~المسلم به، فيردها إلى فئات الكيف، والتي تنتهي بدورها إلى نفس فئة الحس # Sense Class # إذا ما ارتبطت بسلسلة من المتماثلات، ~~فأي لونين مثلا يمكن أن يشتبكا معا بواسطة ألوان تتوسطهما، على حين أن لونا ~~وصوتا وهما لا يرتبطان ينتميان إلى فئتين حسيتين مختلفتين، لكن فئات الحس تقع ~~بدورها في مجال الحس، وهذا المجال قابل للتعرف في مصطلحات تشمل الأبعاد، فمجال الحس ~~البصري هو الفئة الحسية ذات الخمسة أبعاد، ومجال الحس السمعي هو الفئة الحسية ذات ~~البعدين، ويرى كارناب أن سائر الكيفيات يمكن أن تعرف بهذه الطريقة، بشكل صوري ~~أو بنائي تماما: فمثلا اللون «أحمر» يمكن تعريفه بأنه فئة المتماثلات التي لها ~~موضع معين في نسق خماسي الأبعاد، وهكذا يستأنف كارناب المسير إلى وضع رسم تخطيطي في ~~مصطلحات عامة، للإجراءات التي يمكن بها بناء الأشياء بوصفها متميزة عن الكيفيات ~~بناء صوريا. ~~(صوري؛ لأن كل أحاديث كارناب هي - في رأيه - من النمط الصوري؛ لأنها منطق العلم ~~الذي يتحدث عن العلم، أما العلم ذاته - والذي يتحدث عن الأشياء المادية - فهو من ~~النمط المادي، إذن عند كارناب: اللغة الشيئية = النمط المادي، اللغة البعدية = ~~النمط الصوري.) # إلا أن كارناب قد عدل عن هذا المشروع، فقد بدأ يعتقد أن عالم المعرفة العلمية ~~العام لا يمكن أن يتكون من قطاع عرضي من الخبرات الخاصة الفردية، فتخلى عن هذه ~~الدعوى تماما عام 1931م، تحت تأثير عضو الدائرة الكبير أوتو نيوراث # Otto Neurath ~~(1882-1945م) الذي وجد كارناب ~~معه هواه اللغوي، فكون معه حزبا منشقا داخل الدائرة أوشك أن يثير روح العداء ~~فيها. ~~(7) وقد اتخذ هذا الحزب المكون من نيوراث ms189 وكارناب الفيزيائي Physicalism ~~، وهي تقوم على أن اللغة الفيزيائية هي لغة عمومية # universal # للعلم، وهذا يعني أن أية لغة لأي مجال ~~فرعي في العلم يمكن أن تترجم - بصورة مكافئة تماما لصورتها الأصلية - إلى لغة ~~العلم هذه، وبناء على هذا نستنتج أن العلم نسق واحدي تكاملي مركزي، حيث لا نجد ~~داخله مجالات لمواضيع ذات تباين جوهري، وتبعا لهذا لا نجد هوة بين العلوم الطبيعية ~~والعلوم السلوكية مثلا. # 21 # من هنا قامت الدعوى النيوراثية الكارنابية، على أن هناك لغة واحدة للعلم الموحد # unitied science ~~، فلقد تأثرا بالتقدم الرهيب ~~لعلم الطبيعة، فأراده علم العلوم والعلم الواحد الذي لا علم سواه، وكل العلوم ~~الأخرى مجرد أفرع للفيزياء وأجزاء فيها؛ ومن ثم تكون لغة الفيزياء هي اللغة العلمية ~~الواحدة، وهذه اللغة الفيزيائية تتمتع بخاصية تجعلها كلية # Universal ~~Language # يمكن أن يقال فيها كل شيء له معنى، وهي اللغة التي ~~تتحدث عن الأشياء الفيزيائية وحركاتها في الزمان والمكان، وكل شيء يمكن التعبير ~~عنه أو ترجمته في حدود هذه اللغة، خصوصا علم النفس على قدر ما هو علم أما مشكلة ~~أسسه فهي: # هل يمكن رد مفاهيم علم النفس إلى مفاهيم الفيزياء بمعناها الضيق؟ # هل يمكن رد قوانين علم النفس إلى قوانين الفيزياء بمعناها الضيق؟ # وللرد بالإيجاب ليصبح علم النفس فقط علم السلوكيات، وتصبح كل عبارة ذات معنى سواء ~~حول الحيوان أو الإنسان قابلة للترجمة إلى عبارة حول الحركات الزمانية المكانية ~~للأجسام الفيزياء؛ أي للغة الفيزياء، أو لغة العلم الموحد. # تلك هي اللغة التي حاول كارناب أن يبني لها بناء نسقيا منطقيا، ويضع قواعد ~~الصياغة فيها، وقواعد التحويل أو الاستنباط منها، وكتب يقول: «إذا كنا سنتخذ لغة ~~الفيزياء كلغة للعلم؛ بسبب خاصيتها كلغة كلية، فإن جميع العلوم ستتحول إلى ~~الفيزياء، وستستبعد الميتافيزيقا على أنها لغو، وتصبح العلوم المختلفة أجزاء من ~~العلم الموحد.» # 22 # أما عن أصول هذه اللغة الصورية للعلم الواحد والتي لا ترتد إلى أصول لغوية بعدها، ~~فقد اقتنع كارناب بدعوى نيوراث إلى أن الجمل تقارن فقط ms190 بالجمل وليس بالخبرة، ~~وأيضا أننا نتحقق من جمل هذه اللغة - أي نختبرها - ليس بواسطة الخبرات الحسية، كما ~~يدعي معيار التحقق أو معيار التأييد، وإنما بواسطة ما أسمياه جمل البروتوكول Protocol Sentence # والتي يعطي لها كارناب ~~في كتابه «وحدة العلم» التعريف الآتي: جمل البروتوكول هي الجمل التي تشير إلى - أو ~~تصف مباشرة - خبرات متاحة أو ظواهر، أو هي عبارات لا تحتاج إلى تبرير، وتخدمنا ~~كأساس لبقية جمل العلم، # 23 # إنها المحك الذي نبدأ منه قياس أو اختبار بقية الجمل، بغير أن تكون هي ~~نفسها بحاجة إلى قياس أو اختبار، وهي لهذا جمل أساسية غير قابلة للتعديل. # غير أن هذا أثار خلافا كبيرا بين كارناب ونيوراث - صاحب الفكرة - فنيوراث لا ~~يقبل أي شيء غير قابل للتعديل، وكارناب بدعواه هذه يكون - من وجهة نظر نيوراث - ~~داعيا لدعوة ميتافيزيقية، تبحث عن المطلق الثابت؛ مما أدى إلى تعاظم الخلاف أن ~~كارناب يرى أن جمل البرتوكول لا تقع داخل حدود لغة العلم، على الرغم من أن هناك ~~قواعد خاصة لترجمتها إلى لغة العلم، أما نيوراث فيصر على أنها تقع داخل لغة العلم ~~وبصورة ثابتة؛ لذلك فإن مشكلة ترجمتها لا تثار بالمرة. # 24 # وأيا كانت أوجه الخلاف بين كارناب ونيوراث، فإن قضايا البرتوكول هي نفسها تثير ~~مشكلة كبيرة حول ما إذا كانت قابلة لأن تصاغ أصلا في لغة الفيزياء، فهي تسجل خبرات ~~خاصة، فكيف تكون أساسا لجمل العلوم، وهي عامة مشتركة بين الذوات، ولقد استلهم ~~كارناب نزعته الفيزيائية التي أخذها عن نيوراث، كي يحل هذه المشكلة، فيقول: إن كل ~~حالة من جمل البروتوكول يمكن أن تترجم إلى عبارة عن حالة لجسمي، # 25 # ومن هنا نجد بوبر - في نقده لكارناب - يضع التعريف التالي لجمل ~~البروتوكول: هي تقريرات عن خبراتنا الخاصة الملاحظة على الرغم من أننا نعبر عنها في ~~اللغة الفيزيائية، وهذا يعني أنها تقريرات حول أجسامنا، # 26 # فكارناب يدعي أننا نملك الوسائل لكي نقر ما إذا كان القول «الجسم «س» ~~يرى الآن أحمر»، هو قول صادق أم لا، ms191 فمثلا نخبر «س» أن يضغط على الجرس، حينما يرى ~~لونا أحمر، وأن هذا - كما يقول كارناب - مكافئ منطقي لعبارة البروتوكول «أحمر ~~اللون» وكارناب يعتقد أن هذا التكافؤ يعطيه كل ما يريده، # 27 # فيتمسك بدعواه النيوراثية في أن اللغة الواحدة للعلم الموحد # 28 ~~⋆ # المؤسسة على جمل البروتوكول، تمكننا من تمييز المعرفة العلمية واستبعاد ~~الميتافيزيقا. ~~(8) إذن لقد تخلى كارناب عن معيار التحقيق، وراح يبحث عن البديل في لغة العلم، بل ~~وإن هذا المعيار يسحب البساط من تحت فتجنشتين نفسه، الأب الروحي للوضعية، وواضع ~~المعيار، وهذا حينما جاء فيما بعد ونادى في «بحوث فلسفية» # 29 # بأن التحليلات اللغوية مقطوعة الصلة بالخبرة الحسية، وتعول فقط على ~~القواعد التي اصطلحنا عليها، وليس المقصود طبعا قواعد النحو والصرف، بل قواعد ~~الإشارة السيمانطيقية للتركيب السينتاطيقي، أي قواعد للتحليل الفلسفي للغة، فليس ~~هناك لغة خاصة تعبر عن خبرات خاصة، اللغة كالمباراة الرياضية ينبغي أن نتعلم ~~قواعدها، فلها خصائص المباراة وهي: (1) الطابع التنافسي، (2) محكومة بقواعد، (3) ~~تتطلب مهارات تتفاوت، (4) ليس لها هدف نهائي، مجال الأهداف مفتوح، (5) يمكن ~~اعتبارها مجموعة أنشطة مستقلة، كما أن المباريات هكذا، وبغير أن يعني هذا أن اللغة ~~نشاط تافه أو مجرد تسلية، بل هي نشاط اجتماعي هام، # 30 # وإذا تساءلنا لماذا يهتم الفيلسوف بدراسة قواعد مباريات اللغة؟ لكان ~~هذا فقط لكي يوضح المعنى، ويميز بين اللغو وبين الكلام ذي المغزى؛ أي العلم، # 31 # ويمكن الحكم على عملية العبارة تبعا لقواعد التعبير، ومن الناحية ~~الأخرى: إذا أخذنا عبارة علمية أو منطقية كنموذج للوضوح أو كمورد نهائي للصدق ~~الأصيل، فسنتمكن من تحديد القواعد اللغوية للتمييز، وسيتجه مفهومنا للوضوح تبعا ~~لهذا نحو نوع من الصفاء الفطري الخالص، # 32 # وفتجنشتين دائما لا يضع نصب عينيه إلا هدفا واحدا؛ الوضوح والإيضاح، ~~وإن كانت أعماله هو نموذجا طيبا للغموض والألغاز. # ويوضح بيتر مونز أن هذه المحاولة التي كان فتجنشتين يقصد بها بديلا لسائر ~~محاولات الوضعية، ولمحاولته المبكرة في «الرسالة المنطقية الفلسفية»؛ لتمييز العلم ~~متهافتة جدا وتفنيدها يسير؛ لأنها أولا خاطئة # False ~~، ثانيا ms192 من نوعية يستحيل إثبات أنها خاطئة، وثالثا ~~فتجنشتين نفسه قد أدرك أو كان على وشك أن يدرك أنها خاطئة. # 33 ~~(3) خاتمة: عود إلى بوبر ~~(1) لقد طرح بيتر مونز هذا في مقال له بكتاب «التناول النقدي للعلم والفلسفة» ~~الصادر على شرف كارل بوبر بمناسبة عيد ميلاده الستين (مذكور في الهامش)، وكانت ~~مقالة مونز توضح أن كلا من بوبر وفتجنشتين قد وضعا أدلة بديلة لتمييز العلم رفضا ~~للتحقق، وبعد أن عرض مونز لمحاولة فتجنشتين وبين تهافتها، يعرض لمحاولة التكذيب ~~البوبرية، معقبا عليها بالتقريظ العظيم، لقد تحامل مونز كثيرا على فتجنشتين، ~~وربما إكراما لخاطر بوبر الذي يشعر بروح عدوانية تجاه فتجنشتين، كما تكشف كتاباته ~~بوضوح، بل ومن أقصوصة يقصها هو علينا في سيرته الذاتية، وخلاصتها أنه تلقى عام ~~(1946م) دعوى من سكرتير نادي العلوم الأخلاقية في كمبردج، كي يلقي محاضرة حول ~~«الأحاجي ~~الفلسفية» Philosophical Puzzles ~~. # وواضح أن العنوان من صياغة فتجنشتين، وكان ذلك سببا ليثير النفور في نفس بوبر ~~حسب تعبيره؛ لذلك بدأ المحاضرة بالتعبير عن مفاجأته لتلقي الدعوة بهذه الصياغة، فهو ~~- أي بوبر - يصر على أن المشاكل الفلسفية حقيقية، مهما كان رأي السكرتير الذي جعله ~~يكتب الدعوة بهذه الصياغة، فهب فتجنشتين من قاعة المحاضرة واقفا وقال، بغضب ~~وبصوت مرتفع: «لقد فعل السكرتير تماما ما أمليته عليه؛ فهو يتصرف تبعا لتعليماتي ~~أنا.» ولم يعر بوبر ذلك أدنى التفات؛ مما أثار البلبلة والارتباك في القاعة ~~فاضطر السكرتير إلى أن يقول معتذرا: «تلك هي صياغة دعاوى النادي.» واستأنف بوبر ~~المحاضرة مصرا على أن المشاكل الفلسفية حقيقية ولو لم يكن هناك مشاكل فلسفية ~~حقيقية لما كان هو فيلسوفا، فقفز فتجنشتين مقاطعا بوبر موضحا في حديث مسهب أنه ~~لا يوجد شيء اسمه مشاكل فلسفية حقيقية، كلها أحاج ومشاكل زائفة، وفي اللحظة التي ~~بدت لبوبر مناسبة، قاطع فتجنشتين موردا قائمة من المشاكل الفلسفية الحقيقية، كان ~~قد أعدها مثل: هل نعرف الأشياء من خلال الحواس؟ هل نكتسب المعرفة عن طريق ~~الاستقراء؟ فقال فتجنشتين: إن أمثال هذه المشاكل منطقية وليست ms193 فلسفية، فأشار بوبر ~~إلى مشكلة ما إذا كانت المتناهيات احتمالية أم توجد بالفعل، فقال فتجنشتين: إنها ~~رياضية وليست فلسفية، وهنا ذكر بوبر المشاكل الأخلاقية، وكان فتجنشتين جالسا قرب ~~المدفأة، يمسك بيده البوكر (عصا من الحديد يستخدمها الأوروبيون في تحريك الفحم في ~~المدفأة) يلوح بها أحيانا في أحاديثه، فهب واقفا متحديا بوبر قائلا: «أعطني ~~مثالا لقاعدة أخلاقية.» قال بوبر: «لا تهدد المحاضرين الزائرين بالبوكر.» ~~وحينئذ انفجر فتجنشتين غاضبا، وألقى البوكر من يده واندفع خارج القاعة، صافقا ~~الباب من خلفه، # 34 # والحق أن بوبر تجاوز حدود اللياقة، وقد أحس فعلا أنه أخطأ، وأسف بصدق ~~لأنه أغضب فتجنشتين وهو يقول: إنه كان ذاهبا لكمبردج فعلا ليتحدى فتجنشتين، ويثبت ~~أن المشاكل الفلسفية حقيقة وأصيلة، ولكنه في هذه المقولة كان يقصد مزاحا أو دعابة، ~~ولم يقصد إغضاب فتجنشتين لهذه الدرجة، وعلى أية حال استمر بوبر في محاضرته ~~ومناقشتها، وكان رسل من أبرز المناقشين. # 35 # كانت هذه الأقصوصة، التي تناثرت من حولها الشائعات لدرجة أن رسالة من نيوزيلند ~~وصلت بوبر، تسأله عما كان فعلا قد تشابك مع فتجنشتين بالأيدي والبوكر، لنوضح مدى ~~نفور بوبر العنيف الذي وصل لحد الكراهية الشخصية من آراء فتجنشتين. ~~(2) وإذا كان بوبر ناقما على فتجنشتين لأنه خطف منه الأضواء الفلسفية في النمسا، ~~ثم في إنجلترا حين هاجر إليها، فبوبر في هذا معذور؛ إذ إن رسل - وهو أعظم فلاسفة ~~القرن العشرين - قد أحس بهذا الشعور؛ إذ كتب في «تطوري الفلسفي» يقول: يعتقد كثير ~~من الفلاسفة البريطانيين أن فتجنشتين قد غطى علي تماما، وهذا - بصفة عامة - ليس ~~بالخبرة اللطيفة، أن يجد المرء نفسه وقد أصبح موضة قديمة، بعد أن كان لفترة طويلة ~~هو موضة عصره، إنه لمن العسير أن أتقبل هذه الخبرة بلطف. # 36 # يقول رسل هذا على الرغم من أنه قد أخرج أعظم أعماله واكتسب الكثير من ~~شهرته الفلسفية، قبل أن يعرف فتجنشتين، أما بوبر فلم تكن لديه فرصة أن يفعل ما فعل ~~رسل، وكان سوء حظه خصوصا أن يحيا لب حياته المهنية ms194 في جو يسوده فتجنشتين سواء في ~~النمسا، أو حتى في إنجلترا حين هاجر إليها، وكان هذا من أهم العوامل التي جعلت بوبر ~~لا يلقى حقه من التقدير الفلسفي. # 37 # هذا احتمال يطرحه بريان ماجي، من أن يكون بوبر ناقما على فتجنشتين؛ لأنه خطف منه ~~الأضواء الفلسفية، لكنني لا أعتقد في هذا، لا أعتقد أن أي فيلسوف يمكن أن يبلغ من ~~التفاهة حدا بحيث إن الشهرة والأضواء والحقد على الظافرين بها، تجعله يحدد موقفه ~~من المشاكل الفلسفية، فحتى رسل نفسه الذي استشهد به بريان ماجي، لا يفتأ في أكثر من ~~مناسبة أن ينوه بالفضل العظيم لفتجنشتين - صديقه وتلميذه - في الوصول إلى المذهب ~~الذي يحترفه أكاديميا؛ أي الذرية المنطقية، # 38 # وأعتقد أن بوبر ناقم على فتجنشتين أولا وأخيرا بسبب أفكاره الفلسفية، ~~والنقد الموضوعي الخالص الذي سيوجهه بوبر في الفصلين الآتيين، يمثل السبب الحقيقي ~~والوحيد لهذه النقمة والكراهية، ومن هذه الوجهة يكون لبوبر الحق كل الحق، أولا لأن ~~فتجنشتين، وأتباعه الوضعيين، قد نادوا بأفكار كفيلة بإثارة كل من فكر يوما في ~~احتراف الفلسفة أو حتى تذوقها، وتقدير دورها الفكري العظيم في بناء الحضارة ~~الإنسانية، وثانيا لأن فلسفة بوبر متعارضة على خط مستقيم، مع فلسفة فتجنشتين ~~وأتباعه الوضعيين. ~~(3) كان هذا تمهيدا للنزال الفلسفي الحامي الوطيس، والذي سنرى بوبر يخوض غماره ~~ضد فتجنشتين والوضعية عموما، وضد محاولاتهم للتمييز خصوصا، فتجنشتين ليس وضعيا ~~منطقيا بأي معنى انتمائي، لا هو مؤسس الدائرة ولا هو عضو فيها، لكن الذي لا يختلف ~~عليه اثنان، أن الوضعية المنطقية ليست إلا صورة متطورة متطرفة من فلسفته، لا سيما ~~في مرحلتها الأولى، المعروضة في الرسالة المنطقية الفلسفية، وربما لو لم تكن هذه ~~الرسالة لما كان هناك وضعية منطقية بالذات؛ لذلك جاز لنا أن نضع فتجنشتين مع ~~الوضعية المنطقية ونضع معاييرهم لتمييز المعرفة العلمية معا في ناحية واحدة، ونضع ~~بوبر في الناحية المقابلة لها، كي نعرف رأيه في هذه المعايير، أو بالأصح نعرف كيف ~~حاول بوبر تبيان أخطاء هذه الفلسفة، تمهيدا لإسقاط معاييرها ms195 لتمييز العلم. # الفصل الثاني # | نقد بوبر للوضعية المنطقية # محاربة الوضعية المنطقية كان - وبلا جدال - أحد اهتماماتي الأساسية. # 1 # مقدمة ~~(1) نقد بوبر للوضعية المنطقية في هذا الفصل، يمكن أن نعده تقييما لاتجاه ~~فلسفي موغل في القدم، بوبر نفسه يخبرنا بأن الوضعية لم تأت بجديد، كما ظنت وظنت ~~معها التحليلية عموما، من أنهم أقاموا ثورة مدوية في عالم التفلسف قلبت الدنيا ~~رأسا على عقب، أو بالأصح قلبتها فوق رأس الفلسفة، حين ادعوا أن المشاكل الفلسفية ~~زائفة، وأن التحليل اللغوي المنطقي لعباراتها أفضى إلى أنها غير ذات معنى، بوبر لا ~~يرى في هذا أية ثورة، ولا حتى جديدا في الأمر، فالمناقشات الحامية الوطيس، حول ما ~~إذا كانت الفلسفة توجد أو لها الحق في أن توجد أم لا، قديمة قدم الفلسفة ذاتها. ~~مرارا وتكرارا تقوم حركة فلسفية «جديدة تماما» تدعي أنها ستتمكن «أخيرا» من ~~كشف النقاب عن المشاكل الفلسفية لتبدو على حقيقتها من أنها مشاكل زائفة، وأنها ~~ستواجه اللغو الفلسفي الخبيث بأحاديث العلم التجريبي الوضعي، ذي المعنى الرفيع ~~والمغزى الحميد. # 2 # ومرارا وتكرارا ينهض حماة الفلسفة التقليدية «المستخف بهم»، ليحاولوا أن يشرحوا ~~لقادة هذا الهجوم الوضعي «الأخير» أن المشكلة الأساسية للفلسفة هي التحليل النقدي ~~للالتجاء إلى سلطة الخبرة ذاتها، # 3 ~~، # 4 ~~⋆ # لكن هذا النقد لن يعني شيئا للوضعي طالما أنه لا ينتمي للعلم التجريبي فيقابله ~~بالاستخفاف، لا سيما وأن الخبرة الحسية بالنسبة للوضعي، ليست مشكلة في حاجة إلى ~~دراسة نقدية بل هي برنامج بحث، ما لم يدرسها علم النفس التجريبي. # 5 # لكن بوبر يصر على أن الخبرة في حاجة إلى الدراسة النقدية، ليس هناك أي شيء على ~~وجه الإطلاق يعز على النقد أو حتى يستغني عنه، ولما كان بوبر يرى أن الفلسفة هي ~~الدراسة النقدية للخبرة وغيرها، بدا بوضوح لماذا يعادي تلك الاتجاهات التي تعادي ~~وجود الفلسفة أصلا، النقد هو دائما حجر الزاوية من أفكار بوبر. ~~(2) أي إن بوبر الآن هو هذا المدافع المستخف به، عن الفلسفة التقليدية الذي يصر ~~على أن مشاكلها حقيقية، ms196 وقادة الحملة في عصرنا الراهن هم الوضعيون المناطقة. # بوبر الآن سيحاول تبيان أهمية الدراسة النقدية، حين يصوبها على مبادئهم وما ظنوه ~~كشوفا خطيرة لهم، فيفضي هذا النقد إلى نتائج قطعا لا تريحهم. ~~(1) نقده لمنحاهم اللغوي ~~(1) فأما عن منحاهم اللغوي، فهو أيضا ليس بالجديد، فالاهتمام بالكلمات ومعانيها، ~~هو واحد من أقدم المشاكل الفلسفية؛ إذ يقول بوبر إن أفلاطون ذكر مرارا أن ~~السفسطائي بريديقوس كان مهتما بتمييز المعاني المختلفة للكلمات؛ لذا أطلق أفلاطون ~~على هذا الاهتمام اسم «مبدأ بريديقوس»، وقد كان هذا المبدأ جديدا وهاما عام 420ق.م. # 6 # فهل نعتبره جديدا وهاما في القرن العشرين، فضلا عن أن يكون ثورة ~~فلسفية؟ # لا بد إذن من الوقوف وقفة خاصة، عند الاتجاه اللغوي للوضعية، فقد أوضح الفصل ~~الأول أن الوضعية المنطقية هي أساسا فلسفة لغوية، وبدا من عرض محاولاتهم لتمييز ~~العلم، مدى إغراقهم في التحليلات اللغوية، فما موقف بوبر من هذا المنحى اللغوي الذي ~~شاع في فلسفة التحليل المعاصرة؟ # 7 ~~⋆ ~~(2) موقفه محدد باتجاه بدا له الصواب منذ فجر شبابه، خلاصته أن الباحث ينبغي أن ~~يمركز اهتمامه أولا وأخيرا على الواقع والوقائع، على الفروض والنظريات والمشاكل ~~التي تحلها والمشاكل التي تثيرها، ولا ينبغي البتة أن نأخذ المشاكل المتعلقة ~~بالكلمات ومعانيها مأخذ الجد. # 8 # بوبر يرفض ببساطة كافة الفلسفات اللغوية، ويقيمها بتعبير موجز يقول فيه: «ما زلت ~~على اعتقادي بأن أقصر طريق إلى الخسران العقلي المبين هو هجران المشاكل الحقيقية من ~~أجل المشاكل اللفظية.» # 9 ~~(3) وقد بدأ هذا الاتجاه منذ زمن بعيد، حينما كان صبيا في الخامسة عشرة من عمره ~~نصحه والده أن يقرأ السيرة الذاتية لسترنيدبرج # Strindberg ~~، حيث قرأ فقرة معينة - لا يتذكرها - حفزت همته وهو ~~يناقش والده على أن ينتقد بعنف اتجاها إظلاميا لستريندبرج هو: محاولته لأن ~~يستخرج شيئا ما ذا أهمية من المعنى الحقيقي للكلمات. # 10 # لم يعتقد بوبر أبدا - حتى وهو صبي يافع - أن السبر في أعماق المعاني ذو أدنى ~~أهمية، أو يمكن أن نخرج منه بأية نتيجة ذات قيمة، ولكن راعه ms197 أن والده يرى العكس، أي ~~أهمية البحوث الفلسفية اللغوية، وراعه أكثر أن هذا الرأي لستريندبرج ووالده واسع الانتشار، ومأخوذ به على ~~مدى كبير، سواء في تاريخ الفلسفية أو في الفلسفة المعاصرة، وبدا هذا أمام الصبي ~~بوبر كمشكلة كبيرة، سببت له صعوبة فكرية، بل وكراهية للفلسفة ولكنها كانت أزمة ~~انتهت بأن قطع بوبر على نفسه مبدأ هو: ألا يدخل في أي جدال حول الكلمات ومعانيها؛ ~~لأن أمثال هذه المناقشات مموهة، أو غير ذات قيمة. # 11 # ثم حاول أن يدخل هذا عدم الاهتمام بمعاني الكلمات مع واحدة من المشكلات الفلسفية ~~الكلاسيكية، فوجد أنها وثيقة الصلة بمشكلة الكليات رغم أنها ليست في ذات الهوية معها. # 12 ~~(4) لقد دخلنا الآن في مشكلة الكليات: وهي واحدة من أعرق المشكلات الفلسفية ~~وأكثرها أهمية، وقد دارت حولها رحى معركة كبيرة في العصور الوسطى، غير أن أصولها ~~إنما تعود إلى فلسفتي أفلاطون وأرسطو، # 13 # وهي تدور حول طبيعة الألفاظ الكلية فالألفاظ الجزئية وأسماء الأعلام، ~~مثل «كتاب، القاهرة، حرب أكتوبر» لا تثير مشاكل البتة، فهي بطاقات نلصقها على ~~الأفراد المشخصين، ولكن المشاكل أثيرت بشأن الألفاظ الكلية، مثل «قوة، إنسان، ~~ديمقراطية» علام تدل؟ أو على أي شيء نلصقها؟ وفي الرد على هذا اتجاهان: # المذهب الاسمي # Nomnialism ~~: الذي يرى ~~أن الكليات تماما مثل الجزئيات، مجرد أسماء، لكن بدلا من أن نلصقها ~~على فرد واحد نلصقها على مجموعة من الأفراد. # المذهب الواقعي # Realism ~~: الذي يرى ~~أننا نعتبر الجزئيات - أي تلك المجموعة من الأفراد - متماثلة، نتيجة ~~لمشاركتها في ماهية واحدة، هي مفهوم اللفظ الكلي، إذن مفهوم اللفظ ~~الكلي له ماهية، ذات كينونة ووجود واقعي، أبرز مثال على هذا الاتجاه: ~~أفلاطون الذي أفرد للوجود الواقعي لمفاهيم الألفاظ الكلية عالما ~~مفارقا، هو عالم المثل، وأرسطو الذي استفاض في بحوث الجوهر. # واضح أن استخدام «واقعي» للدلالة على هذا المذهب ثغرة فلسفية؛ لأنه مناقض للمفهوم ~~المعاصر لمصطلح «المذهب الواقعي»، والذي يعني القول بالوجود الواقعي للعالم ~~الخارجي، وجودا مستقلا عن أية ذات مدركة. # وقد عالج بوبر هذا الخلط ms198 في استعمال المفهوم باقتراح صائب، طرحه تقريبا عام ~~1935م في «عقم المذهب التاريخي»، وهو أن نضع للمذهب القائل بالوجود الواقعي لمفاهيم ~~الألفاظ الكلية اصطلاحا آخر هو الماهوية # Essentialism ~~- حسب ترجمة الدكتور عبد الحميد صبرة - فتكون الماهوية ~~مقابلة للاسمية. # وإذا كان العرف قد درج على اعتبار الكليات مشكلة لغوية، فإن بوبر لا يراها هكذا، ~~بل يراها مثل سائر المشاكل الميتافيزيقية، يمكن إخراجها في صورة جديدة، تجعلها ~~منتمية لعلم مناهج البحث. # فالماهويون لا يقتصرون على القول بوجود الكليات، ولكن أيضا يؤكدون أهميتها ~~بالنسبة للعلم فهم يقولون إن الأشياء الجزئية، يظهر فيها كثير من الصفات العرضية، ~~وهي صفات لا تهم العلم، ولنأخذ مثالا من العلوم الاجتماعية: يعنى علم الاقتصاد ~~بدراسة النقد والائتمان، ولكنه لا يعنى بما يمكن أن تتخذه القطع النقدية من ~~أشكال، ولا بمظهر الأوراق النقدية أو الشيكات، فعلى العلم أن يجرد الأشياء من ~~صفاتها العرضية وينفذ إلى ماهياتها، وماهية الشيء - على أية حال - هي دائما كلية. # 14 # إذن اتصل الموقف الماهوي من الألفاظ الكلية بموقف من طبيعة القانون العلمي، يرى ~~أن العلم ينفذ إلى ماهيات الموضوع، فيكون هدفه هو إعطاء شرح نهائي للعالم، # 15 # ثابت مطلق يقيني الصدق، فتكون القوانين العلمية هي تعريفات للماهيات، ~~أوضح الأمثلة الدور البارز الذي يلعبه التعريف في الفلسفة الإبستمولوجية لأحد زعماء ~~الماهوية البارزين «أرسطو». # بوبر يرفض هذه النظرية في القانون العلمي وينقدها بالتفصيل، # 16 # وبغير الدخول في تفاصيل هذا النقد - تجنبا للاستطراد - تكفي هذه ~~الإشارة لإثبات رأي بوبر في أن المشكلة أكبر خطورة من مجرد مشكلة لفظية، فخلف مشكلة ~~الكلمات اللغوية الكلية ومعانيها، أو حتى مشكلة المتماثلات في المواقف، وكيف تتلاءم ~~مع تماثلات استعمالاتنا اللغوية، تتبلج مشكلة أعظم وأكثر أهمية، مشكلة القوانين ~~الكلية وصدقها، مشكلة ردود الأفعال، المتماثلة للمواقف المتماثلة بيولوجيا، والذي ~~يجعلنا نطلق على ما نعتبره متماثلات نفس اللفظ، وطالما أن كل - أو تقريبا كل - ~~ردود الأفعال لها من الناحية البيولوجية قيمة توقعية، فإن هذا يقود إلى مشكلة ~~الاطراد وتوقعنا له؛ # 17 # وهي المشكلة التي ms199 عالجها الباب السابق بالتفصيل. # هكذا ثبت رأي بوبر، فهاك مشكلة درج العرف على اعتبارها من أخص خصائص الفلسفة ~~اللغوية، غير أن بوبر لا يرى أن هناك شيئا اسمه الفلسفة اللغوية أصلا، فيتناول ~~المشكلة على أساس أنها ميتافيزيقية، ونظرا لتطور الفلسفة في الاتجاه العلمي، فإنها ~~تنحل من بين أيدينا إلى مشكلة في علم مناهج البحث. ~~(5) ولكن الوضعية اسمية، أي معارضة للماهوية، فضلا عن أن الماهوية اتجاه ~~ميتافيزيقي، فما الذي أدخلنا فيه الآن: # إن بوبر - متسلحا - بنظرته الثاقبة في إعادة تأريخ النظريات الفلسفية، يتناول ~~الوضعية ونقيضتها المثالية: الماهوية، تناولا واحدا، وينقدهما من نفس المنطلق، ~~منطلق أن كليهما يأخذ الألفاظ ومعانيها مأخذ الجد أكثر من اللازم، كلاهما يقوم من ~~أجل التعريف؛ لذلك يطرح بوبر - في ترجمته الذاتية - نقدا للمذهبين معا، تحت عنوان ~~واحد هو «اعتساف طويل، متعلق بالماهوية، ويفصلني عن معظم الفلاسفة المعاصرين.» # 18 # كما ينقدهما معا في أماكن شتى، أبرزها الفصل الحادي عشر من «المجتمع ~~المفتوح» الجزء الثاني، حيث يجادل الماهويين ويركز النقد على مبدأ ماهوي منتشر ~~جدا، ولا يزال يقيم مذهبا معاصرا؛ أي الوضعية المنطقية ... وهذا المبدأ هو: يجب ~~تعريف المصطلحات إذا ابتغينا الدقة. # 19 ~~(6) إذن الاهتمام بالتعريف هو دأب كل من الوضعية والماهوية، لكن بوبر ينقدهما ~~قائلا: إن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمنهج العلمي، والمفهوم المعاصر للعلم، حيث لا ~~يلعب التعريف أي دور هام، فالرموز أو العلامات المبتسرة تقدم بدلا من التعبيرات ~~الأطول؛ أي الصياغات المعرفة، بل إن المعرفة العلمية بمغزاها السليم لن تتأثر ~~إطلاقا لو حذفنا منها جميع التعريفات، التأثير سيقع فقط على اللغة، والتي ستفقد ~~مجرد الإيجاز وليس الدقة (هذا لا يمنع من أن الحاجة تلح في بعض الأحيان إلى تقديم ~~تعريفات علمية بغية الاختصار) لكن القاعدة هي أن التعريف غير ذي قيمة علمية، # 20 # فالعلماء يهتمون بألا تعتمد العبارة أبدا على معاني المصطلحات، حتى ~~إذا كانت هذه المصطلحات معرفة، ولا يحاولون أبدا اشتقاق أية معلومة من التعريف، أو ~~أن يقيموا أية حجة على أساسه، إننا لا نثقل ms200 الحمل على التعريفات أبدا، ولا نأخذ ~~معانيها مأخذا خطرا، والوصول إلى الدقة ليس بتقليل ما يشوبهما من غموض، # 21 # بل بالعناية بألا نثقل الحمل عليها أبدا وبألا نلح بمطلب التعريف ~~لكل اصطلاح. # 22 # ثم إن التعريف لا يمكنه إقامة معنى اصطلاح، أكثر مما يقيم البرهان أو الاشتقاق ~~صدق عبارة كلاهما يمكنه فقط أن يزيح المشكلة إلى الوراء، على هذا فإن الدعوى بضرورة ~~تعريف كل اصطلاح دعوى مهترئة، تماما مثل الدعوى بضرورة البرهنة على صدق كل عبارة، ~~ولكن الماهويين والوضعيين قد يجادلون بوبر، قائلين: إنهم لا يرومون تعريف كل ~~اصطلاح، فهذا مستحيل، ولكن فقط الاصطلاحات ذات الخطورة في بناء العلم والحضارة ~~كالعدالة والديمقراطية. # 23 # وهذا لن يبرر موقفهم بل يزيده سوءا، طالما أن هذه المفاهيم ستعرف بمفاهيم غير ~~معرفة، فنضطر إلى تعريفها هي الأخرى بمفاهيم غير معرفة، وهكذا حتى نصل إلى مصطلحات ~~أولية غير معرفة، وهذا مستحيل؛ لأن المصطلحات الأولية غير المعرفة، إما أن تكون ذات ~~معنى تقليدي (لا يكون دقيقا أبدا)، وإما هي مقدمة بواسطة ما يسمى بالتعريفات ~~الضمنية، أي بواسطة الطريقة التي استعملت بها في سياق النظرية، ويبدو أن هذه ~~الطريقة الأخيرة هي الأفضل، ولكنها تجعل تعريف المفاهيم - أي معناها ~~- معتمدا على معنى النظرية وليس العكس، مما يؤكد ~~رأي بوبر في أن الاهتمام يجب أن يوجه إلى مضمون النظرية، وليس إلى تعريفات أو ~~معاني المصطلحات الواردة فيها، لا سيما وأن معظم النظريات يمكن أن تفسر بأكثر من ~~طريقة، على هذا فجميع المفاهيم المعرفة، والمعرفة ضمنا، لن تصبح غامضة فحسب بل ~~وستصبح من الناحية المنهجية ملتبسة، # 24 # وهذا لا يضير العلم؛ لأن مختلف التفسيرات الملتبسة منهجيا (كالنقاط ~~والخطوط المستقيمة في الهندسة الإسقاطية مثلا) يمكن أن تكون مميزة تماما. # 25 # وكان هذا كافيا لإقامة دعوى بوبر بأن المفاهيم المحددة بدقة حاسمة لا توجد، ~~اختيار المصطلحات اللامعرفة تعسفي إلى حد كبير، تماما كاختيار بديهيات النظرية. # 26 # ومسألة التعريفات لا تستحق كل هذا الاهتمام من التحليليين والوضعيين، وبعبارة ~~أخرى الجهود التحليلية لتحديد التعريفات ms201 بغير جدوى ليس العلم في حاجة إليها، ولن ~~يجد العلماء وقتا كي يلتفتوا إليها . ~~(7) وكما أوضحنا آنفا، فإن هذا الاهتمام من الوضعية والماهوية بالتعريف؛ نابع ~~من خطئهم الأساسي: خطأ أخذ الألفاظ ومعانيها مأخذ الجد أكثر من اللازم. # إنها الهوة السحيقة التي تفصل بوبر عن الاتجاه التحليلي المعاصر الذي يضم ~~الوضعية بين شطآنه: رأيه القاطع بعدم الوقوع في أسر الكلمات، وعدم الاهتمام ~~إطلاقا بالمعاني؛ لأن النقاش حولها ليس فقط مملا، بل وأيضا ضارا، # 27 # ويمكن أن نسير أكثر فنقول: إن كم المعرفة التي نجنيها من أي فرع من ~~فروع البحث - باستثناء الدراسات اللغوية - إنما تتناسب تناسبا عكسيا مع كم ~~المناقشات الدائرة حول الكلمات ومعانيها فيها، # 28 # وسائر الفلاسفة المهتمين باللغة والمعنى على خطأ كبير، بقدر ما هم ~~مغرقون في الاهتمام بالألفاظ، فإن النظريات الأقرب من الصدق، هي فقط التي تستحق ~~الجهاد الفلسفي من أجلها. # وبوبر يوضح التعارض بين موقفه وموقف الفلاسفة اللغويين بهذا الجدول: # 29 # الأفكار # التي هي # عبارات أو قضايا أو نظريات # تسميات أو اصطلاحات أو مفاهيم # يمكن أن تصاغ في # تقريرات # كلمات # التي ينبغي أن تكون # صادقة # ذات معنى # و # صدقها # معناها # يمكن أن يرد بواسطة # الاشتقاقات # التعريفات # إلى # قضايا أولية # مفاهيم غير معرفة # ومحاولة إقامة - بدلا من رد - # صدقها # معناها # تقود إلى ارتداد لا نهاية له # هذا الجدول يوضح تماما موقف بوبر، فعلى الرغم من التماثل المنطقي بين جانبي ~~الجدول الأيمن والأيسر، فإن الجانب الأيسر ليس له أهمية بينما للجانب الأيمن كل ~~الأهمية الفلسفية، # 30 # ورفض بوبر لكل من الموقف الماهوي من الكليات أو الوضعية المنطقية، هو ~~ببساطة رفض الجانب الأيسر من الجدول والأخذ بالجانب الأيمن. # ولكن قد يقفز إلى الأذهان مباشرة اعتراض واسع الانتشار في صالح الوضعيين، ~~مؤداه أن القيمة المنطقية والمعرفية للنظرية، إنما تعتمد على معناها، هذا المعنى ~~هو دالة معاني الكلمات التي صيغت فيها النظرية، # 31 # وبالتالي يصبح بحث الوضعيين في المعاني ذا أهمية فلسفية. # وفي الرد على هذا يقول بوبر: «العلاقة بين النظرية (أو ms202 العبارة) والكلمات التي ~~استعملت في صياغتها، هي - من وجوه عديدة - تماثل العلاقة بين الكلمات المكتوبة ~~والحروف التي استعملت في كتابتها.» # 32 # أي يتمادى بوبر في إنكار أية أهمية للبحوث السيمانطيقية، حتى إنه يماثل ~~دور الكلمات بدور الحروف، وهو يسير في هذه المماثلة إلى أبعد حد، «وقد يقال: إن ~~الكلمات في حد ذاتها لها معان، بينما الحروف ليس لها أي معنى.» لكن بوبر يرد على ~~هذا بأننا يجب أن نعرف الحروف، أي نعرف معناها من زاوية ما، كي نتعرف على الكلمات ~~ونميزها، تماما كما يجب أن نتعرف على الكلمات كي نتعرف على العبارات، # 33 # وتماما كما أن تغيير كلمة قد يسبب تغييرا جوهريا في معنى العبارة، ~~فإن تغيير حرف قد يسبب تغييرا جوهريا في معنى الكلمة، # 34 # إن دور الكلمات هو نفسه دور الحروف، الدور التكنيكي البراجماتيكي، ~~وكلاهما مجرد وسائل لتحقيق غايات مختلفة. # 35 ~~، # 36 ~~⋆ # الخلاصة أن بوبر يقف من اللغة وألفاظها الموقف الوظيفي البحت، هي أدوات لتحقيق ~~وظائف معينة، وليس فيها أية أبعاد أكثر من هذا، تنتظر الوضعيين ليسبروا غورها ~~بتحليلاتهم المنطقية، وهو يبرهن على هذا بأدلة واضحة: # يمكن لنظريتين صيغتا في اصطلاحات وكلها مختلفة تماما - بحيث يمكن ترجمة ~~الواحدة منهما مباشرة للكلمة المقابلة لها في النظرية الأخرى - أن تكونا متكافئتين ~~منطقيا، بحيث يمكن القول: إن النظريتين مجرد صياغتين مختلفتين لنفس النظرية ~~الواحدة. # الترجمة الجيدة لا تكون حرفية أبدا، لا تكون بوضع لفظة مقابل الأخرى، بل إنها ~~تأويل للنص الأصلي، وإن الترجمة الجيدة لنص قيم، يجب أن تكون إعادة بناء نظرية. # 37 # إن التعامل دائما مع المحتوى المعرفي، ولا ينبغي الالتفات إلى المسائل ~~اللغوية. ~~(8) وبعد أن ينقد بوبر أسس الفلسفة اللغوية، يلزم منطقيا عن هذا أن ينقد ~~مواقفهم الفرعية أي معالجتهم للمشاكل الفلسفية الكبرى على الأساس اللغوي، فيرفض ~~حلهم لمشكلة العقل والمادة بأن يجعلوها - كما رأينا كارناب يفعل - مشكلة لوجود لغة ~~سيكولوجية ولغة فيزيائية بدلا من وجود كائنين هما العقل والمادة، # 38 # وبغير استطراد إلى مشاكل فرعية لا تعنينا في ms203 هذا السياق، تكفي الإشارة ~~إلى أن ما ذكره الفصل الأول في منحاهم اللغوي، من أسلوبهم في صياغة المشاكل ~~الفلسفية في حدود لغوية، هو بداية أسلوب مرفوض من بوبر، فإذا كان يرفض حتى صياغة ~~المشاكل اللغوية «كالكليات» في حدود لغوية، فكيف لا يرفض صياغة المشاكل الأنطولوجية ~~والإبستمولوجية في حدود لغوية. ~~(9) هذا هو الخلاف الأساسي بين بوبر والوضعية - أي بينه وبين الاتجاه التحليلي ~~المعاصر - إصراره على أن المشاكل اللغوية لم تكن أبدا مشكلة فلسفية، فضلا عن أن ~~تكون المشكلة الفلسفية الوحيدة، فالمشكلة الفلسفية الوحيدة، هي عينها المشكلة ~~العلمية الوحيدة؛ المشكلة الكوزمولوجية، أي مشكلة فهم العالم، بما في ذلك نحن ~~أنفسنا ومعرفتنا كجزء من العالم، # 39 # العلم والفلسفة معا يساهمان في حل هذه المشكلة، وإنهما ليفقدان كل ~~روعتهما وجاذبيتهما، إذ ما تخليا عنها، بالطبع فإن فهم وظيفة اللغة تمثل جزءا من ~~الحل، أو يساعدنا على الحل، أما أن نحيل المشكلة بأسرها إلى متاهات لغوية، فإن ~~ذلك مرفوض مرفوض مرفوض. ~~(10) وإذا كان الفصل الأول قد أظهر أن الوضعية - بوصفها تحليلية - هي فلسفة ~~معرفية، فإن بوبر يواجههم قائلا: إنهم ليسوا إبستمولوجيين جادين؛ لأن المشكلة ~~الإبستمولوجية الأساسية كانت، وستزال دائما «نمو المعرفة»، وأفضل صورة لدراستها هي ~~نمو المعرفة العلمية، فلا يمكن إطلاقا إحلال دراسة اللغة وأنساقها، الاصطناعية ~~الرمزية، محل دراسة نمو المعرفة وتطور محتواها. # لقد أخطأت الوضعية، حين حددت الفلسفة بمشكلة معينة هي المشكلة اللغوية. ~~(2) نقده لمنحاهم التحليلي ~~(1) وأخطأت أكثر حين حددت منهجها بمنهج واحد لا سواه؛ هو التحليل المنطقي، إن ~~منحاهم التحليلي - والذي أوضح الفصل الأول أن ذلك المنحى اللغوي تابعا له - ليس ~~أقل مجانية للصواب من تابعه اللغوي. # وإن التحليل إذا طرح أصلا، فلا يكون فقط للغة، ولكن تحليلا لموقف المشكلة ~~العلمية وللمناقشات العملية، وفضلا عن هذا، فالفلسفة ليس لها منهج محدد خاص بها؛ # 40 # لأنه ليس هناك شيء اسمه ماهية الفلسفة يمكن أن نكثفه في تعريف لها، # 41 ~~⋆ # تعريف كلمة «الفلسفة» يمكن فقط أن يتخذ سمة الاصطلاح والاتفاق؛ # 42 # لذلك ليس للفلسفة منهج ms204 محدد خاص، لقد رأينا أن مسألة المنهج غير ذات ~~أهمية في التوصل إلى نظريات العلم، فلا بد وأن تكون من باب أولى غير ذات أهمية ~~بالنسبة للفلسفة، وهي المتميزة عن العلم بأنها مبحث لا تحده حدود ولا تقيده قيود، ~~كل المناهج مشروعة، طالما ستفضي إلى نتائج يمكن مناقشتها مناقشة عقلية، # 43 # أي يمكن نقدها، # 44 ~~⋆ # فالذي يعنينا في الفلسفة ليس المنهج ولا الأساليب الفنية، تحليلية كانت أم تركيبية، ~~إنما الحساسية للمشاكل، واستنفاد كل الجهد من أجلها، إن الفلسفة هي - كما قال ~~الإغريق - وليدة الدهشة، # 45 # وليس المنهج التكنيكي المحدد، حتى وإذا اضطررنا جدلا إلى رسم صورة ~~عامة للمنهج الفلسفي - كما اضطررنا جدلا إلى رسم صورة عامة لمنهج العلم - لكان هذا ~~المنهج هو الذي يدرس موقف المشكلة الفلسفية، كل ما يقال عنها الآن، وكل ما قد قيل ~~عنها فيما سبق # 46 ~~(أي «م1 # ح ح # أ أ # م2») وليس تحليلا على وجه الإطلاق. ~~(2) ولنعترف جدلا بالحاجة إلى تحليل منطقي بحت للنظريات، تحليل لا يأخذ في ~~اعتباره كيف تتغير النظرية وتتطور، فإن هذا التحليل لن يجدي في تنقيح أوجه معينة من ~~العلوم التجريبية، وهي الأوجه التي يوليها بوبر حق التقدير، # 47 # بعبارة أوضح: منهج التحليل لن يجدي في نمو المعرفة. # فبوبر يروم التعامل الديناميكي مع النظرية العلمية، أي البحث في صيرورتها: كيفية ~~تقدمها وعوامل هذا التقدم ودرجته، أما التحليل فهو يتعامل مع النظرية بصفة ~~إستاتيكية: يحلل منطوقا معينا للنظرية، أو تعريف اصطلاح معين فيها، يحلل عبارة ~~معينة من نسق، من المفترض أنه محدد، ولما كان شغل بوبر الشاغل هو «نمو المعرفة ~~خصوصا العلمية» بدا واضحا لماذا يولي ظهره للاتجاه التحليلي بأسره؛ لأنه لن ~~يجدي في نمو المعرفة العلمية؛ إذ يحلل ما هو كائن ولا يضيف جديدا. ~~(3) فضلا عن أن يجدي في نمو الفلسفية؛ فالتحليل بهذا التعامل الإستاتيكي يجني ~~على الفلسفة أكثر؛ فقد كان هدف الإبستمولوجية دائما - سواء مثالية أو تجريبية - هو ~~المساهمة في تقدم المعرفة ونمو العلم، أما الفلسفة فيحدوها الأمل دائما ms205 في أن ~~تعرف أكثر عن المعرفة العلمية (الاستثناء الوحيد هو باركلي) حتى جاء الوضعيون ~~بتحليلهم، فأفقدوها هذه النغمة الحلوة المتفائلة التي ألهمتها يوما بالتقليد ~~العقلاني؛ فهم يقصرون مهمة تقدم العلم على العلماء وحدهم، ليس فحسب بل وأيضا ~~يعرفون الفلسفة بنفس الذي سوف تصبح عليه، فطالما ستنحصر في تحليل معاني اللغة ~~ودراسة أنساقها فإنها ستصبح بحكم التعريف غير قادرة على أدنى مساهمة في معرفتنا بالعالم، # 48 # وستظل دائما حيث هي، حيث اللغة وأنساقها، إنهم يجعلون الفلسفة خواء ~~وفراغا؛ إذ يجردونها من مشكلاتها، أو يقصمون جذور هذه المشكلات، ويواظبون على ~~ممارسة منهج مستحدث كموضة، # 49 # الفلسفة بالنسبة لهم تطبيقات وممارسات، أكثر منها بحث وطرح أفكار، إنهم ~~يحترفون الفلسفة، ويعتبرونها مهنة فنية يتخصصون فيها، والفلسفة ليست احترافا ولا ~~تخصصا أبدا، إنها انشغال ومعاناة نتيجة الدهشة، بوبر داعية للاتخصص في العلم ~~والفلسفة وفي شتى المباحثات، ويقول: إن العظام من العلماء أمثال كبلر وجاليليو ~~ونيوتن وآينشتين وبور، إنهم الرجال الذين يكرسون حياتهم - بتواضع - من أجل البحث عن ~~الحقيقة، من أجل نمو معرفتنا، الرجال الذين تعني حياتهم: الأفكار الجريئة، ويمكن أن ~~نضم إليهم مساعديهم الأقل ألمعية، غير أنه لا يضم البتة هؤلاء الذين لا يعني ~~العلم بالنسبة لهم أكثر من احتراف أو مهنة فنية، هؤلاء الذين لا يتأثرون بعمق ~~بالمشاكل العظيمة وبالتبسيطات الشديدة للحلول الجريئة، # 50 # إذا كان بوبر يقول هذا عن العلم، فما بالنا بالفلسفة التي تهدف إلى ~~كلية التجربة الإنسانية بجميع جزئياتها، هل يمكن أن تكون مجرد احتراف الوضعيين ~~لتحليل منطق العلم؟ # وبخلاف الوضعيين، فهؤلاء التحليليون الذين يفخرون بتخصصهم في دراسة اللغة ~~العادية، لا يعتقد بوبر أن معرفتهم بالكوزمولوجيا كافية، بحيث تتيح لهم الحكم ما ~~إذا كانت الفلسفة يمكنها المساهمة فيه أم لا، # 51 # بوبر محق في هذا فعلا؛ فمعروف عن فلاسفة اللغة الجارية أن معرفتهم ~~ضحلة بالعلم والرياضة؛ لأن الفلسفة بالنسبة لهم أيضا تخصص وليست بحثا في المعرفة ~~بمعناها الرحب. # 52 ~~(4) أما إذا كان هذا التحليل من أجل هدفه المعروف، وهو تحقيق الوضوح ms206 والدقة، فإن ~~الوضوح في حد ذاته له قيمته العقلية الكبرى، إلا أن الدقة ليست هكذا، إنها طبعا ~~مرغوبة، دقة التنبؤ مثلا لها قيمة كبرى، لكن البحث عن الدقة يكون فقط ذا طابع ~~براجماتي، فلا نبحث عن الدقة، فقط من أجل الدقة، ليست هناك أية نقطة تستحق أن نجعلها ~~دقيقة أكثر مما يتطلب موقف المشكلة # 53 # المطروحة للبحث، فإذا تطلب مثلا التمييز بين نظريتين متنافستين، فلا ~~يمكن هذا إلا بزيادة دقة مقاييسنا، # 54 # فنتمكن من تعيين الفارق الدقيق بين تنبؤ كل منهما، فنتمكن من تعيين ~~النظرية الأقرب إلى الصواب. # ولنلاحظ أن الدقة على أية حال لا تطلب أبدا في المصطلحات العلمية أو الألفاظ ~~اللغوية، فلو حاولنا وضع مطلب الدقة اللغوية في الجدول الآنف؛ لكان مكانها الجانب ~~الأيسر؛ لأن دقة العبارة سوف تعتمد كلية على دقة الألفاظ المستعملة، ومثيلتها في ~~الجانب الأيمن سيكون اليقين، لكن بوبر لم يشأ طرح فكرة الدقة في الجدول، حتى لا ~~يطرح مقابلتها اليقين، واليقين مثل الدقة، «أوهام وأشباح ينبغي أن نهجر مطلبها.» # 55 # بل وإن الدقة مضرة، وستؤدي إلى ضياع الوضوح وإهدار الوقت والجهد في تمهيدات عادة ~~ما تصبح غير ذات فائدة؛ لأنها طرق جانبية # 56 # تصرف عن التقدم الحقيقي للموضوع المطروح للبحث. # لقد كرس الوضعيون حياتهم لهذه الدقة؛ ظنا منهم أن الخصوبة ستنتج عنها كمنتج ~~ثانوي لها، غير أن الخصوبة ليست منتجة للدقة، بل نتيجة لطرح مشاكل جديدة، لم يرها ~~أحد من قبل، ولإيجاد حلول جديدة، لم يجدها أحد من قبل، هذا بالإضافة إلى أن الدقة ~~لن تحول أيضا دون سوء الفهم، فحيثما كان الحديث لا بد وأن يوجد من يسيء فهمه، # 57 # وشبيه بهذا القول من بوبر قول المفكر الأمريكي إمرسون: ~~«ثق أنه سوف يساء فهمك، وهل من شر الأمور أن يساء فهمك؟ لقد أسيء فهم فيثاغورث ~~وكذلك «سقراط» «والمسيح» و«لوثر» و«كوبرنيقوس» و«جاليليو» و«نيوتن»، وكل روح طاهرة ~~عاقلة، ولكي تكون عظيما لا بد وأن يساء فهمك.» # 58 ~~(ومزيدا من إرضاء بوبر: لنلاحظ أن إمرسون اختار ms207 أمثلة من شوامخ العلم ~~والفلسفة) بل وأن وايتهد هو الآخر يرى ما يؤكد رأي بوبر من أن التحليل والتصنيف ~~يبتر الحقيقة ولا يزيدها إلا غموضا، # 59 # على العموم وايتهد ينتمي للتيار المعادي للتحليل، والخلاصة أن الوضعيين ~~لا بد وأن يخيب سعيهم في البحث عن الوضوح والدقة. # وإذا كانوا يرومون بهذه الدقة خدمة العلم، فإن الدقة - دقة المصطلحات والتعريفات ~~- لم تكن أبدا مطلب العلماء، أي إن العلماء سيعزفون عن جهودهم، بعد أن عزف عنها ~~الفلاسفة؛ لأنهم - أي العلماء - يستعملون مصطلحات مثل «الكثبان الرملية» أو ~~«الرياح»، وهي بلا شك غامضة جدا، مثلا: لم يحاول عالم أن يحدد كم بوصة ينبغي ~~وأن يكون الحد الأقصى لارتفاع تل صغير من الرمال؛ كي نعتبره كثبا، أو ما هو الحد ~~الأدنى لسرعة تحرك الهواء كي نعتبره رياحا، لكن رغم هذا، فإن أمثال هذه ~~المصطلحات تكفي حدا لتحقيق كافة الأغراض الجيولوجية والعلمية بكفاءة، وحتى إذا ~~حدث اختلاف يمكن للعالم أن يقول مثلا: الكثب ارتفاعه بين أربع وبين ثلاثة قدما، ~~أو أن سرعة الرياح تتراوح بين عشرين وبين أربعين ميلا في الساعة، ولكن ليس من ~~الضروري التعيين الدقيق، وهذا هو الحال في جميع العلوم وفي أكثرها تقدما - أي ~~الفيزياء # 60 ~~- لم يعتد الفيزيائيون أبدا، الدخول في مناقشات حول معاني المصطلحات ~~التي يستخدمونها أو تعريفاتها، مثل الطاقة والضوء ... إنهم يعتمدون عليها وهم يعرفون ~~جيدا أنها ليست محددة بدقة ولا معرفة بحسم، ولن يعق هذا تقدم العلوم الطبيعية، # 61 # فليكن لنا فيه أسوة حسنة، فهو أضبط ما لدينا من معرفة، وأكثرها ~~تقدما ونجاحا. # إذن الدقة ليست مفيدة ولا مطلوبة، ولا تساعد في حل أية مشاكل، فحتى حينما يثير ~~المصطلح صعوبات كمصطلح التأني مثلا، فليس هذا لأنه غير واضح أو غير دقيق، ولكن لأن ~~هناك انحيازات حدسية، تدفعنا إلى تحميل المصطلح بما لا يطيق من المعنى، وما وجده ~~آينشتين في نقده للتأني هو أن الفيزيائيين حين يتحدثون عن الأحداث المتآنية، ~~يضعون افتراضا ضمنيا «هو افتراض السرعة الإشارية أو اللانهائية»، ينقلب إلى ms208 ~~خرافة، ولم يكن الخطأ في أنه لا يحمل معنى أو أن معناه غير دقيق، ولكن الخطأ كما ~~اكتشفه آينشتين كان في استبعادهم لافتراض نظري لم يلاحظه أحد؛ لأنه يبرهن ذاته ~~حدسيا، وكان قادرا على إزاحة هذه الصعوبة، وهو الافتراض الذي وضعه آينشتين، فلم ~~يكن آينشتين معنيا بالمعنى الدقيق للمصطلح أو تعريفه، ولكن بصدق نظريته، # 62 # بهذه الطريقة - أي بالبدء من مشكلة فيزيائية محددة - أمكنه أن يدفع ~~العلم إلى الأمام، بلا شك أكثر ألف مرة مما لو كان قد بدأ بتحليل الاصطلاح أو ~~توضيح معناه وتعريفه بدقة. # الخلاصة أن أهداف التحليل ليست مفيدة ولا مطلوبة في العلم فإذا أردنا أن نسدي ~~صنيعا للمصطلحات، فلن يكون بزيادة دقتها، بل بزيادة وضوحها، لكن كيف يمكن توضيح ~~الكلمات إذا ما أردنا لها الوضوح، أو كيف يمكن زيادة دقتها، إذا تطلب منا موقف ~~المشكلة الدقة الأكثر، # 63 # في الرد على هذا يقول بوبر: إن أي تحرك في اتجاه الوضوح الأكثر أو ~~الدقة الأكثر، يجب أن يكون موجها ولغرض عيني # ad hoc # وأن يكون جزئيا، وهذا الأسلوب يمكن أن نسميه ~~دياليسيز # Dialysis ~~(مقابلا للتحليل الذي يوضح ~~ويدقق في اتجاه مستقيم بغير توجيه من احتياجات معينة)، إنه عملية حل وتصفية، وإذا ~~كان التحليل يحل مشاكل، كما يزعم أنصاره، فإن الدياليسيز لا يستطيع أن يحل مشاكل هو ~~فقط أسلوب عمل لإجابة مطلب معين، فالمشاكل لا يحلها إلا الأفكار الجديدة. # 64 # إن جهود الوضعيين بغير جدوى، بل وقد تكون مضرة، وهم الذين أرادوا طرد ~~الميتافيزيقا؛ لأنها عديمة الجدوى. ~~(5) لقد تردى الوضعيون في مهاوي التحليل اللغوي؛ بسبب - أو بهدي - رائدهم ~~فتجنشتين، كما اتضح سابقا، وهو الذي شبه الميتافيزيقيين بذبابة دخلت زجاجة، ~~فأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق ~~الخروج من الزجاجة، # 65 # لينتهي الزن الفلسفي الميتافيزيقي، لكن بوبر يعتقد أن فتجنشتين هو الذي ~~دخل الزجاجة، وراح يزن هنا وهناك، ولم يستطع أبدا الخروج منها؛ إذ قصر الفلسفة ~~بأسرها على التحليلات هادفا الوضوح والصياغة ms209 الدقيقة لتعريفات المفاهيم، ولكنه نسي ~~أن اللغة أساسا تستعمل في وصف العالم، ربما هدف التحليل إلى تلميع النظارات، ~~كي يحظى برؤية واضحة للعالم، ولكن فتجنشتين أمضى العمر كله في هذا التلميع، # 66 # ونسي أن يفيد منه، نسي أن اللغة مجرد آلة، وأن الفيلسوف الذي يقضي عمره ~~معنيا بشحذ أدواته، مثله مثل النجار الذي يقضي عمره معنيا بشحذ أدواته ~~ولكن لا يستعملها أبدا إلا في شحذ بعضها البعض، # 67 # وفعلا لم يستفد رائدهم فتجنشتين أبدا بما توصل إليه من تحليلات ~~لتوضيح رؤيتنا للعالم أو تقدم المعرفة، بل وبصرف النظر عن الجدوى، فإنه أخذ يمارس ~~التحليل بطريقة مملة مللا رهيبا، # 68 # إننا قد نطيق التحليل في مرحلة أو في أخرى، أسبوعا أو أسبوعين، أما أن ~~نقضي العمر كله والفلسفة بأسرها في التحليل فإن هذا لا يقبل ولا يطاق. # 69 ~~(6) وهكذا الفلسفة التحليلية واللغوية بأسرها، ثرثرة لا معنى لها ولا جدوى منها، ~~وفتجنشتين بلا ريب تطرف تطرفا لا يقبل، ولكنه - بلا ريب - أيضا قمة من قمم ~~الفكر لا ينبغي أبدا أن يتحدث عنه بوبر بهذه اللهجة، لكن بوبر يتجاوز أحيانا ~~حدود اللياقة، حينما يتحدث عن فتجنشتين أو حتى معه. ~~(3) نقده لحملتهم على الميتافيزيقا ~~(1) ويبدو أن موقف فتجنشتين وأتباعه الوضعيين من الميتافيزيقا ومن أن المشاكل ~~الفلسفية التقليدية والميتافيزيقية زائفة ولغو أو مجرد متاهات لفظية، هو الذي دفع ~~بوبر إلى هذا الأسلوب في الحديث عن رائدهم فتجنشتين. # فبوبر يرى أن الفلسفة لها مشاكل حقيقة، وليس فقط مشاكل مستعملة # Second hand # أي متخلفة عن العلم في صورته اللغوية، إنها مشاكل ~~أصلية، وعليه، وعلى سائر الفلاسفة أن يعملوا جاهدين على محاولة حلها، وهو يفشل ~~تماما في فهم جاذبية الفلسفة بغير هذه المشاكل، # 70 # بعبارة أخرى: بوبر لا يفهم ما الذي دفع فتجنشتين وأتباعه إلى التفلسف، ~~طالما لا يرون فيه مشاكل حقيقية. # في مقال لبوبر بعنوان «طبيعة المشكلات الفلسفية، وجذورها في العلم»، # 71 ~~⋆ # يطرح دعوى مؤداها أن المشاكل الفلسفية الميتافيزيقية حقيقية، وهي دوما ذات جذور ~~علمية واجتماعية ودينية ms210 وسياسية، وأنها لتنهار وتتحول إلى مشاكل زائفة ولغو فقط، ~~إذا ما أنكرت عليها تلك الجذور، أو استئصلت منها، وهو في هذا المقال يركز على ~~الجذور العلمية، ويذهب في تفصيلات مسهبة إلى إثبات دعواه بشروح مستفيضة لأمثلة ~~عديدة من أخص خصائص المشاكل الفلسفية كالمثل الأفلاطونية، والذرية الديمقراطية، ~~والأعداد الفيثاغورية، والمقولات الكانتية ليثبت جذورها العلمية في حدود علم عصرها، ~~مثلا العلم الإغريقي القديم، وفكرته البدائية عن المادة، وإنجازاته المعجزة في ~~الرياضة (بعد أن أثبت جذورها - خصوصا المثل - السياسية في المجتمع المفتوح)، على ~~هذا تكون الوضعية بتحليلها قلبت المشاكل الفلسفية الحقيقية إلى مشاكل زائفة ولغو ~~حين تنكروا لتلك الجذور، أي لم يفطنوا إليها وراحوا يقصرون جهودهم على تعقب ما ~~يبدو وكأنه منهج الفلسفة وأسلوبها الفني الذي يعطينا مفتاحا لا يخطئ أبدا في ~~تلمس طرق النجاح. # 72 # إن دعواهم بخلو المشاكل الفلسفية من المعنى صادقة في حدود، الحدود التي ينسى ~~فيها الفلاسفة جذور هذه المشكلات - كما نسوها هم - حين يدرس الفلسفة بدلا من أن ~~يدرس مشاكلها - كما فعلوا هم - ويصدق رأيهم أكثر كلما اتجهت المشاكل الفلسفية في ~~الاتجاه البحت، أي كلما فقدت أكثر جذورها وأصولها المميزة - كما حدث مع التحليليين ~~- أي كلما أصبحت المناقشات الفلسفية أقرب إلى الوقوع في مهاوي الثرثرة والخلو من المعنى. # 73 # بعبارة أخرى توضح وتجمل ما سلف: يزعم الوضعيون أن المشاكل الفلسفية التقليدية ~~زائفة ومجرد لغو، وهم يطرحون المشاكل الحقيقية للفلسفة، أما بوبر فيرى العكس، أي ~~يرى أن مشاكل الفلسفة حقيقية، ومشاكلهم هم هي الزائفة، وهي اللغو، هم الذين ~~بتنكرهم لجذور المشكلات «يغوون الفلسفة إلى مستنقع المشاكل الزائفة والمتاهات اللفظية.» # 74 # إما بأن يطرحوا مشاكل زائفة، وإما بأن يغوونا بأن نركز على هذه المهمة ~~الفارغة التي لا تنتهي أبدا، مهمة الكشف عن زيف ما يعتبرونه هم سلفا - محقين أم ~~مخطئين في هذا الاعتبار - مشاكل زائفة ومتاهات. # بوبر يصر إصرارا قاطعا على حقيقة المشاكل الفلسفية، وعلى ضرورة التفلسف، ~~وإلا لما كان هو فيلسوفا، ويرفض كل جهود التحليلية والوضعية لإذابة هذه المشاكل، ms211 ~~ويرفض أيضا أسلوبهم في هذه الإذابة، أي عن طريق معايير معينة، حول قواعد استعمال ~~اللغة، فإنه - أي بوبر - يعتبر مثلا نظريات سلفهم ماخ التي تقصر الواقع على ~~المدركات الحسية، والواحدية المحايدة - التي أخذها رسل عنه فيما بعد - ليست فقط ~~خاطئة، بل إنها ثرثرة بغير معنى، ولكن ليس ذلك لأنها لا تتبع القواعد السليمة ~~لاستعمال اللغة، لكن لأنها تجعل حياتنا لغوا طالما ترد كل النشاط الإنساني بما فيه ~~العلم والمناقشات الإبستمولوجية إلى ما لا يمكن قبوله، إلى محض مدركات حسية. # 75 # وبعد أن يرفض بوبر محاولة اعتبار المشاكل الفلسفية الحقيقية لغوا، ويعتبر ~~مشاكلهم هم هي اللغو، فإنه يرفض حتى محاولتهم لاعتبارها عنصرا مكونا للمشاكل ~~العلمية، أو حتى اعتبارها مشاكل منطقية، على أساس أن حلها يمكن فقط بواسطة ~~الأساليب المنطقية، # 76 # بوبر يرد عليهم قائلا: إن كثيرا من مشاكل الفيزياء تحل فقط ~~بواسطة أساليب الرياضة البحتة، لكن ذلك لا يؤثر على تصنيفها كمشاكل فيزيائية؛ لأنها ~~موضوع لبحوث الفيزيائيين، كما أن التحليل المنطقي يلعب دورا كبيرا في النسبية، ~~غير أن ذلك لا يجذبها إلى جانب المنطق؛ لأنها نظرية لعالم فيزيائي، وبالمثل تماما ~~لن يؤثر أسلوب حل المشكلة على كونها فلسفية، حتى وإن كانت جذورها في نظريات كالذرية ~~أو الكوانتم، أو تحل بالأساليب المنطقية، فإنها تظل فلسفية؛ لأنها أقرب إلى ~~المناقشات التي تدور بين الفلاسفة. # أما القول بأن المشاكل طالما هي واقعية، فإن ذلك يجعلها علمية وليست فلسفية، فإن ~~هذا تحذلق ينغلق على ذاته في العقيدة اليقينية القاطعة (الدوجما). # 77 # الخلاصة: ليس هناك أي مبرر على وجه الإطلاق لاعتبار المشاكل الفلسفية زائفة، ~~التفلسف نشاط ضروري ولا مراء. ~~(2) لقد كانت نظرية رسل في الأنماط الفلسفية إنجازا عظيما، عالجت مفارقات كانت ~~في حاجة إلى التحليل المنطقي ليكشف عنها، لكن الخطأ جاء من الوضعية ورائدها ~~فتجنشتين، حين عمموا هذه الفكرة، وعدوا جميع المشاكل الميتافيزيقية قائمة على ~~مغالطات منطقية ونتيجة لسوء استعمال اللغة. # 78 # ويمكن أن نسير معهم قليلا، فنقول: إن بوبر مثل أي فيلسوف جاد يكره الرطانة ms212 ~~المدعية، لكن خطأ الوضعيين أنهم تصوروا الرطانة المدعية مقصورة على الميتافيزيقا، ~~أو هي الوجه الآخر لها، # 79 # ويمكن أن نقول جدلا: إن بعض الأحاديث الميتافيزيقية فعلا فارغة، ~~وبعضا من الفلاسفة قد يقولون لغوا يخلو من المعنى، كبعض من أقوال هيجل ومدرسته، # 80 ~~⋆ # وأكثر من هذا، فإن تلك الأنماط من التفلسف، قد اهتزت فعلا - ولو إلى حد ما - ~~بتأثير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، # 81 # وإن كان هذا التأثير لم يتعد كثيرا حدود تأثير رسل وأمثلته، بل وأكثر ~~من هذا، فإن الأسلوب الخاطئ في تعليم الفلسفة، كان داعيا لزيادة اللغو الفلسفي؛ إذ ~~يقذف بالطالب المبتدئ في متاهات تجريدية غاية في الصعوبة، كقراءة عمالقة أمثال ~~أفلاطون وديكارت وكانت، ممن يعجز حتى الطالب المتعمق عن فهمهم، أو على الأقل يجد ~~صعوبة في ذلك، حقا بعض الطلبة الموهوبين يستطيعون اكتشاف الكثير، إلا أنهم نسبة ~~ضئيلة لا يعتد بها، فيكون نتيجة ذلك أن يبدو هؤلاء الفلاسفة أمام الطالب المبتدئ ~~كأنهم يقولون هراء، فيحاول تقليدهم بقول الهراء المقنع بقناع الصعوبة والألفاظ التجريدية. # 82 ~~⋆ ~~، # 83 # إذن هناك فعلا بعض الأحاديث الفلسفية لغو، بحاجة إلى التحليل ليكشف عنها، لكن ~~ليست الميتافيزيقا بأسرها - هكذا بجرة قلم واحدة - مجرد ثرثرة؛ لأننا لو تركنا ~~بعضا من الأمثلة النادرة، لوجدنا في معظم الأبحاث الميتافيزيقية كنوزا ثمينة، بل ~~ولا تقتصر على الدرر الفلسفية بل وتحوي أيضا دررا علمية، وبالنسبة للطالب المبتدئ ~~فإنه إذا ألم بموقف المشكلة كاملا بجذورها العلمية والرياضية؛ لتمكن من أن ~~يفهم جيدا ما قاله الفلاسفة العظام عنها، فلن يعود لغوا كما بدا للوهلة الأولى. # 84 # فكرة اعتبار الميتافيزيقا بأسرها مجرد أحاج وثرثرة فارغة تخلو من المعنى، ~~فكرة خرافية، وهي معبرة عن رغبتهم الشخصية في أن تكون المشاكل الفلسفية هكذا فعلا، ~~غير أنهم لم يطرحوا هذا كرغبة، بل كتقرير لأمر واقع، # 85 # ثم إنهم لم يحققوا رغبتهم، ولم يتخلصوا من الميتافيزيقا؛ إذ ليس أسهل ~~من أن تقنع المشكلة بأنها خالية من المعنى أو زائفة فقط، كل ما علينا هو أن نصطلح ~~على معنى ms213 ضيق جدا «للمعنى»، وبعد ذلك سيسهل جدا أن تقول عن أي سؤال، لا يتفق مع ~~هذا المعنى الضيق جدا «للمعنى» إنه يخلو من المعنى، وإننا لا نستطيع إطلاقا أن ~~نستخرج منه أي معنى، # 86 # إن الخطأ في موقفهم من الميتافيزيقا، يتمركز في فكرتهم عن المعنى، ~~والتي تحولت إلى عقيدة قاطعة «دوجما»، و«الدوجما» حين يتم تنصيبها فسوف تسمو على كل ~~المعارك، وتعلو على أي نقاش ويستحيل مهاجمتها، # 87 # ولقد انتقد بوبر بعنف فكرتهم عن المعنى، واعتبارها معيارا للتمييز فما ~~زال هناك الكثير في الرد على موقفهم من الميتافيزيقا، سيقوله بوبر في نقد محاولاتهم ~~للتمييز. ~~(3) قد تبدو المناقشة السالفة في هذا الجزء من الفصل، مجرد تعبير عن وجهة نظر ~~بوبر المناقضة لوجهة نظر الوضعيين، أما النقد الحاسم لموقفهم من الميتافيزيقا، فهو ~~في هذه الفقرة: # لقد تأثر الوضعيون بعمق، بذلك التعارض البادي بين دقة الرياضة، وبين غموض وعدم ~~دقة الفلسفة، فأرادوا أن يقسموا القضايا بمنتهى الحسم والقطع البات إلى قسمين؛ ~~أحدهما له كل المعنى، والآخر يخلو من المعنى، المجد للأول والقضاء المبرم على ~~الثاني. # غير أن هذه القسمة: أولا مستحيلة، وثانيا: لو أمكنت لكانت خطرا وبيلا على ~~تقدم العلم ذاته: # أولا: # ليس هناك أي مقال في العلم أو الرياضة - لا سيما من الكلاسيكيات ~~- إلا ويمكن، بواسطة الأساليب الفنية للتحليل اللغوي، توضيح أنه ~~يحتوي على قضايا كثيرة زائفة وخالية من المعنى. تهمة الخلو من المعنى # 88 # فضفاضة يمكن إطلاقها بسهولة، ويستحيل قصرها على ~~الميتافيزيقا الخالصة فقط. # وثانيا: # إن البعض قد يتكلم لغوا، وقد تكون مهمة بعض التعساء كشفه لأنه خطير. # 89 # لكن البعض قد يتحدث حديثا غير محكم القواعد، وليس بذي معنى كامل بمقاييس ~~الوضعية، وإنما قد يكون مهما ومثيرا، ويستحق الاستماع أكثر من أحاديث أخرى، قد ~~تفوقه في إحكام القواعد والإتيان بالمعنى الكامل، فمثلا حساب التفاضل والتكامل في ~~عهوده الأولى، كان بلا شك لغوا وتناقضات بمعايير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، فهل ~~كان عليهم أن يشهروا أسلحتهم - أي معاييرهم - في وجه رواد هذا الحساب، وهل ms214 كان ~~عليهم أن ينجحوا في استبعاد جهودهم، # 90 # بينما فشل في هذا نقادهم المعاصرون كباركلي، والذي كان على تمام ~~الصواب، بينما مخاصميه رواد التفاضل ينقصهم الكثير جدا، حتى ترضي أحاديثهم ~~الوضعيين. # إذن ما يرضيهم ليس دائما في صالح العلم وتقدمه. ~~(4) ومن هنا نخرج إلى النقد الأكثر حسما، والذي يعد من مآثر بوبر حقا، ~~ومفاده أن الميتافيزيقا يستحيل أن تكون لغوا، فإذا كانت بعض الأفكار الميتافيزيقية ~~القليلة قد عاقت التقدم العلمي، وأبرزها فكرة أفلاطون بتحقير المادة، وكل ما يتصل ~~بالحس كأداة معرفة، أو أداة أي شيء آخر، فإن هناك أفكارا ميتافيزيقية أخرى ساعدت ~~على تقدم العلم بل وكانت ضرورية له، رأينا بوبر في حديثه عن المعرفية الموضوعية ~~بجعلها «م1 # ح ح # أ أ # م2» ويوثق أواصر القربى بين شتى الجهود العرفية، ويراها سلسلة ~~واحدة متصلة الحلقات، فلا بد وأن تكون بعض من نظريات الميتافيزيقا قد اتخذت دورا ~~وحلقة أفضت إلى الحصيلة المعرفية التي نستمتع بها اليوم «فكثير من نظرياتنا ~~العلمية قد تطورت عن أساطير مرحلة ما قبل العلم، عن نظريات كانت في وقت ما غير ~~قابلة للاختيار (أي لا علمية أو ميتافيزيقية)، فيمكن أن نتتبع تاريخ نظرية نيوتن ~~إلى الوراء حتى أنكسمندر وهيزيود، والنظرية الذرية كانت غير قابلة للاختيار - أي ~~أقرب إلى الميتافيزيقا - حتى سنة 1905م تقريبا.» # 91 # بل وإن كثيرا من الأفكار الميتافيزيقية قد أوحت بصورة مباشرة بنظريات ~~علمية. # أبرز الأمثلة أول سؤال فلسفي طرح في التاريخ، التساؤل عن مبدأ فيزيائي واحد، عنصر ~~نهائي نشتق منه جميع الأشياء الأخرى، كان شغل المدرسة الأيونية خصوصا، والفلسفة ~~القبل سقراطية عموما، وحينما تقدم العلم - خصوصا في أوائل القرن التاسع عشر - ~~بدا هذا السؤال ساذجا أبله حتى قطع العلم الحديث بصوابه، وأن الوصول إلى هذا ~~المبدأ - أي الذرة - كان مفتاح التفجر الهائل لنجاح العلوم الطبيعية. # وها هنا نصل إلى المثال الميتافيزيقي المعجز؛ ديمقريطس، لقد أتانا في القرن ~~الخامس قبل الميلاد (460-360ق.م) ناقلا عن أستاذه لوقيبوس أحاديث جد غريبة، فهو ~~يتصور أن هذا العالم مكون ms215 من، أو أن المادة الخام الأساسية # Arche # التي صنع منها هي؛ أجسام متناهية ~~الصغر لا متناهية العدد في حركة دائمة، وأن هذه الأجسام لا تقبل الانقسام (من هنا ~~كان مصطلح الذرة يوناني # A-toms ~~= لا منقسمات)، وأنه ~~الحديث الذي أهمل قرونا طويلة، حتى ألهم دالتون بفرض الذرة، فيجيء للعالم الروسي ~~مندليف بعد أكثر من عشرين قرنا، ليقول نفس ما قاله ديمقريطس مشاركا إياه نفس ~~النصيب من الصحة (= كل شيء في العالم مكون من ذرات لا متناهية الصغر، لا متناهية ~~العدد في حركة دائمة)، ونفس النصيب من الخطأ (= هذه الأجسام الصغيرة لا تقبل ~~الانقسام). # وبغير الدخول في تفاصيل مسهبة، يمكن أن تكفي الإشارة إلى «جزء 4» من فصل ~~«الاستقراء خرافة»؛ سنجد أمثلة ساطعة الوضوح ومتصلة: # نظرية طاليس في طفو الأرض على الماء، والتي ألهمت بنظرية الجرف ~~القاري. # أنكسمندر بأبعاده اللامطلقة ألهم النسبية، كما ألهم أرسطارخوس الذي ~~ألهم بدوره كوبرنيقوس وكبلر وجاليليو، أن الأرض تقف حرة في الفضاء، كما ~~ألهم نيوتن فكرة القوى الجاذبية غير المرئية. # 92 ~~⋆ # فرض كوبرنيقوس بمركزية الشمس كان تأويلا لفكرة ميتافيزيقية، مطروحة ~~في الأفلاطونية وفي الأفلاطونية المحدثة. # الأعداد المقدسة الفيثاغورية ألهمت كبلر بضرورة الكشف عن قوانين ~~رياضية تحكم النظام الفلكي. # الأمثلة جمة تثبت أن الميتافيزيقا ضرورية لتقدم العلم ذاته، لتوسيع الخيال ~~العلمي، فتلهم بافتراضات حدسية أخصب، وبالنظر إلى هذه المسألة من الزاوية ~~السيكولوجية، فإن بوبر يميل إلى الاعتقاد بأن الكشوف العلمية مستحيلة بغير الإيمان ~~بأفكار من نمط تأملي خالص، وهذا الاعتقاد الميتافيزيقي، قد لا تبيحه النظرة العلمية، # 93 # لكنه الأمر الواقع. # ويجمل بنا الآن أن نذكر أن كارناب قد أشار إلى ماخ وبوانكاريه وآينشتين كأعلام ~~لحركة تحرير العلم الطبيعي من أي شوائب ميتافيزيقية، لكن بوبر قد أوضح أن هذه ~~الإشارة لم تكن موفقة؛ «لأن ماخ بالذات كان يرنو إلى الاستبعاد النهائي للنظرية ~~الذرية؛ لأنه هو وكثير من وضعيي عصره اعتبروها مبدأ ميتافيزيقيا في الفيزياء، ~~أما بوانكاريه فقد حاول تأويل النظرية الفيزيائية كتعريفات متضمنة، تبعا لنظريته ~~في اعتبار أية عبارة علمية ms216 مجرد أداة، وهي نظرية لا يقبلها كارناب خصوصا، أما ~~آينشتين فقد كان معتقدا في مفاهيم ميتافيزيقية ويعمل بحرية بمفهوم «الحقيقة ~~الفيزيائية»، رغم أنه - بلا شك - كان كأي واحد من العلماء الجادين يكره الثرثرة ~~الميتافيزيقية المغرورة.» # 94 # بعض الأفكار والمفاهيم الميتافيزيقية داخلة في نسيج العلم بطريقة يستحيل معها ~~الحكم عليها بأنها خالية من المعنى، دون أن يجر العلم إلى نطاق هذا الحكم، هذا ما ~~ستثبته مناقشة معاييرهم لتمييز العلم. # خاتمة ~~(1) على هذا النحو صب بوبر جام غضبه على أسس الوضعية، فكان الخلاف بينهما ~~عميقا حقا حتى إنه حين أراد أن يقسم الفلاسفة إلى فريقين متقابلين، كان هو على ~~رأس أحد الفريقين، والوضعية على رأس الفريق الآخر، فريق التحققيين الذي لا يستحق ~~حتى أن نأخذه مأخذ الجد، # 95 # وهما فعلا فريقان متقابلان، تقابل كانط وفتجنشتين، بوبر تابع الأول، ~~والوضعيون أتباع الثاني. # وقد حاول فيكتور كرافت - عضو الدائرة ومؤرخها وصديق بوبر - بتفاصيل مسهبة أن ~~يعتصر فلسفة بوبر؛ كي يثبت أوجه تشابه كثيرة بينهما، فكان يتصيد أي حرف أو تعبير - ~~ولو حتى مجازي - لبوبر، يحمل وجهة وضعية، ورغم أن كرافت تعسف كثيرا، فهو لم ~~يرتكب أي خطأ أكاديمي ولم يسئ فهم بوبر، ولكن أوجه التشابه التي توصل إليها (مثل ~~التجريبية) والواقعية، والانشغال بأسس العلم ومعياره، والإبستمولوجيا العلمية؛ غير ~~ذات اعتبار، من الممكن تصيد أوجه تشابه بين أي مذهبين فلسفيين طالما هما معقولان، ~~على العموم فإن بوبر عقب على محاولة كرافت هذه بالشكر الرقيق، مردفا إياه بالنفي ~~الحاسم الواضح لأي تشابه بينه وبين الوضعيين. ~~(2) ولكن رغم نقده المتحامل، ورفضه المتطرف أحيانا، فهو يسجل لهم أنهم كانوا ~~متشوقين حقا لتأكيد أهم تقليد للعقلانية، أي حرب العقل ضد الخرافة والسلطة ~~التعسفية، وبواسطة الدليل الوضعي، # 96 # بل وإنه يوافقهم على منحى عام لهم هو المنحى التنويري، ووجهة النظر ~~النقدية إلى الفلسفة؛ الفلسفة بما هي - لسوء الحظ - عليه، والفلسفة بما ينبغي أن تكونه، # 97 # كما أنه يحمد لهم اقتداءهم برسل، وأنهم كانوا بلا مراء علامة بارزة في ~~الفلسفة المعاصرة، ms217 لا سيما العلمية فكتاب كارناب «التركيب المنطقي للعالم» من أهم ~~كتب فلسفة العلم في القرن العشرين، أما كتابه «القابلية للاختبار والمعنى» # 98 ~~⋆ # فهو أهم ما كتب في مجال فلسفة العلوم الطبيعية، في الفترة المحصورة بين رسالة ~~فتجنشتين، والطبعة الألمانية لمقال تارسكي في مفهوم الصدق، # 99 # أما حملاتهم العنيفة ضد الميتافيزيقا، فقد ألقت في نفوسنا جميعا رهبة ~~شبيهة بالرهبة من الله حينما نريد أن نتحدث حديثا ذا مغزى، وأصبحنا أكثر حذرا ~~فيما نقول. # 100 # وحتى الاتجاه التحليلي اللغوي عامة، له فضل كبير في نقد اللغة، وفي الدراسة ~~النقدية لاستعمالاتها المختلفة، النقد كان أحد الدوافع التي دفعت أصلا إلى هذا ~~الاتجاه، وطبيعي أن يستصوب بوبر - فيلسوف النقد - هذا المنزع النقدي، الذي شملهم ~~جميعا حتى رائدهم فتجنشتين، # 101 # لكن المشكلة في أنهم انقلبوا فجأة عن هذا النقد أو نسوه، وأخذوا ~~يمارسون التحليل اللغوي فقط من أجل التحليل اللغوي، ولم يعودوا نقادا للغة، لكن ~~فقط مهتمين باستعمالاتها كما هي، # 102 # كما بلغ الحال ذروته في الاتجاه الحالي للتحليل؛ تحليل اللغة الجارية ~~في أكسفورد. # حملة بوبر على الفلسفة اللغوية التحليلية لا هوادة فيها، حتى وهو يسجل لهم، يصر ~~النقد على البروز مرة أخرى. ~~(3) وعلى الرغم من ضراوة الحملة، فالخطأ كل الخطأ هو الظن أن بوبر لا يعتبر اللغة ~~مهمة، إنها في نظره خطيرة الأهمية، أولم يعتبرها - هي والنقد - أهم مكونات العالم 3 ~~قاطبة، إنه يرفض الفلسفة اللغوية التي تبحث عن دقة المعاني وتعريفاتها؛ لأنه يريد ~~فلسفة للغة تشرح لنا وظائفها وتعيننا على فهم معنى اللغة الإنسانية، # 103 # وقد وضع هو فلسفة للغة من هذا المنظور تبعا لها تكون للغة وظائف أربع: ~~(1) # الوظيفة التعبيرية، أي التعبير ~~عن النفس # Self-Expression ~~. ~~(2) # الوظيفة ~~الإشارية # Signaling Function ~~. ~~(3) # الوظيفة ~~الوصفية # Descriptive Function ~~. ~~(4) # الوظيفة الجدلية ~~(النقاشية) # Argumentative Function ~~. ~~(4) واللغة أيا كان مستواها لن تكون لغة إلا إذا كانت قادرة على إثارة استجابة ~~من كائن حي آخر؛ # 104 # لذلك فلغات الحيوان - أو وسائل تواصله - من رقص أو تلامس أو إصدار ~~أصوات أو غيره؛ ms218 قادرة على أداء الوظيفتين الأولى والثانية، أي التعبير والإشارة، ~~ولكن اللغة الإنسانية تتميز بأدائها أيضا للوظيفتين العليتين: الوصف والجدل، ~~اللغة الإنسانية بوظائفها الأربع - لا سيما العليتين - هي علة خروجنا عن مملكة ~~الحيوان، أي علة كوننا بشرا؛ فالوعي الإنساني والوعي بالذات نتيجة لها، # 105 # إننا ندين بعقلنا وعلمنا وحضارتنا إليها، فهي التي كفلت تواصل الأجيال ~~واستئناف المسير، لا سيما من خلال الوظيفة الرابعة الوظيفة الجدلية. # على هذا النحو يرفع بوبر اللغة إلى أعلى العليين، بينما ينزل الفلسفة اللغوية ~~التي تتوه في المعنى والتعريف والدقة أسفل السافلين، إن فلسفة اللغة - كما يراها ~~بوبر - ينبغي وأن تكون من هذه الزاوية. ~~(5) وبعد، فقد كان هذا الفصل نقدا للخطوط الأساسية للوضعية، نقد منحاهم اللغوي ~~ومنحاهم التحليلي وموقفهم من الميتافيزيقا، ليحدد ذلك بصفة عامة أطرا لنقده ~~محاولاتهم لتمييز المعرفة العلمية، والتي انبثقت عن تلك الخطوط، فبقي الانتقال إلى ~~النقد التفصيلي لتلك المحاولات. # الفصل الثالث # | بوبر ينقد معايير الوضعية لتمييز العلم # مقدمة ~~(1) ما بني على الباطل فهو باطل، لقد وضح بطلان الخطوط الأساسية للوضعية ~~المنطقية على الأقل من وجهة نظر بوبر، فهل يمكن لهذه الوجهة من النظر أن ترفض ~~آليا، أو كمحصلة منطقية، معايير التمييز التي ترتبت على الفلسفة الباطلة؟ كلا، لا ~~يجوز هذا ولبوبر بالذات؛ لأنه فيلسوف النقد الذي يرسخ في الأذهان دائما النقد وكيف ~~يكون، والنقد لا يكون أبدا كليا؛ لأن الطابع المرحلي لكل بناء معقد، كان إحدى ~~النتائج التي ترتبت على الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» مما يلزم أن يكون النقد والإصلاح مرحليا جزءا جزءا، ~~فبناء على هذه النتيجة كان الخطأ الكبير الذي عابه بوبر على اتجاهات شتى، أبرزها ~~موقف الوضعيين من الميتافيزيقا، وأسلوب الماركسية من الإصلاح الاجتماعي، أنهم ~~يرفضون بناء شامخا يحوي مكونات عدة بجرة قلم واحدة. # لذلك لا بد وأن يكون النقد السليم لمعايير الوضعية لتمييز العلم جزئيا، ويمتنع ~~على بوبر بالذات أن يجيء به كحكم كلي عام، يترتب على نقد الخطوط العريضة في الفصل ~~السابق. ~~(2) لكن لا بأس من ms219 إفراد الجزء الثاني من هذا الفصل، لوضع خطوط أساسية لنقد عام ~~ينطبق على المحاولات كلها باتجاهها العام، ثم تنفرد الأجزاء التالية لنقد كل محاولة ~~على حدة، فيكون الجزء الثالث لنقد التحقق، والرابع للتأييد، والخامس لمحاولتي ~~كارناب وفتجنشتين، أما الجزء السادس فهو خاتمة. ~~(1) نقد المعايير بصفة عامة ~~(1) ما هو النقد الكلي الذي ينطبق على المحاولات بصفة عامة، والذي يمكن استخلاصه ~~من كتابات بوبر؟ أول ما يقال في هذا الصدد هو أن النزاهة جافت هذه المحاولات، ~~ومجافاة النزاهة بلا مراء أخبث الأدواء الفكرية. # ذلك أن الوضعيين لم يكونوا يحاولون - لا بصدق ولا بإخلاص - وضع معيار لتمييز ~~العلم، بل أرادوا تحقيق مهمة محددة سلفا في أذهانهم، وهي إزاحة الميتافيزيقا ~~تماما من عالم يودون لو ينفرد به العلم وحده؛ لأنه استحوذ كل إعجابهم، وسلب ~~جنانهم، كانت محاولاتهم مغرضة، أي مسوقة بانحياز فلسفي مسبق؛ الميتافيزيقا لغو، مما ~~منعهم من تأدية مهمة التمييز بالصورة اللائقة، # 1 # بل لعلهم لم يهدفوا إلى التمييز أصلا، بل هدفوا إلى تحطيم ~~الميتافيزيقا، فكانت النزاهة كل النزاهة والإخلاص والجدية والتفاني فقط في محاولة ~~إثبات أن الميتافيزيقا لغو. ~~(2) ولو كان هذا التعبير «لغو» مرادا به أنها لا تنتمي إلى العلم الطبيعي، لكان ~~غير ذي اعتبار؛ لأن الميتافيزيقا تعرف عادة بأنها تجريبية، ولكنهم أرادوا به ~~أكثر من أنها لا تجريبية، أرادوا به تقييما محطما ومهينا، # 2 # لغو: حكم كلي واحد ناقد للميتافيزيقا بأسرها، ولما كان النقد الكلي ~~أسلوبا خاطئا ذا نتائج مدمرة، أبرزها وضع النقد في غير موضعه، كما فعل بيكون في ~~مواجهة كوبرنيقوس، وبيير دوهيم في مواجهة الذرية، # 3 # أي رفض المذهب كلية بمبدأ واحد، كما فعلت الوضعية في مواجهة ~~الميتافيزيقا، فقد فشلت معاييرهم في تحقيق أي هدف؛ إذ يستحيل استبعاد كائن ثر ~~رهيب مهيب كالميتافيزيقا بجرة قلم واحدة، ولا حتى على أنها لغو، لو كانوا يريدون ~~استبعاد اللغو حقا، لأمكنهم هذا عن طريق اختبار الميتافيزيقا فكرة فكرة، كما ~~ينبغي أن يكون النقد، ولو أنهم فعلوا هذا لكانوا قد تبينوا أن معظم ms220 عبارات ~~الميتافيزيقا ليست لغوا، ولكنه انحياز فلسفي مسبق. ~~(3) ثم إنهم لم ينظروا إلى المشكلة على أنها اقتراح رأي بمعيار مناسب، يمكن عن ~~طريقه تمييز العلم بل أولوا المشكلة تأويلا تطبيعيا # naturalistic ~~، أي على أنها مشكلة الكشف عن اختلاف يكمن في صميم ~~الطبائع، طبيعة العلوم التجريبية من ناحية، وطبيعة الميتافيزيقا من ناحية أخرى. # 4 # وهذه النظرة التطبيعية هي نظرتهم إلى المعنى، فمبدؤهم يحتم أن أية عبارة ~~تجريبية إما ذات معنى أو بغير معنى، وليس ذلك بالاتفاق فيما بيننا، ولا حتى ~~بالقواعد التي اصطلحنا عليها، بل كمسألة أمر واقع، يعود إلى صميم طبيعة العبارة، ~~كما يعود اللون الأخضر إلى صميم طبيعة النبات، وليس إلى القواعد المصطلح عليها ~~بيننا. # وقد تمسكوا بهذا بعضد من نظرية الأنماط المنطقية، لكن صحيح أننا نستطيع أن نبني - ~~كما فعل رسل - لغة مجسدة لنظرية الأنماط، فتكون عباراتها غير مصوغة جيدا، وغير ~~ذات معنى، فإننا نستطيع أيضا أن نفعل كما فعل زيرميلو وخلفاؤه؛ أن نبني لغة تكون ~~عباراتها المطروحة للبحث غير خاضعة لنظرية الأنماط، لكن مصوغة جيدا، وبالتالي ذات ~~معنى وحتى صادقة، # 5 # فنظرية الأنماط تحكم حكما نسبيا فقط، خلو العبارة من المعنى بالنسبة ~~لاستعمال معين، للغة معينة وليس حكما مطلقا على صميم العبارة. # لتوضيح هذا النقد من بوبر، يمكن القول إنه ليس من الضروري أن نستخدم عبارات تؤدي ~~إلى التناقض الذاتي، كالتي استخدمها رسل في توضيح الأهمية العظمى لنظرية الأنماط ~~المنطقية، فمن الممكن استخدام عبارات تنطبق على مستويات منطقية مختلفة ولكنها ليست ~~متناقضة كأن نقول: إنها جميعا فئات لها أفراد قابلة للدخول في علاقات ~~منطقية. # هذا النقد لاستخدامهم نظرية الأنماط، يحطم تطبيعهم لمبدأ الخلو من المعنى «أ عضو ~~في أ» قد تكون خالية من المعنى في لغة معينة، ولكنها ستعود ذات معنى في لغة أخرى، ~~البرهان على الخلو من المعنى بالنسبة للغة ما - لغة العلم الطبيعي مثلا - من ~~الخطأ اعتباره برهانا على أن التعبير بصميم طبيعته خال من المعنى في كل اللغات ~~كلغة الأديان مثلا، إصدار مثل هذا ms221 الحكم ذو شأن عويص؛ إذ يجب إثباته في جميع ~~اللغات المتسقة، ليس فحسب بل ويجب أيضا إثبات استحالة وجود أية جملة ذات معنى في ~~أية لغة متسقة، بديلا للعبارة المطروحة للبحث، ولم يحدث أبدا أن اقترح أحد ~~الوضعيين كيف يمكن الإتيان بهذا البرهان، # 6 # لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أنهم - خصوصا في عهودهم الأولى - كانوا ~~يتحدثون عن اللغة بالمعنى المطلق، وظنوا أن في إمكانهم حذف أي مفهوم أو جملة لا ~~يرونها ملائمة. # 7 # هذا نقد من بوبر لوجهة معينة من المعايير، وجهة اعتبار الميتافيزيقا خالية من ~~المعنى بصميم طبيعتها، بعضد من نظرية الأنماط المنطقية. ~~(4) على أساس هذا النقد أو التفنيد تبدو استحالة تحقيق هدفهم في تمييز المعنى عن ~~اللامعنى، فالخطأ الكبير الذي تعثرت فيه المعايير هو المطابقة بين المعنى والعلم ~~واللامعنى واللاعلم، هذه المطابقة هي التي كفلت رد سهامهم إلى صدورهم، فببساطة إذا ~~كانت القضايا المتحققة وتحصيلات الحاصل هي فقط ذات المعنى، فإن أي نقاش حول المعنى ~~سيصبح بدوره خاليا من المعنى، # 8 # وتصبح كل المناقشات التي تشرح معايير الوضعيين لتمييز العلم هي بدورها ~~ثرثرة بغير معنى، تظل المعرفة العلمية بغير معيار، ليس بوبر هو الذي نوه إلى هذا ~~النقد، فقد وجهه رسل في نقده الشهير من أن معيار التحقيق غير قابل للتحقيق، بل ~~ولا يبدو أن أحدا تعرض لدراسة الوضعية، ولا حتى من الوضعيين أنفسهم ولم يلتفت إلى ~~هذا الخطأ، والموقف الذي يستحيل أن يتسق، كما وضح إبان مناقشة المعايير ~~نفسها. # ثم إن بعض العبارات العلمية قد تكون قابلة للتحقق جدلا، بينما نفيها غير قابل ~~له، فهل تكون العبارة ذات معنى، بينما نفيها غير ذي معنى! هذا كلام لا يستقيم، أو ~~هو لغو وضعي بغير معنى (هذا ما تفاداه كارل همبل في معيار القابلية ~~للتأييد). # إذا أردنا مثالا يوضح هذا النقد الوجيه من بوبر، فلنأخذ القانون العلمي الذي ~~يسمى أحيانا صياغة بلانك لأول قوانين الديناميكا الحرارية، وهو: «لا توجد آلة ~~أبدية الحركة»، هذا قانون طبيعي، إذن ذو معنى، ms222 لكن الملاحظ أنه عبارة كلية، أي لا ~~وجودية، والتي ثبت استعصاؤها على التحقيق، فمن الأحرى أن العبارة الوجودية المناظرة ~~له، أي نفيه، تكون وقوعها داخل نطاق العلم أوضح وأكثر حسما، لكن هذه العبارة ~~الوجودية هي «توجد آلة أبدية الحركة» ليست علما أي غير ذات معنى! # الحديث المتسق هو أن تكون العبارة صادقة، بينما نفيها كاذب، لكن كيف تكون العبارة ~~ذات معنى ومجرد نفيها بغير معنى؟! أخذ الوضعيين بالمعنى واللامعنى جعل الحديث ~~يلتوي ويتناقض. ~~(5) بل وإن خطأ المحاولات لم يقتصر على المطابقة بين العلم والمعنى من ناحية، ~~واللاعلم واللامعنى من ناحية أخرى، بل تعداها إلى تصور إمكانية الفصل الحاسم ~~بينها، في حين أن الخط المميز الفاصل يستحيل أن يكون حاسما، # 9 # الأمر ليس ضربة قاصمة تشطر العبارات نصفين لا ثالث لها علم ولا علم، بل ~~هناك درجات من السمة العلمية؛ أي درجات من القابلية لتطبيق المعيار الذي ينبغي أن ~~يقترح لتمييز العلم. # 10 ~~⋆ # قصور معاييرهم عن مواجهة فكرة التدرج يبرز واضحا بالإشارة إلى أن معاييرهم، لا ~~تميز فقط العلم عن اللاعلم، بل وأيضا المعنى عن اللامعنى، فتكون هذه المعايير لا ~~تحل المشكلة، بل فقد تبدلها بمشكلة أخرى، هي مشكلة البحث عن معيار يفصل بين ~~العبارات أو النظريات ذات المعنى الخصيب، وتلك ذات المعنى الفقير، # 11 # أي التدرج في المعنى. # ومن ناحية أخرى، فإن النظريات الميتافيزيقية - كما وضح آنفا - رائدة للأفكار ~~العلمية؛ لذا فإن المعايير الوضعية ستثير مشاكل ومتاعب لا جدوى منها، # 12 # أو هي مضرة ستصيب العلم بإجداب، إذ ستطيح بكل ما ليس علما، فتضيع فرص ~~إلهام كثيرة. # ثم إن تطور العلم عن الأساطير والميتافيزيقا، يحتم وجود حدود مشتركة بينهما، أو ~~على الأقل باهتة، أي ستظل على الدوام بعض من الأفكار المشتركة بين العلم ~~والميتافيزيقا، وهذا يوضح من ناحية أخرى أن الخرافات من شأنها أن تطور بعضا من ~~عناصرها القابلة للاختبار، حتى تصل إلى الدرجة العلمية. # الخلاصة أن الخط بين العلم واللاعلم متموج وليس مستقيما، والفصل الحاسم القاصم ~~مستحيل. ~~(6) تلك هي ms223 الخطوط العريضة للنقد الذي ينطبق على المحاولات ككل، حسب استخلاصها من ~~كتابات بوبر: إنها ليست نزيهة، وتصورت إمكانية نقد أو هدم الميتافيزيقا بأسرها ~~بمبدأ واحد، واعتقدوا أن رأيهم ليس رأيا، بل كشفا لصميم الطبائع، ثم طابقوا بين ~~العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، وتصوروا إمكانية الفصل الحاسم بينهما. # كل هذه الأخطاء وغيرها، تأدت بجميع معايير الوضعيين إلى أن تكون مكنسة تكنس ~~الكثير جدا: النظريات الفيزيائية الكلية، وتكنس القليل جدا، تترك معظم عبارات ~~الميتافيزيقا وكل عبارات العلوم الزائفة؛ أي ببساطة نظل في فوضى معرفية، ومعايير ~~للتمييز لا مبرر لإقامتها. # لكن المحاولات بدت في الفصل السابق عديدة ومتميزة، فلا بد من لقاء بين بوبر ~~وبين كل محاولة على حدة، وليكن الجزء التالي للقاء بوبر أو نقده للتحقق، أهم ~~المعايير وأبرزها وأكثرها شيوعا وشهرة، إنه الأصل والعلم، أو على الأقل المعيار ~~الوضعي الرائد. ~~(2) نقد معيار التحقق ~~(1) أول ما يقوله بوبر في نقد التحقق، هو أنه مرفوض تماما، على أساس وطيد من ~~رفضه، أو دحضه للاستقراء؛ # 13 # ذلك أن التحقق ليس إلا صورة أبسط، أو ظلا للمنطق الاستقرائي، فكما ~~نجمع الملاحظات التجريبية لتفضي إلى القانون العلمي، نجمع المدركات الحسية لتفضي ~~إلى العبارة العلمية، ليس هناك فارق حقيقي بين الاستقراء والتحقق، وقد سبق أن ذكرنا ~~أن بيتر مونز قد أوضح أن الاستقراء له معنى ضيق يدور حول التكنيك الفني في اشتقاق ~~قانون عام من عدد محدود من الملاحظات، وهو المعنى الذي كنا نتصرف في حدوده في ~~الباب السابق، لكن المشكلة لها أيضا معنى واسع: كيف ترتبط الكلمات التي نستعملها ~~في وصف العالم بالعالم الذي يمر بخبرتنا؟ في إجابة الوضعيين على هذا، نجد الاستقراء ~~بوصفه مبدأ يحكم فلسفة لغوية، قد اتخذ اسم معيار التحقق، # 14 # ويكشف هذا عن نفسه بوضوح أكثر مع رائدهم فتجنشتين؛ # 15 # إذ يؤكد أن كل قضية لا بد وأن تكون قابلة للرد إلى قضايا ذرية، عرفها ~~بأنها لوح أو أوصاف للوقائع. # يرفض بوبر التحقق، على نفس الأساس الراسخ الذي رفض به الاستقراء # 16 ~~⋆ # من ms224 ~~الناحية الميثودولوجية، الوضعيون بلا جدال استقرائيون كبار، خصوصا وأن الاستقراء ~~كان لا يزال متربعا على عرشه وقت نشأتهم وازدهارهم، وبالذات شليك وكارناب - في ~~المرحلة الأولى من تطوره الفكري - كانا من حماة الاستقراء على أساس من حمايتها ~~للمنهج التجريبي آنذاك. # وقد ذهب بيتر بيرنايز إلى استحالة استدلال قانون عام، أو احتمالية هذا القانون من ~~حالات محددة، هي الحجة الأساسية التي يضعها بوبر ضد الاستقراء # 17 # والوضعيين، ولكن جانب بيرنايز الصواب، حجج بوبر ضد الاستقراء أوسع ~~كثيرا كثيرا، من هذا، إذ لم يشر بيرنايز إلى أكثر من مشكلة الاستقراء، بوصفها ~~حجة أمام التحقق، والمهم أن هذا ليس بالشيء القليل؛ إذ إن شليك حينما شعر بخطورة ~~موقفهم بسبب مشكلة الاستقراء، حاول حل المشكلة بأن قال: إنه يعترف مع هيوم بأنه ليس ~~هناك تبرير منطقي للعبارات الكلية؛ ذلك لأنه ليس هناك عبارات كلية، إنها ببساطة ~~ليست عبارات حقيقية، # 18 # بل محض قوانين تساعد على استنباط العبارات الجزئية الحقيقية (التحقق ~~يكنس الكثير جدا)، هكذا تردى الأمر بالتحقق إلى الاعتراف بأن العبارات الكلية ~~العلمية، مثل العبارات الكلية الميتافيزيقية، عبارات زائفة! أين هو إذن تمييز ~~العلم. ~~(2) وبخلاف الاستقراء ورفض بوبر له، فإن التحقق معيار بوصفه مصدرا للمعرفة، ~~فهو يعني أن الوضعية قد وجدت مصدرا، هو الخبرة الحسية، إذا أمكن إرجاع العبارة ~~إليه كانت فقط دون سواها - لها القيمة المعرفية - فكانت علمية ذات معنى ومشروعة، ~~لكن هل المدركات الحسية، هي فعلا المصدر النهائي للمعرفة بالطبيعة، # 19 # أي للمعرفة العلمية، فتكون معيارا يميزها؟ # طبيعي أن يجيب بوبر على هذا بالنفي، لا الخبرة الحسية ولا أي شيء آخر يمكن أن ~~يكون المصدر النهائي للمعرفة، فهو يرفض تعيين هذا المصدر، بل وينفي إمكانية الوصول ~~إليه، ويصر على الترحيب بكافة المصادر، شريطة تعريض نتائجها للنقد. # لقد ظن الفلاسفة المعرفيون طويلا أن مهمتهم هي البحث عن هذه المصادر، عن أصل ~~المعرفة وأنهم إذا وجدوها فقد عرفوا من أين يأتون بالمعرفة المثلى، إنهم يبحثون ~~دائما عن سلطة تحكم حياتهم المعرفية، وكانت أكثر المصادر يقينا ms225 هي الله، # 20 # حتى جاء الوضعيون فواصلوا التيار التجريبي العتيد الذي يضع الخبرة ~~الحسية - أي القابلة للتحقق هنا - في موقع هذه السلطة التي نستمد منها المعرفة ~~المثلى، المعرفة العلمية التجريبية، هكذا نجد الفارق بين المعرفة التي ترتكن على ~~الله سبحانه وتعالى، أو الكتاب المقدس وأرسطو، وبين المعرفة التي ترتكن على ~~التحقق الحسي فارقا مذهبيا طفيفا، لكن للأسف المنهج واحد، هو المنهج الباحث ~~عن مصدر للمعرفة ينصبه متسلطا عليها كمصدر نهائي وكمعيار للصدق ولليقين. # هكذا نجد الفلاسفة الذين ظنوا أنفسهم يقيمون - بواسطة التحقق - ثورة مدوية، جعل ~~منهم هذا التحقق في جوهر الأمر فلاسفة تسلطيين # authoritarianism # بهذا المعنى الرجعي التقهقري العتيق. # الخبرة الحسية بالذات، يستحيل أن تكون - كما يدعي التحقق - مصدرا أو معيارا، ~~فكافة العبارات السلمية، التي لا بد وأن يكون لها معنى - بأية وجهة للنظر - ليست ~~مؤسسة على الملاحظة، ولكن على كافة مصادر المعرفة، فإذا سئل شخص عن عبارة ما: كيف ~~عرفتها؟ وكانت إجابته قرأتها في جريدة الأهرام، أو في دائرة المعارف البريطانية فلا ~~بد وأن تكون هذه الإجابة مقنعة أكثر من «لاحظتها أو وقعت في خبرتي الحسية.» لكن ~~الوضعي قد يرد على بوبر قائلا: ومن أين تعتقد أن جريدة الأهرام أو دائرة المعارف ~~قد أتت بهذه المعلومة؟ لو أنك قد استأنفت البحث إلى ما فيه الكفاية فيقينا ستنتهي ~~إلى تقريرات حول ملاحظات لما تشاهده الأعين (وهي التي أسموها - بعد سقوط التحقق - ~~جمل البروتوكول)، فحقا أن الكتب تقام على كتب أخرى، وحقا أن التاريخي - مثلا - ~~يستمد مادة عمله من الوثائق، لكن هذه الكتب والوثائق في النهاية مؤسسة على ~~الملاحظات، وإلا كانت أشعارا وأكاذيب أو ميتافيزيقا، أي كلاما يخلو من المعنى: لا-علم. # 21 # بوبر الآن سيبطل هذه الدعامة للتحقق على أساس الحجج التالية: ~~(أ) # عملية تعقب أية معلومة إلى أسسها النهائية - حتى وإن كانت معلومة ~~تجريبية - هي عملية مستحيلة، فإذا حاولناها ندخل في سلسلة من الإجراءات ~~المملة المعقدة الشاقة، ونجد موضوع البحث في النهاية قد ازداد واتسع، ~~ككرة من الجليد تتدحرج فوق ms226 الثلج، # 22 # هناك استحالة نظرية في تطبيق المعيار، سيتشعب بدلا من أن ~~ينحل - كما يظن الوضعيون - إلى سلسلة من الملاحظات الحسية ~~البسيطة. ~~(ب) # حتى الملاحظة الحسية في حد ذاتها، تتضمن هي نفسها تأويلا، إنها ~~مصبوغة بمعرفة الملاحظ، أما الملاحظة الخاصة فهي مستحيلة، وإن أمكنت ~~فهي عقيمة غير مثمرة، بعبارة أخرى: العبارات التجريبية ليست محض مدركات ~~حسية، بل فيها شيء آخر أضفاه الذهن، هذا النقد من بوبر قائم على أساس ~~فكرته المعروضة في الباب السابق: فكرة إسقاط الاستقراء على أساس ~~التوقعات أو الافتراضات العلمية التي تسبق الملاحظة التجريبية. ~~(ج) # ثم إن محاولة تطبيق المعيار باتساق، سوف تبطل ما أسماه آينشتين ~~بالمهمة العليا للفيزيائي، # 23 # مهمة البحث عن الأسس النظرية العامة. ~~(د) # وحتى المعلومات المقامة على ملاحظات حسية يمكن التحقق منها مباشرة، ~~والتي قد تكون ذات أهمية كبيرة، قد تخطئ وبحسن نية، لا سيما إذا كان ~~الحدث مثيرا وجريئا، أو حدث بسرعة، أو إذا كان من نوعية تغري ~~بالتأويل أو تطلب تفسيرا معينا، هذا التفسير والتأويل في معظم ~~الأحيان يشوه ما تمت رؤيته بالفعل، بعبارة أخرى: عملية التحقق الحسي إن ~~أمكنت أصلا، فهي مستحيلة الإمكان الخالص؛ أي النزيه، الآن قد بدت ~~الاستحالة أمام فكرة التحقق أصلا. ~~(ه) # وإن استحالة التحقق لقائمة في أبسط عبارة؛ لأن كل وصف يستعمل أسماء ~~كلية، مما يجعل لكل عبارة - معنى ما - خاصية النظرية أو الفرض، أبسط ~~مثال «هنا كوب ماء.» لا يمكن أن تحققها أي خبرة ملاحظة، والسبب أن ~~الكليات التي ظهرت فيها لا يمكن أن تقصر على أي خبرة حسية محدودة، ~~الخبرة الحسية الفورية، هي فقط الخبرة الحسية الفورية، حالة فريدة، أما ~~كلمة كوب «مثلا، فهي تشير إلى أجسام فيزيائية تعرض ما يشبه القانون في ~~السلوك، وبالمثل كلمة ماء.» الكليات لا يمكن أن ترد إلى فئات من ~~الخبرات التحقيقية، إنها لا يمكن أن تؤسسها. # 24 # واضح أن هذا النقد قائم على أساس نظرية بوبر المنهجية، الشبه كانطية، التي ترى أن ~~الذهن يخلق الفروض والتوقعات ثم يتلقى ms227 بعدها وعلى أساسها: الخبرات، وبالطبع هذه ~~نظرة مرفوضة من الوضعيين نظرا لحسيتهم المتطرفة، ولكن لما كانت هذه النظرية تشكل ~~استحالة منطقية أمام التحقيق الخالص النزيه، فلا بد بالطبع أن يهب «ألفرد آير» ~~ثائرا في وجه كل هذا، ويقول لبوبر: كلا! نحن لا نفسر الخبرات على ضوء التوقعات ~~والفروض، بل إن الخبرة هي التي تمدنا بأساس كل تفسير لها. # 25 # ويستأنف آير الإحاطة بوجهة نظره قائلا: لكن ما الذي يجعل الخبرة أساس تفسير معين ~~دون غيره، وإذا اعتبرت بقعة حبر كوب ماء، فهل ما زال لدي تبرير لهذا؟ يجيب آير ~~على هذا بأن اللغة التي يستعملها تتوقف على اكتسابه عادة قبول عبارات معينة، كنتيجة ~~لاكتساب خبرات ملائمة، وعلى قدر ما تعلو هذه العبارات على الخبرة التي أقيمت عليها، ~~فإنها تقيم توقعات قد تخيب، # 26 # واضح أن آير الآن يحذر حتى من النزر اليسير من نظرية بوبر، وهو يؤكد أن ~~هذا هو شرط استطاعة تطبيق اللغة على العالم، بحيث لا يخيب هذا التطبيق دائما، ~~ويؤكد آير أن التحقق يكفل فعلا الربط بين الخاصة التجريبية - التي هي سمة العلم ~~- وبين التعبيرات اللغوية، فيقول: إن الخبرة هي التي ترخص التأويلات التي أتعلم أن ~~أقيمها عليها، وأنها - أي الخبرة - هي القاعدة العامة، قاعدة اكتشافنا للعالم ولا ~~يبطلها أنها قد تخيب في أي وقت، وفكرة أن الخبرة قد تخيب أو تحبط قائمة على دوران ~~منطقي؛ لأني لا أحكم بأن خبرة معينة قد أحبطت إلا على أساس خبرة أخرى، # 27 # وهكذا لم يزد آير على أن أكد فرض الوضعية الأساسي. # وقد رد بوبر على هذا ردا معقولا، قال: إن هذا النقد لا يعدو أن يكون توضيحيا ~~للخلاف الأساسي بينه وبين آير، أو بين الوضعية عموما، والمتمثل في أن الوضعية - ~~وخصوصا آير - تأخذ بنظرية الحس المشترك في المعرفة، التي ترى أن العقل دلو أو ~~سلة تملؤها انطباعات الحس بالمعارف، # 28 ~~⋆ # وهذه النظرية ما سبق أن فندها بوبر بالتفصيل في الباب السابق. # إذن حتى الآن يمكن اعتبار هذا النقد ms228 من بوبر للتحقق، لا يعدو أن يكون رفضا له ~~على أساس وجهة نظره التي تخالف الوضعية؛ لذلك فهو في الواقع ليس نقدا موضوعيا ~~ملزما وما له هذا الشأن إنما هو الانتقادات التالية: ~~(3) ونحن نناقش التحقق في الفصل الأول، بدت أمامه استحالة خطيرة، تتمثل في ~~أن القانون العلمي، يتحدث عن أفق مفتوح، مليء بالإمكانيات اللامتناهية، مما يشكل ~~استحالة أمام حصر رده إلى الخبرة الحسية، والحق أن هذه الاستحالة، هي التي حدت ~~بعضو الدائرة فردرش فيزمان # F. Waismann # إلى القول ~~بأن هناك نقصا خطيرا في هذا المبدأ، وأنه لا وجود لتعريف أي حد تجريبي يحصر جميع ~~الإمكانيات وكلما اصطنعنا الدقة في الملاحظة، وجدنا ذلك الأفق وقد ازداد اتساعا؛ ~~ومن ثم استحال عقد مقارنة بين القضية التي تقال، وبين الواقع الخارجي، الذي لم ~~تستنفد ملاحظاتنا له كل إمكانية؛ # 29 # لذلك اضطر فيزمان نفسه إلى الإقلاع عن الإيمان بهذا المبدأ رغم أنه أول ~~من نشره بوضوح في مقال له عن التحليل المنطقي، في مجلة المعرفة # Erkennits # عام 1930م. # 30 # وهذه الاستحالة الخطيرة - التي لا جدال فيها - هي التي جعلت التحقق «مكنسة تكنس ~~الكثير جدا» إذ أفضت إلى القضاء على أنساق العلوم البحتة، وفي غمار تشوق ~~الوضعيين للقضاء على الميتافيزيقا، ألقوا بالنظريات البحتة في نفس الهوة السحيقة، ~~هوة العبارات الزائفة؛ لأن النظريات العلمية لا تتميز بقابلية الرد إلى تقريرات ~~الملاحظة، أكثر مما تتميز به عبارات الميتافيزيقا. # 31 ~~(4) ثم كان خطأ التحقق العظيم، وهو المطابقة بين معنى القضية وأسلوب تحققها ~~وصدقها، ولما كان التحقق نهائيا طالما هو واقع؛ وجب أن يكون الصدق بدوره ~~نهائيا، غير أن الصدق النهائي؛ أي اليقين، مرفوض تماما في العلم المعاصر، وأول ~~من يرفضه الوضعيون أنفسهم، وهذه المطابقة لا تخرق أسس العلم ومنطقه فحسب، بل وتخرق ~~حتى الحس المشترك، أي الموقف العادي في الحياة اليومية؛ لأننا حين نريد التأكد من ~~صدق معلومة، لا نبحث عن مصادرها، وإنما نحاول اختبارها، حقا هناك استثناءات ~~لمعلومات نتأكد من صدقها بإرجاعها إلى مصادرها كالمعرفة التاريخية مثلا، ms229 ولكن حتى ~~في هذه الحالات، فإن المؤرخ لا يبحث في تأصيل المعلومات أو إثبات صدقها بإرجاعها ~~إلى الخبرة الحسية المباشرة، الخبرة الحسية لا تكون أبدا ضمان صدق معلومة، بل إن ~~بعض المعلومات التي تدور حول وقائع غير قابلة للملاحظة قد تكون ذات الأهمية العظمى، # 32 # مثلا الكوانتم للنظريات عن أصل الكون كالسديمية مثلا. # غير أن ألفرد آير يثور أيضا في وجه هذا النقد، ويقول: إن التحقق لا بد وأن ~~يكون معيارا للصدق، فإننا نبرر عبارة بأخرى، وهذه الأخرى بأخرى، مما يوقعنا في ~~ارتداد لا نهاية له، لن يوقفه إلا العبارات التي تنقل الخبرات مباشرة، والسبب ~~الوحيد الذي يجعلنا نتمسك بهذه العبارات هو أنها لا تحتاج تبريرا أكثر، فهي مبررة ~~بما فيه الكفاية، بواسطة الحدوث الفعلي للخبرات التي تصفها، وهذا يعني الحق في ~~التأكد من صدق هذه العبارات، ليس بواسطة عبارة أخرى، لكن بواسطة واقعة الوجود ~~المباشرة للخبرات موضوع البحث، والآن ليس هناك سبب معقول يبرر دعوى بوبر برفض ~~اعتبار الخبرات مبررة مباشرة، وأن العبارات المعبرة عنها تعطينا أساسا ملائما لقبولها، # 33 # مرة أخرى: لم يزد آير على أن أكد وجهة نظره، ومرة أخرى نقول له: إن ~~العبارات المقررة للخبرة بهذه السذاجة مستحيلة أصلا. # غير أن آير يستأنف مناقشة بوبر، قائلا: إن ما قرره - أي آير - آنفا يبطل دعوى ~~بوبر بأن المعرفة ليس لها أي مصدر غير معرض للخطأ، والتي على أساسها كان هذا ~~النقد للتحقق من أن صدق المعلومة ليس بإرجاعها إلى أصولها إنما باختبارها، يقول ~~آير: إن هذا صحيح فقط في الحدود التي نجد فيها أن ما دعا المتحدث لأن يقول ما قاله، ~~ليس أفضل الطرق لتحديد صوابها؛ لأن هذا هو ما يجعلنا نهتم أساسا بقيمة المعلومة، ~~أكثر مما نهتم بكفاءة المتحدث في أن يعلمنا بها، ولكن حتى هذا لا يؤيد دعوى بوبر؛ ~~لأنها تفترض أن اختبار الوقائع بوصفه مصدرا للمعرفة لا يعطي هذه المعرفة أي شرعية، # 34 # لكن بوبر يجعل مصير النظرية، أي قابليتها للتكذيب، وكذبها أو عدمه ms230 ~~متوقفا على اختبار الوقائع المناظرة للنظرية، وبالطبع فإن اختبار الوقائع يعني ~~إجراء الملاحظات التي تجعلنا نقبل أو نرفض عبارات تجريبية معينة، هي التي ستحدد ~~مصير النظرية، ولكن تبعا لنظرية بوبر هذه، فإن اختبار الوقائع لا يشكل اختبارا ~~لأي شيء؛ لأنه ليس مصدرا للمعرفة، فلا يمكن إذن أن نخرج منه بأي شيء، وحقا أن ~~هناك وقائع مثل الوقائع التاريخية لا يمكن اختبارها تحققيا، لكن المعرفة لا بد ~~أن تعتمد نهائيا على الملاحظة، # 35 # ويبدي آير دهشته؛ لأن بوبر بذل قصارى جهده ليزلزل الاعتقاد بأن ~~المعارف التاريخية، تعتمد في النهاية على شهادة الأعين للأحداث التي تشير إليها، ~~وأنه يذكرنا دائما بأن الأعين عصبيا قابلة للخطأ، ناسيا أنه في نهاية التحليل ~~لا بد وأن يكون الأساس الوحيد لكيلا نثق في شهادة أعين معينة، هو شهادة أعين أخرى ~~نثق فيها أكثر. # 36 # وليس من العسير رد هذه الدعاوى الفارغة من آير، فإن اختبار النظرية بواسطة ~~الوقائع لا يعني التحقق منها، فالتحقق غير مطلوب نهائيا؟ وإذا كان هناك هدف من ~~الاختبار بالوقائع، فهو محاولة التكذيب، ثم إن الأمر اختلط على آير كما هو واضح؛ ~~فقد كان يهدف أصلا إلى دحض أفكار بوبر لأن يكون التحقق مصدرا للمعرفة؛ وبالتالي ~~محكا للصدق، وواضح أن كل ما قاله لا يعني إطلاقا أن التحقق؛ أي الخبرة الحسية ~~مصدرا، بل يعني نفس ما يعنيه بوبر من أن الخبرة الحسية تحدد مصير النظرية، بعد أن ~~نكون قد وصلنا إليها من أي مصدر شئنا. # مناقشة آير لا تعدو أن تكون ثرثرة وضعية، تلف وتدور حول فروضهم المسبقة التي ~~جانبت الصواب، ولم تضف شيئا غير أن التقاليد الأكاديمية لم تكن تسمح بتجاهل ~~مناقشة آير، فالمفروض أنه فيلسوف له شأن عظيم خصوصا في الفلسفة الإنجليزية ~~المعاصرة، والخطأ أصلا، أن نمنح أي وضعي منطقي هذه المكانة، طالما أنهم ينفرون من ~~الفلسفة، وفي النهاية بعد أن اعتقد آير بأنه فند بوبر، يقول: إن بوبر قد استبعد ~~التحقق بوصفه محكا للصدق تفاديا لتدخل العناصر الذاتية في البناء ms231 الموضوعي للعلم، # 37 # لكن آير جانب الصواب هنا أيضا - كما يجانبه في معظم المواضع - فبوبر ~~لم يستبعد التحقق خصوصا كمحك الصدق تفاديا للعناصر الذاتية بل للسبب أو الأسباب ~~السالف ذكرها، وأيضا للأسباب الآتية: ~~(5) لقد أوضح الفصل الأول أن التحقق منهاج لتمييز الكلمات أو المفاهيم ذات المعنى ~~وليس فقط العبارات، والتحقق من الكلمات موقفه أسوأ؛ لأنه يعني تأويل الكلمات التي ~~ليست ثوابت منطقية تأويلا عدديا، لكي تصبح ذات معنى والتأويل العددي يعني إعطاء ~~قائمة تحصي الأشياء التجريبية الواقعية التي تسميها الكلمة، ويمكن أن نسمي هذه ~~الإحصاءات تعريفات عددية لمعاني الأسماء، # 38 # وتصبح اللغة محتوية فقط على هذه الكلمات المتحققة مع الكلمات المنطقية، ~~وطالما أن بقية الكلمات بغير معنى، فهي إذن لغة عددية، لغة اسمية بحتة، # 39 # وهذه اللغة الاسمية البحتة لا تناسب إطلاقا الأغراض العلمية؛ لأن جميع ~~عباراتها ستكون تحليلية، إما يقينية وإما متناقضة ذاتية، وسيستحيل التعبير عن أية ~~عبارة تركيبية فلا يمكن في لغة اسمية محضة صياغة جملة لا نستطيع تقرير صدقها أو ~~كذبها بمقارنة قوائم التعريفات أو الإحصاءات للأشياء المذكورة في الجملة، وهكذا ~~يكون صدق أو كذب أية جملة مقررا بمجرد أن نعرف معاني الكلمات المذكورة فيها. # 40 # فمثلا لو قيل: «أحمد، محمد، محمود ... إلخ.» رجال فهم الذين يمكن الإشارة إليهم ~~تحققا من مفهوم رجل، ثم جاءت العبارة «محمد رجل.» لكانت بالطبع صادقة وذات معنى، ~~وعلمية ... لأن مفاهيمها متحققة، أما بوبر فيقول: إنها ستكون يقينية لأن السبب تحليلي ~~محمد متضمن مفهوم رجل فنحن وضعناه في قائمة تعريفه ونحن نتحقق منه أما لو قلنا: ~~«بوبي رجل.» لكانت خاطئة أي متناقضة ذاتيا، ولنفس السبب التحليلي وهو أننا لم نضع ~~«بوبي» في قوائم التحقق من مفهوم رجل بل وضعناه في قوائم التحقق من مفهوم كلب، # 41 # حيث إنه جرو، وبالمثل لو وضعت معنى «أبيض» في القائمة التالية: ~~(1) # الورقة التي أكتب عليها. ~~(2) # منديل اليد. ~~(3) # السحب. ~~(4) # تمثال من الجليد. # فستكون العبارة «شعري أبيض» والتي لم أكن قد عرفتها بعد وأنا أضع القائمة كاذبة، ~~بل ms232 متناقضة ذاتيا، مهما كان لون شعري الحقيقي. # 42 # الحق أن هذا نقد معقول من بوبر، فكرة أن ضرورة التحقق من الكلمات كي تكون ذات ~~معنى، تعني أننا نحدد بدقة الدلالات الحسية للكلمة قبل أن نستعملها، معنى ذلك أن ~~الاستعمال لن يكون إلا تركيبات منطقية ومن هنا نجد أن مبدأ التحقق من الكلمات الذي ~~أكده شليك خصوصا، سيفضي بنا إلى عالم من تحصيلات الحاصل، ولا قضايا تركيبية، ~~وأوجه ما في هذا النقد أنه يوضح خطورته على العلم ذاته، وحجتهم أنهم يضحون بكل ~~شيء من أجله فماذا أبقى لنا هذا المذهب المتناقض، بعد أن عرض العلم ذاته للخطر، ~~فإن هذه اللغة ذات المفاهيم المتحققة، تسد الطريق أمام عالم، تكشف أمامه وقائع ~~جديدة هذه اللغة غير ملائمة للأغراض العلمية لا يمكن صياغة الفروض فيها، أية لغة ~~مناسبة للعلم هي على العكس تماما يجب أن تحوي كلمات لا يمكن تعريفها عدديا، ويجب ~~أن تستعمل الكلمات الحقيقية، سواء أمكن تعريفها أو تحقيقها أم لا، بعبارة أخرى: كل ~~فرض علمي جديد، يفتح أفقا جديدا، فكيف نعبر عنه بلغة اسمية، حددت سلفا وبدقة ~~مفاهيم كلماته، على هذا لا يبدو مسوغا لرفض بعض المفاهيم لأنها ميتافيزيقية، فأين ~~هو التمييز، إن التحقق من المفاهيم لا يناسب إطلاقا، لغة العلم فضلا عن أن ~~يميزه. # لقد كان نقد بوبر في هذه الفقرة منصبا على منحاهم الأسمى، وتعريفاتهم العددية ~~للكلمات المتحققة، التي يريدونها تجريبية لدرجة أن تكون مجرد تجميعات عددية، من ~~شأنها أن تسد الطريق أمام تقدم العلم، وبغير أن تميزه أصلا. ~~(3) نقد معيار القابلية للتأييد والاختبار ~~(1) أما عن أولى بدائل التحقق، أي القابلية للاختبار والتأييد، فعلى الرغم من ~~أنها - كما أوضح فيكتور كرافت - استجابة لنقد بوبر، ومحاولة للخضوع له خضوعا تسمح ~~به مبادئهم الوضعية، # 43 # فإن بوبر ما زال يرى فيها مجرد محاولات لاستبعاد الميتافيزيقا ولصياغة ~~مبدئهم التجريبي، بصورة أكثر دقة، فحينما أسقط في يد التحقق ظن الوضعيون أن ~~هذه البدائل كفيلة بإنقاذ الموقف، لكن الأمر لم يكن هكذا، فإن التحقق ms233 كان على ~~الأقل واضحا وبسيطا وقويا، أما هذه البدائل فعلى النقيض تماما # 44 # لم تكن واضحة بل ملغزة ومعقدة، لا تعدو أن تكون صورا ضعيفة مضعفة من ~~التحقق. ~~(2) ثم إن هذا المعيار مجرد تجسيد للمنهج الاستقرائي، أكثر من التحقق إذ اتخذ ~~هذا المعيار في أحد أطواره، المنطوق «ينتمي التعبير اللغوي للعلوم التجريبية، فقط ~~إذا أمكن تأييده بواسطة المعيار الاستقرائي، أو الدليل الاستقرائي.» وذلك على يد ~~كارناب في كتابه «الأسس المنطقية للاحتمال»، «متصل المنهج الاستقرائي» # 45 # ها هنا التمييز الصريح بواسطة المعيار الاستقرائي، مما يجعله مدموغا ~~بسقوط الاستقراء ربما أكثر من التحقق. ~~(3) كما أن معيار التأييد لن يميز العلم أكثر مما يميزه التحقق، فالعبارة تكون ~~أكثر قابلية للتأييد، كلما كانت أكثر قابلية للاختبار بمقاييس الوضعية أي كلما أمكن ~~اشتقاقها من عبارات الملاحظة؛ فالتأييد - كما أوضح الفصل الأول - يعني اتصال ~~العبارة بفئة من عبارات الملاحظة من هذه الوجهة تكون النظريات غير قابلة للتأييد ~~بدرجة عالية؛ لأنها غير قابلة للاشتقاق من عبارات الملاحظة فهي غير قابلة للتأييد ~~بصورة مرضية، تماما كما أنها غير قابلة للتحقق بصورة مرضية وما زال معيار التأييد ~~يستبعد الهام من العلم؛ النظريات الكلية المثمرة. # ولما تبين الوضعيون هذا، راح شليك يشرح كيف أننا في العلم لا نحتاج للقوانين ~~الكلية حقيقة، وأننا نستطيع الاستغناء عنها، «معايير الوضعية مكانس تكنس الكثير ~~جدا، تكنس القوانين الكلية العلمية.» فقد اعترف شليك أنها غير قابلة للتحقق ~~لكنه لم يملك إلا التأكيد على ضرورتها للتنبؤ، # 46 # أما كارناب فأمام استحالة تأييدها قال: إنها غير ضرورية إطلاقا، أولم ~~يقل بوبر: إن التأييد صورة ضعيفة مضعفة من التحقق؟! # من السهل جدا الإتيان بفئة جمة من عبارات الملاحظة تؤيد قضايا علوم التنجيم ~~والفراسة، مراعية لأدق قواعد معيار التأييد وليس فحسب، بل وإن أخبث عبارة ~~ميتافيزيقية يمكنها أيضا أن تجتاز هذا المعيار. # 47 ~~⋆ # الخلاصة أن معيار التأييد - كسائر معايير الوضعية - مكنسة تكنس الكثير جدا ~~(النظريات الكلية العلمية)، وتكنس القليل جدا (تترك العلوم الزائفة ~~والميتافيزيقا)، والنتيجة أن نظل في فوضى ms234 معرفية، ومعيار للتمييز لا مبرر لأن ~~يقام. ~~(4) من ناحية أخرى، فإن كارناب قد طرح نظرية مسهبة في التأييد بمعنى الاحتمالية، ~~وقد ظن أن هذا إعلاء من شأن المعيار على أساس الدور الهام لحساب الاحتمال في الصورة ~~المطورة للاستقراء، تطويرا يلائم سقوط الحكم بالصدق أو الكذب، وظهور منطقي ثلاثي ~~القيم، يضع قيمة اللامعنى بينهما وهو المنطق الذي يحكم العلم الآن، وقد اعتبر ~~الوضعيون اختبار القابلية للتأييد سبرا لدرجة الاحتمالية، فلا يكون التأييد ~~معيارا يميز العبارة العلمية فحسب، بل وأيضا يعين درجة احتماليتها، وتبعا لوجهة ~~النظر الاستقرائية التي تبحث عن أعلى درجة من الاحتمال، فإننا سنبحث عن العبارات ~~ذات قابلية التأييد العالية، وهذا من شأنه أن يرسخ معيار القابلية للتأييد، ويعظم ~~من أهميته. # 48 ~~⋆ # غير أن بوبر يرى أن القوانين العلمية الكلية لها درجة الاحتمالية صفر؛ لأن هناك ~~تناسبا عكسيا بين المحتوى المعرفي وبين درجة الاحتمال، فالعبارات التحليلية - ~~تحصيلات الحاصل - ذات المحتوى المعرفي صفر، هي وهي فقط ذات درجة الاحتمالية واحد ~~صحيح، أي اليقين، وكلما ارتفعت درجة المحتوى المعرفي، كلما انخفضت درجة الاحتمالية، ~~وقد عبر بوبر عن هذا قائلا: الاحتمالية المنطقية للجملة «س» بالدليل المعطى «ي»، ~~تنقص حينما يزيد المحتوى المعرفي ل «س»، # 49 # ونظل نسير في هذا المسار التنازلي للاحتمال، حتى نصل إلى النظريات ~~الفيزيائية البحتة أي القوانين الكلية، وهي ذات أعلى درجة من غزارة المحتوى ~~المعرفي، فنجدها ذات أدنى درجة من الاحتمالية أي صفر، أو قريبا من الصفر؛ لذلك ~~فبوبر - كعادته دائما - عكس الاستقرائيين، يرى أن الاحتمالية العالية ليست إطلاقا ~~هدفا من أهداف العلم؛ لأنه - أي بوبر - يؤكد على الطابع الإخباري للعبارات ~~العلمية، العلم يهتم بالنظرية ذات المحتوى المعرفي العالي؛ وبالتالي ذات الاحتمالية ~~المنخفضة، وهو لا يهتم بعبارة درجة احتماليتها عالية، ومحتواها المعرفي غث تافه، ~~لكن يهتم بالفروض الجريئة ذات المحتوى المعرفي الغزير والاحتمالية المنخفضة، ويا ~~حبذا لو كانت صفرا فإنه سيعني أن المحتوى ضخم للغاية. # وقد يبدو هذا تناقضا، فمثلا جيوفيري وارنوك يرى في هذه النظرية الاحتمالية ~~البوبرية تناقضا ms235 ظاهريا واضحا، كيف يرى بوبر أن قبول العبارة العلمية ليس في ~~ذات الهوية مع درجة احتماليتها الاحتمال بمعنى حساب إمكانيات الحدوث، كيف يرى بوبر ~~أن صدفه حدوث قانون عام معين، والتي تعطي عددا كبيرا لاحتمالات كثيرة، هو في ~~الواقع صفر؟ هذه النظرية لم تقنع وارنوك، وهو يقول ببساطة: إن الأمر الواقع ليس هكذا. # 50 # وفضلا عن أن وارنوك لم يفهم بوبر جيدا في أكثر من موضع، أو في كل موضع، وفضلا ~~أيضا عن أنه قال هذا فقط بسبب خضوعه الدوجماطيقي لسلطان الاستقراء، فإن لنا أن ~~نستأنف عرض نظرية بوبر بما هو كفيل بفك هذا التناقض الظاهري؛ إذ إن الاحتمالية ~~العالية لو كانت هدفا للعلم، لأصبح العالم يفضل الاهتمام بتحصيلات الحاصل بينما ~~هدفه هو تقدم العلم، والإضافة إلى محتواه المعرفي، والفلاسفة الاستقرائيون ~~المعتقدون أن العلم يجب أن يهدف إلى الاحتماليات العالية لا يستطيعون التعامل ~~بعدالة مع حقائق من قبيل أن صياغة القوانين الكلية واختبارها هي أهم هدف لمعظم ~~العلماء، وأن قابلية العلم للاختبار البين ذاتي تعتمد على هذه القوانين، أي من ~~الخطر أو من المستحيل احتذاء حذو كارناب في القول بأنها غير ضرورية. # إن درجة تأييد العبارة العلمية وحسب مفهوم بوبر للتأييد؛ تعتمد على قسوة ~~اختباراتها وصمودها أمام هذه الاختبارات؛ أي تعتمد على درجة قابليتها للاختبار، ~~ودرجة القابلية للاختبار بدورها تتناسب تناسبا طرديا مع غزارة المحتوى المعرفي، ~~أي تناسب عكسي مع درجة احتماليتها، إذن طالما نريد درجة عالية من التأييد، فإننا ~~نريد محتوى معرفيا عاليا، أي احتمالية منخفضة. # إذن هناك استحالة منطقية في إقامة معيار التأييد على أساس إدخاله في ذات الهوية ~~مع الاحتمال، الذين لا يرون هذا ويصرون على البحث عن الاحتمالية العالية - كجيوفري ~~وارنوك - مبدؤهم هو: اختر دائما الفرض الأكثر احتمالية، أي الفرض ذا المحتوى ~~الأقل، وأيضا اختر الفرض ذا أعلى درجة من الخاصة المغرضة # Ad ~~Hoc # أي الذي يضم عناصر مغرضة؛ بغية تحقيق الاحتمالية العالية، ~~ولما كان العلماء لا يحبذون الفروض المغرضة، كان هدف الاحتمالية العالية يفضي إلى ms236 ~~قاعدة متناقضة، وسننتهي إلى وضع فرض يلائم كل الحقائق المعروفة، ويتجاوزها قليلا ~~قدر الإمكان، # 51 # أي ستنتهي إلى عبارة لا علمية على الأصالة ويا له من تمييز ~~للعلم. ~~(5) لقد انتهت الوضعية إلى أن جميع القوانين الكلية لها درجة التحقق صفر، كما ~~أوضح كارناب نفسه في أي عالم لا متناه، وحتى في أي عالم مننتاه عدد الأشياء ~~والأحداث فيه واسع، بما يكفي، فإن درجة تحققه لن تتميز عن الصفر، ونظرا لارتباط ~~التأييد بالتحقق، وارتباطه السابق بالاحتمال، فإن القوانين الكلية غير قابلة ~~للتأييد، أي تأييدها صفر. # حاول كارناب مواجهة هذا بتقديم مفهوم جديد أسماه المعدل # qualified ~~، معدل حال تأييد القانون «ل»، بحيث نصل في النهاية إلى ~~درجة تحقق قريبة من الواحد بدلا من الصفر، وذلك بقياس درجة تأييد القانون بقياس ~~درجة تأييد حالة من حالاته، # 52 # ولكن لم يذكر كارناب أن هذا المعيار الجديد يجتاز بصفة فعلية أيا من ~~المعايير أو النظريات التي أقامها في حساب الاحتمال، طالما أنه يعنى بالتأييد ~~الاحتمال، وربما لم يكن يستطيع إثبات هذا؛ لأن حال تأييد القانون «ل» بالدليل «د»، ~~هي ببساطة ليست دالة احتمالية من «ل ، د». # 53 # إن التأييد بهذه الوجهة الاحتمالية، ليس معيارا غير ملائم فحسب بل وإنه خطير، ~~فإذا كان التأييد - الذي هو الاحتمال - صفرا، فإن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون ~~مدعم جيدا، لن تختلف تقديريا عن صفر، أو عن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون مفند ~~أو حتى في جملة متناقضة ذاتيا # 54 ~~(لنلاحظ أنه في فلسفة بوبر درجة عقلانية الاعتقاد في قانون، تعتمد على ~~درجة تأييده، حسب مفهوم بوبر للتأييد). # وإذا أردنا أن نتلافى كل هذا، فلا بد من الاعتراف بأن الوضعية أخذت بتعريف خاطئ ~~للتأييد وأخطأت أكثر حينما جعلته بمعنى الاحتمال أن كارناب لم يحاول أن يوضح أن ~~حالات التأييد التي نتوصل إليها تكون متسقة دائما مع مسار الكشف العلمي، فمثلا ~~لم يحاول توضيح أن كل قانون تم تفنيده له حالات تأييد أقل من حالات تأييد قانون صمد للاختبار. # 55 # أما ms237 فكرة بوبر في أن احتمالية القوانين الكلية صفر، فكونها مناقضة للحس المشترك ~~أو للمألوف، ليس مبررا كافيا لتركها، والوقوع في كل هذا الالتواء في مفهوم ~~الوضعية للتأييد، لم يسعف التواءه وتعثره الشديد كمعيار للعلم. # كل هذا جعلهم هم أنفسهم يتركونه في محاولة وضع معيار جديد هو لغة العلم. ~~(4) نقد لغة العلم ~~(1) أما عن مشروع كارناب لبناء لغة للعلم، فهو في رأي بوبر ليس إلا محاولة أكثر ~~سفسطائية، لكن هجران كارناب للتحقيق وبدائله، وللنظرية التطبيعية في الخلو من ~~المعنى، في سبيل هذه اللغة، تطور على درجة كبيرة من الأهمية ومرغوب، # 56 # ويبدو أنه مرغوب في نظر بوبر؛ لأنه يمكن من النقد الحاسم، ولأن دلالته ~~الحقيقية هي أنه يحطم مبدأ خلو الميتافيزيقا من المعنى. ~~(2) لكن كان لهذا المشروع مرحلة أولى، هي اللغة الفيزيائية، خلاصة نقد بوبر لها ~~هو كالآتي: # إنها تجعل أية عبارة حول كائنات لا فيزيائية بغير معنى، على هذا فالعبارات التي ~~تصف إحساسات وعواطف لا تدخل في نطاق هذه اللغة فتصبح عبارات جميع الخبرات الذاتية ~~في نفس المستوى المنطقي مع العبارات الميتافيزيقية الثيولوجية، وهذا ليس في صالح ~~اتجاه الوضعية المعادي للثيولوجيا وللميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقيين والثيولوجيين ~~يسعدهم جدا اعتبار عبارة مثل «الله موجود، والروح موجودة» هي على وجه الدقة في ~~نفس المستوى المنطقي مع عبارة مثل «لدي خبرات واعية» أو «توجد مشاعر مثل الحب ~~والكراهية، متميزة عن الحركات الجسمانية والفيزيائية التي كثيرا - إن لم تكن ~~دائما - ما تصاحبها.» # 57 # بعبارة أخرى: من المسلم به أن هناك مستويين من الكائنات؛ مستوى فيزيائي ومستوى ~~لافيزيائي، اللغة الفيزيائية تهدف إلى حذف المستوى اللافيزيائي، لكن أحد أوجه هذا ~~المستوى هي العواطف والمشاعر والانفعالات لا سبيل إلى نكرانها، وبالتالي لا سبيل ~~إلى حذف هذا المستوى، فلنضع فيه جميع الكائنات الميتافيزيقية والثيولوجية. # أما عن محاولة رد هذا النقد بالفلسفة السلوكية، وقابلية الرد إليها فهو في رأي ~~بوبر ليس إلا ميتافيزيقيات مادية وقعت في مصائد لغوية، # 58 # ويمكن توضيح هذا على النحو التالي: # أولا: المدرسة السلوكية في علم ms238 النفس، هي مدرسة تنكر أي احتياج للشعور أو ~~اللاشعور، وتفسر السلوك كله في ضوء الأفعال المنعكسة الشرطية؛ # 59 # لهذا فهي ترى أن البحث النفسي والاجتماعي، يعتمد في وصفه وتفسيره على ~~الوقائع الملاحظة؛ وبالتالي على السلوك العادي للموضوعات التي يقوم بدراستها وهم ~~يؤكدون على أن منهجهم يقوم على الخبرة نفسها، # 60 # بل وإن بعض السلوكيين المتطرفين المعبرين عن السلوكية المختزلة # Reductive Behaviourism # رفضوا وجود ~~ظواهر عقلية على الإطلاق، مبررين هذا بإنكار وجود أي موضوع خاص بعلم النفس وحده، لا ~~يوجد ما يسمى بالوعي أو الشعور، كل ما هنالك سلوك وميول للاستجابة على نحو معين ~~تجاه مثيرات معينة، أما الاختلاف بين ما هو عقلي وما هو فيزيقي فلأن العمليات أو ~~الحالات العقلية أنواع خاصة من العمليات أو الحالات الفيزيقية، وهم يركزون على ~~تطوير النظريات التي تتضمن تعبيرات أو عمليات فيزيائية أو كيميائية أو فسيولوجية ~~ليثبتوا اتجاههم. # وكما هو واضح فالمدرسة السلوكية مادية على الأصالة، وهي بالطبع اتجاه الوضعية ~~بإزاء علم النفس، ولكارناب وهمبل بالذات باع طويل فيها. # والآن فإن ركيزة نقد بوبر للغة الفيزيائية من وجود العواطف والمشاعر كضرورة لوجود ~~مستوى لافيزيائي، يمكن ردها تماما داخل الفلسفة السلوكية فتكون مجرد ردود أفعال ~~سلوكية لمؤثرات بيئية محض فيزيائية، وبذلك يسقط نقد بوبر، والسلوكيون يستطيعون ~~فعلا استبعاد كافة التفسيرات الداخلية ليستبقوا فقط التفسيرات السببية الخارجية ~~القائمة على الملاحظة المباشرة والتجربة المحدودة بإزاء السلوك الخارجي ~~للظاهرة. # لكن بوبر يجيب على هذا الرد بأنه مجرد محاولة لتفسير كائنات ميتافيزيقية تفسيرا ~~ماديا؛ بغية إرضاء مطالب لغوية. # هل أصاب بوبر في هذه الإجابة؟ الواقع لا، والظفر ها هنا للوضعية؛ لأن الاتجاه ~~السلوكي في علم النفس اتجاه قوي، وعليه تعلق كل الآمال في التقدم المنشود لعلم ~~النفس، منذ أن بدأ مع واطسن واستمر مع نيلر ميلر وسبنسر وتولمان وسيكنر وغيرهم وهو ~~قوي؛ لأنه ينزع منزعا وضعيا سائدا في العلوم الإنسانية، التي تحاول أن تجعل من ~~نفسها أفرعا في العلوم الطبيعية بغية تحقيق ما حققه من نجاح؛ لذلك يقال: إن ms239 ~~الوضعية المنطقية من الاتجاهات الفكرية المعاصرة التي لها دور في تطوير علم النفس وتقدمه، # 61 # وذلك بمعنى أنها هي التي دفعت - أو ساعدت على دفعة - في الاتجاه ~~السلوكي. # ولقد استبعد السلوكية الخبرات الداخلية للإنسان، باعتبارها ذاتية خالية من المعنى ~~(منتهى الوضعية)؛ ولذلك تخلصوا من فئة الوعي أو الشعور، # 62 # حتى إنه يقال عن هذا الاتجاه: إنه يجعل من علم النفس علم نفس بغير ~~نفس. # إنه اتجاه قوي، لا يمكن اعتبار تلك العبارة السابقة من بوبر، والتي قيلت نقدا ~~للفلسفة اللغوية تقويضا أو حتى نقدا له، ويجب أن يعترف بوبر بأن الاتجاه السلوكي ~~فعلا يرد نقده السابق. # على العموم إخفاق بوبر هنا، ليس بالشيء الكثير، فاللغة الفيزيائية أصلا تركها ~~واضعوها، وحاولوا أن يضعوا بدلا منها لغة العلم الموحد. ~~(3) ولغة العلم الموحد مجرد تعميم للغة الفيزيائية، وقد حققت هدف كارناب في ~~الخضوع لقواعد صارمة محددة؛ إذ لا يمكن للغة مثل هذا الخضوع إلا إذا كانت صناعية، # 63 # لكن هل حققت بهذا الخضوع هدف التمييز؟ # قيل: إنه نناقش المعيار ذاته؛ أي اللغة، يجمل بنا أولا أن نناقش أساسها أي جمل ~~البروتوكول، فما الذي قاله بوبر في هذا النقد: # أولا: # فكرة جمل البروتوكول، ليست من ابتداع الوضعية تماما؛ فقد سبق أن ~~نادى بها رايننجر # Reininger ~~، ~~وكانت نقطة بدايته التساؤل الآتي: أين يقع التناظر أو الاتفاق بين ~~العبارات وبين الوقائع أو الحالات أو الشئون التي تصفها؟ ووصل إلى ~~استنتاج مؤداه أن العبارات يمكن أن تقارن فقط بالعبارات - نفس ما ~~وصل إليه نيوراث وكارناب - وتبعا لرأي رايننجر، فإن التناظر بين ~~العبارة والواقعة ليس إلا تناظر بين عبارات تنتمي إلى مستويات ~~مختلفة من العمومية، فالتناظر بين عبارات من مستوى عمومية عال، ~~ومع عبارات لها نفس المحتوى المعرفي، لكن من مستوى عمومية أقل، ~~ويظل هذا التناظر يتدرج تنازليا في مستويات العمومية حتى نصل في ~~النهاية إلى العبارات المسجلة للخبرة، والتي يطلق عليها رايننجر ~~اسم العبارات ~~العنصرية # Elementary statements ~~. # 64 # وهي ليست إلا ما أسماه كارناب ونيوراث جمل البروتوكول. ms240 # بل وأكثر من هذا فإن رايننجر مثل نيوراث، رفض اعتبار هذه الجمل ~~غير قابلة للتعديل أو النقد، لكن رايننجر أعطانا منهجا لاختبار ~~العبارات العنصرية في حالة الشك فيها، وهو منهج مفاده استنباط ~~نتائجها واختبار هذه النتائج، # 65 # أما نيوراث فلم يعطنا مثل هذا المنهج، ولا هو أعطانا ~~أية قواعد أو أسس لقبول جمل البروتوكول أو رفضها وبغير القواعد لا ~~يمكن لعملية التمييز أن تتم عموما لم يكن نيوراث مهتما بمشكلة ~~التمييز، وكان طرحه لفكرة «جمل البروتوكول» مخلفا أثريا أو ذكرى ~~باقية لنظرية تقليدية ترى أن العلم التجريبي يبدأ من مدركات الحس ~~(بالطبع يقصد بوبر الاستقراء). # ثانيا: # فكرة جمل البروتوكول ليست إلا النزعة السيكولوجية معبرا عنها ~~بأساليب كارناب، ونيوراث، فعملية إبدال الخبرات الحسية بعبارة دالة ~~على الحس هو مجرد ترجمة النزعة السيكولوجية في النمط الصوري من الحديث، # 66 # لكن المعرفة الموضوعية علمتنا أن الخبرات الذاتية أو ~~الشعور أو الاقتناع، لا يمكن أن تلعب دورا داخل العلم إلا دور ~~موضوع علم النفس، # 67 # ولا تجعل جمل البروتوكول مفضلة، # 68 # فضلا عن اتخاذها أساسا للعلم وتمييزه. # ثالثا: # لا يمكن رد صدق العبارة العلمية، إلى الخبرة الخاصة، النسق ~~العلمي كليا وجزئيا يجب أن يكون موضوعيا، المرور بخبرة ذاتية ~~لا يجدي في تبرير عبارة علمية أو حتى لا علمية، ولن يهتم العلم ~~بأني مقتنع أو غير مقتنع بها حتى إن كان سبب هذا الاقتناع ~~بانطباعات حسية لا يتطرق إليها شك الاقتناع الذاتي، لن يعني العلم ~~إلا إذا أمكن طرحه موضوعيا، أي مؤيدا باجتياز اختبارات نقدية ~~منطقية تجريبية حاسمة، إذن يجب مراعاة الموضوعية في أسس العلم كما ~~نراعيها في كافة مراحله، والجمل التي نتخذها أساسا له، بدورها لا ~~بد وأن تكون قابلة للاختبار البين ذاتي، على هذا لا يمكن أن يوجد ~~في العلم عبارات نهائية غير قابلة للتكذيب من حيث المبدأ ولو عن ~~طريق تكذيب بعض من النتائج التي تلزم عنها؛ # 69 # لذلك وجب استبعاد فكرة جمل البروتوكول الصادقة ~~أبدا. # رابعا: # من ناحية أخرى فقد جعلت ms241 جمل البروتوكول لغة العلم ليست منتمية ~~للفيزياء بما فيه الكفاية طالما تفسح مجالا للخبرات الذاتية «تكنس ~~القليل» وأيضا تجعلها منتمية للفيزياء أكثر من اللازم؛ إذ تستبعد ~~افتراضات هي فعلا ميتافيزيقية، لكن لا بد منها للفيزيائي «تكنس ~~الكثير» فأبسط عبارة عن مقياس الجهد الكهربي - وهذا مثال كارناب ~~نفسه - لا تقبل مثل هذا الرد، ومعظم المفاهيم التي يعمل بها ~~الفيزيائيون، مثل مجالات القوى وجسيمات الذرة، لا تقبل أي رد إلى ~~جمل البروتوكول. # خلاصة نقد بوبر السابق لجمل البروتوكول هو: # أولا: # ليست ابتكارا أو إضافة، بل هي تقليد لريننجر وتقليد ~~مبتسر. # ثانيا: # ليس في العلم مجال للخبرات الذاتية أسس العلم مثلة يجب أن تكون ~~موضوعية تماما. # ثالثا: # ليس في العلم عبارات مطلقة أو تعز على التكذيب. # رابعا: # نقد بوبر العام لمعايير الوضعية: هي مكانس تكنس القليل جدا ~~وتكنس الكثير جدا تجعله جمل البروتوكول منطبقا على معيار لغة ~~العلم. # هذا عن نقد أساس اللغة، جمل البروتوكول. ~~(4) أما عن اللغة ذاتها، فيمكن تنظيم خلاصة نقد بوبر لها على النحو التالي: # أولا: # وقبل كل شيء ليس هناك ما يسمى بلغة العلم، كي نشغل أنفسنا ~~ببنائها رمزيا أو غير رمزي، أمثال هذه التجهيزات الفنية الرمزية ~~المعقدة التي تهدف إلى محاولة إيراد صورة أو نسخة مصغرة للعلم، ~~يستحيل أن تفيد أحدا في عملية المعرفة لا العلم ولا الفلسفة ولا ~~حتى الحس المشترك، ليس هناك أي نمط من الاهتمامات العلمية يمكن أن ~~يصاغ في مثل هذه اللغة، هذه جهود لا جدوى منها ولا داعي لها، فضلا ~~عن أن تكون الجهود الفلسفية الوحيدة. # 70 # ثانيا: # هذه اللغة تحطم نظرية الوضعية التطبيعية في الخلو من المعنى، ~~وبغير أن نترك أي أمل في إعادة بنائه، النقد الذي أبداه بوبر بشأن ~~استعمالهم لنظرية الأنماط المنطقية، يطبقه هنا بوبر بصورة أخرى ~~أكثر حسما؛ لأن البرهان على خلو العبارة ذاتها بصميم طبيعتها من ~~المعنى، كان يجب أن يكون صادقا بالنسبة لكل لغة كافية للعلم ~~التجريبي، الميتافيزيقيون عالمون أن عباراتهم لا تنتمي إلى مجال ~~العلوم التجريبية، ms242 فبداهة لن يتخلى أحد عن الميتافيزيقا فقط؛ ~~لأنها لا تصاغ داخل العلم، أو داخل لغة مناسبة للعلم، # 71 # لتكن الميتافيزيقا خالية من المعنى بالنسبة للغة العلم ~~فهناك لغات أخرى كثيرة يمكن أن تصاغ فيها عبارات الميتافيزيقا بدقة ~~وإحكام، هذا النقد يخرج منه بأن قصارى ما تثبته هذه اللغة هو أن ~~الميتافيزيقا ليست فرعا من العلم التجريبي ويا لها من نتيجة ~~خطيرة! # ثالثا: # الوضعي المنطقي، وعالم الرياضيات البحتة كورت جودل # Kort Gadel # الذي ينتمي مع ~~كارناب إلى مدرسة فريجه في بناء الأنساق، اشتهر بنظريتيه في ~~اللااكتمال # incompleteness theorems # اللتين نال عنهما جائزة آينشتين؛ ~~وهما: النظرية الأولى هي في أي نسق صوري ملائم لنظرية العدد، توجد ~~صياغة غير قابلة ~~للفصل # undecidable # أي صياغة غير قابلة للبرهنة، وأيضا نفيها ~~غير قابل للبرهنة. # ولما كان من الممكن أن نضيف إلى هذا أن تلك الصياغة غير القابلة ~~للفصل قد تكون صادقة، فإن النتيجة اللازمة للنظرية هي أن اتساق ~~النسق الصوري الملائم لنظرية العدد لا يمكن البرهنة عليه داخل ~~النسق نفسه، وتلك هي النظرية الثانية. # 72 # والآن يتسلح بوبر بأن جودل بواسطة هاتين النظريتين، قد أثبت أن ~~هذه اللغة الموحدة (النسق اللغوي الواحد) لن تكون كافية لوضع جميع ~~تقريرات العلم، وإن كفتهم فلن تكون كافية لصياغة براهينهم، وبواسطة ~~النظرية الثانية بالذات، نثبت أن المناقشة حول اتساق لغة العلم ~~بواسطة اللغة نفسها هي مناقشة بغير معنى ولا جدوى، # 73 # هكذا دائما لا نجد أي أحاديث فلسفية بغير معنى ولا ~~جدوى إلا أحاديث الوضعيين. # ومن ناحية أخرى، فإن تارسكي - صاحب الكشف العظيم في التمييز بين ~~اللغة الشيئية واللغة البعدية - قد أثبت أن أية لغة كلية واحدة ~~تستحيل، وإلا فستكون متناقضة ظاهريا Paradoxical ~~؛ إذ كيف يمكن ~~التمييز بين اللغة الشيئية واللغة البعدية، بين لغة العلم ولغة ~~فلسفة العلم، إنها ستكون ملتبسة لا توضح الحدود بينها، وفي هذا ~~الصدد يمكن الإشارة لما أوضحه بوبر من أن الخلط بين مجالي اللغة ~~الشيئية واللغة البعدية هو أكبر أسباب تعثر فلسفة كارناب، وهو ms243 ~~سبب صعوبة كتابه «التركيب المنطقي للغة» كما أن تارسكي يردف ~~قائلا: إن منطقها يقع حتما خارجها، فيضيف بوبر قائلا: ولماذا لا ~~تقع ميتافيزيقاها أيضا خارجها إنها لن تستطيع استيعاب العالم كله، ~~فتغلقه في وجه الميتافيزيقا. # رابعا: # وقد يعترض الوضعيون على كل هذا النقد من بوبر اعتراضا مؤداه أن ~~العلم المصوغ بدقة صارمة لم يكن مقصودا، فكارناب اعتاد أن يتكلم - ~~لا سيما في كتاباته الأخيرة - عن لغة كلية عامة مصطلح عليها # universal # مما يشير إلى أنه لم ~~يكن يفكر في لغة كلية مصوغة بدقة، بوبر يرد على هذا بأنه قول ~~صائب، غير أنه يحطم مرة أخرى صلاحيتها للتمييز؛ وبالتالي مبدأ خلو ~~الميتافيزيقا من المعنى، فإذا لم تكن قواعد لغة العلم الكلية دقيقة ~~صارمة، فإن الحكم بعدم إمكانية التعبير عن الميتافيزيقا فيها حكم ~~جزافي بلا مسوغ يلزمه. # 74 # خامسا: # بل وإن بوبر سيثبت منطقيا، استحالة أن تميز العلم عن ~~الميتافيزيقا، وها هنا نقد بوبر الذي يستطيع بحق أن يطيح بلغة ~~العلم؛ لأن اللغة الملائمة للعلم يجب أن تحتوي مع كل صياغة محكمة ~~نفيها، ولما كانت بالضرورة تحوي جملا كلية أصبح عليها أن تحوي ~~جملا وجودية، هذا يعني أنها يجب أن تحوي جملا عادة مما يعتبرها ~~كارناب ونيوراث وسائر الوضعيين والمعادين للميتافيزيقا؛ ميتافيزيقية. # 75 # المنطق يقسم القضايا إلى كلية وجزئية ويعتبر القضايا الكلية لا وجودية ليس من ~~الضروري أن يكون لما صدق موضوع الجملة الكلية وجود حقيقي لكن موضوع القضية الجزئية، ~~يجب أن يكون له ما صدق حقيقي وهي لذلك وجودية. # الآن تبدو الفقرة السابقة لبوبر غامضة، فمن المعروف أن قضايا الميتافيزيقا أقرب ~~إلى الكلية أي اللاوجودية، فكيف باحتواء العلم على عبارات وجودية بالذات تكون ~~محتوية على الميتافيزيقا، إنها تكون كذلك بناء على الآتي: # سيضع بوبر فرضا ميتافيزيقيا، موغلا في الميتافيزيقية هو: «توجد روح مشخصة، ~~قادرة على كل شيء، حاضرة في كل مكان، عالمة بكل أمر.» واضح أنه شبيه إلى حد ما ~~بفكرة الألوهية، لكن بوبر لم يستطع طرح مفهوم آلة الأديان كاملا، ms244 فهو يعترف بأن ~~البعد الأخلاقي الخير، لا يمكن فعلا التعبير عنه في الحدود الرمزية للغة ~~العلم. # ثم سيوضح بوبر كيف يمكن أن يبني هذا الفرض كتعبير مصوغ جيدا أي له معنى في لغة ~~العلم فقط يمكن أخذ القضايا الحملية الأربع الآتية بصفة أولية # as primitive ~~: ~~(1) # الشيء «أ» يشغل الموضوع «ب»، أو بدقة أكثر «أ» يشغل موضعا تمثل النقطة ~~«ب» حيزا منه بالرموز «مو «أ»، ب» أي العلاقة مو (موضع) تربط «أ» ~~و«ب». ~~(2) # الشيء «أ»، آلة أو جسم، أو شخص، يمكن أن يضع الشيء «ب» في داخل ~~الموضع «ج» بالرموز، «ضع «أ، ب، ج».» ~~(3) ~~«أ» يتفوه # 76 ~~⋆ # ب «ب» بالرموز «تو «أ، ب».» ~~(4) ~~«أ» سؤل عما إذا كان «ب» أم لا بالرموز «سو «أ، ب».» # ونحن نفترض أن لدينا وتحت تصرفنا أسماء لكل التعبيرات على الصورة «مو ~~«أ، ب».» و«ضع «أ، ب، ج».» أيضا للتعبيرات التي سترد فيما بعد ~~لمساعدتها. # توخيا للبساطة سيستعمل بوبر أسماء اقتباسية # Quatation Names # للدلالة عنها، ورغم أن هذا إجراء غير ~~دقيق لا سيما حين تشير المقتبسات إلى متغيرات كثيرة، كما في رقم 14 إلا ~~أنها صعوبة يمكن تخطيها. # والآن فباستعمال 1، 2 يمكن بسهولة تقديم الصياغات الآتية، بمساعدة ~~التعريفات الواضحة (أي التعريفات المنطقية لتلك العبارات). # 77 ~~(5) ~~«أ» حاضر في كل مكان أو «ل» «كل مو «1».» # وبمساعدة 3، 4 نطبق منهج كارناب في الرد، ونقدم الجمل الآتية: ~~(6) ~~«أ» قادر على كل شيء أو «ل» «كل ضع «أ».» ~~(7) ~~«أ» يفكر في «ب» أو «فك «أ، ب».» # وكارناب يوصينا بأن نقبل مثل هذا المحمول، وبمساعدة (7) يمكن أن نضع ~~التعريفات الواضحة الآتية: ~~(8) ~~«أ» شخص مفكر أو «ش ف «أ».» ~~(9) ~~«أ» روح مشخصة أو «ش ر «أ».» ~~(10) ~~«أ» يعرف أن «ب» في الموضع «ج» أو «ف مو «أ، ب ج».» ~~(11) ~~«أ» يعرف أن «ب» يستطيع وضع «ج» داخل الموضع «د» أو «ف ضع «أ، ب، ج، ~~د».» ~~(12) ~~«أ» يعرف أن «ب» يفكر في «ج» أو «ف فك «أ، ب، ج».» ~~(13) ~~«أ» لا يسبر ms245 غوره (أي لا يعرف: «ف») أو «لا - ف «أ».» ~~(14) ~~«أ» يعرف الواقعة «ب»، أو «ف «أ، ب».» ~~(15) ~~«أ» موثوق «ب» أو «ث «أ».» ~~(16) ~~«أ» عالم بكل أمر أو «كل ف «أ».» # 78 # على هذا النحو يمكن بمنتهى السهولة وضع صيغ وجودية رمزية محكمة هي ميتافيزيقية ~~على الأصالة داخل لغة العلم (لذلك كان احتواء اللغة للعبارات الوجودية إمكانية ~~لاحتواء عبارات ميتافيزيقية) وليست هناك أية صلة بين أحكام الصياغة اللغوية داخل ~~الحدود الفيزيائية وبين الخاصة العلمية، أين هو المعيار الذي يميز العلم؟ ~~(5) وأكثر من هذا فمن الممكن الإتيان بشواهد تجريبية من الواقع تؤيد ذلك الفرض ~~الميتافيزيقي - هذا إن لم يكن من الممكن تفسير كل واقعة تجريبية على أنها تؤيد ~~السبب أنها عبارة تحصيل حاصل - أي صادقة منطقيا، درجة احتماليتها واحد صحيح ~~(لنتذكر أن بوبر يؤكد أن درجة الاحتمالية لا ترجح النظرية العلمية) أو لا يمكن ~~تمييزها عن الواحد في أي عالم متناه من حجم كاف. # 79 # إذ إن شواهد تجريبية وخبرات كثيرة يسهل جدا ردها إليها، وهذا يعني أنها ممكنة ~~التحقق ولو بالمعنى الضعيف، أما درء هذا بأن التحقيق هو أسلوب تعيين صدق العبارة ~~فهذا لا يساعد التحققيين، # 80 # لا سيما إذا نظرنا إلى العبارات العلمية التي لا نستطيع تعيين صدقها ~~كالقوانين العلمية الكلية. # والخبرات التي تحقق هذا الغرض يمكن أيضا أن تؤيده وليس أسهل من اختباره، إذا ~~كان الاختبار يهدف إلى التأييد، # 81 # إنه ممكن التأييد التجريبي بل وبقيمة عالية جدا لا سيما إذا أخذنا في ~~الاعتبار مفهوم القابلية للتأييد الأخير، بمعنى الاحتمالية، إن احتماليتها أكثر من ~~احتمالية أي قانون علمي أصيل. # إن هذا الفرض الميتافيزيقي الخبيث الذي وضعه بوبر، لا يسقط لغة العلم فحسب بل ~~وسائر معايير الوضعية لتمييز العلم، إنه الشاهد القوي الساطع على إخفاق المعايير في ~~استبعاد الميتافيزيقا، أي فقدانها لمبرر وجودها. ~~(6) والخلاصة أن لغة العلم لن ترسم سياجا قويا حول العلم يميزه، بل ستبقى من ~~مخلفات مبدأ ميتافيزيقي - هو العلم يبدأ بمعطيات الحس - اعتنقه يوما نيوراث ~~اعتناقا ms246 مشوبا بعاطفة شديدة، وكان بالمعية يشهرها كسلاح بتار في الحملة ضد الميتافيزيقا. # 82 ~~(7) وفي ختام مواجهة بوبر لصديقه الشخصي وخصمه الفلسفي كارناب بقي تصنيف كارناب ~~الأحاديث إلى النمط المادي (حديث العلم) والنمط الصوري (حديث فلسفة العلم) وفكرته ~~القائلة إن كل الأحاديث يجب أن تكون قابلة للترجمة إلى النمط الصوري كي تكون علمية ~~وذات معنى، بوبر يرفض هذا ببساطة، وقصارى ما يمكن قوله أن النمط الصوري أفضل من ~~النمط المادي وذلك فقط حينما تكون ماهية الفلسفة هي التحليل اللغوي، وهذا ما انتهى ~~دحضه الفصل السابق (جزء رقم 3). ~~(8) على هذا النحو ينزع بوبر معايير الوضعية تماما كي يخلي الطريق أمام التكذيب، ~~غير أنه لم يتعرض لمعيار فتجنشتين المتأخر؛ فقد رآه لا يستحق حتى التعرض أو ~~التفكر، فقد اكتفى بالإشارة إلى أن «بحوث فلسفة» - الذي طرح فيه فتجنشتين هذه ~~المحاولة لتمييز العلم - غاية في الغموض والسخافة، يضايق من يقرؤه لدرجة الرغبة في البكاء، # 83 # وأنه غث وتافه وأنه - أي بوبر - حتى لا يختلف معه؛ لأنه لا يجد فيه ~~ما يستحق الاتفاق أو الاختلاف! # خاتمة ~~(1) النغمة المسيطرة على هذا الفصل هي احترام وإجلال الميتافيزيقا، وبذل قصارى ~~الجهد للزود عنها وهي في الواقع نغمة مسيطرة على كتابات بوبر بأسرها. ~~(2) والنقد الذي كون هذا الفصل لا يفيد في مشكلة التمييز فحسب، بل ويكمل الفصل ~~السابق في إنجاز مهمة النقد الحاسم للوضعية على أساس الدور العظيم الذي تلعبه ~~معايير التمييز في إقامة صلب المذهب. # وطالما أن النقد حاسم ومحيط بالمادة، فوجب الآن أن نعتبر الوضعية ومعاييرها من ~~شئون الماضي أمرا ذاويا في تاريخ الفلسفة، وهذا هو الأمر الواقع فعلا، لقد انتهت ~~الحركة وسواء بفضل من بوبر أو غيره فلا بد أنها واقعة الرضا العظيم له فبعد القضاء ~~على خرافة الاستقراء كان القضاء على الوضعية المنطقية ولا جدال أعظم آمال بوبر ~~الفلسفية. # والآن فإن مناقشة ما إذا كان بوبر وضعيا أم لا، هي بداهة من نافلة القول ~~السخيف، لكن المشكلة أن كثيرين يصرون على أنه هكذا! # الفصل الرابع ms247 # | تعقيب # مقدمة ~~(1) الكثيرون عرضوا للوضعية، والأكثر عنوا بنقدها لكن موضوع هذه الدراسة عرضتها ~~من منظور جديد، يعني بأن دعائم المذهب على ممر تطوراته هي معايير لتمييز العلم فهي ~~محاولات لتفريده وقصر المجال عليه، أما عن نقد بوبر، فهو أوفى نقد لها، ولا شك أن ~~الفصلين الثاني والثالث قد أثبتا هذا؛ أن بوبر هو الرائد لكل نقد علمي لها. ~~(2) ولما كان نقد بوبر حاسما، ولما كانت الوضعية المنطقية موضوعا فرعيا وليس ~~الأساس في هذا البحث، فلا مجال لتعقب نقدها الواسع في شتى الدراسات الفلسفية شرقا ~~وغربا ولا حتى بإبداء بعض الملاحظات على الوضعية ومعاييرها للتمييز، # 1 ~~⋆ # ويكفي أن نناقش موقف بوبر من هذا، فنصل إلى الخاتمة. ~~(1) تعقيب على موقف بوبر من التحليل اللغوي ~~(1) المنهج التحليلي جعل الوضعيين قادرين على الإحاطة بمشكلاتهم كل على حدة، وكان ~~لفتهم لأهمية البحوث اللغوية إثراء للفلسفة، إنهم إضافة حقيقية للاتجاه التجريبي ~~العتيد، إضافة متطورة في تسلحها بالمنطق الرياضي وحملتهم على الميتافيزيقا - رغم ~~تعنتها - كشفت عن مواطن لبس، ووجهت الفكر نحو موضوعات أكثر واقعية، لكن الوضعية ~~المنطقية أخطأت بلا شك، ونادت بما يستحيل أن يقبله كل حريص على تقدم عنصر العقل ~~من الإنسان، كان بوبر أكثر من رائع في ألا ينساق في تيارها التحليلي العاتي، ~~فضلا عن أن يأخذ على عاتقه مواجهتهم ونقدهم، وأن هذا الموقف النقدي أبرز المواقف ~~التي تؤكد شجاعته الأدبية وأصالته الفكرية، فبينما يقول جيوفري وارنوك: «اعتاد ~~الفلاسفة أن يأخذوا الأمر حسب الموقف الذي وجدوه، وأن يسبحوا باقتناع مع التيار.» # 2 # فإن بوبر يصر على موقفه النقدي الثابت من الوضعية المنطقية، ويكون ~~بهذا قد وقف وحيدا في مواجهة تيار جامح تماما مثلما وقف في مواجهة عمالقة الفكر ~~أفلاطون وهيجل وماركس في دعواه للمجتمع المفتوح، وكان دائما على مستوى المواجهة، ~~أو يزيد. # 3 ~~⋆ # لكن ورغم ذلك يستحيل أن نمر على موقف بوبر منها، بغير التعقيب عليه تعقيبا ~~ناقدا، يوضح أخطاء بوبر، وبغير هذا النقد تكون صحبتنا لبوبر فيلسوف النقد لم ~~تعلمنا الدرس الذي نرومه. # ولكن ms248 بادئ ذي بدء، ينبغي أن نضع في الاعتبار أن موقف بوبر المعروف في هذا الباب ~~ينطوي على مواجهتين: # مواجهة مع التيار التحليلي عامة. # مواجهة مع الوضعية المنطقية خاصة. # ولما كان التحليل هو الأصل والوضعية فرعه، وجب أن نناقش موقفه من التحليل، ثم ~~نناقش موقفه من الوضعية ورفضها للميتافيزيقا ومعاييرها في الجزء التالي. ~~(2) لقد وضح أن بوبر يرفض رفضا جذريا - وببساطة - التحليل اللغوي وتحليلات ~~منطق للغة والسبب هو نظريته الوظيفية في اللغة؛ إذ يبغي منها ما يبغيه من مجرد أداة ~~تؤدي وظائف معينة هي الإشارة والتعبير والوصف والجدل، وطالما تمت هذه الوظائف، فلا ~~داعي البتة لما يرومه التحليليون من دقة فوق الحاجة. # وإن كان كلود برنار قد سبق دعوى بوبر وأكد على ألا نهتم أبدا بالألفاظ، بل ~~نهتم فقط بالوقائع، وأوضح أن القيمة الوهمية التي نخلعها على الألفاظ كثيرا ما تخدعنا، # 4 # فإن هذا لا يمنعنا من الحكم بأن بوبر تجاوز الحدود في مطلبه هذا بتسطيح ~~موقفنا من الدقة اللغوية. كيف لفيلسوف علم، وليس فنان أو شاعر، أن يحارب ابتغاء ~~الدقة بكل هذا الحماس، لو أمكنا اصطناع الدقة الكافية للتعبيرات الفلسفية، لأمكنا ~~أن ندرأ عنها اتهاما طال التصاقه بها وهو «تعبيرات فضفاضة»، وهل ينكر أحد أن ~~كثيرا من المشاكل التي عرقلت التقدم كانت بسبب الاختلاف حول تحديد معنى كلمة ~~معينة، ليس في العلم أو في الفلسفة فحسب، بل وفي المعاهدات السياسية والقوانين، بل ~~وحتى في الحياة الشخصية والاجتماعية تنجم مشاكل كثيرة بسبب الاختلاف حول تحديد ~~المقصود من معنى كلمة معينة. # 5 ~~⋆ # والأدهى من ذلك أن بوبر راح يؤزر موقفه بإعطاء الأمثلة من الفيزياء، الدالة على ~~أنها لا تعنى بدقة بدقة المصطلحات، أولا: يمكننا أن نزيد على الأمثلة التي أوردها ~~بوبر أمثلة أخرى أشد نصوعا كالاختلاف الكبير بين الدلالات التي يسميها مصطلح ~~القوى، وغالبيتها لا تملك أبدا أية علاقة بالقوى في معناها الخاص مثلا قوة الحصان ~~ليست قوة، بل قدرة، والقوة الحيوية وقوة التيار، وقوة الضوء أي شدته مثال آخر ~~«ميكانيكا الكم» ms249 يدل على علم ليس به أي شيء ميكانيكي، بل ويستحيل ذلك ولا يمكننا أن ~~نأخذ لفظ ميكانيكي إلا بالمعنى المجازي الواسع الفضفاض، كأن نقول: التركيب ~~الميكانيكي للساعة أو الدولة، وهي أيضا ليست فيها أي علاقة بالتكميم بمعنى الكميات. # 6 # إذن الفيزياء علم دقيق، ولكن مصطلحاته ليست بدقته الصارمة، هذا قول صحيح، لكن ~~الخطأ هو اعتباره حجة على أي شيء، حجة بأن نحتذي هذا الحذو ولا نأبه بأن مفاهيمنا ~~اللغوية غير دقيقة، إنه نوع من التقليد الأعمى، والعبودية لتقدم الفيزياء هل ~~لأنها أكثر تقدما، فيجب أن نحتذي حذوها في حسناتها وأيضا في سيئاتها؟ # هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الفيزياء تعوض هذا اللبس في مصطلحاتها ~~باعتمادها أولا وأخيرا على اللغة الرياضية، وهل من شك في أن الدقة الفائقة ~~للرياضة بحكم طابعها التحليلي، من أهم أسباب تقدم الفيزياء ثم إن الفيزيائيين ~~ليسوا حريصين حرص بوبر على هذا الالتباس في المفاهيم والمصطلحات، هم - بلا شك - ~~يرومون التخلص منه. # لقد أعرب بوبر عن تمام تقديره لأهمية الكفاح ضد التسليم الساذج بالمذهب الطبيعي، ~~أي المذهب أو النزعة التعالمية # Scientism # الدالة ~~على التقليد الأعمى لمنهج العلم ولغته، # 7 # فلعله هنا يقدر كفاحنا ضد هذه الهفوة التعالمية منه. ~~(3) يتمادى بوبر في رفض التحليل اللغوي، لدرجة أنه يقول: يجب أن نتجنب المشاكل ~~اللفظية بأي ثمن # at any cost ~~. # 8 # هل يدعونا بوبر إلى تجنب المشاكل اللغوية والتحليل، حتى ولو كان في ~~هذا التجنب خسارة نتحملها، هذا التعبير يوحي بأنه يعادي التحليل فقط من أجل ~~العداء. # لكن بوبر أوضح أنه يعادي التحليل ليس من أجل العداء، ولكن لأنه لا يجدي في نمو ~~المعرفة طالما أنه يحلل ما هو كائن ولا يضيف جديدا - كما أوضحنا في الفصل الثاني - ~~لكن لا أعتقد أن بوبر أصاب في هذه الحجة؛ لأن التحليل يساعد على الإيضاح والدقة، ~~وهذا من شأنه أن يساعد على التقدم، أو تمهيد طريق التقدم، هل من الضروري أن يأتي ~~الباحث بنظرية جديدة ويصوغها في جملة محدودة ليكون قد أضاف ms250 للمعرفة، غريب حقا أن ~~يتعلق بوبر فقط بهذا الأسلوب المباشر في الإضافة. ~~(4) إن بوبر قد تناقض مع نفسه في الرفض القاطع للتحليل اللغوي جملة وتفصيلا؛ ~~فقد أنكر تحديد منهج معين للبحث الفلسفي، أو مصدر معين للمعرفة، وقال: إن كل ~~المناهج متاحة، وكل المصادر نرحب بها شريطة تعريض نتائجها للنقد، ثم عاد بعد ذلك ~~وأنكر على التحليليين منهجهم اللغوي بالذات، رغم أن نتائجه قابلة للنقد ~~البين-ذاتي؛ أي الموضوعي، كيف ينكره بعد أن أعطى الحق في ممارسة كل منهج، لقد فطن ~~بوبر إلى خطئه هذا، فعاد في فاتحة الترجمة الإنجليزية من كتابه «منطق الكشف ~~العلمي»، التي طرحت بعد عشرين عاما من الأصل الألماني، وقال: إن هذا المنهج ~~اللغوي ممكن شريطة ألا يكون المنهج الوحيد، وبعد أن أنكر أدنى ضرورة للتحليل يعود ~~ليقول في هذه الفاتحة: إن هناك فعلا بعض المفارقات المنطقية في حاجة إلى التحليل ~~ليكشف عنها وأن التحليل قد يكون جزءا من الحل أو يساعد على الحل، لكن ليس الفلسفة ~~كلها، ثم يعود بعد هذه الفاتحة مرة ثانية في سيرته الذاتية لينكر ثانية أدنى ضرورة ~~للتحليل عامة أو للتحليل اللغوي خاصة أنه موقف متذبذب؛ لأنه غير متسق. # ودليل آخر على عدم الاتساق في هذا الموقف، هو: # بعد كل ما رأيناه عن عدائه للتحليلات الفيلولوجية الرامية إلى تحديد المعنى ... ~~نراه كثيرا ما يستغرق هو نفسه، في تحليلات فيلولوجية مريدا بها أن يزيد المعنى ~~وضوحا، في الباب السابق مثلا، رأيناه يدخل في تحليلات فيلولوجية كثيرة منها: # المعرفة بمعناها الذاتي ومعناها الموضوعي. # الأصل الفيلولوجي للفظ اللاتيني # interpretatic # الذي يقابل لفظ # interpret # في الإنجليزية ومدى دقة ~~المقابلة بين اللفظين، وتطور اللفظ ومعناه على مر العصور، أحرام على ~~بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس، هو فقط الذي يحلل ويدقق في ~~المعنى حين يريد. # حقا أن له موقفا يتسق مع اللامبالاة بمعاني الألفاظ، أي أول كتبه؛ فقد صدر في ~~أوائل الثلاثينيات بعنوان # Logic der forschung # أي ~~منطق البحث العلمي، ثم صدرت ترجمة الإنجليزية بعنوان # Logic Of ms251 ~~Scientific discovery # أي منطق الكشف العلمي ليس هناك أي مبرر ~~على الإطلاق لهذا التغيير في العنوان، فما الذي منعه من أن يخرجه في الإنجليزية ~~بعنوان # Logic of Scientific research # أي منطق البحث ~~العلمي، لا سيما وأن اصطلاح «البحث» أصوب بالنسبة لفلسفة بوبر، فهو يرى أن العلم ~~ليس فيه كشوف بل هو محض افتراضات حدسية نبحث عن الأصوب منها، ومصيرها جميعا ~~التكذيب، لقد أبدى بريان ماجي في حديث له مع بوبر دهشته مع هذا التغيير، ولم يعر ~~بوبر هذا أي التفات، مرة أخرى موقفه الرافض بقطع للتحليل اللغوي، متذبذب لأنه غير ~~متسق. ~~(5) إن الاتجاه التحليلي قد ثبتت أركانه وتوطدت أقدامه، وجاء بنتائج لا يستهان بها # 9 # بل وكاد يثبت أنه من أكثر فروع الفلسفة إثمارا، وأصبح من أهم الفروع ~~في الفلسفة المعاصرة، فقط انحصر النزاع فيما إذا كان هو كل الفلسفة أم بعضها وهو ~~بالقطع بعضها. # فرغم أهمية التحليل فإن الفلسفة لو قصرت عليه لأصيبت بالغثاثة، وفقدت ما يجعلها ~~فلسفة متميزة عن العلم، من حريتها في طرح أي سؤال وفي اتباع أي منهج، وفقدت مكمن ~~روعتها وهو حرية التجول في وديان الفكر، فضلا عن أن الفلسفة بصميم طبيعتها لا تقصر ~~على شيء، من هذه الوجهة - أعني قصر الفلسفة على التحليل - يمكن أن نعطي قيمة كبيرة ~~لنقد بوبر، غير أن التحليل - كما يشهد الأمر الواقع - ليس هو كل الفلسفة المعاصرة ~~هو مجرد تيار من عدة تيارات فيها، علينا أن نجني ثماره، في الوقت الذي نجني فيه ~~ثمار التيارات الأخرى ونظرا لقوة التيار التحليلي، فلا يمكن اعتبار موقف بوبر ~~الرافض له مباشرة تقييما أو حكما يصدر ، بل نعتبره فقط معبرا عن موقفه الشخصي ~~ورأيه الخاص. # وإنا لنعود ونؤكد أن بوبر لا يتخلى أبدا عن قوة موقفه وصلابته؛ فقد قال ~~واتكينز: إن بناة الأنساق الميتافيزيقية الشامخة راح زمانهم، وإن التحليليين يعاب ~~عليهم أنهم يقضون أعمارهم في عمل قد ينتهي إلى أشتات نتائج متفرقة، بغير اتجاه واحد ~~يجمعهم في وجهة نظر عامة، والظفر المعاصر للاتجاه ms252 البين بين، بين بناء النسق الكلي، ~~وبين التحليل الجزئي، وهو اتجاه فلاسفة يحيطون بمشاكل متفرقة، كل واحد على حدة، ~~لكن على قدر ما تتشعب المشاكل والأفكار يمكن تمييز اتجاه معين يوصل بين أفكاره ~~الرئيسية في الميادين المختلفة، # 10 # وواضح أن بوبر - على حد رأي واتكينز - أبرز من يمثلون هذا الاتجاه ~~الظافر، اتجاه البين بين، فهو يعالج مشاكل عدة بنظرة عامة واحدة، هي النظرة ~~النقدية. # أي إن بوبر أقوى في موقفه من موقف التحليليين، لكن خطأ بوبر هو أنه أراد أن يحذف ~~التحليل بأسره من ميدان الفلسفة، وهذا ما لا ينبغي، لقد تطرفت الوضعية في تحليلها ~~حين أرادت قصر الفلسفة عليه، وهذا خطأ، وتطرف بوبر في رفض التحليل أصلا، وهذا ~~أيضا خطأ معالجة التطرف لا تكون بالتطرف في الاتجاه المضاد، وإلا كانت معالجة ~~الخطأ بالخطيئة. ~~(6) بقيت ملاحظة أخيرة في التعقيب على موقف بوبر من التحليل، وهي أنه اكتفى ~~بالهجوم الضاري على التحليل اللغوي، وتحليلات منطق اللغة، لم يتعرض بما فيه الكفاية ~~للتحليل المنطقي مع إمامة رسل، لم يوضح تقييمه، أو حتى رأيه في الجهاز الرمزي الذي ~~اصطنعه رسل من أجل التحليل المنطقي هل ينطبق عليه رأيه في التحليل اللغوي من أنه لا ~~يضيف جديدا للمعرفة، لم يحدد بوبر موقفه، واكتفى بالتعبيرات المتناثرة هنا وهناك، ~~التي تحمل أعظم آيات الإجلال لرسل، والاعتراف بأن فضله عليه وعلى الفلاسفة ~~المعاصرين عموما أعظم من أي فيلسوف آخر، وبصفة عامة، فإن الانطباع الذي تتركه ~~مناقشات بوبر للتحليل هو أنه شديد الكراهية لفتجنشتين ووضعيته، شديد الإعجاب برسل، ~~ومن ذا الذي لا يعجب برسل، شيخ فلاسفة العصر بغير منازع! وأعظم عقلية أنجبها ~~القرن العشرين. ~~(7) في هذا الجزء من الفصل ناقشنا موقف بوبر من التحليل، وهو يضم نقده لمنحى ~~الوضعية التحليلي واللغوي معا، باعتبار الثانية مندرجة في الأولى. ~~(2) تعقيب على نقد بوبر لموقف الوضعية من الميتافيزيقا ولمعاييرها ~~(1) بقي فقط مناقشة نقد بوبر لموقفهم من الميتافيزيقا، ولمعاييرهم في التمييز، ~~ويمكن اعتبار الموقفين - رفض الميتافيزيقا والمعايير - وجهين لعملة واحدة، طالما أن ms253 ~~الغرض الأساسي للمعايير هو استبعاد الميتافيزيقا. ~~(2) وكما رأينا، فقد لاقى موقفهم من الميتافيزيقا نقدا شاملا من بوبر، أجمل ما ~~فيه أنه جاء من عالم وفيلسوف علم، والحق أن هذا النقد من أقوى مواقف بوبر، ومن ~~أكثرها إذكاء له في عالم التفلسف، أساس هذا الموقف هو أن بوبر شديد الاحترام ~~للميتافيزيقا، بينما الوضعيون شديدو الاحتقار لها، السبب في هذا الموقف المتناقض - ~~رغم أن كليهما فيلسوف علم - هو أن معرفة الوضعيين بالميتافيزيقا سطحية، فهم شديدو ~~الجهل بها والناس دائما أعداء لما جهلوا، بينما بوبر واسع العلم بها، أعماله - لا ~~سيما المجتمع المفتوح - تثير دهشة المتخصصين من سعة علمه بدقائق تاريخ الفلسفة، ~~علمه الواسع بالميتافيزيقا، هو الذي مكنه من أن ينزلها حق منزلتها؛ إذ لا يعرف ~~الفضل بين الناس إلا ذووه. # كان بوبر رائعا قويا متمكنا، على تمام الاتساق مع نظريته في وحدة المعرفة ~~ووحدة أسلوبها، وهو يشهر في وجه الوضعيين حجة أن الميتافيزيقا تمهد للعلم وفي ~~اعتبار الجهود المعرفية كلها حلقات في سلسلة واحدة، لقد قال جوزيف أجاسي معقبا على ~~هذا الرأي من بوبر: إن النظريات الميتافيزيقية هي وجهات للنظر حول طبائع الأشياء ~~تماما كما كانت نظرية فاراداي عن الكون كمجال للقوى، وإن الفارق الوحيد بين طبيعتي ~~هاتين النظريتين، هو أن النظريات العلمية - كما يرى بوبر - قابلة للتكذيب بينما ~~النظريات الميتافيزيقية غير قابلة له، وكما أوضح أجاسي # 11 # أيضا فإن النظريات بل والحقائق العلمية، تفسر من وجهات نظر ~~ميتافيزيقية مختلفة، وهو ينوه بهذا إلى رأي بوبر السابق من أن النسق العلمي يحوي ~~بالضرورة عناصر ميتافيزيقية، ولقد اعتاد أجاسي الامتعاض من العداءة التي اعتاد ~~معلمو الفيزياء على أن يظهروها للميتافيزيقا، باعتبارها فيزياء العصور الغابرة، أما ~~هو فيمجد بعض الميتافيزيقا على أنها فيزياء المستقبل. # لكن كون الميتافيزيقا ضرورة لتمهيدات العلم، ليست بدعة أو كشفا توصل إليه ~~بوبر، ليؤيده شارحه جوزيف أجاسي، بل هو حقيقة تاريخية ثابتة ومعروفة # 12 ~~⋆ # البدعة هي أن ينكرها أو يجهلها الوضعيون. ~~(3) أما عن نقد بوبر لمعايير التمييز، فقد كان غاية ms254 في القوة والمضاء، لم يخب ~~أبدا إلا حين نقد اللغة الفيزيائية، كما أوضحت آنفا. # لكن اللغة نفسها لم تستقم، وهي تحمل أعظم مآسي الوضعية، أعني حين قال كارناب - ~~وهو التجريبي العتيد - بالأنا وحدية ~~المنهجية # Solpsism ~~، فمن المعروف أن هذه الأنا وحدية المنهجية «معلم مميز ~~للمثالية المتطرفة المغرقة»، # 13 # على العموم فإن هذه اللغة قد انحلت إلى لغة العلم، التي وجدت من بوبر ~~أقوى نقد، والأكثر حسما وأهمية، خصوصا وأنها آخر مراحل محاولات دائرة فيينا ~~لتمييز العلم، نقد بوبر المحاولات لا يترك مجالا لمناقشة أو تعقيب، إنه ببساطة ~~أثبت استحالة أن تكون، استحالة أن تميز علما أو حتى تستبعد ميتافيزيقا. # وأجمل ما في هذا النقد أنه متسق تمام الاتساق مع فلسفة بوبر ذاتها مع أهمية النقد ~~وأسلوبه الجزئي مع رفض الاستقراء، مع العقلانية النقدية، نظريته في منطق الاحتمال ~~واعتباره للميتافيزيقا، وهو مع هذا نقد موضوعي خالص، يقبله كل باحث عن التقييم ~~المنطقي لهذه المحاولات، سواء اتفق مع فلسفة بوبر أم اختلف معها باستثناءات بسيطة، ~~مثل الأوجه المتعلقة برفض الاستقراء وتوضيح الاستحالة النظرية للتحقق، تبعا ~~لنظريته هو. # والأجمل والأكثر اتساقا أن معيار التكذيب سيتلافى كل هذه الانتقادات المطروحة في ~~الفصل الثالث تماما كما تلافت فلسفة بوبر كل الانتقادات المطروحة في الفصل الثاني، ~~وفي هذا الاتساق إحراز لنقطة هامة في صالح بوبر لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن ~~تناقض الوضعيين مع أنفسهم ودوراناتهم المنطقية من أبرز عوامل انهيارهم. # لكن من الملاحظ أن بوبر في سياق نقد التحقق، قد أوضح استحالة أن تكون الخبرة ~~الحسية بالذات مصدرا للمعرفة (كما حاول إثبات هذا في رفض الاستقراء) هذا بعد أن ~~سمح بكل المصادر على الإطلاق شريطة تعريض نتائجها للنقد، فلماذا يضطهد بوبر مصدر ~~الخبرة الحسية بالذات لا سيما وأن نتائجها قابلة للنقد، أغضب هذا الاضطهاد بول ~~برنايز، ورأى أن بوبر فيه يناقض نفسه، ويناقض نصحه الدائم بالتواضع المعرفي، وعدم ~~احتقار أي مرحلة أو نمط معرفي، حتى ولو كان خرافة أو أسطورة # 14 # فلتكن معطيات الحس ms255 التحققية ليست معرفة مباشرة، وليس هناك معبر منطقي ~~من المدركات الحسية إلى العبارات لكن هذا لا يحول بيننا وبين التعلم من الخبرة، ~~وتعلم استعمال اللغة، فلماذا يتمادى بوبر في إنكار أي وجود للخبرات الحسية ~~التحقيقية، بوصفها مصادر ترد إليها المعرفة، أو العبارة إذا كانت علمية؟ # 15 # الواقع أن بوبر لم يضطهد مصدر الخبرة ولم يحتقره كما تصور بوبر بيرنايز، لكن ~~الفكرة أن فلسفة بوبر - كما أوضح الباب السابق - تعني أن هناك استحالة في تلقي ~~معطيات الحس بذهن خالص، التوقعات الفطرية والافتراضات السابقة، تعني استحالة التحقق ~~كما يرومها الوضعيون؛ لذلك يستحيل أن تكون المعرفة مجرد تسجيل للحس كما يهدف ~~التحقق، تماما كما يستحيل أن تكون مجرد تسجيل للخرافة أو الفروض أو أي مصدر آخر من ~~مصادر المعرفة. # خاتمة ~~(1) لقد كان بوبر أكثر من رائع وهو يرفض مجاراتهم، رغم ما أوضحه تمهيد هذا الباب ~~من عوامل شكلية وموضوعية، كان من شأنها أن تلقي به في قلب التيار التحليلي عامة ~~والوضعي خاصة. # الانحياز لطرف بوبر تؤيده أقوى الدعامات وأمتنها والتي تعز حتى على النقاش، ألا ~~وهي شهادة الواقع والتاريخ، شهدت الأيام بأن فلسفة الوضعيين رغم تطرفهم ووضوح ~~الرؤية أمامهم، وتمسكهم الراسخ بمبادئهم، ورغم أنهم من أساطين العلم والمنطق ... رغم ~~كل هذا لم يستطع المذهب الصمود، وبعد عقود قليلة من السنين كانت محاولات إنقاذ ~~المذهب وتكييفها وتعديلها، تأدت بهم إلى تناقضات، أو إلى الانتهاء إلى مبادئ تناقض ~~الأصل الذي بدءوا منه، باختصار انتهوا إلى اضمحلال المذهب وتفككه، أو على أحسن ~~الفروض إلى ذوبانه في التيارات التحليلية الأخرى، فكان عمره حقا قصيرا إذا ما ~~قيس بالعمر المعهود للمذاهب الفلسفية حينما تكون شامخة. ~~(2) لقد تعرضت الوضعية للنقد المتحامل أكثر من أي مذهب آخر، لكن نقد بوبر ~~بالذات له منزلة خاصة؛ لأنه شاهد من أهلهم، فهو مثلهم يألف الفيزياء والرياضة على ~~دراية واسعة، بتقدم العلوم الطبيعية فقط اختلف عنهم في سعة إلمامه بالفلسفة الخالصة ~~والميتافيزيقا، وهذا جعل نقده متبصرا بالمذهب وأسسه ومعاييره، داعيا لأهدافه ~~ومراميه، متقنا لأساليبه ms256 المنطقية والفنية والعلمية، ومن ناحية أخرى سد الطريق على ~~الوضعية لاتهامه بالتأخر والجهل بالعلم، كما تتهم كل ناقد لها يحترم ~~الميتافيزيقا. ~~(3) ولكن رغم ثقل وخطورة نقد بوبر فإني لا أوافق على الاحتمال الذي يرجحه من أن ~~يكون هو المسئول عن القضاء على حركة الوضعية المنطقية، لا هو ولا أي ناقد آخر، بل ~~أعتقد أن السبب الذي عجل باضمحلال المذهب، إنما يكمن في الصعوبات التي بدت في ~~صميمه، في التناقضات التي انطوت عليها أفكارهم نفسها، وفي تقدم العلوم الفيزيائية ~~البحتة في الاتجاه التجريدي، وسيرها في المسار الاستنباطي. في الفيزياء المعاصرة ~~اتجاهان: الفيزياء التجريبية، وأعظم أعلامها مندليف ورذرفورد وبيير وماري كوري، ~~والفيزياء البحتة وأعظم أعلامها، هو أعظم الأعلام طرا: آينشتين وماكس بلانك ولويس ~~دي بروي، والآن الغلبة للاتجاه الاستنباطي البحت، ولا يعتمد العالم فيه كثيرا على ~~المعمل، إن لم يكن لا يدخله؛ فقد قيل عن آينشتين: إنه لم يجر في حياته تجربة واحدة ~~لكي يصل إلى النظرية النسبية، وكانت معظم جهوده الفيزيائية على الورق، حيث يجري ~~معادلاته، كل هذا أدى إلى استحالة قيام فلسفة علمية على أساس من معطيات الحس ~~المباشر، أي التحقق وسائر تعديلاته، من معايير تميز العلم على هذا الأساس. ~~(4) على أية حال لا بد أن ينتهي المطاف إلى الإقرار بأن محاولات الوضعية لم تحل ~~المشكلة المطروحة للبحث، لقد اضمحل التحقق من تلقاء نفسه، حين حاول أن يقاوم ~~الاحتضار متخذا صورا أخرى كالقابلية للاختبار والتأييد أو لغة العلم، لم تكن أقل ~~منه إخفاقا، ثم كانت الطامة الكبرى أن يتنكر فتجنشتين للتحقق وهو المعيار الأساسي، ~~ثم جاء نقد بوبر حاسما باتا. ~~(5) معيار القابلية للتكذيب بلا جدال أقوى وأصوب وأمتن منطقيا وفلسفيا ~~وعلميا، بما لا يقارن بهذا التحقق، ولا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار ما يتمتع به ~~التحقق من شهرة فلسفية لم تحزها إلا أفكار قلائل في القرن العشرين، فهو لم يحز في ~~هذا معشار ما حازه الاستقراء، ومتى كانت الشهرة معينا على التقويم # 16 ~~⋆ # كم ~~من الأفكار الغثة السطحية؛ وبالتالي الخاطئة ms257 راجت رواجا، والسبب واضح هو أنها ~~مستطيعة إرضاء الغالبية العظمى وهم ذوو العقول السطحية وكم من الأفكار الثرية ظلت ~~حبيسة، والسبب أيضا أنها استعصت على فهم العوام فجافت ميولهم ولم تجد لنفسها ~~سوقا، لا يعني هذا طبعا أن معيار التحقق تافه أرضى عقول الوضعية الساذجة، بالطبع ~~كلا، قصارى ما أعنيه أن الشهرة ليست معينا على التقويم وأن كون التحقق ذائع الصيت، ~~وأن التكذيب لا تدري به الأغلبية فإن هذا لا يعني شيئا، ولا ينفي أن التكذيب أصوب ~~ألف مرة من التحقق وبالتالي من الاستقراء، وأنه أفضل محاولة وضعت حتى الآن ~~لتمييز المعرفة العلمية، ولماذا لا ندع معيار القابلية للتكذيب يتحدث عن نفسه # 17 ~~⋆ # فنخصص له الباب القادم بأسره؟ # الباب الثالث # | معيار القابلية للتكذيب # | تمهيد # إيجاد معيار مقبول، يجب أن يكون المهمة الحاسمة لكل إبستمولوجي لا يقبل ~~المنطق الاستقرائي. # 1 ~~(1) ها نحن ذا قد وصلنا إلى بيت القصيد من هذه الدراسة: المعيار الذي ~~وضعه بوبر لتمييز المعرفة العلمية التجريبية، أي معيار التكذيب، أو بدقة أكثر: معيار ~~القابلية لإثبات الكذب، ولما كان هذا المعيار هو صلب فلسفة بوبر، فقد تناثر الحديث عنه ~~في ثنايا البحث، مما يساعدنا أكثر على أن نعرضه في هذا الباب بصورة واضحة ~~متكاملة. ~~(2) فقد انتهينا حتى الآن إلى الآتي: ليس هناك استقراء من أي نوع كان، لا منطقي ولا ~~سيكولوجي ولا براجماتي؛ لذلك فالحكم بأن العبارة علمية يستحيل أن يستند على أنها قائمة ~~على عدد كبير جدا من الملاحظات، أو على كونها آتية من الخبرة، فضلا عن أن أصل ~~النظرية ومن أين أتت لا ينبغي أن يعنينا كثيرا، بل إطلاقا. # وإن معايير الوضعية واقعة في تناقضات ومصاعب، جعلتها غاية في الخلخلة والاهتراء؛ بحيث ~~إنها لا تميز شيئا، وكانت نتيجة مناقشة كل طور من أطوار معايير الوضعيين، هي أننا نبقى ~~في فوضى معرفية في كنف معيار للتمييز لا مبرر لإقامته. # ولكننا انتهينا أيضا - في مناقشة الوضعيين - إلى التباس حدود الميتافيزيقا بالعلم، ~~فحقا أنها طوال تاريخها تقود تقدم العلم، إلا ms258 أنها ليست علما بالطبع، واختلاطها ~~بالعلم دون حدود أو معايير، يمثل خطرا معرفيا بالإضافة إلى ما هو أهم ألا وهو ~~العلوم الزائفة التي تدعي القدرة على الإخبار عن الواقع في حين أنها ليست ~~كذلك. # وكما أوضحت مقدمة البحث، كانت العلوم الزائفة هي الشرارة التي فجرت مشكلة التمييز ~~في ذهن بوبر، والتي من أجلها أساسا بحث عن معيار لتمييز العلم، والتي من أجلها أيضا ~~توصل إلى أنه القابلية للتكذيب، وكان الصخب العلمي الذي ملأ أجواء النمسا إبان شباب ~~بوبر حول القدرات المعرفية لنظريات فرويد وأدلر وماركس وآينشتين، في حين أن نظرة بوبر ~~العلمية الفلسفية العميقة تؤكد له أنها ليست سواء في المنزلة أو حتى في السمة العلمية، ~~كان هذا هو الذي أكد له أن المهمة الأولى لمنطق المعرفة هي أن يقدم محاولة لتمييز العلم ~~التجريبي تحكم استعمال هذا المصطلح، «محاولة لرسم خط بأفضل الطرق المستطاعة بين عبارات ~~أو اتساق عبارات العلم الطبيعي، وبين سائر العبارات الأخرى سواء كانت دينية أو ~~ميتافيزيقية أو عبارات علوم زائفة.» # 2 # أو تحصيلات حاصل، فلنلاحظ أن بوبر - مثل الوضعيين ومثل غالبية المناطقة ~~المعاصرين - يأخذ بالنتيجة العظيمة التي انتهت إليها المدرسة المنطقية في فلسفة ~~الرياضة بزعامة رسل ووايتهد، وهي الطابع التحليلي، التحصيل حاصل لقضايا المنطق ~~الرياضية، أي الانتهاء إلى أنها لا تخبر بشيء البتة عن الواقع. # فالمعيار هو اقتراح مبدأ إذا خضع له نسق من الأفكار اعتبرناه علما تجريبيا ~~طبيعيا أي يعطينا أخبارا ومحتوى معرفيا، وقوة شارحة عن العالم التجريبي الواحد ~~والوحيد الذي نعيش فيه، دونا عن سائر العوالم الممكنة منطقيا، وهي فئة لا متناهية، ~~ومن الناحية الأخرى ترومه نسقا تجريبيا، يمثل عالما غير متناقض، أي عالما محتملا ~~منطقيا، لا يكون ميتافيزيقيا، بل وممثلا لعالم الخبرة الممكنة: العالم التجريبي الواقعي. # 3 # وبوبر يزعم أن القابلية للتكذيب هي المعيار الذي يميز كل هذا، والذي يفرد نسق العلم ~~التجريبي عن سائر الأنساق المعرفية الأخرى، مهما كانت صورتها المنطقية. # هذا الباب سيعرض لزعم بوبر هذا: معيار القابلية للتكذيب، يعرض الفصل ms259 الأول ماهية هذا ~~المعيار أو كيف يمكن إجراؤه ونتائج هذا الإجراء، وأيضا محاولة التخلص منه أو التحصين ~~من التكذيب، في الفصل الثاني نناقش أسس هذا المعيار التجريبية، وفي الفصل الثالث نتعرض ~~لتفاوت منزلة النظريات، أي درجات قابليتها للتكذيب، أما الفصل الرابع فهو لتطبيقات ~~المعيار، وننهي الحديث بتعقيب هو مناقشة لمعيار التكذيب وفلسفة بوبر التكذيبية. # الفصل الأول # | معيار القابلية للتكذيب # معيار القابلية للتكذيب هو حل مشكلة التمييز هذه فهو يقول إن العبارات أو ~~أنساق العبارات لكي تحوز السمة العلمية لا بد وأن تكون قادرة على الدخول في ~~صراع مع ملاحظات محتملة أو معقولة. # 1 ~~(1) معيار القابلية للتكذيب وكيف يميز العلم ~~(1) لقد أوضح بوبر أن النظريات العلمية فروض، قد تأتي بأية طريقة، مثلما تأتي ~~الفكرة الفنية أو الخرافة أو الأسطورة بأية طريقة، لكن ما يميز العلم عن أي نشاط ~~عقلي آخر هو قابليته المستمرة للتكذيب بواسطة الخبرة التجريبية؛ إذ تعطينا العبارة ~~معلومات عن العالم التجريبي الذي نحيا فيه، أي تكون علمية، فقط إذا كان من الممكن ~~أن تتصادم مع الخبرة، فالفكرة آتية أساسا من عبقرية الدماغ العلمي المستعينة ~~بالحصيلة المعرفية، لكن «ليس هناك علم إلا إذا قام تكامل بين الفكرة والواقع، ذلك ~~التوافق الذي لا ينتهك بين اليد والدماغ ذلك التكامل المفروض والمحقق بمقابلة دائمة ~~بين النظرية ومحاضر الملاحظة الحسية بالمقارنة والتقريب المتماديين في الدقة، ~~بتفصيل كل إعلام للفرضية وتفصيل كل نتيجة للتجربة.» # 2 # ويؤكد بوبر أن هذه المقارنة والمقابلة هي إمكانية الإخضاع لاختبارات ~~نسقية منهجية قد تؤدي في النهاية إلى التفنيد، فالخضوع للاختبار وإمكانية التفنيد ~~التجريبي - أي التكذيب - هو ما يميز الصورة المنطقية للقضية العلمية عن بقية الصور ~~المنطقية لسائر القضايا التركيبية، أي التي تتخذ الشكل المنطقي: «أ هي ب». # 3 # إن القابلية للتكذيب هي المعيار الذي يحدد مفهوم العلم التجريبي الطبيعي، أي ~~العلم الذي يعطينا مضمونا إخباريا ومحتوى معرفيا وقوة شارحة عن العالم ~~التجريبي الواحد والوحيد، فتعتمد الخاصية العلمية للقضية على إمكانية إثبات كذبها ~~بواسطة أدلة تجريبية من وقائع الحس ms260 الملاحظة، أي الإمكانية التجريبية، وليس فقط ~~الإمكانية المنطقية «إذ إن المحاكمة العلمية لا تفترض إمكانية الملاحظة فحسب، بل ~~وإنجازها أيضا.» على هذا يمكن تمييز العلم التجريبي بأن «العبارة العلمية على قدر ~~ما تتحدث عن الواقع فإنها يجب أن تكون قابلة للتكذيب، وعلى قدر ما لا يمكن تكذيبها، ~~فإنها لا تتحدث عن الواقع.» # 4 ~~(2) وقد يثير هذا الاتجاه نحو التكذيب اضطرابا لأنه مخالف للمألوف، # 5 ~~⋆ ~~«غير أن النظرة المتروية توضح أن الكذب حقا جريمة خلقية مستهجنة، لكنه من الناحية ~~الأخرى منجز حديث جدا من منجزات الإنسان، وهو الذي جعل اللغة على ما هي عليه، أي ~~أداة للتقرير الخاطئ كما هي أداة للتقرير السليم.» # 6 # لكن عبارات العلم التجريبي هي فقط التي يمكن إثبات كذبها؛ لأنها تتحدث ~~عن الواقع الذي يمكن الرجوع إليه ومقارنتها به؛ لذلك فهي في موقف حرج حساس؛ مما جعل ~~بوبر في فصل «منهج العلم» يلح على مطلب الجرأة؛ فالجرأة هي فقط التي تمكن من اقتحام ~~المجهول واكتشاف الجديد، فالحقيقة ليست ظاهرة كما تدعي العقلانية الكلاسيكية، بل ~~هي تكمن خلف ما يبدو لنا من العالم، ولعلها ذات طبقات عدة، الطبقة الخارجية ~~النهائية هي المظاهر البادية، وما يفعله العالم العظيم هو أن يخمن بجرأة يحدس ~~بإقدام، كيف تكون هذه الحقائق الداخلية، ويمكن أن تقاس درجة الجرأة بقياس مدى البعد ~~بين العالم البادي وبين الحقيقة المفترضة حدسا، أرسطارخوس وكوبرنيقوس عالمان ~~عظيمان؛ لأنهما افترضا أن الشمس هي مركز الكون، في حين أن المظهر البادي يقول: إنها ~~قابعة فقط في سماء الأرض. # غير أن ثمة نوعا آخر من الجرأة لا يتعمق بل هو متعلق بالمظاهر البادية؛ إنه جرأة ~~التنبؤ؛ فالتنبؤ هو هدف العلم المقدس، ويحدد بوبر مهمة عالم العلوم الطبيعية ~~بأنها البحث عن القوانين التي تمكنه من استنباط التنبؤات، # 7 # فالفرض الشارح لا بد وأن يتنبأ بأوجه معينة من العالم البادي، هذا ~~النوع من الجرأة هو الأهم وهو ما يميز الفرض العلمي بالذات، # 8 # فالفرض الميتافيزيقي يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الأول، يمكنه ms261 أن ~~يحدس الحقيقة الكامنة التي لا تبدو للعيان، لكن لا يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى ~~الثاني، لا يمكن للفرض الميتافيزيقي أن يتنبأ بوقائع تجريبية ستحدث أمامنا في ~~العالم التجريبي وقابلة للملاحظة، إنه لو فعل هذا لتعرض لمخاطرة كبيرة، مخاطرة ~~الاختبار والتفنيد، مخاطرة التصادم مع الخبرة، إنها مخاطرة لا يقوى عليها إلا ~~العلم؛ لذلك نكشف كل يوم أخطاء بعض من نظرياته فنتركها ونصل إلى الأفضل، بفضل ~~إمكانية التكذيب كان العلم هو البحث الدائم التقدم، فإمكانية تكذيب العبارات ~~العلمية هي قابليتها الشديدة للنقد والمراجعة لأن تترك وتحل محلها عبارات ~~أفضل. # ومن هنا اقترح بوبر أن تكون الجرأة من النوع الثاني، والبعد المنهجي الذي ~~يقابلها، أي الاستعداد للبحث عن الاختبارات والتفنيدات هو ما يميز العلم التجريبي ~~عن اللاعلم، خصوصا عن الأساطير والميتافيزيقات في مرحلة ما قبل العلم. # 9 # البعد المنطقي والبعد المنهجي هما وجها عملة التكذيب الواحدة، حيث إن القابلية ~~للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار، # 10 ~~⋆ # يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: «ما يميز الفيزياء التي يقدمها أفلاطون في محاورة ~~«طيماوس» من الفيزياء الحديثة، أن أفلاطون يطلق الفروض في تفسيره للظواهر، وتحديد ~~العناصر الأولية، وبيان الحركات السماوية، دون أن يمتحن صحة هذه الفروض بالتجارب والملاحظات.» # 11 # إن أفلاطون لا يختبر فروضه، أي لا يحاول تكذيبها، ولا هي قابلة ~~للتكذيب؛ لأنها ليست علما. ~~(3) المعيار إذن هو إمكانية للتكذيب، أي التفنيد والنفي، وليس إمكانية التحقق أي ~~الإثبات فمثلا العبارة: «غدا سوف تمطر السماء شمال الوجه البحري.» عبارة علمية ~~تجريبية؛ لأن الخبرة الآتية في الغد يمكن أن تكذبها، # 12 # يمكن أن تشرق الشمس غدا شمال الوجه البحري ولا تمطر السماء، فتدلنا ~~الخبرة التجريبية على أن هذه العبارة كاذبة، إنها لذلك - وليس لإمكانية تحققها - ~~علمية فحقا أن الخبرة الآتية في الغد قد تدلنا على أن السماء تمطر شمال الوجه ~~البحري، وأن العبارة صادقة، غير أن هذا لا يجعلها علمية، أو بمعنى أدق ليس هو المحك ~~الذي نعتمد عليه في اعتبارها علمية، رغم أنه يجعلها صادقة، إنما ذلك المحك ms262 هو ~~قابلية التكذيب القائمة فيها على أية حال. # تمسك بوبر بالتكذيب جعله يتفادى كل مشاكل التحقق، فينجح في هدفه الأساسي وهو ~~التمييز بين قضايا العلوم التجريبية الحقيقية سواء كانت صادقة أو كاذبة، وبين قضايا ~~العلوم الزائفة مهما كانت صادقة، وبعد أن يميز بوبر العلم سيعالج منطقه معالجة تكفل ~~له السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر. # 13 ~~⋆ ~~(4) أما الذي يجعل القابلية للتكذيب معيارا تجريبيا قادرا على تمييز العلم ~~التجريبي؛ فذلك لأنه يرسو على أسس تجريبية، هي العبارات الأساسية # basic statements # وهي عبارات تجريبية مفردة لها الصورة المنطقية ~~للعبارات الموجودة المحددة، أو بتعبير تارسكي # 14 ~~⋆ # القضايا ذات الطابع الوجودي # existential character # التي تقرر وجود أشياء معينة متصفة بصفة معينة. # 15 # أي وجود شيء معين في زمان معين ومكان معين فتشير علانية إلى موضوع مادي يمكن ~~ملاحظته مما يجعل من الممكن مباشرة إثباتها أو إنكارها على أنها إما صادقة أو ~~كاذبة، وهذه العبارات مدموغة بالخبرة الحسية، إلا أنها لا تصف هذه الخبرة، # 16 # تبعا لفلسفة بوبر التي تثبت استحالة تدخل الحس الخالص في ~~المعرفة. # أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك «س» في مكان ما من زمان ما.» فهي ~~تبعا لمعيار القابلية للتكذيب، لا يمكن أبدا أن تكون في حد ذاتها علما، هي لا ~~علم؛ ذلك لأنها لا يمكن أن تخبر بشيء ما لم تنسب إليها الشروط التي تحددها، أي التي ~~تجعلها وجودية محددة على الرغم من إمكانية اشتقاقها من قضايا كلية علمية قابلة ~~للتكذيب، إلا أنها ليست من فئة العبارات الأساسية؛ لأنها ليست محددة تفتقر إلى ~~الصورة السابقة المشروطة لعبارات الملاحظة. # وطالما أن العبارة الأساسية لها صورة العبارة الوجودية المحددة فهي إذن ~~عبارة خصوصية # particular statement # عن ~~واقعة خصوصية # particular fact ~~، وهذه العبارات ~~تمثل عمود التكذيب الفقري ودماءه، وهي التي خولت له إمكانياته، وهي - وهي فقط - ~~التي جعلته قادرا على تمييز العلم التجريبي، ولولاها لما تميز التكذيب عن أية فكرة ~~منطقية كأفكار هيجل مثلا. # فلنفترض أننا فتتنا العالم التجريبي على ms263 طريقة برتراند رسل إلى أقصى درجة ~~ممكنة، أي إلى عدد لا نهائي من الأحداث، كل حادث واقع في آن معين من الزمان ونقطة ~~معينة من المكان، جماع هذه الأحداث هو العالم التجريبي، ولنضع لكل حدث جملة تنقله، ~~بتعبير رسل: جملة ذرية ... هذه الجمل الذرية وارتباطاتها معا هي العبارات الأساسية، ~~إنها نسق من جميع العبارات الممكن تصورها عن الواقع، المفردة والمتسقة ذاتيا، ~~والتي لها صورة منطقية معينة «صورة العبارة الوجودية المفردة» لذلك سيحتوي نسق ~~العبارات الأساسية على عبارات كثيرة ليس بينها توافق متبادل # incompatible ~~، # 17 # إذ إنها تعبر عن الوقائع التجريبية أي الممكنة، التي قد تحدث وقد لا ~~تحدث. # ونظريات العالم الطبيعي؛ أي محاولات الكشف عن القوانين التي تحكم العالم ~~التجريبي، هي محاولات رسم حدود وفواصل بين هذه العبارات الأساسية، حدود تحدد الممكن ~~الذي سوف يحدث وسوف نلقاه في خبراتنا، وتمنع ما خارجها من الحدوث؛ لذلك يقول بوبر: ~~إن إمكانية التكذيب هي إمكانية الدخول في علاقات منطقية مع عبارات أساسية محتملة؛ ~~أي من فئة كل العبارات الأساسية الممكنة، وإن هذا لهو المطلب الجوهري والأساسي؛ ~~لأنه متعلق بالصورة المنطقية للفرض؛ # 18 # كي يكون علميا. # لذلك يكون التعبير المنطقي عن قابلية التكذيب هو: تكون النظرية قابلة للتكذيب؛ أي ~~عملية، إذا كانت تقسم فئة كل العبارات الأساسية المحتملة تقسيما واضحا إلى ~~الفئتين الفرعيتين # sub-classes # اللافارغتين: # فئة كل العبارات الأساسية التي لا تتسق النظرية معها، أي التي ~~تستبعدها وتمنعها، فإن حدثت أصبحت النظرية كاذبة، وهذه هي فئة المكذبات ~~المحتملة للنظرية. # فئة كل العبارات الأساسية التي تتسق النظرية معها؛ أي لا تناقضها وهي ~~العبارات التي تسمح بها النظرية. # والخطورة والتعويل في السمة العلمية على الفئة الأولى، بحيث يمكن تلخيص هذا ~~كالآتي، تكون النظرية قابلة للتكذيب إذا كانت فئة مكذباتها المحتملة ليست ~~فارغة. # فلنمثل فئة جميع العبارات الأساسية الممكنة بمساحة دائرية، وجميع الأحداث الممكنة ~~بأنصاف أقطار الدائرة، فيجب أن يكون نصف قطر واحد على الأقل غير متفق مع النظرية، ~~أو قطاع دائري واحد ضيق، سيمثل أن الحدث ms264 يجب أن يكون قابلا للملاحظة، وعلى هذا ~~يمكن تمثيل المكذبات المحتملة لمختلف النظريات بقطاعات دائرية ذات اتساعات مختلفة، ~~ونقارن فئات المكذبات باتساع القطاعات المستبعدة بواسطتها، فتكون فئة مكذبات ~~النظرية أكثر إذا كان قطاعها أوسع، # 19 # مما سيعني أنها أكثر قابلية للتكذيب، أي أكثر علمية. # إن النظرية تضع تقريرا فقط عن مكذباتها المحتملة - أي تقرر فقط إمكانية كذبها - ~~وهي لا تقول شيئا عن العبارات الأساسية التي تسمح بها النظرية لا تقول: إنها صادقة، # 20 # وإذا طلبنا منها هذا وقعنا في مهاوي التحقق. ~~(5) بناء على هذه العبارات الأساسية تتم عملية الكشف عن القابلية للتكذيب، ~~والتكذيب، أي إمكانية مواجهة، ومواجهة، القضايا العلمية بالواقع التجريبي. # بالنسبة للعبارة المفردة، فإن إثبات كذبها إذا كانت كاذبة، يمكن في التو واللحظة، # 21 # وعلى الرغم من أن هذه العبارات هي أساس عملية التكذيب التجريبي؛ لأنها ~~النهايات التي يرتكز عليها إجراء المعيار، إلا أنها ليست موضوع مشكلة التمييز بين ~~العلم واللاعلم الآن، وإن كانت موضع مشاكل أخرى عديدة، # 22 ~~⋆ # موضع مشكلة التمييز أساسا هو القضايا الكلية، أي القوانين والنظريات. # لكن الطبيعة الكلية العمومية لقوانين ونظريات العلم، تعني استحالة مواجهتها ~~بالواقع التجريبي؛ لأنها تتحدث عن أفق لانهائي، يستحيل حصره في زمان ومكان معينين ~~يمكن إخضاع ما يضمانه لنطاق اختبار تجريبي، فكيف يمكن الكشف إذن عن كونها قابلة ~~للتكذيب أو غير قابلة له؟ # يمكن هذا عن طريق استنباط عبارات مفردة من النظرية، يسهل أن نواجهها بالواقع، ~~فيكون الاستدلال التكذيبي استدلالا استنباطيا صرفا هابطا من الكليات إلى ~~جزئياتها، ولا أثر للاستقراء فيه البتة. # لكن مجرد إمكانية استنباط عبارات مفردة من النظرية، لا يعني أن النظرية علمية؛ إذ ~~لكي نستنبط عبارات مفردة من النظرية التي هي كلية سنحتاج حتما إلى عبارات مفردة ~~أخرى تمثل الشروط المبدئية # itnitial conditions # لما يجب أن تخضع له متغيرات النظرية، ويمكن أن نقارن هذا بما يذهب إليه المنطق ~~الرياضي من اعتبار القضايا الكلية دالات قضايا وليست قضايا ؛ إذ تنتظر وقوع الجزئي ~~من موضوعها الكلي، الذي يجعلها قضية، لكن ms265 بالطبع في نظريات العلم لا تكون المسألة ~~مجرد مثال جزئي للقانون الكلي، بل وإن بوبر يصوب أنظاره دائما شطر النظريات ~~الفيزيائية البحتة، وفي اختبار التكذيب تكون النظرية إحدى مقدمات الاستنباط، وبقية ~~المقدمات عبارات مفردة أخرى تخدم كشروط أساسية لحدوث ما تخبر به النظرية، والذي ~~سيكون نتيجة الاستنباط التي نقابلها بالواقع التجريبي. # لكن هل مجرد إمكانية استنباط عبارات مفردة من النظرية - بمساعدة عبارات مفردة ~~أخرى - هي عينها إمكانية التكذيب التي تميز النظرية العلمية؟ بالطبع كلا، فأية ~~عبارة لا تجريبية، مثلا ميتافيزيقية أو تحصيل حاصل يمكن أن نستنبط منها عبارات ~~مفردة بمساعدة عبارات مفردة أخرى، فمثلا: «إذا كانت «أ» هي «أ»، لكانت السماء ستمطر ~~غدا، لكن «أ» هي «أ»؛ إذن السماء ستمطر غدا.» وهي نتيجة تمثل عبارة أساسية. # فهل يمكن أن نبحث عن إمكانية استنباط عبارات مفردة، تخبر بشيء جديد لم تخبر به ~~العبارات المفردة التي خدمت كشروط أساسية، هذه الإضافة سوف تستبعد تحصيلات الحاصل، ~~لكنها لن تستبعد العبارات الميتافيزيقية، # 23 # فمثلا: «كل حادث لا بد له من علة غائية، وقد حدث اليوم زلزال في ~~أثينا؛ إذن زلزال أثينا له علة غائية.» إنها أكثر من المقدمات، لكنها ليست عبارة ~~تجريبية مفردة. # لكي نتجنب كل هذا، ونستطيع جعل القابلية للتكذيب معيارا يميز العلم بكفاءة، ~~يجب أن نضع نصب أعيننا مطلب القاعدة الآتية: ~~«يجب أن تسمح النظرية بأن نستنبط منها عبارات تجريبية مفردة أكثر من العبارات ~~التي يمكن استنباطها من العبارات التجريبية التي تمثل الشروط الأولية بمفردها.» # 24 # إذا سمحت النظرية بهذا، أمكن مواجهة تلك العبارات المستنبطة منها بالواقع ~~التجريبي، الذي قد يكشف عن كذبها، أي كانت النظرية قابلة للتكذيب؛ فهي إذن علمية، ~~وهذه العبارات المستنبطة منها تمثل مضمونها المعرفي، الذي تخبرنا به عن العالم ~~التجريبي، إنها تنبؤاتها. ~~(6) إذن الاستنباط هو منهج التكذيب؛ لأنه أساس منهج العلم، وكل هذا يعني أن فكرة ~~القابلية للتكذيب كمعيار تكاد تكون بديهية؛ لأنها لا تعني أكثر من أن العبارة موضع ~~البحث يجب وأن يلزم عنها نتائج # consequences ~~، تسمح ms266 ~~من حيث صورتها أو خاصيتها بأن تكون كاذبة، وهذا بدوره لا يعني أكثر من أن القانون ~~الفيزيائي بصفة عامة يمكن أن تختبره التجارب، # 25 # يمكن أن يقبل مخاطرة التفنيد. ~~(2) معيار القابلية للتكذيب والمحتوى المعرفي ~~(1) وإن النظرية التي تقبل مخاطرة التفنيد؛ أي القابلة للتكذيب، ستصف عالمنا ~~المعين، عالم خبرتنا الوحيد، وستفرده عن فئة كل العوالم الممكنة منطقيا، وبمنتهى ~~الدقة المستطاعة للعلم. # 26 # وكلما ازدادت النظرية في محتواها المعرفي وفي عموميتها وفي دقتها، كلما عينت هذا ~~العالم أكثر، إن إمكانية التصادم مع الواقع - أي القول بما قد لا يحدث في الواقع ~~فيكذب النظرية - هي التي تميز النظرية العلمية، إنها قدرتها على الاستبعاد على منع ~~بعض الحوادث المحتملة من الحدوث، وكلما منعت النظرية أكثر كلما أخبرتنا أكثر، # 27 # وكلما عرضت نفسها لإمكانية انتهاكات أكثر، كلما زادت قابليتها ~~للتكذيب. # فمثلا: «الماء يغلي في درجة مائة مئوية.» هذه عبارة علمية إذ يمكن مقابلتها ~~بالواقع ممكن ألا يغلي الماء في هذه الدرجة، إذا حدثت هذه الواقعة، وحدوثها ممكن، ~~يتم تكذيب العبارة، لكن نلاحظ أن العبارة تمنع حدوث غليان الماء في أية درجة أخرى، ~~60 درجة أو 90 درجة، وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا: «إن الماء يغلي في درجة ~~100 درجة في مستوى سطح البحر.» كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها منعت أكثر، فقد ~~منعت كل ما منعته سابقتها، بالإضافة إلى أنها منعت غليان الماء في درجة 100 درجة ~~فوق سفح جبل أو في هوة سحيقة، أو في أي مكان ضغطه الجوي، مختلف عن الضغط فوق سطح ~~البحر، وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا: «في مستوى سطح البحر، يغلي الماء في ~~درجة 100 درجة في الأوعية المكشوفة.» كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها تمنع غليان ~~الماء في هذه الدرجة عند سطح البحر في الأنابيب أو في المراجل المغلقة، إنها تمنع ~~الأكثر؛ لأنها تحتوي على المعلومات الأكثر، ولهذا قابليتها للتكذيب أكثر. ~~(2) هذا المثال يوضح أن القابلية للتكذيب ترتبط بالمحتوى المعرفي ارتباطا ~~مباشرا، بل إنها تقدم المحتوى المعرفي ms267 في قشرة بندقة # 28 # مما يجعل العلاقة بينهما تناسبا طرديا، فمثلا تزيد عمومية # Universality # العبارة بزيادة المحتوى، النظرية ~~الأكثر عمومية ذات محتوى يفوق محتوى النظرية، أو النظريات الأقل منها عمومية؛ إذ ~~إنها تمنع ما تمنعه، بالإضافة إلى ما جعلها أعم؛ لذلك فهي أكثر قابلية للتكذيب، وهي ~~أيضا أغزر في محتواها المعرفي؛ لأنها تضم محتوى العديد من العبارات التي ~~تعممها. # إن العبارة العلمية هي العبارة ذات المحتوى المعرفي الإخباري عن العالم التجريبي، ~~وهي لذلك العبارة القابلة للتكذيب. ~~(3) والمحتوى المعرفي # Informative content # للعبارة هو: محتواها التجريبي ومحتواها المنطقي. ~~«المحتوى التجريبي # Informative content ~~: هو فئة ~~المكذبات المحتملة للنظرية؛ فهي العبارات الإخبارية التي تنتج عن النظرية، وإن لم ~~تحدث كذبت النظرية.» # 29 # ونلاحظ أن هذا تعريف عام لا يصلح للعمل الفعلي في منطق العلم، ففي العادة، الذي ~~يعنينا هو المحتوى التجريبي لنظرية عمومية شارحة، وكما سلف فإنها لا تعطينا بمفردها ~~عبارات ملاحظة أساسية تمثل محتواها التجريبي، لا بد من عبارات ملاحظة أخرى، مثلا ~~العبارة العمومية: «كل الغربان سوداء.» لا تعطينا بمفردها العبارة الأساسية: «الآن ~~يوجد هنا غراب أسود.» فلا بد وأن نضيف إليها: «الآن يوجد هنا غراب.» لكن تلك ~~العبارة العمومية بمفردها، يمكن أن نستنبط منها العبارة: «الآن لا يوجد هنا غراب ~~أبيض.» وهذا هو الذي أرشد بوبر في تعريف محتوى النظرية إلى أن يقفل راجعا إلى فكرة ~~أن النظرية تخبرنا عن الوقائع القابلة للملاحظة بقدر ما تخبرنا عن الوقائع التي ~~تمنعها؛ أي بقدر ما تخبرنا عن الوقائع التي لا تتفق معها؛ لذلك كانت فئة عبارات ~~الملاحظة - الأساسية - التي تناقض النظرية، تعين أو تساوي محتواها التجريبي؛ # 30 # أي إن فئة المكذبات ~~المحتملة # potential falsifiers # التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب؛ هي محتواها التجريبي، ~~مما يجعل المعيار يحتم - بل يعني - وجود محتوى تجريبي للعبارة، وماذا نريد من ~~العلم أكثر من هذا؟ # وكل نظرية لها أيضا محتوى ~~منطقي # logical content # ومفهوم القابلية للاشتقاق # derivability # هو الذي يحدد المحتوى المنطقي؛ إذ إنه فئة كل العبارات ~~التي ليست بتحصيل ms268 حاصل والتي يمكن اشتقاقها من العبارة أي فئة معقباتها # consequences # لزوماتها المنطقية # 31 # أي ما يلزم عنها منطقيا. ~~(4) على هذا تكون تحصيلات الحاصل فارغة بغير أي محتوى معرفي؛ لأن فئة مكذباتها ~~فارغة، وأيضا فئة معقباتها فارغة؛ أي إن محتواها التجريبي ومحتواها المنطقي كليهما ~~فارغ، في حين أن جميع العبارات الأخرى التي ليست بتحصيل حاصل حتى الكاذبة منها، لها ~~محتوى منطقي غير فارغ. # 32 # وحيثما ترتبط مقاييس المحتوى التجريبي لنظرية بأخرى، فلا بد وأن ترتبط أيضا ~~مقاييس محتواها المنطقي. # بالتعبير الرمزي عن هذا، نفترض أن لدينا النظريتين: «ن1» و«ن2»، ولنرمز للمحتوى ~~المعرفي بالرمز «م ت» وكان لدينا الصياغة الآتية: ~~(1) م ت «ن1» ~~< # م ت ~~«ن2» # فلا بد وأن تنطبق أيضا على محتواهما المنطقي، فإذا رمزنا للمحتوى المنطقي بالرمز ~~«م ط»، نصل إلى الصياغة الآتية: ~~(2) م ط «ن1» ~~< # م ط ~~«ن2» # وبداهة فإن نفس المقاييس تنطبق على المحتوى المعرفي بصفة عامة، # 33 # ولما كانت نظرية بوبر التكذيبية تعني التناسب العكسي بين درجة غزارة ~~المحتوى المعرفي وبين درجة الاحتمالية بمعنى احتمالية الصدق، وجب أن تنطبق نفس ~~المقاييس أيضا على الاحتمالية، لكن بصورة عكسية، فبالطبع المحتوى المعرفي للربط ~~بين النظريتين «أ» و«ب»، سيكون أكبر من، أو على الأقل مساويا لمحتوى أية منهما، فإذا ~~كانت «أ» هي العبارة: ستمطر السماء يوم الجمعة، و«ب» هي العبارة: سيكون الطقس لطيفا ~~يوم السبت، و«أ ب» هي العبارة: ستمطر السماء يوم الجمعة ويكون الطقس لطيفا يوم ~~السبت، لكان محتوى «أ ب» التجريبي أكبر من محتوى «أ» ومن محتوى «ب» التجريبي؛ ~~وبالتالي تكون احتمالية # 34 # أو احتمالية صدق «أ ب» أقل من احتمالية «أ» أيضا أقل من احتمالية «ب» ~~وبالتالي نصل إلى: ~~(3) م ت «أ» ~~> # م ت «أ ب» ~~< # م ت «ب» # لما كان هذا يناقض القانون المناظر للاحتمالية، فإذا رمزنا للاحتمالية بالرمز «ح» ~~نصل إلى: ~~(4) ح «أ» ~~< # ح «أ ب» ~~> # ح «ب» (2) # والصياغتان 3، 4 يقيمان الدعوى التي تعد أحد المعالم الأساسية لمنطق التكذيب ~~البوبري؛ أي تزايد المحتوى المعرفي بتناقص ms269 احتمالية الصدق، والعكس أيضا صحيح، أي ~~تناقص الاحتمالية بتزايد المحتوى، أو بتعبير آخر: بتزايد المحتوى بتزايد ~~اللااحتمالية، وتبعا للصياغتين 1 و2 معا ينطبق نفس الأمر على المحتوى المنطقي؛ إذ ~~يزيد هو الآخر بتناقص الاحتمالية، فتكون النظرية أقوى منطقيا إذا كانت احتمالية ~~صدقها أقل، وهذا هو القانون الذي على أساسه تمسك بوبر منذ البداية بأنه إذا كان ~~تقدم المعرفي يعني العمل بنظريات ذات محتوى معرفي أعلى، فلا بد وأن نهدف إلى ~~العمل بنظريات ذات احتمالية صدق أقل، وإلا كانت أهدافنا العلمية المنطقية متناقضة، ~~وهذا هو الأساس المنطقي الراسخ، الذي عارض به بوبر الرأي الاستقرائي الشائع القائل: ~~إننا ننشد - بداهة - النظريات ذات احتمالية الصدق الأعلى، # 35 # ولما كان رأيا قويا ومعارضته عسيرة، فقد اقترح دكتور بروس بروك ويفل # Bruce Brooke Wavell # على بوبر أن يتوقف ~~في هذا الصدد عن الحديث عن حساب الاحتمال ويقصر معالجته فقط على المحتوى التجريبي ~~والقوة المنطقية؛ أي المحتوى المنطقي، ويقول بوبر: إنه فكر جديا في هذا الأمر، ~~لكنه وجد أن معالجة المحتوى المعرفي تفضي بصورة لا محيص عنها إلى هذه النظرة إلى ~~الاحتمالية وإلا فإننا سنبقي عليها بصورة لا نقدية - وهذا ما لا يمكن أن يقبله بوبر ~~أبدا - تجعلنا نقبل نظريات سفسطائية وخاوية، فلا بد إذن من الاصطدام مع هذا الرأي ~~الاحتمالي الشائع، خصوصا وأننا دخلنا منذ البداية في اصطدام مع أساسها الأكثر ~~شيوعا، أي الاستقراء، # 36 # وبعد فهذا هو أحد الأسس التي وضع عليها بوبر هدف العلم النهائي: فطالما ~~أن احتمالية الصدق المنخفضة تعني احتمالية التكذيب العالية، فلا بد وأن يكون هدف ~~العلم هو درجة القابلية للتكذيب أو للتفنيد أو للاختبار العالية، وهذا هو على وجه ~~الدقة مطلب المحتوى المعرفي العالي؛ # 37 # وبالتالي درجة احتمالية الصدق المنخفضة. # وكل هذا يوضح مدى ترابط فلسفة بوبر، واتساق منطق التكذيب، رغم استقلال بوبر ~~النادر، ومعارضته للأوهام التي لا قبل لأحد بمعارضتها. ~~(5) وفيما بعد جاء بوبر في كتابه «المعرفة الموضوعية: تناول تطوري» ليوسع في ~~نطاق فكرة المحتوى المعرفي كثيرا، فقد ms270 أوضح أن فئة المحتوى المنطقي تتضمن فئتين ~~فرعيتين لهما هما: ~~(أ) # فئة محتوى الصدق # Truth Content ~~، وهي ~~فئة كل القضايا الصادقة التي يمكن اشتقاقها من العبارة، وجميع العبارات ~~التي ليست بتحصيل حاصل، حتى العبارات الكاذبة، لها محتوى صدق؛ # 38 # إذ من الممكن أن نستنبط عبارة صادقة من أية عبارة كاذبة، ~~مثلا عن طريق العبارة الانفصالية (7)، التي تتخذ الصورة المنطقية «إما ~~«ق» أو «ك»»، فإذا كانت «ق» هي العبارة الكاذبة، أمكن أن نضيف إليها ~~العبارة الصادقة «ك»، فنستنبط منها القضية الصادقة «ق 7 ك»، أو مثال ~~آخر: إذا كان اليوم هو السبت، لكانت العبارة «اليوم هو الجمعة» عبارة ~~كاذبة، لكن يمكن أن نستنبط منها العبارات الصادقة «اليوم ليس الأحد» ~~و«اليوم ليس الثلاثاء» وهكذا. # ولعل هذه هي الصورة المنطقية الدقيقة الحاسمة لتلك الحقيقة ~~الميثودولوجية العامة المبهمة، والتي تعد عجيبة وطريفة في الوقت ~~ذاته، ألا وهي أن الفرض قد يكون مثمرا جدا دون أن يكون صحيحا، وهذا ~~أمر لم يغب عن بال فرنسيس بيكون. # 39 ~~(ب) # فئة محتوى الكذب # Falsity Content # وهي فئة كل القضايا الكاذبة التي يمكن اشتقاقها من العبارة، وهذه الفئة ~~- من الناحية المنطقية - مقصورة على العبارات الكاذبة فقط، وبالطبع ~~إطلاق مصطلح فئة على محتوى الكذب فيه كثير من التجاوز؛ فهو لا يتصف ~~بالخصائص المنطقية المميزة لمفهوم «المحتوى»، أو مفهوم فئة المعقبات # Consequences class # وهو ليس ~~نسقا استنباطيا، # 40 # وذلك تبعا لمفاهيم ألفرد تارسكي التي يعمل بها بوبر لكن ~~عبارات هذه الفئة - شأن أية عبارات كاذبة - يمكن أن نخرج منها بعبارات ~~صادقة بواسطة الطريقة الانفصالية السابقة مثلا. # ويشرح بوبر محتوى الكذب بطريقة تارسكية، فيقول: إنه كالآتي: ~~(أ) # هناك محتوى أو فئة معقبات للعبارة «أ». ~~(ب) # وهي تحتوي كل العبارات الكاذبة التي تنتج عن العبارة «أ». ~~(ج) # وهي لا تحوي أية عبارة صادقة. # 41 # وبالطبع التوصل منطقيا إلى تكذيب العبارة أو النظرية العلمية، يعتمد على فئة ~~محتوى الكذب، فإذا استطعنا أن نجعل هذه الفئة ليست فارغة، استطعنا أن نجعل النظرية ~~بدورها مكذبة ms271 تبعا للارتباط بين مقاييس المحتوى المنطقي والمحتوى التجريبي، الذي ~~هو فئة المكذبات المحتملة، من الناحية المنطقية العبارة الصادقة محتوى كذبها فارغ، ~~وإن كانت العبارة الكاذبة محتوى صدقها ليس فارغا، تبعا لإمكانية استنباط عبارة ~~صادقة منها، وهذا برهان آخر على مدى ثقوب نظرة بوبر، حين يجعل البحث عن قابلية ~~التكذيب هي المعيار. # وقد ميز بوبر أيضا في المحتوى المنطقي بين: المحتوى المنطقي المطلق والمحتوى ~~المنطقي النسبي. # فإذا رمزنا: لفئة المحتوى المنطقي للعبارة «أ» بالرمز «أ». # ولفئة المحتوى المنطقي للعبارة «م» الصادقة منطقيا، أي التحصيل حاصل بالرمز «م»، ~~بالطبع ستكون «م» فئة صفرية فارغة ويكون التمييز بين الفكرتين كالآتي: # المحتوى المنطقي ~~المطلق # absolute content # للعبارة هو «أ» ويمكن تحديده «أ = أ، م». # أي هو محتوى «أ» في حالة التسليم فقط بالمنطق، وبالطبع المنطق مجرد ~~قوانين صورية لا تزيد شيئا فهو فئة فارغة، لا تعبر إلا عن القوانين ~~الضرورية المطلقة الصدق. # لذلك كان محتوى العبارة هنا مطلقا. # المحتوى المنطقي ~~النسبي # Relative logical content # فهو محتوى العبارة في حالة التسليم بمحتوى ~~آخر، كأن نتحدث عن محتوى العبارة «أ» مسلمين بالمحتوى «ي» مثلا، أي ~~بمساعدة «ي»: فيمكن أن نرمز إلى المحتوى المنطقي النسبي كالآتي: «أ = أ، ~~ي». # أي هو فئة كل العبارات القابلة للاستنباط من «أ» فقط بالنسبة لحالة ~~وجود «ي»، أو بمساعدة «ي». # 42 # والمحتوى المنطقي النسبي له الأهمية الكبرى في المعالجة الفعلية ~~لمنطق العلم، فإذا كانت «ي» هي الخلفية المعرفية في الوقت الراهن، ليكن ~~الوقت «ت» أي بناء العلم اليوم، ولنرمز له بالرمز «ع»، وكانت العبارة ~~«أ» افتراضا حدسيا مقترحا الآن، فإن ما يعنينا منه هو محتواها ~~النسبي «أ، ع» وليس محتواها المطلق، فقط محتواها بالنسبة ل «ع» في الوقت ~~«ت»، أي بالنسبة لعلمنا اليوم، أي إننا نهتم بالجزء من المحتوى الذي ~~يتجاوز «ع ت»، أي بناء علمنا اليوم ويضيف إليه، ولما كنا نهتم أساسا ~~بتطوير العلم كان هذا المحتوى النسبي يصلح تماما للعمل في منطق العلم، ~~وهو فعلا هكذا فمحتوى العبارة الصادقة ms272 منطقيا فارغ، مما يجعل ~~المحتوى النسبي للعبارة «أ» بالنسبة ل «ع» صفرا إذا كانت «أ» تحوي فقط ~~الخلفية المعرفية، ولم تضف بالفعل أي شيء إليها، # 43 # فقط دورانات منطقية، هذا إذن محك جيد لاختبار الفروض ~~الجديدة في العلم. # 44 ~~⋆ ~~(6) لقد ذكرنا أن بوبر بعد أن يميز العلم عن طريق القابلية للتكذيب، سوف يعالج ~~منطقه معالجة تكفل له السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر، مما يجعلنا في ~~مأمن من مغبة أية خاصة سلبية ترتبط بمفهوم الكذب، الذي يرادف الخطأ، أي تماما ما ~~ينبغي تجنبه. # ولقد فعل بوبر ذلك عن طريق تقديمه لتصور منطقي جديد، لفكرة أسماها رجحان الصدق # verisimilitude # التي تعني أن النظرية أصبحت ~~أكثر مماثلة للصدق # more truthlikeness # وقد ~~توصل إليها عن طريق الربط بين فكرتين له أخذهما أصلا من تارسكي وهما: مفهوم ~~الصدق، ومفهوم المحتوى المنطقي. # 45 # فقد أوضحنا أن الصدق هو المبدأ التنظيمي ~~لشتى الجهود المعرفية، بوصفه الهدف النهائي بعيد التحقيق، بمعنى أن النظريات تتنافس ~~في الاقتراب من الصدق، وكل إنجاز علمي جديد هو توصل لنظرية جديدة تلافت مواطن الكذب ~~في سابقتها، فأصبحت أكثر منها اقترابا من الصدق، وهي لذلك قهرتها وتغلبت عليها # supereseded it # ومن هنا تكون القابلية للتكذيب ~~هي عماد الاقتراب التقديري ~~الأكثر # better approximation # من الصدق، والذي هو التعبير المنطقي عن التقدم العلمي ~~المستمر، وهذا الاقتراب التقديري الأكثر من الصدق، هو ما يسميه بوبر «رجحان الصدق»، ~~ولما كان يعني تلافي مواطن كذب، واقترابا أكثر من الصدق، كان - أي رجحان الصدق - ~~يزيد بزيادة محتوى الصدق ويتناقص بزيادة محتوى الكذب؛ # 46 # لذلك كان رجحان الصدق مفهوما يقوم على مفهومي المحتوى المنطقي والصدق؛ ~~لأنه لا يعني أكثر من المحتوى المنطقي الأكثر اقترابا من الصدق. # وهو مثل كل - أو تقريبا كل - مفاهيم بوبر المنطقية الميثودولوجية نسبي يتعلق ~~بالمناقشة العلمية المطروحة في الوقت المعين، الوقت الراهن، وبالمناقشة بين الفروض ~~وبعضها؛ لذلك فهو مفهوم أساسا ليحكم بتفوق نظرية على الأخرى، حين تتميز عليها ~~برجحان صدقها رجحان صدق «ن2» على ms273 «ن1»؛ لذلك فلا بد وأن يكون له شروط، وهي أن تكون ~~النظرية «ن1» متضمنة في النظرية «ن2»، التي تفوقت عليها، وإلا لما أمكنت المقارنة ~~بينهما، وأن تقول «ن2» كل ما قالته «ن1»، ثم تتجاوزها فتفسر جميع الوقائع التي ~~تفسرها «ن1» ثم تستطيع أيضا أن تفسر بعض الوقائع التي تفشل «ن1» في تفسيرها؛ ~~وبالتالي ستكون أية معلومة تفند «ن2» ستفند أيضا «ن1»؛ وبالتالي يكون الحكم بتفضيل ~~«ن2» على أساس رجحان صدقها لا غبار عليه، وأخيرا يجب أن تكون العبارات الصادقة ~~التي يمكن اشتقاقها من «ن2» أكثر من التي يمكن اشتقاقها من «ن1»، والعبارات الكاذبة ~~أقل، وكل ذلك يعني أن «ن2» أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي، أي أكثر قابلية للتكذيب ~~وهذا يوضح أن النظرية الأكثر قابلية للتكذيب هي الأقل كذبا. # وقد وجه ألفرد آير عدة انتقادات لمفهوم رجحان الصدق، منها أن بوبر قد وضعه ~~كبديل لما حذفه من تقدم النظريات ووصولها إلى الصدق خلال التحقق، وهذه سفسطة وضعية، ~~فالمفهوم هو التعبير المنطقي لتقدم العلم، المتسق تماما مع منطق بوبر الرافض أصلا ~~للوضعية المنطقية. # ومن الناحية الأخرى، رأى آير أن «رجحان ~~الصدق» لا يزودنا بمعيار حقيقي للتقدم نحو الصدق؛ لأننا لا نحكم «برجحان صدق» «ن2» ~~إلا إذا تم تفنيد «ن1» بالفعل، في حين أن ما يعنينا هو تلك الفروض التي لم يتم ~~تفنيدها بالفعل وهذه لا يجدي معها مفهوم «رجحان الصدق»، ولعل هذا نقد وجيه وإن كان ~~يمكن تخفيف حدته بالإشارة إلى الفصل الثالث «درجات القابلية للتكذيب»؛ حيث نجد ~~أساليب التوصل إلى الأفضل، ومن ثم الأقرب من الصدق، من بين مجموعة النظريات ~~المتنافسات، التي لم يتم تفنيد أي منها. ~~(7) لم ينتبه بوبر إلى ارتباط التكذيب بالمحتوى المعرفي، إلا في مرحلة لاحقة ~~متأخرة عن المرحلة التي توصل فيها إلى الفكرة الأساسية للمعيار، # 47 # ذلك على الرغم من أن ارتباط التكذيب بالمحتوى المعرفي هو الذي خول له ~~إمكانية المعالجة الشاملة لمنطق النظرية العلمية، وهو أحد الأسباب التي جعلته ~~متفوقا على معايير الوضعية، ومستطيعا ما لا ms274 تستطيعه، مثل المفاضلة بين النظريات، ~~واستبعاد تحصيلات الحاصل. # 48 # إننا بالبحث عن التفنيد والنفي، وليس التحقق والإثبات، نستطيع استبعاد عبارة مثل ~~«إما أن تمطر السماء غدا أو لا تمطر.» وهي واجبة الاستبعاد إذ إنها لا تعطينا أي ~~محتوى إخباري عن الواقع؛ فهي تحصيل حاصل من الصورة المنطقية «إما «ق» أو لا «ق»»، لكن ~~حينما يأتي الغد، فأيا كانت معطيات الخبرة الحسية لا بد وأن نتحقق من العبارة، ~~لكن تكذيبها يستحيل منطقيا فنستطيع الحكم بأنها لا علمية. # 49 # بعبارة أخرى: التكذيب المرتبط بالمحتوى المعرفي يستطيع تمييز العلم الإخباري ~~حقيقة، حتى عن العلوم الصورية ذات تحصيلات الحاصل، المتنكرة في هيئة العبارات ~~الإخبارية، وهي إحدى - بل وأهم - وسائل العلوم الزائفة، وهي واضحة متجلية في الفروض ~~الميتافيزيقية المتطرفة الموغلة في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر ~~الثيولوجي. ~~(3) القابلية للتكذيب اختبارا ~~(1) ماهية العلم ليست جماع نتائجه؛ أي نظرياته، كلا بالطبع؛ لأنها متغيرة دوما، ~~ولا يكاد يختلف اثنان على أن ماهية العلم، أي معلمه المميز، الذي يجعله كيانا ~~قائما عبر القرون هو منهجه، وإن اختلفت الآراء على ما هو هذا المنهج، ولكن ماذا ~~عسى أن يكون هذا المنهج، الذي ليس باستقراء البتة، سوى اختبار الفروض التي تأتي ~~بأية طريقة، فماذا عسى أن نفعل بالفروض سوى أن نختبرها، فبغير الاختبار لن نستطيع ~~استبعاد الخطأ، أي إنجاز الخطوة «أ أ» من الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2» التي ترسم مسار العلم. # وإن القابلية للتكذيب # Falsifiability # هي ذاتها ~~القابلية للاختبار # Testability ~~، المصطلحان ~~مترادفان، فالكشف عن القابلية للتكذيب ليست إلا الكشف عن قابلية الاختبار التجريبي ~~للنظرية التي تدعي السمة العلمية، أي التي تدعي الإخبار عن الواقع، الكشف عن ~~إمكانية مواجهتها بهذا الواقع، فنرى هل تخبر عنه أصلا أم لا، ثم نرى هل تخبر عنه ~~كذبا أم لا. ~~(2) فالاختبار هو القاعدة الأساسية والجوهرية في منهج العلم، وإن شئت قلت: هو ~~القاعدة التجريبية الوحيدة، والتي تتفرع عنها كل القواعد الأخرى لمنهج ~~العلم. # فبعد أن نختبر النظرية - أو الفرض الجديد - من الناحية ms275 المنطقية، أي نكشف عن أنها ~~ليست تحصيل حاصل، وأنها لا تناقض نفسها، ولا تناقض النظريات المقبولة التي تسلم هي ~~بها، لا بد من اختبارها تجريبيا عن طريق اختبار الاستنتاجات أي التنبؤات التي ~~نستنبطها منها، # 50 # وهدف هذا الاختبار هو الكشف عن مدى استطاعة النتائج الجديدة التي تلزم ~~عن النظرية على الصمود أمام متطلبات التطبيق، سواء كانت مبعثها التجريب العلمي ~~البحت، أم التطبيقات التكنولوجية العلمية، ويتم الكشف عن هذا بمنهج التكذيب ~~الاستنباطي، وأيضا لا أثر للاستقراء البتة، فبواسطة بعض العبارات الأخرى المقبولة ~~سلفا يمكن أن نستنبط عبارات أخرى من النظرية هي التنبؤات، خصوصا التنبؤات التي ~~يمكن اختبارها بسهولة، ومن بين جماع العبارات أو التنبؤات المستنبطة من الفرض، ~~نختار تلك التنبؤات التي لا يمكن أن تتوصل إليها النظريات الموجودة سلفا، بل نختار ~~على وجه الخصوص التنبؤات التي تناقضها تلك النظريات، ثم نواجه هذه التنبؤات ~~بالتطبيقات العملية والتجريب؛ أي نحاول تكذيبها # 51 # أو اختبارها. # إذن القابلية للتكذيب التي هي القابلية للاختبار، هي أسلوب التعامل مع العلم أي ~~منهجه أو أساس قواعده المنهجية الذي لا مندوحة عنه؛ لذلك كانت معيار العلم القادر ~~على تمييزه. ~~(3) وكون القابلية للتكذيب تعني معيار العلم، وتعني اختباره، يوضح أنها ذات ~~وجهين: وجه صوري ووجه واقعي؛ أي إننا نرومها من أجل مطلبين: # مطلب صوري منطقي يعني تعيين وتمييز الصورة المنطقية للنظرية ~~العلمية. # مطلب واقعي عملي هو أن نختبر النظرية من طريق مواجهة ما نستنبطه منها ~~بالواقع التجريبي، وهذا الاختبار لا بد وأن ينتهي - منطقيا # 52 ~~⋆ ~~- إلى أحد احتمالين لا ثالث لهما: التكذيب وإما التعزيز. ~~(4) إذن ثمة فارق كبير جدا بين القابلية ~~للتكذيب # falsifiability # وبين التكذيب # falsification ~~، فأولا بوبر لا يروم بمعياره أن نتثبت بالفعل من كذب كل ~~عبارة علمية ونفندها كلا بالطبع فهذه كارثة محققة، # 53 # وإلا فما هو علمنا اليوم؟ إنه نسق العبارات العلمية القابلة للتكذيب ~~والتي لم يتم تكذيبها بعد، فالمعيار هو القابلية للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث ~~الإمكانية، من حيث القوة بمصطلحات أرسطو، أن نتثبت من ms276 أن إمكانية التكذيب قائمة في ~~النظرية، لا أن النظرية كاذبة بالفعل. # إن القابلية للتكذيب مجرد معيار يميز الخاصة التجريبية لأنساق العبارات العلمية، ~~أما التكذيب فهو حكم على النسق، تقييم معرفي له، رفض له. ~~(5) وكما سلف فإن اختبار النظرية إما أن يفضي إلى التكذيب أو إلى التعزيز. # التكذيب # Falsification # تحكم على النظرية بالتكذيب إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها أي إذا ~~تناقضت التنبؤات المستنبطة منها مع الواقع التجريبي؛ لأن تكذيب التنبؤات يكذب ~~بدوره النظرية، فإذا حدث هذا أصبحت النظرية فاشلة مفندة، فنستبعدها من بناء ~~العلم رغم أنها علمية وستزال، لكننا وضعنا أصبعنا على موطن الكذب، فسنتلافاه في ~~النظرية الجديدة التي ستحل محلها فستكون أكثر اقترابا من الصدق وأغزر في ~~المحتوى المعرفي وفي القوة الشارحة؛ لذلك فكل تكذيب هو ظفر علمي جديد، وليس ~~خسارة كما قد يبدو للنظرة السطحية العابرة. # التكذيب على ذلك تقييم معرفي وحكم خطير، فلا بد إذن من وضع قواعد تحكمه وتحدد ~~تحت أية الظروف تعتبر النظرية مكذبة. # يمكن القول: إن النظرية تكون مكذبة، فقط إذا قبلنا عبارات أساسية تناقضها، # 54 # أو بدقة أكثر إذا قبلنا عبارات أساسية تناقض العبارات الأساسية ~~المستنبطة من النظرية. # وهذا هو الشرط الأساسي، لكنه ليس كافيا؛ إذ يجب أن نقبل فقط العبارات ~~الأساسية القابلة للإعادة والاسترجاع، العبارات الأساسية الشاردة التي لا يمكن ~~استرجاعها مرة أخرى لن ندعها تفند النظرية العلمية، ويمكن أن نذكر في هذا ~~المقام ما أورده جان فوراستيه عن ملاحظة ألكس كاريل في لورد عام 1903م فهي ~~ملاحظة متعلقة بالظواهر المتمردة التي ترفض أن تنفذ إلى أطر العلم الرسمي، ~~والتي تقابلها منطقيا العبارات الأساسية الشاردة؛ فقد قام كاريل بالانتقال ~~إلى لورد في قطار للحجيج فعرفه أحد زملائه على الشابة ماري بيلي التي يهددها ~~الموت الفوري وطلب إليه معالجتها وفحصها، وبموجب ملاحظات كاريل وملاحظات رفاقه ~~الأطباء المعالجين، كانت ماري مصابة بالتهاب الصفاق السلي، وليس لها في الحياة ~~إلا أيام معدودة (أي نضع النظرية الباثولوجية التي يعملون بها كمقدمة كبرى في ~~الاستنباط وبقية ms277 المقدمات هي العبارات الأساسية التي تنقل حالة ماري بيلي، ~~ويكون التنبؤ الذي ينتج عن هذا الاستنباط هو أنها ستموت) إلا أن كاريل لاحظ ~~تحسنا أذهله بسرعة وإن كان يبدو مستحيلا في ذات الوقت (ها هي عبارة أساسية ~~مناقضة للتنبؤ، أي مكذبة للنظرية الباثولوجية) وفيما يلي بعض انعكاسات كاريل ~~الشخصية كما دونها «إنه تحقق المستحيل، لا ريب أني ارتكبت خطأ في التشخيص، ~~لعل الأمر كان مجرد التهاب بصفاق عصبي، مع ذلك لم تكن هناك بوادر الالتهاب ~~العصبي، يلي كل أعراض الالتهاب السلي، لكني أراني متصلا بقضية معجزة، ليكن ~~سأمضي حتى النهاية ...» ويستأنف كاريل قائلا: «أتراها وقائع علمية جديدة، أم ~~وقائع تابعة لدائرة الروحانية وفوق الطبيعة، علي أن أستخلص شيئا.» ونتيجة ~~لذلك قد انقلب كاريل للتصوف، # 55 ~~، # 56 ~~⋆ # ويعلق جان فوراستيه على هذا قائلا: إنه نموذج لرد فعل عميق في حضرة حدث منعزل ~~والحل الذي تفرضه المحاكمة التجريبية هو إعادة الملاحظة في حين أن هذا مستحيل ~~في الحالة التي تدرسها هنا؛ # 57 # لذلك كانت غير ذات قيمة علمية، بعبارة أخرى: لن ندعها تفند النظرية ~~الباثولوجية المتعلقة بمرض التهاب الصفاق السلي؛ لأنها واقعة تنقلها عبارات ~~أساسية شاردة لا يمكن استرجاعها. # والعبارات الأساسية - القابلة للاسترجاع - المفندة لنظرية ما لن نتركها هكذا ~~مشتتة، بل لا بد من افتراض فرض يصفها، أي يمكن استنباطها منه، إنه فرض يصف ~~الأثر القابل للحدوث مرارا وتكرارا؛ أي الذي ليس شاردا بحدث شارد، والذي ~~يفند النظرية وسيكون فرضا مستوى عموميته منخفض، على أية حال أقل من مستوى ~~عمومية النظرية وسيسمى الفرض المكذب. # 58 # والفرض المكذب يحل مؤقتا محل النظرية العلمية؛ لذلك لا بد وأن يكون علميا ~~تجريبيا أي قابلا للتكذيب فيدخل في علاقات منطقية مع فئة عبارات أساسية ~~معينة، بل أكثر من هذا لا بد حين نعرضه لاختبار التكذيب أن تكون نتيجة الاختبار ~~هي التعزيز؛ لأنها لو كانت لتكذيب سنرفضه ونبحث عن فرض مكذب آخر نتيجة اختباره ~~هي التعزيز فيحل محله، ولنلاحظ أن العبارات الأساسية التي فندت النظرية هي ~~ذاتها ms278 التي تعزز الفرض المكذب لها في نفس الوقت. # ومن المهم إذن أن نميز بين فئة العبارات الأساسية الممكنة، وهي فئة كل ~~العبارات الأساسية المحتلة، وبين فئة العبارات الأساسية المقبولة # Accepted # وهي التي ننتقيها من تلك العبارات ~~الأساسية الممكنة لتكون أساس الحكم على النظرية، سواء كان تكذيبا أو تعزيزا ~~تبعا لنتيجة الاختبار، ولنلاحظ أن نتائج الممارسة المنهجية في العلم، تعتمد ~~أولا وأخيرا على قرار قبول عبارات أساسية معينة دون غيرها. # على هذا النحو يبدو مفهوم التكذيب بلا أية مشاكل منطقية، خصوصا وأن قواعد ~~المنطق تسلم بأن مثالا نافيا واحدا يكذب النظرية مهما كانت عموميتها ، لكن ~~هيلاري باتنام اعترض على مفهوم التكذيب اعتراضا يتلخص في أن مفهوم التكذيب ليس ~~حاسما في العلم تماما مثل التحقق، وأن هذا سيفند نظرية بوبر لكن لا يفند ~~الاستقراء، مما يعني أن بوبر لم يحل مشاكل ولم يأت بجديد كما تصور. # 59 # بالطبع أخطأ باتنام، فهو أولا لم يميز بين الوجه المنطقي الحاسم، وهنا ~~التكذيب يفوق التحقيق الاستقرائي ويحل مشاكله بلا أدنى جدال؛ نظرا للاتماثل ~~المنطقي بينهما، وبين الوجه الميثودولوجي المبهم الغامض، المتوقف على اتخاذ ~~القرارات وهذا سنناقشه في الجزء الرابع من هذا الفصل، مناقشة توضح أنه يفوق ~~أيضا التحقق. # التعزيز # Corroboration # إذا تعرضت النظرية لاختبار القابلية للتكذيب، واستنبطنا منها عبارات أساسية ~~جديدة، وكانت هذه العبارات متوافقة مع الواقع، بعبارة أخرى لم نجد فئة عبارات ~~أساسية تناقضها، فقد تم تعزيز النظرية، بمعنى أنها قد صمدت لامتحان التكذيب، ~~فأثبتت مادتها فلا بد من قبولها فقط؛ لأننا ليس لدينا داع لرفضها، فالتعزيز - ~~الذي هو جواز مرور الفرض إلى عالم العلم - هو مدى صمود الفرض أمام اختبارات ~~منهج العلم القاسية، وكلما كانت الاختبارات أقسى كلما حازت النظرية التي ~~تجتازها على درجة تعزيز أعلى، وكلما كانت النظرية أعظم أي أغزر في المحتوى ~~المعرفي وأجرأ في القوة الشارحة وأكثر اقترابا من الصدق؛ أي أكثر قابلية ~~للتكذيب، كلما تمكنت من الصمود أمام اختبارات أكثر قسوة؛ وبالتالي كلما كانت ~~درجة تعزيزها أعلى؛ لذلك كان ms279 بوبر يؤكد دائما على قسوة الاختبار حتى لا تستطيع ~~النظرية أن تعزز وتعبر إلى نسق العلم بسهولة. # التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة منهجية ناجحة، فالنجاح لا يعني أكثر ~~من توصل العالم إلى فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة عالية ويصمد أمام الاختبار، ~~وحتى لو لم يكن الفرض الجديد قد كذب سابقه، فإنه يمكن أن يحل محله، لو صمد ~~لاختبارات أقسى فحاز على درجة تعزيز أعلى؛ لذلك يمكن التعبير عن كل خطوة منهجية ~~ناجحة بالصياغة الآتية: ~~> ~~«ف1، م ت» ~~> # د «ف2، م ت» # 60 # حيث إن: # ف1: # الفرض الموجود في الحصيلة المعرفية السالفة. # ف2: # الفرض الجديد الذي ينافسه. # د: # درجة تعزيز الفرض. # م: # في ضوء مناقشة الفرض، في الوقت «ت»: م ت. ~~> ~~: # أقل من. # هذه الصياغة تبرر قبول «ف2»؛ إذ تعني أن درجة تعزيز «ف1» في ضوء مناقشاتنا في ~~الوقت الراهن، أي إمكانية قسوة الاختبار التي نستطيعها بوسائلنا الآن، أقل من ~~درجة تعزيز الفرض الجديد في ضوء هذه المناقشات؛ مما يعني أن نسق العلم سنحذف ~~منه «ف1» ونضع بدلا منه «ف2»؛ لأنه أكثر تعزيزا. # وكل ذلك دون أن نجنح إلى أية مفاهيم احتمالية بمعنى حساب نسبة حدوث الفرض إلى ~~متتالية معينة من الأحداث، فمفهوم التعزيز لا علاقة البتة بالاحتمالية، إنه ~~يشير إلى قوة الفرض ذاته، مدى صموده أمام الاختبارات القاسية؛ وبالتالي إلى مدى ~~عقلانية قبوله، وكل ذلك لا علاقة له البتة بالاحتمالية تبعا لمنطق بوبر # 61 # التي هي احتمالية الأحداث. # والتعبير عن تفاوت درجات التعزيز بالصياغة الرمزية السالفة، يبرز اختلافا ~~أساسيا بين بوبر وبين جمهرة المناطقة المعاصرين؛ إذ توضح أن قياس تفاوت درجة ~~التعزيز يعني مقارنة الفرض الجديد بسابقه المطروح في الحصيلة المعرفية وبينما ~~يرى بيير دوهيم، ومن بعد العالم المنطقي الكبير كوين، أن اللزومات المنطقية # Consequences # التي تخضع للاختبار لا تخص ~~الفرض الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره والذي انتمى إليه الفرض، برفض ~~بوبر هذه النظرية الكلية، ويرى أن اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة مسألة ~~جوهرية لتقدم العلم، ms280 # 62 # وقياس ما يضاف إليه حقيقة. # ورغم هذا الخلاف الكبير بين بوبر وكوين، إلا إن كوين لا يملك إلا استصواب ما ~~أسماه الطبيعة النافية لنظرية بوبر المنهجية، # 63 # بمعنى أن الدليل قد يفند الفرض لكن لا يؤيده بحال أو هو يؤيده ~~بمعنى ناف سلبي هو غياب التفنيد، # 64 # ويرى كوين أن هذا المنحى النافي يجب أن يكون أساس التعامل مع ~~العلم؛ لأنه كفء لهذا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنه لا يتعلق إلا ~~بالعبارات الكلية، وهي صورة القانون العلمي، فبالطبع العبارات الجزئية (بعض أ ~~هي ب) لا يجدي التعامل معها بالمنهج النافي شيئا، وإذا انتقلنا من هذا الوجه ~~المنطقي إلى الوجه الميثودولوجي، وجدنا أن مهمة التجربة هي تفنيد لفرضيات لا ~~تأييدها؛ لأن الفرضيات لا يمكن إثباتها إنما يمكن فقد عدم تفنيدها، ويعلق عالم ~~الإحصاء الروسي ف. ف. ناليموف (1910م-؟) على هذا بأن بوبر قد أضفى صيغة فلسفية ~~على هذا القول المعروف لكل عالم إحصائي. # 65 # ويتفق ناليموف مع كوين على أن جميع المشاكل الاستقرائية والتحققية؛ أي ~~الناجمة عن المنطق القائل باستمداد المعرفة من التجربة، تزول مع هذا المبدأ، ~~فتستطيع نظرية بوبر المنهجية أن تحفظ منطق العلم سليما تماما. # ولعل المناقشة السالفة أبرزت أن التعزيز لا يعني أي إثبات أو برهنة أو تأييد ~~أو تحقيق للفرض، هو يعني فقط مبرر قبوله، وليس فحسب بل ومهما كانت الاختبارات ~~قاسية أو مهما صمد أمامها الفرض أي مهما حاز على درجة تعزيز عالية فإن القبول ~~فقط مؤقت؛ لأننا ننتظر يوما يتطور فيه العلم أكثر فنستطيع وضع الفرض أمام ~~اختبارات أقسى قد تكذبه بالفعل، «فالفرضيات تظل دائما عرضة لمزيد من ~~الاختبار، وهنا - كما قال بوبر - يكمن مصدر تقدم العلوم الطبيعية، والواقع أن ~~العلم يعيد النظر دائما في صحة فرضياته؛ لأن إمكان إجراء تجربة حاسمة يتوقف ~~على مستوى تطور النظرية باستمرار كما يتوقف على التجربة.» # 66 # وقد أثار مفهوم التعزيز جدلا كبيرا، مثلا لأن معيار التكذيب يعني أن ~~النظريات ليست فقط قابلة للتطور والتحسين، ولكن يمكن ms281 أيضا أن تكذبها خبرة ~~جديدة، وهذا يمثل احتمالا خطيرا قد يحدث في أية لحظة وتتركز خطورته إذا كانت ~~النظرية معززة جيدا. # 67 # لكن بوبر يقول لنفترض أن الشمس لن تشرق غدا فإننا مع هذا سنظل نعيش ونواصل ~~اهتماماتنا العلمية، وسيحاول العلم أن يشرح ظاهرة عدم شروق الشمس في ذلك اليوم؛ ~~أي سيحاول أن يشتقه من قوانين، سيحاول أن يضع نظرية جديدة تفسر هذا الحدث ~~وأيضا تفسر نفس الخبرات القديمة (شروق الشمس كل يوم)، ومن الناحية ~~الميثودولوجية نجد أننا قد رفضنا مبدأ الاطراد لأنه ميتافيزيقي، لا يمكن إثباته ~~ولا دحضه، فمن الخطأ إذن افتراض أنه مبدأ ثابت لا يتغير، وهذا يعني أن احتمال ~~تكذيب قانون معزز جيدا، هو من الناحية الميثودولوجية بغير أهمية، بل وإن وضع ~~هذا في الأذهان بدوره ذو أهمية كبيرة لأنه يساعدنا على أن نكتشف ما الذي نتطلبه ~~وما الذي نتوقعه من القوانين الطبيعية، # 68 # أي إنها محض فروض سنتوصل يوما إلى الأفضل منها. # وثمة اعتراض لآير يتلخص في أنه لا يرى مبررا لقسوة الاختبار طالما أن ~~الفروض لن تظفر بأية ثقة إذا ما اجتازتها، # 69 # لكن آير لم يصب فمطلب درجة التعزيز العالية هو مبرر قسوة ~~الاختبار؛ لأنه سيمنع الفروض الضعيفة غير القادرة على الصمود أمام الاختبارات ~~القاسية من الدخول إلى عالم العلم، والثقة هذه مطلب لا محل له في منطق العلم، ~~لأن العلم طابعه النقد، والنقد يتطلب الشك لا الثقة. # وقد اعترض على التعزيز أيضا إيمر ~~لكاتوس # Immre Lakatas # فقد ذهب إلى أن الفرضيات تصبح مقبولة بمجرد ما يتضح ~~أنها تنبئ بحقائق جديدة هامة، ولا داع لمفهوم التعزيز، غير أن أمر لاكاتوس لم ~~يزد شيئا فما تنبئ به النظرية لن يتضح إلا بالاختبار؛ وبالتالي بالتوصل إلى ~~تعزيز الفرض، على العموم أغنانا ناليموف عن الرد على لكاتوس أو قال تعقيبا على ~~اقتراحه: «الواقع أنه من المناسب في هذا المقام أن نتحدث عن برامج العمل، لا عن ~~الفرضيات العلمية، وهنا لا بد من تطبيق طريقة بوبر في التفنيد.» ms282 # 70 # أما جيوفيري وارنوك فقد أثار صخبا كبيرا في محاولة لنقد التعزيز وهو واحد ~~من أبرز من لا يستطيعون التخلص من وهم الاستقراء، وساءه كثيرا أن «دعوة بوبر ~~التي عادت الاستقراء بصراحة، وبجفاف شديد مقبولة على نطاق واسع.» # 71 # وقد دخل في محاولة لا تنم إلا عن سوء الفهم كي يثبت أن بوبر نفسه ~~استقرائي كبير - وهناك محاولة مماثلة نقلها هيلاري باتنام على نفس الأسس - وأن ~~مشكلة الاستقراء لا تهدد شيئا بقدر ما تهدد نظرية بوبر المنهجية، وكل ذلك على ~~أساس مفهوم التعزيز؛ لأن الوقائع الملاحظة إذا لم تتعارض مع النتائج المستنبطة ~~من النظرية فإن النظرية تعزز، وذلك يعني أننا نفترض على الأقل أنها سوف تصمد ~~أمام نفس الاختبارات كلما تكررت، لا سيما وأن الاختبارات المعنية يجب أن تكون ~~قابلة للتكرار، وهذا يعني - في نظر وارنوك - أن مشكلة الاستقراء ما زالت قائمة ~~فعلى أي أساس نفترض نفس النتائج لنفس الاختبارات كلما تكررت، وكما تساءل هيوم ~~ما الذي يضمن أن الحالات المتماثلة سيكون لها آثار متماثلة، وكيف نعتمد على ~~النظرية في المستقبل على أساس اجتيازها للاختبارات الماضية، # 72 # وعلى هذا يقول وارنوك: قد يكون هذا تساؤلا أبله، لكنه مرة أخرى ~~تساؤل هيوم الذي يتمسك بوبر بأنه غير قابل للحل، ولكن نظرية بوبر كما هو واضح ~~تفضي إليه، أما إذا حاول بوبر أن يرفض هذا السؤال بوصفه غير ملائم أو مساء ~~فهمه، فإنه يقدم خدمة للاستقرائيين. # 73 # واضح من العبارة الأخيرة أن وارنوك يحاصرنا، ويسد الطريق أمام أية محاولة ~~لدرء خطئه هو العظيم، ونقده الذي لا يعدو أن يكون عجزا عن الإحاطة بنظرية ~~بوبر، وهو خطأ لأنه يقوم أولا وأخيرا على فكرة المستقبل: الأخذ مستقبلا ~~بالنظرية المعززة في الماضي، ومما هو كفيل بالرد على وارنوك حرف واحد كان أحد ~~مكونات الصياغة الرمزية المعبرة عن التعزيز، أو بدقة أكثر عن الأخذ بالفرض على ~~أساس حيازته لدرجة تعزيز أعلى: ~~> ~~«ف1، م ت» ~~> # د «ف2، م ت» # الحرف المعني هو «ت»، الذي يوضح أن الحكم ms283 بالتعزيز على أساس المناقشة في ~~الوقت الراهن «ت» فقط، ولعل وارنوك لا يعلم أننا لا نصادف إطلاقا في كتابات ~~بوبر كلمة «المستقبل»، وبدلا منها يستعمل «مؤقت»، الحكم بتعزيز النظرية حكم ~~مؤقت، يجعلنا نأخذ بها في الوقت الراهن بناء على علمنا اليوم، أما بخصوص ~~المستقبل، فلا يعنينا منه إلا تأكدنا من أنه يحوي لحظة ستثبت خطأ النظرية، ~~وحينما تأتي هذه اللحظة، سنتركها ونأخذ بالأفضل ونحن نتأكد من هذا على أساس ~~الطابع الفرضي لعبارات العلم، وقابلية التكذيب القائمة فيها، والتي ستصبح ~~تكذيبا يوما ما، إننا لم نفترض أبدا اطراد نتائج اختبارات النظرية في صالح ~~تعزيزها، بل نفترض العكس تماما، أن وسائل العلم ستتطور في المستقبل فنتوصل إلى ~~اختبار أكثر حسما، قد يتمكن من تكذيب النظرية. # فأين هو شذى الاستقراء الذي يفوح من التعزيز، وبالتالي من معيار التكذيب كما ~~يتوهم جيوفري وارنوك وهيلاري باتنام؟ ~~(4) مواجهة التحصين ضد التكذيب ~~(1) غير أن حل مشكلة التمييز، أي معيار القابلية للتكذيب، رغم كل هذا يبدو - إلى ~~حد ما - صوريا وليس واقعيا؛ إذ يمكن دائما تجنب التفنيدات التجريبية ~~والتملص من التكذيب بأن نضيف للنظرية فروضا جديدة تتلافى مواطن الكذب، أو بأن ~~ننكر التجارب المفندة، أو حتى بأن نشكك في نزاهة المجرب، كل هذا ممكن، وإذا استمر، ~~توصلنا إلى نظريات محصنة # immunized # 74 ~~⋆ # ضد ~~التكذيب؛ أي ببساطة غير قابلة له، وإذن ويمكن أن نفعل هذا حتى مع أشد النظريات ~~علمية، مع نظرية نيوتن أو آينشتين مثلا وبهذا لا تصبح القابلية للتكذيب معيارا ~~يحدد السمة العلمية. ~~(2) هذه الصعوبة الواضحة أمام القابلية للتكذيب، لم يناقشها بوبر في بداية الأمر ~~كإمكانية مواجهة عامة للمعيار، تبدو كحجة خطيرة في يد كل من لا يريد الأخذ به، بل ~~طرحها في منطق الكشف العلمي بوصفها مواجهة مع الاصطلاحية أو الأداتية # Conventionalism, Instrumentalism # بالذات، ثم جاء بعد ذلك في كتاباته اللاحقة ليعمها ويناقشها بصفة عامة أمام كل ~~المعارضين أيا كانت مذاهبهم. # وبوبر يبرر هذا بأسباب تاريخية لعلها وطأة المذهب الاصطلاحي والأداتي في الجو ~~الفلسفي إبان ظهور ms284 «منطق الكشف العلمي»، في أوائل الثلاثينات من هذا القرن، خصوصا ~~وأن الطابع العام لهذا الكتاب هو أنه يعنى كثيرا بمواجهة الاصطلاحية في كل موضع، ~~بعد الوضعية المنطقية بالطبع. # ومن الناحية الأخرى نجد هذه الصعوبة في وجه المعيار تمثل لأزمة منطقية ضرورية عن ~~مذهب الاصطلاحية، وتبعا لهذا لا يمكن لهم قبول المعيار أصلا؛ لذلك عني بوبر ~~عناية خاصة بمناقشتهم والرد عليهم. ~~(3) والاتجاه الأدائي أو الاصطلاحي في فلسفة العلم بأقطابه العظام، ابتداء من ~~باركلي حتى إرنست ماخ وبيير دوهيم وهنري بوانكاريه، هو اتجاه يرى في النظرية ~~العلمية محض أداة نافعة وإجراء مفيد ليس أكثر، فحتى الجمل الكيفية التي لها فعلا ~~معنى، بل ومعنى وصفي هي في الواقع مجرد وصف له دور وقوة الأداة، فليس هناك مشكلة ~~حول ما إذا كان القانون العلمي وصفيا أم تفسيريا، فالقانون العلمي مهما كان ~~مجرد أداة # 75 # هو «أسلوب للبحث العلمي ودالات قضايا توصف بالصلاحية وعدم الصلاحية، ~~لكنها لا توصف البتة بأنها صادقة أو كاذبة.» # 76 # لذلك نجد فكرة الصدق والكذب الأساسية في فلسفة بوبر؛ وبالتالي التكذيب ~~والقابلية له، ليست لها أي دور في هذا المذهب فهو ينتهي إلى أن النظريات العلمية، ~~أو النظريات التي تسمى بالعلوم البحتة، لا تعدو أن تكون مجرد قواعد حسابية # Computation Rules # أو قواعد استدلالية، لها ~~نفس خصائص القواعد الحسابية التي للعلوم التطبيقية. # 77 # بالطبع بوبر الذي يرى في القوانين العلمية فروضا لها محتوى معرفي يحاول دائما ~~الاقتراب أكثر من الصدق، لا بد وأن يرفض تماما هذه النظرية، وقد سبق أن رأيناه ~~آنفا يرفض النظرية الماهوية # Essentialism # التي ~~ترى في القانون العلمي توصلا صادقا للماهية الثابتة، ويمكن اعتبار هاتين ~~النظريتين: الأداتية والماهوية، طرفي النقيض في محاولة فهم طبيعة القانون العلمي، ~~ويمكن أيضا أن نأخذ بتفسير خون باسمور لنظرية بوبر بأنها اتجاه توفيقي أو محاولة ~~لإيجاد طريق بين الأداتية والماهوية # 78 ~~، # 79 ~~⋆ # وإنها فعلا لكذلك، فهو يأخذ من الأداتية اعتبار القانون العلمي محاولة منا ليس ~~فيها أي شيء مطلق أو ثابت، بل قابلة ms285 دوما للتعديل والتطوير، ويأخذ من الماهوية أن ~~القانون العلمي متعلق فعلا بحقائق الأشياء ومضمونها ومعرفتها هي ذاتها؛ ذلك أن ~~بوبر يرى للقانون العلمي طبيعة تفسيرية، وأن هدف العلم هو التوصل لشرح مرض لكل ~~ما نجده في حاجة إلى تفسير، # 80 ~~، # 81 ~~⋆ # شريطة أن يكون شرحا مستوفيا لعدة شروط هي: ~~(أ) # لا بد وأن يكون الشرح مفضيا منطقيا إلى ما يفسره على ألا يكون ~~العكس صحيحا تجنبا للدورانات المنطقية، فمثلا: إذا تساءلنا عن تفسير ~~لظاهرة أن البحر هائج اليوم، وكان التفسير هو أن كوكب أورانوس غاضب، ثم ~~تساءلنا عن تفسير لغضب كوكب أورانوس، وكان التفسير هو أن البحر هائج، ~~كان التفسير باطلا، أما لو كان التفسير باختلاف الضغط الجوي، أو فسرنا ~~مد البحر بجذب القمر؛ لكانت تفسيرات معقولة لأنها تفضي إلى الظاهرة ~~المفسرة، بغير أن تفضي الظاهرة المفسرة إليها. ~~(ب) # يجب أن يكون الشرح قريبا من الصدق قدر المستطاع، أو بالأصح يجب ~~ألا نكون قد تبينا كذبه نتيجة للاختبارات النقدية. ~~(ج) # يجب أن يكون الشرح قابلا للاختبار بصورة مستقلة وأن يجد له أدلة ~~مستقلة وأن نعطيه درجة قبول # satisfaction # على أساس درجة قسوة الاختبارات التي اجتازها، # 82 # أي درجة تعزيزه. # ومن الناحية المنطقية، ليس ثمة أي فارق بين الطبيعة التفسيرية الشارحة القانون ~~العلمي وبين طبيعة التنبؤية الاختبارية، الفارق ليس من جهة البناء المنطقي بل من ~~جهة الأشياء التي تعتبرها مطلوبة، والأشياء التي لا نعتبرها هكذا، فإذا كنا لا نطلب ~~البناء وإنما نطلب الشروط الأولية أو بعض القوانين الكلية أو نطلب الشروط الأولية ~~والقوانين الكلية معا، بقصد استنباط الأخبار المعلوم لنا منها، فنحن بصدد البحث عن ~~تفسير شارح، وإذا اعتبرنا القوانين الكلية والشروط الأولية معلومة وليست مطلوبة ~~واستخدمناها لمجرد استنباط الأخبار حتى نحصل على معرفة جديدة فنحن هنا بصدد التنبؤ، ~~وإذا اعتبرنا إحدى المقدمتين أي القانون الكلي أو الشروط الأولية موضع سؤال ~~واعتبرنا البناء أمرا نطلب مقارنته بنتائج التجربة فنحن هنا بصدد اختبار المقدمة ~~موضع السؤال. # 83 # لذلك فالطبيعة التفسيرية الشارحة والطبيعة ms286 التنبؤية الاختبارية مجرد أوجه لعملة ~~واحدة، فالشرح العلمي شرح سببي، على ألا نأخذ مفهوم السببية بمعنى مطلق، بل فقط ~~بمعنى نسبي جدا؛ فهو يوضح أن حدثا معينا يكون علة لحدث آخر، وذلك بالنسبة ~~لقانون عام يحكمهما، ولكن وضع شرح سببي لحدث معين يعني الاشتقاق الاستنباطي لعبارة ~~تصف هذا الحدث مستخدمين كمقدمات للاستنباط قوانين عمومية بالإضافة إلى عبارات ~~أساسية تمثل الشروط الأولية، على كل هذا يكون استخدام القانون العلمي في الغرض ~~التفسيري هو الوجه الآخر لاستخدامه في الغرض التنبؤي الاختباري التكذيبي، # 84 # هكذا نجد فلسفة بوبر دائما متسقة مترابطة. # المهم الآن أن هذه النظرة للقانون العلمي تجعل له محتوى إخباري ولا يمكن أن يكون ~~محض أداة خاوية، فلا بد إذن أن يرفض بوبر النظرية الأداتية التي لا تتسق مع نظرته ~~التفسيرية الاختبارية ولا مع رأيه بأن المعرفة العلمية هي محاولة لمعرفة وقائع ~~الطبيعة وعملياتها وإلا لما كانت قابلة للتكذيب وتصحيح الخطأ والتقدم المستمر. # 85 # لذلك عني بوبر بدحض آراء الاصطلاحيين، ويتلخص رده عليهم في أن هناك فروقا ~~جوهرية وعميقة بين النظرية العلمية وبين القاعدة التكنولوجية الحسابية، وأن المذهب ~~الأداتي يسري على القاعدة التكنولوجية لكن عاجز تماما عن أن يأخذ في الاعتبار ~~الفارق بينها وبين النظرية العلمية البحتة، ومن هنا تنهار الأداتية لأن الفروق ~~بينهما عميقة حقا، أميزها أن العلاقة المنطقية بين النظرية العلمية والقاعدة ~~التكنولوجية هي علاقة لا تماثلية، وهي تختلف عن العلاقة المنطقية بين النظريات ~~وبعضها، أو عن العلاقة المنطقية بين القواعد التكنولوجية وبعضها، وأن الأسلوب الذي ~~نمتحن به القاعدة التكنولوجية يخالف الأسلوب الذي نختبر به النظرية العلمية، وأن ~~المهارات التي يتطلبها تطبيق القاعدة التكنولوجية، تختلف عن المهارات التي يتطلبها ~~البحث في الأسس النظرية لتحديد مجالاتها وإمكانيات تطبيقها. # 86 # ورغم هذا، فإن بوبر لا ينكر أن المدرسة الاصطلاحية تستحق التقدير، فأصحابها ~~أوضحوا العلاقة بين النظرية والتجربة، وقدروا الأهمية التي لم يقدرها ~~الاستقرائيون لقوانا الخلاقة وللعمليات المنطقية التي تدخل في صميم التجارب، وقد ~~تمكن مذهبهم من حل مشكلة الاستقراء. # 87 # لذلك ms287 فهو مذهب متسق ويمكن الدفاع عنه، # 88 ~~⋆ # ورغم أن بوبر والكثيرين لا يقبلونه فهو قوي نوعا ما، وهو لذلك لا يقتصر عليهم، فقد ~~لجأ إليه شليك حينما تعذر التحقق من القانون العلمي، اعتبره مجرد أداة، أما ~~البراجماتية فهي - مع إمامها تشارلز بيرس - محض مذهب موسع تفرع عن الأداتية، فقد ~~أخذت به أكثر، فالوضعية ترى أداتية القانون العلمي الكلي فقط، بينما العبارات ~~التجريبية المفردة اختبارية أو هي صادقة أو كاذبة تبعا للتحقق، أما البراجماتية ~~فترى حتى «القضية الفردية مثلها مثل العدد والآلات، لا توصف بأنها صادقة أو كاذبة، ~~بل توصف بأنها صالحة أو غير صالحة.» # 89 # والمعروف أن البراجماتية ترى أداتية، بمعنى التسخير الأداء مهمة ذات ~~منفعة معينة كل شيء في الحياة، حتى القيم الخلقية والجمالية، بل وحتى الحقيقة ~~الدينية. # والذي يهمنا أن هذا المذهب يمكن أن تلزم عنه حجة عامة ضد معيار القابلية للتكذيب ~~وهي: أن التكذيب يعود إلى الواقع والملاحظة، في حين أن النسق العلمي بناء منطقي لا ~~يعتمد على التجارب، بل على قوانا المنطقية، ما يعتمد على التجارب هو القواعد ~~التكنولوجية التي نشتقها منه، أما النسق النظري للعلوم الطبيعية فهو غير قابل ~~للتحقق وهو أيضا غير قابل للتكذيب، فطالما أن المسألة مجرد أداة منطقية تبسط ~~الظواهر الطبيعية العقدة فيكفي أن تكون محض عبارات متسقة منطقيا ويمكن دائما أن ~~تتوصل إلى تناظره مع الواقع، فلا تقع إمكانية التكذيب أبدا احتمال الوصول إلى ~~تناظر النسق مع الواقع، قائم دائما وبأكثر من طريقة بأن تقدم فروضا أو تعريفات ~~عينية # ad hoc ~~، لغرض التملص من التكذيب، أو ~~بتعديل التعريفات المحددة من قبل، أو بالتشكيك في قيمة التجارب وحقيقيتها، باختصار ~~يمكن دائما التملص من التكذيب فلا يقع أبدا إذن تبعا للمدرسة الاصطلاحية. ~~- وتبعا لإمكانية التملص من التكذيب التي يمكن أن تقوم في أية مدرسة يستحيل ~~تقسيم النظريات إلى أنساق قابلة للتكذيب وأنساق لا تقبله، أو بالأحرى ستكون القسمة ~~مبهمة ويصبح معيار القابلية للتكذيب غير ذي قيمة بوصفه معيارا لتمييز ~~العلم. ~~(4) في الرد على ms288 هذا ينبغي أولا ملاحظة أن معيار القابلية للتكذيب له وجهان: # وجه منطقي، متعلق بالإجراءات المنطقية المعتمدة على العبارات أساسية، ~~وهي واضحة دقيقة حاسمة، شأن كل ما هو منطقي. # وجه منهجي، متعلق بالإجراءات المنهجية واتخاذ القرارات التي تحدد ~~مصير النظرية وهي من الصعب تحديدها، أو حتى القيام بها على وجه الدقة ~~الحاسمة فهي شأن كل ما هو منهجي؛ مبهمة عامة. # 90 # ولنلاحظ أن هذا الاعتراض متعلق بالجانب المنهجي من التكذيب، بأسلوب التعامل مع ~~النظرية وجعلها متكيفة دائما مع الواقع؛ لذلك لا يكون رد هذا الاعتراض إلا باتخاذ ~~قرار منهجي هو: ألا تتبع أبدا منهج الاصطلاحيين، وهذا أفضل لأن اتجاههم ضار ولقد ~~توصل ج. بلاك # J. Blak ~~، قبل إمامهم هنري بوانكاريه ~~بأكثر من مائة عام إلى تقييم هذا الاتجاه الاصطلاحي قائلا: التعديل اللطيف للظروف ~~سوف يجعل أي فرض متسقا مع الظواهر، وهذا أسلوب يشبع الخيال، لكنه لا يفيد في تقدم المعرفة. # 91 # لذلك فمن منطلق الحرص على تقدم المعرفة، والاقتناع بأن طرح الفروض القابلة ~~للتكذيب هو أضمن أساليب هذا التقدم؛ لأننا حين نضع أيدينا على مواطن الكذب سوف ~~نتمكن من الوصول إلى الفرض الأصوب الذي يتجنبها، وهكذا دواليك ... عن هذا المنطلق ~~لا بد وأن نأخذ على خط مستقيم قاعدة منهجية تناقض مثيلتها عند الاصطلاحين، فبالنسبة ~~للفروض المساعدة # Auxiliary hypothesis # التي ~~يدعي الاصطلاحيون أنها يمكن أن تبطل دائما عملية التكذيب، يمكن أن نحكمها بقاعدة ~~نتفادى بها هذا، وهي: تقبل فقط الفروض التي لا تقلل درجة قابلية تكذيب؛ أي اختبار ~~النسق المطروح للبحث، بل على العكس تزيدها، وهذا الفرض الجديد، الذي سيزيد درجة ~~القابلية للتكذيب، من شأنه أن يقوي النظرية فيجعلها تستبعد أكثر وتمنع أكثر مما ~~كانت تمنعه قبل طرح الفرض، وعلى هذا يصبح تقديم فرض مساعد جديد، يجب وأن يؤخذ ~~دائما لمحاولة لبناء نسق جديد، نسق نحكم عليه على أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل ~~تقدما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا. # 92 # وبهذا نلاحظ أن تقديم الفروض المساعدة لا يشكل عقبة ميثودولوجية ms289 في وجه القابلية ~~للتكذيب، بل على العكس سيساهم في تأكيدها؛ إذ سيساعد على نمو العالم. # وهذا هو الرد على كل من يتمسك بإمكانية تحصين النظريات ضد التكذيب سواء أكان ~~اصطلاحيا أم غير اصطلاحي. ~~(5) ولكن في هذا الصدد يجب أن نميز بين الفروض المساعدة والفروض العينية # ad hoc hypothesis # على أساس أن الفروض ~~العينية مغرضة، وهي التي تعني فعلا قلبا وقالبا، أصلا وهدفا، التملص من ~~التكذيب، ويبدو أنها هي التي كانت في ذهن الاصطلاحيين في معرض اعتراضهم على معيار ~~القابلية للتكذيب. # والفرض العيني هو الفرض الذي يوضع لتفسير ظاهرة بعينها أو حدث بعينه، وليس له ما ~~يؤيده غير هذه الظاهرة أو هذا الحدث، ويقابله الفرض الذي تقوم على صدقه بينة ~~مستقلة؛ أي الذي تؤيده أمور أخرى غير التي وضع أصلا لتفسيرها، # 93 # وهذا هو الفرض المساعد حقيقة، والفرض العيني لا يمكن اختباره مستقلا ~~عن النسق ككل، بعكس الفرض المساعد، ويمكن دائما وضع فرض عيني يغطي موضع الكذب الذي ~~نكتشفه في النظرية مما يحمي النظرية من التفنيد؛ ومن ثم يجعل محاولة التكذيب ~~مستحيلة الوصول إلى نهاية معينة، وحل هذه المشكلة كما يثيرها الاصطلاحيون - أو أي ~~سواهم - يكون بالتمييز بين الفروض المساعدة والفروض العينية، فنقبل الأولى ونرفض ~~الثانية، والتمييز بين الفرض العلمي والفرض المساعد مثل أي تمييز ميثودولوجي أمر ~~مبهم يكون فقط على وجه التقريب، مثلا قدم فولفجانج باولي فرض «النيوترينو» تماما ~~كفرض عيني، ولم يأمل في إمكانية التوصيل يوما إلى دليل مستقل له، بل وكان مثل هذا ~~الدليل مستحيلا في وقته، لكن مع تطور المعرفة عن جسيمات الذرة أصبح فرضا مساعدا ~~وأمكن اختباره مستقلا؛ لذلك لا يجب أن نتحامل بقسوة على الفروض العينية فقد تصبح ~~يوما ما قابلة للاختبار المستقل، وقد يكون اختبارا مفندا فيؤدي بنا إلى التخلي ~~عن الفرض والتوصل إلى فرض عيني جديد، قد يصبح مع الأيام فرضا مساعدا وهكذا ... # 94 # وهذا السماح المثيودولوجي البسيط بأننا لا ينبغي أن نخشى الفروض ~~العينية أكثر من اللازم؛ لأن هناك تفنيدات لا يمكن ms290 تجنبها بأية حال، يبرره أن معيار ~~القابلية للاختبار بصفة عامة يسلحنا ضدها، وأن جميع العلماء على وجه التقريب ~~يتحاشون الفروض العينية دائما، ولم يكن باولي سعيدا أبدا بفرضه. # 95 ~~(6) وتأكيدا لهذا المنحى الصحي للعلماء، يدعمه بوبر بقاعدة متعلقة بالإجراءات ~~الفعلية للمنهج العلمي، ومتممة لقاعدة نبذ الفروض العينية والأخذ بالفروض المساعدة، ~~السابقة المتعلقة بمنطق المنهج، وهذه القاعدة هي أن يتسلح العالم بقدر من الأمانة ~~الفكرية ألا يكون مثل هؤلاء الذين رفضوا النظر إلى تلسكوب جاليليو؛ لأنهم يعنون بأن ~~يكونوا على صواب، أكثر من عنايتهم بأن يعرفوا شيئا جديدا، وهم قلة لا يحسب لها حساب. # 96 # فإذا كان العالم سيتحاشى التكذيب بأي ثمن فسيعمل على إعادة تفسير ~~الأدلة كي تتوافق مع قضاياه، وسيصبح تناوله غير علمي بشكل يمثل خلفا محالا # Absurdity ~~، # 97 # بل سيتنازل عن العالم التجريبي بأسره. # وقد أشار بفردج إلى كل هذا، وإلى ضرورة عدم التشبث بالأفكار التي لا تثبت ~~صلاحيتها «فينبغي أن نكون على استعداد للتخلي عن فروضنا أو تعديلها طالما يتضح أنها ~~لا تتمشى مع الوقائع، وليس هذا بالأمر الهين كما يبدو للوهلة الأولى، فعندما يبتهج ~~المرء أن يرى إحدى بنات أفكاره الجميلات تبدو قادرة على تفسير كثير من الحقائق التي لولاها لكانت متنافرة، وعندما ~~يجد هذه الفكرة مبشرة بالمزيد من التقدم؛ فقد يغريه هذا بالتغاضي عن أية مشاهدة لا ~~تتفق مع الصورة التي نسجها، أو على التخلص منها بأي تفسير، فليس من النادر أبدا أن ~~يتمسك الباحثون بفروضهم المهلهلة، متعامين عن الأدلة المعارضة لها وأن يتعمدوا ~~إخفاء النتائج المخالفة لفروضهم.» # 98 # أي المكذبة لها، بل وحل بفردج هذا بقاعدة شبيهة بقاعدة بوبر، لكن طبعا ~~ليس في دقتها إذ قال: إذا فشلت نتائج التجربة أو المشاهدة الأولى في دعم الفرض، فمن ~~الممكن أحيانا بدلا من نبذه كليا في أن نوفق بينه وبين الحقائق المعارضة له ~~بواسطة فرض إيضاحي ثانوي، # 99 # أي مساعد المهم دائما هو قبول النقد؛ إذ إن رفض النقد - الذي هو في ~~العلم الاختبار ومحاولة التكذيب ms291 - أمر خطير للغاية؛ إذ إنه مجلبة للدوجماطيقية، ~~ولكن أيضا لا ينبغي أن يترك العالم نظريته بسهولة فهذا يعني أنه لم يكتشف ~~الإمكانيات المختبئة فيها، وفي العلم يوجد دائما مكان للمساجلة والنقاش والهجوم ~~والدفاع، وبهذا نتمكن من اكتشاف جميع إمكانيات النظرية، الفرض العلمي حدس ~~افتراضي # Conjecture # ويجب أيضا أن يحدس العالم ~~افتراضيا: أين يجب أن يتوقف الدفاع عن نظريته المفضلة ومتى يجب أن يبحث عن نظرية جديدة. # 100 # والقاعدة الأساسية أن يتسلح العالم بسلاح النقد الذاتي؛ النقد الذاتي لنظريته ~~والنقد الذاتي لنقد نظريته، كما سبق أن أرشده بوبر في فصل «منهج العلم». ~~(7) الخلاصة: إن التحصين ضد التكذيب خطر على العالم؛ لذلك لا يجب أن نتملص من ~~التفنيدات، لا بتقديم افتراضات وتعريفات عينية لهذا الغرض بالذات ولا بأن نرفض قبول ~~النتائج التجريبية غير الملائمة للنظرية، ولا بأية وسيلة أخرى مماثلة وأن نشكل ~~نظرياتنا بعيدا عن الغموض قدر الإمكان؛ لكي نعرضها بوضوح للمناقشة الاختبارية، ومن ~~الناحية الأخرى يجب ألا نتخلى عن نظرياتنا بسهولة؛ لأن ذلك موقف غير نقدي تجاه الاختبارات. # 101 # ويعلق بريان ماجي على هذا بأن التكذيب القاطع أمر يمكن الوصول إليه على المستوى ~~المنطقي، ولا يمكن على المستوى الميثودولوجي، وهذا يعني أن بوبر تكذيبي بدائي على ~~مستوى المنطق، غير أنه تكذيبي سام على المستوى المنهجي. # 102 # خاتمة ~~(1) على هذا النحو كانت محاولة بوبر لتقديم معيار يميز العلم التجريبي عن طريق ~~قابليته للتكذيب، ولعلها توضح أن دور القابلية للتكذيب كمعيار للعلم التجريبي يماثل ~~دور عدم التناقض كمعيار للعلم بأجمعه، فالنسق المتناقض يفشل في تفريد # to single out # فئة فرعية ملائمة من فئة كل العبارات ~~الممكنة، وبالمثل النسق غير القابل للتكذيب، يفشل في تفريد فئة فرعية ملائمة من فئة ~~كل العبارات التجريبية الممكنة، # 103 # ويمكن أن نستعير ها هنا تعبير الإمام الغزالي؛ فقد رأى هو الآخر أن دور ~~معيار العلم بالنسبة للعلم - أو بالنسبة لأدلة العقول - كدور العروض بالنسبة ~~للشعر، أو دور النحو بالنسبة للإعراب، إذا كما لا يعرف منزحف الشعر عن موزونه ms292 إلا ~~بميزان العروض، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين ~~فاسد الدليل وقويمه وصحيحه وسقيمه إلا بهذا الكتاب، # 104 # أي كتاب معيار العلم، ويؤكد الغزالي أن كل نظر لا يتزن بهذا المعيار هو ~~فاسد العيار غير مأمون الغوائل والأغوار. # 105 # وكما هو معروف، فإن ما تصوره الإمام الغزالي من معيار للعلم لا يعدو أن يكون ~~المنطق الأرسطي وقياسه العقيم، وهو بالطبع معيار لا يجدي فتيلا في العلم الذي ~~نحاول تمييزه الآن أي العلم الطبيعي الاحتمالي دائم التقدم القابل للتكذيب؛ فالعلم ~~الذي أراد الغزالي تعييره بمعياره ذلك هو العلم اليقيني الذي يقوم على البرهان ~~الحقيقي والبرهان الحقيقي هو ما يفيد شيئا لا يتصور غيره وذلك حسب مقدمات البرهان، ~~فإنها تكون يقينية أبدية لا تستحيل ولا تتغير أبدا، # 106 # والعلم اليقيني «هو أن تعرف أن الشيء بصفة كذا مقترنا بالتصديق بأن لا ~~يمكن ألا يكون كذا، فإنك لو أخطرت ببالك إمكان الخطأ فيه والذهول عنه لم ينقدح ~~ذلك في نفس أصلا.» # 107 # وبالطبع العلم الحقيقي الذي نريد نحن تمييزه هو بالضبط نقيض هذا، فهو ~~على وجه التحديد الدقيق: ما يفيد شيئا يتصور غيره؛ لأنه العلم اللايقيني. # وحقا أنه ليس ثمة مجال لهذه المقارنة بين المعيارين؛ لأن العلم الذي وضع ~~الغزالي معياره هو العلم الديني والعلوم الفقهية اليقينية التي يناسبها كثيرا ~~المنطق الأرسطي، فهو يستخلص من مقدماتها الكبرى الكلية - التي هي إلهية أي قاطعة ~~اليقين - النتائج الضرورية، اليقينية بالتالي، التي تلزم عنها، غير أن الغزالي نفسه ~~قد أراد أصلا بمعياره هذا أن يثبت تهافت العلوم المكتسبة عن طريق العقل أو عن طريق ~~التجربة، وخصوصا العلوم التجريبية، مقارنة بتلك العلوم اليقينية، وكان الأدنى إلى ~~الصواب أن يدرك الغزالي أن هذين العلمين: العلوم الدينية والعلوم المكتسبة لا ~~منافسة ولا تناطح بينهما، فلكل مصدره ومجاله وأيضا معياره. ~~(2) ولكن على الرغم من أن دور معيار القابلية للتكذيب بالنسبة للعلم، يماثل دور ~~مبدأ عدم التناقض، فإن بوبر قد طرح محاولته واضعا نصب ms293 عينيه أننا يجب أن نترك أي ~~تساؤل عن التبرير، إذا كان التبرير يعني إثبات الصدق، فكل النظريات فروض يمكن أن ~~تترك يوما ما؛ لذلك فإن محاولة بوبر لن ترضي أولئك الذين يبحثون عن نسق من ~~العبارات قاطعة اليقين غير قابلة لإثبات الخطأ، أولئك الذين يرجعون ماهية العلم ~~وكل عظمته إلى صدق عباراته، إنهم لن يتقبلوا محاولة بوبر، وهذا يسعده كثيرا لأن ~~يختلف معهم اختلافا شكليا وموضوعيا، سببه أن نظرتهم المغرورة للعلم لن تنطبق ~~على أشد فروعه تقدما، وأعظمهما احتراما في نظر بوبر؛ أي الفيزياء البحتة. # 108 ~~(3) ولكن لنلاحظ أن العبارات الأساسية تلعب دورين مختلفين، فقد استخدمنا نسقا من ~~كل العبارات الأساسية الممكنة منطقيا؛ كي نحصل بمساعدتها على إثبات الخاصة ~~العلمية التجريبية، فهي المحك الأخير في هذا الإثبات، لكننا من الناحية الأخرى ~~ننتهي إلى فئة من العبارات الأساسية فقط المقبولة، لتكون أساس الحكم على النظرية ~~إما تعزيزها وإما تكذيبها وتعزيز الفرض المكذب لها حسب نتيجة الاختبار، وأيا كانت ~~النتيجة فإنها تعني التوقف عند عبارات أساسية معينة تقرر قبولها. # والخلاصة أن العبارات الأساسية هي النهايات التي ينتهي عندها كل استنباط، وهي ~~أيضا لا بد وأن تدخل في مقدمات كل استنباط، أي إنها أساس معيار التكذيب؛ لذلك يجمل ~~بنا أن نفرد لها الفصل التالي. # الفصل الثاني # | العبارات الأساسية # (1) مشكلة العبارات الأساسية ~~(1) لنلاحظ حتى الآن أن كل بحث منهجي في النظرية العلمية: الكشف عن خاصيتها ~~العلمية أي قابليتها للتكذيب والاختبار، والاختبار سواء انتهى إلى تعزيز أو تكذيب، ~~وأيضا الفرض المكذب، كل ذلك يعتمد على العبارات الأساسية، أن لها الدور الأعظم وهي ~~المحك الأخير. ~~(2) لكن هناك مشكلة إبستمولوجية خطيرة تحيق بها، فنحن نتثبت من الخاصة العلمية ~~للنظريات، عن طريق العبارات الأساسية، التي هي الأسس التجريبية للنظرية العلمية، ~~ولكن كيف يمكن أن نتثبت من الخاصة التجريبية للعبارات الأساسية، وكيف يمكن ~~اختبارها، الأمر الواقع يقول: إن الخطأ قد يحدث في عملية الملاحظة الحسية، وهذا قد ~~يؤدي إلى عبارات أساسية خاطئة، ومن النادر أن يفكر العالم في كون ms294 العبارة الأساسية ~~- التي هي خصوصية - لا تجريبية، # 1 # ربما نظرا لما قصرت عليه القضايا الميتافيزيقية من عمومية وكلية؛ لذلك ~~لا بد من وضع شروط للعبارات الأساسية تقي من هذا. # وبخلاف هذا فإن مشكلة العبارات الأساسية، تختلف عن معظم مشاكل منطق العلم؛ إذ ~~تتعلق هذه المشاكل بالممارسة العملية للبحث العلمي، أما مشكلة العبارات الأساسية ~~فهي لا تهم العالم كثيرا وهو منشغل ببحثه، بل تتعلق أكثر بنظرية المعرفة، # 2 # إنها إذن ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا - نحن الباحثين - في فلسفة العلم، ~~أهمية إبستمولوجية. ~~(3) غير أن التجريبيين والوضعيين لا يرون في العبارات الأساسية وإثبات خاصيتها ~~التجريبية أية مشكلة إبستمولوجية أو غير إبستمولوجية؛ لأنهم يسلمون بأن المعطيات ~~الحسية هي المعبر الوحيد لأية عبارة علمية، وهي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن التفكير ~~الخالص لا يزيد المعرفة بالعالم الخارجي قيد أنملة، فكل ما نعرفه عن عالم الوقائع، ~~يجب أن يكون قابلا للتعبير في صورة عبارات عن خبراتنا، والإحساس الفوري بما توصله ~~العبارة هو الذي يحدد صدقها، أي يحدد اتفاق حدودها مع معطيات الخبرة أو عدم اتفاقها. # 3 ~~⋆ # ومن هنا يؤكدون أن العبارات الأساسية مطروحة بغير مشكلة، وبغير احتياج إلى محك ~~للصدق أو الكذب، والعبارة الأساسية لا تعتبر كاذبة إلا إذا تناقضت مع فئة العبارات ~~الأساسية المقبولة، وإذا لم تتناقض فهي صادقة، وهذه الفئة لا تتميز أصلا إلا ~~بواسطة صورتها المنطقية التي تعبر عن أن الحادثة كذا حدثت في المكان كذا والزمان ~~كذا، والتقييد الوحيد عليها هو أن مدى الأحداث التي تنقلها، أي مكانها وزمانها، يجب ~~أن يكون قابلا للملاحظة بوضوح، ويرى آير أنها طالما حدثت ووقعت في الخبرة؛ أي ~~لوحظت، فهي مقبولة، فالفرد لا يمكن أن يخطئ بصدد خواص المعطيات الحسية؛ لأنها ~~معروفة مباشرة، ومن هنا كانت هذه العبارات التي هي تقريرات الذات عن الخبرات التي ~~تتلقاها تبرهن نفسها بنفسها، وهي لهذا تمدنا بالأساس الأكيد الذي تقام عليه المعرفة ~~التجريبية بأسرها، # 4 # وتوقف الارتداد الذي لا نهاية له. # ويوضح هربرت فيجل أنهم يمضون في تحليلاتهم على هذا ms295 الأساس، فيكون التحليل عبارة ~~عن التثبت منها عن طريق الرجوع التدريجي إلى معطيات الخبرة، ويعتقدون أنهم بهذا ~~استبعدوا كل الاعتبارات السيكولوجية، ولم يسمحوا إلا بالاعتبارات المنطقية، فيترتب ~~على هذا تحليل الألفاظ والجمل المشتقة من سواها، باعتبارها تركيبات منطقية، مقامة ~~على ألفاظ وجمل أولية تكون ذات صلة مباشرة بالخبرة، فيكتفي تحليل العبارات العلمية ~~تماما بتتبعها إلى مستوى العبارات والألفاظ الدالة على الوقائع الخبرية؛ أي ~~العبارات الأساسية، فتكون هي الأصول البسيطة التي ترتد إليها المعرفة ممثلة الأساس ~~الراسخ الوطيد. # 5 ~~(4) لكن بوبر يرى أن العبارات ليست مؤسسة على الخبرة بهذه البساطة؛ إذ لا توجد ~~أية خبرة خالصة أو تقرير خالص عن الخبرة، هناك عملية ترنسندنتالية متأصلة في أي وصف ~~للخبرة، فكل عبارة لها خاصية النظرية أو الفرض، حتى أبسط عبارة «هنا كوب ماء.» ~~«كوب» كلمة كلية تشير إلى أجسام تنتظم جميعها تحت ما يشبه القانون الذي ينظم سلوكها ~~وسلوكنا بإزائها، بإزاء كل ما يتخذ سمة الكوب، # 6 # فكيف يمكن حصرها في خبرة حسية فورية، العبارات المفردة الدالة على ~~الوقائع الجزئية ليست أقل تجريدا من النظريات العلمية الكلية، في فلسفة بوبر ليس ~~هناك أي فارق منطقي بين عبارة «كل البجع أبيض.» وبين عبارة «لكل فعل رد فعل مساو ~~له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.» لأن أسبقية التوقعات على أي مدرك حسي - ليس ~~في العلم فحسب، ولكن في الحياة بصفة عامة - تجعل الطابع الفرضي الاحتمالي لعبارات ~~العلم منطبقا على سائر العبارات؛ لذلك يؤكد بوبر أن كل عبارة - مهما كانت بسيطة - ~~هي نظرية، وكما سبق أن أوضح كانط فإن المدركات مصبوبة في قوالب العقل، أي مؤولة على ~~ضوء مقولاته، وفكرة وجود معطيات غير مؤولة هي بدورها نظرية وليست واقعة خبرة، فضلا ~~عن أن تكون نهائية أو واقعية أساسية. # لهذا لا توجد أية أسس تجريبية غير مؤولة، أو تعبر عن معطيات غير مؤولة، فمثل هذه ~~المعطيات لا توجد أصلا، أبسط الوقائع التجريبية دائما مؤولة في ضوء النظريات ~~ومشبعة بها، # 7 # وبالفروض التي تلقى بها الذهن ms296 الخبرة، ويمكن أيضا - بخلاف كل هذا - ~~أن نلقي تجسيدا للبون الشاسع بين معطيات الحس وبين وقائع الخبرة مع هلمهولتز ~~وماخ، فنظرية هيرمان لودفيج ~~هلمهولتز # Herman Ludwig von Helmholtz ~~(1821-1894م) المعروفة باسم نظرية الهيروغليفات تذهب ~~إلى أن إحساسات الإنسان وأفكاره ليست نسخا للأشياء الواقعية والعمليات الطبيعية، ~~وليست صورا طبق الأصل عنها، بل إشارات اصطلاحية، رموز، هيروغليفات؛ ذلك لأن ~~هلمهولتز عالم كبير ذو ميول كانطية، واعتبر الإحساسات مجرد رموز لعلاقات العالم ~~الخارجي، وقد أنكر عليها كل مماثلة أو تعادل مع الأشياء التي تمثلها، # 8 # وذلك عكس ماخ الذي رأى في الأشياء مجرد رموز لمجموعة معقدة من ~~الإحساسات. # ولكل ذلك لن تجدي إطلاقا الإشارة إلى فارق بين النظرية الكلية وبين العبارات ~~المفردة، كأن نقول: إن الأخيرة عينية، بينما النظريات محض صياغات رمزية مجردة؛ إذ ~~يمكن أن نقول نفس الشيء عن أكثر العبارات عينية، # 9 # إن العبارات الخصوصية الدالة على الوقائع الجزئية ليست أقل تجريدا من ~~النظريات العلمية الكلية. # فرغم أن مذاهب الوضعيين تبدو أنها تجعل العبارات الأساسية بغير مشاكل، إلا أننا ~~لا ينبغي أن نلتفت إليها، فقد أسقط الباب الأول خرافة الاستقراء، ثم أسقط الباب ~~الثاني فلسفة الوضعية الخالصة ومطالبها التحققية، أوضح بوبر أن معطيات الحس ~~المتاحة، التي يبنى عليها العلم، هي تأملات في ضوء نظريات ، مطبوعة دوما بالطابع ~~الحدسي الفرضي لكل النظريات، ومن هذا المنطلق، نلاحظ أن بوبر غير مصطلحاته في «منطق ~~الكشف العلمي» كان يستعمل مصطلح «الأسس التجريبية»، لكنه لاحظ أن هذا المصطلح يلقي ~~في الروع إيحاء الحسيين من أن العلم «مؤسس» على الخبرة الصلبة التجريبية، فتركه رغم ~~أنه أكثر تعبيرا، وفضل استعمال مصطلح «العبارات الأساسية»، ليوضح أن المسألة ~~مسألة اصطلاح واتفاق على عبارات معينة، مسألة اتخاذ قرار، ليؤكد أن الأسس التجريبية ~~للعلم الموضوعي ليست ثابتة، وليس فيها أي شيء مطلق، وأنها تقارن بالمستنقع الرخو ~~وليس بالأرض الراسخة، # 10 # وأن العلم لا يرسو على صخور صلبة ثابتة، بل إن البناء الجريء لنظرياته ~~هو تشييد صرح عظيم على ركام، # 11 # ركام لا ms297 يقوم على أساس، وإن كان ركاما تجريبيا. ~~(5) لذلك فإن مشكلتها - أي مشكلة العبارات الأساسية - بحق عميقة وخطيرة؛ فقد أوضح ~~ج. ف. فرايز # G. F. Freis ~~- وهو أحد المفكرين ~~القلائل الذين شغلتهم أسس الخبرة بعمق - أنها تجعل البحث العلمي محاصرا بأخطار ~~ثلاثة: الدوجماطيقية - ارتداد لا نهاية ~~له # Infinite Regress ~~- النزعة السيكولوجية Psychologism ~~. # إذا كنا لن نقبل عبارات العلم دوجماطيقيا، فلا بد وأن نبررها، إذا لجأنا إلى ~~التبرير المنطقي بواسطة الحجج العقلية، فسيكون تبرير العبارات فقط بواسطة عبارات، ~~وهذا يقود إلى ارتداد لا نهاية له، أما إذا صممنا على الرجوع إلى الخبرة الحسية، ~~فيبدو أننا سنلجأ إلى النزعة السيكولوجية طالما سنبرر العبارات بالمدركات الحسية، ~~حيث نجد المعرفة الفورية # Immediate Knowledge # التي ~~يمكن أن نبرر بها المعرفة ~~الوسطية # mediate Knowledge ~~: المعرفة المعبر عنها في رموز وسيطة، # 12 # فيكون التأصيل التجريبي للعلم في الإقرار بأن عباراته الأساسية مجرد ~~معرفة وسيطة انتقلت من المعرفة الفورية، التي هي مدركات الحس، إنها إذن النزعة ~~السيكولوجية، وقد أوضحت مناقشة جمل البروتوكول مدى تردي الوضعية فيها، وإذا ~~حاولنا تجنبها، وجدنا أن العبارات - رغم التوثيق الحسي للعلم - تبرر فقط بواسطة ~~العبارات، طالما أن المسألة كلها تعبيرات لغوية مما يلقي ظلال الشك والإبهام، بل ~~والاستحالة على العلاقة بين العبارات الأساسية وبين الإدراك الحسي، وهذا سيقود إلى ~~ارتداد لا نهاية له، بل والمشكلة أكثر من ذلك؛ إذ إنها تناقض ظاهري Paradox # فلو نظرنا إلى العبارات على أنها منطق بحت فهذا يقود ~~إلى ارتداد وإذا نظرنا إليها على أنها حس بحت، فإن هذا يقود إلى النزعة ~~السيكولوجية، فهل نلجأ إلى الدوجماطيقية؟ المشكلة إذن خطيرة. ~~(2) حل بوبر لمشكلة العبارات الأساسية ~~(1) الآن كيف يتفادى بوبر هذه الأخطار الثلاثة؟ أو كيف يحل المشكلة؟ # بالنسبة للدوجماطيقية فهي غير ذات شأن؛ لأن بوبر فيلسوف النقد، فبداهة لا بد أن ~~يرفض أن قبول دوجماطيقي للعبارات، إننا بالفعل لا نخشى إلا بأس الخطرين: الارتداد ~~بلا نهاية والنزعة السيكولوجية، إنها المحاصرة بين الوقوع في الحس البحت أو في ~~المنطق البحت. ~~(2) بوبر ms298 يحل هذا التناقض، مثلما حل أي تناقض شبيه في أية زاوية أخرى من زوايا ~~منطق العلم - أي عن طريق الفصل الحاسم بين وجهة المشكلة السيكولوجي وبين وجهها ~~المنطقي الميثودولوجي؛ إذ يجب أن نميز بين معرفتنا وخبراتنا الذاتية واعتقاداتنا ~~وشعورنا - وهذا موضوع علم النفس، وبين العلاقات الموضوعية بين الأنساق المختلفة من ~~العبارات العلمية، وفي داخل كل منها. # 13 # الملاحظة تعطينا معرفة متعلقة بالوقائع ونحن نلم بالوقائع فقط عن طريق ~~الملاحظة، غير أن إلمامنا هذا لا يقيم صدق أية عبارة، وكما أوضح فصل «المعرفة ~~موضوعية» لا ينبغي أن تشغل الإبستمولوجيا بتساؤلات حول أسس معرفتنا، وبدقة أكثر عن ~~السؤال: أنا الذي أملك الخبرة «س»، كيف يمكن تبرير وصفي إياها؟ وكيف يمكن الدفاع ~~عنها ضد أي شك؟ # 14 # فهذا تناول سيكولوجي وموقفه ليس بالضعيف بل هو منتشر انتشار المعرفة ~~الذاتية، فحتى وقت قريب كانت هذه النزعة مأخوذا بها في المنطق فيعتبر علم العمليات ~~العقلية وقوانينها؛ قوانين الفكر، وتبعا لهذا الاتجاه فإن التبرير الوحيد للمنطق ~~هو أننا لا نستطيع أن نفكر بأية طريقة أخرى، والاستدلال المنطقي ليس له أي تبرير ~~إلا أننا خبرناه كضرورة فكرية، كشعور بأننا مجبرون على التفكير تبعا لخطوط معينة، هذا # 15 # الاتجاه السيكولوجي معروف في المنطق أهم أعلامه ميشيل مونتاني وهيوم ~~وفرديناند شيلر # F. Schiller ~~، وهم ينكرون أي ~~استقلال للمنطق عن علم النفس حقا، # 16 # هذا الاتجاه المنطقي قد أصبح من شئون الماضي، فمن المستحيل الآن أن ~~يحاول أحد تبرير استدلال منطقي بأن يكتب على هامشه: مررت بخبرة شعور حاد باقتناعي ~~بهذا الاستدلال، # 17 # لكن الأمر مختلف في فلسفة العلم حيث نجد النزعة السيكولوجية راسخة ~~القدم وقد عبرت جمل البروتوكول عنها بقوة؛ إذ أراد كارناب أن يبني اللغة الفيزيائية ~~أو لغة العلم الموحد عليها، بل ويسود الاعتقاد بصفة عامة بأن عبارات العلم ~~التجريبية مؤسسة على الخبرات التي هي مدركات الحس، أي إن النزعة السيكولوجية ضعيفة ~~في المنطق؛ لأن الجميع على وعي بها فيتجنبونها، لكنها قوية في المعرفة التجريبية، ~~أي العلم؛ لأنها ms299 مقنعة بقناع النزعة الفيزيائية. # بالطبع ولا بد وأن يقر بوبر أنها مرفوضة في المجالين على حد سواء، فالإدراك الحسي ~~والاعتقاد والاقتناع، والشعور بأننا مجبرون على التفكير بطريقة معينة ... كل هذه ~~اهتمامات السيكولوجي لا الإبستمولوجي، في فصل «المعرفة موضوعية» حارب بوبر أي ~~انشغال ذاتي في ميدان الإبستمولوجي، وفي الباب الثاني عاب على كارناب ونيوراث ~~سيكولوجية عبارات البروتوكول، فلا بد إذن أن يرفض هذه النزعة السيكولوجية، ويؤكد ~~على موضوعية العبارات الأساسية، ولكن كيف أكد بوبر على هذه الموضوعية وفي موقع هو ~~مرتع خصب للنزعة السيكولوجية؟ # في «منطق الكشف العلمي» أكد على موضوعيتها بإيضاح أن التساؤل الإبستمولوجي ~~الأساسي هو: كيف يمكن اختبار العبارات العلمية بواسطة نتائجها الاستنباطية؟ أو أي ~~نوع من النتائج ننتقيها لتكون بدورها قابلة للإخبار البين-ذاتي؟ وهذا النوع من ~~التناول الموضوعي اللاسيكولوجي يمكن قبوله دائما حينما يكون التعامل مع عبارات ~~منطقية وتحصيلات حاصل، # 18 # مما يؤكد: من ناحية استنباطية منهج العلم، ومن الناحية الأخرى - وهي ~~الأهم الآن - أن تناول العبارات الأساسية في العلم، لا يختلف إطلاقا عن تناول ~~صياغات منطقية، كلاهما - وكل ما هو إبستمولوجي - موضوعي صرف. # جاء بوبر بعد عشرين عاما ليعدل السؤال السالف الذي يحدد الإبستمولوجية التجريبية ~~تحديدا يؤكد موضوعية العبارات الأساسية، ليكون على الصورة التالية: ما هي أحسن ~~صورة لنقد النظريات أو الفروض، بدلا من أن ندفع عنها الشك؟ # 19 # واضح أننا لا نجد فارقا كبيرا بين التساؤلين، وأن الثاني يفترض ضمنا الأول ، ~~بيد أنه يتطرف عنه في التأكيد على أهمية النقد وأساسه، أي الاختبار، وعلى إدراك ~~أهمية تكذيب النظرية وكل هذه العوامل - النقد، الاختبار، البحث عن التفنيد - هي ما ~~يضمن الموضوعية، وبصفة عامة فإن نظرية بوبر في مسار منطق العلم وإجراءاته المنهجية ~~هي ما يؤكد موضوعية العبارات الأساسية، فالاستدلال العلمي استنباطي، وليس هناك إلا ~~طريق واحد للتأكد من صحة سلسلة الاستدلالات المنطقية، هو أن نضعها في الصورة التي ~~يمكن فيها اختبارها بسهولة: نقسمها إلى خطوات صغيرة عديدة، كل منها تسهل مراجعتها ~~وفحصها على كل من درس الأساليب ms300 الفنية المنطقية الرياضية، لتحويل الجمل # transforming of Sentences # وبعد هذا، إذا ~~استمر أحد يثير الشكوك، فسنطلب منه أن يعين الخطأ في خطوات البرهان، أو أن يفكر في ~~المسألة من جديد، # 20 # هذا هو حال المنطق، وهو نفس حال العلوم التجريبية، فهما سيان في ~~الموضوعية، جملة وتفصيلا؛ إذ يمكن استحضار العبارات الأساسية بنفس الطريقة التي ~~تمكن كل من درس الأساليب الفنية الملائمة، من اختبارها تماما كالنظريات، وإذا ~~رفضها فلن تعنينا مشاعره أو اعتقاداته أو شكوكه، بل يعنينا أن يصوغ تقريرا يناقض ~~التقرير الذي وضعناه، معززين به العبارة، وأن يعطينا الإرشادات لكيفية اختبار هذا ~~التقرير، وإذا فشل في هذا سنطلب منه أن يدرس العبارة بعناية أكثر، وأن يعيد التفكير ~~ثانية، أما التقرير الذي تحتم صورته المنطقية أنه غير قابل للاختبار، مهما كانت ~~درجة وثوقه السيكولوجية، فلا يمكنه - على أحسن الفروض - أن يلعب في العلم أكثر من ~~دور المنبه الذي يثير مشكلة، أو يلعب دور عنصر الوحي والإلهام لحدس حل للمشكلة، لكن ~~يستحيل أن يلعب أي دور ميثودولوجي أو منطقي أو إبستمولوجي، # 21 # فإن قبول العبارات الأساسية قد يكون ذا علاقة سببية بخبراتنا، وخصوصا ~~خبرة المدركات الحسية، بيد أننا لن نحاول تبريرها بهذه الخبرات. # هذا الفصل الحاسم بين الوجه السيكولوجي وبين الوجه المنطقي الميثودولوجي، هو الذي ~~مكن بوبر من التأكيد على موضوعية العبارات الأساسية؛ وبالتالي أنقذ بوبر من مآل ~~الوضعيين وجمل البروتوكول؛ أي من الوقوع في الهاوية السيكولوجية. # نحن الآن بمأمن من الخطرين ؛ الدوجماطيقية، والنزعة السيكولوجية. # 22 ~~(3) لم يبق إلا الخطر الثالث، خطر إمكانية ارتداد لا نهاية له، وبوبر سيتفادى ~~هذا الخطر بتأكيد نسبية العبارات الأساسية، أي كون قبولها محض قرار. # فمن المعروف أن أي اختبار للنظرية - سواء انتهى إلى تعزيزها أو إلى تكذيبها - لا ~~بد وأن ينتهي إلى عبارات أساسية نقرر قبولها، وإذا لم نقرر قبول عبارات أساسية ~~معينة، فإن الاختبار لم ينته إلى شيء، وهو فاشل لا بد من إعادته، من الناحية ~~المنطقية لا بد حتما من أن نجبر على الوقوف ms301 عند عبارات أساسية معينة بدلا من ~~أخرى، وإلا فإننا نترك الاختبار بأسره ونلجأ إلى غيره. # أي لا بد من الوقوف عند عبارات أساسية معينة، لكننا في الفقرة السابقة أكدنا ~~موضوعية العبارات الأساسية عن طريق تأكيد أن كل عبارة يمكن أن تصبح بدورها موضوعا ~~للاختبار، لكن هذه العملية - كما أوضح كارناب في نقده لمنطق بوبر، وكما وافق بوبر ~~على هذا - تؤدي إلى ارتداد لا نهاية ~~له # Infinite Regress # لكي يوقف بوبر هذا الارتداد، يقول: إن الاختبار عملية منطقية ~~لا بد وأن تقرر التوقف في إحدى مراحلها، هذا التوقف للارتداد محض قرار نتخذه، ~~ونلاحظ أن بوبر في كل مناسبة يكرر التعبير «عبارات نقرر التوقف عندها.» «عبارات ~~نقرر قبولها.» لأن المسألة أولا وأخيرا مجرد قرار نتخذه، وشأنه شأن أي قرار يدل ~~على قوة العزيمة ووضوح الرؤية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن العبارات الأساسية هي ~~لنقل الوقائع التجريبية إلى عالم المنطق، أمكننا الانتقال من عالم المنطق البحت إلى ~~عالم الميثودولوجي البحت، حيث نجد بفردج يقول: «يكمن القدر الأكبر من معرفة ~~الباحث العلمي، وجزء كبير من عبقريته، في قدرته على اختيار ما يستحق الملاحظة وهو ~~اختيار حاسم، كثيرا ما يتوقف عليه نجاح أو فشل عمله خلال شهور طويلة، وكثيرا ما ~~يفرق بين المكتشف النابغ ... وزميله الذي يتقد ببطء وعناء.» # 23 # قرار التوقف عند عبارات أساسية - أي وقائع - معينة عمل هام؛ وهو لذلك لا بد أن ~~يسترشد باعتبارات نظرية مختلفة، هي: ~~(أ) # ألا نقبل عبارة أساسية غير متصلة منطقيا بتسلسل الاختبار ~~الاستنباطي. # إننا نقبل العبارات الأساسية في سياق اختبار النظريات. # 24 ~~(ب) # التوقف يجب أن يكون عند عبارات أساسية من نوعية اختبارها سهل، ~~والاختبار السهل هنا يعني أن الاختبارات المختلفة تتفق نوعا ما على ~~قبولها أو رفضها، وإذا لم تتفق، فالاختبار يستمر أو يبدأ من ~~جديد. # وإذا لم ننته بعد كل هذا إلى شيء البتة، ولم نستطع اتخاذ قرار بالوقوف عند عبارات ~~أساسية معينة، فإن ذلك دلالة واضحة على أن العبارات موضع البحث ليست قابلة للاختبار ms302 ~~البين-ذاتي، أو أننا لم نكن نتعامل مع أحداث قابلة للملاحظة، فنقرر أن النظرية موضع ~~البحث ليست علمية، أما إذا جاء يوم استحال فيه، على ملاحظي العلم الوصول إلى اتفاق ~~حول عبارات أساسية يتوقفون عندها، فإن هذا سيشير إلى فشل اللغة كوسيلة من وسائل ~~التواصل العالمي، إنه سيشير إلى بلبلة ~~ألسن # Babel of Tangues # جديدة، يرتد العلم معها إلى خلف محال # absurdity ~~، فيتحول صرحه العظيم إلى أطلال. # 25 # بالطبع هذا محض احتمال ضعيف يطرحه الجدل الذي يريد إثبات أن الأمور إذا استحكمت ~~أزمتها، فإن هذا لن يكون بأي حال بسبب عدم إمكانية اتخاذ قرار بالتوقف عند عبارات ~~أساسية معينة، بل الخطأ قد يأتي من اللغة ذاتها كوسيلة، وليس أبدا من مبدأ اتخاذ ~~القرار الذي يوقف الارتداد، بعد أن أوقفنا الدوجماطيقية والنزعة السيكولوجية. # 26 ~~(4) وقد يثار الجدل بأن قبول العبارات الأساسية، طالما له صفة القرار، فلا بد من ~~وجهة ما أن يكون له صفة الدوجما، على قدر ما نتوقف عن تبرير القرار بحجج واختبارات ~~أكثر، بوبر يقول: إنها دوجماطيقية، لكنها ليست كالدوجماطيقية التي كان هو أول من ~~حذر منها، بل هي دوجماطيقية سليمة متبصرة؛ لأننا حين نجد الحاجة لاختبارها أكثر، ~~سوف نختبرها على التو، وهذا بدوره يجعل سلسلة الاستنباط بلا نهاية من حيث المبدأ، ~~لكنه أيضا ارتداد لا نهاية له سليم غير ضار، طالما أننا لا نطلب من أي من العبارات ~~أن تحاول إثبات النظرية، وطالما أن قبول النظرية مؤقت، ولما كنا قد استطعنا تنحية ~~النزعة السيكولوجية تماما، كانت عبارات بوبر الأساسية قادرة على إثبات سلامتها ~~المنطقية في مواجهة أي جدل. ~~(3) مناقشة موقف العبارات الأساسية ~~(1) والآن طالما وصل البرهان المنطقي إلى شكل مرض، وأصبح كل شيء قابلا ~~للمراجعة فإننا نتخذ قرارا بالتوقف عند عبارات أساسية يسهل اختبارها بين الذوات، ~~وهذا المطلب هو الذي يميز عبارات بوبر الأساسية عن جمل البروتوكول، التي لا يمكن أن ~~تكون قابلة للاختبار. # في منطق العلم من وجهة نظر بوبر، أكدت العبارات الأساسية، التي هي النهايات ~~التجريبية للعلم، ms303 أننا لا نحتاج إلى جمل البروتوكول بالمعنى الذي حدده كارناب ~~ونيوراث، أي بوصفها مدركات حسية، إلا إذا دعت الحاجة إلى استقصاء جوانب سيكولوجية، ~~كاختبار أزمنة ردود أفعال الخبراء الذين ينفذون الاختبار كي نحدد موازناتهم الشخصية Personal equations ~~، أي لا نحتاج إليها ~~في دراسة إبستمولوجية العلم، إنما في دراسة سيكولوجية الرجال الذين يقومون ببنائه، ~~أو بإرساء هذا البناء، إن مدركات الخبرة قد تدفع هذا القرار؛ وبالتالي قد تدفع إلى ~~قبول أو رفض العبارة، لكن العبارة الأساسية المقبولة لا يمكن أن تبرر بواسطتها، ~~اللهم أكثر مما تبرر بواسطة خبطة المنضدة. # 27 # نلاحظ أن بوبر الآن يتباهى باستطاعته الفصل والتمييز بين الوجه المنطقي والوجه ~~السيكولوجي، وهذا ما لم يستطعه كارناب ونيوراث، ولا الوضعية المنطقية ~~عموما. ~~(2) لكن لم يوافق آير على هذا، ويبدو أنه لا يوافق على فلسفة بوبر بأسرها، ورأى ~~أننا تبعا لهذا لن نجد أي مبرر للحكم بصدق أو بكذب العبارة الأساسية، فبوبر حتى لم ~~يطابق بين الرفض والكذب وبين القبول والصدق، فالقبول والرفض محض قرارات مما ترك ~~الاحتمال قائما أمام قبول عبارات أساسية كاذبة، ورفض عبارات أساسية صادقة، ويرى ~~آير - طبعا - أن التبرير الوحيد للعبارات الأساسية هو الخبرة، لكن بوبر قد قال: إن ~~الخبرة فقط قد تدفع إلى القرار، لكن العبارة الأساسية لا تبرر بها أكثر مما تبرر ~~بخبطة المنضدة، ويقول آير: إننا لو أخذنا هذه النتيجة حرفيا، فلن يعود هناك أي ~~سبب معقول يبرر ضرورة أن تشير العبارات الأساسية إلى أحداث قابلة للملاحظة، ولم يعد ~~واضحا أمامنا أي مغزى نأخذ به حديث بوبر عن الملاحظة كاختبار ويكفي أن تدخل ~~العبارات التجريبية الأخرى في علاقات منطقية معينة مع العبارات الأساسية، ولكن ماذا ~~عسى أن يعني كل هذا، إذا ما كانت العبارات الأساسية نفسها ليست مبررة تجريبيا. # 28 # أبسط ما نقوله في الرد على آير هو أن نحيله إلى الشروط التي وضعها بوبر للعبارات ~~الأساسية، وخصوصا الشرط التجريبي، وإلى أسلوب اتخاذ القرار الذي يكفل موضوعيته ~~ويجعله قابلا للاختبار بين الذوات. ~~(3) لكن من ms304 الناحية الأخرى، طالما كانت العبارات الأساسية تقبل بمحض قرار، ثم ~~إنها تحدد مصير النظرية، كانت النظرية هي أخرى تقبل بمحض قرار؛ لذلك نجد مشابهة بين ~~أسلوب بوبر في تحديد مصير النظرية العلمية وبين أسلوب المدرسة الاصطلاحية، فهم ~~أيضا يرون أن الأسس التجريبية التي تحدد نتائج الاختبار وتحدد مصير النظرية ~~مسألة اتفاق أو اصطلاح بحت واتخاذ قرار، ويرون أيضا - كما يرى بوبر - أن هذا ~~الاتفاق أو الاصطلاح، متعلق إلى حد ما باعتبارات الفائدة. # وقد سبق أن رأينا بوبر يرفض المنطق الميثودولوجي لهذه المدرسة؛ # 29 # لذلك فهو يوضح فارقا جوهريا، يميزه عنهم في هذا الصدد، هذا الفارق ~~هو أن بوبر لا يجعل القرار يحدد قبول العبارات الكلية، أي النظريات، تلك تحدد ~~قبولها نتائج الأخبار، القرار يحدد فقط قبول العبارات الأساسية التي هي عبارات خصوصية، # 30 ~~⋆ # أما الاصطلاحيون فيرون أن الاتفاق أو القرار، يحدد قبول كل من العبارات الخصوصية ~~والعمومية على حد سواء. # لكن هل حقا هذا فارق جوهري بينهما كما يدعي بوبر؟ لا يبدو الأمر كذلك، فطالما ~~أن قبول العبارات الأساسية هو الذي يحدد مصير العبارات العمومية والأولى يحددها ~~القرار، فلا بد أيضا أن يحدد الثانية، ولو بصورة غير مباشرة، قد تكون أضعف وأبهت ~~منها عند الاصطلاحيين لكن الخلاف ليس عميقا. # لكن هناك فعلا فارقا حقيقيا وعميقا في الأسس الميثودولوجية التي ينطلق منها ~~كل من بوبر والاصطلاحيين إلى عملية قبول العبارات؛ فالاصطلاحيون يحكمون مبدأ ~~البساطة في قبول العبارات العلمية، أما بوبر فيحكم مبدأ قسوة الاختبار تبعا ~~لداروينيته المنهجية، ثم إننا في منطق بوبر نجد الاختبار محكوما بصفة حاسمة ~~بالتطبيق التجريبي للنظرية، وأن قبول العبارات الأساسية متصل بهذا التطبيق، وحقا ~~هناك صلة بين قسوة الاختبار وبين مبدأ البساطة في منطق بوبر، إلا أنه يأخذ البساطة ~~بمفهوم مخالف لمفهوم الاصطلاحيين؛ فالبساطة الأكثر عند بوبر تعني المحتوى التجريبي ~~الأكبر، وبالتالي إمكانية الاختبار الدقيق، # 31 # وهذا يكون أبسط لأنه يفضي بنا إلى العبارة الأكثر عمومية، التي تحل محل ~~العديد من العبارات الأقل منها عمومية، وستكون أيضا ms305 أقرب من الصدق وأجرأ، باختصار ~~أكثر قابلية للتكذيب. # 32 ~~⋆ # وكل هذا مختلف تماما عن مبدأ البساطة عند الاصطلاحيين، والذي يعني القدرة على ~~تبسيط الظواهر الطبيعية التي هي معقدة، # 33 # والتبسيط هنا له مغزى استطيقي، والاصطلاحيون عموما يجعلون الصفة ~~الحاسمة في التعامل مع النظريات العلمية للدوافع الاستطيقية، وحقا أن الدوافع ~~الاستطيقية كائنة في زاوية أو أخرى من زوايا العلم، والفيثاغورية تبرز هذا، وكما ~~يؤكد بفردج فإن الاهتمام بأحد فروع العلم قد ينشأ نتيجة الجمال الكامن في المادة، ~~أو الطريقة الفنية المستعملة، وأن علماء التاريخ الطبيعي وعلماء الحيوان كثيرا ما ~~ينجذبون إلى دراسة مجموعة معينة من الحيوانات بذاتها؛ لأنهم يجدون مظهرها بهيجا، ~~وأن عالم البكتريا قد يحب استعمال أسلوب معين لأنه يتجاوب وحساسيته الجمالية # 34 # كما يؤكد ج. ن. ريدلي أن هناك جمالا داخليا كامنا في البنية ~~المعمارية للتفكير العلمي، # 35 ~~، # 36 ~~⋆ # لكن الدوافع الاستطيقية بمغزاها المتطرف تبلغ أقصى مداها في فلسفة العلم مع ~~الاصطلاحيين والأداتيين، فقد نص هنري بوانكاريه على أن «العالم لا يدرس الطبيعة لأن ~~هذه الدراسة مفيدة بل لأنه يجد متعة في هذه الدراسة، وهذه المتعة ترجع إلى أن ~~الطبيعة جميلة، وإذا لم تكن جميلة، فإنها لا تستحق أن تعرف، بل وإن الحياة نفسها ~~لا تستحق أن تعاش.» # 37 # وقد أوضح بوانكاريه أنه لا يعني الجمال الذي يثير الحواس، بمعنى جمال ~~الخصائص والمظهر، وليس لأنه يزدريه أو لا يأبه به، كلا، ولكن لأن هذا النوع من ~~الجمال لا شأن للعلم به، إذ يعني بوانكاريه الجمال الداخلي الكامن، الذي يأتي من ~~النظام «الهارموني» المتناسق لأجزائها، والذي لا يستطيع إدراكه إلا نمط خاص من ~~الذكاء البحت، # 38 # ثم إن هذا الجمال الداخلي هو الذي يهب الأجسام هيكلها، وبالتالي جمالها ~~الخارجي الذي يخاطب الحواس ويتملقها، هو الذي يهبها تألق مرآها، وكمال جمالها، ~~وبغيره يصبح هذا الجمال الخارجي مبهما غير محدد ومراوغا دائما، وعلى العكس من ~~ذلك الجمال العقلي الداخلي، فهو مكتف بذاته، وإن العالم ليلزم نفسه بالعمل الطويل ~~المضني، ربما من أجل ms306 هذا الجمال، أكثر من أن يكون من أجل مستقبل أفضل للإنسانية. # 39 # يبدو بوانكاريه متطرفا في الاستغراق في نشوته الجمالية بالعلم، مما قد يفصل ~~العلم عن التزامه الحتمي بمشكلات المجتمع، ودوره الأساسي في الحضارة، لكن بوانكاريه ~~على أية حال عالم فذ، وهو الأخبر بالعلم، خصوصا الرياضي منه، فلا بد وأن يكون ~~الأقدر على الاستمتاع به، لا بد أيضا أن يكون هذا الاستمتاع أمرا يخصه هو وحده، ~~وليس قاعدة منطقية ميثودولوجية، إنه يكاد يكون حالة نشوة سيكولوجية، وبوبر لا يوافق ~~إطلاقا على إدخالها في نطاق منطق العلم. ~~(4) وفي ختام مناقشة موقف العبارات الأساسية، نوضح أن شأنها شأن سائر جزئيات ~~فلسفة بوبر، تتسق مع هذه الفلسفة، بل وتؤكدها، فقد أكدت خرافية الاستقراء، خرافية ~~أسبقية الوقائع الملاحظة على النظرية، إننا لا نبدأ من هذه الوقائع لنصعد إلى ~~النظرية بل على العكس نبدأ من النظرية التي افترضناها ثم - من خلال الاختبار ~~الاستنباطي - نهبط إلى الوقائع التجريبية، إلى العبارات الأساسية التي نتخذ قرارا ~~بالتوقف عندها؛ لهذا تمسك بوبر بأن منهج العلم هو الاستنباط نقيض الاستقراء. # ثم إن قبولها محض قرار، قد يتراجع العلماء عنه في وقت لاحق، بل لا بد وأن ~~يتراجعوا، فهي إذن ليست صخورا جبلية، بل هي ركام لا يقوم على أساس، وإننا نتوقف عن ~~السبر في أعماقه إلى حد معين، ليس لأننا وصلنا إلى قرار مكين، ولكن ببساطة لأننا ~~قررنا التوقف وقررنا أن الاختبارات إلى هذا الحد كافية، وأنها كفيلة بالمهمة ~~المنوطة بها، وهذه المهمة إنما هي فقط بالنسبة لوقتنا الراهن ولعلمنا اليوم، لنقيم ~~عليها بناء معرفتنا في هذا الآن، وقد يأتي آخرون بعدنا يجرون اختبارات أعمق ، ~~ويقررون التوقف عند عبارات أساسية أخرى؛ ليقيموا عليها بناء أشمل. # وهذا يثبت من الناحية الأخرى رأي بوبر في أن كل شيء في العلم مؤقت ومحض افتراض ~~واحتمال، وأن لا شيء في العلم ثابت أو مطلق البتة. # الخلاصة أن الحديث عن العبارات الأساسية، قد أثبت الآن كل ما ادعى في البداية أنه ~~سيثبته. # وفضلا عن كل ms307 هذا، فإن إضفاء بوبر السمة الموضوعية على العبارات الأساسية يمثل ~~تأصيلا لنظريته في موضوعية المعرفة، وهذا بدوره يؤكد أنها إحدى إبداعاته التجديدية ~~التي تمثل إضافة للفلسفة الإبستمولوجية، فقد قدم لينين تفسيرا مؤداه: «أن المثالية ~~الذاتية هي نقطة الانطلاق للفلسفة التجريبية النقدية، ومقدمتها الأساسية أن ~~العالم هو إحساساتنا.» # 40 # لكن بوبر يقدم فلسفة تجريبية نقدية تتخلص من تلك المثالية الذاتية، ~~وتؤكد اتجاهه الواقعي، بل وأنها موضوعية على الأصالة، لقد أراد بوبر أن يكون فيلسوف ~~المعرفة الموضوعية وقد استطاع. ~~(5) والآن اتضح دور العبارات الأساسية، وأمنت موقفها المنطقي من الأخطار الثلاثة: ~~الدوجماطيقية - والنزعة السيكولوجية - والارتداد الذي لا نهاية له، وأكدت ~~موضوعيتها، وناقشنا جوانبها المختلفة، بقي أن نحدد بدقة الشروط التي يجب أن تتوافر ~~فيها. ~~(4) شروط العبارات الأساسية ~~(1) يجب أن يتوافر في العبارات الأساسية نمطان من الشروط: # شروط صورية؛ أي منطقية. # شروط مادية؛ أي تجريبية. ~~(2) بالنسبة للشروط الصورية المنطقية؛ فهي كالآتي: ~~(أ) # لا يمكن استنباط عبارة أساسية من عبارة كلية بغير شروط مبدئية # initial Conditions ~~؛ لأننا لا ~~نستطيع أن نخرج بوقائع قابلة للملاحظة من العبارة الكلية بمفردها، ~~فمثلا لو وضعنا نظرية نيوتن وقوانينه الثلاثة، هكذا فقط بغير أية شروط ~~مبدئية، فيستحيل استنباط أية عبارة تفيد بالوقائع الملاحظة، أي عبارة ~~أساسية. # وإن العبارتين الكليتين: «كل البجع أبيض» و«كل البجع أسود» لا ~~يناقضان بعضهما (لأن التناقض يكون بين: «كل البجع أبيض» و«كل البجع ليس ~~أبيض.») غير أنهما معا لا يتضمنان أكثر من أنه ليس هناك بجع، وهي ليست ~~عبارة ملاحظة فلا يمكن حتى التحقق منها؛ لذلك فالعبارة المفردة # Singular Statement # التي يمكن ~~استنباطها من عبارة كلية ~~بحتة # purely-all ~~، ستكون فقط في الصورة: «إذا وجدت بجعة في المكان ~~«ك»، للزم عن ذلك وجود بجعة بيضاء في المكان «ك».» أو «إما أن يوجد في ~~المكان «ك» لا-بجعة، أو توجد بجعة بيضاء.» وهذه هي فقط العبارة المفردة ~~التي يمكن استنباطها من العبارة الكلية فقط، بغير الشروط الأساسية، وهي ~~تحصيلات حاصل، إنها عبارات ~~لحظية # Instantial Statements # ليست عبارات أساسية، فهي ms308 لا تعبر عن وقائع ~~ملاحظة، يمكن أن تمثل الأسس التجريبية للنظرية، فلا يمكنها أن تكون ~~مكذبات محتملة، ولا أن تلعب أي دور آخر من تعزيز أو تكذيب، أي أدوار ~~العبارة الأساسية، أو أي دور آخر في العلم؛ لأنها ليست وجودية محددة. # 41 # ولو قبلنا العبارات اللحظية كعبارات أساسية، فسنحصل لأية نظرية علمية ~~أو لا علمية على عدد فائق من المحققات. # لكن طالما أن العبارات اللحظية قابلة للاشتقاق من العبارات الكلية، ~~فإن نفيها يجب أن يكون مكذبات محتملة؛ ولهذا فهي قد تكون عبارات أساسية ~~إذا استوفت بقية الشروط، والعكس صحيح، فيجب اعتبار العبارات اللحظية من ~~صورة نفي العبارات الأساسية. # 42 # وليس قاعدة أن نفي العبارة الأساسية، سيكون بدوره عبارة أساسية، ~~فمثلا: في موضوع دراستي الآن دانمركي عظيم بالغ الرشد، نفيها يكون «في ~~موضوع دراستي الآن دانمركي ليس عظيما ولا بالغ الرشد.» يمكن قبوله ~~كعبارة أساسية، لكن في معظم حالات العبارات الأساسية، لا يمكن نفيها ~~عبارة أساسية، مثلا: «في موضوع دراستي الآن بعوضة.» مجرد نفيها لا ~~يعطينا صورة إخبارية لواقعة تجريبية، فهو ليس عبارة أساسية، بل عبارة لحظية؛ # 43 # لأنه نفي للصورة المنطقية ذاتها. # ومن المهم ملاحظة أن العبارات الأساسية التي هي قوية قوية بحيث لا ~~يمكن اشتقاقها من القوانين الكلية بمفردها، سيكون لها محتوى معرفي، ~~أكثر من محتوى نفيها الذي قد يكون عبارة لحظية، وهذا يعني أن محتوى ~~العبارات الأساسية يفوق احتماليتها المنطقية؛ لأن احتمالية النفي أعلى ~~من احتمالية الإيجاب لكن محتوى النفي أقل من محتوى الإيجاب، وهذا يتسق ~~مع - أو يؤكد - نظرية بوبر الاحتمالية التي تراها متناسبة عكسيا مع ~~المحتوى المعرفي، مما يجعلنا نبحث عن النظرية الأقل احتمالا، كي نظفر ~~بالمعرفة الأكثر. ~~(ب ) # أما الشرط الصوري المنطقي الثاني، فهو أن العبارة الكلية والعبارة ~~الأساسية يمكن أن يتناقضان بعضهما، وهذا الشرط لا يمكن استيفاؤه، إلا ~~إذا أمكن استنباط نفي العبارة الأساسية من النظرية التي تناقضها، كما ~~أوضح مثال حالة ماري بيلي المطروح في الفصل السابق. # 44 # من هذين الشرطين معا، أي ms309 من: # استحالة استنباط عبارة أساسية من العبارة الكلية العمومية بغير شروط ~~مبدئية + العبارة العمومية والعبارة الأساسية يمكن أن تناقضا بعضهما ~~إذا أمكن اشتقاق عبارة أساسية من العبارة الكلية التي تناقضها. # ينتج الآتي: # الصورة المنطقية للعبارة الأساسية يجب أن تكون من تلك الصورة التي ~~تعني أن نفيها - أي نفي الصورة المنطقية - لا يمكن أن يكون بدوره صورة ~~عبارة أساسية. # وإننا نلاقي بالفعل عبارات تختلف صورتها المنطقية عن صورة نفيها، ~~إنها العبارات العمومية والعبارات الوجودية، هما نفي لبعضهما لكن ~~صورتهما المنطقية مختلفة، ويمكن أن نبني العبارة المفردة بطريقة ~~مماثلة، العبارة «يوجد غراب في الحيز المكاني الزماني «ك».» تختلف في ~~صورتها المنطقية، وليس فقط في صورتها اللغوية عن العبارة «لا يوجد غراب ~~في الحيز المكاني الزماني «ك».» لأن العبارات من الصورة «يوجد كذا وكذا ~~في الحيز «ك».» وكذا وكذا من الأحداث تحدث في الحيز «ك» تسمى عبارات ~~وجودية مفردة، أو عبارة يوجد المفردة، أما العبارات التي تنتج عن نفيها ~~فهي «لا يوجد كذا وكذا في الحيز «ك».» أو «لا يحدث كذا وكذا في الحيز ~~«ك».» يمكن أن نسميها عبارات لا وجودية مفردة، أو عبارة لا-يوجد ~~المفردة، على هذا يمكن أن نضع القاعدة التالية بشأن العبارات الأساسية، ~~وهي قاعدة على غرار القواعد المنطقية، جامعة مانعة: ~~«يجب أن يكون للعبارة الأساسية صورة العبارة الوجودية ~~المفردة.» # وهذا ما سبق أن اشترطناه وسلمنا به مقدما في الفصل السابق، لكن ها ~~هو ذا البرهان المنطقي له، الذي يجعلنا نرفض التسليم بأية عبارة وجودية ~~غير محددة كعبارة علمية. # والآن، فإن هذه القاعدة تجعل العبارة الأساسية تستوفي الشروط «أ»، ~~طالما أن العبارة الوجودية المفردة لا يمكن أن تستنبط فقط من ~~عبارة كلية عمومية ~~دقيقة # Strictly universal # أي من عبارة لا وجودية دقيقة؛ فالمنطق يرادف ~~بين كلية العبارة ولا وجوديتها، وتجعلها أيضا تستوفي الشرط «ب»، طالما ~~أنه يمكن اشتقاق عبارة وجودية بحتة من كل عبارة مفردة، فقط بحذف كل ~~إشارة لأي حيز مكاني زماني، وكما رأينا فالعبارة الوجودية البحتة يمكن ~~فعلا ms310 أن تناقض نظرية، أي تناقض عبارة كلية. # 45 ~~(ج) # الربط بين عبارتين أساسيتين لا تناقضان بعضهما، هو بدوره عبارة ~~أساسية؛ ولهذا فإذا كان كل من العبارة ونفيها عبارة أساسية، فإن ربطهما ~~ليس عبارة أساسية لأنهما ليستا متسقتين. # وأيضا يمكن أن نحصل على عبارة أساسية بربط عبارة أساسية بأخرى ليست ~~أساسية، مثلا الربط بين: # العبارة الأساسية: يوجد مؤشر Pointer # في الحيز «ك». # والعبارة اللاأساسية: لا يوجد مؤشر في حركة في الحيز «ك». # هو بدوره عبارة أساسية؛ لأنه مكافئ منطقيا للعبارة الوجودية ~~المفردة: ~~«لا يوجد مؤشر في سكون في الحيز ك.» # ويلزم عن هذا النتيجة الآتية: «لو كان لدينا النظرية «ن» والشروط ~~المبدئية «ر» حيث نستنبط منها التنبؤ «ب»، فإن العبارة «ر. ب» أي «ر. ~~ولا. ب» ستكون هي مكذب النظرية «ن» وبالتالي عبارة أساسية.» # 46 # إذن من الناحية المنطقية الميثودولوجية، يمكن جدا أن نأخذ في ~~الاعتبار العبارات الأساسية المركبة، أو المؤلفة، ضمن فئة العبارات ~~الأساسية المقبولة، وإن كان يمكن أيضا أن نقصر فئة العبارات الأساسية ~~المقبولة عن العبارات الذرية - بتعبير رسل - ونفصل عنها كل العبارات ~~المؤلفة أو المركبة، وستكون بالطبع عبارات ذرية نسبية، فطالما أنها ~~عبارات أساسية فقبولها محض قرار أو اتفاق فقط بالنسبة لمتخذي ~~القرار. # ثم نأتي بعد ذلك، ونبني أو نؤلف من فئة العبارات الأساسية الذرية، ~~فئة أخرى هي فئة العبارات الأساسية المركبة أو المؤلفة، والمقارنة بين ~~هاتين الفئتين أمر ضروري جدا في مقارنة تفاوت النظريات في درجة ~~قابليتها للتكذيب كما سيوضح الفصل التالي. # وفي تأليف أو تركيب العبارات الأساسية يجب مراعاة الشروط الآتية: ~~(1) # نفي أي من العبارات الأساسية التي هي ذرية، لا نقبله كعبارة أساسية؛ ~~لأنه سيعني نفي الصورة المنطقية ذاتها؛ وبالتالي فلن تكون العبارة ~~المنفية في صورة عبارة أساسية. ~~(2) # نقبل كل ربط بين عبارتين أساسيتين طالما هما متسقتان، ويبدو الاتساق ~~وكأنه بداهة مطلب ضروري في غير حاجة إلى ذكر، وهو يبسط كثيرا معادلات ~~مختلفة للنظرية التي تقبل بعد رفض النظرية المكذبة، إلا أنه يمكن ~~الاستغناء عنه على ms311 قدر ما لا نستخدم عبارات غير متسقة فقط في فئة ~~المكذبات. ~~(3) # لا نقبل نفي أية عبارة أساسية مركبة، إذا كان النفي نفيا لصورتها ~~المنطقية. ~~(4) # ولا نقبل عبارات مؤلفة من ربط عبارات غير أساسية. # والهدف من هذه الاستبعادات هو تأكيد أن فئة كل العبارات الأساسية ليست هي فئة كل ~~العبارات التجريبية، صحيح أن بوبر - بداهة - يقطع بحسم بأن جميع العبارات الأساسية ~~هي قطعا بمنتهى الوضوح تجريبية، إلا أن العكس ليس صحيحا، فليست كل العبارات ~~التجريبية ولا حتى كل العبارات القابلة للملاحظة هي عبارات أساسية؛ لأننا يجب أن ~~نستبعد - كما وضح آنفا - العبارات الشرطية اللزومية مثل «إذا وجدت حشرة في الحجرة ~~لكانت حشرة.» هذه عبارة تجريبية وقابلة للملاحظة لكنها لا تتسم بصورة العبارات ~~الأساسية، فهي لا تصلح اختبارا للنظريات، إنها من العبارات اللحظية. # 47 ~~(3) بقي الشرط المادي، وهو المتعلق بتأكيد تجريبية محتوى الصورة المنطقية التي ~~حددناها في الفقرة السابقة، فتجريبية العبارات الأساسية، تعني أنها تقرر صدقا أو ~~كذبا وقائع قابلة للملاحظة، أي حدوثات # occurances # داخل حيز زماني مكاني، ضيق بما فيه الكفاية، # 48 # هذا الشرط المادي متعلق بالحدث الذي حدث في المكان أو الحيز «ك»، كما ~~أخبرتنا العبارات الأساسية والشرط أن يكون الحدث قابلا للملاحظة، وهذا يعني أن ~~العبارة الأساسية يجب أن تكون قابلة للاختبار البين-ذاتي بواسطة الملاحظة، ولما ~~كانت العبارة الأساسية مفردة، فإن هذا المطلب يمكن بالطبع أن يشير فقط إلى ~~الملاحظين المحايثين في الزمان والمكان بصورة ملائمة. # 49 ~~(4) من هذه الوجهة يمكن تأويل الأحداث الملاحظة بمغزى النزعة السيكولوجية، فيبرز ~~الاتهام بأن بوبر قد سمح لها بالتسلل إلى منطق العلم، بعد أن بذل قصارى جهده ~~لدرئها، غير أن بوبر يرد هذا الاتهام بأنه يستعمل مفهوم «الأحداث الملاحظة» بالمعنى ~~التالي: الأحداث المتضمنة في موضع وتحرك من الأجسام الفيزيائية المرئية # macroscopic ~~، أو بدقة أكثر: كل عبارة أساسية، إما ~~أن تكون هي ذاتها عبارة حول مواضع نسبية لأجسام فيزيائية، أو أنها مكافئة لعبارة ~~أساسية من هذا النوع الميكانيكي أو المادي، وأما عن كون هذا ms312 الشرط قابلا للتطبيق ~~فهذا متصل بالواقعة القائلة أن النظرية القابلة للاختبار البين-ذاتي # inter-subjectivity # هي أيضا قابلة للاختبار ~~البين-حسي # inter-sensality ~~، وهذا يعني أنها ~~قابلة لاختبار متضمن في مدركات حاسة معينة، ويمكن من حيث المبدأ استبداله باختبار ~~متضمن في مدركات حاسة أخرى. # على هذا فالاتهام القائل: إن بوبر بالتجائه إلى القابلية للملاحظة، قد عاد إلى ~~النزعة السيكولوجية، هو اتهام لا تزيد فعاليته عن فعالية آلاتها بأنه قد سمح بالعود ~~إلى النزعة الميكانيكية أو المادية، لكن بوبر يظل محايدا تماما، حاميا لمصطلحه - ~~القابلية للاختبار - من أية إدانة سيكولوجية. # 50 # إن الشرط المادي يكفل لنا أن العبارات الأساسية عبارات تقرر حدوث حدث معين متفرد ~~في حيز محدد من المكان والزمان، إنها إذن تجريبية على الأصالة. ~~(5) لذلك يقول بوبر: إن هذا الشرط يجعلنا نحصر فئة العبارات الأساسية تبعا ~~لمتطلبات أعتى وأدق تجريبي يمكن أن نواجهه، وهي في الوقت نفسه متطلبات ليست أقل دقة ~~من أدنى حد لما يشترطه المطلب الموضوعي لبوبر، # 51 # ولنلاحظ أن بوبر يتحدى بتجريبيته أعتى التجريبيين، إنه تجريبي صميم كل ~~ما في الأمر أن تبصره، خصوصا إدراكه لخرافية الاستقراء ولدور العقل وإمكانياته، أو ~~بالأصح استعداداته، قد حمى تجريبيته من التطرف الذي يجعلها مهترئة مخلخلة، واقعة في ~~براثن مشكلة الاستقراء. ~~(6) لكنا نعود فنقول: إن دور العبارات الأساسية الجوهري في اعتبار النظرية علمية ~~أو لا علمية، ثم في قبول النظرية أو رفضها، أي تعزيزها أو تكذيبها - أي في الحكم ~~أولا وأخيرا على النسق المعرفي - هذا الدور فقط هو الذي جعل بوبر تجريبيا ~~صميما ... وقادرا على أن يكون فيلسوف العلم التجريبي الأول. # الفصل الثالث # | درجات القابلية للتكذيب # القابلية للتكذيب مسألة نسبية، مسألة درجات. # 1 # مقدمة ~~(1) ليست نظرية آينشتين علمية، تماما كما أن نظرية كبلر علمية ولا نظرية مندليف ~~الذرية علمية تماما، كما أن نظرية دالتون في هذا الصدد علمية ... كلا بالطبع العلم ~~يتقدم، فلا بد وأن توجد درجات في المنزلة العلمية للنظريات؛ لأن هناك درجات في جرأة ~~النظريات وفي قوتها الشارحة وفي محتواها المعرفي، وطالما ms313 أن هناك معيارا للتكذيب ~~قادرا على تمييز النظرية العلمية، فسيكون بالتالي قادرا على تمييز النظرية الأكثر ~~علمية، إنها الأكثر قابلية له، وفي هذا الفصل سنناقش كيفية تحديد تفاوت درجات ~~القابلية للتكذيب. # ولنلاحظ أن البحث هنا، لا يعين أي شيء مطلق، كأن يعين أن النظرية تقبل التكذيب أو ~~لا تقبله بصفة حاسمة، كلا فالمفروض أننا هنا - في هذا الفصل - لا نتعامل إلا مع ~~النظريات القابلة للتكذيب أصلا، ونريد أن نعين أمرا فقط بالنسبة لها. ~~(2) ولتعيين تفاوت درجات النظريات في القابلية للتكذيب أهمية ميثودولوجية كبيرة؛ ~~فقد أوضح فصل «منهج العلم» أن الميثودولوجي يستحيل أن يرسم الطريق إلى الفرض ~~الجديد، كما يدعي المنطق التقليدي الاستقرائي؛ # 2 ~~⋆ # ولذلك كان هدف نظرية بوبر المنهجية - والذي حظي منه بالعناية الفائقة - هو كيفية ~~الاختيار بين الفروض المتنافسة، التي نتوصل إليها بأية طريقة، إن كانت جميعها قريبة ~~من الصدق وقادرة على حل المشكلة، فكيف يمكن الاختيار إذن؟ خصوصا وأن أي فرض يحتوي ~~على قدر من الخطأ وقدر من الصواب ولا يمكن إثبات أن أي فرض صادق 100٪ ولا أنه كاذب ~~100٪، بعبارة أخرى ليس هناك تحقيق نهائي ولا تكذيب نهائي، # 3 # وفي هذا الفصل يوضح بوبر كيف يتمكن العالم من الاختيار، إنه يختار أكثر ~~النظريات قابلية للتكذيب ويستبعد الأخرى. # ولقد كان توضيح بوبر لمنهج الاختيار بين الفروض المتنافسة من أبرز مواطن ~~الاستحسان في نظريته المنهجية، وبصفة عامة فإن عملية الاستبعاد المنظم # systematic elimination # 4 ~~- على حد تعبير بفردج - من أهم القواعد المنهجية في فن البحث ~~العلمي. # وكما سيوضح السياق التالي، فإن البحث في تفاوت درجة القابلية للتكذيب يعني ~~التقييم الميثودولوجي لمختلف الجوانب المنطقية للنظرية العلمية. ~~(3) وطالما أن قابلية النظرية للتكذيب، تعني أن فئة مكذباتها المحتملة ليست ~~فارغة، فلا بد وأن تكون النظرية أكثر قابلية للتكذيب كلما كانت فئة مكذباتها ~~المحتملة أوسع؛ لأن هذا يعني أنها تقول أكثر عن عالم الخبرة، فتستبعد فئة أكبر من ~~العبارات الأساسية، وتقر بفئة أصغر، فالنظرية ذات المحتوى الغزير يمكن تكذيبها ~~بسهولة أي درجة قابليتها للتكذيب ms314 عالية؛ لأنها تسمح للعالم التجريبي فقط بمدى ضيق ~~جدا من الاحتمالات، فتستبعد تقريبا كل الأحداث الممكنة التصور، أي الممكنة ~~تجريبيا فهي تقرر الكثير عن عالم الخبرة، وعلى هذا ففرصتها ضعيفة في الهروب من التكذيب. # 5 # هدف العلوم التجريبية هو - على وجه الدقة - الحصول على نظريات تقبل التكذيب ~~بسهولة، إنها تهدف إلى تقييد مدى الأحداث الممكنة إلى الحد الأدنى إلى الحد الذي ~~يؤدي معه أي تقييد آخر إلى تكذيب فعلي للنظرية، وإذا تمكنا من هذا أي من وضع نظرية ~~لا تحتمل أية درجة أعلى من التكذيب، فإننا سنتوصل إلى وصف عالمنا الفعلي بأدق ما ~~يمكن أن تصفه النظرية، وهذه النظرية سوف تفرد # single out # عالم خبرتنا المعين عن فئة جميع عوالم الخبرة الممكنة ~~منطقيا، ولن تسمح فقط إلا بالأحداث # events # والحدوثات # accurancy # التي نصادفها بالفعل ونلاحظها، # 6 # بالطبع هذا حديث منطقي فقط عن احتمال ضعيف للغاية هو الوصول يوما ما - ~~بعيدا جدا - إلى النظرية ذات أعلى درجة من التكذيب بوصفها ستكون أكمل نظرية ~~علمية ممكنة. # لكننا نريد الآن أن نناقش كيف يمكن تعيين النظرية الأكثر قابلية للتكذيب بالنسبة ~~لعلمنا اليوم. ~~(1) درجات القابلية للتكذيب على أساس علاقات الفئة ~~الفرعية والقابلية للاشتقاق ~~(1) يمكن مقارنة درجات القابلية للتكذيب على أساس سعة فئات المكذبات المحتملة لكن ~~هذه الفئات لا متناهية، مما يجعل تعيين الأكثر والأقل فيها مسألة حدسية بغير قواعد ~~ثابتة، وهذه صعوبة لا يمكن الإحاطة بها، حتى لو وضعنا فئة الأحداث مثلا بدلا من ~~فئة العبارات الأساسية، ونعين النظرية التي تمنع أحداثا أكثر، هذا لا يحل المشكلة ~~لأن الأحداث بدورها لا متناهية، لا سيما وأن ارتباط حدث تمنعه النظرية بحدث آخر، ~~سواء كانت تمنعه أم لا، هو بدوره حدث تمنعه النظرية. # 7 ~~(2) إن أفضل أسلوب لمقارنة فئات المكذبات المحتملة، هو مقارنتها عن طريق علاقة ~~الفئة الفرعية # Sub-class-relation # فتكون ~~النظرية «ص» أكثر قابلية للتكذيب من النظرية «س»، إذ كانت فئة مكذبات «س» مجرد فئة ~~فرعية في فئة مكذبات «ص». # ولتوضيح ذلك نفترض أن كل عناصر ms315 الفئة «س» هي أيضا عناصر في الفئة «ص»، على هذا ~~تكون «س» فئة فرعية في ص «س # ص» إما أن تكون كل عناصر «ص» هي بدورها عناصر في «س»، وفي هذه ~~الحالة تكون الفئة «س» مطابقة للفئة «ص»، وإما أن توجد عناصر في «ص» لا تنتمي ل ~~«س»، هذه العناصر هي التي تمثل فئة ~~الفارق # difference class # وهي تتمة «س» بالنسبة ل «ص»، وهي بالتالي التي تجعل «س» ~~فئة فرعية في «ص»، # 8 # وهذه هي الحالة التي تهمنا وتجعلنا نحكم منطقيا بأن فئة المكذبات «ص» ~~أكبر. # ولما كان تضمن الفئة الفرعية يستلزم منطقيا أن تكون الفئة الأصلية أوسع كانت ~~علاقة الفئة الفرعية تناظر بصورة جيدة التقدير الحدسي للأكثر والأقل؛ إذ تكون الفئة ~~الفرعية هي فئة المكذبات الأقل، وبالتالي تكون النظريات ذات درجة تكذيب أقل. ~~(3) وبالحديث المنطقي عن النظريات أو العبارات العلمية، فإننا لو وضعنا لدرجة ~~القابلية للتكذيب الرمز «ق ك»، وأردنا أن نعبر عن المفاضلة بين العبارتين «م»، «ن» ~~يمكن أن نضع الصيغة الرمزية الآتية: # ق ك «م» ~~< # ق ك ~~«ن» # أي قابلية العبارة «م» للتكذيب، أكبر من قابلية العبارة «ن» وذلك إذا - وفقط إذا ~~- كانت فئة المكذبات المحتملة ل «م» تتضمن فئة المكذبات المحتملة ل «ن» كفئة فرعية، # 9 # بالطبع لا بد وأن توجد دائما فئة متممة غير فارغة، في حالة العبارات ~~العمومية لا بد وأن تكون لا متناهية؛ على هذا لا يمكن لنظريتين عموميتين - تفاوتتا ~~في درجة القابلية للتكذيب - أن تختلفا في آن واحد مهما تمنع عددا معينا من ~~الحدوثات # accurances # المفردة تسمح بها الأخرى ~~بل يختلفا في منع عدد لا متناه من الحدوثات. # أما إذا كانت فئتا مكذبات العبارتين «م»، «ن» متطابقين، فإننا نصل إلى الصياغة ~~الرمزية: «ق ك «م» ~~= # ق ك «ن».» # التي تعني أن لهما نفس درجة القابلية للتكذيب. # 10 # وإذا لم تكن إحدى الفئتين تتضمن الأخرى، فإن العبارتين لهما درجتا تكذيب غير ~~قابلتين للمقارنة أي: # ق ك «م» // ق ك «ن» # وتتساوى جميع العبارات ms316 اللاعلمية والميتافيزيقية غير القابلة للتكذيب في درجة ~~القابلية للتكذيب وهي الصفر، وتتطابق جميع فئات مكذباتها، إذ هي فارغة، ولما كان لا ~~توجد إلا فئة فارغة واحدة فإنها ستلزم بالتالي عن كل وعن أية عبارة لا علمية، وكانت ~~جميع فئات مكذبات هذه العبارات متطابقة في صورة فئة واحدة هي الفئة الفارغة. # فلو أخذنا العبارة التجريبية «أ»، والعبارتين اللاعلميتين «ب»، «ج» نصل إلى ~~المعادلة: # ق ك «ب» ~~= # ق ك «ج» ~~= # صفر # في حين أن ق ك «أ» ~~< # صفر # وبعد سقوط اليقين، لا يمكن أن توجد عبارة مطلقة الخطأ بالتعبير السليم درجة كذبها ~~أو قابليتها للتكذيب واحد صحيح إلا العبارة المتناقضة ذاتيا، ولتكن «ج» وبالتالي ~~سيكون لها فئة كل العبارات الأساسية الممكنة منطقيا كفئة مكذبات محتملة، وهذا ~~يعني أن أية عبارة يمكن أن نقارنها بالعبارة المتناقضة ذاتيا، فأية عبارة لا بد ~~وأن تكون فئة مكذباتها فئة فرعية، في هذه الفئة التي تضم جميع العبارات الأساسية ~~الممكنة منطقيا، والتي تجعل تكذيب عبارتها واحدا صحيحا لذلك: ~~(1) ق ك «ح» ~~< # ق ك «أ» ~~< # صفر # ولما كان الواحد الصحيح هو درجة تكذيب العبارة المتناقضة ذاتيا فقط أمكنا أن ~~نضع التقدير العشوائي: ~~(2) ق ك «ح» ~~= # 1 # ومن (2) نصل إلى: 1 ~~< # ق ك «1» ~~< # صفر. # ولأن التناقض الذاتي يؤدي إلى كل عبارة، وكل عبارة تؤدي إلى تحصيل الحاصل، فلا بد ~~وأن تقع دائما درجة تكذيب العبارة التجريبية بين الواحد الصحيح والصفر، # 11 # فالعبارات العلمية تقع في منطقة وسطى محددة من ناحية بالعبارات ~~المتناقضة ذاتيا، ومن الناحية الأخرى بتحصيلات الحاصل، أي بين درجة التكذيب واحد ~~صحيح وصفر. # ولما كانت نظرية الاحتمال تقوم على بديهية، مؤداها أن القضية التجريبية قضية ~~احتمالية، بمعنى أنها ليست قضية يقينية، كما أنها ليست قضية مستحيلة وإنما تقف بين ~~اليقين والاستحالة، # 12 # كان التسلسل المنطقي السالف يوضح كيف أن التكذيب يمكن تماما أن يحل ~~محل النظرية الاحتمالية الاستقرائية في المنطق التقليدي، لكن بالطبع يسير على عكسها ~~تماما، فالقضية ذات درجة التكذيب «واحد صحيح» هي القضية التي يعطيها ms317 المنطق ~~الاستقرائي درجة احتمالية: صفر، كما أن العبارة ذات درجة التكذيب صفر، هي التي ~~يعطيها المنطق الاستقرائي درجة احتمالية واحد صحيح وهكذا، # 13 ~~⋆ # وبوبر دائما على عكس الاستقرائيين تماما. ~~(4) ولو قارنا درجات القابلية للتكذيب على أساس علاقة القابلية للاشتقاق # Derivability relation ~~، فسنصل إلى نفس ~~النتيجة التي سنصل إليها لو قارناها على أساس علاقة الفئة الفرعية كلا الأسلوبين ~~يعطينا صورة شباك تتصل نهاياتها جميعا بالتناقض الذاتي وتحصيلات الحاصل ودرجة ~~القابلية للاشتقاق هي درجة المحتوى المعرفي، التجريبي والمنطقي: # المحتوى التجريبي للعبارة ~~= # فئة مكذباتها ~~المحتملة. # المحتوى المنطقي للعبارة ~~= # فئة كل العبارة ~~التي ليست بتحصيل حاصل، والتي يمكن اشتقاقها من العبارة. # فالمحتوى المنطقي نصل إليه عن طريق القابلية للاشتقاق؛ لذلك يمكن أن نصل إلى ~~تقدير الأكثر والأقل قابلية للتكذيب عن طريق القابلية للاشتقاق، فإن أمكن اشتقاق ~~«ص» من «س» «بالرموز: س # ص»، للزم منطقيا إمكان اشتقاق المحتوى المنطقي ل «ص» من «س»؛ ~~وبالتالي وجب أن يكون المحتوى المنطقي للعبارة «س» مساويا للمحتوى المنطقي للعبارة ~~«ص»، أو أكبر منه، ويكون مساويا له: إذا أمكن اشتقاق «ص» من «س»، وأيضا «س» من ~~«ص». # أي: س # ص. ص # س. # أي لو كانت إمكانية الاشتقاق متبادلة، في هذه الحالة تتساوى العبارة «س» والعبارة ~~«ص» في درجة المحتوى المنطقي، وفي درجة القابلية للتكذيب وللاختبار. # ويكون المحتوى المنطقي للعبارة «س» أكبر، ودرجة تكذيبها أعلى من «ص»، إذا أمكن ~~اشتقاق «ص» من «س» ولم نتمكن من اشتقاق «س» من «ص»، ففي هذه الحالة يكون المحتوى ~~المنطقي للعبارة «ص» فئة فرعية للمحتوى المنطقي للعبارة «س». # وإذا كانت العبارة علمية أصيلة، لا تحتوي على عناصر ميتافيزيقية، يمكن أن نتبع ~~هذا بالنسبة للمحتوى التجريبي، ونصل إلى نفس النتيجة. # ويمكن تلخيص هذا كالآتي، كي نوضح قواعد المقارنة على أساس قابلية اشتقاق المحتوى: ~~(أ) # إذا كان للعبارتين نفس المحتوى التجريبي، وجب أن يكون لهما نفس ~~المحتوى المنطقي. ~~(ب) # إذا كان محتوى العبارة «س» المنطقي أكبر من محتوى العبارة «ص» ~~المنطقي، فلا بد وأن يكون محتواها التجريبي ms318 أكبر أو على الأقل مساويا ~~له، ونطرح احتمال التساوي لأن «س» قد تكون ربط «ص» بعبارة وجودية خالصة ~~أي غير محددة أو أية عبارة ميتافيزيقية مما يجعلنا نعزو «س» نفس ~~المحتوى المنطقي الذي نعزوه ل «ص»، وبالتالي لن يكون المحتوى التجريبي ~~ل «س» أعلى من محتوى «ص» التجريبي. ~~(ج) # إذا كان محتوى «س» التجريبي أكبر من محتوى «ص» التجريبي، فلا بد وأن ~~يكون محتواها المنطقي أيضا أكبر أو أنه غير قابل للمقارنة لأسباب ~~مناظرة للأسباب السالفة كأن تكون «س» مجرد ربط «ص» بعبارة لا تفيد إخبارا. # 14 ~~(5) الخلاصة حتى الآن أن: # درجة القابلية للتكذيب ~~= # درجة القابلية ~~للاختبار ~~= # درجة اتساع فئة المكذبات ~~المحتملة ~~= # درجة المحتوى التجريبي ~~= # درجة المحتوى المنطقي. # لذلك نحكم بأن النظرية «س» لها درجة تكذيب أو اختبار أعلى من «ص» إذا كانت فئة ~~مكذبات «ص» محض فئة فرعية، من فئة مكذبات «س» الأوسع؛ لأن ذلك يعني أن «س» تتضمن ~~محتوى منطقيا وتجريبيا أكبر من «ص» إذ يمكن اشتقاق «ص» منها. # على كل هذا تتضح الصورة العامة التي حددها بوبر في فصل «منهج العلم» من أن يختار ~~العالم النظرية الأكثر قابلية للتكذيب والاختبار، فقد أصبح واضحا أن هذا سينتهي به ~~إلى الظفر بالنظرية الأغزر في المحتوى المعرفي: ~~(6) بل وليس فحسب إذ سينتهي به إلى النظرية ذات: # أعلى درجة من العمومية. # أعلى درجة من الدقة. # فإذا وضعنا القوانين الطبيعية الأربعة الآتية: # س: # كل مدارات الأجسام السماوية دوائر. # ص: # كل مدارات الكواكب دوائر. # م: # كل مدارات الأجسام السماوية إهليجية. # ن: # كل مدارات الكواكب إهليجية. # وإذا مثلنا لعلاقات القابلية للاشتقاق بالأسهم، أمكنا وضع الشكل التالي: # يوضح الشكل إمكانية اشتقاق جميع العبارات من «س»، وإمكانية اشتقاق: «ن» من «م» ~~و«ص»، وعدم إمكانية اشتقاق «س» من أية عبارة، وعدم إمكانية اشتقاق أية عبارة من ~~«ن». # وكما توضح الأمثلة تقل درجة العمومية بالتحرك من «س» إلى «ص»، «س» تقول أكثر مما ~~تقوله «ص»؛ لأن مدارات الكواكب فئة فرعية من فئة مدارات الأجسام السماوية التي تضم ~~مدارات ms319 الكواكب والنجوم والتوابع كالأقمار ... وبالتالي يكون تكذيب «س» أسهل من تكذيب ~~«ص». # لأن أي جسم سماوي لا يتحرك في مدار دائري من شأنه أن يكذب «س»، بينما لا يكذب «ص» ~~إلا كوكب بالذات، من هنا كان تكذيب «ص» يلزم عنه منطقيا ضرورة تكذيب «س» لكن ~~العكس غير صحيح، فقد تكون العبارة الأساسية التي كذبت «س» حول مدارات أقمار ~~مثلا. # إذن الشكل يوضح أن «س»، وهي أكثر العبارات قابلية للتكذيب، هي أيضا أكثرها ~~عمومية # Universality ~~. ~~• ليست العمومية فقط، بل وأيضا الدقة، دقة التنبؤ، فكلما تحركنا من «س» كلما قلت ~~الدقة، حتى تبلغ أقل درجة لها في «ن»، فالدوائر فئة فرعية في فئة الإهليجات، فإذا ~~كذبنا «م» ... فلا بد وأن تصبح «س» كاذبة، لكن العكس غير صحيح، ويمكن تطبيق ملاحظات ~~مناظرة على تحركات الأسهم الأخرى، فبالتحرك من «س» إلى «ن» تقل كل من درجة العمومية ~~ودرجة التنبؤ، وبالتحرك من «ص» إلى «ن» تقل الدقة وبالتحرك من «م» إلى «ن» تقل العمومية. # 15 # إذن أكثر العبارات قابلية للتكذيب والاختبار، هي أكثرها عمومية وأكثرها دقة في ~~التنبؤ؛ لأنها الأغزر في المحتوى المعرفي. # 16 ~~⋆ ~~(7) وإذا عدنا إلى القاعدة الميثودولوجية: ألا ندع شيئا بغير تفسير - والتي تفسر ~~ميتافيزيقيا بقانون العلية - وجدنا أنها تعني هنا أن نحاول دائما استنباط ~~العبارات، من عبارات ذات مستوى عمومية أعلى، مما يجعلنا نبحث دائما عن العبارات ~~ذات أعلى درجة من العمومية والدقة؛ وبالتالي من غزارة المحتوى، وبالتالي من أعلى ~~قابلية للتكذيب ولأقسى الاختبارات. # لكل ذلك اتخذ بوبر محور دعواه قابلية النظرية العلمية للتكذيب، وألح منذ ~~البداية على ضرورة أخذ العبارة ذات أعلى درجة من قابلية التكذيب وبوبر في نظرته ~~الشمولية لمنطق العلم على تمام الاتساق، فهو يطالب بالبحث عن النظرية ذات أدنى درجة ~~من الاحتمالية وأدنى درجة من الاحتمالية تناظرها أعلى درجة من قابلية التكذيب كما ~~أوضحنا أنفا. # وطالما أن بوبر يرفض الاحتمالية بمفهومها التقليدي الاستقرائي، أي الذي يحسب نسبة ~~حدوث متحققات النظرية إلى احتمال معين من الأحداث، فيمكن الآن أن ms320 نضع بدلا من ~~الاحتمالية مفهوم المدى # Range ~~، والمدى هو فئة ~~العبارات الأساسية التي تسمح بها النظرية، هو درجة الحرية التي تسمح بها للواقع، ~~إنه فئة العبارات الأساسية المتاحة، المناقضة لفئة العبارات الأساسية الممنوعة التي ~~تمثل المكذبات المحتملة للنظرية، فإذا كانت درجة تكذيب العبارة «س» أعلى من «ص» لأن ~~«س» من مستوى عمومية ودقة أعلى؛ لكانت فئة العبارات المتاحة ل «س»، هي فئة فرعية من ~~فئة العبارات المتاحة «ص»، أي إن مدى «س» فئة فرعية من مدى «ص»؛ لأن عبارات الفئة ~~الفرعية بين فئات العبارات المتاحة، تناقض عبارات الفئة الفرعية بين فئات العبارات ~~الممنوعة «المكذبات»، العلاقات عكسية؛ لأن المدى والمحتوى التجريبي مفاهيم عكسية، ~~من هنا يمكن أن نقول - تبعا لمنطق التكذيب: إن مدى العبارتين يتصلان ببعضهما ~~تماما، أو يناظرن احتماليتهما المنطقية؛ فالنظرية ذات المحتوى المعرفي الكبير أي ~~ذات درجة القابلية للتكذيب الكبيرة هي النظرية التي تسمح للعالم التجريبي فقط بمدى ~~ضيق؛ أي ذات أقل درجة من الاحتمالية. # 17 ~~(2) درجات القابلية للتكذيب على أساس درجة تأليف النظرية وأبعادها ~~(1) لكن أسلوب علاقة الفئة الفرعية - وما يرتبط به من قابلية الاشتقاق والمدى - ~~لا يصلح لتعيين النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، إلا إذا كانت فئتا المكذبات ~~المحتملة للنظريتين المتنافستين، تتضمن إحداهما الأخرى، أما إذا تقاطعت فئتا ~~المكذبات المحتملة بغير هذا التضمن، أو لم يكن بينهما عناصر مشتركة فإننا لن ~~نستطيع المقارنة بينهما؛ وبالتالي لن نستطيع تعيين النظرية الأكثر قابلية للتكذيب ~~أنه أسلوب لا يتيسر دائما. # كما أن العبارة ذات درجة العمومية العالية كصياغة بلانك لقانون بقاء الطاقة قد ~~تصبح تحصيل حاصل، وتفقد محتواها التجريبي ما لم نحدد الشروط المبدئية ببعض ~~المقاييس؛ أي بواسطة عدد صغير من كميات العزم المميزة لحالة النسق، # 18 ~~⋆ # هذه الشروط المبدئية # initial condition # التي يجب ~~أن نتثبت منها ونضعها في الصياغة لا يمكن توضيحها في علاقة الفئة، رغم أنها بوضوح ~~وثيقة الاتصال بمشكلة القابلية للاختبار والقابلية للتكذيب وتحديد تفاوتهما، # 19 # أي درجتهما؛ إذ هي تزيدهما. # في هذه الحالة يمكن مقارنة درجات التكذيب ms321 ، عن طريق مقارنة درجة تأليف # composition # العبارات الأساسية التي تكفي لتكذيب ~~النظرية؛ لأن العبارات الأساسية المكذبة تتكون من ارتباط: # الشروط المبدئية + نفي التنبؤ الذي نشتقه من العبارة، فتكون أعلى درجة من ~~التكذيب، هي أقل درجة من التأليف تحتاجها العبارات الأساسية كي تستطيع أن تناقض ~~النظرية، أي تكذبها. # 20 # وهذا واضح وبديهي؛ لأنه متسق؛ فالنظرية حيثما تكون على درجة عالية من العمومية ~~والدقة وغزارة المحتوى المعرفي، يكون القطاع الذي تحكمه وتقيده من العالم واسعا ~~جدا؛ لذلك لا تحتاج لتحديدات كثيرة وشروط متنوعة وستكون قابليتها لتكذيب عالية، ~~فتكذيبها ميسور لا يحتاج لعبارات أساسية عالية الدرجة من التأليف على ذلك يكون من ~~المنطقي جدا أن نتثبت من درجة القابلية للتكذيب عن طريق درجة تأليف العبارات ~~الأساسية المكذبة، مع ملاحظة أن التناسب بينهما عكسي بالطبع. ~~(2) لكن هناك شرطا جوهريا وأساسيا هو أن نتمكن دائما من إيجاد طريقة ~~لمقارنة العبارات الأساسية؛ كي نتثبت من أنها أكثر أو أقل تأليفا؛ أي مكونة بدورها ~~من عدد أكثر أو أقل من العبارات الأساسية من أبسط الأنواع: وكل العبارات الأساسية ~~التي لا تصل درجة تأليفها إلى الحد الأدنى المطلوب مهما كان محتواها سوف تسمح بها ~~النظرية، يعني هذا منطقيا أن شروط حدوثها سهلة غير معقدة، فقط لأن درجة تأليفها منخفضة. # 21 # وأبرز الصعوبات التي تقابل هذا المنهج هو أنه ليس من السهل أن نعرف بمجرد فحص ~~العبارة، ما إذا كانت مؤلفة أم لا، أي ما إذا كانت مكافئة لربط عبارات أبسط، ففي كل ~~عبارة - كما يؤكد بوبر نفسه خصوصا في نقد التحليل والتحقق - ترد أسماء كلية، وبتحليلها تنحل العبارة إلى ~~ربط بين عبارات، وبإزاء هذا لا يمكن أن نجد أية نهاية طبيعية، لا سيما أننا في كل ~~انحلال نستطيع أن نقدم كليات لا معرفة، تفتح المجال أمام إمكانية انحلالات أخرى ~~للعبارة ... وهكذا ستبدو أبسط عبارة وكأنها مؤلفة من عبارات بل من عدد لانهائي من ~~العبارات، فيستحيل التثبت من تفاوت تأليف العبارات الأساسية؛ كي نتثبت من تفاوت ~~درجة القابلية للتكذيب. ms322 # ولكي نتجنب هذا يمكن اختيار «فئة عبارات أساسية معينة» ولتكن العبارات ~~الأولية # Elementary ~~، أو الذرية # Atomic # ومن هذه العبارات الأولية يمكن أن نتوصل إلى ~~كل العبارات الأخرى، عن طريق الربط وبقية العمليات المنطقية الأخرى. # 22 # ولكن هل يمكن أن نحدد بهذه الطريقة صفرا مطلقا للتأليف، بمعنى أن تكون الفئة ~~الأولية، ممثلة لفئة العبارات الأساسية التي لا تأليف فيها إطلاقا، ويبدأ التأليف ~~في التدرج صاعدا ابتداء منها؟ الواقع أنه لا يمكن تحديد صفر مطلق لدرجة التأليف ~~لنفس السبب السابق (أي الكليات) وأيضا لأنه سوف يفرض قيودا خطيرة تحد الاستعمال ~~العادي للغة العلم # 23 ~~⋆ # حدا لا جدوى منه. # لكن رغم ذلك نستطيع مقارنة تأليف العبارات الأساسية، والعبارات الأخرى بهذا ~~الأسلوب، عن طريق اختيار عشوائي لفئة من العبارات الأساسية الذرية نسبيا فتتخذها ~~أساسا للمقارنة، ويمكن تعريف فئة العبارات الأساسية الذرية نسبيا بواسطة ~~قاعدة توليد # generating Matrix # لتكن ~~مثلا: ~~«يوجد جهاز قياس ل... في المكان ... يقع مؤشره بين علامات التدرج ... و...» هذه القاعدة ~~دالة عبارة، وفئة العبارات الأساسية التي نتوصل إليها بواسطتها، أي بواسطة إحلال ~~متغيرات محل ثوابتها الفارغة يمكن تعريفها بأنها فئة العبارات الأساسية الذرية ~~النسبية؛ وبالتالي المساوية للمؤلف # equi-compisite # و«المؤلف» هو الأول الذي يسهم في «تأليف» العبارة، فيزيد التأليف بزيادته. # 24 # وفئة كل هذه العبارة + كل الروابط التي تتشكل فيها = المجال # field # مجال النظرية وربط العدد «وليكن العدد «ع»» من مختلف ~~العبارات الذرية نسبيا يسمى «ع-وحدة # N-tuple ~~» # 25 ~~⋆ # حيث إن «ع» هي وحدات المجال، ويمكن القول: إن درجة التأليف مساوية للعدد «ع»؛ أي لعدد ~~وحدات المجال. # وإذا وجد للنظرية «ن» مجال من العبارات المفردة (وليس من الضروري أن تكون عبارات ~~أساسية)، مثل: لعدد ما «د»، لا يمكن تكذيب النظرية «ن»، بواسطة أي «د-وحدات» من المجال، ~~على الرغم من أن تكذيبها ممكن بواسطة «د + 1 وحدات»، فيمكن أن نسمي «د» العدد المميز ~~للنظرية بالنسبة لذلك المجال، وكل عبارات المجال التي درجة تأليفها أقل من «د» أو ~~مساوية ل «د» تسمح بها النظرية، بصرف ms323 النظر عن محتواها. ~~(3) والآن يمكن أن نقيم درجات القابلية للتكذيب على أساس هذا العدد المميز «د»، ~~ولكي نتجنب اللااتساق الذي قد ينشأ من استعمال مجالات مختلفة، يبدو من الضروري ~~استخدام مفهوم أضيق نوعا ما من مفهوم المجال، أي مفهوم مجال التطبيق. # فإذا كانت النظرية «ن» هي المعطاة، فالمجال هو مجال تطبيق النظرية «ن»، وفي هذا ~~الصدد نحاول إيجاد العدد «د» المميز للنظرية «ن» بالنسبة لهذا المجال، # 26 # وبوبر يسمي العدد «د» المميز للنظرية بالنسبة لمجال التطبيق بعد النظرية # Dimension of the theory # ويسميه «بعد»؛ لأننا ~~نستطيع أن نفكر في كل «ع-وحدة # N-tuple ~~» للمجال على ~~أنها مرتبة ترتيبا فراغيا # configuration # في ~~مكان شكلي للأبعاد المحددة، فمثلا لو كانت «د» = 3، لكانت العبارات المسموح بها بسبب ~~تأليفها، هي صورة منخفضة جدا لأبعاد ثلاثة، وهي فئة فرعية لهذا الشكل، وكلما ~~حاولنا إقلال درجة التأليف مثلا بالانتقال من «د» = 3 إلى «د» = 2، فإن هذا الانتقال ~~يناظر الانتقال من الجسم إلى السطح (من المكان الثلاثي الأبعاد إلى المكان الثنائي ~~الأبعاد) مما يوضح أن البعد «د» كلما كان أصغر كلما كانت درجة القابلية للتكذيب أعلى. # 27 # ومفهوم مجال التطبيق لا يقتصر على العبارات الأساسية؛ إذ يمكن أن تنتمي إليه ~~العبارات المفردة من كل الأنواع، ولكن بمقارنة أبعادها بمساعدة مفهوم المجال يمكن ~~أن نقدر درجة تأليف العبارات الأساسية، فالمفروض أن العبارة المفردة المؤلفة بدرجة ~~عالية تناظر العبارة الأساسية المؤلفة بدرجة عالية؛ لذلك فالنظرية ذات البعد الأعلى ~~تناظر النظرية التي لها فئة العبارات الأساسية ذات درجة التأليف المرتفعة وذلك ~~يناظر درجة القابلية للتكذيب الأقل. ~~(4) والآن لدينا منهجان مختلفان لمقارنة درجات القابلية للاختبار أو التكذيب: ~~أحدهما بواسطة الفئات الفرعية للنظرية، والآخر بواسطة أبعاد النظرية قد لا يمكن ~~تطبيق أيهما في بعض الأحيان، وقد يمكن تطبيق واحد منهما فقط، وفي كل حال لا يوجد ~~تنافس بينهما إذ حين نتمكن من تطبيق المنهجين، فسنصل في معظم الحالات إلى نفس ~~النتائج. # كيف ذلك؟ الأمر بسيط للغاية فبمساعدة نظرية الأبعاد ترى أن بعد الفئة ms324 يجب أن يكون ~~أكبر من أو مساويا ل «بعد» فئتها الفرعية؛ بسبب تناظر فئات النظرية مع أبعادها. # 28 # لكن قد تتساوى أبعاد نظريتين متفاوتتين في درجة القابلية للتكذيب نتيجة لعلاقة ~~فئة فرعية، وفي هذه الحالة نأخذ بنتيجة منهج الفئة الفرعية، فهو بصفة عامة المنهج ~~الأدق والأكثر حسما والأوضح. ~~(5) وحتى الآن، ارتبطت درجة القابلية للتكذيب بدرجة القابلية للاختبار، واتساع ~~فئة المكذبات، وبعلاقة الفئة الفرعية وبالمحتوى المعرفي: التجريبي والمنطقي، ~~بعلاقات القابلية للاشتقاق، وبالدقة والعمومية وبالمدى والاحتمالية، وبدرجة تأليف ~~العبارات الأساسية المكذبة، وبأبعاد النظرية ومجال تطبيقها. ~~(3) درجات القابلية للتكذيب والبساطة ~~(1) وإن درجة القابلية للتكذيب ترتبط أيضا بدرجة البساطة # Simplicity # بساطة النظرية، فكلما كانت النظرية أبسط كلما كانت أكثر ~~قابلية للتكذيب والعكس صحيح. ~~(2) وإن مفهوم البساطة لذو أهمية قصوى في فلسفة العلم، وهو مثل أي مفهوم ~~ميثودولوجي آخر مبهم غير واضح، خصوصا وأنه يدخل المناقشات الفلسفية بصور عدة، فقد ~~يشير إلى الأفكار البسيطة كمقابلة للمركبة، أو للمكونات البسيطة للعالم، وقد يشير ~~إلى بعض الخصائص البسيطة لبنية العالم كمقابلة للخصائص المعقدة، وقد يشير إلى بعض ~~الخصائص البسيطة لبنية العالم كمقابلة للخصائص المعقدة، وقد يشير إلى بعض الخصائص ~~الصورية للنسق المنطقي، أو لمجرد وصف ما نتحدث عنه بالبساطة، # 29 # والبسيط في اصطلاح الفلاسفة هو الشيء الذي لا جزء له أصلا كالوحدة ~~والنقطة وهو لفظ مولد يقابله المركب، بمعنى الشيء الذي له جزء. # 30 # لكن في الآونة الأخيرة، لا ينصب الاهتمام على مفهوم البساطة إلا بوصفه منتميا ~~لفلسفة العلم، إذ يقال عادة: إن البساطة صفة مرغوبة في مفاهيم وقوانين ونظريات ~~العلم الطبيعي، بل وإن البساطة أساسية للبحث العلمي تماما كالبديهات المسلم بها ~~مثل قابلية الطبيعة للفهم، وخضوعها لنفس القوانين، وإمكانية إخضاعها للقياس، # 31 # ومؤدى مسلمة البساطة أن أبسط تفسير يتفق مع الملاحظات المتعلقة ~~بالموضوع هو الصحيح على الأرجح، # 32 # والمقصود بالبساطة هنا أن تكون النظرية محتوية على أقل عدد ممكن من ~~المفاهيم الأساسية والعلاقات مع أعلى معيار من التجريد، وبعبارة أخرى: إن النظرية ~~تبدأ بعدد قليل من ms325 المفاهيم والمبادئ الأساسية أو البديهات، # 33 # وهذه هي البساطة التي يفترضها العقل بدرجة عالية في النظرية بصورة تدخل ~~هذا الافتراض في نطاق مسلمات البحث العلمي، ومسلمة البساطة هذه قاعدة مبنية على ~~الخبرة العلمية فقد أثبتت فائدتها الجمة، لكن مهما كانت أهميتها من الناحية العلمية ~~فإنه من المستحيل اختبارها علميا، وهذا ما يجعلها موضع بحث في فلسفة العلم، ~~خصوصا وأنها أدت إلى استبعاد كثير من الأفكار الذاتية من مجال البحث، # 34 # كما أن إيمان العلماء بأهمية البساطة في النظرية على أساس فهم الظواهر ~~والوقائع والحوادث في العالم بواسطة أقل عدد ممكن من الأفكار والفرضيات، كان من ~~الدوافع القوية في تطوير النظرية العلمية والوصول بها إلى درجات تجريدية عالية. # 35 # وما يجعل لها الأهمية القصوى في فلسفة العلم من الناحية الأخرى، هو انهيار فكرة ~~السببية، بعد أن تبينا قيامها على أسس ميتافيزيقية ما لها من قرار، فوجب أن نتخلى ~~عنها، وليس أمامنا إلا أن نحل مفهوم البساطة محلها، وهذا ما فعله إرنست ماخ ~~وكيرخهوف # kierchoff # وأيضا ريتشارد أفيناريوس # richard Avenarius ~~(1843-1896م) «وبوبر ~~شديد الإعجاب بأفيناريوس» إذ وضعوا الشرح الأبسط بدلا من الشرح السببي الذي ~~استعمله جون ستيورات مل مثلا، وماخ وأفيناريوس خصوصا كانا يعتبران البساطة هي ~~الوصف الاقتصادي المقتر للعالم. # 36 # المهم أن الشرح الأبسط أو الوصف الأبسط هو هدف العلم، فنحن نفضل شرح العالم ~~بنظرية واحدة عن شرحه بعدد لانهائي أو كبير جدا من العبارات المفردة، وما ذلك إلا ~~لأن النظرية الواحدة ستعطينا شرحا أبسط، وطالما نفضل النظرية من أجل البساطة ~~فلا بد وأن نفضل أبسط النظريات، ولا بد وأن تكون النظريات بسيطة قدر المستطاع، بل ~~وكذلك المفاهيم وإن كان بوبر بالذات لا يعنى إطلاقا بالمفاهيم ولا يهتم إلا ~~بالقوانين ذات المحتوى المعرفي، وهو لذلك لا يهتم إطلاقا ببساطة المفاهيم والبساطة ~~عنده هي فقط بساطة العبارات أو النظريات. ~~(3) وإذا سألنا لماذا يجب أن تكون المفاهيم والنظريات العلمية بسيطة؟ لوجدنا ثلاث ~~إجابات أساسية: # المواءمة ~~البراجماتية Pragmatic convenience ~~: # أي نتفق على ما هو ms326 أبسط؛ لأن البساطة أفيد من الناحية العلمية، ~~فنجد هنري بوانكاريه مثلا، وهو من أبرز ممثلي الاتجاه الأداتي في ~~فلسفة العلم - والاتجاهات الأداتية والاصطلاحية والبراجماتية تسير إلى ~~حد كبير في اتجاه واحد - نجد بوانكاريه يؤكد أن مبدأ الاختيار بين ~~النظريات هو اختيار أبسط الاصطلاحات الممكنة، # 37 ~~⋆ # فقد ميز بوانكاريه بين الواقع المفرط التعقيد من جهة، وبين القوانين ~~العلمية البسيطة التي تفرضها عقولنا عليه من الجهة الأخرى، فليست ~~الطبيعة هي البسيطة، بل قوانينا التي نفرضها عليها هي البسيطة؛ لأن ~~القوانين هي التي تفرض ما تريده على عالم يكاد يكون مصطنعا، وقد وصف ~~بوانكاريه قانون نيوتن بالسهولة، بينما وصف حركة الكوكب بأنها معقدة، ~~ومعنى هذا أن قانون نيوتن قد أعطى تفسيرا مبسطا لهذه الظواهر الطبيعية؛ # 38 # لذلك يعطي بوانكاريه القانون العلمي ثلاث وظائف هي: السير ~~بالعلم نحو الوحدة والتنبؤ، وتبسيط الظواهر الطبيعية المعقدة. # 39 # والحق أن بوانكاريه - لأنه رجل علم حقيقة - قد انشغل بمشكلة البساطة ~~بجميع أبعادها: بساطة النظرية وبساطة المفهوم، بل وحتى بساطة ~~الوقائع # Facts ~~؛ إذ رأى أن ينتفي ~~العالم لموضوع دراسته أبسط الوقائع الممكنة، وهي التي يمكن استخدامها ~~مرات متعددة، والتي بتكرر حدوثها، والمتألفة من أبسط عدد من العناصر ~~وغير المتغايرة الخواص، وأوضح بوانكاريه أن هذه الوقائع هي على وجه ~~الخصوص الوقائع المتناهية الكبر والمتناهية الصغر؛ لذلك انتقاها ~~العلماء موضوعا للدراسة. # 40 # لكن الاتجاه البراجماتي ومعالجته للبساطة في جملته غير دقيق ولا يمكن ~~أن يقنعنا، فهناك أولا صعوبة في التسليم بأساس هذا الاتجاه الذي يحلون ~~بناء عليه مشكلة البساطة وسائر المشكلات؛ أي اعتبار القوانين العلمية ~~بناءات منطقية ومحض أدوات، وليس لها أي محتوى معرفي «ثم إن فكرة ~~المواءمة تعتمد كثيرا على المكونات السيكولوجية وظروف الناس المختلفة، وعلى الأدوات المنطقية ~~والمادية المتاحة لهم، وعلى وجهات النظر التي يشتركون فيها، والغايات ~~التي يهدفونها، وعوامل أخرى عديدة، وأكثر من هذا فحتى لو تمكنا من ~~إضفاء شيء من الموضوعية، فإن المواءمة ليس من الضروري أن تتصل بإمكانية ~~قبول المفاهيم والنظريات العلمية، وكثيرا ما تكون النظريات ms327 الصادقة بل ~~والمفيدة ليست موائمة بدرجة كبيرة.» # 41 # الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة: # لكن ليس هناك أي دليل على صدق هذا الاعتقاد، ثم إن تاريخ العلم يشهد ~~بأحايين كثيرة تحطمت فيها الأنساق النظرية البسيطة وقبلت المعقدة، ثم ~~إن هذا الاعتقاد يدل على مجرد فهم اعتباطي أو على أحسن الفروض حدسي ~~«للطبيعة وللبساطة؛ لذلك فهو ميتافيزيقي؛ لذلك فمن الممكن أن يخدم ~~كحافز للبحث لكن لا يقبل أي دحض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي.» # 42 # معيار الاختبار بين النظريات: # إذا ما تبينا أن الطبيعة بسيطة فإن هذا تبرير لاختبار النظريات ~~البسيطة، وحتى ولو لم نتبين هذا فستبقى على أية حال أسباب أقوى من أن ~~تكون مجرد مواءمة أو اتفاق، # 43 # والبحث عن هذه الأسباب هي الشغل الشاغل لفلسفة العلم تحت ~~عنوان «مشكلة البساطة» لو لم نحلها سنجد العلماء يفضلون النظريات ~~الأبسط حين تتساوى مع النظريات التي تنافسها في بقية المعايير الأخرى، ~~لكنهم يقررون أن البساطة مرغوبة؛ لأننا نختار أبسط النظريات في الوقت ~~الذي نختار أبسط النظريات لأن البساطة مرغوبة. # هذا الدوران المنطقي يوضح أن البساطة موضع إشكال، رغم أنها مطلب عزيز ~~في العلم فمن الصعب تحديد معيار واضح يحددها بالمعنى الدقيق، ومن الصعب ~~أيضا تبرير الأولوية الممنوحة للفروض والنظريات الأكثر بساطة، وبالطبع ~~لا بد لأي معيار للبساطة من أن يكون موضوعا؛ لأنها ليست مجرد حدس أو ~~سهولة حفظ أو تذكر للفرض أو النظرية # 44 # بل هي معيار للاختيار بين النظريات. # من هنا كان أفضل تناول لها هو تناول ر. س. رندر # R. S. Runder # إذ تناولها تحت مقولة البساطة الموضوعية ~~المنطقية، مما يعني أنها لا ذاتية ولا سيكولوجية، وأنها تشير إلى ~~البنية المنطقية لأوصافنا للعالم ولا نشير مباشرة إلى بساطة العالم نفسه. # 45 ~~(4) وتحت هذا المنظور للبساطة؛ أي البساطة الموضوعية المنطقية، يدخل اقتراح بوبر؛ ~~فبوبر يستبعد تماما المفاهيم البراجماتية للبساطة وأيضا المفاهيم الاستطيقية التي ~~ترى أن البحث عن البساطة في العلم راجع إلى النزوع نحو الانسجام والائتلاف ~~الجمالي، فهذا منظور ذاتي، # 46 ~~، # 47 ms328 ~~⋆ # وبالطبع يرفض بوبر اعتبار مبدأ البساطة راجع إلى الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة؛ لأن ~~هذا اعتقاد دوجماطيقي. # يرفض بوبر كل هذا، ولا يسلم إلا بالمفهوم الإبستمولوجي للبساطة، وتبعا له يقدم ~~اقتراحا لمعالجة المشكلة بأن يطابق بين درجة البساطة وبين درجة القابلية للتكذيب، ~~وحين نختار النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، فإننا نصل بهذا إلى النظرية الأبسط، مما ~~يمكننا من وضع تنظيم للقوانين تبعا لدرجة بساطتها الأبسط ثم الأقل بساطة وهكذا، # 48 ~~⋆ # على أساس درجات قابليتها للتكذيب، بعبارة أخرى معيار التكذيب يحل مشكلة البساطة؛ ~~لأنه يزودنا بمعيار واضح لها: # مثلا رأينا أن النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، هي النظرية ذات الأبعاد الأقل، ~~والنظرية ذات الأبعاد الأقل هي النظرية الأبسط؛ لتوضيح ذلك نعود إلى مثالنا السابق ~~من القوانين الطبيعية الأربعة المعبرة عن تفاوت درجات تكذيب النظرية العلمية: # س: # كل مدارات الأجسام السماوية دوائر. # ص: # كل مدارات الكواكب دوائر. # م: # كل مدارات الأجسام السماوية إهليجية. # ن: # كل مدارات الكواكب إهليجية. # لقد أوضحت المناقشة السابقة أن «ص» أكثرها قابلية للتكذيب، وهو أيضا أبسطها إذ ~~إنه قانون يرتد إلى أقل عدد من الأبعاد؛ لأن الفرض الدائري يكفي لتكذيبه أربعة ~~مواضع، نجد أنها لا تقع على دائرة، إذن يمكن وصل أية ثلاثة مواضع على - أي رسم ~~مثلث منتظم داخل - أية دائرة هذا بينما تكذيب الفرض «م» الإهليجي يحتاج لستة مواضع ~~على الأقل نجد أنها لا يمكن أن تتعين على الإهليج، من هنا نجد البساطة ترتبط ~~ارتباطا مباشرا بدرجة إمكانية التكذيب. # وبالطبع القانون الذي له دالة من الدرجة الأولى أي بها متغير واحد قابليته ~~للتكذيب أكثر من قابلية القانون الذي له دالة من الدرجة الثانية؛ أي بها متغيران ~~رغم أن هذه الدالة قد تمثل قانونا علميا، أي قابلا للتكذيب، وإن شليك - مثلا - ~~يقطع بضرورة اعتبار الدالة من النوع الأول أبسط من الدالة من النوع الثاني لكنه لم ~~يوضح كيف يمكننا الحكم بهذا، # 49 # أما الآن فيمكننا عن طريق معيار التكذيب الحكم بهذا لأنه سيحكم على ~~الدالة الأولى بأنها أكثر قابلية للتكذيب، ms329 وبالتالي أبسط خصوصا وأن درجة القابلية ~~للتكذيب تعين درجة صرامة ~~النظرية # strictness of the theory ~~؛ أي الدرجة التي تفرض بها النظرية قيودها على الطبيعة مما ~~يؤكد أن التكذيب يفعل بالضبط ما يرومه شليك من البساطة؛ لأن النظرية ذات الدالة من ~~الدرجة الأولى هي بالطبع أشد صرامة من النظرية ذات الدالة من الدرجة ~~الثانية. # وبعد، نجد العبارة الأكثر عمومية تحل محل العديد من العبارات الأقل منها عمومية ~~لذلك تكون أكثر بساطة، وهنري بوانكاريه خصوصا يبرر البساطة بالعمومية، وبالطبع ~~العبارة الأكثر عمومية هي الأكثر قابلية للتكذيب، فلنخترها إذن في البحث عن ~~البساطة، دون الاحتياج لمبدأ الاقتصاد في التفكير ولا أي شيء من هذا القبيل، # 50 # لم يدخل في منطق التكذيب، فإن معيار التكذيب كما هو واضح يكفينا تماما ~~كمعيار للعلم؛ وبالتالي كأساس لمنطقه. # وعلى كل هذا يتمكن بوبر من إقرار «أننا إذا وضعنا نصب أعيننا المعرفة فلا بد وأن ~~نختار أبسط العبارات أي أكثرها قابلية للتكذيب؛ لأنها تخبرنا بالأكثر ومحتواها ~~التجريبي أعظم، ولأنها يمكن أن تختبر بصورة أفضل.» # 51 ~~(5) هكذا نجد معيار التكذيب يطوق النظرية تماما لدرجة أنه يتمكن من الإحاطة ~~بمفهوم البساطة بسائر أبعاده، وهو من أشد المفاهيم الميثودولوجية غموضا وإبهاما ~~رغم أنه من أهمها. # لكن بالنسبة لبوبر بالذات فقد أصبح في إمكانه الآن أن يؤكد بمنتهى الثقة على ~~أهمية البساطة كمسلمة للبحث وأن يرى موضوعات دراساتنا، سواء كانت بجعا أو نجوما ~~في السماء أو فلسفات معقدة بغير حدود، وأن كل ما يمكن أن نقوله في حيواتنا المحدودة ~~وبكلماتنا المحدودة أشياء بسيطة، لكن يمكنها أن تلقي الضوء على العالم من حولنا، ~~وكلما كان الضوء أقوى كانت البساطة أكثر كلما كان ذلك أفضل، وأن بعض التبسيطات ~~الشديدة أفضل من غيرها، وأن الغموض يرجع إما إلى عدم الصلاحية والكفاءة، وإما إلى ~~محاولة التأثير الجوفاء على الناس بالكلمات، # 52 # وأن النظريات العلمية العظيمة لا تعدو أن تكون تبسيطات شديدة ~~للواقع. # في إمكان بوبر الآن أن يطرح هذه المسلمات للبحث، بل وأن يتمادى أكثر من ms330 ذلك حتى ~~أعماق فلسفته فيقول: «بصميم طبيعة منهج التبسيط الشديد يجب أن نتناول المشكلة على ~~مراحل، وكل حل تقريبا يثير مشاكل جديدة، وفي الأعم الأغلب تقضي المشاكل الجديدة ~~إلى تبسيطاتها الخاصة بها والتي غالبا ما تكون بدورها مثمرة جدا.» # 53 # وقد كان الطابع المرحلي لكل بناء، وإن كل مشكلة تثمر مشاكل أخرى من ضمن ~~النتائج التي لزمت عن صياغته «م1 # ح ح # أ أ # م2». # 54 ~~⋆ # باختصار، أصبح من حق بوبر الآن أن يستخدم مفهوم البساطة كيفما شاء، ومن حق ~~برونوفسكي أيضا أن يؤكد على إعجابه بفكرة بوبر الميثودولوجية الرائعة من استبعاد ~~النظريات التي تم تكذيبها والبحث عن أكثر النظريات المتبقية قابلية للتكذيب مما ~~يجعلنا نتوصل إلى أبسطها. # 55 ~~(6) لكن هناك اعتراضات كثيرة واجهت تناول بوبر للبساطة منها أنه إذا كان عدد ~~النقاط المطلوبة لتكذيب القانون؛ أي إبعاده، هو الذي يحدد البساطة فقد يحدث أن نجد ~~أمامنا مثالا معارضا؛ لأن إبعاد النظريات ليست دائما مرتبطة ببعضها حتى يمكن مقارنتها، # 56 # ولكن يمكن رد هذا الاعتراض بأن مقارنة درجات القابلية للتكذيب - ~~وبالتالي البساطة - ممكن بواسطة وسائل أخرى غير أبعاد النظرية مثل علاقات الفئة ~~الفرعية والقابلية للاشتقاق ودرجة تأليف العبارات الأساسية. # لكن النقد قد يستمر قائلا: إن قياس بساطة القانون بدرجة عموميته غير سليم، ويمكن ~~أن ينهار بمنتهى السهولة، مثلا لدينا الدليل على أن «كل حالات «س» الملاحظة هي «ز».» ~~فإن التعميم «كل «س» وكل «ي» هي «ز».» قابل للتكذيب في أكثر من «كل «س» هي «ز»» في حين أن «كل ~~«س» هي «ز»» أكبر بساطة، وهو أفضل فرض يمكن الوصول إليه على أساس ذلك الدليل، # 57 # وليس من العسير رد ذلك النقد، فأولا: نحن لا نتوصل إلى النظرية على ~~أساس الدليل، وإلا كنا نردد الخرافة الاستقرائية، وثانيا: بوبر لا يروم البساطة ~~في حد ذاتها بل يرومها مرتبطة بالمحتوى المعرفي، وإلا توصلنا إلى أتفه النظريات؛ ~~لأنها الأبسط، ومعيار القابلية للتكذيب هو الذي يخول الربط بين الأبسط والأغزر في ~~المحتوى المعرفي. # لكن الوضعي ms331 المنطقي كارل همبل ينقد بوبر على هذا الأساس، أي على أساس أن النظرية ~~الأبسط الأغزر في المحتوى المعرفي، بالمعنى الاستنباطي أي إمكانية اشتقاق النظرية ~~الأقل بساطة منها، لكن همبل يرى أن المحتوى الأكبر ليس بالضرورة مرتبطا بالبساطة ~~الأكثر، فأحيانا نعتبر نظرية من النظريات قوية كنظرية نيوتن عن الجاذبية والحركة؛ ~~لكونها أبسط من الكثير من النظريات التي لا علاقة لها بالنطاق المحدود الذي تتضمنه ~~النظرية، على أن النوع المرغوب فيه من التبسيط الذي تبلغه نظرية من النظريات ليس ~~على هذا النحو مجرد محتوى زائد؛ لأنه إذا كان ثمة فرضان لا علاقة بينهما (على سبيل ~~المثال قوانين هوك وسيل والارتباط الناتج عنهما يخبرنا بما هو أكثر وإن لم يكن أبسط ~~من مكونات أيهما). # 58 # على هذا النحو تسير انتقادات نظرية بوبر، فيزعم البعض أن محتوى النظرية يشير إلى ~~قوة Power # النظرية أكثر مما يشير إلى بساطتها، ~~ومن الناحية الحدسية لا ترتبط القوة بالبساطة دائما، بل إنهما ليستا مرتبطتين، ~~وليست النظرية ذات المحتوى الأعلى هي دائما الأكثر قبولا في الممارسات العلمية. # 59 # في الرد على هذه الانتقادات يمكن أن نذكر قاعدة بوبر المنهجية التي توضح أن الأمر ~~دائما نسبي نحن نحكم على الفرض بالنسبة لما لدينا من نظريات وبالنسبة للفروض ~~الأخرى التي تنافسه، وليس حكما جامعا مانعا، وإلا وقعنا في متاهات الميتافيزيقا، ~~ونسينا طبيعة العلم المتغير المتطور دوما؛ لذلك نحكم على النظرية بأنها الأبسط ~~وبالنسبة للنظريات التي تتنافس معها على حل نفس المشكلة أنها أبسطها وليست أبسط ~~النظريات مطلقا. # على العموم يبدو أن نظرية بوبر في البساطة ~~لم تقنع همبل كثيرا؛ لأنه يقول: «ما زالت مشكلات إيجاد صيغة دقيقة وتبرير موجز لها ~~- أي للبساطة - بغير حل حتى الآن.» # 60 ~~(7) لم يصب همبل فإن معالجة بوبر للبساطة ~~دقيقة ومحكمة وعلى تمام الاتساق مع نظرية في منطق العلم، وانتقاداتها # 61 ~~⋆ # دوما تنصب على جانب دون الآخر، وتحاول أن تبرز قصور معالجة بوبر بأسرها على أساس ~~قصور ذلك الجانب، والحق أن معالجة بوبر للبساطة لا يمكن ms332 رفضها إلا إذا رفضنا منطق ~~التكذيب بأسره، وليس هذا بالأمر اليسير. # الفصل الرابع # | تطبيقات المعيار # (1) في النظريات الفيزيائية ~~(1) لم تكن كل المناقشة السالفة في هذا ~~الباب إلا تبيانا لقابلية القوانين الفيزيائية للتكذيب، بحيث تمثل هذه القابلية ~~معلمها المميز ومعيار علميتها؛ لذلك لن تكلفنا النظريات الفيزيائية الآن كبير عناء، ~~وتكفي الإشارة السريعة إلى أن معيار القابلية للتكذيب ينطبق أول ما ينطبق عليها، ~~خصوصا على تلك التي تعتبر أفكارا رائدة مبسطة، ولما كانت الجرأة هي روح دعوة بوبر ~~المنهجية التكذيبية، فإن النظريات العظمى الأكثر جرأة، ستكون ذات قابلية للتكذيب ~~أوضح أي ينطبق عليها المعيار بصورة أبسط، وذلك كلما كانت قد دخلت في مخاطرة أكبر ~~مخافة أن تكون خاطئة كلما كان الأمر يبدو بخلاف ما تقول. # 1 ~~(2) مثلا: فرض أرسطارخوس وكوبرنيقوس بأن الشمس وليست الأرض هي القابعة في مركز ~~الكون، أنموذج أمثل على هذا؛ فقد كان فرضا جريئا، بل ولا يمكن تصديقه في عهودهما، ~~وصحيح أنه فرض كاذب فقد توصلنا الآن إلى أن الشمس ليست هي مركز الكون بمفهوم ~~أرسطارخوس وكوبرنيقوس، وأن حركة الأفلاك حولها ليست دائرية كما تصورا، لكن بوبر ~~يقول صحيح أنه فرض كاذب، لكن هذا لا يؤثر على جرأة الحدس الافتراضي ولا على خصوبته، ~~فواحدة من أهم نتائجه أن الأرض لا تقبع في مركز الكون، وأن لها على الأقل حركة ~~يومية وحركة سنوية، ولا يزال هذا مقبولا حتى اليوم، ولكن ليس هذا هو ما يعنينا ~~الآن، وإلا كنا نبحث عن تحقيقها إن ما يعنينا هو جرأة الفرض، وقد كان جريئا؛ لأنه ~~صادم كل النظريات التي كانت مقبولة في وقته، وصادم الدليل الحسي التجريبي الذي يبدو ~~للوهلة الأولى، وكان جريئا أيضا؛ لأنه أخذ بوجود حقيقة كانت مجهولة حتى وقت ~~ظهوره، أو حاول الكشف عنها، وقد وضع كوبرنيقوس عددا صغيرا من التنبؤات البسيطة، ~~وفرضه لذلك علمي وقابل للتكذيب. # لكن هذا الفرض لم يكن جريئا بمعنى آخر هام جدا، وهو أنه لا أرسطارخوس ولا ~~كوبرنيقوس اقترحا تجربة نقدية؛ أي اختبارا مفندا، بل إنهما ms333 لم يقترحا أبدا أن أي ~~شيء حظي فيما يتعلق بالمظهر البادي، والموقف التقليدي المقبول؛ فقد تركا المظاهر ~~المقبولة كما هي، فقط حاولا أن يعيدا تفسيرها، فلم يبلغا المنزلة العلمية الملائمة ~~لأنهما لم يتنبآ بوقائع جديدة قابلة لملاحظة ذات شأن كبير؛ لذلك فنظريتهما من هذه ~~الناحية لا علمية، مما يعني أنها في جملتها ذات قابلية للتكذيب - وبالتالي ذات قيمة ~~علمية - منخفضة؛ لأنهما لم يأخذا بالبعد المنهجي للقابلية للتكذيب مأخذا جديا، # 2 # وبالطبع لو أدخلنا هذه النظرية في عملية مقارنة درجة قابليتها للتكذيب ~~بالنسبة للنظريات العلمية الفلكية التي توصلنا إليها الآن؛ أي لو قارناها على ~~أساس علاقات القابلية للاشتقاق والفئة الفرعية وأبعاد النظرية والبساطة، لكانت درجة ~~قابليتها للتكذيب منخفضة للغاية. # ولكنها على أية حال نظرية قابلة للتكذيب أصلا فهي علمية، إنها اقتراح وجهة نظر ~~إلى الكون جريئة وجديدة أسهمت إسهاما عظيما في تقدم العلم الحديث. # 3 ~~(3) أما مع كبلر، فنجد نظرية ذات قابلية للتكذيب أعلى، فقد مضى إلى ما هو أبعد، ~~كان لكبلر نظرية ميتافيزيقية قائمة إلى حد كبير على نظرية كوبرنيقوس بأن الأرض ~~وجميع الكواكب تدور حول الشمس في مدارات دائرية، غير أن وجهة نظره تأدت به إلى ~~عديد من التنبؤات التفصيلية الجديدة عن المظاهر البادية، وفي البداية لم تنطبق ~~تنبؤات على الملاحظات، فحاول أن يعيد تأويل الملاحظات ودفعه تحمسه في البحث عن ~~الحقيقة إلى ترك بعض نظرياتها المفضلة، أي التصور الدائري لمسار الأفلاك، فقد كان ~~الرأي السائد - بتأثير أرسطو - هو أن الحركة الدائرية أكمل الأشكال؛ وبالتالي لا بد ~~وأن تكون حركة الأجسام العلوية دائرية، # 4 # ترك كبلر هذا الفرض وتوصل إلى فرضه الرائع، فرض المدار البيضاوي أو ~~الإهليجي لمسار الأفلاك، وفي النهاية خرج بقوانينه الثلاثة العظيمة، التي حلت إلى ~~حد ما مشكلة الحركة في نطاق علم الأفلاك، وهي: ~~(1) # كل كوكب يدور حول الشمس في فلك بيضاوي تقع الشمس في إحدى ~~بؤرتيه. ~~(2) # نصف قطر الموجة # Radius vector # بين ~~الشمس والكوكب، يقطع مساحات متساوية في الأزمنة المتساوية. ~~(3) # يتناسب مربع سنة أي كوكب ms334 تناسبا طرديا مع مكعب متوسط المسافة بينه ~~وبين الشمس. # 5 # هذه القوانين تمثل اقترابا تقديريا # approximation # جيدا من الصدق، وإن كانت ليست صادقة تماما كأية ~~قوانين علمية، بل وإننا توصلنا إلى مواطن الكذب فيها، غير أنها قابلة للاختبار ~~والتكذيب، وقد اختبرت في ضوء نظريات نيوتن وآينشتين التي تنبأت بانحرافات بسيطة ~~عنها، وقوانين كبلر تبعا لنظرية نيوتن صحيحة فقط بالنسبة لحركة جسمين، وتفشل في ~~بعض المواضع بصورة طفيفة لو أخذناها كقوانين لحركة مجموعة من الأفلاك وهذه هي ~~التجربة الفاصلة ضد كبلر ، بسيطة وطفيفة لكنها واضحة بما يكفي، # 6 # لإثبات أن نظريته علمية بلا جدال. ~~(4) وبالطبع نظرية نيوتن بقوانينها الثلاث تمثل نظرية علمية على الأصالة وبما لا ~~يدع مجالا للشرح، فيمكن منها أن تستنبط القوانين التي تحكم حركة أية أجسام طالما ~~لها سرعات معينة، وإذا لم تتحرك الأجسام على النحو الذي تنبأت به النظرية فإن هذا ~~سيمثل تفنيدا لها، وحقا أن جميع الأجسام في الماكروكوزم - حتى الآن - تتحرك ~~تبعا لها، غير أن إمكانية التكذيب المنطقية قائمة فيها على أية حال، خصوصا أننا ~~نسلم في فلسفة العلم المحدثة بأنه ليس ثمة ما يمنع الأجسام من أن تغير قوانين ~~حركتها، ثم إن النظرية قد تعرضت لتجربة فاصلة واجتازتها، بل لتجارب كثيرة فاصلة ~~واجتازتها؛ فقد وضعت أكثر التنبؤات تفصيلا لأنواع جديدة من المؤثرات كالانحرافات ~~عن قوانين كبلر، وكانت هذه التنبؤات تقف في وجه أقسى الاختبارات وكان أعظم نجاح ~~للنظرية هو اكتشاف كوكب نبتون؛ فقد حول تهديدا بالهزيمة إلى انتصار، وتنبأت ~~النظرية بضرورة وجود جسم آخر، وبعد هذا التنبؤ بسنوات، تم اكتشاف كوكب نبتون بالفعل. # 7 # ورغم هذا فقد أثارت قابلية نظرية نيوتن للتكذيب جدلا، خصوصا فيما يتعلق باكتشاف ~~كوكب نبتون، ربما لأن الاستقرائيين يصورون فيها حصنا منيعا لهم، ولما كان معيار ~~القابلية للتكذيب أساس نظرية بوبر المقوضة لاستقرائهم، فقد حاولوا تقويض المعيار عن ~~طريق نفي انطباقه على واحدة من أهم النظريات العلمية، إن لم تكن أهمها. # وقد فعل ذلك هيلاري باتنام؛ فقد أوضح أن نظرية ms335 نيوتن تتكون من القانون القائل: إن ~~كل جسم «وليكن «أ»» يؤثر على كل جسم «وليكن «ب»» بقوة «ق»؛ أي «ق أ ب» تتجه نحو «أ» ~~وشدتها معامل ثابت عام هو «ج»، هذا مع قوانين نيوتن الثلاثة للحركة، وهي القوانين ~~الأساسية التي تقوم عليها الفيزياء الكلاسيكية، أي: ~~(1) # يظل كل جسم على حالته من الحركة أو السكون، ما لم يؤثر عليه مؤثر ~~خارجي. ~~(2) # تتعادل قوة الدفع (أو كمية ~~الحركة # momentum ~~) التي تلزم لتحريك أي جسم مع القوة الواقعة ~~عليه، وتكون في نفس اتجاه هذه القوة . ~~(3) # لكل فعل رد فعل معاكس له في الاتجاه ومساو له في المقدار. # 8 # والآن فإن هذه النظرية لا تتضمن أية عبارات أساسية مفردة، وأية حركة مهما كانت لا ~~بد وأن تكون متوافقة مع النظرية، طالما أنها لا تقول شيئا عن أية قوى بخلاف ~~الجاذبية، وهذه القوة «ق أ ب» لا يمكن قياسها هي ذاتها؛ وبالتالي لا يمكن استنباط ~~تنبؤات مفردة من النظرية، وكل ما نفعله حين نطبق النظرية على موقف فلكي هو أن نقوم ~~ببعض الافتراضات المبسطة، هي تقديرات أولية تخدمنا كعبارات مساعدة، مثلا لو حاولنا ~~استنباط مدار الأرض فإننا نضع الافتراضات الآتية: ~~(1) # لا توجد أية أجسام بخلاف الأرض والشمس. ~~(2) # الأرض والشمس موجودتان في فراغ صارم. ~~(3) # لا تتعرض الأرض والشمس لأية قوى بخلاف قوة الجاذبية المتبادلة بينهما. # 9 # ومن ربط نظرية الجاذبية العامة مع هذه العبارات المساعدة، يمكن بالفعل أن نستنبط ~~تنبؤات معينة، على سبيل المثال نستنبط قوانين كبلر، ولو حاولنا جعل العبارات ~~المساعدة 1، 2، 3 أكثر واقعية، مثلا بأن تدخل فيها بقية أجزاء النظام الشمس، يمكن ~~أن نحصل على تنبؤات أدق والعبارات المساعدة يمكن أن توضع بصورة أكثر حذرا لتتفادى ~~أي اعتراض بأنها كاذبة، غير أننا لا نستعملها إلا ضمنا ولا ننص عليها إطلاقا، ~~وحساب نيوتن لقوانين كبلر لا تجعل من تلك العبارات المساعدة أكثر من مجرد إشارة ~~سببية إلى ما يحدث، والعلماء بصفة عامة لا يهتمون كثيرا بهذه العبارات المساعدة، ~~والاهتمام العظيم الذي يوليه العالم لبناء ms336 النظرية، يناقض اللامبالاة التي يقدم بها ~~العبارات المساعدة، هذا على الرغم من أن العبارات المساعدة قابلة هي الأخرى ~~للمراجعة ربما أكثر من النظرية، وبعد هذا لا يفوت باتنام التنويه إلى أن التنبؤات ~~لا يمكن أن تأتي من النظرية بمفردها، ولكن من الضروري جدا مساعدة تلك العبارات ~~المساعدة وأيضا العبارات الأساسية. # 10 # وينتهي باتنام إلى أن نظرية الجاذبية العامة ظلت لأكثر من قرنين من الزمان مقبولة ~~كحقيقة قاطعة لا تقبل شكا ولا جدلا، وإذا ناقضت عبارات أساسية النظرية، فإننا ~~نرفض أو نعدل العبارات المساعدة وليس أبدا النظرية، والمثال الواضح على هذا أن ~~العلماء حين تنبئوا بمدار كوكب أورانوس على أساس نظرية الجاذبية العامة، وافتراض ~~أن جميع الكواكب هي تلك التي كانت معروفة آنذاك، كعبارة مساعدة، حدث بعض الانحرافات ~~البسيطة في مدار أورانوس عما تنبأ به العلماء، على هذا تنبأ لافيري # Leverrier # في فرنسا آدم # Adam # في إنجلترا بضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات ~~البسيطة، وبعد سنوات عديدة تم اكتشاف هذا الكوكب بالفعل، إنه كوكب نبتون، واكتشاف ~~هذا الكوكب يمثل تفنيدا لنظرية نيوتن التي لا تتضمنه، لكن العلماء لم يتفادوا هذا ~~التفنيد بأن غيروا النظرية، بل بتغيير الفروض المساعدة، وقد يقال: إن الأمر الحاسم ~~هو أن نبتون قابل للملاحظة، غير أن باتنام يجيب على هذا بأن الأمر ليس كذلك فهناك ~~نجوم معينة تعرض لسلوك غير منتظم، ويحل العلماء هذا اللغز عن طريق طرح مصادرة وجود ~~تابع، فإذا لم يروا هذه التوابع في التلسكوب يحلون الأمر بمصادرة وجود تابع مظلم لا ~~يمكن رؤيته، والواقع أن معظم فروض العلم لا يمكن اختبارها مباشرة وهناك توابع ~~كثيرة مظلمة في نظريات العلم. # 11 # وينتهي باتنام من هذا إلى أن طرح السؤال التالي: لا يمكن أن تشرح نظرية نيوتن ~~تماما مدار المريخ، فهل هذا يكذب النظرية أو يجعلها خاطئة؟ ويقول باتنام: إن ~~الإجابة على هذا السؤال لا تكون بالإيجاب إلا بالنسبة لنظرية أخرى، مثلا بالنسبة ~~لنظرية النسبية العامة لآينشتين، نقول: نعم نظرية الجاذبية لنيوتن تكون ms337 كاذبة ولكن ~~بدون هذه النظرية لا نكذب نظرية نيوتن أو نرفضها أو نفندها، لكن فقط نقول: إن مدار ~~المريخ شارد، والسبب غير معلوم. # 12 # والنتيجة التي يريد باتنام أن ينتهي إليها من كل هذا هي أن نظرية نيوتن غير قابلة ~~للتكذيب وبالمثل سائر نظريات الفيزياء البحتة، وأن العلماء لا يستنبطون التنبؤات ~~منها ليكذبوها، ولكن ليفهموا الكون، وأنهم حين يكتشفون خطأ يرفضون العبارات ~~المساعدة ولا يرفضون النظرية، ويحاول باتنام أن يبالغ في الإحاطة بنظرية بوبر ~~فيقول: «وقد يقول بوبر إنه لا يصف ما يفعله العلماء، وإنما ما ينبغي أن يفعلوه، فهل ~~ينبغي عليهم تكذيب نظرية الجاذبية العامة؟ إنهم لا يفعلون هذا، ولا يستطيعون فعله، ~~ولا ينبغي أن يفعلوه، وإلا فهل كان نيوتن عالما سيئا.» # 13 # نلاحظ أولا أن فكرة العبارات المساعدة لا تخل إطلاقا بمعيار القابلية للتكذيب؛ ~~لأن بوبر قد أوضح في كل المواضيع أن النظريات البحتة، التي هي أنساق كلية عمومية، ~~تحتاج دائما إلى تعريفات وفروض مساعدة، أما حين ينبهنا باتنام إلى أننا لا يمكن أن ~~نستنبط التنبؤات من النظرية بمفردها بل نحتاج إلى عبارات أساسية، فإنه لا يفعل أكثر ~~من ترديد إجراءات المعيار، ثم إنه انتهى في النهاية إلى أن النظرية لا يمكن أن تكذب ~~إلا بالنسبة لنظرية أخرى، وكان مثاله على هذا النظرية التي تعنينا الآن، أي نظرية ~~نيوتن في الجاذبية العامة، وقال: إنها في حد ذاتها لا تقبل التكذيب ولكن تكذب فقط ~~بالنسبة لنظرية آينشتين، ولنلاحظ أن البحث في رجحان صدق النظرية وفي درجة تعزيزها ~~يكون دائما بالنسبة لنظرية أخرى، على هذا النحو: # د «ف أ، م ت» ~~> # د «ف2، م ت» # فبوبر لن يدعو إلى تكذيب النظريات كي يظل العلم سابحا في الهواء ولكن لكي نتوصل ~~إلى نظريات أفضل، وإذا لم نتوصل إلى نظرية أفضل فإننا لا نملك إلا أن نبقي على ~~النظرية، رغم علمنا بمواطن كذب فيها، أما عن قول باتنام بأن كل نظرية لها توابع ~~مظلمة؛ أي بها مواطن غموض قد تكون مواطن كذب، ms338 فهو تأكيد لقابليتها للتكذيب فمعيار ~~القابلية للتكذيب قائم أساسا على أنه ليس ثمة أية نظرية كاملة تماما أو صحيحة أو ~~صادقة فمثل هذه النظرية - المستحيلة - لن تكون قابلة للتكذيب، إذن كل هذه ~~الاعتراضات - أو ما تصور باتنام أنه اعتراضات - لا تمس معيار القابلية للتكذيب ~~البتة، والغريب حقا أن يتصور باتنام أنه بهذا ينقد المعيار فضلا عن أن يثبت ~~فشله. # المهم حقا في هذا النقد هو قوله إن اكتشاف كوكب نبتون يمثل تكذيبا للنظرية لكن ~~العلماء أبقوا على النظرية من بعده ولم يفندوها أو يرفضوها، وقد ذهب إلى هذا أيضا ~~الباحث إيمر لاكاتوس، فقد رأى هو الآخر أن قوانين نيوتن في الحركة والجاذبية غير ~~قابلة للتكذيب، وأشار أيضا إلى كوكب نبتون، وقال: إن العلماء اضطروا إلى إدخاله في ~~النظرية؛ لأنه يستحيل أن يكذبها فالنظرية غير قابلة للتكذيب أصلا، وتبعا لهذا، ~~فإن أي تفنيد مزعوم لنظرية نيوتن يمكن إدخاله في نطاق النظرية، تماما كما افترضنا ~~في اضطرابات مدار كوكب أورانوس تفنيدا لها، ثم استطعنا إدخال هذه الاضطرابات في ~~النظرية. # وفي رد بوبر على باتنام ولاكاتوس أكد أن نظرية نيوتن قابلة للتكذيب تماما كما أن ~~أبسط نظرية، مثل: كل البجع أبيض، قابلة له، إنها قابلة للتكذيب بنفس المعنى البسيط، ~~أي لمجرد كونها قابلة لعدم التوافق منطقيا مع بعض العبارات الأساسية؛ أي لأن لها ~~فئة مكذبات محتملة، # 14 # وبالنسبة لما أورده من مكذبات للنظرية لا تكذبها أي اكتشاف كوكب نبتون، ~~فإننا يجب أن ننتبه إلى أن معيار القابلية للتكذيب هو الذي يجعل النظرية قابلة ~~للتطوير والتعديل، وأهم أساليب تطوير النظرية وتعديلها هو طرح الفروض المساعدة، وقد ~~سبق أن أوضحنا الفارق بين الفروض المساعدة والفروض العينية، وأكدنا على الأخذ ~~بالأولى ورفض الثانية، وبالنسبة لافتراض وجود كوكب نبتون لكي يعلل انحرافات مدار ~~كوكب أورانوس البسيطة عما تنبأت به نظرية نيوتن، فهو أنموذج أمثل على الفرض ~~المساعد فهو قابل للاختبار بصورة مستقلة، كما أن قابلية نظرية نيوتن للتكذيب زادت ~~به، فكان لا بد وأن نختبر النظرية اختبارا ms339 جديدا يتمثل في الكشف عن هذا الكوكب، ~~وقد اكتشف الكوكب بالفعل، وهذا الاكتشاف يعد تجربة فاصلة أخرى اجتازتها نظرية نيوتن ~~بنجاح. # إن افتراض كوكب نيوتن كان هو القادر على تعليل انحرافات كوكب أورانوس عن القوانين ~~السابقة، وبفضل هذا الفرض المساعد انقلب التكذيب الخطير إلى نجاح باهر، # 15 # وكون نظرية نيوتن قد تخلصت من تكذيب معين عن طريق فرض مساعد، فإن هذا ~~لا يعني أنها غير قابلة للتكذيب، فمنطق التكذيب نفسه هو أول من يرحب بالفروض ~~المساعدة خصوصا إذا كانت مثمرة وعظيمة كفرض كوكب نبتون. ~~(5) أما عن نظرية آينشتين، فقد كانت هي نفسها التي جعلت بوبر يتوصل إلى فكرة ~~معيار القابلية للتكذيب أصلا، فقد كانت نظرية جريئة جدا تختلف في خطوطها العامة ~~اختلافا كبيرا عن نظرية نيوتن أو التي كانت في وقتها صادقة صدقا مطلقا ولا يفكر ~~أحد في الخروج عنها. # لكن من وجهة نظر آينشتين نجد أن نظرية نيوتن اقتراب بارع من الصدق على الرغم من ~~أنها كاذبة، كما أن نظرية كبلر هي من وجهة نظر نظرية نيوتن اقتراب بارع من الصدق ~~على الرغم من أنها كاذبة، لكن الصدق ليس هو الذي يقرر الخاصة العلمية ~~للنظرية. # فالمهم الآن أن نظرية آينشتين أنموذج أمثل على قابلية النظرية العلمية للتكذيب، ~~وعلى أن هذه القابلة هي أساس منطقها وأيضا أساس منهجها، فقد اشتق آينشتين من ~~نظريته ثلاثة تنبؤات هامة حول ثلاثة مؤثرات قابلة للملاحظة، وها هنا تجسيد القابلية ~~للتكذيب، واثنان منها لم يكن أحد أبدا يفكر فيهما قبل آينشتين، وهي كلها تناقض، ~~تنبؤات نظرية نيوتن على قدر ما يمكن أن نقول: إنها تقع في مجال تطبيق هذه النظرية ~~بصورة عامة، وها هنا تجسيد الجرأة التي هي روح القابلية للتكذيب، وقد أعلن آينشتين ~~أن هذه التنبؤات حاسمة، وأن الملاحظات إذا لم تتفق مع نتائج حساباته النظرية ~~الدقيقة فسوف يعتبر نظريته مفندة. # 16 # وعلى هذا فقد تعرضت نظرية آينشتين لاختبار دقيق، وفي وقت لم يكن الرأي العام ~~العلمي قد تقبلها تماما، وكان الرأي الأرجح أنها ms340 لن تجتازه وقد كانت هذه التنبؤات ~~تبعا لنظرية آينشتين في الجاذبية، وأيضا نظريته في طبيعة الضوء، فقد أنكر النظرية ~~الموجية ودحض معها افتراض الأثير، وأخذ بالنظرية الجسيمية وتبعا لها يكون الضوء ~~مكونا من سيال من الجسميات، وتبعا لنظرية الجاذبية يكون كل جسمين بينهما قوة ~~تجاذب تتناسب تناسبا طرديا مع كتلتيهما وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة ~~بينهما. # ولما كانت النظرة إلى الضوء جسيمية فيجب إذن أن تجذبه الأجسام الثقيلة مثل ~~الشمس، تماما كما تجذب الأجسام المادية، جذبا يحرفه عن مساره الذي كان سيسير فيه ~~لو لم تكن هذه الشمس موجودة، ونتيجة لهذا يمكن أن نحسب أن الضوء المنبعث من نجم ~~مثبت في وضع ظاهري قريب من الشمس يصل إلى الأرض من الاتجاه الذي يجعل النجم يبدو ~~كما لو كان ماثلا قليلا عن الشمس، وبعبارة أخرى: إن النجوم القريبة من الشمس تبدو ~~كما لو كانت قد حركت قليلا بعيدا عن الشمس، وبعيدا عن بعضها البعض، وهذا شيء ~~لا يمكن ملاحظته في الأحوال الطبيعية، طالما أن هذه النجوم تبدو في النهار غير ~~مرئية بفضل اللمعان الشديد للشمس، لكن يمكن تصويرها فوتوغرافيا إبان كسوف الشمس، ~~ولو صورت هذه المجموعة من النجوم أثناء الليل - أي أثناء غياب الشمس - يمكن ~~قياس المسافات على الصورتين، وحساب الأثر المتوقع، فكانت حملة آدنجتون إلى جنوب ~~أفريقيا عام 1919م لتصوير النجوم أثناء كسوف الشمس، ولمقارنتها بصور النجوم أثناء ~~الليل، وتمت المقارنة وحسابات الأثر المتوقع، وكانت تماما كما تنبأت نظرية آينشتين. # 17 # إذن فهناك مخاطرة كبيرة انطوى عليها هذا التنبؤ، فلو كان الأثر المتوقع غائبا، ~~فالنظرية ببساطة مرفوضة أي مكذبة أو مفندة؛ لأن التنبؤات المستنبطة منها غير ~~متوائمة مع نتائج معينة للملاحظات التجريبية، وهي في الواقع غير متوائمة مع النتائج ~~التي كان يمكن أن يتوقعها أي شخص قبل آينشتين لولا جرأة آينشتين العلمية ~~الكبيرة. # لقد كانت النظرية النسبية على هذا النحو قابلة بشدة للتكذيب، وقد اجتازت تلك ~~التجربة الفاصلة أو الحاسمة، ومنذ ذلك الوقت مرت النظرية بسلسلة من الاختبارات ~~الأقسى، وقد ms341 اجتازتها كلها بنجاح تام؛ ومن ثم أثبتت مادتها وجدارتها بالصمود أمام ~~الاختبارات القاسية، أي حصلت على درجة تكذيب عالية وأصبح صدقها مرجحا عن صدق نظرية ~~نيوتن. # ولكن لما كان آينشتين عالما أصيلا وحتى النخاع، فقد تبين أن القابلية للتكذيب ~~قائمة في كل نظرية حتى في نظريته هو العظيمة، فقد أعلن أن نظريته ليست صادقة وأنها ~~مجرد اقتراب من الصدق أكثر من نظرية نيوتن، وقد بلغت النزاهة العلمية إلى حد أنه ~~أعطى مبررات هذا فقد وضع رسما تخطيطيا لعدد من المطالب، التي تحققها النظرية ~~الصادقة فيما أراد أن يتوصل إليه: نظرية ~~المجال الموحد # Unified Field Theory ~~. # 18 ~~(6) وقد فشل آينشتين، مثل كبلر، في التحقيق الكامل لحلمه العلمي أو الميتافيزيقي، ~~وفي هذا السياق - سياق الحلم - لا يعنينا أية بطاقة نلصقها، إننا نلصق البطاقة بعد ~~إنجاز الحلم لنعطي جواز المرور إلى عالم العلم إذا كان الإنجاز قابلا للاختبار ~~والتكذيب، فقوانين كبلر ونظرية آينشتين في الجاذبية هي نتائج لم ترض أبدا ~~خالقيها اللذين ظلا يعملان لإنجاز حلمهما حتى آخر يوم من حياتهما، ويمكن أن نقول ~~المثل بالنسبة لنظرية نيوتن أيضا، فهو لم يعتقد أبدا أن نظرية الحركة في الامتداد ~~التي وضعها يمكن أن تكون شرحا نهائيا مقبولا للجاذبية. # 19 # وبالمثل أيضا كل عالم أصيل وضع نظرية، لا بد وأن يكون قد تبين أنها ليست كاملة، ~~وأن بها مواطن نقص وخطأ، وفقط لأنها علمية لا بد وأن تكون قابلة للتكذيب فيكذبها ~~العلماء يوما ما، ويتوصلون إلى الأفضل منها وفي هذا قال آينشتين: ليس ثمة قدر عادل ~~لأية نظرية أكثر من أن تكون فاتحة طريق لنظرية أشمل منها وأوسع، فتكون بالنسبة لها ~~مجرد حالة محددة. # 20 ~~(2) في العلوم الزائفة ~~(1) وبالطبع يعطي علم التنجيم # Astrology # أنموذجا أمثل على العلم الزائف الذي لا يقبل التكذيب، ولا يقوم أي بعد من ~~أبعاد التكذيب في أية زاوية من زواياه، إنه علم يبدأ من الافتراض الزائف الذي هاجمه ~~كل العقلانيين - ابتداء من أرسطو حتى نيوتن - افتراض أن حركة الكواكب لها تأثير ms342 ~~على الأحداث الأرضية، # 21 # وكما أوضحت مناقشة بوبر لمناهج التحقق والتأييد فإن العثور على ملايين ~~الأمثلة المؤيدة لأية نظرية لا تمثل خلفا مجالا # absurd # أمر هين للغاية، وقد عثر المنجمون على ~~ملايين الأمثلة المؤيدة لنظرياتهم، فلو قلنا: إن مواليد برج القوس سعداء فمن السهل ~~الإتيان بألف شخص آخر ليسوا سعداء ومن مواليد برج القوس، ولكن لطالما أخذ المنجمون ~~وضللوا بما اعتقدوا أنه أدلة مؤكدة لنظرياتهم أي تحقيق لها ونظرا لغياب البعد ~~المنهجي للتكذيب غيابا كاملا من علوم التنجيم؛ لأنها ليست علوما، فإن المنجمين ~~لا يتأثرون بأي دليل غير مرغوب فيه ولا يلتفتون إليه، إنهم لا يبحثون إلا عن ~~الوقائع المؤيدة لهم، وما أسهل أن يجدوها ومن أجل مزيد من السهولة جعلوا نظرياتهم ~~غامضة ومبهمة بما يكفي لتشويه أو تمويه أو تحطيم كل ما يفندها، # 22 # إنهم لا يستطيعون ويخافون الجرأة والتحديد وتعيين فئة مكذبات محتملة ~~لنظرياتهم؛ لأنهم ليسوا علماء بل دجالين. # وللأسف فإن التنجيم لا يزال قائما حتى الآن، بل ويستهوي البعض ولا تكاد جريدة ~~يومية واحدة تخلو منه على الرغم من أنها قد تحوي في ذات الصفحة أحدث الإنجازات ~~العقلية والمكتشفات العلمية، إنه إحدى الأمزجة المريضة للإنسان التي لا يستطيع ~~التخلص منها مهما تقدم. ~~(2) المثل تماما؛ أي حكم معيار القابلية للتكذيب، ينطبق على علوم الفراسة Phernology # التي تحاول وضع قوانين تربط بين شكل ~~الجمجمة وخصائص الشخصية كنظريات جال # Gall ~~. ~~(3) وثمة علم ثالث يدخل في زمرة هذه العلوم الزائفة، وهو السيمياء أو كيمياء ~~العصور الوسطى، حقا هذا العلم قد انتهى تماما لكن من المفيد ملاحظة أنه يقوم على ~~أساس قضية وجودية، لكن غير محددة، وهي: يوجد حجر الفلاسفة القادر على تحويل جميع ~~المعادن إلى ذهب، أو يوجد سائل قادر على إعادة الشباب، أو يوجد سائل يشفي من جميع الأمراض، # 23 # وقد سبقت الإشارة إلى أن منطق التكذيب يشترط أن تكون القضية الوجودية ~~محددة وأن القضايا الوجودية غير المحددة ليست علما ولا يمكنها أن تقوم بأي دور في العلم # 24 ~~⋆ # ومنطقه. ms343 ~~(3) في الميتافيزيقا ~~(1) وبالطبع نظريات الفلسفة الخالصة والميتافيزيقا غير قابلة للتكذيب، ولا هي ~~مطالبة بأن تكون قابلة له لا منطقيا ولا منهجيا؛ لذلك يرى بوبر أن عدم القابلية ~~للتفنيد تدخل في صميم تعريف الميتافيزيقا والنظريات الفلسفية، فهي نشاط محدد بأنه ~~ليس علما وأنه متميز عن العلم، ولا يحاول أن يعطينا محتوى إخباريا أو قوة تنبؤية ~~عن وقائع العالم التجريبي، إنها تصورات عامة للكون تعين على فهمه أو على فهم جانب ~~منه بغير تحديد ولا تعيين، فتتخذ صورة القضايا الوجودية غير المحددة، أو صورة ~~القضايا اللاوجودية أصلا إذا كانت ميتافيزيقية أو مثالية متطرفة. # ويضرب بوبر مثالا على الصورة الأولى - الوجودية غير المحددة - بحتمية كانط الميتافيزيقية # 25 ~~⋆ # التي ترى أننا لو عرفنا كل مقتضيات الحياة السيكولوجية والحياة الفسيولوجية، وأيضا ~~كل متغيرات البيئة، فسنستطيع التنبؤ بكل تفصيلات السلوك الإنساني، وبنفس الدقة التي ~~نتنبأ بها بخسوف القمر أو كسوف الشمس، ونحن لا نستطيع هذا التنبؤ بمستقبل السلوك ~~حتى الآن، فقط لأننا لم نعرف بعد كل مقتضيات وعوامل الحاضر، ويمكن أن نضع منطوق ~~هذه النظرية على الصورة الآتية: «يوجد وصف صادق لحالة هذا الإنسان الحاضر، يكفي ~~تماما - في حالة ارتباطه بالقوانين الطبيعية الصادقة - للتنبؤ بكل تصرفاته المستقبلة.» # 26 # وكما هو واضح، فالنظرية تتخذ شكل القضية الوجودية غير المحددة، ~~وبالتالي غير القابلة للتكذيب في حد ذاتها، أي بما هي غير محددة. # وثمة قضايا فلسفية أكثر تطرفا، ليست وجودية أصلا، على رأسها النظرية ~~المثالية # Idealism # التي ترى العالم التجريبي ~~بأسره مجرد فكرة في الذهن أو حلم أو تصور. # وأيضا الإبستمولوجيا اللاعقلانية، التي انتشرت في الفلسفة الحديثة، خصوصا في ~~القرن الثامن عشر، فمنذ أن أوضح كانط أن العقل الإنساني غير قادر على استكناه ~~الأشياء في ذواتها # things-in themselves ~~، ~~والفلاسفة لا يرون أمامهم إلا طريقين: إما أن نتخلى تماما عن حلم استكناه ~~الأشياء في ذواتها، وإما أن نحاول معرفتها عن طريق آخر غير طريق العقل، وطالما أننا ~~لا نستطيع التخلي عن هذا الحلم، فلا يبقى أمامنا إلا اتباع الوسائل اللاعقلية، ms344 مثل ~~الغريزة أو العاطفة أو إلهام الشعراء، # 27 # لكن نحن أنفسنا أشياء في ذواتها، فإذا استطعنا التوصل إلى معرفة أنفسنا ~~معرفة داخلية فورية بواسطة تلك الوسائل، استطعنا بالتالي التوصل إلى معرفة الأشياء ~~في ذواتها وكيف تكون، وعلى هذا استشرت الوسائل اللاعقلانية في المعرفة. # ويضرب بوبر المثال على هذا بفلسفة آرثر ~~شوبنهور # Arthur Schopenhour ~~(1788-1860م) فقد سارت على هذه الحجة: نحن إرادة، لكننا ~~أشياء في ذواتها، إذن فالإرادة بدورها يجب أن تكون هي الشيء في ذاته، # 28 # وشوبنهور مثالي هاجم المذهب المادي وأكد أنه من المستحيل حل اللغز ~~الميتافيزيقي وكشف سر الحقيقة بفحص المادة أولا ثم فحص الفكر ثانيا، بل يجب أن ~~نبدأ بما نعرفه مباشرة وعن كثب، أي يجب أن نبدأ بأنفسنا، وعلى نهج الميتافيزيقيين ~~في اعتبار العقل صورة الواقع، انتقل شوبنهور من القضية: نحن بوصفنا أشياء في ذواتها ~~إرادة، إلى القضية: العالم بوصفه شيئا في ذاته هو إرادة، أما بوصفه ظاهرة # phenomena # فهو فكرة، إذا كان الفلاسفة قد اتفقوا على ~~أن جوهر العقل هو الإدراك والفكر، فإن شوبنهور يؤكد على أن جوهر العقل هو الإرادة، ~~الشعورية واللاشعورية، وإذا كان العقل يبدو أحيانا موجها للإرادة، فإنه في هذه ~~الحالة دليل يقود سيده، فنحن لا نريد شيئا لأننا وجدنا أسبابا تستدعي ذلك، بل ~~إننا نوجد أسبابا له لأننا نريد، إن الإرادة هي علة كل شيء، علة الرغبات والأهداف ~~والطموح والصراعات، وهي - لا العقل - التي تشكل الشخصية، بل وأيضا الجسد؛ لأن ~~الحياة ذاتها ليست إلا اسما مبهما غامضا للإرادة، # 29 # إذن: «العالم إرادة» ومثل هذه القضية لا يمكن اختبارها ولا تكذيبها ~~ولا تفنيدها بأية صورة من الصور، فمن أين السبيل إلى استنباط أية تنبؤات منها أو أي ~~أخبار عن وقائع العلم التجريبي؟ # المثل تماما هو حال كل النظريات الفلسفية، وثمة أمثلة أخرى واضحة يمكن أن ترد في ~~هذا السياق؛ لأنها لا تعدو أن تكون صورا أخرى لمذهب الإرادة # Voluntarism # هذا عند شوبنهور، فليس صحيحا - في ~~رأي بوبر - أنه مذهب متروك أو قابع ms345 في تاريخ الفلسفة كما يبدو، بل الصحيح هو أنه ~~متخف تحت أسماء عدة هي موضات الفلسفة المعاصرة، مثل فلسفة نيتشه والفلسفة العدمية ~~عموما والفلسفة الوجودية على وجه الخصوص، وهي تقوم على أساس أننا بالملل والسأم ~~نعرف أنفسنا بوصفنا لا شيء، فالأشياء في ذواتها هي اللاشيئية أو العدمية # Nothingness ~~، هذا المنطوق تماما كمنطوق مذهب ~~الإرادة: بالإرادة نعرف أنفسنا كإرادة، فالأشياء في ذواتها هي الإرادة، وهي الأخرى ~~تماما منطوق اللاعقلانية، لنا خبرات لا عقلية، أو فوق عقلية # super-rational # نخبر بها أنفسنا بوصفنا أشياء في ~~ذواتها، وبهذا فنحن لدينا معرفة بالأشياء في ذواتها، أو كمنطوق المثالية: العالم هو ~~حلمي، أو الحتمية الميتافيزيقية: الحاضر يحوي المستقبل، فهو يحدده تماما، كلها - ~~كما هو واضح - نماذج مثلى على النظريات غير القابلة إطلاقا للاختبار ولا التكذيب ~~ولا التفنيد. ~~(2) القضايا التحليلية، قضايا العلوم الرياضية والمنطقية ، غير قابلة للتكذيب، أي التفنيد # 30 ~~⋆ # التجريبي، ولكنها قابلة للتفنيد المنطقي ففي اتساقها مبرر كاف لقبولها، وفي ~~تناقضها الذاتي مبرر كاف لرفضها، وقضايا العلوم الزائفة يجب أن ننحيها جانبا ولا ~~نفكر إطلاقا في أي رفض أو قبول لها أو مفاضلة بينها، غير أن الأمر مختلف بالنسبة ~~للميتافيزيقيا فلا الاتساق يكفيها؛ لأنها ليست تحصيلات حاصل، ولا من الممكن تنحيتها ~~جانبا، وبوبر بالذات فيلسوف يؤكد على أن الفلسفة الخالصة والميتافيزيقا من أهم ~~مناشط العقل، فمن أين لنا بالمعيار الذي يحكم هذا المنشط الهام، وهو لا يقبل ~~تعزيزا أو تكذيبا أو تفاوتا في درجات القابلية للتكذيب توضح النظريات التي ينبغي ~~أن نفضلها على غيرها والنظريات التي نأخذ بها أو نتركها! # بعض الفلاسفة يعتبرون النظرية غير القابلة للتفنيد، هي هكذا لأنها صحيحة وصادقة ~~وبالطبع هذا خطأ، ليس فقط لأنه يتناقض مع منطق معيار القابلية للتكذيب، ولكن لأنه ~~يتناقض مع أي منطق، فالنظرية ونقيضها يمكن أن يكونا كلاهما غير قابلين للتفنيد، ~~وبالطبع يستحيل أن يكونا كلاهما صحيحين، مثلا الحتمية واللاحتمية، المثالية ~~والواقعية، العقلانية واللاعقلانية، كلها نظريات غير قابلة للتفنيد، وتبعا لقاعدة: ~~المنطق الصوري، قاعدة عدم التناقض لا يمكن ms346 أن تكون النظرية ونقيضها صحيحتين؛ ~~وبالتالي لا بد من قبول قاعدة منطق التكذيب، بأن القضية غير القابلة للتفنيد ليست ~~بالضرورة صادقة، بل قد تكون صادقة وقد لا تكون، وهذا يبرز أكثر أهمية التساؤل ~~المطروح: كيف يمكن المفاضلة بين النظريات الميتافيزيقية والفلسفية وهي غير قابلة ~~للتفنيد؟ فبوبر فيلسوف وله موقف محدد، فعلى أي أساس يأخذ ببعض النظريات الفلسفية ~~ويترك الأخرى؟ # وبوبر يجيب على هذا التساؤل بإجابته المعهودة: النقد، المناقشة النقدية ~~والاختبارات النقدية للنظرية الفلسفية، هي الفيصل بين النظريات الفلسفية تماما كما ~~هي الفيصل بين كل النظريات، ولكن في العلم الطبيعي يكون النقد بالنسبة لوقائع ~~العالم التجريبي، أما في الفلسفة والميتافيزيقا فالنقد يكون بالنسبة للمشكلة التي ~~تحاول النظرية حلها، وفي ضوء موقفها # problem - ~~situation # وعلاقات النظرية بهذا الموقف. ~~(3) لقد ورد في الفقرة الأولى خمسة أمثلة للنظريات الفلسفية: الحتمية ~~الميتافيزيقية والمثالية واللاعقلانية ومذهب الإرادة والعدمية، وقد تم اختيار هذه ~~الأمثلة بالذات؛ لأن بوبر تماما يناقضها ويأخذ بأضدادها، مما يعني أنه قد توصل إلى ~~الحكم بخطأ هذه النظريات أو على الأقل بضرورة رفضها، وإلا لما أخذ بأضدادها. # فهو لاحتمي واقعي عقلاني، وبخصوص مذهب الإرادة فهو يؤمن باستحالة التوصل إلى ~~معرفة كاملة بالعالم بكل خصوبته وثرائه، فلا الفيزياء ولا أي علم آخر يمكنه أن يصل ~~بالمعرفة إلى آخر المدى، حتى يصل إلى الأشياء في ذواتها؛ لذلك لا يمكن أن تكون ~~صياغة المذهب: «العالم إرادة» محققة لهذا الهدف؛ لأنه هدف مستحيل، أما بالنسبة ~~للعدميين الوجوديين الذين يركزون على ضيقهم وسأمهم وضجرهم (وأيضا ضيق الآخرين ~~وسأمهم) فبوبر يتعاطف معهم؛ لأنهم لا بد أن يكونوا صما وعميانا وأيضا أشياء ~~بائسة فقيرة، وإلا لما تحدثوا عن العالم كما يتحدث الأعمى عن روائع الفنون ~~التشكيلية والأصم عن موسيقى موزارت، # 31 ~~، # 32 ~~⋆ # والآن على أي أساس رفض بوبر هذه النظريات، وهي غير قابلة للتفنيد؟ رفضها على أساس ~~المعيار الذي طرحه لحل المشكلة، أي على أساس نقدها في ضوء موقفها وفي ضوء المشاكل ~~التي حاولت حلها، على أساس البحث فيما إذا كانت ms347 قد حلت هذه المشاكل أصلا أم فشلت، ~~وهل حلتها حلا أفضل من حلول النظريات الأخرى؟ وهل حلتها فعلا أم فقط أبدلت ~~المشاكل بمشاكل أخرى؟ وهل الحل بسيط وهل هو مثمر؟ وهل ناقضت نظريات فلسفية أخرى، ~~تحتاجها لحل المشاكل الأخرى؟ # 33 # إن النظرية سواء علمية أو لا علمية فلسفية أو لا فلسفية، طالما تكفلت بحل مشكلة ~~مطروحة، فإنها تضع نفسها هدفا لمثل هذه التساؤلات النقدية، أي للمناقشة ~~العقلانية. # ولنبدأ بالمثالية، مذهب باركلي على الخصوص، والمآل الذي آلت إليه فلسفة هيوم، إذا ~~نظرنا إليها على ضوء موقفها وموقف المشكلة التي تصدت لحلها؛ لوجدناها مغالية ~~ومتطرفة كثيرا عما أراده باركلي أو هيوم، كما يوضح تأكيد باركلي المستمر على أن ~~نظريته في الواقع على تمام الاتفاق مع الحس المشترك السليم، فهل صحيح أن الحس ~~المشترك السليم يرى أن العالم التجريبي مجرد فكرة أو حلم؟ وإذا حاولنا فهم موقف ~~المشكلة التي دفعتهما إلى هذه النظرية لوجدنا أن باركلي وهيوم قد اعتقدا أن كل ~~معارفنا ترجع إلى الانطباعات الحسية وإلى ارتباطاتها بواسطة صور الذاكرة، وقد ~~قادهما هذا إلى اتخاذ المثالية وهيوم بالذات اضطر إلى الأخذ بها على مضض فهو لم ~~يصبح مثاليا إلا لأنه فشل في محاولته رد الواقعية إلى معيطات الحس، وعلى هذا يكون ~~معقولا تماما أن ننقد مثالية هيوم بأن نظريته الحسية # sensualistic # في المعرفة والتعلم خاطئة وغير ملائمة، وأن ثمة نظريات ~~أخرى في المعرفة والتعلم أكثر ملاءمة؛ لأنها لن تؤدي إلى نتائج مثالية غير مرغوب فيها، # 34 # وبوبر يأخذ بإحدى هذه النظريات تلك التي تجعل الحس الخالص مستحيلا ~~أصلا، ثم تجعل للتجربة دورا متواضعا، فهي لا تؤدي إلى النظرية العلمية، ولكن فقط ~~تساعد في اختبارها ومحاولات تكذيبها، إنها تجريبية متبصرة، مثمرة حقا ولا تؤدي ~~إلى أية نتائج غير مرغوب فيها. # ومع هيوم يمكن أن نجد نقد اللاعقلانية أيضا، فقد تسللت اللاعقلانية إلى الفلسفة ~~مع هيوم حين رأى أننا نتعلم في الواقع بواسطة استقراء بيكون، ورأى أيضا أن هذا ~~الاستقراء يستحيل تبريره عقلانيا، ولكنه ms348 تصور استحالة تجنبه فلم يملك إلا الإبقاء ~~عليه، فكان بهذا لاعقلانيا، # 35 # غير أن النقد العقلاني يحتم رفض كل ما لا يمكن تبريره تبريرا ~~عقلانيا، كما يحتم رفض موقف هيوم المتناقض؛ وبالتالي الأخذ بالعقلانية كما أخذ ~~بها بوبر. # ويمكن أن نوجه مثل هذا النقد لحتمية كانط الميتافيزيقية، فهي الأخرى تناقضت مع ~~نظريات فلسفية أخرى أخذ بها كانط لحل مشاكل فلسفية أخرى، مما يجعل علاقات النظرية ~~بموقف المشكلة في جملتها غير مرضية؛ لأن اقتناع كانط الجوهري والحقيقي كان ~~باللاحتمية، فقد افترض أن الحرية - أي اللاحتمية - خاصية تتميز بها إرادة جميع ~~الكائنات العاقلة، وإلا لما استقامت نظريته الأخلاقية وأخذه بمبدأ الواجب، # 36 # أكد كانط على حرية الإنسان، غير أنه تصور أن حتمية ظواهر الطبيعة هي ~~نتيجة # consequence # لنظرية نيوتن لا يمكن ~~تجنبها فاضطر إلى الأخذ بالحتمية الميتافيزيقية، وهذا التناقض يمثل نزاعا بين ~~فلسفة كانط النظرية وفلسفته العملية، ولم ينجح أبدا في حل هذا النزاع بصورة ترضيه، # 37 # على هذا النحو يكون نقد الحتمية الميتافيزيقية بوصفها نظرية فلسفية؛ إذ ~~لا يصح مثلا نقدها بأنها غير محددة فنقول: إن كانط كان لا بد أن يحدد بدقة ما هو ~~هذا الوصف الذي يمكننا من التنبؤ بالسلوك، ولا يقول: إن هذا الوصف يوجد أو يمكن أن ~~يوجد فحسب؛ لأن هذا يعني أننا نريد من كانط أن يجعل نظريته في صورة عبارة وجودية ~~محددة أي نظرية تجريبية علمية، # 38 # مثل هذا النقد خاطئ؛ لأننا يجب أن ننقد النظريات الفلسفية بوصفها ~~فلسفية غير قابلة للتكذيب أو التفنيد، وننقد النظريات العلمية بوصفها علمية قابلة ~~للتكذيب والتفنيد، فأسلوب النقد الفني المختص بالعلم، أي الاختبار ومحاولة التكذيب، ~~لا يصلح مع الميتافيزيقا، لكن يصلح معها أسلوب النقد العقلاني كما يصلح مع أي نشاط ~~معقول، ويستطيع أن يكفل لها معيارا للحكم على النظريات والمفاضلة بينها، ويكفل لها ~~أيضا التقدم بمعنى السير من حلول إلى حلول أفضل وأصوب، لكن لن يكفل لها أي تفنيد ~~ولا هي تقبل أي تفنيد، وهذا هو ما يميزها ويحفظها ms349 حية متجددة على الدوام قابلة ~~للبحث في كل لحظة، وقابلة أيضا للإضافة والتعديل والتطوير وإعادة الصياغة بحيث لا ~~تصل إلى نهاية، فاكتشاف مشكلة فلسفية يمكن أن يكون شيئا نهائيا يحدث مرة واحدة ~~ويظل إلى الأبد مقبولا لكل العصور، ولكن حل المشكلة الفلسفية لا يمكن أن يكون ~~نهائيا، ولا يمكن أن يقام على دليل نهائي ولا على تفنيد نهائي، فقط يمكن أن يقام ~~- ويجب أن يقام - على الاختبارات النقدية لموقف المشكلة وللافتراضات التي سلم ~~الحل بها، ولمختلف الطرق التي يمكن بها أن نعيد الحل من جديد. # 39 ~~(4) نعم، يعرف بوبر النظريات الفلسفية بأنها غير قابلة للتفنيد، وهو يعاملها ~~ويتفلسف على هذا الأساس ولكن في بعض الأحيان يسيطر عليه نزوع الفلاسفة إلى التعميم ~~والنظرة الكلية فيؤكد أن معيار القابلية للتكذيب يميز العلم ويحكمه في كل أطواره ~~حتى في الأطوار البدائية الأولى، حيث نجد النظريات الفلسفية التي مهدت للنظريات ~~العلمية، على سبيل المثال نظرية بارمنيدس، فهو لم يكن فيزيائيا كأسلافه الأيونيين ~~على الأقل، غير أن بوبر يراه أبا الفيزياء النظرية البحتة؛ فقد وضع أول نظرية ~~مضادة للطبيعة # Anti-Physicat # كما تبدو للحس ~~المشترك ومعارضة للخبرة الحسية، ويمكن أن نصفها بأنها آخر الأنساق الاستنباطية القبل ~~فيزيائية # Last pre-physical deductive system ~~، وقد مهد تكذيبها من ناحية إلى نظرية ديمقريطس الذرية؛ ~~إذ وجد ديمقريطس نفسه ملزما بتلافي نقص بارمنيدس بإنكار الحركة، فأبقى على نظرية ~~بارمنيدس فيما يتعلق بالذرات نفسها، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير، ولكن فسر الحركة ~~البادية بأنها إعادة ترتيب للذرات، أيضا نظرية فيثاغورث أدت إلى مثل هذا، فهو ~~ارتفع عن المادة بأسرها ووضع نسقا فرضيا استنباطيا يحاول تفسير كل شيء على ~~أساس القوانين الرياضية، وعبر سلسلة من التطورات أصبحت نظرية بارمنيدس نفسها أساس ~~تصور آينشتين للكون حيث لا نجد أي تغير يحدث في كتلة الكون # block-universe # ثلاثي الأبعاد الذي أضاف إليه البعد الرابع: الزمن، ~~أما نظرية ديمقريطس فهي بداية لأعظم إنجازات العلم: فرض الذرة، وكان نسق فيثاغورث ~~أول من علم علماء الطبيعة التعبير باللغة ms350 الرياضية وأنها كافية تماما، ولا شك أن ~~استخدام اللغة الرياضية الدقيقة أهم أسباب تقدم الفيزياء # 40 ~~... المهم أن بداية العلم كانت نسقا فلسفيا يمثل أولى حلقات سلسلة ~~طويلة من الأنساق، كل حلقة منها كانت تحسينا لسابقتها، وعلى أساس قاعدة معيار ~~القابلية للتكذيب، نجد أن السبب الأساسي في هذه التحسينات هو وقائع معينة من الخبرة ~~كذبت النسق السابق أو السلسلة السابقة، ومثل هذا التفنيد التجريبي للنسق الاستنباطي ~~أو لمعقباته يحث على بذل الجهد في إعادة بنائه، وبالتالي يفضي إلى نظرية جديدة ~~مطورة، تحمل كل دلائل سابقتها، بالإضافة إلى التحرر مما فندته الخبرة، وصحيح أن هذه ~~الخبرات أو الملاحظات اتخذت في البداية صورة فجة للغاية، لكنها خطوة خطوة أصبحت ~~حاذقة بارعة، تماما كما أصبحت النظريات بدورها - خطوة خطوة - أكثر حذقا وبراعة، ~~وأقدر على تعليل تلك الملاحظات الفجة القديمة. # 41 # والآن يمكن بشيء من التجاوز أن نقبل من بوبر رأيه بأن قواعد المعيار تحكم مسار ~~التطور العلمي في كل مراحله، ولكن لا يمكن أن نقبل ولا أن نفكر في أن المراحل ~~الأولى، هي نفسها قابلة للمعيار، حتى ولو كانت تمهيدا للعلم؛ لأن هويتها الفلسفية ~~تمنع ذلك وإلا تناقض بوبر مع نفسه، لعل نظريات بارمنيدس وديمقريطس وفيثاغورث تطورت ~~إلى نظريات قابلة للتكذيب - وعبر طريق التكذيب - لكن هي نفسها غير قابلة له، وإلا ~~فلماذا هي حية باقية حتى الآن وموضوع دراسة يهتم به بوبر أكثر من غيره، تمهيدها ~~للعلم - القابل للتكذيب - أحد إشعاعاتها الكثيرة، ولا يعني أنها هي ذاتها قابلة له، ~~وبوبر بلا شك أول من يوافقنا على هذا. ~~(4) في التحليل النفسي ~~(1) ومن وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب لا يختلف التحليل النفسي من الناحية ~~المنطقية العلمية عن التنجيم أو السيمياء أو أي علم آخر زائف. ~~(2) والتحليل النفسي Psychoanalysis # هو مصطلح ~~يطلق على نسق من النظريات السيكولوجية، ومنهج لعلاج الاضطرابات العقلية العصبية، ~~وهو يتميز بنظرة ديناميكية لجميع أوجه الحياة العقلية: الشعور واللاشعور، مع تأكيد ~~خاص على ظاهرة اللاشعور، وبواسطة أسلوب فني للفحص والعلاج، منقح ومطور وقائم ms351 على ~~استخدام التداعي الحر المستمر. # 42 # ويرتبط التحليل النفسي باسم الطبيب النمساوي سيجموند فرويد # Sigmund Freud ~~(1856-1939م) فهو مؤسسة، وإن أعقبه علماء آخرون ~~أضافوا الكثير مما لم يقله فرويد، وأيضا رفضوا الكثير مما قاله، أهمهم كارل يونج ~~وألفرد أدلر، وكارين هورني، وأوتورانك، وهاري ستاك سوليفان، وأريك فروم. # أما عن نظرية فرويد فتقوم على أن الشخصية تتكون من ثلاثة نظم أصلية: # الهو # ID ~~: # وهو نظام الشخصية الأصلية، ويتكون من كل ما هو موجود وموروث ~~سيكولوجيا ومنذ الولادة: كالغرائز ويسميه فرويد الواقع النفسي ~~الحقيقي؛ لأنه لا يتأثر بالدوافع المكتسبة. # الأنا # Ego ~~: # يقوم بالتعاملات المناسبة مع العالم الموضوعي الخارجي، متميزا ~~عن الهو بأنه يفرق بينها وبين الأشياء التي توجد في العالم ~~الداخلي، فهو الجهاز الإداري للشخصية الذي يسيطر على منافذ الفعل ~~والسلوك، ويختار من البيئة الجوانب التي يستجيب لها، ويقرر الغرائز ~~التي سوف تشبع والكيفية التي يتم بها ذلك الإشباع، وهو يحقق أهداف ~~الهو ولا يحبطها لأنه يستمد قوته منها. # الأنا الأعلى # Super-ego ~~: # الممثل الداخلي للقيم التقليدية للمجتمع والأخلاق والمثل العليا، ~~ما يمثلها للطفل والده ثم مدرسوه ثم الشخصيات الاجتماعية ~~والتاريخية العظمى، وكما تفرض عليه بواسطة الثواب والعقاب، وهو ~~مثالي ينزع إلى الكمال، ووظائفه الأساسية هي: # كف دفعات الهو، وبخاصة ذات الطابع الجنسي ~~والعدواني. # إقناع الأنا بإحلال الأهداف الأخلاقية محل الأهداف ~~الواقعية. # العمل على بلوغ الكمال فيعارض الهو الأنا معا؛ إذ ~~لا يحاول إرجاء إشباع الغريزة فحسب كالأنا، بل يحاول ~~الحيلولة دون الإشباع على الدوام. # وهذه النظم الثلاثة ليست دمى تحرك الشخصية، بل مجرد أسماء لعمليات سيكولوجية ~~مختلفة لا تتعارض بل تعمل متآزرة تحت قيادة الأنا. # 43 # وقد شبه فرويد العقل بجبل من الجليد يمثل الجزء الصغير الطافي منه على سطح ~~الماء منطقة الشعور، والجزء الأضخم الباقي هو اللاشعور، حيث توجد الدوافع الحقيقية ~~للسلوك، وما يهم علم النفس حقيقة. # 44 ~~⋆ ~~(3) واتخذ التحليل النفسي مع ألفرد أدلر اتجاها جديدا مستقلا، يرتبط بالحركة ~~الاجتماعية التي عظمت في أواخر القرن الماضي، رافضة للتصور الفيزيقي الحيوي الخالص ms352 ~~للإنسان، ومؤكدة أنه أساسا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه، فالإنسان شخصية اجتماعية ~~أكثر منها بيولوجية، فانشق أدلر عن فرويد لقصوره عن تصوير المؤثرات الاجتماعية وأسس ~~علم النفس الفردي # Individual Psychology # وهو علم ~~نفس الفروق الفردية، أي علم البحوث النسقية لهذه الفروق ومقاييسها، # 45 # وقد عمل أدلر في الحرب العالمية الأولى كطبيب في الجيش النمساوي، وبدأ ~~يهتم بعد الحرب بإرشاد الأطفال وتوجيههم، وأنشأ أول عيادة للتوجيه في مدارس فيينا، ~~كما كان له الفضل في إنشاء أول مدرسة تجريبية في فيينا تطبق نظرياته في ~~التربية. # وقد ناقض اتجاه فرويد بتأكيد الجنس، وأيضا اتجاه يونج القائل بالأنماط، وقال هو ~~بالحوافز الاجتماعية كمحرك أول لسلوك الإنسان، وأكد اهتمامات الإنسان الاجتماعية ~~وأهمية المتغيرات الاجتماعية، وساعد على تنمية مجال علم النفس الاجتماعي، فالإنسان ~~في نظره كائن اجتماعي أولا وقبل كل شيء، ولكنه يتفق مع فرويد ويونج في افتراض ~~طبيعة فطرية تشكل الشخصية. # ومن أعظم إسهامات أدلر فكرة الذات الخلاقة؛ إذ تمثل الذات عنده نظاما شخصيا ~~وذاتيا للغاية يفسر خبرات الكائن العضوي ويعطيها معناها، فالذات تبحث عن الخبرات ~~التي تساعد على تحقيق أسلوب الشخص الفريد في الحياة، وإذا لم توجد هذه الخبرات في ~~العالم فإن الذات تحاول خلقها، والسمة الثالثة التي تميزه عن التحليل النفسي ~~التقليدي هي تأكيده لتفرد الشخصية، فقد اعتبر كل شخص صياغة فريدة، وكل فعل يصدر عن ~~الشخص يحمل طابعه وأسلوبه الخاص. # 46 # ونظريته في الشخصية اقتصادية تقوم على مفاهيم أساسية قليلة هي: ~~(1) # الأهداف النهائية الوهمية: وهي القيم والمثل العليا والطموح، وهي ~~تجعل توقعات المستقبل تحرك الإنسان أكثر من خبرات الماضي. ~~(2) # الكفاح في سبيل التفوق: وهو الغاية النهائية. ~~(3) # مشاعر النقص والتعويض: وهي أساسا النقص الجسدي، لكن أدلر طورها ~~لتشمل مشاعر النقص بصفة عامة، الفيزيقي والسيكولوجي، وقد بالغ فيها ~~مبالغة تجافي الواقع وافترضها قائمة في كل شخصية، وأنها ليست علامة على ~~الشذوذ بل سبب كل ما يحققه الإنسان من تحسين، أما إذا تطرفت فإنها تصبح ~~عقدة نقص، أو عقدة تفوق تعويضية إذا تطرفت في الاتجاه ms353 المضاد. ~~(4) # الاهتمام الاجتماعي. ~~(5) # أسلوب الحياة أي مبدأ النظام الذي تمارس بمقتضاه شخصية الفرد ~~وظائفها. ~~(6) # الذات الخلاقة. # كما عني أدلر بالوراثة والخبرة وأثر الذكريات المبكرة على تكوين شخصية الإنسان. # 47 # ونلاحظ أن نظرية أدلر ذات طابع مثالي مسرف في تصور الإنسان؛ لذلك فهي أفضل ~~النظريات التحليلية نسبيا. ~~(4) وبوبر حين ينقد يبذل قصارى جهده، ويتحامل بكل ثقله وبكل الأثقال الممكنة على ~~موضوع النقد وعلى الرغم من سيطرة التحليل النفسي على المناخ العلمي في فيينا إبان ~~نشأة بوبر، فإنه خالف تلك العادة، ولم يبذل جهدا كبيرا في نقد نظريتي فرويد ~~وأدلر، واكتفى بالإشارة إلى أن المعيار لا ينطبق عليهما، وأنهما ليسا علما، ربما ~~لأنهما أضعف وأقل من أن يستحقا أي نقد أكثر. # فليس التحليل النفسي ولا علم النفس الفردي علوما على وجه الإطلاق، وليس لهما من ~~السمة العلمية أي نصيب؛ لأنهما ببساطة نظريات غير قابلة للتكذيب إطلاقا، وليس لها ~~أية فئة مكذبات محتملة، فليس ثمة أي سلوك إنساني يمكن أن يعارضهما؛ وبالتالي ليس ~~ثمة أي سلوك إلا ويمكن تفسيره وفقا لمصطلحات هاتين النظريتين، والمثال الذي يضربه ~~بوبر على هذا هو رجل يدفع بطفل إلى الماء بقصد إغراقه، ثم رجل آخر يضحي بحياته ~~محاولا إنقاذ الطفل، كل من هذين السلوكين المتناقضين يمكن تفسيره بنفس السهولة ~~وفقا لمصطلحات نظرية فرويد، وأيضا وفقا لمصطلحات نظرية أدلر، فتبعا لفرويد يمكن ~~أن نفسر موقف الرجل الأول بأنه يعاني من الدوافع المكبوتة، مثلا بإحدى مركبات ~~عقدته الأوديبية أو النزوعات العدوانية، أما الرجل الثاني فنفسر سلوكه بنفس الدوافع ~~المكبوتة ولكنها في حالة إعلاء وتسام، وطبقا لنظرية أدلر نجد الرجل الأول يعاني ~~من شعور بالنقص سبب له الرغبة في إثبات جرأته على ارتكاب جريمة ما، ونفس الشعور ~~بالنقص سبب للرجل الثاني الرغبة في إثبات جرأته على إنقاذ الطفل، # 48 # على هذا النحو نجد النظريات التحليلية دائما يمكن تطبيقها، دائما ~~يمكن تأكيدها، تفسر كل شيء وتشرح كل شيء، ولو جاء رجل ليؤكد أنه لم يشعر إطلاقا ~~بعقدة أوديب ولم يصدر عنه أي ms354 سلوك ينم عنها - وهذا ما لا بد أن يؤكده أكثر من 99٪ ~~من الأسوياء - فلن يعتبر التحليليون هذا تفنيدا لنظرياتهم، بل على الفور سيتملصون ~~من هذا التكذيب بأن عقدة أوديب مكبوتة في اللاشعور، والنظرية بهذا غير قابلة ~~للاختبار، وبالتالي غير قابلة للتكذيب؛ إذ يمكن على هذا النحو إدخال كل الأحداث ~~الممكنة وكل الوقائع الممكنة وكل النماذج السيكولوجية الممكنة في نطاق هذه ~~النظريات، بل وكتأكيدات لها، وعلى حد تعبير بوبر: «فور أن تفتح عينيك ترى حوادث ~~مؤكدة في كل مكان.» وامتلأت الدنيا بإثباتات وسيل لا ينقطع من تحقيقات النظرية، ~~وأيا كان ما يحدث فهو دائما يؤكدها، وبهذا ظهر صدقها جليا واتضح أن المنكرين ~~قوم لا يريدون أن يروا الصدق الجلي أو رفضوا أن يروه بسبب عقد مكبوتة لديهم، لم ~~تحلل بعد، لكنها تصرخ طلبا للعلاج، # 49 # وهذه القدرة الظاهرية على تفسير كل شيء وأي شيء بدت في نظر العوام ~~معلما على قوة النظرية الفائقة، لكنها من وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب تبدو ~~نفس سبب ضعفها الحقيقي الشديد وخوائها التام، فالنظرية تشرح كل شيء وتفسر كل شيء؛ ~~لذلك تعجز عن التنبؤ بأي شيء، ولا يترتب عليها - أو على الغالبية العظمى من أجزائها ~~- نتائج تجريبية، كما يستحيل أن نجعل مثل هذه النتائج تترتب عليها، فعلى سبيل ~~المثال يستحيل اشتقاق أية فروض تجريبية من غريزة الموت؛ لذلك تظل باقية في غياهب ~~الظلام الميتافيزيقي ولا يكون لها أي معنى بالنسبة للعم، والتنبؤ مقدما بما سوف ~~يحدث هو مهمة النظرية العلمية، غير أن قصور نظرية فرويد عن تقديم قواعد علاقية يمكن ~~بها الوصول إلى أي توقعات محددة لما سوف يحدث - أي تنبؤات - هو أوضح من أن يناقش، # 50 # ولو كانت قادرة على التنبؤ بحدوث أحداث معينة، لأصبحت الأحداث الممكنة ~~خارج التنبؤ مكذبات محتملة للنظرية، ولكانت بهذا علمية، لكن النظرية التحليلية ~~عاجزة عن التحديد والتعيين والتنبؤ؛ لأنها محضر أفكار فضفاضة أقرب شبها بالأساطير ~~البدائية، وملاحم فرويد الحماسية عن الهو والأنا والأنا أعلى لا يمكنها أن تدعي ~~السمة العلمية ms355 أكثر مما تدعيها الأساطير التي جمعها هوميروس خلال تجواله فوق الأولمب، # 51 # فقد تجنب أية معالجة كمية لمواده التجريبية المتهافتة، ولم يصل إلى ~~النتائج بواسطة استدلال منطقي واضح، وما نجده في كتاباته هو النتيجة النهائية ~~لتفكيره بدون المادة الأصلية التي يعتمد عليها؛ لذلك يستحيل تكرار أي من بحوثه بأي ~~من الثقة الثقة # 52 # وإمكانية الإعادة، إعادة الاختبار واسترجاع الوقائع التجريبية المعززة ~~أو المكذبة شرط أساسي في منطق التكذيب. # وبعد لا ينكر بوبر أن فرويد وأدلر رأيا أشياء معينة صحيحة، وأن بعضا مما ~~يقولانه له أهمية ويمكن أن يطور بحيث يلعب يوما ما دوره في علم نفس قابل للاختبار ~~والتكذيب، كما تطورت بعض من نظريات الميتافيزيقا البارعة ولعبت دورها في الفيزياء ~~القابلة للتكذيب، # 53 # وأيضا ينوه بوبر إلى أن اختلاف أدلر عن فرويد هو في صالح الأدلرية؛ ~~إذ تلافى موطن نقص خطير لفرويد حين أكد على أهمية النظر إلى الإنسان بوصفه كائنا ~~اجتماعيا، على الرغم من أن فرويد لم ينظر إلى هذا أبدا كتفنيد لنظريته أو كتحد ~~لها؛ لأن الأبعاد المنطقية والمنهجية للعلم - أي الأبعاد التكذيبية - لا وجود لها ~~البتة في نظرياتهم لأنها ليست علما. ~~(5) ونفس مناهج التحليليين وأساليبهم في ممارسة عملهم، لم تكن هي الأخرى من العلم ~~في شيء، وكما هو معروف، فإن فرويد على الرغم من دراسته لمناهج العلم الدقيقة لم ~~يستخدم الأساليب التجريبية أو الملاحظة المضبوطة في دراسته للعقل الإنساني، ولم يقم ~~بأية تجارب سيكولوجية مضبوطة ولم يجمع الوقائع ويحللها كميا كما كان يفعل علماء ~~النفس الآخرون في القرن التاسع عشر، وكتاباته الكثيرة لا تحوي أي جدول مخطط أو ~~اختبار تشخيصي أو صورة من صور التقييم الموضوعي للشخصية، وكل نظرياته قائمة على ~~الوقائع والخيالات التي كانت ترويها له شخصياته المريضة، # 54 # وبصفة عامة نجد كل اللاتحليليين يجمعون على أن التحليل النفسي علم ~~زائف بسبب القصور الشديد في إجراءاته المنهجية، وأن التحليليين لا يعنيهم الأمر حين ~~يصاب الباحث بخيبة أمل، # 55 # أي إن البعد المنهجي للتكذيب لا أثر له ms356 عندهم البتة! # ويضرب بوبر مثالا على قصور إجراءاتهم المنهجية بواقعة خبرها هو نفسه، فقد اتصل ~~بوبر بألفرد أدلر وتعاون معه في عمله الاجتماعي بين الأطفال والشباب في مناطق ~~الطبقة العاملة بفيينا، حيث أقام أدلر عيادات الإرشاد الاجتماعي، وحدث أن قدم بوبر ~~لأدلر تقريرا عن حالة لم تبد له أدلرية بالذات؛ أي لعله لم يجد فيها مركبات نقص، ~~لكن أدلر لم يجد صعوبة في تحليلها على ضوء نظريته عن مشاعر النقص، وبمنتهى الثقة ~~رغم أنه لم ير حتى الطفل، فأبدى بوبر اندهاشه، فكيف يثق أدلر من هذا وهو لم ير ~~الطفل؟ فأجاب أدلر أنه فعل ذلك نتيجة آلاف التجارب السابقة التي اكتسبها، فلم يملك ~~بوبر إلا أن قال وبهذه الحالة تصبح تجاربك آلافا وواحدة، # 56 # فلعل تجارب أدلر السابقة كانت كلها على هذا النمط وعدها جميعا إثباتات ~~لنظريته، فكل حالة يدركها المحلل سيفسرها على ضوء نظريته، بدلا من أن يعتبرها ~~اختبارا لها، وتفكير التحليليين بهذا أقرب شبها بالتفكير الدوجماطيقي المناقض ~~للتفكير النقدي، فقد اتخذوا نظرياتهم بدجماطيقية، وراحوا يؤولون كل الأحداث أيا ~~كانت كي تتفق معها، ولا يمكن أن نجد عندهم ما نجده عند العلماء الحقيقيين ذوي ~~الاتجاه العلمي الأصيل؛ أي النقدي، من اختبار النظريات ومحاولات تكذيبها، ومن ~~الناحية الأخرى فقد أوضح بوبر أن الاتجاه الدوجماطيقي وثيق الاتصال بالرغبة في ~~تحقيق القوانين والبحث عن تطبيقاتها وتأكيداتها، وأنه اتجاه العلوم الزائفة، # 57 # إن التحليل النفسي - بصورته التي طرحها مؤسسوه - هو من رأسه حتى أخمص ~~قدميه علم زائف، ببساطة ليس ينطبق عليه معيار القابلية للتكذيب. ~~(6) ويؤكد بوبر على هذه السمة اللاعلمية من إقرار لفرويد بأنه إذا أقر أي شخص بأن ~~معظم أحلامه التي تفيد في التحليل ترجع بأصولها إلى افتراضات النظرية التحليلية، ~~فليس ثمة أي اعتراض يمكن أن يثار في وجه النظرية التحليلية، ومن أن فرويد عقب ~~ببساطة على هذا بأنه ليس ثمة أي شيء يمكن أن ينتقص من قدر النظرية التحليلية. # 58 # غير أن كل أقوال فرويد وكل وقائعه وكل خصائص أبحاثه تبرهن ms357 على أنه ليس من طبيعة ~~العلماء في شيء، فها هو ذا يصدر حكما قاطعا يصدر به أحد كتبه بأن نظريته قائمة ~~على عدد لا يحصى من الملاحظات، وأن أحدا لا يستطيع أن يكرر هذه الملاحظات على نفسه ~~أو على الآخرين، ويصل إلى حكم مستقل عن التحليل النفساني! # 59 # وما هكذا تكون أحكام العلماء على نظرياتهم. # وثمة واقعة يرويها بوستمان Postman # في كتاب له ~~عن سيرة فرويد (1962م)، خلاصتها أن روزنتسفايج # Rosenzweig # قد أرسل له عام 1934م رسالة عن نتيجة محاولته لدراسة ~~الكتب دراسة تجريبية أيدت نظرية فرويد، فرد فرويد عليه بأنه لا يستطيع أن يعطي قيمة ~~كبيرة لهذه التأييدات؛ لأنها تقريرات قائمة على ثروة من الملاحظات الموثوق بها، غير ~~أن الملاحظات تجعلها معتمدة على التحقق التجريبي، وأضاف فرويد قائلا: لتهدأ بالا ~~فإنها لا تضر! # 60 # إذن فهو يرى أن نظريته أعلى من التحقق التجريبي، وليست في حاجة إلى ~~تجارب تؤيدها فضلا عن أن تختبرها وتكذبها، ويعلق إيزنك على هذا بأننا لا يمكن أن ~~نجد نظرية تكون محطا للانتباه العلمي، وفي الوقت ذاته تقطع بحسم وإمعان كل صلة ~~بينها وبين الاختبارات التجريبية على هذا النحو، ولا حتى علوم التنجيم والفراسة. # 61 # وبقي أن نعرف أن هذه النظرية التي يراها واضعها قاطعة قطعا لا ترقى إليه إلا ~~تحصيلات الحاصل، ليست لها أية صلة بأية معطيات تجريبية إلا التعبيرات اللفظية ~~والسلوكية الصادرة عن المرضى أثناء علاجهم مجرد أقوال عصابيين، يسجلها فرويد بعد ~~ساعات من سماعها مما يجعلها هي نفسها ليست دقيقة، ثم إنه لم يحاول التيقن من أقوال ~~مرضاه بأي شكل من الأشكال، ولا حتى عن طريق معارف المريض، وكان يعتمد فقط على ثقته ~~في التداعي الطليق، # 62 # والكارثة أنه خرج من أقوال المرضى بنظريات يعممها تعميما لتوضيح طبيعة ~~الشخصية السوية قبل المريضة! وهذا هو السبب في أن نظريته أظهرت الطبيعة الإنسانية ~~وكأنها مرادفة لأبشع صور الانحراف والجنوح والعصاب بل والذهان، بحيث إن نظرية فرويد ~~إذا صحت فلا بد أن يكون الإنسان السوي ms358 شاذا، وكما هو معروف فإن نسبة فرويد ~~رغبات شهوانية شبقية تدميرية للطفل الصغير، وتأكيده الرغبة في المحارم والجنسية ~~المثلية للجميع، وعموما تفسيره لسلوك الإنسان على أساس الجنس فقط، كل هذا روع ~~ذوي الحس المرهف، وجعل نظريته تلقى النقد المرير بل والاحتقار والازدراء كما لم ~~يحدث لأية نظرية أخرى باستثناء دارون، لكن فرويد تحدى المجتمع والرأي العام تحديا ~~لا يقوى عليه إلا الأبطال الصناديد، وإذا كان دارون قد وجد هكسلي وآخرين ليقفوا ~~بجواره، فإن أحدا البتة لم يقف بجوار فرويد، بل انصرف عنه أخلص أصدقائه وزملائه، ~~والمرء لا يملك إلا الإجلال والإكبار لهذا الرجل الذي تحمل الأمرين: ابتداء من ~~احتقار المجتمع والحرمان من أي تشجيع أو تأييد علمي وإغلاق الأبواب في وجهه وانصراف ~~الجميع عنه سواء الأصدقاء أو التلاميذ (خصوصا في الفترة ما بين عام 1896م وعام ~~1906م)، وانتهاء بالتضحية بفرض الكسب المادي، وكل ذلك لم يزده إلا إصرارا على ~~مواصلة النظرية التي تراءت له وهو يحاول جاهدا مخلصا استكناه ذلك المجهول الكثيف: ~~النفس، وليس ذنبه أنه لم يدرك أن عبقريته الخلاقة أحوج إلى الموهبة الفنية ~~الأدبية، وليس إلى الاتشاح بوشاح العلم، فأين هو من رواد آخرين - كرينيه ديكارت ~~مثلا - اتخذوا شعارا لهم «عاش سعيدا من أحسن التخفي.» أو «التقية ديني ودين ~~آبائي.» ولكن على الرغم من أن كل هذا حقائق تاريخية مسلم بها، فإن المحلل ~~النفسي أريك فروم ينتقده قائلا: «كان فرويد مشبعا بروح حضارته لدرجة لم يتمكن بها ~~أن يتجاوز حدودا معينة أقامتها هذه الحضارة، ولقد أصبحت هذه الحدود نفسها حدودا ~~لفهمه حتى للإنسان المريض؛ فقد أعجزته عن فهم الفرد السوي والظواهر اللاعقلانية ~~التي تعمل في الحياة الاجتماعية.» # 63 # لكن لم يصب فرويد تماما، فليست الحدود الحضارية هي التي أعجزت فرويد ~~عن فهم الإنسان السوي، بل قصور إجراءاته المنهجية هي التي أعجزته، واعتماده فقط على ~~أقوال المرضى، ثم إنه صاحب أول نظرية في تطور الشخصية، ومع ذلك نادرا ما درس الأطفال، # 64 # ولعله اقتصر على ملاحظة أطفاله الستة! # ولنلاحظ ms359 أن الخطأ الكبير في الاقتصار على فحص المرضى يشمل كل التحليليين، ~~فسيكولوجية يونج تقوم هي الأخرى على النتائج الإكلينيكية أكثر منها على البحث ~~التجريبي؛ لذلك رفضها التجريبيون الصارمون كما رفضوا نظرية فرويد. # 65 # وحتى أدلر - مؤسس الاتجاه الاجتماعي الذي ينتصر له فروم - قد أجرى هو الآخر معظم ~~ملاحظاته التجريبية في المجال العلاجي، وكان معظمها يقوم على إعادة بناء الماضي كما ~~يتذكر المريض، وتقدير السلوك الراهن والحكم عليه على أساس التقريرات اللفظية للمريض، # 66 # وهذا هو السبب في نقد باتريك ملاهي له من أنه سطحي، وافترض أن مشاعر ~~الضعة والعجز هي ذات أهمية أساسية في جميع الأطفال بدون أن يرى أن الأطفال الذين ~~يربون في محيط صحي لا تثقلهم مشاعر كهذه، # 67 # فلو كان أدلر درس الأسوياء كما درس المرضى لما افترض أن مشاعر النقص ~~والتعويض أساسية في بناء الشخصية الإنسانية، وأيضا نجد المرضى وعلاجهم هم اهتمام ~~كارين هورني الأول، واهتمام هاري ستاك سوليفان الوحيد، ومن هذا الاهتمام يتطرقون ~~إلى نظريات عن الشخصية بما هي شخصية. ~~(7) وفي هذا الصدد - صدد التأكيد على اهتمام المحللين بالمرضى فقط، وبطريقة تمثل ~~قصورا في إجراءاتهم المنهجية - يبرز تساؤل هام: ماذا عن الوقائع الإكلينيكية؟ ~~المحللون لهم عيادات يستقبلون المرضى فيها، ويعالجونهم بواسطة نظريات التحليل، بل ~~ويشفونهم في بعض الأحيان، وهاري ستاك سوليفان - على وجه الخصوص - حقق نجاحا ~~عظيما في هذا الصدد، أليست الحالات الإكلينيكية تمثل وقائع تجريبية تربط النظرية ~~بالعالم الإخباري ربطا اختباريا، فتمنحها السمة العلمية؟ # في الرد على هذا اعترض بوبر بشدة على جدوى أسلوب الملاحظات الإكلينيكية وقال: إن ~~هذه الملاحظات التي يعتقد التحليليون ببدائية وسذاجة أنها تؤكد نظرياتهم، لا تفعل ~~ذلك أفضل من التأكيدات اليومية التي يقابلها المنجمون في ممارساتهم. # فالملاحظات الإكلينيكية، شأنها شأن الملاحظات الأخرى، هي وقائع تفسر في ضوء ~~النظريات وليس أسهل من أن نفسرها بطريقة تجعلها تؤيد النظريات، وأيضا ليس أسهل من ~~أن تقتصر فقط على جميع الملاحظات التي تؤيد النظريات، وقد سبق أن أوضح بوبر كل هذا ~~أثناء مناقشة الاستقراء ms360 والتحقق، وثمة افتراض عام - من الناحية الأخرى - يوجه ~~لمحاولة التحليل النفسي تأكيد نظرياته بهذا الأسلوب الإكلينيكي، وهو أن المعالج ~~الذي تدرب في إطار النظرية يجد نفسه متحيزا أثناء ملاحظاته، فيجمع فقط ما يعتقد ~~أنه مرتبط بالنظرية ولا يلتفت إلى غيره، وهذا الاعتراض ليس إلا تأكيدا لنظرية بوبر ~~الميثودولوجية العامة، بالنسبة للتحليل النفسي. # لقد أصبح من الواضح الآن - من منطق التكذيب - أن السند الحقيقي يكون فقط من تلك ~~الملاحظات التي تشكل اختبارات قد تجتازها النظرية وقد لا تجتازها؛ أي محاولات ~~تفنيد، ويجب أن نتفق أولا على الملاحظات التي إذا لوحظت ستشكل تفنيدا للنظرية، ~~وكما فعل آينشتين على سبيل المثال الواضح، ولم يحدث أبدا أن اتفق التحليليون على ~~معايير محددة تعين بعض الاستجابات الإكلينيكية التي إذا حدثت يمكنها أن تفند ~~تشخيصا محددا لهم، فضلا عن أن تفند النظرية التحليلية بأكملها، بل وإن نظرية ~~التناقض الوجداني عندهم، وأيضا اللاشعور، تجعل مثل هذه المعايير مستحيلة. # 68 # من الناحية الأخرى، هل بحث التحليليون مدى تأثير نظرياتهم ذاتها على الاستجابات ~~الإكلينيكية للمرضى، فضلا عن محاولة التأثير الواعية على المريض، باقتراح تأويلات ~~معينة لحالته، # 69 # إن الأثر الأوديبي لأشد ما يكون فعالية في حالة العلاج بواسطة التحليل ~~النفسي، والأثر الأوديبي # Oedipus Effect # هذا مصطلح ~~قدمه بوبر في «عقم المذهب التاريخي» ليشير به إلى تأثير النظرية أو التنبؤ على ~~الحدث الذي تشرحه النظرية أو تتنبأ به، أو إلى تأثير المعرفة عامة على الموقف ~~المتصل بها، سواء كان هذا التأثير من شأنه أن يساعد على وقوع الحادث أو على منعه، # 70 # والأثر الأوديبي بهذا يشير إلى صعوبة تنفرد بها العلوم الإنسانية دون ~~العلوم الطبيعية، حيث لا نجد مثل هذا التأثير، فلنفترض مثلا أن علماء الاقتصاد ~~أعلنوا تنبؤا بأن سعر أسهم معينة سوف يأخذ في الارتفاع على مدى ثلاثة أيام، ويبلغ ~~ذروته في اليوم الثالث، ثم يهبط بعدها، فمن الواضح أن كل من له صلة بالسوق سيبيع ~~أسهمه في اليوم الثالث، فتهبط أسعارها في هذا اليوم ويكذب التنبؤ، وقد أوضح ms361 بوبر أن ~~أثر التنبؤ قد يتطرف إلى حد خلق الحادث الذي يتنبأ به خلقا، ويتسبب في منع وقوع ~~حادث قد يكون آتيا لا محالة لولا هذا التنبؤ، # 71 # ولنلاحظ أن استخدام بوبر لهذا المصطلح مشروع؛ لأن أسطورة أوديب تشير ~~إلى الرجل الذي نبذ ابنه بسبب نبوءة بأنه سيقتله، فنشأ أوديب لا يعرف والده، لكن ~~قتله في النهاية، ولعله لولا النبوءة لما نبذ الرجل ابنه ولتربى في كنفه ولما كان ~~ليقتله، فلعل واقعة القتل النهائية بسبب النبوءة أصلا، فلماذا أغفل التحليليون أن ~~فروضهم قد تؤثر على مرضاهم، وهذا التأثير يمثل دورانا يوضح هو الآخر أن ممارساتهم ~~الإكلينيكية لا تؤيدهم بحال؟ # على كل هذا لا ينبغي أن نعتد بالنتائج الإكلينيكية للتحليل، لا سيما وأن ~~الأمراض السيكولوجية التي لا تعود إلى أية أصول عضوية، مجرد أوهام تسيطر على ~~المريض، ولنلاحظ أن التحليليين - وعلى رأسهم بالطبع فرويد - رجال ذوو شخصيات قوية ~~وقدرات خلاقة - وإن كان خلقا غير علمي - لذلك يمكن أن نرجع شفاءهم لمرضاهم إلى ~~جاذبيتهم الشخصية ومواهبهم الذاتية وليس بالطبع إلى قواعد علمية ثابتة متواترة، ومن ~~أين القواعد أو القوانين العلمية، والتحليل النفسي ليس من العلم في شيء، كما أثبت ~~معيار القابلية للتكذيب. # 72 ~~⋆ ~~(5) في النظرية الماركسية ~~(1) ومن أبرز حصائل المعيار حصيلة تطبيقه على النظرية الماركسية، فهي أقوى وأهم ~~النظريات الفلسفية التي وضعت من أجل الاشتراكية، أي من أجل تحقيق نظام اقتصادي ~~اجتماعي عادل يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، منعا من استغلال أقلية من ~~الملاك لأكثرية عاملة. # ولعل أهمية النظرية الماركسية - دونا عن سائر النظريات الاشتراكية والتي ~~سميت بالاشتراكيات الطوباوية - إنما تأتي مما تدعيه الماركسية من خاصية ~~علمية، فقد أراد كارل ماركس # K. Marx ~~(1818-1883م) ~~أن يكون عالم التاريخ الذي يدرسه ويفهمه ويحلله، فيستطيع التوصل إلى القانون الحتمي ~~الذي يحكمه، والذي يمكننا بالتالي من التنبؤ بما سيكون تبعا لطبيعة العلم ووظيفته، ~~وكما هو معروف اصطنع ماركس المادية ~~الجدلية # Dialictic Materialism ~~، ليصل إلى القانون الحتمي الذي ارتآه يحكم التاريخ، وهو ~~قانون: صراع الطبقات ms362 الذي يتطور تطورا جدليا من مرحلة إلى أخرى، مثلما تطور من ~~مرحلة الإقطاع إلى مرحلة البرجوازية، وعلى أساس هذا القانون تنبأ ماركس بأن التطور ~~التالي والمحتوم سيكون انقلاب التاريخ من البرجوازية إلى المرحلة الاشتراكية، ولكن ~~البرجوازية ستحاول عرقلة وتعويق مسار التاريخ في تقدمه المحتوم نحو الاشتراكية؛ ~~لذلك فمن الضروري أن يتحد العمال لإقامة ثورة دموية عنيفة، تقهر البرجوازية وتحقق ~~الاشتراكية بقوة السلاح، فقط كي تخفف آلام الوضع وتقصرها، وتختصر الفترة التاريخية ~~المطلوبة للوصول إلى المرحلة الاشتراكية، وإن كانت هذه المرحلة هي النهاية المحتومة ~~على أية حال لمراحل التطور الاقتصادي. # 73 ~~⋆ ~~(2) ولا ينكر بوبر أن ماركس واحد من أعظم أقطاب الفكر البشري، وأنه حاول مخلصا ~~أن يطبق المنهج العلمي العقلاني على أكثر مشاكل الحياة العملية إلحاحا، وكونه لم ~~ينجح إلى حد كبير، فإن ذلك لا يلغي قيمة محاولته، ويؤكد بوبر أننا لا يمكن أن نجد ~~أي علم اجتماعي قبل ماركس، وأن جميع الكتاب المعاصرين - وهو منهم - يدينون ~~لماركس، حتى وإن لم يشعروا بذلك، وأن ماركس قد تميز بعقل مفتوح وإخلاص نادر، وأن ~~رغبته كانت متأججة لمساعدة المقهورين، فبذل خلاصة حياته قولا وفعلا من أجل تحسين ~~أحوالهم، وأن اهتمامه كان عظيما بالفلسفة والعلم الاجتماعيين. # إلا أن بوبر مع تسليمه بهذا انهال بنقد قاس عنيف على النظرية الماركسية من كل ~~صوب وحدب، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وفندها بالبراهين المنطقية المسهبة، ~~والمناقشات الفلسفية المطولة الدقيقة المتأنية، وقد يبدو غريبا أن نعرف أن نقد ~~بوبر للماركسية يتضاءل بجواره، نقده للاستقراء أو حتى للوضعية المنطقية والفلسفة ~~التحليلية اللغوية، فقد رأى فيها أنموذجا للمنهج التاريخي # historicism # أي الذي يرى أن التاريخ يسير في مسار محتوم، يمكن ~~قولبته في مراحل أو أنماط أو إيقاعات؛ ومن ثم يمكن التنبؤ به، وقد راح بوبر في ~~مناقشات مستفيضة يثبت أن هذا المنهج عقيم لا يؤتي ثمرا، وأن الخطأ سمة كل حججه بلا ~~استثناء، سواء كانت مؤيدة للتشبه بالعلم الطبيعي أو معارضة لهذا؛ لأن التاريخ محكوم ~~في تطوره بنمو المعرفة ms363 العلمية، ومن المستحيل منطقيا أن نتنبأ بهذا النمو؛ ومن ثم ~~يستحيل التنبؤ بمسار التاريخ، وحقا أن المذهب التاريخي معروف منذ أفلاطون ~~وهيراقليطس وهيزيود، وفكرة اليهود عن مآل شعب الله المختار، وفيكو وبوسويه ~~وكوندرسيه وهيجل وغيرهم، غير أن ماركس بالذات - نظرا لأثره العظيم - قد ضلل معظم ~~ذوي العقول النيرة حين جعلهم يعتقدون أن الأسلوب العلمي لتناول المشاكل الاجتماعية ~~هو النبوءة التاريخية، فماركس هو المسئول عن الأثر المدمر للمنهج التاريخي، # 74 # وانتقد بوبر أيضا تبعية ماركس لأفلاطون وأرسطو وهيجل، دعاة المجتمع ~~المغلق بأيديولوجية محددة لا تقبل ليبرالية ولا ديمقراطية ولا تبادل آراء ولا حتى ~~محاولة التوصل إلى حل أصيل مرن لمشكلة ملحة، فالمفروض أن الأيديولوجية التي ~~حددوها سلفا هي أسلوب حل كل المشاكل، وانتقد أيضا ما تنطوي عليه الماركسية من ~~نزعة يوتوبية غير مشروعة؛ لأنها نظرية كلية # hilism # تفترض أنها بضربة واحدة - هي الثورة الدموية - ستقلب التطور التاريخي إلى المرحلة ~~اليوتوبية، ويرى بوبر أن الإصلاح مثل النقد يجب ~~أن يكون جزئيا مراحليا قائما على أساس هندسة اجتماعية جزئية تتعامل مع ~~المؤسسات الاجتماعية كل على حدة، بل وكل من مشكلات المؤسسة الواحدة على حدة، ~~بالأسلوب الذي يناسبها هي وليس بأسلوب كلي محدد سلفا، فمثل تلك الاتجاهات الكلية ~~التي تريد الإصلاح بضربة واحدة قاصمة فاصلة، يستحيل أن تصلح شيئا أو أن تؤدي إلى ~~شيء، وقد تؤدي إلى دمار وخراب شامل ، ثم إن النزعة الكلية الاجتماعية مستحيلة ~~منطقيا؛ لأن التحكم الكلي مستحيل منطقيا، فكل تحكم جديد في العلاقات الاجتماعية ~~من شأنه أن يخلق مجموعة جديدة من العلاقات الاجتماعية التي تحتاج هي بالأخرى إلى ~~التحكم فيها، وهكذا في سلسلة بغير نهاية، # 75 # ولما كان ماركس مجرد مفكر تاريخي فلم تتضمن نظريته أية تكنولوجية ~~اجتماعية، ولينين نفسه أعلن أن الحزب الشيوعي بمجرد أن تولى السلطة لم يجد في ~~النظرية الماركسية أية تكنولوجية أو خطط للإصلاح الاجتماعي، فكل بحوث ماركس ~~الاقتصادية كانت مكرسة لخدمة نبوءته التاريخية، بل وأكثر من هذا فإن ماركس نفسه قد ~~أكد تأكيدا على التعارض ms364 بين منهجه وبين أية محاولة لإقامة تحليل اقتصادي يهدف إلى ~~التخطيط العقلاني # 76 # لحل المشاكل الجزئية، كما راح بوبر في مناقشات مطولة ينقد الفكر ~~اليوتوبي الذي يعني تصور نهاية العالم وخاتمة تطوره، ويوضح ما يقف أمامه من استحالة ~~منطقية، ونقد أيضا الدعوة إلى العنف الدموي التي مجدتها الماركسية ويوضح استحالة ~~التقاء العقلانية التي تعني الاعتراف بأني قد أقطع في الخطأ مع الدعوة إلى العنف، ~~والتضحية بجيل الثورة من أجل أجيال لم تأت بعد وقد لا تأتي، # 77 # كما نقد بوبر أيضا نظرية فائض القيمة، وأوضح أنها خاطئة تماما تغفل ~~عوامل أساسية في الإنتاج وفي قوانين البيع والشراء، وعلى الرغم من الرأي الشائع ~~بأنها أهم نظريات ماركس، فإن بوبر حللها تحليلا يوضح أنها لا ضرورة لها إطلاقا، ~~وأن الماركسية تصبح أقوى وأفضل لو حذفنا نظرية فائض القيمة منها، وأساس كل هذا نقده ~~للقيمة العلمية الماركسية ومنطقها المادي الجدلي، باختصار نقد بوبر الماركسية نقدا ~~مدمرا من كل موضع وكل زاوية يمكن منها النقد، ~~«وليس من السهل أن يدرس أحد نقد بوبر للماركسية ويظل على اقتناع بمبادئها أو حتى ~~على تعاطف معها؛ لذلك يرى الماركسيون فيه أبرز وأهم نقادهم المعاصرين، وأن حججه ~~أقدر الحجج وأقواها، وأنها تضم كل ما يمكن أن يقال في نقد الماركسية.» # 78 ~~(3) ولكن هذا البحث معني بزاوية واحدة من نقد بوبر للماركسية، وإن كانت أساس ~~كل الزوايا الأخرى، وهي الخاصية العلمية للنظرية، وذلك على ضوء الحل المطروح لمشكلة ~~تمييز المعرفة العلمية، بعبارة أخرى: هل ينطبق معيار القابلية للتكذيب على النظرية ~~الماركسية فتكون بهذا علما، أم لا ينطبق فتكون «لا علم»، أم أن الأمر بخلاف هذا ~~وذاك؟ # إن النظرية كما وضعها ماركس، هي نظرية علمية لأنها قابلة للتكذيب، فقد كانت ~~محاولة جريئة وضعت في صورة مقدمات يمكن أن نشتق منها نتائج هي تنبؤات، تمثل عبارات ~~أساسية جديدة، يمكن مقارنتها بالعبارات الأساسية التي تنقل متغيرات الواقع التاريخي ~~الخارجي، غير أن الوقائع كذبت كل تنبؤاتها فلا بد من الاعتراف إذن بأنها كاذبة ms365 ~~وتركها إلا أن أتباعها لم يعترفوا بهذا، وظلوا على تمسك بها، فحطموا بذلك القاعدة ~~المنهجية بضرورة قبول التكذيب، واتخذوا خططا تحصينية # immunizing Strategy # تحمي نظريتهم من أقوى التفنيدات؛ لذلك أصبحت ~~بصورتها الراهنة «لا-علم»، أو كما يسميها بوبر: عقيدة دوجماطيقية مقواة # Reinforced dogmatism ~~: أو حلما ~~ميتافيزيقيا اقترن بواقع قاس. # وقبل أن نناقش التنبؤات التي كذبت، نلاحظ أن هذا ليس كل ما في الأمر، فلو واجهنا ~~مجمل النظرية بمجمل منطق المعيار لوصلنا إلى نتائج في غاية الخطورة، ولكننا لا ~~نستطيع الآن التصدي لهذه المواجهة ودفاع الماركسيين ورد بوبر لدفاعهم ... إلخ، فالحيز ~~المتاح للماركسية ها هنا لا يسمح بهذا، # 79 ~~⋆ # ويكفينا أن المعيار أصدر الحكم بأنها كاذبة. ~~(4) والآن كيف أصدر المعيار هذا الحكم؟ فعل هذا على أساس ما طرحه من قاعدة منطقية ~~دقيقة تقول: إن أي تناقض بين التنبؤات التي نشتقها من النظرية، أي بين ما تخبر به، ~~وبين الوقائع التجريبية للعالم الواقعي، يعني أن النظرية كاذبة، وسيوضح بوبر كيف ~~تناقضت الوقائع التاريخية مع كل ما أنبأت به النظرية الماركسية: ~~(أ) # تنبأ ماركس بأن الطبقات ستختصر إلى طبقتين: البرجوازية ~~والبروليتاريا؛ لأن البروليتاريا ستبتلع الحرفيين والصناع والفلاحين ~~والتجار، وتنكمش البرجوازية، مما يزيد من التناقض وحدة الصراع الطبقي، ~~فينهار النظام البرجوازي وتجيء الاشتراكية. # غير أن هذا لم يحدث وليس من المحتمل أن يحدث، ومهما تقدمت الصناعة لن ~~تختفي طبقة المزارعين بالذات، وقد أوضح بوبر أن التطورات التاريخية بعد ~~ماركس لم تسفر عن طبقتين، بل عن الطبقات الست الآتية: البرجوازية - ~~كبار ملاك الأراضي - الملاك الآخرين - العمال الزراعيين - الإداريين ~~والفنيين - العمال الصناعيين. ~~(ب) # تنبأ ماركس بأن انتصار البروليتاريا ومجيء الاشتراكية، سيتبعه حتما ~~المجتمع اللاطبقي، وليس هذا ضروريا، فقد تنشأ الصراعات داخل ~~البروليتاريا وتقسمها إلى طبقات، فسوف يقفز إلى السلطة قادة الحركة ~~الثورية، ويشكلون طبقة الحكام الجديدة، وهذا نوع جديد من الأرستقراطية، ~~أو على الأقل البيروقراطية. ~~(ج) # تنبأ ماركس بأن الشيوعية ستبدأ في أكثر الدول المتقدمة تكنولوجيا، ~~وبالذات إنجلترا وألمانيا، وحدث عكس هذا، فقد بدأت في روسيا المتخلفة، ms366 ~~والتي استبعدها ماركس. ~~(د) # قام ماركس بتحليل دقيق للأنظمة الاقتصادية عبر التاريخ، وتوصل إلى ~~تناقضات في صميم كل نظام اقتصادي، تحمل عوامل فنائه، فانتهى إلى حتمية ~~فناء البرجوازية أو الرأسمالية ومجيء الاشتراكية. # ولكن الرأسمالية التي عرفها وحللها ماركس هي رأسمالية عدم التدخل # Lassez faire # دعه يعمل؛ أي الرأسمالية الحرة ~~حرية مطلقة ولا تسمح بأي تدخل أو فرض قيود، ومثل هذه الرأسمالية قد اختفت فعلا، ~~ولكن لم تكن الاشتراكية هي البديل الوحيد الذي حل محلها كما تنبأ ماركس، ففي معظم ~~البلدان حل نظام الرأسمالية الخاصة المقيدة، والتي يسميها بوبر بالديمقراطية التدخلية # Democratic Interventionism # والتي ~~يفضلها ويحبذها كثيرا، ولم تتحقق نبوءة ماركس بصورة تقريبية إلا في روسيا فقط، # 80 ~~⋆ # حيث نجد الدولة هي فعلا التي تملك كل وسائل الإنتاج، غير أن روسيا لا تعدو أن تكون ~~سدس الكرة الأرضية، وهذا يعني أن انهيار رأسمالية عدم التدخل لم يؤد إلى ~~الاشتراكية بل إلى فترات تاريخية أخرى يتداخل فيها النظام السياسي مع النظام ~~الاقتصادي للدولة، وتتدخل الحكومة القائمة في الصناعات الخاصة بالتوجيه والإرشاد ~~وإصدار القوانين والمنع والتحريم ومنح التسهيلات وحماية حقوق العمال وشملهم ~~بالضمانات والتأمينات الاجتماعية، والتأمين ضد البطالة، بل وأصبح للعمال في إنجلترا ~~بالذات وفي بلاد أخرى كثيرة، حق الإضراب وإجبار أصحاب رءوس الأموال على رفع أجورهم، ~~والسويد أبرز الأمثلة على هذا، فهي التي قامت بأولى الخطوات الحاسمة في هذا الطريق، ~~حيث حددت عدد ساعات العمل بثمان وأربعين ساعة في الأسبوع. # 81 # لقد تنبأ ماركس بأن التناقض سيتزايد بين مصالح العامل ومصالح الرأسمالي ~~وسيستحيل تماما التوفيق بينهما، مما سيعجل بانهيار الرأسمالية؛ لأنها لا يمكن أن ~~تتحسن أو تتطور، بل لا بد أن تنهار، لكن ماركس عاش حتى رأى بعض الإصلاحات في أحوال ~~العمال والتوفيق بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية، ولم ير في هذا تفنيدا ~~لنبوءته أو نظريته، بل رأى فيها إيذانا بانهيار الرأسمالية، وليس هناك مبرر عقلي ~~لهذا، وليس هناك ضرورة منطقية تجعل انهيار الرأسمالية يعقب التعديل التدريجي ~~والحلول التوفيقية، # 82 # والمهم أن ms367 تزايد تدخل الدولة، وتزايد نطاق احتمالية الحل السلمي - وهو ~~الأمر الواقع الآن - يكذب نبوءة ماركس بأن الاشتراكية هي البديل الحتمي والوحيد ~~والذي لا بديل سواه لانهيار الرأسمالية التي عرفها، رأسمالية عدم التدخل. # ويكذب أيضا نبوءته بأن البؤس سيتزايد. # نبوءة ماركس التي تحققت فعلا هي اختفاء رأسمالية عدم التدخل، ولنلاحظ أن تدخل ~~الدولة قد يؤدي إلى البيروقراطية، ومن إنجازات ماركس أنه حذر من هذا، وأيضا تنبأ ~~بأن اتحاد العمال لإقامة الثورة سيؤدي إلى الاشتراكية، وهذا ما حدث في روسيا ولكن ~~بصورة تقريبية جدا؛ لأن طبقة المثقفين التي اعتبرها ماركس بورجوازية، كانت من أهم ~~عوامل نجاح الثورة. # 83 # لكن منطق التكذيب يعلمنا أن مثالا واحدا نافيا أهم من ملايين الأمثلة المؤيدة، ~~فما بالنا لو كان الأمر مثالا واحدا مؤيدا في مقابل العديد من الأمثلة المكذبة؟ ~~أي إن النتيجة المنطقية التي يجب أن ننتهي إليها هي أن تنبؤات ماركس كاذبة؛ ~~وبالتالي تكون نظريته خاطئة، ومحاولته العبقرية لأن يستخلص النبوءات المستقبلة من ~~الوقائع المعاصرة له قد فشلت، # 84 # ويقول بوبر: إن السبب الأساسي في هذا هو عقم المذهب التاريخي الذي ~~اتبعه ماركس؛ لذلك يمكن أن نقول: إن معيار القابلية للتكذيب، ها هو ذا يقدم حجة ~~جديدة تضاف إلى حجج بوبر الكثيرة على عقم المذهب التاريخي، وقبل هذا يقدم أقوى وأهم ~~نقد للماركسية قدم حتى الآن، كما يعترف الماركسيون المتطرفون أنفسهم، فقد أصبح ~~من الواضح الآن أن بوبر على حق تماما حين يسم النظرية الماركسية بأنها عقيدة ~~دوجماطيقية مقواة # Reinforced Dogmatism ~~؛ فقد ~~كانت علمية غير أن كذبها قد ثبت، والتكذيب يرمي إلى استئصال النظريات الكاذبة ~~ونبذها باكتشاف مواضع الخطأ والضعف فيها، # 85 # غير أن المأخوذين بها لم يستأصلوها أو ينبذوها، بل أبوا الاعتراف ~~بكذبها المبرهن بمنطق العلم، وصمموا على استمرار الأخذ بها، مخالفين بذلك منطق ~~العلم وأيضا منهجه؛ إذ أعادوا شرح كل من النظرية والدليل ليجعلوهما متوافقين معا، ~~بحيث تصبح النظرية غير قابلة للتكذيب - أي لا علمية - والماركسي الآن لا يمكنه أن ~~يفتح جريدة دون ms368 أن يجد في كل صفحة منها دلائل تؤكد تفسيره للتاريخ ليس في الأخبار ~~فحسب، بل وفي أسلوب عرض الأخبار الذي يكشف عن التحامل الطبقي للمحررين، ويبدو هذا ~~فيما لم تقله الجريدة بالطبع، والنظرية بهذا ينهال عليها سيل لا ينقطع من ~~التأكيدات، ومن يرفضها فهو يفعل ذلك لأنه ضد مصالح طبقية، والنظرية الماركسية بكل ~~هذا فقدت سمتها العلمية، # 86 # وأصبحت دوجماطيقية تماثل التفكير العصابي. # إن الماركسية - بما هي علمية - نظرية كاذبة، وإذا شاء أنصارها فيمكنهم الانصراف ~~عن العلم وعن السمة العلمية، وحينئذ لن يستطيع معيار القابلية للتكذيب التطاول على ~~نظريتهم، وسيسقط كل النقد السابق، وسنعتبرها نظرية فلسفية، مجرد تأويل للتاريخ ~~وتصور يوتوبي لمستقبل البشرية، ولا تنطوي على علاقة ضرورية منطقية بالواقع؛ ~~وبالتالي لا تنطوي على أي إلزام بالأخذ بها كي نفهم هذا الواقع، وتصبح فقط محلا ~~للنقاش الفلسفي النقدي، غير أن أتباع الماركسية لا يصممون على الأخذ بها فحسب، بل ~~وعلى الأخذ بها بوصفها نظرية علمية وصادقة، بل وإنها النظرية العلمية التاريخية ~~الوحيدة - والتي تحوي جماع التناول العلمي للتاريخ - إنها بحق أصبحت عقيدة ~~دوجماطيقية مقواة. ~~(6) في التاريخ والعلوم الاجتماعية ~~(1) والآن، لقد كانت النظرية الماركسية محاولة لعلمنة التاريخ ولم تنجح، لعلها ~~نجحت في أن تكون أقدر نظرية فلسفية طرحت حتى الآن؛ لوضع أيديولوجية عامة للنظام ~~الاشتراكي، ولعلها النظرية الفلسفية الوحيدة التي خرجت إلى عالم التطبيق الفعلي، ~~ولعلها قادرة على تزكية الأمل في اليوتوبيا الموعودة للكادحين؛ حيث لا يقدم ~~البروليتاري إلا ما يستطيعه في الوقت الذي يجد فيه كل ما يريده، ولكنها لم تنجح في ~~وضع نظرية علمية للتاريخ كما أثبت معيار القابلية للتكذيب، فهل هذا المعيار يعني ~~استحالة وضع نظرية علمية في التاريخ أصلا؟ الواقع أن بوبر يجيب على هذا التساؤل ~~بالإيجاب، ويصر أن مبحث التاريخ لا يمكن إطلاقا أن يكون علما. ~~(2) فحقا أن المعيار قد أوضح أن عالم العلوم الطبيعية يضع الفرض من عنده، ثم ~~يحاول أن يفسر في ضوئه الوقائع، وحقا أيضا أن بوبر يصر على أن الأمر هكذا تماما ms369 ~~في العلوم التاريخية، فالمؤرخ يضع الفرض من عنده ليؤول في ضوئه الأحداث التاريخية، ~~غير أن هناك اختلافا كبيرا بين طبيعة العلمين؛ وبالتالي بين طبيعة الفرضين. # 87 # فموضوع علم التاريخ أحداث منفردة نهتم بأسبابها وبتفسيرها وبنتائجها، وهي بهذا ~~تناقض العلوم الطبيعية والبيولوجية، فهي علوم تعميمية لا تهتم بأية أحداث مفردة، بل ~~بالقوانين العامة الكلية التي تحكمها، وكلما تقدمت هذه العلوم سارت أكثر نحو ~~السمة العمومية، حتى تجد نظريات العلوم البحتة التي تهدف إلى توحيد العلوم نفسها ~~وليس فقط الوقائع، والتاريخ يماثل هذه العلوم في أنه يفترض ضمنا قانونا عاما، ~~ولكنه يختلف عنها في أنه يحاول أن يفسر في ضوئه الحدث المنفرد المطروح للدراسة، ~~فإذا فسرنا مثلا أول انقسام لبولندا عام 1772م؛ لأنها لم تكن لتستطيع أن تقاوم قوة ~~اتحاد روسيا وبروسيا والنمسا، فإننا في هذا نفترض ضمنا القانون العام في جيشين ~~متساويين تماما في جودة التسليح والقيادة، إذا امتاز أحدهما في عدد الرجال، فلن ~~يفوز الآخر، وهو قانون يمكن أن نصفه بأنه قانون في سوسيولوجية القوة الحربية، وإن ~~كان غير ذي أهمية كبيرة لعلم الاجتماع، # 88 # لكن الذي يهمنا الآن أنه قانون عام، لكن وضع أصلا لتفسير حدث واحد ~~منفرد هو انقسام بولندا عام 1772م، والقوانين العمومية المستخدمة في مختلف ~~التفسيرات التاريخية لا ترتكن في مجموعها إلى مبدأ موحد، فليس هناك وجهة للنظر في ~~علم التاريخ، وفي أحوال محددة جدا نتوصل إلى مثل هذه الوجهة بتحديد معنى للتاريخ ~~وقصره على جانب واحد، كأن نقول التاريخ العسكري أو تاريخ التكنولوجيا أو تاريخ ~~الرياضيات ، وبعض وجهات النظر نتوصل إليها بأفكار عمومية مسبقة تماثل القوانين ~~الكلية، لكنها تفتقر إلى المبررات والأسانيد العقلية الكافية، كأن نقول: إن المهم ~~في التاريخ هو «الرجل العظيم» أو «المبدأ الأخلاقي» أو «الظروف الدينية». # 89 # ومثل هذه النظريات التاريخية - ويفضل بوبر أن يسميها أشباه نظريات # quasi theories # 90 ~~⋆ ~~- ~~تختلف في خصائصها تماما عن النظريات العلمية القابلة للتكذيب؛ لأن وقائع التاريخ ~~الموجودة لدينا محدودة لا يمكن أن تعاد أو أن ننجزها ms370 كما نشاء؛ أي لا يمكن اختبار ~~النظرية التاريخية، خصوصا وأن هذه الوقائع نفسها قد جمعت تبعا لوجهة نظر ~~سالفة، فمصادر التاريخ لا تحتوي إلا على الوقائع الملائمة لنظرية سالفة، هي نظرية ~~المؤرخ الذي أرخها، وطالما أنه ليس هناك أية وقائع أكثر متاحة لنا، فيستحيل إذن ~~أن نختبر تلك النظرية السالفة أو أن نحاول تكذيبها. # 91 # على هذا يستحيل أن يكون التاريخ علما؛ لأنه يستحيل أن يضع نظريات قابلة للاختبار ~~والتكذيب؛ لذلك فبوبر يطلق على النظريات التاريخية، كمقابل متميز للنظريات العلمية ~~اسم تأويلات # Interpretations ~~، فالقاعدة هي أنه لا ~~يمكن التوصل إلى نظرية قابلة للتكذيب، ويمكن لوقائع تاريخية معينة أن تلائم تأويلات ~~عدة، لكن من المستحيل الحصول على وقائع ومعطيات أكثر تمثل تجربة فاصلة كتلك التي ~~تكذب النظريات الفيزيائية مثل نظريات كبلر أو نيوتن، فالمؤرخ يرى أن الوقائع تناسب ~~تأويله هو فقط؛ لذلك لا يمكن أن نقول إن الوقائع التاريخية التي أوردها المؤرخ هي ~~دليل يؤيد نظريته، حتى ولو كنا لا نملك أية وقائع سواها؛ لأن هذا دوران منطقي، فهو ~~لم يجمع إلا الوقائع التي تكون جديرة بالجمع تبعا لنظرياته، وقد يتبنى مفكر ~~تأويلا يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من الحرية ويتخذ من تحرير العبيد تأييدا ~~لنظريته، وقد يتبنى مفكر آخر تأويلا آخر يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من ~~العبودية، ويتخذ من التفرقة العنصرية تأييدا لنظريته، وهذان التاريخان لا يتنازعان ~~بل هما مكملان لبعضهما، فهما تاريخ منطقة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، فقط ~~منظورا إليه من زاويتين مختلفتين، # 92 ~~⋆ # وليس هناك أي تأويل حاسم ونهائي؛ لأن التاريخ ليس له أي معنى محدد، ويؤكد بوبر بشدة ~~على أن التاريخ ليس له أي معنى محدد. # 93 # وهذا لا يضرنا، بل إنه يفيدنا كثيرا؛ لأن كل جيل له مشاكله واهتماماته وطموحاته ~~الخاصة؛ وبالتالي يجب أن يكون له الحق في أن ينظر إلى التاريخ ويعيد تأويله بأسلوبه ~~الخاص، المكمل لأساليب الأجيال السابقة، فالتاريخ ليس له معنى، لكن يمكن أن نجعل له ~~معنى، مثلا معنى ms371 يمثل القيم العليا والدروس المستفادة وهو ليس له نهاية، ولكن يمكن ~~أن نفرض عليه نهايات وغايات هي الطموح والأهداف المنشودة، فمثلا يمكن أن نؤول ~~تاريخ القوة العسكرية على أنه الحرب من أجل المجتمع المفتوح ومن أجل تحرير العقل ~~ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة، ومن أجل التحكم في الجرائم الدولية، # 94 # أي الحروب. # ويؤكد بوبر أننا ندرس التاريخ أصلا؛ لأننا نهتم به ونريد أن نتعلم منه شيئا عن ~~مشاكلنا، والتاريخ لا يمكن أن يؤدي هذين الغرضين إلا إذا كان محكوما بتأويل موضوعي ~~نعرض في ضوئه المشاكل التاريخية من منظورنا الخاص، فنحن ملزمون بمثل هذا العرض لنرى ~~اتصال مشاكلنا بالماضي ومسارها عبر التاريخ، لنرى إمكان تسييرها نحو التقدم، ~~والتأويل هو الذي يتحدث عن نفسه، ويوضح مميزاته ومدى خصوبته وقدرته على توضيح وقائع ~~التاريخ، وتوضيح المواضع التي يهتم بها؛ وبالتالي قدرته على توضيح مشاكلنا اليوم، ~~ولما كنا حتى في الفيزياء، بكل رصيدها الضخم المتنوع من الوقائع، نحتاج مرة ثانية ~~لوقائع جديدة كي نختبر نظرية قديمة، أصبح من الواضح استحالة التوصل إلى تأويل واحد ~~لوقائع تاريخية معينة ومحددة سلفا، لكن ليست كل التأويلات التاريخية على قدم ~~المساواة، فهناك تأويلات لا تتفق مع السجلات المقبولة، وهناك تأويلات تحتاج إلى ~~كثير من الفروض المساعدة كي تتفادى التكذيب بواسطة السجلات الموجودة، كما أن هناك ~~تأويلات تكون قادرة على ربط وشرح عدد أكبر من الوقائع التاريخية، وهي بذلك تكون ~~تأويلات أفضل، وعلى هذه الأسس - التي تكون الصورة العامة المبهمة لقواعد معيار ~~القابلية للتكذيب الدقيقة الحاسمة - يمكن أن نحقق تقدما في ميدان التأويل التاريخي ~~وإن كان لا يمكن أن نجعله علما قابلا للتكذيب. # 95 ~~(3) ولنلاحظ أن بوبر لم يتحدث إلا عن تأويلات الوقائع، أو وجهة النظر التي يؤرخ ~~في ضوئها المؤرخ أحداث التاريخ ذاتها، ولم يتحدث عن الأحداث والوقائع ذاتها، في حين ~~أن مسارها هو علم التاريخ ذاته تبعا للرأي الشائع. # والواقع أن بوبر يرى أن علم التاريخ بهذا المنظور الشائع هو خرافة، فليس هناك أي ~~عرض موضوعي للتاريخ ms372 يروي أحداثه كما وقعت بالفعل، # 96 # فالتاريخ كما يتحدث عنه الناس ببساطة ليس له وجود، فهم يظنون؛ لأنهم ~~يتعلمون في المدارس أن تاريخ الجنس البشري ليس تاريخ الفن ولا تاريخ الشعر ولا ~~تاريخ حمى التيفوس ولا تاريخ العادات والتقاليد الاجتماعية، بل هو تاريخ القوة ~~العسكرية، تاريخ الحروب والغزو وقيام الإمبراطوريات وسقوطها، ليس هذا هو تاريخ ~~البشر، بل فقط تاريخ جانب واحد منه هو القتل الجماعي والجرائم المروعة والسفاحين ~~الذين يقدمون كأبطال عظام، ويبرر بوبر وضع مصطلح التاريخ على القوة العسكرية بالذات ~~بالمبررات الآتية: ~~(1) # لأنها تؤثر على كيان أكبر عدد من الناس أكثر من أي جانب آخر. ~~(2) # الإنسان يعبد القوة، وهذه أقبح صفة فيه. ~~(3) # القوة السياسية العسكرية هي التي تملك زمام كل نواحي الحياة؛ ~~وبالتالي تملك تسجيل التاريخ، ومؤرخون كثيرون كتبوا، فقط خضوعا لأوامر الحكام. # 97 # فلماذا نتصور إذن أن علم التاريخ شامل لتطور الكائن العضوي الاجتماعي كله، ويؤكد ~~بوبر أن هذه الفكرة أصلا صادرة عن نظرة حدسية إلى تاريخ البشرية باعتباره تيارا ~~هائلا يشمل التطور الإنساني كله، «ولكن مثل هذا التاريخ لا يمكن كتابته، فكل تاريخ ~~مكتوب هو تاريخ لجانب ضيق من جوانب هذا التطور الكلي، وهو على أية حال تاريخ ناقص ~~جدا حتى فيما يتصل بالجانب الجزئي الناقص الذي اختير موضوعا للوصف.» # 98 # وبصرف النظر عن أن التاريخ - كما سلف - مقصور أساسا على الجانب ~~السياسي العسكري، فإنه ليس هناك أي إنسان أكثر أهمية من الآخر، ولا أي جانب في ~~الحياة أكثر أهمية من الآخر، فالتاريخ الحقيقي للبشر ليس تاريخ القوة السياسية ~~العسكرية ولا تاريخ الفن، ولا تاريخ العلم، بل تاريخ حياة البشر بكل طموحاتهم وكل ~~آلامهم ومعاناتهم ومشاكلهم وأحلامهم، وبالطبع مثل هذا التاريخ لم يكتب ويستحيل ~~أن يكتب، # 99 # فضلا عن أن يمثل علما. ~~(4) إذن التاريخ لا يمكن أن يكون علما قابلا للاختبار والتكذيب، غير أن العلوم ~~الاجتماعية أمرها جد مختلف؛ إذ يؤكد بوبر تأكيدا على إمكانية دراسة الظواهر ~~الاجتماعية دراسة علمية قابلة للاختبار والتكذيب؛ ومن ثم قابلة للتقدم، ms373 وذلك على ~~أساس نظرية بوبر بوحدة المناهج، فالعلوم الاجتماعية - تماما مثل العلوم الطبيعية - ~~يمكنها أن تستخدم منهج طرح الحدوس الافتراضية ومحاولة تكذيبها عن طريق إخضاعها ~~للاختبارات العملية العلمية القاسية، أي منهج المحاولة الخطأ، أي المنهج النقدي ~~الأساسي لكل العلوم، ويؤكد بوبر أن ظواهر الحياة الاجتماعية تعطي الوقائع التجريبية ~~التي تمثل مادة التكذيب التجريبي لتلك الفروض أو المحاولات؛ ومن ثم يمكن أن تصبح ~~علما. # غير أن الأمر الواقع هو ما يسمى بمشكلة العلوم الإنسانية؛ أي عجزها عن استخدام ~~منهج مشترك، وعن التوصل إلى نظريات قابلة فعلا للتكذيب بدرجة عالية؛ ومن ثم عجزها ~~عن أن تكون ذات طبيعة تقدمية تماثل طبيعة العلوم الفيزيائية. # وإذا سألنا بوبر عن سبب مشكلة العلوم الاجتماعية وكيف السبيل إلى حلها؛ لوجدناه ~~يؤكد أن العلوم الاجتماعية لم تتوصل حتى الآن إلى منهج عام مشترك بسبب الآثار ~~المدمرة لأرسطو وهيجل وسائر أنصار المذهب التاريخي من ناحية، ومن الناحية الأخرى ~~بسبب فشل هذه العلوم في إخضاع النواحي الاجتماعية للموضوعية العلمية بسبب ~~الأيديولوجيات الكلية العقيمة، فبعض علماء العلوم الاجتماعية غير قادرين بل ولا ~~يرحبون بالحديث بلغة مشتركة. # 100 # والطريق الوحيد المفتوح أمام العلوم الاجتماعية هو أن تنسى كل شيء عن النزعات ~~الكلية والنبوءات التاريخية واسعة النطاق، وأن تحيط بالمشاكل المطروحة فعلا وكل ~~واحدة على حدة، وبواسطة المنهج النقدي التكذيبي، ووظيفة العلوم الاجتماعية بهذه ~~النظرة ستكون دراسة النتائج غير المقصودة بل وغير المرغوبة للسلوك، بدلا من التنبؤ ~~بما سيجيء حتما، وهذه الوظيفة ستجعلها تضع التنبؤات المشروطة القابلة للتكذيب ~~بدلا من التنبؤات الواسعة النطاق غير القابلة له، # 101 # وقد سبق أن أوضح بوبر أن الطبيعة التكذيبية للنظرية تعني الطبيعة ~~المانعة ، التي تنفي حدوث حوادث ممكنة مما يعني إمكانية وضع القانون العلمي في صورة ~~نافية، وهو هنا يوضح أن العلوم الاجتماعية بهذه الوظيفة ستستطيع التوصل إلى مثل هذه ~~القوانين أو الفروض النافية، ويعطي أمثلة على هذا: ألا يمكنك فرض الرسوم الجمركية ~~على المنتجات الزراعية وتقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة? «ألا يمكن تحقيق ms374 ~~العمالة الكاملة دون أن يتسبب ذلك في حدوث التضخيم؟» لا يمكن في المجتمع ذي التخطيط ~~المركزي أن يؤدي نظام الأثمان فيه نفس الوظائف الرئيسية التي تؤديها الأثمان ~~القائمة على المنافسة، «أو مثلا» لا يمكنك أن تستجد إصلاحا سياسيا دون أن ~~تزيد بذلك من شدة القوى المعارضة، إلى درجة تتناسب تقريبا مع مدى هذا الإصلاح، أو ~~«لا يمكن أن تقوم بثورة دون أن ينشأ عنها اتجاه رجعي»، # 102 # وهذه الوظيفة أيضا ستجعل التطبيق - أي التكنولوجيا - يعقب المعرفة ~~الاجتماعية كما يعقب المعرفة الطبيعية، ويلخص بوبر رأيه بأن التكنولوجيا الاجتماعية ~~المطلوبة هي التكنولوجيا التي لها نتائج يمكن اختبارها بواسطة الهندسة الاجتماعية # 103 # الجزئية، المناهضة للتغيير الكلي، كالتغيير الماركسي مثلا. # وإذا اعترض أنصار سوسيولوجية ~~المعرفة # Sociology of Knowledge # بأن مشكلة العلوم الاجتماعية ليست في أنها لا تتوصل إلى ~~نتائج تطبيقية عملية، وإنما في أنها تتعامل مع مشاكل معقدة متداخلة في الميادين ~~الاجتماعية والنفسية والسياسية، فإن بوبر يرد عليهم بأن كل المشاكل والوقائع ~~المعرفية معقدة ومتداخلة، والمهم أن الباحث يبحث من وجهة نظر معينة مبتدئا بفرض قد ~~توصل إليه، فعليه أن يختار الفرض القابل للتكذيب كي يضمن استمرارية التقدم، أما ~~التطبيق العملي فهو لا يعادي المعرفة النظرية بل هو حافز لها. # 104 # الفصل الخامس # | تعقيب # (1) تعقيب على فلسفة بوبر التكذيبية ~~(1) الجرأة هي الدافع الأعظم لتقدم العلم، فالعلم - كما وصفه بوبر في «عقم المذهب ~~التاريخي» - متفرد بوصفه واحدا من أعظم المغامرات الروحية التي عرفها الإنسان، ~~فليستخدم العالم جماع عبقريته ليحاول اختراق المجهول بجرأة، هذه هي دعوة بوبر ~~للعلماء المحصنة والمعززة بإثباته المنطقي أن النظرية العلمية - بما هي علمية - ~~قابلة للتكذيب، وبوبر بدعواه التكذيبية هذه، أقدر الفلاسفة طرا على التعبير عن ~~روح العلم، بما هي كائنة وبما ينبغي أن تكون عليه، في النصف الأخير من القرن ~~العشرين. # إذ كان معيار القابلية للتكذيب سيبدو فكرة بلهاء حمقاء، لو أنه قدم في مرحلة ~~عصر النهضة، والقرون التي تلته، واستمرت حتى نهايات القرن الماضي، أعني مرحلة ~~استبدال النظرية اليونانية للطبيعة ms375 على أنها كيان عضوي يدخل العقل في نسيجه بالنظرة ~~الآلية، التي تعتبر العالم آلة # 1 ~~⋆ # بالمعنى الحرفي والصحيح للكلمة، # 2 # حيث يقول هلمهولتز (1821-1894م) معبرا عن روح عصره: إن الغرض النهائي ~~الذي ترمي إليه كل علوم الطبيعة هو أنه تحيل نفسها قواعد ميكانيكية، ويصرح ~~كلفن # Kelvin # بأنه لا يستطيع أن يفهم شيئا ~~بغير أن يصطنع له نموذجا آليا، # 3 # وقويت هذه النزعة بعد أن نجح وترزتون # J. J. Witerston # وجيمس كلارك ~~ماكسويل # Clark Maswell # وغيرهما في تفسير خواص الغازات على أنها شبيهة بخواص الآلة، # 4 ~~«وبذلك جهود مماثلة في الضوء والجاذبية، ورغم أنها فشلت فإن هذا لم ~~يزعزع إطلاقا الاعتقاد بأن الكون في نهاية الأمر يمكن تفسيره تفسيرا آليا ~~محضا، وكأن العلماء يشعرون بأن كل ما يحتاجون إليه هو أن يبذلوا مجهودات أعظم مما ~~بذلوا، عندئذ تظهر الطبيعة غير الحية في نهاية الأمر سافرة عن آلة كاملة دقيقة في عملها.» # 5 # وهذا التصور الآلي يعني أننا سائرون صوب حقيقة نهائية، مما أدى إلى ~~الحتمية واليقين، واعتبار كل إنجاز علمي ناجح حقيقة قاطعة، أو توصل إلى حقيقة ~~قاطعة. # غير أن التطورات الفيزيائية في القرن العشرين حطمت كل هذا، وأصبح الإجماع الآن ~~على أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية، وقد بدا الكون يلوح أكثر شبها بفكر ~~عظيم منه بآلة عظيمة، # 6 # ونتيجة لهذا التصور الجديد وسببا له، ألف العلم التقدم الثوري ~~المستمر، والانتقال من نصر عظيم إلى نصر أعظم، فأدرك أنه لن يبلغ ذروة المنتهى ~~أبدا، ولم يعد يتحرج من التعثر في موضع أو آخر، فسلم بحساب الاحتمال، وأحله محله ~~اليقين الساذج، وإن كان بوبر قد عمق الموقف أكثر، وأصله تأصيلا؛ إذ لم يقنع فقط ~~بالاحتمال بل جعل القابلية للتكذيب معيار العلم، المهم في هذا أن فكرة الحقيقة ~~النهائية القاطعة قد ذوت تماما، وسلم العلماء بأن التكذيب قدر لا يشين العلم بل ~~يشرفه، ثم إنه محتوم، فهذا ماكس فيبر # Max Weber ~~(1864-1920م) الفيلسوف والعالم الاقتصادي السياسي، يوضح أن الإنجاز في ms376 الفن وفي ~~العلم على السواء، يحتاج إلى تكريس الجهد والحياة، غير أن الإنجاز الفني يظل ~~محتفظا بجديته على الدوام، أما الإنجاز في العلم فسوف يتخطاه الزمن خلال عشر أو ~~عشرين أو خمسين من السنين، فهذا هو مصير العلم وهو مغزاه، # 7 # وإن مآل كل تحقق علمي يعني أسئلة جديدة تريد أن تتجاوزه وتتقدم عليه، ~~فعلى كل من ينشد خدمة العلم أن يوطد نفسه على ذلك، وأن يتخطانا القادمون علميا، ~~ليس قدرنا المشترك وحسب، بل هو هدفنا أيضا، ونحن لا نستطيع العمل دون أن نأمل في ~~أن الآخرين سوف يتقدمون إلى أبعد مما وصلنا إليه، وهذا التقدم يستمر من حيث المبدأ ~~إلى غير نهاية، # 8 # هذا هو التصور المأخوذ به حاليا، والذي استطاع منطق التكذيب أن ~~يعالجه معالجة منطقية دقيقة، والذي على أساسه قال سير جيمس جينز # Sir James Jeans ~~(1873-1946م): ليس أهم ما ~~أنتجه علم الطبيعة في القرن العشرين هو نظرية النسبية وما أدت إليه من إدماج الفضاء ~~والزمن معا، ولا هو نظرية الكم وما يبدو منها في الوقت الحاضر من إنكار القوانين ~~السببية، ولا هو تمزيق الذرة وما كشف عنه هذا التمزيق من أن الأشياء ليست كما تبدو ~~في ظاهرها، بل أهم من هذا كله إقرارنا العام بأننا لم نلمس بعد الحقيقة النهائية، ~~فكأننا كما قال أفلاطون في تشبيهه الشهير لا نزال محبوسين في كهفنا، مستديرين للضوء ~~ولا نستطيع أن نشاهد غير الظلال على الجدار. # 9 # وقد كانت فلسفة بوبر التكذيبية للعلم، محصلة منطقية لهذا التطور الخطير في بنية ~~التفكير العلمي، فهو أولا يؤمن فعلا بالحقيقة المطلقة أو الصدق الموضوعي فقد جعله ~~مبدأ تنظيميا لشتى الجهود المعرفية، ولكنه يرى - هو أيضا مثل جينز - أننا في أية ~~لحظة سجناء محبوسون في إطار نظرياتنا وآمالنا وتجاربنا الماضية ولغتنا، ولكننا ~~سجناء بالمعنى المجازي، وفي وسعنا إذا بذلنا الجهد أن نتخلص من هذا الإطار في أي ~~وقت، ولكن مما لا شك فيه أننا سوف نجد أنفسنا مرة أخرى في إطار آخر، ولكن أفضل ms377 ~~وأرحب، وفي وسعنا أن نخرج من هذا الإطار مرة أخرى، # 10 # إننا بحاجة دوما إلى تحطيم الإطار كي نتقدم، هذا ما ينبغي أن يكون، ثم ~~إنه قابل للتحطيم؛ لأنه قابل للتكذيب، هذا ما هو كائن، وتلك هي خلاصة فلسفة بوبر ~~للعلم التي هي تكذيبية. # إذن قد عرفت الفلسفة التكذيبية كيف تستغل هذا التطور في بنية التفكير العلمي ~~لتضاعف شحنات الطاقة التقدمية للعلم، وتؤكد أننا بلغنا من العمر رشدا ولا ينبغي أن ~~نخشى الخطأ، ولم نخشاه؟ ونحن قادرون بحكم طبائع الأشياء على تجاوزه لما هو أفضل، ~~فقد أصبح واضحا الآن أن القابلية للتكذيب هي عماد تقدم العلم واقترابه الأكثر من ~~الصدق؛ أي إنها عماد خصوبته، لقد اعتبر برتراند رسل الاستدلال القياسي تحفة من ~~التحف القديمة، لا تدل إلا على الجبن العلمي «إذ كان الرأي عند أصحابه هو أن ~~الاستدلال لو تعرض لأيسر احتمال للخطأ، كان من الخطأ أن ننتزع منه نتيجة نركن ~~إليها، وهكذا كان طابع التفكير عند قساوسة العصور الوسطى، بل هكذا كان طابع حياتهم ~~نفسها، فهم ينشدون السلامة على حساب الخصوبة.» # 11 # أما فلسفة بوبر التكذيبية، فهي تنشد الخصوبة على حساب القابلية ~~للتكذيب. # وقد كان العالم البيولوجي سيرجون إكسلس أبرز من عنوا بتأكيد أن القابلية ~~للتكذيب هي أشد ما يفتح الطريق أمام التقدم العلمي ويفجر خصوبته؛ لأنها تحرر ~~العلماء وتحرر عملهم، وفي هذا كتب يقول: ~~«الاعتقاد الخاطئ بأن العلم يؤدي أخيرا إلى اليقين والشرح النهائي، ويحمل معه ~~تضمنا بأن نشر فروض قد تكذب في النهاية هو إساءة علمية بالغة، ونجم عن ذلك أن ~~العلماء قد يمتنعون عن الاعتراف بكذب مثل هذه الفروض، وقد يضيعون أعمارهم في الدفاع ~~عما لم يعد قابلا للدفاع عنه، بينما نجد - تبعا لبوبر - أن التكذيب - كليا أو ~~جزئيا - هو المصير المتوقع لكل الفروض، بل وأننا قد نبتهج بتكذيب فرض كنا ~~ندلله كإحدى بنات أفكارنا، والعالم لهذا يتخلص من الخوف والندم، ويصبح العلم ~~مغامرة شيقة، يؤدي فيها الخيال والرؤية إلى تطورات تصورية تعلو في عموميتها ومداها ms378 ~~عن الدليل التجريبي، والصياغة الدقيقة لهذه الرؤية الخيالية العميقة الداخلة في ~~صميم الفرض، تفتح الطريق أمام أقسى الاختبارات التجريبية، ونظل على الدوام نتوقع أن ~~الفرض قد يكذب، ويحل محله، كله أو بعضه، فرض آخر ذو قوة شارحة أعظم.» # 12 # أما إذا أخذنا في الاعتبار أن الإنسان - خصوصا أو فقط الغربي - في الحضارة ~~المعاصرة لم يعد يخشى الخطأ، على الأقل كما كان أسلافه ونحن، وأصبح يهتم أكثر ~~بتأكيد حريته وفردانية تجربته الوجودية وتعميق أبعادها، وأصبح يحترم كل عناصرها ~~وأوضاعها وممارساتها، حتى وإن تعثرت في الخطأ، كان بوبر بفلسفته التكذيبية شاهدا ~~على حضارة القرن العشرين الغربية، وليس فقط على علمه الغربي. ~~(2) ولعل ذلك الارتباط بين القابلية للتكذيب، وبين التحرر من وهم اليقين وقيود ~~الحتمية، هو الذي دفع واتكينز تلميذ بوبر وصديقه إلى أن يرد مبدأ التكذيب إلى إيمان ~~بوبر باللاحتمية، بل وأكثر من هذا ذهب إلى أن الإيمان باللاحتمية هو الاتجاه العام ~~الأساسي لبوبر، الذي يحكم سائر اتجاهاته الفلسفية، والذي يربط أشتات تفلسفه يجعله ~~وحدة واحدة تمثل اتجاها متسقا. # 13 # وهذا تأويل غير مقبول لفلسفة بوبر، حقا أننا من الناحية الموضوعية، أي من ناحية ~~تطور الفكر العلمي المعاصر بصفة عامة سنجد اللاحتمية أسبق من التكذيب بلا جدال، بل ~~وإنها هي التي مهدت له؛ لأنها أدت إلى انهيار مطلب اليقين في العلم، وهي التي أدت ~~بكثير من العلماء إلى أفكار تماثل منطق التكذيب، فجعلت الكيميائي دوكلوس على سبيل ~~المثال يربط بين تقدم العلم وبين قابليته للتكذيب - باصطلاح بوبر - مؤكدا فكرة ~~التكذيب الأساسية بإطلاقه الحكم التالي: إن العلم يتقدم دائما لأنه ليس أكيدا من ~~أي شيء؛ لأن العالم يفترض تقدما لا متناهيا، ولا يفترض معرفة لا تمس، فهو يفترض ~~إذن جهادا دائما، # 14 # وبالمثل الفيزيائي بارزان؛ إذ يقول: «ليس هناك حكم علمي يجعلنا متأكدين ~~من أنه لن يصحح يوما ما.» # 15 # وحقا أيضا أن بوبر لاحتمي أصيل، ولعل اللاحتمية هي التي ألهمته ~~سيكولوجيا بفكرة معيار التكذيب، ولكن من ناحية بنية تفكير بوبر بالذات واتجاه ms379 ~~فلسفته، سنجد أن اللاحتمية هي التي تسير في اتجاه التكذيب وتتخذ منه معوانا لها، ~~فلم تكن اللاحتمية - في حد ذاتها - هي الاتجاه العام الذي يحكم فلسفة بوبر، إنما ~~هذا الاتجاه هو النقد واكتشاف الخطأ، فهو بمثابة العمود الفقري لفلسفة بوبر، أو ~~هيكلها الذي تملؤه بقية نظرياته الفلسفية حسب موضوع التفلسف، من نظرية المعرفة ~~«العقلانية النقدية» إلى منهج العلم ومنهج الفلسفة والأيدلوجية السياسية ... وبصفة ~~أكثر شمولا، نجد بوبر يرى في النقد العمود الفقري لشتى المحاولات على وجه الأرض، ~~أولم يكن البحث عن الخطأ واستبعاده «أ أ» أحد العناصر الأساسية في الصياغة التي ~~تصفها «م1 # ح ح # أ أ # م2»؟ # والقابلية للاختبار والتكذيب - أي لاكتشاف الخطأ - لا تعدو أن تكون أسلوب النقد ~~الفني المختص بالعلم، وهي في الآن نفسه معيار العلم؛ لأن التناول النقدي هو ما يميز العلم، # 16 # ثم إن هذه الفكرة أولى أفكار بوبر زمانيا، فلعله تطرق بها من أهمية ~~النقد بالنسبة للعلم إلى أهميته بالنسبة لكل نشاط، فهي إذن - وليست اللاحتمية - ~~التي تحكم اتجاه بوبر العام، وتعضد اللاحتمية كما تعضد سائر أفكاره. ~~(3) غير أن ثمة تأويلا طريفا بالفعل لارتباط معيار القابلية للتكذيب بفلسفة ~~بوبر العامة، يمكن أن نستخلصه من مناقشة لبيتر مونز، إذ جعل للمعيار مهمة أخرى غير ~~تمييز المعرفة العلمية ومعالجة منطقها، وهي حماية بوبر من المثالية، ذلك أننا إذا ~~نظرنا إلى العلاقة بين معرفتنا وبين العالم الخارجي الذي تصفه، وجدنا أن ~~إبستمولوجيا بوبر تجعل المعرفة سابقة على الخبرة وهابطة إليها مما يعطي انطباعا ~~بأنها نوع جديد من المثالية، بل والمثالية بمعناها المتطرف الأفلاطوني، غير أن ~~معيار القابلية للتكذيب القائم على أسس تجريبية والذي يمثل العمود الفقري لفلسفة ~~بوبر بأسرها ويمثل أيضا فيصلا حاسما بين العلوم الحقيقية والعلوم الزائفة، يجعل ~~بوبر فيلسوفا ذا أصالة معرفية تماثل أصالة أفلاطون، غير أنه أصوب مرارا؛ لأن ~~معياره يكفل أخبار المعرفة التجريبية عن العالم التجريبي، # 17 # وهذا ما لم يستطعه أفلاطون، ولا أي فيلسوف آخر قبل بوبر. ~~(4) ومن الناحية فقد ذكرنا آنفا ms380 أن رفض بوبر للاستقراء، يعني رفضه اعتبار التقدم ~~العلمي نموا للوقائع المتراكمة كمكتبة متزايدة باستمرار، وأخذه بمنطق التكذيب ~~يعني أن العلم ينمو عن طريق الثورات، البحث العلمي سلسلة مستمرة من الثورات اليومية ~~الدائمة، تهدم وتغير وتعيد البناء، عن طريق خلق فروض جديدة دائما، ترفض الفروض ~~القديمة وتحل محلها لا تتراكم فوقها. # وبنظرة شاملة، يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تحصر تصورات تقدم العلم أو نموه هي: ~~(أ) # تبعا لتتالي الأحداث الذي لا يحكمه أي اطراد عام، فإنه لا يمكن ~~تفسير تقدم العلم، يمكن فقط وصفه، هذا هو تصور الوضعيين ~~المعاصرين. ~~(ب) # تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات التي تحدث بغير ~~رابطة داخلية # internal link # وبوبر ~~هو الممثل المثالي لهذا الرأي. ~~(ج) # وكنقيض للرأي السابق، نجد الرأي التراكمي الذي يؤكد على استمرارية ~~المعرفة العلمية وهو رأي شائع الانتشار بين مؤرخي العلم والعلماء ~~الكلاسيكيين، مثال وليام ويول وبير دوهيم وجورج سارتون ونيلس بور وسائر ~~الاستقرائيين. ~~(د) # التصور الديالكتيكي لهيجل وماركس وإنجلز، وتبعا له يؤدي التقدم ~~التدريجي إلى قفزات كيفية، تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، # 18 # تبعا لقانون الكم والكيف الجدلي. # ولقد انفرد بوبر بتأكيد النظرية الثورية، تماما كما انفرد بالمواجهة الساحقة ~~الماحقة للاستقرائيين؛ لذلك اعترض عليه الاستقرائي هيلاري باتنام، مؤكدا أن ~~التراكم له أهمية ميثودولوجية كبيرة تتلخص فيما يلي: ~~(أ) # نقص الخبرة بالظواهر وبالمعرفة السابقة عن الظواهر، يقلل احتمالية ~~صواب الفكرة. ~~(ب) # زيادة الخبرة يزيد من احتمالية الصواب. # 19 # وهذا نقد لا يقدم ولا يؤخر؛ لأنه لا يعدو أن يكون لفا في دائرة الاستقراء ~~المفرغة، وهكذا كانت مناقشة باتنام لبوبر بأسرها، فقد قامت على أساس أن لدينا - رغم ~~مشكلة الاستقراء - نزوعا إلى التفكير استقرائيا، ونجاح الاستقراء يقوي هذا ~~النزوع، وأن منهج الاستقراء ليس له تبرير لكن تماما كما أن أي منهج آخر ليس له ~~تبرير، لا منهج بوبر، ولا حتى منهج الرياضة. # 20 # ولسنا في حاجة إلى إعادة القول بأن الاستقراء ليس له تبرير، لكن هناك استحالة في ~~الأخذ به. ms381 # إن النظرية الثورية من إنجازات بوبر الثاقبة بحق، التي تزيد من دفع فلسفته ~~التكذيبية للتقدم العلمي إذ تجعله ثوريا، وإن كان قد سبق أن بشر بها باترفيلد # Butterfield # عام 1947م، وهو مؤرخ علم وليس ~~عالما، وخلاصة نظريته المطروحة في كتابه «أصول العلم الحديث» كالآتي: ~~«على قدر ما يمكننا اقتفاء أثر الثورات من العوامل الخارجية، فالوضع هو أن ~~العلماء في مرحلة ما، يتعثرون في مشاكل، وأثناء كفاحهم مع هذه المشاكل يحدثون ~~تغييرا في إعمال عقولهم ويرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى ~~فكرة تمثل (مفتاحا # Keyidea # وهو تعبير باترفيلد ~~المفضل) يفض مغاليق التعثر الجديد، وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق ~~الاكتشافات بمنتهى السهولة.» # 21 # لكنه يشترك مع بوبر في رفض اعتبار تاريخ العلم تاريخا للأفراد العظام، أو سلسلة ~~من قصص النجاح، أو تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع، ويقول: إن هذه النظريات لا ~~تعبر عن التناول السليم لتاريخ العلم. # 22 # أما فيلسوف العلم الذي تتلاقى نظريته تماما مع بوبر، فهو الفرنسي جاستون بشلار # Gaston Beichelard ~~(1844-1962م) فهو أولا - ~~مثل بوبر - يؤكد كثيرا على أهمية النقد، أو حسب تعبيره: هذا الشك المسبق المنقوش ~~على عتبة كل بحث علمي يتصف بأنه متجدد، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي، # 23 # وهو أيضا يرى ضرورة الربط الوثيق بين الفلسفة والعلم، # 24 # وأن العلم لا يخرج من الجهل، كما يخرج الظلام من النور؛ لأن الجهل ليس ~~له بنية، بل يخرج - كما أكد بوبر - من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، ~~حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، ~~والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك، المهم الآن أن بشلار يرفض النظرة ~~التراكمية ويؤكد على النظرية الثورية؛ إذ يرى التقدم العلمي مرهونا بحدوسات جريئة، ~~تمثل قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارا وتجارب، فروح العلم هي تصحيح المعرفة ~~وتوسيع نطاقها، ما أسماه بوبر منهج التصحيح الذاتي، وكل هذا يعني أن الفكر العلمي ~~فكر قلق، فكر يترقب الشيء، يبحث عن فرص جدلية ms382 ليخرج من ذاته، وليكسر أطره الخاصة، ~~إنه الفكر الذي يسير على درب الموضوعية، ومثل هذا الفكر لهو الفكر المبدع. # 25 # ليس فحسب، بل ويؤكد بشلار على عمومية الثورية وعمقها، وأنها تؤثر تأثيرا عميقا ~~على بنية العقل المتجددة دوما، وحتى الثورات المتصلة بمفهوم واحد تواكب في الزمان ~~ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي، # 26 # وكل شيء يمضي جنبا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم «فليس الأمر ~~مجرد كلمات يتبدل معناها بينما يظل الترابط ثابتا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر ~~قد يفوز دائما بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها، إن العلاقات النظرية بين ~~المفاهيم تبدل تعريفها كما يبدل تغيير المفاهيم علاقاتها المتبادلة، # 27 # وبالتعبير الفلسفي عن هذا نجد الفكر لا بد حتما أن تتبدل صورته إذا ما ~~تبدل موضوعه، وينفي بشلار أية سكونية تراكمية عن نمو المعارف العلمية، فالمعارف ~~التي تبدو ثابتة تجعلنا نحسب أن سكون المحتوى ناجم عن استقرار الحاوي، تجعلنا نؤمن ~~باستمرار الأشكال العقلية وثباتها واستحالة قيام أية طريقة جديدة للفكر، في حين أن ~~قوام البنية العلمية ليس بالتراكم، وليس لكتلة المعارف الثابتة تلك الأهمية ~~الوظيفية المفترضة، فإذا قبلنا حقا أن الفكر العلمي في جوهره يعني إنشاء ~~الموضوعية، وجب أن نستخلص أن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية، ~~وعلى هذا النحو كتابة التاريخ الحركي للفكر، فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر، في تلك ~~اللحظة بالذات التي يتغير فيها معناه، وإذ ذاك يصبح حدثا من أحداث إنشاء المفاهيم.» # 28 # ومن المهم أيضا أن نقارن بين نظرية بوبر وبين نظرية توماس كون # Thomas Kuhn # فهو فيلسوف العلم الثاني المعاصر ~~بعد بوبر، وهو من أهم من عنوا بتفسير التقدم العلمي وقد طرح نظريته في كتابه الشهير ~~«بنية الثورات العلمية»، «وهي نظرية تتضمن عناصر من كل النظريتين الثورية والجدلية.» # 29 # وتقوم أساسا على التمييز في تقدم العلم بين: تقدم العلم العادي # normal Science ~~، وبين المراحل الثورية في هذا التقدم، # 30 # تقدم العلم العادي يحدث داخل إطار النموذج القياسي للعلم # Scientific Paradigm ms383 ~~، الذي يقبله ~~المجتمع العلمي، كبناء علمنا اليوم، فهو الإنجازات العلمية المقبولة عالميا، ~~والتي تعطي أنماط المشاكل وحلولها لجمهرة المشتغلين بالعلم، وتقدم العلم العادي ~~يسير داخل إطار هذا النموذج، # 31 # فالعالم العادي لا يبدأ عمله بالبحث في النظرية الأساسية للنسق العلمي، ~~أو محاولة الثورة عليها، كما أنه لا يهتم باختبارها، وظهور مثال معارض للنظرية لا ~~يعامل مباشرة كتفنيد للنسق، فربما عالجناه بفرض مساعد، # 32 # فنمو العلم العادي يسير من خلال عملية التلقيح المعرفي لمحتوى هذا ~~الأنموذج، أي النظريات سواء كوقائع أو كعلاقات بين النظريات أو كحسابات دقيقة ~~وتنبؤات، وتنقيح الإضافات التي تلحق بالنسق وتنقيح تطبيقاته، وعملية التنقيح هذه ~~تأخذ طابع حل المتاهات Puzzle Solving ~~، وخلال حلها ~~تثار مشاكل جديدة في حاجة إلى الحل، بعبارة أخرى: العلم العادي هو حل المتاهات من ~~خلال تنقيح النظريات الموجودة بالفعل، # 33 # وكل هذا داخل إطار النموذج القياسي للبناء العلمي، وقد استعمل كون ~~مفهوم المستويات المختلفة للعمومية، وقد ميز على وجه الخصوص بين النماذج القياسية ~~الميتافيزيقية (وهي النظرة العامة # Outlook ~~)، وبين ~~النماذج القياسية السوسيولوجية كمجموعة العادات العلمية، وبين النموذج القياسي ~~المصنوع أو المبني لحل المشاكل العلمية، # 34 # والمهم أن العلم العادي ينمو داخل إطار النموذج القياسي، بمعنى أن ~~الفرض المتطور فيه يتحول من ~~، أما في مرحلة العلم الثوري، فإن ~~الإطار نفسه يتحطم ويحل محله نموذج ذو أطر مختلفة، فيتحول الفرض من ~~. # 35 # إذن ما يميز العلم الثوري، هو أن الأول يتحرك داخل النموذج القياسي، بينما ~~الثاني يحطمه ويحل محله نموذجا آخر، وهو علائم بارزة في تاريخ العلم، من هنا يكون ~~الخلاف بين بوبر وكون، هو أن بوبر يجعل الثورة يومية دائمة، وليس هناك علم عادي في ~~نظرية بوبر، ولم ير بريان ماجي تعارضا ملحوظا بينهما وقال: إن كل ما في الأمر هو ~~أن بوبر لا يعالج إلا منطق العلم، بينما يدخل كون في اعتباره سوسيولوجية العلم ~~وسيكولوجيته وعوامل أخرى، # 36 # غير أن هذا التأويل تزكية لرأي بوبر، أما بوليكاروف فإنه يوضح ببساطة ~~أن أهم نقد لرأي ms384 كون هو أن كل تقدم علمي له طابع ثوري، وأننا نستطيع أن نؤكد على ~~الحالات التي لا نجد فيها شيئا مشتركا ولا خط استمرارية بين النماذج القياسية المختلفة، # 37 # أي فقط يعترض بوليكاروف على رأي كون بتأكيد رأي بوبر. # ومن ناحية أخرى لاقت نظرية بوبر الثورية استصوابا كبيرا من ناليموف، والجدير ~~بالذكر أنه ربطها بما يدعو إليه التكذيب من البحث عن النظرية ذات أقل درجة من ~~الاحتمالية؛ فقد رأى بوبر أن «النظرية الثورية الجديدة، تظهر عادة في الميدان ~~الفكري الذي نشأت فيه النظرية السابقة التي تختلف اختلافا جوهريا عن النظرية ~~الجديدة، وإذا قدرنا احتمال النظرية الجديدة في مكان القضايا التي تضمنها النظرية ~~السابقة، وجدنا أن احتمالها يكون ضئيلا جدا، ويزداد هذا الاحتمال ضآلة كلما ~~ازداد الطابع الثوري للنظرية الجديدة، وإذا تتبعنا مصير التطور العلمي وجدنا أن ~~الفرضيات العلمية المثمرة، وأرجاها للقبول تثير وقت ظهورها معارضة جنونية في ~~الدوائر العلمية مما يعني أن احتمالها ضئيل في نظر المفكرين.» # 38 # وإن كان ناليموف قد وجه إلى نظرية بوبر الاحتمالية نقدا قويا ~~مؤداه أن بوبر يعبر عن فكرة خطيرة جدا بدون قدر كاف من الدقة، ومن هنا يأتي ~~احتمال فهمها الخاطئ، والمسألة الأساسية هي أنه لا يجوز التحدث عن احتمال حادث إلا ~~عندما نبين مكان حدوث الحوادث الأولية بدون غموض. # 39 # غير أن الربط السليم لنظرية بوبر الثورية لا يكون بنظريته الاحتمالية، بل بنظريته ~~التطورية - أي داروينيته المنهجية - فبوبر يجعل الفروض تتنازع من أجل البقاء، ويرفض ~~أن يعطي العالم الدور السلبي اللاماركي، الذي يجعله فقط يتلقى مؤثرات البيئة عليه، ~~بل يعطيه دورا داروينيا إيجابيا، فهو يتحدى البيئة ويفرض عليها تصوراته، إنه ~~يغير ويبدل، كما يفعل الكائن الحي في نظرية دارون؛ # 40 ~~⋆ # لذلك كانت هذه النظرية الداروينية هي التي تبرز طابع العلم الثوري، ويمكن أن نجد ~~تأكيدا لارتباط التطورية بالثورية في بعد آخر هو مجال الفكر السوسيولوجي وتطور ~~الأيديولوجية السياسية، مع و. ف. ~~ورثيم # W. F. Wertheism ~~(1907م-؟)، فهو في كتابه (التطور والثورة # Evolution ms385 and Revolution ~~) يرفض الاتجاه ~~الذي يقبل الثبات والتوازن كقواعد # norms # للمجتمع، ~~ويرى أن التغيرات التطورية التدريجية، هي قواعد العمليات الاجتماعية، والثورات هي ~~ببساطة إسراع للخطا التطورية؛ فالتطورية الثورية هي المفجرة للموجات التحررية الاجتماعية، # 41 # وأيضا التطورية البوبرية التكذيبية هي المفجرة لتقدم العلم، إذ تجعله ~~ثوريا. ~~(5) وبعد، فإذا نظرنا إلى العلوم في سلم تقدمها الشائع حسب درجة عموميتها، فبصرف ~~النظر عن العلوم الصورية وقصره على العلوم الإخبارية، نجد الفيزياء البحتة على رأس ~~سلم التقدم ومن بعدها تأتي الكيمياء ثم علوم الحياة، وبعد نهاية سلم العلوم ~~الطبيعية تأتي العلوم الإنسانية، وفي مقدمتها الاقتصاد وفي مؤخرتها علم النفس ثم ~~علم الاجتماع، وجدنا أن أكثر العلوم تقدما هي أكثرها قابلية للتكذيب؛ لأنها أكثرها ~~عمومية ودقة وأبسطها، ونظرياتها هي النظريات الأقل أبعادا، وأقلها تقدما هو أقلها ~~قابلية للتكذيب، # 42 ~~⋆ # معيار القابلية للتكذيب يميز العلم؛ لأنه معيار تقدم العلم، والعلم هو النشاط ~~الإنساني الوحيد ذو الطبيعة التقدمية التي لا تخطئها أية عين، ولا يختلف عليها اثنان، # 43 ~~⋆ # وذلك تبعا للمعايير الموضوعية المنطقية، وعلى رأسها معيار القابلية ~~للتكذيب. ~~(2) مناقشة انتقادات معيار القابلية للتكذيب ~~(1) معيار القابلية للتكذيب، شأنه شأن أية فكرة فلسفية، لا بد له من اجتياز ~~مواجهات عسيرة، حقا ليست بالوقائع التجريبية التي ينفرد بمواجهتها العلم، لكن بما ~~هو أقسى: اعتراضات دارسي الفلسفة القوية، وانتقادات الفلاسفة الدقيقة، في هذا القسم ~~من الفصل سنناقش النقد الذي أثير في وجه المعيار، ومن الأفضل أن نخص الفقرة الثانية ~~لمناقشة النقد المتعلق ببنية المعيار ذاته، أما بقية الفقرات فستنفرد كل منها بعرض ~~نقد أثاره باحث معين. # 44 ~~⋆ ~~(2): (أ) من أهم الاعتراضات التي قابلت المعيار - خصوصا بعد ازدهار الميكانيكا ~~الإحصائية - اعتراض يتعلق بالقضايا التي تدور حول الاحتمالية بمعنى التكرار # Frequency # وهو كالآتي: على الرغم من أن عبارات ~~الاحتمالية تلعب الآن دورا هاما في العلم، فإنها تبدو غير قابلة للتفنيد، # 45 # فليست هناك متتالية محددة أو متناهية # finite ~~Sequence # 46 # من «أ»، ولا تنشأ «ب» عن أي منها، ويمكن أن تفند بصورة منطقية ms386 حاسمة القضية ~~الاحتمالية القائلة لو معظم حالات «أ» ينشأ عنها «ب»، مثلا ليست هناك أية قضية محددة ~~مثل القضية «السماء لم تمطر في بورسعيد مساء السبت.» يمكن أن تفند بصورة منطقية ~~الفرض العلمي القائل: إن احتمال أن تمطر السماء في بورسعيد مساء السبت له القيمة ~~«ن». # وقد أولى بوبر هذه الصعوبة عناية خاصة، وفي الرد عليها قال: أولا على الرغم من ~~أن قوانين ميكانيكا الكوانتم النماذج المثلى للقوانين الاحتمالية تختبر بواسطة ~~الملاحظات الإحصائية، فإنها هي نفسها ليست إحصائية، وثانيا الفروض الاحتمالية ~~قابلة للتفنيد من حيث المبدأ، طالما أنها تقريرات عن تكرارات تحدث في طبقات متناهية # Finite # أي محددة. # 47 # ولقد أخذ بوبر برأي ريتشارد فون ~~ميسيز # Richard von Mises # بصورة معدلة، خلاصتها أن احتمالية حدوث خاصة Property # في طبقة مفتوحة بصورة غير محددة # Unristrictedly open class # هي التي ~~تحدد تكرار حدوثها في حلقات ~~متناهية # Finite Segments # من التتالي ~~المفتوح # Open Sequence ~~، وفي الآونة الأخيرة أكد بوبر أن عبارات الاحتمالية، على ~~الرغم من أنها قد تعتمد على دليل إحصائي، إلا أنها نفسها لا ينبغي أن تفسر ~~إحصائيا، فالأحرى هو إرجاع القابليات والاستعدادات الموضوعية إلى أهداف طبيعية. # 48 # وقد رأى جون باسمور أن هذا الرد ليس مقنعا تماما، # 49 # لكنه سيبدو مقنعا إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة غاية في الأهمية، وهي ~~أن النظرية الاحتمالية التي يعتبر بوبر مجددا عظيما فيها، أو بالأصح يعتبر بوبر ~~وريتشارد فون ميسيز مجددين فيها؛ لأنهما يناديان بنظرية احتمالية متماثلة ذات نسق ~~بدهيات واحد لحساب الاحتمال، هي نظرية تحسب احتمالية الأحداث # events ~~، وليس احتمالية الفروض العلمية، وهي لذلك نظرية رياضية ~~فيزيائية، وليست منطقية إبستمولوجية، # 50 # غير أنها أساس موضوعية بوبر، خصوصا التي حارب من أجلها نظريات ~~الاحتمالية الذاتية. # 51 ~~⋆ ~~(ب) المفروض في العلم أنه يعطينا معلومات إيجابية، فكيف نميزه باستيفاء خاصة ~~سلبية مثل إمكانية التكذيب أو التفنيد. # في الرد على هذا، أوضح بوبر أن كمية المعلومات الإيجابية المشتقة من العبارة ~~العلمية، أي محتواها التجريبي، تزيد كلما زادت إمكانية ms387 تصادم هذه العبارات، بسبب ~~خاصيتها المنطقية مع عبارات أساسية، كما أوضح الفصل الأول في القسم الثاني الذي ~~أوضح ارتباط القابلية للتكذيب بالمحتوى المعرفي، فهذه هي جوهر فكرة التكذيب. # وربما كنا لا نقول عن قوانين الطبيعة قوانين، إلا أنها تمنع أكثر مما تقول، # 52 # ومن الناحية الأخرى فقد أوضح بوبر أن كل قانون من القوانين الطبيعية ~~يمكن وضعه في عبارة تشبه في صورتها المثل القائل: «لا يمكنك حمل الماء في مصفاة.» ~~وقانون الإنتروبي يمكن التعبير عنه كالآتي: «لا يمكنك أن تبني آلة كفايتها مائة في ~~المائة.» وإن هذا النمو في صياغة القوانين الطبيعية لمن شأنه أن يبرز ما لهذه ~~القوانين من دلالة تكنولوجية، # 53 # إن قوة العبارة الإخبارية في أن تحدد حالة معينة، وتنفي كل ما هو ~~خارجها، بحيث يكذبها إذا حدث، بعكس تحصيلات الحاصل التي تسمح بكل ما هو ممكن، ولا ~~تمنع أي شيء، فلا تخبر بشيء، ولا تتنبأ بشيء. ~~(ج) يمكن قلب كل ما قاله بوبر في نقد الاستقراء والتحقق، ليصبح نقدا للتكذيب على ~~أساس أن إمكانية التكذيب مماثلة تماما لإمكانية التحقق. # 54 # يقول بوبر: إن هذا النقد ضعيف جدا، ولا ينبغي أن نلتفت إليه؛ لأن اللاتماثل ~~المنطقي التكذيب والتحقيق، هو الأساس المنطقي للتكذيب، هذا اللاتماثل هو الذي يكفل ~~الصحة المنطقية للتكذيب، بينما تستحيل تماما على التحقيق بسبب مشكلة الاستقراء. # 55 ~~(د) إذا أمكن تطبيق المعيار على نسق من العبارات، فقد تمكنا من تبين الخاصة ~~العلمية للنسق ككل، لكننا نظل متشككين من عملية أو تجريبية أجزائه المكونة كنسق ~~فرعي أو عبارة معينة فيه، والمثال على هذا من نظرية نيوتن للجاذبية، فقد يثار ~~التساؤل حول ما إذا كانت قوانين نيوتن للحركة - أو أي منها - هي تعريفات أم هي تقريرات. # 56 # في الرد على هذا يقول بوبر: إن نظرية نيوتن هي نسق، ولو كذبناها فإننا نكذب النسق ~~بأسره، وقد نكتشف الخطأ في أحد قوانينها أو في الآخر، واكتشاف هذا الخطأ يعني أننا ~~أدركنا (أو افترضنا حدسيا # Conjecture # بتعبير ~~بوبر) ضرورة تغير ms388 معين في النسق سيحرره من التكذيب، فيخرج النسق في صورة جديدة ~~متضمنة هذا التغيير أو التعديل، أو هذه الإضافة، وهذا يعني نسقا جديدا أكثر ~~اقترابا من الصدق. # لكن تكذيب النسق هو أيضا فرض، وإذا لم نقدم بديلا محددا للفرض الذي كذبناه، ~~فإنه سيكون محض إثارة للشك، والعكس أيضا صحيح: لو قررنا أن نسقا آخر لم يتم ~~تكذيبه فهذا القرار أيضا فرض، فكل شيء في العلم مجرد فرض ، والمهم دائما أن تتحدى ~~النسق بتقديم نسق آخر أقوى منه، ينافسه فيتغلب عليه ويستطيع اجتياز الاختبارات التي ~~لم يستطعها. # 57 # غير أن هذا الرد قد يثير اعتراضا مؤداه: ماذا يحدث إذا لم نستطع إيجاد خلف ناجح ~~للسالف الذي تم تفنيده، # 58 # وهذا اعتراض أثاره بريان ماجي في مناقشته مع بوبر، وفي الرد عليه قال ~~بوبر: إننا سنستمر في استعمال النظرية القديمة المفندة، لكننا سوف نستعملها ونحن ~~نعلم أن شيئا ما خاطئ فيها، وسوف تكون هناك مشكلة مفتوحة تمثل تقدما في المعرفة ~~أو إمكانية تقدم؛ إذ سندرك الحد الأدنى من الشروط التي يجب أن تتحقق في النظرية ~~الجديدة التي سنقدمها يوما ما كحل لتلك المشكلة المفتوحة، # 59 # إن التكذيب - كما أوضح القسم السابق - هو دوما مثير لتقدم ~~المعرفة. ~~(ه) لو وضع عالم بيولوجي القانون: كل البجع أبيض، ثم وجدنا بجعة سوداء في ~~أستراليا مثلا، يمكن أن نرفض اعتبارها بجعة، وبهذا يصبح القانون أو النظرية غير ~~قابلة للتفنيد. # ورد بوبر هذا النقد بأن وضع قاعدة ميثودولوجية هي: كل من يقبل وجود بجعة واحدة ~~على الأقل، ليست بيضاء، لا بد أن يقبل تفنيد النظرية، # 60 # والعالم هو الذي يحدد مسألة القبول أو الرفض شريطة أن يكون متسلحا ~~بالنقد الذاتي الذي يجعله يرفض الفروض العينية، ويقبل فقط الفروض المساعدة. ~~(و) بعض النظريات العلمية غير قابلة للتكذيب، مثلا «الماء يتجمد في درجة الصفر.» ~~لا يحتمل إطلاقا أن نجد واقعة تكذبه، ولو وجدنا ماء لا يتجمد في درجة الصفر، فلن ~~يكون ماء؛ ولهذا لا نجد إلا احتمالين: # هذا القانون ms389 ليس علميا، أو هو تحصيل حاصل. # نتمسك بافتراض وجود ماء لا يتجمد في هذه الدرجة. # 61 # ولعل هذا هو أساس رفض وليام نيل اعتبار كل قضايا العلم فروضا، # 62 # والحق أن هذه صعوبة خطيرة أمام المعيار، فهي تعني أنه لا يميز عبارات ~~العلم الراسخة، وفي رد بوبر عليه يتمسك بالاحتمال الثاني، ومن خلال الدفاع سنجد ~~المعيار وقد تطور. # فلنفترض أننا اكتشفنا ماء له درجة تجمد مختلفة، فهل سنظل نسميه ماء؟ # بوبر يقول: إن هذا السؤال أصلا غير ملائم؛ فالتسمية لا تهم، وموضوع البحث سائل ~~له خصائص كيميائية وفيزيائية معينة، ويتجمد في درجة الصفر، إذا لم ترتبط هذه ~~الخصائص التي افترضناها في السائل فنحن مخطئون، وبهذا تنشأ مشاكل جديدة ومثيرة، ~~منها مشكلة ما إذا كنا سنظل نسمي هذا السائل ماء أم لا، وهذه مسألة تعسفية ~~اصطلاحية، تتوقف على القرار الذي نتخذه، إذن فهذه الصعوبة لا تفند معيار التكذيب، ~~وليس فحسب بل وإنها توضح كيف يساعدنا المعيار على اكتشاف ما هو هام ومميز في العلم، ~~وما هو عشوائي أو اصطلاحي. # 63 ~~(3) ولقد تعرض الباحث السوفيتي ف. ف. ناليموف بالدراسة النقدية لمعيار القابلية ~~للتكذيب، واعترض عليه قائلا: إن هناك «أمثلة مضادة توضح أن الظواهر التي لا يمكن ~~تفنيدها تعد غالبا ظواهر علمية، ومن هذه الأمثلة نظرية التطور، وفرضية تكوين ~~القانون البيولوجي والأيديولوجية السيكولوجية (وهي نظرية تستخدم المفاهيم ~~السيكولوجية في تفسيرات أحداث التاريخ)، وأخيرا نظرية بوبر أيضا، فكل هذه نظريات ~~لا يمكن تفنيدها بالتجربة، ولكنها تعد علمية وإن أثارت اعتراض بعض العلماء، ومن ~~ناحية أخرى فإن أيديولوجية اليوجا، أو بعبارة أصح: التوجيهات العلمية الصادرة عنها ~~قد تفندها التجربة، لكن العلم الحديث بنموذجه المعروف لا يسلم بها كنظرية علمية.» # 64 # وواضح أن الأمثلة التي أوردها ناليموف هي الكفيلة تماما برد نقده، فأما عن نظرية ~~التطور فهي ليست إلا تحصيل حاصل، وأنها لا تبلغ من المنزلة العلمية ما تبلغه ~~النظريات ذات المحتوى المعرفي القابلة للتكذيب كنظرية نيوتن أو آينشتين. # 65 ~~⋆ # وأما عن فرضية تكوين القانون البيولوجي، ms390 فهي في نطاق علم مناهج البحث وليس العلم ~~التجريبي، وبالمثل الأيديولوجية السيكولوجية فهي محض أسلوب للبحث أو للفكر، ولا ~~علاقة لها بالعلم الطبيعي الإخباري، وأخيرا نجد نظرية بوبر أهم ما يشهر في وجه نقد ~~ناليموف؛ لأن بوبر بمنتهى القطع الجازم لم يقدم نظريته بوصفها علمية قابلة للتكذيب، ~~بل قدم فقط اقتراحا بمبدأ منطقي، قادر على تمييز العلم. # الخطأ إذن ليس من معيار القابلية للتكذيب الذي يفشل في تمييز تلك النظريات، بل من ~~ناليموف الذي قال: «ولكنها تعد علمية.» # 66 # وهي ليست هكذا. # أما ما قاله عن اليوجا أو أيديولوجيتها، فإنه ينطبق على نصائح سيدة عجوز حكيمة، ~~وعلى الوصايا التي تقال في تربية الأطفال، فهي قابلة للتفنيد؛ إذ يمكن فعلا أن ~~نختبرها بأن نستنبط التنبؤات التي تلزم عن هذه التوجيهات ونقابلها بنتائج الممارسة ~~العلمية لها التي قد تكذبها، غير أنها قابلة للتفنيد بمنظور مبهم فضفاض، غير قابلة ~~له بالمنظور المنطقي الدقيق الذي طرحه بوبر لتمييز العلم، فلا هي ذات محتوى معرفي، ~~تجريبي أو منطقي، قابل للدخول في نسق استنباطي، أو في منافسة مع الفرضيات الأخرى، ~~أو مقارنة سعة فئات المكذبات المحتملة، وعلاقات القابلية للاشتقاق والفئة الفرعية، ~~ودرجة تأليف العبارات الأساسية والبساطة والاحتمالية ... ثم إن الوجه المنهجي لمعيار ~~القابلية للتكذيب غير قائم فيها على الإطلاق، كل هذا لأنها ليست علما. # ويبدو أن معرفة ناليموف - وهو عالم في ذلك العلم الدقيق: الإحصاء - بمعيار ~~القابلية للتكذيب ليست دقيقة؛ لأنه عاد ليقول: «الفيصل الصحيح للتمييز بين النظريات ~~العلمية وغير العلمية يجب أن يكون قابليتها للتطور الذاتي؛ أي للفناء الذاتي.» # 67 # ولو كان يدري ما هو التكذيب تماما، لكان قد عرف أنه قابلية العبارات ~~العلمية الشديدة لأن تكذب يوما ما، فتترك لتفنى، ويحل محلها عبارات أفضل وأكثر ~~تطورا. # المهم أن ناليموف عاد ليقول: إن ذلك الفيصل الذي وضعه بوبر ضروري فقط، ولكنه ليس ~~كافيا ولا جواب كاف على مشكلة التمييز؛ لأنه من المستحيل تمييز النشاط العلمي عن ~~النشاط الإنساني، # 68 # في حين أن بوبر كان أكثر ms391 الفلاسفة - ربما على وجه الإطلاق - عناية ~~بتوضيح أنه لا فارق البتة بين النشاط العلمي وبين أي نشاط على وجه الأرض، ووضع ~~صياغته الشهيرة: «م1 # ح ح # أ أ # م2» ليؤكد ذلك؛ لذلك فهو لم يهدف البتة إلى تمييز النشاط ~~الإنساني، بل هدف إلى تمييز النظريات أو أنساق العبارات. # 69 ~~⋆ # وشبيه باعتراض ناليموف على استحالة التمييز، اعتراض دكتور ياسين خليل؛ إذ ~~يقول: ~~«ولا أقول هنا كما يقول فلاسفة التجريبية المنطقية في استبعاد الأفكار ~~الميتافيزيقية؛ لأني أعتقد بعدم إمكانية التوصل إلى معيار للتمييز بين الأفكار ~~العلمية والميتافيزيقية.» # 70 # فهل يا ترى لو اطلع دكتور ياسين خليل على العرض الوافي لمعيار القابلية ~~للتكذيب، سيظل على اعتقاده هذا؟ تبدو الإجابة بالنفي أقرب إلى المعقول. ~~(4) وقد تعرض عالم النفس أيزنك أيضا بالنقد للمعيار، وذلك في سياق معالجته لعدم ~~انطباقه على نظرية فرويد، مما عنى أنها ليست علمية، وفحوى نقد أيزنك أنه ليس صحيحا ~~أن الحكم بالكذب فيصل حاسم في العلم، وكل ما في الأمر أن هذا المعيار يفتح الطريق ~~أمام صعوبات كثيرة في تطبيقه، ذلك أن كل النظريات لها عدد كبير جدا من المخالفات ~~التي تبدو على أنها تكذب النظرية، غير أن النظرية تستمر وتنتعش على الرغم من ~~مخالفاتها، فقد تنبأ كوبرنيقوس باختلاف موقع النجوم بالنسبة للرائي، كنتيجة لنظريته ~~بمركزية الشمس، يبدو أن معاصريه لم يلاحظوا شيئا من هذا، ولا حتى لاحظ خلفاؤه، ~~لوحظ هذا فقط عام 1838م، ورغم هذه المخالفة كانت مركزية الشمس مقبولة في كل مكان، ~~وقد وضع وليام هارفي نظريته في الدورة الدموية ولم يكن فيها أي وسيط # intermediaries # بين الشرايين والأوردة، ولم تكتشف ~~الشعيرات الدموية إلا بعد وفاته بخمسين عاما، على الرغم من هذا التكذيب الواضح فإن ~~مبدأه كان مقبولا في ذلك الوقت. # 71 # بل وحتى نظرية نيوتن العظيم، لا يمكنها أن تلائم حركات القمر تماما، ولا يزال ~~الفشل يتعقب خطا كل من يحاول تعليل انحرافات عطارد عن نسقه، فأقرب نقطة من الشمس ~~في فلك عطارد لا يمكن أن تتلاءم مع ms392 نظرية نيوتن، على الرغم من محاولات لافرير # Laverrier # بتعليل هذا بافتراض وجود كوكب أدنى، بل ~~وإننا نجد هذا حتى في نظرية آينشتين العامة للنسبية؛ ففي حلها هي الأخرى لمشكلة ~~عطارد، قد تنبأت بملاحظات للاستقبال الفلكي Procession # تحوي خطأ قدره 1٪، ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات أعطتنا ~~أدق التأييدات التجريبية للنظرية ثم إن تنبؤات آينشتين تفترض أن الشمس دائرية، وحتى ~~الآن لم نجدها هكذا، بل نجدها مفرطحة ومنبعجة بنسبة 1 إلى 2000، وكل هذا يؤدي إلى ~~أخطاء في الملاحظة تكاد تجعلها غير مقبولة بنسبة 8٪، وأفضل النظريات العلمية ~~المطروحة حتى الآن هي نظرية ديك ~~وبرانز # Dicke and Brans # إلا أن الفلكيين ما زالوا يعتبرون المشكلة بغير حل، إذ إن ~~الاستقبال الفلكي Precession # لعطارد ما زال يتحدى ~~كل الشروح. # 72 # وعلى الرغم من كل هذا ما زلنا نعتبر نسق نيوتن من أعظم إنجازات العلم، يمكن أن ~~نمد القائمة بغير حدود، لننتهي إلى أن القابلية للتكذيب في صورتها البسيطة ليست ~~معيارا مقبولا لتمييز العلم، وأنها لكي تكون هكذا تحتاج إلى سفسطة أكثر مما قد نتخيل! # 73 # وأبسط ما يقال في الرد على هذا النقد من أيزنك، أننا لا ندري ما إذا كان ينقد ~~القابلية للتكذيب - أي معيار العلم - أم هو ينقد التكذيب - أي الحكم على النسق - ~~بعبارة أخرى: يبدو أن أيزنك لم يدرك تماما الفارق الكبير بين القابلية للتكذيب ~~وبين التكذيب، بل وحتى الأمثلة التي أوردها كمكذبات لنظريتي كوبرنيقوس ووليام ~~هارفي، ليست إطلاقا مكذبات منطقية، بل مجرد أوجه نقص اكتملت مع نمو العلم، وإذا ~~كانت النظريات العلمية تتطور أو تتدارك أخطاءها أو تأتي بالأدلة والشواهد بعد ~~ولادتها، فهل هذا خلل في معيار القابلية للتكذيب؟ كلا؛ لأنه أقدر النظريات المنطقية ~~على معالجة تطور العلم، وقد أوضح تماما ماذا نفعل بالنظرية العلمية بعد أن نكتشف ~~الخطأ فيها، حتى ولو لم نجد سلفا ناجحا لها، ويبدو أن هذا قد فات أيزنك كما فاته ~~أن السمة العلمية التي يميزها المعيار، هي الإخبار عن الواقع بدرجة معينة من الصدق، ~~وليست الصورة ms393 النهائية مطلقة الكمال التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها أو خلفها، ~~مثل هذه النظرية مستحيلة، ولسنا في حاجة إلى معيار يميزها. # ثم يحاول أيزنك الإحاطة أكثر بإثبات فشل معيار القابلية للتكذيب، فيوضح أنه من ~~الناحية الأخرى ينطبق أيضا على العلوم الزائفة فيقول: إن قابلية علوم التنجيم ~~والفراسة للتكذيب واضحة؛ إذ يمكن استنباط وقائع تجريبية كاذبة من نظرياتها، # 74 # وأبسط ما يقال لدحض هذا النقد هو الشق المنهجي للتكذيب، والذي يؤكد ~~عليه بوبر تأكيدا ربما أكثر من الشق المنطقي؛ ولذلك يمكن أن نقول لأيزنك: إن هذه ~~العلوم لا يقوم منهجها على التكذيب، ولا يحاول العالم البحث عن الاختبارات ~~والتفنيدات، ولو فعل لتبخرت هذه العلوم. ~~(5) أما النقد المنطقي الدقيق للمعيار فيمكن أن نجده مع عالم المنطق الكبير وليام ~~نيل، وقد تركز اعتراضه على أن منطق التكذيب يحكم على العبارات الوجودية غير المحددة # unristrictedly existential # بأنها ~~ليست علما، واضطرم أوار النقد حين اعتبر بوبر إياها - في أحد المواضع - ~~ميتافيزيقية، ورأى نيل أن بوبر في هذا لم يستطع أن ينفصل عن الوضعيين وقلقهم الشديد ~~من الميتافيزيقا، وهو بذلك يناقض نفسه؛ إذ يأخذ بمصطلحات وضعية تماما، في حين أن ~~الحاجة لا تدعو إلى هذا، ثم يأتي بعد هذا ليدعي أن اقتراحه بالتكذيب يدخل في نطاق ~~الأحاديث اللاتحليلية المناهضة للوضعية. # 75 # والحق أن نيل مصيب في هذا الاعتراض، فكيف يسمي بوبر هذه العبارات ميتافيزيقا، ~~«وهي قد تكون لا تقول أي شيء عن الميتافيزيقا كما يفهمها أي فيلسوف جاء قبل ~~الوضعيين المناطقة؛ فهم فقط الذين استعملوا اصطلاح الميتافيزيقا استعمالا مبهما ~~فضفاضا ليشير إلى كل قول يرونه سخيفا منافيا لما يرومون.» # 76 # فلنفترض مثلا أن مؤمنا بالقوى الغيبية قال: «السحرة يوجدون بالفعل.» ~~فإن هذا القول ثرثرة، وبالطبع ليس علما، ولكنه أيضا ليس ميتافيزيقا لمجرد أن له ~~صورة العبارة الوجودية غير المحددة، # 77 # وإذا أضفنا إلى ذلك موقف بوبر من الميتافيزيقا وإجلاله إياها، بدا بوبر ~~بالفعل متناقضا مع نفسه، فما كان ينبغي له أبدا استعمال مصطلح ميتافيزيقا في ms394 هذا ~~الصدد، ومثل هذا الاستعمال المبهم العام. # غير أن نقد نيل لا يقتصر على هذه الهفوة الفيلولوجية الترمينولوجية لبوبر، بل إنه ~~ينصب أساسا على اعتبار القضايا الوجودية غير المحددة ليست علما، يقول نيل: ~~لنفترض أن معلوماتي عن الأسماك بسيطة وسطحية، ثم جاء عالم بيولوجي وقال في عبارة ~~وجودية غير محددة: «توجد أسماك ذات رئة تستطيع التنفس على الأرض.» فلن أعتبر هذا ~~القول ميتافيزيقا بل معلومة تجريبية لا بأس بها، ثم إن بوبر يرى القضايا العمومية ~~التجريبية علما؛ لأنها قابلة للتفنيد بواسطة الخبرة، بينما القضايا الوجودية ~~غير المحددة ليست علما، في حين أنها أيضا قابلة للتفنيد، ومن ناحية أخرى فإن تفنيد أي ~~قانون أو فرض هو بدوره تأسيس لقضية وجودية غير محددة. # 78 # ولقد استشهد نيل باكتشاف البروفسور أندرسون # Anderson # للبوزيترون Positron # إذ ~~اتخذت دعواه في البداية صورة اعتبارات لشكل مسار الجسيم على لوحة فوتوغرافية معينة، ~~إلا أن ما قرره أندرسون هو القضية الوجودية غير المحددة بأن هناك مع كتلة ~~الإلكترونات جسيمات موجبة الشحنة، وهذا هو ما اعتبره زملاؤه بحق أهم إسهاماته في الفيزياء، # 79 # فلقد قرر وجود جسيم لم يكن معروفا إلا تبعا لمعادلات ديراك التي كان ~~أندرسون يجهلها، فإذا كان لأية فلسفة في العلم أن تستبعد هذا الإنجاز العظيم، فإن ~~ذلك يضرها هي. # 80 # وفي رد بوبر على نيل، قال: إنه أخطأ لأنه تصور أن القابلية للتكذيب، وبالتالي ~~السمة العلمية، مقصورة على القضايا العمومية، # 81 # ونيل فعلا بدأ نقده بمسلمة هي أن هدف بوبر الأساسي هو تمييز القضايا ~~العمومية للعلوم الحقيقية، # 82 # في حين أن بوبر ناقض أيضا العبارات الأساسية وجعلها موضعا للبحث ~~والاختبار. # ويبدو أن نيل لم يأخذ في اعتباره الصورة المنطقية لمختلف العبارات العلمية في ~~تسلسل الاستنباط التكذيبي، وأيضا في تسلسل نسق العلم، فهو يقول: إن العبارات ~~الوجودية غير المحددة قابلة للتفنيد، لكنها تقبله بالمعنى المبهم الذي لا علاقة له ~~بفلسفة العلم كما تقبله نصائح السيدة العجوز أو أيديولوجية اليوجا، لا بالصورة ~~النسقية المنطقية التي طرحها بوبر ms395 لتمييز العلم، ففي هذه الصورة لا بد أن تكون ~~المقدمة الكبرى عمومية كلية والمقدمات الصغرى وجودية محددة، وإلا انتفى الانضباط ~~المنطقي، ثم إن نيل اقتطع عبارات معينة من تسلسلها لتعبر بصورة خاطئة عن نقده، ~~فتقرير أندرسون عن البوزيترون يدخل في نسق العلم التركيبي لبنية الذرة، وأصبح لهذا ~~الفرض تحديد معين في هذه البنية، بحيث يمكن تعيين العبارات الأساسية التي تحدد هذه ~~العبارة. # أما ما أورده على لسان عالم بيولوجي فقد يصلح لتزجية أوقات وليام نيل مع صديقه ~~البيولوجي، لكن لن يدخل في نسق العلم إلا إذا أتانا العالم بالشواهد التجريبية ~~البينة التي تعزز القول بوجود أسماك ذات رئة؛ أي لا بد من عبارات أساسية تحدد هذه ~~العبارة الوجودية ، فتتمكن من دخول نسق العلم، ونتمكن نحن من رد نقد وليام نيل، إذ ~~إن العبارة الوجودية لن تدخل نسق العلم إلا إذا كانت محددة. ~~(6) وفي زمرة المناطقة المعترضين، يدخل التجريبي المنطقي والاستقرائي المتعصب ~~هانز رايشنباخ، وينصب اعتراض رايشنباخ على الجانب الاستنباطي للتكذيب، ويتلخص ~~نقده في أن بوبر قد أغفل جوانب هامة تميز بين الاستدلال الاستنباطي وبين الاستدلال ~~الاستقرائي، فبينما نجد النتيجة في الاستنباط متضمنة منطقيا في المقدمات، نجد ~~الأمر بخلاف هذا في العلوم الطبيعية، ثم إننا قد نصل إلى نتيجة كاذبة على الرغم من ~~صدق المقدمات؛ لذلك لا يمكن موافقة بوبر على وضع النظريات في نسق استنباطي؛ لأن ~~الأساس الذي يتوقف عليه قبول النظرية ليس الاستدلال من النظرية إلى الوقائع، إنما ~~هو العكس، الاستدلال من الوقائع المعطاة إلى النظرية، وقد اعترض رايشنباخ أيضا على ~~اعتبار النظريات العلمية افتراضات ~~حدسية # Conjectures ~~، وقال: إن بوبر قد أساء فهم سيكولوجية العالم؛ لأنه لن يقدم ~~افتراضه الحدسي إلا إذا أيده بالوقائع التجريبية، ثم إن تبرير بوبر للنظرية على ~~أساس الوقائع - فيما أسماه بالتعزيز - لهو الاستقراء الحقيقي. # 83 # أولا رايشنباخ لا يهدف إلا إلى الانتهاء إلى أن الاستقراء هو منهج العلم الذي لا ~~منهج سواه فإذا كان لا يريد بعد كل هذا الاقتناع بأن الاستقراء خرافة، فهذا ms396 شأنه، ~~وعلينا الآن أن نناقش أوجه القصور التي ألحقها بالمعيار. # أما عن موازنته بين الاستدلال الاستنباطي والاستدلال الاستقرائي، وحكمه بأن الأول ~~غير صالح للعلم، فقد قال أحد الباحثين ردا عليه: «إن رايشنباخ في نقده لبوبر، لم ~~يتبين المعنى الذي قصد إليه من الاستنباط؛ لأن بوبر لم يكن بصدد الحديث عن ~~الاستنباط الصوري # Formal Deduction # الذي يضمر ~~في مقدماته النتائج؛ وبالتالي لا تفيد النتيجة شيئا جديدا، أكثر مما تفيده ~~المقدمات، بل إن بوبر يقصد إلى نوع آخر من الاستنباط الذي يكشف عن حقائق جديدة حين ~~ننتقل من مقدمات معلومة إلى نتائج لم تكن معلومة، وهذه النتائج تفيد علما جديدا.» # 84 # هو تنبؤات النظرية. # وأما عن اعتراضه الواهي بأن هذا النوع من الاستنباط يمكن أن يؤدي إلى نتائج كاذبة ~~رغم صدق المقدمات، فإننا نحيله إلى مقال بوبر «أسس جديدة للمنطق»؛ حيث بدأ بطرح ~~المشكلة الأساسية في المنطق وهي: كيف يمكن تمييز الاستدلال الصحيح # Valid inference # عن الاستدلال ~~غير الصحيح؟ وفي الإجابة على هذا، عرف بوبر الاستدلال الصحيح نفس تعريف تارسكي، وهو: ~~الاستدلال الذي - في أية صورة من الصور نبنيه، وفي أي تأويل له - لا بد أن يفضي بنا ~~إلى استنتاجات صادقة إذا كانت المقدمات صادقة، فمثلا إذا سلمنا ب: «ق» و«ك» لتوصلنا ~~إلى «ك»، هذا استدلال صحيح؛ لأننا لو أحللنا أية قضايا صادقة محل «ق» و«ك»، فإن نتائج ~~الاستدلال لا بد أن تكون صادقة، حتى ولو غيرنا صورة الاستدلال فقلنا مثلا: إذا كان ~~لدينا «ك» و«ق» لتوصلنا إلى «ق». # 85 # وواضح أن بوبر يعطينا أنموذجا لاستدلال تافه جدا # trivial # وبوبر أعطانا إياه عامدا متعمدا؛ ~~لأنه لا يحتاج إلى أية افتراضات أو تسليمات مسبقة، وبوبر يريد أن ينتهي في النهاية ~~إلى منطق يبدأ من مثل هذه الاستدلالات سائرا بالتدريج إلى أعقدها وأكثرها تركيبا، ~~حتى ينتهي إلى منطق بلا أية افتراضات، # 86 # والمثل تماما فعله بوبر بنسق الرياضيات البحتة. # 87 ~~⋆ # وبعد كل هذا، وما سلف في سياق البحث، لا غبار على اعتبار الاستنباط هو ms397 منهج العلم ~~بدلا من الاستقراء رايشنباخ، وأما عن اعتبار العلم افتراضات حدسية، فالأمر لا ~~علاقة له بسيكولوجية العالم، بل بطبيعة النظرية العلمية المستحيلة اليقين، القابلة ~~دوما للتكذيب أي المؤقتة، وهي لهذا افتراضية، ثم إن بوبر لم يبرر النظرية ~~بالوقائع، بل استهجن بشدة مطلب التبرير، وقال: إنه لا محل له إطلاقا في منطق العلم ~~الحديث، إن ما يطلبه بوبر من النظرية هو التعزيز، وقد أوضحنا في موضعه، أن التعزيز ~~لا علاقة له البتة، لا بالتبرير ولا بالاستقراء. ~~(7) وثمة نقد دقيق أيضا للباحث ب. بيرنايز، فقد اعترض على المعيار اعتراضا ~~مؤداه أن القابلية للتكذيب ليست هي أساس منهج العلم، ولا هي معيار العلم المميز، ~~فعلى الرغم من التطورات العظمى التي أحدثتها تطورات العلوم التجريبية على نظرتنا ~~لمكونات المادة وطبيعة الضوء، وطبيعة القوانين الفيزيائية، ومبدأ السببية، بل وحتى ~~الزمان والمكان؛ على الرغم من هذا فهناك قوانين عديدة من مستوى عمومية منخفض، تظل ~~دائما على قوتها منذ لحظة اكتشافها، وإن كانت تأويلاتها تختلف من نظرية ~~عمومية # universal # لأخرى، من أمثال هذه ~~القوانين، قوانين كسر الأشعة الضوئية وانعكاسها، وقوانين الديناميكيا الحرارية، ~~وقوانين التحليل الطيفي. # ثم إن الاختبار ليس له دائما سمة البحث عن التفنيد، وليس كل من يضع نظرية جديدة ~~يعارض النظرية الشائعة ويحاول أن يوضح كذبها، وحقا تفنيد نظرية قد يكون انتصارا ~~لنظرية جديدة، لكن الاختبارات التجريبية للنتائج المنطقية التي تلزم عن النظرية، لا ~~تجري دائما بتلك الروح العدائية المتشائمة التي يصفها بوبر بقوله: «نحاول على قدر ~~المستطاع التخلص منها»، وليست التطورات الهامة هي فقط بالتعرف على خطأ النظريات، ~~ولكن أيضا بالثقة في نظريات كنا نأخذ بها بتهيب، والنظرية ليست بالضرورة ستتصادم ~~مع الواقع، بل يمكن أن تدهشنا بتوافقها معه، كتوافق جميع الظواهر التي تحدث على ~~الأرض وفي الفلك مع تقديرنا لسرعة الضوء مثلا، ثم إن المناقشة العقلانية ليست ~~بأسرها النقد فقط، وبوبر نفسه قد أوضح أن الإلمام بموقف المشكلة من أهم عناصر هذه المناقشة. # 88 # إن خلاصة اعتراض بيرنايز على منطق التكذيب هو ms398 أنه يرسم للتقدم العلمي صورة ~~عدوانية متشائمة، ولكل ينزع إلى تكذيب الآخرين، وكأنه حرب ضروس، كل كشف علمي جديد ~~لا يأتي إلا على أشلاء الكشوف الأخرى، وبوبر بهذا يسحب عن العلم طابعه التعاوني ~~الجمعي الذي يميزه عن الفن مثلا، والذي يؤكد عليه بيرنايز، كما يؤكد على أن بعض ~~الكشوف العلمية ذات مستوى العمومية المنخفض تبقى ثابتة، وأن النظرية الجديدة تأتي ~~على أكتاف النظريات الأخرى وليس على أنقاضها، أما عن أنها قد تتوافق مع الواقع، ~~فيمكن أن نقول لبيرنايز: إنها قد تعزز؛ وبالتالي لا يكون هنا اختلاف بينه وبين ~~بوبر. # لكن المهم أن نناقش الآن: أي الصورتين هي الأصوب: صورة بيرنايز التعاونية أم صورة ~~بوبر التكذيبية؟ لكي نفصل القول يجمل بنا اقتطاع قطاع موجز يوضح كيفية التواتر ~~العلمي بين النظريات، ليرينا أي النظريتين هي الأصوب، وليكن قطاعا من أكثر العلوم ~~تقدما أي الفيزياء النووية. # بدأ هذا العلم بالافتراض الديمقريطي الدالتوني المندليفي، الذي يدعم نظرية نيوتن ~~والقائل: إن المادة مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام، وأول خطوة حاسمة تمت على يد ~~جوزيف جون طومسون، فبدراسته لأشعة الكاثود، أظهر أنها تدفق الإلكترونات حاملة ~~الشحنات الأحادية السالبة، وبعد ذلك قاس علاقة الشحنة بالكتلة، وأخيرا كتلة ~~الإلكترونات، فكان هو الذي اكتشف أول ما عرف من جسيمات الذرة: الإلكترون، فحطم ~~القاعدة القائلة: إن الذرة غير قابلة للانشطار، وأثبت وجود جسيمات أخرى أصغر منها ~~وتدخل في تكوينها، ثم تعاون معه «روزفورد»، وعكفا على دراسة طبيعة الإشعاع الذي ~~اكتشف حديثا، فتمكن «روزفورد» من إثبات أن الإشعاع الذري غير متجانس ويتكون على ~~أقل الفروض من مكونين هما جسيمات بيتا الخفيفة، وجسيمات ألفا الثقيلة ذات الشحنة الموجبة، # 89 ~~⋆ # وبتعاون روزفورد مع مارسدين - حفيد تشارلز دارون - توصلا إلى أن مركز الذرة شبه ~~الخالي تربض فيه النواة ذات الشحنة الموجبة وهي أصغر من الذرة نفسها بمائة ألف مرة، ~~ومحاطة بحاجز كهربي منيع، ولما كان القانون القائل: إن إكساب البروتون طاقة مقدارها ~~ميجا إلكترون - فولت واحد فقط، يمكنه من اجتياز الحاجز الكهربي، غير ms399 معروف في وقت ~~روزفورد ولا كان المعجل معروفا، فقد كانت هذه مشكلة كبيرة: كيف يمكن اجتياز الحاجز ~~الكهربي للنواة، وتمكن مارسدين من حلها باقتراح الابتداء من نويات # 90 ~~⋆ # أخف العناصر، أي الأيدروجين؛ لأن شحنتها أخف وبالتالي حمايتها أضعف؛ لذلك أطلق ~~جسيمات ألفا على مستودع خاص مملوء بالأيدروجين، وتوصل إلى أنها تعطي طاقة لنويات ~~الأيدروجين؛ إذ إن وميضها يظهر أمامه على الشاشة، ولكن كلما ملأ مارسدين المستودع ~~بمادة أخرى - الأزوت مثلا - ظهرت نويات الأيدروجين على الشاشة أيضا، فلماذا؟ هل ~~المستودع لم ينظف جيدا؟ أخذ روزفورد هذا التساؤل وراح يبحث فيه، ولما تأكد من ~~نظافة المستودع راحت الومضات تظهر مرة أخرى على الشاشة، فأدرك أنه وجد الجسيم ذا ~~الشحنة الموجبة، الذي يدخل في تركيب كل النويات الذرية، أي البروتون، فدخلت هذه ~~اللبنة الجديدة في تركيب الذرة. # ثم لاحظ الفيزيائيان الألمانيان والتر بوتيه وبيكر، بواسطة عداد جيجر جسيمات ~~جديدة غير معروفة انطلقت من نويات البيرليوم، فاهتم الفيزيائيان الفرنسيان، ~~الزوجان: إيرين كوري، وفردريك جوليو بدراسة إشعاع البيرليوم، لكنهما لم ينتهيا سوى ~~إلى تكرار استنتاج كان قد انتهى إليه زميلاهما الألمانيان، وهو: أشعة جاما تتغلغل ~~بصورة خارقة للعادة، ولم يكن من الممكن الرضا بهذا؛ لأنه يخل بقانون بقاء ~~الطاقة. # فكان تشيدويك هو الذي تمكن من تحديد جسيم جديد يحل المشكلة، وهو جسيم ثقيل ~~متعادل: النيوترون، وبظهور النيوترونات التي يمكنها بشكل مضمون أن تقاوم قوى ~~التنافر الكهروستاتيكية، طردت الإلكترونات من النواة إلى الأبد، وأصبحت النواة ~~مكونة من البروتونات والنيوترونات، وأصبحا - البروتونات والنيوترونات - معا يسميان ~~النيوكلونات، لكن ما الذي يثبتهما معا في النواة؟ كانت إجابة روزفورد على هذا ~~السؤال قد مكنته من تحطيم النواة عام 1924م، باكتشاف قوى جديدة في الطبيعة هي القوى ~~الكهرومغناطيسية، وكانت القوى النووية من أشد المواضيع تعقيدا وصعوبة وأكثرها ~~بذلا للوقت والجهد في تاريخ العلم على وجه الإطلاق، وسار البحث فيها مع إيفانينكو، ~~الذي راح يعمل بأفكاره الياباني هيديكي يوكاوا، فوجه الأنظار إلى أهمية الإشعاعات ~~الكونية، فوجد العلماء جسيما جديدا أسماه يوكاوا: الميزون ms400 (من: الميزوس أي متوسط ~~باللغة الإغريقية)؛ لأن كتلته متوسطة بين كتلة الإلكترون والبروتون، ثم أسموه فيما ~~بعد ميو-ميزون، واكتشفوا له خصائص فيزيائية مدهشة، ثم اكتشف السويسري فولفجانج ~~باولي جسيما جديدا هو النيوترنيو، ومعنى الاسم شيء صغير متعادل، ثم اكتشف أندرسون ~~البوزتيرون، وهو يكاد يكون نسخة من الإلكترون، ولكنه ذو شحنة كهربية معكوسة ~~الإشارة، وقد فتح اكتشاف البوزيترون الطريق أمام العالم النظري بول ديراك في كمبردج ~~بالتنبؤ بضديدات الجسيمات، فظهرت خاصية جديدة للمادة هي إمكانية تحويلها من الشكل ~~الوزني إلى شكل الطاقة، وبعد مرور ربع قرن من تنبؤ ديراك، اكتشف مجموعة من العلماء ~~الأمريكيين برئاسة أمبيليو سيجريد وأوين تشمبرلين ضديد البروتون، ثم اكتشف العلماء ~~أن الإلكترون والبوزيترون يقضي كل منهما على الآخر عند التقائهما، فكتلة كلا ~~الجسمين قد تحولت إلى الطاقة التي وضع آينشتين معادلة تحسبها بأنها الكتلة مضروبة ~~في مربع سرعة الضوء، وتم بعد ذلك اكتشاف جسيمات أخرى مثل الكا-ميرون والهيبرون، # 91 # وقد يكتشف العلماء في الغد جسيمات أخرى. # والآن هل يبرهن هذا النموذج على نظرة بوبر التكذيبية، أم على نظرة بيرنايز ~~التعاونية؟ لعل النظرة الأولى تؤيد بيرنايز، فيتعاون طومسون مع روزفورد، بدلا من ~~أن يكذب أحدهما الآخر، وجاء مارسدين ليكمل ما أنجزاه، ثم أضاف تشدويك جديدا إلى ~~البناء بدلا من أن يفند، وبالمثل فعل باولي وأندرسون ... وهكذا. # لكن النظرة الأعمق ترينا أن طومسون «هادئ لا يتمتع بروح النشاط والاندفاع اللازمة ~~لمن يطيح بالأسس.» # 92 # أسس الفيزياء الكلاسيكية، ومع هذا كان هو الذي ضرب المعول الأول في هدم ~~هذه الأسس؛ لأنه عالم أصيل، ثم أوضح روزفورد قصور نظريته، ثم جاء مارسدن ليثبت خطأ ~~نظريتهما، وأن الذرة لها نواة لا بد من اختراق حاجزها الكهربي وبالمثل تماما كان ~~كل عالم يكتشف جسيما جديدا، يعني كشفه خطأ البناء المعرفي السابق إذا كان ينقصه ~~هذا الجسيم، إن التكذيب لا يعني إطلاقا الإطاحة بالبناء برمته، بل يعني التوصل إلى ~~صورة جديدة أكمل، تبدو الصورة السابقة بجوارها قاصرة، أي مفندة لأن منطق التكذيب لا ~~يعني ms401 الهدم، بل البناء على ما فات، وما فتئ بوبر يؤكد أن بناء هذه الصورة الجديدة ~~لن يتأتى إلا بعد الإحاطة التامة بالبناء القائم «لكن لم يحدث أبدا أن أفضت خبرة ~~قديمة إلى نتائج جديدة، كل ما يحدث هو أن خبرات جديدة تسقط نظرية قديمة، وهذه ~~النظرية القديمة، حتى بعد أن تغلبت عليها نظرية أخرى، تظل محتفظة بصحتها، ولكن فقط ~~كحالة محدودة للنظرية الجديدة، فالنظرية الجديدة تحكم هذه الحالة بجوار حالات أخرى.» # 93 # بتعبير آخر نقول بشيء من التجاوز: «ليس المطلوب التسليم بخطأ الحقيقة ~~السالفة، بل الاعتراف بأنها حقيقة جزئية.» # 94 # في مثالنا المطروح، تكون النظرية الجديدة محتوية على الجسيم السالف، ~~لكن بجوار جسيم أو جسيمات أخرى؛ لذلك تتميز برجحان الصدق عن سابقتها، فتتمكن إذن من ~~تكذيبها، وهذا ما سبق أن عبر عنه جاستون بشلار؛ إذ قال: «إذا ألقينا نظرة عامة على ~~العلاقات الإبستمولوجية بين علم الفيزياء المعاصرة وبين العلم النيوتني، رأينا أنه ~~ليس ثمة نمو ينطلق من المذاهب القديمة شطر المذاهب الجديدة، بل وجدنا بالأحرى ~~احتواء الأفكار الجديدة للأفكار القديمة، إن الأجيال الروحية تعمل وفق أسلوب قوامه ~~ضم التجارب المتعاقبة بعضها إلى بعض وتداخلها، وبين الفكر اللانيوتني والفكر ~~النيوتني لا يقوم تناقض بل تقلص وإرغام، وهذا التقلص هو الذي يتيح لنا أن نجد ~~الظاهرة مقتضبة في قلب الوجود المطلق (النومن) الذي يغلفها، وأن نجد الحال الخاصة ~~في الحال العامة، من غير أن يستطيع الخاص البتة أن يستدعي العام.» # 95 # وأساس كل هذا هو النظرية الثورية في التقدم العلمي، التي ترى في كل إنجاز ثورة ~~تطيح بالقديم وتحل محله، ويبدو أن بيرنايز يأخذ بالنظرية التراكمية وإن لم يكن قد ~~صرح بهذا، ولكنه صرح بأنه يصوب أنظاره شطر القوانين ذات مستوى العمومية المنخفض، ~~وهي بطبيعتها لا تقبل التكذيب بدرجة عالية؛ لأنها ذات محتوى معرفي منخفض، ولأنها لا ~~تتطلب الكثير من الجرأة، ولكن بيرنايز نفسه أوضح أن تأويلات هذه القوانين تختلف من ~~نظرية كلية إلى أخرى، وهنا يتضح الفارق الكبير بينه وبين بوبر ms402 الذي لا يصوب أنظاره ~~إلا شطر الفيزياء البحتة، وإلى النظريات العمومية الكلية، وحينما يفلسف بوبر العلم، ~~لا يأخذ في اعتباره نتيجة جزئية أضيفت إلى الجزئيات الأخرى، بل ينظر إلى البناء ~~الكلي بعد أن أضيفت إليه هذه النتيجة فيراه أشمل وأكمل من بناء الأمس، فيكون بناء ~~الأمس مكذبا مفندا، بمعنى أننا توصلنا إلى ما هو أفضل منه وأكثر اقترابا من ~~الصدق، وليس بمعنى أن كل ما فيه خطأ، وإلا كان هراء وليس علما، ولما كانت الفلسفة ~~بطبيعتها، ينبغي أن تكون هي النظرة الكلية، كانت نظرة بوبر هي الأصوب من نظرية ~~بيرنايز، وليس معيار القابلية للتكذيب قاصرا؛ لأنه عدواني كما تصور. ~~(3) مقارنة معيار القابلية للتكذيب بمعايير الوضعية ~~(1) أهم أوجه مناقشة معيار القابلية للتكذيب، هو المقارنة بينه وبين معايير ~~الوضعية وعلى وجه الخصوص المعيار الأساسي؛ أي التحقق ؛ نظرا لشيوع الخطأ الكبير، ~~خطأ اعتبار التكذيب مجرد وضع التحقق في صور نافية كي تتلافى أخطاءه، وتتجنب ~~صعوباته، وهذا خطأ عظيم: تاريخيا ومنطقيا وفلسفيا، والقول السليم هو أن معيار ~~القابلية للتكذيب لا علاقة له البتة بمعايير الوضعية، تماما كما أن فلسفة بوبر لا ~~علاقة لها البتة بفلسفة الوضعية المنطقية؛ إذ إنها تقف تماما على الطرف المقابل ~~لها، كما أثبت الباب السابق. ~~(2) أما عن كونه خطأ تاريخيا، فذلك أن بوبر قد توصل إلى معيار القابلية ~~للتكذيب، وهو في السابعة عشرة من عمره عام 1919م، أي قبل أن تتشكل فلسفة دائرة ~~فيينا أصلا، وحتى بعد أن تشكلت، فإنها ظلت خافية على بوبر، وهو يقول: إنها ظلت ~~بالنسبة له كالجماعة السرية لا يدري عنها شيئا، # 96 # ويؤكد فيكتور كرافت هذا فيقول: إن بوبر حين بدأ اتصاله بأعضاء الدائرة ~~في أواخر العشرينات من هذا القرن، كان اتجاهه المعادي لهم متشكلا بالفعل، فبدأ ~~بتحديهم ومواجهتهم، # 97 # أي إن أفكاره - وأولها زمانيا معيار القابلية للتكذيب - كانت محددة ~~سلفا. # إذن من الناحية الزمانية، يستحيل أن يكون التكذيب مجرد نفي للتحقق؛ لأن بوبر قد ~~توصل إليه قبل أن يدري هو - وقبل أن يدري أحد ms403 - ما هو معيار التحقق الوضعي. ~~(3) وأما عن كونه خطأ منطقيا؛ فذلك نظرا للحجة التي تكررت كثيرا في سياق ~~البحث لأنها الأساس المنطقي لنظرية بوبر في العلم، ويجب أن تتكرر الآن مرة أخرى، ~~وهي اللاتماثل المنطقي بين التحقيق والتكذيب، فملايين الوقائع المؤيدة لا يمكن ~~منطقيا أن تحقق النظرية وإلا برزت مشكلة الاستقراء، في حين أن قبول واقعة نافية ~~واحدة، تكذب النظرية بصفة منطقية حاسمة نهائية، إذن تكذيب النظرية سليم منطقيا، ~~وليس التحقق هكذا؛ وبالتالي تكون القابلية للتكذيب معيارا سليما منطقيا، وليست ~~القابلية للتحقق هكذا. # وهذا اللاتماثل المنطقي كان أساس تفوق القابلية للتكذيب ونجاحها، فبينما لا ~~يستطيع معيار التحقق استبعاد تحصيلات الحاصل مثل «إما أن تمطر السماء أو لا تمطر.» ~~في الوقت الذي يستبعد فيه قوانين العلم الكلية، مما جعل شليك يعتبرها على مضض مجرد ~~أداة لاستنباط العبارات الجزئية والأساسية، مما جعلهم في النهاية يلقون بها في نفس ~~الهوة السحيقة التي ألقوا فيها بالميتافيزيقا ... إلى آخر المشاكل التي رأيناها، ~~بينما كان هذا مآل معايير الوضعية، نجد القابلية للتكذيب تستبعد تحصيلات الحاصل، ~~وتنطبق أول ما تنطبق على قوانين العلم الطبيعي ونظرياته العمومية الكلية ... باختصار ~~لأن التكذيب أسلم منطقيا كانت نتيجته عددا من الثمار الخصيبة # 98 # مثل حل مشكلة الاستقراء، ورسم الصورة السليمة لمنهج العلم على أساس ~~القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي، وطابعه النقدي، والنظرية الثورية التي تزيد من ~~شحنات التقدم العلمي ... إلى آخر مضمون هذا البحث، بينما أنتج التحقق الدورانات ~~المنطقية والمشاكل التي لا تجد حلا. ~~(4) وأما عن كونه خطأ فلسفيا؛ فذلك لأن التحقق مبدأ لفلسفة لغوية وهكذا سائر ~~معايير الوضعية، أما التكذيب فهو مبدأ لفلسفة معرفية، # 99 # فالتحقق يبحث في الخاصة اللغوية للعبارات، خاصة اقتصارها على التعبير ~~عن الواقع التجريبي، أما التكذيب فيبحث في المحتوى المعرفي للنظريات. # ذلك أن التحقق وسائر معايير الوضعية هي أساس نظريات في المعنى، تفصل فصلا قاطعا ~~بين العبارات ذات المعنى والعبارات التي تخلو من المعنى، والوضعي المنطقي هربرت ~~هيجل في مقال له عن فلسفتهم، التي هي لغوية، طرح ms404 معاييرهم «التحقق والاختبار ~~والتأييد» تحت عنوان «معيار المعنى الدال على واقع»، # 100 ~~⋆ # أما التكذيب فلا يدعي على وجه الإطلاق أية سلطة على المعنى أو أدنى اهتمام به، ~~ولقد انتقد بوبر بعنف فكرة المعنى كمعيار للتمييز واعتبرها خرافة، # 101 # واعتبر كل حديث عن المعنى لغوا يخلو من المعنى، وحقا أن فتجنشتين ~~كان هو الذي أثار مشكلة ~~المعيار Problem of Criterion # في الفلسفة الأنجلوسكسونية، # 102 # لكن بوبر بدوره يميز بين مشكلة المعيار الزائفة: معيار المعنى، وبين ~~مشكلة المعيار الحقيقية الأصيلة: معيار العلم، # 103 # وقد وضع القابلية للتكذيب لتمييز العبارات العلمية، وقد تكون عبارة ما ~~غير قابلة للتكذيب، أي لاعلمية، ولكنها ذات معنى مثلا «الله موجود.» هي بالتحقق ~~غير علمية وغير ذات معنى، أما بالقابلية للتكذيب فهي غير علمية، ولكنها ذات معنى قد ~~تكون كاذبة، لكنها أيضا قد تكون صادقة، بل وأقرب إلى الصدق من أية عبارة علمية ~~أخرى قابلة للتكذيب، # 104 # والمثال الأوضح هو المثال القياسي الدارج في أحاديث الوضعية على خلو ~~العبارة الميتافيزيقية من المعنى، وهو «المطلق كامل» # The absolute is Perfect ~~، يناقش بوبر هذه العبارة فيقول: إنها ليست خالية ~~من المعنى، رغم أنها ليست قابلة للتكذيب؛ لأنهم يقصدون بها أن العالم إذا فهمناه ~~فهما سليما هو الأفضل؛ لأن الأفضل هو الكامل، والكامل هو تصور عقلاني محض لا تحده ~~حدود منطقية أو واقعية، وهذا في رأي بوبر خطأ؛ لأن العبارة «العالم الذي يحوي ~~التكتلات السياسية والعذاب والحروب ليس كاملا» هي عبارة صادقة، ونفيها إذن كاذب، ~~يمكن منطقيا أن يكون العالم الذي لا يحوي هذه الآلام كاملا، وليس المطلق إذن هو ~~الكامل أو هو فقط الكامل؛ ومن ثم تكون هذه العبارة الميتافيزيقية خطأ، لكنها ليست ~~بغير معنى. # 105 # إن التحقق يرسم خطا حول المعنى، أما القابلية للتكذيب فترسم خطا داخل نطاق المعنى، # 106 # خطا يميز بين نوعين من القضايا ذات المعنى: قضايا العلم وقضايا ~~اللاعلم، ولأن بوبر كما ذكرنا لم يكن أبدا معنيا بمشكلة المعنى، والفارق الكبير ~~بينهما - كما أوضحنا - هو أن ms405 مشكلة المعنى تهم فلسفة لغوية، أما مشكلة التمييز فتهم ~~فلسفة معرفية، # 107 # وبناء على هذا وجدنا التحقق لا يدعي تمييز العبارات العلمية فحسب، ~~بل وأيضا المفاهيم العلمية، أما القابلية للتكذيب فلا شأن لها إطلاقا بالمفاهيم ~~والألفاظ؛ لأنها لا شأن لها بالمعنى وفلسفة اللغة التي حاربها بوبر بشدة في الباب ~~السابق. # ورغم كل ذلك أقيمت كثير من الانتقادات التي وجهت لمعيار القابلية للتكذيب على ~~أساس فكرة المعنى، بل وإن كارناب يقول عن المعيار: إنه مجرد صورة معكوسة لنظرية ~~التحقق في المعنى؛ # 108 # وذلك لأن الوضعيين قد استعملوا التحقق كمعيار للمعنى، وأيضا لتمييز ~~العلم، وهذا جعلهم صما وعميانا عن أن بوبر قد استعمل القابلية للتكذيب كمعيار ~~لتمييز العلم فقط، وليس أبدا كمعيار للمعنى. # 109 # وأخيرا نجد بيتر بيرنايز يؤكد أن السبب الأساسي الذي جعل القابلية للتكذيب ~~متميزة ومتفوقة على التحقق ومتفادية أخطاءه ومحققة أهدافها، هو أنها مستقلة ~~تماما عن أي سؤال له أية علاقة بالمعنى. # 110 ~~(5) ونظرا للفقرة السابقة من ناحية، ولطبيعة الفلسفة اللغوية التحليلية في وضع ~~تعريفات من ناحية أخرى، يمكن القول: إن معايير الوضعية - التي هي كشف لصميم طبيعة ~~العلم - هي محاولة وضع تعريف للعلم، أما بوبر فقد رأيناه ينتقد بشدة منزع الوضعيين ~~إلى التعريف، فهو «يكره فكرة التعريف بشدة على حد تعبيره، ويرى بوبر أن محاولة حل ~~مشاكل العلم أو الفلسفة أجدى كثيرا من محاولة وضع تعريف لهما؛ لذلك فهو لا يقدم ~~معياره كتعريف للعلم؛ إذ من الممكن أن يقترح أحد تعريفا آخر كما يقول: إن العلم هو ~~الخلاصة النهائية من العبارات.» # 111 # وهذا هو الرأي الذي يؤكده لندبيرج # LundBerg # مثلا، فيقول: إن محتوى العلم في شكله الناضج ليس إلا ~~مجموعة القضايا التي تأكدت صحتها، # 112 # وأية مناقشة لمثل هذا التعريف أو لغيره، أو لمحاولة دحضه وتبيان تفرق ~~القابلية للتكذيب عليه ستكون عقيمة بل ومضرة؛ إذ ستطوح بنا بعيدا عن المشكلة ~~الأساسية؛ أي تمييز المعرفة العلمية؛ لذلك فإن بوبر يقدم بتواضع معياره فقط كاقتراح ~~لتمييز العلم الطبيعي، # 113 # وصياغة ms406 تشخيص مناسب له، يحدد مفهوما مناسبا؛ كي نتمكن على أساسه من ~~الحكم على نسق من العبارات، هل ندرسه كمنتم إلى العلم الطبيعي أم لا؟ إنه مجرد ~~نظرية أو اقتراح لنقبله طالما لا نجد مبررا لرفضه، وقد نتوصل يوما إلى اقتراح ~~أفضل منه، إن معيار القابلية للتكذيب لم يكن أبدا نظرية صادقة تنهي طريق النظريات ~~التي تطرح لتمييز العلم، وذلك تبعا لاتجاه بوبر الإبستمولوجي العام، الذي يرى ~~الطريق مفتوحا دوما أمام التقدم المعرفي، بحكم العنصر «م2» في الصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2». # وقد كان هذا الفارق - في نظر بيتر مونز - أهم مواطن تفوق بوبر على الوضعيين ~~وخصوصا على فتجنشتين وتداركه لأخطائهم، # 114 # فهم يفترضون صوابية آرائهم، بل وقطعيتها المأخوذة من قطعية قواعد ~~المنطق. ~~(6) ثم كان التحقق - وسائر معايير الوضعية - ضربة قاصمة فاصلة، تقسم الدنيا إلى ~~قسمين: علم ولا علم؛ لأن العبارة إما أن تكون قابلة للتحقق أو غير قابلة له، وليس ~~هناك أمر وسط، غير أن الأمر الواقع ليس هكذا؛ لأن ما كان بالأمس ميتافيزيقا قد يصبح ~~في الغد علما، وليس هذا بنقلة حاسمة، بل بانتقالات مرحلية متموجة، ثم إن النظريات ~~العلمية ليست كلها على قدم المساواة، وقد أخذت فلسفة بوبر كل هذا في الاعتبار، ~~فرأينا النظريات تتفاوت في درجة قابليتها للتكذيب، مما يساعد العالم على المفاضلة ~~بين مجموعة من الفروض كلها علمية مطروحة لحل نفس المشكلة، وهذا ما لا يستطيعه ~~التحقق، أو بالأصح ما نجد التحقق فيه عديم الجدوى على الإطلاق؛ أي إنه لا يجدي في ~~الممارسة العلمية شيئا، في حين أنه معيار لفلسفة تريد أن تجعل الدنيا المعرفية ~~بأسرها خداما للعلم. # وحتى معيار القابلية للتأييد الذي وضع درجات له من أجل الممارسة العلمية، فإنه لا ~~يجاري في هذا إطلاقا معيار القابلية للتكذيب الذي كان الحكم بتفاوت درجاته تقييما ~~لمختلف الجوانب المنطقية للنظرية العلمية. # 115 ~~⋆ # وكل هذا أمر بدهي نتيجة لطبيعة الفلسفتين؛ ~~إذ يقول بوبر: إنه حاول أن يرسم في ذهنه صورة عامة للعلم، ثم حاول البحث فيما ms407 ~~يميزه، وهو عالم أن تمييزه سيكون بصورة عامة غير صارمة، # 116 # وهذا ما لا يمكن أن تقبله الفلسفة اللغوية، التي جعلت الوضعيين يظنون ~~أنهم توصلوا إلى كشف في صميم طبائع الأشياء، وما فتئ بوبر يطور المعيار ويعدله ~~ويكيفه ويستولد منه إمكانيات أكثر؛ لذلك جاء آير في مقاله «الفلسفة والمنهج العلمي» ~~ليعيب على بوبر هذا، وينتقده لأنه لم يطرح معياره كضربة لازب، كما طرحوا هم ~~معاييرهم، وبالطبع أبسط ما يقال في هذا: إنه نقطة لبوبر، وهو نقطة على ~~الوضعيين. ~~(7) وفضلا عن هذا لا نجد فارقا بين التحقق، وبين إمكانية التحقق، فهناك تكافؤ ~~منطقي بين المتحقق والممكن التحقق، كلاهما علم وذو معنى، لا سيما وأنهم في الآونة ~~الأخيرة استقروا على التحقق بالمعنى الضعيف، أي فقط إمكانية التحقق، وأيضا هناك ~~تكافؤ بين الحكم على العبارة بأنها غير متحققة وغير قابلة للتحقق، هي في الحالتين ~~لا علم وغير ذات معنى. # أما في معيار القابلية للتكذيب فالحال مختلف كثيرا: # عدم القابلية للتكذيب = لا علم. # عدم التكذيب = العلم الذي لم يثبت خطؤه بعد ؛ أي علمنا اليوم. # وبالتالي: القابلية للتكذيب = العلم. # والتكذيب = النظريات التي كانت وستزال علمية تجريبية، لكننا تبينا ~~كذبها؛ أي خطأها، فتركناها ولجأنا إلى نظريات أخرى أفضل؛ أي أكثر ~~اقترابا من الصدق. # من هذه الوجهة نلاحظ أن معيار القابلية للتكذيب، يتجنب خطأ التحقق العظيم في ~~المطابقة بين التحقق من القضية وبين صدقها. ~~(8) وأخيرا فإن معيار القابلية للتكذيب من ناحية، وسائر معايير الوضعية من ناحية ~~أخرى يختلفان هدفا وغاية، وهذه هي أهم أوجه الخلاف قاطبة. # فالوضعيون لم يهدفوا لا بصدق ولا بنزاهة إلى تمييز العلم، بل إلى استبعاد ~~الميتافيزيقا، ولم يعنوا بأن تميز معاييرهم العلوم الحقيقية عن العلوم الزائفة، ولا ~~حتى عن تحصيلات الحاصل بقدر ما عنوا بأن تستبعد الميتافيزيقا، فقد بدءوا عملهم ~~بعقيدة قاطعة (دوجما) هي المحرك الأساسي لدائرة فيينا، وهي الاعتقاد بأن ~~الميتافيزيقا ثرثرة فارغة، وأنها تقريرات لا هي بالصائبة ولا بالخاطئة، بل هي بلبلة ~~بغير معنى، واعتقدوا أساسا أن القواعد النحوية الطبيعية للغة ms408 ذات المعنى تستبعد أي ~~احتمال للحديث السليم نحويا عن أي شيء، بخلاف الوقائع التجريبية القابلة ~~للملاحظة، فقد اعتقدوا أن الكلمة لا بد أن تشير إلى شيء مادي، وأن معنى الجملة ~~واقعة تجريبية قابلة للتحقق؛ # 117 # لذلك جعلوا هدفهم الأساسي بل والوحيد: استبعاد أي حديث يتجاوز هذا ~~النطاق؛ لأنه سيكون في عرفهم ميتافيزيقا. # أما بوبر فقد رفض كل هذا بعنف وبتمكن، ولم ير هدف عمله أبدا كتحطيم للميتافيزيقا، # 118 # فهو شديد الإجلال لها، ولم يكن هدفه إلا تمييز العلم الحقيقي عن العلوم ~~الزائفة، فاستنكار العلوم الزائفة، وليس استنكار الميتافيزيقا، هو دافع بوبر، وبعد ~~أن وضع المعيار الذي يحقق هذه المهمة، قام بتوسيع نطاقه من مرحلة لاحقة ليشمل ~~الميتافيزيقا أيضا. # 119 ~~(9) بقي موضع مقارنة يتعلق فقط بلغة العلم عند كارناب ونيوراث، على أساس أن جمل ~~البروتوكول تلعب في هذه اللغة دورا مناظرا لدور العبارات الأساسية في منطق ~~التكذيب، وقد شرح كارناب هذا التناظر بإسهاب في مقال له بمجلة المعرفة # Er Kenntis # عام 1933م. # وقد كانت جمل البروتوكول تجسيدا شديدا لتردي فلسفة العلم في مهاوي النزعة ~~السيكولوجية، بحيث كانت سببا كافيا لرفض مشروع لغة العلم؛ لأنها لا تسمح فقط ~~بالاتفاقات والاصطلاحات الذاتية، وإنما أيضا بالانحيازات الذاتية، # 120 # أما العبارات الأساسية، فقد كانت مصداقا لموضوعية المعرفة، فكان قرار ~~قبولها قائما على مبادئ هي أصلا وفقط موضوعية؛ كي تؤدي إلى الاقتراب من الصدق ~~بمفهومه الموضوعي، وأكد بوبر على أن معيارها الأخير هو إمكانية الاختبار بين ~~الذوات، وأن مطلب الموضوعية يحتم أن تبقى كل عبارة علمية اختبارية إلى الأبد، وأنها ~~قد تكون معززة، لكن التعزيز هو فقط بالنسبة لعبارات أساسية، هي مرة أخرى اختبارية ~~وموضع بحث دائما، # 121 # هذا بينما ابتدع كارناب عددا من الحيل الفنية الفذة؛ ليوضح أن جمل ~~البروتوكول فورية، وهي لذلك قطعية. # ثم إن بوبر قد عني باتخاذ القرار بشأن العبارات، الذي يوقف ارتدادها اللانهائي، ~~«وكان لهذا أهمية كبرى في ترسيخ موقف بوبر، بينما ترك نيوراث هذا بطريقة تعسفية إذ ~~يمكن حذف جمل ms409 البروتوكول المتناقضة أو تغيير النسق كي يتفق معها، وقد اضطر نيوراث ~~نتيجة لهذا إلى التخلي عن تجريبيته على الرغم منه.» # 122 # بينما كانت العبارات الأساسية تأكيدا لتجريبية بوبر، كما كانت من قبل ~~تأكيدا لموضوعيته. ~~(10) يقول الدكتور ياسين خليل في أعقاب مناقشته لمعايير الوضعية لتمييز العلم: ~~«إذا كانت مهمة الفلسفة إبعاد الميتافيزيقا عن المعرفة العلمية، فلا بد إذن من ~~تثبيت معيار واضح نستطيع بواسطته أن نعرف أن هذه القضية علمية أو ميتافيزيقية، أما ~~إذا بقيت المسألة معلقة، فإننا سنخاطر بكثير من القضايا المستخدمة في العلوم ~~لاعتقادنا أنها ميتافيزيقية، بينما هي ليست كذلك فالمشكلة التي واجهت التجريبية ~~المنطقية هي في إيجاد معيار للتمييز بين العلم والميتافيزيقا، ولم توفق في وضع ~~معيار حتى الآن.» # 123 # لكن بوبر قد وفق في وضع معيار لا يستبعد الميتافيزيقا فحسب، بل ~~وأيضا كل ما ليس علما إخباريا؛ لأنه بحق معيار للمعرفة العلمية. # وبعد كل هذا لا نحكم بأنه أفضل ألف ألف مرة من معايير الوضعية الفاشلة، ولا نأخذ ~~في الاعتبار ما يتمتع به التحقق من شهرة، في حين أن الأغلبية لا تدري شيئا عن ~~معيار القابلية للتكذيب القادر والراسخ والمكين، ولكن لعلها الآن - بعد رحلتنا ~~الطويلة مع بوبر - قد أصبحت تدري. # | الخاتمة # (1) بوبر كانط القرن العشرين # أول ما يقال في خاتمة الحديث عن بوبر: إنه بلا مراء كانط القرن العشرين؛ فقد سبق ~~أن وضع كانط بذرة الموقف التجريبي النقدي في العصر الحديث، # 1 # وكانت فلسفته نقطة البداية لكل الفلسفات النقدية التجريبية، # 2 # وجاء بوبر ليسير على نهج السنن العظيمة التي اختطها كانط لفض النزاع ~~الناشب أظفاره في بنية الإبستمولوجيا لدرجة تجعله يدخل في صميم تعريفها؛ أي النزاع ~~بين المثالية والتجريبية، فالإبستمولوجيا منذ ~~نشأتها مع الإغريق وحتى كانط تنقسم قسمين - كل قسم بالطبع داخله فروع - بينهما هوة ~~عميقة لا سبيل إلى اجتيازها، أحدهما مثالي يقول: إن العقل هو المصدر الأوحد ~~للمعرفة، والآخر مادي يقول: إن تجربة الحواس هي المصدر الأوحد للمعرفة، وليس هذا ~~النزاع مقصورا على الإبستمولوجيا فحسب؛ ms410 إذ يمكن القول: إن المسألة الأساسية العظمى ~~في كل فلسفة هي علاقة الفكر بالكائن، أو علاقة العقل بالطبيعة المادية، أيهما يسبق ~~الآخر العقل أم الطبيعة، وطوال عهود الفلسفة كان يبدو أن الحل الوحيد المطروح هو ~~أحد الجانبين دون الآخر، فإما الفكر لتكون المثالية، وإما الطبيعة لتكون ~~المادية. # ولم يحاول أحد التوفيق بين الجانبين كما فعل كانط حين قال: إن العقل يساهم في ~~المعرفة بالمقولات والمفاهيم، التي تملؤها تجربة الحواس بالحدوسات، فأدخل المثالية ~~بهذا في صميم المعرفة بطريقة تجعلها تتفادى كل جنوحات المثالية؛ لأن المثالي ها هنا ~~لم يعد له وجود أنطولوجي مستقل ولا كيان فردي قائم بذاته، بل هو مبدأ منظم ضروري ~~لاستعمال التجربة، يكملها ويضفي عليها وحدة نسقية، # 3 # فلقد تبين كانط أن كل محاولة لإقامة حكم قبلي عن الأشياء لم تفز بطائل، ~~مما دعا الفلاسفة خصوصا بعد ازدهار العلم الطبيعي، إلى تصور المعرفة وكأنها تقتفي ~~أثر الأشياء، وأصبح التصور السائد هو أن الموضوع له كيان مستقل وهيكل ثابت يحاكيه ~~الذهن في المعرفة محاكاة منفعلة سلبية، حتى جاء كانط ليؤكد أن الموضوعات لكي ~~تعرف لنا لا بد أن تأتي موافقة للتصورات والمبادئ التي تملكها أذهاننا، والتي ~~تضفي على الأشياء المشتتة وحدة ونظاما، # 4 # فأقام كانط بهذا الثورة الكوبرنيقية، حين تساءل: أترانا أسعد حظا لو ~~أننا افترضنا أن الأشياء هي التي تقتفي أثر معرفتنا، شأننا في هذا شأن كوبرنيقوس ~~حين تبين له عجزه عن تفسير حركات النجوم التي تدور حول المشاهد، فبحث: هل ترى يكون ~~من الأفضل أن نفترض أن المشاهد هو الذي يدور وأن النجوم مستقرة، فقد نظر كانط إلى ~~الطريقة التي نشأت بها الرياضة والفيزياء من حيث هما علمان على يد طاليس وجاليليو ~~وتوريتشلي، فاستنتج أن الاتفاق بين الفكر والأشياء لا يفسر هكذا إذا اعتبرنا أن ~~الأشياء هي التي يقتفي الفكر أثرها أو يرتب أمره بمقتضاها، بل على العكس من ذلك لا ~~يمكن تصور هذا الاتفاق إلا إذا اعتبرنا أن الأشياء هي التي تقتفي أثر الفكر أو ترتب ms411 ~~بمقتضاه، بحيث لا تكون الذات صورة مجردة أو قالبا محضا تكتسب الأشياء قسماته كي ~~تندمج فيه، وتتخذ صورته، فالأمر لا يقف عند حد التسجيل والتقبل السلبي، وإنما هو في ~~الحقيقة الاستجابة والرد والإنشاء الناشط البناء، # 5 # والنتيجة التي ننتهي إليها هي أن عقولنا لا تشتق القوانين من الطبيعة ~~بل تفرضها عليها، فالعقل هو المشرع للأشياء، ولا ينبغي أن نلتمس في العالم الخارجي ~~تفسيرا لقوانين الذهن، بل ينبغي العكس أن نلتمس في الذهن تفسيرا لقوانين العالم ~~الخارجي؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف الأشياء في ذاتها وبمعزل عن طرائقنا في المعرفة، ~~وإنما الأشياء عندنا هي كما تتبدى لنا. # 6 # فكان كانط قد أوضح بهذا لبوبر أن المكونات العقلانية للتجربة تحدد حدود المذهب التجريبي، # 7 # مما جعله يقيم نظريته المنهجية على أساس أن العقل يقابل وقائع الطبيعة ~~بفرض، كان قد توصل إليه سلفا، يحاول أن يفسرها، وإذا نجح - أي تم تعزيزه - فرض ~~نفسه عليها مؤقتا، وكان بوبر بهذا مقوضا لخرافة الاستقراء، وقد سبق أن أشرنا إلى ~~هذا الالتقاء بين بوبر وكانط، # 8 ~~⋆ # فبوبر نفسه يؤكد في كل موضع تأثره العميق بكانط واقتفائه لخطاه، ويمكن أن نجد ~~بينهما نقاط التقاء أعمق، فكلاهما مادة دراسته المعرفة لا الوجود؛ أي إن كليهما ~~إبستمولوجي لا أنطولوجي، وكلاهما خصم للأفكار الفطرية المجبولة في طبيعة العقل ~~وداعية للحرية والسلام، لكن كل هذا لا ينفي وجود اختلافات جوهرية بينهما، أبرزها أن ~~النقد عند بوبر هو النقد بمعناه الحرفي، أي الاختبار بهدف كشف الأخطاء، أما عند ~~كانط فهو يعني سبر الإمكانيات والقدرات، فنقد العقل النظري هو امتحان لقيمة العقل ~~نفسه من حيث استعماله النظري الذي يتوخى الحقيقة غاية له، ونقد العقل العملي هو ~~امتحان لقيمة العقل من حيث إنه مدبر للعمل، وإن ~~غايته ثبوت الأخلاقية، # 9 # كما أن التساؤلين اللذين قامت كل من الفلسفتين للإجابة عليهما مختلفان، ~~فالعلم والأخلاق مشكلتان منفصلتان في فلسفة بوبر لا علاقة بينهما على وجه الإطلاق، ~~اللهم إلا أن كليهما من مكونات العالم 3، بينما هما خطان متوازيان ms412 ومتجادلان في فكر ~~كانط، فمنطوق المشكلة النقدية الكانطية هو: كيف كان العلم ممكنا؟ وكيف كانت ~~الأخلاق ممكنة؟ وكيف كان الاتفاق بين العلم والأخلاق ممكنا؟ كيف، بمعنى على أي ~~الأسس يقوم العلم والأخلاق بحيث يكونان مؤلفين من عناصر متناقضة في الظاهر، وقد قام ~~كانط بتحليل عميق ليكشف المستور الذي يتم فيه الوفاق؛ إذ أراد أن يستخلص المطلق في ~~العلم وفي الأخلاق من التجربة # 10 ~~(والمطلق هذا لا مكان له البتة في فلسفة بوبر التي هي علمية) فالتوفيق ~~بين المثالية والمادية عند كانط يعني تفسير الجمع بين القطعية والتجريبية، كما ~~جمعتهما نظرية نيوتن، فهكذا تصور كانط؛ مما جعل فكرة القانون الطبيعي التي أنشأها ~~غير متفقة مع المعرفة في حالتها الراهنة، فقد جعلت للإجابة على هذا السؤال، كيف كان ~~علم لطبيعة المطلق علما ممكنا؟ لكن هذا العلم المطلق لم نعد نعتقد أننا مالكوه، # 11 # بل أصبحنا على يقين بأننا لا يمكن أن نملكه، وهذا هو السبب الأساسي ~~الذي جعل بناء كانط الشامخ محاولة قابعة في تاريخ الفلسفة، أما منهجه العظيم في ~~التأليف التركيبي بين المثالية والتجريبية، فهو معجزته الفلسفية الباقية المتجددة ~~دوما، والتي كان بوبر أقدر من استطاع تجديدها، بل وعلى أساس من استحالة قطعية ~~قوانين الطبيعة، واعتبارها محض فروض يفترضها العقل، قد تكذبها وقائع التجريب لكن ~~يستحيل أن تؤدي إليها استقرائيا، وتلغي عمل قوى العقل الخلاقة. # ثم إن الباحثة د. م. إميت # D. M. Emmet # قد أكدت ~~على حاجتنا إلى كانط يحدد طبيعة التفكير الميتافيزيقي بالنسبة للتصورات العلمية الجديدة، # 12 # وبوبر قد استطاع هذا التحديد بأنه غير قابل للتكذيب الذي هو معيار ~~العلم وتصوراته، أفلا يكون بوبر كانط العصر الحديث، مسارا ومنهجا وهدفا، وأيضا ~~أملا منشودا، فقط كانط أكثر نجاحا. ~~(2) تقييم الاتجاه العام لبوبر # وإذا كان بوبر قد سار على نهج كانط، ليحقق بنجاح الجمع بين المثالية والتجريبية ~~الذي فشل فيه كانط بسبب تسليمه بقطعية الأحكام التجريبية وتأليفية الأحكام ~~التحليلية، فإن هذا لا ينفي - بل يؤكد - أن بوبر عبقرية منطقية جبارة ذات ms413 أصالة، ~~واستقالية نادرة الاستقالية هي أميز مميزات بوبر، إذا استثنينا من هذا التجاءه إلى ~~تارسكي فيما يتعلق بالمفاهيم المنطقية ونظرية الصدق، # 13 # فقد أصبح من الواضح الآن أن فلسفة بوبر اتجاه عظيم أصيل مجدد متسق ~~مترابط، يمثل إضافة حقيقية للفلسفة، وقبل أن يضيف ويبني يأخذ على عاتقه هدم الأوثان ~~التي لا قبل لأحد بمعارضتها، وعلى رأس هاتيك الأوثان: الاستقراء، وقصر الفلسفة ~~على التحليل اللغوي، ثم النظرة الذاتية للإبستمولوجيا والبحث عن احتمالية الصدق ~~العالية، وتبرير النظريات العلمية بوصفها بناء قائما صادقا، ومتوصلا إلى ماهيات ~~الأشياء وحقائقها ... # ثم كان الاتساق والترابط في فلسفته تأكيدا لدعواه إلى وحدة العلوم، وأن أية ~~تجزئة من شأنها أن توقف تقدم العلم، # 14 # والتي أردفها بالدعوة إلى وحدة المناهج، فالنزاع بين المناهج، وتقسيم ~~أرض العمل بينها بحيث يختص كل منهج بمباحث معينة يكون فيه الأكفأ يحتل شطرا عظيما ~~من المناقشات الفلسفية، حتى في أخص خصائص الفلسفة كالأخلاق والجمال ما زال النقاش ~~يدور حول منهجهما، أهو فلسفي تأملي أم علمي تجريبي؟ لم يعد أمامنا الآن منهج للعلوم ~~وآخر للفلسفة، بل فقط منهج واحد ووحيد هو أسلوب لحل المشكلات، علينا فقط أن نتساءل: ~~هل نتاج البحث إخبار عن الواقع، أم استكناه له أو تأويل أو وضع قيم عليا أو رسم ~~غاية منشودة أو غير ذلك، والفيصل في هذا هو معيار القابلية للتكذيب الذي يكفل ~~الإخبار عن الواقع، لقد كان فض النزاع بين المناهج محصلة منطقية لصياغة بوبر ~~البارعة «م1 # ح ح # أ أ # م2» والتي - بتعميمها على سائر الأنشطة - تجعل كل سلوكنا موجها ~~لحل مشكلات بغير الوقوع في أسر البراجماتية التي تحيلنا إلى سماسرة تبحث فقط عن ~~النافع والمفيد، وهذه الصياغة بدورها محصلة منطقية لاتساق بوبر وترابط ~~فلسفته. # اتساق بوبر وترابطه، وهو عالم وفيلسوف ومفكر سياسي ومنطقي، هو الأنموذج الحي على ~~دعواه بوحدة العلوم ووحدة المنهج، والتي أردفها بمحاربة التخصص. # وإذا كانت الاستقلالية أهم ما نسجله لبوبر، فإن أهم ما نسجله عليه هو جموده ~~وثباته؛ إذ لا يمكن أن ms414 نجد تطورا له أو مراحل لتفكيره، فما يقوله الآن هو ما قاله ~~منذ ثلاثين أو أربعين عاما، آراؤه الفلسفية واتجاهاته الفكرية في جوهرها ثابتة، لا ~~تتغير إن قليلا وإن كثيرا، وكل ما يفعله في إخراج عمل جديد هو أن يضيف إثباتا ~~جديدا أو برهانا جديدا لرأيه السابق، أو يستخرج منه نتيجة جديدة، أو يضيف معالجة ~~جديدة لجانب آخر له، أو يعممه أكثر، أو يضيف تأريخا لفلسفة أو فيلسوف، تأريخا ~~جديدا يثبت به وجهة نظره التي لا بد أن يكون قد قالها منذ عشرات السنين، ويقولها ~~الآن، وسيظل يقولها إلى ما شاء الله؛ لذلك نجد أن «الملحق الكبير نسبيا، الذي ~~ألحقه بالترجمة الإنجليزية «لمنطق الكشف العلمي» تحت عنوان: «بعد عشرين عاما» مجرد ~~تراكم لحجج أكثر على دعاوى بوبر السابقة، وهو تراكم من شأنه أن يربك الباحث في ~~فلسفته، إذن إنه محض تكرار وليس تبديلا أو تعديلا، فلم يختلف إطلاقا مع أي من ~~دعاويه المطروحة من قبل في النسخة الألمانية». # 15 # بل وإن بوبر نفسه يخبرنا في سيرته الذاتية، أنه توصل إلى النظريات الأساسية ~~المميزة لفلسفته، وهو دون العشرين من عمره، فأهمها وهو معيار القابلية للتكذيب توصل ~~إليه وهو في السابعة عشرة، وعبثية الفلسفة اللغوية تراءت له وهو في الخامسة عشرة، # 16 # إننا لا نجد حتى المرحلتين اللتين رآهما هو في كل تفكير: أي إن التفكير ~~الدوجماطيقي ثم التفكير النقدي، فقد بدأ بوبر نقديا عنيفا وهو لا يزال صبيا ~~بلا بنية عقلية أو حصيلة معرفية، واستمر نقديا، وكل ما تفعله الأيام هو أن تزيد ~~حدة نقده وحمية دعواه بضرورة النقد. # افتقادنا لأي تطور فكري لبوبر لا يعني أننا نريده كرسل مثلا، الذي قال عنه برود: ~~«إننا نعلم جميعا كيف أن من عادة الأستاذ رسل أن يستحدث مذهبا فلسفيا جديدا كل ~~بضع سنوات.» # 17 # فلا شك أن وحدة الاتجاه وثباته لها مميزاتها مثل قوة الرأي، فشد ما ~~يضعف الرأي هو التردد والتذبذب ووضوح الرؤية والتمكن والاقتناع الراسخ بما ينادي ~~به، وهذا يدخل في ms415 نطاق الأمانة الفكرية، وأيضا يحمل آيات النبوغ المبكر، لكن لكل ~~شيء حدودا معقولة، فكيف يبدو شيخ جاوز السبعين، وقضى كل هذا العمر الطويل في رحاب ~~عالم العلم والفلسفة والمنطق، مناديا بنفس الآراء التي لاحت له وهو بعد صبي يافع، ~~أفلا تغير خبرة السنين وتقدم العمر وتطور العلم وسعة البحث واتصال التفكير السنين ~~الطوال شيئا من أفكار الصبا؟ ~~(3) الفلسفة تسير في اتجاه الوضوح # وإذا كانت فلسفة بوبر أحد وأهم الاتجاهات المستقلة في الفلسفة المعاصرة، وليس ~~فحسب بل والمناهضة للتيار التحليلي اللغوي المسيطر على القطاع الأكبر من هذه ~~الفلسفة حتى إن بوبر - كما أوضح الباب الثاني - قسم الفلسفة المعاصرة إلى قسمين؛ ~~قسم تحليلي يتبع فتجنشتين، والوضعيون أبرز أئمته، وقسم لاتحليلي من أتباع كانط، ~~بوبر من أبرز أئمته، إذا كانت فلسفة بوبر بهذا الوضع، أمكن أن نستخلص أهم سمة تميز ~~الفلسفة المعاصرة في تطورها الحالي؛ إذ إنها تنطبق على كلا القسمين، ألا وهي الوضوح ~~والإيضاح. # فالاعتقاد الشائع هو أن الوضوح قصر على التحليليين - رغم أن رسالة فتجنشتين آية ~~في الغموض - لأن فلسفتهم هدفها الأساسي، بل والوحيد في بعض الاتجاهات كمدرسة ~~أكسفورد هو الإيضاح، ويكاد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي يسجل للتحليليين لكن ~~فلسفة بوبر، رغم عمقها وثوريتها وخصوبتها، هي الأخرى آية في الوضوح والسلاسة، بل ~~وقد طالب بأن يكون الوضوح وإيضاح موقف المشكلة من أهم أهداف الفيلسوف وأيضا ~~العالم، وكل باحث شريطة ألا يوقعنا هذا الهدف في المتاهات اللغوية ~~العقيمة. # والوضوح لا ينطبق على بوبر وخصومه الوضعيين فحسب، بل بصفة أشمل يمكن القول: إن ~~عصور الفلسفة الملغزة والمفرطة في التعقيد، التي تظن أن التناسب عكسي بين القيمة ~~المعرفة وبين الوضوح، هو عصر آخذ في الأفول، خصوصا بعد رحيل هيدجر، لم تعد الفلسفة ~~تتلمس السمو المعرفي والرفعة العقلية في الصعوبة والتعقيد والعلو عن مستوى الفهم ~~العادي، كما دأبت المثالية الألمانية على وجه الخصوص، فهذا هربرت ماركيوز ينزل ~~بكتاباته النابضة إلى أي شاب مثقف، والبراجماتيون ابتداء من تشارلز بيرس وحتى وليم ~~جيمس وجون ديوي ms416 كتاباتهم غاية في البساطة، ربما لأن الأقرب لي الفهم العام هو ~~الأنفع، بل وهذا جان بول سارتر (1905-1980م) وسيمون دي بوفوار (1907-1985م) يخرجان ~~الفلسفة الوجودية ليس بوضوح فحسب، بل وفي قالب مسرحي رائع ومشرق وجذاب ... # والفضل في هذا يعود - بلا جدال - أولا إلى برتراند راسل، فهو أول من علم ~~الفلاسفة كيف تكون الفلسفة آية في العمق والثراء والخصوبة، وفي الوقت نفسه آية في ~~الوضوح والسلاسة، بل والأسلوب الرائع البديع. ~~(4) الدرس الحضاري المستفاد من صحبة الفيلسوف # وأخيرا، فقد عرض هذا البحث للخطوط الأساسية لفلسفة كارل بوبر للعلوم من خلال ~~مناقشة مشكلة تمييز المعرفة العلمية وحلها بواسطة معيار القابلية للاختبار ~~والتكذيب، وأوضح أن هذه الفلسفة - شبه الموضوعية - في جملتها تتلخص في كلمة واحدة ~~هي: النقد، وإن عني هذا البحث - بحكم فرع تخصصه - بأسلوب النقد الفني المنطقي ~~المختص بالعلوم الطبيعية الذي يميزها، فالعلم يضع فروضا جريئة تكاد تشبه خلق ~~الأساطير والتصورات الدينية، غير أن الفارق الذي يميز العلم عن الأساطير ~~والميتافيزيقا والدين، ويجعله دونا عنها دائم التقدم، هو قابليته للنقد والاختبار؛ ~~أي التكذيب. # 18 # لكن بوبر لم يقصر أهمية النقد على العلم، فبينما يرى هنري بوانكاريه في النقد ~~حياة العلم، يرى فيه بوبر حياة كل نشاط عقلي، سواء أكان معرفيا يهدف إلى الحقيقة ~~أم سياسيا يهدف إلى العدل والمساواة والحرية والسلام، أو حتى مجرد نشاط حيوي يهدف ~~إلى حل أية مشكلة، # 19 # ولكن لما كان بوبر فيلسوفا معرفيا على وجه الخصوص، فقد أكد أن ~~التناول النقدي للمشاكل المطروحة ولحلولها ولمسار إجراءاتها ونتائجها، وفي كل ميدان ~~من ميادين البحث المعرفي، هو السبيل الأوحد والذي لا سبيل سواه إلى أي تقدم، النقد ~~هو شريطة التقدم؛ لأن التقدم لا يمكن أن يحدث بغير حذف الأخطاء، خصوصا إذا أخذنا ~~في الاعتبار أن المعرفة لا تنمو بمجرد التراكم الآلي بل بالتصويبات الجذرية الثورية ~~والتكذيبات العنيفة؛ لذلك كله أكد بوبر - في كتابه: المعرفة الموضوعية تناول تطوري ~~- على أن النقد هو أهم وظائف الملاحظة والتعقل بل وأيضا الحدس والخيال؛ إذ ms417 يجب أن ~~نستخدم جماع ملكاتنا في الاختبارات النقدية لتلك الافتراضات الحدسية الجريئة التي ~~بواسطتها نقتحم المجهول، وليس الفروض فقط، بل كل جزيء من معرفتنا يجب أن يعرض للنقد ~~... # لذلك كله لم يكن بوبر مجرد ناقد لا يعرف الرحمة لأنه مفكر خلاق، بل وكان أيضا ~~فيلسوفا ذا منهج نقدي، # 20 # يوضح في كل مناسبة النقد الأمثل وكيف يكون، ويوضح شروطه من أنه يجب أن ~~يكون موضوعيا وقاسيا قدر الإمكان، وأنه من الضروري الإحاطة بموقف المشكلة ودراسة ~~ومقارنة جميع الحلول المطروحة حتى ننقد الحل المعنى، وأن نحاول أن ننقد أنفسنا خير ~~من أن ينتقدنا الآخرون، وأن نقد النظرية يجب أن يكون وهي في أبهى صورها وأقواها، بل ~~ويجب قبل أن ننقدها أن نرحم أخطاءها الصغيرة كي نركز فقط على الأخطاء الكبيرة ~~الجوهرية، وهذا ما فعله بوبر نفسه في «عقم المذهب التاريخي»، فهو قبل أن ينقد ~~المذهب عرضه بوضوح وأورد له من الحجج ما لم يورده التاريخيون أنفسهم، وهذا الشرط ~~الأخير هدفه أن نركز فقط على الأفكار الرائدة العظيمة المبسطة، وألا ننشغل بالأفكار ~~الفرعية فنقع في مستنقع المدرسيين، وكل ذلك لكي يكون النقد مثمرا. # 21 # وأخيرا فإن ما يزيد من أهمية النقد، هو أن نظرية بوبر المنهجية والمعرفية - كما ~~أوضحنا آنفا - تؤكد أننا لا نبدأ أبدا من فراغ ، بل من تراث معرفي سابق لا بد أن ~~نثريه ونضيف إليه، وليس ذلك إلا بمنهاج النقد، وحذف الخطأ منه تبعا للصياغة «م1 # ح ح # أ أ # م2». # والخلاصة أن فلسفة بوبر مجرد دعوة مكثفة لتنصيب النقد سلطانا فوق كل سلطان أو ~~بالأحرى جعله السلطان الوحيد. # والآن، هل من شك في أننا أحوج بقاع الدنيا لهذا الدرس؟ فلن نجانب الصواب لو ~~قلنا: إن مثل هذا المنهاج النقدي - خصوصا في تناولنا لميراثنا المعرفي - لا يدخل ~~إطلاقا في تكوين العقلية العربية، ويا ليت فحسب، بل ويكاد يدخل في نطاق ما لا ~~ينبغي! فالأمر الواقع هو أن أحدا من أبناء الحضارة العربية لا يدرسها إلا ليؤكد ~~أنها أنشأت كل ms418 العلوم وأبدعت كل الفنون، وأسست كل اتجاهات الفكر، فأقامت المعجزة ~~المعرفية وأردفتها بالاجتماعية، فأكدت كل حقوق الإنسان والحيوان أيضا، وذلك بالطبع ~~بعد المعجزة العسكرية وأيضا السياسية، باختصار جمعت فأوعت وفعلت كل ما يمكن، ~~وأحيانا ما لا يمكن أن يفعل؛ إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان! # والدراسات النقدية القليلة لا تلقى ترحيبا، بل تقابل بالاستنكار، ولا تسلط ~~الأضواء إلا على البحوث التي تؤكد مواضع التمجيد، ولا مانع أن تضيف إليها مما لم ~~يثبته التاريخ، أو حتى لا يقبله العقل. # وبالطبع في هذا شيء من الصواب، فلا شك أن الحضارة العربية إحدى الطفرات الحضارية ~~المعجزة في التاريخ، وأنها احتلت قمة المد الحضاري طوال العصور الوسطى، لكن مثل هذا ~~الأسلوب في تناولها يوقعنا - بتعبير فلسفة العلم - في مهاوي مطلب تحقق وتأييد ~~النظريات العلمية العقيم، وهو لهذا تحصيل حاصل، فمع الافتراض الجدلي أن كل ما يثبته ~~سليم تماما، فهو منهاج يبحث في منجزات قد أنجزت وانتهى الأمر، باقي أن نتحدث ~~عن المنجزات التي لم نستطع أن ننجزها، أي عما ينقصنا وعن أخطائنا التي سببت هذا ~~النقص أي عن نقد تراثنا الحضاري، يجب أن نفتح صدورنا لنقد الدوجماطيقية الكائنة في ~~زاوية أو أخرى؛ لأنها هي التي تقف عقبة كئودا في سبيل النقد. # ولنتعلم من بوبر أنه من الأفضل أن ننقد أنفسنا بدلا من أن ينقدنا الآخرون، فلا ~~نجعل مشروعية المنهاج النقدي للحضارة العربية تكاد تكون حكرا على المستشرقين، ~~فمنهاجنا الشائع التأييدي على خط مستقيم، لن يفيدنا في حذف أي خطأ؛ وبالتالي في ~~إحراز أي تقدم، لعله يفيد من الناحية السيكولوجية، فيقوي من الحمية القومية، ويؤكد ~~الاعتزاز بالأصالة، وهي البعد الذاتي الأساسي لأية حضارة، لكن كل هذا أقرب إلى ~~البعد السيكولوجي، وينقصه ما هو أهم البعد الموضوعي النقدي، وبالطبع لا يفوتنا أن ~~حتى مثل هذا البعد السيكولوجي محل جدل وخلاف وفي حاجة إلى النقد؛ لأن ارتباط ~~الحضارة العربية بالعامل الديني الذي يغرس القيم الخلقية الرفيعة في النفوس ويحدد ~~الأنماط الكفيلة باستقرار المجتمع وانضباطه، هذا الارتباط ms419 بالعامل الديني - وهو أهم ~~الأبعاد الحضارية في الشرق خصوصا - جعل الحضارة العربية تطغى تماما على عناصر ~~الأصالة الحقيقية في الحضارات الكائنة خارج شبه الجزيرة العربية، فتريد أن تمد ~~الوجدان المصري مثلا إلى جذور عمرها ألف وأربعمائة عام، وتغفل جذورا عمرها سبعة ~~آلاف عام تمتد حتى أعظم المعجزات الحضارية قاطبة أي الحضارة الفرعونية. # المهم أن النقاش احتدم بين المفكرين - خصوصا بين الحربين العالميتين - حول مشكلة ~~الأصالة والمعاصرة، فقد رأوها المشكلة الحضارية الأساسية، وهي: على أي الخامات ~~تعتمد في نسج حضارتنا المعاصرة؟ وراح فريق السلفيين ينتصر للتراث - أي الأصالة - ~~أما فريق التجديديين فقد انتصر للحضارة الأوروبية المعاصرة، ويكاد يكون النقاش قد ~~انتهى إلى نسج نسيج لحمته التراث وسداه الحضارة الأوروبية المعاصرة، وكما هو معروف، ~~الدكتور زكي نجيب محمود على رأس من طرحوا هذا الحل بصورة شاملة، كما تبرز على وجه ~~الخصوص ثلاثيته: تجديد الفكر العربي - ثقافتنا في مواجهة العصر - المعقول ~~واللامعقول في تراثنا، غير أن المواد الخام التي تنسج منها الحضارة هي أدوات العمل ~~وثمة ما هو أهم، أسلوب العمل وأسلوب تسخير هذه الأدوات في بناء الحضارة، ولو ~~يممنا أنظارنا شطر النقد وجعلناه الفيصل الوحيد في اعتبار أي عنصر حضاري؛ لألفينا ~~أنفسنا نحذف مواطن الخطأ، وما لا يقبله العقل والمنطق ومقتضيات الصالح الحضاري، أي ~~- بداهة - جعلنا حضارتنا تسير دوما نحو ما هو أفضل وأصوب فتمثل تقدما في متصل ~~صاعد، أوليس العقل ها هنا هو راعيها؟ # لقد قال بوبر: إن «النقد هو دماء الحياة لكل تفكير عقلاني.» # 22 # فيا ليتنا ثم يا ليتنا نجعله دماء تفكيرنا، كيما يكون ~~عقلانيا. # | ثبت المراجع # وكلها مذكورة آنفا في هوامش البحث. # 1 ~~⋆ ~~(1) كتابات كارل بوبر ~~(أ) الكتب ~~(1) # Karl R. Popper, # Logic of ~~Scientific Discovery ~~, eighth impression, ~~Hutchinson, London, 1976 ~~. ~~(2) # Karl R. Popper, # The Open ~~Society and its Enemies ~~, Vol. I, The Spell of Plato ~~. ~~(3) # Vol. II, # The High Tide of Prophecy ~~: Hègel, Marx and the Al-termath, George ~~Routledge and Sons Ltd, London, 1945 ~~. ~~(4) # Karl, R. Popper, # Conjectures ms420 ~~and Refutations ~~: The Growth of Scientific ~~Knowledge, Routledge and Kegan Paul, reprinted fourth edition, ~~London, 1976 ~~. ~~(5) # Karl R. Popper, # Objective ~~Knowledge ~~: An Evolutionary Approach fourth ~~impression, Clarendon Press, Oxford, ~~1976 ~~. ~~(6) # كارل بوبر، # عقم المذهب التاريخي ~~: ~~دراسة في مناهج العلوم الاجتماعية، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، منشأة ~~المعارف بالإسكندرية، سنة 1959م. ~~(7) # Karl, R. Popper, # Un ended ~~Quest ~~: An Intellectual Authobiography, Willian ~~Collins Sons and Co, Ltd. Glasgow 1976 ~~. ~~(8) # Karl R. Popper, # Replies to my ~~Critics ~~, in the Philosophy of Karl Popper, Volume ~~II. pp. 961 to 1198 ~~. ~~(ب) المقالات التي لم تنشر في الكتب ~~(9) # Karl R. Popper, # New ~~Foundations for Logic ~~, Mind, 56, 1947. pp. 103-235 ~~. ~~(10) # Karl. R. Popper, # Logic ~~Without Assumptions ~~, Proceeding of the ~~Aristotelian Society, XL VII, 1947, pp. ~~251-292 ~~. ~~(11) # Karl, R. Popper, # Indeterminism in Quantum Physics and in Classical Physics ~~, Part I, the British Journal for the Philosophy of Science, I, 1950. pp. ~~117-133 ~~. ~~(12) # Karl R. Popper, # Indeterminism ~~in Quantum Physics and in Classical Physics ~~, Part ~~II, The British, Journal for the Philosophy of Science, I, 1950. ~~pp. 173-195 ~~. ~~(13) # Karl R. Popper, # Time’s Arrow ~~and Feeding On Negentrophy ~~, Nature, 312, 1967. p. ~~320 ~~. ~~(14) # Karl, R. Popper. # Quantum ~~Mechanism Without the Observer ~~, in Quantum Theory ~~and Reality, edited by Mario Bunge, Sringer Verlog, Berlin (Hied ~~elberg), New York, 1967. pp. 7-44 ~~. ~~(2) كتابات عن كارل بوبر ~~(15) # Mario Bunge (editor), # Critical ~~Approach to Science and Philosophy ~~, in Honour of K. Popper, The Free Press of Glencoe # London ~~, 1964 ~~. ~~(16) Paul Arthur Schilpp (editor), # The Philosophy of Karl Popper, Part I ~~, in The Library of ~~Living Philosophers, Vol. 14/I Open Court Publishing Co., Illinois. ~~1974 ~~. ~~(17) Paul Arthur Schilpp (editor), # The Philosophy of Karl Popper ~~, Part II, in the Library of ~~Living Philosophers, Vol. 14/II. Open Court Publishing Co., ~~Illinois ~~. ~~(18) # Maurice Cornforth, # The Open Philosophy and the Open Society ~~, A Reply to Dr. Karl Popper’s Refutations of Marxism, Lawrence and Wishart, second ms421 ~~eddition, London 1972 ~~. ~~(19) # Bryan Magee, # Karl Popper ~~, edited by frank kermod, Viking Press New ~~York, seconé edition, 1973 ~~. ~~(20) # G. J. Warnock., # Review of Logic ~~of Scientific Discovery ~~, Mind New Series, 69, ~~1960 ~~. ~~(21) # J. S. Kirk, Popper on Science and Presocratic ~~, Mind. New Series 69, ~~1969 ~~. ~~(22) # ف. ف. ناليموف، قبول الفرضيات العلمية، مجلة ديوجين، صادرة عن مجلة رسالة ~~اليونيسكو مركز مطبوعات اليونيسكو، العدد السادس والأربعون، السنة الثالثة ~~عشرة، أغسطس وأكتوبر سنة 1979م. ~~(3) المراجع الأجنبية العامة ~~(23) # A. J. Ayer, Russell and Moore: # The Analytical Heritage, # Macmillan and Co. ~~Ltd., London, 1971 ~~. ~~(24) # A. J. Ayer, # Language, Truth and ~~Logic ~~, Penguin Books, London, ~~1974 ~~. ~~(25) # Alan Ryan, # J. S. Mill ~~, ~~Routledge and Kegan Paul, London 1974 ~~. ~~(26) # Alice Ambrose and Morris Lazerwitz (editor), # Ludwig, Wittgenstein: Philosophy and ~~Language ~~, George Allan and Unwin, London ~~1922 ~~. ~~(27) # Anthony Kenny, # Wittgenstein ~~, Harvard University Press, ~~1973 ~~. ~~(28) # A. N. Whitehead, # An Inquiry ~~Concerning The Principles of Natural Knowledge ~~, ~~Cambridge University Press, 1919 ~~. ~~(29) # A. N. Whitehead, # Science and ~~Modern World ~~, Williams Collins Sons and Co. Ltd., ~~Galsgow, 1975 ~~. ~~(30) # A. Polikarov, # Science ~~and Philosophy, Publishing House of The Bulgarian ~~Academy of Science, Sofia, 1973 ~~. ~~(31) # Arthur Eddington, # The Nature of ~~the Physical World ~~, The University of Michigan Press, ~~second Edition, 1963 ~~. ~~(32) # Bertrand Russell, # An Outline of Philosophy ~~, George Allan and Unwin Books, London, ~~1972 ~~. ~~(33) # Bertrand Russell, # Logic and Knowledge, # George Allan and ~~Unwin Boods, London, 1940 ~~. ~~(34) # Bertrand Russell, # History Of ~~Western Philosophy ~~, Brothers Libited Working, London, ~~1954 ~~. ~~(35) # Bertrand Russell, # My Philosophical Development ~~, George Allan and Unwin, ~~London, 1959 ~~. ~~(36) # Bertrand Russell, # Mysticism and ~~Logic ~~, Unwin Books, London. ~~1963 ~~. ~~(37) # Bertrand Russell, Problems of Philosophy ~~, Oxford University Press, ~~1973 ~~. ~~(38) # Bryan Magee, # Modern British Philosophy ~~, Secker and Warburg, London, ~~1971 ~~. ~~(39) # C. G. Jung, Physical ~~Types ~~, Harcourt, New York, ~~1933 ~~. ~~(40) # Donald. W. Livingston and James, T. King (editors), # Hume: A Re-evalualion ~~, Fordham ~~University Press, New York. 1976 ~~. ~~(41) # E. A. Burtt, # The Metaphisical ms422 ~~Foundations of Modern Science ~~, Kegan Paul and Trench ~~Trubner and Co., Ltd., London, 1932 ~~. ~~(42) # Eugene August, # John Stuart ~~Mill ~~: A Mind of Large, Charles Scribner’s Sons, New ~~York, 1975 ~~. ~~(43) # F. Engles., # Dialectic of ~~Nature Progress Publishers, Moscow, ~~1966 ~~. ~~(44) # F. V. Konstantinov (chief of a team of # aut hors) ~~, # The ~~Fundamentals of Marxist ... Leninist Philosopher, Progress Publishers, Moscow, ~~1974 ~~. ~~(45) # Geoffrey Leech, # Semantics ~~, Penguin Books, London, ~~1972 ~~. ~~(46) # G. E. Moore, Philosophical ~~Studies ~~, Kegan Paul Ltd., London, ~~1922 ~~. ~~(47) # G. N. Ridlev, # Man: The Verdict of ~~Science ~~, The Thinker Library. No. 114, Watts and Co., ~~London, 1946 ~~. ~~(48) # H. J. Eysenck and G. D. Wilson (editors), # The Experimental Study of Freudian ~~Theories ~~, Methuen and Co. LTD, Londdon, ~~1973 ~~. ~~(49) # James Griffen, # Wittgenstein’s ~~Logical Atomism ~~, Oxford University Press, London, ~~1965 ~~. ~~(50) # Jerrold Katz, # The Problem of ~~Induction and its Solutions ~~, the University of ~~Chicago Press, 1962 ~~. ~~(51) # John Maynard Smith, # The Theory of ~~Evolution ~~, Penguin Books, London, Third edition, ~~1975 ~~. ~~(52) # John Passmore, # A Hundred years of Philosophy ~~, Penguin Books, London, ~~1966 ~~. ~~(53) # J. S. Mill, # System of ~~Logic # Rationative and Induction, Book N-VI and ~~Appendices, Editor of The Test: J. M. Robson, Routledge and Kegan Paul, London. 1971 ~~. ~~(54) # J. S. Mill, # System of ~~Logic ~~, Books I. III, edited by J. N. Robson ~~University of Tronto Press, Routledge and Kegan Paul, London. ~~1973 ~~. ~~(55) # Justus Hartnack, # Wittgenstein and ~~Modern Philosophy ~~, translated by: Maurice Cranston, ~~New York University Press. 1965 ~~. ~~(56) # Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigation, ~~translated. by: G. E. Anscombe, Busil Blackwell, Oxford, ~~1973 ~~. ~~(57) # Max Born, # Natural Philosophy of ~~Cause and Chance ~~, Oxford University Press, ~~1948 ~~. ~~(58) # Northon White, the Age of ~~Analysis ~~: 20th Century Philosophy A Minotor Book, New ~~American Library, New York, 1957 ~~. ~~(59) Paul Arthur Schilpp (editor) # The Philosophy of G. E. Moore # in The Library of Living Philosophers, Tudor Publishing Company, New York, ~~1952 ~~. ~~(60) # R. B. Braithwait, # Scientific ~~Explanation ~~: A Study for The ms423 Function of Theory, Probability and Law in Science Harpers and Brothers, New York, ~~1960 ~~. ~~(61) # Robert W., Marks (editor), # Great ~~Ideas in Psychology, Beniam # Books, New York, London, ~~1966 ~~. ~~(62) # Rudolf Carnap, # The Logical Syntax ~~of Language ~~, The Humanties Press Inc. Routledge and ~~Kegan Paul LTD., London 1951 ~~. ~~(63) # Rudolf Carnap, # The Nature and ~~Application of Inductive Logic # constiuting of six ~~sections from: Logical Foundations of Probability. The University of ~~Chicago Press, Chicago and Illinois, 1951 ~~. ~~(64) # Rudolf Carnap, # The Logical ~~Stracture of The World ~~, and Pesudo Philosophy, ~~translated by: Ralf, A. George, University of Cambridge Press, ~~1967 ~~. ~~(65) # S. Stebbing., # A Modern ~~Introduction to Logic ~~, Asia Publishing House, London, ~~1960 ~~. ~~(66) # Timothy Binkley, # Wittgenstein’s ~~Language ~~, Nortinus Nijhoff, the Hague Netherlands, ~~1973 ~~. ~~(67) # V. Rydnik, ABC of Quantum Mechanism, Translated by ~~George Yankovsky, Peace Pubilshers, Moscow, Without the year of Publishing ~~. ~~(4) المراجع العربية العامة ~~(أ) المراجع العربية المؤلفة # أبو حامد الغزالي، # منطق تهافت الفلاسفة ~~المسمى معيار العلم ~~، تحقيق د. سليمان دنيا، دار ~~المعارف، القاهرة، 1969م. # توفيق الطويل، # أسس الفلسفة ~~، ~~دار النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1976م. # د. زكريا إبراهيم، # مشكلة ~~الإنسان ~~، مكتبة مصر، القاهرة، بدون تاريخ. # د. زكريا إبراهيم، # دراسات في الفلسفة ~~المعاصرة ~~، مكتبة مصر، القاهرة، 1968م. # د. زكي نجيب محمود، # نحو فلسفة ~~علمية ~~، مكتبة الأنجلو المصرية، سنة 1959م. # د. عائشة عبد الرحمن، # مقدمة في ~~المنهج ~~، جامعة الدول العربية، القاهرة، ~~1971م. # عباس محمود العقاد، # فرنسيس بيكون: مجرب في ~~العلم وفي الحياة ~~، دار المعارف، القاهرة، ~~1945م. # د. عبد الرحمن بدوي، # مدخل جديد إلى ~~الفلسفة ~~، وكالة المطبوعات، الكويت، 1975م. # د. عبد الرحمن بدوي، # مناهج البحث ~~العلمي ~~، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977م. # د. عثمان أمين، # رواد المثالية في الفلسفة ~~العربية ~~، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ~~1975م. # د. عزمي إسلام، # لودفيج ~~فتجنشتين ~~، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، ~~القاهرة، ب.ت. # د. عزمي إسلام، # مقدمة لفلسفة العلوم ~~الفيزيائية والرياضية ~~، القاهرة، 1977م. # د. فؤاد زكريا، # نظرية المعرفة والموقف ~~الطبيعي للإنسان ~~، النهضة المصرية، 1977م. # د. ms424 فؤاد زكريا، # التفكير ~~العلمي ~~، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1979م. # د. ماهر عبد القادر، # فلسفة العلوم ~~الطبيعية: المنطق الاستقرائي ~~، الإسكندرية، ~~1979م. # محمد باقر الصدر، # الأسس المنطقية ~~للاستقراء ~~، دار الفكر، بيروت، 1972م. # د. محمد فتحي الشنيطي، # المنطق ومناهج ~~البحث ~~، دار الطلبة العرب، بيروت، 1969م. # محمد فرحات عمر، # طبيعة القانون ~~العلمي ~~، الدار القومية، القاهرة، 1966م. # د. محمد مهران ود. عبد الحميد حسن، # في ~~فلسفة العلوم ومناهج البحث ~~، مكتبة سعيد رأفت، ~~القاهرة، 1978م. # د. محمد مهران، # فلسفة برتراند ~~رسل ~~، دار المعارف، القاهرة، 1977م. # محمود أمين العالم، # فلسفة ~~المصادفة ~~، دار المعارف، القاهرة، 1970م. # د. محمود زيدان، # الاستقراء والمنهج ~~العلمي ~~، الإسكندرية، 1980م. # د. مراد وهبة، # المذهب عند ~~كانط ~~، ترجمة عن الفرنسية د. نظمي لوقا، الأنجلو، ~~القاهرة، 1974م. # د. يحيى هويدي، # ما هو علم ~~المنطق؟ ~~، النهضة المصرية، القاهرة، 1966م. # يوسف كرم # تاريخ الفلسفة ~~الحديثة ~~، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة، ~~1967م. ~~(ب) المراجع العربية المترجمة # أدرين كوخ، آراء فلسفية في أزمة العصر، ترجمة محمود محمود، ~~الأنجلو، القاهرة، 1963م. # أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، المطبعة العصرية، القاهرة، ~~1948م. # ألفرد تارسكي، مقدمة للمنطق ولمنهج البحث في العلوم الاستدلالية، ~~ترجمة د. عزمي إسلام، مراجعة د. فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة ~~للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1970م. # إميل بوترو، فلسفة كانط، ترجمة د. عثمان أمين، الهيئة المصرية ~~العامة للتأليف، 1972م. # إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة د. عبد الغفار ~~مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للطباعة والنشر، ~~القاهرة، 1965م. # برتراند رسل، النظرة العلمية، ترجمة عثمان نويه، مراجعة إبراهيم ~~حلمي عبد الرحمن، الأنجلو، القاهرة، 1956م. # بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة د. فؤاد زكريا، ج2، نهضة ~~مصر، بغير سنة للنشر. # جاستون بشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة ~~د. عبد الله عبد الدايم، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد ~~القومي، دمشق، 1969م. # جان فوراستيه، معايير الفكر العلمي، ترجمة فايزكم نقش، منشورات ~~عويدات، بيروت، 1969م. # ج. برونوفسكي، وحدة الإنسان، ترجمة د. فؤاد زكريا، الأنجلو، ~~القاهرة، 1975م. # جورج ديهاميل، دفاع عن الأدب، ترجمة ms425 د. محمد مندور، الدار ~~القومية، القاهرة، بغير سنة للنشر. # جون كميني الفيلسوف والعلم، ترجمة د. أمين الشريف، المؤسسة ~~الوطنية للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1969م. # جيمس أ. كولمان، النسبية في متناول الجميع، ترجمة د. رمسيس ~~شحاتة، مراجعة د. فهمي إبراهيم ميخائيل، دار المعارف، القاهرة، ~~1969م. # جيمس جينز، الكون الغامض، ترجمة عبد الحميد حمدي مرسي، مراجعة ~~د. علي مصطفى مشرفة، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1942م. # جيمس كونانت، مواقف حاسمة في تاريخ العلم، ترجمة د. أحمد زكي، ~~دار المعارف، القاهرة، 1963م. # داجوبرت د. روتز (معد)، فلسفة القرن العشرين، ترجمة عثمان نويه، ~~مراجعة د. زكي نجيب محمود، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، ~~1963م. # ر. كولنجوود، فكرة الطبيعة، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، مراجعة د. ~~توفيق الطويل، مطبعة جامعة القاهرة بغير تاريخ. # روجيه جارودي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، ~~دار دمشق للطباعة والنشر، بغير تاريخ. # ستانلي بيك، بساطة العلم، ترجمة زكريا فهمي، مراجعة د. عبد ~~الفتاح إسماعيل، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، 1967م. # تشيرنوجروفا، أسرار عالم الجسيمات الدقيقة، ترجمة د. إبراهيم ~~شوشة، دار مير، موسكو، 1978م. # ف. أ. لينين، المادية والمذهب التجريبي النقدي: تعليقات نقدية ~~على فلسفة رجعية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر، ~~1975م. # فيرنر هيزنبرج، المشاكل الفلسفية للعلوم النووية، ترجمة د. أحمد ~~مستجير، مراجعة د. محمد عبد المقصود النادي، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، القاهرة، 1972م. # كارل همبل، فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة د. محمد جلال موسى، دار ~~الكتاب العربي، القاهرة، 1976م. # كلود برنار، مدخل لدراسة الطب التجريبي، ترجمة يوسف مراد وحمد ~~الله سلطان، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1944م. # ك. هول، ج. لندزي، نظريات الشخصية، ترجمة د. فرج أحمد فرج - قدري ~~محمود حفني - لطفي محمد فطيم - مراجعة د. لويس كامل مليكة، الهيئة ~~المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1971م. # لويس دي بروليه، الفيزياء والميكروفيزياء، ترجمة د. رمسيس شحاتة، ~~مراجعة د. محمد مرسي أحمد، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، ~~1967م. # ماكس فيبر، صنعة العلم، ترجمة أسعد رزوق، الدار العلمية، بيروت، ~~1972م. # هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد ms426 زكريا، دار ~~الكاتب العربي، القاهرة، 1968م. # هنتر ميد، الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها، ترجمة د. فؤاد زكريا، دار ~~نهضة مصر، 1969م. # ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة د. فتح الله المشعشع، دار ~~المعارف، بيروت، الطبعة الرابعة، 1979م. # و. أ. بفردج، فن البحث العلمي، ترجمة زكريا فهمي، مراجعة د. أحمد ~~مصطفى أحمد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1963م. ms427