######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.HurriyyaInsaniyyaWaCilm.Hindawi40515731 #META# Tags: philosophy #META# ID: 40515731 #META# Title: الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # المدخل‏ # 1 - ما الحرية‏ # 2 - معضل الحرية في عالم العلم الحتمي‏ # 3 - مواجهة المعضل‏ # 4 - خطوة فرنسية على الطريق‏ # 5 - نظريات الحرية في العالم اللاحتمي‏ # 6 - انفراجة المعضل في عالم العلم المعاصر‏ # الخاتمة‏ # المضمون‏ # ثبت المراجع‏ # الإهداء‏ # المدخل‏ # 1 - ما الحرية‏ # 2 - معضل الحرية في عالم العلم الحتمي‏ # 3 - مواجهة المعضل‏ # 4 - خطوة فرنسية على الطريق‏ # 5 - نظريات الحرية في العالم اللاحتمي‏ # 6 - انفراجة المعضل في عالم العلم المعاصر‏ # الخاتمة‏ # المضمون‏ # ثبت المراجع‏ # | الحرية الإنسانية والعلم # | الحرية الإنسانية والعلم # | مشكلة فلسفية # تأليف # يمنى طريف الخولي # | الإهداء # إلى زوجي ... # وشلا من غمره. # يمنى طريف الخولي # | المدخل # إن المعايشة الحقيقية الحميمة لعالم التفلسف، لا تأتي إلا من خلال ~~معايشة مشكلاته، ذلك أن كل مبحث فلسفي وأية أطروحة للتناول الفلسفي، ~~تسمى مشكلة. إذن فالفلسفة عن بكرة أبيها، ومنذ نشأتها وحتى الآن وإلى ~~أبد الآبدين، لا تعدو أن تكون تفكيرا - اختلفت زواياه وأبعاده ~~ومنظوراته وخلفياته ومناهجه ومسلماته وحصائله - في مجموعة من ~~المشكلات. # فهل من سبيل للتعرف على عالم الفلسفة الخصب الزاخر خير من تناول ~~مشكلة معينة؛ لنرى كيف ولماذا انشغلت بها أعاظم العقول؟ وبما جادت ~~القرائح بشأنها؟ # وقد وقع الاختيار على «مشكلة الحرية»؛ لأنها واحدة من أمهات ~~المشكلات الفلسفية الكبرى، وتصلح في حد ذاتها مدخلا لتاريخ الفلسفة ~~بجملتها، ولن نجد فيلسوفا أو حتى مفكرا لم يدل بدلوه فيها، إنها ~~مشكلة عتيقة جدا، بدأ الانشغال بها في رحاب الفلسفة اليونانية - وهي ~~الفلسفة الأم - وحتى الآن، وفي كل عصر وفي كل وضع وحال، كانت دائما ~~تشغل الأذهان، وتستقطب اهتمام الفلاسفة، هي حقا مشكلة عتيقة جدا، ~~ولكن شأنها شأن المشكلات الفلسفية الحقيقية، يزداد ميراثها مع الأيام - ~~أو بالأحرى مع توالي العصور - نضارة ورونقا وبهاء. # على أن حيوية مشكلة الحرية لا تأتي فقط من الدور المحوري الذي ~~احتلته في تاريخ وبنية الفكر الفلسفي، بل تتأتى أصلا من كونها ~~واحدة من مشكلات فلسفية قليلة تحطم جدران الأروقة الأكاديمية ~~التخصصية وتتجاوز أطر البحوث الاحترافية، لتنساب في تيار الحياة ~~الدافق ms001 المعيش، وليس من الضروري أن يتسلح الإنسان بوعي عميق وفكر ثاقب ~~ليدرك أن الحرية هي قدس أقداس التجربة الإنسانية، ومن منا - سواء ~~كانت له علاقة بالفلسفة أم لا - لم يلح على ذهنه في لحظة ما ~~التساؤل: هل أنا حر؟ # لكن هذا التساؤل يحمل أكثر من مائتي معنى، أجل مائتين! ليس مبالغة ~~ولا تهويلا، بل عدا وحصرا ... إن كان إلى عد وحصر زوايا الوجود ~~الإنساني سبيل، وسوف نرى تفصيلا مدى شمولية مقولة الحرية الإنسانية، ~~وليس يصعب بداءة إدراك تشعبها في كل مناحي الواقع المعاش والعقل ~~الفعال، وكيف أنها قد تكون في هذا المنحى ولا تكون في ذاك، وقد ~~يؤكدها جانب وينفيها آخر، وقد يكون الإنسان حرا هنا وليس حرا ~~هناك. # فكيف لا نجفل من طرح مثل ذلك السؤال الجبار: هل الإنسان حر؟ # وما بالنا لو كانت الأطروحة فلسفية! والفلسفة هي النظرة الشمولية ~~الكلية الضامة لسائر كليات وجزئيات الحضارة الإنسانية ومجمل جوانب ~~الوجود الموجود - وغير الموجود أيضا في بعض السبحات ~~الميتافيزيقية. # وفي مقابل كل هذه العمومية الفضفاضة، نجد أن الفلسفة هي فن طرح ~~الأسئلة، أكثر كثيرا من كونها فن الإجابة عنها، إن تحديد المشكلة ~~المطروحة للبحث ليس فاتحة الطريق الفلسفي فحسب، بل أكثر من نصفه، وهي ~~في عرف البعض غايته وكل المراد من الفيلسوف. # لا بد قبلا من وضع الحدود، أجل نروم الإجابة عن السؤال الأزلي ~~الأبدي: هل الإنسان حر؟ ولكن سوف ندخل من أي مدخل؟ وننظر من أي منظور؟ ~~... وعلى أية أرضية؟ وبأية خلفية؟ # بعبارة أخرى لمن سيوجه الفيلسوف هذا السؤال؟ لفقه الدين، أم للفكر ~~الميتافيزيقي، أم للعقل العلمي، أم لرجل السياسة والاقتصاد، أم ~~للقانوني، أم للمنظر الاجتماعي، أم للمربي ... إلخ. # كل هذه وغيرها زوايا مشروعة، بل مفروضة لتناول مشكلة الحرية ~~الإنسانية، وهي في مجملها قد تعالج مجمل الحرية الإنسانية، ولكنها ~~زوايا متضاربة، كائنة في مستويات عدة للتفكير، ونحن نروم - في الحيز ~~المحدود بهذا الكتاب - رحلة فلسفية واضحة المعالم محددة الخطوات، ~~بمنجاة من التيه والتخبط، لا بد من رسم مسار معلوم، ms002 نقطة بدء محددة ~~وغاية واضحة. ~~••• # من أجل هذا، سوف نطرح سؤالنا: هل الإنسان حر؟ على العقل العلمي دون ~~سواه، فكيف؟ ولماذا؟ بل وما معنى هذا؟ # قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة، نلاحظ أننا سواء أخذنا في الاعتبار ~~الطبائع المميزة للفكر المعاصر دون سواه من مراحل الفكر البشري، أو ~~أخذنا في الاعتبار ميراث مشكلة الحرية بصورتها الجذرية - أي الفلسفية ~~الأصيلة، وطبيعتها وماهيتها والمواقع التي استثارتها في تاريخ الفلسفة ~~- سواء أخذنا هذا أو ذاك في الاعتبار، وجدنا أن العوامل العديدة ~~تملي علينا الأخذ بالعقل العلمي ليجيب عن هذا السؤال، كمقدمة مشروعة ~~لكل تناول فلسفي لمشكلة الحرية رام أن يكون معاصرا حقا. # فقد ذكرنا ضمنا أننا سنبحث في الحرية من حيث هي مشكلة فلسفية ~~أصيلة، أي مشكلة جذرية، فليس المقصود حرية الإنسان في هذا المجتمع أو ~~ذاك، أو هذا الوضع أو ذاك ... لسنا ننشغل الآن بالحرية السياسية دونا ~~عن الاقتصادية، أو حرية الصحافة، أو الحرية الشخصية، أو حرية التصرف ~~في الأموال، أو حرية الفنان ... إلخ. # كل هذه وغيرها حريات جزئية عينية بعدية، والمشكلة الفلسفية الحقيقية ~~هي التي تقف على أبعد الأبعاد البعيدة، وأعمق الجذور التأصيلية، فما هو ~~البعد الجذري التأصيلي لحرية الإنسان، والذي ينبغي أن يكون موضوعا ~~لمشكلة فلسفية حقا؟ # الإجابة واضحة، ألا وهي: حرية الإنسان بوصفه موجودا في هذا الوجود، ~~في هذا الكون، قبل أن يكون موجودا في هذا المجتمع أو تلك الجماعة؛ ~~لذلك يمكن أن نسميها «الحرية الأنطولوجية»؛ لأن الأنطولوجيا هي فلسفة ~~الوجود من حيث هو موجود، الوجود ككل. # ولا شك أن الإنسان تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية، وأن الله ~~سبحانه وتعالى قد اختصه بالعقل الذي جعله موجودا متفردا ومتميزا عن ~~سائر الموجودات، ولكنه أولا وقبل كل شيء أحد ظواهر هذا الكون، وكائن ~~من كائناته، فيه يمارس أفعاله وأنشطته واختياراته، وطبعا أفعاله ~~التي نريد أن نعرف هل هي حرة أم لا، هي أحداث من جماع الأحداث الكونية، ~~التي تشكل في مجملها الصورة العامة لهذا الوجود. # ولكن، أوليس هذا الكون بكل ما ms003 فيه من طبيعة ومن حياة ومن بشر، ~~خاضعا لنظام معين تحكمه قوانين ، فهو لا يجري خبط عشواء، وليس خليطا ~~من أحداث في فوضى وعماء، بل هو «كوزموس # COSMOS ~~» أي كون منتظم؛ فثمة نظام معين وقوانين ~~تجعله على ما هو عليه: عالما منتظما قابلا لأن نمارس فيه تجربة ~~الحياة، بل وأيضا تجربة التعقل والفهم، فنحاول أن نعيه ونفهمه ~~بأساليب منهجية كثيرة، على رأسها بالطبع العلم. # والآن، أوليس الحكم بأن الإنسان من حيث هو إنسان، من حيث هو موجود في ~~هذا الوجود؛ الحكم بأنه حر أم لا، يقتضي مسبقا فهم طبيعة القوانين ~~التي تحكمه، وطبيعة النظام الذي يجعله على ما هو عليه؟ وقد أثبت العلم، ~~بلا جدال، أنه أصدق من يخبرنا عن طبيعة هذا العالم، وطبيعة الترابط ~~بين أحداثه، التي تبدو مشتتة فتجمعها معا قوانين ونظريات العلم البحت، ~~وبعد أن أحرز العلم هذا النجاح والتقدم الذي فاق كل تخيل فضلا ~~عن توقع، وما زال حتى هذه اللحظة وما سيتلوها يفاجئنا بمواصلة نجاحه ~~وتقدمه، وبعد أن احتل العلم الصدارة في مسيرة العرفان، أصبح من العبث ~~الأهوج الإعراض عنه في أية محاولة لفهم طبيعة هذا الكون، وطبيعة مسار ~~أحداثه. # والواقع أن الإعراض عن العلم - إن كان له أن يحدث - لا ينبغي أن يحدث ~~من الفلسفة، إن الفلسفة تنفرد عن سائر الأنشطة العقلية بأنها ملزمة ~~بالاستفادة من كل الحصائل والمنجزات المعرفية، وبأن لها علاقاتها ~~التشابكية التفاعلية التعضونية بكل جوانب الحضارة الإنسانية: الفن، ~~الدين، الأخلاق، السياسة ... إلخ، ولكن علاقتها بالعلم أوثق وأقوى، إنهما ~~معا محاولة العقل لفهم هذا الوجود، كلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر ~~به، وكلاهما يحمل رسالة للآخر، وكما هو معروف، كانت الفلسفة أم ~~العلوم جميعا، وعنها استقل الأبناء الواحد بعد الآخر، بادئين بالفلك ~~والفيزياء وصولا إلى علوم النفس والاجتماع، وبعد أن أكملت العلوم ~~المختلفة استقلالها ونموها ونضجها، كان أن نشأت «فلسفة العلم» التي ~~جعلت ظاهرة العلم موضوعا لها، وهي أهم فروع الفلسفة المعاصرة، فضلا ~~عن الفلسفات العلمية المختلفة التي تحاول الاستفادة من منجزات العلم ms004 ~~في حل المشكلات الفلسفية التقليدية. لقد تغلغل العلم في بنية العصر، ~~فكيف لا يتغلغل في بنية الفلسفة - أقرب الأقربين إليه. # ولعل الالتفات إلى أهمية العلم وما يخبرنا به عن الواقع - خصوصا ~~بالنسبة لكل فكر رام إلى أن يكون معاصرا - لم يكن بحاجة إلى كل هذا، ~~ولكن السؤال الآن هو: كيف؟ # كيف سنجعل نسق العلم مدخلا لمعالجة مشكلة الحرية معالجة فلسفية؟ هل ~~سنبحث عن قانون فيزيائي أو تجربة بيولوجية أو نظرية سيكولوجية ... تخبرنا ~~بأن الإنسان حر أو غير حر؟! # كلا طبعا، ما هكذا تكون المشكلات الفلسفية، ولو كان الأمر يمكن أن ~~يعالج بمثل هذه البساطة فلا فلسفة، ولا حاجة إلى متفلسفين. # فكيف إذن؟ وما علاقة نسق العلم الذي هو بناء معرفي خالص بمشكلة ~~فلسفية تتعلق بالوجود الخالص - كمشكلة الحرية الأنطولوجية، أي ~~الحرية الإنسانية من حيث وضعها في الوجود؟ # في الإجابة عن هذا نلاحظ أن العلم وإن كان معرفة أو إبستمولوجيا ~~خالصة فإن له دلالة أنطولوجية، من حيث إن الأنطولوجيا نظرية أو مبحث ~~الوجود. بعبارة أخرى، صحيح أن الوجود كائن وموجود في حين أن العلم ~~أساسا بناء معرفي، إلا أنه معرفة بهذا الوجود منصبة عليه ولا شغل لها ~~سواه، العلم معرفة ولكن العالم أو الوجود هو موضوع هذه المعرفة، نعم ~~العلم نشاط إبستمولوجي (معرفي) مهمته وصف العالم، ولكن بماذا يصف ~~العلم العالم؟ هكذا يجعل العلم الإبستمولوجيا تلقي بنا في قلب ~~الأنطولوجيا. # فليس العلم إلا التمثيل المجرد لهذا الوجود، والواقع أن القيمة ~~الأنطولوجية للنظريات وتحقق فروض العلم في الوجود الموجود لهو ~~معلم نجاح العلم الحديث، والمسألة التفات إلى هذا، إلى قيمة العلم ~~الإخبارية عن هذا الوجود، والاستفادة منها في بناء النظرة الأنطولوجية ~~له؛ لنرى هل حرية الإنسان كائنة فيه أم لا. # والآن تغدو المشكلة الفلسفية محددة واضحة المعالم: # نسق العلم بمجمل فروعه: الفلك ثم الفيزياء، ثم الكيمياء ثم ~~البيولوجيا ثم العلوم الإنسانية ... تشكل صورة عقلية أو تمثيلا مجردا ~~لهذا الوجود، لو نظرنا بعيون العلم، لو نظرنا إلى الوجود (الأنطولوجي) ~~من خلال هذا النسق ms005 المعرفي (الإبستمولوجي)، هل سنجد الحرية الإنسانية ~~مثبتة أم منفية؟ # وطبعا العلم الحديث إنجاز حضاري لا يتجاوز عمره بضعة قرون، والإنسان ~~موجود قبله بزمان سحيق، ثم أبدعه في مرحلة متقدمة، فلو كانت حرية ~~الإنسان الأنطولوجية كائنة ... فالإنسان حر قبل العالم وبعده، ولو لم يكن ~~هكذا، فإن العلم بداهة لم يخلق الوجود ولا هو خلق الإنسان، وبالتالي، ~~لن يستطيع أن يفعل شيئا مهما أثبت أو أنكر، على هذا يبدو جليا أن ~~المشكلة الفلسفية المطروحة في هذا الكتاب ليست ما إذا كانت الحرية ~~الأنطولوجية كائنة أصلا أم لا، بل السؤال الذي سنجيب عنه محدد جدا: ~~هل حرية الإنسان الأنطولوجية كائنة في عالم العلوم أم غبر كائنة؟ هل ~~العلم بالذات يقرها أم ينفيها؟ وسوف نرى مدى الخطورة والأهمية ~~الفلسفية؛ لأن تتعارض أو تتوافق الحرية الإنسانية مع العلم ~~بالذات. # وهذا بأن نتجاوز العوامل المعاصرة التي أملت المنظور العالمي دون ~~سواه، وندلف إلى العوامل الآتية من ميراث مشكلة الحرية ... من ماهيتها ~~وطبيعتها، والمواقع التي استثارتها في تاريخ الفلسفة، وهي عوامل أقوى ~~وأسطع تؤدي مباشرة إلى المطلوب، إذ تلقي بنا توا في قلب المشكلة، ~~فتاريخها الحقيقي، بوصفها مشكلة فلسفية فعلا، بل والمشكلة الفلسفية ~~الأولى التي تمثل معضلا عسيرا يقض مضاجع الفلاسفة أجمعين، ويوجه ~~خطا فلسفاتهم ويحدد معالمها ... هذا التاريخ بداية حاسمة للعلم الحديث ~~في القرن السادس عشر. # ذلك أنها - أي مشكلة الحرية الإنسانية في صورتها الأنطولوجية التي ~~اتفقنا على أنها موضوعنا - تتأتى من، وفقط من مبدأ الحتمية # Determinism # الذي ينفيها. # فمنطوق المشكلة كالآتي: إما أن الإنسان حر يمكن أن يمارس اختيارا ~~بين بدائل متاحة أمامه، وإما أن هذا الوجود خاضع لحتمية حددت مساره ~~أزلا وأبدا، فحتمت كل حدث من أحداثه بحيث لا بد وأن يحدث، ويستحيل أن ~~يحدث سواه، فلا بدائل وبالتالي لا اختيار أمام الإنسان الذي يحيا في ~~هذا الوجود. # ولولا افتراض الحتمية هذه لما كان لمشكلة الحرية الأنطولوجية أن ~~تقوم، فضلا عن أن تكون الفلسفة الأولى، ولكنها كانت هكذا لأن مبدأ لم ~~يلعب في تاريخ ms006 الفكر البشري دورا يماثل أو حتى يداني الدور الذي لعبه ~~مبدأ الحتمية في تاريخ العلم الحديث (من القرن 16 إلى نهايات القرن ~~19). ~~••• # بل ولم تكن الحتمية مجرد مبدأ من مبادئ العلم وحسب، إنها سيطرت على ~~النسق العلمي، وعلى عمل العلماء، وتغلغلت في صميم نسيج العلم، بحيث ~~أصبحت اللحمة، وسداها سائر النظريات والفروض ومجمل النشاط ~~العلمي. # فقد أضحت الحتمية ركيزة يرتكز عليها العلم، وفي الوقت نفسه هدفا ~~منشودا يسعى للوصول إليه، وبين هذا وذاك تجدها أيضا المحك ~~المعتمد طوال الطريق العلمي. # وهذا ما عبر عنه عالم الفسيولوجيا الفرنسي كلود برنار # Claude Bernard ~~(1813-1878) في ~~كتابه «مدخل إلى دراسة الطب التجريبي» (عن الترجمة العربية، ص43 وما ~~بعدها)، قائلا: «أما عن كونه الركيزة، فكما أن الإنسان في حالة المشي ~~الطبيعي للجسم لا يستطيع السير إلا بوضع قدم أمام الأخرى، فإنه كذلك في ~~حالة السير الطبيعي للذهن، لا يستطيع التقدم إلا بوضع فكرة أمام ~~الأخرى، وهذا معناه أنه لا بد للذهن من نقطة ارتكاز أولى، شأنه في هذا ~~شأن الجسم سواء بسواء، ونقطة الارتكاز هذه هي مبدأ الحتمية المطلقة، ~~ولولاها لكان قد قضي على الإنسان وعقله أن يدور في دائرة مفرغة ~~وألا يتعلم شيئا قط.» هكذا آمن العلماء، ولم يكتفوا بأنه الأساس، ~~بل سلموا أيضا بأن الغرض الأول من كل دراسة علمية تجريبية أيا كان ~~موضوعها هو «الوصول إلى الحتمية الشاملة، والتي هي الحقيقة المطلقة»، ~~وبالتالي هدف العلم النهائي، وفي غضون الطريق السائر من ذاك الأساس إلى ~~الهدف المنشود، يظل مبدأ الحتمية هو أيضا المحك التجريبي، فالعلاقات ~~الحتمية هي مقياس الحقيقة المنشودة، والحتمية الشاملة المطلقة التي ~~تخضع لها الظواهر، والتي نشعر بها شعورا قبليا هي المحك الوحيد، أو ~~المبدأ الوحيد الذي يسندنا في وصولنا إلى النظريات العلمية، وفي حكمنا ~~عليها - كما يقول كلود برنار أيضا، في مرجعه المذكور. # إلى كل هذا الحد سلم العلماء تسليم البداهة، بأن مبدأ الحتمية هو ~~المعبر الوحيد المفضي إلى العلم الحقيقي، وبأن إليه وحده يرجع الفضل ~~في كل ما ms007 أصابه العلم من تقدم، فسرعان ما جعل التسليم به قوانين العلم ~~تتدفق بسلاسة من نجاح إلى نجاح أعظم، ومن يقين إلى يقين أدق، ومن ~~عمومية إلى عمومية أشمل. # ومن الناحية الأخرى أكد اطراد الطبيعة البادية أمام أعين ~~العلماء في ذلك العصر، وتواتر صدق قوانين العلم عليها، من خضوع هذه ~~الطبيعة للحتمية الشاملة، تضافرت إذن الأنطولوجيا مع الإبستمولوجيا في ~~تأكيد الحتمية الشاملة، ورفعها فوق أي نقاش أو جدل. # وها هنا نلاحظ أن الخطورة الفلسفية لمبدأ الحتمية العلمية، أتت من ~~التجادل بين كونه أنطولوجيا وإبستمولوجيا (أي وجوديا ومعرفيا) ~~في آن واحد، إنه تصور لطبيعة العلم وطبيعة قوانينه، ولا غرو، فهذا ~~صورة لذلك كما أوضحنا. # أنطولوجيا: # تعني الحتمية أن نظام الكون مطرد ثابت شامل، لا يشذ ~~عنه في أي زمان ولا في أي مكان شيء، فهو ذو علاقات ~~علية (سببية) ضرورية ثابتة، تجعل كل حدث من أحداثه ~~نتيجة ضرورية (معلولا) لما سبق، ومقدمة شرطية ~~(علة) لما سيلحقه، وبالتالي فكل ظاهرة فيه وكل ~~حدث وكل واقعة ... محكومة بشروط تلزم حدوثها ~~اضطرارا، أي خاضعة لقانون محدد، ولا شيء البتة يحدث ~~كمصادفة. # وإبستمولوجيا: # تعني الحتمية عمومية قوانين العلم وثبوتها ~~واطرادها، فلا تخلف ولا اتفاق ولا عرضية ولا ~~استثناء، ولأن كل حدث محتوم وسواه مستحيل، فإن كل ~~تنبؤات العلم يقينية، وهكذا كل قوانينه ونظرياته، يقين ~~في يقين في يقين، واليقين هو التحديد المطلق الجازم ~~الذي لا خطأ فيه ولا احتمال البتة، إنهم يعملون ~~بالرياضيات الإقليدية، فلا يعرفون إلا قيمتي الصدق ~~والكذب ولا وسط بينهما، وصحيح أن الظواهر التي بدت ~~مصادفة وموضع احتمال قد لفتت أنظارهم، حتى إن رجالات ~~ذلك العصر هم مؤسسو الإحصاء وحساب الاحتمال، إلا أنهم ~~فسروه تفسيرا ذاتيا - أي بإرجاعه إلى الذات ~~العارفة وليس موضوع المعرفة، إلى الإنسان وعجزه عن ~~إدراك العلل الحقيقية، نسبة الاحتمال إذن تعبر عن ~~الجهل فالعلم لا يكون إلا يقينا، وهي مسألة مؤقتة ~~ستضمحل بالتقدم العلمي، لنصل يوما ما إلى اليقين ~~في هذه الظواهر كما وصلنا إليه في سواها، إن اليقين ms008 ~~هو التمثيل العيني للعلم بعالم يسير في مسار ~~محتوم. # وقد أصبح يقين العلم - وبالتالي حتميته - مسألة مثبتة حينما أصبح ~~العلم رياضيا، فالرياضيات دائما هي النموذج الأمثل للضرورة ولليقين ~~المطلق، على سطح الأرض وتحته وفي المريخ، وفي كل مكان في الدنيا وفي ~~الآخرة ... تظل دائما «2 + 2 = 4» ويظل المثلث شكلا محوطا بثلاثة ~~أضلاع؛ لأن نفي هذا يعني نفي أن المثلث مثلث! وطالما أمكن التعبير عن ~~القوانين الفيزيائية في صورة معادلات رياضية، فمعنى ذلك أن الضرورة ~~الرياضية قد تحولت إلى حتمية كونية، ولما أصبحت الرياضيات هي لغة ~~العلم الحديث، اتضح أن الضرورة الحتمية هي نظام العالم. # والواقع أن السمة الرياضية هي التي قلبت الحتمية من مبدأ فلسفي - ~~يمكن أن تختلف بشأنه وجهات النظر - إلى مبدأ علمي صريح، لا بد وأن يسلم ~~به الجميع تسليمهم بالعلم. # أما الفارق بين الحتمية العلمية وبين الجبرية الدينية، فيتمثل في ~~العلية (السببية)، وهي المبدأ القائل إن كل حدث لا بد له من علة ~~أحدثته، والعلية مبدأ متوشج في الحس المشترك - أي في تفكير ~~الإنسان العادي - وأيضا في الفكر الفلسفي، ولكنه اتخذ موقع العمود ~~الفقري في العلم الحديث، إن العلم الحتمي هو العلم العلي؛ لأن ~~حتمية الظاهرة لا تعدو أن تكون العلة التي تحدثها، وبالتالي أصبحت مهمة ~~العلم الحديث هي تعليل كل الظواهر، وتحديد علة كل حدث، أما التسليم ~~بحدث بغير علة، فليس يعني إلا إنكار العلم بها، وتتلخص كل قوانين ~~العلم في أحكام علاقة العلة بالمعلول، لتتخذ جميعها الصورة المنطقية: ~~إذا كان ... فإن ... دائما طبعا. # وطالما أن لكل حدث علة أحدثته، وهو بدوره معلول لها، فإن واقع ~~الكون الراهن معلول ضروري لوضعه اللاحق، فتسير أحداث الكون في ~~تسلسل علي، يجعلها أشبه بسلسلة محكمة الحلقات، تفضي كل حلقة ~~إلى - وفقط إلى - لاحقتها، مثلما تنشأ عن - وفقط عن - سابقتها، ~~وبالتالي فالكون نظام مغلق، مساره مرسوم منذ أن تخلقت الحلقة الأولى في ~~السلسلة، إن التسلسل العلي يجعل مجرى الأحداث قد حتمته اللحظة ~~الأولى لهذا الوجود، ومنذ أن تحددت هذه اللحظة، ms009 تحددت كل الأحداث ~~التالية، والكون عليه أن يسلك طريقا واحدا لا سواه، طريقا محتوما؛ ~~لهذا لا تعد العلية مجرد عنصر أو بعد من أبعاد الحتمية، بل إنها ~~الحتمية عينها، أو بالكثير الوجه الآخر لها، حتى إن المصطلحين - ~~الحتمية والعلية - كثيرا ما يستعملان كمرادفين. # إن العلية هي التي تؤكد نظام الطبيعة الحتمي واتساقه، وقانون تسلسل ~~الأحداث فيه: فالعلة هي الحدث السابق والمعلول هو الحدث اللاحق، ~~وتؤكد العلية تدفق الزمان في اتجاه واحد لا سواه من الماضي إلى ~~المستقبل، وأيضا ثبات المكان، وبصورة مطلقة أي بالنسبة للجميع مهما ~~اختلفت مواقعهم. # هذان الزمان والمكان المطلقان هما القالب أو الخلفية الأساسية للعلم ~~الحديث، وبالأدق لفيزيائه الكلاسيكية، التي تعد الصلب والهيكل ~~للعلم الحتمي، وللحتمية العلمية، المتعضونين معا، وهذه الخلفية هي ~~تصور للكون كمجرد كتل مادية، أجسام صلبة تتحرك على السطح المستوي عبر ~~الزمان والمكان المطلقين، وقد بلغت الفيزياء الكلاسيكية الذروة بنظرية ~~نيوتن التي تعد بمثابة مراسم التتويج النهائية لفرض الحتمية ~~العلمية. # وطالما أن الكون لا يعدو أن يكون أجساما مادية تتحرك، والميكانيكا ~~هي علم حركة الأجسام، فإن الكون بالتأكيد نظام ميكانيكي، كل تغير فيه ~~مردود إلى حركة الأجسام، وهذه الحركة، كل حركة وأية حركة تحكمها بدقة ~~صارمة قوانين نيوتن، وحين نعرف حالة هذا النظام الميكانيكي في وقت ~~معين، فإن قوانين نيوتن تسمح بحساب حالته في كل الأوقات، تأكيدا ~~لمبدأ العلية الذي يجعل الحالة السابقة علة للحالة الراهنة، تحتمها ~~بالضرورة، هكذا بدت الحتمية أوضح من شمس النهار. # إن هذا التصور الميكانيكي للكون، وقد رفعته نظرية نيوتن على رءوس ~~الأشهاد، هو التمثيل العيني لأنطولوجية الحتمية، والذي جعلنا نمسك ~~عليها بجمع اليدين، والواقع أنه لا حتمية علمية بغير الميكانيكية - أي ~~النظر إلى الكون بكل محتوياته وعناصره وظواهره بوصفه مترتبا في صورة ~~آلة ميكانيكية ضخمة، مغلقة على ذاتها، من مادة واحدة متجانسة، تسير ~~تلقائيا بواسطة عللها الداخلية، وتبعا لقوانينها الخاصة، تفضي كل ~~حالة من حالاته إلى الحالة التالية. # وبعد أن وضع العلماء فرض الأثير، وهو وسط لا نهائي المرونة ms010 كثافته ~~أقل من الهواء، افترضوه بوصفه يملأ كل الفراغات في الآلة الميكانيكية ~~العظمى؛ بحيث يحمل الضوء والإشعاعات لتندرج بدورها في التفسير ~~الحتمي الميكانيكي، وبعد أن اكتشفوا أن المادة الحية مؤلفة من ~~الذرات نفسها التي تؤلف المادة الجامدة، وأنها بالتالي تخضع للقوانين ~~نفسها، وتصوروا أن الحياة أيضا ذات طبيعة ميكانيكية، وأن الإنسان ~~لا يعدو أن يكون آلة ميكانيكية حية، والعقل بدوره هكذا ... بعد كل هذا ~~أيقن العلماء أنهم يستحيل أن يفهموا أي شيء بغير أن يصطنعوا له ~~أنموذجا ميكانيكيا، وأن التفسير الوحيد الممكن لهذا الوجود - ككل ~~وكأجزاء - هو التفسير الميكانيكي. # وانتشر في الفلسفة مذهب يعد المتحدث الرسمي باسم هذا العلم الحديث، ~~وهو مذهب «الواحدية المادية» أو «المادية الكلاسيكية»، الذي يؤكد أن ~~الوجود عبارة عن مادة، ولا شيء سوى مادة، تشكلت في صورة آلة ميكانيكية، ~~أما الفكر والعواطف والانفعالات والروح ... وما شابه هذا من كيانات غير ~~مادية، فإما أنها خرافة لا معنى لها، وإما أنها مردودة في النهاية إلى ~~المادة وخاضعة للقوانين الميكانيكية نفسها - العلمية الحتمية. # وجاء في عام 1814 العالم الفرنسي سيمون بيير دو لابلاس # S. p. Laplace ~~(1749-1827) ليصوغ في مقدمة ~~كتابه «مقال فلسفي في الاحتمال» أشهر صياغة للحتمية العلمية، ومؤداها ~~أننا إذا استطعنا أن نجمع معلومات دقيقة عن كل الظروف، لأمكن ~~استنباط الحالة اللاحقة للكون بكل دقة، والعقبة الوحيدة أننا لا نعلم ~~كل الظروف والشروط. فإذا تصورنا عقلا فائقا يعرف كل القوى التي تعمل ~~في الطبيعة، والوضع الراهن لكل مكوناتها - أي يعلم كل تفاصيل الكون، ~~فإنه يستطيع التنبؤ - بمنتهى الدقة - بوضع كل جسيم في كل لحظة، وبكل ~~القوى التي تؤثر عليه، ولن يكون ثمة أي شيء غير يقيني بالنسبة له، ~~سواء ما يختص بحركات أضخم الأجسام أو أصغر الذرات ... فضلا عن الإنسان ~~المحصور بين هذا وذاك. ~~••• # وإذا كان هذا هو عالم العلم والعلماء، فهل يمكن أن يعترفوا بأية حرية ~~للإنسان الذي يحيا فيه؟! أو بأنه يمكن أن يمارس اختيارا بين بدائل؟! ~~أية بدائل تلك؟! إن الحدث محتوم، واحد ووحيد، ms011 مهمة العلم تحديده بدقة ~~قاطعة، وتصور بديل للحدث، كان يمكن أن يحدث لو أن الإنسان اختار ~~اختيارا بدلا من آخر - هذا التصور يعني هدم نظام العالم ، النظام ~~الحتمي الميكانيكي، والذي ما كان العلم إلا ليكتشفه. ~~••• # وهي بديهية في غير حاجة إلى الذكر - وإن كنا قد ذكرناها، أعني ~~البديهة القائلة إن هذا الوجود أو هذا العالم كوزموس - أي كون منتظم، ~~فطبعا له نظام، ولكن مشكلتنا - مشكلة الحرية الإنسانية أتت من أن ~~نظاما من نوع معين جدا، من طبيعة خاصة إلى أقصى الحدود، قد سيطر على ~~الأذهان وبوصفه النظام الأوحد الذي يستحيل أن يكون لهذا العالم نظام ~~آخر سواه - وهو ذلك النظام الحتمي الميكانيكي الذي يلقي في روع العلماء ~~الأمل باليقين المنشود، وبالكون الذي يبدو بماضيه ومستقبله كتابا ~~مفتوحا مقروءا، بلا مفاجآت ولا شذوذ - بلا مصادفات تزعزع من رسوخ ~~ويقين ما يتوصلون إليه من قوانين. # ويرىأوجست كونت # A. Conte ~~(1798-1857) أن ثمة أطوارا ثلاثة لا بد وأن تمر بها كل فكرة، في الطور ~~الأول تكون الفكرة لاهوتية مستقاة من التصورات الدينية، ثم تصبح ~~الفكرة فلسفية معتمدة على تأملات العقل الخالص، وفي النهاية تصبح ~~علمية وضعية، ورؤية كونت هذه التي يصر على تطبيقها على كل الأفكار، ~~فيها تعميم مجاف للواقع، هذا فضلا عن أن الأطوار الثلاثة توجد معا ~~في كل عصر، وإن تغلب واحد في عصر ما، ولكن الذي يهمنا الآن أنها رؤية ~~تنطبق انطباقا حرفيا على مبدأ الحتمية. # فالمبدأ معروف منذ بدايات الفكر البشري، وبالتالي كانت مشكلة الحرية ~~الإنسانية مثارة دائما، ولكن في العهود السحيقة - في عصور ما قبل ~~الفلسفة كانت الحتمية فكرة ثيولوجية لاهوتية، ومع نشأة الفكر الفلسفي ~~في القرن السادس قبل الميلاد أصبحت الحتمية فكرة ميتافيزيقية، ~~وظلت هكذا حتى نشأة العلم الحديث، ليغدو المبدأ الحتمي علميا على ~~الأصالة، أو بالأحرى ليغدو العالم حتميا في أقصى صورة ~~للحتمية. # في العصور السابقة على ظهور الفلسفة في بلاد اليونان، كان القدر هو ~~الصورة التي اتخذها مبدأ الحتمية، فعرف الإغريق القدامى هذا المبدأ في ms012 ~~صورة القدر القاهر المحتوم، وقد اتخذ معهم اسم «المويرا # MOIRAE ~~»، والمويرا - وهي أصلا ربة ~~القدر في الأساطير الإغريقية - قوة قاهرة تلزم الجميع بالمحتوم مهما ~~فعلوا، إنها تحتم مسار الأحداث بطريقة لا مهرب منها، ومهما بذلت ~~الجهود للحيلولة دون وقوعها، وبسبب عقيدة المويرا اعتقدوا أن الإنسان ~~طوع لقوة خفية ومقدر عليه أن يستغفر من ذنوب هو غير قادر على ~~تجنبها! والمسرح الإغريقي خير ما يبلور هذه الأفكار الميثولوجية (أي ~~الأسطورية) والتي كانت بالنسبة للإغريق أيضا ثيولوجية (دينية)؛ لذلك ~~كانت قمته «مأساة أوديب» تبرز هذه الفكرة بوضوح، حتى إنها إعلان صريح ~~بصرامة الحتمية القدرية، وعبثية أي تصور للحرية الإنسانية، وبالتالي ~~عبثية أي تصور للمسئولية - فالحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، ~~جوهر المأساة هو القدر المحتوم على أوديب منذ أن ولد، كما تمثله ~~نبوءة العرافين بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه، وحاول أبوه بدوره ~~معارضة القدر أو المويرا بأن يتخلص من طفله الرضيع كي لا يقتله - ~~لكن عبثا راحت المحاولة، وكانت لا بد أن تروح عبثا؛ لأن القدر قدر أن ~~يحدث هذا، فلا بد وأن يحدث بالضرورة الحتمية - أو بالمويرا، وإذا ~~التفتنا إلى الوجه الآخر للعملة: الحرية والمسئولية، وجدناه قد فقأ ~~عينيه استغفارا لجريرة كانت محتومة عليه، ولم يكن بمقدوره أن ~~يتجنبها، ومن العبث مساءلته بشأنها لجهله بحقيقة الظروف التي وجد ~~نفسه فيها، وبعد فوات الأوان حيث لا يجدي الندم، بعد أن قتل أباه ~~الملك لايوس وتزوج أمه جوكاستا، والتي انتحرت بدورها استغفارا لجريرة ~~لم تكن هي أيضا مختارة بشأنها ولا قادرة على تجنبها، وبعد أن اتخذت ~~زوجا من زوج، وأنجبت ولدا من ولد. # إن المويرا قانون الضرورة والقدر الحتمي الذي ينظم سير الأحداث كلها، ~~فيقدر لكل نصيبه وما يستحقه، ويحدد مكانه الذي يستحيل أن يتعداه، ~~فلا بد وأن يخضع له كل شيء أو إنسان أو إله، حتى زيوس العظيم نفسه، ~~فكانت المويرا بداية إغريقية لتصور القانون السائد في عالم الطبيعة ~~وعالم البشر، والذي يسري على الكون بجملته - إنها فكرة القانون الطبيعي ~~الحتمي الشامل، والذي ms013 اتخذ فيما بعد صورة القانون العلمي. # على ألا يلهينا هذا عن الفارق بين المويرا وبين الحتمية العلمية، ~~وهو الفارق بين الفكر اللاهوتي والفكر العلمي، والمتمثل في أن حتمية ~~المويرا لا بد وأن تحدث مهما كانت الظروف السابقة عليها والمحيطة بها، ~~بل وعلى الرغم من هذه الظروف، في حين أن حتمية القانون العلمي لا تكون ~~إلا بسبب هذه الظروف السابقة والمحيطة، إن المويرا تلقي بحتميتها على ~~المصير الآتي (الغائية) بينما القانون العلمي يلقي بحتميته على العوامل ~~الماضية (العلية)، فالحتمية العلمية ليست بالنسبة لأمر خارق ~~للطبيعة، بل بالنسبة للطبيعة ذاتها وقوانينها الفيزيقية؛ لذلك فالمويرا ~~تحتم الظاهرة بلا شرط ولا قيد، في حين أن الحتمية العلمية هي ذاتها ~~الشرط الضروري لظهور الظاهرة. # والعرب أيضا عرفوا بالطبع فكرة القدر، لغويا يعني القدر: وضع ~~الشيء في مكانه المناسب، وهو اسم للفعل قدر، وقدر: استطاع وحكم، ويعني ~~في النهاية: العلم الإلهي المسبق، وهو أحد الصفات الإلهية، وقد عرفه ~~العرب قبل الإسلام، فاللات، الوثن المشهور الذي ورد في القرآن الكريم ~~هو إله القدر، وكانت عرب الجاهلية تستقسم به في مسائل السفر والاحتكام، ~~بيد أن مفهوم القدر لم يتبلور تبلورا واضحا إلا مع عقول الإسلاميين، ~~ومن القرآن الكريم قد نفهم أن القدر هو الإرادة الإلهية التي تتحقق ~~عبر مشيئة كلية فاعلة في النظم الطبيعية، أو بمعنى: العلم الإلهي ~~السابق للأفعال الإنسانية؛ لذلك فهم بعض الأقدمين أن القدر يعني ~~الحتمية الفيزيقية الممثلة لوحدة النظام الكوني عبر القوانين الأساسية ~~التي تتحكم في الظواهر، والتي هي موضوع العلم الإلهي الشامل، ويرمز ~~إليها باللوح والقلم، على أنه لا ينبغي أن نفهم من هذا أن الإسلام ~~يعني الإيمان بالحتمية، أو أن مبدأ اللاحتمية والذي سنرى رحال العلم ~~في عصرنا هذا ترسو عليه يناقض القرآن الكريم؛ فثمة آيات كريمة تفيد ~~اللاحتمية، منها: # يمحوا الله ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب ~~(الرعد: 39)، ~~فضلا عن أن الأشاعرة وهم أهل السنة والجماعة، وإمامهم الغزالي حجة ~~الإسلام، والمتصوفة وهم أكثر عباد الله عبودية - أو عبودة حسب مصطلحهم ~~الذي ms014 يدل على الدرجة القصوى - قد قالوا بلا حتمية صريحة، وأنكروا ~~الحتمية بشدة؛ لأنها لا تبيح لله جل شأنه أن يعاود تدخله في مسار ~~الأحداث بما ينقض القوانين الحتمية، فضلا عن أن الحتمية الفيزيقية ~~تستلزم إنكار معجزات الأنبياء، وما ورد بشأن أحوال القبور وإحياء ~~الموتى والحياة الآخرة. # والأهم من كل هذا أن آيات القرآن الكريم تتعالى عن أن تفصل القول في ~~مثل هذه الأمور - كالحتمية أو اللاحتمية العلمية - المتروكة للجهد ~~البشري، والخاضعة لمتغيرات العلم الكسبي. ~~••• # والواقع أن ثمة نزوعا سيكولوجيا في الإنسان نحو خضوع الكون لحتمية ~~صارمة، ومنذ فجر الإنسانية وهي تبحث عن الحتمية الشاملة للعالم الذي ~~تحيا فيه؛ نشدانا للطمأنينة والأمان، للراحة وللسكينة، لعالم ليس فيه ~~شذوذات مفاجئة أو طوارئ غادرة، عالم مساره محدد، نركن إلى أنه سيسير ~~كما سار دائما، لا تعكر صفوه مصادفة، أو عارضة غير متوقعة. # وأيضا نشدانا للتبرؤ من المسئولية، فكما ذكرنا - وسنذكر مرارا - ~~الحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، وحين يخضع الوجود للحتمية ~~الشاملة فلا مسئولية حقيقية تقع على الإنسان، طالما أنه لا حرية ولا ~~اختيار أمامه فيما يفعل، فهو مجرد قطرة في تيار دافق، يسير وإياه في ~~المسار المحتوم، ومن منا لم يتعز عن كارثة ألمت به، أو مصيبة ~~أصابته أو أصابت واحدا من أحبائه، بأنها قضاء وقدر! وأيضا من منا لم ~~يتبرأ من خطأ ارتكبه بأنه كان قدرا عليه أو أن الظروف دفعته ~~دفعا؟! وهذا هو الجذر الشعوري الانفعالي، الذي طوره الفلاسفة وكسوه ~~برداء العقلانية المهيب، حين جعلوه يتخذ شكل مبدأ الحتمية. # ليس فحسب، بل وأصبح مبدأ الحتمية هو صلب العقلانية بعينها، هو قضها ~~وقضيضها، هو هيكلها وإطارها، لكل من رام فهما نسقيا للطبيعة ... وكان ~~من يشكك فيها مثلا كالمتصوفة أو كالأب نيقولا مالبرانش # N. Malberanch ~~(1638-1715) ~~إنما يقطع الطريق أمام العلم، أمام كل دراسة مجدية لهذا الكون، فطوال ~~عصور الفكر السابقة على القرن العشرين، كانت الحتمية مقولة أساسية ~~وضرورية لدراسة الطبيعة، وللدراسة العلمية إجمالا، وحيث لا حتمية حيث ~~لا استطاعة أمام البشر للتناول ms015 العلمي، أو حتى للتفكير العقلاني في ~~الطبيعة، والعالم الذي نحيا فيه، إن أبطال الفكر العلمي في التاريخ هم ~~الذين دانوا بالحتمية حتى النخاع. # ومن الناحية الأخرى، تطلعنا الدراسات التفصيلية الدقيقة لتاريخ ~~الفلاسفة على أن المحاولات القليلة المتناثرة للخلاص من ربقة الحتمية ~~الفيزيقية - باستثناء أبيقور كما سنرى - كانت متعثرة وشبه فاشلة، حتى ~~ولو جاءت من أعاظم الفلاسفة كسقراط وأفلاطون، وأرسطو والإمام ~~الغزالي. # إلى هذا الحد هيمن مبدأ الحتمية على الفكر البشري هيمنة طاغية، ولكن ~~النقطة الحاسمة هي أن الفلسفة استطاعت عقلنته كمقدمة لعلمنته. # وصاحب الخطوة الأولى في هذا الطريق الفيلسوف الإغريقي ديمقريطس # Democritus ~~(460-360ق.م.) وهو أبو ~~الذرة أو صاحب الفرض الذري بوصفه المادة الخام التي صنع منها هذا ~~الوجود! # ولم تكن فلسفته الذرية إلا تطبيقا دقيقا لمبدأ الحتمية، فالذرات ~~نفسها لا تتغير، وهي في حركة مستمرة لكنها حركة ذاتية تلقائية، بما ~~يمكن أن نسميه الآن القصور الذاتي، ولا تهتز إلا بفعل تصادم مع ~~ذرات أخرى، وبالتقاء الذرات توجد الأشياء، وبانفصالها تفسد، ولكن ما إن ~~بدأت الذرات فثمة قوانين آلية غير قابلة للتبديل، قد حتمت كل حركاتها ~~التاليات؛ لذلك فحالة الكون في كل وضع تعتمد فقط على حالته السابقة، ~~وحاضره يقرر أمر مستقبله، إنها إذن الحتمية العلمية في أعتى ~~صورها. # وقد تبعه فيها زملاؤه الفلاسفة الطبيعيين القبل - سقراطيين، وهم ~~طبيعيون؛ لأن فلاسفة الإغريق في هذه المرحلة السابقة على ظهور سقراط ~~تدور فلسفاتهم حول الطبيعة، في محاولة للإجابة عن السؤال: ما هي المادة ~~التي صنعت منها الطبيعة؟ وكانت إجابة ديمقريطس - وهي خلاصة أسفرت ~~عنها المناقشات الفلسفية على مدى قرنين من الزمان - أن المادة التي ~~صنعت منها الطبيعة هي الذرة. ومع القرن التاسع عشر كان العلم قد ~~أخذ هذا الفرض الذري من الفلسفة لتبدأ الانطلاقة الجبارة للعلوم ~~الذرية، فهل أدركنا مدى حصافة وثقب نظر التأملات الفلسفية؟! # وصحيح أن الحتمية الفيزيقية تعرضت لشيء من البلبال مع الثالوث ~~الأعظم للفلاسفة: سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلا أنها عادت لتكتسب قوة ~~وشمولية في العصر الهلينستي - أي ~~العصر التالي لفتوحات ms016 الإسكندر وموت أرسطو، وذلك مع المدرسة الرواقية ~~(من القرن الثالث ق.م. إلى القرن السادس م) التي تعد من المعالم ~~البارزة في تاريخ المبدأ الحتمي، فإذا كانت حتمية ديمقريطس أكمل صورة، ~~وستظل هكذا حتى نهاية العصر الوسيط، فإنها محض حتمية فيزيقية - أي ~~منصبة على تصور الطبيعة فقط، خصوصا وأن ديمقريطس أقر بالحرية ~~الإنسانية والمسئولية الخلقية! هذا في مقابل الحتمية السقراطية ~~والأفلاطونية التي كانت معرفية أخلاقية تقتصر على أن المعرفة بالحق ~~والخير تحتم سلوك الإنسان ولا تترك أمامه اختيارا، فمن غير المعقول أن ~~يعرف امرؤ ما هو الخير ويتركه، وأفلتت منها الحتمية الفيزيقية، أما مع ~~أهل الرواق فلأول مرة في التاريخ تصبح الحتمية مبدأ أخلاقيا ~~وفيزيقيا، إبستمولوجيا وأنطولوجيا (معرفيا ووجوديا) في آن ~~واحد، مبدأ جامعا مانعا لمجمل الوجود وما فيه ومن فيه، فلا تفلت من ~~حتمية الرواقيين صغيرة ولا كبيرة، لا في الإنسان ولا في ~~الطبيعة. # أما في العصور الوسطى، فقد كان المبدأ الحتمي قلقا إلى حد ما؛ ~~نظرا لتداخله - تلاقيا وتعارضا - مع الفكر الديني الذي كان مهيمنا ~~على هذه العصور، شرقا وغربا، ونجد أن المعتزلة أقوى من نادى وتمسك ~~بالحتمية، فهم حملة لواء العقلانية في الفكر الإسلامي وأسطع نقاطه ~~المضيئة. # ونأتي للفلسفة الحديثة، عصر سؤدد الحتمية الكونية، حيث اكتسب المبدأ ~~هيله وهيلمانه، وتم اعتماده رسميا واعتباريا وفلسفيا وعلميا ~~بوصفه مبدأ التفكير في الطبيعة والعالم، والنتيجة أن شهد العصر معجزة ~~العلم الحديث - العلم العلي الحتمي. # رينيه ديكارت # R. Descartes ~~(1596-1650) هو أبو الفلسفة الحديثة، وهو الرائد الذي شق الطريق ~~الفلسفي إلى علمنة الحتمية الفيزيقية - أو تبعا لمصطلحاته: علمنة ~~حتمية الجوهر الممتد (المادة) دونا عن حرية الجوهر المفكر (النفس)، ~~ومن بعد ديكارت انطلق الديكارتيون صغارا وكبارا عبر الفلسفة الحديثة ~~أو بالأدق عبر قرنها السابع عشر، مؤرقين بحتمية الجوهر الممتد - العالم ~~الفيزيقي؛ لتنجز الفلسفة مهمتها بشأن هذا المبدأ، ويكتسب نضجه ~~الفلسفي النهائي، إيذانا بانتقاله إلى السمة أو الطور العلمي - كما ~~أوضحت نظرية أوجست كونت. # والذي أكسب المبدأ الحتمي نضجه الفلسفي النهائي هو الفيلسوف الشهير ms017 ~~باروخ سبينوزا # B. Spinoza ~~(1632-1677) صاحب أعتى صورة عرفتها الفلسفة لهذا المبدأ. # وفلسفة سبينوزا مراوغة إلى أقصى الحدود، يعطي شكلها ومظهرها نقيضا ~~لما يعطيه مضمونها وجوهرها، فقد لجأ في عرضها إلى أسلوب مخاتل أسماه ~~«المنهج الهندسي»؛ ليبدأ بمسلمات يضع فيها تعريفات لمفاهيم معينة، ~~كالله والحب والجوهر والأزلية ... وهي تعريفات مختلفة تماما عن المعنى ~~المتعارف عليه، ثم لا يرد في السياق إلا الرمز المألوف، الله مثلا، ~~ويفوت الدارس - أو يضنيه أو يعجزه - التخلص من المعنى المتعارف عليه ~~لهذا الرمز، ووضع المعنى الإسبينوزي الخاص جدا في الذهن، فيضيع منه ~~المراد، ولا يفهم شيئا، وينخدع الشعراء والرومانتيكيون وأمثالهم، ~~فيتصوروا أن سبينوزا صوفي متهدج بحب الله. # أما الدراسات العميقة الثاقبة المتأنية، من قبيل دراسات ستيوارت ~~هامبشير وموريس كوهين، وفوير، وجورج إليوت، وفؤاد زكريا ... وآخرين فتدرك ~~أن سبينوزا مادي على الأصالة، أنكر وجود إله مفارق للطبيعة، ولأن ~~الحتمية الصارمة تستلزم بالضرورة أن يكون الكون كلا واحدا مغلقا ~~على ذاته لا ثنائية فيه فضلا عن أية تعددية، فإن الكون الإسبينوزي ~~جوهر واحد أزلي أبدي لا متناه، أحيانا يسميه الله ذرا للرماد في ~~عيون عشيرته اليهودية، ولكن الجوهر الواحد في حقيقته لا يعدو أن يكون ~~مجمل هذا الكون، أحد وجهيه الطبيعة الطابعة (الفكر) والوجه الآخر هو ~~الطبيعة المطبوعة (المادة)، على ألا نتصور أسبقية من أي نوع للطبيعة ~~الطابعة على الطبيعة المطبوعة، الاثنان وجهان لعملة واحدة. # فيأتي سبينوزا في كتابه الأكبر «الأخلاق: مبرهنا عليها بالطريقة ~~الهندسية» لينص في القضية السابعة من الجزء الثاني على تطابق المعرفة ~~والوجود، فيقول: «نظام وارتباط الأفكار هو ذاته نظام وارتباط الأشياء»، ~~وبالتالي ليس من طبيعة العقل أن يعتبر الأشياء عرضية، فيتمكن سبينوزا ~~من تحقيق واحديته ذات الحتمية الصلبة: كل ما في الأمر طبيعة مادية ~~محكومة بقوانين حتمية هي موضوع الفكر الذي يكشف عنها، أو هي الفكر ~~ذاته، لتغدو الحتمية إبستمولوجية وأنطولوجية - أي معرفية ووجودية ~~معا. # وحين يقول في القضية الخامسة عشرة من الجزء الأول: «كل شيء يوجد في ~~الله، وليس ثمة شيء يمكن ms018 أن يوجد أو يفهم بغير الله»، فإنه يعني أن كل ~~ما هو موجود في الوجود (أنطولوجيا) وكل ما هو موضوع للفكر ~~(إبستمولوجيا)، هو تلك الطبيعة الطابعة المطبوعة، وحين يقول في ~~القضية السابعة عشرة: «يعمل الله فقط تبعا لقوانينه الخاصة به، وليس ~~ثمة شيء يمكن أن يجبره.» فإنه يعني أنه ليس في الوجود أية قوانين إلا ~~القوانين التي تحكم حتمية الطبيعة، وحين يقول في القضية التاسعة ~~والعشرين: «طبيعة الأشياء لا تسلم بأي شيء عرضي، بل يتحتم كل شيء ~~بواسطة ضرورة الطبيعة الإلهية للوجود وللعمل بطريقة معينة.» فإن هذا لا ~~يعني إلا صرامة الحتمية، فهو يقول صراحة في كتابه رسالة في اللاهوت ~~والسياسة إنه يفهم الأوامر الإلهية على أنها القوانين الحتمية الكامنة ~~في الطبيعة. وحين يقول في القضية الثلاثين: «العقل يجب أن يعي خصائص ~~وأحوال الله فقط لا غير.» فهذه دعوة صريحة إلى أن يقتصر النشاط العقلي ~~على البحث في العلم الطبيعي الكاشف للقوانين أو المسار الحتمي لهذا ~~الوجود، أو الجوهر الواحد، أو الطبيعة المادية الطابعة المطبوعة، أو ~~«س» أو «ص»، ولا مشاحة في الألفاظ كما يقولون! # وهذه الدعوى إلى الدراسة العلمية الحتمية تشمل كل شيء، حتى العواطف ~~والانفعالات، وكتابه «الأخلاق» يعالجها كما يعالج علم الهندسة النقط ~~والخطوط والمسطحات، ومن هنا كان سبينوزا مبشرا بعلم النفس الحديث، ~~بإخضاع الظواهر السيكولوجية للدراسة العلمية الموضوعية، وهو داعية ~~لعلمنة الدراسات الإنسانية بجملتها: التاريخ والسياسة والاجتماع ... فلا ~~بد من النظر إلى كل أوجه وجوانب الحياة الإنسانية بوصفها خاضعة لنفس ~~قوانين الوجود الحتمية، فتستكمل الطبيعة المادية شموليتها وتستوعب كل ~~الكيانات على الإطلاق، وتغدو الحتمية بدورها هكذا. # على هذا النحو كانت فلسفة سبينوزا مجرد تخطيط لكون حتمي مادي حاو ~~لكل شيء، تحكمه قوانين حتمية صارمة هي موضوع العلم الذي هو النشاط ~~العقلي الوحيد، فأحكمت الحتمية الفلسفية قبضتها على الكون فلا تنفذ من ~~أقطارها أية واقعة من وقائعه، فحق القول إن الفلسفة أنجزت مهمتها بشأن ~~الحتمية؛ ليتسلمها العلم مبدأ ناضجا مخدوما، خليقا بأن يكتسب ~~الشخصية العلمية، بل أن يكتسب ms019 العلم منه شخصيته. # إن سبينوزا مواكب لنهضة العلم الحديث، معبر عن الروح العلمية ~~السائدة في عصره، فقد كان مبدأ الحتمية آنذاك هو الأب الروحي الهادي ~~الحادي للعلم، يرسم للعلماء المثل الأعلى الذي يحدد لهم مسار ~~الخطوات. # لذلك نجد العلماء يتكفلون الواحد بعد الآخر، بتحقيق حلم البشرية ~~الأزلي: تصور الكون ككل واحد خاضع لحتمية صارمة، والآن: كآلة ميكانيكية ~~ضخمة، بدأت أولى الخطوات نحو هذا بأولى خطوات العلم الحديث، وهي خطوة ~~علوم الطبيعة: الفلك والفيزياء، ولنلاحظ أن الفيزياء هي الأصل وصاحبة ~~القول الفصل، فهي التي قادت نهضة العلم، وهي أكثر العلوم تقدما، وهي ~~أيضا أكثرها عمومية وتتربع على قمة سلم نسق العلم الإخباري، وكل ~~العلوم الأخرى تليها وتستفيد منها، فلا بد وأن تسلم بمبادئها، على هذا ~~نجد الحتمية العلمية أولا وقبل كل شيء هي الحتمية الفيزيائية، فإذا ~~كانت الفيزياء حتمية - أو لا حتمية، فالعلم كله هكذا. # وقد أصبح العلم الحديث حتميا لأن الفيزياء أصبحت هكذا، وعن طريق ~~خطوات ثلاث، في الأولى بدأ كوبرنيقوس # N. Copernicus ~~(1473-1543) نهضة العلم حين جعل الشمس ~~بدلا من الأرض مركزا والكواكب تدور حولها، وبفضل تيكو براهه ~~(1536-1601) وكبلر # J. Kepler ~~(1571-1630) وضعت القوانين الرياضية التي تحكم حركة الكواكب، فتغدو ~~هذه الحركة حتمية، وفي الخطوة الثانية تمكن جاليليو # G. Galileo ~~(1564-1642) من صياغة ~~قوانين رياضية تحكم حتمية الحركة على سطح الأرض، أما الخطوة الثالثة ~~فهي ذروة العلم الحتمي؛ إذ تمكن نيوتن (1674-1727) من ضم الحركتين معا ~~- السماوية والأرضية - في نظرية واحدة جمعت الكون بأسره بين فكي ~~قوانينها لتبتلعه ابتلاعا يلقي به في جوف الحتمية، أو في قلب الآلة ~~الميكانيكية؛ وذلك عندما نشر في لندن عام 1687 كتابه العظيم «الأسس ~~الرياضية للفلسفة الطبيعية» الذي يرسم الصورة الرياضية لكون يقوم على ~~الزمان والمكان الثابتين كخلفية مطلقة بالنسبة للجميع، تتحرك فيها كل ~~الأشياء، تبعا لفرض الجاذبية، ثم قوانين نيوتن الثلاثة الشهيرة التي ~~هي أساس الفيزياء الكلاسيكية، وبالتالي هيكل الحتمية ~~العلمية: ~~(1) # كل جسم يظل على حاله - سكونا أو حركة مطردة في خط ms020 ~~مستقيم - ما لم يجبره مؤثر خارجي على تغيير حالته، وهذا هو ~~قانون القصور الذاتي. ~~(2) # معدل التغير في العزم «كمية ~~التحرك # Momentum ~~» يتناسب مع القوة المؤثرة على ~~الجسم، ويكون اتجاه العزم نفس اتجاه القوة المؤثرة. ~~(3) # لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في ~~الاتجاه. # وكان كل شيء في هذا الوجود ، الكوكب في السماء والفقاعة في الهواء ... ~~موج البحر وأديم الأرض، النبتة الصاعدة والحجر الساقط، القذيفة ~~المنطلقة والجبل الراسخ ... كل ما تراه الأعين وتدركه الحواس، لا تراه ~~ولا تدركه إلا وهو خاضع بدقة مطلقة لهذه القوانين المصوغة باللغة ~~الرياضية التي لا تخل ولا تحيد أبدا، فاتضح أن خضوع الكون للحتمية ~~الشاملة قد ثبت نهائيا، وآمن العلماء أن نيوتن وضع النظرية ~~الفيزيائية العامة، فوصل العلم على يديه إلى سدرة المنتهى، واقتصرت ~~جهود الفيزيائيين بعده على تأمين نسقه بدرء أية شبهة لا حتمية ~~عنه. # ومن الناحية الأخرى جاهدت بقية فروع العلم؛ لتظفر هي الأخرى بالسمة ~~الحتمية، علها تحرز ما أحرزته الفيزياء من تقدم، واندرجت سائر علوم ~~المادة الجامدة في النسق الحتمي، وبدا الدور على علوم المادة الحية - ~~البيولوجيا، وبفضل جهود علماء الحياة بمختلف تخصصاتهم، لا سيما كلود ~~برنار وتشارلز داروين، تدثرت ظاهرة الحياة على سطح الأرض بالسمة ~~الحتمية، وتصوروا أن العقل الفائق الذي افترضه لابلاس - في صياغته ~~الشهيرة لمبدأ الحتمية - لو عرف الوضع في أية لحظة، أو حتى في اللحظة ~~التي تخلقت فيها ظاهرة الحياة، وعرف كل العلل والقوانين فسوف يستطيع أن ~~يتنبأ يقينا بكل تفاصيل حالة المجموعات النباتية والحيوانية في أي ~~مكان وزمان، وطبعا حالة الجسم الحي. # وبالتالي انفتح الطريق أمام الدراسة العلمية للإنسان، ونشأ علم النفس ~~بفضل جهود أجيال متعاقبة من علمائه ومؤسسيه، واستطاع تأكيد هذه ~~الحتمية في مجاله الخاص، وبالذات مع مدرستين من مدارسه هما: التحليلية ~~والسلوكية. # وأيضا جاء أوجست كونت (1798-1857) وهو من أتباع الواحدية المادية؛ ~~ليقيم علم الاجتماع على أساس أن الظواهر الاجتماعية شأنها شأن كل ظواهر ~~هذا الوجود، فيزيقية أو عضوية أو سيكولوجية ... إلخ خاضعة ms021 لحتمية شاملة، ~~الحاجة إذن ملحة لعلم الاجتماع كي يكتشف القوانين الصارمة لهذه ~~الحتمية. # وانسحب المد الحتمي إلى التاريخ والجغرافيا، فقد كانت الحتمية قرينة ~~العلم وكل دراسة تطمح في الظفر بالسمة العلمية لا بد وأن تتشح بوشاح ~~الحتمية، وأشهر محاولة لعلمنة التاريخ عن طريق الزعم بخضوعه لحتمية ~~صارمة هي محاولة كارل ماركس، وإن كان ابن خلدون (1332-1406) قد سبقه في ~~هذا بعدة قرون، وحتى الجغرافيا هرولت هي الأخرى لتلحق بركاب المسيرة ~~الحتمية، فراح علماؤها يؤكدون أن الإنسان محض صنيعة لبيئته، أو مجرد ~~نتاج لسطح الأرض، كما تقول العالمة الجغرافية إلين تشرشل سمبل. # هكذا اكتمل التصور الحتمي في عيون العلم، وحتى نهايات القرن التاسع ~~عشر كان العلماء على يقين من أن كل ما يبدو وكأنه لا يؤكد الحتمية، ~~سواء في الدراسات الطبيعية أو الإنسانية، مجرد فراغات سوف تملؤها ~~الجهود العلمية المتواترة، لنظفر يوما ما - ليس بعيدا - بالعلم ~~الكامل: الصورة القاطعة الجامعة المانعة لكون حتمي تماما، آلة ~~ميكانيكية عظمى. ~~••• # لقد تكاتفت أفرع العلم المختلفة لتسد منافذ هذا الوجود أمام ~~الحرية الإنسانية، بكل خفقانها في القلوب وجيشانها في الصدور، أعلنت ~~حتميته أنها غير كائنة في العالم، ثم أطبقت فكيها بشراسة على كل جوانب ~~ممارسة الحياة فيه؛ السيكولوجية والاجتماعية والتاريخية ... بالطبع فضلا ~~عن الجانبين الفيزيقي والبيولوجي، كان هذا هو الوضع حتى نهايات القرن ~~التاسع عشر. # من هنا كان الميراث التاريخي لمشكلة الحرية الإنسانية يفرض عليها ~~المنظور العلمي، وكان لزاما أن نتعاقد على أن يكون للعلماء حق الحديث ~~أولا، ثم يأتي الفلاسفة ليتفلسفوا بناء على أحاديث العلم والعلماء، ~~بغية أفضل عرض منهجي للمشكلة، خصوصا وأنها ذات أبعاد بعيدة، أبعد من ~~كل ما قد يبدو للنظرة العابرة، فهذا التناقض بين العلم بحتميته ~~والإنسان بحريته - كما سنرى - صنع واحدا من أخطر بؤر التفلسف في تاريخ ~~الفكر، وإحدى نقاط التحول فيه. # ولكن أين هي تلك الحرية التي ما زلنا وسنزال دائما نبحث عنها، ما ~~دام مبدأ الحتمية قد بلغ في عالم العلم كل هذا الشأن العظيم؟! ~~••• # الواقع أن مبدأ ms022 الحتمية العلمية هذا وتفسيره الميكانيكي للكون - وبغض ~~النظر عن جذوره السيكولوجية - ليس إلا فرضا كان العقل البشري في حاجة ~~ماسة إليه؛ كي يرسم له طريقا آمنا وأطرا مطمئنة لمحاولة فهم العالم، ~~إنه يرسم صورة أنطولوجية لعالم مثالي كموضوع للعلم. # أما من الناحية الإبستمولوجية - والعلم أصلا نشاط إبستمولوجي ~~والدلالة الأنطولوجية فرع - فلنتذكر أن اليقين هو الوجه الإبستمولوجي ~~الصريح لمبدأ الحتمية، ومن هنا نجد أن العوامل الحضارية هي التي دفعت ~~العلم دفعا إلى أحضان الحتمية، فقد ظل العلم التجريبي نشاطا ذاويا، ~~ينمو على استحياء وبخطا وئيدة جدا، حتى كان أفول العصور الوسطى ~~وإشراقة العصر الحديث، ومع القرن السادس تفجر نجاح العلم وبدأ يفرض ~~نفسه، ولكن السلطة كانت لا تزال في يد الكنيسة، والسجال العنيف بل ~~الدامي بينهما على أشده، ولكن ينتزع العلم السلطة من الكنيسة - ذات ~~اليقين المطلق طبعا - ولم يرض مطلقا أن يبدو أقل شأنا، وأصر على ~~أنه هو الآخر يأتينا باليقين المطلق، أوليس عالمه محض آلة ميكانيكية؟! ~~فارتبط نجاح العلم بالثقة المفرطة غير النقدية في نتائجه حتى ساد ~~الاعتقاد أن لديه الإجابة القاطعة على كل سؤال والحل الناجع لكل ~~مشكلة، وكما يوضح هانز ريشنباخ في كتابه «نشأة الفلسفة العلمية» (عن ~~الترجمة العربية ص44 وما بعدها) حيث يقول: «بلغ هذا مع القرن الثامن ~~عشر حدا جعل العلم يضطلع بوظيفة اجتماعية هي أصلا من مهام الدين ~~والمقصود وظيفة كفالة الطمأنينة القصوى، فلا غرو أن يصبح الله في عصر ~~التنوير أشبه بعالم رياضي جبار يعرف كل شيء، طالما أن لديه استبصارا ~~كاملا بالقوانين، ويصبح العالم أشبه بإله صغير ينبغي أن تقبل تعاليمه ~~بوصفها يقينية مطلقة، بمنأى عن كل شك.» ولله في خلقه شئون! # والواقع أن اليقين هذا ليس ذا علاقة حقيقية بالعلم؛ لأنه أي اليقين ~~مجرد حالة سيكولوجية تقوم على اطمئنان النفس تجاه القضية المعطاة، ~~وعادة ما يرجعها علماء النفس إلى الرغبة في العود لعهود الطفولة التي ~~لا يعكر صفوها شك بفضل الثقة في حكمة الوالدين، وكما أوضح الفيلسوف ~~التحليلي الرائد لودفيج ~~فتجنشتين ms023 # L. Wittgenstein ~~(1889-1951) بعباراته الصاروخية الموجزة، ~~فإن الفارق بين مفهوم «يعرف» ومفهوم «يكون متيقنا» ليست له أية أهمية ~~إطلاقا، ولا حتى في مقتضيات الحياة العلمية كالشهادة أمام المحاكم، ~~هذا ما لم يكن مفهوم «أنا أعرف» مقصودا ليعني «أنا لا يمكن أن أكون ~~على خطأ!» ومن ذا الذي يعد نفسه معصوما من أي خطأ؟! إنه على أية حال، ~~مسألة شخصية ذاتية لا موضوعية فيها، ناهيك عن موضوعية العلم ~~المثلي. # موضوعية العلم تحول بينه وبين أي زعم باليقين، وهذا يجعلنا أقل ~~غرورا ويجذب انتباهنا إلى حقيقة عظمى مؤداها أن نتائج العلم تصوب ~~نفسها باستمرار؛ لذا يواصل العلم تقدمه، يقين العلم ليس في أية نتيجة ~~معينة، بل في أن كل خطوة غير دقيقة أو خاطئة يمكن دائما تصويبها، وفي ~~القرن العشرين، اتضح أن كل قوانين العلم، مهما كانت ناجحة ونافذة ~~وبارعة، هي فقط احتمالية أي قابلة للتعديل، وهذا يعني إمكانية الوصول ~~إلى قانون أنجح وأنفذ وأبرع، هكذا يجعل الاحتمال طريق العلم مفتوحا ~~للأبد، ويجعل البحث العلمي محتاجا دائما إلى المزيد من العمل الدءوب ~~ومن الجهود الخلاقة، فلا يقين نتوقف عنده ونركن إليه، اللهم إلا إذا ~~أردنا التخلي عن ميراث النهضة العلمية، والعودة إلى القواقع الأرسطية، ~~وهذا هو المحال. # ولأن الفلسفة مهمتها النقد والاختبار، فيمكنها وضع الإصبع على زيف ~~اليقين داخل حدود العصر الحتمي ذاته الذي استمر حتى مطالع القرن ~~العشرين، أولم تكن قمته وإكليله نظرية نيوتن، النموذج الأمثل على يقين ~~العلم الحتمي، وهي من الناحية المنطقية ليست يقينية، بل فقط صادقة؛ ~~لأنها تعطينا أفضل تفسير للظواهر الفيزيائية، ولكن ليس ثمة برهان على ~~أنه لا يوجد فرض آخر يعطينا تفسيرا أفضل وأدق، وهذا الاحتمال تحقق مع ~~نظرية النسبية، ومن الناحية الأخرى يوجد دائما الاحتمال لأن نجد ظواهر ~~لا تتسق معها، وقد وجدناها بالفعل في عالم الذرة. المنهج العلمي لا ~~يمكن أبدا أن يستبعد مقدما أية واقعة مهما كانت غير مألوفة لنا، ولا ~~أن يمنعنا من اكتشاف وقائع جديدة، حتى ولو ناقضت أرسخ نظرياتنا ~~القديمة. ms024 # والخلاصة أن الواقع التجريبي يستحيل أن يكون موضوعا لأي يقين، ~~والمعرفة اللاإلهية خاضعة دوما للايقينيات المستقبل، فقد تظهر كيانات ~~وعلاقات جديدة، وافتراض اليقين - أي الإمساك بالحقيقة المطلقة يوصد ~~الباب أمام تقدم العلم، وهو لن يوصد أبدا، ويضع صك الختام على حدوده ~~الراهنة، وهو لن يوضع أبدا، وليس يحط من شأن نظرية نيوتن العظيمة أنها ~~ليست يقينية؛ لأن اليقين ليس ذا دور في ميدان العلم، بل إن أخذه مأخذا ~~جادا هو الخطر الوبيل على تقدم العلم ذاته، إن الواقع والمثال ~~يفرضان اعتبار اليقين المعرفي محض وثن زائف، يتعلق به ذهن الإنسان؛ ~~لأنه يعطيه راحة زائفة، وإنها راحة حرام ... حرام ... حرام على أهل ~~العلم. # ومع هذا تشبث العلماء طوال العصور الحديثة بوهم اليقين العلمي، عين ~~تشبثهم الأهوج بالمبدأ الحتمي؛ نظرا للعوامل الحضارية التي صاحبت ~~مطالع العصور الحديثة ونشأة العلم الحديث ... العوامل التي تتلخص - كما ~~ذكرنا - في الصراع الذي كان بين العلم والكنيسة. # والحقيقة المسلم بها الآن بعد انقضاء ذلك العصر بحيثياته، أن ~~العلم يختلف عن الدين اختلافا جذريا في أنه لا يتعامل مع أية ~~يقينيات مطلقة؛ لذلك التزم كل منهما مكانه في البنية الحضارية، ولم يعد ~~من المراد ولا من المجدي ولا من المعقول أن يتطاول العلم على الدين، ~~ونخلص من هذا إلى أن الحتمية العلمية مجرد افتراض عشوائي دفعت إليه ~~متغيرات وظروف حضارية معينة، مقصورة فقط على مرحلة العلم ~~الحديث. # وأبسط ما يقال في هذا الصدد إن الحتمية مبدأ يستحيل إثباته ببرهان، ~~فهو ليس قضية رياضية أو منطقية نثبتها ببرهان عقلي صرف، فله مضمون ~~إخباري، أي يخبرنا بشيء عن هذا العالم، وبالتالي يكون إثباته ~~تجريبيا، أي بالالتجاء إلى التجربة لنرى هل تثبته أم تنقضه، ومن ~~الواضح أن التفكير في البرهنة التجريبية على مبدأ الحتمية - بكل ~~عموميته الهائلة - عبث، فكيف يمكن استشهاد الوقائع على أنها جميعا ~~مترابطة في تسلسل علي، يجعلها ناجمة حتما عن الواقعة الأولى أو ~~حالة الكون في اللحظة الأولى؟! إن هذا يقتضي فحص كل الوقائع ومنذ بدء ~~الخليقة وحتى ms025 قيام القيامة! وإذا افترضنا جدلا أننا فعلنا هذا ~~المستحيل، فمن أدرانا أنها جميعا كانت محتومة؟! كل ما سنعلمه أنها هي ~~التي حدثت ولن نلقى أية بينة على أنه كان مستحيلا أن يحدث ~~سواها. # فهل يمكن التذرع بالسمة العلمية للحتمية؟ كلا! فكما أوضح جون كيمني ~~في كتابه «الفيلسوف والعلم» (عن الترجمة العربية ص271 وما بعدها) ~~الحتمية هنا ستستند إلى أن وقائع الكون يوجهها القانون الذي يتوصل إليه ~~العلم، وهذا يعني أن القوانين العلمية تحدد الحوادث، بل تحتم وقوعها، ~~وكأنها تملك قوة ملزمة تجعلها لا بد وأن تطاع حين تأمر! المسألة إذن ~~تشخيص للقانون العلمي وتمثيله بإله أو إنسان ذي قوة وسلطان! وهذا طبعا ~~نزوع ساذج بدائي ومتخلف، مرفوض في أي تفكير عقلاني، فما بالنا ~~بالتفكير العلمي؟! إن القانون العلمي - بداهة - لا يلزم الطبيعة بشيء؛ ~~لأنه يعنى بما يحدث فعلا، لا بما يجب أن يحدث، ولما كانت القوانين ~~العلمية تقتصر على وصف الوقائع فقط، فإن الكون بالتالي يغدو محددا، ~~وينطبق هذا - كما يقول كيمني - على جميع الأكوان التي قد تخطر لنا، ~~سواء افترضنا أنها حتمية أو لا حتمية. # ولم يكن منتظر أن يجدي التذرع بالسمة العلمية؛ لأن الحتمية - كما ~~يمكن أن نستنبط من التحليلات التاريخية السابقة - محض صورة متعلمنة ~~لحلم ميتافيزيقي قديم، يتوق لإضفاء رونق الواحدية على هذا الكون ~~المتكثر الفوضوي، لننظر إليه ككل، فلا فردية ولا انعزال فيه، ومن ثم لا ~~تكثر ولا تعدد، أينع حلم الواحدية لأنها تعني اتحاد وتناغم الغايات ~~الإنسانية، وتجعلها مرتبطة معا أو على الأقل غير متعارضة، وكما يوضح ~~إزايا برلين، هذا يفضي إلى نتيجة مؤداها أن إدراك النموذج الذي تشكله ~~هذه الأشياء يجب أن يكون الغاية الحقيقية الوحيدة لكل الأنشطة العقلية، ~~وعلى رأسها بالطبع العلم الساعي إلى الأنموذج الميكانيكي، وفي مقابل ~~واحدية الحتمية، نجد أن التعددية - أي النظر إلى الكون على أنه مكون من ~~وقائع عديدة - هي ما تفرضه النظرة العلمية الخالصة. # أما عن الوجه الآخر للحتمية العلمية - أي العلية، فإنها مثلها بلا ~~بينة ولا برهان، ms026 وهي من أضخم الأوثان في تاريخ الفلسفة، لكن أوهاها، ~~ومنذ قرون عديدة كان الإمام الغزالي (450-505ه/1118-1162م) وبعده ~~الفيلسوف ديفيد هيوم (1711-1776) قد أثار تساؤلا لم تلق إجابة عليه، ~~وهو: من أين أتينا بالعلية؟ إن كل ما نراه تعاقبا بين أحداث، بين ~~النار والاحتراق ... بين الأكل والشبع ... إلخ، ولسنا نرى كيانا ثالثا ~~اسمه العلية - يحتم الثاني عن الأول، على هذا انتهى هيوم إلى رد ~~العلية لمجرد نزوع سيكولوجي، عادة تجعل الإنسان يفترضها بين كل ~~حدثين لاحظ اقترانهما. # ورب قائل: لماذا يقترنان دائما؟ لا إجابة إلا بأن العلية تربط ~~بينهما؟ ولماذا نفترض أن العلية تربط بينهما؟ لأنهما يقترنان ~~دائما؟ ... هذا الدوران المنطقي - أي إثبات الواحدة من القضيتين ~~بالأخرى، فتظل كل منهما تنقلك إلى الأخرى في دائرة مغلقة - هذا الدوران ~~القائم بين عنصرين من عناصر الحتمية العلمية هما العلية ~~والاطراد «الاطراد = الطبيعة مطردة تسير على وتيرة واحدة ما يقترن ~~اليوم لا بد وأن يقترن غدا وبعد غد وإلى الأبد»، يفصح عن الخلل في ~~المبدأ الحتمي، وهو من أشهر الدورانات المنطقية في الفكر ~~الفلسفي. # أما بالنسبة للعلم البحت، فقد انتهت التحليلات المعاصرة إلى أن ~~العلية لم يكن لها أي دور في العلم، وأمامنا مثلا عالم الفيزياء ~~الكبير وفيلسوف العلم هنري مارجينو، يحمل كتابه العميق «طبيعة الواقع ~~الفيزيائي» ( # The Nature of Physical Reality، p. ~~389-395 ~~) إثباتا لأن العلية بالنسبة للعلم ~~عبث بلا جدوى! فليس أمامنا علل ومعلولات، أي أحداث سابقة ذات قوة ~~خالقة موجدة لأحداث لاحقة، أمامنا فقط ظروف ملائمة للحدث، كأن يكون ~~السل علة لموت شخص، أو جذب الشمس علة لحركة الأرض في مدار أهليلجي، أو ~~أن النحات علة للتمثال، أو أن المثلث علة حقيقة مؤداها أن مجموع زواياه ~~180، وهذه أمثلة جامعة لشتى ضروب العلية العلمية، أو بالأحرى ما ~~نتصوره علية، بينما هي في حقيقة الأمر تفسيرات وليست تعليلات، ~~فكما أوضح وايتهد، ليس للطبيعة الميتة أن تقدم عللا! # ويسهب مارجينو في كتابه المذكور، بشأن المشكلات التي يثيرها اقتحام ~~العلية في العلم، وينتهي إلى أن ms027 هذه المشكلات تتبخر ببساطة، إذا ~~ما نفينا عن العلية أية حتمية! ~~••• # ولكن هل يمكن تقبل هذا وسؤدد الحتمية قد أتى ببرهان دامغ هو تقدم ~~العلم على مدى قرون أربعة من الزمان، وبلوغه الذروة بنظرية نيوتن التي ~~أكدت الحتمية من حيث أكدت التفسير الميكانيكي للكون؟ ألم نر تواتر ~~نشأة وتقدم بقية أفرع العلم على قدر ما استطاعت الامتثال للمثال ~~الحتمي؟! # في هذا يمكن اقتباس فقرة من س. دي. برود في كتابه «علم الأخلاق ~~وتاريخ الفلسفة» ( # Ethics and History of Philosophy، p. ~~167 ~~) يقول فيها: «الدرس الرئيسي الذي ينبغي أن ~~نتعلمه هو: في مراحل معينة من تطور المعرفة البشرية، قد يكون مربحا ~~وأساسيا لأجيال من العلماء، أن يعملوا على أساس من نظرية قد تكون من ~~الناحية الفلسفية محض مهزلة، ونجاح الإجراءات قد يعمي البشر قرونا ~~طويلة عن حقيقة مؤداها أن افتراضهم يستحيل تصديقه إذا أخذناه على أنه ~~كل الحقيقة، وليس شيئا إلا الحقيقة.» ~~••• # فبعد كل ذلك السلطان، والهيل والهيلمان، الذي حازه المبدأ الحتمي في ~~عالم العلم والعلماء، يواصل العلم تقدمه ليسحق معبودته الأثيرة - ~~الحتمية ذاتها، ويمزق سذاجة السلسلة العلية الأبدية لتتناثر أشلاء ~~وحطاما، ويغدو التصور الميكانيكي أنقاضا فوق أنقاض. # فقد فجر العلم المعاصر في القرن العشرين ثورته العظمى القائمة على ~~الكوانتم والنسبية، وأحكم قبضته على العالم الأصغر أي عالم الذرة وما ~~دون الذرة (الميكروكوزم) بفضل الكوانتم، وعلى العالم الأكبر ~~(الماكروكوزم) بفضل النسبية، وعلى الاثنين معا بوصفهما عالما واحدا ~~بفضل النسبية أيضا، كانت الكوانتم خروجا من العالم الحتمي، أما ~~النظرية النسبية فهي تحطيم للعالم الحتمي ... تقويض للتصور الميكانيكي ~~للكون ذي الثوابت المطلقة. # ثورة العلم المعاصر إذن أطاحت بالحتمية، فأثبتت أنه بلغ من العمر ~~رشدا وقادر على الاستقلال، كان العلم الحديث - من القرن 16 حتى نهاية ~~القرن 19 - مراهقا يشق طريق النمو والنضج، فكان في حاجة إلى راع ~~وجده في مبدأ الحتمية، ولكن المبدأ أدى دوره، واستنفد مقومات وجوده، ~~ثم أصبح يخلق المشاكل للعلم ويعرقل انطلاقته لمرحلة أبعد، ولمواصلة ~~طريق التقدم. # يجمل عالم الطبيعة ms028 النووية فيتالي ريدنيك الموقف، في كتابه «ألف باء ~~ميكانيكا الكوانتم» ( # A, B, C, of Quantum Mechanism, p. ~~15 ~~)، كالآتي: «مع نهايات القرن التاسع عشر أضحت ~~الميكانيكا النيوتونية في موقف متأزم، وشيئا فشيئا اتضح أن تلك ~~الأزمة تعني سقوط الحتمية الكونية التي تسمى علميا مبدأ الحتمية ~~الميكانيكية، ولم يعد الكون بسيطا إلى هذا الحد ولا باقيا على حالة ~~إلى الأبد، فلم تجلب ميكانيكا الكوانتم معها عرفانا جديدا فحسب، بل ~~أعطتنا تفسيرا لظواهر العالم مختلفا اختلافا جذريا، ولأول مرة ~~يعترف العلماء اعترافا كاملا بالمصادفة، ربما كان علينا أن ننحي ~~باللائمة على الفيزيائيين لأنهم وقفوا موقفا حياديا، ولكن كان عليهم ~~فقط أن يتخلوا تماما عن فكرة الحتمية الأبدية التي ابتدعوها بأنفسهم، ~~فقد ظنوا أن مثل هذه الحتمية إن هي انسحقت فإن الفوضى المطلقة ستحكم ~~الكون، ولن تعود الأشياء تطيع القوانين الدقيقة، ومضى ردح من الزمن ~~قبل أن يجد الفيزيائيون مخرجهم من الأزمة.» وفي النهاية لا يصح إلا ~~الصحيح، تمكن العلماء من التحرر التام من وثن الحتمية، ورفع لواء ~~اللاحتمية. # فليست أزمة العالم تلك - التي تخلقت في النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر - إلا عجز التصور الحتمي الميكانيكي عن استيعاب قوانين ~~وظواهر جدت، فقد كانت فيزياء نيوتن تتعامل مع الكتل الماردة ~~المكونة للعالم الأكبر البادي أمام الخبرة العادية، أي الحس المشترك ~~النازع إلى الحتمية. ومع مطالع القرن العشرين كان العلم قد اقتحم ~~بنجاح مظفر العالم الأصغر ... العالم الذري الذي ضرب عرض الحائط بكل ~~ما له علاقة بالحتمية، واستعصى تماما على قوانين نيوتن، فلا تجرؤ على ~~الاقتراب منه، ولتقتصر فقط على الكتل الضخمة، ولنعلم أن ما بدا معها من ~~حتمية أتى من سطحية النظرة لما يقع مباشرة في الحواس، بينما الحقيقة ~~الرابضة في أعماق المادة، حقيقة الذرات التي هي لبنات هذا الوجود تكشف ~~عن خطأ كل ادعاء بالحتمية الميكانيكية والعلية والضرورة والعمومية ~~المطلقة واطراد الطبيعة ... إلى آخر عناصر المبدأ الحتمي كما ~~رأيناه. # بدأت الأزمة بعلم الديناميكا الحرارية (ظواهر الحرارة)، فهي لا تسمح ~~باستخدام الرياضة الإقليدية، ms029 وترفض التحديد الفردي الميكانيكي وتستلزم ~~الإحصاء وتطرح تنبؤات لا يقينية بل احتمالية، لا لعجز الإنسان عن إدراك ~~كافة العلل، وإنما لاتفاق الإحصاء مع طبيعتها الاحتمالية، إن ~~الاحتمالية هي النقض الصريح للحتمية، وبالتالي هي الوجه الإبستمولوجي ~~الصريح للاحتمية، وكما رأينا، كان الحتميون يلوون عنق كل احتمال بواسطة ~~تفسيره تفسيرا ذاتيا، أي إرجاعه إلى الذات، إلى الإنسان وعجزه عن ~~إدراك كافة العلل، ولكن الديناميكا الحرارية حملت إلى أعطاف الفيزياء ~~أول اقتحام للاحتمال الموضوعي الراجع لطبيعة الموضوع لا لعجز الذات، ~~وبالتالي أول تخل عن الحتمية، وتوطد هذا أكثر بدراسة حركة الغازات، ~~والحركة الدائمة لجزيئات السوائل المسماة بالحركة البراونية «نسبة إلى ~~مكتشفها روبرت براون» والتي تزيد بالحرارة حتى تعطي ظاهرة الغليان، ~~وكلتا الحركتين مجهرية لا تراها العين المجردة، إنهما أول براهين ~~مباشرة على الوجود الحقيقي للذرات. # ثم كانت الذرة ونشاطها الإشعاعي ليحررا العقل العلمي نهائيا من ~~وهم الحتمية، لا سيما بعدما انضاف إليهما الكوانتم (الكم) في 17 ديسمبر ~~عام 1900، على يد العالم الألماني الفذ ماكس بلانك، فقد حاول أن يضع ~~حلا لمأزق نجم عن إشعاع الأجسام السوداء حين يتوغل في المنطقة فوق ~~البنفسجية فيخرق القوانين المعمول بها «قانون رايلي/جينز»، فاقترح ~~بلانك الكوانتم بوصفه ذرة الطاقة أو وحدتها الأولية، وأحكم العلاقة ~~بين الطاقة والتردد عن طريق معامل تناسب معجز اتضح أنه ثابت في جميع ~~أنواع الطاقة؛ لذا يعرف بثابت بلانك أو كوانتم (كم) الفعل. # كان الكوانتم هو المنعطف الجذري - بألف ولام التعريف أي المفرد ~~العلم - في دنيا العلم، حقا أنه محض نظرية عن الطبيعة الفيزيائية ~~للإشعاع، ولكن ما أدراك ما الإشعاع! لقد تفاقم أمره حتى استحال الكون ~~بأسره، بما في ذلك كتل نيوتن الصلبة، إلى مجموعة من الإشعاعات، كل شعاع ~~منها تملك زمامه نظرية الكوانتم تلك، فأصبحت الفيزياء الذرية هي فيزياء ~~الكوانتم، الذرة والإشعاع والكوانتم هي الكيانات الأساسية التي يتكون ~~منها عالم الفيزياء الذرية، المنبثق من قلب عالم نيوتن، ليتمرد على ~~تفسيره الميكانيكي وليتحدى بصلابة قوانينه اليقينية ويفرض الاحتمال ~~فرضا مهما عزت علينا الحتمية. # وتوالت ms030 جهود صناديد العلم، فاقتحم الكوانتم الميكانيكا الإحصائية ~~ليحل مشاكل مستعصية، وطرح نيلز بور نظريته في الذرة تربط بين أنموذجها ~~التقليدي عند رذرفورد وبين كوانتم الطاقة عند بلانك، ووضع مبدأه ~~المعروف باسم مبدأ ~~التكامل # Complementarity # بين مفهومي الذرة والإشعاع، وكان آينشتين قد ~~قام بأعظم توسيع للكوانتم حين طبقه في دراسة الظاهرة الكهروضوئية، ~~فتوصل إلى الفوتون، والفوتون هو الجسيم في كل إشعاع، ومعنى هذا عود إلى ~~النظرية الجسيمية وخروج عن النظرية الموجية التي كانت الفيزياء الحتمية ~~قد اعتمدتها، لتفسير طبيعة الضوء. فتقدم لويس دي بروي # L. De Broglie # مؤسس علم ~~الميكانيكا الموجية في رسالته للدكتوراه عام 1917 لإعلان أن الضوء مكون ~~من جسيمات ومن موجات معا، وبلغت به الجرأة حد نقل هذه الفكرة إلى ذرات ~~المادة التي لم يفسرها أحد من قبله على أساس موجي، ويخبرنا لويس دي ~~بروي - في كتابه «الفيزياء والميكروفيزياء» عن الترجمة العربية ص72 - ~~بأن هذا أمر قد يبدو بالغ الصعوبة فقط إذا ما فكرنا بمفاهيم الفيزياء ~~الكلاسيكية وبحثنا عن الحتمية واليقين، ولكنها تبدو بسيطة عندما ندخل ~~الاحتمالات بصورة منتظمة في صلب الظواهر الأولية، فالمادة التي افترضها ~~دي بروي هي توزيع لاحتمال وجود الفوتونات على المكان. # إذن فكرة الاحتمال هنا أساسية - أو موضوعية لا علاقة لها بجهل الذات ~~العارفة، لتنقض الحتمية، وتعني اللاحتمية، جهارا نهارا. # وتوسع العلماء في تطبيق هذه الثنائية الموجية/الجسيمية على المادة ~~والطاقة، أو الذرة والإشعاع معا، فلم يعد ثمة تعارض بينهما ولا حاجز، ~~إنهما مظهران مختلفان، ويمكن أن يتخذ أحدهما صورة الآخر. # فتحت الميكانيكا الموجية الباب الاحتمالي اللاحتمي على مصراعيه، ~~لتنطلق منه الفيزياء في طريق التقدم بسرعة مذهلة، فجاء إيرفين ~~شرودنجر عام 1925-1926 ليتوغل في التفسير الإشعاعي لكل مكونات هذا ~~العالم، وليوحد تماما بين صورتي الميكانيكا الجديدتين: ميكانيكا ~~الكوانتم والميكانيكا الموجية، ثم اقترح ماكس بورن الفكرة القائلة إن ~~الموجات لا تمثل أكثر من احتمال؛ فتعمقت جذرية التحول الاحتمالي، ~~واستبدلت بفكرة «إذا كان ... فإن ... دائما» التي عرفتها الفيزياء ~~الكلاسيكية، فكرة «إذا كان ... فإن ... بنسبة مئوية معينة»، وأصبحت ms031 ~~المصادفة عنصرا في بنية الطبيعة. # واصل فيرنر هيزنبرج السير في هذا الطريق، فبين أن أدوات القياس تفرض ~~قدرا من اللاتعين في التنبؤ بمسار الجسيم، أي استحالة التعيين ~~الدقيق لموضع الإلكترون وسرعته في آن واحد، وصاغ هذا عام 1925 في مبدئه ~~المعروف باسم مبدأ ~~اللاتعين # Indeterminacy Principle ~~، الذي يعد الميلاد الثاني لنظرية ~~الكوانتم، وفي الوقت نفسه المسمار الأخير في نعش الحتمية ~~العلمية. # هكذا كان العالم الذري هو الذي شق لنا الطريق لنبرأ من وهم ~~الحتمية، فهو يقر بالمصادفة والاحتمال الموضوعي، ولكنه طبعا كوزموس ~~منتظم، ذو ثوابت عتيدة، تتضاءل - بل تذوي بجوارها ثوابت الحتمية ~~الساذجة، ولن تلقي الحتمية همزة وصل بينه وبينها، فهو عالم عرف كيف ~~يتحرر من داء البحث عن اليقين، فاتخذ الإحصاء منهجا يفضي به إلى تلك ~~النتائج الاحتمالية الرائعة التي نلمس جبروتها في كل شيء بدءا من ~~غزو الفضاء وقهر الأمراض الخبيثة حتى أدوات التسلية والترفيه، بغير ~~الزعم بأن تنبؤاتها ضربة لازب أو قضاء مبرم أو كشف عن القدر المحتوم، ~~عالم ليس بذي احتياج لاطراد الطبيعة ولن يتخبط أو ينهار بدونه كما ~~يحدث لغير الراشدين، فلا يفرض على الطبيعة ولا يفترض فيها ضرورة، ولا ~~ينشغل البتة بخرافة العلية ويحصر همه في العلاقات والارتباطات ~~والتفسيرات - لا التعليلات، ويدرك تمام الإدراك أن الرياضة محض أداة ~~عقلية خاوية، لا تبرر أية دعوى أنطولوجية، وهو الذي يملؤها بالمضمون، ~~مضمون المتوسطات التي لا تزعم عمومية مطلقة ولا تبحث عنها، عالم يجعلنا ~~ندرك سطحية التفسير الميكانيكي، فضلا عن فشله وعجزه، وندرك أكثر تفاهة ~~الواحدية المادية التي تمخضت عنها حتمية نيوتن، فقد أصبحت المادة لا ~~كتلا تثير حاسة اللمس فحسب بل كائنا غاية في الشفافية، مجرد إشعاعات ~~من مركز ... على الإجمال إنه العالم اللاحتمي. # ويوما بعد يوم يؤكد لنا العالم الذري أن الاحتمالية واللاحتمية خير ~~وأبقى، وأجدى من اليقين والحتمية ألف مرة، لقد تحطم هذا الوهم الطاغي ~~الجبار تحت وطأة جسيمات الذرة المتناهية في الصغر. # على أن اللاحتمية # Indeterminism # ليست قصرا على العالم الذري، وليس العالم ms032 الأكبر الذي نحيا فيه بمنجاة ~~منها، أو أنه لا يزال ساكنا بين أحضان قوانين علمية يقينية، كلا، ~~فاللاحتمية أصبحت الآن عامة شاملة لمجمل نسق العلم، وأية ظاهرة في ~~الكون تعطينا الحسابات من المعادلات الفيزيائية النتيجة المحتملة ~~بشأنها ودرجة احتمالها، بمنتهى الدقة، مثلا، شروق الشمس غدا، في نظر ~~العوام قضية حتمية، ولكنها في نظر العلم المعاصر تقع فقط في مجال ~~احتمالية عالية جدا، بسبب ضخامة الشمس، شروقها غدا احتمال، وبالتالي ~~عدم شروقها أيضا احتمال قائم، ولكن بنسبة ضئيلة جدا يمكن ~~إهمالها. # بالعود إلى العالم الأكبر (الماكرو كوزم) نجد أن آينشتين قد أتانا ~~بالنسبية، أول نظرية في التاريخ تحل محل نظرية نيوتن فتؤدي مهامها ~~بصورة أكفأ وأدق، وقد بدأت من تجربة قام بها العالمان ميكلسون ومورلي، ~~انتهيا منها إلى ثبات سرعة الضوء واستحالة الاستدلال على وجود الأثير، ~~إنها كارثة حلت بالأثير، وقد كان - كما ذكرنا - فرضا ضروريا لكي ~~يكتمل التفسير الميكانيكي للكون، ومن ثم فإن سقوط فرض الأثير بعد من ~~أبعاد أزمة العلم الحتمي، وواحد من المؤشرات القوية التي آذنت بانهيار ~~الحتمية العلمية. # بدأ آينشتين بنتيجة هذه التجربة، أي باستبعاد الأثير تماما، وثبات ~~سرعة الضوء، والمقصود بها السرعة الكونية لجميع الظواهر ~~الكهرومغناطيسية والتي لا يمكن أن يبلغها أي جسم مادي، وهي 186000 ميل ~~في الثانية، ثم وضع نظريتي النسبية الخاصة (1905) والنسبية العامة (سنة ~~1917)، الخاصة تتعلق بالأجسام التي تتحرك بالنسبة لبعضها بسرعة ثابتة، ~~أما العامة فتختص بالأجسام التي تتحرك بالنسبة لبعضها بسرعة متزايدة أو ~~متناقصة (أي بعجلة)، ولما كانت الأجسام المتحركة بسرعة ثابتة يمكن ~~اعتبارها متحركة بعجلة مقدارها صفر، فإن النظرية الأولى محض حالة خاصة ~~من الثانية. # في النسبية الخاصة، ينص القانون الأول على أن الأجسام تنكمش في ~~اتجاه حركتها، والثاني على ازدياد كتلة الجسم بازدياد سرعته، والثالث ~~خاص بتحصيل السرعات، كحساب السرعة النسبية لجسمين يتحركان بالنسبة ~~لبعضهما في اتجاه معاكس، وهي ليست كما تتصور الفيزياء الكلاسيكية ~~مجرد مجموع السرعتين، أما القانون الرابع فينص على أن الطاقة تساوي ~~الكتلة مضروبة في مربع سرعة ms033 الضوء، وفي الخامس يتباطأ الزمن - وبنفس ~~المعامل الذي ينكمش به الطول - تبعا للسرعة التي يسير بها حامل ~~الساعة، أي من يقوم برصد الزمان. # وبهذا انهارت تماما ثوابت فيزياء نيوتن الكلاسيكية، كالكتلة ~~والأبعاد مثلا، وبعد أن كان كل شيء فيها مطلقا، يجعل حتميتها مطلقة ~~بالنسبة للجميع، علمتنا النسبية أن هذا الكون، الذي نحيا فيه ونحاول ~~فهمه واستكناه طبيعته بواسطة العلم، لا شيء فيه مطلق البتة، انهار ~~المفهوم المطلق للزمان والمكان الموضوعيين بالنسبة للجميع، ودخل الزمان ~~كبعد رابع للمادة، وهذا كما يقول فيرنر هيزنبرج، في كتابه «المشكلات ~~الفلسفية للعلوم النووية»، عن الترجمة العربية ص6: أول هجوم سلط على ~~الفرض الأساسي للفيزياء الكلاسيكية، فلم تعد المسافة مجرد بعد بين ~~نقطتين، كما لم يعد الطول والعرض والارتفاع كل أبعاد المادة، والتي لم ~~يخطر ببال العلماء الحتميين أبعاد سواها، بل تدخل الزمان في المسافات ~~والأبعاد. # وترتب على هذا أنه إذا وقع حادثان في المكان نفسه ولكن في لحظتين ~~مختلفتين من وجهة نظر مشاهد، فيمكن اعتبارهما قد وقعا في مكانين ~~مختلفين إذا نظر إليهما مشاهد آخر في حالة حركية أخرى، وعلى أساس تكافؤ ~~الزمان والمكان الذي يجعل أحدهما دالا على الآخر، يصح العكس أيضا: ~~فإذا وقع حادثان في اللحظة نفسها ولكن في مكانين مختلفين من وجهة نظر ~~مشاهد، فيمكن اعتبارهما قد وقعا في لحظتين مختلفتين، إذا نظر إليهما ~~مشاهد آخر في حالة حركية أخرى، هكذا تدخل الذات العارفة كمتغير في ~~معادلة الطبيعة، لتتحقق الموضوعية بصورة مدهشة، الموضوعية الحقيقية، ~~ويتبخر مفهوم الموضوعية المطلقة التي لا علاقة لها البتة بالذات ~~العارفة والزائفة زيف حتميتها الميكانيكية. # وأيضا إذا وقع حادثان في اللحظة نفسها من وجهة نظر مشاهد آخر في ~~حالة حركية أخرى، يكونان منفصلين عن بعضهما بفترة زمنية معينة، من هنا ~~حملت النسبية مفهوم التآني: أي استحالة الحكم بأن حادثا وقع قبل أو ~~بعد الآخر، فكيف يتأتى التفسير العلي الذي يشترط أسبقية العلة على ~~المعلول؟! # ثم نجد النسبية العامة تنص على أن السطح محدب، وليس مستويا كما ~~افترض نيوتن ms034 وكما يدركه الحس المشترك، فهذان العالمان أي عالم نيوتن ~~وعالم الحس المشترك متشابهان، أما النسبية فقد شيدت عالما مختلفا ~~أتم الاختلاف. # أدركنا الآن أن نظرية نيوتن ليست ذات دقة قاطعة أو عمومية مطلقة أو ~~صدق يقيني ... على الإجمال ليست من الحتمية في شيء، هي فقط نظرية تقريبية ~~بارعة تقتصر على الماكروكوزم، وبينما تفشل في الاقتراب من الميكروكوزم، ~~تنجح النسبية في التحكم فيه، فضلا عن أنها - أي النسبية - تتحكم في ~~الماكروكوزم أيضا بدقة فائقة، وتحمل حلولا لمشكلات فيه استعصت على ~~الفيزياء الكلاسيكية، لتنتصر على النيوتونية في عقر دارها، وإذا كانت ~~النيوتونية لا يزال معمولا بها؛ فذلك لأنه في معظم مجالات الماكروكوزم ~~يمكن إهمال الفارق الضئيل جدا بين النيوتنية وبين النسبية في مدى ~~الدقة. # إن النسبية هي النظرية الفيزيائية لكون الذرة قوامه ومكونه الأول، ~~والعالم الذري هو العالم اللاحتمي؛ لذا تحطم النسبية الخلفية المفترضة ~~للحتمية، وتنهي بصورة حاسمة التفسير الميكانيكي للكون وترسم له صورة ~~مناقضة تتبخر منها الأطر اللازمة للحتمية المزعومة، لقد أضحى عالم ~~نيوتن الميكانيكي أطلالا دوارس. ~~••• # وهذا الانقلاب على الحتمية حاز منتهى الشرعية، حين أسبغت عليه ~~الرياضيات ملكة العلوم تأييدها، فثمة زلزال آخر - آت من تطور ~~الرياضيات - أطاح بالبقية الباقية من دعائم الحتمية العلمية، التي يعد ~~اليقين الوجه الإبستمولوجي الصريح لها، حتى رأينا أن الحتمية ويقينها ~~توطدا نهائيا حين أمكن التعبير عن القوانين الفيزيائية باللغة ~~الرياضية، الضرورية دائما. # فقد كانت الرياضيات، وستظل دائما، التمثيل العيني لليقين المطلق، ~~ولكن أي يقين؟ ذلك هو السؤال. # لم يكن أمام الفيزياء الكلاسيكية إلا هندسة إقليدس؛ فظنوا أنه لا ~~هندسة سواها، وأنها الأنموذج الأمثل لليقين المطلق المنشود، حتى إن ~~القديس توما الإكويني (1225-1274) قد شغلته القضية: ما الذي يكون فوق ~~إرادة الله؟ فوضع إجابة تتضمن بضعة أشياء، منها أنه تعالى لا يستطيع أن ~~يجعل زوايا المثلث أقل من قائمتين فقد كان الجميع - فلاسفة وعلماء ~~ومثقفون وعوام - شأنهم شأن إيفان كرامازوف بطل رائعة دستويفسكي، على ~~يقين من أن الله خلق العالم بموجب الهندسة الإقليدية، فليس غريبا ms035 أن ~~تطرح فيزياء نيوتن الكلاسيكية كل هذه الحتمية، وهي تقوم بتطبيقها على ~~الواقع الفيزيائي، فتسلم مثلها بأن السطح مستو، كما تلاحظ الخبرة ~~العادية. # بيد أن المسلمة الإقليدية الخامسة، القائلة باستحالة التقاء ~~الخطين المتوازيين، أثارت مشكلات، فقد شك الرياضيون في أنها مسلمة، ~~وحاولوا إثباتها باستخدام المسلمات الأخرى، ولم ينجح أحد، وبعضهم أفضت ~~به هذه المسلمة إلى الجنون، فلم يكن أمامهم إلا برهان الخلف (أي ~~البرهنة على صحة القضية بإثبات خطأ عكسها)، وبالتالي بدءوا بالتسليم ~~بالعكس: إمكانية التقاء المتوازيين، ولكي يفعلوا هذا افترضوا أن السطح ~~غير إقليدي؛ أي غير مستو. من هنا أدت المسلمة الخامسة إلى الهندسات ~~اللاإقليدية، وهي كل الأنساق الهندسية التي تختلف عن نسق إقليدس في ~~أنها لا تفترض أن السطح مستو، فتسلم بمسلمات مخالفة. # فجاء لوباتشيفسكي (1792-1856) ونشر عام 1829 في جامعته قازان مذكراته ~~حول مبادئ الهندسة، وكان هذا أول عرض منهجي كامل لهندسة لا إقليدية، ~~ترفض بديهية التوازي، فتفترض أن السطح ليس مستويا، بل مقعرا، ثم جاء ~~الألماني ريمان (1826-1866) ليفترض أن السطح محدب، ووضع نسقا لهندسة ~~لا إقليدية، لا توجد فيها أية خطوط متوازية على الإطلاق. # هاتان الهندستان تختلفان مع الإقليدية، ومع هذا كلتاهما - كالإقليدية ~~- صحيحة ويقينية «في بنائهما الداخلي» مائة في المائة، أدركنا إذن أن ~~الله يمكن أن يخلق مثلثات زواياها أكثر أو أقل من قائمتين، وأن ما قاله ~~إقليدس محض بناء عقلي بارع وليس ضربة لازب مفروضة على الله قبل ~~الإنسان! # خصوصا وأنهما ظلتا رياضيات بحتة فحسب، حتى جاء آينشتين وجعل منها ~~الرياضة التطبيقية، فقد أثبت الخطأ في محاولة تطبيق الإقليدية على ~~العالم وأنه ليس به استقامة ولا استواء، وجعل من نسق ريمان، وهو هندسة ~~السطح المحدب، الهندسة الفيزيائية لهذا الكون، فقد ذكرنا أن النسبية ~~العامة تجعل كل السطوح محدبة، وكان آينشتين يعتبر هذا أعظم إنجازاته، ~~وحين سأله ولده عن سبب شهرته، أجابه: أتعلم يا بني، عندما يزحف صرصور ~~أعمى على سطح كرة فإنه لا يلاحظ الطريق الذي سار فيه، بينما أنا على ~~العكس أسعدني ms036 الحظ بأن ألاحظ ذلك! # أفلا يعني هذا أن العلماء حين استمدوا من إقليدية النيوتونية سندا ~~لحتميتهم كانوا كالصراصير العميان! ~~••• # ثم جاءت ثورة المنطق الرياضية، أو ثورة الرياضة المنطقية، حين استأنف ~~وايتهد (1861-1947) وبرتراند راسل (1872-1970) جهود زملائهما، وأخرجا ~~كتاباهما العظيم «أصول ~~الرياضيات» Principia Mathematica # وفيه يبدآن بثلاثة لا معرفات هي الإثبات ~~والنفي والبدائل، ومنها فقط تمكنا بواسطة التدوين الرمزي من استنباط ~~قواعد المنطق الصوري، ومنها استنبطا الرياضيات البحتة بأسرها، ومعنى ~~هذا أن الرياضيات امتداد للمنطق وأنها مثله فارغة من أي مضمون إخباري، ~~ومحض تحصيلات حاصل، الرياضيات إذن يقينية لأنها لا تمثل إلا ارتباطات ~~جديدة، بين مفاهيم معروفة، وتبعا لقواعد معروفة. # وبهذا ثبت أن الرياضيات تحليلية ، شق القضية فيها مجرد تحليل للشق ~~الآخر، أي أنها ليست تركيبية ولا تقوم بتركيب معلومات تحمل أخبارا، ~~إنها مجرد بناء عقلي بحت وإنشاء منطقي خالص، إنها ملكة العلوم والمبحث ~~الصوري الرفيع المرتفع عن شهادة الحواس، وعن لجة الواقع المادي. # بذلك نفهم مثلا كيف أن الإقليدية، بعد ظهور نسبية آينشتين فقدت ~~ارتباطها الضروري بالواقع ومع هذا ظلت يقينية، فاليقين هنا هو يقين ~~الضرورة المنطقية التي تربط بين أطراف النسق، لقد طلب منا إقليدس أن ~~نسلم بمسلمات معينة ثم أعطانا النتائج التي تلزم يقينا عنها؛ أي ~~تحليلاتها بصورة أو بأخرى، ولا شأن لنا بالواقع والإخبار عنه. وبالمثل ~~فعل لوباتشيفسكي وريمان، فتوصلا إلى نظريات مختلفة، وكلها يقينية؛ ~~لأنها جميعا تلزم بالضرورة عما سلمنا به من مسلمات اختلفت من نسق ~~لآخر. # ومن الناحية الأخرى نجد أن الخاصة المميزة للفيزياء هي أنها مصوغة في ~~حدود المعادلات الرياضية، حتى أوشكت الحدود أن تضيع بين الفيزياء ~~والرياضة، وكلما ازداد العلم تقدما ازداد إيغالا في عالم ~~الرياضيات: لغة العلم، ومع هذا تظل المعادلات الرياضية البحتة يقينية، ~~بينما المعادلات الفيزيائية الرياضية محض احتمالية، فكيف؟! الحل بات ~~واضحا، فصدق القضايا الرياضية يعتمد على العلاقات الداخلية بين ~~أطرافها، أما صدق القضايا الفيزيائية فيعتمد على علاقتها بشيء خارجي، ~~مرتبط بالخبرة، إن التمييز راجع إلى اختلاف موضوعات العلمين، ms037 واختلاف ~~الخاصة المنطقية لكليهما، الرياضة تحليلية والفيزياء تركيبية، وموضوعات ~~الفيزياء لا يمكن أن تتحدد ببديهيات ومسلمات؛ لأنها شيء في العالم ~~الواقعي التجريبي، وليست في العالم المنطقي للرياضيات. # إن الرياضيات محض لغة وأداة فحسب، تقتصر على صياغة علاقات فارغة، ~~تسري على كل كوزموس ممكن سواء أكان حتميا أو لا حتميا؛ لذلك وصلت ~~الفيزياء المعاصرة إلى الذروة في سمتها الرياضية، وبصورة لم تكن تخطر ~~على بال علماء الفيزياء الكلاسيكية أنفسهم، ومع هذا ستظل دائما في ~~حاجة لإثبات صدق معادلاتها على الواقع، وهذه العلاقة تختلف تماما عن ~~الاتساق الداخلي للرياضيات. ~~••• # هكذا تبرأت الفيزياء المعاصرة تماما من كل ومن أي زعم بالحتمية ~~الكونية، ولأن الفيزياء هي الأصل وصاحبة القول الفصل - كما أوضحنا - ~~أصبحت فروع العلم المختلفة تسعى نحو مبدئها اللاحتمي. # لقد أضحى العلم في القرن العشرين لا حتميا، كمقابل للعلم الحديث ~~الذي كان حتميا، وفي الفصل الأخير سنرى عمق وجذرية اللاحتمية في ~~العلم المعاصر، إبستمولوجيا وأنطولوجيا، أو معرفيا ~~ووجوديا. ~~••• # إلى غير نهوض انهارت الحتمية العلمية بأنموذجها العلي ~~الميكانيكي الذي يستحيل أن يتسع لأية ومضة حرية، وبعد أن أرقت فلاسفة ~~الحرية أيما أرق، وفي الفصلين الثاني والثالث سنرى أن معضل الحرية في ~~عالم العلم الحتمي أخطر مما نتصور، وذو نتائج وبيلة أبعد من كل ما ~~نتوقع؛ لذا كان لفت الانتباه منذ البداية إلى خطورة أن يتعارض العلم مع ~~الحرية، وبالتالي أهمية ألا يتعارض - أن يتوافق معها ... يتوافق ~~القطبان الأعظمان لإنسانية الإنسان في مدارج رقيها: الحرية والعلم، ~~وبعد طول تنازع وتضاد، أو على الأقل فصام وانفصام. # إن تبيان هذا التوافق والتأكيد عليه لمهمة منوطة بنا نحن لا سوانا، ~~نحن أبناء العصر الذي شهد ثورة العلم العظمى، وخروجه من أعطاف الحتمية ~~الميكانيكية إلى آفاق مفتوحة، بلا نموذج تؤدي أطره إلى طريق مسدود كما ~~حدث إبان أزمة العلم الحتمي. إنها ثورة العلم العظمى التي توالي السير ~~قدما، ويبدو أننا لم ندرك بعد كل مضامينها الفلسفية، حتى إن كثيرين ~~من ذوي العقول النيرة يرفضون الخلاص من الحتمية وإن سلموا ms038 بانهيار ~~ميكانيكيتها، أو يسلمون بها إبستمولوجيا وينكرونها أنطولوجيا مع ~~تسليمهم بدلالة العلم الأنطولوجية! ... هذه الثورة العلمية العظمى كفيلة ~~بأن تفتح أمامنا آفاقا أرحب، وتكسب عقولنا مرونة ونضجا تجعلنا أقدر ~~من سوانا في العصور السالفة. # فقد اتضح آنفا مدى هيمنة الحتمية على العقل البشري عموما، والعقل ~~العلمي خصوصا؛ لذلك كانت الحرية الإنسانية من أشهر المتاهات الفلسفية ~~المفضية إلى لا شيء، ولما تصدر العلم مسيرة العرفان جعل من الحتمية ~~الهيكل المعلى، لتبيض المتاهة وتفرخ متاهات ومتاهات، ولكن العقل ~~العلمي المعاصر يفتح لنا طريق الخلاص من هذه المتاهات؛ لأنه قد اكتمل ~~نضجا واستقلالا، ولم يعد يفترض ولا يفرض على الوجود ما هو منه براء. ~~لقد تراجعت حتميته، وتلاشى نفيه للحرية الإنسانية، بعد أن كان أعتى ~~وأصلب من ينفيها. # ربما كانت الحرية منفية من زاوية أخرى، أو حتى من ألف زاوية أخرى، ~~ولكننا اتفقنا على الاقتصار على المنظور العلمي. # وهذه الخلفية التي طرحها المدخل جعلنا بإزاء انقلاب علمي جذري من ~~النقيض إلى النقيض، من الحتمية إلى اللاحتمية، مما يعدنا برحلة فلسفية ~~مثيرة حقا، شريطة أن ننزهها من التهاويم والإسقاطات، ويندر أن نجد ~~قضية فلسفية نجت من الإسقاطات الدينية والسياسية، فما بالنا بقضية في ~~حيوية الحرية. # إن المدخل قد أسهب فيما أوجزه عنوان الكتاب، في تحديد مسار الرحلة ~~الفلسفية المزمعة، لتغدو بمنحاة من انحيازات أو تهاويم أو إسقاطات، ~~فلنبدأ، وبالله قصد السبيل. # الفصل الأول # | ما الحرية # (1) الثقافة الفلسفية تلقي في الروع أن مشكلة الحرية فضفاضة، بل ~~هلامية مترامية الأطراف، ضائعة الحدود، لا مبتدأ لها ولا منتهى، إنها ~~تبدو منذرة بالتشتت والضياع، فالحرية هي المقولة الوحيدة التي تتداخل ~~في شتى كليات وجزئيات التجربة الإنسانية وسائر جوانب عالمه المعاش ~~وأيضا عقله الفعال، ومن ثم يمكن جعلها مضافا لأي مضاف إليه شئنا: ~~الميتافيزيقا، اللاهوت، الأخلاق، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، الدين، ~~العلم، الشخصية ... وكما يقول المستشرق روزنتال: «الحرية عبر التاريخ ~~استطاعت أن تعتق نفسها من إطار قيود التعريفات، وأن تتطور إلى واحد من ~~المصطلحات المجردة القوية التي ليس لها وجود ms039 خارجي إلا ما يعطيه لها ~~العقل الإنساني، وفي الوقت الذي خرجت فيه الحرية عن أن تخضع لأي تعريف ~~موضوعي أصبحت موضوع تعريفات متعددة، وغني عن القول أنها أصبحت أيضا ~~موضوع أدبيات واسعة». # 1 # وشاع القول إن الحرية مشكلة تائهة، أوراق اعتمادها ضائعة، فأية حرية ~~من ألف ألف حرية، تلك التي لا نجفل من أن نطلقها هكذا غير موسومة ولا ~~مقترنة بفيلسوف أو مدرسة أو حتى اتجاه، هل هي حرية الإنسان أم الطبقة ~~أم الأمة؟ حرية الأرض والوطن، أم حرية المواطن مقابل الإرهاب والقهر ~~والفقر؟ حرية العقل مقابل الجهل، والجسد مقابل المرض والإذلال الفيزيقي ~~والنفسي المتمثل في الضعف والعجز ~~والعاهات والشذوذات النفسية وقوانين الطبيعة الصارمة وقواها الغاشمة ... ~~هل هي حرية القبول والرفض أم الاختيار أم اتخاذ القرار؟ حرية الأنا ~~بإزاء الآخرين، أم الذات بإزاء الموضوع، أم الفرد بإزاء المجتمع ~~...؟ # ثم، أوليست تعني الحرية إمكانية الانطلاقات التجديدية أمام الفنان ~~مقابل خضوعه للأنماط والمعايير، وفي الآن نفسه حرية القانون العلمي ~~مقابل حتميته، وماذا عن حرية العالم في خلق الفروض، حرية الفيلسوف في ~~انتقاء مسلمات فلسفته، هل هي حرية ميتافيزيقية أنطولوجية أم وجودية ~~عينية، أم اجتماعية شخصية، أم فكرية أكاديمية، أم أن الحرية كما رآها ~~الشاعر الألماني شيلر «مشكلة أو فكرة أستطيقية جمالية»؟ # 2 # ودع عنك الحرية الدينية فهل الإنسان مسير أو مخير؟ ثم ~~الحرية الدينية الوضعية بمعنى هل هو مجبر على التزام الدين المتوارث، ~~أم حر في اختيار ما يقنعه من أديان؟ بل هو حر في اتباع ملة من ملل ~~الدين الواحد المتعددة. هل هي حرية الفعل أم القبول وإبداء الرأي ~~والتعبير عنه نظريا وعمليا - أي العيش بمقتضاه، مقابل الخضوع لرأي ~~الآخرين في تحديد الاختيارات المستقبلية؟ وماذا بشأن الحريات الجزئية ~~ذات النطاق المحدود: حرية العمل والتنقل والإقامة والتصرف في الأموال ... ~~إلخ. # كل هذه الحريات وغيرها تشكل في مجموعها الصورة الكلية لمقولة ~~الحرية التي تعني كل هذا وأكثر، والحصر الدقيق لأبعادها ليس من شأنه ~~أن ينتهي، ويزيد من التباس الأمر أن «كل واحد منا ms040 يخوض معركة الحرية ~~في مجال معين، ومن الطبيعي أن يضخم أهمية مفهوم الحرية الذي يوافق ~~ذلك المجال. يضخم المحلل النفساني أهمية حرية السلوك ويستخف بعموميات ~~الفيلسوف ... إلخ. كل نظرة أحادية للحرية تضعف خطوط تحقيقها وتسهل النقد ~~على أعدائها الصرحاء أو المقنعين.» # 3 # فتتفاقم هلامية الحرية. # وتبدو المشكلة فضفاضة حتى أمام أعاظم العقول المعنية بنظريات ~~الحرية وتاريخها، فأمامنا على سبيل المثال أشعيا برلين وهو من أرصن ~~الفلاسفة المعاصرين الذين اهتموا بمشكلة الحرية اهتماما جادا ~~شاملا، كما يوضح كتابه الثري «أربع مقالات في الحرية»، ثم كتاب «فكرة ~~الحرية» الذي صدر على شرف برلين لمجموعة من الباحثين ~~كمناقشة لكتابه المذكور، في هذين ~~الكتابين - وفي سواهما - نجد الحرية تعني كل هذا وأكثر ، وما الحدود ~~بينها إلا من فيض الكريم، فلا غرو أن يأتينا برلين بكل منهجية وشمولية ~~نظرته وأيضا جذريتها ليعلن في نبرة اليائس أنه: «لن يناقش أكثر من ~~مائتي تعريف للحرية.» # 4 # هكذا بدت الصورة الفلسفية العامة لمشكلة الحرية عند برلين وعند ~~سواه، في الفكر العربي نجد مثلا المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي ~~يعلن في كتابه «من الحريات إلى التحرر» الذي يبحث مناحي شتى من قضايا ~~الحرية، أن الحل الوحيد لهذا المأزق هو الحديث عن حريات لا عن ~~حرية. # وليس يجدي المدخل العلمي في تحديد مقولة الحرية المطروحة للبحث، ففي ~~مقال لا يتجاوز خمسا وثلاثين صفحة، يناقش الدكتور فؤاد زكريا علاقة ~~العلم بكل هذا الحريات وغيرها. # 5 ~~••• ~~(2أ) «فهل يجدي التحليل الإيتمولوجي؟» # 6 # في اللغة الإنجليزية يحمل معنى الحرية لفظان # Freedom, Liberty # تسري عليهما عادة ~~القواميس بشأن المترادفات: تشرح الأولى بالثانية حتى إذا عدنا إلى ~~الثانية وجدناها مشروحة بالأولى (هذه ملاحظة عامة طريفة، وردت على ما ~~أذكر في مسرحية تنيسي وليامز «صيف ودخان» التي قرأتها منذ سنوات عديدة ~~خلت). # المهم أن اللفظتين يمكن تعريفهما لغويا بالمادة نفسها التي تشير ~~إلى وضع اجتماعي يفيد منزلة رفيعة وسجايا كريمة وأساسه الانعتاق من ~~العبودية والأسر والسجن والجزية ... وأيضا إلى غياب القهر والقسر ~~والإجبار والإرغام في الفعل ms041 أو الاختيار أو القرار، ولا تكاد تتميز # Freedom # إلا بذلك المدلول الذي ~~اكتسبته مؤخرا بالتحديد عام 1879 وهو مدلول فيزيائي يعني القابلية للحركة. # 7 # والخلاصة أنهما لغويا متساويان، وليس ثمة خطأ منكور في استعمالهما ~~كمترادفين، واحتذاء منتهى الدقة الفيلولوجية لن يفعل أكثر من إضفاء قوة ~~أو فعالية أكثر على الحرية التي يدل عليها لفظ # Liberty ~~. # 8 # لذلك فالعرف الشائع في الاستعمال قد يعطي # Liberty # انطباعا عينيا كسبيا ~~ملموسا، بمعنى أنه يدل أكثر على الحريات الوضعية كالحرية السياسية أو ~~الاقتصادية أو الاجتماعية ... في حين أن # Freedom # أكثر ارتباطا بالحرية في ~~مفهومها الأساسي المطلق. # وعلى هذا يمكن القول إن # Liberty # تحرر، بينما # Freedom # حرية، والأصل ~~اللاتيني للفظة # Liberty # معروف، إنه ~~الاسم # Liberty ~~(حرية، أو تحرر كما ~~اتفقنا) المشتق من الصفة حر: # Liber ~~، ~~أما لفظة # Freedom # فيبدو أن أصولها ~~ترتد إلى اللغة الجرمانية العتيقة «البروتو-جيرمانيك Proto-Germanic ~~» ومنها إلى ~~اللغة الجرمانية في لهجتها الغربية، ثم إلى اللغة الأنجلو ساكسونية # Anglo-Saxonic ~~، وبالتالي إلى ~~اللغة الإنجليزية القديمة، ومنها إلى اللغة الإنجليزية الحديثة. # ذلك أن لفظة الحرية في الألمانية قرينة اللفظية الإنجليزية # Freedom # المشتقة من الصفة حر # Free ~~، إنها # Freiheit # المشتقة من الصفة # Frei # ومشتق منها أيضا # Befreiung ~~«تحرر»، ولا تستعمل ~~الألمانية الأصل اللاتيني # Liber ~~، اللهم ~~إلا للدلالة على الليبرالية # Liberalismus # وهذه بالطبع مجرد اصطلاح ترمينولوجي # 9 # مجلوب من صانعيه وليست لفظة أنبتها لسان الأمة ~~إيتمولوجيا، حين أخذت هذه في الاعتبار رجحت الحكم بأن لفظة # Freedom # ذات أصل جرماني، أي أنها ~~مأخوذة من اللغة الجرمانية القديمة، وهي شيء مختلف عن اللاتينية وإن ~~كانت قد أثرت فيها، وتأثرت بها في تأسيسها للغة الألمانية ~~الحديثة. # ونأتي للفرنسية لنجدها أكثر ولاء لأصلها اللاتيني حيث إن حرية: # Liberty ~~، وتحرر: # Liberation # ولا قرائن ل # Freiheit, Freedom ~~. ~~(2ب) «أما في اللغة العربية»: فيمكن التمييز بين معنيين لكلمة «حر» ~~الأول إشاري والثاني دلالي، في المعنى الإشاري وهو الأساس: الحر ضد ~~العبد، وضد الأمة نجد الكريمة العقيلة، وعليه الحر (بالضم) من الذهب ~~أو النحاس أو ms042 غيره هو ما خلص من الاختلاط بغيره، # 10 # ورملة حرة رملة لا طين فيها، وطين حر طين لا رمل فيه، أما ~~دلاليا فكلمة حر كما شاع استخدامها تعني السيد الشريف الكريم وكل ما ~~هو أصيل ونبيل، الحر من الناس أخيارهم وأفاضلهم. # وحرية العرب أشرافهم، ويقال هو من حرية القوم أي من خالصهم والحر في ~~كل شيء أعتقه، وفرس حر فرس عتيق بمعنى أصيل، وناقة حرة ناقة كريمة، وحر ~~البقل والفاكهة خيارها، والحر كل شيء فاخر من شعر أو غيره، وحر كل أرض ~~وسطها وأطيبها، وحر الدار وسطها وخيرها والجمع حرائر، والحر الفعل ~~الحسن، ويقال ما هذا منك بحر: أي ليس بحسن ولا جميل، وسحابة حرة أي ~~غزيرة المطر، # 11 # وكلام حر أي بالغ الفصاحة ... وهكذا. # ويلاحظ روزنتال أن أصل استخدام كلمة حر بهذا المعنى يعود إلى الميل ~~الإنساني العام إلى نسبة كل الصفات السيئة إلى الرقيق وقدره السيئ في ~~حين يحظى الإنسان الحر قانونا بنسبة كل الصفات الطيبة إليه، ولم تكن ~~هذه الظاهرة قاصرة على العرب، بل شائعة في كل مكان وتطورت بشكل ~~مستقل تحت تأثير مؤسسة العبودية. # 12 # وقد لاحظناها بشأن اللفظ اللاتيني، فهو الآخر يفيد الخلوص من الرقي ~~وأيضا الكرم والأصالة «وأوضح نيتشه في أصول الأخلاق أنها موجودة في ~~أوليات جميع اللغات الآرية». # 13 # وعبر تاريخ العربية حملت مادة «حر» أربعة معان متمايزة؛ الأول خلقي: ~~وهو معنى اللفظة الدلالي أي الأصل الكريم ... وكان معروفا في الجاهلية ~~وحافظ عليه الأدب، الثاني قانوني: وهو معنى اللفظة الإشاري أي ضد العبد ~~وهو المستعمل في القرآن الكريم # فتحرير ~~رقبة مؤمنة ~~(النساء: 92) و # نذرت لك ما في بطني محررا ~~(آل عمران: ~~35)، وأيضا في كتب الفقه، فقد كانت مشكلته الأساسية الفرد حر التصرف، ~~وتناولها في أبواب معروفة تعالج مسائل الرق والحجر وكفالة المرأة ~~والطفل، والفقه يربط الحرية بالمروءة، فلا تكتمل إنسانية الفرد إلا ~~إذا شرف بالتكاليف، ويسجل الفقه وضعية المرأة الدونية كأمر واقع، ~~ولكنه يسجل أيضا أن حالة العبد والمرأة تجلب نقصانا في العقل ms043 أي في ~~المروءة؛ لذلك يخفض مسئولية من لحقت به تلك الحالة، نلاحظ في كل ~~الأحوال ترابطا بين الحرية والعقل وبين التكليف والمروءة. # 14 # أما المعنى الثالث فاجتماعي استعمله بعض متأخري ~~المؤرخين: الحر هو المعفي من الضريبة، والرابع صوفي كما يرد في تعريفات ~~الجرجاني: «الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رق الكائنات ~~وقطع جميع الخلائق والأغيار فهي تحرر من الشهوات وفناء إرادة العبد في ~~إرادة الحق»، ونلاحظ أن المعاني الأربعة تدور حول الفرد في علاقته مع ~~غيره، أكان ذلك الغير فردا آخر يتحكم فيه من الخارج، أو قوة طبيعية ~~تستعبده من الداخل. # 15 # وحين نأخذ في الاعتبار أن المعنى اللغوي أكد الخلوص من الاختلاط ~~بالغير (ذهب حر، رملة حرة ...) نستنبط أن الحرية تعني الخلوص والأصل ~~الأصيل الذي لا شبهة فيه، فلا مشاحنة في تطويعها ترمينولوجيا لتعني ~~فلسفيا الفعل الأصيل في صدوره عن الذات أي الخالص من جبر أو قسر؛ ~~فتصبح الحرية حال الإنسان الخالصة إنسانيته من أية حتمية ، أي من خضوع ~~لقهر أو غلبة أو سيادة، تفسد صدور فعله عن ذاته، ومن ثم يمكن الزعم ~~بمشروعية المصطلح. # والحق أن هذه المشروعية نقطة تسجل لحس العرب الإنساني والحضاري، ~~خصوصا وأنه يفوح من معنى «حر» عندهم، كل ما يؤكد النزوع الإنساني ~~السامي لاعتبار الحرية جماعا لقدس الأقداس الإنسانية، وبالربط بين ~~المعنيين الإشاري والدلالي نجد أن العرب قد جعلوا الوضع الخالص الأصيل ~~للإنسان هو وضع السادة الأحرار، إن «الحر» يشير إلى الأصيل وإلى ~~الطبيعة النقية الصافية غير المختلطة بسواها. # وكلمة الطبيعة في اللغات الإغريقية واللاتينية، وبالتالي في ~~الإنجليزية، لها معنيان، المعنى الأول يشير إلى مجموع الأشياء المفترض ~~أنها موجودة، ولكنها، أي # Nature # لها ~~مغزى أو معنى آخر هو الأصل والأكثر دقة، حين لا تشير إلى مجموع بل إلى ~~مبدأ أو مصدر «وكانت عند فلاسفة القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد ~~بالذات تعني الحقيقة # Reality # والأصل # Origin ~~». # 16 # فنقول مثلا إن طبيعة الرماد أن يكون مرنا، ومن طبيعة ~~البلوط أن يكون صلدا، كلمة الطبيعة هنا ms044 تشير إلى شيء ما يجعل مالكه ~~يتصرف حسبما يتصرف، وهذا المصدر لسلوكه يكون شيئا داخل نفسه، وإذا ~~كان خارجها فإن السلوك الناجم عنه ليس طبيعيا، بل يعود إلى القسر، ~~فإذا سار إنسان سريعا لأنه قوي، وذو طاقة يكون المشي السريع طبيعيا ~~بالنسبة له، أما إذا مشى سريعا لأن كلبا يطارده فإن المشي السريع لا ~~يعود إلى طبيعته بل إلى القسر الإجباري. # 17 # من هذا الالتقاء بين سيمانطيقية لغات شتى، نستخلص أن القسر والجبر ~~تشويه لطبيعة الإنسان، وبالتالي فإن الحتمية على جملتها تشويه لطبيعة ~~الإنسان، إذن التحليل اللغوي يجعلنا نهدأ بالا أكثر وأكثر بمبدأ ~~اللاحتمية الذي رأينا العلم المعاصر يلوذ به. # ولكن لنلاحظ أننا كنا ندور حول الصفة حر دون المصدر حرية؛ ذلك أن ~~المشكلة التي تصادفنا في العربية هي أن الصفة «حر» أصل ثابت، أما ~~المصدر «حرية» فمحاق بكثير من الغموض، إنه كمعظم المصادر ليس واردا في ~~أمهات المعاجم اللغوية، ولا في القرآن الكريم. بعض الباحثين يرجحون أن ~~المتصوفة هم الذين اشتقوا المصدر حرية، غير أن تاريخ المصدر ليس واضحا ~~على الإطلاق، وما زال الدليل ينقصنا حول ما إذا كان شائعا في استعمال ~~عرب ما قبل الإسلام «خصوصا وأن كلمة الحرية ككل الصيغ المجردة التي ~~تنتهي بياء النسبية لم تكن شاعرية؛ لذلك تجنب الشعراء استعمالها»، # 18 # وهذا قد يرجح الرأي القائل إن الكلمة غير مشتقة من الجذر ~~«ح ر ر»، ومما يؤيد هذا الترجيح وجود جذر مماثل «ح ر ر» يعني كون الشيء ~~حارا. وقد حاول بعض المفكرين القدامى والمعاصرين الربط بين «حر» ~~والجذر الذي يعني السخونة ولكن هذه المحاولات غير مقنعة. # 19 # وقصارى ما نستطيعه بصدد اللفظ «حرية» أنه ربما يكون قد استعمل منذ ~~فترة مبكرة للتعبير عن المصطلح القانوني المقابل للرق، وليس مستبعدا ~~أن تكون الكلمة قد استخدمت على نطاق واسع عندما اتصل المسلمون بالتفكير ~~الفلسفي لعالم البحر المتوسط الذي كان قد عرف النقاش حول الحرية لقرون ~~طويلة خلت، # 20 # على أن أقدم تعريفات الحرية في الشرق الإسلامي ms045 لم تصدر ~~عن دوائر إسلامية ولم يعبر عنها باللغة العربية، إنها ترد في الأعمال ~~السريانية حول التعريفات المنسوبة إلى ميخائيل أوبازود، وقد وضعت حوالي ~~عام 800م، وعندما نتبع تعريف الإرادة في كل هذه المجموعة نجد ما يلي: ~~«الحرية هي القوة غير المحدودة للطبائع العاقلة التي تتعلق بالحواس ~~والإدراك العقلي.» وهذا التعريف يمثل نتائج المناقشات اللاهوتية التي ~~دارت حول «حرية» في أوساط الكنيسة الشرقية، ولقرون طويلة خلت كان ~~المفكرون الدينيون الشرقيون يواجهون هذه المشكلة التي اعتبروها بحق ~~حجر الزاوية للإنسان الأخلاقي. # 21 # وبهذا تكون المناقشة اللغوية التاريخية قد انتقلت بنا تلقائيا إلى ~~قلب المشكلة الفلسفية مؤكدة أواصر القربى والصلات الوثقى بين هذا ~~البحث المعاصر جدا وبين التراث القابع في أعماق التاريخ، وقبل أن ~~ننتقل مرة أخرى إلى البحث الفلسفي نلاحظ أن التحليلات اللغوية قد انتهت ~~إلى ما ينبغي أن تنتهي إليه: إلى تحصيل الحاصل، وهو ما عبرت عنه ~~بالحكم بمشروعية المصطلح. # فلن تعني الحرية - وبشيء من التطويع - أكثر من الفعل الأصيل في ~~صدوره من الذات، وهذا ينطبق على كل الأوجه المذكورة من الحرية «فقرة ~~1» وسواها ولا يستبعد شيئا، وإذا خرجنا من الإطار اللغوي إلى قلب ~~مضمون الفكر الإسلامي، أي لو لجأنا إلى المفكرين والفلاسفة العرب في ~~طرحهم للسؤال ما هي الحرية؟ لوجدناه لديهم ما زال موضوعا لعمومية ~~مطلقة لا تتخلص من هلاميتها، وإن كان أشد التصاقا بالأساس الوجودي ~~المطلق وأبعد عن العينيات الجزئية؛ فهو طرح لا يسأل عما تعنيه الحرية ~~بالنسبة لهذا الفرد أو لهذه الطبقة، بل ما هي الحرية بالنسبة للإنسان ~~كإنسان، يلتقي هنا الفلاسفة العرب المعاصرون بفلاسفة الماضي، وفلاسفة ~~اليوم يرون المشكل في إطار علاقة الذات باللاذات، يتصورون الذات عقلا ~~أو نفسا أو جوهرا أو مطلقا، ثم يتصورون اللاذات مادة أو جسما أو ~~طبيعة مخلوقة، فيتصورون أن الحرية قدرة أو استطاعة أو كسب، قد يولدون ~~الذات من اللاذات أو العكس لكنهم يتفقون جميعا في نظرتهم إلى الحرية ~~كمفهوم مجرد يطبق على مثل معين، يعالجون المسألة بطرق مختلفة من ~~تحليل ms046 لغوي إلى وصف وجودي إلى افتراض ما ورائي، ويستعملون أساليب ~~متباينة من صور شعرية إلى معقولات مجردة، لكنهم ينظرون دائما إلى ~~الحرية كمطلق. # 22 # إننا بهذا اقتربنا بعض الشيء مما نريده، لكن ما زالت المشكلة قائمة ~~كيف يمكن تحديد مقولة الحرية في إطار هذا البحث. ~~••• ~~(3) «لنبذل محاولة أخيرة مع ~~التعريف الفلسفي للحرية»: وهو يخبرنا بأن الحرية بوجه عام حال الكائن ~~الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة ويفعل طبقا لطبيعته وإرادته، وتصدق ~~على الكائنات الحية جميعها من نبات وحيوان وإنسان؛ # 23 # لذلك فالحرية تشير بصفة ابتدائية إلى ظرف يحققه غياب ~~الإجبار أو القسر كشرط ضروري، فنقول إن الإنسان حر على قدر ما يستطيع ~~أن يختار بين البدائل المتاحة له، يختار ما يفعله ويختار أهدافه الخاصة ~~وسبل سلوكه، وعلى قدر ما لا يكون مجبرا على التصرف تصرفا لم ~~يختره هو نفسه أو يمنع من الاختيار أو من التصرف حسبما اختار، وليس ~~مفروضا عليه شيء بلا إمكانية أخرى، # 24 # هكذا «تظهر فكرة الاختيار على اعتبار أن الحرية إن هي إلا ~~المقدرة على فعل شيء أو الامتناع عن فعله»، # 25 # الاختيار هو الذي يحدد، وهو كما عرفه التوحيدي في ~~المقابسات: إرادة تقدمتها روية مع تمييز، أما الفعل الحر فهو على حد ~~تعبير الغزالي ما يصدر عن إرادة حقيقية، بينما الفاعل الحر هو من يصدر ~~منه الفعل مع الإرادة للفعل وعلى سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد، # 26 # وتصبح الحرية هي تلك الملكة التي تميز الكائن الناطق من ~~حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أية إرادة أخرى ~~غريبة عنه. # 27 # ومن الممكن التمييز بصفة عامة بين نوعين للحرية: حرية التنفيذ وحرية ~~التصميم، والمقصود بحرية التنفيذ: تلك المقدرة على العمل أو الامتناع ~~عن العمل دون الخضوع لأي ضغط خارجي. نحن هنا بإزاء حرية طبيعية أو ~~فيزيائية تعبر عن تلقائية الكائن الناطق واستقلاله الذاتي، الحرية ~~بهذا المعنى عبارة عن القدرة على المبادأة والمبادرة # INITIATIVE ~~، مع انعدام كل قسر ~~خارجي، أما حرية ms047 التصميم فهي عبارة عن المقدرة على الاختيار حين ~~نكون بإزاء فعلين مختلفين، أو حينما يكون في وسعنا أن نفعل أو نمتنع عن الفعل، # 28 # حرية التنفيذ هي حرية الفعل وملكتها الإرادة، وحرية ~~التصميم هي حرية القرار وملكتها الاختيار، الأولى تطبيق للثانية، ~~والثانية مقدمة شرطية للأولى، بعبارة أخرى هما وجهان لعملة واحدة، هكذا ~~تدخل مفاهيم الحرية والإرادة والاختيار في وحدة عضوية. # على أن إمكانية الاختيار بين ~~بلدين على الأقل هي الشرط الأساسي الذي تدور معه الحرية وجودا ~~وعدما، وإقرار أن الإنسان مريد يختار على الأقل بين فعلين ممكنين ~~يعني أنه حر، ليس فقط بمعنى أنه قادر على فعل ما اختار أن يفعله، ولكنه ~~أيضا حر بمعنى أنه ليس مجبرا على اختيار ما اختاره بواسطة علل خارجة ~~عن نطاق تحكمه، # 29 # فالحرية أساسا - كما يقول إريك فروم - فرصة متاحة للفعل ~~أكثر من أن تكون هي الفعل نفسه. # 30 # والخلاصة أن الحرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة ~~بينها، وهذا التعريف الجامع المانع للحرية صحيح ونحن نقبله، بل ونعتمده ~~كأساس الحديث المقبل عن الحرية، بيد أنه ينطبق على كل وجوه الحرية ~~المذكورة آنفا وعلى سواها ولا يستبعد شيئا منها، ويوضح أكثر من كل ~~سبق أن الحرية مقولة فضفاضة، وما زال السؤال ملحا: كيف يمكن تحديد ~~مشكلة الحرية التي تشغلنا في هذا الكتاب؟ ~~••• ~~(4) «الإجابة»: مطروحة ضمنا فيما سبق وصراحة في مقدمة الكتاب، فقد ~~تبينا فصلا تاما بين مستويين لمقولة الحرية الإنسانية، بالانتباه ~~إليه لا تعود مشكلة الحرية أكثر تشتتا ولا أقل تحددا من أية مشكلة ~~أخرى. # ذلك أنه لا بد من الفصل بين حرية الإنسان بوصفه كائنا في هذا الكون ~~أو الوجود ذي البنية أو الطبيعة المعينة منذ بدايته وحتى نهايته، ~~«الحرية في المستوى الأول» وبين حرية الإنسان بوصفه كائنا في جماعة ~~أو مجتمع ما يخضع لتحويلات ومتغيرات لا حصر لها عبر تاريخه «الحرية في ~~المستوى الثاني». # الحرية من المستوى الأول حرية الإنسان بوصفه موجودا في هذا الوجود ~~يمكن أن نسميها: الحرية الأنطولوجية؛ ms048 لأنها تعتمد على طبيعة هذا ~~الوجود وطبيعة أحداثه التي تشكل أفعال الإنسان بعضا منها، فهل سياقها ~~يستلزم أو على الأقل يسمح للإنسان بأن يمارس اختيارا؟ وبالتالي يتضمن ~~وضع الإنسان في هذا الوجود حرية حين يكون ثمة بديل للحدث بمعنى أنه ~~يمكن ألا يحدث أو أن يحدث سواه، أو أن يحدث على نحو آخر، أم أن كل ~~الأحداث وبالتالي كل أفعال الإنسان مقدرة سلفا في طريق واحد لا سواه ~~وكل مفاهيم الحرية والإرادة والاختيار أوهام وأباطيل لا مكان لها في ~~الكون الذي نحيا فيه. # مشكلة الحرية بهذا المنظور إما أن تكون ميثولوجية، كأن تتدخل قوى ~~أسطورية كالمويرا لتنفي حرية الإنسان وتلزمه بمصير محتوم مهما فعل ~~وبتصرفات معينة لا محيص له عنها، وإما أن تكون ثيولوجية دينية حين ~~يتعارض العلم المسبق لله، وقدراته تعالى أو مشيئته الشاملة مع إمكانية ~~الاختيار أمام العبد، وإما أن تكون ميتافيزيقية حين تضطلع الفلسفة برسم ~~صورة لوجود حتمي، تنتفي فيه أية حرية إنسانية، كتلك التي رسمها ~~الرواقيون وسبينوزا، ثم أصبحت علمية حين تكفل العلم الحديث برسم هذه ~~الصورة الحتمية للعالم، إنها نفس أطوار «كونت» التي مرت بها الحتمية: ~~ثيولوجية ثم ميتافيزيقية ثم علمية، ذلك أن مشكلة هذه الحرية - أي ~~الحرية في مستواها الأول - لا تأتي إلا من الحتمية التي ~~تنفيها. # وكما يقول برلين كل صور ~~الحتمية ترتد في النهاية إلى نموذج أو خطة أو مثال أو أفكار، كائنة ~~في العقل الإلهي أو في العقل الكوني، كأهداف أو ككليات تحقق نفسها ~~كعقليات ميتافيزيقية أو كتبريرات ثيولوجية آتية من عالم آخر، إن ~~الحتمية تشبع الرغبة في المعرفة، ليس فقط معرفة كيف أو لماذا يوجد هذا ~~العالم ولكن أيضا، معرفة لماذا استحق أن يوجد ولماذا وجد هذا العالم ~~على وجه الخصوص دون غيره، ولماذا لم يوجد أي عالم غيره على وجه ~~الإطلاق، وكان الحل مطروحا في حدود قيم، إما مطمورة في الوقائع ذاتها ~~وإما هي محتمة من علو أو عمق متعال، كلها نظريات هي صور للحتمية، وسواء ~~أكانت حتمية ثيولوجية ms049 أم أستطيقية أم دينية أم ميتافيزيقية، أم في ~~النهاية علمية ميكانيكية، فإن الخاصة المشتركة بينها جميعا هي أن حرية ~~الفرد في الاختيار وهم قائم على الجهل بالحقائق الذي يفترض أن ثمة ~~مساحة معينة من حياة الإنسان لا تحددها قوانين تعبر عنها تعميمات ~~العلم، تقدم المعرفة سيجعل مساحات جديدة من الخبرة محكومة بقوانين ~~تمكننا من الاستدلال المنهجي والتنبؤ، وكلما عرفنا أكثر ضاقت ~~مساحة حرية الإنسان وبالتالي مسئوليته، # 31 # حتى تتلاشى تماما في النهاية حين يصل التقدم العلمي إلى ~~الدرجة المنشودة. # أما الحرية في المستوى ~~الثاني، فهي تأتي من طبيعة أو بنية الجماعة المعينة التي ينتمي إليها ~~الفرد الباحث عن الحرية فقد لا تسمح بها، ولكن بالتغيير والتطوير ~~يمكن أن تسمح بها، فهذه هي الحرية التي تستلزم جهاد الأبطال وتضحيات ~~الرواد وأحيانا استبسالهم واستشهادهم، المجتمعات كثيرة والجماعات ~~أكثر؛ لذلك إذا كانت الحرية في المستوى الأول لها صورة واحدة هي ~~الحرية الأنطولوجية وعائق وحيد هو الحتمية، فإن الحرية في المستوى ~~الثاني لها صور شتى وعوائق شتى، حسب منظور الاهتمام الفكري ~~والعلمي إنها حريات بعدية عينية تعددية نسبية تطورية جزئية، كالحريات ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية والدينية والفنية والعلمية ~~والفكرية والأكاديمية ... إلخ. # الحرية في مستواها الأول - الحرية الأنطولوجية - في حد ذاتها بغض ~~النظر عن نتائج التنظير لها ليست خاضعة لأية متغيرات ولا درجات ولا ~~جهود، فإما أنها كائنة وإما أنها غير كائنة، هي وضع أو بالأصح حيثية من ~~حيثيات الوضع الذي وجد الإنسان نفسه فيه يمكنه فقط أن يعيه أو يدركه، ~~إنها تساؤل يجيب عنه العقل بشتى إمكانياته؛ لذلك فهي مشكلة فلسفية ~~بحتة خالصة. # أما الحرية في المستوى الثاني فكسب يحرزه الإنسان، ونتيجة تسفر ~~عنها جهود الدعاة وكفاح المصلحين، وفيها - أو من أجلها - تتشابك نظريات ~~الفلاسفة أو جهودهم مع جهود الجميع: الاجتماعيين والسياسيين ~~والتربويين والسيكولوجيين والمجديين والرواد والمبدعين ... # الحرية في المستوى الأول هي حرية الموقف الوجودي المطلق، أما في ~~المستوى الثاني فهي حرية الموقف الجمعي النسبي؛ لذلك فالأولى مطلقة لا ~~يمكن أن تكون نسبية، لا ms050 أجزاء لها ولا درجات، أما الحرية في المستوى ~~الثاني فهي نسبية لا يمكن أن تكون مطلقة ولا تتحقق إلا بدرجات ~~متفاوتة، الحرية في المستوى الأول يندرج تحتها كل ما يسمى ~~بميتافيزيقيات الحرية وتجريداتها وكلياتها، والمعبر الرسمي والشرعي، ~~بل والأوحد عنها، نظرية اللاحتمية، أما الحرية في المستوى الثاني ~~فيندرج تحتها كل ما يسمى بوضعيات الحرية وتمثيلاتها، المعبرون ~~عنها كثيرون، وإن كان أشهرهم النظرية الليبرالية المعبرة عن الحرية ~~السياسية والاقتصادية، وبشيء من التجاوز نقول وأيضا الحرية ~~الاجتماعية والشخصية، وإذا أخذنا بالتقسيم الشهير للحرية إلى حرية ~~سالبة تعني مجرد انتفاء عوائق الحرية، وحرية موجبة تعني تعيين مجال ~~محدد يمارس فيه حريته لقلنا إن الحرية من المستوى الأول سالبة «انتفاء ~~الحتمية» والحرية من المستوى الثاني موجبة، الحرية الأنطولوجية ~~الحقيقية لن تكون إلا سالبة ولا يمكن منطقيا أن تأتي إلا من ~~اللاحتمية الأنطولوجية، وأخيرا إذا رمنا دقة المصطلح لقلنا إن ~~المستوى الأول حرية # Freedom ~~، والمستوى ~~الثاني تحرر # Liberty ~~، وقد توجد ~~حرية بغير أن يتحرر بها الإنسان، على أن الحرية في مستواها الأول - ~~الحرية الأنطولوجية - هي الأساس الأولي والشروط اللزومي والمسوغ ~~الضروري للحرية في مستواها الثاني والذي بدونه تنتفي أية مشروعية للبحث ~~عنها؛ لأن كل تلك الحريات العينية الجزئية البعدية كائنة بالطبع في هذا ~~الكون، ولو كانت كل أحداثه محتمة سلفا في تسلسل علي بدء ببدء هذا ~~الكون، يجعل كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل أن يحدث سواه، فما جدوى ~~اكتساب الحرية السياسية مثلا أو عدم اكتسابها طالما أن وقائع التاريخ ~~ككل أحداث هذا الوجود محتومة؟ وما جدوى تحمل مسئولية الحرية الشخصية ~~أو عدم تحملها طالما أن عوامل الوراثة والبيئة قد حتمت سلفا ردود ~~أفعال معينة وبالتالي قرارات وتصرفات معينة، بل وطالما أن مسار حياتي ~~قطرة من طوفان الأحداث الكونية السائرة في المسار المحتوم وهلم جرا ~~... # على هذا لا بد من إثبات الحرية الأنطولوجية، بعبارة أخرى، الوعي بها ~~وإدراكها قبل أي محاولة للبحث عن حريات عينية على المستوى الثاني، ~~وإلا وقعنا في ابتسار النظرة ms051 أو التناقض الذاتي ثم الانفصام أو ~~الشيزوفرينيا. # الحرية الأنطولوجية وضع وجودي، حيثية من حيثيات الوجود الإنساني، ~~تساؤل يثيره مجرد وجود الإنسان في هذا الوجود؛ لذلك فهي في واقع الأمر ~~تلك المشكلة الفلسفية العريقة التي انشغل بها الفلاسفة منذ ديموقريطس ~~وحتى الآن، أما الحرية في المستوى الثاني فلم تظهر كمشكلة حادة تتطلب ~~النظر والتنظير فضلا عن العمل إلا مع الفلسفة الحديثة؛ كنتيجة ~~للتطور التاريخي الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والذي ~~فجرته عوامل شتى على رأسها تقدم العلم وبدء فعالية قواه ~~التكنولوجية. # كانت الحضارات الشرقية القديمة، كما يزعم هيجل، تسلم بالحرية ~~العينية لرجل واحد هو الحاكم أو الأب والعبودية لكل من سواه، وحين أتت ~~الحضارة الإغريقية كان تضررها من الطغيان، لا سيما بعد اتصالها أو ~~قهرها عسكريا على الأقل للحضارة الفارسية ورؤيتها لنظام الملكية ~~المطلق فيها وفي مقابل نظام المساواة الغريب في أسبرطة، # 32 # وعلى الرغم من هذا وأيضا من أن الحرية السياسية بمعنى ~~استقلال الدولة، دولة المدينة بالنظر إلى الخارج والديمقراطية في ~~داخلها كانت شعارا مرفوعا استخدمه على الدوام كتاب التاريخ منذ ~~أواخر القرن الخامس عشر ق.م.، وأنها انتقلت من اليونان إلى الرومان # 33 # على الرغم من كل هذا فإن الإغريق أحرزوا تقدما كميا ~~لا كيفيا وكميا غير ذي بال، فكانت الحرية كل الحرية للمواطن ~~الأثيني والعبودية للنساء والرقيق والأجانب، ولم تتغير الأحوال ~~الاجتماعية كثيرا في العصور الوسطى، وحتى أفولها لم يلح على الأذهان ~~تساؤل حاد بشأن الحرية في مستواها الثاني. وحين انتهت العصور الوسطى ~~وتخلقت البيئة الحضارية للعصر الحديث - عصر العلم الحديث والفلسفة ~~الحديثة - ألقى العلم على كاهل الوجود كل تلك الحتمية التي رأيناها، ~~فهدد بل خنق الحرية الأنطولوجية حتى اعتراها الذبول وشحوب الموت، ~~وفي الوقت نفسه تكاتفت العوامل الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية ~~لتترعرع حريات المستوى الثاني كائنا غضا يافعا جذابا يستأثر ~~بالاهتمام، ولكنه بغير أساسه، الحرية الأنطولوجية، كائن ينمو مجتث ~~الجذور بالوجود أو الواقع الأنطولوجي، ليدب الفصام في قلب مشكلة ~~الحرية يسفر في النهاية عن التنائي الشاسع بين مستوييها أو شطريها ms052 حتى ~~أباح المفكرون لأنفسهم بوعي أو بدون وعي إنكار شطر والإقرار بالآخر ~~فتفاقمت هلامية الحرية، كدالة من دوال الشيزوفرينيا التي تلخص الآثار ~~الوبيلة لمعضل الحرية في العالم الحتمي، والتي سيوضحها الفصل الثالث ~~(الفقرة 18). # وإذا وضعنا في الاعتبار الفصل بين مستويي الحرية ثم تمكنا من إرساء ~~المستوى الأول للحرية الأنطولوجية ثابتة مكينة أمكن أن ترى كل الجهود ~~النظرية والعملية لتشييد حريات المستوى الثاني بمنجاة من الشيزوفرينيا، ~~على الإجمال إنه طريق يفضي إلى تحقيق الأهداف المطروحة في مقدمة ~~البحث، ولكن هذا البحث في حد ذاته الذي عرضت مقدمته الصورة أو ~~بالأحرى الصورتين الأنطولوجيتين اللتين رسمهما العلم في انقلابه من ~~الحتمية إلى اللاحتمية مختص بالبحث في الحرية بمستواها الأول ~~الأنطولوجية والتي هي ببساطة غير كائنة في العالم الحتمي، وكائنة في ~~العالم اللاحتمي، على أن هذا في الواقع ليس بالأمر البسيط. # الفصل الثاني # | معضل الحرية في عالم العلم الحتمي # (5) نحن الآن في العصر الحتمي بإزاء الصورة التي رسمتها إبستمولوجية ~~العلم النيوتوني لهذا الكون الذي يحيا فيه الإنسان ويمارس أنشطته ~~وأفعاله، لتندرج في تيار الأحداث، وقد رأينا كيف انساق هذا التيار في ~~تسلسل حتمي؛ كل حدث - سواء فيزيائي أو كيميائي أو بيولوجي أو سيكولوجي ~~أو سيسيولوجي أو تاريخي ... إلخ حدوثه - ضروري وحدوث سواه مستحيل، ومعنى ~~هذا انتفاء بدائل للحدث، وقد رأينا أن البدائل هي الشرط الضروري ~~للحرية. # كل حدث محتوم لأنه معلول بما سبقه، وعلة لما يلحقه، إذن فكل فعل من ~~أفعال الإنسان هكذا، ولو وجد عقل لابلاس الفائق، فسوف يستطيع التنبؤ ~~بما يفعله كل شخص في كل لحظة، وعلى أقل الفروض حين يوجد نسق العلم ~~السيكولوجي المماثل في نضجه وتطوره لنسق العلم الفيزيائي، سيستطيع عالم ~~النفس أن يتنبأ يقينا بسلوك الشخص المحتوم عليه أن يفعله حين يتعرض ~~لموقف معين، تماما مثلما يتنبأ عالم الكيمياء بسلوك الماء المحتوم ~~حدوثه حين يتعرض الماء لدرجة حرارة معينة، وبهذا العلم اليقيني الشامل ~~لا بدائل أمام الإنسان ليختار منها فقط الحدث الواحد والوحيد المحتم ~~أنطولوجيا بالعلل وإبستمولوجيا بالقانون، فكيف ms053 الاختيار؟ ومن أين ~~الحرية؟ وأي دور للإرادة؟! # الحتمية العلمية تعني أن كل حدث محتم بسوابقه، والمستقبل لهذا وليد ~~الماضي، ومن ثم فإن أفعال الإنسان بدورها هكذا محتمة بسوابقها، أي ~~عللها، ومستقبله وليد ماضيه، وقراراته وأفعاله المقبلة معلول حتمي ~~للعلل البيئية والوراثية التي حددت في الماضي شخصيته فحتمت ردود ~~أفعاله، وتماما كما استطاع العلم التنبؤ اليقيني بكسوف الشمس وخسوف ~~القمر فسوف يستطيع التنبؤ اليقيني بالمشروب الذي ~~يختاره الشخص في اللحظة المعينة، ~~وبالمصيف الذي يختاره لقضاء إجازته، وبالثوب الذي سينتقيه وبالثورة ~~التي سيقودها، وبالجريمة التي سيرتكبها، وبالمعونة التي سيتبرع بها، ~~وبالكشف العلمي الذي سيتوصل إليه وبالعمل الفني الذي سيبدعه، ~~وبالعاطفة التي سيعيشها، بل وبكل حرف يتفوه به وبكل إيماءة تصدر ~~عنه ... إلخ، وإذا كنا لا نستطيع الآن التنبؤ بهذا فتماما كما كنا منذ ~~مئات الأعوام لا نستطيع التنبؤ بكسوف الشمس وخسوف القمر، المسألة مجرد ~~حدود للجهل ستتقلص بمرور الأيام وبتقدم العلوم خصوصا علم النفس ~~وسائر علوم الإنسان، حتى نصل إلى اليوم الذي ندرك فيه آفاق الحتمية ~~الشاملة الكاملة ولا يبقى مجال لحتمية مجهولة، فنتصور أن هذا المجال ~~مجال للحرية، إذن الإرادة ووهم الحرية كسائر شياطين التخلف تولد ~~وتحيا في ظلام الجهل، ونور العرفان كفيل بوأدها، وحينما يتحقق نسق ~~العلم الكامل سيعم نوره فيلغي افتراض الحرية نهائيا! # على أن الحتمية العلمية لم تكن في حاجة إلى أن تنتظر ريثما يتحقق ~~نسق العلم الكامل، أو حتى نشأة العلوم الحتمية الإنسانية لكي تنفي حرية ~~الإنسان، ولا حتى كانت في حاجة ماسة لذلك التأويل الذاتي لحدود الجهل ~~الإبستمولوجي، لتنزه الواقع الأنطولوجي من أية شبهة حرية من حيث كانت ~~تنزهه من أية شبهة لا حتمية ... كلا لم تكن الحتمية العلمية في حاجة ماسة ~~لكل هذا؛ لأننا رأيناها - في المدخل - قد بدأت في أولى خطواتها ~~بالحتمية الفلكية وبهذا استطاع مبدأ الحتمية أن يواصل مسيرته بغير ~~انقطاع عبر التاريخ، ويمارس دوره المطرد في نفي الحرية، وبغير أن ~~يعرقل هذا الاطراد الانقلاب الجذري الذي أحدثته ثورة العلم الحتمي ~~في العصر ms054 الحديث، فهذه المرحلة المبكرة من العلم الحديث الحتمي - في ~~القرن السادس عشر وبواكير القرن السابع عشر - كانت خطوة حاسمة للانتقال ~~من علم التنجيم الخرافي إلى علم الفلك الوضعي، كمقدمة لنقل بقية أفرع ~~العلم إلى المرحلة الحتمية الوضعية، بيد أن العقول كانت - ولعل بعضها ~~لا يزال حتى الآن - مشبعة بمقدرة التنجيم على قراءة الطالع والتنبؤ ~~بمصائر الأشخاص، ولما كان علم التنجيم يزعم أنه يفعل هذا عن طريق حركات ~~النجوم والكواكب، فمبجرد أن أتانا العلم الحتمي بأول مراسيمه ~~الحتمية - أي بأن حركات النجوم والكواكب خاضعة لضرورة الحتمية ~~العلية - إلا وكان هذا المرسوم يعني أيضا أن مصائر البشر بدورها ~~هكذا. # على هذا النحو انقضت الحتمية العلية بأولى خطواتها الغضة على حرية ~~الإنسان لتلزمه بالمحتوم، وبمرور الأعوام تجاوزت الحتمية ميدان الفلك ~~لتصل إلى كل الميادين الواحد بعد الآخر، وكل ميدان تفرض سطوتها عليه ~~يؤكد من جانبه نفي حرية الإنسان حتى وصلت إلى غايتها بالتفسير ~~الميكانيكي الجامع لكل ظواهر الوجود، «والذي يعتبر العالم دائرة مقفلة ~~من الحوادث يتصل بعضها ببعض اتصالا عليا بحتا لا دخل لاختيار ~~الإنسان فيه، وأن كل ما يحدث قد قدر أزلا وأحصي عددا كما لو كان ~~نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل حاسب»، # 1 # إننا بإزاء عالم حتمي كامل، وليس ثمة مجال لتدخل أي شيء ~~من خارجه، وكما نصت قوانين الحفظ والبقاء؛ كل ما يحدث في مثل هذا ~~العالم قد تحتم من قبل فيزيقيا بما في ذلك كل حركاتنا وبالتالي كل ~~أفعالنا، ومن ثم فإن كل أفكارنا ومشاعرنا ومجهوداتنا لا يمكن أن ~~يكون لها تأثير فعلي على ما يحدث في العالم الفيزيقي، إنها إن لم تكن ~~محض أوهام فهي على أحسن الفروض نوافل ومنتجات جانبية وظواهر فرعية ~~للأحداث الفيزيائية. # 2 # ولم يكن الوعي مشكلة أمام الحتميين، بعضهم اعترف به كعلة للسلوك، ~~وظل السلوك محتوما على أساس أن الوعي بدوره معلول لعلة أسبق، ~~بعبارة أخرى الوعي يندرج في التسلسل العلي ليغدو هو ذاته محتوما ~~بسوابقه، والبعض اعتبر الوعي محض ظاهرة فرعية ms055 ثانوية وليس علة، وفي ~~كلتا الحالتين التفسير الميكانيكي يحكم قبضته على العالم، فلن يستطيع ~~الإنسان أن يفر من هذه الحتمية الميكانيكية الشاملة، يا ليت فحسب بل ~~هرولت إلى رحابها علوم الإنسان الناشئة حديثا وهي بعد قاصرة لم تستقم ~~قامتها. # أصبح الفكر يفسر على أنه نشاط ميكانيكي للمخ، والعاطفة على أنها ~~نشاط ميكانيكي للجسد، وتصورنا أنه إذا أمكن تقصي كل التغيرات ~~الفيزيائية والكيميائية التي تحدث في المخ والجسم لأمكننا - ولو من حيث ~~المبدأ - أن نستدل على كل الخبرات الذهنية والعاطفية الخاصة بالفعل ~~الذي يصاحبها، فإذا كانت التغيرات المادية مرتبطة بسلسلة من العلل ~~فلا بد وأن الخبرات الذهنية والعاطفية مترابطة أيضا بنفس الأسلوب ~~ولم يعد هناك مجال لحرية الإرادة. # 3 # وكما أوضحنا حتى ولو كان الوعي - وليس العلل الفيزيقية - هو العلة ~~المباشرة للسلوك، فإن الوعي محتوم بعلل؛ أي محتوم بسوابقه، وبالتالي ~~فإن السلوك بدوره هكذا، رفض هذا ~~يعني رفض إمكانية الفهم العلمي لسلوك الإنسان (قد رأينا في المدخل كيف ~~أصبح التفسير العلمي مطابقا للتفسير الميكانيكي)؛ وبهذا يتأكد مرة ~~أخرى أن تصور الحرية محض وهم ناشئ من الجهل. # يستبعد التفكير الميكانيكي مقولة الحرية جملة وتفصيلا؛ لأنه يستبعد ~~أية إمكانية لأي دور تقوم به ولأي حيز لها، ولأي منشأ لها أو أصل، ~~ولأي هدف لها أو داع؛ ذلك لأنه يسحق تماما كل وأي محاولة لتفسير ~~السلوك الإنساني في حدود الاختيار والأهداف والعقائد والنوايا، # 4 # كلها مفاهيم أو محاولات تطيح بها نظريات الفسيولوجيا ~~العصبية، لقد أصبح الفعل المعين والحركة المعينة للإنسان خاضعة ~~بالكلية للتفسير الميكانيكي والذي هو محض تفسير حركي فيزيقي ولدرجة أن ~~كل تفسير سواه عقيم وباطل، # 5 # وبالتالي أصبح لزاما على مقولة الحرية الإنسانية أن ~~تغادر هذا الوجود، ومعها كل مفاهيم الأغراض والأهداف والغايات والمثل ~~العليا التي تسعى هذه الحرية إليها؛ لكي تكون حرية إنسانية واعية، ~~أوليس التفكير الميكانيكي هو التفسير الحتمي، هو التفسير العلي ~~بالعوامل السابقة، وأي تفسير بالهدف أو الغاية المستقبلية إهدار للسمة ~~العلمية ورجعة تقهقرية إلى العصر المتخلف السابق على ms056 عصر الحتمية ~~العلمية، أي عصر الغائية. # هكذا أصبحنا دمى لا حول لها ولا حيلة في يد الحتمية الكونية ~~بقوانينها الميكانيكية وعواملها العلية، التي تحدد طريقا نحن فيه ~~سائرون، أو بالأحرى مسيرون، وإن تصورنا أننا متجهون بالإرادة ~~الحرة نحو قرار أو اختيار أو هدف أو غاية؛ فذلك لأننا عميان وإن كنا ~~نبصر، صم وإن كنا نسمع، عميان وصم عن القوى العلية الكائنة في ~~الخلف. # العلية إذن هي مربط الفرس والكفيلة وحدها بتصدر الواجهة في مواجهة ~~حرية الإنسان، وحقا أن العلية مجرد وجه آخر للحتمية إلا أنها على أية ~~حال أكثر من الحتمية تحديدا، فهل يمكن الاستفادة من هذا التحديد في ~~إيجاد مجال للحرية الإنسانية؟ ~~••• ~~(6) «معضل الحرية/العلية»: لنتذكر أننا الآن في العصر الحتمي الذي ~~امتد حتى نهايات القرن التاسع عشر، وكنا قد رأينا كيف امتد نطاق ~~العلية من الحس المشترك إلى الفكر الفلسفي إلى العلم البحت، فاندرجت كل ~~أحداث الوجود - ومن ضمنها الأفعال الإنسانية في التسلسل العلي ~~الأنطولوجي، وأصبحت كل فاعلية مؤثرة أو قوة متغيرة علة معلولها الأثر ~~أو التغير الذي هو الحدث موضع البحث، ولما كنا نرفض المفاهيم الصوفية ~~والرومانتيكية وغيرها من مفاهيم لا معقولة للحرية، ونتمسك بالمفهوم ~~الواقعي - بمعنى الواقعية الحديثة # 6 ~~- للحرية الأنطولوجية، أي باعتبارها محدثة أو مساهمة في ~~إحداث فعل الفاعل، فإن هذا يجعل السبيل الأوحد والذي لا سبيل سواه إنما ~~في جعل الحرية علة، معلولها فعل الفاعل، ومن الناحية الأخرى - ~~الناحية الإبستمولوجية - فإن تعقل أو تفسير أو فهم أي حدث إنما هو ~~تعليله بطريقة معينة؛ لأن أي تفكير عقلاني موضوعي في هذا الوجود قد ~~أصبح تفكيرا عليا، فالعلية كما قال كانط من الشروط القبلية للعقل ~~ولا سبيل إلى تجاوز معطيات الحواس بدونها، وبالتالي إذا كان ثمة فعل حر ~~فلا بد وأن يكون معلولا بطريقة معينة. # فهل يمكن هذا؟ هل يمكن أن تندرج الحرية الإنسانية وفعلها الحر في ~~سياق العلية الأنطولوجية والإبستمولوجية؟ لو قلنا: «الفاعل سيفعل الفعل ~~إذا أراد أن يفعله فهل هذا عرض علي للفعل الحر؟ على ms057 أساس أنه إذا ~~كانت الإرادة معللة للفعل فهي بالتالي قوة علية يملكها الفرد، فيصبح ~~الفعل الحر هو الفعل الذي أحدثه تغيير في الفاعل جعله يحدث شيئا ما ~~خارجه، وهذا في الواقع هو المعنى الطبيعي للقوة العلية المعزوة للشخص ~~إن له قوة تعلل حدوث أشياء.» # 7 # وبهذا يصبح الفعل الحر معللا بطريقة معينة. # ولكن، ما الذي أحدث تغييرا جعل الفاعل يحدث تغييرا خارجه؟ إن أية ~~إجابة عن هذا السؤال تجعل العامل العلي، الذي افترضنا أنه الحرية، ~~معلولة لقوة قبلها أي محصلة ضرورية لها، والضرورة هي النقيض المنطقي ~~للحرية، ثم إذا كانت الحرية التي هي قوة علية للفاعل تؤدي دورها ~~حينما تتحقق ظروف معينة، وأن «نقول متى يكن الفاعل حرا في أداء ~~الفعل بإرادته فإن هذا يعني طرح الشروط التي سيؤدي فيها الفعل، وتفسير ~~أداء الفعل الإرادي يعني أن هذه الظروف قد تحققت»، # 8 # وأن العوامل العلية بما فيها الحرية المفترضة عبثا قد ~~اكتملت، وبالتالي فإن الفعل المعلول قد تحتم، فأين هي الحرية؟ فضلا ~~عن أن سلسلة العوامل العلية تمتد إلى مدى بعيد جدا خارج الفاعل ~~لنجده يقع في موقع متأخر منها ليصبح هو ذاته بكل مكوناته سواء افترضنا ~~الحرية فيها أو لم نفترضها مجرد حصيلة أو معلول للعلل التي حتمت وضعه ~~وتكوينه وبالتالي حتمت فعله، أما إذا طرحنا الحرية جانبا وعللنا ~~الفعل بالنوايا والدوافع والرغبات والغرائز؛ فقد وقعنا في شراك الحتمية ~~العلية مباشرة، سوف تصبح هذه العوامل التي حددتها الوراثة والبيئة علة ~~ضرورية والفعل الإنساني معلول حتمي لها، والخلاصة أن مجرد كينونة ~~العلية في العقل أو في الواقع كفيلة باستبعاد، لا الحرية فحسب بل ~~مشكلة الحرية بأسرها عن بكرة ~~أبيها. # وقد حاول جورج إدوارد مور، الفيلسوف التحليلي الرائد، أن يحلل الفعل ~~الحر تحليلا عليا، وعلى الأساس المتفق عليه دائما من أن البدائل - ~~أو البديلين على الأقل - الشرط الأول لأنه حرية، فجاء تحليله في ثلاث ~~قضايا، الأوليان متضمنتان صراحة والثالثة ضمنا: ~~(1) ~~«كنت أستطيع» لا تعني إلا: «كنت أستطيع إذا كنت قد ~~اخترت». ms058 ~~(2) # يمكن إحلال «كان يجب علي إذا كنت قد اخترت»، محل «كنت ~~أستطيع إذا كنت قد اخترت». ~~(3) ~~«إذا» في هذين التعبيرين، تطرح شروطا علية يترتب ~~عليها أني كنت أستطيع أو كان يجب أن أفعل غير الذي فعلته فعلا. # 9 # وعلى الرغم من أن هذا التحليل بطبيعة حال التحليلات اللغوية: تحصيل ~~حاصل لا ينفي ولا يثبت شيئا، فإن بقية جهود الاتجاه التحليلي مع ~~فلاسفة اللغة الجارية أوستن وراسل واستراوسون قد أثبتت أن أية محاولة ~~للتحليل العلي للفعل الإرادي خاطئة، هذه بالطبع هي النتيجة المنطقية ~~الواضحة التي تنفي حتى الاحتياج لكل هذا القيل والقال؛ لأن مجرد مقولة ~~«العلية» في حد ذاتها كفيلة بدحض مقولة الحرية دحضا منطقيا، أي ~~دحضا ضروريا من أي وجهة للنظر، وذلك على النحو الآتي: العلية تعني ~~أساسا العلة الكافية، والآن إما أن تكون للفعل الحر علل كافية أو لا ~~تكون له، وإن كانت له علل كافية كان محتما بها وبالتالي لم يكن ~~حرا، وإن لم يكن له علة لما كان قد حدث، وبالتالي فإن الفعل الحر لا ~~وجود له، ومن الناحية الأخرى فإن محاولة تعليل «الفعل الحر مسألة ~~متناقضة؛ لأن طرح الإرادة الحرة هو طرح لفرض «عامل أولي» مجرد ~~التساؤل عن مزيد من التفسير له خلف محال # Absurd ~~». # 10 # الخلاصة أن العلية والحرية تستبعد كل منهما الأخرى، إما هذه وإما ~~تلك والثالث مرفوع، وبالتالي لا أمل في أي حديث عن الحرية في العالم ~~العلي الذي هو عالم العلم الكلاسيكي النيوتوني الحتمي. ~~••• ~~(7أ) «حجج الحتمية»: كل قانون يتوصل إليه العلم الحتمي مهما كان ~~كليا أو جزئيا إنما هو حجة من حجج الحتمية العلمية، لتنفي بها حرية ~~الإنسان، ومع هذا، لا بأس بشيء من التجريد يجعلنا نجمل هذه ~~الحجج. ~~(1) # وفي مقال وجيز أجمل هيرمان هاريل هورن (1874-1946) - على ~~الرغم من أنه هو نفسه ليس حتميا - خلاصة الحجج التي ~~تحاصر بها الحتمية العلمية حرية الإنسان للقضاء عليها، ~~وبالطبع كل من العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية تتكاتف ~~لاستبعاد الحرية، ويردف هورن هذا بأنه حتى ms059 الأخلاق ~~والثيولوجيا قد تتطلب منظورا حتميا للسلوك الإنساني، ~~مع ملاحظة أننا جميعا يمكن أن نكون حتميين بناء على هذه ~~الحجج وأيا كانت مشاربنا الفلسفية؛ لأنها حجج مشتقة ~~من العلم ذي الموضوعية الأنموذج، وخلاصة هذه الحجج فيما ~~يلي: ~~(أ) ~~«حجة الفيزياء»: تقوم على مبدأ: «بقاء ~~الطاقة الكلية للعالم ثابتة»، فقط خاضعة ~~للتحولات من صورة لأخرى كما تتحول من صورة ~~الحرارة إلى صورة الضوء مثلا، غير أنها ليست ~~خاضعة للزيادة ولا للنقصان، وهذا يعني أن أية ~~حركة لأي جسم قابلة تماما للشرح في حدود ظروف ~~فيزيائية سابقة، وهذا يعني أن أفعال الجسم ~~الإنساني تعللها ميكانيكيا الظروف ~~السابقة للجسم والعقل بغير إشارة للعقل الفردي ~~بنواياه وأغراضه. إذن، فحرية الإنسان لا تسهم ~~في سلوكه؛ ذلك لأن أفعاله محتومة فيزيائيا ~~من كل الوجوه، فإذا سببت حالة الإرادة التي ~~هي عقلية حركة للجسد الذي هو فيزيقي، فإن ~~الطاقة الفيزيائية للعالم سوف تزداد مما ~~يناقض الافتراض الكوني الذي يسلم به ~~الفيزيائيون، أي مبدأ بقاء الطاقة؛ على هذا، ~~فإنه بالنسبة للفيزياء ليست إرادة الإنسان علة # vera # لتفسير حركات الجسد الفيزيقية. ~~(ب) ~~«حجة البيولوجيا»: وهي حجة يجعلها فرض ~~التطور الداروني في المقدمة، وتعتمد على فرض ~~البيولوجيا القائل إن أي كائن حي يمكن تفسيره ~~بصورة ملائمة تماما وفقط عن طريق الإشارة إلى ~~وراثته وبيئته، هذان العاملان الفعليان، ~~وتقاطعهما معا يفسر تماما كل حركات الكائن ~~الحي، إن أي كائن حي إنما هو مركب من قدرات ~~وردود أفعال للمنبهات، القدرات مأخوذة من ~~الوراثة، وردود الأفعال من البيئة، وهذا ~~التفسير ملائم تماما للحيوانات الدنيا فلماذا ~~لا يلائم أيضا الحيوان الأعلى أي ~~الإنسان. ~~(ج) ~~«حجة الفسيولوجيا»: رأينا في المدخل كيف أن ~~علوم الحياة والفسيولوجيا قد استعارت مناهج ~~التفسير من العلوم الفيزيوكيميائية التي ~~تتناول المادة الجامدة، وكما يقول هورن، سوف ~~يتجلى هذا في حجة الحتمية القائمة على ~~الفسيولوجيا، وتقوم هذه الحجة على افتراض ~~الآلة الإنسانية الذي ورد مرارا وتكرارا ~~إبان رحلتنا مع الحتمية العلمية خصوصا حين ~~التعرض للحتمية البيولوجية، وإذا كان الإنسان ~~آلة فلا بد ms060 وأنه آلة واعية؛ إذ لا يمكن إنكار ~~الوعي بيد أن الحتمية الفسيولوجية تنكر أية ~~فعالية للوعي فكل أفعال الإنسان على الرغم من ~~تعقدها إنما تعمل بموجب النمط الآلي ~~الأوتوماتيكي، وقد تكون مصحوبة بالوعي، ولكن ~~الوعي على أية حال لا يقع في سلسلة الظواهر ~~العلية بل يقع خارجها بوصفه ظاهرة ~~خارجية # Epi-Phenomenon # على حد تعبير هكسلي، ~~وإذا كان الإنسان آلة واعية فسيبدو عمل ~~الإرادة الحرة، أي أن يحدد الاختيار السلوك، ~~كما لو كان معجزة، على أن السماح بالمعجزات ~~يناقض كل أسس العلم الذي لا يعترف إلا بسلسلة ~~العلل والمعلولات؛ لذلك لا بد وأن يرفض العلم ~~كل العوامل الروحية بموجب أسسه النظرية ~~والتطبيقية على السواء. ~~(د) ~~«قانون العلية»: وقد رأيناه العمود الفقري ~~للعلم الحتمي، والذي تصور علماؤه أنه علم ~~علي، وحجة الحتمية القائمة على هذا القانون ~~تسير كالآتي: # كل العلل المتماثلة لها معلولات ~~متماثلة، المعلول يماثل العلة حتى إنه محض ~~ترجمة لها، والآن نجد أن التصرف ~~الإنساني هو بالطبع معلول فيزيقي، ومن ثم ~~نتوقع أن نجد له بالضرورة علة فيزيقية؛ ~~العلة الفيزيقية تستبعد من طبيعة الحالة ~~أية علة غير فيزيقية، ومن ثم فإن ~~الإرادة الإنسانية بالطبع لن تعلل شيئا، ~~وحركات الإنسان والكلب والحجر والشجر كلها ~~متماثلة في أنها تعود إلى ظروف فيزيقية ~~سابقة، وهذه الظروف الفيزيقية بوصفها ~~العلة تحدد، هي فقط بمفردها، المعلول، ~~وتماما كما أننا لم نعد نستطيع تفسير ~~الضوء في المصطلحات الفيزيقية على أنه ~~سهام جوبيتر فإننا بالمثل لم نعد نستطيع ~~تفسير أفعال إنسان ما بالإشارة إلى ما ~~تنتويه روحه. ~~(ه) ~~«حجة ~~فلسفة العلم للطبيعة»: وهي مجرد تعميم لكل ~~الحجج الأربع السابقة، وفلسفة الطبيعة في إطار ~~فلسفة العلم، هي نظرية عامة مفسرة لكل حدوثات ~~الطبيعة وقد رأينا أن المثال الميكانيكي هو ~~مثال التفسير العلمي في الفيزياء والكيمياء ~~والبيولوجيا والفسيولوجيا ... وسواها من العلوم، ~~وليست الأحداث تحدث لأن أي شخص أو أي إرادة قد ~~شاءتها أن تحدث، إنها تحدث لأنه كان عليها أن ~~تحدث وكان لا بد وأن تحدث، وإيجاد الرابطة ~~الضرورية ms061 بين حدوثات الطبيعة هي مهمة العلم، ~~وعن طريق الفرض الميكانيكي، نجد أن الكون ~~كليا وجزئيا محكوم بالقانون الميكانيكي، ~~ومجال القانون كوني كلي، بينما الإنسان مخلوق ~~ضئيل جدا على أرض ضئيلة، هي ذاتها كوكب صغير ~~نسبيا، في واحد من أصغر النظم الفلكية، بين ~~عدد ضخم لا محدود من الأنظمة الفلكية التي ~~تملأ هذا الكون، إن الكون نظام فيزيقي تعمل ~~فيه القوانين، وما الإنسان إلا أصغر جزء من ~~هذه الآلة الكونية، فكيف يمكنه إذا أن يفعل ~~غير ما يفعله؟ أما عمل الإرادة الحرة الفردية ~~فلا يقحم إلا كنزوة أو هوى، أو بالكثير ~~مصادفة، في قلب كون كل حركاته محتمة ~~ميكانيكيا، حتى إن ملاحظا ذا علم شامل، ~~يلاحظ الوضع الحاضر يمكنه أن يتنبأ تنبؤا ~~معصوما من الخطأ بكل ما سيكون في المستقبل ... ~~كما أخبرنا لابلاس، وكما أوضحنا في المدخل ~~تطرق مثال الحتمية العلمية، حتى وصل إلى ~~العلوم التي تدرس الظواهر العقلية الإنسانية ~~فاقتحمت الحتمية العلمية الحرية والإرادة ~~الإنسانية، وكان اقتحاما مظفرا أسفر عن حجة ~~مباشرة تماما هي: ~~(و) ~~«حجة علم النفس»: طالما أن منهج العلم ~~يستبعد حرية الإرادة، فمن الطبيعي أن يصبح ~~علماء النفس حتميين، يقرون بأن كل تصرفات ~~الشخص لا تعدو أن تكون ردود أفعال انعكاسية ~~آلية لمؤثرات بيئية لا دخل فيها للشخص، إنه لا ~~يستطيع أن يتحرر كلية من عاملي الوراثة ~~والبيئة، ولكن ليس التساؤل المطروح هو ما إذا ~~كنا أحرارا كلية، بل ما إذا كنا أحرارا ~~أصلا. # وتقوم حجة الحتمية ها هنا على أساس اعتماد ~~علم النفس على العلوم الأسبق منه في سلم ~~العمومية خصوصا الفسيولوجيا التي تسبقه ~~مباشرة، وبناء على هذا، لن يكون ثمة حالة ~~عقلية بغير حالة للمخ مناظرة لها، ذلك أن ~~حالة المخ يجب وأن تعد تفسيرا للحالة ~~العقلية، طالما أنه لا توجد للحالات العقلية ~~المتعاقبة علاقات قابلة للتحكم، وحالة المخ ~~ذاتها لا تفسر بالرجوع إلى الحالة العقلية، بل ~~بالإشارة إلى حالة المخ الأسبق منها؛ على هذا ~~النحو، لا تتحطم سلسلة العلية الفيزيقية، إنها ~~تفسر نفسها بنفسها، ms062 وتفسر أيضا تسلسل ~~الحالات العقلية، في حين أن تسلسل الحالات ~~العقلية بدوره لا يفسر شيئا على الصعيد ~~الفيزيقي، وهذا يستبعد بصورة حاسمة الإرادة ~~الواعية من أي مجال للفاعلية. # إن علم النفس بوصفه علما بالذهن، له أيضا ~~تصوره الحتمي للقانون، فإذا ما فهمنا المجال ~~العقلي، فلا بد وأن له هو الآخر قوانينه، ويجب ~~أن تكون هذه القوانين بغير استثناء يتضمن ~~الإرادة الحرة، إنها لمهمة علم النفس من حيث ~~هو علم، أن ينكر أية استثناءات وأن يكتشف ~~القوانين، وعلى رأس القوانين التي تبرز بجلاء ~~كيف ينفي علم النفس الحتمي الحرية، إنما هو ~~قانون الدوافع، الذي ينص على أنه ليس ثمة أي ~~فعل بغير دافع، وأن أقوى الدوافع هو الذي ~~يحدد الإرادة ودائما يجيء الفعل طبقا ~~لأقوى الدوافع، والدوافع، سواء فطرية أو ~~مكتسبة، مستقاة من البيئة والوراثة، أو من ~~كليهما معا، فكيف يمكن أن يختار الإنسان أن ~~يتبع الدافع الأضعف؟ على الإجمال، كيف يمكن له ~~أن يختار أصلا؟ ~~(ز) ~~«حجة علم الاجتماع»: يتناول علماء الاجتماع ~~مشكلة الحرية من منظور آخر خاص بهم، فهم ~~يسحبونها من نطاق الفعل الفردي، ويضعونها في ~~نطاق المجتمع، وهذا أجدى كثيرا - في رأيهم؛ ~~لأن الإنسان يعيش ويتصرف بالفعل في مجتمع وليس ~~في عزلة فردية، ثم إن أعضاء الجماعة ليسوا ~~أحرارا في اتخاذ القرار، إنهم يتبعون القائد، ~~والقائد بدوره لا يتخذ القرار بحرية فهو واقع ~~تحت تأثير الأفكار الكائنة في عقله، ويمكن ~~تعقب أفعال الإنسان حتى نصل إلى أفعال ~~الآخرين وإلى الأفكار المسيطرة عليهم؛ وعلى ~~هذا، يصبح علم التصرف الإنساني في الجماعة ~~ممكنا، فقط عن طريق الاعتراف بالحتمية ~~الاجتماعية وإنكار الحرية الإنسانية، ولم يكن ~~تاريخ علم الاجتماع حتى كونت وإميل دور كايم ~~إلا تبيانا للجهود التي بذلها مؤسسو علم ~~الاجتماع لكي يصبح علما حتميا يضع القوانين ~~الحتمية التي تتنبأ مسبقا بما سوف يحدث، وإذا ~~كان هذا التنبؤ ممكنا فكيف يمكن إذن أن تعود ~~تصرفات الأفراد في الجماعة إلى إرادة حرة، # 11 # إن ما يبدو على أنه أفعال ~~الإرادة، سوف يخضع ms063 لقوانين عامة، بحيث يمكن - ~~بل يجب - استبعاد فرض الحرية، ويصبح علم ~~الاجتماع هو الآخر نصيرا للحتمية. # وأخيرا، # 12 # نجد الحجة الثيولوجية: وهي تقوم على أساس أن الله ذو علم ~~شامل، إنه عالم بكل شيء، وعلى هذا يعلم ما سوف أفعله وقبل أن أفعله، ~~وبالتالي، فليس أمامي أن أفعل سوى ما فعلته، وإلا كان علمه تعالى ~~قابلا للتكذيب، وهذا خلف محال، إذن، ليس أمامي إمكانيات متاحة لي أو ~~اختيار، أنا لست حرا، على هذا النحو يستبعد مبدأ المعرفة المسبقة ~~للرب الحرية الإنسانية، وأي إنكار لهذا فيه مساس بالذات الإلهية. # 13 # وقد يظن البعض - ومنهم هيرمان ~~هورن نفسه - أن هذه الحجة الثيولوجية لا علاقة لها بالعلم، غير أن أبسط ~~مقارنة بينها وبين صياغة لابلاس الشهيرة لمبدأ الحتمية، توضح كيف أنه ~~بعد تصدع سلطة الكنيسة تبوأ العلم الحتمي عرش العرفان، فتحمل مسئولية ~~الإتيان بالعلم الشامل الذي يحدد ويتنبأ بدقة ويقين بكل ما سوف يحدث، ~~كما أشار المدخل؛ وعلى هذا ليس بدعا أن يأخذ العالم على عاتقه إثارة ~~معضل الحرية، بعد أن كان الفكر اللاهوتي بمقولة العلم الشامل وأيضا ~~القدرة الشاملة للألوهية يتكفل بإثارتها في العصر الوسيط. # 14 ~~(7ب) «أما تشارلي دنبر ~~برود» # C. D. Broad ~~(1887-1971)، فقد تناول حجج الحتمية على أساس ~~منطقي أسفر عن حجتين سلبيتين وأخريين إيجابيتين، وقد أوضح أن التأييد ~~الأعظم للحتمية يأتي من العالم المادي الذي لا يعترف العلم بسواه، وإذا ~~كانت المظاهر السطحية له تؤيد الحتمية أحيانا وتعارضها أحيانا، فإنه ~~كلما درست المادة بدقة أكثر أصبح نطاق اللاحتمية أضيق، ونحن نتمكن ~~أكثر من موضوع الدراسة بالتفسير الذاتي للاحتمية، أي على أنها جهل مؤقت ~~بقوانين حتمية، أما ما يبدو من لاحتمية يكتشفها الاستبطان في بعض ~~الأحداث التي تقع للعقل وخصوصا حين اتخاذ القرارات، فسوف تدحضها ~~بالتفصيل (الفقرة 10)، بما يمكن اعتباره حججا سلبية للحتمية، وتبقى ~~حجتان إيجابيتان: # الحتمية قد أصبحت يقينية في العالم اللاعضوي، فلماذا لا ~~تصبح هكذا في العالم العضوي وأيضا العالم العقلي؟ إنها ~~حجة المماثلة التي دفعت بقية ms064 أفرع العلم - كما أوضح المدخل ~~- إلى السعي نحو المثال الحتمي. # والحجة الثانية أقوى الحجج، إنها تقوم على أن حركات ~~الأجسام المادية حتى تلك التي تنسب عادة إلى الإرادة ~~والحرية يمكن تفسيرها في حدود العلية الفيزيقية، وما دام ~~الأمر هكذا فإن الإرادة الحرة ليست لها فاعلية علية، ~~وقد يثار اعتراض من أنصار الحرية مؤداه أنه من الواضح ~~أن الإرادة الحرة عادة ما يتبعها الفعل أو الحركة المرادة ~~وأن بعض تسلسلات الحركات الجسدية كتلك المتضمنة في كتابة ~~هذه السطور ما كانت لتحدث ما لم تسبقها إرادة حرة مناظرة، ~~فكيف يمكن تفسير هذا الارتباط غير المتغير تقريبا والذي ~~ليست له أية علاقة علية مباشرة؟ وأكثر الاستفسارات ~~استصوابا أن بعض العوامل الفيزيقية في العلة الكلية ~~لمثل هذه الحركات الجسمية لها معلولات فيزيقية وبالمثل ~~معلولات نفسية، والحركة الجسمية لا تحدث إلا إذا سبقها ~~وضع فيزيقي هو مثل سائر الأوضاع الفيزيقية محتم تماما، ~~وطالما أن أية إرادة - هي بالضرورة - مصاحبة أو تالية ~~لأوضاع فيزيقية كانت كل إرادة محتومة تماما، # 15 # وبالتالي يصبح افتراض حريتها مستحيلا أو على ~~أحسن الفروض نافلة لا داعي لها. ~~(8) «إما العلم وإما الحرية»: هكذا كانت الحتمية العلمية تنفي ~~الحرية الإنسانية وكأنها محض وهم جاس يوما في العقول، ولم يعد يليق ~~بالإنسان في عصر العلم أن يفسح مجالا لمثل هذه الأوهام الفارغة، ~~فتكاتفت العلوم بأفرعها المختلفة لتعمل على تخليص الإنسان من وهم ~~الحرية والإرادة، تماما كما كانت تعمل على تخليص الإنسان من شتى ~~مخلفات عصور الجهالة البائدة وبواسطة سعيها الطموح نحو المثال الحتمي، ~~كل تقدم صوب هذا المثال، أي كل تقدم إجمالا، إنما هو على حساب ~~الحرية الإنسانية حتى إذا وجدنا أنفسنا بإزاء نسق العلم الحتمي ~~الكامل، فقد وجدنا أنفسنا بإزاء نفي كامل لكل ولأية حرية ~~إنسانية. # وما دام الأمر هكذا فلا بد وأن علماء الحتمية يعتبرون الحرية لغوا ~~باطلا وخلفا محالا، يلفظونها كما تلفظ النواة وبلا مواربة، لقد ظل ~~إنجيلهم مبدأ ديكارت أبي الفلسفة الحديثة، وقد رأيناه من أساطين ~~الحتمية العلمية، المبدأ ms065 الذي يقوم على أن لا شيء يجيء من العدم وأن ~~قدرة إرادة ما تتكون فقط من أننا مجبرون على تصرف معين بتأثير قوة ~~خارجية؛ وعلى هذا فحرية الإرادة ما هي إلا الاسم الذي نطلقه على ~~الحتمية التي لا ندركها، # 16 # لقد وجدوا أنه من الضروري تقبل المذهب الحتمي في شكله ~~التقليدي، فأفعالنا تحددها إرادتنا، وإرادتنا تحددها دوافعنا، ~~ودوافعنا محكومة بماضينا، سيفكر عالم النفس في هذا الماضي على ضوء ~~الوراثة والبيئة وعالم الفسيولوجيا في ضوء الأنشطة الكهربائية ~~الكيميائية ... ولكنهم جميعا سيتفقون على أن القوة النسبية للدوافع ~~تحددها أحداث الماضي بحيث لا يختار الإنسان لنفسه أبدا فماضيه هو الذي ~~يختار دائما، # 17 # أولم تعلمنا الحتمية العلمية أن المستقبل مجرد وليد ~~للماضي؟ # ظل هذا هو موقف العلماء، وتمسك به حتى بعض من علماء الفيزياء ~~والمعاصرين ومن الذين أهدوا العقل البشري الاهتداء إلى اللاحتمية، ~~وعجزوا هم عن التخلص من الحتمية، مثلا، ... كتب ماكس بلانك في كتابه ~~«إلى أين يتجه العلم» ما يزكي هذا المعضل مؤكدا وجوب التمسك بأن مبدأ ~~العلية يمتد حتى يشمل أسمى إنجازات النفس البشرية، فيجب أن نقر بأن ~~عقل كل من عباقرتنا العظام أرسطو وكانط وليوناردو وجوتة وبيتهوفن ~~ودانتي وشكسبير حتى في أسمى لحظات السمو الفكري وأعمق مراحل التعمق ~~النفسي يكون خاضعا لأوامر العلية ويكون أداة بين يدي قانون جبار ~~يحكم العالم، # 18 # وإلى مثل هذا يجنح آينشتين هو الآخر. # على أن علماء العلوم الإنسانية كانوا أكثر من غيرهم حماسا لنفي ~~الحرية، لوثيق اتصالها بموضوعهم، وكان الاجتماعيون الفرنسيون، مقتدين ~~بإمامهم أوجست كونت، في منتهى الاتساق والعزم والجزم في هذا، فرغبتهم ~~في جعل علمهم المتعثر كفيزياء نيوتن جعلتهم من غلاة الحتميين، رأى ~~أوجست كونت أن الفلسفة الميتافيزيقية واللاهوتية تنطلق من الإنسان فنتج ~~عن ذلك اعتمادها على فكرة الإرادة كصفة للظواهر، أما سيادة الروح ~~الوضيعة فقد أدت إلى بروز فكرة القانون والتي تمثل تقدم الروح الوضعية ~~في مدى تدرجها في الظواهر حتى بلوغها الإنسان ذاته والمجتمع بوصفهما ~~آخر مجالين يبلغهما تطور سيادة هذه ms066 الفكرة، # 19 # أي فكرة القانون الوضعي الذي يحل محل الحرية. # على هذا الأساس الوضعي يأتي على سبيل المثال ألبير باييه وهو من ~~تلاميذ دور كايم المخلصين ومتيم بالعلم الفيزيائي لانجفان خصم ~~اللاحتمية اللدود، ليقول في معرض الدفاع عن أخلاقيات العلم الرفيعة ~~وتبيان أنها السبيل الأمثل لتمجيد إنسانية الإنسان: «يستطيع الفيلسوف ~~أن يضع في كل فرد من الناس إرادة حرة مستقلة كما المنجم يضع في كل كوكب ~~وكل نجم إرادة عليا لإله من الآلهة، ولكن كما أن علم الفلك الحديث ~~يفسر حركات القمر بقوانين متعلقة، لا بمشيئة أرتميس، كذلك يأبى علم ~~الاجتماع أن يفسر الوقائع الإنسانية إلا بقوانين متضمنة في الأشياء»، # 20 # ومن هذا يستطرد باييه إلى المواجهة الصريحة مع المتشبثين ~~بأطلال خزعبليات الحرية قائلا: إنني أسلم بأن الجواب الوحيد الذي ~~يمكن أن يوجه إلى أنصار الحرية هو تزايد القوانين الاجتماعية التي ~~محصت تمحيصا حسنا، والواقع أن ما شاع عندنا إطلاق اسم الحرية عليه ~~إنما هو جهلنا بالعلاقات بين العلل ومعلولاتها. # 21 # على أن إنكار الحرية الأنطولوجية وطبعا بواسطة العلم وقوانينه موقف ~~يكاد يشترك فيه كل العلماء، والذي ميز الاجتماعيين الفرنسيين بعزم ~~واتساق متميزين هو أنهم انفردوا بالعمل على نفي الحرية في مستواها ~~الثاني أيضا، كما ستوضح (الفقرة 18)، كانت وضعية Positivism # كونت تعني دلاليا الوقوف ~~موقفا إيجابيا من النظام الاجتماعي القائم؛ لذلك رأى أن الكائن ~~الاجتماعي يجب أن يندمج في شخصية متسلطة تسلطا مباشرا، ويجب تأكيد ~~السلطة المركزية في كل الميادين لذلك نادى بالحد من حرية التفكير، لقد ~~فرح وهلل عندما قبض نابليون على ناصية السلطة بيد من حديد، ولم يكن ~~يهتم إطلاقا بحرية الفكر أو حرية الإنسان؛ وقال صراحة: «حرية الضمير ~~لا توجد في الرياضيات.» # 22 # ومن هذا الموقف النافي للحرية في مستواها الثاني حرص كونت ~~على أن يكون هذا العلم الجديد، أي علم الاجتماع، أداة محافظة وتبرير، ~~ولكي يتمكن علم الاجتماع من أن يكون هكذا بناه على أساس وضعي مذهبي، له ~~تعاليم وأيديولوجية تدعو إلى الاستسلام للواقع. # إن الاستسلام ms067 يعد نقطة أساسية في كتابات كونت وهو مستمد من قبول ~~قوانين أزلية ثابتة لا تتغير ولا يجوز لأحد أن يغيرها، وإلا استحق ~~العقاب، وإن حاول فلن يقدر لأنها حتمية، ومعنى هذا أن الإنسان عليه أن ~~يمتثل ويتواءم مع ما هو قائم، فليس له إرادة ولا يجب أن تكون. # 23 # وعمق إميل دور كايم من هذا، وتسير كتاباته المتنوعة في مسار تأكيد ~~ضرورة الانصياع لما هو قائم، وما هو محيط، فالظاهرة الاجتماعية حتمية، ~~أي إجبارية وإلزامية، وعلى المرء أن يتلاءم معها وينصاع لها ومن هنا ~~تلعب قضية الضبط الأخلاقي والتنشئة ~~الأخلاقية # Moralization # دورا بارزا، # 24 # وكان جوهر الاشتراكية عنده ليس في الملكية ولا في دولة ~~الرفاهية، وإنما في دمج الفرد في المجموع من خلال سلطة أخلاقية تريحنا ~~من وهم الحرية أصلا وفروعا. # أما عن علماء النفس - النفس التي يؤرقنا التساؤل ما إذا كانت حرة أم ~~لا - فموقفهم أعنف؛ لأن حتميتهم أمسكت بخناق الحرية الإنسانية ~~مباشرة. ~~••• ~~(9أ) «الحتمية السيكولوجية»: كثيرون من فلاسفة الحرية وأولهم هنري ~~بيرجسون، يرون كل خطورة الحتمية الكونية تتركز في الحتمية السيكولوجية، ~~بعبارة أخرى لأن الحتمية ~~الكونية # Universal ~~determinism # تفضي بالضرورة إلى الحتمية السيكولوجية فهي ~~لهذا، وربما لهذا فقط تنفي الحرية. # وإني أرى في هذه النظرة قصورا وتوانيا عن تتبع القضية إلى حدودها ~~الكلية الحقيقية، ولعل الطموح الأنطولوجي الهادف إلى تمزيق قوقعة العلم ~~الإبستمولوجية هو الحافز لتجاوزها، فلو اقتصرنا على فتوى العلم في ~~الحتمية السيكولوجية لما حققنا شيئا من ذلك الطموح، أو بالكثير ~~حققنا نزرا يسيرا، حسوة لا تطفئ ظمأ العصفور، الهدف إفتاء العلم ~~في مجمل بل مطلق الصورة الأنطولوجية التي تقع فيها أفعال الإنسان؛ لذلك ~~لا ينبغي إعطاء الحتمية السيكولوجية أكثر مما تستحق، وبوصفها آتية من ~~علم كائن في مؤخرة سلم العلوم، فقط لأن الفيزياء التي كانت تتربع على ~~قمته كانت حتمية، وهذا ما فعلته الصفحات السابقة، وعليه تغدو الحتمية ~~السيكولوجية مجرد جزء ينطبق عليه ما ينطبق على الكل، وهي بالفعل هكذا ~~تماما؛ لأنها لا تعدو أن تكون: ms068 النظرة إلى الأحداث النفسية هي نفسها ~~النظرة إلى الأحداث الكونية ويمكن التنبؤ بها يقينا إذا عرفنا عللها، ~~المسألة كلها انسياق الأحداث النفسية في تيار الأحداث الفيزيقية، وليست ~~الحتمية الكونية تنفي حرية الإنسان لأنها تفضي إلى الحتمية ~~السيكولوجية بل الأحرى أن الحتمية السيكولوجية هي التي تنفي حرية ~~الإنسان؛ لأنها مردودة إلى الحتمية الكونية التي هي أساسا الحتمية ~~الفيزيائية. # وعلى هذا فالحتمية السيكولوجية قائمة على نظرة ترابطية تحليلية للنفس ~~تجعل الحياة العقلية تسلسلا متعاقبا بين لحظات كل منها معلول لما ~~سبقها وعلة لما يلحقها. # والسؤال الآن: إذا كان علماء النفس لن ينظروا بالطبع إلى الوعي أو ~~الحالات الذهنية كظواهر جانبية أو ثانوية، فكيف تنفي الحتمية ~~السيكولوجية حتمية الإنسان، وبصورة مباشرة متبدية للأعين مهما كانت ~~النظرة سطحية أو عجلى؟ # الإجابة واضحة؛ فنفس منطوق تعريف الحتمية السيكولوجية في علم النفس ~~الفلسفي يقول: «إن لا شيء يحدث بواسطة الإرادة الحرة أو الاختيار أو ~~المصادفة لأن كل معلول له علة ضرورة كافية». # 25 # ويمكن عرض الحتمية السيكولوجية، ونفيها لحرية الإنسان، من خلال ثلاث ~~قضايا أو مقدمات فيها البرهان الجلي على أن الحتمية السيكولوجية لا ~~تعدو أن تكون جزءا من كل، ولا تتمتع بأية أفضلية على سائر الأجزاء، ~~اللهم إلا في قربها ومباشرتها؛ ذلك أن الحتمية السيكولوجية تعني أولا ~~أن حالات الذهن معلولات لحالات فيزيائية أخرى، وثانيا أن حالات كثيرة ~~للذهن مترابطة أو متضايفة # Correlate ~~، ~~وثالثا أن حالات الذهن علل؛ علل لحالات ذهنية أخرى، وأيضا علل ~~لحركات الجسد التي هي أفعال أو تصرفات، بعضها بسيط نسبيا وبعضها - ~~كالكلام مثلا - معقد يعتمد على خبرات ومعتقدات ومتوارثات وطقوس شائعة. ~~على أن الأفعال سواء كانت بسيطة أو معقدة إنما هي حركات معلولة بحالات ~~في الذهن، وهذه المقدمات الثلاث عن حالات الذهن بوصفها ترابطات لزومية ~~وبوصفها عللا، يتبعها أننا حين نفعل أو نتصرف في أي موقف فإننا لا ~~يمكن أن نتصرف إلا كما تصرفنا بالفعل، ويتبعها أيضا أننا لسنا مسئولين ~~عن تصرفاتنا، والأهم من كل هذا أننا لا نملك نفوسا ذات ms069 خاصة معينة. # 26 # الحتمية السيكولوجية بهذه المقدمات الثلاث نظام علي صارم كامل، ~~فأولا الأفعال حركات معلولة بحالات الذهن، وثانيا حالات الذهن ~~المرتبطة فيزيقيا بالوعي، هي في ذاتها معلولة بحالات فيزيقية - أو ~~فيزيائية أخرى، ومادة القضايا التي تعبر عنها هاتان الجملتان، هما ~~جماع الخبرة الإنسانية، # 27 # هكذا عدنا من حيث بدأنا: من الحتمية الكونية التي هي ~~أساسا حتمية فيزيائية، تجعل كل أحداث هذا الوجود مترابطة عليا في ~~طريقها الواحد المحتوم. ~~(9ب) «والواقع أن تتبع نشأة ونمو علم النفس»، هو في حقيقة الأمر تتبع ~~لكفاح علم النفس الباسل من أجل الوصول إلى المثال الحتمي الذي كان ~~منشودا، وكانت نهاية هذا التتبع، أو نتيجة ذلك الكفاح، أن علم النفس ~~قد استطاع الامتثال لذلك المثال عن طريق عدة مدارس، بزتها جميعا في ~~الخضوع للحتمية والإخضاع لها، مدرستا التحليل النفسي والسلوكية، اللتان ~~تربعتا على عرش علم النفس بسبب ذلك النجاح الحتمي. # أما «التحليلية»: فقد جعل إمامها سيجموند فرويد # S. Freud ~~(1856-1939) من الحتمية العلمية ~~الديدن والناموس. «فطالما أنه لا توجد أية حادثة في الكون الفيزيقي ~~بغير علة - أو بالأحرى بغير علل - فإنه بالتالي لا توجد أية حادثة ~~عقلية أو حالة عقلية بغير علل، وهذه العقيدة الحتمية لم يأخذها فرويد ~~كمجرد أساس لعلم النفس عنده، بل أكثر من هذا، لقد استخدمها كمفتاح لفض ~~سر العقل وللكشف»، # 28 # الكشف عن كل شيء بلا أدنى استثناء. # لقد رفض فرويد - كشأن الحتميين المخلصين - أي مفهوم للمصادفة، وأكد ~~أننا إذا تركنا لها قطاعا من قدرتنا النفسية، بحيث تظل غير قابلة ~~للتفسير من خلال الأفكار المفترضة، فإننا نتجاهل نطاقات للحتمية في ~~قدراتنا العقلية، في حين أن الحتمية في مثل تلك الظواهر - التي قد تبدو ~~مجرد مصادفة - كما هي في سواها، أعمق وأبعد من كل ما نتصور، # 29 # هكذا كانت حتمية فرويد عميقة جدا، أعمق من كل ما ~~تصوره السيكولوجيين السابقون، حتى إن أكثر مصطلحاته خداعا هو ~~أشهرها، أي مصطلح «التداعي الحر»، الذي ينطلق فيه المريض أو الشخص موضع ~~التحليل، وعلى أساس ms070 أن كل حرف يتفوه به، بما في ذلك فلتات اللسان، ~~«تبرهن على أن عقل الإنسان لا يمكنه الفرار من قوانينه»، # 30 # فأين هي الحرية، وكيف يأتي بها أي شخص في هذا الوجود، ~~والتحليلية قد أسهبت في وصف، أو خلق واقع عميق طويل عريض من الهو ~~والأنا والأنا الأعلى، ومن اللاشعور الكامن خلف الوعي السطحي البادي، ~~بحيث يحتم جملة وتفصيلا كل ظواهر السلوك، الشاذة قبل السوية، فضلا عن ~~الهواجس والأوهام ورؤى الأحلام. # وليس هذا فحسب، بل قال فرويد في أكثر كتبه شعبية وانتشارا «العلاج ~~النفسي في الحياة اليومية» (المذكور في الهامش) إن علم النفس المرضي ~~للحياة اليومية قد جاء ليبرهن على أن العقائد الخزعبلية وفلتات اللسان ~~والزلل والأخطاء العفوية التافهة - في القراءة مثلا - على الرغم من ~~المعرفة القوية، والاختيار العشوائي للأسماء والأرقام (مثلا: قد يقال ~~على سبيل الضجر: قلت ذلك عشرين مرة! فإن الورود العشوائي للرقم عشرين ~~بالذات وليس خمسين أو مائة ...) كل هذا وغيره من الظواهر التي تبدو سطحية ~~تافهة، حاول فرويد أن يثبت في ذلك الكتاب أنها محتمة، تماما كدوران ~~الأرض حول الشمس. # ولما كان العلم علم النفس، فلا يمكن تجاهل الشعور الحرون بالحرية، ~~الكائن في كل النفوس، فماذا فعل فرويد في هذا الصدد؟ إنه يقول: ~~«مثل هذا الفهم لحتمية الاختيار الذي يبدو عشوائيا، اختيار الأسماء ~~والأرقام والكلمات ... قد يساهم في حل مشكلة أخرى، فكما نعلم الكثيرون ~~يجادلون ضد افتراض الحتمية النفسية المطلقة عن طريق الإشارة إلى شعور ~~عميق بالاقتناع بأن ثمة إرادة حرة، هذا الشعور يوجد، بيد أنه لا يتناقض ~~مع عقيدة الحتمية، فمثله مثل سائر المشاعر العادية يجب تبريره بشيء ما، ~~ولكن على قدر ما أستطيع أن ألاحظ، فإن هذا الشعور بالحرية لا يفصح عن ~~نفسه في قرارات عظيمة الشأن أو ذات أهمية، ففي مثل تلك الظروف الخطيرة ~~يسود الإنسان أكثر الشعور بالإجبار، وهو يتقبله بسعادة. # ومن الناحية الأخرى فإنها فقط القرارات التافهة التي يستوي فيها ~~الطرفان، هي تلك التي يشعر فيها الفرد يقينا أنه يستطيع فيها ms071 التصرف ~~بطريقة أخرى، يتصرف بإرادته وبغير أية دوافع، ونحن - بسبب تحليلاتنا - ~~لسنا في حاجة للدخول في صراع من أجل تفنيد صواب الشعور بالاقتناع بأن ~~ثمة إرادة حرة، فإذا ميزنا بين دوافع الوعي واللاوعي، فسوف يخبرنا ~~الشعور بالاقتناع بأن الدوافع الواعية لا تمتد لتشمل كل محركات ~~قراراتنا، ولكن ما يتركه أحد الجانبين حرا، يتلقى دوافعه من الجانب ~~الآخر، من اللاشعور، هكذا تسري الحتمية في المجال النفسي، ولا يمكن أن ~~يعترض طريقها شيء». # 31 # أما السلوكية، التي بذرها بافلوف وبدأها واطسون، ورعاها ونماها ~~سكينر # B. F. Skinner ~~(1904-1976) ~~حتى بلغت قمة النضج الحتمي بفضل جهوده الجادة، فطريقها إلى الحتمية ~~أقصر وأيسر، لقد رفض السلوكيون كل تلك الأساطير الخيالية التي تفتقت ~~عنها مقدرة فرويد الإبداعية، من قبيل الأنا والأنا الأعلى واللاشعور ... ~~وأكد سكينر أن الإنسان مجرد آلة، حتى إن ما يسمى بالطبيعة البشرية ~~المتميزة والنوايا والمشاعر ... كل هذا مجرد وهم ستطيح به الثورة ~~السلوكية التي ظلت منطلقة في طريقها للإطاحة بكافة الكيانات التي لا ~~تستلزمها الحتمية العلمية، حتى وصل بها الأمر إلى الإطاحة بمفهوم النفس ~~وأصبح علم النفس معها كما يقال: علم نفس بغير نفس، إنه دراسة لردود ~~أفعال شرطية منعكسة، مجرد سلوك يمكن جدا تعديله وتكييفه، عن طريق ~~المؤثرات البيئية الواقعة عليه، بوصفها عللا محتمة للسلوك، خصوصا في ~~عملية التربية، حتى نصل في النهاية إلى ما فيه صالح الفرد والمجتمع، ~~وقد كرس سكينر جهوده الجادة من أجل هذه الإمكانية التقنية أو القوة ~~التكنولوجية لعلم النفس، وأشهر أعماله في هذا كتابه «تكنولوجيا السلوك ~~الإنساني»، وهو ترجمة عربية لكتاب له اسمه الأصلي «ما وراء ~~الحرية والكرامة» # Beyound ~~Freedom and Dignity ~~، # 32 # يوضح عنوان الكتاب ومضمونه معا أن معاني، أو بالأحرى ~~أوهام الحرية والمسئولية والذاتية والشخصية وحتى إنسانية الإنسان، ~~سيطيح بها العلم الحتمي، بواسطة المدرسة السلوكية ولكنه سيأتينا بما هو ~~خير من الوهم العاطفي، بأفراد لمجتمع على درجة عالية من التكيف ~~المطلوب. # هكذا أصبحنا، بلا لف ولا دوران، مجرد تروس في آلة. ~~(10) «الحرية في الحس ms072 المشترك بالاستبطان»: دفعنا علم النفس بحكم ~~طبيعته التخصصية إلى تفنيد خبرة كائنة في الحياة السيكولوجية الواعية، ~~إنها الشعور بالحرية، لعل الحرية راحت، كما راحت الكثير من الكيانات ~~التي كان العلم في تطوره نحو المثال الحتمي يطيح بها، كالغائية والقوى ~~الحيوية، ومع هذا، فمهما تآزر العلم وفلسفته لتوطيد الحتمية، فستظل ~~الحرية كائنة في الحس ~~المشترك # Common sense ~~، أي في خبرة وتفكير الإنسان العادي في حياته ~~العادية. # فهل يصلح هذا كملجأ أخير لإنقاذ الحرية الإنسانية من براثن الحتمية ~~العلمية؟ # الإجابة بالنفي، وكينونة الحرية في الحس المشترك لا تقدم ولا تؤخر ~~من حال المعضل، فكما أوضحنا آنفا، في المدخل، الحس المشترك ينزع أيضا ~~إلى الحتمية الكونية، وربما كان نزوعه إلى الحتمية أعمق وأكثر إلحاحا ~~من شعوره بالحرية، وكما يقول بول فيز: «يسلم الحس المشترك بهاتين ~~القضيتين «الحتمية والحرية» لأنه أصلا مجال للتناقضات، وأبعد ما يكون ~~من الصورة النسقية المترابطة للاعتقاد». # 33 # وإذا أضفنا إلى هذا قصور مداه وخبراته، اتضح كيف يسهل على الحتمية ~~العلمية، قهره وتفنيد إحساسه بالحرية، وكما يقول ويتلي، في كتاب له ~~يمكن أن تعده من أقوى العروض العنيدة والمصرة على التفسير الحتمي ~~العلي لكل ظواهر الوعي والسلوك الإنساني جملة وتفصيلا، ونفى أية ~~إمكانية لفرض الحرية الباطل - يقول ويتلي: «ثمة شيء ما كالوعي ~~بالحرية، كما أن ثمة الوعي المتناقض باللاحرية ولكن لا يمكن أن يكون ~~ثمة وعي بلا علية، والعلية واللاعلية ليستا من النوع الذي يمكن ~~معرفته معرفة فورية أو حدسية، فأن نقر أو ننفي علاقة علية بين حادثتين ~~هو أن نقول شيئا أكثر مما يمكن اكتشافه بمحض الملاحظة المجردة للحوادث ~~في ذاتها، وعيي أنا بأفعالي لا يمكن في حد ذاته أن يخبرنا بما إذا كانت ~~أمثلة لقانون كلي»، # 34 # هكذا ترتد السهام إلى الصدور، ويتضح أن شعور الحس المشترك ~~بالحرية هو عينه مظهر الجهل بالقوانين الكلية والعلل الكامنة في ~~الخلف، ويتناول بلانشارد القضية بصورة أكثر هوادة، حيث يقول: «إن ~~السؤال في حقيقته، ليس عما إذا كنا نستطيع فعلا أن نختار ms073 ما نختاره، ~~وما إذا كان الاختيار ذاته قد أتى وفقا لقانون، وكنتيجة لمقدمات ~~علية سابقة، إن هذا الإحساس بالحرية أو إدراكها يأتي من أننا نقوم ~~بالفعل الحر أو بالاختيار - أو بالأصح ما نظنه هكذا - وأنظارنا مصوبة ~~شطر الأمام، شطر المستقبل، شطر الغايات والمجاني التي سوف نظفر بها من ~~هذا الاختيار، فنعتقد أننا أحرار فيه وفي الظفر بنتائجه، ومن ثم نظل ~~على جهل بأن كل فعل وكل اختيار محتم، ولو نظرنا إلى الوراء، إلى الماضي ~~والسوابق لوجدناها هي التي حتمت هذا الفعل، فلا اختيار إذن ولا حرية»، # 35 # وينتهي براند بلانشارد إلى أن الاعتراض على الحتمية بأننا ~~نشعر دائما بالحرية مردود عليه كالآتي: من الطبيعي أن نشعر بالحرية ~~على الرغم من أننا خاضعون للحتمية، طالما نصوب أنظارنا شطر نتائج الفعل ~~وليس شطر علله، ودائما تفوتنا ملاحظة العلل، # 36 # مرة أخرى الشعور بالحرية هو الجهل بالقوانين الكلية ~~والعلل الكامنة في الخلف، إنه مظهر من مظاهر ~~القصور الإدراكي. # وقد يحاول الحس المشترك تدارك قصوره بشيء من المنهجية، ولن يجد أمامه ~~إلا الاستبطان فهل ثمة أمل في الحرية؟ ربما لأن استبطان عملية اتخاذ ~~القرار يكشف عن أنه نشاط حر لا حتمي وإذا كانت الحواس تخدعنا، كأن يرى ~~السراب في قلب الصحراء واحة خضراء، فإن الاستبطان بمنجاة عن خطأ الحواس، # 37 # ومجمل الحجة الاستبطانية كالآتي: «يكشف الاستبطان عن أن ~~سلوكنا الإرادي الحر لاحتمي، ونحن لا يمكن أن نكون على خطأ بصدد ما ~~يكشف عنه الاستبطان؛ على هذا فالحرية كائنة، بعض الأفعال الإنسانية، ~~بعضها على الأقل، لا حتمي». # 38 # على أن العلماء لم يجمعوا على شيء - وعن حق - مثلما أجمعوا على قصور ~~وبطلان منهج الاستبطان وضرورة استبعاده، وقصوره كائن بوضوح ها هنا؛ ~~لأنه لا يمكن أن ينصب إلا على فعل القرار أو الاختيار الذي تقوم به ~~الذات، ولكنه لا يتطاول على العوامل القبلية التي كانت حتمية، أو حتى ~~أفضت إلى أنه لا حتمي، عوامل البيئة والوراثة. # هكذا عدنا إلى حيث انتهت رحلتنا مع ويتلي وبراند بلانشارد، ms074 ومجرد كون ~~الحرية في متناول الاستبطان - الذي يكشف الحدث منفصلا عن تسلسله ~~العلي - لا يعتبر أبدا إثباتا للحرية، وقد اعتبره برود حجة سلبية في ~~صالح الحتمية، وفصلها في الحجتين الآتيتين: ~~(أ) # ثمة مبرر قوي للاعتقاد، أنه ليس كل الأحداث العقلية في ~~متناول الاستبطان، فحتى لو كانت جميعها حتمية تماما، ~~وكانت العوامل العلية الكافية هي ذاتها عوامل عقلية، فإن ~~بعضها لا يمكن أن يتبينه الاستبطان. ~~(ب) # ولأن بعض العوامل النهائية في العلة الكلية للحدث العقلي ~~قد لا تكون عقلية بل مادية، فإنه مستحيل أن يكتشفها ~~الاستبطان. # والحق أن هاتين الحجتين أو القضيتين تثبتان أن مظهر اللاحتمية البادي ~~أمام العقل الإنساني قابل تماما للتأويل الحتمي وللتوافق مع الحتمية، # 39 # وإذا كانتا لا تقيمان أية حجة إيجابية للحتمية، فإن الحجج ~~الإيجابية معروضة في الفقرة (7-ب)، المهم الآن أنهم اتخذوا من إدراك ~~الاستبطان للحرية وكينونتها في الحس المشترك التبرير المنطقي لكون ~~الحرية وهما، وتماما كما أن الحاسب الآلي (الكمبيوتر) لا يعرف كل ~~شيء عن نفسه بطبيعة الحال، فإن المخ أيضا بالمثل لا يمكنه أن يعرف كل ~~شيء عن نفسه، ومن ثم قد لا يكون على وعي ببعض العوامل التي تحتم سلوكه، ~~وهذا يؤدي إلى الشعور الخادع بالإرادة الحرة، وهو شعور لا يمكن لأي قدر ~~من الاستبطان أن يزيحه، # 40 # وعبث أن يحاول الحس المشترك مواجهة العلم وحتميته، أو أن ~~يحاول الاستبطان مواجهة الاستقراء والاستنباط. ~~••• ~~(11أ) «المعضل الأخلاقي»: الحس المشترك بطبيعة الحال خصم ضعيف أمام ~~العلم، وليس يصعب قهره بلمسة إصبع، أما الذي جعل أوار الصراع بين ~~الحتمية العلمية والحرية الإنسانية يستعر حتى السماء السابعة ويأبى ~~أية محاولة للمهادنة فهو المعضل الأخلاقي، وتفصيل أمره كما هو ~~آت: ~~(أ) # الإنسان لا يستطيع أن يفعل غير ما يفعله، وطالما أن فعله ~~قابل للاستنباط اليقيني من القوانين الحتمية فكيف نطالبه ~~بأن يكون أكثر أو أقل أخلاقية؟ كانت الحتمية البيولوجية ~~حين بسطت سيطرتها على الإنسان قد أخبرتنا بأن المخ يفرز ~~التفكير كما يفرز الكبد الصفراء، وبالتالي، الأحكام ~~الخلقية ككل ms075 أنشطة الذهن نواتج أو معلولات حتمية للعلل ~~الضرورية، وبالتالي ليست من القيمة في شيء، ولا يوجد شيء ~~اسمه القيمة، مذهب الضرورة الحتمية، حيث تمثل في الصورة ~~الميكانيكية العلمية، جعل الإنسان مجرد حيوان، هو من ~~الناحية الفيزيائية كالآلة، ومن الناحية العقلية كالنظرية ~~الهندسية؛ لهذا يقول تين: «إن الفضيلة والرذيلة مجرد ~~منتجات جانبية، مثلها مثل الزاج والسكر». # 41 # وإذا كان الإنسان لا بد وأن يفعل ما يفعله، ويستحيل أن يفعل سواه، ~~فكيف ولماذا يتحمل مسئولية ما فعل؟ وما معنى أن نلقنه قواعد الأخلاق ~~التي ترشده إلى ما ينبغي فعله؟! بدا للحتميين أننا حين نتخلى عن ~~الحرية بمعناها التقليدي الاختياري - أي إمكانية الاختيار بين بديلين ~~فأختار أن أفعل هذا ولا أفعل ذاك - فإننا لا نتخلى عن شيء ذي بال، بل ~~ربما نتخلى عن أوهام فارغة وأحلام جهلاء، في حين أننا ببساطة نتخلى عن ~~حقيقية الحياة الأخلاقية، # 42 # فإذا كانت قوانين الفيزياء تحتم أن نفعل في كل لحظة ما ~~نفعله فما جدوى الحكم عليه بأنه صواب أو خطأ؟ وماذا يبرر قيام ~~القانون الأخلاقي إذا كان القانون الطبيعي يطغى عليه وينسخه، # 43 # وفي سياق القوانين الطبيعية تأتي القوانين البيولوجية ~~والسيكولوجية والسوسيولوجية، قوانين الوراثة والبيئة، لتحتم ردود أفعال ~~الشخص وتصرفاته، ولتعني الحتمية العلمية «أن كل فرد يحمل برنامجا ~~جاهزا معدا من قبل في الماضي» ولو صح ذلك لكان الجهد الأخلاقي ~~عقيما مجدبا. # 44 # وهذا يجعلنا نقتبس قول دستويفسكي في «الأخوة كرامازوف»: لو لم يكن ~~الله موجودا لأصبح كل شيء مباحا. لنقول: «لو كان العالم حتميا ~~لأصبح كل شيء مباحا.» فلا جدوى من محاولة منع أي شيء، ونحن ومحاولة ~~منعه واقعون في قبضة القوانين الجبارة، التي تحكمنا وتحكم العالم، وإن ~~كان ثمة مسئولية، فهي عليها لا علينا، هذا الوجه من وجوه معضل الحرية ~~في العالم الحتمي، جعلها مشكلة أخلاقية، لا بد وأن يتعرض لها عالم ~~الأخلاق، وأدخل العلم في صدام مع الأخلاق، أحدهما يستبعد الآخر، ~~فتفاقمت حدة الصراع بين العلم والدين. # وسنرى في نهاية الفصل القادم الشيزوفرينيا ms076 التي أنجبها التناقض بين ~~الحتمية والحرية في قلب الإنسان، والآن نجد العالم الأخلاقي تشارلز ~~كامبل يشير إلى هذا التناقض في تحليله لفينومينولوجية # 45 # الإرادة الحرة من حيث كونها مقدمة شرطية لزومية للأخلاق، ~~وأن المسئولية الخلقية تدور معها وجودا وعدما، وكانت خلاصة تحليلات ~~كامبل الفينومينولوجية أن الحتمية تستطيع أن تأتينا بحجج مقنعة ~~نظريا ضد الإرادة الحرة، بيد أن المأزق الأخرق الذي سينجم عن هذا هو ~~أن الإنسان سينكر نظريا ما عليه أن يقره عمليا من حرية ~~ومسئولية خلقية، ليكون ثمة صراع جوهري وأساسي بين الجانبين النظري ~~والعملي في طبيعة الإنسان، إنه تناقض في صميم قلب الذات، وينتهي كامبل ~~من هذا، إلى أن الحتمي عليه أن يعتني أكثر بالتحليل الفينومينولوجي ~~ليرينا إن كان يستطيع تأكيد أن الإرادة الحرة ليست بالفعل عنصرا ~~منيعا في الوعي العملي الذي يحياه الإنسان. # 46 # الحتمية العلمية تجعلنا ملزمين عقليا، لا بالتخلي عن الأخلاقيات ~~فحسب، بل وبالتخلي أيضا عن مجرد الأحكام التقييمية، وعن الاتجاهات ~~المرتبطة بها، التي تتضمن الإعجاب والاحتقار والفخر والعار والاحترام ~~والإعابة ... إلخ، وقد أسماها ستراوسون اتجاهات انفعالية # Reactive Attitudes ~~، إنها ~~ذاتية، تجاه الأفراد على قدر ما هم أشخاص، وفي مقابلها ثمة الاتجاهات الموضوعية # Objective # كتلك التي تكون ~~تجاه الحيوانات والآلات والأطفال الصغار، إذا صحت الحتمية، فلن نتنازل ~~فقط عن ممارسة الثواب والعقاب، بل وأيضا عن الاتجاهات والأحكام ~~الانفعالية التي تعبر هذه الممارسة عنها، ونتبنى فقط الاتجاهات ~~الموضوعية نحو أنفسنا ونحو الآخرين، مثلما نتخذها إزاء أي موضوع آخر ~~أوليست الحتمية العلمية معقل هذا التصور للموضوعية. سنظل نلوم ~~ونعاقب ونمدح ونذم، ونحاسب المجرمين، ولكن لن يكون هذا تعبيرا عن ~~الإعجاب والاستهجان، بل فقط مسألة موضوعية، هي تعبير عن هدف مؤداه ~~تغيير الآخرين حتى يلائموا احتياجاتنا، كما نعاقب أو نثيب حيوانات ~~المعامل أو السيرك على قدر استجابتها للتمرين؟! # 47 # وهل كانت أهداف سكينر الصريحة المعلنة تخرج عن هذا قيد ~~أنملة؟! إنها باختصار تكنولوجيا السلوك الإنساني. # إن الاتجاهات الانفعالية، أي غير المنصاعة للوعي بالحتمية، تعني عدم ~~التوافق مع الواقع ms077 الذي يقضي بالتخلي عنها، وإذا رفضنا التخلي عنها ~~لأنه يقلل مغزى حيواتنا وقيمتها تقليلا خطيرا، فإن التفكير في ~~القيمة والمغزى أصلا اتجاهات انفعالية، لا بد من تحطيم الدائرة ~~والولوج في قلب الحتمية العلمية، التي تعني أن الإنسان كائن غير حر ~~وغير مسئول، وأنه يخدع نفسه حين يتصور إمكانية هذه الاتجاهات ~~التفاعلية من حيث يتصور إمكانية الحرية والمسئولية، ربما فضل هذا ~~الخداع، كما يفضل المريض عدم المواجهة بأن مرضه مميت، فيختار أن يفعل ~~كما لو كان حرا مسئولا، وهو يعلم أنه ليس هكذا، # 48 # وربما نهرب من هذه الحتمية؛ لأنه في العالم الحتمي ~~الاتجاهات موضوعية حتى في صميم العلاقات الإنسانية، فتؤسس على ~~المعلولات المترتبة عليها من نفع أو ضرر، فنصادق ونحب على هذا الأساس! ~~وبين القادة والأتباع أيضا الاتجاهات موضوعية فلا انفعالات تقييمية ~~كالإعجاب أو الانبهار أو الإيثار ... مثل هذا العالم بارد مخيف لا يطاق، # 49 # إننا نجد أنفسنا دائما بين قرني معضل ~~الحتمية/الحرية: # لو صحت الحتمية فنحن لسنا أحرارا، ولكننا نتخذ اتجاهات تفاعلية نحو ~~أنفسنا ونحو الآخرين؛ ولذلك نعتبر أنفسنا أحرارا ومسئولين ... ولكن ~~اتخاذ هذه الاتجاهات يجعلنا نحيا بطريقة لا تتفق مع الوقائع، إذن ~~فلنتنازل عنها كي نعيش متفقين مع عالمنا الحتمي، ولكن إن فعلنا فسنقبل ~~بهذا منزلة مماثلة لمنزلة الحيوانات والآلات، وإن رفضنا فهذا خداع ~~للنفس، وإن قبلنا فهذا تجاهل لقيم نحياها # 50 ~~... ولا مخرج أبدا. ~~(11ب) وإذا تركنا هذا البعد للمعضل الأخلاقي والكائن في الوعي والذي ~~يحرم عليه العلم الحتمي أية أحكام تقييمية أو اتجاهات تفاعلية، ودلفنا ~~إلى كيان واقعي عملي لا مندوحة عنه من أجل ضبط المجتمع ألا وهو القانون ~~لوجدنا أنفسنا بإزاء بعد آخر للمعضل، شأنه شأن كل وجوه معضل الحرية ~~في العالم الحتمي لا مخرج منه أبدا. # وذلك أنه من المبادئ المسلم بها في العرف الاجتماعي وفي فقه ~~القانون، أن الشخص يعفى من العاقبة القانونية للفعل الذي قام به تحت ~~قسر، أي إرغام أو تهديد، وقد يكون الفعل جريمة نكراء، ولها أبشع ~~النتائج كالقتل، ولكن ms078 القانون يحكم ببراءته لأنه غير مسئول، الفعل لم ~~يصدر عن إرادته الحرة «ولكن ما هو القسر # Coercion ~~؟» الشخص الخاضع للقسر هو المجبور على أن يفعل ~~ما يفعل، وليس أمامه أي اختيار سوى أن يفعله، # 51 # كأن يكون ذلك هو السبيل الأوحد للدفاع عن النفس أو العرض، ~~على أن الحتمية العلمية قد حكمت بأن كل فعل من أفعال الإنسان هكذا، لم ~~يكن أمامه أن يفعل سواه، ومن ثم فهي تعفيه من المسئولية ومن استحقاق ~~الجزاء، من حيث تعفيه من الحرية. # وإذا كان القانون الجنائي في سائر المجتمعات المتمدينة، يفرق تفرقة ~~حاسمة بين الجريمة التي يرتكبها الفاعل بإرادته الحرة، فتجعله مستحقا ~~للوقوع تحت طائلة القانون، وبين الجريمة التي يرتكبها وهو واقع تحت ~~واحد من الظروف التي تلغي دور حريته المسئولة، كأن يرتكبها عفوا أو ~~قسرا، أو تحت ضغوط منعته من التروي قبل ارتكابها، أو أمراض أو شذوذات ~~ذهانية أو عصابية، أو عن جهل بعواقب الفعل لحداثة السن مثلا ... فإن هذه ~~التفرقة بناء على الحتمية خلف محال # Absuro # بغير معنى، لا عقلانية غير ~~عادلة، لا أخلاقية، ربما كانت كل هذا معا، إنها تبدو بلهاء، بل إن ~~القانون بأسره والعقاب بأسره يبدوان أشد بلاهة. # 52 # ومنذ أفلاطون وحتى يومنا هذا، يوجد التيار الحتمي الذي يؤكد أننا ~~إذا ما كنا عقلانيين تماما فلا بد وأن ننظر إلى الجريمة على أنها مرض، ~~وأن نكترس لعلاجه، وعلينا أن نفعل هذا، ليس فقط حين تكون الجريمة قد ~~ارتكبت بالفعل، بل وأيضا حين نجد دلائل تشير إلى أنها سوف تحدث، ~~فعلينا أن نتجه إلى المجرم ونعالجه قبل أن يرتكب الجريمة. # 53 # ومع الحتمية العلمية أصبح هذا الحلم اليوتوبي أسلوب عمل، علمي وواقعي ~~رفيع الشأن، وقد لا يكون ثمة فارق بين اللص وبين المصاب بجنون السرقة # Kleptomania # إلا في أن العلم قد ~~توصل إلى علة سرقة الثاني، ولم يتوصل إليها بعد بشأن الأول، وسوف يتوصل ~~يوما ما، وكلما جعلنا العلم ندرك أكثر العلل الضرورية التي تحكم ~~الأحداث والأفعال، جعلنا أكثر ms079 إدراكا للحتمية الكونية، وبالتالي ~~لسذاجة المسئولية الخلقية وأحكام الأخلاق. # وكما يقول جون هوسبرز: «لنلاحظ أننا كلما عرفنا بشمولية أكثر العوامل ~~العلية التي تقود الشخص إلى أن يتصرف كما تصرف، ازداد ميلنا لإعفائه ~~من المسئولية.» لقد حاول هوسبرز إثبات أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ~~سوى ما يفعله، وأنه بالتالي ليس مسئولا عن أي من أفعاله، وعن طريق ~~تحليل عديد من الأمثلة لشتى أنواع الأفعال والتصرفات، من تلك التي ~~تبدو وكأنها إرادية تماما ومتعمدة، حتى تلك التي تبدو لا إرادية ولا ~~دخل للحرية فيها، وكانت جهود هوسبرز على أساس منهاج التحليل النفسي ~~لفرويد وخلفائه، وهو يؤكد أن علماء هذه المدرسة وغيرها من مدارس علم ~~النفس، يستطيعون التنبؤ بالسلوك المحتوم على كل وأي إنسان أن يأتي ~~به، ومن هذا ينتهي إلى أن الإنسان ليس مسئولا البتة، ولا ينبغي معاقبة ~~أي مجرم على جريمة يرتكبها، بل الأحرى أن نعاقب الطبيعة أو نعاقب ~~والديه؛ لأنهما خلعا عليه ذلك التكوين أو المزاج التعس. # 54 # المجرم نفسه غير مسئول عن العلة «أ» أي سلسلة الأحداث التي حدثت له ~~في طفولته المبكرة، وبالتالي فهو غير مسئول عن المعلول «ب»، أي عن ~~الأحداث التي تحدث له في رشده، وكلها أحداث فرضتها عليه التوترات العصبية. # 55 # وبالطبع معاقبة الطبيعة مزحة، على سبيل الهزء من أنصار ~~الحرية، ولا يبقى إلا معاقبة الوالدين، وهما يحيلانا إلى معاقبة ~~والديهما ... وهكذا حتى آخر السلسلة العلية الحتمية، والتي لا تنتهي بآدم ~~وحواء، يريد هوسبرز أن يخلص من هذا إلى أننا نعاقب المجرم وكأنه لا ~~أخلاقي ونحن أخلاقيون، بينما الأمر الواقع أنه غير محظوظ ونحن محظوظون. # 56 # بعبارة أوضح: لأن العالم حتمي، لا يوجد شيء اسمه الأخلاق ~~أو المسئولية، وقانون العقوبات كيان لا عقلاني بل وجائر أصلا وفروعا! ~~وعلى الرغم من أن هوسبرز، كأي حتمي، لا يستطيع - كما يعترف - أن يفقه ~~أي معنى للاحتمية؛ لأنه لا يستطيع أن يتصور حدثا غير معلل، فإنه لكي ~~يجاري التيار المعاصر يحاول أن يزيح الحتمية جانبا قائلا إنها لا ms080 ~~تعدو أن تكون فرضا مبهما وكل ما في الأمر أن الإنسان ليس علة ~~شخصيته، وليس له تحكم في المؤثرات التي أثرت عليه، وجعلته على ما هو ~~عليه، وبالتالي صدرت عنه تلك الأفعال، وهذا سار، سواء سلمنا بالحتمية ~~أو باللاحتمية، # 57 # وذلك بالطبع تلاعب بالألفاظ، فماذا يمكن أن تكون الحتمية ~~العلمية غير العلية الكاملة التي أكدها، وماذا تكون اللاحتمية سوى نفي ~~هذا، من المسلم به في كافة الدراسات التي تعرضت لهوسبرز، إنه يعطينا ~~أقوى صورة للحتمية الصارمة التي تنفي أي معنى للحرية والمسئولية، واضعة ~~الأخلاق في معضل، لا مخرج منه إلا بالإنسان اللاأخلاقي. ~~(11ج) انبرى علماء الاجتماع الفرنسيون على وجه الخصوص للدفاع عن معضل ~~الأخلاق في عالم العلم الحتمي، ومحاولة رفعه إلى مستوى البديهيات ~~والمسلمات، وذلك من منطلق رغبتهم في تشييد ما دعا إليه جون ستيوارت مل ~~صديق إمامهم كونت من علم أخلاق ~~وضعي # Ethology ~~، وبالطبع يكون هو الآخر حتميا كسائر العلوم، ~~فيدرس السلوك الإنساني ليصل إلى القوانين الحتمية التي تحكم ظاهرة ~~الأخلاق؛ وذلك لكي تحيط الدراسة العلمية بكل ظواهر الاجتماع ~~الإنساني. # فيوضح ألبير باييه، أنه في عصور الجهالة المتخلفة كان أسلافنا يرون ~~أن الرجل الذي يقترف الإثم حر في ألا يقترفه، فجاءت الأخلاق التي ~~ترفع من قدر الصالحين وتندد بالطالحين، أما في عصور العلم فإن ~~الجريمة نفسها واقعة محتومة، فإذا مقتنا الجريمة لم نعد نستطيع أن ~~نمقت المجرم، ويمضي باييه في توضيح كيف أن كل من يقترف خطأ أو يرتكب ~~جريمة، إنما فعل هذا كنتيجة، أو كمعلول حتمي للعلل السابقة التي لا دخل ~~له فيها، كبيئته أو ظروف نشأته؛ «لأن عبء الماضي أناخ بكلكله عليه، إن ~~خطأنا إنما ورثناه عن ماض فرض علينا كما يفرض علينا الأمر الواقع، ~~فلا ننظرن إلى المخطئ نظرتنا إلى مجرم يستحق المقت والاحتقار، بل إلى ~~مريض يستحق العلاج والرحمة». # 58 # وليس يصعب تبين كيف يرتبط هذا مع ما ذكرناه في المقدمة من ~~النزوع السيكولوجي إلى الحتمية؛ لأنها تريح النفس وتهدهدها، فما أجمل ~~أن يتحلل الإنسان ms081 من مسئولية ما فعل، ملقيا الملام على الوراثة ~~والبيئة والقضاء، فلا يستحق عقابا أو جزاء، بل قد يلقى رحمة باييه ~~وتعاطفه؛ لأنه غير محظوظ كما قال هوسبرز، وكما أن التفسير والتبرير ~~بواسطة الحتمية أيسر وأسلس السبل أمام العقل النظري، فإنه أيضا أوضح ~~وأيسر أمام الفعل العملي، أوضح الأمثلة على هذا ما فعله الأمويون، حين ~~رجعوا لعقيدة الجبر؛ لكي يبرروا حكمهم الجائر القائم على الدم الطاهر ~~المراق، دماء آل البيت، مع الحتمية، نلقى أنفسنا في عالم لا يملك ~~رادعا يردع المجرم عن ارتكاب جريمة «يمكنه» ألا يرتكبها، إنها كارثة ~~العلم بحق. # لذلك، فبعد أن يجاهر ألبير باييه هكذا علانية بالمعضل، لا بد بالطبع ~~وأن يدافع عنه في مواجهة الاعتراض بأن هذه النظرة المتسامحة قد يكون من ~~شأنها أن تقلل السخط على الجريمة وأن تشجع أهل الشر على الغواية، ~~يقول باييه عن هذا: «إن الافتراض ضعيف فهل قل فزعنا من وباء الطاعون ~~منذ أن عدلنا عن رأينا في أن المصاب به آثم حل به عقاب الآلهة؟» # 59 # إنه إذا انتصرت الحتمية الاجتماعية، وهذا ما يحق لنا أن ~~نرجوه، فإن المجتمعات ستظل تنكر الجريمة والكذب والسرقة، وستمضي في ~~مكافحة تلك الرزايا لكنها لن توقع العقاب على الجاني، بل ستداويه بعد ~~أن تكون قد حالت بينه وبين الإضرار بالناس، ولن تشدد النكير على ~~الجريمة، بل ستهتم بتبيين عللها ووجوه القضاء عليها، وما هو الدواء الناجح، # 60 # ولا يكتفي باييه بالدفاع بواسطة تكنولوجيا العلم الاجتماعي ~~- إن صح التعبير - بل يتوسل بأئمة الحتمية عبر التاريخ، قائلا: إن ~~أخلاق التساهل القائمة على الحتمية لها أسلاف نابهون يجب إسكاتهم قبل ~~التعرض لنا، فهل كان «أفلاطون» مقوضا للأخلاق حين قال: «لا أحد ~~يقترف الإثم عامدا متعمدا.» وهل كان «سينكا» هادما للأخلاق حين قرر ~~أنه لا ينبغي علينا أن نمقت الشرير، بل أن نرثي لحاله؟ وهل كان ~~الإنجيل مقوضا للأخلاق حين أورد على لسان عيسى: «أبي اغفر لهم لأنهم ~~لا يعلمون ما يصنعون.» وأخيرا هل نقضي نحن على الأخلاق إذا ms082 اعتقدنا أن ~~قانون المحبة شامل، وأنه ليس لأحد الحق أن يستثني منه أحدا. # 61 # علماء الحتمية لن يترفعوا على المجرمين، ولن يستهجنوهم ~~ولا يدور بخلدهم أن يصرعوهم، بل يريدون أن يصلحوهم، # 62 # ويرد باييه هذا بالقول النبيل: «من منا المعصوم حتى يصح له ~~أن يترفع على المخطئين؟!» # 63 # إلى كل هذا الحد لا يكتفي العلم الحتمي بالمجاهرة الصريحة بمعضل ~~الأخلاق في عالمه، بل يردفه بالدفاع الباسل، ولم لا؟ وتكنولوجيا نسق ~~العلم الحتمي الكامل ستعطينا ما هو خير من وهم الحرية وأحكام الأخلاق ~~الجوفاء الانفعالية، ستعطينا المجتمع المنظم تنظيما أمثل، يجمل برلين ~~الموقف كالآتي: «تلك هي عقيدة الحتميين المؤمنين بالعلم الطبيعي ~~وبالتقدم المادي، إنهم يتمسكون بأن الخطيئة والمعاناة هي في النهاية ~~نتيجة الجهل، الضعف والبؤس والحمق والخطأ والخلل الأخلاقي، كلها تعود ~~في النهاية إلى سوء التنظيم الآتي من الجهل بالوسائل والغايات. وأن ~~نفهم طبيعة الأشياء هو أن نعلم ما الذي نريده حقيقة وكيف نصل إليه، ~~والتوصل إلى معرفة هذا هو غرض العلم ووظيفته، العلم سوف يتقدم، وسيكتشف ~~يوما ما الغايات الحقيقية والوسائل الكفء الفعالة، المعرفة ستنمو ~~وسيتقدم الإنسان أكثر، فيصبح أفضل وأحكم وأسعد، السعادة والفضيلة ~~والمعرفة العلمية مرتبطة كلها معا، وبسلسلة لا تضمحل أبدا، أما ~~الغباء والخطيئة والظلم والشقاء، فأعراض مرض سوف يحذفه تماما تقدم ~~العلم، نحن على ما نحن عليه بسبب من العلل الطبيعية، وحين نفهمها فهذا ~~وحده كفيل بأن يجعلنا على اتساق تام مع الطبيعة، أما الثواب والعقاب ~~فدلالة على الجهل، إذا كان من المعقول أن نلوم الأشياء والحيوانات، أو ~~نطالبها بالعدالة حين تسبب لنا ألما، أو نلوم الطقس أو التربة أو ~~الضواري والوحوش، لكان من المعقول أن نلوم الإنسان، الذي لا تقل حتمية ~~خصائص شخصيته وأفعاله عن حتمية هذه الأشياء، حين نبحث نمط حياة هذا ~~الشخص أو ذاك، لا يجب أن ندين أو نعاقب لأننا سنعرف ما العلة التي دفعت ~~هذا الإنسان أو ذاك للتصرف الخاطئ، قد يكون الجهل أو الفقر أو أي خلل ~~فيزيقي أو عقلي أو ms083 أخلاقي، ولو تسلحنا بما يكفي من الصبر والمعرفة ومن ~~التعاطف سنفهم هذا دائما ولن نلوم أي مخطئ أكثر مما نلوم أي موضوع من ~~موضوعات الطبيعة». # 64 ~~(11د) وأخيرا انقلب هذا المبدأ الحتمي: نفي مشروعية الأحكام ~~التقويمية أخلاقية أو غيرها، إلى قاعدة منهجية ميثودولوجية يتحراها ~~الراغبون في علمنة دراستهم، خصوصا حين تكون علميتها محل شبهة، فدافع ~~الحتميون التاريخيون عنها دفاعا مستميتا، مؤكدين أن التاريخ كأي علم ~~آخر، وصف للوقائع لا يعترف بشيء اسمه الأحكام التقويمية «محمد وهتلر ~~والإسكندر» ... قد نعجب بهم أو نخافهم، لكننا لا ندين أفعالهم ولا ~~نمدحهم، فلو فعلنا فكأننا نلقي موعظة على شجرة، وبالمثل تماما محاولة ~~عزو التغييرات إلى إرادتهم وتصرفاتهم أو محاولة استخلاص الدروس منهم. ~~لا ينبغي أن نشعر بالاستصغار أمامهم، هم على ما هم عليه، ونحن على ما ~~نحن عليه، ولم يكن أحد منا يستطيع غير هذا؛ لأنه محكوم بالقوى العظمى، ~~إننا بإزاء عقول حتمية صلبة تناشدنا باسم المنزلة العلمية أن نحجم عن ~~الحكم لكي نحافظ على الموضوعية. # 65 # ويمكن مقارنة هذا باتجاهات ستراوسون التفاعلية الذاتية، ~~مقابل الاتجاهات الموضوعية الجديرة بالعلم الحتمي. # 66 ~~••• ~~(12) «معضل الجدة»: يرى الحتميون أن تاريخ عالمهم لا يحتمل أية أحكام ~~تقويمية، ولن نبحث في كونهم محقين في هذا أم لا؛ لأن ثمة تساؤلا أهم ~~وأكثر جذرية: هل لعالمهم هذا أصلا تاريخ بالمعنى الحقيقي؟ والأحداث ~~فيه ليست إلا اطراد القانون الحتمي، وتطبيق لخطة فرضتها العلل الكونية ~~التي تخلقت في الماضي السحيق قبل ظهور الإنسان ذي التاريخ، ودع عنك ~~الإنسان المؤرخ. # العالم الحتمي الميكانيكي المغلق، الذي قدرت حركاته أزلا وأحصيت ~~عددا، لن يعرف البتة جديدا، الجديد هو العارض الخصب، والعالم الحتمي ~~حتمي لأنه لا عارض فيه، الجدة ظاهرة من ظواهر المفهوم الحيوي، من حيث ~~كونه مناقضا للمفهوم الآلي ... أما وقد أصبحت الحياة ككل شيء: آلة، فلا ~~جديد البتة، ولا خلق ولا إبداع وبالتالي لا تطور. # هذا في حين أن الجدة مفهوم ~~ضروري تماما، مثل الأخلاقية والمسئولية وما إليه، أو على الأقل ضروري ~~لكي يكون ms084 العالم إنسانيا متطورا وليس مخزن بضائع وأشياء متحركة، ~~و«لكي يكون الكون متطورا تطورا حقيقيا، فلا بد وأن يظهر باستمرار ~~شيئا جديدا كل الجدة، أعني أن التطور لا بد وأن يكون خلاقا، إننا ~~ننظر إلى عالمنا على أنه عالم في دور التكوين، وإلى أنفسنا على أننا ~~جزء منه في دور التكوين أيضا، إن حاضرنا ليس غير ساكن فحسب، بل هو ~~حركة لا يمكن لها هي ذاتها أن تتكرر غدا». # 67 # تنفي الخطة الحتمية؛ هذا لأنها حددت كل شيء أزلا وأبدا، ~~«وإذا كانت ماهية كل شيء محددة تحديدا قاطعا، فكيف يمكن أن يكون هناك ~~تطور على الإطلاق، إن كل ما نتوقعه في هذه الحالة هو عالم سبينوزا ~~الموجود منذ الأزل، ويبقى هو نفسه في سلسلة من التحولات، ولكن بلا جدة حقيقية». # 68 # لذلك لم يكن الإدراك العنيد للحرية، هو في حد ذاته الدافع الوحيد ~~لاعتبار الحتمية كابوسا، بل وأيضا لأنها تنفي الجدة والخلق الأصيل ~~والإبداع، كان هذا هو الذي دفع كثيرين من الفلاسفة المعاصرين، أمثال ~~بيرس ووليام جيمس وبيرجسون ووايتهيد لشن حرب شعواء على الحتمية، # 69 # وفي هذا يقول كارل بوبر: ~~«لقد وصفت الحتمية بأنها كابوس لأنها تنفي قوة الخلق، فكرة الإبداع ~~والجدة تصبح معها وهما فارغا، مثلا كتابة هذه السطور لا يمكن أن ~~يكون فيه أي شيء من هذا؛ لأن أي فيزيائي مزود بمعرفة تفصيلية كافية ~~يمكنه أن يكتبه بمنهج بسيط للتنبؤ العلمي، بالمواضيع الدقيقة التي ~~ستسود فيها الكلمات بواسطة النسق الفيزيائي المكون من جسمي وعقلي ~~وأصابعي وقلمي، ولكي نستخدم مثالا أوقع نقول إنه لو صحت الحتمية ~~الفيزيائية، فإن الفيزيائي الأصم «شيطان لابلاس» الذي لم يسمع في حياته ~~أية موسيقى، يمكنه أن يكتب كل سيمفونيات موزارت وبيتهوفن، عن طريق منهج ~~بسيط لدراسة الحالات الفيزيائية الدقيقة لأجسامها، فيتنبأ بالمواضيع ~~التي سيضعان فيها علاماتهما الموسيقية في نوتتهما، بل ويمكن لهذا ~~الفيزيائي الأصم أن يكتب ما لم يكتبه موزارت وبيتهوفن وكان يمكن أن ~~يكتباه لو توافرت لهما شروط خارجية مختلفة كأن يأكلا لحما بدلا ms085 من ~~الدجاج، أو يشربا قهوة بدلا من الشاي». # 70 # نفي الجدة يجعلنا ندور بين أطر الآلة في تسلسل ممل من الأحداث ~~العقيمة، كلها نواتج - معلولات للعلل، ولا أصلة البتة، ولما كانت العلل ~~والقوانين ثابتة، فالأحداث في حقيقتها التي يكشف عنها نور العلم ~~الحتمي، كلها متشابهة، ألوانها كالحة، فيزيقيا وعقليا أيضا، فحتى ~~مجرد الاعتقاد، اعتقاد أي إنسان في أية نظرية بأية لغة وفي أي شيء، ~~«مسألة حتمية لا بد وأن تحدث، إذا ما وضع أي إنسان في الظروف ~~الفيزيائية نفسها؛ لأن محض هذه الظروف، تحتم قول وقبول كل ما نقوله ~~ونقبله، والفيزيائي الماهر الذي لا يعرف شيئا عن مبدأ الحتمية ولا عن ~~اللغة الفرنسية، سيكون قادرا على أن يتنبأ بما سوف يقوله أيضا معارضو ~~الحتمية؛ على هذا، فإذا تصورنا أننا نقبل الحتمية أو سواها، لأننا ~~اقتنعنا بالقوة المنطقية لحجج معينة فاتخذنا موقفا جديدا، فإننا نخدع أنفسنا». # 71 # فمثلا ظل الحتمي هنري بوانكاريه مؤرقا عدة شهور بمشكلة رياضية لم ~~يجد لها حلا، وفجأة بلا أية مقدمات، بمجرد أن وضع قدمه في إحدى ~~الحافلات، لمع الحل في ذهنه بغتة، بغير أن يجد لذلك أي تفسير، وإذا ~~افترضنا عالما أو محللا نفسانيا، على طراز شيطان لابلاس، يعلم كل ~~شيء عن حالة الوعي واللاوعي، والشعور واللاشعور لبوانكاريه، فإنه كان ~~سوف يتنبأ بهذه الحادثة، وهذا يعني أنه كان سيعرف قبل بوانكاريه حل تلك ~~المشكلة الرياضية، # 72 # فكيف يمكن أن نتصور فيها - أو في أي شيء - إبداعا أو ~~خلقا من قبل ذات منفردة، لا ذوات في عالمنا الحتمي، بل فقط مواضيع ~~لتطبيق المبدأ الحتمي، ولا مكان في هذا العالم لمفاهيم الجدة والخلق ~~الأصيل والإبداع والتطور الحقيقي. # ويمثل هذا معضلا؛ لأن التجربة الوجودية تؤكد عملية انبثاق الجديد ~~باستمرار، كل ميدان من ميادينها بدءا من أعظم إنجازات العقل وأروع ~~إبداعات الفن، وحتى أبسط المواقف الشخصية، يؤكد أن الإنسان يأتي ~~بالجديد، يبدع ويخلق، أي يفعل ما لن يفعله سواه، وما لا يتحقق إلا ~~بالإرادة المبدعة والتصميم الحر والجهد الإرادي الموجه، ms086 تنفي الحتمية ~~هذا، وعلى ديدنها في إزاحة كل ما يعارضها أو يعترضها تئوله على أنه ~~مظهر يخدعنا بسبب الجهل بالعلل الكونية الكائنة خلفه، وحين يعم نور ~~العلم الحتمي سوف ندرك هذا جيدا، ولكن يصعب بل يستحيل تصديق أن التطور ~~والجدة والخلق والإبداع مظاهر للجهل الذي لا يقحم ويقهر إلا بها، ~~ويصعب أكثر تكذيب الحتمية، فيتخلق معضل لا مخرج منه أبدا. # وبعد كل هذا، إذا عدنا إلى الفقرة (18) التي ستوضح تناقض العلم ~~الحتمي ذاته بصدد الحرية حين ينفي أول مستوييها، الحرية الأنطولوجية، ~~ويصادر على حرية من المستوى الثاني، لكي ينمو العلم نفسه ويترعرع ~~ولكي تتواتر إبداعات العلماء، أدركنا مدى حدة الشيزوفرينيا التي ~~يخلقها معضل أو مبدأ الحتمية، إن العلم يصادر على الحرية من أجل الجدة ~~والإبداع في حين أن حتميته تنفي الجدة والإبداع من حيث تنفي الحرية ~~الإنسانية. # إن المعضل ليس معضلين بل واحدا لا سواه، إنه معضل الحرية ~~الإنسانية، أما معضل الجدة فهو كالمعضل الأخلاقي، وجه من وجوهه أو بعد ~~من أبعاده؛ لأن الجديد لا يأتي طبعا من الآلي الميكانيكي، ومحاولة ~~الإقرار بهذا تناقض منطقي وخلف محال، الجديد لا يأتي إلا من الفعل ~~الحر، والفعل الحر بدوره هو الفعل المبدع «الحرية هي حرية الخلق، حرية ~~الانبثاق من الماضي المتراكم إلى الجدة التي لا يمكن التنبؤ بها» # 73 # الحرية تربط الأنا بذاته وبالعالم، وذاك هو معنى التحرر: ~~قوة مبدعة وفي الوقت نفسه إبراز لأنا كلي وفاعل، # 74 # وماذا عسى أن تكون الحرية في النهاية إن لم تكن تلك ~~القدرة على الخلق، خلق الجدة والعمل على تحقيقها، بل خلق وجود خصب ~~يكون من شأنه أن يجيء نسيجا وحدة، وأن يحقق في الكون ما لا سبيل إلى ~~تحقيقه بدونه. # 75 # الإرادة هي الوجه العيني للحرية؛ لأنها أداة تحقيق ~~الفاعلية الإنسانية، فعالية الخلق الذي لا يتحقق إلا بعزمها، عزم ~~الإرادة. # الحرية الأنطولوجية تعني أن الوجود الإنساني فعل # Act ~~، لا حالة # State ~~، يقول الدكتور زكريا إبراهيم: «ما دام هذا الوجود ~~في صميمه عبارة عن انتقال ms087 شعوري حر من الإمكانية إلى الواقعية، والقول ~~بحرية الإرادة، إنما هو تقرير لتلك الإمكانية الهائلة التي لولا الفكر ~~الإنساني لما كان في وسع العالم مطلقا أن يتضمنها بأية حال، إذن فإن ~~الحتمية مذهب يائس مثبط للهمم؛ لأنه يلغي من الوجود بالعالم تلك الصورة ~~الإنسانية من صور القوة ألا وهي الإمكانية النوعية الخاصة التي ما كان ~~يمكن أن توجد لولا أن هناك حرية إنسانية مبدعة.» # 76 # تطيح الحتمية بالجدة بالإبداع من حيث تطيح بالحرية، التي هي القوة ~~المبدعة. ~~••• ~~(13) هكذا جعل معضل الحرية في العالم الحتمي من الإنسان لا إنسانا، ~~بل مجرد ترس في الآلة الكونية، يسير وإياها في المسار العلي المحتوم ~~بقوانين يكشف عنها العلم، وبواسطة تنبؤاته التي يعلو سلطانها يوما بعد ~~يوم، سيعلم الطريق الواحد والوحيد لكل ما هو آت وما قد كان، إنه حلم ~~اليقظة الحتمي، بالعلم اليقيني الشامل، والذي انقلب إلى كابوس مرعب، ~~يسحق حرية الإنسان وحياته الأخلاقية وأحكامه التقويمية وإبداعاته ~~وإنجازاته، كأوهام وأدها نور العرفان، وكأن نور العرفان كشف عن ~~الحقيقة الحقة لهذا الكون: إنه معتقل للمجبورين والمقهورين، أدوات أو ~~عبيد المبدأ الحتمي الأعظم، يقول العلم بصوته الوقور الرزين المنزه عن ~~الهوى والغرض: كلا، ليس هذا الكون منزلا أو موطنا للإنسان، يحيا فيه ~~حياة إنسانيتها الحرية التي تجعل الذات ذاتا والأنا أنا، تختار ~~وتقرر قبل أن تفعل، فتخطئ أو تصيب، وقد تبدع فتأتي بما لا تستطيعه ~~ذات سواها، وتتحمل المسئولية عن مشروعية فيحق لها الثواب، أو عليها ~~العقاب ... تلك خيالات تسبح في عماء الجهل، ولكن كل جزئية من جزئيات ~~الواقع والمثال، تؤكد للإنسان هذا، من حيث تؤكد له أنه حر الإرادة، ~~تجربته الوجودية العينية تخبره بأنه كان يمكن ألا يفعل ما فعله، أو كان ~~يمكن أن يفعل سواه، وتطرح أمامه أكثر من احتمال، ولزاما عليه أن يختار ~~بينها ... الفرح الصافي بما أنجزت يداه، الألم والمعاناة من جراء ما ~~اقترفت يداه، أو من جراء الاختيار الخاطئ الذي كان يمكن تفاديه ... سواء ~~أكان هذا الألم داخليا من النفس اللوامة، ms088 أو خارجيا من معقبات ~~الفعل الخاطئ ... كان هذا وغيره يؤكد للإنسان أنه حر. # إن تتبع تاريخ العلوم المختلفة في نشأتها ونموها يعرض لكفاح العلم ~~من أجل الوصول إلى المبدأ الحتمي، يعرض للكيانات التي أزاحها المبدأ من ~~طريق العلم، الصفات الخفية، العلة الغائية، الفلوجستون، القوى الحيوية ~~... ولكن لماذا لم يثر معضل القوى الحيوية مثلا في العالم الحتمي أو ~~معضل الفلوجستون؟ فما بال الحرية بالذات قد أقامت الدنيا ولم تقعدها؟ ~~ولماذا لم تذو كما ذوت تلك الكيانات؟ الإجابة واضحة لو لم يكن وعي ~~الإنسان بالحرية وإدراكه لها عن حق ويملك حيثيات الحكم بأنه الحق، لما ~~كان ثمة معضل للحرية في العالم الحتمي. # تلك الكيانات كالفلوجستون أو القوة الحيوية أوهام جهالة فعلا، أو ~~تمثيل لقصورات مرحلة انتهت، أما الحرية فليست هكذا، ولن نقول من الصعب ~~أن نتفق أو ننتهي إلى أن الحرية وهم، بل نقول بصيغة تقريرية حاسمة، ~~ليست الحرية وهما، إنها حقيقية حقيقية وجود الإنسان. واشتقاقا من ~~الدليل الأنطولوجي على وجود الله، # 77 # يمكن الوصول إلى دليل إبستمولوجي على وجود الحرية، ذلك أن ~~التساؤل عن الحرية وإثباتها أو نفيها، هو ذاته فعل من أفعال الحرية، ~~فكان إدراك الحرية والشعور بها ماثلا في العقول وفي الصدور، قبل ~~العلم بأسره، ولكن العلم الحديث رفع مبدأ الحتمية على رءوس الأشهاد، ~~طارحا اختيارين، كلاهما مر: # الحرية والحتمية متعارضتان. # ونحن نعلم أن الحتمية صادقة. # إذن الحرية وهم. ~~••• # الحرية والحتمية متعارضتان. # ونحن نعلم أننا أحرار. # إذن الحتمية كاذبة. # 78 # الخبر الأول آت من العقل العلمي المظفر، ذلك المصدر الموثوق بأخباره ~~أيما ثقة، والثاني من الإدراك الوجودي الذي يصعب تخطئته، تعاظم جبروت ~~العلم، ولم يعد التطاول على قدس أقداسه مبدأ الحتمية - مباحا ولا حتى ~~ممكنا، فكانت الحرية هي الضحية، فهل يمكن صرع إنسانية الإنسان جهارا ~~نهارا؟ ربما لا، ولكن ماذا نفعل؟ هل ننكر العقل ونعتبر العلم كاذبا؟ ~~أو خبرا غير موثوق به أو يمكن إهماله؟ ... ذلكم هو المحال بعينه . # هذا المعضل بلا أدنى مبالغة، أعنف وأقسى مأزق فلسفي، مر ms089 به العقل ~~البشري حتى الآن، فكيف كانت مواجهته؟ # الفصل الثالث # | مواجهة المعضل # إما بنفي الحرية وإما بنفيها ~~(14) إنه حقا معضل، لا يمكن اعتباره محض مشكلة أو مأزق؛ لأنه وضع ~~لا انفراجة له البتة: العلم ينفي الحرية، فما الذي فعله الفلاسفة ~~بإزاء هذا النفي لأية إيجابية إنسانية؟ # الواقع أن مجمل فلسفة الحرية بصدد هذا المعضل، لا تعدو أن تكون أحد ~~موقفين، لا ثالث لهما: إما نفي الحرية بمعنى السلب والإنكار؛ اعترافا ~~بحصيلة العلم التي لا سبيل إلى غير الاعتراف بها، وإما نفيها بمعنى ~~إبعادها وطردها إلى عوالم أخرى متصورة أو متخيلة أو موهومة، لا علاقة ~~لها بهذا العالم الذي نحيا فيه وأفتى العلم بأنه حتمي، وفي الحالين لا ~~حرية حقيقية، فهي إما منكورة وإما موهومة، إما منفية وإما منفية، ~~والمحصلة واحدة: لا حرية في هذا الوجود، فليس جزافا إذن أن تمنحنا ~~عبقرية اللغة العربية جناسا لفظيا في هذا الحكم الذي انتهت إليه ~~دراستي لفلسفات الحرية في العالم الحتمي، وعبثا حاولت العثور على ~~استثناء له يكسبه شيئا من المرونة. # وسبيلنا الآن إلى تبيان مصداق هذا الحكم وعرض حيثياته، والمسألة ~~تتلخص في أن نفي الحرية بمعنى السلب واللا إما أن يأتي من حتمية ~~صارمة # Strict # تنفي الحرية صراحة، ~~وإما من حتمية رخوة ومرنة # Soft ~~، عبثا ~~تتحايل على صلابة الحتمية محاولة إفساح موطأ قدم للحرية، على أن ~~الحتمية ما كانت لتسمح بطائل لأي تحايل أو مداهنة. # أما النفي بمعنى الإبعاد لعوالم أخرى ففيه تتفق عبقريات الفلاسفة عن ~~تشييد قصور في الهواء تودع فيها الحرية الإنسانية، مجللة مكللة، ~~كالعهد بنفي أعاظم القوم حين تدول دولتهم وبغير أن يدانوا بوزر، بعد أن ~~يصدر إليها الأمر بمغادرة هذا العالم الذي أحكم العلم قبضته عليه، ولكن ~~يصعب التسليم بأن الحرية بجلال قدرها وثقل شأنها كائنة في الهواء ~~أو في الخيال، ومن هنا كانت محاولات إثبات الحرية إيجابا في العالم ~~الحتمي تعمل على قصم أو فصم صميم العالم لتستقطع حيزا لا يقع تحت ~~سلطان العلم وتدعي أنه مجال أو ms090 بالأحرى منفى الحرية. ~~••• ~~(15أ) «نفي الحرية»: الحتمية الصارمة: هذا الموقف يحقق أبسط بسائط ~~التفلسف؛ الاتساق، فهم يعلمون علم اليقين أنه لا حرية على وجه الإطلاق ~~لإنسان يحيا في العالم الحتمي، ويطرحون أبنيتهم الفلسفية لإثبات أن ~~الحرية وهم زائف وحديث خرافة. # ولما كان في هذا من القسوة الشيء الكثير - فإن بعضا منهم قد يحاول ~~مداواة هذه القسوة عن طريق تسخير التحذلقات الفلسفية من أجل الاستغناء ~~عن الحرية بواسطة اللاحرية، قبول الحتمية وتوهم الحرية، مما يذكرنا ~~برواية الكاتب البريطاني الساخر جورج أورويل «1984»، ففيها ينقد بقسوة ~~الأنظمة السياسية القائمة ويجعل دولته الوهمية تتخذ شعارات ثلاثة: ~~الحرب هي السلام - الحرية هي العبودية - الجهل قوة. والشعار الثاني ~~يسخر من فلاسفة الحرية الحتميين قبل أن يسخر من أية أنظمة ~~سياسية. # ويأتي الرواقيون: في صدر القائمة، وقد رأينا أن الحتمية أصبحت معهم ~~لأول مرة مفهوما جامعا مانعا للطبيعة والإنسان معا، إنهم آمنوا ~~بشمولية القانون الكلي واستحالة الإفلات منه فيغدو سبيل الخلاص الأوحد ~~هو الاتحاد بالضرورة الكونية والاندماج فيها عن وعي خير من أن يحدث هذا ~~بغير وعي، فلا بد وأن يحدث على أية حال، فأصبحت الحرية هي الوعي ~~بالحتمية، أي الإدراك والاعتراف الصريح بنفيها وبالطبع لا مسئولية، ~~فقامت أخلاقياتهم على موافقة العقل الصريح، «والرجل الفاضل الحكيم الذي ~~تسير حياته كلها وفقا للعقل الصريح إنما يحيا وفقا للطبيعة الخاصة ~~والعامة، وهو مواطن هذا العالم يقبل طوعا كل ما يأتي به القدر من ~~أحداث، حتى المصائب والنكبات، معتقدا أنها داخلة في النظام الكلي ~~والقضاء الإلهي، الرجل الخبيث على عكس ذلك على خلاف مع نفسه ومع ~~الموجودات جميعا وهو أجنبي في المدينة العظمى: العالم، ومع ذلك فالرجل ~~الشرير مهما يتمرد على القدر فلا جدوى من تمرده؛ لأن جهوده للتخلص من ~~الأقدار إنما تسوقه حيث أرادت الأقدار». # 1 # سلم أهل الرواق بأن الحرية هي غياب العوائق أمام تحقيق رغبات ~~الإنسان، ولكن إذا كانت درجات الحرية هي دالة تحقيق هذه الرغبات فأنا ~~أستطيع زيادة الحرية بحذف الرغبات التي قد يعاق إشباعها، وهذا ms091 ما ~~حققه إبكتيتوس حين قال إنه وهو العبد أكثر حرية من سيده، وبغياب ~~العقبات ونسيانها أصبح على غير وعي بها، وبالتالي أصبحت غير موجودة، ~~وهكذا فعل القطب الرواقي بوزيدونيوس - الذي مات عن مرض خبيث وقال: افعل ~~كل ما تشاء أيها الألم! ومهما فعلت فلن تستطيع أن تجعلني أكرهك. وهو ~~بهذا كما لاحظ شيشرون يتحد مع الطبيعة التي تدخل في ذات الهوية مع ~~العلة الكونية، لقد جعل ألمه حتميا، ومن ثم يكون الاتحاد به هو ~~الحرية بعينها. # 2 # فراح الرواقيون يتحدثون عن حرية مطلقة معروفة في البوذية ~~وفي أديان أخرى ولناس بلا دين، إنها حرية الاعتصام بالنفس والالتجاء ~~إليها وبالتالي التحرر التام من العالم الخارجي، وفكرة الحكيم الذي ~~يلتمس الحرية والأمن في أعماقه وعن طريق وأد الذات فكرة تنشأ حين يقسو ~~الواقع الخارجي. # 3 # وتنطبق على الحرية بمستوييها، على المستوى الأول يقسو ~~الواقع الأنطولوجي بسبب تصور الحتمية الكونية، وعلى المستوى الثاني قد ~~يقسو الواقع الاجتماعي على الإنسان بسبب أحداث العصر واضطراب الظروف ~~السياسية والاجتماعية ... إلخ؛ ونظرا لحتمية الرواقيين من ناحية، وقسوة ~~ظروف عصرهم الهلينستي من الناحية الأخرى، فمن الطبيعي إذن أن يلجئوا ~~إلى هذا التصور للحرية الذي ينفيها على كل مستوياتها. # وإذا غادرنا الأصول التاريخية ودلفنا مباشرة إلى أجواء العلم ~~الحتمي، أي إلى الفلسفة الحديثة، فسوف نجد أشهر وأقوى صورة لنفي ~~الحرية بمنتهى الإصرار والتأكيد بلا مواربة أو مداورة، مع أكثر ~~الفلاسفة طرا في المواربة والمداورة؛ مع سبينوزا (راجع حديث المدخل ~~عنه)، وحسن أن يأتي سبينوزا في أعقاب الرواقية، فثمة فكرة شائعة تجعله ~~رواقيا، بسبب من التشابه الشديد بين أخلاقياته وأخلاقياتهم واشتراكه ~~معهم في مادية كل شيء والحتمية الصارمة وبالتالي نفي الحرية، وفيما ~~عدا هذا فهو ليس رواقيا. # لذلك نعرج على رأي هامبشير الذي رآه أبيقوريا من حيث إنه تابع ~~للوكريتوس في تأكيده على أن الإنسان يمكنه أن يتكيف مع العالم الفيزيقي ~~كجزء منه، لا متعال عليه، هذا في مواجهة خلفية ضخمة ترى الإنسان ظاهرة ~~خارقة للطبيعة . # 4 # ويبقى الأساس السبينوزي ms092 الذي لا خلاف عليه ولا نقاش فيه؛ أي ~~الحتمية. # كانت حتميته صارمة حتى إنها تحكم قبضتها على الإنسان تماما كما ~~تحكمها على الحجر الساقط وعلى كون المثلث ذا أضلاع ثلاثة، وعليها لا بد ~~وأن تنحذف الحرية تماما من هذا الوجود، فتنص القضية الثانية ~~والأربعون من الجزء الثاني من كتابه «الأخلاق: مبرهنا عليها بالطريقة ~~الهندسية» على أنه: «لا يوجد في أي عقل إرادة مطلقة أو حرة، بل إن ~~العقل محتم عليه أن يريد هذا أو ذاك بواسطة علة هي بدورها محتمة بواسطة ~~علة أخرى، وهذه أيضا بواسطة أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية.» # 5 # أما ما نراه من قرار إرادي يلازم أداء الفعل، فإن سبينوزا يفسر ~~هذا بأن قرار العقل مع شهوة الجسم وحتميته متآنيان في الطبيعة، أو هما ~~شيء واحد، إذا أخذناه تحت خاصية الفكر كان القرار، وإذا أخذناه تحت ~~خاصية الامتداد كان حتمية فيزيقية، يمكن استنباطها من قوانين الحركة ~~والسكون - القوانين الميكانيكية. إن الجوهر الممتد أو المادة هي في ~~النهاية الحقيقية السبينوزية الحقة، وبالتالي فالحتمية الفيزيقية ~~الميكانيكية هي فقط الحقيقة الوحيدة. وكانت اللذة والألم والرغبة عنده ~~مصطلحات أولية لتفسير الشعور في حدودها تفسيرا ميكانيكيا عليا ~~حتميا، وما اللذة والرغبة إلا الحالات أو التكيفات الطبيعية للشخص، ~~التي تحدث مستقلة تماما عن الحكم «أو الإرادة»، وصحيح أن اللذة والألم ~~علل لتغيرات نفسية وجسمية، إلا أنهما بدورهما معلولات لعلة خارجية ويجب ~~دراستها في علاقتهما بالحالات المتغيرة للكائنات الحية دراسة علمية كأي ~~موضوع فيزيائي. # 6 # الإنسان خاضع بالكلية للقوانين الفيزيائية الميكانيكية، وكل ظواهر ~~أنشطته وسلوكه قابلة للتفسير كمعلولات لعلل فيزيقية، وإذا اعترض معترض ~~بأن الأنشطة العليا للإنسان مثل الفن لا تقبل هذا التفسير، كان رد ~~سبينوزا على هذا هو رد الحتميين المعهود، أي بالتفسير الذاتي لحدود ~~الجهل بأننا «لم نعرف بعد كل قدرات الجسم ولا مدى حدوده وذلك ~~الاعتراض مجرد إقرار بهذا الجهل». # 7 # إننا على وعي بهذه الظواهر، ولسنا على وعي بعللها. # تبخرت الحرية من عالم سبينوزا، وكان لا بد وأن تتبخر ms093 ، فماذا فعل ~~سبينوزا بإزاء مصاب الحرية الفادح؟ لقد بدا أنه فعل فعل الرواقيين، ~~فكان التمييز بين الحرية والعبودية من أهم وجوه الفلسفة السبينوزية، ~~إنهما الحدان اللذان يراجع بهما الحكيم سلوكه فينقده، ويتخذ قراراته. # 8 # وعنى سبينوزا عناية بالغة بتوضيح الطريق أمام الحرية ~~الإنسانية من خلال الفهم والمعرفة العلمية، ولكن ما هي الحرية؟ إنها ~~بالضبط كحرية الرواقيين أو حرية دولة جورج أورويل الوهمية، الحرية ~~التي هي ذاتها العبودية واللاحرية، فليست الحرية السبينوزية إلا ~~الاندماج الواعي في الحتمية الفيزيقية الكونية، وهي تبلغ ذروتها بالحب ~~العقلي لله الذي هو الاتحاد الكامل بالطبيعة أو بالنسق الكامل للعلم ~~الفيزيائي الحتمي، وهي غاية لن تتحقق تماما؛ لأن الإنسان وعلمه لا ~~يمكن أن يكتملا أبدا، وإلا أصبح إلها، في حين أنه حالة محدودة من ~~الله أو من الطبيعة، والمصطلحان مترادفان في الفلسفة ~~السبينوزية. # على هذا لن نبلغ أبدا ذروة الحرية ولكن يجب تتبعها باستمرار، ونحن ~~أحرار على قدر ما لدينا، فكرة واضحة ومتميزة عن علل حالتنا الفيزيقية ~~والعقلية، والحصول على هذه المعرفة الكافية بالعلل يتضمن بالضرورة ~~معرفة أكثر كمالا بالطبيعة وبأنفسنا كأجزاء من الطبيعة، تحدث هذه ~~المعرفة كلما توقفنا بالضرورة عن أن نحب ونكره الأشياء الجزئية أو ~~أن نتأثر بها، بل سيشعر الحكيم تجاهها بالحياد العاطفي والأخلاقي؛ ~~لأنه سيفهم ما هي عليه وكيف أنها لا يمكن أن تكون خلافا لهذا ولن ~~يراها كعلل لمتعته فيتجنب الألم وكل ما يدعي بفضائل الزهد والتقشف، ~~وسيدرك أنه لا يمكن أن توجد حالة أخرى بحيث إن عدم تحققها يعوق الإشباع ~~والسعادة، وبالتالي لن يفتقد السعادة أبدا، إنه على الدوام حر سعيد، ~~الإدراك والمعرفة هما سر هذا النوع العجيب من السعادة والحرية، وكل ~~شيء يساعد على تقدم المعرفة يزيد منهما لذلك فهو بالضرورة خير للفرد ~~ويجب تتبعه في سياق حفظ الذات، # 9 # أو الكوناتس # Conatus # الدافع الأول لسلوك الإنسان في الفلسفة السبينوزية. # حالة الحكيم السبينوزي الحر السعيد حالة مثلى لتطبيق ما أسماه ~~ستراوسون بالاتجاهات الموضوعية التي تختفي منها أية اتجاهات تفاعلية ~~(فقرة ms094 15أ)، فحين ندرس الله أي العالم الطبيعي وعواطفنا بنفس الانفصال ~~عنهما، أي بنفس الموضوعية والوضوح والدقة التي ندرس بها الدوائر ~~والمثلثات في علم الهندسة فسنجد الحرية والسعادة والانتقال من حد ~~العبودية إلى حد الحرية هو الانتقال من حالة المشاعر السلبية والأفكار ~~المختلطة «الاتجاهات التفاعلية» إلى حالة المشاعر الإيجابية والأفكار ~~الكافية «الاتجاهات الموضوعية»، ولكن أولم تكن الاتجاهات الموضوعية هي ~~وضع للحتمية التي لا تطاق؟ وهكذا حرية سبينوزا، هي حتمية لا تطاق ~~«والعقل عنده حر وفعال حينما، وفقط حينما، تكون الحجة صارمة والنتائج ~~حاسمة راجعة إلى الحدود الضرورية»، # 10 # أي حين تكون اتباع النتيجة ضربة لازب وقضاء مبرما فيكون ~~بدوره حرية كاملة! # وإذا تذكرنا ما أثبتناه في المدخل من طبيعة مخاتلة لسبينوزا تجعل ~~الشقة بين مظهره وجوهره جد واسعة، # 11 # أدركنا أن المظهر الرواقي هذا قشرة لا تعني الكثير، فحرية ~~سبينوزا هي عينها الحتمية السيكولوجية الصارمة مع علماء النفس المحدثين ~~من التحليلية والسلوكية، وكان سبينوزا بوصفه داعية للدراسة العلمية ~~للإنسان الكاشفة عن القوانين التي تحتم سلوكه، مبشرا بهم ورائدا ~~لهم، حالة الانتقال إلى الحكيم السبينوزي الحر يجب أن تتم إن كان لها ~~أن تتم عن طريق لا يختلف عن طريق علم النفس التحليلي، من حيث إن منهج ~~الشفاء فيه يقوم على جعل المريض أكثر وعيا بذاته وبالصراعات الكامنة ~~في اللاشعور، فيستطيع أن يحقق توازنا أكثر، وثمة تواز بين حتمية ~~الكوناتس عند سبينوزا وحتمية اللبيدو عند فرويد، من حيث إن كليهما ~~يقيم الحياة الشعورية على دافع كلي، وأي كبت له يظهر في الوعي ~~كاضطرابات مؤلمة، فتصبح الوسيلة الوحيدة لتطبيق السعادة هي فهم العلل ~~المؤثرة على حالاتنا العقلية، # 12 # وإذا كان التحليل النفسي مشكوكا في علميته، فإن ريادة ~~سبينوزا للسلوكية أعمق، فقد سبقهم إلى تأكيد دراسة سلوك الإنسان عن ~~طريق الملاحظة الخارجية ولا حاجة إلى الاستبطان المحفوف بالمخاطر ~~الذاتية، ولعل سبينوزا هو الذي علمهم الموضوعية المتعملقة بصورة مخيفة، ~~تعالج السلوكية الإنسان كظاهرة طبيعية، لا تقل ولا تزيد على أية ظاهرة ~~طبيعية أخرى، فلا أعماق ms095 سحيقة من الهو والأنا وما إليه من تهاويم ~~تحليلية، وهذا ما عبر عنه سبينوزا قائلا: إن الإنسان مجرد حالة من ~~حالات الجوهر اللامتناهي. # خلاصة كل هذا أن الحرية السبينوزية هي عينها الحتمية السيكولوجية ~~المحدثة، من حيث النظر إلى الإنسان بوصفه كائنا حيا داخل الطبيعة، ~~وليس فائقا لها، يجب دراسة سلوكه دراسة علمية موضوعية، فضلا عن أنه ~~يشترك معهم في الهجوم الجريء على الدين والأخلاق المتوارثة بالدعوة إلى ~~البحث عن سعادة الإنسان بوصفها كمالا له بدلا من إدانته، ورفع ~~المسئولية الخلقية، وكان سبينوزا أول من أكد أنه كلما تقدمت الدراسة ~~العلمية للإنسان - أي علم النفس - أدخلت خطايا وشرورا أكثر تحت خانة ~~المرض النفسي، ومن يعانيه ليس مخطئا بل غير مسئول، ومستحقا للعلاج ~~لا للعقاب، وأخيرا كان قد اتضح ضمنا فيما سبق أن عالم سبينوزا نموذج ~~للعالم الذي تختفي فيه الجدة. # هكذا يعطينا سبينوزا صورة الحتمية الصارمة، صورة مثلى في ~~اكتمالها موضوعيا وتاريخيا، إنه يربط بين طرفي تاريخها: أولى صورها ~~مع الرواقية وآخرها مع السيكولوجيين الحتميين المعاصرين، ارتبطت حتمية ~~سبينوزا الصارمة بقرينتها الرواقية؛ لأنه كفيلسوف ميتافيزيقي تحمل ~~مسئولية تقديم العزاء في مصاب الحرية الفادح، فراح يعزينا مثل ~~الرواقيين بلا حرية هي أروع أشكال الحرية. # أما التالون لسبينوزا من أقطاب الحتمية الصارمة التي تنفي الحرية ~~صراحة كالماديين الكلاسيكيين جاسندي وهو لباخ وهوبز، والموسوعيين ~~الفرنسيين كابانيس ولامتري ودولامبير، حتى الحتميين المحدثين ~~والمعاصرين من العلماء وفلاسفة العلم والفلاسفة ذوي النزعة العلمية، ~~فإن تبرؤهم من الميتافيزيقا وزهوهم بالهوية العلمية جعلهم في حل ~~من تقديم العزاء في مصاب الحرية الأنطولوجية أو الحرية ~~الميتافيزيقية، ومن خوض لغو القول في جعل حالة اللاحرية أروع أشكال ~~الحرية، فأنكروا الحرية صراحة وجملة وتفصيلا، غير آسفين ولا ~~متحرجين، بل ربما بافتخار من استطاع التخلص من وثن جاهلي قد ~~انهار. # قصارى ما يفعله أحدهم هو القول بأننا فعلا أحرار ومسئولون وشعورنا ~~بالحرية ليس من الوهم في شيء، ولكن ليس هذا الشعور إلا الشعور ~~بالضرورة الكامنة فينا وانسياقنا لها، وبهذا يصدر الفعل عن تلقائية ms096 ~~نابعة من قلب الذات فيغدو حرا! # من أبرز من يمثلون هذا الموقف الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم # David Hume ~~(1711-1776)، وهو من ~~المواصلين للتيار التجريبي المتأصل في الفلسفة الإنجليزية، ~~المعبرين عن النزعة العلمية، والأهم من هذا أنه شكاك سكوتلندا ~~الشهير، فقد أتى في عصره المشبع بالحتمية والعلية ليفجر ثورة عاتية ~~بشأن مبدأ العلية الوطيد - أشرنا إليها في المدخل - وتتلخص في أنه ~~أوضح أن العلية مجرد نزوع سيكولوجي، عادة دأبنا عليها، ولسنا نملك الحق ~~في فرضها على الواقع، وعلى الرغم من هذا انساق هيوم مع تيار عصره، وأكد ~~أن الحتمية صارمة في المجال النفسي، عين صرامتها في المجال الفيزيقي، ~~ثم راح يتحدث عن حقيقة الحرية والمسئولية الخلقية، على أساس أن ~~الحرية وشعورنا بها لا يعدو أن يكون انسياقا للحتمية الكونية، وتحدث ~~هيوم عن الإرادة وطبيعتها، وأوضح أنها لا تظهر إلا حين يكون ثمة فعل ~~للجسم أو للعقل ينجم عنه الحصول على لذة وتجنب ألم؛ لذلك لم تكن ~~الإرادة عند هيوم إلا مجرد انطباع، أي إدراك فوري لشيء ما، شأنها شأن ~~الإحساس بالانفعالات المباشرة كالرعب والفرح، يقول هيوم: «لست أقصد ~~بالإرادة إلا ذلك الانطباع الداخلي الذي نحسه ونكون على وعي به، حين ~~نعرف أنه ثمة حركة جديدة لجسمنا أو إدراك جديد لعقلنا قد تولد عنه، ~~إنها انطباع مثل الفخر والرضا والحب والكراهية، وليس ثمة ضرورة لتحديد ~~أكثر أو وصف أبعد.» # 13 # ولأن الإرادة انطباع فإنه لا يمكن تفسيرها في حد ذاتها، ~~ويمكن تفسيرها وشرحها فقط في حدود مقدماتها وتوابعها، وفي هذا نجد أن ~~الجسم حين يتحرك لاتباع أمر الإرادة، نكون على وعي بهذه الحركة، ~~ولكننا لا ندرك الأثر الفوري أو الطاقة المباشرة التي دفعت إلى هذه ~~الحركة، وليس ثمة شيء أكثر غموضا من هذا الاتحاد بين العقل والجسم ~~والذي يجعل لكل منهما تأثيرا على الآخر، إنها اتحاد ملغز سري، ونحن ~~لا نعرف لماذا تؤثر الإرادة تأثيرا واضحا على اللسان والأصابع فنقول ~~ألفاظا نريد أن نقولها ونمسك بأشياء نريد الإمساك بها، ولا تؤثر ~~إطلاقا ms097 على مناطق أخرى من الجسم، كالقلب مثلا، ومن ناحية ثانية، ~~يخبرنا علم التشريح بأن الأثر الفوري المؤدي توا إلى حركة معينة ~~مرادة، ليس الإرادة، بل بين الإرادة وبين الاستجابة لها، حركة عضلات ~~وأعصاب معينة، وربما حركة شيء ما آخر، أكثر دقة، ونحن به أكثر جهلا. # 14 # على هذا النحو تتشابك الإرادة ~~مع الطبيعة الفيزيقية الخاضعة للقوانين العلمية، أي الخاضعة للحتمية ~~الكونية والعلية الأبدية، وعلى أية حال، فإن الحتمية عند هيوم ~~وزملائه - كما ذكرنا - صارمة في المجال النفسي عين صرامتها في المجال ~~الفيزيقي، ولكنه راح يؤكد أننا أحرار ومسئولون، وإذا سألناه: كيف نكون ~~أحرارا مسئولين طالما أن الحتمية شاملة؟ لأجاب: بأن الحرية هي ~~التصرف طبقا لما تحدده الإرادة، ولكن ما الإرادة إلا معلول للعلل ~~الحتمية، وهكذا كل تصرفات الإنسان وأفعاله، لتغدو الإرادة مجرد حلقة ~~في السلسلة العلية، وتصرفات الإنسان هي الحلقة التالية، والكل سائر في ~~المسار المحتوم المحدد بالعلل، لكن الحلقة المسماة - عبثا - بالإرادة ~~هي العلة المباشرة للحرية، ولشعورنا بها. # وبهذا فقط يمكن أن نقيم المسئولية الخلقية؛ لأن تلك العلل الحتمية ~~الموجهة للإرادة تكشف عن شخصية الفاعل ونزوعاته الثابتة. # والأخلاق لا يمكنها أن تستصوب أو تستهجن الفعل ما لم يكشف عن هذا - ~~عن شخصية الفاعل ونزوعاته الثابتة، أما الأفعال الطائشة الرعناء، التي ~~قد يأتي بها الشخص في وقت أو آخر، فإنها لا تحمل تقييما للشخصية ككل ~~ولا تؤثر عليها، إن اللوم لا ينصب إلا على الأفعال التي تؤدي بنية ~~متعمدة، والفعل لا يجعل الفاعل مجرما ما لم يكن ثمة في ذهنه مبدأ ~~للجريمة جعله يرتكبها بتعمد أو مع سبق الإصرار والترصد، بالتعبير ~~القانوني، وفقط مبدأ الضرورة الشاملة أي العلل المحتمة للسلوك هي التي ~~تقيم هذا وترسي أساسه؛ لأنها تؤكد أن الجريمة علة محتمة للسلوك، فيغدو ~~الفاعل مستحقا فعلا للوم والذم والاستهجان، إن الجريمة متأصلة في ~~طبيعته، ونفس مبدأ الضرورة الحتمية هو الذي يجعل التوبة النصوح تمسح ~~الجريمة، إذا ما انتواها الفاعل، وتعمدها حقا في إعادة تقويمه للأمر. # 15 # فإذا كانت التوبة ms098 صادقة فإنها تكشف عن علة محتمة للسلوك، ~~تجعل الشخص مستحقا فعلا للغفران والتسامح . # وعلى هذا يصل هيوم إلى أن الحتمية ليست تنفي الحرية، وبالتالي لا ~~تعفينا من المسئولية الخلقية، بل إنها أساسها، أوليست الحرية محض ~~الشعور بالضرورة الكامنة فينا وانسياقنا للحتمية الكونية، وبالتالي فإن ~~الأحكام التقويمية معبرة عن هذه الضرورة الحتمية التي هي الحقيقة ~~المطلقة، الحرية والمسئولية الخلقية جزء من الحقيقة، صحيح أن هيوم ~~شكاك كبير، إلا أنه أولا وأخيرا تجريبي متطرف، من غلاة القائلين ~~بالحتمية الصارمة، وقد أوضح المدخل مدى هيمنة الحتمية على عصره، عصر ~~الفلسفة الحديثة، وسنجد أن موقفه هذا، وهو موقف زملائه من الحتميين ~~الصارمين الذين أنقذوا الحرية عن طريق الزعم بأنها الشعور بالضرورة ~~والانسياق لها ... سنجد أن هذا الموقف شديد الشبه بالحتمية الرخوة التي ~~سنتحدث عنها في الفقرة القادمة. # والآن، لقد حاول هيوم هذه المحاولة، فقط لكي يتبرأ من وزر إهدار ~~المسئولية الخلقية، فهل نجحت؟ الواقع أن هيوم نفسه قد توقف معلنا ~~عجزه في بعض الأحيان، عن الصعوبات التي تنطوي عليها محاولته. # منها مثلا أننا لا نشعر دائما بتلك الضرورة الكامنة فينا، بل ~~كثيرا، والأدهى خصوصا حين المواقف التي تتجلى فيها الحرية ~~الإنسانية، كثيرا ما نشعر بالتردد والعجز عن اتخاذ القرار، ولم ينكر ~~هيوم تلك الحيرة البادية أحيانا، ولكن رد على هذا الاعتراض بأن ~~الضرورة ليست خاصية للفاعل بل للوجود الأنطولوجي، وإذا وجد ذهن على ~~مستوى عال - كعقل لابلاس الفائق - سيفهم الفعل وبالتالي يدرك العلل ~~التي حتمت التصرف النهائي، وإن غابت هذه العلل عن الفاعل نفسه، فأبدى ~~ترددا في البداية، وبصفة عامة حاول هيوم أن يرد كثيرا من ~~الاعتراضات. # ولكن بقي اعتراض هو الجوهر والأصل والعماد، اعترف هيوم بأنه يخل ~~فعلا بمحاولته لإنقاذ المسئولية، وهو الاعتراض القائل إن العلل ~~المحتمة للإرادة الفردية والسلوك الجزئي، تمتد في النهاية إلى آخر ~~سلسلة العلل الأبدية، كما هو معروف طبقا للتصور الحتمي الشمولي ~~المغلق للكون، وهذه السلسلة تصل في النهاية إلى العلة الأولى، خالق هذا ~~الكون الموجد لسلسلة العلل، أي ms099 الرب ... فكيف يمكن أن يتحمل الفرد ~~الآتي في نهاية السلسلة، والآتي كمعلول قبل أن يكون علة فاعلة ... كيف ~~يمكن أن يتحمل المسئولية؟! واعترف هيوم بأنه لا يجد أية إجابة مرضية. # 16 # إذا فعلى الرغم من أنه راح يعزينا بحرية هي انسياق للضرورة الكونية، ~~أي بلا حرية أو بحرية شبيهة بحرية جورج أورويل الوهمية ... على الرغم من ~~هذا عاد ليعترف بصعوبة الإقرار بالحرية الإنسانية - وبالتالي ~~المسئولية - في قلب سلسلة العلل الأبدية المشكلة للعالم ~~الحتمي. # عدنا من حيث بدأنا، من حيث إن الحتمية تنفي الحرية الإنسانية، ~~وبالتالي المسئولية الخلقية. # على أية حال علمنا سبينوزا جيدا، كيف تنفي الحتمية الصارمة الحرية ~~الإنسانية، ولا داعي لأن نعيد ونزيد. # ولا يبقى من يستحق وقفة من الحتميين الصارمين إلا الماركسيون، فقط ~~لشهرتهم الذائعة، فهم لم يأتوا بجديد في هذا الأمر، إنهم يبدءون من ~~الأصل الهيجلي الذي يطرح قضيتنا نفسها، وإن كانت قد أتت مع هيجل ~~(1770-1830) في سياق ميتافيزيقي لا علمي، أي: إن الحرية تعني في ~~صميمها الشعور بالضرورة وعلى الرغم من أن الماركسية جعلت هذا الطابع ~~الميتافيزيقي علميا، فإنها لم تخرج خروجا حقيقيا عن الهيجلية التي ~~وضعت مشكلة الحرية في نطاق الدولة ورفضت حصرها في نطاق الوجدان المحض، ~~وظلت الحرية عند هيجل لا تطابق بحال اختيار الفرد العابر، بل ~~تتحقق في الدولة عبر انسياب التاريخ، الفرد لا يتحرر إلا عندما ~~تتطابق إرادة الله مع أهداف الدولة، هكذا يربط هيجل بين نظرية الحرية ~~ونظرية الدولة، بل يربطهما في النهاية بنظرية التاريخ ونظرية المعرفة ~~ونظرية الكون، وليست هذه المفاهيم سوى تشكلات لمفهوم واحد، هو مفهوم ~~المطلق الذي يظهر مجردا أو محققا، عاما أو مخصصا، في صورة متعددة، ~~على مستويات مختلفة، # 17 # وبالطبع ابتلع هذا المطلق حرية الإنسان، وراح هيجل هو ~~الآخر يحدثنا عن حرية هي في حقيقتها اللاحرية. # فأخذ الماركسيون منه أن الحرية هي عينها الضرورة، وأنها لا تتحقق ~~إلا عبر تطورات التاريخ فانتهوا إلى أن الحرية هي تلك الإمكانية ~~التي نستطيع بمقتضاها أن نجعل قوانين الطبيعة ms100 مثمرة، ولئن كان الإنسان ~~محكوما بقوانينه الخاصة، فلديه شعور بتلك القوانين، وهذا الشعور نفسه ~~هو المظهر الحقيقي للحرية البشرية على نحو ما ينبغي فهمها؛ لهذا يقرر ~~الماركسيون أنه ليس أمعن في الخطأ من أن نتصور الحرية على أنها خرق ~~للقوانين الطبيعية وانفصال تام عن الضرورة الكونية، إن مثل هذه الحرية ~~المزعومة إن هي إلا وهم من أوهام أولئك الميتافيزيقيين الحالمين الذين ~~لا يعترفون بالعلم ولا يقيمون وزنا للعلاقة الوثيقة التي تجمع ~~الإنسان بالطبيعة وتخضعه لقوانينها الحتمية، حرية البشر تتوقف على مدى ~~معرفتهم بتلك القوانين ودرجة علمهم بما يترتب عليها من نتائج، تتناسب ~~درجة الحرية الإنسانية طرديا مع معرفتنا بالعملية العلية ~~وبالضرورة، ولما كان الماركسيون قد نفوا الحرية الأنطولوجية هكذا ~~صراحة وأفسحوا كل المجال للحتمية الصارمة، فقد سهل عليهم تلقي الدرس ~~الهيجلي، ورفضوا الاعتراف بحرية فردية تتحقق للفرد بصفته العينية في ~~صورة اختيار بين بدائل، بل رأوا الحرية تجربة اجتماعية في علاقة ~~الإنسان بالعالم والآخرين، ومهمة الفيلسوف عندهم ليست في تحرير الإنسان ~~من الحتمية، فهذا ما لا سبيل إليه، بل في تحريره من العبودية، ولكن، هل ~~حقا نجحت النظم الماركسية في تحرير الإنسان من العبودية على أساس هذا ~~الموقف الفلسفي المتناقض بصدد مستويات الحرية؟ إن الإجابة عن هذا ~~بالنفي - تنقلنا إلى المستوى الثاني من الحرية، ونحن الآن منشغلون ~~فقط بالمستوى الأول الذي رأينا كيف أزاحته الحتمية الصارمة ~~تماما. ~~(15ب) «نفي الحرية»: الحتمية الرخوة: دعاتها كثيرون. شهدت الفلسفة ~~المعاصرة منهم شليك وآير وآخرون من دائرة فيينا، وفلاسفة اللغة الجارية ~~رايل وأوستن وستراوسون، وجم غفير آخر، هم قوم عز عليهم هذا المآل ~~للحرية. # إنهم مخلصون لحتميتهم، ولكنهم راحوا يزعمون أنها لا تلغي الحرية ~~ولا تؤدي إلى حرية هي عينها اللاحرية، كما أعلن أقطاب الحتمية ~~الصارمة، وأن الحتمية لا تناقض القضية القائلة إن الإنسان أحيانا - ~~خصوصا حين التصرفات الأخلاقية - فاعل حر ومسئول. # فكيف فعلوا هذا؟ لقد فعلوه عن طريق التمييز بين نوعين من الحرية: ~~حرية استواء الطرفين # Indifference ~~، ~~وحرية التلقائية # Spontaneity # وقد بدأ ~~هذا ms101 التمييز لاهوتيا، مع أولئك الذين سلموا بالحتمية لإعجابهم ~~بالقديس كالفن، ثم استعمله هؤلاء الذين سلموا بالحتمية لإعجابهم ~~بنيوتن، التلقائية تتناول حرية الإرادة من خلال فكرة الرغبة أو المراد، ~~لتصبح ممارسة الإرادة هي إنجاز لما يريده الفرد، وأن تفعل بحرية هو أن ~~تفعل ما تفعله؛ لأنك تريد أن تفعله ونقيضة التلقائية ليست الحتمية بل ~~القسر أو الإرغام # Compulsion ~~، أما ~~حرية استواء الطرفين فتعالج الحرية من خلال القدرة على أن تفعل غير ما ~~تفعله، إنها إذن الحرية القائمة في أي تأويل لها على فكرة البدائل ~~التي لا تأتي إلا في العالم اللاحتمي؛ لذلك فحرية استواء الطرفين ~~نقيضتها الحتمية. # 18 # حرية استواء الطرفين رفضها جميع أنصار الحتمية سواء الصارمة أو ~~الرخوة، بل ودأبوا منذ ديكارت على اعتبارها أحط أنواع الحرية؛ لأنها ~~قائمة على جهل يؤدي إلى استواء الطرفين في نظر الفاعل على أساس أن ~~المعرفة أو العلم يرسم دوما الطريق اليقيني المحتم، ولنتذكر أنهم ~~كانوا يعتبرون الجهل مرادفا لللاحتمية، لقد اعتبروا حرية استواء ~~الطرفين أحط مراتب الحرية، في حين أنها يستحيل أن تتحقق في عالم ~~البشر، لا في العالم الحتمي ولا في العالم اللاحتمي، فأين هما الكفتان ~~اللتان تتوازنان تماما؟ وهي في الآن نفسه الحرية الوحيدة التي يمكن ~~أن تنسب لله جل شأنه، فليس ثمة أي طرف يمكن أن يفرض عليه تعالى أكثر من ~~الآخر، وهذا تناقض صارخ من تناقضات الحتمية الجمة. # حرية التلقائية لا يصعب التوفيق بينها وبين الحتمية، ولا هي ستهتك ~~ضرورية القوانين الفسيولوجية والسيكولوجية، إذ سيكون الفعل حرا حين ~~يؤديه الفاعل تلقائيا، أي عن رغبة، والفعل غير حر حين تنتفي هذه ~~التلقائية، ويكون الفاعل مرغما على أدائه، أو واقعا تحت تهديد أو ~~تعاطي عقار أو مرض نفسي كجنون السرقة، إذن التفرقة بين الفعل الحر ~~والفعل غير الحر ليست في أن الأول معلول والثاني غير معلول، فكل ~~الأفعال معلولة كما تنص الحتمية، ولكن على أساس نوع العلة التي يصدر ~~عنها الفعل، # 19 # فإذا كانت هذه العلة هي الدوافع السيكولوجية السوية وخصائص ms102 ~~وبنية الشخصية وبالتالي العواطف والاتجاهات والقرارات والأفعال التي ~~تصدر عن هذه الخصائص والبنية، كان معلولها صادرا تلقائيا عن الذات ~~وبالتالي هو فعل حر مسئول، و«بدا لأقطاب الحتمية الرخوة أنهم بهذا ~~أنقذوا الحرية الإنسانية وأنه من الممكن أن نكون حتميين وفي الوقت ~~نفسه إنسانيين، فاستطاع مل أن ينادي بالحتمية، وفي الآن نفسه ~~بالمسئولية الخلقية، وبمشروعية رغبة الإنسان في أن يطور شخصيته وأن ~~ينزع إلى مستقبل أفضل، وهذا ما تنفيه الحتمية الصارمة». # 20 # فهل نجحوا حقا في إنقاذ الحرية؟ الإجابة بالنفي، فكما قال راسل، ~~نحن نفعل ما نرغب، ولكننا لا نستطيع أن نرغب فيما نرغب فيه، لأنه محتوم ~~بالقوانين الحتمية، وليست تعني الحتمية السيكولوجية إلا أن التلقائية ~~هذه حيثية من حيثيات الحكم بأن الشعور بالحرية مجرد وهم؛ لذلك ~~فالرخاوة لم تصب الحتمية، بل أصابتهم هم وأصابت موقفهم الفلسفي، «فهم ~~لم يعتنوا بتوضيح العلاقة بين الدوافع السيكولوجية والأفعال كما صنع ~~دعاة الحتمية الصارمة الذين لم ينكر أحد منهم أن الرغبات والجهود ~~الإنسانية تحدث تغييرا في سياق الأحداث، فيمكنهم أن يقولوا لأصحاب ~~الحتمية الرخوة: إنكم على حق في التمسك بأن الأفعال معلولة للرغبات ~~ولكنكم لم تتعقبوا المسألة إلى ما فيه الكفاية، بل توقفتم ~~توقفا تعسفيا عند الرغبات، وهذا خطأ، إذ يجب أن تستأنفوا الطريق ~~وتسألوا: من أين وكيف أتت هذه الرغبات؟ وإذا كان ثمة حتمية فمن الواضح ~~أنها هي التي أتت بها». # 21 # إذن فقد حق حكم برلين عليهم بأنهم لم يحلوا المشكلة، بل أزاحوها خطوة ~~إلى الوراء، وأن نظريتهم ببساطة متغير من متغيرات الحتمية الكونية ~~العامة التي تستبعد الحرية المسئولية، تماما كما تستبعدها الحتمية ~~الصارمة في أقوى متغيراتها؛ لذلك وصفها كانط بأنها خدعة بائسة، أما ~~وليام جيمس، فقد وضع لها المصطلح الذي شاع لها عند أنصارها فيما بعد - ~~أي الحتمية الرخوة # Soft Determinism # 22 ~~- وذلك لكي يسميها بأنها مستنقع للتملص والمراوغة. # 23 # فلنودع كل هؤلاء الحتميين، بعد أن رأيناهم يودعون الحرية الإنسانية، ~~وإلى غير لقاء. ~~••• ~~(16) «نفي الحرية»: إبعادها من دائرة الحتمية: نحن الآن ms103 بإزاء ~~علية القوم وأعاظم الفلاسفة ذوي الخلق الفلسفي الرفيع الذي جعلهم ~~يأبون أن يخدعوا الحتمية بحرية لا تنطلي عليها، أو العكس. وفي الآن ~~نفسه أبوا أن يخدعوا العالم بأن يشككوا في خبر العلم، فتركوه أسيرا ~~للحتمية العلمية، وراحوا يبحثون عن ملاذ خارج دائرة العلية يودعون فيه ~~الحرية الإنسانية آمنة من غوائل الحتمية، بعبارة أخرى: هم باحثون عن ~~نطاق يند من سطوة العلم، ولا تتطاول إليه قوانينه، وهي ذات اليد ~~الطولى، فأين يا ترى يقع مثل هذا النطاق؟ إنه خارج نطاق الكون الفيزيقي ~~الضام لأبعد نجوم السماء وأضأل حبات الرمال، والإنسان المحصور بين هذا ~~وذاك، فلا يبقى إلا أعمق أعماق الإنسان فهذه منطقة مجهولة. # ومحاولات الفلاسفة لنفي الحرية، وإيداعها في هذه المنطقة العميقة ~~السحيقة، أو الترانسندنتالية المتعالية، هي كبريات نظريات الحرية ~~المقتولة بحثا ودراسة والمشهورة جدا في سائر الأوساط الفلسفية، فهي ~~نظريات الحرية المنتسبة إلى عمالقة الميتافيزيقا، ومع هذا فإن أصلها ~~مغمور، فقد أتت أولى محاولات الفرار بالحرية من عالم العلم الحتمي، ~~لفيلسوف إيطالي من عصر النهضة، لا يرد ذكره كثيرا، إلى أن جاء أرنست ~~كاسيرر ليكشف النقاب عن دوره العظيم في مسيرة العلم والفلسفة على ~~السواء، إنه الكونت جيوفاني ~~بيكو ديللا ميراندولا Pico Della Mirandola ~~(1463-1494)، ويكشف إنتاج بيكو ~~الغزير عن معرفة شاملة، وهو شاعر له قصائد باللغتين اللاتينية ~~والإيطالية فضلا عن إتقانه اللغات العربية واليونانية، وأيضا العبرية ~~التي تعلم بها النزعة القبلانية، أي الإيمان بأن الكتاب المقدس محض ~~رموز خرساء من الضروري تأويله تأويلا صوفيا ملغزا، أخلص بيكو ديللا ~~ميراندولا للنزعة القبلانية، وأخرج جهودا كبيرة فيها، وهو ينتمي أيضا ~~لأصحاب الأفلاطونية المحدثة التي سادت في بيئته لتجمع بين فيثاغورث ~~وأفلاطون وأفلوطين، مروجة لاتجاهات روحانية سرية، وفي الآن نفسه تدعو ~~للعلم الطبيعي، ومع هذا دافع بيكو بحماس عن المدرسيين وتراث العصور ~~الوسطى؛ ذلك أن جوهر شخصيته الفلسفية هو النزعة التوفيقية التي جعلته ~~متحررا من أية مدرسة معينة ويعتبر نفسه فوق الجميع، يأخذ من كل اتجاه ~~ما يختار، لإيمانه بأن أي ms104 مذهب فلسفي أو ديني على وجه الإطلاق يحوي ~~جانبا من الصواب، وبالتالي يشارك فيما آمن به بيكو من حقيقة كونية، ~~ولعل محاولته للتوفيق بين المسيحية وسائر الأديان، هي السبب في إهدار ~~دمه على الرغم من إيمانه العميق بالمسيح. # وكان بيكو إنساني النزعة، لدرجة فاق بها كل أقرانه، فهم دأبوا على ~~تصور هيراركي (أي هرمي) للكون، عادة ما يتم عبر ثلاث درجات: الملائكية ~~ثم السماوية ثم العنصرية، أما بيكو فقد اعتبر الإنسان بذاته عالما رابعا، # 24 # وكتابه الأساسي «الخطاب # Oration ~~» القطاع الأعظم منه موسوم باسم «خطاب في كرامة الإنسان # Dignity of Man ~~»، تمثلت ~~كرامة الإنسان عند بيكو في كل ما يصدر عنه من خلق وإبداع، بفعل إرادة ~~حرة نابعة من الفرد ذاته، # 25 # وهذا جعل بيكو مؤرقا بقضية الحرية، ولكن أرقه هذا جاء ~~عبر ليالي القرن الخامس عشر، أي حينما كانت الحتمية العلمية تبدأ أولى ~~خطواتها نحو موقع الهجوم الساحق الماحق على حرية الإنسان، إنها الخطوة ~~الفلكية الخارجة من أعطاف التنجيم، من هنا جاء هجوم بيكو الضاري على ~~التنجيم، الذي يستخلص قدر الإنسان من النجوم، ويجعله بذلك مشدودا إلى ~~حتمية لا فكاك منها، وكان هذا الهجوم إنقاذا للحرية من براثن العلم ~~الناشئ حديثا، وهو إنقاذ لم يزد عليه أحد حتى يومنا هذا مثقال ذرة، ~~فكيف فعل بيكو هذا؟ # لقد بدأت نظرية بيكو من أنه في محاولته المستميتة للتوفيق بين ~~الحكيمين أفلاطون وأرسطو، قد تجاوز كليهما بالتفرقة بين الوجود في ذاته # Being Itself # والوجود المشارك Participated Being # موضحا أن ~~الله وحده هو الطبيعة الروحية التي تكون في ذات الهوية مع الوجود في ~~ذاته، ومتعال عن الوجود المشارك، # 26 # ثم سهل عليه الخروج من هذه التفرقة بين الوجود في ذاته ~~والوجود المشارك إلى التفرقة بين مجال الضرورة ومجال الحرية، فكل ما ~~يتم بالطبيعة الفيزيائية محكوم بمبادئ الضرورة وقوانينها في حين أن ~~كل ما يتسم بالطبيعة الروحية يظل متصفا بالحرية ويمكن فهمها في إطارها. # 27 # وأية نظرية تحاول إثبات الحرية إيجابا في العالم الحتمي، ms105 حتى ولو ~~كانت من تلك النظريات العظمى التي تعودنا نحن - دارسي الفلسفة - أن ~~نحني الهام إجلالا وتكرمة لها، وأن نتفانى في محرابها ... أية منها لا ~~تخرج قيد أنملة عن هذه التفرقة التي وضعها بيكو ديللا ميراندولا بين ~~مجال الحرية ومجال الضرورة، ومهما اتخذ هذان المجالان، خصوصا مجال ~~الحرية، من أسماء متحذلقة يجفل منها ذوو العقول المتواضعة: الجوهر ~~المفكر عند ديكارت ومونادا ليبنتز وأنا فشته، ومطلق شلنج، وإرادة ~~شوبنهاور العمياء ... وعلى رأسها بالطبع نومينا كانط ... إنه فصم العالم ~~إلى عالمين، أحدهما للضرورة الفيزيقية العلية والحتمية العلمية، ~~والآخر للحرية الإنسانية والمسئولية والجدة. ~~••• ~~(17) فصم العالم إلى عالمي بيكو - ذلك المفكر المتواضع المغمور - ~~موقف لن يتعداه فيلسوف، في الشرق أو في الغرب ... في الشمال أو في ~~الجنوب ... يحاول إثبات الحرية إيجابا في العالم الحتمي، غير أن ~~الفلاسفة الألمان على وجه الخصوص، قد برعوا في صنعة الفصم والقسمة هذه، ~~وحذقوا فنها حذقا شديدا، فهل من تفسير؟ # أجل! فقد وجدت التفسير في أن «تأثر الفلسفة الألمانية بالمتصوف جاكوب ~~بوهيمه أمر معترف به»، # 28 # فماذا عن هذا؟ # الإسكافي يعقوب بوهيمه # Jacob Boehme ~~(1575-1624) متصوف ألماني، وعندا في عقلانية الفلسفة المدرسية وضع ~~بلغة رمزية أسطورية نظريته في: اللا-أساس # Unground ~~، تعبيرا عن رؤية أو حدس إشراقي أصيل. ~~وعلى الرغم من مسيحية بوهيمه، فقد تمسك بأن اللا-أساس مستقل عن الرب ~~وأسبق منه، يمكن القول إن اللا-أساس هو إله اللاهوت السلبي، ومع هذا ~~فهو ضرورة لإدراك ماهية الرب. وكما يقول بوهيمه: «هناك شيء في الرب، ~~وينبغي أن يدرك في الله باعتباره هاوية لا قرار لها، وهذا الشيء هو ~~الذي نطلق عليه لفظ اللا-أساس»، # 29 # إنه إذن ذو طبيعة إلهية دينية أما إذا تساءلنا: ما هي ~~حقيقة اللا-أساس، وكيف يمكن فهمه أو إدراكه؟ فإنه لا توجد أية لغة ~~لاهوتية أو ميتافيزيقية قادرة على وصفه أو شرحه بل إن محاولة الشرح أو ~~التفسير العقلي تعد في حد ذاتها محاولة مستحيلة. اللا-أساس مستعص ~~على كل فهم أو إدراك عقلي أو برهان منطقي، وإذا حاولت ms106 أن تجعله ~~معقولا، فإنه يتوقف عن أن يصبح إلهيا، ومن ثم فإنك متى حاولت أن ~~تقترب منه، لكان عليك أن تنحي العقل جانبا، والشيء الوحيد الذي يمكنك ~~أن تنطق به، لا يعدو أن يكون مجرد تأكيد لسره المستعصي على كل فهم، ~~فأنت لا يمكن أن تصفه بصفة كما تصف باقي الأشياء؛ إذ إنه ليس بشيء ~~على الإطلاق لكي تقارن غيره به، ومتى توهمت أنك تعرفه أو تدركه فمعنى ~~ذلك أنك قد حددته، وهو لا يتحدد أنه - كما يقول نيقولا بيرديائيف - ~~الأساس الذي لا عمق له والسر اللاعقلاني. # 30 # لم يعد الوجود إذن يمثل الأساس المطلق لكل شيء فثمة مبدأ آخر: ~~لا-أساس، يسبق هذا الأساس؛ لأنه يسبق انبثاقة الوجود نفسه، والآن، إذا ~~ما أردنا التعرف على طبيعة الحرية لكان علينا أن نتجه مباشرة إلى ~~ذلك المبدأ: اللا-أساس، وعندئذ فقط يمكن أن نقترب من الحرية ونلم ~~بها، لندرك أن الحرية ليست وجودية الطابع، بل هي عدمية منبثقة عن ~~العدم، والوجود يحددها، بل يخفيها كلية، الرب يمثل الحرية ~~المتجمدة، ولكن الحرية في حقيقتها غير ذلك، إنها تقف على النقيض مع ~~الوجود على طول الخط. # 31 # ومن عجائب الأمور، أن هذا الخطل الفارغ من لغو القول، سرعان ما أصبح ~~عنصرا خصيبا في الميتافيزيقا الألمانية حتى - بل وخصوصا - الاتجاهات ~~العقلانية العتيدة منها، وإن كانت قد اتجهت إلى محاولة عقلنته، مناقضة ~~بهذا نفسها، واللا-أساس أيضا، وعلى أية حال امتد تأثير اللا-أساس ~~إلى جل فلاسفة الألمان، ولعل تفسير هذا في أن الميتافيزيقا الألمانية، ~~في تقابلها مع الفكر اللاتيني اليوناني، ترى مبدأ لا عقلانيا يكمن ~~في المنبع الأول للوجود باعتبار أن ما يغمر العالم بالنور ليس هو العقل ~~وإنما الإرادة، وتعمق هذا مع بوهيمه، حين أكد أن العقل يمنحنا الطبيعة ~~الخارجية فحسب، أما الحياة نفسها، فإنها بعيدة عن العقل كل البعد، ~~إنها في اللا-أساس الذي هو مرآة الروح، وباللا-أساس، وليس بالعقل، ~~يستطيع الإنسان أن يكتشف نفسه، عن طريق النشاط الحي للإرادة والذي من ~~خلاله تبرز العمليات النفسية في ms107 الطبيعة الخارجية، وبهذا كان العقل عند ~~بوهيمه، خادما للإرادة، يطيعها دون أن يسأل شيئا، # 32 # وأحسب أن هارتمان وشوبنهاور رددا هذا، ربما ترديدا ~~ببغاويا، المهم الآن، أنه من هذا المنطق الديني: اللا-أساس تبدت ~~لأول مرة في الفكر الألماني إمكانية قيام فلسفة تتخذ من الحرية دعامة ~~لها، وتنطلق بصفة مبدئية من أولوية وأسبقية الحرية على كل شيء، حتى ~~على الوجود نفسه، بل وعلى الرب نفسه، لقد تعلم الألمان من بوهيمه كيف ~~«تكون الحرية موضع التقابل والتعارض الصريح مع الطبيعة»، # 33 # إنها تقف على النقيض من الوجود، وعلى طول الخط. # بهذا الدرس الذي تشربت به العقلية الألمانية، شحذ فلاسفتها نصالهم، ~~كي تكتسب حدة ونفاذا، في أداء عملها المبجل: شطر العالم إلى شطرين: ~~الأساس واللا-أساس، أو الحتمية العلمية والحرية الإنسانية. # وها هنا يجب أن نتوقف لنحاول استطلاع الصورة البانورامية الكاملة ~~لدراما الشيزوفرينيا التراجيدية والاغتراب التي تخلفت عن نكبة الحتمية ~~العلمية من حيث نفيها للحرية، وامتدت آثارها الوبيلة حتى تغلغلت في ~~الفكر والفلسفة المعاصرة، فليس عبثا أن هذه النظريات الفصامية هي ~~كبريات نظريات الحرية في الفلسفة. ~~••• ~~(18أ) «آثار وبيلة»: هي الآثار التي توالدت وتكاثرت فامتدت ربما حتى ~~اللحظة الراهنة، وقد خلقها معضل الحرية في عالم العلم الحتمي - العلم ~~من القرن السادس عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، والذي كان حتميا ~~كأصلب ما تكون الحتمية، حتمية ميكانيكية ... هذه الآثار الوبيلة يتأتى ~~استطلاعها بصور بانورامية شمولية، بأن ننظر بعيدا لنلاحظ كيف أن ~~الاغتراب - وهو آفة مستشرية في البنية الحضارية المعاصرة - يعود أساسا ~~إلى الانفصام، الشيزوفرينيا. # 34 # فسواء أكان الاغتراب غربة أو انعزالا عن الذات، أو فقدانا أو ~~استلابا لها، أو تخارجا منها، أو تناقضا معها ... فإن كل هذه المسميات ~~أو الصور لا تعدو أن تكون وجوه ثنائية مرضية أو ازدواجية موبوءة، إنه ~~انفصام الذات عن ذاتها لتغترب عنها، أو انفصام الذات عن عالمها لتغترب ~~عنه كآخر! # الشيزوفرينيا إذن أم الاغتراب، أو هي المرض وأعراضه شتى مظاهر ~~الاغتراب. # وعلى هذا يمكن أن ندرك كيف خلقت الحتمية العلمية ms108 اغتراب الإنسان عن ~~العالم حين جعلته غير متوافق مع قدس أقداس التجربة الإنسانية: الحرية، ~~عالما غير صالح لحياة الإنسان، ولا يليق إلا بالجماد: تروس الآلة ~~الكونية العظمى. باختصار هذا العالم/عالم العقل والعلم ليس هو عالمنا، ~~لا ننتمي إليه ولا ينتمي إلينا، كلانا غريب عن الآخر ومغترب عنه، لكل ~~هذا نوهنا في مدخل الكتاب إلى خطورة أن تتعارض الحرية الإنسانية مع ~~العلم. # كانت المشكلة: كيف نوفق بين العلم والحرية؟ إنهما ينيان ولا ~~يلتقيان البتة، والتوفيق محال، فلا بد من إحداث الشدخ في العقلية التي ~~تعي هذا الكون بواسطة العلم - أعظم إيجابياتها فعالية فينفصل عن هذا ~~العلم بحتميته جزء من العقل فيه متسع للحرية، كنومينا كانط ومونادا ~~لينتز وأنا فشته ومطلق شلنج ... كلها عوالم أخرى غير هذا العالم، وكلها ~~تمثيلات للشيزوفرينيا التي كانت مآل فلسفة تبحث عن الحرية في عالم ~~أفتى العلم بأنه حتمي. # وفي الوقوف على أصل هذه الثنائية يمكن الإمساك بطرف الخيط، وذلك بأن ~~نلاحظ كيف أن جاليليو - أحد الآباء العظام للعلم الحتمي - قد فرق بين ~~الصفات الأولية التي يدركها العقل العلمي وبين الصفات الثانوية التي ~~تدركها الحواس، وهي تفرقة سرعان ما اعتمدتها الفلسفة الحديثة في شخص ~~أبيها ديكارت الذي شطر العالم بأسره والكيان الإنساني ذاته إلى شطرين ~~لا معبر بينهما، أو بينهما معبر واه مضحك: الغدة الصنوبرية، وهما ~~العقل «للحرية» والمادة «للحتمية»، إنه الرائد فاندفعت الفلسفة الحديثة ~~وراءه في هذا الطريق الذي شقه للثنائية، فيندس الفاصم الثنائي من أولى ~~بدايات الفلسفة الحديثة، وحتى نهاياتها الموصولة بالفلسفة ~~المعاصرة. # بمرور الأعوام بعد ديكارت، كان سلطان الحتمية العلمية يتعاظم، ~~فيتعاظم الاهتمام بمشكلة الحرية؛ وتغدو هذه الثنائية شيزوفرينيا ~~تستصرخ طلبا للعلاج ولا مجيب، حيث الحتمية العلمية سائرة من نصر إلى ~~نصر أعظم، حتى أفضت بالشيزوفرينيا إلى ذروة ذراها بفلسفة النومينا ~~والفينومينا عند كانط شيخ الفلسفة الحديثة وأمير فلاسفة العلم الحتمي ~~والذي أكد استفحال مرض الشيزوفرينيا ووصوله إلى الحد الذي لا برء منه، ~~وذلك بحماسة لكل من العالمين على قدم المساواة، بالعقلين العملي ~~والنظري، ms109 فالعالم عالمان، والعقل عقلان! وكمثل العقل والمادة «ديكارت» ~~والنومنيا والفينومينا «كانط»، ثمة الإرادة والتمثل «شوبنهاور» الأنا ~~واللاأنا «فشته» العقلي والواقعي «هيجل»، الفكر والوجود، الروح ~~والطبيعة، الذات والموضوع، العقل والعاطفة، النسبي والمطلق، الآلي ~~والغائي ... إنها بعض من ثنائيات جمة دارت بين رحاها الفلسفة الحديثة في ~~بحثها اليائس عن الحرية، كلها معا تجمعها بوتقة واحدة، إنها الثنائية ~~الأم والأصل والأساس: الحتمية العلمية والحرية الإنسانية. # صيحة فاوست: روحان يقطنان في صدري، # يناضل كل للتخلص من توءمه. # 35 # ينقلها فالتر كاوفمان في مقدمة كتاب شاخت، «للتعبير عن الانقسام الذي ~~هو مؤشر للاغتراب؛ إذ يحول دون شعور المرء بالتوافق مع ذاته، حيث إن ~~كل روح ينظر إلى الآخر باعتباره غريبا»، # 36 # وأحسب أن هذه الصيحة تعبر عن مشكلة الحرية الإنسانية ~~والعلم أكثر وأعمق من تعبيرها عن الوارد في مقدمة دراسة شاخت. ~~(18ب) ولكن هل يمكن القول إن هذه الشيزوفرينيا ظاهرة جزئية مقصورة ~~على العقلانيين التنويريين الذين أرادوا أن يجمعوا المجد من طرفيه، ~~فيقرون بعقلانية العقل ومشروعية العلم، وفي الآن نفسه بحرية الإنسان، ~~بحيث نفذ منها الفلاسفة الأقل طموحا والأكثر واقعية: الذين نفوا حرية ~~الإنسان الأنطولوجية، وعلى رأسهم سبينوزا، وفي زمرتهم هوبز ولوك هيوم ~~وفولتير وجون سيتوارت مل ... وسائر الفلاسفة المخلصين للنزعة العلمية؟ ~~كلا ليس الأمر كذلك، فمن عجائب الأمور أنهم بعد أن نفوا الحرية ~~الأنطولوجية أي الحرية على المستوى الأول باسم الحتمية العلية، ~~وبهدف توحيد النظرة العقلية وعدم الانقسام على النفس، قد وقعوا في ~~الشيزوفرينيا من مهوى آخر، حين عادوا ليدافعوا بحماس لا يجاريهم فيه ~~أحد عن الحرية على المستوى الثاني، أي الحريات السياسية والاقتصادية ~~والدينية والاجتماعية والشخصية ... # ومن المعلوم كيف كان الحتميون العظام - خصوصا سبينوزا وفولتير ومل ~~- من أعظم أبطال هذه الحريات في تاريخ البشر، كتاب سبينوزا «رسالة في ~~اللاهوت والسياسة» وكتاب مل «الحرية» معالم بارزة في تاريخ الحرية، ~~الأول حرية الفكر والثاني الحرية السياسية، هذا على الرغم من أن ~~سبينوزا فيلسوف الحتمية الأول بغير منازع، ومل أول من دعا لإخضاع ~~العلوم الإنسانية والاجتماعية ms110 لمبدأ الحتمية العلمية، يؤازره في هذا ~~صديقه الفرنسي أوجست كونت الذي تمكن من إنجاز المشروع، أما فولتير ~~فاسمه مرادف للدفاع المجيد عن الحريات الشخصية والدينية والاجتماعية ~~والسياسية، وهو في الآن نفسه قد «أنكر أية حرية ميتافيزيقية وكان ~~معنيا أساسا بنصرة العلم في صراعه مع الكنيسة، وانحاز بكل ثقله للعلم». # 37 # إنهم بتناقضهم بصدد مستويي الحرية: نفي الأول وإثبات الثاني، ~~يناقضون أنفسهم تناقضا صارخا يكشف عنه التساؤل البسيط: ما دامت كل ~~أحداث الوجود متسلسلة لا بد وأن تحدث حتما منذ أن حدث أولها، فما ~~جدوى أن يكتسب الإنسان أيا من هذه الحريات الوضعية أولا ويكتسبها؟ ~~فمثلا، جون ستيوارت مل في نظريته الليبرالية عن الحكومة النيابية، قد ~~عارض بشدة النظرة الطبيعية في التنظيمات الشعبية أي التي تراها تنمو من ~~تلقاء نفسها، وأكد مل أن هذه التنظيمات لا تأتي إلا كصنيعة للإنسان ~~وأنها مظهر اختياره، أفلا يتناقض هذا مع دعوته الرائدة بإخضاع كل ظواهر ~~الإنسان للمنهج العلمي التجريبي الكاشف عن حتميته النافي لأية حرية أو ~~اختيار أمام الإنسان؟ # على أن عمق شيزوفرينية هؤلاء يتبدى حين نلاحظ بنظرة أعمق وأشمل أن ~~الدعوى بالحتمية الكونية وبالحرية الليبرالية ليستا منفصلتين، كلا ~~في مجال، بل هما متجادلتان تجادلا عميقا، وإن لم يلاحظوه هم أنفسهم، ~~ذلك أنهم جميعا - منذ سبينوزا حتى هيجل وماركس - حين دعوا إلى الحرية ~~على المستوى الثاني دعوا إليها «لأن العقلانية تفترض أن الرغبة في ~~السيطرة على الناس يجب أن تختفي أو تقل فاعليتها في المجتمع الكامل ~~للكائنات العاقلة، والحقيقة لا تناقض الحقيقة، وسائر الحلول تتسق معا ~~في كل قابل للتعقل فإذا كان العقل أو العلم يحكم العالم، فلسنا في حاجة ~~للقسر، والحياة المخططة تخطيطا سليما ستمنح الجميع حرياتهم وأساسها ~~حرية التوجيه العقلاني للنفس، وسيغدو الأمر كذلك، فقط إذا كان النظام ~~الاجتماعي سليما - أي لو كان من ذلك النمط الفريد الذي يشبه وحده دون ~~سواه، كل دعاوى العقل، وستكون قوانينه هي القواعد التي يمليها العقل، ~~وإذا لعب كل فرد دوره الذي يحدده له العقل، فلن ms111 يكون ثمة صراع وسيصبح ~~كل إنسان حرا موجها لنفسه في هذه المسرحية الكونية»، # 38 # ولما كانت الحتمية أساس النظر إلى المسرحية الكونية ككل ~~واحدي قابل للتعقل بقانون واحد أو قوانين واحدة، يمكن ملاحظة أنهم في ~~طريقهم للحرية قد انتهوا إلى نفس بدايتهم للحتمية وليس هذا غريبا على ~~التفلسف من حيث كونه تفكيرا لا بد وأن تتلاقى عناصره، في حين أنهم ~~كانوا يعتقدون أن القضيتين منفصلتين، وهذا أيضا طبيعي، فلو أنهم كانوا ~~على وعي بكل تلك الشيزوفرينيا لما تركوا أنفسهم نهبا لها. # كان هذا الموقف المتناقض مع الذات أو المنقسم عليها هو السمة المميزة ~~لمفكري السياسة والاجتماع وفي الفلسفة الحديثة، فهل كان توماس هوبز ~~منقذا للبشرية من هذه الشيزوفرينيا على أساس أنه نفى الحرية على ~~المستويين؟ كلا لأنه بعد أن فعل هذا راح يثبت كل الحرية للملوك، بحيث ~~لا نملك إلا أن نسأله بدهشة: من أين سيأتي الملك بكل هذه الحريات ما ~~دام يعيش في العالم الحتمي؟ فكأن هوبز لم يكتف برفع الملوك فوق مستوى ~~البشر، بل وأيضا فوق مستوى الطبيعة والعالم الذي يحيون فيه، لعل ~~الاستثناء الواحد هو الاجتماعيون الفرنسيون، فقد رأيناهم محافظين ينفون ~~الحرية على كل المستويات: الحرية الأنطولوجية والحريات السياسية ~~والاجتماعية معا، بعزم وجزم واتساق نادر، بيهم أنهم - أولا - أتوا في ~~ذيول العصر الحتمي والعلم الحتمي، بعد أن كانت الشيزفرينيا قد استشرت ~~ولم يعد يجدي الرجوع، وثانيا: هم علماء واقعون - مهما فعلوا - في ~~تناقض العلم ذاته بصدد الحرية، فماذا عن هذا؟ ~~(18ج) ينفي العلم أولى مستويات الحرية، الحرية الأنطولوجية أو ~~الميتافيزيقية، في حين أنه يصادر على الحرية من مستوى آخر، فليس ~~مبالغة، الحكم بأن العلم هو الذي علم البشرية حقيقة، حرية العقل والفكر ~~والعمل والقول، يتم البحث العلمي عبر مرحليات مفتوحة تنتهي إلى وضع ~~النظرية أو القانون. «من هذه المرحليات المفتوحة، أمكن للفكر الإنساني ~~أن يتخلص نهائيا من أية عبودية ذاتية أو موضوعية، فلم يعد التأمل ~~الأرسطي هو الطريق للكشف عن القانون العلمي، كما لم تعد للسلطات ~~الزمنية ms112 والروحية القدرة على التصدي لتيارات الحرية الفكرية الجارفة، ~~هذه التيارات ما لبثت أن امتدت لتشمل - عدا عن الفكر العلمي - مختلف ~~ميادين الفكر الإنساني، بحيث اتخذت من الحرية ذرائعية، للتصدي لأي ~~اتجاه من شأنه أن يطمس الفردية في المذاهب الاجتماعية المختلفة». # 39 # هكذا كان العلم الحتمي محررا للمعرفة من سلطة الكنيسة وأرسطو وكل ~~وأي سلطة، «فأخلاقياته تصون الحرية من عبث الدوجماطيقية ومن عدوان الاستبداد»، # 40 # وكانت الحرية دائما في مواجهة جميع المشكلات هي نفس ~~قانون العلم، فبينهما - أي بين الحرية والعلم - وحدة لا تنفصم عراها، # 41 # وكما يقول العالم الحتمي ألبير باييه: «العلم متضمن لثلاث ~~فكرات: الأولى: أن إقدام الفكر وجرأته الفاتحة هما صميم الكرامة ~~الإنسانية، والثانية: أن الحرية هي الشرط الضروري لكل رقي، والثالثة: ~~أن العلم طريقة لائتلاف العقول، إذ إنها جميعا تتقبل نتائجه، إذن ~~فكرامة الذهن والحرية وائتلاف البشر، هي كلمات السر الثلاث لأخلاق العلم». # 42 # ويعبر كلود برنار - الذي يمكن اعتباره أنموذجا أمثل على مدى سيطرة ~~الحتمية على العلم والعلماء في عصره - عن هذا، وبصورة تبرز التناقض ~~المذكور بوضوح وجلاء، فيتيه زهوا بطابع العلم الذي لا يطأطئ رأسه ~~أبدا، على حد تعبيره، وبأن المنهج العلمي هو المنهج الذي يطالب بحرية ~~الذهن والرأي، ولا يكتفي بأن يزعزع النير الفلسفي واللاهوتي وحدهما، ~~ولكنه كذلك لا يسلم بوجود سلطان علمي شخصي، ويردف برنار هذا بأن ~~استقلال الفكر وحريته هما على الدوام الشرطان الجوهريان لكل ما ستحققه ~~الإنسانية من تقدم، # 43 # ولكنه يأتي في النهاية ليصر على أن حرية الذهن تنعدم ~~بإزاء مبدأ الحتمية، # 44 # وبالطبع الفهم الحقيقي لمبدأ الحتمية هذا يؤدي بالضرورة ~~«الحتمية» إلى انعدام حرية الذهن وكل حرية، بإزاء هذا المبدأ وبإزاء كل ~~المبادئ وكل شيء. # هكذا جعلت الحتمية العلم متناقضا مع ذاته بصدد مستويات الحرية، فلا ~~غرو أن يقع هذا التناقض على رأس الإنسان المتوج بتاج العلم. # ثم نجد العلم الحتمي قد أوقع الإنسان في التناقض من مهوى ثالث: من ~~تناقض حصيلة الفعالية العقلية مع الفاعلية الواقعية، بدأ هذا ms113 مع نبي ~~العلم الحديث فرنسيس بيكون الذي علمنا أن كل ضرورة فهمت إنما هي في ~~الواقع ضرورة تم التغلب عليها، # 45 # طبعا، ولكن أوليست كل ضرورة تفهم هي في سياق الحتمية ~~الكونية تأكيدا لنفي الحرية الإنسانية، لقد صحب تقدم العلم تساوق أو ~~تناسب طردي بين تعزيز العلم لمبدأ الحتمية النافي لحرية الإنسان، وبين ~~تعزيز حريته على مستوى آخر يأتي من تطبيقات العلم العملية التقنية، ~~التي جعلت العلم بلا جدال تحريرا للإنسان من أعداء عتاة قساة لحريته: ~~من الجهل والمرض والجوع والفقر والعجز أمام قوى الطبيعة ~~الغاشمة. # على أن تحرير العلم للإنسان لا يقتصر على العلوم الطبيعية فحسب، التي ~~يبدو دورها في هذا الصدد غاية في الجلاء والوضوح، بل يمتد إلى كل نسق ~~العلم بسائر أفرعه: العلم البيولوجي والاجتماعي والسيكولوجي، فلا عائق ~~أمام الحرية كأمراض النفس وشذوذاتها وتوتراتها، وحتى في علم التاريخ ~~الذي يذيل نسق العلم ويصعب إدراك دوره في تحرير الإنسان، تعرض ~~بندتو كروتشه لهذه القضية في مقال له بعنوان «علم تدوين التاريخ بوصفه ~~تحريرا من التاريخ»، فأوضح أننا بدلا من أن نحلل الأمراض الاجتماعية ~~بدقة وعمق، ننزع إلى أن ننحو باللائمة على النزعة التاريخية بتحبيذ ~~القدرية والقيم المطلقة وبتقديس الماضي وقبول الوقائع على فظاظتها ~~لأنها هي الوقائع ... نحن منتج للماضي نعيش مغمورين فيه، إنه يحاصرنا، ~~فكيف نستطيع الحركة، وكيف نخلق أنشطة جديدة بغير أن نستخرجها من الماضي ~~وأيضا بغير أن نضع أنفسنا فوق الماضي، ولكن كيف نضع أنفسنا فوق الماضي ~~إذا كنا فيه وهو فينا؟ ليس هناك طريق غير الفكر، والفكر لن يحطم ~~العلاقات بالماضي، ولكن يرتفع فوقه بصورة مثالية: يحوله إلى معرفة. يجب ~~مواجهة الماضي برده إلى مشكلة عقلية، يمكن أن نجد حلا لها في قضية هي ~~المقدمة المثلى لنشاطنا الجديد وحياتنا الجديدة، فهذا هو ما نفعله في ~~حياتنا حين نمحض ما حدث ونحلل أصوله ونتتبع تاريخه، فنحدد ما يجب ~~الاضطلاع به عن طيب خاطر، إننا نفعل هذا بدلا من أن نبقى فريسة للهم ~~والغيظ، وبدلا من أن ms114 ننتحب على ما حدث ونخجل من أخطاء ارتكبناها، ~~الإنسانية دائما «تتصرف على هذا النحو حين يواجهها ماضيها الكبير ~~المتنوع، فكتابة التاريخ - كما لاحظ جوته - تحررنا من التاريخ، من ~~العبودية للأحداث وللماضي»، # 46 # كل هذه الحرية تنساب من بين جنبات الكيان الذي ألقى على ~~الوجود أقسى حتمية! # هكذا كان العلم يعطي حرية بيمناه، ويسحب بيسراه أخرى هي الأساس، ~~خالقا بهذا وجها من وجوه التناقض وثنائية الاغتراب، روعة العلم ~~العقلية النظرية والعملية التطبيقية «جعلت الرأي الذي يميز عقيدة ~~التنوير المتفائلة مؤداة أن العلم الإنساني والحرية سوف يتقدمان ~~متآزرين معا ليدخلا منطقة من إمكانية الكمال الإنساني غير المحدود» # 47 # وأحسب أن سعي التنويريين قد خاب، فهما لم يتآزرا قط، بل ~~تناقضا من كل تلك الوجوه التي أدت إلى الشيزوفرينيا. ~~••• ~~(19) فهل انتهت الشيزوفرينيا أو توقف نموها السرطاني بانتهاء عصر ~~التنوير مع مطالع القرن التاسع عشر؟ كلا أيضا، بل سارت حتى وصلت إلى ~~سدرة المنتهى حين تمخضت عن الحركة الرومانتيكية التي امتدت حتى أواسط ~~ذلك القرن، وهي المقدمة المباشرة لمأساة الاغتراب المعاصرة، فقد كانت ~~الرومانتيكية أساسا رفضا للعقلانية التنويرية، للعلم المتعملق بصورة ~~ألحقت الضرر بإنسانية الإنسان وهددت الروح وخنقت الحرية التي هي قوام ~~الفن والفنان. # أدركت الرومانتيكية فداحة الثمن المدفوع: حرية الإنسان، مقابل ذلك ~~النجيب المعجز للعقل: العلم الحتمي، فلم تتردد هنيهة في نفي العقل ~~ذاته، هكذا ببساطة! لكي تفسح الوجود للحرية، ولكن أيهما أفدح ثمنا: ~~الحرية أم العقل؟ أيا كانت الإجابة، فإن إهدار أي من الجانبين ~~انفصام ومقدمة للاغتراب. كانت الشيزوفرينيا التنويرية انفصام الإنسان ~~عن الكون، أو انفصام العقل عن العالم، أو انفصام جزء من العقل عن جزء ~~من العالم، كما أقر كانط مثلا بعجز العقل عن فهم النومينا، ومثله ~~شوبنهاور الذي أقر بعجزه عن فهم الإرادة وسائر السائرين في هذا الطريق ~~الثنائي. إن الاغتراب التنويري، اغتراب عن آخر، أما الرومانتيكية فهي ~~انقسام أو اغتراب العقل عن العقل، اغتراب عن الذات، والاغتراب عن الذات ~~هو المريض بالشيزوفرينيا، وقد وصل إلى مرحلة الاحتضار؛ لذلك ليس ms115 بدعا ~~ما اشتهر به شعراء الرومانسية من تمجيد للموت، هياما وافتتانا به ~~وعشقا له. # 48 # فبعد أن بسط العلم سلطانه على مجمل هذا الوجود، وجدوا في ~~آفاق المجهول المترامية خلف الموت ملاذا أوحد لتحقيق أهدافهم ~~المنشودة: إفناء العقل الواعي والهروب من العالم الحتمي الآلي واللياذ ~~بعالم أحلامهم ... عالم آخر لا أثر فيه للعقل ولا العلم ولا الحتمية، ~~وبالتالي هو عالم لا مكان له في هذه الحياة، والأمل الوحيد في عالم ~~الحرية مطروح بعد الموت. # هكذا كان الرومانتيكيون هم المغتربون حتى النخاع، كان الله في عونهم! ~~حيث الرومانتيكية حيث أفجع صور الاغتراب، فليس جزافا أن الأدب ~~الرومانسي خصوصا المسرح الفرنسي في القرن التاسع عشر هو أدب العويل ~~والصراخ والنحيب والدم والهم والغم، أما في القرن العشرين فقد أصبح، ~~كأعمال كوكتو وأندريه جيد ثم الأدب الوجودي حيث لن يتحفنا الأدب بعمل ~~يجسد مأساة الاغتراب مثل رواية الأديب الوجودي ألبير كامي «الغريب» ... ~~أصبح هذا الأدب أدب الحرية الخاوية الهوجاء بل والمخبولة، أوليست ~~الحرية اللامعقولة؟ # وها هنا نضع الإصبع على بؤرة الداء، فقد ضاعف من خطورة الأمر وقوة ~~المقدمات المفضية إلى الاغتراب أن هؤلاء الرومانتيكيين المغتربين عمدا ~~مع سبق الإصرار والترصد عن العقل - عن جوهر إنسانية الإنسان - اعتبروا ~~أنفسهم المتحدثين الرسميين باسم الحرية، فكانوا بهذا إعلانا أشد ~~وضوحا من شمس النهار عن الشيزوفرينيا: إما العقل وإما الحرية، إما ~~العلم وإما العالم، وكانت للرومانتيكية خصوبة وفعالية في ميادين عدة، ~~أهمها الفن والتاريخ وإنماء الشعور القومي، فتلقفتها الفلسفة المعاصرة ~~بلهفة، وهي تتلقف بؤرة المرض لتزرعه في قلب الفكر في القرن العشرين ~~خصوصا. # وإلا، فلنتساءل: من هم جند الصف الأول من جيش الحرية المستبسل في ~~فلسفة القرن العشرين؟ أوليسوا الوجوديين ومعهم برجسون، لقد عهدناهم ~~وإياه يطابقون بين الحرية وبين الوجود الإنساني، السابق على الماهية ~~في الوجودية، فيدافعون عن الحرية دفاع الأبطال المستميت، ويقيمون ~~دونها الحصون والقلاع، فلا يتطاول إلى عرشها المجيد لجاج العلميين ~~السائرين إلى مآل العبيد المجبورين، تروس الآلة الكونية العظمى، وما ~~البرجسونية والوجودية إلا ذروة ms116 المسار الرومانتيكي المغترب عن العقل: ~~اللامعقول؛ لذلك نجد القاسم المشترك الأعظم بين كل بحوثهم الثرية ~~الخصيبة الدافقة عن الحرية هو إنكار استطاعة العقل تفهمها واستيعابها ~~وإثباتها أو إنكارها، وبالتالي استحالة تعريفها باعتبار أنها لا يمكن ~~أن تكون موضوعية أو موضوعا، عند كارل ياسبرز مثلا: «وجود الحرية لا ~~يندرج مطلقا تحت النظام العقلي الموضوعي» # 49 # طبعا أوليس حتميا ؟ # إذن فالحتمية جعلت الحرية مرادفة للعفاريت، فهي التي لا تندرج ~~مطلقا تحت النظام العقلي الموضوعي، واعتبر برجسون «الحرية مرادفة ~~للتلقائية غير المعقولة، فالمعقول ينفي الحرية واللامعقول هو الميدان ~~الأوحد لها»، # 50 # فهل أتى هذا اللامعقول من شيء إلا من معقولية العلم ~~الحتمي؟! لذلك عمل برجسون «أولا على أن يتحرر هو نفسه من التصور ~~العلمي الآلي قبل أن يعين لنا بعد ذلك طبيعة الحرية ومعنى الفعل الحر»، # 51 # فكأن الخلاص من بلوى العلم والعقلانية هو الخطوة السلبية ~~الأولى والأساسية لأي حديث عن الحرية الإيجابية، أما السارترية التي ~~تسلمت من البيرجسونية عرش الفكر الفرنسي في أواسط القرن العشرين، فقد ~~بلغت لامعقوليتها مبلغا مأسويا مفجعا في الاغتراب، فأساس السارترية ~~القطيعة «الانفصال» والتلاشي «العدمية»، يقول سارتر: «إذا كان السلب ~~يأتي إلى العالم بواسطة الآنية، فهذه ينبغي أن تكون موجودا يستطيع أن ~~يحقق قطيعة معدمة «انفصال ملاش» مع العالم ومع ذاته، وقد قررنا ~~أن الإمكان المستمر لهذه القطيعة هو والحرية شيء واحد» # 52 # أي أن الحرية هي أن تنقطع الذات عن ماضيها ومستقبلها ~~وعالمها ومجتمعها وقيمها، وتعدم كل هذا وتلاشيه، فتبقى منعزلة مهجورة ~~وحيدة قلقة تعاني الحصر والعي والغثيان، على الإجمال، مغتربة تنعى جدها ~~العاثر. # وعودا على بدء، نتساءل كيف وصلت الوجودية إلى كل هذه الدرجة من ~~الاغتراب؟ ذلك لأنها بدأت مع أبيها سورين كيركجارد برفض شهادة العلم؛ ~~لأنها تشاؤمية تسد الطريق على الحرية، ولما كان كيركجارد # 53 # قد أسس الوجودية بالتأكيد على نفي أو تعديل أو هجران كل ما ~~يعارض شعور الإنسان الذاتي بالحرية، فقد رفضوا تدخل العلم، «وكأن ~~الوجوديين في عدم ترحيبهم بكل ما يحط من ms117 شأن دليل خبرتهم الذاتية ~~بالحرية على عناد مع هيوم وكانط في عدم ترحيبهما بكل ما يحط من شأن ~~شهادة العلم الطبيعي في عصرها»، # 54 # الرومانتيكية والعقلانية، كل كائن في شطر من الشطرين ~~اللذين انقسم إليهما العقل «إبستمولوجيا» والعالم «أنطولوجيا»، ألم نقل ~~عودا على بدء؟ # وأخيرا إذا كان الاتجاه السائد الآن بين المفكرين المعاصرين هو ~~العزوف عما يعنينا في هذا البحث، أي عزوف عن الخوض في أساس الحرية أو ~~الحرية الأنطولوجية، والاهتمام فقط بتمثيلاتها العينية الجزئية ~~البعدية، كالحرية السياسية والاجتماعية ... إلخ؛ فذلك لأن إحكام قبضة ~~العلم على العالم، قد أفقدهم أي أمل في البحث عن أساس الحرية فيه، لقد ~~جعلهم هذا مغتربين، من حيث جعل الحرية الأنطولوجية كائنا أشد غربة من ~~كل الغرباء. # وبعد، كان هذا تتبعا للآثار الوبيلة لمعضل الحرية الإنسانية/العلم، ~~والذي تخلق مع الفلسفة الحديثة المواكبة للعلم الحتمي، وقد انتهى الأمر ~~بشيزوفرينيا جعلت الحرية قرينة اللاعقلانية، أوليست الحتمية هي صلب ~~العلم ... تاج العقلانية، من المستحيل إذن أن ننظر إلى هذا العالم نظرة ~~عقلانية ونقر بالحرية الإنسانية، إما أن نكون لاعقلانيين غير معترفين ~~بالعلم وأحكامه ورؤاه! وإما أن نكون محض تروس في الآلة الكونية ~~العظمى. # إن الاقتران بين الحرية الإنسانية وبين الاتجاهات اللاعقلانية، ~~كالرومانتيكية والوجودية والبيرجسونية ... هذا الاقتران الذي يعد سمة ~~مميزة للفكر والفلسفة منذ أواسط القرن العشرين هو في حقيقته من ~~مخلفات الفلسفة الحديثة وآثارها، وفي الوقت نفسه قصور عن تتبع ~~تطورات العلم الثورية التي حدثت في القرن العشرين ذاته. # ولكننا على أية حال في هذا الفصل وفي الفصل التالي أيضا، ما زلنا في ~~العصر الحتمي، أي في زمان الفلسفة الحديثة التي كانت المنشأ والمنبت ~~والمرعى الخصيب لتلك الشيزوفرينيا. # الفصل الرابع # | خطوة فرنسية على الطريق # (20) ظلت الشيزوفرينيا الصريحة باقية وماثلة في فلسفة القرن ~~العشرين، خصوصا مع جوزيا ~~رويس # J. Royce ~~(1855-1916) في أمريكا، وبيرجسون في أوروبا، إلا ~~أن هذا استمرار لأصل قد كان، ووصل إلى ذروته بنهاية القرن الثامن عشر، ~~كما أوضحنا في الفصل السابق. # وعلينا الآن أن نركز ms118 الأنظار على هذا الأصل، لنجد أن عملية الفصم في ~~زعمها بأن العقل أو الروح أو الإرادة، خارج دائرة الحتمية العقلية، قد ~~لقت سندا قويا يتمثل في أن أعماق النفس ودخيلة الإنسان مجال لم ~~يغزه العلم بعد، وستظل ذروة هذا الفصم وأنضج صورة في النومينا ~~والفينومينا عند كانط، وحتى عصر كانط - أي حتى بداية القرن التاسع عشر ~~- لم يفكر أحد تفكيرا جديا في فكرة العلوم الإنسانية والأخلاقية، ~~أي في إمكان أن تخضع هذه الظواهر للدراسة العلمية. # 1 # ولكن، إذا دلفنا إلى قلب هذا القرن - التاسع عشر - فسنجد الاجتياح ~~الحتمي وقد عم وشمل، وأصبحت بحوث علم النفس والاجتماع علوما تسعى نحو ~~المثال الحتمي المنشود، ففقدت القسمة الشيزوفرينية بريق سندها في أعين ~~العقلانيين الباحثين عن الحرية في هذا العالم، والذي لم يعد ثمة عالم ~~سواه؛ بعبارة أخرى، لم يعد ثمة مجال تنفى إليه الحرية أنطولوجيا، ~~فلم يبق إلا الوجه الآخر للعملة: الإبستمولوجيا. # ولما كانت فرنسا هي التي شهدت أقوى صورة للحتمية في العلوم الإنسانية ~~مع وضعية أوجست كونت، وهي في الآن نفسه الأمة الحريصة على جعل الحرية ~~خاصة من خصائص شخصيتها، فقد ظهر في هذا البلد المستنير، وكرد فعل ~~لسيطرة الوضعية على الفلسفة الفرنسية ومحاولة تحقيق شيء من التوازن ~~معها، ظهرت طائفة من فلاسفة الحرية، يقرون تماما بفاعلية وجدوى ~~ومشروعية العلم الوضعي، شريطة التخلي عن حتميته الصارمة التي سحقت ~~الحرية الإنسانية، إنهم باحثون عن الحرية الأصيلة غير المفارقة ولا ~~المتعالية، فكرسوا جهودهم من أجل هذا لا في النيل من العلم ذاته - وإلا ~~لما كان لنا لقاء معهم - وإنما في النيل من حتميته. # إنهم تيار يكافح ضد سيطرة الحتمية العلمية، يمكن تسميته بحركة نقد ~~العلم، فهي حركة أو محاولة لتعيين حدود العلم؛ بعبارة أدق، لتعيين ~~حدوده الإبستمولوجية، وتقليم أظافره الأنطولوجية؛ بغية ردع حتميته التي ~~طغت. وبقليل من التعسف، يمكن التمييز بين فرعين التقيا في هذا ~~التيار. # الفرع الأول: وضعية ميتافيزيقية أو روحية: متأثرة بالوضعية، ~~وبمين دي بيران # Main De Biran ~~(1766-1824) بإقراره أن الواقع ms119 الحق ليس الجوهر النفسي الديكارتي، بل ~~هو الحياة الروحية الباطنية، أي الحياة النفسية والنشاط الروحي ~~المستور، وأن العلامة المميزة للحياة الإنسانية هي معرفة الذات للذات، ~~أي الشعور، والواقعة الأولية للشعور هي الأنا بوصفه العلة والقوة ~~والإرادة والفعل. # 2 # وفي الشعور بالجهد أو المجهود توجد بالتضمن معان أولية هي شروط ~~الفكر وأصول العلم، هذه المعاني هي الوجود والجوهر والوحدة والذاتية ~~والقوة والعلة، وأهمها «معنى الحرية متجليا في معارضة الإرادة للنزوع». # 3 # أما الفرع الثاني الوضعية النقدية: فهو الأقوى والأهم، متأثر ~~بالوضعية وبالكانطية على السواء، وعلى الرغم من أن عماد الحرية عندهم ~~هو الرفض البات للتصور النومينالي الكانطي المفارق؛ لأنهم رأوا «أن ذلك ~~المطلق المطرود من الوجود لا ينتج غير مشاحنات كلامية»، # 4 # وعلى الرغم أيضا - وبالتالي - من رفضهم البات لما رآه ~~كانط من حتمية علية شاملة لكل الظواهر، فإنهم كانطيون، يفخرون ~~بانتسابهم لكانط، وبأن ينعتوا بأصحاب النقدية المثالية المحدثة، هم ~~نقديون مثاليون إبستمولوجيون مثل كانط، ولكن حداثتهم تجعلهم يرفضون ~~حتميته الشاملة للظواهر، ونفيه للحرية من هذا العالم: عالم ~~الظواهر. # مع هذا التيار بفرعيه، اتخذ نقد العلم أو محاولة تعيين حدوده، صورة ~~حملة شعواء على الحتمية العلمية، وكانت مع الفرع النقدي أقوى؛ لأنها ~~متسلحة بالمنهاج الكانطي، فراحوا يؤكدون الدور الإيجابي للعقل ~~بالنسبة للحواس، وحجتهم في هذا أنه لا علم بغير فرض، وهذا معناه أنه ~~ليس ثمة علم إذا لم نقر بشيء لا يقاس ولا يحسب ولا يوزن ... وأن فكرة ~~الاحتمالية تلعب دورا كبيرا في العلم، ولا ينبغي رد الأعلى (الحياة) ~~إلى الأدنى (المادة) كما تفعل الميكانيكية، والقوانين الطبيعية ليست ~~نسخا من الواقع، وليست سلاسل تفرض علينا من خارج، إنها تؤلف لغة ذات ~~كمال لا شك فيه، بيد أن هذه اللغة تنتسب إلى ميدان المعقول؛ ولهذا لا ~~ينبغي أن نبدأ من الواقعة، بل من الفكرة، # 5 # ولم تكن فلسفات الحرية العديدة في هذا التيار بفرعيه إلا ~~تنويعات مختلفة لهذه النغمة: إنهم يثبتون الحرية بأن يبدءوا منها ~~كفكرة. ~~••• ~~(21) «الفرع الأول: الوضعية الروحية»: ويعتبر فليكس ms120 رافيسون # Felix Ravisson ~~(1813-1900) ~~رائدا لهذا التيار من حيث كونه فلسفة للحرية على أساس الشعور أو ~~الفكرة، وخصوصا في هذا الفرع البيراني أو الروحي، واستنادا إلى مين ~~دي بيران، يبرز رافيسون التأثير الكبير الذي للعادة، العادة # 6 # بمعنى الاستعداد والفضيلة، ويقرر أنه في الشعور بالمجهود ~~تتجلى الشخصية لنفسها على شكل نشاط إرادي، فالمجهود ليس فقط الشرط ~~الأول، بل هو أيضا النموذج الكامل والموجز للشعور. # على هذا نلاحظ أن «العادة» عند رافيسون ليست البتة العادة بالمفهوم ~~السيكولوجي أو المعنى المتعارف عليه، بل المقصود بها الإشارة إلى ~~استعداد معين يتميز وينفرد به كائن حي. إنه الاستعداد للتغير الذي ~~يتولد ويتخلق في الكائن الحي، عن طريق استمرار وتكرار هذا التغير ~~نفسه، وبالمجهود المبذول في هذا الصدد، المادة الجامدة التي هي ميدان ~~التجانس التام والتشابه المطلق لا تعرف البتة العادة - أي الاستعداد ~~للتغير - على العكس من الحياة التي يقوم جوهرها على هذا، من هنا كانت ~~العادة التي هي مستحيلة على المادة أمرا خاصا بالكائن الحي، مميزا ~~له. هي إذن ميدان الفردية والتميز، وفيها - في العادة أو في الاستعداد ~~للتغير - تتجلى الإرادة والحرية. إن ميدان الحياة هو ميدان التغير ~~والدوام، ميدان العادة، ميدان الإرادة والحرية، رافيسون إذن يجعل ~~العادة (الاستعداد للتغير) تفتح لنا الباب على مصراعيه للخروج من غياهب ~~الحتمية الميكانيكية، إلى رحاب الحرية والاختيار، والإيمان أيضا، فقد ~~أكد أن الإرادة تبحث دائما عن الرب. # إن القائلين بالحتمية يبدءون بالمادة أي بالطبيعة الفيزيقية الخاضعة ~~للحتمية، ومنها يخرجون إلى الإنسان ويخضعونه للحتمية نفسها، ربما لأنه ~~من الأيسر والأسلس أن نبدأ بالبسيط أي المادة، ونتدرج منه إلى الأكثر ~~تعقيدا ... إلى ظاهرة الحياة ثم الإنسان، ولكن هذا التيار الروحي رفض ~~هذا، رفض البدء من المادة وأكد على العكس تماما، على البدء من الروح ~~والوجدان، فيصل إلى الحياة، ومنها أخيرا إلى المادة. # وطبعا رافيسون الرائد قد أكد على هذا، بل وتوغل فيه حتى عمل على ~~إذابة الفلسفات الوضعية والتجريبية في الفلسفة المثالية الروحية، كي ~~تستوعب الروحية الواقع بأسره، حتى ms121 الواقع المادي. بل وأكد رافيسون أن ~~المادية سطحية قاصرة، غير قادرة على الاستقلال أو الاستمرار ما لم ~~ترد إلى الروحية، وأخرج عام 1867 كتابه «تقرير عن الفلسفة الفرنسية»، ~~ليثبت أن كل فلاسفة فرنسا بلا استثناء، حتى أولئك الذين يبدون مسرفين ~~في المادية وفي الإيمان بالحتمية وعلى رأسهم أوجست كونت، يفترضون مبدأ ~~الروح الميتافيزيقي ضمنا، أو على الأقل يعودون إليه، ثم جعل رافيسون ~~من هذه الفرضية أساسا لتأريخ الفلسفة بجملتها، وليست فقط الفلسفة ~~الفرنسية. # وعلى هذا النحو يؤكد رافيسون اتصال الروح والمادة، خلافا لما يذهب ~~إليه ديكارت، وسائر أتباعه الشيزوفرينيين من انفصال بينهما، وواقعيته ~~الروحية ستنسخ الفرضية القائلة إن المادة الآلية الميكانيكية هي الأصل ~~والحياة ظاهرة لاحقة، بل ستجعل الأصل الحياة، والغائية هي التي تستخدم ~~الآلية وتسخر العلية ... فطالما أن الحياة أصل والمادة فرع، والحياة ~~مبدؤها الغائية والمادة مبدؤها الآلية، فستغدو الغائية هي الأصل المنظم ~~للوجود، والآلية عنصرا من عناصر الغائية، هكذا تستخدم الغائية ~~الآلية. # رافيسون إذن يجري على وتيرة هذا التيار من معارضته للمنهج الميكانيكي ~~الذي يرد الأعلى إلى الأدنى، وهدفه تمييز الحياة عن المادة البحتة، ~~فأكد أن هذا التمييز يلاحظه جميع الفلاسفة والعلماء حين يتعمقون في ~~دراسة طبيعة الحياة، مما يؤذن بقيام مذهب جديد هو الواقعية الروحية، ~~التي تتصور الوجود على مثال الوجدان، إنها مقولة الحياة، التي أصبحت ~~بفضل رافيسون عنصرا خصيبا في كل فلسفات الحرية، يتجلى هذا خصوصا ~~عند بيرجسون، أخلص تلاميذه، وبصفة عامة انفصل رافيسون انفصالا ~~نهائيا عن التجريبية، ثم أصبح رائدا للنزعة اللاعقلانية المنتشرة في ~~الفلسفة المعاصرة من حيث هي فلسفات للحرية. # وكمثل رافيسون، نجد شارل ~~سكريتان # Charl Sacretan ~~(1815-1895). إنه لا ينتمي لحركة نقد العلم، ~~ولا لأية وضعية، ولا حتى لفرنسا، فهو من سويسرا الفرنسية، ولكنه يدخل ~~في زمرتهم لأنه كتب بلغة فرنسية ولأنه نابع لمين دي بيران، وبذل جهدا ~~فائقا من أجل الحرية، أكد أن المطلق حرية مطلقة و«أنا أريد ما أريد» ~~والواقع والروح والإرادة والنشاط مترادفات، # 7 # على أن سكريتان تحمس للحرية لأن ms122 الأخلاق لا تستغني عنها، ~~ومن الضروري البحث عن مبدأ أعلى يكون أصلا وقانونا لها، فأعرض عن ~~العلم وعالمه، وأقام فلسفته للحرية على اللاهوت المسيحي؛ لينتهي إلى أن ~~الرب هو الحرية المطلقة يريد الخليقة لذاتها لا لذاته وهذه هي المحبة، ~~ويريدها كغاية، إذن يريدها حرة، والأخلاق لتحقيق الحرية. # 8 # وبطبيعة هذه الحركة، يبدأ جول ~~لكي # Goul Laquier ~~(1814-1862) من الفكرة، من الحرية كفكرة، ليؤكد ~~أنها شرط المعرفة، أو أنها الحقيقة الأولى التي نوفق إلى اكتسابها ~~حين نبحث: كيف نحدد الغاية ونقاطع المألوف والمعتاد، إنه يريد إثبات ~~الحرية بحرية؛ لأن ذلك هو السبيل الأوحد الذي لا سبيل سواه، فإن بدأت ~~بالضرورة أو مع الضرورة، لن أصل أبدا إلى الممكن، ولا إلى أية حرية ~~حقيقية بأية صورة من الصور. # على أن جول لاشيليه # Goul Lachelier # أبرزهم، إنه رائد عظيم لهذا التيار، جمع بين تأثير مين دي بيران وتأثير ~~كانط، وبالطبع، بدأ من الفكرة ومن أن «الامتداد بحكم طبيعته لا يمكن أن ~~يوجد في ذاته، إنه لا يوجد في الشعور لأن الشعور وحده يمكن أن يكون هو ~~ما هو، إنه كل معطى في ذاته قبل أجزائه، وأجزاؤه تقسمه لكنها لا تقومه، # 9 # وحقيقة الشعور بمنأى عن الشك». # ولاشيليه أكثر أعضاء الفرع البيراني تحملا لمسئولية المواجهة ~~الصريحة مع الحتمية العلمية، فقد سعى إلى البرهنة على أن العلم من صنع ~~العقل وليس نسخة من الواقع؛ لأنه يتوقف على عناصر قبلية وكل واقعة ~~ممكنة عرضية ... وعلى العكس، القانون تعبير عن ضرورة مفترضة، عن طريق ~~الاستنتاج من الوقائع إلى القوانين، إنه استنتاج من الجزئي إلى الكلي ~~ومن الممكن إلى الواجب ومن المحتمل إلى الضروري، فمن المستحيل إذن أن ~~نعد الاستقراء عملية منطقية. # 10 # بعبارة أخرى: يهاجم لاشيليه الحتمية عن طريق الإطاحة ~~بأساسها الميثودولوجي الذي يؤدي إلى قانون علمي حتمي، وهذا في الواقع ~~موقع وجيه للإطاحة بالحتمية العلمية. # 11 # وكان موضوع رسالة لاشيليه للحصول على الدكتوراه: «في أساس الاستقراء» ~~انتهى فيها إلى أن الاستقراء بوضعه مع الحتميين بلا أساس ms123 البتة، وهذه ~~مسألة معروفة في فلسفة العلم، ومنذ أيام ديفيد هيوم، ولكي ينقذ لاشيليه ~~الاستقراء، أدخل العلة الغائية على العلة الفاعلة، وأيضا لكي يجعل ~~الكل ينتج وجود أجزائه، ولكي ينتهي إلى أن التجريبية ليست كافية، وأن ~~الشك أو نفي العلم ثمرة متجددة لها، ومثلها - أي مثل التجريبية - ~~نظريات الجوهر التي هي تلاعب لغوي، ولم يبق غير حل واحد: في الفكر ~~وعلاقته بالظواهر نبحث عن أسس الاستقراء وعن وجود العلل الفاعلة والعلل ~~الغائبة، الأولى حتمية وفي الثانية حرية إنسانية؛ لينتهي إلى أن ما ~~نسميه حريتنا هو الشعور بالضرورة، وهي التي تحدد الغاية التي يتصور ~~عقلنا في سلسلة أفعالنا، وجود الوسائل التي يجب بدورها أن تحدد وجودها. # 12 # هكذا لست أرى لاشيليه انتهى إلى حرية حقيقية، بل إلى موقف في ظاهرة ~~الحتمية الرخوة، والتي اتفقنا على أنها في جوهرها الحتمية ~~الصارمة. # وإلى مثل هذا انتهى أيضا ألفريد ~~فوييه # Alfred Fouillee ~~(1838-1912) على أن ناموس التيار: «البدء من ~~الفكرة» قد أصبح معه أقوى وأعنف من كل ما سبق، حتى إنه جعل من ~~«الفكرة-قوة» وهذا هو اسم نظريته # Idea-Force # التي حاول بها تشييد ~~التركيب النهائي المنظم للعلم المعاصر له، وفي الآن نفسه إنقاذ الحرية ~~عن طريق دعوته إلى فلسفة للشعور، وليس فلسفة للاشعور، رفض فوييه اعتبار ~~الظاهرة الوجدانية عرضا طارئا على التغير العصبي، كما يقول الماديون، ~~فإنها لو كانت كذلك، لكانت عديمة النفع للحياة وأن قليلا من التأمل ~~يرينا أن الفكرة (أي الظاهرة الوجدانية) هي قوة تبعث فكرات أخرى، وتدفع ~~إلى العمل، أجل إن كل فكرة هي قوة وميل للحركة يتحقق من تلقاء ذاته، ~~إذا لم تعارضها فكرة أخرى، فلا ينبغي التمييز بين عقل وإرادة، أو بين ~~فكرة معلومة فحسب وفعل يحققها. # 13 # ولتطبيق «الفكرة/القوة» على الحياة النفسية يصل فوييه إلى علم نفس ~~تركيبي، وبتطبيقها على الاجتماع يصل إلى أن «الأفكار» أشكال للشعور ~~الاجتماعي حاضرة في الشعور الفردي، وبتطبيقها على الوجود بأسره وصل إلى ~~تطورية دارونية، على أن عوامل التطور نفسية لا آلية، ولما ms124 كانت الأفكار ~~قوى فما علينا إلا أن نجعل الحرية فكرة لتصبح قوة، أي أن نؤمن بها ~~فتصير أمرا واقعا، وبهذا تصبح الحرية «وليدة اعتقادنا بالحرية ~~وحبنا لها» # 14 # على اعتبار أنها تنحصر في شعورنا في فعل هذه الفكرة (فكرة ~~الحرية) في نفوسنا، وما يستتبع ذلك من عمل على تحقيق تلك الفكرة ~~تدريجيا في الحياة الشخصية، والحرية بهذا مثل أعلى ينبغي العمل على ~~بلوغه في تقدم مطرد. # 15 # تصور فوييه أنه بهذا أنقذ الحرية والأخلاق والحياة الروحية، غير أنه ~~في الحقيقة لم يفعل شيئا وانتهى مثل رائده لاشيليه إلى نفس الموقف: ~~الحتمية الصارمة؛ حتى يمكن الحكم بأن نظريته أضعف نظرية في هذا التيار ~~بفرعيه، برغم أنه أكثرهم إنتاجا، ولكنه أيضا أقلهم دقة، فهو أولا ~~واحدي روحي، والواحدية أفضت وكان لا بد وأن تفضي به إلى الحتمية، وهو ~~ثانيا: اصطفائي توفيقي «على الرغم من نزعته الروحية الصريحة، يؤمن ~~بإمكان قيام توفيق متعدد الجوانب بين المثالية والوضعية، بين العيانية ~~والنزعة العقلية، الفلسفة والعلم، وبين الحتمية والحرية»، فأقر ~~بحاجتنا المطلقة إلى حتمية في المعرفة وإلى نوع من اللاحتمية في العمل، ~~ولم تكن نظريته إلا محاولة للتوفيق بين الحتمية والحرية كما ينص ~~عنوان كتابه «الحرية والحتمية» سنة 1872، وذلك هو المحال، والذي انتهى ~~به إلى حرية هي عينها اللاحرية، أو كما قال هو نفسه حرية علية ~~معقولة للذات تتجلى وتعبر عن نفسها في حتمية معلولاتها وآثارها، أعني ~~في آلاتها وأعضائها (وسائلها) وتتجلى أولا كفكرة ثم كرغبة ثم كمحبة، ~~على هذا الشكل الأخير تكون حقا الروح الحية لهذا الجسم الباطن، وفي ~~المحبة تكون الضرورة مشمولة بالحرية، # 16 # والحرية مشمولة بالضرورة، ولا حرية حقيقية؛ ولهذا كان جول ~~لكي أفضل منه، بل وأفضل من لاشيليه حين أدرك أن الحرية لا تثبت إلا ~~بحرية، وقصارى ما نستطيع استخلاصه من فوييه هو أنه رأى ببساطة غريبة ~~ومرفوضة - طالما لم يأت بمبررات - أن الإبستمولوجيا للحتمية ~~والأنطولوجيا للحرية. # إنه إذن يكاد يكون من زاوية ما مجرد تعميق للشيزوفرينيا، يضع ~~الإبستمولوجيا والأنطولوجيا في موقف ms125 التعارض الصريح! # على أن إميل بوترو # Eimlle Boutroux ~~(1845-1921) لم يقل ذلك ببساطة، فجهوده للإطاحة بالحتمية الإبستمولوجية ~~رصينة وعميقة، وكانت رسالته للدكتوراه عام 1874 في «إمكان قوانين ~~الطبيعة» ترمي إلى إثبات ما أكده بعد هذا أكثر وأكثر في بحثه «القانون ~~الطبيعي في الفلسفة المعاصرة» سنة 1895، أي إثبات أن الضرورة العقلية ~~لا تتحقق في الأشياء كما يزعم الحتميون الآليون؛ وذلك لأن قوانين ~~العلم كما يرى بوترو مجرد مناهج للملاءمة بين الأشياء وبين عقولنا، ~~إنها تعبر عن طريقنا في النظر إلى الأشياء، بعبارة أخرى هي كيانات ~~إبستمولوجية فحسب ولا شأن لها بالواقع الأنطولوجي، وهذا اتجاه هام أو ~~فرع أساسي في فلسفة العلم هو الاتجاه الأداتي، كانت فرنسا - بشكل عام - ~~موطنا ومرتعا له وقد تعاظم شأنه في القرن العشرين. # 17 # وبالتالي فإن القوانين الطبيعية ليست مستكفية بذاتها بل ذات علل أرفع ~~منها، والواقع أن هناك من القوانين بقدر ما هناك من درجات الوجود، وفي ~~هذه الدرجات المترتبة من الأقل كمالا إلى الأكمل والأكمل كل درجة ~~ممكنة بالإضافة إلى الدرجات السفلى، هذا في حين أن الآلية الميكانيكية ~~تقوم على وحدة مادة الوجود وعلى الدرجات، درجات تركيب هذه المادة ~~وقواها لا أكثر، والحقيقة أنه لا معادلة بين الجسم وعناصره وبخاصة إذا ~~أخذنا في اعتبارنا الجسم الحي من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان. # 18 # وعنى بوترو عناية شديدة بتبيان تميز الكائن الحي عن المادة؛ لأن ذلك ~~الخلط بين درجات الوجود يؤدي إلى التصور الحتمي الذي هو خاطئ وإلى الرد ~~الميكانيكي: رد الحياة إلى المادة. # الواقعية الروحية التي أينعت مع هذا الفرع من التيار جعلت بوترو يؤمن ~~بأن سلم الموجودات يرينا أن الحرية تنمو شيئا فشيئا على حساب ~~الآلية، حتى إذا ما تركنا الوجهة الخارجية التي تبدو فيها الأشياء، ~~وكأنها موجودات جامدة محددة، ولكي نلج إلى أعمق أعماق أنفسنا وندرك ~~ذاتنا في منبعها - إن أمكن هذا - وجدنا الحرية قوة لا متناهية، ونحن ~~نشعر بهذه القوة كلما عملنا حقا، أي كلما نزعنا إلى الخير والحياة الخلقية. # 19 # وسار ms126 بوترو بعد ذلك في مقولة الإمكان إلى أقصى حد، إلى حد أن بحثها ~~في ذات الرب وذلك في رسالة له بعنوان «الحقائق الأزلية عند ~~ديكارت». # والرأي عندي أن بوترو يتربع على عرش الفرع الوضعي الروحي؛ ذلك لأنه ~~دونهم جميعا فيلسوف عظيم من فلاسفة إمكانية العلم، وبالتالي لا ~~حتميته، وبالتالي حرية الإنسان، فضلا عن أنه فيلسوف علم من فلاسفة ~~الأداتية التي تصر على أن تنزع عن العلم أية دلالة أنطولوجية أصلا، ~~وهو تيار لا نأخذ نحن به في هذه المعالجة أصلا، ونتمسك بالرأي ~~المقابل أي الواقعية التي تؤكد أن العلم له دلالة إبستمولوجية ~~وأنطولوجية معا، ولكن مهما يكن الأمر فإن موقف إميل بوترو في حد ذاته ~~موقف متسق. ~~••• ~~(22) «الفرع الثاني: الوضعية النقدية أو الكانطية»: أهم كثيرا، فهو ~~أقوى باعا وأطول ذراعا في النيل من الحتمية العلمية، وبما لا يقارن، ~~حتى إنه تمكن تماما من الإطاحة بإبستمولوجية الحتمية، جملة فلاسفته ~~علماء ورياضيون، أمدتهم الرياضيات بمنهاج حاسم لإثبات أن كل الأنساق ~~الإبستمولوجية لاحتمية، وبالتالي لن يصعب عليهم إثبات الحرية ~~الأنطولوجية، يأتي في مقدمتهم الرياضي أنطوان أوجست كورنو # A. A. Cournot ~~(1801-1877) ~~الذي يمكن اعتباره أكثرهم وضعية، وهو رائد عظيم لحركة نقد العلم أكد أن ~~الفلسفة لا يمكنها الاستغناء عن العلم الوضعي والعكس صحيح «فالفلسفة ~~بدون علم جوفاء، والعلم بدون فلسفة أعمى». # 20 # وكان كورنو أحد الآباء الكبار لعلم حساب الاحتمال، وأول من صاغ ~~نظرية موضوعية للمصادفة في الفكر الحديث ولحساب احتمالها بالمعنى ~~الموضوعي السليم، أي أنها نظرية تحسب احتمالية الحدوث الفعلي لبدائل ~~عدة لواقعة من وقائع الطبيعة، فلا تعتمد الاحتمالية على الذات العارفة ~~ولا تطورات علمها وانحسار جهلها، # 21 # ولكنه مع هذا شأنه شأن كل أقطاب تيار حركة نقد العلم، لم ~~يتطاول على أنطولوجية الحتمية بل أكد أنها ضرورية لقيام العلم، وأنها ~~أساس كل علم، # 22 # فكانت موضوعية الاحتمال عنده تقوم على مصادرة مؤداها أن ~~الحوادث التي تنشأ عن ترابط أو التقاء ظواهر تنتمي إلى سلاسل مستقلة في ~~نظام العملية، هي تلك الحوادث ms127 التي نسميها بالحوادث العشوائية، أو التي ~~هي نتيجة للمصادفة، # 23 # وبهذا تحدث المصادفة في قلب الحتمية والعلية الطبيعية ... ~~ففي داخل الضرورة العقلية الرياضية يتحقق نوع من الالتقاء بين سلاسل ~~مستقلة من الظواهر، ويتم بهذا الالتقاء واقعة نسميها بالمصادفة، # 24 # ويمكن اعتبارها مصادفة مستقلة عن الذات العارفة، ومعتمدة ~~على وقائع الكون الموضوعية. # وهو أيضا شأن كل أقطاب التيار النقدي، حقق لاحتمية إبستمولوجية على ~~الوجه الأتم، فقد أقنعه حساب الاحتمال بالطبيعة النسبية للمعرفة، ~~واستحالة إدراك المطلق وكان شد ما أخذه كورنو على كانط هو أنه بحث عن ~~اليقين، واليقين وهم «لأنه الاحتمال جزء لا يتجزأ من كل العلوم، وحتى ~~الفلسفة ينبغي عليها الاكتفاء بالاحتمالات العالية»، # 25 # وليست اللاحتمية البادية هي التي ينبغي تفسيرها تفسيرا ~~ذاتيا، أي بوصفها حتمية مجهولة، بل العكس هو الصواب، الحتمية البادية ~~هي التي ينبغي تأويلها ذاتيا، العلم بصميم طبيعته لا يمكن أن يصل إلى ~~اليقين المطلق أبدا فكيف يزعم بشمولية الحتمية وكيف ينفي الحرية، ~~الحرية هي الأصل وإمكانية أو احتمالية أو لاحتمية العلم هي ~~النتيجة. # أما العالم الرياضي شارل ~~رينوفيه # Charl Renouvier ~~(1815-1903) فهو من أهم فلاسفة الحرية بصفة ~~عامة، أقام فلسفته على أسس ثلاثة: التناهي - النسبية - الحرية. # بدأ بدراسة رياضيات اللامتناهي، لينتهي إلى أنه ممتنع، فسلسلة ~~الأعداد الطبيعية 1، 2، 3، ... لا تفضي إلى أي عدد لا متناه في النهاية، ~~وبالتالي التناهي هو الحقيقة، العالم ككل له حدوده المتناهية، ولكن هذه ~~الحدود تستعصي على المعرفة، وهنا تتمثل النسبية التي تتنافى مع ~~الإطلاقية ومع الشيء في ذاته ومع الجوهر الواحد، وبالتالي تتنافى مع ~~الواحدية التي هي صورة الحتمية، من هنا جعل التناهي من رينوفيه فيلسوف ~~التعددية المفرطة وبالتالي اللاحتمية. # أما عن الحرية فيقول رينوفيه: «الضرورة والحرية كلتاهما لا تقبل ~~البرهان، ولكن تعتمد احتمالات كبيرة من الناحية التحليلية البعدية ~~للظواهر لصالح الحرية، وهي في جوهرها تنتسب إلى الغريزة الإنسانية ~~والعقل العملي، والحرية شرط لأخلاقية الأفعال وهي وحدها التي تفسر ~~وجود الخطأ في العالم، وتقرر الإمكان الأخلاقي لبلوغ الحق، بالتطبيق ~~المثاب لشعور مستيقظ ms128 دائما، والحرية أخيرا - إذا كنت أؤكدها - ~~فلأنها حياة شخصي وحياة العلم الذي أسعى لتحصيله.» # 26 # هكذا رفض رينوفيه الحتمية رفضا قاطعا، ولم تلهه ~~اهتماماته الميتافيزيقية الرياضية والعلمية حتى عن الحتمية التاريخية، ~~بل بذل جهدا كبيرا لدحضها، ووضع نظرية تحليليلة للتاريخ، تصل إلى ~~الدور الهائل الذي تلعبه الحرية في حياة الإنسانية، وحماية للحرية ~~يعمم رينوفيه الإمكان واللاحتمية إلى أقصى درجة ويذهب إلى حد القول ~~«إن الحرية تقوم في النظام الخارجي للأشياء وإنها لا تتحدد كلها ~~بسوابقها ومقدماتها.» # 27 # ورينوفيه كسائر أقطاب هذه الحركة، ليس خصما مطلقا للوضعية، بل أقر ~~معها بأن الغرض الأول من بحث الظواهر هو معرفة قانون الأشياء ووظائفها ~~وأن النظام الموضوعي ترتيب لظواهر وترتيب لقوانين، وموضوع العلوم - ~~منظورا إليها في مجموعها - هو التشييد التدريجي لهذه التركيبات، ~~ولكنها كما ذكرنا حركة نقد الحتمية وتعيين حدود العلم؛ وعلى ذلك فقد ~~نقد رينوفيه النزعة العلمية ~~المتطرفة # Scientism ~~، # 28 # بل اتخذ منها موقف العداء الصريح؛ لأن العلم لا يكفي ~~بمفرده، طالما أنه «لا يفحص المبادئ والمعاني الأساسية ويقتصر على ~~استخدامها، لتسجيل العلاقات بين الظواهر» # 29 # وحين نفحصها سنجد الحرية، وفي تعيين حدود العلم سعى ~~رينوفييه إلى بيان أن العلم الدقيق محدود، وأنه لا يشمل أبدا، أو أنه ~~يكاد يبلغ كحد أقصى، وجود الوقائع الأولى وأن موضوعه الكلي يتحدد تحت ~~كل المقولات، ولكنه غير معين بالنسبة إلينا، وأنه ينبغي علينا أخيرا ~~أن نتخلى عن ذلك الادعاء بالامتلاك الكامل للظواهر والقوانين الجزئية ~~الناجم عن تعيين العام أو النظام الكلي، # 30 # الحتمي بالطبع، ولا ينبغي أن نقول العلم بل العلوم، ويتضح ~~خلوص إبستمولوجيته في قوله الشهير: «ليس هناك يقين بل موقنون»؛ # 31 # لأن اليقين مجرد حالة عقلية وفعل من أفعال الإنسان، يرفض ~~رينوفيه الحسية التجريبية على أساس أن الظاهرة تقوم على الامتثال الذي ~~لدينا فحسب، ولا تمتثل إلا بالقدر الذي يكون به لدينا شعور عنها، ~~بعبارة أخرى الواقعة الأولية للشعور هي القوة الخلاقة حقا، # 32 # هي الحرية. # والحرية عند رينوفييه، مرادفة لمقولة الشخصية؛ ذلك أنه ms129 قد وضع نسقا ~~للمقولات شبيها بنسق كانط، وإن كان يرفض اعتبار النقائض غير قابلة ~~للحل، ومن أجل الحرية أدخل الغائية مع العلية - مثله مثل لاشيليه - في ~~قائمة مقولاته، كما أدخل الشخصية. ويختم تعريفه للحرية بتأكيد أنها ~~الجوهر الأصفى للشخصية الإنسانية، أو هي بمثابة مبدأ الفردانية في الشخصية، # 33 # ويقدم في كتابه «بحث في علم النفس العقلي» الأساس ~~السيكولوجي للحرية الإنسانية، وبالاستناد إلى رافيسون يؤكد رينوفييه أن ~~تطور الإرادة هو الانتقال من التلقائية البسيطة إلى التلقائية الحرة ~~التي تؤذن ببزوغ الشعور الإنساني في حضن الطبيعة. # 34 # نظرية رينوفييه من النظريات الشامخة في تاريخ فلسفة الحرية، وقد بعث ~~إليه وليام جيمس أعظم تلامذته يقول: «إليك يرجع الفضل في أنه أصبح لدي ~~ولأول مرة مفهوم واضح معقول للحرية، إنني أكاد أتقبل هذا المفهوم كلية»، # 35 # وعلى الرغم من هذا، ومن جهوده الرياضية والعلمية من أجل ~~الحرية فإنها معه لم تحرز أي توفيق حقيقي بينها وبين العلم، وظلت ~~أولا وأخيرا نظرية ميتافيزيقية، بل ومدرسية على حد تعبير جيمس نفسه، ~~وإليه أهدى كتابه: «بعض مشكلات الفلسفة» حيث يقول: «أظن أن رينوفييه ~~وقع في أخطاء، والرأي عندي أن طريقته إسكولاستيكية [أي مدرسية] إلى ~~أقصى حد.» # 36 # وكان رينوفييه يفضل دائما كتاب «علم الأخلاق» من بين ~~مؤلفاته جميعا؛ لأنه يرى نفسه أساسا فيلسوفا أخلاقيا، وبهذا يتضح ~~أن لاحتميته لم تكن نزيهة بل مغرضة، إنها من أجل إزاحة معضل الأخلاق في ~~العالم الحتمي. # على أن التالين لرينوفييه من هذا الفرع الوضعي النقدي، كانوا أكثر ~~إخلاصا لقضية الحتمية واللاحتمية العلمية، بل وبصرف النظر عن ارتباطها ~~بالحرية، فثمة جبرييل تارد (1843-1904)، الذي رفض متأثرا بكورنو تلك ~~الحتمية التاريخية والاجتماعية والنفسية، بل وفي محاولته لجعل هذه ~~العلوم عملية أكثر، دعا إلى تفسير ظواهرها بالتدخل العرضي لأفكار ~~صغيرة، وثمة أيضا الشاعر بوكس بورل (روني الأكبر) الذي أخرج كتابه ~~«الكثرية» أو «التعددية» ليفند الواحدية والحتمية وفكرة الضرورة ~~المطلقة في القوانين، وليسهم إسهاما مفيدا في تعيين حدود العلم ~~وتأكيد المصادفة والاحتمال واللاحتمية، وسيبقى الرياضي ms130 جول تانري ~~(1848-1910) صاحب أفضل الأبحاث عن مشكلة حدود المعرفة العلمية، وقد أكد ~~أنها ستظل دائما نسبية، واستحق تانري بجدارة لقب الخصم اللدود ~~للحتمية العلمية والميكانيكية، ومثله الرياضي إميل بورل، الذي أخرج عام ~~1914 كتابه «المصادفة» يثبت فيه أن التفسير الميكانيكي غير كامل ولا بد ~~من إكماله بتفسيرات إحصائية، ويأتي الرياضي جاستون مليو (1858-1918) ~~لينزع - بتأثير بوترو - الحتمية عن قوانين الطبيعة، وخصوصا الحتمية ~~السيكولوجية؛ لأنه يستحيل أن يقوم عليها برهان، أما أرتور هانكان ~~(1856-1905) فقد كرس جهوده لإثبات أن الفرض الذري روح العلم وأساس كل ~~العلوم، حتى الرياضة، وأن «المعرفة التي يعطينا إياها الفرض الذري لا ~~تنطوي على دقة مطلقة، ولا يمكن أن تكون إلا معرفة تقريبية» # 37 # وبالتالي لا يمكن أن يكون العلم إلا لاحتميا. ~~••• ~~(23) ألا ما أعظم هذه الحركة الفرنسية التي بوركت بثورة العلم ~~اللاحتمية التالية لها مباشرة بل والموصولة بها، ولا شك أن دور هؤلاء ~~الرياضيين الأجلاء كان جوهريا في فتح الطريق المظفر أمامها، وتنقيته ~~من الشوائب الحتمية - لقد علمونا أن الحتمية العلمية ليست «تابو» ~~الاقتراب منه حرام. # ولكن جهودهم كانت إبستمولوجية صرفة وهي أصلا - على حد تعبير بيري - ~~محاولات «لتقليم أظافر العلم» بحيث يمكن استئناسه وتدجينه دون تعريض ~~الروح للخطر # 38 # ولم يستطيعوا النفاذ من الإبستمولوجيا إلى الأنطولوجيا، بل ~~وصل الأمر معهم إلى حد رفض أية دلالة أنطولوجية للعلم، وهو لهذا وربما ~~لهذا فقط لاحتمي؛ لذا يمكن القول إن اللاحتمية معهم يحق عليها تفسير ~~الحتميين الذاتي لها، لتكون نتيجة لعجز العقل عن الاقتراب من الواقع ~~الأنطولوجي، وانحصاره عن نفسه، لقد أصبحوا ضامين لهنري بوانكاريه وبيير ~~دوهيم، أي للفلسفة الاصطلاحية أو الأداتية في تفسير طبيعة العلم والتي ~~لا بد وأن ننحيها جانبا؛ وذلك لأنها تصك على العلم ختام القوقعة ~~الإبستمولوجية. # لقد ظلت الحرية معهم سابحة في الأجواء الإبستمولوجية بل والعقلانية ~~الميتافيزيقية، ولست أراهم وقد استطاع أحد منهم إحراز هدفهم من جلب ~~الحرية من النوميا الكانطية المفارقة إلى هذا العالم حقيقة، وهذا ~~طبيعي طالما أن اللاحتمية العظيمة معهم ms131 ظلت إبستمولوجية فقط. # لقد كانت محاولاتهم الجادة لقهر معضلات الفلسفة الحتمية، وإزاحة ~~واحديتها، وإرساء التعددية - خصوصا تعددية رينوفييه - وفي إزاحة وهم ~~اليقين، وفي نقد الميكانيكية والنزعة الآلية، وفي نظريات الاحتمال ... ~~إلخ، كانت هذه المحاولات عناصر أساسية في فلسفة اللاحتمية والحرية ~~المعاصرة، ولكنهم كفلاسفة للحرية كانوا يحاولون تشييد لاحتمية فقط ~~بالجهود الذاتية وبمنأى عن الواقع الأنطولوجي فلا كانت لاحتميتهم تلزم ~~العلم، ولا كانت حريتهم تلزم الفلسفة. # هم على أية حال، خطوة واسعة على الطريق، وليس ينقص جهودهم الرائدة ~~العظيمة إلا الاعتماد الرسمي لمبدأ اللاحتمية الكونية: أي اللاحتمية ~~الأنطولوجية على أساس من اللاحتمية الإبستمولوجية، ذلك هو ما أحرزته ~~ثورة العلم المعاصر بعد بضع سنين، أما بغير اللاحتمية الأنطولوجية فإما ~~أن نصل إلى حرية بيرانية «نسبة إلى مين دي بيران» كحرية لاشيليه ~~وفورييه، أي حرية في حقيقتها حتمية صارمة، وإما إلى حرية كانطية مفارقة ~~كحرية رينوفييه الميتافيزيقية المجتثة الجذور بالواقع ~~الأنطولوجي. # الفصل الخامس # | نظريات الحرية في العالم اللاحتمي # (24) كفانا دورانا في الدائرة المفرغة أو نفخا في قربة مثقوبة، كما ~~يقول العوام. المسألة أبسط من أن تستحق كل هذا سواء نظرنا من اليمين أو ~~من اليسار، فلا حرية في العالم الحتمي. وإذا أردنا إثبات الحرية ~~إثباتا متسقا مع العلم ومع العقل حتى ننفذ من طرفين كليهما مر: إما ~~اللاحرية، وإما الانقسام على العلم والعقل وعلى النفس وعلى الواقع ... ~~وإذا أردنا ذلك فإنه لا خروج البتة من بين طرفي أو قرني هذا المعضل، ~~إلا بنفي أصلهما: نفي الحتمية الكونية. # بعبارة أخرى: لا حرية أنطولوجية إلا مع اللاحتمية، شريطة أن تكون ~~لاحتمية إبستمولوجية وأنطولوجية في آن واحد، وليست لاحتمية إبستمولوجية ~~فقط كتلك اللاحتمية الفرنسية. # ولكن، من أين وكيف نجيء بمثل هذه اللاحتمية؟ إنه الأمل المفقود مع ~~العلم الحديث الكلاسيكي أو النيوتوني، والذي تحول إلى واقع أنطولوجي في ~~العلم المعاصر ... علم النسبية والكوانتم، الحرية لا تأتي إتيانا ~~حقيقيا إلا حين يكون الواقع أنطولوجيا لاحتميا، والعلم به ~~إبستمولوجيا لاحتميا، فها هنا الحرية الحقيقية والحديث المشروع ~~عنها، وعن كل ms132 أبعادها وإيجابياتها وعلى رأسها المسئولية الخلقية ~~والجدة والإبداع. # لقد انتهى الفصل السابق بنهاية القرن التاسع عشر، معنى هذا، أنه ~~يمكننا الآن أن نحط الرحال في القرن العشرين حيث نجد الطريق إلى ~~الحرية الأنطولوجية معبدا ممهدا، إنه التمهيد الذي تكفل به تمهيد ~~الكتاب أو المدخل الذي أوضح كيف انتقل العلم من الحتمية إلى ~~اللاحتمية. ~~••• ~~(25) سنستضيف الآن وطبعا بمزيد من الترحاب والتفصيل، أهم فلاسفة ~~الحرية في العالم اللاحتمي، وتفرض طبائع الأمور أنهم فلاسفة القرن ~~العشرين الآتي في إثر مد عقلي جعله يظفر باللاحتمية الأنطولوجية ~~المؤسسة عقلانيا تأسيسا راسخا مكينا على لاحتمية إبستمولوجية، هذا ~~حق ولكن ثمة طبيعة أخرى للأمور لا تقل حقيقية، وهي أنه لا شيء ينبت من ~~فراغ والبحث عن الأصول التاريخية مهمة أساسية في كل بحث فلسفي ~~متكامل. # وهذه على أية حال مهمة لن تصعب علينا؛ إذ نجدها في صفاء بلوري مع، ~~وفقط مع، أبيقور وبصورة معجزة، حتى إن أساسها اللاحتمي يبهر العلماء ~~المعاصرين، والحرية فيها واقعة أنطولوجية أكيدة، ولم يلق أبيقور إلا ~~الاستخفاف والاستهانة إن لم نقل الازدراء، فقبع في زاوية مهملة من ~~تاريخ الفلسفة وراحت الحرية في غياهب الليل الحتمي الطويل، والذي ~~فصلنا الحديث عنه فيما سبق أيما تفصيل. # وبعد أبيقور نغادر الأصل التاريخي، لنقبل على إشراقة اللاحتمية في ~~القرن العشرين، فيأتي أهم فلاسفة الحرية وليام جيمس المخضرم الذي عاش ~~حياته في قلب مرحلة الانتقال من الحتمية إلى اللاحتمية العلمية، إنه ~~فيلسوف عظيم وعالم في الوقت نفسه، أخلص للفلسفة إخلاصه للعلم، وأبدع ~~فيها وأسدى إليها وأضاف إليها، حتى إنه بفضله قد أصبح ثمة أخيرا كيان ~~مستقل ذو شخصية متميزة تماما ألا وهو الفلسفة الأمريكية؛ لكل هذه ~~العوامل أوليته عناية كبيرة. # وبتوديع وليام جيمس، نتوجه إلى قلب القرن العشرين إلى عصر اللاحتمية، ~~ولما كان العلم هو صاحب الفضل في هذه اللاحتمية، ولما كنا علميين نبحث ~~عن الحرية من المنظور العلمي، ولما كنا قد أهملنا - إلى حد ما - ~~العلماء خصوصا الفيزيائيين طوال حديثنا السالف عن الحرية وبعد أن ~~تعاهدنا وتعاقدنا ms133 معهم في مقدمة البحث على أن يكون لهم حق الحديث أولا ~~ونحن لا نريد أن ننسخ العقد ولا أن ننقض العهد ... لهذه العوامل سنعرض ~~لنظريتين فلسفيتين للحرية في العالم اللاحتمي هما لعالمين فيزيائيين ~~عظيمين، ذوي اهتمامات فلسفية لا تقل عظمة، إنهما آرثر إدنجتون وهولي ~~كومتون، ثم نردف هذا بالنظرية العامة للحرية في العالم اللاحتمي، غير ~~المقترنة بفيلسوف معين، إنها الاتجاه الفلسفي الموسوم باسم # Libertarianism # الذي وضعت له ترجمة ~~لم أجد أفضل منها هي: مذهب الحريين، وقد تناولته بصورة واسعة بحيث لا ~~يعود مذهبا أخلاقيا فحسب، بل مجرد اتجاه يعبر عن الاعتراف بالحرية ~~في - وفقط في - العالم اللاحتمي، ويبدو هذا وكأنه مسلمة فلسفية أو أصل ~~من أصول التفكير الفلسفي بغير الاقتران بأي اتجاه. ~~••• ~~(26) «في الأبيقورية»: «تنحرف الذرة أيسر انحراف؛ لكي توجد الأجسام ~~والكائنات الحية والمصادفة فلا تضيع إرادتنا الحرة» كما يقول بلوتارخ، ~~وقد كان إمامها أبيقور # Epicurus ~~(341-270ق.م.) أول فيلسوف في التاريخ حاول إدخال عنصر المصادفة ~~الموضوعية في بنية الطبيعة؛ لكي يكسر الحتمية الفيزيقية والضرورة ~~الكونية فيستطيع إثبات حرية الإنسان، فقد أدرك أولا الأهمية القصوى ~~لمقولة الحرية، وأنها واقعة معاشة جياشة في الصدور، وأن أي «مذهب في ~~فلسفة الأخلاق لا بد وأن يضع مصادرة حرية الإرادة كي ما يصبح فعالا»، # 1 # وأدرك ثانيا: «أننا لكي نصون حرية الإرادة لا بد وأن ~~نقرها في صميم أساس العالم الفيزيقي»، # 2 # أدرك إذن الارتباط اللزومي بين الحرية الإنسانية وبين ~~اللاحتمية الأنطولوجية فاستطاع أن يحل الإشكالية بفرض أسماه ~~الانحراف الذري # Atomic Swerve ~~، ~~وأبيقور بهذا الفرض، صاحب الفلسفة الطبيعية الوحيدة في الفكر القديم ~~التي استطاعت الوصول إلى اللاحتمية فانحل معها معضل الحرية، وقد سبق ~~أن استضفنا إمام الذرية ديموقريطس في المدخل إبان الحديث عن تاريخ ~~الحتمية العلمية ورأينا مدى تمثيله المعجز لها، يبدو إذن أن الفلسفة ~~الذرية الإغريقية بتمهيدها للعلم تحمل أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى، ~~فتماما كما كان العلم الذري صاحب الفضل الأول في كسر الحتمية ~~الفيزيقية التي ورثها عن العلم النيوتوني وذرية دالتون، ms134 نجد أن الذرية ~~الهلينستية/ذرية أبيقور هي صاحبة الفضل في كسر الحتمية الفيزيقية التي ~~ورثتها عن ذرية ديموقريطس والفلسفة القبل سقراطية، فهل يمكن أن نعتبر ~~مبدأ الانحراف الذري لأبيقور مناظرا لمبدأ اللاحتمية في الفيزياء ~~المعاصرة؟ ولم لا؟ لقد كان هذا الأخير أصلا من أجل النسق الفيزيائي ~~إبستمولوجيا؛ فأدى تحققه الموضوعي إلى صورة أنطولوجية تحل معضل ~~الحرية، وقد كان، الأول هكذا إلى حد ما، ولئن بدا لنا ساذجا فجا ~~فلأنه في عصر فيه كانت الفيزياء بأسرها ساذجة وفجة، وكما أشارت ~~الدكتورة أميرة مطر، أننا إذا نظرنا إليهم بمنظار عصرنا كنا أحق، ولكن ~~لو نظرنا إليهم بمنظار عصرهم سنكون أعدل، وأردفت هذا بالدعاء: «رباه ~~اكتبني من العادلين.» فلنكن عادلين وننظر إليهم بمنظار عصرهم. # والذي يهمنا الآن أن المشكلة المطروحة - وأيضا حلها - قد تراءت ~~لأبيقور بوضوح ناصع، ولدرجة تمكننا من أن نعده رائدا لكل الفلاسفة ~~المعاصرين المعنيين بهذا. ~~••• ~~(27) وقد يفاجأ البعض بتخويل مثل هذه الريادة لأبيقور؛ لأنه فيلسوف ~~شاهت صورته في نظر العامة حيث نجد الأبيقورية سبة ووصمة بالتسيب ~~والانحلال، وقد يعود ذلك إلى حاقدين راموا الإساءة إليه، وعلى رأسهم ~~تيموقريطس # Timocrates # الذي كان ~~تلميذا له ثم طرده، فترك مدرسته حانقا عليه، وأيضا الرواقيون؛ ~~فلأنهم خصومه الفلسفيون فقد عملوا على تأكيد أن فلسفة أبيقور ضعيفة ~~فلسفيا ولاأخلاقية، فشاعت صورة خاطئة مفادها أن الأبيقورية فلسفة ~~سطحية ومريضة لأنها تدعو إلى الإقبال على اللذة، والحق أنها ليست ~~هكذا. # كل ما في الأمر أن أبيقور رفض قول أنتستيز الكلبي: «إني أوثر أن ~~أبتلى بالجنون على أن أشعر باللذة.» # 3 # ورفض دعوة الكلبية بوأد الذات وتعذيب النفس بالحرمان ~~والتقشف؛ لذلك تلحق الأبيقورية عادة بمربع الذين يناهضون الكلبية، أي ~~قورنائية أريستبوس، والحق أن المدرسة القورنائية هي التي لها فعلا هذا ~~الشأن، شأن الفلسفة السطحية المريضة التي تدعو للرثاء؛ لأن مفهوم ~~الحياة عندهم تقلص في اللذة الحسية الوقتية، ووظيفة الفلسفة تركزت في ~~الدعوى إلى الإقبال الشبقي عليها. # أما الأبيقورية فبعيدة عن هذا، إنها فلسفة مستنيرة متبصرة، لم تر ~~التمتع بطيب ms135 الحياة مستحقا في حد ذاته للعداء، بل فقط للتنظيم ~~والمفاضلة، صحيح أن أبيقور قد أقر باللذة الحسية؛ لأن الإنسان كالحيوان ~~من حيث إنه بفطرته يتجنب الألم ويطلب اللذة، وإن استخدم عقله في هذا، ~~وإنه اعتبر كل لذة خيرا ما لم تقترن بألم، إلا أن أبيقور قد توخى ~~اللذة التي تدوم، أي دعا إلى الحياة السعيدة، فرأى أن يحرص الإنسان على ~~ألا تستعبده رغبة شخصية أو لذة فردية وأوجب أن يسيطر على شهواته ~~ويتحكم في أهوائه، وآثر اللذات الروحية والعقلية على لذات الحس، وزاد ~~فرفع الصداقة وحب البشر والتسامح فدعا إلى حسن معاملة الرقيق، وأوصى ~~بعتق جميع عبيده، وعلم عبده موسى # Mouse # الفلسفة، حتى برز فيها فأعتقه، تسامحه النفسي ~~هذا جعل العبيد ينضمون لمدرسته بل وحتى الغواني، فتمكن خصومه من ~~التشهير به، بأنه يرافقهن. # لقد وضع صورة للحكيم الأبيقوري وهو يتطلع إلى حالة الأتراكسيا: أي ~~حالة الخلو من الألم والسعادة المتصلة والطمأنينة الدائمة، مستمدا ~~إياهما من باطن نفسه، ومستخفا بالظروف الخارجية حتى ولو كان - بتعبير ~~أبيقور - فوق آلة التعذيب، وحريصا على البشاشة والبساطة والاعتدال والتعفف، # 4 # وأيضا حريصا على الإقلاع عن اللذات الكمالية، فقد قسم ~~أبيقور اللذات الحسية إلى: ما هو طبيعي وضروري كالأكل، وما هو طبيعي ~~وليس ضروريا كاللذة الجنسية، ثم ما هو لا طبيعي ولا ضروري كالرغبة في ~~مأكل أو ملبس معين وهذه ينبغي الزهد فيها، # 5 # والزهد أيضا في المال والصيت والطموح وكل ما من شأنه أن ~~يجلب الهموم، كالزواج والمناصب السياسية. # 6 # وعلى هذا النحو كانت دعوة أبيقور للإقبال على الحياة متبصرة ومعقولة ~~بل ولا تخلو من عنصر الزهد، ثم إنه هو نفسه كان رجلا فاضلا متعففا ~~بأتم ما في الكلمة من معان، أخذ على نفسه بالزهد في المأكل والملبس ~~ولم يتخذ زوجة، وكان يقنع بالخبز الجاف والماء، وكتب إلى صديق له يطلب ~~قطعة جبن حتى يجد مأكلا حسنا حين يتوق إلى ذلك، عذبه المرض طويلا ~~فاحتمله برباطة جأش وصبر؛ لهذا أقامت له مدينته عشرين تمثالا من ms136 ~~البرونز، وأكد ديوجين - المؤرخ الثقة لسير الفلاسفة القدامى - أن التهم ~~التي وجهت له كاذبة، # 7 # إنه بحق الفيلسوف المفترى عليه. # وثمة سبب قوي واحد لذلك التشهير الذي لحق به، هو إصراره على التخلص ~~من الآلهة، وسلبها أية قدرة على توجيه العالم والحياة الإنسانية؛ لذلك ~~لقبه رجال الكنيسة منذ بلوتارخ وحتى لوثر بلقب: الفيلسوف الملحد ~~بالمعنى الآثم، # 8 # وساعدوا على إذكاء هذا التشهير طوال العصور الوسطى. ~~••• ~~(28) ولكن حتى في هذا لو تلمسنا طبيعة العصر وطبيعة الديانات وطبيعة ~~الفلسفة في عهد أبيقور لتمكنا من ناحية أن نلتمس العذر له، ومن ~~الناحية الأخرى الدخول في جوهر ما يعنينا من فلسفته، وهو بالطبع ليس ~~الدفاع عن شخصه، وإنما عن رؤيته المتكاملة للمشكلة القائمة بين الحتمية ~~الكونية والحرية وعن التلازم القائم بين اللاحتمية والحرية. # فقد كان العصر الهلينستي عصرا هائجا مضطربا، تميز بانعدام الأمن ~~والعنف والقلق، فالتمس الناس الخلاص في عبادة آلهة الحظ والبخت (التوخا ~~والفوتونا)، وأصبح الباعث على التفلسف الرغبة في الهروب من متاعب ~~الحياة وشرورها؛ لذلك أراد أبيقور نفي الآلهة لما تثيره من مخاوف ~~كمفاجآت القدر وتوجس الحساب والعقاب، ولكيلا توجد قوة تضمر للإنسان ~~شرا ولا خيرا فتثير قلقه. # ومن أجل هذا عمد أبيقور إلى تفسير الكون تفسيرا ماديا محضا ~~باستبعاد الآلهة، فتصبح «الطبيعة حرة تسير من تلقاء نفسها بلا سادة ~~متحكمين وفي غير حاجة لمعونة الآلهة»، # 9 # واستبعد أيضا الغائية والعلة الخارجية من كل شيء حتى من ~~تفسير نشأة الحياة وتطور الكائنات الحية فرأى أنها نشأت على الأرض، ~~بحيث بقي منها الأصلح واندثر غير الصالح، # 10 # إن الكون في رؤية أبيقور مادة خالصة، وكل شيء فيه مادي، له ~~علة مادية وأقر بأن المجموع الكلي للأشياء لا يزداد بإضافات جديدة، ~~وأن كم المادة لا ينقص بخسارة مطلقة، فالشيء المنفرد لا يتحطم ~~نهائيا بل ينحل إلى الذرات المكونة له، وهذه هي الفكرة المعروفة ~~حديثا باسم مبدأ بقاء المادة. # 11 # ولتشييد مثل هذه الفلسفة المادية، استفاد أبيقور من مادية الأيونيين، # 12 # وأخذ بذرية ديموقريطس القائلة ms137 إن الكون يتكون أساسا من ~~عنصرين: الذرات والخلاء، وكل الموجودات الأخرى مركبة منهما فانتهى إلى ~~أن الكون أزلي فلا يوجد شيء من العدم ولا ينتهي شيء إلى العدم، وأن ~~هناك عددا لا نهائيا من الأكوان تتكون وتفنى من عدد لا نهائي من ~~الذرات المتحركة في خلاء لا نهائي، # 13 # وعلى الرغم من أن الذرات جميعها في حركة دائمة فإن مجموعها ~~يبدو وكأنه يقف بلا حركة، وهي تبدو لنا هكذا لأن الذرات تقع بعيدا عن ~~مدى حواسنا، # 14 # وهي لهذا مجردة في حد ذاتها من كل الصفات الحسية، مجردة من ~~لون وحرارة أو برودة وأصوات أو روائح أو طعوم؛ على ذلك فما يبدو ~~محسوسا هو في حقيقته لا يعدو أن يكون مكونا من ذرات غير محسوسة، # 15 # الخاصة الوحيدة التي ينسبها أبيقور إلى الذرات هي الثقل ~~والوزن. # وإذا كان من المستحيل الشك في الوجود الحقيقي للروح # Soul # فينا وفي الآخرين، فإن أبيقور لم يدع ~~هذا يخل بماديته، فاستهل أبحاثه بتقرير أن الروح جسد، وافترض أنها ~~مثلها مثل كل الموجودات الأخرى مركبة من الذرات والخلاء، ووضع خطوطا ~~مادية للتفسيرات السيكولوجية وتفسير الإحساس، وزاد شارحه لوكريتوس ~~بتوضيح أن الروح تبعث الحركة في الأطراف، وهذا لا يمكن أن يحدث بغير ~~اتصال، والاتصال يتضمن جسدا، والروح أيضا تعاني مع الجسد، على كل ~~هذا يجب أن تكون الروح ذات طبيعة جسدية أو مادية، ووصل أبيقور لذروة ~~التفسير المادي باستنتاج أن الروح تفنى مع الجسد، فما دامت الروح مجرد ~~مركب ذري، فلا بد وأنها كالجسد تماما تفنى، ولا يمكن أن يكون لها وجود ~~من أي نوع بعد الموت. # 16 # هكذا لم يصعب على الأبيقورية تفسير الروح أو النفس تفسيرا ماديا، ~~ولا هي ابتدعت بدعة في هذا؛ ذلك لأن ثمة «فكرة خاطئة سادت الفكر ~~القديم ولا تزال عالقة باللغة حتى اليوم»، وهي أن النفس هي النفس ~~(من التنفس) فكانت سائر الكلمات القديمة التي أطلقت على النفس تعني في ~~أصلها الهواء أو التنفس، كما هو الوضع في اللغة السنسكريتية، ms138 والذرية ~~القديمة لها أصل هندي، وفي اللغة العربية، وأيضا في الإنجليزية ~~الحديثة كلمة # Expire # تعني يزفر الهواء، ~~وتعني أيضا يسلم الروح، ولما كان هذا النفس هواء وكان الهواء مكونا ~~من ذرات فإن النفس مكونة من ذرات. # 17 # على أن الفكرة الإغريقية عن الروح كانت واسعة وشاملة إنها تتضمن من ~~ناحية عنصرا لاعقلانيا هو روح المبدأ الحيوي الذي يهب الجسم الحياة ~~وهو مكمن الانفعالات السلبية واللاعقلية التي تصنف معا تحت اسم ~~الإحساسات، ومن الناحية الأخرى تتضمن الروح مبدأ عقلانيا هو الذهن ~~مكمن الحركات الفعالة للتفكير والإرادة، معظم الفلاسفة قد فرقوا بين ~~هذين الجزأين أو الجانبين، على الأقل من الناحية النظرية، وأبيقور ~~بدوره قد فعل هذا بتوضيحه أن الروح منفعلة وفعالة بقدرتين تملكهما، هما ~~التفكير والإرادة، وبالنسبة للتفكير قد أثبت أبيقور أنه حركة في الذهن ~~تخلق صورا جديدة بواسطة الربط والمقارنة بين الصور السابقة الموجودة ~~ومادة الموضوع # Subject Matter ~~- ~~أي موضوع التفكير، وهي مختلفة عن مادة موضوع الظن # Opinion # لأن الظن لا يعنى بتفسير ~~معطيات الحس، بل عليه أن يخلق معطياته الخاصة. # والعقل الفعال له وظائف أخرى غير التفكير، فهو موضوع لعواطف الفرح ~~والخوف والحب والكراهية، وكلها تنشأ عن العقل الكائن في الصدر، وتتميز ~~هذه العواطف المركبة عن العواطف السلبية المنفعلة - وهي اللذة والألم - ~~بأن هذه الأخيرة موضوع للحس الفوري والموضعي. # 18 # ولكن الأبيقورية تمسكت بما لم يره ديموقريطس رائد الذرية ~~الإغريقية، تمسكت بأن الذرات تسقط بحركة أبدية عبر المكان ~~اللامتناهي، هذا في حين أن ديمقريطس نفى الثقل عن الذرات، ولم يعين ~~الذريون القدامى اتجاها لحركتها، فلم يروا في الوزن خاصية أساسية لها، ~~الخاصية الأساسية هي فقط الحركة الأبدية، أما الوزن والحجم والشكل ~~فمجرد خصائص ثانوية، على أن الأبيقورية قد استنتجت أن الذرات ذات ثقل، ~~وحركتها في خطوط مستقيمة متوازية من أعلى إلى أسفل «فنشأت معها مشكلة ~~لم تنشأ في الذرية القديمة، وهي كيفية تفسير تلاقي الذرات لتتكون الأشياء». # 19 # هذا من ناحية، ومن الناحية ~~الأخرى نجد أن المادية الأيونية والقبل سقراطية ms139 على العموم، والذرية ~~الديموقريطية على أخص الخصوص قد أفضت إلى حتمية كونية لا سبيل إلى ~~الخروج منها، وفي هذا يقول أبيقور: «أن نتبع أساطير الآلهة، أفضل من أن ~~نصبح عبيدا لقدر الفلاسفة الطبيعيين.» # 20 # لقد شعر بخطورة الحتمية الكونية على الحرية الإنسانية، ~~والتي لم يشعر بها ديموقريطس؛ حيث إنه - كما يقول سبريل بيلي - لا يترك ~~في مجال الأخلاق آثارا تدل على أنه قد أدرك متضمنات نظريته الفيزيائية ~~التي تأخذ بصرامة العلية والضرورة، من حيث إنها تؤدي على التو إلى ~~الصراع بين الحتمية وبين الإرادة. # 21 # راح ديموقريطس بكل حتميته الصارمة ينادي في فلسفته الأخلاقية بحرية ~~الإرادة والفعل ومسئولية الفاعل، فكأنه بهذه الشيزوفرينيا يكمل تمثيله ~~لأصول الفكر العلمي الحتمي بجملة مزاياه ومآسيه. # هذا بينما حقق أبيقور - أو حرص على أن يحقق - التكامل والاتساق ~~المفروض بين أرجاء النظرة الفلسفية، حين أراد أن يصون الحرية في عالم ~~يبدو كنتيجة محتومة لقوانين العلة والمعلول، فجعل نظريته الفيزيائية ~~ونظريته الأخلاقية واحدة واحدة تفسر كل منهما الأخرى، وذلك بأن أرسى في ~~أسس العالم الفيزيقي عنصر التلقائية والمصادفة، الذي يجب أن نعتبره ~~استثناء، بل رفضا للعلية الصارمة ولحتمية القوانين الطبيعية. ~~••• ~~(29) «وكان سبيله إلى هذا مبدأ الانحراف الذري»: انحراف الذرات ~~وميلها عن مساراتها، إنه مبدأ يفسح المجال للحرية الإنسانية، وهو أصلا ~~يحل المشكلة الفيزيقية البحتة، مشكلة التقاء الذرات. # أما عن المشكلة الفيزيقية، فإن الذرات تنحرف لكي تتلاقى، ولولا هذا ~~الانحراف غير المعين أو اللاحتمي لظلت الذرات إلى الأبد في خطوطها ~~المستقيمة إلى أسفل عبر المكان الفارغ، ولن تتجمع في أشياء، وبالتالي ~~ما كانت الطبيعة لتخلق أي شيء # 22 # على هذا فالحركة الطليقة للذرات والتي لم تتراء ~~لديموقريطس، يحدث فيها انحراف أو ميل، فطالما أنها تسقط إلى الخلاء في ~~أوقات لامحتمة # Undetermined # فإنها ~~تندفع قليلا عن مسارها، مما يجعلها تغير اتجاهها، وهذا الميل أو ~~التغيير في الاتجاه يسبب تصادما مع ذرات أخرى، فيتغير اتجاهها لهذا ~~التصادم، والمحصلة الفورية هي اضطراب حركة الذرات في كل مكان، فينشأ عن ~~هذا اتحادها ms140 في مركبات وتكوين العالم الفيزيقي المحسوس. # هكذا حل المبدأ المشكلة الفيزيائية، ولكن كيف حل مشكلة أو معضل ~~الحرية؟ لقد حلها كالآتي: العقل مرتكز في الصدر على شكل مجموع ~~الذرات اللطيفة # Fine atoms # التي ~~تكونه، ومثلها تلك التي تنتشر خلال الجسم مكونة المبدأ الحيوي (نلاحظ ~~الجمع بين مبدأي الروح الإغريقية). # 23 # ومجموع الذرات اللطيفة (الذهن) يوجهه الخيال إلى الحركة، سواء أتى ~~هذا التخيل من أشياء خارجية أو أثاره توقع في الذهن ذاته، ولنفترض ~~أنني في هذه اللحظة قد أتت أمام ذهني صورة لنفسي سائرا، فطالما أن ~~ذرات الذهن نفسها قد أثيرت فسوف يتحرك المبدأ الحيوي وستتحرك ذرات ~~الجسد بدورها؛ وبالتالي أسير، ولكن قبل أن يحدث كل هذا ثمة عملية أخرى ~~لا بد وأن تحتل مكانها، إنها عملية الاختيار الإرادي الحر، فصورة السير ~~في حد ذاتها لا تحرك الذرات حتى أسير، فقد أقبلها وقد أرفضها فأقرر أن ~~أسير أو لا أسير، فكيف نفسر عملية الاختيار الحر هذه بخطوط مادية ~~بحتة؟ يجيب أبيقور عن طريق انحراف الذرات اللطيفة التي تكون الذهن، ~~والحركة العرضية اللاحتمية للذرات المفردة في الخلاء هي التركيب ~~الواعي للذهن، والذي يترجم إلى فعل إرادي مقصود. # 24 # ولنلاحظ أن الانحراف الذري حركة تلقائية محض ميكانيكية، يمكن أن تقوم ~~به أية ذرة في أي مكان، وفي أية لحظة؛ لذلك ففي مجموع # Aggregate # ذرات الروح يحدث الانحراف ~~الذري كنتيجة للإرادة الواعية، ولكن لم يفترض أبيقور أي وعي أو إرادة ~~حرة في انحراف الذرة المنفردة، ولو كان قد فعل لكان قد نقض الأسس ~~المادية لمذهبه نقضا بينا؛ لأنه كان سيقحم عنصرا فائقا للطبيعة في ~~حركة أبسط أشكال المادة، ولكنه لم يفترض حتى أي إحساس في الذرة، ~~وانحراف الذرات المنفردة ليس واعيا على الإطلاق، إنه على وجه الدقة ~~حرية ميكانيكية تناظر الحرية النفسية للإرادة. # 25 # ولسنا الآن بإزاء أية قوى ~~خارجية، بل فقط صميم الصورة الأنطولوجية التي رسمتها الفيزياء ~~الأبيقورية للعالم، والتي حافظت على أبعاد فلسفته المادية، وحققت ~~هدفها في نفي كل ما يثير المتاعب، ms141 ثم استطاعت إفساح المجال لحرية ~~الإنسان، لقد حل أبيقور المشكلة الفيزيقية ومعضل الحرية بتحطيم ~~الحتمية عن طريق افتراض اللاتعين والمصادفة في الانحراف غير المتوقع، ~~أي عن طريق اللاحتمية، أفليس لنا الحق في أن نعده الرائد؟! ~~••• ~~(30) وبعد أبيقور نجد تابعه الوفي الشاعر الروماني تيتوس لوكريتوس ~~كاروس (99-55ق.م.) الذي وجد في فلسفة أبيقور اقتناعه العقلي التام، ~~وطمأنينة نفسه المضناة بنوبات الجنون، فتعهد بعرضها عرضا خلابا، ~~ودافع عنها بحماس وكال لها وعلى خصومها الحجج والأسانيد، وذلك في قصيدة ~~خالدة من الشعر اللاتيني العذب بعنوان «في طبائع الكون» أو في طبائع ~~الأشياء (وثمة ترجمة إنجليزية جيدة لها واردة في الهامش)، تعد المرجع ~~الأول للمدرسة الأبيقورية، وفي الآن نفسه تعطينا أكمل صورة يمكن أن ~~يعطيها الفكر القديم بظروفه المعرفية الضحلة لمبدأ اللاحتمية ولكيفية ~~حله لمعضلة الحرية. # كانت الحتمية عند لوكريتوس أعمق من فرض الانحراف الذري؛ فقد رسم صورة ~~أبيقورية للوجود تجعله تعدديا والعرضية صفة قائمة في صلبه وأحداثه، ~~ومن ثم فكل الأحداث في هذا الكون عرضية ولا ضرورة إلا للجسم والمكان، ~~أو للذرة والخلاء، وهذه العرضية تستبعد الآلهة والشياطين والغائية عن ~~العملية الطبيعية الحرة، فتؤكد طبيعة الوجود؛ لأنها لاحتمية، الحرية ~~الكائنة في الصدور، يقول لوكريتوس: «لو كانت كل حركة دائما مرتبطة ~~ارتباطا داخليا بغيرها، وكانت الحركة الجديدة تنشأ عن الحركة ~~القديمة في نظام محتم، وكانت الذرات لا تنحرف أبدا لتنشأ عنها حركة ~~جديدة تنفصم معها قيود القدر والسلسلة الأبدية للعلة والمعلول، فما هو ~~إذن مصدر حرية الإرادة التي تملكها الأحياء على هذه الأرض؟ وإني لأعيد ~~القول: ما هو مصدر قوة الإرادة المنتزعة من الأقدار والتي تجعلنا نخرج ~~عن سبيل مقرر أو نتبع سبيلا في مكان وزمان لامحتمين؟ لا ريب أنه في ~~مثل هذه الأحداث تصدر حركات الأطراف عن إرادة الفرد.» # 26 # على الإجمال عرف لوكريتوس كيف يأتينا بلاحتمية فيزيائية، إبستمولوجية ~~وأنطولوجية ينحل معها مأزق الحرية، بيد أن كل ما قاله لوكريتوس أولا ~~وأخيرا لا يعدو أن يكون الفلسفة الأبيقورية وإن كانت متبلورة ~~ومدعمة. # مرة أخرى ms142 أوليس لنا الحق في أن نعد أبيقور الرائد؟! ~~••• ~~(31) أحسب أن لنا هذا الحق على الرغم من النقد الوبيل الذي انهال من ~~الأقدمين والمحدثين على أبيقور وعلى مبدأ الانحراف الذري. # فهذا جون بيرنت يندد بالأبيقوريين بسبب ضحالتهم الفلسفية وافتقارهم ~~للأصالة والسمة العلمية؛ مما جعلهم لم يتمكنوا من استغلال الأيونية ~~استغلالا سليما، وأنهم لم يعنوا بدراسة الرجل الذي يدينون له بالكثير ~~- أي ديمقريطس - لأنهم كانوا نافرين من الدراسة الجادة من أي نوع، ~~وربما لم يعتنوا حتى بنسخ كتاباته؛ لأنها أعظم بينة على الافتقار ~~للأصالة الذي يميز مذهبهم. # 27 # ونعترض على هذا؛ أولا: لأنه الافتقار إلى الأصالة وإلى السمة ~~العلمية الحقيقية شامل لكل هذا العصر الهلينستي الذي اختفت من فلسفته ~~الروح العلمية الخالصة والرغبة في طلب الحقيقة لذاتها، فكيف نطالب ~~أبيقور بالذات بالشذوذ عن روح العصر الذي أنجبه؟ - ولنتذكر دعاء د. ~~أميرة مطر العذب: «رباه اكتبني من العادلين.» - وماركس نفسه قد أخطأ ~~حين قال دفاعا عن أبيقور إنه حاول تنوير أذهان معاصريه؛ وذلك لأن ~~المسائل الذهنية برمتها لم تكن مطروحة في هذا العصر ولم تكن الفلسفة ~~هادفة للوعي والتنوير، بل لمعاونة الإنسان على تحقيق السعادة السلبية، ~~وهذا ما هدف إليه أبيقور، وكرس له جهوده، وقد استطاعه عن طريق معالجته ~~الشاملة، لما أسماه بحالة الأتراكسيا # Atraxia ~~. # لا شك أن ديموقريطس ذو أصالة فكرية ونزعة علمية أرجح من أبيقور، ولا ~~شك أيضا أن أبيقور من نواح عديدة كان مجبرا على تبسيط الصعوبات، ~~ولكن هذا الحكم لا ينبغي تعميمه وإطلاقه فثمة تحفظات معينة؛ أهمها ~~شيزوفرينية ديموقريطس في مقابل نجاح أبيقور في تحقيق أبسط بسائط ~~التفلسف - بغض النظر عن ظروف أي عصر - أي تكامل واتساق المذهب وبواسطة ~~فرض الانحراف الذي الذي ابتدعه ابتداعا. # ولئن انهال القدامى بالنقد على هذا الفرض فلنتذكر ما أثبته المدخل ~~من صعوبة استقبال وقبول القدامى لمبدأ اللاحتمية، فقد أسماه شيشرون ~~«الاختراع الصبياني السخيف»، ورأوا فيه تخليا من أبيقور عن موقعه ~~الذري، تخليا غير محترم لأن هذه الحركة الطليقة للذرات تعارض قوانين ~~الطبيعة التي ms143 يقوم عليها مذهبه، وهي خرق واضح لمبدئه الأول: لا شيء ~~يخلق من لا شيء، ولقوانين العلة والمعلول؛ إذ إنه يقر بقوة أننا لا ~~نستطيع أن نضع للانحراف الذري علة. # وهذا يعني أن ذلك الانحراف مقحم على بنائه الفيزيائي بغير علة على ~~وجه الإطلاق، # 28 # أما إذا قلنا إن الذرات من طبيعتها أن تنحرف، فكأننا وضعنا ~~الطبيعة بدلا من إله ~~الآلة # Deux de Machina # 29 # الذي يأتي فجأة ليفعل ما لا يستطيع سواه أن يفعله، # 30 # فيحل المشكلة في التراجيديا الإغريقية، ومعنى هذا أن ~~أبيقور حاول أن يتخلص من الحتمية العلمية فأتانا بجبرية ~~دينية! # فهل هذا صحيح؟ وهل حقا أن ~~انحراف الذرات وافتراض اللاحتمية مبدأ أقحمه أبيقور إقحاما؟ إن ~~الإجابة عن هذا بالنفي، فلو عاودنا مراجعة الصفحات السابقة لوجدنا ~~الانحراف الذري في صلب نظرية أبيقور الفيزيقية، وفي الآن نفسه صلب حله ~~لمعضل الحرية، بحيث إنهما يدوران معا وجودا وعدما، فكيف يكون ~~مقحما؟ وكما يقول سيريل بيلي: «أبدا لم يعتبر أبيقور مبدأ الانحراف ~~الذري نقطة ضعف، بل اعتبره ذا أهمية أساسية في مذهبه، وليس في الأمر أي ~~جبرية أو ما يشبه إله الآلة؛ إذ يقول الفيلسوف الفرنسي جان ماري جويو # Jeau Marit Guyau ~~(1854-1888) ~~إن ذلك الانحراف الذري في الطبيعة اللاعضوية - والذي هو المصادفة ~~والعرضية - يهتك الضرورة الحتمية الصارمة في العالم الحي واللاحي على ~~السواء، وبغير أن يعاود تقديم عنصر المعجزة الذي كان هم أبيقور الأول ~~إبعاده؛ لأن المعجزة تتضمن فعل قوى خارجية تعوق القوانين الطبيعية وتغيرها. # 31 # فضلا عن هذا يجب أن ننتبه إلى طبيعة العلة وطبيعة المصادفة عند ~~أبيقور، فصحيح أنه مثل ديمقريطس يجعل مبدأ العلية والدوام Permanence # نقطة البداية، فلا شيء يخلق ~~من العدم أو من اللاشيء، ولكنه خلافا لديمقريطس - ولننتبه إلى هذا - ~~لا يجعل افتراض العلية في سلطة المركز الذي يدعم بقية الفروض، بل يدعمه ~~بحجة، ها هنا نعالج المدرك والقابل للإدراك على حد سواء، فالمشكلة كلية ~~ولا يمكن أن تعالج مباشرة بالحواس ولكن علينا أن نسأل ما ms144 إذا كانت ~~الحواس تعطينا أية شارة لتدعيم مبدأ العلية أم أنها تناقضه. ويجد ~~أبيقور هذه الإشارة في النشأة المنظمة للأشياء في العالم المدرك، فلا ~~شيء يخلق من العدم؛ لأنه إذا أمكن هذا لأمكن أن يخلق كل شيء بغير ~~احتياج للبذور، # 32 # أي للذرات، ومن شأن هذا أن يهدم مادية أبيقور الصارمة، على ~~هذا نلاحظ أن العلية تزحزحت كثيرا عن هيلمانها الديموقراطي. # أما عن المصادفة، فقد اعتبرها ~~أبيقور مجرد علة غير معينة تحكم فقط أشياء معينة في العالم، وهي أشياء ~~مشتتة ومتباعدة عن بعضها، # 33 # وهي بهذا تختلف عن تلقائية حركة الدوامة عند ديمقريطس من ~~حيث إنها أصل كل شيء، فلا تكون المصادفة مقحمة لحل مشكلة الحرية، بل ~~هي مصادرة أساسية لفلسفة آلت على نفسها أن تمزق جدران الحتمية. # يقول جان فال إن الكثيرين قد دأبوا على الإطاحة بنظرية أبيقور في ~~الحرية، على أساس أن المصادفة حين يتم تحليلها أو يتحقق العلم الشامل ~~بظروفها سوف تختفي، ثم إنها ترجع في النهاية كما أثبت أرسطو إلى عمل ~~علل آلية، وكل ما في الأمر أنها علل مجهولة، # 34 # وهذا الأساس المزعوم لا يعدو أن يكون حيلة الحتميين ~~البائدة في مواجهة كل مصادفة واحتمال ولاحتمية بالتفسير الذاتي، أي ~~بالإرجاع إلى جهل الذات عن إدراك العلل المحتمة. # وبهذا تتبلور حقيقة كل النقد السالف لأبيقور: إنه يدور في متاهات ~~الحتمية، وعجز عن الخروج من بين قضبانها، التي ترين على صدورهم ~~وعقولهم، بينما استطاع أبيقور أن يقوضها منذ أكثر من ألفين من السنين؛ ~~ولهذا فقط - أي لأنه فيلسوف اللاحتمية - استضفناه على الرحب والسعة، ~~ومن غير المعقول أن نستمر في الدوران حول الحتمية بعد كل ما بذلناه في ~~الفصول السابقة. # بالتحرر التام من وثن الحتمية ننتهي إلى أن مبدأ الانحراف الذري، ~~صورة الأبيقورية، غير مقحم على فلسفته بل متسق معها واتسقت هي معه، فهو ~~مصادرة أساسية لها إما عن المبدأ في حد ذاته من حيث كونه بلا بينة أو ~~برهان مقنع، ففي الرد على هذا نسأل: لماذا ندعي ms145 أن الذرات تتحرك ~~أصلا وأن من طبيعتها تلك الدوامة التي قال بها ديمقريطس؟ وليس ثمة ~~ضرورة في تكون حركة الذرات مستقيمة ولا حتى ثمة براهين على هذه ~~الاستقامة والتي لم يعترض عليها أحد في حد ذاتها، فلماذا يعترضون على ~~الانحراف الذري؟ ولماذا لا يكون كالحركة نفسها، أي مبررة بغير علة؟ وما ~~الفارق بينه بين قول الرواقيين مثلا إن كل الأشياء تتجه نحو المركز؟ ~~وبالمناسبة، لوكريتوس ما فاته الدحض التام لأمثال هذه المبادئ ~~المناقضة لفيزيائهم، # 35 # إن الانحراف الذري فرض ناجح متسق لا يستحق كل هذا الهجوم، ~~ما لم يكن الهجوم نابعا من أن المبدأ يخل بالحتمية المقدسة، أي ~~ينادي بلاحتمية! # وأخيرا، إذا كان شيشرون يراه اختراعا صبيانيا، فإن علماء وفلاسفة ~~علم معاصرين لهم رأي مناقض؛ فقد لاحظوا أنه قبل روبرت براون بتسعة عشر ~~قرنا كانت صورة الحركة الجزيئية التي اكتشفها «الحركة البراونية» قد ~~رسمها من قبل خيال لوكريتوس، في قصيدته الخالدة بالتفصيل، # 36 # وهم يبدون دهشتهم من مدى حصافة فرض الانحراف الذري، وكان ~~إدنجتون قد أوضح أن الكون، لا يكون في حالة توازن ثابت من حيث إن أبسط ~~اضطراب يحدث فيه يؤدي إلى بدء حركة تتمدد وتفضي إلى التطور الذي ~~يدوم اثني عشر ألف مليون من السنين، كما تقول قوانين الفيزياء الفلكية. ~~وبعد فترة التطور يصل الكون مرة أخرى إلى حالة التوازن، ولكنه يكون ~~ميتا؛ نظرا إلى التدهور الميكانيكي الحراري، وهذا معناه أن التوازن ~~ثابت وأن الاضطرابات البسيطة لا تؤدي إلى تغيير هام في الكوزموس ~~اللاحتمي، وكما يقول رايشنباخ: «الواقع أن هذه الصورة مشابهة إلى حد ~~يدعو إلى الدهشة لنظرية ديمقريطس # 37 # وأبيقور في الذرات التي ظلت تتحرك بانتظام في الفضاء ~~زمانا لا متناهيا حتى حدث اضطراب بسيط أدى عن طريق سلسلة من ردود ~~الأفعال إلى تحويل الحركة المنتظمة إلى خليط مضطرب، تطورت منه ~~التركيبات المعقدة لعالمنا، ويبدو أن الفيزياء القائلة باللاتحدد تقبل ~~افتراض أبيقور الذي يقول بحدوث اضطراب بسيط لا سبب له، وهو الافتراض ~~الذي قوبل في كثير من ms146 الأحيان بهجوم من أنصار الحتمية الدقيقة.» # 38 # لم نغال إذا حين قلنا إن فرض الانحراف الذري ممهد أو ~~مناظر للاحتمية في العلم المعاصر. # وطالما اعتمدنا من أبيقور الأساس الأنطولوجي أي اللاحتمية فإن معضل ~~الحرية ينحل من تلقاء نفسه كما اتفقنا وكما بينت نظرية أبيقور. ~~••• ~~(32) «وليام جيمس»: لأن المفكر الأمريكي وليام جيمس # William James ~~(1842-1910) فيلسوف ~~حق وفي الآن نفسه عالم متمكن من العلوم الطبيعية بالإنسان: ~~الفسيولوجيا، فإن نظرية الحرية جاءت معه لتمثل تقدما وانفراجا ~~ملحوظا للأزمة المستعصية، # 39 # فقد ارتكزت على لاحتمية فلسفية أنطولوجية واثقة وعنيدة، ثم ~~حتمية علمية متقلصة إلى الحد الأدنى الميثودولوجي الصرف كمحض فرض ~~تنظيمي للوقائع بأضيق المعاني المنهجية التي لا ضرر منها ولا ضرار على ~~المشكلة الأنطولوجية أو حتى الإبستمولوجية، فاقتربت الحرية معه كثيرا ~~من الصورة المنشودة دوما ولا طائل، وإذا تذكرنا فلاسفة الحرية ~~الفرنسيين بدا واضحا كيف جاءت نظرية الحرية مع جيمس متأصلة في بنية ~~هذا الوجود ومتسقة معه، ومكملة له. # البرجماتية هي منهاج جيمس، فأمدته بمنهاج إقامة الدعوى بالحرية، ~~وهو منهاج لتحسين هذا العالم وتقليص نطاق الشر فيه، والتعددية، الرافضة ~~جدا للواحدية، هي هندسة بنائه الأنطولوجي اللاحتمي حتى الصميم والذي ~~شمل العالم كله، فلا مجال لنفي الحرية، وتنغلق متاهات المطلق والشيء ~~في ذاته والنومينا ... وتغدو الحرية واقعة كائنة في صميم العالم، أما ~~التجريبية الراديكالية فهي التي أعطت جيمس مادة هذا البناء فوجد فيها ~~مادة اللاحتمية والحرية. # هكذا كان جيمس في طليعة أنصار الحرية، وفي طليعة أنصار اللاحتمية، ~~بيد أن لاحتميته ما كانت ترقيعا لإيمانه بالحرية، ولا كانت الحرية ~~ترقيعا لإيمانه باللاحتمية، فقد «كانت فلسفته دائما مجموعة وثيقة ~~التركيب من المعتقدات التي وفقت بينه وبين الحياة، والتي نادى بها ودعا ~~إليها، كما يبشر صاحب الدعوى بسبيل الخلاص»، # 40 # وسنلاحظ فيما يلي كيف تتكاتف وتتجادل جوانب فلسفته، لتأتي ~~بهدفنا الأول، أي إثبات الحرية الأنطولوجية للإنسان طالما أن العالم ~~لاحتمي، ثم الهدف الأبعد والمترتب على هذا، في القضاء على ثنائيات ~~الشيزوفرينيا التي أتت من استحالة إثبات الحرية ms147 في العالم ~~الحتمي. ~~••• ~~(33) وقد كان لجيمس أسفاره العديدة، وصلاته الشخصية الحميمة ~~ومراسلاته مع أقطاب الفكر في عصره، ولكننا نجد شتاء (1872-1873) فصلا ~~هاما في حياته كمعلم، وبدء تراسله مع شارل رينوفييه أعظم المؤثرين ~~عليه بلا جدال، منه تعلم التعددية وكان ذروة ما أخذه منه، بعد أن أتم ~~قراءة الجزء الأول من محاولاته، هو ما سجله في مذكراته اليومية بتاريخ ~~30 إبريل 1870: «أول عمل لي من أعمال الإرادة الحرة هو أني سأؤمن ~~بالإرادة الحرة». # 41 # من الناحية الأخرى، استفاد جيمس من علاقته بتشارلز ساندرز بيرس # Ch. S. Pierce ~~(1839-1914)، وهو في طليعة فلاسفة العلم التقدميين المنشقين على عقيدة ~~الحتمية العلمية انشقاقا بائنا، من منظور قضية الحتمية واللاحتمية ~~العلمية يعد بيرس أعظم فيلسوف علم لأنه الوحيد الذي تفرد بالإقرار ~~باللاحتمية العلمية - إبستمولوجيا، مع الاعتراف بصدق نظرية نيوتن، ~~وبغير أن أو قبل أن يتسلح بانهيار الميكانيكية الكلاسيكية؛ لأنه لم ~~يدرك زمانيا نظرية الكوانتم، وتبوءها السيادة في الفترة 1925-1927، ~~ولأن بيرس بلاحتميته كان سباقا لعصره، فإن معاصريه لم يهتموا به ~~وكان الإهمال والغبن الذي لاقاه في حياته أمثولة. # في عام 1892 جاهر بيرس بأن نظرية نيوتن حتى ولو كانت صادقة فإنها لا ~~تعطينا أي مبرر للاعتقاد في الحتمية الشاملة، لقد اعتقد مع كل ~~الفيزيائيين في عصره أن العالم ساعة مهيبة الانتظام، تسير وفقا ~~لقوانين نيوتن، وعلى الرغم من هذا، رفض اعتباره هكذا حتى أدق تفاصيله ، ~~فأشار إلى أننا لا نستطيع أن نعرف مثل تلك المعرفة التي يدعيها ~~الحتميون، ومن ثم استنتج بيرس أننا أحرار في أن نحدس وجود لاتعين ما ~~أو عدم اكتمال في هذه الساعة، فليس العالم في نظر بيرس محكوما فقط ~~بقوانين نيوتن الصارمة، لكنه أيضا محكوم في أحايين معينة بقوانين ~~المصادفة والعشوائية واللانظام، وعضد بيرس هذا بالإشارة الصائبة إلى أن ~~كل الأجسام الفيزيائية خاضعة لحركات الجزيئات المماثلة لحركة جزيئات ~~الغاز، هكذا كان بيرس أول فيزيائي وأول فيلسوف يأتي بعد نيوتن ويجرؤ ~~على أن يقر بعنصر المصادفة واللاحتمية، # 42 # وقد فعل هذا ms148 لكي تكتمل إبستمولوجية اللاحتمية. # ولكي تكتمل أنطولوجية اللاحتمية أقر بموضوعية المصادفة، مؤكدا أن ~~استقلال الوقائع أساس طبيعي لها. شن حربا شعواء على تفسير الحتميين ~~الذاتي لها، فقال إن اعتبار المصادفة نتيجة للجهل أكثر فلسفات المصادفة ~~شيوعا لأنها أكثرها ضحالة، يقول بيرس: «إنني لست في حاجة إلى أن أضيع ~~جهدا في أشد محاولات التحليل ضعفا تلك التي تجعل المصادفة تتألف من ~~جهلنا.» المصادفة إذن ليست اسما نخفي به جهلنا كما يقال، بل لها ~~حقيقتها الموضوعية التي تقوم عليها كثير من النظريات العلمية مثل ~~النظرية الحركية للغازات ونظريات الاقتصاد السياسي، والتي لا تتعارض مع ~~قيام الانتظام بل قد تساعد على قيامه، # 43 # وفي النهاية جاء تحليله الفلسفي للمصادفة ليعد أرقى تصور ~~للمصادفة الموضوعية، قبل النتائج الأخيرة لنظرية الكوانتم في القرن العشرين، # 44 # وفضلا عن هذه اللاحتمية العلمية الإبستمولوجية ~~والأنطولوجية معا نجد بيرس مؤسس الديانة الرسمية لجيمس أي البرجماتية. # 45 # وأيضا أخذ جيمس من صديقه تشونسي رايت التأويل التالي للعلم: النظام ~~المادي للطبيعة إذا أخذ ببساطة كما أصبح العلم يعرفه، لا يمكن حسبانه ~~من حيث هو كاشف عن أي مقصد أحادي روحي متناغم كما تتصور الحتمية، ولكن ~~مجرد جو كوني - كما أسماه رايت - في حالة تفاعل موصول ترتيبا وتفككا ~~دون نهاية. # 46 # على أن الفضل الأساسي في اهتداء جيمس للاحتمية، لا يعود إلى أحد من ~~هؤلاء أو من غيرهم، بقدر ما يعود إلى ظروف موضوعية أشمل وأعم، فقد ~~قدر لجيمس أن يحيا في العصر الذي شهد تفاقم أزمات الحتمية العلمية ~~فلم يصعب عليه نزع هيلمانها الطاغي وتقليم أظافرها، لقد كان الأمر ~~اتجاها معاصرا يشترك فيه جيمس مع الآخرين، وله بالطبع أصول تاريخية، ~~فجاء جيمس في كتابه «البرجماتية»، 1907، وأضاف إلى عنوانه «اسم جديد ~~لمنهج قديم في التفكير». # وكما يوضح الفيلسوف الأمريكي بيري، سبب هذه الإضافة أن جيمس لم يخترع ~~هذه الطريقة، وأن جذورها ليس فقط يمكن اقتفاء أثرها إلى الماضي البعيد ~~وإنما تمثل اتجاها معاصرا يتضمن المنطق الحديث بتوكيده على الوظيفة ~~الأدائية للأفكار؛ لتمييزها ms149 عن الوظيفة التمثيلية لها، ويتضمن مذاهب ~~التطور والنسبية التاريخية التي تؤكد أهمية التغيير والمرونة والتكيف ~~في المعرفة الإنسانية، وتشمل أيضا موضة الاحتمال. # 47 # والفروض في الطريقة العلمية التي أصبحت طراز العصر، وكلها ~~أمور احتضنها منذ بدء حياته الفلسفية، وغني عن الشرح أن اللاحتمية ~~العلمية أو بالأدق، الانشقاق على الحتمية العلمية، يكمن من وراء كل هذه ~~القضايا، وفي صلبها. # ولكن لنلاحظ أننا حتى الآن ما زلنا قبل عام 1925، أي أن المجتمع ~~العلمي لم يعتمد بعد مبدأ اللاحتمية، أو أنه لا يزال مبدأ وافدا، ~~مجرد إرهاص بما يحمله المستقبل، وقد يبدو وكأنه بدعة، وأشد البدع ~~ضلالة، ونظرا لهذه الظروف التي لم تتوطد بعد لللاحتمية العلمية، فإن ~~جيمس لم يأخذها كمسلمة انتهينا إليها، بل كقضية فلسفية أفضل من ~~معارضتها، وأصوب، ويكفينا أنه أتى في وقته واتخذها بحماس فلسفي منقطع ~~النظير كاشفا بهذا عن استباق للعصر، ومقدرة على استيعاب الأفكار ~~الواردة واستشراف مستقبلها الخصيب، لم يتوجس جيمس من اللاحتمية خشية ~~كما فعل كثيرون من معاصريه، ولا يزال يفعل بعض من معاصرينا، بل آمن به ~~وآمن بتدخل عنصر المصادفة في بنية العالم، ورأى أنا الاطراد نفسه ليس ~~إلا إحصائيا، وإذا كانت القوانين الصغرى تفترضه مقدما فإن الطبيعة ~~لا يمكن أن تكون مطردة إلا بصورة تقريبية جدا. # 48 # هكذا رفض جيمس الحتمية رفضا جذريا، وأخرج كتابه # The Dilemma of Determism ~~«معضل ~~الحتمية» ليوضح تناقضها مع ذاتها ومع القضايا المتصلة بها، بل ومع ~~طبيعة الوجود، والطرق المغلقة أمامها، مثبتا أن بعض التركيبات ~~الفلسفية المعينة (المقصود الحتمية) نزوات شخصية تنم عن الهوى، عبقة ~~بالذوق الفردي في حين أن بعض التركيبات الأخرى، تلك التي تعمل بالعناصر ~~المحسوسة، وبالتغير، باللاحتمية ... هي أكثر موضوعية، وأكثر تشبها بجبلة ~~الطبيعة نفسها، # 49 # ذلك هو موقفه الفلسفي الصريح، ولكن - كما ذكرنا - ظروف ~~عصره لم تكن تسمح له بوصفه عالما مسئولا بالتسليم باللاحتمية العلمية ~~كقاعدة للبحث العلمي؛ لذلك جاء ليقول: «علم النفس على أية حال، من حيث ~~إنه يجب أن يكون علما لا بد وأن ms150 يماثل أي علم آخر فيسلم بالحتمية ~~الكاملة في وقائعه، ثم يستخلص بعد هذا آثار الإرادة الحرة، وذلك ما ~~سأفعله في هذا الكتاب، وليكن معلوما على أية حال، أن هذا الإجراء على ~~الرغم من أنه حيلة منهجية يبررها الاحتياج الذاتي لترتيب الوقائع في ~~صورة بسيطة وعلمية، لا يحسم القول بطريقة أو بأخرى في الحقيقة النهائية ~~لبحث حرية الإرادة». # 50 # إذن فلندع علم النفس يقر صراحة بأنه يمكن أن ينادي ~~بالحتمية من أجل أغراضه العلمية، ولن يستطيع أحد أن يجد خطأ في هذا ~~الزعم، ولكن إذا انقلب الأمر فيما بعد، بحيث تصبح هذه الدعوى فقط ذات ~~أغراض نسبية ومن الممكن أن تواجهها دعاوى معارضة، فلا بد وأن نعيد ~~تقييم الموقف، وها هنا يصبح الفرض الحتمي محض فرض منهجي مؤقت، فكل ~~العلوم الخاصة تتناول معطيات مليئة بالغموض والتناقض ولكن يمكن تجاوز ~~هذه المثالب من زاوية أغراضها؛ # 51 # وعلى هذا نتجاوز عن مثالب وتناقضات الحتمية العلمية؛ لأجل ~~الأغراض المنهجية الخاصة بعلم النفس أو غيره من العلوم. # هكذا كان تقليص وليام جيمس لفرض الحتمية العلمية نظريا إلى الحد ~~الأدنى المنهجي. ~~••• ~~(34) وقد أردف هذا التقليص النظري بتقليص تطبيقي لنجد الحرية معه ~~نظرة وظاهرة، أو فكرة وواقعة، أي كائنة في هذا العالم الذي نحيا فيه، ~~ونحاول فهمه بواسطة العلم، فلا هي منفية بالسلب ب «لا» ولا هي منفية ~~خارج دائرة العلم والعالم. # وآية ذلك، أنه أتى في قلب العلم الذي تناوئه الحتمية، ووضع نظرياته ~~التي تسير في ركابه وتدفعه إلى الأمام، وفي الآن نفسه تفسح لحرية ~~الإنسان المجال، ليس فحسب، بل تعيها وتفهمها، فإذا تذكرنا أن الحتمية ~~السيكولوجية أخطر ضروب الحتمية العلمية على حرية الإنسان؛ لأنها ~~الحتمية المباشرة في نقضها للحرية، فسنجد جيمس يطرح دراسة علمية ~~سيكولوجية للحرية متمثلة في الإرادة وذلك في كتابه «مبادئ علم النفس» ~~سنة 1890، حيث يعالج علم النفس كعلم طبيعي، هذا الكتاب من أمهات الكتب ~~ومن المعالم البارزة في تاريخ علم النفس، برغم التطورات التي أحرزها ~~العلم بعده. # وكان جيمس قد سبق له ms151 أن نشر له عام 1862 مجلدا من الدراسات ~~التجريبية عن إدراك الحواس، وبدأ يلقي محاضرات علم النفس كعلم طبيعي ~~بعد أن تشرب بالاتجاهات الحديثة في أوروبا، ثم تبعها بدراسات فسيولوجية ~~من لدنه، وأصبح واحدا من أوائل المعلمين الأمريكيين الذين اعترفوا ~~بوجود علم النفس كعلم مستقل، # 52 # وهنا أيضا تبدو براعته في مصارعة الحتمية العلمية؛ لأن ~~علماء النفس الأوروبيين الذين استقى جيمس من كتاباتهم إلى أكبر حد، كما ~~يتجلى ذلك في الاستشهادات والمراجع المذكورة في كتاب «مبادئ علم النفس» ~~هم سبنسر وهلمهولتز وفنت وبين، وجملتهم حتميون ينفون حرية الإنسان غير ~~أن جيمس استخدمهم وأفاد منهم ونبذهم في آن واحد. # 53 # ثم أخرج ذلك الكتاب، الذي يقف على قمة المرحلة الثانية من تطور علم ~~النفس، فقد كانت المرحلة الأولى من علم النفس التي ارتبطت بهيوم وستوت ~~ترد الحياة النفسية إلى انطباعات تتلاقى بالتداعي عن طريق قوانين ~~الترابط فتصبح أفكارا، فكأن العقل قابلية لا فاعلية أو صفحة بيضاء كما ~~قال لوك، لا حيلة له فيما يتلقاه إلا أن يسجله على صفحته تلك. أما ~~المرحلة الثانية فقد ربطت بين العقل وبين الحياة الفسيولوجية، وهذه هي ~~المرحلة السيكوفيزيقية التي يبلورها كتاب جيمس. # على هذا الأساس السيكوفيزيقي يرفض جيمس فرض النفس؛ لأنه لا قيمة له، ~~ويلحق به فرض العقل فلا يعود كيانا أو جوهرا، بل أداة فعالة نشيطة ~~مهمته هي مهمة أي عضو آخر من أعضاء الكائن الحي، وهي أن يكون أداة ~~موائمة بينه وبين بيئته، موائمة تعين الكائن الحي على البقاء إنه أداة ~~لا تنفك، تواجه الجديد من مواقف البيئة الخارجية وظروفها فترد عليها ~~بما يحفظ لصاحبها حسن البقاء ودوامه، وبهذا التفسير يكون العقل مجرد ~~كلمة نسمي بها نمطا معينا من السلوك الحي النشط المفيد، وبهذا يزول ~~الحاجز بينه وبين الجسم؛ لأنه إذا كان العقل ضربا من السلوك فهذا ~~السلوك هو نفسه الجسم السالك الفاعل المتصرف، وليس هناك آمر ومأمور ~~أو حاكم ومحكوم بل هنالك كائن عضوي واحد يسلك في بيئته على نحو معين، ~~وإذا ms152 كان الأمر هكذا، فقد تحطمت الثنائية التي شقت الإنسان - والكون ~~بصفة عامة إلى جانبين عقل وجسم، أو نفس ومادة وهي التي سادت الفلسفة الحديثة. # 54 # وسار جيمس في هذا الطريق حتى توصل إلى واحدية محايدة، # 55 # فنشر مقالا بعنوان «هل الشعور موجود؟»، يقول فيه إن ~~العالم مادة أولية واحدة إذا استخدمنا كلمة شعور فإنها تدل على ضرب من ~~الأداء لأعلى كيان مستقل قائم بذاته، فهناك أفكار تتصل ببعضها مكونة ~~المعرفة، لكنها ليست من مادة تختلف عن المادة التي تتكون منها ~~الأشياء في عالم الطبيعة المادية، # 56 # بهذا وضع جيمس الأساس للنظرية المعاصرة التي تسمى الواحدية ~~المحايدة وهي النظرية التي تطورت تطورا عظيما بعده، خصوصا مع راسل، ~~لتقضي على ثنائيات جمة، هكذا أفضت اللاحتمية بجيمس إلى النتيجة ~~الطبيعية لها أي قهر الشيزوفرينيا. # وبعد هذا يسهل على جيمس إرساء الوجه الثاني، أي الحرية، على أساس أن ~~«العقل يمارس نشاطه مع معطيات تجربتنا، فينتقي منها ويعدل فيها ~~ويختزل، حسبما يتلاءم مع اختيارنا ويتفق مع ما نؤثره ونرغب فيه». # 57 # بهذا تصبح الحرية ظاهرة تمثل موضوعا لدراسة علمية ~~تجريبية، أجرى جيمس مثل هذه الدراسة تحت مصطلح «الإرادة»، والإرادة هنا ~~مثلها مثل النفس والعقل ليست ملكة مطوية في أعماق مجهولة ولا كائنة في ~~عالم مفارق، بل هي إيجابية وفعالية، وعنصر من عناصر السلوك الإنساني ~~تجعله متميزا بأنه حر مراد، فكانت دراسة جيمس للحرية أو الإرادة، ~~هي دراسة الحركات المتميزة عن ردود الأفعال الأوتوماتيكية الانعكاسية ~~بأن الفاعل ينتويها قبل أن يفعلها مع تمام العلم المسبق بما سوف تصبح عليه. # 58 # يجعل جيمس من الفعل المنعكس أنموذجا لكل فعل، يقول: ~~«لا ريب أن ثمة اختلافا جوهريا بين الحركات التي تصدر عن النخاع ~~وتلك التي تصدر عن المخ؛ ذلك أننا نستطيع أن نتنبأ تنبؤا منتظما ~~بالحركات، حالما نعرف طبيعة المثير الخارجي، بينما تتنوع الحركات ~~الصادرة عن المخ تنوعا يتعذر معه التنبؤ بصددها؛ لأنها ترتبط ~~بذكريات الفرد وأفكاره، إلا أننا لو أسقطنا جدلا هذا الاختلاف بين ~~هذين النوعين من ms153 الحركات، لتبينا أن الآلية فيهما واحدة، فهما بمثابة ~~استجابة لإثارة تقع على الحواس من موضوع في العالم الخارجي». # 59 # فضلا عن أن جيمس يطرح دراسة علمية مستفيضة عن الانتباه # Attention # كما لو كان محتما تماما ~~بالظروف العصيبة على أساس أن النظام العام للأشياء التي ننتبه إليها ~~محدد بهذه الشروط أو الظروف، فليس ثمة أي موضوع يمكن أن يستأثر ~~بانتباهنا إلا بواسطة الجهاز العصبي. # وحتى الآن نجد أنفسنا بإزاء حتمية علمية تبدو وكأنها سوف تنفي حرية ~~الإنسان، وكأن جيمس وقع في براثن الفرض المنهجي، لكنه يعود في النهاية، ~~ليوضح أن كم الانتباه الذي يستأثر به الموضوع بعد أن يجذب انتباهنا عن ~~طريق منافذ الجهاز العصبي ... هذا الكم مبحث آخر، فقد يبذل العقل مجهودا ~~أكبر أو أقل حسبما يختار، وإذا لم يكن هذا الشعور خداعا، وكان جهدنا ~~قوة روحية لامحتمة فإنه يشارك الظروف الدماغية في الوصول إلى النتيجة، ~~والحق أن هذا الجهد الإرادي يمكن أن يكون قوة أصلية، وليس مجرد معلول، ~~يمكن أن يكون لامحتما في مقداره. # وعلى الرغم من أن هذا الجهد الإرادي لن يقدم أو لا يمثل فكرة جديدة، ~~فإنه قد يعمق أو يطيل من أمد الوعي بموضوع الانتباه؛ على هذا قد يقتصر ~~دوره على إضافة ثانية قد تكون حاسمة وعليها يتوقف الفارق بين عقلية ~~أو بين شخصية وشخصية، وكانت دراسة جيمس العلمية لسيكولوجية الإرادة، ~~توضح أن مجمل دراما الحياة الإرادية يتوقف على كم الانتباه الأقل ~~قليلا أو الأكثر قليلا الذي قد تتلقاه الأفكار الدافعة المتنافسة. # 60 # وهكذا نعى الإرادة الحرة بغير أن يصارعها أو يصرعها الفرض ~~الحتمي المنهجي. # وأول نقطة يجب أن نفهمها في سيكولوجية الإرادة هو أن الحركات ~~الإرادية وظائف ثانوية لا أولية للأعضاء، أما الحركات الانعكاسية ~~والغريزية والعاطفية، فكلها مهام أولية، وأول المتطلبات القبلية ~~للحياة الإرادية إنما هو مدى الأفكار عن الحركات المختلفة التي هي ~~ممكنة، تخلفها في الذاكرة خبرات عن أداءاتها الإرادية، وهذه الأفكار ~~على نوعين فقط، إما مقيمة في موضوعها وإما بعيدة عنه، # 61 # ولا ms154 تحتاج الأفعال الإرادية لأي شيء آخر سوى هذا ~~المدد. # وإذا حللنا الميكانيزم العصبي للفعل الإرادي فسنجد بفضل مبدأ ~~الاقتصاد في الوعي، أن الشحنة الدافعة له يجب أن تكون خلوا من ~~الإحساس؛ لأنها تؤدي الحركة بدقة تامة، فيكفيها أن تطبع فورا رمزها # clue # العقلي الخاص بها، وأن يكون ~~هذا الرمز غير قادر على إثارة أية حركة أخرى، # 62 # وهنا نلاحظ التطابق بين القرار الحر والفعل الحر. # يرى جيمس أن الإنسان يتخذ قرارا حرا في أعقاب فعل من أفعال التعمد ~~الإرادي، ويحدد خمسة أنماط أساسية للقرار: # أولا: النمط العقلي، حين تكون حجج في صالح أو ضد فعل متاح، قد ~~استقرت في العقل بطريقة تدريجية وغير محسوسة تقريبا، لتنتهي بأن ~~تخلف وراءها توازنا واضحا في صالح أحد البدائل، وهو بديل سوف يتخذ ~~بغير جهد أو قسر، وقد يبدو أن القرار هنا نابع من طبائع الأشياء، ولا ~~يدين بشيء إلى إرادتنا، بيد أننا نملك على أية حال، إحساسا تاما ~~بأننا أحرار، من حيث إننا نخلو من أي إحساس بالقهر. # في النمطين التاليين، لا يبدو سبب يحدد أيا من الفعلين، كل منهما ~~يبدو جيدا، فيضنينا إحساس بالتردد وعدم الحسم حتى نشعر بأن القرار ~~السيئ أفضل من عدم اتخاذ أي قرار، وتحت هذه الشروط قد تنشأ ظروف عارضة ~~تقلب هذا التوازن في اتجاه أحد البديلين، وفي النمط الثاني يكون القرار ~~نابعا من هذه الظروف العارضة، أما في النمط الثالث، فإن تحديد القرار ~~أيضا أمر عارض، بيد أنه يأتي من الداخل لا من الخارج، من الجهاز ~~العصبي نفسه، الذي يندفع إلى أحد البديلين. # في النمط الرابع أيضا ينهي ~~العقل فعل التعمد فجأة، كما حدث في النمط السابق، وهو يأتي حين ينتقل ~~من أحد البديلين إلى الآخر، على إثر تجربة خارجية أو تغير داخلي لا ~~يمكن تفسيره، وفي النمط الخامس، نشعر بأن الدليل غائب تماما أو حاضر ~~تماما، وفي أي اختيار نشعر بالحرية الكاملة، # 63 # هذه الحالة تناظر ما أسماه الفلاسفة بحرية استواء ~~الطرفين. # نخلص مع جيمس إلى ms155 أن الإرادة علاقة بين العقل وأفكاره، وأن الجهد ~~الإرادي جهد للانتباه، ويبدو دور الإرادة الحرة فيه أساسيا بتحديد كم ~~الانتباه، وأكد جيمس أن «كم الانتباه هو الظاهرة الأساسية للإرادة». # 64 # ولكن جيمس كان يدرك جيدا أن مشكلة الحرية أوسع كثيرا من أن يحيط ~~بها علم النفس، # 65 # وأعمق كثيرا من مجرد كم الانتباه، وإلا كان جيمس لم يزد ~~شيئا على القديس توما الإكويني الذي انتهى إلى القول بأن: «حريتنا ~~تنحصر في سيطرتنا على أحكامنا، وسيطرتنا على أحكامنا تنحصر في سيطرتنا ~~على انتباهنا.» # 66 # والحق أن هذه المعالجة السيكولوجية، لم تكن إلا ركنا في ~~رحاب نظرية الحرية الفلسفية التي تخلقت واكتملت في ذهن جيمس قبل ~~شروعه في هذه الدراسة السيكولوجية. ~~••• ~~(35) على هذا لا بد أن يأتينا من جيمس الفيلسوف فيه ليكمل جهد ~~العالم، فتكتمل معالجة الحرية في العالم اللاحتمي، وكان طريق جيمس ~~لإنجاز هذا، يتلخص في مناهضة الواحدية باعتبارها صورة الحتمية النافية ~~للحرية والجدة، والانتصار للتعددية باعتبارها صورة اللاحتمية المثبتة ~~للحرية والجدة. # إذا كانت الظاهرة الأساسية للإرادة من الناحية السيكولوجية هي ~~كم الانتباه # Amount of Attention ~~، ~~فإن الظاهرة الأساسية لها من الناحية الفلسفية هي الجدة والإبداع ~~والفعل المبتكر (فقرة 12)، وجيمس هنا يذكرنا بصديقه هنري بيرجسون الذي ~~عني كثيرا بارتباط الحرية بفكرة الخلق والإبداع، ولكن لأن بيرجسون ~~وقع في براثن الحتمية وأصيب بالانفصام، فإنه قد جعل الحرية برفقة ~~الجدة والإبداع كائنة في الديمومة، كمتميزة عن العلم الحتمي العلمي ~~القائم في الزمان، أما جيمس فلأنه لاحتمي والحرية معه ليست منفية، ~~فإنه مثلما أقام الحرية في هذا العالم فقد أقام فيه أيضا الجدة ~~والإبداع. # يقول جيمس إن إحساسنا بالحرية يفترض أن بعض الأشياء على الأقل ~~تتقرر هنا والآن، وأن اللحظة الجارية قد تنطوي على بعض تحديد وقد ~~تكون نقطة بدء طريفة للأحداث وليس مجرد ناقلة بالدفعة من مصدر ما، نحن ~~نتخيل في بعض الظروف أن المستقبل قد يكون منطويا في الماضي ولكنه قد ~~يكون في الواقع منضافا إليه على هذا النحو أو ذاك، والواحدية ms156 تخرج من ~~نطاقها كل هذا التصور للإمكانيات، وتضطر إلى القول بأن المستقبل ~~والماضي مرتبطان فلا يمكن أن يكون ثمة ابتكار حقيقي في أي مكان، # 67 # إن الابتكار لا ينفصل عن الحرية التي تستلزم عالما ~~لاحتميا. # الحتمية = الواحدية = استحالة الجدة والابتكار = نفي ~~الحرية. # اللاحتمية = التعددية = إمكانية الجدة والابتكار = إثبات ~~الحرية. # وكما أوضحت تحليلاتنا السابقة، ~~فإن هذا حكم موضوعي عام، يصدق من أية نظرة فلسفية معقولة سواء أكانت ~~جيمسية أم لا جيمسية، غير أن جيمس على رأس من أدركوا هذا بوضوح ناصع، ~~وأدرك أن «النزاع بين التعددية والواحدية أعنف مآزق الفلسفة كلها ~~بالرغم من أنه لم يتضح بتميز إلا في أيامنا هذه» # 68 # والمقصود طبعا أيامه تلك حيث بدأ النزاع بين الحتمية ~~واللاحتمية، ولما كان جيمس رافضا للحتمية مثبتا لللاحتمية، كان ~~رافضا للواحدية مثبتا للتعددية، وأصل كل هذا إثبات الحرية عن طريق ~~إثبات لاحتمية أنطولوجية. # لم يخص جيمس قضية بجام غضبه، ~~مثلما فعل بالواحدية، من حيث كونها فلسفة حتمية تزعم أن العالم محكم ~~التماسك «يجب أن يكون وحدة متينة، يحدد الكل كل عضو فيه على ما هو ~~عليه، وأقل بادرة من بوادر الاستقلال تقضي عليه فورا». # 69 # لقد أحس جيمس أن الواحدة «تسعى إلى نظرة محيطة بجميع ~~الأشياء وإلى نظام مغلق على الأجناس، يتحكم سلفا في فكرة إمكان ~~ابتكار جوهري». # 70 # ويستأثر جيمس الحتمية العلمية بالذات، التي هي علية، ~~بجريرة نفي الجدة والإبداع، بقوله: «إن كل لحظة من لحظات العالم يجب أن ~~تحتوي على جميع علل المعلولات، التي تشملها اللحظة التالية ولكن إذا ~~كانت القاعدة تؤيد أن كل ما في المعلول يجب أن يكون أولا على نحو ما ~~في العلة.» يترتب على ذلك أن اللحظة التالية لا يمكن أن تحوي شيئا ~~طريفا على الحقيقة وأن الابتكار الذي يبدو منبثا في حياتنا انبثاثا ~~لا ينقطع، لا بد وأن يكون وهما معزوا لضحولة وجهة النظر، # 71 # فيوضح تهافت الحتمية العلمية بقوله: «على ذلك فالمرحلة ~~الأخيرة للمنهج العلمي هي في قاع المبدأ الإسكولاستيكي: «العلة تساوي ms157 ~~المعلول» وقد وضع في بؤرة أدق، وصور تصويرا محسوسا، هذا المبدأ واحدي ~~تماما في أهدافه وإذا استخدم تفصيلا فإنه سيحول العالم الواقعي إلى ~~عملية من الهوية الأبدية، ندرك مظاهرها إدراكا حسيا، تحدث كنوع من ~~الإنتاج بالتبع، لا تعلق عليه أهمية ما، وفي أية حال ليس ثمة نمو واقعي ~~ولا ابتكار حقيقي يدخل في الحياة.» # 72 # وبعد هذا الهجوم الساحق الماحق، يأتي جيمس بهدوء أكثر، ليأخذ المآخذ ~~التالية على الواحدية: ~~(أ) # لا تفسر وعينا المتناهي، فهي ترى أن الذهن يعرف كل شيء ~~بفعل واحد من أفعال المعرفة بجانب معرفته لكل شيء آخر، وفي ~~حين أن الأذهان متناهية تعرف أشياء دون الأخرى. ~~(ب) # تخلق مشكلة الشر، فالشر في نظر التعددية يمثل فقط مشكلة ~~عملية يمكن التخلص منها، أما مع الواحدية فقد دخل في ذات ~~الهوية مع الكون. ~~(ج) # تناقض طابع الحقيقة الواقعية، كما تدرك في التجربة، ~~فالتغيير والابتكار في عالمنا وفي التاريخ عنصران ~~جوهريان. ~~(د) # إنها قدرية، فالإمكانية المتميزة عن الضرورة من جهة وعن ~~الاستحالة من جهة أخرى تبدو معها مجرد وهم. # 73 # ويمكن ملاحظة أن المأخذ الاول إبستمولوجي، والثاني أخلاقي برجماتي، ~~والثالث أنطولوجي أما الرابع فيضم الوجوه الثلاثة معا، وهذه الوجوه ~~بدورها تضم وجوه الحتمية النافية للحرية. # وعلى أساس نفي الواحدية، يأخذ ~~جيمس بتعددية مفضية إلى لاحتمية حقيقية: لا حتمية أنطولوجية فأخرج ~~كتابه «عالم متكثر Pluralistic world ~~» ~~حيث نجد العالم كله يتألف من عدد لا حصر له من الموجودات الفردية وكل ~~من هذه الموجودات له وجوده الواقعي المستقل، ولكن كلا منها أيضا له ~~صلاته بغيره، ومن هنا تستقيم شبكة من الأفراد، ثناياها العلاقات ~~والارتباطات؛ على هذا، فوحدة العالم ليست أمرا مكتملا منذ البداية ~~وإنما هي عملية متصلة تنحو نحو التوحيد، وتنمو شيئا فشيئا، # 74 # إن العالم التعددي عالم مرن لدن لأنه لاحتمي، عالم بأبواب ~~ونوافذ مفتوحة، وبإمكانية لا تقبل الضبط من قبل، بل يأتي بابتكار جديد، ~~بفعل حر، والإرادة الحرة لا تعني إلا الابتكار الحقيقي، على ذلك ~~فالتعددية تتقبل فكرة الإرادة ms158 الحرة»، # 75 # وكما يقول جيمس: «كوننا أنفسنا قد تكون أصحاب ابتكار عبقري ~~جديد ومبتكر، فهذه هي قضية مذهب حرية الإرادة». # 76 # ليست التعددية إلا تمثيلا عينيا للعالم اللاحتمي، وكلتاهما - ~~التعددية واللاحتمية - أسس أنطولوجية ~~لا تعني على المستوى الإنساني إلا الحرية، إمكانية الاختيار بين ~~بدائل؛ لذلك ستضع الحرية مع اللاحتمية مع التعددية في بوتقة واحدة، ~~لنجدها عند جيمس ترتكز على أساسين: # أولا: # التجريبية الراديكالية، وانعدام تعاطفه مع ~~المثالية. # ثانيا: # مذهبه البرجماتي. # فالتجريبية الراديكالية: ترى ~~أن الحقيقة لا يمكن أن تكون محددة على ذلك الوضع الحتمي في سياج تصوري، ~~وهي تنبذ ادعاء نظرة شاملة، # 77 # إنها تنتقل من الأجزاء على أنها أساسية في نظام الوجود وفي ~~نظام المعرفة (أي أنطولوجيا وإبستمولوجيا بمصطلحاتنا)، والأجزاء في ~~التجربة الإنسانية هي المدركات الحسية، تتحول إلى كليات بإضافاتنا ~~التصورية، والمدركات الفردية تتغير دون انقطاع، ولا تعود أبدا إلى ما ~~كانت عليه تماما، وهذا يحمل إلى تجربتنا عنصرا من الابتكار الملموس، ~~والطبيعة كلها معطاة في تيار الإدراك الحسي، بيد أن هذا التيار وإن كان ~~مستمرا من تال إلى تال فإن أجزاءه غير المتجاورة تفصلها أجزاء ~~تتداخل بينها، ومثل هذا الانفصال يبدو في حالات متنوعة عاملا على ~~التفرقة الإيجابية، # 78 # هذا الاستقلال النسبي للأحداث لا تتيحه إلا اللاحتمية فقط ~~أما الحتمية الواحدية فلا تجيز - كما يؤكد جيمس - أن يكون هناك ~~موجودات فردية منعزلة ما دام وجود كل موجود مرهونا بما بينه وبين ~~الموجودات الأخرى من علاقات، وبدون ذلك لا يستقيم له كيان. # وهنا نتبين هول الفارق بين التصورين: في عالم الواحدية يسبق الكل ~~الأجزاء ويتسلط عليها ويتحكم فيها؛ ليحفظ لها جميعا نظاما مكتملا ~~محددا منضبطا، فهنا عالم ترتبط أجزاؤه ارتباطا وثيقا، ولكل جزء ~~عمله المحدد، ومهمته المرسومة، فلا مجال إذن للحرية أو الاختيار بين ~~بدائل، أما في عالم التعدد، فعلى العكس من هذا الأجزاء تسبق الكل، ~~والكل في نمو متصل واكتمال مطرد ولم يتم بعد، نموه مرهون بانضياف أجزاء إليه، # 79 # وفي هذا الانضياف تتجلى الحرية الإنسانية. # إن التجريبية ms159 الراديكالية مثلما أقامت التعددية، تقيم أيضا بقية ~~قرائنها من لاحتمية وحرية بما تتضمنه من مسئولية وجدة وابتكار، فيؤكد ~~جيمس أن التجربة تظهر لنا أن الدور المنوط بالإنسان في الحياة لا يمكن ~~أن يكون دور مشاهد سلبي لا يملك أن يفعل شيئا، وإنما دوره الأول أن ~~يثبت وجوده ويعزز كيانه في عالم معقد متشابك تصطرع فيه قوى متعددة ~~متباينة، وعلى الإنسان أن يجاهد ليفرض مثله العليا على هذا العالم، وفي ~~وسعه أن يختار فيؤثر الخير وينبذ الشر، # 80 # والتجريبية الراديكالية تشهد أيضا بأن الحقيقة لا وجود ~~لها في العقل، وإنما هي قائمة في التجربة الحية، وفي الحاضر الماثل، ~~وفي ذلك الميدان الذي أمارس فيه نشاطي، فأقبل وأرفض وأعارض وأوافق، ~~وأتردد وأقرر وأغامر وأضيف جهودي إلى تاريخ العالم، وفي كل لحظة يتقرر ~~واحد من الإمكانيات العديدة التي تعرض لي ويتم لي تحقيقه، فيتحقق شيء ~~جديد في العالم، وهذه هي النقطة التي ينحني عندها خط الأحداث ~~المستقبلة، ويتجه اتجاها معينا دون آخر، هذه اللحظات التي يتبدى فيها ~~الاختيار واضحا ليست حالات استثنائية ولا نادرة تطرأ على مجرى الأشياء ~~بل هي في صميمها تطبيق لقاعدة عامة، هي قاعدة العالم وقاعدة الحياة، ~~ففي كل زمان ومكان ثمة اختيار، # 81 # وبهذا لا تجعل التجريبية الراديكالية الحرية مرهونة بلحظة ~~شاذة غريبة، أو عالم مفارق، بل تجعلها في صميم بنية العالم من حيث هو ~~لاحتمي، فتمهد للقضاء المبرم على الشيزوفرينيا، والذي وطد له جيمس ~~بمعالجته لسيكولوجيا الإنسان/إنسان يملك إرادة تحدد كم الانتباه، ~~الحرية ليست كائنة، أو بالأحرى منفية إلى نومينا أو روح مطلق أو أنا ~~متعال، بل هي كائنة في نفس هذا العالم الذي نحيا فيه، ويمر بخبرتنا ~~تعدديا لاحتميا، أي غير مصبوب في قالب نهائي بل يحمل مستقبله أكثر ~~من إمكانية، وفي تعيين وتحقيق إحداها فعل حر، ذو جدة وموضع ~~للمساءلة. # أما من الناحية البرجماتية، فثمة ارتباط بين ميتافيزيقا تعددية لهذا ~~الكون، وبين البرجماتية التي سبقتها إلى ذهن جيمس، حتى يمكن أن يكونا ~~وجهين لعملة واحدة، فالبرجماتية ms160 تطبيق للتعددية، ويمكن أن يكون العكس ~~أيضا صحيحا، فالمنهج البرجماتي والمعيار البرجماتي للحقيقة يطبقان ~~مرارا وتكرارا في البرهنة على التعددية وعلى رفض الواحدية، والتعددية ~~أيضا تطبيق للبرجماتية، بمعنى أن التفسير البرجماتي للمعرفة يهيئ ~~حالة خاصة للميتافيزيقا التعددية. # 82 # ثم إن التعددية ترتبط ارتباطا متينا بالأشياء كما هي في تنوعها ~~واختلافها، وتلتحم بالصراع المحتوم في ميدان الحياة، كل فرد منا في هذا ~~الخضم البرجماتي ينبغي أن يواجه العالم ويتصدى للحياة، فيؤدي دوره ~~ويختار مصيره. # 83 # وإذا تساءلنا لماذا؟ أو بتعبير برجماتي أدق: ما فائدة ~~التعدد واللاحتمية وحرية الإرادة الإنسانية؟ لكانت إجابة جيمس: لكي ~~نقهر الشر. نزعة جيمس العملية والعلمية التجريبية والواقعية الجديدة، ~~تفرض عليه الاعتراف بحقيقية الشر وواقعيته وبجدوى الجهود الإنسانية ~~المبذولة لقهره أو تقليصه إلى أضيق نطاق ممكن، من أجل حياة أسعد، عارض ~~جيمس بشدة الطلاق الأفلاطوني للخير من حيز الوجود، وأصر على أن المثل ~~الأعلى والواقع مطردان مستمران باتصال ديناميكي، إلا أن جيمس لم يكن ~~أقل معارضة من جورج سانتيانا لأي اختزال للمثالي إلى الواقعي، المثل ~~الأعلى شكل مفضل للحياة شيء يتحول إلى واقع عن طريق طاقة الإرادة. # 84 # وها هنا نتبين جدوى الحرية، وأفضلية عالمها اللاحتمي التعددي، إنه ~~سيظل دائما في دور التشكيل والتقويم بينما عالم الواحدية ثابت لا ~~يتغير، يعتقد جيمس أن هذا العالم إذا خلا من الشرور واستجاب لجميع ~~مطالبنا، لما كان لنا (أو بالأصح لما كان ثمة فائدة برجماتية) من أن ~~نعترض على أن يكون موضوع ضرورة - مطلقة - غاية الإطلاق، ولما كان لنا ~~الحق في الحرية، فغاية ما نصبو إليه في عالم اجتمعت له كمالات إلهية ~~هو أن نتأمل وحدته في سموها ونعمل على صونها، كما يفعل الحتميون، ولكن ~~الأمر يختلف في هذا العالم الذي نمارس فيه فعلا تجربة الحياة ويحاول ~~العقل فهمه، من الأكيد أنه في حاجة إلى الإصلاح والتعديل، وهذه حاجة ~~تنفيها الحتمية، أما جيمس فيعلن بلا حتميته أن العالم يمكن أن يكون ~~أفضل، وهذا الإمكان ليس تصوريا فحسب، بل هو واقعي وعملي، ms161 ويتضمن ~~واقعتين؛ أولا: نحن متأهبون، بما اجتمع لنا من مثل عليا وما تحمله ~~الحرية من مسئولية بإزائها، للنضال من أجل تحقيقها، ويقتضي منا هذا أن ~~نتدخل تدخلا فعالا في مصير العالم، وثانيا: هذا العالم ليس كتلة ~~صارمة وإنما هو جماع من عناصر مستقلة، بحيث يمنعنا من أن نعزل جانبا ~~ما يتراءى لنا شرا. # 85 # وكان هذا الدافع البرجماتي وراء قول جيمس إن اللاحتمية ~~بتعدديتها هي الوسيلة الوحيدة لتحطيم هذا الكون إلى أجزاء خيرة وأجزاء ~~شريرة، تمهيدا لمناصرة الأولى ضد الثانية. # وأخيرا بقيت ملاحظة أن جيمس أحاط تماما بهذا التبرير البرجماتي ~~لقضية قهر الشر؛ فلم يفته وجهها المقابل للحتمية الفيزيقية أي الوجه ~~الثيولوجي، من المعروف أن الشر والإله ذا القدرة الشاملة ينجم عنهما ~~معضل: فلو كان هناك مثل هذا الإله الشامل القدرة للزم أن يكون مسئولا ~~عن كل ما يقع، والشر بعض ما يقع، فإما أن نقول إن الرب عندئذ مسئول عن ~~الشر أو إنه عاجز عن درئه، وجيمس يفضل البديل الثاني والعجز هنا معناه ~~أن الرب لا يحيط بكل شيء في الوجود، بل هناك إلى جانبه سائر العقول ~~والإرادات، وهي أدنى منه وأصغر غير أنها موجودة ومسئولة عما تصنع، # 86 # وبهذا لا يجعل جيمس من وجود الرب دحضا للحرية، ولا دحضا ~~لجدوى الكفاح من أجل قهر الشر. # على هذا النحو تتوطد الحرية الأنطولوجية تماما، خصوصا من حيث هي ~~وسيلة لتحسين العالم # Meliorism ~~؛ # 87 # لذلك قلنا في البداية، إن الحرية مع جيمس مكملة لهذا ~~العالم. # وقد نرفض التبرير البرجماتي، بل والمنهج البرجماتي بأسره؛ لأنه لا ~~يعنى بأبسط مهام منهج التفكير، أي إقناع العقل ليتصرف على أساس هذا ~~الاقتناع، وليس العكس كما تدعي البرجماتية بدائرية غريبة، # 88 # ومع هذا لا نستطيع إلا التسليم بأن المنهج البرجماتي بمذهب ~~التحسين، يبلور الحجة الأخلاقية للحرية ، أي جدوى الثواب والعقاب، والذي ~~يقينا من مصير حيوانات السيرك الذي نئول إليه إذا ما سرنا مع سكينر ~~وأقرانه من علماء النفس الحتميين، وهذا ما عبر عنه جيمس بقوله: «إن ms162 ~~المسألة الوحيدة في العواقب المترتبة على قضية حرية الإرادة، إنما هي ~~مذهب التحسين، والذي تجعله اللاحتمية ممكنا». # على أية حال، عرف جيمس كيف تؤتى الحرية في العالم اللاحتمي، وإذا ~~حذفنا كل العناصر البرجماتية بمعنى النفعية، فلن يتأثر تناوله السليم ~~للمشكلة، وقد راعينا أن نفعل هذا، فأتى العنصر البرجماتي في نهاية ~~الحديث، حتى لو حذف لما تأثرت المعالجة كثيرا، ولظلت الحرية محصلة ~~منطقية لعالم لاحتمي أنطولوجيا، وواقعة مجدية فعالة في عين هذا ~~الوجود، لا تتناقض بأية حال من الأحوال - بل تتسق تماما - مع محاولة ~~العقل العلمي لفهم هذا الكون واستكناه طبيعته بما فيه ومن فيه. # طالما تخلصنا من الحتمية وجدنا العلم قبل غيره يؤكد أن الإنسان حر ~~يمارس ألوانا من الاختيار، وبين هذه الألوان من الاختيار - كما يؤكد ~~جيمس - تتضح سمات الحقيقة الواقعية، وتستبان خصائص العلم، الاختيار ~~يمضي من الماضي وينفذ خلال الحاضر وينطلق إلى المستقبل، وفي كل اختيار ~~إشارة إلى إمكانيات مستقبلية، سيتقرر مصيرها أيضا باختيار جديد، ~~وكطبيعة الحرية تلقي على كاهل الإنسان مسئولية ضخمة، فهي لا تجعله ~~مجرد حلقة في سلسلة قد تقرر مصيرها بفعل علل خارجة عنه وخاضعة لضرورة ~~مطلقة لا يد له فيها، إنما تتمثل المسئولية في العالم اللاحتمي، ففيه ~~فعالية للإنسان، وفيه مقدرة على الخلق والتجديد والإبداع. # 89 # الإنسان حر الأفعال، يستطيع أن يقدم الجديد إلى العالم، وبهذا الجديد ~~يتحدد المستقبل، الحرية تنقذ التاريخ من الهبوط إلى محض تكرار مستقيم، # 90 # الإنسان حر، وتاريخه حاصل قراراته وأفعاله الحرة. ~~••• ~~(36) إدنجتون، آرثر ستانلي # Eddington S. A. ~~(1882-1944): أعظم عالم فلك في القرن العشرين، يقف في الصف الأول من ~~فيزيائيي نظرية النسبية، هو راهب من رهبان المعرفة، نذر حياته الهادئة ~~من أجلها، من أجل العلم والفلسفة، فكان غزير الإنتاج في كليهما، وطبعا ~~في العلم أكثر وأقيم، ولكن له اهتمامات فلسفية عميقة جدا، ونسق يوسم ~~بأنه ملغز غامض يقوم على نوع من المثالية المعرفية، ويسلم بمبادئ قبلية ~~شبيهة بالمقولات الكانطية، بعبارة أخرى، هو فيلسوف من طراز كانط كما ~~يحلو له ms163 أن يصف نفسه. # يدفعنا إليه ويدفعه إلينا، إنه ~~آمن باللاحتمية العلمية المعاصرة وبانفراج معضل الحرية على أساسها، ~~كما لم يؤمن بأية قضية فلسفية أخرى، وكان أسعد حظا من وليام جيمس فقد ~~عاش في الزمن الذي شهد اللاحتمية العلمية، بفضل يعود إلى جيله، أي جيل ~~إدنجتون من العلماء، فتمكن من الانتقال إلى قضية الحرية الأنطولوجية ~~انتقالا أسلس فلسفيا. # البعض يرى إدنجتون واقعا في براثن المثالية المتطرفة، خصوصا لتدخل ~~عناصر صوفية حدسية في فلسفية. # ولما كنا تعاقدنا في المدخل على تنزيه معالجة القضية من مثل هذه ~~العناصر التي تثير جلبة الرافضين، فلا بد وأن توضح بادئ ذي بدء أن ~~معالجة إدنجتون لقضية اللاحتمية العلمية والحرية الإنسانية بمنأى عن ~~هذه العناصر، وخصوصا معالجته لقضية اللاحتمية، إنه عالم فيزيائي أولا ~~وقبل كل شيء فلا ينبغي أن نخشى كثيرا من مثاليته الفلسفية، وإن لم ~~نلق الموضوعية مع علماء الفيزياء، فأين نجدها؟! ولكنها ليست الموضوعية ~~المطلقة المستحيلة التي تراءت لأوهام الحتميين، والتي انتهينا منها يوم ~~أن انتهينا من المطلق، بل الموضوعية المعاصرة علميا وفلسفيا والتي ~~قد يطلق عليها مصطلح # Inter-subjectivity # البين ذاتية أو ~~التشارك بين الذوات، لا ينبغي أن نخشى مما يوصم به إدنجتون من ذاتية ~~متطرفة، وأوضح الأدلة على تبرئته من هذا إلى حد كبير، واقعة معروفة ~~مؤداها أن مبدأ هيزنبرج كان مطروحا في البداية تحت اسم مبدأ اللايقين Principle of Uncertainty # بما ~~يحمله هذا الاسم من دلالة إبستمولوجية محضة، بل ذاتية من حيث تجعله ~~واقعا تحت طائلة تفسير الحتميين الذاتي لكل لاحتمية، وكان إدنجتون هو ~~المسئول عن التسمية الشائعة له الآن، أي اللاتعين # Indeterminacy ~~، # 91 # بما تحمله من دلالة موضوعية، تجعله إبستمولوجيا ~~وأنطولوجيا في آن واحد. # وبالنظر إلى حركة العلم المعاصر إبان انقلابه على الحتميين خصوصا في ~~عشرينيات القرن العشرين، يتضح أن إدنجتون على رأس من تحمسوا لكشف العلم ~~المعاصر عن الطبيعة اللاحتمية للكون، ورحبوا بانهيار الحتمية، لقد بدت ~~اللاحتمية أمامه بوضوح رؤية صاف، قل أن تمتع به علماء آخرون من جيله، ~~سخر علمه ms164 الغزير من أجل قضية اللاحتمية، وسخر اهتماماته الجادة ليوضح ~~أن: ~~«أن هذه التطورات الأخيرة حملت معها انسحاب العلم تماما من موقف ~~العداء الصريح للإرادة الحرة، حتى إن هؤلاء الذين يتمسكون بالنظرة ~~الحتمية للنشاط الذهني يجب أن يتمسكوا بها على أساس دراستهم للعقل ~~ذاته أو كنتيجة لهذا، وليس لأنهم بهذه الحتمية يجعلون العقل متوافقا ~~مع معرفتنا التجريبية بقوانين الطبيعة اللاعضوية». # 92 # على أن هذا الحتمي لا بد وأن يكون واقفا بمعزل عن التطورات ~~الفيزيائية، فكما يقول إدنجتون: ~~«لقد انزاحت الحتمية من موقعها الفيزيائي الذي بدا لا يتقهقر، ونحن ~~طبعا نتشكك كثيرا في دعاويها لكي تضمن موقعا في مجالات الخبرة الأخرى». # 93 # لم تعد الفيزياء كما كانت، ملاذا أرحب للحتميين بما تسبغه على الكون ~~من حتمية كاملة، لن ينفصم عنها العقل والفعل الإنساني، وهو جزء من كل، ~~وطبعا، إذا كان للعقل أن يتحرر من الحتمية، فلا بد وأن يتحرر منها ~~العالم الفيزيقي أولا، وكما يؤكد إدنجتون: ~~«الآن لم يعد ثمة عائق أمام هذا التحرير فبعد أن وقفنا على الطبيعة ~~اللاحتمية للكون يمكن أن نقتنع تماما بأن الإرادة الحرة أصيلة وحقيقية.» # 94 # النظرة العلمية الشاملة الموحدة، المنشودة من الجميع، سواء حتميين أو ~~لاحتميين، جعلت الحتميين يرون أن الأفعال التي تبدو محكومة بالإرادة ~~الحرة هي في الحقيقة أفعال انعكاسية محكومة بالعمليات المادية في المخ، ~~وأن أفعال الإرادة محض ظواهر فرعية متآنية مع الظواهر الفيزيقية، لكن ~~أوليس أساس هذا الافتراض أن نتائج تطبيق القوانين الفيزيائية على ~~الذهن حتمية تماما، وبعد أن انهارت حتمية القوانين الفيزيائية، تنهار ~~الدعوى بأن سلوك الدماغ بجملته ميكانيكي حتمي تماما، ويغدو لغوا بغير ~~معنى القول بأن سلوك الذهن الذي هو الدماغ الواعي هو على وجه الدقة نفس ~~سلوك الدماغ الميكانيكي، # 95 # وطالما أن القوانين الفيزيائية ليست علية صارمة، فقصارى ما ~~يمكن قوله إن سلوك الذهن أو الدماغ الواعي واحد من سلوكيات محتملة ~~للدماغ الميكانيكي، والواقع، أن هذا هو الأمر، وبمنتهى الدقة، والقرار ~~الذي نفصل به بين السلوكيات المحتملة (أي بين بدائل ms165 السلوك المطروحة)، ~~بحيث نسلك واحدا منها فقط، وهو ما نسميه بالاختيار الإرادي الحر. # 96 # يوضح إدنجتون أن الانقلاب اللاحتمي للعلم المعاصر يريحنا تماما من ~~المتاعب الآتية من الشقة القائمة بين علوم المادة الجامدة وعلوم المادة ~~الحية، إن لم يكن قد أزالها، على الرغم من هذا فإنه - وهو الذي يوصم ~~بالذاتية - يرفض بتبصر رائع محاولات المماثلة البلهاء بين قفزة ~~الإلكترون وحرية الإنسان الواقعة في أسر النزعة البدائية التشبيهية ~~بالإنسان. # يقول إدنجتون: «قد يثار التساؤل: وهل قفزة الذرة قفزة معينة من قفزات ~~الكوانتم المحتملة أمامها، يتم أيضا باختيار إرادي؟» والواقع أن هذه ~~المماثلة بجملتها مرفوضة ولا أصل لها، كل ما في الأمر هو أنه لا يوجد ~~شيء في العالم الذي نعرفه بقراءة مؤشرات الأجهزة العلمية الكاشفة، يحتم ~~سلفا قفزة الذرة، ولنقل جدلا، قرارها بهذه القفزة بالذات، وهذه واقعة ~~في العالم الفيزيقي لها نتائجها في المستقبل ولكن ليس ارتباطات علية ~~بالماضي. # أما في حالة الدماغ فلدينا تبصر بدخيلة العالم الذهني الكامن من ~~خلف عالم قراءة المؤشرات، ومن هذا العالم نظفر بصورة جديدة عن حقيقة ~~القرار الذي يجب أن يؤخذ، # 97 # والأساس المشترك هو أنه ليس ثمة شيء اسمه العلية، لا في ~~قفزة الذرة ولا في قرار المخ، بعبارة أخرى، إنها الطبيعة اللاحتمية ~~لبنية هذا الوجود بكل ما فيه ومن فيه. # هذه اللاحتمية تعني مجالا لعدم إمكانية التنبؤ، إنه المجال القائم ~~في الأنساق الفيزيائية، وأيضا في حركات الأجسام الإنسانية، ويبقى ~~التساؤل: هل عدم إمكانية التنبؤ في المجال الإنساني واسعة كما هي في ~~حالة ذرة الراديوم، أم أنها صغيرة يمكن إهمالها كما هي في حالة حركة الكوكب؟ # 98 # يترك إدنجتون جانبا هذا التساؤل العسير، الذي لم تجب عنه ~~العلوم الإنسانية بعد، ويفترض أن ثمة عاملا لاحتميا واسعا، عاملا ~~فيزيقيا، يتحكم في سلوكنا، ربما كان مجاله خاضعا لعوامل عقلية خالصة ~~بصورة تنفي الحرية، ولكن العوامل العقلية الكائنة قبل حدوث الحدث ~~معطيات مشروعة للتنبؤ في العلوم الإنسانية، مثلا جريمة القتل التي سوف ~~أرتكبها في الشهر القادم، قد ms166 تتحتم بصورة جزئية بالنزوع إلى القتل ~~الموجود الآن في عقليتي، شريطة أن يكون هذا النزوع قابلا للتحديد ~~والتعريف بصورة أخرى، غير أنه من المحتمل أن أرتكب جريمة قتل وقد ~~يتحدد هذا بأعراض عقلية معينة، أعراض من قبيل تلك التي يعرضها أولئك ~~الذين يرتكبون فيما بعد جريمة قتل، فهل يعني هذا أن ثمة حتمية عقلية ~~تنفي الحرية الإنسانية، بعد أن استرحنا من معضل الحتمية ~~الفيزيقية؟ # يدحض إدنجتون هذا، أو على الأقل يرفضه على أساس أن ثمة تعقيدا لا ~~مبرر له حين أن نصادر على الحتمية بالنسبة للعمليات العقلية، ~~واللاحتمية بالنسبة للعمليات الفيزيائية، وأنه من الصعب أن نتبين كيف ~~يمكن تطبيق حتمية عقلية مماثلة لحتمية الفيزياء الكلاسيكية، التي هي ~~الأصل في كل دعوى حتمية الآن؛ لأنه ليس ثمة مماثلة بين إمكانية التنبؤ ~~في أنساق هذه الفيزياء، والحالات والكميات العقلية بصميم طبيعتها ليست ~~معطيات للتنبؤ الدقيق، # 99 # يرمي إدنجتون إلى إثبات أن الحتمية العقلية يصعب عليها أن ~~تأتي بأية أسانيد مستقلة، بعد أن انهارت الحتمية الفيزيقية. # إن اللاحتمية الفيزيقية قد أصبحت مسلمة الآن، ويرى العالم ~~الإنجليزي إدنجتون أن التسليم بلاحتمية تصرفاتنا الجسدية هو في حد ذاته ~~الخطوة الحاسمة في إطلاق حرية الذهن # Mind # التي عادة ما تختلط بالتساؤل حول حرية الإرادة، # 100 # فحتى المؤثرات الفيزيقية للإرادة يجب أن تضم أعدادا واسعة ~~من الذرات (الخلايا)، وبالتالي علينا أن نقر بلاحتمية بدرجة أعلى من ~~تلك التي نقرها في أي نسق مماثل لاعضوي. # 101 # الحتمية الفيزيقية أو الكونية كانت هي المعضل، وبانفراجه أي ~~باللاحتمية تنفرج كل المشاكل الأخرى، وفي نهايتها الشيزوفرينيا الآتية ~~من غربة الكون الفيزيقي عنا وغربتنا عنه، لكن اتضح أن نسيجه لم يعد ~~«يختلف عن نسيج الروح». # 102 # فيقول إدنجتون إنه من المتعذر علينا الآن أن نسلم بنظرية ~~تجعل الحياة والروح أكثر آلية من الذرة الفيزيائية نفسها. # 103 ~~••• ~~(37) «كومتون»: من العلماء المبرزين الذين أدلوا بدلوهم في هذا ~~الصدد، عالم الفيزياء الأمريكي آرثر ~~هولي كومتون # A. H. Compton ~~(1892-1962) وهو صاحب الكشف الفيزيائي ~~المهم الموسوم ms167 باسمه: تأثير ~~كومتون # Compton Effect ~~، والذي يعد من أهم تعزيزات نظرية الكوانتم، أو ~~بدقة أكثر تعزيزات تطبيق آينشتين لها في دراسته للتأثير الكهروضوئي، ~~واكتشافه الفوتون كوحدة أولية للضوء، وجاءت نظرية كومتون كأوضح ~~البراهين، وكإثبات حاسم لوجود الفوتون، وأيضا دراسة القوانين تلك ~~الظاهرة الجديدة بصورة غاية في الدقة وطرح تفسير لها، جاء «تأثير ~~كومتون» نتيجة لدراسة تلك الظاهرة الكهروضوئية، والتأثير الكهروضوئي ~~حينما ينتج عن أشعة إكس، ليثبت أن هذه الأشعة بدورها تتكون من وحدات ~~فوتونية خاضعة للكوانتم، وكان من المعروف أن الأشعة إذا اصطدمت بجسم ~~معدني، فإن جزءا من هذه الطاقة يتشتت في كل الاتجاهات على صورة أشعة مبعثرة، # 104 # وقد درس كومتون أشعة إكس وأشعة إكس المبعثرة، ووضع عام ~~1923 نظريته «تأثير كومتون»، ومفادها: «اختزال أو تخفيض طاقة فوتون ~~كنتيجة لتبادله الفعل مع إلكترون حر»، ذلك أن جزءا من طاقة الفوتون ~~ينتقل إلى الإلكترون (الإلكترون المرتد أو إلكترون كومتون) وجزء يتوجه ~~ثانية بوصفه فوتون الطاقة المختزلة هو بعثرة # Scatter # كومتون، # 105 # وكما توضح السمة الكوانتمية فإن تأثير كومتون من المعاول ~~التي انهالت على حتمية الفيزياء الكلاسيكية، وأحد معالم الخروج النهائي ~~من العالم الحتمي. # وفوق هذا، انشغل كومتون انشغالا عميقا بمشكلة الحرية، وأخرج ~~كتابيه «حرية الإنسان» و«المعنى الإنساني للعلم»، وكان - قبل مبدأ ~~هيزنبرج - يقلقه جدا الكابوس الحتمي، يقلقه لأنه نظام مغلق تتفاعل ~~عناصره مع بعضها تبعا لقوانين محددة لا تسمح إطلاقا بتدخل عناصر ~~أخرى كالإرادة الحرة، ومن ثم أدرك أنه من العبث الحديث عن أية حرية مع ~~التسليم بالحتمية العلمية، وبالتالي بدا له أن التطورات العلمية ~~المعاصرة ينحل معها المأزق، ويعبر في كتابه «المعنى الإنساني للعلم» عن ~~الارتياح العميق تجاه هذه التطورات، فيقول: «بتفكيري الخاص في هذا ~~الموضوع الحيوي، فإنني في حالة عقلية أهدأ من أية حال يمكن أن أكون ~~فيها في أية مرحلة سابقة من مراحل العلم.» فإذا افترضنا أن عبارات ~~القوانين الفيزيائية صحيحة، فقد كان علينا أن نفترض - كما فعل معظم ~~الفلاسفة - أن الشعور بالحرية وهم، وإذا اعتبرنا الاختيار ms168 الحر ~~فعالا، فإنه لا يصح الاعتماد على قوانين الفيزياء وكان هذا المعضل ~~مرهقا جدا، أما الآن، فلم يعد ثمة أي مبرر لاستعمال القانون ~~الفيزيائي كدليل ضد الحرية الإنسانية. # 106 # من أجل هذا كان انتصاره لقضية اللاحتمية العلمية، بعد أن ترجمها أبلغ ~~وأعظم ترجمة بكشفه الفيزيائي المذكور، بل ودفعه انشغاله الفلسفي الجاد ~~بقضية الحرية إلى أن يقول «اللاحتمية الفيزيائية لا تكفي، يجب أن نسلح ~~أنفسنا بإيمان عميق باللاحتمية.» # 107 # كقضية فلسفية مطلقة. # وسار كومتون في اتجاه اللاحتمية تقريرا للحرية إلى أبعد حد، حتى بدا ~~وكأنه قد تطرف؛ فقد كان من الذين اتخذوا من نماذج الكوانتم النظرية ~~تصميمات تفسر - أو على الأقل توضح - إمكانية الحرية الإنسانية، ~~والنموذج يستخدم لا تعيين الكوانتم، وعدم إمكانية التنبؤ بقفزة ~~الكوانتم، كنموذج لقرار إنساني عظيم الأهمية، إن النموذج يتكون من ~~تعظيم لأثر قفزة منفردة؛ بحيث إنها إما أن تسبب انفجارا، وإما أن تحطم ~~الوضع الضروري لإحداث الانفجار، وبهذا تصبح قفزة الكوانتم المنفردة، ~~مكافئة لقرار عظيم. # 108 # اعترض الفيلسوف الكبير كارل بوبر على هذا، قائلا إنه ليس في ~~الأنموذج تماثل مع أي قرار عقلاني متبصر، إنه بالأحرى نموذج لنمط صنع ~~القرار الذي يحدث حينما يعجز الناس عن اتخاذ القرار، فيلجئون إلى رمي ~~قطعة نقود، والواقع أن مجمل جهاز تعظيم قفزة الكوانتم يبدو بغير ضرورة، ~~فرمي قطعة النقود، واتخاذ القرار على أساس نتيجة الرمية يفعل هذا ~~بالمثل، وقد يقال إن بعض قراراتنا مثلها مثل رمية النقود، قرارات خاطفة ~~تتخذ بغير تدبر وتعمد، طالما أننا في بعض الأحيان لا نملك الوقت ~~الكافي للتدبر والتعمد كما في حالة قيادة السيارة أو غيرها، وبالتدريب ~~تأتي القرارات صائبة بما يكفي، ونموذج قفزة الكوانتم نموذج لقرارات من ~~هذا النوع، قرارات خاطفة. ويعترف بوبر بأنه من المعقول أن شيئا ما مثل ~~الأثر العظيم لقفزة الكوانتم قد يحدث بالفعل في أذهاننا، إذا كنا نتخذ ~~قرارا خاطفا، ولكن هل القرارات الخاطفة مهمة؟ أو أنها مميزة للسلوك ~~الإنساني العقلاني؟ يجيب بوبر بالنفي، منتهيا إلى أننا لا يجب أن ms169 ~~ننساق كثيرا مع قفزات الكوانتم؛ لأنها تجعل عالم الصدفة المحضة هو ~~بديل عالم الحتمية الكاملة كما قال الحتميون من مدرسة هيوم وشليك. # 109 # وليس الأمر حتمية شاملة ولا هو صدفة محضة، بل هو عالم من ثوابت ~~يتدخل فيه عنصر المصادفة، ليضع أكثر من احتمال داخل نظام العالم، ~~فيمكن أن نختار بقرار إرادي حر أيا من هذه الاحتمالات، دون أن تخل ~~بالنظام، وما دام الأمر هكذا، فإن كومتون في واقع الأمر لم يشتط ~~كثيرا، وإذا كان قد صمم بالفعل أنموذج الكوانتم، فإنه لم يحبذه ~~كثيرا، والتعلل بقفزة الإلكترون لا يخل من معالجة مشكلة الحرية؛ ~~لأنه لا علاقة له بالحرية التي هي كائنة طالما أن العالم لاحتمي، إن ~~أنموذج قفزة الإلكترون كان لحل مشكلة أخرى، هي مشكلة العقل والمادة، ~~والعلاقة بينهما وبين بعض النظريات في هذا والتي يقبلها كومتون (كما ~~سوف نشير في الفقرة القادمة) تومئ بأن عقولنا تؤثر على أجسامنا بواسطة ~~قفزات الكوانتم، وكأنها بهذا إعادة صياغة عصرية متطورة، لحل ديكارت ~~لمشكلة العقل والمادة عن طريق الغدة الصنوبرية (وقد مال إدنجتون إلى ~~مثل هذا)، كومتون لا يرفض هذه الحلول، لكنه لا يميل إليها، إنه لا ~~يرفضها من أجل فرض واحد هو: توضيح أن اللاحتمية الإنسانية (الحرية) لا ~~تتعارض مع فيزياء الكوانتم # 110 # كما تعارضت من قبل مع فيزياء نيوتن مكونة ذلك المعضل ~~العسير. # إن انشغال كومتون العميق بمشكلة الحرية أدى به إلى الانشغال بمشكلة ~~تأثير العناصر الإنسانية البحتة على العالم الفيزيائي البحت، أي تأثير ~~الأغراض والتعمدات والخطط والقرارات والنوايا وسائر المقولات الإنسانية ~~على العالم الفيزيقي الذي نحيا فيه، بعبارة أخرى، انشغل بمشكلة تأثير ~~المعنى على السلوك، مثلما انشغل بمشكلة العقل والمادة والعلاقة بينهما. # 111 # ورأى كومتون أن حل هاتين المشكلتين يعتمد على مصادرة الحرية، وقال ~~في هذا: الحل يجب أن يفسر الحرية ويجب أن نفسر أيضا كيف أن الحرية ~~ليست فقط الصدفة، بل هي بالأحرى التداخل ذو الدهاء بين شيء ما عشوائي ~~يشبه التحكم المقيد أو الانتقائي - كهدف أو معيار - وهذا ms170 الأخير ~~بالقطع ليس ضربة لازب حديدية، # 112 # هكذا كانت الحرية عنده اختيارا بين إمكانيات، وبين ~~التزامات متعارضة، إنها حرية مرتبطة بالتحكم، التحكم المرن Plastic Control # كمقابل ~~للتحكم الحديدي # Iron Control Cast ~~- الذي يأتي مع الحتمية وانتفاء إمكانيات الاختيار، # 113 # ارتباط الحرية بالتحكم، هو صميم مصادرة كومتون عن ~~الحرية. # بهذا يوضح لنا كومتون هو الآخر كيف أن العالم المنظم أي الكوزموس ~~اللاحتمي الذي نحيا فيه هو موطن للأحرار المسئولين، لا معتقل ~~للمجبورين. ~~••• ~~(38) «النظرية العامة للحرية في العالم اللاحتمي»: والواقع أن كينونة ~~الحرية في العالم اللاحتمي تكاد تكون مسلمة فلسفية عامة، ولعله قد ~~اتضح الآن أنها نتيجة منطقية تكاد تلزم من محض تحليل الحدود: تحليل حد ~~الحرية وحد العالم، بصرف النظر عن مشكلة العقل والمادة، ومشكلات أخرى ~~كثيرة، إذا نظرنا إلى الحرية الإنسانية في حد ذاتها فهي بطبيعتها ~~كائنة في، وفقط في، عالم يتميز بقدر من اللاحتمية، ولكن إذا كانت ~~المذهبية ووضع البطاقة الاصطلاحية دأب الفلسفة بما هي فلسفة، فيمكن أن ~~ندرج هذه الحرية العميقة الأصيلة الكائنة بصفة أنطولوجية أساسية في ~~العالم اللاحتمي تحت اسم مذهب قديم ومعروف، هو مذهب الحريين # Libertarianism ~~، ولست أقتنع إطلاقا ~~بأي ارتباط لزومي بينه وبين الحرية الأنطولوجية، ولا بينها وبين أي ~~مذهب أو اتجاه أو فيلسوف معين، وأيضا لست أقتنع بأية قوة معينة في ~~مذهب الحريين، وعلى الرغم من هذا فإنه لا بد من تقدير بحثهم الشغوف عن ~~أي لاحتمية من أجل الحرية. # مذهب الحريين - ببساطة - مذهب أي فيلسوف رأى الإنسان مختارا حرا، ~~بغير حاجة لخداع النفس، ولا للفرار من هذا العالم ولا لوأد العقل أو ~~العلم والإنصات لهواجس المشاعر وخفقات القلوب الرومانتيكية المراهقة، ~~وقد ظل هذا المذهب أو الاتجاه طوال تاريخه وطوال تاريخ الفلسفة من أضعف ~~ما يكون، حتى شاع نعته بأنه مذهب غريق، وأية محاولة لإنقاذه بدت يائسة، ~~وسوف نرى أنه لم يعد هكذا بفضل اللاحتمية العلمية المعاصرة. # مذهب الحريين يتسع لأي اتجاه يرى الحرية الإنسانية هي المقولة ~~الأساسية وكل ما عداها يتكيف تبعا لها، ms171 بدءا من الحرية ~~الميتافيزيقية حتى الحرية السياسية، حيث نجد مذهب الحريين أشد تطرفا ~~في تمسكه بالحرية من مذهب الليبرالية # Liberalism ~~، # 114 # ولعله أساسا مذهب أخلاقي، بدأ مع الأخلاقيين بحيلة ساذجة ~~لتفادي الأثر الأخلاقي الوبيل الناجم عن الحتمية، فقالوا إن الإنسان حر ~~لأنه مسئول، وهذا بالطبع وضع للعربة قبل الحصان، فالمفروض أن الإنسان ~~مسئول لأنه حر أو غير مسئول لأنه غير حر، وليس العكس؛ لأن الحرية هي ~~الأساس الأنطولوجي والمسئولية هي النتيجة العينية البعدية المترتبة ~~عليها. # لقد فعلوا هذا لأنه قبل التطورات المعاصرة للفيزياء لم يكن ثمة أية ~~حجة قبلية للاحتمية إلا هذه الحجة الأخلاقية، «وما كان باستطاعة أحد أن ~~يجرؤ على اقتراح أية حجة بعدية أو برهان تجريبي على وجود أحداث خارج ~~الذهن البشري ليست محتمة تماما». # 115 # ولكن كما يقول موريس كوهين، يجب أن تتخلى تماما عن الحجة البلهاء ~~القائلة إن الإنسان حر لأنه مسئول، أو لأنه يعاقب ويثاب، والسبب بسيط ~~هو أننا لا نستطيع إثبات أي شيء عن طريق حجة مؤداها أنه إن لم يوجد فلن ~~نجد تبريرا لما نريد أن نبرره، إنهم يقولون ما كانت الإنسانية ستحمل ~~أي شخص مسئولية ما لم تعتقد في الحرية، وعمومية هذا الاعتقاد تؤدي إلى ~~افتراضات قبلية في صالحه، ولكن هذه العمومية لا تصدق من الناحية ~~التاريخية، فمعظم الجبريين كالهندوس والجبريين الإسلاميين والكالفينيين ~~المسيحيين، لم يترددوا في تحميل الإنسان مسئولية أفعاله، ولم تكن ~~الخطيئة في الوعي البدائي دائما فعلا للإرادة الحرة، بل وإن أبشع ~~الخطايا قد ترتكب بغير قصد، مثلا لمس تابوت العهد القديم اعتبرته ~~السماء مستحقا للعقاب، والكاثوليك يعلمون أن الطفل غير المعمد يحرم ~~من البركة. # على هذا، فلا تعارض دائما بين انتفاء الحرية والمسئولية وبين ~~استحقاق الثواب والعقاب، # 116 # والأدهى أن حجتهم الأساسية كانت ملقاة على قارعة الطريق، ~~إنها «الحس المشترك وحدسه القوي الفوري الذي يستشعره البشر جميعا بأن ~~حرية الاختيار حقيقة واقعة»، # 117 # وفي محاولة تعميقها، يربطون الحس المشترك بالتجربة ~~الوجودية الحية، وكانت أقوى محاولة لتأسيس مذهب الحريين على ms172 حجته ~~المأخوذة من الحس المشترك، هي تلك التي قام بها تشارلز كامبل، على أنه ~~يرى في الأخلاق المجال الأوحد للحرية، فأوضح أننا لا بد وأن نأخذ في ~~الاعتبار دليل الخبرة الداخلية للفاعل الأخلاقي ذاته، أي من منظور ~~مشاركته الفعلية في الفعل عينه، حيث يمر بخبرة حرية الاختيار وإمكانية ~~أن ينساق للإغراء أو يقاومه ويخضع للواجب، الفاعل يمر بخبرة القرار ~~والفعل الأخلاقي بوصفه نشاطا مبدعا، وهو على هذا حر، # 118 # والخلاصة أن تحليلات كامبل الفينومينولوجية لظاهرة الإرادة ~~الحرة في الأخلاق، قد انتهت به إلى الآتي: «التفكير في فعل القرار ~~الأخلاقي حينما يقبض عليه بجمع اليدين من المنظور الداخلي، يؤدي ~~بالفاعل إلى إدراك إمكانية ثالثة بمنأى عن الضرورة، وذلكم هو النشاط ~~الخلاق، حيث لا يحدد الفعل شيء إلا فعل الفاعل له.» # 119 # وهكذا تؤكد لنا خبرة الحس المشترك أن الإنسان حر. # ولكن هل يصلح الحس المشترك كحجة يقوم عليها مذهب فلسفي؟ إنه حتى ولو ~~كان هكذا كما رأى جورج مور وكامبل وسواهما، فإنه - كما أثبتنا آنفا - ~~إن كان يحدس الحرية، فإنه أيضا يحدس الحتمية الفيزيقية فيفسح المجال ~~للنقيضين، مؤكدا الوقوع في الازدواجية والشيزوفرينيا التي نهيب بحرية ~~المذهب أن تبرئنا منها، وعلى أية حال، كنا قد انتهينا في (الفقرة 10) ~~من أية محاولة لإثبات الحرية على أساس الحس المشترك. # هكذا كانت بداية مذهب الحريين ضعيفة، والمذهب ذاته أضعف، وأي تحليل ~~له يؤدي إلى نتائج ليست فقط لا يمكن الدفاع عنها، بل أيضا متناقضة ~~مع ذاتها ومع مسلمات لا يمكن الإعراض عنها. # ومنطوق هذا المذهب يقوم على أن الإنسان يمكن أن يثاب أو يلام على ~~الفعل، فقط إذا كان يستطيع أن يختار، وبالتالي يستطيع أن يتصرف بطريقة ~~أخرى، وتقريبا كل الفلاسفة أيا كانت مشاربهم يتفقون على أن إمكانية ~~التصرف بطريقة أخرى هي المقدمة الشرطية الضرورية للمسئولية الخلقية. # 120 # ومن هنا يقرر هذا المذهب ببساطة أن الإنسان حر؛ لأنه يستطيع أن يفعل ~~غير ما يفعله، بمعنى أن ثمة بديلا آخر متاحا له ومفتوحا أمامه، ~~والفاعل قد ms173 اختار بفعل إرادي حر واحدا من هذين البديلين (أو أكثر من ~~اثنين)، الخلاصة: طالما أن الإنسان مسئول يثاب ويلام، فلا بد وأنه حر ~~مختار بين بدائل متاحة له. # إذن قد بات واضحا لماذا كان هذا الاتجاه ضعيفا غريقا، وكانت ~~الحرية بأسرها هكذا، فتلك هي النتيجة المتوقعة من صراعه اليائس مع ~~جبروت الحتمية التي تشكل المعضل الأخلاقي (راجع فقرة 11)، وتحكم بأن كل ~~حدث ضروري وسواه مستحيل فتنتفي تماما إمكانية البدائل تلك، وهي الشرط ~~الأساسي لمذهب الحريين، ولكل حرية، الحتمية العلمية تقرر ببساطة، ~~وبيقينها المطلق دائما، أن أحدا لا يستطيع أن يفعل غير ما يفعله، ~~«وإذا كان كل فعل لكل فاعل يعتمد بظروفه الخاصة على شرط فيزيائي معين ~~قد تم تحققه، وكانت الأفعال الإنسانية ككل لا يمكن أن تتحرر من قانون ~~المعلولات الفيزيائية والعلل المحتمة تماما»، # 121 # كان التناقض الإبستمولوجي، فضلا عن التناقض المنطقي # 122 # قائما بين الحتمية العلمية وبين مذهب الحريين، وإقرارهم ~~بإمكانية فعل بديل غير ما فعل. # ولما كان الحريون لا يملكون إلا اعترافا بأن العالم الفيزيقي هو بلا ~~جدال الإطار الذي تحدث داخله الأفعال الإرادية، # 123 # كانت الحتمية العلمية تلزمهم - كما تلزم سواهم - بالاعتراف ~~بأن مثل ذلك البديل ليس البتة متاحا أمام الفاعل، فيظل المذهب مجرد ~~أحلام طوباوية، فمن أين السبيل إلى الواقع، والواقع حتمي؟ عادة ما ~~يتلمس الحريون ذريعة مؤداها أن «الحتمية الكونية نسبية، وحرية الاختيار ~~أيضا نسبية»، # 124 # وأنا حر في الحالات العادية التي لا يوجد فيها مانع خارجي ~~يحول بيني وبين تحويل اختياري للبديل إلى فعل «ولست حرا في الحالات الأخرى»، # 125 # فصحيح أن الأحداث والأفعال السابقة قد تحتم فعلا وبصورة ~~كاملة تلك اللاحقة، ولكن يمكن أن نجد بعض أحداث أو أفعال غير محتمة ~~تماما بسوابقها، وها هنا فقط تقع الحرية والمسئولية، # 126 # ولكن أين يمكن أن نجد مثل هذه الأفعال؟ يجيب الحريون: ~~إنها تقع في المستقبل، فقد ميزوا بين «يمكن» على وجه العموم وبصورة ~~أنطولوجية، وبين «يمكن أن يفعل» بصورة عينية على وجه الخصوص، التي ms174 تخص ~~الفاعل المعين في الموقف المعين، هذه تعني «يستطيع»، وتحليل يستطيع هو ~~بالضبط تبيان لكل عمله الذي لم ينجز بعد، # 127 # أي القائم في المستقبل؛ وعلى هذا نجد أن النطاق الملائم ~~للفعل الحر والإرادة لا يطابق بحال أي شيء في العالم الفيزيقي، إنه فقط ~~يؤثر عليه. # لذلك فالعالم بخصائصه العلية، مهما كان حتميا هو بالنسبة لنصير ~~هذا المذهب ملائم تماما لتأكيد أنه لا شيء في هذا العالم يحتم تماما ~~الغايات النهائية والمواضيع والمثل التي يعمد الفاعل الحر - إذا ما كان ~~حقيقة حرا - إلى تغييرها في العالم. # 128 # وهذه حجة واهية، فالحتمية المهيمنة على كل ما يحدث داخل الإطار ~~الفيزيقي هي كل لا يعرف نسبية ولا أجزاء، وليست فقط منطبقة على ما هو ~~كائن، بل هي أساسا تحتم لزوم ما سيكون عنه، أي تحتم المستقبل بصورة ~~كاملة كوليد شرعي للماضي؛ لذلك، فمثل هذا التذرع بالمستقبل لإجراء ذلك ~~التغيير الإرادي وتحقيق تلك الغايات الحرة، لا يعدو أن يكون قصورا في ~~الرمال، بل في الهواء، ولكن هل يفلت حتى الهواء من بين فروج أصابع ~~الحتمية؟! # هكذا نتبين أن مأساة المذهب هي ذاتها مأساة أو معضل الحرية في ~~العالم الحتمي، خصوصا البعد الأخلاقي للمعضل، وكانت مجمل مناقشات ~~أقطابه محاولات يائسة لمهادنة الحتمية على العموم والحتمية العلمية على ~~الخصوص، والتملص من بعض نيرها، # 129 # بعبارة أخرى سبب ضعف المذهب وعجزه عن الاعتراف القوي ~~الواثق بالحرية هو في جوهره وخلاصته وعماده، أن المذهب في حاجة شرطية ~~لزومية إلى اللاحتمية، ولكن من أين يأتي بها؟ لا مجال لهذا التساؤل ~~الآن بعد أن أهدانا العلم المعاصر لاحتمية مكينة. # وتماما كما أن المذهب يتناقض منطقيا مع الحتمية العلمية وعالمها ~~الذي يلغي الحرية، فإنه يتسق منطقيا مع - وفقط مع - اللاحتمية ~~العلمية وعالمها الذي يتسع للحرية، ليس فحسب، بل وأيضا يلزم عنها - ~~فقط عنها - لزوما منطقيا، فإذا تذكرنا أن فكرة البديل هي أساس مذهب ~~الحريين، كما هي في الواقع أساس أية حرية أنطولوجية، لوجدنا أن الطبيعة ~~الاحتمالية لأحداث العالم اللاحتمي، بنفيها ms175 لدرجة 100٪ عن أي حدث، تحمل ~~معها دائما وبالضرورة المنطقية احتمالا آخر له، حتى ولو كان 0,0001٪ ~~فإنه تعني أن مقولة البديل قائمة، ولا حدث مفروض بالضرورة الكونية ~~المطلقة؛ فتتوافر إمكانية الاختيار أمام الفاعل، ليصبح حرا ~~مسئولا . # على أن الخوف من المسئولية والخوف من اللاحتمية، يفصح عن وجهه الواحد ~~في صورة اعتراض على هذا التساوق القائم بينهما، والذي يطرح الحرية ~~بثقة واتساق، يفصح عن وجهه في صورة التساؤل الآتي: اللاحتمية تحمل في ~~سياقها العشوائية # Randomness # فأيهما ~~أفضل، أن تجيء الأفعال الإنسانية عشوائية أم أن تأتي بوصفها ناشئة عن ~~شخصية الفاعل؟ وبالطبع البديل الثاني أفضل، ويجمل بنا الأخذ به، لننتهي ~~إلى أن الأفعال الإنسانية محددة بعوامل البيئة والوراثة التي شكلت ~~شخصية الفاعل، أو حتى محددة فقط بخصائص شخصيته، وها نحن ذا قد وقعنا من ~~جديد في براثن الحتمية وبالتالي لم نفعل شيئا، وعلينا أن نعود من حيث ~~بدأنا. # وليس الأمر هكذا وأبدا لن نعود للحتمية، وكثيرون من فلاسفة الحرية ~~العلميين، منذ أبيقور ولوكريتوس حتى راسل وإدنجتون، قد تفادوا هذا بحجة ~~مقنعة، مفادها أن الفارق فيزيقيا بين الأحداث العشوائية وغير ~~العشوائية يعود إلى غياب أو توافر عنصر معين من عناصر التحديد، بطرحه ~~على الأفعال الإنسانية نتوصل إلى أن الفارق بين الأفعال القصدية ~~والعشوائية لا يرجع بالطبع إلى أن الأولى حتمية والثانية لاحتمية، بل ~~يرجع إلى عنصر الإرادة الحرة في الأول وغيابه في الثاني، # 130 # لتأتي الأولى متعمدة أي قصدية، والثانية عفوية، وبهذا نعود ~~إلى ما لاحظناه في إبستمولوجية العلم اللاحتمية خصوصا الفروع ~~الإنسانية من العلم، أي الإقرار بالحرية كعنصر هذا العالم، ولا فهم ~~سليما له إذ نحن تجاهلنا هذا العنصر الأنطولوجي الجوهري الأصيل: ~~الحرية الإنسانية، إذن فقد ارتدت سهامهم إلى صدورهم وجعلونا نأتي ~~بتأكيد أعمق لأنطولوجية الحرية، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، ~~يسهل تبيان تهافت هذا الاعتراض وأنه محض دوران منطقي حول الحتمية، حيث ~~إن العشوائية هنا تأتي بقصد إضفاء اللامعقولية على الأفعال اللاحتمية، ~~مثل هذا الاعتراض كثيرا ما يثار في صورة ms176 أخرى، وذلك حين يقال إن ~~التصرف أو الاختيار المحدد بين الاحتمالات سوف يصبح مع اللاحتمية ~~لامعقولا طالما أنه لا يوجد شيء يعين هذا الاختيار دون سواه، ولكننا ~~نتساءل أولا ما الذي يمكن أن يعين الاختيار الذي هو اختيار ويجعله ~~معقولا ومسئولا، إلا الحرية الإنسانية الواعية المعقولة والمسئولية؟ ~~ونتساءل ثانيا: «ما الذي يعنيه القول إن التصرف الحر أو اللاحتمي ~~معقول؟» إذا كان يعني «إبستمولوجيا» أن الحدث لا يمكن من حيث المبدأ ~~الاستدلال عليه استدلالا يقينيا، طالما أنه لا يتبع بالضرورة مقدمات ~~أخرى، لكان هذا يعني أن الحتمية أو التفسير الحتمي في ذات الهوية مع المعقول، # 131 # وهذا ما انتهينا من دحضه في المدخل، أما إذا قلبنا العملة ~~إلى الوجه الأنطولوجي وقلنا إن اللامعقولية هنا تعني أن الفعل لا يتبع ~~بالضرورة شيئا ما آخر، فإن هذا ليس نقدا للفعل الحر أو اللاحتمي بل ~~بالأحرى وصفا له. # من غير المعقول الاستمرار في الدائرة المفرغة القائلة إن الحتمية هي ~~ذاتها المعقولية، وهي فقط المعقولية، وقد حطمناها بالوقوف على ~~اللاحتمية في العلم المعاصر. # الوضع السليم الآن، كما أثبت تطور العلم على مدار القرن العشرين، أن ~~اللاحتمية هي المعقولية، وتصحب معها الحرية التي تعين اختيار سلوك ~~محتمل دون سواه. # هكذا يتجلى إنقاذ اللاحتمية العلمية لمذهب الحريين: # فقد اتضح أن محاولات تفنيده عجز عن تخلص العقل من الحتمية، فيجعلها ~~مرادفة للمعقولية، بالتالي يتصورون أن الأفعال إما عشوائية وإما حتمية، ~~وبالطبع الأفضل أن تكون حتمية، وأحسب أن التحليلات السابقة والآتية ~~للحتمية واللاحتمية العلمية تجعلنا ندرك مدى افتقار هذا الاعتراض ~~الدائري للنضج العقلي، فقد أدركنا أن العالم اللاحتمي، ليس كما يتصوره ~~المتخلفون زمانيا وعقليا، أي ليس عالما من العشوائية المحضة ~~والفوضى، إنه عالم ذو معينات (وليس محتمات) مثل عوامل البيئة والوراثة، ~~والشروط الفيزيقية والاجتماعية والتاريخية للموقف، وسائر العناصر التي ~~تخرج عن فعل وفعالية اختيار الإنسان، هذه العوامل لا تعني إلا الحدود ~~التي يمارس الفاعل داخلها حريته واختياره الإرادي ليكون التعيين ~~النهائي للموقف، وبدون تلك الحدود لا موقف وبالتالي لا ms177 حرية، بل ولا ~~عالم، ومن سياق هذه العناصر التي تعين - لكن لا تحتم - تتواتر الأحداث، ~~وكل أحداث الكون لاحتمية، ولكن ليس معنى هذا أنها جميعا عشوائية، ~~بالمعنى الذي يجعلها تنبثق فجأة كنبت شيطاني، ثمة فئة معينة من الأحداث ~~سوف يتحقق واحد منها، وليس أي حدث على وجه الإطلاق، هكذا بصورة ~~خزعبلية إبستمولوجيا وأنطولوجيا. # ومعنى هذا أن كل حدث يمكن أن يكون له بديل آخر - أو بدائل أخرى - ~~بغير أن يتهدم العالم وتتحطم سلسلة أحداثه وتقوم القيامة، أي أن ~~الإنسان حر، يمكنه اختيار أي من البدائل أو من الاحتمالات أو من ~~الإمكانيات المطروحة أمامه، على أن يتحمل في النهاية المسئولية، وإذا ~~أخطأ لا يلومن إلا نفسه. # وإذا عدنا إلى أخلاق التساهل التي رفعت الحتمية لواءها لقلنا ~~للحتميين إن الأمر ليس إشباع عقد نفسية وشذوذات سادية بالترفع عن ~~المخطئين والنيل من المجرمين أو صرعهم - كما قال ألبير باييه - ~~اللاحتميون أكثر من الحتميين - ألف مرة - إدراكا أنه لا أحد معصوم، ~~وأن تكوين وخصائص شخصية القديس أو شخصية الأثيم كأية عوامل في هذا ~~الوجود، معينات للموقف لا تحتم أي شيء بعينه، بل تحمل أكثر من إمكانية، ~~وحرية الإنسان تتدخل كعامل لتحديد أية إمكانية ستحدث. # المسألة أن اللاحتمية هي الواقع وهي المثال؛ لذلك ففيها التفسير ~~المعقول للأمر الواقع وللمثال المنشود من أن الإنسان يتحمل ولا بد أن ~~يتحمل مسئولية ما جنت يداه وألا يلقي بالملام على كيان وهمي اسمه ~~سلسلة العلل الفيزيائية والسيكولوجية والاجتماعية. # إنه الالتزام بالموقف الوجودي الذي تمليه اللاحتمية على الإنسان حين ~~تخبره أنهم خدعوه لما قالوا له إنه مجرد ترس الآلة الكونية العظمى، ~~ولما اتضح أن الكون ليس هكذا ... ليس آلة، انتهينا إلى أن الإنسان ليس ~~هكذا ... ليس ترسا، بل هو فاعل حر ومبدع ومسئول. # الفصل السادس # | انفراجة المعضل في عالم العلم المعاصر # (39) لو كان ثمة الكثير لكي نقوله هنا، لما كان ثمة داع لكل الحديث ~~السالف، المسألة أصبحت الآن أوضح من أن تحتمل جدالا. ~~(أ) # الحرية الإنسانية تعني إمكانية الاختيار بين ms178 بديلين أو ~~أكثر. ~~(ب) # حتمية العلم الحديث جعلت كل حدث محتوما، أي أن سواه ~~مستحيل، فلا بدائل، وبالتالي لا حرية. ~~(ج) # لاحتمية العلم المعاصر، تجعل كل حدث احتماليا بنسبة، ~~مهما كانت عالية، فثمة إمكانية مهما كانت ضئيلة فهي قائمة ، ~~إنها إمكانية لبديل واحد على الأقل، إن لم يكن ~~أكثر. ~~(د) # ولما كانت بدائل الأحداث قائمة، فإن حرية الإنسان ~~كائنة. # بكل هذه البساطة تنحل أزمة الحرية، ويئين للعقل البشري أن يهدأ ~~بالا من معضل العلم/الحرية، الذي أتاه بالوبال. # على أنها ليست حرية استواء الطرفين أو اللامبالاة كما وصمها ~~الحتميون، فلا استواء أبدا في العالم اللاحتمي، إنها حرية توافر ~~الطرفين فحسب، التي تحمل المسئولية المرهقة، وتتطلب مبالاة ضخمة، ~~لحسبان حساب كل من الطرفين أو الأطراف؛ تمهيدا للاختيار بينهما، ~~والعوامل المرجحة لا تحتم شيئا طالما أن البديل الآخر قائم، وهذا ما ~~تشهد به التجربة العينية الحية، كثيرا ما يختار الإنسان طرفا مبرراته ~~أضعف، وقد يصيب فتأتي إصابته نافذة، وقد يخطئ، والخطأ هو الثمن المدفوع ~~للحرية، وهو أيضا سبيل للتعلم، كما يشهد تاريخ العلم البحت من ناحية، ~~وكما تقر مناهج التربية وعلم النفس من الناحية الأخرى. # أتى المعضل من أن الحرية مضادة للعلة الكافية، أو لمبدأ العلية، ~~وقد اندثرت العلية من عالم العلم، وكان اندثار العلية، والحتمية ~~إجمالا، اندثارا للتناقض بين العلم وبين إنسانية الإنسان، هذا هو فضل ~~العلم المعاصر الذي يمكن أن يؤدي بلاحتميته إلى التقريب بين وجهات نظر، ~~طالما تصارعت وتناقضت باسم المرحلة السابقة من العلم ... المرحلة ~~الحتمية. # في العالم اللاحتمي الذي نبذ العلية، لا تكون المقدمة (أو العلة ~~جدلا) متبوعة بنتيجة واحدة أو جدلا بمعلول واحد محتوم، بل بعدد من ~~الاحتمالات، «فلتتصوروا أن حالة معينة من حالات العالم الجامد، ولتكن ~~«أ» يمكن أن يتبعها أي من الحالات المختلفة، مثل ب، ج، د، ... وكلها ~~تؤدي إلى حالات مختلفة للعالم في المستقبل، في العالم اللاحتمي لا يوجد ~~سبب بارز يجعل من الضروري أن تكون «أ» متنوعة بالحالة «ب» بدلا من «ج» ~~أو «د»، ms179 ولنفترض أنه في بعض الحالات التي تعرض للعقل البشري، يكون ~~للعقل بعض القدرة على توجيه بعض النواحي الدقيقة من العالم إلى أي من ~~الحالات: ب أو ج، حسب اختياره، بحيث تتفق كل الانتقالات: أ ← ~~ب، أ ← ج، أ ← د ... مع قانون بقاء الطاقة وكمية الحركة، ~~أعني مع أن الكون كوزموس منتظم، فسوف يكون لدينا عقل يؤثر على المادة ~~بدون أن يبذل قوة مادية أو تحولا للطاقة، وهو يشكل الكون إلى حد ما ~~وفق اختياره، # 1 # ويظل كوزموس قابلا للتعقل العلمي الرفيع. ~~••• ~~(40) «إنها اللاحتمية العلمية»: فقد حطت رحال العلم على شطآن ~~اللاحتمية المرهقة والمقلقة ولكن الرحيبة والواعدة، وانقطعت كل صلة ~~بينه وبين الحتمية الميكانيكية البائدة، لقد انتزعت اللاحتمية مقاليد ~~السلطة من الحتمية، فكان انقلابا من النقيض إلى النقيض، فكل ما تعنيه ~~اللاحتمية أن الحتمية كاذبة، إنها سلب أو نفي لها ولافتراض أن كل ~~الأحداث محددة سلفا بدقة مطلقة، وبكل تفاصيلها اللامتناهية في الصغر ~~أو في الكبر، تنفي اللاحتمية هذا، لكنها لا تعني ما عناه هيوم من أنه ~~ليس ثمة أية حادثة ترتبط بالأخرى، بل تعني أن القوانين التي تربط هذه ~~الأحداث ليست حتمية، فحتى لو كان ثمة حدث يشترط آخر كظرف أساسي أو أولي ~~له، أو كان بينهما علاقة وثقى فليس يعني هذا علية، فضلا عن أبدية ~~المبدأ العلي، أو أن ذلك الحدث فضلا عن كل الأحداث محتمة ~~سلفا. # مع النظرة اللاحتمية الأبسط والأرحب والأصدق، والمتخلصة من كافة ~~النزوعات اللاعلمية، نجد عدة عوامل تؤدي علاقاتها ببعضها إلى عدة ~~احتمالات، كلها ممكنة وحدوث أي منها أو عدم حدوثه لن يهدم العلم، ولا ~~العالم، ولن يحيله إلى فوضى، إنه تعاقب الأحداث اللاحتمي لا تسلسلها ~~الحتمي، وتتابعها وفقا للقوانين الاحتمالية لا العلية، والأحداث في ~~كلتا الحالتين مترابطة ومنتظمة، وقابلة للتعقل والتفسير القانوني ~~والنسقي، ولكن شتان ما بين التفسيرين. # حلت اللاحتمية محل الحتمية، فحل الترابط الإحصائي بين الأحداث محل ~~الترابط العلي، والاتجاه المحتمل محل الاتجاه الضروري، واحتمالية ~~الحدث محل حتميته، لم يعد حدوثه ضروريا ولا ms180 حدوث سواه مستحيلا، ~~فأصبح التنبؤ العلمي أفضل الترجيحات بما سوف يحدث، وليس كشفا عن القدر ~~المحتوم، ومن ثم انقطعت كل همزة وصل بين العلم وبين الجبرية العتيقة، ~~بعد أن تكفل في مراهقته الحتمية بمواصلة مسيرتها، إنه زيف المطلق الذي ~~انكشف لما تصدعت تصورات الزمان والمكان المطلقين والثوابت المطلقة، ~~فاختفى المثل الأعلى للعالم بالحقيقة المطلقة كشيطان لابلاس الذي يعلم ~~كل شيء ويتنبأ بكل شيء، لما اختفى المثل الأعلى للعالم الذي يدور كما ~~تدور الساعة المضبوطة، والنتيجة: أن ارتدع العلماء عن الغرور الأهوج ~~المريض الذي أكسبتهم إياه الحتمية. إنهم أدركوا سذاجة وسطحية تصور ~~العمومية لقوانينهم، بحيث لا تخرج من بين يدي أي منها ولا من خلفه ~~صغيرة ولا كبيرة، لا في الأرض ولا في السماء. # على هذا انتهينا إلى أن اطراد الطبيعة، الذي يبرر العلية وهي تبرره، ~~مثله مثلها افتراضات بلا أساس، كما أثبت تحليلات سابقة، أما ما أضافته ~~ثورة العلم اللاحتمية، فهو أنه لم يعد ثمة مبرر لبقائهما، ولا حاجة ~~لهما، إن الفيزيائي المعاصر الذي يعمل بالآلات الدقيقة في معمله ليكشف ~~عن قوانين انتظام الطبيعة، لا يعوزه البتة مفهوم الاطراد الحتمي؛ لأنه ~~يعلم حدود الدقة، ويدرك جيدا عبثية وصعوبة أن يجعل الظاهرة تكرر ~~نفسها تماما، إلا داخل حدود معينة من اللاتعين وبالتالي للخطأ ~~المحتمل، إنه الآن لا يبحث عن اطراد الطبيعة وأحداثها، ويكفيه انتظامها ~~القائم على أساس إحصائي، لا علي، ليبحث عن احتماليتها، أي ترددها ~~بنسبة مئوية معينة، مستمدة من ترددات لوحظت في الماضي، ويفترض أنها سوف ~~تسري تقريبا على المستقبل. لقد استرحنا أخيرا من العلية والاطراد، ~~ومن دورانهما المنطقي الشهير، انهارا معا حين تحققنا من دخول عنصر ~~المصادفة في بنية الطبيعة، فاكتسبت المصادفة ثوبا قشيبا، وتخلصت من ~~الأدران الجائرة التي طالما لحقت بها في عصور يقين العلم الحتمي، أما ~~اليقين فلا حديث عنه سوى أنه تبخر من دنيا العلم حتى شاع قول دارج ~~الآن: العوام على يقين من كل شيء، ويكفي أن العلماء ليسوا على يقين من ~~أي شيء. فقد ms181 كانت أبرز معالم الثورة العلمية وأشهر إنجازاتها، في أنها ~~جزمت - منطقيا - من أن أية قضية إخبارية بما هي إخبارية احتمالية ~~ونقيضها ممكن، ولا يقين إلا في القضايا التحليلية الفارغة من أي مضمون ~~إخباري وهي قضايا المنطق الصوري والرياضة البحتة ؛ وعلى هذا، إذا كانت ~~السمة الرياضية بينة للحتمية فإنها أيضا وبنفس الدرجة بينة لللاحتمية، ~~غير أنها في الواقع لا تصلح بينة لأي منهما، فالرياضيات محايدة تماما، ~~محض رموز تعبر بها عن مرموز إليه، ونملؤها بالمضمون سواء افترضناه ~~حتميا أم لاحتميا، على أن رياضيات الإحصاء وحساب الاحتمال المعقدة ~~النامية حديثا، هي ألف باء للعلم المعاصر، ومنطق الاحتمال عموده ~~الفقري، بعد أن كانت العلية هي العمود والعماد والعمدة، إنه ذلك التطور ~~المفاجئ الذي حل بمفهوم المصادفة، فحلت موضوعية الاحتمال محل ذاتيته، ~~خصوصا بعد نشأة ونجاح الميكانيكا الموجية البارعة، ومعنى حلول موضوعية ~~الاحتمال محل ذاتيته أن اللاحتمية أصبحت طبيعة العلم والعالم، ~~إبستمولوجيا وأنطولوجيا. # أما التصور الأنطولوجي للحتمية الميكانيكية فقد أضحى أثرا بعد عين، ~~خصوصا بعد النظرية النسبية، ولا تبقى إلا المادية الكلاسيكية، التي ~~كانت الأمينة كل الأمانة على كل ما يقول به العلم، وهذه المادية ~~البليدة الساذجة قد أصبحت في نظر علماء الطبيعة المعاصرين نموذجا على ~~التفكير الذي راح عهده وتجاوزناه، إنه تفكير متخلف منحصر في الكتل ~~الصلبة التي تصطدم بها القدم حينما تتعثر في الطريق، وقد استحالت ~~المادة على أيدي العلم المعاصر إلى كائن أكثر شفافية من أي كيان تحدث ~~الروحانيون عنه. # وإذا قارنا هذا بعناصر الحتمية التي عرضها المدخل - في التعريف بها - ~~اتضح كيف اندثرت الحتمية وتهاوت أوثانها. ~~••• ~~(41) فيالخيبة أمل لابلاس والحتميين جميعا! حقق العلم المعاصر ~~حلمهم فنزع القشرة الخارجية للعالم بل وللذرة، ولكنه - لوكسة الحتمية - ~~لم يكتشف وراءها آلة ميكانيكية هائلة، بل «اكتشف كل ما يثبت خطأ ~~التفسير الميكانيكي لفيزياء نيوتن وخطأ الزعم بأن كل الظواهر خاضعة ~~لقوانينها، الآن ومنذ بداية هذا القرن [العشرين] تم رفض هذا التفسير ~~نهائيا، واتضح مدى سذاجة تصوراته العينية لمفاهيم الكتلة والقوة». # 2 # ضاع مرام الحتميين ms182 في التحديد الفردي لمسار وموضع كل جسيم، ~~وكثوابت مطلقة تظل كما هي بمنأى عن أية تغيرات متوقعة، فتصلح مقدمة ~~للعلم الشامل. # وسبحان مغير الأحوال، لقد انقلبت الأوضاع الآن، «واللاحتمية التي ~~كانت حتى عام 1927 قرينة الجهل والإظلام، أصبحت هي الطراز المسيطر ». # 3 # والمعلم الحقيقي على عصرية السمة العلمية، أما الحتمية ~~التي كانت المثال الأعلى وقدس الأقداس فقد أصبحت الموضوع الأثير لسخرية ~~العلماء، فيقول عنها العالم الفرنسي جان لويس دتوش # J. L. Destouches # إن قيمتها «لا ~~تزيد عن قيمة الرأي القائل بأن الحركة معدومة، أو بأن الأرض منبسطة.» # 4 # أما إدنجتون فيرى أن نصيبها من الصحة «لا يزيد عن نصيب ~~الفرد الروكفوري - أعني الفرض القائل بأن القمر مصنوع من جبن الروكفور». # 5 # وسواء انسقنا مع التيار السائد بين العلماء الشبان بالهزء والسخرية ~~من الحتمية، أو تجملنا بأن نرحم عزيز قوم ذل، فإننا قد أقبلنا على ~~مرحلة جديدة من التطور، وأصبح لزاما علينا توديع «ذلك العصر السعيد ~~المليء بالثقة، الذي يفترض أنه من الميسور وصف الماضي واكتناه ~~المستقبل، إذا عرفت لقطة واحدة من لقطات الماضي». # 6 # كان عصرا سعيدا تسوده آراء سعيدة قيل عنها باستخفاف إنها ~~«أملت في بناء عالم من كرات تافهة». # 7 # لا نقصد الحط من قدر العلم الكلاسيكي، وليس فينا من يفعل ~~هذا، فقد حقق نسقه الجليل الذي ظل هكذا حتى اليوم، إنما المقصود الحط ~~من شأن حتميته البائدة، والتي اتضح أنها فكرة عن العالم على شيء كبير ~~من السذاجة، فكرة عن عالم فيزيقي يمكن وصفه بدقة متناهية، إن لم يكن ~~بواسطة علماء اليوم فعن طريق علماء الغد». # 8 # لقد ظنوا أن كل تغيير يجب تصويره بكميات محددة الموضع في ~~المكان وفي مجرى الزمان، وأن هذه الكميات لا بد وأن تيسر الوصف الكامل ~~لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، وسيتم هذا الوصف تماما بواسطة ~~معادلات تفاضلية أو مشتقات جزئية تتيح لنا تتبع موقع الكميات التي تحدد ~~حالته، ويا له من تصور رائع لبساطته! توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه ~~لمدة ms183 طويلة، # 9 # إنها الواحدية الشاملة، لكن تأكدنا الآن من «أن الأمل في ~~التمكن من تفهم العالم كله عن طريق جزء صغير منه لا يمكن أبدا أن يدعم منطقيا». # 10 # ولم تكن الحتمية إلا حلما من أحلام اليقظة، حلما بالعلم الشامل، ~~الذي يغدو أكثر حقيقية بكل تقدم تحرزه الفيزياء، حتى أصبح يبدو وكأنه ~~كابوس مرعب لا يمكن الهرب منه. # 11 # وارتهن التحرر من هذا الكابوس باقتحام العالم الميكروسكوبي، لقد ~~حاصرت الحتمية الفيزياء؛ لأنه على طوال مدى الظواهر الماكروسكوبية كانت ~~عدم القابلية للتنبؤ صغيرة بدرجة يمكن إهمالها، فبدت الصياغة العلية ~~الصارمة وكأنها أوضح وأبسط أسلوب للتعامل معها، وبالنسبة لسائر الأغراض ~~العلمية، وفقط حين تعرضنا للظواهر الميكروسكوبية أدركنا أن الصياغة ~~العلية غير دقيقة ولا يمكن أن تكون أساسية، وأنه من المستحيل الوصول ~~للنبوءة بدقة ويقين، # 12 # حتى ولو وجد عقل لابلاس الفائق، وكان الإحباط العنيد ~~لجهودنا من أجل إدخال المعرفة بهذا العالم الميكروسكوبي في قلب الخطة ~~الحتمية إيماءة بأن نبدل هذه الخطة، فقد ثبت أننا نهدف إلى مثال زائف ~~وخاطئ، مثال الوصف الكامل للعالم، وبأنه من الضروري البحث عن ~~إبستمولوجيا جديدة لتلائم هذه الظروف، # 13 # فلما كانت الإبستمولوجيا الحتمية - قائمة كمفهوم علمي - ~~على أن مبادئ الميكانيكا بديهيات أولية مبرهنة بذاتها غير قابلة ~~للتحدي، فإنها قد انتهت بنشأة الميكانيكا اللانيوتونية، وأدركنا أن ~~مبادئها الأولية كمبادئ أي فرع آخر من فروع الفيزياء، عرضية اتفاقية، ~~أي ليست مشتقة من قوانين المنطق المطلقة، وأن نقائضها فروض محتملة، بل ~~وأن صياغة نيوتن للجاذبية غير دقيقة في بعض الأركان والأبعاد، وليست ~~المسألة مسألة قانون فيزيائي معين، بل مسألة الدقة المطلقة للفيزياء ~~الكلاسيكية التي اهتزت بالأعمال التجريبية في الحركة البراونية والنشاط ~~الإشعاعي وظواهر الطاقة، # 14 # وسائر ما أوضحه المدخل عن أزمة العلم الحتمي وأيضا عن ~~ثورة العلم المعاصر والكوانتم والنسبية ... بهذا تحطمت الأسس الراسخة ~~للعلم وأصبحت لا يقبلها عقل، الزمان والمكان والمادة والأثير والكهرباء ~~والنزعة الميكانيكية والعضوية، المظهر البادي والنمط والبيئة والوظيفة ~~... كل هذه المفاهيم تتطلب إعادة التفسير، # 15 # وإذا ms184 كان هذا ممكنا فإنه يتضمن كارثة لتلك الأسس، هي ~~إنكار الحتمية. # لم تكن الحتمية مبدأ قبليا، ومع هذا لم يكن إنكارها متصورا ~~للعقول، ليس فحسب بل وأيضا أملاها العلماء كأمر واقع، وبوصفها نظرية ~~مهيبة، ولكن هذا المرسوم العلمي قد انقلب في النهاية إلى اقتراح لا ~~تجيزه الوقائع، # 16 # وكان من الصعب على اللاحتمية أن تشق طريقها في الفيزياء ، ~~إلى أن تطور التقنيات والأساليب الفنية للتعامل مع عالم لاحتمي، وقبل ~~هذا كانت اللاحتمية عاجزة عن منافسة الحتمية كأسلوب لوضع وقائع الخبرة ~~في نظام. # 17 # وكنتيجة لتقدم نظرية الكوانتم، لم تعد الفيزياء رهينة ~~النظام أو الخطة الحتمية الموهومة للقوانين، وتوقفت الحتمية تماما عن ~~أدنى مساهمة في الصياغات الأخيرة للفيزياء النظرية، # 18 # بدأ الأمر بلامبالاة تجاه الحتمية أو إهمال لها في المرحلة ~~الأولى لنظرية الكوانتم، على أساس أنه حتى ولو كان ثمة خطة علية صارمة ~~تكمن خلف الظواهر، فإن البحث عنها لم يعد أسلوب عمل مجديا، وثمة مثل ~~أخرى من الأجدى تعقبها، لقد أدرك الجميع أن العلية فقدت دورها، البعض ~~ندموا وأملوا في أن تعود يوما ما، وكان هذا مواقف شخصية والموقف ~~المعتمد هو اللامبالاة تجاه الحتمية أو أن أحدا لم يعد ينشغل بها، ~~وبعد أن حدث التطور الأعظم في نظرية الكوانتم الجديدة التي بدأت عام ~~1925 وتم اعتمادها عام 1927 حين ظهر مبدأ اللاتعين لهيزنبرج انقلبت هذه ~~اللامبالاة تجاه الحتمية إلى عداء صريح لها، وجهود موجهة بتعمد من أجل ~~الخلاص النهائي منها، # 19 # فقد توصلنا إلى نقطة هامة جدا، وهي أن اللاحتمية في ~~الفيزياء المعاصرة ليست البتة مجرد فشل للحتمية، كما لو كنا نصادر على ~~استئذان لفشلنا في اكتشاف العوامل المؤدية للحتمية، وكأن هذه العوامل ~~موجودة فعلا، لقد أصبحت اللاحتمية - خصوصا بعد مبدأ هيزنبرج - ~~تعميما كميا دقيقا، تماما كقوانين الطبيعة، وكأي من تلك التعميمات ~~التي كانت تشكل ما كنا نعتقد فيه من قانون علي، # 20 # بعبارة أخرى، لم يعد الأمر مقصورا على أننا لم نعرف بعد ~~أن الحتمية صادقة، بل بالأحرى لقد ms185 عرفنا أنها كاذبة. # 21 # فكان الانتصار الساحق للاحتمية، وتوطد نهائيا بفعل عوامل كثيرة، ~~أهمها أن الانتصارات العظمى للتنبؤات في الأوقات المتأخرة تقوم على ~~قوانين إحصائية صريحة، ولا تستند البتة إلى أي أساس علي، والأهم من ~~ذلك، أن القوانين الكلاسيكية المقبولة حتى الآن، والتي ظهرت في البداية ~~على أنها علية، قد أثبت البحث الدقيق أنها ذات طبيعة إحصائية. # من هنا حلت اللاحتمية محل الحتمية في كل موضع، فأحرزت الفيزياء - ولا ~~تزال تحرز - تقدما سريعا؛ لأنها لم تعد تضع الخطة العلية كهدف عملي، # 22 # بعبارة أخرى بسبب التحرر من وهم الحتمية، أي الظافر ~~باللاحتمية، وبالتالي الظفر بعلم ليس ينفي الحرية الإنسانية، بل يتسع ~~تماما لها. ~~••• ~~(42) «الحرية الإنسانية في عالم العلم المعاصر»: إذا كان العلم ~~الراهن (وهو أقصى مد عقلي) يمكن أن يعلمنا كيف تكون العقلانية ~~والنسقية، يحمل عالمه كل هذه اللاحتمية، فكيف تبرز إذن تلك التصورات ~~التي ترى الحرية من مخلفات عصور الجهالة كيانا أهوج، عالمها اللاحتمي ~~عماء وفوضى، كل شيء فيه جائز ولا نظام له، ولا علاقة بين ~~أحداثه؟! # يعلمنا العلم المحدث علم النسبية والكوانتم، كيف أن العالم اللاحتمي ~~كوزموس منتظم، بل وذو ثوابت عتيدة تذوي بجوارها الثوابت الحتمية، تعني ~~اللاحتمية حدودا معينة للاحتمال، ومجالا محددا للإمكانيات، بعبارة ~~أخرى ثمة أوضاع معينة ولكنها ليست محتمة، وهذه الأوضاع المعينة هي التي ~~تمارس الحرية من خلالها، عن طريق الاختيار بين البدائل والسبل ~~المطروحة للسلوك، وليس أي سلوك أو تصرف على الإطلاق، مثل ذلك العالم ~~الذي يمكن لأي شيء فيه أن يصبح أي شيء، والذي يتوقع من أي شخص فيه أي ~~سلوك أو أي تصرف ... مثل هذا العالم لا يتراءى لغير عقول مريضة يعوزها ~~العلاج النفسي، وهو عالم ليس يصلح للحرية ولا للحتمية، بل إنه لا يصلح ~~للوجود أصلا، فضلا عن الوجود المتعقل المعاش. # عوامل البيئة والوراثة والدوافع السيكولوجية، ومعها الجينات أو ~~المورثات، لا تنفي أهمية الفوارق الفردية، وليست تحركنا كما تحرك ~~الخيوط الدمى، بل تسهم في طرح احتماليات معينة للسلوك المعين في الوقت ms186 ~~المعين، وقد تجعل لواحدة من الإمكانيات احتمالية أعلى من سواها، ومهما ~~كانت عالية، فليس ثمة حتمية لا فرار منها، إنها تسهم في تشكيل الموقف ~~الذي تمارس الحرية من خلاله، وطبعا كثير من العوامل التي تشكل ~~الموقف ربما لم يخترها الفاعل، ولا يمكنه أن يختارها، ولكن مهما كان ~~فيها من عسف وظلم - كأن يبلى دونا عن الجميع بمصيبة أو عاهة - فإن ~~الحرية الأنطولوجية كائنة، تمكنه من مواجهة المصيبة بأكثر من تصرف؛ ~~ليكون المجال العيني لإثبات عزم الإرادة وقوة الحرية، أما عن الظلم في ~~حد ذاته، فليس يتعلق بقضية الحرية الإنسانية، بل ربما بقضية العدالة ~~الكونية. # رأينا - في المدخل - كيف ينتظم الكون الفيزيقي في نظامه البديع ~~بقوانين كلية إحصائية، بمعنى أنها ليست ضربة لازب أو قضاء محتوما على ~~الجسيم المنفرد، بل يظل الجسيم المنفرد - في العالم اللاحتمي التعددي - ~~يحتفظ بشيء من الفردانية داخل القانون، أجل، كلنا ننشد أن تصل العلوم ~~الإنسانية إلى درجة التقدم الباهر التي أحرزتها الفيزياء وحين يصل علم ~~الاجتماع إلى هذه الدرجة، سيظل كل فرد في المجتمع محتفظا بشيء من ~~الفردانية ... من الحرية ... داخل القانون الإحصائي الدقيق. # إن الفيزياء المعاصرة تتنبأ بالحدث، وبدرجة احتماليته ودرجة اللاتعين ~~الكائنة فيه بمنتهى الدقة، فهل سيستطيع علم النفس هذا يوما، فيتنبأ ~~بالسلوك الإنساني ودرجة الحرية الكائنة فيه؟ هذا أمل علمي بحت، وليس ~~يهم الفلسفة كثيرا، فكما أوضحنا الحرية الأنطولوجية، إما أن تكون أو ~~لا تكون، إما منفية وإما مثبتة، وقد سحب العلم حتميته التي تنفيها، ~~إنها إذن غير منفية. # وليست الحرية غير منفية فحسب، بل يمكن جعلها مثبتة إيجابيا، إنها ~~اختيار بين عدة أحداث، لاحتمية العالم تجعلها كلها ممكنة، ولا تفرض ~~أيا منها، ولكن واحد فقط هو الذي سيحدث، وربما يحدث فيزيقيا ~~كمصادفة موضوعية، ولكن إذا كان الموقف على مستوى السلوك الإنساني وتدخل ~~عنصر إنساني فعال، فأحدث هذه الإمكانية دون سواها، مع أن سواها كان ~~يمكن أن يحدث لو لم يتدخل هذا العنصر بالذات، فإن هذا العنصر أو العامل ~~الفعال، هو ما نسميه ms187 بالحرية الإنسانية، إنها إمكانية أو قوة الاختيار ~~المتعمد وهي سلوك إرادي موجه، وبهذا يحمل الفعل الإنساني طابع الجدة، ~~وتصبح المسئولية كائنة: فهل هذا الاختيار الموجه يتناقض مع المعايير ~~والمبادئ الأخلاقية التي يسلم بها الفاعل؟ # مع اللاحتمية يختلف موقف اللص عن موقف المصاب بجنون السرقة، الأخير ~~وعيه غير سوي، ومرضه ينفي أو يضعف احتمالية السلوك السوي المتسق مع ~~المبادئ الأخلاقية، فلا مسئولية، أما مع اللص فقد انتفى هذا النفي، ~~لتصبح المسئولية كاملة، سطحية الحتمية أفضت إلى ضم الإنسان والحيوان ~~والجماد في نسق العالم الواحد مما يرفع المسئولية عن الإنسان على أساس ~~أنه خاضع لنفس حتمية الحجر الساقط على رأس شخصه فقتله، ولما كان من غير ~~المعقول أن نلوم حجرا، كان من غير المعقول أن نلوم أي قاتل، أما خصوبة ~~ورحابة وفعالية التصور اللاحتمي الذي يعني التعامل مع متغيرات أكثر، ~~فيمكنه أن يضيف عنصر الوعي والجهد الإرادي المتعمد كعامل متميز في ~~دراسة وفهم الإنسان، فيتحمل مسئولية ما فعل دونا عن الحجر الساقط غير ~~ذي الوعي. # تلك هي النتيجة المتوقعة من انهيار التصور الميكانيكي الذي يرد كل ~~شيء إلى كتل المادة الصلبة الساذجة، بل وانهيار الكتل الساذجة ذاتها ~~وانحلالها إلى جسيمات وموجات، والذي لا خلاف عليه الآن، أنه قد اتضح أن ~~مكونات المادة لا تشابه بأية حال الكريات الصغيرة والحبيبات الدقيقة ~~التي كانت متصورة كمكونات للمادة في العالم الحتمي، أو كمكونات ~~للعالم الحتمي ذاته، ومن المؤكد أن انهيار هذا المفهوم الحتمي للمادة، ~~يمكن أن يكون فاتحة سبيل قد يفضي إلى قهر الثنائية الكبرى: العقل ~~والمادة، ومن المؤكد أكثر أنه بالتكوين الجديد للمادة والنسيج الجديد ~~للعالم الفيزيقي، يمكن أن يتحقق نسق العلم الواحد المنزه عن قهر ~~إنسانية الإنسان والذي يرسم صورة لعالم نحن لسنا غرباء عنه كما كنا ~~غرباء عن عالم العلم الحتمي بافتراضه التعسفية الجائرة، العالم ~~اللاحتمي أصبح أقل قسوة وفظاظة، ومن الممكن التصالح معه، والبرء من ~~الشيزوفرينيا الأليمة. # وكيف لا نبرأ منها؟ وقد أتى تصور الإنسان الفاعل الحر المسئول من قلب ~~البناء ms188 الأنطولوجي المستقي من الدلالة الإبستمولوجية للعلم، أي التفسير ~~العقلاني للكون، المتوج بحلم أن يحرز العلم ككل وكفروع أقصى درجات ~~التقدم، وبعد أن ودعنا مرحلة الشيزوفرينيا ومبرراتها، أصبح كل تقدم ~~للعلم اللاحتمي ظفر للإنسانية من كل الوجوه، وبكل أبعادها، فلم يعد ~~العلم ليمضي في طريق إنكار الحرية الإنسانية، ولم يعد يملك حججا ضد ~~معايشتنا الفطرية للحرية والاختيار. ~~••• ~~(43) والحق أن في هذا القول تواضعا مجافيا للواقع، فالعلم المعاصر ~~لا يقتصر على سحب إنكاره للحرية، بل أن يستلزمها، عرف علم النفس ~~الفلسفي الإرادة الحرة بأنها الاختيارات التي نقول عنها إنها غير ذات ~~حتمية ضرورية من قبل الجهاز العصبي، أو من أية علة فيزيائية أخرى، # 23 # فرفضها علم النفس الحتمي، على أساس أن العلل الفيزيائية لن ~~تترك شيئا بغير أن تحتمه، فكانت الإرادة الحرة معبرة عن اللاشيء عن ~~الوهم، ولكن الفيزياء المعاصرة علمتنا أن العلل الفيزيائية لا تحتم ~~شيئا، وأن ذلك التحديد هو الوهم الباطل، فاستطاع علم النفس المعاصر، ~~المعاصر جدا، أي علم النفس ~~المعرفي # Cognitive Psychology ~~«أن يستوعب هذا الدرس ويدرك أن الوهم الباطل ~~في الحتمية السيكولوجية، التي تتصور الناس وكأنهم ينظرون من ثقوب ~~الأبواب، منحصرين في صناديق، يستجيبون للمنبهات أو تعميهم الغرائز». # 24 # وكما تتعامل الفيزياء المعاصرة مع الاحتمال واللاتعين والمصادفة ... أي ~~مع اللاحتمية بوصفها واقعا أنطولوجيا أكيدا، يتعامل علم النفس ~~المعرفي مع الحرية الإنسانية كواقعة أنطولوجية أكيدة لكي يصل إلى صورة ~~أدق للنفس البشرية، ألا وهي صورة الكائن العضوي النشط، الذي يتعلم ~~الكثير عن بيئته وعن نفسه ويتفاعل مع خبراته المعرفية ويفعلها وهو ~~بسبيله إلى الاستكشاف واتخاذ القرارات والتصرف، إن التخيل والتفكير ~~والتذكر تحررنا من البيئة المباشرة، ليكون ثمة قدر من الحرية، ونحن ~~ندفع ثمن هذه الحرية بإمكانية الوقوع في الخطأ، فمن الممكن أن نتصور ~~أشياء ليست حقيقية وأن نتذكر أشياء لم تحدث قط، لكننا نكتسب إمكانيات ~~النظر في بدائل جديدة. # 25 # إذن بعد أن كانت الحتمية السيكولوجية تحديدا هي الحلقة المفضية ~~مباشرة إلى معضل الحرية في عالم العلم، أصبح علماء ms189 النفس المعاصرين ~~ليس فقط يعترفون بالحرية الإنسانية، بل يجعلونها مقولة أساسية بغية ~~فهم أعمق وأفضل لموضوعهم! فكيف حدث هذا؟ # إنها الثورة اللاحتمية في علم النفس: علم النفس المعرفي، الذي يوضح ~~أن المد اللاحتمي في العلوم الإنسانية قد وصل في علم النفس إلى حد ~~الثورة، من حيث إن علم النفس هو الذي يتعامل مع ظواهر الحرية ~~الإنسانية والإرادة، وكانت محاولته لإلغائها - وهي واقعة أكيدة - ~~انسياقا مع الحتمية العلمية، من أهم أسباب ما تردى فيه من التواءات ~~وعجز عن التوصل إلى نتائج علمية مرضية، وكما أشرنا آنفا، كان المد ~~الحتمي في علم النفس قد تمخض عن عدة مدارس، أسفرت عن اثنتين سادتا ~~الميدان بفضل قوة امتثالهما للحتمية وإلغاء الحرية، وهما تحليلية ~~فرويد وسلوكية واطسون ثم سكينر خصوصا هذه الأخيرة؛ بسبب افتقار ~~الفرويدية للسمة العلمية الوضعية الصارمة، وبطريقة جعلت نفسانيين جادين ~~يتبرءون ويبرئون علم النفس منها، وبعد أن سادت المدرسة السلوكية ذات ~~المنزع الحتمي الصارم، حتى كادت أن تصبح مرادفة لعلمية علم النفس، حدث ~~في منتصف خمسينيات القرن العشرين ما يشبه الزلزال، وذلك حين انصرف ~~علماء النفس إلى دراسة ظواهر الاختيار والإرادة محققين في علم النفس ~~الثورة اللاحتمية الموسومة باسم الثورة المعرفية: أي التي تدرس الظواهر ~~المعرفية والعمليات العقلية التي هي مظاهر الحرية والاختيار، فكان علم ~~النفس المعرفي والعلاج النفسي المعرفي كطريقة ثالثة للنظر إلى الطبيعة ~~الإنسانية، ومنافسة للتحليلية والسلوكية، # 26 # إنها الثورة التي يسميها جيروم برونر # Jerome Bruner # باسم الثورة بعد ~~الصناعية، أي المتجاوزة للثورة الصناعية بمثالها الميكانيكي الحتمي، ~~ويؤرخ لها بعام 1956. # أدرك علماء النفس أن أتباع سكينر قد تأثروا بما شاهدوه من سهولة ~~التصرف في السلوك الحيواني، فافترضوا أن الأفعال الإنسانية جميعا - ~~حتى الأفكار واللغة والدوافع والسمات الشخصية - يمكن تفسيرها بنماذج ~~متشابهة، وإن تكن أشد تعقيدا، بيد أن الجيل الجديد من النفسانيين ~~المعرفيين رفض هذه النظرية الآلية محتجا بأن هناك تراكيب وعمليات ~~للعقل لا سبيل إلى إحالتها إلى أخلاط من الاستجابات المدعمة، # 27 # فنظروا إلى القيود التي وضعتها السلوكية في نصف ms190 القرن ~~الأخير، بوصفها قيودا عقيمة وأنها كانت للأسف الشديد مصوغة على أساس ~~تصور للعلوم الفيزيائية عفى عليه الزمان. # 28 # كذلك لم يكن السلوكيون مهتمين بالمعرفة أي بعمليات التفكير، ولم ~~يأخذوا مأخذ الجد إمكانية أن تكون الطريقة التي يتصور أو يفكر بها ~~الناس مهمة بالنسبة للأفعال والتصرفات، وكانت جذور فكرتهم المتمركزة ~~حول الدافع، تمتد راسخة في عدم الثقة بالتفكير فيما يدور بالعقل، ورأوا ~~التجريب المعملي وحده هو الذي يمكن أن يؤدي إلى معرفة يعتمد عليها، ~~وترتب على هذا أن العمليات النفسية ينبغي أن تنزل إلى القاسم المشترك ~~الأصغر للحياة الحيوانية، وكتب سكينر عن سلوك الكائنات العضوية، في غلو ~~عنيف، مقترحا أن تنطبق مبادئه السلوكية على الحياة الحيوانية جميعا، ~~بل على المخلوقات الحية جميعا. # 29 # أما الثورة المعرفية اللاحتمية، أو ذلك التغير الدرامي الذي أصبح ~~واضحا وبدأ يفرض ذاته منذ ستينيات القرن العشرين، فهو يعني التخلي ~~التدريجي عن هذه النظرة القاصرة، أو على الأقل إضعافها، لقد جددوا ~~الاهتمام بأفكار الناس ومعرفتهم بوصفها عوامل سببية في الشعور وفي ~~الفعل، وفي الطرائق المختلفة التي يقومون بها الحوادث، # 30 # وفي هذه النظرة الجديدة، لم يعد الإدراك الحسي أو الذاكرة ~~وما يشبه ذلك يحال إلى نمط التعلم، بل أصبح يتطور على أنه أمثلة لحل ~~مشكلات، والكائنات البشرية بهذا تفكر ولها حياة عقلية. # 31 # والذي يهمنا أن جميع اتجاهات علم النفس المعرفي، تلتقي عند شيء ~~أساسي هو: الحرية الإنسانية، «فهي جميعا تتفق - ضمنا على أقل تقدير ~~- على أن الناس يختارون الكثير مما يعرفونه، وهذه الاختيارات تتم بطرق ~~شتى خلال الانتباه الانتقائي، أو تطبيق الإستراتيجية المعرفية أو ~~اكتساب المهارات المعرفية»، # 32 # إن الإدراك الحسي والتخيل كغيرهما من الأنشطة النفسية ~~الأخرى، تتضمن جميعها الاختيار، فهناك بوجه عام من الأشياء أكثر مما ~~نستطيع أن نشاهد، وأكثر مما نستطيع أن نستمع إليه، # 33 # ولكننا لا نشاهد كل وقائع البصر ولا نسمع كل وقائع الصوت، ~~بل ثمة انتقاء قوي يجعل وقائع معينة دون غيرها تدخل في حيز الإدراك، ~~وليس من الضروري أن ms191 تكون هي الأقوى في إثارتها للأعصاب الحسية، بل ~~الضروري أن تكون هي الوقائع التي توجهت نحوها الحرية والاختيار والجهد ~~الانتقائي، المثال الشهير في الأم التي راحت في نوم عميق، حتى إن جلبة ~~ضوضاء خارج نافذتها لن توقظها، مع هذا فأقل همسة أو بادرة بكاء من ~~طفلها الرضيع كفيلة بأن تجعلها تهب من نومها، والنفسانيون المعرفيون ~~يطلقون على الاختيار الإدراكي الحسي الذي أشبعوه دراسة - اسم ~~الانتباه ~~الانتقائي # Selective attention ~~، اللغة أيضا تخضع لهذا الاختيار ~~الانتقائي، «فنحن نحدث بعضنا بعضا بالحقيقة وبالأكاذيب أو بلا شيء ، إن ~~ثمة اختيارا للكلام، كما أن هناك اختيارا للإدراك الحسي، ونحن لا ~~نستطيع أن نتجنب تلك الاختيارات، مثلما لا نستطيع أن نتجنب اللغة نفسها ~~لأننا بشر». # 34 # هكذا يقوم علم النفس المعرفي على أن الإدراك والتخيل واللغة، وغيرها ~~من الأنشطة النفسية تقوم أساسا على حرية، على نوع من الاختيار الذي لا ~~نستطيع تجنبه لأننا بشر، فلم يعد البشر في نظر علم النفس المعاصر «لعبة ~~في يد الغريزة العمياء كما أنهم ليسوا عبيدا للتدعيم المتكرر، فالناس ~~يستطيعون أن يروا أو يتعلموا ويفهموا، هذا ما نعرفه دائما عن أنفسنا، ~~يبدو أنه ما من نظرة أخرى لعلم النفس قد أضفت طابع الشرعية على هذه ~~المعرفة أو حاولت تعميقها»، # 35 # قبل هذه النظرة اللاحتمية المعاصرة التي هي تقدم ~~إبستمولوجي حقيقي وملموس في علم النفس، وانعقدت الآمال عليها ليحقق هذا ~~العلم قدرا أكبر من التقدم نحو فهم طبيعة النفس البشرية، وبعد أن طال ~~تعثره، انطلق علم النفس المعرفي على قدم وساق، وتتوالى منجزاته البحثية ~~وتسير قدما. # ولئن كان علم النفس هو الذي يتعامل مباشرة مع واقعة الاختيار وظاهرة ~~الحرية الإنسانية، فإن الأمر لا يقتصر عليه، والنظرة اللاحتمية تتغلغل ~~الآن في العلوم الاجتماعية الشتى. # والمسألة بجملتها - كما أوضح المدخل - أن الفيزياء بحكم عموميتها ~~وشمول موضوعها لمسرح الظاهرة العلمية، هي الأصل وصاحبة القول الفصل، ~~وكما كانت العلوم تهرول نحو مثالها الحتمي، فإنها الآن أصبحت تهرول ~~نحو مثالها اللاحتمي، وكما سهل عليها اتباع الفيزياء في ms192 الحتمية وإنكار ~~الحرية، يسهل عليها أكثر اتباعها في اللاحتمية وإثبات الحرية، خصوصا ~~وأن فلسفات العلوم المعاصرة بذلت جهدا جهيدا للوقوف على أنه في مبدأ ~~اللاحتمية طريق التقدم، وهو كفيل بالإسهام في حل مشكلة العلوم ~~الإنسانية وتضييق الفوارق بينها وبين العلوم الطبيعية، التي كنا ~~نظنها تعمل بموضوعية مطلقة، مستحيلة على الباحث في العلوم ~~الإنسانية. # وعلى أية حال، فإن ما فعله علم النفس المعرفي، فعلته بدرجات متفاوتة ~~أحدث الفروع في شتى التخصصات، فمثلا قام المؤرخان الألمانيان إدوارد ~~ماير وماك فيبر بدراسة جادة للاحتمال الموضوعي في التاريخ، أي تصور ما ~~كان يمكن أن يحدث في الماضي، وإنه تصور علمي يعين على فهم أعمق للحاضر، ~~فهذه الإمكانيات ليست أشباحا لما كان البشر يأملون فيه، ولكنها ~~الإمكانيات التي فشلنا في تحقيقها، أساسا لأننا كنا نفتقر إلى المقدرة ~~العقلية على إدراك الاحتمالات الموضوعية لما فيه الخير. # 36 # ولأن التاريخ مجال إنساني صرف، فإن مجال الإمكانية فيه هو مجال ~~الإرادة الحرة والجدة ... الفعل الجديد؛ ولذلك لا بد وأن يأخذ المؤرخ ~~عامل الحرية في اعتباره، واهتمام المؤرخ بالحرية هو اهتمام بمحض ~~لاتعين # Undeterminacy # في عملية ~~التاريخ، بمعية نهاية مفتوحة في جانب التاريخ الإنساني الذي يناقض ~~الأنظمة الحتمية الميكانيكية المغلقة، ولنتذكر ثورة الحتميين العارمة ~~على البعد الأخلاقي للتاريخ - في الفقرة 11أ - لنلاحظ أن عامل الحرية ~~يعني أيضا الاهتمام في كتابة التاريخ بالبعد الأخلاقي المناقض لمجرد ~~التساؤلات الفنية التقنية التي نثيرها حول الآلات الميكانيكية، # 37 # إذا كانت الفيزياء قد رفضت النموذج الميكانيكي مثل ذلك ~~الرفض البات، فما بالنا بالتاريخ؟! # وظهرت لاحتمية قوية، واعتراف بحرية الإنسان وإيجابيته في ميدان ~~الجغرافيا المعاصرة أيضا، تحت اسم مدرسة الإمكانيات Possiblism ~~، تقوم على أساس الدور ~~الإيجابي الذي يؤديه الإنسان على سطح الأرض وضمن حدود بيئته، وبالتالي ~~تنادي بقدرة الإنسان وإمكانياته في تذليل عقبات البيئة، # 38 # وكان العالم الفرنسي لوسيان فيفر # L. Fedvre # هو أول من وضع المصطلح ~~«مدرسة الإمكانيات»، وذلك في كتابه «مقدمة جغرافية للتاريخ»، ولكنها ~~كانت قد ارتبطت بشكل قوي بكتابات أستاذه فيدال دي ms193 لابلاش # Vidal De Leblache # وكارل ساو # Karl Sawe # وكذلك ~~بومان # Bowman ~~(1845-1918) في ~~الولايات المتحدة، ويرى لابلاش أن هناك دورا ينبغي أن يوكل للإنسان ~~بوصفه عاملا جغرافيا، فالنشاط البشري يعمل على تعديل الظواهر ~~العضوية وغير العضوية على سطح الأرض؛ لذلك فالإنسان شريك للطبيعة في ~~دورها في تشكيل الحياة، أما فيفر فيبالغ في دور الإنسان ويرى أن تقتصر ~~الجغرافيا على دراسة أثره، أو على الأقل تهتم كثيرا بهذا، وقد عبر عن ~~مبدأ اللاحتمية بقوله: «لا توجد في الطبيعة ضروريات أو حتميات، بل هناك ~~دائما إمكانيات، وبما أن الإنسان سيد الإمكانيات، فإنه هو الذي يحدد ~~ما يستعمله منها». # 39 # تطورت هذه الثورة اللاحتمية في علم الجغرافيا حتى بلغت ذروتها في ~~نشأة فرع حديث هو: علم الجغرافيا الإرادية، قيل عنها إنها جهد مستقبلي ~~تأملي وضع في خدمة العلم، فهي تفترض معلومات يستغلها فريق عمل مزود ~~بالأدوات التي تمكنه من تجاوز المعطيات العددية المباشرة، والتنبؤ ~~بوجود التطور الدينامي ونتائجه، إن تحليل الجغرافي يتقاطع مع تحليلات ~~الأنظمة التي تدرس العالم الحديث مثل علم الاقتصاد وعلم السياسة، ~~ويتممها؛ لأنه يعتمد على مواجهة دائمة بين البيئة الطبيعية وبين المجال ~~المشخص والجماعات البشرية الموزعة في تشكلات قوية، في نظام فضفاض أو في مركز، # 40 # وأساس المواجهة، أو أساس هذا العلم هو الجهد الإرادي ~~والحرية الإنسانية؛ لذلك فهو علم مبشر بالكثير، وأخيرا، فإن ~~الجغرافيا الإرادية تسهم في إعداد اختيارات واضحة، لصالح الحريات ~~الجديدة، حرية العمل وحرية الراحة وحرية شغل أوقات الفراغ # 41 ~~... إنه التساوق الفلسفي بين اللاحتمية العلمية والحرية ~~الإنسانية، وقد تمت ترجمته ترجمة عينية. # هكذا أصبح العلم من رأسه حتى أخمص قدميه لاحتميا، وأصبحت الحرية ~~الإنسانية من الظواهر أو العوامل التي تدرسها العلوم الإنسانية؛ بغية ~~فهم أفضل لموضوعها، إقرارا منها بأن الإنسان فاعل حريد مريد مختار ... ~~هذا هو الإنسان الذي تدرسه أحدث فروع العلوم الإنسانية، بعد أن طال ~~تعثرها وهي متشبثة بالنموذج الحتمي الميكانيكي. # فهل من إثبات أكثر من هذا على أن الصراع بين العلم والحرية ~~الإنسانية بات ms194 مرحلة قابعة في التاريخ، وأنه قد انتهى تماما، وأسدل ~~الستار على المشهد الأخير منه، أو على أبسط الفروض ينبغي أن يحدث ~~هذا. # لقد فصلنا الحديث عن معضل الحرية في عالم العلم الحتمي، وكانت كل ~~فقرة تضع الإصبع على مثلمة، الحمق الصراح تركها كائنة في البنية ~~العقلية، وبعد إثبات الحرية في عالم العلم المعاصر، لم يعد ثمة أي ~~مبرر لاتخاذ الحرية ذريعة لشن حرب شعواء على العلم، والانقسام على ~~العقل الذي أنجبه والفرار من عالمه إلى عوالم موهومة أو متخيلة أو ~~متصورة، وتصح هذه مقدمة تخرج منها تنظيرات للحرية في مستواها الثاني ~~العيني البعدي، تنظيرات لأوجه التحرر المنشود تحقيقها، بمنجاة من ~~الشيزوفرينيا والاغتراب. # وما أيسر هذا الآن فقط الآن بعد أن رسمت الإبستمولوجيا العلمية ~~المعاصرة صورة أنطولوجية لعالم يصلح للأحرار المسئولين، لإنسانية ~~الإنسان، عالم العلم به لا ينفي الحرية الإنسانية، ولا يحيله إلى آلة ~~عظمى ومعتقل للمجبورين بل على النقيض تماما من هذا؛ إنه التناقض ~~المنطقي بين الحتمية واللاحتمية. # في عالم العلم الحديث كانت الحرية حلما تنأى عنه الحقيقة، ومثالا ~~يهدره الواقع وفي الآن نفسه تطبيقا يفتك به التجريد، وممارسة يخل بها ~~التنظير، أما في عالم العلم المعاصر فقد أصبحت الحرية كما ينبغي لها ~~أن تكون، إنها الحلم والحقيقة، الواقع والمثال، التجريد والتطبيق، ~~الممارسة والتنظير. # | الخاتمة # (44) في الفصل الأول من الكتاب، حين الإجابة عن التساؤل ما الحرية، ~~اتضح أنها ليست مقولة هلامية فضفاضة منذرة بالتشتت وأوراق اعتمادها ~~ضائعة، إذ يمكن جعلها لا تقل تحديدا عن أية مقولة فلسفية أخرى، وذلك ~~بالفصل بين مستويين، الأول: الحرية الأنطولوجية، حرية الإنسان بوصفه ~~موجود في هذا الوجود وهي حرية مطلقة، إما أن تكون أو لا تكون، وهي ~~تساؤل يجيب عليه العقل بشتى إمكانياته، إنها مشكلة فلسفية بحتة، ~~والحرية في مستواها الثاني هي الحريات البعدية العينية الجزئية ~~النسبية، وهي مرهونة بوجود المفكرين والدعاة والمصلحين لتحقيق قدر أكبر ~~أو أقل: إنها حرية الإنسان بوصفه كائنا في جماعة أو مجتمع معين، يخضع ~~لمتغيرات عدة، على أنه اتضح أن ms195 البحث في/أو/عن هذه الحريات أو بدقة ~~أوجه التحرر من دون الحرية الأنطولوجية هو تناقض أو انفصام، لا بد من ~~إثبات الحرية الأنطولوجية أولا، ثم أوضح الفصل الثاني كيف أنه يستحيل ~~إثباتها في عالم العلم الحتمي. # إن الحريات في عالم العلم الحتمي معضل، أو قرنا إحراج لا مخرج منهما، ~~إما العلم وإما الحرية، وبالطبع من منظورنا العلمي يكون الرد: إنه ~~العلم ولا حرية، فماذا فعل الفلاسفة إزاء مصاب الحرية الفادح؟ كانت ~~الإجابة في الفصل الثالث الذي أوضح أن الفلاسفة لم يفعلوا، ولم يكن ~~يمكن أن يفعلوا أكثر من: نفي الحرية، إما نفيها بمعنى السلب ~~واللاحرية، وإما نفيها بمعنى إبعادها وطردها من عالم العلم إلى عوالم ~~أخرى موهومة أو متصورة أو متخيلة كعالم النوميا أو الأنا والمطلق ... ~~إلخ. # وتلك هي نظريات الحرية الميتافيزيقية العظمى في تاريخ الفلسفة، على ~~أنها في حقيقتها لا تخرج عما فعله الرائد المغمور بيكو ديلا ميراندولا، ~~الذي فصم العالم إلى عالمين هما عالم المادة للعلم الحتمي، وعالم الروح ~~للحرية الإنسانية، وكانت الفلسفة الألمانية قد وجدت تعميقا لهذا الفصم ~~في تشربها بنظرية الإسكافي يعقوب بوهيمه الصوفية في اللا-أساس، كأساس ~~الحرية. # من هنا كانت الشيزوفرينيا الصريحة واغترب الإنسان عن العلم وعالم ~~العلم، واكب أزمة العلم الحتمي (التي أوضحها مدخل الكتاب) زمانيا، ~~حركة فرنسية تدرك أن العلم - خصوصا بعد وضعية أوجست كونت - قد غزا ~~الإنسان وأعماقه، ولم يعد ثمة مجال لنفي الحرية إليه أنطولوجيا، فلم ~~يبق إلا الوجه الآخر للعملة أي الإبستمولوجيا، وكانت هذه الحركة ~~الفرنسية تتلمس إثبات الحرية الإنسانية عن طريق نقد العلم وتقليم ~~أظافره الحتمية إبستمولوجيا، شنوا حربا شعواء على الحتمية العلمية ~~في محاولة لجلب الحرية إلى نفس هذا العالم، ولكن كانت محاولاتهم ~~لإثبات الحرية قائمة على لاحتمية إبستمولوجية، ولم يجرؤ أحد منهم على ~~القول بلاحتمية أنطولوجية، فكانت الحرية الفرنسية - وهي موضوع الفصل ~~الرابع - خطوة عرجاء بساق واحدة، ولكنها على أية حال خطوة واسعة، آن ~~بعدها الأوان لكي يستقيم السير إلى الحرية بلاحتمية إبستمولوجية ~~وأنطولوجية معا، خصوصا وأننا بهؤلاء ms196 الفرنسيين قد ودعنا القرن التاسع ~~عشر وأقبلنا على مشارف القرن العشرين، الظافر دون سواه بلاحتمية ~~إبستمولوجية وأنطولوجية معا، فكان الفصل السادس مكرسا لعرض نظريات ~~الحرية في العالم اللاحتمي، الحرية الحقيقية، غير المنفية إلى عوالم ~~أخرى موهومة أو متصورة. # بدأ اللقاء بأبيقور الرائد العظيم لللاحتمية وللحرية، كأصل تاريخي، ~~ثم انتقلنا إلى واحد من أشد فلاسفة اللاحتمية والحرية حماسا وهو ~~الفيلسوف المعاصر وليام جيمس، وهو من الفلاسفة ذوي المنزع العلمي ~~الواضح، ولكن كان ينبغي أن ندع للعلماء أنفسهم حق الحديث، فكان الحديث ~~لإدنجتون ثم كومتون ونظريتيهما في الحرية، وأخيرا كان مذهب أو بالأصح ~~اتجاه الحرية # Libertaranism ~~، بوصفه ~~مذهب كل فيلسوف آمن بالحرية في قلب العالم الذي نحيا فيه، أوضح عرضنا ~~ومناقشاتنا أنه مذهب كان إلى حد ما غريقا، واللاحتمية العلمية ~~المعاصرة دون سواها هي القادرة على إنقاذه، على أني آمنت إيمانا ~~عميقا، بأن مقولة الحرية في العالم اللاحتمي تكاد تكون مسلمة فلسفية ~~عامة، تكاد تفرضها قواعد التفكير، ولا ترتبط بفيلسوف أو اتجاه ~~معين. # وعلى أية حال كان الفصل الأخير حول هذا لينتهي الحديث بأن الستار قد ~~أسدل تماما على أي تناقض أو صراع بين العلم والحرية الإنسانية، هذا ~~الصراع انتهى تماما وأضحى مرحلة قابعة في التاريخ. # بالطبع الحرية الأنطولوجية كائنة، والإنسان حر قبل العلم المعاصر ~~وبعده، ولكن فضل العلم المعاصر في أنه خلص النظرة إلى الكون من افتراض ~~الحتمية التعسفي، حين أدرك خطأه وقصوره، وأنه مرحلة متخلفة وجب تجاوزها ~~ومواجهة العالم كما هو. # يقول هربرت ماركيوز عن المنهج الجدلي، الذي ينتقل من الفكرة إلى ~~نقيضها إلى مركب شامل يجمع خير ما فيهما ويتجاوزهما، إنه يحرز التماسك ~~الذي يتعلق بموقف الفكر نحو الحقيقة، وبهذا وجدنا أن الأمر فيه جدلية ~~واضحة، لقد بدأ الإنسان حرا، وهذه هي القضية الأولى، وبفعل من أفعال ~~الحرية انتقل إلى تصور حتمية شاملة تكفل تشييد صرح العلم، فكان النقيض ~~المباشر للقضية الأولى، والآن وصل إلى مرحلة تجمع خير ما فيهما ~~وتتجاوزهما، ربما أسفر التقدم فيما بعد عن مرحلة جديدة ms197 تماما، ولكن ~~مهما حدث من تقدم وتغير، فلن تعود الحتمية أبدا، كما أثبتت تطورات ~~العلم المعاصر، طالما كانت اللاحتمية تماما كالقول بأن الأرض ليست ~~قرصا مسطحا ... أو بلا أدنى مجاز: هي ليست آلة ميكانيكية. # انتهى الحديث بأن العلم لا ينفي الحرية، ليس ذلك فحسب، بل إن العلوم ~~الإنسانية المعاصرة تستلزم الحرية من أجل فهم أفضل وأعمق للظواهر ~~الإنسانية، في مقابل العلم الحديث الذي كان إنكارا للحرية في بحثه عن ~~العلل الحتمية، فكان الهروب منه ومن عالمه من أجل الحرية، أما الآن ~~فإن الهروب من العلم هو ذاته الهروب من النظرة العقلانية المجدية ~~للحرية، فلم الانشقاق على العقل والعلم وعالمه؟ # وبعد ... # بل قبل، قبل كل شيء، منذ بدء البداية، من مجرد عنوان الكتاب بدا ~~واضحا أننا اخترنا لهذه الرحلة الفلسفية طريق العقلانية، أولم ينص ~~على تناول مشكلة الحرية الإنسانية من خلال المنظور العلمي؟ والعلم هو ~~نجيب العقل الأثير ودرة العقلانية وآية الإيمان بالعقل، وكان الهدف أن ~~ننتهي إلى عقلنة الحرية الإنسانية. # وقد رأينا كيف أن العلم ذاته لا سواه هو الذي خلق بمبدئه الحتمي ~~مشكلة الحرية الإنسانية، أو بالأدق جعل منها معضلا غير قابل للحل، ~~معضل: العلم/الحرية، الذي تبلور تماما في النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر المسمى بعصر التنوير: عصر الإيمان المتطرف بالعقل والعلم، ~~وبقدرتهما، هما فقط لا سواهما على فض كل مغاليق الوجود. # وفي أعقاب الحديث عن مواجهة الفلاسفة للمعضل، رأينا أن هذا الفصام ~~بين العلم والحرية، قد تبناه رسميا واعتباريا وشرعيا الفلاسفة ~~التنويريين، شيوخ الميتافيزيقا، وأئمة فلاسفة الحرية، في مذاهبهم ~~الشامخة التي تحمل كبريات نظريات الحرية، وكلها كما رأينا لا تعدو أن ~~تكون إقرارا بهذا الانفصام. # وقد كان هذا نقطة تحول خطيرة في تاريخ الفلسفة، سواء الخطورة بمعنى ~~الأهمية، أو الخطورة بمعنى الأثر الوبيل، فقد أصبح السبيل الوحيد إلى ~~الحرية الإنسانية التي لا تطاردها أية حتمية، إنما يكون فقط بالإعراض ~~عن العلم وعن العقل الذي أنجبه، وعلى قدر ما يكون النيل من العقل ~~والعلم، على قدر ما يكون ms198 الظفر بالحرية الإنسانية! # روعة العلم الحديث النظرية والتطبيقية ألهت التنويريين، ولكن كرد فعل ~~متوقع لعقلانيتهم المتطرفة، تمخض عصر التنوير عن الحركة الرومانتيكية ~~التي شغلت النصف الأول من القرن التاسع عشر، لتتطرف في الاتجاه ~~المقابل، وتعمل على إحياء العاطفة والخيال والإحساس على حساب العقل ~~والمنطق والعلم، فتحاول التأكيد على حرية الإنسان، في مقابل حتمية ~~العلم. # والرومانتيكية وإن كانت أساسا رؤية فنية ونزعة أدبية، فإن جذريتها ~~وشموليتها وتواتر شعرائها العظام وأقطابها المتمكنين، أمثال: كولريدج ~~وشيلي ووردزورث ووليم بليك وتوماس كارليل وأيضا العملاق جوته ... هذا ~~جعلها تخرج بمعان ورؤى لمقولات الفلسفة الأساسية: الحق والخير والجمال، ~~ومن ثم انسحبت من الأدب إلى الفلسفة أيضا ، وهي في الأدب والفن تمثل ~~الاتجاه المقابل للكلاسيكية، وفي الفلسفة الاتجاه المقابل ~~للعقلانية. # وقد قامت الرومانتيكية بالتأكيد على الحرية عن طريق العداء المتأجج ~~للعقل وأحكامه والعلم وتحليلاته، والارتكان إلى العاطفة ومشاعر القلب ~~وحدس الوجدان، وإطلاق الموقف الفردي والاستقلال عندا في القانون ~~العام، والبحث المشبوب عن الجدة والإبداع واللامتناهي، والاشتياق إلى ~~كل ما هو متميز وفريد وأصيل يأتي على غير مثال، والأنفة من المعتاد ~~والمألوف والرتيب، والرفض البات لكل ما هو نمطي صوري نسقي ... منبع كل ~~هذا إحساس الرومانتيكية الدافق بالحياة الخفاقة في الصدور، لا المتجردة ~~في العقول كما تصورها قوانين العلم الخاوية وأنساق الفلسفة العقلانية ~~الباردة، التي كانت مغلولة بأحابيل الحتمية. # هذه الرومانتيكية، أو بعبارة أخرى هذا الاتجاه اللاعقلاني كأقوى ما ~~تكون اللاعقلانية، أصبح هو الحامل للواء الحرية الإنسانية، وكل فلسفة ~~تريد أن تنادي بالحرية لا بد أن تلجأ إليه بصورة أو بأخرى، وعلى قدر ~~جنوحها صوب لاعقلانية الرومانتيكية، يكون إقرارها بالحرية الإنسانية! ~~والاستثناء الوحيد كان تلك الحركة الفرنسية التي شغلت الفصل الرابع، ~~ولكنها كما رأينا كانت خطوة متعثرة، وفرنسا ذاتها هي التي شهدت ~~هنري بيرجسون # H. Bergson ~~(1889-1941) وهو واحد من أقدر من استطاعوا تأكيد الحرية الإنسانية على ~~هذا الأساس اللاعقلاني أو الرومانتيكي، وظل بيرجسون متربعا على عرش ~~الفكر الفرنسي، حتى جاءت الوجودية لتتربع هي على هذا العرش في ms199 أواسط ~~القرن العشرين. # على أنه في القرن الأسبق القرن التاسع عشر، في تلك الأجواء وفي ذلك ~~الزمان والمكان الذي أنبت الرومانتيكية، كان الميلاد الرسمي للفلسفة ~~الوجودية مع أبيها سورن ~~كيركجورد # S. Kiergard ~~(1813-1855)، وهي فلسفة قامت على حرية ~~الإنسان وفردانيته من حيث هو جزئي عارض عيني متشخص لا يندرج تحت أية ~~بنية نسقية عقلية، فكل شخص له تجربة وجودية فريدة لا سبيل إلى تكرارها، ~~فضلا عن إخضاعها لقانون عام؛ لأنه حر لا يمكن التملص من حريته. # وثمة عوامل عديدة، يعود بعضها إلى شخصيات الفلاسفة الوجوديين في ~~القرن العشرين ومواهبهم الأدبية ويعود معظمها إلى الظروف التي صاحبت ~~أواسط ذلك القرن، حيث نلقى جيلا شهد أوزار حربين عالميين ، وفقد الثقة ~~في العقل والهيئات النظامية ... هذه العوامل جعلت الوجودية تتفجر في ~~الواقع المعاش، وتشارك في الثقافة بل والزاد اليومي للجماهير، وتحوز ~~شهرة لم تحزها من قبل أية فلسفة أخرى، باستثناء الماركسية. # ومنذ بداية الأربعينيات وحتى بداية الستينيات من القرن العشرين، كان ~~يندر في أوروبا أن يلتقي اثنان، دون أن يسأل أحدهما الآخر: هل أنت ~~وجودي؟ ولحقتها هذه الشهرة في كل مكان في العالم، وكما هو معروف في ~~الستينيات، كان ثمة اهتمام واضح بالفلسفة الوجودية في المكتبة العربية، ~~كما كان في كل مكان. # صالت الوجودية وجالت وطبقت الآفاق، ليرسخ في أذهان الجميع أن الحرية ~~الإنسانية قرينة اللاعقلانية. # وعلى الرغم من انحسار الموجة الوجودية وانتهائها كبدعة شعبية، ~~وانتشار الفلسفة البنيوية التي تناقضها على خط مستقيم، وما تلاها، ظلت ~~الحرية الإنسانية قرينة اللاعقلانية، يعزف عنها العقلانيون والعلميون، ~~وكان هذا الانقسام والانفصام مؤشرا من مؤشرات الاغتراب المستشري في ~~الحضارة المعاصرة، وسبق أن أشرنا لكل هذا حين تتبع الآثار الوبيلة ~~لمعضل الحرية في عالم العلم الحديث - الذي كان حتميا. # على هذا نحط الرحال في خاتمة رحلتنا الفلسفية، ونحن على بينة من أن ~~تطورات العلم المعاصر فتحت طريق الخلاص من هذه المتاهات الوبيلة، فقد ~~انتهت الرحلة إلى عقلنة الحرية ... أمسكنا عليها بجمع البدين، ونحن نبحث ~~عنها من خلال، وفقط ms200 من خلال المنظور العلمي لهذا العالم الذي نحيا فيه، ~~بغير حاجة إلى انفصام تنويري أو فرار رومانتيكي. # لنغدو عقلانيين، وأيضا أحرارا مسئولين في الآن نفسه، أو بالأحرى ~~في العالم نفسه. # | المضمون # (1) # مشكلة الحرية فضفافة، ثمة حريات شتى فأية حرية نبحث ~~عنها؟ ~~(2) # تحليل فيلولوجي للفظة الحرية وأصولها ~~وتاريخها: ~~(أ) # في اللغات الأوروبية. ~~(ب) # في العربية يفيد جدا لكن لا يضع ~~حدودا. ~~(3) # التعريف الفلسفي للحرية، نافذ وصائب، لكنه ينطبق على كل ~~وجوه الحرية ولا يضع حدودا. ~~(4) # تحديد مقولة الحرية المطروحة للبحث، حرية أنطولوجية، ~~مستوى أول، وأساس لبقية الحريات لاتي هي مستوى ثان. ~~(5) # الحتمية العلمية انقضت على الحرية الأنطولوجية ~~لتلغيها. ~~(6) # العلية تستبعد الحرية. ~~(7) # حجج الحتمية العلمية لنفي الحرية الإنسانية . ~~(8) # إما العلم وإما الحرية، وطبعا إنه العلم ولا ~~حرية. ~~(9) # الحتمية السيكولوجية الخطر المباشر رأسا على الحرية ~~الإنسانية. ~~(10) # لكن الحس المشترك يدرك الحرية بالاستبطان، تفنيد ~~هذا. ~~(11) # الحتمية العلمية تطيح بالأخلاق والمسئولية من حيث تطيح ~~بالحرية، وبالاتجاهات التفاعلية، وبمشروعية القوانين، ~~ويرفع العلماء خصوصا علماء الاجتماع أخلاق التساهل ~~والتسامح. ~~(12) # وتطيح أيضا بالجدة والإبداع. ~~(13) # هكذا جعل العلم الحتمي العالم غير صالح للبشر، فماذا فعل ~~الفلاسفة؟ ~~(14) # إما أن ينفوا الحرية بمعنى السلب واللاحرية، وإما أن ~~ينفوها، بمعنى إبعادها وطردها إلى عوالم أخرى متصورة أو ~~موهومة. ~~(15) # نفي الحرية (لاحرية): (أ) الحتمية الصارمة، (ب) الحتمية ~~الرخوة، هما سواء، الأولى أسلم فلسفيا. ~~(16) # نفي الحرية إلى عالم آخر هو نظريات الحرية العظمى في ~~تاريخ الفلسفة، ومع هذا لا تخرج عما فعله بيكو دي ~~ميراندولا، حين فصم العالم إلى عالمين، عالم للحتمية ~~الفيزيقية والعلم، والآخر للحرية والإنسان. ~~(17) # الألمان برعوا في صنعة الفصم لتشرب فلسفة الحرية ~~الألمانية بنظرية الإسكافي بوهيمه الصوفية في ~~اللا-أساس. ~~(18) # إنها شيزوفرينيا صريحة، مرض وبيل. ~~(19) # والنتيجة غربة الإنسان ذي العقل والعلم، عن الحرية، لا ~~بد من تدارك هذا. ~~(20) # فصم قطاع من العالم للحرية الإنسانية استند إلى أن أعماق ~~الإنسان منطقة لم يغزها العلم بعد، لكنه غزاها في القرن 19 ~~لا سيما بوضعية كونت، فظهرت في فرنسا فلسفة للحرية وهي ~~حركة نقد العلم، ms201 تكافح ضد سيطرة حتميته، إنه تيار ذو ~~فرعين. ~~(21) # الفرع الأول: وضعية روحية متأثرة بمين دي بيران، لم تحقق ~~الكثير. ~~(22) # الفرع الثاني: وضعية نقدية متأثرة بكانط، تمثل الفرع ~~الأهم وأفادت في تحطيم الحتمية العلمية ~~إبستمولوجيا. ~~(23) # لكنها لم تجرؤ على إرساء لاحتمية أنطولوجية فلم تحقق ~~هدفها في جلب الحرية من النومينا الكانطية المفارقة إلى ~~هذا العالم. ~~(24) # المسألة أن الحرية لا مندوحة لها عن لاحتمية ~~إبستمولوجية وأنطولوجية أيضا. # أهم نظرياتها ~~(25) # أبيقور الرائد. ~~(26) # صورته شاهت ظلما. ~~(27) # فلسفته مادية ذرية. ~~(28) # نشأ عنها مشكلة فيزيقية: كيف تتلاقى الذرات فتتكون ~~الموجودات، وأيضا مشكلة نفي حتمية الماديين الكونية ~~لحرية الإنسان. ~~(29) # أبيقور يضع فرض الانحراف الذري الذي يحل المشكلة ~~الفيزيقية ويصون الحرية الإنسانية. ~~(30) # لوكريتوس يجيد استيعاب الدرس الأبيقوري. ~~(31) # نقد ورد. ~~(32) # وليام جيمس أعظم فلاسفة الحرية واللاحتمية. ~~(33) # عوامل كثيرة مكنت للاحتميته. ~~(34) # سيكولوجية الإرادة الحرة. ~~(35) # نظرية جيمس: فلسفة الحرية في العالم اللاحتمي، ~~الجدة والمسئولية في عالم تعددي، أسانيد التجريبية ~~الراديكالية والبرجماتية. ~~(36) # نظرية إدنجتون. ~~(37) # نظرية كومبتون. ~~(38) # النظرية العامة: مذهب الحريين، كان غريقا، ~~واللاحتمية العلمية المعاصرة تنقذه بل وتفرضه. ~~(39) # الحرية الإنسانية كائنة في عالم العلم ~~المعاصر. ~~(40) # لأنه أصبح لاحتميا، إبستمولوجيا ~~وأنطولوجيا. ~~(41) # وليس فقط لأن الحتمية لم يثبت صدقها، بل لأننا ~~اكتشفنا كذبها، إذن اللاحتمية العلمية اكتشاف إيجابي ~~في الطبيعة. ~~(42) # وبالتالي عالم العلم المعاصر يتسع تماما للحرية ~~الإنسانية. ~~(43) # وأحدث فروع العلوم الإنسانية تقر بالحرية بغية فهم ~~أفضل لموضوعها. ~~(44) # إذن يمكن عقلنة الحرية الإنسانية، بدلا من تركها ~~نهبا للاعقلانية، كما حدث نتيجة حتمية وميكانيكية ~~العلم في مرحلته النيوتونية السابقة، بكل الآثار ~~الوبيلة لهذا. # | ثبت المراجع # أولا: مراجع عربية # مؤلفات ~~(1) # د. إبراهيم بيومي مدكور، يوسف كرم، دروس في ~~تاريخ الفلسفة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ~~القاهرة، 1953. ~~(2) # أبو بكر الكلابازي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ~~دار الكتب العلمية، بيروت، 1980. ~~(3) # أبو حامد الغزالي، منطق تهافت الفلاسفة المسمى: ~~معيار العلم، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف ~~بمصر، القاهرة، 1969. ~~(4) # أحمد هاشم الشريف، الحتمية والحرية في القانون ~~العلمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~1972. ~~(5) # أميرة حلمي مطر، فكرة الطبيعة في الفلسفة ~~اليونانية حتى أفلاطون، رسالة ms202 ماجيستير غير ~~منشورة، إشراف د. أحمد فؤاد الأهواني، جامعة ~~القاهرة - الآداب، 1960. ~~(6) # د. أميرة حلمي مطر، الفلسفة عند اليونان، دار ~~النهضة العربية، القاهرة، ط1، 1968. ~~(7) # د. أميرة حلمي مطر، دراسات في الفلسفة ~~اليونانية، دار الثقافة للطباعة والنشر، ~~1980. ~~(8) # د. توفيق الطويل، الفلسفة الخلقية: نشأتها ~~وتطورها، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة ~~1967. ~~(9) # جميل م. منيمنة، مشكلة الحرية في الإسلام، ~~جزآن، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1974. ~~(10) # حبيب الشاروني، بين بيرجسون وسارتر: أزمة ~~الحرية، دار المعارف، القاهرة 1963. ~~(11) # د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، مكتبة مصر، ~~القاهرة، ط3، 1972. ~~(12) # د. زكريا إبراهيم، كانط أو الفلسفة النقدية، ~~مكتبة مصر، القاهرة، 1972. ~~(13) # د. زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية، مكتبة ~~الأنجلو، القاهرة، ط2، 1980. ~~(14) # د. زكي نجيب محمود، حياة الفكر في العالم ~~الجديد، دار الشروق، القاهرة، ط2، 1982. ~~(15) # د. عبد الباسط عبد المعطي، اتجاهات نظرية في علم ~~الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني ~~للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس، ~~1981. ~~(16) # د. عبد الرحيم بدر، الكون الأحدب، قصة النظرية ~~النسبية، دار العلم للملايين، بيروت، د. ت. ~~(17) # د. عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز ~~الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1981. ~~(18) # د. عبد الله العمر، ظاهرة العلم الحديث، دراسة ~~تحليلية وتاريخية، سلسلة عالم المعرفة، المجلس ~~الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سنة ~~1983. ~~(19) # د. عثمان أمين، الفلسفة الرواقية، مكتبة ~~الأنجلو، القاهرة، ط6، 1969. ~~(20) # د. عثمان أمين، ديكارت، مكتبة الأنجلو المصرية، ~~القاهرة، ط6، 1969. ~~(21) # د. فؤاد زكريا، سبينوزا، دار التنوير، بيروت، ~~ط2، 1981. ~~(22) # د. فؤاد زكريا، نظرية المعرفة والموقف الطبيعي ~~للإنسان، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ~~1977. ~~(23) # د. فؤاد زكريا، العلم والحرية الشخصية، مجلة ~~الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون ~~والآداب، المجلد الأول، العدد الرابع، ~~1971. ~~(24) # د. محمد فتحي الشنيطي، وليام جيمس، مكتبة ~~القاهرة الحديثة، 1957. ~~(25) # محمد عزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، دار ~~المعارف بمصر، القاهرة، 1972. ~~(26) # محمد عمارة، المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، ~~المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، سنة ~~1972. ~~(27) # د. محمد مجدي الجزيري، الحرية والحضارة عند ~~بيرديائف، رسالة دكتوراه غير منشورة، إشراف د. ~~أميرة حلمي مطر، جامعة القاهرة، كلية الآداب، ~~1980. ~~(28) # د. محمد وقيدي، الإبستمولوجيا الوضعية عند أوجست ~~كونت، مقال بمجلة عالم ms203 الفكر، المجلد الثالث عشر، ~~العدد الأول، الكويت، 1982. ~~(29) # محمود أمين العالم، فلسفة المصادفة، دار المعارف ~~بمصر، القاهرة، 1970. ~~(30) # يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، ~~القاهرة، ط2، 1967. ~~(31) # د. يمنى طريف الخولي، العلم والاغتراب والحرية: ~~مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، ~~الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، ~~1987. ~~(32) # د. يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر، منهج ~~العلم ... منطق العلم، الهيئة العامة للكتاب، ~~القاهرة، الطبعة الأولى، 1989. # المترجمات ~~(1) # آرثر لفجوي، سلسلة الوجود الكبرى، ترجمة د. ماجد ~~فخري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1964. ~~(2) # أ. ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة ~~في فرنسا، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي. # الجزء الأول، المؤسسة العربية ~~للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980. # الجزء الثاني، دار النهضة العربية، ~~القاهرة، ط1، 1967. ~~(3) # مجموعة من الباحثين، الجديد في علم النفس، ترجمة ~~فؤاد كامل، ملف العدد «8»، من مجلة الثقافة ~~العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ~~الكويت، يناير 1983. ~~(4) # أزفلد كولبيه، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أبو ~~العلا عفيفي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ~~القاهرة، 1942. ~~(5) # ألبير باييه، دفاع عن العلم، ترجمة د. عثمان ~~أمين، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ~~1946. ~~(6) # جان فال، طريق الفيلسوف، ترجمة د. أحمد حمدي ~~محمود، مراجعة أبو العلا عفيفي، سجل العرب، ~~القاهرة، 1967. ~~(7) # أولف جيجن، المشكلات الكبرى في الفلسفة ~~اليونانية، ترجمة د. عزت قرني، دار النهضة ~~العربية، القاهرة، 1976. ~~(8) # إيرفين شرودنجر، الطبيعة والإغريق، ترجمة عزت ~~قرني، راجعه د. صقر خفاجة، دار النهضة العربية، ~~القاهرة، 1962. ~~(9) # برتراند راسل، الفلسفة بنظرة علمية، عرض وتلخيص ~~د. زكي نجيب محمود، مكتبة الأنجلو، القاهرة، ~~1960. ~~(10) # برتراند راسل، حكمة الغرب، جزآن، ترجمة د. فؤاد ~~زكريا، سلسلة المعرفة، المجلس الوطني للثقافة ~~والفنون والآداب، الكويت، فبراير، ديسمبر، ~~1983. ~~(11) # بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة د. فؤاد ~~زكريا، نهضة مصر، القاهرة، (ب ت). ~~(12) # جان بول سارتر، الوجود والعدم: دراسة في ~~الأنطولوجية الظاهراتية، ترجمة د. عبد الرحمن ~~بدوي، دار الآداب، بيروت، 1966. ~~(13) # ج. برونوفسكي، العلم والبداهة، ترجمة د. أحمد ~~عماد الدين أبو النصر، مراجعة وتقديم د. حسين ~~سعيد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1961. ~~(14) # جورج جاموف، واحد ... اثنان ... ثلاثة ... لا نهاية، ~~ترجمة إسماعيل حقي، مراجعة وتقديم ms204 د. مرسي أحمد، ~~مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958. ~~(15) # جورج مونو، المصادفة والضرورة: محاولة في ~~الفلسفة الطبيعية لعلم الحياة الحديث، ترجمة حافظ ~~الجمالي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ~~1975. ~~(16) # جون كيمني، الفيلسوف والعلم، ترجمة د. أمين ~~الشريف، المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر، بيروت، ~~1969. ~~(17) # جيمس جينز، الفيزياء والفلسفة، ترجمة جعفر رجب، ~~دار المعارف، القاهرة، 1981. ~~(18) # جيمس كولمان، النسبية في متناول الجميع، ترجمة ~~د. رمسيس شحاتة، مراجعة د. فهمي إبراهيم ميخائيل، ~~دار المعارف، القاهرة، 1969. ~~(19) # جيمس كونانت، مواقف حاسمة في تاريخ العلم، ترجمة ~~د. أحمد زكي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة ~~الثانية، 1963. ~~(20) # رالف بارتون بيري، أفكار وشخصية وليام جيمس، ~~ترجمة د. محمد علي العريان، دار النهضة العربية، ~~القاهرة، 1965. ~~(21) # روجيه جارودي، النظرية المادية للمعرفة، ترجمة ~~إبراهيم قريط، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، ~~الطبعة الثانية، (ب ت). ~~(22) # ريتشارد شاخت، الاغتراب ، تقديم أرنولد كاوفمان، ~~ترجمة كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات ~~والنشر، بيروت، 1980. ~~(23) # رينيه مونيه، البحث عن الحقيقة: وجوهها، ~~أشكالها، وعلاقتها بالحرية، ترجمة هاشم الحسيني، ~~دار مكتبة الحياة، بيروت، 1966. ~~(24) # د. زكي نجيب محمود، الجبر الذاتي، ترجمه عن ~~الإنجليزية د. إمام عبد الفتاح إمام، الهيئة ~~العامة للكتاب، القاهرة، 1973. ~~(25) # سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة ~~وتقديم د. حسن حنفي، مراجعة د. فؤاد زكريا، الهيئة ~~العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1971. ~~(26) # فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام، ترجمة ~~وتقديم د. معن زيادة، ود. رضوان السيد، معهد ~~الإنماء العربي بليبيا، فرع بيروت، 1978. ~~(27) # د. فوريس وأ. ج. ديكستر هوز، تاريخ العلم ~~والتكنولوجيا، ترجمة د. أسامة أمين الخولي، مراجعة ~~د. محمد مرسي أحمد، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، ~~1967. ~~(28) # فيرنر هيزنبرج، المشكلات الفلسفية للعلوم ~~النووية، ترجمة د. أحمد مستجير، مراجعة د. عبد ~~المقصود النادي، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ~~1972. ~~(29) # كلود برنار، مدخل إلى دراسة الطب التجريبي، ~~ترجمة د. يوسف مراد وحمد الله سلطان، المطبعة ~~الأميرية ببولاق، القاهرة، 1944. ~~(30) # لويس دي بروليه، الفيزياء والميكروفيزياء، ترجمة ~~د. رمسيس شحاتة، مراجعة د. محمد مرسي أحمد، مؤسسة ~~سجل العرب، القاهرة، 1967. ~~(31) # هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة د. ~~فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، القاهرة، ط1، ~~1968. ~~(32) # هنتر ميد، الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها، ms205 ترجمة ~~فؤاد زكريا، دار نهضة مصر، القاهرة، ط1، ~~1969. ~~(33) # وليام جيمس، بعض مشكلات الفلسفة، ترجمة د. محمد ~~فتحي الشنيطي، مراجعة د. زكي نجيب محمود، المؤسسة ~~المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، ~~(ب ت). ~~(34) # مجموعة من المؤلفين، رجال عاشوا للعلم، ترجمة د. ~~أحمد شكري سالم، مراجعة د. محمد مرسي أحمد، دار ~~القلم، القاهرة، (ب ت). ~~(35) # مجموعة من الباحثين، الحرية والتنظيم في عالم ~~اليوم، ترجمة تيسير شيخ الأرض، منشورات وزارة ~~الثقافة، والإرشاد القومي، دمشق، 1977. # ثانيا: مراجع أجنبية ~~(1) P. Edwards (ed in chief) ~~Encyclopedia for philosophy, Macmillan co., New ~~York, London, 1968 ~~. ~~(2) # Bailey. Cyril, The Creek Atomism ~~and Epicurus, Clarendon Press, Oxford, ~~1928 ~~. ~~(3) # Berlin, Isaiah, Four Essays on ~~Liberty, Oxford University Press, ~~1975 ~~. ~~(4) # Berlin, Isaiah, Concepts and ~~Categories, Oxford University Press, ~~1980 ~~. ~~(5) # Broad. C. D., Ethics and The ~~History of Philosophy, Routledge & Kegan Paul, London, 1952 ~~. ~~(6) # Broad C.D., & Eddington A.S. ~~& Braithwaite R.B., Ineterminacy and ~~Indeterminism, in: Indeterminism, Formalism and ~~Value, Aristotelian Society, Suplementary volume ~~X, Harrison and sons. L.T.D., London, ~~1931 ~~. ~~(7) # Burnet John, Greek Philosophy: ~~Thales to Plato, Macmillan st. Martin press, New ~~York, 1968 ~~. ~~(8) # Burt. John. R. & Goldinger. ~~Milton, Philosophy and Contemporary Issues, ~~third edition, Macmillan publishing Co., New ~~York, 1976 ~~. ~~(9) # Burtt E. A., The Metaphysical ~~Foundations of Modern Science, Routlege & ~~Kegan Paul, London, 1980 ~~. ~~(10) # Campbell. C., Libertarianism, in: ~~Razil Abelson & Marie-Louis Friquegnon ~~(eds.) Ethics for Modern Life, ST. Martion Press, New York, 1975 ~~. ~~(11) Philip. L. Harriman, Psychological ~~Terms, Adam’s & Co. Peterson, ~~1959 ~~. ~~(12) # Cohen. Marris R., Reason and ~~Nature: An Essay in the Scientific Method, Dover Publishing, New York, ~~1978 ~~. ~~(13) # Collingwood R.G., The Idea of ~~Nature, Vlarendon Press, Oxford, 2nd edition, ~~1945 ~~. ~~(لهذا الكتاب ترجمة عربية، ولكنني كنت أوثر دائما الرجوع إلى ~~النص بلغته الأصلية كلما تمكنت من الحصول عليه). ~~(14) # Croce. Benedetto, History as the ~~Story of Liberty, tran. By: Sylvia Sprigge, ~~Henry Regenecy Co., Chicago, ~~1970 ~~. ~~(15) # De Broglie Louis, The Revolution in Physics: ms206 a NonMathematical Survey of Quanta, ~~trans by: Ralph Niemeyer, Routedge & ~~Kegan Paul, LTD, London, ~~1954 ~~. ~~(16) # Deway. John, Freedom and Culture, A ~~Mintor Book, G.P. Putnams sons, New York, third ~~impression, 1963 ~~. ~~(17) # Freud. Sigmund, Psychopathology of ~~Everyday Life, trans. by: A. A. Brill, A Mentor ~~Book, New American of Everyday Library, New ~~York, no date ~~. ~~(18) # Green. Marjori (ed.), Spinoza, ~~Anchor press, New York, ~~1973 ~~. ~~(19) # Hampshire. Stuart, Spinoza, Pelican ~~press, London, 1953 ~~. ~~(20) # Hampshire. Stuart, The Age of ~~Reason, A Mentor Book, New York, ~~1956 ~~. ~~(21) # Hook. Sidney, The Hero in History, ~~Secker & Warburg, London, ~~1945 ~~. ~~(22) # Hook. Sidney, Polotical Power and Personal Freedom, Collier Book, New York, 2nd ~~edition, 1958 ~~. ~~(23) # Hook. Sidney (ed.), Determinism and ~~Freedom in The Age of Modern Science, Collier ~~Books, New York, 5th edition, ~~1979 ~~. ~~(24) # Hondrich, Ted (ed.), Essays on ~~Freedom of Action, Routledge & Kegan Paul, London, 1978 ~~. ~~(25) # Hull. L.W, History and Philosophy ~~of Science, Longman, London, ~~1960 ~~. ~~(26) # Huttan. Ernest H., The Ideas of Physics, Oliver & Boyd, London, ~~1967 ~~. ~~(27) # James. Jeans, The Mysterious ~~Universe, Cambridge University Press, ~~1933 ~~. ~~(28) # James. William, Pragmatism, ~~Longman, Green & Co., New York, ~~1949 ~~. ~~(29) # James. William, The Principles of Psychology, vol. II, Macmillan & Co., ~~L.T.D., London, no date ~~. ~~(30) # Kirk G. S., The Nature of Greek ~~Myths, Penguin Books, London, ~~1970 ~~. ~~(31) # Korner. Stephen, Fundamental ~~Questions of Philosophy, Penguin books, London, ~~1971 ~~. ~~(32) # Lucritues, The Nature of The ~~Univerise, trans, by: R.E.Latham, Penguin books, ~~penguin Classics, London, ~~1981 ~~. ~~(33) # Mecgil F.N. & Mcgreen I.p. ~~(eds.), Masterpieces of world philosophy, ~~Harper, New York, 1961 ~~. ~~(34) # Margenau. Henry, The Nature of ~~physical Reality, McGraw Hill books Co., New ~~York, 1950 ~~. ~~(35) # Rearl. Leon, Four Philosophical, Problems, Harper & Raw publishers, New ~~York, 1963 ~~. ~~(36) Ponomarev. L., in Quest of Quantum, ~~Mir Publisher, Moscow, ~~1973 ~~. ~~(37) Popper. Karl, Objective Knowledge: ~~An Evolutionary Approach, 4th impression, ~~Routledge & Kegan Paul, London, ~~1976 ~~. ~~(38) Popper. Karl, Conjectures and ~~Refutations: the Growth of Scientific knowledge, ms207 ~~Routledge & Kegan paul, London, ~~1976 ~~. ~~(39) # Reichenbach. Hans, Relativity ~~Theory and Apriori knowledge, trans. & ~~edited with introduction by Maria Reichenbach, ~~University of California Press, ~~1958 ~~. ~~(40) # Russell. Bertrand, The Scientific ~~Outlook, George Allan & Unwin, L.T.D., ~~London, 1934 ~~. ~~(41) # Russell. Bertrand, Mysticism and ~~Logic, penguin books, L.T.D., London, ~~1953 ~~. ~~(42) # Russell. Bertrand, Problems of Philosophy, Oxford University press, ~~1973 ~~. ~~(43) # Ryan, Allan (ed.), The Idea of ~~Freedom, Oxford University Press, ~~1979 ~~. ~~(44) # Ryddnik, V.,A.B,C of Quantum ~~Mechanics, trans by: George Yaukovsky, Peace Publishers, Moscow, no ~~date ~~. ~~(45) # Smith. Norm Kemp, The Philosophy of ~~David Hume, Macmillan Co., London, ~~1990 ~~. ~~(46) # Spinoza B., Ethics: proved in ~~Geometrical order, trans. By: A Boyle, ~~introduced by: G. Santyana, Everyman’s Library, ~~London, 1950 ~~. ~~(47) # Stebbing. Suzan, Philosophy and Physicist, Dover publishing, NY, ~~1958 ~~. ~~(48) # Weiss. Paul, Nature & man, ~~Southern Illions press, ~~1967 ~~. ~~(49) # Weiss. Paul, man’s Freedom, ~~Southern Illions press, ~~1967 ~~. ~~(50) # Whitehead A.N., Science and Modern ~~World, Collins Fontana Books, Glasgow, ~~1975 ~~. ~~(51) # Whitely. C. H., Mind in Action: an ~~Essays on Philosophical psychology, Oxford ~~University Press, 1973 ~~. ~~(52) # Wittgenstien. Ludwig, On ~~Certainity, edited by G.E. Anscomb & ~~C. H. von Wright, Harper Tarchbook, New York, ~~1972 ~~. ~~(53) # Wolf Susan, The Importance of ~~Freewill, mind, vol. XC, ~~1981 ~~. ms208