######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.MafhumManhajCilmi.Hindawi26386930 #META# Tags: philosophy #META# ID: 26386930 #META# Title: مفهوم المنهج العلمي #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # المقدمة‏ # 1 - المنهج العلمي ... لماذا؟‏ # 2 - ما المنهج؟‏ # 3 - العلم والمنهج‏ # 4 - منهج العلم أم مناهج العلوم؟‏ # 5 - تطور نظرية المنهج العلمي‏ # 6 - المنهج العلمي في التاريخ القديم‏ # 7 - من الحضارة الإسلامية إلى العلم الحديث‏ # 8 - المنهج العلمي والحداثة‏ # خاتمة: مفهوم المنهج العلمي في حاضرنا ومستقبلنا‏ # إهداء‏ # المقدمة‏ # 1 - المنهج العلمي ... لماذا؟‏ # 2 - ما المنهج؟‏ # 3 - العلم والمنهج‏ # 4 - منهج العلم أم مناهج العلوم؟‏ # 5 - تطور نظرية المنهج العلمي‏ # 6 - المنهج العلمي في التاريخ القديم‏ # 7 - من الحضارة الإسلامية إلى العلم الحديث‏ # 8 - المنهج العلمي والحداثة‏ # خاتمة: مفهوم المنهج العلمي في حاضرنا ومستقبلنا‏ # | مفهوم المنهج العلمي # | مفهوم المنهج العلمي # تأليف # يمنى طريف الخولي # | إهداء # إلى الجيوفيزيائي الدولي عبد الله إبراهيم أبو العلا، # عقلية علمية ومنهجية من طراز رفيع، # شخصية جادة على طريق قويم، # نفس آمنة في أفق رحيب. # | المقدمة # مفهوم المنهج العلمي في طليعة المفاهيم، التي يمثل استيعابها وتوظيفها وعدا حضاريا ~~أكيدا؛ فكان مفهوما يتبوأ موقعه المرموق في الخطاب المعرفي والثقافي معا، ويراد له عن ~~حق التوطين والتفعيل. المنهج العلمي باختصار أنجح آلية امتلكها العقل في مواجهة الواقع ~~والوقائع، فيما يجسد نواتجها العملاق الماثل: العلم، أروع تجليات العقلانية في الحضارة ~~الإنسانية، وأشدها إثباتا لحضور الإنسان؛ الموجود العاقل في هذا الكون، وقد بات العلم ~~الحديث من أقوى العوامل الفاعلة الموجهة، بل المشكلة للفكر وللواقع معا، وفي النهاية ~~يمكن القول دائما إن العلم أنجح مشروع ينجزه الإنسان. # مفهوم «المنهج» في حد ذاته يعني الطريق الواضح والطريقة الناجزة، و«المنهج العلمي» تمثيل ~~وتجريد للعقلية العلمية والتفكير العلمي، لطريق العلماء في بحوثهم وطريقتهم في إنجاز ~~كشوفهم، والإضافة إلى نسق العلم طابقا فوق طابق. وكما أكدنا مرارا، مهما تمخضت مسالك ~~العلماء في النهاية - أو في تطبيقاتها - عن إنجازات تلغي الزمان والمكان، كالسفر بسرعة ~~الصوت والتواصل بسرعة الضوء، غزو الفضاء والذرة، فك شفرة الحياة ولغز الثقوب السوداء، ~~التحكم في النانو تكنولوجي وبه، تحويل مجاري الأنهار واخضرار الصحارى، هندسة الموروثات ~~ومقاومة الأوبئة ومداواة العاهات الجسدية والنفسية والاجتماعية ms001 ... إلى آخره، أو بالأحرى إلى ~~غير آخر ... مهما تحققت إنجازات تتضاءل بجوارها معجزات الأساطير، سيظل المغزى الأعظم للمنهج ~~العلمي هو أنه تجسيد لطريقة في التفكير والفعل سديدة مثمرة، يمكن تسخيرها في كل تعامل مع ~~واقع متعين، وليس في البحث العلمي فحسب. أجل، يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل ~~العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، لكنه يمكن أن ينصب في الواقع الثقافي كبلورة ~~مستصفاة للتفكير المثمر الملتزم بالواقع والوقائع، بالانتقال من المشكلة لحلها، تعقيل ~~السير نحو الهدف، التآزر بين العقل والحواس، تكامل القوى المعرفية التحليلية والاختبارية ~~والنقدية والإبداعية معا ... # وسبيلنا الآن إلى تنضيد وتوصيف وتعريف هذا المفهوم النابض الشامخ، في مقاربات تحليلية ~~وتتبعات تاريخية معا، تسفر عن رحلة مع العقل العلمي تمتد بطول التاريخ، ويتحاور فيها الشرق ~~والغرب، نستهلها في الفصل الأول بعرض إيجابيات يحملها هذا المفهوم، قد تغري بخوض رحلة ~~تعريفه والتعرف عليه. يتناول الفصل الثاني مفهوم «المنهج» أصلا، وكيف كان هاجسا ملازما ~~للفلسفة، وكيف توالد عنه مفهوم محدد للمنهج العلمي. وتتوالى الفصول مبينة كيف نشأت فلسفة ~~العلم، لتكون منشغلة أساسا بمفهوم المنهج العلمي، وكيف تطورت صياغته وتسير قدما نحو ~~المزيد من النضج والفاعلية، وكيف سار مفهوم المنهج العلمي ذاته عبر التاريخ، وما الدور ~~الذي قام به تراثنا في هذا الصدد، ثم ما الدور الذي قام به «المنهج العلمي» في خلق وتمثيل ~~قصة الحداثة، وكيف تصاعدت منظورات مستجدة له أكثر خصوبة في ما بعد الحداثة، تمثيلا لما ~~صاحب المفهوم بالانتقال من زمن الثورة الصناعية وصلابتها، إلى زمن الثورة المعلوماتية ~~وسيولتها. ونصل في الختام إلى السؤال الأهم: كيف يمكن تفعيل المنهج العلمي وتوظيفه في ~~واقعنا الحاضر وفي مستقبلنا. # هذه بعض تساؤلات كبرى تضوي تحت لوائها تساؤلات جانبية وفرعية، تتواتر مناقشاتها ومحاولات ~~الإجابة عنها إبان مصاحبتنا لمفهوم المنهج العلمي، ومتابعة عقلانيته التجريبية، عبر ~~الصفحات المقبلة. # يمنى الخولي # جامعة أحمد بلو، نيجيريا # 26 ديسمبر 2014م # الفصل الأول # | المنهج العلمي ... لماذا؟ # (1) مدى واسع ممتد # قبل الخوض في تعريف مفهوم المنهج العلمي والتعرف على أبعاده ms002 وآفاق عالمه، نسأل ~~قبلا: لماذا هذا الخوض؟ لماذا يعد طرح مفهوم المنهج العلمي مهمة وأمانة ورسالة؟ ~~ولماذا يعد اكتساب هذا الطرح تنمية عقلية حقيقية ومبتغاة؟ # قد يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة على هذا، تأتي توا من حلبة المنهج العلمي؛ أي ~~البحث العلمي ذاته كقوة عظمى امتلكها الإنسان، وأهم منتج مؤثر في واقعه، لتكون ~~الإجابة: إن الطرح المتكامل لمفهوم المنهج العلمي، المستشرف للآفاق والمستقصي للجذور - ~~على نهج الطرح الفلسفي - إنما يجعل العلماء أكثر ألفة بعالمهم، يضع النقاط على الحروف، ~~فيزداد طريق التقدم العلمي وضوحا، وتزداد معدلاته صعودا. # ربما يكون هذا جانبا من الإجابة على السؤال المطروح، ولكنه ليس الإجابة كلها ولا حتى ~~أهم ما فيها، الفلسفة حين تعمل على تعريف وتقنين مفهوم المنهج العلمي، فإنها لا تجرد ~~محض طريقة يتبعها العلماء في بحوثهم، كأدوات فنية خاصة بأهل حرفة بعينها وإن علا ~~شأنها، إنما تبلور أسلوبا من أساليب التفكير الملتزم والمثمر، هو أنجع طريقة ~~امتلكها الإنسان للتعامل مع الواقع وحل مشكلاته. يقول جان فوراستيه # Jean Fourastie ~~: «إن للمنهج العلمي مدى يمتد من ~~العالم إلى الإنسان المتوسط، ومن الميكانيك الموجية إلى الأحداث المبتذلة في الحياة ~~اليومية؛ فليس هناك مجالان منفصلان: مجال العلم ومجال الحياة. والمنهج العلمي ليس تقنية ~~خاصة بذوي الاختصاص، كما يختص خبراء التأمين بنظام الاحتمالات، والقضاة بالقانون، ~~وعلماء الآثار المصرية بالهيروغليف، بل هو أحد الوسائل المعطاة لكل إنسان، وأكثر هذه ~~الوسائل سهولة وضمانا لمعرفة العالم، الذي انتظم فيه الإنسان: الكون والأرض والنباتات ~~والحيوانات والأشخاص.» # 1 # المنهج العلمي في جوهره آلية إيجابية فعالة، لتعامل الإنسان مع وقائع عالمه، تقوم ~~على التآزر والتحاور بين قدرات الذهن ومعطيات الحواس، وهذه آلية كامنة في كل عقل بشري، ~~وتبلغ أقصاها في البحث العلمي، تماما كما نقول إن القدرة الفنية كامنة في كل إنسان، ~~وأي طفل لا بد أن يمارس الرسم، لكن هذه القدرة تبلغ أقصاها مع الفنانين العظام، أو أن ~~القدرة على الكتابة كائنة لدى البشر أجمعين، وأي تلميذ لا بد أن يكتب موضوع الإنشاء، ~~لكن ms003 هذه القدرة تبلغ أقصاها لدى الكتاب العظام. كذلك آلية الحوار الإيجابي المثمر بين ~~الذهن ووقائع العلم كائنة في كل العقول ، في مدى واسع ممتد، وينبغي العمل على تنميتها ~~دائما، وهذه الآلية تبلغ أقصاها وذروتها في العلم والبحث العلمي. # وإذ نستقي خلاصة طريق وطريقة العلماء في معاملهم نشدانا لتقنين هذه الآلية، نجدها ~~تقوم على فرض أبدعه عقل الإنسان/العالم، يخرج منه بنتائج جزئية يهبط بها إلى الواقع ~~التجريبي ليختبر الفرض، فيقبله أو يعدله أو يرفضه، ليكون مسير ومصير الفرض في نسق ~~العلم وفقا لشهادة التجريب على كفاءته في حل المشكلة المطروحة للبحث، وأداء المهام ~~المعرفية التي وضع من أجلها. إنه الحوار الخصيب والتآزر الجميل المثمر بين العقل ~~والتجريب، الفهم والحواس، اليد والدماغ، الفكر والواقع؛ لذا كان المنهج العلمي صورة ~~مثلى لما يمكن أن نسميه: العقلانية التجريبية. وفي تفعيل هذا نتعلم تكاملا بين ~~ملكتين إدراكيتين أو القوتين المعرفيتين، فلا جنوح لطرف ولا إقصاء لآخر. # في المنهج العلمي يتجلى العقل حين يرسم سبلا موجهة ناجحة، حين ينطلق بمجمل طاقاته ~~وقدراته أقصى انطلاقة في محاولاته الجسورة لوضع الفروض العلمية، لكنها دونا عن كل ~~انطلاقات العقل، ملتزمة بالواقع بما تنبئ به التجربة، لتتعدل الفروض أو تقبل أو تلغى ~~وفقا له. المنهج العلمي التجريبي ينصت لشهادة الحواس ومعطيات الوقائع، فتعين موضع ~~الخطأ والكذب في الفرض حين يتعارض معها، يتم تصحيحه والبحث عن فرض جديد متلاف لذلك ~~الخطأ، يعرض بدوره على محكمة التجريب، ويتم تعديله بفرض جديد ... وهكذا دواليك في ~~متوالية لتقدم لا يتوقف أبدا. البحث العلمي فعالية مستمرة، تحمل في صلب ذاتها عوامل ~~لتناميها وتقدمها المتواصل دوما. كل إجابة يتوصل إليها تطرح تساؤلات أبعد، فيؤدي ~~كل تقدم إلى تقدم أعلى. ومهما علونا في مدارج التقدم فلن تغلق المعامل أبوابها، ~~ولن ينتهي البحث العلمي أبدا، بل يزداد حمية ونشاطا في سعيه الدءوب المتخطي دوما ~~لحاضره، مغيرا إياه. # إن العلم صنيعة الإنسان، فعالية نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم؛ لذلك ~~ليس العلم بناء مشيدا من حقائق قاطعة، بل ms004 هو نسق من فروض ناجحة، كل يوم فروض أنجح من ~~سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة. كل يوم جديد يتلافى أخطاء ~~وقصورات القديم، فيلغيه أو على الأقل يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع في طريق التقدم خطوة أبعد ~~منه، في صيرورة - تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق، الأفضل والأقدر. # وفي خضم هذه الحركية التقدمية الجبارة، ينتصب مارد المنهج العلمي، بوصفه الثابت ~~الديناميكي إن جاز التعبير، أو القوة المثمرة الولود لكل ما يتواتر من تغيرات. في ~~رحاب هذا المارد تقوم وقائع التجريب بدور ناقد قاس، لا يعرف الرحمة حين تعيينه ~~لمواضع الخطأ؛ دور الفيصل والفاروق بين الصدق والكذب، القاضي الحاتم ذي الحكم الموجب ~~النفاذ: إنها مسئولية عسيرة أمام الواقع والوقائع، لا يقوى على الاضطلاع بها إلا المنهج ~~العلمي. # ولعل تفعيل المنهج العلمي في مداه الواسع الممتد، يمكن أن يأتي بأبسط نواتجه في أن ~~نضطلع بشيء من هذه المسئولية إزاء الواقع والوقائع، مما يؤدي إلى كبح جماح الاسترسال ~~في الإنشائيات والخطابيات، والخوض في لغو القول، والأغاليط، والمكابرة، والدفاع عن ~~القضية ونقضيها، فضلا عن الدفاع عن قضية خاسرة، تشهد الوقائع ببطلان أسانيدها ... أو ~~استمرار وسائل فاشلة تشهد الوقائع بعجزها عن بلوغ غاياتها؛ إنه مدى واسع ممتد. ~~(2) تقدمية والروح نقدية # نلاحظ كيف فرضت مقولة التقدم والتقدمية ذاتها، منذ مستهل حديثنا عن المنهج العلمي، ~~ويحق القول إن البحث العلمي هو التمثيل العيني لمقولة التقدم في حضارة البشر، والمضمار ~~الوحيد فيها الذي يملك ضمانات كافية، تشهد بأن غده سيكون أثرى وأقوى من يومه، مثلما جاء ~~يومه أثرى وأقوى من أمسه. # التقدم Progress # يعني السير قدما إلى ~~الأمام، وهذه الكلمة الإنجليزية مأخوذة من الكلمة اللاتينية Progressus ~~، التي تعني قطع حيز إلى الأمام، سواء ~~في الزمان أو في المكان؛ قطع مسافة في السير، وأيضا تقدم في العمر. وقد برز مفهوم ~~«التقدم» كمصطلح فلسفي مهم في العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، ليفيد قيمة إيجابية ~~تمثلها حركة خطية، ليست دائرية وليست تراجعية. وقامت مقولة التقدم بدورها المعروف في ~~الفكر الغربي، ms005 وكانت من مقدمات عصر التنوير في القرن التالي. وأخيرا جاء عصر ما بعد ~~الحداثة في النصف الأخير من القرن العشرين، وطرح مفهوم التقدم لمناقشات مستجدة في ~~الفكر الغربي. ومن ناحية أخرى، كان الفكر الإسلامي في المشرق، قد شهد الحركة الوهابية، ~~التي أكدت أن التقدم حركة قهقرية. ثم ظهرت تيارات فلسفية لا تمانع في أن ترى التقدم ~~عودة إلى الوراء، إلى عصور مضت بدت لهم لا تبارى ولا تمارى. وبصرف النظر عن هذا ~~وذاك، رب قائل إن الفن التشكيلي في عصر النهضة أفضل منه الآن، أو إن تأثيث المنازل ~~على الطراز الكلاسيكي أجمل من تأثيثها على الطراز الحديث، أو إن طعام الأجداد أشهى من ~~طعامنا اليوم، أو إن العمارة في مرحلة ما كانت تحمل زخما جماليا، افتقدناه الآن ~~وكانت مريحة أكثر ... إلخ، ولكن لا يقولن أحد البتة إن العلم في أية مرحلة سابقة كان ~~أفضل منه الآن، أو في أية مرحلة لاحقة. # من أجمل جمالات العلم والمنهج العلمي، أن قيمة التقدم فيه محسوسة تماما، ولا مجال ~~لخلاف أو جدال بشأنها. نعم تموج فلسفة العلم بمناقشات عاصفة حول طبيعة التقدم ~~العلمي، وهل هو تراكم متوال: كشف فوق كشف ونظرية بجوار نظرية، أم هو ثورة مستمرة: ~~استيعاب وتجاوز مستمر لما هو كائن، انسياب دورات جديدة بمنطلقات جديدة، تتيح دائما ~~رؤية أوسع وسيطرة أعلى ... أم إن التقدم العلمي حوار جدلي بين التراكم والثورة، بمعنى ~~تراكم تراكم ثم ثورة ... تراكم تراكم ثم ثورة. # 2 # وأيضا ثمة الجدال حول معايير التقدم العلمي: هل هي معرفية نظرية أم ~~براجماتية عملية، أم كلتاهما معا؟ ولكن التقدم في حد ذاته؛ مثوله في العلم ومثول العلم ~~فيه، واعتماد المنهج العلمي طريقا مفضيا له، مسألة محسومة، قيمة منطقية لها مقاييسها ~~الكمية وتحديداتها الدقيقة. # من أية زاوية التقدم في العلم غاية منشودة ومأمولة ومتحققة، ببساطة تعني حذف ~~قصورات وأخطاء، تعني مزيدا من الاقتراب من الصدق/الحقيقة، تعني توصيفات أوفى وقوى ~~تفسيرية أعلى وتنبؤات أدق، وبالتالي مزيدا من السيطرة على الظاهرة، ومزيدا من حلول ms006 ~~لمشاكل وتحقيق أهداف، والأجمل أن التقدم ليس فقط غاية منشودة في العلم، ثاو في منهجه، ~~بل هو واقع ماثل متحقق دائما . ~~••• # وكما اتفقنا، المنهج العلمي في جوهره هو العقلانية التجريبية؛ فلا تجريبية فجة غشوم ~~تنحصر في معطيات الحواس، تسوخ فيها بغير أن تشرئب عنها، ولا تحليق للعقل في سدم الفكر ~~الخالص المنذرة بالتشتت والتهاويم والجنوح. إنه حوار مستمر وضابط بين الطرفين؛ بين ~~الفكر والواقع. وكما ذكرنا لا جنوح لطرف ولا إقصاء لآخر؛ فيقي من مغبة التطرف المتصلب ~~والمنفلت نحو حد أو طرف بعينه، تماما مثلما يقي المنهج العلمي من وبال القبول ~~الأعمى، لمراسم جاهزة والتصلب بين أطرها، ما دام كل شيء فيه خاضعا للاختبار والنقد ~~والتمحيص؛ خاضعا لمحكمة التجريب. # ليست التجربة معينا نغترف منه الفرض العلمي، بقدر ما هي ساحة اختبار الفرض العلمي ~~واستنطاقه واستشهاده واستجوابه وتمحيصه؛ بعبارة: موجزة التجريبية العلمية في جوهرها هي ~~الاختبارية والقابلية للاختبار # testability ~~، وأن تكون ~~العبارة تجريبية فهذا يعني أنها قابلة للاختبار، وأن تكون العبارة التجريبية علمية، ~~فهذا يعني أن المنهج العلمي هو اختبارها اختبارا عسيرا لأقصى درجة ممكنة. ويمكن أن ~~نلاحظ عبقرية اللغة العربية التي وضعت مصطلح «المختبر» مرادفا للمعمل، ورمزه النمطي ~~أنبوبة «الاختبار» الشهيرة. إن التجريبية هي الاختبارية، وهي النقدية. الاختبارية ~~النقدية هي سر التقدم المستمر في العلم. والروح العلمية روح نقدية على ~~الأصالة. ~~••• # يتقدم الآن كارل بوبر # Karl R. Popper ~~(1902-1994م) ~~فيلسوف المنهج العلمي الأكبر، الذي قيل عنه: «إنه المفرد العلم الذي يشار إليه ~~بالبنان، حين طرح السؤال عن المنهج العلمي.» # 3 # وقد مثل كارل بوبر نقطة تحول بأن استندت فلسفته على أن الخاصة ~~المنطقية المميزة للعلم، هي القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب، للمواجهة مع الواقع ~~والوقائع، للنقد والمراجعة واكتشاف الخطأ؛ اكتشاف موطن الكذب والتعارض مع الواقع؛ ~~لتصويبه والاقتراب أكثر من الصدق/الحقيقة، فيتأتى التقدم المستمر. وضع بوبر معالجته ~~الشاملة للمنهج العلمي ومنطقه، على أساس الاختبارية التكذيبية، التي لا تعدو أن تكون ~~أسلوب النقد المختص بالعلم، والذي يجعله دائم التقدم، مؤكدا أن النقد دماء ms007 الحياة ~~للتفكير العقلاني وللتقدم في العلم، وفي الحضارة على الإجمال. إن بوبر في فلسفته ~~الرائدة للمنهج العلمي يعول التعويل الأكبر على مفهوم النقد، وقيمة النقد والدور ~~العلمي للنقد، حتى وضع بطاقة لفلسفته هي «العقلانية النقدية». # التفكير العلمي هو ذاته التفكير النقدي، والمنهج العلمي منهاج نقدي. النقد بمعناه ~~الحرفي؛ أي بمعنى الحرص الدائم على تصيد الأخطاء، وتعيينها من أجل تصويبها، هو لا ~~سواه روح العلم والأنفاس المترددة في صدره، هو معلمه. قد يتبدى التفكير العلمي ~~بوصفه المقابل للتفكير الأسطوري، ولكن يمكن القول إن العلم له هو الآخر أساطيره. وقد ~~يقدم تصورات يصعب على الحس المشترك، والإنسان العادي في حياته العادية، أن يتقبلها أو ~~يتعايش معها؛ أشهر الأمثلة على هذا نظرية النسبية لآينشتين، حيث تتغير الكتلة بتغير ~~السرعة، والزمن بعد رابع يتباطأ هو الآخر بزيادة الكتلة، ويسير بسرعات واتجاهات ~~مختلفة. والعلم يقدم أفكارا وتصورات حاشدة ومحملة بالكثير، تقوم بدور كبير وتتحمل ~~مسئوليات معرفية جسيمة، ثم يقلع عنها وتذوي جانبا، وأشهر الأمثلة على هذا فرض «الأثير» ~~لتفسير انتقال الضوء والإشعاع؛ لذا أمكن القول بشكل ما إن العلم هو الآخر يصنع أساطير. ~~يظل الفارق الحقيقي الحي بين الفكر العلمي والفكر الأسطوري، أن الأساطير تظل ثابتة على ~~حالها دائما، وقد يضفي عليها التفكير الإيقاني المتزمت (الدوجماطيقي) مزيدا من ~~الثبات. أما المنزع النقدي في العلم والمنهج العلمي، فيغير دوما من أساطيره في اتجاه ~~التقدم، والاقتراب الأكثر من الصدق؛ لأن النقد يحذف الخطأ ويقلل دوما نطاقه. # إن المنهج العلمي هو أسلوب التفكير النقدي، هو عقلانية نقدية بقدر ما هو العقلانية ~~التجريبية. وتبقى ملاحظة أنه في الآن نفسه أسلوب التفكير المبدع، ولما كان هذا الإبداع ~~مسئولا أمام محكات المنطق وقياسات الواقع، أمكن أن نسميه أيضا العقلانية ~~الإبداعية. ~~(3) إبداع ومسئولية # حين يقال المنهج العلمي بألف ولام العهد كمفرد علم، يكون المقصود عادة هو ~~المنهج التجريبي. وقد اشتهر العلم الحديث بتجريبيته، وبات القول إن العلم تجريبي يشبه ~~القول إن الشمس تشرق في النهار والماء هو الماء. على أن التجريبية كما ms008 أشرنا ليست ~~معينا نغترف منه الفرض العلمي، بل ساحة لاختباره. في المنهج العلمي يجتاز الفرض ~~والتمحيصات المنطقية، والقياسات الكمية الدقيقة والاختبارات التجريبية، ليحصل على جواز ~~المرور إلى نسق العلم، فيمثل إضافة وحصادا علميا وحصيلة معرفية. الفرض الناجح هو ~~اللبنة والإنجاز الملموس. والسؤال الآن: من أين يجيء الفرض أصلا؟ # لعل هذا السؤال يناظر السؤال: من أين يجيء الحب؟ فلا إجابة محددة على أي منهما، وإذا ~~كان هذا سؤالا عن المصدر؛ «فليس هناك مصدر معين لا سواه للمعرفة. والمعرفة لا تتمتع ~~بأية مصادر غير قابلة للخطأ، لا في الحواس ولا في العقل». # 4 # كل فرض وكل اقتراح وكل مصدر على الرحب والسعة، ما دام كل اقتراح يمكن ~~تعريضه للنقد، للاختبار واكتشاف أخطائه وتصويبها، والانتقال إلى وضع أفضل في صيرورة ~~التقدم المستمر. والمنهج العلمي بعقلانية النقدية، تأطير لمنطق الكشف العلمي والتقدم ~~الدائم. # وليس المنهج العلمي في هذا خطوات محددة أو طريقا مرسوما للوصول إلى الفرض الجديد، ~~إنه ليس طريقا للكشف، بل منطق له؛ لا يرسم طريق الوصول إلى فرض جديد، بل يرسم أسلوب ~~التعامل مع الفرض وكيفية اختباره والتحكم في نتائج الاختبار. نظرية المنهج العلمي تبدأ ~~من الفرض، أما ما قبله وأفضى إليه فليس من اختصاص فلسفة المعرفة (= الإبستمولوجيا) أو ~~فلسفة المنهج (= الميثودولوجيا)، بل من اختصاص علم النفس التجريبي الذي يدرس ظاهرة ~~الإبداع. # لا يمكن الوصول إلى الفرض العلمي الجديد عن طريق خطوات محددة. الكشف العلمي ليس ~~عملية آلية، بل عملية خلق وإبداع، تأتي من الذكاء الإنساني في تفاعله مع الحصيلة ~~المعرفية، الخيال الخصيب والعبقرية الخلاقة، الإطار الثقافي الملائم الذي يهب العالم ~~محفزات للإبداع ... كل هذه عناصر فاعلة. ولا يمكن الوصول إلى الإبداع الأصيل في الفن أو ~~في الفكر، أو في أي موقف حياتي عن طريق خطوات محددة. والعلم بدوره أكثر المناشط ~~الإنسانية حيوية وإبداعية. # لا يأتي الفرض العلمي الجديد إلا بعد إلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، وهذا هو ما ~~نسميه: الدرس الجاد، ويجسد الطابع الجمعي التعاوني، الذي يميز عالم العلم. ثم يقدح ~~العالم ms009 ذهنه ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث. هذا الحل حدس، تنبته الموهبة ~~العلمية الفردية والعبقرية الخلاقة في انشغالها العميق بالمشكلة المطروحة، وإحاطتها ~~بهذه المشكلة درسا وبحثا. لقد أكد هنري ~~بيرجسون # H. Bergson ~~(1859-1941م) على الجهد العقلي العظيم المبذول في كل إبداع، ~~فما بالنا بالإبداع العلمي! # عني العالم/الفيلسوف هنري بوانكاريه # H. Pioncaré ~~(1854-1912م) بالطبيعة الإبداعية الحدسية للكشف العلمي، وأضفى عليه طابع المفاجأة ~~والتركيز، وأنه يأتي إلى ذهن العالم كومضة. وقد كانت أبحاث بوانكاريه من الخطوط ~~التمهيدية، والمقدمات العامة التي تأدت إلى نظرية النسبية الخاصة مع آينشتين. ويظل فرض ~~الكوانتم العبقري، وقد نما وتطور في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، بفعل ~~رعيل من العلماء المبدعين هم بحق فرسان الكوانتم؛ يظل هذا الفرض مكمن الجمر، وهيكل ~~النور في التعملق الراهن للعلم، واقتحامه الواثق المقتدر الفعال لعالم ما دون الذرة. ~~الأب الشرعي لفرض الكوانتم هو العالم الألماني ماكس ~~بلانك # M. Plank ~~(1858-1947م)، طرح عام 1900م فرض اعتبار الأجسام تكتسب الطاقة أو ~~تعطيها، لا باستمرار كسيل، بل على «كوانتمات»، و«كوانتم» وهو المصطلح الذي اختاره، كلمة ~~لاتينية تعني مقدارا أو كمية أو وجبة. # 5 # كشهادة حاسمة يقول ماكس بلانك: «كل فرضية تظهر في عالم العلم تعرض نوعا ~~من الانفجار المفاجئ، وقفزة في الظلام لا يمكن تفسيرها منطقيا، ثم تدق ساعة ميلاد ~~نظرية جديدة، وبعد أن ترى نور العالم تسعى جاهدة إلى النمو والتقدم باستمرار، ويتوقف ~~مصيرها أخيرا على المقاييس.» # 6 # كل كشف علمي يحوي عنصرا إبداعيا حدسيا قائما على الحب العقلاني لموضوع البحث. ~~تتواتر سير وأقاصيص العلماء أنفسهم، وهم يقررون أنهم توصلوا إلى النظريات العلمية، ~~بالعديد من الطرق المختلفة وليس بأية خطوات محددة، قد تظهر النظرية العلمية كومضة ~~إلهام، في حالات الحلم أو ما يشبه الحلم. أثناء النوم رأى كيكوليه تخطيطه لجزيء ~~البنزين، ورأى مندليف ملامح الجدول الذري، ورأى نيلز بور النظام الشمسي كنموذج للذرة. ~~تشرق النظرية العلمية في الذهن كما يشرق أي إبداع إنساني آخر؛ فقد تومض فجأة، وقد تهبط ~~رويدا كضياء الفجر. # لذلك ms010 نجد مماثلة بين روح العلم وروح الفن، شاعت في فلسفة العلم في العقود الأخيرة من ~~القرن العشرين. وعمل شيخ فلاسفة العلم في فرنسا جاستون باشلار # G. ~~Bachelard ~~(1884-1962م) ~~بالذات على أن يفلسف العلم والفن معا من المنطلقات القيمية نفسها. عالم الفن من خلق ~~الإنسان، جميع الأعمال الفنية صنعها الإنسان الفنان، وكذلك عالم العلم من خلق الإنسان، ~~وجميع النظريات العلمية من صنع الإنسان العالم، يخلقها ثم يحاول فرضها على العالم ~~لتفسره، فهي «شباك يحاول بها اصطياد الواقع التجريبي، والجهود مستمرة دائما لجعل ~~ثقوبها أضيق وأضيق». # 7 # ولا يمكن وجود منطق ومنهج لعملية الخلق والإضافة في العلوم أكثر من إمكانية ~~وجوده في الفنون. وكما قيل عن حق: «كعبقرية خلاقة يقف جاليليو ونيوتن وآينشتين على قدم ~~المساواة مع مايكل أنجلو وشكسبير وبيتهوفن.» # وكشأن الإبداع في الفن، نجد الإبداع في العلم يشترط هو الآخر الخيال الخصيب، بدون ~~الخيال لا إبداع علمي، ولن تكون المحصلة أكثر من بيانات إحصائية. الفنان مبدع والعالم ~~مبدع، الخيال شرط الإبداعية، هو الفارق بين الإنسان المبدع القادر على إضافة تصورات ~~مستجدة، وبين الإنسان العادي الذي يظل محصورا فيما هو كائن، دون قدرة على الارتفاع عنه ~~والإضافة إليه. الفنان والعالم كلاهما قادر على الإبداع؛ لأنه مسلح بالخيال، كلاهما ~~ينطلق مع خياله الخصيب إلى أقصى الآفاق، ولكن الفنان يظل وعمله أو إبداعه الفني هنالك ~~في آفاق الخيال، التي مكنته موهبته من الصعود إليها، بل إن الفنان القدير ينتزع ~~المتذوق من عالمه ويجذبه هو الآخر هنالك. أما العالم فسوف ينطلق مع خياله أقصى انطلاقة، ~~تتيح له التوصل إلى فرض جسور. وبقدر جرأة وقوة الخيال، تكون جرأة وقوة الفرض ~~العلمي. وعلى خلاف موقف الفنان نجد العالم عليه أن يعود مجددا إلى عالم الواقع ~~والوقائع، ليختبر الفرض ويحدد مسيره ومصيره. ولن يدخل فرضه عالم العلم أصلا إلا إذا ~~كان قابلا للاختبار التجريبي الجاد، الذي يحكم بكذبه حال تناقضه مع وقائع. بتعبير كارل ~~بوبر، الفرض العلمي لا بد أن يكون قابلا للتكذيب، يحمل في تضاعيفه تنبؤات ms011 منطبقة على ~~العالم الذي نحيا فيه. إنها المسئولية إزاء الواقع والوقائع، قد تقوم المحكات المنطقية ~~والرياضية في العلم بدور يناظر دور المحكات الجمالية في الفن، ولكن استشهاد الوقائع ~~والالتزام بهذه الشهادة ينفرد بها العلم التجريبي، وتميز الإبداع العلمي. المسئولية ~~إزاء الواقع هي التي تميز انطلاقة الخيال الإبداعي العلمي عن أية انطلاقة سواها. ~~••• # القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب كخاصة منطقية مميزة للقضية العلمية، تبرز لنا ~~أيضا كيف يتميز المنهج العلمي بدور كبير للأمثلة النافية والوقائع المكذبة. إن ~~مواجهتها والتصويب بهديها وجه من وجوه قصة التقدم العلمي المتواصلة دوما. المنهج ~~العلمي ملتزم بالبحث عن وقائع مكذبة وأمثلة معارضة إن وجدت، مقابل أنماط التفكير ~~الأخرى التي لا تبحث إلا عن الأمثلة المؤيدة والشواهد على صدقها، إن لم تلو عنق ~~الوقائع لتكون شاهدة في كل حال. # مجمل القول، إن التجريبية هي القابلية للاختبار، هي القابلية للتكذيب ... والتقدم ~~المستمر، هي استشهاد الواقع والالتزام بهذه الشهادة، هي الخاصة المنطقية المميزة للعلم ~~التجريبي ومنهجه. إنها المسئولية إزاء الواقع والوقائع، التي تتجلى بوصفها جوهر ~~التجريبية العلمية. ويمكن القول إن هذه المسئولية هي رسالة المنهج العلمي. # المنهج العلمي يستحث العزم على السير في طريق الإبداع واستغلال قوى الخيال المنطلق، ~~ولكنه الإبداع المسئول وخيال تحاسب سبحاته حسابا دقيقا. المنهج العلمي إبداع ~~ومسئولية، عقلانية تجريبية تتآزر فيها الملكات المعرفية، روح نقدية تقدمية تحمل بين ~~شطآنها قيما منشودة من قبيل التخطيط والتفكير الملتزم، والتنافس لحل المشكلات في ~~تعددية الرأي والرأي الآخر، ثم الالتجاء إلى محك الواقع المشترك بين الذوات أجمعين ~~للفصل بين المتنافسين. والأهم من هذا كله البحث الدءوب عن الأخطاء والقصورات الكائنة في ~~كل محاولة إنسانية، والمجال المفتوح دوما للمحاولة أو النظرية الأقدر والأجدر والتقدم ~~الأعلى، وبالتالي الاحتمالية والنسبوية؛ فلا شيء مطلق أو يقيني. نعم هناك التزام ولكن ~~ليس ثمة حقيقة نهائية، تتخذ مبررا لكبح انطلاق العقول والسيطرة، وفرض الوصاية على ~~العقل. # هذه بعض ملامح ناضرة للمنهج العلمي، لاحت لتغري بمزيد من التعريف به والتعرف على ~~عالمه. وطريق التعارف المترسم يقتضي أن ms012 نطرح الآن التساؤل: ما «المنهج» أصلا؟ # الفصل الثاني # | ما المنهج؟ # (1) مفهوم «المنهج»: تعريف وتحليل # بادئ ذي بدء نلاحظ أن الدور الاستراتيجي لمفهوم «المنهج العلمي» خصوصا، تكمن من ~~ورائه أهمية استراتيجية أكثر شيوعا لمفهوم «المنهج» عموما، وللمنهجية في كل فكر وفي ~~كل فعل نظاميين. إن المنهج بشكل عام آية دقة، ومفهوم محوري ومرتكز أساسي في كل ما ~~ينزع إلى الجدوى والجدية والانضباط. # وبإزاء هذا الرصيد الهائل، لا بد أن نصل إلى «المنهج العلمي» عبر تعريف مفهوم ~~«المنهج» في حد ذاته، وتحليل دلالته وتطوراته ومتغيراته؛ لكي ننتقل من هذا انتقالا ~~مشروعا إلى مفهوم «المنهج العلمي» تحديدا. إنها تحليلات أولية، تعمل على تمهيد الطريق ~~وتحديد معالمه. # نبدأ بتحليل الدلالة اللغوية والاشتقاقية للفظة «منهج» من حيث الأصول في اللغة ~~العربية والمقابل في اللغات الأوروبية، ثم ننتقل من «المنهج» كلفظة إلى «المنهج» ~~كمصطلح. # وإذا كانت الإتيمولوجيا # Etymology # هي علم البحث في ~~الأصول اللغوية للفظة، فإن التحليل الإتيمولوجي للفظة «المنهج»، على سبيل استكناه ~~الأصول وعمق الدلالات، يقودنا توا إلى صلب في اللغة العربية، وذلك قبل المراسي ~~الشائعة الذائعة في اللغات الأوروبية، التي درجنا على أن نتعلم منها حديث ~~المنهجية! # وقد كانت اللغة العربية وعلومها أولى الدوائر المعرفية في البنية العقلية، التي حملها ~~التراث العربي الإسلامي، وكان لها الدور الفخيم، فلا غرو أن تحمل أصول الألفاظ فيها، ~~وفي مقدمتها لفظة «المنهج»، الكثير الجم من كنوزنا الحضارية المذخورة، التي تنتظر البحث ~~والتنقيب والسبر ... أوليست اللغة العربية هي البحر في أحشائه الدر كامن؟ على أية ~~حال، فإن أصول وتطورات لفظة «المنهج» في اللغة العربية وفي اللغات الأوروبية، معا، ~~تلقي الضوء الكثيف على طبيعة المفهوم ودلالاته ودوره، وكيفية الاستفادة منه. # لفظة المنهج والمنهاج ومرادفاتهما معروفة في لغة العرب، وهي من ألفاظ القرآن الكريم ~~والحديث الشريف، حتى إن المنهج لفظ قرآني، ومصطلح تراثي بامتياز. ~~«المنهج» في اللغة العربية هو الطريق الواضح المستقيم، الذي يفضي بصحيح السير فيه إلى ~~غاية مقصودة، # 1 # بسهولة ويسر. ومن هذا الأصل جرى استعمال لفظ المنهج، لتعني ms013 بوجه عام ~~«وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة». # 2 # نهج نهجا تعني اتخذ منهاجا أو طريقا للوصول إلى غاية. # 3 # ومن عبقرية اللغة العربية نجد اللفظة «نهج»؛ أي تلاحقت أنفاسه من سرعة الحركة لوضوح ~~الطريق ويسره (ومن هذا الأصل تستعمل اللفظة أيضا على عمومها، فيقال نهج من ~~السمنة، أو من سواها). هكذا تتضمن أصول لفظة «المنهج» الإسراع في السير في الطريق ~~لوضوحه، أو في إنجاز العمل لوضوح طريقته، ويأتي أصل هذه الألفاظ لغة من الجذر نهج ~~وأنهج، ونهج الطريق نهوجا بمعنى وضح واستبان، وصار نهجا واضحا بينا، ونهجته ~~وأنهجته أوضحته، وأيضا سلكته. الطرق الناهجة هي الطرق الواضحة. النهج والمنهج: الطريق ~~المستقيم، والمنهاج: الطريق المستمر. # 4 # وخير مفتتح لورود اللفظة في تراثنا قوله تعالى: # لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~(سورة المائدة: الآية: 48)، وفي ~~حديث ابن عباس، رضي الله عنه: «لم يمت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى ترككم على طرق ناهجة.» ~~وقال يزيد بن الخذاق العبدي: # ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت # سبل المكارم والهدى تعدي # تعدي معناها أن تعين وتقوي، # 5 # أما «أنهجت أو أنهج» فتعني الاتضاح، وشق الطريق الواضح: اتخذه ~~وسلكه. # وإذا أخذنا في الاعتبار أن المنهج - كما ذكرنا - هو الطريق والطريقة، لكان بنظرة ~~أعمق أكثر ظهورا في القرآن الكريم؛ إذ ورد عشرات المرات لفظ الطريق والطريقة، وأيضا ~~السبيل والصراط، «كما ارتبط السياق الذي وردت فيه هذه الألفاظ بالهدى والضلال؛ فالله ~~يهدي إلى سواء السبيل؛ أي الطريق المستقيم، والمؤمنون يدعون الله أن يهديهم الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم فاهتدوا إلى الطريق، غير المغضوب عليهم، الذين عرفوا ~~الطريق وتنكبوه، ولا الضالين الذين ضلوا وتاهوا فلم يعرفوا الطريق». # 6 # اهدنا الصراط المستقيم * صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين ~~(سورة الفاتحة، الآيتان: 6-7)، # يهدي ~~إلى الحق وإلى طريق مستقيم ~~(سورة الأحقاف، الآية: 30)، ~~الضلال يحمل الزلل المنطقي والزلل الأخلاقي معا، المعرفي والقيمي. # والسنة أيضا لفظ قرآني تبوأ موقعا فريدا في الدين الإسلامي وفي التراث العربي، ~~لارتباطه بالدلالة النبوية أو ms014 الطريق النبوي، وهو الآخر يعني في أصله اللغوي الطريق، ~~والسنن هي الطرائق، وبالتالي يقترب في دلالاته من لفظة المنهج. والخلاصة أن ثمة ~~دلالات مشتركة في ألفاظ المنهج والمنهاج والطريق والسبيل والصراط والسنة، # 7 # جميعها تشير إلى طريق مستقيم واضح ميسر لسعي الإنسان ليبلغ به غاية ~~مقصودة، تقع في مستويات مختلفة تبعا للمقاصد المختلفة، ومساعي الإنسان الشتى نحو ~~الغاية النهائية وهي حسن المآل، في الدنيا وفي الآخرة، وتظل «قيمة المنهاج هي اتخاذه ~~طريقا إلى المقصد، والحركة في اتجاه ذلك المقصد». # 8 # وفضلا عن هذا يحفل القرآن - كما أشار طه جابر العلواني - بألفاظ منهجية في المقام ~~الأول، لا تنفصل عن نمط ومهام وسبل التفكير المنتج، من قبيل: التعقل، التفكر، ~~التفقه، التبصر، الاعتبار، التدبر، النظر، التذكر ... ولكن مقصدنا الآن لفظة ~~«المنهج» تحديدا وتعيينا. ~~••• # وفي خطابنا العربي المعرفي المعاصر توضع لفظة منهج كمقابل سديد للفظة # Method # في الإنجليزية، ~~و # méthode # في الفرنسية و # die ~~Methode # في الألمانية، وسائر البدائل في اللغات الهندوأوروبية، وهي ~~تعني الطريقة والمنهج، وتعود أصولها إلى الكلمة الإغريقية # μεθ0δ05 ~~، وهي كلمة يستعملها أفلاطون بمعنى البحث أو ~~النظر، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانا كثيرة بمعنى بحث، والمعنى الاشتقاقي الأصلي ~~لها يدل على الطريق، أو المنهج المؤدي إلى الغرض المطلوب خلال المصاعب والعقبات. # 9 # إن المنهج هو الطريق والطريقة، الأسلوب والوتيرة، الديدن والسبيل، المسار والشرعة، ~~الطبع والناموس ... وهو كمفهوم مقنن في الخطاب المعرفي، يراد به تجسيد أسلوب سديد منظم ~~ومثمر، ملتزم بالانتقال من المشكلة إلى حلها ومن المقدمات إلى الغاية. # وقد بات «منهج البحث» هو الاستعمال الأكثر للفظة المنهج في سياق اللغة التداولية ~~المعاصرة في خطابها المعرفي، حيث يفيد «عموم الطريقة، وتتولد منه الإجراءات والأدوات، ~~وتتعلق به الغايات أو المقاصد والقيم الحاكمة». # 10 # وإذ يغدو المنهج هو «منهج البحث» أو مناهج البحث، فقد بتنا بإزاء مبتغانا ~~ومقصدنا الذي هو؛ أي منهج البحث، منجم أو مناجم نستخرج منها فرائد العلم والمعرفة. ~~دلالة لفظة «المنهج» هنا تشير إلى استراتيجيات العمل العقلي وأركانه وأداته الكبرى، ms015 ~~القوة الحقيقية والمجد الحقيقي للإنسان، الذي جعله تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية، ~~فهل لحكمته - سبحانه وتعالى - أن ورد الجذر «نهج» في القرآن مرة واحدة، وورد الجذر ~~«بحث» أيضا مرة واحدة، وكلاهما في سورة واحدة هي سورة المائدة؟! رأينا «المنهج»: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~(سورة المائدة، الآية: 48)، وسبيلنا الآن إلى «البحث». # في القرآن الكريم: # فبعث الله غرابا يبحث في ~~الأرض ~~(سورة المائدة، الآية: 31) بمعنى حفرها وطلب شيئا فيها. وفي ~~«المعجم الوسيط»: «البحث» لغة هو الحفر والتنقيب، ويأتي بمعنى الاجتهاد وبذل الجهد في ~~موضوع ما، وجمع المسائل التي تتصل به. وفي «المعجم الوجيز»: بحث عن الشيء؛ أي طلبه ~~وفتش عنه أو سأل عنه واستقصى، وبحث الأمر وبحث في الأمر: اجتهد فيه ليعرف حقيقته، ~~وباحثه: أي بحث معه فيه، وتباحثا: أي تبادلا البحث. والبحث في اللغة التداولية المعرفية ~~هو بذل الجهد في موضوع ما وجمع مادته، وهو ثمرة هذا الجهد ونتيجته، ليشمل الاستعلام ~~والاستقصاء، الذي يقوم به الباحث بغرض الوصول إلى نتيجة جديدة، أو تطوير وتصحيح أو ~~تنقيح أو تحقيق نتائج كائنة بالفعل. والخلاصة في «كتاب التعريفات» للجرجاني، حيث: ~~«البحث لغة هو التفحص والتفتيش، واصطلاحا هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين ~~الشيئين بطريق الاستدلال.» # 11 # يفيد «منهج البحث» طريق الدرس والمعرفة والتفكير، ويعني طريقا محددا منظما، وهو ~~مفهوم محوري والمرتكز في أية دراسات مقننة، ومقدمة أولية للجهد المعرفي الرصين الجدير ~~بالاعتبار. منهج البحث يلفت الأنظار إلى مفهوم «المنهج» من حيث هو أكثر من مجرد لفظة؛ ~~إنه مصطلح. # ولئن كان المنهج # Method # كلفظ يعني «الطريق ~~والطريقة»، فإن المنهج كمصطلح في أشد معانيه عمومية يعني طريقة تحقيق الهدف، والطريق ~~المحدد لتنظيم الجهد والنشاط. # واللافت حقا هو دور كبير لعبه «المنهج»، كمفهوم وكمصطلح في تراثنا، أو بالأحرى ~~دور لعبه تراثنا في مضمار المنهج والمنهجية، وبالوقوف على هذا نخرج بأساس لنظرة أكثر ~~شمولا وإطلالة على التاريخ المعرفي لمفهوم المنهج، في التراث العربي، وفي التراث ~~الغربي؛ أي لدن الأنا ولدن الآخر. ~~(2) مفهوم المنهج في التراث الإسلامي ms016 # لم يغب عن أعلام التراث الإسلامي في عصره الذهبي، أن طريق البحث والمعرفة على رأس ~~الطرق طرا؛ فورد مفهوم «المنهج» كمصطلح؛ أي كطريق للبحث والنظر والعمل. وجاء في ~~«كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي ليعني: «ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره، ولا بد ~~أن يكون متعلقا بكيفية تحصيله، فهو متعلق بكيفية عمل.» # 12 # وتصدر مصطلح المنهج عناوين مصنفات عديدة رائدة في تراثنا، ونضرب مثالا بواحد من ~~غلاة العقليين هو ابن رشد وكتابه «مناهج الأدلة في عقائد الملة»، وواحد من غلاة ~~النقليين هو الإمام ابن تيمية، لنجد مثلا كتابه «منهج السنة النبوية في نقد كلام ~~الشيعة القدرية» وسواهما. وليس الأمر مجرد ورود لفظة أو مصطلح؛ فقد شهدت الحضارة ~~الإسلامية منذ بواكير نهضتها نشأة واعدة للمنهجية والفكر المنهجي والممنهج، وفي هذا أهم ~~عوامل تفسير الدور المعرفي الناهض، الذي لعبته في مرحلتها التاريخية. # ولا مبالغة في القول إن أهم إنجازات تراثنا تأتت في مجال المنهج والإنجازات ~~المنهجية. وبخلاف مناهج المتكلمين الجدلية، ومناهج الفلسفة الإسلامية الأفلاطونية ~~المحدثة من ناحية، والبرهانية من الناحية الأخرى، ومناهج المتصوفة الذوقية العرفانية، ~~ومن قبل ومن بعد مناهج العلوم الرياضية والتجريبية عند العرب، التي كانت المقدمة ~~الشرطية المفضية منطقيا وتاريخيا وجغرافيا إلى مرحلة العلم الحديث في أوروبا، ~~بخلاف كل هذا الرصيد المنهجي يتقدم علم أصول الفقه بموقعه الفريد في منظومة علومنا ~~النقلية/العقلية، لنجده في جوهره لا يعدو أن يكون علما لمناهج البحث. # كان موضوع هذا العلم رسم الطريق المؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية من الأدلة التي ~~نصبها الشارع؛ أي منهج استنباط الأحكام الشرعية، فأخرج مدرسة كبرى في منهجية الاستنباط، ~~تجعل علم أصول الفقه يتقدم كعلم منهجي بامتياز، يمثل في تراثنا جذرا للعقلية المنهجية ~~ذاتها، وأصول روحها المنبثة في أعطاف حضارة، أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها. # 13 # وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسس ~~لها علم أصول الفقه، يكشف هذا العلم عن منهجيات مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية ~~نقدية، تشهد بتوطن الروح المنهجية في ثقافتنا؛ هذا بخلاف ms017 المناهج الفرعية التي قام ~~بصياغتها، أو بنقلها من العلوم الأخرى أو بتشغيلها وتطويرها، من قبيل الكلام على ~~التواتر والآحاد، والقراءة الشاذة وحكمها، والأحوال الراجعة إلى متن الحديث أو طريقه، ~~والجرح والتعديل، والناسخ والمنسوخ ... إنها تعطينا تمثيلات لمناهج بحث وطرق استدلالية ~~دقيقة، وتبقى واسطة العقد المنهجي فيما أسماه الأصوليون مناهج الاستدلال على العلة، ~~فضلا عن المنهجية الاختبارية في «السبر والتقسيم» وفي مبحث القوادح، والألية التقنينية ~~في تقسيمات الأحكام ... إلخ. على الإجمال يكشف علم أصول الفقه كما يقول حسن حنفي عن «قدرة ~~العقل الإسلامي على تحويل الدين إلى علم، والوحي إلى منطق، والنص إلى منهج». # 14 # وكان التطور اللافت في علم أصول الفقه وصورته العامة، بعد مرحلة التأسيس على يد ~~الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت204ه/820م)، إنما في استفادته من العلم الوافد: المنطق ~~الإغريقي الذي أسهم في أن يكتمل أصول الفقه كمنظومة ممنهجة، يعنى بالترتيب والتقديم ~~والتأخير، وتحديد الأصول والفروع، وفي أن يبدأ بجهاز مفاهيمي يتحدد بالتعريفات ~~الدقيقة، اللغوية والمنطقية معا. وشبيه بهذا ما حدث في علم الكلام/علم أصول الدين، ~~أواصر القربى وثيقة بين هذين العلمين أو الأصولين اللذين تشاركا في كثير من الطرق، ~~وقد التقيا على الطريق المنطقي المفضي إلى الفلسفة. # كان مبحث الألفاظ والتعريفات، أو المفاهيم بمصطلحاتنا، هو الذي استفاد فعلا من ~~المنطق وتأثر به، أكثر من مبحث القياس؛ لأن القياس الأصولي يختلف عن القياس المنطقي، ~~مهما استفاد منه وسخره، وفي هذا نستطيع القول إن الإسلاميين لم يتعلموا المنهجية من ~~المنطق الإغريقي، بل إن منهجيتهم الخاصة بهم - والتي تتبلور في علم أصول الفقه - ~~استفادت منه، فألقوا درسا في كيفية الاستفادة من الوافد، وتوظيفه وتشغيله في إطار ~~حضارتهم. ~~••• # لقد كان المنطق الأرسطي أول ما نقله العرب من علوم اليونان، وظل حاضرا في الحضارة ~~الإسلامية في استيعابه وتطويره ونقده. يزدهر المنطق في الأوساط المعنية باللغة، وعناية ~~الحضارة الإسلامية باللغة العربية كانت غير مسبوقة، بسبب لغوية الحدث القرآني؛ الحدث ~~الأكبر في تاريخها. وقديما قالوا المنطق هو نحو العقل، والنحو هو منطق اللغة. # 15 ms018 # ويظل المنطق في مراحله وتطوراته المختلفة هو الظهير المتين، وركن ركين ~~لمناهج البحث في تطوراتها وتحولاتها. # وفي رحاب الحضارة العربية الإسلامية قام المسيحيون السريان في سوريا والعراق، في ~~أواسط القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري بترجمة الكتب الأربعة لأرسطو في المنطق إلى ~~اللغة العربية، راجعها على الأصل اليوناني ونقحها وهذبها الجيل الثاني من ~~المترجمين، وعلى رأسهم حنين بن إسحاق وولده إسحاق بن حنين، وترجموا أيضا شروحا ~~وتعليقات. أصبح المنطق الأرسطي مطروحا بوضوح في الحضارة الإسلامية، وانفتح المجال ~~لتوالي جهود العرب وإسهاماتهم المنطقية، دشنتها دراسات الكندي - أول الفلاسفة العرب ~~- وتوالت إنجازات المناطقة العرب من فرق شتى، ونذكر في هذا الصدد الجهود المتحمسة ~~لابن رشد في شرح منطق أرسطو. ومنذ البداية أرسي هذا العلم في الحضارة العربية تحت اسم ~~«المنطق»، وهو علم الميزان إذ به توزن الحجج والبراهين، يقول التهانوي: «إنما سمي ~~بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ، وعلى إدراك الكليات وعلى النفس الناطقة، ولما كان ~~هذا الفن يقوى بالأول ويسلك بالثاني مسلك السداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق ~~له اسم منه وهو المنطق، وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى ~~المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر.» # 16 # وهكذا فإنه في إطار انفتاح الثقافة العربية الإسلامية النادر على منجزات الآخر، على ~~ميراث الحضارات والثقافات الأخرى، جاءت العناية المشهورة لأعلام التراث العربي آنذاك ~~بنقل المنطق الأرسطي، الذي يمكن اعتباره أول محاولة متكاملة لمنهجة الاستدلال ~~والتفكير. وأيضا انفتح أسلافنا على ما طرحه المنهج الأرسطي في أخص خصائص العرب؛ أي فن ~~القول في مجالي الشعر والخطابة. الخلاصة ومن المنظور التاريخي الإنساني بشكل عام، أو ~~من حيث المشترك العام، أن مثل المنطق العربي مدرسة كبرى في تاريخ المنطق، # 17 # وانعكست محصلة هذا الوعي المنطقي في مزيد من تقنين المنهجية في رحاب ~~الحضارة العربية الإسلامية، وانتظمت في تراثنا مفاهيم ومصادرات وفروض أولية وقواعد ~~وأصول استدلالية وسواها من عناصر فاعلة في منهج البحث، فاكتملت لديهم آليات للبحث ~~وطرائق للتفكير، وكان التراث الرائع الذي خلفوه في ms019 شتى مجالات الدرس النظامي، مرة ~~أخرى بسبب هذا الدور الكبير ل «المنهج» في حضارتهم كمفهوم وكمصطلح. # يكتسب هذا المصطلح - وأي مصطلح - موقعا متميزا ويناط به أدوار مترامية النطاق، حين ~~يغدو مصطلحا فلسفيا. ~~(3) المنهج كمصطلح فلسفي # كانت الفلسفة قد نشأت وتطورت في منطقة حوض البحر المتوسط وأقاليم متاخمة، على مدى ما ~~يربو على خمسة وعشرين قرنا من الزمان، ومثلت الفلسفة الإسلامية حقبة هامة من ~~حقبها وجانبا متينا من جوانبها. إن الفلسفة في جملتها تجريد وتجسيد لمسار الحضارة ~~الإنسانية، وفي مراحلها المتعاقبة هي دائما الانعكاس المجرد الواعي لمرحلتها ~~الحضارية. وقد عنيت الفلسفة أيما عناية بمصطلح المنهج، ومنهج البحث تحديدا. هذا من ~~حيث إن الفلسفة معنية دائما بالمعرفة وطرائقها، وذلك في واحد من أهم مباحثها وهو مبحث ~~الإبستمولوجيا (= نظرية المعرفة)، وكما هو معروف يمكن اعتبار المباحث الكبرى الثلاثة ~~للفلسفة بجملتها، هي نظرية المعرفة ونظرية الوجود ونظرية القيمة (أو الإبستمولوجيا ~~والأنطولوجيا والأكسيولوجيا). ~~«المنهج» كمصطلح فلسفي على وجه الخصوص يعني: وسيلة المعرفة، طريقة الخروج بالنتائج ~~الفعلية من الموضوع المطروح للدراسة، والطريقة المتبعة في دراسة موضوع ما للتوصل إلى ~~قانون أو نتائج أو محصلة عامة. والمنهج في الفلسفة هو أيضا فن ترتيب الأفكار ترتيبا ~~دقيقا، بحيث تؤدي إلى الكشف عن حقيقة مجهولة أو البرهنة على صحة حقيقة معلومة. # 18 # هكذا نجد التعريف الفلسفي لمصطلح المنهج، لا يخرج عن التعريف المعمول به في ~~شتى العلوم، أوليست تنعت الفلسفة بأنها أم العلوم. # والواقع أن سبل الفلسفة خير السبل لتحديد المفاهيم والمصطلحات، هذا من حيث إن وظيفة ~~الفلسفة أصلا هي توضيح وتقنين المفاهيم، حتى قيل إن الفلسفة ليست «حب الحكمة» # 19 # بقدر ما هي «صداقة المفاهيم». وهذا تعبير أثير في الفلسفة الفرنسية ~~الراهنة على وجه الخصوص. وفي عصرنا الثائر المضطرب، الملبد بالغيوم والضباب الكثيف، ~~لم تعد الفلسفة تستطيع مواصلة الزعم بأنها حب الحكمة، أين هي الحكمة التي يتجلى حسنها ~~وبهاؤها وضياؤها؟ لنتبتل في محرابها ونتصبب بوجدها، ونحن نحيا في عصر التعددية ~~والنسبوية وانهيار المطلقيات. انهار مطلق نيوتن والمطلق في ms020 المعرفة إجمالا، والمطلق ~~في الفن وفي الأخلاق وفي السياسة ... وفي أعقاب انهيار المطلق انهارت يقينيات عديدة. إننا ~~في عصر اللايقين واللاحتمي واللاتعين والاحتمالية والشواش ... في مثل هذه الأجواء حري ~~بالفلسفة أن تكتفي بصداقة المفاهيم. # إن الفلسفة كمبحث نظامي ومنشط دراسي محدد وتخصص أكاديمي، إنما ينصب موضوعها ~~ومجالها على المفاهيم تاركة الوقائع للعلوم التجريبية؛ # 20 # فلئن كانت الفلسفة بشكل عام تعبيرا عن مجمل قصة الفكر البشري، في سعيه ~~الدءوب المتواصل نحو المعرفة، وكانت الفلسفة هي الانعكاس المجرد الواعي لسيرورة ~~وصيرورة الحضارة الإنسانية، فإن «المفاهيم» هي لبنات هذه القصة ومرتكزات هذا ~~الانعكاس المجرد ووحداته الأولية. # وقد بات مفهوم المنهج على العموم، ومفهوم المنهج العلمي على أخص الخصوص، في صدارة هذه ~~المفاهيم أو اللبنات، منذ القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وذلك حين أنجبت أم ~~العلوم/الفلسفة مؤخرا، أو في مرحلة حديثة نسبيا من تاريخها الطويل، واحدا من أعز ~~بنيها، المعبر عن روح التقدم المعرفي التي نحياها الآن؛ أي «فلسفة العلوم». # والمبحث الذي يتصدر مباحث فلسفة العلوم, وهو علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا # Methodology ~~، إنه المبحث الفلسفي المعني بالمنهج ~~العلمي على وجه التحديد، ويمكن اعتباره من أهم فروع الفلسفة المعاصرة، وفي الآن نفسه ~~يمكن أن يفيد شتى العلوم. # لقد بات السبيل ممهدا لأن ندخل في صلب الموضوع: العلم ومنهجه. # الفصل الثالث # | العلم والمنهج # (1) تعريف العلم الحديث ومعالمه # الرياضيات ملكة العلوم وهدية الله للعقل العلمي، وكان التآزر بين دقة لغة الرياضيات ~~وصرامة وقائع التجريب، مفتاحا من مفاتيح النجاح المتوالي للعلم الحديث. على أن مفهوم ~~«المنهج العلمي» حين يرد كمفرد علم بألف ولام العهد، يكون المقصود عادة هو المنهج ~~التجريبي؛ منهج العلم التجريبي أو العلوم التجريبية. فهل يمكن قبلا تحديد مفهوم «العلم ~~التجريبي» ذاته؟ ليس المنشود تعدادا وحصرا لفروعه ولشتى العلوم التجريبية، بل تحديدا ~~للمفهوم يبلور طبيعته ويعكس ماهيته. # يمكن وضع تعريف للعلم التجريبي الحديث بأنه: منظومة ممنهجة من الأبحاث، التي تنتج ~~وتعيد إنتاج وتطور وتعمم وتدقق وتنقح، قضايا ذات مضمون معرفي ومحتوى ~~إخباري، ومقدرة توصيفية ms021 وقوة تفسيرية وطاقة تنبؤية، منصبة على ظواهر العالم التجريبي ~~الواحد والوحيد الذي نحيا فيه، كمتمايز عن عالم الغيب، وأيضا عن عالم الفن وعالم ~~الأيديولوجيا، وعالم التجارب العاطفية والشخصية ... إلخ. # 1 # وفقا لهذا التعريف، نجد العلم منظومة؛ أي نسق، و«النسق» # system # كل متكامل، يتميز بأن لكل جزء من أجزائه موضعه ~~المحدد، وعلاقاته المنطقية المحددة التي تربطه بالأجزاء الأخرى. وبهذا نتفهم لماذا ~~يمكن أن نستخدم مصطلح العلم كمفرد علم، ليدل على مجموعة هائلة من العلوم الرياضية ~~والفيزيائية، والكيميائية والحيوية والاجتماعية والإنسانية ... تعد فروعها بالآلاف ~~(وكذلك يقال فلسفة العلم أو فلسفة العلوم). أما أنه منظومة ممنهجة أو نسق ممنهج، ~~فذلك يعني ببساطة أن العلم في تكونه وتناميه المطرد، يشكل كيانا مستقلا يحمل في ~~صلب ذاته حيثياته، وإمكانيات تناميه وفاعلية عوامل تقدمه المطرد. النسقية تعني إحكام ~~المشروع العلمي، فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات ومحكات وقياسات منهجية صارمة، ~~ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، تحدد لظاهرة العلم تخوما تخصصية واضحة، مما يكفل ~~تآزر الجهود العلمية، فيجعلها تمثل متصلا صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار. البحث ~~العلمي يتبع طرقا وأساليب مترسمة لإنتاج معرفة لها خصائصها المنطقية. وإنتاج معرفة هو ~~إنتاج قضايا إخبارية؛ أي وضع عبارات تعطينا خبرا عن ظواهر العالم وتوصيفا لها، ثم ~~تفسيرا، فتمكننا من التنبؤ بالوقائع المقبلة، وبالتالي السيطرة التقانية (التكنولوجية) ~~عليها وعلى مسارها، أو على الأقل توجيهها وفقا لما يعظم المنافع ويقلل المضار ~~والخسائر. # على أن العلم لا ينتج معرفة أو قضايا فحسب، بل الأهم أنه دائما يعيد الإنتاج. معنى ~~إعادة الإنتاج # prolification # أن كل قضية علمية أو ~~معرفة علمية محرزة، يمكن دائما تصويبها وتعديلها، ولا إنجاز أو إنتاج معرفيا علميا ~~يعني أن البحث في موضوعه قد انتهى، ومهما كان الإنجاز رائعا يظل الباب مفتوحا دوما ~~لمواصلة البحث العلمي، والوصول إلى ما هو أفضل؛ أي إعادة الإنتاج، بعبارة أخرى إعادة ~~الإنتاج هي قابلية العلم المستمرة للتقدم، لإنتاج معرفة أفضل. إنه التقدم المتقد ~~الجبار الذي لم يعد ممكنا تفسيره، كمحض تراكم ونظرية تلو نظرية وكشف ms022 بجوار كشف، بل ~~احتل مفهوم الثورة الميدان، وتصدر الواجهة في تفسير طبيعة التقدم العلمي، وأصبحت ~~فلسفة العلم تدور حول التقدم والثورة منذ كارل ~~بوبر # K. Popper ~~(1902-1994م) وتوماس ~~كون # T. Kuhn ~~(1922-1996م) وخلفاء لهما. # والمعرفة العلمية في كل هذا تنصب فقط على العالم التجريبي الواحد والوحيد الذي ~~نحيا فيه، العالم المشترك بين الذوات أجمعين؛ أي العالم المادي أو الفيزيقي، أو ~~بالتعبير الإسلامي النافذ عالم الشهادة، كمتمايز عن عالم الغيب المطلق، الذي لا شأن ~~للعلم التجريبي به، فلا يثبته أو ينفيه، ويؤتى من مصادر معرفية مختلفة عن المنهج ~~العلمي. إن عالم الشهادة بظواهره ووقائعه، وأحداثه الشتى العديدة المتكثرة والمتداخلة، ~~سواء فيزيوكيماوية أو حيوية أو إنسانية، هو فقط مجال العلم ومنهجه، وهو العالم الأولي ~~الذي ينبغي فهمه والسيطرة عليه لكي يتيسر وجود الإنسان، فيستطيع الانطلاق إلى العوالم ~~الأخرى أو المستويات المختلفة للتجربة الحضارية والوجودية: العاطفية والشخصية والقومية ~~والفنية ... إلخ. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميز بتعدد الأبعاد والمستويات ~~والعوالم، ربما لا يكون العالم المادي التجريبي، هو أهم العوالم، ولكنه بلا جدال مستوى ~~أولي مهم، التمكن منه والسيطرة عليه مقدمة ضرورية شرطية، للانطلاق إلى ما هو أعلى ~~وأبعد. والعلم التجريبي هو سبيل العقل البشري لمثل هذا التمكن والسيطرة. ~~••• # العلم # Science # معرفة ونشاط معرفي. وعن الأصول ~~الإتيمولوجية؛ أي اللغوية والاشتقاقية للفظة «العلم»، نجد في اللغة العربية أولا أن ~~لفظ «علم» تعود إلى العلام والعلامة، فهي في أصلها اللغوي البعيد من الحسي: العلام أي ~~الحناء لما يترك من أثر باللون. والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به. ومن هذا ~~العلم: لما يعرف به الشيء أو الشخص، كعلم الطريق، وعلم الجيش (الراية)، وسمي ~~الجبل علما لذلك، ومنه: علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون ~~بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية للعلم. # 2 # وهذه المعاني تفيد ضربا من المعرفة الوثيقة المثبتة، تقوم على الإدراك ~~والتعقل وحصول صورة الشيء في الذهن، فنقول «علمت الشيء أي عرفت علامته وما ~~يميزه»، وفي لغتنا الدارجة نقول: «ربنا يعلم»، ms023 ولا نقول أبدا «ربنا يعرف»؛ فالله هو ~~العالم والعليم وليس العارف فحسب. وفي المقابل نقول: «عرفت الله»، ولا نقول علمت الله. ~~هذه الحدود بين المعرفة بشكل عام والعلم بشكل خاص أمر له قيمته، لكنه لا يصنع تعريفا ~~وتحديدا للعلم الحديث المقصود الآن على وجه التعيين. # وفي اللغة الإنجليزية أيضا كلمة # Science # تعود إلى ~~الكلمة اللاتينية # Scientia ~~، وهي الأخرى تعني «المعرفة» ~~على عمومها. ولكن اللافت حقا هو أن مصطلح العالم # Scientist ~~، قد صيغ فقط في عشرينيات القرن التاسع عشر، حين اقترحه ~~الفيلسوف/العالم وليم ويول # W. Whewell ~~(1866-1794م) ~~على زملائه من أعضاء الجمعية الملكية للعلوم في لندن، لتعيين ذلك النشاط المعرفي ~~الاحترافي النامي مؤخرا؛ أي البحث العلمي تحديدا؛ فقد ترسمت حدود العلم ومعالمه ~~كنشاط تخصصي مستقل ومتميز، له آليات متعينة ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة ~~ومتواصلة للمعرفة. ومعنى هذا أنه منذ ذلك الحين قد ترسمت حدود البحث العلمي بوصفه ~~نشاطا ذا منهج معين، وبات «العلم» مصطلحا محدثا اتفقنا على تعريفه، من حيث هو ~~منظومة ممنهجة من القضايا الإخبارية. والجدير بالذكر أنه منذ ذلك الحين فصاعدا أيضا، ~~بات العلم أول ما يعلم البشر معنى التخصص. ~~••• # والعلم في هذا له وظيفة معرفية محددة بالوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة. الهدف من ~~أي علم تجريبي يتمثل في الإجابة عن السؤال: كيف ولماذا تحدث الظاهرة موضوعه؟ في ~~المرحلة الوصفية يجيب العلم عن السؤال: كيف تحدث الظاهرة، كيف تتبدى؟ وليس الوصف ~~العلمي أمرا يسيرا أو هينا، إنه بمثابة اكتشاف للظاهرة موضع البحث، ومعيار وجود ~~العلم الذي يبحثها. لكن الوصف ليس كل ما في الأمر؛ فإحكام الطريق إلى السيطرة على ~~الظاهرة عن طريق التقانة (= التكنولوجيا)، يستلزم الانتقال من المرحلة الوصفية، وبناء ~~عليها، إلى المرحلة التالية، وهي المرحلة التفسيرية التي تجيب عن السؤال: لماذا تحدث ~~الظاهرة؟ وهنا العلوم الأساسية أو البحتة التي تمثل محاولة العقل العلمي، للإحاطة ~~بالظاهرة موضوع الدراسة. # أما التنبؤ، فهو محك نجاح الوصف والتفسير. وظيفة التنبؤ تمثل المعلم المميز ~~للقوانين في العلوم التجريبية، حيث كل قانون - مهما ms024 كان بسيطا - له قدرة تنبؤية، مثلا ~~«الماء يغلي في درجة مائة مئوية»، يحمل تنبؤا بحدوث الغليان حين يصل التسخين بالماء ~~إلى الدرجة مائة، عدم حدوثه يعني تكذيبا للنظرية وضرورة تعديلها. لن يحدث الغليان مع ~~درجة الحرارة مائة، إذا كان المرجل مغطى أو فوق جبل ومعدل الضغط الجوي منخفضا، هنا ~~يكون التكذيب وتصويبه لنصل إلى العبارة «الماء يغلي في درجة مائة مئوية تحت مستوى الضغط ~~الجوي الكائن عند سطح البحر»، وتعطي هذه العبارة تنبؤا أدق نسبيا، قابلا للاختبار ~~والتعديل بدوره، وهكذا دواليك. إن التنبؤ هو المواجهة مع الواقع، والمحك الذي تختبر ~~به العبارات العلمية، حدوث ما تتنبأ به النظرية هو البينة التجريبية عليها ومبرر ~~قبولها، وعدم حدوثه مبرر لرفضها أو تعديلها. # وحين يتحقق وصف وتفسير يشهد على نجاحهما تنبؤ، ترتب على هذا أداء أكمل للوظيفة ~~الرابعة من وظائف العلم؛ أي السيطرة أو التقانة وهي غاية منشودة، والمحصلة والقوة ~~الملموسة للعلم التي تجسدها العلوم التطبيقية. روعة العلوم التجريبية تتبدى في أنها ~~معرفة تترجم إلى تطبيقات عملية ... إلى قوة وسلطان، إلى سيطرة على الظاهرة، فضلا عن ~~أنها تعطينا في نمائها المتصاعد دوما، التمثيل العيني لمقولة التقدم في حياة البشر؛ ~~التقدم المعرفي والتقدم التطبيقي. # هكذا تجمع وظائف العلم الأربع المذكورة بين جانبين جرى العرف على التمييز بينهما، ~~وهما «العلم البحت» # pure Science ~~، الذي يبحث الإشكالية ~~المعرفية في حد ذاتها، وبغض النظر عما إذا كانت ستفضي فيما بعد إلى تطبيقات عملية أو ~~تقانية (= تكنولوجية)، وبين «العلم ~~التطبيقي # applied science ~~» الذي يضطلع بالاستخدامات العملية والهندسية والتكنولوجية ~~للمعرفة العلمية. على أنه كثيرا ما تتحقق إنجازات علمية عظمى بروح العلم البحت؛ أي ~~لخلق معرفة جديدة، حل مشكلة مطروحة للبحث وإجابة على سؤال ملح، فقط من أجل تفهم ~~الظاهرة أو طرح تفسير لها، ثم يظهر لها فيما بعد أهمية علمية أو تطبيقية كبرى. # لا ينبغي التعويل كثيرا على تفرقة بين العلوم البحتة والعلوم التطبيقية؛ لأنهما في ~~واقع الأمر لا يفترقان، والعلوم التطبيقية تستند إلى حصاد هائل من العلوم البحتة ms025 التي ~~هي الأساس، فتسمى العلوم الأساسية، وطبعا توجد التطبيقات التكنولوجية بفضلها. وكما ~~قال لويس باستير، ليس هناك علمان تطبيقي وبحت، بل يوجد العلم وتطبيقه، مثلما توجد ~~الشجرة وثمرتها. # كل هذا فضلا عن دخول التكنولوجيا، حصاد العلوم التطبيقية، كقوة منتجة للمعرفة ~~العلمية ذاتها. إنه عامل حاسم في إجرائيات المنهج العلمي التجريبي، يتمثل في أجهزة ~~البحث العلمي الدقيقة أو العملاقة، وتجهيزات المعامل والمختبرات، وكأننا بإزاء الأمة ~~التي تلد ربتها. ~~(2) المنهج آية العلم # أثبت العلم الحديث نجاحا فريدا في أداء هذه الوظائف، تعاظم نجاحه وتصاعد بشكل غير ~~مسبوق، يعد دائما بالمزيد، بالتقدم. # وكما أوضح الفصل الأول مفهوم المنهج العلمي آية التقدمية المتواصلة، يرتد في القابلية ~~للاختبار التجريبي والتكذيب، التي هي خاصة منطقية قائمة في صلب النظرية العلمية، ~~تجسد طبيعة العلم التقدمية، حين تجعله دائما يعين مواطن قصور أو كذب، فيتجاوزها ~~إلى ما هو أقدر وأجدر، ولا يرتكن أبدا إلى نظرية ما بوصفها حقيقة مطلقة، مهما أحرزت ~~من نجاح في مواجهة العلم المتنامية واللامتنامية للواقع. # منهج العلم التجريبي منهج تقدمي من حيث هو حامل لمنطق اختبار وتصحيح ذاتي. ويرتهن ~~التقدم العلمي بحدوسات جريئة تمثل قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارا. روح ~~العلم ومنهجه هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها، إنه منطق التصحيح الذاتي. «هذا الأفق من ~~الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي.» # 3 # وهذا يعني أن الفكر العلمي فكر قلق، فكر يترقب الشيء، يبحث عن فرص ~~جدلية ليخرج من ذاته، وليكسر أطره الخاصة، إنه الفكر الذي يسير على درب الموضوعية. # 4 # ومثل هذا هو الفكر المبدع، ألم نصادر على أن المنهج العلمي تقدمية من حيث ~~هو إبداع وروح نقدية؟ # فينتهي جاستون باشلار إلى أن المنهج العلمي يتنكر دائما لما ينجزه، من حيث دأبه ~~على اختباره ونقده وتصويبه وتنقيحه. العلم لا يخرج من الجهل لأن الجهل ليس له بنية، ~~العلم يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق. هذا التصحيح الذاتي هو الذي ~~يكفل لتواتر محاولات العلماء الإبداعية وتوالي بحوثهم المنهجية ... يكفل لها التقدم ~~المستمر، من ms026 حيث يفتح أمامها آفاقا أوسع، فيمثل البحث العلمي دائما التجاوز النشط ~~المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر. ولا تعود اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي ~~عمل دءوب وإنجاز، فيؤكد الإبداع العلمي - بتعبير باشلار - حدس «اللحظة» التي تمثل حقيقة ~~الزمان، من حيث إنها الكائنة، وبين غير الكائنين: الماضي والمستقبل. وتغدو الشجاعة ~~والمسئولية العلمية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، وأن نجعل منها منبعا ~~متدفقا نحو معرفة، تكون دائما أفضل وأوضح وأجدر وأقدر ... أكثر تقدما. # ويظل العلم إبداعا إنسانيا، وكل شيء في عالم الإنسان متغير ومتطور، فلا يعود نسق ~~العلم بناء مشيدا، أو كشفا عن حقائق مطلقة، بل هو نسق من فروض ناجحة، كل يوم فروض ~~أنجح من سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة، كل يوم جديد يتلافى ~~أخطاء وقصورات القديم، فيلغيه أو على الأقل يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع في طريق التقدم ~~خطوة أبعد منه، في صيرورة ... تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق، الأفضل والأقدر؛ إنه ~~تقدم ذو طابع ثوري متقد. # العلم ممارسة إنسانية وفعالية حية نامية ومتطورة دائما، التقدم مفطور في صلبه، لم ~~يعد العلم الآن هو البحث عن السبب أو العلة، بل عن التفسير، حساب الاحتمال هو لغته ~~الدقيقة، ولا يقين في العلم التجريبي البتة، إنه بحث عن سنن الكون، ولكنه بحث إنساني لا ~~يملك أبدا حق الزعم، بأنه أمسك عليها بجمع اليدين واطلع على سرها المكين، بل فقط ~~يحاول أن يقترب من حقيقتها، منتقلا من محاولة إلى محاولة أنجح ... حتى تقوم الساعة. لن ~~يتوقف البحث العلمي مهما أنجز من نجاح، ومهما قدم من إجابات ناجعة على الأسئلة ~~المطروحة، كل إجابة يطرحها العلم تطرح تساؤلات أبعد، فيؤدي كل تقدم إلى تقدم ~~يليه. # ومهما أنجز العلم من تقدم، فسوف يظل هذا الإنجاز يحمل في صلب ذاته إمكانية التقدم ~~الأبعد، فلا ركون ولا سكون البتة. كل إجابة تكون مثمرة بقدر ما تطرح أسئلة أبعد، وكل ~~نظرية تكون ناجحة بقدر ما تفتح الطريق لنظريات أخرى أكفأ وأقدر، ولن يتحول العلم ~~التجريبي لنشاط ms027 ترديدي أبدا، ولن تدعي أية نظرية علمية لنفسها الخلود، أو أنها أمسكت ~~بالحقيقة وختمت البحث في ميدانها. كل نظرية علمية خاضعة للتعديل والتنقيح والإبدال، وأن ~~يحل محلها الأكفأ والأقدر. تتطور النظريات العلمية في متوالية متصاعدة دوما، لا تتوقف ~~أبدا. قد تحقق نظرية ما نجاحا يطبق الخافقين، ثم تذوي وتقبع في متاحف التاريخ؛ لأن ~~الأفضل أو الأشمل أو الأدق قد حل محلها، والحكم على النظريات العلمية دائما نسبي، ~~النظرية «ك» أفضل من «ق»، أدق من «ن» ... # من هنا لا يكون سر عظمة العلم في هذه النظرية أو تلك، بقدر ما تكون في القوة ~~المثمرة الولود لكل هذا النجاح المتدفق المتتالي؛ أي المنهج العلمي الذي هو كما قال ~~أستاذ الجيل الدكتور زكي نجيب محمود (1905-1994م): # 5 # المنجم الذي نستخرج منه النفائس. فإذا كان العلم وتطبيقاته التكنولوجية ~~بمثابة فرائد القلائد التي تزين صدر الحضارة المعاصرة، فإن المنهج العلمي هو المنجم ~~الذي نستخرج منه الفريدة تلو الفريدة (الفريدة هي الجوهرة). لكل هذا النجاح الفريد احتل ~~المنهج العلمي موقعه المرموق، كوسيلة وكغاية، كطريقة وكآية. ~~••• # المنهج العلمي هو آية العلم، والعلم آيته، وقد يقال في تعريف العلم إنه: ضرب من ~~المعرفة الموضوعية المختبرة، نصل إليها عن طريق المنهج العلمي التجريبي، وكما يقول جون ~~كيمني: «تعريف العلم على أساس منهجه، أمر يطابق العادات المألوفة في كل حالة لا يكون ~~فيها خلاف؛ لهذا السبب سأستعمل كلمة علم للدلالة على المعرفة، التي يصار إلى جميعها ~~بواسطة المنهج العلمي.» # 6 # ولكن يسهل ملاحظة أن تعريف العلم على أساس منهجه فيه دوران؛ إذ يمكن تعريف ~~المنهج على أساس العلم، فنقول إنه طريقة البحث والتفكير الخاصة بالعلم. والحق أن ~~العلاقة بين العلم ومنهجه علاقة وثقى، قد لا تترك مسافة كافية بينهما، أو يسمح بتعريف ~~أحدهما بالآخر. التقنين منطقي يمكن أن يفتح الباب للخروج من هذا الدوران. وقد مر ~~علينا تعريف للعلم بأنه منظومة ممنهجة، والمطلوب الآن تعريف المنهج العلمي. ~~••• # قبل أن يستقل ويتعاظم العلم الحديث، وقبل أن يتصدر حديث المنهج العلمي الساحة ms028 في ~~عصر النهضة وما تلاه خصوصا في القرن السابع عشر، قبل هذا بزمان طويل نجد مفهوم ~~«المنهج العلمي» ماثلا بشكل ما في رحاب الفلسفة، يتخذ عبر عصورها معاني متطورة، أو ~~قل تعريفات متتالية، جاءت متقاربة غير متباينة، تتحدد تبعا لروح التفلسف العلمي في ~~العصر المعني. ويمكن إجمال تطور مفهوم المنهج العلمي عبر تاريخ الفلسفة، على النحو ~~التالي: # هو مجموعة القواعد التي توضع لتنظيم عملية اكتساب المعرفة بالعالم بصفة ~~عامة (الفلسفة القديمة). # هو مجموعة القواعد التي توضع لتنظيم عملية اكتساب المعرفة الطبيعية التي ~~تعرف بوصفها معرفة علمية (بدايات الفلسفة الحديثة). # هو المبادئ التي نجردها من الممارسات العملية للأفراد، الذين عملوا ~~بنجاح في عملية اكتساب المعرفة العلمية. وهذا هو مفهوم المنهج العلمي ~~المأخوذ به، منذ نشأة الميثودولوجيا وفلسفة العلوم في أواسط القرن التاسع ~~عشر. على أن هذا التجريد ليس مجرد وصف لسلوك العلماء، بل يتضمن تقييما ~~للمغزى الذي يدل عليه هذا السلوك، أو كما عبر كارل بوبر عن هذا قائلا: ~~إن نظرية المنهج العلمي تقويم لمباراة العلوم التجريبية. # 7 # وإذ نستشهد كارل بوبر فقد دخلنا أنضر ساحات فلسفة العلم، الساحة المخولة قبل سواها ~~بتعريف مفهوم المنهج العلمي ومعالجته، الموسومة باسم الميثودولوجيا. ~~(3) المنهج العلمي في فلسفة العلوم # ننتهي الآن إلى حيث بدأنا في المقدمة، إلى أن جوهر مفهوم المنهج العلمي يتلخص في: ~~أسلوب التفكير العلمي وطريقة سير العلماء في عملهم أو في بحوثهم، وسنرى الآن أن هذا ~~أبعد ما يكون عن تحصيل الحاصل، كما قد يبدو للوهلة الأولى. # كما ذكرنا، جعلت الفلسفة/أم العلوم من «فلسفة العلوم» أهم فروع الفلسفة المعاصرة، ~~والأكثر تجسيدا وتجريدا لروح العصر، الحاملة لأبرز الإشكاليات المعرفية الشاغلة في ~~الحقبة الراهنة. وعلم مناهج البحث أو الميثودولوجيا؛ أي نظرية المنهج العلمي في صدر ~~مباحث فلسفة العلوم، بل عمادها وعمودها الفقري. # ولا غرو أن يستقطب سؤال المنهج العلمي الفلسفة، وأن تكون الفلسفة هي الأقدر على طرحه. ~~إن فلسفة العلوم بشكل ما امتداد لسؤال فلسفة المعرفة (الإبستمولوجيا) العريق، حول ~~ماذا يمكن أن يعرف الإنسان، ms029 ما شروط المعرفة، وما طبيعتها ووسائلها؟ وما ممكناتها؟ وحين ~~جاء القرن التاسع عشر كان قد استقام نسق العلم الحديث، عملاقا يتصدر بامتياز واقتدار ~~مسيرة المعرفة الإنسانية، ويمثل حالة فريدة لنجاح المشروع المعرفي للإنسان، فأصبح ~~سؤال الإبستمولوجيا الملح هو سؤال حول سر أو عوامل هذا النجاح. وبدت الإجابة تفرض ~~نفسها على الفور في كلمة واحدة: المنهج العلمي، الذي هو تجريد وتجسيد لما يمكن اعتباره ~~«العقيدة العلمية المركزية؛ أي التجريبية». # 8 # وهنا نشأت إرهاصات فلسفة العلوم، لتبحث في المنهج العلمي التجريبي، كبحث في معامل ~~ذلك النجاح اللافت وحيثياته ... في آلية التقدم المتوالي في هذا المشروع المعرفي المطرد ~~النجاح: العلم الحديث. بدأت فلسفة العلوم تتشكل وتتحدد معالمها في إنجلترا وفرنسا ~~خصوصا، مع بضعة إسهامات لاحقة من ألمانيا والنمسا، كمبحث تخصصي مستقل، وتوالت ~~أدبياتها بوصفها نشاطا يهدف إلى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية، أو نظرية عن النظرية ~~العلمية من حيث آلياتها وطرائقها وأسلوبها ... من حيث منهجها العلمي. # وفي هذا الوقت نفسه - أواسط القرن التاسع عشر - تصاعد التساؤل حول أسس الرياضيات ~~وطبيعتها وفروضها القبلية وبالتالي منهجها، وهو السؤال الذي أدى في العام 1847م إلى ~~نشأة المنطق الرياضي أو المنطق الرمزي الحديث، على يد جورج ~~بول # G. Boole ~~(1815-1864م)، ليمثل قفزة عقلية نوعية، استوعبت المنطق الأرسطي ~~التقليدي، وتجاوزته إلى منطق العلاقات والترميز الرياضي. # لقد اشتبكت الفلسفة بالمنهج العلمي، وهي تملك رصيدها الهائل وميراثها الضخم في قضية ~~المنهج والمنهجية، وقضايا الاشتباك بين العقل والوجود، وسبل التفكير والاستدلال ~~والانتقال من المعلوم إلى المجهول. # هكذا نشأت فلسفة العلم في القرن التاسع عشر، معنية بسؤال المنهج أو تدور حول ~~الميثودولوجيا، وتحديدا حول قطبي المنهج العلمي التجريبي، وهما الفرض والملاحظة ~~والعلاقة بينهما، وأيهما يؤدي إلى الآخر، وعادة ما يؤرخ لهذا بالمناظرات بين ~~وليم ويول # W. Whewell ~~(1794-1866م)، الذي انتصر ~~للفرض، وجون ستيوارت مل # J. S. Mill ~~(1806-1873م)، الذي ~~انتصر للملاحظة. # وإبان النصف الأول من القرن العشرين تنامى سؤال المنهج، وأصبحت فلسفة العلم معالجة ~~إبستمولوجية شاملة لمنهج العلم ومنطقه، لا سيما من خلال ms030 مبحثها الموسوم باسم ~~الميثودولوجيا. # وسبيلنا الآن إلى المعالم الأساسية، لما أنجزته فلسفة العلوم في هذا الصدد، ليلقي ~~الضوء الكثيف على مفهوم المنهج العلمي ومضامينه. # الفصل الرابع # | منهج العلم أم مناهج العلوم؟ # (1) سؤال الميثودولوجيا # علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا # Methodology # الذي ~~يقبع في سويداء فلسفة العلوم، هو علم بيان طرق البحث العلمي واستقصاء أمرها، موضوعه ~~المنهج والمناهج وآلياتها ومصادراتها ومتضمناتها. إنه منطق تطبيقي فعال، يفيد شتى ~~العلوم المعنية بظواهر الكون الفلكية والفيزيائية والكيمائية والحيوية والاجتماعية ~~والإنسانية، بقدر ما يفيد البنية الحضارية بشكل عام من حيث هو بلورة لأساليب التفكير ~~المثمرة السديدة، ولوسيلة فعالة امتلكها الإنسان لمواجهة الواقع والوقائع. # الميثودولوجيا؛ أي مناهج البحث العلمي، تبلور الخلاصة المستصفاة من الملحمة الباهرة ~~المتصاعدة، التي أحرزها العلم التجريبي الحديث، كنجاح متوال وصيرورة دائمة. تعود صياغة ~~مصطلح «الميثودولوجيا # Methodology ~~»، إلى شيخ الفلسفة ~~الحديثة إيمانويل كانط # I. Kant ~~(1724-1804م)، وكتابه ~~العمدة «نقد العقل الخالص» (1781م)، حيث ميز كانط بين المنطق العام، الذي يبحث في ~~المبادئ العامة وشروط المعرفة الصحيحة، وبين المنطق العملي الذي قصد به علم المناهج ~~وهو «الميثودولوجيا» ... المناهج الممكنة التي تنظم العلوم العملية، والتي يتكون عن ~~طريقها أي علم. # 1 # من هنا أصبح موضوع الميثودولوجيا هو المنهج العلمي؛ طريقة اكتساب المعرفة ~~العلمية بالعالم الذي نحيا فيه. وقبل أن ينتصف القرن العشرون أصبح المنهج العلمي هو ~~المبادئ، التي نجردها من الممارسات الفعلية للعلماء في محاولاتهم الناجحة، لاكتساب ~~المعرفة العلمية والإضافة إليها، و«هذا التجريد ليس مجرد توصيف لما يفعله العلماء أو ~~لسلوك العلماء، بل يتضمن تقويما للمغزى الذي يدل عليه هذا السلوك». # 2 # واستخلاص دلالاته، من دون أن يعني هذا التقويم معيارا صوريا، يفرض على ~~العلماء فرضا، بعبارة أخرى: النظرية الفلسفية الميثودولوجية؛ أي نظرية المنهج العلمي، ~~لا هي وصفية خالصة ولا هي معيارية خالصة، بل مركب جدلي من الوصفية والمعيارية، لا ~~تنقل خطوات البحث العلمي أو مراحله، بقدر ما تنقل روحه ومعالمه وخصائصه وطبائعه ~~ومحكاته. ~~••• # وبهذه النظرة الرحيبة المستوعبة يبرز السؤال: هل هناك منهج علمي شامل لكل ms031 فروع العلم، ~~أم أن ثمة مناهج عديدة بتعدد فروع العلم، ونوعيات الظواهر التي يبحثها؟ بعبارة ~~أخرى منهج العلم واحد أم كثير؟ # حين أجابت فلسفة المنهج العلمي أو الميثودولوجيا عن هذا السؤال، تقدمت طبعا بإجابة ~~فلسفية، والفلسفة تنزع للوقوف على الوحدة من وراء التنوع، واستكناه الكل في واحد، فكان ~~المنهج العلمي الذي تنزع الفلسفة - أو الميثودولوجيا - إلى بلورته وصياغته هو منهج ~~واحد. أجل، تختلف العلوم في موضوعاتها وطبيعة الظواهر التي تدرسها، وبالتالي تختلف ~~أيضا في طرائقها إن قليلا وإن كثيرا؛ لأن طريقة البحث لا بد أن تتكيف مع موضوع ~~البحث، لكنها مع هذا الاختلاف تلتقي في أسس عامة، يمكن تجريدها من المواقف العلمية ~~المختلفة باختلاف فروع العلم العديدة، لتكون أسسا منطبقة ، لا على الفيزياء دون ~~الاجتماع أو النفس دون الكيمياء، بل أسسا منطبقة على كل بحث يستحق أن يسمى علما. ~~وعلم مناهج البحث هو علم طبائع وقواعد أي بحث علمي، من حيث هو علمي. من هذا المنطلق نجد ~~المنهج العلمي واحدا، ولكنه أيضا كثير! إنه واحد على مستوى النظر الفلسفي، وكثير ~~متعدد على مستوى التطبيقات العينية. # العالم التجريبي للبكتريا - مثلا - مختلف عن العالم التجريبي لحركة الكواكب، وغير ~~العالم التجريبي للظاهرة الاجتماعية ... إلخ، فلا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه ~~الإجرائية وتقاناته الإمبيريقية من علم إلى علم، تبعا لاختلاف طبيعة مادة البحث في ~~هذا العلم أو ذاك، بل إن المناهج تختلف داخل العلم الواحد تبعا لزوايا ومستويات تناوله ~~لموضوعه، وأيضا تبعا لدرجة تقدمه؛ فإمبيريقيات أي إجراءات قياسية لمجال معين ~~الآن، تختلف كثيرا عن تلك التي كانت في أواسط القرن العشرين للمجال نفسه، وتختلف ~~تماما عن تلك التي كانت في القرن التاسع عشر أو الثامن عشر. # على هذه الاختلافات الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين، كل يسخره لخدمة ~~موضوعه، وبما يتلاءم مع الطبيعة النوعية لمادة بحثه، بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد ~~العلوم الأخرى. بهذا المنظور التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث، ملحقة بفروع العلوم ~~المختلفة، لتعالج الأساليب التقانية والوسائل الاختصاصية، المتكيفة مع موضوع البحث، ~~ومادته ms032 التي تختلف من علم لآخر، فنجد مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع» و«مناهج ~~البحث في علم الفلك» و«مناهج البحث في الهندسة الوراثية» و«مناهج البحث في علم النفس» ... ~~إلخ، وكل فرع قد ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي» ~~و«مناهج البحث في علم نفس الشخصية» و«مناهج البحث في علم النفس الإكلينكي» ... إلخ. مناهج ~~البحث هنا مسائل متعلقة بنوعيات الإمبيريقيات، وأساليب الممارسة الإجرائية وتفصيلياتها ~~الدقيقة والمرسومة بعناية، وخطواتها وتوصيفاتها. وهذه مسائل تخصصية يعالجها كل علم ~~وفقا لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم الأخبر، ولكنهم جميعا يستندون فيما ~~يفعلونه على أساس كلي، يتمثل في مبادئ عمومية مشتركة، يستندون إلى ثابت بنيوي في ~~مفهوم المنهج العلمي، من حيث هو منهج علمي. هذا الأساس الكلي المشترك أو الثابت ~~البنيوي، هو المنهج العلمي الذي تبحثه الميثودولوجيا، وتصوغ نظرية له. وفي هذا يكون ~~المنهج العلمي واحدا، لا تستوقفه اختلاقات الإجرائيات. ~~(2) في الرياضيات والعلوم التجريبية # هما قطبا العلم الحديث، والتآزر بينهما هو مرتكز نجاحه اللافت. إننا - إذن - بإزاء ~~معاملين، اثنين متقابلين ومتآزرين. هذه الثنائية البينة توضح أن الميثودولوجيا ليست ~~تتجاهل الفوارق بين العلوم المختلفة أكثر مما ينبغي؛ فالميثودولوجيا انعكاس لنسقية ~~العلم الحديث، الذي يشكل بمختلف فروعه وحدة متآزرة، يمكن أن تتمثل في الشكل التالي: # 3 # ثمة أولا الرياضيات، إنها كما قال كانط الحظ السعيد، أو هدية الله للعقل البشري. ~~وسر أسرار العلم الحديث، هو التآزر بين لغة الرياضيات ووقائع التجريب، والحوار ~~الداخلي العميق والبديع بينهما. وكانت الرياضيات وتظل دائما تاج العلم وأقنومه، لغته ~~الدقيقة التي لا تخل ولا تحيد أبدا ورمزه المبجل، تتبارى العلوم في الاقتراب منها ~~والتسلح بلغتها، وتأمل أن تبلغ ما بلغته الفيزياء في هذا. على أن العلوم الرياضية ~~علوم صورية # Formal Sciences ~~، تعنى بصورة الفكر ~~دون محتواه، إنها قالب يملؤه التطبيق بالمضمون. وتبقى الرياضيات البحتة ملكة العلوم، ~~والمبحث الرفيع المترفع عن شهادة الحواس ولجة الواقع والوقائع، فلا تغوص فيه وليس ~~مطلوب منها أن تأتي بخبر عنه. # الرياضيات تتلوها العلوم ~~الإخبارية # Informative ms033 Science ~~، وهي العلوم التجريبية التي تأتينا بالخبر عن الواقع، فلا ~~بد من الالتجاء إلى الواقع واستشهاده، لا بد من التجريب، ومن دون الاستشهاد التجريبي لا ~~خبر معرفيا عن الواقع. وكما يوضح التخطيط الوارد عاليه، انتظمت العلوم الإخبارية ~~التجريبية في ثلاث مجموعات كبرى هي العلوم الفيزيوكيماوية، ثم الحيوية، ثم الإنسانية. ~~هذا التدرج المنطقي للعلوم إنما هو تبعا لدرجة عمومية موضوعها. المقصود بالعمومية # generality # سعة المجال الذي يحكمه العلم المعني، ~~ودرجة العمومية تتناسب طرديا مع درجة البساطة؛ أي عكسيا مع درجة التعقيد، والمقصود ~~بالتعقيد كثرة المتغيرات، والعوامل الفاعلة في الظاهرة موضوع الدراسة. # لهذا كانت الفيزياء في مقدمة العلوم الإخبارية؛ فموضوعها هو الأكثر بساطة وعمومية، ~~إنه المادة في الزمان والمكان، مجمل عالم الظواهر، مجال شتى العلوم الإخبارية، فبدت ~~قوانين الفيزياء البحتة كإطار لعالم العلم؛ لأنها الأكثر عمومية، تنطبق على مجمل ~~موضوعات العلم، فتسلم بها فروع العلم الأخرى، ما دامت تضطلع بالإخبار عن هذا العالم ~~التجريبي. وننتقل في نسق العلم إلى المجموعة الثانية، مجموعة العلوم الحيوية التي تدرس ~~موضوعا أعقد من مجرد المادة، إنه المادة التي أضيفت إليها القدرة على القيام بوظائف ~~الحياة، فلا بد وأن تنضاف القوانين والفروض العلمية المختصة بظاهرة الحياة ووظائفها. ~~الفيزياء علم أكثر أولية من البيولوجيا، يحكم حركة المادة بأسرها، بينما لا تحكم ~~البيولوجيا إلا قطاعا محددا من المادة، هو المادة العضوية الحية فحسب، لكن قوانين ~~الفيزياء تشمل المادة الحية وغير الحية على السواء، بينما تقتصر البيولوجيا على دراسة ~~قوانين تسري على الكائنات الحية. لا تملك البيولوجيا استثناء للقوانين الفيزيائية؛ ~~فالجسم الحي يسقط كالحجر تماما، ولا يمكنه أن ينتج طاقة من لا شيء، والعمليات ~~الكيميائية تجري داخله كما تجري خارجه. ما يحدث هو مزيد من التعقيد. وتتكامل العلوم ~~البيولوجية مع العلوم الفيزيوكيميائية في تفسير الظواهر، هاتان المجموعتان ~~الفيزيوكيماوية والبيولوجية يمثلان معا مجموعة علوم المادة، الجامدة والحية، التي ~~تقابل المجموعة الثالثة وهي مجموعة العلوم الاجتماعية والإنسانية، موضوعها أعقد وأعقد؛ ~~فلن تكفي قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وإن كانت بالطبع تنطبق على الإنسان ms034 ~~حين يسقط من عل وفقا لقانون سقوط الأجسام الفيزيائي، وحين تؤدي أعضاؤه وظائفها وفقا ~~لقوانين البيولوجيا. ومن أجل الإطاحة بالظواهر الإنسانية، لا بد أن ينضاف إلى هذا وذاك ~~قوانين أو فروض أو نظريات، تتناول ظواهر الوعي الفردي والجمعي بسائر تشكلاته وتمثلاته ~~ونواتجه وخصوصياته الثقافية وأبعاده الحضارية ومتغيراته التاريخية، وهذه هي العلوم ~~الاجتماعية أو الإنسانية # social sciences ~~. ~~••• # يمكن أن يتضح الآن كيف ولماذا ظلت فلسفة العلم ونظريته المنهجية، منذ نشأتها وعلى ~~مدار القطاع الأكبر من القرن العشرين، تدور بصفة أساسية حول الفيزياء، حتى جاز القول ~~إنها أساسا فلسفة للفيزياء، والصورة المثلى لمفهوم المنهج العلمي في أنه منهج العلوم ~~الفيزيائية؛ فقد كانت الفيزياء أكثر العلوم تقدما، تعطي مثالا يحتذى للتقدم العلمي ~~المنشود في النظرية وفي التطبيق. وكانت معاملات تقدمها في العقود الثلاثة الأولى من ~~القرن العشرين، التي شهدت تشكل نماء واكتساح ميكانيكا الكوانتم بمعية نظرية النسبية ~~لآينشتين، معدلات متصاعدة بصورة غير مسبوقة في تاريخ العقل البشري، وبدت العلوم ~~البيولوجية أقل تقدما لأنها أكثر تعقيدا، والعلوم الإنسانية أقل وأقل؛ لأنها أكثر ~~وأكثر تعقيدا. في العقود الأخيرة شهدت البيولوجيا طفرات تقدمية هائلة في النظرية وفي ~~التطبيق، لا سيما بعد اكتشاف «د. ن. أ» كشفرة الحياة وتنامي علم البيولوجيا الجزيئية، ~~وتعاظم شأن الهندسة الوراثية وتقنيات حيوية أخرى، حتى بدت علوم الحياة الآن وكأنها ~~تستقل بنموذجها الخاص، وتحتاج مناهجها لمنظورات ومعالجات خاصة. العلوم الاجتماعية ~~والإنسانية هي الأخرى لم تتوان، وشهدت تطورات منهجية أثرت مضامينها، وجعلت مناهج ~~العلوم الإنسانية مبحثا مستقلا ولافتا. # وما دمنا معنيين بالعالم التجريبي، فإن العلوم التجريبية تتكامل معا من أجل تفسير ~~الظواهر التجريبية. لنفترض مثلا أن شابا قرر الانتحار، فألقى بنفسه من النافذة ~~ليهوي مسلما الروح، هذه ظاهرة نريد من العلم تفسيرها. تتقدم العلوم الفيزيائية ~~لتفسيرها بحساب معاملات السقوط من حيث الارتفاع والكتلة والجاذبية والاصطدام أو ~~الارتطام بالأرض، قوانين الفيزياء تسري وتساهم لكنها لا تكفي لتفسير الظاهرة. لا بد أن ~~تتدخل العلوم البيولوجية لدراسة أثر الارتطام على الجسد الحي، والصدمة العصبية والكسور ~~والنزف ms035 وما إليه ... تتكامل مع القوانين الفيزيائية ولكن هذا أيضا لا يكفي تماما لتفسير ~~الظاهرة، ولا بد أن تتدخل العلوم الاجتماعية ليفسر لنا علم النفس سبب انهيار الشاب، ~~والاكتئاب الذي يصل به إلى حد قرار الانتحار، ويفسر لنا علم الاجتماع ظروف البيئة ~~الاجتماعية التي تفرز شخصيات منهارة على هذا النحو، ويتدخل علم الاقتصاد ليبحث عن عوامل ~~لنشأة هذه البيئات المحبطة، وبهذا التكامل بين العلوم المختلفة، نخرج بتفسير أوفى ~~نسبيا للظاهرة المطروحة للبحث. # إن العلوم التجريبية تتآزر لتفسير ظواهر هذا العالم، بأكمل وأجمل معاني ~~التآزر. ~~••• # نسق العالم على النحو المذكور عاليه والمرسوم تخطيط له، يرتكز على ثوابت بنيوية في ~~كل متكامل، وتجدر الإشارة إلى أنه قد أسهمت فيه النظرة الوضعية، وأسهم هو أيضا فيها ~~وفي ترسيخها. النظرة الوضعية تعني الاقتصار على ما هو موضوع في هذا العالم المادي، ~~والبحث عن علاقاته السببية وارتباطاته الكمية. مصطلح ~~الوضعية Positivism # كمعبر عن النظرة العلمية التجريبية، وعن عصر العلم ~~التجريبي الذي يلغي ما عداه من عصور الجهالة، إنما يرتبط باسم الفيلسوف الفرنسي ~~أوجست كونت # A. Comte ~~(1796-1857م) مؤسس علم ~~الاجتماع. وفي القرن العشرين تسلح المنظور الوضعي بالمنطق الرياضي النامي حديثا، وظهرت ~~في جامعة فيينا في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلسفة الوضعية المنطقية، التي كانت أشهر ~~مدارس فلسفة العلم وأعلاها صوتا، وأيضا الأكثر تطرفا في النظرة التجريبية، نبذت كل ~~ما لا ينتمي إلى العلم ومنهجه؛ أي كل ما يخرج عن إطار نسق العلم المرسوم أعلاه، بوصفه ~~تعبيرات انفعالية لا معرفية، أو هراء يخلو من المعنى فضلا عن الجدوى. ظلت الوضعية ~~المنطقية طويلا، حتى أواسط القرن العشرين وكأنها المتحدثة الرسمية باسم العلم، وبلغ ~~الأمر معها ذروته بفكرة العلم الواحد ~~الموحد # unified science ~~، الذي يعني رد كل العلوم إلى الفيزياء، ومعالجة سائر الظواهر ~~حتى الظواهر النفسية والاجتماعية في حدود ومصطلحات ولغة علم الفيزياء. # تعود أصول فكرة العلم الموحد إلى الموسوعيين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وهم ~~كوكبة من أقطار الفكر الفرنسي من التنويريين، وأدباء وفلاسفة وعلماء، التفوا حول ~~التنويري ms036 الرائد دينس ديدرو # D. Diderot ~~(1713-1784م) ~~من أجل وضع موسوعة عامة للعلوم والفنون والصنائع، تضاهي الموسوعة الإنجليزية التي لاقت ~~رواجا تجاريا كبيرا، وتقف على آخر تقدم للعلوم في العصر، أرادوا أن تحمل موسوعتهم ~~مشروع علم موحد مجاله الطبيعة، وانهالت مقدمتها بنقد ضار للميتافيزيقا والدين ~~ومحاولة إثبات عمقهما، كتأسيس للواحدية المادية والمشروع الوضعي. على العموم بلغ مشروع ~~العلم الموحد أوج نضجه في صورته المنطقية المؤمثلة، مع قطب الوضعية المنطقية ~~رودلف كارناب # R. Carnap ~~(1891-1970م)، الذي عمل ~~على صياغة البناء المنطقي للعلم الموحد عن طريق ما أسماه «لغة العلم». ترتكز لغة ~~العلم الموحد على أساس مفاده أن العلم يتعامل فقط مع الخصائص البنائية للأشياء، في ~~الزمان والمكان والعلاقات التي تربطها ببعضها، ووضع كارناب قواعد هذه اللغة، وهي قواعد ~~تشكيل وصياغة الجمل والتعبيرات الفيزيائية، ثم قواعد استنباط جملة من أخرى. # 4 # تعمل هذه القواعد على أن تكون دقيقة، فتستوعب كل التعبيرات الفيزيائية ~~وتستبعد تماما ما سواها، وأي فرع آخر من فروع العلم يمكن صياغته في حدود هذه اللغة، ~~وإلا كان علما زائفا؛ فكل ما لا يتحدث باللغة المنطقية للفيزياء ليس علما، إن لم ~~يكن هراء ولغوا. # كانت النظرة الوضعية المنطقية أقوى تعبير عن فكرة العلم الموحد، وقد سادت في حينها، ~~وبغض النظر عن تطورات عديدة أدت إلى دخول العلم وفلسفة العلم في مرحلة «ما بعد ~~الوضعية»، المواكبة لمرحلة ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار، فإن الاتجاه يميل الآن ~~بشكل عام نحو اعتبار كل علم وحدة مستقلة، تدخل في علاقات منطقية وبينية مع العلوم ~~الأخرى، لكنه يصول ويجول في موضوعه بما يلائم طبيعته النوعية بالفروض الجريئة المثمرة. ~~باتت الميثودولوجيا الراهنة تتحدث عن نموذج إرشادي خاص بكل علم من العلوم، مستقل إلى ~~حد ما عن نموذج إرشادي مشترك تتربع في سويدائه الفيزياء، خصوصا بعد ما حدث من ~~تطورات مذهلة للبيولوجيا في العقود الأخيرة، وبحث العلوم الإنسانية المحموم عن ~~منهجيات خاصة، تلائم طبيعتها النوعية وتخرج بها من أزمة تخلفها النسبي عن علوم ~~المادة. # إن المطروح هنا ms037 - ميثودولوجيا - من تخطيط وترسيم لنسق العلم، من حيث درجة ~~العمومية والبساطة في العلوم المختلفة لا يعني عودا إلى الرؤية الوضعية المتطرفة، إننا ~~الآن في عصر التعددية والدعوة إلى علم لا تكبله وحدة وضعية مزعومة، # 5 # هذا الطرح الميثودولوجي والترسيم العام لنسق العلم، إنما هو تبسيط وتخطيطات ~~منطقية مبدئية، تمهد السبل للقواعد الإجرائية للبحث العلمي، عاكسة طبيعة ووظيفة ~~مفهوم المنهج العلمي. ~~(3) طريقان منهجيان # كما ذكرنا، فلسفة العلوم، أو بمزيد من التحديد الميثودولوجيا، حين تجيب عن السؤال: ~~ما المنهج العلمي؟ إنما تتغاضى عن الفوارق الإجرائية الشتى للعلوم العديدة، لتقف على ~~الثابت المحوري للمنهج العلمي، الذي يقف بدوره من وراء أو بالأحرى في صلب المناهج ~~الإجرائية جميعها. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، ذكرنا أيضا أن سر نجاح العلم ~~الحديث، يتمركز في ذلك التآزر والتحاور بين لغة الرياضيات ووقائع التجريب . # لذلك ثمة فارق لا يمكن أن تتجاهله الميثودولوجيا في تقنينها لمفهوم المنهج العلمي، ~~بل على العكس ترتكز عليه وتنطلق منه، يتمثل في الفارق بين العلوم الصورية والعلوم ~~الإخبارية، وقد رأيناه سابقا في تخطيط نسق العلم، ويمكن أن نشتقه مجددا على النحو ~~التالي: # إننا إزاء مجموعتين كبريين لهما طبيعتان مختلفتان، وطريقان منهجيان مختلفان، هما ~~مجموعة العلوم الصورية: علوم المنطق والرياضة، ثم مجموعة العلوم الإخبارية التجريبية ~~سواء فيزيوكيميائية أو حيوية أو إنسانية، وعلى هذا يقوم صلب الميثودولوجيا على التقابل ~~والتقاطع والافتراق والالتقاء بين طريقين أو آليتين أو لنقل منهجين هما: # المنهج الصوري # Method Formal ~~: # هو منهج العلوم الاستدلالية، التي تعنى فقط بالانتقال من قضايا إلى ~~أخرى، أو من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها، ولا شأن لها بالواقع أو ~~بوقائع التجريب، وهي علوم المنطق والرياضيات، وقد أثبت برتراند ~~راسل # B. ~~Russell ~~(1872-1970م) برفقة آخرين، أنهما امتداد لطريق ~~واحد، وأن المنطق في صورته الرمزية المحدثة هو صبا الرياضيات، ~~والرياضيات رجولة المنطق، ومنهجهما صوري يقوم دائما وأبدا على ~~الاستنباط # deduction ~~، بعبارة ~~أخرى منهج الرياضيات منهج استنباطي، أو بمزيد من التحديد هو المنهج ~~الأكسيوماتيكي الاستنباطي (أكسيوماتيكي = بديهي)، الذي يقوم ms038 على افتراض ~~بديهيات ومصادرات أولية، ثم استنباط المبرهنات الرياضية منها. # المنهج ~~التجريبي # Empirical Method ~~: # وهو منهج العلوم الإخبارية، الفيزيوكيميائية والحيوية والإنسانية، ~~ويقوم على أساس التحاور بين العقل والحواس، أو بين اليد والدماغ، ~~وبالمصطلحات الميثودولوجية لفلسفة العلم، نقول: بين التجريب والتنظير ~~أو بين الملاحظة والفرض. # لعل هناك مناهج بحث فرعية أخرى، مثلا المنهج الاستردادي الذي نسترد فيه صورة الماضي، ~~تبعا لما تركه من آثار، كما يحدث في علوم كالتاريخ والجيولوجيا، وثمة المنهج الوصفي ~~ومنهج التصنيف والتقسيم، والمنهج التحليلي والتعدادي والإحصائي، ومنهج دراسة حالة ... ~~إلخ. غير أن مناهج البحث في جذرها العميق، الذي يتمثل في مفهوم المنهج العلمي، لا تخرج ~~عن واحد من هذين الشكلين أو الطريقين: فإما استغلال قوى العقل المنطقية لاستنباط قضية ~~من أخرى، وإما استشهاد الواقع والوقائع عن طريق الحواس، التي قد تستعين بالأجهزة، إنهما ~~الآليتان الأساسيتان للعقل العلمي، توافرهما معا يعني توافر المنهج العلمي. لا غرو إذن ~~أن يكونا الشقين الأساسيين للمنهج العلمي؛ لهذا يمكن القول إن علم مناهج البحث أو ~~الميثودولوجيا علم التقابل بين المنهجين الصوري والتجريبي، بحيث يمكن ترسيمه بالشكل ~~الآتي: # وبحكم الطبيعة المنطقية المحكمة للرياضيات، نجد أن المنهج الصوري هو دائما ~~الاستنباط، ويمارس في أنضج صوره منذ القرن الثالث قبل الميلاد، حين وضع إقليدس في ~~الإسكندرية كتابه «أصول الهندسة» نسقا مكتملا، أما المنهج التجريبي فإنه يشتبك مع خضم ~~عالم الواقع والوقائع، شديد الالتباس والغموض والتعقيد؛ لذلك يمثل المنهج التجريبي ~~المشكلة الفلسفية الحقيقية، التي استنفدت جهود رعيل وأجيال من الفلاسفة. ولا غرو، ~~فالمشكلة الفلسفية الكبرى على إطلاقها، هي الإنسان في هذا العالم أو مشكلة العقل ~~والواقع. # وفي نظرية المنهج التجريبي نأخذ في الاعتبار أن العلم الحديث مر بمرحلتين جوهريتين: # مرحلة العلم الكلاسيكي منذ العام 1600م (تقريبا) حتى العام 1900م ~~(تحديدا)؛ حيث كانت نظرية نيوتن بمثاليتها المعرفية والمنهجية هي الإطار ~~السائد. ويواكب هذا نظرة كلاسيكية للمنهج التجريبي، يمثلها الاستقراء ~~التقليدي، الذي يبدأ بالملاحظة ويصعد منها إلى الفرض. يمكن اعتبار ~~جون ستيوارت مل # J. S. Mill ~~(1806-1873م)، ممثلا ms039 رسميا لهذه النظرة. آمن مل بالاستقراء إيمانا ~~طاغيا، رآه الآلية الوحيدة التي امتلكها العقل البشري، حتى بديهيات ~~الرياضة والمنطق وحتى العواطف والمشاعر، كلها في رأيه تعميمات استقرائية؛ ~~فكان مل أبرز من تفانوا في صياغة الاستقراء كمنهج، بل وكمذهب، وفي كتابه ~~الشهير «نسق المنطق» # System of Logic # وضع ~~للاستقراء بوصفه منهج العلم لوائح أو ضروبا خمسا، وهي منهج الاتفاق الذي ~~يرصد حالات اتفاق العلة مع معلولها، ومنهج الاختلاف الذي يرصد حالات غياب ~~المعلول بغياب العلة، ومنهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف، ومنهج التغير ~~النسبي، وأخيرا منهج البواقي. إنها طرق استكشاف العقل للعلاقات السببية ~~بواسطة التجريب؛ أي طرق تعميم الملاحظات التجريبية، التي يبدأ البحث العلمي ~~برصدها، ليصل إلى القوانين. # مرحلة العلم المحدث، المعاصر منذ العام 1900م وما تلاه، منذ أن تفجرت ~~ثورة النسبية والكوانتم، التي أحدثت انقلابا في مثاليات المعرفة العلمية، ~~ويحق اعتبارها أعظم ثورة عقلية أنجزها الإنسان، وتصاعدت معها معدلات التقدم ~~العلمي بصورة مبهرة حقا. لقد أحدثت انقلابا جذريا في مثاليات المعرفة ~~العلمية وفي إبستمولوجيا العلم، # 6 # وبالتالي واكبها انقلاب مماثل في نظرية المنهج التجريبي، بحيث ~~اتضح أنه يبدأ من الفرض ويهبط منه إلى الملاحظة والواقع التجريبي، فيما ~~يعرف بنظرية المنهج الفرضي الاستنباطي، التي تمثل نضجا ملحوظا وتطورا ~~خصيبا، لقد انتقلت نظرية المنهج التجريبي من الاستقراء إلى المنهج الفرضي ~~الاستنباطي، إنه التقاء ثمين بين التجريب والاستنباط، يعني إزاحة ~~الاستقراء - الذي هو تجريب خالص - جانبا. # هكذا نلاحظ كيف كانت نظرية المنهج العلمي حوارا وشجارا ولقاء وافتراقا، بين ~~طريقين متقابلين هما الاستنباط والاستقراء، وسوف نتوقف الآن عند كل منهما، فنعرض ~~للاستنباط منهج العلوم الرياضية، ثم الاستقراء الذي حمل على عاتقه لواء الثورة ~~التجريبية العظمى، في القرن السابع عشر وما تلاه، قبل أن يلتحم مرة أخرى بالاستنباط في ~~تطور رائع لنظرية المنهج العلمي. ~~(4) الاستنباط في الرياضيات # المنهج الصوري أو منهج العلوم الصورية هو الاستنباط # deduction ~~، الآلية الذهنية العاملة في التفكير الرياضي والبحث في ~~العلوم المنطقية والرياضية. # الاستنباطية كآلية ذهنية له أشكال وفعاليات كثيرة، متفاوتة في ms040 طبيعتها وفي دورها وفي ~~قيمتها، يستخدمه العقل البشري في أي لحظة حين يستخرج مضمونا من مضمون آخر، دون التجاء ~~للتجريب، مثلا حين يستخرج المعاني من النصوص، أو الجزء من الكل أو الخاص من العام، أو ~~المثيل من المثيل، أو ينتقل من القاعدة إلى حالة جزئية لها. والاستنباط كمنهج بحث ~~وتنظيم لفعاليات العقل، له أيضا أشكال عديدة متفاوتة، على أن أرقى أشكاله وممارساته في ~~الرياضيات. # فما الاستنباط؟ # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~(سورة ~~النساء، الآية: 83). # وفي التفسير الميسر جاء معنى هذا: ~~«لعلم حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم» من الناحية الإتيمولوجية مصطلح، أو لفظة ~~الاستنباط مأخوذة من لفظ «نبط» وهو نبع الماء، ونبط الماء وأنبطه واستنبطه؛ ~~أي استخرجه من النبط بفعل فاعل. ثم أصبح الاستنباط يعني الاستخراج على عمومه، ~~خصوصا استخراج المثمر الجيد النافع المفيد؛ فالماء في البيئة الصحراوية التي نشأت ~~فيها اللغة العربية، يختزل دلالات الخير العميم المرجو دائما، فيقال: استنبط ~~الحكم؛ أي استخرجه بالاجتهاد. وفي تعريفات الجرجاني: «الاستنباط اصطلاحا هو ~~استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة.» # 7 # هكذا نجد القدماء قد عرفوا مصطلح الاستنباط، واستخدموه كفعل ذهني ذي طريق محدد، ~~وعرفوا أيضا أشكالا للمنهج الاستنباطي، أشهرها القياس الأرسطي والقياس الأصولي. ~~وفي استعمال جديد ومتطور لهذا المصطلح القديم، يأتي علم مناهج البحث الحديث، ليسير ~~في طريق خدمة الفعل الذهني الاستنباطي، كي يستخرج الصورة الإيجابية المنتجة له في ~~منهج الرياضيات. # يقوم المنهج الرياضي، أو نمط التفكير الرياضياتي، على استنباط بمعنى استخراج ~~النتائج من مقدمات، والانتقال من قضية أو قضايا إلى أخرى تلزم عنها، والمقدمات في ~~النسق الرياضياتي تقوم على بديهيات، يسلم بها العقل لوضوحها أو بداهتها؛ لذلك ~~يسمى المنهج الرياضياتي: المنهج الأكسيوماتيكي الاستنباطي (الأكسيوماتيكي = ~~البديهي). واستنباط النتائج من المقدمات يعني البرهنة على هذه النتائج. الصفة ~~الأساسية للاستنباط هي لزوم النتائج عن المقدمات بالضرورة، متى سلمنا بالمقدمات ~~لا بد أن نسلم بالنتيجة المستنبطة منها، فإذا أنكرناها وقعنا في التناقض. اللزوم ~~والضرورة والدقة هي خصائص ms041 النتائج المستنبطة، خصائص القضايا الرياضية التي هي ~~تحليلية تحصيل حاصل، توصف بالصحة والبطلان وليس الصدق والكذب. # وتقوم ممارسة المنهج الاستنباطي الرياضياتي على أساس من مقدمات أساسية: وهي ~~مجموع الحدود والقضايا الأولية، التي يسلم بها الرياضياتي قبلا بلا برهان، ~~وتتكون من تعريفات ثم مصادرات تضم بديهيات ومسلمات. وللبديهية ثلاث خواص: أولا ~~الوضوح الذاتي، فتكون في غير حاجة إلى شرح أو توضيح. وثانيا الأولانية المنطقية، ~~فهي غير مأخوذة أو مستنبطة من أي قضايا أو مبادئ أخرى. والخاصية الثالثة أنها ~~قاعدة صورية عامة، أما المسلمات فقد لا تكون بوضوح البديهية ونسلم بها فقط؛ لأن ~~العالم رآها ضرورية لبناء نسقه الاستنباطي، وهي بدورها لها ثلاثة شروط: الاتساق ~~الذاتي، فتكون خلوا من أي تناقض، ثم الاستقلال فتكون كل مسلمة مستقلة عن الأخرى، ~~لا يمكن استنباطها منها؛ لأنه لو أمكن هذا لكانت مبرهنة وليست مسلمة. أما الشرط ~~الثالث فهو الكفاية، فلا بد أن تكون المسلمات كافية لاستنباط المبرهنات؛ أي ~~النظريات المطلوبة. # الرياضياتي له الحق في فرض ما يراه من مصادرات، حتى وإن بدت متنافية مع الواقع ~~التجريبي المحسوس أو غير مطابقة له؛ فقد يسلم بأن السطح مستو كما فعل إقليدس في ~~القرن الثالث قبل الميلاد، أو بأنه مقعر كما فعل لوباتشيفسكي (1792-1856م)، أو ~~بأنه محدب كما فعل ريمان # B. Riemann ~~(1826-1866م). وقد كانت الإقليدية هي الهندسة التطبيقية في فيزياء نيوتن ~~الكلاسيكية، بينما جعل آينشتين من هندسة ريمان هندسة تطبيقية للفيزياء النسبية، ولا ~~شأن للرياضيات البحتة بهذا وذاك، المهم أن يلتزم الرياضياتي بالتعريفات والمصادرات، ~~التي وضعها طوال النسق. # هذه المقدمات من تعريفات ومصادرات هي نقطة البدء في الاستدلال، هي المادة الخام ~~لفعل الاستنباط، هي المعلوم الذي سننتقل منه إلى مجهولات، وذلك باستعمال الوسائل ~~المنطقية، وهي القواعد أو القوانين المنطقية، التي تحكم الاستدلال العقلي وتضمن ~~سلامته، يكون الخروج من هذه المقدمات بالنتائج التي تلزم عنها. النتائج هي النظريات ~~الرياضية التي تم إثباتها بفعل الاستنباط. النظرية الرياضية تسمى مبرهنة # theorem ~~؛ لأنها حظيت ببرهان يثبت لزومها عن ~~المقدمات. # وفي هذا ms042 نلاحظ أن الاستنباط الرياضي استنباط إنشائي أو تركيبي، النتيجة ليست ~~داخلة في المقدمات، بل هي لازمة عنها وزائدة عليها؛ لذلك كانت العلاقة المنطقية ~~الضرورية، التي تربط المقدمات بالنتائج في الرياضيات، ليست علاقة التضمن بل علاقة ~~اللزوم # implication ~~. إن مساواة زوايا المثلث ~~لقائمتين، ليست قضية داخلة في مقدمات إقليدس أو متضمنة فيها، كما هو الحال في ~~استنباطات القياس الأرسطي التي توصف بالعقم، بل هي حلقة جديدة في السلسلة لازمة عن ~~الحلقة السابقة عليها اضطرارا؛ أي إن كل قضية جديدة تنقلنا من معلوم إلى مجهول، ~~كأن هناك بناء يركبه العقل أو ينشئه إنشاء، إنه بناء النسق الرياضياتي. ~~(5) الاستقراء في العلوم التجريبية # حين بدأت إرهاصات وبشائر فلسفة العلم في أواسط القرن التاسع عشر من أجل صياغة نظرية ~~المنهج العلمي التجريبي، كان الإجماع منعقدا تقريبا على أنه الاستقراء. # الاستقراء في اللغة: هو التتبع، ومن استقرأ الأمر فقد تتبعه لمعرفة أحواله، وعند ~~التطبيقيين هو الحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي. # 8 # ومنهج الاستقراء # induction # مقابل صريح ~~لمنهج الاستنباط؛ لأن الاستنباط # deduction # استدلال ~~هابط يبدأ من مقدمات كلية، ويهبط منها إلى نتائج جزئية تلزم عنها بالضرورة، ينتقل من ~~الكل إلى الجزء بغير حاجة إلى تجريب، أما الاستقراء فهو استدلال صاعد، ينتقل من الجزء ~~إلى الكل، فيبدأ من ملاحظة جزئيات تجريبية، ليصعد منها إلى صيغة كلية على هيئة قانون ~~كلي عام، يحكم جميع الحالات المتماثلة أينما وقعت ووقتما وقعت. # هكذا نجد الاستقراء في جوهره عملية تعميم للملاحظات التجريبية، وقد استند هذا التعميم ~~على مبادئ ثلاث تبرره، وهي السببية وإطراد الطبيعة والحتمية، وهذه المبادئ الثلاثة ~~تؤكد انتظام الطبيعة وتناسقها، وخضوعها لقوانين شاملة يكشف عنها العلم، وعن طريق ~~استقراء ماضيها يتنبأ بمستقبلها. السببية (أو ~~العلية) # Causality # مبدأ كوني عام وشامل يعني أن حوادث هذا الكون لا تجري خبط ~~عشواء، بل كل حدث يحدث لأن هناك سببا أو علة أحدثته، كل ظاهرة من ظواهر الكون لها ~~سببها، وحدوث الأسباب ذاتها يوجب حدوث النتائج ذاتها، وبهذا تحدث الأحداث أو ms043 ظواهر ~~الكون، في أنماط منتظمة يمكن اكتشافها وصياغتها في قوانين، وتلك هي مهمة العلم ~~التجريبي، حتى قيل إن التفسير العلمي هو ذاته التعليل، اي اكتشاف العلة أو السبب. # 9 # أما اطراد الطبيعة # Uniformity of Nature # فيعني أن أحداث الطبيعة تجري على وتيرة واحدة؛ أي بشكل مطرد لا تغير فيه، ما حدث ~~بالأمس سيحدث في المستقبل، طالما أن كل حدث حالة أو مثال لقانون سببي شامل. ثم يأتي ~~مبدأ الحتمية # Determinism # ليجسد الصرامة العلمية ~~السببية، فيعني عمومية قوانين الطبيعة وثبوتها واطرادها، فلا تخلف ولا مصادفة ولا ~~استثناء، كل حدث يحدث كان لا بد وأن يحدث بالضرورة، طالما أنه محكوم بالسببية الشاملة ~~ويكشف عن اطراد عام. # يسهل إدراك أن المبادئ الثلاث وجوه لعملة واحدة، طالما أن السببية هي اطراد التعاقب ~~في الطبيعة، والاطراد بدوره شاهد على السببية، وقد انتظما معا في إطار مبدأ الحتمية ~~الكونية الشاملة، الذي رسخته فيزياء نيوتن حين قدمت تفسيرها الميكانيكي للكون. ~~الحتمية لا تعدو أن تكون الإقرار بأن السببية الشاملة، تجعل كل حدث يحدث كان لا بد ~~حدوثه ويستحيل أن يحدث سواه، والقانون العلمي يتنبأ يقينا بالأحداث على أساس من ~~السببية الشاملة، بحيث إذا توصلنا إلى نسق العلم الشامل، تبدت أمامنا أحداث الكون ~~جميعها كتابا مفتوحا. # وراح فلاسفة العلم آنذاك يتبارون في تحديد خطوات المنهج الاستقرائي، وترتيبها ترتيبا ~~تصاعديا وصولا إلى الكشف أو النظرية العلمية. وأهم ما في هذا الترتيب أن الخطوة ~~الأولى هي الملاحظة التجريبية؛ فلا بد أن يبدأ العالم بملاحظة عدة أمثلة للظاهرة موضوع ~~الدراسة، ملاحظة خالصة بلا أية موجهات، وكأن العالم يرقب من وراء ستار بحياد تام. ~~الملاحظة العلمية دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة ~~والموضوعية، وأيضا الدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلى أقصى حد ممكن ~~وصولا لتكميم دقيق. وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها. وهناك ~~علوم تعتمد على الملاحظة فقط كالفلك والجيولوجيا، وعلوم تعتمد على التجربة فقط ~~كالفيزياء والكيمياء، وعلوم تجمع بين الاثنتين كعلوم الطب والحياة. والخطوة الثانية هي ms044 ~~التعميم الاستقرائي للوقائع، التي لوحظت في صيغة قانون عام، وقد تتلوها خطوة افتراض ~~فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم. الخطوة الرابعة هي التحقق من صحة الفرض منطقيا، ~~وأنه قادر على حل المشكلة المطروحة للبحث ومتسق مع ذاته، ومع القوانين العلمية الأخرى ~~المعمول بها، ثم اختباره تجريبيا. ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن ~~فرض آخر إذا تم دحضه، كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، ليتم بلوغ معرفة جديدة ~~والإضافة إلى بنيان العلم. # هذا هو ما يعرف بالاستقراء التقليدي أو الصورة الكلاسيكية البائدة للمنهج العلمي. ~~ولئن كان العلم التجريبي تجسيدا وتجريدا لمقولة التقدم في حياة البشر، فلا غرو أن ~~تشهد نظريته المنهجية بدورها تقدما أو تطورا جذريا، فكيف سار الأمر؟ # الفصل الخامس # | تطور نظرية المنهج العلمي # (1) مشكلة الاستقراء # ترسخت رؤية المنهج العلمي التي تعتبر النظرية العلمية في جوهرها تعميمات استقرائية، ~~لا سيما وأن هذا كان ملائما تماما لفيزياء نيوتن الكلاسيكية، وهي لم تقتحم بعد عالم ~~الذرة وما دون الذرة، وتتعامل مع كون كل شيء فيه تقريبا قابلا للملاحظة الحسية. كانت ~~الفيزياء النيوتونية التي تحكم قوانين الحركة في الزمان والمكان، هي النظرية الفيزيائية ~~العامة التي ترسم معالم نسق العلم وتحدد مثالياته ومعاييره، وكانت النيوتونية تسير ~~قدما من نجاح إلى نجاح أعظم، وأثبتت ذاتها بوصفها المثال المعرفي المنشود، وتبارت ~~العلوم المختلفة في احتذاء حذوها، وقد سلم الجميع بأن منهجها الاستقرائي، هو المنهج ~~العلمي المشهود. # ولكن في أوج العلم الكلاسيكي ونجاح فيزياء نيوتن، وفي أوان صعودها عرش المعرفة بثقة ~~واقتدار، المعرفة النظرية والتطبيقية أيضا التي جعلت الثورة الصناعية على الأبواب، في ~~قلب هذا المعمعان الظافر الرافع للواء الاستقراء بوصفه المنهج العلمي المعلى، حدث أن ~~أثيرت مشكلة الاستقراء أشهر مشكلات الفلسفة ومناهج البحث. # وتتلخص مشكلة الاستقراء في التساؤل: بأي مبرر يخرج العالم من وقائع جزئية محدودة ~~إلى قانون كلي عام؟ كيف يسحب الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ لماذا يفترض أن ~~الوقائع التي لم يشاهدها تماثل تلك التي شاهدها، وأن الأحداث سوف ms045 تتعاقب في المستقبل ~~تماما كما تعاقبت في الماضي؟ # إن العالم في معمله يلاحظ عددا محدودا من الحالات، مثلا القطعة «1» من الحديد ~~تمددت بالحرارة، القطعة «2» ... القطعة «3» ... القطعة «4» ... القطعة «ن» ... فيخرج بتعميم ~~استقرائي: الحديد يتمدد بالحرارة. أو مثلا افترض باحث أن المضاد الحيوي «س» فعال ~~في علاج التيفود، وجربه على المرضى الذين يعالجهم وهم عشرة أو عشرون أو حتى ألف، وهب ~~أنهم شفوا جميعا، سيخرج بتعميم استقرائي: المضاد الحيوي «س» يشفي من التيفود. ~~القانون العلمي عبارة عامة تحكم الحالة المطروحة للبحث بصفة كلية، وليس مجرد حصر أو ~~تعداد لأمثلة لوحظت. إن العالم يلاحظ ويجرب على عدد من الوقائع الجزئية، مهما كان ~~كبيرا فهو عدد محدود، ثم يخرج منه بعبارة كلية تنطبق على كل الوقائع المماثلة في أي ~~زمان ومكان. والسؤال الآن: بأي مبرر يخرج من وقائع محدودة لوحظت إلى قانون كلي ~~عام؟ كيف يسحب الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ من أدرانا أن الحديد منذ مليون عام ~~أو بعد ألف سنة أو على كوكب المريخ أو في مجرة أخرى يتمدد أيضا بالحرارة؟ ما الذي ~~يضمن عدم وجود عينات من الحديد هنا أو هناك لا تتمدد بالحرارة ولم يصادفها ~~الباحثون؟ # مشكلة الاستقراء هي مشكلة تبرير القفزة التعميمية، من عدد محدود من الوقائع التجريبية ~~إلى قانون كلي عام. على أي أساس يمارس التعميم الاستقرائي، وهو صلب فاعلية المنهج ~~العلمي؛ أي صلب عملية إنتاج المعرفة العلمية؟ # ورب قائل إن مبدأ السببية - الذي استلزم الاطراد والحتمية - يبرر التعميمات ~~الاستقرائية. والواقع أن مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة السببية؛ فقد ظهر متحد ~~خطير لقانون السببية، هو الفيلسوف الأيرلندي ديفيد ~~هيوم # D. Hume ~~(1711-1776م)، إنه تجريبي متطرف، من أقطاب التجريبية الإنجليزية ~~التليدة في القرن الثامن عشر، فتقوم فلسفته على رد المعرفة إلى انطباعات الحس ~~وارتباطاتها. وهنا خطورته؛ فقد تحدى مبدأ السببية كثيرون على رأسهم الإمام الغزالي في ~~الشرق والأب نيقولا مالبرانش في الغرب، لكن كان هذا لنفي الارتكان على الحواس ~~والتجريبية. أما ديفيد هيوم فهو أول من ms046 نقد قانون السببية على أساس من التجريب ومن ~~أجله. # طرح هيوم سؤاله: على أي أساس نفترض أن العلل (أي الأسباب)، سيكون لها دائما ~~المعلولات (أي النتائج) نفسها؟ أي: على أي أساس نفترض مبدأ السببية؟ ولا إجابة على هذا ~~السؤال؛ فنحن التجريبيين المتطرفين اتفقنا على انطباعات الحس شاهدا أوحد، ولا نجد فيها ~~أبدا هذه السببية، لا أحد رآها أو سمعها أو لمسها، إننا لا نلاحظ إلا تعاقبا بين ~~الأحداث، أما السببية فهي ملاط (= أسمنت) غيبي للربط بين هذه الأحداث، ولا مرد لها ~~إلا العوامل السيكولوجية، بمعنى أن تكرار الخبرة الحسية التي تقع فيها «ب» بعد «أ»، ~~يخلق عادة لتوقع «ب» كلما شوهدت «أ»؛ أي إن السببية مجرد عادة نفسية! # 1 # ليست مبدأ كونيا يصلح أساس المنهج العلمي بجلال قدره. # معنى هذا أن قوانين العلم التجريبي تفتقر إلى أساس مطمئن وإلى حجة تبرر مصداقيتها، ~~فهل هي تعميمات لا عقلانية في حين أن العلم هو نجيب العقل الأثير؟! أين الأساس والتبرير ~~العقلي للقفزة التعميمية؟ لا إجابة على هذا السؤال بعد انهيار السببية بفعل هيوم، فقيل ~~إن التأمل في أصول المنهج العلمي يجعل نفرا من الفلاسفة التجريبيين شكاكا أو لا ~~عقلانيين. وفي النهاية يبدو وكأنه يحق القول الدارج: الفلسفة لا منها ولا كفاية لشرها! ~~لم تستطع أن تنجز ما أنجزه العلم، وحين قنعت بمحاولة تبريره وتمييزه بمعيار المنهج ~~العلمي، انتهت إلى ما لا يمكن تبريره، إلى ما يعني أن العلم التجريبي بجلال قدره قائم ~~على غير أساس! # قل أن يمر فيلسوف إبستمولوجي أو ميثودولوجي من المعنيين بالمعرفة التجريبية ~~والمنهج العلمي، دون أن يحاول طرح حل لمشكلة الاستقراء والبحث عن تبرير لتعميم ~~الوقائع، ولم ينجح أحد في تقديم إجابة بمنجاة من الطعن وإثبات القصور. وأسفر الوضع ~~بفلسفة العلم ومفهوم المنهج العلمي عن موقف مأساوي وهزلي: العلم الحديث هو النجيب ~~الأثير للعقل الإنساني وآيته ودرة ما أنجزه، «ولكن منذ زمان هيوم أصبحت البدعة ~~المستحدثة في العلم هي إنكار عقلانيته»، # 2 # حتى يقول وايتهد # A. N. Whitehead ms047 ~~(1861-1947م)، إن مشكلة الاستقراء هي «يأس الفلسفة»، وأسماها الفيلسوف الإنجليزي تشارلي ~~دنبر برود # C. D. Broad ~~(1887-1971م) «فضيحة الفلسفة»! # 3 # إن فلسفة العلم من الأعضاء الجدد في الأسرة الفلسفية، فهل حقا جلبت ~~للأسرة العريقة النبيلة كل هذا العار والشنار ... الفضيحة واليأس؟! بلا أدنى مبالغات أو ~~تعبيرات مجازية، بدت مشكلة الاستقراء وكأنها شاهد على عقم المباحث الفلسفية، حتى في ~~مبحث مفهوم المنهج العلمي الذي قيل عنه، إنه أعظم إيجابية امتلكها العقل. # والحق أن مشكلة الاستقراء لم تكن دليلا على عقم الفلسفة، على مدى خصوبتها وثقوب ~~بصرها، وقدرتها على استشراف آفاق مستقبلية في تطور العلم ونظرية المنهج العلمي. وما ~~تكشف من عقم ويأس مردود إلى قصورات معرفية وظروف حضارية آنذاك، دفعت إلى رفع لواء ~~البدء بالملاحظة، وأن يكون الفرض العقلي تاليا لها، حتى يبدو وكأنه تعميم لوقائع، ~~فتتخلق مشكلة الاستقراء غير القابلة للحل. وسوف ننتقل الآن إلى ظروف مصاحبة لنشأة ~~العلم الحديث وتناميه، لتتكشف حقيقة الأمر. ~~(2) ظروف حضارية ومعرفية # مهما كانت مشكلة الاستقراء من أشهر مشكلات الميثودولوجيا وأكثرها إلحاحا، فإن ما ~~نشدد عليه الآن أن هذه المشكلة لم تأت من صميم مفهوم المنهج العلمي، وما قد يبدو من ~~تداخل في عناصره أو خطواته، التي بدت حصائلها مفتقرة للتبرير المنطقي بل وللعقلانية. ~~بعبارة أخرى موجزة، مشكلة الاستقراء جاءت من ظروف حضارية وقصورات، أو أوضاع معرفية ~~لها حدودها، وهي التي جعلت العقل العلمي في مرحلة من تطوره الحديث، يفترض أن الاستقراء ~~التقليدي؛ أي البدء بالملاحظة، هو المنهج العلمي. # وتلك هي المشكلة الحقيقية: طالما نبدأ من الملاحظة فلن تجد مبررا للقفزة التعميمية، ~~وتجلى ثقوب النظر الفلسفي في تعيين الخلل الكامن في تصور البدء بالملاحظة، وفيما بعد ~~اتضح أن هذا التصور لا يعبر عن طبيعة المنهج العلمي، الذي يبدأ بفعل عقلي وفرض ~~ما، بل هو تصور أملته ظروف خاصة بمرحلة الحداثة في القرن السابع عشر وما تلاه، ظروف ~~حضارية وظروف معرفية. # ونبدأ بالظروف الحضارية، وفي هذا نلاحظ أن العلم نشاط معرفي، نعم، ولكنه لا ينشأ في ms048 ~~سديم ولا يمارسه البشر/العلماء في خلاء، بل في إطار حضاري له ظروف وحيثيات، فيشتبك ~~العلم كنشاط إنساني بهذه الظروف، ولا تفهم الحركة العلمية فهما متكاملا، من دون أن ~~نأخذ في الاعتبار عواملها الخارجية؛ أي تفاعلاتها واشتباكاتها مع المؤسسات الاجتماعية ~~والثقافية، والأوضاع الحضارية المحيطة بها في مرحلتها التاريخية المعنية. # من هذا المنظور كانت نظرية المنهج العلمي الاستقرائية، التي ترتكز على البدء ~~بالملاحظة، قد تصاعدت «مواكبة» لنشأة العلم الحديث في أعقاب عصر النهضة وبدايات العصر ~~الحديث، كرد فعل عكسي على إفراط العصور الوسطى الأسبق، خصوصا العصر المدرسي في منهجية ~~القياس الأرسطي. القياس شكل عقيم من أشكال الاستنباط الخالص، يهبط من مقدمات كبرى إلى ~~نتائج جزئية، فيما يبدو كتحصيل لحاصل ومصادرة على المطلوب، من حيث إن النتيجة متضمنة ~~قبلا في المقدمات، فضلا عن أن الأمر انتقال من قضية إلى أخرى، ولا مساس إطلاقا ~~بآفاق المجهول الرحيبة، ولا تعامل مع الواقع والوقائع، ودع عنك استشهاد الحواس. كان ~~القياس الأرسطي الذي مثل الروح المنهجية في العصر المدرسي، أمثولة على الاستنباط ~~الخالص العقيم. # بدا لعقول الحداثة الناهضة آنذاك - في القرن السابع عشر - أن شق الطريق الحديث ~~للعلم الحديث، يعتمد على نبذ القياس الأرسطي والاستنباطات العقلية طرا، وسلك الطريق ~~العكسي وهو الاستقراء؛ أي البدء بالملاحظة والصعود منها إلى نتائج عامة. # وزاد من حدة هذا، ذلك الصراع الدامي آنذاك بين العلم الحديث، وبين السلطة المعرفية ~~التي كانت لا تزال في يد رجال الكنيسة، وقد استمدوا سلطانهم - لا لأنهم مبدعون أو ~~يفترضون فروضا جريئة - بل فقط لأنهم أقدر البشر طرا على قراءة الكتاب المقدس. ولكي ~~يستطيع رجال العلم احتلال مواقع معرفية والاستقلال بنشاطهم، بدا من الحمق الصراح ~~والخسران المبين، إقحام فكرة الفرض صنيعة العقل الإنساني الخطاء القاصر في المواجهة ~~مع رجال الكنيسة المتوسلين بالكتاب المقدس والحقائق الإلهية، فأصر العلماء على أنهم هم ~~الآخرون أقدر البشر، على قراءة كتاب آخر لا يقل عظمة أو دلالة على بديع صنع الرب، ~~ألا وهو كتاب الطبيعة المجيد، محض قراءة مصوغة باللغة الرياضية، محض ms049 مشاهدة لوقائع ~~التجريب ثم تعميمها، فلا إبداع ولا فروض. # تمخض الصراع آنذاك عن انتصار قراءة كتاب الطبيعة، والاقتصار عليها نبذا لقراءة ~~الكتاب المقدس، فكانت الحضارة الغربية العلمية العلمانية المقتصرة على المادي والوضعي. ~~يقول برتراند راسل: «لم يكن الصراع بين جاليليو ومحاكم التفتيش صراعا بين الفكر الحر ~~والتعصب، أو بين العلم والدين، بل كان صراعا بين الاستنباط والاستقراء.» # 4 # انتهى الصراع مع سلطة رجال الكنيسة بانتصار رجال العلم، واستقلال حركة ~~العلم التجريبي بفضل قوتها المعرفية المتنامية الرافعة للواء الاستقراء. # ترسخت دعائم المنهج العلمي الاستقرائي، ثم شهد القرن الثامن عشر فكرة الفرض العلمي ~~تتقدم على استحياء، خصوصا على يد عالم الكهرباء الفرنسي أمبير، ثم تعاظم شأنها وأثبتت ~~ذاتها في القرن التاسع عشر، وبات من المسلم به أن عماد مفهوم المنهج العلمي شقان: ~~الفرض والملاحظة، ولكن ظلت الأسبقية للملاحظة والبدء منها لتثار مشكلة ~~الاستقراء. ~~••• # أما عن الظروف المعرفية فتعني الولوج إلى قلب نسق العالم وعوامله الداخلية المنطقية ~~والمنهجية. وفي هذا نجد أن المنهج الاستقرائي التقليدي كان يتواكب مع إبستمولوجيا العلم ~~الحديث في مرحلته الكلاسيكية؛ أي مع نظرية المعرفة العلمية وطبيعتها وخصائصها في تلك ~~المرحلة، التي تحددت معالم نسق العلم فيها بفيزياء نيوتن الكلاسيكية. ونظرية نيوتن ~~بدورها تصور الكون ككتل مادية قابلة للملاحظة المباشرة، وتتحرك على سطح مستو عبر ~~الزمان والمكان المطلقين، والميكانيكا هي علم حركة الأجسام، إذن فالكون بالتأكيد نظام ~~ميكانيكي حتمي خاضع للسببية الشاملة والحتمية، فضلا عن أن مكوناته قابلة لأن تدركها ~~الحواس. في مثل هذا العالم من الملائم جدا أن نلاحظ وقائعه ثم نعممها، ويتقدم العقل ~~العلمي بتفسير للتعميم إلى آخر خطوات المنهج الاستقرائي التقليدي. # وكانت كل خطوة يحرزها العلم آنذاك إنما هي نجاح ملموس، يؤكد فرضية الاستقراء والبدء ~~بالملاحظة، ويتأكد بها. وفي هذه الأجواء المشبعة بنشوة الظفر والنجاح العلمي الحديث، ~~جاء هيوم ليثير التساؤل حول السببية، ويفجر مشكلة الاستقراء. # وكان هذا حدسا عميقا لأن الظروف الحضارية والقصورات المعرفية، هي التي أملت البدء ~~بالملاحظة، في حين أن العقل هو سيد الموقف ms050 العلمي: يبدأ بفرض ما يتجه منه إلى ~~الملاحظة. وانقشعت أوهام الاستقراء والمصادرة على البدء بالملاحظة باقتحام عالم الذرة ~~وما دون الذرة؛ حيث يتعامل العلم التجريبي مع كيانات غير قابلة للملاحظة أصلا، فلا ~~يمكن رصد جسيمات الذرة لكي نخرج بتعميم استقرائي لما لاحظناه أو رصدناه، يمكن فقط رصد ~~آثار الجسيمات على الأجهزة المعملية. إذن لا بد من فرض قبلا لنستنبط منه ما يلزم عنه، ~~نصمم التجربة على أساس الفرض، أو بالأحرى نصممها لاختبار الفرض عن طريق المقارنة بين ~~النتائج المستنبطة من الفرض وبين الآثار المرصودة معمليا. هكذا يأتي دور الملاحظة ~~المعملية التجريبية بعد الفرض، وانتبهنا أخيرا إلى أن أحدا من العلماء - قديما أو ~~حديثا - لم يدخل البتة معمله، إلا بناء على فكرة أولية أو فرض ما مطروح قبلا. بدون ~~فكرة مبدئية، كيف ولماذا يدخل المعمل؟ لقد انقلبت نظرية المنهج العلمي رأسا على عقب، ~~ليغدو الفرض قبل الملاحظة، يختبر وينقح ويعدل عن طريقها ... فيما يعرف بالمنهج ~~الفرضي الاستنباطي. ~~(3) المنهج فرضي استنباطي # قد تستعمل لفظة الاستقراء الآن للدلالة على التجريب بشكل عام وتتبع وقائعه، ولكن ~~من حيث المصطلح الميثودولوجي المتخصص، يعني الاستقراء نظرية البدء بالملاحظة التي كانت. ~~وليس المنهج العلمي التجريبي هو الاستقراء الكلاسيكي، بل المنهج الفرضي الاستنباطي # Hypothetical deductive Method # يبدأ ~~بفرض صوري عام، لا يشتق من الخبرة ولا يخضع هو ذاته للتحقيق التجريبي المباشر، فيلجأ ~~الباحث إلى منهج الاستنباط، كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج الجزئية التي تلزم ~~عنه، إنها تنبؤات الفرض، ويأتي التجريب ودور الملاحظة فيقابل الباحث بين النتائج ~~المستنبطة من الفرض وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها تم التسليم المؤقت بالفرض، وإن ~~لم تتفق يكون تعديله أو الاستغناء عنه والبحث عن غيره، مع ملاحظة أن مصدر الفرض لا ~~يعنينا؛ فقد يأتي به العالم من الحصيلة المعرفية السابقة أو من وقائع التجريب، أو من ~~صفاء ضوء القمر أو رؤية وجه المحبوبة، أو من أي أين تستطيع العقلية العلمية المبدعة ~~الخلاقة أن تستلهمه فرضا. الفرض العلمي إبداع إنساني أصيل، لا طريق مرسوما ms051 سلفا ~~إليه، المنهج العلمي لا يرسم طريقا محددا إلى الفرض، بل هو آلية التعامل مع الفرض، ~~آلية الاختبار التجريبي، آلية التفاعل بين الفرض والملاحظة أو بين العقل ~~والحواس. # في علوم الفيزياء تحديدا نجد الاستدلال الرياضي، وهو عملية استنباطية، إنما يمثل ~~العمود الفقري للمنهج العلمي، وأهم من وقائع التجريب ذاتها، خصوصا حين نقترب من ~~الفيزياء النظرية أو البحتة. ليس التجريب مقابلا تماما للاستنباط، أو يستبعده كما كان ~~الحال مع الاستقراء. والفروض العلمية الآن لم تعد تحكم وقائع بقدر ما تحكم قوانين ~~وعلاقاتها ببعضها. المنهج العلمي التجريبي لا يعني تهميش دور العقل، كما كان يفعل ~~الاستقراء التقليدي؛ فقد عاد الاستنباط ليحتل موقعا محوريا. انهار التصور الحتمي ~~للكون وكأنه يسير كما تسير الآلة الميكانيكية، وارتفع لواء اللاحتمية واللايقين ~~واللاتعين والمنطق الغائم ونظرية الشواش، ويظل المنهج تجريبيا والعلم تجريبيا، من ~~حيث إن العالم التجريبي هو المحك النهائي الذي يشهد على النتائج المستنبطة ليتقرر مصير ~~الفرض. إن مفهوم المنهج التجريبي في حقيقته، هو التآزر الجميل حقا بين إمكانيات العقل ~~وقوة التجريب. ~~••• # يعد كارل بوبر أهم فلاسفة المنهج العلمي والميثودولوجي الأول في القرن العشرين، ~~وكان من أسبق وأقدر الذين تمثلوا الأبعاد الإبستمولوجية والميثودولوجية لثورة النسبية ~~والكوانتم . وكما أشرنا فيما سبق، يحدد بوبر الخاصة المنطقية المميزة للنظرية العلمية ~~بأنها القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب. وهذه الخاصة تمثيل منطقي للمنهج الفرضي ~~الاستنباطي، ولطبيعة التفكير العلمي كفرض يفرضه العقل على الواقع، وليس يستقرئه من ~~الواقع. يرى بوبر أن المعرفة على العموم والمعرفة العلمية على أخص الخصوص بناء صميم ~~طبيعته الصيرورة، التقدم المستمر، فلا تكون نظرية المنهج العلمي نظرية في تبريره، بل في ~~أسلوب هذه الصيرورة أو كيفية التقدم المستمر، الأسلوب أو الكيفية هو ما يعرف بالمنهج ~~العلمي، ومن ثم تكون فلسفة العلم هي نظرية المنهج العلمي، هي ذاتها منطق الكشف ~~العلمي. # كارل بوبر يصوب الأنظار إلى منطق الكشف العلمي واللحظة الدراماتيكية الكبرى ~~المتمخضة عن الجديد، لحظة التكذيب والتفنيد. ومن خلال منطق التكذيب والتصويب، تغدو ~~فلسفة المنهج العلمي، هي منطق قابلية ms052 العلم المستمرة للتقدم، بحيث تكون قواعد البحث ~~العلمي - كما يؤكد بوبر - قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي ~~يقرر يوما ما أن العبارات العلمية، أصبحت لا تستدعي أي اختبارات أخرى، ويمكن أن ~~نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة. # إن كارل بوبر في فلسفته الحصيفة للمنهج العلمي، لا يعنى البتة بتبرير المعرفة ~~العلمية أو حدود صدقها وصحتها، بل يعنى فقط بنموها وكيفية تقدمها، أكد تأكيدا ~~مشددا أن المنهج العلمي ليس البتة منطقا للتبرير والتحقق أو المواءمة، بقدر ما هو ~~منطق للكشف والتقدم المستمر. يقول بوبر: «إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده ~~إلى النجاح، فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح. وأيضا إذا حاول ~~أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النظريات العلمية، فسيصاب أيضا بخيبة أمل، ~~النظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، إنها فقط تنقد وتختبر.» # 5 # وفي تعريف جامع لنظريته في منهج العلم يقول: «المنهج العلمي هو منهج ~~المحاولة والخطأ، منهج اقتراح فروض جريئة وتعريضها لأعنف نقد ممكن، كي ما نتبين مواضع ~~الخطأ فيها.» # 6 # حرص كارل بوبر على إثبات أن البدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء، بل هو فكرة مستحيلة ~~أصلا، وبالتالي فإن الاستقراء التقليدي لا يصف ما يفعله العلماء، ولا ما ينبغي أن ~~يفعلوه، ولا حتى ما يمكن أن يفعلوه. يوضح بوبر هذا بأقصوصة عن رجل كرس حياته ~~للعلم، فأخذ يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى أن تورث هذه المجموعة من ~~الملاحظات، لكي تستعمل كدليل استقرائي! فطبعا لن تفيد العلم في شيء، ولن تفضي إلى ~~شيء، وإذا افترضنا كمبيوتر يقوم بدور آلة استقرائية، فيجمع المعطيات الحسية المتماثلة ~~ليعممها في قانون، فإن عمله هذا مستحيل بدون فرض مسبق، لا بد قبلا من برنامج يحدد ~~للكمبيوتر ما أوجه التماثل التي يبحث عنها، ومتى يأخذ الوقائع التجريبية على أنها ~~متماثلة. لقد بدأ بوبر إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب الفيزياء: «أمسك بالقلم ~~والورقة، لاحظ ms053 بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه.» بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر ~~أن يلاحظوه، وهنا أوضح لهم كيف أن «لاحظ!» فحسب لا تعني شيئا، العالم لا يلاحظ فحسب، ~~الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ما، ومهمة محددة، واهتمام ~~معين ووجهة من النظر نريد من الملاحظة أن تختبرها. المشكلة المطروحة للبحث هي ما يبدأ ~~به العالم، وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل؟ ~~بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق ... أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه؟ # 7 # إن العالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ على أساسها، وفرض يلاحظ من أجله؛ فهو ~~يبدأ من الحصيلة المعرفية السابقة لتحدد له، موقف المشكلة وتعين على فهمها، فيقدح ~~عبقريته العلمية ليتوصل إلى الفرض الذي يستطيع حلها، ها هنا فقط يلجأ إلى الملاحظة ~~ليختبر فرضه تجريبيا عن طريق النتائج المستنبطة. تلك هي الصورة العامة لمسار البحث؛ ~~أي للمنهج العلمي التجريبي، إنه المنهج الفرضي الاستنباطي. # على هذا النحو نسلم بأن قطبي المنهج العلمي هما الفرض والملاحظة، وقد سادت المرحلة ~~الكلاسيكية نظرية البدء بالملاحظة التي فرضتها فيزياء نيوتن، ويعد جون ستيوارت مل ~~أبرز فلاسفتها، بينما تسود المرحلة الراهنة نظرية البدء بالفرض التي أكدها آينشتين، ~~وعمل من أجلها فلاسفة كبار للمنهج العلمي في القرن العشرين وفي مقدمتهم كارل ~~بوبر. ~~(4) آفاق مركب جدلي # ليس الأمر تلاعبا بطرفي المنهج العلمي، بل هو طرح انقلابي لطبيعة العلم، وطبيعة موقع ~~العقل في هذا الكون، ومفهوم المنهج العلمي؛ فلو كانت الملاحظة هي الأسبق، فإن العلم ~~تعميم آلي للوقائع ملغوم بمشكلة الاستقراء، ودور العقل الإنساني تابع للحواس سلبي ~~هامشي، فقط يخدم الملاحظة الحسية، ليعممها في صورة قوانين مستقرأة من صلب الواقع ~~التجريبي، فتكون يقينية ضرورية حتمية، ويغدو نسق العلم بناء مشيدا راسخا ثابتا، ~~يعلو ولكن لا تبديل ولا تعديل، وكل تقدم تراكمي. أما إذا كان الفرض هو الأسبق، كما تبلج ~~في ضوء ثورة الكوانتم والنسبية واقتحام عالم جسيمات الذرة، فإن العقل الإنساني المبدع ~~للفرض هو الذي يخلق ملحمة العلم المجيدة، ms054 لا يخدم الملاحظة الحسية بل يستخدمها لتمحيص ~~وتقنين الفروض، لقبولها أو رفضها، أو تعديلها. # وكان هذا انقلابا من النقيض إلى النقيض، انحلت إشكاليات منهجية تجسدها مشكلة ~~الاستقراء، أي استحالة تبرير القفزة التعميمية من ملاحظات محدودة إلى قانون كلي، وبدت ~~ظاهرة العلم أكثر إنسانية وأكثر تقدمية. # واللافت حقا أن فلسفة العلم قد واصلت مسارها، بتصورات من قبيل النموذج الإرشادي مع ~~توماس كون، وميثودولوجيا برامج البحث مع إمري لاكاتوش، والاستراتيجيات العقلية مع ستيفن ~~تولمن ... وهي تصورات توضح كيف أن الوقائع التجريبية لا تتحدد إلا في ضوء النظرية ~~العلمية، والنظرية بدورها لا تتعين بدون الوقائع، كلاهما محمل بالآخر، الملاحظة ~~العلمية ليست تسجيلا لانطباعات حسية، بقدر ما هي تأويل للمعطيات في ضوء الفرض ~~المطلوب اختباره أو النظرية المعمول بها، والنظرية بدورها لا تترسم إلا من خلال وقائع ~~تجريبية. # معنى هذا أن قطبي المنهج العلمي - الوقائع التجريبية والنظرية العلمية - ليسا طرفين ~~متقابلين، نضع كلا في واد، ثم نبحث عن العلاقة بينهما، وأيهما يؤدي إلى الآخر وأيهما ~~الأسبق، إنهما كل واحد متعضون في إطار متكامل. وفي الموقف العلمي المتعين يقبل ~~هذا الإطار، أو يرفض ويتم الانتقال إلى إطار آخر أكثر تقدمية. والحق أن واقع البحث ~~العلمي الآن يؤكد هذا . ويضرب بولكين هورن مثالا يوضحه وهو اكتشاف الجسيمين الذريين # Z # و # W ~~، وهما وسيطان ~~في القوى النووية الضعيفة. وكان ثمة اثنان من زملاء بولكين هورن الباحثين في فيزياء ~~الجسيمات الأولية هما كارلو روبيا # C. Rubbia # وسيمون فان ديرمير # S. V. Der Meer ~~، عملا في ~~إطار فريق بحثي كبير، استخدم مصفوفة واسعة ومترابطة من الكواشف الإلكترونية للنشاط ~~الإشعاعي، وتحليلات الكمبيوتر هي التي يمكنها تقييم ما تشير إليه هذه الكواشف، إنها ~~معطيات الملاحظة الحسية أو المادة التجريبية الخام، بيد أنها في حد ذاتها لا تعني شيئا ~~البتة ولا تدل على شيء محدد، وما كان يمكن الإعلان بأن هناك الجسيم # W # وهناك الجسيم # Z ~~، ~~إلا عن طريق تأويل لمعطيات الملاحظة التجريبية، تأويلا يستخدم أفكارا فيزيائية معينة، ~~هي فرض وجود هذين ms055 الجسيمين الذي تقدم به العالمان المذكوران عام 1984م ونالا عنه ~~جائزة نوبل، # 8 # هكذا نجد أنه لا معنى لملاحظات في حد ذاتها وأيضا لا معنى للفرض في حد ~~ذاته، إنهما كل متكامل أو كيان واحد. # وبهذا يسفر تطور نظرية المنهج العلمي عن صيرورة جدلية؛ فقد كانت الاستقراء الذي يبدأ ~~بالملاحظة، ثم انقلبت إلى النقيض الذي يبدأ بالفرض، وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين، ~~اتخذت نظرية المنهج العلمي صورة المركب الجدلي، الذي يجمع خير ما في هذين النقيضين ~~ويتجاوزهما إلى الأفضل، إلى نظرية ترى الفرض والملاحظة كلا متكاملا. وهكذا يكون ~~مفهوم المنهج العلمي بدوره مفهوما متكاملا. # وفي كل هذه المراحل الجدلية يظل جوهر المنهج العلمي التجريبي، وأساس الآليات ~~الإجرائية في كل بحث علمي، هو التفاعل بين الفرض والملاحظة، النظرية والتجربة، العقل ~~والحواس، اليد والدماغ، الفكر والواقع، فلا حسية فجة غشوم أو مفككة، وأيضا لا تحليقات ~~في جنوحات العقل الخالص أو تهاويم في سدم الفكر المطلق. وبالمثل تنفذ نظرية المنهج ~~التجريبي المعاصرة من ذلك الخيار العصيب بين الاستقراء والاستنباط؛ فهي تجمع المجد من ~~طرفيه وتظفر بالمغنمة من الجهتين. هنا في مفهوم المنهج العلمي آية توظيف كل ملكات ~~الإنسان وقواه، وسبله الإبستمولوجية في عملية معرفية متكاملة، ولعلها الأكثر تكاملا من ~~غيرها، لا سيما إذا نظرنا إليها في حدود طبيعة موضوعاتها ومجالاتها. إنه التآزر بين قوى ~~العقل المنطقية والرياضية وبين شهادة الحواس أو استشهاد الواقع والوقائع، مع التسليم ~~بأسبقة العقل وريادته. ~~••• # بهذه الرؤية الجدلية نتفهم بشيء من العمق آلية العقل العلمي التجريبي. والعقل ملك ~~للبشر أجمعين، قال عنه ديكارت إنه أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وبتعبير معاصر نقول ~~إنه مشترك إنساني عام، بين الثقافات جميعها، وأن يمتلك الإنسان عقلا، وأن تكون الحواس ~~شواهد ومنافذ للمعرفة بالعالم، فهذه مسألة من أوليات الموقف الطبيعي للإنسان؛ لذا ~~فالمنهج العلمي بدوره هكذا. بعبارة أخرى إذا كان قد اتضح لنا الآن أن جوهر مفهوم ~~المنهج العلمي في تطوراته الشتى، لا يعدو أن يكون التفاعل بين العقل والحواس، فهو إذن - ~~وكما ms056 صادرنا منذ البداية أو منذ المقدمة - آلية مفطورة في الإنسان، منذ أن انتصبت قامته ~~واستقام وجوده في هذا الكون؛ لذلك كان العلم نفسه مشروعا ملازما لوجود الإنسان، يسير ~~بدرجات متفاوتة في مراحله الحضارية المتتالية، حتى باتت تتصاعد بمعدل أسي في المرحلة ~~الحديثة والمعاصرة. كل مرحلة أسهمت بما استطاعته، وتفاوتت في هذا تفاوتا كبيرا، وبات ~~سباق التفاوت في عصرنا هذا محموما، وقدر الظفر فيه هو قدر الظفر من الحياة ... أو الموت، ~~التقدم ... أو التخلف. # ليس العلم صنيعة الشرق أو الغرب، العلم أعظم قدرا وأجل خطرا من أن تنفرد بصنعه ~~حضارة معينة، لا الحضارة الغربية بجلال شأنها، ولا الحضارة العربية الإسلامية بعزيز ~~قدرها. ولئن كان العلم الحديث مرحلة متميزة، وتميزت بها الحضارة الحديثة، فإنه لم ينشأ ~~في رحابها فجأة أو من فراغ، بل هو تطور لمراحل العلم الأسبق. وبطبيعة الحال يقترن العلم ~~- في كل صوره ومراحله ودرجاته - بمنهاجه الذي هو في جوهره التفاعل بين العقل والحواس. ~~وفي هذا يتجلى لنا تاريخ المفهوم العلمي عبر تاريخ العلم ذاته، ومن حقنا - نحن المعنيين ~~بفلسفة العلم ومفهوم المنهج العلمي - التأكيد أن تاريخ العلم وليس تاريخ العروش ~~والتيجان والحروب والمؤامرات، هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها ~~الصاعد، والسجل الموثق على تطور الإنسان وخطاه التقدمية في استجابته للعالم المحيط ، ~~الذي يحيا فيه عبر امتلاكه العقل المتفاعل مع الحواس كسلاح أكيد، جعل الإنسان بطل ~~الرواية الكونية وخليفة الله على الأرض. # هكذا يبدو مفيدا أن نردف ونكمل تحليلنا العرضي السابق لماهية المنهج العلمي، ~~بإلقاء نظرة رأسية طولية تتتبع تطور العقل العلمي، وفعالية المنهج عبر التاريخ ~~الإنساني وتطوره في المراحل الحضارية المتتابعة، لتكون الإحاطة بمفهوم المنهج العلمي ~~إحاطة أكمل وأشمل. # الفصل السادس # | المنهج العلمي في التاريخ القديم # (1) في عصور ما قبل التاريخ # لما كان المنهج العلمي يعود إلى فعالية مفطورة في صلب العقل البشري من حيث هو عقل ~~بشري؛ فقد كان نجيبه الأثير؛ أي العلم ذاته، صلبا من أصلاب الحضارة الإنسانية بأسرها، ~~وأبرز جوانبها إثباتا لحضور الإنسان، ms057 الموجود العاقل في هذا الكون. بدأت أصول العلم أو ~~بدأت بواكير ممارسات الإنسان للمنهج العلمي، ببدايات وجوده والتفاعل بين العقل والحواس ~~في استكشاف، وتفهم العالم التجريبي الذي يحيا فيه، لينمو هذا ويتطور عبر الحضارات ~~المتعاقبة، طبعا بمعدلات تتفاوت تفاوتا كبيرا. # ومن ثم يبدأ استقصاء تاريخ المنهج العلمي مما قبل التاريخ، منذ إنسان نياندرتال. إن ~~العلم أقدم عهدا من التاريخ؛ لأن معطياته الأساسية - كما يؤكد مؤرخ العلم ج. ج. ~~كراوثر - كانت أول ما تأمله الإنسان حين استقامت قامته، وتحررت يداه منذ قرابة نصف ~~مليون سنة مضت، فبدأ التفاعل بين اليد والدماغ أو بين العقل والحواس. وراح الإنسان ~~يتعامل مع البيئة المحيطة به، في أولى المواقع التي شهدت ظهوره على ضفاف الأنهار الكبرى ~~وموارد المياه الغزيرة، في الصين وجزيرة جاوة بإندونسيا وفي العراق ومصر والجزائر، هدته ~~فطرته العاقلة إلى صنع أدوات من الحجر الصوان تعينه في خوض ملحمة الوجود، ثم استخدام ~~هذا الحجر في توليد الشرر وتسخير النيران في التدفئة والإضاءة والطهو، مثل هذه الأنشطة ~~البدائية أو المبدئية التي تحمل طيفا من أولى ممارسات المنهج العلمي، تعني أن الإنسان ~~بدأ يدرك ارتباطات أولية بين ظواهر الطبيعة وقوانين مبدئية تحكمها، وبدأت تتحدد ~~ملامحه ككائن عاقل. # علاوة على هذا، إذا كانت الرياضيات أقنوم العلم الحديث ورمزه المبجل، وروح المنهج ~~العلمي المحدث تقوم على التحاور بين الرياضيات والتجريب، فإن نقوشا بدائية على جدران ~~كهوف أثرية متوغلة في أعماق التاريخ، قد دلت على أن رموز الأعداد اخترعت قبل اختراع ~~حروف الكتابة، ربما كانت هذه الرموز القديمة التي عثر عليها علماء الآثار في جزيرة ~~جاوة، لا تتجاوز الإشارة إلى عدد أصابع اليد، إلا أنها تدل بشكل ما على أن المنهج ~~العلمي متأصل في صلب أقدم مناحي الإنسان وفي بنية توجهه العقلي. يقول ج. كراوثر: ~~«محاولات أسلافنا الساذجة في استخدام الحجارة هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين ~~إلى ما يتصف به علمنا اليوم من كمال؛ فالجهد الذي بذله أسلافنا الأوائل للتنسيق بين ~~أفعالهم البصرية وحركات أيديهم، ms058 والذي هو نوع من النشاط العلمي التجريبي، وإن كان في ~~صورة بدائية، كان أحد أسباب نمو المخ، والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيا من ~~الحيوانية إلى الإنسانية، إذن العلم - بمعنى ما - أقدم من الإنسان.» # 1 # هكذا يطرح كراوثر المنهج العلمي في بواكير التحاور بين المخ والمعطيات الحسية ~~والخبرات التجريبية أو بين الدماغ واليد، وتصويبها وتعديلها عبر آلية المحاولة والخطأ، ~~وأثر ذلك على تطور المخ ليبلغ المرحلة الإنسانية. ومن هذا المنظور تكون المحاولات ~~البدائية للعلم، أقدم عهدا من إنسانية الإنسان بل ومؤدية إليها. وقد أسرف كارل بوبر ~~في تبيان أن التحاور بين الفرض والاختبارات التجريبية، أو بين الدماغ واليد عبر آلية ~~المحاولة والخطأ، جوهر مفهوم المنهج العلمي. ~~••• # وبالتالي فإن مع أولى بدايات الحضارة الإنسانية ترسمت أصول أنثروبولوجية صريحة ~~لظاهرة العلم. ويتقدم الأنثروبولوجي الرائد برنسلو ~~مالينوفسكي # B. Malinowski ~~(1884-1942م)، بنظرته الوظيفية البنائية، وقد أخرج عام ~~1936م دراسة مهمة بعنوان «السحر والعلم والدين»، توضح أن هذه الدوائر كانت متمايزة في ~~العقلية البدائية. كان السحر إقصاء تاما للعقل ولا يستند إلا إلى تقاليد موروثة ~~وحكرا على طبقة السحرة والكهنة، أما العلم البدائي فلأنه علم ينبع من العقل البدائي، ~~وتصوبه الملاحظات البدائية؛ فقد كان متاحا أكثر للجميع، ولن تنفرد به طبقة معينة إلا ~~منذ الحضارات الشرقية القديمة. وكان الدين مختصا بالعالم العلوي والحياة الأخرى وما ~~بعد الموت، والعلم مختصا بالعالم الأرضي والحياة الدنيا، يمكن أن يتواجدا معا في ~~العقلية نفسها في حالة الإنسان البدائي، كما هو الأمر في حالة الإنسان المعاصر. غير ~~صحيح أن دائرة السحر تبتلع دائرة العلم، أو أن دائرة الدين تنفيها؛ فلولا المساحة التي ~~تنفرد بها أصول المنهج العلمي، من ملاحظة للطبيعة واعتقاد راسخ بنظام فيها، لما سارت ~~عمليات الصيد والزرع وسائر الفنون والحرف والصنائع التي تقيم الحياة البدائية. # هكذا ندرك أنه ليس من الصواب النظر إلى المراحل البدائية من وجود الإنسان، على أنها ~~محض وحشية همجية غارقة في الخرافات والخزعبلات، بل إنها ببساطة بدايات للتحاور بين ~~الإنسان والطبيعة أو الكون التجريبي ms059 الذي يحيا فيه، ولمصارعة المصاعب والاستجابة ~~لتحديات البيئة التي وجد نفسه فيها، والقدرة على التغلب على هذه المصاعب بأشكال بسيطة ~~من التطبيقات التقانية أو الأدوات التكنولوجية مثل: البلطة، والسكين، والقدح. ولو لم ~~يكن الإنسان البدائي في العصور السحيقة قد نجح في هذا، مثلما نجح في التوصل إلى ~~ارتباطات مبدئية تحكم الطبيعة، لكان الجنس البشري قد اندثر، ولما كنا موجودين الآن، ~~فضلا عن أن يوجد نسق العلم الحديث. ~~(2) في الحضارات الشرقية القديمة # وإذا غادرنا هذه المرحلة البدائية، ودخلنا في مرحلة التاريخ المكتوب، وجدنا العلم ~~شريانا تاجيا من شرايين الحضارة الإنسانية، ونبضه مؤشرا دالا على حيوية الحضارة ~~المعنية. والحضارة بدورها ليست مراحل منفصلة متمايزة، بقدر ما هي عملية متصلة وسيرورة ~~متنامية، تسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى؛ لذلك كان مثول روح المنهج العلمي وحركية ~~العلم خطا موازيا لحركة الحضارة عبر التاريخ، وتقدم العلم هو عينه مسار تقدم ~~الحضارة. # وعن الأساس العريض الأولي للعلم والممارسات النظامية إلى حد ما للمنهج العلمي وبدء ~~تراكم حصائلها وتطبيقاتها، فقد تخلق هذا في الحضارات الشرقية القديمة، التي تحملت صعوبة ~~البدايات ووعورة شق الطريق، وعلى رأسها أعظم الحضارات طرا وفجرها الناصع؛ أي ~~الحضارة الفرعونية في مصر القديمة. ومصر، كما يقول أرنولد توينبي المؤرخ وفيلسوف ~~التاريخ، هي التي اخترعت الحضارة والمدينة والمجتمع المنظم والدولة المركزية. كانت ~~المنشأ الأصيل لمحاور شتى في العلم، سواء الرياضة كالحساب والهندسة والفلك، أو العلوم ~~التجريبية كعلوم المعادن والكيمياء وصولا إلى الطب والجراحة. # وكان جيران مصر الفينيقيون في سواحل الشام على اتصال بها، وتجارا ذوي براعة وجسارة ~~في ركوب البحر وبعض المعارف المتصلة بهذا، وعلى اتصال مباشر بالبابليين في العراق ~~القديمة، ولا يضاهي الإنجاز المصري القديم في ميدان العلوم والتقانة إلا إنجاز حضارات ~~بلاد الرافدين، البابلية والأشورية والسومرية والأكادية، خصوصا الحضارة البابلية. ~~ابتكر البابليون نظام الخانات العددية؛ حيث تتغير قيمة العدد وفقا للخانة التي يوجد ~~بها، خانة الآحاد أم العشرات أم المئات، فضلا عن إنجازاتهم فيما يعد بشائر علم ~~الجبر. ويرى بعض مؤرخي العلم أن ms060 الإنجاز البابلي في الفلك والتقاويم والحساب، متقدم على ~~الإنجاز المصري الذي برع في الهندسة وفي الجراحة. ويدور الجدال حول من منهما الذي ~~اخترع الحروف والكتابة أصلا، وإن كانت الشواهد تميل إلى ترجيح كفة الفراعنة في هذا. ~~وفي المقابل، نجد أن كفة البابليين أرجح في قضية رموز الأرقام الهندية، أعظم اختراع في ~~التاريخ، من حيث المساهمة في تيسير منهج الاستنباط الرياضي. # يرى نفر من مؤرخي العلم أن البابليين «هم الذين ابتكروا رموز الأرقام، ثم انتقلت من ~~العراق القديم إلى الهند القديمة، فوجب أن نزجي الشكر لبابل على أهم ابتكار في تاريخ الرياضيات». # 2 # إنه اختراع في تاريخ العقل الرياضي، يوازي اختراع العجلة في تاريخ العقل ~~التكنولوجي. مؤرخون آخرون يرون العكس؛ أي إن رموز الأرقام اختراع هندي انتقل من الهند ~~إلى العراق القديمة. إن الهند وجارتها الصين مهد من مهود الحضارة الإنسانية، أسهمت ~~بنصيبها في هذه المرحلة الباكرة والأولية التمهيدية من تاريخ العلم؛ حيث وعورة شق ~~الطريق وتعبيده، ليكون الإبداع الأصيل. على أن الصين القديمة تراجعت فيها الرياضيات ~~والتفكير البرهاني والمنهج الاستنباطي، ولم تعرف حتى رموز الأرقام الهندية. عرفت ~~التفكير القانوني وعرفت التفكير في الطبيعة، لكنها افتقرت إلى الأساس المنهجي ~~الاستدلالي. ألقت الصين بثقلها في التطبيقيات والتقانيات، لتحتل موقعها في تاريخ ~~التكنولوجيا، وقدمت فيما بعد ابتكارات عديدة مثل: الساعة المائية، والبوصلة، ~~والبارود، والورق ... وتفرغ جوزيف نيدهام # J. Needham # لأمر العلم في الصين القديمة، ليكشف عن كنوزه في موسوعة من سبعة أجزاء. # كانت الممارسات المعرفية للمنهج العلمي في الحضارات الشرقية عموما، ونشأة العلم ~~ونموه استجابة للحاجات العملية الملحة. وكان العلم البدائي المطروح آنذاك في صياغته ~~ودرسه حكرا على طبقة الكهنة. ومع هذا لم ينفصل عن النموذج المعرفي وإطار البنية ~~التصورية، بما احتوته من أساطير وعقائد؛ لأن العلم وممارسة المنهج العلمي منغمسة بشكل ~~ما في الواقع الثقافي المعيش. ~~(3) في حضارة الإغريق # ثم كانت نقلة حاسمة في المرحلة الحضارية التالية حيث النموذج الإغريقي الأنضج ~~والأقدر، قام بالدور العظيم في تنضيد العقل النظري الإطاري للمنهج العلمي ms061 كآلية ~~معرفية. # والمشكلة أن تثبيت مركزية الحضارة الغربية وإمبرياليتها إنما يمتد إلى الإغريق، ~~باعتبارهم أصول الحضارة الغربية. يسرفون في تمجيد ما أسموه بالمعجزة الإغريقية، بزعم ~~أنها بدأت من نقطة الصفر المطلق، بإهدار تام لدور الحضارات الشرقية القديمة الأسبق. ~~وعبر فجوة باهتة مظلمة هي العصور الوسطى، قام فيها العرب بدور ساعي البريد أو حافظ ~~الأمانة، الذي أدخل عليها بعض التجديدات - بتعبير رشدي راشد - انتقل العلم من الإغريق ~~إلى أحفادهم وورثتهم الشرعيين في غرب أوروبا. هكذا تبدو قصة العلم وتجليات المنهج ~~العلمي من ألفها إلى يائها قصة غربية خالصة! لتكون الحضارة البشرية ملكا خالصا ~~للغرب، له أن يقسمها كما يشاء، ومن حكم في ماله فما ظلم، وبالتالي استعمار العالمين ~~عدل وحق وواجب للغرب! # لقد كان الإغريق أول قوم في أوروبا يخرجون من الوضع القبلي البدائي، ويصنعون مدنية ~~وثقافة متنامية، قبل الميلاد بعشرة قرون، إنهم بداية الحضارة الأوروبية فتسهل المغالطة ~~والزعم بأنهم نقطة بدء الحضارة الإنسانية بجملتها، وليس الأوروبية فقط، وأجج من هذا ~~ضعف الحصيلة المعرفية عن العلم القديم، وما كان شائعا من خفوت الوعي بأهمية تاريخ ~~العلم، تراجع هذا الآن مع تنامي وتطور مباحث تاريخ العلم، والتطور الذي لحق بفلسفة ~~العلوم خصوصا بعد كتاب توماس كون «بنية الثورات العلمية» (1962م)، فباتت تسلم بأن ~~حاضر العلم لا يفهم بدون ماضيه، وأن تاريخ العلم ضروري من أجل فهم ظاهرة العلم فهما ~~حقيقيا أكمل، والمحصلة أن تتكامل قصة العلم ومنهجه عبر الحضارات. # في المنظور التكاملي يبدو النموذج العلمي الإغريقي مرحلة تالية لمرحلة الحضارات ~~الشرقية القديمة، مستفيدة منها ومواصلة لمسارها. بدأت في أيونيا ببلاد اليونان وليس في ~~أي مكان آخر من أوروبا، لقربها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية الأسبق منها، ~~لا سيما مصر وفينيقيا وبابل، فكانت تمثلا واستيعابا لميراثها، ثم تطويرا له. ~~أقر عدد من العقليات العظمى في حضارة الإغريق أمثال: هيرودوت أبو التاريخ، وطاليس أول ~~الفلاسفة، والفيلسوف العظيم أفلاطون شيخ المثالية، وهيبوقراط، وسواهم بأنهم زاروا طيبة ~~وبابليون، أي مركز الحضارتين الفرعونية والبابلية، وتعلموا منهما، ومثلت ms062 مصر ~~القديمة بالذات مثلا أعلى ماثلا أمام الإغريق. # وكان العلم الإغريقي هو المقابل الصريح للعلم الصيني؛ فبينما اهتم هذا الأخير ~~بالجوانب التطبيقية والتقانية، أغفل الجوانب المنهجية النظرية والاستدلالية، فإن العلم ~~الإغريقي قد فعل العكس تماما، اهتم بالنظري والبرهاني دونا عن التجريبي والتطبيقي. ~~وكان الفضل العظيم للإغريق في صياغة الأصول النظرية العقلانية للمنهجية، وهيكل التفكير ~~البرهاني الاستدلالي، وتقنين مفاهيم من قبيل القانون والنظرية والحجة والبينة، على ~~الإجمال شق الطريق نحو بلورة مثل المنهج العلمي وإرساء أسسه العقلانية. # ثمة أيضا فروض خصيبة طرحها بعضهم، خصوصا الفلاسفة القبل سقراطيين الذين بدأت معهم ~~الفلسفة الغربية بدايتها الحاسمة المعتمدة، وتحديدا مع فلاسفة المدرسة الملطية نسبة ~~إلى مدينة مليتوس على ساحل إيونيا بآسيا الصغرى (تركيا الآن)، الذي سكنه قوم من ~~الإغريق وظهر فيها رائدهم طاليس أول الفلاسفة جميعا. السؤال المحوري الذي دارت حوله ~~المدرسة الملطية والفلاسفة القبل سقراطيين عموما، هو السؤال عن «الأرخي»؛ أي المادة ~~الخام التي صنعت منها الطبيعة أو المبدأ المادي الأول الذي يرتد إليه العالم المحسوس ~~بأسره. قال طاليس إن الماء هو أصل الأشياء جميعا، وتبعه تلميذه أنكسماندر الذي قال إن ~~«الأبيرون» أو عنصرا هيوليا غير محدد وغير متعين هو أصل الأشياء، ثم جاء ~~أنكسيمنس ليقول بالهواء. أما فيثاغورث الذي ظهر في القرن السادس ق.م باذخ العطاء، ويصغر ~~طاليس بثلاثين عاما، فقد قال إن العدد هو أصل الأشياء جميعا، وقام بدوره المبدئي ~~المبكر في ترييض التفكير العلمي ومنهجه. # كان آينشتين في القرن العشرين لا يزال مبهورا بنظرية فيثاغورث الشهيرة، على أن ~~الجانب التجريبي الصريح الذي هو عماد للمنهج العلمي، قد تراجع إلى حد كبير مع الحضارة ~~الإغريقية في مرحلتها الهلينية أو اليونانية الخالصة التي استمرت حتى رحيل أرسطو. احتقر ~~هؤلاء عالم الطبيعة التجريبي أو بتعبير أرسطو عالم ما تحت فلك القمر، ولكنهم على أي حال ~~قاموا بدورهم الحضاري المشهود في صياغة الأسس النظرية المعرفية للاستدلال العقلي ~~ولمفهوم المنهج العلمي. ~~(4) في العصر السكندري # العصر السكندري مرحلة استثنائية فذة حقا، كان مسرحها مدينة الإسكندرية في ms063 ساحل مصر ~~الشمالي، إبان القرون الثلاثة السابقة على ميلاد المسيح؛ حيث صيغ نموذج واعد، يجمع ~~الجانبين: العلم والتقانة، من حيث يجمع دعامتي المنهج العلمي: النظرية والتجربة؛ فقد ~~انصهرت فيها العقلانية الإغريقية مع الحكمة والخبرة المصريتين الخصيبتين. # إنها المرحلة الهلينستية، مرحلة تداخل الحضارة الهلينية؛ أي الإغريقية الخالصة ~~السابقة، مع حضارات الشرق، وذلك حين أسس الإسكندر الأكبر إمبراطوريته التي تضم العالم ~~القديم بأسره تقريبا، وأنشأ عدة مدن تحمل اسم الإسكندرية على رأسها إسكندرية مصر، ~~أنشئت العام 323ق.م في موقع قرية مصرية قديمة تسمى «راقودة»، وبعد رحيل الإسكندر ~~المفاجئ، جرى تقسيم إمبراطوريته بين قواده، وكانت مصر من نصيب بطليموس سوتير، ليبدأ عصر ~~البطالمة فيها. وقد بذل بطليموس الأول جهده ليجعل منها مركزا للعلم، أنشأ فيها ~~أكاديمية ملحقا بها متحف ومكتبة، وسرعان ما باتت تضاهي مدارس الفلسفة في أثينا، وانضم ~~إليها مجمع حكماء عين شمس حاملو الميراث المصري، والذين فيما سبق كانوا قد علموا ~~فيثاغورث وطاليس وأفلاطون، حين ارتحل هؤلاء إلى مصر طلبا للعلم. # أغدق بطليموس الثاني إغداقا باذخا على المكتبة الشهيرة، فجعلها كعبة العلماء ~~والباحثين آنذاك. وورثت الإسكندرية عرش أثينا كمركز للعقل والمعرفة والعلم، وقدمت ~~نموذجا معرفيا تفوق على النموذج الهيليني، من حيث اكتمال جانبي المنهج العلمي فيه، ~~وفاقتها بما لا يضاهى في التقانة (التكنولوجيا) وصنع الآلات، وحسبنا أن نذكر اسم ~~التكنولوجي الرائد هيرو السكندري (+50ق.م )، اخترع العديد من الآلات وترك أبحاثا في ~~الرياضيات وعلم المساحة والميكانيكا والبصريات والفيزياء الجوية. # حتى الرياضيات مجد أثينا العظيم قطعت في الإسكندرية خطى تقدمية واسعة، وأحرزت على يد ~~إقليدس كمالا لا يزال مثالا يحتذى للمنهج الاستنباطي المنتج في الرياضيات. اكتملت ~~نسقية الهندسة على يديه في كتابه «الأصول» أو أصول الهندسة الذي يتصدر قائمة الكتب التي ~~شهدت طباعة أكبر عدد من النسخ في التاريخ. واستؤنفت المسيرة بهندسة المجسمات، والقطوع ~~المخروطية مع هيبسكليس وأبولونيوس وسواهما. وارتبط بهذا تقدم في الجغرافيا والطب ~~والفيزياء. وفي الفلك قدمت الإسكندرية نظريتين معالجتين رياضيا، الأولى لأرسطارخوس ~~الساموسي (توفي قرابة 230ق.م)، على أساس من مركزية ms064 الشمس، والأخرى لبطليموس على أساس ~~من مركزية الأرض. ولأسباب كثيرة، قدرت لمركزية الأرض البطلمية السيادة طوال العصور ~~الوسطى. # يوازي هذا نضج ملحوظ في علوم الجغرافيا. ظهر إراتوستينيز (توفي 194ق.م)، الذي يوصف ~~بأنه إمام الجغرافيين في العصر القديم، حاول ابتكار طريقة لقياس محيط الأرض وقطرها. وفي ~~الطب يكفي اسم العلمين أبقراط وجالينوس؛ فقد نالت علوم الحياة أيضا حظا عظيما من ~~العناية في مكتبة الإسكندرية ومتحفها، والذي لم يكن متحفا بالمفهوم الحديث، بل هو بهذا ~~المفهوم أول جامعة في العالم، وشاهد على أن الإسكندرية كانت من معاقل ممارسة المنهج ~~العلمي كمنهج معرفي تجريبي. كان جاليليو (1564-1642م) من أعظم آباء العالم الحديث، ويقف ~~كعلامة فارقة في مسار تطور المنهج العلمي، قال قولته الشهيرة: «كتاب الطبيعة المجيد ~~مكتوب بلغة الرياضيات»، وجاهر بأن إنجازاته ما كانت لتتاح دون إنجازات أرشميدس ~~(+212ق.م)، في ذلك العصر السكندري الزاخر؛ فهو الذي علمه التآزر المثمر الولود بين ~~الرياضيات ووقائع التجريب؛ أي علمه أصوليات المنهج العلمي. لقد كان أرشميدس في طليعة ~~الآباء العظام، الذين قدمت ممارساتهم صورة مبكرة وناضجة للمنهج العلمي. # على الإجمال، يعد مؤرخو العلم المرحلة السكندرية من أهم مراحل تاريخ العلم ~~القديم، حتى يراها بعضهم تقف على قدم المساواة مع مرحلة الثورة العلمية الحديثة في ~~القرن السادس عشر. ~~••• # المرحلة السكندرية أعقبتها الفلسفة الرومانية التي امتدت حتى القرن الخامس الميلادي ~~الذي يعد نهاية عصر الفلسفة القديمة، ما بعده يعرف بالمرحلة الوسيطة أو العصور ~~الوسطى؛ حيث إنها تتوسط نهضتين هما مرحلتان مشرقتان في الحضارة الغربية الأوروبية، ~~الأولى مع الإغريق والثانية هي عصر النهضة والعصر الحديث. أما العصور الوسطى الأوروبية ~~ذاتها، فكانت مرحلة مظلمة، يواكبها زمانيا مرحلة العصر الذهبي للحضارة ~~الإسلامية. # في أقل من مائة عام طوقت الفتوحات الإسلامية شواطئ البحر المتوسط، من أقصى شماله ~~الشرقي إلى أقصى جنوبه الغربي ومضيق جبل طارق، وكاد يتحول إلى بحيرة عربية تجوبها ~~الألوية والصواري الإسلامية. ولما كان ثبج البحر آنذاك هو وسيلة الاتصال بين أرجاء ~~المعمورة، فقد اختنقت أوروبا ودخلت في ليل العصور الوسطى، ms065 التي كانت شمسها غاربة عن ~~الغرب ومشرقة في الشرق؛ فكانت الحضارة الإسلامية هي التي حملت آنذاك لواء التجريب ~~والمنهج العلمي في تلك الحقبة من تاريخ البشر. # الفصل السابع # | من الحضارة الإسلامية إلى العلم الحديث # (1) ملامح حضارة ناهضة # بلغت البشرية عصرها الحديث ومرحلة العلم الحديث عبر وبفضل المرحلة التي تعرف باسم ~~مرحلة تاريخ العلوم عند العرب في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، # 1 # وهي مرحلة تمتد من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر، لكنها في ~~واقع الأمر تملأ الفراغ الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر إبان ~~القرن الأول الميلادي، حتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة. # مرحلة تاريخ العلوم عند العرب أهم مراحل العلم القديم طرا، ذروته وتاجه؛ حيث صياغة ~~مفهوم المنهج العلمي وآلياته الإجرائية، متميزة وواضحة لأول مرة في التاريخ، كنظرية ~~وكواقع وكممارسة، ناشئة عن النموذج المعرفي الشامل، ومتفاعلة مع الإطار الحضاري، وتتميز ~~هذه المرحلة بوضعية خاصة للقيم وتوليد لإيجابيات قيمية علمية، بفضل تفعيل حي للعوامل ~~السوسيولوجية والثقافية. # لم يكن الأمر تنضيد إجرائيات المنهج العلمي فحسب، بل تكامل المنهج العلمي بقيمه ~~الإيجابية الدافعة. كانت الحضارة الإسلامية مهيأة لذلك؛ لأن عالم الشهادة، العالم ~~التجريبي، الطبيعة، ليس مصدرا للدنس والخطيئة، كما كان الأمر في المسيحية، بل هي في ~~علم أصول الدين/علم الكلام «عالم»؛ أي علامة دالة على وجود الله، واحتلت الطبيعة موضعها ~~على مسرح الحضارة الإسلامية. # 2 # إنها حضارة مركزها النص الديني الذي احتوى آيات بينات دافعة إلى النظر ~~العقلي في الكون وفي الحياة وفي الأنفس، توجه مباشرة صوب الطبيعة، صوب العالم ~~التجريبي. لقد كانت دافعية الممارسة العلمية أصلا ثاوية في آيات القرآن. # ترامت الإمبراطورية الإسلامية الناهضة التي لعبت «المدينة» فيها دورا أكبر، وضمت ~~مراكز الحضارات الأسبق في مصر والعراق والشام وفارس ومناطق شاسعة في أواسط آسيا. وحتى ~~الصين التي لم يفتحها العرب ولم يطئها جندي مسلم واحد، تكفلت طرق الحرير والقوافل ~~التجارية بنقل تراثها التقاني الزاخر إلى العرب، وأصبح في متناول أيديهم كل التراث ~~العلمي السابق عليهم تقريبا، ms066 في الحضارات الشرقية القديمة والتراث الإغريقي والسكندري، ~~ليتفاعل مع تفتحهم الذهني وتسامحهم العقلي، وعوامل شتى في حضارتهم التي كانت دافقة، ~~وعبقرياتها من ذوي الملل والأجناس الشتى، فتشكلت أهم مراحل العلم القديم وأنضج صياغاته ~~وممارساته للمنهجية العلمية، وكانت حركة الترجمة والبحث تتم بمباركة السلطة وكرمها ~~الباذخ أحيانا. يقول ج. كراوثر: «وقفت الثقافات الإغريقية واللاتينية والهندية ~~والصينية جميعا بالنسبة إليهم على قدم المساواة، وكان من نتائج هذه العقلية المتعطشة ~~للمعرفة عند المسلمين، أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم العالمية في ~~المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية، وهي إحدى السمات بالغة الأهمية بالنسبة للعلم الحديث.» # 3 # لقد كان النموذج العلمي المنهجي في الحضارة العربية الإسلامية «عالميا بمنابعه ~~ومصادره، عالميا بتطوراته وامتداداته»، # 4 # امتلك وسائل التأثر والتأثير، لغته العربية وحدت العلم ولم تعد لغة ~~شعب أو أمة تضم شعوبا ولغات، بل هي لغة المعارف العقلية، كأول لغة علمية ~~عالمية. # حمل النموذج الإسلامي للبشرية درسا ثمينا في فضائل النزعة الإنسانية، والتكامل ~~والتفتح والتسامح المعرفي، وهي قيم أساسية للمنهج العلمي كمنهج بحث. في العلم الغربي ~~الحديث انفصل المنهج انفصالا بائنا عن القيم والأخلاق، وفي العقود الأخيرة ألحت ~~«أخلاقيات العلم» # 5 # والبحث العلمي، وباتت في صدر الأولويات، بينما تميز منهج البحث العلمي في ~~الإطار الإسلامي، بأنه تأتى في إطار توجه أخلاقي مثالي عام، ولم ينفصل العلم عن ~~القيمة. ~~••• # لم يكن للعرب قبل الإسلام باع في العلوم الرياضية والتجريبية، إنها ليست كالشعر بل ~~كالفلسفة؛ أي نتيجة لمعلول مستحدث هو الثورة الثقافية العظمى، التي أحدثها الإسلام، ~~ثم تعاظمت بفعل العوامل السوسيولوجية؛ فشهدت الرياضيات والعلوم في الحضارة الإسلامية، ~~المرحلتين التاريخيتين اللتين مرت بهما الإنجازات المستحدثة للعقلانية العربية؛ أي ~~مرحلة الترجمة والنقل، ومرحلة الإسهام والإبداع، ولم تكونا مرحلتين منفصلتين متعاقبتين ~~آليا، بل - بالأحرى - قوتين علميتين متفاعلتين، فيما سمي جدلية البحث ~~والترجمة. # في الترجمة مثل النموذج الإسلامي درسا منهجيا في التفاعل الخلاق المبدع حين نقل ~~المشترك الإنساني العام، الترحيب بالعلم استحسانا للحق حيثما كان أو - كما يقول الكندي ~~- «من أين أتى، وإن أتى ms067 من الأجناس القاصية والأمم المباينة». لم يبدأ رفض الآخر مثل ~~رفض بعض الأصوليين للمنطق واعتبار العلم دخيلا، إلا في فترات الانهيار تحت وطأة غزو ~~الآخر وسقوط بغداد العام 656ه. وفي طلب الحق دأب الإسلاميون على ترجمة النص الواحد ~~المهم مرة واثنتين وثلاثا، تنقيحا وتجويدا وتطويرا لمفردات اللغة العلمية. ~~المترجمون الأوائل هم الذين قاموا ببناء اللغة العلمية العربية. كانت الترجمة إلى ~~العربية تتقصى نقل أكثر الأبحاث تقدما في ذلك العصر، وكما يقول رشدي راشد، وهو الحجة ~~في تاريخ الرياضيات الوسيطة، لم يكن هذا «نقل نسخ وتقليد واستيعاب، لكنه كان نقل إصلاح ~~وتجديد، أدى إلى خلق فكر علمي وفلسفي مبتكر»، كانت أسسه العقائدية واللغوية والفقهية ~~والكلامية والفلسفية والتاريخية قد ترسخت. سرعان ما أصبحت الترجمة مهنة علمية ومؤسسة ~~شهدت المترجم الهاوي والمترجم المحترف والمترجم-العالم، ثم العالم- المترجم، إنها «جدلية ~~البحث والترجمة»؛ فكان ثمة ترجمة مرافقة للبحث وفي عين حقله، والترجمة التي لحقت ~~بالبحث مع مثول مسافة زمنية بينهما، وتنتهي إلى دمج النص المترجم في تقليد مختلف عن ~~مجاله الأساسي، مثل ترجمة «كتاب المسائل لديوفانطس السكندري» بمصطلحات الخوارزمي ~~الجبرية. بدأ التخصص وزاد عدد المتخصصين، مما أدى إلى تكوين مجتمع من العلماء ~~والمثقفين، في حاجة إلى معارف جديدة في الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك وعلوم ~~الهندسة والزراعة، ترافق مع هذا توحيد وتعريب وأسلمة الإمبراطورية وأجهزتها الإدارية، ~~منذ عصر الخليفة هشام بن عبد الملك الذي قام بتعريب الديوان، وصك العملة العربية بدلا ~~من العملة اليونانية. ولدت متطلبات إدارة السلطة وظائف الكاتب والمحتسب وغيرهما التي ~~تتطلب ثقافة عامة. تزايد الطلب على علوم الأوائل، وتزايدت الحاجة إلى الترجمة. # 6 # وقد دفع هذا الواقع الموار إلى ترجمة النصوص المعرفية النخبوبة، وأيضا إلى ترجمة ما ~~يتصل بالجوانب التطبيقية والتقانية أو فروع الهندسة العملية والتقنيات الزراعية، فأينعت ~~في الحضارة الإسلامية علوم رياضية وتطبيقية من قبيل علم المساحة، وعلم الحيل ~~المتحركة، وعلم جر الأثقال، وعلم الأوزان والموازين، وعلم الآلات الجزئية، وعلم المناظر ~~والمرايا، وعلم نقل المياه، وعلوم تجريبية كعلوم الطب والجراحة والصيدلة والبيطرة ~~والزراعة. ms068 ~~(2) في الرياضيات # تظل الرياضيات أعلى مدارج العقل العلمي الممنهج وأرقى أشكال التفكير المنهجي الممنطق، ~~والمدخل الحق للطرح المنهجي العلمي. وقد لعب العرب دورا كبيرا في تاريخ الرياضيات ~~ومسارات تطورها، وعلى مفترق الطرق بين الحساب والجبر وبين الجبر والهندسة. أخذ العرب ~~بتصنيف الإغريق للمباحث الرياضية، فانقسمت الرياضيات العربية إلى أربعة علوم أساسية ~~هي: الحساب، والهندسة والفلك (علم الهيئة)، والموسيقى، وتتفرع فروعا عدة، ويعد الجبر ~~- إنجاز الرياضيات العربية الأعظم - امتدادا أو فرعا للحساب. # ولم يكن إسهام العرب فصلا مثيرا في قصة العلم الرياضي فحسب، بل أيضا في فلسفة ~~الرياضيات، كما يوضح مثلا بحثهم العلاقة بين التصور والبرهنة من خلال مفهوم ~~اللامتناهي في الصغر في إطار هندسة المخروطات. # 7 # بدأت قصة الرياضيات العربية حين أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بترجمة ~~«السدهانات» أي «مقالة الأفلاك» التي عرفها العرب باسم «السندهند»، وهي موسوعة هندية في ~~الحساب والفلك والتنجيم، وتتألف من جزأين، أحدهما عن الأزياج؛ أي سير الكواكب التي ~~نستخرج منها جداول التقاويم، والآخر عن الوسائل الحسابية لهذه الجداول، حملها إلى بغداد ~~عام 153ه/770م العالم الهندي كنكه، فترجمها إلى العربية يعقوب بن طارق (ت796م)، ~~وإبراهيم بن حبيب الفزاري المنجم (ت777م). كانت «السدهانات» أو «السندهند» فاتحة ~~الاتصال بالرياضيات الهندية، التي كانت بدورها العلة المباشرة لنشأة الرياضيات العربية، ~~تنامت فيما بعد عن طريق الاتصال المباشر بالحضارة الهندية، خصوصا على يد اثنين من ~~أكبر الرياضيين العرب هما الخوارزمي والبيروني، كلاهما أتقن اللغة السنسكريتية وزار ~~الهند. # لم تشف «السندهند» غليل العقلية العربية الناهضة المتشوفة آنذاك، فأمر جعفر البرمكي ~~بترجمة كتاب إقليدس «أصول الهندسة» ليكون أول ما ترجم من كتب اليونان، وأيضا البوابة ~~العظمى التي دخل منها العقل العربي الإسلامي إلى عالم الهندسة، وإلى تفكير الحجة ~~البرهاني وإلى الاستدلال الاستنباطي الرياضياتي، مأثرة الإغريق العظمى. # اهتم الإسلاميون بالرياضيات أكثر من سواها من مباحث العلوم العقلية، وانشغلوا بموقعها ~~في النسق المعرفي، وضعها الكندي (184-250ه) - أول الفلاسفة الإسلاميين - كمدخل للعلوم، ~~فتسبقها جميعا، حتى المنطق ذاته يأتي بعد الرياضيات، وجعلها جسرا للفلسفة، وللكندي ~~رسالة ms069 في أنه «لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات»، وله من الكتب والرسائل أحد عشر في ~~الحساب، وثلاثة وعشرون في الهندسة، فضلا عن تسعة عشر في النجوم. وإذا كان ابن سينا ~~(370-428ه) - الشيخ الرئيس - يضع المنطق في المدخل ثم الطبيعيات، وبعدها تأتي الرياضيات ~~وأخيرا الإلهيات، فهذا يعكس مسار العقل وتدرج خطاه؛ فقد اهتم بالرياضيات أكثر من ~~الكندي، وصنف علومها إلى علوم الرياضة الرئيسية، وهي العدد والهندسة والهيئة (الفلك) ~~والموسيقى، ويتشعب عنها علوم الرياضة الفرعية؛ فعن العدد يتفرع الجمع والتفريق ~~والحساب الهندي وعلم الجبر والمقابلة، وعن الهندسة تتفرغ علوم الهندسة العملية ~~التقانية، أما علم الهيئة فيتفرغ عنه علم الأزياج والتقاويم، ومن فروع علم الموسيقى ~~اتخاذ الآلات الغريبة. ونلاحظ في هذا تكامل العلم النظري والعلم التطبيقي، سلم ~~التراث الإسلامي بالعلوم الرياضية، بوصفها مبرهنات يقينية، لا بد أن تحتل موقعها في ~~بنية العقل، وحتى الإمام الغزالي حين صب جام غضبه على العقلانية وعلوم العقل، ~~استثنى الرياضيات وقال إن أعظم جناية على الإسلام الظن بأنه ينكر الرياضيات، فظلت ~~الرياضيات دائما «لا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها» # 8 # بتعبير الغزالي. # أدى اهتمام الإسلاميين بالرياضيات وإعلاء شأنها إلى تناميها على أيديهم، تناميا ~~يصعب تفسيره فقط بهذه النظرة الداخلية للنسق المعرفي، لتقوم الجوانب السوسيولوجية ~~بدورها، إنها جوانب من قبيل اهتمام العرب وأسلافهم العتيق بالتجارة وحساب الأنصبة ~~والأرباح في البضائع والبيوع، ثم نظام المواريث الإسلامي المعقد، بعض مؤرخي العلم ~~أمثال جوان فرنيه # Juan Vernet ~~، يرون القرآن نقطة البدء ~~في الرياضيات العربية بسبب هذا النظام. وثمة أيضا تعاظم جحافل الجيوش الجرارة وتوزيع ~~رواتبها وغنائمها وحساب نفقاتها، ثم الرخاء الاقتصادي والتراكم المالي، الذي تلا تكوين ~~الإمبراطورية الإسلامية، ومشكلات حساب أنظمة الجزية والخراج والضرائب والزكاة، هذا ~~فضلا عن مشكلات عمليات المساحة وتقسيم الأراضي وتشييد المدن. # وكان تحديد مواقيت الصلاة والشعائر والأعياد الدينية، يدفع الإسلاميين إلى اهتمام ~~مكثف بالفلك (الهيئة)، خصوصا وأن البيئة الصحراوية دفعتهم إلى الاعتماد على التقويم ~~القمري بصعوباته في تحديد التواريخ سلفا، وفي الوقت نفسه اهتموا بالتقويم الشمسي في ~~الأمصار الزراعية، ms070 التي دانت لهم من أجل تحديد أوقات جباية الجزية والضرائب والزكاة ~~وفقا لمواسم الحصاد، والمحصلة أن استطاع العرب تطوير علم حساب المثلثات، وتصنيع آلات ~~فلكية لتعيين المواقيت والاتجاهات، وكانت من أدوات اكتشاف الأمريكتين وإثبات كروية ~~الأرض. # وتظل المأثرة الكبرى للرياضيات هي تأسيس علم الجبر في «الكتاب المختصر في الجبر ~~والمقابلة»، الذي وضعه محمد بن موسى الخوارزمي، فيما بين عامي 813-833م؛ أي في عهد ~~الخليفة المأمون، و«لأول مرة في التاريخ صيغت كلمة «جبر»، وظهرت تحت عنوان يدل به على ~~علم، لم تتأكد استقلاليته بالاسم الذي خص به فقط، بل ترسخ كذلك مع تصور لمفردات ~~تقنية جديدة معدة للدلالة على الأشياء والعمليات». # 9 # ويحتفظ «الجبر» حتى الآن باسمه العربي في اللغات الشتى، منذ أن ترجم روبرت ~~أوف شستر كتاب الخوارزمي في عام 1245م ناقلا المصطلح العربي كما هو إلى اللغة ~~الأوروبية؛ لأنه ليس له مقابل عرفوه من قبل. # بطبيعة الحال تباشير الجبر كائنة منذ الحضارات البابلية والهندية القديمة وعند ~~الإغريق، جميعها مجرد إرهاصات، وأهمها كتاب «المسائل العددية» لديوفانطس السكندري، وهو ~~أول رياضياتي يعترف بالكسور كالأعداد، وأول من تناول المعادلات البسيطة من الدرجة ~~الأولى، ومعادلات الدرجة الثانية ومعادلات من رتبة أعلى، على أن أسلوبه كان غير فعال ~~وطرقه غير دقيقة؛ فلم يكن إلا مبشرا. # 10 # أما «الجبر والمقابلة» فيلقي أسس العلم بصورة منهجية ناضجة قابلة للنماء، ~~يعرض المنهج المنظم لحل معادلات الدرجة الثانية وسواها، الجبر يتعلق بمعالجة المعادلات ~~بحيث يستبعد منها العدد السالب ، بينما تمثل المقابلة طريقة لتبسيط المعادلات عن طريق ~~جمع أو طرح كميات متساوية. أطلق الخوارزمي على الكمية المجهولة اسم «الجذر»، إشارة إلى ~~جذر النبات الذي عادة ما يكون مختفيا تحت الأرض، وأطلق على مربع الجذر اسم «المال». ~~انطوى جبر الخوارزمي على جدة حقيقية، وإبداع أصيل في المنهج لا يتعلق بأي تقليد حسابي ~~سابق عليه، لا شرقي ولا غربي، فقطع شوطا يفصله كثيرا عن ديوفانطس، ويحق له القول إن ~~كل ما يتعلق بالجبر «لا بد أن يخرجك إلى أحد الأبواب الستة، ms071 التي وضعتها في كتابي هذا.» # 11 # لم يتوان المعاصرون للخوارزمي والتالون له، عن شرح وتفسير كتابه، خصوصا أبا كامل ~~شجاع بن أسلم الذي أضاف فصلا، وثابت ابن قرة، ومنصور بن عراق الجيلي، وأبا الوفا ~~البوزجاني، وسنان بن الفتح الصيداني ... وسواهم. شهد الجبر قفزة تالية مع عمر الخيام، ~~الذي وضع قواعد لحل ثلاث فئات من معادلات الدرجة الثالثة وفئة من معادلات الدرجة ~~الرابعة، وتدافعت أفواج الرياضيين العرب منذ القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري، ~~و«راحوا يطبقون الجبر على الحساب، والحساب على الجبر، وكليهما على حساب المثلثات، ~~وكذلك طبقوا الجبر على نظرية الأعداد لإقليدس، وعلى الهندسة، كما طبقوا الهندسة على ~~الجبر. وضعت هذه التطبيقات أسس فروع أو على الأقل مباحث جديدة»، # 12 # لم ترد من قبل للإغريق أو لسواهم، تغيرت معها الرياضيات في لغتها ~~وتقنياتها ومعاييرها، واتسع أفقها. # لم يكن تأسيس علم الجبر مجرد إضافة علم إلى العلوم، بل تأسيسا لمنهجية متكاملة ~~ونموذج ثوري بكل معنى قصده توماس كون في فلسفته للثورات العلمية. من حيث تكامل هذا ~~النموذج مع الإطار المعرفي، بين رشدي راشد في تحقيقه لكتاب الخوارزمي، ما تدين به ~~نشأة هذا العلم الجديد إلى علم اللغة وإلى حساب الفرائض في الفقه الحنفي، بخلاف العوامل ~~السوسيولوجية التي أشرنا إليها. ومن حيث تاريخ تطور المنهجية العلمية، حدث ميلاد ~~عقلانية علمية جديدة جبرية وتجريبية، لم تنتقل إلى العلم الحديث فحسب بل ميزته ~~تمييزا، «تأسست في الفترة بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر، على يد علماء عاشوا في ~~بقاع متباعدة، من إسبانيا المسلمة حتى الصين، وكتبوا جميعا باللغة العربية». # 13 # كان الجبر هو النواة العقلية لتلك الحداثة، # 14 # أتاح نشأة استراتيجيات ذهنية جديدة تأدت للعقلانية الجديدة، التي كانت ~~مقدمة شرطية لما سمي بعقلانية العلم الحديث. ~~••• # ظهر كتاب الجبر والمقابلة في نفس وقت ظهور ترجمة كتاب «الأصول لإقليدس»، الصرح الأعظم ~~للهندسة. كان الحجاج ابن يوسف قد ترجم بعض أجزائه من اللغة السريانية إلى العربية، وعلى ~~مدار عهدي هارون الرشيد والمأمون وما تلاهما، عمل على ترجمة أجزاء كتاب ms072 الأصول ومراجعة ~~الترجمات وتنقيحها، كوكبة من ألمع المترجمين الرياضيين. وفتح الأصول شهية العرب ~~للرياضيات البرهانية، بمنهجها الاستنباطي المنتج خصوصا في عصرها الذهبي - العصر ~~السكندري - فتوالت دفعة واحدة ترجمة العديد من أمهات هذا التراث، ولعل أهمها كتاب ~~أبلونيوس (190-260ق.م تقريبا) «القطوع المخروطية»، الذي ترجم إلى العربية في عصر ~~المأمون تحت اسم «المخروطات». ولأن أصول إقليدس معنية بهندسة المسطحات، فإن اقتحام عالم ~~المجسمات والقطوع المخروطية كان مرحلة جديدة، ارتقى إليها المنهج الرياضي والعقل ~~الهندسي في الحضارة الإسلامية، وأسدى إليها وأبدع فيها. وكشأن «الأصول» نجد كوكبة من ~~المترجمين الرياضيين في الحضارة الإسلامية، ومن أجيال متعاقبة توالت على ترجمة كتاب ~~«المخروطات» لأبلونيوس، ومراجعة الترجمات وتنقيحها، وأيضا كشأن «الأصول» قل أن يمر ~~رياضياتي عربي، بغير أن يصنف رسالة في «المخروطات». # على مفترق الطرق بين الحساب والجبر، تقدمت الرياضيات العربية بنشأة علم الجبر ~~وتأسيسه تأسيسا. وعلى مفترق الطرق بين الجبر والهندسة، صانت للبشرية هذا السفر ~~الثمين «القطوع المخروطية لأبلونيوس»، والذي يقف كعامل جوهري لنشأة الهندسة التحليلية ~~في القرن السابع عشر مع فرما وديكارت. تقدم الهندسة التحليلية طرقا أعمق من طريقة ~~أبلونيوس، وتوضح وحدة القطوع المخروطية بطريقة أبسط؛ إذ تمثلها بمعادلات من ~~الدرجة الثانية بمجهولين، فلا يعد كتاب أبلونيوس أو شروحه من لدن نصير الدين الطوسي ~~وإبراهيم بن سنان والحسن بن الهيثم مجدية في الوقت الحاضر، بيد أن هذا الكتاب يحتفظ ~~بدور خطير في تاريخ الرياضيات وتطور مساراتها. # 15 ~~(3) في ترييض الفيزياء # إذا كان أخطر أسرار نجاح العلم الحديث التآزر بين لغة الرياضيات ووقائع التجريب، فإن ~~أخطر ما في الرياضيات العربية، أنها أبانت عن ضرورة تأسيس علاقات جديدة بينها وبين ~~الفيزياء، كمكون منهجي من مكونات البرهان، فيما يشي بتآزر قطبي المنهج العلمي. وهذا ما ~~أثبتته دراسات لرشدي راشد أهمها «علم المناظر والرياضيات» (1992م)، و«الهندسة وعلم ~~انكسار الضوء في القرن العاشر: ابن سهل، القوهي، ابن الهيثم» (1996م)، و«بين الرياضيات ~~والمناظر - من علم الانكسار إلى الهندسة: ابن سهل، ابن الهيثم، ديكارت» (2011م). أوضح ~~راشد أن الحسن بن الهيثم (ت430ه) ms073 أول عالم يرفض اعتبار المفاهيم وحدها كافية لمعرفة ~~الأشياء المادية، ورأى أن إمكانية معرفتها الحقيقية تكمن في رياضياتها، فيتجلى دوره ~~الخطير في إعلان الترافق بين الرياضيات والفيزياء. # كان التجريب لا يزال مفهوما مبهما إلى حد ما، مثلما كان مع فرنسيس بيكون مثلا. ~~اتخذ التجريب المسترشد بالرياضيات عند ابن الهيثم، فحوى مختلفا تماما عن مجرد الرصد، ~~أو حتى القياسات الفلكية والتكميميات المعتادة. تعددت معاني التجريب ووظائفه عنده، ~~بقدر تعدد العلاقات بين الرياضيات والفيزياء، وهو يؤسس لتلك العلاقات بمناهج ~~متباينة، لم يعالجها كموضوع قائم بذاته، إلا أنها منبثة في أعماله، فاستطاع رشدي راشد ~~تقنينها وتحليلها. # المساهمة الأساسية لابن الهيثم في مجال البصريات هي علم المناظر الهندسي. لقد انشغل ~~بإصلاح علم البصريات ومراجعة مجالاته المختلفة: المناظر والظواهر الضوئية وانعكاس ~~الأشعة الضوئية وانكسارها، والمرايا المحرقة وعلم البصريات الفيزيائي، ثم الجوانب ~~والسيكولوجية والفيزيولوجية للبصريات، مستخدما الأساليب الهندسية والتجريب في كل ~~المجالات. أنهى التقليد القديم مع إقليدس وبطليموس؛ حيث كانت الرؤية هي إضاءة الشيء ~~المرئي، فلا فرق بين شروط الرؤية وشروط انتشار الضوء، أما ابن الهيثم فقد وضع تمييزا ~~قاطعا بين فيزياء الضوء وبين فيزيولوجيا وسيكولوجيا الإبصار؛ الإبصار يخضع لقوانين ~~الضوء وليس العكس. # يحمل علم الانكسار أو دراسة الأشعة المنكسرة، أمضى تطبيق للرياضيات على الفيزياء، ~~الذي اتخذ عند ابن الهيثم «مناحي مختلفة تتفق ونضوج المفاهيم في كل فرع من فروع العلم، ~~التي عالجها في عمله الضخم من جهة، كما يتوقف على إمكانية إخضاع الظاهرة إلى التجربة من ~~جهة أخرى». # 16 # من هذه المناحي ما هو متعلق بتماثل البنيات، كما هو عليه الأمر في ~~المناظر الهندسية بعد إصلاحها من قبله. وثمة منحى آخر هو تطبيق الرياضيات بواسطة ~~علم آخر وضع على شكل رياضي «استخدام ترسيمة ميكانيكية في دراسة المناظر على سبيل المثال». # 17 # في علم البصريات الفيزيائي علاقة مع الرياضيات، عن طريق التماثل بين ~~الرسومات الهندسية لحركة جسم ثقيل والرسومات الهندسية للانعكاس والانكسار، وتأدت رؤية ~~ابن الهيثم إلى نوع آخر من التجريب المسترشد بالرياضيات، مارسه كمال الدين ms074 الفارسي (ت ~~710ه)، «حيث تنحو العلاقة بين الرياضيات والفيزياء نحو بناء نموذج، بحيث يختزل الضوء ~~داخل وسط طبيعي - عن طريق الهندسة - إلى انتشاره داخل أداة مصنوعة، مما يعني أننا بصدد ~~تعريف تناظر رياضي تمثيلي بين الطبيعي والأداة المصنوعة؛ مثال ذلك الكرة المملوءة ~~بالماء لدراسة القوس قزح. ووظيفة التجريب هنا هي التعبير عن الشروط الفيزيائية لظاهرة ~~ليس لدينا طريقة أخرى لدراستها مباشرة.» # 18 # تكمن حداثة مشروع ابن الهيثم في هذه الأشكال من التجريب المتريض - إن ~~جاز التعبير، كانت آليات ضبط ومستويات وجود لمفاهيم إدراكية. هذا فضلا عن استهدافه ~~الحصول على نتائج كمية، وابتدع من أجل ذلك أجهزة وتدابير معقدة. لقد أرسى ابن الهيثم ~~دعائم اعتبار التجريب جزءا لا يتجزأ من البرهان الرياضي في الفيزياء، «والتسلسل الذي ~~يبدأ بابن الهيثم ليصل إلى كبلر وغيره من علماء القرن السابع عشر ثابت؛ لهذا كانت ~~المعرفة بالعلم العربي ضرورية حتى نتفهم الحداثة الكلاسيكية.» # 19 # أتى ابن الهيثم في مرحلة كانت الحضارة الإسلامية فيها قد قطعت شوطا، فاستقطب نضج ~~المنهج العلمي فيها، وخلاف سر الأسرار أي الترييض، يمكن استخراج جواهر منهجية أخرى من ~~لدنه، على رأسها رفض سلطة الكتابات القديمة، فيقول إن «طالب الحق ليس هو الناظر في كتب ~~الأقدمين، المسترسل مع طبعه بحسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم.» ورأيناه ~~يطيح بالرؤية القديمة لإقليدس وبطليموس. وثمة إرساء قواعد الشك المنهجي والنزاهة، ~~وقاعدة النقد والتفنيد التي هي جوهر رؤية كارل بوبر. وقد استخرج ماهر عبد القادر من ~~كتابات ابن الهيثم تحذيرا من أوهام مفضية إلى فساد البحث العلمي - كأوهام بيكون - وهي ~~أوهام الرؤية وأوهام الاعتقاد وأوهام الظن. # 20 ~~(4) في العلوم التجريبية # تواتر عطاء التجريبيين الذين أطلق عليهم علماء الكلام اسم «الطبائعيين»؛ لأنهم يبحثون ~~في طبائع الطبيعة. ثمة أسبقية زمانية لجابر بن حيان، جاء في القرن الثاني الهجري، ~~ليكون في طليعتهم، إماما للكيمياء أو السيمياء القديمة، حتى سميت «علم جابر»، خرجت ~~من أعطافه كيمياء العرب وكيمياء العصور الوسطى. وقال برتيلو: إن جابر له في ms075 الكيمياء ما ~~لأرسطو في المنطق؛ أي إنه أسسها تأسيسا. علم العلماء منهجية العمل الدءوب في قلب ~~المعمل حين البحث في العلم الطبيعي، على أساس أن الدربة؛ أي التجربة، هي أم الصنائع، ~~وكمنهجية علمية منتجة معرفيا فإنها بدورها تحتاج إلى التحصيل العلمي، فيقول جابر ~~صراحة: «إياك أن تجرب أو تعمل حتى تعلم»، «ثم تقصد لتجرب فيكون في التجربة كمال العالم.» # 21 # إنه تكامل التحصيل العلمي والتجريب كمنهجية علمية ناضجة. وقد بحث جابر ~~أشكال الاستدلال التجريبي: المجانسة ومجرى العادة والآثار. # 22 # وفي سياق البحوث التجريبية لن ينتهي الحديث بشأن الإنجازات المعروفة للعمل العربي في ~~الطب والجراحة مع أمثال: الرازي، وابن سينا، وابن النفيس، وأستاذه مهذب الدين الدحوار ... ~~والبيطرة والصيدلة والنبات ... إلخ. وهل يفوتنا ذكر البيروني (362-440ه) الذي قال عنه ~~المستشرق الألماني إدوارد ساخاو بعد أن حقق بعض أعماله، إنه أعلم علماء العصور الوسطى ~~طرا، ومن أعظم العقليات التي شهدها التاريخ، ذكرناه كرياضياتي، وقد كان أيضا ~~مهندسا وفلكيا وعالما طبيعيا، ومنشغلا بالعلوم الإنسانية وتحديدا الجغرافيا ~~وعلم الأديان المقارن. # 23 # وبصدد الإنسانيات والعلوم الاجتماعية يبدو ابن خلدون في غير حاجة ~~للذكر. # كانت قد تكاملت في الحضارة العربية موسوعة للعلوم، مختلفة تماما عن الموسوعة ~~الإغريقية الأسبق، عرض الفارابي في كتابه الشهير «إحصاء العلوم» لمعالمها، وبذل البعض ~~جهودا لتوضيح أنها كانت تمهيدا لا غنى عنه لتصنيفات المحدثين. # 24 ~~(5) النقلة إلى العلم الحديث # وكما هو معروف عملت الحضارة الأوروبية في العصر المدرسي وعصر النهضة، على نقل وترجمة ~~الحصيلة العلمية العربية في الرياضيات وفي العلوم وفي الطب والجراحة. انتقلت أدبيات ~~العلم العربي، أسفاره المؤلفة والمترجمة، من عواصم الحضارة الإسلامية في بغداد ودمشق ~~والقاهرة عن طريق التجار والرحالة. على أن العامل المستجد الحاسم كان العائدين من ~~الحملات الصليبية حاملين الأسفار العلمية. واستفادت أوروبا كثيرا من مواطن التواصل ~~المباشر مع الحضارة الإسلامية في حوض المتوسط مثل صقلية وسواها. وبطبيعة الحال قامت ~~الأندلس التي مكث العرب فيها ثمانية قرون بدور خاص، اضطلعت طليطلة بترجمة أعمال ابن ~~سينا في أواخر العصر المدرسي، ms076 وكانت جامعة بولونيا أول جامعة تتخذ كتابه «القانون في ~~الطب» كتابا تعليميا، وفي أواخر عصر النهضة كان القانون يمثل نصف المقررات الطبية ~~في الجامعات الفرنسية. # في هذه المرحلة كانت قد استقامت السينوية اللاتينية والرشدية اللاتينية، بمعنى مثول ~~أعمال ابن سينا وابن رشد كقوة دافعة للحركة الفكرية في أوروبا. يتمثل تأثير ابن سينا ~~في الراهب روجرز بيكون (1214-1294م)، الذي تميز بنزعة علمية تجريبية قوية لم يستسغها ~~تماما الوسط المدرسي في أوروبا. أما الرشدية بما تعنيه من عقلانية وانتصار للتفكير ~~البرهاني، فقد كثر الحديث عنها كعامل قوي من عوامل النهضة والحداثة في أوروبا. # في تاريخ العلم مثلت قرطبة مركزا من أهم مراكز العلم العربي في الأندلس، وكانت تعج ~~بمدارس الرياضيات العربية، التي سهل انتقالها إلى أوروبا على يد المستعربين. يتقدم ~~إدلارد الباثي الذي أتقن اللغة العربية ودرس في قرطبة، وترجم «أصول الهندسة» لإقليدس ~~قرابة عام 1120م من العربية إلى اللاتينية، وظلت هذه الترجمة تدرس في مدارس أوروبا ~~حتى عام 1583م، حين تم اكتشاف الأصل اليوناني. # 25 # أما السفر الهندسي الثمين الآخر؛ أي القطوع المخروطية لأبولونيوس، فقد ~~فقد الأصل الإغريقي تماما، ولم يبق للبشرية وللنهضة الأوروبية الحديثة إلا الترجمة ~~العربية، انتقلت إلى أوروبا واستفاد منها يوهانس كبلر عام 1609م، وطبقها في ~~الميكانيكا السماوية، التي أحرزت معه ثورة تقدمية، طبعا بخلاف ترجمات جبر الخوارزمي. ~~وتوالت ترجمات العلوم التجريبية، خصوصا أعمال الحسن بن الهيثم، الذي عرف في أوروبا ~~باسم الهازن، ومن قبله جابر بن حيان وسواهما. وحظيت كتب الطب والجراحة مع ابن سينا ~~والرازي والزهراوي ... باهتمام خاص، في ترجماتها وفي تدريسها بجامعات أوروبا في عصر ~~النهضة وحتى مشارف العصر الحديث. ~~••• # هكذا يمثل الرصيد العلمي العربي، الذي تسارعت عمليات نقل أدبياته المترجمة ~~والمؤلفة إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الثاني عشر، أهم المقدمات التي تمخضت عن ~~ثورة العلم الحديث في أوروبا. # وفي ذخائر هذا الرصيد، ثمة واقعة محددة لا بد أن توقف بإزائها، على أساس أن العلم ~~الحديث يبدأ كوزمولوجيا وإبستمولوجيا بكتاب كوبرنيقوس «دوران الكرات السماوية» ~~(1543م)، ms077 هذا الكتاب حمل صياغة رياضية لنظرية أرسطارخوس القائلة بمركزية الشمس، بدلا ~~من نظرية بطليموس القائلة بمركزية الأرض التي كانت سائدة. سادت النظرية البطلمية طوال ~~العصور الوسطى، وعن طريق إزاحتها والأخذ بمركزية الشمس استقام تصور الكون، مجمل ~~العالم الفيزيقي لتبدأ ملحمة العلم الحديث على أسس أمتن. الواقعة المحددة المقصودة ~~تتعلق بالخروج من أطر البطلمية، لتؤكد بشكل مباشر كيف كان البحث العلمي عند العرب ~~مفضيا إلى مرحلة العلم الحديث، وقد أسرف توبي ~~هف # T. E. Huff # في التعويل عليها وتأكيدها، وهو يحاول تفسير بزوغ فجر العلم ~~الحديث. # إنها واقعة خاصة بمرصد «مراغة» الكائنة الآن في حدود إيران، استطاع العاملون فيه، ~~خصوصا إبان القرنين الثالث عشر والرابع عشر، التوصل إلى ابتكار أول نظام فلكي غير ~~بطلمي، منهم: الأزدي (ت1261م)، والطوسي (ت1279م)، وقطب الدين الشيرازي (ت1279م)، ~~وأههم جميعا ابن الشاطر (ت1375م). ويؤكد توبي هف تأكيدا مشددا، أن ابن الشاطر ~~بالذات هو الذي مهد لكوبرنيقوس، وعلى تفاصيل التناظر بين نماذج كوبرنيقوس ونماذج مرصد ~~مراغة، بحيث ينتهي إلى أن السؤال الذي بحثه نفر من مؤرخي العلم الحديث ليس عما إذا ~~كان، وإنما متى وأين تعلم كوبرنيقوس نظرية مراغة؟ وقد كان دبلوماسيا كثير التجوال ~~والاطلاع على ما لدى الآخرين. يقول توبي هف: # وشد ما هو ذو دلالة خطيرة فعلا، أن العلماء العرب المسلمين هم الذين ~~مهدوا الطريق المفضي إلى الثورة العلمية في أوروبا. لقد عمل العرب على تطوير ~~ومناقشة جوانب عديدة للمنهج التجريبي، وتخطيط كيفية التسلح بها، ليس هذا فحسب، ~~بل أيضا طوروا الأدوات الضرورية للوصول إلى أرقى مستويات الفلك الرياضي، ~~علاوة على هذا، فإن العمل الذي اضطلع به مرصد مراغة في القرنين الثالث عشر ~~والرابع عشر، قد بلغ ذروته في عمل ابن الشاطر، وتمخض عن تطوير نماذج كوكبية ~~جديدة للكون، كثيرا ما توصف بأنها باكورة النماذج اللابطلمية على طول الطريق ~~المفضي إلى العلم الحديث، وهي ما اتخذه كوبرنيقوس فيما بعد، لم يكن ينقصها ~~العامل الرياضي، أو أي عوامل علمية أخرى، العامل الوحيد المفتقد في هذه النماذج ms078 ~~هو أن ترسو على فرض مركزية الشمس، وكان الفشل في الإقدام على هذه الوثبة ~~الميتافيزيقية، من كون مركزه الأرض إلى كون مركزه الشمس، هي التي حالت بين ~~العرب وبين إحداث النقلة من العالم المغلق إلى الكون المفتوح. # 26 # وكان كوبرنيقوس هو الذي أقدم على هذه الوثبة، فكانت النقلة الكبرى وبداية نسق العلم ~~الحديث والعصر الحديث في أوروبا، وأحدثت هذه القارة العجوز أبرز قفزة معرفية في ~~تاريخها، وفي تاريخ العالم بأسره. ~~••• # في استطلاع أبعاد هذه القفزة المعرفية أو النقلة إلى العلم الحديث، رأينا كيف شهدت ~~العصور الوسطى الحضارة الإسلامية، وهي تخوض ملحمتها مع العلم الرياضي والتجريبي، من حيث ~~كانت حضارة متصالحة مع الطبيعة. وتبقى الإشارة إلى أن الطبيعة كانت آنذاك تعاني إقصاء ~~وتهميشا في الحضارة الغربية. # وعلى مسرح الأحداث في الحضارة الأوروبية نعود إلى الوراء، لنجد أصولها الإغريقية قد ~~دأبت على تحقير العمل وتمجيد النظر، حتى جاهر أرسطو بأن العبيد مجرد آلات حية لخدمة ~~السادة الأحرار، المتفرغين لممارسة فضيلتي التأمل والصداقة! وهذا ما جسده بمنطقه ~~الذي يعد القياس ثمرته. القياس الأرسطي منهج استنباط النتائج الجزئية من المقدمات ~~الكلية المطروحة، اعتمادا على قوانين العقل والمنطق فقط، دون التجاء للواقع أو ~~التجريب. وفي العصور الوسطى المدرسية بدا للسلطة الكنسية أن هذا ملائم للتعامل مع الكتب ~~المقدسة؛ فهي زاخرة بحقائق مسلم بصحتها، لنتوصل إلى النتائج الضرورية لها بواسطة ~~القياس. أصبح منطق أرسطو وقياسه منهج البحث المعتمد في العصور الوسطى، وسمي هذا ~~المنطق «الأورجانون» # Organon # أي الأداة، أداة التفكير ~~وآلة الاستدلال والبحث. # وكما يقول توب هف، حتى بدايات القرن السابع عشر كانت الهيئات الجامعية، تفرض غرامة ~~على خريجيها وأساتذتها قدرها خمسة شلنات، مقابل كل نقطة افتراق عن أرسطو أو عدم التزام ~~بمنطقه. وإذا أضفنا إلى هذا دأب المسيحية على التحقير من شأن المادة، واعتبارها أصلا ~~لكل شر وخطيئة، بل وتأثيم الانشغال بها؛ أي تنافر عقائدها اللاهوتية مع الطبيعة، تبين ~~لنا أن سيادة المنهج الأرسطي قد أكدها في أوروبا طوال العصور الوسطى، أن السؤال عن ~~الطبيعة ms079 في حد ذاتها لم يكن ملحا، ولم يكن ثمة دواع قوية للحث على استكشافها، ~~وتكاتف هذا مع عوامل عديدة، جعلت العصور الوسطى الأوروبية ينقشع عنها نور العلم والبحث ~~العلمي. # ثم كانت الكشوف الجغرافية التي أخبرت إنسان عصر النهضة في نهايات القرن الخامس عشر، ~~أن العالم الطبيعي أوسع كثيرا مما تصور أرسطو، ومن كل ما تضمنته الصحائف وكتب ~~الأقدمين التي كانت تقف عند مضيق جبل طارق غربا، وما بعده بحر الظلمات وخط الاستواء ~~جنوبا، فضلا عن أن الكوبرنيقية أدت إلى تصويب النظرة الفلكية ليبدو الكون الطبيعي ~~بأسره هو الآخر أوسع كثيرا. بدت الطبيعة عالما مثيرا يغري بالكشف واقتحام المجهول. ~~ومع نهايات القرن السادس عشر كان السؤال عن الطبيعة قد ارتفع إلى الصدارة، وأوشك أن ~~يكون سؤال العصر الذي تنشغل به العقول. # وسرعان ما توالت المتغيرات على الأصعدة كافة، الصعيد الديني والسياسي والاقتصادي ~~والاجتماعي والتجاري ... وظهرت المطبعة وبدأت المخترعات والماكينات تغير من وجه الحياة، ~~وراحت العقول الواعدة تتلمس الجديد من كشوف العالم الطبيعي. طغى الإحساس بعقم وإجداب ~~المنطق الأرسطي وقياساته، وما يتسم به القياس من دوران منطقي ومصادرة على المطلوب ~~وتحصيل لحاصل. غير أن ما عابه على الخصوص، هو أنه أسهم مع الأناجيل في إقصاء العقول عن ~~التفكير في الطبيعة بسبب من مجافاته للواقع؛ إذ إنه منطق لتناول قضايا مطروحة في ~~الصحائف والأوراق، وكانت الثورة على قياس أرسطو ومنطقه بمثابة الإعلان الصريح عن رفض ~~الماضي، والرغبة في الإقبال بمجامع النفس على الآفاق الجديدة للعصر الجديد، واستكشاف ~~الطبيعة، هذا العالم النابض الذي امتد وترامت آفاقه أمام إنسان العصر الحديث. # أصبح الهم الفلسفي الأول صياغة منهج حديث يلائم الروح الحديثة، ويلبي المتطلبات ~~المعرفية المستجدة للعصر الحديث، وفي الطليعة يتقدم ديكارت (1596-1650م) الرائد، ~~ليمثل العلامة الفارقة وانتهاء المدرسية وفلسفة العصور الوسطى، راح يؤسس الفلسفة ~~الحديثة وهو يستلهم وضوح الرياضيات، ويقينها في محاولة لتأسيس المبادئ العامة للمعرفة ~~بأسرها؛ أيضا أسس الهندسة التحليلية، وقام بدور في تطوير علم الطبيعة الحديث. وإذا ~~أخذنا في الاعتبار أن قوة منهج ms080 العلم في تآزر التجريب مع الرياضيات، أمكن القول إن ~~ديكارت الذي انطلق من أهمية الرياضيات وخصائص التفكير الرياضي، إنما يشارك في إرساء ~~الأصول المنهجية للعلم الحديث. # على أن رفع لواء المنهج التجريبي تعبيرا عن روح العصر الحديث ومهمته وواجباته ~~وطموحاته وعن معالم الحداثة ذاتها، إنما هو مقام محفوظ للفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1561-1626م) الذي يوازي الفيلسوف ~~الفرنسي ديكارت في الأهمية، حين طرح قضية المنهج والحداثة، ولا يوازيه أحد حين طرح قضية ~~المنهج التجريبي والعلم الحديث. # لقد اقتحمت أوروبا آفاق الحداثة، وتربع المنهج العلمي على عرش العرفان، ومنذ ذلك ~~الحين فصاعدا ترسخ نهائيا أن كل وأي حديث عن الحداثة والتحديث، مقترن بالضرورة ~~بتمكين وتفعيل لمفهوم المنهج العلمي. # الفصل الثامن # | المنهج العلمي والحداثة # (1) أورجانون العلم والعصر # في شريعة الفلسفة وأعرافها لا يجوز الخوض في مفهوم المنهج العلمي دون التوقف، كي ~~نزجي التحية لفرنسيس بيكون. كان الأقدر على تجريد وتجسيد روح العصر الحديث المنطلقة ~~بعنفوانها، واستقطاب سؤال العصر/سؤال الطبيعة، وصفها بأنها «المملكة الكبرى للمعرفة ~~البشرية التي يستطيع الإنسان غزوها، والسيطرة عليها عن طريق التجريب»، # 1 # وهي الأم الكبرى للعلوم، وجذع شجرة المعرفة، ولا أمل في التقدم إلا بأن ~~ترتد إليها العلوم جميعا، وتبني الدعوة لمنهج البحث المنصب عليها والملائم لها: المنهج ~~التجريبي شريعة العلم، مؤكدا أنه «المنهج القويم الذي يقود البشر، من خلال أحراش ~~التجربة إلى سهول تتسع لبداهات المعرفة». # 2 # اقترن اسم بيكون بعصر العلم الحديث، وعد وكأنه أبوه الشرعي الذي صاغ شهادة ميلاده ~~الرسمية، حين أصدر كتابه الصغير «الأورجانون ~~الجديد # Novum Organon ~~»؛ أي «الأداة الجديدة» العام 1620م، في إشارة إلى أن أورجانون ~~أرسطو بات أداة بالية، مؤكدا ضرورة التخلي عن التوقير غير المناسب للقديم، مستشهدا ~~باكتشاف العالم الجديد تعبيرا عن أمله باتساع المعرفة، واكتشافها جديدا يتجاوز كل ما ~~عرفه الأقدمون، اعتمادا على منهج التجريب، وقد أصبح الأورجانون الجديد درسا لا بد أن ~~يردده كل مهتم بأمر مفهوم المنهج العلمي. # شارك بيكون رجالات عصره في الهجوم الضاري على عقم القياس ms081 الأرسطي، يقول عن الحاملين ~~إياه: «لقد فقدوا غاية العلوم وهدفها، واختاروا طريقا خاطئا باتباعهم منهجا، ليس من ~~شأنه أن يكشف جديدا من مبادئ المعرفة، ويكتفي باتساق النتائج مع بعضها، فليكف الناس ~~عن التعجب من أن تيار العلوم لا يجري قدما في طريقه الصحيح؛ فقد ضللهم منهج البحث، ~~الذي يهجر الخبرة التجريبية، ويجعلهم يلفون ويدورون حول أنفسهم في دوائر مغلقة.» # 3 # وأعلن منهجا تجريبيا هو الضد الصريح للقياس الأرسطي؛ فكان حاملا لواء ~~الانقلاب على الماضي والقطيعة مع العصور الوسطى، مجسدا معلم الحداثة الغربية وشرط ~~إنجازها. # تتوالى فقرات «الأورجانون الجديد» منفصلة متتابعة ومرقمة، حاسمة موجزة ومكثفة، ~~مصوغة بأسلوب بليغ عد من قمم النثر في عصره. تحمل هذه الفقرات تفصيل المنهج ~~التجريبي. وقد جاء على جانبين أو قسمين: القسم الأول سلبي مختص بالتنويه إلى الأخطاء ~~المتربصة بالعقل البشري كي يتجنبها، والآخر إيجابي مختص بقواعد وإجرائيات التجريب، وقد ~~أسماها «صيد بان»، تعبيرا عن سدادها ووفرة حصائلها؛ لأن «بان» هو إله الصيد عند ~~الإغريق. # في الجانب السلبي تناول بيكون تلك الأخطاء بتعبيره: الأوهام أو الأوثان التي تصرف ~~الذهن عن جادة الصواب، وقسمها إلى أربعة أنماط: أوثان القبيلة أو الجنس البشري، بأسره ~~المتربصة بالعقل الإنساني عموما، مثل سرعة التعميم والتغاضي عن الأمثلة النافية، ~~وأوثان الكهف وهي التي تأتي بفعل تأثير البيئة التي نشأ فيها الفرد، كأن يتصور ~~المتواضعات الخاصة بها وكأنها حقائق مطلقة، وقد يقصر جهوده المعرفية على إثباتها. أما ~~النوع الثالث من الأوهام أو الأوثان، فهو أوثان المسرح الناجمة عن الافتتان بممثلي ~~الفكر القدامى، فيعيش معهم المتفرج أو الباحث وينعزل عن واقعه، وهذه أوثان تشتد وطأتها ~~في ثقافتنا نحن. كان بيكون يقصد أرسطو تحديدا ولكن الممثلين البارعين كثر. وأخيرا ~~ثمة أوثان السوق الناجمة عن الخلط اللغوي وعدم دقة التعبير، مثلما يحدث في السوق من ~~ضجيج ومساومة، وإذا أخذنا في الاعتبار أن فلسفات التحليل اللغوي، التي تهتم بتدقيق ~~المعنى اللغوي من أبرز تيارات الفلسفة في القرن العشرين، أدركنا مدى ثقوب نظر بيكون في ~~التنويه لأخطاء اللغة. ms082 والحق أن هذه الأوثان الأربعة، تقنينها وتوضيحها كي يحذرها ~~العقل، إنما هي إضافة ولفتة ثاقبة من بيكون، مثمرة وصالحة لكل العصور، يراها البعض أهم ~~وأبقى من الجانب الإيجابي، الذي يحمل تخطيطا لإجراءات المنهج التجريبي، ويحمل قصورات ~~المحاولات المبدئية. # الجانب الإيجابي على أية حال هو الذي جعل اسم بيكون يقترن بالعلم الحديث والعصر ~~الحديث، وينقسم إلى قسمين أو مرحلتين: المرحلة الأولى هي إجراء التجارب، حيث تحدث ~~بيكون عن أنواع ودرجات التجريب، وهي: تنويع التجربة، تكرارها، إطالة أمدها، ونقلها إلى ~~فرع آخر من فروع البحث، وقلب التجربة وإجراؤها بصورة معكوسة، وإلغاؤها لدراسة الصورة ~~السلبية لموضوع البحث، وتطبيقها لاستكشاف خاصية نافعة، وجمع التجربة لزيادة فعالية مادة ~~البحث بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، وصدف التجربة أي إجراؤها فقط لكونها لم ~~تجر بعد. # أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تسجيل نتائج التجريب في ثلاث قوائم تصنيفية، تنتظم ~~فيها الوقائع التجريبية تمهيدا لاستخلاص نتائجها، وهي: أولا قائمة الحضور أو الإثبات؛ ~~حيث يضع الباحث جميع الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة، أن الظاهرة موضوع الدراسة ~~تتبدى فيها، وثانيا قائمة الغياب أو النفي؛ حيث يسجل الباحث الحالات التي تغيب فيها ~~الظاهرة، فمثلا إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء الشمس على نمو النبات، نحاول أن نعرف ~~ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب عنه ضوء الشمس، وهذه القائمة تجعل استقراء بيكون منهجا ~~علميا وليس مجرد تعداد ساذج، والنفي أقوى منطقيا من الإيجاب، وقوة المنهج العلمي في ~~البحث عن الأمثلة النافية وليس الأمثلة المؤيدة، مثلما يعلمنا منطق التكذيب البوبري. ~~وأخيرا قائمة التفاوت في الدرجة؛ حيث يسجل الباحث وقائع حدوث الظاهرة محل الدراسة ~~بدرجات متفاوتة. # هذه القوائم الثلاث محاولة منهجية ناضجة نسبيا لتصنيف المعطيات، والتصنيف إجراء له ~~أهميته في البحث العلمي . على أن قائمة التفاوت في الدرجة محض تنويه سطحي لأهمية ~~التكميم، وبيكون قد تحامل على الرياضيات؛ لأنها استنباط خالص ينأى بالباحث عن الطبيعة ~~والتجريب! وفي تعيين ثغرات بيكون وقصوراته، نجده كان يريد من منهجه أن يفضي به إلى ~~معرفة أو ms083 اكتشاف الصور # Forms ~~؛ أي صور الطبائع البسيطة # Simple Natures ~~؛ فقد رأى أن كل شيء في العالم ~~يمكن رده إلى مجموعة من الطبائع البسيطة عددها اثنتا عشرة طبيعة، كالضوء والوزن ~~والحرارة ... إلخ، ومن اجتماع هذه الطبائع وتفرقها تتكون سائر الموجودات، وهدف العلم ~~الطبيعي هو اكتشاف أسباب هذه الطبائع؛ أي صورها، قائلا إن الصورة ليست تجريدا أو فكرة ~~مثالية، بل هي شرط فيزيائي للطبيعة البسيطة، أساس لها ومباطنة فيها، الصورة تمثل علة ~~معلولها الطبيعية البسيطة. # تبدو «الطبائع البسيطة» فكرة جوفاء ولا علمية، والأدهى أن بيكون تصور مجموعة من ~~الأبحاث تجرى في بضع سنوات أو عقود تستقصي صور الطبائع البسيطة، فيكتمل نسق العلم ~~الطبيعي! هكذا كان تصوره لعالم العلم الطبيعي على قدر من السذاجة. # ويبقى أهم المآخذ على منهج بيكون في أنه لم يفطن لأهمية الفروض، بل حذر منها ~~وأسماها استباق الطبيعة، وكأن المنهج العلمي يمكن أن يقتصر على محض استقراء للوقائع. إن ~~الفروض سر تقدم العلم، إن لم تكن هي العلم نفسه، وبغيرها لا جديد. # أضف إلى هذا أن بيكون نفسه، قاضي القضاة وحامل الأختام الملكية، لم يكن عالما ولا ~~حتى متابعا جيدا لتقدم العلم والخطوات الشاسعة التي قطعها في عصره، لم يهتم باكتشاف ~~طبيبه الخاص وليم هارفي # W. Harvey ~~(1578-1657م) للدورة ~~الدموية. وحتى نظرية كوبرنيقوس ذاتها عارضها بيكون! بوصفها فرضا أهوج، ما دامت الخبرة ~~الحسية التجريبية تخبرنا بأن الشمس هي التي تدور في سماء الأرض! ولم يقدر نظريات كبلر ~~وجاليليو حق قدرها، ولم يعترف بأبحاث جيلبرت في المغناطيسية. # جهوده العلمية متهافتة، لكنه قام بتجربة دفع حياته ثمنا لها: دفن دجاجة مذبوحة في ~~جليد لندن، ليختبر أثر البرودة في وقف تعفن اللحم، وبعد بضع ليال خرج في يوم قارص ~~البرودة ليرى نتيجة التجربة، وكم كانت سعادته حين وجد الدجاجة سليمة، لكنه أصيب بنوبة ~~برد قاتل ألزمه فراش الموت؛ حيث قال قولته الشهيرة، التي أصبحت شعار العصر: «لقد نجحت ~~التجربة.» فهل يقصد تجربة الدجاج والبرودة؟ أم كان يقصد أن التجربة قد نجحت في ms084 فرض ~~ذاتها على روح العصر الحديث وروح العلم الحديث، فبات الأورجانون الجديد شريعة الاثنين ~~معا. # مهما يكن الأمر ومهما تكن قصورات بيكون، ومهما تكن التطورات التي لحقت بمفهوم المنهج ~~العلمي، والتي رأينا معالمها في الفصل الخامس، فالذي لا شك أنه كان في عصره تمثيل ~~لمنهجية علم وعصر معا، قال عن نفسه إنه ليس إلا «نافخ بوق»، مهمته تقتصر على الإعلان ~~عن الحرب، ولكنه كان مؤمنا أكثر من سواه بقوة المنهج العلمي، سبق عصره في التبشير ~~بالعلوم الإنسانية، مؤكدا أن المنهج التجريبي سوف يمتد ليشمل كل شيء، فنرى قوائم ~~تصنيفية للتجارب المتعلقة بالكره والخوف والغضب، واتخاذ القرارات والامتناع عنها وسائر ~~جوانب الحياة المدنية، تماما كقوائم البرودة والحرارة والضوء والنباتات وما إليها # 4 ~~... ووضع تصورا لمدينة فاضلة أسماها «أطلانطس الجديدة»، لا تعدو أن تكون ~~مجتمعا علميا متكاملا، يضم أمة من العلماء في سائر التخصصات، لكي يحقق العلم ~~المنفعة القصوى للبشر، وصف بيكون «بيت سليمان» في هذه المدينة، وهو صورة مثالية للمختبر ~~العلمي وللأكاديميات العلمية، اقتفيت خطوطه فيما بعد. وحين تأسست الجمعية الملكية ~~للعلوم في لندن، لتضم جهابذة العلم وتنسق بين أبحاثهم، وقف المؤسسون في حفل ~~الافتتاح عام 1662م ليشيدوا بفضل بيكون على تيار العلم الحديث. # يرى فيلسوف التفكير العلمي فؤاد زكريا، أن بيكون ليس فقط فيلسوف الحركة العلمية، بل ~~أيضا فيلسوف سليلتها الثورة الصناعية، التي جاءت بعد وفاته بمائتي عام. والحق أنه ~~فيلسوف العصر الحديث بأسره، خصوصا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حظي بالتقدير ~~العميق من رموز لذلك العصر أمثال: ديكارت وجاسندي، وروبرت هوك، وروبرت بويل، رفعه ~~الفيلسوف والرياضياتي الألماني ليبنتز # G. W. Leibinitz ~~(1646-1716م) إلى المنزلة العليا، حتى فوق ديكارت، وازداد نجمه سطوعا في عصر التنوير ~~اللاحق. الموسوعيون الفرنسيون الذين انكبوا على وضع موسوعة شاملة، تعبيرا عن علم عصر ~~التنوير أمثال: دالمبرت ، وديدرو # D. Didrot ~~(1713-1784م) وغيرهما، اعتبروا بيكون أبا العهد الحديث، ومجدوا اسمه في الغلاف ~~الأمامي ل «الموسوعة» بإهدائها إليه، وقال ديدرو إننا إذا انتهينا من وضعها بنجاح نكون ms085 ~~مدينين بالكثير لبيكون، الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم والفنون في وقت خلا من ~~العلوم والفنون. وأطلق دالمبرت على بيكون لقب «أعظم وأبلغ وأوسع الفلاسفة»، ورآه فولتير ~~أبا الفلسفة التجريبية والتنويري الحق. وبعد إهداء الموسوعة الفرنسية، جاء شيخ الفلسفة ~~الحديثة إيمانويل كانط (1724-1804م)، ليهدي إلى بيكون كتابه الأكبر «نقد العقل الخالص» ~~معتبرا إياه المعماري الأول للحداثة. # 5 # تنقش مكتبة الكونجرس الأمريكي في واشنطن اسم بيكون أعلى إحدى بواباتها المذهبة، بوصفه ~~واحدا من الذين قادوا البشرية إلى العصر الحديث وعلمه الحديث، خصوصا بفعل قولته ~~النافذة «العلم قوة» وليس ترفا أو زينة أو دوائر مغلقة؛ فذلك القول هو ملخص قصة ~~الحداثة والعصر الحديث. ~~(2) المنهج العلمي معالم عصر # العلم الحديث الذي كان فرنسيس بيكون «نافخ بوقه»، ليس مجرد مرحلة أعلى شديدة التميز ~~والتألق من مراحل العلم، بل كان أيضا نقلة حضارية شاملة للثقافة الغربية، تبدلت معها ~~طبيعة التفكير ورؤية العالم، ونتج عنها تطبيقات وفعاليات غيرت معالم الحياة الإنسانية ~~وتكوين طبقات المجتمع، ثم طبيعة العلاقات بين الدول والأقاليم. إنها متغيرات وتحولات ~~صنعت العصر الحديث، والعقل الحديث والإنسان الحديث في أوروبا. # راح العلم الحديث ينمو ويتصاعد، ليمتثل نصب الأعين فعالية المنهج التجريبي شريعة ~~العلم وناموسه، بدرجة لم تتحقق من قبل. الحديث المستحدث فعلا أن المنهج العلمي كان ~~روح العلم، بقدر ما كان تجسيدا لروح العصر الحديث، التي تخلقت في الأراضي ~~الأوروبية، بعد أن امتصت الخلاصة من الحضارة الإسلامية الأسبق والمتاخمة لها. وكانت ~~أوروبا بيئة مواتية لهذا التوقد والتفجر في نجاح العلم التجريبي؛ لأن التجريبية ~~فيها آنذاك لم تكن محض آلية منهجية للكسب المعرفي، بل هي أيديولوجيا العصر الحديث ~~وروحه، حاملة قيمه ومحكاته، وأوضح تعبير عن متغيراته وعن آفاقه المستهدفة. كان العلم ~~التجريبي في الحضارة الإسلامية دائرة من الدوائر المعرفية، التي ترسمت حول المركز ~~الحضاري الإسلامي/النص الديني، فكان المنهج العلمي بعدا من أبعاد عدة لعطائها ~~المعرفي. أما في الحضارة الغربية الحديثة، فلم تكن التجريبية العلمية مجرد بعد، بل هي ~~المحور. ومفهوم المنهج العلمي هو المركز ms086 ذاته، الذي تترسم حوله الدوائر المتوالية. من ~~هذا المركز وإليه تنبع وترتد معالم الحداثة، تترسم القيم وتتشكل أيديولوجية العصر أو ~~إطاره المرجعي. # كان مفهوم المنهج العلمي التجريبي جوهر الحداثة، بقدر ما كان علامة وإمارة وقوة ~~فاعلة لإغلاق العصور الوسطى وفتح بوابات العصر الحديث، طريق الانتقال من عصور مظلمة ~~إلى مقدمات عصر التنوير. انتهت المرحلة الأوروبية الوسيطة بما حملته من كهنوت كنسي ~~ثقيل وصل إلى محاكم تفتيش، يحمل السلطة المعرفية ويفرض الوصاية على الإنسان. ولئن كان ~~جوهر المنهج العلمي هو التفاعل بين العقل والحواس، فقد باتت فعالياته الحديثة المتوالية ~~إعلانا وتبيانا وبرهانا، على أن الإنسان الذي يملك العقل والحواس، جدير بأن يستقل ~~بذاته وترفع من عليه أية وصاية، لينطلق باحثا عن الحقائق متحملا مسئولية ~~المعرفة. # اقترن العصر الحديث في أوروبا واقترنت الحداثة برفض السلطة المعرفية على الإنسان وأن ~~يستقل بنفسه. العقل والحواس وسائل يملكها الإنسان لاكتساب المعرفة، والتوصل إلى الحقائق ~~وتمييزها عن الباطل، ولا حاجة إلى سلطة تدله عليها، إنها الثقة في الإنسان التي فتحت ~~الباب لإعلاء الفردية والمبادرة والاستقلال والحرية والمسئولية، وتأدت إلى العلمانية ~~ومنظومة القيم الليبرالية، وذلك بتفاعلها مع متغيرات الواقع الأوروبي آنذاك، الاجتماعية ~~والاقتصادية والسياسية، وصعود الطبقة البرجوازية. # لقد بدت العقلانية التجريبية التي يجسدها مفهوم المنهج العلمي قوة تدفع الإنسان ~~إلى التحرر الشامل، غير المقتصر على المفهوم الليبرالي: دعه يعمل، دعه يمر. إنها تعني ~~حرية العقل والفكر والقول والفعل. يتم البحث العلمي عبر مرحليات مفتوحة، تنتهي إلى وضع ~~النظرية أو القانون. وفي هذه المرحليات جميعا لا خضوع لأية سلطة زمنية أو روحية. وتأتي ~~حصائلها لتفتح أمام الإنسان آفاق الأمل في معرفة، يستطيع عن طريقها أن يحرر نفسه ~~ويحرر الآخرين من أعداء الحرية العتاة: الجهل والبؤس والعبودية والفقر والمرض والعجز ~~أمام قوى الطبيعة الغاشمة، تحدوه عقيدة متفائلة مفادها أن «العلم الإنساني والحرية سوف ~~يتقدمان متآزرين ، ليدخلا حيزا لإمكانية كمال إنساني غير محدود». # 6 # إن المنهج العلمي طريق العلم، طريق الحرية، طريق التقدم المتوالي، طريق ~~الحداثة. ~~••• # على أن الحداثة الأوروبية ms087 التي تمخضت قواها عن استغلال وظلم في الداخل، واستبدال ~~طبقة العمال بطبقة عبيد الأرض، وفي الخارج عن جرائم استعمارية تقشعر منها الأبدان، لم ~~تكن محض فيحاء الحرية والمدينة المثالية واليوتوبيا السرمدية، ولا توجد تجربة إنسانية ~~هكذا. إن سلبيات ومثالب وجرائم الحداثة معروفة جيدا، مشهورة ومذكورة، وقد طرحتها ~~تيارات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية على الملأ الأعلى، أو ببساطة فضحتها، ونحن ~~الذين عانينا الأمرين من جرائم الاستعمارية والإمبريالية، لسنا في حاجة لانتظار جهود ~~كشف وفضح لسلبيات الحداثة. على أية حال، الإيجابيات عظيمة شاهقة وثمة سلبيات، في ~~القرن الثامن عشر تبلورت الإيجابيات والسلبيات في ذروة المد الحداثي، وهو ما يعرف بعصر ~~التنوير. # يتمثل التنوير الأوروبي في المقولات الجوهرية المعروضة آنفا: العقلانية والتجريبية ~~واستقلال الإنسان والفردية والحرية والتقدم، بعبارة موجزة، يتمثل التنوير في مفهوم ~~المنهج العلمي ومتوالياته، التي تبدو إيجابيات ناصعة. # وكما اتفقنا، المنهج العلمي آلية مفطورة في العقل، ملك للبشر أجمعين، مشترك إنساني ~~عام، ولكن درجة وحدود تفعيله حجم وطبيعة ونواتج هذا التفعيل ... باختصار متوالياته تختلف ~~من حضارة لأخرى. كانت الحداثة الأوروبية تفعيلا متعاظما لمفهوم المنهج العلمي، ~~بدرجة فاقت بها العالمين، وعرفت كيف تستغل متوالياته المتعاظمة بدورها لكي تسود ~~الأرضين، وذلك فيما عرف بالمد الاستعماري، الذي يرسم بسلبياته قبل إيجابياته تاريخ ~~العالم الحديث. # على مستوى الفكر تبلورت متواليات مفهوم المنهج العلمي في عقيدة عصر التنوير، وعلى ~~مستوى الواقع تكاثفت متوالياته ونواتج ممارساته المقننة في الثورة الصناعية المواكبة، ~~التي جعلت الاستعمار لازمة لأوروبا، من أجل حماية الإنتاج بالجملة وضرورة تأمين طرق ~~التبادل التجاري العالمية، وورود المواد الخام من الدول البعيدة المتخلفة الفقيرة، التي ~~لا بد أن تظل هكذا لا تصنع ولا تنتج؛ لتبقى سوقا لمنتجات المصانع الأوروبية. # هنا ارتد مفهوم التنوير الأوروبي إلى مقولة حق يراد بها باطل: طريق التقدم هو ~~طريق العلم والعقل والحرية، وهذا الطريق قطعه باقتدار وامتياز إنسان الحضارة الأوروبية ~~الحديثة، الرجل الأبيض، ومن حقه ومن واجبه أن يفرضه على الشعوب المتخلفة طوعا أو ~~كرها، ليغدو الاستعمار حقا وواجبا. ms088 # مع الاستعمارية تعاظم شأن الحضارة الأوروبية وحداثتها وثقافتها إجمالا، حتى تربعت ~~على عرش العالمين فيما عرف بالمركزية ~~الأوروبية # Eurocentrism # أو المركزية الغربية، التي امتدت إلى الشاطئ الغربي من ~~المحيط حيث الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني أن الغرب لا سواه هو الحضارة بأصول تعود ~~فقط إلى الإغريق لتؤكد نقاء العنصر الغربي، وما عدا الغرب هوامش الجهالة والتخلف، ~~بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة اقترابها من المركز؛ فالرجل الأبيض هو المثال الأعلى ~~والمحك والمعيار لقيم التقدم. هكذا كانت محصلة الحداثة الغربية، وسارت في الطريق الواعد ~~دوما بالمزيد، وبدا هذا وكأنه الوضعية التي حطت عليها نهائيا مراحل التطور ~~الإنساني والتقدم الحضاري. # حتى شهدت أواسط القرن العشرين منعطفا جذريا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، التي ~~أثارت ويلاتها الشك في قيم الحداثة، والأهم أنها أعلنت إفلاس الاستعمارية الأوروبية ~~ووصولها طريقا مسدودا، تزامن مع هذا تصاعد المد القومي في أنحاء العالم ومطالب الحرية ~~والاستقلال. وفي الثلث الثالث من القرن العشرين كان الولوج الصريح إلى عصر ما بعد ~~الاستعمارية، وما بعد الحداثة، وهما وجهان لعملة واحدة، تعني طابعا نقديا حادا، ~~وأن الحداثة مرحلة وليست غاية المطاف وسدرة المنتهى، كل مفاهيمها ومنطلقاتها مستحقة ~~للتفكيك، للمراجعة والتعديل والتصويب، ويمكن أن تظفر بطرح أفضل. ولا يستثنى مفهوم ~~المنهج العلمي. ~~(3) مفهوم المنهج العلمي وما بعد الحداثة # ثمة آليات ورؤى تميز ما بعد الحداثة، راحت تجوب في رحاب مفهوم المنهج العلمي ~~وتمارس بعض فعلها، نخص بالذكر نقض ~~المركزية # decentering # والسياقية # contextuality # والنصية # textuality ~~. # نقض المركزية الغربية تبعه صعود قيمة التعددية الثقافية؛ فليس فقط الثقافة الغربية بل ~~كل ثقافة لها قيمتها واحترامها ودورها في إثراء المشترك الإنساني، وتبع هذا نقض مركزيات ~~عدة، وظهور تعدديات أخرى، بعضهما ذو علاقات بمفهوم المنهج العلمي وتأثيرات عليه. وتأتي ~~السياقية لتعني أن كل مقولة في ثقافة البشر، لا تتأتى إلا في سياق معين وبالنسبة ~~إليه. ويرتبط بهذا صعود النسبوية النسبوية # Relativism ~~، ~~وبصدد النسبوية - ونحن في رحاب المنهج العلمي - لا يفوتنا أن موضوعية # objectivity # العلم المطلقة التي اشتهرت بها الحداثة ~~كمضادة للذاتية قد ms089 انهارت بفعل سقوط مطلق نيوتن: الزمان والمكان المطلقين، وصعود نسبية ~~آينشتين، حل محلها البين-ذاتية # intersubjectivity # أو ~~المشترك بين الذوات. ونذكر في هذا الصدد قول فيل # Weyl # الرائع: «كل حقيقة مطلقة ذاتية، وكل حقيقة موضوعية نسبية.» # ولعل أخطر الآليات هي النصية؛ أي النظر إلى المقولة المعنية - وهي هنا العلم ومنهجه - ~~كنص قابل للقراءة أو بالأحرى القراءات المتعددة، وتفعيل الهيرمنيوطيقا؛ أي مناهج ~~التأويل الذي يختلف باختلاف أفق القارئ. وتفتح النصية الباب لمد التفكيكية ~~( # Deconstructivism # وفي ترجمة أخرى التقويضية) من ~~النصوص إلى ظاهرة العلم. # ويمكن حصر تأثيرات ما بعد الحداثة على مفهوم المنهج العلمي في معاملين، الأول مثير ~~للجدل والآخر إيجابي ولا شك، وهما: # أولا: # العقلانية التجريبية وما تقتضيه من فاعليات تخصصية مستقلة، محكومة ~~فقط بالأدوات بالإبستمولوجية، كاللغة الرياضية والملاحظة والتجربة ودقة ~~التنبؤ والتفسير، ليست حصرا لمنهجية العلم؛ فقد شهد العلم عبر ~~تطوراته المتلاحقة مناهج وأساليب عديدة، وليس أقنوما واحدا ووحيدا. ~~وهنا نجد محاولات قد تأتي رعناء من أجل تفكيك العقلانية التجريبية ونقض ~~مركزيتها. واللافت حقا ما يتمخض عنه هذا من دعوى بتعددية منهجية ~~في العلم. وعودا على بدء، يمكن الرد عليها بعين الإجابة على سؤال ~~الفصل الرابع: منهج العلم واحد أم كثير؟ أي بأن العقلانية التجريبية ~~تكمن كثابت بنيوي من وراء وفي صلب أشكال الإجرائيات أو حتى المناهج ~~العلمية الشتى، ورب قائل: إن هذا رد على التفكيكية بالبنيوية؛ أي ~~محض تأكيد لما يراد نفيه! ويكون الرد بأنه غير قابل للنفي بحكم الخاصة ~~المنطقية المميزة للنظرية أو العبارة العلمية، وإلا كنا لا نتحدث عن ~~العلم بالعالم التجريبي أصلا. هذا المعامل كما ذكرنا مثير ~~للجدل. # ثانيا: # العقلانية التجريبية لا تجري ممارساتها وتفعيلاتها وحصائلها في فراغ ~~أو سديم سرمدي، بل في واقع إنساني متعين له وضعه التاريخي والحضاري ~~والثقافي، وبالتالي لا ينفصل مفهوم المنهج العلمي عن اشتباكاته بواقع ~~إنساني حي ونابض، والالتزام بمتعيناته وأهدافه، فضلا عن ارتباطه بقيم ~~الممارسة العلمية وبأخلاقيات لها أبعادها. وغير صحيح أن المنهج العلمي ~~متحرر من القيم ولا علاقة له بها ms090 كما زعمت الحداثة، بل الأدنى إلى ~~الصواب أن مفهوم المنهج العلمي لا يؤتى حقا إلا في إطار منهجية ~~شاملة، تستوعبه بمعية قيم والتزامات وتوجهات، وليس بتجريده وتفريده ~~كما دأبت فلسفات العلم الحداثية والتنويرية. # وهذا المعامل الثاني قد أدى فعلا إلى معالجات فلسفية أكمل وأجمل لمفهوم المنهج ~~العلمي، أو بالأحرى لمبحث الميثودولوجيا المعني بهذا المفهوم. ~~••• # ولئن كان التنوير خلاصة الحداثة، فإن كارل بوبر الميثودولوجي الأكبر في القرن ~~العشرين، الذي حارب الوضعية المنطقية بشراسة، وأنهى النظرة الاستقرائية وأتى ~~بالتكذيبية، ظل ممسكا بأطراف الحداثة ويحلو له كثيرا أن يقول عن نفسه إنه آخر ~~التنويريين الكبار، بمعنى آخر المدافعين عن قيم ومنطلقات الحداثة، وتحديدا عن العلم ~~التجريبي والعقلانية كطريق للتقدم. # 7 # وقد أتت الخطوة المميزة التالية في مسار فلسفة العلم ونظرية المنهج بعد ~~بوبر، مع توماس كون الذي يصغره بعشرين عاما، وبفعل كتابه «بنية الثورات العلمية» (1962م)، # 8 # ومعقباته ومتوالياته، انفتح الباب لتأثيرات ما بعد الحداثة على ~~الميثودولوجيا وفلسفة العلوم، وإلى ما يسمى بفلسفات العلم بعد - الوضعية وبعد - ~~التنويرية، ورؤيتها المستجدة لمفهوم المنهج العلمي. # يمثل كتاب «بنية الثورات العلمية» علامة فارقة في مسار فلسفة العلوم ونظرية المنهج ~~العلمي، لفت الأنظار إلى ضرورة عدم الاقتصار على النظر إلى العلم كمحض نسق منجز؛ لأن ~~العلم ليس نسقا واحدا ووحيدا، بل هو ظاهرة اجتماعية متغيرة عبر مراحل التاريخ ~~الإنساني، وتتدخل في هذا عوامل خارجية: ثقافية وحضارية وأيديولوجية، والعلم ذاته لا ~~ينفصل عن أيديولوجيا خاصة به؛ لهذا لا يتأتى المنهج العلمي إلا في إطار برادايم Paradigm ~~؛ أي نموذج قياسي إرشادي شامل لكل أبعاد ~~الظاهرة العلمية في المرحلة التاريخية المعنية. وتمثل الثورة العلمية معالم التقدم ~~الكبرى، وهي انتقال من برادايم إلى آخر، ليعمل العلماء بنظريات وأوليات ومفاهيم مختلفة، ~~ومدلول مختلف للوقائع التجريبية. وهذا الاختلاف يبلغ حد اللامقايسة # uncommensurability # أي عدم قابلية النظريات العلمية ~~للقياس المتكافئ: للحكم عليها بالمقاييس نفسها وتقييمها بالمعايير نفسها. لكل نظرية ~~إطارها ومفاهيمها وعالمها، أو باختصار نموذجها الإرشادي، ويبدو تاريخ العلم كسلسلة من ~~النماذج المتوالية. والعلم ms091 في النهاية صنيعة بشر يعيشون في أزمنة معينة وأمكنة محددة. ~~والنموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي ذاته، التي تصنع تماسكه وتجانسه في ~~الحقبة التاريخية المعنية. إن التماسك والإجماع واتفاق الأحكام أروع الخصائص المميزة ~~للمجتمع العلمي، تضمحل معها احتمالات الصراع، الذي يبدد الوقت والجهد، كما يحدث في ~~مناشط أخرى شتى، فيهتف جاستون بشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.» # 9 # بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية، وطبعا مجتمع العلوم الرياضية أيضا ~~وقبلا. # على أن توماس كون يؤكد على مساحة عريضة من التشارك بين ممارسات المنهج العلمي ~~ونموذجه الإرشادي وبين أيديولوجيا المجتمعات التي أنتجت العلم. واللافت حقا أن مفهوم ~~البرادايم أو النموذج الإرشادي خرج من رحاب فلسفة العلم، وحقق شيوعا وذيوعا نادرين ~~في مجالات شتى، وهذا المفهوم يوضح كيف كان توماس كون شديد العناية بالنواحي ~~الأيديولوجية والسوسيوسيكولوجية والقيمية والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة ... ~~إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي - ببساطة - ظاهرة في عالم الإنسان؛ فتلك هي أبعاد ~~الظواهر الإنسانية. ولا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب ~~والنظم السياسية والإنسانيات والتقدم في العلم. وله دراسة صريحة حول العلاقة أو ~~التشابه والتماثل بين هذا وذاك. # 10 # ربما كان ثمة إرهاصات سابقة، ولكن ما كان يتأتى هذا التماثل بثقة إلا في ~~عصر ما بعد الحداثة. ~~••• # ويتقدم باول فييرآبند P. Feyerabend ~~(1924-1994م) ~~الذي يمكن اعتبار فلسفته تمثيلا لما بعد الحداثة في قضية مفهوم المنهج العلمي. اشتط ~~وحاد في ترجمة درس توماس كون العظيم، ليكون حامل لواء ما أسميناه المعامل الأول المثير ~~للجدل، الذي يحاول إزاحة العقلانية التجريبية من مركزها، وإسقاط الولاء العلمي لها، ~~زاعما أن مفهوم المنهج العلمي ليس واحدا، حتى انتهى إلى أنه لا تحديد لمثل هذا ~~المفهوم أصلا! وذلك في كتابه الشهير «ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في ~~المعرفة» (1975م)، الذي يرمي إلى إثبات أن العلم لم يكن أبدا أسير منهج واحد محدد، بل ~~هو مشروع أناركي # Anarchic Enterprise ~~؛ أي مشروع فوضوي ~~لا سلطوي # 11 # لا يعترف بأية سلطة، «وكل المناهج ms092 يمكن أن تجدي فيه»، # 12 # تبعا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء ~~مقبول # Anything goes ~~. وانكب على تأكيد النسبوية والتعددية المنهجية. كل منهج مقبول ~~على الرحب والسعة، طالما يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة ~~إلى رصيد العلم، أما تكبيل البحث العلمي بمنهج واحد محدد، فهذا ضد الإبداع، يخنق روحه ~~الضرورية للإنجاز في العلم، والإجماع على رأي واحد - بشأن منهج واحد - يناقض طبيعة نشاط ~~عقلاني على الأصالة كالعلم التجريبي. # من السهولة بمكان أن نتبين في هذا محاولة تفكيكية صريحة، من حيث إنها تنكر أي ~~تعريف نهائي للمفهوم، وأي ارتباط حاسم بين دال ومدلوله، وتزعم - على دأب التفكيكيين - ~~كشف الآليات المراوغة التي تسعى إلى الاستئثار بالسلطة المعرفية، فيواصل فييرآبند مساره ~~الفوضوي اللاسلطوي، حتى يرفض تنصيب السلطة المعرفية للعلم بالذات، فيجاهر بأن العلم ~~الحديث ليس نظاما مقدسا، يستلزم الكفر بما عداه، بل هو نظام عقلاني وجب أن ينمو ~~ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى، إنه شكل من أشكال عديدة للمعرفة، وجب أن يتسع ~~لها جميعا المجتمع الديمقراطي الحر، ولا ينبغي أن يكون ذريعة لفرض النموذج الحضاري ~~الغربي ووأد الثقافات الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتحرم البشرية من خصوبة ~~وثراء وتعدد جوانب، إن نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. لماذا نجعل العالم الغربي مطية ~~للخواء والإجداب، حين نقهر الثقافات الأخرى تحت اسمه المجيد، حتى لا يبقى سوى الحضارة ~~الغربية؟! # لقد كان فييرآبند كفيلسوف بعد حداثي ناقدا جريئا حقا للاستعمارية ولأسطورة الغرب ~~المعيار، وللحضارة الغربية العلمانية إجمالا، ربما لدرجة جديرة بالإعجاب، ولكنه في ~~سبيله لهذا غالى وبالغ في تفعيل مقولات النسبوية واللاسلطوية واللامقايسة، حتى كاد ~~مفهوم «التقدم العلمي» ذاته يفقد معناه، والأخطر أن فييرآبند بذينك المغالاة والشطط، قد ~~جار كثيرا على حدود منطقية مصونة للعلم، ترتد إلى مفهوم المنهج العلمي، فكان أن شن ~~حربه التفكيكية الشعواء على هذا المفهوم الأثير. # عن طريق تفعيل اللامقايسة التي قال بها كون والإسراف فيها يرفض فييرآبند حتى سلطة ~~العلم الراهن في مضمار المعرفة العلمية ذاتها، يتمسك بأن تحتفظ ms093 كل نظرية بمكانها في ~~تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، كل نظرية لها دورها، والحكم عليها يجب أن يكون بالنسبة ~~إلى سياقها، لظروفها وتحدياتها؛ لأن النظرية العلمية في جوهرها محض طريقة للنظر إلى ~~العالم، توضع بجوار طرق أخرى، ويشدد على قدرة النظريات القابعة في تاريخ العلم على ~~إخصاب الواقع العلمي الراهن، وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل المشكلات المطروحة للبحث، ~~ويواصل شططه، ليزعم أن اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل أيضا بين الأنماط ~~المعرفية ذاتها، فلا يعود ثمة مبرر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم على أشكال ~~المعرفة الإنسانية الأخرى، إنها شكية التفكيكية وجنوحها للإطاحة بكل الثوابت في مغامرة ~~غير مأمونة العواقب. # شطحات التفكيكية كثيرة، ومعظمها مما لا يقبله المنطق. والمشكلة مع مفهوم المنهج ~~العلمي أنه لا ينفصل عن منطقه، فلا يمكن نفي العقلانية التجريبية، قد لا نكتفي بها ولكن ~~لا يمكن إلغاؤها. نفيها أو إلغاؤها يعني أننا لا نتحدث عن المشروع العلمي أصلا! وهذا ~~خلف محال، فعن أي منهج نتحدث؟! على أية حال، انتهى فييرآبند إلى أن العلم مجرد تقليد ~~معرفي ضمن تقاليد معرفية عدة، والعقلانية التجريبية منهج للعلم ضمن مناهج عديدة له، ~~وكما ذكرنا تلك قضية مثيرة لجدل لا ينتهي، والحق أن فييرآبند نفسه أكثر فيلسوف علم ~~مثير للجدل على الإطلاق، اندفاعاته الفلسفية بلا حدود، أعلن أن هدفه حماية العلم من ~~شوفنية الروح العلمية وطغيانها، وحماية الفلسفة من أساتذتها المحترفين إياها، وحماية ~~الحضارة الغربية من توجهها الغربي. باق أن نقول: وكان يريد قبلا أن يحمي مفهوم ~~المنهج العلمي من عقلانيته وتجريبيته! # الأجدى أن ننتقل الآن إلى المعامل الثاني، الذي جعل ميثودولوجيا ما بعد الحداثة أو ~~الميثودولوجيا الراهنة، تقدم مفهوما للمنهج العلمي أكثر تكاملا، نابضا حقا ~~بالحيوية والفاعلية والخصوبة والدفء، وقد بلغ هذا ذروته مع الفلسفة النسوية. ~~(4) مفهوم المنهج العلمي: رؤية نسوية # النسوية من أبرز المعالم التي صاحبت مجيء القرن الحادي والعشرين، وتمثل الآن واحدا ~~من أهم اتجاهات الفكر الراهن والفلسفة المعاصرة. النسوية ليست مذهبا، بل هي تيار أو ~~اتجاه، يضم مذاهب عديدة، ms094 أحيانا تكون نقاط الاختلاف بينها أكثر من نقاط الالتقاء، ~~ولكنها جميعا، وبمجامعها، تشارك في معركة فييرآبند المقدسة، أو بالأحرى معركة ما بعد ~~الحداثة، ضد فلول الاستعمارية والمركزية الغربية، واتخاذ العلم الغربي الحديث ذريعة ~~لهذا وذاك. # 13 # وتستبسل النسوية من أجل خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، بما تنطوي عليه من ~~بنية تراتبية هرمية (هيراركية)، سادت لتعني وجود الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، ~~السيد والخاضع، امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، ~~فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية، وتعمل على فضح وتفكيك كل هياكل الهيمنة ~~والاستبداد وأشكال الظلم والقهر والقمع، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، ~~والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء ~~المتناغم، الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنا وعدلا. # إنها ليست مجرد بحث عن حقوق المرأة أو إثبات لذاتها، فقد اكتسبت نضجا فكريا، وهدفت ~~إلى رؤية ثقافية حضارية جامعة، وتقديم صياغة نظرية عن الهوية النسوية، وبدلا من ~~التماهي مع النموذج الذكوري، لا بد من العمل على إبراز الأنثوية كجانب جوهري للموجود ~~البشري، كان قمعه اعتوارا طال السكوت عليه، ونزفا حضاريا لإمكانيات هائلة، يمكن أن ~~تكسب الإنسانية شيئا من التوازن. # الفلسفة النسوية - كتمثيل لما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية - هي منطلق نقدي ~~للحداثة، تلقي الضوء على المثالب والقصورات والحيودات، باحثة عن رؤية متكاملة، تستوعب ~~منظورات وقيما، يمثلها جانب طويلا ما جرى تهميشه؛ أي الجانب الأنثوي، ولعلها لا ~~تعبر عن نظرة خاصة بالنساء، بقدر ما تعبر عن نقد وتطوير لما هو عام وشامل للبشر ~~أجمعين، لا تزعم أن النساء يمتلكن الحقيقة، بل فقط أن الرجال لا يستأثرون بها، وذلك ~~لإحداث توازن وتكامل مأمول بين جانبي الموجود البشري: الذكورة والأنوثة، بدلا من ~~انفراد الذكورية بالميدان، فتأتي المحصلة أكثر سخاء. # وفي هذا السياق تقدمت النسوية بفلسفتها للعلوم، واستطاعت حقا تطوير مفهوم المنهج ~~العلمي، وتقديم نظرة ميثودولوجية، تمثل إضافة إيجابية. # 14 # العلم - فيما ترى النسوية - كأية بنية ثقافية أخرى في الحضارة الغربية البطريركية: ~~مؤسسة موسومة بالمركزية ms095 الذكورية والجنوسة والتحيز الجنساني ، ويكون أفضل لو أنه عولج ~~من غلواء هذا، بل إن العلم الحديث أكثر استحقاقا للمعالجة النسوية وقيمها الأنثوية؛ ~~لأنه أكثر من سواه تجسيدا للقيم الذكورية، اعتبر كل ما هو أنثوي حميم كالعاطفة والحنو ~~والشعور والانفعال وعمق الارتباط بالآخر ... لا علم وضد المنهج العلمي، وانطلق بروح ~~الهيمنة والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها، مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوى ~~العلم المعرفية والتكنولوجية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وبهذا القالب الذكوري ~~المصمت يبدو العلم خشنا جافا، يوضع كنقيض للإنسانيات، في حين أنه الأكثر إنسانية ~~وحيوية وإبداعية. # ترفض فلسفة العلم النسوية هذا التفسير الذكوري الأوحد للعلم، وتحاول إبراز وتفعيل ~~الجوانب والقيم المختلفة الخاصة بالأنثى، لكي تضيف إلى مفهوم المنهج العلمي قيما ~~أنكرها، ليغدو أكثر إنتاجية ومواءمة إنسانية. وفي محاولاتها لتقديم البديل الأفضل، تركت ~~بصماتها على مسارات فلسفة العلوم، بحيث جعلتها أكثر التحاما بالواقع وبالحياة، وأسهمت ~~بثقلها في الانتقال من مقولة العلم «المتحرر من القيم» إلى وضع «العلم المحمل بالقيم»، ~~والمتحمل لمسئولياته الاجتماعية والثقافية. وتتقدم ساندرا هاردنج الرائدة حقا لفلسفة ~~العلم النسوية، لتؤكد أن «التحرر من القيم لا يجعل العلم موضوعيا أبدا، بل كلما ~~كان العلم محملا بالقيم، كلما كان أكثر موضوعية»، # 15 # وبالتالي صادرت على أن أهم أهداف فلسفة العلم النسوية، إثبات أن المعرفة ~~العلمية والممارسة العلمية محملتان بالقيم، وضرورة إنهاء الصورة الرديئة للعلم المجرد ~~من القيم. وبهذا تقدم النسوية مفهوم المنهج العلمي المسئول أخلاقيا، وقيل إن الدور ~~العظيم للميثودولوجيا النسوية، يتمثل في عقد الصلة بين فلسفة العلم وفلسفة الأخلاق، ~~والإسهام في القضاء على الانفصال البائن الذي كان بينهما. # النسوية في بحثها عن صورة جديدة متطورة للعلم والممارسات العلمية، تقدمت بمفهوم ~~للمنهج العلمي يشتجر بالقيم الأنثوية الحميمة، من قبيل الاعتماد المتبادل والتفكير ~~السياقي، الحدس والانفعال، الشعور والعاطفة، الترابطية والاتصال بدلا من التفرد ~~والانفصال والاستقلال الذاتي في الذكورية، فضلا عن أخلاق الرعاية الحانية والمسئولية ~~في الموقف الحياتي المعني، بدلا من أخلاق القاعدة الصورية والقوانين المجردة والمبادئ ~~العمومية في الذكورية. إنه البحث ms096 عن الكيفيات والخصائص والحالات الفردية والوقائع ~~المتعينة، وعن إعادة الاعتبار للمناهج الكيفية حتى لا ينفرد الأسلوب التكميمي والمعدلات ~~الإحصائية بالميدان. وفي مقابل العجلة في البحث العلمي وسرعة الإنجاز، وأسبقية الكشف ~~والنشر، يمكن التوقف بإزاء قيمة أنثوية خاصة هي التعهد والرعاية و«المقاربة طويلة ~~المدى، التي تكشف عما لا يكشف عنه عشرات البحوث العجلى». # 16 # تبحث الميثودولوجيا النسوية عن علاقات بين الباحثين تقوم على رفض السلطة والتراتب ~~الهرمي، سواء بين العلماء أو بين المؤسسات العلمية أو بين فروع العلم، وتنزع إلى نسائج ~~من التفاعلات، وإلى تعاون بين العلماء يقوم على الاحترام المتبادل والعمل في انسجام، ~~بدلا من التنافس المحموم، وفي هذا تعلي من قيمة التزامل # collaboration # واستراتيجيات الأبحاث المصممة، بحيث يشترك فيها أكثر من ~~باحث، إن التزامل يشجع التشارك في اتخاذ القرار، ويخلق مجتمعا متعاونا بلا تراتب ~~هرمي، كما تروم النسوية دائما. ومن الإيجابيات أيضا العناية بأساليب تدريس العلوم ~~وكيفية جعل العلم جذابا للطلبة وللطالبات خصوصا، # 17 # واجتذاب الهواة، وإدخال العلم في نسيج الثقافة العامة، فلا يكون كهنوتا ~~مقصورا على الصفوة، وهذه بالذات قضية اتفقنا عليها منذ مقدمة هذا الكتاب. # الميثودولوجيا العلمية النسوية تبحث عن الإنصات إلى الطبيعة، وتلقي رسالتها كصديق ~~يحكي لك عن نفسه ... كزهرة تتفتح أمامك، و«يغدو العلم حوارا مع الطبيعة بدلا من أن ~~يكون محكمة تفتيش»، # 18 # واستنطاقا واستجوابا. أكدت بربارة ماك كلينتوك - الحائزة على جائزة نوبل ~~عن أبحاثها في جينات نبات الذرة - كثيرا على «الإنصات» لما تقوله الطبيعة، ورأت فيه ~~منهجية حوارية تقوم على ارتباط شعوري عميق بموضوع البحث. # إنه اكتشاف طرق إضافية للفهم، وتقدم النسوية عقلا علميا يلعب فيه الشعور دورا ~~أكبر. إن الشعور مصدر من مصادر الفهم، وبالمثل نتيجة من نواتج الفهم، ليتوشج الشعور في ~~مفهوم المنهج العلمي، تخليصا للعلم من جفافه، وتخلصا من الفوارق القاطعة بين المناشط ~~العقلية، ومن سائر التصنيفات القاطعة. القيم الأنثوية تعني انفتاح البحث العلمي على ~~الطبيعة والعالم، بتصورات نسوية تداوي أحادية الجانب، من أجل توازن مأمول وتكامل ~~منشود. # المثيودولوجيا التقليدية بعقلانيتها ms097 التجريبية تركز على العقل والحواس، وقد تضيف ~~الخيال والحدس، لكن ماذا عن الشعور والإحساس والعاطفة والوجد والانفعال والتذوق ~~والاستمتاع والمعايشة والعلاقات مع الزملاء والارتباط بالمؤسسة العلمية ... النسوية ترى ~~أن يؤخذ كل هذا أيضا في الاعتبار إذا رمنا تفسيرا متكاملا للمنهج العلمي، أكثر ~~حيوية ودافعية، أكمل وأجمل وأشد حضورا. # ويبقى تقديس الحياة والقيم الإيكولوجية في عصر باتت فيه البيئة من كبريات المشاغل، ~~وهنا تتقدم الميثودولوجيا النسوية بقيمها، لتكون فلسفة بيئية على الأصالة. إن توازن ~~المنهج العلمي بالقيم الأنثوية، التي تقوم على عمق الارتباط بالآخر وانبثاقة الحياة من ~~المرأة والتعهد بها ورعايتها وتنميتها، يؤذن بطرح في صالح مشكلة البيئة والمتطلبات ~~البيئية. وتصاعدت النسوية البيئية # Ecofeminism # التي ~~تعبر عن العلاقة الحميمة بين الطرفين: الطبيعة أنثى والأنثى طبيعة. # وهذا ما يؤكده التاريخ العتيق المهدر لصالح الرجل؛ فقد اكتشف القنص والحرب، واكتشفت ~~المرأة الزراعة والرعي. اخترع الرجل الفأس والبلطة والسكين والخنجر والقوس والسهم ~~والرمح، واخترعت المرأة القدور والأواني والأطباق والأقداح والموقد. صنع الرجل العجلة ~~وصنعت المرأة الردهة والفراش والستائر ... والآن بدأ عصر البيئة بكتاب «الربيع الصامت» ~~(1962م)، وهو من وضع امرأة. هكذا تملك النسوية مبررات الزعم بأن الحفاظ على البيئة من ~~خصوصياتها. ويبدو مفهوم المنهج العلمي الأنثوي قادرا على إعادة التصالح مع البيئة، ~~وعلى صونها ورد الاعتبار إليها. # على الإجمال مفهوم المنهج العلمي، يغدو أرقى وأكمل وأكثر إنسانية وأكثر إيجابية، حين ~~يتلاقح بمثل هذه الأبعاد الأنثوية الحميمة. ~~••• # وأخيرا فإن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية النسوية لمفهوم المنهج العلمي، ليست في ~~إضافة أبعاد أنثوية حميمة ونابضة ومجدية إلى العقلانية التجريبية، بل في فعل الإضافة ~~نفسه وفي حد ذاته. # ألا إن في هذه الإضافة استجابة مثمرة لما طرأ على فلسفة العلم من عدم اقتصار على ~~العناية بالبنية المنطقية للمعرفة العلمية، بل أيضا في تفاعلها مع سياقها الاجتماعي ~~والثقافي والتاريخي، وهذا هو درس توماس كون العظيم ونموذجه الإرشادي، وتنامي أبحاث ~~سوسيولوجية العلم واشتباكها بفلسفة العلم. ومن ناحية أخرى تسير هذه الإضافة في سياق ~~متنام مؤخرا يعرف بالفلسفة التطبيقية، التي ms098 تعنى بمباحث تتحول إلى واقع حي ~~معيش. ومع الرؤية النسوية وما أضافته من أبعاد وقيم إلى مفهوم المنهج العلمي، نجد ~~العقلانية التجريبية واقعا حيا معيشا في إطار منهجية أشمل، تحتويها بمعية أبعاد ~~اجتماعية وثقافية وحضارية معيشة، إنه مثال لتحويل مفهوم المنهج العلمي إلى فعالية ~~تطبيقية معيشة، وبالطبع يمكن أن يكون ثمة مبادرات أخرى وتفعيلات أخرى في أطر منهجية ~~أخرى. # فماذا عن تفعيل المنهج العلمي بعقلانيته التجريبية في سياقنا نحن الثقافي وواقعنا ~~الحضاري. # | خاتمة: مفهوم المنهج العلمي في حاضرنا ومستقبلنا # يظل مفهوم المنهج العلمي فعالية منتجة، والحديث عنه حديث عن إمكانية واقعية حاضرة ~~ومستقبلية ولود مثمرة. ومن قبل أن تتبدى معالم ما بعد الحداثة، سبق أن انتهى الفصل السابع ~~إلى أن كل وأي حديث عن الحداثة والتحديث، بات مقترنا بتمكين وتفعيل لمفهوم المنهج ~~العلمي؛ ومن ثم فإن مقاربة وضع هذا المفهوم في حاضرنا ومستقبلنا، إنما هو وجه من وجوه ~~قضية الحداثة ها هنا، وصلب من أصلاب إشكالية الأصالة والمعاصرة الشهيرة، التي طال انشغالنا ~~بها، دون الوصول إلى الغاية المنشودة، كما فعلت أمم أخرى كالصين ومن قبلها اليابان وسواهما، ~~لم تشارك في الحداثة، لكنها تمكنت من حل هذه الإشكالية، فاستطاعت الاستيعاب والتجاوز، ~~والإسهام في التقدم المعاصر. # إن الشغل الشاغل هو الواقع الحاضر ومستقبله، ومن أجله كان الاشتباك بالماضي فيما سبق، وفي ~~أي موضع. رأينا في الفصل الثاني كيف أن مفهوم «المنهج» أصلا متوطن في ماضينا أو في تراثنا ~~الذي امتلك رصيدا منهجيا هائلا في مسيرته التاريخية. ورأينا في الفصل السابع كيف قدم ~~هذا الماضي عطاء علميا دافقا من حصاد المنهج العلمي، أسهم في أن يفضي إلى النقلة ~~الحضارية الكبرى وهي العلم الحديث. ألا إن القيمة الحقيقية لمثل هذا الماضي، تكون بقدر ما ~~يسهم في حاضر جيد ومستقبل أفضل # 1 ~~... بقدر ما يسهم بمزيد من التحديث والتقدم، يشترط مزيدا من التفعيل لمفهوم ~~المنهج العلمي. # ونلاحظ أنه على الرغم من ذلك الرصيد التراثي، يبدو المنهج العلمي بعدا غائبا مفتقدا ~~في واقعنا ... في ثقافتنا المعيشة ms099 وطرائق تفكيرنا وعوائدنا وسلوكنا وسمات شخصيتنا القومية، بل ~~حتى طباع النخبة فينا، وتلح الحاجة إلى جهود ثقافية مكثفة، أهم مهامها توطين مفهوم المنهج ~~العلمي في حس الجماعة، لنتمرس على مواجهة الواقع الصلب العنيد، الذي يتأبى علينا ونفشل في ~~تطويعه، فنستورد حلولا لمشكلاته في استنزاف للموارد وتعويق لسيرورة نماء وتقدم. المطلوب ~~الخروج بمفهوم المنهج العلمي إلى آفاق الثقافة العربية، بمفهومها الأنثربولوجي إن صح ~~التعبير، أو الأيديولوجي إن جاز التعبير، المهم ألا يقتصر على المنظور الترانسندنتالي ~~المتعالي للثقافة، ولا يظل موضوعا للحوار بين صفوة المثقفين وأبحاث بعض المتخصصين، بل ~~تشريب المواطن بفعاليات المنهج العلمي بوصفه أسلوبا في الإنشاء وفي الإدارة، في التخطيط ~~وفي التنمية، في الإنتاج وفي الاستهلاك ... وفي مواجهة وقائع الحياة اليومية، وهذه مهمة تشارك ~~فيها التربية والتنشئة ومقررات التعليم ووسائل الإعلام والتثقيف، التي لا تزال تطابق ~~أحيانا بين الثقافة والأدب، وتجعل السهرة الثقافية تعني سهرة أدبية. # وهنا يتمثل دور لتجديد التراث وتطوير خطابنا الثقافي، من أجل توطين مفهوم المنهج ~~العلمي وزرعه في ثقافتنا وتجذيره في التربة العربية، يتزامن هذا مع نقض المركزية الغربية ~~وتصاعد احترام التعددية الثقافية، والدعوة إلى أن تضطلع كل ثقافة بمسئوليتها إزاء توطين ~~العلم وتفعيل منهجيته. # ثمة سبل متاحة لهذه النوعية من مقاربات التراث، وتجديد الخطاب الثقافي في اتجاه تفعيل ~~مفهوم المنهج العلمي في واقعنا الحضاري، وفي ثقافتنا المميزة لهويتنا، لينطلق هذا ~~التفعيل نحو مستقبل أفضل، # 2 # في اقتفاء هذه السبل لا تكفي الإشادة بالإنجازات التاريخية، التي تأتت على أساس ~~العناية بقضية المنهج في المجالات الشتى، ولا يكفي أيضا سرد ماضي المناهج العلمية ~~وإجرائياتها، التي أفضت إلى مرحلة تاريخ العلوم عند العرب التي كانت مزدهرة، يمكن تعميق هذا ~~وذاك عن طريق تنضيد جذر العقلية المنهجية ذاتها، وأصول روحها المنبعثة في أعطاف حضارة، ~~أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها، وفي هذا، وكما بينا في الفصل الثاني، يتقدم علم ~~أصول الفقه كعلم منهجي بامتياز. وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل ~~الاستدلالية التي انطوى عليها وأسس لها، يكشف عن منهجيات ms100 مقننة، استنباطية وتجريبية ~~واختبارية نقدية، تشهد بتوطن روح المنهجية في ثقافتنا ، وقد كانت واسطة العقد المنهجي عند ~~الأصوليين في مناهج الاستدلال على العلة. # في علم الكلام القديم هو الآخر احتلت الطبيعة موقعا متميزا، لكنها كانت مشكلة ~~أنطولوجية، ولا بد أن تتحول إلى مشكلة إبستمولوجية في علم الكلام الجديد، لتغدو مهمته هي ~~تنضيد العقائد الدافعة إلى النظر في العالم الطبيعي. # 3 # ثمة موجهات للعقلانية التجريبية ثاوية في آيات قرآنية، ودعوة إلى التفكير ~~المتبصر المسئول في الظواهر والموجودات. وردت مشتقات الجذر «علم» في أكثر من سبعمائة وخمسين ~~آية، وما يقرب من خمسين آية تدعو إلى إعمال العقل، وآيات تحمل الحواس مسئوليتها، وتكفي ~~الآية # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا ~~(سورة الإسراء، الآية: 36)، لتحيل إلى المسئولية عن تآزر هذه ~~الأدوات - الحواس والعقل - وتكاملها في المنهج العلمي التجريبي، ومنذ أكثر من مائة عام خلت، ~~عمل محمد إقبال (1877-1936م)، على لفت الأنظار إلى «الاتجاه التجريبي العام في القرآن»، # 4 # الذي كون في أتباعه شعورا بتقدير الواقع، جعل منهم حملة لواء المنهج ~~العلمي التجريبي في عصر سؤددهم. القرآن يحمل قوة دافعة وقيما موجهة لتفعيل المنهج ~~العلمي. ~~••• # إنه توظيف للرصيد التراثي في استحضار واستنطاق ممكنات إيجابية في مكونات خصوصيتنا ~~الحضارية، قادرة على القيام بدورها في إفساح المجال لتفعيل مفهوم المنهج العلمي، والإسهام ~~في إزالة عقبات أو معوقات تحول دون تشريب واقعنا وثقافتنا المعيشة بروح هذا المفهوم، # 5 # أولى هذه المعوقات تكمن في الزعم بغيابها عن تراثنا وعن ثوابت ثقافتنا وغربة ~~العلم عنا، وأنه صنيعة الآخر الغربي، ويرتبط بهذا النظرة التجديفية للعلم؛ فقد دخل ذات مرة ~~- أو مرات - في صراع مع الكنيسة ومع الدين. وقد ننطق «العلمانية» خطأ بكسر العين، بعد أن ~~نضعها كضد مقابل للدينية، ثم نستنفد الجهد في خيار عقيم وعصيب وزائف، وغير مطروح في ~~ثقافتنا. وثمة أيضا معوقات آتية من النظرة التبجيلية التعجيزية للعلم؛ فهو منشط ~~البلدان المتقدمة، والصفوة من أزكى الأفراد وأفضلهم، ومن عداهم لا شأن لهم بالمنهج العلمي. ~~ومثلها النظرة ms101 الترفية للعلم، فهو يحتاج لتمويل واستعدادات وإمكانيات ضخمة لا قبل لنا ~~بها، وبالتالي لا شأن لعمومنا وعوامنا بآلياتها، وعلى رأسها المنهج، ليتكرس همنا الثقافي ~~فيما نستطيعه وما هو أكثر إلحاحا في عالمنا، وحسبنا التعليم لا العلم. وأيضا فكرة العلم ~~النافع والعلم غير النافع، ليقتصر اهتمامنا على العلوم ذات التطبيقات التقانية المباشرة، ~~التي تتحول على الفور إلى ما ينفع ويفيد، ودع عنك العلوم البحتة أو العلوم الأساسية، فضلا ~~عن الأساس الأعمق لكل هذا وهو المنهج. وهذا التصور ناتج عن نظرة شائهة لمنظومة العلم، ~~وكأنه بضعة أشياء نأخذ منها وندع! وليست نسقا محكوما بعلاقات منطقية. # الإيجابيات الماثلة لمفهوم المنهج العلمي، وارتهان التحديث والتقدم بفعالياته، لا يتيح ~~لنا خيارا سوى العمل على إزالة مثل هذه العقبات وسواها، من أجل شحذ تفعيله في واقعنا ... ~~نشدانا لحاضر منجز ومستقبل أفضل. ms102