######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.MushkilatCulumInsaniyya.Hindawi80253963 #META# Tags: philosophy #META# ID: 80253963 #META# Title: مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير الطبعة الجديدة‏ # مقدمة في المصطلح‏ # 1 - العلوم الطبيعية منطق تقدمها‏ # 2 - العلوم الإنسانية منطق تخلفها النسبي‏ # 3 - منطق مشكلة العلوم الإنسانية‏ # 4 - الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية‏ # 5 - التساوق المنهجي للخاصة المنطقية‏ # 6 - الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة والخروج من مشكلة العلوم الإنسانية‏ # 7 - إمكانية حل مشكلة العلوم الإنسانية‏ # الختام‏ # ثبت المراجع‏ # تصدير الطبعة الجديدة‏ # مقدمة في المصطلح‏ # 1 - العلوم الطبيعية منطق تقدمها‏ # 2 - العلوم الإنسانية منطق تخلفها النسبي‏ # 3 - منطق مشكلة العلوم الإنسانية‏ # 4 - الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية‏ # 5 - التساوق المنهجي للخاصة المنطقية‏ # 6 - الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة والخروج من مشكلة العلوم الإنسانية‏ # 7 - إمكانية حل مشكلة العلوم الإنسانية‏ # الختام‏ # ثبت المراجع‏ # | مشكلة العلوم الإنسانية # | مشكلة العلوم الإنسانية # | تقنينها وإمكانية حلها # تأليف # أ.د. يمنى طريف الخولي # | تصدير الطبعة الجديدة # ونحن الآن في مطالع القرن الحادي والعشرين، نشهد تفجرا معرفيا باذخا غير ~~مسبوق، ونبدو على أعتاب مرحلة جديدة من التقدم العلمي، يعلو فيها دور العلوم الآلية؛ أي: ~~علم المنطق ومناهج البحث وعلوم المعلوماتية والكمبيوتر وعلم اللغة العام. تلوح في الأفق ~~ثورة تنتزع العرش من الفيزياء لتعتليه علوم الوراثة والبيولوجيا الجزئية لتتآزر مع العلوم ~~الآلية في منظومة مستجدة تماما، تستغل الإمكانات المعرفية للتكويد والتشفير والقوة ~~التوليدية للأنساق الاستنباطية ... إلخ، لكن يظل التجريب دائما سلاحا أوليا للبحث العلمي ~~لا مندوحة عن حسن استغلاله وتشغيله وشحذه. ولا تتوانى فلسفة العلم ومناهج البحث عن ~~القيام بدورها في هذا. ومن كل صوب وحدب سوف تعلو مؤشرات التقدم العلمي والتفجر ~~المعرفي قرننا الحادي والعشرين. # وفي كل هذا يزداد إلحاح دور العلوم الإنسانية في العقل وفي الواقع. ولا تزال سيطرة العقل ~~العلمي التجريبي على الظواهر الطبيعية والحيوية تفوق كثيرا سيطرته على الظواهر ~~الإنسانية. أجل، قطعت العلوم الإنسانية خطوات واسعة في طريق اصطناع المنهج العلمي ~~التجريبي، وعلى مدار القرن العشرين أحرزت إنجازات متوالية. ولكن لا تزال الحاجة ~~ملحة إلى مزيد من سيطرة العقل العلمي على الظواهر الإنسانية، وإلى دفع الطاقة التقدمية ~~للعلوم الإنسانية. # ومن هنا تأتي أطروحة هذا الكتاب. ms001 إنه ينطلق من منظور مستقبلي، هادفا أن تبلغ العلوم ~~الإخبارية بالظواهر الإنسانية، ما بلغته العلوم بالظواهر الطبيعية من معدلات نجاح ~~متسارعة في أداء وظائف العلم التجريبي من وصف وتفسير وتنبؤ وسيطرة تقانية، عسانا ~~أن نحقق عالما أفضل وأكثر توازنا. # يقف الفصل الأول على منطق التقدم المتوالي للعلوم الطبيعية، الذي تبلور، بل تفجر بثورة ~~العلم في القرن العشرين. ثورة النسبية والكوانتم، وهي من أعظم ثورات البشر طرا، وكانت ~~ثورة المعلوماتية والهندسة الوراثية المذكورة آنفا إحدى نواتجها، وتظل تحمل إمكانات ~~واعدة لا حصر لها، يعنينا منها هنا فتح الطريق لقهر صعوبات محيطة بالعلوم ~~الإنسانية تعوق تسارع معدلات تقدمها، وتسبب مشكلة تخلفها النسبي ~~عن العلوم الطبيعية. ويتكرس الفصلان الثاني والثالث لفلسفة العلوم الإنسانية: عوامل نشأتها ~~وتناميها، ثم نجاحها في التوصيف العلمي للظواهر، لكن تباطؤ المعدلات والافتقار للتكامل حين ~~التفسير. وفي هذا الإطار نحيط بمنطق مشكلة العلوم الإنسانية بمنتهى الدقة المستطاعة لمنطق ~~العلم التجريبي. في الفصل الرابع نجد الخاصة المنطقية المميزة للعلوم التجريبية - كما ~~تتبلور في العلوم الطبيعية - أي القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب، تفتح الطريق لحل ~~مشكلة العلوم الإنسانية. لا سيما أن هذه الخاصة تتساوق مع نظرية المنهج التجريبي المعاصرة ~~التي تفتح بدورها الطريق لقهر عوامل تحول بين العلوم الإنسانية والتجريبية، وبين ~~تحقيق درجة أعلى من النجاح في أداء وظائف العلم. وهذا يعني أن الاستيعاب الكامل لأبعاد ~~الإبستمولوجيا العلمية - المنهجية والمنطقية - كفيل بدفع الطاقة التقدمية للعلوم ~~الإنسانية والإسهام في حل مشكلتها. # وكما هو معروف، كارل بوبر هو الذي صاغ هذه الخاصة المنطقية؛ أي القابلية للتكذيب كمعيار ~~للعلوم التجريبية، وجعلها عماد معالجته الرصينة النافذة لمنطق العلوم التجريبية. وها هنا ~~تطبيق للقابلية للاختبار التجريبي وللتكذيب، وتشغيل واسع النطاق لها، أبعد كثيرا من ~~إسهامات بوبر في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وربما نكون في هذه الزاوية بوبريين ~~أكثر من بوبر نفسه! # على أي حال، ليس ينطوي هذا على اختزال العلوم الإنسانية أو ردها إلى العلوم الطبيعية، ~~بل فقط استغلال ما هو مشترك في الممارسة العلمية التجريبية - كمبدأ تنظيمي ms002 - بالاقتراب ~~منه يتسم المشروع العلمي بالإحكام. إنه لهذا تنامى اقتفاء العلوم الإنسانية لشروط ~~القابلية للاختبار التجريبي، فعرفت طريق التقدم العلمي. والهدف أن يزداد الطريق وضوحا، ~~فيزداد التقدم صعودا. وتلك أولى مهام فلسفة العلم التي هي المعقل الرسمي لأصول ~~التفكير العلمي والثقافة العلمية وأصول البحث العلمي. # إنه حديث في الفلسفة، موجه لباحثي العلوم الإنسانية، لكن يهم أيضا باحثي العلوم ~~الطبيعية، فضلا عن المثقف العادي في عصر لم تعد الثقافة فيه منعزلة عن حركة العلم ~~بحال. وقبل كل هذا وبعده يظل احتياجنا القومي لجرعات مكثفة من أصوليات التفكير العلمي ~~والبحث العلمي على السواء. # إن الاحتياج القومي والهم القومي لا يغيب أبدا عن بال المثقف الجاد، مهما ~~أوغل في غياهب التخصص الدقيق. وفي هذا، فإن الطبعات السابقة من هذا الكتاب قد لاقت - ~~بحمد الله تعالى - استقبالا حسنا. وأجمل ما في الأمر أنه في طبعته الأولى المجملة ~~تحت عنوان «إمكانيات حل مشكلة العلوم الإنسانية على ضوء الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية ~~وتساوقها المنهجي» عام 1990-1991، قد حصل في هذا العام نفسه على جائزتين عربيتين، فكان ~~عاملا لفوزي بجائزة العلماء العرب الشبان في مجال العلوم الإنسانية، من مؤسسة عبد ~~الحميد شومان - الفلسطيني - في الأردن. حصل الكتاب أيضا على جائزة سعاد الصباح للإبداع ~~الفكري بين الشباب العربي، في العام نفسه. إنه عام الطوفان وكارثة الخليج المشئومة. بل إنني ~~تسلمت الجائزة الكويتية في معرض القاهرة الدولي للكتاب أواخر يناير 1991، والحرب دائرة. ~~ورغما عنها اجتمعت الجائزتان في هذا الكتاب، تأكيدا أن البحث العلمي العربي كالإبداع ~~العلمي العربي لن تقف في وجهه حدود سياسية، ولو كانت بضراوة الأسلاك الشائكة وحقول ~~الألغام. ويلتقي تقدير الطرفين المتقابلين، وفي صلب الزمن العصيب، مصداقا لثابت باق يعلو ~~على الكوارث ومؤامرات الفرقة، فليست العروبة ترهات وألاعيب سياسية، بل هي وحدة ثقافية ~~وحضارية غير قابلة للفصم أو القصم مهما كانت ضراوة الوقائع والمتغيرات. ومن ثم فإن ~~القومية العربية أشد حقيقة من الدم في الشرايين، ومن أهوال الحروب والفرقة بين ~~الأشقاء. # وإذا جمع هذا الكتاب بين الجائزتين ms003 العربيتين المتزامنتين والمتقابلتين، ليقف حجة دامغة ~~في وجه كل من تسول له نفسه التطاول على مفهوم العروبة، وحقيقة القومية العربية، فإن ~~هدفه المعرفي الأساسي هو الحيلولة دون التشويه الأيديولوجي للعلوم الإنسانية! # وقدمت دار قباء طبعته الجديدة مع بدايات القرن الحادي والعشرين. # 1 # وفقنا الله لما فيه السداد. # يمنى طريف الخولي # منيل الروضة. مايو 2001 # | هوامش # | مقدمة في المصطلح # حضارة العرب هي حضارة اللغة والفصاحة والبلاغة وفن القول، فالشعر فنها الأول وديوانها ~~الأكبر، وتتيه على الحضارات طرا بأنها تتحدث اللغة ذات العدد الأكبر من المفردات التي ~~تعد بالملايين، بينما لا تتجاوز مفردات اللغة الإنجليزية - مثلا - سبع مئات من الألوف. ~~ومع هذا فإن أخبث مواطن الداء في الثقافة العربية هي عدم الحرص على دقة المصطلح، ~~حتى إن معظم المصطلحات المهمة والخطيرة فضفاضة تتسم بالهلامية، قد تستخدم للدلالة ~~على مدلولات شتى متداخلة أو متقاربة أو متباعدة أو حتى متضاربة ... على الإجمال قد ~~يدل المصطلح على أشياء كثيرة فلا يدل على أي شيء محدد، ونعجز في معظم الأحايين ~~عن ربط الاسم بمسماه، ومن ثم عن الإتيان بالقول المحكم الدقيق، وكأننا نعاني فقرا ~~لغويا مدقعا! # على ذلك يبدو هذا التمهيد مهما لتحديد مصطلحات عنوان الكتاب أو موضوعه، ما دام بحثا ~~في منطق «العلم»، ومجرد هذا المصطلح: العلم # Science # مصطلح ~~حديث. ولم تتم صياغة مصطلح العالم # Scientist # إلا في الثلث ~~الأول من القرن التاسع عشر، حين اشتق - آنذاك - من الفعل اللاتيني # Sciere # أن يعرف؛ ليدل فقط وبتميز شديد على المنشغل ~~بذلك النسق المعرفي النامي والمتعملق حديثا - وعلى وجه الخصوص - الطبيعة والكيمياء ~~بمنهجهما الصارم، وطابعهما المحكم، ثم توالى اجتياح العلم لمجالات شتى، أتت كلها # Science # وفقا لهذا المصطلح المدقق. ولكن لم يوضع له ~~مقابل في اللغة العربية إلا مصطلح «علم» العريق جدا والمترامي النطاق في ثقافتنا؛ حيث ~~يدل على أي نشاط معرفي وأي درس عقلي على وجه الإطلاق. ولعله لم يظفر بتحديد ما إلا ~~على يد بعض الفقهاء - كابن تيمية وابن حنبل - الذين أصروا على أن «العلم» ms004 يقتصر على أصول ~~الدين وتفسير القرآن والشريعة والسنة ... بل وذهبوا إلى أن أي استعمال آخر له هو من قبيل ~~التجديف والكفر. وبطبيعة الحال نهض المستنيرون من الفقهاء والفلاسفة والعلماء، وأيضا من ~~المتكلمين ذوي المنزع العقلاني، نخص منهم بالذكر أبا الحسن العامري (متوفى 381ه)، لتأكيد أن ~~«العلم» - هذا النشاط الشريف المعلى - يتطرق إلى مجالات أخرى كالرياضيات والنظر العقلي ~~في شتى المواضيع والأمور. وفي كل حال كان مصطلح «العلم» في ثقافتنا العربية - ولا يزال - ~~مصطلحا شديد العمومية، يشير - وعلى أحسن الفروض - إلى أي بناء عقلي نظامي وأي دراسة ~~منهجية، في مقابل مصطلح # Science # الدقيق والمحدد الذي سوف ~~نستعمله في هذا الكتاب. # إذن فمصطلح «العلم» يرد في هذا الكتاب بذلك المفهوم الدقيق المحدد ليدل فقط على: ~~«أنساق تفيد مضمونا إخباريا، ومحتوى معرفيا، وتوصيفات دقيقة، وقوة شارحة، وقدرة ~~تفسيرية، وطاقة تنبؤية، منصبة على ظواهر العالم التجريبي والواقعي الواحد والوحيد الذي ~~نحيا فيه»، معنى هذا أن مصطلح «العلوم الإنسانية» يشير إلى الدراسات التي تستهدف الإحاطة ~~المنهجية الوصفية والتفسيرية بالظواهر الإنسانية، كعلوم الاجتماع والاقتصاد والنفس ~~والأنثروبولوجيا والجغرافيا ... إلخ، بفروعها العديدة. ولا ينطبق على الدراسات الإنسانية ~~الأخرى المعيارية والتنظيمية من قبيل فقه اللغة، والقانون، والشريعة، والنقد الأدبي، وأنظمة ~~المحاسبة والإدارة ... إلخ؛ أي أنها تخرج عن مجال بحثنا، وعن مجال فلسفة العلوم التجريبية. ~~ولا ينفي هذا بطبيعة الحال خطورتها، وأهميتها الحضارية الكبيرة. بل إن التطور الكبير ~~للسانيات واللغويات في القرن العشرين قد توغل كثيرا داخل حدود العلم، ومجرد أصول له قد ~~انعكست على مسار العلوم الإنسانية فيما يعرف بالاتجاه البنيوي، وما تلا هذا من ~~تطورات معرفية مهمة حدثت بفعل الحاسب الآلي (الكمبيوتر). ولكننا ملزمون بالتحديد ~~المنطقي التجريبي الذي يحول بيننا وبين التعرض للدراسات الإنسانية المعيارية ~~والتنظيمية. # ولما كان علم الاجتماع وعلم النفس هما القطبان اللذان يحصران كل موضوعات أو فروع ~~العلوم الإنسانية التجريبية في تردداتها بين الجمعي العام والفردي الخاص، ~~فإننا سنصوب عليهما الأنظار ونوليهما عناية خاصة. # ولا يمنع هذا بطبيعة الحال من التعرض للفروع الأخرى حسبما يقتضي ms005 السياق. غير أننا آثرنا ~~الابتعاد عن «التاريخ»؛ لأننا لو اعتبرناه علما فلا بد أن يكون ذا طبيعة خاصة ~~جدا. # ولا يفوتنا التوقف لتوضيح ضرورة استخدام مصطلح العلوم ~~الإنسانية # Human Science ~~، فالكثيرون وعلى رأسهم كلود ليفي شتراوس يطابقون بين مصطلحي # Human Sciences # و # Sciences ~~Social ~~، ولكن مصطلح # Human Sc. # الذي بدأ ~~يسود في السنوات الأخيرة يبدو أصوب؛ لأن الإنسان - وإن كان لا يتواجد إلا في صورة جمعية - ~~فإنه الموضوع المحوري، والوحدة النهائية التي ترتد إليها الدراسة في كل حال. على أن ~~التقاليد الأنجلوسكسونية وبجذور تعود لعصر النهضة وما قبيله، تضع مصطلح الإنسانيات # Humanties # ليدل على الآداب والفنون والمسائل المعيارية ~~والقيمية واتجاهات لتفسير النصوص ... إلخ، وكلها مسائل مفارقة للعلم، ولا ينبغي أن تختلط به. ~~وهذا جعلهم يفضلون مصطلح # Social Sciences # للدلالة على مجمل ~~العلوم الإنسانية. وساعدهم في هذا وجود اشتقاق آخر هو # Sociological # ليدل فقط على ما ينتمي لعلم الاجتماع بالذات. # ورحنا نحن ننقل هذا بغير مراعاة للشائع من اشتقاقات لغتنا، فنستخدم الترجمة الحرفية ~~لمصطلح # Social Sciences # أي «العلوم الاجتماعية» للدلالة على ~~مجمل العلوم الإنسانية، ونستخدم أيضا مصطلح «العلوم الاجتماعية» للدلالة على ما ينتمي لعلم ~~الاجتماع؛ أي كترجمة للمصطلح # Sociological # في خلط ينبغي ~~تجنبه عن طريق استخدام مصطلح «العلوم الإنسانية»، وقصر مصطلح «العلوم الاجتماعية» على علم ~~الاجتماع وفروعه. وعلى ذلك التزم هذا الكتاب بمصطلح «العلوم الإنسانية» الأصوب، حتى حين ~~ترجمة الاقتباسات من مصادر استخدمت مصطلح # Social ~~Sciences ~~، بل وحين الاستفادة من مصادر عربية استخدمت مصطلح «العلوم ~~الاجتماعية» للدلالة على مجمل العلوم الإنسانية. # وأخيرا فضلنا مصطلح مشكلة Problem ~~؛ لأنه يفيد ~~تحديدا منطقيا، ما يجعله أفضل من المصطلح المستحدث الذي ذاع استخدامه؛ أي ~~إشكالية Problematic ~~؛ لأنه يعني مشكلة تتوالد عنها ~~مشكلات، ما يوحي بالهلامية التي لا يناسبها، ولا يجدي معها منطق. # الفصل الأول # | العلوم الطبيعية منطق تقدمها # بلغ القرن العشرون خواتيمه متوجا بحصاد علمي يتيه به على القرون أجمعين، لقد تفجرت ~~فيه الطاقة التقدمية للعلوم الطبيعية، وفاقت كل معدلات التقدم العلمي المعهودة من قبل ms006 ~~بنسبها البسيطة والمركبة. وفور أن انتهى نصفه الأول قيل: «إن أكثر من ثلاثة أرباع علم ~~الفيزياء المعروف لنا اليوم قد أنتجه هذا القرن العشرون.» # 1 # وفي نصفه الثاني تضاعف هذا النتاج، وما زال يتضاعف. ولحقت بالفيزياء - وهي ~~العلم الطبيعي الأم - بقية أفرع العلوم الطبيعية. ونشأت فروع أخرى، ولا تزال تنشأ. # ولا نحسبن الأمر يعوزه استطراد. فتعملق العلوم الطبيعية «أوضح من شمس النهار» ~~كما قال الأقدمون، لكن الأقدمين قالوا هذا التمثيل مجازا، ونحن نقوله حقيقة ففي إمكان ~~العلوم الطبيعية الآن أن تجعل شمس النهار تتوارى بضع لحظات مثلا أمام التفاعلات الذرية ~~لانفجار القنبلة الهيدروجينية، وهي واحدة من بنات حصائلها المتواضعات. هذه الحصائل تملأ ~~آفاق عصرنا، بدءا من وسائل المواصلات والاتصالات التي قهرت الزمان والمكان، حتى غزو ~~الفضاء، والصحراء. وثورة الهندسة الطبية، فضلا عن الهندسية الوراثية التي تعاظمت معها ~~استطاعات الإنسان، وتتابع أجيال الحاسوب ... إلخ، ومع هذا «سيظل العلم دائما شيئا ما أعظم ~~من تقانة (تكنولوجيا)، وأكثر من فروع للمعرفة. إنه شيء حي، شيء من أشياء المتعة والجمال، ~~يتوشج بطبيعته توشجا داخليا في شئون الحياة، وهو مع هذا شيء مميز عنها، إنه ميدان ~~للخبرة يلعب فيه الخيال دورا كاملا.» # 2 # لقد قيل إن العلم شيء حي، بمعنى أنه بناء صميم طبيعته الصيرورة. وهو نسق متتالي ~~التوالد والتنامي والتغير، ما يعني أن منطقه منطق نظام ديناميكي، وهو منطق للتقدم ~~المستمر؛ لذلك فحين نقف على خاصية البنية المنطقية للعلوم الطبيعية، سنرى كيف أن نسقها ~~يحمل في صلب طبيعته إمكانية التقدم المستمر دائما استمرارية البحث العلمي. إن هذه ~~الإمكانية متوشجة في صميم البنية المنطقية، حتى أمكن القول إن منطق العلم التجريبي منطق ~~«تصحيح ذاتي» فنجد جاستون باشلار # Gaston Bachelard ~~(1884-1962) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا، يؤكد ضرورة الربط بين العلم والفلسفة، ويحرص على ~~تأكيد أهمية الخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي. # وباشلار يطلق نظرياته ورؤاه النافذة المحيطة بأعماق ظاهرة العلم كشاعر ملهم، يقول: ~~«العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام؛ لأن الجهل ليس ms007 له بنية، بل يخرج من ~~التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه. والحقيقة ~~العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي ~~المشترك.» # 3 # فيؤكد باشلار كثيرا أهمية النقد. أو حسب تعبيره «هذا الشك المسبق المنقوش على ~~عتبة كل بحث علمي، يتصف بأنه متجدد، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير ~~العلمي.» # 4 # لذلك ينتهي باشلار إلى أن العقل العلمي يتنكر دائما لما ينجزه، من حيث ~~دأبه على نقده وتصويبه. ألم نتفق على أن منطق العلم «منطق تصحيح ذاتي»؟! إنه لهذا يكفل ~~لتواتر محاولات العلماء الإبداعية، ومحض توالي البحوث المنهجية ... يكفل لها التقدم المستمر، ~~من حيث يفتح أمامها آفاقا أوسع. معنى هذا أنه مهما أحرزت العلوم الطبيعية من ~~تقدم، فسوف يظل إحرازها هذا يحمل في صلب ذاته إمكانية التقدم الأبعد، فلا ركون ولا ~~سكون البتة. بعبارة أخرى كل إجابة يطرحها العلم يطرح معها تساؤلات جديدة أبعد مراما. ~~وكما يقول كلود ليفي ~~شتراوس # C. ~~Levi Strauss ~~(1908-؟): «سوف تكون هناك دائما فجوة بين الإجابة التي يكون العلم ~~قادرا على إعطائها لنا، وبين السؤال الجديد الذي سوف تثيره هذه الإجابة.» # 5 # فلن يتوقف أبدا تقدم مسيرة العلم الطبيعي الظافرة، التي انطلقت في طريقها الصاعد ~~الواعد، فور أن وضع نيقولا كوبرنيقوس # N. Copernicus ~~(1473-1543) فرض مركزية الشمس - التي سبق أن طرحها أرسطارخوس الساموسي في القرن الثاني ~~الميلادي - بدلا من مركزية الأرض في النظام البطلمي القديم، المعتمد طوال العصور الوسطى. ~~وتعد مركزية الشمس الكوبرنيقية - بضعف حجمها، وما فيها من أوجه قصور - هي المنعطف ~~الجذري بألف ولام التعريف، الذي تحول معه العقل البشري من شعاب العلم الطبيعي القديم، ~~ليستهل الخطوة الأولى ونقطة البدء في تشييد «نسق العلم الحديث». # لقد قيل إن العلم الطبيعي أقدم عهدا من التاريخ. فالمعطيات الأساسية التي يرسو عليها ~~تأملها الإنسان وأسلافه لعشرات ومئات الآلاف من السنين، وقبل أن تخترع الكتابة. ~~والواقع أن رموز الأعداد اخترعت قبل الكتابة. فأول ما ينبغي أن نقره بشأن العلم، ms008 هو ~~أنه متأصل في صلب أقدم مناحي الإنجاز الإنساني. # 6 # وحين نتقدم قليلا في مسيرة الحضارة الإنسانية سوف نلقى - بصفة أكثر تحديدا ~~- الميراث العلمي الواضح المعالم للحضارات الشرقية القديمة، وعلى رأسها الحضارة الفرعونية، ~~أعظم الحضارات طرا وفجرها الناصع. ثم هل كان يمكن تشييد «نسق العلم الحديث» بغير ~~الأصول النظرية العميقة التي أرساها فلاسفة الإغريق، والفروض المثمرة التي طرحها بعضهم، ~~خصوصا قبل السقراطيين منهم، وعلى رأسها فرض الذرة. وبصفة أكثر عينية لم تكن إنجازات ~~جاليليو (1564-1642) - وهو في طليعة الآباء العظام للعلم الحديث - ممكنة دون إنجازات ~~أرشميدس، هو الذي علمه التآزر الخصيب الولود بين لغة الرياضيات ووقائع التجريب. ومعلوم ~~جيدا دور العلماء العرب في العصور الوسطى في مواصلة مسيرة البحث التجريبي، وعلى رأسهم ~~وعلى رأس العلماء الطبيعيين القدامى طرا، ابن حيان، وابن الهيثم، والبيروني، ~~والرازي. # ولئن كان العلم الطبيعي في هذا المسار الطويل قد أنجز بضع محصلات، ربما تتخذ ~~مواقعها حتى الآن في نسق العلم الحديث، ولو كأصول تمهيدية فإنها كانت نتائج ضئيلة نسبيا ~~والأهم متناثرة؛ لأن البحث العلمي نفسه كان نشاطا متناثرا، مشتتا مبعثرا، ملحقا ~~بالاحتياجات العملية المباشرة في العهود السحيقة، ثم بالكهنوت في الحضارات القديمة، ثم ~~بالفلسفة والإطار الثقافي في الحضارة الإغريقية، وفي الحضارة الوسيطة التي كان إطارها ~~إطارا دينيا. فلم يكن العلم الطبيعي القديم كيانا مستقلا بذاته، حتى انبثق العلم ~~الحديث في صورة نسقية؛ أي مهيأة للاستقلال، بحيث تحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانات ~~تناميها، وفاعلية عوامل تقدمها ذي المعالم الواضحة. # والنسقية تعني إحكام المشروع العلمي فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية صارمة، ~~ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة تحدد للمشروع العلمي تخوما واضحة، ما يكفل تآزر ~~الجهود العلمية، فيجعلها تمثل متصلا صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار، ويلقي في ~~جوانحنا الثقة المدعمة بأن غده أفضل من يومه، تماما كما أن يومه أفضل من أمسه، الذي ~~كان أفضل من أمسه الأول. فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم الطبيعي إضافة لرصيده، أو ~~بالأحرى لرصيد الإنسانية، لكن إضافة رأسية. # أجل، يمثل ms009 العلم الطبيعي متصلا صاعدا، دونا عن شتى مناحي الإبداع الإنساني كالفن ~~والأدب والفكر والفلسفة والأنظمة ... إلخ، التي تنمو في صورة تراكم كمي واتساع أفقي، ~~لا يلغي القديم فيه الجديد، ولا يتجاوزه، ولا يفوقه، بل يقف بجواره. وأن تمثل ~~الإنجازات المتوالية متصلا صاعدا، يقترب دوما من الصواب، متجاوزا مثالب الوضع ~~السابق - أو مواطن كذبه - وباحثا عن مثالب أخرى في وضعه الجديد ليقترب من الأصوب. فذلك ~~هو التعبير المنطقي عما يعرف بمقولة تقديم العلوم الطبيعية. وسوف نرى أن الخاصة المنطقية ~~المميزة للعلوم الطبيعية، والتي تعطي أشمل معالجة لمنطق النظرية العلمية التجريبية، هي في ~~حد ذاتها بلورة لعامل التقدم المتوشج في نسيج العلم الطبيعي. ~~••• # وقد بذلت عدة محاولات فلسفية للوقوف على طبيعة هذا التقدم العلمي المستمر. وبنظرة ~~شاملة يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تجمل تصورات تقدم العلوم الطبيعية أو ~~نموها # 7 # وهي: ~~(أ) # تبعا لتتالي الأحداث الذي لا يحكمه أي اطراد عام، فإنه لا يمكن ~~تفسير تقدم العلوم الطبيعية، يمكن فقط وصفه، وهذا هو تصور الوضعيين ~~المناطقة على الخصوص. ~~(ب) # تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات التي ربما تحدث بغير ~~رابطة داخلية # internal link ~~. هذه هي ~~النظرية الثورية. ~~(ج) # وكنقيض للرأي السابق نجد الرأي التراكمي، الذي يؤكد استمرارية المعرفة ~~العلمية. وهذا رأي شائع بين العلماء وفلاسفة العلم ومؤرخيه الكلاسيكيين، أمثال ~~ويليم ويول وبيير دوهيم وكارل بيرسون وجورج سارتون. ولعل أبرز ممثليهم عالم ~~الفيزياء المتطرف أرنست ماخ # E. Mach ~~(1838-1916)، فقد استنفد قواه الفلسفية والمنطقية في شن حرب شعواء على الكمومية ~~«الكوانتم» والنسبية، ما يوضح إلى أي حد كان تفكيره أسير مرحلة العلم ~~الكلاسيكي، وعجز عن تجاوزها. ونظرا لبساطة مسلمات العلم الكلاسيكي، ~~وتوافقها مع الحس المشترك، فإن ذلك الموقف لا يزال دارجا ويتكرر كثيرا، ~~وحتى يومنا هذا. فيعرب باشلار عن أسفه؛ لأن القرن الثامن عشر لا يزال يحيا ~~فينا. «وأحد أهداف هذا الكتاب الكفاح ضد الموقف العاجز عن مواكبة التقدم في ~~العلم. وهو - أي العلم - المجال الذي يعنينا منه أنه التمثيل العيني لمقولة ms010 ~~التقدم في أجلى وأصفى صورها.» ~~(د) # التصور الجدلي (الديالكتكي) لهيجل وماركس وإنجلز وأشياعهم. وتبعا له يؤدي ~~التقدم الكمي التدريجي؛ أي «التراكمي» إلى قفزات كيفية أو «ثورية» تصبح ~~بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، يؤدي عند نقطة معينة إلى قفزة ~~كيفية ... وهكذا، وفقا لقانون «الكم والكيف» الجدلي؛ أي الذي ينتقل عبر مراحل ~~الجدل الثلاث: القضية ثم نقيضها، ثم المركب الذي يجمع خير ما فيهما ~~ويتجاوزهما إلى الأفضل، فيصبح بدوره - في مرحلة أعلى من الجدل - قضية تنقلب ~~إلى نقيضها ... وهلم جرا ... وعلى الرغم من النقد العنيف، بل الرفض الحاد ~~الذي يلقاه الجدل من قبل فلاسفة العلم ذوي الولاء الشديد للعقلانية # 8 # فإننا نرى في التصور الجدلي وسيلة ناجحة للربط بين التصورين ~~التراكمي والثوري في مركب متسق لمن شاء الاستفادة من التصورات الثلاثة معا ~~في كل متآزر. # بيد أن الغاية المرومة في النهاية من كل فلسفة للعلم هي أن تبلور روحه، فتضع الأصبع على ~~أشد ما يفجر الطاقة التقدمية للبحث العلمي والتفكير العلمي، ومن ثم للعقل الإنساني ~~والحضارة الإنسانية. والنظرية الثورية - بداهة - أقوى ما يدفع الطاقة التقدمية للعلم، ~~أوليست تجعله ثوريا؟ # ولا بد قبلا من الوقوف عند مصطلح «الثورة» وقفة لغوية، لنميز بين جانبين للدراسة ~~السيمانطيقية للمصطلحات هما الجانب الإشاري المباشر، والجانب الدلالي الإيحائي. من الناحية ~~المباشرة نجد «الثورة» تعني - دائما - نمطا من التغيير المفاجئ السريع، مغايرا لمجرد ~~النمو، أو حتى التطور الذي هو تغير تدريجي بطيء «يوازيه في تفسير التقدم العلمي ~~النظرة التراكمية»، لذلك قيل: إن «الثورة مقابلة للتطور، فهي سريعة وهو بطيء، وهي تحول ~~مفاجئ وهو تبدل تدريجي.» # 9 # وهذا المعنى الإشاري المباشر مقصود بعينه، ولكن فيما يختص بالجانب الدلالي الإيحائي، ~~نلاحظ تفاوتا بين لفظة المصطلح الأوروبي # Revolution # وبين ~~المقابل العربي «ثورة». إذ تعود ثورة إلى: ثار الغبار: سطع، وأثاره غيره، وتثويرا: ~~هيجه، وثورانا: هاج. ومنه قيل: فتنة ثارت، وأثارها العدو، وثار الغضب: احتد، وثار ~~إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا. # 10 # فنجدها في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج ms011 وماج، فيأتي الرفض ~~والتغيير الجذري بفعل قوى انفعالية. وليس هذا مقصودا تماما، ولكن في الإنجليزية نجد ~~المصطلح: «ثوري # Revolutionary ~~»، جذري متطرف. وأيضا دوار؛ ~~لأنه مأخوذ من # Revolution # التي تعني ثورة، وتعني أيضا ~~إتمام دورة كاملة (مثلا دورة الجرم السماوي في مداره) ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية ~~بين «ثورة # Revolution ~~» وبين «نماء أو تطور # Evolution ~~». على هذا نجد المصطلح الإنجليزي لا يجعل الرفض ~~هياجا مفاجئا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، وانتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها؛ ~~لانتهاء المرحلة السابقة أو استنفاد مقتضياتها. وهذا هو المقصود على وجه الدقة من القول ~~بالطابع الثري للتقدم العلمي. # وسوف نرى أن هذه النظرية الثورية لتقدم العلوم الطبيعية، والتي هي الضد الصريح ~~لنظرية التراكم الكمي، والتعديل الحق للقول بالتطور العادي، إنما هي النظرة التي ~~يفرضها منطق العلم ذاته، منطق الكيان المطرد التقدم ذي الثورات الحقيقية في تاريخ ~~البشر، ذلك أننا سنلقاها محصلة للخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية. ومن ثم ~~فهي أي: النظرية الثورية - وفي أقوى صورها - هي المعتمدة في كتابنا هذا، المتسقة مع ~~مسلماته وأهدافه، وإنها لنظرة شديدة الحداثة، ولكن قبيل أن ينتصف القرن العشرون، ~~سبق أن بشر بها مؤرخ العلم هربرت بترفيلد. # 11 # وخلاصة رؤيته هي أنه على قدر ما يمكننا اقتفاء الثورات العلمية بهدى ~~العوامل الخارجية، فالوضع يتمثل في أن العلماء في مرحلة ما يحدثون تغييرا في مخططات ~~تفكيرهم، يرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل مفتاحا ~~( # Key Idea # وهو تعبير بترفيلد المفضل) يفض مغاليق التعثر ~~الطارئ. وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة، ويرفض ~~بترفيلد اعتبار تاريخ العلم تاريخا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو تراكم ~~الاكتشافات والمعرفة بالوقائع. فذلك لا يعبر البتة عن التناول السليم لتاريخ ~~العلم # 12 # هذا التاريخ المتقد لا تحيط به إلا الرؤية الباحثة عن ثوراته. # ولعل أشد فلاسفة العلم حرصا على إبراز الطابع الثوري للتقدم العلمي إنما هو باشلار. إذ ~~يرى أن الخطأ الأساسي والأولي، هو الذي يظل مسيطرا ms012 على العقل البشري ما لم يعمل ~~هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحدا بعد الآخر بجهد وكفاح وصراع لا يتوقف. فكل حقيقة ~~لا بد أن تكتسب بنوع من النضال والانتصار. وكل معرفة لا بد أن تحارب لكي تحتل مواقع ~~الجهل؛ لذلك فالتقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم. ولا يتحقق إلا بنوع ~~من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر معبد مباشرة إلى ~~الحقيقة، بل إن طريقها ملتو متعرج ، تمتزج فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه ~~الصواب الخطأ صراعا مريرا كيما يخلص نفسه منه. وهكذا نلاحظ أن فعل المعرفة في كل ~~حال ينطوي في حد ذاته على ثورة ما، من حيث ينطوي على صراع. يتبلور هذا الصراع في السلب في ~~«اللا» التي أصبحت مقولة لا يستغني عنها العلم المعاصر (لاحتمية، لاتعين، ميكانيكا ~~لانيوتنية، وهندسات لاإقليدية ...) ذلك أن الجدة العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها، إلا ~~عن طريق السلب المنظم، الذي يصارع القديم ويرفضه، ويعبر عما يطرأ على العلم من ~~تحولات أساسية، عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، ويراجعها من جديد. ومن ثم يصر ~~باشلار إصرارا على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلوم. فالمعرفة العلمية تتصف أساسا ~~بعدم الاتصال في صورتها أو في مضمونها. # 13 # والبنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ ~~العلم في «جدليات ناشطة حقا». # 14 # والفيلسوف الذي يتبع بالتفصيل حياة الفكر العلمي سيدرك التزويجات غير المألوفة ~~بين اللزوم والجدلية؛ # 15 # لذلك كان مصطلح الجدل (الديالكتيك) الذي يعبر عن عدم اتصال المعرفة ~~والانتقال من القضية إلى سلبها، شديد الشيوع في أعمال باشلار، ويحتل عناوين فرعية جمة. ~~وفي عام 1951 أخرج كتابه «جدلية ~~الزمان # La Dialectique De La Duree ~~» «له ترجمة عربية». # على أساس الصراع مع الخطأ، السلب والجدلية، والاتصال. يتضح لنا عمومية التصور الثوري. ~~ويغدو التقدم العلمي مرهونا بحدوسات جريئة تمثل بدورها قفزات ثورية، تعقبها أفكار ~~تصحح أفكارا، فروح العلم هي تصحيح المعرفة، وتوسيع نطاقها، أو ما أسميناه ms013 منطق التصحيح ~~الذاتي. وهذا الأفق من الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي، # 16 # وكل هذا يعني أن الفكر العلمي فكر قلق، فكر يترقب الشيء، يبحث عن فرص ~~جدلية ليخرج من ذاته، وليكسر أطره الخاصة، إنه الفكر الذي يسير على درب الموضوعية، ومثل ~~هذا الفكر لهو الفكر المبدع. # 17 # هكذا يؤكد باشلار عمومية الثورة، فيقول: «تتضمن أزمات النمو الفكري إعادة نظر كلية في ~~منظومة المعرفة.» # 18 # وأيضا على عمقها فيقول: «إن الإنسان يصبح بواسطة الثورات الروحية التي ~~يستلزمها الإبداع العلمي جنسا مغايرا.» # 19 # فهي تؤثر تأثيرا عميقا في بنية العقل المتجددة دوما «وحتى الثورات المتصلة ~~بمفهوم واحد تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي»، # 20 # وكل شيء يمضي جنبا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم «فليس الأمر مجرد كلمات ~~يتبدل معناها، بينما يظل الترابط ثابتا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد يفوز ~~دائما بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها.» # إن العلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها كما يبدل تغير المفاهيم ~~علاقاتها المتبادلة. وليس يهتم باشلار كثيرا بالصياغات المنطقية، بل بالأحرى بما أسماه ~~«نفسانية المعرفة»؛ لأنه فيلسوف أولا وأخيرا وليس منطقيا، ولكن يمكننا أن نعبر عن ~~هذا تعبيرا منطقيا، فنقول: إن الفكر لا بد حتما أن تتبدل صورته؛ إذ ما تبدل ~~مضمونه. # فينفي باشلار أي سكونية تراكمية عن نمو المعرفة العلمية. فالمعرفة التي تبدو ثابتة تجعلنا ~~نؤمن باستمرارية الأشكال العقلية وثباتها، واستحالة قيام أي طريقة جديدة للفكر. في حين أن ~~قوام البنية العلمية ليس بالتراكم، وليس لكتلة المعارف العلمية تلك الأهمية الوظيفية ~~المفترضة. فإذا قبلنا حقا أن الفكر العلمي في جوهره يعني إنشاء الموضوعية، وجب ~~استخلاص أن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية. وعلى هذا النحو تتم كتابة ~~التاريخ الحركي للفكر. فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر في تلك اللحظة بالذات، التي يغير فيها ~~معناه، وإذ ذاك تصبح حدثا من أحداث إنشاء المفاهيم. # 21 # ويمكننا أخيرا - وعلى ضوء ما سبق - التوقف عند فكرة جوهرية أبدعها باشلار ms014 في إطار فلسفته ~~الجدلية الرافضة للاتصال، لتلعب فيها دورا محوريا، بحيث تناظر تكذيب النظرية المقبولة ~~عند كارل بوبر، وتحطيم النموذج القياسي عند كون، وتكون من أقوى تجسيدات النظرية الثورية، ~~وأعتى رفض للنظرية التراكمية، ألا وهي «فكرة القطيعة المعرفية # La Ruptare Epistemologique ~~» التي تكاد تكون تلخيصا لما سبق من خطوط فلسفة ~~باشلار، ولكنها خرجت من أعطاف فلسفته، بل ومن حدود فلسفة العلم بأسرها، وشاعت وذاعت ~~وترددت في سائر جنبات الفكر المعاصر، حتى كادت تصبح من معالمه، لا سيما أنها أبدت ~~خصوبة وفاعلية في تفسير التحولات الحضارية. # والقطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهو شق ~~طريق جديد لم يتراء للقدامى، ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، ومن ثم ~~الأضيق والأكثر قصورا. والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربي» # 22 # فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، ~~بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي ~~اشتعال أو احتراق، فهي خلق وإبداع جديد تماما. # القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود ~~اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب، هي إنجاز - إنجاز للحداثة. وعن طريقها يؤكد ~~الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة، وبين غير ~~الكائنين: الماضي والمستقبل. وتغدو الشجاعة الذهنية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة ~~حية «وأن نجعل منها منبعا لحدسنا، متدفقا دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي ~~لأخطائنا النموذج الموضوعي لحياة تكون أفضل وأوضح». # 23 # ولا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى نظرية توماس ~~كون # Thomas Kuhn # فهو من أهم من عنوا بتفسير التقدم العلمي، وطرح في كتابه ~~الشهير «بنية الثورات العلمية» نظرية «تتضمن عناصر من كل من النظريتين الثورية ~~والجدلية»، # 24 # ولكن ليس على طريقة باشلار؛ حيث تسخر الجدلية فقط لخدمة الثورية، بل ~~ولإذكائها. أما نظرية كون فهي - إن صح التعبير - ثورية، لكن متهاودة إلى حد ما. إذ تقوم ~~على التمييز ms015 في تقدم العلم بين العلم ~~العادي # Normal Science # وبين المراحل الثورية في هذا التقدم. # 25 # تقدم العلم العادي يحدث داخل إطار النموذج ~~القياسي للعلم # Scientific Paradigm # الذي يقبله المجتمع العلمي بوصفه بناء علمنا اليوم، ~~فهو الإنجازات العلمية المقبولة بصفة عامة، والتي تزود جمهرة المشتغلين بالعلم بأنماط ~~المشاكل وحلولها، تقدم العلم العادي يسير داخل إطار هذا النموذج. فالعلم العادي لا يبدأ ~~عمله بالبحث في النظرية الأساسية للنسق العلمي، أو محاولة الثورة عليها، كما أنه لا يهتم ~~باختبارها، وظهور مثال معارض لا يعامل مباشرة كتفنيد للنسق - كما يوضح جون ويزدم الفيلسوف ~~التحليلي الكبير - فربما عالجناه بفرض ~~مساعد # Auxiliary Hypothesis ~~. # 26 # إذن فنمو العلم العادي يسير من خلال التنقيح المعرفي المستمر لمحتوى نظريات أقل ~~عمومية، أو حسابات دقيقة وتنبؤات، وأيضا من خلال عملية تنقيح الإضافات التي تلحق بالنسق، ~~وتنقيح تطبيقاته. وعملية التنقيح هذه تأخذ طابع حل ~~المتاهات # Solving Puzzle ~~. وخلال حلها تثار مشاكل جديدة في حاجة للحل. بعبارة أخرى: العلم ~~العادي هو حل المتاهات، من خلال تلقيح وتنقيح النظريات الموجودة بالفعل. # 27 # وكل هذا داخل إطار النموذج القياسي للبناء العلمي. وقد استعمل كون مفهوم ~~المستويات المختلفة للعمومية، وميز على وجه الخصوص بين النماذج القياسية الميتافيزيقية ~~وهي النظرة العامة # Outlook # والنماذج القياسية السوسيولوجية ~~- كمجموعة العادات العلمية - وبين النموذج القياسي المصطنع أو المشيد لحل المشاكل ~~العلمية، المهم أن العلم العادي ينمو داخل إطار النموذج القياسي، بيد أن الفرض المتطور فيه ~~يتحول من «ل» إلى «لا - ل»: «ل ← ل». أما في مرحلة العلم الثوري، فإن الإطار نفسه ~~يتحطم، ويحل محله نموذج قياسي ذو أطر مختلفة. فيتحول الفرض من «ل ← د» # 28 # إذن ما يميز العلم الثوري عن العلم العادي، هو أن الأخير يتحرك داخل النموذج القياسي. ~~بينما الأول يحطمه، ويحل محله نموذج آخر، يمثل العلائم البارزة في تاريخ العلم. # هكذا نلاحظ أن توماس كون يتمسك بنظرية ثورية معدلة، أو مخففة إلى حد ما، مقارنة ~~بالنظرية الثورية الجذرية المعتمدة في هذا البحث، والتي رأيناها - مثلا - مع جاستون ms016 ~~باشلار، وسوف نراها أعمق مع كارل بوبر، وثلاثتهم - بوبر وباشلار وكون - أساطين فلسفة ~~العلم، لا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى وجه التعيين الربع الثالث منه، ~~وفلسفة العلم - لأنها الوجه الآخر لمنطقه - لا تسمح كثيرا بالتناقضات الحادة في وجهات ~~النظر، التي تترعرع في فروع الفلسفة الأخرى. والحق أنه لا تناقض حادا أو لا تناقض ~~البتة بين الرأي الثوري الجذري، الفلسفي مع باشلار والمنطقي مع بوبر، أو مع سواهما، وبين ~~الرأي الثوري المعدل مع كون. # كل ما في الأمر كما لاحظ بريان ماجي # Bryan Magee # أن كون ~~يدخل في اعتباره سوسيولوجية العلم وسيكولوجية العالم، وعوامل أخرى يمكن أن نسميها ~~العوامل الخارجية، أما باشلار وبوبر فينصب اهتمامهما على العوامل الداخلية للعلم ~~وبنيته، وبوبر بالذات يقتصر تفكيره على منطق العلم؛ لذلك كانت ثوريته جذرية، ويؤكد أن حالات ~~التقدم الحقيقي «لا نجد فيها شيئا مشتركا، أو خط استمرارية بين النماذج القياسية ~~المختلفة». # 29 # وبعبارة أخرى، لا يوجد علم عادي وعلم ثوري، كل علم طبيعي هو علم ثوري من ~~حيث هو مطرد التقدم، فقط بدرجات متفاوتة لهذه الثورية. # ولما كان بحثنا هذا مختصا بمنطق العلم - صميم بنيته الداخلية - بات واضحا لماذا ~~نعتمد النظرية الثورية في طبيعة التقدم العلمي. # وعلى أي حال فإن التقدم المطرد للعلوم الطبيعية هو - كما أوضحنا - متصل صاعد، ولكن ~~بحيث يمثل متوالية منطقية. فلا يعني البتة مجرد تراكم كمي رأسي، في مقابل التراكم ~~الكمي الأفقي لبقية مناحي الإبداع الإنساني - كالفنون والآداب والفلسفات والأنظمة ... إلخ - ~~بل يعني تضاعف القوة المنطقية لنظريات النسق العلمي، خصوصا في تصديها للمهمة التفسيرية ~~التي هي تحد لا نهاية له، تمثل وقائع التجريب محكمه النهائي، وفيصل الحكم على ~~مصير الفروض والنظريات العلمية. # من هنا كان العلم الطبيعي في كل حال علما تجريبيا، حتى الفيزياء البحتة دونا عن ~~الفيزياء التجريبية أو المعملية - التي هي نسق فرضي استنباطي - فتبدو من الناحية الصورية ~~أقرب إلى الرياضيات، أو لعلها من ناحية المناهج الإجرائية هكذا فعلا، فإنها - أي الفيزياء ~~البحتة - ومهما روعي ms017 فيها الاتساق الرياضي والقوة الاستنباطية للفروض، لا مندوحة لها عن ~~المواجهة مع الواقع، فتلتجئ في النهايات البعيدة إلى وقائع التجريب بشأن الاستنباطات ~~الجزئية العينية القصية - بصفة خاصة التنبؤات - المشتقة من فروضها الأولية، لنحكم على هذا ~~وذاك بواسطة التجريب. إن كل علم هو تجريبي من حيث هو إخباري؛ أي يخبرنا عن الواقع ~~وظواهره. # والهدف من أي علم تجريبي إخباري هو الإجابة عن السؤال: كيف ولماذا تحدث الظاهرة ~~موضوعه؟ # المرحلة الأولى من العلم - منطقيا وليس تاريخيا # 30 ~~- هي المرحلة الوصفية التي تجيب عن السؤال: كيف تحدث الظاهرة؟ كيف تتبدئ؟ ولكن ~~هذا لا يكفي. فتمهيد الطريق لإحكام السيطرة على الظاهرة فيما يعرف بالتقانة التي ~~ارتهنت بنسق العلم التجريبي الحديث - دونا عن سواه من أنساق جمة أنشأها العقل ~~البشري . # هذا يستلزم الانتقال من المرحلة الوصفية، وبناء عليها إلى المرحلة التالية عليها. وهي ~~المرحلة التفسيرية التي تجيب عن السؤال: لماذا تحدث الظاهرة؟ أما التنبؤ، وهو الغاية ~~النهائية المرومة من العلوم الطبيعية، فليس يفترق عن التفسير، بل هو - أولا - معلم ~~نجاح التفسير، خصوصا الفيزيائي. وهو - ثانيا - يتخذ نفس البناء المنطقي الصوري ~~للتفسير؛ أي الاستنباط. كلاهما يشتمل على: ~~(أ) # شروط مسبقة أو مبدئية. ~~(ب) # تقريرات عامة أو قوانين. ~~(ج) # نتائج مستنبطة من (أ) و(ب). # 31 # لذلك يذهب بعض فلاسفة العلم أمثال همبل وأوينهايم إلى المطابقة بينهما. وإن كان البعض ~~الآخر يرى التمييز بينهما، على أساس أنه قد يوجد تفسير بغير قدرة تنبؤية. وإن كان بالطبع ~~يستحيل وجود تنبؤ علمي بغير تفسير. إن التفسير هو الإحاطة الحقيقية بالظاهرة، وإذا كان ~~الوصف معيار وجود العلم، أو عدم وجوده معيار إمكانيته، فإن التفسير هو معيار التقدم العلمي؛ ~~إذ يمكن أن تقاس درجة تقدم العلم بمدى توغله في المرحلة التفسيرية، ومدى نجاحه فيها، أو ~~درجة دقة هذا النجاح. # وتبلغ المرحلة التفسيرية اكتمالها المنطقي في النظرية العامة أو البحتة التي تعني الدامغ ~~المعتمد للنسقية العلمية، فهي في حد ذاتها تتخذ صورة النسق الفرضي الاستنباطي، ~~القادر على احتواء ظواهر موضوعه بشتى متغيراتها. ~~••• # وقد ms018 سار العلم الطبيعي الحديث بخطى حثيثة نحو هذه النسقية، ففور أن وضع كوبرنيقوس فرضية ~~مركزية الشمس، أنجز يوهان كبلر # J. Kepler ~~(1571-1630) ~~البولندي أساسيات المرحلة الأولى، أو إطارها النسقي. # وذلك حين وضع قوانين حركة الأجرام السماوية في مداراتها الأهليلجية - وليست الدائرية - ~~حول الشمس. ثم أنجز جاليلو الإيطالي أساسيات المرحلة الثانية حين وضع قوانين حركة ~~الأجسام على سطح الأرض، وفي عام 1687 جاء فرض الجاذبية لنيوتن الإنجليزي المأخوذ عن ~~سلفه روبرت هوك الأقل حظا وقدرات رياضية # 32 # ليجمع الحركتين السماوية والأرضية معا، فيضع لأول مرة في تاريخ البشرية نظرية ~~واحدة تحكم كل وأي حركة تدركها الحواس في هذا الكون، حتى أيقن الجميع أن ~~نيوتن قد اكتشف حقيقة هذا الكون، وهي أنه قد قد على قد آلة ميكانيكية ضخمة، ولم ~~يبق إلا رتوش تفصيلية لتكتمل الصورة النهائية لنسق العلم التام! # على أي حال، كانت نظرية نيوتن في الجاذبية بقوانينها الثلاثة للحركة هي النظرية ~~الفيزيائية العامة أو البحتة؛ أي التي تضع الأسس والأطر المنطقية لنسق العلم الفيزيائي، ~~الذي يضع بدوره - نظرا لعمومية الفيزياء، وشموليتها، وتربعها على قمة نسق العلوم ~~الإخبارية - الأسس والأطر المنطقية لنسق العلم ككل. # 33 # وبفضل هذه الأسس التي أحكم نيوتن صياغتها كانت نشأة ونمو سائر أفرع العلم ~~الحديث، الطبيعية والإنسانية. # ومع نجاح النيوتنية الذي كان يتأكد يوما بعد يوم، ساد الظن أنها أشمل - أو بالتعبير ~~المنطقي الدقيق أعم - نظرية ممكنة، أحاطت بالحقيقة القصوى للكون الذي نوجد فيه. ~~واستمرت تمضي قدما في طريقها المظفر حتى نهايات القرن التاسع عشر وبواكير القرن ~~العشرين؛ حيث وصلت إلى طريقها المسدود بتطرق العلم إلى الظواهر الميكروسكوبية التي لا ~~تدركها الحواس المجردة: الحركة الغازية، الحركة البراونية، أو الحركة الدائمة لجزيئات ~~السائل نسبة إلى روبرت براون مكتشفها، وظواهر الديناميكا الحرارية. فهي ظواهر تخل ~~بقوانين نيوتن. # على أن الغرور العلمي الأهوج الذي ساد جراء نجاح النيوتنية قد تلقى الضربة القاضية من ~~الذرة والإشعاع. قد عجزت النيوتنية عن الإحاطة، أو حتى التعامل مع عالم الذرة، وما ~~دون الذرة من ms019 جسيمات دقيقة، وأصبح من الضروري البحث عن طريق جديد أبعد أكثر تقدما ~~من كل ما أحرزته الفيزياء الكلاسيكية. لا سيما بعد أن سقط فرض «الأثير» جراء تجربة ~~ميكلسون مورلي. وكان الأثير الكاذب ضروريا لكي تستوعب الفيزياء الكلاسيكية ظواهر الضوء ~~والإشعاع المتأبية على التفسير الميكانيكي السطحي. لقد أدركنا أن نظرية نيوتن بكل ما ~~أحرزته من نجاح طبق الخافقين، محض فرض تفسيري ناجح في حدوده، حدود التعامل مع العالم ~~الأكبر، كتل الطبيعة الماردة البادية للحواس، ولا تجرؤ على اقتحام الفيزيقي الرابض خلفها، ~~وفي أعماقها. # فشهدت مطالع القرن العشرين ثورتي: النظرية الكمومية # 34 # التي طرحها ماكس بلانك في 17 ديسمبر 1900، والنظرية النسبية، لا سيما الخاصة ~~التي أعلنها ألبرت أينشتين عام 1905. # إن ثورة النسبية والكمومية لهي قطعا أعظم ثورة على وجه الإطلاق أحرزها العقل البشري حتى ~~الآن ، وأجرأ وأوسع قفزة تقدمية أنجزها الإنسان. لقد أقامتا نسق العلم الإخباري على مصادرات ~~مختلفة، وقلبتا - رأسا على عقب - مسلمات الفيزياء الكلاسيكية: كالحتمية ~~الميكانيكية والعلية واطراد الطبيعة وثبوت ويقين قوانينها، والضرورة لكليهما، والموضوعية ~~المطلقة ... إلخ، وسوف يتعرض الفصل السادس من البحث (الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة) لهذا ~~بشيء من التفصيل. يهمنا الآن تأكيد أن هذه المبادئ لم يكن أحد يجرؤ على مجرد رفضها، فضلا ~~عن قلبها، بحيث أصبح لدينا الآن حد فاصل بين الإبستمولوجيا العلمية الكلاسيكية قبلهما، وبين ~~الإبستمولوجيا الحديثة، أو بالأدق المعاصرة بعدهما. # 35 # وكل بحث مستقبلي استشرافي في منطق العلم عقيم غير مجد إن لم تستنفد ~~طاقته في استيعاب الدلالة الإبستمولوجية لثورتي الكمومية والنسبية. وحتى الآن لم تستجل ~~بعد كل مضامينها المنطقية، وإمكاناتها التقدمية للعقل العلمي. ويكفينا ها هنا أن هذه الثورة ~~هي التي ساعدت على جلو الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية وتساوقها المنهجي. # وقد تأكدت الإبستمولوجية العلمية الجديدة، واتضحت معالمها حين تقدمت عام 1927 نظرية ~~الكمومية الجديدة، لتجتاح الكمومية العالم الذري، وتصبح الفيزياء الذرية هي الفيزياء ~~الكمومية؛ حيث ثبت أن كشف بلانك الألمعي المدهش هو أعظم نصر أحرزته الفيزياء الذرية ~~والأكثر جدة وأصالة. وكما يقول لويس دي بروي، ms020 أبو الميكانيكا الموجية التي تعد من ~~أجرأ الخطوات التقدمية التي أحرزت في ظل الكمومية (الكوانتم) يقول: إن فرضية الكوانتم ~~«لم تكن محض مثير أو دافع للفيزياء الذرية التي هي أكثر فروع العلم حيوية وطموحا، ولكنها ~~أيضا وبلا جدال قد وسعت الآفاق، وطرحت عددا من أساليب التفكير الجديدة، وستظل نتائجها ~~العميقة في المستقبل البعيد للفكر البشري. # 36 # لقد أدرك الفيزيائيون - والحديث ما زال لدى بروي - أنهم بغيرها كانوا سيظلون ~~عاجزين عن فهم استيعاب أي شيء بخصوص الطبيعة الحقة للظواهر الفيزيائية لا ظواهر الضوء، ~~ولا ظواهر المادة». # 37 # على أن الكوانتم الكمومية تقتصر على العالم الأصغر، عالم الإشعاع والذرة. وتأتي النسبية - ~~النظرية الفيزيائية البحتة - لتحيط بمجمل الكون الفيزيائي - العالم الأكبر - «ولتعبر عن ~~الواقع الفيزيائي الذي نعيش فيه بشكل تعجز الفيزياء الكلاسيكية عن التعبير عنه». # 38 # لقد حطمت النسبية أطر آلة نيوتن الميكانيكية العظمى، وشيدت لنا ~~عالمها الرباعي الأبعاد بمتصله الزماني، المكاني. إنه عالم، أو بالأحرى تصور لعالم ~~محدب، يختلف بل يتناقض مع عالمنا المستوي الواحد والوحيد، المعهود في تجربة الحس المشترك، ~~والذي ثبتته في أذهاننا خبرتنا العادية السطحية، وحواسنا الفجة الغليظة. وجاءت نظرية ~~نيوتن لتصدق عليه، وعلى حدودها فتكسب بهذا يقينا فوق يقين. # ولكن لقصور تلك الحدود، تفجرت ثورة النسبية، لتعلمنا أنه ليس ثمة تساؤل حول ~~التصور الوحيد المطلق للمكان «أو للزمان»، فثمة إطار مكاني «زماني» مناسب لملاحظي ~~الأرض، وآخر لملاحظي الأفلاك السماوية، وآخر لملاحظي السدم ... وبالمثل الطول والعرض وكل ~~الأبعاد. لقد أحدثت النسبية تغييرا جذريا في أفكارنا حول الزمان والمكان والجاذبية ... ~~إلخ، وثورة في الكوزمولوجيا الكلاسيكية بطريقة لا يمكن لأي فلسفة ملائمة أن تتجاهلها، ~~وأثرت تأثيرا عميقا على مبادئ إبستمولوجية راسخة، ولن يفيدنا في شيء إنكار هذه ~~الحقيقة، وادعاء أن تلك النظرية الفيزيائية غيرت فقط مفاهيم الفيزياء، بينما ظلت ~~الحقائق الفلسفية مصونة لا تمس. فإنها وإن كانت محض علاقات فيزيائية، فقد قضت بصورة ~~حادة على المبادئ الفلسفية التي يمثلها كانط. # 39 # وهي المبادئ الإبستمولوجية السطحية، لكن الراسخة في خبرة الحس المشترك، ms021 والتي ~~كستها النيوتنية برداء الفيزياء الرياضية المهيب. # ثم أتت النسبية بصورتها الإبستمولوجية الأنطولوجية المناقضة تماما، ولتحرز درجة من ~~الدقة لا تدانيها النيوتنية بحال. فتستطيع تفسير ظواهر، بل وظواهر فلكية عجزت الفيزياء ~~الكلاسيكية عن تفسيرها «مثلا الحضيض الشمسي لكوكب عطارد؛ أي أبعد نقطة في مداره عن الشمس. ~~وهي تتغير تغيرا طفيفا من دورة لأخرى»، والأهم من هذا - من منظور المنطق - أن النسبية ~~تنطبق بنفس القوانين على العالمين الأصغر والأكبر، فأعطتنا صورة للعمومية الحقة. في عالم ~~النسبية تدخل الذات العارفة - بمعنى مواقعها وسرعاتها بأجهزتها للرصد - كمتغير في ~~معادلة الطبيعة، ولتحرز بهذا درجة أعلى من الموضوعية، أو بالأحرى درجة مباينة تماما، قامت ~~على أنقاض موضوعية نيوتن المطلقة، لكن الموهومة. إن النسبية مرحلة أعلى من التقدم العلمي ~~والعقلي. # وأهم ما يعنينا منها الآن أنها جعلتنا ندرك خطل غرور الكلاسيكيين الذي يوصد ~~أبواب التقدم ، خطل الحكم على أي محاولة ناجحة ينجزها العقل البشري بأنها اليقين ~~المطلق، الإمساك بجمع اليدين على الحقيقة، والوصول إلى خاتمة التقدم المنشود، وأن الأوان ~~أوشك أن يئون للهجوم والبرء من سعينا المحموم الدائم نحو درجة من التقدم العلمي الأبعد ~~... إن هذا التصور الإبستمولوجي لحدود التقدم ارتد فعليا في صورة الطريق المسدود الذي ~~وصلت إليه الفيزياء الكلاسيكية، حين تطرقت لظواهر العالم الأصغر ~~(الميكروكوزم). # فليس الأمر أننا اكتشفنا حدود نيوتن، وأن أينشتين هو الذي أمسك بالحقيقة. كلا، بل الأمر ~~أن نيوتن محاولة ناجحة، وأينشتين محاولة أنجح. والمستقبل مفتوح بدوره لمحاولة أفضل من ~~أينشتين، فقد أدركنا أن الآفاق المفتوحة أمام العقل العلمي لا حدود لها. # ولنعد إلى رفيقة النسبية، ميكانيكا الكوانتم التي أزاحت وهم اليقين الكلاسيكي، ~~وأحلت المصادفة والاحتمال في بنية الطبيعة. لنجد أن العلم الاحتمالي بقوانينه الإحصائية ~~لن يصل هو الآخر إلى مثل ذلك الطريق المسدود. فكما يقول موريس كوهين: «النظرة الاحتمالية ~~تصوب وتثري مفهومنا عن الأسس الميتافيزيقية التي يرسو عليها البحث العلمي، إنها ~~تجعلنا أقل غرورا، وتفضي بنا إلى ضرورة تأييد استدلالاتنا باعتبارات عديدة مختلفة، ~~بدلا من الارتكان إلى سلسلة علية واحدة، ms022 وتجذب انتباهنا إلى حقيقة عظمى مؤداها أن نتائج ~~العلم تصوب نفسها باستمرار. فيقين العلم ليس اليقين المطلق في أي نتيجة معينة، ~~بل اليقين في أن كل خطوة غير دقيقة أو خاطئة يمكن تصويبها.» # 40 # إن الدرس العميق الذي تعلمناه من ثورتي الكمومية # Quantum # والنسبية # Relativity # أن كل ~~تقدم علمي فقط نسبي، والنسبوية # Relativism # تعني الحدود ~~المؤقتة للقوى المعرفية للبحوث الإنسانية المنصبة على هذا العالم الفيزيقي ~~الذي نحيا فيه. # 41 # هذه النسبوية # Relativism # تجعل كل تقدم علمي ~~يحرزه الإنسان، ومهما ثبت نجاحه هو فقط أعلى نسبيا من المرحلة السابقة ... معنى هذا أن ~~المرحلة التالية تحمل معها إمكانية التقدم بدرجة أعلى، هكذا دواليك إلى قيام الساعة، أو ~~على الأقل إلى حين انتهاء الحضارة الإنسانية الراشدة التي أصبحت علمية. وهذا الدرس ~~الإبستمولوجي المنطقي الميثولوجي العظيم يتأكد فعليا بالإنجازات العظمى المتواترة للعلم ~~المعاصر، المتدفقة حتى هذه اللحظة وما سيتلوها . # على الإجمال: أصبحت الكمومية (الكوانتم) والنسبية معا الأساس العام، أو البحث للفيزياء ~~المعاصرة، ومن ثم لنسق العلم الطبيعي في القرن العشرين، فكانتا - ~~بإبستمولوجيتهما العلمية الجديدة أو المعاصرة، وسنفصلها في الفصل السادس من ~~الكتاب - إيذانا بمعدلات التقدم المبهرة التي استهللنا هذا الفصل من الكتاب بالتنويه ~~إليها. ونختمه أيضا بهذا التنويه ... مسك الختام. # | هوامش # الفصل الثاني # | العلوم الإنسانية منطق تخلفها النسبي # نأتي للعلوم الإنسانية، لنلقاها هي الأخرى - بلا جدال - تحمل في حد ذاتها ما يضاف إلى ~~الرصيد العلمي للقرن العشرين، لكن (وهذه ال «لكن» هي محور دراستنا) لم يتكون بعد ~~نسق متكامل من القوانين التفسيرية في أي مجال من مجالات العلوم الإنسانية، يماثل من ~~حيث القوة المنطقية أنساق القوانين التفسيرية في أقل فروع العلوم الطبيعية حظوة من ~~التقدم. # وهذا التخلف النسبي هو أساس ما يعرف بمشكلة العلوم الإنسانية، إنها إشكالية ملحة، ~~تؤرق باحثيها والمهتمين بشأنها أجمعين. ويندر أن يتعرض عمل لفلسفة العلوم ~~الإنسانية ومناهجها، ولا يشير إلى تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية، حتى قيل إن وجود ~~علوم طبيعية على أساس منطقي مقنن ومنهجي راسخ، مثل بالنسبة لباحثي ms023 العلوم ~~الإنسانية «التحدي الذي ينبغي عليهم مواجهته للوصول بعلومهم إلى مستوى يقارب مستوى ~~العلوم الطبيعية». # 1 # في هذا الصدد لا بأس من ذكر فيلهلهم ~~دلتاي # W. Dilthey ~~(1838-1911) على الرغم من الخلاف الحاد بين طريقنا وطريقه؛ ذلك لأنه ~~في طليعة الرواد الذين استشعروا بعمق وأصالة مشكلة العلوم الإنسانية حديثة النضج ~~والنماء، وعجزها النسبي عن تحقيق التقدم الذي أحرزته العلوم الطبيعية، كان أن حصره دلتاي ~~في مشكلتين: «الأولى أن العلوم الإنسانية ما زال يعوزها تصور واضح، ومتفق عليه ~~عن أهدافها ومناهجها المشتركة والعلاقات بينها، إذا ما قورنت بما هو سائد في العلوم ~~الطبيعية. والمشكلة الثانية هي أن العلوم الطبيعية تزداد منزلتها ومكانتها نموا واطرادا ~~بحيث ترسخ في الرأي العام مثلا أعلى للمعرفة لا يتلاءم مع التقدم في العلوم ~~الإنسانية». # 2 # ورفض دلتاي موقف كل المثاليين والتجريبيين، أو باصطلاح كارل بوبر ~~المعارضين للمذهب الطبيعي والمؤيدين له. وتعهد دلتاي بتأسيس العلوم الإنسانية على ~~نحو أكثر نسقية ومنهجية، وبوصفها شديدة التباين - منهاجا وتطبيقا - عن العلوم الطبيعية، ~~هذا من حيث كونها نسبية متغيرة وفقا للأنماط والإيقاعات التاريخية للسياقات ~~الاجتماعية، أو الثقافية حسب اصطلاحه المفضل. فكان لدلتاي تأثير كبير على الدراسات ~~التاريخية، بحيث أصبح المؤرخون في حل عن تحقيق السمة العلمية الدقيقة في ~~أبحاثهم. # 3 # وكان له أيضا أثر أقل في الدراسات الإنسانية أو الاجتماعية. وهو رائد مهد ~~الطريق الذي اختطته فيما بعد الفينومينولوجيا، وسوف نعرج عليها في مقبل ~~حديثنا. # لقد تنامى من بعد دلتاي الوعي بهذا التخلف النسبي للعلوم الإنسانية، وكثر الحديث فيه ~~ربما لدرجة مملة، حتى أصبح أمرا مألوفا، ما يدفعنا لمحاولة جادة لاستشراف إمكانيات حل ~~مشكلة العلوم الإنسانية، مقارنة بتقدم العلوم الطبيعية، أو على ضوئه. # والحق أن ذلك الأمر المألوف، مألوف بقدر ما هو عجيب، فمسائل العلوم الإنسانية كانت منذ ~~الأزمنة البعيدة موضع الاهتمام الأكبر، وتستقطب أعاظم العقول، فكان تناولها أكثر ~~نضجا من تناول مسائل العلوم الطبيعية. # 4 # وأي مقارنة بسيطة بين دساتير أرسطو وبين فيزيائه، أو بين تناول أفلاطون وفلاسفة الإسلام ~~لمشاكل ms024 الأخلاق والمجتمع والسياسة «أو الإمامة» وبين تناولهم لمشاكل الطبيعة والمعادن، ~~تثبت هذا، ودع عنك المحاولة الناضجة الباسقة التي قام بها عبد الرحمن بن خلدون (+ ~~808ه = 1406م) لتأسيس العلم الإنساني، علم العمران، أو علم الاجتماع بمصطلحات عصرنا، ~~وبصورة تدهش أكثر العلميين تقدما حتى الآن. وإن كانت محاولة لم تؤت في ~~عصرها ثمارها الممكنة أو المرجوة؛ لأنها تأتت وشمس الحضارة العربية توشك على ~~الأفول، فلم تلق خلفا صالحا يحمل ميراثها العظيم، والذي يبدو حتى يومنا هذا قابلا ~~للاستثمار المربح كمحاولة سان سيمون، أو حتى أوجست كونت، وسواهما من الغربيين الذين ~~قدر لمحاولاتهم التواصل والسيرورة والنماء. وفي مقابل هذا نجد ما قاله ابن خلدون فيما ~~يختص بمسائل الطبيعة لا يساوي شروة نقير، ولا يستحق إضاعة أي وقت أو جهد، وابن خلدون هو ~~السلف الحقيقي لفيكو (+ 1744)، ومشروعه العظيم لتأسيس العلم الجديد - علم الإنسان ~~وتاريخه. # فابن خلدون وفيكو يترأسان معا المحاولات الطموحة في مجال الدراسات الإنسانية، والتي ~~تألقت طوال العصور الماضية، وإذا كانت لم تستطع أن تكون علما ذا قوة منطقية حقيقية، ~~وصفية أو تفسيرية، فإنها كانت - على أي حال - أنضج كثيرا من الطبيعيات. وفي ذلك ~~التفاوت الحاد بين مستوى التفكير في الإنسانيات ومستواه في الطبيعيات، طوال العصور ~~القديمة، يقول جون بيرنت: «في الأيام الباكرة كان اطراد الحياة الإنسانية موضوعا للإدراك ~~الجلي أكثر من سياق الطبيعة. وقد عاش الإنسان في دائرة خلابة من القانون والعرف، أما ~~العالم من حوله فعلى ما يبدو ظل مفتقرا للقانون.» # 5 # ولنلاحظ أن القانون أساسا يخص مجتمع الإنسان، وفرض النظام عليه، وتحقق ~~العدل والقسطاس فيه. وفور أن لوحظ أي اطراد في الطبيعة وصيغ، على الفور انسحب هذا ~~المفهوم الإنساني الخالص «القانون # Law ~~»، ليخلع على ~~الطبيعة. # ولكن الفروق النوعية للظاهرة الإنسانية، وما قد تختص به من إسقاطات ذاتية حميمة أو عاطفية ~~ومثاليات غائية ... إلخ، هي ربما التي جعلتها موضع الاهتمام الأكبر منذ الأزمنة البعيدة، ~~وجعلتها من الناحية الأخرى تبدو مستعصية على أصوليات النسق العلمي النامي حديثا، فتنأى ~~عنه، وتتخلف عنه مسيرته، ms025 وتنكشف قصورات المحاولات السابقة الجمة عن شروط ما هو علمي، «وحتى ~~بدايات القرن التاسع عشر لم يكن أحد يفكر تفكيرا جديا في فكرة العلوم الإنسانية ~~والأخلاقية.» # 6 # بالمعنى الدقيق لمصطلح العلم المتفق عليه في بحثنا هذا، على الرغم من أن الرائد ~~الرسمي للتفكير العلمي الحديث: فرانسيس بيكون # F. Bacon ~~(1626 +) قد دعا أو بشر بهذا في «الأرجانون الجديد». # 7 # أو شريعة العلم الحديث، البديل لأورجانون أرسطو، ومنطقه القياسي البالي، شريعة ~~العلم القديم والعقيم. ومع التطور المذهل للتفكير العلمي الذي تأتى في سياق المشروع ~~الكلاسيكي النيوتني، وتهاوى الأوثان الواحد بعد الآخر أمام مده، واجتياحه العاتي، شهد منتصف ~~القرن التاسع عشر الميلادي الرسمي لكثير من فروع العلوم الإنسانية. على نفس أسس ~~الإبستمولوجيا العلمية آنذاك، بمستوى طموحاتها، وطبيعة مسلماتها، وتأثير استجاباتها ~~للحدود، والظروف المعرفية ... هذه الأسس الإبستمولوجية يلخصها ويبلورها مبدأ الحتمية # Determinism # الميكانيكية، وهي تعني نظاما شاملا لا ~~تخلف فيه، ولا مصادفة، ولا استثناء ولا احتمال، كل حدث لا بد أن الضرورة ويستحيل ألا ~~يحدث ، أو أن يحدث سواه، فثمة قوانين ميكانيكية يقينية دقيقة دقة رياضية، تحكم هذا الكون، ~~وتجعل أحداثه في صورة أشبه بالسلسلة المحكمة الحلقات، كل حلقة تلزم عن سابقتها، ~~وتفضي إلى لاحقتها، حتى إذا توصلنا إلى تلك القوانين، وعرفنا تفاصيل حالة ~~الكون في لحظة لاحقة معينة، لاستطعنا أن نتنبأ يقينا بتفاصيل حالته في أي لحظة، فهذه ~~الحتمية لها وجه آخر هو العلية # Causality # التي تضفي على ~~الطبيعة انتظامها الحتمي، والعلية بدورها مبدأ كوني يعني أن كل حادثة في الكون لها علة ~~أحدثتها، ولكل علة معلول ينشأ عنها، فتسير أحداث هذا الكون في تسلسل علي، ليغدو ~~التفسير العلمي هو ربط الحادث اللاحق بالحادث السابق من خلال قانون. # 8 # وقد كانت الحتمية الميكانيكية بعليتها هي عقيدة العلم الكلاسيكي، ديدن العلماء وعملهم ~~إبستمولوجيا، وإطار عالم العلم أنطولوجيا، لا سيما بعد أن وضع نيوتن تفسيره ~~الميكانيكي للكون الذي بدا وكأنه الإحراز النهائي لمشروع التصور الحتمي. وتأكد ذلك المشروع ~~بالنجاح الخفاق لنظرية نيوتن، حتى إنها ms026 مثلت النبراس والهادي الحادي. ولم يعد أمام ~~الدراسات الإنسانية إلا اقتفاء مثالياته الآمنة المطمئنة، ويجمل الفيلسوف المعاصر أشعيا ~~برلين - وهو من المعنيين بشتى إشكاليات الدراسات الإنسانية - يجمل الموقف بدوافعه ~~ومبرراته وطموحاته كالآتي: «والآن إذا كان نيوتن قادرا من حيث المبدأ على تفسير كل حركة ~~وكل مكون من مكونات الطبيعة الفيزيقية، وفي حدود عدد صغير من القوانين ذات العمومية ~~المطلقة، أفلن يناقض العقل الافتراض القائل: إن استخدام مناهج مماثلة لن يفسر الأحداث ~~والوقائع الاجتماعية والسيكولوجية؟ صحيح أننا نعرف عنها أقل كثيرا مما نعرفه عن الوقائع ~~الفيزيوكيميائية، ولكن هل ثمة اعتراض من حيث المبدأ على أننا يمكن أن نكتشف يوما ما قوانين ~~قادرة على أن تعطينا تنبؤات في نفس دقة تنبؤات العلم الطبيعي؟ إذن لا بد من العمل على كشف ~~هذه القوانين بواسطة بحوث في الإنسان على قدر كاف من الحذر والخيال.» # 9 # والحق أن هذا هو عينه نص العقلانيين في القرن الثامن عشر هولباخ، ودولامبير، ~~ولامتري، وكوندرسيه. إنهم أكدوا إمكانية الرياضة الاجتماعية والفيزياء الاجتماعية ~~وفسيولوجيا كل شعور أو اتجاه أو نزوع، في نفس دقة وجدوى أصولها في العلوم الطبيعية، وإن ~~الميتافيزيقيين ضحية الوهم والخداع، فلا شيء في الطبيعة غائي، وكل شيء خاضع للقياس، وفي ~~الإجابة عن الأسئلة التي تؤرقنا، سيشرق علينا الفجر بنور العلم. # 10 # بل إن أصحاب الدراسات الإنسانية، خصوصا النفس والاجتماع، نازغهم الحلم ~~الطوباوي بالظفر بمنزلة تساوي منزلة الفيزياء بمناهجها الرياضية وتطبيقاتها القوية، وربما ~~الظفر بمنزلة تفوق الفيزياء، وذلك عن طريق إعادة تشكيل البشر والمجتمعات. # 11 # كان هذا هو الحلم الذي أينع طوال القرن الثامن عشر، حتى عرف كيف يتلمس طريقه إلى أرض ~~الواقع خلال القرن التاسع عشر بفضل الاسترشاد بالمثال الحتمي. ولئن كانت رواسب المثاليات ~~المنطقية لحتمية نيوتن الميكانيكية العلية، بكل قصوراتها التي هي قصورات المشروع العلمي ~~آنذاك، والتي لا تزال عالقة بأذهان بعض العلميين حتى الآن، من العوامل التي تعرقل حل مشكلة ~~العلوم الإنسانية، حتى إن التخلص من براثنها، واستيعاب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة ~~للنسبية والكمومية كفيل بمعالجة ms027 الإشكالية - كما سنرى - بل ولئن كانت فكرة الحتمية في حد ~~ذاتها، وبعد أن اندثرت من العلوم الطبيعية، من الأفكار التي لا يزال يتمسك بها بعض الباحثين ~~في العلوم الإنسانية، وبطريقة قد تجعلهم ينتهون إلى أنها ليست ضرورية ولا حتمية، فنخرج ~~بموقف شديد الغرابة في العلوم الإنسانية، يعني حتمية ولاحتمية، تناقض ذاتي # 12 ~~... نقول مع هذا، فإن الذي يهمنا الآن أن نلاحظ دور الحتمية في إطار عصرها، وكيف ~~فتح المشروع الكلاسيكي الطريق أمام الدراسات الإنسانية، لتلحق بمسيرة العلم الظافرة، وتتفتح ~~أكمامها العلمية بري إبستمولوجيته، فشهد القرن التاسع عشر النشأة الناضجة لعلم الاقتصاد ~~على يد آدم سميث. # 13 # ثم التطور الجذري على يد ماركس، ولعلم الاجتماع الذي نشأ على يد أوجست كونت، لحق به ~~علم النفس، واستقام الجذع العلمي لعلوم السياسة ... إلخ. # ولا ننسى في هذا الصدد استبسال الجبهة الأعمق من فلاسفة العلم في القرن التاسع عشر. وعلى ~~رأسهم جون ستيورات ميل # J.S. Mill ~~(1806-1873) المتحدث ~~الرسمي باسم العلم الكلاسيكي الحتمي العلي، في آخر مراحل هيله وهيلمانه. فقد أخلص في ~~دفاعه المنطقي المجيد - لكن الاستقرائي السطحي البالي - لتأكيد إمكانية العلوم الإنسانية. ~~فتعرض في الجزء السادس من كتابه الأكبر «نسق ~~المنطق # System Of Logic ~~» «لمنطق العلوم الاجتماعية أو ~~الإنسانية # On The Logic Of ~~Social Science ~~» حيث دعا إلى مضاعفة الجهد لتأسيسها تماما كالعلوم الطبيعية. ~~هذه الدعوة التي لاقت أقوى استجابة مع أوجست كونت، صديق ميل الشخصي ورفيقه الفكري، # 14 # الذي أنجز مشروعه العلمي العظيم على أساس أن المعرفة بالمجتمع تاج المعرفة ~~العلمية. ~~••• # حتى إذا دلفنا إلى قلب القرن العشرين، وجدنا العلوم الإنسانية، وقد قطعت شوطا ~~طويلا، وبذلت جهودا مضنية وناجحة إلى حد كبير في تحديد موضوعاتها، وتعريف ظواهرها، ~~وصياغة مفاهيمها ومصطلحاتها. وقد أرست مناهجها وأساليبها الإجرائية كالتحليلات الرياضية ~~مثلا الاقتصادية، والمناهج الإحصائية، والقياسات العددية، والوسائل الإمبيريقية ~~كالاختبارات والمقاييس السيكوميترية، والتجربة المعلمية والتجربة الميدانية، والعينة ~~التجريبية، والعينة الضابطة، والاستبار، وقوائم الاستبيان، وكشف الأسئلة، واستمارة ~~المقابلة والمشاهدة بالمشاركة، فضلا عن الأساليب الدقيقة لتحليل وتنظيم واستخلاص ms028 ما ~~تفيد به المعطيات ... إلى آخر ما يدرب عليه الباحثون - تبعا لتخصصاتهم المختلفة - من ~~منهجيات إجرائية دقيقة أفضت بالعلوم الإنسانية إلى محصلات جليلة الشأن، ولا تزال تفضي، ~~خصوصا بعد ظهور الكمبيوتر الذي يسر السيطرة على جماع هائل من المعطيات ~~الإمبيريقية. # ومنذ الربع الثاني من القرن العشرين، كان قد اتضح تماما أن الدراسات الإنسانية الإخبارية ~~قد شقت لنفسها طريق «العلم» بالمعنى الدقيق، وقطعت منه شوطا كبيرا، واستقام ~~عودها. وهذا النضج اللافت جعلها في منزلة تؤهلها للمقارنة الصريحة مع العلوم ~~الطبيعية، ليتضح عجزها عن تحقيق ما أحرزته العلوم الطبيعية من تقدم، وبلغ الوعي ~~بهذا التخلف النسبي حدا جعل الفكر الأوروبي آنذاك يسوده ما يعرف باسم أزمة العلوم ~~الإنسانية، والتي قد تصل لحد يجعلها أزمة العلوم الأوروبية إجمالا # 15 # كما نص عنوان كتاب لهوسرل. # وشهد هذا القرن دعوات تأتت كرد فعل، ومحاولة لتخطي الأزمة. ولعل أبرزها تيار مستقل ~~وقوي من تيارات الفكر المعاصر، ألا وهو فينومينولوجيا أدموند هوسرل # E. Husserl ~~(1891-1938) التي تصادر منذ البداية على استحالة شق طريق ~~العلوم الطبيعية، وإحراز ما أحرزته من تقدم؛ أي تواجه مشكلة العلوم الإنسانية، بواسطة ~~التسليم بها كأمر واقع لا سبيل البتة إلى تجاوزه. والفينومينولوجيا شأنها شأن سائر ~~التيارات الفلسفية التي خرجت من أعطاف القرن العشرين، منهج أكثر منه مذهبا، وأسلوب للبحث ~~أكثر منه تشييدا لبناء. فقد كانت جهدا مستميتا لإزالة الهوة بين العلوم الطبيعية ~~والإنسانية، مدعية أنها تصلح من شأن الأخيرة، مهما كانت نظرتنا لطبيعة الظاهرة ~~الإنسانية. وهي كما ذكرنا تصادر على أن هذه الهوة من صميم طبائع الأمور وليست مشكلة. وهي ~~بهذا التطرف في تأكيد الوضع أو المشكلة تقابل الاتجاهات الإمبيريقية كالوضعية والسلوكية في ~~تطرفها بمواجهة المشكلة عن طريق نفيها، وإنكار خصوصية الظاهرة الإنسانية. # وراحت الفينومينولوجيا في محاولة دءوبة لاستكشاف الشعور، تيار الشعور الزماني؛ لذلك اعتنى ~~هوسرل في كتابه «دراسات منطقية # Logische Untersuchungen ~~» ~~عناية بالغة بالوعي الباطن بالزمان، والتوصيف الفينومينولوجي له. # 16 # وكانت فينومينولوجيته في هذا «تحاول البحث عن بعد إنساني خاص بعلوم الإنسان ms029 ~~يتمثل في التصورات العقلية كما كانت الحال عند العقليين ابتداء من ديكارت حتى آخر ممثليهم، ~~وهو برنشفيج # Brunschvick # ولا يتمثل في التجارب الحسية كما ~~كان عند التجريبين، ابتداء من بيكون حتى الوضعية بكل صورها.» # 17 # ومع هذا كانت الفينومينولوجيا طريقا ثالثا لضم المثالية والمادية - طريقا ~~شقه دلتاي. «فهي دعوة للحياة التي لا يمكن وضعها في نطاق العقل ولا في نطاق ~~المادة.» # 18 # على اعتبار أن التجربة الحية هي المدخل الوحيد للعلم. ولئن كانت التجربة ~~الحية ذاتية، فإن الآخر - التشارك في التجربة - هو الذي يضمن الصدق والموضوعية. على العموم ~~حاولت الفينومينولوجيا إحكام العلاقة بين الذات والموضوع، أو بمصطلحاتنا بين الباحث ~~وموضوع البحث عن طريق «القصدية، والإحالة» - كما هو معروف - ولكننا نرى الفينومينولوجيا ~~شقت طريقا موازيا لطريق العلم - الطريق المنطقي الذي نسلكه ها هنا - ونعتقد أنها ~~بصورتها تلك وكمنهج للبحث، أليق بالدراسات الإنسانية الحضارية الأيديولوجية والمعيارية، ~~منها بالعلوم الإنسانية الإخبارية بمهامها المنطقية الدقيقة. # ونظرا لانكباب روادهم خصوصا فندلباند وريخرت على التفرقة في العلوم والوقائع والأحكام ~~بين النومطيقي # nomothetic # وهو الكوني العام الطبيعي وبين ~~الأيديوجرافي # ideographic # الفردي الخاص الإنساني، وهي ~~تفرقة سبق أن أشار إليها أرسطو، فإننا يمكن أن نترك لهم علم التاريخ فقط، ولكننا لا نعتقد ~~أن الفينومينولوجيا يمكن أن تجدي في تحليلات علم الاقتصاد مثلا، أو التغير في علم ~~الاجتماع، أو حتى الفروق الفردية في علم النفس ... # ولسنا نغفل تطورات الفينومينولوجيا بعد هوسرل، خصوصا مع موريس ميرلوبونتي # M. Merleau Ponty ~~(1908-1961) ~~الذي حرص على إيضاح أنها تقع في مكانة أعلى من الرياضيات والمنطق، بمعنى أنه عن طريق ~~استقصائها البنيات الأساسية للخبرات الخاصة بالتفكير، والمعرفة تساعد في توضيح أسس ~~المعرفة ذاتها، المعرفة بالظواهر الإنسانية. ولسوف يعتمد علم النفس بالذات - في رأي ~~ميرلوبونتي - على الفينومينولوجيا من أجل توضيح تصوراته الأساسية، مثلما تعتمد الفيزياء على ~~الرياضيات من أجل توضيح أفكارها الرئيسة. # 19 # ومهما يكن الأمر، فإن الفينومينولوجيا - مرة أخرى - تسلك طريقا موازيا لبحثنا ~~هذا، ليس بمتلاق معه، والتوغل فيها، وتحديد مدى جدواها، # 20 # أكثر ms030 مما فعلنا استطرادا وخروجا عن التسلسل المنطقي لعناصر بحثنا هذا. # من الناحية الأخرى نلاحظ أن الفينومينولوجيا شأنها شأن كل فلسفة قامت كي تناهض مثاليات ~~العلم الطبيعي وتنشق عنها؛ لأنها تشيء الإنسان وتموضعه وتجرده من إنسانيته، أو ~~على الأقل لا تلائمها ... إنما تناهضها؛ لأنها وقفت بتفكيرها عند مرحلة العلم الكلاسيكي ~~الحتمي، وتعجز عن استيعاب ثورتي الكوانتم والنسبية (أي الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة) ~~التي نفت الحتمية، وقلبت مثالياتها. # يتضح هذا من موقف الفينومينولوجيين في علمي الاجتماع والنفس. فقد لجئوا إلى ~~الفينومينولوجيا عزوفا عن أي افتراضات حتمية، ورؤية الإنسان واقعا في شراك الأبنية ~~الوراثية والاجتماعية التي تحدد له سلوكه، وما سوف يفعله، وسعيا وراء نظرة أخرى تؤكد ~~حرية وتفرد الإنسان، وقدرته على خلق وتشكيل عالمه الاجتماعي. باختصار يرى ~~الفينومينولوجيون الإنسان باعتباره كائنا خلاقا يتمتع بسمة أساسية هي إضفاء المعاني، ~~ويتشكل سلوكه في إطار وعيه. # 21 # بينما ينفي العلم الكلاسيكي هذا من حيث كانت الحتمية تنفي حرية ~~الإنسان. # 22 # وفي كل هذا قامت الفينومينولوجيا أساسا لتفادي الأخطاء المنهجية التي وقعت فيها ~~العلوم الإنسانية، بتبنيها الأعمى لمسلمات المنهج في العلوم الطبيعية الكلاسيكية، ~~واتخاذها مثالياتها التي يلخصها مبدأ الحتمية. ويتمثل هذا التبني على وجه الخصوص في ~~الوضعيين من علماء الاجتماع وزملائهم السلوكيين في علم النفس. ~~••• # ولكن الحق الذي لا مراء فيه، والذي تؤكده النظرة الأولى لتاريخ العلوم الإنسانية الحديثة، ~~هو أن فيالق باحثي الوضعية والسلوكية قد أنجزت حصادا هائلا، وهو الذي جعل العلوم ~~الإنسانية تقف على قدميها، وتشق طريق العلم لتمخر عبابه، وتؤهلها أصلا للدخول ~~في مقارنة مع العلوم الطبيعية، وتنامى هذا الحصاد منذ أواسط القرن العشرين، لا سيما بعد أن ~~تسلحت بمناهج الإحصاء والاحتمال التي كانت ترفضها في القرن الماضي سعيا وراء وهم ~~اليقين النيوتوني، والتحديد الفردي المطلق للفيزياء الكلاسيكية برياضياتها ~~الإقليدية. # بيد أن هذا الحصاد الهائل يقتصر فقط على المرحلة الوصفية للعلم، دونا عن المرحلة ~~التفسيرية فضلا عن البحتة، وليس الوصف أمرا يسيرا، أو هينا، أو حتى مجرد مرحلة ~~تمهيدية، وها هو ذا هومانز يسمي ms031 المرحلة الوصفية باسم مرحلة الاكتشاف # Discovery ~~، فالوصف يطابق الاكتشاف؛ لأنه عملية تعيين ~~واختبار علاقات أكثر أو أقل عمومية بين خواص الظاهرة موضوع البحث. وهو اكتشاف لأن تلك ~~العلاقات غير معروفة قبل البحث الذي يكشف عنها. ولا يستعمل هومانز أبدا مصطلح الوصف # Description ~~، ويستعمل دائما مصطلح الاكتشاف، مؤكدا أن ~~الاكتشاف - الوصف بمصطلحاتنا - معيار وجود العلم أو إمكانيته أصلا، لكن التفسير هو معيار ~~درجة نجاحه أو تقدمه. # 23 # وهذا ما سبق أن أوضحناه في الفصل السالف، وأوضحنا أيضا كيف يتجاوز التفسير ~~الوصف، فيستعين به، ويضيف إليه القوانين، أو النظريات «قضايا عامة» كي يحقق هدفه ~~فيمثل التقدم الحقيقي للعلم. باق أن نؤكد الآن - مع هومانز - أن الوضع في العلوم ~~الإنسانية لا يختلف كثيرا عن الوضع في العلوم الطبيعية من حيث العلاقة بين الوصف والتفسير. ~~«ولن يكون ثمة تفسير دون قضايا عامة». # 24 # قوانين في مقدمات الاستنباط. «ولا شك أن محتوى القضايا العامة والتفسيرات ~~مختلف في العلوم الإنسانية عنه في العلوم الطبيعية، ولكن مطلب القضايا العامة ~~والتفسيرات واحد في الاثنين». # 25 # هذا إذا أردنا قوة إخبارية ومحتوى معرفيا، يعني سيطرة العقل على الظواهر ~~الإنسانية، كما سيطر على الظواهر الطبيعية. # إن السلوكية - التقليدية ثم الحديثة أو المعدلة - ومهما تذرعت باختباراتها ~~السيكوميترية، أو أساليبها الإحصائية، التي برعت وتمادت في تطبيقها واستغلالها لضبط ~~البحوث الإمبيريقية، والحصول على نتائج دقيقة، ومعها الوضعية وسليلاتها الوظيفية، ثم ~~البنيوية، حتى السوسيوميترية ... في علم الاجتماع، التي اقتبست من علم النفس أساليب ~~الإحصاء والقياس الكمي الدقيق، كلها معا - وهي المتربعة على عرش المنطق العلمي في عالم ~~الدراسات الإنسانية - تحوي نفس القصور الذي يحول بينها وبين العبور المتمكن إلى المرحلة ~~التفسيرية والخوض فيها خوضا ذا عمومية منطقية، ومحتوى معرفي غزير، ويتمثل القصور في ~~- أو يتأتى من - الوقوف على سطح الظاهرة بالاستسلام الكامل للمعطى التجريبي، وتفتيت موضوع ~~الدراسة إلى ذرات، مغفلة الطبائع التكاملية للكيانات الإنسانية. وإن كان ثمة إيجابيات ~~للجشطلت فإن السلوكية خطفت منها الأضواء العلمية. # إن السلوكية بزت كل مدارس علم النفس قولا وفعلا ms032 في الولاء لمنطق العلم التجريبي، ~~لكن بخطوط الإبستمولوجيا الكلاسيكية للعلم الميكانيكي. فحولت العلة والمعلول، الفعل ورد ~~الفعل، إلى المثير والاستجابة القابلة للملاحظة، ثم التعميم الاستقرائي. وصمت الآذان عن ~~الانهيار المدوي للآلة الميكانيكية العظمى، وتطورات العلم المعاصر. والمحصلة هي اقتصار ~~السلوكية على الوقائع الملاحظة، والتأكيد أن التجريب المعملي هو فقط الذي يؤدي إلى نتائج ~~يعتمد عليها. وهذا جعل اهتمامها بعمليات التفكير والمعرفة في الذهن يتراخى، وتعجز عن ~~تفسير الظواهر شديدة التعقيد، التي لا يمكن الإحاطة بها عن طريق تعميم تجريبي مباشر ~~يفترض أن الإنسان مجرد متلق سلبي لعوامل البيئة والوراثة، وتتفاقم المشكلة حين ~~نصل إلى مستوى علم النفس الاجتماعي، وهو من معاقل السلوكية، عرفت كيف تتوغل في وصفه أو ~~اكتشافه، ولكن تفسيره يحتاج إلى تركيب أكثر منه إلى تحليل وتفتيت. وتظل مشكلة علماء النفس ~~السلوكيين - كما يقول هومانز وهو في طليعة أشياعهم - أنهم لم يكن لديهم روح المغامرة ~~والإقدام في قضاياهم، بحيث تسع تفسيرا للسلوك الاجتماعي. # وبتطرف قد لا يكون مقبولا، يؤكد هومانز نفسه - مع آخرين بالطبع - أن القضايا الأساسية ~~لكل العلوم الإنسانية هي قضايا علم النفس السلوكي، إلا أنه قد نهض بمهمة مد نطاقها ~~علماء النفس الاجتماعيون، الذين أخطئوا - والحديث ما زال لهومانز - في اعتقادهم أن علم ~~النفس السلوكي محدود في مداه، وليس له أن يتجاوز الجرذان وغيرها إلى البشر. # وعلى هذا يمكننا الحكم بأن العجز عن الاقتراب من التفسيرات المقتدرة ذات العمومية ~~المنطقية متوشجا في صميم مصادرات السلوكية. ولعل هذا أحد الأسباب التي أدت إلى الانقلاب ~~عليها الذي شهده النصف الثاني من القرن العشرين - الخمسينيات منه - بعد أن كادت تستأثر ~~طوال نصفه الأول - بالأخص ربعه الثاني - بعلمية علم النفس. هذا الانقلاب أو بالأصح التجاوز، ~~تأتى على وجه التعيين من مدرسة علم النفس ~~المعرفي # Cognitive Paychology # وبفضل الجهود الدءوبة لرواده العظام نخص منهم بالذكر ~~أولريك نايسر # U. Neisser # وجيروم برونر # J. Bruner # تبلور علم النفس المعرفي خلال الستينيات وشق ~~طريقه الواعد، مستفيدا بإيجابيات شتى من العلم المعاصر وإبستمولوجيته وتقانته، لا ms033 سيما ~~الذكاء الصناعي وأنظمة تشغيل الحاسوب الإلكتروني (الكمبيوتر) كمناظرة تخطيطية لفهم أنظمة ~~الذكاء الطبيعي، أو العقل الإنساني في حل المشكلات. وبحثنا هذا إذ يحاول دفع وتعميق ~~استفادة العلوم الإنسانية من ثورة العلم المعاصر، إنما يأخذ في الاعتبار علم النفس المعرفي. ~~فقد أصبح معقد الآمال في مستقبل الدراسات السيكولوجية، والإمكانات المستشرفة بإزاء علم ~~النفس في مرحلة ما بعد السلوكية، القادرة على استيعابها بإمبيريقياتها الفعالة، لكن السطحية ~~القاصرة، ثم تجاوزها إلى ما هو أعمق وأشمل. # 26 ~~«لتوضيح وإثبات ذلك راجع # الفصل السادس # من هذا الكتاب»، ومن ~~علماء النفس ننتقل إلى الشق الثاني من عمداء العلوم الإنسانية؛ أي علم الاجتماع. لنجد ~~الوظيفية بالذات قد قامت هادفة الإضافة إلى مسلمات الوضعية، بما يكفل إحراز الهدف ~~التفسيري العلمي، رافضة التفسيرات الغائية التي تفسر الظاهرة بأهدافها المستقبلية على عكس ~~منطق العلم العلي - الميكانيكي - الذي يفسر الظاهرة بعللها السابقة، أو بماضيها، فكانت ~~الوظيفية منهجا لتفسير الظواهر أو الأحداث والأنظمة الاجتماعية عن طريق ذكر الوظيفة التي ~~تؤديها. وتركز على فهم المجتمع باعتباره مجموعة من الأنساق المرتبطة بعلاقات، فيكفي ~~التفسير الرجوع إلى الوقائع الملاحظة، ولسنا في حاجة إلى المخيلة أو الحدس. # 27 # ويعتبر مالينوفسكي # B. Malinowski ~~(1873-1920) ~~أبو الوظيفة؛ لأنه أول من استخدم «الوظيفة» للتعبير عن منهج معين، أو اتجاه للبحث. لكن ~~الوظيفة دخلت علم الاجتماع من خلال تدريس ردكليف ~~براون # A. R. Redcliffe Brown ~~(1881-1955)، ثم قويت بفضل تالكوت بارسونز # T. Parsons ~~(1902-؟) وظهر في ~~أعمالهما مفهوم البنية بجانب الوظيفة، وأصبح «الوظيفي - البنيوي» هو الإطار العام للتفسير ~~المنشود في علم الاجتماع، ورأى ردكليف أن المشكلة هي إمكان التوصل إلى علم طبيعي للمجتمعات ~~الإنسانية. ومعنى ذلك تطبيق نفس الطرق المنهجية، والمنطقية، المستخدمة في العلوم الفيزيقية ~~والبيولوجية على ظواهر الحياة الاجتماعية الخاصة السياسية والاقتصادية وعلى الفنون والعلوم ~~وعلى اللغة «ذلك بهدف التوصل إلى صيغ دقيقة علميا، من التعميمات المحتملة ذات ~~المعنى»، # 28 # والحق أن فكرة «الوظيفية» عن النسق «العضوي» للمجتمع و«الوظيفية الحيوية» تداني ~~بينها وبين تحقيق العلم الطبيعي بالمجتمع. # فهل قفزت ms034 الوظيفة بعلم الاجتماع إلى مرحلة التفسير العلمي الناضج المقنن منطقيا؟ في ~~الإجابة عن هذا نلاحظ أن الوظيفة في خاتمة المطاف نظرية اجتماعية، وسوف نرى أن الخلل ~~المنطقي في حدود النظرية الاجتماعية بصفة عامة من أشد ما يدفعنا لمحاولة تلمس التقنين ~~المنطقي لإقالة العلوم الإنسانية من تعثرها في المرحلة التفسيرية. وثانيا نلاحظ أن ~~الوظيفية - بصفة خاصة - يؤخذ عليها أن مفهوم الوظيفة غير محدد، وأنها تحيز أيديولوجي ~~محافظ يهدف إلى إبقاء الوضع القائم، ما يجعلها تنكب بلا موضوعية على تفسيرات استاتيكية ~~واستقرارية للمجتمع، وأنها من ثم تنطوي على تقدير غير متناسب لدور الأنظمة المغلقة في ~~الحياة الاجتماعية، تفشل في تناول مشكلة التغير الاجتماعي بنجاح، فتعجز عن تفسير ظواهر ~~من قبيل الصراع والتفكيك، فربما استطاعت أن تفسر جيدا لماذا تستمر الأشياء، لكنها لم تفسر ~~أبدا لماذا تتغير؟ إنه نفس المأخذ الذي كان يؤخذ من قبل على الوضعية. بينما يؤخذ على ~~الماركسية مغالاتها في تفسير التغير، ومن ثم عجزها عن تفسير الثبات النسبي الذي تتمتع ~~به بعض الأنظمة الاجتماعية. وقد يبدو أن البنيوية تمثل الوسط الذهبي في هذا الصدد، من حيث ~~إنها تنص على التحول # Transformation # بجانب الكلية والضبط ~~الذاتي. وسرعان ما يخيب هذا الأمل حين نجد أهم أعلامها، ألا وهو كلود ليفي شتراوس - ~~أعظم من قام بتطبيقها خصوصا في الأنثربولوجيا - يؤكد أن صلب المنحى البنيوي ليس شيئا أكثر ~~من «البحث عن الثابت، أو هو البحث عن العناصر الثابتة فيما بين الاختلافات ~~السطحية»، # 29 # وقد ظلت البنيوية دائما أقرب إلى الطابع المحافظ السكوني المناهض لديناميكية ~~الماركسية. وبرفقة الماركسية يقف التيار النقدي في علم الاجتماع الأمريكي (على أن نفصل بين ~~الماركسية كمدرسة علمية وبينها كمشروع سياسي). والذي يعنينا الآن أن الوظيفية التي ~~انتقيناها مثلا تعجز عن التفسير العلمي بسبب اهتمامها منذ البداية بقضايا خاصة بشروط ~~التوازن الاجتماعي، هي قضايا لا يمكن أن تشتق منها نتائج نهائية في نسق استنباطي، ~~ويؤكد إرسنت ناجل استحالة اعتبارها تفسيرا لافتقارها إلى الاتفاق مع الأدلة التجريبية ~~المتوافرة، وهناك أدلة على ms035 أن المجتمعات ليست أنساقا عضوية مغلقة كما تدعى ~~الوظيفية. # 30 # على الإجمال نجد التفسيرات المدعاة للوظيفية تفتقر إلى المحتوى المعرفي، ما ~~أدى إلى الحكم بأنها تنزع إلى التفسير الغائي بافتراضها فروضا غير قابلة للاختبار؛ أي أنها ~~محاولات غير علمية، والبنيوية هي الأخرى تلقى نقدا مريرا؛ لأن بعض فروضها غير قابلة ~~للاختبار التجريبي. لقد توقفنا عند الوظيفية؛ لأنها معبرة عن اتجاه علم الاجتماع المخلص ~~في اقتفاء أصوليات المنطق التجريبي، الذي يمتد من الوضعية وحتى البنيوية، والوضعية الجديدة ~~أو المحدثة في الربع الثاني من القرن العشرين، والاتجاه السوسيولوجي الأمبيريقي ~~والسوسيوميترية ... إلخ؛ وذلك لكي تعطينا الوظيفية تمثيلا عينيا شاهدا على تعثر ~~الدراسات الاجتماعية في طريقها نحو النظريات التفسيرية العلمية حقيقة، فنكون على بينة حية ~~من جزئية معبرة، حين نتناول في الفصل التالي من الكتاب إشكالية المنطق التفسيري للعلوم ~~الاجتماعية، وافتقار النظرية الاجتماعية من حيث هي هكذا للتقنين المنطقي الدقيق، الذي ~~يجعلها علمية حقا. # ومن المهم أيضا أن نكون على بينة من أن تلك الاتجاهات؛ أي السلوكية والوضعية وسليلاتها ... ~~إلخ، في محاولتها الإخلاص لمثاليات العلم التجريبي، الكلاسيكي، تبنت الإمبيريقية المتطرفة ~~بحماس فائق، على حساب طبيعة العلم المبدعة الخلاقة، وطبيعة الظاهرة الإنسانية على السواء، ~~فراحت تواجه مشكلة التخلف النسبي للعلوم الإنسانية بالعود المباشر إلى الوقائع التجريبية ~~الملاحظة إمبيريقيا، وهذا ليس حلا للمشكلة، بل على العكس هو المشكلة عينها؛ لأن ~~الوقوف على الواقعة التجريبية فقط، يعني في حد ذاته عدم القفز إلى المرحلة التفسيرية ، ~~اكتفاء بالوصف. # إذن، نخلص مما سبق إلى تحديد مشكلة العلوم الإنسانية، أو منطق تخلفها النسبي عن ~~العلوم الطبيعية فقط بعجزها عن بلوغ المرحلة التفسيرية المقتدرة، أو بالأدق اضطراب ~~محاولاتها التفسيرية، وافتقارها للتقنين المنطقي، كما أشار هومانز ليس ثمة كلمة تستخدم في ~~العلوم الإنسانية أضخم وأجل من كلمة «النظرية»، ولكن نادرا ما يسألون أنفسهم: ما ~~النظرية؟ إن النظرية تفسير لظاهرة، وكل شيء ليس تفسيرا لا يستحق اسم «نظرية». # 31 # وهومانز يتفق معنا على أن صعوبات العلوم الإنسانية تقع في التفسير أكثر منها في ms036 ~~الكشف أو الوصف، وأن المشاكل المميزة للعلوم الإنسانية هي مشاكل التفسير. # 32 # ذلك أنه بينما تتكامل التفسيرات في العلوم الطبيعية، أو يتجاوز بعضها البعض في ~~متصل التقدم الصاعد، وعلى أقصى الفروض يميل تفسير إلى التأكيد على زاوية دون الأخرى، نجد ~~التفسيرات في العلوم الإنسانية تتنازع وتتناقض، وقد تبلغ حد التضاد الصريح، ومن أوضح ~~الأمثلة على هذا تحليلية فرويد وسلوكية واطس، اللتان احتلتا قصب السبق في علم النفس في ~~نفس الفترة التاريخية، وتنازعتا نفس الحلبة، وعلى حين نجد خطأ التفسير التحيلي في أنه يبالغ ~~في تعميق الظاهرة النفسية وتعقيدها، نجد خطأ التفسير السلوكي في أنه يبالغ في تسطيح الظاهرة ~~النفسية وتبسيطها، وإن كان تبسيطا لحساب منهج العلم وإبستمولوجيته. # وتعجز التفسيرات المطروحة في العلوم الإنسانية عن التكامل؛ لأنها تفتقر إلى الخصائص ~~المنطقية الدقيقة. لسنا نقصد إنكار أي قيمة لها، أو الحط من شأنها، أو أنها محض هراء أو ~~لغو! كلا بالطبع فلا شك أنها تضمنت محاولات جسورة جبارة، ولكن ينقصها شيء من الدقة لتكون ~~مثمرة حقا. بعبارة أخرى، يغدو التقنين المنطقي الدقيق للتفسيرات في العلوم الإنسانية ~~كفيلا بأن يجعلها تتجاوز الكثير من تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية. # على هذا النحو يتأتى تحديد منطق التخلف النسبي للعلوم الإنسانية، فقط بافتقاد المرحلة ~~التفسيرية تقنينا منطقيا أدق. فلا يوجد البتة أي مسوغ منطقي لتطرف البعض، حتى يذهب إلى ~~أن مشكلة العلوم الإنسانية «هي أنها ليست علوما»، فلا يعود السؤال المطروح: كيف يمكن ~~مواجهة تخلفها النسبي أو معوقات تقدمها؟ بل يصبح: هل يمكن أصلا قيام علوم إنسانية، ~~وسرعان ما تأتينا الإجابة بالنفي. # 33 # هذه الإجابة المتطرفة عادة ما تستند في إنكارها لإمكانية العلوم الإنسانية على أساس ~~من التسليم المبدئي بأن العلم لا يكون إلا في صورة العلم ~~الدقيق # exact science # الذي يتحول إلى صورة نسق رياضي يخلو من أي ألفاظ كيفية، ولا يتحدث ~~إلا بالرموز والأعداد، ويا حبذا لو راحت الفوارق الشكلية بينه وبين الرياضة. فذلك هو شأن ~~الفيزياء البحتة التي تستنبط من معادلاتها فقط بالأساليب ms037 الرياضية ما لا يكشف عنه ~~الواقع التجريبي إلا بعد سنوات، كما حدث حين توصل ديراك # Dirac # بالمعادلات الرياضية إلى ضديدات ~~الجسيمات الذرية # Antiparticles ~~، ثم أثبتتها التجارب بعد ذلك بسنوات، أو كالنيوترون، ~~توقعه العقل نظريا، ثم وجده تجريبيا بعد ثلاثين عاما، # 34 # وجسيمات أخرى للذرة # w. z. # ومن قبل لم ~~يطرح كوبرنيقوس فرضية مركزية الشمس إلا على أساس حجة وحيدة، هي حجة البساطة الهندسية ~~وبساطة الاستدلالات الرياضية، فهي أبسط من مركزية الأرض البطلمية، وإذا أضفنا إليها فرضية ~~أن الأرض تتحرك، سنكون أقدر على تفسير الظواهر الفلكية، ولم تتأت الشواهد التجريبية ~~إلا بعد وفاة كوبرنيقوس مع ملاحظات تيكو براهة، وجاليليو عن وجه الخصوص. هكذا تتصدر ~~الرياضيات الجبهة الأمامية في معركة العلم الدائمة لفرض سلطان أكبر على الطبيعة ~~الفيزيائية. # ولئن كانت الفيزياء الحديثة ذاتها مرت بمرحلة معينة من تاريخها - تتحدد بمنتصف القرن ~~الثامن عشر - سادتها فكرة «تعتمد على الوثوق بالتجربة أكثر من الرياضيات باعتبار ~~الرياضيات شديدة الحصر ما يصعب قراءتها للطبيعة» # 35 # فعم الانكباب على التجربة، وتراجعت الرياضيات للدرجة الثانية. وراح ديدرو - ~~وهو من زعماء الموسوعيين الفرنسيين ذوي الاتجاه العلمي القوي - يشكك في طبيعة الرياضيات ~~وجدواها؛ لأنها تقطع الصلة بالتجريب. وساعد على هذا دفقة التقدم المذهل في الميكانيكا، حتى ~~شهدت تلك المرحلة ميلاد «الحرفي العالم» المعروف باسم المهندس، وأصبحت الورش الصناعية هي ~~ملتقى العلماء، ومكان تجمعهم وعملهم، ومناقشاتهم ومسامراتهم، # 36 # حتى ينعت جيمس جينز هذه المرحلة باسم «عصر العالم المهندس» # 37 ~~... لئن كان هذا حقا، فنحن نقول إنه ظاهرة سطحية لتفجر نجاح الميكانيكا ~~النيوتونية التي هي أصلا نظرية رياضية. ثم إنها مرحلة - بل ظاهرة - محدودة من تاريخ علم ~~الطبيعة الحديث. والآن في القرن الحادي والعشرين لم يعد ثمة جدال طبعا في أن الفيزياء ~~البحتة بلغت أعلى درجة من الدقة مسلحة باللغة الرياضية، أو حتى لأنها هكذا. فهذه خاصة ~~أساسية من خواص العلوم الطبيعية أن لها قطبين فلسفيين هما وقائع التجريب، ولغة ~~الرياضيات بتعبير باشلار الذي يعرف الطبيعيات بأنها «حقل فكري يتعين برياضيات ~~وتجارب، ms038 كما ينشط إلى أقصى حد في اقتران الرياضيات والتجربة». # 38 # ما يحدد الطبيعيات بأنها أبنية تركيبية # Synthesis # ذهنية، هي تجريدية عينية. من الناحية الأخرى لا شك أيضا - ~~وإطلاقا - في كفاءة اللغة الرياضية؛ لأنها أدق لغة امتلكها الإنسان، أو قل: إن كل ~~لغات الإنسان طرا متساوية، ولا توجد لغة أدق وأكثر صرامة من غيرها. فما دام ثمة ~~بشر متحضرون ارتضوها وسيلة لما بينهم من إشارة وتعبير ووصف وجدل ونقاش ... فلا بد ~~أنها قادرة على هذه المهام المنوطة باللغة أي لغة، عدا لغة المنطق الرمزي وسليلته ~~الرياضيات، فهذه ليست أدق لغة امتلكها الإنسان فحسب، بل إنها اللغة الوحيدة الدقيقة، وكل ~~ما عداها سواء. # وعلى الرغم من كل هذا، فإن اصطناع اللغة الرياضية في صياغة الفروض والاستدلالات والأنساق ~~العلمية، ليس في حد ذاته هدفا، بل هو وسيلة الضبط، التي تواءمت تواؤما كاملا مع موضوع ~~الفيزياء، ودرجة تقدمها، ولكن إن تعذر عليها التواؤم مع موضوع البحث، وأمكن تحقيق ~~الضبط لدرجة كافية بوسائل أخرى، فلا ينبغي أن نتشبث بالوسيلة (اللغة الرياضية) إلى الدرجة ~~التي تلهي عن الغاية (المرحلة التفسيرية المقتدرة)، أو إنكار إمكانية بلوغها. # 39 # لذلك لا نجد مبررا منطقيا لقطع الطريق على العلوم الإنسانية بدعوى أنها غير دقيقة ~~كالفيزياء ولن تكون، ولا حتى إرجاع تخلفها النسبي إلى أنها ليست علوما دقيقة. فالعلم ~~الدقيق بهذا المفهوم الرياضي ليس في حد ذاته هدفا، بل وسيلة، والرموز الرياضية بدورها ~~عرض، وليست خاصة أساسية للبنية العلمية، وإن كانت قد تحققت في العلوم الفيزيائية، فهي لم ~~تتحقق في علوم أخرى لا يجادل أحد في علميتها، وقدراتها المنطقية، كالجيولوجيا وعلوم ~~الطب والأمراض ... فهي علوم منضبطة إلى حد مقبول، وتزداد انضباطا وتقدما، ولكنها غير ~~دقيقة بهذا المفهوم، ولا هي تبحث عنه؛ لأنها لا تعتمد على الاستدلال الرياضي. # وكما أوضح برتراند رسل # B. Russell ~~(1872-1970) عميد ~~عمداء التفكير العلمي والرياضي في النصف الأول من القرن العشرين، أول انتصارات المنهج ~~التجريبي كانت في الفلك وأعظمها في العلوم الذرية، وإن كانت هذه العلوم، وتلك ms039 تستلزم ~~الرياضيات، بحيث لا تقل أهمية الرياضيات فيها عن أهمية التجريب، فإن ثمة علوما أخرى ~~ينفرد التجريب بقصب السبق فيها، وأهمها علم الحياة، ويعطينا دارون مثالا نموذجيا على ~~الاستعانة بالمنهج التجريبي الخالص بغير حاجة إلى الرياضيات، # 40 # كما هو حال معظم فروع البيولوجيا. ومن الناحية الأخرى نجد في الوقت نفسه ~~فروعا في علم الاقتصاد، وفي علم السكان تعطي استدلالات رياضية وتنبؤات دقيقة، بل إن علم ~~السكان وهو علم إنساني خالص - فرع من فروع الجغرافيا - به أجزاء متميزة بوجود نظرية رياضية، ~~مصوغة ومشابهة منهجيا للأجزاء الدقيقة من الفيزياء. وقد تبنى ماشلوب هذه القضية في ~~بحثه «هل العلوم الإنسانية حقا في منزلة أدنى»؛ حيث يرفض الدقة بمعنى القياس والقدرة ~~على التنبؤ بنجاح بأحداث مستقبلية، أو التحول إلى لغة رياضية، موضحا أن المعنى الصحيح ~~للدقة هو إمكان بناء نسق من النماذج التي تحتوي على أبنية مجردة من المتغيرات، ويمكن منها ~~استنباط كل القضايا الخاصة بارتباطات معينة، ويعقب ماشلوب بأن أمثال هذه الأنسقة لا ~~توجد في كثير من العلوم الطبيعية، هي مواضع جمة من العلوم الحيوية، بينما توجد في موضع واحد ~~على الأقل من العلوم الإنسانية، هو علم الاقتصاد. والخلاصة أن صفة الدقة الرياضية لا يمكن ~~نسبتها إلى كل العلوم الطبيعية، كما لا يمكن رفضها بالنسبة لكل العلوم الإنسانية، ~~وتبقى الإشارة إلى أن رفض معيار الدقة الرياضية قد تطور وتنامى في السنوات الأخيرة، ~~حتى يحمل الآن مارجوليس لواء الدعوى إلى أن مجرد التعيين الصوري لقيم مماثلة الصدق # Truth-like Values # مسألة نسبية، ملائمة فقط ~~لنطاقات معينة من البحث دون سواها! # 41 # إن الذي يجعل العلم علما ليس لغته أو نتائجه، بل أهدافه # 42 # وأسلوب تحقيقها الملتزم بالمواجهة مع الواقع التجريبي، والمهم أنه لكي تتجاوز ~~العلوم الإنسانية تخلفها النسبي على الطريق العلمي، عليها أن تضع نصب أعينها هدفا ~~محددا، وهو الوصول إلى تفسيرات أعلى وأكفأ مما هو متاح لها الآن. وكما أوضحنا آنفا، ~~التفسير العلمي في كل حال يتخذ دائما الشكل أو النموذج الاستنباطي، وصحيح أن ms040 الرياضيات ~~أكمل وأوضح أشكال الاستنباط، إلا أنها ليست الشكل الوحيد، والاستنباط قد يكون منطقيا، ~~وعلى درجة مقبولة من الضبط والكفاءة. المهم أن يكون ثمة المقدمة الاستنباطية (قوانين ~~عامة وشروط مبدئية) لنستنبط منها نتائج. الغاية هي التفسير الذي هو استنباطي وليس من ~~الضروري أن ينصب في اللغة الرياضية، إذا ما أبدت طبيعة الظواهر الإنسانية بصفة عامة، وفي ~~هذه المرحلة من تاريخ العلم بصفة خاصة، استعصاءها على هذه اللغة. مرة أخرى وأخيرة، التفسير ~~هو الغاية والرياضة مجرد وسيلة يمكن طرحها جانبا، كما هو حادث في الجيولوجيا ~~والعلوم الحيوية مثلا. والحق أن التفسير لا يعدو أن يكون المصطلح الخاص بالاستدلال ~~العلمي، فهو مجموعة القضايا التي يلزم عنها، وبالضرورة القضية المراد تفسيرها. # 43 # والتفسير في العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء، إنما هو الإحاطة بالظاهرة، ~~والتمكن منها. فإذا سار بشكل سليم يمكن أن يتضمن توجيهها، فيما يعرف بالتقانة ~~(التكنولوجيا أو فعالية العلم) التي قد تتضمن بدورها التغيير. «فمثلا إذا أخذ التفسير في ~~اعتباره العوامل التاريخية وتطور المجتمعات، فإن معنى ذلك هو كشف التغيير والتطور والأزمات ~~التي هي جزء من الظواهر الاجتماعية التي ندرسها.» # 44 # وإذا تذكرنا العلاقة بين التفسير والتنبؤ - وكلاهما استنباط - التي أشرنا ~~إليها في الفصل السابق من البحث فسوف نجد كلود ليفي شتراوس - رائد الإنثروبولوجيا البنيوية ~~التي هي محاولة جادة للوصول إلى مبدأ للتفسير - يرى أن العلوم الاجتماعية أو الإنسانية - ~~وهو يؤكد أن المصطلحين مترادفان - تقع وظيفتها في منتصف الطريق بين التفسير والتنبؤ، ~~ويذهب إلى أن «الإشكالية أو الصعوبة في هذه العلوم تأتي من أن مختلف أنساق تلك العلوم ~~لا تقع على نفس المستوى من الناحية المنطقية ، كما أن المستويات التي ترتبط بها متعددة ~~ومعقدة. وكثيرا ما تكون تعريفاتها غير دقيقة.» # 45 # وهذا بالطبع يمثل معوقات للمرحلة التفسيرية. # وهومانز بعد تأكيده أن الصعوبات المحيطة بالعلوم الإنسانية تقع في التفسير دونا عن ~~الوصف - الكشف بمصطلحاته - يختم محاضراته في طبيعة العلوم الإنسانية أو الاجتماعية بأن ~~العمل العلمي لن ينجز فيها إلا حينما تؤخذ الوظيفة التفسيرية ms041 بجدية، و«إن نفسر هو أن ~~نحكم وننظم، فلنحاول - على أبسط الفروض - تفسير أكثر ملامح الحياة الاجتماعية ~~شيوعا.» # 46 # نخلص من كل ما سبق إلى أنه بعد الاطمئنان إلى المرحلة الوصفية يغدو التفسير حدا ~~ومعيارا لمدى تقدم العلوم الإنسانية؛ لقدرتها على الوقوف في استقلال عن العلوم ~~الطبيعية، ثم تعاون الأنداد معها في أداء مهمة العلم الإخبارية بشأن مجمل ظواهر هذا ~~الكون الفيزيائية والحيوية والإنسانية. وهذا يرتبط بقدرة العلوم الإنسانية على الاستفادة من ~~العلوم الطبيعية، وإفادتها، واحتفاظها في الوقت نفسه بالنظرة الموضوعية المراعية للنوعية ~~الخاصة لظواهرها، وسيرها على أسس ومبادئ منهجية. وبينما وجدنا التفسير في العلوم الطبيعية ~~يطرد تقدمه لقيامه على قاعدة صلبة متماسكة تتمثل في اتفاق العلماء على تخوم واضحة، ~~وداخلها قد يتلاقى الرأي والرأي الآخر تلاقي التكاتف والتآزر، فوجئنا بعكس ذلك في العلوم ~~الإنسانية «حيث لا يزالون مختلفين حول موضوع الدراسة، وأيضا حول الموقف الذي يتخذونه بإزاي ~~(أي المنهج). ولا شك أن إحدى المهام الخطيرة لفلسفة العلم هي حل تلك المشكلة والتقريب بين ~~وجهات النظر المتباينة.» # 47 # السؤال الآن: كيف يتم هذا التقريب كوسيلة لتآزر الجهود وتكاملها في خوض غمار المرحلة ~~التفسيرية عسيرة المراس خوضا أكثر اقتدارا ... أكثر إخبارا ... أكثر علمية؟ # إن الإجابة عن هذا السؤال المحوري لدراستنا لا تتأتى إلا من خلال التقنين المنطقي الدقيق ~~لمشكلة العلوم الإنسانية. # | هوامش # الفصل الثالث # | منطق مشكلة العلوم الإنسانية # سواء اتفقنا أو اختلفنا مع وجهة النظر المعروضة في الفصل السابق بتحديد التخلف النسبي ~~للعلوم الإنسانية في تعثر مرحلتها التفسيرية، فلا نحسب أن ثمة اختلافا كبيرا يمكن أن ~~يثار حول القضية المطروحة في هذا الفصل، والتي ترد إشكالية العلوم الإنسانية برمتها ~~إلى افتقارها للتقنين المنطقي الدقيق. وليس يتعارض هذا مع ما سبق، بل يؤكده من حيث إن ~~التفسير ذو منطق استنباطي أعقد من منطق الوصف، يحتاج إلى تقنين منطقي أدق، إذا ما ~~أريد له أن يكون تفسيرا علميا بحق. # لقد قيل الكثير في حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية، لتجول الصعوبات المحيقة بها بين عدة ~~خصائص ms042 تتميز بها الظاهرة الإنسانية دونا عن الطبيعية: من قبيل صعوبة التكميم واستخدام ~~ألفاظ كيفية، ومن ثم صعوبة صياغة قوانين دقيقة، وأن الباحث جزء لا يتجزأ من الظاهرة ~~التي يبحثها، فلا بد أن يشعر تجاهها بميول وأهواء معينة، تفرضها الأيديولوجية السياسية ~~والاجتماعية والبيئة الثقافية والبيئة الحضارية التي ينتمي إليها، فتؤدي به إلى إضفاء ~~الإسقاطات التقييمية أو الأحكام على مادة بحثه، ما يناقض طبيعة العلم الذي يأبى تدخل ~~عنصر القيمة المراوغ الفضفاض، وهو عنصر يصعب استئصاله من البحوث الإنسانية، فثمة قيم ~~الباحث التي تؤثر على أحكامه، بل ومجرد رصده الوقائع، وثمة القيم الموجهة لموضوع البحث ~~ذاته، هذا فضلا عن تعقد الظواهر الإنسانية والاجتماعية بصورة تجعلها - بخلاف الظواهر ~~الطبيعية - «متعددة الملامح والأبعاد والخصائص، ما يصيب محاولات وصفها بالقصور ~~الشديد». # 1 # ويمكن القول أيضا إنها بوصفها ظاهرة موضوعها الإنسان العاقل، فهي ثنائية ~~النسق، فكما أن للإنسان جانبا جوانيا باطنا، وآخر برانيا ظاهرا فلا بد أن ينقسم ~~البحث إلى قسمين أحدهما براني يتعلق بما يتبدى للحواس، والآخر جواني هو غرفة ~~العمليات. # 2 # هذه الثنائية تميزها عن الظواهر الطبيعية، وتجعل التجريب لا يصلح لها. ~~وفضلا عن الظواهر الطبيعية، وتجعل التجريب لا يصلح لها. وفضلا عن كل ذلك ثمة عامل الحرية ~~الإنسانية، والكثيرون يقيمون الهوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على أساس حرية ~~الإنسان، دونا عن أي موضوع من موضوعات العلم في الاختيار، وتحديد المسير والمصير ~~تحديدا يند عن سيطرة القوانين، إن لم ينقض فكرة القانون العلمي، ولعله يخضع للأغراض ~~والغايات البعيدة في مقابل العلل الميكانيكية السابقة، «بالإضافة إلى أن التنبؤ لا يقع على ~~غير الكليات الشاملة التي لا تصل إليها موضوعات العلوم الإنسانية. # 3 # والعلية لن تعود هنا موضوعية فحسب، بل أيضا شخصية؛ لأن موضوعات هذا العلم ~~ليست مجردة، بل محسوسة حية وإنسانية بنوع خاص، كل هذه العوامل توضح الفارق الكبير بين ~~موضوع العلوم الإنسانية وبين حدث كيميائي، أو كهربائي، أو حتى نظرية»، # 4 # في العلوم الطبيعية، وإليها يرجع الفارق الكبير بين درجة التقدم في الأولى ms043 ~~ودرجته في الثانية. ولعل أشهر الصعوبات التي تختص بها العلوم الإنسانية هو ما يسمى ~~بتفرد # Uniqueness # الظاهرة، ومحاولة التجريد والتعميم ~~وإسقاط خصوصية الظاهرة، وتميزها قد ينطوي على تشويه لطبيعتها. # 5 # ويتصل بهذا ما يسمى بالتغيير السهل السريع للظواهر الإنسانية أو ~~الاجتماعية. # 6 # وكل هذا «يجعل الاطراد في مجالها أقل ظهورا منه في الظواهر الطبيعية، ~~ما يتعذر معه أن نعزل جانبا من جوانب البحث - كما نفعل في البحوث الطبيعية - عزلا ~~يمكننا من تتبع ذلك العامل وحده في تكرار وقوعه، فإذا نحن اضطررنا إلى الاقتصار ~~على مشاهدة الوقائع في حالة تركيبها دون تحليلها إلى عناصرها عنصرا عنصرا، وجدنا تلك ~~الوقائع ذات طابع لا يحتمل لها أن تتكرر تكرارا يتيح لنا الفرصة أن نلحظ الاطراد فيها. ~~فعالم الاجتماع مثلا لا يستطيع - كما يستطيع زميله العالم الطبيعي - أن يعيد الظاهرة ~~التي هي موضوع بحثه، كلما أراد أن يخضعها للمشاهدة؛ لأن الظواهر الاجتماعية فريدة في ~~نوعها، تجيء كل ظاهرة منها مرة واحدة، ثم تمضي فتصبح حادثة تاريخية لا يتكرر ~~حدوثها» # 7 # كل هذه الفوارق بين العلوم الإنسانية والطبيعية # 8 # تثير الشك في إمكان وجود قوانين تحكم ظواهر العلوم الإنسانية؛ أي وجود ~~تماثلات مختلفة في أوقات مختلفة، تستعمل كبينة على قوانين مطردة للجنس البشري في كل ~~الأوقات، وتحت كل الظروف، وهذه التماثلات تفترض مسبقا وجهة نظر الباحث، بالإضافة إلى أن ~~صياغتها في قانون تحتاج عددا كبيرا من المتغيرات، يبعد عن أن تكون دالة بسيطة ~~كقوانين الطبيعة. # ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل ما يعرف بمعوقات البحوث الإنسانية، لا سيما في ~~البلاد المتخلفة من قبيل ضعف التمويل نتيجة التشكيك في جدواها وحصائلها التطبيقية، ~~مقارنة بالعلوم الطبيعية. والانبهار بالآلة عنوان التقدم، لحد اعتبار الدراسات الإنسانية ~~ترفا يمكن - بل يجب - تأجيله! وانعدام التخطيط والتساوق بين هيئات البحث. وثمة نظام ~~التعليم وإعداد كوادر الباحثين، الذي يركز على باحثي العلوم الطبيعية، ويخصهم بالقروض ~~والمنح والبعثات والمراكز دونا عن باحثي العلوم الإنسانية، فتستأثر الأولى بالطلبة ~~النابهين، وربما تعنينا بصفة خاصة أمثال هذه ms044 المعوقات؛ لأنها - كما ذكرنا - تتركز في الدول ~~المتخلفة أو النامية، والواقع أن الموقف في قضية العلوم الإنسانية يماثل الموقف من قضية ~~المرأة من حيث إنه يصلح مؤشرا شديد الدلالة على درجة نمو الوعي العام، ومن ثم درجة ~~التقدم الحضاري، نظرا لمعامل الارتباط الثابت بين درجة الوعي ودرجة التقدم. # على أن تلك المعوقات تخرج عن نطاق فلسفة العلم، لعلها تندرج تحت سوسيولوجية ~~المعرفة أو عواملها الاجتماعية. ~~••• # ونعود إلى فلسفة العلم لنجد أن منهج الاختزال المنطقي شديد الفعالية فيها، وبواسطته يمكن ~~اختزال كل حيثيات أو أسباب مشكلة العلوم الإنسانية في عاملين أساسيين تنفرد بهما عن ~~العلوم الطبيعية، فيرتد إليهما تخلفها النسبي عنها: ~~(1) # طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع بحثه. ~~(2) # نوعية الظاهرة الإنسانية. # وخلاصة تفاعل العاملين معا ينجم عنه «افتقاد الإحكام في المشروع العلمي» # 9 # حين البحث في الظواهر الإنسانية. وهذا ما اصطلحنا على أنه افتقار العلوم ~~الإنسانية إلى التقنين المنطقي (لا سيما في المرحلة التفسيرية). # العامل الأول المختص بطبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع البحث يتعلق بمنطق العلم من حيث ~~تحديد وإحكام البنية المنطقية لصوغ الفروض ومحكات قبولها، أو تعديلها، أو رفضها ~~بموضوعية تنأى عن التحيز والهوى والإسقاطات اللاعلمية. العامل الثاني المختص بنوعية الظاهرة ~~الإنسانية يتعلق بمنهج العلم الإخباري، أصوليات البحث التجريبي في تعامله مع الظاهرة. ~~والمفروض أن دراستنا هذه تنصب على منطق العلم، فتحمل إمكانية درء العامل الأول، لكن ~~التساوق المنطقي المنهجي يلزمنا بالعروج على منهج العلم ... منطق المنهج التجريبي في أكثر ~~تطوراته حداثة التي تكشفت في ضوء ثورة العلم في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية ~~والكوانتم. # وبالصورة المعاصرة لمنطق المنهج التجريبي سنلقى الطريق مفتوحا أمام إمكانية درء العامل ~~الثاني. بهذا وذاك تتأتى إمكانيات حل مشكلة العلوم الإنسانية، على ضوء الخاصة المنطقية ~~المميزة للعلوم الطبيعية وتساوقها # 10 # المنهجي. إن التحديد الدقيق لهذه الخاصة، وإيضاح مدى قدرتها على الإحاطة بمنطق ~~النظرية العلمية الإخبارية، وما يستتبعها من فصل القول في إشكالية المنهج التجريبي، هذا من ~~شأنه أن يرسم مشروعا واعدا، أو على الأقل يشق طريقا ms045 ممهدا لتحقيق الإحكام ~~المتحقق في مباحث العلوم الطبيعية. # على أن الفصل بين عاملي المشكلة وأسلوبي معالجتها يكاد يكون مبدأ تنظيميا لهذه ~~الدراسة فحسب، فهما في واقع الأمر أو واقع العلم ليسا منفصلين بهذه الحدة، وليس العامل ~~الثاني في حد ذاته مقطوع الصلة بمنطق العلم. لو بدأنا منه؛ أي من نوعية الظاهرة الطبيعية ~~الإنسانية، فسوف نلقى اختلافها وتميزها عن الظاهرة الطبيعية - أي تلك النوعية الخاصة - ~~إنما تتمثل في أنها تختص بعنصر الوعي كثير المتغيرات، شديد التعقيد. وهذا في حد ذاته يمكنه ~~أن يفضي بنا إلى قلب منطق العلم توا. # ذلك أنه تبعا لمنطق العلم - وليس تاريخ العلم - وعلى وجه التحديد تبعا لقاعدة ~~العمومية # generality # المنطقية، ولا بد أن نسلم ~~بالتقسيم أو التصنيف المبدئي للعلوم الإخبارية إلى ثلاث مجموعات كبرى، متدرجة منطقيا ~~تبعا لدرجة عمومية موضوعها، وهي درجة تتناسب تناسبا عكسيا مع درجة تعقيده (أي تناسبا ~~طرديا مع درجة البساطة). هذه المجموعات الثلاث - بالطبع بعد مجموعة أو نسق العلوم الصورية ~~علوم المنطق والرياضيات - هي أولا مجموعة العلوم الطبيعية أو الفيزيوكيميائية، وثانيا ~~مجموعة العلوم الحيوية أو البيولوجية. هاتان المجموعتان يمكن أن تندرجا معا في مجموعة ~~علوم المادة - الجامدة والحية - وليقابلا معا المجموعة الثالثة وهي مجموعة العلوم ~~الإنسانية. # تبعا لهذا نجد الفيزياء - وفي حوزتها الفلك - على قمة نسق العلم الإخباري، فموضوع ~~الفيزياء مجرد المادة والطاقة في الزمان والمكان. هي إذن الأكثر عمومية، حتى إن موضوعات ~~العلوم الأخرى زوايا في عالم الفيزياء، الذي هو إطار الكون ... مجمل عالم الظواهر، موضوع ~~العلم أو العلوم الإخبارية. قوانين الفيزياء لهذا تنطبق على مجمل موضوعات العلم، فلا بد أن ~~تسلم بمسلماتها كل فروع العلم الأخرى، ولكن العلم ينتقل إلى المجموعة الثانية، ~~مجموعة العلوم الحيوية التي تدرس موضوعا أعقد من مجرد المادة. إنه المادة وقد أضيفت إليها ~~القدرة على القيام بوظائف الحياة. فلا بد أن نضيف الفروض العلمية المختصة بظاهرة الحياة ~~ووظائفها، ثم لكي يحيط العلم بالظواهر الإنسانية - وهي أعقد وأعقد - لن تكفي قوانين ~~الفيزياء والبيولوجيا، وإن كانت بداهة تنطبق ms046 على الإنسان حين يسقط من عل وفقا لقانون سقوط ~~الأجسام الفيزيائي، وحين تؤدي أعضاؤه وظائف الحياة وفقا لقوانين البيولوجيا، ومن أجل ~~الإحاطة بالظواهر الإنسانية لا بد أن ينضاف إلى هذا وذاك قوانين، أو فروض، أو نظريات تتناول ~~ظاهرة الوعي الجمعي بسائر تشكلاته وتمثلاته ونواتجه. ويمكن ملاحظة أن ذلك التدرج ~~المنطقي للعلوم تبعا لمستوى تعقيد موضوعها يوازيه تدرج عكسي في مستوى تقدمها، ولعله ~~أيضا تبرير منطقي لتدرج مستوى التقدم، فالفيزياء أكثر العلوم تقدما وموضوعها أبسط، ~~والبيولوجيا درجة تقدمها أقل؛ لأن موضوعها أعقد، والعلوم الإنسانية درجة تقدمها أقل وأقل؛ ~~لأن موضوعها أعقد وأعقد. # والجدير بالذكر الآن أن هذا التصنيف المبدئي مجرد قواعد منطقية صورية لنظام العلاقات ~~النسقية بين فروع العلوم، ولا ينطوي البتة على ضرورة رد العلوم الإنسانية إلى الفيزياء ~~البحتة أو سواها، ومن ثم فإن هذا التصنيف لا يستلزم إطلاقا فكرة العلم الواحد أو ~~الموحد، إن رد العلوم إلى الفيزياء في بناء العلم الموحد هي فكرة مرتهنة ~~بالإبستمولوجيا الكلاسيكية، إبستمولوجية الحتمية الميكانيكية، التي اتفقنا على أن هذا البحث ~~يروم الخلاص، أو الانتقال الجذري منها إلى الإبستمولوجيا المعاصرة، إبستمولوجيا النسبية ~~والكمومية. وفي الفصل السابع من هذا الكتاب سنفند بتفصيل وبراهين أوضح فكرة رد ~~العلوم إلى الفيزياء في بناء العلم الموحد. # ونعود إلى موضوعنا الحالي، إلى ارتباط منطق العلم بنوعية الظاهرة الإنسانية المختصة بعنصر ~~الوعي كثيرة المتغيرات التي تجعل ظواهر العلوم الإنسانية أكثر تعقيدا من ظواهر العلوم ~~الطبيعية، وأيضا الحيوية، لنجد أنه ليس مجرد الدرجة الكمية للتعقيد في الموضوع تبريرا ~~منطقيا كافيا ومحيطا لتخلف العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية، بل إن اللافت حقا في ~~العقد الأخير من السنين أن التعقيد # complexity # في حد ذاته، ~~التعقيد عموما، وتعقيد الظواهر الإنسانية خصوصا، أجل ... عين ومحض التعقيد بأنظمته ~~البنائية، وتفاعلاته الجدلية، وعلاقاته النفسية، ومتطلباته المنهجية قد أصبح موضوعا لعلم ~~ناشئ حديثا، مبحث يتكاتف لتشييده علماء من تخصصات عديدة، لإرساء الأطر النظرية، وأساسيات ~~الممارسات الإجرائية لهذا المبحث أو العلم الذي سيكون بحق درة من درر الإنجازات ~~العلمية ms047 في القرن العشرين. # 11 # أما إذا كانت مجرد الدرجة الكمية للتعقيد هي ببساطة معامل الارتباط القياسي ~~لدرجة التقدم العلمي للزم عن ذلك منطقيا أن بذل جهد أكثر كما، ومن قبل ~~عدد أكبر من الباحثين، كفيل تماما كي تحرز العلوم الإنسانية درجة التقدم المنشودة، ~~وتتجاوز مشكلتها. وليس هذا هو الأمر الواقع ولا المتوقع. # وتفسير هذا فيما أوضحناه في الفصل الأول من الكتاب، من أن اطراد التقدم العلمي ليس مجرد ~~تراكم كمي رأسي، بل يعني تضاعف القوى المعرفية للنظريات في متوالية منطقية، وتبعا لمبدأ ~~الطرح المنطقي يمكن ملاحظة أن هذا يطرح أيضا على موضوع العلم، ليصبح تعقيد الموضوع بدوره ~~مسألة متوالية منطقية، وليس مجرد دالة كمية بسيطة. ومواجهة التعقيد بدورها لا بد أن تتم على ~~هذا الوجه، وتغدو النسقية المنطقية هي الأسلوب القادر على الإحاطة الصورية بالموقف شديد ~~التركيب والتعقيد، وتتبع تمثلاته ونواتجه: فالعلم - كل علم سواء طبيعيا أو إنسانيا - ~~يتناسب ما يحرزه من اطراد التقدم مع درجة تقنينه المنطقي ونسقيته. ولئن كانت الفيزياء قد ~~فاقت كل فروع العلم في درجة تقدمها، فذلك ببساطة؛ لأنها تفوق كل فروع العلم في درجة ~~نسقيتها وتقنينها المنطقي، في مقابل العلوم الإنسانية التي أوجزنا منطق مشكلتها في ~~«افتقاد المشروع العلمي للإحكام والتقنين المنطقي». # وقبل تحديد كيفية تحقيق هذا الإحكام المفتقد، لا بد قبلا من طرح السؤال: لماذا هذا ~~الافتقاد؟ وسبيلنا الآن إلى الإجابة عنه. ~~••• # تجرى العلوم الطبيعية في طرق حددت معالمها ممارسات عريقة وراسخة متفق عليها، ~~فتسير عبر تخوم واضحة، وتصاغ قوانينها وفروضها ونظرياتها في حدود منطقية مقننة بدقة. ~~فقدر لها - كما أوضحنا - أن يتوالى تقدمها وتتجاوز سرعة تقدم العلوم الإنسانية. ~~وكان ذلك لعوامل متعددة أفضت إلى نسقيتها التامة، وهي عوامل تتبلور أخيرا في بساطة ~~وحياد موضوعها، ومن ثم إمكانية انفصالها واستقلالها عن مختلف مجالات النشاط الإنساني ~~الحضارية والروحية، فكان انتصارها على منافساتها من بني ثقافية أخرى أمرا ميسرا، ~~وتمكنت من فرض ذاتها أو نسقها المحكوم بمنطقها «حكم ذاتي» يبلغ منتهى الشرعية ~~والدستورية بما أوضحناه آنفا ms048 من منطق «تصحيح ذاتي». وأصبحت العلوم الطبيعية كيانا ~~مستقلا تماما فلا تبعية، ولا وصاية، ولا اقتحام لقوى دخيلة على بناء العلم. إنه تحرر ~~العلوم الطبيعية من الأوضاع أو المؤثرات الخارجية الذي بات جليا في عصرنا هذا. أما العلوم ~~الإنسانية فيعود افتقارها لدرجة أعلى من التقنين المنطقي الدقيق إلى أنها لا تستطيع مثل ~~هذا التحرر التام من مؤثرات خارجية دخيلة على العلم. # وابتغاء للدقة في هذه القضية المهمة لا بد وأن تميز بين نوعين من المؤثرات. النوع الأول ~~هو المحددات الحضارية والثقافية التي تعبر عن مستوى وعي العصر، أو ما وصلت إليه المعرفة ~~الإنسانية في مرحلة معينة. # والنوع الثاني هو المؤثرات التي تعبر عن تحيز حضاري أو ثقافي أو اجتماعي. فالنوع ~~الأول شأنه شأن القصور العلمي في مجال جمع المعلومات، وتصنيفها وإجراء أنواع من الحسابات ~~عليها، فهو مشروط مثلها بمرحلة معينة من تطور العقل البشري، ويتم التغلب عليها خلال ~~الزمن بتراكم الجهد الإنساني. أما النوع الثاني فلا يؤدي اكتشافه إلى التخلص منه؛ لأنه يعبر ~~عن مصالح. # 12 # مصالح أمة، أو نظام، أو طبقة، أو مصالح أقل عمومية من ذلك. قوة وفاعلية النوع ~~الأول من المؤثرات - أي مستوى الوعي المعرفي في العصر - واضحة تماما على منطق العلم ~~ومنهجه، وأيضا سوسيولوجيته. وقد ازدادت وضوحا في ضوء ثورتي الكوانتم والنسبية. إن هذا ~~النوع من المؤثرات يحدد الأطر والآفاق المستهدفة في العلوم الطبيعية، وأيضا الإنسانية، ~~ويذهب جوزيف مارجوليس «إلى أن هذا النوع من المؤثرات يبرر القول بأن العلوم الفيزيائية ~~ذاتها هي مشاريع أو مغامرات. فإذا كانت تفترض على وجه الدقة وجود عالم فيزيقي مستقل، فإنها ~~أولا وأخيرا تقبع داخل تساؤلات باحثين من البشر المثقلين بالإثقالات الثقافية». # 13 # ويقول مارجوليس إنه في هذا يأخذ برأي توماس كون في «بنية الثورات العلمية» ~~بأننا يمكن أن نتساءل عن عالم مستقل، ولكننا لا يمكن أن نقيم طبيعته بوصفه مستقلا عن ~~تساؤلاتنا. # 14 # والواقع أن هذا التصور ليس قصرا على كون ومارجوليس أو سواهما، بل هو عام في ~~الإبستمولوجيا العلمية ms049 المعاصرة، حتى يذهب جاستون باشلار إلى أن الذات في العلم ذات ~~تاريخية. فتقدم العلم المتتالي الذي عرضنا له في الفصل الأول من الكتاب، وأوضحنا كيف أنه ~~بصميم طبيعيته غير منته، ولن يتوقف أبدا، ذلك يعني - ~~كما يقول فيرنر هيزنبرج - «أن بناء أو نظريات العلم في أي مرحلة ليست سوى حلقة من السلسلة ~~اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن ~~طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة إذن تفترض سلفا وجود الإنسان، وعلينا كما يقول بور # Bohr # أن نأخذ في الحسبان أننا لسنا المشاهدين، بل الممثلين ~~في مسرح الحياة.» # 15 # وإذا كان عالم نيوتن تلك الآلة الميكانيكية التي تسير وفقا لقوانينها الذاتية، ~~وبفعل عللها الداخلية في زمان ومكان مطلقين بإزاء أي مراقب في أي وضع كان، وبأي سرعة ~~كانت، وكل ما عليه فقط أن يراقبه من وراء ستار إذا كان هذا هو عالم نيوتن، فإن عالم ~~النسبية ليس هكذا البتة، ولا بد لنا من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة. ولا ~~تتأتى الملاحظة أصلا في العالم الكمومي - عالم الكوانتم - بغير فرض يفترضه العقل، ~~ويستنبط منه وقائع الملاحظة. # 16 # وهكذا أصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من قلب الواقع الإنساني بحدوده ~~المعرفية، وأصبح العلماء - كما أشار بور - ليسوا فقط مراقبين، أو مشاهدين، بل هم أيضا ~~الممثلون والمخرجون والمؤلفون؛ لذلك حق قول مارجوليس بأن العلوم الفيزيائية مغامرة. ~~وطبعا العلوم الإنسانية هي الأخرى مغامرات أو مشاريع بهذا المعنى الذي ينطلق من قلب ~~الحدود المعرفية للعصر المعين. فمن الواضح أن العالم التاريخي الاجتماعي للإنسان لا يمكن ~~تأويله، أو مجرد فهمه فهما معقولا بوصفه منفصلا - ولو من حيث المبدأ - عن الأهليات ~~والإمكانات الاستقصائية المتاحة في عصر معين، # 17 # أو ما أسميناه: مستوى الوعي المعرفي للعصر. إذن فهذا نوع من المؤثرات، ومن ~~أي وجهة للنظر، مشترك بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على السواء، والأهم أنه نوع ~~لا خطورة منه، بل إنه يحمل البعد المقابل في جدلية التقدم العلمي المستمر. # ولكن الخطورة ms050 في النوع الثاني من المؤثرات المتمثل في ضغوط عناصر أخرى للبناء الحضاري ~~تسفر عن تحيزات للمصالح ليس من بينها مصلحة البحث العلمي النازع للوصف والتفسير، أو ~~الفهم والسيطرة. وهذا النوع هو فقط المقصود حين القول باطراد تقدم العلوم الطبيعية ~~لتحررها منه. والآن في عصرنا هذا أصبح هذا النوع من المؤثرات الخارجية - التحيزات لمصالح ~~- مختصا فقط بالعلوم الإنسانية مسببا مشكلتها وافتقادها لتقنين منطقي. ولسوف يعترض جوزيف ~~مارجوليس على أن العلوم الإنسانية فقط تختص بهذه المؤثرات، فهو يتفانى ويتعمق في عرض طويل ~~مسهب، وبلغة شديدة الحرص على الإغراب والتعقيد، ليثبت قضية محورية، مؤداها أن العلم ~~نشاط إنساني. ومن ثم فكل العلوم - ومهما كان موضوعها فيزيقيا أو حيويا - إنما هي ~~علوم إنسانية من حيث هي إنجاز فعلي للإنسان. وهي جميعا لا يمكن تعيين خصائصها تعيينا ~~دقيقا بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية، والخبرة، والاهتمامات الإنسانية. # 18 # وكل العلوم - أو بتعبير مارجوليس كل شعاب العلم - في هذا سواء، فلا تغدو ~~الاهتمامات والاحتياجات وسائر العوامل الخارجية في البناء الثقافي والحضاري - مختصة بالعلوم ~~الإنسانية دون الطبيعية، وأبسط ما يقال في الرد على مارجوليس هو أننا الآن معنيون بمنطق ~~العلم لا سوسيولوجيته؛ لذلك لا نبحث في العلوم من حيث هي «إنجاز»، بل من حيث هي بناء منطقي ~~ذو محتوى معرفي، ومضمون إخباري نرومه أكثر كفاءة. وهذه المؤثرات والتحيزات تنطوي على ~~عناصر تصلب تشل أطراف المحتوى المعرفي للعلوم الإنسانية دونا عن ~~الطبيعية. # إن المحتوى المعرفي للعلوم الطبيعية ينصب على ظواهر محايدة لخلوها من الوعي والإرادة، ~~فيمكن للإطار الثقافي والسياق الحضاري - المؤثرات الخارجية أو الأوضاع الخارجية للعلم - أن ~~ترفع يدها عنه تماما. وحين رفض الإطار الثقافي هذا - كما حدث حين فرضية مركزية ~~الشمس لكوبرنيقوس أو فرضية التطور لدارون - انهزم السياق الثقافي تحت وطأة القوة المنطقية ~~للنظرية العلمية. ودرجة التقدم التي تحرزها العلوم الطبيعية الآن، جعلتها تبلغ من العمر ~~رشدا وتنال الاستقلالية الكاملة، وأجبرت كل حيثيات السياق الثقافي أن ترفع اليد ~~تماما عن صميم محتواها المعرفي، وأصبح الآن لا يجرؤ على ms051 التدخل في صوغ فروضها أو عناصر ~~نظرياتها، ويقتصر على التفاعل معها مع حصائلها التطبيقية أو تقانتها من الخارج، لتغدو ~~الأوضاع «الخارجية» للعلم تتفاعل معه فقط من «الخارج» فلا يحدث أي اضطراب أو خلط ~~منطقي. # أما بالنسبة للعلوم الإنسانية فالأمر يختلف. وافتقادها للإحكام المنطقي راجع أولا وقبل ~~كل شيء إلى تشابك الإطار الثقافي - أي الأوضاع الخارجية - مع صميم المحتوى المعرفي للعلوم ~~الإنسانية، حتى قيل: «إن الأوضاع الخارجية هي التي أملت على البحث في هذه العلوم اختيار ~~القنوات التي يمكن أن تجرى فيها التصورات عن طريق التحكم في الإنسان وللمجتمع، وتتألف ~~هذه الأوضاع الخارجية من القوى السياسية والاجتماعية إلى جانب البدائل الثقافية الأخرى ~~كالأديان والتقاليد والعرف والفلسفات «وكلها معا تشكل الأيديولوجيات» وبيانات رجال السياسة ~~والإصلاح. فهذه أو تلك تنطوي على تصور معين للإنسان والمجتمع، مثل أعلى تلتزم به ~~مصالحها ويطابق آراءها». # 19 # وهذه البدائل التي تحظى بالرعاية والتوقير من جماهير الناس وأصحاب السلطان على ~~السواء، جعلت البحوث في العلوم الإنسانية «تتخبط في شعاب متفرقة، وتتخفى فيها شراك ~~الأيديولوجيات». # 20 # إن المنافسة القوية التي تلقاها العلوم الإنسانية في صلب حلبتها، وفي صميم قضاياها ~~وتصوراتها للإنسان والمجتمع على الإجمال في منطوق محتواها المعرفي داخل بنية العلم، ~~من قبل بدائل ثقافية أخرى تقع في نطاق الظروف الخارجية للعلم هو ما نجم عنه افتقادها ~~للإحكام المنطقي. # ومن الجهة الأخرى يتضاعف هذا الافتقاد، حين نجد حدود العلوم الإنسانية - وطبعا دونا عن ~~العلوم الطبيعية - إنما هي حدود مستباحة أيضا من قبل الحس ~~المشترك # Common Sense ~~، أو الفهم الشائع؛ أي الموقف العادي للإنسان العادي. «يؤكد هذا ما ~~نراه في حياتنا اليومية. فكلنا أقررنا بمشروعية العلم الاجتماعي أم أنكرناه، نصدر ~~أحكامنا على ما يواجهنا من مواقف اجتماعية، بل نتطرف في أحكامنا إلى الحد الذي يجعلها ~~مصبوبة فيما يسمى بالقوالب أو الأنماط الجامدة ، فنقسم البشر إلى أنماط أو أصناف تيسيرا ~~للحكم عليهم، وتعجيلا باتخاذ قرارات سريعة بشأنهم؛ لأن ضغوط الحياة لا تسمح لنا بإهدار ~~الوقت والجهد في الدراسة المتأنية، وحسبنا ما ms052 يتاح لنا من تلق مستتر نتلقاه من ~~وسائل التنشئة والتربية والإعلام، فضلا عما تمليه علينا مصالحنا المباشرة، التي ~~غالبا ما تتخفى في ثوب أنيق نسيجه المبادئ، والمثل العليا، والقيم الروحية.» # 21 # هكذا كانت مشاريع العلوم الإنسانية - أو بالأدق حدودها المنطقية - فريسة لتأثيرات عوامل ~~ثقافية تتراوح بين قطبين أو قوسين، هما الأيديولوجية الحضارية المعينة كحد أقصى، والحس ~~المشترك كحد أدنى، وعوامل أخرى تتدرج بين هذا وذاك. جميعها تقع خارج البنية المنطقية ~~للعلم، ولها ثقلها الوبيل على المحتوى المعرفي داخله، فكان حصاد هذا أن قصرت الأساليب ~~والطرائق عند كل فريق «عن استيعاب جوانب الظاهرة الإنسانية والاجتماعية»، فهي إما تميل إلى ~~جانب من آخر، وإما لا تقبل التطبيق إلا عند من سلم أولا بالافتراضات الفلسفية، ~~والالتزامات الأيديولوجية التي صادر بها أصحابها منذ البداية. بيد أننا نجد من وراء هذه ~~الفروق الفلسفية والأيديولوجية ضروبا من الاتفاق المعلن أو المضمر، وهو ذلك الاتفاق حول ~~مصادرات أو مسلمات العلم، مثل افتراض إمكان الفهم والتعميم. # 22 # هذا الاتفاق المبدئي هو الذي أقام المرحلة الوصفية، وذلك التنازع هو الذي يعوق ~~النجاح المنشود للمرحلة التفسيرية. فذلك التنازع - وبسبب تدخل العوامل الخارجية وضغوطها - ~~على وجه الدقة العامل الذي تسبب فيما أسلفنا الإشارة إليه من تناقض التفسيرات الإنسانية، ~~مقابل تكامل التفسيرات الطبيعية. # إن تكامل التفسيرات الطبيعية يتمخض فعليا وإجرائيا في التساوق والتآزر الجميل، ~~والخصيب المثمر، بين اتجاهات النظرية وممارسات التجريب، مثلا بين الفيزياء النظرية أو ~~البحتة وبين الفيزياء التجريبية أو المعملية. الأولى ترسم للثانية خطاها وتحدد ~~أطرها. والثانية تحمل اختبارات الأولى ومحكاتها وشواهدها، وأيضا مواطن كذبها، بل ~~أحيانا ضرورة تعديلها، أو حتى الثورة عليها، وسرعان ما يستجيب منظرو الفيزياء أنفسهم، ~~كما حدث مثلا حين أثبتت تجربة مكلسون مورلي كذب «الأثير»، وكان ضروريا للفيزياء ~~النظرية الكلاسيكية. وعبر استجابات نظرية عديدة لنتائج هذه التجربة - كمحاولات فيتزجيرالد ~~ولورنتز وسواهما - أتتنا في النهاية الاستجابة العظمى، ألا وهي نظرية النسبية، هكذا ~~يتساوق التجريب والتنظير في الفيزياء، وفي العلوم الطبيعية عموما، فتتآزر الجهود، وتتسارع ~~معدلات التقدم، ويهتف ms053 باشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعيانية.» # 23 # وبالمثل تماما، نجد تناقض التفسيرات الإنسانية يرتد فعليا وإجرائيا في الانفلاق الذي ~~تشهده العلوم الإنسانية بين اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب، ما يسهم في تباطؤ معدلات ~~التقدم، والجدير بالذكر ها هنا أنه في الثلث الأول من القرن العشرين ساد علم الاجتماع، ~~بتأثير من المدرسة الأمريكية، خصوصا مدرسة شيكاغو، انكباب محموم على التجريب، وعزوف ~~تام عن التنظير؛ لأنه يذكر الاجتماعيين بالمرحلة قبل العلمية حين كانت المباحث ~~الاجتماعية مشاكل فلسفية. طبعا سرعان ما أثبتت التجريبية المحضة عقمها وقصورها، وربما كانت ~~سيادة البنيوية في المرحلة التالية من مسار علم الاجتماع في القرن العشرين، بمثابة رد ~~فعل عكسي لهذا. وسادت البنيوية أمريكا وأوروبا، وارتفع لواؤها في البحوث العربية أيضا، ~~وكما هو معروف تعتمد البنيوية التجريد غير الرياضي إلى أقصى حد ممكن في بحثها الدءوب عن ~~الهيكل الثابت. والمحصلة لكل هذا أن تزايد في الآونة الأخيرة إحساس الباحثين ~~بالبون الذي أخذ يتسع بين التنظير والتجريب، بحيث أصبحنا «نرى العلوم الاجتماعية ~~صنفين في منهجياتها إما تجريبا مفرطا، وإما تلاصقا مع الواقع، أو بالأحرى فإن ~~الاتجاهين يمثلان قطبين يتمركز حولهما عديد البحوث حسب الاهتمامات، والأغراض ~~المتبعة، والمدارس الفكرية. ومما لا شك فيه أن البحوث الاجتماعية تنفلق حسب هذين ~~التوجيهين الكبيرين: توجه نحو مزيد من البحوث الميدانية، وتوجه نحو تكثيف البحوث ~~البنيوية». # 24 # وبالطبع الحال عينه في علم الاقتصاد، وأيضا في علم النفس؛ حيث يبز السلوكيون جميع باحثي ~~العلوم الإنسانية في انكبابهم على التجريب وعزوفهم التام عن التنظيرات، بل حتى عن مناقشة ~~النظرية السلوكية ذاتها! ربما كرد فعل عكسي لما كان من إفراط التحليليين المضجر بشأن ~~الصروح النظرية الشاهقة والسحيقة التي ابتدعها خيال فرويد، وأصر على إقحامها في دهاليز ~~ودياجير مفترضة للنفس الإنسانية. «مرة أخرى نشير إلى علم النفس المعرفي كوسط ذهبي يحمل ~~إمكانية تقدمية بتدارك هذا الانفلاق.» # إن افتقاد التآزر المنطقي السليم بين اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب لهو - في آن واحد ~~- علة ومعلول لاضطراب الحدود المنطقية للعلوم الإنسانية، وهو في ms054 النهاية تمثل من تمثلات ~~منطق مشكلتها، وحلها ينطوي على تدارك لهذا؛ لأنه شرط ضروري لمعدلات التقدم ~~المنشود؛ ولأنه لا تفسير علميا بغير تنظير ملتحم بالتجريب. فغني عن الذكر أنه لا ~~علم إخباريا أصلا بغير التجريب. أما النظرية فهي البوصلة الموجهة والعقل الهادي ~~الضروري للم شتات المباحث الإمبريقية، لتوجهها وترسم إطارها، بل وترسم خطتها ~~أصلا، فتحدد الوقائع المطلوب ملاحظتها، وبغير النظرية الكفء تغدو النتائج الإمبريقية ~~هشيما يذروه الرياح، لا يعني شيئا، ولا يفضي إلى شيء، خصوصا إذا يممنا الأبصار ~~صوب الهدف التفسيري بنجاح ملموس. إن النظرية الكفء بمثابة التتويج النهائي للمشروع ~~العلمي، وبتعبير مجازي يمكن القول إن البحوث التجريبية والإمبريقية هي جسد العلم، والنظرية ~~هي روحه، وكفاءة الممارسات والإنجازات العلمية تنطوي على كفاءة التوازن والتآزر بينهما، ~~وهذا يعتمد على محكات علمية قوية - سنحاول طرحها - تحدد تخوم الطريق في متصل ~~تقدمي صاعد صوب الهدف العلمي، وهو سيطرة العقل على الظاهرة موضوع البحث، ودائما ~~نهدف إلى أن يكون هذا أعلى من المطروح في وقتنا، ليطرد التقدم العلمي. # الخلاصة أن تناقض التفسيرات في العلوم الإنسانية، ومعها قصور الممارسات سواء تطرفت في ~~التنظير، أو أفرطت في التجريب ترتد إلى تأثيرات العوامل الخارجية المذكورة التي تجعل ~~المشروع العلمي ليس نقيا خالصا، ليس علميا تماما، بل يمتزج ويتشابك مع أمور كثيرة غير ~~علمية. والأرض التي يتأسس عليها المشروع العلمي الإنساني لم تمهد بما يكفي؛ إذ لم ~~تحدد تخومها بدقة منطقية. # إن مهمة العلوم الإنسانية هي دراسة كل نشاط إنساني في كل مجال يزاوله الفرد أو الجماعة ~~في الفكر والعمل، دراسة إخبارية؛ أي تهدف إلى الوصف والتفسير، ومن ثم التنبؤ والتحكم، ~~تماما كما تهدف العلوم الطبيعية. ومع هذا فكما قيل بحق: «لا ريب أنها تختلف عن العلوم ~~الطبيعية؛ لأن موضوعها العام هو «الإنسان في المجتمع إزاء العالم» فهي بذلك لا تستطيع أن ~~تعتصم بعزلتها بحجة التخصص العلمي الدقيق، ولا بد أن تجد نفسها منخرطة في صميم الواقع ~~الإنساني الاجتماعي، غير أن هذا يوجهه الالتزام العلمي بقدر ما كان ms055 يسيره نفوذ ~~عناصر أخرى خارج العلم، وبذلك جاءت أنساقها مفتوحة الطرفين تدلف من قمتها الفلسفات أو ~~الأيديولوجيا أو التقويمات، وتتسرب من قاعدتها التعميمات التجريبية دون أن تؤسس رصيدا ~~متفقا عليه من الفروض المتحققة.» # 25 # ومن أوضح هذه التمثيلات على هذا هو النظرية في علم الاجتماع الذي يتميز بطبيعة خاصة، ~~فهو يتعامل مع النسق الاجتماعي - نسق الأوضاع الإنسانية - حيث تتفاعل شتى الجوانب ككل ~~متكامل، وكل علم من العلوم الإنسانية ينفرد ببحث جانب معين من جوانب هذا النسق أو ~~النشاط. إن علم الاجتماع أكثر العلوم الإنسانية عمومية، شأن الفيزياء البحتة في علوم ~~الطبيعة الجامدة والحية، وفي نسق العلم ككل. إنه - أي الاجتماع - الإطار المنطقي الضام لشتى ~~مباحث العلوم الإنسانية، ونظرا لاتساع المدى المنطقي لعلم الاجتماع كانت النظرية ~~الاجتماعية أكثر من سواها من نظريات فروع العلوم الإنسانية نهبا مستباحا للمؤثرات ~~الثقافية الخارجية، بحيث أصبحت في حقيقتها خليطا يجمع بين الأيديولوجيا وبين الفلسفة ~~والقيم الحضارية، بل والأهداف المعيارية وتصورات الحياة اليومية، وأحكام الحس المشترك، ~~وبغير أن يصب هذا في إطار أو قالب منطقي مقنن؛ لذلك لا نجد نظرية اجتماعية ~~علمية بالمعنى الدقيق، وقد أوضحنا هذا حين توقفنا لمناقشة النظرية الوظيفية، وأشرنا ~~إلى سليلاتها، وحاولت السوسيومترية تدارك هذا بالإفراط في التجريب، أو معالجة الخطأ ~~بالخطأ المضاد. # النظريات الاجتماعية المطروحة لا تتحقق فيها السمة العلمية الدقيقة الفعالة؛ لأنها ليست ~~نظريات علمية بالمعنى المنطقي. النظرية العلمية ينبغي أن تشكل نسقا محددا يقوم على ~~مجموعة من المفاهيم والقضايا التي تربط بين المفاهيم، بحيث تتخذ النظرية دورا ~~استنباطيا، شكلا يعتمد طائفة من التعريفات والمصادرات المفضية إلى فروض جزئية ~~حسب قواعد منطقية تفضي إلى تعميمات، بشرط أن تكون التعميمات الناتجة قابلة للاختبار ~~التجريبي، أو التحقق الواقعي. أما النظرية أو النظريات الاجتماعية في وضعها الراهن فتفوق ~~الجميع من حيث كونها نسقا مفتوحا من قمته وقاعدته على السواء، من قمتها تتسلل ~~التقويمات، ومن قاعدتها تتسلل التعميمات الإمبريقية، خصوصا حين الإفراط في التجريب ~~كالسويسوميترية. وهذا لأن الأيديولوجيا تخص النظرية الاجتماعية بالذات لاتساع مداها ms056 المنطقي ~~بتوجهاتها أو بتشويهاتها إن لم تستأثر بها، وكانت السوسيوميترية رد فعل عكسيا لهذا، ~~ومعها بالطبع الاتجاه السوسيولوجي الإمبيريقي الذي ساد في أمريكا ردحا من الزمن. # والحق أن كارل ماركس - والكثيرون يرونه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع، علم الاجتماع ~~الديناميكي مقابل علم الاجتماع الوضعي السكوني الزائف - هو أول من لفت الأنظار إلى ~~«التشويه الأيديولوجي» عموما ولعلم الاجتماع خصوصا، موضحا أن الأيديولوجيا هي نقيضة ~~العلم، ويرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ~~ريكور Paul Ricoeur # أن ماركس استعار «التشويه الأيديولوجي» من نابليون. «فالأيديولوجيا» ~~مصطلح نبت ونما في فرنسا، مع دي تراسي الذي استحدثه عام 1797م ليبشر بأسس نظام سياسي ~~اجتماعي جديد يقوم على العلم بدلا من كل ترهات الماضي، ثم خرج المصطلح عن ارتباطه ~~المزعوم والزائف بالعلم، على يد كوندياك. و«الأيديولوجيون» أصلا هم الذين ورثوا في فرنسا ~~فكر كوندياك، واعتبروا الأيديولوجيا دراسة تحليلية للأفكار التي يكونها العقل البشري ~~عن الأشياء، غير أن نابليون اتهم هؤلاء الأيديولوجيين المسالمين اتهامات كثيرة، واعتبرهم ~~خطرا على النظام الاجتماعي، وهو بذلك أول من أعطى الأيديولوجيا دلالة سلبية قدحية. فيقول ~~بول ريكور: «لا شك أنه خلف كل هجوم أو رفض للأيديولوجيا يختفي نابليون معين.» # 26 # والواقع أننا لا نهاجم الأيديولوجيا، ولا نعطيها دلالة سلبية قدحية، ولا دلالة إيجابية ~~تقريظية، فإذا كانت الأيديولوجيا مجموعة الأفكار المبدئية العامة لكل جماعة معينة بشأن ~~أصولها وأهدافها ومعاييرها ومصالحها الحضارية، فلا شك أن الأيديولوجيا إذن مقوم ~~جوهري للمجتمع أو الجماعة، ولا يتأتى وجود القومية الواعي دون أيديولوجيا، بل يمكن أن نسير ~~مع الإنثربولوجيين ونقول إن أي جماعة - مهما كانت بدائية - لها أيديولوجيا تقدمية، إن ~~الأيديولوجيا تقوم بأدوار حضارية مهمة، ولكن ليس من بينها الدور المنوط بمنطق العلم، وحين ~~تقتحم الأيديولوجيا مسار البحث العلمي، فلا بد أن ينتابه اعتوار يحول بينه وبين تحقيق ~~أدق وأفضل لهدف العلم الإخباري، ووصف وتفسير ما هو كائن. # ونعود إلى ماركس - أول من رفع لواء التشويه الأيديولوجي - وسواء أكان نابليون يختفي ~~فيه كما يرى ريكور أو لا يختفي، فإن الذي يهمنا ms057 الآن أن مبدأ فلسفة ماركس «المادية» يعني أن ~~الحياة الواقعية للإنسان تسبق مبدئيا تمثلاته الذهنية، قد انعكس هذا في تناول ماركس ~~لمسألة «التشويه الأيديولوجي»، بمعنى أنه بدأ بالتشويه الأيديولوجي للواقع، ثم ارتفع إلى ~~التشويه الأيديولوجي للعلم. ففي عام 1844 أخرج ماركس الشاب كتابه الشهير «الأيديولوجيا ~~الألمانية» حيث استفاد من أبحاث لودفيج فيورباخ في كتابه «ماهية الديانة المسيحية» ليوضح ~~كيف تشوه الأيديولوجيا الواقع بأن تعكسه في وعي زائف. والحق أن مفهوم ماركس نفسه ~~آنذاك عن الأيديولوجيا هو الذي كان شائعا. فقد كانت الأيديولوجيا عند ماركس في تلك المرحلة ~~المبكرة تقوم على أن «الخيال الإنساني هو مجرد انعكاس لحياة الإنسان الواقعية ولممارساته، ~~ذلك الانعكاس هو الأيديولوجيا بالتحديد. وهكذا تصبح الأيديولوجيا هي العملية العاملة التي ~~بواسطتها تعمل التمثلات الخيالية للإنسان على تشويه حياته الواقعية وممارساته الفعلية، ~~ويمكن أن نلاحظ مباشرة كيف ترتبط المهمة الثورية بنظرية الأيديولوجيا عند ماركس، فإذا كانت ~~الأيديولوجيا مجرد صورة مشوهة، أو قلب، أو تزييف للحياة الواقعية، فإن المهمة الثورية ~~ستعمل على إعادة الأمور إلى نصابها». # 27 # هكذا بدا التشويه الأيديولوجي منصبا على الواقع، وداخل هذه المرحلة ~~المبكرة من الفكر الماركسي «مرحلة الأيديولوجيا الألمانية» لم يتم بعد معارضة الأيديولوجيا ~~مع العلم، ما دام هذا العلم المزعوم لن يظهر إلا مع كتاب «رأس المال»، # 28 # ومن ثم لم يوجه ماركس الأنظار إلى التعارض بين العلم والأيديولوجيا إلا ~~في مرحلة متأخرة مع مراحل تطوره الفكري، وهي المرحلة التي ظهر فيها «رأس المال». # ها هنا لفت ماركس الانتباه إلى أن مصالح الأيديولوجيا البرجوازية تشوه علم الاجتماع ~~الوضعي الناشئ حديثا، والواقع أن أوجست كونت نفسه اعترف بأنه أسس هذا العلم مدفوعا ~~بتمزق المجتمع بين صراعات التقدميين والمحافظين، ليغدو هذا العلم ليس فقط ضرورة معرفية، ~~بل أيضا مطلبا أيديولوجيا؛ إذ إننا ندرس لكي نضبط، وقوانين المجتمع هي الوسيلة ~~الوحيدة لخلق التوافق والانسجام بين قوى التقدم الثائرة وبين النظام الاجتماعي، فنتمكن من ~~الحفاظ أو الإبقاء على الوضع القائم محققين مصالح البرجوازية، لعل ماركس إذن مصيب في ms058 ~~هذا، ومصيب أيضا في تأكيده على أن علم الاقتصاد البرجوازي - هو الآخر - يحوي جوانب علمية ~~وجوانب أخرى أيديولوجية، وبطبيعة الحال «استبعد ماركس العلوم الطبيعية من الأيديولوجيا أو ~~من احتوائها على تشويه أيديولوجي، واعتبرها مثال الدقة والضبط والموضوعية (تبعا لما ~~أوضحناه من مادية تعني أسبقية الحياة الواقعية على التمثلات الذهنية) رأى ماركس أن الإنسان ~~لا يستطيع أن يحل في فكره التناقضات التي لا يستطيع حلها في الواقع، ومن ثم فإن ~~دور العلم هو كشف التشويه الأيديولوجي.» # أما القضاء عليه فمرهون بتغيير الواقع. # 29 # والمشكلة أن ماركس بعد أن قطع كل هذا الشوط عاد ليعالج الخطأ بالخطأ المضاد، ~~فكل ما فعله هو تأسيس علم اجتماع - وأيضا اقتصاد - ليس متحررا من التشويه الأيديولوجي، بل ~~بالعكس أكثر انصياعا للمصالح الأيديولوجية، لكن البروليتارية. وربما كانت حجته أو ~~ذريعته في هذا أنه يهدف إلى مرحلة علمية تكون نهاية الأيديولوجيا بظهور المجتمع اللاطبقي ~~«أو بتحقيق المصالح البروليتارية في دوران منطقي واضح سيؤدي إلى نتائج عكسية كما سنوضح ~~الآن.» # إذ يمكن القول إن لينين # V. I. Lenin ~~(1870-1924) عمل على ~~تدارك هذا بأن أعطى الأيديولوجيا مفهوما يختلف عن مفهوم ماركس لها، فبينما أعطاها ماركس ~~معنى ودورا معرفيا، فإن لينين اعتبر الأيديولوجيا هي مجموع أشكال المعرفة والنظريات ~~التي تنتجها طبقة معينة للتعبير عن مصالحها، ومن ثم يغدو ثمت أيديولوجيا بروليتارية، ~~كما أن ثمت أيديولوجيا برجوازية، وبذلك ارتبطت الأيديولوجيا بالطبقة بصرف النظر عن ~~تقييمها المعرفي، وأصبحت تعيينا للوعي الطبقي، وبعد أن كانت الأيديولوجيا نقيضة العلم فقدت ~~هذا المعنى الماركسي النقدي، وأصبح من الممكن مع لينين التحدث عن أيديولوجيا علمية، وأخرى ~~غير علمية، وطبعا الأيديولوجيا «العلمية» عند لينين هي البروليتارية! فأصبح العلم فريسة ~~للأيديولوجيا أكثر من أي وقت مضى - مهما كان برجوازيا - واستأثرت الأيديولوجيا اليسارية ~~بتشويهها علم الاقتصاد بالذات لتتسرب إلى خلاياه، وهو من أوثق العلوم الإنسانية ارتباطا ~~بالرياضات، والنمذجة الرياضية، والإحصاء الرياضي خصوصا في علم الاقتصاد التحليلي، وعلم ~~الاقتصاد الرياضي، ولم تنج من هذا الفيزياء ذاتها، هكذا لفت ماركس الانتباه ms059 لمسألة ~~التشويه الأيديولوجي، ولكن بدلا من أن تعمل الماركسية - أي الاشتراكية العلمية - من ~~بعده على تلافي هذا التشويه راحت ترسخه، وتستغله لتحقيق مصالحها لا مصالح البحث ~~العلمي، وسيظل تغني الماركسيين الزاعق بالعلم البرجوازي والعلم البروليتاري «وأيضا ~~الفن البرجوازي والفن البروليتاري» من أوضح الأمثلة على قوى التشويه الأيديولوجي، وحين ~~تتعاظم حتى تصبح تبريرا وتسويغا للمشروع العلمي ذاته، أو لممارسة النشاط العلمي أصلا، أو ~~بتعبير بول ريكور بعد أن كانت الأيديولوجية تزييفية أصبحت تبريرية، وقد لامس ماركس نفسه ~~هذا المعنى الثاني للأيديولوجيا؛ حيث أعلن أن أيديولوجية الطبقة السائدة تتحول دائما إلى ~~أفكار سائدة بفعل سطوتها وقدرتها على تقديم ذاتها كأفكار كونية شمولية # 30 # فيسهل عليها التسلل إلى معاقل العلم. # ومع هذا استمر الفكر الماركسي في إغفاله خطورة التشويه الأيديولوجي للعلم وفي استغلاله. ~~وأكد جورج لوكاتش # G. Lukace ~~(1885-1971) أن ~~الأيديولوجيا هي الوعي الطبقي، ومن ثم لكل طبقة أيديولوجيتها، كما سبق أن أعلن لينين، ~~بينما رفض أنطونيو جرامشي # A. Gramscis ~~(1891-1937) ~~الانفصال الأيديولوجي بين طبقات المجتمع، وجعل الأيديولوجيا هي جملة الأفكار التي تحرك ~~مجتمعا بأسره وليس طبقة معينة، واستعان في هذا بفكرة الهيمنة أو السيطرة التي أشار إليها ~~ماركس بأن الطبقة السائدة تفرض أيديولوجيتها، «وأيضا الدولة السائدة سياسيا واقتصاديا ~~تفرض أيديولوجيتها على المجتمع الدولي العالمي، أو على قطاع منه يمتد إليه نفوذها»، ولكن ~~لأن هذه توهن من مقولة الصراع الطبقي، ولعناصر أخرى في فلسفة جرامشي - التي تعد من أسبق ~~المعالم التجديدية للماركسية - اتهم جرامشي بتهمة المراجعية أي إعلاء الولاء للماركسية ~~للتسلل إلى صفوف الطبقة العاملة من أجل إشاعة التشكيك في المبادئ الماركسية والعمل على ~~تقويضها. # 31 # وفي عام 1926 اعتقل موسوليني جرامشي، وظل في السجن حيث كتب مؤلفاته ~~الضخمة حتى وفاته في ريعان العمر شهيدا من شهداء الإخلاص الحقيقي للماركسية. # ولكن الماركسية أو الاشتراكية العلمية عادت لتعين من جديد تضاد العلم والأيديولوجيا ~~وخطورتها عليه، وذلك مع الماركسي الفرنسي والبنيوي الثائر لويس ألتوسير، الذي اختلف مع ~~لينين ولوكاتش وجرامشي في تأكيده أن العلم نقيض ms060 الأيديولوجيا، واختلف أيضا مع ماركس بإضافة ~~أن المعرفة تبدأ بالأيديولوجيا، ولكن يتعين التخليص منها، وإحلال العلم محلها فيما ~~أسماه بالانقطاع المعرفي، واستفاد التوسير من البنيوية في تخطيط لهيكل الماركسية الثابت، ~~ووضعها بين الأيديولوجيا والعلم، أو تحديد جوانبها الأيديولوجية وجوانبها العلمية، لتتخلص ~~من الأولى وتبقى علما، وكانت محاولته للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم دءوبة حتى ذهب ~~إلى ما وراء، أو ما قبل الماركسية، وأيضا وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن مونتسكيو وروسو ~~قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجيا الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا من إحراز مشروع ~~العلم السياسي بنجاح أكبر. # 32 # إن الماركسية التي فطنت إلى قوى التشويه الأيديولوجي، ثم وقعت أسيرة لها استنامت ~~لسلطانها، وعادت من جديد يراودها الأمل في المشروع العلمي حقا، ويبدو أملا عسيرا لوطأة ~~الأيديولوجيا الماركسية. نقول إن الماركسية بهذا تعطينا مثالا شديد الدلالة فقط مثال، ~~فليس هذا التشويه قصرا على الماركسية، بل هو - وربما بصورة أشد - كامن فعال من قبل ~~الأيديولوجيات الشتى، لا سيما إذا كانت لمجتمع مغلق بتعبير كارل بوبر، ويعطينا ريكور ~~عرضا ثاقبا لكيفية تسرب أي أيديولوجيا، وفقط من حيث هي أيديولوجيا إلى معاقل العلم، ~~وعبر مراحلها الثلاث من تشويه إلى تبرير إلى إدماج، أوضحنا كيف أصبح في عصرنا هذا ~~إدماج بنسق العلوم الإنسانية دونا عن الطبيعية، يقول بول ريكور: # لننطلق من المثال المتعلق بتخليد المجموعة الإنسانية لأحداث تعتبرها مؤسسة ~~لوجودها الخاص، فاستمرار شعلة الأصول وعظمتها يظل أمرا صعبا جدا؛ ولذلك كثيرا ~~ما يتمازج - ومنذ البداية - مع كل من التواطؤ الجماعي، وتكرير الطقوس الاحتفالية ~~والتمثيل المبسط والمعمم، وكأن الأيديولوجيا لا تحافظ على قوتها المحركة إلا ~~حينما تتحول إلى وسيلة لتبرير السلطة التي تمكن المجموعة الإنسانية من التعبير ~~عن ذاتها وتأكيدها - كفرد كبير على الساحة العالمية - وهذا ما نلاحظه فعلا من خلال ~~الكيفية التي عبرها يتحول تخليد الحدث الجماعي بسهولة كبيرة جدا إلى برهنة ~~متكررة دائما، وذات شكل واحد تقريبا، بواسطة تخليدنا الجماعي هذا نثبت للآخرين ~~أن وجودنا بالطريقة التي نوجد عليها فعلا أمر جيد ومقبول، ms061 وهكذا تستمر ~~الأيديولوجيا في فسادها واختلالها، خصوصا حينما نأخذ بعين الاعتبار التبسيط ~~المبالغ فيه، والتمثيل المضخم اللذين بواسطتهما تمتد عملية الإدماج داخل ~~عملية تبرير السلطة، وشيئا فشيئا تصبح الأيديولوجيا شبكة لقراءة سطحية وسلطوية لا ~~لطريقة حياة الجماعة الإنسانية فقط، بل أيضا للموقع الذي تحتله في تاريخ العالم، ~~إلى أن تتحول إلى نظرة عامة ~~للعالم # Vision du Monde ~~، وهي إذ تصل إلى هذا المستوى العام تصبح عبارة عن قانون ~~ثابت أو شفرة رمزية شمولية يتم بواسطتها تفسير كل أحداث العالم، وهكذا يزداد توسع ~~الوظيفة التبريرية للأيديولوجيا تدريجيا إلى أن تتسرب إلى الأخلاق الاجتماعية ~~وإلى الدين، بل وتلحق حتى العلم. # 33 # ويبقى كارل مانهايم # K. Mnheim # في كتابه الشهير ~~«الأيديولوجيا واليوتوبيا» - وله ترجمة عربية - من أقدر من استطاعوا تجسيد الفارق بين ~~العلوم الطبيعية والإنسانية بأن المحتوى المعرفي في الأولى يتحرر تماما من الأيديولوجيا ~~التي هي مجمل الأفكار والآراء والنظريات والقيم التي تعبر عن جماعة معينة في إطار ~~تاريخي معين، وهي بهذا نظرة شاملة؛ أي مضادة للنظرة العلمية. ~~••• # وهي مضادة للنظرة العلمية من أكثر من وجهة، فإذا كان المنهج العلمي يقف على العامل ~~المشترك بين الذوات أجمعين، نجد «الأيديولوجيا تؤدي إلى تباين شديد في الآراء، وتجعل نفس ~~الموضوع يراه الناس بطرق مختلفة جدا»، # 34 # حتى «يمكن اعتبار عدم الثقة والشك اللذين يبديهما الناس تجاه خصومهم في كل ~~مكان، وكل مراحل التطور التاريخي السلف المباشر لفكرة الأيديولوجيا.» # 35 # وثمة أيضا علاقتها بالطوباوية (التفكير اليوتوبي). والحالة الذهنية تكون ~~طوباوية أو يوتوبية حين تتعارض مع الأمر الواقع الذي تحدث فيه، # 36 # بينما العلم ينصب على الواقع، ويتساوق معه. والحق أنه لا يمكن الفصل في ~~الفكر الإنساني بين العنصرين الأيديولوجي واليوتوبي (الطوباوي)، إنهما يتولدان معا، وعادة ~~ما تمتزج أيديولوجيات الطبقات الصاعدة بيوتوبياها. # وقد عرض مانهايم بشيء من التفصيل لطوباويات أو يوتوبيات التيارات الأيديولوجية الرئيسية، ~~بطبيعة الحال فقط في مسار الفكر الأوروبي. # 37 # فكان الشكل الأول للعقلية اليوتوبية هو العقيدة الألفية ذات الطقوس الدينية ~~الصاخبة، والشكل الثاني هو ms062 ليبرالية الطبقة البرجوازية الصاعدة، وكانت يوتوبياها هي فكرة ~~الحرية، والشكل الثالث مع يوتوبيا المثل الأعلى المحافظ، الذي يقبل البيئة كما هي، وكأنها ~~النظام المناسب للعالم، ولا يتحرك إلا لصد هجوم الطبقات التي تريد تغيير الوضع القائم، ~~وتقدم الاشتراكية الشيوعية الشكل الرابع للعقلية اليوتوبية، والهجوم عليها يأتي من المصادر ~~الثلاثة السابقة، وأخطرها الليبرالية، وفي الوضع المعاصر تنزل اليوتوبيا بالتدريج نحو ~~الواقع، فتخضع لكثير من التغيرات في الوظيفة والمضمون؛ ولأن مانهايم يقر استحالة الوصول ~~- في الوقت الراهن على الأقل - إلى الحقيقة بصورة مستقلة عن المعاني الاجتماعية والتاريخية، ~~فقد عمل على توضيح دور الأيديولوجيا واليوتوبيا في العلوم الإنسانية، «وإذا كان مقياس ~~الأهمية العلمية لأي مفهوم هو قدرته التفسيرية، فإن الأيديولوجيا واليوتوبيا من المفاهيم ~~المهمة في تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية والتاريخية.» # 38 # فهما وسيلتان لتجنب المزالق الفكرية؛ أي يلزماننا بأن نختبر كل فكرة بدرجة ~~تطابقها مع الواقع، وبأن السعي للخلاص من التزييف والتمويه الأيديولوجي والطوباوي، وهو ~~في نهاية المطاف السعي للوصول إلى الحقيقة. # 39 ~~••• # بعد هذا العرض المنطقي، وأيضا التمثيل والتوضيح السريع لمشكلة العلوم الإنسانية في ~~صراعها مع القوى الهائلة لضغوط أو تأثيرات أو تحيزات الأيديولوجيا، يتوجب علينا أن نضع ~~المشكلة بحيث تسير نحو الحل، ولا ندعها طريقا مسدودا لا يفضي إلى اتفاق بين الباحثين ~~أو تكامل لجهودهم، بل يغدو هذا الوضع تحديا علينا أن نواجهه باحثين عن الأسس والمعايير ~~التي نميز بمقتضاها بين ما هو علمي وما هو أيديولوجي، وافتقاد هذه المعايير وغيابها لا يخدم ~~أيا من النظرية العلمية أو الأيديولوجيا على السواء، فلكل منهما أهميته وضرورته، لكنهما ~~رغم ذلك أمران مختلفان، # 40 # وهذا هو عينه ضرورة تحديد تخوم واضحة لمشاريع العلوم الإنسانية. # وسوف نصل أيضا إلى هذا الطريق نفسه لو سرنا من الوجه الآخر للعملة، أو للمشكلة ~~المقابل لتسرب أو تدخل الأيديولوجيا، وهو تدخل الحس المشترك. # فلا شك أن الطبيعة النوعية لموضوعات العلوم الإنسانية - ولعلم الاجتماع بالذات - تفتح ~~الباب لتدخل الحس المشترك، حتى يذهب ميردال إلى أن العلم الاجتماعي لا يعدو أن ms063 يكون حسا ~~مشتركا على درجة رفيعة من الصقل والإحكام، ومن ثم يشارك العلماء الاجتماعيون سائر الناس في ~~تصوراتهم عن الواقع، ويفرق ميردال بين نمطين من التصورات هما الاعتقادات # beliefs # والتقويمات. ويمتزج النمطان في آراء # Opinions # الناس ومنهم العلماء، رغم اختلاف الفحوى المنطقية لكل منهما. فالنمط ~~الأول - أي الاعتقادات: عقلي عرفاني، النمط الثاني - أي التقويمات: انفعالي لا ~~إرادي. # 41 # وعمق هذا التداخل بين العلم وبين الحس المشترك يبرز هو الآخر مدى الاحتياج لمحك يفصل ~~بحسم بين ما هو علمي، وما هو لا علمي. ومن أي زاوية «يجب أن نميز في قضايا العلوم ~~الإنسانية بين ما يخص العلم، وما يخص غيره.» # 42 # والخلاصة أننا ننتهي الآن إلى أن الطريق نحو حل مشكلة العلوم الإنسانية يتطلب التمييز بين ~~ما هو علمي يتعلق بالمحتوى المعرفي، وما هو لا علمي يتعلق بأيديولوجيا، أو فلسفة، أو تقويم، ~~أو إسقاطات، أو رأي شائع ... على ألا يتم التمييز بطريقة مباشرة؛ أي ليس بالوعي والتصريح بما ~~هو غير علمي، بل بجعله عاجزا عن التدخل المباشر في القضية العلمية، ولن يكون ذلك إلا ~~بصياغة قضايا العلوم الإنسانية على النحو الذي لا يجعل الحكم عليها معتمدا على مقاييس ~~الأيديولوجيا، أو الفلسفة، أو سواهما، ومعنى هذا أن تطوع القضية العلمية في بحوث العلوم ~~الإنسانية لشروط صياغة الفرض العلمي الذي يقبل المواجهة مع الواقع، من حيث المبدأ، وكل ما ~~لا يقبل هذا التطويع يظل خارج المحتوى العلمي، حتى يجد طريقه فيما بعد لهذا التطويع، وهنا ~~يمكن أن نبدأ الطريق نحو حل مشكلة العلوم الإنسانية. # 43 # وحين تحديد صياغة الفرض العلمي ومعيار التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي، لا مندوحة ~~البتة عن الالتجاء إلى الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية التي هي عينها معيارها المميز ~~إياها، فالنجاح اللافت للعلوم الطبيعية المتسارعة التقدم في أداء مهمة العلم الإخبارية في ~~الوصف والتفسير - وفضلا عنهما السيطرة والتحكم والتنبؤ - قد بلغ درجة أصبحت تعني أن ~~خاصيتها المنطقية هي التمثيل العيني لشروط الفرض العلمي كيما يتكفل بتلك المهام ms064 المنوطة بأي ~~علم إخباري. ولما كانت الخاصة منطقية، فإنها تحدد طريق أو أسس التآزر المتحقق في العلوم ~~الطبيعية، والمنشود في العلوم الإنسانية. إنها على الإجمال، أو على حد تعبير باشلار: تعطينا ~~المثال الثقافي الذي يجب أن يتأكد في جميع مباحث الفكر العلمي؛ حيث لا عقلية في الفراغ، ولا ~~تجريبية مفككة. هاتان هما الفرضيتان الفلسفيتان في الطبيعيات المعاصرة. # 44 # والواقع أن الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية لا تعدو أن تكون الصياغة أو الصك المنطقي ~~الدقيق لتساوق جهود العلماء؛ ولهذا التآزر الحميم الملتزم المسئول بين العقل والممارسة ~~المعملية، أو بين التنظير والتجريب. # فما هي هذه الخاصة وعلى وجه التحديد المنطقي الدقيق؟ # | هوامش # الفصل الرابع # | الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية # تكاد تتفق الأطراف المعينة على أن كارل بوبر من أهم فلاسفة العلوم الطبيعية والمنطقي ~~الميثودولوجي الأول في النصف الثاني من القرن العشرين. # 1 # والعالم المتحدث بالإنجليزية يسلم بهذا؛ حيث تحظى أعمال بوبر باهتمام كبير، ~~وانتشار واسع، مثلما تنتشر في كل الأرجاء المعنية بالعلم وفلاسفته، من إيطاليا وألمانيا ~~وإنجلترا حتى الولايات المتحدة، وإذا كانت أعمالا أقل انتشارا في فرنسا، فإن «إدكار فور ~~في طريقه إلى تأسيس مركز للدراسات البوبرية فيها». # 2 # ولعله أسسه فعلا. ويعود هذا الاهتمام بفلسفة بوبر إلى أنه أقدر من ~~استوعب وتمثلا ومثل أحدث التطورات للعلوم الطبيعية، فتحمل فلسفته التجديدية الثرية ~~العميقة أكمل وأنضج نظرية للعلم، عرفت حقا كيف تبلور روحه، فتضع الأصبع على شد ما يفجر ~~الطاقة التقدمية للعلوم. # ولما كان بوبر أساسا رجل منطق، كانت نظريته في منطق العلم آية في الدقة والرصانة ~~والصرامة الأكاديمية، ومع هذا عرفت كيف تنساب في تيار الحياة العلمية الجارية والبحث العلمي ~~الدافق. فنجد العلماء التجريبيين الحاصلين على جائزة نوبل، أمثال سير بيتر مدور P. Medwar # وسيرجون أكسلس وجاكس موند # J. Monod # يؤكدون أنهم وصلوا إلى إنجازاتهم العلمية ~~الباهرة بفضل تعاليم بوبر المنهجية والاسترشاد بفلسفته للعلوم، وكانت نصيحة أكسلس للعلماء ~~الآخرين هي أن يقرءوا ويتأملوا كتابات بوبر عن فلسفة العلوم، وأن يتخذوا منها أساسا للعمل ms065 ~~في حياة الفرد العلمية. # 3 # لم يتبن هذا الرأي العلماء التجريبيون فقط، فعالم الفلك البحت والرياضي ~~الشهير سير هرمان بوندي # H. Bondi # قال: «ببساطة ليس العلم ~~شيئا أكثر من منهجه، وليس منهجه شيئا أكثر مما قاله بوبر، أثر بوبر إذا امتد ليشمل ~~كلا من العلماء التجريبيين وعلماء العلوم البحتة.» # 4 # وحصافة فلسفة بوبر للعلوم الطبيعية تأتت بفعل عوامل عديدة، أهمها أن نقطة ~~بدئها كانت ما ينبغي أن يمثل الأساس المكين لفلسفة العلم المنطقية، ولنسق العلم بأسره، ~~ألا وهو تحديد المعيار المنطقي الفاصل بين ما هو علمي، وما هو لا علمي، أي تحديد الخاصة ~~المنطقية المميزة للقضية العلمية، دونا عن أي قضية أخرى تركيبية تتخذ الشكل المنطقي «أ ~~هو ب» وهي لا تحمل خبرا حقيقيا، ولا تقوم بمهام العلوم الإخبارية. يقول بوبر: «بدأ ~~عملي في فلسفة العلم منذ خريف 1919، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة، متى تصنف النظرية ~~على أنها علمية؟ أو هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة العلمية لنظرية ما؟ لم تكن ~~المسألة التي أقلقتني آنذاك متى تكون النظرية صادقة؟ ولا متى تكون مقبولة؟ كانت مشكلتي ~~شيئا مخالفا؛ إذ أردت أن أميز بين العلم والعلم ~~الزائف Pseudo-Science # وأنا على تمام الإدراك أن العلم يخطئ كثيرا، وأن العلم الزائف قد ~~يحدث أن تزل قدمه فوق الحقيقة.» # 5 # فتوصل بوبر إلى أن معيار القابلية ~~للتكذيب # Criterion Falsifiability # هو ما يميز العلم دونا عن أي نشاط عقلي آخر، فالخضوع المستمر ~~للاختبار، وإمكانية التفنيد بالأدلة التجريبية هي الخاصة المنطقية المميزة للقضية العلمية ~~دونا عن أي قضية تركيبية أخرى، عبارات العلم التجريبي - أي العلم الذي يعطينا محتوى ~~معرفيا، ومضمونا إخباريا، وقوة تفسيرية شارحة، وطاقة تنبؤية عن العالم الواقعي الواحد ~~والوحيد الذي نحيا فيه، هي فقط التي يمكن إثبات كذبها؛ لأنها تتحدث عن الواقع الذي يمكن ~~الرجوع إليه ومقارنتها به؛ لذلك فهي في موقف حرج حساس، فنجد نظرية بوبر في «منهج ~~العلم» تؤكد مطلب الجرأة، فالجرأة هي فقط التي تمكن من اقتحام المجهول، واكتشاف ms066 ~~الجديد، الحقيقة ليست ظاهرة، بل تكمن خلف ما يبدو لنا من العالم، وما يفعله العالم ~~العظيم هو أن يخمن بجرأة، ويحدس بإقدام كيف تكون هذه الحقائق الداخلية الخفية، ~~ويمكن أن تقاس درجة الجرأة بقياس مدى البعد بين العالم البادي وبين الحقيقة المفترضة ~~حدسا، أرسطارخوس وكبرنيقوس عالمان عظيمان؛ لأنهما افترضا أن الشمس هي مركز الكون في حين ~~أن المظهر البادي يقول إنها قابعة في سماء الأرض، غير أن ثمة نوعا آخر من الجرأة لا ~~يتعمق، بل هو متعلق بالمظاهر البادية: إنه جرأة التنبؤ، جرأة المواجهة المسبقة ~~المسئولة مع الواقع، هذا النوع من الجرأة هو الأهم، وهو ما يميز الفرض العلمي بالذات، ~~الفرض الميتافيزيقي يمكن أن يحقق الجرأة بالمعنى الأول، يمكن أن يحدس الحقيقة الكامنة ~~التي لا تبدو للعيان، لكن لا يمكن أن يحقق الجرأة بالمعنى الثاني، لا يمكن للفرض ~~الميتافيزيقي الخروج بمشتقات أو التنبؤ بوقائع تجريبية تحدث أمامنا في العالم التجريبي، ~~وقابلة للملاحظة، إنه لو فعل هذا لتعرض لمخاطرة كبيرة، مخاطرة الاختبار والتفنيد، ~~ومن ثم إمكانية التكذيب، مخاطرة التصادم مع الخبرة، إنها مخاطرة لا يقوى عليها إلا ~~العلم؛ لذلك نكتشف كل يوم أخطاء بعض من نظرياته، فنتركها ونصل إلى الأفضل، فبفضل إمكانية ~~التكذيب كان العلم التجريبي هو البحث المطرد التقدم، فإمكانية تكذيب العبارات العلمية هي ~~قابليتها الشديدة للنقد والمراجعة؛ لأن تترك وتحل محلها عبارات أفضل. من هنا كان ~~رفضنا فيما سبق لنظرية التراكم في تفسير طبيعة التقدم العلمي، والأخذ بالنظرية المضادة ~~لها؛ أي الثورية. ومن هنا أيضا رأى بوبر أن تكون الجرأة من النوع الثاني، والبعد المنهجي ~~الذي يقابلها؛ أي الاستعداد للبحث عن الاختبارات والتفنيدات هي ما يميز العلم التجريبي - ~~البعد المنطقي والبعد المنهجي هما وجها عملة التكذيب الواحدة - حيث إن القابلية للتكذيب هي ~~ذاتها القابلية للاختبار # Testability ~~، الاختبار التجريبي ~~بالطبع. # والقابلية للاختبار قد ترتبط بالقابلية ~~للتحقيق # Verifiability ~~، ولكن الخاصة المنطقية المميزة للعبارة وللنظرية العلمية هي ~~إمكانية التكذيب؛ أي التفنيد والنفي، وليس مجرد التحقيق، مثلا العبارة «السماء ستمطر غدا» ~~عبارة علمية؛ ms067 لأنها قابلة للاختبار التجريبي بمجيء الغد، وقد تمطر السماء؛ أي قد نتحقق ~~منها، ولكن ليس هذا هو المناط في علميتها، بل المناط في إمكانية ألا تمطر السماء غدا. ~~إمكانية تكذيبها وهي إمكانية قائمة خاصة منطقية لها، وبالبحث عن التكذيب، وليس التحقيق يمكن ~~استبعاد عبارات مثل «غدا قد تمطر السماء أو لا تمطر»، وهي واجبة الاستبعاد؛ لأنها لا ~~تعطينا محتوى إخباريا، فهي تحصيل حاصل من الصورة المنطقية (ق 7 ق)؛ أي (إما ق أو ~~لا ق). # وحينما يأتي الغد فأيا كانت الخبرة الحسية فسوف نتحقق منها، ولكن تكذيبها مستحيل، ~~فنستطيع الحكم بأنها لا علمية، هكذا يمكننا معيار القابلية للتكذيب من استبعاد تحصيلات ~~الحاصل المتنكرة في هيئة إخبارية، وهي واضحة متجلية في الفروض الميتافيزيقية الموغلة ~~في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر الثيولوجي، وهما نمطان من التفكير غير قابلين ~~للتكذيب. لا أصلا ولا فروعا، ولا مطلوب منهما هذا، فهما ليسا علما. # وبالطبع ثمة فارق بين القابلية للتكذيب وبين التكذيب، وليست تعني الخاصة المنطقية التثبت ~~بالفعل من كذب كل عبارة علمية وتفنيدها، كلا بالطبع، فهذه كارثة محققة، وإلا فما هو ~~علمنا اليوم؟ إنه نسق العبارات القابلة للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث القوة بمصطلحات ~~أرسطو أن نتثبت من أن إمكانية التكذيب قائمة في النظرية، لا أن النظرية كاذبة بالفعل، إن ~~القابلية للتكذيب مجرد معيار يحدد الخاصة المنطقية للنظرية العلمية، أما التكذيب فهو حكم ~~عليها، تقييم نهائي لها، رفض، ومن ثم تجاوزها، وإحراز خطوة تقدمية أبعد، قابلة بدورها ~~للتكذيب، ويتم تكذيبها يوما ما بفرض أبعد قابل للتكذيب ... وهلم جرا في مسيرة العلم ~~المطردة التقدم. # ولما كانت القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار كانت محاولة تكذيب النظرية هي ~~ذاتها اختبار النظرية، وهذا الاختبار يفضي إما إلى التكذيب، وإما إلى التعزيز # Corroboration # على النحو التالي: # التكذيب: # نحكم به على النظرية إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها، أي إذا ~~تناقضت النتائج المستنبطة منها مع الوقائع التجريبية؛ لأن تكذيب النتائج ~~تكذيب للنظرية ذاتها، فتستبعد من نسق العلم، ms068 رغم أنها علمية، لكننا ~~وضعنا الأصبع على موطن خطأ أو كذب، فيمكن تلافيه فيما سيحل ~~محلها، فيكون أكثر اقترابا من الصدق، وأغزر في المحتوى المعرفي، ~~وفي القوة التفسيرية ... لذلك فكل تكذيب ظفر علمي جديد، وليس خسارة كما يبدو ~~للنظرة العابرة. # التعزيز: # وهو يتم إذا تجاوزت النظرية الاختبار، والتعزيز هو جواز مرور الفرض إلى ~~النسق العلمي، المرور من اختبارات منهج العلم القاسية، وكلما كانت ~~الاختبارات أقسى حازت النظرية التي تجتازها درجة تعزيز أعلى، وكانت أعظم؛ ~~أي أغزر في المحتوى المعرفي، وأجرأ في القوى التفسيرية؛ لذلك يؤكد بوبر ~~دائما على قوة الاختبارات حتى لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلى ~~نسق العلم بسهولة. # إن التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة منهجية ناجحة، فالنجاح يعني التوصل إلى ~~فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة أعلى من سابقه، ويمكن التعبير عن هذا منطقيا ~~كالآتي: # ء (ف1، ش ت) < ء (ف2، ش ت) # حيث إن (ف1) الفرض الموجود في الحصيلة المعرفية السابقة، و(ف2) الفرض الجديد الذي يناقشه، ~~و(ء) درجة تعزيز الفرض في ضوء (ش)؛ أي المناقشة في الوقت الراهن (ت)، (<) أقل من، ~~وهذه الصياغة تقنين منطقي لمسيرة العلم التقدمية من حيث إنها تبرير قبول (ف2) فنسق العلم ~~سيحذف منه (ف1)، ويوضع بدلا منه (ف2)؛ لأنه أكثر تعزيزا ... أكثر تقدما. مفهوم التعزيز ~~يشير إلى قوة الفرض الإبستمولوجية، ولا علاقة له البتة «بالاحتمالية» بالمعنى «الموضوعي» ~~المسلم به في العلم المعاصر الذي يعني احتمالية حدوث الحدث، وتكراره أنطولوجيا وهو ~~بالطبع المعنى الذي يعمل بوبر به دائما. # على أن التعبير عن درجة التعزيز التخصصية لفرض معين بالصيغة المنطقية المذكورة يبرز ~~اختلافا ما بين بوبر وبين جمهرة من المناطقة المعاصرين؛ إذ توضح أن قياس تفاوت درجة ~~التعزيز يعني مقارنة الفرض الجديد بسابقه المطروح في الحصيلة المعرفية، وبينما يرى دوهيم ~~ومن بعده المنطقي الكبير كواين أن اللزومات ~~المنطقية # Consequences ~~؛ أي النتائج المستنبطة التي تخضع للاختبار لا تخص الفرض الجديد ~~وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض، يرفض بوبر هذه النظرية ms069 ~~الكلية، ويرى أن اختبار الفرض على حدة، وبصورة منفصلة مسألة جوهرية لتقدم العلم، وقياس ما ~~يضاف إليه حقيقة، وعلى الرغم من هذا الخلاف الكبير بين بوبر وكواين فإن كواين نفسه لم يملك ~~إلا استصواب ما أسماه بالطبيعة النافية لنظرية بوبر المنهجية ، بمعنى أن البينة قد تفند ~~الفرض، ولكن لا تؤيده بحال، أو تؤيده بمعنى سلبي ناف، هو غياب التفنيد. # 6 # ويرى كواين أن هذا المنحنى النافي يجب أن يكون أساس التعامل مع العلم؛ لأنه كفء لهذا، ~~خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنه لا يتعلق إلا بالعبارات الكلية، وهي صورة القانون ~~العلمي. فبالطبع العبارات الجزئية (أ هي ب) لا يجدي التعامل معها بالمنهج النافي شيئا، ~~وإذا انتقلنا من هذا الوجه المنطقي إلى الوجه الميثودولوجي (المنهجي) وجدنا أن مهمة ~~التجربة هي تفنيد الفرضيات، لا تأييدها؛ لأن الفرضيات لا يمكن إثباتها، يمكن فقط عدم ~~تفنيدها. # ويعلق عالم الإحصاء الروسي الكبير ناليموف على هذا بأن بوبر قد أضفى صبغة فلسفية منطقية ~~على هذا القول المعروف لكل عالم إحصائي. # 7 # أما الذي يجعل القابلية للاختبار والتكذيب خاصة منطقية مميزة للقضية العلمية، ومعيارا ~~قادرا على تمييز العلم التجريبي؛ فذلك لأنها ترسو على أسس تجريبية هي العبارات الأساسية # Basic Statements # وهي عبارات تجريبية مفردة ~~لها الصورة المنطقية للعبارات الوجودية المحددة، أو بتعبير ألفرد تارسكي: القضايا ذات ~~الطابع الوجودي # Existential Character # التي تقرر وجود ~~أشياء معينة متصفة بصفة معينة، إن وجود شيء معين في زمان معين، ومكان معين يجعل ~~العبارة تشير علانية لموضوع مادي يمكن ملاحظته، مما يجعل من الممكن مباشرة إقرار العبارة، ~~أو إنكارها على أنها إما صادقة أو كاذبة، أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك س في ~~مكان ما من زمان ما»، فهي تبعا لمعيار القابلية للتكذيب ليست علما؛ ذلك لأنها لا يمكن أن ~~تخبر بشيء ما، ما لم ننسب إليها الشروط التي تحددها؛ أي التي تجعلها وجودية محددة، ما ~~دامت العبارة الأساسية لها صورة العبارة الوجودية المحددة، فهي إذن عبارة خصوصية Particular # عن واقعة ms070 خصوصية. # وهذه العبارات تمثل عمود التكذيب الفقري ودماءه، وهي التي خولت له إمكاناته في منطق ~~العلم التجريبي. # 8 # فلنفرض أننا فتتنا العالم التجريبي على طريقة برتراند راسل مثلا إلى أقصى درجة ممكنة، ~~أي إلى عدد لا نهائي من الأحداث # Events # كل حدث واقع في ~~آن معين من الزمان، ونقطة معينة من المكان، جماع هذه الأحداث هو العالم التجريبي، ~~ولنضع لكل حدث جملة تنقله بتعبير راسل جملة ذرية، هذه الجمل الذرية وارتباطاتها معا هي ~~فئة «العبارات الأساسية» إنها جميع العبارات الخصوصية الوجودية الممكن تصورها عن الواقع؛ ~~لذلك ستحتوي الفئة على عبارات كثيرة ليس بينها تساوق أي توافق متبادل؛ إذ إنها تعبر عن ~~كل الوقائع التجريبية الممكنة، أي التي قد تحدث، وقد لا تحدث. # ونظريات العلم الطبيعي، أي محاولات الكشف عن القوانين التي تحكم العالم التجريبي، هي ~~محاولات رسم حدود وفواصل بين هذه العبارات الأساسية، حدود تحدد الممكن الذي سوف نلقاه ~~في خبرتنا، وتمنع ما خارجها من الحدوث؛ لذلك يقول بوبر: «إن إمكانية التكذيب هي إمكانية ~~الدخول في علاقات منطقية مع عبارات أساسية محتملة؛ أي من فئة كل العبارات الأساسية ~~الممكنة، وإن هذا لهو المطلب الجوهري والمبدئي؛ لأنه متعلق بالصورة المنطقية ~~للفرض.» # 9 # ويكون التعبير المنطقي عن القابلية للتكذيب كالآتي: تكون النظرية قابلة للتكذيب ~~- أي علمية - إذا كانت تقسم فئة كل العبارات الأساسية المحتملة تقسيما واضحا إلى ~~الفئتين اللافارغتين: # فئة كل العبارات الأساسية التي لا تتسق النظرية معها، أي التي تستبعدها ~~وتمنعها، فإن حدثت أصبحت النظرية كاذبة، وهذه هي فئة المكذبات المحتملة Potential Falsifiers # للنظرية. # فئة كل العبارات الأساسية التي تتسق النظرية معها ولا تناقضها، وهي العبارات ~~التي تسمح بها النظرية. # الخطورة والتعويل في السمة العلمية على الفئة الأولى بحيث ننتهي إلى الآتي: تكون النظرية ~~قابلة للتكذيب إذا كانت فئة مكذباتها المحتملة ليست فارغة، هكذا تتم عملية الكشف عن ~~القابلية للتكذيب - أي التحقق من السمة العلمية - وتتم عملية التكذيب؛ أي التحقق من السمة ~~العلمية، وتتم عملية التكذيب؛ أي إمكانية مواجهة القضايا بالواقع ms071 التجريبي، مواجهة تتم ~~بناء على العبارات الأساسية. # بالنسبة للعبارات المفردة فإن إثبات كذبها - إذا كانت كاذبة - يمكن في التو واللحظة، ~~وعلى الرغم من أن هذه العبارات أساس عملية التكذيب، فإنها ليست موضوع مشكلة التمييز بين ~~العلم واللاعلم، فهذه مشكلة القضايا الكلية، صورة القوانين والنظريات، والطبيعة الكلية ~~العمومية لقوانين ونظريات العلم تعني استحالة مواجهتها بالواقع التجريبي؛ لأنها تتحدث عن ~~أفق لا نهائي، يستحيل حصره في فئة عبارات أساسية معينة في زمان ومكان معينين، ~~يمكن إخضاع ما يضمانه لنطاق اختبار تجريبي، فكيف يمكن الكشف إذن عن كونها قابلة ~~للتكذيب أو غير قابلة له؟ يمكن هذا عن طريق استنباط عبارات مفردة من النظرية، يسهل أن ~~نواجهها بالوقائع، فيكون الاستدلال التكذيبي استدلالا استنباطا صرفا هابطا من الكليات ~~إلى جزئيات، لكن مجرد استنباط عبارات مفردة من النظرية لا يعني أن النظرية علمية؛ إذ لكي ~~نستنبط عبارات مفردة من النظريات - التي هي كلية - سنحتاج حتما إلى عبارات مفردة أخرى ~~تمثل الشروط المبدئية لما يجب أن تخضع له متغيرات النظرية، وفي اختبار التكذيب تكون ~~النظرية إحدى مقدمات الاستنباط، وبقية المقدمات عبارات مفردة أخرى تخدم - كشروط أساسية - ~~لحدوث ما تخبر به النظرية، والذي سيكون نتيجة الاستنباط التي نقابلها بالوقائع ~~التجريبية. # ولكن هل مجرد استنباط عبارات مفردة من النظرية بمساعدة عبارات مفردة أخرى هي عينها ~~القابلية للتكذيب، أو إمكانية التكذيب التي تميز النظرية العلمية؟ بالطبع كلا! فأي عبارة لا ~~تجريبية مثلا ميتافيزيقية، أو تحصيل حاصل يمكن استنباط عبارات مفردة أخرى منها، مثلا: ~~(إذا كانت أ هي أ لكانت السماء ستمطر غدا، لكن أ هي أ إذن السماء ستمطر غدا)، وهي نتيجة ~~تمثل عبارات أساسية، فهل يمكن أن نبحث عن إمكانية استنباط عبارات مفردة تخبر بشيء جديد لم ~~تخبر به العبارات المفردة التي خدمت كشروط أساسية؟ هذه الإضافة سوف تستبعد تحصيلات الحاصل، ~~لكن لن تستبعد العبارات الميتافيزيقية مثلا «كل حادث لا بد له من علة غائية، وقد حدث اليوم ~~زلزال في أثينا، إذن زلزال أثينا له علة غائية» إنها أكثر ms072 من المقدمات، لكنها ليست عبارة ~~تجريبية مفردة، ولكي نتجنب كل هذا، وتصبح القابلية للتكذيب معيارا يميز العلم بكفاءة، ~~نضع مطلب القاعدة الآتية: «يجب أن تسمح النظرية بأن تستنبط منها عبارات تجريبية مفردة ~~أكثر من العبارات التي يمكن استنباطها من العبارات التجريبية التي تمثل الشروط الأولية ~~فقط»، فإذا سمحت النظرية بهذا أمكن مواجهة تلك العبارات المستنبطة بالوقائع التجريبية، ~~الواقع الذي قد يكشف عن كذبها، أي إذا كانت النظرية قابلة للتكذيب فهي إذن علمية، هذه ~~العبارات المستنبطة منها تمثل محتواها المعرفي الذي تخبرنا به عن العالم التجريبي. # 10 ~~••• # وكما يقول بوبر: «إن النظرية التي تقبل مخاطرة التفنيد، أي القابلة للتكذيب ستصف عالمنا ~~المعين، عالم خبرتنا الوحيد، وستفرده عن فئة كلما العوامل الممكنة منطقيا، وبمنتهى ~~الدقة المستطاعة للعلم». # 11 # كلما ازدادت النظرية في محتواها المعرفي، وفي عموميتها، وفي دقتها، عينت هذا ~~العالم أكثر. إن إمكانية التصادم مع الواقع - أي القول بما قد لا يحدث في الواقع، فيكذب ~~النظرية - هي التي تميز النظرية العلمية، إنها قدرتها على استبعاد، على منع بعض الحوادث ~~المحتملة من الحدوث، وكلما منعت النظرية أكثر أخبرتنا أكثر، وعرضت نفسها لإمكانية ~~انتهاكات أكثر، ومن ثم زادت قابليتها للتكذيب، مثلا أبسط عبارات العلم (الماء يغلي في ~~درجة 100° مئوية) طبعا يمكن مواجهتها بالواقع، ويمكن - منطقيا - ألا يغلي الماء في هذه ~~الدرجة، هي إذن قابلة للتكذيب، لكن نلاحظ أن العبارة تمنع حدوث غليان الماء في أي درجة ~~مئوية أخرى، في 60 أو 80 ... وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا إن (الماء يغلي في درجة ~~100° في مستوى سطح البحر) كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها منعت أكثر. فقد منعت ~~كل ما منعته سابقتها، بالإضافة إلى أنها منعت غليان الماء في 100° فوق سفح جبل أو في ~~هوة سحيقة، أو في أي مكان ضغطه الجوي مختلف عن الضغط فوق سطح البحر، وإذا أضفنا إليها ~~تحديدا آخر، وقلنا (في مستوى سطح البحر يغلي الماء في درجة 100° في الأوعية المكشوفة) كانت ~~هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها تمنع غليان الماء ms073 في هذه الدرجة عند سطح البحر في الأنابيب، ~~أو في المراجل المغلقة، إنها تمنع الأكثر؛ ولهذا قابليتها للتكذيب أكثر. # هذا المثال يوضح كيف ترتبط القابلية للتكذيب بالمحتوى المعرفي ارتباطا مباشرا، ~~يجعل العلاقة بينهما تناسبا طرديا، فمثلا تزيد عمومية # Universality # العبارة بزيادة المحتوى، النظرية الأكثر عمومية ذات محتوى ~~معرفي يفوق محتوى النظرية، أو النظريات الأقل منها عمومية؛ إذ إنها تمنع ما منعته، ~~بالإضافة إلى منع ما جعلها أعم؛ لذلك فهي أكثر قابلية للتكذيب، وهي أيضا أغزر في محتواها ~~المعرفي؛ لأنها تضم محتوى العديد من العبارات التي تعممها، إن العبارة العلمية هي ~~العبارة ذات المحتوى المعرفي الإخباري عن العالم التجريبي، وهي بهذا العبارة القابلة ~~للتكذيب. «والفيزياء هي الأكثر قابلية للتكذيب؛ لأنها الأكثر عمومية.» # المحتوى المعرفي # Informative Content # للعبارة هو محتواها ~~التجريبي ومحتواها المنطقي: # المحتوى التجريبي: # هو فئة المكذبات المحتملة للنظرية، أي العبارات الأساسية التي ~~تستنبط من النظرية، وإن لم تحدث كذبتها، ولما كانت فئة المكذبات ~~المحتملة - أي التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب - هي ذاتها محتواها ~~التجريبي، كان المعيار ببساطة يحتم - بل يعني - وجود محتوى تجريبي ~~للنظرية، وماذا نريد من معيار العلم أكثر من هذا؟ # المحتوى المنطقي: # كل نظرية علمية لها أيضا محتوى منطقي، ومفهوم القابلية للاشتقاق # Derivability # هو الذي يحدد المحتوى ~~المنطقي؛ إذ إنه من فئة العبارات التي ليست تحصيل حاصل، والتي يمكن ~~اشتقاقها من النظرية أو العبارة، أي فئة معقباتها # Consequences # أو لزوماتها المنطقية، ما يلزم عنها ~~بالضرورة، على هذا تكون تحصيلات الحاصل فارغة بغير أي محتوى معرفي؛ ~~لأن فئة مكذباتها المحتملة فارغة، وأيضا فئة لزوماتها المنطقية فارغة، ~~أي أن محتواها التجريبي، ومحتواها المنطقي كلاهما فارغ، في حين أن جميع ~~العبارات الأخرى التي ليست بتحصيل حاصل، حتى الكاذبة منها، لها محتوى ~~منطقي غير فارغ، وحيثما ترتبط مقاييس المحتوى التجريبي لنظرية ومقاييس ~~المحتوى التجريبي لنظرية أخرى، فلا بد وأن ترتبط أيضا مقاييس محتواهما ~~المنطقي، بالتعبير الرمزي عن هذا نفترض أن لدينا النظريتين: ن1 ون2، ولنرمز ~~للمحتوى التجريبي بالرمز (ت م) و(>) أكبر ms074 من، وكان لدينا الصياغة ~~الآتية: ~~(1) --- م ت (ن1) > م ت (ن2) # فلا بد أن تنطبق أيضا على محتواهما المنطقي، فإذا رمزنا له بالرمز (م ط) نصل إلى الصياغة ~~الآتية: ~~(2) --- م ط (ن1) > م ط (ن2) # وطبعا نفس المقاييس تنطبق على المحتوى المعرفي بصفة عامة. # وباق أن نضع في الاعتبار التناسب العكسي بين درجة غزارة المحتوى المعرفي التي تعني ~~اتساع فئة المكذبات المحتملة وبين درجة الاحتمالية، احتمالية الصدق، احتمالية تكرار ~~الحدث، المعنى «الموضوعي» للاحتمالية المأخوذ به في العلم المعاصر، وليس البتة المعنى ~~المناقض الذي ساد الفيزياء الكلاسيكية، أي «الاحتمالية الذاتية» التي تعني درجة جهل الذات ~~العارفة في وضعها للنظرية القاصرة مؤقتا لا بد من التخلي التام عن ذلك التفسير الذاتي ~~البائد الاحتمال، لكي ندرك كيف تنطبق نفس مقاييس المحتوى أيضا على الاحتمالية - احتمالية ~~حدوث الحدث - لكن بصورة عكسية، فالمحتوى المعرفي للربط بين العبارتين: أ و ب أعلى من، أو ~~على الأقل مساو لمحتوى أي منهما، فإذا كانت (أ) هي «ستمطر السماء يوم الجمعة» و(ب) هي ~~«سيكون الجو لطيفا يوم السبت» و(أ ب) هي «ستمطر السماء يوم الجمعة، ويكون الجو لطيفا يوم ~~السبت» لكان محتوى (أ ب) التجريبي أكبر من المحتوى (أ) ومن محتوى (ب)، ومن ثم تكون ~~احتمالية صدق أو حدوث (أ ب) أقل من احتمالية (ب)، ومن ثم نصل إلى: ~~(3) --- م ت (أ) < م ت (أ ب) > م ت (ب) # ولما كان هذا معاكسا للقانون المناظر للاحتمالية، فإذا رمزنا للاحتمالية بالرمز (ح) نصل ~~إلى: ~~(4) --- ح (أ) > ح (أ ب) < ح (ب) # الصياغتان (3) و(4) تقيمان الدعوى التي تعد أحد المعالم الأساسية لمنطق التكذيب من ~~حيث تجسيده خصائص العلم المعاصر، أي تزايد المحتوى المعرفي بتناقص احتمالية الصدق، وهذا ~~المطلب الجريء الذي لا يتأتى إلا بالاستيعاب الكامل لتطورات العلم المعاصر وإبستمولوجيته، ~~يقينا من النظريات السفسطائية الخاوية التي يمكن أن يتحقق صدقها بكل حدث يحدث؛ لأنها لا ~~تقول شيئا، ولا تحمل أي خبر يمكنه تكذيبها إن لم يحدث، إنها يقين وفقا للاحتمال الذاتي، ~~وصفر ms075 وفقا للاحتمال الموضوعي. # 12 # ويمكن ملاحظة أن فئة محتوى العبارات العلمية حقا، تتضمن فئتين فرعيتين لها، هما: # فئة محتوى الصدق # Truth Content # وهي كل ~~القضايا الصادقة التي يمكن اشتقاقها من العبارة، وجميع العبارات التي ليست ~~تحصيل حاصل - حتى العبارات الكاذبة - لها محتوى صدق؛ إذ من الممكن استنباط ~~عبارة صادقة من أي عبارة كاذبة، مثلا عن طريق الدالة الانفصالية (ق أو ك) التي ~~تتخذ الصورة المنطقية (إما ق أو ك )، فإذا كانت (ق) هي العبارة الكاذبة، يمكن أن ~~نضيف إليها العبارة الصادقة (ك)، ونستنبط العبارة الصادقة (ق أو ك). ومثال آخر: ~~إذا كان اليوم السبت، فإن العبارة «اليوم هو الأحد» عبارة كاذبة، ولكن يمكن أن ~~نستنبط منها العبارة الصادقة «اليوم ليس الاثنين» و«اليوم ليس الثلاثاء» ... ولعل ~~هذه هي الصورة المنطقية الدقيقة الحاسمة لتلك الحقيقة الميثودولوجية العامة ~~المبهمة «والتي تعد عجيبة وطريفة في الوقت ذاته، ألا وهي أن الفرض قد يكون ~~مثمرا جدا، دون أن يكون صحيحا، وهذا أمر لم يغب عن بال فرانسيس ~~بيكون». # 13 # فئة محتوى الكذب # Falsity Content ~~: وهي فئة ~~كل القضايا الكاذبة التي يمكن اشتقاقها من العبارة. والحكم بتكذيب العبارة ~~فعلا - وليس مجرد قابليتها للتكذيب - يعتمد على هذه الفئة، وإذا استطعنا أن ~~نجعلها ليست فارغة فقد جعلنا النظرية مكذبة، وهي فئة محتوى ومضمون تبعا ~~للارتباط بين مقاييس المحتوى المنطقي ومقاييس المحتوى التجريبي الذي هو فئة ~~المكذبات المحتملة للنظرية، من الناحية المنطقية صحيح أن العبارة الصادقة ~~محتوى كذبها فارغ، ولكن العبارة الكاذبة محتوى صدقها ليس فارغا تبعا ~~لإمكانية استنباط عبارات صادقة منها، وهذا برهان آخر على مدى ثقوب النظرة التي ~~تقف على أن القابلية للتكذيب، وليس التحقق من الصدق هي المعيار، والخاصة ~~المنطقية المميزة للعلوم. # وقد ميز بوبر أيضا في المحتوى المنطقي، بين المحتوي المنطقي المطلق # Absolute # وبين المحتوى المنطقي النسبي # Relative ~~. فإذا رمزنا لفئة المحتوى المنطقي للعبارة (أ) بالرمز (1) ولفئة ~~المحتوى المنطقي للعبارة (م) الصادقة منطقيا - أي تحصيل الحاصل - بالرمز (م)، ستكون (م) ~~طبعا فئة صفرية فارغة، ويكون ms076 التمييز بين فئتي المحتوى المطلق والنسبي كالآتي: # المحتوى المنطقي المطلق للعبارة (أ = 1، م) أي في حالة التسليم فقط بالمنطق، ~~والمنطق قوانين صورية، كلها تحصيلات حاصل، لا تزيد شيئا، فئة فارغة؛ لذلك كان ~~محتوى العبارة مطلقا. # لكن ثمة المحتوى المنطقي النسبي، وهو محتوى العبارة في حالة التسليم بمحتوى ~~آخر، كمحتوى العبارة «أ» في حالة التسليم بمحتوى (ي) مثلا أي بمساعدة (ي)، ~~فيمكن أن نرمز إلى المحتوى المنطقي النسبي هكذا (أ = ا، ي)؛ أي هو فئة كل ~~العبارات القابلة للاستنباط من (ا) فقط بالنسبة لحالة وجود (ي) أو بمساعدة ~~(ي). # المحتوى النسبي له أهمية كبرى في المعالجة الفعلية لمنطق العلم، فإذا كانت (ي) هي الخلفية ~~المعرفية - أي بناء العلم - ولنرمز له بالرمز (ع)، في الوقت الراهن، ولنرمز له بالرمز (ت)، ~~أي أن (ع ت) بناء العلم اليوم، وكانت العبارة (أ) افتراضا مقترحا الآن، فإن ما يعنينا منه ~~هو محتواه النسبي (ا، ع ت) وليس محتواه المطلق، فقط محتوى العبارة (أ) بالنسبة ل (ع) في ~~الوقت (ت)، أي نهتم بالجزء من المحتوى الذي يتجاوز (ع ت) أي بناء علمنا اليوم، ويضيف إليه. ~~ولما كانت المعالجة الفعلية تهتم أساسا بتقديم العلم كان المحتوى النسبي يصلح تماما، ~~فمحتوى العبارة الصادقة منطقيا - أي تحصيل الحاصل - فارغ، من ثم يجعل المحتوى النسبي ~~للعبارة (أ) بالنسبة ل (ع ت) صفرا، إذا كانت (أ) تحتوى فقط (ع ت) أي بناء علمنا اليوم، أو ~~الحصيلة المعرفية الراهنة، ولم تضف أي جديد. هذا إذن محك جيد لاختبار الفروض الجديدة ~~في العلم، # 14 # وبرهان آخر على مدى ثقوب التكذيب، والمؤسف أن التحقق أكثر شيوعا وذيوعا ربما ~~للإسقاطات المحيقة بالتكذيب، أو الكذب الذي يمثل تماما ما ينبغي على العلم أن ~~يتجنبه. # وبالطبع المنطق هو الوسيلة الناجعة للبرء من كل الإسقاطات، ومعيار التكذيب ينطوي سلفا ~~على أن الصدق هو الغاية النهائية، والمبدأ التنظيمي لشتى الجهود العلمية، وقد تقدم بوبر ~~بتصور منطقي جديد يكفل السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر، ويجعلنا في مأمن ms077 ~~من مغبة أي سمة سلبية قد ترتبط بالكذب والتكذيب، هذا التصور المنطقي هو رجحان الصدق # Verisimilitude # الذي يعني أن النظرية أصبحت أكثر ~~مماثلة للصدق # More Turthlikeness ~~، وقد توصل إليه ~~عن طريق الربط بين مفهومين هما: مفهوم الصدق، ومفهوم المحتوى المنطقي؛ إذ لا يعني رجحان ~~الصدق إلا «المحتوى المنطقي الأكثر اقترابا من الصدق». # فالنظريات تتنافس في الاقتراب من الصدق، وكل إنجاز علمي هو توصل إلى نظرية جديدة ~~تلافت مواطن كذب في سابقتها، فأصبحت أكثر منها اقترابا من الصدق ؛ ولهذا الاقتراب الأكثر ~~قهرتها وتغلبت عليها، وأزاحتها من نسق العلم، وحلت محلها، من هنا تكون القابلية للتكذيب ~~هي عماد الاقتراب التقديري الأكثر أو الأفضل من الصدق، الذي هو تعبير عن التقدم العلمي ~~المستمر، هذا الاقتراب التقديري الأكثر من الصدق هو ما يسميه بوبر «رجحان الصدق»، ولما كان ~~يعني تلافي مواطن كذب واقتراب من الصدق، كان - أي رجحان الصدق - يزيد بزيادة محتوى الصدق، ~~ويتناقص بزيادة محتوى الكذب. # و«رجحان الصدق» مفهوم نسبي، يتعلق بالمناقشة العلمية المطروحة في الوقت المعين، والمنافسة ~~بين الفروض وبعضها؛ لذلك فهو أساس للحكم بتفوق فرض على آخر، أو نظرية على أخرى، حين تتميز ~~عليها برجحان صدقها، طبعا رجحان صدق النظرية (ن2) على النظرية (ن1) له شروط منطقية، وهي أن ~~تكون (ن1) متضمنة في (ن2) التي تفوقت عليها، وإلا ما أمكنت المقارنة بينهما، وأن تقول (ن2) ~~كل ما قالته (ن1)، ثم تتجاوزها فتفسر جميع الوقائع التي تفسرها (ن1)، ثم تستطيع أيضا أن ~~تفسر بعض الوقائع التي تفشل (ن1) في تفسيرها، ومن ثم ستكون أي معلومة تفند (ن1) تفند أيضا ~~(ن2)، فيكون الحكم بتفضيل (ن2) لا غبار عليه، وأخيرا يجب أن تكون العبارات الصادقة التي ~~يمكن اشتقاقها من (ن2) أكثر من التي يمكن اشتقاقها من (ن1)، والعبارات الكاذبة أقل، وكل ذلك ~~يعني أن (ن2) أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي، أي أكثر قابلية للتكذيب، هكذا يتضح لنا أن ~~النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، هي الأقل كذبا. ~~••• # وليس «رجحان الصدق» فحسب، بل أيضا كل مفاهيم منطق ms078 التكذيب هي الأخرى نسبية، تتعلق ~~بالمناقشة العلمية في الوقت الراهن، فيؤكد بوبر دائما أن «القابلية للتكذيب مسألة نسبية، ~~مسألة درجات». # 15 # هكذا يتضح أن فكرة القابلية للتكذيب كخاصية منطقية مميزة للنظرية العلمية، كانت ستبدو ~~حمقاء، بل وبلهاء، لو أنها قدمت قبل ثورة النسبية والكوانتم في عصر التفسير الميكانيكي ~~للكون، والذي ألقى نجاحه المبدئي في روع العلماء أن كل ما يحتاجون إليه هو بذل مجهود أكثر ~~لتظهر الحقيقة النهائية في آخر المطاف سافرة على آلة كاملة. # إنهم سائرون صوب الحقيقة النهائية؛ لذلك فكل إنجاز علمي ناجح هو اكتشاف لحقيقة يقينية ~~قاطعة، كيف إذن تداني النظرية إمكانية التكذيب كي تكون علمية؟ وطبعا انهار كل هذا حين ~~تبدى فشل التفسير الميكانيكي للكون، واتضح أن كل إنجاز علمي مجرد محاولة ناجحة، لكنها ~~قابلة للتكذيب؛ لذلك تتلوها أخرى أكثر نجاحا، أولم ننته في الفصل الأول من الكتاب - ~~الخاص بمنطق التقدم في العلوم الطبيعية - إلى أن خلاصة الدرس المستفاد من ثورتي الكوانتم ~~والنسبية هي أن كل تقدم علمي فقط نسبي؛ أي أعلى من المرحلة السابقة، وهذا يعني أن المرحلة ~~التالية بدورها تحمل إمكانية التقدم بدرجة أعلى، بهذا يتبدى جليا كيف أن منطق التكذيب من ~~حيث استيعابه للإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، إنما يتمثل آفاق التقدم العلمي المتوالي في ~~تحديده للخاصة المنطقية للنظرية العلمية، أي العامل الثابت فيها من وراء كل تغير، إنه ~~الثبات الخصب الولود، أو الثبات الديناميكي إن جاز التعبير، وإنه لذلك استهللنا هذا ~~البحث بتوضيح كيف أن منطق العلم منطق نظام ديناميكي، منطق للتقدم المستمر أو ~~المتوالي. # وقبل أن ننتقل إلى الفصل التالي من الكتاب، لا يفوتنا التأكيد أن هذا التقدم المتوالي ~~المستمر إمكانية قائمة في العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء، ما دامت قادرة على التميز ~~بهذه الخاصة المنطقية. # | هوامش # الفصل الخامس # | التساوق المنهجي للخاصة المنطقية # والآن تتلاقى خطوط البحث عند عامل مشترك أو نقطة ارتكاز، ألا وهي الاستنباط # Deduction ~~، فهدفنا بالنسبة للعلوم الإنسانية مرحلة ~~تفسيرية أكثر تقنينا وكفاءة، وقد أشرنا إلى أن التفسير في العلوم ms079 الطبيعية والإنسانية ~~على السواء - كما أكد كارل همبل وأوبنهايم وطبعا بوبر وسواهم من كبار فلاسفة العلم - إنما ~~يتسم بسمة استنباطية أكيدة، إما استنباطا رياضيا يسود العلوم الطبيعية، وإما ~~استنباطا منطقيا فقط يسود العلوم الحيوية والإنسانية. المهم أن الاستنباط هو الشكل ~~الأساسي للتفسير العلمي، فهو يتكون من شقين: تقريرات جزئية بشأن الظاهرة المراد تفسيرها ~~هي شروطها، ثم العبارات الكلية المطروحة، وهي القوانين العامة، على هذا يتضمن التفسير فئتين ~~فرعيتين مفسرتين، ومنهما معا نستنبط الظاهرة المفسرة، وبغير إمكانية هذا الاستنباط لا ~~يعد التفسير صالحا، ولا بد أن تحتوي المقدمات المفسرة على قوانين عامة هي ضرورية ~~للاستنباط، ولا بد أن تكون متسقة مع ذاتها، وتتبع مبدأ البساطة عن طريق قانون «الاقتصاد في ~~التفكير»، فتكون في أقل عدد ممكن من المتغيرات، على أن أهم ما في الأمر، وما يميز التفسير ~~الفعلي في العلوم الإخبارية، هو أن يكون للقوانين العامة في المقدمات التفسيرية محتوى ~~تجريبي، أي تكون قابلة للاختبار عن طريق الملاحظة والتجربة. # 1 # هكذا نعود إلى القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي، وقد رأيناها هي الأخرى تتسم بسمة ~~استنباطية، إنها معدل للكشف عن علمية الفروض أو النظريات أو القوانين، فلن تثير العبارات ~~الجزئية مشاكل حقيقية بشأن خاصيتها، لكن الطبيعة الكلية للفروض العلمية تعني استحالة ~~مواجهتها بالواقع التجريبي؛ لأنها عامة تتحدث عن أفق لا نهائي، يستحيل حصره في زمان ومكان ~~معينين يمكن إخضاع ما يضمانه لنطاق اختبار تجريبي، وكما أوضحنا الكشف عن كونها ~~قابلة للتكذيب، أو غير قابلة له، يتم عن طريق استنباط عبارات جزئية من الفرض، يسهل مواجهتها ~~بالواقع، وقد رأينا أن كل المعالم الأساسية لمنطق التكذيب في تناول للنظرية العلمية كالحكم ~~بالتكذيب أو التعزيز، ودرجته، ومقاييس المحتوى التجريبي، والمحتوى المنطقي، المطلق والنسبي، ~~ومحتوى الصدق، محتوى الكذب ... إلخ، كلها تعتمد على استنباط، لقد تكرر مصطلح «الاستنباط» في ~~الفصل السابق من الكتاب أكثر من أي مصطلح منطقي آخر. # هذه السمة الاستنباطية للقابلية للاختبار والتكذيب توضح هي الأخرى مدى استيعاب تطورات ~~العلم التجريبي والإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، من حيث ms080 إنه لا استقراء البتة، فنحن لا ~~نبدأ من معطيات تجريبية، ثم نصعد منها، وفور تعميمها إلى الفروض والنظريات - كما يتصور ~~العلماء الكلاسيكيون - بل العكس تماما هو الصحيح، نحن نبدأ من الفروض، ومنها نهبط إلى ~~التجريب ووقائع الملاحظة المستنبطة منها، لتكون محك الحكم على تلك الفروض، بل وبصفة ~~مباشرة كان رفض الاستقراء نقطة انطلق منها بوبر صوب القابلية للتكذيب كخاصة منطقية تحدد ~~معيارا للعلم، إن فلسفة بوبر تدور حول محور تصر عليه إصرارا هو أن الاستقراء خرافة، ~~والبدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء، ومستحيل منطقيا، ولا توجد أي قضية علمية - ولا حتى لا ~~علمية - يمكن أن تكون محض تعميم لوقائع مستقرأة، وكان يظن في العهد النيوتيني الكلاسيكي أن ~~البدء بالملاحظة معيار ما هو علمي، فالقضية إن كانت محض تعميم لوقائع مستقرأة من العالم ~~التجريبي، فلا بد أن تكون إخبارا عنه، ومن هنا قال بوبر: «إيجاد معيار مقبول للتمييز يجب ~~أن يكون المهمة الحاسمة لكل إبستمولوجي لا يقبل المنطق الاستقرائي.» # 2 # فكان أن تكفل بهذه المهمة، وتوصل إلى القابلية للاختبار والتكذيب التي هي ~~خاصة منطقية للنظرية العلمية، رأينا كيف تستشرف استمرارية التقدم العلمي، من حيث تتمثل ~~تطورات العلم والإبستمولوجيا المعاصرة. # ذلك أن الافتراق الفاصل بين الإبستمولوجيا العلمية الكلاسيكية والإبستمولوجيا العلمية ~~المعاصرة كما يتبلور في منطق العلم، يتبلور أيضا في منهجه التجريبي: # الإبستمولوجيا الكلاسيكية: # يساوقها منهج الاستقراء # Induction # الذي ~~يبدأ من وقائع الملاحظة، ومنها يصعد إلى القانون. # وطبعا الممثل الرسمي لهذه النظرية هو إيزاك نيوتن بقوله الشهير: ~~«أنا لا أفترض ~~الفروض # Hypotheses non fingo ~~» هذه النظرية تخدم الملاحظة. # الإبستمولوجيا المعاصرة: # يساوقها المنهج الفرضي ~~الاستنباطي # Hypothetic Deductive Method ~~، الذي يبدأ بفرض ما، ومنه يهبط إلى الوقائع ~~الملاحظة لتحدد مسير ومصير الفرض، وطبعا الممثل الرسمي لهذه النظرة ~~ألبرت أينشتين، الذي يرى أن منهج البحث يتلخص في أن يتخذ الباحث لنفسه ~~مسلمات عامة، أو مبادئ يستنبط منها النتائج، فينقسم عمله إلى جزءين: يجب ~~عليه أولا أن يهتدي إلى المبادئ التي يستند إليها، ثم يتبع ذلك بأن ms081 ~~يستنبط من هذه المبادئ النتائج التي تترتب عليها. # 3 # ويؤكد أينشتين تأكيدا حاسما أن الوقائع التجريبية بمفردها ~~تظل عديمة النفع للباحث ما لم يهتد إلى قاعدة لاستنباطاته. # 4 # هذه النظرة تستخدم الملاحظة. # إن المنهج الاستقرائي يساوق التفسير الميكانيكي للكون ومبدأه الحتمي، وأيضا يماثله من ~~حيث كونه افتراضا ساد مرحلة مر بها العقل العلمي، كانت مهمة وضرورية في أوانها، ولكن ~~به وبها المزالق والأخطاء والقصورات المعرفية التي تتكشف للعقل العلمي أثناء سيره، أو ~~تقدمه المطرد، فوجب أن يتجاوزها بعد أن أدت دورها، واستنفدت مقتضياتها، ~~ودواعيها، وارتفع التقدم العلمي الذي هو ثوري، إلى مرحلة أعلى مختلفة عن سابقتها، الحق أن ~~استيعاب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة يرتهن بالرفض المنطقي لمنهاج الاستقراء، وليس هذا ~~أمرا يسيرا؛ لأن الاستقراء أكد حركة العلم الحديث وتأكد بها. ~~••• # فقد انبثق العلم الحديث في مرحلة حضارية ومعرفية تأتت في أعقاب العصور الوسطى، وكانت ~~عصورا دينية حددت معالمها كتب سماوية منزلة، تنطوي على حقائق مسلم بصحتها ~~ويقينها، فيمكن أن نقتصر على استنباط ما يلزم عنها، فكان منهج البحث المهيمن على هذا العصر ~~هو القياس الأرسطي: منهج استنباط القضايا الجزئية التي تلزم عن المقدمات الكلية المطروحة ~~والمتضمنة فيها، ولا جديد، ولا مساس بآفاق المجهول في الواقع الحي. # واقترن إغلاق أبواب العصور الوسطى، وإشراقة العصر الحديث بالضيق البالغ منتهاه من منطق ~~أرسطو (الأورجانون: أداة الفكر)، والبحث عن منهج جديد يلائم روح العصر الجديد، والمنهج ~~الغالب على العصور الوسطى كان استنباطا، أي أنه استدلال هابط من كليات إلى جزئيات، ولكنه ~~كان استنباطا يتطرف في التنظير والعزوف عن التجريب، فتمخض في العصر الحديث عن رد ~~فعل معاكس في الاتجاه، ومساو في المقدار ألا وهو الاستقراء: الضد المنهجي الصريح ~~للاستنباط، الاستقراء معاكس في الاتجاه؛ لأنه تجريب خالص واستدلال صاعد يبدأ من جزئيات، ~~ويصعد منها إلى نتيجة أوسع: قانون عام ينطبق على ما لوحظ وما لم يلاحظ من جزئيات ~~مماثلة في أي زمان ومكان. # وهو مساو في المقدار من حيث إن تطرف العصور الوسطى في التنظير والعزوف ms082 عن التجريب ~~يساويه تطرف العصر الحديث في الاتجاه المضاد: التجريب الخالص والاعتماد على معطيات ~~الحواس، والعزوف عن تنظيرات العقل التي أثبتت العصور الوسطى عقمها حين دارت في ~~متاهاتها المنبتة الصلة بالواقع الحي، هكذا بدا للعقلية الناهضة آنذاك أن شق الطريق ~~الحديث للعلم الحديث إنما يعتمد على نبذ القياس الأرسطي والاستنباطات العقلية طرا ~~وسلك الطريق العكسي وهو الاستقراء، أي البدء بالملاحظة، ثم تعميمها. فيقول برتراند راسل: ~~«لم يكن الصراع بين جاليليو ومحاكم التفتيش صراعا بين الفكر الحر والتعصب، أو بين العلم ~~والدين، بل كان صراعا بين الاستنباط والاستقراء.» # 5 # هنا لا بد من العروج على العوامل الخارجية لنشأة العلم التي دفعت مرحلته السابقة إلى ~~فرضية الاستقراء الزائفة، فحين كان العلم الحديث يشق أولى خطواته الغضة في القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر لم يكن يتفتح كالزهر، بل كان ينبجس كالدم، تفاصيل الصراع الدامي ~~بينه وبين السلطة المعرفية التي كانت آنذاك لا تزال في يد رجال الكنيسة معروفة جيدا، رجال ~~الدين استمدوا سلطانهم هذا، لا لأنهم مبدعون أو يفترضون فروضا جريئة، بل العكس تماما؛ ~~لأنهم فقط أقدر البشر طرا على قراءة الكتاب المقدس، ولكي يستطيع رجال العلم احتلال مواقع ~~معرفية والاستقلال بنشاطهم، بدا من الحمق الصراح والخسران المبين إقحام فكرة الفرض صنيعة ~~العقل الإنساني الخطاء القاصر في المواجهة مع رجال الدين المتوسلين بالكتاب المقدس ~~والحقائق الإلهية، فأصر العلماء على أنهم هم الآخرون أقدر البشر طرا على قراءة كتاب ~~آخر لا يقل عن الأناجيل عظمة، ولا دلالة على قدرة الرب، وبديع صنعه، إنه كتاب الطبيعة ~~المجيد، وأصبح تعبير «قراءة كتاب الطبيعة المجيد» # 6 # ومنذ أن استعمله جاليليو قائلا إنه مكتوب بلغة الرياضيات، تعبير شائع في تلك ~~المرحلة للدلالة على نشاط العلماء، إنه محض قراءة مصوغة باللغة الرياضية، محض مشاهدة ~~لوقائع التجريب، ثم تعميمها، فلا إبداع ولا فروض، بل وفي تجسيد وتجريد الفلسفة لروح الموضوع ~~وعصره، عمل فرانسيس بيكون على تحذير العلماء من مغبة الفروض، وأسماها «استباق الطبيعة» ~~موضحا طرق تجنبها، هكذا لم ينحصر الاستقراء ms083 في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ العلم الحديث ~~في البدء بالملاحظة، بل وأيضا في الاقتصار عليها. # ومع انتهاء الصراع مع سلطة رجال الدين واستقلال حركة العلم الطبيعي، ثم تحررها التام بفضل ~~قوتها المنطقية المتنامية، شهد القرن الثامن عشر فكرة الفرض العلمي تتقدم على استحياء ~~خصوصا على يد عالم الكهرباء الفرنسي أمبير، ثم تعاظم شأنها وأثبتت ذاتها في القرن ~~التاسع عشر خصوصا بفضل العالم الفرنسي المتوقد الذهن كلود ~~برنار # C. Bernard ~~(1803-1878) الذي أكد وأثبت أن عماد البحث العلمي شقان: الفرض ~~والملاحظة، # 7 # ولكن ظل الفرض أيضا استقرائيا؛ أي متصورا أنه آت من الملاحظة وتال لها ~~- إن لم يكن مجرد نتيجة لها - ليتم اختباره، وإن اجتاز الاختبار يصاغ في قانون . # هكذا عدنا إلى موقعنا، إلى قلب حركة العلم وعواملها الداخلية لنجد أن المنهج الاستقرائي ~~يتساوق مع إبستمولوجيا العلم الحديث زمانيا وتاريخيا، وهو هكذا لأنه على تمام التساوق ~~والاتساق المنطقي مع تفسيرها الميكانيكي للكون ومبدئها الحتمي، وإذا كانت فرضية الاستقراء ~~كمنهج قد مكنت رجال العلم من خوض صراعهم مع رجال الدين والانتصار عليهم، فإن الحتمية ~~الميكانيكية قد مكنت لفرضية الاستقراء من التربع جاثمة على صدر حركة العلم الحديث ~~«الكلاسيكي». وأولا وقبل كل شيء عملية التعميم الاستقرائي لما شوهد ولوحظ على ما لم ~~يلاحظ تستند منطقيا إلى مبدأ العلية # Causality ~~، ~~كتبرير للتعاقب المشاهد «مثلا رفع درجة الحرارة، ثم تمدد القضيب 1، 2، 3، ن ... من الحديد» ~~وتبرير لشموليته، فلما كانت العلية كونية فهي تحكم بمثل هذا التعاقب في كل زمان ومكان، ~~فيمكن تعميم ما لوحظ في قانون علمي «في مثالنا: الحديد يتمدد بالحرارة». وكما هو معروف، ~~العلية هي الوجه الآخر للحتمية. # وكل وجوه أو عناصر الحتمية الميكانيكية هي الأخرى تتساوق وتتسق مع الاستقراء كمنهج، فإذا ~~كانت الحتمية تعني - كما ذكرنا - ضرورية قوانين الطبيعة المطردة دائما وثبوتها ويقينها فلا ~~تخلف، ولا مصادفة، ولا احتمال موضوعيا. فسوف يكون الجزء شاهدا على الكل، وتكفي ملاحظة ~~بسيطة، وقائع تجريبية محدودة، ثم تعميمها، لا سيما أن العلم الكلاسيكي تعامل مع ظواهر ms084 ~~كبرى، جميعها واقعة في خبرة الحواس، فتبدو موضوعا قابلا للملاحظة المباشرة، بموضوعية ~~مطلقة، بلا أدنى تدخل من الذات العارفة، ويكاد يقتصر عملها على تعميم وقائع الملاحظة ~~المحدودة في قوانين كلية، وسنصل في النهاية إلى الصورة الكاملة لكون ميكانيكي: آلة ضخمة ~~مغلقة على ذاتها من مادة واحدة متجانسة، وبواسطة عللها الداخلية، وتبعا لقوانينها ~~الخاصة تسير تلقائيا في مسارها المحتوم. # فكانت كل خطوة ناجحة يحرزها العلم الكلاسيكي في إطار مشروعه الحتمي الميكانيكي، تؤكد ~~الاستقراء ويتأكد بها. ومنذ الوهلة الأولى بدا للعيان أن هذا النجاح المنقطع النظير الذي ~~أحرزه العلم دونا عن كل محاولات المعرفية التي بذلها الإنسان من قبل لا بد أنه يدور وجودا ~~وعدما مع العنصر المستحدث في هذا النسق المعرفي الجديد - العلم - العنصر المستحدث هو ~~التجربة: الاعتماد النظامي على معطيات الحواس، فبدأ العلم تجريبيا متطرفا - لردة الفعل ~~العكسية للاستنباط الأرسطي - ثم جعله نجاحه يتطرف أكثر وأكثر في تجريبيته، ~~إن الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظة التجريبية، ليتقهقر دور العقل والإبداع الإنساني - إن لم ~~يلغ - هو طبعا صورة من صور التجريبية المتطرفة. # وأتى جون ستيوارت ميل # J. S Mill ~~(1806-1873) أكثر ~~التجريبيين تطرفا في نهايات المرحلة الكلاسيكية ليضع الصياغة النهائية والمنتهية ~~لإبستمولوجيتها، وراح يؤكد (في نسق المنطق) أن الاستقراء هو الطريق الأوحد الذي لا طريق ~~سواه لأي معرفة، فكل المبادئ والمفاهيم والأفكار والمعلومات ... باختصار، كل مكونات الذهن ~~ومحتوياته مجرد تعميمات استقرائية لا يستثنى من ذلك، حتى قوانين الرياضة مثل (2 + 2 ~~= 4) والمنطق الصوري مثل (أ هي أ) كلها ليست إلا تعميمات استقرائية لكثرة ما لاحظته ~~حواسنا من أن اقتران 2 و2 ينتج دائما 4، أو نلاحظ دائما أن أ هي أ، فالاستقراء هو منهج ~~العلم، هو ذاته منطق الفكر والعمل والحياة. # 8 # هكذا كان العلم الكلاسيكي منتشيا بتجريبيته المتطرفة - أي الاستقراء - وحريصا على ~~تأكيدها، والتطرف بها أكثر، ولكن في قلب تلك الأجواء ومن قبل جون ستيوارت ميل بقرن من ~~الزمان نهض شكاك سكوتلندا ديفيد هيوم # D. Hume ~~(1711-1776) ~~ليلفت الأنظار إلى أن التعميم الاستقرائي ms085 ينطوي على مغالطة هي قفزة غير مبررة، فلا يوجد ~~مبرر لتعميم الحكم على وقائع لم تلاحظ، ولا توجد بينه على سند هذا التعميم؛ أي على ~~العلية. # والمسألة أننا نلاحظ تعاقبا أو اقترانا بين حدثين، ثم نقحم عليهما عاملا ثالثا ~~هو العلية التي لم يلاحظها أحد لتربط بينهما، هذا فيما يعرف بمشكلة الاستقراء الشهيرة، ~~وحين أثارها هيوم إنما كان يعطي تمثيلا عينيا لمدى ثقوب النظر الفلسفي، كما هو معروف لم ~~يلق أحد مبررا منطقيا لهذه القفزة التعميمية حتى قال وايتهد: إن مشكلة الاستقراء هي ~~يأس الفلسفة # Despai Of Philosophy ~~، بينما أطلق عليها ~~برود # C. D. Broad # اسم فضيحة الفلسفة # Scandal Of Philosophy ~~. # 9 # فقد بدا أنها وصلت بالإبستمولوجيا وفلسفة المنهج إلى طريق مسدود. # والواقع أنها كانت إيذانا بالطريق المسدود الذي ستصل إليه الفيزياء الكلاسيكية ذاتها، ~~وضرورة الانقلاب على مسلماتها كما فعلت النسبية والكوانتم ، ومشكلة الاستقراء التي أثيرت ~~قبل أزمة الفيزياء الكلاسيكية بمائة عام ونيف ليست يأس الفلسفة أو فضيحتها، بل هي تأكيد ~~قدرة الفلسفة على استشراف الآفاق المستقبلية، واستعصاؤها على الحل وفقا لمسلمات العلم ~~الكلاسيكي (حتمية، ميكانيكية، علية، اطراد، الطبيعة، يقين ...) لم يكن يعني عقم فلسفة المنهج، ~~وضرورة وأدها، بل كان يعني عقم فرض الاستقراء ذاته، وضرورة الانقلاب عليه من أجل الوقوف ~~على الكنه الحقيقي للنشاط العلمي، بعبارة أخرى لم يكشف عن مثلب في الفلسفة، بل عن مثلب، أو ~~عن مثالب منطقية في فرضية الاستقراء والبدء بالملاحظة. وهذه المثالب كالآتي: ~~(1) # استحالة تبرير القفزة التعميمية (مشكلة الاستقراء المذكورة). ~~(2) # لو كان القانون القانون العلمي محض تعميم لوقائع مستقرأة، فكيف يتسلل إليه ~~الخطأ، هو طبعا أمر واقع في العلم؟ ~~(3) # إذا عجزنا عن تبرير الخطأ، ومن ثم تبرير التصحيحات، فكيف يتأتى التقدم ~~العلمي؟ ~~(4) # الاستقراء يحدد الطريق إلى الفرض أو القانون، وكل من يسلكه؛ أي يتبع خطوات ~~الاستقراء يصل إلى قانون، وكل قانون اكتشاف لحقيقة، حتى أكد بيكون أن البحث ~~العلمي متاح لذوي العقول المتوسطة، إذن فالعلم نشاط آلي، وليس البتة فعالية ~~إنسانية نامية باستمرار. ~~(5) # إذا ms086 كان العلم اكتشافا آليا للحقائق، ولا حاجة لفروض من خلق وإبداع ~~الذكاء الإنساني، فما هو تبرير التفاوت في قدرات العلماء وإنجازاتهم؟ ~~(6) # والأهم: ما تبرير بقاء مشاكل علمية «مثلا السرطان» بغير حل مع توافر كم ~~هائل من المعطيات التجريبية بشأنها يمكن ملاحظتها، ثم تعميمها؟ # والآن يمكن التقدم خطوة منطقية أبعد وأجرأ ونقول: فكرة «الاستقراء» بوصفه المنهج التجريبي ~~ليس به مثالب وأغاليط منطقية فحسب، بل به استحالة منطقية أصلا، بعبارة موجزة البدء ~~بالملاحظة يستحيل أن يفضي إلى شيء، والمسألة كما طرحها جاستون باشلار أن الواقع هو نقطة ~~نهاية التفكير العلمي لا نقطة بدايته. وهذه فكرة انطلق فيها فلاسفة العلم المعاصرون، ~~وأمعنوا في الانطلاق، فقد أصبح من الممكن بعد كل هذا الشوط من التقدم العلمي والإحاطة ~~الوصفية بالوقائع أن يناقش بول فيير آبند فكرة علم طبيعي بغير خبرة تجريبية، بغير عناصر ~~حسية. # وعلى أي حال كان بوبر أول وأهم من اعتنوا بتوضيح وإثبات أن البدء بالملاحظة الخالصة ~~فقط، ثم تعميمها فنصل إلى قانون أو نظرية علمية، وبغير أن يكون في الذهن أي شيء من صميم ~~طبيعة النظرية هذه فكرة مستحيلة خلف محال، وقد مثل لهذه بأقصوصة عن رجل كرس حياته ~~للعلم، فأخذ يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى بأن تورث هذه المجموعة من الملاحظات ~~التي لا تساوي شيئا إلى الجمعية الملكية للعلوم بإنجلترا لكي تستعمل كدليل استقرائي! ~~وهي طبعا لن تفيد العلم في شيء، ولن تفضي إلى شيء، وقد حاول بوبر أن يؤكد هذا أكثر، فبدأ ~~إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، ~~سجل ما تلاحظه!» بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، ومن هنا أوضح لهم كيف ~~أن «لاحظ» فحسب لا تعني شيئا، فهي خلف محال، العالم لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما ~~منتقاة توجهها مشكلة مختارة من موضوع ما، ومهمة محددة، واهتمام معين، ووجهة من النظر نريد ~~من الملاحظة أن تختبرها. المشكلة هي ما يبدأ به العالم وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي ms087 ~~الاستقرائيون، فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل، بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق ... ~~أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه، إن العالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ على أساسها. ~~فهو يبدأ من الحصيلة المعرفية السابقة لتحدد له موقف المشكلة، وتعين على فهمها فيقدح ~~عبقريته العلمية للتوصل إلى الفرض الذي يستطيع حلها، ها هنا يلجأ إلى الملاحظة ليختبر فرضه ~~تجريبيا عن طريق النتائج المستنبطة. # 10 # تلك هي الصورة العامة لمسار البحث التجريبي، إنه المنهج الفرضي ~~الاستنباطي. # والواقع إنه لا كوبرنيقوس، ولا جاليليو، ولا نيوتن، ولا أي رائد من الرواد الذين شيدوا ~~صرح العلم الحديث، ولا أي من العلماء الأقل حجما، ولا من العلماء طرا، توصل إلى ~~إنجازاته عن طريق الاستقراء، بل جميعهم يبدأ بفرض يستنبط نتائجه، ثم يقوم باختبارها ~~تجريبيا، ولكن بفعل العوامل الداخلية والخارجية لحركة العلم الحديث ران الوهم الاستقرائي ~~على العقول، من حيث ران الوهم الحتمي الميكانيكي. ~~••• # وقد تبددت هذه الأوهام في ضوء النسبية والكمومية، ثورة العلم في القرن العشرين (راجع # الفصل الأول ~~)، وأصبح يتعامل مع كيانات غير قابلة للملاحظة ~~أصلا، مثلا لا نستطيع ملاحظة مسارات الإلكترون داخل الذرة، بيد أن الشعاع الصادر من ~~الذرة خلال التفريغ # Discharge # يمكن من استنباط ترددات # Frequencies ~~. # 11 # فيقول هيزنبرج - صاحب مبدأ اللاتعين # Indeterminacy # الخطير - إننا لا نستطيع التعويل على الملاحظات بوصفها ~~تشير إلى الأشياء في ذاتها # Dinge an Scih # أو ~~الموضوعات. # 12 # نحن لا نلاحظ الكيانات موضوع الحث أصلا، نلاحظ فقط آثارها على الأجهزة ~~المعملية، فتمكنا من وضع الأصبع على حقيقة المنهج التجريبي: لا بد من فرض يفترضه ~~العقل، يخلقه خلقا ويبدعه إبداعا، ثم يستنبط نتائجه، وهنا ينزل إلى الملاحظة التجريبية، ~~بل أحيانا كثيرة يصعب إجراء التجربة لأسباب فنية، أو لأنها باهظة التكاليف فيحتكم العلماء ~~إلى «التجارب العقلية»؛ أي تخيل التجربة، وافتراض نتائجها المتوقعة، والعلماء الذريون ~~مغرمون «بالتجارب العقلية» هذه. # وفي كل حال «العلم تجريبي» كما أن (أ هي أ)، ولكن في ضوء المنهج الفرضي الاستنباطي ليست ~~الملاحظة التجريبية مصدرا للفرض العلمي، بل ms088 محك له، فهو لا يحدد الطريق إلى الفرض. هذا ~~الطريق لا يمكن أن يكون تحديده مسألة منطق أو قواعد منهجية؛ لأنه يعتمد على عنصر العبقرية ~~والإبداع والذكاء الإنساني، فيمكن أن يترك مثلا للدراسة السيكولوجية للإبداع العلمي، ~~معنى هذا ببساطة أن العلم صنيعة الإنسان، وليس البتة نشاطا آليا، وبغير حاجة لتفصيلات ~~واستطرادات يمكن إدراك كيف أن كل المثالب المنطقية المحيقة بالاستقراء تنداح كما تنداح ~~دوائر في لجة ماء ألقي فيه بالحجر، مع رؤية المنهج الفرضي الاستنباطي. # إن العلم صنيعة الإنسان، أي فعالية نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم؛ لذلك ~~يجعل المنهج الفرضي الاستنباطي كل قانون مجرد فرض ناجح، في حين أن المنهج الاستقرائي ~~يجعل كل فرض ناجح قانونا، اكتشافا لحقيقة، إن الاستقراء - منهج البدء بالملاحظة الصلبة ~~- هو منهج لتأسيس العبارات العلمية على أساس مكين هو الوقائع التجريبية، في حين أن العلم ~~التجريبي بناء صميم طبيعته الصيرورة والتقدم المستمر، وها هنا نجد المنهج الفرضي ~~الاستنباطي نظرية في الإبداع والتقدم المستمر، في أسلوب هذه الصيرورة، بهذا لا يتساوق منهج ~~العلم ومنطقه فحسب، بل وأيضا يتطابقان. # ارتهنت كل هذه الإحرازات المنطقية بالاستنباط، وهذا الاستنباط # 13 # التجريبي أو المقترن بالتجربة مثمر خصيب، مدعاة للتجديد والتعديل ~~والإضافة، الفرض هو عين الإضافة، إنه بداهة منهاج لا يعود إلى قياس أرسطو العقيم، بل ولا ~~علاقة له أصلا بأرسطو؛ حيث إن منطقه هو منطق العلاقات، المنطق الرياضي أو الرمزي ~~الحديث، وبتأمل هذا لاحظنا أننا بإزاء جدلية واضحة: ~~(أ) # في المرحلة الوسيطة ساد الاستنباط الأرسطي: القضية. ~~(ب) # في المرحلة الحديثة ساد الاستقراء التجريبي: سلب القضية أو نقيضها. ~~(ج) # في المرحلة المعاصرة المنهج الفرضي الاستنباطي: مركب جدلي يجمع ~~خير ما فيهما ويتجاوزهما للأفضل. # ويبرز التساؤل: منهج العلم «وحدة أم تنوع»؟ # 14 # والإجابة أنه واحد، وهو متنوع. # فقد أصبح علم مناهج البحث من أخص خصائص الفلسفة، وهو مركب جدلي من الوصفية والمعيارية، ~~فالفلسفة هي الوعي بموضوعها، الوعي المتميز عن الفهم التفصيلي التفتيتي، بأنه أشمل نظرة لما ~~هو كائن، تأصيلا له، واستشرافا ms089 لما ينبغي أن يكون: استشراف الطبائع العامة المميزة للبحث ~~العلمي في أطرها المنطقية الصورية والثبوتية اللزومية، علم مناهج البحث حين يتعرض للمنهج ~~التجريبي بهذه النظرة الجذرية التأصلية والشمولية الاستشرافية، يحاول الاهتداء إلى سمات ~~البنية والقسمات الجوهرية، فيكون المنهج الفرضي الاستنباطي - كما كان المنهج الاستقرائي - ~~هو التصور الفلسفي المنطقي للهيكل العام الذي يحدد أسلوب التعامل العلمي مع الواقع؛ لذلك ~~فهو واحد. # ولكن الواقع العلمي متنوع، فالعلم التجريبي للبكتيريا غير العلم التجريبي للفلك، غير ~~العلم التجريبي للنفس ... وبطبيعة الحال لا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه الإجرائية ~~وتقاناته الأمبيريقية من علم إلى علم، بل إنها تختلف داخل العلم الواحد أولا تبعا ~~لدرجة تقدمه، وثانيا تبعا لزوايا ومستويات تناوله لموضوعه، وعلى هذه الاختلافات ~~الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين كل يسخره لخدمة موضوعه، وبما يتلاءم مع ~~الطبيعة النوعية لمادة بحثه بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد العلوم الأخرى، بهذا المنظور ~~التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث ملحقة بفروع العلوم المختلفة لتعالج الأساليب التقانية ~~والوسائل الاختصاصية المتكيفة مع موضوع البحث، ومادته التي تختلف من علم لآخر، فنجد ~~مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع» و«مناهج البحث في علم الفلك» و«مناهج البحث في الهندسة ~~الوراثية» و«مناهج البحث في علم النفس»، وكل فرع قد ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج ~~البحث في علم النفس الاجتماعي» و«مناهج البحث في علم نفس الشخصية» و«مناهج البحث في علم ~~النفس الإكلينيكي» ... إلخ، هذه المسائل المتعلقة بنوعيات الأمبيريقيات، وأساليب الممارسة ~~الإجرائية، مسألة تخصصية يعالجها كل علم وفقا لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم ~~الأخبر ... فهي تخرج إذن عن مجالنا. # إن الفلسفة هي دائما النظرة الكلية الباحثة عن المبادئ العمومية الكامنة في الأعماق ~~البعيدة، وبهذا المنظور نجد الميثودولوجي - علم مناهج البحث الذي يدخل في ذات الهوية مع ~~فلسفة العلوم - يبحث من وراء هذا الاختلاف عن الأسس العامة التي يمكن تجريدها من المواقف ~~العلمية المختلفة؛ لنجدها أسسا منطبقة لا على الفلك دون الاجتماع أو النفس دون الكيمياء، ~~بل هي منطبقة على كل بحث علمي من حيث هو ms090 علمي، معنى هذا أن المنهج الفرضي الاستنباطي هو ~~المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على السواء. # نعود إذن إلى العلوم الإنسانية، وبعد أن أحرزت كل ما أحرزته من نشأة ناضجة ونماء متواصل، ~~وتقدم لا يستهان به، سوف يظل التسليم بالمنهج الاستقرائي هو الكفيل بجعل مشكلتها ~~إشكالية، بل مأزمة لا مخرج منها، فقد أوضحنا أن الطبيعة النوعية التي تختص بها ~~ظواهر العلوم الإنسانية شديدة التعقيد كثيرة المتغيرات، واستلقاط وقائع للملاحظة وسط ~~كثرة متكثرة من المتغيرات، يجعل محض التعميم الآلي لها مشوبا بالقصورات ~~والتحيزات، إن لم يكن مستحيلا أصلا تأسيسا على ما عرضناه من استحالة البدء بالملاحظة، إن ~~الاستقراء منهج آلي يرسم طريقا للفرض - أي فرض - بغير مراعاة للطبائع النوعية المتغيرة ~~لموضوعات البحوث. # أما التسليم بالمنهج الفرضي الاستنباطي فيفتح الباب على مصراعيه لإمكانية مراعاة الطبائع ~~النوعية المتباينة، ما دام منهجا لا يرسم طريقا للفرض، طريقا ربما يصلح للفروض بشأن ~~ظاهرة ولا يصلح لأخرى. # لقد ارتدت حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية إلى عاملين هما العلاقة بين الباحث وبحثه، ~~وطبيعة موضوع البحث، وبديهي أن الطبيعة النوعية لموضوع البحث بكل خصائصها وتميزاتها ~~وتعقداتها، لا بد طبعا أن تنعكس في الفروض المصوغة بشأن الظاهرة، والمنهج الفرضي ~~الاستنباطي يطلق العنان لطاقات العلماء الإبداعية لتنطلق فروض جريئة تلائم الطبائع ~~المعقدة لظواهر العلوم الإنسانية، وتتعامل معها بنجاح. وكلما كانت الفروض أكثر جرأة، كانت ~~محل ترحيب أكبر، وكانت أقدر على الإحاطة بالظواهر، ولا خوف البتة من جنوحات الجرأة ما ~~دامت الفروض المصوغة - ومهما كانت جريئة - منهجيا سوف تخضع النتائج المستنبطة منها ~~للاختبار التجريبي، ومنطقيا لمعيار القابلية للتكذيب، هكذا يحمل التساوق المنهجي (الفرضي ~~الاستنباطي) إمكانات درء العامل الثاني، لا سيما في حالة الاستعانة بالخاصة المنطقية - ~~معيار القابلية للتكذيب - الكفيلة بدرء العامل الأول، وقبل أن نعالج درء العامل الأول ~~بشيء من التفصيل لا بد من الإشارة إلى أن مواجهة الطبيعة النوعية للظواهر الإنسانية لا ~~تقتصر على إطلاق جرأة الفروض، بل إن الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة تعني خروجا منهجيا - ~~أي على مستوى المنهج أو ms091 من زاويته - من مشكلة العلوم الإنسانية، ودخولا منهجيا إلى ~~إمكانات تقدمية كالمتاحة للعلوم الطبيعية، وهذا هو موضوع الفصل التالي من الكتاب. # | هوامش # الفصل السادس # | الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة والخروج من مشكلة العلوم الإنسانية # القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي، والمنهج الفرضي الاستنباطي، هما التمثيل المنطقي ~~المنهجي للإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، والتي تخرج فعلا من مشكلة العلوم الإنسانية، من ~~حيث إنه يتأتى في سياقها التقارب بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وتشارك المشاكل، وتلاقي ~~الطرق والمنعطفات، فيمكن أصلا حل مشكلة العلوم الإنسانية على ضوء الخاصة المنطقية ~~للعلوم الطبيعية، وتساوقها المنهجي. إن الإبستمولوجيا المعاصرة هي معامل التسارع في معدلات ~~تقدم العلوم الطبيعية، كما فصلنا في الفصل الأول من الكتاب، وفي البقية الباقية ~~منه، استغلالها لمسارعة تقدم العلوم الإنسانية. # لقد رأينا كيف كانت الإبستمولوجيا الحديثة أو الكلاسيكية يلخصها ويبلورها مبدأ ~~الحتمية العلمية، وأنه بفضلها وفضله عرفت الدراسات الإنسانية الإخبارية كيف تتلمس ~~طريقها العلمي، وتمخر عبابه، بحيث كانت نشأة العلوم الإنسانية بعدا من أبعاد النجاح ~~الخافق للعلم الحديث وإبستمولوجيته، وذلك النجاح الخفاق بأبعاده المترامية أكسب مبدأها ~~الحتمي هيلا وهيلمانا لا مثيل لهما في عالم العلم، لكن العلم المعاصر يواصل التقدم ~~ويسحق الحتمية ذاتها مؤكدا أنه بلغ من العمر رشدا، وقادر على الاستقلال. # كان العلم الحديث «من القرن 17 حتى القرن 19» مراهقا يشق طريق النمو والنضج، فكان في ~~حاجة إلى راع وجده في مبدأ الحتمية، لكن المبدأ أدى دوره، بصفة خاصة انتهت مرحلة ~~النشأة بالنسبة للعلوم الإنسانية، وبصفة عامة استنفد المبدأ مقتضياته، وتكشفت قصوراته، ~~ووجب تجاوزه لاستيعاب المرحلة الأعلى من التقدم العلمي، وبعد أن تميزت معالمها نستطيع ~~التأكيد أن تجاوز مشكلة العلوم الإنسانية في وقتنا هذا، وتجاوز تخلفها النسبي عن ~~العلوم الطبيعية إنما يرتهن باستيعاب الإبستمولوجيا الجديدة التي تفتح الطريق إلى ~~هذا، وبالتخلص من رواسب الإبستمولوجيا الكلاسيكية، ومبدئها الحتمي الذي أصبح يخلق ~~المشاكل للعلم، ويعرقل انطلاقاته التقدمية، إن أزمة الفيزياء الكلاسيكية التي ~~تخلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي أشرنا إليها في القسم الأخير، أو ~~الفقرة الأخيرة من الفصل ms092 الأول، وأوضحنا أنها أدت في النهاية إلى انقلابة أو ثورة النسبية ~~والكمومية، هذه الأزمة لم تكن إلا عجز التصور الحتمي الميكانيكي عن استيعاب ظواهر وعلاقات ~~جدت. فقد تعاملت فيزياء نيوتن مع الكتل الماردة: العالم الأكبر البادي أمام الخبرة ~~العادية للحواس، ومع مطالع القرن العشرين كان العلم قد اقتحم بنجاح مظفر العالم ~~الأصغر، عالم الذرة والإشعاع الذي ضرب عرض الحائط بكل ما له علاقة بالحتمية، واستعصى ~~تماما على قوانين نيوتن، فلا تجرؤ على الاقتراب منه، ويستقل عنها رسميا ونهائيا بنشأة ~~وتنامي، بل تعملق نظرية الكمومية # Quantum ~~، ولتقتصر ~~نظرية نيوتن على الكتل الضخمة، ولنعلم أن ما بدا معها من حتمية ميكانيكية أتى من سطحية ~~النظرة، لما يقع مباشرة في خبرة الحواس الفجة، بينما الحقيقة الرابضة في أعماق المادة: ~~حقيقة الذرات التي هي لبنات هذا الوجود، تكشف عن خطل كل ادعاء بالحتمية والعلية ~~والضرورة واليقين واطراد الطبيعية ... إلى آخر عناصر المبدأ الحتمي، ثم أصبح التصور ~~الميكانيكي للكون أثرا بعد عين، حين تقدمت النظرية النسبية بتصور للكون يهدم ~~الميكانيكية، فإذا كانت النسبية لا تمس الحتمية مباشرة، فإنها تحطم الإطار ~~المفترض لها أو لعالمها. # وأصبحت الإبستمولوجيا المعاصرة بدورها يلخصها ويبلورها مبدأ اللاحتمية # Indeterminism ~~، إنها انقلاب جذري من النقيض إلى النقيض، ~~فكل ما تعنيه أن الحتمية كاذبة، فهي سلب أو نفي لها، تنفي أن كل الأحداث محددة سلفا ~~بدقة مطلقة بكل تفاصيلها اللامتناهية في الصغر أو الكبر، تنفي اللاحتمية هذا، لكنها لا ~~تعني ما عناه ديفيد هيوم من أنه ليس ثمة أي حادثة ترتبط بالأخرى، بل تعني أن القوانين التي ~~تربط هذه الأحداث ليست حتمية، فحتى لو كان ثمة حدث يشترط آخر كظرف أساسي أو أولي له، ~~أو كان بينهما علاقة وثقى، فليس يعني هذا أن ذلك الحدث - فضلا عن كل الأحداث - محتم ~~سلفا، أو يعني عليه فضلا عن أبدية المبدأ العلي، لقد انهارت العلية: عماد الحتمية التي ~~تتصور تسلسلا لأحداث (علة ... معلول ... علة ... معلول) في المكان الإقليدي المستوى أو المطلق، ~~عبر الزمان المطلق الذي ينساب ms093 في نسب ثابتة مطلقة في اتجاه واحد، مطلق من ماض إلى ~~مستقبل، وكل ما على العالم أن يلاحظها بموضوعية مطلقة، بمعنى أنه لا يتدخل إطلاقا، ~~دوره سلبي لا يؤثر البتة على نتيجة استقراء الظاهرة: القانون العلمي حقيقة الظاهرة. # مع النظرة اللاحتمية المتخلصة من الإسقاطات اللاعلمية كافة، نجد عدة عوالم تؤدي علاقاتها ~~ببعضها إلى عدة احتمالات كلها ممكنة، حدوث أي منها أو عدم حدوثه لن يهدم العلم، ولا ~~العالم، ولن يحيله إلى فوضى وعماء، إنه تعاقب الأحداث اللاحتمي، لا تسلسلها الحتمي، ~~وتتابعها وفقا لقوانين اللاحتمية العلية، والأحداث في كلتا الحالتين مترابطة، ومنتظمة، ~~وقابلة للتعقل، والتفسير النسقي، لكن شتان ما بين التفسيرين. # حلت اللاحتمية محل الحتمية، فحل الترابط الإحصائي بين الأحداث محل الترابط العلي ~~والاتجاه المحتمل محل الاتجاه الضروري، واحتمالية الحدث محل حتميته، لم يعد حدوثه ~~ضروريا، ولا حدوث سواه مستحيلا، فأصبح التنبؤ العلمي أفضل الترجيحات بما سوف يحدث لا ~~كشفا عن القدر المحتوم، ومن ثم انقطعت كل همزة وصل بين العلم وبين الجبرية ~~العتيقة، بعد أن تكفل في مراهقته الحتمية بمواصلة مسيرتها، إنه زيف اليقين الذي انكشف ~~لما انكشف زيف المطلق؛ حيث تصدعت تصورات الزمان والمكان المطلقين بفضل نسبية ~~أينشتين، فاختفى المثل الأعلى للعالم العلام بالحقيقة المطلقة، الذي يعلم كل شيء عن كل ~~شيء، ويتنبأ بكل شيء - كما تصور لابلاس # Laplace ~~(1749-1827) - لما اختفى المثل الأعلى للعالم الحتمي الذي يسير كما تدور الساعة المضبوطة، ~~والنتيجة أن ارتدع العلماء عن الغرور الأهوج الذي أكسبتهم إياه الحتمية، إنهم أدركوا ~~سذاجة وسطحية تصور العمومية المطلقة لقوانينهم، بحيث لا يخرج من بين يدي أي منها، ~~ولا من خلفه صغيرة ولا كبيرة، لا في الأرض، ولا في السماء، لا في الطبيعة، ولا في ~~الإنسان، على هذا انتهينا إلى أن اطراد الطبيعة الذي يبرر العلية وهي تبرره «في ~~دوران منطقي شهير» مثله مثلها افتراضات بلا أساس، كما كانت التحليلات المنطقية والفلسفية قد ~~أوضحت، ومنذ هيوم. # أما ما أضافته ثورة العلم المعاصر، فهو أنه لم يعد ثمة مبرر ms094 لبقائهما ولا حاجة لهما، ~~تضع الإبستمولوجيا المعاصرة نصب عينيها أن الفيزيائي المعاصر الذي يعمل بالآلات الدقيقة في ~~معمله ليكشف قوانين انتظام الطبيعة لا يعوزه البتة مفهوم الاطراد الحتمي؛ لأنه يعلم ~~جيدا حدود الدقة المتاحة، ويدرك صعوبة وعبثية أن يجعل الظاهرة تكرر نفسها ~~تماما، إلا داخل حدود معينة من اللاتعين، ومن الخطأ المحتمل، إنه الآن لا يبحث عن ~~اطراد الطبيعة، ويكفي انتظامها القائم على أساس إحصائي لا علي، ليبحث عن احتماليتها؛ أي ~~ترددها بنسبة مئوية معينة مستمدة من ترددات لوحظت في الماضي، ويفترض أنها سوف ~~تسري تقريبا على المستقبل، لقد استرحنا أخيرا من العلية والاطراد ودورانها المنطقي، ~~انهارا معا حين تحققنا من دخول عنصر المصادفة في بنية الطبيعة، اكتست المصادفة ثوبا ~~قشيبا، وتخلصت من الأدران الجائزة التي لحقت بها في عصر يقين العلم الحتمي، الذي كان ~~يفسر كل مصادفة وكل احتمال تفسيرا ذاتيا؛ أي كان يرجعه إلى جهل الذات العارفة، ~~وعجزها عن الإحاطة بعلل الظاهرة، أما اليقين فلا حديث عنه سوى أنه تبخر تماما من دنيا ~~العلم، حتى شاع القول الدارج: العلماء ليسوا على يقين من أي شيء، ويكفي أن العوام على يقين ~~من كل شيء، فالعلم احتمالي، وحلت موضوعية الاحتمال محل ذاتيته، لا سيما بعد نشأة ~~الميكانيكية الموجبة البارعة. # إن أبرز معالم الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة هي أنها جزمت - منطقيا - أن أي قضية ~~إخبارية بما هي إخبارية، احتمالية ونقيضها ممكن، ولا يقين إلا في القضايا التحليلية الفارغة ~~من أي مضمون إخباري قضايا المنطق الصوري، والرياضيات البحتة، وإذا كانت رياضيات الإحصاء، ~~وحساب الاحتمال هي ألف باء العلم المعاصر، فلا يعني هذا لاحتمية، كما تصور ~~الكلاسيكيون من أن صياغة القوانين باللغة الرياضية الضرورية تؤكد الحتمية، الأمر الذي ~~تبدى الآن أن صياغة القوانين العلمية في أي لغة رياضية لا تعني حتمية أو لاحتمية، ~~فالرياضيات في حد ذاتها محايدة تماما، محض رموز تعبر عن أي مرموز إليه، ونملؤها ~~بالمضمون التطبيقي سواء افترضناه حتميا أو لاحتمي، المهم أن منطق الاحتمال أصبح العمود ~~الفقري للعلم، بعد أن ms095 كانت العلية هي العمود والعماد والعمدة، وكما ذكرنا: قوضت ~~النسبية عالمها الميكانيكي. # وفي خضم هذه الأطلال الدوارس اتضح مدى عبثية وسذاجة تصورات الكلاسيكيين ~~العينية لمفاهيم الكتلة والطاقة والسرعة والأبعاد الثلاثة الثابتة، وتحديد أو التنبؤ بموضع ~~وحركة وسرعة كل جسم بدقة فائقة ... اتضح عبثية تصورهم لعالم فيزيقي يمكن وصفه بدقة ~~متناهية، إن لم يكن بواسطة علماء اليوم، فعن طريق علماء الغد، وكما يقول الأمير - أمير ~~نسبا وعلما - لويس دي بروي أبو الميكانيكا الموحية (1892-1987): «لقد ظنوا أن كل حركة أو ~~تغير يجب تصويره بكميات محددة الموضع في المكان والتغير في مجرى الزمان، وأن هذه ~~الكميات لا بد أن تيسر الوصف الكامل لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، وسيكتمل هذا ~~الوصف تماما بواسطة معادلات تفاضلية، أو مشتقات جزئية، تتيح لنا تتبع مواقع الكميات ~~التي تحدد حالته، ويا له من تصور رائع لبساطته، توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه لمدة ~~طويلة.» # 1 # إنه المبدأن الحتمي الذي أملاه العلماء في مرسوم مهيب، وانقلب في النهاية إلى اقتراح لا ~~تجيزه الوقائع، فأصبحت الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة بدورها لا تجيزه، إنها إبستمولوجيا ~~لاحتمية لا تبحث عن التحديد الفردي الميكانيكي، بل عن متوسطات الإحصاء، وحساب الاحتمال، هي ~~الآن تسود العلوم # 2 # الطبيعية باق أن تمتد إلى العلوم الإنسانية، وإلى أقصى درجة ممكنة. # فقد أصبح ذلك المنظور الحتمي البائد منه لا سواه تنشق الهوة الشائعة بين العلوم ~~الطبيعية والعلوم الإنسانية من حيث المنهج، ومن ثم من حيث الثقة في حصائله. أما من حيث ~~المنهج فإن العلوم الطبيعية تعمل بموضوعية مطلقة، الباحث بأدواته دوره سلبي لا يتدخل ~~إطلاقا في موضوع المعرفة، وموضوع المعرفة نفسه - أي ظواهر الطبيعة - مطلق كل ما فيه ثابت، ~~وأي احتمال ذاتي؛ لذلك يصل الباحث إلى قوانين لا استثناء لها، ولا احتمال موضوعيا فيها، ~~قوانين يقينية، ضرورية الصدق، مطلقة العمومة في كل زمان ومكان. أما العلوم الإنسانية ~~فمهددة دوما بالوصمة الذاتية؛ لأن الباحث هو نفسه موضوع البحث، عسى أن يحقق الموضوعية ~~المطلقة، فضلا عن أن عناصر هذا الموضوع ms096 خاضعة للتغير من عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى ~~أخرى، فلا شيء مطلقا في حياة البشر، ثم إنه موضوع شديد التعقيدات، يستحيل ترجمته إلى بساطة ~~العلاقة الثنائية (علة - معلول) هكذا يجعل المثال الحتمي البون شاسعا بين العلوم ~~الطبيعية والعلوم الإنسانية، والطريق مقطوعا أمام الأخيرة لتلحق بالأولى. # ولكن الآن بعدما أصبح مبدأ اللاحتمية أساس التصور العلمي في الإبستمولوجيا المعاصرة، سقط ~~المثال الحتمي، وسقطت معه الموضوعية الكلاسيكية الزائفة التي تقوم على أساس الإنكار التام ~~للعامل الإنساني في عملية اكتساب المعرفة، ومن أعظم معالم ثورة العلم مبدأ اللاتعين # Indeterminacy Principle # الذي صاغه فيرنر ~~هيزنبرج عام 1925، وينص المبدأ على أن تأثير أدوات القياس يفرض قدرا من اللاتعين في ~~التنبؤ بمسار الجسيم، فيستحيل التعيين الدقيق لموضعه وسرعته في آن واحد، ودقة أحد ~~الجانبين: (الموضع أو السرعة) إنما تتحقق على حساب الدقة في الجانب الآخر، إذن فقد ~~تعلمنا من هيزنبرج ضرورة حساب الأثر المتبادل بين الباحث وموضوع بحثه، معنى هذا أنهما ~~لا بد أن يتفاعلا، إذن ليست العلاقة بين الباحث وموضوع البحث حيvثية لمشكلة تتفرد بها ~~العلوم الإنسانية، بل هي مشكلة مشتركة بينها وبين العلوم الطبيعية إلى حد ما، وكما يقول ~~برود: «حقا إن مبدأ اللاتعين لن يكون له أثر ذو بال على الحتمية أو اللاحتمية ~~السيكولوجية أو الحرية في السلوك الإنساني غير أنه يوضح أن الفيزيائيين بعد نقطة معينة ~~تواجههم صعوبات مماثلة لأخرى كثيرا ما شعر بها علماء النفس.» # 3 # فالعلم يهدف إلى التفسير، وليس ثمة تفسير واف ما لم يأخذ في اعتباره كلا من ~~العالم والظاهرة، هذا هو الدرس العميق الذي لقنتنا إياه الفيزياء المعاصرة. # 4 # وقد أكده نهائيا أينشتين الذي يعود إليه فضل الاستبعاد التام لخطأ ~~المطلقية من مجال الفيزياء، أو العلم إجمالا، قضى مبدأ اللاحتمية على تلك الموضوعية ~~الموهومة؛ لذلك فهو قادر على - أو هو السبيل إلى - تحرير العلوم الإنسانية من خشية السقوط ~~في براثن الذاتية، فالمفهوم اللاحتمي الأعمق للموضوعية الذي يضع في اعتباره متغيرات ~~المعرفة، ولا يسلم بمطلق هو سبيل العلم ms097 الفيزيائي الأدق والأجدى؛ لذلك لم تتهيب بقية ~~العلوم من الأخذ به، وفي هذا يقول إرنست هطن: «مع اللاحتمية لن تعود الفجوة بين علوم ~~الطبيعة وبين علوم الحياة والإنسان - كعلم النفس مثلا وهو طرف النقيض مع الفيزياء - لا ~~يمكن اجتيازها كما تصور لنا الحتمية حين افترضت أن التفاعل الضروري بين الملاحظ ~~وموضوع الملاحظة من شأنه أن يفسد نتيجة البحث، فيفشل علم النفس في تحقيق الموضوعية التي ~~لا تستطيعها إلا الفيزياء، الفيزياء على أي حال لم تعد موضوعية بالصورة التي تفترضها ~~النظرة الميكانيكية؛ لأنها لم تعد مطلقة بذلك المنظور، وكنتيجة لهذا لم يعد علم النفس ~~ذاتيا.» # 5 # وإذا كان اضمحلال تلك الموضوعية الزائفة قد أسهم في إزالة الفجوة بين ~~العلوم الطبيعية والإنسانية، فقد حق إذن حكم هطن بأنها «مكسب معرفي كبير»، # 6 # ما دامت توحد طريقهما، وتفتح أمامهما إمكانات تقدمية مشتركة، ولا تجعل ~~الثقة في علمية إحداهما تستبعد الأخرى. # والأهم من روح المنهج وشروطه - موضوعية أم ذاتية أم فوق هذا وذاك - هو أسلوب المنهج ذاته ، ~~إن الإحصاء وحساب الاحتمال أسلوب الإبستمولوجيا المعاصرة، فقد أسقطت المثال الأقليدي ~~المفضي إلى نتائج يقينية بتحديداته الفردية، والمستعصي أصلا على العلوم الإنسانية التي ~~يناسبها تماما الإحصاء كما هو مسلم به الآن، والجدير بالذكر أن أقطاب العلوم الإنسانية ~~إبان القرن التاسع عشر، وفي تشوفهم لعلمنة دراستهم، شنوا حربا شعواء على الإحصاء، ~~حتى إن ثمة عالما بلجكيا في الفلك والاجتماع يدعى أدلف كيتليه، أصدر عام 1835 كتابا ~~بعنوان «حول الإنسان وتطور ملكاته، أو محاولات في الفيزياء الاجتماعية» وأعيد نشره ~~عام 1869 تحت عنوانه الرئيسي: «الفيزياء الاجتماعية» كدس فيه كيتليه العديد من المعطيات ~~الإحصائية حول عدة مئات من الظواهر الاجتماعية، ومعطيات ديموغرافية، متسائلا: أفلا تظهر ~~المعطيات المتعلقة بالظواهر الإجرامية مثلا تناسقات وانسجامات لا تختلف عن تلك الملاحظة في ~~علوم الطبيعية؟ فكان الإحصاء عند كيتليه هو المعبر إلى علمية علم الاجتماع، تفكيره إذن ~~متقدم عن عصره الغارق في الحتمية العلمية، بيد أن سلطانها آنذاك حكم عليه أن يروح في ~~طي النسيان، ms098 فقد دفعت الحتمية بأوجست كونت إلى ردة فعل جامحة ضد كيتليه، وكما يقول ~~بودون عن كونت: «إذ بينما برهن - أو ظن أنه قد برهن - على انقطاع العلوم جاء كيتليه ليجعل ~~من علم الوقائع الاجتماعية فيزياء اجتماعية مدعيا أنه استعمل المعنى الحقيقي للفظة ~~فيزياء، بينما نعت حساب الاحتمال بأنه سيلاقي عقاب الجماعة. # تصور كيتليه إمكانية تطبيق هذا الحساب على الظواهر الاجتماعية»، # 7 # هكذا جعلت الحتمية كونت يثور على الإحصاء المفضي إلى نتائج احتمالية، وبعد أن ~~اعتزم تسمية العلم الجديد بالفيزياء الاجتماعية، عزف عن هذا، وأسماه علم الاجتماع بدلا من ~~«الفيزياء الاجتماعية» التي دنسها كيتليه بالاحتمال والإحصاء، وعلى الرغم من تأكيد كونت أن ~~الرياضة هي النموذج الأمثل الذي ينبغي أن تحتذيه كل دراسة لكي تصير علما، فإنه قد لاحظ أن ~~الظواهر الاجتماعية أكثر تعقيدا؛ لذلك فإن تطبيق المنهج الرياضي في دراستها سيكون محدودا ~~قد يعطي الوهم العلمي، لكن لن يعطينا الحتمية - العلم الحق - وسحقا لكل ما يمس الحتمية ~~العلمية، أجل سحقا! وليس هذا تعبيرا إنشائيا، بل دلالي، فمثلا أدان كونت المجهر؛ لأنه ~~يهدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات المتسقة مع التصور الحتمي، هذا التشبث الأهوج ~~بالحتمية، وإلى الدرجة التي تلهي فيها الوسيلة عن الغاية يعطينا تفسيرا لمعوقات ~~التقدم عموما، وفي العلوم الإنسانية خصوصا؛ لأن الحتمية العلمية تنفي الحرية الإنسانية، ~~وإمكانات الاختيار نفيا باتا كما أكد أوجست كونت وسائر الوضعيين في علم الاجتماع، ومعهم ~~السلوكيون في علم النفس، بينما الحرية الإنسانية وإمكانية الاختبار بين البدائل ظاهرة أكيدة ~~في واقع الإنسان، # 8 # ولا يتأتى الوصف والتفسير الكفء بغير أخذها في الاعتبار كما يسلم مثلا علم ~~النفس المعرفي، وفروع أخرى من العلوم الإنسانية استطاعت استشراف ما يستشرفه من إمكانات ~~تقدمية. # وهذا الإحصاء الذي هاجمه كونت، وتنازل بسببه عن المصطلح الذي استعمله منذ البداية ~~(الفيزياء الاجتماعية) أليس هو الآن في عصرنا اللاحتمي هو منهج الفيزياء الذرية - أو ~~الكمومية - ذات القوانين الاحتمالية، وما دامت الإحصاء هي الأسلوب، والاحتمال سمة النتائج، ~~فلن يقوم فارق كيفي بين العلوم الطبيعية والعلوم ms099 الإنسانية ولا هوة بينهما، الفارق ~~كمي فقط في درجة التقدم. # الإحصاء والاحتمال كأساليب منهجية يلغيان افتراض الاطراد في موضوعها، أو على أوسع الفروض ~~يجعلانه يتخذ صورة المقدمات المحتملة تؤدي إلى النتائج المحتملة، فلن نصل أبدا لا ~~في الفيزياء، ولا في علم من العلوم الطبيعية، أو العلوم الإنسانية على السواء إلى موقف ~~كلي واحد يكرر نفسه تماما، وكل ما نلاحظه، وأيضا كل ما يعوزنا افتراضه في ~~الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة أن مقدمات الموقف عندما تكون متشابهة، فإن المعقبات أيضا ~~متشابهة، والنتيجة تقريبية بما يكفي سواء في الطبيعة، أو في الإنسان، فمثلا حين نقيس الماء ~~بمقياس حرارة عادي، فإننا نعامل الماء على أنه مكون من عينات مختلفة لها درجات تكثف ~~مختلفة، ونلاحظ الاختلافات الطفيفة في درجة الحرارة إذا كان مقياس الحرارة دقيقا بما ~~يكفي. # 9 # هكذا نلاحظ أن الإبستمولوجيا المعاصرة هجرت مبادئ الحتمية من عمومية واطراد؛ ~~لأن هذا يفضي إلى نتائج فيزيائية أو طبيعية أدق وأثمن، الأمر أيضا صحيح بالنسبة لظواهر ~~العلوم الإنسانية التي يستحيل معها أصلا افتراض عمومية مطلقة، واطراد ثابت، كما أوضحنا حين ~~البحث في حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية، وحين أمكننا أن نخلف الفكرة الكلاسيكية عن ~~القوانين الطبيعية المطردة التي تسير بدقة مطلقة من أصغر ذرة، حتى أضخم جرم سماوي، وأن نأخذ ~~- بدلا منها - بمبدأ أكثر تواضعا للثوابت التجريبية أو الإحصائية التي تسري في مجالات ~~محددة، أصبحت معرفتنا لظواهر الطبيعة تشابه معرفتنا بظواهر الاجتماع من وجوه عديدة، ~~وكل ما في الأمر أن المعاملات الإحصائية في الاجتماع أو نسب الاحتمال أضعف أو أكثر ~~انخفاضا. # 10 # مرة أخرى الفرق كمي فقط في الدرجة - درجة التقدم وليس في النوعية - نوعية ~~المناهج والقوانين والمشاكل التي تجعل نتائج البحوث الطبيعية علما، ونتائج البحوث ~~الإنسانية مشكوكا في علميتها. # على هذا النحو يبدو جليا كيف أن الهوة التي أصبح المنظور الكلاسيكي كفيلا بشقها بين ~~العلوم الطبيعية والإنسانية إنما تلتئم تماما من منظور الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة ~~بفضل مبدئها اللاحتمي، والاسترشاد بالمثال اللاحتمي إن كان يلقي على كاهل علماء العلوم ms100 ~~الإنسانية مسئولية عسيرة ومرهقة حين يطيح بالركائز الحتمية المطلقة التي بدت كفيلة ~~بضبط أبحاثهم، فإنه يبرئ العلوم الإنسانية من مطمع المغرور، وفي نفس الوقت من اليأس ~~والقنوط من الوصول إلى المثال الحتمي، فيمكننا من أن نعمل بعزيمة حديدية وإمكانات الانطلاق ~~لفروض الجريئة، ويزيد من شحناتها مستوى التجريد الفائق الذي وصل إليه العلم المعاصر في ~~الطبيعة، فلماذا لا يصل إليه في الإنسان أيضا؟ # لقد قال المنطقي الميثودولوجي المدقق بريثويت: «إن التقدم الحديث في الفيزياء قد يعطي ~~شحنة قوية لعلماء النفس كيما يضعوا تأملات جريئة؛ لأن النظريات الفيزيائية السائدة تدور ~~حول أشياء لا يمكن تعريفها في حدود الخبرة، وفوق هذا نجد أن بساطة القوانين الفيزيائية ~~واضحة فقط أمام الرياضيين والإحصائيين؛ لذلك أشعر بأن علماء النفس يجب أن تتاح أمامهم حرية ~~كبيرة للعمل، فيما يتعلق بالكيانات التي يستعملونها، وأحسب أن مجالهم قد تعرقل كثيرا في ~~الماضي بمطالب فلاسفة وآخرين (يقصد الوضعيين والسلوكيين) بأن كل مصطلح يستخدم يجب أن ~~يكون له تعريف تجريبي مباشر، على أن علم النفس بالطبع يجب أن يظل علما تجريبيا، ~~وقوانينه المقبولة يجب أن تكون مؤيدة بالوقائع بصورة أو وبأخرى.» # 11 # أو بعبارة أخرى قابلة للاختبار التجريبي، ثم التكذيب، أو التعزيز، ولما كان قول ~~بريثويت هذا - عام 1931 - ينطلق عن تمثل جيد للإبستمولوجيا العلمية الجديدة الصاعدة ~~آنذاك، فقد أتى تحققها بعد خمسة وعشرين عاما، حين بدأت منذ عام 1956 الثورة المعرفية - علم ~~النفس المعرفي، والعلاج النفسي المعرفي - ثورة على السلوكية ونماذجها الميكانيكية الآلية ~~التي تحققت بنجاح مبدئي في دارسة السلوك الحيواني، فافترض السلوكيون أن الأفعال الإنسانية ~~جميعا، حتى اللغة والأفكار والإبداع وسمات الشخصية ... إلخ يمكن تفسيرها بنماذج مشابهة، وإن ~~تكن أكثر تعقيدا، يرفض الجيل الجديد من النفسانيين المعرفيين هذه النظرة الآلية، ~~محتجا بأن هناك تراكيب وعمليات للعقل لا سبيل إلى إحالتها إلى أخلاط من الاستجابات ~~المدعمة، فنظروا إلى القيود التي وضعتها السلوكية في نصف القرن الأخير بوصفها قيودا ~~عقيمة، وأنها - للأسف الشديد - مصوغة على أساس تصور العلوم الفيزيائية عفى عليه ms101 ~~الزمان. # 12 # على أن علم النفس المعرفي ليس رفضا هجوميا للسلوكية، بل هو بالأحرى استيعاب وتجاوز أو ~~حتى امتداد أنضج لها، إن السلوكية ذات فضل عظيم في تنمية الدراسات النفسية الإحصائية، ~~والمعرفيون يرون ثورتهم انعكاسا لتطور العلوم الإحصائية - لكن لأنها تنشئ نوعا ~~جديدا من المرونة الفكرية، وامتدادا لاستراتيجيات البحث، مدركين أنهم على طريق التقدم ~~الجوهري الذي سيؤدي إلى بصيرة وفهم لهما قيمتهما النظرية والعلمية على حد ~~سواء، # 13 # إن علم النفس المعرفي من أكثر التطورات في العلوم الإنسانية استجابة واستفادة ~~من الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة؛ لذلك كان انتصارنا له منذ بداية هذا البحث؛ ولذلك أيضا ~~كانت الإمكانات التقدمية المتاحة أمامه أفسح وأخصب - كما سبق أن أشرنا. ~~••• # الخلاصة أن الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة - التي هي لاحتمية تعني انقلابا جذريا على ~~الإبستمولوجيا الحديثة الكلاسيكية - التي كانت حتمية، و«أن هذا التحول الجذري قد أدى إلى ~~تقارب كبير في المنهج بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وإذا ما كان هذا التقارب قد ~~بدأ أيضا بتحرك العاملين في مجال العلوم الرياضية، فإن الصياغة الجديدة لعلم الطبيعة، ~~والتي تتبلور الآن أمام أعيننا قد أظهرت أن النظم المعقدة التي تدرسها العلوم ~~الإنسانية، ليست أكثر تعقيدا من النظم الطبيعية، لقد كانت المحاولات الأولى لإحداث التقارب ~~بين مجالي المعرفة أسيرة العلم الطبيعي التقليدي بموضوعيته وحتميته»، # 14 # ومن ثم كان تعثرها عبر الفجوة المذكورة آنفا، وكما أوضحنا التأمت، وبعد ~~النسبية والكمومية الجديدة واللاتعين والميكانيكا الموحية ... اتضح أن الظواهر الطبيعية ~~ليست مطردة ولا متجانسة كما كان يظن، وبعد الشوط الذي أحرزته العلوم الإنسانية - لا ~~سيما في الدراسة الوصفية - اتضح أن ظواهر العلوم الإنسانية ليست متغايرة كما كان يظن، ~~أي أن الطبيعة النوعية المعقدة لموضوع الدراسة لم تعد تحول بين العلوم الإنسانية وبين ~~الاستفادة من إمكانات تقدمية كالمتاحة منطقيا أمام العلوم الطبيعية، ولا العلاقة بين ~~الباحث وموضوع البحث في العلوم الطبيعية بأصفى وأنقى وأبسط منها في العلوم ~~الإنسانية. # هكذا تستوعب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة - لمن شاء واستطاع استيعابها - عاملي ~~مشكلة العلوم الإنسانية، وتفتح الطريق للخروج منها، ms102 وتفتح الطريق لتحقيق درجة التقدم ~~المنشودة فيها في المرحلة التفسيرية على ضوء الخاصية المنطقية المميزة للعلوم ~~الطبيعية. # سوف نعرج الآن بالخاصية المنطقية على تفاعل العاملين معا، والذي ينجم عنه افتقاد ~~المرحلة التفسيرية لتقنين منطقي أدق، المردود إلى أن الباحث مثقل بالأيديولوجيات ~~القومية وأحكام الحس المشترك، ما يجعل أنساق النظريات في العلوم الإنسانية مفتوحة الطرفين؛ ~~ولكي تتسع - بل لكي تتأتى إمكانات حل مشكلة العلوم الإنسانية - لا بد من الحيلولة دون تسرب ~~أو اقتحام ما هو لاعلمي إلى داخل نسق العلم، وإذا كانت المؤثرات الخارجية ~~والأيديولوجية قد أدت إلى تنازع العلماء، فحالت دون تكامل التفسيرات، ودون التآزر ~~المتوازن بين التنظير والتجريب، فإن المنطق معامل موضوعي مشترك، كفيل بالجمع بين العلماء ~~وتحقيق التآزر المنشود. # | هوامش # الفصل السابع # | إمكانية حل مشكلة العلوم الإنسانية # لقد بدا واضحا كيف يطرح معيار القابلية للاختيار والتكذيب التجريبي أمام العلوم ~~الإنسانية، وبمنتهى الدقة المستطاعة لمنطق العلم محكا حاسما لتحديد ما هو علمي دونا عما ~~هو لاعلمي؛ ليصبح من الممكن تحديد تخومها العلمية بما يحول دون تسرب الأيديولوجيات ~~والفلسفات والإسقاطات التقويمية وأحكام الحس المشترك ، وكل ما هو لاعلمي ينجم عن اقتحامه ~~بنية العلم: افتقاد الإحكام في المشروع العلمي، وافتقار للتقنين المنطقي الدقيق، ما ~~يؤدي إلى تعارض المسارات وتعرقلها، والحيلولة دون تسارع التقدم العلمي المرتهن بتآزر ~~الجهود وتكاملها على النحو المتحقق بأجلى صورة في العلوم الطبيعية. # وإذا كانت هذه الخاصية المنطقية تتحقق على الوجه الأكمل - بداهة - في العلوم الطبيعية، ~~وعلى الأخص الفيزياء بحكم بساطة موضوعها، وعراقة ممارساتها، فليس معنى هذا أننا ننشد ~~تحقيقها، وبهذه الدرجة نفسها في العلوم الإنسانية، والتطويع لشروط الخاصة المنطقية ~~المقننة والمقننة لا يشبه بحال «وضع الآراء على سرير بروكرست؛ حيث تقطع أوصالها حتى ~~يلائمها، بل هو أشبه بممر أو ثقب لا يسمح إلا بعبور ما هو علمي محتجزا أمامه ما ~~ينتمي لغير العلم، ما دام كان عاجزا عن صوغ نفسه في فرض يقبل التحقق من صحته أو ~~كذبه». # 1 # فلسنا نطرح القابلية للاختبار والتكذيب - أي الخاصة المنطقية ms103 للعلوم الطبيعية - ~~كهدف ينبغي إحرازه، بل هي بالأحرى مبدأ تنظيمي، لصوغ الفروض والحكم عليها بمنأى عن التحيز ~~والهوى وضغوط العوامل الخارجية، فيكفل الخروج بنتائج «علمية» أنه مبدأ تنظيمي، كلما ~~اقتربت منه العلوم الإنسانية أكثر تآزرت جهودها أكثر لتمثل متصلا صاعدا ~~عساه أن يتسارع. # إن هذا لا يعني أكثر من إمكانية إنجاز المشروع العلمي على نفس الأسس والحدود المنطقية ~~للظواهر الطبيعية والإنسانية على السواء المشكلة معا لمجمل الكون الذي نحيا فيه، ونهدف ~~إلى إحكام سيطرة العقل عليه بواسطة العلم التجريبي الذي أثبت نجاحا لا يمارى ولا ~~يبارى في هذا الصدد، لقد هدفنا إلى استغلال ما هو مشترك في الممارسة العلمية التي أثبتت ~~نجاحا واضحا، أي البحث عما يجعل من النسق نسقا علميا، وليس فلسفيا، أو فنيا، أو ~~قيميا، أو غيرها من طرق تعامل قوى الإنسان المبدعة مع عوالمه. # والواقع أن الخاصة المنطقية التي جعلناها حجر الزاوية لحل المشكلة لا تعدو أن تكون ~~الصياغة المنطقية الصورية المقننة الدقيقة، لما يعرف بالسمة التجريبية التي هي العلاقة ~~المسئولة مع الواقع، وقد أصبحت خاصة مميزة للعلوم الطبيعية عبر ممارسات طويلة عريضة ~~عريقة وراسخة، منذ أن أعلن فرانسيس بيكون البيان الرسمي لها، أي منذ ما يقرب من أربعة قرون ~~خلت، ولا يجادل أحد في أن تجاوز العلوم الإنسانية لطور الميلاد والنشأة والنمو، ~~وأيضا النضج راجع إلى أنها وجدت أساليبها التجريبية الأمبيريقية وأحكمتها، ~~ويبقى أن مضاعفة درجة التقدم سوف تعتمد على التقنين المنطقي والأشمل لهذه التجريبية؛ ~~خصوصا أن التكالب عليها أدى إلى جعل أنساق العلوم الإنسانية مفتوحة من جهة يتسرب ~~منها سيل التعميمات التجريبية بغير أن تؤسس رصيدا متفقا عليه في انفلاق ضار بين التجريب ~~والتنظير، وتلك السمة التجريبية المقننة التي هي قابلية الفروض العلمية للاختبار تطرح ~~أمام العلوم الإنسانية محكا لضبط التجريب بتوجيهه نحو فروض، فيمكن أن تؤسس رصيدا ~~متفقا عليه، وتداني بين التجريب والتنظير. # أما عن التخلف النسبي للعلوم الإنسانية الذي عالجناه في الفصل الثاني من الكتاب لنلقاه ~~مردودا إلى افتقار التآزر بين التفسيرات، فإن ms104 بوبر يعبر عن هذا الافتقاد قائلا: «بعض ~~علماء العلوم الإنسانية غير قادرين، بل ولا يرحبون بالحديث بلغة مشتركة.» # 2 # وطبعا معيار القابلية للتكذيب يرسم حدود الحديث المشترك، وتطبيقه المباشر أو ~~الحرفي يعني أن ترفع العلوم الإنسانية تماما يدها عن النزعات الكلية، والتنبؤات التاريخية ~~الواسعة النطاق، وأن تحيط بالمشاكل المطروحة فعلا، كل واحدة على حدة بواسطة المنهج النقدي: ~~الاختباري التكذيبي، وبهذه النظرة تغدو وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية دراسة النتائج ~~غير المقصودة، بل وغير المرغوبة للسلوك، بدلا من التنبؤ بما سيجيء حتميا، وهذه الوظيفة ~~ستجعلها تضع التنبؤات المشروطة القابلة للتكذيب، بدلا من التنبؤات الواسعة النطاق غير ~~القابلة له. # 3 # إن الطبيعة القابلة للتكذيب، أو التكذيبية للنظرية العلمية، تعني وضع القانون ~~العلمي في صورة حوادث ممكنة، ما يعني إمكانية وضع القانون العلمي في صورة نافية، وتلك ~~الوظيفة المذكورة تفتح أمام العلوم الإنسانية إمكانية التوصل إلى مثل هذه القوانين، أو ~~الفروض النافية؛ أي العلمية، ويعطي بوبر أمثلة على هذا: «لا يمكنك فرض الرسوم الجمركية على ~~المنتجات الزراعية، وتقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة»، «لا يمكن تحقيق العمالة ~~الكاملة دون أن يتسبب ذلك في حدوث التضخم»، «لا يمكن في المجتمع ذي التخطيط المركزي، أن ~~يؤدي نظام الأثمان فيه نفس الوظائف الرئيسة التي تؤديها الأثمان القائمة على المنافسة» «لا ~~يمكن أن تقوم بثورة دون أن ينشأ عنها اتجاه رجعي»، # 4 # هذه الوظيفة أيضا ستجعل التطبيق؛ أي التقانة أو التكنولوجيا تعقب المعرفة ~~الاجتماعية والإنسانية كما تعقب المعرفة الطبيعية، ويلخص بوبر رأيه بأن التقانة ~~الاجتماعية المطلوبة هي التقانة التي لها نتائج يمكن اختبارها بواسطة الهندسة الاجتماعية الجزئية # Social Piecemeal Engineering # المناهضة ~~للتغيير الكلي الثوري كالماركسي، هذه المشاريع الأيديولوجية الواسعة النطاق والمفتوحة ~~الحدود تخرج عن مجال وسيطرة العلوم الإنسانية، وإذا اعترض أنصار سوسيولوجية المعرفة بأن هذا ~~ليس هو المطلوب، وأن مشكلة العلوم الاجتماعية ليست في أنها لا تتوصل إلى نتائج تطبيقية ~~عملية، وإنما في أنها تتعامل مع مشاكل معقدة، ومتداخلة في الميادين النفسية والاجتماعية ~~والاقتصادية والسياسية، فإن بوبر ms105 يرد عليهم بأن كل المشاكل والوقائع المعرفية معقدة ~~ومتداخلة كما سبق أن أوضحنا، أو بالأحرى كما سبق أن أوضحت الإبستمولوجيا العلمية ~~المعاصرة، المهم أن البحث يبدأ من فرض توصل إليه العالم من أي طريق كان، وعليه أن يختار ~~الفرض القابل للتكذيب كي يضمن استمرارية التقدم، أما التطبيق العلمي فهو لا يعادي المعرفة ~~النظرية، بل هو حافز لها. # 5 ~~••• # كل هذه الإمكانات التي تطرحها الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية أمام العلوم الإنسانية لا ~~تشترط قبلا إلا إمكانية العلم بالظواهر الإنسانية والاجتماعية، ولا يلزم هذا أكثر من ~~التسليم بأن تلك الظواهر الإنسانية ليست قائمة في ملكوت السماوات أو عالم الغيب، بل هي ~~قائمة في عالم الشهادة، إنها ظواهر مندرجة في بيئتنا: العالم الذي نحيا فيه، والذي أثبت ~~منطق العلم التجريبي أنه أصدق من يأتينا بخير عنه، وأكفأ من يقوم بمحاولة وصفه وتفسيره ~~في سلسلة متتالية كل حلقة أنجح من سابقتها. # ومع هذا فإن تلك الإمكانات الرحيبة أمام العلوم الإنسانية، ومجرد الاستفادة من الخاصة ~~المنطقية للعلوم الطبيعية سوف يواجهها رفض واعتراض يتخذ صورا شتى وتكرر كثيرا، ~~وشاع وذاع ربما لحد الملالة. «وقد يكن مبعثه أن العلوم الطبيعية تجاوزت العلوم الإنسانية ~~إلى حد بعيد، ومن ثم تحيط بنا الخشية من السقوط في التبعية.» # 6 # فينهض المرجفون رافضين لهذا رفضا للنموذج الطبيعي، الذي يرد العلوم ~~الإنسانية إلى العلوم الطبيعية أو يختزلها في حدودها لتغدو امتدادا ملحقا بها، ~~وذيلا لها. # والواقع أن الخاصة المنطقية لا تنطوي البتة على أي رد أو اختزال، بل ولا تتعلق بهذا ~~إطلاقا، ذلك أن هذا المشروع الردي الاختزالي هو مشروع الإبستمولوجيا الكلاسيكية وتفسيرها ~~الميكانيكي، فالكون آلة ميكانيكية ضخمة مغلقة على ذاتها، ونظام من مادة وطاقة يسير بفعل ~~علله الداخلية، ويحوي أنظمة أخرى أصغر قليلا أو كثيرا كلها علية ميكانيكية، ونظرا لليقين ~~والضرورة والقطعية ... إلى آخر عناصر الحتمية التي تغمر هذا التفسير الميكانيكي، فقد ~~غالوا في فكرة الرد هذه أو الاختزال، حتى أرادوها تشمل كل إنجاز عقلي جدير بالاعتبار، حتى ~~الأيديولوجية ذاتها التي ms106 نهدف للحيلولة بينها وبين العلم، كانت مصطلحا - كما أشرنا - ~~استحدثه دي تراسي عام 1797 ليبشر بنظام سياسي واجتماعي جديد يقوم على العلم الجديد بدلا من ~~كل ترهات الماضي التي كانت لا علمية، وهذه الأيديولوجية فرع من علم الحيوان المردود إلى ~~الفيزياء، وهو فرع يختص بالقدرات العقلية لواحد من الحيوانات العليا وهو الإنسان! على ألا ~~تكون هذه الدراسة متصلة بطبيعة المعرفة كي لا نقع من جديد في أحابيل الفلسفة ~~والإبستمولوجيا، إلى كل هذا الحد سيطر الوهم الردي على العقول في العصر الكلاسيكي، والرد لا ~~يتأتى إلا في قالب حديدي هو «العلم الموحد» أو «وحدة العلم». و«العلم الموحد» هو الرديف ~~الإبستمولوجي المطابق لتصور أنطولوجي يجعل الكون آلة ميكانيكية مغلقة. # ورغم انقضاء العصر الميكانيكي وانهيار الإبستمولوجيا الكلاسيكية، فإن الوطأة الثقيلة ~~المهيبة لمشروع العلم الموحد جعلته يظل ماثلا، حتى نهايات القرن العشرين، مع أن ~~الإبستمولوجيا المعاصرة لا تستدعيه، ولا تحمل له مبررات، وقد راعينا هذا فيما سبق، حين ~~تعرضنا لتصنيف العلوم النسقي تبعا للعمومية المنطقية للمحتوى المعرفي إلى ثلاث مجموعات ~~كبرى، أوضحنا أن هذه مسألة قواعد منطقية للعلاقات النسقية بين العلوم، ولا تعني ردا ~~أو اختزالا، وطبعا لا علاقة لها بشرف العلم، ومكانته وسموه - تبعا لشرف موضوعه - تلك ~~الفكرة التي سادت تقسيم العلوم في العصر الوسيط، وتبخرت مع مطالع العصر الحديث وإشراقة ~~العلم الحديث؛ لتغدو كل العلوم متساوية في الشرف والمكانة، ثم في الاستقلال، بل وحرصنا ~~طوال البحث على تعقب فلول الرد مثلا حين رفضنا اعتبار الرياضة لغة كل العلوم، ~~وتعقبنا حتى بقاياه العالقة بالسلوكية بجلال قدرها، ورغم فضلها العظيم في تطور علم ~~النفس. # لكن لأن الإبستمولوجيا الكلاسيكية لا تزال تنازع الإبستمولوجيا المعاصرة حتى الآن، فإننا ~~نجد العلم الموحد، وحتى الثمانينيات من القرن العشرين لا يزال بدوره موضوعا لخلاف ~~حاد، وبغية توضيح أطر هذا الخلاف يمكن حصره بين طرفين متضادين: روبير بلانشيه ~~كمدافع قوي عن وحدة العلم، وجوزيف مارجوليس كأشد الرافضين لها إصرارا وإمعانا، ولكن لم ~~يجد بلانشيه ما يقوله سوى: «وحدة العلم قد ms107 غدت واقعا معترفا به على مستوى الممارسة ~~اليومية للعلم، فأصبحت تشغل اليوم كذلك مكانا مهما في فلسفة التجريبية ~~المنطقية» # 7 # أي الوضعية المنطقية التي سادت في أواسط القرن العشرين، ثم بادت. # ذلك أنه وبطبيعة المواقف الحدية المتطرفة للوضعية المنطقية في تحمسها المشبوب لكل ~~ما له علاقة بالعلم، نلقاها وقد تحمست بدورها تحمسا مشبوبا بزت به الجميع ~~لمشروع العلم الموحد، حتى يمكن اعتبارها المتحدثة الفلسفية الرسمية باسمه، فقد وجد ذلك ~~المشروع أصفى وأنقى صياغة له في مخططاتهم لبناء «اللغة الفيزيائية Physical Language ~~»، بوصفها لغة عمومية للعلم، وأي لغة لأي مجال فرعي ~~في العلم - بمعنى لأي علم آخر غير الفيزياء -يمكن أن تترجم إلى لغة العلم هذه، وبصورة ~~مكافئة تماما لصورتها الأصلية، بناء على هذا نستنتج أن العلم بنية واحدة تكاملية مركزية، ~~لا نجد داخلها مجالات لمواضيع ذات تباين جوهري، وتبعا لهذا لا نجد هوة بين العلوم ~~الطبيعية أو الفيزياء، وهي الحد الأعلى للبنية، وبين العلوم السلوكية، وهي الحد ~~الأدنى. # 8 # هذه اللغة الفيزيائية تكفل ببنائها الوضعي المنطقي الأكبر رودلف كارناب # R. Carnap ~~(1891-1970)، وفي البداية عاونه الوضعي ~~المنطقي عالم الاقتصاد أوطو نويراث # O. Neurath ~~(1882-1945). # 9 # إنهما كسائر أعضاء فيينا - منشأ الوضعية المنطقية - تأثرا بالتقدم الرهيب ~~لعلم الفيزياء، فأراداه علم العلم والعلم الواحد الذي لا علم سواه «وهذا ما يسمى ~~بالنزعة الفيزيائية Physicalism ~~»، ومن ثم تكون لغة ~~الفيزياء هي اللغة العلمية الواحدة للعلم الموحد، هذه اللغة تتمتع بخاصة تجعلها كلية ~~عمومية # Universal # يمكن أن يقال فيها كل شيء له معنى ~~تبعا لمطابقة الوضعيين المناطقة بين المعنى والعلم، وبين اللاعلم واللغو! إنها اللغة ~~التي تتحدث عن الأشياء الفيزيائية وحركاتها في الزمان والمكان، وكل شيء إنما يمكن التعبير ~~عنه أو ترجمته في مصطلحات هذه اللغة، حتى - بل خصوصا - علم النفس على قدر ما هو علم، ~~أما مشكلة أسسه فهي: # هل يمكن رد مفاهيم علم النفس إلى مفاهيم الفيزياء بمعناها الضيق؟ # هل يمكن رد قوانين علم النفس إلى قوانين الفيزياء بمعناها الضيق؟ # والإجابة أجل، ms108 الرد بالإيجاب ليصبح علم النفس فقط علم السلوكيات، وتصبح كل عبارة ذات ~~معنى - أي علمية - قابلة للترجمة إلى عبارة حول الحركات الزمانية المكانية للأجسام ~~الفيزيائية، أي للغة الفيزياء أو لغة العلم الموحد، تلك هي اللغة التي حاول رودلف كارناب أن ~~يبني لها بناء نسقيا منطقيا، ويضع قواعد الصياغة فيها أو قواعد التحويل إليها ~~والاستنباط منها، وكتب يقول: «إذا كنا سنتخذ لغة الفيزياء كلغة للعلم، بسبب خاصيتها كلغة ~~كلية، فإن جميع العلوم ستتحول إلى الفيزياء، وسوف تستبعد الميتافيزيقا على أنها لغو، ~~وتصبح العلوم المختلفة أجزاء من العلم الموحد.» # 10 # وقد لاقت لغة العلم الموحد عند كارناب خصوصا، والوضعية المنطقية عموما، نقدا مريرا لا ~~يبقي ولا يذر من كارل بوبر، ولا غرو، فأوتونويراث يلقبه بالمعارض الرسمي للوضعية ~~المنطقية. # 11 # إن بوبر يؤمن بوحدة المنهج - بالمعنى الفلسفي العام، وليس الإجرائي المتعين - ~~بين العلوم الطبيعية والإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إنه يرى المنهج العلمي من المنظور الأشد ~~عمومية، وهو عند بوبر منهج المحاولة والخطأ، إنما يحكم شتى محاولات الكائن الحي في التعامل ~~مع بيئته، ولكن ليس يستدعي هذا رد العلوم جميعا كما في مخططات الوضعيين - أو سواهم - ~~الدءوبة لبناء العلم الموحد، الذي ترتكز نهاياته على قضايا علم النفس السلوكي الجزئية، ~~وترتد أولى بداياته إلى نظريات الفيزياء البحتة. # وليس بوبر في هذا متفردا، بل هو سائر في اتجاه عام يستهدف التخلص من رواسب ~~الإبستمولوجيا الكلاسيكية الميكانيكية الحتمية، التي بانهيارها انتهى المشروع الردي، وفقد ~~كل مبرراته، ولأن بحثنا هذا قائم منذ البداية من أجل تجاوزها، واستنفدنا الجهد طواله ~~للحاق بالإبستمولوجيا المعاصرة، كنا أكثر الجميع طرا رفضا للمشروع الردي. # فيمكن أن ننتقل إلى الطرف المقابل للرديين، إلى جوزيف مارجوليس على الرغم من اختلافات ~~ما بين مسلمات هذا البحث ومسلمات تفكيره. فعمله الضخم (علم بغير وحدة) من أحدث ~~وأعنف وأجرأ الهجمات الموجهة لفلول المشروع الردي، وهو يسم كتابه بأنه «دفاع حار عن ~~التشعب، ورفض تام للوحدة، وثمة ما هو أكثر من هذا، أو أننا ننتوي ما هو أكثر ms109 من هذا، وذلك ~~أنه حتى لو كنا سنسلم بأن مشروع وحدة العلم لم يعد ذا وجود حقيقي كاختيار حيوي، وأن ~~الاستسلامات التي توالت منذ أوان مجده قد مسخته تماما، وحتى لو كان السؤال عن المنهج قد ~~سقط فعلا من الاعتبار بوصفه شفرة مدونة للولاء لفئة ما فرعية للمعتقدات الأساسية التي ~~تسلمناها من زمان أسبق، فلا بد أن نستغل بتعمد ميزة الموجه المساعد على الكشف ~~الكامنة في استحضار المناظرات القديمة بغير الوقوع في شرك العبارات الاصطلاحية ~~الأسبق.» # 12 # وإذ نفعل هذا سنلقى كما يقول مارجوليس «معنيين للتشعب». فإذا عارضنا وحدة ~~العلم، فإن التشعب - أي ما هو ضد الوحدة - سوف يسود، أما إذا كانت وحدة العلم قد اضمحلت ~~فعلا فإن التشعب يشير إلى نقد أحر دعاوى الوحدة، حتى في قلب مجال النماذج التي ينبغي ~~أن تكون للعلوم الفيزيائية، وذلك هو المغنم الأعظم، وإذا سلمنا بهذا فكل مشاريع العلم ~~هي بحسم إنجازات إنسانية. فالعلم بعد كل شيء هو بصفة جذرية إنساني، وكل أنظمته الجديرة ~~بالإعجاب نصونها نحن البشر، نصونها تحت الظروف التي تجعلها أكثر في الإعجاز وفي الروعة مما ~~يتصور معتنقو دعاوى الوحدة. # 13 # حسنا، ولكن لماذا ينعت مارجوليس النماذج بأنها «ينبغي أن تكون» للعلوم ~~الفيزيائية؟ ~~••• # فلربما يستمر الاعتراض والرفض، على أساس أن تحرر العلوم الإنسانية من الرد إلى العلوم ~~الطبيعية، ووقوفها في نسق العلوم، وقوف الأنداد قد ينطوي هو الآخر على فرض النموذج ~~الطبيعي، بمعنى أن ينتهي الرد إلى العلم الموحد، وأن تتشعب العلوم ما شاء لها التشعب، ~~وتستقل ما شاء من استقلال، على أن يظل النموذج الطبيعي هو المثال الذي ينبغي أن يحققه كل ~~علم، و«رفض النموذج الطبيعي» شعار رفع لواءه الفينومينولوجيون، وتسابق لحمله كثيرون، ~~يفعلون هذا بغير تدبر كاف، ومن أجل رفض النموذج الطبيعي قد يعزفون عن الاستفادة من ~~مجرد الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية. # والواقع الآن أن ما يسمى «النموذج الطبيعي» مرفوض في العلوم الطبيعية، وفي قلب الفيزياء ~~ذاتها رفضا للنموذج النيوتني، الذي انهار تحت وطأة جسيمات الذرة، ومجرد التفكير ms110 في الكون ~~مع النسبية يناقض التفكير في أي نموذج، اللهم إلا إذا كان من الممكن ومن المجدي بناء ~~عدد لا محدود من النماذج لهذا الكون، كل نموذج يصور الكون بالنسبة لواحد من عدد ~~لا محدود من المواقع المختلفة والأزمنة والأمكنة والسرعات المختلفة للراصدين، ثم كان ~~تطور علوم الذرة ليؤكد فكرة اللانموذج، فقد حاز نموذج رزرفورد # E. Rutherford ~~(1871-1937) للذرة، الذي يشبه - إلى حد ما - النظام الشمسي شهرة ~~ذائعة، وفيه تتألف الذرة من نواة تقع في المركز، ويدور حولها عدد من الإلكترونات ~~في مدارات مختلفة، ورغم الشهرة الذائعة لهذا النموذج والمكانة العظمى لواضعه فإنه نموذج ~~يعاني من عيوب كثيرة، والاقتباس التالي يوضحها: «العيب الأول يخص الإشعاع الصادر عن ~~الإلكترونات التي تدور حول النواة، فحسب النظرية الكلاسيكية فإن على الإلكترونات كجسيمات ~~مشحونة تسير في سرعة دورانية، أن تصدر إشعاعات كهرومغناطيسية بصورة مستمرة، وعندما ~~يصدر الإلكترون إشعاعات، فإنه يفقد جزءا من طاقته، وهذا يؤدي بدوره إلى جعله ~~يقترب من النواة في المركز، ويزيد في سرعته الدورانية، وهكذا فالإشعاع المستمر يؤدي إلى ~~دوران يقترب فيه الإلكترون باستمرار نحو النواة (دوران حلزوني) إلى أن يلتصق بها، إذن يجب ~~أن تلتصق كل الإلكترونات مع النواة في نهاية الأمر. وهذا يعني انهيار الذرة وانهيار الكون ~~كله، والعيب الثاني للنموذج أنه يتنبأ بإصدار شعاع كهرومغناطيسي ذي طيف متصل، وهو ما يتناقض ~~مع التجارب الطيفية العديدة المتوافرة.» # 14 # وقد حاول العالم الدانماركي نيلز بور أن يتدارك هذا بوضع نموذج آخر للذروة نشره عام ~~1913، وطرأت عليه بعض التحسينات خصوصا على يد العالم الألماني زومرفيلد، وهو أستاذ ~~هيزنبرج. يقول العالم الفيلسوف هنري مارجينو أستاذ الفيزياء البحتة بجامعة بل: «ترسخ درس ~~اللانموذج نهائيا بعد أن فشلت آخر محاولة لبناء النماذج، وهي نظرية بور في فهم العالم ~~الأصغر. في حدود النماذج التي تتضمن الحركة المألوفة للميكانيكا المرئية، وأخطر نواحي فشلها ~~عجزها عن التنظير لأطياف الذرات التي لها أكثر من إلكترون واحد.» # 15 # وهكذا ثبتت عبثية فكرة النموذج كأصل وفروع، كفكرة وتطبيق، في عالم ms111 العلم، ولكن ~~هل النماذج شيء مهم؟ إنها قد تكون مهمة في مدارس الأطفال والصبية، ولكنها ليست هكذا في ~~مدارس الفلاسفة والعلماء، إن الذرة وعالمها الأصغر والعالم الأكبر ... هذا متصور ومفهوم ~~الآن فهما يزداد دقة يوما بعد يوم، بغير حاجة إلى نماذج، ينبغي أن تكون ثمة مقدرة ~~أكبر على التجريد. # 16 # إذن ليس ثمة نموذج مفروض، فليس ثمة نموذج أصلا، ولا وصاية على علم، ولا وحدة حديدية ~~تردها جميعا إلى الفيزياء، إنها فقط الأسس المنطقية الصورية من حيث هي متبلورة في ~~الفيزياء، لتكفل تآزر الجهود، وتكاتف الأنشطة، وبالتالي تسارع التقدم. # إن هذا التآزر النسقي المنشود ينبغي وأن يتحقق على أكمل وجه في نظرية المنهج العلمي، ~~ومنطقه التجريبي، من حيث هو متحقق في البحث العلمي ذاته، فالبحث العلمي هو النموذج الأمثل ~~على الجهد الجمعي التعاوني، كما تشهد طبيعته، ويشهد واقعه على مستوى الممارسة، ومستوى ~~الفكر، ومستوى النظر، بل ومستوى الرسميات، ومنذ أن بشر بيكون بهذا في «أطلانطس الجديدة» ~~المدينة العلمية الفاضلة، حتى تم اعتماده رسميا بنشأة الجمعيات العلمية إبان القرن ~~السابع عشر، خصوصا الجمعية الملكية في لندن وأكاديمية العلوم في باريس، وصيغ ~~نهائيا «حين استبدل القرن الثامن عشر بفكرة العلم مفهوما على أنه إنجاز شخصي وعقلي، فكرة ~~الموسوعة التي تهدف إلى تجميع المعارف المتفرقة على ظهر البسيطة »، # 17 # وكان أحد انعكاسات هذا في القرن الثامن عشر أن تكاتف علماء فرنسا أجمعين - ~~بريادة العلماء ذوي الاستبصارات الفلسفية - لإنجاز هذه الموسوعة. # وبمرور الأيام وتواتر التقدم العلمي يزداد العلم إمعانا في طابعه الجمعي التعاوني، ~~بالمنظور الرأسي وبالمنظور الأفقي، المنظور الرأسي يعني استناد كل إنجاز علمي إلى الأعمال ~~السابقة في ميدانه منذ الرائد الأول جاليليو، فلولا أبحاث أرشميدس في العصور القديمة لما ~~كانت بحوث جاليليو التي لولاها لما كان نيوتن، فضلا عن الأسبقية المباشرة لأبحاث روبرت هوك ~~ذي العبقرية التجريبية الفذة متعددة الجوانب، حتى قيل: إن بعض أعمال نيوتن محض صياغة ~~تجريبية لما قاله هوك. # 18 ~~«وأعمال مدام كوري مثلا لم تكن ممكنة لولا اكتشاف بيكريل ms112 لإشعاع اليورانيوم، ~~وقد استلزم اكتشاف هذا الإشعاع مساعدة من التصوير الشمسي، ويفترض هذا الأخير بدوره اكتشاف ~~التأثير الفيزيوكيميائي وهكذا». # 19 # أما التعاون الأفقي فهو بين الأفرع المختلفة من العلوم، وفقا للتقسيم السابق إلى ثلاث ~~مجموعات: فيزيوكيميائية وحيوية وإنسانية، وفي المرحلة الزمانية نفسها، كما نلاحظ مثلا في ~~الفيزياء الفلكية والكيمياء الفيزيائية من ناحية، والكيمياء الحيوية والكيمياء العضوية من ~~الناحية الأخرى، بل واللافت والمثير حقا أن العلوم الإنسانية بحكم موقعها وتعقد ~~ظواهرها واستفادتها من المجموعتين السابقتين عليها والأكثر عمومية، نقول إن العلوم ~~الإنسانية أكثر من سواها توغلا في هذا التعاون الأفقي، بحيث يتجلى بصورة أوضح، فنجد مثلا ~~علم النفس الفيسزيولوجي؛ حيث استفادة السيكولوجيا من الفيزيولوجيا، أو علم النفس الاجتماعي؛ ~~حيث يتعاون ويتآزر علما النفس والاجتماع، أو الجغرافيا الاقتصادية؛ حيث يلتقي علما ~~الجغرافيا والاقتصاد ... وهكذا «ولا يمكن لعلمي الاجتماع: الصناعي والمدني أن يضربا ~~صفحا عن معرفة البنى الاقتصادية، فعلم النفس الاجتماعي مثلا حين يدرس العلاقات ~~بين الجماعات الصغيرة لا يمكن أن يكون منفصلا عن دراسات أوسع للأحوال الاقتصادية أو ~~لتاريخ التيارات الفكرية التي أثرت على الأشخاص الذين يستأثرون باهتماماتنا، ويخضع كشف ~~النقاب عن مجال جديد لنتائج اكتسبت في الماضي، أو في فروع أخرى من العلم، فجذور الراديو ~~والتليفزيون تمتد إلى عمل هيرتز # Hertz # في الإشعاع ~~الكهروطيسي، وهو عمل نتج عن رغبة من التثبت اختباريا من نظرية ماكسويل # Maxwell # التي هي بدورها صهر للقوانين الكهروطيسية ~~الاختبارية، والتي لم يكن بالإمكان فهمها لولا بطارية فولتا # Volta ~~، واختبار أورستيد # Orsted ~~. ~~وتظهر هذه الأمثلة التي مر ذكرها بشكل واضح وجود نوعين من العلاقات: إحداهما ~~أفقية، والأخرى عمومية، ويعود خصب العلم إلى التمازج المستمر بين مقتبسات الماضي ونماذج ~~العلوم. فالتجميع والإخصاب المتبادل يتيحان للعلم التقدم تقدما متسارعا ~~باستمرار». # 20 # وما دامت أحد مفاتيح تقدم العلم وتعملقه هو ما يتجسد في واقعه وممارسته من ~~تآزر وتعاون واستفادة متبادلة، فكيف لا يتأكد هذا، ويتعمق بالتآزر والاستفادة المتبادلة ~~على مستوى العلاقات النسقية والخواص المنطقية، والتي لا تفرض وصاية على علم، أو ms113 تصادر على ~~حدوده، بل على العكس تساهم في تجاوز مشكلاته، وبالتالي تفتح أمامه مجالات التقدم، أو ~~تسارع معدلاته. # والعلم كلما ازداد تقدما، ازداد تشعبا، وفي أول صفحة، بل وأول فقرة من كتابنا هذا، ~~نوهنا إلى الظاهرة اللافتة للنظر في الآونة الأخيرة، وهي أن العلوم الطبيعية، وأيضا ~~الإنسانية تشهد كل يوم نشأة فروع جديدة، وأيضا استقلال مباحث جزئية في هيئة علم مستقل، ~~فليتشعب العلم ما شاء له التشعب، وكلما ازداد تقدما سيزداد تشعبا، وطبعا هذا حسن، ~~ومدعاة لمزيد من إحاطة أدق بالظواهر، لكننا نتساءل: أليس الأفضل والأدعى إلى إحاطة ~~أدق أن يجري هذا التشعب على أسس مشتركة تكفل تقنينا للمشروع العلمي، على كل ~~هذا تغدو الاستفادة من الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية في حل مشاكل للعلوم الإنسانية ~~مشروعة، بل ضرورية، ولا ينطوي على أكثر من التسليم بإمكانية العلم بالظواهر الإنسانية، ~~فعلام يعترضون وماذا يرفضون؟ # ولا شك أن الرديين (الاختزاليين)، وعلى رأسهم الوضعيون، ودعاة فرض النموذج الطبيعي، ~~ووحدة العلم، وبعد انقضاء العصر النيوتني، هم في حالة انبهار تام بالفيزياء، انبهار من ~~نمط يزيغ البصر، وهو موقف يسمى بالنزعة العلموية # Scientism ~~. يقول كارل بوبر: «إني أقدر تمام التقدير أهمية الكفاح ضد ~~موقف التسليم الساذج بالمذهب الطبيعي، هذا الموقف الذي أطلق عليه الأستاذ هايك عبارة النزعة ~~العلموية، ومع ذلك فلست أرى سببا يمنعنا من استخدام هذا التماثل ما دامت فيه فائدة لنا، مع ~~إدراكنا أن بعض الناس قد أساءوا استخدامه، وأخطئوا في تصوره إلى حد مشين.» # 21 # فلماذا رفض التمثيل والتماثل مع الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية، ما دامت فيه ~~إفادة للعلوم الإنسانية، وحيلولة دون تسرب ما هو لاعلمي إلى داخل نسق العلم، ومهما ~~أثقلت علاقة الباحث بموضوع بحثه، بخصوصية وإسقاطات أيديولوجية وقيمية وسياسية، فلديه ~~محك لصوغ فروض، والحكم عليها ليخرج بنتائج علمية، تضاف إلى نسق العلم، بموضوعية ~~وبثقة. ~~••• # ورب قائل «إن هذه العلاقة أو الوشائج الإسقاطية والتربصية بالعلوم الإنسانية، لا تربط بين ~~الباحث وموضوع البحث، خصوصا أن الإبستمولوجيا المعاصرة علمتنا أن هذه العلاقة ذات ~~تأثير ms114 حتى على الظواهر الفيزيائية، بل إن مكمن خطورتها في أنها تربط موضوع البحث، ونتيجة ~~البحث العلمي بإسقاطات السياق الحضاري ككل، بالبنى الثقافية المختلفة، بعوامل خارجية عن ~~حركة العلم.» هذا صحيح، لكن معيار القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي يلزم كلا ~~بموقعه، من حيث يرسم حدودا للمشروع العلمي لا يتخطاها إلا ما هو علمي ما هو إخبار عن ~~الواقع، وبطبيعة الحال بقية عناصر البناء الثقافي العوامل الخارجية لن تتسرب بسهولة إلى ~~المشروع العلمي؛ لأنها لا تستطيع اجتياز المواجهة الملتزمة المسئولة مع الواقع التجريبي ~~التي يتطلبها اختبار التكذيب، ولا من المطلوب منها أن تجتاز هذا الاختبار، طالما أنه ليس ~~مطلوبا منها القيام بمهام العلم والإخبار عن الواقع التجريبي، بل المطلوب منها مهام ~~حضارية أخرى، ربما كانت أهم، فليس العلم - طبعا - كل شيء، ولا حتى أهم شيء، ~~لكننا نعتقد أنه شيء مهم، ومن الأفضل أن يشق طريقه، ويؤدي مهامه الدقيقة على الوجه ~~المنشود. # إن الهدف من العلوم الإنسانية، ومن حل مشاكلها هو حل مشاكل جمة للواقع الحضاري، ~~ليس من المستهدف البتة عزل العلوم الإنسانية عن واقع الحياة الإنسانية، ومتطلباتها ~~وأهدافها. وليس من المطلوب إذعان مستور للأوضاع الراهنة يتذرع بالحياد الأكاديمي، ولا خضوع، ~~بل تكريس له بزعم الموضوعية العلمية، ولا طبعا إثارة الثورة عليه لمجرد الشغب والفوضى ~~والرفض تحت اسم العلم المجيد، على هذا نستطيع التأكيد وبحسم على أنه ليس من المنشود البتة، ~~ولا حتى من المقصود اجتثاث الأصول والجذور الحضارية للمشروع العلمي في المباحث الإنسانية، ~~إن السياق الثقافي الحضاري القيمي رافد ضروري للمحتوى المعرفي في العلوم الإنسانية، ~~إن لم يكن منبعا، وهو ذاته صلب موضوعها ومسرح ظواهرها، لكن إثراءها، وحل مشكلتها ومشاكل ~~عديدة له، يتطلب التفاعل المثمر السليم بينهما، ويشترط هذا أن يكون كل في موقعه، كل لأداء ~~دوره. # وإذا كنا توقفنا عند تشويهات الأيديولوجيا بالذات للعلوم الإنسانية، فقد أشرنا إلى أننا ~~لا نعطيها في حد ذاتها أية دلالة سلبية، فهي مفهوم جوهري للجماعة الإنسانية. إن ~~الأيديولوجيا كيان شديد الأهمية، وإذا كنا استعنا ببول ريكور ms115 لتوضيح طبيعة تشويهات ~~الأيديولوجيا للعلم فإن ريكو نفسه يقول: «إن هذا الفساد والاختلال اللذين يلحقان بوظيفة ~~الأيديولوجيا، لا ينبغي أن يخفيا عنا الدور الإيجابي لها، أي الدور البنائي التأسيسي الجيد ~~الذي تلعبه في حياة الجماعة، ويجب علينا هنا أن نعيد التذكير بأن كل مجموعة إنسانية لا يمكن ~~أن تتمثل وجودها الخاص إلا بواسطة فكرة وصورة نموذجية تصنعها عن ذاتها، وهذه الصورة هي التي ~~تؤسس بدورها وحدتها وتماسكها وتقوي إحساسها بهويتها الذاتية.» # 22 # وإحساسنا نحن بهويتنا الذاتية تصاعد في الآونة الأخيرة، ويتخذ صورة صحوة قوية للحس ~~الديني، ليغدو الإسلام العظيم خاتمة الرسالات السماوية، هو سبيل تحقيق الذات، ونشدان ~~الهوية، وأسس المشروع الحضاري، وإطار الأيديولوجيا الأصولية والمستقبلية، وهذا شيء قد يكون ~~محمودا، خصوصا في إطار مواجهة العولمة التي تهدد بمحو كل تنوع وثراء وتمايز حضاري، ولكن ~~تنامت مؤخرا الدعاوى إلى العلوم الإنسانية الإسلامية أو العربية، والذي يجب تأكيده - ~~وبداهة من أجل صالح حضارتنا أولا - أن أسلمة العلوم الإنسانية أو الفيزيوكيميائية، لن ~~يحمل في حد ذاته حلا لمشكلتها أو تقنينا لمرحلتها التفسيرية، ومضاعفة لتقدمها، ~~وبالتالي لن يزيد في حد ذاتها من إحاطتها بالواقع، وقدرتها على المساهمة في حل إشكالياته، ~~أجل لن يزيد من هذا شيئا إذا ما غض النظر عن شروط العلم، أي خصائصه وقواعد منطقه، وأصوليات ~~منهجه، ومن ناحية أخرى وإذا افترضنا أن ظواهرنا الإنسانية والاجتماعية ذات طبائع وحيثيات ~~مختلفة عن الظواهر الغربية، وافترضنا أن النظريات العربية لا تحيط بها، فالمطلوب ومن أجل ~~الإحاطة بها أن نضع نحن نظريات ملائمة لها، فتنجح في وصفها وتفسيرها، فلا بد إذن أن تكون ~~هذه النظريات والفروض قابلة للاختبار والتكذيب التجريبي، لنتحقق من قدرتها على القيام ~~بالمهام المرجوة من العلم، وفي كل حال لا مندوحة لنا عن معايير المنطق، إن المنطق هو ~~المعامل الموضوعي والقاسم المشترك الأعظم بين البشر أجمعين مهما تباينت مشاربهم؛ لأنه ~~قوانين العقل الإنساني من حيث هو إنساني، وبالتالي فإن منطق العلم هو قوانين العقل العلمي ~~من حيث هو علمي. # وكما حرصنا على ms116 تحقيق هدف مؤداه ألا تقتحم البنى الحضارية والأيديولوجيا المشروع ~~العلمي، فإننا نحرص أيضا على ألا يقتحم منطق العلم البنى الحضارية والمشاريع ~~الأيديولوجية، ومنطق العلم لا يملك حكما - لا قبولا ولا رفضا - لمشروع حضاري معين أو ~~بنية أيديولوجية دون سواها، معنى هذا أنه لا خوف إطلاقا على عناصر هويتنا القومية وقيمنا ~~ومنطلقاتنا من صرامة منطق العلم ومعيار التكذيب، فإن المنابع الأيديولوجية في حد ذاتها ~~محتمية بحدودها، فحتى ولو كانت مصدرا لفرض علمي، فإن الفرض هو فقط وفي حد ذاته الذي ~~يخضع للاختبار التجريبي، يتم تكذيبه أو تعديله أو تعزيزه، أما المصادر الحضارية الكبرى فلا ~~علاقة لمنطق العلم ومعاييره بها. # وقد انتهينا إلى أن الوقائع التجريبية والتعميم الاستقرائي لها ليس مصدرا منهجيا للفرض ~~العلمي، فهو يأتي من أي طريق كان، المهم هو مضمونه، ومحتواه، وقدرته على حل المشاكل ~~المطروحة، وإثارة مشاكل أخرى، ما دام فرضا علميا قابلا للاختبار والتكذيب، منطق ~~العلم وأيضا منهجه لا علاقة لهما بمصدر الفرض، بل فقط بالفرض ذاته، والفرض العلمي قد ~~يستلهمه الباحث المبدع من الملاحظة التجريبية من الأيديولوجيات والفلسفات، قد يهبط من ~~التراث، وقد يصعد من حصائل الحس المشترك، وقد يأتي من طريق آخر غير هذا وذلك ... # وسيكون مغنما عظيما لنسق العلم ولبنائنا الحضاري، لو استطاع باحثونا في العلوم ~~الإنسانية استلهام تراثنا الزاخر وواقعنا المتطلع والخروج بفروض علمية قادرة على ~~الإحاطة بالظواهر الإنسانية ، فتثري نسق العلوم الإنسانية، وتمكنه من طرح تفسيرات ~~أكثر كفاءة، المهم فقط أن تصاغ من المصادر المتنوعة فروض تتحقق فيها الشروط المنطقية للسمة ~~العلمية، أي يصاغ الفروض في صورة نظرية يمكن أن نستنبط منها قضايا جزئية، ندبر لها المواقف ~~التجريبية لاختبارها، كما سبق أن أوضحنا بالتفصيل في الفصل الرابع من الكتاب، على أن ~~تدبير المواقف التجريبية والاختبارات التكذيبية في العلوم الإنسانية لا يقتصر على ~~المشاهدات أو التجارب المعملية والميدانية فحسب - كما هو الحال في العلوم الطبيعية والفلك ~~والجيولوجيا ... إلخ - بل يتعداه إلى كل الوسائل الإمبيريقية المعروفة من أسئلة واستبيان ~~واستبار ومقابلات وأقوال شائعة ... وحتى ms117 ما تنشره الصحف اليومية ... إلى آخر الأساليب المعروفة ~~لباحثي العلوم الإنسانية تبعا لتخصصاتهم المختلفة. # 23 # معنى هذا أنه يمكن أن يظل التراث والأيديولوجيا والحس المشترك والقيم ... بالنسبة للعلوم ~~الإنسانية رصيدا هائلا، ولكن لا يمكن استثماره إلا إذا تحول إلى عملة قابلة للتداول ~~بين العلماء، فالمهم إذن أن يكون ثمة محك مشترك يمكن الارتكان إليه للحكم على أهلية ~~الفرض أو عدم أهليته للقيام بمهام العلم الإخباري، وتلك مهمة تؤدي داخل نسق العلم ذاته، ~~بعبارة أخرى، معيار القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي يحكم على مسير ومصير الفرض داخل ~~نسق العلم ذاته، ولا يملك أي حكم على مصادره الأيديولوجية، ومهما كانت وثيقة الصلة ~~بالعلم، إنه مثلا «لا يفضي إلى الحسم بين قول الماركسيين، إن المجتمع في صراع، وبين قول ~~الوظيفيين بأنه متوازن ومستمر، فهذا من شأن المنظورات الأيديولوجية، وكذلك الدعوى بالعلاقة ~~الجدلية أو الزعم بالتكامل، فهذا من شأن الافتراضات الفلسفية.» # ولكن على الماركسيين والوظيفيين وغيرهم أن يستخرجوا من هذا الزعم أو ذلك ما يصلح أن يكون ~~فروضا علمية تقبل الامتحان، وتحتكم إلى المشاهدات والتجارب، وقد تؤيد أو تفند ~~فروض من هذه النظرية أو تلك، بحيث تنضم الفروض الناجحة «أو التي اجتازت اختبارات القابلية ~~للتكذيب، وتم تعزيزها» إلى شبكة نظرية أوسع قد تتجاوز حدود النظريات الأصلية، وتتخذ طريقا ~~خاصا للتطور. فهكذا يتأسس المشروع العلمي، ويرتفع صرح العلم شيئا فشيئا، وطابقا فوق ~~طابق . # 24 # | هوامش # | الختام # ليست الفلسفة ملكة العلوم والمعارف، ولا هي خادمة اللاهوت أو سواه، وقد ماهت الفوارق ~~الطبقية منذ انهيار عصر الإقطاع، والآن في طريقها إلى الزوال والأفول التام، وأصبح تقسيم ~~ماركس الحاد للمجتمع المنتج إلى برجوازية مستغلة وبروليتاريا مطحونة، مدعاة ~~للسخرية، ولا يطابق الواقع بحال. إننا في عصر التعاون والتآزر والعمل الجمعي؛ حيث تتناسب ~~قيمة العمل سواء في الفكر أو في الواقع - أي فكر كان وأي واقع كان - تناسبا طرديا ~~مع تعدد العناصر الفعالة فيه، وأصالة تكاتفها، وعمق تآزرها. # ومن ثم ليست فلسفة العلوم ملكة آمرة أو مرشدا هاديا حاديا يرسم للعلماء ms118 خطوات ~~المنهج الاستقرائي: (1) ملاحظة. (2) فرض. (3) اختبار ... إلخ، كما تصور فلاسفة العلم ~~الكلاسيكي منذ فرنسيس بيكون حتى جون ستيورات مل، ليسير العلماء وفقا لها على الصراط ~~المستقيم، حتى يصلوا حتما إلى الغنيمة الموعودة: كشف علمي هو قانون يقيني، حقيقة نهائية ~~من حقائق الكون الميكانيكي! كلا بالطبع، ولا هي - أي فلسفة العلوم - محض خادمة تابعة ~~تتلقط سواقط الفيزياء، أو فتات سواها من موائد العلوم لتنكب على تحليلها كما بدا ~~للوضعيين المناطقة. # كل ما في الأمر أن فلسفة العلوم تتسلح بشفيعها: المنطق حصن الفلسفة الحصين، والمعامل ~~الموضوعي المشترك بين الجميع، سواء في حلبة الفلسفة، أو في حلبة العلم، أو في البين ~~بين، وذلك لكي تجرد الأطر الصورية للعلم، مما يعين على وضع النقاط على الحروف، ويمكن ~~من استكناه الأسس التأصيلية الجذرية، بغية استبصار الآفاق المستقبلية. # وعلى هذا لم تكن محاولتنا السابقة إنشاء خطة عمل مستحدث، أو برنامج بحث مستجد لباحثي ~~العلوم الإنسانية، فقد مضى زمان الدعاوى الهوجاء منذ أن انقضى عصر الأبنية الميتافيزيقية ~~الشوامخ، بل كانت محاولتنا مجرد خروج من واقع العلم الراهن بالأسس التأصيلية متجها صوب ~~الإمكانيات الاستشرافية؛ لكي تتلاقى شعاب التوجهات الواعدة في العلوم الإنسانية على محك ~~موضوعي معتمد، توسلا للأمل المفتقد إلى حد ما في العلوم الإنسانية، والذي نراه ~~متحققا بأجلى صوره في العلوم الطبيعية، أي الاتفاق على معيار مشترك يصون أهداف العلم، ~~ويرسم نحوها حدودا واضحة، يتلاقى داخلها الرأي والرأي الآخر؛ لأن الاتفاق بين العلماء هو ~~السبيل إلى الإحاطة بالظواهر الإنسانية، وصفا وتفسيرا، ومن ثم تنبؤا وتحكما ~~وسيطرة. # إذن تبرير محاولتنا هذه وتسويغها إنما هو في حقيقة الأمر تنامي اقتفاء العلوم الإنسانية ~~لمنطق العلم، وتدفق أبحاثهم وفق الفروض القادرة على الخضوع لإجراءات منهجية دقيقة، ~~فيها يتردد كثيرا مصطلح الاختبار والقابلية للاختبار، ولولا هذا الواقع الواعد وحصائله ~~المتنامية كما وكيفا لما كان ثمة معنى، ولا جدوى لتوضيح سبل التقنين المنطق ~~الأدق. # فنحن بإزاء منطق العلم، وليس منطق الفن، والمنطق ما هو لبناء أيس من ليس، ولا هو ~~ليشق - وهادا - في ms119 الأحراش والأدغال أو نهاجا في البلقع والفلاة ... إنه - كما ~~أشرنا وكما هو معروف - مجرد تجريد للقوالب الصورية المتضمنة لتدفقات الواقع الحي ~~المضطرم، وذلك لوضع النقاط على الحروف، فيزداد الطريق وضحا، ويزداد التقدم ~~صعودا. # تلك هي مهمة منطق العلم. # | ثبت المراجع # أولا: المراجع الأجنبية ~~(1) # Althusser. Louis, Politics And History, Trans. By Ben ~~Brewster, NLB, London, 1972 ~~. ~~(2) # Berlin. Isaiah, Four Essays On Liberty, Oxford, ~~1976 ~~. ~~(3) # Braithwaite, R. B. & Broad. C. D, indeterminacy And ~~Indeterminism, in: Aristotalian Society: Suplementary Vol. X. ~~Indeterminism, Formalism And Value, Harris Sons, London, ~~1931 ~~. ~~(4) # Burnet. John, Ancient Greek Philosophy: Thales To Plato, ~~St, Martin Press, New York, 1968 ~~. ~~(5) # Butterfield. Herbert, The Origins Of Modern Science: ~~1300-1900, London, 1949 ~~. ~~(6) # Carnap. R, The Logical Syntax Of Language, Routledge & ~~Kegan Paul, London, 1951 ~~. ~~(7) # Cohen. Morris R., Reason And Nature: Essay On The ~~Scientific Method, Dover Publishing, New York, ~~1978 ~~. ~~(8) # Copi. Irving M., Introduction To Logic, Macmillan, New ~~York, 1978 ~~. ~~(9) # Crowther. G. J., A Short History Of Science, Methuen ~~Eductional, LTD, London, 1969 ~~. # وللكتاب ترجمة عربية بقلم المؤلفة بالاشتراك مع د. بدوي عبد الفتاح، تحت عنوان: قصة ~~العلم، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998. كما صدر لنفس ~~هذا الكتاب طبعة أخرى في سلسلة مكتبة الأسرة عن الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ~~1999. ~~(10) # De Broglie, Louis, The Revolution in Physic: A ~~Nonmathematical Survey Of Quanta, Routledge & Kegan Paul, London, ~~1954 ~~. ~~(11) # Dilthey. Wilhelm, Patterns And Meaning in History: Thoughts ~~On History And Society, Hebert Torchbooks, New York, ~~1961 ~~. ~~(12) # Feigl. Herbert & Brodbeke. Marry (eds), Readings on ~~The Philosophy Of Science, New York, 1953 ~~. ~~(13) # Feyerabend. Paul K., Philosophical Pappers, Vol. I, Realism ~~Rationalism And Scientific Method, Vol. II, Problems Of Empiricism, ~~Cambridge University Press, 1981 ~~. ~~(14) # Gibson. Quentin, The Logic Of Social Enquiry, Routledge ~~& Kegan Paul, London, 1963 ~~. ~~(15) # Grunbaum. A & Salmon. W., The Limits Of Deductivism, ~~University Of California Press, 1989 ~~. ~~(16) # Heisenberg. Werner, Physics And Beyond: Memories Of ms120 Life IN ~~Science, 1971 ~~. ~~(17) # Hill, D. E, The Impact And Value Of Science, Hutchinson, ~~London, 1945 ~~. ~~(18) # Homans. George C., The Nature Of Social Science Harcourt, ~~New York, 1967 ~~. ~~(19) # Hutten. Ernest, The Ideas Of Physics, Oliver & Boyd, ~~London, 1967 ~~. ~~(20) # Jeans. James, The Mysterious Universe, Camberidge, ~~University Press, 1933 ~~. ~~(21) # Katz, Jerold, Problems Of Induction And Its Solutions, ~~University Of Chicago Press, 1962 ~~. ~~(22) # Kuhn, Thomas, The Structure Of Scientific Revolutions, ~~University Of Chicago Press, 1970 ~~. ~~(23) # Margenau. Henery, The Nature Of Physical Reality, Mcgraw ~~Hill, New York, 1960 ~~. ~~(24) # Margolis, Joseph, Science Without Unity: Reconciling The ~~Human And Natural Sciences, Basil Blackwell, Oxford, ~~1987 ~~. ~~(25) # Mill. J. S, System Of Logic, Book1, Ed. By J. M. Robson, ~~Routledge & Kegan Paul, London, 1973 ~~. ~~(26) # Myrdal, Gunner, Objectivity In Social Research, Gerold ~~Duckworck, London, 1970 ~~. ~~(27) # Natanson. M. (ed), Philosophy Of Social Scail Sciences, ~~Random House, New York, 1963 ~~. ~~(28) Polikarov. A., Science And Philosophy, Publishing House Of ~~The Bulgarian Academy Of Science, Sofia, 1973 ~~. ~~(29) Popper. Karl R,. The Logic Of Scientific Discovery ~~Hutchinson, London, 1976 ~~. ~~(30) Popper. Karl R., Conjectures And Refutations: The Growth Of ~~Scientific Knowledge, Kegan Paul London, 1972 ~~. ~~(31) Popper. Karl R., Objective Knowledge: An Evolutionary ~~Approach, Clarendon Press, Oxford, 1976 ~~. ~~(32) Popper. Karl R., The Open Society And Its Enemies, Vol. 1, ~~The High Tide Of Prophyecy, Vol. II, Hegel, Marx And The Aftermath, ~~Routledge & Kegan Paul, London, 1986 ~~. ~~(33) Popper. Karl R., & Eccless J., The Self And Its Brain, ~~Roultedege & Kegan Pul, London, 1977 ~~. ~~(34) # Reichenbach H., Relativity Theory And Apriori Knowledge, ~~Trans. & ed. With Introduction By Maria Reichenbach, University Of ~~Chicago Press, 1958 ~~. ~~(35) # Russell B., The Scientific Outlook, George Allan & ~~Unwin, London, 1934 ~~. ~~(36) # Schilpp P. A. (ed.), The Philosophy Of Karl Popper, Two ~~Volumes, Open Court Publishing, IIIinois, 1974 ~~. ~~(37) # Collected Poppers ~~: # The Science And Praxis Of Complexity, ~~Controbutions To Symposium Held At Montpellier, France, 9-11 ~~May 1984. United Nations University, Tokyo, ms121 ~~1985 ~~. # ثانيا: المراجع العربية والمترجمة ~~(1) # ألبرت أينشتين، أفكار وآراء، ترجمة د. رمسيس شحاتة: الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، القاهرة، 1986. ~~(2) # بول ريكور، الخيال الاجتماعي ومسألة الأيديولوجيا واليوطوبيا، ترجمة منصف عبد ~~الحق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد السابع، أكتوبر 1988. ~~(3) # جاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة د. عبد ~~الله عبد الدايم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1969. ~~(4) # جاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، ترجمة د. بسام الهاشم، دار الشئون ~~الثقافية، بغداد 1987. ~~(5) # جيروم برونر وآخرون، الجديد في علم النفس، ترجمة فؤاد كامل، ملف العدد 8، ~~مجلة الثقافة العالمية الكويت، 1983. ~~(6) # د. إيفانوف، الفيزياء الحديثة: استعراض عام للمبادئ الرئيسية للفيزياء ~~المعاصرة، دار مير، موسكو، 1971. ~~(7) # روبير بلانشيه، نظرية المعرفة العلمية: الإبستمولوجيا، ترجمة د. حسن عبد ~~الحميد، مطبوعات جامعة الكويت، 1986. ~~(8) # ريمون بودون، مناهج علم الاجتماع، ترجمة هالة الحاج، منشورات عويدات، بيروت، ~~1972. ~~(9) # رينيه مونيه، البحث عن الحقيقة: وجوهها وأشكالها وعلاقتها بالحرية، ترجمة ~~هاشم الحسيني، مكتبة الحياة، بيروت، 1966. ~~(10) # فرانكين: ل. بامر، الفكر الأوروبي الحديث، أربعة أجزاء، ترجمة د. أحمد حمدي ~~محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988-1989. ~~(11) # فوربس أ، ج د. هوز، ديكستر، تاريخ العلم التكنولوجيا، ترجمة د. أسامة الخولي، ~~ج1، مراجعة د. محمد مرسي أحمد، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، 1967. ~~(12) # فيرنر هيزنبرج، الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، ترجمة د. أدهم السمان، دار ~~طلاس، دمشق، 1986. ~~(13) # كارل بوبر، عقم النزعة التاريخية: دراسة في مناهج العلوم الاجتماعية، ترجمة ~~د. عبد الحميد صبرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1959. ~~(14) # كلود برنار، مقدمة لدراسة الطب التجريبي، ترجمة د. يوسف مراد وحمد الله ~~سلطان، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1944. ~~(15) # كلود ليفي شتراوس، الأسطورة والمعنى، ترجمة د. شاكر عبد الحميد سليمان، دار ~~الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1986. ~~(16) # ناليموف، ف. ف، قبول الفرضيات العلمية، ترجمة أمين الشريف، مجلة يوجين، رسالة ~~اليونسكو، العدد 46، أكتوبر 1979. ~~(17) # و. أ. بفردج، فن البحث العلمي، ترجمة زكريا فهمي، مراجعة د. أحمد مصطفى أحمد، ~~دار النهضة العربية، القاهرة 1963. ~~(18) # د. محمود رجب: المنهج الظاهراتي في الفلسفة، رسالة دكتوراه غير منشورة ملحق ~~بها ترجمة كتاب: أدموند هوسرل، الفلسفة علما دقيقا، كلية الآداب، جامعة عين ~~شمس، 1987. ~~(19) # محمود ms122 أمين العالم، فلسفة المصادفة، دار المعارف، القاهرة، 1970. ~~(20) # يمنى طريف الخولي، جون ستيورات مل، أول من نادى بإخضاع العلوم الإنسانية ~~للمنهج التجريبي، مجلة التربية، الدوحة، العدد. 6، 1983. ~~(21) # يمنى طريف الخولي، العلم والاغتراب والحرية، مقال في فلسفة العلم من الحتمية ~~إلى اللاحتمية، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1987. ~~(22) # يمنى طريف الخولي، ما هي الوضعية المنطقية، في: زكي نجيب محمود فيلسوفا ~~وأديبا معلما، الكتاب التذكاري الصادر عن جامعة الكويت، 1987. ~~(23) # يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر: منهج العلم ... منطق العلم، الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب، القاهرة 1989. ~~(24) # يمنى طريف الخولي، إشكالية الزمان في الفلسفة والعلم، ألف: مجلة البلاغة ~~المقارنة، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، العدد التاسع، 1989. ~~(25) # يمنى طريف الخولي، الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية، دار الثقافة ~~الجديدة، القاهرة، 1990. ms123