######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.NiswiyyaWaFalsafatCilm.Hindawi82603615 #META# Tags: philosophy #META# ID: 82603615 #META# Title: النسوية وفلسفة العلم #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مدخل‏ # النسوية وفلسفة العلم‏ # الهوامش والمراجع‏ # مدخل‏ # النسوية وفلسفة العلم‏ # الهوامش والمراجع‏ # | النسوية وفلسفة العلم # | النسوية وفلسفة العلم # تأليف # يمنى طريف الخولي # | مدخل # في مطالع ثمانينيات القرن العشرين ظهرت الإبستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية في الفكر ~~الغربي، وسارت قدما على مدار العقدين الأخيرين منه، حتى أقبل القرن الحادي والعشرون، وقد ~~باتت من ملامح المشهد الفكري كتيار ذي معالم مميزة، يمثل إضافة حقيقية لميدان فلسفة ~~العلوم، ونظريات المعرفة العلمية (الإبستمولوجيا)، والمنهج العلمي (الميثودولوجيا). إن ~~هذا الميدان يشهد قضايا مستجدة، من قبيل قضايا فلسفة البيئة، وأخلاقيات العلم، وقيم ~~الممارسة العلمية، وعلاقة العلم بالأبنية الحضارية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، فضلا عن ~~علاقة العلم بالأشكال الثقافية المختلفة، واتخاذه أداة لقهر الثقافات والشعوب الأخرى، ~~(ويوضع تحت هذه القضية الأخيرة خط) ... وفلسفة العلم النسوية بمنطلقاتها المستجدة ورؤاها ~~المغايرة، وموقفها النقدي الرافض التسليم بالوضع القائم، النازع إلى إلقاء الضوء ~~على مثالبه وتصوراته وحيوداته والهادف إلى تعديله وتطويره ... هي التيار الأكثر توشجا بتلك ~~القضايا والأنضر عطاء لها. # لقد كان العلم الحديث أكثر من سواه تجسيدا للقيم الذكورية، أحادي الجانب باقتصاره عليها ~~واستبعاده لكل ما هو أنثوي، فانطلق بروح الهيمنة والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها ~~واستغلالها مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوى العلم المعرفية والتكنولوجية ~~في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وجاءت العولمة لتنذر بعالم يفقد تعدديته وثراءه وخصوبته ... ~~وتأتي فلسفة العلم النسوية لترفض التفسير الذكوري الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية، ~~و«تحاول إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم مختلفة خاصة بالأنثى، جرى تهميشها وإنكارها والحط ~~من شأنها بحكم السيطرة الذكورية، في حين أنها يجب أن يفسح لها المجال وتقوم بدور أكبر ~~لإحداث توازن منشود في مسار الحضارة والفكر». # 1 # وكبديل عن الإبستمولوجيا التي تقطع علاقتها بالميتافيزيقا وبالقيم التي تكون علمية على ~~الأصالة، تريد الإبستمولوجيا العلمية النسوية أن تكون تحريرية، تمد علاقة بين المعرفة ~~والوجود والقيمة، بين الإبستمولوجيا والميتافيزيقا؛ لتكشف عن الشكل العادل لوجودنا في ~~العالم، # 2 # وترى العلم علما بقدر ما هو محمل بالقيم والأهداف الاجتماعية، ولا بد أن ~~يكون ديمقراطيا يقبل التعددية ms01 الثقافية والاعتراف بالآخر. إنه الانفتاح على الطبيعة ~~والعالم بتصورات أنثوية تداوي أحادية الجانب، لا تنفي الميثودولوجيا العلمية السائدة أو ~~تريد أن تحل محلها، بل فقط أن تتكامل معها من أجل التوازن المنشود؛ فالنسوية ضد الاستقطابية ~~والمركزية. هكذا تحاول الفلسفة النسوية أن تضيف إلى العلم قيما أنكرها، فتجعله أكثر ~~إبداعية وإنتاجا، أكثر دفئا ومواءمة إنسانية، مستجيبا لمتطلبات واقعه الثقافي ودوره ~~الحضاري، وتجعل فلسفة العلم ذاتها تطبيقية مرتبطة بالواقع الحي النابض، بحيث يمكن القول ~~إن فلسفات العلم التقليدية المنحصرة في منطقه ومنهجه جميعها تبلور إيجابيات العلم ~~وتستفيد منها، تأخذ منها العلم، أما الفلسفة النسوية فهي تحاول أن تضيف إلى العلم ما ~~ينقصه ويجعله أفضل. # لقد كان ظهور الإبستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية تطورا ملحوظا للفلسفة النسوية ~~عموما التي ظهرت في العقود الأخيرة، وتقوم بشكل أساسي من أجل رفض المركزية الذكورية # Androcentrism # ورفض مطابقة الخبرة الإنسانية ~~بالخبرة الذكورية، واعتبار الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ ~~والحضارة جميعا، وتجد لإبراز الجانب الآخر للوجود البشري وللتجربة الإنسانية الذي طال ~~قمعه وكبته. وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية بسائر فروعها على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر ~~إلى ذكورية وأنثوية، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية هرمية (هيراركية) سادت لتعني وجود ~~الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع. امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى ~~الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الأشكال الاستعمارية والإمبريالية، الظلم ~~الذي سنراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي، ~~إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين. وتعمل الفلسفة النسوية على فضح كل هياكل الهيمنة وأشكال ~~الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش ~~والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء ~~المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنا وعدلا، أمعنت الفلسفة النسوية ~~في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتها غير العادلة، ~~وراحت تكسر الصمت وتخترق أجواء المسكوت عنه، حتى قيل إنها تولدت عن عملية إعطاء ms02 أسماء ~~لمشكلات لا اسم لها وعنونة مقولات لا عناوين لها. # لئن كان ظهور الفلسفة النسوية إنجازا لافتا للحركة النسوية، فإن امتدادها إلى مجال ~~الإبستمولوجيا وفلسفة العلم ضربة استراتيجية حقا، أحرزت أكثر من سواها أهدافا للحركة ~~وللفكر النسوي، وجعلت الفلسفة النسوية استجابة واعية أكثر عمقا للموقف الحضاري ~~الراهن. # وبهذه النزعة النقدية المتقدة للوضع القائم في الحضارة الغربية ولمنطلقات التنوير ~~والحداثة، تندرج الفلسفة النسوية في إطار ما بعد ~~الحداثة # post-modernism # وما ~~بعد الاستعمارية # post-colonialism # اللذين يستقطبان أقوى التيارات النقدية للحضارة الغربية. ~~سنرى أن هذين المفهومين شهدا أقوى تشغيل وأعمق تآزر وتحاور بينهما في الفلسفة النسوية ~~عموما وفلسفة العلم النسوية خصوصا. # بادئ ذي بدء، لا بد من إلقاء الضوء على النسوية في الفكر الغربي، ما هي؟ كيف بدأت؟ ما ~~أصولها وجذورها؟ كيف اتجهت وسارت؟ كيف نضجت وتطورت وبلغت المرحلة التي تطرح فيها فلسفتها ~~الخاصة، بالمفهوم الأكاديمي لمصطلح الفلسفة، وتتوغل حتى تقتحم ميدان فلسفة العلوم، وهي من ~~أعقد فروع الفلسفة وأصعبها مراسا، وأيضا أكثرها راهنية ومستقبلية، والأقدر على تجسيد ~~وتجريد روح العصر وتطلعاته. # فما هي النسوية أصلا؟ # | النسوية وفلسفة العلم # (1) ما النسوية؟ # النسوية في أصولها حركة سياسية تهدف إلى غايات اجتماعية، تتمثل في حقوق المرأة وإثبات ~~ذاتها ودورها، والفكر النسوي بشكل عام أنساق نظرية من المفاهيم والقضايا والتحليلات تصف ~~وتفسر أوضاع النساء وخبراتهن، وسبل تحسينها وتفعيلها، وكيفية الاستفادة المثلى منها، ~~النسوية إذن ممارسات تطبيقية واقعية ذات أهداف عينية، ولما تنامت مؤخرا، وباتت قادرة ~~على التأطير النظري حتى تبلورت النظرية ونضجت، ظلت الرابطة قوية بين الفكر ~~والواقع. الحركة أو الممارسات تعمل على الساحة لتبديل أوضاع ملموسة وظروف اجتماعية، ~~تتدعم بالنظرية وتستلهم خطاها وتوجهاتها، والنظرية بدورها تتشكل وتتفرع وتتطور بما ~~يبدو عمليا وفعالا أو مطلوبا في الممارسة. # هكذا بدأت النسوية مع القرن التاسع عشر حركة اجتماعية، توالد عنها فكر نسوي، وفي ~~مرحلة لاحقة نشأت عنها منذ سبعينيات القرن العشرين فلسفة نسوية، ظلت بدورها أكثر من أية ~~فلسفة أخرى ارتباطا بالواقعي والعيني والجزئي والعرضي واليومي والمعاش والعادي ms03 ~~والشائع، حيث لا نظرية منفصلة عن الممارسة العينية، ولا فعل في الواقع منبت الصلة ~~بالفكر، الخلاصة أن النسوية فكر وواقع متجاوران، حتى يصح القول إن الفلسفة النسوية ~~أتت أخيرا كتركيب جدلي من هذين الجانبين للحركة، اللذين تطورا معا. # في هذا الإطار العريض الشامل تضم النسوية كل جهد عملي أو نظري لاستجواب أو تحدي أو ~~مراجعة أو نقد أو تعديل النظام البطريركي (الأبوي) # patriarchal # السائد طوال تاريخ الحضارة الغربية ... الاستثناءات القليلة ~~للنظام البطريركي إما قبل التاريخ المدون للحضارة الغربية، وإما خارج نطاقها، وفي كل ~~حال نجد الاستثناءات نادرة - أو ببساطة استثناءات - بطول الحضارة الإنسانية ~~وعرضها. # البطريركية هي بنية الحضارة الإنسانية - على اختلاف مراحلها وتطوراتها وشعابها - القائمة على مؤسسات وعلاقات اجتماعية تكون المرأة فيها ذات وضعية أدنى خاضعة لصالح ~~الرجل، ويتبوأ الرجال السيادة والمنزلة الأعلى، حتى يمتلكوا سلطة تشكيل حيوات النساء ~~أنفسهن؛ مما يخضعهن لأشكال من القهر والكبت، تفرض على المرأة حدود وقيود، وتمنع عنها ~~إمكانيات للنماء والعطاء؛ فقط لأنها امرأة، حتى بدت الحياة وكأنها حق للرجل وواجب على ~~المرأة. # لقد اقتضت مصالح السلطة الذكورية حصر المرأة في قيمتها بالنسبة للرجل؛ أي في دورها ~~كأنثى ... كزوجة وكأم، فتبدو الأنوثة حتمية بيولوجية مفروضة على المرأة، تحصرها داخل ~~الأسرة التي يرأسها الرجل، ووفقا لشروط ومتطلبات الرجل، ولأن الأسرة تبدو مؤسسة ضرورية ~~لاستمرارية الحياة، كانت الحتمية البيولوجية وضرورية الأسرة هما الذريعتان اللتان جعلتا ~~وضعية المرأة الأدنى الخاضعة للرجل والمسخرة له هي الأمر الواقع الذي لا واقع سواه، ~~والطبائع الضرورية للأشياء، بدا هذا طبيعيا وأيضا عادلا؛ لأنه مصلحة السلطة ~~الذكورية الأقوى، وقديما ناقش أفلاطون في جمهوريته المقولة التي تفرض نفسها أحيانا، ~~وتنص على أن العدالة هي مصلحة الأقوى. # تؤكد النسوية أن هذا جزئيا في صالح الرجل، لكنه كليا ليس عدلا وليس في صالح ~~المسار الحضاري والإنسانية جمعاء التي هي الرجل والمرأة معا، وليست الرجل فقط أو ~~أساسا كما تزعم القيم الذكورية للبطريركية التي سادت. لقد خسرت البشرية طويلا من هذا ~~الإهدار الجائر لحقوق المرأة ولدورها الحضاري، ms04 خصوصا وأنه ارتد في صورة بخس وإهدار ~~والحط من شأن قدرات وملكات وخبرات نفسية وشعورية، فقط لأنها أنثوية أو خاصة بالمرأة، ~~ولئن عملت النسوية في موجتها الأولى في القرن التاسع عشر على نيل حقوق المرأة، فإن ~~النسوية الجديدة تعمل الآن على إبراز وتفعيل مثل هذه الخبرات الأنثوية زاعمة أن هذا ~~قادر على الإسهام في علاج أدواء مزمنة تعاني منها الحضارة المعاصرة وممارساتها العلمية، ~~بسبب من المركزية الذكورية التي سادت وانفرادها بالفعل الحضاري. # هكذا يتضح أن النسوية اتجاه ذو مراحل وطيف عريض ومتغيرات وبدائل شتى، وهي ككل ~~الاتجاهات الفكرية الكبرى، إطار عام يضم فروعا عديدة وروافد شتى، أوجه الاختلاف بينها ~~كثيرة، لكنها تتفق جميعها على مساءلة البطريركية وقيمها بحثا عن حقوق ووجود المرأة، ~~فظهر مصطلح النسوية # Feminism # لأول مرة في الفكر الغربي ~~في نهايات القرن التاسع عشر، بالتحديد العام 1895م، ليبلور مدا في هذا الاتجاه شهده ~~ذلك القرن، بعبارة أخرى: كان الفكر النسوي في الحضارة الغربية وليد القرن التاسع ~~عشر. ~~(2) هل من جذور؟ # لئن كان دأب البحث الفلسفي هو تقصي الأصول والإرهاصات للقضية المطروحة، فإننا نجد ~~الأصول بشكل عام تسير في اتجاه ضد النسوية! # أجل، شهدت مراحل سحيقة من التاريخ الأنثروبولوجي العصر الأمومي، حيث كانت المرأة هي ~~مركز المؤسسة الاجتماعية، وتميزت الحضارة الفرعونية بتوازن معجز بين الذكورة والأنوثة، ~~كانت المرأة في مصر القديمة تشارك في النشاط الاقتصادي والمشاغل العامة، وفي الطقوس ~~والشعائر الدينية، بل وفي الحكم. اقتصرت وراثة العرش في عصر ما قبل الأسرات على فرع ~~الأمهات حتى تم الاعتراف بحق النساء في تولي الحكم؛ مما جعل الملكة «مريت نيت» ابنة ~~الملك وادجي رابع ملوك الأسرة الأولى تعتلي العرش كأول امرأة في التاريخ تتولى ~~الحكم، حكمت مصر عشرين عاما (3250-3230ق.م)، ووصل التوازن بين الذكورة والأنوثة في مصر ~~القديمة إلى المستوى الثيولوجي، فكان عدد الأرباب المعبودة مساويا لعدد الربات ~~المعبودات، احتلت ماعت ربة العدالة المنزلة العليا، فضلا عما تجسده الربة إيزيس من قيم ~~الإخلاص والوفاء ولملمة الأشلاء ومحاربة الشر. وصل هذا التوازن ms05 إلى مرتبة الخلق ~~والتكوين # 1 ~~... وبالمثل حملت الطاوية في الصين القديمة توازنا بين اليانج والين اللذين ~~يمثلان الذكورة والأنوثة ... # ولكن إذا كنا نبحث عن أصول النسوية كتيار من تيارات الفكر الغربي، وجدنا ميراث ~~الفلسفة الغربية الطويل البادئ من الإغريق، شأنه شأن سائر مكونات الحضارة الغربية، ~~كالشعر والأساطير والأدب والشرائع القانونية والوعظ والخطاب الديني والتربوي ... إلخ؛ يقر ~~بدونية المرأة، وبهذا الوضع المحدد لها على أنه الوضع الطبيعي. حتى العلم التجريبي ~~ذاته حين اشتد ساعده في الحضارة الغربية إبان العصر الحديث، انضم هو الآخر إلى هذه ~~المسيرة الجائرة ليقر بدونية المرأة، خصوصا عن طريق البيولوجيا وعلم النفس، # 2 # فضلا عن ظهور ما تكرس خصيصا لهذا الغرض، مثل الكرانيولوجي # craniology ~~؛ أي علم الجمجمة وقياس أحجامها، الذي ~~ساد في أواسط القرن التاسع عشر، حيث أجريت أبحاث على الذكاء والقدرات الذهنية على أساس ~~أن هذا يرتبط ارتباطا مباشرا بحجم المخ! راحوا يقيسون أحجام الأدمغة أو الجماجم. ~~ولما كانت في المعدل العام أصغر حجما لدى النساء، استنتج علماء الكرانيولوجي أن معدل ~~الذكاء أدنى لدى النساء، وأنهن بالتالي أقل قدرة على النظر المجرد. زاد العلماء على ~~هذا أن المبايض تتيبس بفعل التفكير، والمناشط العقلية عبء ثقيل على أجهزة المرأة ~~العصبية الحساسة تقلل معدل خصوبتها وقدرتها على الإنجاب، # 3 # وهكذا، بفعل العلم الحديث الذي تصدر المسيرة المعرفية بغير منازع انتقل ~~التسليم الضمني بالحتمية البيولوجية إلى تسليم صريح عصري مؤزر. # الخلاصة أننا لن نجد للنسوية إرهاصات متنامية في مراحل الفلسفة الغربية الأسبق، ~~ربما وجدت بعض الأفكار العتيقة المبهمة التي يمكن أن تستفيد منها النسوية، من قبيل ~~نظريات الدورة الكبرى والعود الأبدي التي ظهرت مع الإغريق، وتردد رجع خافت لصداها هنا ~~أو هناك في مسار الفكر الغربي، وهي أفكار يمكن أن ينشأ عنها تصور مغاير للمرأة وعلاقة ~~الذكورة بالأنوثة، # 4 # وأيضا ربما تساءل فيلسوف أو آخر - خصوصا في عصر الفلسفة الحديثة - عن سبب ~~هذا الوضع المتدني للمرأة، أو أعرب عن تصوره أنها يمكن أن تكون إنسانا كاملا مثل ~~الرجل، هكذا ms06 فعل الموسوعيون الفرنسيون دينس ~~ديدرو # D. Diderot ~~(1713-1784)، وأدريان ~~هيلفسيوس # A. C. Helvetius ~~(1722-1771) الذي شكك كتابه «في الإنسان : ملكاته وتربيته» في ~~الحتمية البيولوجية، حين أشار إلى أن سبب خفة النساء وطيشهن هو سوء التربية وليس دونية ~~فطرية فيهن، وهولباخ (1733-1789) الذي رأى وضع النساء لا يعدو أن يكون شكلا آخر من ~~أشكال العبودية التي يجب القضاء عليها في كل صورها. هذا بخلاف وجود كاتبات في مراحل ~~أسبق من التاريخ الغربي، هن شاعرات أو راهبات وواعظات، أشرن إلى تحفظات على وضع ~~المرأة ومشاكل المرأة وخصوصياتها. ومن أهم ما ورد في هذا الصدد كتاب «اقتراح جاد ~~للنساء» (1694م)، تأليف آن ماري ستيل، ومن قبلها قالت نسوية قديمة هي بولين دي لابار Poulain de la Barre # إن كل ما كتبه الرجل ~~عن المرأة مشكوك فيه؛ لأن الرجل هو الخصم والحكم. # 5 # كل هذه الإشارات العابرة قبل القرن التاسع عشر خافتة وباهتة، ابتلعها تيار الحضارة ~~الغربية السائر بمجامعه نحو تكريس وضع معين للمرأة الاستثناء الوحيد الذي ينبغي أن ~~يستوقفنا هو الفيلسوف الاستثنائي فعلا أفلاطون شيخ الفلسفة المثالية، وليس جزافا قول ~~الفيلسوف والرياضياتي العظيم ألفرد نورث ~~وايتهد # A. N. Whitehead ~~(1861-1947): إن مجمل تاريخ الفلسفة الغربية هوامش على فلسفة ~~أفلاطون. # نقرأ في الكتاب الخامس من الجمهورية منطلقات للنسوية الحديثة، صريحة لا لبس فيها، حتى ~~أكثرها شططا كإلغاء الأسرة. في طبقة الحراس أحل أفلاطون محل الأسرة الترتيبات ~~الكفيلة بإنتاج أفضل سلالة، ثم تتعهد الدولة بتربية الأطفال، دون أن ينتسب ابن إلى ~~أبيه أو زوجة إلى زوجها، وكان أفلاطون أول فيلسوف يرفض الحتمية البيولوجية، متسائلا ~~باستنكار: هل يختلف الصلع عن ذوي الشعر في مهارتهم لصنع الأحذية؟! فلماذا نفترض ~~اختلاف الرجال عن النساء فقط بناء على خصائص جسمانية؟ ألسنا نعهد بالحراسة إلى الكلاب ~~ذكورا وإناثا على السواء، ولا نقصر إناث الكلاب على رعاية الجراء فقط؟! فكانت طبقة ~~الحراس في الجمهورية أول موضع فلسفي تتساوى فيه النساء مع الرجال تماما، وتنفصل ~~فيه المرأة عن وضعها التقليدي. كل فرد ms07 يحتل موقعه وفقا لقدراته أو قدراتها، الذكورة أو ~~الأنوثة لا تصنع تمايزا. أكد أفلاطون صراحة على أن «المرأة بطبيعتها قادرة على كل ~~الوظائف، وكذلك الرجال»، # 6 # فلا تختلف النساء عن الرجال ، بل يختلفن فيما بينهن، يقول: هناك نساء ~~موهوبات في الطب، وغيرهن لم يوهبن منه شيئا، ونساء وهبن القدرة على الموسيقى، وغيرهن ~~لم يوهبنها. ~~- بلا شك. ~~- أليس هناك أيضا نساء وهبن القدرة على الرياضة البدنية والحرب، وغيرهن لا يملن إلى ~~هذه ولا إلى تلك؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- ونساء محبات للحكمة، وغيرهن يبغضنها؟ ونساء يتصفن بالشجاعة وأخريات ~~بالجبن؟ ~~- أجل. ~~- فهناك إذن نساء جديرات بالاشتغال بحراسة الدولة، وأخريات غير جديرات بذلك، إن ~~الصفات السابقة هي التي اخترنا على أساسها حراسنا من الذكور. # 7 # وعلى هذا سوف يتلقى النساء مع الرجال التعليم والتدريبات نفسها، بدنيا وذهنيا ~~وموسيقيا، ما دامت قد فرضت عليهن المهام نفسها، فيتعودن ركوب الخيل وحمل ~~السلاح. # 8 # و«على نساء الحراس أن يقفن عاريات ما دمن سيكتسين برداء الفضيلة، وعليهن أن ~~يشاركن الرجال في الحرب، وفي كل الأعمال التي تتعلق بحراسة الدولة، دون أن يقمن ~~بأي عمل آخر.» # 9 # فقد ألغى أفلاطون الأسرة وألغى الملكية أو نادى بشيوعيتها بين الحراس، لكي ~~يتفرغوا رجالا ونساء لعملهم ولا تشغلهم عنه الشواغل. # ولا تسلم حجة فلسفية من الرد ووجهة النظر الأخرى، وعلى الرغم من هذه النصوص ~~الصريحة القاطعة لا يوجد إجماع على أن أفلاطون من رواد النسوية؛ أي هادف إلى نقد ~~ومراجعة البطريركية. ذهبت سوزان موللر أوكين، وهي نسوية متخصصة بنسويتها في الفلسفة ~~السياسية الغربية إلى أن «إلغاء أفلاطون للأسرة هو الذي جعله يعيد التفكير في موضوع ~~دور المرأة وقدراتها الكامنة، بل قل بدقة أكثر: اضطره أن يفعل ذلك.» # 10 # وحجتها أن كل هذا قاصر على طبقة الحراس، وأن النساء من الطبقة ~~الدنيا ظللن كما هن، وسوف يحتفظ الزراع والعمال بملكية الأرض والمنزل والمرأة، كما ~~أن المرأة لم تشارك بشخصها أو برأيها في محاورات أفلاطون، وهو في النهاية جرى على ~~نهج الثقافة الذكورية السائدة في ms08 عصره واعتبر النساء جزءا من الملكية، # 11 # وأصبحن مشاعا في اللحظة التي أصبحت فيها الممتلكات الأخرى مشاعا، فضلا ~~عن أن الأسرة عادت في محاورة القوانين، فعادت المرأة إلى التراجع والأدوار الثانوية في ~~الحياة. # 12 # ويذهب فؤاد زكريا إلى أبعد من ذلك، إلى أن أفلاطون لم يرم إلى تحرير المرأة، بل ~~فقط أراد لها أن تكتسب أوصافا رجولية وتختلط بالرجال كواحد منهم (الحرب، الرياضة، ~~العري)، كما أنه جرد العلاقة الجنسية من أية مشاعر أو أبعاد شخصية، وجعلها مسألة ~~تناسلية فحسب في أوقات تحددها الدولة، وعلى المرأة أن تقبل عن طيب خاطر أن تكون مجرد ~~وسيلة لمكافأة محاربين شجعان بمزيد من الممارسات الجنسية، هذا فضلا عن أن الجمهورية ~~وغيرها من محاورات أفلاطون تحفل بإشارات تنم عن أن الحب الحقيقي عنده هو حب الجنسية ~~المثلية الذي كان شائعا في المجتمع الإغريقي، كنتيجة طبيعية لإفراط هذا المجتمع في ~~الذكورية وفي تحقير المرأة، فلم يكن مسموحا لها بأي عمل أو استقلال اقتصادي، أو ~~اقتراع أو أية مشاركة في الحياة السياسية أو العامة، وكان محجوبا عنها كل فرص التعليم ~~والترقي، ولا تتلقى من التدريبات إلا ما يؤهلها لواجبات خدمة الزوج وتربية الصغار، ~~وينتهي فؤاد زكريا من هذا إلى أن أفلاطون أراد أن يجعل من المرأة رجلا لأنه يكره ~~النساء، ونزوعا منه إلى الجنسية المثلية. # 13 # والحق أن الحضارة الإغريقية كانت تدفع فعلا إلى كراهية المرأة والجنسية المثلية؛ ~~لأنها - خلافا لسابقتها الفرعونية مثلا - أفرطت في الانحطاط بوضعية المرأة إلى أدنى ~~درجة، وبجذور تعود إلى الأصل الأسطوري. فنجد الربات الإناث في الأساطير الإغريقية ولدن ~~من ربة الأرض، وهي من نسل الليل، فارتبطت المرأة في اللاوعي الإغريقي بالظلام وما يدخل ~~فيه ويخرج منه، والظلام بدوره مرتبط بعالم العماء والشواش والفوضى والشر والموت ~~والجحيم، على الإجمال بالعالم السفلي. هكذا ارتبطت المرأة بالشر وليس بالانحطاط فقط. ~~قال يوربيديس إنها شر مستطير. وقال هسيودوس إنها شر جميل. لنجدها في كل حال شرا. ~~وكان تبرير هذا أن المرأة غير قادرة على التحكم في ms09 نفسها واتباع الفضيلة، بل لا بد أن ~~تأتمر في هذا بأمر الرجل # 14 ~~... إلى آخر تلك المعزوفة العتيقة التي تكررت في الحضارة الغربية أكثر مما ~~تكررت في سواها من الحضارات. # لكن مع هذا التصوير الحقير والشيطاني للمرأة الذي ساد الحضارة الغربية يصعب اعتبار ~~المسألة برمتها كراهية من أفلاطون للمرأة ونزوعا للجنسية المثلية. ولئن كانت مساواة ~~المرأة بالرجل قاصرة على طبقة الحراس، فإنها طبقة جرى العرف على أنها أخص خصائص ~~الرجال. ولا شك أن أفلاطون نموذج فريد لتفكير يرى أن البطريركية ليست حتما مقضيا لا ~~بديل له، بل هي نظام يمكن تقويضه إذا اقتضت الأمور، والإطاحة تماما بحجتيه، وهما ~~الحتمية البيولوجية وضرورة الأسرة النووية، وليس فقط مراجعة أو تعديل هاتين الحجتين. ~~وطرح أفلاطون المساواة التامة بين الجنسين في التنشئة والعمل والحياة على السواء. أجل ~~عادت الأسرة في محاورة القوانين، لكن إلغاء الأسرة يظل حتى يوم الناس هذا في القرن ~~الحادي والعشرين شططا غير مقبول من الكثيرين، ومن غالبية المتحمسات للنسوية، ولم تكن ~~أبدا شرطا ملازما لتحرير المرأة. الشرط الملازم هو شيء من العدالة بين ~~طرفيها. # لقد كان أفلاطون فيلسوفا يبحث عن العدالة داخل الفرد وداخل الدولة على السواء. وتحفل ~~محاورة «القوانين» بالإشارات التي تؤكد إلى أي حد كان أفلاطون نصير المرأة، يبحث عن ~~حقوق في الزواج المتكافئ والمهر والتعليم، رافضا الحتمية البيولوجية، قائلا بصراحة: ~~«جنس الأنثى قد ترك لأنواع من الفوضى بسبب الإرغام الخاطئ للمشرع، ومن خلال ذلك ~~الإهمال للجنس سمحتم لأشياء كثيرة أن تبطل وتنتهي، وكان يمكن أن تنظم تنظيما أفضل ~~بكثير مما هي عليه الآن.» # 15 # وبحث أفلاطون في «القوانين» أيضا عن هذا التنظيم الأمثل بأن تتلقى المرأة ~~التعليم والتدريبات الرياضية والعسكرية، وتضطلع بدورها في وظائف حراسة الدولة، وبحث ~~شروط هذا والسن الملائم له. # كان أفلاطون يبحث دائما عما ينبغي أن يكون، بينما يبحث أرسطو أساسا فيما هو كائن، ~~تقوقعت محاولته في أضابير الفكر الترنسندنتالي. وسادت الحضارة الغربية نظرة أرسطو ~~الدونية للمرأة؛ لأنها تعبر عن الأمر الواقع، وتطرح أصولا ms10 فلسفية لسيادة الرجل ~~والمركزية الذكورية في الفلسفة الغربية ومجتمعاتها البطريركية. وبكل قدرات أرسطو ~~المنطقية والمنهجية الهائلة راح يؤكد أن الأنوثة نقص وتشوه، وأن المرأة امرأة لأنها ~~ينقصها ما يجعلها رجلا؛ وبالتالي الرجل هو الأرقى والأكمل، فيجب أن يكون هو الحاكم وهي ~~المحكوم. إنه فارق جوهري في النوع البشري بأسره، كالفارق بين الروح والجسد. هكذا كان ~~المعلم الأول الذي سادت فلسفته ألفين من السنين من أقوى أنصار الحتمية البيولوجية ~~التي تبرر وتفرض الوضعية الدونية للمرأة. ~~(3) بشائر ظهور النسوية # على أية حال، اتفقنا على جدلية الواقع والفكر في النسوية، وأن الفكر النسوي لم يتأت ~~من توالد وتحاور الأفكار والنظريات، بل كاستجابة لواقع، ويحاول بدوره أن يجعل الواقع ~~يستجيب له. # هكذا أتت بشائر الحركة النسوية الحديثة في الفكر الغربي من متغيرات الواقع الأوروبي ~~على مشارف القرن التاسع عشر، من الثورة الصناعية واختراع ماكينات الغزل والنسج التي ~~كانت أول زعزعة للوضع التقليدي للمرأة في الحضارة الغربية، لتظهر المرأة في غير المنزل ~~وملحقاته الريفية، ظهرت في المصنع كقوة عمل منافسة للرجل، تقوم بالعمل نفسه وتتقاضى ~~أجرا أقل. وتفجرت الثورة الفرنسية وشعارها المرفوع «الحرية ... الإخاء ... المساواة»، ~~فماذا عن حرية ومساواة المرأة، لا سيما أن المرأة شاركت بالفعل في هذه الثورة، مثلما ~~شاركت المرأة المصرية في ثورة 1919 كعلامات بارزة في التاريخ النسوي. # هكذا ظهر بإنجلترا في تلك الآونة، في العام ~~1782 ما يمكن أن نسميه نصا نسويا صريحا وفاتحة الحركة النسوية، إنه كتاب ~~ماري ~~ولستونكرفت # M. ~~Wollestoncraft ~~(1759-1797) «دفاع عن حقوق المرأة». كانت ولستونكرفت ~~متزوجة من فيلسوف إصلاحي هو وليم جودوين، وتوفيت عقب ولادتها المتعسرة لطفلتها ماري ~~(1797-1861) التي تزوجت من الشاعر الكبير شيلي، وكتبت مقدمة وهوامش على مجموعة الأعمال ~~الكاملة لزوجها شيلي. كانت نسوية كأمها وأيضا أديبة، من أهم أعمالها رواية «فرانكشتين» ~~(1818) الشهيرة التي تجعل النسوية المعاصرة تتمسك برابطة خاصة بينها وبين أدب الخيال ~~العلمي. على أن حياة ماري ولستونكرفت العاطفية كانت مضطربة مثيرة للأقاويل؛ لأن زوجها ~~لا يذكرها بخير. وقد اقتصرت في كتابها المذكور ms11 على الدفاع عن حق نساء الطبقة البرجوازية ~~الوسطى في تلقي تعليم أكثر عقلانية، ينمي عقلها كإنسان ولا يقتصر على تأهيلها كزوجة، ~~خصوصا وأن حوالي 30٪ منهن ذكيات وغير متزوجات. وأكدت أن المرأة إذا تلقت التعليم نفسه ~~الذي يتلقاه الرجل لكانت مساوية له من جميع الوجوه. أما القول إن المرأة بطبيعتها ~~تفتقر إلى العقل والحكمة والتروي، فزعم لا أساس له من الصحة. وتلك هي الحجة الأساسية ~~التي تتمسك بها النسوية دائما لتقويض الحتمية البيولوجية. # نلاحظ أن كتاب ولستونكرفت كان في الأساس ردا على كتاب «إميل» في التربية ~~لجان جاك روسو # J. J. Rosseau ~~(1712-1779) حيث جعل ~~التربية الخلقية والنفسية والعقلية والجسدية من نصيب الذكر فقط، بينما تتلقى صوفي ~~(الأنثى) تربية مناقضة لهذا، تهدف إلى تحجيمها وقصر وجودها على متعة وخدمة وراحة الرجل، ~~حتى تذهب سوزان موللر أوكين إلى أن روسو يريد من المرأة أن تكون بغيا وراهبة في آن ~~واحد، بغيا لكي تتفنن في إمتاع الرجل، وراهبة لكي يأمن إلى عرضه وانتساب ورثته ~~وأولاده إليه بعد قضاء وطره منها. هكذا أسرف روسو في تقليص وجود المرأة في الجنس ~~والإنجاب، مؤكدا أن خضوعها للرجل ليس نتيجة لعرف، بل هو النظام الطبيعي والضروري ~~للأشياء. # اعترض روسو بشدة على نظرية أرسطو القائلة إن العبودية نظام طبيعي، ثم لم يتردد ~~لحظة واحدة في أن يوافقه في اعتبار عبودية النساء أمرا طبيعيا. انشغل كثيرا ~~باللامساواة بين البشر في كتابه «أصل التفاوت»، باحثا عن المساواة في عالم الذكور فقط، ~~ليبخس بالإناث بعد ذلك إلى منزلة تحت أقدامهم أو أدنى. أقام تمييزا واضحا بين الدولة ~~والأسرة، فاهتم بالعدالة والمساواة في الدولة، ثم العبودية والخضوع في الأسرة، مثله ~~مثل أرسطو ولوك وهيجل ... فلئن كان روسو على شيء من الوضوح والحدة، فإنه يسير في التيار ~~السائد الذي يبدو طبيعيا ويسير فيه رفاق ومعاصرون له وتالون عليه، أمثال مونتسكيو ~~وجمهرة التنويريين، حتى أتى أوجست كونت وأكد أن دونية المرأة هي الوضع الطبيعي لها، ~~ورأى بلزاك أن المرأة لا دور لها في الوجود ms12 إلا تحريك قلب الرجل ... إلخ. ~~(4) النسوية الليبرالية # إذا أخذنا في الاعتبار أن آراء جون لوك # J. Lock ~~(1632-1714) بالذات، وهو الأب الروحي لليبرالية - الذي كان يستثمر الجانب الأكبر من ~~نقوده في شركة لتجارة العبيد! - لا تختلف جوهريا عن آراء روسو، حتى أكد أن خضوع ~~النساء لأزواجهن شيء أساسي ومطلق في الطبيعة لا علاقة له بالمتغيرات الاجتماعية، وأن ~~جمهرة من رفاقه شاركوه في هذا، أدركنا أن الليبرالية ليست في حد ذاتها فلسفة ~~نسوية. # ولكن لا مندوحة عن الاعتراف بأن تبلور ونضج ~~وعلو الليبرالية في القرن التاسع عشر عمل على فتح أبواب هذا القرن للحركة النسوية. ~~ومهما ارتفعت راية الانفصال بين الأسرة والدولة، فإن الليبرالية حين قوضت السلطة ~~البطريركية في حكم الدولة ألقت بظلال هذا على الطبيعة البطريركية للمجتمع. هذا فضلا عن ~~دفاع الليبرالية عن الحرية وحق التعليم والتنافس وإطلاق إمكانيات الذات الفردية وتشارك ~~أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات. هكذا باتت الأجواء مواتية أكثر لزعزعة الحتمية ~~البيولوجية المفروضة على المرأة والمناداة بأن وضعها المتدني نتيجة لحرمانها من التعليم ~~والتثقيف وفرص إثبات الذات ونشدان الهوية. # ها هنا أتى فيلسوف الليبرالية بامتياز وفيلسوف العلم والمنهج الاستقرائي الأول في ~~عصره، وهو جون ستيوارت مل # J. S. Mill ~~(1806-1873) ~~ليكون بلا جدال أبرز رائد فلسفي للنسوية في موجتها الأولى المنطلقة آنذاك. أجل كانت ثمة ~~كتابات كثيرة في تلك الآونة تمهد للنسوية وتزكيها، لعل أهمية كتاب وليم طومسون العام ~~1852 «استئناف نصف الجنس البشري (أي النساء) ضد ادعات النصف الآخر (أي الرجال)»، وفيه ~~يرد طومسون على دعاوى جيمس مل - والد جون ستيوارت مل - المطروحة في كتابه «مقال عن ~~الحكم»، حيث ينكر جيمس مل حاجة النساء والطبقة العاملة إلى حق التصويت ~~الانتخابي؛ # 16 # لأن مصالحهن مدرجة مع مصالح أزواجهن ومصالح الطبقة العاملة مدرجة مع مصالح ~~أصحاب العمل. وكان أسهل رد على هذا أن مصالح العبيد أيضا مدرجة مع مصالح سادتهم. ~~والحق أن جيمس مل وصديقة جيرمي بنتام أستاذ جون ستيوارت مل - وثلاثتهم ليبراليون طبعا ~~ومن أقطاب المذهب النفعي ms13 الذي يرى الخير هو تحقيق أكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من ~~الناس - وأقرانهما النفعيين كانوا يميلون إلى إعطاء المرأة حقوقا، وكانت جريدة ~~«وستمنستر ريفيو» المتحدثة بلسان المذهب النفعي منبرا للدفاع عن الحركة النسوية ~~التي اشتد ساعدها آنذاك. لكن جيمس مل وجيرمي بنتام رأيا أن الأجواء ليست مواتية بعد ~~لمنح المرأة حق التصويت بالذات، فكان رد وليم طومسون المذكور عليهما. # في هذه الحقبة الموارة، في أواسط القرن التاسع عشر، كان أمثال طومسون كثيرين. ولكن ~~منذ أفلاطون لم يتبن أبدا فيلسوف بحجم جون ستيوارت مل قضية المرأة مؤكدا مثله أن ~~الخير واحد للرجل والمرأة على السواء، وبمثل حماسه المتقد في كتابه «استعباد النساء» ~~الذي يمكن اعتباره مانفستو # 17 # الحركة النسوية والنص النسوي الرائد بكل المعايير وقبل ظهور مصطلح النسوية ~~ذاته. كتب جون ستيوارت مل كتابه «استعباد النساء» العام 1861، ولم ينشره إلا عام ~~1869، بعد ظهور كتابه الأكبر «في الحرية» بعشر سنوات. # بدا مل نصيرا متحمسا للنسوية منذ مطالع حياته العقلية. كان لا يزال في الثامنة ~~عشر من عمره حين نشر مقالا في جريدة «وستمنستر ريفيو» يهاجم فيه ازدواجية المعايير ~~الخلقية للرجال والنساء. واستهل كتابه «استعباد النساء» بإعلانه أن أولى قناعاته التي ~~ازدادت رسوخا مع الأيام هي أن المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية الكائنة بين ~~الجنسين؛ أي تبعية أحدهما القانونية للآخر، إنما هو مبدأ خاطئ في ذاته، وينبغي أن يحل ~~محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بسلطة أو سيادة أحد الجانبين على ~~الآخر. # 18 # ومثلما كانت الفروسية والكرم قيم الحضارة الرومانية القديمة، فإن العدالة ~~والمساواة - فيما يؤكد مل - هي قيم الحضارة الليبرالية الحديثة. وليس من العدالة في شيء ~~حرمان المرأة من العمل والمهن التي تدر ربحا، حتى لو كانت متاحة لأغبى وأحط فرد من ~~جنس الرجال. وأشار إلى أن هذا يعود إلى رغبة الرجال في إخضاع المرأة للزوج والحياة ~~المنزلية، وكراهية بعضهم أن يعيش الواحد منهم مع ند له. كيف نقبل هذا في حين أن ~~الفضيلة الحقيقية لليبرالية هي أن نطلب لأنفسنا ms14 ما نطلبه للآخرين، فلماذا لا يفعل ~~الرجال هكذا مع النساء؟! # 19 # لم يعد الكائن البشري مع الليبرالية يولد مقيدا بأغلال موقعه ~~الاجتماعي، بل يولد حرا، ويستخدم ملكاته والفرص المتاحة لتحقيق المصير الذي ~~يفضله. ومن الممكن منطقيا أن يحاول أي شخص الوصول إلى أي مركز في المجتمع. وفي ~~هذا نجد التحريم الذي تخضع له النساء بمجرد واقعة مولدهن إناثا لا مثيل له في التشريع ~~الحديث. # 20 # هكذا كان مل الفيلسوف الليبرالي الوحيد الذي شرع في تطبيق مبادئ الليبرالية على ~~النساء، # 21 # ليطالب بحقوقهن في التعليم والتثقيف الشامل والتصويت والمساواة أمام ~~القانون والتصرف في أموالهن وحق الوصاية على أطفالهن. اعتبر مل سيطرة الرجال وخضوع ~~النساء شكلا من أشكال كثيرة شهدتها البشرية للاستبداد وسيطرة الأقوى الجائرة وسوء ~~استخدام السلطة، شأنه مثلا شأن الملكية المطلقة وسطوة الإقطاعيين على الفلاحين ... ~~إلخ، لكنه يختلف عن الأشكال الأخرى اختلافين، أحدهما من ناحية الخاضع والثاني من ناحية ~~المسيطر. الناحية الأولى في أن الخاضع يقبله طواعية، فالنساء لا يتذمرن منه بل يشتركن ~~فيه برضاهن. أما من ناحية المسيطر الآمر فهو في أنه لا يريد فقط الخدمة والمنفعة ~~والاستغلال المادي والطاعة، بل كذلك المشاعر والعواطف. وبالتالي استخدم الرجال جميع ~~الوسائل لاستعباد عقول النساء أيضا. استخدموا قوة التربية والتنشئة والأخلاقيات ~~بأكملها، حتى يجعلوا الغاية الوحيدة للمرأة هي أن تروق للرجل، ولا يكون لها حياة إلا في ~~العواطف التي يسمح بها لها. # 22 # وتنشأ المرأة على أن الزوج هو مصيرها الذي تتطلع إليه، وأغلقت في وجهها ~~أية فرصة أخرى للحصول على وضع مشرف في المجتمع عدا الزواج، الذي جعلته أنانية الرجل ~~قانون استبداد. فكانت القوانين القديمة في إنجلترا تسمي الرجل سيد زوجته، وكان ~~يمتلكها فعلا جسدا وروحا ومالا وحطاما، كل ما تملكه ملك لزوجها، ولا تملك شيئا ~~مما يملكه هو. إنها خادمة للزوج لا فكاك لها، أسوأ حالا من العبيد في روما ~~القديمة. # 23 # العبد عليه واجبات محددة، أما الزوجة فجارية مرتبطة بسيدها طوال الوقت، ~~حتى لو جعل من تعذيبها متعته اليومية. ms15 # لا شك أن الأمر الواقع في عمومه ليس بهذه الجهامة، وثمة في العادة عوامل ملطفة ~~وعلاقات حميمة. لكن مل يوضح أنه يصف الوضع القانوني للمرأة الغربية وليس ما تلقاه ~~بالفعل؛ لأن القوانين أحيانا أسوأ من الذين يطبقونها. ولئن كانت النساء في العادة لا ~~يعانين سلطة الطغيان كلها التي يكفلها القانون للرجال، فإن هذا لا يمنع من العمل على ~~استئصال الشر من جذوره. فلم يكن لويس الرابع عشر أسوأ مستبد في التاريخ، ولم يتفرغ ~~للاستمتاع بآلام شعبه أو الحيلولة بينهم وبين أي خير، ومع هذا قامت الثورة ~~الفرنسية. # 24 # لذا يعمل مل على تفنيد حجج هذا الوضع الظالم للمرأة، وأقواها أنه الأمر ~~الواقع الذي تقدمت البشرية في ظله، يقول مل أنه لا توجد بينة على أن الوضع المناقض ~~للمرأة - أي المساواة - ما كان سيؤدي إلى تقدم أكبر. # ولا يمكن فصل إيمان مل العارم بالنسوية عن علاقته بهارييت تيلور مل (1807-1859) التي ~~تعد من أبرز رائدات التنظير للنسوية الليبرالية والنسوية إجمالا، وقد كتبت في ~~«وستمنستر ريفيو» عن منح النساء حق التصويت. التقت مع مل العام 1830، وكانت متزوجة من ~~رجل أعمال ثري يملك شركة للإتجار في المواد الكيميائية، وأما لحفنة من الأطفال. ومع ~~هذا وقع مل في غرام عجيب لها! وظل ينتظرها عشرين عاما حتى توفي زوجها العام 1849، ~~وتزوجها بعد هذا بثلاث سنوات وهي في الخامسة والأربعين من عمرها العام 1852. في هذا ~~العام نشر كتيب صغير بعنوان # Enfranchisement of Women ~~؛ ~~أي تحرير النساء ومنحهن حق التصويت، ينادي بتوسيع الخيارات وفرص العمل المتاحة للمرأة، ~~حمل في البداية اسم جون ستيوارت مل، لكن مل فيما بعد أكد أنها هي التي كتبت هذا ~~الكتاب وأنه يحمل آراءهما معا. بعد ست سنوات أسلمت هارييت الروح متأثرة بمرض السل، ~~وكانا في فرنسا، فواراها التراب هناك واشترى منزلا بجوار قبرها. كان دائم التردد عليه، ~~مثلما كان دائم الإشادة بأياديها البيضاء ومناقبها وأفضالها على إنتاجه الفكري. وتفاني ~~مل في نشر أفكار عن تحرير المرأة نسبها إليها. لكن الثابت أن أفكارها ms16 أكثر تطرفا من ~~أفكاره. فقد هاجمت هارييت عيوب مؤسسة الزواج التقليدية بحدة وأشارت إلى أن عمل المرأة ~~غير المدفوع الأجر فيها يجعل الرجل يعيش حياته من أجل ذاته، بينما تعيش المرأة حياتها ~~من أجل الرجل، ورأت أن المساواة القانونية التامة بين الرجل والمرأة تجعل مؤسسة الزواج ~~غير ذات جدوى، وتحدثت عن حق المرأة في الطلاق وتحديد النسل، وهذه كلها مسائل تجاوزها ~~مل كي لا تكون أفكاره صادمة وتكون أكثر قبولا في المجتمع الفيكتوري المحافظ. # يمثل الثنائي مل وهارييت تطبيقا جليا للمبادئ الليبرالية على قضية المرأة، مما جعل ~~النسوية الليبرالية تيارا قويا يزعم أنه صلب النسوية وجذعها. ولكن مهما كانت ~~الليبرالية قد هيأت أجواء مواتية للنسوية، ومهما أجاد مل ورفيقته وسواهما استثمار هذه ~~الأجواء نسويا، فإن الليبرالية في حد ذاتها - كما أشرنا - ليست فلسفة نسوية أو ~~مناصرة لقضية المرأة. من الواضح أن بقاء المرأة على ما هي عليه تأكيد وتوطيد لحق ~~الملكية الذي تقدسه الليبرالية، ومن ثم لا تبدو مفارقة في أن التيار المقابل في ~~القرن التاسع عشر؛ أي الاشتراكية والشيوعية والماركسية، خصوصا هذه الأخيرة، يساهم هو ~~الآخر وربما بنصيب أكبر في صياغة الحركة النسوية والفكر النسوي. ~~(5) النسوية الاشتراكية # وكيف لا؟! وقد قامت الاشتراكية من أجل إعادة توزيع الثروة والسلطة في المجتمع، ~~والنضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، ورفع الغبن عن الكادحين والمقهورين، لم ~~يفتها التأكيد على أن قهر المرأة شكل من أشكال البؤس الذي تخلفه الرأسمالية، وأن ~~النسوية الليبرالية لا تعدو أن تكون دعوة طبقية لا تكفل عدالة اجتماعية وأنها صورية ~~جوفاء. # وكانت النسوية الاشتراكية أكثر مرونة وانطلاقا وأعلى صوتا؛ لأن الليبرالية تسلم ~~بأن الأسرة مؤسسة ضرورية، ولا تفكير في قضية المرأة إلا داخل الأسرة، إنها مشكلة ~~«المرأة في الأسرة.» أما التيارات الاشتراكية، وخصوصا الشيوعية، فلا تسلم بهذا ~~دائما. رأى بعضها أن الأسرة مؤسسة يمكن القضاء عليها، فكانت قضيتهم «المرأة والأسرة». ~~هذا فضلا عن أن الاشتراكيين لا يعتبرون ما هو طبيعي مثاليا أو يفرض نفسه، فمهما بدا ~~وضع المرأة التقليدي ms17 طبيعيا، فليس من الضروري فرضه ولا بد من تغييره. ومنذ مطالع ~~القرن التاسع عشر دافع رواد الاشتراكية الأوائل في إنجلترا وفرنسا وألمانيا عن الحقوق ~~المتساوية للجنسين، وعن أن الاشتراكية تحرير لكليهما. كان الاشتراكي الفرنسي الرائد ~~شارل فورييه # C. Fourier ~~(1772-1837) الذي نادى ~~بتطبيق الاشتراكية في مجتمعات تعاونية صغيرة تستغنى عن النقود، هو أول من استخدم وضع ~~النساء في المجتمع كمقياس لدرجة تقدمه، وهذا بات شبه معتمد في أيامنا هذه، وأول من قدم ~~وضع المرأة كسبب أساسي للتقدم الاجتماعي، وهذا ما طوره ماركس في مخطوطات عام 1884، ~~حين أعلن أن تقويم مسألة تطور الإنسان ككل يتأتى من تقويم تطور علاقة المرأة ~~بالرجل. # 25 # ولئن كان ماركس لم يعتبر النسوية في حد ذاتها موضوعا رئيسيا، فإن رفيقه فردريك ~~إنجلز اعتبرها هكذا إلى حد ما، وأخرج في العام نفسه 1884 مؤلفه الثاقب: «أصل الأسرة ~~والملكية الخاصة والدولة»، حيث أوضح أن الوضع الأدنى للمرأة يعود في أصله إلى الملكية ~~التي تبغي الشيوعية القضاء عليها. ويسير في هذا التيار أوجست ببل # A. Bebel ~~(1840-1913)، وهو من أبرز قادة الحزب الشيوعي الديمقراطي ~~الألماني. وبشكل عام يؤكد الاشتراكيون أن الاشتراكية هي التي تعطي المرأة حقوقها وتحمل ~~المساواة الكاملة بين الجنسين، وعمل المفكرون الماركسيون - نذكر منهم على وجه الخصوص ~~الثورية المناضلة روزا لوكسمبورج # R. Luxemburg ~~(1870-1919) على إبراز الماركسية كفلسفة للتحرير، وأن البروليتاريا والنساء كليهما ~~يتحرر بالتطور الاقتصادي الحتمي نحو الشيوعية، وبالمثل تتحرر البشرية بأسرها من نير ~~الاستعمار والإمبريالية التي ربطت تحليلات روزا وسواها - بينهما وبين ~~الرأسمالية. ~~(6) إنها الموجة النسوية الأولى # هكذا كانت النسوية ماثلة في كلا التيارين المتقابلين المشكلين لقطبي الفكر ~~الاجتماعي والسياسي في القرن التاسع عشر، كانعكاس شامل لحركية الواقع في ~~الفكر. # في منتصف هذا القرن كانت الحركة النسوية على أشدها. انعقد في أمريكا العام 1848 ~~مؤتمر سينيكا فولز للمرأة وحضره أربعون رجلا ومائتان وخمسون امرأة، ارتبط بحركة تحرير ~~العبيد والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، ويعد المؤتمر الأول لحقوق المرأة ~~في الولايات المتحدة، وظل يعقد سنويا ms18 حتى نشوب الحرب الأهلية العام 1861. كانت ~~معاهدة برلين لإلغاء الرق قد عقدت العام 1855، وفي العام نفسه تأسس الاتحاد النسائي ~~الوطني في أمريكا، وتأسست العام 1869 جمعية المرأة الأمريكية للحقوق السياسية بولاية ~~أوهايو، ثم اندمجت مع الجمعية الوطنية لحقوق المرأة 1890. وفي إنجلترا تشكلت ~~جمعيات كانت لها أحيانا أشكال من السلوك الحاد العنيف في بحثها عن حق المرأة في ~~التصويت والمشاركة في الحياة العامة وفي التعليم والعمل حين يفوتها قطار الزواج. # في الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانت أمريكا فقدت من الرجال في سن الزواج ~~ثلاثة ملايين في الحرب الأهلية، وغاب عن إنجلترا خمسة ملايين في توسعاتها الاستعمارية. ~~تكاثرت جحافل العوانس على جانبي المحيط، فكان هذا دافعا آخر لكي يشتد أوار الحركة ~~النسوية. وفيما بين عامي 1880 و1910 كانت أكثر مراحل الحركة النسوية توهجا، وكان ~~اقتحام النساء لمجال التعليم العالي والبحث العلمي. فقد بات مطلوبا توسيع مجال عمل ~~المرأة فلا يقتصر على ما هو امتداد لوضعها التقليدي كالتمريض والتدريس للأطفال. أنشئت ~~أول كلية للبنات في إنجلترا على الطريق المؤدي إلى كمبردج، وإن كانت جامعة كمبردج لم ~~تمنح الطالبات درجة جامعية مساوية تماما للطلاب إلا في العام 1948. # 26 # كانت أمريكا بشكل عام أسبق في منح المرأة حق الانتخاب في بعض ولاياتها، ~~وفتح أبواب التعليم العالي أمامها، وأول طبيبة تعمل في إنجلترا حصلت على شهادتها من ~~أمريكا العام 1859. # 27 # توالت المؤتمرات الدولية واللقاءات والمنشورات النسوية، بجهد متراوح بين مختلف ~~التوجهات السياسية، حتى كانت ذروة من ذراها العام 1910 الذي شهد المؤتمر الدولي لنساء ~~الاشتراكية، عاونت على عقده الاشتراكية المتحمسة والنسوية البارزة كلارا زاتكين # C. Zatkin ~~، وفيه جرى اعتماد مصطلح النسوية # Feminism ~~، وتم إعلان الثامن من مارس عيدا عالميا ~~للمرأة، واعتمدته عصبة الأمم إحياء لذكرى الثورة التي قامت بها العاملات في نيويورك ~~عام 1859م، واستشهد فيها بعضهن احتجاجا على بؤس أوضاع العمل وتدني الأجور. # فرضت النسوية وجودها، وكانت شديدة الحضور في المشرق العربي، خصوصا مصر والشام وتونس. ~~في هذا الأوان - النصف الثاني من القرن ms19 التاسع عشر - علا وطيس المناقشات الدائرة حول ~~إصلاح حال المرأة. أجل، كانت المرأة العربية تستمتع بحقوق تجاهد من أجلها المرأة ~~الغربية، كالتصرف في أموالها وحقها في أولادها. تفقد المرأة الغربية أية صلة بأولادها ~~إذا أراد الأب هذا، ولا يحدث هذا في الشرق بل تكنى المرأة بابنها. وبينما تئول ~~أموال الزوجة الغربية إلى زوجها، فإن الرجل العربي الكريم المحتد يأبى أن يقرب أموال ~~زوجته أصلا. ولا يمنع هذا أن المرأة العربية تعاني أشكالا خاصة من الغبن الاجتماعي ~~كالطلاق الجزافي وتعدد الزوجات بغير داع. كانت المشكلة الأم تقليص نطاق حياتها وأستار ~~الجهل التي تفرض عليها التبلد والخمول. أثيرت قضية السفور والحجاب التي لم تتفق ~~الأطراف على مفهوم محدد لها. بدأ حق المرأة في التعليم يفرض نفسه على الأوساط الفكرية. ~~منذ العام 1849م ألقى بطرس البستاني خطابه عن «تعليم النساء»، وأخرج الرائد رفاعة ~~الطهطاوي (1801-1873م) كتابه «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين» (1873م) حيث أشار ~~إلى أن تعليم الفتاة أهم من تعليم الفتى، وافتتح الخديو إسماعيل الذي حكم مصر بين عامي ~~1863-1879م المدرسة السنية لتعليم بنات العامة، وألف الشيخ حمزة فتح الله كتابه ~~«باكورة الكلام على حقوق النساء في الإسلام» (1889م) # 28 # نلاحظ أن النسوية في الغرب دائما تلقي باللوم فيما آل إليه وضع المرأة ~~على الأصول التراثية، خصوصا في اليهودية والعهد الجديد، بينما حرصت النسوية في المشرق ~~العربي على استنطاق وتفعيل الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة، وإن كان بعض الرواد ~~دائمي الإشادة بما أسفرت عنه الحركة النسوية في الغرب. توالت في مصر والشام وتونس ~~الجهود والجمعيات والمجلات النسائية. وبلغت النسوية ذروتها في كتابي قاسم أمين «تحرير ~~المرأة» (1899م) و«المرأة الجديدة» (1900م) اللذين هما تعبير قوي عن حصائل التطور ~~المتلاحق في التاريخ السيسيولوجي لمصر إبان القرن التاسع عشر ويحملان «صورة ناضجة لمثول ~~عوامل الحداثة في بنية الثقافة المصرية» # 29 # على العموم سارت الدعوة إلى تعليم البنات قدما، بل وتم افتتاح فرع نسائي ~~في الجامعة المصرية الوليدة 1908م حتى عام 1912م ... وفي 6 مارس ms20 1913م كان اكتشاف رأس ~~نفرتيتي في تل العمارنة ليساهم في إيقاظ وعي المرأة المصرية بذاتها. وحضرت هدى شعراوي ~~ونبوية موسى وسيزا نبراوي مؤتمر المرأة العالمي العام 1922م، وأسسن الاتحاد النسائي ~~المصري الباحث عن تحسين أحوال المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات ~~... # لقد كانت النسوية في الشرق والغرب تهدف إلى نيل المرأة حقوقا مهدرة، وغايتها ~~النهائية شيء من المساواة بينها وبين الرجل. # ومن ثم دأبت النسوية في موجتها الأولى تلك إلى إلغاء أو تهميش الخصائص المميزة ~~للأنثى، أو الزعم بأنها ثانوية فلا تعوق حصول المرأة على حقوق وواجبات الرجل. الثقافة ~~الذكورية السائدة جعلت الرجل هو المعيار الطبيعي للأشياء والنموذج المطروح للإنسان، ~~ونيل المرأة حقوقا عامة مقترن بمدى اقترابها من هذا النموذج الذكوري وإثبات أنها ~~قادرة وكفء مثل الرجل. كانت علامة نجاح المرأة أن تتخلص من عائق أنوثتها، وتتماهى مع ~~الرجل فيقال إنها كالرجل تماما، تسليما بأن الأنوثة قصور وضعف. أقصى مديح يكال ~~لماري كوري مثلا أنها امرأة بعقل رجل. وما زالت صورة نبوية موسى ماثلة وهي ترتدي سترة ~~الرجل ورابطة عنقه، برغم حرصها على الزي الإسلامي للمرأة! # أهم ما نلاحظه أن الموجة النسوية الأولى لم يكن لها أطر فكرية تتجاوز حجج المطالبة ~~بحقوق النساء ومساواتهن. على العموم أخذت الحرب العالمية الأولى في خنادقها الرجال من ~~أنحاء أوروبا، واضطرت المرأة إلى النزول لمواقع العمل التي خلت منهم وأدته على أكمل ~~وجه، فيما يمكن اعتباره حسما للجدل في الفكر الغربي، وظفرت المرأة بحقوق الانتخاب ~~والمواطنة في إنجلترا ونيوزيلندة وأمريكا والاتحاد السوفيتي ... إلخ، وبدا الطريق ~~ممهدا لكي تناله في البقاع الأخرى. وارتفع حق تعليم المرأة كمثال أعلى في أنحاء شتى ~~من العالم بدرجات متفاوتة. ومع عشرينيات القرن العشرين كانت النسوية قد حققت كثيرا من ~~أهدافها، مثلما شهد العام 1926 الإعلان عن انتهاء العبودية في العالم. ودخلت الحركة ~~النسوية في مرحلة كمون وهدوء نسبي، خصوصا وأن العالم الغربي منشغل آنذاك ببوادر الحرب ~~العالمية الثانية المقبلة، ويواجه الكفاح الباسل ضد الاستعمار الممهد لحركات التحرر ms21 ~~القومي في العالم الثالث. ~~(7) الموجة النسوية الثانية # ظلت الحركة النسوية في هدوئها النسبي حتى انفجرت في الستينيات موجتها الثانية بفعل ~~العوامل الموارة آنذاك، فتصف جولييت ~~ميتشيل # J. Mitchall # هذه الموجة الثانية بأنها وليد أيديولوجي لظروف اقتصادية ~~واجتماعية معينة، ظروف تجسدت في زوال الاستعمار ونجاح حركات مناهضة التمييز العنصري ~~واشتداد عود الليبرالية الأمريكية؛ التي تدعو إلى المساواة في الحقوق المدنية وإتاحة ~~الفرص للجميع، وتعالي الأصوات المناهضة لحرب فيتنام، وثورة الطلاب الشهيرة في فرنسا ~~وأنحاء من أوروبا وأمريكا، التي شهدت مظاهرة لحرق الكعوب العالية ومشدات الصدور ~~والثورة ضد مسابقات ملكات الجمال، وسائر ما يقبر المرأة في أنوثتها. وكما هو معروف عد ~~هربرت ماركوز # H. Marcuse ~~(1898-1979) المهاجر إلى ~~أمريكا فيلسوف هذه الثورة، وهو سليل مدرسة فرانكفورت التي أعملت المنهاج الماركسي في ~~نقد حاد للحضارة الغربية ومجتمعاتها الرأسمالية وإبراز عيوبها، وتعد من تمثيلات ما ~~بعد الحداثة. # 30 # لقد أجادت النسوية الجديدة تمثل وتمثيل لحظتها التاريخية أو موقفها الحضاري، موقف ما ~~بعد الحداثة # post-modernism # 31 # وما بعد الاستعمارية # post-colonialism ~~، ~~إنهما يعنيان سقوط مثال الحداثة وهو الرجل الأبيض صانع العلم والحضارة جميعا وبروز ~~«الآخر» - أي النساء والشعوب والثقافات غير الأوروبية - كأطراف ذات أهلية وحق كامل ~~للمشاركة في صنع الحضارة. وترتب على هذا تغيرات جوهرية في الخريطة العامة للميتافيزيقا ~~الغربية والأخلاقية وفلسفة السياسة، بل حتى فلسفة العلم. # 32 # وليس الأمر - كما تذهب سارة أحمد # 33 ~~- أن النسوية انشغلت بأسئلة ما بعد الحداثة، بل إن ما بعد الحداثة هي التي ~~أملت منطلقات النسوية الجديدة. ويتطلب هذا، كما تؤكد سارة، قراءة متأنية لنصوص ما بعد ~~الحداثة بوصفها ذات حدود متعينة ومهمة محددة، وليست مجرد توصيف عام لمرحلة جامعة من ~~مراحل التاريخ. إنها القراءة التي ترتكز على كتاب جان ~~فرانسوا ليوتارد # F. J. Lyotard ~~«الشرط ما بعد الحداثي» (1979م)، وهذا ما سيتضح في ~~الصفحات القادمة. # على أية حال رأينا حتى الآن كيف أن النسوية انطلقت وتشكلت موجتها الأولى - التي ~~اقتصرت على مقتضيات الواقع الاجتماعي - في إطار منطلقات الحداثة من ms22 قبيل تحرير الإنسان ~~ورفع الوصاية عنه والمساواة وحقوق المواطنة، على الإجمال كانت أصول النسوية في الحداثة ~~ومثلت موجتها الأولى قيم الحداثة، أما مستقبلها فهو في ما بعد الحداثة، وتمثل ~~موجتها الثانية قيم ما بعد الحداثة. إن ما بعد الحداثة هي فقط التي أتاحت للنسوية في ~~موجتها الثانية أن ترتفع إلى مستوى النظرية والفلسفة الصريحة والسؤال الإبستمولوجي ~~وفلسفة العلم، هذا من حيث أعادت ما بعد الحداثة طرح السؤال الإبستمولوجي. # 34 # هكذا نستطيع أن نقرأ النسوية بوصفها انفلاقة بين دوافع الحداثة على مستوى ~~الممارسة، ودوافع ما بعد الحداثة على مستوى النظرية، # 35 # حتى يمكن القول إن التمييز بين الحداثة وما بعد الحداثة في النسوية هو ~~تمييز بين الممارسة والنظرية. # 36 # وجدير بالذكر أن النسوية بدورها أضافت مسائلها إلى تنظيرات ما بعد الحداثة، ~~ورفعت النقاب عن زيف ما كان شائعا من تصور لحياد الخطاب الفلسفي. # أجل ما بعد الحداثة فتحت الباب أمام النسوية لتعلو في مدارج التنظير. لكن ليس يعني ~~هذا أن النسوية في موجتها الثانية تنفصل تماما عن جزئيات الواقع الحي والممارسات ~~المعيشة. إن النسوية كما اتفقنا هي دائما تحاور دائم بين الفكر والواقع بدرجات ~~متفاوتة. ومثلما أدت الثورة الصناعية وماكينات الغزل والنسج إلى الموجة الأولى منها، ~~أتت الموجة الثانية نتيجة للثورة التكنولوجية في القرن العشرين والتطور الاجتماعي ~~الحاصل فيه. ولئن حررت الآلة العبيد، فإن النساء تحررن في القرن العشرين بفعل انتشار ~~الأجهزة المنزلية والصناعات التحضيرية للمأكولات والملبوسات، التي خففت الأعباء ~~المنزلية. وارتفع المستوى الصحي، فلم تعد المرأة تنجب خمسة عشر طفلا مثلا ليعيش منهم ~~ستة أو سبعة. أصبح من الممكن الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال. ومع اختراع وسائل منع ~~الحمل - أخطر ما في الأمر - وتنظيم الأسرة، لا يعود الحمل والولادة والإرضاع يستغرق ~~سنوات العمر الإنجابي الطويل للمرأة كما كان يحدث من قبل. لقد توافرت إمكانية تنظيم ~~الحياة بصورة إيجابية أكثر. بات كل شيء ينادي بمزيد من الفرص والحقوق والواجبات ~~للمرأة خارج إطار دورها كأنثى. # كانت الموجة الثانية خصوصا في أمريكا لها ms23 أيضا أهدافها الاجتماعية. ومرة أخرى نلاحظ ~~أن بعض الحقوق التي كانت المرأة الغربية في الستينيات تكافح من أجلها، كانت المرأة ~~آنذاك قد ظفرت بها بالفعل في بعض الأقطار العربية، من قبيل المساواة بين الجنسين في ~~الالتحاق بالجامعات والمساواة في فرص ممارسة العمل المهني والبحث العلمي، والأجر ~~المتساوي للجنسين لقاء العمل نفسه، واضطلاع الحكومة بتوفير حضانات لأطفال العاملات إبان ~~ساعات العمل الرسمية. بحثت أيضا عن تشديد العقوبة على جرائم الاغتصاب والعنف الجسدي ضد ~~المرأة وتحسين الخدمات الصحية النسوية. أصرت هذه الموجة على ضرورة أن يتشارك الرجال ~~والنساء في عبء رعاية الأطفال والأعمال المنزلية، وألا تنفرد المرأة بهذه المسئولية. ~~وبطبيعة حال الحضارة الأمريكية وعلو النزعة الفردية فيها، اقترنت هذه الموجة بارتفاع ~~الدعوى إلى حق المرأة في جسدها وحريتها. ~~(8) النسوية الراديكالية # ظل التياران الليبرالي والاشتراكي ماثلين في القرن العشرين، وتواصل النسوية ~~الليبرالية العمل على تطوير وتعميق أطروحاتها. # 37 # وما زالت النسوية الاشتراكية بل والماركسية نابضة حية، وفي الولايات ~~المتحدة! حيث كانت نقطة البدء فيها كتاب نانسي هارتسوك (1943م-؟) الشهير «النقود والجنس ~~والقوة: نحو مادة تاريخية نسوية» (1983م). عملت هارتسوك على صياغة الموقف النسوي على ~~أساس مادية تاريخية ملائمة له. # 38 # وثمة أيضا جوان كيلي # J. Kelly ~~(1928-1982) التي عنيت في نسويتها الماركسية بالتفاعل بين الجنس والطبقة والعرق في خلق ~~التقسيمات الاجتماعية وسيطرة فئة على أخرى. لم تصدر كيلي كتابا في حياتها، فقط سلسلة ~~من الدراسات العميقة والمقالات اللافتة، جمعت بعد وفاتها في كتاب، ويبرز مقالها «هل ~~ثمة نهضة للنساء؟» (1977م)، حيث تنقد النهضة الأوروبية وتوضح أنها غبنت حقوق النساء، ~~وجعلت هذا مفطورا في صلب أصلاب الحضارة الغربية. # على أن هذين التيارين باتا في القرن العشرين خطين في إطار نسوي يموج بتيارات عديدة، ~~ومعلمه اللافت هو الراديكالية. إن نسوية القرن العشرين عموما أرادت أن تكون أعمق في ~~نسويتها من قرينتها في القرن التاسع عشر، أعمق وأشمل من أن تكون ليبرالية أو اشتراكية، ~~أرادت أن تكون نسوية راديكالية أي جذرية، لا ترجع وضع الأنثى إلى ms24 أي متغيرات معينة ~~كاستبداد الإقطاع أو الملكية والاستغلال، بل أرجعته فقط أو أساسا إلى أنوثة المرأة. ~~قهر المرأة أكثر قضايا البشرية إلحاحا وأطولها عمرا وأوسعها انتشارا. إنها الأصل ~~الأصيل والنموذج المثالي لكل أشكال القهر التي عرفتها البشرية. تتفق النسوية ~~الراديكالية على هذا، وتختلف في استراتيجيات التخلص منه. أوضح الفروق نجدها في أمريكا ~~بين تياري الراديكالية التحررية والراديكالية الثقافية أو الحضارية. # الراديكالية التحررية تنطلق من دور المرأة في العلاقة الجنسية والإنجاب. تنادي ~~بالقضاء على الأسرة؛ لأنها كانت المؤسسة الكفيلة بقهر المرأة وتقليص دورها. ولا بد من ~~تحطيم قداسة الأسرة بسبب عدم المساواة القائمة فيها. وذهبت جوليت ميشيل إلى أن الأسرة ~~وضعية ثقافية وليست طبيعية، ووظيفة الأيديولوجيا الذكورية السائدة أن تقدمها على أنها ~~طبيعية. ومع هذا ثمة آمال في تعديل هذا الوضع وتطويره، اعتمادا على ميل الإنسان ~~للثقافة أكثر من الطبيعة، وأن الحضارة المعاصرة بعيدة جدا عن الطبيعة، وكلما ازدادت ~~تقدما ازدادت بعدا عن الطبيعة. # 39 # إن الراديكالية ترتكز على الظروف البيولوجية، ليس عودا إلى الحتمية البيولوجية التي ~~فرضت على المرأة وضعا أدنى، بل إلى أساس بيولوجي يمثل خصوصية للمرأة ويؤكد تمايزها عن ~~الرجل، وربما يجعلها أرقى من الرجل خصوصا في تفردها العظيم بالقدرة على إنجاب الأطفال، ~~فليست المرأة الكائن الأجمل فحسب، بل أيضا الأرقى والأقدر. وإن تطرف فريق من التحرريات ~~في الاتجاه الآخر ورأى الإنجاب لا سواه هو الباب إلى عبودية المرأة، أبرزهن ~~شولاميت فايرستون # S. Firestone ~~(1944م-؟) في ~~كتابها الشهير «جدلية الجنس» (1970م) تطلعت إلى وضع تتحرر فيه المرأة من الحمل ~~والإنجاب عن طريق تقنيات الإنجاب الحديثة. واستعن في هذا بأدب الخيال العلمي، مستلهمات ~~روح رائدته ماري شيلي. وفي السبعينيات علا اسم اثنتين فيه، إحداهما نسوية اشتراكية هي ~~مارج بيرسي # M. Piercy ~~، والأخرى راديكالية تحررية ~~هي جوانا روس، انطلقتا في خيال تكنولوجي يحرر المرأة من أعباء الحمل والولادة، وكانت ~~أعمال روس تجسد حلما بالانتهاء التام للمجتمع الأبوي. وإذ يرد دور الأدب نذكر أيضا أن ~~التحرريات دافعن عن الأدب الإباحي وإخراجه ms25 من دائرة الصراع بين المحافظين والمتحررين ~~والرقابة على المطبوعات، إذ رأوا فيه وسيلة فعالة لكشف العنف ضد المرأة في أوسع ~~صوره. # 40 # رأت الراديكاليات التحرريات المتطرفات استبدال المركزية الأنثوية بالمركزية الذكورية. ~~ويشتد شططهن في هذا وفي السير بحق المرأة في جسدها إلى آخر المدى، ليتجاوزن حق الإجهاض ~~والحق خارج حدود مؤسسة الأسرة! وعلى أساس من الفردية السائدة في الحضارة الأمريكية، ~~ذهبن إلى أن فهم البنية الشعورية وإشباع الحاجات النفسية هو جوهر كل رخاء على مستوى ~~الفرد ومستوى المجتمع، وبالتالي دافعن عن الحق في ممارسة السحاق. ثم لم يقتصرن على ~~هذا، بل ذهب فريق منهن إلى أن السحاقيات فقط هن النسويات حقا، القادرات فعلا على ~~تحدي الذكورية والإعراض عن عالمها. وشكلن النسوية السحاقية التي تدافع عن الجنسية ~~المثلية والأسرة السحاقية، وبالتالي الأسرة اللواطية، كنموذج للأسرة الجديدة! # 41 # ولله في خلقه شئون. # أمثال هذه الدعاوى المنفلتة تعبير عن انفلات وجموح الحضارة الأمريكية بأسرها والحضارة ~~الغربية، قبل أن تكون تعبيرا عن انفلات وجموح التيار النسوي فيها. والراديكاليات ~~التحرريات أصحاب دعاوى سحق الأسرة وحق الإجهاض والسحاق وما إليه، وإن كن الأعلى صوتا ~~والأكثر جاذبية لوسائل الإعلام وبالتالي الأكثر شهرة حتى كادت النسوية الراديكالية ~~ترتبط في أذهان العامة بهن، فإنهن لسن غالبية ولا هن الأهم، ولا تحظى دعاويهن بقبول ~~واسع بين النسويات، بل «ظهرت منذ منتصف الثمانينيات (ما بعد النسوية) كرد فعلي عكسي ~~أو رجعي على الإفراط في المطالبة بحقوق للمرأة ظهرت أيضا الموجة الثالثة في ~~التسعينيات»، # 42 # مما أدى إلى خلافات فكرية حادة وتضارب بين تيارات النسوية الجديدة جعلها ~~لا تمثل وحدة أو موقفا سياسيا. # جمهرة الاتجاهات النسوية والراديكالية الثقافية تتبرأ من الراديكالية التحررية ~~المتطرفة، وتحذر من مغبة دعاويها. ويرين أن الهدف من الإطاحة بالمركزية الذكورية إثبات ~~الأنوثة بجوار الذكورة في البنى الحضارية وليس إحلال المركزية الأنثوية محلها، لنداوي ~~التطرف الخاطئ بالتطرف الخاطئ في الاتجاه الآخر، والإبقاء على أحادية الجانب. ومن ~~الضروري الموازنة بين الجانبين بعد طول انفراد الذكورية، وتطوير المؤسسات التقليدية بما ~~يرفع ms26 الغبن عن المرأة. ولا يجدن داعيا البتة لتصعيد عداء وحرب صريحة مع الرجل إلى هذه ~~الدرجة، بل إن هذا ضد المنشود من بنية حضارة أكثر تكاملا وأكثر عدلا. «ما تريده ~~النسوية حقا هو نقد للقطيعة بين الذكورية والأنثوية، إذ لا يستقل أحدهما عن ~~الآخر». # 43 # ومثلما كان ثمة برجوازيون - على رأسهم فردريك إنجلز - يناصرون الشيوعية، ~~هناك رجال - على رأسهم جون ستيوارت مل - يناصرون النسوية، وظهر في ثمانينيات القرن ~~العشرين مصطلح الرجل الجديد # New Man # الذي يناصر ~~الأيديولوجيا النسوية ويقبل إعادة توزيع الأدوار والقيام ببعض الأعباء المنزلية. ويرمز ~~له برجل مقطوع الرأس مفتول العضلات بالغ الوسامة والرجولة، ويحمل طفلا للدلالة على ~~الاهتمام بتنمية الجانب العاطفي الحنون في شخصية الرجل. عدم المساواة الذي ساد الأسرة ~~في الماضي لا يحول دون العمل على تحقيق أسرة تتسم بالمساواة في المستقبل. مشكلة الأعباء ~~المنزلية لا تحل بسحق الأسرة والإعراض عن الإنجاب، بل فقط بالتعاون في أدائها وإعادة ~~توزيع الأدوار لتحل مسئولية الوالدين محل الأمومة. وفي كل حال المرأة مختلفة عن الرجل ~~ولا ينبغي أن تتشبه به أو تتماهى معه تأكيدا للمركزية الذكورية، كما فعلت النسوية في ~~موجتها الأولى. # المهم حقا في النسوية الجديدة هو التيار الآخر، النسوية الراديكالية الثقافية أو ~~الحضارية التي هي ذات طابع أكاديمي رصين، وفرضت نفسها على برامج الدراسة في جامعات ~~شتى. الراديكالية الثقافية تعني أن النسوية اكتسبت نضجا فكريا، فهدفت إلى رؤية ~~ثقافية حضارية جامعة، إلى البحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع ~~الرجال وطبقا للنموذج الذكوري السائد للإنسان-الرجل. فلا بد من استجواب تاريخ العقل ~~البشري والسياق الحضاري، لسبر أعماق التهميش الطويل الذي نال المرأة، وإثبات إلى أي ~~حد كان جائرا، فحص أسسه ومنطلقاته تمهيدا لتغيير أطره الأيديولوجية للقضاء عليه ~~واجتثاثه من جذوره. لا بد من إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، لذاتهن المقموعة، ~~وإثبات جدوى العمل على إظهارها وإيجابياتها وفعالياتها، ثم صياغة نظرية عن هذه ~~الهوية النسوية؛ أي الأنثوية # Feminine or Femininty ~~، ~~وتحولاتها الممكنة، فكانت الأنثوية مرحلة ms27 متطورة من الدعوى النسوية، هي مرحلة اكتشاف ~~الذات. وبدلا من التماهي مع النموذج الذكوري، لا بد من العمل على إبراز الأنثوية ~~كجانب جوهري للموجود البشري، كان قمعه اعتوارا طال السكوت عليه، ونزفا حضاريا ~~لإمكانيات هائلة يمكن أن تكسب الإنسانية شيئا من التوازن. # وقد أمكن تحقيق هذا بفضل التطور المعرفي وتنامي مناهج البحث وجحافل النساء ~~الأكاديميات القادرات على إخراج بحوث معمقة تعزز الأطروحة، فضلا عن الرجال ~~المنتصرين لها. # هكذا تأتي الراديكالية الحقيقية في نسوية القرن العشرين من هذه التنظيرات الكبرى التي ~~يتسع مداها يوما بعد يوم، وتتوغل من فرع معرفي إلى آخر، لتثبت الرؤية النسوية التي جرى ~~تهميشها طويلا، وفعاليتها وجدواها. # تبدأ التنظيرات من الأصول العميقة للحضارة الإنسانية وصولا إلى استشراف مستقبلها. ~~تستفيد من علم الأعراق والأجناس البشرية لإلقاء الضوء على أوضاع شتى للذكورة والأنوثة ~~وعلاقات النسب والقرابة، # 44 # والدراسات الأنثروبولوجية لمجتمعات بدائية كثيرة الأم فيها هي المركز، ~~وصولا إلى العصر الأمومي السحيق المهدر من تاريخ البشرية؛ وذلك لإثبات أن تفوق الذكر ~~وسيادة الرجل ليست قانونا شاملا للبشرية. وتبع هذا الدراسة النسوية للفولكلور التي ~~تصوب الأنظار على الأنماط الفولكلورية الخاصة بالمرأة في الثقافات الشتى. برز الاهتمام ~~بوضعية المرأة في الحضارات القديمة وعند الفراعنة واليهود القدامى والحضارة الكلاسيكية ~~الإغريقية والرومانية ... وفي البقاع الأخرى من العالم. وتميزت الحركة بالتحليل العابر للثقافات # cross cultural analysis ~~، من أجل ~~استكشاف وتقويم المفاهيم المتعلقة بالمرأة عبر الثقافات المختلفة. قد تستخدم أدوات ~~معرفية مأخوذة من الثقافة الغربية، لكن الثقافات تتحاور بعضها مع بعض، لا ثقافة تفوق ~~الأخرى أو تعتبر نفسها الأرقى، فالنسوية قامت أصلا من أجل تقويض كل أشكال التراتب ~~الهرمي (الهيراركية). # وبدأ التاريخ النسوي منذ العام 1960 ليقابل الصورة الأكاديمية النمطية للتاريخ ~~الذكوري التي هي صورة لتاريخ صنعه الرجل وحده، يتجاهل دور المرأة أو يعمل على تهميشه، ~~أي استثناء لهذا يعد حديثا عن شخصية منفردة استثنائية لملكة أو محاربة قامت بدور ~~في السياق الذكوري للتاريخ وليس تأكيدا لوجود المرأة. ولئن كانت المصادر التاريخية ~~القديمة عبر العصور قد ms28 كتبها رجال من منظور ذكوري، فإن مناهج القراءة والتأويل ~~والهيرومنيوطيقا المحدثة تمكن من إعادة قراءة الوثائق التاريخية لاستخراج الدور الحقيقي ~~للمرأة. وليس الأمر مواجهة بين الرجال والنساء، بل بحث عن تصور أصح لتاريخ الوضع ~~الإنساني الذي يضم كلا الطرفين، ولا يقتصر على الذكورية فقط. # تسرف النسوية الجديدة في استغلال هيرومنيوطيقية التأويل والتفسير التي تهدف إلى ~~اختراق السطح الخادع لتفصح عن نظرة موحدة قادرة على احتواء الموضوع المعنى بمجامعه، ~~وكشف المستتر والمسكوت عنه؛ وبالتالي يدن بالفضل لجادامر وكتابه الشهير «الحقيقة ~~والمنهج» (1960). التأويل في بعض الأحيان قد يقابله البحث عن أصول الأفكار، عن ~~الجينالوجيا التي دعا إليها نيتشه. النسويات المحدثات يبحثن دائما عن الجينالوجيا ~~والتأويل بغية الطرح المتكامل. # كانت الهيرومنيوطيقا في أصلها منهاجا لتفسير الكتاب المقدس، ثم اتسع مداها في ~~الفكر المعاصر - بفضل جادامر وسواه - للتعامل مع سائر النصوص. # 45 # وبالعود إلى الكتاب المقدس ظهرت دراسات الإنجيل النسوية من منظور مقابل ~~ولأهداف مقابلة للرؤية الذكورية التي احتكرها الرجال طوال التاريخ. يؤكد اللاهوت النسوي ~~أن الخطاب اللاهوتي التقليدي محكوم بالذكورية التي حكمت عليه بالانحياز، وبالتالي يغدو ~~اللاهوت النسوي سبيلا إلى خطاب لاهوتي أكثر توازنا واكتمالا. كان ثمة لاهوت نسوي في ~~السجال الدائر بين الكاثوليك والبروتستانت، ولاهوت نسوي يهودي. وظهرت أيضا دراسات ~~التصوف النسوي، التي تبرز الخصائص المميزة للخبرة الصوفية ~~النسوية، وتكشف عن النساء المتصوفات في العصور ~~الوسطى وسيرهن التي لم تلق ما تستحقه من عناية (ولكن أحسب أننا أعطينا رابعة العدوية ~~حقها ويزيد). وأيضا لفتت النسوية الأنظار إلى أن فن السيرة الذاتية الذي ظهر في القرن ~~التاسع عشر كاد يقتصر على الرجال العظام، ولا بد أن يكون ثمة اهتمام مماثل بسير ~~النساء العظيمات، وأسلوب في فن كتابة السيرة الذاتية للمرأة. # وكانت اللغويات من أبرز المجالات التي شهدت مدا نسويا لافتا، ينطلق من مسلمة ~~معاصرة تقول إن اللغة ليست مجرد وسيط شفاف يحمل المعنى، بل هو ككل مؤسسة اجتماعية ~~محملة بأهداف ومعايير وقيم المجتمع المعني. وبالتالي قامت اللغة بدورها في تجسيد ~~الذكورية المهيمنة، وهذا ms29 ينبغي كشفه توطيدا للتحرر منه. ونذكر في هذا الصدد كتاب ~~اللغوية الأسترالية ديل سبندر # D. Spender ~~(1943م-؟) ~~«اللغة صنيعة الرجل» (1980م) الذي يوضح أن اللغة تساهم في أسلوب إدراكنا للعالم، واللغة ~~في هذا تعالج العالم كما يراه الرجل لتصبح خبرة المرأة مهمشة. وفي السياق نفسه تواترت ~~الدراسات الدءوبة منذ السبعينيات والثمانينيات التي تدرس الفوارق بين التعبيرات ~~الذكورية والتعبيرات الأنثوية، ومغزاها ودلالاتها. لا شك أن المجاز واللغة يشكلان ~~تفكيرنا ويؤثران على الخطاب ويمثلان أهم معالم الشخصية. # وبديهي أن التعبير عن النسوية جاء في الأشكال الأدبية أكثر وأبلغ مما جاء في أي شكل ~~آخر، وبرزت عشرات الأسماء للأديبات النسويات. ثمة الآن نظرية نسوية في الأدب وفي النقد ~~الأدبي تلقي اهتماما كبيرا من الأوساط المعنية. وبطبيعة الحال كان لا بد أن يكتسح ~~هذا المد النسوي مجال الفنون، الذي ارتبط أكثر من سواه بالمرأة وعالمها على طول التاريخ ~~وعرضه. عملت الموسيقى خصوصا على تقديم رؤى جديدة تبرز دور المرأة في تاريخ الموسيقى ~~والرؤية الأنثوية للموسيقى وعلومها. وبرزت أسماء عديدة في نظرية الفيلم النسوية، ورؤية ~~نسوية للإعلام أبسط ما فيها الكف عن استغلال الأنوثة كسلعة متاحة ورخيصة ... وغني عن ~~الذكر أن دراسات المرأة احتلت مكانا فسيحا على مسرح علم النفس وأيضا العلاج النفسي، ~~نذكر كتاب كارول جيليان (1936م-...) التي أوضحت كيف اتخذ علم النفس الارتقائي الذكورية ~~نموذجا معياريا، في حين أن ارتقاء الأنثى نموذج مختلف وأكثر إيجابية من بعض ~~النواحي. # 46 ~~«اكتشفت جيليان أن النساء مجبولات على فحوى الاتصال. وفي مقابل تأكيد الرجل ~~على الانفصالية والاستقلال الذاتي، تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات. ~~وبينما يميل الرجال إلى الإقصاء لأنهم يرفعون من قيمة الانفصال والاستقلال الذاتي، تميل ~~النساء إلى الاحتواء؛ لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال ~~والألفة. وبينما يعمل الرجال على حل الصراع عن طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ ~~المجردة، تعمل النساء على حل الصراع من خلال محاولة تفهمه في سياق منظور كل شخص ~~واحتياجاته وأهدافه.» # 47 # وحتى الجنون تميز بدراسة نسوية له، تكشف ms30 عن ربط جائر مترسب في الوعي بينه ~~وبين المرأة، وتستفيد من جهود ميشيل فوكوه في هذا الصدد، على أن علم الاجتماع اضطلع ~~بدور بالغ الحيوية في مجال دراسات المرأة وتدعيم الرؤى النسوية. وظهر الاقتصاد السياسي ~~النسوي الذي يستكشف وقائع الحياة المادية للنساء وحياتهن اليومية، ومنطلقه أن التفرقة ~~في مجالات العمل بين النساء والرجال فرضها المجتمع الذكوري ولم تفرضها الطبيعة ~~البيولوجية، بعبارة أخرى فرضتها الجنوسة # gander # ولم ~~يفرضها الجنس # sex ~~. نما واشتد عود الاقتصاد النسوي ~~منذ الثمانينيات، ويتجاوز علم الاقتصاد التقليدي الذي يقتصر على مفهوم السوق بالمعنى ~~الواسع للسوق، سوق البضائع وسوق الخدمات وسوق العمل وسوق الشهادات ... يتجاوزه بالربط ~~الوثيق بين الاقتصاد وبين الحياة الاجتماعية، ويعمل على تقنين اقتصاديات قيام المرأة ~~بالواجبات المنزلية لتكشف عن عمل شاق ومثمر تقوم به مئات الملايين من النساء كل يوم ~~دون اعتراف علم الاقتصاد به، ولا يفهم هذا حق الفهم بدون نظرية عن العمل المنزلي ~~وعلاقته بآليات السوق، وقسوة التسليع # commodification # أي تحويل كل شيء وكل قوة في المجتمع إلى بضاعة قابلة للتداول في السوق. إلى سلعة. يدرس ~~الاقتصاد النسوي أيضا أوضاع العمل المنزلي بعد التطورات التكنولوجية المتلاحقة، ~~ومقارنة هذا بالأوضاع الطبقية للمجتمع، وتأثير الشركات العملاقة العابرة للقوميات غير ~~الآبهة بمصالح أفراد المجتمع ... ويلقي الضوء على نسوية الفقر والمرأة المعيلة كقهر ~~وتدن اجتماعي ... وبات للنسوية نظرتها للقانون وأسس صياغة الدستور. وقد رأينا أن ~~النسوية كانت في أصلها حركة سياسية تهدف إلى غايات اجتماعية، فكان من الطبيعي أن يتحدثن ~~عن علم السياسة النسوي الذي يبحث أوضاع النساء في الأنظمة السياسية المختلفة والرؤية ~~المقارنة لهذا. النظرية السياسية النسوية، التي تميل إلى الوصفي أكثر من المعياري، تقوم ~~على نزعة معادية للحروب ولتعظيم القوى العسكرية # anti-militariarism ~~Feminism # من حيث أن المرأة كامرأة راعية للحياة. # 48 # وفي هذا عنيت النسوية برصد جرائم الحرب ضد النساء وما تشمله من حالات ~~اغتصاب جماعي منهجي منظم وهادف. # 49 # كما يحدث الآن في فلسطين وفي العراق مثلا. أما المثال المطروح في «دائرة ~~معارف النظريات ms31 النسوية»، فهو اعتداء الرجال الصرب ~~على البوسنيات الكروات المسلمات، لكي يحملن سفاحا رغما عنهن، وكانوا يأخذونهن أسيرات ~~حتى يحولوا بينهن وبين الإجهاض، ويضمنوا أن ينجبن أطفالا صربيين، كجزء من إرهاب شامل ~~مورس ضد المسلمين الكروات، خصوصا وأن النساء في الإسلام استهداف لأخلاقيات الرجال ~~وتجسيد ماثل للثقافة والمجتمع والأمة، والنيل منهن نيل من هذا جميعا. # 50 # واخترقت التكنولوجيا سائر مجالات الحياة، ولكي تكون النسوية الجديدة معاصرة حقا، ~~عنيت عناية بالغة بالتكنولوجيا التي تبدو للوهلة الأولى إنجازا ذكوريا وتأكيدا ~~للقيم الذكورية. ولكن من الناحية الأخرى يتضاءل معها أهمية القوى العضلية التي كانت ~~ميزة غير منكورة لتفوق الرجل على المرأة، وفي فضاء الاتصال الإلكتروني وشبكة الإنترنت ~~لا يتمايز الرجال عن النساء. ومن أبرز اللاتي انطلقت نسويتهن من مسألة التكنولوجيا ~~دونا هاراوي # D. Haraway ~~(1944م-؟). حصلت على ~~الدكتوراه في الفلسفة برسالة عن تاريخ علم البيولوجيا. رأت أن الكومبيوتر أدى إلى ~~تمييع الحدود بين الإنسان والآلة، مما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى اليوتوبيا التي نحلم ~~بها، «يختفي فيها تصنيف الذكر والأنثى، وتفتح الطريق لعالم من الحرية فيما وراء الفروق ~~بين النوعين». # 51 # أعلنت هذا في كتابها «مانفستو السيبرج» ( # cyborg = ~~cybernetic + organism ~~) السيبرج كائن حي سيبرنطيقي، نصفه عضوي ~~ونصفه تكنولوجي، تجسيدا لتلاشي الحدود فيما بعد الحداثة بين الطبيعة والآلة بصورة ~~منهجية، ولم تعد أية حقيقة ترمز إلى الكل المتكامل. السيبرج لا يحل الكلية محل ~~الثنائية، لكنه يتعامل بسهولة مع الحدود والمتناقضات مما ينطوي على إمكانية تحرر المرأة ~~من منزلة التابع في الفكر الثنائي البطريركي، وإمكانية تحرر شعوب العالم الثالث من ~~مركزية العقل الغربي وقهر الإمبريالية. إن أروع ما في نظريات النسوية الجديدة أنها لا ~~تفصل بين هذين التحررين، فكانت فلسفة للمرأة من حيث هي فلسفة بعد استعمارية. # لكن ليس الأمر لمسات تذكرنا باليوتوبيا أو سواها من فلسفات. فما دام الزخم المعرفي ~~النسوي بكل هذا البذخ كان لا بد أن يواصل مساره ليصل إلى أصول النظرة الشاملة، إلى ~~الفلسفة الصريحة، وأول مرة في التاريخ يسمع فيها ms32 عن شيء اسمه الفلسفة النسوية العام ~~1970، ومنذ السبعينيات وهي تتدفق مبشرة واعدة. لقد ظهرت الفلسفة النسوية، كمنهاج ~~لإعادة تأريخ الفلسفة، وللبحث في الفلسفة القديمة والوسيطة من منظورات مستجدة وللإجابة ~~عن تساؤلات لم تطرح فيما سبق، ثم تقديم رؤى أنثوية متكاملة. إنها حرث للأرضية ~~العقلية، واستنبات لبذور لم تبذر من قبل. ~~(9) الفلسفة الأم للنسوية المعاصرة وظهور الفلسفة النسوية # وإذ نخوض أخيرا في غمار الفلسفة لا يغيبن عن الأنظار أبدا أن الموجة النسوية ~~الثانية عن بكرة أبيها تأتم أصلا بالكتاب العمدة للفيلسوفة الوجودية الفرنسية سيمون ~~دي بوفوار (1908-1986م) «الجنس الثاني» (1948م) الذي يمكن اعتباره إنجيل الحركة ~~بأسرها، تستهل دي بوفوار هذا الكتاب بعبارة شهيرة صارت شعار الحركة النسوية في شتى ~~توجهاتها، وهي «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة»، # 52 # إشارة إلى الدور الكبير الذي يقوم به المجتمع في صياغة وضع الأنثى ~~والتفرقة بينها وبين الذكر، وتقويضا للخرافة القائلة: إن الحتمية البيولوجية هي ~~التي حددت هذا الوضع، ليست الطبيعة هي التي جعلت المرأة جنسا ثانيا، بل المجتمع ~~ومحصلاته الثقافية، وهذا فتح الباب لميلاد مفهوم سوف يتعاظم شأنه ويعلو صيته ويلعب ~~دورا كبيرا منذ الثمانينيات، مفهوم النوع أو الجنوسة # gender ~~(والجنوسة أفضل ؛ لأن النوع كلمة فضفاضة ولها مقابلات ~~عدة) وهو مصطلح يشير في أصله - كما يخبرنا قاموس أكسفورد الموجز - إلى تصنيف نحوي ~~للأسماء، لكنه بات يستخدم لكي يشير لا إلى الفوارق البيولوجية (الجنس) فحسب، بل إلى ~~مجمل وخلاصة الأوضاع والخبرات والأدوار المختلفة التي تترتب فقط على كون الرجل رجلا ~~والمرأة امرأة، وكما تقول جيزيلا بوك # G. Bock ~~، باتت ~~الجنوسة - كمصطلح معرفي - تحيل إلى البنية الثقافية، و«طريقة لرؤية ودراسة الشعوب، ~~وأداة تحليلية تساعد على اكتشاف المناطق المهملة من التاريخ، إنها شكل نظري للاستقصاء ~~الثقافي الاجتماعي عن الجنس الأعمى في التاريخ التقليدي». # 53 # لم تستخدم سيمون دي بوفوار مصطلح الجنوسة # gender # والجنوسة، لكنها دخلت في تحليلات عميقة تثبت بها أن البيولوجيا ليست في حد ~~ذاتها قدرا محتوما، بل المجتمع البطريركي هو الذي جعلها هكذا، تعمل ms33 في الجزء الأول ~~من الكتاب على تحليل الخبرات الفردية المشتركة بين الإناث جميعا، لا سيما في الحضارة ~~الغربية تبدأ ب «سنوات التكوين»، فتفحص خبرات الطفولة، لتنتهي إلى أنه لا توجد فيها ~~فوارق نوعية حادة بين الجنسين، ثم تشب الفتاة عن الطوق لتجد العالم كله - السياسة ~~والاقتصاد والعلوم والفنون ... إلخ - من صنع الرجال، حتى الرب في السماء أب للجميع، ~~والأنبياء رجال تزينهم اللحى، الملائكة لا جنس لهم لكنهم يحملون أسماء الذكور، ويتخذون ~~هيئة فتيان ذوي وسامة، # 54 # وفي النهاية تتعلم الأنثى أن دورها الأهم هو أن تفتن قلب رجل لتصبح ~~زوجة. # ثم تشرع في الفصل الثاني في تحليل الخبرات المميزة التي تبدأ الطفلة الأنثى في ~~تلقيها لتصبح الفتاة الصغيرة تمهيدا لأن تصبح امرأة، يعرض الفصل الثالث لطبيعة الخبرة ~~الجنسية لدى المرأة والخلاف بينها وبين خبرة الرجل، وتتوقف في الفصل الرابع عند ~~السحاق، الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان «الموقف»، يبحث فصله الأول وضعية المرأة ~~في المجتمع من خلال مؤسسة الزواج، وفي الفصل الثاني الأمومة ثم الحياة الاجتماعية ~~على أساس أن الأسرة ليست مؤسسة منغلقة معزولة، ثم العهر والبغاء، يعرض الفصل ~~الخامس انتقال المرأة من النضج إلى الشيخوخة، تستجمع خلاصة كل هذا لتوجز في الفصل ~~السادس موقف المرأة وشخصيتها، إدراكها أن «العالم أساسا ذكوري، وأنها أدنى من ~~الرجل وأقل منه، يبدو الرجال كأنصاف آلهة، وتبدو المرأة أمامهم كطفلة أبدية، شأنها في ~~هذا شأن طبقة العمال والعبيد وسكان المستعمرات». # 55 # أما الجزء الثالث من الكتاب فيحمل عنوان «المبررات»، أي مبررات قبول المرأة هذا ~~الوضع، وكان الجزء الرابع والأخير «نحو التحرير» يبحث فصله الأول عن المرأة المستقلة، ~~فتؤكد أن تحرير النساء لا بد أن يكون حركة اجتماعية شاملة، وتنتهي إلى أن المؤشرات ~~الراهنة تشير إلى أن عصر تحرير المرأة آت، تبحث تجربة الاتحاد السوفيتي البائد في ~~المساواة بين الجنسين في التعليم والتدريب وفرص العمل، وانطلاق الحرية الجنسية في ~~العالم الغربي وتنظيم النسل وحق الإجهاض، ثم تشير إلى تنامي أعداد المرأة العاملة ~~المستقلة اقتصاديا، فلا ms34 يكون الزواج وسيلة للتعيش بل تشاركا بين طرفين متساويين، ~~لقد بات من الممكن تغيير القوانين والمؤسسات والأعراف والتقاليد والرأي العام، وستظل ~~المرأة هي المرأة، وتظل الاختلافات بين الطرفين، لكن بين ندين متساويين يتقاسمان ~~التجربة الحياتية. # 56 # ونظرا للنجاح الساحق الذي أحرزه كتاب «الجنس الثاني» أردفته سيمون دي بوفوار بآخر ~~أصغر حجما بعنوان «طبيعة الجنس الثاني»، يؤكد أكثر على رفض مقولة الحتمية البيولوجية ~~و«ضرورة النظر إلى الوقائع السيكولوجية في ضوء السياق الأنطولوجي والاقتصادي والاجتماعي ~~والسيكولوجي؛ لأن استعباد النوع لأنثاه وقائع بالغة الأهمية، أجل جسد المرأة عنصر ~~جوهري في وجودها في العالم، لكن الجسد وحده لا يكفي ... لن تكفي البيولوجيا أبدا للإجابة ~~على السؤال المطروح: لماذا تكون المرأة هي الآخر؟ ولا بد من اكتشاف كيف تخلق هذا في ~~سياق التاريخ.» # 57 # توقفت دي بوفوار عند التيارات السائدة في عصرها، التحليل النفسي والمادية التاريخية، ~~وأوضحت كيف يتماثل وضع المرأة مع وضع البروليتاريا في أنهما يتعرضان للقهر والوضع ~~الخاص، في حين أنهما ليسا أقلية بحال، كل فئة حط بها الظلم كانت أقلية، إلا النساء ~~والبروليتاريا، على أن البروليتاريا لم توجد إلا في العصر الحديث، أما النساء فهن ~~موجودات دائما خضوعهن للرجال ليس حدوثا لوضع اجتماعي معين أو حدث تاريخي ؛ # 58 # لذا لا تمثل النساء طبقة كي تواجه الطبقة الأخرى المتضايفة معها، إنهن ~~مشتتات في كل الطبقات، عبر أرجاء عالم يحكمه الرجل. # ثم تناولت انتقال الإنسان من الترحال إلى الزراعة وصياغة الوضع البطريركي في ~~العصور القديمة مرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة والثورة الفرنسية، وكيف حررت الآلة ~~العبيد والنساء، وأشارت إلى نسويات قدامى، واستعرضت الحركة النسوية في القرن التاسع ~~عشر. # ثم تناولت أحلام المرأة ومخاوفها والأوثان التي تعوقها، وقامت في الجزء الأخير من ~~الكتاب بتحليل وضعية المرأة في بعض الأعمال الأدبية البارزة. # أجادت فلسفة سيمون دي بوفوار تمثل وتمثيل الإشكالية النسوية، بلورتها ببساطة نافذة ~~حين أشارت إلى أنها تجلس لتكتب كتابا عن وضع النساء من منظور الفلسفة، في حين أنه لا ~~يمكن أبدا أن يجلس رجل ms35 ليكتب عن وضع الرجل من منظور الفلسفة، # 59 # لأن وضع الرجال هو الوضع الطبيعي ووضع النساء هو الاستثنائي والغريب ~~والمحتاج لأن تفسره الفلسفة، إذا تجاوز الدور الذي فرضه الرجل للأنثى في عالمه ومؤسساته ~~التي تحقق صالحه وهيمنته، # 60 # مما يعني أن الإنسانية هي الذكورية، والمرأة لا تتعين في حد ذاتها بل ~~في علاقتها بالرجل. # على أن سيمون دي بوفوار - كما هو معروف - أولا وأخيرا فيلسوفة وجودية، تأثرت ~~بنيتشه وشوبنهاور، وإن كان ليبنتز # W. G. Leibnitz ~~(1646-1716) موضوع أطروحتها للتخرج من السوربون، حيث قابلت جان بول سارتر العام 1930م، ~~وكون ارتباطهما معا معلما من معالم الوجودية في القرن العشرين، وعلى أساس من ~~وجوديتها كان طرحها لقضية المرأة، فاستفادت من الوجودية في رؤية الرجال والنساء بشرا ~~في مواقف عينية متجسدة، وبالطبع استفادت من مقولة الحرية المحورية في الفلسفة الوجودية ~~والعلاقات مع الآخرين وخبرة الجسد الحي والقلق والمسئولية ... إلى آخر منطلقات الفلسفة ~~الوجودية، # 61 # خصوصا الآخرية أو الغيرية # otherness ~~، ~~فكان سؤالها المبدئي: لماذا وكيف تمثل المرأة «آخر» بالنسبة للرجل، يعكس رغبات ومصالح ~~واهتمامات ومخاوف الرجل؟ وبحكم وجوديتها، تنكر المفهوم الأبدي الثابت للأنثى أو المرأة، ~~لكن جنس النساء يوجد دائما كمتمايز عن جنس الرجال، كجنس ثان، وقد بات من الضروري أن ~~تحارب النساء هذا الوضع الجائر مستعينات بالتوصيف الفينومينولوجي لخبراتهن الشخصية، ~~ليناضلن من أجل حقوقهن ككيانات بشرية كاملة، وليس كجنس ثان. # 62 # ومثلما استفادت الوجودية من الفينومينولوجيا، استفادت منها الوجودية النسوية، وثمة ~~تيار «النسوية الفينومينولوجية»، والواقع أن الفينومينولوجيا أبدت فعالية في تناول ~~قضية المرأة، إنها منهاج فلسفي يعمد إلى تحليل الخبرة الحية المعيشة في الواقع، وتخرج ~~إلى العموميات الغير متغيرة في كل الخبرات المتشابهة، من هنا كان استخدام ~~الفينومينولوجيا لتحليل الخبرة العينية للنساء التي تميزهن، ووعيهن بجنسهن ~~وجنوستهن. # وفي استيعاب النسوية لما بعد الحداثة، استفادت على وجه الخصوص من الفينومينولوجي ~~الفرنسي إيمانويل ليفيناز # E. Levinas ~~(1908-1995). # ظلت النسوية الفرنسية دائما متقدمة معطاءة، تتسم بمعالم خاصة تميزها إلى حد ما عن ~~النسوية في العالم المتحدث ms36 بالإنجليزية، إنها أكثر جنوحا إلى التنظير وإلى التفلسف، ~~وإلى الحوارات العميقة مع فلسفات أسبق، ومع التحليل النفسي، بشكل عام ناهضت النسوية ~~التحليل النفسي الذي يجعل الذكورة معيارا والأنوثة حيودا عنه، وناصبت فرويد العداء ~~على الرغم من أنه لم يوص بالنظام البطريركي بل فقط قام بتحليله. # على أية حال، لم يهتم العالم المتحدث بالإنجليزية ونسويته بالتحليل النفسي كنظرية ~~للعقل، بل فقط بمدى علميتها وقواها التفسيرية وشواهدها التجريبية، # 63 # أما النسوية الفرنسية فلها علاقة خاصة به، لا سيما مع جاك لاكان # J. Lacan ~~(1901-1981). إنه ~~صاحب قراءة تجديدية لفرويد، عن طريق تطبيق المنهج البنيوي في دراسة ظاهر اللاشعور كما ~~لو كانت تماثل الظاهرة اللغوية بنيويا، أو كانت هي ذاتها لغة، اهتمت النسوية الفرنسية ~~المحدثة بنظريات لاكان حول أصول الفروق بين الجنسين حتى جعلتها من أسس الوعي الأنثوي ~~والهوية الأنثوية، ولعل هذا بفضل الفيلسوفة والمحللة النفسية الاجتماعية لوسي إيرجاري # L. Irigaray ~~(1932م-؟) التي استفادت من لاكان ~~ومفهوم الخيالية # imaginary # لديه، جعلته جوهر العقلانية ~~ولم يعد معها مفهوما سيكولوجيا فحسب، بل أيضا اجتماعيا وثقافيا شاملا. # وكان هذا في سياق جهودها لكشف قصور وتحيز مفهوم العقل في الفلسفة الغربية، وتميز ~~العقل النسوي الراجع إلى أن الخيالية أكثر حيوية وحركية وخصوبة لدى المرأة. أمعنت ~~في تأكيد اختلاف النساء عن الرجال من خلال الإيغال في تحليل الخبرة الجنسية وأساليب ~~إجبار المرأة على كبت ميولها الجنسية، وربطت هذا بالتعبيرات اللغوية، حتى تميزت أعمالها ~~بجرأة شديدة جعلتها أقرب إلى الراديكالية التحررية. # لقد بحثت عن تآخ أو توحد بين جنس النساء أنكره التاريخ دائما كما أشارت سيمون دي ~~بوفوار، أرادت وضع المرأة من الخضوع إلى تأكيد الذات، والتحرر من هيمنة المنطق الذكوري، ~~واكتشاف المسار الممكن للأنثوية، وهي على أية حال تقدم مجرد تأويلات، ولا تقدم برامج ~~أو حلولا، وإذا ظل المرء داخل رمزياتها انتهى إلى أن الانحصار داخل اللاوعي وداخل ~~الحدود المفروضة على الأنثى، # 64 # ولن تنشأ الفلسفة النسوية الشاملة والمنشودة. # ليس التحليل النفسي أهم ما في الأمر، فالنسوية الفرنسية ms37 ترتبط في عقر دارها بما ~~استفادت منه إيرجاري وسواها، أي بأقوى تيارات ما بعد الحداثة التي رأيناها لحظة ذهبية ~~للنسوية ارتفعت بها إلى مدارج التنظير، شهدت - كما رأينا مثالا مع هاراوي - اختراق ~~الحدود التقليدية، بين النظرية والممارسة ... الفن والحياة ... المعياري والواقعي ... ثقافة ~~الصفوة وثقافة الجماهير ... الذات والموضوع ... إلخ، مما فتح الباب إلى ما هدفت إليها ~~النسوية دائما؛ أي خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، من أجل زعزعة الوضع التراتبي ~~للذكورة والأنوثة، تجلت ما بعد الحداثة مع فلاسفة فرنسا أمثال ليوتارد وأيضا بارت ~~وليفيناز ودريدا ... رولان بارت (1915-1980م) صاحب مقال «موت المؤلف»، وبالتالي ميلاد ~~القارئ المساهم في معنى النص، أما جان فرانسوا ليوتارد صاحب كتاب «الشرط ما بعد ~~الحداثي» الذي أشرنا إليه آنفا فهو أقدر من جسد روح ما بعد الحداثة، الروح التي ~~تستشعر الظلم والقهر والتفاوت والحروب والمجاعات ... إلخ المتفشية في العالم، والتي تعني ~~أن الحداثة لم تستطع تحقيق أهدافها ولم يعد من الممكن بعد كل هذا انتظار المستقبل ~~السعيد الذي وعدت به. # لقد وصلت الحداثة إلى طريق مسدود، يعني نهاية أفكارها ومنطلقاتها التي جسدها العقل ~~التنويري، نهاية أفكار التقدم الخطي المطرد نحو الحقيقة والمزيد من العدل والحرية، ~~ارتكانا على العقل والعلم الوضعي، ما بعد الحداثة ليست مرحلة محددة أو اتجاها ~~معينا، إنها منطق حضاري للحظة راهنة تنقض التسليم بكل هذا وبكل الأفكار المطلقة، ~~وتبحث عن البديل وما فات الحداثة ليجعل مشروعها فاشلا في تحقيق ما وعد به. # تركت هذه التوجهات النظرية العميقة لما بعد الحداثة في فرنسا تأثيرها على النسوية، ~~استفادت من «مركزية العقل» # logocentrism # مع جاك دريدا، ~~وتحولت مع النسوية إلى «مركزية العقل ~~القضيبي» Phallogocentrism # كتعبير أشد تجسيدا وقوقعة لفظاظة المركزية الذكورية # androcentrism ~~، بعد أن منح دريدا النسوية ~~مفتاحا جديدا لقراءة تفكيكية لنصوص الفلسفة الغربية، تكشف عن رفضها للاختلاف وعن ~~تحجيم الآخر. # لقد تعلمت النسوية من هذه الأطروحات الفرنسية بعد الحداثية، ما بعد البنيوية وتفكيكية ~~جاك دريدا ودولوز وحفريات المعرفة مع ميشيل فوكوه التي تكشف عن أبنية التسلط والإخضاع ~~المستترة ms38 في الأيديولوجيات السائدة ... تعلمت تقويض النظم المعرفية وإعادة تشكيلها ~~والاهتمام بالقضايا المهملة في الفلسفة التقليدية أو تلك التي تم تبخيسها من قبل ~~الفلاسفة، وبات لزاما أن يتوقف الفكر عن التفكير في ذاته أو تمثيل ذاته وتجسيدها عن ~~طريق بحثه عن حقيقة مشابهة أو متطابقة معها، عليه الانتقال إلى الاهتمام بكل ما هو ~~خارجه ومختلف عنه، كي تصبح الفلسفة مكونا من مكونات الحياة. # وفي ذلك دعوة لفتح بقية العلوم الإنسانية على ما استثنته وهمشته وبخسته، # 65 # وكان هذا أكثر من مؤات للمرأة وللنسوية؛ لأن القضية هي أنها طويلا ما ~~بخست وهمشت من قبل الفكر والفلسفة والتفكير العلمي. # إن العقلية الفرنسية ذات فضل سابغ على النسوية، وقد جدت في توظيف مقولات فلسفية ~~كبرى من أجلها، ويكفي أنها الوريثة الشرعية لسيمون دي بوفوار، الأم الكبرى للحركة ~~جميعا وللفلسفات النسوية المعاصرة بأسرها، وظلت النسوية الجديدة في فرنسا تعنى بقضايا ~~الموقف العيني امتدادا للمؤثرات الوجودية العتيقة، أما النسوية الراديكالية في ~~العالم المتحدث بالإنجليزية فتختلف عن الفلسفة الوجودية اختلافا جذريا، يتمثل في ~~أنها لا تهتم بالخبرة العينية الفردية، بل بالتنظيرات الكبرى، باللغة والعقل والمعرفة ~~... ومن هذا المنطلق كانت نشأت الفلسفة النسوية في السبعينيات التي أدت إلى فلسفة العلم ~~النسوية، لم يعد الأمر مجرد توظيف عميق لأثقل المقولات الفلسفية في خدمة القضية النسوية ~~والفكر النسوي، بل خلق فلسفة نسوية أصلا. # ولئن كانت الحركة النسوية في القرن التاسع عشر تبحث عن صورة جديدة متطورة للمرأة، فإن ~~الفلسفة النسوية في الثلث الأخير من القرن العشرين، تبحث عن صورة جديدة متطورة للحضارة ~~وبنياتها العقلية، وفلسفة العلم النسوية بدورها تبحث عن صورة جديدة متطورة للعلم ~~والممارسات العلمية. # في العالم المتحدث بالإنجليزية غلب على الفلسفة أن تكون نشاطا بعديا، يبحث في ~~المفاهيم والمناهج، رافعا يده تماما عن العالم النابض الحي المعيش، وبالتالي لا علاقة ~~للفلسفة البتة بالجنس والجنوسة ما لم يكونا محض مقولات نظرية أو منهجية. وكان لقيام ~~الفلسفة النسوية على أساس هذين المفهومين وقرائنهما واقتحام النسوية للفلسفة تأثيره ~~الجذري على الفكر ms39 النسوي وعلى الفلسفة كليهما، إنها محاولة لإعادة صياغة المفاهيم ~~والإفلات من المنظور المهيمن، ما دامت الفلسفة الغربية قد سارت طوال تاريخها محكومة ~~بالخبرة الذكورية والانحياز الذكوري. # 66 # لا تنطوي الفلسفة النسوية بفروعها المختلفة على مدرسة محددة المعالم، ومنظومة من ~~المسلمات والمعتقدات، بقدر ما هي اتجاه نقدي يتفرع فروعا عديدة، تتفق على نقض المركزية ~~الذكورية، وتختلف في استراتيجيات تحقيق هذا الهدف، تختلف الفيلسوفات النسويات فيما ~~بينهن مثلما يختلف الفلاسفة الرجال. # إن الفلسفة النسوية منطلق وموقف مبدئي ونظرة نقدية تصل إلى نقد الميتافيزيقا ~~الغربية التي ساهمت بمجامعها في خلق الكون الذكوري وثنائية الروح والجسد ... العقل ~~والعاطفة ... الفكر والواقع ... الإنسان والطبيعة ... إلخ هذه الثنائيات، التي طالما شقت ~~وأشقت الفكر الغربي، الهدف منها إعلاء قيمة الطرف الأول (المرتبط بالذكورية) وبخس ~~قيمة الطرف الثاني (المرتبط بالأنثوية)، وآن الأوان للإطاحة بها، المنظور النقدي هو ~~المعلم المميز للفلسفة النسوية، وهي بهذا لا تعبر عن نظرة خاصة بالنساء، بل عن نقد ~~لما هو عام وشامل للبشر أجمعين. # فهي - كما أشرنا - لا تزعم أن النساء يمتلكن الحقيقة، بل فقط أن الرجال لا ~~يستأثرون بها. وهكذا بفضل المنظور النقدي تقدم الفلسفة النسوية نظرة أكثر موضوعية ~~وأقل انحيازا قادرة على تعيين ما هو خطأ في التيار السائد. # ورب قائل: إن الفلسفة بأسرها نقدية، أجل لكن النقد النسوي ينطلق من موقف معين مفطور ~~في الحياة ومحجوب دائما، الموقف النسوي ينطوي على تغيير شامل في النظرة يكشف عن أبعاد ~~في الكون أوسع من تلك التي يكشفها المنظور الذكوري فقط، منطلق الفلسفة النسوية أن ثمة ~~خبرة ثمينة تمتلكها خصوصيات المرأة، بدونها لا يظفر الرجال أنفسهم برؤية متكاملة ~~متوازنة، آن الأوان لرفع النقاب عنها، وفي هذا قد نجد ما هو عادي وشائع ويبدو لا علاقة ~~له بالفلسفة قد يدخل في صميم الفلسفة. # 67 # هكذا تخلقت الفلسفة النسوية عن محاولات عميقة للإجابة عن التساؤلات الأولية جدا ~~للنسوية بشأن المساواة وهوية المرأة والتراتبية الهرمية للجنوسة والجنسانية # Sexism ~~(الجنسانية أو التحيز الجنسي تعني هيمنة أحد ~~الجنسين والتحيز له ms40 في سائر الأبنية والمؤسسات فقط بسبب جنسه، وغالبا ما يكون هذا ~~التحيز لصالح الذكور طبعا). # وتبدأ بمرحلة نقدية لأمهات كتب الفلسفية، في إعادة قراءة وفحص وتأويل لتاريخ الفلسفة ~~واستجوابه لفضح انحياز ذكوري يشوهه، ومعرفة العوامل التي أدت إلى تهميش المرأة، وسبر ~~أعماقه للكشف عن دور للمرأة في الفلسفة جرى تجاهله أو إنكاره. # تأسست «جمعية المرأة في الفلسفة» في أمريكا التي شكلت مشروعا ضخما للتنقيب عن ~~تاريخ النساء الفيلسوفات لتعيين إسهاماتهن من خلال بحث دقيق أبحر إلى أقدم العصور، كان ~~المسلم به أن النساء في العصور القديمة ليس لهن أية اهتمامات تتجاوز تدبير ~~المنزل. # وكشفت البحوث عن نساء في عصر فيثاغورث (القرن السادس قبل الميلاد) اهتممن بتطبيق ~~مفهومه عن التناغم أو الانسجام # Harmony # في بناء وتسيير ~~الدولة، ثم الأسرة باعتبارها نموذجا مصغرا للدولة، وناقشن الطريقة التي يمكن أن ~~تطبق بها النساء هذا المبدأ على الجوانب الأخرى لحياتهن اليومية، ولم تكن هذه نظرية في ~~تدبير شئون المنزل، بل نظرية أخلاقية تطبيقية. # 68 # وفي حرص الراديكالية على إثبات تميز المرأة عنيت المناهج المطروحة بإبراز الاختلاف في ~~إسهام النساء الفلسفي، ولاحظت أن هذا الإسهام لم يعكس أبدا القضية النسوية، ووجدت ~~مادة البحث في شذرات متناثرة ورسائل متبادلة وسير حياة الفلاسفة العظام وقصائد وعظات ... ~~وبالنسبة للعصر الوسيط وجدوا في مقتنيات الأديرة مددا وفيرا، لقد تواصل البحث إلى ~~بقية عصور الفلسفة. # ثم تنتقل الفلسفة النسوية من المرحلة النقدية والتمحيصية إلى بناء نظريات عن الوعي ~~الأنثوي بالذات، سارت المشروعات الفلسفية النسوية في سبيل تحدي أبرز الافتراضات ~~الفلسفية الجوهرية، وتقديم بدائل شديدة التفصيل، بدأت ما يسمى بفروع الفلسفة اللينة ~~السهلة وهي السياسة والأخلاق والجمال. # ومع الثمانينيات كانت قد وصلت إلى كبد الحقيقة وقلب الأوضاع من جذورها، حين تطرقت ~~إلى ما يسمى بفروع الفلسفة العسيرة الشاقة وهي الميتافيزيقا والإبستمولوجيا ~~والميثودولوجيا وفلسفة العلوم. ~~(10) نشأة فلسفة العلم النسوية # في تلك السنوات الطافحة بالمد النسوي، بدأت الإسهامات في هذه المجالات تظهر في ~~الدوريات والمجلات الفلسفية. ثم قامت الفيلسوفة الأمريكية ساندرا هاردنج (1935م-...) ms41 بمشاركة ميريل هينتيكا بتجميع الإسهامات في مجلد بعنوان «اكتشاف الواقع: المنظورات ~~النسوية للإبستمولوجيا والميتافيزيقا والميثودولوجيا وفلسفة العلم»، صدر العام 1983م، ~~ليعد عام الميلاد الرسمي لفلسفة العلم النسوية، ثم كانت بداية نضجها اللافت مع كتاب ~~هاردنج الخطير «سؤال العلم في النسوية» (1986م). ولا تزال هاردنج أعلى فيلسوفات العلم ~~قامة وأرفعهن شأنا وأغزرهن إنتاجا، # 69 # وهي التي جعلت فلسفة العلم النسوية تقف على قدميها وتمضي قدما. يمكن ~~القول إنها المؤسسة، لولا أن الحركة أوسع من أن يؤسسها فرد فريد، فضلا عن نفورها ~~المبدئي من المركزية والتراتبية الهرمية. # يعبر العنوان الأصلي للكتاب «اكتشاف الواقع» عن هدف الفلسفة النسوية بأسرها، أي رفع ~~النقاب عن الجوانب الأنثوية التي ظلت دائما مطمورة ومهمشة بفعل الهيمنة الذكورية. ~~أما العنوان الفرعي «المنظورات النسوية للإبستمولوجيا والميتافيزيقا والميثودولوجيا ~~وفلسفة العلم» فهو بالغ الدلالة؛ إذ يخبرنا بادئ ذي بدء أن فلسفة العلم النسوية تعني ~~منظورات مستجدة من زوايا مختلفة عما عهدناه في فلسفات العلم التقليدية؛ بل وتيار ~~الفلسفة الغربية بأسره. فلا نتوقع أن تكون فلسفة العلم النسوية منظومة من الفروض أو ~~القضايا تتفق عليها النساء جميعا أو فيلسوفات العلم بأسرهن، بل هي مداخل ومنطلقات ~~مستجدة. # من ناحية أخرى لها مغزاها يصادر هذا العنوان الفرعي على أن فلسفة العلم النسوية لا ~~تنفصل عن الميتافيزيقا، فيبدأ في فصله الأول بميتافيزيقا المعلم الأول أرسطو الذي ~~جاهر بأن المرأة ليست حيوانا عاقلا، ويواصل نقد الميتافيزيقا الغربية التي لم تأخذ ~~المرأة أبدا في اعتبارها، وساهمت بمجامعها في الكون الذكوري، وصولا إلى العلم الحديث ~~ليثبت أن الفيزياء ذاتها لم تكن أبدا بمعزل عن تأثير الجنوسة والجنسانية، فالعلم في ~~النهاية صنيعة بشر يعيشون في أزمنة معينة وأمكنة محددة، فعكست أنماط التفكير لديهم ~~أنماط التفكير السائدة في مجتمع واسع يعيشون فيه؛ وبالتالي ثمة مساحة عريضة من التشارك ~~بين التفكير العلمي وبين أيديولوجيا المجتمعات التي أنتجت العلم، والتي هي أيديولوجيا ~~ذكورية. وكان على فصول الكتاب استئناف المسير إلى مجالات البيولوجيا والنظرية التطورية ~~والبيولوجيا الاجتماعية، يحاربن فكرة التنافس والبقاء للأصلح في ms42 الداروينية التي أدت ~~إلى اليوجينيا، ثم أتى المد النسوي تلقائيا وطبيعيا ومواتيا أكثر في العلوم ~~الاجتماعية ... ولم تكن المسألة في كل هذا مجرد طرح رؤى نسوية بجانب الرؤى الذكورية ~~لتظفر المرأة بالمساواة، بل استجواب وتحد وإعادة طرح نموذج إرشادي - براديم # paradigm # جديد # 70 ~~- لا يلغي القيم الذكورية الموضوعية والتحليلية والعقلانية التجريبية ... بل ~~يعمل على التكامل بينها وبين القيم الأنثوية. # هكذا نشأت فلسفة العلم النسوية على أساس تفسير ظاهرة العلم الغربي في سياق الجنوسة ~~وتأثيرها على مفرداته ومشاريعه ولغته ومضامينه، كمعالجة نقدية جذرية. لقد تم هذا في ~~الأدب والفنون والنقد الاجتماعي والأنثروبولوجيا والنظرية السياسية، وتكفلت فلسفة ~~العلم النسوية بإنجازه في أخطر المجالات ... العلم الحديث. # ومن المثير للسخرية أن العلم الذي يزهو بأنه التفكير العقلاني النقدي، ينفر من مثل ~~هذا النقد له. وتحت شعار يزعم أن العلم هو العلم، لم يرحب فلاسفة العلم في البداية ~~بهذا، لكن الفلسفة النسوية استطاعت في فترة وجيزة من عمرها القصير الكشف عن جنوسة ~~العلم، وحاولت فهم الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية التي تستبقي ~~العلم جنسانيا، وليس شاملا لأبعاد التجربة الإنسانية بأسرها أو بجانبيها، # 71 # كما ينبغي أن يكون. # وقد توصم النسوية في فلسفة العلم بأنها هامشية وليست في صميم موضوعها كما هو حال ~~النسوية في الميادين الأخرى، # 72 # وليس الأمر هكذا البتة، ذلك أن العلم على رأس المؤسسات التي اعتبرت كل ما ~~هو أنثوي - كالعاطفة والحنو والشعور والانفعال وعمق الارتباط بالآخر ... - ضد العلم، ولا ~~علم ونقيض للعلم، حتى بات العلم بقيمه الذكورية الخالصة خشنا جافا يوضع كنقيض ~~للإنسانيات، في حين أنه أكثر إنسانية من أي منشط آخر، وهو المحتاج أكثر من سواه لكشف ~~النقاب عن الأنثوية فيه. ومن الناحية الأخرى نجد أنه مع وضع الصدارة الذي يتبوءه ~~العلم في الحضارة المعاصرة، كان اشتباك النسوية معه طويلا عريضا متعدد الأبعاد ~~والمرامي، وفضلا عن فلسفة العلم اشتبكت به الحركة النسوية في الإطار الأولي لمجرد ~~البحث عن حقوق للمرأة. ويمكن حصر أهداف النسوية فيما يتعلق بالعلم كالآتي: # 73 ~~(1) # تبيان ms43 أن النساء قادرات على ممارسة العلم، عن طريق إعادة قراءة تاريخ ~~العلم، والتنقيب عن دور المرأة فيه، مثلما حدث مع الفلسفة، جريا على نهج ~~النسوية بإعادة قراءة تاريخ الحضارة وقصة العقل. إن إعادة قراءة تاريخ ~~العلم من العناوين الكبرى في فلسفة العلم النسوية. # 74 # وثمة محاولات دءوبة للكشف عن دور النساء العالمات المجهول، ~~بدءا من اللائي لاقين الظلم أو الإهمال في العصور القديمة، وصولا إلى ~~عالمات معاصرات مثلت أنوثتهن عائقا يحول دون اكتسابهن حقوقهن كاملة، ~~مثل روزاليند فرانكلين، التي كان لها دور حاسم في اكتشاف التركيب المزدوج ~~للشفرة الوراثية، وماتت في منتصف العمر بسرطان في المبايض، ولم يتم ~~الاعتراف بدورها الكبير. وخرجت دوائر معارف وموسوعات مهيبة عن النساء ~~العالمات عبر تاريخ العلم. # 75 # إنه فحص نقدي وإعادة قراءة وتأويل لمجمل قصة الفلسفة وقصة ~~العقل وقصة العلم وقصة الحضارة. وتستشهد النسوية أيضا بالواقع العلمي ~~الراهن الذي يبين أن نساء كثيرات، وليس فقط الاستثنائيات كماري كوري، ~~يساهمن في كل مستويات العلم، من المساعدات الفنيات إلى الباحثات ~~المستقلات والمنظرات الرائدات. وثمة غاية أخرى لهذا من أهم أهداف فلسفة ~~العلم النسوية، وهي إبراز تأثير أنوثة العالمات على أبحاثهن وإنجازاتهن، ~~كما سنرى في الإبستمولوجيا النسوية، تحقيقا للهدف الأولي للموجة الجديدة، ~~وهو اكتشاف الذات الأنثوية. ~~(2) # إزاحة العقبات التي تعوق النساء عن الإسهام في العلم، وحتى يوم الناس هذا ~~ما زالت العراقيل توضع في أمريكا أمام ~~اقتحام المرأة مجالات البحث العلمي الرفيع، خصوصا في العلوم الفيزيائية ~~والهندسية. # 76 # تقول ليندا جين شيفرد: «أجل انشغلت كوكبة من النسويات بالسؤال ~~عن سبب قلة عدد النساء في العلم، أما أنا فأندهش من كثرة عددهن، بالنظر ~~إلى القيود التي كانت مفروضة على التعليم، قواعد المجتمع وضغوطه، السقف ~~الزجاجي الذي يعوق التقدم في المسار المهني، الأجر الضعيف (حتى وقت حديث ~~يصل إلى العام 1948م، كانت النساء العالمات في الفلك والفيزياء يتقاضين فقط ~~ربع ما يتقاضاه نظرائهن الرجال)، افتقادهن لتقدير الجمعيات العلمية ~~المهنية، الاستقبال البارد من جانب زملائهن الرجال أو رفضهم التام لهم ms44 ~~كأنهن «أمساخ شائهة»، استبعادهن من التواصل الرسمي والتضحيات الشخصية ~~المطلوبة.» # 77 ~~(3) # تصحيح المعلومات الخاطئة عن بيولوجيا المرأة. وقد عمل العمل في القرن ~~التاسع عشر على ترويجها ليحول دون المرأة وممارسة العلم. والآن تتواتر ~~المكتشفات العلمية التي تنقض كل هذا، وتبين حدود الفروق العقلية بين ~~الجنسين، وأن عقل المرأة مهيأ لممارسة العلم، وأن خصوصياتها البيولوجية ~~كالطمث والحمل وسن اليأس لا تنال من قدرة العقل. فضلا عن بعض المكتشفات ~~التي ترجح كفة المرأة، أو على الأقل تثبت أنها كائن جوهري وليست البتة ~~مخلوقا من الدرجة الثانية كما افترضت الذكورية طوال التاريخ. لن نتحدث ~~عن النعجة دوللي التي ولدت دون الحاجة إلى ذكر. فقد جرى - مثلا - اكتشاف ~~نوع آخر من الجينات موجود خارج النواة، داخل بعض أجزاء السيتوبلازم، ~~تسمى الميتوكوندريا أو الحبيبات الخطية، هذه الجينات لا تورث إلا ~~من الأم وحدها وليس من الأم والأب معا كما يحدث في الجينات الموجودة داخل ~~النواة، وبالتالي يمكن بواسطة دراسة جينات الميتوكوندريا الوصول إلى تسلسل ~~نسب الأمهات حتى نصل إلى أول امرأة بدأ بها العرق أو العشيرة، # 78 # لتكون الأنثى هي الأصل. لسنا في حاجة للخوض في شطط الراديكالية ~~التحررية، ويكفي فقط رفع الغبن عن المرأة. ~~(4) # نقد قيم العلم وأهدافه ومعاييره ومحركاته ومناهجه وممارساته ... # ويمكن ملاحظة أن الوظيفة الرابعة تشتبك مع فلسفة العلم بمفهومها التقليدي ~~أو الوضعي، أما الوظائف الثلاث الأسبق فهي المتوشجة بفلسفة العلم في ~~مرحلتها البعد وضعية وتطوراتها الراهنة التي سيعرضها الجزء التالي ~~(11). # وتوضح ساندرا هاردنج أن فلسفة العلم النسوية تشكلت من التقاء وتجادل ثلاث مقاربات ~~نسوية - تبدو بناء على ما سبق واضحة جلية - وهي التجريبية النسوية والموقف النسوي وما ~~بعد الحداثة النسوية. # التجريبية النسوية # Feminist Empiricism # ترى أن ~~التجريبية التقليدية في فلسفة العلم؛ أي الوضعية وامتداداتها وتطوراتها، عملت على إقصاء ~~العلم عن البنية الاجتماعية والمؤثرات الثقافية، وسارت محكومة بكراهية الفلاسفة ~~الوضعيين لفكرة التشكل الاجتماعي للمعتقدات العلمية. إنها تجريبية رديئة في زعمها تحلل ~~العلم من القيم ومن مقتضيات الواقع العيني. تعلن النسوية الثورة عليها ms45 حتى تنادي ~~ساندرا بارتكي # S. Barteky # في تطرف بعدم التصالح ~~مطلقا معها. ومن أجل الخروج من إسارها، عمدت التجريبية النسوية إلى الفيلسوف المنطقي ~~الكبير فيلارد فان أورمان كواين # W. V. Quine ~~(1908-2000م) - كان موضوع رسالة ساندرا هاردنج للدكتوراه - وإلى الاستعانة بعمله الشهير ~~«عقيدتان في التجريبية» (1951م). هاتان العقيدتان الجازمتان # Dogma # هما: # تقسيم القضايا إلى تحليلية منطقية وتركيبية تجريبية. # الردية أو الاختزالية # Reductionism # التي ~~تعني أن كل جملة تجريبية ذات معنى قابلة للرد إلى وقائع وخبرات ~~تجريبية. # القضيتان يتجاهلان أثر العوامل الأخرى في تشكيل التجريبية، ويمثلان سياجا منيعا ~~يحول دون هذا، مما دعا كواين إلى تجاوزهما واقترح بديلا عنهما يتمثل في البرجماتية ~~والسلوكية. رأت النسوية أن كواين، حاول هجران الأسس الوضعية تماما وفشل في ذلك. قطع ~~نصف الطريق نحو الخروج من إسار التجريبية البائدة، ولم يسر فيه حتى غايته، وهذا ما ~~تفعله التجريبية النسوية للخروج التام من الإسار الوضعي. تأخذ من كواين تقويض العقيدتين ~~اللتين نزعتا المعرفة التجريبية عن سياقها الاجتماعي؛ مما أعان فلسفة العلم التقليدية ~~على فصل الميتافيزيقا والقيم وسوسيولوجيا العلم عن نظرية ~~المنهج العلمي، وبالتالي قمع العلاقات الداخلية بين ~~الظاهرة العلمية والأبنية الاجتماعية الأخرى. تأخذ منه أيضا البرجماتية، لكن ترفض ~~السلوكية. # 79 # وبهذا يمكن مواصلة المسيرة النسوية ومعالجة العلم بوصفه منخرطا في البنية ~~الثقافية للكشف عن مؤثرات الأيديولوجيا والمتواضعات الاجتماعية وتصويبها، وبالتالي ~~الحصول على منظور للتجريبية أشمل، أكثر توازنا ونفعا. # ويتم ذلك بواسطة المقاربة الثانية، وهي الموقف النسوي # Feminist Standpoint # النازع إلى فضح الانحياز الذكوري، والقراءة النقدية ~~للنصوص لكشف جوهر الحيود. فتأخذ فلسفتهن بنصية # textuality # العلم؛ أي النظر إلى المحصلات العلمية كنصوص وإمكانية قراءة ~~النصوص العلمية للكشف عما بها من تحيزات ذكورية. الموقف النسوي - كما ترى هاردنج - ~~ينبثق عن رؤية هيجل للعلاقة بين السيد والعبد التي اتسع نطاقها في أعمال ماركس، ~~وتطورت على يد إنجلز وجورج لوكاتش، ومفاده أن سيادة الرجل للحياة الاجتماعية أدت ~~إلى انحياز في الرؤية وقصور في النظرة ساد سائر الأبنية الثقافية، ومنها العلم، فجعلته ~~أحادي ms46 الجانب قاصرا على الذكورية. يعمل الموقف النسوي على تقديم المنظور الأنثوي ~~والقيم الأنثوية لتتكامل معها. أما المقاربة ما بعد الحداثية النسوية فتعني فحص ~~وصياغة مفاهيم العقلانية والموضوعية والصدق والبينة ... إلخ. وفي ارتباط ما بعد الحداثة ~~النسوية بما بعد الاستعمارية في فلسفة العلم النسوية، سنجدها فلسفة تناهض المركزية ~~الذكورية وسطوة الرجال من حيث تناهض المركزية الأوروبية والعنصرية والاستعمارية ~~والطبقية والرأسمالية وسائر الأنماط التراتبية الهرمية التي تبخس أطرافا لمصلحة مركز ~~أو سيد. # هكذا كانت فلسفة العلم النسوية نقدا للتسليم بالفلسفة السائدة للعلم، التي تشارك في ~~الجريمة التنويرية، جريمة اعتبار الرجل الأبيض العقلاني هو المثال الأعلى والمحك ~~والمعيار لقيم التقدم، وبالتالي تشارك في جريمة الدمار البيئي الراهن وجريمة إخفاق ~~مشاريع التنمية في العالم الثالث. العلم يستخدم الآن لمناصرة اتجاهات رجعية أو ضارة ~~بالبيئة أو أفعال تعصف بإنسانية الإنسان. ممارساته وتطبيقاته متمركزة حول القيم ~~الذكورية والرمزية الجنوسية والتقسيم الجنوسي للعمل. العلم بهذا ليس جنسانيا فقط، بل ~~هو أيضا عنصري وطبقي وقاهر للثقافات الأخرى. كانت المرأة بوصفها آخر خارج هذه الثقافة ~~القاهرة، مما ساهم في جعلها غشوم. والآن تتحدى فلسفة العلم النسوية هذه البنية في صميم ~~جذورها. # 80 # إن فلسفة العلم النسوية بعد الحداثية بعد التنويرية قد تحررت من النظرة التقديسية ~~للعلم بوصفه الكيان الفائق كامل النعمة شامل الحكمة، وتعالجه من حيث إنه كأية فعالية ~~إنسانية يمكن دائما أن تكون أفضل، كأية مؤسسة اجتماعية ناجحة، مثل الزواج أو الصرف ~~الصحي أو نظام التأمينات والمعاشات، تستمر لنجاحها الوظيفي في أداء المهام المنوطة بها، ~~ويمكن جعلها أكفأ. العلم بكل إيجابياته وما أحرزه من نجاح طبق الخافقين، لا يقل ولا ~~يزيد عن أية بنية ثقافية أخرى في الحضارة الغربية البطريركية، هو مؤسسة اجتماعية موسومة ~~بالمركزية الذكورية والجنوسة والجنسانية، يكون أفضل لو أنه عولج من غلواء هذا. على أن ~~فلسفة العلم بدورها كانت مشهورة - خصوصا بفضل الوضعية المنطقية - بقيودها المنطقية ~~الميثودولوجية الصارمة، فكيف اتسعت لمثل هذا النقد النسوي؟ ~~(11) فلسفة العلم تفتح الباب للنسوية # أجل، العلم أقدم عهدا من التاريخ، ms47 بدأت إرهاصاته مع الإنسان البدائي في العصر ~~الحجري، وألقيت أصوله في الحضارات الشرقية القديمة، وقام الإغريق بدورهم في صياغة الأسس ~~النظرية، وشهد مرحلة توهج فردية في العصر السكندري، وجاء الدور العظيم الذي قامت به ~~الحضارة الإسلامية ... ثم انبثق العصر الحديث ليغدو العلم الحديث مرحلة شديدة التميز ~~والتألق من مراحل العلم، فقد أصبح نسقا نظاميا يقطع بخطى واثقة طريق التقدم بمعدلات ~~متسارعة، ليمثل حالة فريدة من النجاح لا عهد للبشر بها من قبل، ويتصدر باقتدار وامتياز ~~مسيرة المعرفة الإنسانية. # وفي هذا الإطار وفي أواسط القرن التاسع عشر - عين أوان نشأة وتنامي النسوية - نشأت ~~فلسفة العلم كامتداد لسؤال الإبستمولوجيا العريق حول المعرفة وطبيعتها وحدودها ... إلخ، ~~فأصبح سؤال الإبستمولوجيا المتمثل في فلسفة العلم هو السؤال حول عوامل هذا النجاح ~~وحيثياته ومبرراته. وكانت الإجابة في المنهج التجريبي الذي هو منطق التفاعل بين العقل ~~والحواس، أو بين النظرية والمعطيات التجريبية. هكذا اقتصرت فلسفة العلم على النظرة إلى ~~العلم من الداخل، لتتمثل فقط في منهجه ومنطقه. # تجسد هذا في النزعة الاستقرائية # inductivism # التي ~~سادت وعلا نجم فيلسوفها الشهير جون ستيوارت مل - نصير النسوية الكبير. إن النزعة ~~الاستقرائية تعني النزعة الوضعية كتفسير مكتمل لظاهرة العلم، إنها تنظر إلى النسق ~~العلمي من الداخل بوصفه نسقا واحدا ووحيدا، هو فاعلية تخصصية مستقلة محكومة فقط ~~بالأدوات والإبستمولوجية كاللغة الرياضية والملاحظة والتجربة ودقة التنبؤ والتفسير ... ~~ويغدو تاريخ العلم وأبعاده الاجتماعية والحضارية والقيمية، غير ذات صلة ~~بالموضوع. # في القرن العشرين توطد هذا بفعل هيلمان الوضعية المنطقية # Logical Positivism ~~، وليس فينا من ينكر دورها في توطيد أسس فلسفة ~~العلم، لكنها كانت فلسفة علمية تجريبية متطرفة، قصرت فلسفة العلم والفلسفة بأسرها على ~~محض تحليلات منطقية للقضايا العلمية، مجردين الفلسفة من آفاقها الرحيبة وأبعادها ~~العلمية، وشنوا حملة شعواء على ربيبة الفلسفة المدللة: الميتافيزيقا. فقد نزعت ~~الوضعية إلى تجريبية مطلقة لا ترتبط بسواها، ونسق علمي فوق هامات الأنساق الأخرى، بل ~~وعلى أشلائها، لا سيما أشلاء الميتافيزيقا. وأمعنت في تنزيه فلسفة العلم من التفسيرات ~~الاجتماعية والتاريخية والقيمية، ms48 ورأت العناية بهذه التفسيرات قد تكون انشغالا بالعلم، ~~ولكنها تخرج عن إطار فلسفته التي تتحدد فقط بالمعايير المنطقية. وفلسفة العلم في كل هذا ~~تكون أقوى تمثيل لمثل الحداثة والتنوير. # وكان كارل بوبر # K. Popper ~~(1902-1994) أهم فلاسفة ~~العلم في النصف الثاني من القرن العشرين، نقل فلسفة العلم من منطق التبرير إلى منطق ~~الكشف والتقدم، وحمل بوبر لواء العصيان والنقد الحاد للوضعية المنطقية وفتح الطريق ~~للخروج من غلوائها، مؤكدا أن فلسفة العلم ليست محض تحليلات منطقية، بل هي فلسفة ~~الفعالية الحية والهم المعرفي للإنسان، الميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض ~~الخصيبة. العلم أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دوما للتكذيب ~~والتعديل والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة دورا أساسيا في رسم قصة ~~العلم المثيرة التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم. والتقدم العلمي لا تفسره إلا ~~الثورة، بمعنى التغير الجذري لبدء دورة معرفية جديدة. وعلى الرغم من أن بوبر فسر هذا ~~التقدم/الثورة فقط بقابلية العلم للاختبار التجريبي والتكذيب؛ أي ما زال مقتصرا على ~~النظرة إلى العلم من الداخل وما زال حاملا لمثل التنوير، إلا أنه فتح الطريق ~~لإمكانية الخروج منها. # فقد التقط توماس كون # T. Kuhn ~~(1922-1996) أيقونة ~~الثورة من كارل بوبر، وأقام تفسيره لتاريخ العلم على أساس من مفهوم الثورة التي هي ~~انتقال من براديم أو نموذج قياسي إرشادي Paradigm # إلى ~~آخر ... وذلك في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» (1962م) الذي يعد بمثابة ~~الإعلان الصريح للربط الوثيق بين فلسفة العلم وتاريخه. يعني هذا أن العلم ليس نسقا ~~واحدا ووحيدا، فهو ظاهرة اجتماعية متغيرة عبر التاريخ الإنساني، وتتدخل في هذا ~~العوامل الخارجية الثقافية والحضارية والأيديولوجية؛ لأن العلم ذاته لا ينفصل عن ~~أيديولوجيا خاصة به. وكان هذا خروجا من أطر المثال ~~الحداثي التنويري، مثال نسق العلم الواحد والوحيد ~~وإلغاء التعددية الثقافية في عالمه؛ وبالتالي كان مقدمة ضرورية لفلسفة العلم النسوية ~~التي هي شديدة الامتنان له، حتى عدت فلسفة كونية؛ أي لا تفهم إلا في إطار الطريق ~~الذي شقه توماس كون. ms49 إنهن يقسمن فلسفة العلم بأسرها إلى ما قبل كون، وفلسفة العلم ~~بعد كون، مصطلح ما بعد الكونية Post-Kuhnian # أساسي ~~في فلسفة العلم النسوية، من حيث كانت مصطلحات ما بعد التنويرية وما بعد الحداثة وما بعد ~~الاستعمارية أساسية في الفلسفة النسوية بعامة. # تكفل بتوطيد الربط بين تاريخ العلم وفلسفته أخلص تلاميذ بوبر، الفيلسوف المجري ~~إيمري لاكاتوش # I. Lakatos ~~(1922-1974) وصاغ المبدأ ~~النافذ: فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء. ثم يأتي ~~رفيقه بول فييرآبند P. Feyerabend ~~(1924-1994) ليبرز ~~أهمية النظريات القابعة في تاريخ العلم وقدرتها على إخصاب الواقع العلمي الراهن، ويتكرس ~~لتأكيد التعددية المنهجية، وتأكيد النسبوية # Relativism ~~، واللامقايسة # incommensurability # بمعنى عدم قابلية النظريات العلمية المتتالية للمقارنة والخضوع للمعايير ~~نفسها والحكم عليها بالمقاييس نفسها، كل نظرية لها دورها ومكانها في تاريخ العلم، ~~والحكم عليها ليس البتة في إطار قيمتي الصدق والكذب، بل يجب أن يكون بالنسبة لسياقها، ~~لظروفها وتحدياتها؛ لأن النظرية العلمية في جوهرها محض طريقة للنظر إلى العالم، توضع ~~بجوار طرق أخرى. وبالتالي نادى فييرآبند - أجرأ نقاد العلم الغربي - بأن يكون العلم ~~شكلا من أشكال عديدة للمعرفة يتسع لها جميعا المجتمع الديمقراطي الحر. يؤكد أن ~~العلم ليس نظاما مقدسا يستلزم الكفر بما خالفه. وحارب بضراوة شوفونية الروح ~~العلمية والمعرفة العلمية، حين تنفي ما عداها من صنوف المعرفة. ورأى مثل هذا محض ذريعة ~~استعمارية لأسطورة الغرب المتفوق، الغرب المعيار، وقهر الحضارات الأخرى باسم العلم. ~~وسنجد فلسفة العلم النسوية أكثر تأكيدا وتوظيفا لهذه التعددية المنهجية واللامقايسة ~~والنسبوية، وأشد ضراوة في حربها لاستبدادية العلم. # بفضل هذا الرباعي الإبستمولوجي، أبرز ممثلي عصر ما بعد الوضعية المنطقية، وآخرين من ~~تلاميذهم وأشياعهم، تم التلاحم أخيرا بين فلسفة العلم وتاريخه، وأصبحت فلسفة إنسانية ~~حية خفاقة، وليست مجرد تحليلات منطقية، لا تستغني طبعا عن صرامة المنطق، لكن لا ~~تكتفي به، فتستوعبه وتتجاوزه، لتصبح شاملة للموقف الإنساني أكثر من أية فلسفة أخرى. إن ~~التحامها بتاريخ العلم جعلها تنظر للعلم من الداخل ~~وأيضا من الخارج، من حيث هو ms50 ظاهرة إنسانية تنشأ في إطار الحضارة والسياق الثقافي ~~العام. العلم لا يهبط من السماء ولا يحلق في الفراغ، بل يفلح أرضا مهدتها الحضارة التي ~~أنجبته، ليلبي احتياجاتها ويجيب عن الأسئلة التي تثيرها. وهكذا لا تنفصل فلسفة العلم عن ~~الأبعاد الاجتماعية للظاهرة العلمية، وبالتالي سيكولوجية الإبداع العلمي، قيم البحث ~~والإبداع وقيم المجتمع العلمي ... الكائنة وما ينبغي أن يكون، علاقة العلم بالأطر ~~الأيديولوجية والأنظمة السياسية، اقتصاديات العلم والدراسة المقارنة للمؤسسات العلمية، ~~والأسس التخطيطية لنشأتها وأهدافها # 81 ~~... # هكذا لم تعد فلسفة العلم في مرحلتها بعد الوضعية، كما كانت في مرحلتها الوضعية، أي ~~لم تعد معنية فقط أو أساسا بتحليل مفاهيم التجربة والفرضية والتفسير والسببية والقانون ~~والبينة والصدق والوصف والتنبؤ والتقدم العلمي وحدود التفسير العلمي ... إنه الأفق ~~التاريخي، وبالتالي الحضاري والاجتماعي والإنساني الشامل الذي انفتح أمام فلسفة العلم ~~حتى كادت تتلاحم مع سوسيولوجيا العلم، وهو الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الفلسفة ~~النسوية للعلم، للنظر إلى العلم كإحدى بنيات المجتمع البطريركي، وبالتالي نقد الذكورية ~~السائدة فيه. وفي هذا بدا العلم الحديث أكثر من أية بنية أخرى استحقاقا للمعالجة ~~النسوية. ~~(12) العلم يفصح عن ذكوريته # ولأن العلم الحديث أمضى مؤسسات الحضارة الغربية، كان من أسهل الأمور إثبات أنه - سواء ~~كبنية ثقافية أو كطريقة لاكتساب المعرفة - محكوم بالمركزية الذكورية، وأن القيم ~~الذكورية لم تحدد العلم فحسب، بل حرصت على استبعاد الأنثوية تماما منه واعتبارها نقيضة ~~العلم وضد العلم ولا علم. في العام 1622م تأسست في لندن أول جمعية علمية، تجسد روح ~~العلم الحديث، الجمعية الملكية للعلوم، لتمثل منتدى يجتمع فيه العلماء لمناقشة وفحص ~~النظريات والكشوف. و«كتب هنري أولدنبرج # H. Oldenberg ~~، ~~أول سكرتير للجمعية ومحرر أول مجلة علمية، يقول إن مهمة الجمعية هي الرفع من شأن ~~الفلسفة الذكورية، أو فلسفة الرجولة ... حيث يمكن أن نرتقي بعقل الرجل عن طريق معرفة ~~الحقائق الثابتة. وبصميم التعريف الذي وضعوه لأنفسهم، لم يكن للنسوية دور في الجمعية. ~~وبالفعل سفه العلماء الإنجليز منافسيهم الفرنسيين بأن أطلقوا عليهم لقب «المتأنثين»، ~~وهاجم فرنسيس بيكون الفلسفة ms51 الأرسطية بأنها سلبية وضعيفة وأنثوية.» # 82 # إن فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1561-1627) هو داعية ~~المنهج التجريبي حتى يعد كتابه الشهير «الأورجانون الجديد # Novum Organon ~~» (1620م) بمثابة مانفستو حركة العلم الحديث. في ~~الفقرة الأولى منه يعبر بيكون عن هذه الذكورية إذ يقول إن الطبيعة هي المملكة الكبرى ~~للمعرفة البشرية التي يستطيع الإنسان غزوها والسيطرة عليها عن طريق التجريب. # 83 # إنه بمثابة الأب الروحي للعلم الحديث، تنقش مكتبة الكونجرس الأمريكي - أكبر ~~مكتبة في العالم - اسمه أعلى إحدى بواباتها المذهبة، بوصفه واحدا من الذين قادوا ~~البشرية إلى العصر الحديث بعبارته الشهيرة التي تصوغ روح العلم التجريبي الحديث: «العلم ~~قوة» ليس تفهما أو انفتاحا أو أي شيء آخر سوى القوة كأبرز تجسيد للروح الذكورية. ~~ودافع بحماس مشبوب عن «الفلسفة التجريبية الجديدة تدشينا للميلاد الحقيقي للعصر ~~الذكوري، لكي يقود الرجال إلى الطبيعة بسائر بنيها وقد أصبحت ملزمة بخدمتكم وبأن تكون ~~جارية لكم ... قهرها وإخضاعها، من أجل زلزلة أركانها. وبينما كان العلم في العصر الوسيط ~~يكد من أجل محض الاسترشاد بمسار الطبيعة، استحث بيكون الباحثين على استخدام منهجه ~~لاكتشاف الأسرار التي لا تزال مستغلقة في أحضان الطبيعة، لاقتحامها أكثر وأكثر، ... لشق ~~الطريق إلى خزائنها المكنونة، ... لمهاجمة واحتلال قلاعها وحصونها، وتوسيع حدود ~~إمبراطورية الإنسان.» # 84 # وعلى الرغم من أن بيكون بذل ما لم يبذله مفكر آخر في صياغة وبلورة مقولة «السيطرة على ~~الطبيعة»، # 85 # ودشن عصرها، فإنه ليس مبتدع الفكرة، ولا هي نشأت في عصر النهضة وما تلاه، ~~بل هي متغلغلة في التراث الغربي تغلغل المركزية الذكورية فيه. بذلت محاولات لتتبع ~~جينالوجيا فكرة السيطرة على الطبيعة منذ تقاليد العهد القديم التي تصور الإنسان سيد ~~الكون. وثمة عناصر منها في السحر والسيمياء والكوزمولوجيا القديمة. ومنذ فجر الفلسفة ~~الإغريقية، آمن فيثاغورث بأن الأرقام مفاتيح لفك أسرار الطبيعة ... لكن العلم الحديث هو ~~الذي تكفل بتحقيقها بنجاح خفاق، بلغ أوجه في الميكنة والتصنيع، ناهيك عن الثورة ~~التكنولوجية الراهنة. # 86 # العلم يدرس الطبيعة لا ليفهمها من أجل العيش معها في وئام، بل ms52 من أجل غزوها وإخضاعها ~~واستغلالها لسعادة الإنسان، يستجوبها ويأمرها بأن تطيع قوانينها. القوة والقهر والهيمنة ~~والسيطرة على الطبيعة هما التمثيل العيني للقيم الذكورية التي سادت العلم الحديث، ~~فأدت إلى الكارثة البيئية والكوارث الاستعمارية. إنها القيم التي قامت فلسفة العلم ~~النسوية لمواجهتها، عن طريق إبستمولوجيا وميثودولوجيا نسوية. ~~(13) الإبستمولوجيا النسوية # بداية نلاحظ أن الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) قبل أن تكون معقل فلسفة العلوم (نظرية ~~المعرفة العلمية) هي أحد الفروع الثلاثة الأساسية للفلسفة (المعرفة، الوجود، القيمة). ~~والإبستمولوجيا النسوية تبحث هي الأخرى أسئلة الإبستمولوجيا الأساسية؛ أي شروط المعرفة ~~ومصادرها ومعاييرها ومناهجها، وموقف العارف في العملية المعرفية، وتضيف إليها تأثير أو ~~دور الجنوسة في عملية المعرفة. # كان من الضروري أن تعنى النسوية بتحليل الخبرات المعرفية الخاصة بالنساء، وبتفسير ~~أعمق لدورهن المتقلص في ماضي المعرفة الإنسانية والإمكانيات التي يحملنها، فأصبحت ~~الإبستمولوجيا محورا من محاور النسوية الجديدة. لم تعد محض موضوع منطقي تخصصي، بل ~~أصبحت استراتيجية شاملة لتحقيق الأهداف العينية، التأسيس النظري للمعرفة أداة فعالة ~~في يد النسوية تتكامل مع ممارساتها في تحليل أسباب وبنيات وآليات القهر الاجتماعي ~~للمرأة وتهميش دورها، وتوحد من دعاوى مشروع التحرير. لقد اكتسبت الإبستمولوجيا النسوية ~~أهمية متزايدة في أطروحاتهن. # وتتميز الإبستمولوجيا النسوية بدور محوري لمقولة الذاتية التي تلعب دائما دورا في ~~النسوية، منذ كتاب ماري ولستونكرفت التي أشارت إلى أن الذاتية ذريعة الرجل لحجب المرأة ~~عن الحياة العامة والحياة السياسية. # وتستفيد الفلسفة النسوية الجديدة من تحولات ما بعد الحداثة في النظر إلى الذات ~~العارفة، من حيث إن لها الدور المحوري في عملية المعرفة، لكن أساسا بوصفها موقعا ~~لاستقبال المعنى وليس مصدرا له. # 87 # واستفادت من إعادة طرح وتقنين هذا المفهوم في الفلسفات المعاصرة مع هيدجر ~~والفينومينولوجيا والبنيوية والتفكيكية ... عن طريق المناهج التفكيكية عملت النسوية على ~~تفكيك الدور الحقيقي للذاتية في الفلسفة الغربية التقليدية، الدور اللاشرعي والمسكوت ~~عنه، وأوضحت جوانا هودج أن الذاتية - الذكورية بالطبع - كامنة في فصل ديكارت للوعي ~~العقلاني عن الجسد، ليرتبط الأول بالذكر والثاني بالأنثى. يمكن أن نجد مثل هذا أيضا ms53 ~~في ميتافيزيقا أرسطو. هكذا تحاول النسوية الكشف عن أن الموضوعية الغربية كانت مزيفة إلى ~~حد ما. وإذا نظرنا إلى الذاتية في توظيفها السياسي، في عقر دارها، أي في النزعة ~~الفردية، نجد مفهوم الجنوسة قادرا على أن يلقي ضوءا على هذا الزيف الذي يجعل الطرح ~~التقليدي للذاتية قد جرى توظيفه من أجل دمقرطة حقوق الرجل. # 88 # ميزت النسوية بين الذاتية كمفهوم أنطولوجي وبينها كمفهوم إبستمولوجي، خصوصا في ~~الإبستمولوجيا التجريبية حيث قام البعض أمثال هيوم بتطويرها في دورها الإبستمولوجي ~~وتجاهل تماما دلالتها الأنطولوجية؛ التي تعنى بها النسوية الجديدة كثيرا، في سياق ~~التأكيد على التمايز بين الذات المذكرة والذات المؤنثة. وبهذا تنتهي إلى أن الموقف ~~المعرفي لذات الأنثى ليس تماما الموقف المعرفي لذات الذكر. # من هنا كان أحد المعالم البارزة للفلسفة النسوية ميلاد الإبستمولوجيا النسوية الصريحة ~~مع مقال نشرته لورين كود # L. Code # في مجلة ما وراء ~~الفلسفة (العدد 12 يوليو-أكتوبر 1981م) تطرح فيه السؤال: هل جنس العارف مهم من الناحية ~~الإبستمولوجية؟ الإجابة التقليدية هي النفي القاطع، لكن كود تتقدم بإجابة نسوية مختلفة ~~تماما تملك حيثياتها ومبرراتها. ثم أكدت كود أن العارف مسئول عما يعرفه، وأهم ما ~~تختلف فيه الخبرة المعرفية للمرأة هو ربط المعرفة بالأخلاق. المعرفة طريق لاتخاذ ~~القرار: ماذا سنفعل؟ وبالتالي بحثت الأبعاد الأخلاقية للموقف الإبستمولوجي والمسئولية ~~الإبستمولوجية. تستفيد من الكانطية في رؤية المعرفة كعملية فعالة تقوم على اكتساب ~~الخبرة وتشييدها. على أن العملية المعرفية من المنظور النسوي تؤدي إلى الحرية ~~والمسئولية والفضائل المتصلة بالإخلاص والتواضع والشجاعة. الأفكار النمطية عن الرجل ~~والمرأة تعوق هذه العملية الإيجابية؛ لأنها تصب المرأة في قالب ينكر عليها المسئولية ~~الفعالة. # 89 # وحين الانتقال إلى الإبستمولوجيا العلمية، سوف يتمثل هذا في عناية ~~الميثودولوجيا النسوية بالقيم وأخلاقيات العلم. # فجرت كود ثورة تأججت بكتاب الفيلسوفة الأسترالية جنفييف للويد # G. Lloyd ~~(1941م-...) «رجل العقل: الذكر والأنثى في الفلسفة ~~الغربية» (1984م)، حيث تتبعت تطور مفهوم العقل، منذ أرسطو حتى سيمون دي بوفوار، لتبين ~~أنه برغم كل التغيرات التي لحقت بالمفهوم ظل ms54 محكوما بالانحياز الذكوري. وهذه محصلة ~~طبيعية؛ لأن الرجال استأثروا بالفلسفة طوال تاريخها، والفلسفة بدورها تنشأ عن الخبرة ~~الحية؛ لذلك عكست خبرة ذكورية خالصة. # 90 # أبانت جنفييف للويد كيف قام مفهوم العقل على أساس مناقضة كل ما هو نسوي ~~والقيم والتوجهات الأنثوية. بدأ هذا من جدول المتقابلات الفيثاغورية المطروح في كتاب ~~الميتافيزيقا لأرسطو، فكانت الذكورة والأنوثة واحدة من عشر متقابلات لكنها تضوي تحت ~~لوائها كل المتقابلات الأخرى. لقد عملت الفلسفة منذ ~~عصرها الإغريقي على البحث عن مبدأ ميتافيزيقي يفصل الذكورة الإيجابية عن الأنوثة ~~السلبية. تصب الفلسفة النسوية جام نقدها على مفهوم الفلسفة الغربية التقليدي الذي يجعل ~~العاطفة سلبا. النسويات يسلمن ويؤكدن أن المرأة أكثر عاطفية من الرجل، لكن هذا هو مكمن ~~قوتها وخصوبة أطروحاتها. يقدمن تصورا جديدا للعقل ينقد التصور الديكارتي، يقدمن ~~عقلا يلعب فيه الشعور دورا أكبر. إن الشعور مصدر من مصادر الفهم، وبالمثل نتيجة من ~~نواتج الفهم، إنه يتوشج في العملية المعرفية من رأسها إلى أخمص قدميها. # ينطبق هذا على الإبستمولوجيا العلمية، فاهتمت النسوية - كما ذكرنا - بتأثير أنوثة ~~العالمات على إنجازاتهن العلمية. أبرز مثال هو بربارة ماك كلينتوك الحاصلة على جائزة ~~نوبل لأبحاثها في جينات نبات الذرة وخرج كتاب إيفلين فوكس كيلر عنها ليبرز هذا، وكيف ~~أنها كانت تشعر بأن الكروموسومات أصدقاء لها. قامت كيلر بتحليل مفهوم الموضوعية السائد، ~~وكيف يشكل لغة العلم وأسلوب التعبيرات العلمية. لكنها لم تكن تبحث عن إبستمولوجيا ~~علمية نسوية، بل عن إبستمولوجيا علمية متحررة من الجنوسة ومن انفراد الذكورية ~~بالميدان. توقفت عند تأكيد ماك كلينتوك على «الإنصات» لما تقوله الطبيعة، ورأت فيه ~~منهجية حوارية تقوم على ارتباط شعوري عميق بموضوع البحث، لا يرتبط الجنس الملاحظ. ~~بيد أن التحيز الذكوري السائد في العلم هو الذي اصطنع قسمة جائرة بين العمل ~~العاطفي والعمل العقلي، سميت جورا وبهتانا بالموضوعية العلمية. هكذا تكشف كيلر عن ~~التحيزات الذكورية للعلم التي تفسده وتشوه طبيعته وتعرقل خطاه التي ينبغي أن تتسارع ~~أكثر وأكثر. # 91 # نذكر أيضا هيلاري روز # H. Rose ~~(1935م-؟) ms55 ~~وهي عالمة اجتماع نسوية عنيت بخصائص دور المرأة في إنتاج المعرفة العلمية، وعلى هذا ~~الأساس بحثت مفهوم الموضوعية والعقلانية في النظرية والممارسة العلميتين، ودانت بين ~~العالمات والأديبات، حرصا من النسوية العلمية على استلهام بعض خصائص الأدب تخليصا ~~للعلم من جفافه، وتخلصا من الفوارق القاطعة بين المناشط العقلية وسائر التصنيفات ~~القاطعة، وذلك في كتابها «الحب والقوة والمعرفة: نحو انقلابة نسوية في العلم» ~~(1994م). # ولا يغيبن عن البال أن العلم الطبيعي قد انهار فيه المطلق النيوتوني، وتخلت فلسفة ~~العلم تماما عن الموضوعية المطلقة المستقلة عن أية ذات عارفة، والتي اقترنت بالعلم في ~~مرحلة الكلاسيكية واستمرت حتى العام 1900م. مع القرن العشرين، الذي شهدت مطالعه ثورة ~~النسبية والكوانتم، ظهرت الإبستمولوجيا العلمية ~~المحدثة وقد اتخذت الموضوعية فيها صورة البين-ذاتية # Intedrsubjectivity ~~، الموضوعي هو المشترك بين الذوات العارفة، ولا انفصال ~~عنها أو استبعاد تام لها، وكأنها محض مراقب سلبي يراقب العالم من وراء ستار. ومع مبدأ ~~اللا تعين لهيزنبرج عاد موقع الذات العارفة كمتغير أساسي في معادلة الطبيعة. لقد ~~تبخرت تماما الموضوعية المطلقة وعادت الذات العارفة بسرعتها وأدواتها وموقعها للرصد، ~~لتحتل وضعها في منظومة المعرفة العلمية. # 92 # استمسكت النسوية بهذا الخيط، وأولت مقولة الذاتية دورها في الإبستمولوجيا العلمية ~~النسوية، مستفيدة أيضا من كواين الذي رأى أن يترك «الموضوع» للعلم، وتعنى ~~الإبستمولوجيا أساسا بالموقع الفريد «للذات» في عملية المعرفة. وتخطو خطوة أبعد بحكم ~~منزعها الواقعي السوسيولوجي، فتؤكد ساندرا هاردنج - ببحثها الدائم عن تطوير مفهوم ~~الموضوعية العلمية وليس البتة الإطاحة به - أنه مثلما تتوشج المعرفة التجريبية بكافة ~~مقاييسها ومستوياتها بمفهوم الذات، فإن جنس الذات يقوم بدور محوري في المستويات ~~التطبيقية للمعرفة العلمية، فهو هكذا في شركات السجائر أو في المعهد القومي للصحة أو في ~~مراكز أبحاث التكنولوجيا الحيوية. بعبارة أخرى، الذات توجد في العالم على المستوى ~~المعرفي النظري وعلى المستوى التطبيقي الواقعي، وعلى المستوى الاجتماعي السوسيولوجي، ~~تماما كما أن الموضوع في العلم يوجد على هذه المستويات الثلاثة جميعا. # ولما كانت الإبستمولوجيا تعنى أساسا بالمستوى المعرفي النظري، فإن المرمى ms56 الأساسي ~~للإبستمولوجيا العلمية النسوية هو اجتثاث فلول تصور نيوتن الحتمي الميكانيكي للكون الذي ~~ساد العلم الكلاسيكي حتى مطالع القرن العشرين، وتسرف فينقد أساسه الوضعي البائد للواقع ~~الموضوعي المستقل المنفصل عن الملاحظ الذي يتم اكتشافه وتكميمه، تأكيدا لقطع دابر أية ~~عناصر قيمية أو ذاتية. النسوية أكثر من سواها حماسا لاستيعاب الإبستمولوجيا التي ~~تخلقت في القرن العشرين، إبستمولوجيا الكوانتم والنسبية اللاحتمية، ودلالات مبدأ ~~اللاتعين ونظرية الشواش # Chaos # والجبر اللاخطي ~~والمنطق الغائم # Fuzzy Logic ~~... بهذا التمثل ~~لمستجدات الساحة العلمية تعمل الإبستمولوجيا العلمية النسوية على الخروج من الفيزياء ~~كبراديم (نموذج قياسي إرشادي) للعلم بأسره. وبصرف النظر عن النسوية، نلاحظ أن هذا بدأ ~~يفرض نفسه في القرن الحادي والعشرين وتسود بدائل أخرى كبراديم للمعرفة العلمية، تدور ~~حول منظومة ثلاثية متحاورة من البيولوجيا والشفرة الوراثية، ثم علم اللغة العام ~~وتكنولوجيا المعلومات. ~~(14) الميثودولوجيا النسوية # إذ تؤكد الإبستمولوجيا النسوية على الذاتية، تأتي الميثودولوجيا النسوية للتحدث - كما ~~فعلت ليندا جين شيفرد - عن بحث يدفعه الحب، وبدلا من تنحية الذات بعيدا عن العلم يمكن ~~استغلال الذات كأداة للفهم، «ويغدو كل من التفكير والشعور، الموضوع والذات حليفين في ~~عملية تعقب المعرفة.» # 93 # وتتحدث ميثودولوجيات نسويات متطرفات أمثال ليز ستانلي # L. Stanely # وسو وايز # S. Wise # عن ~~مناهج للعلم تتيح إبراز الخبرة الشخصية للنساء، وذلك بألا يخضعن لأية تحيزات وضعية ~~سابقة. إن العالم ليس مجرد عقل يلاحظ ويفكر ويدين تباشران التجريب، مثلما تصوره ~~الميثودولوجيا المعهودة التي تقوم على أساس أن عماد المنهج العلمي شقان هما؛ الفرض ~~والملاحظة، أو النظرية والتجربة، أو العقل والحواس ... اليد والدماغ. العالم أكثر ثراء ~~من الإنسان العادي، وهو يدخل المختبر بمجامع نفسه. الميثودولوجيا التقليدية تركز على ~~العقل والحواس، وقد تضيف الخيال والحدس. لكن ماذا عن الشعور والإحساس والعاطفة والوجد ~~والانفعال والتذوق والاستمتاع والمعايشة والعلاقات مع الزملاء ومع المؤسسة العلمية ... ~~النسوية ترى أن يؤخذ كل هذا أيضا في الاعتبار إذا رمنا تفسيرا متكاملا للمنهج ~~العلمي. # تتفق الميثودولوجيا النسوية على تعددية المناهج العلمية المأخوذة من بول فيير آبند، ~~وفقا للسياقات ms57 وموضوع البحث وأيضا الباحثين. وبشكل عام تحبذ الميثودولوجيا ~~النسوية النظرة المحدثة للمنهج العلمي التي ترى أسبقية الفرض على الملاحظة، وبالتالي ~~خلق الفرض العلمي خلقا أو إبداعه إبداعا وليس مجرد تعميم الوقائع المستقرأة من الواقع ~~الموضوعي. لكنها تتحدث عن طريق مختلف يقوم على الإنصات إلى الطبيعة كصديق يحكي لك ~~عن نفسه كزهرة تتفتح أمامك، ومع الإنصات والتلقي يغدو العلم حوارا مع الطبيعة بدلا من ~~أن يكون محكمة تفتيش. # 94 # وإذا عدنا إلى دأب النسوية المبدئي على تقويض كل تراتب هرمي، وجدنا الميثودولوجيا ~~النسوية أميل لتقدير الملاحظة بدلا من اعتبارها أدنى من التجربة. وبالتالي يدافعن عن ~~دور سيبقى دائما في المنظومة العلمية للعلوم الوصفية، بدلا من الهجوم عليها بوصفها ~~أدنى قيمة من العلوم التفسيرية أو البحتة. # وإذا كان سؤال الميثودولوجيا التقليدي عن الإجراءات التي نتبعها لاكتساب المعرفة ~~العلمية، فإن الميثودولوجيا النسوية تغوص في أعماق هذه الإجراءات على مستوى الممارسة ~~العلمية الفعلية الحية التي يركزن عليها تركيزا شديدا. يكشفن عن التحيز الذكوري ~~الشائع في الممارسات العلمية بوصفه معايير مطلقة، يبدو في جزئيات وبسائط قد لا تتبدى ~~للنظرة العابرة، من قبيل تصميم مشروع البحث ليصل إلى نتائج تؤكد الهيمنة الذكورية، أو ~~قصر عينات البحث في الظواهر الإيجابية على الذكورة وفي الظواهر السلبية يتجه البحث ~~أساسا إلى الإناث، فضلا عن الغبن الذي تتعرض له المرأة العالمة. وعلى الرغم من أن ~~دورها أصبح بارزا في العلوم البيولوجية وأيضا الحاسب الآلي، إلا أن المناصب الرفيعة ~~والتوجه العام ما زال محكوما بالذكورية. والرجال يملكون المناصب وسلطة تخطيط الأبحاث ~~وإجازة المنح الدراسية ... إلخ، وإذ تكشف الميثودولوجيا النسوية عن هذا، فإنها لا تهدف ~~فقط إلى إنصاف المرأة، بل إلى تغيير أعمق في استراتيجيات البحث العلمي تمهيدا لتغيير ~~الفلسفة الكامنة خلفها. الميثودولوجيا لديهن ليست قواعد منهجية بقدر ما هي واقع حي، ~~واقع الممارسات العلمية التي تحدث داخل جدران المختبرات، التنظيمات الاجتماعية للعلم ~~وأسلوب توزيع السلطة في المجتمع العلمي، المنح والجوائز والمناصب العلمية، والعلاقات ~~بين الباحثين ... على اعتبار أن كل هذا في ms58 نهاية الأمر يسهم في تشكيل النظرية ~~العلمية. # وهكذا ينفسح المجال لمعالجة تبرز قيمة مقولة سبق أن نوه بها فيير آبند، وهي ~~السياقية # Contextualism # الأساسية في فلسفة العلم ~~النسوية، والتي تعني أن «أي تفسير أو تأويل أو معرفة إنما يحدث دائما داخل إطار معين ~~أو سياق معين، مما يرتبط بالنسبوية ورفض المطلقية. هذا ما تراه النسوية مع سائر قرائنها ~~من فلسفات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية»، # 95 # والسياقية ترتبط بمقولة أخرى أيضا أساسية لديهن وهي المنظورية Perspectivism ~~؛ أي أن المعرفة لا تكون إلا في إطار ~~سياق معين ومن منظور معين. وهذا بدوره قد يحمل شيئا من المغالاة، لكن لا يفترق كثيرا ~~عن الاتجاه المعاصر في الميثودولوجيا العلمية بشكل عام، التي باتت تنكر أن تكون المعرفة ~~وصفا دقيقا للعالم وتنكر إمكانية وجود نظرة عامة شاملة للواقع، تفصل الذات العارفة عن ~~موضوع المعرفة تماما، بحيث يمكن دائما إعادة المعرفة والتحقق منها بصرف النظر عن موقع ~~الذات العارفة وسرعاتها وأدواتها للرصد ... كما كانت تزعم النظرة الميكانيكية الحتمية ~~وأكدتها الاستقرائية قبل ثورة النسبية والكوانتم في القرن العشرين. # إنهن يبحثن عن الكيفيات والخصائص والحالات الفردية والوقائع المتعينة، لإعادة ~~الاعتبار للمناهج الكيفية حتى لا ينفرد المنهج التكميمي والمعدلات الإحصائية بالميدان. ~~يبحثن أيضا عن العلاقات بين الباحثين التي تقوم على رفض السلطة والتراتب الهرمي، سواء ~~بين العلماء أو بين المؤسسات العلمية أو بين فروع العلم، ينزعن إلى نسائج من التفاعلات ~~وتعاون بين الباحثين يقوم على الاحترام المتبادل والعمل في انسجام، بدلا من التنافس ~~المحموم. وفي هذا يعلين من قيمة التزامل # collaboration # واستراتيجيات الأبحاث المصممة بحيث يشترك فيها أكثر من باحث. إن التزامل يشجع التشارك ~~في اتخاذ القرار، ويخلق مجتمعا متعاونا بلا تراتب هرمي، كما يرمن دائما. # 96 # والنظرة إلى العلم من أعلى يمكن أن يحل محلها نظرة إلى العلم من أسفل. وفي ~~مقابل العجلة وسرعة الإنجاز وأسبقية الكشف والنشر، يدعو بعضهن إلى قيمة أنثوية حميمة هي ~~التعهد والرعاية والمقاربة طويلة المدى، التي تكشف عما لا يكشف عنه ms59 عشرات البحوث ~~العجلى. ومن إيجابياتهن اللافتة أيضا عنايتهن بأساليب تدريس العلوم وكيفية جعل العلم ~~جذابا للطلبة والطالبات خصوصا، # 97 # واجتذاب الهواة، وإدخال العلم في نسيج الثقافة العامة، فلا يكون كهنوتا ~~مقصورا على الصفوة. # هكذا تحمل الميثودولوجيا النسوية نظرة تطبيعية # Naturalistic # تربطها بوقائع الحياة اليومية وخبراتها العامة، على أن ~~ارتباطها الأعظم بالقيمة. يستخدمن حجة كواين القائلة إن الملاحظات محملة بالنظرية، ~~والنظرية محملة بالنموذج الإرشادي، والنموذج الإرشادي محمل بالثقافة السائدة، وبالتالي ~~لا يمكن أن يكون ثمة شيء من قبيل الوقائع الطبيعية المتحررة من القيم. # 98 # ولئن كانت لورين كود هي التي شقت طريق الإبستمولوجيا النسوية أصلا، فقد ~~رأينا كيف عقدت الصلة بينها وبين الأخلاق، ودافعت هيلاري روز باسم النسوية عن فكرة ~~العلم المسئول. وبحثت آن زيلر عن إبستمولوجيا أكثر ديمقراطية، حيث المسئولية تجاه ~~الآخرين والعلاقة مع الآخرين، ليست مجرد فرعا من فروع الفلسفة، بل أساسا من أسسها ~~المنهجية. # 99 # وذهبت ساندرا هاردنج إلى ما أبعد من العلم المسئول، إلى أن القيم ~~الاجتماعية لا بد أن تساهم في صياغة المشاكل العلمية والإبستمولوجية؛ لأن العلم ~~يستغل لتحقيق أهداف اجتماعية، وأن «التحرر من القيم لا يجعل العلم موضوعيا أبدا، ~~بل كلما كان العلم محملا بالقيم كلما كان أكثر موضوعية.» # 100 # وبالتالي صادرت على أن أهم أهداف فلسفة العلم النسوية إثبات أن كل معرفة ~~علمية، وكل ممارسة علمية محملة بالقيم، وإنهاء الصورة الرديئة للعلم المجرد من ~~القيم. # من هنا قيل إن الدور العظيم للميثودولوجيا النسوية يتمثل في عقد الصلة بين فلسفة ~~العلم وفلسفة الأخلاق، والقضاء على الانفصال البائن الذي كان بينهما من قبل، خصوصا في ~~عهود الوضعية. # منذ البداية صادرنا على أن النسوية واقع وفكر، وأنها نظرية وتطبيقية. وتكشف ~~الميثودولوجيا النسوية المعنية بواقع الممارسات وقيمها عن أنها فلسفة تطبيقية. ظهر ~~مصطلح الفلسفة التطبيقية متزامنا مع الموجة النسوية الثانية في الستينيات، ليتعامل مع ~~الأخلاق الفعلية الممارسة في واقع الحياة اليومية والمشكلات الاجتماعية العينية التي ~~جرى العرف الفلسفي الأكاديمي على تجاوزها. وامتدت لتشمل أخلاقيات رجال المال والأعمال ~~والعلاقات ms60 بين الدول ومتى تكون الحروب مشروعة ومتى تكون جريمة، وارتبطت بقضايا حقوق ~~الإنسان والعنصرية وحقوق الضعفاء والمعاقين وحقوق الحيوان والبيئة. ومع ثورة العلوم ~~البيولوجية والقضايا الشائكة المرتبطة بتطبيقاتها على الأجنة ونقل الأعضاء وما إليه، ~~امتدت الفلسفة التطبيقية إلى الأخلاقيات البيولوجية، ومن قبل ومن بعد «أخلاقيات ~~العلم.» # 101 # وعلى هذا تبدو فلسفة العلم النسوية فلسفة تطبيقية على الأصالة، على أن أهم ~~تطبيقيات فلسفة العلم النسوية إنما هو الاشتباك العميق مع مشكلة البيئة. ~~(15) فلسفة العلم فلسفة للبيئة # نعود إلى العلم بقيمه الذكورية التي مثلت ~~أساسه الأيديولوجي، وأفصح عنها فرنسيس بيكون منذ مستهل مسيرة العلم الحديث في الغرب، ~~وتمثلت في النظر إلى الطبيعة كآخر وغزوها والسيطرة عليها، واستنزاف مواردها، مما ~~أدى في النهاية إلى كارثة البيئة. معنى ذلك باختصار أن قهر المركزية الذكورية وتوازن ~~المشروع العلمي بالقيم الأنثوية التي تقوم على عمق الارتباط بالآخر، وانبثاقة الحياة من ~~المرأة والتعهد بها ورعايتها وتنميتها، يؤذن بطرح في صالح مشكلة البيئة. وهذا ما يؤكده ~~التاريخ العتيق المهدر لصالح الرجل. فقد اكتشف الرجل القنص والحرب، واكتشفت المرأة ~~الزراعة والرعي. اخترع الرجل الفأس والبلطة والسكين والخنجر والقوس والسهم والرمح، ~~واخترعت المرأة القدور والأواني والأطباق والأقداح والموقد. صنع الرجل العجلة وصنعت ~~المرأة الردهة والفراش والستائر ... # لقد بدأ عصر البيئة بكتاب بالغ الخطورة، وهو «الربيع الصامت» (1962م) الذي لفت ~~الانتباه إلى الكوارث الناجمة عن الإفراط في استخدام المبيدات الحشرية وعن اتجاه ~~المجتمع الصناعي عموما نحو العالم الطبيعي، وانقراض كائنات حية ... إلخ، وهو من تأليف ~~عالمة، وتعكس كتابتها الخصائص الأنثوية: روح الدهشة والإحساس بالجمال في عالم العلم ~~الطبيعي، وأن الشعر قد يكون أحيانا أصدق تعبيرا عن محتوى علمي # 102 ~~... وعلى مستوى الواقع كان ثمة حادثة كبرى عام 1978م ساهمت في لفت الأنظار ~~لعصر البيئة، وهي اكتشاف أن قناة لاف القريبة من شلالات نياجرا باتت مسممة بعد إلقاء ~~عشرين ألف طن من نفايات الكيماويات السامة فيها؛ مما جعل أكثر من مائة أسرة تهجر ~~منازلها، وأيضا كانت امرأة ربة بيت تدعى لويز ~~جبس ms61 # Lois Gibbs # هي التي اكتشفت هذه الكارثة البيئية. # هكذا تملك النسوية مبررات الزعم بأن مشكلة البيئة من خصوصياتها، وارتبطت بالحركة ~~الخضراء والاتجاهات العديدة التي تهدف إلى الحفاظ على البيئة. ولما تعاظمت خطورة ~~المشكلة البيئية، وباتت تنذر بهلاك أشكال الحياة، ظهر العام 1974م «النسوية أو الموت»، ~~وصيغ مصطلح النسوية البيئية # Ecofeminism # ليعبر عن ~~العلاقة الحميمة بين الطرفين، إن الطبيعة أنثى والأنثى طبيعة. # 103 # وما تعمل عليه فلسفة العلم النسوية من تقويض الذكورية التي جسدها بيكون ~~واجتثاث فلول الميكانيكية وقهر الثنائيات ومنها ثنائية الإنسان والطبيعة، والإنصات إلى ~~الطبيعة والانفتاح عليها ... هو الكفيل برأب الصدع وإعادة التصالح مع البيئة. # ولما كان «العلم والرأسمالية التقيا في آليات السيطرة على الطبيعة»، # 104 # وتمخض عن هذا الاستعمارية، فقد دعت بعض النسويات إلى مواصلة المسير برفض ~~الرأسمالية والاستعمارية، فكلاهما استنزاف للموارد وتشويه للبيئة لا يعرف الرحمة، تعاظم ~~بتطور التكنولوجيا. # وهذا ما تبينه عالمة الفيزياء الهندية فاندانا شيفا (1952م-...) ساهمت في صياغة النسوية ~~البيئية، وأوضحت التماثلات بين اختزالية العلم الغربي وبين التطور الرأسمالي، من حيث إن ~~كلا الطرفين يشتركان في الاستغلال، العلم يستغل الطبيعة ويحيلها إلى طرف سلبي، ~~والرأسمالية تستغل المرأة وتحيلها إلى طرف سلبي. وتعاظم هذا الاستغلال بطرفيه مع ثورة ~~العلوم البيولوجية الراهنة وتكنولوجيات الإنجاب والتكنولوجيا الحيوية. أوضحت فاندانا ~~كيف تغلغلت الإبستمولوجيا الاختزالية في التطور الرأسمالي الذي لا يعنى إلا بالربح ~~والفائدة السريعة، ويبخس قيمة المرأة وقيمة الطبيعة وقيمة شعوب العالم الثالث، ووصم ~~الأطراف الثلاثة معا بالضعف والحاجة إلى التطوير والتقدم. كان المجتمع الأمومي لا يزال ~~يوجد في مواطن شتى من الثقافات البدائية، قضى عليه المد الاستعماري واستبدل به المجتمع ~~البطريركي؛ لأنه الشكل الذي اتخذته الحضارة الغربية الغازية، مثلما قضى على مساحات ~~شاسعة من الغابات الأفريقية بزعم التحديث بالزراعة المميكنة، وفرض أشكالا أخرى من ~~تكنولوجيات غير ملائمة وتنال من التوازن البيئي بغير داع. ومن أجل إنقاذ البيئة، دافعت ~~عن أنطولوجيا نسوية يترابط فيها المجتمع بالطبيعة، كمقابلة للأنطولوجيا الذكورية ~~الغربية القائمة على الانفصال عن الطبيعة كآخر، فكان ما ms62 كان من كوارث استعمارية ~~وبيئية. # 105 # إذن مربط الفرس حقا هو الرابطة بين السيطرة على النساء والسيطرة على الطبيعة الذي ~~أدى إلى مشكلة البيئة، بحيث إن اقتلاع هذا الجذر - أي اقتلاع مركزية العقل الذكوري - ~~هو تحرير المرأة من حيث هو الحفاظ على البيئة، وهو أيضا تحرير شعوب العالم من نير ~~الاستعمار والإمبريالية. ~~(16) فلسفة للعلم ضد الاستعمارية # ها هنا بيت القصيد، تتجمع كل الخطوط في البؤرة التي ربما كانت المبتدأ، إلا أننا ~~آثرنا جعلها مسك الختام؛ لأنه لا يتسع المجال الآن لنقد وتقويم النسوية وفلسفتها ~~للعلم، تعيين ما لها وما عليها، لكي يمكن توظيف إيجابياتها في خدمة الثقافة العربية ~~وشحذ إمكانياتها المستقبلية، هذه خطوة ضرورية لاحقة بإذن الله. # وعوضا عنها الآن نبرز أن النسوية فلسفة ضد الاستعمار والإمبريالية؛ ويكفينا هذا ~~ما دام تاريخنا العربي الحديث غلب عليه أن يكون تاريخ الغزو والاستعمار والمقاومة، ~~وما دمنا نؤمن بأنه لا الفقر ولا الجهل ولا المرض، بل الاستعمار هو شد ما منيت به ~~البشرية. # ونعود إلى الشغل الشاغل في هذا المبحث، العقل الذكوري، عقل الهيمنة والسيطرة، بخصائصه ~~التنظيرية والتجريبية، لقد تجسد وتبلور نهائيا في العقل التنويري الحداثي الذي يرابط ~~في سويدائه الإيمان بالسيطرة على الطبيعة بواسطة العلم وآلياته، مثلت قيم التنوير في ~~الفلسفة الغربية الحديثة منذ القرن الثامن عشر طريق التقدم الواحد والوحيد، والذي قطعه ~~الرجل الأوروبي الأبيض باقتدار، ومن حقه وواجبه أن يفرضه على الشعوب الأخرى المتخلفة ~~طوعا أو كرها، وهذا هو الأساس الأيديولوجي للحركة الاستعمارية البائدة. # إنها مركزية النموذج الذكوري للإنسان التنويري الحداثي العاقل، ولها وجه آخر هو ~~المركزية الأوروبية # Eurocentrism # التي امتدت إلى ~~الشاطئ الآخر من المحيط، وتعني أن الحضارة الأوروبية والثقافة الغربية تتمتع بالسيادة ~~والتفوق المطلق، وبالتالي تمثل معايير الحكم على سائر الحضارات والثقافات الأخرى، ~~ليكون تقدمها تبعا لمدى اقترابها من النموذج الغربي الذي هو المثل الأعلى ~~للجميع. # إنها فردانية الرجل الأبيض، التي تبلغ حد الأنا ~~وحدية # solipsism ~~، فهو وحده مركز الوجود، أصبح ناموس كل الأشياء: إما أن تكون ~~الرجل ms63 الأبيض وإلا فأنت في منزلة أدنى، الثانية أو الثالثة أو العاشرة ... تبعا لمدى ~~الاقتراب منه في التراتب الهرمي الجامع. # سادت مركزية الحضارة الغربية العالمين بفضل المد الاستعماري، وقهرت ثالوث الأطراف: ~~قهرت المرأة، وقهرت الطبيعة، وقهرت شعوب العالم الثالث، وجاءت الفلسفة النسوية للعلم، ~~ترفض التراتب الهرمي أصلا في العلم وفي الحضارة على السواء، نازعة إلى تقويض مركزية ~~العقل الذكوري، تحريرا للمرأة وقيمها الأنثوية، وبالمثل تحريرا للبيئة، ثم تشعر ~~بأنها مسئولة أكثر من سواها عن مواجهة الوجه الآخر المتضخم للمركزية الذكورية، أي ~~مركزية الحضارة الغربية، هذا لأن أمضى أدوات وأقوى حجج المركزية الغربية كانت نسق ~~العلم الوضعي الواحد والوحيد الذي هو المعرفة المشروعة الوحيدة بالعالم التجريبي الواحد ~~والوحيد الذي نحيا فيه، نسق العلم المحكوم فقط بعلاقاته الداخلية المنطقية والمنهجية، ~~العلم الغربي هو المعيار، تماما كما أن الحضارة الغربية/المركز هي المعيار. # ولما كان توماس كون قد فتح الباب للنظرة إلى العلم من الخارج، أي في ضوء المتغيرات ~~التاريخية والعلاقات الاجتماعية، فقد وجدت النسوية طريقها لتكون فلسفة للمرأة بقدر ما ~~هي فلسفة للبيئة بقدر ما هي فلسفة لتحرر الثقافات والقوميات وشعوب العالم الثالث من نير ~~الاستعمارية والمركزية الغربية، وهي في كل هذا فلسفة بعد حداثية رافضة لقيم الحداثة ~~والتنوير - الاستعمارية - من حيث هي فلسفة بعد استعمارية. # لقد نشأت الموجة النسوية الثانية - كما رأينا - في الستينيات والسبعينيات، في أوان ~~انتهاء الاستعمار # 106 # البائد الذي يمثل أقوى تجسيد للفلسفة الذكورية، ما بعد الاستعمارية لحظة ~~فارقة في تاريخ النسوية لتتسلح بمناهج لمراجعة الأبنية الغربية في المعرفة والإنتاج، ~~ومزيد من الكشف عما فيها من مركزية جائرة وتراتبية هرمية أدت أيضا إلى العنصرية ~~والاستعمارية في سجل الجرائم الغربية الحافل. # بمواجهة العنصرية، انفتح المجال لتظهر النسوية السوداء في أمريكا وإنجلترا مع بداية ~~السبعينيات بريادة أنجيلا ديفيز # A. Davis # وأندري لورد # A. Lord # وفيلومينا ~~ستيدي # F. Steady ~~، إنها النسوية الخاصة بالزنجيات تستجوب النسوية الليبرالية ~~البرجوازية التي شيدتها نساء بيضاوات، وتشير إلى إبستمولوجيا خاصة تمثل المعرفة ~~الناجمة عن الخبرة الحية المتميزة للمرأة ms64 السوداء، والتي تنطوي على رفضها الخاص لإنفراد ~~الرجال بمراكز السلطة المعرفية، مثلما ترفض أيضا انفراد النساء البيضاوات بالسلطة ~~المعرفية في الفلسفة النسوية، اشتد عودها في التسعينيات، وانضم إليها نسويات من ~~أفريقيا وأمريكا اللاتينية. # 107 # أما فيما يتعلق بالاستعمارية وما بعدها ، فقد التقت النسوية الغربية في موجتها ~~الثانية مع المجتمعات التي تحررت من الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ~~التقت في الخلاص من قهر الرجل الأبيض، كلاهما كان آخر بالنسبة له، تفخر النسوية الغربية ~~بدور النساء المكافحات اللاتي شاركن في النضال للتحرر من الاستعمار، شاركن بأنفسهن، ولم ~~يقتصرن على إنجاب الرجال المناضلين، فكانت المرأة قوة خفية وقوة ظاهرة في النضال من أجل ~~الحرية وتحقيق الذات القومية. # 108 # وهنا نلاحظ أن الحركة النسوية في العالم الثالث انصهرت في حركات التحرر القومي، ~~ودخلت بمجامعها في مقاومة الاستعمار. # 109 # وأمثال شفيقة محمد - أولى شهيدات ثورة 1919 المصرية - وجميلة أبو حريد وسناء المحيدلي ~~والمستشهدات الفلسطينيات: وفاء إدريس وآيات الأخرس وريم الرياشي ... إلخ، يمثلن انتصارا ~~وتبيانا وبرهانا للنسوية أقوى من كل ما عرفه الفكر أو الواقع. # اشتبكت النسوية الجديدة وفلسفتها للعلم بالقضايا الشائكة المتعلقة بالهوية واللغة ~~والقومية، في مرحلة سابقة، قالت الأديبة المجددة فرجينيا ولف: إنها ضد القوميات، ~~وبوصفها امرأة، فهذا العالم كله هو بلدها، وبحثت النسويات الاشتراكيات - وسواهن - عن ~~التكتل في مواجهة القوميات، ولكن الآن بات واضحا أهمية مسألة القومية في بحث قضية ~~الجنوسة، التي لا تنفصل عن وضع النساء في مجتمعات العالم الثالث بعد نجاح حركات ~~التحرر القومي. # بحثت النسوية السياقات الثقافية والقوميات المختلفة، بعضهن «يحجمن عن استعمال مصطلح ~~العالم الثالث لأنه يعكس التراتب الهرمي الذي يسعين إلى تقويضه». # 110 # وظهرت الدعوة لاتحاد نساء الشمال ونساء الجنوب لمواجهة الأخطار الثقافية والاقتصادية ~~للعولمة، التي تزايد معها اهتمام النسوية بمسائل الطبقة والعرق والعنصرية والدين، وإلى ~~حد يزعزع حدود النظم الفلسفية المعهودة. # 111 # وفي إطار حرص النسوية على تحرر الثقافات والقوميات، تتقدم أن ماك كلينتوك التي عنيت ~~بدراسة حركات المد القومي ومدى نجاحها في قهر الاستعمارية وكيف ms65 كانت مدفوعة بالرغبة ~~الصادقة في التقدم والاستنارة، وتلتهب بالرموز القومية كالعروض العسكرية والأعلام ~~والأناشيد وأصناف الطعام والانتصار في مباريات كرة القدم، رأت ماك كلينتوك أن الجنوسة ~~ليست سؤالا عن جنس العامل بل عن القهر والنهب الإمبريالي، وسؤال العرق ليس سؤالا عن ~~لون البشرة، بل عن قوة العمل المسلوبة بفعل الإمبريالية، ولا تنفصل الإمبريالية عن غزو ~~ثقافي وقهر ثقافة الآخر وتدمير وحشي للثقافات البدائية، وإحلالها بالثقافة الغازية ~~المنتصرة: وبالتالي تنطوي مقاومة الإمبريالية على مقاومة ثقافية، ومحاولة الإبقاء على ~~ثقافة الأنا وحمايتها من الضياع، وعلى نقد للثقافة الإمبريالية. # واستعملت ماك كلينتوك تعبيرين مجازيين، هما: الزمان المنطوي على مفارقة مكانية، ~~والمكان المنطوي على مفارقة زمانية، الأول يكون حيث تمثل تاريخ الكرة الأرضية بأسرها ~~من نقطة واحدة - غربية طبعا - تشوه معظمه في حين تبدو وكأنها الموضوعية التامة، أما ~~المكان المنطوي على مفارقة زمانية، فتكون حين يتحدث الغربيون عمن يبدون أمامهم رجعيين ~~متخلفين، فيحكموا على النساء وسكان المستعمرات والعمال بأنهم خارج المكان المتحضر ~~والحداثة، إنها ألاعيب من الرجل الأبيض وتشويه للأمور كي يمارس الهيمنة ~~والسيطرة. # 112 # من هنا عملت الكاتب ذات الأصول الفيتنامية ترينه تي منه-ها # Trinh T. Minh-Ha ~~(1952م-...) على تحليل ثقافات الشرق الأقصى خصوصا ~~الصينية، مبرزة العناصر النسوية فيها؛ لتؤكد على أن القضية النسوية تتحقق بالقضاء على ~~هيمنة الثقافة الغربية ومركزيتها. # فيما بعد الاستعمارية يجب أن ينتهي عصر المركز والأطراف، قهر الآخر وتوجيهه وفرض ~~الوصاية عليه ليسير وفقا لرؤى ومصالح الأقوى أو السيد، لا بد من ظهور فلسفة جديدة ~~تنقض تلك المركزية الجائرة وتقر بقيمة وحقوق تلك الأطراف؛ وبالتالي تصون الحقوق التي ~~أهدرت للمرأة وللطبيعة ولشعوب العالم الثالث، وكانت فلسفة العلم النسوية محاولة جادة ~~للسير في هذا الاتجاه وهي ترفض اعتبار كل تقدم علمي امتدادا للحضارة الغربية، وتلفت ~~الأنظار إلى أن الدعوى المؤمثلة للتنويرية البائدة (ما يسميه العامة عندنا عقدة ~~الخواجة) تسيطر على أذهان المعنيين بظاهرة العلم، فتجعلهم جاهلين بأنماط المعارف في ~~بيئاتهم المحلية. # 113 # تبحث النسوية عن رؤى العلم والتكنولوجيا في الثقافات ms66 غير الغربية، عن ديمقراطية العلم ~~والتعددية الثقافية فيه والاعتراف بالآخر، فيكون العلم إنجازا إنسانيا مشتركا ~~مفتوحا أمام أي حضارة غربية كانت أم شرقية، وأمام أي إنسان رجلا كان أم ~~امرأة. # وفي نقدها للموضوعية التقليدية ومزاعم تحرر العلم من القيمة، كانت تكشف عما يكمن ~~خلف تلك المزاعم من مركزية الرجل الأبيض والحضارة الغربية، وإلغاء الثقافات والأعراق ~~والأجناس الأخرى. # بدأت البشائر مع توماس كون الذي أثبت أن نسق العلم الغربي الراهن ليس كيانا منغلقا ~~على ذاته واحديا، بل ظاهرة اجتماعية نشأت وتطورت كمراحل داخل المنظومة الثقافية ~~العامة للمجتمع. # وتأتي فلسفة العلم النسوية مقتفية خطاه لتوضح أن هذا يعني أن ثمة أنساقا معرفية في ~~أزمنة أخرى وأمكنة أخرى، وبالتالي لا مركزية للعلم الغربي أو الحضارة الغربية كما ~~أكد فيير آبند. # شنت الرائدة الكبرى ساندرا هاردنج حملة شرسة على المركزية الغربية والمعقبات ~~الإبستمولوجية للإمبريالية، رأت الحرب العالمية الثانية بما حملته من كوارث هيروشيما ~~وموت ودمار رهيب قد كشفت عن زيف التسليم الوضعي بالعلم، والفصل بينه وبين التكنولوجيا ~~والعوامل الاجتماعية والقيم، مثلما كانت هذه الحرب هي نهاية مشروع إقامة مستعمرات ~~غربية، إنه عصر ما بعد الاستعمار الذي يدعونا إلى الوصول لنماذج أكثر دقة للأنساق ~~المعرفية ولدور الذات العارفة، نماذج أكثر ديمقراطية تكشف عن علم نتاج لثقافات متعددة، ~~وذلك عن طريق تنضيد المعقبات الإبستمولوجية الناجمة عن التحرر والتطور في العالم ~~الثالث، وإعادة النظر في مفهوم عالمية العلم. # 114 # في العام 1998م أخرجت ساندرا كتابها «هل العلم متعدد الثقافات: ما بعد الاستعمارية ~~والنسوية والإبستمولوجيا». وفي العام 2000م خرج كتاب أكثر من رائع ساهمت في تحريره، وهو ~~«نقض مركزية المركز: الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات بعد استعماري ونسوي»، وشاركت ~~فيه بدراسة عنوانها «الجنوسة والتنمية وفلسفات العلم بعد التنويرية» (راجع هوامش البحث ~~أرقام 32، 106، 108)، حيث توضح كيف أن قضايا الجنوسة والبيئة والتنمية المستدامة باتت ~~جوهرية في فلسفات العلم بعد الاستعمارية، ومن منظور الجنوسة - التي هي مثل الطبقة أو ~~العرق أساسا مسألة علاقات - لأن المرأة في العالم الثالث هي المتلقية ms67 لحصائل التنمية ~~أو إخفاق مشاريع التنمية، لا سيما وأن العولمة جعلت قضايا حقوق الإنسان والتنمية ~~الاقتصادية تتجاوز حدود القوميات، وتفرض على النسوية مزيدا من الانشغال بعواقب التاريخ ~~الاستعماري وبالعلاقات الاقتصادية والسياسية الناشئة عن الاستعمارية الجديدة، وإذ تعمل ~~هاردنج ورفيقاتها من أجل هذا، تقف فلسفتها بامتياز على رأس أنبل دعاوى الفلسفة ~~الغربية. # منذ البداية ، صادرت هاردنج في كتابها الرائد «سؤال العلم في النسوية» على أن استبعاد ~~المركزية الذكورية من العلم هو استبعاد للعنصرية والاستعمارية والرأسمالية، وإذا كان ~~الكفاح ضد هذا بدا للكثيرين والكثيرات أهم من الكفاح النسوي ضد السيطرة ~~الذكورية، # 115 # فإن قضية المرأة لا تنفصل عن كل هذا. # 116 # وحق لها القول: إن فلسفة العلم النسوية منزع نقدي «مثلها في هذا مثل كل حركة نقد ~~لوضع قائم ينطوي على أشكال للظلم والغبن، مثل كل أشكال الكفاح ضد العنصرية والاستعمارية ~~والرأسمالية، ومثل الحركات الثقافية المضادة وثورة الشباب في الستينيات، وحركات الدفاع ~~عن البيئة ومناهضة الجهود العسكرية ... كل هذه الاتجاهات النقدية توقفت عند مثالب ~~استغلال العلم، لكن النقد النسوي يلامس عصبا عاريا». # 117 # وأخيرا، لقد قامت النسوية أصلا كي لا تظل المرأة «آخر» بالنسبة للرجل، وسارت ~~قدما في هذا الطريق حتى وصلت لفلسفة العلم الشاملة لأبعاد حضارية عميقة مترامية ~~الآفاق، باق ألا تظل فلسفة العلم النسوية اتجاها «آخر»، فتنساب بقيمها الدافئة ~~الحميمة النبيلة في قلب العلم وفلسفته وممارساته وتوظيفاته وعلاقاته على السواء. # | الهوامش والمراجع # هذا الكتاب في أصله بحث نشر في: مجلة عالم الفكر، المجلد 34، العدد الثاني، المجلس ~~الوطني للثقافة والفنون الآداب، الكويت، أكتوبر-ديسمبر 2005، ص9-69. # مدخل # النسوية وفلسفة العلم ms68