######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.TabiciyyatFiCilmKalam.Hindawi64153817 #META# Tags: philosophy #META# ID: 64153817 #META# Title: الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # المقدمة‏ # 1 - علم الكلام نحو المستقبل ... لماذا؟‏ # 2 - علم الكلام نحو المستقبل، كيف ...؟‏ # 3 - الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس‏ # 4 - الطبيعيات ... من الكلام إلى الحكمة ... ولا فرق‏ # 5 - الكلام الجديد في الطبيعيات‏ # ثبت المراجع‏ # الإهداء‏ # المقدمة‏ # 1 - علم الكلام نحو المستقبل ... لماذا؟‏ # 2 - علم الكلام نحو المستقبل، كيف ...؟‏ # 3 - الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس‏ # 4 - الطبيعيات ... من الكلام إلى الحكمة ... ولا فرق‏ # 5 - الكلام الجديد في الطبيعيات‏ # ثبت المراجع‏ # | الطبيعيات في علم الكلام # | الطبيعيات في علم الكلام # | من الماضي إلى المستقبل # تأليف # أ.د. يمنى طريف الخولي # | الإهداء # إلى درة عمري ... ومهجة نفسي # وزبد حصادي من الأيام ... # إلى ولدي ... وصديقي ... ~~... حكيم حاتم ... # أهدي هذا الكتاب ... # نشدانا لأن يحيا مستقبلا ... # أكثر تحقيقا لذاته القومية والحضارية ... # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ~~. # ي. ط. # | المقدمة # الطبيعيات أو الفلسفة الطبيعية هي السلف التاريخي المباشر - وفي الآن نفسه الجذور الضاربة في ~~البنية الثقافية - للعلم الطبيعي الذي يتربع على صدر نسق العلم الحديث، واحتل الموقع الاستراتيجي ~~المعروف في مشروعه، هذا المشروع الذي اتسعت جنباته رويدا رويدا، حتى شملت كل فروع العلم؛ ~~الفيزيوكيمياوية ثم الحيوية ثم الإنسانية، بفضل القيادة الناجحة للفيزياء الكلاسيكية ~~النيوتونية، وفي مطالع القرن العشرين هبت ثورة النسبية والكوانتم (الكمومية) اللتين انتزعتا ~~مقاليد السلطة الفيزيائية من النيوتونية، وكان هذا إيذانا بالتعملق المعاصر الرهيب للعلم ~~الطبيعي، وبالنضج الثري الزاخر لفلسفة العلوم، حتى تعد من المنجزات اليانعة حقا للفكر الغربي ~~الحديث؛ أوليست تقنينا لأصلاب أشد عناصر الحضارة الحديثة فاعلية واتقادا: العلم ~~الحديث؟! # بيد أننا نحيا في عصر توظيف المعلومة، وليس مقبولا أن يقتصر بحثنا في فلسفة العلوم ~~- التي هي غربية بقدر ما هي معاصرة ومستقبلية - على الدرس والنقل والترديد الأصم، بل لا بد ~~من استيعاب هذا لتشغيله وتفعيله في واقعنا الحضاري، ويا حبذا لو جاء هذا التشغيل في رحاب ~~ولخدمة الهاجس الملح إلحاحا على العقل العربي، منذ فجر يقظته الحديثة مع بدايات القرن التاسع ~~عشر، وحتى الآن وما هو آت ... ألا وهو هاجس ms001 تجديد التراث وضخ الدماء في شرايينه، وبعث الحياة ~~وعوامل النماء والتطور فيه، هذا الهاجس الذي تمخض عما يموج به الفكر العربي المعاصر من مشاريع ~~شتى تهدف إلى تجاوز واقع مأزوم بآفاق فكر نهضوي، وكما سوف يتضح من السياق التالي، مثلت تلك ~~المشاريع مددا قويا لهذا البحث، فقد حاول الاستفادة من معظمها، والذي تخلق في بقاع شتى من ~~الوطن العربي/الثقافة العربية، بل ومواصلة مسيرتها! # إن جميعها - بطبيعة الإنجاز الفكري والفلسفي - مشاريع نخبوية مجردة بدرجات متفاوتة، تدور ~~في رحى إشكالية العلاقة بين الفكر والواقع، بين مطرقة واقع موار وسندان فكر رهاج؛ لتبزغ ~~الطبيعيات كبؤرة أولية متعينة للواقع، تميزت عن كل تعينات الواقع بأن العقل العلمي الممنهج ~~استطاع أن يحكم قبضته عليها حين اقتنصها بين شباك النسق العلمي، التي تزداد ثقوبها ضيقا ودقة ~~يوما بعد يوم، وإلى غير نهاية. # ويبرز علم الكلام بوصفه الانبثاقة الأولى للعقل العربي، لا سيما وأننا سوف نحاول الغوص في ~~أعماقه، وتتبع توالي نصوصه فيما يختص بالطبيعيات، ثم يلزمنا منهاج البحث بتتبع مسار الطبيعيات ~~إلى الفكر الفلسفي؛ هذا لأن الفلسفة الإسلامية - كما سوف نبين - لم تكن إلا تطويرا لعلم ~~الكلام، ظهرت بعد أن تفاعل مع تراث الحضارات الأخرى، واستوفى نضجه، لتمثل الفلسفة مرحلة أعلى ~~من مرحلة التمهيد الكلامي التي كانت المقدمة الضرورية لها. هكذا نجد معالجة الطبيعيات في علم ~~الكلام يتضمن ركابها الطبيعيات في الفلسفة الإسلامية عند أساطين المشرق والمغرب معا، ثم أولئك ~~المعروفين باسم الفلاسفة الطبيعيين الذين يتحملون عبء ما نسميه الآن تاريخ العلوم عند ~~العرب. # إذن يتشكل متن هذا الكتاب من التفاعل والتحاور والتلاقح بين مقومات ثلاثة؛ هي أولا: ~~فلسفة العلوم ومناهجها. وثانيا: نصوص تراثنا القديم الكلامي والفلسفي حيثما تتموضع الطبيعيات ~~فيه. وثالثا: الفكر العربي المعاصر؛ إذ تتيح مشكلة الطبيعيات بالذات أن تتأتى محاولة الإسهام فيه ~~منطلقة من كنانة فلسفة العلوم. # 1 # وأخيرا، لئن كانت غايتنا هي الطبيعيات في علم الكلام، فلا شك أن ثمة مبررات للتمسك ~~بأن روح العصر، التي يتوجب استقطابها على كل تجديد وكل ms002 تفكير مستقبلي، إنما تتمركز في ~~الطبيعيات؛ لأن العلم الطبيعي دون سواه - دون العلوم الرياضية التي عرف العقل البشري روعة ~~تعملقها منذ ما قبل الميلاد، ودونا عن العلوم الإنسانية التي يشكل تخلفها النسبي مشكلة - هو ~~الذي صنع عصر العلم، إنه العلم الطبيعي الحديث الذي أنجبه العصر الحديث ليصنع العالم ~~الحديث. # وبنماء هذا العلم الطبيعي وتطوره، وتطور تقاناته وأجهزته، نمت وتطورت فروع العلم الأخرى، ~~وتطور وتغير كل شيء؛ بدءا من المثل العقلية وانتهاء بواقع الحياة اليومية، مرورا بأشكال ~~الصراع الطبقي؛ مما أدى إلى عصرنا هذا الذي جعل جدلية العلاقة مع الطبيعة، والسيطرة عليها ~~وصيانتها بيئيا، والحفاظ على مقدراتها، هو الحلبة الكبرى لمعرفة الصراع والتفوق بين الحضارات. ~~فهل نتوانى عن البحث في تأصيل وتطوير وضعية الطبيعيات في منظومتنا الثقافية وبنيتنا ~~الحضارية؟! # وكان من الضروري أن تمثل فلسفة العلوم المدخل لهذا، باعتبارها التمثيل العيني الرسمي ~~والشرعي، وربما الوحيد، للتفكير المعاصر في الطبيعة، إن رمنا قهرا لتحدياتنا وتقدما نريد ~~من علم الكلام الجديد أن يكون إطارا أيديولوجيا له، فنسير بمجامع مقومات حضارتنا نحو شق ~~أجواز المستقبل. # وبالله قصد السبيل. # الفصل الأول # | علم الكلام نحو المستقبل ... لماذا؟ # (1) في ضرورة التجديد # إن البحث في بعث وتجديد معامل أصالتنا، أو بمصطلح أفضل خصوصيتنا الحضارية # 1 ~~- ولا مشاحة في الألفاظ كما يقولون - يكاد يكون فرض عين على المعنيين بالفكر ~~الفلسفي فينا، ولئن بدأ هذا الهاجس يسيطر في مطالع يقظتنا ونهضتنا الحديثة منذ بدايات القرن ~~الماضي، فإنه يزداد إلحاحا؛ بعد أن ماهت الفوارق بين التبعية والاستقلال الحضاري، وترسم ~~بديلا موقف هامشي هو موقف التنازلات التي أصبحت تلامس حدود ثوابت الهوية، ووضع القومية موضع ~~الاستفهام، والعروبة موضع التشكيك، والإسلام رديفا للرجعية، ولم تبق إلا خطوة واحدة ونتساءل: ~~ما الوطن وما الوطنية؟! # في مثل هذا الموقف يصبح تحديث الأصالة، أو التجديد في معامل خصوصيتنا، بمثابة طوق النجاة ~~لنا من الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي في خضم ما نعانيه من انخفاض معدلات التنمية في الدول ~~العربية الفقيرة والثرية، واحتلال الأراضي ونهب الثروات وعلو الصهيونية، ms003 هبوط الوعي وتراجع ~~المشروع القومي، وشيوع التطرف وذيوع التعصب، وانحسار العقلانية وكلالة البحث العلمي. # وقبل كل هذا وبعده، العجز عن الخروج من التبعية للغرب، وانحناءة الرأس لنزعته الإمبريالية، ~~وهو - بمعية ربيبته وحليفته الصهيونية - يتخذ من تقدمنا وسؤددنا موقفا منذ أن تحول البحر ~~المتوسط إلى بحيرة إسلامية تجوبها الألوية العربية المرتفعة، فتختنق موانئ أوروبا ويذبل ~~اقتصادها، يعتريها الوهن والذبول والاصفرار، وتدخل في ليل قروسطيتها الطويل. # نذكر في هذا الصدد المؤرخ البلجيكي هنري بيرن # H. Pirnne ~~(1826-1935)، فقد اشتهر بتفسيراته الثاقبة للعصور الوسطى الأوروبية وعزو تدهورها إلى التقدم ~~السريع للإسلام الذي أدى إلى الانقطاع عن التراث الإغريقي والروماني، وإلى نهاية وحدة حوض ~~المتوسط التي لم تعد إلا مع الحروب الصليبية. وفي كتابه الشهير «محمد وشارلمان» تبدأ العصور - ~~لا بسقوط الإمبراطورية الرومانية، بل - بالفتوحات العربية وسيطرتها على مرافئ البحر المتوسط ~~الجنوبية وطرق الملاحة والطرق البرية إلى الشرقين الأوسط والأقصى، التي كانت سببا في ثراء ~~اليونان قديما، ثم ثراء إيطاليا ووسط أوروبا حديثا. # هذه السيطرة الإسلامية عزلت أوروبا عن مصادر الثروات التجارية، فتدهور اقتصادها ليبدأ عصرها ~~الوسيط. والدليل على هذا - فيما يرى بيرن - أنه انتهى باكتشاف إيطاليا لطرق برية إلى الصين في ~~القرن الثالث عشر، واكتشاف البرتغال لرأس الرجاء الصالح، ووصولهم إلى شرق آسيا دون الاحتكاك ~~بالمسلمين. وبالمثل يقول مؤرخ العلم الكبير # J. J. Crowther ~~: ~~«بقضاء المسلمين على الملاحة المسيحية في البحر الأبيض المتوسط قضوا على التجارة الخارجية ~~والمواصلات في غرب أوروبا، وذبلت موان كثيرة مثل مارسيليا ومدن تجارية على الأنهار في داخل ~~البلاد؛ لانعدام موارد التجارة، وتلاشي ما بقي من الحكومة المركزية الرومانية، وأغلقت مكاتب ~~الإدارة والمحاكم والمدارس والمحطات القديمة، واختنقت دعائم النظام الإمبراطوري، ولم يبق من ~~الطبقات الاجتماعية إلا كبار الملاك أبناء الأعيان وقوم بعضه من الفلاحين وبعضه من الأحرار ~~المرتبطين بالأرض، وماتت الصناعة لعدم تموينها بما تحتاج إليه، وانتهت حركة الإنشاء والعمل إذا ~~استثنينا الحاجيات الضئيلة التي تتطلبها الحياة المنزلية، وبذلك لم يعد هناك من حاجة لطلب ~~العبيد - الآلات الصحيحة للعمل ms004 - وأصبحت الحالة لا تتطلب إلا المشتغلين بالزراعة ...» # 2 # على الإجمال سجى على أوروبا عصرها الوسيط. # منذ ذلك الزمان البعيد والحضارة الغربية تدرك خطورة أي تفوق عربي إسلامي، وتشهر العداء ~~بالحملات الصليبية التي بدأت في القرن الحادي عشر، «وتشكل العدوانية العنصرية الصهيونية الحلقة ~~المعاصرة من هذه الموجة.» # 3 # ويعلم الله وحده متى ستنتهي حلقاتها بعد أن ساد مؤخرا الحديث عن الثقافة باعتبارها ~~المحور الأساسي للصراعات الدولية القادمة، فاعتمدت السياسات الغربية منذ مطالع التسعينيات في ~~القرن العشرين ما سمي «بالحرب الثقافية» # 4 # ضد الثقافات المغايرة على العموم، والثقافة الإسلامية على الخصوص؛ بهدف تحجيمها ~~والحيلولة دون احتلالها ناصية العلم والتقانة (التكنولوجيا). وفي تفسير هذا تتقدم دراسات ~~إدوارد سعيد لتجيب على السؤال: لماذا كان الإسلام فقط هو الدين الوحيد الذي يمثل تقدمه ونهضته ~~تهديدا خطيرا للحضارة الغربية وسطوتها وقيمها؟ # وتشهد أواخر المائة التي تمثل القرن العشرين كارثة الخليج التسعينية، التي لا تقل بشاعة عن ~~كارثة السابع والستين؛ إذ يممنا الأبصار شطر العواقب الوخيمة والنتائج الوبيلة. وعلى كثرة ~~تناحرات العرب وتطاحنهم، بل وتقاتلهم منذ حرب البسوس وحروب القبائل في الجاهلية، حتى الفتنة ~~الكبرى وحروب الدويلات الإسلامية، وصولا إلى حزيران الأسود وأيلول الأسود وآب الأسود ... وكل ~~شهور العرب السوداء، بلون الظلام والتخلف، بلون البغضاء والفرقة بين الأشقاء ... على كثرة هذا ~~كانت مأساة الخليج كارثة لم يكرث التاريخ بمثلها من قبل. # وقد توالت تداعياتها المريرة، وأخطرها إصابة القومية بطعنة نجلاء، فتراجعت الوحدوية كحلم ~~وكواقع، كأيديولوجيا وكطوبى لصالح القطرية. ويبقى أمر تداعياتها في حلوق المثقفين وكل مهموم ~~بوعي الأمة، إنما هو تلك النزعة الانهزامية إزاء الحضارة الغربية، والتي بلغت حد السير في ~~ركاب المشروع الصهيوني تلمسا لعوامل الاستقرار والنماء! في حضارة شرق أوسطية لا غربية ولا ~~عربية، لتكتسح بقايا المخلفات القومية. وبعد طول النضال ضد الاستعمار ومباركة الكفاح من أجل ~~الاستقلال ... صارت الهيمنة الغربية تجلب وتشترى، وصرنا نتوخى سبل الاستسلام لها كي تحل ~~صراعاتنا ومشاكلنا، وكأننا نتشبث بموقع على هامش الحضارة الغربية، لنلتقط فتات موائدها، دون ~~مشاركة في ms005 صنع صنوفها الشهية البهية. # شهد القرنان الماضيان عزما وحماسا للإحياء والتجديد والتنوير والتثوير، وقد علا الوطيس في ~~أعقاب ثورة 1919، وشهد أجواء مواتية في العصر الذهبي لثورة يوليو قبل فاجعة 1967. وعلى أية حال ~~كان قد استمر دائما بدرجات متفاوتة، ثم أوشك أن يخبو الآن، وتطفو على السطح نوبات تشنج ~~الفرار المخبول إلى الماضي بقضه وقضيضه، وتتزايد حميتها، ربما كرد فعل عكسي للأحداث التي ~~تترى ترسيخا للتبعية للغرب والدوران في فلكه، لا سيما بعد انهيار القوة العالمية المناوئة؛ ~~الاتحاد السوفييتي. يحدث هذا في أواخر المائة الميلادية العشرينية، التي تشهد مراكز توهج حضارية ~~أخرى في شرق آسيا، تغلبت على أوروبا وأمريكا في معدلات التنمية والتنهيض. ~~••• # يصعب اعتبار محنتنا الراهنة أمرا طارئا، إذا تذكرنا كتاب الإمام جلال الدين السيوطي ~~(911ه): «التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة»، وهو يقوم على أن المحن الاجتماعية تقتضي ~~التجديد، جبرا لما حصل من الوهن بالمحن. إنهم يعدون محن الظلم السياسي والاجتماعي على رءوس ~~المئين، فيذكرون الحجاج ومحنة خلق القرآن، وخروج القرامطة وأفاعيل الحاكم بأمر الله، ~~واستيلاء الفرنج على كثير من البلاد الشامية ومن بينها بيت المقدس ... ويعدون على رأس كل قرن محنة. # 5 # وحينما تكون المحنة دهماء - من قبيل استيلاء الفرنج على بيت المقدس - فإننا نجد أستاذ ~~الأصوليين في التجديد وأستاذ المجددين في الأصولية الشيخ أمين الخولي يفضل مجددا في أصول ~~العقائد - هو متكلم - على مجدد في الفروع والعبادات - هو فقيه. # يعترض أمين الخولي بشدة على قول لشيخ الأزهر يقصر فيه التطور على أحكام العبادات، وينأى به ~~عن الأصول والعقائد، مؤكدا أن التطور سنة شاملة، والقرآن يقرر أنه بالتغير يعامل ~~المتغير، فيقول الخولي: «كل شيء يتغير مع الزمن، لا سيما المتطاول منه، تتغير صورته الذهنية ~~ومفهومه العقلي، ويتغير تبعا لذلك وقعه على النفس، ويتغير أيضا التعبير عنه والتمثل له، وكل ~~أولئك تغيرات تطرأ على أي شيء، ويجب على صاحب الدين أن يقدرها، فيغير تعبيره وعرضه واستدلاله.» # 6 # إن التغير وبالتالي التجديد سنة مقررة، وأصل ثابت بينه الرسول. ms006 # 7 # الإمام السيوطي يستهل كتابه المذكور «التنبئة» بقوله: «الحمد لله الذي خص هذه الأمة ~~الشريفة بخصائص واضحة للمجتهدين، وبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر الدين.» ويقول: لا ~~يجوز خلو العصر من مجتهد، واستعاذ بالله من صيرورة الأمر إلى هذا الحد! # 8 # ولما كان التغير والتجديد أصلا ثابتا في العقيدة، فإنه بدوره أمر واقع في الحياة ~~الاعتقادية إبان القرون الأولى للحضارة الإسلامية وعصرها الذهبي، حيث تتكشف اختلافات، بل صراعات ~~جمة حول العقيدة؛ ومن العقائد ما بلغ الاختلاف حولها حد سفك الدماء كالذات والصفات وخلق ~~القرآن. وبالطبع ليس مثل هذا التغيير - ولا موضوعاته أصلا وفروعا - هو المنشود؛ ولكن المهم ~~- كما يقول أمين الخولي - أنه بيان لإمكانية الاختلاف، وبالتالي قابلية التطوير والتجديد، ~~فينتهي الخولي إلى أن: «تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين ~~إلى تقريره.» # 9 # والتجديد قد يكون دوريا مع التغيرات الدورية، وقد يكون جذريا مع المحن عند رءوس المئين، ~~وعن مثل هذا التجديد الجذري المستجيب لاحتياجات الواقع، يقول الخولي: «إن ذلك التجديد في رءوس ~~القرون هو العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية يقوم بها عارف ~~بالحياة متصل بها وعميق الفكرة عنها.» # 10 # وتحتاجه الأمة الآن أكثر من احتياجها إياه في أية مرحلة أخرى، أو على رأس أية مائة سابقة، ~~هجرية أو ميلادية، وفي مواجهة جحافل التبعية والاستسلام التي استهللنا بها الحديث تلح الحاجة ~~إلى إعادة قراءة أصولنا الدينية قراءة تاريخية علمية وتجديدية، لا أن ننفصل عنها أو نتنكر لها، ~~إمعانا في الاستسلام والتبعية، هذا ما يمليه واقعنا، ومن زاوية الفكر: «الدين يبقى في حاجة ~~دائما إلى فكر ثوري الطبيعة والمناهج؛ ليحدث فيه الثورة من داخل، خصوصا متى كانت عناصر الثورة ~~في أصوله نصا ومنهجا وممارسة. وهي كذلك في الدين الإسلامي ... عنيت بها العقلانية والعلمية ~~والاجتهادية ... غير أن السياسة التي سادت باسم الدين كممتها وأطفأتها ضمانا لصالح أربابها.» # 11 # وقد بات من الضروري إحياؤها؛ استنقاذا للوعي وللشخصية القومية. من ms007 الضروري تجديد ~~منطلقاتنا الفكرية كي تشق طريقها نحو المستقبل. # إن التجديد ينصب في الموقفين القومي العروبي والإسلامي على السواء، فالعروبة تقع من الإسلام ~~موقع سويداء القلب، والإسلام يقع منها موقع آفاق الروح، والامتداد الحضاري. الأهم أن كليهما - ~~القومي والإسلامي - ينطلق موتورا من نفس الميراث الاستعماري، ويرابض في نفس خندق مواجهة ~~التغريب وذوبان الشخصية والخصوصية في محاولات الغرب الدءوبة لاستقطاب العالم بأسره تحت لواء ~~ثقافته التي يجد في الزعم بأنها عالمية. # وسواء أكنا قوميين أو إسلاميين نتفق جميعا على ضرورة العمل من أجل انبعاثة روح حضارتنا ~~وتأكيدها في مواجهة الآخر الغربي المسيطر، حتى إن عبد الله العروي - وبعد أن حمل كتابه «العرب ~~والفكر التاريخي» تسليما بهيمنة المشروع الثقافي الغربي - يعود في عمل آخر ليشير إلى أن ~~«الانبعاث لا يعني إحياء إنجازات الماضي بقدر ما يعني استعادة العرب للمركز القيادي الذي احتلوه ~~فيما سبق بطول الوطن العربي وعرضه.» # 12 # إنها استعادة الانبعاث للفاعلية في المكان، بمعنى استغلاله علميا وتسخيره والسيطرة ~~والاستقلال به، واستعادة الانبعاث للفاعلية في الزمان، بمعنى فاعلية الأمة في مواجهاتها ~~ومحاوراتها مع الأمم الأخرى، وبالتالي إثبات وجودها الحضاري والتاريخي والوطني والإنساني؛ على ~~الإجمال الانبعاث هو انبعاثه روح الحضارة. وحين يطرح العروي السؤال: ما هي روح الحضارة ~~الإسلامية؟ يخلص إلى أن: «الخوض في مسألة روح الحضارة ينتهي حتما إلى تأسيس علم كلام مستحدث.» # 13 ~~(2) علم الكلام ... أيديولوجيا # في مثل هذه المقاربات لصلب ثقافتنا - أو حضارتنا، وأيضا لا مشاحة في الألفاظ - كان لا بد ~~وأن يتبوأر علم الكلام الذي هو نبتة إسلامية أصيلة، نشأ قبل عصر الترجمة، قبل التأثر بالفلسفة ~~اليونانية، كأول محاولة للتعبير عن النصوص الدينية وفهمها فهما عقليا خالصا، وتحويلها إلى ~~معان كحركة طبيعية في تجاوز النص الديني إلى المعنى العقلي، # 14 # فكان بحق أوسع وأهم المجالات لما أسماه محمد عابد الجابري «العقلانية العربية ~~الإسلامية»، أو أنه - كما رأى الشيخ مصطفى عبد الرزاق - الفلسفة الإسلامية الشاملة، حتى لعلم ~~أصول الفقه بكل تألقه المنهجي. # إن العرب في جاهليتهم لم يعرفوا الفلسفة ms008 البتة، هذا صحيح؛ لأنهم ببساطة «لم يعنوا بأول ~~أدوات الحضارة النظرية وهي التدوين وتأليف الكتب.» # 15 # ولكن طويلا ما رددنا أن حركة التفلسف العربية - فيما بعد - بدأت بالترجمة، ~~واستقر هذا في وعينا كبديهية أولى في درسنا للفلسفة الإسلامية، وبالطبع لا جدال في أهمية ~~وفاعلية حركة الترجمة، ولكن أن تكون هي نقطة البدء والمحرك الأول، فهذا يعني أن الفلسفة ~~الإسلامية محض نتاج للمؤثر الخارجي اليوناني، فتكون أصلا وامتدادا في وضع المنفعل المتلقي، ~~ويظل الغرب وتراثه ابتداء وأبدا في وضع الفاعل الملقن، وتتأكد مركزيتهم وهامشيتنا، وكما ~~يقول حسين مروة عن الزعم بانفعال الفكر العربي الإسلامي بالمصادر الخارجية: «الانفعال وحسب ~~يتضمن القول بأن المنفعل تابع ومقلد وناقل فحسب دون إبداع.» # 16 # إن نشأة علم الكلام في التربية الإسلامية ونموه في مناخها الموار الفائر، بفعل مكوناتها ~~وصراعاتها، حتى وصل بفضل عوامل عديدة، منها حركة الترجمة، إلى طور الفلسفة الإسلامية، يطيح بذلك ~~الوهم الذي يجعلنا منفعلين فحسب، ومن الضروري هنا الإشارة إلى لفتة حسين مروة الثاقبة، حين أوضح ~~بالتفصيل المدروس كيف أن المحرك الأول للعقل العربي، وبالتالي النقطة الأولى المفضية للفلسفة ~~الإسلامية لم تكن حركة الترجمة، بل كانت عقيدة الجبر التي رفعها الأمويون لتبرير حكمهم الجائر ~~القائم على الدم الطاهر المراق، وبالتالي ظهرت الثورة عليهم في شكل رفض أيديولوجيتهم ~~السلطوية؛ أي رفض عقيدة الجبر على يد الثالوث من شهداء القدرية أو الحرية: معبد الجهني وعمرو ~~القصاص وغيلان الدمشقي، الذين هم أسلاف المعتزلة. والمعتزلة بدورهم أسلاف الفلاسفة الإسلاميين. # 17 # ومن هذه الثورة الشعبية ضد السلطة الجائرة، أو هذا الصراع الأيديولوجي بين الجبرية ~~والقدرية في الربع الأخير من القرن الهجري الأول، بدأت رحلة العقل العربي إلى عالم التفلسف ~~مصداقا للقول الشهير: تاريخ الفلسفة هو تاريخ الحرية. # بكل هذا الدور الحاسم والفعالية الشاملة لعلم الكلام، ولأنه أصيل، بمعنى الكلمة وخصوصي، ~~تخلق في رحم الحضارة الإسلامية، وأيضا لأنه يدور بصورة أو بأخرى حول التنظير العقلي للعقائد ~~الإسلامية التي هي المخزون النفسي والبناء الشعوري للجماهير، النسيج القيمي، ملامح المجتمع ~~وقسماته ms009 وأطر معاييره ... على الإجمال الموجهات العامة للوعي وللسلوك، فقد أصبح التمثيل العام ~~للأيديولوجيا الإسلامية، لا سيما وأن علم الكلام بالذات، ودونا عن سائر علوم تراثنا القديم، ~~هو الذي نشأ في أتون الصراع السياسي ، وأن المتكلمين كانوا دائما هم أيديولوجيو الدول ~~الإسلامية. المعتزلة جندتهم الدولة العباسية الأولى في حربها ضد خطر الشعوبيات عليها، وما ~~حملته من تيارات فكرية مناهضة للعقلية الإسلامية كالمانوية والمجوسية والغنوصية؛ «فكان المعتزلة ~~هم أيديولوجيو الدولة آنذاك، يعملون على نشر وتكريس العقل الديني الإسلامي، وبالتالي سلطة الدولة.» # 18 # ولما تعاظم شأن المعتزلة - لتعاظم شأن العقل معهم - وقوي بناؤهم الأيديولوجي وبات ~~خطرا يهدد الدولة الاستبدادية التي بدأت عوامل الضعف والتفكك تتسرب إليها، نهض الأشاعرة ~~للرد عليهم وتحجيمهم، فأصبح الأشاعرة أيديولوجيي الدولة الإسلامية في العصر العباسي الثاني ~~وما تلاه. ومن قبل حين تكلم الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب (83-148ه) أسس جعفر بكلامه أيديولوجية الدولة الشيعية، وقد كان للشيعة دورهم ~~في نشأة علم الكلام وفي تطور مباحثه. # لقد تشكل علم الكلام كاستجابة للمشكل السياسي وللمتغيرات الحضارية التي لا تنفصل ~~بدورها عن الفتوحات العسكرية والامتداد السياسي. «كانت المواقف السياسية يبحث لها عن سند عام ~~في الدين، كان ذلك أولى الخطوات التنظيرية التي أسست ما سيطلق عليه فيما بعد «علم الكلام». إذن ~~فعلم الكلام في حقيقته التاريخية لم يكن مجرد كلام في العقيدة، بل كان ممارسة للسياسة في الدين.» # 19 # على الإجمال؛ أتى علم الكلام القديم نتاجا لتفاعل ثلاثة مقومات، هي: العقائد، ~~المعترك السياسي، العقل الفلسفي أو على الأقل النظري. # العقائد: أولا هي صلب الأيديولوجيا الإسلامية ونخاعها، وثانيا لا تكتسب الجماعة هويتها ~~إلا من خلال الهوية السياسية، وبعد رسوخ مفهوم الدولة في العصر الحديث؛ فإن الأيديولوجيا ~~الآن لا تنفصل البتة عن السياسة، ولا يتضح دورها إلا من خلالها، «وقد احتفظ مفهوم الأيديولوجيا ~~دائما، ورغم التغيرات في محتواه، بنفس المعيار السياسي للحقيقة والواقع.» # 20 # وثالثا سوف نرى لاحقا أن الأيديولوجيا إن أريد ms010 لها النماء والصيرورة ~~والفاعلية والمواءمة مع المتغيرات، فلا مندوحة لها عن الاستعانة مجددا بالتنظير وبالعقل ~~الفلسفي، لكل ذلك يغدو مشروعا أن نضع علم الكلام في وضع الإنابة ما دمنا بصدد المشكل ~~الأيديولوجي؛ إقرارا بشمولية الأيديولوجيا للخصوصية الحضارية . ~~••• # ومهما تصاعد الجدل حول مصطلح «الأيديولوجيا» فإنها تظل دائما حاجة وضرورة ملازمة للوجود ~~الإنساني، من حيث إنها التعبير عن معتقدات الجماعة التي تجعلها «جماعة» ذات هوية، وليست مجرد ~~حاصل جمع آحاد الأفراد. ولئن كانت الأيديولوجيا منظومة نظرية؛ فإنها لا تتناهى تجريديا، بل لا ~~بد لها أن تأتي تعبيرا عن واقعات جماعية محددة ... عن معتقداتها المتجهة نحو مصالحها اتجاها ~~ينبع من متعينات واقعها، مما يجعل الأيديولوجيا حاملة لإمكانيات الحركية والتغيير والتطوير نحو ~~مثاليات الجماعة وطموحاتها. إن بها منظومة فكرية تدعو إلى تفسير العالم وتغييره في آن واحد، ~~من هنا كانت الأيديولوجيا متضافرة دائما مع الطوباوية أو اليوتوبية # Utopism # وتصور ما ينبغي أن يكون، ولئن كانت الأيديولوجيا - كما أوضح كارل ~~مانهايم - تتعايش مع الحالة الراهنة في المجتمع، بينما الطوباوية دائما في وضع التعارض مع ~~الحالة الراهنة، فإن العنصر الأيديولوجي والعنصر الطوباوي في الفكر الإنساني لا يولدان ~~منفصلين عن بعضهما؛ طوباويات الطبقات الصاعدة كثيرا ما تتحول إلى أيديولوجيا، «ومعيار التفريق ~~بينهما هو درجة تحقيق الطوباوية في التاريخ وتحولها إلى أيديولوجيا.» # 21 # لذلك اعتبر إمجه # Emge # اليوتوبيا - أو الطوباوية - ~~أيديولوجيا مرئية يتوقع حدوثها، إنها تسعى لتحقيق النظام الاجتماعي الذي ترسم معالمه، فتطالب ~~بتغيير جذري للعلاقات المجتمعية والسياسية، تنفي أوضاعا راهنة وتستحث نظاما جديدا، فيقول ~~الفيلسوف البولاني الماركسي كولاكوفسكي: إن اليوتوبيا قوة حقيقية، إنها المثل الأعلى لنظم جديدة ~~والهدف المستكن لواقع تاريخي، ولكنها في الوقت نفسه أداة للتأثير في الواقع، ولتخطيط العمل ~~المجتمعي بصورة مسبقة. # 22 # وفي كل حال تنطلق اليوتوبيا - كما الأيديولوجيا - من موقف اجتماعي معين وتحتوي ~~على حقائق تاريخية معينة - كما أوضح إرنست بلوخ # E. Bloch ~~. ~~وبهذا التضافر مع اليوتوبيا أو الطوبى، تحمل الأيديولوجيا قوة لتأكيد وترسيخ المجتمع، كما يراها ~~البعض كمانهايم، من حيث تحمل قوة ms011 دافعية لحركيته، كما يراها البعض الآخر كجورج سوريل. # ونرجئ الآن مسألة تقابل وتصارع الأيديولوجيا مع العلم التجريبي # 23 # أو مع الفلسفة؛ إذ ها هنا يهمنا فقط وظيفتها، والتي أكد عليها لويس ألتوسير # L. Althusser # تأكيدا، ربما لأنها تماثل الوظيفة المعرفية ~~للعلم التجريبي؛ إذ يقدم العلم إطارا لتعقل حوادث الطبيعة وتفهمها تمهيدا للسيطرة عليها، ~~كذلك تقدم الأيديولوجيا إطارا لتمثل العلاقات الاجتماعية وتنظيمها، بل وربما القدرة ~~التوجيهية لها، بمقتضى منطق أو قاعدة أو مبدأ أو قيمة، يتواضع الناس عليها، ويحصل الإجماع بينهم ~~على اعتمادها، وهذا أحد الأسباب القوية التي تؤدي إلى صمود الدين وخلوده على الرغم من غزوات ~~العقلانية وبطولات العلم؛ وذلك لأن الدين نجح كأيديولوجيا في تزويد الناس برؤية متجانسة ~~تحقق لهم التوازن الذاتي أمام الطبيعة والمحيط الاجتماعي، وتمنحهم قواعد وأطر وأدوات لتنظيم وجودهم. # 24 # ومن ناحية أخرى يمكن الدخول في مقاربة ومقارنة مثمرة وبناءة لعلاقة الأيديولوجيا ~~بالفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى غاية اجتماعية قومية محدودة، بينما تسعى الثانية إلى غاية إنسانية ~~عامة شاملة. لكن الفلسفة كأي نتاج اجتماعي ما كان لها أن توجد إلا من خلال أيديولوجيا، كما ~~أن النظر الفلسفي يبقى ضرورة للأيديولوجيا في إثارته الأسئلة الجوهرية، وتعيين المشكلات ~~الأولية التي منها تتفرع المشكلات الثانوية. وحق القول إنه: «يقي الأيديولوجيا مغبة السقوط ~~لعدم تمييزها بين الأصول والفروع وبين الكليات والجزئيات، ويدفعها إلى تجنب الاكتفاء بالإجابة ~~على التساؤلات دون النفاذ إلى الأعمق والأشمل من المعطيات الحاضرة والماضية، والنظر الفلسفي في ~~ذلك يجرد الأيديولوجيا من مثال الإطلاقية التي تضع الأيديولوجيا خارج التاريخ، ويتسرب نتيجة ~~لذلك الوعي الزائف في تفسيرها واقعات التاريخ تفسيرا إسقاطيا أو تفسيرا قصديا، فتسحب رؤية ~~الماضي على الحاضر، ورؤية الحاضر على المستقبل.» # 25 # هكذا تتبدى لنا أهمية التجديد الفلسفي لعلم الكلام من حيث هو أيديولوجيا. ~~••• # إن علم الكلام يملك المساهمة الكبرى في التمثيل العام للأيديولوجيا الإسلامية، على أساس ~~أن الأيديولوجيا هي الوجود الواعي للأمة، من حيث هي مجموعة الأفكار المبدئية العامة لكل جماعة ~~معينة بشأن أصولها وأهدافها ومعاييرها وقيمها ms012 ومصالحها الحضارية. # 26 # هكذا أتانا علم الكلام القديم حاملا الإطار العام لأيديولوجية المجتمع آنذاك، بشتى ~~توجهاتها وفرقها، لا سيما المعتزلة والأشاعرة، وسيادة الأخيرة، وينتظر من علم الكلام الجديد ~~الذي نرومه متجها نحو المستقبل، أن يصلح إطارا وموجها أمثل للحضارة الإسلامية الحديثة على ~~مشارف القرن الحادي والعشرين، وأن يكون قادرا على التلاؤم مع روح العصر المثقل بإشكالياته ~~الجمة الخاصة به، قصوراته القديمة ومحنه الطارئة وتحدياته المستجدة، والنازع إلى النهوض رغم ~~التأزم والعقبات، نريده علم كلام قادرا على مواجهة الواقع الراهن ومتطلباته وتحدياته الضروس. ~~بكلمة واحدة، لا بد وأن يكون أيديولوجيا لحضارة متأزمة وناهضة معا، تحاول الوقوف على أسباب ~~الأزمة؛ للخروج منها إلى آليات النهوض. # لقد تعثرت محاولات التحديث، أو أنها على الأقل وبعد ما يقرب من قرنين من الزمان لم تؤت ~~أكلها المنشود، لا سيما إذا قورنت بتجارب تحديث أخرى، كنا الأسبق منها زمانيا من قبيل ~~التجربة اليابانية، وسوف تستمر محاولاتنا التحديثية في تعثرها طالما تصطدم بالتراث كمخزون نفسي ~~للجماهير، ولا تستوعبها أيديولوجيا واضحة المعالم تجسد نزوع الأمة، ويجد فيها الواقع تعبيرا ~~عن ذاته. من هنا كان التوجه العام للبحث عن أيديولوجيا إسلامية مقابل أيديولوجيات التحديث ~~المعاصر التي تتشكل بخطوط غربية. فكما لوحظ مرارا وتكرارا: «لقد عول الفكر العربي على ~~العديد من الأيديولوجيات، فانتهى إلى المزيد من التفكك والتبعية، فلماذا لا يكون الإسلام قرآنا ~~وسنة وتاريخا هو أيديولوجيا الوحدة والتحرير؟» # 27 # إن الإسلام هو البديل المطلوب؛ لأنه يرتبط بالجماهير، ويوفر لها الغذاء المعنوي في ~~وقوفها ضد الهيمنة الأمريكية التي تستهدف السيطرة الاقتصادية والسياسية التامة على البلاد العربية. # 28 # أما أصحاب النزعة التحديثية المتطرفة، السائرون في اتجاه العدمية التراثية، بتعبير طيب ~~تيزيني، المؤتمون بإسماعيل مظهر وشبلي شميل وسلامة موسى ... والتالين لهم، أولئك الذين لا يرون ~~في الإسلام أصلا وفروعا، جملة وتفصيلا، شكلا ومضمونا، إلا معاملا لكل تخلف ورجعية، ~~فعليهم الالتفات إلى تحدينا الأكبر إزاء الصهيونية، وهو إن لم يعد تحديا عسكريا فسيظل ~~دائما تحديا حضاريا، والصهيونية فكر ديني متشدد؛ باسم الدين في ms013 إسرائيل يكون الوطن والوطنية ~~والقومية والهوية والجنسية والحرب والسلام والمفاوضات والمعاهدات والحقوق والاستثناءات ~~والامتيازات والتنازلات والتشددات والنكوصات، وأيضا المجازر والمذابح والاعتقالات ... إلخ، # 29 # ونحن لا نستطيع التراجع عن تحد أو صراع هو في جوهره ديني، وإذا كان الدين هو ~~الذي يرسم حدود الحلبة؛ فإن مخزوننا النفسي ونسيجنا الشعوري وطبيعة حضارتنا - والدين فيما ~~يقال اختراع مصري - تجعلنا أولى من غيرنا بترسيم مثل تلك الحدود. # والواقع أن الدين دائما أيديولوجيا، من حيث هو نسق من المعتقدات تلجأ إليه الجماعة ~~«يرضي حاجات نفسية فردية جماعية؛ أهمها التماسك والشعور المشترك بوسائل شتى من الشعائر والطقوس ~~والتعاليم المقدسة. من هذه الزاوية يملك الدين قدرة تعبوية هائلة ينعدم فيها غالبا الشك ~~والتساؤل والانقسام.» # 30 # لكل ذلك كان علم الكلام هو التمثيل العام للأيديولوجيا الإسلامية، فهو القادر على تأطير ~~حضارتنا بكل خصوصيتها، من أجل انبعاثه في عصر التحديات الضروس المستجدة، شريطة أن يكون بدوره ~~مستجدا ... علم كلام جديدا نازعا نحو المستقبل، فعدم تطوير علم الكلام القديم، وتقوقع ~~الموروث إجمالا على ذاته، هو ما ارتد في الواقع المعاصر إلى تطرف وعدوانية ظهرت مؤخرا في ~~الجماعات الإرهابية الجانحة، التي تساهم في إبراز أهمية التجديد بقدر ما تبدت أهمية علم ~~الكلام. # إنها أهمية علم الكلام الجديد ... السائر نحو المستقبل. ~~••• # ولا شك أن تجديد علم الكلام، ونفض رواسب الجمود عن كواهله، شقا لطريق المستقبل، يحتاج ~~إلى فريق عمل ... بل فرق. إنها مسئولية جيل ليضطلع كل بما يستطيعه، بهذه الرؤية أو تلك، من هذه ~~الزاوية أو تلك، في هذا الوضع أو ذاك ... ومنطلق فلسفة العلوم يفرض علينا موضعا متعينا هو ~~الطبيعيات التي طال انفلاتها من بين أيدينا. لن يشق علم الكلام طريق المستقبل ما لم ينضبط وضع ~~الطبيعيات فيه، ومن ثم في وعي الجماعة، ما لم يتسلح بوضعية مستجدة ومكينة للطبيعيات، فيكون ~~أيديولوجيا مؤهلة للالتحام الخلاق بالحلم العلمي التقاني. # لكن كيف؟ كيف السبيل لهذا؛ ولأن يشق الكلام أجوازا؟ # الفصل الثاني # | علم الكلام نحو المستقبل، كيف ...؟ # (1) جدلية الاستيعاب والتجاوز # اتضح في الفصل السابق ms014 أن الطرح المستقبلي ينشأ أصلا عن ضرورة التجديد، التي سيطرت على ~~آفاق فكرنا المعاصر، وفي سياقها يأتي هذا البحث - من منظور فلسفة العلوم - طامحا في علم كلام ~~ينطلق نحو المستقبل مسلحا بعتاد الطبيعيات. إنه إذن بحث تجديدي في علم الكلام. # والبحث التجديدي في علم الكلام يعني ضمنا استيعاب وتجاوز علم الكلام القديم، كما يتمثل في ~~نصوص تراث هو تراثنا نحن، نحتويه ويحتوينا، فيتوجب له الاستيعاب؛ لكنه نتاج لظروف تاريخية ~~معينة، وقصورات معرفية جمة، فرضت على متغيراته أشكالا ما، ولما كانت هذه الظروف قد ~~انتهت منذ قرون عديدة خلت، وتراجعت القصورات المعرفية، واتخذت مواقع وصورا مباينة تماما؛ ~~فإنه من الضروري أن يكون استيعاب علم الكلام القديم من أجل تجاوزه، مرتكزين في هذا وذلك على ~~ثوابته. # إن مقولة الاستيعاب والتجاوز تشق طريق علم الكلام إلى المستقبل؛ فهي الرفض العقلاني ~~المثمر البناء، الذي يسلم بالتاريخية ومراحل التاريخ، ويحقق الهدف بالتعامل مع المرحلة في ~~إطار متعيناتها وظروفها، ويبرأ من مثلمة الانشغال بثابت أزلي يعلو على عالم الإنسان في ~~الزمان والمكان، بمطلق مغترب عن الواقع في صيرورته الدائمة. # وإذا تذكرنا إشارة كارل مانهايم إلى أن التفكير الجدلي (الديالكتيكي) يكافح باستمرار ~~للإجابة على سؤالين؛ أولا: ما هو مركزنا في العملية الاجتماعية؟ وثانيا: ما هي متطلبات اللحظة الراهنة؟ # 1 # اتضح أن المقصود بهذا، أو القضية المطروحة هي تاريخية علم الكلام التي ستستفيد من ~~المنهج الجدلي ذي الفعالية المشهودة في مثل هذه المجالات الحضارية الواسعة النطاق. إن هذا البحث ~~يطرح «الاستيعاب والتجاوز» كتناول جدلي لتاريخية علم الكلام. # إن تاريخية علم الكلام بمثابة مصادرة أولية أو بديهية لا بد من التسليم بها؛ فالعقائد ~~إلهية مقدسة ثابتة مطلقة، أما علم الكلام فليس البتة هكذا، بل هو علم إنساني محض، صنعه ~~البشر في زمان محدد وموقف معين، واستجابة لظروف تاريخية معينة، هي كأية ظروف تاريخية، ~~متغيرات، متغيرات سوف تنداح، لتتخلق ظروف تاريخية أخرى، لها متطلبات ومقتضيات أخرى. # وسلاما على فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1561-1626) أبي ~~الميثودلوجي، علم مناهج البحث، أقوى العوامل ms015 الفاعلة في صنع الحداثة الغربية والجذع المتين ~~لفلسفة العلوم، سلاما عليه، وهو يحذر من «أوثان الكهف»؛ أي تصورات البيئة الخاصة حين تسيطر ~~على الذهن بوصفها حقائق مطلقة، ويحذر من «أوثان المسرح»؛ أي أفكار ممثلي وأعلام الفكر ~~السابقين، وكلاهما - أوثان الكهف والمسرح - قائم على الخلط بين النسبي والمطلق وإغفال نسبوية ~~وتاريخية التصورات العقلية. # يقول حسن حنفي: «هناك فرق شاسع بين علم الكلام والعقائد الدينية، فعلم الكلام محاولات ~~اجتهادية لفهم العقيدة أو العثور على أساس نظري لها، وتخضع كل هذه المحاولات للظروف التاريخية ~~التي نشأت فيها، وللأحداث السياسية التي سببتها، وللغة العصر التي عبرت بها، وللمستوى ~~الثقافي الذي ظهرت خلاله. لا يمكن إذن التوحيد بين العقيدة كحقيقة مطلقة، وبين الصياغات ~~التاريخية لها التي تحدث في زمان معين ومكان معين وبلغة معينة، وعلى مستوى ثقافي معين.» # 2 # وتبدو جدلية الاستيعاب والتجاوز أداة منهجية فعالة للم أشتات الماضي والحاضر والمستقبل، ~~في إطار متماسك، يبدو لنا قادرا على تقنين تاريخية علم الكلام المتجه نحو المستقبل وفقا ~~للمرحلة التاريخية الراهنة، فيعني صيرورة إلى دورة جديدة، ومسارا إلى الأمام، غده أكثر ~~زخما وثراء من أمسه، مما يجعل الانتقال صعوديا إلى مرحلة أعلى، وليس دائريا ينتهي إلى ~~نقطة بدئه. هكذا يتضح أن الاستيعاب والتجاوز ببساطة يجعل الكلام التراثي كائنا حيا يتصف ~~بالنماء والسيرورة، فيمكن أن يساهم في وضعية الطبيعيات بما تحمله من إمكانيات تقدمية. ~~••• # وهذا يلزم عنه بالضرورة المنطقية إسقاط النظرة التقديسية، أو بالأصح التحجرية للتراث، ~~التي تصادر عليها الحركات السلفية المعاصرة، في تعصبها وتطرفها المرضي، الذي بلغ حد إرهاب ~~الآمنين وترويعهم. # والتوقف بإزاء هذه الحركات الإسلامية السلفية المتطرفة التي برزت ناتئة في واقعنا الحضاري ~~ليس خروجا عن أطر معالجة فلسفية منطلقة باعتبارات إبستمولوجية، بل هو التفعيل لكل هذا والذي ~~ننشده منذ بدء البداية، والأهم أنه إثبات لفعالية جدلية الاستيعاب والتجاوز التي نطرحها كآلية ~~لتاريخية علم الكلام. # تلك التاريخانية - مرة أخرى - مقدمة أكثر من ضرورية؛ فلئن كان الله - تعالى - قد جعل ~~الإنسان تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية، فذلك ms016 لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع ~~تاريخا. التاريخ هو ما يجعل عالم الإنسان مختلفا عن عالم الحيوان والنبات والجماد الذي لا ~~يعرف صنع المتغيرات ولا تراكماتها؛ التاريخ هو فاعلية الإنسان، هو صيرورة الحضارات وسيرورة ~~الثقافات، هو التغير الذي جعل الإنسان الكائن الوحيد الذي يدرك معنى الزمان ويصنع له حسابا، ~~فكان الوحيد الذي يعرف معنى الصعود والتقدم واختلاف الأمس عن اليوم، وهذه التاريخانية هي حجر ~~العثرة الذي تصطدم به تلك الجماعات المتطرفة، ليتصاعد مستصغر الشرر الذي قد يضرم مستعظم ~~النيران. # لقد تمسكوا بحديث الفرقة الناجية من النار، الذي شكك في صحته وفي جواز الاستدلال به ~~ابن حزم وآخرون؛ تمسكوا به ليلزموا الطرف الأقصى الواحد والوحيد، رافضين كل المتغيرات في ~~تدرجاتها إلى أطراف أخرى تشكل جميعها الواقع، ثم اتخذ هذا الرفض شكلا تصاعد وباله كثيفا ~~أليما في مسلسل فتن دامية وتساقط القتلى والشهداء من الجانبين، العكس بالعكس طبعا، والجانبان ~~من سويداء الأنا ... من الوطن. # ومهما كانت نواياهم، ومهما كانت أهدافهم وأسانيدهم، فإن الخطأ المحوري في استدلالاتهم ~~الذي يؤدي إلى هذا الاصطدام الدامي، أو على الأقل العقيم، مع الواقع، لهو في إنكار تلك ~~التاريخانية. # بداية الواقع مأزوم، وكلنا نعمل، أو يجب أن نعمل على تجاوز هذه الأزمة بآفاق فكر نهضوي لا ~~يمتنع أن يكون دينيا، أو بمجالات عمل تنموي لا يقتصر على أن يكون اقتصاديا. التنهيض ~~والتنمية هما الشكلان الإيجابيان لرفض أزمة الواقع ... لتجاوزها. كلاهما يسير على معامل المتغيرات ~~في مسار التاريخ بحثا عن الأفضل، دخولا في حركة التقدم نحو المستقبل. # مشكلة الجماعات الإسلامية المتطرفة أنها لا ترفض الواقع المأزوم فحسب، بل تدفعها الثبوتية ~~إلى رفض المتغيرات أيضا، بل وأصلا وانطلاقا من رفض التاريخانية؛ فيطابقون بين الدين وبين ~~التراث، بين الثابت وبين المتحول، وبين الإسلام وبين «الفتاوى» لابن تيمية وتلخيصها في «الفريضة ~~الغائبة»، «نيل الأوطار» و«فتح القدير» لتلميذه الشوكاني، وكتب ابن القيم الجوزية، وفتح الباري ~~للعسقلاني، و«المحلى» لابن حزم، «المغني» لابن قدامة ... حتى «المصطلحات الأربعة» - الحاكمية ~~والألوهية والربانية والوحدانية - للإمام أبي الأعلى ms017 المودودي ... وصولا إلى «معالم على ~~الطريق» لسيد قطب. # معظمها أعمال قيمة، لكن تنبع قيمتها من قدرتها على تمثيل روح عصرها والاستجابة لمتطلباته ~~وتحدياته، التي تختلف عن متطلبات وتحديات عصرنا، كلها خارجة من الثابت في حضارتنا: الكتاب ~~والسنة. لكنهم ليسوا أوصياء علينا، ونحن لسنا قاصرين عاجزين عن الإبداع والاجتهاد مثلهم، ~~والخروج من هذا المعين الثابت بما يسد حاجات عصرنا. وكما قال الشيخ أمين الخولي: لهم عصرهم ولنا ~~عصرنا، نتعلم منهم ولا نحذو حذوهم النعل بالنعل. # إنها «أوثان المسرح» التي حذر منها فرنسيس بيكون، النابعة من الافتتان بممثلي أو أعلام ~~الفكر السابقين. كما ينبهر متفرج المسرح ببراعة الممثل في تجسيد الدور، «أو براعة المفكر في ~~تجسيد روح عصره ومتطلباته»، وينسى المتفرج واقعه ومشكلاته، يتألم لمآسي الممثل ويفرح لظفره ~~بالمحبوبة، حتى وإن كان بين المتفرج ومحبوبته فراسخ وأميال! كذلك تماما تعيش الجماعات ~~المتطرفة في واقع تلك المصنفات التراثية التي كانت نتاجا أو استجابة لظروف حضارية انتهت منذ ~~قرون عديدة، ملغين ظروف واقعنا، ولا يلتفتون إلى أن فتاوى ابن تيمية لمواجهة المغول لا تصلح ~~لمواجهة القوى الإمبريالية المعاصرة، وأن معالم سيد قطب كانت على طريق الاصطدام مع التجربة ~~الناصرية الاشتراكية التي أصبحت الآن أثرا بعد عين. من هنا يتصاعد الشرر، من المطابقة بين ~~الدين والتراث، بين العقائد من ناحية، ومن الناحية الأخرى حصائل الجهد البشري في مرحلة تاريخية ~~معينة، فيريدون صياغة الحاضر على غرار الماضي، من حيث المحتوى المعرفي والمفاهيم، حتى تفصيلات ~~الأنماط السلوكية! تنشغل إسرائيل بالأسلحة النووية والقنابل الذكية، وينشغلون هم بالشهب والحراب ~~على من حرم النقاب، متصاغرين متخاذلين في تحدي الإسلام الحقيقي أمام الآخر الغربي الذي ~~نزع النقاب عن المادة ليكشف الذرة، ثم نزع النقاب عن الذرة ليكشف الجسيمات، ثم نزع النقاب عن ~~الجسيمات الذرية ليكشف - أخيرا - الكواركات، ولا يكتفي أبدا. أي النقابين الانشغال به الآن ~~خير وأبقى؟! بديهي أن هدف بحثنا هذا بأسره توجيه الاهتمام نحو النقاب الثاني؛ لأننا ~~نحسبه عند الله وعند عباده خيرا وأجدى. # أما تلك المطابقة الخاطئة بين ms018 الإسلام وتراثه، بين العقائد وتنظيرها؛ أي كلامها في مرحلة ~~تاريخية معينة، فتضر بالإسلام قبل سواه؛ لأنها تفترض فيه تحجرا عند مرحلة أسبق، تحجرا ~~زائفا لا يوجد إلا في عقولهم؛ فالدين رسالة ... مسئولية أبت أن تحملها السماوات والأرض وحملها ~~الإنسان ... إنه إيجابية؛ أي عمران ونماء وتطور. # وهم بهذا المفهوم المتحجر للدين والتراث، يصرون على أن التراث حاضر اليوم وفاعل، أو ينبغي ~~أن يكون هكذا، «وأن الحضور والفعل اللذين له مستمدان من استمرار الماضي في الحاضر، استمرار ~~الجوهر في تجلياته، وأن الزمان والفعل ما هو إلا عنصر خارجي ويسجل لحظات لا كيفية فيها ~~ولا في تتابعها.» # 3 # وهذه رومانطيقية مجردة، # 4 # رومانطيقية اللياذ بالعوالم الذاتية المنفصلة عن العالم الموضوعي المشترك بين ~~الذوات أجمعين، رومانطيقية العجز عن الفكر وعن الفعل، رومانطيقية التضاد مع العقلانية، ~~وبالتالي هي ضد التنوير، بل إنها على وجه التعيين هي الإظلام؛ فالإظلام هو تغييب الواقع، فلا ~~يعود التراث والدين أفيونا للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية ووعود سماوية فحسب، بل ~~أيضا وأساسا؛ لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن، وإلغاء للزمان برمته، وبالتالي نفي لفكرة ~~التقدم. # بل إنهم يفعلون بفكرة التقدم ما هو أكثر من النفي؛ إذ يعكسونه، يجعلون التقدم قهقريا، مما ~~يجعل التاريخ يتساقط من واقع خارج الزمان ينفي الحركة ويئد التطور ويلغي التقدم. إنهم ينطلقون ~~من مقدمة تسلم بأن ذروة التقدم كائنة في الماضي، مستعينين بالحديث الشريف: «خير القرون قرني ~~ثم الذين يلونهم ...» وقد تشكك فيه ابن حزم وآخرون. هم يفضلون القرون الأربعة الأولى، وربما ~~القرن الأول فقط، وكلما سرنا قدما مع مسار التاريخ سرنا طرديا مع سقوط مستمر وانهيار ~~تدريجي ومتوال لتلك الذروة التقدمية، حتى نصل إلى عصرنا الحالي، فنصل إلى أدنى درجات ~~الانهيار، وكل عصر آت درجة أدنى من الانهيار؛ ليكون تقدم التاريخ قد أصبح انهيارا تاما ~~وسقوطا شاملا، فيصبح التقدم الحقيقي هو التقدم القهقرى؛ الرجوع إلى الوراء، واللحاق بالعصر ~~الذي ولى وفات. # من هنا كان محور هذه النزعة السلفية يكمن في اعتبار اللحظة الماضية المنطلق الأنطولوجي ms019 ~~والإبستمولوجي، وليس فقط الأكسيولوجي، منطلق الحلول للحاضر والمستقبل. وكما أشار طيب تيزيني: ~~«إن الماضي يبرزها هنا، على هذا النحو مبتدأ وخبرا، منطلقا ونهاية، لكل فعالية إنسانية ~~لاحقة، إنه، بتعبير آخر، المخول القادر أصلا على إكساب كل فعالية إنسانية - مهما كانت ~~أبعادها ومواصفاتها - اعتبارها ومشروعيتها في الوجود. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الماضوية تبرز ~~عنصرا مكونا للنزعة السلفية.» # 5 # وقد نوه تيزني إلى أن الماضوية التي ترفض الحاضر فضلا من المستقبل تقف في مربع ~~واحد مع الأسطورة التي ترفض التاريخ بأسره؛ فالأسطورة دائما فوق التاريخ، و«اللاتاريخية هي ~~الأساس المكين للنزعة السلفية»؛ # 6 # فتغض النظر وتصم الآذان عن كل المتغيرات. # لهذا انبثقت الصياغة السلفية عن كراهية الحاضر ونفور منه، وعجز عن التعامل معه، حتى شكلها ~~الحنين الدافق والهيام الرومانطيقي المشبوب بالماضي فتلوذ بعوالمه المنفصلة عن العصر، ~~متوهمة إحياء الدين في الواقع، وإحياء الواقع بالدين، وهي في حقيقة الأمر تنطوي على قرني ~~إحراج يدمر الطرفين معا؛ فهي تدمر الواقع حين تنفيه، أو تتصور إمكانية نفيه، بكل زخمه الحضاري، ~~وكل إشكالياته المتعينة ونواتجها غير المتوقعة وظروفه المتولدة والمولدة لحيثيات أخرى، وكل ~~إنجازاته وعثراته وتحدياته المستجدة، وتفر إلى واقع انتهى منذ قرون طويلة خلت، ولم يعد له ~~وجود إلا من حيث تمخض عن تراث قابل للاستيعاب والتجاوز، والتعامل الخلاق مع تخلق حيثيات ~~حضارية جديدة. # وهي تدمر الدين حين تنفي عنه الديناميكية والحياة والقدرة على التواصل والاستمرارية، ~~وبالتالي إمكانية أن يؤدي المهام المنوطة به حين تختلف الأزمنة والأمكنة، هكذا تنتهي الصياغة ~~السلفية المتطرفة إلى تدمير، أو على الأقل استلاب الحياة والفعالية من الدين ومن الواقع على ~~السواء. # كان لا بد أن يكون هذا هو مآل الصياغة السلفية ما دامت تنطلق من التسليم باغتراب الواقع ~~الراهن عن الدين، واغتراب الدين عنه، كوضع منته لا مخرج منه إلا النفي، نفي الواقع بالسلب ~~واللا والتكفير والهجرة منه، أو نفي الدين إلى عوالم أخرى ماضوية، يتصورونها أكثر حضورا من أي ~~حاضر، فتنتهي الحركة السلفية من حيث بدأت: واقع راهن متأزم ms020 ودين مغترب عنه. # ولا غرو، فالدوران المنطقي واللف في المتاهات المغلقة هو مآل كل من ينفصل عن الواقع ~~الراهن، محاولا أن ينفيه وهو غير قابل للنفي، أو يعجز عن التعامل معه، وهو تعامل لا مندوحة ~~عنه. ~~••• # وإذا كان هذا هو مآل التوجه الذي يتصاعد الآن كثيفا وبيلا، فإن علم الكلام الجديد ينطلق ~~نحو المستقبل، بحركة جدلية من ذينك الطرفين : الدين/التراث والواقع/الأزمة، ولكن ليس بما ~~يدمر أحدهما أو كليهما، أو يفر منهما كدأب السلفية، بل انطلاقة بما يشبه المركب الجدلي ~~الذي يستوعب كلا الطرفين ويتجاوزهما إلى المركب الشامل المنشود الذي يفضي بدوره إلى مرحلة ~~جديدة. # من هنا طرحت جدلية الاستيعاب والتجاوز كأداة تمهيدية فعالة في يد علم الكلام تساهم في شق ~~الطريق وتعبيده، وحين تصل إلى مركبها الجدلي ستتضح أهميتها، بل ضروريتها في انضباط وضع ~~الطبيعيات بمنظومة علم الكلام الجديد الذي نرومه سائرا نحو المستقبل. # المهم الآن أنه في هذا الطريق السائر قدما - على عكس اتجاه الطريق اليميني السالف - لن ~~نجد علاقة حاضر علم الكلام بماضيه علاقة اتصال سلبي، تجعل الماضي فاعلا والحاضر مفعولا فيه ~~أو به، والأقدمين أوصياء علينا وكلاء عنا في الفعل والإنجاز والتشييد، ومحاولات الإجابة عن ~~تساؤلات عصرنا الملحة التي لم يطرحها عصرهم، ولعلها لم تدر بخلدهم، وهي أيضا - بطبيعة الحال ~~- ليست علاقة انفصال بائن تجعل الحاضر منبت الجذور، وكأنه نبتة شيطانية نشأت عن فراغ. إنها ~~جدلية الانفصال/الاتصال التي تؤذن بالمركب الشامل، والمرحلة الجدلية الجديدة، ودورة حضارية أخرى ~~هي مرحلتنا المعاصرة، التي ننشدها منطلقة نحو المستقبل. ~~(2) القطيعة المعرفية ... آلية مستقبلية # هكذا تتشابك جدليتا «الاستيعاب/التجاوز» و«الانفصال/الاتصال» لتمثلا الأداة التمهيدية ~~الفعالة في يد علم الكلام، القادرة حقا على أن تشق به طريقا جديدا نحو ~~المستقبل. # وفيما يختص بوضع الطبيعيات تصبح تلك الأداة الفعالة سلاحا ماضيا أو آلية ناجزة ~~قادرة على الحسم والإنجاز والإضافة؛ إذ يبلغ علم الكلام بهما؛ بهاتين الجدليتين مركبهما الشامل ~~الذي يعني وضع «القطيعة المعرفية». وما دمنا قد ناهزنا حدود الطبيعيات فمن الضروري أن نجيب ~~على التساؤل: ما ms021 القطيعة المعرفية؟ ومن الملائم أن تأتي الإجابة الآن في هذا السياق ~~الجدلي. # فالقطيعة المعرفية # La rupture Epistemologique # ترتبط ~~بالحركة الجدلية ارتباطا عضويا، هكذا يكشف عنها مبتدعها جاستون باشلار # G. Bachelard ~~(1884-1962) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا، الذي وضعها في إطار ~~فلسفته الجدلية ... كمركب جدلي ... من الحضور والغياب ... من الإثبات والنفي ... من الاتصال والانفصال؛ ~~لتكون ثمة إضافة كيفية حقا لنسق علمي تنتسب إليه، وليست مجرد إضافة كمية. إنها ترتكز في ~~أصولها إلى قانون الجدل الشهير: تراكمات كمية تؤذن بنوع من القطع الكيفي. # وتعني القطيعة المعرفية أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، ليس بمعنى نفيه ~~وإنكاره، أو التنكر له، فذلك غير وارد في التقدم العلمي، الذي يمتاز عن أي تقدم آخر في حضارة ~~البشر بأنه ليس أفقيا، بل رأسيا، يرتفع طابقا فوق طابق، فلا يرى نيوتن - كما أكد هو نفسه - ~~أبعد من سابقيه إلا لأنه يقف على أكتافهم ... القطيعة تعني أن الحاضر لا يعود مجرد تواصل ~~ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديل أو إضافة كمية له، بل يعني التقدم شق طريق ~~جديد لم يتراء للقدامى ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي الأضيق ~~والأكثر قصورا، والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربائي»؛ # 7 # فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل ~~قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو ~~احتراق ... فهي خلق وإبداع جديد تماما؛ إنها الجدة. # الجدة العلمية # Scientific Novelty # هنا بأدق معاني العلم ~~والعلمية، ويمكن مبدئيا قصر هذا المعنى على الطبيعيات الحديثة ... على العلوم الفيزيوكيميائية. ~~ها هنا لا تأتي الجدة العلمية إلا عن طريق التكذيب، سلب الخطأ، الصراع مع القديم ورفضه، هكذا ~~تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على «العلم» عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، مما يجعل ~~البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم ~~في جدليات ناشطة حقا. # 8 # إن الفكر العلمي فكر قلق، يبحث ms022 عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره الخاصة، ~~وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف العلمية تلك الأهمية الوظيفية المفترضة. # 9 # لكن باشلار الذي لا يعبأ كثيرا بالمنطق، ويطلق رؤاه النافذة لظاهرة العلم الحديث كشاعر ~~ملهم، ينجح أحيانا فيرفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم وتاريخه، ويركز على الجانب الانفصالي ~~تركيزا بلغ حدا يخل بجدليته المكينة التي تحيط بجانب الاتصال/الانفصال. والحق أن عامل ~~الاتصال واستمرارية التاريخ العلمي له أهمية في فلسفة العلم، # 10 # وليس من السهل رفضه تماما على طريقة باشلار. # وباشلار على أية حال من أساطين فلسفة العلم المعاصر، وقد خلق مفهوم «القطيعة المعرفية»؛ ~~ليكون من أهم مفاهيم فلسفته الخصبة الثرية للعلم؛ إذ استطاع عن طريقه أن يبلور تقدم العلوم ~~الطبيعية، من حيث هو سلسلة من الثورات؛ لذلك فالقطيعة عند باشلار تناظر تحطيم العلم الثوري ~~للنموذج القياسي «البراديم Paradigm ~~» عند توماس كون # T. Kuhn # في بنية الثورات العلمية، وتناظر تكذيب النظرية ~~التفسيرية المقبولة عند كارل بوير في منطق الكشف العلمي، إنها تسير إلى أقصى مدى بالنظرية ~~الثورية في تفسير طبيعة التقدم العلمي، كتمثيل عيني لتقدم الجهد العقلي في متصل صاعد دوما، ~~متصل/منفصل تبرز قدرة الفكر الجدلي على التنظير للثورة - أي ثورة علمية وغير علمية، أو ليس ~~رفضا - نقضا ونفيا لواقع قائم - لقضية مثبتة. # 11 # وأيضا كشأن تحطيم النموذج القياسي عند كوني، ومنطق التكذيب البوبري، نجد جدلية القطيعة ~~المعرفية، تعبيرا عن روح وحصائل ثورة العلم المعاصر في القرن العشرين، ثورة النسبية ~~والكمومية # Quantum # التي قوضت عالم نيوتن الميكانيكي الآلي، ~~عالم الفيزياء الكلاسيكية: فكانت القطيعة المعرفية «رفضا للاتصال الميكانيكي والمفهوم التراكمي» # 12 # لتقدم العلم ونمو المعارف العلمية، وكأن الأمر مكتبة متنامية باستمرار # 13 # بتعبير كارل بوبر إمام الرافضين لمفهوم التراكم المعرفي، أو حتى مخزن بضائع ~~متزايدة، وليس ملحمة صراع ضار ونبيل، تجتاز عقبات لا تنتهي. # إن المعرفة العلمية - كما أوضح باشلار - تسير دائما عبر عقبات وقهرها. يتحقق الانتصار على ~~العقبة بتصحيح الأخطاء ورفض مواطنها - تكذيب النظرية المقبولة بتعبير بوبر - والانتقال ms023 الكلي ~~إلى عقبة جديدة، قطيعة معرفية، والانتقال إلى إنجاز جديد وقهر عقبة جديدة ثم قطيعة أخرى، ~~وانتقال آخر وإنجاز آخر وقهر عقبة أخرى ... وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي الذي لا يتوقف ~~أبدا. # وتكتسب «العقبة» دورا محوريا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم بينها وبين ~~«القطيعة». العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.» # 14 # حتى يعرض باشلار لتكوين العقل العلمي عبر السلسلة من العقبات. إن وجود العقبة أو ~~العائق يؤذن دائما بتحول جديد في المعرفة، يعني قطيعة بالنسبة للمعرفة السابقة. # القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود ~~اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب - إنجاز لحداثة بل الجدة - وعن طريقها يؤكد ~~الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة وبين غير الكائنتين: ~~الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، «وأن نجعل ~~منها منبعا لحدسنا متدفقا دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج ~~الموضوعي لحياة تكون أفضل وأوضح.» # 15 ~~(3) القطيعة بين الإبستمولوجيا والأيديولوجيا # هكذا نجد مفهوم القطيعة المعرفية لم يتخلق إلا في رحاب فلسفة العلوم، بل فلسفة العلوم ~~الطبيعية بالذات، ولم يصغه إلا جاستون باشلار، فقط في القرن العشرين، استخدمها الماركسي ~~الفرنسي المجدد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير استخداما موسعا في قراءته البنيوية ~~للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا ~~وبين العلم، لتتخلص من الأولى وتبقى علما عن طريق «القطيعة المعرفية»، فقامت القطيعة مع ~~ألتوسير بدور جوهري للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم، وهذه قضية محورية في الفلسفة الماركسية. # 16 # وكانت محاولة ألتوسير في هذا دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية، وأيضا ما ~~قبل وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجية ~~الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر. # 17 # اختلف ألتوسير عن لينين وجورج لوكاتش (1891-1937)، في تأكيده أن الأيديولوجيا ms024 ليست مجرد ~~الوعي الطبقي أو الاجتماعي، بل هي - كما سبق أن أشار ماركس - نقيضة العلم، لكنه اختلف مع ماركس ~~أيضا بإضافة أن المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعين التخلص منها وإحلال العلم محلها ~~فيما أسماه بالقطيعة المعرفية. هكذا كانت القطيعة لإفساح الطريق أمام العلم، وأمام الاشتراكية ~~العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانا بنمو المفهوم، أو تمثيلا لخروجه من أعطاف فلسفة العلوم ~~الطبيعية ومن قلب صيرورة البحث العلمي، ليعم ويسود بعد ذلك ويصبح بمثابة «موضة شائعة» في كل ~~مجالات الفكر والأدب والفن أيضا، وقد عبر عنها الأدب تعبيرا رديئا بات قولا مأثورا هو: ~~«انظر وراءك في غضب.» # وكان ألتوسير قد برع في استخدام «القطيعة» لتفسير تطور الفكر الماركسي ذاته ونشأة المادية ~~التاريخية، كما استخدمها ميشيل فوكوه للفصل بين الحقب المعرفية، لقد تحررت القطيعة من ارتباطها ~~بتطور العلم الطبيعي البحت. # ولعل ما يميز التجربة الأوروبية الحديثة حقا أن العلم فيها هو الذي قاد التحول ~~الحضاري؛ أي إن الإبستمولوجي هو الذي أخضع الأيديولوجي، وأصبحت حضارة تقنية، تعملقت فيها قيم ~~العلم تعملقا بات يمثل خطورة هددت أبعادا حضارية أخرى تهديدا وبيلا، وبالتالي تسللت كثرة ~~من مفاهيم العلم وفلسفته إلى الحضارة وفلسفتها، بل إلى الواقع الحضاري ذاته، وأحكمت قبضتها ~~عليه. وقد تسلل مفهوم القطيعة هو الآخر، وأبدى فعالية جمة ومطابقة في تفسير الحضارة ~~الأوروبية، وتجربة الحداثة فيها، وعلى يد كثير من المفكرين والباحثين الغربيين، نذكر منهم ~~أخيرا إميل بولا # 18 # لقد أصبحت القطيعة توصيفا لتجربة الوعي الأوروبي، حين خرج من العصور الوسطى ~~ملتجئا إلى الطبيعة، بوصفها طريقا للمعرفة، فقطع نفسه عن الماضي الذي اعتبر الكتاب المقدس ~~طريقا للمعرفة؛ هكذا أصبحت القطيعة عنوانا للأيديولوجيا الغربية الحديثة. # لكن المفهوم أولا وقبل كل شيء من مفاهيم فلسفة العلوم الطبيعية، آلية من آليات العقل ~~العلمي، كما أوضحنا. لم يعرف ولم يتبلور إلا بعد تطورات العلم الأخيرة، وعلى وجه التعيين ثورته ~~العظمى في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكمومية (الكوانتم) التي أحدثت قطيعة معرفية ~~مع مثاليات الفيزياء الكلاسيكية النيوتونية كالحتمية والعلية ms025 والضرورة واليقين ... بعد أن كان ~~يظن أن هذه المثاليات تأطير لكشف حقيقة الكون، لم يبق إلا رتوش لكي تكتمل الصورة النهائية ~~للعلم الكامل بمطلق الوجود الطبيعي، بل وأيضا الحيوي والإنساني. # ولئن كانت الظروف المتعينة للحضارة الغربية جعلتها هي التي تشهد وتستملك تجربة التقدم ~~العلمي الحديث، فالذي ينبغي الاتفاق عليه هو أن آليات العقل العلمي لا شأن لها بالأيديولوجيا ~~والصراع بين الثقافات؛ لأنها ملك للعقل من حيث هو عقل، للعلمي من حيث هو علمي ... ملك للبشر ~~أجمعين ، ومنها مفهوم أو آلية القطيعة المعرفية، لا سيما وأننا سوف نستخدمها استخداما معرفيا ~~من أجل توظيف إبستمولوجي، ولن يمتد لآفاق شاملة لمجمل الأيديولوجيا كما حدث في التجربة ~~الأوروبية. # إذن فتشغيلنا للقطيعة التي هي إبستمولوجية لن يعني مطابقة الأيديولوجيا الغربية وتماهي ~~خصوصيتنا الأيديولوجية، فمن أجل هذه الخصوصية وتواصلها، أو الأصالة وتحديثها، كان تعويلنا على ~~علم الكلام. بعبارة موجزة؛ القطيعة هنا إبستمولوجية ولن تصبح حضارية أو أيديولوجية. # ويمكن اعتبار ما يسمى بالقطيعة الحضارية توصيفا للموقف الذي أطلق عليه طيب تيزيني اسم ~~«العدمية التراثية»؛ # 19 # أي الموقف المنادي بنفي التراث العربي نفيا كليا؛ لأنه أحد المعوقات الكبرى ~~لعملية التحديث المرومة، فلا بد من إعدامه وقطع كل صلة به، هذا يفضي إلى الانقطاع التام عنه ~~والبدء من جديد، بدءا يكاد يكون من نقطة الصفر (!) مما يهيئ للانطلاق بأقصى سرعة ممكنة للحاق ~~بأذيال الحضارة الغربية. إنه موقف التحديثيين العلمانيين المتطرفين الذي نوقش فيما سبق ~~(ص34-35). # والحق أن هذا التيار وصل في بعض امتداداته - مثلا مع هشام شرابي وعبد الله القصيمي - ~~إلى حالة من التطرف تلامس حدود هوس إعدام ووأد و«ذبح» كل ما هو عربي إسلامي؛ للبرء منه لسلخه أو ~~الانسلاخ عنه، تلك هي مجزرة التراث: الذبح والسلخ. مثل هذه الحالات ليست من القطيعة في شيء، ولا ~~شأن لها بجدلية انفصال أو اتصال، بل هي انسلاخ حضاري، أو بالأحرى عصابي، وقد تكون في الواقع ~~في حالة المغتربين عن المكان حقيقة أو مجازا، الذين ينسلخون عن ذواتهم ويعيشون بحضارة غير ~~حضارتهم ms026 وقومية غير قوميتهم (قريب من هذا التجربة الأتاتوركية). لكن إذا سلمنا بأن الواقع ~~طبعا ليس هو ذاته المعرفة، والإبستمولوجي ليس هو طبعا الأيديولوجي، تبدى لنا أن ~~الانسلاخ ممكن حضاريا، بيد أنه مستحيل معرفيا، بل إن الانسلاخ موقف مناقض لأي موقف ~~«معرفي»، وكما يومض ورود مصطلح المغتربين والاغتراب، يكاد يقترب من لاعقلانية الوجودية ~~المناهضة للتفكير العلمي والعقلاني إجمالا، حين يتحدث الوجوديون عن القطيعة والتلاشي بمعنى ~~الانفصال والعدمية. يقول سارتر: «إذا كان السلب يأتي إلى العالم بواسطة الأنية، فهذه ينبغي أن ~~تكون موجودا يستطيع أن يحقق قطيعة معدمة (انفصال ملاش) مع العالم ومع ذاته، وقد قررنا أن ~~الإمكان المستمر لهذه القطيعة هي والحرية شيء واحد.» # 20 # أي إن الحرية - صلب فلسفتهم الوجودية - أن تنقطع الذات عن ماضيها ومستقبلها ~~وعالمها وقيمها، وتعدم كل هذا وتلاشيه، ومثل هؤلاء لا نتوقع منهم تنظيرات أيديولوجية أو أدوارا ~~تاريخية أو مهام حضارية لسبب بسيط جدا، هو أن همهم في تأكيد الوجود الفردي الأصيل ~~والنجاة من الانصهار والذوبان في المجتمع أو الجماعة أو الحشد أو القطيع ... إلى آخر تعبيرات ~~الوجوديين المعروفة. على كل هذا يغدو الانسلاخ الحضاري حالة قفز ووثب بلا أصول ولا ~~امتدادات. ~~••• # ليس كل استخدام لآلية القطيعة «المعرفية» يعني انسلاخا حضاريا أو يمتد ليصبح موقفا ~~حضاريا شاملا، يحيط بمجمل الغطاء النظري للواقع الحضاري، أو يحيط بالواقع الحضاري ذاته ~~ليرادف الانسلاخ الذي لا يكون إلا فرديا. # ها هنا أعيد المفهوم إلى حدوده ليصبح مجرد آلية من آليات العقل العلمي، مفهوم إبستمولوجي ~~يقتصر دوره على الفعالية الإنسانية المتجددة في عملية اكتساب المعرفة بالطبيعة والسيطرة عليها. ~~حتى إن كان يستفاد به في تفسير ما لتحولات تاريخية؛ فليس يناط به أدوار حضارية جلى بمثل ~~شمولية الغطاء النظري، وإن كان يمكن أن يسري على تعامل العقل البشري مع هذا الغطاء في مراحل ~~تاريخية متفاوتة؛ وبهذا لا تمثل القطيعة المعرفية أي نقض أو عرقلة للتوجه الإسلامي أو حالة ~~الانسلاخ عنه، بل العكس تماما؛ هي أداة من أدوات الحيلولة دون هذا الانسلاخ، «مفهوم ms027 القطيعة ~~يجعلنا نتحرك دائما داخل نفس الثقافة.» # 21 # وبديهي أنها لا تحدث بين شخصين أو مقولتين تنتميان لثقافتين مختلفتين أو لميدانين ~~معرفيين مختلفين، بل إنها يمكن أن تعطي التوجه الإسلامي العروبي إذكاء نحو السيرورة ~~والديناميكية ... نحو البديهية الجوهرية؛ أي التاريخانية. # ولكن إذا كانت القطيعة قد أصبحت توصيفا للأيديولوجيا الأوروبية، ونحن لا نريدها توصيفا ~~لأيديولوجيتنا، هل معنى هذا أن مشروعنا قائم على «التواصل» تماما ليحمل كل الأصالة بلا شبهة ~~تحديث، بينما المشروع الغربي قائم على «انقطاع» إطلاقا ليحمل كل «الحداثة » بلا شائبة من ~~أصالة؟! # والحق أن الواقع الحضاري والواقع الإنساني ... الواقع إجمالا، لا يقوم على توصيفات كيفية ~~جامعة مانعة، تطرح خيارات «إما ... أو»: إما تواصل وإما انقطاع، بل ثمة آليات ومكونات عامة ~~تتواجد في المشاريع جميعها أو في الحضارات من حيث هي حضارات. إن الاختلاف دائما، لا سيما من ~~النظرة العلمية، اختلاف في الدرجة وليس في النوع، أو اختلاف في ترتيب الأولويات. # فمثلا أشرت آنفا إلى أن ما يميز الحضارة الغربية الحديثة هو السمة العلمية، العلم هو ~~الذي حدد حلبات الصراع وفحواها، ارتبطت به الفلسفة وانعكس فيها، وتشكلت على أساسه ~~الأيديولوجيا، وترك بصماته على مسار الآداب والفنون - إن سلبا وإن إيجابا. # فهل يعني هذا أن الغرب عالم مادي بينما الشرق فنان روحاني، في تبسيط ارتاده الرائد ~~الأكبر زكي نجيب محمود أستاذ الجيل في التجديد وفي سواه؟ ... كلا بالطبع! فليس العلم قصرا على ~~الغرب ولا الروحانيات قصرا على الشرق، وكما هو معلوم جيدا العرب الإسلاميون هم حملة لواء ~~العلم الرياضي والتجريبي على السواء طوال عصور مركزية حضارتهم. وعلى طريقة شاهد من أهلهم، نقتبس ~~قول برتراند رسل # B. Russell ~~(1872-1970): «في العصور المظلمة ~~كان العرب هم الذين يقومون بمهمة تنفيذ التقاليد العلمية، أما المسيحيون أمثال روجرز بيكون ~~فقد اكتسبوا منهم إلى حد بعيد ما اكتسبوه من معرفة علمية حازتها العصور الوسطى اللاحقة، ولكن ~~كان للعرب على أية حال المثلمة التي تناقض مثلمة الإغريق؛ إذ اتصلت بحوثهم بالوقائع بدلا من أن ~~تتصل بالمبادئ العامة، ms028 وما كانت لديهم المقدرة على استدلال القوانين العامة من الوقائع التي اكتشفوها.» # 22 # أي إنهم كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي. # وبالمثل لم تخل الحضارة الغربية أبدا من صنوف شتى للروحانيات # 23 # كالتيارات الدينية والنزعات الصوفية والحدسية والرومانتيكية والبرجسونية والوجودية، ~~وسائر الفلسفات اللاعقلانية، فضلا عن وجود الدين وآبائه والفكر اللاهوتي دائما. # إن العلم - أي علاقة العقل بالطبيعة ومحاولته السيطرة عليها - مكون أساسي في كل ~~الحضارات وفي كل وجود إنساني، ولكن بدرجات متفاوتة وبترتيب مختلف في سلم الأولويات، تميزت ~~الحضارة الغربية الحديثة بأنها رفعته على رءوس الأشهاد وعلى جثث الشهداء إلى مركز الصدارة، ~~وانطبعت بمعالمه وتشكلت أيديولوجيتها على أساسه، إن سلبا وإن إيجابا، بينما كان العلم في ~~الحضارة الإسلامية إبان عصرها الذهبي أدنى في سلم الأولويات بعد الدين ونصوصه وعلومه ومتطلبات ~~مواجهاته، كان العلم بعدا من أبعاد هذا. # هو بعد وليس مركزا، بل بعد فرعي إلى حد ما، فكان العلم التجريبي والرياضي ينمو في ~~إطار الأيديولوجيا وتحت رعايتها - ورعاية السلطة - ولم يرتفع أبدا إلى حلبات الصراع ~~الأيديولوجي ولم يساهم في تشكيل فصوله. # إذن فهل الحضارة الإسلامية المنشودة تواصلية إطلاقا بينما الحضارة الغربية انقطاعية ~~بتاتا؟ أم أن الحضارة الإسلامية العربية أكثر تواصلا والحضارة الغربية أكثر ~~انقطاعا؟ # نحسب أن البديل الثاني أقرب إلى الصواب، لعل الحضارة الغربية أتت بأوسع وأجرأ ممارسة ~~للقطيعة خصوصا في قطيعة العلم الكبرى مع الأرسطية القروسطية، ولكن ليس صحيحا أنها قامت على ~~انقطاع مطلق إطلاقا بائنا، فالنهضة - أي نهضة - لا تتأتى إلا عبر تواصلية بدرجة ما، ~~بتعبير عابد الجابري «عبر آلية الانتظام في تراث». # 24 # وقد كانت النهضة الإسلامية الأولى التي حققها ظهور الإسلام تواصلا وانتظاما في ~~التراث الحنيفي ملة إبراهيم، ولا ينفي هذا أن القرآن الكريم فعل توحيد فذ ومتفرد، والنهضة ~~الأوروبية لم تتأت إلا في أعقاب الإحياء والتواصل مع التراث الكلاسيكي، اليوناني ~~والروماني. # إذن فالحرص على عامل التواصل الحضاري ليس بدعا، لا هو إبداع ولا هو بدعة، بل هو تكثيف ~~وتركيز على آلية من آليات النهوض لتتميز حضارتنا ms029 الحديثة بأنها أكثر الحضارات استغلالا لهذا ~~التواصل في صون مقومات شخصية حضارية متميزة، شريطة أن تكون قادرة على النماء والتطور ... على ~~الانطلاق نحو المستقبل. ~~(4) القطيعة المعرفية ... في علم الكلام الجديد # وكما وقفنا على قدر التواصلية في الحضارة الغربية لا ينفي تميزها بالانقطاع، يمكن بالتالي ~~أن نطالب بقدر من الانقطاعية في أيديولوجيتنا العربية الإسلامية، لا ينفي تميزها بالتواصلية ~~التي ترتد في استمرارية علم الكلام الذي نرومه منطلقا من الماضي إلى المستقبل، من أجل ~~هذه الاستمرارية وفي سياقها يكون تشغيل القطيعة بوصفها آلية من آليات العقل المعرفي ، ومن ~~المعاملات الجوهرية لتوالي جهوده. # ولنعد إلى ما انتهينا إليه، إلى أن القطيعة المعرفية - وليس الانسلاخ الحضاري - لا تعني ~~المحور والإلغاء وإفناء الماضي، ليكون البدء المطلق والمستحيل معرفيا وليس ورائي شيء البتة ... ~~كما بدأ إنسان نياندرتال أو كما بدأ آدم ... كلا بالطبع وبالقطع، القطيعة المعرفية أن أبدأ درجة ~~أعلى ليست تكرارية ولا إضافية كمية، بل هي حلقة جديدة في سلسلة التقدم المتوالية، لم أصل إليها ~~إلا بعد الحلقات السابقات. فترفض القطيعة - بوصفها مقولة إبستمولوجية مجدية وفعالة - فكرة ~~الانسلاخ والافتراق البائن الذي يقطع جذوره في كل ماض، ويبحث عن مستقبل هائم بقفز ووثب لا يصنع ~~حضارة ولا يقيم نهضة. # وكانت القطيعة المعرفية قد رفضت أولا الاتصال الآلي والتراكم الميكانيكي، وهو أعلى صورة ~~للحركة يستطيعها اليمين الثبوتي الذي يجعل الحضارة امتدادا صرفا للماضي؛ ليخلص في النهاية ~~إلى تماثلهما كيفا وإن اختلفا كما. إن القطيعة - كما أوضحنا - مركب جدلي من ~~الاتصال/الانفصال، المنبثق عن جدلية الاستيعاب/التجاوز، فنستطيع أن ننفض اليد من مرحلة انتهت ~~ونحط الرحال على مرحلة جديدة بكل أبعاد الجدة والحداثة، فنواجه إشكاليات جديدة، ونتكفل بمهام ~~مستحدثة. # على هذا نجد قطيعة معرفية بين علم الكلام القديم الآتي من الماضي وعلم الكلام الجديد ~~المنطلق نحو المستقبل، نجد تسويغها وإعلانها وتبيانها في أن الهدف من علم الكلام القديم - كما ~~هو معروف - والغاية التي كان يجتهد كي يصل إليها هي إثبات العقيدة، وقد تم حسم هذه القضية ~~وانتهى زمان، أو على ms030 الأقل، خطر اللجاج فيها من قبل العقائد المخالفة، والآن «ليس الخوف على ~~التوحيد من الشرك، بل الخوف عليه من العجز والموت والصورية، بقاء المثال بلا تحقيق وبقاء الوضع ~~القائم بلا تغيير.» # 25 # في مرحلتنا الحضارية الراهنة أصبح إثبات العقيدة أو العقيدة المثبتة هي نقطة البداية التي ~~يسلم بها ويصادر عليها علم الكلام الجديد وينطلق منها. # وسواء اعتبرنا العقيدة المثبتة بنية للتراث أو لتجديده أو إطارا للواقع أو حدودا للعقل أو ~~مخزونا نفسيا للجماهير أو النسيج الشعوري والقيمي بها أو قوة التثوير أو المشروع الأيديولوجي ~~أو كل هذا وسواه ... مما تعمل به المشاريع المختلفة في الفكر العربي الآن ... فستظل الدلالة ~~البالغة الوضوح على وجود القطيعة في أن خاتمة المطاف والغاية المنشودة أصبحت هي نقطة البدء ~~والمصادرة الأولية، وبالتالي بدلا من أن يكون الإنسان والعالم المخلوق فيه مقدمة لإثبات الوجود ~~الإلهي الواحد الأحد، يصبح الله الواحد وعالمه الخالق إياه مقدمة لإثبات حضور الإنسان المسلم ~~في تيار التاريخ. # هذا في علم الكلام الجديد بصفة عامة، وفي طبيعياته بصفة خاصة؛ نجد هذا بالضبط في كلمة واحدة ~~جملة الهدف وقصارى المنشود وغاية الكلام في المرام. فقد كانت الطبيعيات المتبدية في علم الكلام ~~القديم مقدمة للبرهنة على وجود الله، ووسيلة لإثبات عقيدة التوحيد، والمطلوب من علم الكلام ~~الجديد العكس؛ البدء من الإيمان بالله القار في الشعور وعقيدة التوحيد المثبتة في الأبنية ~~النفسية للجماهير، كمقدمة لإثبات وجود العالم، ووسيلة لدفعنا للخوض في اكتشاف الطبيعة والسيطرة ~~عليها، تجذير هذا في أيديولوجيتنا وتوطين الروح العلمية في تربتنا الحضارية. # والقطيعة المعرفية تعني ذلك الانتقال الجذري إلى مرحلة جديدة، وفي نفس الوقت كانت قد وضعت ~~أصلا - كما أوضحنا - من أجل تفسير طبيعة التقدم في العلوم الفيزيائية كسلسلة مستمرة من الثورات ~~... فيتداعى إلى الذهن جدلية الفكر العربي المعاصر بين قطبي التنوير والتثوير. # ولكن ما دمنا ننطلق من منظور فلسفة العلوم ونهدف إلى غاية إبستمولوجية هي انضباط وضع ~~الطبيعيات في منظومة علم الكلام، فلا بد أن نستفيد من سيمانطيقية لفظة التثوير والثورة ~~بأصولها ms031 الفيلولوجية في اللغة الإنجليزية لا العربية. # في العربية تعود ثورة إلى: «ثار الغبار سطع وأثاره غيره وتثويرا هيجه»، «وثورانا: هاج، ~~ومنه قيل للفتنة ثارت وأثارها العدو، وثار الغضب: احتد، وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا.» # 26 # هكذا نجد الثورة في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي ~~الرفض والتغيير بفعل قوى انفعالية، وليس هذا هو المقصود. # أما في اللغة الإنجليزية فنجد # Revolutionary ~~: ثوري، جذري ~~متطرف، وأيضا دورا؛ لأن اللفظ مأخوذ من: # Revolution # التي ~~تعني ثورة وتعني أيضا إتمام دورة كاملة، مثلا دورة الجرم السماوي في مداره. ولنلاحظ أواصر ~~القربى الفيلولوجية بين ثورة: # Revolution # و«نماء أو تطور: # Evolution ~~»، وبهذا نجد مصطلح الثورة لا يجعل الرفض هياجا ~~مفاجئا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، وهو بدء دورة جديدة لانتهاء الدورة السابقة، وهو ~~انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها لانتهاء المرحلة السابقة واستنفاد مقتضياتها، هذا هو ~~المنشود والذي نريده مستفيدا من القطيعة المعرفية، بل مسلحا بها. # في خلاصة ما سبق، في جدلية الاستيعاب/التجاوز والانفصال/الاتصال، المفضية إلى مركب شامل ~~يؤذن بقطيعة معرفية، وهي مصطلح صيغ في فلسفة العلوم الطبيعية لتنظير تقدمها المتفجر ... في هذا ~~تكمن الإجابة على التساؤل بشأن وضع الطبيعيات في علم الكلام السائر نحو المستقبل. # ولكن من زاوية الاستيعاب والاتصال، ماذا - قبلا - عن الطبيعيات في علم الكلام الآتي من ~~الماضي؟ # الفصل الثالث # | الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس # (1) الطبيعيات ... هي العالم الحادث # ستظل الطبيعيات هي الوسط المتعين للإنسان والمستوى الأولي المبدئي ... مهما كان الإباء أو ~~اللهاث لشد الرحال إلى مستويات أعلى للوجود أو للمعرفة، للواقع أو للفكر، يظل التنظير للمستوى ~~الأولي - الطبيعيات - لا فكاك منه البتة. # فكانت الطبيعيات وستظل دائما في كل عصر ومصر، في كل زمان ومكان، محورا من محاور النشاط ~~العقلي، وطبعا اختلفت - وتختلف الآن أكثر وأكثر - حصائل هذا النشاط بدرجات متفاوتة أيما ~~تفاوت. ويظل لزاما على كل مفكرين أو منظرين أو فلاسفة الإلمام بمستوى المعارف الطبيعية كما ~~هي مطروحة في عصرهم والمصادرة على هذا المستوى ms032 في تنظيراتهم، ولا ولم يستثن علماء الكلام من ~~هذا، حتى إن أبا عمرو الجاحظ (255ه) - وهو من رواد النزعة الطبيعية في علم الكلام الاعتزالي ~~ومن المعالم البارزة في الثقافة العربية بجملتها - لم يفته التأكيد على أن العالم الحق ~~يجب أن يضم إلى دراسة الكلام دراسة العلم الطبيعي، وكان هو نفسه «يصف في كل شيء أفاعل الطبيعة ~~- وقد غلب النظر في الفلسفة الطبيعية على المعتزلين الأولين.» # 1 # فعلى خلاف الظن الشائع، أو بالأحرى الخطأ المعتمد، احتلت الطبيعيات في علم الكلام القديم - ~~السائر قدما نحو المتجه الإلهي - مكانا فسيحا في صدر المسرح الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة ~~من المشكلات الكبرى أو من أصول المعتزلة الخمسة ولا من العناوين التقليدية للمصنفات الكلامية، ~~فإنها منبثة في كل هذا حتى شهدت مع المتكلمين زخما وثراء. # فالطبيعيات هي العالم، هي «كل موجود سوى الله تعالى»، # 2 # سوى عالم الغيب، هي عالم الشهادة، بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي. وقد تحول العالم ~~والكون على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض، وسرعان ما أصبحت «الجواهر والأعراض» هي ~~الأنطولوجيا الكلامية، وأهم ما في الأمر أنهم لم يختلفوا كثيرا بصددها، اتفقوا على أساسيات ~~الطبيعيات - أو تصور العالم - وعلى وضعها في المنظومة الكلامية، الخلاف في التوجهات النهائية ~~والهدف الذي رامه الفريق منذ البداية، وعلى وجه التحديد في مفترق الطرق بين المعتزلة ~~والأشاعرة. # وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام القديم، فإما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه كموضوعات. ~~بهذا الأخير نجد الموضوعات ستة: التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، الإمامة، ثم اللطائف؛ أي ~~الطبيعيات. الإلهيات (= العقليات) تشمل التوحيد والقدر. والسمعيات (= النقليات) تشمل الإيمان ~~والوعيد والإمامة. # أما اللطائف أو الطبيعيات فموضوعها الجسم والحركة والزمان والمكان؛ أي العالم الفيزيقي ~~كما أشرنا. وهي «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام»؛ أي العقائد التي ~~نفزع فيها إلى كتاب الله. هكذا تشير الطبيعيات إلى بداية التفكير العلمي في الطبيعة، بل تطور ~~هذا إلى ما يمكن أن نسميه مشروع إنشاء علم طبيعي، «ولكن هذا الفكر العلمي البازغ من ثنايا الفكر ms033 ~~الديني، تم إسقاطه من الحساب ثم إجهاضه بسيادة الفكر الديني وحده، فانفصل العلم عن الدين والبدن ~~عن النفس والشيء عن العقيدة والعالم عن الله.» # 3 # فالطبيعيات لم تكن إلا سلما للإلهيات، وليست مطلوبة في حد ذاتها أبدا للفهم والتفسير، ~~المطلوب فقط استخدامها، وبالتحديد استخدام «حدوث العالم» كدليل على العقائد الإلهية. الحادث هو ~~الجسم الطبيعي، فكانت الطبيعيات محض صورة عقلية للإلهيات، خادمة لها وليس للإنسان في حين أن ~~الإنسان هو الذي يحيا في الطبيعية، وهو الذي يصارعها، وهو الذي يحتاج لترويضها ~~وتطويعها. # دليل الحدوث؛ أي كون حدوث العالم أو العالم الحادث المخلوق دليلا على وجود الله وقدرته ~~وعلمه الشاملين، وحكمته وحياته. ذلك هو ما سلم به المتكلمون جميعا تسليما، بل المسلمون ~~جميعا، أوليس الكلام مكنوننا النفسي ... أيديولوجيتنا؟ فكان دليل الحدوث هو مدخل اشتباك علم ~~الكلام القديم بالعالم، ومن ثم بالطبيعيات. # فلم يكن العالم بالنسبة للمتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما وراءه؛ «إنما سمي ~~«العلم» علما؛ لأنه إمارة منصوبة على وجود صاحب العلم، فكذلك «العالم» بجواهره وأعراضه ~~وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى.» # 4 # كلمة «عالم» مشتقة أصلا من العلم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد من الحسي: ~~العلام؛ أي الحناء لما يترك من أثر باللون، والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به، ومن هذا ~~العلم لما يعرف به الشيء أو الشخص كعلم الطريق وعلم الجيش (الراية)، وسمي الجبل ~~علما لذلك. ومنه علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني ~~الخاصة والاصطلاحية في «العلم». # 5 # لم ترد لفظة «العالم» ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدا، وردت فقط في صيغة ~~الجمع «العالمين»، ربما على سبيل التأكيد ثلاثا وسبعين مرة، هذا غير «العالمين» (بكسر اللام) ~~من العلم بالشيء، التي وردت ثلاث مرات. # 6 # وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين أو العالم ~~أو الطبيعة التي اتخذت مبدئيا شكل الإيجاد والخلق من العدم، إحداث المحدث: هذا ~~العالم. # وظل دليل الحدوث ms034 دائما إطار الطبيعيات الكلامية ككل وكأجزاء، مبررها وتسويغها، مما جعل ~~الإلهيات هي النهاية ... المتجه والهدف والغاية مثلما كانت قبلا هي البداية المنطلق وزخم الدفع، ~~في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس. # وفي هذا، في الطبيعيات لا سواها، نستنطق الفحوى الجوهري أو الثابت البنيوي في علم الكلام ~~القديم بأسره، إنها «وحدة الأساس الذي يقوم عليه بنية كل من الفكرين المعتزلي والأشعري» # 7 # على السواء، بل وكل ما سواهما؛ فقد قامت الطبيعيات الكلامية على دليل الحدوث الذي ~~لا يعدو أن يكون عملية قياس الغائب (= الإلهيات أو عالم الغيب) على الشاهد (= الطبيعيات أو ~~عالم الشهادة)، وكما أشار حسن حنفي، قياس الغائب على الشاهد الذي يبدو مستعارا من علم أصول ~~الفقه هو أساس الفكر الإلهي أو الثيولوجي كله، # 8 # وهو محاولات أولى تكشف عن بزوغ العقل من خلال الإيمان وعن تجاوز المشاهدة الحسية ~~والتجربة المباشرة بعد استيعابها إلى التحليل العقلي الصرف، # 9 # فدليل الحدوث تجريبي يستند إلى المشاهدة ثم ينتقل من الواقع المحسوس إلى ~~الفكر. ~~••• # وفي تحليل بنيوي ثاقب لهذا يقف على آلية إنتاج المعرفة في العقل العربي - ويمكن أن يفيد في ~~تعليل ما دأب عليه العقل العربي من ربط الإبستمولوجي بالأنطولوجي، ورد الطبيعيات إلى ~~الأنطولوجيا دونا عن الإبستمولوجيا - نقول: في تحليل بنيوي لهذا يرى عابد الجابري أن عناصر ~~المعقول الديني العربي ثلاثة: الوحدانية والنبوة ووجوب معرفة الله من خلال تأمل الكون. # 10 # فقد كان الكون أو العالم ونظامه من ناحية، والقرآن وبيانه من الناحية الأخرى، هما ~~العنصران الرئيسيان في الإطار المرجعي الذي يستند إليه العقل الإسلامي في صراعه مع اللاعقل، ~~أي مع المشركين. # 11 # حيث كان غرض المتكلمين الأول هو إبطال مذاهب الخصوم؛ المانوية المجوسية والمزدكية ~~والبابكية والثنوية وغيرهم، باتخاذ الشاهد (= العالم ونظامه) أصلا للتدليل على الغائب (= ~~العقائد). # وهذه عقلية بيانية؛ أي إن آليتها أو أداتها لإنتاج المعرفة هي البيان الذي هو أصلا آلية ~~لغوية، هي آلية التشبيه التي تؤسس البلاغة العربية. إن علوم اللغة والبلاغة لها ريادتها ~~المعروفة للعقل العربي بحكم ms035 لغوية الحدث القرآني، إنه بيان. # وقد تكون العقل العربي في العصر العباسي الأول - عصر التدوين - من خلال تشييده لعلوم ~~البيان، وأعلاها تقعيده لقواعد اللغة العربية، وأبدع في هذا إبداعا قل مثيله في تاريخ الفكر البشري، # 12 # واحتل أوسع رقعة في الثقافة العربية. # يطلب الجابري على هذه المرحلة، وهي التي شهدت نشأة ثم ازدهار علم الكلام، اسم مرحلة العقل ~~البياني؛ لأن الخطاب العربي فيها يؤسسه فعل عقلي واحد؛ أي آلية ذهنية واحدة قوامها ربط أصل ~~بفرع لمناسبة بينهما: إنه القياس بتعبير النحاة والفقهاء، أو هو استدلال بالشاهد على الغائب ~~بتعبير المتكلمين؛ لذا أسماه الجابري النظام المعرفي البياني، يتلوه المرحلة أو النظام المعرفي ~~البرهاني (= الحكمة) حيث المعقول الأرسطي، ثم النظام المعرفي (= سيادة الأشعرية والتصوف) حيث ~~الغنوصيات المشرقية. # ويهمنا الآن أن هذه الآلية البيانية أو قياس الغائب على الشاهد أو دليل الحدوث هو صلب ~~الطبيعيات وهيكلها، والذي جعلها تدور في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا ... وبالعكس ... ~~هذه الدائرة المغلقة حالت دون نماء بذور واعدة احتواها تصور أسلافنا للطبيعيات. على أية حال بدأ ~~هذا التصور بدليل الحدوث الذي شق طريقه ورسم مساره وحدد معالمه. ~~••• # في هذا الدور الرئاسي لدليل الحدوث في تصور الطبيعيات نجد العالم الطبيعي حادثا؛ أي ~~مخلوقا؛ لأنه متغير، القديم فقط هو الذي لا يتغير؛ لذلك كانت أولى المشاكل الطبيعية التي بحث ~~فيها المتكلمون؛ هل العالم ثابت أم متغير؟ وعلى طريقتهم الجدلية - بمعنى الخطابية - كما يريدون ~~من طرح هذا السؤال إثبات أن العالم متغير. # ودائما المعتزلة هم المنشئون الحقيقيون لقضايا علم الكلام، وكان شيخهم أبو الهذيل العلاف ~~(135-226ه/752-840م) أول من يبحث في هذا السؤال، فكان أول من يخوض في الطبيعيات، وأول من ~~يفسح المجال للفلسفة كي يستعين بها الكلام، هادفا إلى بيان عمل القدرة الإلهية «في محيط أهم ~~مقدور لها وهو العالم»، # 13 # ولكي يثبت العلاف أن العالم متغير، وبالتالي حادث والله هو القديم الأوحد ذو ~~العلم والقدرة الشاملين، استعان بالمذهب الذري المعروف بالهند القديمة، ومع لوقيبوس وديمقريطس ~~والأبيقوريين، بعد أن ms036 وضع له اسما أو مصطلحا إسلاميا هو «مذهب الجوهر الفرد». وسرعان ما ~~أخذه من العلاف كل المعتزلة باستثناء النظام القائل بالكمون والطفرة، أخذه أيضا الأشاعرة، ~~بل إن المذهب اكتمل تماما مع الأشعري والباقلاني. لقد فرض هذا المذهب نفسه واستبد بالأنطولوجيا ~~الكلامية، بل ظل مصطلح الجوهر وأعراضه يتردد كثيرا بوعي وبغير وعي حتى في طبيعيات الفلاسفة، ~~وهم قد رفضوا الجوهر الفرد ووضعوا بدلا منه الفيض أو الهيولي الأرسطي، والذي رفضه المتكلمون ~~بدورهم؛ لأن الهيولي سلب مطلق وينفي عملية الخلق من العدم. # على الإجمال؛ أصبح الجوهر الفرد حجر الزاوية والممثل الرسمي للطبيعيات الكلامية، وأكثر ~~نظرياتهم اكتمالا وثراء، ومن المعالم المميزة لعلم الكلام بأسره ، حتى إن هنري كوربان يقول ~~عن علم الكلام إنه أصبح اسما لمدرسة فلسفية تقول بمبدأ الذرة، # 14 # ولكن لم يكن الجوهر الفرد مجرد نقل للذرة، بل إنه يحمل كل خصائص وتوجهات علم ~~الكلام، ويمثل قدرته على الاستفادة من الثقافات الأخرى دون الذوبان فيها، وبالمثل تماما نجد ~~المتكلمين يستعملون مصطلحي أرسطو الشهيرين الجوهر وأعراضه بطريقة تكاد تختفي منها المعالم ~~الأرسطية. # فقد كانت الذرة محاولة لتفسير العالم الطبيعي وفهمه، أما الجوهر الفرد فمحاولة ~~لتفسير علاقة الله بالعالم، تبدأ من وجود الله وتنتهي إلى إثبات قدرته وعلمه الشاملين في دائرة ~~مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس: الله ← العالم ← الله. # الذرة مع الإغريق أزلية لامتناهية، تتحرك حركة لامتناهية في فراغ لامتناه، حركته تجعل ~~الكون آليا ميكانيكيا تتكون موجوداته من التقاء الذرات، فيستغني عن الألوهية وعن فعل الخلق، ~~أما مع متكلمي الإسلام - المعتزلة والأشاعرة على السواء - فقد أصبح الجوهر الفرد مخلوقا ~~حادثا متناهيا، الله هو الذي أحدثه وأوجد فيه الوجود والعدم والحركة والسكون. # فقد أضاف العلاف إلى الحركة الذرية الإغريقية السكون الذي نفاه ديمقريطس. كان السكون مع ~~العلاف رفضا لفكرة التقاء الذرات وإقرارا بفعل الخلق، فحدوث العالم يقتضي حدوث الحركة، ~~«وهذا يعني أن الحركة متناهية لها أول وآخر، فتكون مسبوقة بكون ومنتهية به، حتى إنه انتهى ~~بانقطاع حركات أهل الخلدين (الجنة والنار)؛ لأنها ستنتهي ms037 إلى سكون مطلق.» # 15 # إلى كل هذا الحد لم يكن الجوهر الفرد إلا إثبات الوجود لله، بل وتأدى معهم إلى نوع ~~من الخلق المستمر امتد من الكلام إلى الحكمة حتى قال به ابن رشد. # بادئ ذي بدء، أثبت الجوهر الفرد صلب عقيدة الإسلام: التوحيد. فمن أجل إثبات أن الله هو ~~اللامتناهي الوحيد ذو العلم الشامل الذي أحصى كل شيء عددا، كان لا بد وأن يكون العالم ~~متناهيا، وبالتالي لا يمكن أن ينقسم الجسم إلى ما لا نهاية، لا بد من نهاية لانقسامه هي ~~أجزاء لا تتجزأ، هي الجوهر/الذرات هي متناهية لها كل وجميع، وكان تناهي المادة هو دليل ~~المتكلمين الاستقرائي على القدرة الإلهية التي تشمل هذا العالم المتناهي مثلما يشمله العلم ~~الإلهي. # أهم صفات الجوهر الفرد هي التحيز، بل هو شرطه «لا يصح أن يوجد الجوهر من دون التحيز لأجل أن ~~هذا الشرط لا ينفك عما هو مؤثر فيه، وهو كون الجوهر جوهرا.» # 16 # التحيز يكاد يطابق ما يسمى بالمصطلحات الحديثة «الكينونة»، وبمصطلحات القدماء ~~«الكون»؛ لذلك كان وجود الجوهر مضمنا بالتحيز، بوجود الكون أو الكينونة من حيث إنه لا يوجد ~~إلا وهو متحيز ولا يكون متحيزا إلا وهو كائن. # 17 # الكون يحل المحل؛ # 18 # أي إن الجوهر يشغل حيزا واحدا لا يشاركه أو يتداخل معه فيه جوهر آخر، الأكوان ~~متماثل ومختلف، قد يخلو الجوهر من اللون والطعم والرائحة؛ لأن الله خلقه ابتداء دون أن ~~يخلق فيه شيء من هذا، # 19 # لكن لا يخلو أبدا من الاجتماع أو الافتراق والحركة أو السكون. وإذا حصل بقرب ~~الجوهر جوهر آخر سمي ما فيهما مجاورة أو اجتماع، ومتى كان على بعد منه سمي ما فيهما ~~مفارقة ومباعدة. # 20 # وهذا يبين أن الجوهر لا يخرج عن التحيز؛ إن الاجتماع لا ينفي التحيز. # التحيز يوجب كون الجوهر كائنا في جهة، متى حصل عقيب ضده فهو حركة، إذا بقي كائنا في جهة ~~أزيد من وقت واحد فهو في سكون، «والدليل على حدوث الجسم استحالة خلوه من الحركة ms038 أو السكون»؛ # 21 # لأنهما حدوثان، وبالتالي الجسم حادث مثلهما، وما دام لا يخلو منهما فلن يوجد ~~قبلهما ليكون دونهما قديما غير حادث إن «الجواهر لم تتقدم المحدثات في الوجود». # 22 # الجوهر لا ضد له؛ لأنه بلا صفات كيفية، بلا لون أو طعم أو ثقل الكيفيات والتغيرات التي ~~نراها هي من الأعراض التي تحل في الجوهر؛ لذلك قيل في تعريف الجوهر إنه: «المتحيز وما له حجم ~~ويقبل العرض.» # 23 # يتكون المحسوس/العالم الطبيعي من جواهر وأعراض، الأولى محل الثانية. ومن حلول الأعراض في ~~الجواهر تتكون الموجودات الطبيعية. إن العالم متناه، «وكل متناه محدود، وكل محدود فإما ~~حامل أو محمول»؛ # 24 # أي إما جوهر أو عرض، فلن نجد في العالم إلا قائما بنفسه حاملا، أو قائما ~~بغيره محمولا، # 25 # شاغلا لمكان أو غير شاغل له. الأول هو الجوهر، والثاني متغير معدوم هو العرض. ~~وهذا لا يعدو أن يكون انعكاسا للإيمان بوجود الثابت وراء المتغير أو الله وراء العالم، فيقول ~~ابن حزم الأندلسي: «فعلمنا يقينا أن الذي عدم غير الذي وجد، وعلمنا يقينا أنه غير الجسم ~~الحامل له، أنه لو كان إياه لعدم الجسم بعدم كون الأول، فدل بقاؤه على أنه غيره بلا محالة؛ ~~إذ لا يكون الشيء معدوما وموجودا في وقت واحد.» # 26 # إن الأعراض هي الكيفيات. فكانت مقولة الكيف لب مبحث الأعراض تشمل نصفه تقريبا، تأتي بعد ~~الكيف مقولات الكم والنسبة، ثم الإضافة، وتنقسم الكيفيات استقراء لها إلى أربع: المحسوسة ~~والنفسانية والمختصة بالكميات والاستعدادات؛ أي إن الكيفيات تشمل الظواهر النفسية والجسمية معا. # 27 # والمهم في الأمر أن الأعراض هي ما يطرأ على الجواهر كالألوان والطعوم والروائح والعلوم ~~والقدر والإرادات الحادثة وأضدادها والحياة والموت، وهي متعاقبة متضادة، وبالتالي معدومة، ~~والعدم نقيض القدم، إذن الأعراض حادثة وأجرام العالم جواهر لا تخلو من الأعراض، وما لا يخلو من ~~الحادث حادث؛ أي له أول وبداية، إذن فالعالم حادث لا صانع موصوف بالاقتدار والاختيار، خالق ~~لجميع الحوادث، مريد لما خلق، قاصد إلى إبداع ما اخترع. # 28 # وإمعانا ms039 في إثبات هذا جعلوا المكان أيضا جواهر/ذرات/نقاط منفصلة. والزمان مجموع جواهر ~~ذرات/آنات منفصلة بين كل اثنين فراغ، لا ديمومة ولا اتصال. الحركة أيضا مقسمة كالمكان ~~والزمان إلى أجزاء لا امتداد لها، يفصل بين كل جزء وجزء أو كل حركة وحركة سكون إذا قصرت فترة ~~السكون كانت الحركة سريعة، وإذا طالت كانت بطيئة. هكذا يتبدى الوجود منفصلا مفتتا متغيرا ~~دائما. # وعلى الرغم من أنني أحاول قدر الإمكان رسم صورة عامة للطبيعيات الكلامية تتماهى فيها ~~الخلافات الجزئية، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى إبراهيم بن سيار النظام الذي عاصر أزهى ~~عصور المعتزلة، وساهم في تأسيس علم الكلام؛ إذ خالف جمهور المتكلمين ورفض مذهب الجوهر الفرد ~~وتناهي التجزئة، وكان الوحيد القائل باللاتناهي، وأيضا الوحيد الذي نفى السكون ورأى الأجسام ~~كلها في حركة دائمة؛ لأن الحركة هي العرض الوحيد الباقي في الكون بعد رفض الجواهر، إما حركة ~~اعتماد وإما حركة نقلة، وما يبدو سكونا هو حركة في مكان واحد، وقال بنظرية الكمون والطفرة؛ ~~الكمون يعني أن الله خالق العالم دفعة واحدة لا متقدم ولا متأخر، أكمن المخلوقات في بعضها، ~~يتوالى صدورها في وقتها، أما الطفرة فهي الانتقال من مكان إلى آخر دون المكان المتوسط بينهما، ~~وهي لتبرير قطع المتناهي للامتناهي. والمتكلمون بدورهم - المعتزلة قبل الأشاعرة - رفضوا ~~نظرية النظام؛ لأنها تمس من حدوث العالم، ورأوا قوله بلاتناهي العالم، الذي رفضه حتى ~~الفلاسفة، مروقا غير مقبول ومخالفا للقرآن، بل شركا؛ لأن الله هو اللامتناهي ~~الوحيد. # ومع هذا أخذ بعض أصحاب الجوهر الفرد من النظام فكرة الطفرة لتفسير الحركة - معقله الأثير ~~- فقالوا إن الحركة طفرة من نقطة لأخرى، والزمان طفرة من آن إلى آن في الفراغ أو الخلاء ~~الذي تتحرك فيه الذرات أو الجواهر الفردة. ~~••• # هكذا تكتمل نظرية الوجود المنفصل المتغير دائما، كمقدمة لهدم العالم عن طريق تقنيته، «حتى ~~تتدخل الإرادة الإلهية المشخصة من خارج، وكأن غرضها: فرق تسد.» # 29 # وتأكدت انفصالية العالم بنفي بقاء العرض زمانين أو آنين، إنه يخلق في كل لحظة، مما ~~يجعل ms040 الخلق مستمرا، فيحقق الله بتدخله المباشر اتصال هذا العالم. التدخل عمودي وليس أفقيا، ~~الله خالق العالم، مبدع لجميعه، يبقى فعالا فيه دائما، فلا تعود الطبيعة مجالا للفعل ~~الإنساني؛ لأنه: «ليس للقدرة الحادثة أي تأثير في إيجاد أي شيء.» # 30 # هكذا يظهر تصور الطبيعة القدرة الإلهية، وكأن إثباتها لن يتأتى إلا على حساب العالم ~~والعلم وليس لحسابهما! وقد كان المتكلمون من أجل هذا على استعداد دائم للتضحية بالطبيعة، فهم - ~~مثلا - يرفضون النظرية الضوئية في الإدراك البصري حرصا على تفسير صفات السمع والبصر في الله ~~بلا حاسة أو شعاع أو شيء، وهذا الاستعداد للتضحية بالطبيعة وضع تعقلها في موضع هامشي، مما فتح ~~الباب لتقلص الفكر الموضوعي، فينفسح المجال للإيمان بالمعجزات وخوارق الأولياء وكراماتهم في ~~تسخير وهمي للطبيعة، يعني في حقيقة الأمر انفلاتها من بين يدي العقل الإسلامي، من حيث يعني ~~تلاشي العقل ذاته. # هذه التضحية بالطبيعة وتهميشها ساعد عليها أن تواضع الوسائل التجريبية والحصائل الهزيلة ~~للعلوم الطبيعية في عصرهم البعيد لم يكن ليشحذ عزما للزود عنها، ولكن الآن بعد أن تبدلت ~~العصور وتخلقت أطر معرفية جديدة، لا تنقصنا الذرائع للاعتراض على طريقهم والقطيعة المعرفية ~~معهم وتأكيد احترام الطبيعة وضرورة إدراك قوانينها وتسخيرها لإرادة الإنسان ومن أجل صالحه، فلم ~~يعد هذا في عصرنا شرط التقدم فحسب، بل شرط البقاء. ~~••• # في مقابل ولع النظام بالحركة يقول زميله في الاعتزال معمر بن عباد السلمي إن الأجسام ~~متحركة في اللغة ساكنة في الحقيقة. السكون هو الكون لا غير ذلك، وأن تكون الحركة في اللغة فقط ~~فهذا بعد من أبعاد «المذهب الأسمى»، الذي انتشر في علم الكلام خصوصا بين معتزلة بغداد وأتباع ~~معمر القائلين بمذهب المعاني، بمعنى أن الكليات مجرد أسماء أو معان في الأذهان ولا وجود لها ~~في الأعيان. # والحق أن نفي بقاء الأعراض يؤدي إلى نفي الكلي. في الخارج أو في الأعيان لا يوجد إلا ~~الجزئي، يقول ابن حزم الأندلسي: «إنما جعلت الأسماء عبارات وتمييزا بين المعاني والأشياء ~~والمطلوبات، ولا فائدة في الاسم أكثر من ms041 هذا.» # 31 # إنه نفي الكليات والإقرار بأنطولوجية الجزئي فقط، ولئن كان قد عاد إلى الظهور بقوة في ~~الفلسفة المعاصرة خصوصا مع الوضعية المنطقية، وفي المنطق الرياضي الحديث، فإنه مع ~~المتكلمين أدى إلى نتائج وبيلة هي نفي المعقوليات، فليس للجوهر امتداد ولا كمية ولا عدد، كلها ~~اعتبارات ذهنية أو ذاتية لا موضوعية تبتدعها المخيلة ويفترضها الفكر، وأول ما أنكروه من ~~الكليات والمعقولات هو المقدار؛ لأن الجسم مكون من أجزاء لا تتجزأ فلا تكميم ولا قياس، وتلك ~~من الضربات القاتلة للطبيعيات الكلامية. # لقد كان نفي المعقولات والكليات من الخطورة بحيث شق خندقا بين الطبيعيات وبين ~~المعرفة أدى إلى الانفصال البائن بينها وبين المشكلة الإبستمولوجية، لتبقى أنطولوجية أولا ~~وأخيرا، والأنطولوجيا الكلامية لم تكن إلا ثيولوجية. ~~(2) الحدوث في محنة المعتزلة وكارثة الأشاعرة # كان هذا هو الطريق الذي سار فيه الأشاعرة إلى آخر المدى، أو بالأحرى إلى قاع الهاوية، إلى ~~نظرة تدميرية للعالم، تسرف في تأكيد عجز الذات العارفة مقابل تأكيد القدرة الإلهية التي تجري ~~وفقها الأحداث في كل لحظة. # الأحداث كلها مع الأشاعرة مستندة إلى الله ابتداء بلا وجوب، فلا قوانين ولا طبائع ولا ~~حتمية ولا نظام في الطبيعية، وكما هو معروف، نفوا أي ترابط سببي علي بين الأحداث؛ لأنهم رأوا ~~العلية كقوة محدثة شركا؛ إذ تعطل عمل الخالق، فضلا عن خطرها على فكرة المعجزة. وللتخفيف ~~من وقع المصادفة التي ما كان العقل الطبيعي يتقبلها آنذاك وضعوا نظرية الاقتران والعادة. # فنحن نفسر الاقتران بين الأحداث على أنه تلازم علي؛ لأننا «اعتدنا» رؤيته دائما، العادة ~~فقط هي التي تظهر الكون في امتداده، بينما هو في تغير مستمر غير قابل لتعقل الإنسان، وبهذا رفع ~~العقل يده تماما عن عملية المعرفة بالطبيعيات. # لم يكتف الأشاعرة بإخراج الطبيعيات من الإبستمولوجيا، بل إنهم ببساطة حذفوا المشكلة ~~الإبستمولوجية أصلا ونفوا إمكانية ومشروعية ومصداقية وجدوى المعرفة الطبيعية، إيذانا بدليل ~~عجز العقل الإسلامي أمام الواقع والوقائع. ~~••• # هل يبرأ المعتزلة من هذا؟ أجيب بتحفظ أقرب إلى النفي، هذا على الرغم مما يسود الفكر ms042 المعاصر ~~في توجهاته العقلانية والتحديثية من إسراف وإفراط في تمجيد المعتزلة، حتى يذهب حسين مروة إلى أن ~~انتكاسة الحضارة العربية برمتها بسبب محنة المعتزلة، ولولاها لكان من المفترض - بحكم ظاهرات ~~التقدم العلمي في القرن التاسع الميلادي - أن تتجه الحركة العقلية الفلسفية بخاصة اتجاها أكثر ~~واقعية وأكثر ارتباطا بنتائج تطور العلوم التطبيقية في ذلك العصر. # 32 # إن التوجه عام نحو تمجيد المعتزلة ونزعتهم العقلانية، مقابل الإدانة المطلقة للأشاعرة ~~فيما أسماه جورج طرابيشي: «دراما المعتزلة والأشاعرة.» # 33 # إن هذا الإسراف لا يلتفت إلى جدلية العلاقة بين الفكر والواقع؛ فالواقع الذي بدأ في ~~التفكك والتردي منذ العصر العباسي الثاني كان يحمل في ذاته عوامل النكوص، ربما من حيث كان ~~يحمل عوامل سؤدد الأشعرية. لعل الأشاعرة مكرسوه، لكنهم بالتأكيد ليسوا خالقيه أو صانعيه، بل ~~إنهم في حقيقة الأمر أيديولوجيون مرتبطون بالواقع أكثر من المعتزلة، أو هم أكثر تعبيرا عن ~~الموقف العام للجماهير، ولا نستطيع إنكار أنهم استقطبوا الجماهير لوقوفهم موقفا وسطا فض ~~النزاع الضارب بين غلاة النقليين ويمثلهم الحنابلة وغلاة العقليين ويمثلهم المعتزلة. # إن هي إلا صفحات قلائل وأقوم بدوري في إحقاق حق المعتزلة وتقدير مواطن تألقهم وعطائهم، ولا ~~يمنع هذا من رفض المنطق الانفعالي والحكم الحدي بالصواب والخطأ ... الأبيض والأسود ... نعم ولا، ~~ليكون الأشاعرة هم كل الشر يحملون وحدهم مسئولية كل تخلف، ويكون المعتزلة هم كل الخير حاملون ~~المفاتيح الذاتية الصنع لفراديس التقدم السبع المعلقة، فلا يدانيهم الخطأ ولا الملام من بين ~~أيديهم ولا من خلفهم، وكل ما يعوزنا مد طريقهم إلى يومنا هذا، وما سيتلوه بلا حاجة للإضافة أو ~~الإبداع، ناهيك عن القطع المعرفي. # لقد حرصت على الانطلاق من مواطن لقائهم مع الأشاعرة، وعلى أساسها، ويكفي تلاقيهم في الجوهر ~~الفرد الذي هو صلب الطبيعيات الكلامية، والذي كان الأداة الفعالة لتدمير الطبيعة، وسوف أعود ~~مجددا وختاما لمواطن اللقاء تلك، ولا يمنع هذا من الإقرار قبلا بأنهم - في مقابل الأشاعرة - ~~أضمروا اعتقادا بقوانين طبيعية تجري وفقها الأحداث، وكانوا بحق - كما بينت في بحث سابق ms043 لي - من ~~حملة لواء الحتمية في العصور الوسطى. # 34 # قلة من المعتزلة كأبي بكر الأصم أنكرت وجود الأعراض، وقال معظمهم: إن الله لم يخلق إلا ~~الجواهر، ولم يخلق الأعراض إلا بالتوليد؛ أي إنها فعل ينشأ عن الفعل المخلوق (= الجوهر). ما يحل ~~في الجواهر من أعراض من فعل الجسم؛ لذلك فالطبيعة فاعلة بذاتها وأفعالها خاضعة لقانون شامل، ~~لحتمية علمية، ولا ينقض هذا الإرادة الإلهية إن لم يؤكدها؛ لأن «أعراض الأجسام وطبائعها حاصلة ~~بإيجاب خلق الله لها.» # 35 # ويبلغ اعتقادهم بالعلية وقانونية الطبيعة ذروته في قول بعضهم بمذهب الطبائع، وكما يقول ~~الخياط في كتاب «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد»: # أصحاب الطبائع هم القائلون بطبيعة ~~ثابتة لكل شيء يصدر بمقتضاها، فلكل مطبوع جنس واحد من الأفعال؛ النار لا يكون منها إلا التسخين، ~~والثلج لا يكون منه إلا التبريد، وإن من تكون منه الأشياء المختلفة هو المختار لأفعاله لا ~~المطبوع عليها. # 36 # هكذا لم يجعل المعتزلة من قانون الطبيعة نقضا لفكرة الحرية كما فعل فلاسفة أوروبا، ~~بل وضع المعتزلة فرقا جوهريا بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان؛ الأول حتمي آلي «إرادة حتم»، ~~والثاني يدخل فيه عنصر التمكين والاختيار الإنساني، أو هو إرادة تفويض. # 37 # وفيما بعد سأوضح تفصيلا كيف كان المعتزلة فلاسفة الحرية والعقل من حيث هم أهل ~~العدل والتوحيد. # على أن مذهب الطبائع ليس حكرا على المعتزلة، وليس شاملا لكل رجالاتهم، فقد رفضها ~~العلاف ورفضها أيضا القاضي عبد الجبار المعتزلي، قائلا: إن تعليق الحوادث بالطبع تعليق ~~لها بما لا يعقل. أصحاب الطبائع في الواقع هم أصحاب النزعة المادية. قال بها من المتكلمين ~~النظام، والجاحظ، ومعمر بن عباد السلمي، وثمامة بن الأشرس، وهشام بن عبد الحكم، وهشام بن سالم ~~الجواليقي، قال بها أيضا ابن رشد، ودعاة المنطق الحسي من الفقهاء، ويمكن أن نجدها بشكل ما في ~~بعض تجليات وحدة الوجود الصوفية، التي تعود في أصولها الأولى إلى شكل ما من وحدة الوجود المادية ~~المستندة على تجسيم الله كمذهب الكرامية أصحاب ابن كرام (ت255ه)، الذين ms044 أمعنوا في إثبات الصفات ~~والعرش حتى ذهبوا إلى تصور جسم واحد قديم أزلي أبدي، ولا فرق فيه بين خالق ومخلوق، وتحدثوا عن ~~حدوث العالم في ذات الله. وثمة هشام بن عبد الحكم وهو من رواد الطبائع وأيضا من رواد التجسيم ~~في الإسلام، ذهب إلى أن الله جسم مادي، مستندا في هذا إلى ظاهر بعض الآيات القرآنية التي توحي ~~بذلك نقليا أو سمعيا. أما عقليا فقد استند على أن الشبيه يدل على الشبيه، وما دمنا ~~نستدل على وجود الله من الأجسام الطبيعية الحادثة فلا بد أن الله أيضا جسم. # وبديهي أن المعتزلة بنزعتهم التنزيهية الخالصة ونفي الصفات عن الذات الإلهية، قد جردوا ~~مذهب الطبائع من هذه الترهات وبلغ على أيديهم نضجا رائعا. # وأخيرا يتقدم ابن خلدون الذي يكاد يكون أول مفكر في العالم القديم - شرقا أو غربا - ~~يحاول مد فكرة الطبائع من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان أو بمصطلحاته عالم العمران، وكان ابن ~~خلدون بهذا يحدث قطيعة مع التراث السابق عليه بأسره، والذي لم يتصور - بتأثير أرسطو وسواه - ~~قوانين للتبدل أو طبائع تحكم عالم التاريخ. فعل ابن خلدون هذا على الرغم من أشعريته ومن مشاركته ~~الأشاعرة في الهجوم على المعتزلة بغير أن يمنعه هذا من الاعتراف بفضلهم. # وبخلاف ابن خلدون، نجد الأشاعرة جميعا ينهالون بنقد عنيف على مذهب الطبائع، بالرغم من ~~اتساقه - الذي عني المعتزلة بتبيانه، كما اتضح فيما سبق - مع الإرادة الإلهية؛ فقد اعتبروا ~~استغناء الأحداث عن الفاعل المختار وجريانها بمقتضى الطبيعة نوعا من الشرك. # يقول الجويني الأشعري إمام الحرمين بنبرته الهادئة المتزنة: «يستحيل أن يكون مخصص العالم ~~طبيعة كما صار إليه الطبائعيون؛ لأن تلك الطبيعة إما أن تكون قديمة أو حادثة، لو كانت قديمة ~~لوجب قدم آثارها، وآثارها حادثة وتفتقر إلى طبيعة أخرى؛ الصانع المختار هو العلة والفاعل الأوحد.» # 38 ~~••• # وفي النهاية نجد الأشاعرة، بما آل إليهم من سطوة معرفية وسؤدد أيديولوجي، قد أزاحوا مذهب ~~الطبائع من مسار الفكر الإسلامي، ولعله كان كفيلا بتوجيه هذا الفكر إلى ما هو ms045 أفضل مما انتهى ~~إليه حال الطبيعيات، لكن الرفض السابق للأحكام الانفعالية الحدية والإصرار على النجاة من ~~التطرف الذي يلهي عن تاريخانية ونسبوية كل مقولة، مهما كان نصيبها من الصواب، يجعلنا نقول: ليس ~~صحيحا أن عودتنا إلى أصحاب الطبائع من الاعتزاليين هي كل المنشود، مما قد يغني عن قطيعة ~~معرفية. # أجل! مذهب الطبائع يكاد - إلى حد ما - أن يرادف مبدأ الحتمية العلمية في الفلسفة ~~الأوروبية، والذي كان الأساس الإبستمولوجي والأنطولوجي لنسق العلم الحديث والفيزياء الكلاسيكية، ~~بل كانت الحتمية هي الأساس وأيضا العماد والإطار والهدف للعلم، حتى أمكن القول إنها بمثابة: ~~«لحمة العلم وسداها سائر النظريات والقوانين والفروض ومجمل النشاط العلمي.» # 39 # ويمكن بشيء من التطويع والتخريج أن نجد مكنون مبدأ الحتمية، أو بعض عناصره ~~الأساسية، في مذهب الطبائع؛ فقد ارتبطت الحتمية بالفلسفة المادية التي يرتد فيها العالم فقط إلى ~~المادة وطبائعها، فضلا عن أن الحتمية العلمية هي الوجه الآخر للسببية أو العلية، ومصطلح ~~العلية أدق وأفضل. # 40 # وقد كانت العلية هي نسيج العلم الكلاسيكي من حيث هو يقيني ضروري آلي اطرادي ~~ميكانيكي ... على الإجمال حتمي، فتلخص عمل العلماء في البحث عن علل الظواهر التي هي حتمياتها، ~~استكشافا للحتمية الشاملة التي هي هدف العلم النهائي، وكما هو معروف، لم يتنازل المعتزلة عن ~~العلية أبدا. # ثم اقترنت الحتمية العلمية في ذروة نضجها على مشارف القرن التاسع عشر بفكرة القانون العلمي ~~الكامن في الطبيعة، التي حلت محل فكرة القانون المفروض عليها من أعلى؛ من الله. مع القانون ~~الكامن يغدو نظام الطبيعة منبثقا من ماهيات الأشياء وصفاتها الجوهرية، وبفهمنا لهذه الصفات ~~ندرك ما بينها من علاقات؛ وعندئذ نعلم أن تلك العلاقات أو الروابط التي تصل الأشياء ~~ببعضها تجري على نسق مطرد، مكونة ما نسميه بالقانون العلمي، و«الطبيعة هنا تفسر نفسها ~~بنفسها؛ لأن قوانينها صادرة عن ماهيات الأشياء أو طبائعها.» # 41 # كل هذا صحيح، لكن ذلك المكنون لمبدأ الحتمية العلمية، أو بعض عناصره التي وجدناها في مذهب ~~الطبائع، من قبيل المادية والعلية الضرورية والقانون الكامن ... هذا ms046 كان ذا موضوع في الفيزياء ~~الكلاسيكية التي تقوض عرشها مع مطالع القرن العشرين. والآن مع ثورة النسبية والكمومية وعلوم ~~الذرة والإشعاع التي اجتاحت هذا القرن ... مع فيزيائه اللاحتمية المعاصرة، التي علمتنا معنى ~~القطيعة المعرفية، لم يعد هذا ذا موضوع. وتلك الفلسفة الطبيعية المادية أصبحت قرينة السذاجة ~~بعد أن قاد لويس دي بروي # L. De Broglie ~~(+1987) ثورة ~~الميكانيكا الموجية والتفسير الإشعاعي للمادة، فارتدت إلى كهارب، لا إلى كتل ترتطم بالقدم في ~~الفلسفة الطبيعية المادية. وقد انهارت دعائم العلية ولم يعد أحد من العلماء يبحث عنها الآن، ~~إنهم يبحثون عن معاملات الترابط الإحصائي لا العلل المحتمة، عن التفسيرات لا الأسباب، أما ~~فكرة القانون الكامن فقد تبخرت تماما واتضح أن القانون العلمي لا هو مفروض من أعلى ولا ~~هو كامن من أسفل. القانون العلمي مجرد فرض عقلي ناجح، أبدعه عقل إنسان مقتدر، دخل نسق العلم؛ ~~لأنه أنجح من كل ما سبقه، إذن سيتلوه ما هو أنجح ... وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي ~~الذي سيستبد بنا الطموح للحاق بها، وليس للعود إلى عصر الفيزياء الكلاسيكية، للحتمية أو ~~الطبائع. # إن الطموح في أن تبدأ طبيعياتنا من حيث انتهى الآخر الغربي، لا سيما وأن مسار العلم ~~الطبيعي لا يسمح بغير هذا، فلا مندوحة عن القطع المعرفي مع طبيعيات علم الكلام القديم، وإن ~~ازدهت بفكرة الطبائع. # ونعود إلى نسبوية وتاريخانية الأفكار، لنسجل أنه كان جميلا من المعتزلة - في عصرهم - ~~الإيمان بالعلية وحتمية الطبيعة، والأجمل أن العلم عندهم نتيجة للتوحيد بينما هو عند الأشاعرة ~~مقدمة له، قال العلاف: إن العقل هو القدرة على اكتساب العلم. وقال الجبائي: إن العقل هو ~~العلم نفسه. وفي كل حال كان الإيمان عندهم لا يعد حقيقا بدون العلم، بدون المعرفة؛ فاعتمدوا ~~منطقا حسيا لدراسة الطبيعة التي آمنوا بقانونيتها، واهتدوا إلى العلاقة بين المعرفة الحسية ~~والمعرفة العقلية حين قالوا باستحالة تعري الجواهر عن الأعراض، وهذه الأخيرة - أي الأعراض - ~~موضوع المعرفة الحسية القاصرة عن إدراك الجواهر، لكنها طريق صحيح لمعرفة العالم الخارجي. ~~والمعرفة العقلية بالجواهر ms047 تأتي بعد اجتياز المعرفة الحسية بالأعراض؛ أي إن لديهم تصورا ~~صحيحا لعمل العقل النظري في تحويل الإدراكات الحسية إلى إدراكات عقلية، لكنهم لم يحاولوا ~~تطبيق هذا على دراسة عالم الطبيعة أو عالم الإنسان؛ لأنهم لم يكونوا يبحثون في الطبيعة لذاتها، # 42 # بل للهدف الكلامي المعروف. من ثم فإن وجود تلك العناصر الواعدة لم ينف التوجه ~~العام لطبيعياتهم، الذي يستوجب قطيعة معرفية لطريقهم ... لمجمل طبيعيات علم الكلام القديم. ~~••• # في النهاية اتفق المعتزلة مع الأشاعرة على عدم بقاء الأعراض؛ من أجل تخصيص وصف البقاء للذات ~~الإلهية فقط، فضلا عن أن قول المعتزلة بالتجويز أقرب بهم من لا علية الأشاعرة؛ فكانت معظم ~~التساؤلات الكلامية حول الجواهر والأعراض، سواء اعتزالية أو أشعرية، من أجل إثبات صريح أو ضمني ~~لقدرة مطلقة مشخصة؛ إثبات وجود الله. # يقول حنفي: «يعترف المتكلم صراحة بأنه يستخدم الطبيعة من أجل إثبات وجود الله، وليس ~~لدراستها وتحليلها وفهمها على ما هي عليه؛ من أجل السيطرة عليها واستخدامها أو الانتفاع بها في ~~حياته العملية. الطبيعة لديه مجرد حامل لأفعال إرادة إلهية مشخصة، وتتلخص دراسة الطبيعة في ~~البحث عن هذه الأفعال والاستدلال بها على فاعلها الأوحد؛ فهو استخدام رأسي للطبيعة يذهب بها على ~~ما بعد الطبيعة، وليس استخداما أفقيا للطبيعة يجعلها تاريخا حيا وعالما للإنسان يسكن فيه ~~ويتصل مع الآخرين ويحقق رسالته. الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أعلى، كما أن الإلهيات طبيعيات ~~مقلوبة إلى أسفل.» # 43 # يستوي في هذا المعتزلة والأشاعرة. هكذا بدأنا من الالتقاء بينهما في المنطلقات والأسس ~~وانتهينا إلى الالتقاء في الغايات والخواتيم، لنخلص إلى أن الخلاف بينهما - أو تلك العناصر ~~الواعدة في طبيعيات المعتزلة - لن يقدم ولن يؤخر في إنقاذ الوضع البائس للطبيعيات في ~~حضارتنا، مما يستوجب قطعا معرفيا لا محيص عنه إن رمنا مثل هذا الإنقاذ. # ورب معترض على هذا القطع بأن الكلام لم ينته بمحنة المعتزلة ولا بكارثة الأشاعرة، بل ~~واصل نماءه في علوم الحكمة، والحكماء جميعا أقروا بالعلية وثبوت الطبيعة والطبائع؛ فماذا عن ~~هذا؟ ~~(3) تمام الكلام ... في الحكمة ms048 # من منظور فلسفة العلوم في عصرنا تتبدى سلبيات علم الكلام، التي تفرضها الحدود الحضارية ~~والقصورات المعرفية لذلك العصر البعيد، ولكن تبقى دائما إيجابيته العظمى في أنه تشكل للعقل ~~العربي الصميم، وكان - كما أشرنا في # الفصل الأول ~~- الفلسفة الإسلامية الخاصة، التي شقت ~~الطريق ومهدته نحو الفلسفة الإسلامية العامة أو الحكمة. # ولئن كان كل من الكلام والفلسفة طريقا مستقلا نسبيا في سياق الحضارة الإسلامية، ~~فإن الحدود بينهما مموهة إلى حد ما، فلم يكن علم الكلام إلا ممارسة للتفكير الفلسفي في ~~القضايا التي أثارها نزول الوحي في المجتمع العربي. ومن حيث هي ممارسة متكفلة بمهمة التمثيل ~~الأيديولوجي فقد اتخذت شكل البحث الديني في العقائد؛ لأنه الشكل الأيديولوجي المتفاعل والمثير ~~للقضايا الفكرية والفلسفية التي شغلتهم. ثم استفاد علم الكلام من المنطق كثيرا، فكان ينمو ~~ويتطور حتى نضج بفعل أتون التفلسف العقلاني؛ أي المنطق . # فلم تكن الفلسفة في النهاية إلا تطويرا لعلم الكلام، ظهرت بعد أن استوفى نضجه، إن ~~الفلسفة الإسلامية أو الحكمة تمثل دائرة أو مرحلة فكرية أعلى من مرحلة التمهيد الكلامي، أصبح ~~الفكر والواقع مهيئين لها. وكانت الفلسفة أو الحكمة أكثر اتصالا بسيرورة العقل البشري، وفي ~~حل عن التمثيل الأيديولوجي المباشر الصريح، إن كانت بالطبع لن تتحلل من روابطها به، فتميزت ~~من الكلام بأنها؛ أولا: انطلقت من المفاهيم والمضمون الفكري، لا من القضايا المثارة في ~~المجتمع/النص بصورة مباشرة. ثانيا: لم تتخذ عن عقائد الدين أو من النص ذاته مسلمة ~~أولية أو قاعدة مباشرة للبحث. # وبصدد فضل علم الكلام في وصول العقل الإسلامي إلى بر الحكمة أو دائرة الفلسفة الخالصة، ~~يتبوأ المعتزلة المنزلة الأعلى والفضل الأعم؛ فلم يكن علم الكلام المعتزلي بالذات إلا فلسفة ~~صريحة، بل وفلسفة ناضجة. ومن حيث هم أهل العدل والتوحيد كانوا فلاسفة الحرية والعقل معا في ~~آن واحد، ليس فقط بسبب ما أشرت إليه من قولهم بإرادة الحتم وإرادة التفويض، فأمرهم أعمق من ~~ذلك. # إذ كان واضحا دائما أن الحرية الإنسانية - أو الاختيار بمصطلحاتهم - هو المضمون المحوري ~~لمفهوم العدل المعتزلي، ms049 لكن لم يتضح أن الحرية مضمون محوري للفلسفة بأسرها إلا منذ القرن ~~السابع عشر وما تلاه؛ حين استقام نجيب العقل الأثير - أي نسق العلم الحديث - عملاقا واعدا ~~محصنا بتلك الحتمية الإبستمولوجية الصارمة، يلقيها على الوجود بأسره أنطولوجيا لتنتفي حرية ~~الإنسان، فكان التناقص بين العلم بحتميته والإنسان بحريته محورا دارت بين رحاه الفلسفة ~~الأوروبية الحديثة، أصابها بما أسميته شيزوفرنيا أو انفصاما حادا بين عالمين أحدهما للحتمية ~~العلمية والآخر للحرية الإنسانية. # فنجد العقل والمادة عند ديكارت، النومينا والفينومينا (كانط)، الإرادة والتمثل (شوبنهاور)، ~~الأنا واللا أنا (فشته)، العقلي والواقعي (هيجل)، الفكر والوجود، الروح والطبيعة، العقل ~~والعاطفة، النسبي والمطلق، الآلي والغائي ... بعضا من ثنائيات جمة دارت بين رحاها الفلسفة ~~الحديثة، كلها معا تجمعها بوتقة واحدة؛ الثنائية الأم والأصل والأساس: الحتمية العلمية والحرية الإنسانية. # 44 # إنه خيار الفلسفة الأوروبية العسير: إما فلسفة العقل وإما فلسفة الحرية، ~~والذي تشكلت تحت وطأته توتراتها وتطوراتها. وقد بلغت الذروة في التنويرية. وكرد فعل ~~للتنويرية وإيمانها المفرط بالعقل والعلم، نشأت الرومانتيكية لترفع لواء الحرية، وتمخضت عن ~~البرجسونية والوجودية، ورد الفعل على الوجودية بالبنيوية ... وليس يصعب إدراك أن الحتمية العلمية ~~التي هي إبستمولوجية وأنطولوجية معا، كانت امتدادا ممسوخا وظلا باهتا لمفهومي العلم ~~الإلهي الشامل (إبستمولوجيا)، والقدرة الإلهية الشاملة (أنطولوجيا) # 45 # في إثارتهما لمشكلة الحرية الإنسانية، لا سيما مع الكالفينية. # هذا عن العدل (= الحرية)، أما عن التوحيد (= العقل) فقد أدى مع المعتزلة إلى نفي ~~الصفات، وبالتالي التنزيه المطلق الذي استند على مبادئ فلسفية مجردة، حتى تأتي بعض مناقشاتهم ~~أحيانا نسقا مصمتا من المفاهيم الفلسفية، وكلها في إطار العقل والحرية، بلا شيزوفرنيا أو ~~انفصام كشأن الفلسفة الأوروبية. فماذا ننتظر أكثر من هذا لنعدهم فلاسفة روادا وآباء شرعيين ~~للفلسفة الإسلامية؟! بل هم أهلوها الأصلاء. # لذا يسهب ابن خلدون - على الرغم من أشعريته - في إيضاح أن المعتزلة «هم أصحاب الفضل في وضع ~~العلاقة بين علم الكلام والفلسفة موضع الأمر الواقع التاريخي.» # 46 # ويذهب حسين مروة إلى أن الفكر الفلسفي عاش طور الحضانة تحت جناحيهم، ثم ms050 كان شقهم ~~لمجرى الفلسفة الإسلامية تحت تأثير قمعهم واضطهادهم # 47 # الذي تكالبت عليه كل التيارات المحافظة؛ حتى غفروا للخليفة المتوكل أفعاله الشنعاء، ~~وزعموا أن الله أيضا غفر له؛ فقط لأنه قضى على المحنة الدهماء؛ أي الاعتزال. وعمل الكثيرون ~~على تشويه آرائهم، خصوصا أبو المظفر الأسفراييني (ت471ه/1078م) الذي أفرد صفحات كثيرة من ~~مصنفاته لهذا الغرض، فيما أسماه التعريف بفضائح منهج أهل البدع؛ هذا فضلا عن محق نصوصهم حتى ~~اندثر معظمها، مما حال دون التعرف على تراثهم كاملا. وتحت تأثير القمع والاضطهاد رسم المعتزلة ~~دائرة الحكمة، أو شقوا مجرى الفلسفة؛ ليكون موازيا لمجرى عقلنة اللاهوت الذي شقه الأشاعرة وحدد ~~مساره الغزالي. على أية حال كان المعتزلة دائما هم المؤسسون الحقيقيون والرواد المخلصون لعلم ~~الكلام، وهم في النهاية ليسوا إلا جزءا من كل هو الكلام الذي أدى إلى الحكمة. # وخلاصة هذا أن الكلام والحكمة لا يفهم أحدهما بدون الآخر كأصل أو كامتداد، وبالتالي لا ~~بد للمقاربة المتكاملة لأية قضية من قضايا التراث الإسلامي أن نبحث في أصولها الكلامية، أو في ~~امتداداتها الفلسفية، ولكي يكتمل تناولنا لطبيعيات علم الكلام القديم لا بد من متابعتها في ~~طبيعيات الفلاسفة، أو في الحكمة الطبيعة. فماذا عن هذا؟ ما الذي طرأ على الطبيعيات الكلامية حين ~~واصلت المسير وانتقلت من دائرة الكلام إلى دائرة الحكمة؟ في الإجابة على هذا السؤل بشكل عام نجد ~~الطبيعة ومباحثها أكثر وضوحا وتميزا عند الفلاسفة منها عند المتكلمين، فقد سلموا جميعا بأنها ~~قسم من أقسام الحكمة الثلاثة: العقليات والطبيعيات والإلهيات، ثم تفرعت إلى فروعها عند كل منهم، ~~أفردوا لها مصنفات أو رسائل أو فصولا، إنها أصبحت عنوانا للبحث وموضوعا محوريا ~~للحديث. # ولئن ناقش نفر من أهل الاعتزال فكرة خلق القديم، فقد سلم المتكلمون جميعا - من أولهم ~~لآخرهم - بأن: العالم حادث. بدأ الفلاسفة بالتسليم بهذه القضية، لكن بوصفها محل نظر ومحتاجة ~~لبرهان «الكندي»، وتحت تأثير فلسفة الإغريق الذين عجزوا تماما عن تصور الخلق من العدم، وتأكيد ~~أرسطو أن العالم قديم غير مخلوق، راح فلاسفة الإسلام ms051 يتلمسون سبل التعامل مع أطر قضية حدوث ~~العالم. لجئوا إلى الفيض والصدور كبديل (الفارابي وابن سينا). ثم رفض ابن رشد هذا البديل وأسرف ~~في تبيان أن العالم قديم ومخلوق، هذا في فلسفته الطبيعية الأنضج نسبيا من حيث إنها المركب ~~الشامل في تلك الصيرورة الجدلية: محدثة/فيض/قديمة. # في كل هذه التوترات المتتالية ظلت الطبيعة قابعة دائما في قلب الأنطولوجيا المتجهة أولا ~~وأخيرا نحو المتجه الإلهي ... نحو الثيولوجيا ... أي إنه لا فرق. # لكن هذا الحكم الخطير ينطوي على تقييم جريء للتراث القديم برمته، ولا يمكن إسناده إلى تصور ~~مجمل أو إجابة بشكل عام، لا بد من تفصيلها استكمالا لصورة الطبيعيات في تراثنا القديم ... ~~وهذا هو موضوع الفصل التالي. # الفصل الرابع # | الطبيعيات ... من الكلام إلى الحكمة ... ولا فرق # (1) من الحدوث إلى الفيض والقدم # عادة ما يؤرخ لبدء الفلسفة الإسلامية بالكندي (185-252ه/801-865م) الذي خرجت على يديه من ~~إطار علم الكلام، إنه أول مفكر إسلامي يطرح مشكلة المعرفة طرحا أوسع من الطرح الكلامي لها، ~~وأول من أجرى تصنيفا في الفلسفة الإسلامية، حين قسم المعرفة أو الحكمة التقسيم الأرسطي نفسه ~~للعلوم النظرية؛ أي إلى حسية موضوعها العالم المحسوس أو الطبيعيات، ثم عقلية موضوعها العلم ~~الرياضي أو الكليات، ثم إلهية موضوعها الربوبية أو الله أو الشريعة. ظل هذا التقسيم الثلاثي - ~~بشكل أو بآخر - دستورا دائما للفلسفة الإسلامية القديمة، اعتمده جميعهم، وكان الكندي بهذا ~~الدستور يفتح أمام العقل آفاق المعرفة الفلسفية بمعناها الشامل، وآفاق المعرفة الطبيعية النظرية ~~والتجريبية، فقد كانت الفلسفة/الحكمة عنده «علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان.» # 1 # في نظرته للطبيعيات جرى مجرى المعتزلة في نفي تأثير الله المباشر في المادة، وهذا ما سلم به ~~الفلاسفة أجمعون، وقالوا: «إن الله تعالى لا يباشر الأفعال بذاته، بل عن طريق العلل.» # 2 # آمن الكندي بالعلية، وعلم الفلاسفة أن يؤمنوا بها، ربما بحكم ممارسته ~~التجريبية للطب، ولئن سلم تسليما بأن العالم حادث ومتناه واجتهد في إثبات تناهيه؛ # 3 # لأن الله هو اللامتناهي الأوحد، فإن الكندي تحدث عن وجود سرمدي - فقط بالقوة ms052 - ~~للمادة والحركة والزمان، لقد شق الطريق إلى معرفة العالم لذاته. # على أن الكندي وقع في إسار عقيدة التنجيم التي هيمنت بصورة مزعجة على حكمة الإسلاميين، ~~وبما لا يقارن بتناثر رذاذها في علم الكلام، # 4 # وهذا بفعل المدرسة الحرانية المشرقية من ناحية، والتراث الإغريقي من الناحية ~~الأخرى، فتصور الكندي الأجرام السماوية على أنها حية وفاعلة في الكون، إنها أقرب إلى الألوهية ~~منها إلى الأرض؛ فحركتها في أكمل الأشكال؛ أي الدائرة، حركة دائرية لا مستقيمة كحركة الأرض، بل ~~رأى فيها «قوة التمييز، فهي إذن ناطقة اضطرارا.» # 5 # ولا أوافق حسين مروة إطلاقا في اعتبار هذا مع الكندي - أو مع إخوان الصفا - بمثابة علية ~~شاملة؛ فهي في الواقع تضخم للإحساس الديني المشخص إلى أقصى درجة، فيكتسح نطاقا من الطبيعة ~~يتصور الخيال أنها تلامسه، ويشخصها هي الأخرى أو يشخص جزءها ذاك. وإذا رمنا تنظيرا فلسفيا ~~أعمق، وجدنا عقيدة التنجيم بصفة عامة امتدادا للنظرة الحيوية للطبيعة، وأنها «عالم حي وعاقل ~~وكل كياناتها - الإنسان والحيوان، النبات والكواكب - تشاركها في العقل والحياة.» # 6 # وكما أشار كولنجوود (روبن جورج)، هذه النظرة سيطرت على مجمل الفكر القديم شرقا ~~وغربا، وظلت سائدة حتى بدايات حركة العلم الحديث وتصورها الميكانيكي الآلي للطبيعة الذي ساد ~~أيما سيادة حتى انهار مع ثورة الكمومية والنسبية والعلوم الذرية في القرن العشرين. # ليس فقط التصور الحيوي للطبيعة والنجوم، بل التصورات الإغريقية بصفة عامة لم يستغن ~~عنها الكندي الذي عمل بالمفاهيم الأرسطية، لكن بعد أن يملأها بالمضمون الإسلامي. فالقوالب ~~الأرسطية لم تمنع الكندي من التسليم بالمسلمة الإسلامية الصميمة؛ أي خلق العالم من العدم، أو ~~أنه على أقصى الفروض يسبح في البرزخ المعتزلي بين فاعلة العلية وبين الخلق من العدم، وعبر منه ~~إلى أول صياغة فلسفية لتصور إسلامي للكون الطبيعي، تتجاوز النص والكلام، وتتمثل في فئة من ~~المفاهيم والحدود والمقولات والرسوم، انتظمت في هيكل متكامل، هو للبرهنة على الموضوعة الأساسية: ~~خلق الله العالم من العدم، أو بتعبير الكندي: «جرم العالم محدث اضطرارا من ليس.» # 7 # ومن ثم، فإذا ms053 كانت الفلسفة عنده أشرف العلوم، فإن أعلاها شرفا هو الفلسفة ~~الأولى؛ لأنها «علم الحق الأول الذي هو علة كل حق.» # 8 # هكذا لم يخرج الكندي عن الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية، وتصوره للطبيعة لم ينفصل البتة عن ~~الفعل الإلهي، حتى وإن أقر بخضوعها لقانون العلية العتيد، فليست العلل إلا وسائط، و«الطبيعة» ~~هي الشيء الذي يجعل الله منه علة أولية لكل متحرك أو ساكن، والله - الفاعل غير المنفعل البتة ~~كمحرك أرسطو - هو العلة الأولى لجميع المعقولات، والتي هي معلولات لفعله، إما بتوسط الطبيعة ~~أو سواها، وإما بغير توسط؛ فظلت الطبيعة موجهة نحو المتجه الإلهي، ولم يتحدث عنها الكندي ~~إلا من أجل إثبات الله في النهاية. ~~••• # وإذا غادرنا البدايات الكندية، وجدنا التراث الإغريقي وقد انتظم رافدا دافقا في نهر ~~الحضارة الإسلامية، وأصبح ذا فاعلية أقوى، والفلسفة وقد اكتملت أطرها مع أبي نصر الفارابي ~~(259-339ه/872-980م) وذات بناء أكمل، فعد لهذا المعلم الثاني، على الرغم من أنه «مقل في ~~التأليف وقصير النفس فيه.» # 9 # وكان أكثر اهتماما بالإنسان والأخلاق والسياسة والموسيقى منه بالطبيعة. # لكن كان من المنطقي أن تتكامل الأطر مع الفارابي؛ لأنه آمن إيمانا جارفا بوحدة ~~الحقيقة، إنه المركز الإسلامي الصميم: عقيدة التوحيد، يتكشف في شكل هم الفارابي بوحدة ~~الحقيقة. # الوحي ذاته ليس غيبا مستورا، بل ناشئا عن المخيلة القوية للأنبياء القادرة على هذا ~~الإدراك المتفرد للحقيقة. شغف الفارابي بوحدة الحقيقة وضعه على المفترق القلق بين دهرية ~~الإغريق وبين الألوهية في الوحي الإسلامي، ووجد طوق النجاة أو المركب الجدلي من هاتين ~~المتناقضتين في: نظرية الفيض الأفلوطينية، وهي تقوم على الأقانيم الثلاثة: المطلق - العقل - ~~النفس الكلية، وفيض أو صدور الأقنوم عن سابقه. # النبع النوراني الأصيل الثابت للوجود هو المطلق، أو الأول أو الواحد أو الخير، وبالفيض يصدر ~~عنه العقل، ثم تفيض عنه النفس الكلية # 10 # ها هنا كما رأى الإغريق: العالم لم يخلق من العدم، لكن الله علة وجوده كما ينص ~~الوحي الإسلامي. # المطلق/الواحد عند أفلوطين هو الله/العلة الأولى عند الفارابي الذي مارس دوره في استغلاله ms054 ~~للقوالب الأرسطية، فوضع للطبيعة تحديدا شبه أرسطي ذاهبا أنها مصدر الحركة والسكون دون قوة ~~خارجية أو مريدة، ولكن في تصنيفه أو إحصائه للعلوم يجعل العلم الطبيعي مع العلم الإلهي علما ~~واحدا، فلا تعود الطبيعيات إلهيات مقلوبة فحسب، بل إنها هي ذاتها إلهيات. # على أن دور الفارابي الفعال في مسار الطبيعيات الإسلامية يتلخص في أنه أول من ناقش ~~«حدوث العالم» ورفضه، فوضع - بديلا - نظرية الفيض في سياق التطور التاريخي للفلسفة الإسلامية، ~~بعد استعارة هذه النظرية كشكل وملئها بالمضمون الإسلامي. ~~••• # فتحت نظرية - أو قالب - الفيض آفاقا فلسفية جديدة لمعالجة المشكلة المحورية الموجهة لمبحث ~~الطبيعيات الإسلامية؛ أي مشكلة العلاقة بين الله والعالم المادي. وحددت المسار الفلسفي لهذه ~~المشكلة حتى أبعد امتداداتها، فيمكن اعتبار الحلول ووحدة الوجود الصوفية، التي هي أهم إسهاماتهم ~~الأنطولوجية امتدادا ما لنظرية الفيض. # أما حكمة الإشراق مع السهروردي المقتول - حيث تفيض الأنوار عن النور الأول - فمجرد شكل ~~آخر لها . موقف الصوفية من الطبيعيات أعمق وأكثر دهاء مما يتبدى للوهلة الأولى، فقد جاهر ~~السهروردي - الذي تربطه صلات فكرية بابن سينا - بأزلية العالم والحركة والزمان، وليس من ~~الضروري أن نتبع سنن المشروع الغربي باعا بباع وذراعا بذراع، فنعتبر الفلسفة الإشراقية - كما ~~اعتبر نفر من مفكرينا - كارثة وانحرافا؛ لأنها تناقض مسار الفكر الطبيعي في الغرب. # المهم أن المتفلسفين جميعا - حتى المتصوفة منهم - اهتموا بنظرية الفيض، وساعد خطأ نسبة ~~كتاب ثيولوجيا أفلوطين إلى أرسطو على انتشارها بسبب المكانة التي تمتع بها أرسطو بوصفه المعلم ~~الأول. # رفض المتكلمون نظرية الفيض؛ لأنها في أصلها شكل من أشكال أزلية وأبدية العالم، ونفي ~~الحدوث والخلق من العدم، وتنفي الشروط التي تجعل من العالم فعلا لله، وهي الإرادة والاختيار ~~والروية والقدرة على الفعل والترك. ورأوا أن ما يحدث بالفيض ليس خلقا، بل فقط خروجا إلى حيز ~~الوجود، شبيها بالكمون الذي قال به زميلهم النظام. العالم يوجد ها هنا اضطرارا بالطبع ~~بينما أوجد الله العالم اختيارا بمشيئة وتقدير مسبق لزمان محدد. # إذن، فالفيض من العلامات الفاصلة بين الكلام والحكمة، من ms055 حيث إن التساؤل عن حدوث العالم ~~وقدمه هكذا. ولكن هل أدى هذا إلى فرق؟ لنر كيف سار الأمر. ~~••• # تستوقفنا هذه الظاهرة العذبة المعروفة باسم «جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء»، ظاهرة في ~~تاريخ الفلسفة الإسلامية بجملتها وليس التشيع فحسب؛ فهم موسوعيون أكثر منهم إسماعيليون باطنيون، ~~وبنزعتهم الطبيعية يذكروننا بالموسوعيين الفرنسيين في العصر الحديث، وإن كانت موسوعية إخوان ~~الصفاء مشبعة بعبق الشرق ودفئه الحميم. # لقد ساروا في الطريق الذي أفسحه الكندي للنظر إلى العالم في ذاته، آخذين بنظرية الفيض التي ~~أرساها الفارابي ... لكن ظلوا مبقين على المسلمة الكلامية بأن العالم محدث مصنوع، وأفردوا ~~فصلا في «بيان مقدمات عقلية تدل على هذا»، وفصلا آخر في «بيان الضرر لمن يعتقد أن العالم قديم». # 11 # وبخلاف هذا لا تكشف رسائلهم التي عرفت لأول مرة عام 334ه عن اتجاه فلسفي محدد، ~~بقدر ما هي محاولة سردية، بل وتلفيقية للم أشتات خطوط المعارف وتوجهات الفكر الإسلامي، وعرضها ~~في قالب ممتع بأسلوب سلس جذاب وسهل في متناول القارئ العادي، وكما أشار دي بور، التضارب والتفكك ~~والنزوع إلى الشمولية في بحوثهم أو رسائلهم جعلها أقرب شبها بدائرة معارف جمعت كل عناصر ~~الثقافة الإسلامية آنذاك. # ولما كنا الآن معنيين بالتوجه العام للفلسفة الإسلامية، ليس بمذهب بعينه، وجدنا رسائلهم ~~كاشفة عن هذا التوجه أكثر من سواها، ومستحقة لتناول مفصل أكثر نسبيا، لا سيما وأنها أتت في ~~أوج مد الحضارة الإسلامية - القرن الرابع الهجري. # هذا فضلا عن أن إخوان الصفاء اهتموا كثيرا بالطبيعيات، حتى يمكن القول إنها الركيزة ~~والإطار العام لمنطلقهم. لقد أفردوا لها المجلد الثاني من رسائلهم ومواضع أخرى، حيث استقصوها ~~من جميع عناصرها: الفلك والظواهر الجوية والمناخ والتضاريس والبحار والجبال والبراري وصنوف ~~المعادن وأجناس النبات وتكوين الحيوانات ... إلخ. # والحق أنه استقصاء يكشف عن نزعة علمية، أو على الأقل طبيعانية، وجهد ما لتحجيم الخرافات ~~والتفسيرات الأسطورية، لكن فقط في حدود ما تسمح به آفاق المعرفة الطبيعية في ذلك العصر، فثمة ~~إسرافهم المضجر في التنجيم وتحديد النجوم لمصائر البشر، ورد النزعات والملكات ms056 الإنسانية إلى الكواكب، # 12 # التي تساهم في تشكيل الجنين حيث تفيض عليه قوى الأشخاص الفلكية في تدرج هابط على ~~مدى شهور الحمل التسعة، # 13 # وسوف نرى أن التنجيم يسهم هو الآخر بخطاه العرجاء في توجيه الطبيعيات نحو المتجه ~~الإلهي. # ولنبدأ من البداية، من نظرية العلم، لنجد العلوم عندهم ثلاثة أنواع: الرياضية والشرعية ~~والفلسفية. العلوم الرياضية - في استعمال غريب للمصطلح - هي كل العلوم المطلوبة للدنيا؛ كعلوم ~~اللغة والنحو والشعر والعروض والحساب والمعاملات، وأيضا التنجيم والسحر والسيمياء، والحيل ~~والميكانيكا والحرف والصنائع والزراعة والنسل ... إلخ. أما العلوم الفلسفية فهي الرياضيات؛ أي ~~الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، والمنطقيات والطبيعيات والإلهيات. # 14 # الطبيعيات هي علم المبادئ الجسمانية: الهيولي والصورة والزمان والمكان والسماء والعالم ~~والكون والفساد وحوادث الجو وعلم المعادن وعالم النبات. # 15 # والحق أن تفسيرهم للعالم استند على المباحث الطبيعية والتجريبية أكثر مما استند على ~~المعارف اللاهوتية. لقد اعترفوا بالوجود المادي للعالم الطبيعي وجودا منفصلا عن وجود الله ~~وموضوعا للمعرفة، يختلف عن موضوع المعرفة الإلهية، وحرصوا على ذكر الصنائع مقترنة دائما ~~بذكر العلوم الطبيعية، «الصنائع العملية بعد العلمية في الجواهر الجسمانية.» # 16 # والرسالة الثامنة من رسائلهم في أن «كل صناعة تحتاج إلى الفكر والتعقل»، وتدور ~~بأسرها حول الصنائع العملية والغرض منها. # وبديهي أن الصنائع العملية منصبة على جواهر جسمانية. والجواهر الجسمانية منفعلة، كلها تدرك ~~بطريق الحواس، بينما الجواهر الروحانية فاعلة كلها لا تعرف إلا بالعقل؛ لذا سلموا بالقيمة ~~الأولية للمبادئ الحسية أو المعرفية التجريبية والاستقرائية، فإذا كانت «أوائل العقول» تناظر ما ~~نسميه الآن «الحس المشترك»، فهي ما يعلمه كل العقلاء ولا يختلفون فيه، فإنها «تحصل في نفوس ~~العقلاء باستقراء الأمور المحسوسة شيئا بعد شيء.» # 17 # و«اعلم يا أخي، أن نسبة المعلومات التي يدركها الإنسان بالحواس الخمس، بالإضافة ~~إلى ما ينتج عنها في أوائل العقول، كثيرة كنسبة الحروف المعجمة، بالإضافة إلى ما يتركب عنها من الأسماء.» # 18 # هكذا سلموا بالقيمة الأولية للمبادئ الحسية، وإن كانت المبادئ العقلية أسمى منها، ~~فعلى أساس الدستور الإسلامي الثلاثي ينتقل العلم عندهم ms057 من الحواس إلى المعرفة العقلية إلى ~~البرهان. # وكانت نظرية الفيض هي سبيلهم لتوجيه كل هذا - بما يحمله من رصيد طبيعي ضخم - نحو المتجه ~~الإلهي، فالباري «علة الموجودات ومبدعها ومبقيها، أول فيض فاض من الوجود ثم البقاء ثم التمام.» # 19 # وعلى الرغم من الطابع السردي السطحي لرسائلهم، كان لهم تعاملهم المبدع مع نظرية ~~الفيض؛ إذ مزجوها بالفيثاغورية ليخرجوا بمضمون إسلامي قشيب، يدثرون به هذا الوجود ليدور وإياهم ~~في الدائرة الثيولوجية، ولنقتبس منهم هذا النص الشامل: # قال اليوناني: الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد (هل قال اليوناني هذا؟!) الذي كان ~~قبل الهيولي ذات الصورة والأبعاد، كالواحد قبل الأعداد والأزواج والأفراد، والتعالي عن ~~الأنداد والأضداد، والحمد لله الذي تفضل وتكرم وأفاض من جوده العقل الفعال، ذا العلوم ~~والأسرار، وهو نور الأنوار وعنصر الأرواح، والحمد لله الذي أنتج من نوره العقل والبحث عن ~~جوهر النفس الكلية الفلكية ذات الحركات، وعين الحياة والبركات. # والحمد لله الذي أظهر من قوة النفس عنصر الأكوان ذات الهيولي والكيان، والحمد لله خالق ~~الأجسام ذوات المقادير والأبعاد والأماكن والأزمان، والحمد لله مركب الأفلاك والكواكب ~~والسيارات، الموكل بدورانها النفوس والأرواح ذات الصور والأشباح، ذوي النطق والفكر والحركات ~~الدورية، وجعلها مصابيح الدجى، ومشرق الأنوار في الآفاق والأقطار، والحمد لله مركب الأركان ~~ذوات الكيان، وجعلها مسكنا للنبات والحيوان والإنس والجان. وأخرج النبات، وجعل ذلك مادة ~~للأبدان وغذاء للحيوان وهو المخرج من قعار البحار وصم الجبال، الجواهر المعدنية الكثيفة ~~ذوات المنافع. # 20 # هكذا ببساطة يكتمل تصور الوجود الطبيعي في إطار أو شكل نظرية الفيض اليونانية التي امتلأت ~~بالمضمون الإسلامي، على أن نظرية الفيض اكتست معهم أيضا بأردية فيثاغورية، فهم يقولون «برأي ~~فيثاغورس الحكيم»: «إن طبيعة الموجودات بحسب طبيعة العدد، فمن عرف العدد وأحكامه، وطبيعته ~~وأجناسه وأنواعه وخواصه، أن يعرف كمية أجناس الموجودات وأنواعها وما الحكمة في كمياتها على ما ~~هي عليه الآن.» # 21 # فجعلوا العدد أساس فلسفتهم. ونسبة الباري إلى الكون كنسبة العدد واحد إلى الأرقام والعقل 2، ~~والنفس 3، الهيولي 4، الطبيعة 5، الجسم 6، الأفلاك 7، الأركان 8، المولدات ms058 9. # الفيض ليس في ثلاث درجات كما رأى أفلوطين، بل هو في تسع، ليس بسبب تاسوعاته، إنما لأن ~~الرقم 9 آخر مرتبة الأرقام الآحاد، وكذلك المولدات آخر مرتبة وجود الكليات، ثم نجد المعادن في ~~مرتبة العشرات والنبات كالمئين والحيوان كالآلاف فتكتمل دائرة الأرقام المعروفة آنذاك، وتكتمل ~~دائرة الوجود الأنطولوجي المتجه نحو الثيولوجيا. # ويمكن ملاحظة هذا التسلسل لدرجات الفيض التسع في النص المقتبس، ونتوقف عند الرقم 3، النفس ~~الكلية الفلكية، فهي الطريق الذي تسلكه الطبيعيات لتتجه، بل لتنصب توا في الإلهيات، ~~مستعينين بتراثهم الزاخر في التنجيم، وها هنا مناط إبداعهم، وكان توجيه الطبيعيات إلى الإلهيات ~~همهم الأول وشغلهم الشاغل؛ فكيف كان ذلك؟ # يجعل التنجيم دوران الأفلاك محددا لكل شيء في عالم البشر وعالم الطبيعة على السواء، حتى ~~إنه العلة الصورية التي تجعل من العلة الهيولانية (الزئبق والكبريت) جواهر المعادن. ودوران ~~الفلك يدوم ما دامت النفس الكلية مربوطة معه، إذا فارقته توقف دوران الأفلاك وقامت القيامة. # 22 # الطبيعة أو الطبائع ليست إلا قوة النفس الكلية الفلكية ، وهي قوة روحانية فاضت من ~~العقل فيضا سرورا متصلا، بتأييد أبدي ودائم من الباري، وهي قوة سارية في جميع الأفلاك التي ~~دون فلك القمر. باق أن نعلم أن «الباعث للنفس الكلية إلى إدارة الفلك وتسيير الكواكب هو ~~الاشتياق منها إلى إظهار تلك المحاسن والفضائل والملاذ والسرور التي في عالم الأرواح، التي تقصر ~~ألسن الوصف عنها إلا مختصرا كما قال تعالى: # وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين ~~». # 23 # هذا من الناحية الأنطولوجية التي هي الجوهر والأساس والآية. # ومن الناحية الإبستمولوجية أيضا العلماء نفوس جزئية خادمة للنفس الكلية. الفلاسفة أطباء ~~النفوس، غرضهم نجاة النفوس الغريقة في الهيولي وإخراجهم من هاوية الكون والفساد، وإيصالها الجنة ~~عالم الأفلاك وسعة السماوات بتذكيرها ما قد نسيت من أمر معادها. # هكذا كان توجيه الطبيعيات نحو الإلهيات المهمة المنوطة بالفيض والنفس الكلية الفلكية، وهما ~~صلب نظرية الوجود لتساهم معهما مجامع علم التنجيم. إن التوجيه اللاهوتي يكاد يكشف عن نفسه في ~~كل سطر وأحيانا كثيرة يأتي بصورة ms059 ساذجة، كأن تكون الظواهر الفلكية بشارات أو نذر ليرتدع ~~العصاة، فضلا عما يستنطقون به الدواب والطير والهوام، واسترسالهم في هذا وكأنهم يكتبون ~~للأطفال، ولا يفوتهم أبدا لي عنق كل مبحث طبيعي في نهايته ليصب لا في المتجه الإلهي فحسب، ~~بل في متجه وعظي إرشادي سطحي، حتى إن رسائلهم في الطبيعيات تكاد تذكرنا ببرامج العلم والإيمان ~~في الإذاعة المرئية الآن. # ثم إنهم - كفلاسفة - بوجه عام يفسرون الطبيعيات في إطار العلل الأرسطية الأربع: الهيولي ~~والصورة والفاعل والغاية. والفاعل هو العلة الأولى ونقطة البدء، أما العلة الغائية فهي ~~السهم المنطلق توا إلى الإلهيات، فتدور الطبيعيات من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس في ~~الدائرة المغلقة، التي لم يفتح الانتقال من الكلام إلى الحكمة طريقا للخروج منها ... فلا ~~فرق. ~~••• # ثم يأتينا الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا (370-428ه/980-1037م) بفلسفة طبيعية أنضج نسبيا ~~في تسخيرها لنظرية الفيض، لم تبرأ من تهاويم التنجيم المهيمنة، لكن تخلو من تلك الملامح ~~الطفولية، وتخلو أيضا من الإبداع أو إضافة ذات بال عما قاله المعلم الثاني الفارابي. ينقل ~~ابن سينا عن الفارابي ترتيب الموجودات في فيضها عن الله نقلا حرفيا. # هاجم بضراوة طبيعيات المتكلمين، وقال: إن العالم - كما علمنا أرسطو - مكون من مادة وصورة ~~لا من جواهر فردة، ومثلما رفض أرسطو ذرية ديمقريطس، رفض ابن سينا نظرية الجوهر الفرد ونقدها ~~نقدا عسيرا، # 24 # خصوصا من زاوية التناهي واللاتناهي، وحاول تفنيد اللاتناهي في كل تطبيقاته. # 25 # وبالمثل نقد الكمون والطفرة عند النظام، وقد فصل الدكتور عاطف العراقي هذا النقد. # 26 # لقد سار ابن سينا سيرة الكندي والفارابي - وتقريبا كل حكماء الإسلام - في أطر القوالب ~~الأرسطية، وكأنها هيكل الوجود والمعرفة على السواء. رأى ابن سينا العالم قديما ومخلوقا، ~~العالم قديم بالزمان لكنه مخلوق بالذات؛ # 27 # لأنه ممكن الوجود، وبالتالي يحتاج في وجوده إلى واجب الوجود ... إلى الله، وفي ~~النهاية لم يكن أكثر ولا أقل من قرنائه في توجيه الطبيعيات متجها إلهيا؛ حتى إن فلسفته ~~الطبيعية تكاد تكون موزعة بالعدل والقسطاس بين كتاباته في الطبيعيات ms060 وكتاباته في الإلهيات، ~~تماما مثلما اختلطت مباحث الفيزيقا بالميتافيزيقا في كتابات أرسطو؛ فليست الفلسفة الإشراقية هي ~~وحدها الملومة؛ لأنها هي التي نبتت من تراب الشرق، إذ يبدو أرسطو ملوما كعلة لتلك الجنوحات ~~التي لا بد وأن يرفضها منظور فلسفة العلوم. # ولأن ابن سينا انتظم في سمت التفلسف، شيخا للحكماء ورئيسا للفلاسفة؛ أي كان فيلسوفا ~~بالمعنى الأتم، فإن نظرية العلم عنده هي الكاشفة عما يبحث عنه في فلسفته. وقد قسم العلوم نفس ~~التقسيم الأرسطي لها إلى عملية ونظرية؛ العلوم العملية هي التي نعمل بها، وتنقسم إلى ثلاثة: ~~مدنية ومنزلية وخلقية، أو سياسية واقتصادية وسلوكية؛ أما العلوم النظرية فهي المتعلقة بأمور ~~لنا أن نعلمها وليس لنا أن نعمل بها، وهي الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. # 28 # موضوع الطبيعيات أو الحكمة الطبيعية في الحركة والتغير؛ أي الأشياء الواقعة تحت ~~الحواس - الكون الفيزيقي - وتماما كما قال أرسطو وتبعه الكندي والفارابي الأقسام الأصلية ~~للحكمة الطبيعية ثمانية هي: ~~(1) # المبادئ العامة كالمادة والصورة، وإثباتها للمحرك الأول. ~~(2) # الأركان؛ أي السماوات المرادفة للعالم؛ لأنها تحوي الأشياء الطبيعية كلها، والعناصر ~~الأربعة . ~~(3) # الكون والفساد والتوليد والنشوء والبلى والاستحالة ولطيف الصنع الإلهي في ربط ~~السماوات بالأرضيات. ~~(4) # أحوال العناصر الأربعة قبل الامتزاج لما يعرض لها من أنواع الحركات والتخلخل ~~والتكاثف، بتأثير السماوات فيها، فنتكلم بالعلامات والشهب والأمطار والرعد والرياح ~~والزلازل والبحار. ~~(5) # المعادن. ~~(6) # النبات. ~~(7) # الحيوان. ~~(8) # النفس والقوى المدركة في الحيوانات خصوصا الإنسان، وتبيان أن النفس الإنسانية لا ~~تموت بموت البدن، وأنها جوهر روحاني إلهي. # 29 # هكذا، في تلك الأقسام الأصلية للحكمة الطبيعية لم يلق ابن سينا أدنى صعوبة في توجيه ~~التقسيم الأرسطي نحو المتجه الإلهي. إن القسم الأول يتعلق بالمحرك الأول، والثامن الأخير ~~يتعلق بالجوهر الروحاني الإلهي، لتدور الطبيعيات في الدائرة الثيولوجية المغلقة. # أما الأقسام الفرعية للحكمة الطبيعية فلن تغير شيئا، لا من النظرة الأنطولوجية ولا من ~~النظرة الإبستمولوجية، فهي الطب وأحكام النجوم والفراسة وعلم التعبير والاستدلال على الغيب، ~~والطلسمات والنيرنجيات والسيمياء لتحويل المعادن إلى ذهب وفضة. # وحين ننتقل إلى الرياضيات نجد أقسامها الأصلية هي العدد ms061 والهندسة والفلك والموسيقى، لكل ~~منها فروعه في الأقسام الفرعية للرياضيات. أما أقسام العلوم الإلهية، فإنها الإعلان الصريح ~~والبيان الفصيح عن المتجه الإلهي للطبيعيات والدائرة الثيولوجية المغلقة. # فكما يجاهر ابن سينا، ليس العلم الإلهي إلا العلم الباحث عن أمر الوجود المطلق ولواحقه؛ ~~لأن الله مبدأ الوجود ومبدأ المعلول على الإطلاق، وينتهي العلم الإلهي في التفصيل إلى حيث ~~تبتدئ منه سائر العلوم، فيكون في هذا العلم (= الإلهي) مبادئ سائر العلوم الجزئية (= الطبيعيات). # 30 # فنجد الأقسام الأصلية للعلم الإلهي كالآتي: ~~(1) # المعاني العامة لجميع الموجودات من الهوية والوحدة والكثرة والوفاق والخلاف والتضاد ~~والقوة والفعل والعلة والمعلول. ~~(2) # النظر في الأصول والمبادئ مثل علم الطبيعيين والرياضيين وعلم المنطق ومناقضة الآراء ~~الفاسدة فيهما. # ويندهش الدارس هل هذان القسمان من الإلهيات أم من الطبيعيات؟ وهما على أية حال، يفضيان إلى ~~القسمين الثالث والرابع اللذين يوضحان لماذا كان القسمان الأولان، ولماذا كانت الطبيعيات ~~أصلا. القسمان التاليان هما: ~~(3) # إثبات الحق الأول وتوحيده والدلالة على تفرده وربوبيته، وأنه واجب الوجود بذاته ... ~~إلخ. ~~(4) # إثبات الجواهر الأولى الروحانية التي هي أعز مبدعاته وأقرب مخلوقاته (الملائكة). ~~ثم: ~~(5) # تسخير الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية، وارتباط الأرضيات ~~بالسماوات وبيان أن الكل مبدع لا فطور (هكذا: فطور) فيه، وأن مجراه على مقتضى الخير، ~~وأن الشر ليس محضا، بل لحكمة. # 31 # هكذا يحكم القسم الخامس والأخير إغلاق الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية تماما، أما ~~الأقسام الفرعية للعلوم الإلهية فهي من قبيل نزول الوحي ومعجزاته المخالفة للطبيعية ومآل ~~الأتقياء الأبرار وكراماتهم، ثم علم المعادن ... إلخ. # إن الإلهيات الفرعية هي الجزئيات التي ابتعدت خطوة عن الطبيعة، مثلما كانت الطبيعيات ~~الفرعية هي الجزئيات التي ابتعدت خطوة عن الإلهيات، لكنها لن تنفصل عن الأقسام الأصلية ليدور ~~الكل - الأصلي والفرعي جميعا - في الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية المغلقة حول ~~المركز/الوحي. # وقبل أن نغادر ابن سينا، والفلسفة المشرقية إجمالا، نلفت الأنظار إلى أننا عينا ~~المتجه الإلهي لفلسفته فقط بتقرير من قلب منطلقاته الأرسطية، ولا ينقصنا المزيد والمدد من ~~منطلقاته أو مراسيه الإشراقية والغنوصية، هذا لنؤكد ما ms062 أشرنا إليه أكثر من مرة من أنه لا داعي ~~لاتباع السنن الغربية باعا بباع وذراعا بذراع، لنفرط في إدانة الفلسفة الإشراقية، وكل ما ~~يخرج من التراث الغربي القديم الذي يتربع أرسطو على قمته. ~~(2) من المشرق للمغرب ... ولا فرق # يبقى من أساطين الفلسفة الإسلامية وأركانها العمد أبو الوليد بن رشد (526-595ه/1126-1198م)، ~~لا سيما وأن به تكتمل المعالجة السابقة لفلسفة المشرق بتتبعها في المغرب، وسوف يتقدم قاضي ~~قرطبة المبجل وطبيبها الفقيه على قرنائه من منظور الطبيعيات والعلم بها الذي يستوجب العقلانية، ~~فهو يبز الجميع في الإيمان بالعقل والزود عن سلطانه، بحيث يعد رافع لواء العقلانية في فلسفة ~~العصور الوسطى بأسرها؛ الإسلامية والمسيحية على السواء. # وثمة شبه اتفاق على أن سوناتا الكلام وكونشيرتو الحكمة قد ارتفعا على يديه إلى سيمفونية ~~بوليفونية، أوليست تتناغم فيها «الحقيقتان» الإلهية والفلسفية؟! وقد وضع قواعد تأويل المجاز ~~في القرآن والفهم المقاصدي للشريعة من أجل إنجاز هارمونية هذا التناغم على أساس أن الحق لا ~~يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له، إنها «وحدة الحق»، الذي ظهر مرتين؛ الأولى في كل ما قاله أرسطو ~~والثانية مع القرآن. # الحقيقة الأولى - أي الحكمة الأرسطية - هي للخاصة، حرفها الفلاسفة. الحقيقة الثانية - أي ~~الوحي الديني والشريعة - هي للعامة، حرفها المتكلمون والفقهاء والصوفية. وبهجومه النقدي ~~الضاري على المتكلمين والفلاسفة على السواء، وجهاده الباسل لإنقاذ الحق بالعود مباشرة إلى ~~الأصول الأرسطية والقرآنية، كان تأسيس مشروعه القائم على الفصل بين الحقيقتين، بين الفلسفة ~~والدين، ورفض قياس الغائب على الشاهد - الذي رأيناه أساس الكلام وعماده - لأن عالم الغيب ~~مطلق بينما عالم الشهادة مقيد. # ومن يجادل في أنه بهذا اضطلع بدوره البطولي في قصة العقلانية وعلى المسرح العالمي ~~بأسره؟ # ولكن لماذا لا نجادل في هذا؟ لا سيما بعدما شاع أخيرا من أنه يمثل قطيعة معرفية لفلسفة ~~المشرق، ليبدو وكأنه خرج عن توجهها الإلهي. يغالي عابد الجابري - خصوصا - في هذا، ليجعل ~~المغرب بأسره قطعا عن المشرق، ويبدو ابن رشد بالذات وكأنه مارس في الفلسفة الإسلامية قطيعة ~~معرفية بالمفهوم الأتم، المطروح في ms063 # الفصل الثاني ~~. ولم يصعب على باحث مدقق إثبات أن هذا ~~الزعم ليس له نصيب من الصحة، ولا يستند إلا على تعسفات من الجابري، وأن نقد ابن رشد لقياس ~~الشاهد على الغائب والتزامه بمنهج برهاني، لا يعني قطعا معرفيا مع المشرق، لا في المنهج ولا ~~في المذهب ولا على صعيد المفاهيم والإنتاج المعرفي، وأن ابن رشد في النهاية تعامل مع الشريعة ~~من نفس الموقع الذي تعامل به فلاسفة المشرق معها، حتى أقر طريقتهم في اعتبار ما في الشريعة ~~على أنه مثالات لما في الفلسفة، مكررا ظاهرة التقسيم المشرقي للناس إلى عامة وخاصة، ~~والشريعة إلى ظاهر وباطن. # 32 # وفضلا عن القطع، يصر الجابري إصرارا غريبا على نفي وإهدار الأصول المشرقية للفلسفة ~~المغربية مستندا على مناقضة فلسفة المشرق البيانية ثم العرفانية # 33 # لفلسفة المغرب البرهانية، هذا على أساس أن فلسفة المشرق نشأت امتدادا لعلم الكلام ~~فظلت بيانية عرفانية، أما فلسفة المغرب فنشأت امتدادا للمنطق والرياضيات فكانت برهانية، أعلى ~~درجة. # ولست أرى في هذا شوفونية كما رأى محمود أمين العالم وعلي حرب؛ لأن علم الكلام ليس وصمة ~~والتبرؤ منه ليس زهوا، إلا إذا كان هذا تبتلا للنموذج الأوروبي. إن الكلام فلسفة خصبة ~~زاخرة متميزة بحضارة ومميزة لها، وأطروحة الجابري لا تنطوي على شوفونية مغربية بقدر ما تنطوي ~~على مغالطة صريحة؛ فعلم الكلام أصل فلسفة المشرق التي هي بدورها أصل - بل مادة - فلسفة المغرب؛ ~~أي إن الكلام الأصل الأصيل والتربة الخصيبة للفلسفة الإسلامية بأسرها، وهذه الأخيرة - أي ~~المغربية - امتداد عادي جدا وتطور طبيعي لفلسفة المشرق، وما كانت - بداهة - لتقوم البتة ~~بدونها. # أما المنطق والرياضيات والمناقضات لعلم الكلام المشرقي مناقضة البرهان للبيان؛ فهما محض ~~نبتة مشرقية. صحيح أن الأندلس؛ وخصوصا قرطبة موطن ابن رشد - بعد أن خبت جذوة الإبداع في ~~المشرق - كادت أن تنفرد فيهما بالميدان إبان القرن السادس، قرن ابن رشد، وأن تنجب أكثر من نصف ~~مناطقة القرن ورياضييه، ولكن هذا بعد أن جلبتهما عزيمة الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه الحكم ~~المستنصر من بغداد ودمشق ms064 والقاهرة إلى قرطبة في صناديق - أجل في صناديق كما فصلت في بحث أو ~~بحثين سابقين لي - وكانت بغداد لا سواها هي التي قدمت ذروة العطاء العربي في الرياضيات، وعن ~~طريق قرطبة وسواها انتقل هذا العطاء إلى حركة العلم الحديث. # 34 # إننا لا نخوض في تناحر بين مشرق الفلسفة الإسلامية ومغربها، بل على العكس تماما، نصر على ~~إلغاء مزاعمه. ولا شك أن ابن رشد «جزء من خطاب عقلاني واقعي نقدي تميز به الفكر العربي ~~الإسلامي في المغرب والأندلس على عهد الموحدين.» # 35 # لكن لم يعن هذا نقصا لفلسفة المشرق، فما زال التوجه الإلهي يحكم الفلسفة ~~الإسلامية حيثما حلت في أرجاء العصر الوسيط، وسيظل الوحي مركزها حيثما ارتحلت في أي عصر وفي ~~أي مكان. وليس يمثل ابن رشد قطيعة معرفية بالمعنى الكامل الذي - رأيناه - يستوجب الجدة ~~والإبداع، وليس مجرد التطوير والتنقيح ... بله العود. # فقد «رفض ابن رشد ما أنجزه فلاسفة الإسلام؛ لأنه مجرد تحريف للفلسفة الحقة: الأرسطية ~~الخالصة، فخلطوها تارة بالأفلاطونية وتارة بالشريعة في عملية تأويل وجمع مفتعلين؛ أي رفض ابن ~~رشد القراءة الإسلامية للفلسفة الأرسطية، فقرر إنشاء خطاب خارج الخطاب الفلسفي الإسلامي المعهود.» # 36 # وعلى مذبح المعلم الأول لم يتردد ابن رشد في نحر كل غث وسمين رعته فلسفة المشرق، ~~إن كان يحمل أدنى شرك بالأرسطية. فلاسفة المشرق كرسوا أرسطو لهم كيفما شاءوا، أما ابن رشد فقد ~~تكرس له، هم استخدموه وهو خدمه؛ إنه الشارح الأكبر للفلسفة الأرسطية، خصوصا بعد أن فصلها ~~عن الحقيقة الدينية. # في الطبيعيات كان هجوم ابن رشد المضري على الفيض؛ لأن أرسطو لم يقل به، ورفض طبيعيات ~~المتكلمين والفلاسفة على السواء. الأولى - الكلامية - رفضها لأنها جدلية وليست برهانية أرسطية؛ ~~والثانية - الحكمة الطبيعية - وإن كانت أرسطية، فقد رفضها لأنها ليست خالصة في هذا بما ~~يكفي. # ثم شيد خطابه العقلاني، حتى كان محور النقد عنده كون الحجة تقصر عن «رتبة اليقين والبرهان». # 37 # أو أنها ليست بمفيدة نوعا من أنواع اليقين؛ أي جدلية خطابية، # 38 # وهذا مبرر كاف لرفضها، ms065 فهو لا يقبل بديلا عن البرهان. بدأ بنظرية في المعرفة تقوم ~~على الارتفاع من المحسوسات إلى المعقولات، يقر بالأولى ويثق في الثانية - تماما كأرسطو - ~~أما الوجود فزمانه أرسطي خالص أبدي أزلي، والعالم الطبيعي هكذا قديم أزلي أبدي، لكنه مخلوق أو ~~مفعول أو مصنوع، ولا يستغني عن صانعه مثلما يستغني البيت عن البناء بعد اكتماله، بينما الفاعل ~~الإلهي أشرف وأدخل في باب الفاعلية؛ لأنه يوجد ذلك المفعول ويحفظه باستمرار. # 39 # هكذا العالم في خلق مستمر - نفس المعول الكلامي لتدميره - لكنه بلا بداية ولا نهاية ~~ولا يجوز عليه العدم؛ إذ «لا نستطيع أن نتصور الإله الكامل معطلا عن فعله، وهو إيجاد العالم.» # 40 # ويذكرنا هذا بقول هيجل إن الله بدون العالم لا يعود هو الله. # 41 # الله هو الفاعل المطلق، أما الفاعل المقيد فهو العلل، ومنها إلى المعلولات أو المفعولات، أو ~~العالم الذي يخضع للضرورة والحتمية. # العلية شاملة صارمة، ولا بد وأن تتوقف سلسلة العلل عند علة أولى هي المحرك الأول ~~الأرسطي أو رب الإسلام. هكذا لا يكون الله فاعلا بالطبع، بل عن طريق العلل؛ لأنه أشرف ~~الموجودات وموهبها الوجود، فكيف يكون فاعلا مثلها ؟! الفعل الإلهي ليس مباشرا، بل يسري عن طريق ~~العلل الطبيعية التي أودعها الله قوة التغيير، إنه سريان العلة، فهي قوة طبيعية في الأجسام. ~~فكان ابن رشد من أصحاب الطبائع، أقر بفعل الطبع والطبيعة مستقلا عن الله، وكما هو معروف ~~شن هجومه الضاري على الأشاعرة والغزالي لرفضهم العلية والطبائع والضرورة، فالأشياء عند ابن ~~رشد - كما عند أرسطو - لها خصائصها الذاتية والملازمة لوجودها، والتي تفعل طبقا لها. # هذا حسن، لكن لا يحتاج الأمر لخوض أكثر لتبيان أن العقلانية عنده مطابقة للأرسطية؛ فقد ~~كان متحمسا للعقلانية بقدر ما كان مهووسا بالأرسطية، كان إصراره المبدئي على أن أرسطو ~~الفيلسوف المطلق ولا ينطق إلا بالحق المبين. وحكمته أقصى حد يصل إليه العقل، وبالتالي هدف ~~العاقلين الخلوص للأرسطية ومحاربة كل المتغيرات المتوالية ... بهذا التصور للأرسطية التي تنفصل ~~عنه بسبعمائتين من السنين يقدم لنا ابن ms066 رشد أنضج وأبلغ تعبير من غياب التاريخ ومفهوم التقدم من ~~تراثنا وحلول القهقرى والعود إلى الوراء محله. # لقد فصل ابن رشد بين الحقيقة الإلهية والحقيقة الفلسفية، لينفرد بالأخيرة ويجعلها في واقع ~~الأمر تشكيلا للفلسفة الأرسطية، فكان أقرب فلاسفة الإسلام لمعايير الآخر الغربي، فهل لهذا ~~نصر على أنه أعلى من سواه؟ # لقد أدنت سابقا - ودائما - الرفض الآلي لإيجابيات الحضارة الغربية، وليس أرسطو منها. ~~فبوصفه المعلم «الأول» يؤكد تفريد الحضارة الغربية ومصادرها اليونانية، فتبدو وكأنها تملك في ~~صلب ذاتها حيثيات بدئها المكتمل، وفيما عدا هذا لا قيمة كبيرة لأرسطو الآن. وكما أشار د. زكي ~~نجيب محمود، الوقت الذي ينفق مع أرسطو ومنطقه ضائع سدى. وإذا كنا ننشد آفاق المستقبل ومشارف ~~القرن الحادي والعشرين، فلا مندوحة عن الاستفادة من أروع وأنبل منجزات الحضارة الغربية: ظاهرة ~~العلم الحديث. # ولما كانت التفاصيل معروفة، وخضت فيها في أكثر من بحث سابق لي، فتكفينا الآن الإشارة إلى ~~أن نشأة وتخلق ونماء العلم الحديث كان على وجه الدقة هو تخلق ونشأة ونماء التحرر من ~~الأرسطية، التي عرقلت العلم الطبيعي ألف عام أو يزيد، ولولاها لتسارعت خطاه؛ فقد كانت الأرسطية ~~تجريدا وتمثيلا لروح الحضارة الإغريقية التي دأبت على تمجيد النظر وتحقير العمل، مثلها ~~أرسطو بمنطقه القياسي العقيم، بعد أن أدت دورها التاريخي واستنفدت مقتضياتها وآذنت شمسها ~~بالغروب؛ لذلك لم تساهم الأرسطية كثيرا في تقدم البشرية. وبالنسبة للعلم الطبيعي كانت عقبة ~~كئود، دفعت برتراند رسل لتأكيد أن الله لم يبتل البشرية بالفقر ولا بالجهل ولا بالمرض، بل ~~ابتلاها بأرسطو. # شربك أرسطو العالم الطبيعي بمنظومة جهنمية من التفانين الميتافيزيقية؛ كفريق العلل الرباعي ~~المضاد والمتربص لمفهوم العلية العلمي، وعالم ما فوق فلك القمر وما تحته والمحركات والوسائط ... ~~إلخ. وبقدرة قادر هيمنت على العقول، وأولها عقل ابن رشد الذي تشبث بكل تفاصيلها، حتى إن ~~عقلانيته الشهيرة والرائعة لم تنقذه من عقيدة التنجيم ما دامت قد ترددت أصداؤها في الأرسطية. ~~الأجرام السماوية عند ابن رشد حية شريفة متنفسة، ليس لها من قوى النفس إلا ms067 العقل والشوق إلى ~~الحركة في المكان، لا تكون ولا تفسد ولا تتغير، بل هي سبب التغير. والحوادث في عالم الطبيعية ~~والإنسان مادتها مباينة لمادة الأجسام المتحركة؛ فهي ليست من العناصر الأربعة، بل عنصرا خامسا ~~هو الأثير. # 42 # ونعود إلى موضوعنا: المتجه الإلهي، لنجد الأرسطية مع ابن رشد تماما مثلما مع ابن سينا أيسر ~~السبل لتوجيه الطبيعيات في المتجه الإلهي. وبصرف النظر تماما عن حكمة الإشراق السينوية نجد ~~أن فلسفة أرسطو الطبيعية أو الفيزيقية كلها موجهة في اتجاه ميتافيزيقاه، التي يقف على قمتها ~~المحرك الأول. وما أيسر أن نستبدل به الله الواحد الأحد الفرد الصمد، لتتجه إليه الفلسفة ~~الطبيعية! # لكن ابن رشد أحرز خطوة تقدمية، حين انشغل بالمشكلة التي رأينا الثقافة الإسلامية - حيث ~~مركزية الوحي - تفرضها؛ أي العلاقة بين الله والعالم الطبيعي. وقعت فلسفة أرسطو في مأزق عدم ~~وجود صلة أنطولوجية بين المحرك الأول والعالم، أما محرك/إله ابن رشد فقد أصبح إسلاميا، واختلف ~~عن محرك أرسطو بما يردم هذه الهوة بينه وبين العالم. فالله ينتج الوجود. إنما بصورة مختلفة عن ~~تصور المتكلمين. فقد أنتجه كما تنتج العلة معلولها، وبقدر ما يتضمن المعلول وجود العلة، يتضمن ~~العالم وجود الله. لذلك تجاوز ابن رشد أيضا ثنائية الفيض الفارابية والسينوية وجعل الله أشبه ~~بعقل العالم الساري فيه والممسك به. وكما تسري أحكام الرئيس في المدينة تسري إرادة الله في ~~العالم. وبغير الألوهية لا تصور فلسفيا للعالم، وقد اعتبر الدهريين النقيض الحقيقي ~~للفلاسفة. # وهو في «فصل المقال» يعرف الفلسفة أو الحكمة بأنها النظر في الموجودات واعتبارها من جهة ~~دلالتها على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، والعكس ~~أيضا صحيح. معرفة الصانع لا تكون إلا بالنظر في الكائنات التي خلقها، وكانت أدلة وجود الله ~~عنده: العناية والاختراع والحركة، كلها منصبة على - أو مستقاه من - العالم الطبيعي الذي يعني ~~عنده كل شيء سوى الله والأجرام السماوية. # هكذا تتبدى أمامنا الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية المغلقة، وإن كانت عقلانية ابن رشد لا ~~تجعلها مغلقة بمثل ذلك ms068 الإحكام الذي رأيناه فيما سبق ... ولكن هل يمثل هذا قطعا معرفيا؟ ~~وطبيعياته ظلت في كل حال سائرة نحو المتجه الإلهي؟! ~~••• # وأخيرا - وربما أولا - يبقى أولئك المعروفون باسم الفلاسفة الطبيعيين الذين يتحملون عبء ~~ما نسميه الآن تاريخ العلوم عند العرب. وكأننا نصادر على إبقائهم خارج مجال ~~الفلسفة/الحكمة، فضلا عن أن المتكلمين عدوهم زنادقة ملحدين. ولئن كانت أفكارهم الفلسفية غير ~~مترابطة وغير نسقية ولا ترقى للمستويات المعروضة آنفا، وهم أنفسهم نادرا ما واتتهم الجرأة على ~~أن يعتبروا أنفسهم فلاسفة، فإن المسائل الفلسفية فرضت نفسها عليهم، بحيث إن إسهامهم ~~الفلسفي جزء تكميلي لتاريخ الفلسفة، # 43 # فضلا عن تمركز دورهم في تشكيل الطبيعيات الإسلامية. # في وقت مبكر، منذ القرن الثاني، وقع رائدهم التجريبي الشهير جابر بن حيان في إسار إيمانه ~~الطاغي بحيوية الطبيعة وكل شيء فيها، بل رآها عاقلة مريدة. والكواكب قوى حية علوية تمارس ~~تأثيرها. الفرق بينها وبين الله هو دخول المادة فيها، ولعل إفراط جابر في حيوية الطبيعة ~~والتنجيم - وهو الذي يتصدر باكورة الاهتمام الإسلامي التواق بالطبيعة - هو الذي أدى إلى ~~ثبوتهما المزعج في الطبيعيات الإسلامية. # أما في القرن الرابع الهجري حين بدأ هؤلاء الطبيعيون في التمييز كفئة أو كدائرة في ~~الدوائر التي ارتسمت حول الوحي، في هذا القرن آمن بحيوية الطبيعة والتنجيم الطبيب العالم أبو ~~بكر الرازي، وكان إيمانه بالغ الحماس؛ لقبه المتكلمون بالملحد الكبير الخارج عن الروح ~~الإسلامية، والحق أنه «تبنى موقف الحرانيين تبنيا كاملا.» # 44 # وهم مدرسة ظهرت في حران انتهت إلى تجسيم الله ودخلت في إطار الصابئة، وتحمل أقوى ~~تأكيد بحياة الأجرام السماوية وتصرفها في شئون الطبيعة والحياة والبشر، وتغلغلت في التراث ~~الإسلامي. تأثر بها الكندي وإخوان الصفا - كما بدا فيما سبق - وابن سينا، وينسب إليها عابد ~~الجابري ما حملته الفلسفة المشرقية من عناصر هرمسية وغنوصية أدت إلى انتقال البيان إلى ~~العرفان. # ويكاد يكون الرازي أكمل تمثيل تلك الفلسفة الحرانية؛ أنكر مثلهم المعجزات والنبوة؛ لأن ~~الناس سواسية في إمكان الاتصال بالعالم العلوي عن طريق تطهير النفس ومفارقة المحسوسات، ms069 وقال ~~بقدمائهم الخمسة: الهيولي والصورة أو النفس، والزمان والمكان والحركة، كلها لامتناهية وكل ~~لامتناه قديم، والخلق من العدم مستحيل. الخلق حدث من اشتياق النفس إلى الهيولي. إن الرازي ~~يسخر نظرية الفيض ذات الأصول المثالية، لكن التطور النسبي لمنجزات العلوم الطبيعية في عصره ~~عموما، وعلى يديه خصوصا، مكنه من توجيه نظرية الفيض توجيها ماديا أكثر. # بصفة عامة ابتعد هؤلاء العلماء عن طريق المتكلمين، وتلمسوا طريق الفلاسفة. تولوا عن ~~فيثاغورث والفيض وساروا مع الأرسطية، وعلى الرغم من أن اهتمامهم كان بالوقائع المادية، وما ~~ينجم عنها من آثار، وعنايتهم فقط بدراسة الطبيعة وظواهرها المادية، فإنهم جميعا «جاوزوا ~~الطبيعة والعقل والنفس في أبحاثهم، وارتقوا إلى ذات الله، فجعلوه العلة الأولى أو الصانع الحكيم ~~الذي تتجلى حكمته ويتمثل إحسانه في مخلوقاته.» # 45 # نفس التوجه الإلهي ونفس الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية. # فيستهل البيروني - مثلا - مبحثا هندسيا خالصا بأنك إذا تحققت من ماهية الهندسة تعرف ~~نسبة الأجناس والكمية، ومقدار المزروع والمكيل والموزون، وما بين مركز العالم وأقصى المحسوس منه ~~... «ثم ترتقي بواسطة التدرب بها من المعالم الطبيعية إلى المعالم الإلهية.» # 46 # أيضا لا فرق. ~~••• # هكذا تحيط الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية بالطبيعيات الإسلامية من كل صوب وحدب، لتنصب في ~~المتجه الإلهي حتى انصبت جهود الطبيعيين أنفسهم فيه. لم يعق هذا حملهم للواء التجريبية طوال ~~العصور الوسطى؛ لأن بحوثهم العلمية - كما أشرت في # الفصل الثاني ~~- اتصلت بالوقائع الجزئية دون ~~القوانين الكلية، فضلا عن الأنساق العلمية. # مع هذا تجمل الإشارة إلى أن المتجه الإلهي وإن استوجب القطع المعرفي في عصرنا هذا، فإنه ~~صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في ذلك العصر، فلا هي انساقت مع مادية القبل سقراطيين ~~المتطرفة، ولا مع مادية أرسطو المعدلة إلى آخر المدى. # وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينية أيضا لم تنسق معها إلى ~~آخر المدى. فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود الموضوعي، وهذا ما لا يمكن أن ~~تفعله الفلسفة الإسلامية؛ قد تحرمه من استقلاله، أما وجوده الموضوعي فكلا؛ لأن العالم ~~الطبيعي فعل متعين للقدرة ms070 الإلهية. إن المصطلحات اليونانية تقوم فقط بدور ظاهري. # وكانت الفلسفة الإسلامية تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك ~~الطرفين المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل. لم يكن محض انتقاء بينهما أو توفيق ~~لهما مع الشريعة، بل كان خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن ~~إطارها المثالي وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ظروف العصر. ~~(3) الطبيعيات في نظرية الوجود # اتضح لنا الآن كيف أن انتقال الطبيعيات إلى دائرة يفترض أنها أعلى - أي من الكلام إلى ~~الحكمة - لم يغير من الأمر شيئا، وظلت الطبيعيات متجهة نحو الإلهيات أو مقدمة إلهية، ~~وليس هذا كل - ولا حتى أهم - ما يكشف عنه هذا الفصل. ولكي ندرك عمق الحكم: لا فرق - مما يستوجب ~~قطعا معرفيا عن كل التراث القديم - ينبغي أن نلاحظ قبلا كيف أن الطبيعيات في الحكمة ~~تكافئ نظرية الوجود في الكلام ... إنها الأنطولوجيا. # رأينا كيف انقسمت الحكمة إلى عقليات: منطق ورياضة، ثم طبيعيات محسوسة ثم إلهيات وشريعة، ~~وكأننا بإزاء تقسيم الفلسفة الذي لم يستقر إلا في القرن التاسع عشر إلى إبستمولوجيا وأنطولوجيا ~~وأكسيولوجيا، لا سيما مع ما تعنيه الإلهيات الإسلامية من نسق قيمي مهيب، وما تحمله الشريعة من ~~جهاز أخلاقي جبار. على أن أخطر ما في الأمر هو إخراج الطبيعيات تماما من الإبستمولوجيا ~~وانفصالها عن العقليات والمنطق. لقد تقوقعت تماما في قلب نظرية الوجود المتجهة إلى ~~الإلهيات. # ولا فرق. فهذا هو نفس الوضع في الكلام، انقسم أيضا إلى نظرية العلم ونظرية الوجود ثم ~~إلهيات، وإن لم يتبلور هذا إلا في مرحلة متأخرة، في مقابل الحكمة التي عرفت التقسيم منذ مرحلة ~~الافتتاح الأولى التي دشنها الكندي. وأيضا أخرج المتكلمون الطبيعيات تماما من المشكلة ~~المعرفية؛ أي من نظرية العلم التي تكافئ المنطق في الحكمة، ووضعوها في قلب مشكلة أو نظرية ~~الوجود والسؤال عن الموجود والمعلوم. والواقع أن المباحث الطبيعية في الكلام - وبالتحديد ~~مبحثا الجواهر والأعراض - صلب نظرية الوجود. # شهد علم الكلام مصنفين هامين مخصصين لمبحث الجواهر والأعراض؛ وهما «التذكرة لابن ms071 ~~متويه» من القدماء، و«التحقيق التام للظواهري» من المحدثين. والحق أن «التذكرة» نموذج للبحث ~~المنهجي المستقصي لموضوعه، والمحيط بأطرافه برؤية واضحة وأفكار مرتبة وعبارة مستقيمة، فيكشف عن ~~نضج واقتدار يفوق ما يتكشف في كثير من نصوص الحكمة. ولأنه أكمل عرض للطبيعيات الكلامية، فإنه ~~يحوي أوجز صياغة لنظرية الوجود. يقول ابن متويه: # اعلم أن المعلومات أجمع لا تخرج عن قسمة تتردد بين النفي والإثبات، فإما أن تكون ~~لها صفة الوجود وهو المعبر عنه بالموجود، أو أن لا تكون لها صفة الوجود، وهو المعبر عنه ~~بالمعدوم. والذي له صفة الوجود فإما أن تكون حاصلة له عن أول، أو لا عن أول، وهذه القسمة ~~كالأولى، فالذي لا أول لوجوده ليس إلا القديم وحده عز وجل، والكلام فيه وفي صفاته ينفرد ~~عن الكلام في غيره من المعلومات، فلا نجمع بينه وبينها في الذكر إعظاما له تعالى، والذي ~~لوجوده أول وهو المعبر عنه بالمحدث، وهو ينقسم إلى ما يتحيز عند الوجود، وإلى ما لا يتحيز ~~عند وجوده، فالأول وهو الجوهر والثاني هو العرض. # 47 # فتلك هي النظرة الكلامية الشاملة لمجمل الوجود، التي تحتوي حتى على العدم، أو بالمصطلحات ~~الفلسفية الحديثة : للوجود ككل أو الوجود بما هو كذلك. إنه وجود قديم أزلي أبدي أحدث وجودا هو ~~العالم، العلامة البينة عليه والتي انحلت إلى جواهر وأعراض إمعانا في أدائها لهذا البيان. ~~«ولا موجود بعد الله إلا الجواهر الجسمية وما يقوم بها من أعراض» # 48 ~~(= الطبيعيات)، ويمكن التمثيل لهذه النظرة الأنطولوجية بالشكل الآتي: # هذا الوضع للطبيعيات/الجواهر والأعراض في قلب نظرية الوجود هو الذي أدى - وكان لا بد ~~وأن يؤدي - إلى جعلها طبيعيات إلهية أو متجهة نحو الإلهيات، ولا مندوحة عن هذا؛ لأننا حضارة ~~مركزها الوحي/النص. والواقع أنه لم يحدث أصلا فصل بين نظرية الوجود وبين الإلهيات في مقدمات ~~علم الكلام إلا في المصنفات المتأخرة بعد مرحلة النضج. # لذا فكثير ما يستحيل التفرقة بين الطبيعيات وبين الإلهيات بمصطلحات الكلام: التوحيد. وتحت ~~عنوان التوحيد يناقش المعتزلة حدوث العالم قبل نفي الصفات. ms072 # 49 # وها هو ديوان الأصول للنيسابوري المعتزلي يحمل عنوان «التوحيد»، في حين أن أربعة ~~أخماسه حول الطبيعيات - الجواهر والأعراض والجسم المحدث - أخيرا يتلوها باب: القول في نفي الصفات. # 50 # ومثله معظم مصنفات علم الكلام القديم. ولا غرو، فالتوحيد والعالم، أو الإلهيات ~~والطبيعيات، هما معا «الوجود»، ويظل الجواهر والأعراض - كما أوضحنا - هما صلب نظرية الوجود ~~والقطاع الأكبر منها. ~~••• # لقد كان علم الكلام يحمل إمكانيات خصبة وواعدة، أكثر من الحكمة التي انشغلت بتكييف وتعديل ~~وتطويع للفلسفة اليونانية. فقد بدأ الكلام بنظرية في العلم «تطورت من الحديث عن مضادات العلم من ~~ظن وشك وتقليد، ومصادر العلم من محسوسات وأوليات ومتواترات، إلى أن أصبحت نظرية متكاملة في ~~العلم ابتداء من القرن السادس حتى التاسع.» # 51 # وفي المؤلفات المبكرة تظهر نظرية العلم على أنها هي المقدمات النظرية دونا عن ~~نظرية الوجود المقابلة، أو بالأحرى التالية لها، «ثم اتحدت نظرية العلم ونظرية الوجود معا فيما ~~بعد، فيما يعرف بأحكام العقل الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل.» # 52 # نظرية العلم ونظرية الوجود، أو الإبستمولوجيا والأنطولوجيا، كلتاهما سائرة نحو المتجه ~~الإلهي إثباتا للعقيدة، وصلبها وجود الله الواحد الأحد الموجد من العدم، وفي إثبات هذا كما ~~أوضحنا لعب دليل الحدوث دورا رئاسيا. # وقد كان دليل الحدوث منشأ البحث في الطبيعيات، وظل دائما هيكلها، وأي دليل من حيث هو ~~دليل يلامس الإبستمولوجيا؛ فكان دليل الحدوث يلامس الكفتين: الوجود والمعرفة، ويمثل حلقة الوصل ~~بينهما. وبكل ثقله كمبتدأ بل وكموضوع لمبحث الوجود: ساهم في نزع الطبيعيات تماما من نظرية ~~العلم وإلقائها في قلب نظرية الوجود. # ترك المتكلمون الإبستمولوجيا للمشتغلين بالمنطق من أهل الحكمة، وراحت نظرية العلم في ~~الاختفاء من الكلام، ليكون البدء بنظرية الوجود بحثا في دليل الحدود، وكأن موضوع المعرفة سابق ~~على الذات العارفة وأهم منها. لقد تراجع العلم وفازت أخيرا نظرية الوجود. # لقد حمل التراث الإسلامي - خصوصا أصله الأصيل علم أصول الفقه الذي اشتغل به كل المعتزلة ~~تقريبا - كنزا مذخورا لنظرية المعرفة من مناهج بحث وأساليب استدلال وأشكال قياس، فضلا عن ~~الطرق ms073 التجريبية. لكن ظلت الطبيعيات بتقوقعها في نظرية الوجود بمنأى عن كل هذا، وانصبت في ~~المتجه الإلهي الذي حال بينها وبين أن تكون مجالا للفعالية الإنسانية، وبالتالي التغير ~~والصيرورة والنماء والتطور، فانتهى بنا المآل إلى ما نحن عليه من استيراد كامل للطبيعيات ~~وتقاناتها. # كان إقصاء الطبيعة عن نظرية العلم، والذي ساهم فيه المعتزلة والأشاعرة على السواء، هو السبب ~~والعلة والأصل؛ أما المعلول والنتيجة والأثر فهو أن أصبحت الطبيعيات إلهية، تدور في الدائرة ~~المغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس؛ لأن الوجود إثبات لله، والمعرفة إثبات ~~للإنسان. # علم الكلام وضع الطبيعة في نظرية الوجود؛ لأنه لا يريد إلا إثبات الله، وعلم الكلام ~~الجديد سوف يضع الطبيعة في نظرية المعرفة؛ لأنه يريد إثبات وجود الإنسان المسلم في خضم الحياة ~~المعاصرة. # إن الوجود صنيعة الله، والعلم صنيعة الإنسان، الوجود قديم والعلم حادث، الوجود ثابت ~~والعلم متغير، الوجود باق والعلم نام، والوجود حتم والعلم حرية، الوجود مفعول فيه والعلم ~~فاعلية، الوجود كينونة والعلم صيرورة. # وإخراج الطبيعيات من العلم، من مجال الإنسان ووضعها في مجال الألوهية، هو السبب في انفلاتها ~~من يدي المسلم المعاصر ... المعاصر لعصر أحرز فيه الآخر الغربي سيطرة على الطبيعة تجاوزت كل آفاق ~~الرؤى والأساطير. وغني عن الذكر ما نجم عن انفلات الطبيعة من ضعف وهزائم وتنازل، وتخلف ~~واستنزاف للموارد الطبيعية في استيراد عقيم وتبعية وفقر ودينونة لجلب رغيف الخبز، ثم الاستسلام ~~تلو الاستسلام. # إن السيطرة على الطبيعة قرينة بوضعها في قلب وعلى رأس المشكلة الإبستمولوجية ... نظرية ~~المعرفة. لم يكتف الآخر الغربي بهذا فوضعها في نظرية المنطق ومناهج البحث، التي هي أصلا مدخل ~~لنظرية المعرفة، فكان له ما كان. وفي مجال العلم - المجال الإنساني الخالص - ثمة معامل مشترك، ~~ما هو إنساني عام، وهو أكثر أولية ومبدئية وعمومية من الأيديولوجية؛ إنها آليات العقل العلمي، ~~وحين ننظر إلى حيث انتهى الآخر الغربي، إلى حيث يجب أن نبدأ نحن منه، نجد في مجال العلم ~~أيضا الحوار والاشتباك بين الحضارات، ونجد التحدي الحقيقي والإنجاز الذي يأتي بأقوى إثبات ms074 ~~للذات الحضارية، أصدق تحقيق للأيديولوجيا. ثمة تنافس وصراع، الانتصار فيه ... أو حتى مجرد القدرة ~~على اقتحام حلبته، هي عند الله وعند الناس خير وأبقى. # أما الوجود فهو مجال التمايز بين الحضارات، مجال الأصالة والخصوصية. لكل حضارة عالمها ~~وأنطولوجيتها، حذف الآخر الغربي الألوهية من جل توترات سؤاله الحديث عن الوجود. وخصوصية ~~حضارتنا في تميز أنطولوجيتها بآفاق الألوهية، منذ هبوط الوحي فيها. إن خصوصيتها الحضارية ~~الثمينة حقا في أنطولوجيا ذات أبعاد إلهية، إنها نظرة أنطولوجية إسلامية، من الصعب أن نتنازل ~~نحن عنها - نحن ضمير الجماعة بأيديولوجيتها المتميزة - لتظل الألوهية معلم حضارتنا ووهجها الذي ~~يشع أبعادا دفيئة، افتقادها في حضارة الآخر الغربي أصبح يستصرخ أديم الأرض. ثم تأتي العلاقة ~~بين الوجود والمعرفة لتجعل ذلك التميز الحضاري الأنطولوجي ينعكس بشكل ما في نظرية ~~المعرفة. ~~••• # الطبيعيات الكلامية إلهية أنطولوجية، ونحن نريد أن نجعلها إنسانية إبستمولوجية؛ لأن ~~إبستمولوجية الطبيعيات الآن على وجه التحديد والتعيين الشديد هي الحلبة الكبرى للفعالية ~~الإنسانية، والتغير المتوالي والتقدم المطرد. # ولن يجدينا في هذا ترقيع ولا تنقيح ولا استبدال مصطلحات بأخرى، ما دامت الطبيعة كائنة في ~~قلب نظرية الوجود، لن ينفعنا أي استئناف كان لطريق الأقدمين. # لا بد من قطيعة معرفية لطريقهم وشق طريق جديد كل الجدة، توضع فيه الطبيعيات في قلب ~~المشكلة المعرفية ... في سويداء نظرية العلم. # ولكن ... كيف؟ تلك هي المهمة المنوطة بعلم الكلام الجديد، إن أريد له أن ييمم الأبصار ~~شطر المستقبل. # الفصل الخامس # | الكلام الجديد في الطبيعيات # (1) استيعاب طبيعيات الماضي وتجاوزها إلى المستقبل # تبدى الآن بمزيد من الوضوح كيف أن الطبيعيات في علم الكلام القديم ليست البتة شيئا ~~إضافيا زائدا، أو مجرد ضميمة في اللطائف، كما هو معتمد في التأريخات الشائعة! بل إن ~~الطبيعيات هي العالم. وتواصلا مع هذا، استيعابا وتجاوزا له، لن يكون بدعا أن تصبح أكثر ~~محورية في علم الكلام الجديد السائر نحو المستقبل. # واتضح أيضا كيف يمكن الاتفاق على أن علم الكلام لا يبدأ بالذات والصفات بقدر ما يبدأ ~~بنظرية العلم، ثم نظرية الوجود. ويمكن ms075 أن يناظر هذا انتقال المعتزلة من أصل التوحيد إلى أصل ~~العدل؛ أي الذات ← الصفات = التوحيد ← العدل = نظرية المعرفة ← نظرية ~~الوجود. # وبشيء من التعيين والتوجيه القصدي نحو أطروحتنا، الطبيعيات في الكلام، وعلى سبيل التمهيد ~~لوضعيتها المستقبلية التي ننشدها في نظرية المعرفة، هل يمكن أن يناظر هذا انتقالا من عموم ~~مسئولية الإنسان عن أدوات العلم والمعرفة: # إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا # إلى مسئولية عن الشكل الجديد ~~لتآزر هذه الأدوات - الحواس والعقل - وتكاملها في أقوى وأنضج صورة؛ أي في المنهج العلمي ~~التجريبي، المنهج الفرضي الاستنباطي، بفاعليته المشهودة في تغيير وتطوير عالم الإنسان ووجوده ~~المتعين. # وكما رأينا، كلما تطور علم الكلام كان يقل اعتماده على النص، ويزداد اعتماده على ~~العقل، حتى كان تمامه في الحكمة حيث المعقول البرهاني. وشهد علم الكلام في بعض مراحله اتساعا ~~في تحليلات المعرفة والوجود، هذه التحليلات امتدت وانتشرت حتى اختفى علم الكلام، وسادت الفلسفة ~~في النهاية. كل هذه الفعالية العقلية كان من الممكن أن تسفر عن اكتشاف بين للطبيعة. # وقد أفصح هذا الاكتشاف عن نفسه في شكل اهتمام المتكلمين الفائق بالجوهر وأعراضه؛ ليكون مبحث ~~الجواهر هو بعد الطبيعة، بقدر ما كان مبحث الأعراض هو بعد الإنسان، ولئن انقسمت الأعراض ~~بدورها عند المتكلمين إلى نوعين، الأول يختص بالحياة وما يتبعها من إدراكات كالعلم والقدرة ~~والسمع والبصر، والثاني يختص بالأكوان والمحسوسات؛ أي ظواهر الطبيعة الجامدة، فإنه حتى في هذه ~~القسمة يظهر الإنسان ككائن حي مدرك، ويظهر العالم الطبيعي كموضوع مدرك له. هكذا نظفر ~~ببعدي الإنسان والطبيعة: قطبي الطبيعيات المرومين، لا سيما من حيث هي إبستمولوجية، بل ويمكن ~~أن نظفر بوجود الإنسان في الطبيعة: إن الإنسان والطبيعة هما القطبان الأساسيان للموقف ~~العلمي. # هذه العوامل التي كانت كفيلة بتأسيس الموقف العلمي، لم تكن فقاعات على السطح، وقد أظهر ~~عرضنا السابق كيف انصبت نظرية الوجود على الطبيعة، كأن التوحيد افتراض نظري تفسر على ~~أساسه الظواهر الطبيعية، أو رؤية موجهة للذهن نحو الطبيعة؛ فلا إثبات لله ولا تفكير فيه إلا بعد ms076 ~~التفكير في الطبيعة وعالمها. «وكأن الدين لا يتأسس إلا في العلم الطبيعي، وفي هذا اتفاق الكلام ~~مع الحكمة، وأيضا مع أصول الفقه والتصوف.» # 1 # من هنا تداخلت أو بالأحرى تكاملت الطبيعيات والإلهيات، فأمكننا الآن التقاط بذور واعدة من ~~تراثنا، لنحاول أن نستنبتها يقطينا أو لينة، تنمو وتعلو، لتشق تلك الدائرة المغلقة التي كانت ~~من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس. # فلولا سقوط هذه العناصر الواعدة لما غاب البعد الطبيعي للإنسان من الوجدان المسلم. مطلوب ~~الآن إحياؤها، على أن يتحول البعد الطبيعي إلى فعالية، إلى صيرورة متنامية باستمرار ... إلى ~~نضال معرفي وجهاد إبستمولوجي، يتكرس له ويتفانى فيه ويستشهد من أجله أولو العزائم والشكائم ~~حقا، العلماء في معاملهم ... في معترك كفاحهم الضاري والنبيل. ~~••• # إن الضرورة الملحة الآن إحياء وإنماء ذلك البعد الطبيعي. ويمكن الاستفادة بشيء من ~~التواصل مع المعتزلة وابن رشد وسائر الطبائعيين من أجل تجذير البعد الطبيعي في ثقافتنا، إعادة ~~الإنسان المسلم إلى الطبيعة تمهيدا لاستملاكها؛ هكذا يحقق مستقبل علم الكلام تجاوزا مثمرا ~~لماضيه الذي حمل صورة الطبيعيات المتجهة إلى الثيولوجيا المسخرة لتأكيد وجود الله الغني عن ~~العالمين، لا الإنسان الذي يحيا فيها ويصارعها ويعاني جموحاتها، حتى تمخضت الطبيعة مع الأشاعرة ~~عن جرف هار تحت قدميه، بلا قانونية ولا مشروعية ولا مصداقية للعلم بها. # بهذا الاستيعاب والتجاوز يتم تعديل وضع الطبيعيات، لتغدو من أجل الإنسان الذي يظهر من ~~خلالها مثبتا دوره في الكون، ووجود الطبيعة في عالم الإنسان وله وبه ومن أجله. هكذا يتأسس ~~الموقف السليم لممارسة فهمها وإدراك قوانينها والسيطرة عليها؛ أي إنه الوضع المبدئي لما يمكن ~~تسميته بالموقف العلمي. وبقدر ما يتأسس هذا بقدر ما تتحقق رسالة الوحي الإسلامي كخاتمة الأديان، ~~من حيث هو وحي طبيعي لا كهنوتي. إن التوحيد يصبح كما كان وكما ينبغي أن يكون: رؤية موجهة ~~للذهن نحو الطبيعة، وتتحول الطبيعة من موضوع حسي وجداني إلى موضوع عقلي علمي، ويتحقق مشروع ~~الكلام الذي وضعه لنفسه وهو يبحث في نظريتي العلم والوجود، ليصنع نهضة حضارة ويؤكد سؤدد أمة، ~~وهو ms077 المشروع الذي توقف منذ القرن الثامن. # وإذا سار علم الكلام في هذا الاتجاه لن تعود الروح العلمية غربية غريبة، مجلوبة من الخارج ~~منفصلة عن إطارنا الحضاري الذي يعد الوحي مركزه، وعلينا أن نجد فيه بواعث الموقف الطبيعي ~~وموجهات السلوك العلمي، كالتجريب ونبذ التقليد والدعوة إلى إعمال العقل والتأمل في الطبيعة ~~والسير في الأرض واكتشاف مناكبها ... ودعوة القرآن الدائمة إلى النظر في تصريف الرياح وتعاقب ~~الليل والنهار والسحب والسماء ذات النجوم والكواكب السابحة في فضاء لامتناه. # وكما أشار المجدد الديني الأكبر محمد إقبال، «كان أفلاطون وفيا لتعاليم أستاذه سقراط؛ ~~فقدح في الإدراك الحسي؛ لأن الحس في رأيه يفيد الظن ولا يفيد اليقين. وما أبعد هذا عن تعاليم ~~القرآن الذي يعد السمع والبصر أجل نعم لله على عباده.» # 2 # وإنه لأمر عظيم حقا أن يوقظ القرآن تلك الروح التجريبية في عصر كان يرفض عالم ~~المرئيات بوصفه قليل الغناء. ولا شك أن أول ما يستهدفه القرآن الكريم من هذه الملاحظة ~~التأملية التجريبية للطبيعة هو أنها تبعث في نفس الإنسان الشعور بالله الذي تعد هذه الطبيعة ~~علامة «العالم» عليه، ولكن ما ينبغي الالتفات إليه أيضا، كما يشير محمد إقبال، هو «الاتجاه ~~التجريبي العام للقرآن»؛ # 3 # مما كون في اتباعه شعورا بتقدير الواقع، جعل منهم حملة لواء المنهج العلمي ~~التجريبي في عصر سؤددهم. # بخلاف تلك الموجهات، نجد أقواها في التنزيه الذي بلغ غايته مع المعتزلة؛ إذ يرى حسن حنفي ~~في لفتة ثاقبة أن التنزيه أقوى بواعث أو موجهات الوحي للعلوم العقلية الخالصة؛ أي الرياضيات ~~والطبيعيات؛ لأن التنزيه يعني أن الله ليس موضوعا للرؤية أو العلم، إنما العلم الإسلامي ~~الشامل موضوعه كلام الله؛ أي الوحي كقصد نحو العالم وكنظام له. # 4 # العلم بذات الله مستحيل، الممكن معرفة آثاره الطبيعية والاجتماعية، المطلوب ليس ~~البحث عن رؤية الله، بل عن رؤية الطبيعة والعالم. # فلئن كان التشبيه الأشعري هو الذي ساد في تصورنا لله حتى قارب التشخيص، فإن التنزيه ~~الاعتزالي - كما يشير حنفي - هو القادر على تحويل تصورنا لله ms078 إلى مبدأ عقلاني شامل، الانتقال ~~من التشبيه إلى التنزيه هو انتقال من الله المشخص إلى الله المبدأ العقلي الشامل، الذي تتوحد ~~أمامه قوى الإنسان الفكرية والقولية والعلمية والوجدانية. وما رآه خصوم التنزيه من «تعطيل» هو ~~في الواقع إيجابية لصالح العلم؛ لأنه يعطي العالم استقلالا، واستقلال ظواهر الطبيعة ضرورة ~~تمليها الروح العلمية. # 5 # إن الله واجب الوجود، قمة نظرية الوجود، وبالتنزيه يصح مثالا معرفيا، هو ~~المثل الأعلى وغاية الإنسان وموجود كتعال وتجاوز ومفارقة. # التنزيه هو التعالي، هو التقدم المستمر ورفض الصيغ الجاهزة، رفض تحويل الذات إلى موضوع، رفض ~~القطعية والمذهبية والتوقف. # 6 # كلها مثل الروح العلمية المعاصرة نجدها مكنونة في ذخائر التنزيه ... أثمن ما في ~~تراثنا وكلامنا ... فهو - أي التنزيه - بناء شعوري أكثر منه عقيدة، يمكن أن يدفع للبحث المستمر ~~عن الحقيقة القصوى وتقدم العلم. كل هذا المبلغ في تشييد الموقف العلمي الطبيعي يمكن أن يبلغه ~~علم الكلام بالتنزيه، ليحمل مستقبله كيانا يتجه نحو معرفة بلا حدود، هو الإنسان العالم، ~~الحامل الحقيقي لرسالة الوحي. # بهذه الفعالية المستقاة من موجهات الحي إلى الطبيعة ومن التنزيه يكون الفكر الديني تأصيلا ~~للفكر العلمي، ويكون الفكر العلمي نماء وتطويرا للفكر الديني، ويكون الكلام بإسقاطه الفكر ~~العلمي والبعد الطبيعي كلية ودورانه في الدائرة الأنطولوجية الثيولوجية المغلقة قد ألغى مراحل ~~من التقدم تم إحرازها. إن المهمة المنشودة من التوجه المستقبلي لعلم الكلام هي إعادة الطبيعة ~~إلى الإنسان وتأسيس موقفه الطبيعي العقلاني. ~~(2) الطبيعيات من الأيديولوجيات إلى الإبستمولوجيا، وبالعكس # إننا بكل هذا في سيرورة الوحي، الذي انبثق عنه علم كلام يمكن أن يشق طريقا مستقبليا ~~ويتحول إلى أيديولوجيا لحضارة محدثة وناهضة. وعلم الكلام الجديد بهذا يساهم من جانبه في تحقيق ~~مهمة العصر التي لخصها أستاذ الجيل زكي نجيب محمود في «أن نبحث عن طريقة يلتحم بها «علم» العصر ~~مع شريعة ديننا، فيكون لنا من الحياة الثقافية ما نريد.» # 7 # وسيظل هذا البقاء في سيرورة الوحي قائما، ليكون عنصر التواصل أكثر حضورا من عنصر ~~القطع، فيما اتفقنا على أنه تميز ms079 حضارتنا أو أيديولوجيتنا. # ولا بد الآن من استئناف الطريق إلى الخطوة الأبعد والأكثر حسما، إلى الموقف الإبستمولوجي ~~العلمي، حيث تسخير استطاعات المنطق الاختباري والمنهج التجريبي. # فهذا العصر الذي نحياه على مشارف القرن الحادي والعشرين لهو عصر السباق المحموم في السيطرة ~~على الطبيعة وترويضها وتطويعها وصيانتها بيئيا، وتساهم النقاط المحرزة في هذا السباق، لا في ~~انقسام الدول إلى مراكز وأطراف فسحب، بل أيضا إلى دائنة ومدينة، تابعة ومتبوعة، قاهرة ومقهورة، ~~تجلب رغيف الخبز بالديون التي هي هم بالليل وذل بالنهار، أو تستجلب الجيوش الأجنبية دفاعا عن ~~حماها المقدس. # الآن الصراع الحقيقي الذي يواجه المسلم ولا يرضى الله أبدا التقاعس عن البلاء فيه، ليس مع ~~العقائد الشعوبية أو سواها من تحديات واجهت القدامى، بل هو الصراع مع جحافل الطبيعة الضنينة ~~قهرا للجهل والفقر والعجز والعي والمرض والوباء والفيضان والجفاف والتصحر ونضوب الثروات ~~وندرة الموارد ... # في مواجهة هذه الجحافل الضارية، وفي ذلك الصراع والسباق، ينتصب مارد المنهج «العلمي» لينتج ~~أينع صور الألفة مع الطبيعة، من حيث يثمر نسق العلم ذا الإشباع الذي لا يضاهى للعقل البشري ~~ونزوعه لفهم الطبيعة وتفسيرها واستكناه أسرارها، ناهيك عن أنه يفتح ضمنا الطريق الوحيد ~~للسيطرة عليها وترويض شراستها بواسطة التقانة (التكنولوجيا) نجيبة العلم الشرعية الأثيرة ~~وربيبته المدللة، ويا لها من واسطة امتلكت فعالية لم يحلم الإنسان بمعشارها يوما ما! وما كان ~~هذا ليكون إلا لأن نسق «العلم» قد تعملق. # في كل هذا يتجلى العلم الطبيعي - كمقابل لكل صنوف الأيديولوجيات، ولأنه ليس بأيديولوجيا ~~البتة - يتجلى بوصفه المشروع الوحيد الذي ينجزه الإنسان بنجاح. مهما قيل إن الإسلام دين التقدم ~~والمدنية ... لكن المسلمين هم المتخلفون، أو أن المسيحية دين المحبة والغفران ... لكن الأوربيين ~~قراصنة استعماريون، أو أن الليبرالية للحرية والفردية والكرامة وحقوق الإنسان ... لكن ~~الأمريكيين رعاة بقر مهجنون إمبرياليون، أو أن الشيوعية هي اليوتوبيا الموعودة للكادحين ... لكن ~~أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي حفنة لصوص، أو أن القومية العربية أشد واقعية من الدم الذي ~~يسري في الشرايين ... لكن الحكام العرب كانوا خونة وعملاء ms080 ... ومهما قيل وقيل لا يجرؤ أحد البتة ~~على أن يقول: المنهج «العلمي» فعالية جبارة وآلية رائعة ... لكن العلماء كسالى خائبون! ولا حتى ~~مناقشة إخفاقات العلم والمشاكل التي عجز عن حلها. المنهج العلمي بلا ريب هكذا: فعالية جبارة ~~وآلية رائعة، لكن لأنه جعل العلماء يضطلعون بمشروعهم اضطلاعا لا يدانيه الملام ولا العتاب، ~~لا من بين أيديهم ولا من خلفهم ... وهل يدانيهم سوى الإعجاب والانبهار؟ لذلك التطابق بين الواقع ~~والمثال، بل لذلك الواقع العلمي الذي يحطم المثال تلو المثال، باحثا دوما عن مثال أعلى، عن ~~تقدم أبعد ... لذلك النجاح الذي لم يعرف الإنسان له مثيلا. ~~••• # مصطلح «علم» هنا يختلف من أي ورود سابق للفظة العلم، فالمقصود مصطلح # Science # المصوغ في عشرينيات القرن التاسع عشر، والذي لم نضع ~~له مقابلا في لغتنا العربية، لا من حيث هو أشرف ولا أحط من «علومنا» النقلية أو العقلية، ~~ولكن من حيث أن مصطلح «علم» لدينا عريق جدا واسع وفضفاض، فهو كل إدراك لعلائم الأشياء ~~وسيمائها، كل جهد نظامي ونشاط عقلي، فضلا عن تشبعه بشحنات تبجيلية وعاطفية، أما مصطلح # Science # فقد وضع أولا من أجل العلوم الطبيعية ~~(الفيزيوكيماوية) بمناهجها التجريبية الصارمة ولغتها الرياضية المحكمة، ثم امتد ليشمل علوما ~~أخرى، حيوية ثم إنسانية، استطاعت أن تحذو حذوها. # فهو مصطلح صيغ للدلالة على نشاط نام حديثا في نسقية صاعدة واعدة، تجعله مختلفا عن كل ما ~~سبقه، هذا النشاط التخصصي جدا - حتى إنه هو الذي علمنا معنى التخصص - له موضوع محدد جدا ~~ومعايير ومثاليات خاصة ترسم له حدودا حاسمة، كان من الأجدى تعيينه بأي مصطلح آخر، ليكن «س» أو ~~«ص» أو «ل»، ونترك مصطلح «علم» لرحابة آفاقه في حضارتنا أو أيديولوجيتنا، ككل شامل # Science # وما سواه. # ولأنه لم يحدث مثل هذا التحديد المصطلحي في مجمل حضارتنا (في جامعة القاهرة العريقة: كلية ~~العلوم وكلية دار العلوم) يتسم مصطلح العلم لدينا بالميوعة التي تنعكس في ميوعة وضع «العلم» في ~~أيديولوجيتنا، لدرجة تستدعي الملام. # وليس المناط في الملام ولا في العتاب، فنحن بإزاء ms081 نسق «العلم» الطبيعي الذي يتعملق في ~~متوالية. لقد تعاظم شأن مشروعه، وتعقدت آلياته التخصصية ومناهجه البحثية، وترسمت شرائعه ~~ونواميسه، التي لا تقبل إلا التكرس والتبتل من كل من أراد المساهمة بنصيب في النماء والتقدم ~~المتواصل، ولم يعد من الممكن بحال اعتبار العلم # Science # مسألة فرعية، لتستوعبها الأيديولوجية ببساطة؛ فإن لم تتأهب الأيديولوجيا بقضها وقضيضها لوضعية ~~العالم الطبيعي بالذات، فإنها في هذا العصر تحكم على نفسها بالفناء وتستدعي نوعا من الانتحار ~~الجماعي البطيء في عصر أصبح شعاره - كما قيل بحق: «البقاء للأعلم.» # 8 # وإن لم تتعايش الأيديولوجيا بجذور وأصول وعمق وهم حقيقي مع التقدم العلمي ~~المتسارع واكتفت باستيراد واستهلاك منتجاته في دوامة لا تحمل إلا الهلاك لموارد الدخل القومي، ~~فلن يعني هذا في النهاية إلا التخلف عن العالمين والسقوط من ركب التقدم، ومعدلات التنمية ~~المنخفضة، لنتسول رغيف الخبز ودواء المرضى ووسيلة الاتصال ... من الدول أو من الأيديولوجيا التي ~~لا تعرف قصورا في النظرة العلمية، وترعرع في أفيائها المنهج الحديث، أو بالأحرى ترعرع تقدمها ~~في أفياء المنهج العلمي. ~~••• # إننا الآن بصدد قضية محورية هي تحديد علاقة الأيديولوجيا بالعلم، وناهيك عن تحقيق العلاقة ~~المثمرة بينها وبين العلم الحديث والمنهج العلمي، وهي ليست قضية بسيطة أو تقبل طرحا مباشرا، ~~فلئن كان ضروريا أن تتأهب الأيديولوجيا دوما للواقع العلمي المتسارع، فإن الأيديولوجيا ~~ذاتها ليست علما ولن تكون، ولعل الانهيار المدوي للأيديولوجيا الماركسية بعد أن أسرفت في ~~التمسح بالمسوح العلمية خير شاهد. # أما ونحن نتحدث عن العلم كما يتمثل في نموذج العلم الطبيعي، فإن هذا يبلور إلى أي حد ~~تقف النظرة العلمية موقف الضد الصريح للنظرة الأيديولوجية، من حيث أن هذه الأخيرة هي التي ~~تؤدي إلى التباين الشديد في الآراء، وتجعل نفس الموضوع يراه الناس بطرق مختلفة جدا، # 9 # بينما النظرة العلمية تقف في موضوعها على المعامل المشترك بين الذوات أجمعين، ~~وتطرحه بصورة يتفق عليها جميع راصديه، وإلا لما كان طرحا علميا أصلا، فضلا عن أن ~~الأيديولوجيا، كما أوضح # الفصل الأول ~~، تتضافر مع اليوتوبيا وتصور ما ms082 ~~ينبغي أن يكون. والحالة الذهنية تكون يوتوبية أو طوباوية حين تتعارض مع الأمر الواقع الذي تحدث فيه. # 10 # بينما العلم ينصب فقط على الواقع، وليس له الحق إطلاقا في تجاوزه. # وإن كان العلم بالطبع يخرج بنتائج وفعاليات تفيد، بل هي ضرورة في تحقيق ما ينبغي أن يكون ~~من طوباويات الأيديولوجيات. # كل طوبي في عالمنا النامي أو المتخلف الفقير، كل أيديولوجيا تنويرية له، تكون طوبى ونهوض ~~بقدر ما تلتحم بالحلم العلمي التقاني. # التقانة (التكنولوجيا) بلا جدال نتيجة العلم البحت، وترتبط به ارتباط الثمرة بجذع الشجرة، ~~لكن اللافت حقا أن العقود الأخيرة شهدت تمايزا وشيئا من الانفصال بين نشاط البحث العلمي ~~وبين نشاط التطوير التقاني، وبينما يظل العلم البحت فوق كل خصوصيات أيديولوجية، يمكن أن تترك ~~هذه الخصوصيات بصماتها على أنشطة التطوير التقاني، ولا رؤية - أو رؤيا - مستقبلية دون المساهمة ~~في الاثنين معا؛ العلم والتقانة، ومن منا لا يحلم بغد نساهم فيه بنصيبنا في البحث العلمي، ~~لتنساب نواتجه التقانية في ربوعنا، عاملة على تحقيق أهدافنا. # وحينما يأتينا هذا الغد العلمي السعيد، مثلما أتى للصين أو الهند أو حتى للبرازيل، ونرى ~~قلاعنا التقانية (التكنولوجية) تدور رحاها ليلا ونهارا من أجل تحقيق أهدافنا الأيديولوجية، ~~يمكن أن يحدث العكس، وتترك خصوصياتنا بصماتها على أهداف التقانة، أو مسار تطويرها. «فالقوتان ~~الحاكمتان للنشاط التكنولوجي اليوم هما الربح الفردي والنشاط العسكري، وكلاهما مشكوك في ~~صلاحيته لتحديد هذا المسار.» # 11 # فهل يمكن في مستقبلنا المأمول أن تحكم أيديولوجيتنا التطور التقاني بناء على قيم ~~التوحيد وعمران الأرض واستخلاف الإنسان. # يبدو أن هذا الحديث سابق لأوانه، ففي دراسة عن «هدر الإمكانية» كان هدف تحقيق «تحرير ~~تقني» عربي بحلول عام 2000 أدنى نسبة لاحتمالات التحقيق من بين ثلاثة عشر هدفا مختلفا. # 12 # أليس يدعونا هذا إلى تكثيف الجهد للحاق بمسيرة الطبيعيات المعاصرة، علومها ~~وتقاناتها على السواء، التي أصبحت ذات مردود وعائد يجعلها أهم مصادر الدخل القومي للدول الغنية ~~المتقدمة، التي تعاني مشكلة الفائض في ميزان المدفوعات، مثل اليابان وألمانيا وكندا؟! ~~••• # إن خدمة ms083 العلم الطبيعي للمشروع الأيديولوجي كما تتمثل في نتائجه وتطبيقاته - أي التقانة - ~~تتمثل أيضا وقبلا في أصله ومنطلقه، هيكله وعماده - أي المنهج العلمي. # المنهج «العلمي» # Scientific # هو البعد الغائب المفتقد حقا ~~في أيديولوجيتنا ... في ثقافتنا وطرائق تفكيرنا وعوائد سلوكنا وسمات شخصيتنا القومية، بل وحتى ~~سمات شريحة الإنتلجنسيا فينا. # واحتياجنا لعلم كلام جديد هو عينه احتياجنا لأيديولوجيا ثورية تهيئ لخلق إنسان عربي مسلم ~~جديد. أهم مهامها توطين المنهج العلمي في حس الجماعة بأن تزرعه في ثقافتنا وتجذره في ~~تربتنا، لنتمرس على مواجهة الواقع الصلب العنيد الذي يتأبى علينا ونفشل في تطويعه، فنستورد ~~دائما حلولا لمشاكله، في استنزاف للموارد وتعويق للنماء والتقدم، والمطلوب الخروج بالمنهج ~~العلمي إلى الآفاق الأيديولوجية، فلا يقتصر على المنظور الترانسندانتالي المتعالي للثقافة ~~كموضوع للحوار بين صفوة المثقفين أو أبحاث بعض المتخصصين، بل تشريب المواطن بآفاق المنهج ليغذو ~~أسلوبنا في الإنشاء وفي الإدارة، في التخطيط والتنمية، في الإنتاج وفي الاستهلاك، في مواجهة ~~وقائع الحياة اليومية. # فليس منهاج العلوم الطبيعية - أي المنهج الفرضي الاستنباطي - إلا تجسيدا لطريقة التفكير ~~المثمرة السديدة، للعقل حين ينطلق بمجمل طاقته لوضع الفروض العلمية، لكنها دونا عن كل انطلاقات ~~العقل ملتزمة بمعطيات الواقع، ما تنبئ به التجربة، لتتعدل الفروض أو تقبل أو ترفض وفقا له، ~~فالتجربة اختبار للفرض، ناقد قاس لا يعرف الرحمة في تعيينه لمواضع الخطأ والقصور، قاض حاتم ~~ذو حكم موجب النفاذ، إنها المسئولية العسيرة أمام الواقع والوقائع التي لا يقوى على الاضطلاع ~~بها إلا المنهج العلمي، فهو التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والحواس، اليد والدماغ، ~~الفكر والواقع، إنه العقلانية التجريبية. # هكذا يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، لكنه ~~ينصب في قلب البناء الحضاري ليس البتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل كبلورة للتفكير الملتزم ~~بالواقع وبالانتقال من المشكلة إلى محاولة حلها، لتعقيل السير نحو الهدف، للوسيلة التي امتلكها ~~الإنسان للسيطرة على واقعه الأولي المعاش - الطبيعة - وسبيل الظفر في خضم هذا العالم الواقعي ~~ومشكلاته، وهو لهذا يعد أكثر من ms084 ضروري، يفيد أيديولوجيتنا إلى أقصى الحدود ... أو إلى أقصى آفاق ~~المستقبل. # لا تجديد مغنيا للتراث، لا بحث فعالا عن مستقبل لعلم الكلام، لا تنوير ولا تثوير في ~~أيديولوجيتنا، إن لم يعمل هذا على إزالة العوائق التي تحول دون تسرب المنهج العلمي إلى ثقافتنا ~~وشخصيتنا القومية. أهم هذه العوائق وأخطرها وأساسها الذي يتمخض عن بقيتها هو النظرة التغريبية ~~للعلم ومنهجه، فصياغته جاءت كنتاج للحضارة الغربية، وبالتالي يتم اكتسابه على حساب أصالتنا ~~وخصوصيتنا الأيديولوجية، هذا في حين أن المنهج العلمي التجريبي أجل صيغ وتبلور في الغرب، ~~لتمثل نشأته في حضارتهم قطيعة ونقلة محورية، لكن فقط بالنظر إلى طبيعة الحقبة الأوروبية ~~السابقة، الحقبة الوسيطة التي رأت الانشغال بالمادة عارا وشنارا، وليس الأمر هكذا في الحضارة ~~الإسلامية التي كانت حاملة للواء التجريب والمنهج العلمي آنذاك. # وإذا كان الغرب قد استغل نقلته المحورية صوب التجريب أعمق وأروع استغلال، فليس يعني هذا ~~أنهم خالقوه أو محتكروه، ويخبرنا تاريخ العلم بدور العرب في خلق فصول من قصته، ودوره في خلق ~~فصول من قصتهم. # وتتقدم فلسفة العلم لتعلمنا كيف أن المنهج العلمي التجريبي مجرد تطوير وبلورة لفعالية ~~مفطورة في صلب العقل البشري من حيث هو عقل، ومن حق وواجب البشر أجمعين - ليس الغرب فحسب - ~~تسخيره واستغلاله في كل جزئية من جزئيات الواقع. # إن المنهج العلمي يحوي قيما منشودة في أيديولوجيتنا من قبيل التخطيط والتفكير الملتزم ~~والإبداع، والتنافس لحل المشاكل في تعددية الرأي والرأي الآخر، ثم الالتجاء إلى محك الواقع ~~المشترك بين الذوات أجمعين للفصل بين المتنافسين، والأهم البحث الدءوب عن الأخطاء والقصورات في ~~كل محاولة، والمجال المفتوح دوما للمحاولة أو النظرية الأقدر والأجدر والتقدم الأعلى، وبالتالي ~~الاحتمالية والنسبوية، فلا شيء مطلق أو يقيني، وليس ثمة حقيقة نهائية تتخذ مبررا لكبح انطلاق ~~العقول وفرض الوصاية على البشر. # 13 ~~••• # إذن؛ أيديولوجيتنا يمكنها، بل يجب عليها، الاستفادة من العلم الطبيعي المعاصر، ليس فقط صلب ~~مساره الناشر للضوء الكثيف، بل أيضا من طرفيه الأقصيين: المنهج والتقانة. # ولا سبيل إلى الاستفادة ما لم ms085 ندرك الإبستمولوجيا العلمية في حد ذاتها كفاعلية عقلية شقت ~~طريقها المظفر، مستقلة تماما عن الأيديولوجيا والطوباوية وما سواهما، هذا الاستقلال لهو ~~أخص خصائصها؛ حتى إن معيارها - معيار القابلية للاختبار التجريبي أو التكذيب، الذي يفرق في ~~الحديث عن العالم بين ما هو علمي وما هو لا علمي - يرسم حدودا صارمة حول القضايا العلمية التي ~~تحمل مضمونا إخباريا وقدرة تفسيرية وطاقة تنبؤية فقط عن وقائع العالم التجريبي، وهي حدود ~~يستحيل أن يتخطاها ما لم يحمل مثل هذه الوظيفة المحددة للعلم الطبيعي؛ أي لا تتخطاها مثلا ~~قضايا الدين والميتافيزيقا والفلسفة والفن والمشاريع الأيديولوجية والأخلاق المعيارية ... بعضها ~~أهم وأعلى وأكثر فعالية من العلم # 14 # لكنها ليست علما # Science ~~، فهي غير قابلة للاختبار ~~التجريبي أو التكذيب، وليس مطلوبا منها أن تقبله؛ لأنها تقوم بوظائف أخرى، وليس بوظيفة العلم ~~التي تتجسد عينيا في السيطرة على الظاهرة الطبيعية، ومعيار التكذيب شهادة الصلاحية للقيام ~~بهذه الوظيفة، إنه معيار العلوم الطبيعية، وفي نفس الوقت الخاصة المنطقية المميزة إياها، من حيث ~~إنه الإطار الضام لمجمل منطقها أو الأصل الذي ترتد إليه، أو يمكن أن نشتق منه كل قضاياها ~~المنهجية، كما أثبتت فلسفة كارل بوبر. ولأن فلسفته محض تطبيق لهذا، عد شيخ فلاسفة العلم ~~الطبيعي في القرن العشرين، إلى كل هذا الحد تفرض الإبستمولوجيا العلمية الطبيعية ~~استقلالها. # أما إذا كانت أيديولوجيا الحضارة الغربية قد اتخذت منها بشكل ما أحد مراكزها، فذلك موضوع ~~آخر، إنه اختيارهم الذي لا يلزمنا بشيء، وليس من الضروري أن نتمركز مثلهم حولها، لكن من الضروري ~~جدا جدا أن نعطيها كامل حقها، معترفين باستقلاليتها، التي تستلزم فريقا بل جيشا من ~~الباحثين يتكرس لها في حد ذاتها. # في موضع سابق كان التوقف عند الأيديولوجيا لتأخذ حقها، حين تكرس لهذا الجزء الثاني من الفصل ~~الأول، والآن دور الإبستمولوجيا العلمية وإعطائها حقها. # ومهما اختلفنا أو اتفقنا في سعة، بل هلامية تصور الأيديولوجيا، فقد اتفقنا في علم الكلام ~~بالذات؛ فلا جدال في أنه هو مناط أيديولوجيا، بوصفها حضارة تدور حول مركز الوحي، ms086 ولأن علم ~~الكلام الجديد أو أيديولوجيتنا المستقبلية لا بد أن تعطي الإبستمولوجيا العلمية حقها، كان من ~~الضروري استئناف الطريق لكي يمتد «الموقف الطبيعي» للمسلم إلى اضطلاع بفعالية حية متنامية ~~باستمرار. هذه الفعالية ... التنامي ... الصيرورة ... الحركة الديناميكية المستمرة للعلم الطبيعي، هي ~~على وجه التعيين والتحديد روح العصر التي يتوجب على طبيعيات علم الكلام الجديد استقطابها، ~~تمثلها وتمثيلها، والتي من أجلها لا بد وأن تصبح الطبيعيات مشكلة إبستمولوجية أولا ~~وأخيرا. ~~••• # فقد قيل إن العلم الطبيعي «شيء حي». # 15 # بمعنى أنه بناء صميم طبيعته الصيرورة، هو نسق متتالي التوالد والتنامي والتغير، مما ~~يعني أن منطقه منطق نظام ديناميكي، فمعياره أو خاصيته المنطقية - أي القابلية للتكذيب - تعني ~~أن العلم يحمل في صلب طبيعة إمكانية التصويب إمكانية تعيين مواطن الكذب أو الخطأ وتصحيحها، ~~الاقتراب من الأصوب والأفضل، إمكانية التقدم المستمر دائما استمرارية البحث العلمي، هذه ~~الإمكانية متوشجة في صميم البنية المنطقية للنظرية العلمية، حتى إن منطق العلم التجريبي منطق ~~تصحيح ذاتي. # لذلك ينتهي باشلار إلى أن العلم يتنكر دائما لما ينجزه من حيث دأبه على اختباره ونقده ~~وتصويبه، حتى يبلغ هذا ذروته في القطيعة المعرفية وبدء دورة جديدة؛ فالعلم لا يخرج من الجهل؛ ~~لأن الجهل ليس له بنية، العلم يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق. # 16 # هذا التصحيح الذاتي المستمر هو الذي يكفل لتواتر محاولات العلماء الإبداعية، ومحض توالي ~~بحوثهم المنهجية، يكفل لها التقدم المستمر، من حيث يفتح أمامها آفاقا أوسع، معنى هذا أنه مهما ~~أحرزت العلوم الطبيعية من تقدم، فسوف يظل إحرازها هذا يحمل في صلب ذاته إمكانية التقدم الأبعد، ~~فلا ركون ولا سكون البتة، بعبارة أخرى كل إجابة يطرحها العلم يطرح معها تساؤلات جديدة أبعد ~~مراما. # وكما يقول كلود ليفي شتراوس: «سوف تكون هناك دائما فجوة بين الإجابة التي يكون العلم ~~قادرا على إعطائها لنا وبين السؤال الجديد الذي سوف تثيره هذه الإجابة.» # 17 # من هذه الفجوة الدائمة، تنبع الجذوة الدائمة التي تجعل العالم حياة دائمة. # فلا يتوقف أبدا تقدم مسيرة العلم ms087 الطبيعي الظافرة، منذ أن انبثق مع بدايات العصر الحديث في ~~صورة نسقية، مستقلة عن سائر مكونات الأيديولوجيا، وتحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانيات ~~تناميها، وفاعلية عوامل تقدمها المطرد في طريقها ذي المعالم الواضحة. والنسقية تعني إحكام ~~المشروع العلمي، فيتركز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية صارمة، ترتد في صورة خصائص منطقية ~~دقيقة، تحدد للمشروع العلمي تخوما واضحة، مما يكفل تآزر الجهود العلمية، فيجعلها تمثل متصلا ~~صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار، ويلقي في الجوانح الثقة المدعمة بأن غده أفضل من يومه، كما كان ~~يومه أفضل من أمسه، فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم الطبيعي إضافة لرصيده، أو بالأحرى لرصيد ~~الإنسانية، لكن إضافة رأسية. # 18 # أجل! يمثل العلم الطبيعي متصلا صاعدا، دونا عن شتى مناحي الإبداع الإنساني كالفن ~~والأدب والفكر والفلسفة والأنظمة التي تحمل سيماء الأيديولوجيا التي نشأت في إطارها فتنمو ~~جميعها في صورة تراكم كمي واتساع أفقي، لا يلغي القديم فيه الجديد ولا يتجاوزه ولا يفوقه، بل ~~يقف بجواره. وأن تمثل الإنجازات المتوالية متصلا صاعدا يقترب دوما من الصواب، متجاوزا ~~مثالب الوضع السابق أو مواطن كذبه، وباحثا عن مثالب أخرى في وضعه الجديد ليتجاوزها ويقترب من ~~الأصوب، فذلك هو التعبير المنطقي عما يعرف بمقولة التقدم العلمي، التي هي عينها صلب طبيعة ~~العلم. من هنا ... ومن كل صوب وحدب شاع القول إن العلم هو التقدم . # إن التقدمية، وليس العقلانية، هي صلب طبيعة العلم؛ فهذه الأخيرة - أي العقلانية العلمية - ~~تعرضت لتغيرات عاصفة، وظل مفهومها يتبدل مع الانقلابات الثورية وأشكال القطع المعرفي التي ~~شهدها العلم الطبيعي المعاصر، حتى كادت تلك العقلانية العلمية أن تفقد مدلولها المألوف، وينصرف ~~هم جمع من فلاسفة العلم الطبيعي الآن - خصوصا بول فييرابند - في محاولة تحديد المفهوم ~~الجديد المعاصر للعقلانية العلمية. # وعبر مناقشات مقنعة وتحليلات دقيقة ينتهي لاري لوضان إلى ضرورة أن نخطو خطوة ثورية ~~انقلابية، ونجعل العقلانية متعلقة بإمكانية التقدم، بل ومتطفلة عليها، والاختيار العقلاني هو ~~الاختيار التقدمي، # 19 # فهذا ما تمليه طبيعة العلم الطبيعي. # ومهما تصاعد كفاحنا من أجل ms088 خصوصيتنا الأيديولوجية، في مواجهة الآخر الغربي، فلا مناص من ~~اعتبار العلوم الطبيعية المعاصرة هي وحدها الآن مقياس التقدم العلمي ... ذلك لأن هذه الطبيعة ~~التقدمية الدائمة تجعل مقياس العلم يوجد حيث أعلى درجة من تقدمه، أو بالأحرى من إمكانيات تقدمه ~~المتوالي ... وهذه الدرجة في الغرب. العلم الطبيعي في شرق آسيا استمرار لتقدمية العلم الذي قدر ~~له أن ينشأ في الغرب، ولئن تفوقت شرق آسيا على الحضارة الغربية في بعض أشكال التقانة والأبحاث ~~التي تهدف إلى تطوير التقاني، فإنها حتى هذه اللحظة لم تتفوق عليها في العلم البحت، وإن كان من ~~المتوقع أن يحدث هذا في المستقبل القريب. وسواء حدث أو لم يحدث، فإن العلم الطبيعي دائم ~~التقدم، في الشرق أو الغرب، في الشمال أو في الجنوب، نسق واحد ووحيد. # مرة أخرى وأخيرة نقول إنه لا علاقة له بالخصوصيات الأيديولوجية التي يمكن أن تتمثل في ~~برامج تطوير التقانة، الأمن القومي، أولوية الاهتمام بين التخصصات العلمية المختلفة ... لكن لن ~~تختلف طبيعة الضوء الموجبة/الجسيمة باختلاف الأيديولوجيات. لن تضيف فرنسا للموجات أو تدافع ~~اليابان عن الفوتونات، لن تضيف أيديولوجية الصين إحدى الجسيمات للذرة، ولن تحذف عقائد الهند ~~إحدى الترددات الإشعاعية. # تلك التقدمية المتفجرة من بين جنبات العلم الطبيعي الحديث، حيثما كان وأينما كان، هي التي ~~تجعله «شيئا حيا»، وليس البتة نظرية أنطولوجية متكاملة، بل فعالية إنسانية متنامية دوما، ~~وجهاد إبستمولوجي متواصل. كانت همزة الوصل بين الطبيعة والأنطولوجيا تكمن في الفلسفة الطبيعية. ~~وهذه الأخيرة انتهت تماما منذ أن صيغ مصطلح # Science # للدلالة ~~على ذلك النشاط المعرفي الحديث. # لقد تفجرت كل هاتيك التقدمية حين أصبحت الطبيعيات مشكلة إبستمولوجية. وبدلا من الفلسفة ~~الطبيعية، ظهرت أخيرا فلسفة العلم الطبيعي التي هي أولا وأخيرا من فلسفات الإبستمولوجيا، ~~لكنها تقوم في الأيديولوجيا بدور لا تستطيعه الفلسفة الطبيعية البائدة، وكما قيل بحق: «إن ~~فلسفة العلم هي في الآن ذاته فلسفة التحرير، ومن لا يحرر طاقاته بذاته، ولا ينفعل بواقعه، ~~ويتفاعل مع عالمه الحي، فكيف يمكنه أن يكون أكثر من هارب حضارة وحالم ms089 ثقافة» # 20 # حضارة، ثقافة ... أو أيديولوجيا. ~~(3) مستقبل الكلام في الطبيعيات المعرفية # إبستمولوجية الطبيعيات، أو الطبيعيات المعرفية، هي أثمن إيجابيات الحضارة الغربية، ~~الإيجابية المستفادة حقا منها بكل المعايير المثالية والواقعية والأيديولوجية. # وكما انتهينا في الفصل السابق، أسرف تراثنا الفلسفي - الكلام والحكمة على السواء - في جعل ~~الطبيعيات أنطولوجية، حتى بات القطع المعرفي ضروريا لكي نجعلها إبستمولوجية، وتلحق بمسيرة ~~العصر. # فهل يستطيع علم الكلام لكي يشق طريقه نحو المستقبل أن يجعل الطبيعيات مشكلة معرفية، بحيث ~~تكون إبستمولوجية الطبيعيات نابعة من تراثنا وليست مجلوبة من الغرب؟ # الاجتهاد دائما مشروع، والمحاولة ممكنة، وما دمنا في سيرورة حضارتنا بمركزها الوحي/النص ~~فثمة دائما خط استمرارية وتواصلية، ولم تكن الطبيعيات الكلامية أنطولوجية إلا لأن ~~الأنطولوجيا شاهد على الغائب، على العقائد الإلهية، وبالمثل جعل الحكماء - كما رأينا - ~~الطبيعيات متجهة نحو الإلهيات في دائرة مغلقة؛ وفي كل حال كانت الطبيعيات في نظرية الوجود، ~~كوسيلة معرفية للخوض في قضايا إلهية/عقلية. # والآن، متى بدأ الإعلان الغربي الصريح بتحويل الطبيعيات إلى قضية أو إشكالية إبستمولوجية؟ ~~كما هو معروف، بدأ هذا حين أطلق جاليليو (1564-1642) صيحته الشهيرة «كتاب الطبيعة المجيد مكتوب ~~بلغة الرياضيات». # فحين كان العلم الطبيعي الحديث يشق أولى خطواته الغضة في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم ~~يكن يتفتح كالزهر، بل كان ينبجس كالدم، وتفاصيل الصراع الدامي بينه وبين السلطة المعرفية التي ~~كانت لا تزال في يد رجال الكنيسة معروفة جيدا، وقد استمد رجال الدين سلطانهم المعرفي، فقط ~~لأنهم أقدر البشر طرا على قراءة وفهم الكتاب المقدس. # ولكي يستطيع رجال العلم احتلال مواقع معرفية، والاستقلال بنشاطهم عن الكنيسة، أصروا على ~~أنهم - هم الآخرون - أقدر البشر طرا على قراءة كتاب آخر لا يقل عن الأناجيل عظمة ودلالة على ~~قدرة الرب وبديع صنعه؛ إنه كتاب الطبيعة المجيد. فأصبح تعبير جاليليو: قراءة كتاب الطبيعة ~~«شائعا آنذاك للدلالة على نشاط العلماء» # 21 # بقدر ما هو دال على الخروج من العصور الوسطى ودورانها في الكتب المغلقة، إلى العصور ~~الحديثة وانطلاقا في عالم الطبيعة المفتوح، والقطع المعرفي مع ms090 المنهج القروسطي الأرسطي العقيم، ~~إلى المنهج التجريبي المثمر الولود. # ومما يحمل دلالة ذات مغزى لموضوعنا أن «قراءة كتاب الطبيعة المجيد» لم تكن محض لافتة ~~ظاهرية مصطنعة لمواجهة رجال الدين، بل استندت على إيمان كان لا يزال قويا، إن نجاح العلم ~~الطبيعي بلغ آنذاك ذروته في إنجلترا التي اكتمل فيها نسق الفيزياء الكلاسيكية على يد إسحاق ~~نيوتن ومواطنيه، حتى يلقب مؤرخو العلم القرن السابع عشر «بعصر انفجار العبقرية الإنجليزية». # 22 # وليس غريبا أن نجاح حركة الإصلاح الديني واكتمال تحقق البروتستانتية كان أيضا ~~في إنجلترا، وعوامل نجاح الحركتين - الفيزياء الكلاسيكية والإصلاح الديني البروتستانتي - مشترك ~~في الثورة على رجال الدين والسلطة الدينية، وليس على الدين نفسه، بل من أجل الدين، وكما أشار ~~بارومر، اعتقد بيكون مع جهابذة الجمعية الملكية - التي تضم أساطين العلوم الطبيعية - أنهم ~~يدرسون توراة الطبيعة، وأن للعلم روافد دينية جياشة تكشف قدرة الله التي تتجسم في خلائقه. غير ~~أن هذا الاعتقاد لهم يحل دون قيام بيكون بحماية العلم من تداخل اللاهوت. # 23 # وبهذا نفهم كيف أن جون راي - هو من طليعة الفيزيوكيميائيين في تلك المرحلة - قد ~~أخرج في نهاياتها (عام 1691) كتابا عنوانه: «حكمة الرب كما تتجلى في أفعال ~~الخلق» # Wisdom of God as Manifested in the Works of Creation ~~، ودع عنك الآن رجل الدين الإنجليزي وليم بالي (1743-1805) الذي أصدر في ~~مرحلة لاحقة - عام 1802 - كتابه «اللاهوت الطبيعي» معتمدا على تحليل العقل كوسيلة لإثبات ~~قضايا الإيمان، وأن الطبيعة خير موصل لله؛ فهذا تيار لاهوتي. # أما في قلب التيار العلمي وحتى نهايات القرن السابع عشر، فقد ظلت العقيدة الدينية ~~الحارة للعلماء - كما يقول باومر - تساهم في دفع حركة العلم حتى نهايات القرن السابع عشر، ~~خصوصا وأن هذه المرحلة المبكرة من تاريخ العلم الحديث سادتها فكرة القانون المفروض على ~~الطبيعة من لدن الرب، ولم يبدأ العلم في الجور على الإيمان الديني لعلماء الطبيعة إلا في القرن ~~التالي، ولم يزعزعه إلا في القرن التاسع عشر، لعل هذا بدوره قد تزعزع هو نفسه مع ms091 ثورة العلم ~~المعاصر في القرن العشرين. # فكيف فاتنا الركب إلى كل هذا الحد المزري والموجع؟! وقد كان الأحرى بنا نحن اختصار ~~مراحل من تاريخ العلم الطبيعي انشغل فيها العلم بفض نزاعه مع سلطة الكنيسة والدين؛ فالحضارة ~~الإسلامية لا تعرف أبدا ذلك الصراع الغربي بينهما الذي استعر أواره في القرن السادس ~~عشر. # وكان العلم الطبيعي في الشرق الإسلامي يسري في إطار حضارة مركزها الوحي، بهديه وتحت رعاية ~~السلطة؛ فالإسلام دين للدنيا والآخرة، للشهادة والغيب، للطبيعة والإنسان، لم تر قيمة الإنسانية ~~ما رأته القيم الكاثوليكية الغربية في الطبيعة: مجرد مصدر لكل إثم ودنس وخطيئة، لم يكن البحث في ~~الطبيعة ضد البحث في الدين. # ليس قراءة كتاب الطبيعة في مواجهة قراءة القرآن، لم يكن رجال العلم فريقا ينازع فريق رجال ~~الدين، بل كان الفقهاء أصوليين وعلماء يضعون نظرية للعلم تجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا؛ ~~لأن العلم الديني القديم كان شاملا لعلم الطبيعة والإنسان، بينما نجد علوم الطبيعة والإنسان ~~في الغرب شاملة للعلم الديني، رأينا الطبيعة عند أسلافنا هي العالم، العلامة الدالة، وليست فقط ~~الطبيعيات المادة المنفصلة عن القيمة كما هو الحال في الغرب، نشأت العلوم الطبيعية في تراثنا من ~~ثنايا التصور القيمي للعالم. # علم التوحيد؛ أي علم الكلام يضم في نفس الوقت الإلهيات والطبيعيات، بداية بالطبيعيات. قبل ~~جاليليو وراي وقرنائهما بمئات السنين رأينا أبا الهذيل العلاف والنظام وابن الهيثم ~~والبيروني وابن سينا وابن رشد ... وسائر الأسماء التي سطعت نجوما لامعة ، بل هادية في فضاء ~~الفصلين السابقين، وهي تستدل على وجود الله، وتقرأ حكمته وبديع صنعه في عقلنة الطبيعة واستكناه ~~أغوارها. # كنا الأسبق في الانتقال الجدلي من قراءة الكتاب المقدس إلى قراءة كتاب الطبيعة المجيد، ~~في تعقيل الطبيعة وتطبيع العقل، تعقيلا وتطبيعا للوحي، وللاستدلال على وجود الله ... زدناه ~~عمقا حين انشغلنا بالتقابل بين عالم الأذهان وعالم الأعيان، لكن ما جدوى الأسبقية التاريخية؟ ~~والعلم الغربي قد جعلهما - أي العقل والطبيعة - صنوين، بينهما يكشف العربي والمسلم المعاصر عن ~~عجز موئس وتخلف مشين في مجرد مواجهة ms092 الطبيعة ... ما جدواها؟ يمكن أن نبلها ونشرب ماءها إن هي لم ~~تنم نموها المشروع لينشأ فكر طبيعي في وعينا الثقافي، وبعد طبيعي علمي في ~~أيديولوجيتنا. ~~••• # أجل! تجاوز العلم الطبيعي الحديث تلك المرحلة، ولم يعد الآن - إطلاقا - مجرد قراءة لكتاب ~~الطبيعة. # العلم المعاصر هو ابتداع فروض جريئة تحكم وقائع الطبيعة وتستطيع إخضاعها استطاعة تسير في ~~تقدم غير متناه، لكن كانت تلك المرحلة الكلاسيكية جذعا متينا، انبثقت منه الأفنان المعاصرة ~~الريانة، لتنمو وتعلو وتشق أجواز الفضاء، حقيقة ومجازا. # ورأينا هذا الجذع تمتد له في تربة كلامنا جذور أعمق، حتى جعل أسلافنا من الطبيعيات دائرة ~~مغلقة من الإلهيات؛ إنه التوحيد الذي يضم الله والقيمة والعالم والإنسان في كل موحد وموحد، ~~ها هنا عنصر خصوصيتنا الأيديولوجية والتواصل الذي يستحق الدفاع عن استمراريته، شريطة أن يتقدم ~~الإنسان المسلم بمساهمة في الطبيعيات من حيث هي إشكالية معرفية. # وتلك الجذور العميقة أو الأصول لا تكفي طبعا لجعل الطبيعيات إبستمولوجية، فهي لم تحل ~~بينهم وبين وضعها في نظرية الوجود؛ المطلوب الآن استئنافها بقطع معرفي يضعها في نظرية المعرفة، ~~هذا القطع لن يلغي التواصل. أولم نر الأقدمين يجعلون الطبيعيات اللطائف، دقيق الكلام الذي هو ~~مجال العقل وحده، مقابل جليل الكلام؛ أي العقائد التي يفزع فيها إلى كتاب الله؟ [انظر الفصل الثالث: ~~الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس - الطبيعيات ... هي العالم الحادث] لا نريد ~~أكثر من هذا، أن تكون الطبيعيات مجال العقل العلمي وحده. # وإذ يستطيع علم الكلام الجديد أن يفعل هذا، فإنه يقوم بدوره فيما يختص بوضع الطبيعيات في ~~عصر تعملق العلم الطبيعي، ويكون علم الكلام بهذا قد أدى واجبه وجعل الوحي رسالة يضطلع بها ~~الإنسان. ويشد الكلام أزر العلم الإنساني، لا العلم الإلهي الغني، فينفسح المجال على مصراعيه ~~للاجتهاد الإنساني، ما دمنا نتحدث في نظرية العلم الذي هو من صنع الإنسان، وليس في نظرية ~~الوجود الذي هو من صنع الله. # وكما أوضحنا، العلم صيرورة متنامية، والوجود كينونة باقية، العلم صنيعة الإنسان دائما، ~~والوجود صنيعة الله أصلا، انشغل الكلام ms093 القديم بالعلم الإلهي؛ لأنه لا محدود، بينما العلم ~~الإنساني محدود. وحين تنفسح الحلبة للعلم الإنساني بمجمل طاقاته نتخلص من هذا التحقير للذات ~~والتسفيه لإمكانيات العقل الإنساني، وينطلق العلم الإنساني بلا حدود؛ لأن التقدم العلمي بصميم ~~خصائصه المنطقية تقدم لا محدود. # 24 # المطلوب الآن أن تكون الطبيعيات الإبستمولوجية متوشجة في بنية علم الكلام الجديد بوصفه ~~أيديولوجية حضارة تواصلية، لكنها معاصرة، وناهضة متجهة نحو المستقبل. فكيف يتم هذا بكلمة واحدة، ~~يتم بإبستمولوجية العلم الطبيعي وكيف تتولد عن أيديولوجية الدين. # مرة أخرى نجد خط التواصل في اهتمام المتكلمين المسبق بنظرية العلم، هذه قاعدة منهجية جيدة، ~~بصرف النظر عن موضوع تطبيقها، فقد رأينا اهتمامهم بنظرية العلم، وسبقها على نظرية الوجود، ~~مما يعني أن الوجود موضوع العلم هو المعلوم، وليس البتة مستقلا عن العلم. إن نظرية العلم ~~هي الأساس، ولن يصعب زرع الطبيعيات في تربتها الخصيبة (ولا ندري هل تفيد ميوعة مصطلح العلم هنا ~~أم تضر؟!) ~~••• # نظرية العلم أو السؤال كيف أعلم أو أعرف؟ لم تظهر في المؤلفات المبكرة التي كانت مجرد عرض ~~لقواعد الإيمان ومبادئ العقيدة، ثم كان ظهورها تطورا طبيعيا للإيمان، وتحويله إلى مستوى ~~النظر بفعل الحوار مع الحضارات المناهضة، فتعامل علم الكلام مع هذه الحضارات بأسلوبها واستعمل ~~مناهجها. في هذا السياق تولدت نظرية العلم وتنامت وتكاملت، فكان أن تأسست تأسيسا ~~حضاريا/أيديولوجيا. # لكن بعد أن تأسست أصبحت مقدمة ضرورية لعلم الكلام، سواء من حيث هو تاريخ فرق أو من حيث هو ~~بناء لنسق العقائد. بعض المصنفات التي تجمع بين التأريخ والبناء، كالفصل لابن حزم تبدأ بنظرية ~~العلم وتنتهي بها، ويكون العلم تطبيقا لهذه النظرية. # وبطبيعة علم الكلام ظهرت نظرية العلم في بداياتها منبثقة عن الإلهيات ومرتبطة بها، إذ ~~بدأت - كما أوضح حسن حنفي # 25 ~~- بالبحث في التقابل بين العلم الإلهي والعلم الإنساني، وشيئا فشيئا تأخذ شكلها ~~الإنساني المستقل في المؤلفات المتأخرة كنظرية في المبادئ والأحكام، ثم تكتمل نظرية العلم، ~~فتظهر مضاداته كالشك والوهم والتقليد والإلهام، فالعلم لا يتأسس إلا بعد تطوير الوعي وتطهيره ms094 من ~~معوقات العلم، بتعبير فلسفة العلم الطبيعي، بعد التصحيح الذاتي للأخطاء في البناء المعرفي ~~السابق. # وبعد رفض مضادات العلم وضع القدماء له مقياسا أو معيارا معروفا هو «مطابقة الاعتقاد ~~للواقع»، لا يختلف كثيرا عن منطق الاختبار التجريبي. العلم البسيط هو المطابقة للواقع، والعلم ~~المركب هو العلم بهذه المطابقة؛ أي العلم بالعلم، # 26 # أو نظرية المنهج وفلسفة العلم التي قيل في تعريفها إنها العلم بالعلم. العلم طبعا ~~أوسع من المطابقة مع الواقع فحسب، هو أيضا مطابقة مع العقل ليكون متسقا قائما على الأدلة، ~~ومع النفس ليكون تصورا أو تمثلا أو اعتقادا، ثم مع الواقع كي يمتنع أن يكون وهما أو خيالا، # 27 # بهذا يحمي العلم نفسه من الصورية الخالصة التي تتناقض مع المضمون الإخباري للعلوم ~~الطبيعية، أو من التجريبية الفجة التي راح زمانها ومن الوجدانية والانفعالية التي يستحيل أن ~~تضطلع بالعلم الطبيعي؛ فيكون العلم بفضل ما أسماه الأقدمون مطابقة، كيانا صوريا وماديا، ~~عقلانيا وتجريبيا. # العلم هو كل اعتقاد جازم مطابق لسبب، فيتميز عن الشك والظن؛ لأنهما ليسا جازمين، وعن الجهل؛ ~~لأنه غير مطابق، وعن التقليد؛ لأنه اعتقاد جازم مطابق، لكن لغير سبب. # 28 # وإن قيل إن العلم الطبيعي لم يعد اعتقادا جازما، بل معرفة مفتوحة للتطوير والتعديل ~~والتقدم؛ فإن هذا لم يغب بشكل ما عن بال القدماء الذين لم يروا العلم معارف بقدر ما هو بناء ~~نظري. وقد عرف بعضهم العلم بأنه حصول الشيء في العقل. وإذا كان هذا التعريف صوريا، يقوم على ~~عالم المعقولات ويغفل دور التجربة الأساسي في العلوم الطبيعية، فإن المطابقة مع الواقع جعلت ~~العلم الضروري عند القدماء هو القائم على الحس والمشاهدة، وتعني أصلا حاسة البصر، ثم امتدت حتى ~~شملت الحواس الخمس، ولم يكن اليقين الحسي يقل عن اليقين العقلي # 29 # خصوصا في المنطق الحسي الطبيعي عند الأصوليين. # ثم يظهر النظر - أولى الواجبات - القائم على الدليل الصحيح باعتباره شرط العلم، وفي وجوب ~~النظر كطريق للعلم نجد الزاوية الركينة لانطلاقة الطبيعيات الإبستمولوجية كحق وواجب على المسلم ~~المعاصر، فأولا: ms095 «النظر واجب إجماعا»، # 30 # النظر حسن في ذاته، وعدم النظر قبح في ذاته؛ لأن العلم حسن والجهل قبيح، والنظر ~~يصبح أكثر وجوبا بعد انتهاء آخر مرحلة من مراحل الوحي، باعتبار الإسلام خاتمة الرسالات ~~السماوية، وتتفاوت درجة وجوب النظر بين الإجمال والتفصيل طبقا للحاجة وللاستعدادات. # النظر الإجمالي واجب على الجميع؛ لأنه التصور العام للعالم. أما النظر التفصيلي فيتفاوت ~~من فرد إلى فرد طبقا لدرجة التفقه والقدرة على النظر. من زاوية الطبيعيات، النظر التفصيلي هو ~~النظر التخصصي، كلما ازداد الوعي اتسعت مساحة النظر التفصيلي، وزاد المتخصصون في العلوم ~~الطبيعية، المطلوب أن يتحول وجوب النظر إلى تكليف شرعي. # إن التكليف بالنظر تكليف بالعلم؛ لأن إيجاب النظر إيجاب للعلم، وكمال النظر بتوليد ~~العلم، وكلاهما مقدور للإنسان. # 31 # رأى الأشاعرة أن ارتباط النظر بالعلم مجرد عادة؛ لأن العلم كسبي إلهي، وليس بفعل النظر، ~~لكن قال المعتزلة: إن النظر يؤدي إلى العلم عن طريق التوليد، التوليد موجب للعلم إيجاب العلة ~~لمعلولها، لكن الصلة بينهما ليست آلية، بل يتولد العلم عن النظر إذا توافرت شروط التوليد، ~~ويمكن أن نجدها في منطق الكشف العلمي الحديث من ضرورة الإلمام بموقف المشكلة المطروحة للبحث ... ~~وعناصرها والجهود السابقة، ثم طرح فرض علمي لحلها وفحصه منطقيا وتجريبيا ... إلخ. # وأخيرا شهدت نظرية العلم محاولات لتحديد العلم باعتباره نظرية شاملة للنظر والعمل، وكأن ~~العلم يتأسس في العقل ويقوم على الواقع (العقل والواقع = الفرض والملاحظة). ثم تظهر مادة العلم ~~الضروري بمعنى الفطري، مثل المسلمات العقلية وبداهات العقول؛ فتظهر نظرية العلم باعتبارها نظرية ~~في العقل. العقل وسيلة العلم وآلته، والعلم نتيجته وثمرته. وتظهر الحدسيات والحسيات كجزء من ~~المعرفة الضرورية والتواتر كنموذج لها مشروط بالبداهة. # 32 # هذا العلم الضروري أو الفطري أساس معروف، أسماه الإبستمولوجيون المحدثون الحس المشترك # Common Sense # وعنوا به، وغاص كارل بوبر في أعماقه؛ حيث ~~اهتم بما أسماه النزوعات الفطرية أو الاستعدادات السيكولوجية التي قد تكون على درجة عالية من ~~الاختلاف والتعقيد يولد الكائن الحي مزودا بها، ليواجه بها الواقع التجريبي، فتتعدل وتتغير مع ms096 ~~تطور الكائن الحي. # 33 # اهتمام المتكلمين بالعلم الفطري أو الضروري يعني أن مبدأ العلم مساوق لوجود الإنسان ومطابق ~~لفطرته، ورأوا مادته في المسلمات العقلية والبداهات وأوائل العقول وشهادات الوجدان وتواتر ~~الأخبار ومجرى العادات ... كلها تستلزم إنسانا حيا ذا حس وتجربة وحدس وعقل وتواتر. # العقل ليس هو العقل الصوري فقط، بل هو الجامع للحس والوجدان والفكر والعادة والخيال، # 34 # وكلها مطلوبة في نظرية المنهج التجريبي المعاصرة، من أجل قدح زناد العقل العلمي ~~ليطرح فرضا جريئا خصيبا ... فالعلم مشروط بحياة العقل، والوجدان أحد مظاهره. الأصول الأولية أو ~~العلم الفطري، مقدمة لا تنفي، بل تثبت ضرورة الانطلاق منها إلى العلم الكسبي بالنظر ~~والاستدلالات والمشاهدة والتجربة والعادة. # في كل هذا نستوعب تراث الأقدمين ونتجاوزه، حيث كان العلم في زمانهم مزدهرا نسبيا، لكن ~~بوصفه دائرة من الدوائر التي ترسمت حول الوحي. وتعيين أوليات الإبستمولوجيا الطبيعية في نظرية ~~المعرفة - صدر المقدمات - يمكن أن يجعل العلم الطبيعي في عصرنا محورا وليس مجرد دائرة. # على العموم أصبحت نظرية العلم في آخر صورها نظرية في المنطق. وهذا ما ظهر بوضوح في الفلسفة ~~التي أصبح المنطق فيها بديلا عن نظرية العلم وسابقا على الطبيعيات والإلهيات، فهو آلة العلوم ~~كلها تكريسا لبقاء الطبيعيات في نظرية الوجود، وهذا ما حاولنا قطعه فيما سبق. # لقد بدأت نظرية العلم بذلك في الاختفاء من المؤلفات المتأخرة وعصر الشروح، وأصبح الواجب ~~الشرعي بديلا عن الواجب النظري، فاختفى النظر وبقيت الشعائر. وبدلا من إحكام النظر انشغلوا ~~بعد العقائد، هل يؤمن المؤمن بخمسين أم بعشرين عقيدة! # 35 # لقد تقلص الفكر الموضوعي وتبخرت الطبيعيات، حتى كان الاغتراب التام عن الطبيعة، ~~والانتقام منها بنفيها أو هدمها. # لعل الإمام الشيعي المعصوم أو الزعيم ... المعلم، أمير الجماعة ... كلها بدائل لنظرية العلم ~~أكدت اختفاءها، الذي تفاقم في بعض الحركات السلفية التي برزت أخيرا، لتبلور خطورة تراجع نظرية ~~العلم، وخطورة تجمد حركية التجديد وتقوقع الموروث على ذاته، حتى يستطاع إلباس الدين ثوب ~~الإرهاب وترويع الآمنين! ولله في خلقه شئون! # وفي كل هذا، ماذا عسى ms097 أن يفيد علم الكلام الجديد؟ وكيف له أن يتجه إلى المستقبل، إن لم ~~ينفض كل غبار لتراجع الطبيعيات ونظرية العلم وصيرورة التجديد، ويرم بكل ثقله على تلك ~~العناصر التي تم تعيينها - في نظرية المعرفة - ثم تطويرها، ليتشبع وعي المسلم المعاصر ~~بأصوليات المنهج العلمي كأسلوب لمواجهة العالم المعلوم، وليس فقط العالم العلامة، وبأن النظر في ~~العقائد ... علم الكلام أو علم التوحيد ... يفضي إلى الاضطلاع بإشكاليات الطبيعيات المعرفية، كحق ~~وكواجب وكشرف وكحياة ... ومن قبل ومن بعد كتحقيق لرسالة الوحي. # بهذه الخلفية الأيديولوجية يمكن أن ينهض الإنسان العربي المسلم ليلحق بعجلة التاريخ، ويجد ~~لنفسه مكانا في بانوراما المستقبل. ~~••• # لو استطاع علم الكلام أن يفعل هذا لكان حقا أيديولوجيا مستقبلية تثبت وجود الإنسان ~~المسلم. # في عصر الفيزياء التيوتونية الكلاسيكية ساد المنهج الاستقرائي، الذي يبدأ من الملاحظة ثم ~~يعممها في فرض واختبار هذا الفرض ... ولا حاجة إلى الإنسان المبدع الخلاق، حتى أكد بيكون أن ~~البحث العلمي متاح لذوي العقول المتوسطة. انهار المنهج الاستقرائي، وانهارت مثل الفيزياء ~~الكلاسيكية الآلية الحتمية، بثورة النسبية والكمومية (الكوانتم) في مطالع القرن العشرين، واتضح ~~أن المنهج التجريبي هو المنهج الفرضي الاستنباطي. # فلن يبدأ البحث العلمي إلا بفرض يبدعه ذكاء العالم، يهبط منه إلى وقائع التجريب ليختبره، ~~وتبعا لنتيجة الاختبار يقبله أو يعدله، أو يرفضه ثم يتلوه فرض آخر أنجح ... وهكذا في متوالية ~~التقدم، فليس العلم الطبيعي اكتشافا لحقائق، # 36 # بل محض سلسلة من فروض ناجحة. # وكما يقول فيرنر هيزنبرج - أبو مبدأ اللاتعين الخطير: إن أي نظرية من نظريات العلم ~~الفيزيائي ليست سوى حلقة من السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة. # ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن الطبيعة بحد ذاتها، علوم الطبيعة إذن تفترض سلفا ~~وجود الإنسان. # 37 # وإذا كان عالم نيوتن آلة ميكانيكية، تسير في مسارها المحتوم وفقا لقوانينها ~~المطردة بفعل عللها الداخلية، في مكان وزمان مطلقين، بإزاء أي مراقب في أي وضع كان، لتختفي ~~فعالية الذات الإنسانية، بل دورها ووجودها، تحقيقا لموضوعية زائفة وموهومة؛ فإن عالم النسبية ms098 ~~ليس هكذا البتة، ولا بد من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة، ولا تتأتى الملاحظة ~~أصلا في عالم الكمومية (الكوانتم) بغير فرض يبدعه العقل ويستنبط منه وقائع الملاحظة. # هكذا أدرك العلم الطبيعي المعاصر أنه نشاط إنساني بحت، وأصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق ~~من قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية، من خلال الإنسان، لا من خلال مسار الآلة الكونية ~~العظمى، فأصبح العلماء - كما أشار نيلز بور - ليسوا فقط المراقبين أو المشاهدين، بل هم أيضا ~~الممثلون والمخرجون والمؤلفون لملحمة العلم الطبيعي. فحق قول جوزيف مارجوليس: «إن العلوم ~~الفيزيائية محض مغامرة إنسانية.» # 38 # ولأن صلب هذه المغامرات وطرفيها الأقصيين المنهج والتقانة ضرورة الآن لكل أيديولوجيا نهضوية ~~مستقبلية، كانت أولى واجبات علم الكلام المتجه نحو المستقبل أن يفسح لنا الحلبة، ويلقي في ~~روعنا أو في نسيجنا العقائدي، العزائم والجسارة لخوض أمثال هذه المغامرات. ~~(4) مسك الختام # كان هذا استيعابا وتجاوزا لعلم الكلام القديم، رفضا جدليا لإسرافه في تدمير الطبيعة ~~متوهما أنه يفعل هذا لحساب الله، ولا جناح عليهم، فقد أملت مرحلتهم التاريخية ضرورة إثبات ~~العقائد الإلهية بأي سعر كان. # في مرحلتنا المعاصرة ينطلق علم الكلام الجديد من العقيدة المثبتة، كمقدمة تفضي إلى تأكيد ~~وجود الإنسان المسلم، أولا وقبل كل شيء في العالم الطبيعي الذي يحيا فيه، واستلزم هذا قطعا ~~معرفيا لطبيعيات الأقدمين، كآلية للعقل العلمي الطبيعي (الفيزيوكيماوي) وكتطور مشروع للصيرورة ~~الجدلية. # إثبات وجود الإنسان العربي المسلم في حضارة اليوم والغد، واستخلافه في الأرض في النماء ~~والعمران ... هو الهدف المحوري الذي تتآزر من أجله الجهود. # ولما كان العبء في تحقيق هذا على كاهل الكلام بوصفه مناط الأيديولوجيا الإسلامية، كان كل ~~هذا يعني أن الألوهية أفق ضروري لكي يثبت الإنسان المسلم وجوده الحضاري المتميز - لكن المعاصر ~~والمستقبلي - بتأكيد الموقف الطبيعي العلمي. # ومشروعنا هذا لشق طريق مستقبلي للطبيعيات في علم الكلام يبلغ الآن مسك ختامه وسدرة المنتهى؛ ~~حيث يحلق حول ربى الألوهية، وهي بطبيعة الحال محور علم الكلام في الماضي وفي المستقبل على ~~السواء، فطالما اعتبر الفقهاء ms099 والمتكلمون أسماء الله الحسنى مثلا عليا كي نتبارى في التحلي ~~بها، مما يفتح أمام الوعي المسلم أفقا لانهائيا، تقدما غير متناه، مشروعا لا يقبل الإنجاز ~~النهائي أبدا. # وهل من حلبة لتحقيق مثل هذا التقدم، للتباري في التحلي بالمثل العليا التي تتمثل في ~~الأسماء الحسنى، أكثر شرعية ومشروعية وأصولية من حلبة العلوم الطبيعية. # فكما تناثر في سياق الحديث السالف: العلم علم، والله العليم ... العلم حياة والله الحي ... ~~العلم ذروة من ذرى تطور الحكمة، والله الحكيم ... العلم خبرة، والله الخبير ... العلم فارس الحلبة ~~في عالم الشهادة، والله الشهيد ... العلم تبديد لظلمات الجهل، والله النور ... العلم قدرة، والله ~~القادر المقتدر القدير ... العلم هيمنة على الطبيعة، والله المهيمن ... العلم جبروت، والله الجبار ... ~~العلم إبداع وخلق لنظريات تفسيرية، والله البديع الخالق البارئ المصور ... ولاختبار تلك النظريات ~~أسرف العلم في الأجهزة المعملية التي تراقب ما لا يبصر، وترصد ما لا يسمع، وتحصي ما لا يعد، ~~والله السميع البصير الرقيب الحسيب المحصي ... # ثم يتمخض العلم عن تقاناته، وهي ضرورية لتحقيق الأمن الغذائي، والله المقيت الرزاق المنعم ~~... ولإبراء المرضى، والله الشافي ... إنها رحمة بالمجذومين والمصروعين والمعتوهين، والله الرحمن ~~الرحيم ... كل التقانات السلمية خلاص ومغفرة وتوبة من القحط والجوع والضعف والمرض والعجز والألم ~~والسأم، والله العفو الرءوف المحسن الغفور الغفار التواب ... وبالمثل تخلق تقانات العلم قوة ~~عسكرية، والله القوي ... قادرة على الردع وتأمين الحدود للعيش في سلم، والله السلام ... على الفتك ~~بالأعداء، والله المنتقم ... ليس فقط السلاح النووي؛ إذ يخلق العلم في يد أربابه أشكالا جمة، ~~كالإعلام، الإنتاج بالجملة، تخليق المواد الأولية ... إلخ ، للانتقام والسحق وإلحاق الأذى والضرر ~~بالخصوم؛ حفاظا على المصلحة والعزة القومية والتفوق الأيديولوجي ... ويا ويل الخصم الأيديولوجي ~~إن كان مجردا من العلم، عاجزا عن دفع الضر والأذى بمثله أو أقوى منه، ليس أمامه إلا الذل ~~والهوان والتبعية، والله العزيز الغني المغني القاهر، الضار النافع المعز المذل الخافض الرافع ~~القابض الباسط ... المؤخر ... المقدم. # حلق العلم الطبيعي في ربى التحلي بأسماء الله الحسنى كمثل عليا، وقد حث الفقهاء ms100 على ~~التباري في هذا ... ولكن العلم هو الذي أحرز في المباراة هاتيك الذرى السوامق التي لم يدانها أي ~~متبار سواه. هذا لأن العلم الطبيعي رؤية إنسانية موحدة للطبيعة، تطرح الموضوع بالطريقة التي ~~يتفق عليها جميع راصديه ... إنه التوحيد الحقيقي، المفضي توا إلى التوحيد الشامل صلب عقيدة ~~الإسلام. # فكيف بالله يتوانى الإنسان المسلم عن رفع هذه الراية المعاصرة الخفاقة للتوحيد/العلم ... علم ~~التوحيد ... علم الكلام المنطلق نحو المستقبل. # | ثبت المراجع # المراجع التراثية ~~(1) # ابن حزم الأندلسي: الأصول والفروع، جزءان، تحقيق د. عاطف العراقي، د. سهير أبو وافية ~~ود. إبراهيم هلال، النهضة العربية، القاهرة، 1978. ~~(2) # ابن سينا الشيخ الرئيس أبو علي: الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي، القسم ~~الثاني: الطبيعيات، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، 1957. ~~(3) # ابن سينا الشيخ الرئيس أبو علي: النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية (مختصر ~~الشفاء)، طبقة محيي الدين الكردي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1331ه. ~~(4) # ابن سينا الشيخ الرئيس أبو علي: رسائل في الحكمة والطبيعيات، مطبعة الجوائب، قسطنطينية، ~~1298ه. ~~(5) # ابن رشد (أبو الوليد): تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا، جزءان، دار المعارف، القاهرة، ~~ط3، 1981. ~~(6) # ابن متويه (الحسن): التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض، تحقيق سامي نصر لطف، د. فيصل ~~عون، دار الثقافة، القاهرة، 1975. ~~(7) # ابن الهيثم (الحسن): ثمرة الحكمة، تحقيق، د. محمد عبد الهادي أبو ريدة (بدون ناشر). ~~القاهرة، 1991. ~~(8) # أبو الريحان البيروني: استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها، تحقيق د. ~~أحمد سعيد الدمرداش، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1965. ~~(9) # الجويني (إمام الحرمين عبد الملك): لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، ~~تحقيق فوقية حسين محمود، المؤسسة العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1965. ~~(10) # النيسابوري (أبو رشيد سعيد بن محمد): في التوحيد، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة، ~~المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1969. ~~(11) # رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، أربعة أجزاء، دار صادر ببيروت، 1957. ~~(12) # رسائل العدل والتوحيد، تحقيق د. محمد عمارة، جزءان، دار الهلال، القاهرة، 1971. ~~(13) # رسائل الكندي الفلسفية: تحقيق د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، الجزء الأول، دار الفكر ~~العربي، القاهرة، 1950. # كتب عربية مؤلفة ~~(1) # د. ms101 أحمد فؤاد الأهواني: الفلسفة الإسلامية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ~~1985. ~~(2) # د. أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية: تاريخها ومشكلاتها، دار المعارف، القاهرة، ~~1988. ~~(3) # أمين الخولي: المجددون في الإسلام، سلسلة الأعمال الكاملة، الهيئة العامة للكتاب، ~~القاهرة، 1992. ~~(4) # د. أنور عبد الملك: تغيير العالم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1985. ~~(5) # جورج طرابيشي: المثقفون العرب والتراث: تحليل نفسي لعصاب جماعي، رياض الريس للنشر، لندن ~~1991. ~~(6) # د. حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة: خمسة مجلدات، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988. ~~(7) # د. حسن حنفي: التراث والتجديد، الأنجلو المصرية، القاهرة، ط3، 1987. ~~(8) # د. حسن حنفي: دراسات إسلامية، الأنجلو المصرية، القاهرة، 1981. ~~(9) # حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية، جزءان، دار الفارابي، ~~بيروت، ط6، 1988. ~~(10) # حميد إبراهيم علي: لاهوت التحرير: الدين والثورة في العالم الثالث، دار النيل، ~~الإسكندرية، ط2، 1993. ~~(11) # د. زكي نجيب محمود: حصاد السنين، دار الشروق، القاهرة، 1992. ~~(12) # د. طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة، دار ابن خلدون، بيروت، ط1، 1976. ~~(13) # د. عبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ، دار التنوير، بيروت، ط1، 1983. ~~(14) # د. عزيز العظمة: التراث بين السلطان والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1990. ~~(15) # علي حرب: الحقيقة والتأويل، دار التنوير، بيروت، 1985. ~~(16) # علي حرب: نقد النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1993. ~~(17) # د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، ط3، ~~1966. ~~(18) # علي أومليل: التراث والتجاوز، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990. ~~(19) # د. فيصل بدير عون، فكرة الطبيعة في الفلسفة الإسلامية، مكتبة الحرية الحديثة، القاهرة، ~~1980. ~~(20) # محمد إقبال: تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر، القاهرة، ط2، 1968. ~~(21) # د. محمد جابر الأنصاري: تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها، المؤسسة العربية للدراسات ~~والنشر، بيروت، 1922. ~~(22) # محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، دار الطليعة، مركز دراسات الوحدة العربية، ~~بيروت، ط1، 1984. ~~(23) # محمد عابد الجابري: إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ~~ط2، 1990. ~~(24) # محمد عابد الجابري: نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط6، 1993. ~~(25) # د. محمد عاطف العراقي: الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، دار المعارف، القاهرة، ~~1971. ~~(26) # د. محمد عاطف العراقي: النزعة العقلانية في فلسفة ابن رشد، دار المعارف، القاهرة، ~~1979. ~~(27) # د. محمد ms102 عاطف العراقي: تجديد في المذاهب الكلامية والفلسفية، دار المعارف، القاهرة، ~~1973. ~~(28) # محمد فرحات عمر: طبيعة القانون العلمي، الدار القومية، القاهرة، 1966. ~~(29) # د. نبيل علي: العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، 1994. ~~(30) # د. يمنى طريف الخولي: العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى ~~اللاحتمية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1987. ~~(31) # د. يمنى طريف الخولي: فلسفة كارل بوبر: منطق العلم ... منهج العلم، الهيئة العامة للكتاب، ~~القاهرة، 1989. ~~(32) # د. يمنى طريف الخولي: مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها، دار الثقافة، ~~القاهرة، 1990. # دراسات ~~(1) # د. أسامة الخولي: التثقيف العلمي في الوطن العربي: واقع الحاضر وتطلعات المستقبل، ~~محاضرة في منشورات معهد الكويت للأبحاث العلمية، أبريل 1984. ~~(2) # ساسين عساف: مأزق الأيديولوجيا: عناصره وانعكاساته في الفكر العربي، آليات التجاوز، ~~مجلة الفكر العربي، بيروت، ع68، 1992، ص32-36. ~~(3) # يحيى محمد: الجابري والقطيعة المزعومة بين الفكر المغربي والفكر المشرقي، مجلة الفكر ~~العربي، ع76، 1994، ص22-59. ~~(4) # د. يمنى طريف الخولي: المنهج العلمي: كيف يفيد المشروع الحضاري، مجلة القاهرة، ع12، ~~نوفمبر 1992، ص26-31. ~~(5) # د. يمنى طريف الخولي: أدلار الباثي ومدارس قرطبة في الرياضيات: انتقال الرياضيات من ~~بغداد إلى العلم الحديث، أعمال المؤتمر الدولي الثالث للحضارة الأندلسية، مركز النشر لجامعة ~~القاهرة، 1992، ص247-256. # مترجمات ~~(1) # جاستون باشلار: الفكر العلمي الجديد، ترجمة عادل العوا، منشورات وزارة الثقافة ~~والإرشاد، دمشق، 1969. ~~(2) # جاستون باشلار: تكوين العقل العلمي، ترجمة د. خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للنشر، ~~بيروت، 1982. ~~(3) # جاستون باشلار: العقلانية التطبيقية، ترجمة بسام الهاشم، دائرة الشئون الثقافية العامة، ~~بغداد، 1987. ~~(4) # ج. ج. كراوذر: صلة العلم بالمجتمع، ترجمة حسن خطاب، النهضة المصرية، القاهرة، د. ~~ت. ~~(5) # ج. دي بور: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، لجنة التأليف ~~والترجمة والنشر، القاهرة، 1938. ~~(6) # جان بول سارتر: الوجود والعدم: دراسة في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة د. عبد الرحمن ~~بدوي، دار الآداب، بيروت، 1966. ~~(7) # ريمون رؤية: نقد الأيديولوجيات المعاصرة، ترجمة د. عادل العوا، عويدات، بيروت، ~~1978. ~~(8) # فرانكلين. ل. باومر: الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، الجزء الأول، ~~الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1988. ~~(9) # فيرنر هيزنبرج: الطبيعة في الفيزياء، ترجمة د. أدهم السمان، دار طلاس، ms103 دمشق، ~~1986. ~~(10) # كارل مانهايم: الأيديولوجيا واليوتوبيا، مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة د. محمد ~~رجا الدريني، المكتبات الكويتية، 1980. ~~(11) # كلود ليفي شتراوس: الأسطورة والمعنى، ترجمة د. شاكر عبد الحميد، دائرة الشئون الثقافية ~~العامة، بغداد، 1986. ~~(12) # نيقولا ريشر: تطور المنطق العربي، ترجمة ودراسة وتعليق د. محمد مهران، دار المعارف، ~~القاهرة، 1985. ~~(13) # بول ريكور: الخيال الاجتماعي ومسألة الأيديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة منصف عبد الحق، بحث ~~منشور في المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، ع7، أكتوبر 1988. # مراجع أجنبية ~~(1) # Althusser. Louis, Politic And History, trans by Ben Brewster, London, ~~1972 ~~. ~~(2) # Collingwood R. G, The Idea of Nature, Clarendon Press, Oxford, ~~1945 ~~. ~~(3) # Crowther J. G, A short History of Science, Methuen Educational. L. T. ~~d, London, 1969 ~~. # وقد قمنا بمشاركة د. بدوي عبد الفتاح بترجمة هذا الكتاب تحت عنوان: «قصة العلم»، صدر عن ~~المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1998. وطبعة أخرى عن الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب 1999. ~~(4) # Feyerabend P. K, Against Method: Outline of Anarchistic Theory of ~~Knowledge, Redwod Burn, London, 1984 ~~. ~~(5) # Hill. D. W, The Impact And value of Science, Hutchinson, ~~london ~~. ~~(6) # Huntington S., The Clash of Civilizations, in: Foreign Affairs, 71, ~~3. Summer, 1993. pp 23-49 ~~. ~~(7) # Laudan Larry, Progress And Its Problems: Toward a Theory of Sientific Progress, Routledge & Kegan Paul, London, 1997 ~~. ~~(8) # Margolis J., Science Without Unity: Reconciling The Human And Natural ~~Sciences, Basil Blachwell, Oxford, 1987 ~~. ~~(9) Popper, Karl, Objective Knowledge: An Evolutionary Apprach, Clarendon Press, Oxford, 1978 ~~. ~~(10) # Russell, Bertrand, The Scientific Outlook, George Allan & Unuin, ~~London, 1934 ~~. # معاجم # أبو بكر الرازي، مختار الصحاح، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1905. # المقري الفيوي، المصباح المنير، المطبعة الأميرية، القاهرة 1922. # أمين الخولي (معد)، معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج4، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ~~1968. # مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، القاهرة، 1979. ms104