######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.TarikhCulumCindaCarab.Hindawi68307950 #META# Tags: science :: philosophy :: history #META# ID: 68307950 #META# Title: بحوث في تاريخ العلوم عند العرب #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تمهيد‏ # 1 - أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في قرطبة1‏ # 2 - الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي1‏ # 3 - الأبعاد المعرفية1 لكيمياء جابر بن حيان‏ # 4 - المنهج العلمي عند العالم النابغة أبي الريحان البيروني‏ # إهداء‏ # تمهيد‏ # 1 - أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في قرطبة1‏ # 2 - الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي1‏ # 3 - الأبعاد المعرفية1 لكيمياء جابر بن حيان‏ # 4 - المنهج العلمي عند العالم النابغة أبي الريحان البيروني‏ # | بحوث في تاريخ العلوم عند العرب # | بحوث في تاريخ العلوم عند العرب # تأليف # يمنى طريف الخولي # | إهداء # لأن كل سؤال عن التاريخ - تاريخ العلوم أو سواها - ينطلق من الماضي، ليصب في ~~بوتقة تفهم وتأصيل الحاضر لاستشراف المستقبل، تواصلا ... ونماء ... وتطورا ... أهدي ~~هذا العمل إلى العصفور الذي يغرد في القلب قبل السمع ... إلى ابنتي يمنى حاتم. # حبا ... وتواصلا ... ونماء ... # ي. ط. # | تمهيد # | الوعي بتاريخ العلوم ... وعند العرب # لعل أبرز معالم فلسفة العلم في الهزيع الأخير من القرن العشرين هو أنها باتت معنية ~~بتاريخ العلم، ولا تنفصل البتة عنه إن رامت تفهما حقيقيا لظاهرة العلم الحديث الذي ~~يواصل نماءه وتطوره وتعملقه إلى غير نهاية، وبالنظر إلى الحقبة السابقة من فلسفة العلم ~~التي سادتها الوضعية المنطقية، واستغرقها السؤال عن المنهج، يمكن اعتبار هذا الاهتمام ~~بتاريخ العلم بمثابة تطور ونماء معرفي لفلسفته ... # فإذا عدنا إلى القرن التاسع عشر، وجدنا العلم الكلاسيكي مزهوا بنفسه معتدا ~~بذاته إلى أقصى الحدود، ولم تنشغل فلسفته كثيرا بتاريخ العلم، ولأعني أهلوها وأهل ~~عصرها بالإجابة على السؤال: كيف بدأ العلم؟ كيف اتجه وسار؟ كيف نما وتطور حتى وصل إلى ~~تلك المرحلة؟ وكان حسبهم الافتتان برونق جلال تلك المرحلة وجبروت شموخها، هذا رغم أن العلم ~~- كما أكد كروثر # J. G. Crowther ~~- أقدم عهدا من التاريخ، ~~فكانت معطياته الأساسية أول ما تأمله الإنسان في العصر الحجري. فالتوجه العلمي متأصل في ~~صلب العقل الإنساني، حتى يعنى الأنثربولوجيون الآن بالأصول البعيدة القصية للعلم عند ~~الشعوب البدائية، أو ما أسماه برنسلاو ~~مالينوفسكي # B. Malinowski # العقلية القبل علمية. # إن فلسفة ms01 العلم قد سيطر عليها هاجس الافتتان بالنسق العلمي في حد ذاته، واعتبار تاريخه ~~مسألة ثانوية، وتوطد هذا بفعل هيلمان الوضعية المنطقية على أجواء فلسفة العلم، وحتى ~~منتصف القرن العشرين، وليس فينا من ينكر دور الوضعية المنطقية العظيم في توطيد أسس ~~النظرة الفلسفية العلمية، وتعبيد الطرق الاحترافية لفلسفة العلم، بخلاف الأفضال الجليلة في ~~مجال المنطق الرياضي. لكن الوضعية كانت فلسفة علمية تجريبية متطرفة، قصرت فلسفة العلم - ~~بل والفلسفة بأسرها - على محض تحليلات منطقية للقضايا العلمية، مجردين الفلسفة من ~~آفاقها الرحيبة وأبعادها المترامية، وشنوا حملتهم الشعواء على ربيبة الفلسفة ~~المدللة - الميتافيزيقا. فقد نزعت الوضعية إلى تجريبية مطلقة لا ترتبط بسواها، ~~ونسق علمي فوق هامات كل الأبنية الحضارية الأخرى، بل وعلى أشلائها سيما أشلاء الميتافيزيقا، ~~وأمعنت في تنزيه العلم من توجهات التفسيرات الاجتماعية والتاريخية، فأنكرت الدور الذي يلعبه ~~تاريخ العلم في تمكيننا من فهم ظاهرة العلم فهما أعمق وأشمل، وأكدت أن المعايير ~~المنطقية، وليست التاريخية هي التي تحدد فلسفة العلم. هكذا جعلت الوضعية المنطقية من فلسفة ~~العلم فلسفة لا تاريخية، تولي ظهرها لتاريخ العلم اكتفاء بالمعطى الراهن منه، ورأوا ~~أن التجربة قادرة على تفسير كل شيء حتى أنها بمثابة المعطى النهائي والبديهي، وحين ترتفع ~~التجريبية إلى مستوى بديهيات المنطق، فإنها تكاد تلامس حدود المطلق الذي يعلو على الزمان ~~والمكان ودع عنك التاريخ. كانت الوضعية المنطقية فلسفة علمية متعصبة متطرفة، مارست ~~نوعا من الإرهاب الفكري في أجواء فلسفة العلم، فمن لا يكتفي بتحليلاتهم المنطقية هو ~~المتخلف الغارق في سدم الأوهام المعيارية، أو السادر في الشطحات الميتافيزيقية. # ولئن كان كارل بوبر # K. Popper ~~(1902-1994) أهم فلاسفة ~~العلم في النصف الثاني من القرن العشرين، فإنه هو الذي حمل لواء العصيان والنقد الحاد ~~للوضعية المنطقية، مؤكدا أن فلسفة العلم ليست محض تحليلات منطقية، بل هي فلسفة الفعالية ~~الحية والهم المعرفي للإنسان، والميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض الخصيبة ~~العلم أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دوما للتكذيب والتعديل ~~والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة ms02 دورا أساسيا في رسم قصة العلم المثيرة، ~~التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم، والتقدم العلمي لا تفسره إلا الثورة، بمعنى ~~التغير الجذري لبدء دورة معرفية جديدة. # والتقط توماس كون # T. Khun ~~(1922-1996) أيقونة الثورة من ~~كارل بوبر، فأقام تفسيره لتاريخ العلم وفلسفته على أساس مفهوم الثورة، التي هي انتقال من ~~براديم Paradigm # أو نموذج قياسي إرشادي إلى آخر ... وذلك ~~في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية»، ويحمل هذا الكتاب إعلانا صريحا للربط الوثيق ~~بين فلسفة العلم وتاريخه. # ثم تكفل بتوطيد هذا الربط أخلص تلاميذ بوبر: الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش # I. Lakatos ~~(1922-1974)، فقد واصل طريق الربط ~~الوثيق بين فلسفة العلم وتاريخه، وبواسطة تعديل قول لإمانويل كانط، صاغ لاكاتوش المبدأ ~~النافذ «فلسفة العلم بدون تاريخه جوفاء، وتاريخ العلم بدون فلسفته أعمى»، ويأتي بول فيير أبند P. Feyerabend ~~(1923-1995) ليبرز أهمية النظريات ~~القابعة في تاريخ العلم وقدرتها على إخصاب الواقع العلمي الراهن، ويتكرس لتأكيد التعددية ~~المنهجية، وتأكيد النسباوية بمعنى عدم قابلية النظريات العلمية المتتالية للمقارنة والخضوع ~~لنفس المعايير والحكم عليها بنفس المقاييس. كل نظرية لها مكانها في تاريخ العلم، والحكم ~~عليها بالنسبة لظروفها وتحدياتها. # هكذا نجد كارل بوبر، وتوماس كون، وإمري لاكاتوش، وبول فيير آبند فريق عمل متكاملا، ~~يعرف باسم: الرباعي الأبستمولوجي، شكل معالم فلسفة العلم في المرحلة التالية على ~~الوضعية المنطقية؛ أي في العقود الثلاثة الأخيرة من السنين، وقد أصبحت فلسفة العلم فلسفة ~~إنسانية حية خفاقة، وليست مجرد تحليلات منطقية، لا تستغني طبعا عن رصانة المنطق، لكن ~~تتجاوزه لتصبح فلسفة أبستمولوجية «معرفية» لا تنفصل البتة عن تاريخ العلم. # فتاريخ العلم - وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات - هو التاريخ الحقيقي ~~للإنسان، وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد دوما، بل إن فلسفة العلم الآن تسير إلى ~~أبعد مما أنجزه هذا الرباعي العظيم في التأكيد على أهمية تاريخ العلم. فقد تعاظم ~~شأن العلم وتشابكت علاقاته، وأصبح أكثر شمولية للموقف الإنساني أكثر من أي منشط آخر ~~... ولا يتكشف كل هذا إلا في ضوء تطوره التاريخي عبر ms03 تفاعله مع البنيات الحضارية ~~والاجتماعية والمعرفية. ~~••• # ولئن تعلمنا من فلسفة العلم أهمية تاريخ العلوم على العموم، فباق أن نتفق على ~~أهمية تاريخ العلوم عند العرب على الخصوص. ليس فقط من أجل العوامل الذاتية القومية التي ~~تملي علينا العمل على تجذير الظاهرة العلمية وتوطينها في تربتنا، بل أيضا من أجل ~~العوامل الموضوعية الأعم، والتي تهم المعنيين بأصول ظاهرة العلم الحديث شرقا ~~وغربا. تاريخ العلوم عند العرب يشغل كل الفضاء الحضاري الممتد منذ أفول عهد العلم البطلمي ~~السكندري الذي توهج على شواطئ مصر، وحتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة، ~~وبغض النظر عن الطول الزمني لهذا الفضاء الذي تشغله العلوم عند العرب، فإن أهميتها ~~الخاصة تأتي من أنها المرحلة المفضية تاريخيا ومنطقيا إلى مرحلة العلم الغربي ~~الحديث. # وتزداد الأهمية الموضوعية والمنهجية لدراسة تاريخ العلوم عند العرب؛ لأنه حظي بنصيب ~~الأسد من التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم، وبفعل عوامل لا موضوعية ولا منهجية البتة سادت ~~ردحا من الزمن خرافة مغرضة تؤكد أن العلم ظاهرة غربية بدأت من الصفر المطلق مع ~~الإغريق، وعبر فجوة باهتة مظلمة - هي العصور الوسطى - انتقل إلى أحفادهم وورثتهم ~~الشرعيين في مراكز العلم الحديث في أوروبا. # لقد كان الإغريق أول قوم في أوروبا يخرجون من الوضع القبلي البدائي، ويصنعون مدنية ~~وثقافة متنامية قبل الميلاد بستة قرون، إنهم بداية الحضارة الأوروبية، التي تطورت عبر ~~التاريخ حتى بلغت مرحلة المد الاستعماري. فلم يتوان مفكرون غربيون في تسويغه، حتى ~~شكلوا فيلقا في الجيوش الاستعمارية، بزعم أن الغرب هو صانع الحضارة ابتداء وأبدا. ~~فيغدو السؤدد الحضاري والسيطرة على العالمين نصيب الغرب المشروع ومكانه الطبيعي، وكان ~~السبيل لهذا هو الإسراف في تمجيد ما أسموه «المعجزة» الإغريقية، وإهدار ميراث الحضارات ~~الشرقية القديمة الأسبق منها، والتي أصبحت مستعمرة. # وبينما الحضارة اختراع مصري، أنجزه الفراعنة - قبل الإغريق بألفي عام - ليكون الفجر ~~الناصع ونقطة البدء الحقيقية، راحوا يزعمون أن هذا قد انزوى، والإغريق هم بدء الحضارة ~~الإنسانية بجملتها، وليس الأوروبية فقط. فالعلم بدأ مع الإغريق كما بدأت الفلسفة مع طاليس، ms04 ~~وبدأت الرياضيات مع فيثاغورث، والميثولوجيا - الأساطير - مع هوميروس، والمسرح مع يوربيديس ~~وإسخيلوس، وبدأت الديمقراطية في أثينا ... إلخ ... إلخ. فيبدو الغرب هو الفاعل الوحيد لكل فعل ~~حضاري، المالك الوحيد لكل غنيمة حضارية، صاحب الحق في تصريف شئون الحضارة البشرية وفقا ~~لمصالحه، إذن الاستعمار والهيمنة نصيب الغرب المشروع. # ونعود إلى العلم بمفهومه الحديث، لنجد العلوم التجريبية جذعه وجسده وإنجازه الأعظم، ~~وفي هذه العكس تماما هو الصحيح. فقد بلغت مدا مبهرا في الحضارات الشرقية القديمة، ~~انحسر مع الإغريق. لقد تمركزت إنجازاتهم في العقل النظري والعلوم الاستنباطية؛ أي في ~~المنطق والرياضيات؛ لأنهم دأبوا على تمجيد النظر وتحقير العمل، حتى جاهر أرسطو بأن العبيد ~~مجرد آلات حية لخدمة السادة الأحرار المتفرغين لممارسة فضيلتي التأمل والصداقة، ثم ~~انطفأت الجذوة التي توهجت للعلم والتقانة في الإسكندرية، واستمر أثر أرسطو متكاتفا مع ~~كهنوت رجال الكنيسة، كسد أمام العلم التجريبي طوال العصور الوسطى، يئن ويستجير منه ~~الأوروبيون لا سواهم. حتى تحرروا في القرن السادس عشر من هيمنة أرسطو، وبدءوا انطلاقة العلم ~~الحديث. # هذه المرة الإهدار من نصيب دور الحضارة العربية الإسلامية التي احتلت قصب السبق في ~~العصور الوسطى. لقد انفتحت على كل الحضارات الأسبق منها، وشكلت أمة تضم قوميات ~~ومللا شتى ساهموا جميعا في إنجازاتها العلمية الهامة، فكان العرب - كما يقول مؤرخ ~~العلم كروثر - هم المؤسسون لمفهوم عالمية المعرفة، وهي إحدى السمات البالغة الأهمية ~~للعلم الحديث. # ولئن كان الإغريق قاموا بدور جوهري في بلورة مثل العقلانية والعلم، فإن السؤال هو: ~~لماذا كانت هذه المرحلة المتألقة في أيونيا، وليس في أي مكان آخر من أوروبا؟ والإجابة في ~~الموقع الجغرافي لبلاد اليونان، قربها وتوسطها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية ~~الأسبق منها. فكانت تمثلا واستيعابا لميراثها، ثم تطورا طبيعيا له؛ لأن الظروف ~~الحضارية الإغريقية كانت موائمة لهذا، ثم صنع الإسلام ظروفا حضارية مواتية لنهضة العلم ~~في مرحلته التالية التي أفضت إلى مرحلة العلم الحديث بجلال شموخها ورونق نسقها، ولئن كان ~~مبدأ أرنولد توينبي # A. Toynbee ~~(1889-1975) في دراسة ~~التاريخ هو أنه لا ms05 توجد أمة في العالم يتأتى دراسة تاريخها بمعزل عن تواريخ بقية الأمم، ~~فإنه لا يمكن دراسة مرحلة من تاريخ العلم، بمعزل عن دراسة المراحل الأخرى، والتفهم ~~المنهجي لظاهرة العلم يقتضي أن نعطي كل مرحلة حقها ؛ لأن العلم أنبل مشروع ~~ينجزه الإنسان طرا، إنه أعظم شأنا وأجل خطرا من أن تستأثر بإنجازه من ~~ألفه إلى يائه حضارة معينة، أو مرحلة واحدة من مراحل التاريخ. # ولأنه لا يصح إلا الصحيح فقد حل الوعي التاريخي بفلسفة العلم - بعد طول غياب - وانحسرت ~~- إلى حد ما - دعاوي التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم، وتنامى الاهتمام الأكاديمي به في ~~العالم أجمع، وتجري الآن محاولات منهجية دءوبة لتتبع كل مراحله وصلت إلى ~~الأصول الأنثربولوجية للعلم - كما أشرنا - مع اهتمام خاص بتاريخ العلوم عند العرب، ~~للعوامل المذكورة فيما سبق. ~~••• # في هذا الإطار تجتمع البحوث الأربعة التي تشكل متن الكتاب على الرغم من أنها ~~أجريت في أزمنة متفاوتة. المبحث الأول: عن أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في ~~قرطبة، يحاول أن يلقي ضوءا على معبر من معابر انتقال العلم العربي إلى العلم ~~الحديث في أوروبا. لم يوضع في المبتدأ كمصادرة على المطلوب، لكن لأن الرياضيات لها منزلتها ~~المنطقية المعروفة التي تجعلها مسبقة وفوق كل المباحث الإخبارية، فضلا عن أن البحث ~~يحوي بين طياته خطوطا عامة لمنهجية تأريخ العلوم من منظور مستقبلي، ولأن تاريخ العلم ~~يجري عبر تفاعله مع البنيات الحضارية والمعرفية كما ذكرنا، كان البحث التالي عن ~~الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في تراثنا، على اعتبار أن هذا هو القاعدة المعرفية التي ~~انطلقت منها العلوم عند العرب. حاول البحث أن يلقي ضوءا على عوامل تدفقها في العصر ~~الوسيط، وأيضا لماذا انحسرت وتوقفت ولم تواصل النماء والسيرورة في العصر الحديث؟ ~~وكان لا بد من لقاء حي مع علمائنا القدامى، وتخيرنا اثنين: جابر والبيروني، لا جدال في ~~تصدرهما العلم في عصرهما، وكلاهما تمثيل للطابع العالمي للعلم وحوار الحضارات وتفاعلها ~~في رسم فصوله، جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري بعقليته التي تداخلت فيها العناصر ~~الإغريقية مع ms06 السكندرية والغنوصية والهرمسية والحرانية والإسلامية ... # وفي هذا الإطار كان ما ~~أسداه للكيمياء وللمباحث الإمبيريقية، وأيضا كانت الهند رافدا دافقا غذت عقلية ~~البيروني العلمية المكينة وليس اليونان فقط، لكن بقدر ما كانت عقلية جابر مشربكة بعناصر لا ~~علمية، كانت عقلية العلم الثاني البيروني علمية على الأصالة، بحيث إن الرحلة بينهما تمثيلا ~~للطابع التقدمي للعلم # 1 # منذ البدايات الغير هينة للعلم العربي مع جابر وحتى البيروني الذي أتى في ~~قمة العصر الذهبي للحضارة الإسلامية «القرن الرابع الهجري» ليمثل أعلى مد للعقلية ~~العلمية بلغته الحضارة الإسلامية، بل إذا قارناه بأبي الفلك الحديث يوهانس كبلر لبدا ~~البيروني أكثر علمية وعقلانية ورصانة منطقية، بصرف النظر عن المحتوى المعرفي لنظريات ~~كليهما، والتي لا بد وأن تكون في صالح كبلر طبعا. لعل المقارنة الشهيرة بين كبلر وجاليليو، ~~من حيث إن الأول مدفوع بنزعات الصوفية وعبادة الشمس وما إليه، بينما الثاني علمي وعقلاني ~~على الإصالة، سوف تطرح بين جابر والبيروني. لقد بدا لنا البيروني ظاهرة فريدة في علم العصور ~~الوسطى، وأن قول إدوارد ساخاو بأنه أعظم عقلية عرفها التاريخ لم يكن عشوائيا، فاهتممنا ~~به اهتماما خاصا لنرجو اسمه الجليل مسك الختام لهذا العمل المتواضع، ونسأل الله أن نتمكن ~~من استئنافه بأبحاث تالية تتناول زوايا أخرى من هذا العالم الثري الزاخر - تاريخ العلوم عند ~~العرب، وكيف يعيننا في تفهم ظاهرة العلم الحديث. # وبالله قصد السبيل. # المبحث الأول # | أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في قرطبة1 # انتقال الرياضيات من بغداد إلى العلم ~~الحديث # أعرق المدن الثقافية آنذاك بغداد وقرطبة. # J. G. Crowther ... # لعل أهم العوامل التي أدت إلى تعملق العلم الحديث، وتميزه عن العلم القديم، إنما هي ~~تسلحه باللغة الرياضية، وكانت إنجلترا على الخصوص - موطن أديلارد الباثي - هي التي ~~شهدت ذروة الفيزياء الكلاسيكية الرياضية، وذلك بنظرية نيوتن التي بلغ العلم معها ~~غاية النضج المهيأ للنماء والتوالد. # وبهذا يتضح لنا دور الرائد المثابر أديلارد الباثي في شق رافد قوي ساهم في ~~تدفق نهر العلم الحديث، وذلك حين تكفل بنقل الرياضيات العربية من مركز ms07 توهجها في ~~بغداد إلى اللغة اللاتينية، معتمدا في هذا على التراث الأندلسي والنصوص الأندلسية، ~~خصوصا مكنونات مكتبة قرطبة. # وسوف نرى أن جهود أديلارد الباثي وخطورة دوره، يعنيان أن قرطبة ومدارس الرياضيات فيها ~~من العوامل التي لا يمكن فهم تاريخ العلوم الرياضية ونشأة العلم الحديث بدونها. ~~••• # فقد كانت قرطبة هي المركز المتألق للحضارة الأندلسية، وللعلم الأندلسي على العموم ~~والرياضيات على الخصوص. فاكتسبت شهرة عالمية، وأصبحت من أهم مراكز الدرس في عصرها، واقترن ~~اسمها بالعلم والعلماء، حتى قيل فيها: # بأربع فاقت الأمصار قرطبة # منهن قنطرة الوادي وجامعها # هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة # والعلم أعظم شيء وهو رابعها # 2 # وبطبيعة الحال ثمة عدة عوامل تهيأت لقرطبة وأدت لهذا، يجملها العاملان ~~الجغرافي والتاريخي. العامل الجغرافي: هو وقوعها على نهر الوادي الكبير الخصيب والدافئ ~~وسهولة الانتقال منه إلى بقية مراكز الحضارة الأندلسية في جنوب أيبريا أو إسبانيا، وتكاد ~~قرطبة أن تكون على رأس مثلث، طرفاه مركزان آخران للحضارة الأندلسية توسطتهما، وكانت ~~على مقربة من كليهما، ألا وهما غرناطة وأشبيلية، ولكن إذا كانت أشبيلية تميزت ~~بقصورها وعمائرها، فإن قرطبة تميزت بمدارسها وعلمائها. # على أن دور قرطبة المتميز في الحضارة وفي العلم - وهما عادة لا ينفصلان - تهيأ لها ~~بفعل تاريخها أكثر مما تهيأ بفعل جغرافيتها. فقد كانت قرطبة مركز الدولة الأموية ~~وحاضرتها، وبعد أن اعتلى «الأمير عبد الرحمن بن محمد» الإمارة في قرطبة استطاع أن يضوي ~~الممالك تحت لوائها، وبمجيء عام 330ه كانت قرطبة مركز المجد الإسلامي في إسبانيا، واستمر ~~هذا حتى عام (442ه/1031م) وهو عام سقوط قرطبة وانفراط سلك الخلافة الأموية، وقيام الدويلات ~~والممالك التي كانت بداية النهاية للحضارة الأندلسية، ولكن حتى بعد أن سقطت قرطبة، لم ~~يمنع سقوطها من أن يستمر ازدهار العلوم فيها؛ لأنه كان نتاج فعالية عميقة ~~ومكثفة. # فمنذ أن استقرت فيها الخلافة الأموية، إلا وعمل أمراؤها على اتخاذ بلاط تسوده الأبهة ~~والفخامة، ونشط استقدام الشعراء والفلاسفة والعلماء من المشرق الإسلامي، وولعوا باقتناء ~~الكتب، وجدوا كي تصل قرطبة إلى مستوى يضاهي ما وصلت إليه ms08 بغداد ودمشق ~~والقاهرة. # 3 # فأصبحت في قرطبة واحدة من أكبر مكتبات العالم القديم، ضمت مائتي ألف ~~مجلد، وقيل أربعمائة ألف، وكانت فهارسها تستغرق أربعا وأربعين كراسة، كل منها خمسون ~~ورقة، ليس فيها إلا عناوين الكتب، بينما كانت أكبر مكتبة في أوروبا آنذاك - وهي مكتبة كنيسة ~~كنتربري - لا تضم أكثر من خمسة آلاف كتاب. أما غيرها من المكتبات الكبيرة فكانت لا تحوي في ~~العادة أكثر من مائة مجلد، مع استثناء مكتبة كلوني التي ضمت في القرن الثاني عشر - قرن ~~أديلارد الباثي - خمسمائة وسبعين كتابا. # 4 # ويقول ابن سعيد المغربي في كتابه «المغرب في حلي المغرب»: # إن الأمير ~~عبد الرحمن الأوسط وابنه الحكم المستنصر جدا وأنفقا في إرسال الرسل للبحث عن الكتب ~~في المشرق، وجمع ابنه ما لم يجمعه أحد من الأمراء والملوك، وأوجد في قرطبة أكبر عدد ~~من الكتبة والنساخين والمجلدين والمزخرفين، استقدم بعضهم من صقلية ومن بغداد، على ~~الإجمال، كان نقل واستجلاب التراث المشرقي الخصيب يسير على قدم وساق، فتزدهر ~~قرطبة. # وقد كان للأمير القرطبي الرابع «عبد الرحمن الثاني» أكبر النصيب في إنماء الازدهار ~~القرطبي، إذا برز كأكبر الحماة للعلماء وصديقا مخلصا للأدب والفنون، ويهمنا الآن ~~شغفه البالغ بكل ما يتصل بعلمي الرياضيات والفلك. # ولعل أهم النواتج التي تمخض عنها كل هذا هو انتقال الرياضيات العربية من عاصمتها ~~بغداد إلى قرطبة، لتصبح قرطبة بدورها من أبرز مراكز الدرس الرياضي فى عصرها. وإذا كان رائد ~~الرياضيات الأندلسية هو أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريط المعروف بمسلمة المجريطي (وقيل ~~إن المجريطي = المدريدي) (950-1007م) والذي يلقب بإقليدس الأندلس، فإن المجريطي أنجب ~~تلاميذ كثيرين أنشئوا المدارس في قرطبة. من أهمهم الكرماني وهو (أبو الحكم عمرو بن عبد ~~الرحمن بن احمد بن علي الكرماني)، قيل عنه إنه أعلم علماء زمانه بالهندسة، وأيضا ابن ~~الصفار، وهو أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر الشهير بابن الصفار، وكان متحققا بعلم ~~العدد والهندسة والنجوم وله زيج مختصر وكتاب في (العمل بالأسطرلاب) ويقول عنه صاعد ~~الأندلسي: إنه موجز ms09 حسن العبارة قريب المأخذ، وله تلاميذ كثيرون اشتهروا بالفضل والعلم. ~~وكذلك كان كل عالم رياضة مبرز في قرطبة له تلاميذ، حتى اشتهرت قرطبة بمدارسها ~~الرياضية وأخرجت جحافل من علماء الرياضة العربية. نذكر منهم في القرن العاشر الميلادي: ابن ~~السمينة البصير بالحساب، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن زيد الذي اشتهر في الحساب والمنطق، ~~وابن شهر، وابن البرغوث الذي يعد من أشهر تلاميذ ابن الصفار، ومنهم أيضا محمد بن ~~خيرة العطار أبرز معلمي الهندسة والعدد بقرطبة آنذاك. هذا فضلا عن التالين في القرن ~~الحادي عشر من أمثال التجيبي المعروف بالقويدس، وابن حي # 5 ~~... ولن ننتهي من حصرهم؛ خصوصا وأنها أنجبت أضعافا مضاعفة في القرن ~~التالي - القرن الثاني عشر - وهو قرن أديلارد ~~الباثي # Adelard of Bath ~~. ~~••• # وها هنا يتبدى دور أديلارد الباثي الذي استقطب هذا الزخم الصادر عن قرطبة، وهو ليس راهبا ~~كما يظن، ويعد من أهم الشخصيات الرياضية في أوروبا إبان القرن الثاني عشر؛ وذلك ~~لأنه في طليعة المترجمين الذين تكفلوا بنقل الرياضيات العربية إلى اللاتينية. # لم يكن أديلارد مترجما فحسب، بل كان أيضا عالما وفيلسوفا. جهوده المبكرة في الحساب ~~ظهرت في عمل عنوانه # Regula abaei # ليس له قيمة كبيرة؛ ~~لأنه تكرار لجهود بؤثيوس # Boethius ~~(480-524م) وجيلبرت. على ~~العموم انكب بعد هذا على الرياضيات العربية ليبدأ في اتخاذ دوره على مسرح ~~الفكر # 6 # وتاريخ العرفان، والذي يتركز في نقله إياها إلى اللغة اللاتينية. # فقد كان أديلارد صاحب أول ترجمة متكاملة في تاريخ العلم الأوروبي لصرح الرياضيات ~~القديمة الأعظم: أصول الهندسة لإقليدس. كان بؤثيوس قد سبق أن ترجم أشتاتا منه، أما ~~أديلارد فقد ثابر حتى طرح بمفرده ترجمة متكاملة لأجزائه الخمسة عشر، وكما هي مطروحة في ~~الأصل العربي، على الرغم من أن الجزءين الرابع عشر والخامس عشر في هذا الأصل ليست من ~~وضع إقليدس نفسه، بل شروح وإضافات لاحقة. # وكانت هذه الترجمة العربية قد بدأت حين أمر بذلك جعفر البرمكي، إبان العصر الذهبي ~~للعلم والحضارة الإسلامية الذي صنعته بغداد، وكان «الأصول» أول ما ms10 ترجم من كتب ~~الإغريق، وقد ترجم من اليونانية إلى السريانية في مدارس الإسكندرية، ولأول مرة ترجم ~~الحجاج بن يوسف بعض كتبها عن السريانية إلى العربية في بدايات القرن التاسع الميلادي ~~من أجل الخليفة هارون الرشيد، ثم راجع ترجمته من أجل الخليفة المأمون، وبصفة عامة يقترن ~~اسم الحجاج الرائد بالترجمات الأساسية للأصول، والتي اعتمد عليها أديلارد ، ولكن على مدار ~~عهدي هارون الرشيد والمأمون وما تلاهما، عمل على ترجمة أجزاء كتاب الأصول ومراجعة ~~الترجمات وتنقيحها كوكبة من ألمع المترجمين والرياضيين. منهم أشهر المترجمين إسحق بن ~~حنين، وراجع ترجمته ثابت بن قرة الحراني الصابئي (ت 221ه/835م)، وقد أتقن ثابت السريانية ~~واليونانية والعبرية، وكان جيد النقل إلى العربية، حتى عده جورج سارتون من أعظم المترجمين، ~~فضلا عن أنه من أعظم الرياضيين في عصره. كما قام سهل بن رابان الطبري - وهو يهودي من أهل ~~مرو التي كانت إحدى مراكز الثقافة الإغريقية في فارس بعد غزو الإسكندر لها - بترجمة أجزاء ~~أخرى، وقام الحجاج بن يوسف بمراجعة ترجمات سهل، كما راجعها فيما بعد محمد بن جابر بن سنان ~~البتاني عام 929م، كما سبق أن راجع قسطا بن لوقا البعلبكي في عام 912 الترجمة الأصلية التي ~~قام بها الحجاج، وفي نفس هذا الوقت كان سعيد الدمشقي قد ترجم أجزاء أخرى من الأصول # 7 ~~... # بمثل هذه الجهود الجبارة صنعت بغداد صرح أصول الهندسة لإقليدس، وهو هيكل الرياضيات ~~القديمة وعمادها وعمودها وعمدتها، والذي أهداه أديلارد إلى الحضارة الغربية. ليكون فاتحة ~~عهدها بالنهضة الرياضية وبالتالي العلمية، وقد اعتمدت أوروبا على ترجمة أديلارد طوال القرون ~~الأربعة التالية - وهي التي شهدت نشأة العلم الحديث، حتى تم اكتشاف الأصل الإغريقي فيما ~~بعد. # كان أديلارد أيضا شديد الاهتمام بالفلك، ألف كتابا في «الأسطرلاب» أهداه إلى هنري ~~الأصغر - وهو إهداء يفيد علاقاته الوطيدة بالبلاط الملكي - وفي كتاباته إشارات عديدة لها، ~~كما يفيد تأليف هذا العمل بين عامي (1142-1146). بصفة عامة كان أوج نشاط أديلارد بين عامي ~~(1136-1154). # وأيضا ليس لهذا الكتاب قيمة كبيرة، قيمة أديلارد الفلكية ms11 تتركز هي الأخرى في ترجمته ~~للأعمال العربية الفلكية. فقد أعطى الدارسين اللاتين أول مثال متكامل للبحث في علم ~~الفلك القديم حين ترجم ملخصات أبي معشر الفلكي. كما ترجم أعمالا فلكية لثابت بن قرة. على ~~أن أهم ما ترجمه هو الجداول الفلكية للخوارزمي، والتي كان مسلمة المجريطي قد راجعها، ~~وبالترجمة العربية قدم أديلارد للاتين الصورة المتكاملة للتقاويم والجداول والأزياج ~~الفلكية، كما كانت مطروحة في القرن العاشر، وهي خلاصة هندية - إغريقية - عربية. # 8 # وأيضا كان أديلارد عالما طبيعيا، وذا عقلية علمية. كتابه «المباحث الطبيعية» # Quaestiones Naturales # يؤكد ميلا قويا ~~لمناقشة العلية الطبيعية المباشرة، بدلا من تفسير الظواهر الطبيعية بالقوى الفائقة ~~للطبيعة، ويعكس اتجاها تجريبيا واضحا يرى أن العقل غير كاف لحل مشاكل الكون، ولا ~~بد من الملاحظة والقياس، ومن الظواهر التجريبية التي جذبت الاهتمام التجريبي لأديلارد، ~~مسلك الماء المنحبس في إناء مقلوب دون أن يسيل خارج الإناء إلى أن يدخل الهواء من ~~الفتحة السفلية، ومرة أخرى أبحاثه التجريبية وفي العلوم الطبيعية لا تساوي كثيرا، فحتى في ~~بحثه لهذه الظاهرة لم ينج من الأفكار السحرية، أما العناصر ذات القيمة العلمية فهي ~~تشابه مثيلتها في أبحاث هيرو السكندري المشروحة بكتابه Pneumatiea # الذي ترجم عن العربية في القرن الثاني ~~عشر. # 9 # وشبيه بهذا حال إسهاماته القليلة في الطب. # لكن لا نستطيع إنكار أنه تمتع بعقلية ذات مبادئ وأصول علمية متينة، تكشف عنها ~~محاوراته مع ابن أخيه لتلقينه إياها، والتي نشرت؛ حيث نجد أديلارد ينتصر للبحث العلمي ~~والعقلانية، ويحارب السلطة والدوجماطيقية، ويهاجم الاعتماد الكلي على المراجع، ويقول ~~في هذا: «تعلمت عن أستاذي العربي أن أزن كل شيء بميزان العقل، وإذا أردت أن ~~تسمع مني أكثر من ذلك فناقشني بالعقل؛ لأني لست من الرجال الذين يجرون وراء الخيال.» ~~... «ومن ذا الذي يستطيع إدراك مدى السماء بمجرد النظر؟ ومن ذا الذي يستطيع تمييز الذرات ~~الدقيقة بالعين المجردة؟» ويقول ثورندايك: «إن مثل هذه الأسئلة تعبر عن الحاجة للمنظار ~~المقرب، وتدل على أن الظروف لاختراعه كانت في طريق النضج.» ويقرر ms12 أديلارد مبدأ عدم فناء ~~المادة، فيقول: «من المؤكد في نظري أن لا شيء يفنى كلية في هذا العالم الحسي، أو أنه ~~أقل اليوم مما كان عليه يوم أن خلق، وإذا ما ذاب جزء في مادة ما فإنه لا يفنى، وإنما ~~يتحد مع مادة أخرى.» # 10 # وأخيرا، كان أديلارد فيلسوفا محترفا، ألف كتاب «الهوية والاختلاف» # De eodem et diverso ~~- وهو نفس العنوان الذي ~~اتخذه هيدجر عنوانا لأحد مؤلفاته - يعالج فيه أديلارد مشكلة الكليات التي عادت للظهور؛ ~~أي حقيقية وجود الكيانات التي تدل عليها الأسماء الكلية، وقد انشغلت بها العصور ~~الوسطى انشغالا جما. فتناول أديلارد في بحثها الصلة بين الأفراد من ناحية، والأجناس من ~~ناحية أخرى، وانتهى إلى أن الأجناس والأنواع كليات لا تتأثر بالخصائص الفردية. # 11 # ومع كل هذا، يظل أديلارد - أولا وقبل كل شيء - مترجما للرياضيات العربية، ولن ~~توليه اهتماما كبيرا إلا الجهات والمصادر والمراجع التي تتعرض لهذا الموضوع. # 12 # ولكن لنلاحظ أن أديلارد تعلم العربية في صقلية جنوبي إيطاليا، وقام منذ فجر شبابه ~~بأسفار واسعة لطلب العلم. مثبوت منها أن أولها كانت إلى فرنسا؛ حيث درس في طوروز ودرس ~~في ليون، وبعد أن غارد ليون قام برحلة استغرقت سبع سنوات، زار فيها صقلية وسوريا وربما ~~فلسطين. يهمنا الآن أن زيارته لإسبانيا ليست مثبوتة تاريخيا! # ومع هذا لا يمكن تناول أعماله بغير التراث الأندلسي ومقتنيات مكتبة قرطبة، وهذه ~~مصادرة ملزمة للباحثين، حتى مثلت مشكلة لا بد لمؤرخي العلم أن يضعوا حلا ~~لها. ذهب بعضهم أن أديلارد استغل إتقانه للغة العربية وذهب إلى قرطبة - وبالتحديد عام ~~1120م - متخفيا في شخصية طالب علم مسلم؛ ليستطيع التوغل في دهاليز مدارسها. # 13 # وذهب البعض الآخر أنه اعتمد على المستعربين # Mos ~~Mozarabes # الذين يعدون من أهم العناصر التي عملت على نقل حضارة ~~الأندلس، وثقافتها إلى أوروبا، والمستعربون هم النصارى واليهود الذين كانوا يمارسون في ~~الأندلس أشغالا عملية وعلمية مختلفة، وكانوا يستعملون العربية في مخاطباتهم ومعاملاتهم، ~~ويتعلمون آدابها وعلومها إلى حد أن البرو القرطبي تحسر على ms13 الإفراط في ذلك. # 14 # ويبدو هذا الاحتمال هو الأرجح، بل ويمكن تحديد أسماء المستعربين الذين حصل أديلارد ~~منهم على النصوص القرطبية، وهما: بطرس ~~ألفونسو P. Alphonsus ~~، ويوحنا ~~أكريتوس # J. Ocreatus ~~. # وسواء أكان أي من الاحتمالين هو الصحيح، فإن الذي يهمنا الآن هو أن ننتهي معا إلى ~~أنه لا يمكن فهم دور أديلارد في نقل الرياضيات العربية من مركز توهجها - بغداد - ~~إلى أوروبا والحضارة الغربية، وبالتالي إلى حركة العلم الحديث، بدون المصادرة على الحضارة ~~الأندلسية، ومدرسة قرطبة بالذات. # على أن هذه مصادرة من ماضي العلم، وما زلنا حتى الآن هناك في ماضيه، نريد أن نعود الآن ~~إلى زخم الحضارة في خواتيم القرن العشرين، وما أنجزه العلم طوال ذلك المدى من إنجازات طبقت ~~الخافقين ... نعود إلى الحاضر؛ بل والمستقبل، لنلحق تلك المصادرة من ماضي العلم بمصادرة ~~من حاضر العلم ومستقبله، عسى أن يكون تناولنا لتاريخ العلم مجديا أكثر. ~~••• # فلما كان العلم الحديث هو التمثيل العيني لمقولة التقدم في حياة البشر؛ حيث يكاد يكون ~~المنشط الإنساني الوحيد الذي يمثل - من أية وجهة أو زاوية للنظر - متصلا صاعدا، ~~كل يوم أفضل من أمسه، فإن التفكير العلمي في صلبه تفكير مستقبلي، ومن هذا ~~المنطلق المستقبلي تتأتى البحوث الدءوبة في فلسفة العلم، التي يمكن اعتبارها الوجه ~~الآخر لتاريخ العلم. بعبارة أخرى: نحن نبحث في تاريخ العلم - في ماضيه - من أجل استشراف ~~أفضل لمستقبله، لإمكانياته. # على هذا الأساس المستقبلي لا بد تأكيد أن كل تفكير في فلسفة العلم وتاريخه عقيم غير ~~مجد، ما لم يتم في ضوء ثورة العلم المعاصر التي تفجرت مع مطالع القرن العشرين ~~لتقلب مثاليات العلم وأصوليات منهجه رأسا على عقب، فتفتح أمام العلم إمكانيات ~~جعلت تقدمه يكاد يسير بمتوالية هندسية بعد أن كان يسير بمتوالية عددية، فأمكن ~~اعتبارها أعظم ثورة أنجزها الإنسان، وتحت وطأتها ارتجت وتقوضت دعائم عرش نيوتن، ~~وبعد أن ساد الاعتقاد بأن نيوتن اكتشف حقيقة هذا الكون وانضبطت منظومة التفكير العلمي على ~~هذا الأساس، أدركنا - بفضل هذه الثورة - أن نظرية نيوتن ms14 مجرد محاولة جبارة وناجحة في ~~حدودها - فقط حدودها القاصرة دون عالم الذرة والإشعاع - لا سيما بعد أن تفتتت الذرة ~~إلى جسيمات، ثم تفتتت الجسيمات - أخيرا - إلى كواركات # Quark # فانقشع وهم اليقين والضرورة، وأدركنا أن كل نظرية علمية ~~مهما كانت عظيمة هي مجرد محاولة ناجحة، تفتح الطريق أمام محاولة أخرى أنجح وأكفأ، ~~ولن تصل نظرية إلى سدرة المنتهى، ولن تختم مسار البحث العلمي الذي سيظل مفتوحا إلى أبد ~~الآبدين أمام محاولات أنجح وتقدم أعلى. # ولئن كانت هذه الثورة العظمى قد تمت بفضل نظريتي النسبية والكوانتم اللتين هما ~~نظريتا الفيزياء البحتة، فإن الرياضيات المتربعة على عرش النسق العلمي لا تبقى في ~~عليائها بمنجاة عن مد هذه الثورة؛ ليس فقط لأن الحدود تتماوه في منطقة ما بين ~~الفيزياء البحتة والرياضيات، كما تتماوه الحدود بين النار ومجمرها، ولكن أيضا لأن هذه ~~الثورة العظمى قد بوركت بانضمام فيالق الرياضيات البحتة إلى ركابها الثائر. أولا: ~~باستقامة عود - أو بالأحرى نسق - الهندسات اللاإقليدية، وبعد أن كان يظن أن إقليدس ~~قد اكتشف الحقيقة الهندسية للكون، وأن الله تعالى خلقه بموجب الهندسة الإقليدية، ~~أدركنا أن هندسة إقليدس مجرد بناء منطقي بارع، لا سيما بعد أن اتخذ أينشتين من ~~هندسة ريمان هندسة تطبيقية للواقع الفيزيائي. فلحق إقليدس بمصير نيوتن، وثانيا: بإثبات ~~الخاصة التحليلية للقضايا الرياضية. بمعنى أنها جميعا دوال منطقية لها الصورة «أ هي أ»، ~~ولا شأن لها بالإخبار عن الواقع، ولا تحمل فتوى جديدة عنه. فانتهينا إلى أن الرياضيات علم ~~صوري، يعني بصورة التفكير دونا عن مضمونه أو محتواه أو فحواه، الذي هو من شأن العلوم ~~التجريبية. # 15 # والآن، في تناولنا لأطروحة من أطروحات تاريخ العلم، ما الذي نستفيده على وجه التحديد ~~والتعيين الدقيق من هذه الثورة العلمية العظمى؟ خصوصا وأن دروسها وعبراتها لا أول لها ولا ~~آخر. يهمنا أن الصورة الكلاسيكية التي استمرت حتى نهايات القرن التاسع عشر عن العلم ~~بوصفه بناء مشيدا من حقائق قاطعة اندثرت تماما، وأصبح العلم نسقا من فروض ناجحة. ~~صلب هذه النسقية صميم ms15 خصائصها المنطقية تعني التقدم المتوالي والصيرورة المستمرة. العلوم ~~التجريبية تمثيل عيني لهذا. # 16 # ورب قائل: «إن الرياضيات - بحكم خاصيتها التحليلية - تتمتع بثبات منطقي مطلق فوق ~~حدود الزمان والمكان.» بمعنى أن القضية الرياضية - إن صحت - فهي صادقة دائما وأبدا مهما ~~استجدت خبرات ووقائع جديدة؛ لأنها لا شأن لها أصلا بالواقع والوقائع، وهذا صحيح. ~~القضية الرياضية في حد ذاتها - بخلاف القضية الإخبارية التجريبية - ثابتة، ولكن العلم ~~الرياضي - الذي كان وسيزال يستقطب أحد العقول وأكثرها صلابة ومثابرة - لا يقف في ~~مساره وفي صيرورته ... في تاريخه بمعزل عن مقولة التطور والتقدم، إن لم تكن الرياضيات ~~بحكم طبيعتها الدقيقة الصارمة أكثر من غيرها تجسيدا للتقدم والإنجاز التطوري الممنهج ~~المقنن، فنجد إشكاليات رياضية أعيت أعاظم العقول في الأزمنة الغابرة، وأفردوا ~~لحلها المجلدات الضخمة، أمكن - فيما بعد بحكم التقدم والتطور - حلها بمعادلة أو ~~اثنتين. ~~••• # وأيا كانت الأهداف والمرامي، فلكي تثمر الجهود المبذولة، لا مندوحة عن وضع هذا الطابع ~~التقدمي في الاعتبار، وإذا كنا نهدف - صراحة - إلى إثبات دور الحضارة العربية الإسلامية في ~~خلق قصة العلم المثيرة الرائعة، تفنيدا لخرافة راجت رواجا، ولم ينج منها نفر ~~من أخلص مفكرينا، مؤداها أن العلم على العموم ثم الرياضي والفيزيائي منه على الخصوص ~~نبتة الحضارة الحديثة وصناعة غربية خالصة، فإن ذلك الهدف أو هذا التفنيد يكتسب أهمية ~~قصوى في مرحلتنا الراهنة لسبب ذاتي هو مواجهة الهيمنة الغربية التي تصاعدت أخيرا، وهدف ~~موضوعي هو الفهم السليم لمسار العلم الذي تعاقبت على خلق فصوله الحضارات المختلفة، ~~وجلو حقيقته بوصفه ميراث الإنسانية جمعاء وإمكانية للعقل البشري من حيث هو ~~بشري. # وفي محاولات تحقيق هذا الهدف، وبوضع الطابع التقدمي للعلم في الاعتبار، يتبدى لنا ~~عقم الجهود التي تحاول تحقيقه بالوقوع في لجنة منطوق النظريات، فتستنفد الجهد في البحث ~~عن تشابه ما بين منطوق نظرية حديثة وقول قديم لأحد أسلافنا ... لا بد من تجاوز هذا وإثبات ~~الذات في صلب الحركية والصيرورة وتوالي حلقات قصة العلم وانتقاله من مرحلة لأخرى. هذه ~~الصيرورة لها بعد منطقي خالص هو ms16 أصوليات المبادئ المنهجية التي هي القوة المثمرة الولود من ~~وراء كل تغير، ولكن لها بعد آخر متعين، هو البعد التاريخي الذي يجسد مسار هذه ~~الحركية، ويقع في مجاله موضوع هذه الورقة. # إن البعد التاريخي - موضوعنا - لا بد وأن يضع في اعتباره الظروف الحضارية للمرحلة ~~المتعينة، وقبل ثورة وسائل الاتصال المعاصرة لم يكن البعد التاريخي ينفصل عن البعد ~~الجغرافي، في تاريخ العلم وفي تاريخ سواه. بمعنى أن الموقع الجغرافي كان يحدد الدور ~~التاريخي - كما أشرنا بشأن قرطبة - وبالمثل استطاعت بغداد أن تكون عاصمة المجد الإسلامي ~~والعربي ، وأن يتحول الإسلام فيها من عقيدة وشريعة أو حتى نظام دولة إلى مرحلة حضارية ~~خفاقة، بسبب موقعها الفريد على نهر دجلة. يهمنا الآن أن منه إلى شط العرب ثم الخليج ~~العربي نصل إلى الهند التي أهدت البشرية أصول الحساب، وأعظم العطايا طرا رموز الأرقام ~~الهندية والغبارية التي وصلت إلى أوروبا بفضل العرب، أو بفضل ليوناردو فيبوناسي # Fibonnaci # الذي تعلم العربية، فأحدث القفزة الكبرى للعلم ~~الأوروبي بنقل الأعداد الهندية ثم الجبر الإسلامي. لقد استقدم الخليفة المنصور العالم ~~الهندي كنكة، وأمر بترجمة «مقالة الأفلاك» أو «السدهانت» التي وضعها «براهما جويت» ~~وعرفها العرب باسم «السندهند» وعرفوا معها أصول الرياضيات، لتبدأ في بغداد مرحلة هامة ~~من تاريخ الرياضيات، وبفعل عوامل عديدة - بينتها تفصيلا في بحث سابق لي # 17 ~~- عوامل بعضها يعود إلى طبيعة حركة العلم آنذاك، وبعضها يعود إلى طبيعة الحضارة ~~الإسلامية وخصوصياتها، وطبيعة العقلية العربية الناهضة المتوثبة آنذاك، شهدت بغداد نهضة ~~عظمى في الرياضيات واهتماما متزايدا بها وإضافات جمة لها، وجحافل من عمالقتها ~~نخص منهم بالذكر: الخوارزمي، ثم نصير الدين الطوسي، وإن كان وضع علم الجبر بعدا ~~واحدا من أبعاد هذه المرحلة، وانتصاب هيكل أصول الهندسة لإقليدس في بغداد - كما سبق أن ~~أوضحنا - هو الآخر من أهم أبعاد هذه المرحلة الدافقة الخلاقة. # وكان من الضروري أن تنتقل تأثيرات الحضارة الإسلامية والميراث العربي إلى أوروبا لتبدأ ~~الحلقة التالية في صيرورة التقدم ... تبدأ مرحلة النهضة، ثم مرحلة حضارية جديدة ... أو ms17 حديثة، ~~تتيه على سائر المراحل بنشأة نسق العلم الحديث، الذي تعملق لما تسلح بالرياضيات، ~~وطبيعي أن الرياضيات التي توهجت في بغداد كانت مقدمة ضرورية لهذا، وقد انتقلت ~~إلى أوروبا بفعل عوامل عديدة، لعل أقواها الحملات الصليبية، وعبر مراكز عديدة، منها: صقلية ~~وجنوب إيطاليا. لكن الأندلس كانت حالة فريدة في تاريخ الإسلام «لأنها الحالة الوحيدة التي ~~تمثل قيام حضارة متمايزة هي مزيج من ثقافة الإسلام والثقافة الوطنية التقليدية الأصيلة، ~~وازدهار تلك الحضارات ازدهارا هائلا، بحيث تركت بصماتها على كل التاريخ الإسلامي، بل ~~والعالمي.» # 18 # فقد قامت الأندلس بالدور الأكبر والباع الأعظم في نقل التراث والعلوم العربية، ~~يهمنا منها الآن نقل الرياضيات العربية. ذلك لسببين متعضونين، وهما مرة أخرى: السبب ~~التاريخي والسبب الجغرافي، ولنتحدث أولا عن السبب التاريخي. # أجل، كان لبغداد - وبغير منازع - النصيب الأكبر من إنجازات الحضارة الإسلامية ~~وإبداعات العقل العربي، وظلت حتى القرن العاشر مركزا لا منافس له. لكن خبا وهجها ~~خلال سيادة الدولة البويهية (945-1055م) التي جعلت العاصمة في فارس، وراحت تشارك بغداد - ~~من ناحية الشرق - القاهرة وشيراز وغزنة، ومن ناحية الغرب قرطبة. على الإجمال خبا وهج ~~الحضارة وجذوة الإبداع في الشرق، قبل أن يخبو في المغرب الإسلامي الذي تتربع قرطبة على عرش ~~العلم فيه، وكادت الأندلس أن تنفرد بالميدان في الرياضيات والمنطق والفلسفة والعلوم والطب، ~~إبان القرن الثاني عشر - قرن ابن رشد وأديلارد الباثي - والذي أنجبت فيه الأندلس أكثر من ~~نصف مناطقة القرن ورياضييه، # 19 # حتى قيل: «إن القرن الثاني عشر من نصيب إسبانيا الإسلامية.» # 20 # لقد أصبحت راية بغداد في الأندلس، ومركز العلم فيها قرطبة. # وكان المسلمون قد أخذوا معهم إلى الأندلس الفنون الهندسية الزراعية، وقاموا ببناء مشروعات ~~الري، فعلموا الأوروبيين أصول الهيدروليكا، وكما أوضحنا بالتفصيل جعلوا من قرطبة ~~أهم مركز ثقافي متطور في أوروبا حينذاك، وأهم مراكز الدرس الرياضي، وكما ذكرنا لم ~~ينته مجد قرطبة العلمي حين انتهى مجدها السياسي، وعن طريق قرطبة وجنوب إسبانيا، ~~أخذ المجتمع الإقطاعي الناشئ في أوروبا ينهل من ينابيع العلم الإغريقي ms18 والعربي، وكما ~~يؤكد مؤرخ العلم الثقة ج. كروثر، كان ما أخذته أوروبا من هذا المنفذ يفوق بما لا يضاهى ~~كل ما أخذوه عن طريق الحروب الصليبية، # 21 # فقد استمر هذا المنفذ بقرطبة وجنوب الأندلس في عطائه حاملا خلاصة المد العقلي ~~العربي، حتى بعد أن خبت الحضارة في المشرق، وبفضل هذا التواصل التاريخي والاستمرارية ~~التاريخية كانت مراكز العلم والمدارس الإسلامية في الأندلس - وبالتحديد في قرطبة - أكثر ~~حيوية وفعالية، وأعمق تأثيرا منها في أية مراكز أخرى انتقلت العلوم والرياضيات عن طريقها ~~من بغداد إلى أوروبا. # أما عن العامل الجغرافي، فلا يتمثل فقط أو أساسا في موقع الأندلس بالنسبة للعالم الغربي ~~على حافة أوروبا، وفي الطريق إلى أمريكا، بل أيضا والأهم في موقع الأندلس الفريد - ودونا ~~عن سائر مراكز انتقال العلم العربي إلى أوروبا - بين مواطن حركة العلم الحديث، وبعد أن ~~هجرت هذه الحركة إيطاليا التي احتضنت عبقرية أهل الشمال المتبربرين نسبيا، وكان ~~جاليليو آخر الإيطاليين العظام، وتربعت هذه الحركة في غرب أوروبا لتتألق بصفة خاصة في ~~إنجلترا وفرنسا وألمانيا، ولأن الأندلس تتوسط هذه المواقع، فنجد توالي تأثير سهولة انتقال ~~الرياضيات منها، لا سيما إلى إنجلترا؛ حيث بلغت الفيزياء الرياضية أوج نضجها كمحصلة ~~لاستمرارية تاريخية ساهمت فيها عوامل جغرافية ... يسرت لأديلارد الباثي أن يقوم بالدور ~~الذي عرضناه، مثلما يسرت لأقرانه من أمثال روبرت ~~الشستري # Robert of Chestor # وجيرار الكريموني، أن ينكبوا هم أيضا وآخرون على ترجمة نصوص ~~الرياضيات العربية، فتحدث الانطلاقة للعقل الرياضي الغربي، وبالتالي حركة العلم ~~الحديث. ~~••• # بعبارة موجزة تجمل كل ما سبق ... يمكننا القول: إن خطورة جهود أديلارد الباثي في نقل ~~الرياضيات العربية من بغداد إلى غرب أوروبا وحركة العلم الحديث، تمثيل عيني لقضية محورية ~~مؤداها أن موقع الأندلس التاريخي الفريد في الحضارة العربية وموقعها الجغرافي الفريد في ~~الحضارة الغربية خولا لها ولمركزها العلمي - قرطبة - دورا فريدا في انتقال حركية ~~وتقدم العلوم الرياضية من بغداد إلى الحضارة الأوروبية، وهو دور يستحق أن نكرس له ~~بحوثا دءوبة تغوص في تفصيلات الوقائع والأحداث ms19 التاريخية والمدارس والمراكز العلمية، ~~وسيرورة نصوص العلوم الرياضية، شريطة أن نستفيد قبلا من تطورات العلم المعاصر في تحديد ~~الجوهري الهام الحقيق بالاهتمام في دراستنا لتاريخ العلم. # المبحث الثاني # | الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي1 # علم الطبيعة دائما ذو موقع استراتيجي، موضوعه هو مجمل حلبة عالم العلم التي تصب فيها ~~شتى فروع العلم، فيتربع العلم الفيزيوكيماوي على صدر نسق العلم الحديث، كجسده وجذعه وإنجازه ~~الأعظم بغض النظر عن تقاناته التي شقت أجواز الفضاء، حقيقة لا مجازا. # وفلسفة الطبيعة هي السلف المباشر للعلم الفيزيوكيماوي الحديث، وأي تفهم لأصوله في العصور ~~القديمة والوسيطة، يستدعي تفهما للأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في إطار الحضارة المعنية ~~ومجمل بنيتها المعرفية. # وبالنسبة للتراث العربي، فقد أتى في جملته - ككل وكفروع - كنتيجة لمعلول محدد هو ~~الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها نزول الوحي وظهور الإسلام في المجتمع البدوي ~~القبلي. # وقد كان علم الكلام هو أول دائرة معرفية ترسمت حول الوحي إنه نبتة أصيلة نشأ قبل عصر ~~الترجمة - قبل التأثر بالفلسفة اليونانية - كأول محاولة لتجاوز النص الديني وإعمال ~~العقل البشري في تفهمه وإثبات مضامينه. فكان بحق أوسع وأهم المجالات لما أسماه ~~محمد عابد الجابري «العقلانية العربية الإسلامية»، أو أنه - كما رأى الشيخ مصطفى عبد الرازق ~~- الفلسفة الإسلامية الشاملة حتى لعلم أصول الفقه بكل تألقه المنهجي. # ومن ثم فعلى الرغم من أن منظور عصرنا يبدي سلبيات جمة في علم الكلام، تفرضها ~~المهام المنوطة به في إطار الحدود الحضارية والقصورات المعرفية لذلك العصر البعيد، فإنه ~~تبقى إيجابية علم الكلام العظمى في أنه تشكل للعقل العربي الصميم، والحق أنه لم ~~يكن إلا ممارسة للتفكير الفلسفي في القضايا التي أثارها نزول الوحي في المجتمع العربي، ~~اتخذت شكل البحث في العقائد؛ لأنه الشكل الأيديولوجي المتفاعل والمثير للقضايا ~~الفكرية. # 2 # لقد كان بمثابة الفلسفة الإسلامية الخاصة التي شقت الطريق ومهدته للفلسفة ~~الإسلامية العامة أو الحكمة. # فلئن كان كل من الكلام والفلسفة طريقا مستقلا نسبيا في سياق الحضارة الإسلامية، فإن ~~الحدود بينهما مموهة إلى حد ما. لقد ms20 استفاد علم الكلام كثيرا في مراحله المتأخرة من ~~أتون التفلسف العقلاني - من المنطق - فكان ينمو ويتطور، ينضج ... ينضج، فنضج حتى احترق - كما ~~يقول الأقدمون # 3 ~~- وتنبعث من رماده عنقاء الفلسفة. «ومن القرن السادس الهجري حتى القرن الثامن ~~أصبحت موضوعات علم الكلام هي نفسها موضوعات الفلسفة» # 4 # ولا شك أن المعتزلة لهم دور خاص في توجيه الفكر الكلامي الإسلامي إلى طريق يؤدي ~~في النهاية إلى التفلسف الذي عاش طور الحضانة تحت جناحيهم - بتعبير حسين مروة - وقد أسهب ~~ابن خلدون - على الرغم من أشعريته - في إيضاح هذه القضية والمجرى الذي شقه المعتزلة بين ~~الكلام والفلسفة. # فلم تكن الفلسفة إلا تطويرا لعلم الكلام، ظهرت بعد أن استوفى نضجه، لتمثل دائرة ~~أو مرحلة فكرية أعلى من مرحلة التمهيد الكلامي، أصبح الفكر والواقع مهيئين لها، ~~وكانت الفلسفة أكثر اتصالا بسيرورة العقل البشري، وفي حل عن التمثيل الأيديولوجي ~~الصريح ... وإن كانت بالطبع لن تتحلل من روابطها به، فتميزت عن الكلام بأنها أولا: ~~انطلقت من المفاهيم والمضمون الفكري؛ لا من القضايا المثارة في المجتمع/النص بصورة مباشرة، ~~وثانيا: لم تتخذ من عقائد الدين مسلمة أو قاعدة مباشرة للبحث. # 5 ~~••• # خلاصة ما سبق أن نتوقف عند الأصول الفلسفية لتصور الطبيعية في التراث العربي كما ~~تشكلت على أيدي المتكلمين، ثم نتتبع نمو الأصول على أيدي الفلاسفة؛ لنصل إليها مع أولئك ~~الطبائعيين الذين نتفق على أنهم العلماء العرب القدامى. ~~••• # وعلى خلاف الظن الشائع، احتلت الطبيعيات في علم الكلام مكانا فسيحا في صدر المسرح ~~الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة من المشكلات الكبرى أو العناوين التقليدية للمصنفات ~~الكلامية، فإنها منبثة في كل هذا، حتى شهدت مع المتكلمين زخما وثراء. # وكما أشار دي بور، غلب النظر في الطبيعة على المعتزلة الأولين، حتى إن عمرو الجاحظ (+ ~~255ه) - وهو من رواد النزعة الطبيعية في علم الكلام الاعتزالي، ومن المعالم البارزة في ~~تاريخ الثقافة العربية - لم يفته التأكيد على أن العالم الحق يجب أن يضم إلى دراسة ~~الكلام دراسة العالم الطبيعي، وكان هو نفسه يصف دائما أفاعيل ms21 الطبيعة. # 6 # فالطبيعيات هي العالم، أو كما قال الجويني إمام الحرمين: هي كل موجود سوى الله ~~تعالى # 7 # وملكوته وملائكته، هي عالم الشهادة. بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي، وبتعبير ~~المتكلمين هي اللطائف. # وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام، إما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه ~~كموضوعات. # 8 # بهذا الأخير يمكن تصنيف الموضوعات إلى ستة هي: «التوحيد، القدر، الإيمان، ~~الوعيد، الإمامة، ثم اللطائف؛ أي الطبيعيات.» الإلهيات (العقليات) تشمل التوحيد والقدر، ~~والسمعيات (النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة. أما اللطائف - أي الطبيعيات - فموضوعها الجسم والحركة والمادة في الزمان ~~والمكان؛ أي العالم الفيزيقي، عالم العلم الطبيعي. وقد كانت الطبيعيات لطائف - كما أوضح ~~عابد الجابري - لأنها «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام»؛ أي ~~العقائد التي يفزع فيها إلى كتاب الله. # على هذا الأساس انشغل المتكلمون الرواد - كما أشرنا - باللطائف، فكانت بداية اشتباك العقل ~~الإسلامي بالعالم الفيزيقي، وبداية التفكير في الطبيعة، إنه بزوغ الفكر العلمي من ثنايا ~~الفكر الديني المهيمن، مما يسهم في تفسير زخم الدفع العلمي الذي جعل الحضارة ~~الإسلامية تنفسح للحركة العلمية وتحمل لواءها طوال العصور الوسطى، ولماذا كانت العلوم عند ~~العرب تتدفق في إطار الأيديولوجيا السائدة وتحت رعاية ومباركة السلطة الحاكمة، وليس ضدها ~~بالمواجهة والصراع الدامي معها كما كان الحال بالنسبة للعلم الحديث في أوروبا. # وسوف يفسر لنا أيضا لماذا كان العلم العربي معلولا ومفعولا، وليس علة فاعلة في تشكيل ~~البنية المعرفية الإسلامية، ولماذا استنفد ذلك الدفع ذاته، وبلغت الحركة العلمية الثرية ~~الدافقة طريقا مسدودا، ولم يقدر له التواصل والنماء في العصر الحديث، بل أسلم الحصيلة ~~والراية إلى أوروبا لتقوم بهذا الدور. # فقد انحل العالم الطبيعي على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض مأخوذة من المذهب الذري ~~القديم. # 9 # وأصبحت الجواهر والأعراض هي الأنطولوجيا الكلامية أو أساس تصورهم ~~للطبيعة. # 10 # فعن طريقهما أثبت المتكلمون هدفهم، وهو أن العالم متغير - لتوالي الأعراض ~~عليه - وبالتالي حادث، أي مخلوق لله. # دليل الحدوث: أي كون العالم الحادث المخلوق دليلا على وجود الله وقدرته وعلم الشاملين ms22 ~~وحكمته وحياته. ذلك ما سلم به المتكلمون، بل المسلمون جميعا. # فلم يكن العالم بالنسبة للمتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما وراءه. «إنما سمي ~~العلم علما؛ لأنه أمارة منصوبة على وجود صاحب العلم. فكذلك العالم بجواهره وأعراضه ~~وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى.» # 11 # كلمة «عالم» مشتقة أصلا من العلم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد من ~~الحس: العلام؛ أي الحناء لما يترك من أثر باللون، والعلامة ما تترك في الشيء مما ~~يعرف به، ومن هذا العلم: لما يعرف به الشيء أو الشخص كعلم الطريق، وعلم الجيش ~~«الراية»، وسمي الجبل علما لذلك، ومنه: علمت الشيء؛ أي عرفت علامته وما يميزه، ~~ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية في «العلم» # 12 # لم ترد لفظة «العالم» ~~ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدا، وردت فقط في صيغة الجمع: العالمين - ربما على ~~سبيل التأكيد - ثلاثا وسبعين مرة. هذا غير «العالمين بكسر اللام»، من العالم بالشيء ~~التي وردت ثلاث مرات. # 13 # وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين أو العالم ~~أو الطبيعة، والتي اتخذت مبدئيا شكل الإيجاد والخلق من العدم، إحداث المحدث: هذا العالم، ~~وهذا ما يتبلور في دليل الحدوث، وبصرف النظر عن عبقرية اللغة التي تطابق بين العلم والعالم ~~وتجعلهما من نفس المصدر نجد دليل الحدوث هو في جوهره قياس الغائب على الشاهد، وهو شكل من ~~أشكال الاستدلال العلمي الإمبيريقي، إنه ينطلق من المحسوس إلى المعقول، فتمتد له خطوط في ~~صلب التيار العلمي البازغ من ثنايا الفكر الديني، الذي جعل البحث في الطبيعة يغلب على ~~المتكلمين الأوائل. لكن دليل الحدوث ذاته بتوغله في الدوائر المغلقة كان من العوامل التي ~~أدت إلى انفصال علم الكلام عن البحث في الطبيعة بعد انتهاء عصور الازدهار، وإجهاض الفكر ~~العلمي البازغ وإسقاطه من الحساب، وسيادة الفكر الديني وحده. # الدوائر المغلقة لدليل الحدوث تتمثل في أن الطبيعيات ليست إلا سلما للعقائد، خادمة ~~للإلهيات وليس للإنسان، في حين أن الإنسان هو الذي ms23 يحيا في الطبيعة، وهو الذي يحتاج ~~لترويضها وتطويعها. الطبيعيات ليست مطلوبة في حد ذاتها للتفهم والتفسير - كإشكالية ~~إبستمولوجية - المطلوب فقط استخدامها كوجود أنطولوجي حدوثه يدلل على وجود الله. # ظل دليل الحدوث دائما إطار الطبيعيات الكلامية ككل وكأجزاء، مما جعل الإلهيات هي ~~النهاية والغاية: مثلما كانت قبلا هي البداية والمنطلق وزخم الدفع، في دائرة مغلقة من ~~الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس. ~~••• # وإذا تتبعنا مسار التراث العربي في تطوره إلى الفلسفة أو الحكمة، وجدنا الطبيعة ومباحثها ~~عند الفلاسفة أكثر وضوحا وتميزا منها عند المتكلمين. فقد سلموا جميعا بأنها قسم من ~~أقسام الحكمة الثلاثة: العقليات والطبيعيات والإلهيات. # ثم تفرعت إلى فروعها عند كل منهم. أفردوا لها مصنفات أو رسائل أو فصولا. إنها أصبحت ~~عنوانا للبحث وموضوعا محوريا للحديث. # ولئن ناقش نفر من أهل الاعتزال فكرة خلق القديم، فقد سلم المتكلمون جميعا - من أولهم ~~لآخرهم - بأن العالم حادث. بدأ الفلاسفة بالتسليم بهذه القضية، لكن بوصفها محل نظر ~~ومحتاجة لبرهان «الكندي». # 14 # وتحت تأثير فلسفة الإغريق الذين عجزوا تماما عن تصور الخلق من العدم، وتأكيد ~~أرسطو أن العالم قديم غير مخلوق، راح فلاسفة الإسلام يتلمسون سبل التعامل مع أطر قضية ~~حدوث العالم. لجئوا إلى الفيض # 15 # والصدور كبديل «الفارابي وإخوان الصفا وابن سينا» # 16 # ثم رفض ابن رشد هذا البديل، وأسرف في تبيان أن العلم قديم ومخلوق، في فلسفته ~~الطبيعية الأنضج نسبيا من حيث إنها المركب الشامل في تلك الصيرورة الجدلية: محدثة/فيض/قديمة. # 17 # في كل هذه التوترات المتتالية، ظلت الطبيعية قابعة دائما في قلب الأنطولوجيا، المتجهة ~~أولا وأخيرا نحو المتجه الإلهي ... نحو الثيولوجيا ... أي أنه لا فرق جوهريا بينها وبين ~~الطبيعيات الكلامية. ~~••• # وأخيرا، بل أولا يبقى أولئك الذين يتحملون المسئولية المباشرة للتراث العلمي العربي، ~~المعروفون باسم الطبائعيين، وكأن ثمة مصادرة على إبقائهم خارج دائرة الفلسفة التي كانت ~~آنذاك تحوي كل الإسهام العقلي ذي الاعتبار. # فضلا عن أن المتكلمين عدوهم زنادقة ملحدين، ولئن كانت أفكارهم الفلسفية غير مترابطة ~~وغير نسقية، ربما لاهتمامهم أكثر بالوقائع التجريبية، وهم أنفسهم ms24 نادرا ما واتتهم ~~الجرأة على أن يعتبروا أنفسهم فلاسفة، فإن المسائل الفلسفية فرضت نفسها عليهم، بحيث إن ~~إسهامهم الفلسفي جزء تكميلي لتاريخ العلم وتاريخ الفلسفة. # 18 # فضلا عن تمركز دورهم في تشكيل الطبيعيات الإسلامية وتأصيلها فلسفيا. # في وقت مبكر - منذ القرن الثاني الهجري - وقع رائدهم التجريبي الشهير جابر بن حيان في ~~إسار إيمانه الطاغي بحيوية الطبيعة وكل شيء فيها، بل رآها عاقلة مريدة، والكواكب قوي حية ~~علوية تمارس تأثيرها. الفرق بينها وبين الله، هو دخول المادة فيها، ولعل إفراط جابر في ~~حيوية الطبيعة والتنجيم - وهو الذي يتصدر باكورة الاهتمام الإسلامي التواق بالطبيعة - هو ~~الذي أدى إلى ثبوتهما المزعج في الطبيعيات الإسلامية، فلا ننسى دور «علوم الأوائل» وما ~~حملته من تيارات غنوصية وهرمسية. # أما في القرن الرابع الهجري، حين بدأ هؤلاء الطبيعيون في التميز كفئة، أو كدائرة من ~~الدوائر التي ارتسمت حول الوحي في هذا القرن، آمن بحيوية الطبيعة والتنجيم الطبيب ~~العالم أبو بكر الرازي، وكان إيمانه بالغ الحماس. لقبه المتكلمون بالملحد الكبير ~~الخارج عن الروح الإسلامية، والحق أنه «تبنى موقف الحرانيين تبنيا ~~كاملا» # 19 # وهم مدرسة ظهرت في حران، انتهت إلى تجسيم الله، والطبيعة والحياة والبشر، ~~وتغلغلت في التراث الإسلامي. تأثر بها الكندي وإخوان الصفا وابن سينا، وينسب إليها عابد ~~الجابري ما حملته الفلسفة المشرقية من عناصر هرمسية وغنوصية أدت إلى انتقال البيان ~~إلى العرفان. # ويكاد يكون الرازي أكمل تمثيل لتلك الفلسفة الحرانية. أنكر مثلهم المعجزات والنبوة؛ ~~لأن الناس سواسية في إمكان الاتصال بالعالم العلوي، عن طريق تطهير النفس ومفارقة ~~المحسوسات، وقال بقدمائهم الخمسة: الهيولي، والصورة أو النفس، والزمان، والمكان، والحركة. ~~كلها لا متناهية، وكل لا متناه قديم، والخلق من العدم مستحيل. الخلق حدث من ~~اشتياق النفس إلى الهيولي. إن الرازي يسخر نظرية الفيض ذات الأصول المثالية، لكن التطور ~~النسبي لمنجزات العلوم الطبيعية - في عصره عموما، وعلى يديه خصوصا - مكنه من توجيه ~~نظرية الفيض توجيها ماديا أكثر. # بصفة عامة، ابتعد هؤلاء العلماء عن طريق المتكلمين، وتلمسوا طريق الفلاسفة. ~~تولوا عن ms25 فيثاغورث والفيض، وساروا مع الأرسطية عموما وبصفة غير ملزمة، وعلى الرغم ~~من أن اهتمامهم كان بالوقائع المادية وما ينجم عنها من آثار، وكانت عنايتهم فقط بدراسة ~~الطبيعة وظواهرها المادية، فإنهم جميعا «جاوزوا الطبيعة والعقل والنفس في أبحاثهم، ~~وارتقوا إلى ذات الله، فجعلوه العلة الأولى أو الصانع الحكيم الذي تتجلى حكمته ~~ويتمثل إحسانه في مخلوقاته.» # 20 # نفس التوجه الإلهي ونفس الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية. # فيستهل البيروني - مثلا - مبحثا هندسيا خالصا بأنك إذا تحققت من ماهية الهندسة ~~تعرف نسبة الأجناس والكمية ومقدار المزروع والمكيل والموزون، وما بين مركز العالم في ~~أقصى المحسوس منه ... «ثم ترتقي بواسطة التدرب بها من المعالم الطبيعية إلى المعالم ~~الإلهية.» # 21 # ولعل ابن الهيثم المعاصر للبيروني في ذلك القرن الباذخ العطاء - الرابع الهجري - خير من ~~يمثل موقف العلوم الطبيعية. لنلقاه يرفض طريق المتكلمين، ويبرهن على أن دليل حدوث العالم ~~عندهم فاسد، فالعالم قديم أزلي أبدي، لكنه يخضع للخلق المستمر - تماما كما رأى ابن رشد - ~~ولابن الهيثم «مقالة في إبانة غلط من قضى أن الله لم يزل غير فاعل ثم فعل» ~~وأيضا ينقسم العلم معه انقساما ثلاثيا إلى رياضي وطبيعي وإلهي، وعن فضل علم الهندسة ~~«فإن به وبالمنطق يوصل إلى عمل الأمور الطبيعية التي هي الحكمة، ومبادئها وعللها ~~وأسبابها، وإلى علم الأمور الإلهية، ويوقف بذلك على حكمة الله - تعالى ذكره - في ~~هينة السماء والأرض وما بينهما، فلزم بذلك الباري الإله تعالى، حكيما قادرا ~~خبيرا.» # 22 ~~••• # هكذا تحيط الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية بالطبيعيات الإسلامية من كل صوب وحدب ~~لتنصب في المتجه الإلهي، حتى انصبت جهود الطبيعيين أنفسهم فيه. لم يعق ~~هذا حملهم للواء التجريبية طوال العصور الوسطى؛ لأن بحوثهم العلمية - كما أشار برتراند ~~رسل - اتصلت بالوقائع الجزئية دون القوانين الكلية، فضلا عن الأنساق ~~العلمية؛ # 23 # أي أنهم كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي. # كانت الطبيعة بؤرة من بؤر اهتمام المتكلمين، وضعها الفلاسفة قبل الإلهيات، ثم ظهر ~~الطبائعيون المتكرسون لها، ولكنها كانت في حال متجهة نحو الألوهية، مما جعل الطبيعيات ~~قابعة في نظرية الوجود، ms26 وبعيدة عن نظرية المعرفة ... التي هي مجال التنامي والصيرورة ~~والفعالية الإنسانية؛ لهذا لم يقدر لها تواصلا تاريخيا ... ولهذا أيضا لم يعن ~~الطبائعيون بصياغة أنساق علمية، واقتصرت جهودهم العلمية والإمبيريقية الجادة على صياغة ~~القوانين الجزئية، ولكن - كما هو معروف - كانت هذه الجهود مقدمات ضرورية لنسق العلم الحديث، ~~بحكم التواصل التاريخي لحركية العلم. # وأخيرا، تجمل الإشارة إلى أن المتجه الإلهي - وإن استوجب القطع المعرفي في ~~عصرنا هذا - فإنه صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في ذلك العصر الوسيط. فلا هي ~~انساقت مع مادية القبل سقراطيين المتطرفة، ولا مع مادية أرسطو المعدلة إلى آخر ~~المدى، وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينية، أيضا لم ~~تنسق معها إلى آخر المدى. فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود ~~الموضوعي، وهذا ما لا يمكن أن تفعله الفلسفة الإسلامية. قد تحرمه من استقلاله، أما وجوده ~~الموضوعي فكلا؛ لأن العالم الطبيعي فعلا متعين للقدرة الإلهية. مما يوضح أن العرب ~~أسرفوا في استغلال وتسخير التراث اليوناني، لكن كل هذا في إطار تصوراتهم وثوابتهم ~~الحضارية. # وكان التراث العربي الإسلامي تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك ~~الطرفين: المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل، لم يكن محض ~~انتقاء بينهما، أو توفيق لهما مع الشريعة. بل كانت خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي، ~~عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي، وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ~~ظروف العصر. # وأخيرا نرجو لهذا العرض المقتضب أن يكون قد أبان عن مواطن القوة التي خلقت التراث ~~العلمي العربي الزاخر، مثلما أبان عن مواطن الضعف التي تبرر لماذا كان عرضة ~~للتوقف والانحسار بفعل عوامل عديدة داخلية وخارجية. # المبحث الثالث # | الأبعاد المعرفية1 لكيمياء جابر بن حيان # لعل الكيمياء - أعرق المناشط الإمبيريقية للإنسان - فرضت عليه التعامل الحي مع ~~المادة واستجوابها والإنصات لشهادة الحواس بشأنها، واستقراء متغيراتها، منذ أن كان ~~لزاما عليه في العهود السحيقة تدبير احتياجاته العملية من قبيل الزجاج والفخار والأصباغ ~~وتقطير الخمور والعطور والأشكال البدائية للعقاقير والأدوية ... كانت هذه البدايات الخام ~~حرفا عملية ms27 بلا أساس نظري، ثم اقتربت الكيمياء من الإطار النظري والمنظومة المعرفية ~~المهوشة طبعا، وبدأ التأليف فيها حين استبد بالإنسان القديم الحلم الجامح بتحويل المعادن ~~الخسيسة إلى ذهب بغية الثراء السريع، وفي سياق الجهد المشبوب والفاشل لتحقيق هذا ~~الحلم تخلف رصيد هائل من المعارف بشأن طبائع المواد وتحولاتها وعمليات هذا ~~التحويل طبعا مشتت ومبعثر، لكنه قطعا السلف التاريخي للكيمياء الحديثة التي خرجت ~~من أعطاف العلم المعني بتحويل المعادن إلى ذهب - علم الخيمياء أو السيمياء # Alchemy ~~. # 2 # وسوف نعود مجددا لحلم الذهب، لكن لنلاحظ مبدئيا أنه سيطر على الإنسان ~~سيطرة طاغية أكثر كثيرا من كل ما نتصور، حتى إن إسحاق نيوتن ذاته - أمير الفيزياء الحديثة، ~~وربها بغير منازع، وواحد من أعظم العقول العلمية في تاريخ العلم بأسره، ولعله أعظمها ~~جميعا - ثبت أنه قضى وقتا طويلا في دراسة كل ما كتب في الخيمياء، وأجرى تجارب يحاول ~~بها تحويل المعادن إلى ذهب، # 3 # وطرحت سيرته موضوعا شائكا للباحثين: كيف نوفق بين نيوتن الفيزيائي ~~الرياضي العبقري ونيوتن الخيميائي المتعثر! # 4 # إن تاريخ العلم ليس سهلا منبسطا. # من المجدي دائما العود إلى الأصول التاريخية، وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات ~~أخذ تاريخ الكيمياء القديمة أو الخيمياء يكتسب أهمية متزايدة، # 5 # حتى أصبحت لغة الخيمياء مبحثا قائما بذاته في إطار الدراسات المتعلقة بتطور ~~اللغة الكيميائية. # 6 # ومجرد مصطلح الخيمياء الذي أصبح الكيمياء، من أعرق المصطلحات في تاريخ العلم، يعود إلى ~~فجر الحضارة - إلى الفراعنة، إلى أرض مصر - وكما قال بلوتارك: سواد تربتها يشبه سواد ~~إنسان العين، فأسماها المصريون كمي # Chemi Kemt ~~؛ أي التربة ~~السوداء، ولما عرف الإغريق ذلك العلم أسموه باسم البلد البعيد الذي أتى منه؛ أي ~~خيميا أو كيميا، # 7 # وكان أول استعمال لهذا المصطلح في مرسوم للإمبراطور دقلديانونس عام 296م يأمر ~~فيه بحرق الكتب المصرية؛ أي الخيمية أو الكيمية، كتب العلم الذي يحيل المعادن ذهبا ~~فيفتن الألباب ويفتح الأبواب للطمع وللدجل. هذا بعد أن أصبحت الكيمياء الفن المصري ~~والفن المقدس المنسوب إلى توت رب الحكمة، وكما هو ms28 معروف عبر العناصر الغنوصية أصبح توت هو ~~الإله هرمس المثلث العظمات، وذلك في مدينة الإسكندرية في العصر البطلمي الذي شهد توهج ~~الكيمياء، وشهدت البشرية فيه أول كتابات في هذا الفن المصري المقدس، بخلاف برديات ليدن ~~التي عثر عليها في أحد قبور طيبة. إن الكيمياء كاسم وكمسمى اختراع مصري ~~خالص. # 8 # وتكاد تتفق الدراسات الحديثة على رد مصطلح خيمياء وكيمياء إلى هذا الأصل الفرعوني كيمي ~~(التربة السوداء) أرض مصر الخصيبة، وليس التفسيرات الأخرى للمصطلح، تجافي إلى الكلمة ~~اليونانية # Chyma # التي تعني سبك وصهر المعادن، أو ما ~~ذكره حاجي خليفة في «كشف الظنون» عن الصفدي في شرحه للامية العجم من أن اللفظ مشتق من ~~اللفظ العبراني «كيم إيه» أي من عند الله، أو تفسير أبي عبد الله يوسف الخوارزمي في «مفاتيح ~~العلوم»، وهو أن لفظ الكيمياء عربي أصيل مشتق من الفعل كمى يكمي، ويقال كمى الشهادة؛ أي ~~أخفاها وسترها، نظرا لأن هذا العلم كان محاطا بالسرية والكتمان، على أن العرب أطلقوا ~~على هذا العلم أسماء أخرى بخلاف الخيمياء والكيمياء، منها: «علم الصنعة، صنعة الإكسير، ~~الحكمة، علم الحجر، علم التدبير، علم الميزان»، بعض هذه الأسماء راجع إلى طبيعة الموضوع، ~~أو إلى منهج البحث، أو إلى الغرض المستهدف. # 9 # بيد أن عبد الرحمن بن خلدون - العلم البارز في تاريخ الحضارة الإسلامية، وفي التأريخ ~~لها - أسمى الكيمياء في مقدمته الشهيرة «علم جابر». ~~••• # إذن فجابر بن حيان الأزدي الطوسي في القرن الثاني الهجري هو الإمام الأكبر والعلم الذي ~~خرجت من رحابه كل كيمياء العرب، وكل كيمياء العصور الوسطى، تحمل كيمياؤه تعثر ~~البداية ووعورة شقها للطريق، وفي الآن نفسه زخم التأثيرات المحورية والامتدادات ~~المستقبلية، وفي خضم هذا وذاك نحاول استكشاف بعض من الأبعاد المعرفية التي شكل ~~تلاقيها وتقاطعها هيكل كيمياء جابر. # وليس الأمر يسيرا؛ لأن الأبعاد متقابلة، بقدر ما كانت شخصية جابر نفسه محلا لأقوال ~~متضاربة حتى أنكر بعض مؤرخي الإسلام وجوده، فضلا عن نسبة مصنفاته الكثيرة ~~إليه، # 10 # وهذا ما رفضه بشدة ابن النديم في الفهرست، ms29 قائلا: «إنه من غير المعقول ولا ~~المفيد أن يتعب رجل فاضل قريحته وعقله ويده وجسمه ويخط كتابا ينسبه إلى غيره.» ~~ولئن حدث هذا الإنكار في سياقنا الثقافي، فليس غريبا إذن موقف العالم الفرنسي برتيلو # M. Berthelot ~~(1827-1907) في كتابه «الكيمياء في العصور الوسطى» # La Chimie au moyen age # الصادر عام ~~1893 في ثلاثة مجلدات؛ إذ ينسب إلى جابر بن حيان كل ابتكارات العرب الكيميائية، ~~ويعتبر كل الكيميائيين من بعده إما ناقلين عنه أو معلقين عليه. # يصدر برتيلو حكمه هذا على الرغم من تحامله على العلم العربي، والذي يصل به ~~إلى درجة تجافي النزاهة العلمية، بل وعلى الرغم من تحامله على جابر نفسه، حتى إنه ~~لا ينسب إليه إلا الغث التافه من مؤلفاته، ويزعم أن الأجزاء الثمينة من وضع عالم ~~لاتيني مجهول، أودع بحوثه كتابا أسماه «المجموعة الكاملة»، ويعد من أفضل إنجازات ~~العصور الوسطى في الكيمياء، وأنه نسبها إلى جابر حتى تتيمن بشهرته الواسعة، فيكون ~~نصيبها الذيوع والانتشار، وهذا نفس ما زعم به مؤرخ الكيمياء بارتنجتون # 11 # الرد على هذا نفس رد ابن النديم المذكور. # على العموم، فإنه في عام 1923 وفي مقال بمجلة إيزيس الشهيرة بعنوان «فحص نقدي لأعمال ~~برتيلو في الكيمياء العربية»، تكفل العلامة الإنجليزي هولميارد، أستاذ الكيمياء بجامعة ~~كلفتون والمتضلع في اللغة العربية بتبيان خطأ برتيلو وأشياعه بحجج علمية دقيقة ومسهبة، ~~مثبتا أن كتاب «المجموعة الكاملة» منقول عن كتاب لجابر اسمه «الخالص»، وأن جابرا يستحق - ~~عن جدارة - لقب مؤسس علم الكيمياء؛ لأنه كان يفضل العمل في المعمل، عازفا عن التأمل ~~العقيم، وأن رؤاه جلية وأبحاثه منضبطة، جعلت الكيمياء الإسلامية ترتفع لكي تكون علما ~~دقيقا، وأن تطبيقاتها هي التي جعلت أوروبا تبدأ الكيمياء على أساس سليم، بحيث إن كل ~~المعنيين بالكيمياء مدينون بالعرفان لأتباع محمد. # 12 # لقد ظل تدريس الكيمياء في الجامعات الأوروبية، حتى أوائل القرن الخامس عشر ~~مقصورا على تدريس مؤلفات جابر، قرابة خمسمائة عام. # ولأن العبقرية الناصعة ذات الإنجاز العلمي المحسوب تفرض نفسها على الجميع، مهما كانت ms30 ~~الميول والأهواء، نجد جابرا في النهاية رجلا حق عليه القول: «شهد له الأعداء قبل ~~الأصدقاء»، فهذا برتيلو نفسه لا سواه يضطر اضطرارا إلى أن يقول قولته: «لجابر بن ~~حيان في علم الكيمياء، ما لأرسطو من قبله في علم المنطق.» فكما أن أرسطو هو مؤسس علم ~~المنطق، فإن جابرا هو مؤسس علم الكيمياء كنقطة تحول في تراث الإنسانية العلمي. ~~••• # إذن يمثل جابر بن حيان منعطفا جذريا في تاريخ علم الكيمياء، وفي الآن نفسه منعطفا ~~جذريا في تاريخ الحضارة الإسلامية من حيث إنه في طليعة فئة الطبائعيين الذين تكرسوا ~~للاهتمام بالطبيعة، وهي الفئة التي نضجت واكتملت لتحمل عبء تاريخ العلوم عند العرب. ~~هذا المنعطف الجذري لئن تأدى إلى طرق وشعاب من بعده، فإنه بالمثل آت عن طرق ~~وشعاب قبله. فلا يدهشنا تداخل الأبعاد المعرفية التي ترسمت معها كيمياء جابر، ~~ما بين شعاب إسلامية وواقعية تجريبية وحرانية وزرادشتية وسكندرية يونانية عقلانية منطقية ~~وهرمسية غنوصية. # ونظرة واحدة إلى تصنيف جابر للعلوم، كما هو معروض في «كتاب الحدود» # 13 # يوضح كيف تداخلت هذه الأبعاد جميعها وتضاربت، فيبتعد عن التصنيف الأرسطي رغم ~~تأثره به، ويقسم العلوم متأثرا بالمد الإسلامي إلى علوم دين وعلوم دنيا، علم الدين ~~ينقسم إلى شرعي هو علم الظاهر، وعلم الباطن، وعقلي ينقسم إلى علم الحروف وعلم المعاني. علم ~~الحروف ينقسم بدوره إلى طبيعي وروحاني، وعلم المعاني ينقسم إلى العلم الفلسفي والعلم ~~الإلهي. الفلسفي يضم علوم الطبيعة والنجوم والحساب والهندسة، وإذا لاحظنا الأثر الإغريقي ~~هنا، نجد الأثر الهرمسي الغنوصي يتجسد في علم الباطن الروحاني الذي ينقسم إلى علم ~~نوراني وعلم ظلماني. أما علوم الدنيا - وهي ما تهمنا الآن، والتي جعلت جابرا ~~المنعطف الذي يستوقفنا - فتنقسم إلى شريف ووضيع. الشريف: هو علم الصنعة؛ أي ~~الكيمياء بفروعه المختلفة، والوضيع: هو أقسام العلوم أو الصنائع الأخرى الكثيرة الخادمة ~~للكيمياء. # 14 # إن تشجيرا يوضح هذا التقسيم أو التصنيف للعلوم، يمكنه أن يوضح أيضا مدى ~~تعدد الأبعاد المعرفية عند جابر، ومدى تقابلها وتشابكها. ~~••• # ولنبدأ بالبعد الجوهر والعمدة والعماد، ms31 الذي تناط به منزلة جابر في تاريخ ~~الكيمياء؛ أي: المنهج التجريبي، والحق أن هذا البعد متبلور متألق إلى أقصى الحدود، حتى ~~إنه يستعمل مصطلحي الاستقراء والتجربة بمعناهما ومبناهما المنصوص عليه في المنهج ~~العلمي الحديث فيقول: «استقراء النظائر واستشهادها للأمر المطلوب.» # 15 # ويقول للحث على دراسة كتبه: «لا عمل إلا بعلم قبله يتقدمه، فاعرف ذلك ~~واعمل عليه، وإياك وإهماله، فليس يمكن كل يوم العمل والتجربة لترى الرشد فيما نقوله لك، ~~ولكن اتعب أولا تعبا واحدا واجمع وانظر واعلم ثم اعمل.» # 16 ~~«التجربة محك معتمد، لكنها وحدها لا تكفي، إنما تأتي صنعة ~~الكيمياء بالعوامل الثلاثة معا: العلم والعمل والتجربة.» # وكما يشهد المعمل المهيب لجابر الذي عثر عليه بالكوفة في ناحية تسمى بوابة دمشق، ~~كانت التجربة مناطه الذي يعتد به، وليس مجرد صحائف الأقدمين كشأن البحوث الأوروبية ~~المتزامنة معه، فيقول في كتابه «الخواص الكبير»: «إننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه ~~فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امتحناه وجربناه، فما صح ~~أوردناه، وما بطل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضا وقايسناه على أقوال هؤلاء ~~القوم.» # 17 # إنه إذن لا يشرح إلا ما رآه بعينيه، ما جربه، مهملا ما وصل إليه عن ~~طريق السماع والقراءة، على أن النظرة التمحيصية المقايسة للأقوال المتواترة تجعلنا نتلمس ~~بعدا مأخوذا من علماء الحديث فيما وضعوه من قواعد الجرح والتعديل لنقد صحيح الحديث ~~من باطله، لكن جابرا استخدمه في عالم الكيمياء. # 18 # يقول جابر: «الجرح لك لازم إن فرطت في طلبه.» # 19 # ونعود إلى التجريبية، لنجد جابرا يقول قولته الشهيرة: «فمن كان دربا كان عالما حقا، ~~ومن لم يكن دربا لم يكن عالما، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يحذق، ~~وغير الدرب يعطل.» # 20 # وما الدربة إلا التجربة كما أثبتت تحليلات الدكتور زكي نجيب محمود في دراسته ~~الرائدة عن جابر. # 21 # وهذه محصلة لا ريب فيها؛ إذ يقول جابر: «إياك أن تجرب أو تعمل حتى تعلم، ~~ويحق أن تعلم الباب من أوله ms32 إلى آخره بجميع تنقيته وعلله، ثم تقصد لتجرب ~~فيكون في التجربة كمال العلم.» # 22 # إذن وضع عالمنا يده على سر العلم، أدرك أن فهم الطبيعة يقتضي حتما الرجوع ~~إليها واستجوابها عن طريق التجريب، ولم يكن جابر مجربا فحسب، بل مجربا منهجيا؛ أي ~~مدركا لوجوب وضع أصول وقواعد للتجريب كي يمثل منهج استدلال علمي، وأخطر ما في الأمر ~~إيضاح جابر لطبيعة الاستدلال التجريبي وحدوده وقصوراته، وبلا مبالغة - طالما نحذر منها - ~~فإن ما أثاره ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر وهو يفجر مشكلة الاستقراء الشهيرة، التي هي ~~حجر الزاوية في نظرية المنهج التجريبي، سبق أن أثاره جابر مستشرفا الآفاق التي تخلقت ~~في العصور الحديثة! # إذ يستحيل على الاستدلال الاستقرائي حصر كل الحالات التي تمثل الظاهرة، فيكتفي بأمثلة ~~جزئية هي نماذج للظاهرة، وينتقل منها إلى قانون كلي عام يحكم كل الحالات والوقائع ~~المماثلة، فتوقف هيوم متسائلا عن مبرر التعميم والحكم على ما لم نشاهده، من أدرانا ~~أنه مطابق للحالات التي شاهدناها؟ وإذا كانت العلية الكونية هي الأساس، فمن أين أتينا ~~بها؟ ولأنه ليس هناك إجابة منطقية على هذا السؤال، انتهى هيوم إلى أن التعميم الاستقرائي ~~عادة سيكولوجية، فالنفس الإنسانية مفطورة على عادة، هي توقع حدوث ما لاحظته، ~~سيما إذا تكرر كثيرا، إذن فالاستدلال التجريبي أو الاستقرائي ليس البتة ذا أي رسوخ ~~منطقي، وهذه الثورة الهيومية أدت إلى توترات ومد وجذر جم، وفي النهاية نجد محصلتين ~~تسلم بهما فلسفة العلم تسليما: الأولى: هي أن كل معرفة تجريبية احتمالية يستحيل أن تكون يقينية، والثانية: أن الاستقراء والاستنباط أو العقل والتجريب، أو اليد والدماغ أو الفرض ~~والملاحظة، يتآزران معا في نظرية المنهج العلمي. # وكل هذه الخطوط مترسمة في نصوص جابر، لا سيما «كتاب التصريف» كما سنرى. ~~••• # بادئ ذي بدء، نجد بعدا كلاميا جذريا، وهو قياس الغائب على الشاهد - الذي أوضحناه ~~في المبحث السابق - ترتكز عليه نظرية جابر المنهجية التجريبية، إنه يوضح بمزيد من النسقية ~~كيف نستدل من الشاهد على الغائب، بطريقة تجعلنا نفهم من الوقائع المتاحة ms33 أمامنا القانون ~~العام الذي يحكمها جميعا. إنها وظيفة العلم وصلب منهجه، وينطبق عليه ما أوضحه ~~جابر من سبل ثلاثة للاستدلال؛ إذ يقول: «إن هذا التعلق يكون من الشاهد بالغائب على ثلاثة ~~أوجه: وهي المجانسة ومجرى العادة والآثار، وأنا ممثل كل واحد من هذه الوجوه، وقائل فيه بحسب ~~ما أراه كافيا.» # 23 # بيد أن ما قاله جابر بشأن الوجه الثالث - الآثار - مفقود تماما. لكن ~~الاستدلالين الأولين ماثلان ومشبعان. # أما المجانسة فهي الاستدلال من الأنموذج، وهي صحيحة لكنها احتمالية «غير اضطرارية ولا ~~ثابتة في كل حال». # 24 # وهذا تميز علمي لجابر؛ لأن المتكلمين عدوها يقينية، ولكن علماء الفقه - ~~قبل جابر - رأوها ظنية. # 25 # إذن ربما استفاد جابر من بعد فقهي ولا ضير؛ فعلم أصول الفقه كنز ~~مذخور لعلم مناهج البحث، وجابر في كل حال يؤكد أن أي استدلال تجريبي احتمالي - ظني بتعبيره ~~- طالما يستند على حالات محددة ويستحيل أن يحصر آثار الظاهرة، يقول: «إن الإحاطة بآثار ~~الموجودات بعضها في بعض وكليات ما فيها أمر غير ممكن لأحد من الناس.» # 26 # وبسبب هذه الطبيعة الاحتمالية أو الظنية، يحذر جابر من الأخذ بأية نظرية إلا مع ~~الدليل القاطع، إن كان هو نفسه يأخذ بكثير من النظريات بغير أي دليل! # أما تعلق أو استدلال مجرى العادة فهو ما أشرنا إليه من استقراء النظائر ~~واستشهادها للأمر المطلوب، ويتفاوت ضعفا وقوة - كما يوضح جابر - تبعا لقلة النظائر ~~وكثرتها، فأضعفها ما يعتمد على حالة واحدة، وأقواها ما شوهد في كل الحالات، وهنا ~~يرفض جابر موقف المتكلمين وسواهم ممن يعتبرونها يقينية، مؤكدا أن الاستدلال ~~التجريبي في كل حال ظني أو احتمالي، وكل نظرية تحتمل التصديق والتكذيب - حتى نظرياته هو - ~~وإذا تذكرنا العادة السيكولوجية التي جعلها هيوم تبريرا للاستدلال الاستقرائي، ~~وجدنا جابرا يبرر استدلال مجرى العادة «لما في النفس من الظن والحسبان، بأن الأمور ~~ينبغي أن تجري على نظام ومشابهة ومماثلة»! # 27 # يقول جابر: «الموجودات كلها إما أن تدرك بالحس، وإما أن توجد بالعقل.» # 28 # وفضلا عن عبقرية التعبير في ms34 اللفظة «توجد» التي تستدعي تأكيد المنهج العلمي ~~المعاصر على أن العقل يخلق الفرض العلمي خلقا ويبدعه إبداعا، فإننا نجد ما ~~يؤكده ذلك المنهج من تآزر بين الجانبين - الحس والعقل، أو اليد والدماغ، أو الملاحظة ~~والفرض ... - في قوله النافذ الذي يكاد يحمل أوجز صياغة للب المنهج العلمي: «والله قد ~~عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح، وامتحنته فما كذب.» # 29 # فها هنا تآزر اليد والعقل، والبحث عن الفرض ثم تعريضه للاختبار التجريبي، أو ~~بتعبير كارل بوبر محاولات تكذيبه، ثم قبول الفرض لاجتيازه الاختبار ومحاولات ~~التكذيب. # ومع كل هذه البلورات المنهجية التجريبية، لا ينبغي أن نشتط كثيرا ونتصور منهجية جابر ~~صورة طبق الأصل من نظريات فلاسفة العلم المعاصرين، فثمة أبعاد كثيرة تتداخل، ربما لا ~~ينبغي أن نتوقف كثيرا بإزاء أبعاد أقل ما يقال عنها إنها خرافية خزعبلية، لحقت بالحس ~~والإدراك الحسي من قبيل أفاع بوادي الخزلج، إذا «رآها» الناس ماتوا، وكذلك جميع الحيوان، ~~وجبهة الأرنب البحري إذا «لمست» لحم الإنسان فتقته ... ومثل هذا في السمع والشم ~~والمسامتة # 30 ~~... وصفحات جابر تعج بأمثال هذه الترهات التي لا تنطلي حتى في قصص الأطفال. ~~لكن ينبغي الإشارة إلى بعد ميتافيزيقي راجع لطبيعة العصر، يجعل «العلم» عند جابر هو ~~«العقل»، والمعرفة العقلية مقدمة دائما على المعرفة الحسية. # ومع هذا وذاك لا نملك إلا تقدير تلك الصياغة الجميلة حقا للاستدلال التجريبي منهاجا ~~وتطبيقا. ~~••• # والجدير أيضا بالتقدير تلمس جابر لأهمية التكميم في العلم، والتكميم سر تقدم ~~الكيمياء الحديثة، وآية دقتها وانضباطها، الكمية عنده هي «الحاصرة المشتملة على قولنا ~~الأعداد مثل عدد مساو لعدد، أو عدد مخالف لعدد، وسائر الأرطال والأعداد والأقدار من ~~الأوزان والمكاييل وما شاكل ذلك.» # 31 # فضلا عن القياس الذي هو علاقة بين وزنين أو طولين، وقد اشتهر عن جابر استخدامه ~~للميزان في تجاربه واهتمام طاغ بالموازيين، وقد جعلها عنوانا لأهم كتبه، مرة أخرى - وليست ~~أخيرة - جاءت الموازين معه مسربلة بالعديد الجم من الأبعاد الميتافيزيقية واللاهوتية تضع ~~فراسخ بينه وبين الموازيين الدقيقة للكيمياء الحديثة، ms35 فأين نذهب بعشرة قرون من الزمان ~~تفصلهما، وأين نذهب بالمؤثرات والأبعاد العديدة التي تطاحنت في ذهنه، كفاه فخرا التفاته ~~للميزان في خضم كل هذا، وبسبب تحكيمه إياه في تجاربه واتخاذه أساسا للبحث، اعتبره بول ~~كراوس، من أعظم رواد العلوم التجريبية إجمالا وليس الكيمياء فحسب. # على أية حال قدم جابر المعاني الآتية للميزان، التي تعكس بدورها أبعادا ~~شتى: ~~(1) # الميزان النوعي. ~~(2) # ميزان الكيميائيين، وهو وزن مقدار الأجساد الداخلة في خلط أو مزيج. # وهذان المفهومان أقرب نسبيا إلى المعنى المعاصر للتكميم العلمي. ~~(3) # ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع. ~~(4) # الميزان كمبدأ ميتافيزيقي يرمز إلى التوحيد الإسلامي يعادي الثنائية ~~المانوية. ~~(5) # الميزان كتأويل ما ورد من ذكر الميزان يوم الحساب. # ويسهل ملاحظة كيف أن معالجة جابر لمفهوم الميزان تحمل معها توفيقا بين المذاهب والأبعاد ~~المتباينة، وهذا التوفيق سمة، تسم أبحاث جابر بصفة عامة؛ لأنه هو شخصيا يتسم أو يتميز ~~بمعرفة شاملة بتصانيف القدماء، لا يدانيها عالم آخر في عصره، جعلها تعتمل جميعها في ~~ذهنه. ~~••• # ولكن ما هو ذلك الميزان الثالث؟ ميزان الحروف الدالة على الطبائع؟ # هيرومنيوطيقية القراءة ؛ أي التعامل مع النص في إطار الأفق المعرفي للقارئ جعلت أستاذ ~~الجيل زكي نجيب محمود، يبحث عن معالم الوضعية المنطقية في نصوص جابر، فيبدو وقد تراءت له ما ~~أدركته الفلسفة التحليلية في القرن العشرين من أهمية التحديد الدقيق للألفاظ والمصطلحات ~~العلمية، وضرورة تحليلها إلى أبسط العناصر الممكنة، لقد اتخذ أستاذ الجيل من قول جابر: ~~«تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر.» مبررا ~~لجعل جابر رائدا سبق رسل وفتجنشتين في الذرية المنطقية والنظرية التصويرية ~~للغة. # 32 # لعل هذا التأويل الوضعي التحليلي لجابر يحمل تخريجا أو تحميلا زائدا يصعب ~~قبوله، لكنه على أية حال لا يفتقر للمبررات. # ذلك أن جابرا آمن إيمانا راسخا بقوة الألفاظ وجدوى البحث في دلالتها، حتى رأى أن كتابه ~~«الحدود» الذي يعنى فيه بتعريف الألفاظ والمصطلحات، هو أهم كتبه؛ لأنه بمثابة معجم ~~وجب أن يداوم الباحث على الرجوع إليه - إن ms36 كان يفضل دائما الرجوع إلى كتبه جميعا ~~ككل متكامل. # وكان الحد العلمي عند جابر هو القول الوجيز الدال على كنه المحدود دلالة حاصرة، ولم يزد ~~جابر في تعريفه للحدود شيئا عما قاله أرسطو من تعريف بالجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض ~~العام، وفي هذا نجد بعدا منطقيا خالصا شديد الوضوح، وأيضا شديد الدلالة على منحى ~~عقلية جابر العلمية؛ إذ يحمد لجابر كثيرا اهتمامه بمسألة الحدود ودقة المصطلح. إن هذا ~~البعد الإيجابي من العوامل التي تبرر منزلة جابر في تاريخ العلم. # ولا بد من الإشارة إلى العمل الجاد للدكتور عبد الأمير الأعسم «المصطلح الفلسفي عند ~~العرب»؛ حيث ينحو باللائمة على بدء الباحثين توثيق المصطلح العربي بكشاف اصطلاحات الفنون ~~للتهانوي وأمثاله من مصادر متأخرة، الصحيح عند الأعسم هو توثيق المصطلحات بالعود إلى جابر ~~بن حيان والكندي والفارابي وابن سينا. # 33 # فلكل من هؤلاء نص أسس المصطلح عند العرب، وواضح أن جابرا هو الرائد ~~الأول زمانيا يتصدرهم جميعا؛ لأن كتابه «الحدود» هو لغة اصطلاحية ازدهرت وقامت بدور كبير ~~في نشأة المصطلحات الفلسفية عن العرب، وقد أردف الأعسم دعواه بالتحقيق الجيد للنصوص المشار ~~إليها، ومنها بالطبع كتاب الحدود. (راجع الهامش رقم 14). # والأعسم بذلك يريد «أن يلغي الاعتقاد السائد في اضمحلال الدور الفلسفي لجابر في نشأة ~~المصطلح الفلسفي لغلبة الاتجاه العلمي على مؤلفاته التي وصلتنا.» # 34 # وإذ نعود نحن إلى علم الكيمياء، وموضوعها الكائن في الوجود أو الأنطولوجيا، نجد مصداق قول ~~الأعسم، في معاناتنا من غلبة بعد فلسفي خالص إلى درجة تنال كثيرا من علمية هذا ~~العلم. فقد سار جابر في اتجاه يتبناه فلاسفة قبله وبعده، مؤداه الاستدلال على خصائص ~~العالم من خصائص اللغة، على أساس أن اللغة تطابق طبائع الأشياء أو - كما ذكرنا - تركيب ~~الكلام يلزم أن يكون مساويا لكل ما في العالم. # وطالما أن اللغة - في نظر جابر - مسايرة لطبائع الأشياء، وجب أن يكون لكل حرف ما ~~يقابله من هذه الطبائع، وقد صنف جابر الحروف تصنيفا معينا حسب ترتيبها (أبجد هوز حطي كلمن ~~صحفت ms37 قرشت ...) بحيث يدل كل حرف على طبيعة معينة، فتفهم طبيعة الشيء من مجرد حروف اسمه! ~~إذ يدل على الحرارة: «أ ه ط م ق»، وعلى البرودة: «و ي» ... إلخ. # وفي كتابه «التصريف» تفاصيل هذا التساوق بين الحروف والطبائع، وتفاصيل استنباطه بعد أن ~~نجرد اسم المادة من الحروف الزائدة فيه. # 35 # إنه يستفيد من تصريف النحويين ليخرج منه إلى تصريف الكيماويين، وذلك هو ميزان ~~الحروف الدالة على الطبائع. # وهذا التمازج الوجودي - لا بقوة اللغة بل بقوة الحرف - ربما وجد عونا يقويه في ~~بعد إسلامي خالص هو لغوية الحدث القرآني، ومن ثم تمحور الحضارة العربية حول ~~علوم اللغة وإبداعها في هذا إبداعا لا مثيل له في تاريخ البشرية. # غير أن جابرا اشتط في هذا كثيرا، حتى تجاوز روح الإسلام وروح العلم على السواء، فكما ~~رأينا؛ انتهى به الأمر إلى الإيمان بقوة ودلالة الحرف في حد ذاته، وأنه مفتاح طبيعة الشيء، ~~أو طبائع الأشياء الأربعة، ناسيا أن اللغة بأسرها مسألة اصطلاحية اتفق عليها قوم من ~~البشر. # وها هنا يتجلى بعد مشرقي غنوصي لا عقلاني ولا إسلامي على السواء ، ألا وهو علم ~~الطلسم، الذي اهتم به جابر كثيرا، واعتبره واحدا من علوم سبعة هي كل العلوم - أو بالأحرى ~~كل العلوم الكونية - وهي: «علم الطب وعلم الصنعة (الكيمياء)، وعلم الخواص، وعلم الطلسمات، ~~وعلم استخدام الكواكب العلوية، وعلم الطبيعة كله: وهو علم الميزان، وعلم الصور وهو علم ~~تكوين الكائنات»، وينعت الطلسمات دونا عنها جميعا بأنها: «العلم الأكبر العظيم الباطل في ~~زماننا هذا أهله والمتكلمون فيه.» # 36 # أي لم يعد أحد يفهم فيه، ولكن حين يشرع ابن حيان في تقسيم كل علم من هذه العلوم ~~إلى فروعه ويتحدث عن أصوله، يبدو كيف أحاط هذا الرجل علما بكل البنية المعرفة المطروحة في ~~عصره، وكيف غطت تصانيفه كل مجالات العرفان المطروحة آنذاك. حتى قيل عنه: إنه أعلم علماء ~~العصور الوسطى طرا. # من أعمال جابر الهامة كتابه «الأحجار على رأس بليناس» الذي هو أبلونيوس السكندري، ~~وينسب إليه قوله: «إن للطلسمات ms38 موازين مختلفة على قدر خلقها أيضا.» # 37 # ثم ينساق جابر في شرح هذه الموازين الطلسمية في شطط أعجب من العجب، والطلسم ~~هو البعد المؤدي إلى ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع، ويخبرنا جابر كبرهان على ~~فاعلية علم «الطلسم» أن نعكس اسمه فيصبح «مسلط»، وهذا يدل على قدرته العظيمة في التأثير ~~على الأشياء والكائنات بأساليبه الملغزة التي تتلخص في البحث عن تقابلات الأشياء ~~وتوافقاتها، ليصل علم الطلسم إلى إمكانية تحويل المخلوقات الحية وليس فقط المعادن إلى ~~بعضها البعض، بل ويشرح جابر بعضا من كيفية أو كيفيات هذا التحويل، وأيضا تركيب البشر. كأن ~~نضيف وجه جارية إلى جسم رجل أو عقل شيخ إلى رأس طفل! وتفاصيل العمليات والتجارب المؤدية إلى ~~هذا في كتاب جابر «التجميع»، ودع عنك الآن الروح العلمية، فكيف يقول بهذه الترهات ~~«التجريبية» رجل يدين بالعقيدة الإسلامية التي تحمل كل إنسان - كروح وبدن - المسئولية ~~الكاملة. إن هذه التوصيفات التي يستفيض فيها جابر شارحا ومفسرا ومتجولا بين مذاهب شتى ~~وأساليب تجريبية مختلفة لصنع وتركيب وإعادة تجميع البني آدميين والمخلوقات تبرر ~~الزعم ببعد هندي في تفكيره، هو عقيدة التناسخ ، ولئن كانت تخالف صحيح العقيدة الإسلامية، ~~فقد قيل: إن نفرا من غلاة الشيعة أخذوا بها. # إن علم الطلسم أو ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع هي منطلق كل هذه ~~الترهات. ~~••• # لكن فكرة الطبائع الأربع التي نشأت عنها جميع الكائنات هي محور كيمياء جابر وعمودها ~~وعمادها، وهي هكذا بالنسبة للكيمياء القديمة بأسرها؛ لذلك كان جابر عميدها، وإذا أخذنا ~~في الاعتبار أن كل مرحلة من مراحل العلم خطوة مؤدية إلى لاحقتها، وجدنا مؤرخي الكيمياء ~~يعتبرون فكرة الطبائع أو العناصر الأربعة هي منطلق علم الكيمياء؛ لأنها نقطة البدء التي ~~تطورت إلى العناصر والمركبات، هذه المواد الأولية التي تتكون منها كل المواد ~~الأخرى. # 38 # عادة ما تعتبر هذه الفكرة إغريقية، تعود إلى أرسطو الذي أخذها عن الفيلسوف الطبيعي ~~القبل سقراطي أنبادوقليس. لكن الدراسات المحدثة، خصوصا مع العالم الفلكي الأثري ~~«أنتونيادي» أثبتت أن فكرة الطبائع الأربعة ذات أصل ms39 مصري، وأخذها الإغريق عن ~~الفراعنة. # 39 # ثم أخذها بيقين طاغ جابر بن حيان، وكان يسميها أوائل الأمهات البسائط، ~~وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، الحرارة والبرودة طبيعتان فاعلتان. أما الرطوبة ~~واليبوسة فطبيعتان منفعلتان، ومن تفاعلهما أزواجا تكونت عناصر أربعة أولية. فانفعال ~~اليبوسة بالحرارة يكون النار، والرطوبة بالحرارة يكون الهواء - أو البخار - واليبوسة ~~بالبرودة يكون التراب - أو الأرض - والرطوبة بالبرودة يكون الماء، وكل جسم لا يعدو أن يكون ~~تجمعا وافتراقا لهذه المواد الأولية الأربع: النار والهواء والتراب والماء، وبنسب ~~متفاوتة، ومن ثم يكون اتصافها بطبائع معينة راجعا إلى غلبة العنصر السائد، لكن العناصر ~~الأربعة، أو الطبائع الأربع مضمرة في كل جسم. مثلا: الحديد ظاهره حار يابس، لكن باطنه ~~بارد رطب، والزئبق ظاهره رطب بارد، لكن باطنه حار ويابس ... وهكذا. # معنى كل هذا أن الأشياء جميعها تشترك في أصل واحد؛ لذلك جاز تحويل بعضها إلى بعض، وهذا هو ~~عمل الطبيعة؛ إذ تحول الأشياء إلى بعضها، على أن الطبيعة بتلقائيتها تستغرق في هذا ~~التحويل آلاف السنين، أما الكيميائي فعن طريق الصنعة (العلم أو الكيمياء)، والتدبير ~~(التقانة أو التكنولوجيا) ... أي بتعمده المتدبر وتجاربه يستطيع إنجاز هذا التحويل في زمن ~~وجيز. على هذا كانت كل كيمياء جابر بن حيان، وكل خيمياء أو كيمياء العصور الوسطى - كما ~~صدرنا الحديث - تدور حول محور أساسي هو محاولة تحويل العناصر إلى بعضها، وبالتحديد ~~تحويل المعادن الخسيسة الرخصة كالنحاس ... والحديد إلى ذهب، وبتحديد أكثر: اكتشاف حجر ~~الفلاسفة الذي يستطيع هذا التحويل إلى ذهب. # ثمة ظواهر عديدة غرت القدامى بإمكانية هذا التحويل، منها أنه بغمس الحديد في كبريتات ~~النحاس يحل الحديد محل النحاس فتنفرد الكبريتات بلونها الأحمر ويترسب النحاس على سطح ~~الحديد، فيتغير لونه ومظهره، أيضا بتسخين كبريتات الرصاص تتصاعد رائحة كبريتية، وتتخلف ~~مادة إذا سخنت في بوتقة مصنوعة من رماد العظام، تظهر كرة صغيرة من الفضة؛ وذلك أن خام ~~كبريتيد الرصاص يحتوي على نسبة ضئيلة من الفضة، وبتسخينه في الهواء يتحول إلى مادتين: غاز ~~ثاني أكسيد الكبريت ذي الرائحة الكبريتية، وأكسيد ms40 الرصاص، وبتسخين أكسيد الرصاص في البوتقة ~~يتطاير جزء، ويمتص رماد العظام - لأنه فوسفات كالسيوم - الجزء الباقي، ولا يبقى إلا ~~الفضة. # 40 # وبالطبع لم يدرك الخيميائيون مثل هذا التفسير العلمي، فقط شاهدوا التغير ~~البادي على السطح، فآمنوا بغايتهم، وبصرف النظر عن طوفان الدجل والشعوذة الذي اقتحم هذا ~~الميدان، فقد برر الخيميائيون - المخلصون - عملهم بالتهاويم الخرافية، أو ~~بالدعاوى الفلسفية، وبالنسبة لجابر كانت حجته إغريقية خالصة، هي نظرية أرسطو في الوجود ~~بالقوة والوجود بالفعل، فكان الذهب عند جابر ذهبا بالفعل، والفضة والمعادن ذهبا بالقوة ~~ومهمة الكيميائي إخراج القوة إلى الفعل، فتصدر كتابه «إخراج ما في القوة إلى الفعل» مجموعة ~~رسائله التي اختارها وصححها ونشرها بول كراوس (والمذكورة في هوامش الدراسة). # ولكن هل فكرة تحويل المعادن إلى ذهب ذاتها إغريقية، كما تذهب معظم المصادر. # 41 # لقد كانت الملمح الرئيسي لكيمياء الإسكندرية التي يمتزج فيها التراث المصري ~~بالتراث الإغريقي، ولكن جوهرها الفلسفي مصري خالص هو «الكل في واحد» ويرمز لهذا المبدأ ~~المصري الشهير بالحية التي تلدغ ذيلها فتلتف حول نفسها على هيئة دائرة، ويعود إلى ~~الفيلسوف المصري كيمي وقوله: «الواحد هو الكل، ومن خلاله أتى الكل .» إنه قول أو مبدأ ~~يعبر عن الوحدة النهائية للمادة، وكان من أعظم مبادئ الخيمياء الهادية المرشدة، ~~والآن فقط - بعد تكشف جسيمات الذرة - يبدو على قدر كبير من الصواب. # 42 # ولكي لا تذهب بنا السخرية من أحلام القدامى كل مذهب، يمكن أن نستطرد قليلا إلى ~~العلم الحديث. ذلك أن العالم الأمريكي دمبستر قد تمكن منذ عشرات السنين من تحويل ~~الزئبق إلى ذهب بواسطة بعض التعاملات النووية، والتي تتلخص في إطلاق بروتونات ذات طاقة ~~كبيرة لطرد بروتون من نواة الزئبق بشحنته «80» منتجا الذهب بشحنة نواة «79». # 43 # حقا إن هذا لا يحقق أمل جابر وسائر الخيميائيين في الثراء السريع؛ لأن ~~الناتج كميات ضئيلة والتكاليف باهظة جدا، أضعاف مضاعفة لتكاليف استخراج الذهب ~~الطبيعي. إلا أن له قيمة علمية نظرية، وهي الآن لتوضح لنا أن الطموحات العقلية للسلف - ~~مهما كانت جامحة أو عاجزة - فإنها ms41 تلهم الخلف وتفتح آفاقا رحيبة للممكنات، ~~وتهيئ الطريق لتحقيقها ... لننتهي في النهاية إلى تواتر حلقات تاريخ العلم وأهميتها ~~جميعا بغثها وسمينها. ~~••• # وبالعود إلى جابر نتوقف قليلا بإزاء أن الطبائع أربع والعناصر أربعة، بل وضع جابر ~~تقسيمات رباعية متناظرة للكون بأسره، ففصول السنة أربعة، الصيف يناظر النار والشتاء يناظر ~~الماء والربيع الهواء والخريف الأرض، وفي بدن الإنسان أخلاط أربعة، الصفراء تقابل النار ~~وزمانها الصيف، والدم يناظر الهواء وزمانه الربيع، والبلغم يناظر الماء وزمانه الشتاء، ثم ~~تناظر السوداء الأرض، زمانها الخريف، والأعضاء الرئيسية أربعة: الدماغ والقلب والكبد ~~والأنثيان. تقابل الأخلاط الأربع بأزمنتها الأربعة، وهكذا ... # فلماذا هيمن الرقم «4» على ذهن ابن حيان؟ الإجابة فيما تناثر كثيرا في السياق ~~السابق؛ أي الأصل السكندري للكيمياء العربية والذي سيطرت عليه فكرة فيثاغورية صوفية ~~مؤداها تقديس الرقم «4» الرقم الكامل المعجز بسبب خواصه الرياضية الفريدة. # لقد استأثرت كيمياء الإسكندرية بنصيب كبير من الأبعاد المعرفية لكيمياء جابر بن حيان، لكن ~~هذه الأخيرة لم تكن أبدا نسخة منها أو مجرد تراكم كمي لها، بل تطويرا ~~وإضافة حقيقية ومرحلة جديدة في تاريخ علم الكيمياء. # وبخلاف الذهب كبعد محوري وعامل موجه، سارت أبحاث جابر الكيميائية في مسارات أخرى ~~إضافية واقعية وعملية وعلمية، ومشهودة كإنجازات باقية ومتتابعة نذكر منها الخبرة ~~بالعمليات الكيمياء الأساسية كالإذابة والتبلور والتقطير والتكلس والاختزال، وتوصيفه ~~لأساليب إجرائها بمناهج عملية واضحة وبسيطة، وأيضا أساليب تحضير طائفة من المواد ~~الكيميائية توصل إليها، منها أبيض الرصاص (كربونات الرصاص القاعدية)، والزنجفر (كبريتيد ~~الزئبق) وحامض النيتريك. أما عن التطبيقات أو التقانة: فقد كشف عن أن مركبات النحاس ~~تكسب اللهب لونا أزرق، واستنبط طرقا لتحضير الفولاذ وتنقية المعدن وصبغ الجلود ~~والشعر، وتحضير مداد مضيء من المرقشيا الذهبية (بيريت الحديد أو كبريتيد النحاس) ~~ليستخدم بدلا من الذهب الغالي في كتابة القرآن الكريم والمخطوطات الثمينة، وأيضا نوع ~~من الطلاء يقي الثياب من البلل، ويمنع عن الحديد الصدأ، وتوصل إلى أن الشب يساعد ~~على تثبيت الألوان في الصباغة، ويقال أيضا: إنه تمكن من صنع ورق غير قابل ~~للاحتراق ms42 من أجل كتاب عزيز عليه، هو كتاب الضيم لإمامه جعفر الصادق # 44 # لذلك يسجل «هولميارد» لجابر وتابعيه العرب أنهم خلصوا الكيمياء السكندرية ~~من غموض وترهات صبيانية سادتها، ووجهوا الكيمياء وجهة واقعية، وأقاموها نظاما ~~علميا عماده الوقائع التي تدعمها التجربة، # 45 # فذلكم هو حكم ناموس التطور العلمي، الذي حكم أيضا بأن مدرسة الإسكندرية ~~كانت خطوة سابقة وفاعلة للكيمياء العربية، فأول كتب معروفة في الكيمياء هي المكتوبة آنذاك ~~في مصر باللغة الإغريقية. # ففي إسكندرية مصر البطلمية كانت أهم المراحل الأسبق للكيمياء. أدرك بطليموس الأول ~~(323-285ق.م) وولده فيلادلفاس، بطليموس الثاني أهمية الكيمياء وكما هو معروف أقيم المتحف ~~أو معهد الميوزيوم في الإسكندرية واستدعي لإدارته استراتو - معلم فيلادلفاس وعميد ~~اللوقيون أو الليسيه - مدرسة أرسطو، فجاء من أثينا حاملا معه كتب أستاذه وأمهات التراث ~~الإغريقي، في هذا المعهد خصصت للكيمياء أو بالأحرى الخيمياء قاعات للمحاضرات والتجارب، ~~وإن كانت في الدور الأرضي؛ لأنها علم غير مبجل لغوصه في الماديات واستهدافه ~~الثراء. # 46 # ويجدر بنا ملاحظة أن الكيمياء ظلت محاطة بالشبهات حتى القرن السابع ~~عشر، ولاحظ واحد من أهم علمائها ومؤرخيها في تلك المرحلة شيوع الرأي بأن «الكيميائيين لا ~~بد من إلقائهم في الأفران! لأنهم يعملون بمواد خبيثة الرائحة، وملابسهم عموما مغطاة بحرائق ~~وأدران، وتجاربهم مصدر لعديد من الشكاوى العامة.» # 47 # ولكن شهدت الإسكندرية حفظ التراث الإغريقي النظري وتلقيحه بالتراث المصري العملي، ~~فكانت النتيجة في القرنين السابقين على ميلاد المسيح، واحدة من أهم مراحل العلم القديم ~~وأكثرها توهجا وتألقا، في الرياضيات وفي الطب والكيمياء والفيزياء، والتقانة ~~(التكنولوجيا) ... وبعد أن خبت جذوة الإبداع العلمي في الإسكندرية انكب الرهبان على ~~ترجمة النصوص الإغريقية إلى السريانية ... لكن انتشرت العناصر الغنوصية الهرمسية، وكانت ~~الإسكندرية مرتعا للا عقلانيات شتى - وقفنا على أبعاد منها - اقتحمت كيمياء ~~جابر التجريبية العتيدة، ففي النهاية تسلم العرب حين سادوا الأرضين كل هذا ~~الميراث، # 48 # ليستوعبوه ويتجاوزوه، لتكون ملحمتهم العلمية التي نعرض الآن ~~للمشهد الأساسي من فصلها الكيميائي. ~~••• # لم تكن الكيمياء بالنسبة للعرب كالشعر، بل هي كالفلسفة والرياضة، ms43 بمعنى أن الثورة ~~الثقافية العظمى التي أحدثها الإسلام ونزول الوحي في المجتمع القبلي، ومتوالياته ~~الحضارية، لم تطورها كما طورت الشعر أو القيم أو النظم الحاكمة، بل أوجدتها ~~إيجادا. أجل! لم يعرف العرب في جاهليتهم الكيمياء البتة، ثم عرفوها في نهضتهم ~~المنطلقة بعد الفتوحات الإسلامية، على وجه التحديد فتح مصر. # وحين عرف العرب الكيمياء، كان أول علم من أعلامها هو خالد بن يزيد بن معاوية ~~(حوالي 625-704م) الملقب بحكيم بني أمية لعشقه العلم والعرفان، تاركا عرش الخلافة، ~~لقد تعلم على يد راهب يدعى ماريانس الرومي جعله يتعلق بعلوم الكيمياء والطب ~~والنجوم، ويستحضر جماعة من فلاسفة مصر الذين أتقنوا العربية وأمرهم بنقل الكتب في ~~الصنعة - أي الكيمياء - من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وكانت هذه - كما يجمع ~~الثقات كابن النديم - أول ترجمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. # كان خالد فاضلا في نفسه محبا للعلم، اشتغل بالصنعة (الكيمياء) وأجرى تجارب، وأول ~~من كتب فيها من العرب، ومن مصنفاته الكيميائية كتاب الحرارات وكتاب الصحيفة الكبير ~~والصحيفة الصغير، ووصيته إلى ابنه في علم الصنعة، والفردوس وهو ديوان شعر في الكيمياء، يقول ~~فيه عنها: # 49 # هي الصنعة المضروب من دون نيلها # من الرمز أسوار تشيب النواصيا # ولكنها أدنى إذا كان عالما # إلى المرء من حبل الوريد تدانيا # ليس لأبحاث خالد الكيميائية قيمة معرفية أو إضافة علمية، لكن لشخصيته دورا حضاريا ~~كبيرا في الكيمياء عربيا وعالميا، الأولى: لأنه فتح البوابة أمام العرب في هذا العلم، ~~وفي الترجمات التي قامت بالدور المعرفي الخطير في العلم العربي، وعالميا لأنه رفع ~~قدر الكيمياء بأن اشتغل بها أمير، بعد أن كانت قاصرة على الصناع الباحثين عن الكسب ~~أو راغبي الذهب الباحثين عن الثراء السريع، فضلا عن المشعوذين والدجالين. # ولكن هل تأثر به جابر بن حيان، إذا تذكرنا أستاذ خالد - وهو ماريانس - وجدنا ~~جابرا يقول في «كتاب الراهب»، عن هذا الراهب الذي أخذ عنه علم الصنعة، فأسمى الكتاب ~~باسمه: # كنت مشتاقا إلى رؤيته، وذلك أنه بلغني عنه أنه أخذ العلم عن مريانس ms44 الذي كان ~~خالد بن اليزيد أنفذ في طلبه ووضع عليه العيون والأرصاد حتى أخذه من طريق ~~بيت المقدس، وكان يهدي في كل سنة ذهبا كثيرا، وإنما لما مات خلفه هذا ~~الراهب. # 50 # واضح من النص أن ثمة فجوة زمانية بين خالد وجابر، فكان تأثره الحي والعميق بالعلم ~~الثاني من أعلام الكيمياء العربية الإمام الشيعي الاثني عشري أبي عبد الله جعفر الصادق بن ~~محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، كان جعفر عالما، له ~~باع في الصنعة، # 51 # وتتلمذ جابر عليه، ثم غطت إنجازاته وشهرته تماما على جعفر وخالد. # لكن الولاء الشيعي لجعفر الصادق كان يغمر نفس جابر، فيوجه معظم كتاباته إلى الإمام ~~جعفر الصادق مخاطبا إياه بلقب: «سيدي»، ويقر أنه تلقى العلم عن سيده جعفر، وتنسب ~~إليه أفكار شيعية متطرفة مقترنة بنزعات سياسية ثورية، منها التبشير بقرب ظهور إمام معصوم ~~من ذرية علي، فضلا عن الزعم بوجود صلة بين جابر والقرامطة. لقد لاحظنا فيما سبق مثول ~~البعد الشيعي في تصور جابر للعلم، وهو في الواقع مثول كثيف. فمثلا: مصدر العلم عنده وحي ~~يوحي للنبي ثم يتوارثه خلفاؤه المعصومون فيقول جابر عن كتبه: «تأخذ منها علم النبي ~~وعلي وسيدي وما بينهم من الأولاد منقولا نقلا مما كان وهو كائن وما يكون من بعد ~~إلى أن تقوم الساعة.» # 52 # هكذا العلم عنده مطلق لدني موحى به، فيؤكد دائما أنه لا علم إلا ~~علم النبي وما عليه إلا التأليف، لعل إطار الشيعة وعلاقتهم بالأئمة وراء اهتمام جابر ~~العذب الجميل بطبيعة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ. # وكان يحلو لجابر الإقامة في الكوفة - موطن الشيعة - لطيب هوائها واهتمام أهلها بالعلم، ~~وقد أوضح المستشرق ماسينون أن أول من أطلع على النصوص الهرمسية هم غلاة الشيعة في ~~الكوفة، وأبان العلامة فيستوجير أن الكيمياء في هذه النصوص الهرمسية لا تختلف عن كيمياء ~~إستانس الزرادشتي، كلاهما يعتمد على الاعتقاد في قوى خفية وفي تأثير النجوم، ويستعمل ~~نفس الأساليب التطبيقية، لا خلاف كبير بين أساليب ms45 هرمس وأساليب أبولونيوس السكندري، أو ~~بليناس بتعبير جابر # 53 # الذي رأينا كل هذه الأبعاد تعتمل في كيميائه، ونعتقد أن لقب الصوفي الذي ~~يلحق باسم جابر دائما حتى على غلاف مخطوطاته راجع إلى عمق تأثره بالهرمسية، ولئن كان ~~هذا بعدا غير إسلامي، فقد تفاعل بما يكفي مع بعد إسلامي خالص هو ~~الشيعية. ~~••• # فقد عاش جابر طويلا في مركزها - الكوفة - حيث كان معمله المهيب كما ذكرنا، لكنه لا ~~ينتسب إليها. إنه عربي ينحدر من قبيلة أزد على حدود اليمن، وولد حوالي عام 720م إما ~~في حران بالعراق، وإما في طوس بفارس، رواية حران تدعي أنه أصلا صابئي ثم دخل ~~الإسلام وأظهر إيمانا وغيرة عظيمة على دينه الجديد. # لكن رواية ميلاده في طوس هي الأرجح، ولعلها تبرر - من ناحية - صلته الوثيقة ~~بالبرامكة التي تسببت في أزمة بينه وبين الرشيد حين غضب على البرامكة، وفتك بهم عام ~~188ه/803م. إنها نكبة البرامكة الشهيرة في التاريخ الإسلامي. # كان يحيى البرمكي مفتونا بجارية جميلة له، أصابها مرض عضال حار فيه الأطباء، غير أن ~~جابرا وصف لها دواء شفاها على الفور، # 54 # دهش يحيى لهذا وأثارت هذه الدهشة في نفسه، وفي نفس ولديه - جعفر ~~والفضل - شغفا بالعلوم الطبيعية، والبرامكة عموما مهتمون بالكيمياء، فظن هارون الرشيد ~~أن جابرا باح لهم بسر حجر الفلاسفة، وأن هذا هو سبب ثرائهم، ففر جابر إلى الكوفة، ظل ~~مختبئا بها حتى ولاية المأمون؛ حيث وافته المنية هناك حوالي عام 813م. # 55 ~~••• # وعبقرية جابر المذكورة في العلاج تعرج بنا على بعد جوهري هو علوم الطب، لنجده قد ~~برع فيها، خصوصا وأن الكيمياء دائما ذات صلة وثيقة بعلوم الطب، وإذا كانت الصلة تتمثل ~~في عصرنا هذا في علم العقاقير أو الفرما كولوجي، وفي الكيمياء الحيوية وما شابه هذا، ~~فإنها لم تكن هكذا فقط أيام جابر؛ بل كانت الصلة بين الكيمياء والطب تتمثل أساسا في ~~الإكسير الذي يؤكد جابر أنه وجده. # كانت الكيمياء هي معالجة المعادن الخسيسة لتصبح معدنا نفيسا، والطب هو معالجة ~~الأبدان المريضة لتصبح صحيحة، ms46 أساس العمل في الحالتين هو الإكسير؛ لأن الإكسير هو الوسيلة ~~التي يخرج بها العالم شيئا من شيء، كأن يضيف إليه ما ينقصه أو يحذف منه ما ~~زاد عليه، سواء أكان هذا الشيء جسما حيا أو معدنا. أما إكسير الحياة - أمل ~~السيميائيين أو الخيميائيين جميعا - فهو الدواء الشافي من جميع الأمراض، ويقال إن هذه ~~الفكرة تعود إلى أصول صينية. # 56 # ودعم من أثر البعد الطبي في الكيمياء إيمان جابر بالنزعة الحيوية التي سادت ~~العلم القديم لترى كل شيء حيا حتى أصلب أشكال الجماد. لقد ظلت هذه النظرة ~~الحيوية طاغية مهيمنة حتى كان العلم الحديث ليقترن بالتصور الآلي الميكانيكي للطبيعة ~~وينهي عصر النظرة الحيوية، حتى شهد القرن العشرون انهيار التصور الآلي للطبيعة بدوره تحت ~~وطأة نظرية «الكوانتم» الكمومية والنسبية وسائر علوم الذرة. # المهم أن جابرا كسائر أقرانه من العلماء القدامى آمن بحيوية الطبيعة، بل رآها عاقلة ~~مريدة والكواكب قوى حيوية علوية تمارس تأثيرها، الفرق بينها وبين الله هو دخول المادة ~~فيها، من هنا كان علم التنجيم عند جابر - أو كما أسماه علم استخدام الكواكب العلوية - ~~واحدا من علوم سبعة أساسية هي كل العلوم. # آمن جابر أيضا بأن المعدن كائن حي، ينمو في جوف الأرض عبر آلاف السنين، على إثر ~~تزاوج أو اتحاد عنصرين هما دخان أرضي وبخار مائي، يتكاثفان في جوف الأرض ~~ليكونا أصلي جميع المعادن: الزئبق والكبريت. الفرق بين معدن وآخر يعود إلى اختلاف ~~نسب الكبريت والزئبق فيه، في الذهب يكون بينهما اتزان تام، وفي الفضة يتساويان في الوزن، ~~والنحاس يحتوي على كبريت أكثر، أما القصدير فزئبقه أكثر وهكذا، ويرى المؤرخون أن هذه الفكرة ~~هي التي تطورت إلى مفهوم الاتحاد الكيميائي الحديث، فتعتبر من أهم الأفكار الكيميائية التي ~~طرحت في القرن الثامن. # 57 # وبطبيعة الحال، اتحاد الزئبق بالكبريت يعطي كبريتيد الزئبق، وهو ليس بمعدن على الإطلاق، ~~فضلا عن أن يكون كل المعادن، وقد عرف جابر كبريتيد الزئبق، وأسماه الزنجفر. إذن فهو ~~لا يقصد بالكبريت والزئبق المقصد العام لهما، بل مبدأ ما ms47 ميتافيزيقيا، # 58 # لعله متصل بما أسماه جابر: الأرواح، أخذا عن زوسيموس السكندري تركيب ~~المعادن من روح وجسد، ينفصلان ليدخلا ثانية في تركيب جديد. # 59 # ذلك أن الإيمان القديم بحيوية الطبيعة دفع جابرا إلى تقسيم المواد الكيميائية إلى: ~~أرواح وأجساد وأجسام. الأرواح تطير عن النار وعددها ست، وهي: الزئبق والزرنيخ ~~والكبريت والنشادر والكافور والدهن، الأجساد هي المنطرقة، وعددها سبعة وهي: الرصاص الأسرب ~~والرصاص القلعي والحديد والذهب والنحاس والفضة والخارصين، جميعها تمتزج مع أرواحها ~~باعتدال، بمقادير متساوية. أما الأجسام فتختلط في معادنها الأرواح والأجساد على غير مزاج أو ~~اعتدال. الكيميائي يمكنه أن يعطي كل جسم الطبع الذي يناسبه ليعتدل حاله، ثم ليصبح ~~ذهبا. كذلك الطبيب يعطي كل جسم ما يناسبه ليعتدل حاله، وليصبح معافيا. إن التماثل ~~قائم إلى أبعد مدى، بفضل ذلك البعد الحيوي فيطبق جابر تصورات التناسل والحمل والزواج ~~والتعليم على المعدن، وكذلك الموت والحياة، ويرى المواد الغليظة الأرضية ميتة. أما المواد ~~المنيرة فروحانية ... بكل هذا لا يختلف عمل الطبيب كثيرا - في نظر جابر - عن عمل الكيميائي ... ~~فكان أن اجتهد هو في العملين معا. # وحتى في الطب، يحتفظ جابر بحضور علمي رصين، ليظل ماثلا في ذاكرة السنوات العشر ~~الأواخر من القرن العشرين وما تلاه، فاهتمامه بالطب جعله يخرج دراسة ناضجة عن ~~السموم، الجيد منها والرديء وكيفية إيصالها للأبدان، وأسمائها والسموم المركبة والحوادث ~~العارضة عنها في الأبدان، وكيفية الشفاء منها والأدوية الناجعة في هذا، والأحوال الميئوس من ~~شفائها والسموم القاتلة توا، وقد قسم السموم إلى ثلاثة أنواع: حيوانية ونباتية وحجرية ~~(أي من كيمياء الفلزات). # وجابر على أية حال اشتهر بقدرته العملية البارعة في وصف ترياق السموم، وفي شفاء ~~العديد من الأمراض، وقد وصف أدوية، كما اعتنى بتركيب الحيوانات وتشريحها، ولكنه أولا ~~وقبل كل شيء فاتح بوابة الكيمياء العربية وعالمها الأول - زمانيا وموضوعيا - سار في ~~إثره الأعلام التالون - أبو بكر الرازي، وابن سينا، ومسلمة المجريطي، وأبو المنصور ~~الموفق، والطغرائي، وأبو القاسم العراقي، والجلدكي ... ~~••• # هو عقلية عملاقة إذن. كان قادرا على استقطاب الأبعاد المعرفية ms48 في عصره واستيعابها ~~وتجاوزها، والرجال العظماء أخطاؤهم عظيمة، وإذا كنا قد بينا نفاذ بصيرة ابن حيان ~~التجريبية المنهجية، نرجو أن يكون استكشافنا السابق لبعض الأبعاد المعرفية لكيميائه يحمل ~~تفسيرا للخطل في شطحاته التي فاقت كل خيال، فقد رأينا انشغاله بالتنجيم والطلسم وتركيب ~~المخلوقات والبشر. # من هذه الشطحات أيضا وصفه لتجارب بلهاء عديدة، منها على سبيل المثال: تجربة ~~نستخرج بها زنبور النحل من ثور ميت، يفضل أن يكون أحمر اللون! وزعمه بأنه يعرف ~~حيوانا بحريا عجيب الخلقة والطباع - ويسهب في وصفه - قادرا على الإبراء من جميع ~~الأمراض، وكأنه بديل حي لإكسير الحياة. # ولن ينتهي بنا الحديث لو أحصينا شطحات جابر، التي تجعلنا نضرب كفا على كف، كلما ~~تذكرنا أن القائل بها هو القائل بالدربة واستدلال مجرى العادة وكيفية تركيب حامض ~~النتريك وخواص نترات الفضة وكربونات الرصاص ... # لقد كان جابر تمثيلا عينيا لميراث العقل العلمي في القرن الثاني الهجري/الثامن ~~الميلادي، وفي الآن نفسه تمثيلا عينيا للدفعة الجبارة التي بدأت بها انطلاقة العلم ~~العربي، ليواصل - فيما بعد - نماءه وتطوره، ويصل إلى النضج وذروة من أوج ذراه مع ~~أبي الريحان البيروني. # المبحث الرابع # | المنهج العلمي عند العالم النابغة أبي الريحان البيروني # 3 من ذي الحجة 362ه-2 من رجب 440ه # سبتمبر 973م-13 من ديسمبر 1048م # 1 # أولا: مدخل إلى رحاب أبي الريحان # إن المنهج العلمي # 2 # بخطوطه وشرائعه ونواميسه ومثله وقيمه، ما هو إلا البلورة المستصفاة ~~والتمثيل العيني للعقلية التي توصف بأنها عقلية علمية، وقد أتى أبو الريحان محمد بن ~~أحمد البيروني الخوارزمي # 3 # في أوج العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ليمثل أعلى مد بلغته ~~العقلية العلمية، فقد كانت عقلية البيروني مصبوبة في أطر المنهجية العلمية ومدموغة ~~بسيماء العلم، ومتمثلة لقيم العلم، ومتكرسة لأهداف العلم ... بالمفهوم الحديث لمصطلح ~~العلم؛ أي المفهوم الإخباري المنهجي المقنن المنصب على العالم الواقعي المتعين. ~~على الإجمال عقلية البيروني عقلية علمية # Scientific # إلى درجة لا نحسب أن بلغها علم آخر من أعلام تاريخ العلوم عند العرب، مما ~~يعد بحصاد جيد إن رمنا ms49 استكشاف أبعادها المنهجية. # فقد كان المنطلق الأساسي لهذا المبحث أن البيروني لم يبلغ مكانته التي ~~جعلته الوحيد في الحضارة العربية الذي يلقب بلقب «الأستاذ»، وجعلت المستشرق ~~الألماني العلامة إدوارد ساخاو (راجع هامش 1) بعد أن حقق بعض كتب البيروني يقول ~~عنه عام 1887: إنه أعظم عقلية عرفها التاريخ، كما أكد «أرثر بوب» أنه من أعظم ~~العقول المفكرة وعلى مستوى كل العصور، ونعت جورج سارتون - مؤرخ العلم الثقة - ~~القرن العاشر/الحادي عشر الميلادي باسم «عصر البيروني» ... لم يبلغ البيروني هذا ~~المبلغ، إلا لأن المنهج قد تبجلت أهميته واستبينت معالمه في رحاب ~~البيروني ... وإذا انتهت أطروحتنا إلى هذا، فإن البيروني إذن قد وضع يده على مفتاح ~~العلم. فالمنهج هو دماء حياة العلم والقوة المثمرة الولود إياه. النظريات قد يرسو بها ~~المطاف في متاحف التاريخ. أما المنهج - أسلوب البحث المنضبط حين يتبلور - فإن تطبيقه ~~يؤدي إلى النتائج تلو النتائج فيصحح بعضها بعضا ويفوق سابقها لاحقها، ليذوي هذا ~~السابق، ومع توالي الممارسات المنهجية يصبح هذا اللاحق بدوره سابقا يوما ما، ~~وهكذا دواليك ... يمضي السير قدما في طريق التقدم والتطور المعرفي، بفضل أو على ~~أساس من المنهج - منطلقنا إلى عالم البيروني الخصب الزاخر. # إن البيروني أبرز علماء الحضارة العربية في الرياضيات وفي الفلك # 4 # الذي عرفه العرب باسم «علم الهيئة» وعدوه فرعا من ~~الرياضيات. # 5 # وظل الفلك دائما وثيق الاتصال بالرياضيات، وهما مجالات يطلق عليها في ~~قديم العلم وحديثه مصطلح «العلوم الدقيقة المنضبطة» وكان هذا من العوامل التي أكسبت ~~عقلية البيروني منهجية مقننة، إنه أكثر أقطاب الحضارة العربية تكرسا للمباحث والعلوم ~~العقلية. # ولئن كان البيهقي والشهرزوري ينعتان البيروني بأنه من أجلاء المهندسين، فإنه ليس ~~رياضيا قحا، كسلفه الخوارزمي أو أبي سعيد السجزي أو سواهما، بل يتقاطع مع قطب ~~الرياضيات والفلك قطب آخر، هو التاريخ والحضارات والأنثربولوجيا، ثم ما يستتبع ~~تقاطعهما من مباحث تجريبية أنجز فيها البيروني، هي الجغرافيا والجيولوجيا والمعادن ~~وأيضا الطب والصيدلة. فلا ننسى الطابع الموسوعي للعالم في العصر الوسيط. # الفلك والرياضيات أولا وقبل كل شيء، والتاريخ ms50 والحضارة ثانيا، ثم العلوم الطبيعية ~~التجريبية، تلك هي مقاطعات علم البيروني. # وتعلو مدارج السمة العلمية حين يتبدى كيف كان اهتمام البيروني بالمباحث الإنسانية ~~اهتماما علميا خالصا بذلك المفهوم الحديث الذي اتفقنا عليه لمصطلح العلم الذي ~~يفيد علوما إخبارية وصفية وتفسيرية منصبة على ما هو كائن، وعلى الوجود الواقعي ~~المتعين، وليس على ما ينبغي أن يكون، أو على مستويات أخرى من الوجود، بهذا المفهوم ~~كانت عقلية البيروني - على ثرائها وغزارة إنتاجها - عقلية علمية في صلبها وهيكلها، ~~في مبناها وأهدافها. أما الأبعاد الدينية والفلسفية والأدبية # 6 # التي هي حاضرة عند البيروني، فكانت هوامش لكي يكتمل التشكيل العلمي ~~للعقلية، وروافد تغذيه وتصقله، لا سيما وأن الإطار الثقافي للعصر يفرضها ~~ويستلزمها لكي يكون العالم عالما بحق، والفلسفة بالذات دورها خطير في تعميق ~~العقلية العلمية وفي كل عصر. # وإذ اكتسب البيروني السمة العلمية إلى هذا الحد، فسبيلنا الآن إلى رحلة في ~~عالمه، لنرى هل كان منهجيا وعقلانيا بنفس القدر؟ وإذا أسفرت محصلة بحثنا عن ~~الإيجاب، يغدو من نافلة القول التساؤل عما إذا كانت العقلانية العلمية المنهجية بضاعة ~~غربية، علينا استيرادها وتدجينها، أو ما إذا كانت فلسفة العلم - من ناحية أخرى - في ~~بحثها لهذه المفاهيم ملتزمة فقط بالمعطى العلمي الراهن، وأصوله التي هي أولا وأخيرا ~~غربية. # ثانيا: معالم شخصية علمية # وإن أبا الريحان البيروني لرجل تحنى الهام إجلالا وتكرمة له، لخصلتين ~~دريتين تحققتا فيه بوصفه عالما. الأولى: هي عشقه النزيه للعلم، فقط من ~~أجل العلم، حتى إنه يرفض عطايا السلاطين التي قد تصل إلى حد حمل فيل من الفضة - ~~حسب واقعة يخبرنا بها ياقوت الحموي - إذا كانت هذه العطية مكافأة على إنجاز علمي ~~توصل إليه، معتذرا بأنه «يخدم العلم للعلم لا للمال» # 7 # والخصلة الثانية هي مدى هذا العشق النزيه للعلم، حتى إن واحدا من رفاقه في ~~الدرس والبحث - ويدعى الولوالجي - قد عاده وهو على فراش الموت، فما كان من البيروني ~~إلا أن غالب حشرجات المنية، وسأله عن إحدى المسائل الرياضية، فقاطعه الصديق مشفقا: ~~أفي تلك ms51 الحالة؟ فرد عليه البيروني بقول لعله من أنفذ ما قيل تبتلا ~~إلى رحاب العلم، ألا وهو: «يا هذا، أن أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة خير ~~من أن أخليها وأنا جاهل بها.» # 8 # فلما تناقش معه الصديق، واطمأن إلى حسمه لتلك المسألة، انصرف من عنده. ~~غير أن الصراخ سبقه للطريق! # على أن «العلم للعلم» عند البيروني قيمة منهجية خالصة، ولا تعني بحال توجها ~~ميتافيزيقيا مجردا، وكأنه مواصل لمثل الإغريق التي مجدت التأمل العقلي ~~الخالص فقط من أجل المتعة العقلية اللائقة بالسادة، بل تعنى فقط أن قيمة العلم لا ~~تحددها أبدا المنفعة العملية؛ لأن المنفعة العملية عنده لا تحدد قيمة أي شيء، ~~فهو يقول في «تحديد نهايات الأماكن»: «الفضيلة الذاتية للشيء غير المنفعة العارضة ~~لأجله.» وعقلية البيروني ذات المنحنى العلمي الواقعي لا تعي ولا تقبل العلم للعلم ~~أو الفن للفن كدوائر مغلقة. العلم عنده ينصب في رافد الحضارة العربية ويخدم ~~القيم الإسلامية واحتياجات المجتمع الإسلامي، وقيم العلم عند البيروني ودوافعه وبواعثه ~~يمكن أن نجدها في تعاليم القرآن الكريم التي تحث على التأمل في السموات ~~والأرض التي خلقها الله بالحق، # 9 # وكثيرا ما يستشهد البيروني في مقدمات أبحاثه بالآيات الكريمة الدالة على ~~هذا، ولا شك أن البعد الإيماني من العوامل التي زرعت في شخصية البيروني عشقا ~~للعلم، تجسده الأقصوصتان المذكورتان. # وهذا العشق المتأصل للعلم وراءه نبوغ مبكر، يكاد يكون الشيء الوحيد المثبت عن ~~حداثته، # 10 # فقد ولد البيروني في خوارزم لأسرة فقيرة مغمورة من أصل فارسي، فلا نعلم ~~شيئا عن نشأته إلا شغفه بالعلم وحرصه على تدوين ما يصل إليه من معلومات منذ ~~اليفاعة وبواكير الصبا. # ومن ثم نجده أتقن علوم اللغة العربية، شأن كل أعلام الحضارة الإسلامية التي ~~تتمركز حول محورها الثابت ألا وهو القرآن المبين. أما لغة البيروني الأم؛ أي اللغة ~~الخوارزمية فهي لهجة من لهجات اللغة التركية مطعمة بمفردات كثيرة فارسية، وهي لغة ~~شعبية أو عامية. لم تكن آنذاك من لغات الكتابة والإنتاج العلمي والثقافة. الثقافة آنذاك ~~اقتصرت على ms52 اللغة العربية أولا ثم الفارسية، وقد أجاد البيروني كليهما وبلغ فيهما ~~من البلاغة وسلاسة التعبير مبلغا يعز على الأهلين من العرب والفرس، وإخراجه ~~لعلمه «التفهيم لأوائل صناعة التنجيم» باللغتين العربية والفارسية يبين إلى أي حد ~~تملك ناصيتهما وأجادهما، ويشتهر عنه قوله: «إن الهجو بالعربية أحب إلي من ~~المدح بالفارسية.» فيوجه لطمة قوية للنزعات الشعوبية التي حاولت عبثا الإعلاء من ~~شأن الفرس على العرب. فقد دان البيروني بالولاء العظيم والعميق للعروبة. # وعلى هذه الأسس يمكن أن نتفهم نصا بالغ الأهمية والدلالة، قاله البيروني في مقدمة ~~كتابه «الصيدلة في الطب» واستهله بتأكيد أن كل أمة من الأمم - اليونان والعبرانيين ~~والنصارى والهنود والمغاربة ... - موصوفة بالتقدم في علم أو عمل، ثم يقول أبو الريحان: # ديننا والدولة العربية توءمان، يرفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى ~~الآخر اليد السماوية، وكم احتشد طوائف من التوابع وخاصة منهم الجيل ~~والديلم، في إلباس الدولة جلاليب العجمة، فلم تنفق لهم في المراد سوق، ما ~~دام الأذان يقرع آذانهم كل يوم خمسا، وتقام الصلوات بالقرآن العربي ~~المبين خلف الأئمة صفا صفا، ويخطب به لهم في الجوامع بالإصلاح كانوا ~~كاليدين والفم، وحبل الإسلام غير منفصم وحصنه غير منثلم، وإلى لسان ~~العربية نقلت العلوم من أقطار العالم وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين ~~والأوردة، وإن كانت كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها ~~واستعملتها في مآربها مع آلافها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة ~~لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في المكراب، ~~ثم منتقلة إلى العربية والفارسية، فأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو ~~بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية. # 11 # التسامح والانفتاح على تراث كل الأمم، وراءه إيمان العالم بوحدة العلم وتكامل ~~الجهود في طريقه، ولم يتعارض هذا مع إيمان معتز بالدين الإسلامي، جعله يرفع من ~~شأن العروبة ولغتها الجميلة التي ترجم إليها أسفارا، ثم تعود موضوعية العلم ~~لتؤكد أن كل اللغات سواسية من الناحية الموضوعية، متفاضلة على أسس ذاتية. فينحو على ~~ذاته ويتذكر لغته ms53 الخوارزمية - التي هي غريبة ومغتربة عن العلم - لكنه اقتحم لغتي ~~الثقافة؛ أي العربية والفارسية وللأسباب الدينية والحضارية المذكورة تعلو الأولى على ~~الثانية إلى أبعد الحدود. # ثالثا: حصاد وافر # وفضلا عن الخوارزمية والفارسية والعربية التي عشقها، أتقن البيروني أيضا اللغات ~~السنسكريتية والسريانية والعبرية وألم باليونانية. # 12 # مما يسر له الرجوع إلى المراجع العلمية المنجزة في تلك الحضارات ~~العريقة، متفاديا أخطاء المترجمين غير الملمين بدقائق العلم المتخصصة، وكان هذا من ~~العوامل التي أعطته خلفية علمية مكينة يسرت له الانطلاق بعبقريته. # من هذه العوامل أيضا أنه تراسل مع معاصره الشيخ الرئيس ابن سينا، وتفاعل - بعنف - ~~مع عقليته الموسوعية الثرة، فقد وجدت للشيخ الرئيس أجوبة مسائل سأله عنها أبو الريحان ~~البيروني، وهي تحتوي على أمور مفيدة في الحكمة. # 13 # لكن النقاش بينهما كان حاد اللهجة حتى عزف ابن سينا عن ~~مواصلته، # 14 # لكن لا ينفي هذا أن البيروني عرف للفلسفة حق قدرها وعدها من ~~أهم ظواهر المدنية، وأولاها حظا من عنايته، وله فيها إسهام، ولا يحتل البيروني ~~موقعا في تاريخ الفلسفة ولم يعرف كفيلسوف؛ أولا: لأن عقليته أساسا - كما ~~اتفقنا - علمية وموقعه الحق في تاريخ العلم، وثانيا: لأن إسهاماته الفلسفية مفقودة ~~تماما، وأهمها «كتاب في التوسط بين أرسطو طاليس وجالينوس في المحرك الأول» و«رياضة ~~الفكر والعقل»، وعثر أخيرا في إسطنبول على عمل هام له في الفلسفة بعنوان ~~«الشامل في الموجودات المحسوسة والمعقولة»، ولكن لم تثبت بعد نسبته إلى البيروني ~~بصورة قاطعة. # 15 # ليست كتبه في الفلسفة فقط هي المفقودة، مفقود أيضا بعض من أهم أعماله في عقر داره - ~~أي في الفلك والرياضيات والطبيعيات - من قبيل «البحث عن الآثار العلوية» ومقالة «في ~~صفة أسباب السخونة الموجودة في العالم واختلاف فصول السنة»، # 16 # وغير هذا كثير مفقود تماما، فقد وضع الرجل ما لا يحصى من الرسائل ~~العلمية القصيرة. # 17 # وحين وضع البيروني فهرست لأعمال أبي بكر محمد بن زكريا الرازي ~~(+313ه/925م) # 18 # ذكر معها قائمة من أعماله هو نفسه بلغت مائة وثلاثة عشر عملا، ~~بالإضافة إلى ms54 خمسة وعشرين عملا كتبها علي بن العراق، وأبو سهل عيسى بن يحيى المسيحي، ~~وأبو علي الحسن بن علي الجيلي تحت إشرافه، ثم ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» خمسة ~~عشر عملا آخر للبيروني، لم يذكرها حين ذكر أعماله في فهرست الرازي؛ لأنه ~~أنجزها فيما بعد - أي في الأربعة عشر عاما السابقة على وفاته - وكذلك تم ~~العثور على سبعة مخطوطات أخرى لم تذكرها أي من هذه المصادر، بخلاف أعمال نسبها ~~آخرون أو نسبوا مضمونها للبيروني. # والخلاصة أن أعمال البيروني تبلغ حوالي مئة وثمانين عملا. # 19 # ويزداد الإعجاب بأبي الريحان حين نجده قد ترك هذا الإنتاج الغزير في حين أنه عاش ~~في عصر اضطراب سياسي شديد، بل واشتغل فيه بالسياسة؛ إذ عمل مستشارا لخوارزم شاه مما ~~جعل حياته بدورها شديدة الاضطراب، فتعرض للأسر والسجن والنفي، وكان على وشك أن ~~يعدم لولا أن شفعت له مؤلفاته، وذلك عندما استولى السلطان الغزنوي محمود بن ~~سبستكين عام (407ه/1017م) على خوارزم التي قضى فيها البيروني نحبه بعد ذلك عام 440ه، ~~وهي تقع الآن على حدود أفغانستان، وكان من العلماء المحتجزين البيروني وأستاذه عبد ~~الصمد الحكيم. قتل محمود الغزنوي عبد الصمد واعتقل البيروني في قلعة غزنة ستة ~~أشهر، ثم أطلق سراحه؛ لأن مؤلفاته جعلته يدرك أنه في حاجة إلى ~~علمه. # 20 # ومع هذه الأجواء بلغ إنتاجه - كما ذكرنا - نيفا ومائة وسبعين عملا، ولئن ضاع ~~بعضها فليس يصعب تقصي أبعاد المنهج العلمي عند البيروني، ولا يحتاج الأمر إلى ~~إسقاطات أو تعسفيات متربصة دائما بمبحث تاريخ العلوم عند العرب، فما زالت البقية ~~الباقية من الأعمال المحققة والمثبتة للبيروني من الكتب الكبرى أو الرسائل ~~المجمعة (راجع هوامش هذه الدراسة) تمثل رصيدا هائلا للباحثين. # هذا بخلاف ما ينتظر الإثبات والتحقيق من مخطوطات أخرى للبيروني متناثرة في ~~المكتبات الأوروبية، وفي المكتبات الآسيوية التي تتمسك بانتساب البيروني إليها. # فقد ولد في مدينة كاث بخوارزم التابعة الآن لجمهورية أوزبكستان التي أقامت - حين ~~كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي حتى انهياره - في عاصمتها طشقند جامعة أطلقت ms55 ~~عليها اسم جامعة البيروني تخليدا لذكراه، كما أطلقت على مدينة كاث اسم مدينة ~~البيروني، وتقع على شاطئ نهر آمو داريا - وهو نهر جيجون القديم - وتبعد حوالي مائتي ~~كيلو متر جنوبي بحيرة آرال. # 21 # ولكن مسقط الرأس ليس هو دائما دامغ الهوية. فقد عاش البيروني في رحاب الحضارة ~~الإسلامية في عصرها الذهبي، وصدق إيمانه بدينها، ودان - كما رأينا - بالولاء العميق ~~لها، وانتمى لزمرة أعلامها، وساهم في مدها العلمي، أخذ منه وأعطاه، وكتب ~~بلسانها وآثره على سواه. # رابعا: منهجية التواصل العلمي # وعلى الرغم من عشق البيروني للغة العربية جاءت كتاباته بعيدة عن الزخرف اللفظي ~~والتنميق بغير داع، ومكسوة مع هذا بمسحة جمالية عذبة، والأهم أنها أنموذج لمنهجية ~~التفكير وتسلسل الأفكار، متحرية الضبط عن طريق استعمال مصطلحات دقيقة أو على الأقل ~~محددة. إنها على الإجمال كتابة علمية لأقصى حد يمكن أن يسمح به العصر الوسيط، ~~خصوصا وأن عالمنا كان يكتب دائما واضعا نصب عينيه أنه عالم متبحر، لا يكتب ~~للدهماء، ولكن لصفوة العلماء، فيتعمد البعد عن الأمثلة التي توضح بقدر ما تبسط ~~وتسطح، يقول البيروني: «إني أخلي تصانيفي من المثالات، ليجتهد الناظر فيها ما ~~أودعته فيها، من كان له دراية واجتهاد وهو محب للعلم، ومن كان من الناس على ~~غير هذه الصفة فلست أبالي فهم أم لم يفهم.» # 22 # هكذا لم تكن كتابات البيروني سهلة يسيرة المنال، فلم يعرفه العالم ~~الغربي، # 23 # ولم تنتقل نصوصه إلى أوروبا في عصر انتقال العلم العربي إليها فيما ~~قبل عصر النهضة. عرفه الأوروبيون فقط مع نمو حركة الاستشراق في القرن التاسع عشر، ~~واهتموا به مع تنامي الاهتمام بتاريخ العلوم في القرن العشرين، ويرجع مارتن بلسنر ~~هذا إلى تخوف المترجمين في العصور الوسطى وعصر النهضة من «صعوبة لغة البيروني ~~ومناهجه الدقيقة لمعالجة الموضوعات الواردة في مؤلفاته» # 24 # ولكن لئن لم تنتقل نصوص البيروني إلى أوروبا آنذاك، فليس يعني هذا أنه ~~ليس له أي دور في التمهيد للنهضة الأوروبية ولحركة العلم الحديث. فلا شك أن ~~للبيروني دورا في هذا، ms56 لكن بأسلوب غير مباشر عن طريق التلاميذ # 25 # والتالين له من أعلام الحضارة العربية، خصوصا في مجال الفلك والرياضيات، ~~الذين ملأت مؤلفاتهم مراكز انتقال العلم العربي إلى أوروبا من قبيل صقلية وأشبيلية ~~وقرطبة. # 26 # دأب البيروني على جمع «ما للقدماء والمحدثين» # 27 # من رؤى ونظريات في القضية المطروحة للبحث، خصوصا حين يطرح برهانه ~~الهندسي لا بد وأن يسبقه بالبراهين التي طرحت قبله، ولا يخلو الأمر من مقارنة ~~موضوعية، وكان مولعا بالجدل ونقد العلماء السابقين عليه والمعاصرين له وتبيان ~~أخطائهم وتصحيحها. فهكذا فعل مع الكندي وثابت بن قرة وإبراهيم بن سنان وأبي الحسن ~~البصري، وبطليموس وأرشيمدس وإرازموس ... وغيرهم، كما كان ينقد ويصحح نظريات ~~أصحابها غير معروفين. وديدنه في هذا ألا يعمد أصلا لدراسة موضوع إلا بعد أن ~~يحيط بكل ما كتب عنه، ويقيمه وينقده، ورائده عدم التسليم بأية قضية مهما كانت ~~مشهورة إلا بعد امتحانها وإثبات أنها جديرة بالتسليم، ثم لا يتوانى عن تقدير آراء ~~الغير، وتحري الأمانة في إثبات الفضل لذويه، قائلا أنه تعلم من أساتذته إعمال الرأي ~~والبعد عن التعصب وطلاقة الفكر ليمزج بينها وبين ما أخذه عن أبي نصر - أي الفارابي ~~- «فتكون يقظة العقل ووثبة الذهن وسلامة المنهج». # وبخلاف المعلم الثاني - الفارابي - تأثر البيروني بجالينوس العرب أبي بكر الرازي الذي ~~وضع فهرست لأعماله، حتى وإن كان هذا «محض استجابة لطلب صديق»، # 28 # فقد مال البيروني لكثير من آراء الرازي الطبيعية المخالفة للمشائية ~~الأرسطية السائدة في الثقافة الإسلامية، ولعل الرازي هو الذي ألقى في روع البيروني ~~قيمة تاريخ الشعوب وعقائدهم، فقد أكد على أهمية هذه الدراسات، وبصفة خاصة فإن نزعة ~~الرازي العلمية العقلانية التجريبية، وتأكيده لمعقولية الطبيعة واعتبار العقل جوهر ~~الإنسان على الأصالة وأنه الحاكم في الكون ومجعول للمعرفة، # 29 # وتنبيهه إلى ضرورة التجريب الواعي وتحصيل المعارف السابقة عن الأقدمين، ~~وامتحانها إذا لزم الأمر، وتعديلها إذا حكمت الخبرة والتجربة. # 30 # كل هذه الخطوط تنعكس بوضوح في منهجية البيروني. # ولكن البيروني ذا الإيمان الصادق العميق كان لا بد وأن يلوم ms57 الرازي لما عرف عنه ~~أو نسب إليه من شطحات حرانية وهرمسية، وقوله بالقدماء الخمسة وإنكار النبوة ... وما ~~إليه من أراجيف جعلته يلقب بالملحد الأكبر ... هذا ما جعل الباحثين يختلفون بشأن ~~موقف البيروني من الرازي هل يدينه أم يدين له؟، ونحن نرى أن البيروني على الرغم من ~~كل ما وجهه للرازي من نقد ومن تبكيت، فإنه قد أدان فقط شطحاته، ونميل إلى رأي ~~ريتشارد والزر الذي أكد أن البيروني حمل للرازي - كعالم وكفيلسوف - تقديرا ~~فريدا # 31 # إنه متواصل معه، سائر في طريقه العلمي والمنهجي. # خامسا: منهاج علمي للدرس والتحصيل # هكذا نلاحظ أن البيروني تأثر بالفارابي وبالرازي وابن سينا الذي يصغره في السن وفي ~~العبقرية العلمية، كما أكد دي بور (راجع الهامش 24) ... تأثر أيضا بالكندي والمسعودي ~~والفلكي الهندي فاراهميرا وسواهم ممن سبقوه ... # أما إذا يممنا الأبصار شطر المستقبل، فلن تدهشنا نقاط التقاء بين البيروني وبين ~~كارل بوبر # K. Popper ~~(1902-1994) شيخ فلاسفة ~~المنهج في القرن العشرين والذي خرجت من أعطافه كل خطوط فلسفة العلم الراهنة، وكانت ~~أهم منطلقات فلسفة بوبر أن الملاحظة تالية على الفرض العلمي، أما البدء بالملاحظة فلا ~~يفضي إلى شيء، وهذه قضية مأخوذ بها الآن. لكن كان لا بد وأن يجيب بوبر على السؤال: ما ~~هي نقطة البدء إذن - أو ما هي المرحلة الأولى - للبحث العلمي؟ # واجتهد بوبر في تأكيد أن البداية المثمرة للبحث العلمي إنما هي بصياغة المشكلة ~~المطروحة للبحث وتحديدها # 32 # وفي فاتحة كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» يقول البيروني: # سألني ~~أحد الأدباء عن التواريخ التي تستعملها الأمم والاختلاف الواقع في الأصول التي هي ~~مبادئها، والفروع التي هي شهورها وسنوها، والأسباب الداعية إلى أهلها إلى ذلك، وعن ~~الأعياد المشهورة والأيام المذكورة للأوقات والأعمال، وغيرها مما يعمل عليه بعض ~~الأمم دون بعض. # 33 # تلك هي المشكلة المطروحة للبحث، وبعد صياغتها بوضوح يطرح البيروني أسلوب ~~تناولها أو منهاج بحثها عبر خطوط ثلاثة - أكدها بوبر وسواه من فلاسفة المنهج العلمي - ~~وهي التعقيل والتجريب، ثم الحصيلة المعرفية التي تكفل تواصل ms58 الجهود والطابع الجمعي ~~التراكمي للبحث العلمي. فبين البيروني: «أن الاستدلال بالمعقولات والقياس بما يشاهد ~~من المحسوسات» # 34 ~~- وذلك أمر ضروري - لا يغني عن الاطلاع على كتب السابقين، وأصحاب ~~الآراء وأهل الملل والنحل المستعملين لذلك و«تصيير ما هم فيه أسا يبنى ~~عليه» # 35 # ونلاحظ أنه بالنسبة للمشكلة المطروحة للبحث فإن «ما هم فيه» رصيد معرفي ~~سابق، ومن ناحية أخرى معطيات تجريبية عن موضوع البحث. # ثم يستأنف البيروني حديثه، ملما بقيم البحث المنهجي ونواميسه فيقول بشأن مسار ~~البحث العلمي المقبل: ~~«ثم قياس أقاويلهم وآرائهم في إثبات ذلك بعضها ببعض، بعد تنزيه ~~النفس عن العوارض المردئة لأكثر الخلق والأسباب المعمية لصاحبها عن الحق، وهي ~~كالعادة المألوفة والتعصب والتظافر واتباع الهوى والتغالب بالرئاسة، وأشباه ~~ذلك.» # 36 # وبغير هذا الطريق لا يتأتى لنا نيل المطلوب ولو بعد العناء الشديد ~~والجهد الجهيد بتعبيره، ثم يسرف في إيضاح الصعوبات التي تكبدها وهو يتحرى هذه ~~القواعد المنهجية والجهود المضنية التي بذلها لتمحيص الأخبار المتضاربة ونفي الزائف ~~منها. # فمن أجمل ما في البيروني أنه لم يقع في الهاوية التي وقع فيها ديكارت أو ابن خلدون ~~مثلا، أولئك الذين تأتي مناهجهم في واد وأبحاثهم ذاتها في واد آخر. بل جاءت ~~أبحاث البيروني خير تطبيق لمناهجه، فارتد هذا في قيمتها التي ساهمت في دفع حركة ~~العلم إبان عصرها. # وقد وضع البيروني كتابه المذكور «الآثار الباقية عن القرون الخالية» في عام ~~(390-391ه)، وهو في السابعة والعشرين من عمره ليحمل حماسة الشباب ورصانة العقلية ~~المنهجية في آن واحد، وانصب موضوعه - كما أشرنا - على دراسة التقاويم عند الأمم ~~القديمة، مركزا على قوانين بطليموس ومواصلا مساره، وكما أوضح مارتن بلسنر ~~وهذا الكتاب أول عمل في الفكر العالمي يتضمن دراسة وصفية لحقب مختلفة من ~~التقويم، # 37 # ولكن تطرق البيروني إلى الأعياد الدينية والأيام المشهورة، مما جعل ~~الكتاب يحمل - بخلاف مضمونه الفلكي الهندسي - كنزا مذخورا في تاريخ وحضارات الشعوب ~~الشرقية وأديانها ومأثوراتها، وكان هذا معهودا دائما من عالمنا. # وإذا كنا باحثين عن المنهج كتمثيل للعقلية العلمية فسوف ms59 يتقدم كتاب «الجماهر معرفة ~~الجواهر» على سائر أعمال البيروني؛ لأنه تجسيد لمدى السير قدما نحو اكتساب السمة ~~العلمية، بالتالي المنهجية التي طبعت عقلية البيروني. # ليس هذا الكتاب فتحا جديدا في ميادين البحث؛ لأن التأليف في الجواهر أمر شائع في ~~الحضارة الإسلامية والحضارات القديمة إجمالا، وثمة أعمال سبقت البيروني أهمها: ~~«في الجواهر والأشباه» للكندي، ومقال لنصر بن يعقوب الدينوري، وأخرى مفقودة لأبي بكر ~~الرازي، وباستثناءات قليلة نجد أن أغلب الأعمال الجمة في هذا تهتم أساسا بالقوى ~~السحرية التي تنسب للأحجار الكريمة، فتكون مجالا تتكاثر فيه الأساطير الخرافية بشأن ~~قدرات الجواهر وفعالياتها التي تستمد منها القيمة العالية والثمن الغالي؛ لذلك ~~يحمد اتجاه البيروني العلمي، وهو يبحث في الجواهر كمحض موجودات فيزيقية، ويتجاهل ~~تماما أية قوى سحرية لها، ويكرس جهوده لتوصيف عقلاني لأسمائها وأنواعها ~~وأوزانها وقيمتها التجارية وأماكن توافرها ... # بادئ ذي بدء يجري البيروني على ديدنه المنهجي، ويبدأ بصياغة المشكلة المطروحة للبحث ~~بوضوح، فيقول: «نريد الآن أن نخوض في تعديد الجواهر والأعلاق النفيسة المذخورة في ~~الخزائن، ونفرد لها مقالة، تتلوها ثانية في أثمان المثمنات وما يجانسها من الفلزات، ~~فكلاهما رضيعا لبان في بطن الأم، وفرسا رهان في الزينة والنفع.» # 38 # وبهذا التساوق التام بين الجواهر والفلزات لن تزيد عن كونها جوامد/موجودات جيولوجية ~~تخلقت في القشرة الأرضية - بطن الأم - ثم كان فيها منافع للإنسان. # فينقسم متن الكتاب - بعد تمهيد ذي طابع أدبي - إلى مقالتين: الأولى: في الجواهر، ~~والثانية: في الفلزات. # 39 # في الجواهر بحث البيروني الياقوت وأشباه اليواقيت منها اللعل والبيجاذي ~~والماس، والسنباذج الذي يعاون الماس في الصلابة والحك والجلاء. # 40 # واللؤلؤ والمرجان، والزمرد وأصنافه ، والفيروز، والعقيق، والجزع، البلور ~~والبسد، اللازورد، الجمست، الدهنج، اليشم ... # وينتهي إلى ذكر الكهربا والمغناطيس ... وأنواع أخرى من الأحجار نصف الكريمة حتى يتطرق ~~إلى الأنواع الجيدة من الخرز ويختتم الحديث بالبرد والزجاج والمينا. # أما عن الفلزات فقد استهلها بالزئبق، # 41 # ثم الذهب والفضة والحديد والأسرب ... وتحدث عن المركبات أو «الشبه المعمولات ~~والممزوجات بالصنعة» # 42 # والشبه نحاس أصفر بإطعام التوتيا المدبر ms60 بالحلاوات وغيرها حتى أشبه بالذهب، ~~ويستفيض في ذكر أساليب تجريبية دقيقة، # 43 # وينهي الفلزات بالأسفيروري والبتروي والطاليقون # 44 ~~... وبالكتاب ملحق لتبيان مناجم الجواهر والفلزات ... وهكذا في مجال خصيب ~~للخرافة، نجد بحثا مهما كانت درجة قصوره المعلوماتي أو ضآلة رصيده المعرفي بحكم ~~زمانه، فإنه لا يوسم إلا بالسمة العقلانية العلمية كمنهاجية تحتذى. # ومما يؤكدها أكثر، أن العنوان الوحيد اللامعقول في الكتاب هو «الحجر الجالب ~~للمطر». # 45 # ذكره أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابه «الخواص» وهو حجر بأرض الترك، ~~من شأن تحريكه أن ينزل المطر الدافق، وينقل البيروني تفاصيل ذلك عن ابن زكريا الرازي، ~~معقبا بقوله: «وليس ابن زكريا يختص بهذه الحكاية، إنما هي كالشيء الذي لا ~~يختلف فيه.» # 46 # ولكن العقلانية العلمية التجريبية المتمكنة من عقل البيروني تجعله ما ~~يذكر هذا إلا ليستنكره أشد الاستنكار، ويدحضه بسلاح المنهج العلمي: العقل ~~والتجريب. فيقول: «إن أحد الأتراك حمل إليه شيئا من هذا الحجر، ظن أني أتبجج بها أو ~~أقبلها ولا أناقش فيها، فقلت له: «جئني بها مطر في غير أوانه أو في أوقات مختلفة ~~بإرادتي، وإن كان في أوانه حتى آخذه منك وأوصلك إلى ما تؤمله مني وأزيد.» ففعل ما ~~حكيت من غمس الأحجار في الماء ورمى نقيعها إلى السماء مع همهمة وصياح، ولم ينفذ ~~له من المطر ولا قطر سوى الماء المرمي لما نزل، وأعجب من ذلك أن الحديث به يستفيض ~~في طباع الخاصة فضلا عن العامة، منطبع يلاحون فيه من غير تحقق.» # 47 # هكذا يندهش البيروني من قبول الخاصة قبل العامة لقضية يرفضها المنطق وتدحضها ~~التجربة، ولا غرو أن يخرج من هذا بقصر تفسير الظاهرة الطبيعية على العوامل الطبيعية. ~~«فقلت لهم: النظر في هذا (أي في أسباب سقوط الأمطار) من أوضاع الجبال ومهاب الرياح ~~وممار السحاب من عند البحار.» # 48 # إنها الخطوط الأولية التي تمثل صلب المنهج العلمي: الرفض المبدئي لما يناقض العقل، ~~البحث عن التحقق، والتفكير المنطقي ثم الاحتكام إلى التجربة لدحض الرأي الفاسد، وأخيرا ~~تفسير الظاهرة الطبيعية ms61 فقط بالعوامل الطبيعية، لقد تلاقت هذه الخطوط في مجال أثير ~~للخرافة. # سادسا: والمنهج التجريبي يتقدم # غني عن الذكر إذن أن البيروني جعل التجريب من عمد البحث العلمي، ومارسه ~~متحريا الضبط عن طريق الآلات الدقيقة قدر المستطاع آنذاك، فلو لم يفعل لما ~~أصبح عالما طبيعيا مذكورا، فاهتم بتحري المشاهدة والاستقراء والرصد والتتبع، ورأى ~~«أن العلم اليقيني لا يحصل إلا من إحساسات يؤلف بينها العقل علي نمط ~~منطقي.» # 49 # وكثيرا ما يقول: «لم تسكن نفسي إلى غير المشاهدة.» # 50 # ويأنف ممن يخوضون في هذه المجالات بغير تجريب، فيرفض رأيا في الفلزات ~~قائلا باستنكار: «إنه كلام من ليس له بصر بمزاولة الفلزات وصنعة الأشخاص ~~العظام.» # 51 # فلا قائله زاول - أي مارس وجرب - ولا هو ذو علم بتجارب الرواد ~~العظماء في مجال الفلزات، بالمثل اختتم كتابه عن الأسطرلاب، بقول يكرره، وهو إلى ~~التجربة يلتجأ في مثل هذه الأشياء، وعلى الامتحان فيها يعول، ما التوفيق إلا من الله ~~العزيز الحكيم. # ولئن كانت التجريبية كمنهاج علمي هي الالتجاء المنظم لخبرة الحواس، خصوصا البصر ~~والسمع، في إطار التآزر والتفاعل بين العقل والحواس، فليس جزافا أن يستهل البيروني ~~كتابه العلمي الأصيل (الجماهر ...) بأن الله أنعم على مخلوقاته بالحواس التي تنقل معطيات ~~العالم الخارجي - عبر الهواء بتعبيره - ولكن نوع الإنسان قد فضل على الحيوان بأن ~~زيد على الحواس بما شرف من قوة العقل، ثم يقول البيروني: «أفرد من حواسه اثنتان ~~هما السمع والبصر، فجعلتا مراقي من المحسوسات إلى المعقولات.» # 52 # وبإدراك نافذ لفعاليات العقل المنهجية يستأنف البيروني قائلا: «إن كان ~~الإنسان تصرف فيها بأفكاره واستنباطاته حتى بلغ بمحسوساتها إلى أقصى ~~غاياتها.» # 53 # إننا إذن بإزاء الإرهاص التاريخي للصياغة المعاصرة للمنهج التجريبي العلمي فيما ~~يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي الذي يقوم على وضع الفرض العلمي، ثم استنباط القضايا ~~الجزئية منه لمواجهتها بوقائع التجريب؛ أي لاختبار الفرض إمبيريقيا، حوار الفرض ~~والإمبيريقيات هما صلب المنهج العلمي التجريبي. # وتتبدى أمامنا إمبيريقية البيروني، وهو يحدد الثقل النوعي - أي الكثافة - لثمانية عشر ~~عنصرا ومركبا، بعضها من ms62 الأحجار الكريمة، وقد أورد ألدو ميلي # Aldo Mielle # في كتابه الشهير - المترجم إلى العربية ~~- «العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي» قائمة وضعها # E. ~~Wiedemann # تقارن قيم الكثافة التي وصل إليها البيروني ~~بالتقديرات الحديثة، لتوضح كيف كانت الفوارق طفيفة للغاية، # 54 # أجرى البيروني تجاربه تبعا لقاعدة «أرخميدس»، بتعبيره، واصطنع وعاء ~~مخروطيا مصبه متجه إلى أسفل في اتجاه قنينة لتجمع الماء الساقط من الوعاء ~~المخروطي، ثم يزن البيروني الجسم بعناية، ويضعه في الوعاء، ثم يزن الماء الذي أزاحه ~~الجسم وتساقط في القنينة، وبالعلاقة بين الوزنين يخرج بالثقل النوعي أو الكثافة ~~المطلوبة، وهذه الفكرة على بساطتها يراها كاجوري في كتابه «تاريخ علم الطبيعة» من خطى ~~التقدم في التجريب المعملي. # 55 # وفي هذا الصدد نذكر أيضا محاولات البيروني الإمبريقية لوضع توصيفات وتفسيرات علمية ~~لكيفية صعود مياه النافورات والفورات والعيون إلى أعلى، وبحث أثر الخلاء والظواهر ~~التي تتعلق بحركة السوائل وتوازنها مهيبا بمن: «يزاولون العلوم الطبيعية» أن يأخذوا ~~«بالأسباب الطبيعية». # 56 # أما عن الفرض العلمي فلنذكر كيف أكد بوبر أنه ليس ثمة طريق ملكي مضمون للنجاح ~~والإنجاز في العلم؛ لأن الفرض العلمي إبداع يأتي من إلهام العبقرية العلمية، حين يقدح ~~العالم زنادها مستعينا بالحصيلة المعرفية السابقة، إن الفرض وحي وإلهام خطر برأس ~~العالم، سوف يختبر تجريبيا ليقبل أو يرفض، لكن الطريق إلى الفرض ليس له ~~قواعد ميثودولوجية ربما يفهمه علم نفس الإبداع، لا المنطق. # 57 # هذه القاعدة الميثودولوجية/السيكولوجية المقرة بضرورة عنصر الإلهام ~~الذي لا نعرف له سبيلا منطقيا محددا، سبق أن تراءت ظلالها للبيروني منذ ~~عشرة قرون، وحاول التعبير عنها. # لكن تعبير البيروني جاء مشبعا بعبق الإيمان الذي استقاه من نشأته تحت ظلال الحضارة ~~الإسلامية؛ إذ يقول: «إن النجاح والتوفيق موهبة من عند الله .» وأردف مؤكدا على ضرورة ~~الرجوع إلى المراجع العلمية السابقة، حتى إن تطلب هذا إتقان اللغات الأخرى، تماما ~~كما أكد بوبر على ضرورة الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، وضرورة أن يستفيد ~~الباحث من جهود سابقيه، كي يمثل إضافة حقيقية بدلا من ms63 أن يهدر جهوده في ~~محاولة شق طريق كان قد قطع، فالسمة الأساسية للبحث العلمي أنه نشاط جمعي ~~متصل. # كما كان البيروني يدعو إلى ضرورة المواظبة على ممارسة البحث العلمي بغير كلل ولا ~~ملل، لكي نصل إلى ما يمكن أن نسميه - بالتعبير المعاصر - العمل على رفع احتمالية ~~النظرية، ويؤكد البيروني على هذا بحثه العلماء على التشكك في نتائجهم المرة تلو المرة، ~~حتى يرفعونها إلى أعلى درجة ممكنة من الدقة واليقين. # سابعا: المنهج العلمي في التأريخ # وهذا النابغة الذي جعلته روحه العلمية الأصيلة ميثودولوجيا ذا اعتبار، قد تنبه ~~إلى أن علم التاريخ ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة العلوم التجريبية؛ لذا فالمنهج السالف ~~لا يصلح له. # ومن ثم انشغل البيروني بمشكلة المنهج الخاص بعلم التاريخ، فتصدر الطليعة من ~~المفكرين المنهجيين المعنيين بعلمنة هذا المبحث، أو من مؤسسي علم التاريخ. لقد ظل ~~التاريخ أمدا طويلا فنا لا علما، أقاصيص وحكايات شيقة، معقولة أو لا معقولة، ~~واقعية أو يمتزج بها الخيال، على الإجمال تنتسب إلى فنون الأدب أكثر مما تنتمي للدراسات ~~المنهجية أو المباحث العلمية، وكدأب الباحثين الأوروبيين في الزعم بأن الغرب هو فاعل ~~كل فعل حضاري، ورائد كل إنجاز عقلاني، راحوا يدعون أن علمنة التاريخ - خصوصا ~~من حيث المنظور النقدي الساعي إلى تمحيص الحقائق - تمت فقط على أيديهم، # 58 # وبالتحديد في القرن التاسع عشر مع رانكة # Ranke ~~(1795-1886) الذي ظل أستاذا للتاريخ بجامعة برلين خمسين ~~عاما. ففي كتابه «التاريخ الألماني في عصر الإصلاح» الذي أنجزه فيما بين عامي ~~(1839-1847) # 59 # تبلورت منهاجية التعامل النقدي مع الرواية التاريخية الذي بلغ حد ~~الهجوم عليها، بمعنى تمحيصها بدقة ليسفر البحث التاريخي عن معرفة كنهها الحقيقي، ~~وكيف كانت بالفعل # Wie es eigentlich gewesen ~~. # 60 # ولكن قبل رانكة بثمانية قرون، عالج البيروني منهاج التأريخ من جانبين الأول سلبي ~~والثاني إيجابي - كما أوضح الباحث د. عادل محيي شهاب. # 61 # الجانب السلبي من المنهج التاريخي عند البيروني يحمل خطوط نظرية رانكة المذكورة، ~~فهو منهج نقدي ساع إلى تطهير الروايات التاريخية من ms64 الأساطير والخرافات التي تلحق ~~بها، وذلك بأن نرفضها لزيفها الظاهر، ونرفض الروايات غير الصحيحة، كي نستبدل بها ~~الصحيح، وبسبب من شريعة التحكيم النقدي العقلاني هذه رفض البيروني تماما - على خلاف ~~جمهرة مؤرخي الإسلام - أي حديث عن بدء الخلق والقرون المبكرة؛ لاختلاط هذه الأحاديث ~~بالخزعبلات. فهو يرفض أصلا التسليم بأي خبر إلا بعد التأكد من صحته عن طريق ~~المشاهدة أو العيان، أو التثبت من الصدق التاريخي - أي من مطابقة الخبر للوقائع - وهذا ~~يتم بالاعتماد على العقل وحده، أو التسلح بمنهج المقارنة بين الأخبار لإثبات ~~الأصلح # 62 # ولهذه المنهجية النقدية المحكمة أجمع الباحثون على أن البيروني ناقد ~~تاريخي ممتاز. # أما الجانب الثاني من المنهج التاريخي - الجانب الإيجابي - فهو يضع أسس البحث ~~التاريخي من حيث تحديد المواصفات التي يجب أن تتوافر في المؤرخ، وفضلا عن استيفاء ~~الحاسة النقدية، نجد هذه المواصفات هي: الثقافة الشاملة والأمانة والنزاهة وعدم التحيز، ~~والصبر والجلد والشجاعة، فلا يخاف في قولة الحق لومة لائم، ثم الموضوعية، وهي أهم ~~الصفات قاطبة؛ لأن الوقوع في براثن الذاتية من تعصب وميل وهوى ومصالح شخصية هي ~~أخطر آفات البحث العلمي عامة والتاريخي خاصة. # 63 # رائع هو البيروني، حين يحذر تحذيرا شديد اللهجة من التعصب، وعرقلته لأصوليات البحث ~~العلمي والعقلاني، لا سيما في المباحث الإنسانية فيقول: «إن العصبية تعمي الأعين ~~البواصر وتصم الآذان السوامع، وتدعو إلى ارتكاب ما لا تسامح باعتقاده ~~العقول.» # 64 # وكانت عقلية البيروني نفسه - كما رأينا - أقوى تمثيل للبعد عن التعصب كقيمة ~~منهجية وشريعة علمية، فانفتح على تراث الحضارات الأخرى واستطاع أن يقوم «بتركيب عظيم ~~لعلوم الحضارات السابقة على الإسلام وتطويرها في خطوط الروح الإسلامية.» # 65 # وكان هذا من العوامل التي جعلت إنتاجه العلمي مؤشرا شديد الدلالة على ~~تقدم وسيرورة البحث العلمي في عصره. # وما ذكرناه آنفا من تأكيد البيروني على ضرورة الرجوع للمراجع والتسلح بالمعرفة ~~يبرز ها هنا مجددا؛ إذ نراه يهيب بالمؤرخين أن يتقنوا العلوم المساعدة للبحث ~~التاريخي، وهي اللغة والأدب ثم حساب التقاويم الذي برع فيه البيروني والجغرافيا ms65 ~~والجيولوجيا، مع الإلمام بالمنطق والفلسفة والقانون أو الشريعة والشرائع، ويبدو ~~البيروني في دعوته هذه متأثرا بموسوعية عصره. # كما تناول أبو الريحان مشكلة منهجية معينة خاصة بالبحث التاريخي، هي مشكلة جمع ~~المادة التاريخية وما يكتنفها من صعاب وما تحتاجه من جهد جهيد، وعمل على إيضاح معايير ~~صحتها وسبل الاستدلال السليم منها والتثبت من خلوها من التناقض، وفي هذا يؤكد ~~تأكيدا مكثفا - مرة أخرى - على ضرورة الالتزام التام بالموضوعية في تدوين ~~التاريخ. # 66 # بهذه الأسس المنهجية تمت علمنة التاريخ، وتأكدت في مقدمة ابن خلدون بعد هذا بثلاثة ~~قرون، فأصبح التاريخ علما - قبل رانكة وهورنشيو وسواهما - لكنه علم نقد وتحقيق، ~~وليس علم تجريب. # إذن الوعي المنهجي الناضج عند البيروني يتبين تنوع مناهج المعرفة تبعا لاختلاف ~~المجالات، ويردف هذا بالجهود الرصينة حول المنهج الخاص بكل مبحث، فضلا عن تطبيقه ~~المتدفق لهذه المناهج المضمرة في أبحاثه، وقبل أن ننتقل لتطبيقات مناهجه التاريخية ~~نتوقف مليا عند وعي البيروني الباكر بتعدد المناهج لنقارن هذا بتطور المباحث ~~التاريخية في القرن التاسع عشر على خطوط مستقاة من تطور العلوم الطبيعية، واصل ~~هذا الاتجاه نماءه حتى بلغ طريقا مسدودا، انعكس في التخلف النسبي للعلوم الإنسانية ~~بسبب إغفال الفوارق بين الظاهرة الإنسانية التاريخية والظاهرة الطبيعية، وهنا تبرز ~~الأمة الألمانية مجددا مع مدرسة فيلهلم ~~فندلباند # W. Windelband ~~(1848-1915) وهنريش ~~ريخرت # H. Richert ~~(1863-1936) اللذين تأثرا بصياغة دلتاي (1838-1911) ~~للإشكالية. # 67 # وبفضل هذه المدرسة كف التاريخ عن محاكاة الفيزياء، وانفصل البحث ~~التاريخي عن البحث الطبيعي، وتعد محاضرة ريخرت الشهيرة عام 1894 علم الحضارة وعلم ~~الطبيعة # Kulturwissenschaft und Naturwissenschaft # 68 # من المعالم البارزة في هذا المنحى للدراسات التاريخية. # ثامنا: منهاج وتطبيق # نعود إلى البيروني والأسس المنهجية التي أرساها لعلم التاريخ ... الحاسة النقدية ... ~~القدرة على الرؤية الشمولية، الاحتكام المتكرر للتعقيل والعقلانية ... هذه الأسس والأبعاد ~~المنهجية انعكست متجلية في تأريخات البيروني ومباحثه الحضارية، فتجاوز مجال التاريخ ~~وكان أيضا في طليعة الأنثربولوجيين ودارسي الحضارات ومؤسسي علم الأديان ~~المقارن. # هذا العلم الأخير تضيق به ذرعا، بل توصد في ms66 وجهه أبواب البيئات الحضارية ~~المغلقة والمتزمتة؛ لأنه قد يفتح بابا لأنسنة التجربة الدينية، وبالتالي ~~التجديف والهرطقة. هذا على الرغم من الرؤى الكشفية العميقة التي يتيحها هذا المبحث بشأن ~~تطور الوعي وأصول التجربة الدينية، إن التزم الحدود العلمية والموضوعية، ومما يعطي ~~مؤشرا بالغ الدلالة على مدى تفتح وازدهار وتسامح البيئة الحضارية الإسلامية هي ~~أنها أفسحت المجال لعلم الأديان المقارن. فقد أشار ابن المسعودي إلى شغف أبي بكر ~~الرازي بطبائع البشر في ماضيهم وحاضرهم والتحري عن معتقداتهم ومذاهبهم، # 69 # لنتذكر إصرارنا على تأثر البيروني به، ثمة أيضا ابن حزم الأندلسي وكتاب ~~عبد الكريم الشهرستاني. «الملل والنحل» ذائع الصيت. # ولكن كتاب البيروني «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» # 70 # ذو مكانة فريدة تجعل البيروني بحق مؤسس علم الأديان المقارن، حتى يندهش ~~«إدوارد ساخاو» من كل تلك الموضوعية التي يتحلى بها عالم مسلم وهو يبحث في العقائد ~~الوثنية وتاريخها، خصوصا وأن هذا الكتاب يسبق كتاب الشهرستاني، ثم إنه لا يقتصر على ~~الملل والنحل، فهو دراسة منهجية فذة بقدر ما هي شاملة. # أشرنا فيما سبق لقدرة البيروني على تأليف عظيم بين تراث الحضارات المختلفة العبرانيين ~~والنصارى، المسلمين، اليونان والمغاربة، الفرس والهنود ... ولأن البيروني ممثل لمسار ~~التقدم العلمي في عصره، فليست قصة العلم إذن خطا مستقيما من اليونان إلى غرب أوروبا، ~~بل هي ميراث أمم شتى. طبعا كان البيروني عميق الاستيعاب لتراث الإغريق، ولكن ما ~~يؤكد عالمية العلم أن الهند التي كانت فاتحة اتصال العرب بالرياضيات والفلك منذ ~~القرن الثاني الهجري، كانت أيضا الرافد الدافق الذي ساهم بقوة في تشكيل عقلية ~~البيروني، فقد مكث فيها سنينا طويلة مصاحبا للسلطان مسعود الغزنوي، وكان على خلاف ~~أبيه محمود الغزنوي الذي أسر العلماء، ومن بينهم البيروني - كما ذكرنا - ولما ~~توفي محمود وتولى ابنه مسعود دعم حكم الإسلام للهند، ودأب مسعود على تكريم ~~وتقريب العلماء عموما، والبيروني خصوصا، فاصطحبه ثلاث عشرة مرة في فتوحاته السبعة عشر ~~للهند. فعمل البيروني طوال هذا على نقل علوم الإسلام والإغريق ms67 للهند، وإتقان لغة الهنود ~~السنسكريتية واستيعاب العلوم الهندية ونقل صورة علمية دقيقة عن الهند للمسلمين، في ~~مؤلفات متعددة. # درة حصائل هذا كتابه المذكور «تحقيق ما للهند من مقولة» فقد تعمق في وصف الهند، ~~ليس فقط أرضها ومناخها ومعالمها الجغرافية، بل شمل بالدراسة عادات الهنود وأديانهم - ~~خصوصا عقيدة التناسخ - وشرائعهم وأساطيرهم، ونظام الطبقات الاجتماعية وأزياءهم ~~وأخلاقهم وأنشطتهم الاقتصادية، أنواع الخط وطرق الكتابة والنحو والشعر، الأدب والفنون ~~والحساب والعلوم، ثم علم الفلك عند الهنود والزيج والتقاويم والتنجيم ... فيشبه ~~أحمد أمين هذا بجهود جمعية العلماء الفرنسيين الذين صاحبوا حملة نابليون وأخرجوا ~~موسوعة وصف مصر، على أن البيروني - بتعبير أحمد أمين - كان جمعية وحده. أما مؤرخ العلم ~~المتميز ج. برنال فيشير إلى أن منهج البيروني الاستقصائي في هذه الدراسة لم يبار إلا ~~في القرن التاسع عشر. # 71 # وحتى الآن ما زال هذا الكتاب خير المراجع بشأن الهند القديمة. # وبخلاف هذا، ثمة مترجمات أيضا عن السنسكريتية قام بها. يقول البيروني: ~~«نقلت إلى ~~العرب كتابين؛ أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات واسمه «سنك»، والآخر في تخليص النفس من ~~رباط البدن ويعرف ب «باتانجل»، وفيها أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم، به فروع ~~شرائعهم.» # 72 # الأول مفقود، لكن الثاني «باتانجل» - الذي حققه المستشرق ريتر - يحمل ~~خلاصة مذهب اليوجا وفلسفة الهند الصوفية. # ومن ناحية أخرى نقل البيروني إلى اللغة السنسكريتية أعمالا أهمها المجسطي لبطليموس، ~~وإن كانت هذه الترجمة المثبتة في عداد أعماله المفقودة. # 73 # هكذا كان البيروني بؤرة استقطاب لخطوط العلم المختلفة يأخذ ويعطي في أكثر ~~من اتجاه تأكيدا لعالمية العلم. # ومثلما تكاملت دراسة البيروني العلمية للتاريخ والحضارة منهجيا بالجانب السلبي ~~والجانب الإيجابي، فإنها تكاملت أيضا موضوعيا، وذلك لعنايته بالعلوم التجريبية ~~المساعدة، فليس ينفصل عن التاريخ اهتمام البيروني بالجغرافيا وطرق رسم الخرائط ~~وتحديد المسافات بين البلدان، ودفعه هذا إلى الاهتمام بالجيولوجيا والتكوين الطبقي ~~للصخور والأنهار، وذلك في كتابه «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن»، ~~ورسالتيه «تصحيح خطوط الطول والعرض لساكن المعمور من الأرض» و «أطوال البلاد وعرضها»، ~~حيث نجد ms68 نظريات رائدة عن حدوث التطورات الأرضية البطيئة، وما ينتج عنها من انتقال ~~للعمران من موضع إلى آخر. تكلم أيضا عن الثورات الجيولوجية التي كانت تنتاب القشرة ~~الأرضية وما كانت تحدثه فيها من التواءات وارتفاعات وانخفاضات، مما أدى إلى ~~تكون سلاسل من الجبال، ومساحات المياه التي تنحسر وتتحول إلى يابسة «فهذه بادية العرب ~~كانت بحرا، فانكبس حتى إن أثر ذلك ظاهر عند حفر الآبار والحياض.» ويجمل بنا الآن أن نعود مجددا إلى المنهج التجريبي، فمن هذه الإشارة ~~البسيطة للبيروني يتضح كيف تآزر الفرض العقلي والاستنباط مع المشاهدة الحسية. # 74 # في هذه الدوائر المتداخلة نذكر أيضا آخر أعمال البيروني، الذي كتبه في أخريات ~~العقد الثامن من عمره، فجاء مشبعا بخبرة السنين، وهو متعلق بشكل ما بالإنسان في ~~مبحث إخباري قد يعوز المنهج التجريبي، لكنه شمل أيضا جهدا تأريخيا «تاريخ علم ~~العقاقير» - الفار ماكولوجي - إنه كتاب البيروني «الصيدنة» أو «الصيدلة في ~~الطب». # 75 # وقيل إن الصيدلة أفضل من الصيدنة؛ لأن الصيدلي باللام هو مزاول الأدوية، أما ~~الصيدني بالنون فهو مزاول العطور، والصيدلي عند البيروني - كما يقول في مقدمة الكتاب - ~~هو المحترف جمع الأدوية على أحمد صورها، واختيار الأجود من أنواعها مفردة ~~ومركبة على أفضل التراكيب التي خلدها مبرزو أهل الطب. # 76 # وهكذا استقصى البيروني في هذا الكتاب - كما يقول ابن أبي أصيبعة - معرفة ~~ماهيات الأدوية ومعرفة أسمائها واختلاف آراء المتقدمين، وما تكلم كل واحد من ~~الأطباء وغيرهم فيه، وقد رتبه على حروف المعجم. # 77 # لقد استقصى البيروني في هذا الكتاب «تراث العرب» بالمفهوم الحضاري الشامل للعلم ~~العربي المستوعب لكل الدوائر الحضارية التي دخلت في الإسلام، وهو مفهوم يصدق عليه ~~البيروني قبل سواه - كما رأينا في دفاعه عن العروبة - وتراث العرب ذو شأن في تاريخ ~~علم العقاقير. # 78 # فمن ناحية ثمة البيئة الطبيعية للمنطقة التي تجعلها غنية بالأعشاب ~~الطبيعية الطبية، ومن الناحية الأخرى - والأهم - ثمة النهضة الثقافية العظيمة والتطور ~~الاجتماعي والعلمي مما جعل العرب وخصوصا الرازي بكتابه «الحاوي» يبدعون كثيرا ~~من تراكيب الأدوية # 79 ms69 # ها هنا يبدو مجددا تأثر البيروني به، وقبيل أوبتنا إلى البيروني ~~نذكر ما تجمع عليه مراجع تاريخ العقاقير وعلوم الأدوية من أن الصيدلية ~~كمؤسسة قائمة بذاتها ظهرت لأول مرة في بغداد. # 80 # وبقيت الإشارة إلى أن البيروني في هذا الكتاب اعتبر الصيدلة صناعة ~~منفصلة عن صناعة الطب. إنها آلته، وانفصالها عنه كانفصال المنطق - آلة الفلسفة - عنها، ~~وانفصال العروض - آلة الشعر - عنه. # 81 # إنها المنهجية المتمكنة من عقلية البيروني. # تاسعا: إنها الرياضيات والهيئة # والآن لا ينبغي أن تدهشنا كل هذه المنهجية المتجذرة في حنايا إنتاج البيروني فالأمر ~~ببساطة - كما قال ساخاو - أنه درس كل تلك المواضيع بعقل دربته الرياضيات التي ~~تظل دائما - في كل عصر ومصر - أرقى أشكال التفكير المنطقي الممنهج. # إن البيروني - كما صدرنا الحديث، أولا وقبل كل شيء - عالم رياضيات وفلك وها ~~هنا مجمر عبقريته الحقيقية، وبخلاف دراساته التاريخية والحضارية التي تهم المعنيين ~~بالمباحث الإنسانية، عادة ما يذكر البيروني في تاريخ العلم بوصفه عالما رياضيا، ~~ويكاد يتفق مؤرخو الرياضيات على أنه «ألمع العقول الرياضية التي تصادفنا في مفتتح ~~القرن الحادي عشر، فضلا عن أن تاريخ الرياضيات يدين للبيروني، بأفضل موجز ~~للرياضيات الهندية ظفر به ذلك العصر.» # 82 # ودور الرياضيات الهندية في إهداء البشرية رموز الأرقام أجل من أن ~~يذكر أو ينسى. # ولئن بلغت أعمال البيروني في الرياضيات نحو أربعة وعشرين عملا، فإنه ترجم أيضا ~~كتابين من تأليف الفلكي الهندي «فاراهميرا» الذي عاش في القرن السادس الميلادي، ويمكن ~~اعتباره أهم الفلكيين في هذا القرن، وتحتوي ترجمة البيروني على ملخص بارع لحساب ~~المثلثات الهندي المبكر وجدول لجيوب الزاوية يبدو أنه مأخوذ من جدول بطليموس لأوتار ~~الدائرة. # 83 # وهاهنا يبدو مجددا تلاقي الشرق والغرب تأكيدا لعالمية العلم. تفنيدا ~~لخرافة المصدر الإغريقي الواحد والوحيد. أما عن الأرقام الهندية - أساس الأرقام العربية ~~- التي أصبحت - فيما بعد - عالمية ففي رسالة البيروني «تذكرة في الحساب والعد ~~بأرقام السند والهند» شرح واف لها ولأصولها. أما في رسالته «راشيكات الهند» فيبحث في ~~أن النسبة فيما بين المقادير المتجانسة ms70 وهي صورة من صور الإضافات تحصل لها من جهة ~~الكمية، فيعرف بهما أحدهما من الآخر إن كان غير معلوم. # 84 # إن النسبة والتناسب وحساب المتناهي إجمالا اكتملت على يدي البيروني ~~كمحصلة لمزاوجته المثمرة بين التراث الهندي والتراث الإغريقي بالإضافة إلى ~~عبقريته. # أما أهم أعماله في الهندسة فهي «استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها» ~~ورد في رسائل البيروني (المذكورة في الهامش السابق 84). كما حققه ساوتر عام 1910م، ثم ~~أخرج عالم الرياضيات د. أحمد سعيد الدمرداش تحقيقا مثبتا وجيدا له عام 1965م، ~~ويتلخص هذا العمل في شروح وإثباتات بطرق مختلفة لأربع نظريات، ناتجة عن خواص الخط ~~المنحني؛ أي المنكسر داخل الدائرة؛ أي على قوس منها، ويبحث البيروني - كما يقول: «في ~~انقسام الخط المنحني في كل قوس بالعمود النازل عليه من منتصفها.» # 85 # ثم يتعرض بعد هذا لعدة مسائل رياضية وفلكية من قبيل برهان مساحة المثلث ~~بدلالة أضلاعه، وبرهان مساحة الشكل الرباعي المرسوم داخل الدائرة، ثم سرد بعض ~~الدعاوي الفلكية مبرهنا عليها باستغلال النظريات الأربع المذكورة، ثم تعرض لتقدير ~~أطوال أوتار الدائرة # 86 ~~... # لقد أنجز البيروني الكثير من البراهين الرياضية، وبفضلها استقام جذع أبحاثه الفلكية ~~والجيوفيزيقية، ليزداد اقترابا من المنهج العلمي الحديث الذي دأب على خطب ود ~~الرياضيات، ومن أشهر إنجازاته في هذا الصدد «قاعدة البيروني» وهي معادلة رياضية ~~تستخدم في حساب نصف قطر الدائرة من التعرف على محيطها، وبواسطتها توصل ~~البيروني إلى قياس محيط الأرض عن طريق قياس درجة انحراف الأفق عند جبل قائم، ونلاحظ أن ~~البيروني أخذ باستدارة الأرض التي كانت مثبتة في تعاليم الفلكي الهندي فاراهميرا، ~~وتبعه فيها معظم الفلكيين الهنود وفلكيي عصر النهضة # 87 # على أية حال ما زالت طريقة حساب نصف قطر الأرض تسمى إلى الآن «بقاعدة ~~البيروني»، ويعتبر المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نللينو في كتابه «علم الفلك ~~وتاريخه عند العرب» قاعدة البيروني من أهم إنجازات العلم العربي. # وفي هذا الإطار المتماوه بين الرياضيات والفلك، نذكر أن مبحث الضوء والبصريات - أو ~~علم المناظر - حظي برصيد وافر ms71 من العلماء العرب، وكما يقول «برنال»: «لو لم يضف ~~العرب غير ما أضافوه في مجال البصريات لكانت الخطوة التي خطوها بالعلم حاسمة لا شبهة ~~فيها.» # 88 # وليست الجهود حكرا على قطب المناظر الأكبر الحسن بن الهيثم، هنالك ~~رجالات آخرون أسهموا في هذا المبحث المنهجي حقا، منهم عالمنا البيروني الذي عرج على ~~الضوء وانكساراته ومشاكل علم البصريات أو كيفية الحال في «المخروط الكائن بين البصر ~~والمبصر» في رسالته «إفراد المقال في أمر الظلال»، # 89 # وحاول الخروج بنظريات علمية كانت دقيقة في الحدود التي يسمح بها عصره ~~ومجديه في الاستدلال على أوقات النهار من الظل، وإثبات أنواع الظلال في الأسطرلاب وفي ~~نقل أنواع الظلال بعضها إلى بعض، ويتصل بهذا رسالته الهامة «الاستيعاب للوجوه الممكنة ~~في صناعة الأسطرلاب». # وما دمنا قد اتفقنا على أن العلم عند البيروني يصب في نهر الحضارة الإسلامية من أجل ~~قيمها وأهدافها، نتفهم لماذا تتبدى منهجية البيروني بوجه خاص في حساب المثلثات. فقد ~~اهتم به الإسلاميون؛ لأنه ضروري لحساب مواقيت الصلاة، كما أنه أساس علم الفلك الذي هو ~~اهتمام البيروني الرئيسي، فقد عني بالأرصاد الفلكية على اختلاف أنواعها، والتي تعتمد ~~على معرفة الجهات الأصلية الأربع، وذلك - كما أشرنا - من أجل تحديد أوقات وتعيين ~~اتجاهات أماكن العبادة، ووضع جداول للتقاويم وحساب أوائل السنين والشهور. # ومن مؤلفات البيروني نجد «الأزمنة والأوقات» و«تحقيق منازل القمر» بخلاف أبحاث أخرى ~~للبيروني في هذا الصدد مودعة في كتاب باسم الرسائل المتفرقة في الهيئة، قامت بطبعه ~~دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (1368ه/1948م) ويشتمل الكتاب على ~~إحدى عشرة رسالة هي: ~~«استخراج تاريخ اليهود» للخوارزمي، «تخطيط الساعات» للنيريزي، «استخراج تاريخ اليهود» ~~للقايني، «استخراج الساعات» للقايني، «إقامة البرهان على الدائرة» للبوزجاني، «مساحة ~~الجسم المكافئ» لويجن القوهي، «كيفية تسطيح الكرة لأحمد الصاغاني»، «أشكال الدائرة» ~~لنصر بن عبد الله، «المقادير المشتركة» للبغدادي، «شكل القطاع» لأحمد السجزي، «الأبعاد ~~والأجرام» للبيروني. # 90 # لكن «القانون المسعودي في الهيئة والنجوم» هو أهم أعمال البيروني قاطبة، أخرجه عام ~~421ه وأسماه نسبة إلى السلطان ms72 مسعود الغزنوي الذي حاول أن يكافئه بحمل فيل من الفضة - ~~كما ذكرنا - فرفض. يدور موضوعه حول هيئة السماء وشكل الأرض ومكانها من الكون، ~~وحجمها بالنسبة إليه، وأنواع حركات الأجرام السماوية. # يقع هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات تتكون من ثلاثة وأربعين بابا في إحدى عشرة مقالة، ~~تعالج - باستفاضة - مختلف النظريات الفلكية والرياضية المطروحة في ذلك الوقت، وتنقدها ~~وتنقحها وتضيف إليها، ولكن نظرا لأسلوب البيروني الموسوعي الشامل نجد الكتاب يتطرق إلى ~~كل الموضوعات التي تمس الفلك من قريب مثل حساب المثلثات وتعيين أطوال البلاد ~~وعرضها، أو من بعيد مثل المناسبات الدينية عند مختلف الشعوب والديانات. فكان هذا الكتاب ~~الرائد شاهدا إضافيا على سعة إلمام البيروني بمباحث الحضارات والأديان ~~المقارنة. # لقد احتوى هذا الكتاب على إنجازات علمية قيمة ولفتات ثاقبة منها: التفاته إلى فرض ~~الجاذبية، موضحا أنه لم يشعر بقوة هذا الجذب إنسان. يقول البيروني: ~~«ثم إن ~~الأقاويل في سبب هذا الاضطرار كثيرة، منها جذب السماء الأرض من كل النواحي بالسواء، ~~وذلك يبطل بالجزء، وفيها المنفصل عنها، فإن ما يلحقه من الجذب من جهة الأرض أفتر، ويجب ~~أن تستلبه السماء إلى نفسها من غير تلك الجهة، حتى يطير إليها.» # 91 # وفي مقالة «الميزان» نجد تحقيقاته التي تتعلق بالجاذبية النوعية. # عاشرا: مراجعات ختامية # إلى كل هذا الحد شق البيروني أجواز العلم بجناحي المنهجية المكين، ولكن مهما ~~علت تحليقاته فلن يستطيع الانفصال البائن عن كل متواضعات عصره المرفوضة الآن، أو ~~التي تبدو لنا محض خرافة. منها مثلا: انشغال البيروني بعلم التنجيم؛ أي الاستدلال على ~~وقائع الحياة وأحداثها والتنبؤ بها (قراءة الطالع) بناء على حركات النجوم، ولا يزال ~~هذا ماثلا في جرائدنا اليومية وحياتنا المعاصرة! # فقد تكسب البيروني عيشه من عمله كمنجم، عرف بأنه إمام وقته في علم ~~النجوم، فضلا عن مؤلفاته في هذا، وأهمها: «التفهيم لأوائل صناعة التنجيم» الذي ~~بلغ اعتزازه به أن كتبه باللغتين العربية والفارسية، وأيضا «جوامع الموجود لخواطر ~~الهنود في حساب التنجيم» والمقالة الأخيرة من «القانون المسعودي» ولعل هذه المؤلفات ~~هي التي ms73 شفعت له عند السلطان محمود الغزنوي لاحتياج الحكام القدامى دائما للمنجمين ~~ليستهدوا بنبؤاتهم في اتخاذ القرارات . # وأي إنكار لهذا إهدار لتاريخية الظاهرة العلمية، وللتعامل الموضوعي معها، فقد فرض ~~التنجيم نفسه على العقل البشري ردحا طويلا من الزمن بسبب من سيادة النظرة الحيوية ~~للطبيعة؛ أي اعتبارها كائنا حيا، والنجوم أعلى جزء تماثل الرأس الحاكم ~~المدبر، فضلا عن اقترابها من الله تعالى؛ لهذا آمنوا بتدخلها في تسيير الأمور على ~~الحياة الأرضية، وكما أشرنا في المبحث الثاني «تصور الطبيعة» فرض هذا نفسه على أقطاب ~~الحضارة الإسلامية أيضا، ولم ينج منه نفر من أشدهم عقلانية كابن رشد مثلا. ~~رفضه فقط الأشاعرة لأسباب كلامية. # وحتى بعد أن بدأ التصور الآلي الميكانيكي للطبيعة - المقترن بالعلم الحديث - يحل محل ~~التصور الحيوي، ظل علماء الفلك منجمين، يقربهم الملوك وينفقون على أبحاثهم ~~من أجل التنجيم، فقد كان هذا هو حال تيخوبراهه # T. Barhe ~~(1536-1601) وكبلر # J. Kepler ~~(1571-1630) واستمر هذا الوضع حتى القرن الثامن عشر. # لذلك لا يمكن تقبل حماس نفر من أساتذة علم الفلك عندنا الذين يندفعون مؤكدين ~~تبرئة البيروني من الانشغال بالتنجيم اعتمادا على فقرة بالقانون المسعودي يقول فيها عن ~~علم الفلك إنه صناعة «على استغنائها بذاتها لنفاسة قدرها في نفسها، لا تكاد تميل ~~إليها القلوب التي لا تتصور كيفية اللذة إلا في مقدمات الآلام الجسمانية، ولا النفع إلا ~~في الأمور الدنياوية، وإذا لم ترغب فيها رغبت عنها وعافتها، فعادتها ولهذا السبب ~~رجز القدماء أكوان العالم بقضاياها، وطرقوا إلى تقديم المعرفة بها من تأثيراتها طرقا، ~~أشبهت شيئا من الإقناع، وفننوا عليها صناعة الأحكام؛ أي: التنجيم.» # 92 # وقصارى ما تعنيه هذه الفقرة أن علم الفلك في حد ذاته جدير بالتقدير بصرف النظر عن ~~التنجيم، وهذا أقصى ما ننتظره من عالم أتى في عصر البيروني، ونذكر في هذا الصدد كبلر ~~الذي مارس التنجيم وهو يؤسس علم الفلك الحديث ويفجر ثورته الأهليلجية التي أنهت ~~العقيدة القاطعة بدوران الأجرام السماوية في دوائر كاملة، وراح يضيق بالتنجيم شيئا ~~فشيئا حتى انتهى إلى ms74 أنه الابنة السفاح لعلم الفلك، والتي مع هذا تكفل لأمها ~~إقامة الأود وضمان الحياة. # 93 # إذن لا نملك أن نلوم البيروني كثيرا على انشغاله بالتنجيم، فضلا عن أن ~~نندفع لنبرئه أصلا من هذا، فهذا إهدار لتاريخية الوضع المعرفي. # بخلاف التنجيم، ثمة أيضا رفض البيروني دوران الأرض واستنكاره قولا يرى أن «الأرض ~~متحركة حركة الرحى حول محورها.» # 94 # ذلك أن البيروني قد رأى سكون الأرض ودوران السموات حولها، لكنه ذكر في ~~القانون المسعودي أن ثمة رأيا يقول بدوران الأرض حول محورها، وأنه قابل واحدا من ~~علماء الهيئة القائلين بدوران الأرض - لم يذكر البيروني اسمه - مستندا على أن الجسم لا ~~يسقط على الأرض عموديا بل بزوايا أقل أو أكثر قليلا من 90° مما يعني أن الأرض ~~تحركت أثناء السقوط، لكن البيروني رفض هذا الرأي وحاول تفنيد أدلة ذلك العالم، ~~فيقول البيروني: «أما أنا فقد شاهدت أحد من مال إلى نصرة هذا الرأي من المبرزين في ~~علم الهيئة، لم يلتزم نزول الثقيل إلى الأرض على القطر عمودا على وجهها، بل محرفا ~~على زوايا مختلفة.» # 95 # لقد رفض البيروني حركة الأرض، على الرغم من أخذه باستدارتها، وربما لا يمانع في ~~كرويتها، لكنه رفض تماما كروية السماء، واعتبر الأرض في مركز الكون أو قريبة ~~منه، تبعا لنظرية بطليموس التي عمل بها هو وكل معاصريه. # إلا أننا لا نملك أن نحاسب البيروني على كل صغيرة وكبيرة، أو نلومه من منظور عصرنا ~~على مثل تلك الأغاليط، نظرا لطبيعة العصر الذي جاء فيه وحدوده المتاحة وقصوراته ~~المعرفية من منظور عصرنا، وليس ثمة أية عبقرية مهما كانت فذة تستطيع الانفصال ~~المطلق عن العصر الذي أنجبها والبيئة المعرفية التي نشأت فيها، حسبه ما ~~أسداه من جهود دفعت مسيرة العلم في تلك الحدود وذلك العصر. # وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن البيروني على الرغم من إقراره بتنوع مناهج المعرفة، بل ~~وبالاختلاف بين المعرفة الإنسانية النامية وبين العقائد الدينية المطلقة، فإنه مع هذا ~~انشغل في بعض أبحاثه بالمشكلة التي تشغل نفرا من رجال الدين ms75 ومن الإعلاميين الآن ... ~~فقد كان البيروني حريصا جدا على التقريب بين علم الفلك بالذات وبين إشارات القرآن ~~الكريم، في مقابل الحسن بن الهيثم الذي رفض تماما أي محاولات للتوفيق بين العلم ~~والدين، موضحا أن المعرفة الإنسانية مختلفة ومعيارها مختلف هو الصحة والإفادة، على ~~أن البيروني في سائر تقريباته بين الفلك والقرآن، لم يتجاوز أبدا حدود العقل والمنطق، ~~وآية ذلك رفضه البات لشطحات الصوفية في هذا الصدد، قائلا ببساطة: «إن كلامهم غير ~~مفهوم عندهم، فضلا عن عند غيرهم وخاصة كلام الحسين بن الحلاج.» # 96 # وذلك على الرغم من سعة علمه بالتصوف ودراساته المقارنة بين التصوف الإسلامي ~~والتصوف في الهند. # لقد ظل العقل دائما في عالم البيروني مناطا يعتد به أيما اعتداد، ~~ويحتكم إليه، فلا يتردد هنيهة - في تأريخاته ومباحثه - في رفض «كل ما يستفز - ~~من استماعه - القلوب وتمجه الآذان ولا تقبله العقول.» # 97 # وكثيرا ما ينتهي إلى أن هذه الرواية - أيا كان قدر قائلها - «غير صحيحة؛ ~~لأن الامتحان يشهد عليها.» # 98 # أي أن الاختبار التجريبي أو التمحيص المنطقي لا يؤيدانها، لا يقفان في ~~صفها. # ولا غرو أن ترتد هذه العقلانية في منهجية مكينة، فكان البيروني بدوره تمثيلا ~~عينيا رائعا لتألق العقل العربي والعلم العربي والحضارة العربية في قمة عصرها ~~الذهبي، القرن الرابع-الخامس الهجري، أو العاشر/الحادي عشر الميلادي ... أو - بتعبير ~~سارتون - عصر البيروني. ms76