######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.WujudaDiniyya.Hindawi30719715 #META# Tags: philosophy #META# ID: 30719715 #META# Title: الوجودية الدينية: دراسة في فلسفة باول تيليش #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الجزء الأول: مدخل إلى عالم باول تيليش‏ # 1 - الالتقاء بين الوجودية والدين‏ # 2 - ما هي الفلسفة الوجودية؟‏ # الجزء الثاني: مصادر فلسفة تيليش، النماء، والثمرة‏ # 3 - سيرة تيليش: تطوره الفكري وتشكل الأطر‏ # 4 - أعماله‏ # 5 - تحديث اللاهوت‏ # الجزء الثالث: فلسفة تيليش: اللاهوت والوجودية‏ # 6 - تعامد القطبين: اللاهوت والفلسفة‏ # 7 - الوجودية الدينية‏ # 8 - المتعالي ... القصي‏ # 9 - اللاهوت الحضاري‏ # الإهداء‏ # الجزء الأول: مدخل إلى عالم باول تيليش‏ # 1 - الالتقاء بين الوجودية والدين‏ # 2 - ما هي الفلسفة الوجودية؟‏ # الجزء الثاني: مصادر فلسفة تيليش، النماء، والثمرة‏ # 3 - سيرة تيليش: تطوره الفكري وتشكل الأطر‏ # 4 - أعماله‏ # 5 - تحديث اللاهوت‏ # الجزء الثالث: فلسفة تيليش: اللاهوت والوجودية‏ # 6 - تعامد القطبين: اللاهوت والفلسفة‏ # 7 - الوجودية الدينية‏ # 8 - المتعالي ... القصي‏ # 9 - اللاهوت الحضاري‏ # | الوجودية الدينية # | الوجودية الدينية # | دراسة في فلسفة باول تيليش # تأليف # يمنى طريف الخولي # | الإهداء # إلى الإنجيليين الأقباط ... والإخوة الأعزاء بالهيئة الإنجيلية القبطية للخدمات ~~الاجتماعية، مودة وتقديرا لأنشطتها الثقافية الجادة. # ي. ط. # الفلسفة الوجودية تطرح بصورة جديدة وجذرية، # تساؤلات ... إجاباتها معطاة في الإيمان بالدين. Paul Tillich, On The Boundary P. ~~57 # | مقدمة # | اللاهوت الوجودي # بقلم أ.د. حسن حنفي # كان مصير اللاهوت دائما معلقا بتاريخ المذاهب الفلسفية، يتغير بتغيرها. فعندما ~~نشأت الفلسفات الحسية والتجريبية والطبيعية نشأ اللاهوت الطبيعي عند بالي وهيوم، وبعد نشأة ~~المذاهب العقلانية الكبرى نشأ اللاهوت العقلي عند فولف وليبنتز وكانط. # وعندما ظهر الطريق الثالث في الفلسفة بين هذين التيارين المتعارضين اللذين جعلا الوعي ~~الأوروبي أشبه بالفم المفتوح؛ أي طريق فلسفات الحياة والظاهريات وفلسفة الوجود، ظهر اللاهوت ~~الوجودي عند فروم وتيليش وبارت وبولتمان، يرتبط بالإنسان، وليس بالله، ويحلل الوجود ~~الإنساني في أبعاده المختلفة من هم وقلق وموت ويأس وأمل وزمان وجسم. ومنذ فيورباخ في ~~«جوهر المسيحية» لم يعد اللاهوت «علم الله»، بل تحول إلى «علم الإنسان»، وتحول الموقف ~~الزائف المغترب في الدين إلى موقف شرعي أصيل. فالله هو أعز ما لدى الإنسان، جوهره وماهيته، ~~يقذفها الإنسان خارجا بدلا من أن يبقى فيه فينشأ اللاهوت المزيف المغترب ms01 القديم، أو ~~يسترده الإنسان فينشأ اللاهوت الإنساني الوجودي الشرعي الأصيل. # وقد ساهم اللاهوت البروتستانتي في بلورة اللاهوت الوجودي أكثر من اللاهوت الكاثوليكي، ~~وذلك منذ أن ربط لوثر بين الحقيقة الدينية والإيمان الشخصي في اللحظة وليس في التاريخ. ~~فالإيمان علاقة رأسية بين الله والإنسان، وليس علاقة أفقية بين المسيح والكنيسة. فالإيمان ~~شخصي وليس تاريخيا، والوحي في الكتاب وليس في التراث الكنسي. ويتم الخلاص بالإيمان وحده - ~~التقوى الباطنية، وليس بالأعمال - أفعال الشريعة والمظاهر الخارجية. # وهنا تبدو الوجودية عند تيليش وبارت وبولتمان وجوجارتن وياسبرز ومارسيل وبيرديائيف وشستوف ~~وروبنسون فلسفة إيمانية، بالرغم من أنها تركز على الوجود الإنساني، كما هو الحال في ~~«لاهوت الأزمة» و«لاهوت الألم». وكما هو الحال في الوجودية، السؤال أهم من الجواب ووصف ~~الأزمة أهم من حلها. ولا فرق بين وجودية مؤمنة من نوع وجودية تيليش، ووجودية أخرى عند ~~نيتشه وهيدجر وسارتر لا تشير إلى البعد الإيماني صراحة، وإن كانت البدائل المطلقة ~~موجودة، مثل: إرادة القوة والإنسان المتميز والحياة عند نيتشه، والوجود العام والزمان عند ~~هيدجر، والحرية والعدم عند سارتر. # ولأول مرة في اللغة العربية تظهر هذه الدراسة، في فلسفة بول تيليش بعنوان: الوجودية ~~الدينية عن اللاهوت الوجودي، في مجتمع ما زال يعلن أن اللاهوت علم مقدس ثابت لا يتغير، ~~وأن الوجودية كفر وإلحاد وإنكار الدين والإيمان، وما زال يظن أن الحديث عن الوجود ~~الإنساني دون ذكر الله صراحة أو البداية به أقرب إلى العلمانية الغربية منه إلى الإيمان ~~الإسلامي، بالرغم مما قاله الصوفية من المقارنة بين الله والإنسان الكامل، وبالرغم مما ورد ~~في الأثر الفلسفة الوجودية تطرد بصورةمن أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. # وهي دراسة عامة وشاملة، تبدأ بمدخل إلى عالم بول تيليش، وتبين الالتقاء بين الوجودية ~~والدين، وأن الوحي ليس فقط إجابة على أسئلة نظرية، بل يقدم أيضا حلولا لمشاكل عملية ~~متجاوزا الوجودية الخالصة التي تقوم على التساؤل. ثم تعرض الدراسة لأهم ملامح الفلسفة ~~الوجودية، مثل رفض الأنساق الفلسفية التي تقوم على الماهية، والتركيز على أبعاد الوجود ms02 ~~الإنساني، مثل الفردية والذاتية والوجود الأصيل، والحرية الإنسانية، والموقف، والمسئولية ~~والالتزام، مع بعض الاستطراد قبل الدخول في الوجودية الدينية عند تيليش. # كما تؤصل الدراسة اللاهوت الوجودي عند أوغسطين، والمعلم إيكارت، ويعقوب بوهمه، دون ذكر ~~كبار الصوفية في العصر الوسيط، مثل القديسة تيريز من أفيلا، والقديسة كاترين من جنوا، ~~والقديسة كاترين من سين. كما تؤصله عند بعص الفلاسفة المحدثين مثل بسكال ومين دي بيران، أو ~~الذين يعطون الأولوية للتجربة الحية السابقة على التفكير. وقد كان سقراط من قبل إماما ~~للجميع. # وتعرض الدراسة لمصادر فكر تيليش، ابتداء من عرض سيرة حياته وتطوره الفكري، وتأثره بشلنج ~~الذي كانت فلسفته أيضا تحويلا للدين - في ~~«مقدمة في علم الأساطير» - إلى تجارب إنسانية حية تعبر عن نفسها بالأسطورة، وكما فعل ~~شتراوس ورينان في «حياة يسوع». فالأساطير الدينية في بدايتها تجارب حية فردية واجتماعية ~~وتاريخية تتم صياغتها بالخيال من خلال البعد الفني، قبل أن تتحول إلى تصورات تقوم على ~~التنزيه العقلي؛ لذلك ارتبط تيليش بكيركجارد، وشلنج ونيتشه، بفيلسوف الوجود، وفيلسوفي ~~الأسطورة. # ثم تعرض الدراسة لفلسفة تيليش واللاهوت الوجودي لديه، ومدى تعاون اللاهوت والفلسفة في ~~صياغة الفكر. الفلسفة تعطي الفكر، واللاهوت يعطي الأنطولوجيا. الفلسفة تعطي المعرفة، ~~واللاهوت يكشف الوجود؛ وبالتالي، أصبح تيليش فيلسوف وجود وأحد مؤسسي الأنطولوجيا المعاصرة. ~~وكان من الطبيعي بعد حربين عالميتين طاحنتين، كانت ألمانيا فيهما هي الخاسرة، أن يحاول ~~تيليش إعادة بناء الأمة والوطن، على أساس ديني، آخذا في الاعتبار أزمة الواقع ومتطلبات ~~العصر. فأسس «لاهوت الحضارة» كي يمكن إعادة بناء الحضارة الإنسانية على ماهية أو جوهر ~~مستمد من الدين باعتباره حاملا للقيم الإنسانية الثابتة والمطلقة. # ويبدو أن عصر النهضة بعدما تحول من التصور المركزي حول الله # THEOCENTRISM # إلى التصور المركزي ~~حول الإنسان # ANTHOROPOCENTRISM # انتهى إلى خسارة الاثنين معا؛ فقد كان الله أولا بلا إنسان، ثم أصبح الإنسان ثانيا بلا ~~إله. وفي كلتا الحالتين ضاع الإنسان لغيابه أولا، ثم لحضوره وحيدا ثانيا. أعلن نيتشه ~~«أن الله قد مات» في أواخر القرن الماضي حتى يحيا الإنسان. ms03 ثم أعلن رولان بارت «أن ~~الإنسان قد مات». فمن الذي يعيش الآن؟ ومن ثم ضاعت القيم، وانهارت الحضارة، وعم العدم، ~~وانتشر الموت في الروح، ما دام الإنسان هو النسبي، إنسان القوة والمصلحة، إنسان بروتاجوراس؛ ~~لذلك حاول تيليش العودة إلى الأساس الإلهي لبناء الوجود الإنساني والحضارة الإنسانية على ~~الشرعية الإلهية (الثيونومي). # ومن هنا أتت ضرورة إعادة بناء الفكر الديني طبقا لكل عصر. فقد عكس كتاب الأناجيل ~~تصورهم للعالم، وأحوال عصرهم. فالإيمان منذ البداية كان يعبر عن حالة الجماعة المسيحية ~~الأولى، تجربة معاشة، كما تشكلت العقائد في المجتمع وفي حياة الناس، وكما عرضت مدرسة ~~«تاريخ الأشكال الأدبية» عند بولتمان وديبليوس. وهذا يستلزم تحديث اللاهوت حتى يعبر عن ~~أوضاع كل عصر. # واللاهوت قادر على الاستجابة لمتطلبات كل عصر. فاللاهوت كالأيديولوجية السياسية وكالمذهب ~~الفلسفي. وتستطيع الذاكرة أن تقوم بإعادة البناء هذه، بما لديها من رصيد تاريخي طويل. ولا ~~فرق في ذلك بين المسيحية وسائر الأديان في ضرورة إعادة البناء طبقا لحاجات العصر. # لقد انتهت العلمانية الغربية إلى إنسان ومجتمع بلا إله؛ لذلك يعيد تيليش بناءها حتى ~~تقوم على أساس من القيم الثابتة باسم الدين وليس ضده؛ لذلك يظهر الله باعتباره رمزا ~~دينيا ليس كما يتصوره اللاهوت، بل كما يتصوره فيلسوف التعالي والمفارقة، أو ما أسماه ~~المسلمون «التنزيه»، حتى يتجاوز الوعي ذاته باستمرار إلى ما هو أعلى وأشمل وأعم. وعلى هذا ~~النحو يمكن تجاوز الاشتراكية المادية كما تمثلت في الماركسية، أو الاشتراكية القومية كما ~~تمثلت في النازية، إلى الاشتراكية الدينية التي تقوم على الإيمان بالله وعلى المساواة بين ~~البشر. # وتمتاز هذه الدراسة بقدرة على الفهم والتعمق للموضوع ووضوح العرض، وبالثقافة الواسعة ~~والاعتماد على الدراسات السابقة، والإحالة إلى المراجع. تجمع بين تحليل المصادر الأصلية ~~والدراسة المباشرة للنصوص الأولى. لم تكتف بما قيل في الموضوع، ولم تقتصر على التحليل ~~المباشر للمادة العلمية، بل جمعت بين الاثنين؛ بين اجتهادات السابقين واجتهاد ~~المحدثين. # ومع ذلك يكتفي البحث بالعرض دون التطوير، وبالتعاطف دون النقد، وبالحماس للموضوع دون ~~التباعد عنه، الضروري ms04 للحكم عليه. وربما غاب عنه التركيز على قضايا المجتمع والعدالة ~~الاجتماعية والسياسية كما غاب وضع الآخر خارج الحضارة الأوروبية، وضع الإنسان الوجودي في ~~العالم الثالث . كما غابت المقارنات مع حضارات أخرى قد تكون قد اجتهدت أيضا في تأصيل ~~اللاهوت الوجودي في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. # والدكتورة يمنى طريف الخولي صاحبة هذه الدراسة أستاذ بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة ~~القاهرة، تلميذة لي، تشرفت بالتدريس لها على مدى أربع سنوات في السبعينيات، وهي صاحبة ~~وجهة نظر شاملة للفلسفة، لا تقتصر فقط على فلسفة العلوم - وهو تخصصها الدقيق - بل تمتد ~~اهتماماتها إلى الفلسفة الإنسانية والاجتماعية بوجه عام، كما هو الحال عند فيلسوفها «كارل ~~بوبر». تعيش فكرها وتخلص له، تؤمن بما تكتب، وتكتب ما تؤمن به. وعت الفكر منذ أن كانت ~~طالبة، واجتهدت فيه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، حتى ترقيتها. ما زالت تعطي، في فلسفة ~~العلوم، وفي الفلسفة العامة. الفكر لديها حياة، والفلسفة لديها التزام، والبحث قضية، والعلم ~~موقف. الفلسفة لديها رسالة وليست مهنة، دعوة وليست حرفة، نبوة وليست كهانة. وبهذه الدراسة ~~تفتح الطريق لمزيد من الدراسات اللاهوتية المعاصرة، حتى نتجاوز مفهوم اللاهوت الثابت ~~الأبدي: نظرية الذات والصفات والأفعال، لاهوت كل العصور. فاللاهوت متغير بتغير العصر، ~~يعبر عن روحه وثقافته واحتياجاته. اللاهوت علم إنساني، يكشف عن طبيعة الموقف الإنساني، ~~وعن تغيره بتغير المجتمعات ومراحل التاريخ. # الجزء الأول # | مدخل إلى عالم باول تيليش # الفصل الأول # | الالتقاء بين الوجودية والدين # باول يوهانس أوسكار تيليش Paul J. O. Tillich ~~(1886-1965م)، قسيس بروتستانتي، ومنظر لاهوتي، وفيلسوف ديني من أعظم وأبرز فلاسفة ~~المسيحية في القرن العشرين. آمن بأن الوحي ليس فقط إجابة عن تساؤلات نظرية، بل أيضا ~~حلول مثلى للمشاكل العملية؛ فكان أقدر من عبر عن علاقة العقيدة الدينية بالحياة ~~الحضارية للإنسان المعاصر وبموقفه الوجودي، وبصور جعلته من طليعة المعنيين بالإشكالية ~~الحضارية المعاصرة، سواء لاهوتيون أو علمانيون؛ فهو على الحدود بينهما. وسوف نرى أن ~~مجمل فلسفة تيليش - ككل وكأجزاء - إنما يلخصها الموقف: على الحدود. # تدور أعماله الجمة حول تأكيد ms05 قدرة اللاهوت الفذة والفريدة على تقديم الإجابات ~~المرضية والمشبعة لتساؤلات الوجود الإنساني الملحة، وبالتالي على تقديم العلاج ~~الناجع للأدواء المزمنة التي تعاني منها الحضارة الغربية في القرن العشرين. هذا شريطة ~~الثورة على الميراث التقليدي، وتحديث اللاهوت وإعادة صياغته. وقد فعل تيليش هذا، لكن ~~على أسس وجودية. # إن اللاهوت والوجودية يتآزران ويتلاحمان في فكر باول تيليش، ليمثلا نقطة انطلاق ~~إلى غد أفضل، لحضارة أفضل ... إلى وجود جديد، لإنسان جديد؛ لذلك كان هذا الكتاب من أجل ~~الوقوف على الوجودية اللاهوتية أو الدينية كما تحققت مع باول تيليش، في واحدة من أقوى ~~وأخصب صورها. # والواقع أن ثمة أكثر من دافع وراء هذا الكتاب، وأكثر من هدف يزمع تحقيقه. فعلى ~~الرغم من كثرة متكثرة من الفلاسفة والمفكرين والأدباء الذين يندرجون بصورة أو بأخرى تحت ~~مصطلح «الوجودية # Existentialism ~~» المراوغ؛ فإن ~~القلة هي التي تعترف بالهوية الوجودية صراحة، ربما ~~لأن القلة هي التي تدرك صراحة المعنى الدقيق لهذا المصطلح الواسع الانتشار، والكثير ~~الالتباس. وعلى أية حال، فإن تيليش من الوجوديين الذين يؤكدون بمنتهى الإصرار ~~والإمعان - قولا وفعلا - على وجوديتهم. # فهل هذا لأنه قسيس بروتستانتي؟ ~~••• # فقد كان الأب الشرعي للفلسفة الوجودية هو البروتستانتي الدنماركي العظيم سرن كيركجور # Soren Kierkegaard ~~(1813-1855م)، أكثر ~~البروتستانتيين بروتستانتية، أو هو «بروتستانتي البروتستانتية»، # 1 # ومع هذا جرى العرف على تقفي أثره وتتبع مسارات ونمو الفلسفة الوجودية ~~بعده في معاقل الفكر العلماني - في الفلسفة، وبعض التيارات والأعمال الأدبية. # ولكننا لاحظنا أن فلسفة اللاهوت البروتستانتي في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت ~~شد ما تأثر بالفلسفة الوجودية واستقطبها، وعرف كيف يستغل مقولاتها في إقامة ~~دعاويه. # وعلى الفور يبرز في هذا الصدد ~~اللاهوتي الوجودي المميز رودلف بولتمان # R. ~~Bultmann ~~(1884-1976م)؛ فقد رأى أن ~~العهد الجديد في جوهره رسالة وجودية بأعمق ما في الكلمة من معنى، لكن الكوزمولوجيات ~~البدائية المعاصرة له - ذات الأصل الغنوصي - قد ألحقت به الأساطير وشوهته، بحيث نجده ~~لا يصلح البتة موضوعا للإيمان الحقيقي للإنسان في القرن العشرين - في أوج عصر العلم. ~~من هنا كان ms06 بولتمان ناقدا تاريخيا قاسيا للعهد الجديد، بغية إعادة صياغته على ~~أسسه الحقيقية - أسسه الوجودية - التي تجعله أجدر وأقدر على البقاء في الحضارة ~~المعاصرة؛ أي هدف بولتمان إلى إعادة بناء المسيحية على أسس وجودية، تنتهي إلى قرار ~~إنساني باختيار الوجود الأصيل دونا عن الوجود الزائف. وهذه رسالة يعجز عنها العقل ~~المنطقي، وكانت وسيلة بولتمان لتحقيقها هي المفاهيم الوجودية، ومصطلحات مارتن هيدجر # M. Heidegger ~~(1889-1976م) بالذات. وثمة - على وجه ~~الخصوص - مفهومان، قدمهما هيدجر بالألمانية - لغته ولغة بولتمان - وليس لهما مقابل ~~دقيق بالإنجليزية، اكتسبا أهمية خاصة بالنسبة لهيدجر، وقد جعلهما بولتمان هكذا بالنسبة ~~للاهوت الوجودي. هذان المفهومان هما: «أولا # Fragestellung ~~؛ أي طريقة طرح التساؤل، التي تتناول ~~التساؤلات اللاهوتية بوصفها قبل كل شيء تساؤلات عن وجود الإنسان في علاقته مع الرب، ~~وتفسر الكتابات المقدسة بوصفها عبارات معنية أساسا بوجود الإنسان. وثانيا مفهوم # Begriffichkeit ~~؛ أي نسق من المفاهيم الأساسية، ~~مشتقة من فلسفة الوجود.» # 2 # وبرفقة بولتمان يقف فردريش جوجارتن # F. Gogarten ~~(1887-1967م)، الذي آمن بأن إمام البروتستانتية مارتن لوثر قد حطم من ثقل ~~الميتافيزيقا على اللاهوت، ووجه تفكير الكنيسة إلى ما نسميه الآن ب «القنوات ~~الوجودية». بيد أن استبصارات لوثر ضاعت في فترة أصوليات البروتستانتية التقليدية التي ~~تلته، ونحن الآن في حاجة إلى إعادة توكيدها، وأفضل طريقة لفهمها ليست عن طريق ~~اللاهوتيين، بل عن طريق فلاسفة علمانيين أمثال مارتن هيدجر، # 3 # والإيمان في نظر جوجارتن ينشأ على أساس التفسير الوجودي للتاريخ المقدس، ~~الذي يجعلنا نراه فضا لمغاليق وجودنا نحن التاريخي، في ظل الثقة بكلمة الرب. وهذا شيء ~~لا نتعلمه فقط من الوجودية الحديثة، بل وأيضا من الفهم السليم لتعاليم لوثر. أما ~~فريتس بوري # Fritz Buri # فقد صدق بمجامع نفسه على ~~دعوى بولتمان بالتفسير الوجودي للعهد الجديد، وتجريده من الأساطير، ولدرجة جعلته ~~بولتمانيا أكثر من بولتمان نفسه؛ فقد سار في طريقه إلى أبعد مما سار. وأعمق صورة ~~لتطبيق الوجودية على المشاكل اللاهوتية وأكثرها جذرية إنما نجدها في مشروع بوري ~~ل «لاهوت الوجود». # 4 # إن بولتمان ومدرسته ms07 يقفون ضمن فيالق الثورة على اللاهوت الليبرالي أو اللاهوت ~~المتحرر. واللاهوت الليبرالي بدوره حركة بروتستانتية انتشرت في القرن التاسع عشر، وذاعت ~~وشاعت، حتى سادت الأجواء في مطالع هذا القرن، تفسر اللاهوت على ضوء الخبرة الإنسانية، ~~وبالتالي المتغيرات الحضارية. واستمرت في ذيوعها حتى عام 1914م؛ أي قيام الحرب العالمية ~~الأولى. فحتى هذا التاريخ كان اللاهوت الليبرالي - ومجمل الفكر الديني - يتطرف أكثر ~~في اتجاه النزعة المتفائلة خصوصا بعدما تلقحت بروائح من الجدل الهيجلي والتطور ~~الداروني. ولكن نواتج الحرب وما خلفته من كوارث جعلت أساسيات الحركة في حاجة إلى بعث ~~وإعادة صياغة. وهذه هي المهمة التي تكفل بها باول تيليش، وأحرزها بنجاح ملموس. ~~واللاهوت الليبرالي - قبل عام 1914م وبعده - يستند على خطوط وجودية واضحة، بل وإنه ~~يستمد أولى أصولياته من القديس أوغسطين # St. Augustine ~~(354-430م) أول المبشرين بإرهاصات الوجودية. وكان الاتجاه البروتستانتي المعارض للاهوت ~~الليبرالي يستند أيضا على الوجودية. فكارل ~~بارت # K. Barth ~~(1886-1968م) هو أشد اللاهوتيين البروتستانتيين نفورا من ~~اللاهوت الليبرالي ورفضا له وتبرؤا منه، قاد الثورة عليه وقدم لاهوتا مناقضا يبدأ ~~من الله كما تجلى في المسيح لا من الخبرة الإنسانية والحضارة، ويفسر اللاهوت بصلب ~~ذاته. وبارت هو الآخر وجودي صميم، توضح أعماله، وأهمها «رسالة إلى أهل روما»، وأضخمها ~~«دوجماطيقيات الكنيسة»، مدى اقتفائه لخطى كيركجور وانتهاجه لأسلوبه في الكتابة. «وكان ~~لوجودية كيركجور تأثير عظيم على لاهوت بارت الخاص، وربما أيضا على اللغة التي عبر ~~بها. وهو على أية حال قد اعتقد فيما بعد أن طريق الوجودية سوف يؤدي لا محالة لنقطة بدء ~~القرن التاسع عشر إلى الإنسان الديني [أي إلى نقطة بدء اللاهوت الليبرالي] فكانت ~~الوجودية معه فقط لتعطينا وصفا أعمق وأثقب لهذه الدينية في أفضل صورها، بيد أنها لا ~~تمنحنا الأساس العقلي للاهوت يريد أن يتحدث عن الرب بمصطلحات عقلانية ومتعلقة، كما كان ~~بارت في نهاية الأمر يطمح لأن يفعل، ومع كل هذا كان كيركجور معبرا هاما عبر عليه ~~بارت إلى العالم الجديد للاهوته المطور، وربما لم يفلح تماما في ms08 زعزعة تأثيره.» # 5 # وسوف نتعرض فيما بعد بالتفصيل للاهوت الليبرالي، والصورة التي اتخذها مع ~~تيليش تحت اسم «اللاهوت الحضاري»، وأيضا لموقف بارت المعارض. # وما ينبغي أن نصوب عليه الأنظار الآن، كيف أن ~~كبار أئمة اللاهوت البروتستانتي الممثلين لأهم اتجاهاته المعاصرة، بولتمان وبارت ~~وتيليش، على الرغم من اختلاف مشاربهم البروتستانتية بل وتناقضهم بصدد قضية مبدئية حول ~~تفسير اللاهوت أمن صلب ذاته أم من حيثيات التجربة الإنسانية؟ إنما يتفقون في ~~الانطلاق من الأرضية الوجودية. وهذا ينطبق أيضا على رجالات الصف الثاني لفلسفة اللاهوت ~~البروتستانتي المعاصر أمثال أوجدن # S. N. ~~Ogden # ووليم كاملاه # W. Kamlah # من ~~أتباع بولتمان. وإميل برنر # E. Brunner ~~(1889-1966م) ~~أعظم الممثلين لما أسماه كارل بارت بلاهوت الكلمة، وإن كان قد افترق مع أستاذه في بعض ~~النقاط، ويزامله في اتباع بارت اللاهوتي أوسكار ~~كلمان # O. Cullman ~~. أما أخلص تلاميذ تيليش فهو الأسقف روبنسون # Bishop J. A. T. Robinson ~~، يوضح كتابه «مخلص للرب # Honest to ~~God ~~» كيف أنه أجاد ~~استيعاب وتمثل فلسفة أستاذه، وأيضا تطويرها والإضافة إليها، حتى وصل إلى درجة أثارت ~~عاصفة شديدة بين اللاهوتيين، حين صدوره عام 1963م. ولا يفوتنا ذكر أعلام لهم أهميتهم ~~في اللاهوت الفلسفي البروتستانتي، ولهم أيضا استقلالهم، فلا هم رواد ولا هم أتباع. ~~وأهمهم ديتريش بونهوفر # D. Bonhoeffer ~~(1906-1945م) ~~الذي ينافس تيليش في إيمانه بالقيمة العملية والفعالية الحية للاهوت، وأيضا ضرورة ~~تحديثه، والعمل الذي توج حياته القصيرة «ثمن التبعية # The Cost of Discipleship ~~» يذكرنا كل سطر من سطوره بروح كيركجور. وثمة أيضا ~~راينهولد نيبور # R. Niebur ~~(1872-1971م) الرافض ~~للاهوت الليبرالي، «بحيث يعتبره البعض تابعا لبارت»، # 6 # أبدى اهتماما فائقا بالمسائل الاجتماعية والسياسية وعنى بنقد الليبرالية ~~الديمقراطية للحضارة الأوروبية، مؤكدا على أهمية الدين الأخلاقية. وأهم أعماله في هذا ~~«إنسان أخلاقي ومجتمع لا ~~أخلاقي # Moral Man and Immaral Societyiet ~~» سنة 1932م، «أبناء النور وأبناء ~~الظلام # The Children of light and the children of darkness ~~» وقد احتذى هو الآخر حذو كيركجور في اعتبار الإنسان معلقا ~~بين التناهي والحرية، ms09 ولا مندوحة له عن تقبل كليهما كي يحيا بصحة روحية، وهذا التعليق ~~للإنسان يتبدى من خلال القلق الذي هو ظرف مبدئي تنشأ عنه كل خطيئة. # 7 # كل هؤلاء اللاهوتيين البروتستانتيين، ~~وسواهم ممن لا يتسع المجال لحصرهم، وجوديون صرحاء، ولكن طبعا بدرجات متفاوتة في مدى ~~تمثلهم وتمثيلهم للفلسفة الوجودية. ولئن كان لاهوت بولتمان ومدرسته أكثر وأخلص وجودية ~~من لاهوت تيليش، فإن تيليش هو أقدر من استطاع في آن واحد أن يجعل الوجودية تنساب في ~~شرايين البروتستانتية، والبروتستانتية تنساب في شرايين الوجودية، والحياة تنساب في ~~شرايين كليهما. # إن اللاهوت الفلسفي هو البحث في ~~التضمنات الفلسفية للعقيدة الدينية، وليس يصعب إدراك الخاصة الوجودية للتضمنات الأساسية ~~المميزة للبروتستانتية، فلا يدهشنا كل هذا الالتقاء بين اللاهوت البروتستانتي والفلسفة ~~الوجودية، إنه مسألة تتبدى لكل من يمعن النظر في منطلقات ومضمون دعوة لوثر؛ أما عن ~~الزاوية التاريخية لهذا الالتقاء، فقد أشار إليها تيليش نفسه، حين فرق بين ثلاثة وجوه ~~للوجودية: الوجودية بوصفها وجهة نظر؛ وبوصفها اعتراضا أو احتجاجا Protest ~~؛ وبوصفها تعبيرا. وهو يؤكد أن الوجودية كوجهة نظر حاضرة في ~~القطاع الأعظم من اللاهوت، وأيضا من الفلسفة ومن الفكر، لكنها قد لا تكون على وعي ~~بذاتها. أما الوجودية بوصفها احتجاجا فقد ظهرت كحركة واعية بذاتها منذ الميلاد الرسمي ~~للوجودية مع كيركجور، لتصبح بوصفها تعبيرا خاصة مميزة للفلسفة والفن والأدب، وسادت ~~أوروبا في مرحلة الحربين العالميتين، # 8 # وإذا كان ديكارت - كما هو معروف - قد شق الطريق المناوئ للوجودية، فإن ~~تيليش يؤكد أن البروتستانتية برفضها للإثقالات الميتافيزيقية والأنطولوجية على العقيدة ~~الدينية، كانت هي التي تحمل لواء وجهة النظر الوجودية. لكن البروتستانتية تراجعت عبر ~~تاريخها عن الكثير من الأراضي الوجودية، وخصوصا تحت ضغط المجتمع الصناعي الذي تنامى في ~~القرن الثامن عشر، الذي يتطلب لحسن إدارته لنفسه وللعالم فلسفة ضد الوجودية ولاهوتا ~~ضد الوجودية، وفقط تحت تأثير الحركات الاجتماعية والتيارات السيكولوجية في القرن ~~العشرين أصبحت البروتستانتية أكثر انفتاحا على المشاكل الوجودية للموقف المعاصر، # 9 # فكان ما أشرنا إليه من التقاء حميم بين ms10 اللاهوت البروتستانتي والفلسفة ~~الوجودية. # وبعد كل هذا، يظل التوقف عند مثال تطبيقي وتمثيل عيني لهذا الالتقاء، هو فلسفة باول ~~تيليش، ليس فقط وقوفا عند شريحة معبرة عن قطاع هام من الفكر اللاهوتي أو الغربي ~~المعاصر، بل هو مسألة أعمق؛ إنه وقوف على طبائع وخصائص مميزة لعناصر أساسية. ~~••• # فلئن كانت الطبيعة الخاصة للبروتستانتية تلقي بها توا في قلب الفلسفة الوجودية، فإن ~~العكس ليس صحيحا، والطبيعة الخاصة للفلسفة الوجودية لن تلقي بها في قلب البروتستانتية ~~فقط، بل كفيلة بجعلها تتوغل في أعطاف أي فكر لاهوتي رام وشائج فلسفية حية، وإذا كان ~~المنشور البابوي الكاثوليكي لعام 1950م قد استبعد الوجودية بوصفها واحدة من الفلسفات ~~المعارضة وغير المرغوب فيها، فإننا نرى هذا عندا في البروتستانتية وليس في الوجودية. ~~وثمة فلاسفة وجوديون وكاثوليك، من الطراز الأول في وجوديتهم وفي كاثوليكيتهم، من أمثال ~~جبريل مارسيل # G. Marcel ~~. # إن الوجودية هي الأساس الفلسفي للنظر في الموقف الإنساني المتعين بمسئوليته الفردية ~~الرهيبة؛ حيث لا ينفع المنطق البارد، ولا يشفع المنهج العقلاني الصارم؛ لذلك «يصعب أن ~~يناقش أي لاهوتي متفلسف دعاويه بغير الاستعارة من القاموس الوجودي والالتجاء إلى ~~المفاهيم والمصطلحات الوجودية، من قبيل الهم والقلق والتناهي والإثم والاغتراب، والوجود ~~الأصيل أو الشرعي والوجود الزائف ... إلخ.» # 10 # وإذا كان ماكينتري صاحب هذه الملاحظة يقول في التعقيب عليها «إن الوجودية ~~في حقيقة الأمر مبدأ لاهوتي محايد؛ لأنها تبرر الولاء للاعتقاد بأن الشخص قد اختاره، ~~وهذا تبرير ينطبق أيضا على العقائد الإلحادية.» # 11 # فإننا قياسا على تعقيب ماكينتري نقول إن الفلسفة الوجودية هي فقط الكفيلة ~~بإعطاء الإيمان الديني تعميقا وتفسيرا وتبريرا، لا بد أن تسلم بها جميع ~~الأطراف، حتى وإن كانوا ملحدين؛ فالرأي عندي - وهو رأي سيعطينا تيليش المثال الحي ~~والشاهد الأصدق عليه - أنه لا توجد وسيلة لا سبيل لدحضها لتفجير الحياة في اللاهوت ~~وتعميق معايشة التجربة الدينية أنجح وأفضل من الفلسفة الوجودية أو حتى تباريها، خصوصا ~~إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الدين أولا وقبل كل شيء عقيدة، ثم يأتي تطبيق ms11 الشريعة ~~كنتيجة ومحصلة للإيمان بالعقيدة، أو بالتعبير الوجودي لقرار اختيار العقيدة تحقيقا ~~للوجود الشرعي (أو الأصيل في ترجمات أخرى نراها الأصوب). ~~••• # وإذا تركنا الآن رحاب اللاهوت الفلسفي، ودلفنا بتوغل أكثر إلى رحاب الفلسفة ذاتها - ~~لكن الفلسفة اللاهوتية أو المستعينة باللاهوت أو حتى مجرد الفلسفة المؤمنة؛ أي إذا ~~تركنا باول تيليش اللاهوتي - سنجد أن باول تيليش الفيلسوف واحد من أربعة فلاسفة ممثلين ~~لتيار هام من تيارات الفكر الغربي المعاصر هو تيار الفلسفة اللاهوتية، التي ترتكز على ~~اللاهوت، وتستمد منه حلولا للمشاكل التي تتصدى لها. وجملتهم باحثون عن الانطلاقة أو ~~الثورة الروحية للإنسان؛ بغية رأب الصدع العميق في بنيان الواقع الجاف؛ منهم من عرف ~~كيف يحطم الحدود التقليدية المستهلكة للملة اللاهوتية، من أجل تطويرها وتوسيعها ~~وإثرائها ، فتكون أقدر على إنقاذ «الوجود الشخصي». وكانوا بهذا يعطوننا أمثلة نموذجية ~~على الفلسفة الوجودية، وأسلوب ارتكازها على الدين واللاهوت، واستعانتها به، هؤلاء ~~الأربعة هم: ماريتان بوبر # M. Buber ~~(1878-1965م) ممثل ~~الفلسفة اليهودية وذو التأثير الكبير على تيليش؛ وجاك ~~ماريتان # J. Maritain ~~(1882-1975م) ممثل الفلسفة الكاثوليكية؛ ونيقولا بيرديائيف # N. Berdyaev ~~(1874-1948م) ممثل الفلسفة ~~الأرثوذكسية. ويأتي باول تيليش ليمثل الفلسفة البروتستانتية. لقد انتقينا هؤلاء الأربعة ~~فقط ليمثلوا الملل اللاهوتية الأربع في الفكر الغربي المعاصر، لكن من ورائهم يقف جمع ~~غفير لفلاسفة تكفلوا بمثل هذه المهمة، ولعل إسبانيا تتقدم بأكفأ فيلسوفين في هذا ~~الصدد، هما ميجل دي أونامونو # M. de Unamuno ~~(1864-1936م)؛ وأورتيجاي جاسيت # Ortega Y Gasset ~~(1883-1955م)؛ ويمثل إنجلترا جون مكموري # G. Macmurry ~~، ~~وثمة أيضا كارل هايم # K. Heim ~~(1874-1959م)، ~~وسرجيوس بولجاكوف # S. Bulgakov ~~(1870-1944م) ... ~~ويوضح المؤرخ جون ماكوري أن هؤلاء الفلاسفة - خصوصا بيرديائيف وأونامونو اللذين ~~يعتبرهما أعظم ممثلين للوجودية - حين أثبتوا أن الدين أساسا فعالية شخصية، إنما يمهدون ~~لما تطور بعدهم في صورة اللاهوت الوجودي، # 12 # الذي رأيناه مع تيليش وبولتمان وزملائهما اللاهوتيين، حين اكتملت فلسفة ~~الوجود الشخصي بفلسفة الأنطولوجيا. # وبالتوغل أكثر في رحاب الفلسفة، نلقى في النهاية الوجودية المؤمنة فحسب، وعلى رأسها ~~الفيلسوفان الشهيران صاحبا البصمات ms12 الواضحة في بلورة وتطوير مفهوم الوجودية، وهما ~~الفرنسي جبرييل مارسيل، والألماني كارل ~~ياسبرز # K. Jaspers ~~(1883-1969م) الذي فلسف للاهوت الليبرالي البروتستانتي، ومع ~~هذا كان له تأثير على جورجاتن بقوله إن اللطف والوحي ليسا في فعل معين، وثمة كثيرون ~~أقل شهرة، أهمهم الروسي ليون شستوف # Leon Shestov ~~(1866-1938م) الذي جعل عنوان أهم كتب كيركجور (أما ... ~~أو # Either ... Or ~~) أساسا أو هيكلا لفلسفته. وقد انشق شستوف بوجوديته المؤمنة عن ~~الثورة البلشفية، فانضم مع بيرديائف إلى سرب الطيور المهاجرة التي غادرت روسيا طوعا أو ~~كرها. ~~••• # ومن الوقوف على لاهوت فلسفي ثم على فلسفة لاهوتية، نخلص إلى أن العلاقة تبادلية بين ~~اللاهوت والدين وبين الفلسفة الوجودية؛ فكما استعان اللاهوت البروتستانتي بالفلسفة ~~الوجودية ليكون أقوى وأكثر حياة، فإن الفلسفة الوجودية أيضا قد تستعين باللاهوت والدين ~~لتكون أقوى وأكثر حياة، بل ولتكون أكثر وجودية. فكما قال الرائد كيركجور: «الوجودية ~~الحقة هي المسيحية، أو هي بتعبير أدق صيرورة الإنسان مسيحيا.» # 13 # إن صلب التفكير الوجودي يقوم على المقابلة بين «الوجود-لذاته»؛ أي الإنسان، وبين ~~«الوجود-في ذاته»؛ أي الشيء. ولا مخرج من هذه المقابلة إلا بوجود-من أجل- ذاته، ومن أجله ~~كل وجود آخر؛ أي الألوهية. وحين يحقق الإنسان مبدئيات الموقف الوجودي؛ أي حين يصوب ~~تفكيره تجاه ذاته المتشخصة الوحيدة المحاقة بالقلق والاغتراب والتناهي والعدم، والمثقلة ~~بعبء الحرية الرهيب؛ فالأرجح أن يلتجئ فورا إلى الموجود المتعالي، الله، أو كما يقول ~~بيرديائيف: «عالم الذات كلما أحكم إغلاق الباب على نفسه، فإنه يكتشف فجأة وجودا ~~متعاليا.» # وليست الألوهية فحسب، بل أيضا الدين بمعناه الحرفي، والمقصود الأديان السماوية؛ ~~فحديثنا لا ينطبق على الكونفوشية أو البوذية ~~مثلا - الدين السماوي له قدرة يصعب ~~منافستها على تضخيم مسئولية الوجود الفردي إلى الحد الذي يجعله حقيقا بالنظرة الوجودية ~~- ولنخطو خطوة أبعد، ونقول ليس التجربة الدينية في عموميتها، بل وأكثر من هذا التجربة ~~الصوفية هي التي تحمل أقصى تحقق للفلسفة الوجودية، والمتصوفة الذين هم أكثر عباد الله ~~عبودية - أو عبودة حسب المصطلح الإسلامي الدال على الدرجة القصوى - هم أيضا ms13 أكثر ~~الوجوديين وجودية؛ فالوجودية فلسفة للذات لا الموضوع، والإنسان لا الطبيعة، والتجربة ~~الحية لا العقل النظري، ولن نجد ذاتية تنبذ كل موضوعية، وإنسانية تزدري الطبيعة ~~المادية، وتجربة ذوقية وجدانية تضرب عرض الحائط بمقولات العقل والعقلانية، مثلما ~~نجدها مع المتصوفة. وهل يجادل أحد في أن الميستر إكهارت # Eckhart ~~(1260-1327م) «طليعة عظام المتصوفة» # 14 # هو مفكر وجودي من الطراز الأول، وأن يعقوب ~~بوهمه # J. Boehme ~~(1575-1624م) أعظم المتصوفة، هو حامل لواء الوجودية في الفترة ~~القبل ديكارتيه. # 15 # ومحصلة كل هذا ما نلمسه من أن الغالبية العظمى من الفلاسفة الوجوديين، كانوا ذوي ~~علاقة متينة مع الدين. والوجوديون الملاحدة الممثلون لمعالم على طريق الوجودية قلة ~~(نيتشه وهيدجر وسارتر وربما كامي) وإن كانت لهم فعلا أهمية كيفية تفوق كل كم، فليست ~~تتعلق أهميتهم الكبيرة بمقولة الإلحاد في حد ذاتها، ولا هي أكسبت فلسفاتهم شيئا مما ~~لها من قوة فائقة. # أما من الناحية الأخرى التي قدمنا بها الحديث؛ أي ناحية اللاهوت، فإن تيليش يعتبره ~~«قد تلقى هبة عظمى من الفلسفة الوجودية»، # 16 # حتى إنه - أي تيليش - يؤلف مرجعا أكاديميا ضخما يحيط بتاريخ الفكر ~~المسيحي منذ أصوله اليهودية والإغريقية وصولا إلى الفلسفة الوجودية أو انتهاء بها، ~~مؤكدا أن الإنجيل يحمل عناصر مبكرة للتفكير الوجودي، # 17 # يقول تيليش إن المسيح أتى ليجلب دهرا ~~جديدا # new eon ~~، وإن «الوجودية قامت بتحليل الدهر القديم؛ أي مأزق الإنسان ~~وعالمه في وضع الغربة. والوجودية بإنجازها لهذا إنما هي حليف طبيعي للمسيحية. وذات مرة ~~قال إيمانويل كانط إن الرياضيات هي الحظ السعيد للعقل الإنساني. وبنفس الطريقة يمكن أن ~~يقول المرء إن الوجودية هي الحظ السعيد للاهوت المسيحي.» # 18 # أما بالنسبة للاهوت الإسلامي؛ أي علم الكلام، فإننا نلاحظ أن التصوف ~~الإسلامي أنسب منه للاستفادة من الوجودية. ولكن لا تفكير في استفادة، بل فقط إفراغ ~~الجهد في النيل من الوجودية لأنها فلسفة الانحلال والإلحاد! وذلك نتيجة لتعامل سطحي ~~متسرع مع مظاهر بادية ورذاذ متناثر. ~~••• # فبعد كل هذا الحديث في وجودية اللاهوت ولاهوتية الوجودية؛ أي العلاقة ms14 التبادلية ~~الوثيقة بين الوجودية والدين، بقي أن نلاحظ أن الوجودية اللاهوتية أو حتى المؤمنة - وهي ~~الأصل كما نشأت مع كيركجور توارت في الظل، وقنعت بالوقوف من وراء الوجودية الملحدة التي ~~انشقت عنها، والتي حظيت بنصيب الأسد - إن لم نقل استأثرت بما لحق الوجودية من شهرة ~~طبقت الخافقين، حين حطمت جدران الأروقة الأكاديمية وانسابت في تيار الحياة اليومية، ~~كما لم تفعل فلسفة أخرى، لا من قبل ولا من بعد، باستثناء الماركسية طبعا. # ذلك أن الوجودية قد ظلت كائنة في مستويات البحث العميق والثقافة الرفيعة، يعبر عنها ~~فلاسفة راموا أن يكونوا إنسانيين بمعنى ما، وتلقي بظلالها على أعمال أدباء وشعراء عظام ~~أمثال دستويفسكي وهولدرلين وإليوت، ثم جيمس جويس وكافكا وبيكيت وغيرهم ... حتى كانت ~~الأربعينيات من هذا القرن، وكان جيلها في أوروبا ليشهد أهوال حربين عالميتين، فرأى أن ~~الدول والحكومات النظامية تتخذ قرارات من المفروض أنها عقلانية مدروسة، فتؤدي إلى ~~الخراب والدمار والفزع واليتم والترمل والثكل. ساد هذا الجيل القلق والمعاناة والرفض ~~لكل ما هو موضوعي جمعي عقلاني، وآمن بأنه لا أمل إلا في الخلاص الفردي؛ فكان المرتع ~~الخصيب للوجودية، تفجرت في بلدان القارة الأوروبية، وأصبحت زاد الثقافة، بل الحياة ~~اليومية. على أن وطأة أثقال الحرب أشاعت التشاؤم والسوداوية وفقدان المعنى والأمل ~~والثقة في كل كيان أكبر من الفرد، مما جعل الأجواء، مهيأة أكثر للسير في مقولة ~~الفردانية حتى الوصول إلى أن الإنسان مهجور في هذا الكون - أي إنكار وجود إله يلوذ ~~برحمته الواسعة وقدرته الشاملة، وكتيار فرعي ~~للوجودية التي رأيناها أصلا وأساسا مؤمنة - اشتدت الوجودية الملحدة التي يعد ~~فردريك نيتشه # F. Nietzche ~~(1844-1900م) رائدها، ~~وهيدجر أعظم منظريها، وهو في الواقع أعظم منظري الوجودية على إطلاقها. أما الوجوديون ~~الملاحدة في فرنسا بزعامة قطب الوجودية الأشهر جان بول ~~سارتر # J. P. Sartre ~~(1905-1980م) - ورفقة سيمون دي بوفوار وألبير كامي - فقد تميزوا ~~بموهبة أدبية دافقة، فصاغوا وجوديتهم العبثية التشاؤمية في قوالب فنية جذابة؛ مقالات ~~ومسرحيات وروايات وقصص رائعة، أكسبتهم ~~- دونا عن سائر الوجوديين - شهرة واسعة ms15 ~~وجمهور قراء غفيرا، ما كان أحد منهم ليقرأ حرفا واحدا في البحوث الفلسفية المتخصصة. ~~لقد كانت كتاباتهم إنجيل جيل الأربعينيات والخمسينيات. # ووصل هذا المد إلى المكتبة العربية في الستينيات، وامتلأت بأعمال جمة تعرض للفلسفة ~~الوجودية، بحثا ودراسة ونقدا وترجمة ومقارنة وتأصيلا وأحيانا إضافة، ولكن أيضا كان ~~الذيوع من نصيب الوجودية الملحدة؛ سارتر ثم نيتشه ثم هيدجر. حتى وإن كانت قد ظهرت بعد ~~ذلك بعض الدراسات القيمة والترجمات الرصينة لآثار الوجودية المؤمنة، وعروض شمولية ~~للوجودية تستوعبها، فإنه لا تزال الوجودية الملحدة، خصوصا عند سارتر بالنسبة للمثقفين، ~~وعند هيدجر بالنسبة للمتخصصين، هي التي تقفز إلى الأذهان كلما ورد المصطلح في الأوساط ~~العربية. وقد تذكر أو لا تذكر الوجودية المؤمنة، ودع عنك الوجودية اللاهوتية ~~والدينية. # وبلغ هذا الخلل الفلسفي حدا، جعل مصطلح الوجودية يرتبط عندنا في أذهان أنصاف ~~المثقفين بالإلحاد، وقد يطابقه! # والواقع أن هذا الخلل لا يعود فقط إلى قدرات الوجوديين الملاحدة الفلسفية ومواهبهم ~~الأدبية أو إلى ظروف حضارية لهم موئسة، فساعدت على رواج أعمالهم؛ بقدر ما يعود إلى ~~غموض والتباس شديدين يحيقان بمفهوم الوجودية، وليس فقط في أوساط المثقفين أو حتى ~~المتخصصين، بل وأيضا في أوساط الفلاسفة، والفلاسفة الوجوديين أنفسهم! فمن ينطبق عليهم ~~هذا الاسم جمع غفير من الفلاسفة «ليس يجمعهم شيء بقدر بغضهم وتقاذفهم لبعضهم، وتبرؤ ~~معظمهم من هويته الوجودية.» # 19 # حتى شك سارتر نفسه في أن لقب الوجودية قد أصبح خاليا من المعنى. وهيدجر ~~وياسبرز ومارسيل الذين لا بد أن يشملهم أي نقاش للوجودية، رفضوا جميعا هذا اللقب حتى ~~انتهى «روجرشن» إلى أن الوجودي الذي يحترم نفسه لا بد أن يرفض أن يطلق عليه لقب وجودي، ~~وهو يقصد أن الوجودي الحقيقي يرفض التقولب في قالب معين بحيث يصبح فردا في فئة تعرف بالوجوديين. # 20 # ويبدو أن هذا هو السبيل الوحيد الذي تراءى لشن «كي يخرج من متاهات ~~الوجودية» ساعد على تفاقم أحابيلها الهرج والمرج والضجيج والجلبة التي لحقت بالوجودية ~~في أعقاب الحرب العالمية، ولكن مع أفول الستينيات شب عن ms16 الطوق جيل لم يشهد أوزار الحرب ~~العالمية، واستعاد الثقة بالعقل، وإلى حد ما بالهيئات النظامية، فلم يلق هواه مع ~~الوجودية. لقد انحسرت موجتها بعد طول مد، وتقلصت، بل تلاشت كبدعة شعبية، يتشدق بها ~~عن وعي وعن غير وعي المثقفون وأنصاف المثقفين وأشباه المثقفين، وتبقى الأسس النظرية ~~إثراء للإنسانية، وموضوعا للبحث الأكاديمي، الهادئ الرصين والمثمر، فتوضع نقاط على ~~الحروف. # لكل ذلك وجدناه لزاما علينا قبل الدخول في عالم باول تيليش أن نبذل قصارى الجهد ~~لتحديد مفهوم الوجودية تحديدا دقيقا، منذ نشأته مع كيركجور في النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر وحتى تبلور تماما في الربع الثاني من القرن العشرين، وبفضل لا يمكن تجاوزه ~~للوجوديين الملاحدة. وسوف يلاحظ إلى أي حد روعي أن يكون هذا التحديد شموليا ~~وموضوعيا، وبصرف النظر عن قضية إيمان الوجودية أو إلحادها؛ حتى لا يحمل شبهة المصادرة ~~على المطلوب. وسوف نلاحظ أيضا كيف سيتجه المنحنى الموضوعي من تلقاء ذاته في اتجاه ~~الوجودية الدينية، وبالتالي في اتجاه عالم باول تيليش. # الفصل الثاني # | ما هي الفلسفة الوجودية؟ # لعل أحد مصادر ذلك اللبس - الذي رأيناه - أن الوجودية ذاتها تتسم بقدر من الهلامية؛ ~~فهي ليست البتة مذهبا فلسفيا دقيقا، منهاجا وتطبيقا. كلا، ولا هي مدرسة يمكن ~~صياغة تعاليمها في قضايا محددة. # بل وأن صميم فعل المخاض الذي أنجب الوجودية، والذي سيظل دامغا إياها بمعالمه هو ذاته ~~النفور من المذهب والمذهبية. وعلى وجه التحديد يمكن اعتبار الميلاد الرسمي للفلسفة ~~الوجودية بمثابة رد فعل رافض لمذهب الماهية # Essence ~~، ~~كما وصل إلى ذروته مع هيجل # F. G. Hegel ~~(1770-1831م). ~~قامت الفلسفة الوجودية لتناهضه وتقول إن تلك الماهية الثابتة موضوع الخبرة المعرفية ~~العقلانية، ليست هي الحقيقة في تعينها واكتمالها. الحقيقة هي - بالأحرى - الوجود الذي ~~نمر به في الخبرة الفورية الحية، وسوف نرى أن التمييز بين الوجود والماهية من الأسس ~~الكائنة في صلب الفلسفة الوجودية. # وكدأب البحث الفلسفي، بذلت محاولات عديدة لتعقب جذور الوجودية في أعماق التاريخ ~~الفلسفي، وصلت حتى مين دي بيران # Main de Biran ~~(1766-1824م) ms17 # 1 # وبليز بسكال # B. Pescal ~~(1623-1662م)، ~~والقديس أوغسطين، بل وحتى سقراط العظيم، # 2 # ولكن المعتمد أكاديميا أن فلسفة كيركجور أول صورة ناضجة مكتملة لها، وصك ~~شهادة ميلادها الرسمية التي لا بد أن يعترف بها الجميع. وفي عصر كيركجور، كان الافتتان ~~بالعقل - الذي بدأه أبو الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت ووصل إلى ذروته مع هيجل - قد بلغ ~~مداه؛ فنجيب العقل الأثير - أي العلم - قد أحرز الذروة الشاهقة بنظرية نيوتن، إنها نسق ~~شامل للعلم بالطبيعة، تجاهد بقية أفرع العلوم البيولوجية والإنسانية للدخول في أعطافها. ~~يوازي هذا نجاح الفلسفة العقلانية - خصوصا الألمانية - في بناء أنساق شامخة، تحاول ~~استيعاب الوجود بأسره في قلب فئة من التصورات؛ فأشرق القرن التاسع عشر في أحضان ما ~~يعرف ب «عصر التنوير» - عصر الإيمان بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود. # وكرد فعل متوقع، تمخض عصر التنوير عن الحركة الرومانتيكية، من حيث تمخض عن ~~فلسفة كيركجور الوجودية، التي كانت نقطة بدايتها رفض العقلانية التنويرية حيث سيادة ~~المذاهب النسقية، سواء العلمية أو الفلسفية؛ فهي في كلتا الحالتين باردة جافة مقطوعة ~~الصلة بالتجربة الحية المعاشة، وتنظر إلى أية حقيقة واقعية - حتى الإنسان - كموضوع، ~~كشيء ما غريب عنه، وتسحق فردانيته بما فيها من موضوعية وعمومية وتجريد. # ولسوف يظل ديدن الفلسفة الوجودية منذ البداية وحتى النهاية رفض كل ما يمس فردانية ~~الفرد؛ «فهم يجعلون محور النظر الفلسفي السؤال: ماذا أكون» # 3 # من أجل إبراز قيمة الفرد، و«تحليل الوجود البشري من حيث أخص ما فيه من ~~فردية وعينية»، # 4 # ومن حيث هو جزئي عارض لا يندرج تحت أية بنية نسقية عقلية، ليصلوا إلى ~~الوجود كما يتجلى في مواقف التفرد الإنساني - مواجهة الموت مثلا وهو أقصاها. فبهذا ~~يصبح العالم متأصلا في صميم الفرد، لا مفارقا عنه في مذهب عقلي مصمت، لا يعترف به ولا ~~بفردانيته. # الوجودية إذن فلسفة للوضع الإنساني، على أن نميز بين اتجاهين لفلسفة الوضع الإنساني: ~~الأول هو الماهوي الذي ينظر إلى الإنسان في حدود طبيعته الماهوية داخل الكون ككل؛ ~~والاتجاه الآخر هو ms18 الوجودي الذي ينظر إلى الإنسان في معضلته في الزمان والمكان ويرى ~~الصراع بين ما هو موجود فيهما، وما هو معطى في الماهية، # 5 # كإمكانية تنتظر التحقق. # والفيلسوف الألماني المنتمي للكانتية الجديدة هاينيمان # F. ~~Heine mann # هو الذي قدم مصطلح ~~«الوجودية # Existentialism ~~» فقط عام 1929م، # 6 # وكان مصطلحا شديد الدلالة وصائبا جدا؛ فهو مشتق من الجذر # Ex-sistere # الذي يعني في أصوله اللاتينية ~~«الانبثاق # To Emerge ~~» والوجودية فعلا فلسفة ~~الانبثاقة في هذا العالم، وليست فلسفة الكينونة # Being # فيه. فمع الكينونة لا توجد إمكانية غير متحققة؛ الكينونة تحقق خالص. أما الوجود الذي ~~هو مقابل للماهية، فدائما إمكانيات مفتوحة، تنتظر الاختيار والقرار لكي تتحقق. وهذه ~~الإمكانيات هي ما تصوب عليه الفلسفة الوجودية أنظارها، وليس اسمها (الوجودية) فقط، ~~بل وكل مصطلحاتها نحتت في اللغة الألمانية؛ فالوجودية نبتة ألمانية نشأت أصلا من توتر ~~موقف العقلية الألمانية في بدايات القرن التاسع عشر. وكما أوضحنا، كانت فلسفة كيركجور، ~~وهو دنماركي، رد فعل لفلسفة الماهية مع هيجل الألماني. # 7 # الوجودية إذن مجرد اتجاه عام لتحليل الوضع الإنساني، بل واتجاه ظل مضمرا، ولم يخرج ~~من الصحائف ويتبد إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، في ألمانيا ثم في فرنسا، ولم ~~يكتسب حتى اسما إلا عام 1929م. لا غرو إذن أن يضم الاتجاه الوجودي فلاسفة شتى تختلف ~~مشاربهم أيما اختلاف وقد تتناقض، ليس فقط في قضايا الفلسفة العامة، بل وفي صميم القضايا ~~التي تشكل صلب الاتجاه الوجودي، ولن نجد مقولة واحدة اتفقوا عليها، أو يمكن أن تنطبق ~~عليهم جميعا بلا استثناء. فلا نتوقع مرسوما بتعاليم الوجودية، ولا سبيل إلى وضع تعريف ~~جامع مانع لها، وبدلا من هذا، سنحاول تحديد الاتجاه الوجودي عن طريق نقطة البداية ~~والمسار والهدف، وأبرز المعالم وأهم الخصائص. # 8 ~~••• # حينما نفكر في السؤال: ماذا أكون ومن أكون؟ سنلقي أنفسنا في دوائر مغناطيسية من ~~التساؤلات كيف ولماذا ومن أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟ ... الواقعة الوحيدة الجلية هي «أننا ~~موجودون» فبدأت منها الوجودية، وكان «ينبغي أن نبدأ من علاقتنا الأولية بما ms19 هو في ذاته: ~~أي بوجودنا-في-العالم» # 9 # على أن أميز ما يميز الوجودية هو أنها لا تبدأ من الوجود كمقولة ~~عامة-كماهية، بل منه كواقعة عينية متشخصة في فرد محدد. فالموجود البشري يمتاز عن سائر ~~الموجودات بأن كل فرد ملقى في موقف وجودي معين خاص به، لا أحد يمكن أن يحل محله أو ~~يشاركه فيه. إنه فرد فريد، لا يجوز اعتباره عينة في فئة. هكذا تبدأ الوجودية من الأنا ... ~~الأنت ... الهو ... من الذات. فيغدو الوجود ذاتيا، لا يمكن أن نجرده ونعرفه من الخارج ~~كمعطى موضوعي أو أن نرده إلى قوالب تصورية؛ فهو لا يرد إلى سواه، إنه يتصف ~~بالذاتية العميقة من حيث يتصف بالسر الذي يجعله يتأبى على كل محاولة لجعله ~~موضوعا. # وهذه الذاتية والفردانية لا تقلل من شأن العالم، ولا من شأن الآخرين، «فإذا كانت ~~مشكلة وجود العالم قد أرقت فلاسفة الذات الذين وضعوها في جانب، والعالم في جانب آخر، ~~ثم حاولوا الجمع بينهما، فإنها لا تشغل الوجودي البتة؛ لأن نظرته تقوم على وحدة الذات والموضوع.» # 10 # امتلاك الإنسان لجسد، والجسد كأداة للإنسان، يجعله يشارك في العالم، كظاهرة ~~طبيعية وهو في الآن نفسه فائق للطبيعة المادية؛ لذا يرى الوجودي الإنسان كوحدة بدنية ~~نفسية، فلا يبدأ من الذات الميتافيزيقية، أو من الماهية، بل من ~~«الوجود-العيني -في-العالم»؛ حيث الذات البشرية والعالم حقيقتان أصيلتان متساويتان. لا ~~ذات بغير عالم، ولا عالم بغير ذات، وهذا يفضي إلى «الوجود-مع-الآخرين» الذي هو سمة ~~أساسية من سمات الموجود البشري. «وجود الإنسان في جسد يتبعه فعل الشعور، وفعل الشعور لا ~~يمكن تفسيره إلا من خلال المشاركة Participation # مع-الآخرين.» # 11 # هكذا نخلص إلى أن الوجودية تبدأ من وحدة «الوجود-مع الآخرين-في-العالم» ~~التي يجسدها الوجود اللاعقلاني المحسوس، التجربة الحية الخفاقة في الصدور، لا المتجردة ~~في العقول. هذه هي نقطة البداية والتي يلخصها ببراعة مصطلح هيدجر # Dasein ~~«الموجود-هناك» الكائن الملقى به في العالم ~~مع الآخرين. # أما نقطة النهاية، أو هدف الأهداف من الفلسفة الوجودية، فهو البحث المشبوب عن الوجود ~~الأصيل (الشرعي) والحيلولة دون ms20 الوجود الزائف - الوجود أصيل بقدر ما يشكل الفرد نفسه، ~~وزائف بقدر ما تشكله مؤثرات خارجية فيفقد ذاته. من هنا كان صون الوجوديين للحرية، ~~ونقدهم للمجتمع وأعرافه، ودعوتهم الفرد للخروج على كتلة الجماهير، ورفض القيم الجاهزة ~~وسائر العموميات ... وذلك ليحمل وحده مسئولية ذاته، فيكونها، ويحقق وجوده الأصيل. ~~وهذا لن يتأتى إلا حين «الفعل المشتمل على الحرية والفكر والقرار». # ها هنا نضع الإصبع على العمود الفقري ودماء الحياة من الاتجاه الوجودي: حرية الإنسان ~~«إنهم لا يحللون الوجود الإنساني إلا من حيث أنه أساسا فعل حرية، تتكون بأن تؤكد ~~نفسها، وليس لها منشأ أو أساس آخر سوى هذا التوكيد للذات»؛ # 12 # فعلى خلاف نهج الفلاسفة في القول بحرية الإنسان، لا يحاول الوجوديون وضع ~~أية براهين تثبتها أو دحض أدلة تنفيها؛ فهذا نقض للوجودية التي تعني المطابقة بين كون ~~الإنسان موجودا وكونه حرا. فكما يقول سارتر: «الحرية ليست وجودا ما، إنها وجود ~~الإنسان.» ويستأنف موضحا: «إنني محكوم علي أن أكون حرا. وهذا يعني أنه لا يمكن أن ~~يوجد لحريتي حدود أخرى غير ذاتها، أو إذا شئنا فنحن لسنا أحرارا في الكف عن أن نكون أحرارا.» # 13 # ولو كانت كل وقائع حياة إنسان ما تشهد بأنه ليس حرا، كأن يخضع لمشيئة ~~غير مشيئته، أو حتى للعقل الجمعي في قرار ما، لقال الوجوديون إنه بفعل من أفعال الحرية ~~اختار التنازل عن الحرية، وبالتالي عن الوجود الأصيل وقنع بالوجود الزائف؛ اختار أن ~~يكون مشتتا ممزقا بلا إرادة - باصطلاح سارتر: سيئ النية، وسوء النية يعني أن ~~الموجود الإنساني «يمكن أن يتخذ مواقف سلبية بإزاء نفسه»؛ # 14 # فتقول رفيقة عمره وفكره سيمون دي بوفوار: «إن الإنسان لا يستطيع أبدا أن ~~يتنازل عن حريته، وحين يزعم أنه يتخلى عنها، فإنه لا يفعل شيئا إلا أن يحجبها عن ~~نفسه، وهو يحجبها بحرية؛ إن العبد الذي يطيع يختار أن يطيع، واختياره لا بد أن يتجدد ~~في كل لحظة. إن الإنسان يخلص لأنه يريد ذلك بكل إرادته، وهو يريد ذلك لأنه يأمل بهذه ms21 ~~الطريقة أن يستعيد كينونته.» # 15 # وبالطبع لا شيء مطلق؛ فثمة ما أسماه الوجوديون «بالمواقف الحدية» التي تمثل حدا ~~لحرية الإنسان، فلا يستطيع أن يفلت منها، كالموت والقلق ... وأيضا الجنس واللون والطبقة ~~... فضلا عن قسوة المواقف الحدية الشاذة، كالعاهات وحالات المعوقين والأمراض المزمنة ~~على أنها - جميعا وغيرها - تمثل حدود الموقف الذي تمارس الحرية داخله، ولا تنفيها. ~~حرية الفرد غير قابلة للنفي، طالما لا شيء ينفي كونه موجودا. # إن الوجودية أصلا وفروعا فلسفة الموقف؛ لأن الموقف هو الحياة، والحياة هي الوجود في ~~موقف، «والموقف هو ما يجعل الإنسان ~~(الوجود-لذاته) لا يشابه بحال الشيء ~~(الوجود-في ذاته).» # 16 # فكان المسرح الوجودي مثلا مسرح موقف لا مسرح دراما وأحداث ... # ونأتي للأخلاق الوجودية، فنجدها أخلاق موقف مشدود إلى المستقبل، لا قانون مستكن في ~~الماضي؛ لذلك قيل إن «الاتجاه الأخلاقي للوجودية يحدد النظر إلى التاريخ على ضوء المستقبل.» # 17 # وأشباه المتعلمين ذوو النظرة العجلى المبتسرة يتصورون أن الحرية الوجودية ~~ستجعلها فلسفة انحلال وإباحية، في حين أنها تحمل الإنسان أقسى مسئولية خلقية لا عن ~~ذاته فحسب، بل عن الإنسانية جمعاء، على أساس أن اختيار قيمة معينة تأكيد لها، ودعوى ~~للآخرين كي يختاروها، إنها اختيار للذات وللإنسانية جمعاء، التزام وإلزام. # 18 # فتتلخص أخلاقيات الوجودية في: تصرف بحيث يصبح فعلك أنموذجا للتصرف ~~في كل موقف مماثل، في أي زمان ومكان، وكأننا وصلنا بالطريق المعكوس إلى أقصى صورة ~~عرفتها الفلسفة للأخلاق الصارمة المتشددة؛ أي مبدأ الواجب المطلق عند إيمانويل كانط. ~~ولئن كان الوجوديون، حتى بعض المؤمنين يحتقرون الأخلاق المتعارف عليها؛ لأن اتباعها ~~الأعمى انقياد للآخرين وطمس للفرد، فإنه ليس في مقدور الإنسان أن يقف عند حد رفض القيم ~~الجاهزة، إنما هو مقضي عليه أن يؤسس قيما يلتزم بها ويلزم بها الآخرين، لتصبح كلية ~~على الرغم من أنها في أصلها ذاتية، هكذا يصبح الإنسان الأخلاقي مشرعا ومنفذا؛ ~~فهو الخالق الوحيد لمعنى القيم في العالم. إنهم يبحثون عن مستوى أعمق للضمير، ~~فيسلمون بحرية الإنسان ويرفعون من عليه كل وصاية أو إلزام مسبق؛ حتى ms22 لا يلتزم إلا ~~بما يختار ويقرر هو الالتزام به، وبهذا تكون الأخلاق ذاتية نابعة من أعماق الفاعل ~~متأصلة فيه، لا خارجية مفروضة عليه ربما بصورية فارغة، وتكون المسئولية عن الفعل من حيث ~~كانت الحرية في الإقدام عليه. فالحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة كما تقضي مبدئيات ~~التفكير، وكما يسلم كل دستور أو قانون؛ فلا يعد الفاعل مسئولا عن أية جريمة - مهما ~~كانت بشعة - أرغم على ارتكابها بصورة أو بأخرى، وطبعا لا يوجد فيلسوف وجودي أو غير ~~وجودي، مؤمن أو ملحد، يقول إن كل شيء مباح، ولن يوجد. والمفروض أن المسئولية الملازمة ~~للحرية تقوم بعملية الضبط الأخلاقي المنشودة دائما، في كل موقف، فردي أو جمعي. # وتلك المكانة الفائقة للحرية من ناحية، وللموقف من الناحية الأخرى، جعلت الوجوديين ~~شديدي العناية - على وجه الخصوص - بالمواقف التي يتجلى فيها معالم الحرية، كالتصميم ~~والتعهد والالتزام والولاء، وعلى رأسها موقف الاختيار واتخاذ القرار - الطريق إلى ~~الوجود الأصيل. من هنا كان «القرار» أحد محاور الفلسفة الوجودية، وكلنا نعلم صعوبته، ~~وقد نحاول إرجاءه أو تجنبه، خصوصا حين القرارات الخطيرة التي يترتب عليها مواقف ذات ~~دوام، كقرارات المهنة والزواج والصداقة. على أن القرار في كل حال يتضمن وثبة وتجاوزا ~~للموقف المباشر، بحيث نكون قد ألزمنا أنفسنا بظروف لم تتعين وتتحقق بعد؛ فمن طبيعة ~~الإنسان أن يلتزم وأن يراهن على المستقبل؛ لذلك لا بد أن يتخذ قرارات، وعنها تنبثق الذات. # 19 # الذات ليست معطاة جاهزة منذ البداية؛ المعطى حقل من الإمكانيات غير المتعينة، ~~وبالقرار يختار الإنسان بعضا منها لتتعين وتشكل الذات. وعلى الرغم من أن القرار شاق ~~ومؤلم، فإن النزعة الوجودية - على وجه الدقة - هي رفض كل ما يحول دون اتخاذ القرار حول ~~الوجود الخاص، كالعرف والتقاليد والروتين؛ إنهم يحاربون كل ما يعمل على تشكيل حياة ~~الأفراد في قوالب نمطية، تجعلهم يسيرون كالدهماء وراء قرارات اتخذت بالفعل، فيفقد ~~الإنسان ذاته، ويقع في براثن الوجود الزائف. # وآية كل هذا يبلوره التمييز بين الوجود والماهية. ورغم أن هيدجر قال إن ماهية الإنسان ~~كامنة ms23 في وجوده، فإنه يمكن اعتبار القول بأسبقية الوجود على الماهية من المعالم البارزة ~~للوجودية، ذلك أن أي جماد أو نبات أو حيوان، ماهيته سابقة أو متآنية مع وجوده؛ المنضدة ~~مثلا قبل وبعد أن تصنع، وفي أية مرحلة من مراحل وجودها مجرد منضدة؛ الإنسان هو الكائن ~~الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، «إنه لا يأتي إلى الوجود كموضوع في مكان وزمان، بل ~~كنشاط مستمر للحرية.» # 20 # فهو يوجد قبل أن نستطيع تعريفه بأية فكرة، «والمقصود بذلك أن الإنسان يوجد ~~قبل كل شيء، وأنه يلقى ذاته، ويبرز إلى العالم، ثم يعرف بعد ذلك.» # 21 # فطبعا لا يمكن تحديد ماهية الوليد وقيمه وأهدافه ومثله والتزاماته ... أو ~~على الإجمال علاقته بالعالم: «علاقتنا بالعالم ليست مقررة من قبل، نحن الذين نقرر.» # 22 # ألم نتفق على أن الذات معطاة كحقل من الممكنات؛ الإنسان مشروع وجود، ثم ~~يقرر بنفسه ما الذي سيكونه، وفي النهاية لا يكون إلا بحسب ما ينتوي ويختار؛ ذاته ليست ~~إلا مجموع قراراته وأفعاله، هذه هي حياته نفسها؛ وبالتالي لا مجال لتعليق الفشل على ~~ظروف خارجية عن إرادته. إذن فالإنسان - لا عوامل البيئة والوراثة - هو الذي يصنع ذاته، ~~و«أن يوجد الإنسان هو أن يختار بنفسه.» # 23 # في عملية مستمرة لا تنتهي أبدا، اللهم إلا بالموت. الإنسان وجود في ~~الحاضر، فضلا عن مسئولية في مواجهة مستقبل مفتوح مليء بالممكنات، لتظل الأنا-الماهية ~~هي مقبل أفعالها؛ إنها اختيار يجب ابتكاره مجددا ودائما. # لهذا كان الإنسان مسئولا عن ماهيته. إنها المسئولية التي سوف تتعدى ذاتيته إلى ~~الإنسانية جمعاء، والتي لا يمكن الفرار منها لأن الإنسان حر. ولما كانت المسئولية ~~الوجودية رهيبة إلى هذا الحد، حتى إنها تجعل فعل الاختيار والقرار مؤلما، فلا بد أن ~~يلازمها قلق؛ من هنا كان الشعور بالقلق أساسيا في الوجودية. # ولكي يتحمل الإنسان هذه المسئولية تماما، تضعه الوجودية أمام كينونته؛ أي أمام كونه ~~موجودا، وفي هذا استفادت كثيرا من الفينومينولوجيا (مذهب الظاهريات)، مذهب ~~إدموند هوسرل # E. Hussrel ~~(1891-1938م) الذي رام أن ~~تصبح الفلسفة علما دقيقا، ms24 فدعاها لأن تقتصر على الوصف التفصيلي للظاهرة كما تعطى ~~للوعي، شريطة أن يتخلص الذهن من الافتراضات والانحيازات المسبقة. ووضع هوسرل منهاجا ~~دقيقا ومعقدا لهذا، يتلخص في ثلاث خطوات: تقويس الظاهرة؛ أي وضعها بين قوسين ليكون ~~أمامنا كل الظاهرة ولا شيء سواها (التجريد-التطبيق) وقد أقام هوسرل بناءه على فكرة ~~مجدية حقا للوجودية ألا وهي «القصدية» «البنية الجوهرية لكل وعي» # 24 # والتي تعني أن الوعي وعي بشيء ما يقصده؛ فهي فكرة ترتبط ربطا وثيقا ~~بين الذات والموضوع، لما بينهما من «إحالة» متبادلة. هكذا نجد القصدية والإحالة يحققان ~~وحدة الذات والموضوع التي حرصت الوجودية على البدء منها. بيد أن الفينومينولوجيا إحدى ~~ذرى العقلانية؛ والوجوديون الذين أخذوا بها أو منها - وأهمهم هيدجر وسارتر وميرلوبونتي ~~- قد أولوها تأويلا شديدا لتلائم أغراضهم، حتى إن هوسرل قد انتقد استخدام تلميذه ~~هيدجر لأفكاره. # تقول سيمون دي بوفوار: «من المغالطة اعتبار الوجودية مذهبا يائسا؛ فهي أبعد ما تكون ~~عن ذلك، إنها لا تحكم على الإنسان ببؤس لا علاج له»، «إن الإنسان لهو سيد مصيره الوحيد ~~المستقل، إذا شاء فقط أن يكون كذلك، هذا ما تؤكده الوجودية، وإن هذا لتفاؤل»، «وإذا ~~كانت الوجودية تقلق، فليس ذلك لأنها توئس الإنسان، بل لأنها تتطلب توترا مستمرا.» # 25 # والوجودية فعلا، حتى وإن كانت إلحادية تشاؤمية، فإنها ليست البتة موئسة، ~~وهي أيضا ليست بالضرورة تشاؤمية، والأمل ظهر كثيرا في الوجودية الدينية المؤمنة، ~~وخصوصا مع جبرييل مارسيل الذي وضع كتابه «الإنسان الجوال» وجعل له - كعادته - عنوانا ~~فرعيا، هو «ميتافيزيقا الأمل»، وكأنه بهذا يواصل مسار إرنست بلوخ # E. Bloch ~~(1885-1977م) الذي جعل «مبدأ الأمل» عنوان أهم أعماله، ~~محورا لفلسفته اليوتوبية التي تجمع عناصر وجودية وماركسية وصوفية وعلمية وأنثربولوجية ~~... وهذا لا يمنع أن الروح العامة للوجودية هي بلا شك، رؤية سوداوية للحياة، وإحساس ~~بمأساويتها وكآبتها وثقلها، وبالمعاناة الأليمة؛ فالوجودية في حد ذاتها، وفي أية صورة ~~من صورها، فلسفة أزمة، فلسفة الموقف المتأزم للإنسان دونا عن سائر الموجودات؛ ليس هذا ~~من صعوبة القرار ومسئولية الحرية والقلق فحسب، بل ms25 ومن مفاهيم أخرى كثيرة دارت حولها، ~~مثل التناهي والموت والاغتراب والهم والإثم والخطيئة الأولى في المسيحية ... وغيرها؛ كلها ~~مواقف حدية رهيبة، وأقساها التناهي، وهو خاصة أساسية للموجود البشري؛ فهو محدود من ~~ناحية بلحظة الميلاد، والأفظع من الناحية الأخرى بلحظة الموت، حتى عرف هيدجر الإنسان ~~(أو الآنية # Dasein ~~) بأنه «وجود-للموت»، من حيث أن ~~الموت هو نهاية الحياة وقانونها المحتوم؛ الكائنات الحية الأخرى تنتهي، أما الإنسان فهو ~~وحده الذي يموت؛ لأنه هو وحده الذي يهتم بأعلى إمكانيات وجوده وأخصبها، وهي إمكانية ~~استحالته وانتهائه وموته. # 26 # فإذا كانت الذات حقلا من الممكنات، فإن الموت هو أصلب هذه الممكنات؛ لأنه ~~الممكن الوحيد اليقيني، وهو في الوقت نفسه نهاية كل الممكنات التي تجعلها جميعا غير ~~ممكنة؛ لذلك كان الموت عند الوجوديين الملاحدة - خصوصا ألبير كامي - برهانا نهائيا ~~على عبثية الكون والناس، وهذه العبثية لا تنفي، بل لعلها تؤكد إعزاز الوجوديين الحميم ~~لتجربة الحياة، وكامي نفسه يقول: «إن جزعي من الموت ينال من غيرتي الشديدة على الحياة.» ~~و«إذا كنت أرفض رفضا باتا وعود العالم الآخر، فالسبب في ذلك أنني لا أرغب في التخلي ~~عن خصوبة اللحظة الماثلة وما فيها من ثراء، كما أنني لا أوثر الاعتقاد بأن الموت يؤدي ~~إلى حياة أخرى؛ فالموت بالنسبة لي باب موصد.» # 27 # إن الموت هنا يعبر عن اليقين الحسي والشك الروحي. # أما مع الوجوديين اللاهوتيين والمؤمنين، فقد اكتسب الموت دورا ودلالة مختلفة، ولكنه ~~في كل حال يزيد من حدة الهم، الذي يأتي من التناقض بين كون الإنسان محدودا كواقعه، ~~وكونه مشدودا للمستقبل؛ فهو مهموم بتحقيق إمكانياته، في بحثه الدائم عن الوجود الأصيل، ~~المحفوف بالموت. ~~••• # ولا مندوحة عن الاعتراف بأن الوجودية في منطلقاتها الفلسفية نزعة أرستقراطية، تبغي ~~الرقي بالإنسان؛ فهي دائما الترفع والتميز عن الحشد وكتلة الجماهير؛ ولا شك أنها ~~أتتنا باستبصارات عميقة ونافذة عن الموجود البشري، كانت صائبة إلى حد أنه قد نما مؤخرا ~~علم النفس الوجودي والعلاج النفسي الوجودي، كمقابل للاتجاهات السيكولوجية التعميمية - ~~خصوصا السلوكية الآلية - بصورة تجافي الواقع؛ ms26 «وأحرز العلاج النفسي الوجودي نجاحا ~~ملحوظا في علاج الأمراض اللفظية وأمراض التخاطب، خصوصا التي لا تعود إلى أسباب عضوية.» # 28 # وقد بدأ هذا الاتجاه السيكولوجي بما يسمى بالتحليل النفسي الوجودي. ~~ويعد لودفيج بنسفانجر # L. Binswanger # رائده، وكان ~~يصف عوالم مرضاه بالاعتماد على تصورات أنطولوجيا هيدجر للوجود الإنساني. # وستظل الوجودية دائما حائزة لنوط شرف في صونها لفردانية الإنسان وحريته ضد أخطار قد ~~تحيله إلى مجرد رأس في القطيع - بتعبير نيتشه ~~- أبرزها الآن نظام الدولة الشمولية ذات ~~السلطة الجامعة، ووسائل الإعلام الذائعة، والضغوط التي يمارسها مجتمع الجماهير، أو ~~العقل الجمعي. # لكن لكل شيء حدودا؛ فأي خطر يتهدد المجتمع لو أن الوجودية أخذت مأخذا ~~حقيقيا، وأصبح كل فرد يتصرف كما لو كان عالما مستقلا؟! ببساطة لن يظل مجتمعا، ~~بل زحاما متنافرا. سيرد الوجوديون بأن كل وجود بشري محفوف بالمخاطر، وكما أن هناك ~~إمكانية خطر الفوضى، بل وانعدام الأخلاق، فثمة أيضا إمكانية التقدم الأخلاقي الجذري؛ ~~ربما. لكن حتى لو افترضنا مستوى الوعي اللائق وإخلاص النية وإصابة جادة الصواب من كل ~~فرد وهو يبدع قيمه، فلا مندوحة عن عموميات يلتزم بها الجميع لكي تستقيم حياتهم معا؛ ثم ~~لماذا يتصورون أن كل التجاء لعموميات وتجريدات جاهزة فيه مساس بالفرد؟! والواقع أنه - ~~من وجوه كثيرة - فيه إذكاء، وسبيل إلى تجربة وجودية أفضل؛ أليس الوجوديون أشد من ~~سواهم إدراكا لتناهي الموجود البشري ومحدوديته؟ حياته إذن قصيرة وإمكانياته قاصرة، لا ~~تستوعب تقصي كل الأبعاد في كل موقف وصولا إلى القرار السليم، فلماذا لا يستفيد من ~~المبادئ العمومية التي أسفرت عنها تجارب أخرى طويلة عريضة؟ على الفور سيرد ~~الوجوديون بأن حرية القرار أهم من سلامته؛ لذا يؤخذ عليهم إعلاء التحمس للاختيار ~~المتفرد فوق الإنصات لصوت الحكمة الرصين؛ إنهم ينشدون تحقيق ما أسموه بالوجود الأصيل، ~~بأي شكل كان وبأي ثمن كان، في مغامرة أو مقامرة ليس من الصواب دائما الإقدام عليها ~~بسهولة. # وبصرف النظر عن نقطة انطلاقهم - أي محاربة العقل وهو أداة إضفاء الرونق على الواقع - ~~والسبيل الأمثل لحل كل المشاكل ms27 وتجاوز الكوارث ... كان تكثيفهم المأساوي للحياة بدلا من ~~توسيع نطاقها، وصمهم الآذان عن جمالاتها الكثيرة، ثم دورانهم حول مقولات الموت والقلق ~~والإثم والهم والاغتراب ... إلخ. أفلا نتوقع إذن من الوجوديين - لاهوتيين ومؤمنين وملاحدة ~~- الطابع المأساوي الكئيب، والهم والغم والنحيب ... كان الله في عونهم! # كل هذا يبرر الحكم بأن الوجودية نزعة جانحة، خصوصا وأنها لا تزدهر إلا حين ~~الاضطراب والانهيار وانعدام الشعور بالأمن؛ والمجتمعات المستقرة نسبيا - كما هو ~~معروف، وكما يؤكد تيليش نفسه - لا تصغي للوجودية. ~~••• # وبنظرة عميقة، نلاحظ أن هذه المآخذ الشهيرة على الوجودية تنداح كما تنداح دوائر ~~بلجة ماء ألقي فيه بالحجر، فقط لو كانت لاهوتية أو حتى مؤمنة؛ أي حين يختار القرار ~~الإيمان بالدين والألوهية لقهر العدم والتناهي والإثم والاغتراب ... ولتحقيق الوجود ~~الأصيل، بكل ما يتضمنه هذا القرار من التزام وتعهد وولاء، وبهذا نعود إلى حيث بدأنا إلى ~~الوجودية الدينية كمدخل لعالم باول تيليش. # وقبل الدخول إلى هذا العالم - وأي عالم - ينبغي أن نكون على حذر من أكذوبة تصنيفية ~~تجعلنا ننظم الفلاسفة في صفوف أشبه بالجزر المنعزلة، ولعلها أشبه بطوابير الألعاب ~~الرياضية، كل صف أو طابور يحمل بطاقة معينة، هذا مثالي ... وذاك تجريبي ... والآخر وجودي ~~... إلخ. # هذا الأسلوب الإجرائي التبسيطي لو أخذناه كقاعدة جامعة مانعة، كان ضلالة ضالة ومضللة، ~~وأبعد ما تكون عن زخم الواقع الفلسفي الحي المتدفق المتلاحق بفعالية، وأحيانا بعنف، ~~يرفض ويقبل ويطور ويصوب وينقد ويتراجع ويتقدم ... ولا يوجد فيلسوف ذو اعتبار؛ مصطلح ~~فلسفي واحد كفيل بتحديد فلسفته من رأسها حتى أخمص قدميها. وانتماء الفيلسوف لاتجاه معين ~~أو حتى لمدرسة معينة لا يعني أن كل ما سواها حرام عليه، ولا يعني أنه لزاما عليه أن ~~يطبق تعاليمها حرفيا، فلا تفوته منها صغيرة ولا كبيرة، إن هذا ينطبق على المنتمين ~~لأشد الاتجاهات الفلسفية إحكاما ورصانة منطقية ودقة في الأسس المنهجية، فما بالنا ~~بالاتجاه الذي هو على النقيض من الإحكام والرصانة المنطقية - أي بالفلسفة ~~الوجودية. # لقد حددنا بدقة - قصارى ما استطعنا - ماهية الاتجاه الوجودي بكل أبعاده وآفاقه؛ كي ms28 ~~نكون على بينة من الحدود، ولكن ليس يعني هذا أن فلسفة الفيلسوف لا بد أن تكون، أو حتى ~~يمكن أن تكون صورة طبق الأصل من هذا لكي يكون وجوديا؛ كلا بالطبع، يكفي الاشتراك في ~~المنطلقات المبدئية، أو الدوران حول المحاور الأساسية؛ يكفي أيضا اقتفاء خطى أعظم ~~الرواد كيركجور أو هيدجر أو سارتر. إن الوجودية ككل تيار فلسفي رئيسي، تضوي تحت لوائها ~~وتسم بميسمها مدارس فلسفية كثيرة - وبعضها قامت لتستقل عنها فكانت بصورة معدلة أو مصغرة ~~لها - كالشخصانية (ماريتان، بيرديائيف)، فلسفة الحياة (أونامونو)، فلسفة القوة والحياة ~~أيضا (نيتشه)، فلسفة الوجود الشخصي (جاسيت وبولجاكوف) ... والملامح الوجودية الواضحة ~~تجعلهم وجوديين شاءوا أم أبوا؛ وكل الفلاسفة الوجوديين - من ذكرناهم ومن لم نذكرهم - ~~هم وجوديون فقط، بدرجات متفاوتة طبعا؛ أي لن يتحقق المفهوم الكامل الذي رأيناه مع أي ~~منهم، وإن كانت أعلى درجة تسجل لكيركجور وهيدجر وسارتر؛ وهيدجر هو أقدر من استطاع أن ~~يفلسف الوجودية، وأعمق روادها فكرا وأبعدهم تأثيرا، ومع هذا يرفض أن يسمي نفسه ~~فيلسوفا وجوديا، ويفضل لقب فيلسوف وجود! # الخلاصة أن الوجودية كأي اتجاه فلسفي خصيب وثري، لا هي كفيلة بتحديد فلسفة الفيلسوف، ~~ولا يوجد فيلسوف فلسفته بمفردها كفيلة بتحديدها. # إذن ليست الوجودية مصطلحا مرادفة لفلسفة باول تيليش المتعددة الأبعاد والمترامية ~~الحدود؛ يقول تيليش موضحا موقفه - وهو قول يصلح قاعدة عامة مجدية جدا لمناهج البحث ~~الفلسفي: «كثيرا ما يوجه إلي السؤال هل أنا لاهوتي وجودي؟ وإجابتي دائما مقتضبة، ~~فأقول: إنني النصف والنصف # fifty-fifty ~~، وهذا يعني أن ~~الوجودية والماهوية # Essentialism # بالنسبة لي ينتميان ~~لبعضهما، ومن المستحيل أن يكون المرء ماهويا خالصا إذا كان في الموقف الإنساني بصفته ~~الشخصية، وليس يجلس على عرش الله، كما نفهم ضمنا من هيجل وهو ينشئ تاريخ العالم الآتي ~~لنهايته تبعا لمبدأ في فلسفته. تلك هي الغطرسة الميتافيزيقية للماهوية الخالصة؛ ومن ~~الناحية الأخرى الوجودية الخالصة مستحيلة، فكي يصف الإنسان الوجود لا بد أن يستخدم ~~اللغة؛ واللغة تتعامل مع الكليات، وباستعمال الكليات تكون اللغة بصميم طبيعتها ماهوية، ~~ولا يمكنها التملص ms29 من هذا.» # 29 # ليست الماهوية فحسب، إنه على الحدود بين الوجودية وسائر المقاطعات المحيطة بها، وهو ~~دائما وأبدا على الحدود، ولا يتقوقع في قلب المقاطعة فتستغرقه ويستغرقها، لا المقاطعة ~~الوجودية ولا سواها، ولا حتى المقاطعة اللاهوتية بجلال قدرها. # لكننا وجدنا الوجودية اللاهوتية والدينية المنظور الأشمل والمدخل المثالي لعالمه، ~~والذي يمكننا من الإحاطة به والتجول في سائر أرجائه، ولئن كانت موضوعا نناقش به ومن ~~أجله فلسفة تيليش، فإنه نظرا لعمق وجوديته وأصالتها من ناحية، واتساق تفكيره وتشابك ~~أطرافه وتلاقي عناصره من الناحية الأخرى، فلن يجدينا كثيرا وضع الإصبع على دعاويه ~~الوجودية فحسب، وبدلا من هذا الأسلوب القاصر المبتسر، سنعرض لشخصية الفيلسوف ككل، ~~ومقومات فلسفته بعامة، وسيكون هذا العرض المتكامل بدوره أكمل أسلوب لاستشراف نزعته ~~الوجودية. # الجزء الثاني # | مصادر فلسفة تيليش، النماء، والثمرة # الفصل الثالث # | سيرة تيليش: تطوره الفكري وتشكل الأطر # باول تيليش ألماني، ولد في العشرين من أغسطس عام 1886م في قرية إشتارتسيدل # Starzeddel # بمقاطعة براندنبورج # Brandenburg # في بروسيا بألمانيا الشرقية، # 1 # أبوه منها، ولكن أمه من مقاطعة رينيلاند بألمانيا الغربية، ولعل هذا أول ~~توتر له على قلب حدود - الحدود بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية؛ # 2 # تحمل الأولى ميلا ما للتأمل، مرتبطا بكآبة ووعي حاد بالواجب والخطيئة ~~الشخصية، ولا يزال بها احترام كبير للسلطة والتقاليد الإقطاعية؛ أما ألمانيا الغربية ~~فتميزها الفتنة بالحياة، وحب التعين والحركية والعقلانية والديمقراطية، فأثرت هذه ~~السمات المتصارعة على سياق حياته الداخلية والخارجية . وعلى الرغم من أن أمه ماتت ~~مبكرا، وبالتالي كان تأثير أبيه هو المهيمن، فإن أطر ميراثه من بيئته لم تعرف أبدا ~~الترابط والانسجام، بل دائما التوتر على الحدود، مما يفسر لنا رؤيته للتاريخ بأنه ~~اختيار لخط يتجه صوب هدف، بدلا من الفكرة الكلاسيكية التي تراه دائرة مغلقة؛ فمضمون ~~التاريخ في نظره تشكله فكرة الصراع بين مبدأين متعارضين. والحقيقة ديناميكية، نجدها ~~في قلب الصراع أو القدر # 3 # أو على الحدود بين المبدأين المتصارعين. # وقد قضى سنوات صباه في شونفليس؛ حيث كان أبوه - وهو لاهوتي محافظ، وقسيس ms30 بروتستانتي ~~كبير من رعاة الأبرشية اللوثرية - كان يعمل في منصب ديني رفيع كأسقف ومدير لكنيسة ~~الإقليم. وشونفليس مدينة صغيرة وهادئة شرق الألب، أنشئت في العصور الوسطى، وما زالت ~~محتفظة بشيء من طابعها، ومحاطة بمراع خصيبة وغابات كثيفة، مما ترك في الصبي باول ~~انطباعا عميقا بالطبيعة وإحساسا رومانتيكيا بعبق التاريخ، فضلا عن الارتباط ~~بالكنيسة بوصفها حاملة المعنى المقدس في قلب الحياة الإنسانية، «إنها المكان الذي ~~ينبغي أن نعيش فيه الخبرة بالسر المقدس؛ نعيشها برهبة وجفول علوي.» # 4 # ومع هذا كان ينازعه دائما اشتياق لزيارة المدينة الكبيرة - برلين. وكان الخط الحديدي ~~الذي ينقله إليها هو في حد ذاته نصف أسطورة؛ وهذه الفتنة التي حملتها المدينة قد وقته ~~خطر الرفض الرومانتيكي للحضارة التقانية، وعلمته أن يقدر أهمية المدنية من أجل ~~تطور الجانب النقدي للحياة العقلية والفنية؛ لقد ظل حتى آخر لحظة في حياته يشعر ~~بالارتباط الأقوى بالريف والطبيعة عموما، وهذا الارتباط تنامى في ذهنه أكثر عبر ~~رحلاته وسفرياته البحرية في عرض البحار، وهو يرى أن مشهد البحر الصاخب المترامي الآفاق ~~الذي يفتئت دوما على الشاطئ الجامد قد ألهمه بالكثير من رموزه وأفكاره، ومعظمها تخلق ~~إما تحت الأشجار وإما في عرض البحار. # 5 # ومع هذا فإن الريف لم يستأثر به، وظل على الحدود بينه وبين المدينة، أو ~~بين الطبيعة والمدنية. # وهو على أية حال قد خرج من أعطاف حياة شونفليس الهادئة الوادعة المشبعة بزخم الدين، ~~حين التحق بالمدرسة الثانوية في كونجسبرج # Köngisberg ~~- ~~موطن كانط - وتلقى تعليما علمانيا؛ فواجه لأول مرة المثل الكلاسيكية لليبرالية ~~الأوروبية، مثل حرية التفكير الخاضع فقط لمعايير العقل؛ وعلى الرغم من رفضه لليبرالية ~~الاقتصادية، فإنه يؤكد دائما ليبراليته في التفكير. لقد تلقى هذه المثل - والتي ~~عايشها أكثر في برلين، حين انتقل والده للعمل هناك عام 1900م - بحماس شديد، لكن لا ~~يخل إطلاقا من ولائه للدين وتحمسه الأعمق لحيثيات اللاهوت؛ فقيمة تيليش تتجلى في ~~وقوفه على الحدود بينهما - حسب تعبيره الأثير - ~~وجمعهما معا بحيث جعلهما القطبين المتعامدين والمشكلين لهيكل تفكيره؛ القطب الديني ms31 ~~اللاهوتي الذي استقطبه في طفولته وصباه (شونفليس)، والقطب الفلسفي الناسوتي الذي ~~استقطبه في مراهقته ويفاعته (كونجسبرج وبرلين)، على أن الأول بالطبع هو الأساس والجذر ~~والجذع. إن تيليش ينشغل بالدين وبصره شاخص إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والحرية ~~والقضايا الثقافية، أو مشاكل الحضارة المعاصرة، ومن قبل ومن بعد بالمعضلة الوجودية ~~للإنسان الفرد. # ويخبرنا تيليش أن الخيال الذي تأجج في خاطره بين سن الرابعة عشرة والسابعة عشرة ثم ~~لازمه طوال حياته، هو الذي حال بينه وبين الوقوع في براثن المدرسية - بالمعنى الحرفي ~~للكلمة، وكان الخيال وأعظم تعبيراته - أي الإبداع الفني، له دائما تأثير كبير على ~~أفكاره الفلسفية واللاهوتية؛ لقد تذوق الموسيقى منذ طفولته، وكان أبوه يؤلفها، ~~ويؤكد أن الموسيقى الكنائسية شيء أكثر من ضروري لتتحقق التجربة الدينية، ولكن عشقه ~~للفنون اتجه توا للأدب، فله سحر خاص وهو أكثر الفنون تضمنا للفلسفة، «ويرى تيليش أن ~~تعاطفه الغريزي مع الفلسفة الوجودية يعود من ناحية ما إلى فهم وجودي لأعمال شكسبير ~~التي ترجمها شليجل إلى الألمانية، خصوصا «هاملت».» # 6 # ولم يجد تيليش أبعادا وجودية في أعمال جوته؛ لذلك لم تجذبه كثيرا. ~~ويعد ريلكه أكثر الشعراء الألمان تأثيرا عليه؛ لواقعيته المستقاة من التحليل ~~النفسي، ولثرائه الصوفي والشحنة الشاعرية المشبعة بمضمون ميتافيزيقي؛ على أن زوجة تيليش ~~هي التي قادته حقيقة إلى عالم الشعر؛ ولم يكن الأب يبدي اهتماما بالفنون البصرية، ~~فلم يلتفت إليها في طفولته وصباه، ولكن الخراب والقبح الذي خلفته الحرب العالمية ~~الأولى جعل فن التصوير يجتذبه، وتطور الأمر إلى دراسة منهجية لتاريخه ومعايشة عميقة ~~لاتجاهاته الحديثة، وتبقى فنون العمارة والموزيكو والفسيفساء، ولا شك أن التاريخ ~~والمعمار الكنسي كفيل بها. # وقد تلقى تيليش تعليمه العالي في اللاهوت والفلسفة بجامعات ماربورج ودرسدن ~~وفرانكفورت، ووجد في فلسفة شلنج # F. W. Schelling ~~(1775م-1854م) للطبيعة، بغيته التي تتجاوب مع عشقه لها وتمنحه الإطار النظري لتفسيرها ~~بأنها المظهر الدينامي لروح الخالق والهادف إلى إدراك الحرية المتعالية على الثنائية ~~التناقضية القائمة بين الإنسانية والحتمية الكونية. # 7 # والواقع أن شلنج هو الوثن الفلسفي لتيليش؛ ms32 فهو يبالغ كثيرا في تقدير قيمته ~~وتأثيره على الفكر الأوروبي، وكان قد حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من برسلاو # Breslau # عام 1911م برسالة موضوعها: (التصوف والوعي بالذنب في تطور شلنج الفلسفي # Mystik ~~and Schuldbewusstein in Schellings philosophischer Entwiekluing ~~)، وبعد هذا بعام (1912م) ~~حصل من جامعة هال # Hall # على الدكتوراه وإجازة في ~~اللاهوت، فعين في نفس العام قسيسا في الكنيسة اللوثرية الإنجيليكية، وعمل طوال ~~الحرب العالمية الأولى كقسيس وواعظ في الجيش، في قلب الجبهة. # 8 # وكانت الحرب هي التجربة العميقة، التي حددت معالم تفكيره واتجاهه؛ فقد تركت بنفسه ~~آثارا أليمة بما خلفته من دمار وخراب، خصوصا في وطنه ألمانيا، وقد قدمت له دليلا ~~على إفلاس الحضارة # Kultur Culture # 9 # الغربية، وأنها في انتظار نهاية حقبة من تاريخها؛ هذا لأن إيمانها بالعقل ~~فقط جعلها حضارة علمانية أوتونومية؛ أي معتمدة فقط على نفسها # Autonomous ~~، فكانت كل نواتجها التي جسدتها الحرب ~~لتشهد عليها بالخواء والتناهي والعجز عن إشباع ذاتها، وأنها تعيش في قرنها العشرين ~~نهاية هذه الحقبة، فبدت له الفرصة متاحة لإعادة بنائها على أساس جديد، هو الأساس الديني ~~أو الثيولوجي، لتغدو حضارة ثيونومية؛ أي معتمدة على ~~الدين # Theonomous # هذا هو المثل الأعلى المنشود الذي يحدد المهمة الإيجابية ~~للاهوت في القرن العشرين؛ على أن الخروج من مرحلة الاعتماد على النفس؛ الأوتونومي # autonomy ~~، لا يعني العود فورا إلى النقيض المباشر، ~~التبعية والاعتماد على الآخرين؛ الهترونومي # heternomy ~~، ~~وقد كان تاريخ النهضة في أوروبا وبدء حضاراتها الحديثة، هو تاريخ لصراع دام وبطولي ~~للخروج منها؛ وتيليش بلا شك يرفض أي تبعية، سواء دينية أو علمانية، إن ما ينشده هو ~~وقوف يقظ واع على الحدود بينهما، ومركب جدلي من هترونومي العصر الوسيط وأتونومي ~~العصر الحديث. إن التساؤل بشأنهما التساؤل بشأن المعيار النهائي للوجود الإنساني. فلا ~~بد طبعا من الأتونومية، من الاعتماد على النفس، لكن بصورة هترونومية إلى حد ما؛ أي ~~معضدة ومستفيدة ومشبعة بالبعد الثيولوجي؛ أي صورة ثيونومية، «بالثيونومي يتم قهر ~~وتجاوز التناقض بين الأتونومي والهيترونومي.» # 10 # وقد ms33 مثلت فكرة الثيونومي محكا نهائيا يوجه فلسفة تيليش ويحدد ~~تقييمه للفلسفات الأخرى. والفلسفة التي يعجب بها ويستفيد منها، يعتبرها ثيونومية، حتى ~~ولو كانت إلحادية كفلسفات نيتشه وهيدجر! # ولم يبدأ تيليش عمله الأكاديمي إلا بعد انتهاء الحرب، وفي جامعة برلين؛ حيث حاضر فيما ~~بين عامي 1919-1924م في تطور لاهوت الحضارة، معنيا بعلاقة الدين بالسياسة والفن ~~والأدب والفلسفة وعلم نفس الأعماق والاجتماع، وكانت محاضراته هذه باكورة مشروعه ~~الثيونومي، وجعل الدين مركزا تتصل به كل مجالات الحضارة. # 11 # وحاضر أيضا في جامعتي درسدن ولايبسج. وفي عام 1925م انتقل لتدريس اللاهوت ~~في جامعة ماربورج؛ حيث زامل هيدجر وبولتمان، وبدأ في عمله الضخم «اللاهوت النسقي»، ولم ~~يظهر الجزء الأول منه إلا عام 1951م، وفي عام 1929م قبل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة ~~فرانكفورت، وهي من أكثر جامعات ألمانيا حداثة وليبرالية، وليس بها كلية للاهوت، فحاول ~~أن يتخذ من هذا فرصة لكي ينجز للفلسفة إنجازه للاهوت. # وحينما كان يدرس في الجامعات شارك بحماس في مناقشات نظامية كانت تدور من أجل فهم ~~جديد للموقف الإنساني، فكتب ونشر فيما بين عامي 1919-1933م أكثر من مائة مقالة ودراسة ~~حول هذا، مؤكدا أن الفهم الجديد للموقف الإنساني لا مندوحة له عن أن يكون دينيا ~~ثيولوجيا؛ لتغدو الحضارة ثيونومية. إنها المنطلق لمجمل فكر تيليش، وإذا كان المعتمد ~~أكاديميا أن هذا المنطلق هو «اللاهوت الحضاري» فإننا نرى المصطلحين اسمين لمسمى ~~واحد هو علاقة تبادلية حميمة بين اللاهوت والوحي المنزل وبين الحضارة الإنسانية؛ لو ~~نظرنا إلى هذه العلاقة من ناحية اللاهوت كان المشروع هو «اللاهوت الحضاري»، ولو نظرنا ~~من ناحية الحضارة كان المشروع هو «الحضارة الثيونومية». وفي استيفائه لها، لم يهتم فقط ~~بالمجالات الفعلية للحضارة كالفن والفلسفة والسياسة ... إلخ، بل اهتم أيضا بالأبعاد ~~المعيارية؛ أي الأخلاق، فوضع تقابلا بين أخلاق الحضارة العلمانية فقط؛ أي الأوتونومية، ~~وبين أخلاق الحضارة الثيونومية، مؤداه أن الأولى مشروطة وهي أخلاقيات السلطة والقانون ~~والعدالة؛ أما الثانية فغير مشروطة وهي أخلاقيات المغامرة واللطف الإلهي # Grace # والحب. # 12 # وقد أردف هذا ms34 بمناقشة «التربية» في ضوء هذا الهدف - الحضارة ~~الثيونومية. ~~••• # ومن الناحية الأخرى، أو الجهة الأخرى للحدود، نجد أن تيليش ينتمي للبرجوازية الرفيعة، ~~وأتاحت له مهنة والده - بوصفه الراعي الديني الكبير - أن يقيم علاقات شخصية وثيقة مع ~~البرجوازية الرفيعة جدا - بقايا الأرستقراطية. ومع هذا نلقاه يتعاطف بشدة وإيجابية مع ~~اليسار، مهتديا في هذا بأقوال المسيح ضد الظلم الاجتماعي وضد الأغنياء، وانضم عام ~~1918م للحركة الاشتراكية، وكان مناصرا للحزب الاشتراكي الديمقراطي. وتيليش شديد ~~الإعجاب، بل متدله بماركس، ينسب إليه كل ما لذ وطاب من آيات التفلسف، بدءا من ~~العلمية الصارمة، وانتهاء بالعنصر النبوئي وطابع الرسالة في فلسفته، ومرورا ~~«بالوجودية» السياسية! مدعيا - مثلا - أن مفهوم الصدق عنده هو نفسه عند كيركجور، ~~الصدق بالنسبة للوجود الإنساني، وما يخص موقف حياتنا ويقهر الاغتراب؛ # 13 # ولكن لم يكن أبدا ماركسيا أو شيوعيا. # وفي عام 1920م تحددت هويته تماما بالاشتراكية الدينية # Religious socialism # وكان دائما من أبرز وأنشط أعضائها، وذلك على ~~أساس ما تقدم من خطوط عامة في فكره؛ فالمجتمع المعاصر فقد تكامله وخسر جوهر وجوده، ~~وطغيان الماديات جعله في خواء، وفي مسيس الحاجة إلى نوع من الخلاص، وهذا الخلاص يستلزم ~~من ناحية قيم العدالة الاجتماعية، والتقارب الطبقي، وعدالة توزيع الثروة في المجتمع، ~~أي الاشتراكية، ويستلزم من الناحية الأخرى - أو الجهة الأخرى للحدود - الدين ذا التجربة ~~الروحية والأبعاد الوجودية العميقة؛ لذلك لا يتم الخلاص المنشود إلا بواسطة إحلال ~~الاشتراكية الدينية محل الثقافة البرجوازية، إنها تستهدف إصلاح المجتمع بحيث يصبح الدين ~~روحه، فيمكن أن تصبح الحضارة ثيونومية؛ يقول تيليش: «الاشتراكية الدينية ينبغي أن تفهم ~~بوصفها حركة صوب الثيونومي الجديد؛ فهي أكثر من مجرد نسق اقتصادي حديث، إنها فهم ~~شامل للوجود، صورة للثيونومي المطلوب والمتوقع الآن.» # 14 # إنها تبدو الحل الذي يفرض نفسه؛ فتيليش يرفض فكرة اليوتوبيا، ويرى أن مملكة ~~الله لا تتحقق أبدا في المكان والزمان، فطالما يوجد إنسان على ظهر الأرض سيوجد دائما ~~الخير والشر والصواب والخطأ؛ مملكة الله ومدينة الله فكرة متعالية ترانسندنتالية يمكن ~~فقط أن تمثل ms35 معيارا للحكم على المجتمعات؛ أما الاشتراكية الدينية فهي البديل الواقعي ~~والسليم. # وقد كانت حركة الاشتراكية الدينية منتشرة في أوروبا، وقوية في ألمانيا تصدر جريدة ~~«أوراق من أجل اشتراكية ~~دينية» # Blätter für Religiösen Socializmus ~~، فانضم إليها الشاب المتحمس باول تيلش، وشارك بمقالات في هذه ~~الجريدة، ولكنه بدأ يستشعر روح الوهن والشيخوخة والدوجماطيقية فيها، فانفصل مع جمع من ~~زملائه الشباب في حركة تروم أن تبث في اللاهوت الصارم للاشتراكية الدينية الألمانية ~~حياة وعزما أنضر، وقدرة على مواجهة متغيرات الفكر والواقع؛ وأصدر بمعية زملائه مجلة ~~«أوراق جديدة ~~للاشتراكية # Neue Blätter ~~für Socializmus ~~» تهدف إلى إعادة قولبتها على أساس منظور ديني وفلسفي ~~حديث، وهو شخصيا لم ينشغل بغير المسائل النظرية، ولكن المجلة بتأثير زملائه تصدت ~~أيضا للمشاكل العملية والواقع السياسي الجاري. # 15 # وفي هذه الدعوى نجد الدين لتعضيد الاشتراكية، بقدر ما نجد الاشتراكية لتعضيده، ~~مبدؤها أن الرب ذو علاقة، ليست فقط بالفرد وحياته الداخلية، أو بالكنيسة بوصفها كيانا ~~اجتماعيا؛ الرب ذو علاقة بالكون وهذا يتضمن الطبيعة والتاريخ والشخصية؛ ولذلك يؤكد ~~تيليش أن الكنيسة سوف تفشل في أداء مهمتها إن هي صاغت رسالتها بصورة مطلقة وبغير أن تضع ~~الصراع الطبقي في اعتبارها، وأن الاشتراكية الدينية هي فقط التي تستطيع أن تحمل رسالة ~~الكنيسة إلى كتل البروليتاريا التي لم تعد تدخلها اللهم إلا للتعميد والزواج ~~والجنازات؛ لذلك فالاشتراكية الدينية، وليست الرسالة الداخلية، هي الشكل الضروري للنشاط ~~المسيحي بين الطبقات العاملة. على هذا المحور انصبت جهود تيليش لجلو الصدأ عن المبادئ ~~البروتستانتية الأصيلة وإعادة صياغتها لتواصل قدرتها على الاستمرار وعلى أداء دورها، ~~ولم تكن مهمته سهلة؛ لأن البروتستانتية اللوثرية كانت من الأصول المكينة التي ارتكزت ~~عليها نشأة الليبرالية والرأسمالية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فضلا عن أن ~~الاشتراكيين يخشون من تأثير الكنيسة على تثبيط الهمم النازعة إلى تحقيق الحكومة ~~الاشتراكية؛ والكنيسة بدورها تخشى على رموزها المقدسة من مد الفكر الاشتراكي، فتقف في ~~وجهه وتبدو مضادة أكثر للنزعة الإنسانية. وتجاهر طبقة الصفوة بإعجابها بالكنيسة لوقوفها ~~في وجه ms36 الوثنية القومية، فيقوى موقف الكنيسة النائي عن مطالب الطبقة العاملة، وهي ~~الكثرة الغالبة، وها هنا لنا أن نتذكر القول المأثور عن الاشتراكيين والشيوعيين ~~الملاحدة من أن الله اختار الوقوف في صف الأغنياء، وعلى الفقراء البحث عن إله آخر! ~~وعلى هذا تبدو جهود تيليش مسألة ملحة، وهي تتبلور في مقاله «المبدأ البروتستانتي ~~والموقف البروليتاري» # 16 # حيث يعالج هذه الإشكالية معالجة هامة بالنسبة للاهوت وللاشتراكية وللفلسفة ~~الوجودية على السواء. # والتقابل معروف بين الاشتراكية بنزعتها الجمعية التي تجعل الفرد يضيع في غمار الطبقة؛ ~~وبين الوجودية بنزعتها الفردية، ولكن تيليش فيلسوف على الحدود، فيقول: «علينا ألا نخلط ~~أحبولة انعدام المساواة # Riddle of Inequality ~~، مع ~~واقعة أن كل فرد منا ذات فريدة لا تقارن. كوننا ذواتا ينتمي بالقطع لكرامتنا كبشر. ~~هذه الكينونة منحت لنا، ولا بد أن نعملها ونكثفها، ولا نجعلها تغرق في المستنقع ~~الآسن الذي يهددنا كثيرا هذه الأيام. لا بد أن يزود المرء عن كل فردانية، وعن تفرد ~~كل ذات إنسانية، ولكن لا ينبغي أن ينخدع باعتقاد أن هذا هو حل لأحبولة انعدام المساواة؛ ~~ولسوء الحظ ثمت الرجعيون الذين يروجون لهذا الخلط كي يبرروا الظلم الاجتماعي.» # 17 # وتمثل الاشتراكية الخلاص الوحيد من الظلم الاجتماعي، الخلاص المتكامل ~~المتوازن؛ لأنها دينية - صوب الثيونومي. آمن تيليش بأنه بعد الوحي السماوي لا يوجد ما ~~هو أسمى وأعظم من الاشتراكية الدينية، وكان على يقين دائما من أن اللحظة التاريخية ~~لتحققها قد تأتي، ولم يفقد أبدا إيمانه بها، على الرغم من أنها لم تتحقق ولم تأت ~~لحظتها التاريخية، بل أتت النازية إلى مقاعد الحكم في ألمانيا. # 18 # وإيمان تيليش بالحرية جعله يجاهر بنقد قاس وعنيف لهتلر، وبعدائه للنازية، فأبعد ~~عن العمل في الجامعات ليكون أول أكاديمي غير يهودي تستبعده النازية من العمل في ~~الجامعة. وفي صيف عام 1933م تصادف أن كان بألمانيا الألماني المهاجر إلى أمريكا ~~راينهولد نيبور، الذي قام بترجمة بعض أعمال تيليش المبكرة من الألمانية إلى الإنجليزية، ~~وهو يتفق معه في الاشتراكية الدينية، ويختلف في اللاهوت الحضاري. ms37 التقى نيبور بتيليش ~~وأتاح له فرصة الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ففعل «وسفره لأمريكا وثق علاقته ~~بحركة علم نفس الأعماق # Depth-Psychology # التي اهتم بها ~~من منطلق اهتمامه بالعلاقة بين الدين والتحليل والعلاج النفسي.» # 19 # والملاحظ أن تيليش سعيد جدا بالتحليل النفسي مع فرويد وخلفائه، ويهتم به ~~اهتماما بالغا ويعول عليه تعويلا كبيرا، وبغير أدنى إشارة إلى الاتجاهات ~~السيكولوجية العلمية حقيقة! بصفة عامة ثقافة تيليش العلمية ضحلة جدا، وليس ذا إلمام ~~بالتطورات العلمية، لا في الرياضيات ولا العلوم الطبيعية ولا الإنسانية. ولكن الدين ~~والعلم مجالان ليس من الضروري أن يلتقيا فلسفيا؛ فهما منفصلان تماما، منهجا ~~وموضوعا وغاية، فلا يدينه هذا كثيرا، المهم أن تيليش على الرغم من ميوله اليسارية، ~~تلقى دعوة للعمل كأستاذ اللاهوت وفلسفة الدين في المعهد اللاهوتي الاتحادي بنيويورك، ~~وظل بهذا المعهد حتى عام 1955م، ثم تقلد الأستاذية بجامعة هارفارد العريقة (من 1955م ~~حتى 1962م) ثم جامعة شيكاغو منذ عام 1962م وحتى وفاته في الثاني والعشرين من أكتوبر عام ~~1965م، عن تسعة وسبعين عاما، وقد ظل محتفظا بنشاطه ومقدرته على العمل والإنجاز، ~~وتأثيره على الأوساط الثقافية حتى آخر لحظة في حياته. والمحصلة رصيد ضخم من الأعمال ~~اللاهوتية الفلسفية. # الفصل الرابع # | أعماله # يعطينا مسار أعمال تيليش وسيرورة مؤلفاته الغزيرة رسما تخطيطيا لنماء تفكيره، ~~وترعرع أفنان فلسفته. # وعلى الرغم من أن تيليش يميل - كدأب الألمان - إلى نحت مصطلحات جديدة، مما يضفي على ~~كتاباته صعوبة ما بالنسبة للقارئ العادي، فإنها تتميز بسلاسة أخاذة، وعذوبة آسرة، ~~وصدق حميم متوهج ومتبصر في آن واحد، يجذب مجامع القارئ؛ لذا حازت أعماله الكثيرة شهرة ~~واسعة، وانتشرت انتشارا غريبا، حتى بين أوساط غير المعنيين لا بالمسائل الدينية ولا ~~بالمسائل الفلسفية! وكان لها تأثيرها الكبير على الفكر والثقافة في العالم المتحدث ~~بالإنجليزية، وأكثر من تأثيرها على العالم الألماني. وكما هو معروف، تيليش له فضل كبير ~~في نشر - إن لم نقل تأصيل - الفكر الوجودي في العالم المتحدث بالإنجليزية. # المقالات والكتب في المرحلة الأولى من حياته، حتى عام 1933م، كانت ms38 طبعا باللغة ~~الألمانية، ولما هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية كتب بالإنجليزية، كما أن معظم ~~أعماله ترجمت إلى الإنجليزية، وسوف نشير إلى ذلك تفصيلا فيما يلي: # أولا: الكتب # لما كان هذا الفصل أشبه بتوثيق ببليوجرافي لأعمال تيليش، فإننا سوف نتبع الأصول ~~الببليوجرافية، ونورد كتب تيليش ~~متسلسلة تبعا لتاريخ صدورها، وليس تبعا ~~لأهميتها أو لتبويب موضوعاتها مثلا، ونحسب أن هذا الأسلوب الببليوجرافي أيسر ~~السبل لطرح الصورة الكاملة لكتاباته؛ وعلى هذا الأساس نجد كتب باول تيليش كالآتي: ~~(1) # Das System der Wissenschaften nach gegenstanden und ~~Methoden: Ein Entwurf, 1923. ~~«نسق العلوم تبعا لموضوعاتها ومناهجها: مشروع»: أو تخطيط عام، لتطوير مفهوم ~~واضح للعلاقة المنطقية بين اللاهوت والفلسفة؛ «العلوم» هنا مقصود بها علوم اللاهوت ~~والفلسفة. ~~(2) # Religiöse Verwirklichung, Berlin, ~~1929. ~~«التحقق الديني»: هذا الكتاب أول أعماله اللاهوتية الضخمة، أصلا مجموعة ~~مقالات، وتحقيق البروتستانتية بالذات هو ما أوحى له بهذا العنوان. والحق أن ~~الكتاب لاهوتي، لكن يتطرق أيضا للمسائل السياسية، وفيه استعمل لأول مرة التعبير ~~«على الحدود»؛ إذ كتب يقول: على الحدود أفضل موقع لاكتساب المعرفة؛ وسرعان ما أدرك ~~أن هذا التعبير خير ما يدل على موقفه جملة وتفصيلا، إنه رمز رامز لحياة تيليش ~~وفلسفته وآرائه ... إلخ، ككل وكأجزاء. ~~(3) # Die Sozialistische Entscheidung, potsdam, ~~1933. ~~«القرار الاشتراكي»: في هذا الكتاب يوضح تيليش لماذا تقبل المذهب الاشتراكي ~~بصورته الفلسفية؛ فهو يحوي فهما جديدا له عن طريق المقارنة بأقوال المسيح، ~~وتبيان العنصر النبوئي والتضمنات الدينية للفلسفة الماركسية، وهذا ما تكرر كثيرا ~~في أعمال تيليش بعد ذلك. ~~(4) # The Religious Situation، New York, ~~1932. ~~«الموقف الديني»: أشهر أعمال تيليش، وأكثرها تعبيرا عن فلسفته ككل وإجمالا ~~لخطوطها العامة؛ أصلا مجموعة مقالات. والكتاب صدر في ألمانيا عام 1928م، ثم ترجمه ~~راينهولد نيبور ليصدر في نيويورك قبل هجرة تيليش إليها. ~~(5) # The Interpretation of History, ~~1936. ~~«تأويل التاريخ»: وهو أيضا صدر في ألمانيا، ثم قام رازيتكسي # N. A. Razetiski # وتالمي # E. A. Talmey ~~، بترجمته ليصدر في نيويورك، وهو ~~يقدم التفسير الوجودي للتاريخ من زاوية الاشتراكية الدينية الألمانية. ~~(6) # My Diary Travel, 1936. ~~«يوميات ترحالي»: ms39 خواطر عامة. ~~(7) # The Protestant Era, 1948. ~~«الحقبة البروتستانتية»: مجموعة مقالات، وبعد صدورها في ألمانيا بعشرين عاما، ~~اختارها وجمعها وترجمها إلى الإنجليزية جيمس لوثر ~~آدمز # J. L. Adams # لتدور حول تحديد الخطأ في الحضارة المسيحية، وهل ~~البروتستانتية تحتاج إلى بعث وإعادة صياغة، أم أن الحقبة البروتستانتية ستنتهي إلى ~~غير رجعة. ~~(8) # The Shaking of the Foundations, ~~1948. ~~«زعزعة الأسس»: وهو أصلا مجموعة مواعظ؛ لذا يأتي بلغة بسيطة يفهمها الجميع، ~~بعيدة عن المصطلحات الفنية والتعبيرات المركبة والصياغات النسقية المعقدة، ليوضح ~~التضمنات العملية والوجودية للاهوت؛ ويستغل - خصوصا في الفصل الأول الذي يحمل نفس ~~العنوان - الظروف المأساوية التي خلفتها الحرب، ليطور ويخرج الصياغة النهائية ~~للتساؤلات الوجودية والحضارية الملحة. ~~(9) # The New Being, 1955. ~~«الوجود الجديد»: أيضا مجموعة مواعظ، بلغة مبسطة، يقدم الإجابة عن التساؤلات ~~التي صاغها في «زعزعة الأسس»، بحيث يمكن اعتباره بمثابة جزء ثان له. ~~(10) # Morality and Beyond. ~~«الأخلاق وما وراءها». ~~(11) # Systematic Theology. ~~«اللاهوت النسقي»: أضخم أعماله وأهمها على وجه الإطلاق؛ فهو معالجة فلسفية دقيقة ~~لمسائل اللاهوت والاعتقاد، يقع في ثلاثة أجزاء؛ الجزء الأول بالذات له أهمية خاصة؛ ~~لأن تيليش يطرح فيه تخطيط النسق ككل، ويحدد مقولاته الأساسية، ويطور منهجه - ~~منهج التضايف. الأجزاء الثلاثة كالآتي: # Vol. I: Reason and Revelation, Being and God, ~~1951. # ج1 العقل والوحي، الكينونة والرب. # Vol. II: Existence and The Christ, ~~1957. # ج2 الوجود والمسيح. # Vol III: Life and the Spirit, History and the ~~Kingdom of God, 1963. # ج3 الحياة والروح، التاريخ ومملكة الرب. ~~(12) # The Eternal Now, 1952. ~~«الآن الأبدي»: تحليل عميق للموقف الديني، يقتحم أعمق أغوار معضلة الإنسان ~~المعاصر؛ لكي يمنحه في النهاية الحضور الدائم للأبدية الألوهية، وكحل ناجع ~~للمعضلة. ~~(13) # The Courage to Be, 1952. ~~«شجاعة الكينونة»: هو أصلا مجموعة محاضرات «جيفور»، يحمل تحليلا وجوديا ~~عميقا للموقف الروحي للإنسان المعاصر، يثبت مدى احتياجه للدين؛ وهو أهم أعمال ~~تيليش بالنسبة للمعنيين بالفلسفة، وخصوصا الوجودية؛ إنه على وجه التحديد حجر ~~الزاوية ونقطة الالتقاء التيليشة بين الفلسفة الوجودية والإيمان بالدين. وقد ترجمه ~~إلى العربية كامل يوسف حسين تحت عنوان «الشجاعة من ms40 أجل الوجود» الذي قد يوحي بأن ~~الشجاعة غاية أو سبيل وليست هي صلب الوجود ذاته. ~~(14) # Love, Power, Justice, 1955. ~~«الحب والقوة والعدالة»: هذه المفاهيم الثلاثة يعتبرها تيليش جذرية أساسية، لا ~~يمكن تفاديها في كل منعطف من منعطفات اللاهوت والفلسفة على السواء. الكتاب يحدد ~~فلسفة الأنطولوجيا لتيليش، وله ترجمة عربية مذكورة في الهوامش. ~~(15) # Biblical Religion and The Search for Ultimate ~~Reality, 1955. ~~«الدين الإنجيلي والبحث عن الحقيقة القصوى»: يحدد من الإنجيل الدعاوى المطروحة ~~فيه، ذات الصلة الوثيقة بمبحث الأنطولوجيا. ~~(16) # Dynamics of Faith, 1957. ~~«ديناميكيات الإيمان»: كتاب صغير الحجم كبير المضمون، يجيب عن تساؤلات حول: ما هو ~~الإيمان، ما الذي لا يكونه الإيمان؛ أي ما الذي يفسده ويشوهه، رموز الإيمان، ~~أنماط الإيمان، صدق الإيمان، حياة الإيمان. ~~(17) # Theology of Culture, 1959. ~~«لاهوت الحضارة»: مجموعة مقالات، تدور حول فحوى وجوهر فكر تيليش - أي الصلة ~~الوثيقة بين الوحي والدين وبين أوجه الحضارة - اختارها وأعدها للنشر في صورة كتاب ~~ر. س. كمبل # R. C. ~~Kimball ~~. ~~(18) # Christianity and the Encounter of the World ~~Religions, 1964. ~~«المسيحية ومواجهة ديانات العالم»: حصيلة دعوة تلقاها لإلقاء محاضرات في ~~اليابان حول هذا الموضوع. والمحاضرات أو الكتاب في حقيقة الأمر درس عميق في أصول ~~وحيثيات وفلسفة التسامح الديني؛ إنه الإنجاز الذي أنجزه تيليش، وحضارتنا المعاصرة ~~فعلا في أمس الحاجة إليه، وإن كان تيليش شخصيا لم يلتفت لهذا، وكأن تحديد نقطة ~~الالتقاء، التي ينبغي أن تجتمع فيها كل الأديان في العالم، أمر يسير. # وبعد وفاته عام 1965م، نشرت له الكتب الآتية: ~~(19) # On the Boundary, 1966. ~~«على الحدود»: السيرة العقلية الذاتية لتيليش، يوضح فيها كيفيات ومبررات تطوره ~~العقلي؛ فكان لا بد أن يكون عنوانه هذا التعبير الأثير لتيليش. ~~(20) # My Search for Absolutes, ~~1967. ~~«بحثي عن المطلقيات»: الجزء الأول منه سيرة ذاتية لحياته، وبقية أجزائه مناقشة ~~لقضية المطلق والنسبي في مجالات الحقيقة والأخلاق والدين. والكتاب مزود برسوم ~~سيريالية وكاريكاتورية بريشة سول ~~شتاينبرج # Saul Steinborg ~~، ومقدمة توضح أوجه التلاقي بين فكر تيليش، وفن ~~شتاينبرج، خصوصا في تصورهما للمطلق أو بحثهما عنه؛ يلفت نظرنا ms41 رسم ص59، ويصور ~~الواقع كواقع سيزيف كما يوحي حجر متدحرج، وفي مقابله المطلق في صورة نصف دائرة ~~لا نهائية، تحوي بداخلها الهرم المصري الخالد وبجواره النخلة المصرية الرشيقة؛ إنه ~~يترسب في وجدان كل مكان من العالم المتحضر: مصر بحضارتها الفرعونية العظيمة رمزا ~~لبداية وغاية المطلق الذي استطاع الإنسان أن يصل إليه، وقد تكرر رمز الهرم ~~والنخلة في رسوم أخرى. ~~(21) # A History of Christian Thought: From Its Judiac and ~~Hellenistic Origins to Existentialism, ~~1967. ~~«تاريخ الفكر المسيحي منذ أصوله اليهودية واليونانية وحتى الوجودية»: مرجع ضخم ~~وممتاز للباحثين؛ فهو كتاب مدرسي أو أكاديمي بالمعنى الحرفي للكلمة، حتى إنه مزود ~~بأسئلة وإجاباتها النموذجية، يقدم مسحا شاملا لتاريخ الفكر الأوروبي من الزاوية ~~اللاهوتية، وهو أصلا محاضرات لتيليش أعدها للنشر في كتاب س. إ. براتن # C. E. Braaten ~~. # ثانيا: المقالات # يقول تيليش إن حيثيات الفكر ومتطلبات الواقع تجعل عمله أساسا في صورة مقالات؛ ~~وبعض كتبه - كما أشرنا - تجميع لمقالات؛ إنها كثيرة جدا تفوق الحصر، لكن المقالات ~~الآتية لها أهمية خاصة: ~~(1) # Logos und Mythos det Technik, Logos (Tübingen), ~~XVI, No. 3 (November, 1927). ~~«لوجوس التقنية وأسطورتها»: اللوجوس يرمز إلى الجوانب العقلانية أو الخاضعة للعقل ~~في الحضارة التقانية؛ أما الأسطورة فترمز إلى كل ما يفوق أو ينقض العقل ~~فيها. ~~(2) ~~“Die Technische Stadt als symbol”, Dresdner ~~Neueste, Nachrichten, No. 115, 17 May, ~~1928. ~~«المدنية التقانية بوصفها رمزا»: هاتان المقالتان الألمانيتان - أي المبكرتان - ~~توضحان كيف أعطى المدنية حق قدرها، فوقف على الحدود بينها وبين الطبيعة، ولم يفتنه ~~حب الأخيرة أو يعم أبصاره عن منجزات الحضارة الحديثة التي تبلورها المدنية. ~~وبالنسبة للاشتراكية الدينية ثمت. ~~(3) ~~“Masse und Geist: Studen Zur Philosophie der ~~Masse”, Volk und Geist, No.1 Berlin Frankfürt a. M: Verlag der ~~Arbeitsgemein schaft, 1922. ~~«الكتلة والروح: دراسة في فلسفة الكتلة»، وهي المقالة الأولى من كتاب «الشعب ~~والروح» الصادر عن دار نشر العمل الجماعي: يوضح تيليش في هذه المقالة نظرية «الكتلة ~~الديناميكية»؛ أي ذات القوة المؤثرة، التي استوحاها من أجواء البحر. المهم أن نلاحظ ~~التورية ms42 التي يحملها مصطلح «الكتلة بالألمانية # die ~~Masse ~~، وبالإنجليزية # mass ~~»؛ ~~فهي تعني الكتلة بمعنى فيزيائي هو قطعة المادة، أو بتعبير أدق مقدار ما يحتويه ~~الجسم من مادة، ويعني أيضا الجماهير، وهذا هو المعنى المقصود، وعلى وجه التحديد ~~كمقابل للصفوة أو الإنتليجنتسيا # Intelligentsia # فالمقال مناقشة فلسفية للعلاقة بين الشخصية الفردانية وكتلة الجماهير، من النواحي ~~السياسية وأيضا الوجودية. ~~(4) ~~“Grundlinien des religiösen Socializmus: Ein ~~systematischer Entwurf”, Blätter für religiösen Socializmus, ~~Berlin, IV, No. 8110-1923. ~~«مبادئ الاشتراكية الدينية: مشروع نسقي» وكما هو مذكور منشورة في مجلة «أوراق من ~~أجل اشتراكية دينية»: التي كانت تصدرها حركة الاشتراكية الدينية القديمة في ~~ألمانيا؛ والمقال يحمل تخطيطا عاما لتصور تيليش للاشتراكية الدينية. ~~(5) ~~“Das Problem der Macht: Versuch einer ~~philosophischen Grundlegung”. Neue Blätter für den Socializmus, ~~potsdam, Alfred Protte, 1933. ~~«مشكلة القوة: محاولة تأسيس فلسفي» وهي في مجلة «أوراق جديدة للاشتراكية»: التي ~~أصدرها تيليش مع زملائه الشباب؛ وهو في هذا المقال لا يتخذ الموقف الاشتراكي العادي ~~المناهض للبرجوازية، بل يحاول أن يقف على الحدود بينها وبين البروليتاريا؛ فأساء ~~فهمه كثير من الاشتراكيين، حتى من أخلص أصدقائه. # أما بالنسبة للاهوت، فالمقالات الألمانية الهامة هي: ~~(6) ~~“Rechtfertigung und Zweifel”, Vorträge die ~~theologischen Konferenz zu Giessen, 39 folge, Gissen: Alferd ~~Töpelmann, 1924. ~~«التبرير والشك»: يقارن فيها بين الشك والخطيئة، كلاهما متأصل في الطبيعة ~~الإنسانية. وكما أن غفران الخطيئة بدوره متأصل في المسيحية، فلا بد أن يكون الأمر ~~كذلك بالنسبة للشك. ~~(7) ~~“Religionsphilosophie” Lehrbuch der Philosophie, ~~ed. Max Dessior, Vol. 2: Die Philosophie in ihren Einzelgebieten. Berlin, Ullstein, ~~1925. ~~«فلسفة الدين»: فصل من كتاب فلسفي ضخم ، وضع بهدف التدريس. ~~(8) ~~“Die Idee der Offenbarung”, Zeitschrift für ~~theologie und Kirche (Tübingen) N. F. VIII, No. 6. ~~(1927). ~~«فكرة الوحي»: يقول فيها إن الوحي مسألة متناقضة ظاهريا، لكنها تماما مثل فكرة ~~غفران الخطيئة. ~~(9) ~~“Protestantismus als Kritik und Gestaltung”, ~~Darmstadt: Otto Reichl, 1929. ~~«البروتستانتية بوصفها نقدا وبناء»: المقال فصل من كتاب اشترك فيه مع آخرين؛ ~~لبحث إمكانية تحقيق البروتستانتية. ~~(10) ~~“Kirche und humanistische Gesellschaft”, Neuwerk ~~(Kassoel), XIII, No1. ms43 (April-May. 1931). ~~«الكنيسة والمجتمع الإنساني»: يناقش العلاقة بينهما، ويميز بين الكنيسة المعلن ~~عنها والكنيسة في باطنها؛ وكان هدفه أن يجذب حركة المسيحية الإنسانية المنشقة عن ~~الكنيسة أو الكائنة خارجها. # ويمكن ملاحظة أنه في المرحلة الأولى من حياته - في وطنه ألمانيا - كان أكثر ~~اهتماما بالاشتراكية، وبعد أن هاجر إلى أمريكا أصبح أكثر اهتماما بالوجودية، لكنه ~~دائما اشتراكي ووجودي معا، ومن قبل ومن بعد لاهوتي بروتستانتي، أولم نره ~~[الفصل الأول: الالتقاء بين الوجودية والدين] يبرر تراجع البروتستانتية عن ~~الأراضي الوجودية بضغط وتأثير الليبرالية الرأسمالية، التي هي على وجه الدقة ~~الحضارة الأوتونومية. # ولأهمية الرمز في فلسفة تيليش اللاهوتية، فإن أهم مقالاته التي كتبها ~~بالإنجليزية، هما المقالتان: ~~(11) # The Religious Symbol, in: Journal of liberal ~~Religion, Vol. 2, No1., Summer 1940. Pp. ~~13-33. ~~«الرمز الديني». ~~(12) # Theology and Symbolism, in: F. Johnson (ed.), ~~Religious Symbolism, New York, 1955. ~~«اللاهوت والرمزية»: مساهمة تيليش في هذا الكتاب «الرمزية الدينية». # هذا بخلاف العديد الجم من المقالات الصحفية السريعة في المجلات والجرائد اليومية، ~~والمحاضرات في المجامع العلمية. على أن هذا الكم الهائل من الأعمال لا يوازيه نفس ~~الكم في مضمون فلسفة تيليش؛ فبعض كتبه تلخيص أو تبسيط للبعض الآخر، أو بالكثير دخول ~~من زاوية أخرى، ولك أن تتوقع نفس المضمون تقريبا في الغالبية العظمى من هذه ~~الأعمال، حتى إن «اللاهوت النسقي» يغني عن ثلاثة أرباعها. إنه يكرر نفسه كثيرا، ~~لكن أسلوبه في الكتابة لا يجعل الملالة تقترب؛ وظل محتفظا باتقاده حتى آخر لحظة في ~~حياته. # إن حياة بول تيليش الزاخرة، وتطور فكره الخصيب وأطره المتسقة، وأعماله الجمة ... ~~كل هذا يصب في محصلة نهائية، جعلها تيليش المهمة المطلقة التي آلى على نفسه ~~تحقيقها، ونذر لها حياته وعلمه وعمله وفكره جملة وتفصيلا، ألا وهي «تحديث ~~اللاهوت»، حتى حق لنا أن نعد «تحديث اللاهوت» بمثابة الثمرة المجتناة من فكر ~~تيليش. # الفصل الخامس # | تحديث اللاهوت # يمكن اعتبار فكر باول تيليش بأسره نتيجة لازمة عن مقدمتين: الأولى أنه «لا يمكننا ~~البتة الدخول في نظرة كتاب للإنجيل يقع بيننا وبينهم ms44 قرابة ألفي عام من الفكر.» # 1 # أما المقدمة الثانية فقد وقفنا عليها، وخلاصتها أن اللاهوت يقدم العلاج ~~الناجع لأدواء الحضارة المعاصرة وتردياتها وعجزها عن إشباع الإنسان؛ فصحيح أن التناقضات ~~الناجمة عن كون الإنسان موجودا متناهيا تطرح على العقل أسئلة، الوحي يقوم بالإجابة ~~عليها بحيث يمثل خلاص الإنسان من تناهي عقله؛ إلا أن العقائد المسيحية ليست مجرد ~~إجابة عن تساؤلات نظرية، بل هي حلول مثلى للمشاكل العملية؛ أي أن الدين من أجل ~~الحضارة. # من هنا تقوم فلسفته على تبرير المسيحية وإثباتها بمقولات الحضارة، ومن منطلق ~~احتياجاتها، ومن منظور مشاكلها؛ إنه يقف على الحدود بين العقيدة المسيحية وبين الحضارة ~~العلمانية المعاصرة، معلنا أن هدفه إقامة الجسور بينهما؛ كي تصب التقاليد المسيحية ~~الروحية الخصيبة الدافئة في قلب الحضارة المعاصرة؛ لتصبح ثيونومية، وعساها أن تخضوضر ~~بعد أن شابها اصفرار. # وقد لاحظ تيليش أن مكمن قوة الاتجاه العلماني هي ممارسته المستمرة للنقد الذاتي؛ فرام ~~أن تكتسب الكنيسة بعضا من هذه القدرة. ومن هنا دأب على تصويب النقد لأخطاء الكنيسة، ~~ولا يفوته أن يقول مؤكدا: «على الرغم من أنني أوجه النقد كثيرا لمبادئ الكنيسة ~~وممارستها، فإنها ظلت دائما موطني.» # 2 # فقد نشأ في أعطافها، وبلا شك يهيم بها عشقا بالقلب وبالعقل وبالنفس ~~وبالروح، ومع هذا عرف كيف يقف على الحدود بينها وبين المجتمع بعلمانيته، وهو يعترف بأن ~~«المسيحية استغلت إنجازات العلمانية حيثما وجدتها، سواء في مصر أو اليونان أو روما»؛ # 3 # لكي تبني نفسها؛ فلا يني أبدا عن محاولاته لاستدراج العلمانيين إلى داخل ~~الكنيسة، كي يكون العالم العلماني أفضل وأخصب - ثيونوميا. # 4 # ولكن يسلم بتقسيم الأراضي بين العلمانية والكنيسة؛ فيعترف للعلمانية ~~بإنجازاتها العظيمة وإضافاتها الفذة في العلم والتقنية والمناهج والمذاهب الفلسفية، ~~والفن والسياسة والفكر الاجتماعي ... إلخ، ولكنه بالمثل يطالب العلمانيين باحترام الرموز ~~الدينية، وأن يعترفوا بقدرات اللاهوت الوجودية والنفسية الفائقة، التي تتمكن من تحقيق ~~أبعاد حضارية أصبحت ملحة في عصرنا هذا، وبات واضحا استحالة تحقيقها بغير الالتجاء، ~~لآفاق الأبدية ... آفاق الألوهية والإيمان الديني. # هكذا يفلسف تيليش ms45 للاهوت، وعيونه مفتوحة على الواقع المعاصر؛ على الإنسان والحضارة ~~والبناء الثقافي بصميم المشاكل المميزة للقرن العشرين، مما أدى إلى راديكالية - تجديد ~~جذري في مفاهيمه اللاهوتية والميتافيزيقية - فكان حقا معاصرا وليس كدأب اللاهوتيين ~~مجرد مواصل لميراث السابقين. # والحق أن تحديث اللاهوت - وخصوصا مفهوم الألوهية - بلغ من تيليش مبلغا من الجرأة، ~~قد لا تورثه إلا النزعة الوجودية، ولكنها على أية حال جرأة محسوبة وبعناية بالغة ~~تذكرنا دائما بأنه قسيس محترف، ورجل دين ابن رجل دين، وليس يستمد الجرأة إلا من رغبة ~~عارمة في أن يفجر الحياة في اللاهوت، ويفجر اللاهوت في الحياة؛ وإذا كان يبرر ~~جرأته ويحسب حدودها على أسس وجودية، فإنها تبريرات وحسابات تلقي بنا في قلب مستقبل أفضل ~~للاهوت بأن يغدو «لاهوتا حضاريا»، وبالتالي أقدر على البقاء؛ وللحضارة بأن تغدو ~~حضارة لاهوتية، ثيونومية، وبالتالي أقدر على الاستمرار. # أما عن الأسس الوجودية لتحديث اللاهوت فتتلخص فيما وهبه الله للإنسان من قوة ~~النسيان وقوة التذكر، إنهما ملكتا التعامل مع الماضي؛ النسيان من أجل تجاوز ما ~~ينبغي تجاوزه؛ والتذكر من أجل الاحتفاظ بما ينبغي الاحتفاظ به. ولنتعلم من حكمة الله ~~وبديع صنعه وننظر في نماء أي وكل نبات وحيوان، لنرى المراحل السابقة تنتهي ويتم ~~تجاوزها، لكي تفسح الطريق للمستقبل الآتي؛ فالحياة ناضرة متجددة دوما من حيث هي حياة، ~~ولكن طبعا ليس الماضي بأسره يروح في الماضي، بل يبقى منه دائما شيء ما في الحاضر ~~يمثل أساس قوة النماء في اتجاه المستقبل، تلك سمة عامة للحياة تنطبق على الإنسان مثلما ~~تنطبق على كل كائن حي آخر؛ لكن الإنسان فقط هو الذي يدرك هذا، ويدرك أنه يملك قوة ~~النسيان وقوة التذكر، # 5 # وتعلو النبرة الوجودية، حتى نجد تيليش يعلي من قيمة النسيان الذي يحرر ~~الإنسان من ماضيه فيجعله مشدودا أكثر نحو المستقبل والموقف الآتي، مصدقا على أن قوة ~~شخصية الفرد تعتمد على كم الأشياء التي يستطيع إلقاءها في الماضي، بحيث تفقد تأثيرها ~~على الحاضر؛ ما حدث قد حدث ولا يمكن تغيير هذا، لكن الدين يمنحنا ms46 القوة على تغيير ~~معناه وقيمته حين يفتح أمامنا طريق التوبة الكفيل بإبراء أمراض يعجز الطب النفسي عن ~~إبرائها؛ التوبة الحقيقية القوية ليست الوقوع في براثن الندم والجزع على ما ارتكبنا من ~~أخطاء، بل هي الانفصال التام عن الخطأ، وإلقاؤه بمجمل عناصره في غياهب النسيان، والتوبة ~~يوازيها أصل من أصول الدين هو «الغفران»، الذي يعني الموافقة الإلهية على إلقاء القديم ~~في قلب الماضي؛ لأن ثمة جديدا آتيا؛ الغفران إذن مقدمة شرطية وضرورية لتحقيق الوجود ~~الجديد، هدف الديانة المسيحية الأخير # 6 # وكل ما يصدق على الفرد يصدق على الأمة. # إن النسيان قوة مجدية لأقصى الحدود، ولا خوف منه البتة؛ لأنه لا شيء أبدي سرمدي أو ~~إلهي مقدس يمكن أن ينسى؛ ليس ينسى إلا ما هو خاو ووقتي زائل، باختصار ليس ينسى ~~إلا ما هو خليق بالنسيان، يقول تيليش إن الحياة لا يمكن أن تستمر بغير إلقاء الماضي في ~~قلب الماضي وتحرير الحاضر من عبئه، وبغير هذه القوة يمكن أن تغدو الحياة بغير مستقبل ~~سوف يستعبدها الماضي؛ ويستشهد بأنه كان ثمة أمم عاجزة عن أن تلقي بأي شيء من ميراثها في ~~قلب الماضي، وبهذا حرمت نفسها من النماء، طالما أن ثقل ماضيها يسحق حاضرها ويوردها ~~موارد الانطفاء والانقراض، وفي بعض الأحيان قد نسأل عما إذا كان هذا هو حال المسيحية، ~~وأيضا الأديان الأخرى؟ أليست ترتبط كثيرا بماضيها ولا تترك منه إلا ما ندر؟ يجيب ~~تيليش بأن نسيان الماضي فعلا أصعب بالنسبة للدين؛ لكن الله ليس فقط البداية الذي أتينا ~~منها، سبحانه أيضا النهاية التي سنئوب إليها؛ إنه الأول والآخر، المبدئ والمعيد، خالق ~~الماضي القديم، وأيضا المحدث الجديد؛ وهبنا الوجود الحاضر الذي يرتكز على الماضي ~~ولكنه مشدود للمستقبل. ووهب الإنسان نعمة النسيان؛ والكنيسة التي تتنكر لهذه النعمة، ~~تقع في مهاوي الإغراء التي وقعت فيها الكنائس السابقة؛ أي تجعل من نفسها بمثابة إله ~~سرمدي. إن الإنسان لا ينسى اسمه وهويته، كذلك الكنيسة ليس مطلوبا منها أن تنسى أسسها؛ ~~لكنها إذا كانت عاجزة أن تخلف وراءها ms47 الكثير مما تم بناؤه على هذه الأسس فسوف ~~تفقد مستقبلها. # 7 # من حديث تيليش هذا، الذي تعمدنا أن نضع فيه «الله» لأنه ينطبق على كل الأديان بقدر ~~ما ينطبق على المسيحية، فضلا عن البروتستانتية، يغدو واضحا أن غايته من كل تحديث هي ~~ضمان المستقبل الآتي للكنيسة وللدين، ومن الجهة الأخرى لفلسفته أو للحدود، ضمان ~~المستقبل الآتي للحضارة. إن تيليش مشدود صوب المستقبل مبرأ من خطر التدله بالماضي ~~والوقوع في براثنه، وهو خطر داهم رجال الدين واللاهوت أيسر مراميه وفي طليعة ضحاياه. ~~وأحسب أن اللاهوت الليبرالي الحضاري البروتستانتي هو الذي كفل له هذه الحماية وجعله على ~~وعي بالعلاقة التي ينبغي وأن تكون بين الدين وبين المتغيرات الحضارية. يقول تيليش إن ~~مشكلته اللاهوتية الأساسية تأتت من تطبيق العلاقة بالمطلق المتضمن للألوهية، على ~~نسبية الديانة الإنسانية؛ لأن الدوجماطيقية الدينية نشأت حين ارتدى الدين التاريخي ~~عباءة الصحة غير المشروطة للمقدس، كما يحدث حينما يطالب كتاب أو شخص أو جماعة أو مؤسسة ~~أو مبدأ ... بالسلطة المطلقة وبإخضاع كل واقع آخر؛ لأنه لا يمكن أن يوجد مطلب آخر بجوار ~~المطلب غير المشروط للمقدس. ولكن كون جذور هذا المطلب في الواقع التاريخي، فإن هذا هو ~~أصل كل تبعية (هترونومي # Heteronomy ~~)؛ # 8 # أي كل انقياد خاطئ ومرفوض أدت إليه الكاثوليكية، وقامت البروتستانتية أصلا ~~لترفضه. # والحق أن تيليش ليس فريدا أوحد في هذا الصدد، إنه يندرج مع بولتمان ونيبور وبونهوفر ~~وسواهم من اللاهوتيين البروتستانتيين المعاصرين - على الرغم من الخلافات الشديدة بينهم ~~- في زمرة واحدة، هي زمرة الباحثين عن مفهوم جديد للألوهية والوحي والعقيدة، وبصفة أكثر ~~عمومية، يلاحظ جون ماكوري في مسحه للفكر الديني الغربي للقرن العشرين، أنه على الرغم من ~~التعدد الضخم في تياراته وتضاربها وأحيانا تناقضها، فإن سمته المميزة هي الرغبة في ~~التحديث والتغيير والانقلاب، أو على الأقل الافتراق عن القديم؛ نظرا لأنه قرن تغير ~~فيه كل شيء تقريبا، ولا مندوحة عن الاعتراف بأن تغيرات الفكر الديني كانت بدورها جذرية حقا؛ # 9 # ومع هذا فإن أحدا لم يبذل ms48 مثل ما بذله تيليش من أجل تحديث اللاهوت ~~والتعبير عن العقيدة المسيحية تعبيرا جديدا مصوغا وفقا لتقاليد ومصطلحات الفكر ~~الغربي الحديث، بحيث يحافظ على جوهر الديانة المسيحية الفريد، # 10 # وفي الوقت نفسه يجعلها معقولة وملائمة تماما لإنسان هذا العصر ولأزمته ~~الراهنة. # إن تيليش لاهوتي أولا وفيلسوف ثانيا؛ وكان فيلسوفا دينيا يتفلسف من الداخل من ~~قلب التجربة الدينية، أكثر منه فيلسوفا للدين ينظر إليه من الخارج؛ «ومنذ البداية وعلم ~~التعليل اللاهوتي للمسيح # Christology # مركز تفكير تيليش» # 11 # وإذا كان هو نفسه يقول إنه دائما على الحدود بين اللاهوت والفلسفة، ومنذ ~~أن كان في المرحلة الثانوية وهو يحلم بأن يكون فيلسوفا، فإننا نرى أن رغبته في تحديث ~~اللاهوت هي لا سواها التي دفعته إلى الإيغال في رحاب الفلسفة. # وقد أعلن صراحة أن مهمته الأساسية هي توضيح العقيدة المسيحية توضيحا منهجيا ~~نسقيا بواسطة التحليل الفلسفي، وإخضاع المفاهيم اللاهوتية للمنظور الفلسفي؛ فلما فعل ~~هذا في كتابه التخصصي الأعظم «اللاهوت النسقي» ثار في وجهه اللاهوتيون المحترفون بحجة ~~شائعة ومستهلكة، مؤداها أن اللاهوت أبسط وأصفى وأنقى من الفلسفة التي يريدها أن توضحه. ~~ولكن أين هو اللاهوتي العميق ذو الفكر الجدير بالاعتبار واللافت للانتباه، والذي لم ~~يستفد من الفلسفة؟ # وتيليش نفسه يؤكد أن المحاولات الشائعة للتملص من الفلسفة ورفضها جملة وتفصيلا، ~~سواء من قبل الطب أو من قبل اللاهوت - ~~وكلاهما إبراء وشفاء - كلها محاولات يبدو جليا أنها غير ناجحة، سواء أدركت هذا أو لم تدرك، # 12 # ويقول: «ثمة ضلال عميق في الاتهام الموجه ضد استخدام البحوث التاريخية ~~والفكر الفلسفي في اللاهوت؛ إن المرء في الحياة اليومية ينعت بالضلال حين يقذف ~~ويشهر بأولئك الذين يستفيد من خدماتهم؛ ولا ينبغي أن نرتكب مثل هذا الضلال في ~~أعمالنا اللاهوتية، ولن نلقى محيصا بالقول: لنستخدم القليل (من الفكر ~~الفلسفي) ولكن لا نستخدم الكثير؛ وهذا لكي ~~نهرب من الخطر المتضمن فيه.» # 13 # ويستشهد بقول القديس بولس إن كل العالم ملك لنا، لتجربتنا الدينية؛ لأنه ~~ملك لله، «ولكننا نخاف أن نقبل ما هو ms49 ممنوح لنا؛ إننا في عزل ذاتي قهري بإزاء عالمنا، ~~ونحاول الهروب من الحياة بدلا من أن نتحكم فيها، ولسنا نتصرف كما لو كان العالم كله ~~ملك لنا؛ الكنيسة ذاتها ليست أقل في هذا، والسبب أننا نحن وكنائسنا لا نعرف كما عرف ~~بولس معنى: أن نكون للمسيح ولأننا للمسيح فنحن نكون لله.» # 14 # والحق أن وهج الحيوية الذي استطاع تيليش تفجيره في التجربة الدينية وتحديثها، وعن ~~طريق الاستعانة بالفكر الفلسفي على العموم والوجودي على الخصوص، لهو أعظم مصداق على ~~قوله هذا، أو على موقفه اللاهوتي/الفلسفي، والذي يصر على أنه تعبير عن اللاهوت بما هو ~~لاهوت؛ حيث يستحيل أن يتجرد من الفلسفة. # الجزء الثالث # | فلسفة تيليش: اللاهوت والوجودية # الفصل السادس # | تعامد القطبين: اللاهوت والفلسفة # يقول تيليش: «وقفت بحذر على الحدود بين اللاهوت والفلسفة، معنيا بألا يضيع أحدهما ~~في الآخر»، و«بوصفي لاهوتيا حاولت أن أبقى فيلسوفا، والعكس بالعكس، ربما كان أيسر أن ~~أهجر الحدود بينهما، وأختار أحدهما أو الآخر. داخليا، كان ذلك هو المستحيل بالنسبة ~~لي. ولحسن الحظ كانت الظروف الخارجية مواتية لميولي الداخلية.» # 1 # فقد أتيحت له - كما رأينا - الفرصة النظامية لدراسة وتدريس اللاهوت ~~والفلسفة معا، وأن يصول ويجول في كليهما، والمحصلة أن نلقاه يبز اللاهوتيين ~~بتملكه لناصية الفلسفة، ويبز الفلاسفة بتملكه لناصية اللاهوت. # وثمرة هذا نلمسها منذ البداية في عمله المبكر (بالألمانية) «نسق العلوم تبعا ~~لموضوعاتها ومناهجها» سنة 1923م؛ فقد كان الهدف النهائي من هذا العمل هو تقديم الإجابة ~~عن التساؤلات الآتية: كيف للاهوت أن يكون علما بمعنى «علم # Wissenschaft ~~» # 2 # وكيف تتصل أنساقه العديدة بالعلوم الأخرى؟ ما هو الشيء المميز بشأن ~~منهجه؟ وقد أجاب بأن صنف كل الأنساق المنهجية بوصفها علوما للتفكير، وللوجود، ~~وللحضارة # Kultur ~~، وتمسك بأن أساس نسق العلوم ككل ~~هو فلسفة المعنى # Sinnphilosophie ~~، وعرف الميتافيزيقا ~~بأنها محاولة التعبير عن غير المشروط في حدود الرموز العقلية. وعرف اللاهوت بأنه ~~الميتافيزيقا الثيونومية. وبهذه الطريقة حاول أن يكسب للاهوت مكانا في قلب كلية ~~المعرفة الإنسانية. ونجاح هذا التحليل يفترض مقدما أن ms50 الخاصة الثيونومية للمعرفة ذاتها ~~لا بد من الاعتراف بها؛ أي أن جذور التفكير كائنة في المطلق بوصفه أساس ولجة المعنى؛ ~~ويغدو موضوع اللاهوت افتراضات مسبقة لكل ولأية معرفة (والمعرفة هنا بالمعنى الفلسفي، ~~أما المعرفة بمعنى العلوم الرياضية والتجريبية فلا ترد على بال تيليش)، وهكذا نجد أن ~~اللاهوت والفلسفة، أو الدين والمعرفة، يتضمن كل منهما الآخر، وبالوقوف على الحدود ~~بينهما، نتبين أن تلك هي العلاقة الحقيقية بينهما. # 3 ~~••• # وكل نبضة من نبضات فكر تيليش تؤكد أن اللاهوت والفلسفة متآزران؛ إنهما يقفان في مربع ~~واحد وجبهة ثقافية حضارية واحدة، ومسلحان بسلاح مشترك أو أداة واحدة. # المربع الواحد يعني أن الموضوع واحد هو الحقيقة # Reality # والوجود # Being # على أن ~~الفلسفة هي التناول المعرفي للحقيقة؛ حيث تكون موضوعا مفارقا للذات. أما اللاهوت ~~فيثير نفس المشاكل التي تثيرها الفلسفة بشأن الحقيقة، لكن بأسلوب يجعلنا نعايش هذه ~~المشاكل بوصفها متضمنة فينا ونابعة منا، لا منفصلة عنا مفارقة لنا كما تطرحها ~~الفلسفة. الفلسفة تبحث في بنية الوجود، أما اللاهوت يعنى بمعنى الوجود بالنسبة للإنسان ~~واهتمامه القصي. وعلى الرغم من هذا القدح المعلى للاهوت - خصوصا من الزاوية الوجودية ~~- فإن المبحثين متداخلان؛ الفيلسوف يهتم بمعنى الوجود، واللاهوتي يبدأ ببنية الوجود. # 4 # اللاهوت والفلسفة أيضا رفاق سلاح، أو ~~أن أداتهما واحدة هي العقل الأنطولوجي؛ ذلك أن تيليش يحلل العقل في حدود نمطين ~~متقابلين له، هما العقل الأنطولوجي الذي نستخدمه في التحليلات الميتافيزيقية، والعقل ~~التقني الذي نستخدمه في حل المشاكل العملية. # 5 # وفي عصرنا الأوتونومي يحتل العقل التقني قصب السبق، فأصبح الاهتمام ~~فقط بالوسائل المؤدية إلى الأهداف الجزئية، وأهمل العقل الأنطولوجي؛ أهملت بنية العقل ~~التي تمكننا من استكناه الحقيقة ومن تشكيلها. ولأن العقل الأنطولوجي هو مصدر القيمة ~~والمعنى، فقد ضاعا من إنسان هذا العصر، ويغدو الدين هو الوسيلة الفعالة لرأب هذا ~~الصدع؛ فهو الذي سيعرض علينا مباشرة وبحيوية جوهر العقل الأنطولوجي، ويعيده إلينا ~~ويعيدنا إليه عودة حميمة معاشة؛ لأن جوهر العقل الأنطولوجي في ذات الهوية مع مضمون ~~الوحي المنزل، وما هو ms51 أنطولوجي وما هو لاهوتي يتطابقان في نقطة واحدة؛ إذ إن كليهما ~~يعالجان الوجود كما هو، وتيليش يتحدث عنهما بمصطلحات واحدة. # على هذا النحو نجد أن حال الحضارة المعاصرة، وتطوراتها، أو بالأحرى تردياتها، تجعلها ~~في حاجة ملحة للدين، للوحي المسيحي كأساس ثقافي لها؛ أي لأن تصبح ثيونومية، هذه هي ~~الأطروحة الرئيسية لتيليش، وكما نرى أيا كانت زاوية تفكيره، فإنها تحيلنا ~~إليها. ~~••• # ويبقى التأثير الكبير على فكر تيليش، ~~للفلسفة المثالية الألمانية العتيدة؛ إنه ترعرع في أجوائها وتشبع بها، وامتلأ حماسا ~~لها، وعانى من كارثة الحرب العالمية الأولى حين كرثت بها وبفلسفته المثالية الأثيرة، ~~فلسفة شلنج. ثم إن المثالية الألمانية كانت دائما فلسفة الانشطار على العقل والعلم ~~والعالم من أجل الحرية الإنسانية التي هي ضرورية لفكر تيليش، اللاهوتي والفلسفي على ~~السواء؛ لذلك كان تفكير تيليش الذي يصطبغ بالصبغة الوجودية، هو أيضا تفكير مثالي، فقيل ~~إن المثالية والوجودية تتنازعان عقليته، أو إنه يقف على الحدود بينهما، فحين يفكر في ~~الله يفكر تفكيرا مثاليا، وحين يفكر في الإنسان يفكر تفكيرا وجوديا، وليس ~~يوجد موضوع من موضوعات تفكيره لا يندرج بصورة أو بأخرى تحت لواء العلاقة بين الله ~~والإنسان. # وتيليش نفسه يؤكد أنه فيلسوف مثالي «على أن نفهم المثالية بمعنى دخول الوجود والفكر ~~في ذات الهوية، وكمبدأ للحقيقة.» # 6 # أي أن الأبستمولوجيا (فلسفة المعرفة) ترد إلى الأنطولوجيا (فلسفة ~~الوجود)، هي مجرد فرع منها، وكل تقرير أبستمولوجي هي ضمنا أنطولوجي. إن مفهوم الفلسفة ~~عنده دائما يدور حول الأنطولوجيا. # لذلك فنحن نرى أن تيليش فيلسوف مثالي بمعنى أنه فيلسوف أنطولوجي، وليس بالمعنى الحرفي ~~لمصطلح المثالية الذي يفيد أسبقية الفكر على الوجود، وهو فيلسوف أنطولوجي بكل ما في ~~الكلمة من معنى؛ الأنطولوجيا هي إطار تفكيره وطريقته التي يمكن من خلالها العثور على ~~المعنى الجذري لكافة المبادئ حتى رأى أن فلسفة الأخلاق - مثلا - «هي علم الوجود ~~الأخلاقي للإنسان، الذي يسعى للوصول إلى جذور الالتزام الأخلاقي ومعيار صحته ومنابع ~~مضامينه وقوى تحقيقه. وتعتمد الإجابة على هذه الأسئلة بصورة مباشرة على مبدأ ms52 الوجود.» # 7 # أي على فلسفة الأنطولوجيا. كان لا بد أن يبقى أنطولوجيا من حيث هو ~~لاهوتي. # فقد لاحظنا من حديثه عن الرفقة المشتركة بين اللاهوت والفلسفة، أن الأنطولوجيا هي ~~حلقة الربط بينهما، بل وإننا نرى أن الأنطولوجيا عند تيليش هي حلقة الربط بين اللاهوت ~~وبين العقل على الإجمال. إنه بطبيعة الحال - كلاهوتي وكوجودي - لا عقلاني إلى حد ما، ~~يرى أبعادا تند عن سلطان العقل ونطاقه، وهو لم يعتقد أبدا بصحة البراهين ~~الميتافيزيقية أو المنطقية على العقائد الدينية المعينة، خصوصا على وجود الرب، وأكد أن ~~جوهر الإنجيل لا يمكن استنباطه من المبادئ الفلسفية، بل وكان شديد العناية بالدلالة ~~العميقة جدا للعقائد اللاعقلانية في الديانة المسيحية، وأهمها الكريسماس: ميلاد ~~المسيح ... الرب الذي هو طفل رضيع ... ثم مدان مصلوب، وعلى الرغم من هذا فإنه كما يقف على ~~الحدود بين المثالية والوجودية، يقف على الحدود بين العقلانية واللاعقلانية، لم يفعل ما ~~فعله كيركجور الذي أكد أن الإيمان جملة وتفصيلا هو الخروج من دائرة المعقول الخانقة ~~المميتة، هو عينه «اللامعقول» أو ما يسميه الإغريق الجنون الإلهي! # 8 # كلا، لم ينكر تيليش كل وأية علاقة بين الدين والمباحث العقلية، ولم يخرج ~~التجربة الدينية بأسرها من عالم المعقول، أو جعلها حراما على العقل، وليس صحيحا في ~~نظره «أن العقيدة الدينية هي الإيمان بأشياء بغير دليل» # 9 ~~... وهذا بسبب التطابق الذي ذكرناه بين ما هو لاهوتي وما هو أنطولوجي، والذي ~~يجعل المباحث الأنطولوجية تستطيع أن تؤيد الدين، فقط إذا ما بدأت من مصادره، أو أكدت ~~على محصلة مؤداها أن الرب هو الوجود ~~ذاته # Being-itself ~~، وبهذا «يصبح الوحي هو العقل متوغلا في النسيج العقلاني، كما أن ~~كلمة الرب هي الكلمة متوغلة في كافة الكلمات.» # 10 # الحقائق الدينية لا تقتصر على حياة الفرد ومشاعره واتجاهاته وسلوكه، بل ~~تتضمن إشارة إلى الواقع الخارجي المستقل عنه، إشارة يمكن التحقق منها تحققا عقليا ~~وفلسفيا؛ لهذا تمثل الأنطولوجيا تأييدا للدين، ولهذا أيضا كانت إطار تفكير ~~تيليش. # إن الأنطولوجيا هي التي تميز تيليش عن الوجوديين ms53 اللاهوتيين والدينيين الذين ~~جعلناهم رفاقا له [الفصل الأول: الالتقاء بين الوجودية والدين] أمثال مارتن بوبر ~~وبيرديائيف وأوناونو وجاسيت ... إلخ؛ فقد انصبت عنايتهم على الوجود الشخصي فحسب. ~~ووجودية تيليش بذلك الأساس الأنطولوجي أعمق من وجوديتهم وأقرب إلى اللاهوتيين ~~الوجوديين، خصوصا بولتمان ومدرسة جوجارتن وبوري ... # ولأن تيليش فيلسوف وجودي، فليست تحمل الأنطولوجيا معه الدلالة القديمة من حيث أنها ~~بحث ميتافيزيقي مطلق في مجردات ثبوتية ساكنة كالجوهر والماهية ... الأنطولوجيا عنده من ~~أجل تحقيق «المهمة التي تنتهي، والمتحصلة في إيضاح الوجود، باعتباره كذلك، أو باعتباره ~~ذلك الذي يشارك فيه كل ما هو كائن.» # 11 # وقد ظلت دائما أنطولوجيا إنسانية، إن صح التعبير. # فتيليش فيلسوف وجودي؛ لذلك كان لا بد أن تكون نقطة بدئه للنظرية الأنطولوجية هي ~~الموقف الإنساني، وأكد أن تحليل الوجود الإنساني هو الطريق الوحيد لفهم البنية ~~الأنطولوجية للحقيقة، أما بقية الكائنات أو الأشياء فنفهمها عن طريق المماثلة # Analogy # بالإنسان - ذات الإنسان وذات كل نفس حية - ~~ويمتد منهج المماثلة إلى كل فرد حتى في المملكة غير العضوية. # وأساسه أن الإنسان هو الموجود الوحيد الذي تتحد فيه كل مستويات الوجود؛ فليس الإنسان ~~محض موضوع فائق بين الموضوعات، بل إنه الوجود الذي يطرح السؤال الأنطولوجي، والذي يمكن ~~أن نجد الإجابة الأنطولوجية في وعيه بذاته؛ لأنه يمر بخبرة فورية ومباشرة ببنية الوجود ~~وعناصره، خبرة تعني التداخل بين النفس والعالم، والاعتماد المتبادل بينهما؛ إنهما ~~القطبان المشكلان لبنية الوجود، وبالتالي لبنية الأنطولوجيا؛ # 12 # وهذان القطبان بدورهما يعنيان أن وجود الإنسان يرتد إلى مبدأي التفرد ~~والمشاركة مع الآخرين. # إنها عين النقطة التي حددناها للفلسفة الوجودية في الفصل الثاني، والتي يلخصها مصطلح ~~هيدجر البارع # Dasein ~~(الوجود هنالك) في العالم بمعية ~~الآخرين. # وتتوغل وجودية الأنطولوجيا التيليشية، حتى نجد أن العناصر الأنطولوجية هي ذاتها ~~عناصر أو مقولات الموقف الإنساني؛ أي الفردية والمشاركة، الديناميكية والصورة، الحرية ~~والمصير؛ # 13 # فالذات ذات؛ فقط لأنها في عالم، في كون له بنية، تنتمي إليه، ولكن أيضا ~~تنفصل عنه. إن أنطولوجيا تيليش، أو فلسفته بعامة، أو بصفة أكثر ms54 عمومية، العلاقة التي ~~ارتآها بين اللاهوت والفلسفة، فقد أفضت بنا - وكان لا بد وأن تفضي - إلى قلب نزعته ~~الوجودية. # الفصل السابع # | الوجودية الدينية # يقول تيليش: «حين قدمت الفلسفة الوجودية إلى ألمانيا، توصلت أنا إلى فهم جديد ~~للعلاقة بين اللاهوت والفلسفة.» # 1 # هذه العبارة توضح بجلاء كيف أصبحت الوجودية بمثابة حجر الزاوية والعمود ~~الفقري لفكر تيليش الذي رآها تطرح تساؤلات جذرية عميقة، لا توجد إجاباتها إلا في ~~الإيمان باللاهوت، وأصبح تيليش من أقدر المعبرين عن الوجودية المؤمنة والدينية، كأنه ~~يواصل مسارها الشرعي، كما بدأت مع سرن كيركجور - أقوى المؤثرين عليه، والذي يشترك معه ~~في العناية بالمغزى الديني للموقف الإنساني، وفي تأكيد أن التساؤلات الدينية لا يمكن ~~إثارتها بصورة ملائمة إلا من حيث هي متأصلة بالموقف الإنساني - أي أن كيركجور وتيليش ~~يشتركان معا في العناية بدينية الوجودية، وكرس تيليش لهذا كتابه «شجاعة الكينونة»؛ ~~وأيضا يشتركان في تأكيد وجودية الدين، وكرس تيليش لهذا الجزء الثاني من كتابه ~~«اللاهوت النسقي». على أن تيليش أكثر من رائده كيركجور ارتباطا بتاريخ ونصوص ومؤسسات ~~الديانة المسيحية؛ فهو دونا عنه لاهوتي محترف رسميا، وهو بلا شك أكثر الوجوديين ~~طرا تأثيرا وانتشارا في العالم المتحدث بالإنجليزية، والذي لم يكن مرعى خصيبا من ~~مراعي الوجودية التي تفجرت فقط في قلب القارة الأوروبية، خصوصا في غربها. # ويحدد لنا تيليش ثلاثة فلاسفة، أحبهم وعايش فكرهم بعمق، فمثلوا أساسا انطلق منه ~~تحمسه الشديد للفلسفة الوجودية، وهم شلنج وكيركجور ~~ونيتشه. وهو لم يقرأ نيتشه إلا بعد أن بلغ سن الثلاثين، ومع هذا كان ذا تأثير ضخم عليه، ~~وكثيرا ما يستشهد بأقواله ويجعلها محورا للنقاش؛ وجد تيليش في نيتشه وجوديا ~~عظيما، ومن أهم الوجوديين «إذ يكشف عن شجاعة أن ينعم النظر لهاوية العدم، في تفرده ~~الكامل الذي تقبل رسالة موت الله.» # 2 # وتحمس بشدة ل «فلسفة الحياة» معه؛ حيث الحياة في هذا المصطلح هي العملية ~~التي تحقق بها قوة الوجود ذاتها، ورآها ضرورية لمرحلة ما بعد الحرب، وكرد فعل للموت ~~والجوع في سنواتها ساد بعدها ms55 التفكير التواق لتأكيد الوجود، والذي جعل تأكيد نيتشه ~~للحياة شديد الجاذبية؛ ثم يقول تيليش: «لما كان هذا التأكيد النيتشوي للحياة يعود من ~~ناحية ما إلى جذور في فلسفة شلنج ، فقد كنت على استعداد لتقبله.» # 3 # وشلنج كما ذكرنا هو الوثن الفلسفي لتيليش، وإذا كان المعتمد أنه رائد المثالية ~~الذاتية، فإن تيليش يصر على أن شلنج بهذا الرائد الحقيقي للوجودية، والذي سار في ~~ركابه كيركجور؛ وذلك لأنه أول من قاد الهجوم الوجودي على «فلسفة الماهية» لصديقه هيجل، ~~والتي هي قمة الفلسفة التي تلغي الاتجاه الوجودي، وسماها «فلسفة سلبية»؛ لأنها ~~تتجرد من الوجود الحقيقي، وجعل «الفلسفة الإيجابية» هي فلسفة الفرد الذي يمر بالخبرة ~~ويفكر ويقرر من داخل موقفه التاريخي، ليس فحسب بل أيضا كان شلنج هو أول من أهاب ~~بمصطلح الوجود # Existenz # ليناقض فلسفة الماهية، وكان ~~هذا في سلسلة محاضرات عن فلسفة الأسطورة، ألقاها شلنج خلال شتاء 1841-1842م في جامعة ~~برلين، وأمام مستمعين مميزين: كيركجور وإنجلز وباكونين؛ فانفجر المصطلح في الأجواء ~~الألمانية خلال العقد الخامس من القرن الماضي حتى احتوته الكانتية، # 4 # وصاغت منه عام 1929م المصطلح الدال على هذا الاتجاه الفلسفي، كما ذكرنا. ~~والحق أن تيليش لا يغالي كثيرا في تقدير قيمة شلنج؛ فقد كتب كيركجور في يومياته بتاريخ ~~22 فبراير سنة 1842م يقول: «أنا سعيد سعادة لا توصف لسماعي محاضرة شلنج الثانية حتى ~~إنني تنهدت طويلا بما فيه الكفاية، وتنهدت الأفكار بداخلي.» # 5 # ولا يغيب عن بال تيليش الفوارق بين الأصول والإرهاصات التاريخية الواسعة ~~النطاق، وبين الريادة الموحية وبين النشأة وبين النضج؛ فقد قام في كتابه «شجاعة ~~الكينونة» بمسح تاريخي سريع - كعادته كرره في كتب أخرى - استخرج فيه عناصر وجودية ~~من فلسفة كل فيلسوف تقريبا من الفلاسفة العظام، حتى أبعدهم عن الوجودية، بدءا من ~~أفلاطون وأفلوطين، وطبعا أوغسطين، ومن معظم الاتجاهات الكبرى في الفلسفة الوسيطة حتى ~~الاتجاهين الواقعي والاسمي، ثم كوميديا دانتي ومدرسة فلورنسا حتى كانط نفسه بل ~~وهيجل! # وصولا إلى شلنج وشوبنها ووماكس شتيرنر وكارل ماركس وطبعا نيتشه؛ وانتهاء ms56 ~~بالبرجماتية وجيمس، ودلتاي وبيرجسون، وصمويل ألكسندر، وماكس فيبر وغيرهم، وطبعا ~~الأدباء العظام أمثال بودلير ورامبو في الشعر؛ وفلوبير ودستويفسكي في الرواية؛ وإبسن ~~وشتريندبيرج في المسرح. وهو في هذا يسلم قطعا بأنهم ليسوا وجوديين بالمعنى الدقيق ~~للمصطلح، فقط حملوا اعتراضا ضد تشيؤ الإنسان وتموضعه. وفي النهاية يؤكد أن الفلسفة ~~التي ظهرت في القرن العشرين شيء آخر، إنها أسطع وأقوى وأخطر معنى للوجودية، وهي فقط ~~التي تنشغل بمشكلة المعنى حين تتحدث عن التناهي والذنب، وهي التي حين قدمت إلى ~~ألمانيا - المنبت والموطن للوجودية - مثلت له فهما جديدا للعلاقة بين اللاهوت ~~والفلسفة. # ومن ثم أحس تيليش بروح تلك الفلسفات الثلاث: شلنج - كيركجور - نيتشه، وقد انصهرت ~~واندمجت معا في فلسفة هيدجر. وإذا كان تيليش يجاهر بولائه لشلنج، فإن أسلوب ومضمون ~~فلسفته، بل وطبيعة مصطلحاته تؤكد أن هيدجر هو في الواقع أعظم المؤثرين عليه، ونحسب أن ~~هيدجر هكذا بالنسبة لكل وجودي ذي اعتبار، خصوصا إذا كان لاهوتيا؛ وتيليش على أية حال ~~يرى أن كتاب هيدجر (الوجود والزمان # Sein und Zeit ~~) أهم ~~ما أخرجه الفكر الألماني في القرن العشرين، بعد كتاب إدموند هوسرل (دراسات منطقية # logische Untersuchungen ~~) الذي أسس به الاتجاه ~~الفينومينولوجي، وقد استفاد تيليش كثيرا من الفينومينولوجيا، وكما سبق أن رأينا ~~العلاقة التي توثقت بينها وبين الوجودية، يؤكد تيليش على العلاقة الوثيقة بينها وبين ~~اللاهوت، فيقول: «لا بد أن يطبق اللاهوت التناول الفينومينولوجي على كل مفاهيمه الأساسية»؛ # 6 # لأنه مقدمة تمهيدية ضرورية لمناقشة صحتها وفعاليتها. ~~••• # وتيليش كأي فيلسوف وجودي، ينطلق من واقعة أن الإنسان وحيد في الكون، فرد فريد ~~لا يمكن أن يشاركه في موقفه الوجودي أو يحل محله آخر؛ فيستهل كتابه «الآن الأبدي» ~~بالفقرة التالية: # لقد كان هناك بمفرده، وكذلك نحن. إن الإنسان بمفرده لأنه إنسان أو بمعنى ما ~~نلقى كل مخلوق بمفرده. وبانفراد مهيب يرحل كل نجم عبر ظلام الفضاء اللامتناهي، ~~وتنمو كل شجيرة وفقا لقانونها هي الخاص محققة إمكانياتها الفريدة. وتحيا ~~الحيوانات، تقاتل، تموت من أجل ذاتها، وهي بمفردها؛ بعضها جماعيا، بيد ms57 أنها ~~جميعا بمفردها! وأن تحيا يعني أن توجد في جسد؛ جسد منفصل عن كل الأجساد ~~الأخرى، وأن تكون منفصلة يعني أن تكون بمفردها. يصدق هذا على كل مخلوق، ويصدق ~~على الإنسان أكثر مما يصدق على أي مخلوق آخر. إنه ليس فقط بمفرده، لكن يعلم ~~أيضا أنه بمفرده ولكونه على وعي بما هو عليه، فإنه يثير التساؤل عن وحدته. ~~يسأل لماذا هو بمفرده، وكيف يستطيع الانتصار على كونه بمفرده؛ فهو لا يستطيع ~~تحمل هذه الوحدة # aloneness ~~، ولا هو يستطيع ~~الفرار منها. إن قدره أن يكون بمفرده، وأن يكون على وعي بهذا، ولا حتى الرب ~~يستطيع أن يرفع عنه هذا القدر. # 7 # يقول تيليش هذا وهو يناقش مأزق ~~الإنسان، في فصل بعنوان «الانفراد والتفرد»، فيوضح براعة اللغة؛ حيث إن المصطلح ~~الأول (الانفراد # Loneliness ~~) يشير إلى الجانب المأساوي ~~من الوحدة والذي يبلغ ذروته في موقفي الذنب والموت؛ فلا أحد يشارك في رفع وزرهما؛ أما ~~المصطلح الآخر (التفرد # Solitude ~~) فيشير إلى الجانب ~~النبيل الجليل الجميل للوحدة المحتومة على الإنسان، ويوضح لماذا لا يستطيع الله ~~بجلالته أن يخلصه منها، ذلك أن عظمة الإنسان في أنه يتفرد: يتمركز داخل ذاته وينفصل ~~عن عالمه، فيكون قادرا على أن يعلو عليه وينظر إليه ويعرفه ويحبه؛ ~~وفي التفرد يتحقق أسمى أشكال وتعيينات الوجود ~~الإنساني؛ أي الإبداع؛ وأيضا تنمو وتترعرع أعظم قوة قادرة على مقاومة الوحدة ~~والانفراد؛ أي الحب وأيضا التواصل الجنسي، وإن كانت قوة محدودة بإمكانيات رفض الحب أو ~~موت وفقدان المحبوب. «الإنسان وحيد» إذن سلاح ذو حدين، وهو أولا وأخيرا قدر الإنسان ~~المحتوم - فقط الإنسان. ويؤكد تيليش أن الذي يستطيع أن يكون وحيدا بمفرده، هو فقط الذي ~~يمكنه الزعم بأنه إنسان؛ ذلك هو مجد الإنسان، والحمل الذي ينوء بكلكله. # والآن، لقد رأينا في المقدمة أو ~~المدخل أن ويلات الحرب جعلت الأجواء مهيأة للوجودية كي تستأنف طريق نيتشه، وتسير في ~~مقولة الفردانية إلى منتهاها، إلى الهجر، الإلحاد، الإنسان وحيد تماما مهجور في هذا ~~الكون، لا إله يقيم معه شيئا ms58 من التواصل. تلك هي الوجودية الملحدة التي شاعت وذاعت، ~~والجرح الذي قامت لتداويه جعلته يفغر فاهه بشراسة أكثر. ولكن حين التعرف على سيرة ~~تيليش وجدنا أن ويلات الحرب هي نفسها التي جعلته يؤكد الاحتياج لحضارة ثيونومية، ~~للألوهية، ولوجودية دينية كي يلتئم الجرح. ونحن نتساءل: أي الطريقين الوجوديين - طريق ~~الإلحاد وطريق الإيمان - أكثر تحقيقا ~~لحيثيات التجربة الوجودية؟ أكثر وجودية؟ نحسب أنه الطريق الثاني. # بداية، يوضح تيليش أن الوجودية ~~التي قويت وتألقت في القرن العشرين هي: تعبير عن قلق الخواء واللامعنى ومحاولة قهره ~~بشجاعة تحتويه داخلها. وبهذه الشجاعة حدث الانفصال في مفترق الطرق بين الوجودية الدينية ~~والملحدة. ولا شك أن قلق اللامعنى ليس فقط معلولا مباشرا للحرب العالمية، بل يعود ~~أيضا إلى رفض الألوهية في القرن التاسع عشر، والذي بلوره نيتشه بقوله «الله مات.» فمات ~~معه نسق القيم والمعاني التي يحيا عليها الإنسان. هذا أمر محسوس بوصفه خسارة وفقدانا، ~~وبوصفه تحررا وانطلاقا، فإما أن يؤدي إلى شجاعة العدمية، وإما إلى شجاعة تحتوي العدم ~~داخلها. ويحمل نيتشه قمة التعبير عن الشجاعة العدمية الموئسة المحطمة للذات، إنها ~~شجاعة اليأس # Courage of Despair ~~، وأعمق تعبير ~~فلسفي عنها في كتاب هيدجر (الوجود والزمان)، هي بلا شك شجاعة جسورة، تفصح عن قدرة ~~على مواجهة العالم كما هو، ولكنها تدفع ثمنا باهظا هو فقدان المعنى والخواء - فقدان ~~كل شيء؛ فاليأس هو الموقف الحدي القصي والذي لا يمكن أن يتجاوزه المرء. صميم معنى ~~كلمة اليأس: لا أمل، لا طريق يبدو إلى المستقبل. # 8 # هكذا أفضت الوجودية الملحدة إلى شجاعة اليأس؛ أما الوجودية الدينية فقد ~~أفضت مع تيليش إلى شجاعة الكينونة وتأكيد ~~الذات # Self-Affirmation ~~، فكيف ذلك؟ # ذلك في كتاب تيليش الذي يحمل هذا ~~الاسم: «شجاعة الكينونة # The Courage to Be ~~»، وهو ~~مكرس لتحليل جدلي وتوصيف فينومينولوجي للشجاعة كمقولة بنائية للظرف الإنساني. وتبعا ~~لما رأيناه في فلسفته الأنطولوجية، ستكون الشجاعة واقعا أخلاقيا، وتضرب بجذور قصية ~~في بنية الوجود ذاته؛ أي أنها أيضا مفهوم أنطولوجي. والشجاعة كواقع أخلاقي تشير إلى ~~فعل عيني ms59 وإلى قرار يعبر عن مضمون قيمي. أما بوصفها مفهوما أنطولوجيا فإنها تشير ~~إلى تأكيد-الذات للفرد تأكيدا جوهريا، وكليا في حضور التهديد بالعدم. ويذهب تيليش ~~إلى أن هذين المفهومين للشجاعة يجب أن يتحدا إذا أردنا تفسيرا ملائما للظاهرة. # 9 # ثم أعطى تيليش تخطيطا يتتبع مفهوم الشجاعة طوال تاريخ الفكر الغربي منذ ~~أفلاطون حتى الوجودية في القرن العشرين ، معتبرا مبدأ المسيحية في الغفران من أمجد صور ~~شجاعة الكينونة. ومفهوم الشجاعة لا يمكن فهمه وإدراك قيمته إلا في علاقته بالقلق؛ وما ~~هو القلق # Anxiety ~~؟ إنه ذلك المفهوم الشهير في الفلسفة ~~الوجودية والمقترن بها، يعرفه تيليش بأن الخوف له موضوع محدد كالفشل أو الموت أو رفض ~~الحب؛ أما القلق فهو خوف من مجهول؛ وثمة مجهولات كثيرة، لكن لا نواجهها بقلق. إن ~~مجهولا من نوع معين هو الذي نقابله بقلق، مجهولا بصميم طبيعته لا يمكن أن يعرف؛ لأنه ~~عدم # Nonbeing ~~. # 10 # القلق خوف غير محدد الموضوع، خوف من مجهول هو العدم الذي ينفي كل موضوع، هو ~~الوعي الوجودي بتهديد العدم، بالتناهي المتأصل في الإنسان. والشجاعة هي التصميم على ~~مواجهة هذا القلق بطريقة تحتوي العدم تماما وتتضمنه داخل الوجود، وهي بهذا تمثل ~~الفارق بين القلق الوجودي والقلق العصابي الذي يتفادى العدم بواسطة تفادي الوجود أو ~~تقليل نطاقه؛ فالشخصية العصابية تبحث عن تأكيد لما تبقى من ذاتها المنقوصة، فتؤكد ~~شيئا ما أقل جوهرية، تأكيدا سلبيا موهوما. # ويميز تيليش بين ثلاثة أنماط للقلق: ~~(1) # القلق الأونطيقي # Ontic ~~، # 11 # قلق المصير والموت. ~~(2) # القلق الأخلاقي، قلق الذنب والإدانة. ~~(3) # القلق الروحي، قلق الخواء واللامعنى. # في القلق الأونطيقي: نجد المصير يهدد التأكيد-الذاتي لوجود الفرد تهديدا نسبيا، ~~أما الموت فيهدده تهديدا مطلقا؛ ينشأ قلق المصير من الوعي بالعرضية التي لا يمكن ~~استئصال شأفتها، والتي تتخلل أعمق أعماق وجود المرء، ويقف الموت من وراء المصير بوصفه ~~التهديد المطلق لتأكيد-الذات الأونطيقي. يفضح الموت العدمية الكلية للوجود، وغالبا ~~يحاول الإنسان تحويل هذا القلق إلى خوف، قد ينجح إلى حد ما، لكن يدرك أن التهديد لا ~~يمكن أبدا ms60 تجسيده في موضوع معين، إنه ينشأ عن الموقف الإنساني بما هو كذلك، فيحيرنا ~~السؤال: هل ثمة شجاعة كينونة، شجاعة تأكيد-الذات، على الرغم من التهديد الأونطيقي ~~لتأكيد الذات، المحاق بالإنسان؟ # ويهددنا العدم على مستوى آخر، حين ينشأ عنه قلق أخلاقي، يحمل قلق الذنب تهديدا ~~نسبيا، وقلق الإدانة تهديدا مطلقا، تبحث النفس عن تأكيد ذاتها أخلاقيا، عن طريق ~~تحقيق إمكانياتها ، لكن العدم يعبر عن نفسه في كل فعل أخلاقي، بأن يعجز الإنسان عن ~~التحقيق الكامل لكل ممكناته، فيظل مغتربا عن ذاته الجوهرية. ويتخلل الالتباس الأخلاقي ~~كل أفعاله؛ والوعي بهذا الالتباس ذنب؛ والذنب قد يؤدي بالذات إلى الرفض الكامل لذاتها، ~~إلى التهديد المطلق الذي تحمله الإدانة. ويثار السؤال: هل ثمة شجاعة كينونة، على الرغم ~~من التهديد الأخلاقي لتأكيد الذات؟ # وأخيرا، قلق الخواء واللامعنى، التهديد الروحي لتأكيد الذات. الخواء تهديد نسبي؛ ~~واللامعنى تهديد مطلق. ينشأ الخواء عن موقف تفشل فيه الذات في أن تجد إشباعا من خلال ~~المشاركة في مضمونات حياته الحضارية والثقافية، فتفقد معتقدات الإنسان واتجاهاته ~~وأنشطته معناها، وتتحول إلى موضوعات للامبالاة. نحاول في كل شيء، ولا نجد إشباعا من ~~أي شيء، فتضمحل القوة الخلاقة المبدعة، تهدد الذات بالملالة والسأم. ويصل الخواء إلى ~~ذروته في قلق اللامعنى، يشعر الإنسان أنه لم يعد يستطيع أن يمضي قدما، لا في تأكيد ~~مضمونات حضارته ولا في تأكيد قناعاته الشخصية. هكذا تصبح الحقيقة ذاتها موضوعا ~~للتساؤل، ويهدد الحياة الروحية شك كلي، ويثار التساؤل: هل ثمة شجاعة كينونة ~~تؤكد-ذاتها على الرغم من تهديد العدم؟ والعدم هنا هو الشك الذي يهدد تأكيد الذات الروحي. # 12 ~~«الأنماط الثلاثة للقلق» من أخصب وأمتع أفكار تيليش، وتوضح مدى اتساق وتشابك أطر ~~فلسفته المترامية الحدود؛ فتوضح مدى عمق وتغلغل وجوديته، إنها أساس فلسفته للوجود ~~الإنساني الفردي، وأيضا أساس فلسفته الحضارية؛ فهذه الأنماط الثلاثة حاضرة في كل شخص ~~وفي كل الأزمنة الحضارية، بيد أن واحدا منها هو الذي يسود ويصبغ العصر والشخص بصبغته، ~~ويضوي النمطين الآخرين تحت لوائه، وكما أشرنا، في هذا العصر يسود ms61 القلق الروحي، قلق ~~الخواء واللامعنى. # ولا سبيل البتة إلى محو القلق الوجودي، بأشكاله الثلاثة؛ فهو متأصل في صميم الموقف ~~الإنساني بتناهيه؛ وليس يستطيع مواجهته واحتواءه إلا هؤلاء الذين يملكون شجاعة ~~الكينونة، شجاعة تأكيد الذات على الرغم من تهديد القلق بوصفه وعيا وجوديا بالعدم ذي ~~الأشكال الثلاثة. # وطالما أن النفس والعالم هما القطبان المشكلان لبنية الموقف الوجودي الفردي وأيضا ~~لبنية الأنطولوجيا - كما أوضحنا - فإن شجاعة الكينونة لا بد أن تتضمن كليهما؛ فتتضمن ~~شجاعة أن يكون المرء ذاته ويحقق وجوده الأصيل (النفس)، وتتضمن شجاعة المشاركة والتواجد ~~بمعية الآخرين (العالم)؛ وباستفاضة يناقش تيليش محاولات الحضارة المعاصرة، التي هي ~~علمانية أوتونومية، لمواجهة قلق الخواء واللامعنى الذي يهددها، وينتهي إلى أنها جميعها ~~فاشلة، تعجز عن تحقيق شجاعة تتضمن الفردانية والمشاركة معا؛ الرأسمالية تنجح تماما في ~~تحقيق شجاعة أن يكون المرء ذاته ولكنه يفقد شجاعة المشاركة؛ والاشتراكية تحقق شجاعة ~~المشاركة، وتعجز عن تحقيق شجاعة أن يكون المرء ذاته، وبالمثل كل الاتجاهات الأخرى ~~كالرومانتيكية والفاشية والنازية ... إلخ، لا سبيل إلى شجاعة الكينونة الحقيقية التي ~~تتضمن الذاتية والمشاركة - النفس والعالم، إلا بشجاعة تضرب بجذورها في الألوهية، ~~الوجود-ذاته، الذي يعلو على تضايف النفس/العالم فيحتويهما ويتجاوزهما. باختصار شجاعة ~~الكينونة شجاعة دينية. والإيمان بالعناية الإلهية يقهر القلق الأونطيقي، والإيمان ~~بالغفران يقهر القلق الأخلاقي، والإيمان بالرب ذاته - بالوجود ذاته - يقهر القلق ~~الروحي. # هكذا نجد حيثيات الفلسفة الوجودية تصب توا في سويداء قلب الإيمان الديني، فيعطينا ~~تيليش أقوى تفسير ديني للوجودية. ~~••• # وإذا انتقلنا إلى الوجه الآخر للعملة، التفسير الوجودي للدين، سنجد أن تيليش يكرس ~~الجزء الثاني من «اللاهوت النسقي» وعنوانه الفرعي «الوجود والمسيح» لكي يعطي كل العقائد ~~المسيحية الأساسية دلالة وجودية، بحيث نجده يصب الديانة المسيحية بأسرها في قلب الفلسفة ~~الوجودية؛ فالسقوط # Fall ~~، سقوط آدم من الجنة إلى الأرض، ~~يعني الانتقال من الماهية إلى الوجود. # 13 # تحطيم الذات الوجودي هو مبدأ الشر في العالم، والاغتراب الذي هو مسألة ~~دنيوية بحتة حتى ولو ارتبط بالذنب، يعمل تيليش على إبراز التماثل والتشابه بينهما وبين ~~فكرة ms62 الخطيئة في اللاهوت المسيحي. باختصار الحقيقة الدينية بأسرها حقيقة وجودية، لا ~~تنفصل عن الممارسة - أو الفعل كما يقول إنجيل يوحنا - فهي رهان بصميم وجود المرء. وهذا ~~التفسير الوجودي للدين يتبعه أن تغدو وظيفة الدين وجودية، هي قهر القلق والخوف اللذين ~~هما ميراث البشر أجمعين، كما اكتشف كيركجور. # وبهذا التفسير الوجودي للدين ينقذ تيليش العقائد المسيحية التي مستها التغيرات ~~الحديثة، وأهمها الإيمان بعناية إلهية تحرك التاريخ نحو الأفضل، ليحقق في النهاية ~~مدينة الله على الأرض؛ وهي عقيدة ميزت المسيحية منذ أوغسطين، لكنها تحطمت تدريجيا ~~مع الحرب العالمية الأولى، ومع العام الخامس منها كان الإيمان بها قد تلاشى تماما، ~~وشبيه بهذا ما حدث خلال وبعد الحرب العالمية الثانية. ويأتي التفسير الوجودي للدين ~~ليعيد إليها الحياة؛ يوضح تيليش أولا أن الصورة القديمة للعناية الإلهية ليست نتيجة ~~للعقيدة المسيحية، بل للتفكير التواق المتفائل؛ # 14 # فهي لا تعني أن الله يسير العالم بلا مآس أو مشاكل وكأنه آلة بالغة ~~الكمال، بل تعني فقط قدرة على التحقيق قائمة دوما ويستحيل نفيها، فيكون الإيمان ~~الحقيقي بالعناية الإلهية هو شجاعة تقبل الحياة بصدر مفتوح ونفس مطمئنة على الرغم من ~~كل شيء. # 15 # إن الشك في المعتقدات الدينية قائم دائما؛ والإيمان هو الشجاعة التي ~~تقهره، ليس بأن تزيحه، بل بأن تحتويه داخلها. # والمسيحية حين تدعو إلى الوجود الجديد والدهر الجديد تكون هي الطريق لتحقيق الوجود ~~الأصيل والحيلولة دون الوجود الزائف. ضغوط العقل الجمعي المؤدية للوجود الزائف لا ينفذ ~~منها الثوريون التقدميون أكثر من الرجعيين المحافظين، فإن اختلفت الجماعتان، فإن العضو ~~في أي منهما مقولب بقوالب جماعته، ولا ينفذ منها المثقفون أكثر من البسطاء؛ فالمثقفون ~~خاضعون للقيم والمعايير الثقافية السائدة ... إلخ، ولا الكنيسة نفسها تنفذ منها. لكن أصول ~~العقيدة المسيحية تنفذ منها وترسم الطريق إلى الوجود الأصيل؛ فالمسيح نفسه وقف في وجه ~~أسرته وروابطه العائلية وأعلن أن من يعجز عن هذا لا يصلح مسيحيا حقيقيا؛ ويخرج ~~تيليش من هذا إلى أن ما فعلته الكنيسة طوال التاريخ من تكريس للنظم والروابط ms63 يناقض ~~الوجودية، هو «فهم خاطئ بل مضاد للرسالة المسيحية الحقيقية.» # 16 # أما عن صلب الوجودية المتمثل في حرية الاختيار والقرار، والذي تعارضه المؤسسات ~~الدينية فإن تيليش يقول: «منذ زمن بعيد نسيت الكنيسة كلمة الإنجيل بأن المسيح هو الحق، ~~وادعت أن تعاليمها عنه هي الحق، هذه التعاليم مهما كانت ضرورية وخيرة، فقد ثبت أنها ~~ليست ذات الحق الذي يحررنا وسرعان ما أصبحت أدوات القهر والإخضاع للسلطات؛ لقد أصبحت ~~وسائل لمنع البحث المخلص عن الحق، ونصلا لشطر أرواح البشر بين الولاء للكنيسة وبين ~~الإخلاص للحق، وبهذا قدموا أسلحة فتاكة للهجوم على الكنيسة وتعاليمها باسم الحق؛ ~~وليس كل شخص يشعر بهذا الصراع؛ فثمة كتل من الجماهير تشعر بالسكينة في كنف التعاليم ~~والقوانين؛ إنهم آمنون، لكنه أمان الذي لم يجد تحرره الروحي ولم يجد نفسه الحقة. ذلك ~~هو مجد البروتستانتيين وأيضا خطورتهم؛ إنهم يتحملون مغبة السؤال عن الحق بأنفسهم، ~~وهم بهذا يتلقون حرية ومسئولية القرارات الشخصية، والحق في الاختيار بين الوسائل ~~المؤدية للرب الذي هو الحق المجرد.» # 17 # ويا للأسف! بعد نجاح تيليش الشديد في التفسير الوجودي للدين، والذي مكننا من أن ~~نعزف عن العقائد الخاصة بالمسيحية كالتثليث وصلب المسيح ... إلخ، ويقع في المطب المتربص ~~باللاهوتيين وهو التعصب، وتيليش حريص دائما وناجح على تفاديه، لكنه بعد كل هذا يأتي ~~ليؤكد أن التفسير الوجودي للدين «مجد البروتستانتية فقط»! لا شك أنها في مناهضتها ~~للكاثوليكية كانت أكثر وجودية، ولكننا كنا ننتظر من لاهوتي تنساب في دمائه رحيق الفلسفة ~~ذات الشمولية والعمومية، وحريص على الحوار والتلاقي بين الديانات كما سنرى؛ كنا ننتظر ~~منه أن يحرز خطوة أبعد ويرى التفسير الوجودي للدين من حيث هو دين. ~~••• # إن هذا المثلب لا ينفي أن تيليش - كما رأينا - أقدر وأبرع من عبر عن التجادل ~~والتواؤم والتلاحم العميق بين النزعة الدينية والنزعة الوجودية؛ وهذا يتبلور فيما أسماه ~~بالاهتمام القصي الذي لا بد أن يطالعنا في كل أعمال تيليش تقريبا؛ إنه محور من محاور ~~فلسفته الدينية، وأساس تعريف كل مفاهيمها، ويمكن تناولها بأسرها ms64 من خلاله. والاهتمام القصي # Ultimate Concern ~~- كما فهمناه - هو ببساطة ~~التفسير الوجودي للإيمان. ولعل الإيمان هو الذي دفع تيليش أصلا لمغامرة تحديث اللاهوت؛ ~~فقد لاحظ أن الإيمان «فقد معناه الحقيقي واتسع حتى أصبح يدل على الاعتقاد في أشياء لا ~~يمكن الاعتقاد بها»، و«أنه في حاجة إلى إعادة التأويل أكثر من أي مصطلح ديني آخر.» # 18 # ومثلما قال القديس أوغسطين إن الإنسان خلق بحيث يوجهه حب فائق، يقول تيليش إن ~~الإنسان خلق بحيث يوجهه اهتمام قصي، # 19 # ما معنى الاهتمام بشيء؟ معناه أننا منشغلون به، ونشارك فيه بمجامع النفس، ~~بل وأكثر من هذا، يعني الطريقة التي نشارك بها؛ أي بقلق # Anzious ~~. وبراعة اللغة تطابق بين الاهتمام والقلق في هذا اللفظ (وأيضا ~~في العربية: الشخص المهموم، المشتقة من نفس مصدر الاهتمام، تعني الشخص القلق). هذا ~~الاهتمام القلق قد يكون بالعمل وأدائه والنجاح أو الفشل فيه، أو بالآخرين ... بالأصدقاء ~~وحبهم وتشاركهم الروحي معنا والخوف من أن نفقدهم أو نضرهم، والخوف مما قد يكون مخبوءا ~~في نفوسهم من غيرة وحسد أو حتى كراهية ... الاهتمام القلق قد يكون بأنفسنا بمسئولية ~~التطور تجاه القوة والنضح والحكمة، ثمة أيضا التوق للسعادة واتخاذ القرارات السديدة، ~~وثمة طبعا الاهتمام القلق بالحياة اليومية والخبز والكساء والمسكن ... مثل هذه ~~الاهتمامات ليست حقيرة أو تافهة، بل ضرورية لكي تستمر الحياة والحضارة؛ لكن ... ألا يوجد ~~فوقها اهتمام أعلى منها جميعا؟ # بالتأكيد يوجد فوقها الاهتمام القصي، الذي يمثل هدفا أخيرا لا هدف بعده للحياة ... ~~للتجربة الوجودية، ولا بد لها من مثل هذا الهدف، لكي يكون لها معنى. ولنلاحظ أن ما ~~أسماه تيليش بالقلق الروحي، قلق الخواء واللامعنى، ينجم عن فقدان اهتمام قصي، فقدان ~~معنى يمنح المعنى لكل المعاني، فقدان إجابة - مهما كانت رمزية وغير مباشرة - للسؤال عن ~~معنى الوجود، وتيليش يؤكد أن كل شخص لا يسأل عن معنى وجوده هو شخص غير ناضج حتى ولو كان ~~عالما مبدعا أو سياسيا عظيما. # الاهتمام القصي إما أن يكون دينيا، أو دنيويا بواحد من أو حتى بكل ms65 شواغل الدنيا ~~السامية: الأشياء المادية والأموال، أو المركز الاجتماعي، أو مصالح الطبقة أو الأمة، أو ~~الحركة السياسية، أو المثل العليا من الأشخاص العظام سواء دينيين أو علمانيين، ~~والأشكال الحضارية والثقافية كالفن والفكر والعلم ... إلخ، # 20 # كلها مواضيع تستحق الاهتمام القلق، بل وإن بعضها - خصوصا العلم والمال ~~والطبقة - كانت في مراحل تاريخية متفاوتة بمثابة آلهة، إنها أشياء هامة، لكن لا تكفي، ~~لا تصلح لأن تكون الاهتمام القصي الحقيقي ؛ لأنها متناهية وقتية متغيرة زائلة، وتشكل ~~عبئا ينوء بثقله وعينا لأنه يعجز عن أن يعدل بينها. # 21 # لا بد من البحث عن اهتمام أعمق منها جميعا، أبعد وأبقى وأقدر على إشباع كل ~~الاحتياجات الروحية، اهتمام قصي حقيقة، بمطلق لا متناه غير مشروط؛ واهتمام من هذا ~~النمط لا بد أن يقود إلى المستوى الفائق للوجود، إلى الوجود ذاته - أي إلى الألوهية. ~~معنى هذا أن الإيمان الديني هو فقط الاهتمام القصي الأمثل لكل إنسان، وكل اهتمام قصي ~~عدا الإيمان زيف ووهم؛ إذ يقود إلى موضوعات دنيوية؛ أي زائلة، فكيف تكون قصية؟! # إن ديناميات الإيمان الديني هي عينها ديناميات الاهتمام القصي، والإيمان بوصفه ~~اهتماما قصيا هو فعل للشخصية ~~ككل # total personality ~~، يحدث في مركز حياة الشخص، ويتضمن كل عناصرها، فيشارك في ديناميات ~~الحياة الشخصية، # 22 # محققا شجاعة الكينونة بقطبيها: الفردانية والمشاركة؛ لأن مصطلح «الاهتمام ~~القصي» يوجد بين الجانبين الذاتي والموضوعي لفعل الإيمان، ذاتي من حيث هو مركزي ~~للشخصية، وموضوعي من حيث إن فعل الإيمان يتجه إلى القصي ذاته. # 23 # هكذا يحدد الموقف الوجودي للفرد، فما هو الإيمان بالدين؟ هو اكتشاف أن ~~كل شيء في حياة الفرد له مغزاه وقيمته، على قدر ما يتصل بالوجود الفائق المتعالي - ~~بالرب. # وحين يعرف الإيمان بأنه الاهتمام القصي، سوف يكتسب ديناميكية تجعله أبعد ما يكون عن ~~الثبوتية المقترنة بالدين التقليدي، «وقد يبدو أن المفهوم الديناميكي للإيمان لا يتيح ~~مجالا للثقة التوكيدية المريحة التي نجدها في مواثيق الأديان الكبرى، بما فيها ~~المسيحية؛ لكن ليس هذا هو الحال، المفهوم الديناميكي للإيمان نتيجة لتحليل ms66 المفاهيم ~~لكلا الجانبين الذاتي والموضوعي للإيمان؛ إنه بالتأكيد وصف لحالة متحققة دائما للعقل، ~~وتحليل للبنية، وهذا ليس وصفا لحالة الأشياء» # 24 # الراكدة المستسلمة. والذي يدخل منطقة الإيمان يدخل الحرم المقدس # Sanctuary # للحياة، فحيثما يكون ثمة إيمان، ثمة ~~وعي بالمقدس، يهب شجاعة الكينونة وتأكيد-الذات، على الرغم من العدم بأشكاله ~~الثلاثة. # لهذا يتمسك تيليش بالاهتمام القصي كتعريف للإيمان، وأيضا رفضا للتشويهات التي تلحق ~~الإيمان من جراء التفسيرات العقلانية أو العاطفية أو تفسيرات أصحاب مذهب الإرادة الحرة # Voluntarism # ليس الإيمان فحسب؛ فالدين نفسه هو ~~أيضا - وفقط - الاهتمام القصي، وأي اعتبار آخر تشيؤ للدين بل هراء، ولعلة تجديف. الرب ~~أيضا هو الاهتمام القصي! وإلا فسوف ننظر إليه على أنه موضوع سام، طرف آخر من المفيد ~~الدخول في علاقة معه، شأن أطراف أخرى عديدة ... المقصود من العقيدة الدينية أن نكون ~~معنيين ومنشغلين بها، مهتمين ومهمومين بها، بصورة قصوى غير مشروطة، إنها تحتوينا ~~داخلها، ونحن نحتويها داخلنا، حسنا أي تيليش! لكنك تحدد الاهتمام القصي بأنه الإيمان، ~~وتعرف الإيمان بأنه الاهتمام القصي، في دوران منطقي واضح! والدوران مغالطه يندر بل ~~يستحيل أن ينفذ منها اللاهوتي. ثم ترامى شأن الاهتمام القصي وانفلت من بين يدي تيليش، ~~بحيث لا نجد حدودا نقف عليها أو حتى نتخطاها، فعل الإيمان هو الاهتمام القصي ... والدين ~~هو الاهتمام القصي، والرب هو الاهتمام القصي، أي أصبح مفهوم الاهتمام القصي يعني كل شيء ~~في التجربة الدينية، وبالتالي لا يعني أي شيء. # ولا يكتفي تيليش بهذا، بل يمضي قدما في تعريفاته حتى يعرف المؤمن، وأيضا الملحد على ~~أساس الاهتمام القصي؛ فالملحد «من ليس له اهتمام قصي، وبالتالي ليس لحياته عمق، إنها ضحلة.» # 25 # وهو غير ناضج لأنه لا يسأل عن معنى الوجود - الذي هو الإيمان بالألوهية. أما الشخص ~~الديني المؤمن فهو من له اهتمام قصي، ولكن هذا التعريف الأخير ينطبق على المؤمن، ~~وأيضا على الملحد ذي الاهتمام القصي غير الألوهية، وإذا كان ساميا بدرجة كافية، ~~كالإبداع العلمي أو الفني أو الإنجاز السياسي؛ فليس من الضروري أن ms67 يعاني قلق الخواء ~~واللامعنى. إذن فتعريفات تيليش ليس لها معنى، ما لم نصادر معه على المطلوب؛ أي على أن ~~الاهتمام القصي السديد هو فقط الإيمان الديني، وهي مصادرة لا تلزم إلا من اختار منذ ~~البداية أن يكون دينيا! # تيليش إذن وقع في مغالطتي الدوران ~~المنطقي والمصادرة على المطلوب، ولن يستطيع الإنكار، ومع هذا نحسبه لن يعدم ردا؛ فقد ~~دافع عن هذا التفسير الوجودي للدين بأن المقابلة التقليدية بين الدين والإلحاد خاسرة؛ ~~فهي كالآتي: هل الدين وحي منزل للإنسان؟ أم من خلق الإنسان؟ اللاهوتيون أصحاب البديل ~~الأول حينما يحاولون البرهنة عليه، إنما يتخذون الخطوة الأولى للإلحاد، وهي إنكار أو ~~تفنيد تلك البراهين، والمخرج من هذه الإشكالية هو أن الدين أولا وقبل كل شيء شعور، ~~وبهذا ينأى عن كل اعتراضات عقلانية أو عملية أو تاريخية ... لكن شعور لا تكفي، فلنتقدم ~~خطوة تتفادى سلبية الشعور، لنجد الدين هو في النهاية، «اهتمام قصي»، يفصح عن نفسه في كل ~~الوظائف الخلاقة للروح الإنسانية، # 26 # وهو يعترف بأن الأطر التقليدية للدين، سوف تتأثر كثيرا، لكنه يتساءل: هل ~~مواجهتنا للمطلق المقدس خبرة محدودة فيما نسميه عادة بالدين؟ ويقول: إجابتي هي بالقطع ~~لا؛ فثمة شيء ما مقدس في كل شخص حتى في الملحدين، ذلك أن ثمة طريقتين للمرور بالخبرة ~~بالمقدس؛ وهذا يؤدي إلى التمييز بين معنيين للدين؛ فثمة معنى واسع حيث يظهر ~~المقدس # Holy # ونخبره كبعد للعمق ذاته، بعد ~~للحقيقة القصية في المجالات المختلفة لمواجهة الإنسان مع الحقيقة، في الإلزام الأخلاقي ~~... العدالة الاجتماعية ... التعبير الجمالي ... الإبداع الفكري أو العلمي، المقدس حاضر ~~وكموضوع للاهتمام القصي في كل هذه البنيات العلمانية، لكنه خفي خافت باهت؛ أما في ~~المعنى الضيق للدين - المعنى الحرفي - فإن الخبرة بالمقدس مباشرة وصريحة وجلية، وذلك ~~هو الاختلاف الوحيد # 27 # بين معنيي الدين. # هكذا نلاحظ أن «الاهتمام القصي» أو التفسير الوجودي للدين قد أدى بتيليش إلى تحديث ~~راديكالي جذري ربما كان خطيرا واتهم بأنه يوهن العقيدة الدينية، ولكنه يجعل الدين ~~متوشجا في صميم بنية هذا العصر، ويخبرنا ms68 تيليش بأنه استوحى الأصول الأولى لهذه الفكرة ~~في ماربورج بألمانيا، حين كان يتمشى مع زميله ورفيقه اللاهوتي رودلف أوتو # R. Otto ~~(1869-1937م) الضليع بالأديان الآسيوية ~~وصاحب التعبير أو الكتاب الشهير «فكرة المقدس» # The ~~Idea of Holy # وسأله ~~تيليش: ما معنى المقدس؟ فأجاب: هو الغامض، هو المطلق ذاته، أساس كل المطلقيات، # 28 # فكانت الألوهية # Deity ~~، قمة المقولات ~~اللاهوتية - أو قمة المقولات على إطلاقها - هي منطلق هذا التحديث، وهي في الواقع مناط ~~تحديث تيليش الثوري الجريء، خصوصا في ارتباطها بالرمزية الدينية؛ لذا لا بد أن نفرد ~~لهما حديثا. # الفصل الثامن # | المتعالي ... القصي # يتلخص مفهوم الألوهية عند تيليش في الرفض التام - على أسس وجودية - للإله التقليدي ~~المشخص، والبحث عن رب يعلو على الرب # God-above-God ~~. # بداية، يستغل تيليش «المعنى الواسع للدين» ليستدرج كل الأطراف؛ وعلى أساسه يؤكد ~~للملحدين أن الإلحاد الحقيقي مستحيل؛ لأن الألوهية أقرب إلى الإنسان من حبل الوتين: ~~إنها الآفاق اللامتناهية المحيطة بعالمنا، ولا يوجد مكان نفر منها إليه، ولن نستطيع ~~أن ننكر الألوهية إنكارا مطلقا، فقط نستبدل بها آلهة زائفة، مثلا: الله قاطن في ~~السماء، لكن الغريب حقا - بل المستحيل - أن نحاول العروج إليها كي نفر منه! هذا ما ~~يفعله المثاليون اللادينيون، حين يحاولون الصعود إلى سماء الكمال والصدق والعدالة؛ لكي ~~يبرروا الاستغناء عن الألوهية، كي يفروا منها! ولكن إلى حيث لا أين، إلى يوتوبيا. وشبيه ~~بهذا ما فعلته الحضارة التقانية المعاصرة في تقدمها العلمي المطرد، كلاهما يحاول ~~الفرار من الله بأن يتقدم إلى الأمام أكثر، ويقتحم آفاقا أكثر، لكن يد الله فوق ~~أيديهم. الألوهية - كما أخبرتنا المزامير، وكما أدرك ~~مارتن لوثر بقوة وسطوع - هي الحضور الدائم الأبدي، الذي يتغلغل في كل موجود، ليكون أكثر حضورا. # 1 # إن الفرار الزائف ليس خطأ الفارين فحسب، بل يعود إلى الفكرة التقليدية عن رب خلق ~~الكون من العدم، ثم يقتصر دوره على مراقبة البشر، لعقاب الخاطئين وإثابة المحسنين ومن ~~يطيعون أوامره، وكأنه طاغية أو شرطي ~~كوني # Cosmic Policeman ~~، مهمته الضبط الأخلاقي! وهو في الآن ms69 نفسه يحنو علينا حنو الأب ~~على أبنائه القصر، ويكفل لنا الخلود، والمتع الدائمة والسعادة النهائية. # يقول تيليش: «ليست هذه صورة حقيقية للرب، بل بالأحرى صورة للإنسان حين يحاول أن يصنع ~~ربا في خياله، من أجل راحته، إنه نتاج خيال الإنسان وتفكيره التواق، ومن حق كل ~~ملحد مخلص لحيثيات العقل أن ينكره، فليس هذا إلها البتة، وليس ذا حقيقية.» # 2 # والخطأ يعود إلى اللاهوت التقليدي؛ فقد تسربل في أحابيل توحيد إلهي ملكي # monarchic-montheism ~~، وجعل الله مجرد شخص ~~سماوي تام الكمال. # 3 # هذه الصورة المشخصة الساذجة مصدر عراقيل أمام انطلاقة الفكر الديني، وإذا أمكن ~~للدينيين أن يثبتوه، فإنه يمكن للملاحدة أن ينفوه، كما سبق أن أوضح كانط في تبيانه ~~لنقائض العقل الخالص. وأحس القديس برنارد أنه يكرهه من نفس المنطلق الذي تتدفق منه ~~ينابيع الحب للرب الحقيقي، وثار ضده الوجوديون؛ لأنه يجرد الإنسان من ذاتيته ~~وفردانيته وحريته. وأعلن نيتشه موته. فيقول تيليش: «إن فردريك نيتشه هذا الملحد ~~الشهير، وألد أعداء الدين والمسيحية، قد عرف عن قوى فكرة الألوهية، أكثر مما يعرفه ~~غالبية المسيحيين المؤمنين.» # 4 # يؤكد تيليش أن إله العهد القديم فعلا مات، أو أن هذا المفهوم للألوهية لا بد وأن ~~ينتهي، وراح يبحث عن مفهوم جديد لرب يعلو على الرب، ولعله بهذا يباعد بعض الشيء بينه ~~وبين كلاسيكيات المسيحية التقليدية، ويقترب من الطريق الذي شقه المتصوف الوجودي الميستر ~~إيكهارت. وتيليش يجاهر بإعجاب به، ويحلو له الاستشهاد بأقواله، وقد بحث إيكهارت عن ~~ربوبية # Godness # مفارقة للرب، للثالوث المسيحي. ~~لكنه تحدث بعد هذا عن صيرورة أو عملية Process # الحقيقة التي تنبثق من الربوبية، إلى الكلمة غير المنطوقة (الأب)، إلى الكلمة المنطوقة ~~(الابن)، إلى الحب (الروح القدس). إن الثالوث: الأب والابن والروح القدس، أو الكلمة ~~غير المنطوقة والكلمة المنطوقة والحب، هذا الثالوث يحتويه الله، ومن الحب (الروح القدس) ~~إلى الخلق المثالي، إلى الخلق الظاهري ... وعلى المتصوف أن يتحد بالحقيقة عبر نفس ~~المراحل، ولكن بالعكس؛ أي يبدأ من الخلق الظاهري # 5 ~~... # أما تيليش فهو أكثر ms70 تجريدا ومعقولية، وذلك من منطلق رفضه أن تكون الألوهية موضوعا، ~~يقبل الإثبات أو النفي، ومفارقا لعالم الذوات. الرب متعال على عالم الموضوعات، ~~وبالمثل على عالم الذوات، ويتجاوزهما، ويعلو على الثنائية القائمة بينهما، وبين ~~النفس/العالم، إنه لا متناه، وهذه خاصية لا يشاركه فيها أي موجود آخر؛ لذلك فهو ~~مستوى فائق للوجود، يعلو على الوجود، إنه الوجود ذاته، قوة الوجود التي تقاوم ~~العدم، عمقه وأساسه، وبالتالي أساس وجودنا، ومنه - من الرب - نستمد شجاعة تأكيد-الذات ~~على الرغم من العدم الذي يهددنا بصوره الثلاث. # وبهذا لا يكون الرب كينونة ثابتة، ماهية استاتيكية، إنه روح حية؛ فيؤكد تيليش ~~أن يسوع المسيح ليس إلها أصبح إنسانا، بل إنسانية جوهرية، تجيب على التساؤل الوجودي ~~المطروح، فتقهر قوة الاغتراب، قوة الموت والإدانة واللامعنى، وتفتح أمام الإنسان طريق ~~المشاركة في الوجود الجديد. ومشاركة الإنسان حقيقية، بيد أنها جزئية، هكذا تتكاتف ~~المثالية مع الوجودية لتحديد الألوهية. # والمهم أن ثمة طريقين للتفكير في الألوهية! طريقا لقهر الاغتراب، وطريقا للقاء ~~غريب؛ وقد اختار تيليش الطريق الأول. # 6 ~~••• # ولكن تيليش أطلق لنفسه العنان وهو يفلسف الألوهية، وكيفها تكييفا كي يكون الإيمان ~~بها قهرا للعدم الروحي الذي يهدد عصرنا بقلق الخواء واللامعنى؛ فكان المرمى لمعظم ~~سهام النقد التي وجهت له؛ ثار عليه اللاهوتيون والفلاسفة على السواء. # اللاهوتيون التقليديون قالوا: إن مفهوم الرب ينبغي وأن يملك في صلب ذاته كل ~~حيثياته، وتيليش جعله غير مستقل، بل معتمدا على وجود الوجود، ووجود الإنسان؛ # 7 ~~«هو فعلا ينكر أية حجة على وجود الرب، ولا يثبت دليلا إلا وعي الإنسان ~~بتناهيه، الذي يعني وعيا بلا متناه برب، ويدفع إلى شجاعة تأكيد الذات التي تقهر ~~التناهي والعدم فتؤكده قوة الوجود، الوجود-ذاته الرب ...» فرأى البعض في هذا أن تيليش ~~وأتباعه، وأهمهم الأسقف روبنسون، إنما يواصلون اتجاه أقوى منظري الإلحاد لودفيج فيورباخ # L. Feuerbach ~~(1804-1872م) القائل إن الرب ~~يعثر على ذاته، في أعماق تأكيده لذاته، # 8 # وانتهى إلى أن الإنسان هو الذي خلق الرب أو مفهوم الرب، وليس العكس! # ويسخر كارل ms71 بارت من رفض الألوهية التقليدية، قائلا إن تيليش لا يزال يكافح ضد ~~«المفتش الأكبر» لديستويفسكي، واعترف تيليش بهذا، بل وأكد أنه عنصر حاسم في تفكيره! ~~وبرر موقفه بأنه يحارب فلول الهترنومي، نشدانا للثيونومي. # أما الفلاسفة فقد أزعجهم الالتباس الشديد في المفهوم، والمصطلحات الدالة عليه؛ ففضلا ~~عن الاهتمام القصي والألوهية والرب، ثمة الوجود ~~ذاته # Being-itself # وأساس الوجود وبعد الوجود وعمق الوجود، وكلها مردودة إلى ~~قوة الوجود Power of Being ~~، التي هي قوة أن ~~يكون # To Be ~~؛ ويأتي جارنيت # A. C. Garnett # وهو ليس يندرج رسميا مع فلاسفة التحليل ~~المنطقي ولكنه يهتم جدا بمنطق اللغة الدينية، وأثبت بتحليلات مسهبة أن تيليش لو كان ~~ملما بأبسط مبادئ التحليل المنطقي واللغوي لأدرك أن حججه تستند على فشل في فهم ~~منطق فعل الكينونة # To Be ~~، # 9 # والحق أننا لم نلمس من تيليش أي إلمام ولا اهتمام بمسألة المنطق ~~وقواعده. ~~••• # ولعل المهرب الوحيد لتيليش من هذه الانتقادات هو تأكيده أن اللغة العادية تعجز عن ~~أن تقول أي شيء عن الرب، حتى «مطلق» لا تكفيه؛ فكل ما نقوله منتزع من مادة واقعنا ~~المتناهي، فكيف يعبر عن اللامتناهي، اللهم إلا بصورة مجازية أو رمزية؟! إن اللغة ~~الرمزية هي فقط القادرة على التعبير عن القصي، # 10 # والعبارة غير الرمزية الوحيدة التي يمكن أن تقال عن الرب هي «كل عبارة ~~يمكن أن تقال عنه عبارة رمزية.» # 11 # فكان تيليش من أبرز المعبرين عن التفسير المجازي الرمزي للغة الدينية؛ أي ~~النظرية القائلة إن كل العبارات الدينية ومضمونات الكتب المقدسة ليست البتة تقريرات عن ~~وقائع، بل هي مجازات، رموز في رموز، إمكانية فك طلاسمها مفتوحة ومتجددة دائما؛ وقد ~~تمادى تيليش في هذا حتى وجه إليه نقد بأنه يعجز عن إعطاء أي وظيفة واضحة أو محددة ~~للغة الدينية. # 12 # ولكن ليست اللغة فحسب؛ فتقريبا كل شيء ديني عند تيليش هو رمزي، حتى حدد المهمة ~~الرسمية للاهوت بأنها توضيح وظيفة الرموز. # والرب الذي يظهر في كل فعل من أفعال الإيمان، هو الرمز الأساسي لاهتمامنا ms72 القصي، رمز ~~الرموز المطلق الشامل الحاوي لكل الرموز. وكل العقائد الدينية ينبغي وأن تفهم على ~~أنها محض رموز له. وتيليش - بتعضيد من ~~ملته البروتستانتية - يرفض اعتبار أي شخص أو شيء أو مؤسسة، مقدسا # Holy ~~؛ لا شيء مقدسا سوى المطلق الأبدي اللامتناهي غير المشروط ~~- الرب. الرموز الدينية الأخرى كالصليب قدسية؛ لأنها تشارك في قدسيته، لكن المشاركة ~~ليست الدخول في ذات الهوية؛ لذلك فهي ليست قدسية وتحمل قيمتها ومغزاها في حد ذاتها، بل ~~فقط من حيث هي رموز للحقيقة القصية للرب؛ لذلك يفرق تيليش بين مستويين للرموز ~~الدينية: المستوى المتعالي الفائق لواقعنا ورمزه الأساسي الرب؛ والمستوى الكامن أي الذي ~~يواجهنا داخل واقعنا التجريبي كتجسد المسيح والعائلة المقدسة والأم العذراء - وبقية ~~الرموز. ولكن الرب ليس مجرد رمز، إنه الوجود-ذاته أساس الوجود؛ لذلك أمكن لأشياء ~~تواجهنا في الزمان والمكان، مأخوذة من خبرة الواقع المتناهية، كحادثة من التاريخ الديني ~~أو معجزة، أن تكون رموزا له ... للمقدس. ونحن ندركها وندرك قيمتها ومغزاها من خلال ~~التواصل بين الله والإنسان من خلال الوحي؛ وأنها تصبح قدسية، لكن تظل دنيوية تاريخية لا ~~فائقة للطبيعة؛ لتذكرنا بأننا مشدودون إلى الأشياء الدنيوية المرئية، تماما كما ~~نتحدث عن العمق والعميق كخصائص روحية، في حين أنهما مستمدان من الأبعاد ~~المكانية. # والرموز الدينية لا تظهر منفصلة، بل مترابطة في كل واحد؛ ولا يعوزها أن تكون صادقة، ~~يكفي أنها ذات فعالية وجودية؛ أي تحتوي على قوة المرموز إليه فتستثير الوعي بقوة ~~الوجود. # أي رمز - ديني أو غير ديني - يفتح لنا مستوى من الحقيقة كان مخبوءا، والحديث غير ~~الرمزي لا يناسبه، وكل رمز له وظيفة معينة لا يمكن أن يؤديها غيره، فلا يمكن أن يحل رمز ~~محل آخر، وهذا هو ما يميز الرموز عن العلامات. والرمز الديني هو فقط لا سواه الذي ~~يفتح لنا المستوى الأقصى للحقيقة، البعد اللانهائي؛ أي الألوهية؛ لذلك فهو جوهري جدا ~~في التجربة الدينية الفردية. العقل حين يخوص غمارها بعمق، يحتويه ما وراء العقل، ويحتوي ~~هو إياه؛ فلا يمكنه أن يتعامل مع ms73 موضوعه مباشرة، أو في صورة مفهوم محدد - فقط من خلال ~~الرمز. # والرمز لا يخلق ولا يكتسب وظيفته بأية نية متعمدة؛ فعن أي رحم تتخلق دلالته؟ يقال ~~عن رحم اللاوعي الجمعي؛ لكن تيليش يقول عن رحم العلاقة المتغيرة - تبعا للظروف ~~الحضارية - بالقصي، بالرب. # هكذا نلاحظ أن الرمز الديني يحمل التقاطع - أو يقف على الحدود بين الموقف الفردي ~~والموقف الجمعي. وحرص تيليش الدائم على هذا من أبرز النقاط التي تسجل له، أو ~~للوجودية الدينية عموما؛ لأنه غالبا ما يفلت من أيدي الوجوديين الملاحدة، أو أنهم ~~يفشلون في تحقيقه حتى ولو حرصوا واهتموا بمقولة المعية والتشارك. # وأبلغ آيات نجاح تيليش في هذا، إنما هي انطلاقة تفسيره الديني للتجربة الوجودية ~~الفردية؛ ليغدو من الجهة الأخرى للحدود أساسا مكينا للبناء الحضاري ~~المروم - الثيونومي. ولكن لكي يقوم اللاهوت نفسه بهذه ~~المهمة، فلا بد أن يغدو - بدوره - لاهوتا حضاريا. # الفصل التاسع # | اللاهوت الحضاري # يمثل باول تيليش مع كارل بارت القوسين المتطرفين اللذين يحصران بينهما متغيرات ~~اللاهوت البروتستانتي المعاصر. بارت يواصل تيار مارتن لوثر وكالفن مباشرة فيقيم لاهوته ~~على أساس مطلقية الرب؛ أي - أنه تعالى - ليس موضوعا لمعرفتنا أو لأفعالنا، فلا ينبغي ~~أن يطمح عقل الإنسان المتناهي لاستكناه سره. الإنسان على الأرض، والرب في السماء، # 1 # مفارق له؛ لقد تعالى سبحانه علوا كبيرا. المسيحية ليست لها أية أسس ~~عقلانية، ولا ينبغي أن يكون. الوحي يحمل في ذاته كل حيثياته، فيرفض بارت أي دفاع عن ~~الوحي أو إثبات أو تبرير له، بأسانيد إنسانية حضارية. اللاهوت لاهوت الكنيسة فقط، ~~فليدخلها من يريد الحقيقة، ويمارس الطقوس الدينية، التي لن يفهمها إلا المؤمنون؛ بهذا ~~فقط تدخل الروح المقدسة في النفس الإنسانية. # هذه هي الصورة التي حددها بارت لإعادة صياغة وإحياء المسيحية، والتي ينبغي في رأيه ~~أن تتكفل بها البروتستانتية؛ لذلك يمثل بارت أعنف مهاجمي اللاهوتيات الليبرالية التي ~~تفسر الوحي تبعا لصالح الإنسان وحضارته؛ إنها - أي اللاهوتيات الليبرالية - هي تلك ~~الحركة البروتستانتية التي تفجرت في القرن التاسع عشر، بل ومنذ أيام كانط، أصبحت ms74 ~~الحضارة هي معيار صدق العقيدة، وباتت مهمة اللاهوتيين الليبراليين (الأحرار) هي الدفاع ~~عن العقيدة بمصطلحات الحضارة وفي حدودها، وتلك سخرية أنتجتها مسيحية الحاضر الواهنة، ~~وتقلص نفوذها؛ وعلى هذا يؤكد بارت أن اللاهوت ينبغي أن يقف في مواجهة الحضارة ~~العلمانية، ولا يتعامل معها إطلاقا. # 2 # ويمثل تيليش الرفض التام لهذا التقابل بين اللاهوت والحضارة، ويؤكد أن ~~فلسفته للدين معنية أولا بالعلاقة بينهما، والتي ينبغي تحديدها على أساس كليهما، الدين ~~لا يمكنه أن يهجر المطلق؛ الألوهية، ولن يسمح لنفسه أن يصبح مجرد منطقة محدودة داخل ~~الحضارة، أو أن يتخذ موقعا جانبها، وهذا ما حاولته الحضارة الليبرالية؛ ليصبح الدين ~~نافلة ستندثر يوما ما؛ لأن بنية الحضارة مكتملة بدونه، والحضارة بدورها قد ترى أنها لن ~~تستسلم للدين بغير أن تتخلى عن استقلالها ... عن الأوتونومية تماما، وربما عن نفسها، ~~وهي لا يمكن أن تتخلى عن الحق والعدل والحرية والعقل باسم المطلق الديني والحقيقة أن ~~«الدين هو الجوهر غير المشروط للحضارة، والحضارة هي الصورة المشروطة للدين.» # 3 # إن تيليش يستأنف الطريق الذي شقه تلميذ شلنج، إمام اللاهوت الليبرالي فردريش ~~شلايرماخر # F. Schleirmacher ~~(1768-1834م) والذي ~~يعتبره أبا اللاهوت البروتستانتي الحديث والمعاصر بأسره؛ فإذا أخذنا في الاعتبار أنه ~~قام ليختلف عن اللاهوت الأرثوذكسي والكاثوليكي، فلا بد أن يكون تركيبا من الله ~~والإنسان. وقد قام شلايرماخر - على حد تعبير تيليش - بهذا «التركيب العظيم»؛ إنه لم ~~ينكر فلسفة التنوير، لكن بتركيبه، انتصر عليها في قلب المجال اللاهوتي؛ فقد كان الدين ~~في عصر التنوير فقط لتحقيق الأمر الأخلاقي، أما في المجال المعرفي، فالفصل تام بين الرب ~~وبين الإنسان وعالمه، بحيث يتساوى الإيمان والإلحاد. وجاء شلايرماخر ليرفض هذا الفصل، ~~لم يقل بوحدة الوجود الصوفية، لكنه تمسك بمبدأ هوية # Identity # الله في العالم والمصطلح الذي استعمله للخبرة بهذه الهوية هو ~~الشعور # Feeling ~~. الدين ليس معرفة نظرية، ولا مجرد ~~فعل أخلاقي، إنه أساسا شعور، شعور بالاعتماد المطلق على غير المشروط - على الرب. ~~والشعور ليس البتة عاطفة شخصية، إنه حدس بالكلي غير المحدود، وبضغطه على ms75 عمق أساس ~~الوجود. هكذا قدم شلايرماخر للمثقفين التنويريين الذين ينكرون الدين، فلسفة تخلق ~~فهما جديدا للدين، يقوم على أن كل لاهوت لا بد أن يجيب بطريقة أو بأخرى عن السؤال ~~الذي يطرحه العقل الإنساني في كل مرحلة حضارية، # 4 # وقدم أيضا الطريق الذي يسير فيه تيليش، كما هو واضح. # وتيليش بوقوفه على الحدود بين الدين والحضارة، وبين الموقف الفردي والجمعي، يؤكد كما ~~أكد أوغسطين أن المجتمعات تشكلت على أساس، ولأنها القصي لموضوع ما للحب ~~المشترك؛ يؤكد أن الاهتمام القصي لا يشكل تجربة الفرد فحسب، بل وأيضا المجتمع، ~~فيحدد القيمة والمصير لكل أمة أو جيل، ويتغلغل في كل منتجات الحضارة خصوصا الفن، ~~ويعطيها طابعها الفريد؛ لذلك لا بد أن يحلل اللاهوتيون هذه المنتجات لكي يضعوا الإصبع ~~على العقيدة في كل موقف حضاري. وفهم الموقف الحضاري بدوره يستلزم قبلا معطيات قيمية ~~وتوجهات وجودية، إنه إذن دائرة مغلقة تبدأ من العقيدة الدينية وتنتهي إليها. يتوغل ~~تيليش في اللاهوت الحضاري، مستندا على التمييز بين الدين كعقيدة تمثل تجربة وجودية ~~عميقة وتصلح أساسا للبناء الحضاري، وبين الدين بممارساته الصورية وطقوسه الشكلية التي ~~أعلن أنها غير ذات أهمية إطلاقا، أو بتعبيره اللاذع «الختان أو عدم الختان، ليس هو ~~المشكلة.» ولن يمثل حجة للمسيحية - في مواجهة الأديان الكبرى الأخرى أو العلمانية ~~والمثالية الأخلاقية - أن طقوسها أبسط أو شعائرها أفضل، خصوصا وأن العلمانية ~~والمثالية وما إليها سوف تتباهى بأنها متحررة أصلا من الطقوس وأيضا الخزعبلات. مجد ~~المسيحية في بساطتها التي تلخصها كلمتا القديس بولس «الوجود الجديد» صورة جديدة ~~لحضارة الإنسان. # 5 # ولم يعتبر تيليش الوعظ مهمة احترافية، وكان قليل بل عديم الاهتمام بالدعوة ~~المستهلكة إلى الوصايا العشر. وبالاطلاع على مواعظه نلقاه لا يلجأ البتة إلى الوعد ~~والوعيد بالجنة والنار؛ فهذه الأساليب لم تعد تجدي كمدخل للتجربة الدينية في عصرنا ~~هذا. المدخل الحقيقي الفعال هو التجربة الوجودية، بل ولم يعتن بالمشاكل التقليدية ~~للاهوت المسيحي. وفي كتابه «الموقف الديني سنة 1929م» أعلن أنه لا يدافع عن أي مضمون ~~محدد للوحي، ms76 كالتجسيد والعشاء الرباني ... بل يدافع عن العقيدة المسيحية في تفسيرها ~~الصحيح كعلاقة أبدية بين الله والإنسان، متضمنة دوما في أوجه الحضارة وليس الدين سرا ~~ملغزا لا شأن للعقل به كما رأى بارت، ولا هو في حاجة إلى الميتافيزيقيات المجردة التي ~~أمعنت الكاثوليكية في إثقال كاهله بها، «وليس ثمة لغة قدسية هبطت من سماوات علوية، ~~ووضعت بين غلافي كتاب؛ اللغة الدينية لغة عادية، تتغير تبعا للقوى التي تعبر عنها.» # 6 # فيمكن أن يفهم الدين جدا، ولكن في إطار التاريخ والحضارة الإنسانية، تماما كما ~~أنهما يمكن أن يفهما من زاوية دينية. ~~••• # وعلى هذا الأساس قام «اللاهوت النسقي» لتيليش، ليؤكد أن ثمة وجوها عدة للإنجيل، كل ~~وجه يلائم عصرا من العصور. ومصادر اللاهوت النسقي ثلاثة: الإنجيل وهو طبعا المصدر ~~الأساسي - التقليد # Tradition ~~- تاريخ الدين والحضارة. ~~ولكن ما هو معيار # norm # الالتجاء إلى هذه المصادر، ~~والأخذ منها؟ المعيار هو التساؤل الوجودي الذي تطرحه طبيعة الحضارة في مرحلتها ~~التاريخية المعينة؛ # 7 # فقد ساد في نهاية الحضارة القديمة القلق الأونطيقي، وفي نهاية العصور ~~الوسطى ساد القلق الأخلاقي؛ أما في العصر الحديث فيسود القلق الروحي؛ وسيادة نمط يحدد ~~المعيار اللاهوتي لا ينفي أن النمطين الآخرين حاضران ومؤثران، كما سبق أن أوضحنا. # 8 # شهدت نهاية العصور القديمة صراع الإمبراطوريات: غزو الإسكندر للشرق، الحروب بين ~~أتباعه وقادته، غزو روما للشرق والغرب، تحولها لإمبراطورية على يد قيصر، طغيان ~~الأباطرة، انهيار المدينة المستقلة، والدولة القومية ... وتلاشي البقية الباقية من البنى ~~الأرستقراطية-الديمقراطية للمجتمع. ساد الفرد شعور بأن مصيره في يد قوة سياسية أو ~~طبيعية هائجة لا يرتكن إليها، سيطر القلق الأونطيقي، وصار التساؤل الملح عن المصير ~~والموت؛ فكانت الكنيسة القديمة مشغولة بالموت، وصاغت لاهوتا يجعل الإنجيل يهب الإنسان ~~الخلود، لا سيما من خلال المشاركة في ماهية يسوع الحية أبدا. # أما في العصور الوسطى، فقد كان التأثير الحاسم للرسالات السماوية، ليتفاقم القلق ~~الأخلاقي، ويتخذ رمزا هو غضب الرب وبطشه وعقابه الرهيب؛ فكانت مظاهر الحياة الدينية ~~التي طبعت العصر كالحج والاستغفار والولاء للأيقونات ... من ms77 أجل نوال الرحمة الإلهية ~~ومغفرة الذنوب؛ فكانت الكنيسة مشغولة بالإجابة عن تساؤل الذنب والإدانة، بالخطيئة ~~وبالإله الغفور الرحيم، وصاغت لاهوتا يجعل الإنجيل يهب الإنسان الخلاص وطريق التوبة ~~والغفران، وتفاقم الأمر حتى انتهى بصياغة صكوك الغفران! # ثم ظهر العصر الحديث بسقوط الحكم الاستبدادي، ونمو الليبرالية والديمقراطية، ثم نشأة ~~الحضارة التقانية. إن ما حدث انتصار للإنسان على القوى الهائجة السياسية والطبيعية ~~معا، فتراجع قلق الموت، ولما كان الانتصار للإنسان لا عليه فقد أكسبه ثقة بنفسه ~~وببلوغه سن الرشد، فتراجع أيضا القلق الأخلاقي، وصار العدم الروحي هو المسيطر. والسؤال ~~الوجودي لعصرنا، والذي يشكل معيارنا لصياغة اللاهوت من مصادره الثلاثة إنما هو عن ~~تأكيد-الذات على الرغم من الخواء واللامعنى. # والإجابة التي نخرج بها من الإنجيل هي أنه يعطينا الأمان ويدرأ عنا العدم الروحي ~~الذي يهددنا حين يمنحنا فرصة المشاركة في القوة اللامتناهية للوجود-ذاته ، الرب، عن طريق ~~الإيمان به. هذه هي إجابة الإنجيل عن سؤالنا المعاصر، «وهي لا تلغي إجابتي المرحلتين ~~السابقتين، ولا تحل محلهما.» # 9 # وبسهولة يمكن ملاحظة كيف أن روح التثليث المسيحي قد شبعت هذه النظرة، سواء بوعي أو ~~بدون وعي من صاحبها؛ فاللاهوت ثلاثي المصادر، يتصدى لثلاثة أسئلة، ليعطي ثلاث إجابات ~~ملائمة لثلاث مراحل حضارية، عانت أنماطا ثلاثة من القلق ... لكن تيليش أسير المشروع ~~الثقافي الغربي، أطر الحضارة الغربية هي القضبان الحديدية التي يصب فيها فكره، ~~اللاهوتي والفلسفي على السواء! ~~••• # فهل يشفع له أن تعامله المرن مع اللاهوت، مكنه من العناية بالحوار بين الديانات ~~المختلفة على أساس أنها جميعا تملك عنصرا مشتركا يتمثل في أن الألوهية هي الاهتمام ~~القصي، وكأنه يواصل حلم أو مشروع «ابن عربي» بوحدة الأديان، وربما يدفعه من أعماقه شعور ~~ممض بأن الحرب العالمية حدثت بسبب من نماء وتعاظم النزعة القومية؛ مما جعله يحلم ~~دائما بمجتمع يضم البشر أجمعين. يقول تيليش حوار لا مواجهة؛ فلا ينبغي أن تنافس ~~الأديان الكبرى بعضها، بل عليها أن تلتقي معا من أجل مواجهة التحدي الحقيقي، وهو أشباه ~~الديانات المعاصرة من قبل النزعة الإنسانية ms78 الليبرالية والنزعة القومية والشيوعية ~~والفاشية والنازية والعلمية المتطرفة ... إلخ وتيليش يقول عنها أشباه # Quasi # ديانات، وليس ديانات زائفة Pseudo # لأنها تحمل تماثلا مع الدين من حيث قوة استحواذ الاهتمام ~~القصي، على الشخص ولحد قد يدفعه لتكريس الحياة، وربما بذلها، إن الدين لن ينتهي ~~أبدا، والهجوم الحقيقي عليه من هؤلاء؛ فلتتحد الأديان معا من أجل السؤال المطروح عن ~~مستقبل الدين في مواجهة انتصار العلمانية الأوتونومية، الذي عم وساد في معظم أنحاء ~~العالم الغربي الآن. # يقول تيليش صراحة: «إننا نسيء إلى يسوع حين نقر بأنه مؤسس ديانة جديدة أو آت بشيء ~~آخر أنقى وأصفى» # 10 # لم يكن يبحث إلا عن الوجود الجديد. والمسيحية بغير أن تفقد أسسها التاريخية ~~يمكنها استيعاب الكثير من العناصر في الجهود الفلسفية القديمة للتوفيق بين الديانات ~~المختلفة. # فالمسيحية نفسها لم تحدد موقفها حيال الأديان الأخرى، ولا ألغتها جميعا. أنبياء ~~اليهود اعتبروا آلهة الديانة الوثنية مجرد قوى أدنى من يهوا خصوصا فيما يتعلق بالتنبؤ ~~بالمستقبل وتحديده، والاستجابة إلى الصلوات ونشر العدالة. الآلهة الأخرى حقائق منافسة، ~~ويهوا له القوى العليا؛ ثم كان يسوع ليؤكد مطلقية الرب، وأنه الوجود الفريد الذي لا ~~يقارن ولا ينافس. ومع المسيحية المبكرة كان الحكم على الأديان الأخرى تحدده فكرة ~~اللوجوس اليوناني (العقل/الكلمة) الذي هو كائن في معظم الأديان الأخرى. # 11 # كل هذه الحقائق المعروفة جيدا، والتي تعني العالمية المذهلة للمسيحية، ينبغي أن ~~نأخذها الآن في الاعتبار ونحن ننظر في المواجهة بين المسيحية والأديان الأخرى؛ لندرك ~~أن المسيحية لم تنظر لذاتها أبدا بوصفها الديانة التي تستبعد تماما أو تنكر إنكارا ~~مطلقا أية ديانة أخرى؛ إنها لم تفقد تبصرها وتفعل هذا إلا بعد النجاح المذهل ~~السريع للإسلام، وانتزاعه المسيحية من أماكن عديدة، أهمها مصر، إنه محصلة لأول مواجهة ~~للمسيحية مع ديانة جديدة للعالم؛ والحملات الصليبية أقوى تعبير عن هذه الخاصية غير ~~العقلانية والاستحواذية التي اكتسبتها المسيحية تحت تأثير نجاح الإسلام، وهي في الآن ~~نفسه دليل على أن المسيحية كانت تحارب حكما سياسيا قويا؛ واستبصار ديني عميق. # 12 ms79 # إن مشكلة المسيحية في مواجهة من يرفضونها ويتمسكون بديانات أخرى، ليست حق الرفض، ~~بل طبيعته، فإذا كان رفضا شاملا فهو خطأ؛ لأنه لا يجعل أرضية مشتركة تكفل قبولا أو ~~رفضا، أما إذا كان رفضا لأجزاء وقبولا لأجزاء، فهذا موقف أكثر تسامحا، لكنه أسلوب ~~تجزيئي لا يناسب الحكم على الدين، ولا حتى على الفلسفة؛ أما أسلوب الرفض الثالث، فهو ~~مركب جدلي من الرفض والقبول، وهذا هو الموقف الذي ينبغي التمسك به؛ لأنه يمكن أن ~~يخلق أرضية مشتركة بين الديانات المختلفة. # 13 ~~••• # ويبقى أخيرا، وأيضا أولا، ودائما، وفي كل خطوة المحك وآية الانضباط؛ يبقى المنهج. ~~والواقع أن تيليش أضفى النسقية على لاهوته، فغذى اللاهوت المسيحي عموما وأثراه، حين ~~قدم منهجه الفريد، منهج ~~التضايف # Method of Correlation ~~، الذي يحمل سمة تيليش المميزة، فيحلو له أحيانا أن يسمي ~~لاهوته «لاهوت التضايف». # ومنهج التضايف - بحكم طبيعة المنهج - الإطار لكل ما سبق؛ إنه تبرير وتعميق اللاهوت ~~بأن تضايفه إلى الموقفين الفردي والحضاري. وقد كانت وظيفة الكنيسة دائما هي الإجابة عن ~~التساؤلات المتضمنة في كل وجود إنساني، فلا بد أن يستغل اللاهوت المادة الضخمة ~~والعميقة للتحليل الوجودي في كافة المجالات الحضارية، وهو لا يستطيع أن يقبلها ببساطة، ~~فكيف إذن؟ الكيفية أو المنهج هو «أن يأخذ بيمناه تحليلات الموقف الوجودي، وبيسراه رسالة ~~الوحي المسيحي، ويضايف الأسئلة المتضمنة في الأولى على الإجابات المتضمنة في الثانية»؛ # 14 # أي يواجه التحليل الوجودي بالرموز التي عبرت بها المسيحية عن الاهتمام ~~القصي، وهذا هو المنهج الملائم لكل من رسالة يسوع والمأزق الإنساني كما تكشف في ~~الحضارة المعاصرة. والبروتستانتية بما تنطوي عليه من نزعة نقدية ورفض التبعية المطلقة ~~للسلطات الدينية شيء عظيم جدا، ولكن لا بد لها من البعد البنائي، من الوجود في قلب ~~التوتر على الحدود بين البنائي والتصويبي؛ وحين تجعل من العقيدة إجابات عن أسئلة الوجود ~~الإنساني في مرحلته التاريخية المعينة، سوف يتحقق البعدان التصويبي والبنائي، وسوف ~~يتعين على اللاهوت أن يتواجد في توترات حقائق الوحي مع الموقف الوجودي والحضاري ~~للإنسان. # والإجابة ms80 اللاهوتية ليست مشتقة من التساؤل الوجودي؛ لأن الفلسفة الوجودية لا تعطي ~~أبدا أية إجابة فقط تحدد شكلها، والسؤال لا يحدد الإجابة بأكثر مما تحدد الإجابة ~~السؤال؛ الاثنان متضايفان. التضايف أساس فلسفي عام، حتى إن الوحي هو التضايف بين ~~العقل وبين أساس الوجود؛ أي الألوهية. # من الواضح أن التضايف هو منهج الربط بين اللاهوت والحضارة، على الأسس الوجودية، ~~وبنظرة أعمق نلاحظ أنه منهج الربط بين المقاطعات الشاسعة التي أراد تيليش أن يقف على ~~الحدود بينها، فهل تراه استطاع؟ ms81