######OpenITI# #META# URI: 1450YumnaTarifKhuli.ZamanFiFalsafaWaCilm.Hindawi52636268 #META# Tags: philosophy #META# ID: 52636268 #META# Title: الزمان في الفلسفة والعلم #META# AuthorID: 94709302 #META# Author: يمنى طريف الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - الزمان والمكان صدر المقولات‏ # 2 - تميز الزمان عن المكان‏ # 3 - متاهات إشكالية الزمان‏ # 4 - فض متاهات إشكالية الزمان‏ # 5 - الزمان اللاعقلاني‏ # 6 - الزمان العقلاني‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - الزمان والمكان صدر المقولات‏ # 2 - تميز الزمان عن المكان‏ # 3 - متاهات إشكالية الزمان‏ # 4 - فض متاهات إشكالية الزمان‏ # 5 - الزمان اللاعقلاني‏ # 6 - الزمان العقلاني‏ # | الزمان في الفلسفة والعلم # | الزمان في الفلسفة والعلم # تأليف # أ.د. يمنى طريف الخولي # | إهداء # إلى الأستاذ الدكتور: محمد عناني. # القيمة العليا في حياتنا الأكاديمية ... # وحياتنا الثقافية ... على السواء ... # قيمة تعلو على المكان ... وعلى الزمان. # ي. ط. # | مقدمة # لا شيء البتة يهيمن على وعي الإنسان وعلى أحاسيسه، على عقله وعلى مشاعره معا مثل الزمان، ~~وهذا منذ عصور الأساطير الألفية؛ حيث تترى أحداث الأسطورة عبر آلاف الأعوام الذهبية، # 1 # حتى عصرنا هذا الذي تجاوز المللي ثانية، والميكرو ثانية (واحد على مليون من ~~الثانية) إلى النانو (واحد على بليون من الثانية)، البيكو والفمتو (واحد على مليون بليون) ~~حتى الأتو (واحد على بليون بليون) وهي أصغر وحدة حاليا ولن تكون الأخيرة. وفي الوقت نفسه ~~تمضي المحاولات العلمية الدءوبة لتقدير عمر الكون وكياناته، فتشتبك مع أحقاب تقدر ~~ببلايين السنوات ... ثم يعلو على هذا وذاك إحساس الوجدان النابض بوقع الليالي ومضي الأعوام، ~~والبحث التواق عن آفاق الأبدية السرمدية. # فهل الزمان في كل هذا عملاق يستوعب الوجود والعقل جميعا، أم أنه ليس هناك شيء اسمه ~~الزمان أصلا وأنه مجرد إطار تصوري ابتدعه عقل الإنسان لينظم إدراكه للأحداث؟ # إذا عني القارئ الكريم بتحديد موقفه من هذا السؤال، فسوف تصحبه الصفحات القادمة في ~~رحلة عبر أقطاب العقل البشري لترسيم معالم مفهوم الزمان، ربما بدا الفصل الأول الموجز فاتحة ~~مباغتة إلى حد ما لأنه قصير جدا ومكثف وقد لا يبدو سهلا، ومع هذا فإن كل ما يقصده أن ~~الزمان والمكان - وليس الوجود - هما الإطار العام والفكرة المبدئية التي تجعل هذا الكون ~~منتظما قابلا للتعقل. ثم تتوالى الفصول بعده أكثر سلاسة وأقرب إلى القارئ العام لتوضح ~~تميز ms01 الزمان عن المكان، ثم إمكانية تعقب مفهوم الزمان عبر تياري العقلانية واللاعقلانية ، ~~وأن هذا التناول يستبعد الخلط بين الأبدية وبين اللاتناهي. # تبدأ الرحلة ببدايات الفلسفة اليونانية مرورا بالعصور الوسطى والتصورات الإسلامية ~~والمسيحية على السواء، فيكون لقاء مع تيارات صوفية ثم حدسية ورومانتيكية ووجودية ... وبالطبع ~~يستوقفنا بتفصيل أكثر من سواه الزمان العقلاني المقاس أو المقيس، منذ أرسطو وشارحه الأعظم ~~ابن رشد حتى زمان نيوتن المطلق؛ لينتهي بنا المطاف مع مضامين لزمان آينشتاين النسبي. # ونرجو أن يكون الإطار الذي رسمناه ضاما لجميع هذه العناصر وسواها في كل متآزر ومتكامل، ~~له شيء من السداد، وبه شيء من الفائدة. # وعلى الله قصد السبيل ... # الفصل الأول # | الزمان والمكان صدر المقولات # حين وضع المعلم الأول أرسطو القاطيغوريات # Categories, Katnyopia ~~، أو المقولات العشر التي هي أعم أجناس الوجود، جعلها أولا: ~~الجوهر، ثم أعراضه التسعة: الكم، والكيف، والإضافة، والزمان، والمكان، والوضع، والحالة ~~والفعل، والانفعال. إن أرسطو - بفلسفته المنصبة على الوجود، التي دعمت الفلسفة طوال ~~العصور الوسطى ودعمتها هي كذلك - كان لا بد أن يجعل الجوهر «القائم بنفسه، والمتقوم بذاته، ~~والمتعين بماهيته، والذي تقوم به الأعراض والكيفيات»، # 1 # هو المقولة الأولى، فالوجود أو الكون واحدي؛ أي حقيقة واحدة لا تكثر فيها؛ أي ~~جوهر كلي. وما نراه من اختلافات ليس إلا صفات تحمل على الجوهر، والمنطق هو الأورجانون # Organon # أو أداة الفكر لأحكام هذا الحمل؛ لذا كان ~~المنطق قياسيا، حمليا، استنباطيا، وكل مقدماته ونتائجه قضايا مكونة من موضوع ~~ومحمول. # وكانت فاتحة الحضارة الحديثة، وبدء طريق العقل الحديث في العصر الحديث، حين نقل ديكارت ~~الفلسفة من محور الوجود إلى محور المعرفة، فأصبحت من رأسها إلى أخمص قدميها فلسفة منصبة على ~~المعرفة وتدور حولها؛ مما هيأ المناخ الغربي لنشأة العلم الحديث ونموه. وقد كان هذا مرتهنا ~~بالافتراق عن طريق أرسطو # 2 # ومنطقه وجوهره. وبتنامي بنية الحضارة الحديثة، وسيرها قدما في طريقها، كان ~~الجوهر الأرسطي يتوارى ويضؤل شيئا فشيئا، حتى تلاشى نهائيا بنشأة المنطق الحديث على يد ~~جورج بول # G. Boole ~~(1815-1864) مؤسس ms02 جبر المنطق، وأبي ~~المنطق الرياضي أو الرمزي. # وإذا كان المنطق الأرسطي هو منطق الحمل الذي لا يعرف إلا القضية الحملية ، فإن المنطق ~~الرياضي الحديث هو منطق العلاقات، والقضية فيه قد تكون لزومية شرطية أو انفصالية أو عطفية ~~أو تركيبية من هذا وذاك. والحق أن منطق العلاقات هذا يعد من أعظم إنجازات الفلسفة ~~المعاصرة، فقد جعل من الممكن صياغة مشكلات قديمة بطريقة جديدة، وكان له دوره العظيم في ~~إثراء الفكر الفلسفي المعاصر، وتطوير الرياضيات البحتة. والذي يهمنا الآن فيه أنه يتسق مع ~~النظر إلى الكون على النحو الذي ينظر به العلم الحديث إلى الكون؛ أي: بوصفه ليس واحديا ~~بحال، بل بوصفه تعدديا. وكل الفلسفات ذات الطابع العلمي والعقلاني لا بد أن تسلم الآن ~~بالتعددية. # وقد بلغت هذه التعددية ذروتها بفلسفة الذرية ~~المنطقية # Logical Atomism # مع أعظم فلاسفة العصر وصاحب الفضل الأول في تطوير المنطق الرياضي ~~برتراند رسل # B. Russell ~~(1873-1970) وتلميذه ورفيقه ~~لودفيج فتجنشتين # L. Wittengstein ~~(1889-1951). # والذرية المنطقية كانت بمثابة رد فعل لواحدية برادلي خصوصا والميتافيزيقيين عموما، كما ~~كانت في الوقت نفسه انعكاسا لكشف العلم للطبيعة الذرية لكل شيء، # 3 # وخلاصتها أن العالم على النقيض تماما من فرضية الواحدية، كثرة متكثرة من ~~الوقائع التي ترتبط بعلاقات. والواقعة # Fact # هي شيء معين له ~~كيفية معينة، أو أشياء معينة ذات علاقات معينة، والواقعة ترسمها أو تصورها القضية الذرية، ~~التي تعبر عن ذلك الشيء الواحد الكائن في آن معين من آنات الزمان، ونقطة معينة من نقاط ~~المكان. أما إذا ارتبطت واقعتان أو أكثر، فإن القضية التي ترسمهما - أو ترسمها - هي القضية الجزيئية، # 4 # وهذه الذرية المنطقية شاعت في الفلسفة المعاصرة، واتخذها التيار التحليلي بأسره ~~أساسا أنطولوجيا له، واتخذتها مذاهب أخرى متعددة، كبراجماتية وليم جيمس # W. James ~~(1842-1910) الذي جعل التعددية المتطرفة ~~الرافضة جدا للواحدية هي هندسة بنائه الأنطولوجي، وكانت التجريبية الراديكالية أو الجذرية ~~هي مادة هذا البناء. لقد قال جيمس ما كان يحتاج تماما إلى الصياغة المنطقية للتعددية التي ~~نجدها في الذرية المنطقية، ms03 والغريب حقا أن جيمس، وهو عالم ذو باع كبير في الفسيولوجيا ~~وعلم النفس، وفيلسوف من الطراز الأول، وقد اشتهر بعدائه الغريب للمنطق، حتى إنه قد قال عن ~~برتراند رسل العظيم؛ لكونه منطقيا: تبا له من حمار! # 5 # وسواء أخذنا بالذرية المنطقية أو رفضناها، أو حتى رفضنا التيار التحليلي بأسره، وأيا ~~كان الموقف من مسلمة التعددية المعاصرة وإطلاقها أو كبح جماحها، فالذي لا جدال فيه أن ~~الجوهر الأرسطي الآن، من أية زاوية ومن أية وجهة للنظر قد انزاح تماما؛ فنستطيع إذن أن ~~نعيد الأمور إلى نصابها، ونجعل المقولة الأولى، أو ما يتصدر أعم أجناس الوجود، ليس الجوهر، ~~بل مقولتي الزمان والمكان. # إن الزمان والمكان هما القالب الذي صب فيه هذا الوجود جملة وتفصيلا، وانتظم بفضلهما ~~على هيئة كوزموس # Cosmos ~~؛ أي: كون منتظم. والكوزموس أو ~~الكون الذي تتعامل معه الفيزياء الحديثة هو المادة تتحرك عبر المكان خلال الزمان. والنظرية ~~الفيزيائية العامة هي التي تحدد قوانين هذه الحركة؛ أي: حسابات الانتقال من نقطة إلى ~~أخرى في المكان بسرعة معينة؛ أي: خلال مدة من لحظة إلى أخرى في المكان بسرعة معينة، أي: ~~خلال مدة من لحظة إلى أخرى في الزمان. ونظرا لعمومية الفيزياء وشموليتها وتربعها على قمة ~~نسق العلوم الإخبارية، فإن سائر أفرع العلم الأخرى - سواء الطبيعية أو الحيوية أو الإنسانية ~~- تسلم بمسلمات الفيزياء؛ فعوالمها مجرد زوايا أكثر خصوصية في عام الفيزياء، الذي هو مادة ~~متحركة في الزمان والمكان. ومن ثم، فإن الزمان والمكان صلب عالم العلم، أو الوجود الذي ~~يتعامل معه العلم. # وحتى قبل نشأة العلم الحديث بقرون عدة، كانت الفلسفة قد صاغت نظريا ما هو معطى للحس ~~المشترك، فذهبت إلى أن العالم الخارجي أو الكون كوزموس، سلسلة من الظواهر يستحيل منطقيا ~~حدوث أيها خارج نطاق الزمان والمكان. وقديما أشار هيراقليطس إلى أنه لا وجود خارج إطارهما، ~~حين قال: لا شيء في هذا العالم يستطيع أن يتجاوز مقاييسه، وهذه المقاييس هي الحدود المكانية ~~والزمانية. أما الفيثاغورية فقد رأت أن «العالم قد وجد (أصلا) ms04 بفضل ما له من حدود ~~زمانية مكانية.» # 6 # والخلاصة إذن أنهما إطار الوجود الذي عهدناه. # والأمر كذلك تماما على مستوى المعرفة، فهي أيضا لا تتم إلا في إطار الزمان والمكان. ~~والمقصود بطبيعة الحال المعرفة بهذا الكون، أو على الأقل بظواهره، وهي التي تعهدت الفلسفة ~~برؤاها ومبادئها ومسلماتها ومناهجها، حتى تسلمها العلم الحديث إبان نشأته في القرن السادس ~~عشر وهي مهيأة لتنام وتعملق ما كان يخطر على بال. # إن الزمان والمكان كما أشار إيمانويل كانط # I. Kant ~~(1724-1804) إطاران مفطوران في صلب العقل الإنساني الذي يقوم بعملية المعرفة، شكلان قبليان ~~للحساسية، يتم وفقا لهما ترتيب معطيات هذه الحساسية ومضمون خبرة الإنسان بالعالم الخارجي، ~~أو تجربته الخارجية. فالزمان والمكان إذن صورتان قبليتان أو شرطان للمعرفة، مثلما هما - كما ~~رأينا - إطاران للوجود. # والمعرفة والوجود - أو الإبستمولوجيا والأنطولوجيا - هما في خاتمة المطاف المحوران ~~النهائيان اللذان لا بد أن يدور حول أحدهما أي جهد للعقل البشري. أما القيمة - الأكسيولوجيا ~~- المحور الفلسفي الثالث والأخير، فمحض تقاطع بين المحورين الأولين، وتمثيل لعلاقة الذات ~~العارفة بهذا الوجود ورؤيتها له وإسقاطاتها عليه. # من هنا كان الزمان والمكان بوتقة لمطلق قدر الإنسان، مطلق حدود عالمه وآفاق عقله. ويرى ~~صمويل ألكسندر # S. Alexander ~~(1859-1937) أنهما الأصل ~~الهائل أو الحقيقة المبدئية التي نشأ عنها العالم، هيولى أولى أو جوهر أصلي أو خامة Primal Stuff # صدرت عنها كل الوجودات بالانبثاق، فعن ~~الزمان والمكان انبثقت أولا المادة، وبالتدريج انبثقت الحياة، ثم الوعي، وأخيرا الألوهية، ~~بل إنهما يظلان أيضا ماهية الموجودات بعد انبثاقها عنهما، فتظل كل الأشياء مثل مصدرها ~~زمانية مكانية، # 7 # ونجد أرنست كاسيرر # E. Cassirer ~~(1874-1945) ~~بفلسفته للأشكال الرمزية يعرف الإنسان بأنه حيوان رامز، فالرمز - لديه - هو الحد الفاصل ~~لإنسانية الإنسان، وهو المفسر لجميع فعالياته؛ كالأسطورة، والدين، والأخلاق، والبناء ~~الاجتماعي، أو السياسي، والفن، والفكر، والعلم ... إلخ. وكل هذه الفعاليات المتباينة يصهرها ~~في بوتقة الإنسانية اشتراكها في شيء واحد؛ هو صلتها بالزمان والمكان. وأكثر من هذا يوضح ~~كاسيرر أن الزمان والمكان في الفكر الأسطوري ms05 لم يكونا محض شكلين فارغين أو خالصين، بل كانا ~~يعدان القوتين العظميين اللتين تحكمان كل شيء وتصرفان حياتنا الفانية وحياة الآلهة ~~أيضا وتحددانها. # 8 ~~••• # من هذا التصور الأسطوري يتضح أنه إذا كنا قد أزحنا الجوهر الأرسطي وجعلنا الزمان والمكان ~~في صدر المقولات والفكرتين الأوليتين، فإن هذا ليس كشفا حديثا، بل هو مجرد وضع الأصبع ~~عليهما، أو بلورة ناصعة لما هو كائن منذ أن كان الإنسان، وفلسفة أرسطو ذاتها عنيت عناية ~~بالغة بالزمان والمكان. # إن تقولب كل وجود في قالب ما من الزمان والمكان هو بؤرة من بؤر الوعي الإنساني في كل ~~مستوياته: من الحس المشترك إلى التفكير العلمي إلى الفكر الفلسفي. # وفي كل عهوده، منذ العصر الأسطوري الذي يتسم باضطراب خط الزمان والمكان؛ حيث تقع حوادث ~~الأسطورة في إطار زماني غير منطقي، وتنتقل عبر أمكنة لا يمكن تصور الانتقال بينها، وحتى عصر ~~النسبية بمتصلها الزماني-المكاني (أو الزمكاني) الذي يبلغ درجة مبهرة في تعيينهما بدقة ~~متناهية تنطبق على الكوكب وهو يتحرك في السماء، كما تنطبق على الإلكترون وهو يتحرك حول نواة ~~الذرة. # الفصل الثاني # | تميز الزمان عن المكان # انتهينا إلى أن الزمان والمكان متقاطعان بوصفهما إطارا للوجود، خصوصا لعالم الظواهر فيه ~~- كما أسماه كانط - وبوصفهما شرطا قبليا للمعرفة به. إنهما بلا شك مترابطان، وقد كان ~~جان بياجيه # J. Piaget # يملك حيثياته الفلسفية والعلمية ~~والسيكولوجية حين طابق بينهما بواسطة الحركة المكانية والسرعة الزمانية، اللتين هما وجهان ~~لعملة واحدة، بل لعلهما اسمان لمسمى واحد. ومن ثم قال بياجيه إن الزمان مكان متحرك والمكان ~~زمان ثابت. # إنهما بالنسبة للتفكير العقلاني والعلمي، وعلى أخص الخصوص بالنسبة للفيزياء لا ينفصلان ~~البتة؛ فقياس الظواهر يتم بالاعتماد عليهما معا، وكلاهما نظام ضخم من العلاقات، وبتشابكهما ~~معا يحويان الأنظمة الأخرى جميعا «الزمان وحدة والمكان وحدة، وكل نطاق أو حيز معين جزء من ~~المكان، وكل أجزاء المكان ترتبط معا في وحدة، تماما كما أن كل مدة معينة جزء من الزمان، ~~وكل أجزاء الزمان ترتبط معا في وحدة.» # 1 # ولعلهما من ms06 زاوية ما للنظر - خصوصا إذا كانت العقلانية والعلمية - يبدوان ~~متماثلين ويثيران مشكلات واحدة، حتى إن الطوبولوجيا # Topology # مثلا، وهي العلم الذي قام لدراسة أخص خصائص المكان من حيث ~~هو مكان؛ أي: العلاقات المكانية المختلفة؛ كعلاقة الجزء بالكل، وعلاقات الاندماج والانفصال ~~والاتصال، التي تعطينا الشكل الثابت للمكان، الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات ~~والأحجام - هذا العلم قد ماثله بحث في طوبولوجيا الزمان - كما سنرى. وخير مثال فلسفي يوضح ~~كيف أنهما قد يثيران مشكلات واحدة، ويوضح أيضا كيف أنهما إطار لا مخرج منه للوجود وللمعرفة ~~هو التساؤل الشهير: إذا كان للزمان بداية ونهاية، فما الذي يوجد قبله وبعده؟ إذ يماثله ذلك ~~التساؤل: إذا كان للمكان بداية ونهاية، فما الذي يوجد قبل المكان وبعده؟ والمثال هنا الأقرب ~~إلى التفكير العلمي هو هذا التساؤل: هل يمكن أن يوجد زمان خال تماما؟ ومن ثم هل يمكن ~~التفكير في زمان بمعزل تام عن أية أحداث؟ ويماثله مباشرة تساؤل عن تصور مكان خال تماما. ~~وهذه المشكلة تبناها أمير علماء العلم الحديث إسحاق نيوتن في بحثه عن الزمان والمكان ~~المطلقين، فقد أشار في مقدمة كتابه العظيم «مبادئ الفلسفة الطبيعية» (سنة 1687)، إلى أن ~~التفكير العادي لا يتناول الزمان والمكان والحركة إلا من حيث علاقتهما بالأشياء المحسوسة، ~~وأنه لا بد من نبذ هذه الطريقة لكي نخرج من معلوماتنا الحسية بتجريد، يمثل أساسا ولبنة ~~للعلم، فكان أن فعل وخرج بمفهوم للزمان والمكان المستقلين عن كل شيء والثابتين دائما أو ~~المطلقين. ويوضح لنا عالم الفلك والفيزياء وفيلسوف العلم جيمس جينز أن العلم يطرح أربعة ~~معان متميزة للمكان يقابلها أربعة معان متميزة للزمان؛ هي: المكان التصوري، والمكان ~~الإدراكي، الحسي، والمكان الفيزيائي، والمكان المطلق. يقابلها: الزمان التصوري، والزمان ~~الإدراكي الحسي، والزمان الفيزيائي، والزمان المطلق. # 2 # وكقاعدة عامة، يتصور الفيزيائي الزمان بالطريقة نفسها التي يتصور بها المكان؛ ~~فهو يفترض أن كليهما متصل قابل للقياس، وتتخذ كل أحداث الطبيعة موقعا فيه. وكما تعامل ~~الهندسة - علم قياس المكان - المكان في حدود نقاط وعلاقاتها، يعامل الكرونومتري # Chronometry ~~- علم ms07 قياس الزمان - الزمان في حدود لحظات ~~وعلاقاتها. وكما أن الوعي لا يتلقى نقاطا لا امتداد لها، فإنه لا يتلقى لحظات لا ديمومة ~~لها. والعلاقات المكانية تماثل - صوريا - العلاقات الزمانية، ولكن المكان فكرة على قدر من ~~البساطة، ويتعامل العلماء معه بسهولة، أما الزمان والحركة فموضوع شديد التعقيد. # 3 # إن المكان كائن دائما في المكان، أما الزمان فيتدفق في قلب الزمان؛ فلا بد إذن أن الزمان ~~يتوغل في مستويات فلسفية وعلمية أبعد، لا يطولها المكان. ~~••• # فعلى الرغم من كل ما رأيناه من ارتباط الزمان والمكان، فإنهما ليسا البتة على قدم ~~المساواة، وليسا متساويين أو متكافئين، بل كان الزمان دائما - من وجهات النظر المختلفة - ~~متميزا عن المكان ومتقدما عليه، حتى إن صمويل ألكسندر الذي رأى أنهما ندان لا ينفصلان، ~~وأكد فلسفيا ما أكدته النظرية النسبية علميا من أنه لا يوجد مكان مستقل أو زمان مستقل، ~~بل ثمة فحسب زمانيات مكانية تستلزم زمانا-مكانا أوليا تنبثق عنه كل الأشياء؛ عاد بعد ~~هذا ليعلي من شأن الزمان بوصفه مبدأ تنظيم، لولاه لكان المكان كتلة مصمتة. وبتعبير مجازي ~~يقول إن المكان جسد الكون والزمان عقله، وليس هذا ببعيد عن الثنائية التي أرساها أبو ~~الفلسفة الحديثة ديكارت بتفرقته الحاسمة بين المادة أو الجوهر الممتد، والعقل أو الجوهر ~~المفكر. # وإيمانويل كانط أيضا، وهو من أكثر الفلاسفة عناية بالربط بينهما، وقد ذهب إلى أن الفارق ~~الوحيد بينهما هو أن الزمان يقوم على التوالي بمعنى التعاقب بين الأحداث وفقا للسببية، أما ~~المكان فيقوم على التتالي بمعنى التجاور وفقا لعلم الهندسة. نقول إن كانط أوضح أن المكان ~~هو شكل تجربتنا الخارجية، أما الزمان فهو شكل تجربتنا الداخلية. ولكن العالم الخارجي - كما ~~تنص فلسفة كانط النقدية - لا ينفصل البتة عن الشروط الداخلية في العقل الذي يتصوره. لذا عاد ~~كانط في نقد العقل الخالص ليقدم الزمان على المكان ويعتبره الأعم والأشمل؛ لأن المكان مقصور ~~على الظواهر الخارجية وحدها، أما الزمان فهو الشرط الصوري القبلي لجميع الظواهر بوجه عام، ~~ومن ثم فإن له - دون المكان ms08 - «علاقته الوثيقة بالعالم الداخلي للانطباعات والانفعالات ~~والأفكار. والزمان بهذا الوصف هو معطى من معطيات الوعي المباشر، وهو أكثر حضورا من المكان، ~~بل من أي تصور آخر كالسببية أو الجوهر، فكأنه لا خبرة هناك إلا إذا كانت تتسم بطابع زماني.» # 4 # وليس من الضروري بطبيعة الحال أن تتسم كل خبرة بطابع مكاني، بل إن الخبرة بغير ~~عالم الظواهر الخارجية لا يمكن أن تتسم بالطابع المكاني. # وإذا كان الفيلسوف الألماني كانط شيخ الفلسفة الحديثة بأسرها، فإن أهم ما أخرجته الفلسفة ~~الألمانية المعاصرة في القرن العشرين كتابان؛ الأول: هو كتاب مؤسس الفينومينولوجيا ~~إدموند هوسرل # E. Husserl ~~(1891-1938) دراسات منطقية # Logische Untersuchungen # وقد اعتنى هوسرل بالوعي ~~الباطني والتوصيف الفينومينولوجي له، والثاني: كتاب مارتن ~~هيدجر # M. Heidegger ~~(1889-1976) الوجود ~~والزمان # Sein Und Zeit ~~(1927) وقد اكتسب هذا الكتاب أهمية فلسفية فائقة، حتى عد إنجيل ~~فلسفات الوجود والفلسفة الوجودية المعاصرة؛ وذلك لأنه نظر إلى الوجود أخيرا نظرة كانت ~~مجدية حقا، نظر إليه من خلال الزمان. وفي القسم الأول من الكتاب اعتبر هيدجر أن الزمان هو ~~الأفق الترانسندنتالي المتعالي الذي ننظر منه إلى السؤال عن الوجود؛ إذ إنه بالزمان ~~والزمانية يفسر «الدازين» # Dasein ~~(الموجود ثمة أو الكائن ~~الملقى به هناك والتي ترجمت بالآنية)، «أما في القسم الثاني من الكتاب، فيشرح المعالم ~~الرئيسية لما يسميه «التحطيم الفينومينولوجي» لتاريخ الأنطولوجيا على هدى من مشكلة الزمانية.» # 5 # وقد وضع هيدجر مصطلحات معقدة وجهازا فلسفيا مهيبا وفعالا؛ لينجز هذه ~~المهمة التي كانت ضرورية، مهمة التفسير الزماني للوجود والتفسير الوجودي للزمان، واعتبار ~~الزمان الأفق الذي نطل منه على الوجود. # فقد ارتبط الزمان دائما بالوجود، ونحن لا نفكر في أحدهما دون أن نفكر في الآخر و«الوجود ~~منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور، والحضور يكون في أفق الحاضر ويتكلم بصوته، والحاضر في ~~التصور الشائع بعد من الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصورنا للزمن الذي يسير على طريق لا ~~رجوع فيه من ماض إلى حاضر إلى مستقبل. والماضي في تصورنا الشائع أيضا هو الذي لم يعد ~~له ms09 وجود، كما أن المستقبل هو الذي لم يوجد بعد.» # 6 # إن ثمة علاقة عكسية وتحديدا متبادلا بين الزمان والوجود؛ لذا فربما بدا ~~المكان أقدر من الزمان على البقاء، إلا أن وجودنا يرتبط ويتحدد بالزمان المنقضي المتلاشي، ~~أكثر كثيرا من ارتباطه بالمكان. ~~••• # والتقابل بين المكان والزمان يمكن وضعه وتصعيده على ~~النحو التالي: # المكان # الزمان # النقطة # اللحظة # الامتداد # الديمومة # التجاور # التعاقب # التتالي # التوالي # السكونية # الحركية # الثبات # التغير # الكينونة # الصيرورة # هكذا ننتهي إلى أن الزمان - دون المكان - هو الكائن الصائر السيال المنقضي دائما: ماض ~~لم يعد ومستقبل لم يأت وحاضر لا يكون أبدا، ينفلت من بين فروج الأصابع دائما. ومجرد ~~الإمساك باللحظة الراهنة يعني انفلاتها وإتيان اللحظة التالية لتنفلت هي كذلك في توال لا ~~يتوقف أبدا، أو لم نبدأ من اللحظة، واللحظة آن، و«الزمان مكون من آنات يرفع كل منها الآخر، ~~فهو تغاير مستمر، موجود بوصفه غير موجود، وغير موجود بوصفه موجودا.» # 7 # هذه الطبيعة الانزلاقية المتحركة، بل الدافقة الجارفة والمروعة للزمان، هي التي جعلته ~~يتحد بالوجود ثم العدم، بالحضور ثم الفناء. والزمان هو الذي ينبئ الإنسان بموته وزواله ~~وعبثية كل جهوده، كما يبشره بانتظار الجديد الوافد، الميلاد الذي سوف يحدث والجديد الذي سوف ~~يطرأ، مثلما أن الموت سوف يحدث والطارئ سوف يبلى. إن الزمان هو الذي يحمل أمل الإنسان ~~ويأسه، مجده وتفاهة شأنه، إنه الكيان الموجد الفاني. # لذلك «لو رجعنا إلى المصطلح اليوناني لكلمة الزمان فسوف نجد أن كلمة كرونوس # Chronos # تشير إلى الزمان منذ عصر هوميروس»، # 8 # وكرونوس إله يخشى على ملكه من أبنائه، فيلتهمهم الواحد بعد الآخر، وكذلك الزمان ~~هو الذي ينجب الكائنات، ثم هو الذي يقضي عليهم. # 9 # لذلك يفر الإنسان دائما من كرونوس إلى أيون # Aion ~~. وأيون ~~كلمة يونانية تشير إلى الزمان بمعنى الأبدية، التي احتلت موقعا جوهريا في بنية العقل ~~طوال تاريخه. فلكي يواجه الإنسان (الماضي، الحاضر، المستقبل) وضع (الأزلية، السرمدية، ~~الأبدية) في محاولة منه للتغلب على شر الزمان، وتحطيم لأطره وانفلات منه، يتخذ صورا عدة. ~~فأبو ms10 اليزيد البسطامي - مثلا - يعرف توحيد الشهود الذي هو توحيد الخواص «بأنه الخروج من ~~ضيق الحدود الزمانية إلى سعة فناء السرمدية.» # 10 # إن الشعور بالتناهي والزوال الذي يجعله الزمان مسيطرا على الإنسان هو الذي دفع ~~الفلاسفة اليونان الأولين لأن يقولوا: كل شيء عائد إلى أصله، ولا بد أن يعاني العقاب وذلك ~~تبعا لقانون الزمان (دورته الأبدية). ثم جاء الإنجيل الرابع يؤكد الحياة الأبدية للمسيح، ~~وتحدث الصوفي العظيم الميستر إكهارت # Eckhart ~~(1260-1327) عن الآن الأبدي داخل «سيلولة» الزمان ، # 11 # مؤكدا أن الأول - أي الآن الأبدي - هو الحقيقة، أما الزمان فوهم غير حقيقي. ~~والواقع أن الأبدية محض هروب من الزمان الغادر الفاني، الذي هو قدر الإنسان، فإلى أين؟ إلى ~~زمان آخر فحسب نرجوه لا يغدر ولا يفنى، فهل الأبدية تحمل الخلاص من ربقة الزمان أم ينطبق ~~عليها قول أبي العلاء المعري: # وهل يأبق الإنسان من ملك ربه # فيهرب من أرض له وسماء؟! # ومهما يكن الأمر، فإننا نلاحظ أن مفهوم الأبدية الموازي للزمان ليس له مماثل بشأن المكان ~~الذي لا يمس صميم المصير الإنساني. إن المكان مقولة فلسفية لها قضايا محددة أما الزمان ~~فمقولة استحالت إلى إشكالية من أمهات المسائل الفلسفية، التي أرقت لها العقول وتضاربت ~~بشأنها الرؤى واسترعت الاهتمام واستأثرت به، وبزت جميع إشكاليات الفلسفة في ذلك كله منذ ~~وجد الإنسان. فإذا اعتبرنا الحضارة الفرعونية هي الفجر الناصع لحضارة الإنسان، لاحظنا ~~كيف انصبت جهودها على تأكيد عقيدة الخلود في الحياة الأخرى، تحديا للزمان، وتقف الأهرامات ~~مصداقا شامخا على هذا. ~~••• # وتميز الزمان عن المكان لا يقتصر على أن الزمان له طبيعة تجعله مخاطبا لعالم الإنسان ~~الداخلي ومسترعيا لصميم وجوده ووجدانه؛ أي متوغلا في العالم المقابل لعالم العلم، بل إن ~~الزمان يتميز عن المكان أيضا في قلب عالم الظواهر - عالم العلم. # لقد ذكرنا أن كل فروع العلم تسلم - كما تسلم الفيزياء - بأن الزمان والمكان إطاران ~~متقاطعان لهذا الوجود أو العالم الذي يبحث كل فرع من فروع العلم في زاوية من زواياه. هذا ~~صحيح، لكن من ms11 الصحيح أيضا أن كل علم له اعتماده الخاص على مفهوم الزمان دون المكان؛ ~~فالحياة العضوية لا توجد إلا بمقدار ما تتطور في زمن، فهي ليست شيئا بل عملية، تيار مستمر ~~من الأحداث أو الوظائف، يعني ديمومة معينة من الزمان. # وقد تعاظم أمر الزمان في العلوم الحيوية حين ظهر علم البيولوجيا العام - الذي يبحث في ~~نشأة ظاهرة الحياة على سطح الأرض وتطورها - حين تقدم دارون بنظريته عن أصل الأنواع الحيوية ~~ونشوئها وتطورها خلال مراحل زمانية. # والمجموعة الثالثة في نسق العلم، بعد مجموعة العلوم الفيزيائية أو علوم المادة الجامدة، ~~ثم مجموعة العلوم البيولوجية أو علوم المادة الحية؛ هذه المجموعة الثالثة هي مجموعة العلوم ~~الإنسانية التي تعتمد أكثر وأكثر على الزمان. فدراسة الظواهر الإنسانية - من أية زاوية - ~~تتمركز دائما حول الزمان. # والزمان معطى مباشر للوعي، ولكنه معطى شديد التعقيد، وهذا ما دفع كاسيرر في مرجعه المذكور ~~«مقال في الإنسان» إلى الإشارة إلى عدة مستويات لإدراك الزمان، أدناها «الزمان العضوي» ~~الموجود لدى الكائنات الحية حتى لدى الأشكال الدنيا منها، وإذا اقتربنا من الحيوانات العليا ~~سنجد شكلا جديدا يسميه كاسيرر «الزمان الحسي» وهو ذو طبيعة سيكولوجية معقدة، وفي النهاية ~~نجد الزمان الرمزي الذي يدخل فيه مفهوم الزمان الفيزيائي العلمي الدقيق. # وكما ظهرت فكرة التطور في علم الحياة وتوغلت في بنية الفكر المعاصر من زوايا عديدة، ظهرت ~~فكرة التقدم في العلوم الاجتماعية المعاصرة، ونشأ علم النفس الارتقائي لبحث نمو سيكولوجية ~~الطفولة، فيزداد اعتماد العلوم الإنسانية الحديثة جميعا على الزمان. # وحتى قبل ظهور العلوم الإنسانية الحديثة كان لا بد أن تدور المباحث الإنسانية حول محور ~~الزمان. وخير ما يبرهن على هذا أن أفلاطون عجز عن الاستغناء عن محور الزمان بالرغم من أنه ~~أعدى أعداء مقولة التقدم، «وما كان ليقبل أبدا الفكرة القائلة بأن مبادئ النظام الاجتماعي ~~الصحي تتغير من عصر لعصر ومن مجتمع لآخر؛ فقد أكد أنها أبدية ثابتة كمبادئ النظام الطبيعي، ~~وإن كان يمكن تشويهها وإفساد المجتمع بألف طريقة.» # 12 # وهذا ما دفع أفلاطون إلى تكريس ms12 الكتاب الثامن من الجمهورية لبحث مراحل التدهور ~~التي تعقب الحكم المثالي حكم الفلاسفة، وحددها بخمس مراحل من الحكومات الدنيا أو الحكم ~~السيئ؛ هي: الأرستقراطية، ثم التيموقراطية، وهي حكومة الحماسة للحرب، ثم الأوليجارشية، وهي ~~حكم القلة من الأغنياء، تعقبها مرحلة استيلاء الأغلبية الفقيرة الدهماء على الحكم؛ أي مرحلة ~~الديمقراطية التي تفضي إلى حكم الطغيان والاستبداد. هذه الحكومات الخمس متعاقبة، كل منها ~~أسوأ من سابقتها، وهي بطبيعة الحال تتم عبر مراحل زمانية. # ولا غرو أن يكون الزمان محورا أساسيا من محاور فلسفة جيامباتستا فيكو # G. Vico ~~(1668-1744) رائد فلسفة التاريخ. وليس بالنظر فحسب إلى ~~فلسفته في التاريخ، وهي وثيقة الاتصال بالزمان لدرجة تغني عن الذكر، ولكن نظرية فيكو في ~~فلسفة القانون كانت هي أيضا قائمة على مقولة الزمان، أو بتعبير أدق، على «فكرة تقسيم الأزمنة # Sett dei tempi ~~، باعتبارها مبدأ قابلية العملية ~~القانونية للنمو والحياة والتطبيق، كما كانت عند الرومان.» # 13 # وعلى ضوئها كانت مجمل فلسفته للقانون فضلا عن التاريخ. # إن الإنسان أكثر الكائنات طرا وعيا بالزمان وتحددا بإطاره وتفاعلا بمساره، فهل يمكن ~~لأي نظر أو دراسة للإنسان، ألا ترتكز على مفهوم الزمان، بصورة أو بأخرى؟! # ويمكن أن ننظر للأمر نظرة أكثر عمومية وشمولية لنجد المعرفة العلمية على إطلاقها تتشابك ~~تشابكا خاصا مع الزمان. ولنستعر قول نيقولاي بيرديائيف: «لقد علمنا أفلاطون أن المعرفة ~~تذكر، أو بتعبير آخر هي انتصار على دولة الزمان.» # 14 # ذلك بأن قوة التذكر انفلات من أسر التجربة الحسية المباشرة واقتحام للماضي، ~~لزمان لم يعد كائنا. وتقوم المعرفة التاريخية، على وجه الخصوص، سواء التاريخ الجيولوجي ~~أو الطبيعي الحيوي أو الإنساني تقوم بتأكيد قدرة الإنسان على هذا الانفلات، ويتصل بها كذلك ~~قدرة العلم على التنبؤ، التي تتعاظم يوما بعد يوم وتزداد دقة، فالتنبؤ هو أيضا اقتحام ~~لآفاق المستقبل؛ أي: آفاق الزمان الذي لم يوجد بعد. # وثمة أيضا التنبؤ العكسي الذي يقتحم الماضي، كأن يستدل العلماء على أوضاع فلكية أو ~~فيزيقية كانت منذ زمن قريب أو بعيد. وعلى الإجمال، فإن تنامي ms13 القدرة على اقتحام آفاق الزمان ~~معيار مهم من معايير التقدم العلمي الذي يحرزه الإنسان. ~~••• # وهكذا، نرى صور تميز الزمان على المكان، فضلا عن انفراده بعالم الوجدان اللامنطقي ~~المنطلق، ولكل ذلك فاق الزمان المكان حيثية وشأوا في عالم العلم ذاته. إن المكان له - ~~بطبيعة الحال - حيثية، وقد انشغل به نفر من الفلاسفة منذ ما قبل السقراطيين الذين بحثوا في ~~الخلاء والملاء، إلى فلاسفة العلم المعاصرين والمعنيين بالرياضيات البحتة والتطورات الخطيرة ~~التي حدثت لعلم الهندسة في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ حيث ظهرت هندسات لا إقليدية كاملة ~~الأنساق، وأصبح لدينا ثلاثة أنساق هندسية متكافئة منطقيا؛ الأولى: هندسة إقليدس المعهودة ~~التي تفترض أن المكان أو السطح كما ندركه مستو، وهندسة لوباتشيفسكي التي تفترضه مقعرا، ~~وهندسة ريمان التي تفترضه محدبا. ثم أصبحت الأخيرة مع آينشتاين هي الهندسة التطبيقية أو ~~هندسة الواقع الفيزيائي، بعد أن كانت الإقليدية هي السائدة مع نيوتن، # 15 # ولكن إذا كان للمكان قضايا معينة انشغل بها نفر من الفلاسفة، فإن الزمان له ~~قضايا لا أول لها ولا آخر، ولا يوجد فيلسوف ذو اعتبار لم يدل بدلوه في إشكاليات الزمان. ~~إن الزمان هو الذي استرعى انتباه الجميع، وأثار من الدهشة - أم التفلسف - ما لم يثره ~~سواه، وما لا يضاهي بما أثاره المكان، ولا ما أثارته أية مقولة فلسفية أخرى. # الفصل الثالث # | متاهات إشكالية الزمان # وما دامت مقولة الزمان بكل هذه الحيثية وكل هذه الشمولية من ناحية، ثم الهلامية المراوغة ~~من الناحية الأخرى، فلا بد أنها تحتمل النظر من ألف زاوية وزاوية، لنخرج بألف وجهة للنظر ~~ووجهة، وبصورة تنذر بمتاهات لإشكالية الزمان، لا مخرج منها. # وبادئ ذي بدء نلاحظ أنه قد أثيرت مشكلة ما إذا كان الزمان أصلا حقيقة أم وهما. صحيح ~~أن العلم بواقعيته المبدئية يسلم بالوجود الموضوعي للزمان من حيث يسلم بموضوعية الكون؛ أي ~~بأنه موجود في حد ذاته سواء أكان ثمة ذات تدركه أم لا. فضلا عن أن الذوات جميعا تدركه ~~بالطريقة نفسها ولكنه ليس من الضروري أن تلتزم الفلسفة كلها ms14 بهذه الواقعية؛ فالمثالية تنكر ~~استقلال الوجود، بل تنكر حتى وجوده ذاته وترده إلى الوعي، وهي تيار فلسفي هام. وكثيرون هم ~~الفلاسفة الذين أنكروا حقيقية الزمان، ولعل أهمهم جون ~~ماكتاجارت # J. Mc Taggart ~~(1866-1925)؛ وذلك لأنه استند على السمات الخاصة بالزمان، وليس ~~على الصعوبات المحيقة به، الصعوبات الخاصة بالاتصال واللاتناهي، والتي تلاشت بالتقدم الحديث ~~في الرياضيات البحتة وحساب اللامتناهي، # 1 # وكذلك لأن حجج ماكتاجارت قد صيغت في صورة استدلالات منطقية، تعتمد على أن ~~ثمة طريقين لترتيب الأحداث في الزمن؛ فنحن يمكن أن نتحدث عنها بوصفها ماضيا، أو حاضرا، أو ~~مستقبلا. ونحن أيضا يمكن أن نتحدث عنها بوصفها سابقة أو لاحقة أو متآنية بعضها مع ~~بعض. # والطريقة الأولى لا يمكن أن ترد إلى الثانية، ما دامت الثانية لا تتيح مجالا لمرور ~~الزمن. والأحداث ماض للأحداث اللاحقة لها وحاضر للمتآنية معها ومستقبل للسابقة عليها، وما ~~حاول ماكتاجارت إثباته هو أن هذه الخصائص الثلاث غير متسقة بعضها مع بعض، ويستحيل التوفيق ~~بينها بطريقة لا تؤدي إلى ارتداد لا نهائي أو دوران منطقي. والواقع أن ماكتاجارت قد وقع في ~~الخطأ المتربص دائما بالمثاليين، وهو استعمال اللفظ الكلي «أحداث» كما لو كان يشير دائما ~~إلى الكيان نفسه؛ فالأحداث لا تكون ماضية ومستقبلة في السياق نفسه وبالنسبة للأحداث نفسها، ~~بل في سياقات مختلفة وبالنسبة لأحداث مختلفة، بصورة تؤكد في النهاية التسلسل ~~المنطقي. # وإذا كان يعتز بأن حججه ليست حدوسا عقلانية بل منطقية للغاية، فإنه يسهل لأساطين الفلسفة ~~المنطقية دحضها. وقد تكفل بهذا كثيرون، نذكر منهم ألفرد جوليوس آير، # 2 # الذي قام بنقل الوضعية المنطقية من فيينا إلى لندن. # ومن خلال نظرة إلى هذه الشريحة المحددة والطارئة في تاريخ الفكر الفلسفي الطويل العريض، ~~يتضح لنا إلى أي حد تضاربت المعالجات الفلسفية لإشكالية الزمان وتعددت. والشريحة المقصودة ~~هي الغزوة المثالية الطارئة التي اقتحمت الفكر الإنجليزي ذا التجريبية العتيدة بأصولها التي ~~تمتد حتى فرنسيس بيكون في القرن السادس عشر وجون لوك في القرن السابع عشر، إلى التجريبيين ~~العلميين في القرنين ms15 التاسع عشر والعشرين. # وقد حدث أن تعرض الفكر الإنجليزي لغزوة من المثالية الألمانية في بدايات القرن التاسع ~~عشر، بيد أنها كانت غزوة ضعيفة؛ لأنها تمت على أيدي شعراء وكتاب رومانسيين من أمثال: ~~كولريدج، وكيتس، وشيلي، ووردزورث، وتوماس كارليل. وجميعهم غير متخصصين في الفكر الفلسفي ولا ~~محترفين له؛ لذلك سهل اندحارها التام على يد جون ستيوارت ~~مل # J. S. Mill ~~(1806-1873) قمة التجريبية الإنجليزية في القرن التاسع عشر. غير أن ~~نهايات ذلك القرن شهدت غزوة مثالية أخرى، كانت قوية مكينة؛ فعرفت حقا كيف تقتحم حصون ~~التجريبية الإنجليزية، فقد كانت معززة بكتابات هيجل العظيم (1770-1830) الذي لا يفلت من ~~قبضته القوية - إما سلبا أو إيجابا - أي من الفلاسفة المعاصرين، ويكفي أن نتذكر تلميذه ~~النجيب كارل ماركس الذي يشغل الجميع. ومن ناحية أخرى كانت هذه الغزوة قائمة على أيدي أكبر ~~أساتذة الفلسفة في أكسفورد؛ لتصبح أكسفورد حينا من الزمان معقلا من معاقل المثالية ~~الهيجلية، على حين ترعرعت في كمبردج كذلك حركة مثالية تروم تجديد الأفلاطونية أو ~~بعثها. # وإذا نظرنا إلى المثاليين الإنجليز سنجد الهيجليين الجدد منهم - في أكسفورد - يتمسكون ~~بالقول بأن الزمان غير حقيقي؛ لأن صميم مفهوم الزمان في نظرهم غير مترابط مع نفسه، وهذا ما ~~يمكن أن تؤدي إليه حقا فلسفة هيجل التي رأت الزمان - كالمكان - جزئيات منفصلة لا اتصال ~~بينها، وكائنة خارج نطاق الذات والروح المطلق. # وبطبيعة الحال، فقد أفادوا من حجج ماكتاجارت الذي كان أستاذا في كمبردج! على حين تمسك ~~«الأفلاطونيون الجدد في كمبردج بأن الزمان يعزى لله، وأنه واحد من أشياء قليلة جدا تتسم ~~بأنها حقيقية!» # 3 # لقد تمسكوا بحقيقية الزمان وجوهريته التي يفرضها العقل، ولكنهم أنكروا ربطه ~~بالحركة والأفلاك وبالأشياء التي تتغير في داخله، ورفضوا قياسه بها، وقالوا إن قياس الزمان # Metrication Of time # عملية منطقية بحتة. وهذا ما ~~يذكرنا بقول أبي العلاء المعري في رسالة الغفران أن ربط الزمان بحركة الأفلاك قول زور بلا ~~أساس. وهذه نغمة سوف نراها تتردد كثيرا في الفلسفات الدينية، والصوفية، والمثالية. # وعلى ms16 الطرف المقابل لهؤلاء، وللمثاليين عموما، نجد التجريبيين الذين يرون الزمان شكلا ~~موضوعيا للعالم. إنه - كما قال وليم جيمس - تصور كوناه من العلاقات الوقتية، التي هي ~~معطى حسي في خبرتنا بالديمومة والحاضر المستمر دائما. وقياس الزمان من ثم عملية تجريبية ~~بحتة تتم من خلال المعاينة الحسية للحركة؛ لأن الزمان نفسه لا يدرك إلا من خلال حركة ~~الأشياء. # والواقع أنه لا المثاليون الخلص على صواب، ولا التجريبيون الخلص على صواب؛ «إذ لا توجد ~~أية حقائق أو وقائع، لا تصورية ولا تجريبية، يمكنها أن تحدد بصورة مطلقة وفذة القياس الوحيد ~~الصائب للزمن.» # 4 # فقياس الزمن مسألة اصطلاحية اتفاقية بحتة، قد تقوم على عناصر مثالية وتجريبية ~~معا . # وبين المثالية والتجريبية يقف كانط، الذي لا ينكر موضوعية الزمان، لكنه ينكر واقعيته ~~المطلقة. فالزمان كما طرحه كانط في نقد العقل الخالص ليس معطى حسيا مأخوذا من أية تجربة ~~عينية، لكنه صورة قبلية شرطية ضرورية لأية تجربة. فالزمان لا يقوم على الظواهر، ولكن ~~الظواهر هي التي تقوم على الزمان، ولا تدرك ولا تتحقق إلا من خلاله. والزمان الكانطي واحد ~~وليس كثيرا، والأزمنة المختلفة أجزاء من هذا الزمان الواحد، وهو لا متناه لأن كل آن قبله ~~آن وبعده آن. # وتأتي ثورة الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، لترد إشكالية الزمان برمتها - كما تفعل ~~بشأن كل إشكالية فلسفية - إلى شروط الاستعمال الصحيح لألفاظ لغوية؛ مثل: قبل وبعد، وماض ~~وحاضر ... إلخ. ولكن إشكالية الزمان، كما تناولها الفلاسفة العلميون، وأهمهم كارل بوبر وهانز ~~رايشنباخ، هي في الحقيقة أكبر وأعمق كثيرا من هذا، إنها مشكلة الملامح العامة ~~للكون. # على أنه قد أثيرت مشكلة الملامح العامة للزمان نفسه، وشكل بنيته، أو ما يسمى ~~بطوبولوجية الزمان، فإذا كان الزمان نسخا أو نظاما من مفردات وقتية، عن طريقها نفهم بعض ~~الأشياء؛ مثل: اللحظة، والوهلة، والآن، والديمومة ... إلخ. فعلى أي نحو تنتظم هذه المفردات؟ ~~أو ما الشكل العام لها؟ في الإجابة عن هذا وضعت ثلاث نظريات في طوبولوجية الزمان، توجزها ~~الأشكال الثلاثة الآتية: # 5 # ويمكن أن نضيف ms17 إليها النقطة. وتصور الزمان نقطة مفردة مستقلة ومطلقة في حد ذاتها له دوره ~~في التصوف، في حين أن الزمان المفتوح بلا بداية وبلا نهاية هو الزمان العلمي، أو - على وجه ~~الدقة - الزمان الفيزيائي. # والزمان المتفرع له دوره في علم التاريخ وفي أنساق فلسفية محددة، أما الزمان الدائري فقد ~~ساد الفلسفة القديمة؛ إذ «كانت الروح اليونانية تنظر إلى الأشياء على أنها لا بد أن تكون ~~متناهية؛ أي: تامة في ذاتها ومقفلة على نفسها. ففي هذا يتحقق الكمال، وتبعا لهذا أتت ~~بنظرتها للكون؛ فهي تريد أن تتصوره مقفلا على نفسه.» # 6 # ومن ثم كان الزمان لديهم، دائرة مغلقة على نفسها، خصوصا أنهم أدركوه من حركة ~~الكواكب التي بدت دائرية، وفي النهاية تمسك اليونان «بفكرة الزمان الدائري الذي تتكرر فيه ~~الأحداث وتتم بشكل دورات متعاقبة، وكان من أثر ذلك قول الإغريق بفكرة العود الأبدي التي ~~وجدت لدى البابليين، وهيراقيلطس، وأنبادوقليس، والرواقيين. وقالوا بالسنة الكبرى أو ~~الاحتراق الكلي. # ومدار هذه الفكرة هو أن البداية والنهاية يلتقيان، ويرمز لهما بالثعبان الذي يلدغ ذيله.» # 7 # فكما ذكرنا، كل شيء عندهم عائد إلى أصله، ولا بد وأن يعاني العقاب. # وفي مواجهة هذا - وخصوصا مواجهة الرواقية - وقفت الأبيقورية لتنفيه، وتقول بطريق واحد ~~للزمان عشوائي ولا حتمي. ولكن الأبيقورية بلا حتميتها تقف وحيدة؛ فكما أوضحنا، ساد التصور ~~الدائري، وقد عضده أمر آخر هو أنه «حتى نهاية المرحلة الكلاسيكية، كان تصور الطبيعة غير ~~تاريخي بالمرة.» # 8 # وإذا كان العود الأبدي قد ظهر من جديد مع نيتشه # F. ~~Nietzsche ~~، (1844-1900) فإن هذا في الواقع مجرد شطحة ميتافزيقية لشاعر تعس. ~~فالزمان الدائري زال تماما في العصور الحديثة بفضل عوامل كثيرة، أهمها المبدأ الثاني ~~للديناميكا الحرارية الذي ينص على عدم قابلية الظواهر الحرارية للارتداد؛ لأن الحرارة لا ~~تنتقل إلا في اتجاه واحد من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد، ومن ثم في اتجاه زماني واحد، ~~غير قابل للارتداد # Irreversible ~~«فيمكن وضع قطعة جليد ~~في ماء ساخن وتصويرها بفيلم؛ فيتضح التوالي الزماني لعملية ذوبان الجليد. ms18 والزمان هنا غير ~~قابل للارتداد؛ لأن العملية غير قابلة للانعكاس، ولا يمكن تصور الجليد يتكون داخل الماء ~~الساخن بعملية انعكاسية.» # 9 # وهناك عامل آخر هو مفهوم الإنتروبي # Entropy ~~، ~~أو انحطاط الطاقة الحرارية، الذي يتغير نحو حد أعلى بمقتضى المبدأ الثاني للديناميكا ~~الحرارية. والإنتروبي كمية تقدم في المقام الأول لتسهيل الحساب، ولتعطي تعبيرا واضحا ~~لنتائج الديناميكا الحرارية، وإنتروبي النسق قياس درجة اضطرابه الحراري وهو لا يتغير إلا في ~~عملية غير قابلة للارتداد. # ويتزايد الإنتروبي الكلي للكون متجها نحو حد أقصى يناظر اضطراب الجزئيات فيه، وطبعا في ~~زمان غير قابل للارتداد، # 10 # وسوف نرى فيما بعد أن الزمان العلمي قد أحرز تقدما أبعد، يؤكد شيئا فشيئا ~~انسحاق الزمان الدائري الذي انتهى القول به على أية حال . # ومن ناحية أخرى اكتسبت الطبيعة تصورا تاريخيا، بفضل نظرية التطور وفكرة التقدم. ~~والتصور التاريخي يسمح بالجديد الطارئ، ويلغي تماما العود التكراري الدائري، الذي هو في ~~الواقع فكرة متناقضة في حد ذاتها مع نفسها، «فتصور الزمان على أنه يدور ثانية وثالثة ... يعني ~~القول بأن الزمان نفسه يحدث في أزمنة مختلفة. وهذا تناقض ذاتي؛ فكل زمان يحدث مرة واحدة فقط ~~في أوانه، وأي أوان آخر يعني زمانا آخر.» # 11 # وإذا أخذنا في الاعتبار أن الفكر الديني يسهم هو أيضا في إلغاء دائرية الزمان، حين يجعله ~~خطا مستقيما يبدأ بخروج آدم من الجنة وينتهي بقيام الساعة، بل ويزيده بنقاط ذهبية فريدة ~~غير قابلة للتكرار؛ كلحظة الخلق أو ظهور الرسالة أو تجسد المسيح أو الهجرة النبوية ... إلخ، ~~فلنا أن نتعجب من موقف القوى الرجعية التي تفجرت في واقعنا في الآونة الأخيرة لتعمل من أجل ~~تحقيق التصور الدائري للزمان، والعودة إلى الماضي الذي كان سعيدا. # وحين نأخذ في الاعتبار الزاوية الدينية لإشكالية الزمان، نتذكر على الفور مشكلة شغلت ~~الفلاسفة كثيرا، وهي: هل للزمان بداية؟ ويمكن اعتبار أن هيراقليطس هو الذي أثارها، حين ~~أنكر أن يكون للوجود بداية، فهو نار أزلية أبدية خالدة تتوهج بحساب وتخبو بحساب. # وقد أكد أفلاطون أن الزمان ms19 له بداية، على حين أنكر أرسطو هذا؛ لتظل الإجابتان تتنازعان ~~وتتجادلان. وقد يبدو أن هذا سينتهي بظهور الأديان السماوية التي تقول إن الله خلق العالم من ~~العدم. فهذا يعني أنه في لحظة ما من لحظات الزمان قد جلبه الله إلى الوجود؛ ليظل العالم في ~~كل آن من آنات الزمان معتمدا على الله. ولكن التساؤل لم ينته، وظل الكندي والفارابي وابن ~~سينا منشغلين به، مستأنفين مناقشات الإغريق ومواجهين مشكلات آباء الكنيسة نفسها. وقد رفض ~~الكندي أن يكون الزمان لا متناهيا؛ لأن المشيئة الإلهية ستخلقه وتضع له بداية محددة وقتما ~~تشاء، وأنكر ابن سينا قول الكندي هذا لأنه تعسفي، فلا بد أن يكون لفعل الله سبب معقول ~~ومبرر، ولا توجد لحظة ملائمة لفعله أكثر من غيرها، ومن ثم تمسك ابن سينا بأن الزمان لا ~~متناه وبلا بداية. # والواقع أن فعل الخلق أصلا في هذا النقاش هو أمر ساذج وبدائي، فهم يتناقشون كما لو كان ~~الله خلق العالم تماما كما يصنع الخزاف قلة، # 12 # وكما يقول فيلسوف الشخصانية الأرثوذكسية أو الوجودية الدينية نيقولاي ~~بيرديائيف: «فكرة الخلق عبارة عن مجرد تناقض عقلي؛ ذلك بأن العالم لا يمكن أن يكون أبديا، ~~كما أن أصوله لا يمكن أن تكون زمانية خالصة. وينشأ هذا التناقض عن الإحالة الموضوعية؛ إذ ~~إننا نميل إلى تصور الخلق من وجهة نظر الموضوع ومن وجهة نظر العالم الموضوعي والزمان، أما ~~في ضوء الوجود الداخلي، وضوء الروح، فإن كل شيء يتحول، ولا يعود الخلق معتمدا على ~~أية مقولة للزمان؛ فالخلق أبدي.» # 13 # بعبارة أخرى، فإن حل هذه الإشكالية وإشكاليات أخرى جمة زمانية وغير زمانية، ~~إنما يتأتى بالتفرقة بين مجال التفكير العقلاني وحدوده ومجال التفكير اللاعقلاني وحدوده، ~~وبالنسبة لإشكاليتنا فإن مجال الأول هو مجال الزمان، ومجال الثاني هو مجال الأبدية. وذلك ما ~~سوف يسفر عنه هذا الكتاب في النهاية. # المهم الآن، أننا بإزاء واحدة من نقائض # antinomies # العقل ~~الخالص التي وضعها كانط؛ أي: القضايا التي نثبتها بنفس برهان عكسها، فتؤدي بنا إلى لجة من ms20 ~~النقائض: «العالم له بداية في الزمان»، «العالم ليس له بداية في الزمان». والواقع أن ~~التناقض في كلتا الحالتين يقوم على أن الزمان نفسه ليس له بداية. # ولو أجبنا عن السؤال: هل للزمان بداية؟ بالإيجاب؛ فسوف يقودنا صميم اللغة العادية إلى ~~التساؤل عن الوقت الذي كان قبل أن يبدأ الزمان. وإذا أجبنا بالنفي؛ فقد تبدو الإجابة متسقة، ~~لكنها بغيضة غير مريحة؛ لأننا نريد أن تكون للتغيرات بداية. وصميم اللغة العادية سوف يقودنا ~~أيضا إلى التساؤل عن أول حدث في سلسلة التغيرات والذي شكل بداية الزمان، والمشكلة أننا لا ~~نستطيع التفكير في عالم ما، ما لم نتصور حدثا معينا شكل بدايته، حتى ولو كان يسبقه دهر لا ~~متناه من سديم زماني حال من كل تغير. «إن فكرة البداية والنهاية تطبق على الأشياء في ~~الزمان، والخطأ إنما يأتي من تطبيقها على الزمان نفسه.» # 14 # ولعل نظرية الأنماط المنطقية لبرتراند رسل تفيدنا في هذا، ولو نقلناها من مجال ~~اللغة إلى مجال الوجود. # على هذا النحو نلقى تضاربا مزمنا في النظر إلى الزمان من كل صوب وحدب، فعلى الرغم من ~~ارتباطه بالتغير والحركة، وتميزه بهذا الارتباط ودخوله في تعريف الزمان، فإننا لا نعدم من ~~يقرنه بالاستمرار والدوام. # فقد كان هيراقليطس أبا التغير، على حين كان بارمنيدس أبا الاستمرار الذي سارت في مدرسته ~~الإيلية، ووصل إلى ذروته مع زينون الإيلي الذي أنكر الزمان من حيث أنكر الحركة أصلا. وصحيح ~~أن ربط الزمان بالثبات نغمة نشاز في الفلسفة غير ذات حيثية ولم يقدر لها استمرار ذو بال، ~~إلا أن ثبوت الزمن وسكونيته شائع في الفكر الهندي القديم. وفي اللغة السنسكريتية نجد أن ~~الفعل «أن يوجد»، هو نفسه «أن يصير» # To become = To exist ~~؛ ~~وذلك لأن الفكر الهندي القديم بصفة عامة غارق في السكونية والثبوتية، لدرجة يمكن معها أن ~~تندمج الصيرورة في الكينونة؛ لتتلاشى الصيرورة وتبقى الكينونة. # الفصل الرابع # | فض متاهات إشكالية الزمان # لقد اتضح الآن كيف يمثل الزمان إشكالية تحتمل النظر من ألف زاوية وزاوية؛ لنخرج بألف ms21 وجهة ~~للنظر ووجهة، وقد بدت الصورة الآن تنذر بمتاهة لا مخرج منها. حقا؛ إننا حاولنا أن نحسم كل ~~تشعب للمتاهة في حينه، ولكن مدى تعدد وجهات النظر ما يزال واضحا. # وتتفاقم أحابيل الإشكالية حين نتكفل بها في الفلسفة والعلم معا، جملة وتفصيلا، إنهما ~~نقطة التقاطع والإطار الضام لمجمل جهود العقل البشري. # ولعل أمر العلم الحديث هين، فعمره قصير، ورؤاه محددة بعالم الظواهر، وبقواعد منهجية ~~بينة، وهو لم يمر حتى الآن إلا بمرحلتين: المرحلة الحديثة من القرن السادس عشر إلى نهاية ~~القرن التاسع عشر التي تتوجها نظرية نيوتن ذات التصور المطلق للزمان، ثم المرحلة المعاصرة ~~في القرن العشرين، وتتوجها النظرية النسبية بمفهومها النسبي المتغير للمتصل ~~الزماني-المكاني، والنسبية ذروة ما وصل إليها العقل البشري في استكناه هذا الكون وفهمه ~~بزمانه ومكانه ومادته. # ولكن المفهوم العلمي - مأخوذا على حدة - هو تناول سطحي ومبتسر؛ فلا بد إذن من التعمق ~~الفلسفي. وحتى بالنظر إلى فلسفة عالم الظواهر فحسب، ربما كان الفكر الفلسفي صورة مبدئية - ~~ولعلها فجة - للتفكير العلمي الناضج. ولكن فلسفة العلوم - أحدث وأهم فروع الفلسفة ~~المعاصرة - هي على وجه الدقة التفكير العلمي، وقد أصبح راشدا مسئولا بإزاء كل مقولة أو ~~مفهوم أو مبدأ منهجي يقام عليه نسق العلم. والتناول المثمر الجدير بإشكالية محورية ومهمة ~~من قبيل إشكالية الزمان، لا بد أن يتعقبها منذ بدئها في الفكر الفلسفي؛ أي: في الفلسفة ~~اليونانية (كما هو معتمد أكاديميا، وليس يتسع المجال الآن للخوض في قضية الفكر الشرقي ~~القديم وكونه المقدمة الضرورية)، ولا بد أن يتتبع نموها وسيرها حتى يصل إلى العلم الحديث. ~~إن الفلسفة تملك المقومات الجذرية التأصيلية العميقة، والنظرة الشمولية الاستشرافية الرحيبة ~~لمجمل تجربة العقل الإنساني، إن لم نقل الحضارة الإنسانية بمختلف المناشط ومختلف ~~المنطلقات والبواعث والأهداف، ومن الفلسفة دون سواها، يكون المدخل المحدد المعالم والمخرج ~~المفتوح الآفاق للمناشط العقلية الأخرى على العموم، وللعلم على الخصوص، أقرب الأقربين إلى ~~الفلسفة، ورفيقها المظفر، في حل المشكلة الأبسمتمولوجية/الأنطولوجية. ملاك القول إنه لا بد ~~من تناول فلسفي شامل يضم ms22 التناول العلمي بين شطآنه. # وإشكالية الزمان بكل ما رأيناه من رحابة آفاقها وتعدد أبعادها، قد مثلت واحدة من أمهات ~~المشاكل الفلسفية التي تظل عتيقة وغضة ناضرة، تفتح آفاق دائمة لتناولها مجددا؛ لذلك دأب ~~معظم الفلاسفة على طرح رؤاهم التجديدية لإشكالية الزمان، والمحصلة ركام هائل من نظريات ~~تخلقت طوال تاريخ الفلسفة. ومن ثم يبدو بحثنا هذا - بعد أن قطع نصف الطريق - قد غرق في لجة ~~لا مخرج منها، إذا أراد أن يكتمل بوضع تصور عام لإشكالية الزمان، وبدئها ومسارها في بنية ~~العقل وتاريخه؛ أي: لمجمل معالجات الإشكالية في الفلسفة، ثم في العلم الذي هو امتداد خاص ~~لها، استقل ونما، ثم تعملق. يبدو هذا الآن مغامرة غير مأمونة العواقب، إذا كان السير ~~المنهجي النسقي فيها متاحا أصلا، وسط هذا الخضم الهائل من النظريات التي يحتاج حصرها ~~لمجلدات. # لكن الحصر والتعداد الآلي أسلوب ساذج وبدائي، وليس من المقبول ولا المشروع، أن يبدأ بحث ~~فلسفي ما لم يكن مسلحا بأسلوب أكثر حصافة، إن لم نقل مبشرا بالجديد المبتكر. # وبالتفكير مليا في الأمر، تبين أنه من الممكن حصر التناول الفلسفي والعلمي لإشكالية ~~الزمان؛ لنخرج بصورة عامة مستوعبة لمجمل مسارها، وذلك فقط إذا تسلحنا بمفتاح من مفاتيح ~~الفكر الفلسفي، ينفذ إلى الصميم فتنفض معه كل المغاليق، الظاهر منها والباطن، البارز ~~والغائر، المكشوف والمستور، فيمكننا من الإحاطة بالفكر الفلسفي، في معالجاته للإشكاليات ~~الواسعة النطاق من قبيل إشكالية الزمان. # والمفتاح المقصود هو أنه بالنظر المتعمق للفلسفة، نجدها عن بكرة أبيها يتنازعها تياران ~~يمثلان منها اللحمة والسدى، هما تيارا العقلانية واللاعقلانية. # العقلانية هي - ببساطة - الإيمان بالعقل باعتباره القوة المدركة التي يمتلكها الإنسان ~~والقادرة على الإحاطة بكل شيء، وإليه يرتد كل شيء، والمذهب العقلاني المعتدل - وهو مذهبنا - ~~«يؤمن بالعقل، ويؤمن بالوجود، وبقدرة العقل على تعقل الوجود.» # 1 # وبالعقلانية يرتد الزمان، كما ترتد كل إشكالية أخرى إلى الوعي التصوري، الذي ~~يتناول موضوعه برده إلى تصورات أو مفاهيم، هي حدود أو أطراف تربطها علاقات منطقية. إنه ~~إذن تناول موضوعي # Objective ~~، أو بمصطلح ms23 معاصر أكثر دقة ~~وصوابا نقول إنه تناول بين-ذاتي # Inter-subjective ~~؛ أي: ~~يمكن للذوات جميعا أن تدركه بنفس الصورة. وغني عن الذكر أن العلم يتربع على عرش من عروش ~~مثل هذا التناول. # واللاعقلانية تعني نقيض هذا، أن العقل قاصر، وأن عملياته التصورية متناهية، ومحدودة ~~بأطراف وعلاقاتها. إنه إذن عاجز عن إدراك اللامتناهي، وعن إدراك الزمان بهذا المنظور ~~المنطلق. ويغدو الحدس لدى هذا المنظور هو الطريق الوحيد لإدراك الحقيقة الكامنة من وراء (أو ~~بعد أو خلف أو داخل) عالم الظواهر الخارجية، الحقيقة المغلقة في وجه العقل التصوري، والأرحب ~~من آفاقه، والأشد حيوية وخفقانا من أن تنحصر بين قواعد المنطق الباردة الجافة، ولا سبيل ~~إلى إدراكها «إلا عن طريق الحدس وحده، ذلك الحدس الذي يتم فيه تجاوز كل تفرقة بين الذات والموضوع.» # 2 # ويغدو كل موضوع ذاتيا وكل حقيقة ذاتية. والزمان كذلك ليس حقيقة موضوعية ~~خارجية كما يتوهم الفلكيون والعلميون والفلاسفة العقلانيون، بل هو ديمومة داخلية ذاتية، لا ~~ينفذ إلى جوهرها العقل. والحدس يشير إلى قوة أخرى أكفأ من العقل وأكثر فعالية، وتختلف أسماء ~~هذه القوة باختلاف مذاهب الفلسفة اللاعقلانية، وهي عادة هروب من هذا العالم المتموضع ~~المتشيئ، الذي بلغ غاية التشيؤ مع العلم النيوتوني الميكانيكي، إلى عالم آخر أرحب وأخصب ~~وأليق بالإنسانية المأمولة للإنسان، فيجد فيه كل ما ينشده ويتمناه، كالحرية والخلود، فيرضي ~~عواطفه ومشاعره، ويهدهد أحاسيسه. وبديهي أن الدين يتربع على قمة اللاعقلانية. # والاتجاهان بعموم حيثياتهما كائنان دائما في الفكر الإنساني، ليس فقط منذ بدء الفلسفة مع ~~الإغريق، بل من قبل في الفكر الشرقي القديم بكل خصوبته وثرائه. فمثلا، ثمة اتجاهات عقلانية ~~واضحة في الفكر الصيني القديم مع هان-فاي-تسو زعيم المدرسة التشريعية، وثمة عقلانية في فكر ~~كونفوشيوس، وخطوط لاعقلانية واضحة في الفكر الهندي القديم، ومزج رائع بينهما في الفكر ~~الفرعوني، على أن الاتجاهين ظلا متداخلين، وقد كانا هكذا في فلسفة هيراقليس؛ حيث نجد ~~عقلانية شديدة يجسدها اللوجوس # Logos ~~(الكلمة/العقل) كما ~~نجد لاعقلانية واضحة. هكذا نجد بدايات عقلانية ولاعقلانية أيضا، وقد يتداخلان معا ms24 وتقترب ~~اللاعقلانية إلى حد التصوف، كما هو الحال مع الفيثاغورية. والأمر كذلك بالنسبة لأفلاطون؛ إذ ~~تتداخل خطوط لاعقلانية في قلب العقلانية، ويمكن اعتبار الجمع والتوفيق بينهما محور الفكر في ~~العصر الوسيط، من حيث كان انشغالهم الأساسي بالتوفيق بين الفلسفة والدين، أو الفكر والوحي، ~~أو العقلانية واللاعقلانية. إنهما كانا يسيران معا جنبا إلى جنب، ولم تكن المواجهة بينهما ~~واضحة أو صريحة. # ومع الإيغال في قلب العصر الحديث، أصبحت المواجهة الصريحة بين العقلانية واللاعقلانية ~~أوضح من شمس النهار، ومركزا من المراكز التي تتوجه منها البنى الفكرية، فقد ظهرت نظرية ~~نيوتن لتعني اكتمال نسق العلم، وأنه فقط في حاجة إلى رتوش لكي تكتمل الصورة العقلانية ~~المحكمة المغلقة لهذا الكون، وأنها صورة لآلة ميكانيكية عظمى، تروس وقضبان، محض قطع من ~~المادة في الزمان والمكان المطلقين، تتحرك تبعا لقوانين رياضية دقيقة، لتسير بحتمية صارمة ~~لا تفلت منها كبيرة ولا صغيرة، لا في الأرض ولا في السماء. # وفي هذا العالم النيوتوني يتلاشى الإبداع والجديد والمستحدث، وكذلك يتلاشى التفرد ~~والمسئولية الخلقية، من حيث تتلاشى الحرية الإنسانية، تحت وطأة جبروت الحتمية العلمية، ~~فيصبح الإنسان مجرد ترس في الآلة الكونية العظمى، يسير معها في المسار المحتوم. وبتوالي ~~النشأة الناجحة لبقية فروع العلم، الحيوية والإنسانية - على هدى من مثاليات نيوتن - تعاظمت ~~قسوة الصورة العقلانية التي رسمها العلم للعالم. # 3 # صحيح أن هذه الصورة الحتمية الميكانيكية قد اندثرت تماما في القرن العشرين، تحت وطأة ~~العلوم الذرية، ونظريتي الكوانتم والنسبية، # 4 # إلا أن العلم وهو النجيب المعجز الأثير لدى العقل كان قد أحرز أولى ذراه ~~الشاهقة بنظرية نيوتن. إنها أول محاولة ناجحة لبناء نسق شامل للعلم بالطبيعة، بالوجود الذي ~~نحيا فيه، ويوازيها نجاح الفلسفات العقلانية في بناء أنساق شامخة، تتمكن من استيعاب الوجود ~~بأسره في قلب فئة من التصورات. فكان الإيمان المطلق بالعقل، والارتكان إليه لتحقيق القول ~~الفصل في كل أمر، وساد القرن الثامن عشر ما يعرف باسم عصر التنوير، عصر الإيمان بقدرة ~~العقل، والعقل فحسب، على فض كل مغاليق هذا الوجود. ms25 # وكرد فعل متوقع للعقلانية التنويرية المتطرفة، أشرق القرن التاسع عشر في أحضان الحركة ~~الرومانتيكية؛ لتتطرف في الاتجاه المضاد، وتعمل على إحياء العاطفة والإحساس والخيال على ~~حساب العقل والمنطق والعلم، وتحاول تأكيد حرية الإنسان في مواجهة مد الحتمية العلمية الساحق ~~الماحق، التي سادت أيما سيادة آنذاك. # وقد كانت الرومانتيكية، أساسا، رؤية فنية ونزعة أدبية تعني الاتجاه المقابل للكلاسيكية، ~~ومن ثم الرافض لأسس علم الجمال الثابتة، ومعايير العمل الفني الراسخة. إن الاتجاهات الحديثة ~~في الآداب والفنون؛ كاللامعقول والعبث والتجريد والتكعيبية والسيريالية ... امتداد لها. ولكن ~~جذرية الرومانتيكية وشموليتها، وتواتر شعرائها العظام وأقطابها المتمكنين؛ أمثال: كولريدج، ~~وشيلي، ووردزورث، ووليم بليك، وتوماس كارليل، وأيضا العملاق جوته. كل هذا جعل الرومانتيكية ~~تخرج من حدود الآداب والفنون، وتأتي بمعان ورؤى لمقولات الفلسفة الأساسية: الحق، والخير، ~~والجمال. وكان لها أيضا شعاب في التاريخ والسياسة، تقوم على الاعتقاد بلا نهاية التقدم في ~~التاريخ، ونجعلها مسئولة عن نمو النزعات القومية التي تعد سمة مميزة للعصور الحديثة. ~~وهكذا أصبحت الرومانتيكية حركة شاملة. # وقد تميزت طبعا بالعداء المتأجج للعقل وأحكامه وتحليلاته، واتجهت إلى الارتكان إلى ~~الخيال والعاطفة ومشاعر القلب وحدوس الوجدان، وإطلاق الموقف الفردي، وتأكيد الحرية ~~والاستقلال والبحث المشبوب عن اللامتناهي وعن الجدة والإبداع، والاشتياق لكل ما هو متميز ~~وفريد وأصيل يأتي على غير مثال، والأنفة من المعتاد والمألوف والرتيب، والرفض لكل ما هو ~~نمطي قانوني صوري نسقي ... ومنبع كل هذا إحساس الرومانتيكية الدافق بالحياة الخفاقة في ~~الصدور، لا المتجردة في العقول كما تصورها قوانين العلم الخاوية، وأنساق الفلسفة ~~العقلانية الباردة. # الرومانتيكية إذن أقوى تمثيل وأوضح بلورة للاعقلانية التي تتوغل جذورها على الخصوص في ~~نزعات التصوف الفلسفي والديني، المعتمدة على المواجيد والمزدرية لأحكام العقل وشهادة ~~الحواس، أما الامتداد الساطع للرومانتيكية في الفلسفة المعاصرة، فهو في الفلسفتين ~~البيرجسونية والوجودية التي قامت لتأكيد حرية الإنسان وفردانيته من حيث هو جزئي عارض عيني ~~متشخص، لا يندرج تحت أية بنية نسقية عقلانية. # 5 ~~••• # وبالعود إلى إشكاليتنا، إلى الزمان، نجده - كما أوضحنا - يتوغل في منتهى الموضوعية في ms26 ~~صلب عالم العلم والوجود كما يتصوره العقل، وفي الآن نفسه يتوغل في منتهى الذاتية في قلب ~~التجربة الداخلية، ووعي الإنسان الشعوري بديمومته وتناهيه، وبحثه التواق عن السرمدية في ~~الآفاق الأبدية المترامية وراء حدود العقل التصوري. الزمان إذن محور أكثر من مثالي لتطبيق ~~التناول الذي يحصر المتغيرات من خلال تياري العقلانية واللاعقلانية. # ويبدو فض متاهات معالجات إشكالية الزمان على هذا النحو مسألة ملائمة للغاية، إن لم نقل ~~إنها ضرورة تفرض نفسها، حين نلاحظ الخلط الذي حدث بين الزمان والأبدية، وتصور الأبدية على ~~أنها مجرد لا نهائية زمانية؛ أي: صفة لامتداد الزمان الطبيعي الفلكي بغير حدود وبغير نقطة ~~بداية محددة، «فقد أخذ أرسطو بهذه النظرة التي لا تفرق بين مستويين من مستويات الوجود.» # 6 # والواقع أن الأبدية التي ينتفي منها الماضي والحاضر والمستقبل، والبداية ~~والنهاية، وتخلو من التغير والزوال والفناء، وتنتمي إلى وجود مغاير تماما للوجود الذي ~~ينتمي إليه الزمان الطبيعي الفلكي القابل للقياس والتكميم الرياضي، سواء أكان متناهيا أم ~~لا متناهيا. بل إننا إذا صوبنا الأنظار على الزمان بهذا المنظور الطبيعي الرياضي؛ ~~لأمكننا القول إن الأبدية تعني ببساطة اللازمان، حتى قال ت. س. إليوت: # إنما الشغل الشاغل للقديس أن يدرك # نقطة تلاقي الزمان واللازمان. # 7 # فقد يبدو أن الواحد منهما يتناقض مع الآخر، ولكن هذا التناقض يحدث فحسب نتيجة للخلط بين ~~النظامين وحين يقحم أحدهما في الآخر، لا بد أن ينشأ تناقض. # 8 # وقد أتى هذا التناقض، وهذا الخلط بين الزمان والأبدية، من جراء عجز العقل في العصور ~~السابقة عن تناول المتصل اللامتناهي؛ مما جعل قدمه تزل في الحدود اللاعقلانية، ليخلط بين ~~اللانهائية الميتافيزيقية الكيفية للأبدية، وبين اللانهائية الفيزيقية الكمية للزمان ~~الطبيعي. وظل هذا الخلط يعرقل نمو التفكير في إشكالية الزمان، حتى تطورت الرياضيات البحتة ~~في العصور الحديثة، ونما حساب اللامتناهي بفضل علماء كثيرين نذكر منهم جورج كانتور # G. Cantor ~~(1845-1918) فأمكن معالجة لا تناهي الزمان، ~~كما نعالج أي متصل لا متناه، بصورة رياضية - أي عقلانية - لأقصى الحدود، بلا خلط ولا ms27 ~~اضطراب، تغمض معه المفاهيم، وتغيب الحدود بين العقلانية واللاعقلانية. # وبالتسلح بهذا الإنجاز الحديث، يمكن أن نستوعب قول نيقولاي بيرديائيف بشغفه الوجودي ~~التواق إلى الفرار من أطر الزمان الفيزيقي العقلاني، إلى آفاق الزمان اللاعقلاني الممنوحة ~~بسخاء في الأبدية، يقول بيرديائيف: «تتعارض فكرة الأبدية مع كابوس الزمان النهائي ~~واللانهائي على السواء، فهناك نوعان من التناهي أحدهما كمي والآخر كيفي. اللاتناهي الكمي ~~فان لكنه يؤكد وجود الزمان اللامتناهي، واللاتناهي الكيفي ينتصر على الموت، ويؤكد الطابع ~~اللامتناهي للزمان، والقدرة على معالجة شر الزمان. والأبدية هي - على وجه الدقة - هذا ~~اللاتناهي الكيفي، وهي وحدها التي تقدم حلا لتناقض الزمان.» # 9 # يقول أيضا: «العالم الموضوعي إذن هو عالم الزمان الرياضي، عالم اللامتناهي الرياضي ... هذا ~~الزمان الذي نقيسه بالساعة يختلف كل الاختلاف عن مصير الإنسان الداخلي ... بيد أن المصير ~~الإنساني يتم التعبير عنه في العالم الموضوعي بحيث يصبح عبدا للزمان الرياضي المنقسم. ~~والحياة الروحية وحدها هي التي يمكن أن تتحرر حقا من الزمان العددي؛ فثنائية الزمان يمكن ~~الكشف عنها بوضوح في اللحظة الحاضرة. ولهذه اللحظة دلالة إذا نظرنا إليها بطريقتين ~~متباينتين تماما؛ أولا: أن اللحظة جزء دقيق من الزمان، فهي صغيرة من الناحية الرياضية ~~ولكنها منقسمة بدورها، ومندرجة في تيار الزمان، بين الماضي والمستقبل. ثانيا: هناك أيضا ~~اللحظة الحاضرة للزمان فوق العددي غير المنقسم، اللحظة التي لا يمكن أن تنحل إلى الماضي ~~والمستقبل، لحظة الحاضر الأبدي التي لا تنقسم، وهي جزء متكامل مع الأبدية.» # 10 # وبمعالجة أكثر موضوعية، تقول أميرة مطر في بحث عميق عن الزمان عند اليونان، أفادنا ~~كثيرا: «الأبدية إذا نظرنا إليها من وجهة نظر روحانية، فإنها لا يمكن أن تنشأ من الزمان؛ ~~لأنها من صنف آخر، ووجودها متعال على الوجود الحسي، فظننا بأن المطلق يمكن أن يوجد في ~~النسبي هو نوع من الوهم. فالزهرة مثلا لو كانت تعي كما يعي الإنسان ويظن لظنت البستاني ~~خالدا، ولكن تفسير الأبدية بالعلاقات المجردة هو تجريد يسلبها الصورة الحية لها والوعي ~~النابض بها؛ لذلك فقد ذهب البعض إلى ms28 وصف الأبدية بأنها حاضر مستمر، ولا ينبغي أن تنتسب إلا ~~للعالم الروحاني أو الألوهية المتعالية. وكذلك نرى أن علاقة الأبدية بالزمان ليست علاقة ~~أفقية؛ إذ لا توجد قبل الزمان ولا بعده، وإنما هي عمودية # Vertical # بل يمكن أن نقول إن أجسادنا في الزمان وأرواحنا في الأبدية.» # 11 # هكذا نجد أنفسنا بإزاء تيارين متمايزين للإشكالية، إنه عين التمايز بين تياري ~~العقلانية واللاعقلانية. وإذا أخذنا في الاعتبار أن انفراج التيارين يرتد إلى «تصور ~~بعدين متمايزين من الوجود، أو نظامين مختلفين من الوجود، ألا وهما نظام الزمان ونظام الأزل.» # 12 # تأكد لنا أن إشكالية الزمان قد سارت حقا طوال تاريخ العقل الإنساني وفي صميم ~~بنيته خلال تياري العقلانية واللاعقلانية. ~~••• # هذا عن المسار، فماذا عن البداية؟ # قال العالم الرياضي الكبير والفيلسوف البارز الفرد نورث هوايتهد قولا شهيرا مؤداه أن ~~مجمل تاريخ الفلسفة لا يعدو أن يكون هوامش على فلسفة أفلاطون . وقد ظلت إشكالية الزمان في ~~الفكر الشرقي القديم وفي الفلسفة قبل السقراطية، ظلت موضوعا لرؤى مبتسرة وشذرات ~~متناثرة، حتى جاء أفلاطون العظيم في المحاورة التي كرسها للعالم الطبيعي وتفسير نشأته، # 13 # ليفرق بين الزمان والأبدية، وعندئذ بدأت المعالجات النظامية للإشكالية من خلال ~~مفهوم الزمان ليمثل التناول العقلاني، ومن خلال مفهوم الأبدية ليمثل التناول ~~اللاعقلاني. # وفي المحاورة المذكورة، طيماوس، نجد أن الزمان لم يكن موجودا حتى خلق الله العالم، أو ~~بالتعبير الأفلاطوني حتى صنع الصانع هذا العالم؛ أي حين شكل الهيولي الأولى أو المادة التي ~~كانت في حالة كاؤس # Chaos # شكلها في صورة عالم حي على غرار ~~النماذج الخالدة في عالم المثل. لقد وجد الزمان في نفس اللحظة التي وجد فيها هذا ~~العالم، أما قبل خلق السماوات فلم يكن ثمة نهار ولا ليل ولا شهور ولا أعوام، بل فقط الأبدية ~~التي لم يكن من السهل - كما تخبرنا طيماوس - أن تحل في العالم الحادث، وحتى يشابه العالم ~~الأصل الذي يحاكيه الصانع، خلق له الزمان صورة ومحاكاة لمثال الأبدية، تبعا لنظرية أفلاطون ~~الشهيرة التي تجعل كل شيء ms29 في العالم المحسوس محاكاة لنموذجه الخالد في عالم المثل. # هكذا يميز أفلاطون بين مفهومين مختلفين للزمان، تبعا لمستويين متمايزين للوجود، والزمان ~~الطبيعي الفلكي تبعا للتعريف الأفلاطوني مجرد «صورة متحركة للأبدية، وعلاقته بالأبدية ~~علاقة العدد بالوحدة، وتكراره وسريانه المنظم يعكس ثبات الأبدية، ويصبح الزمان هو عالم ~~المحسوسات المتغير، أما الأبدية فلا يجوز عليها الماضي والحاضر والمستقبل ولكنها في حاضر ~~مستمر. إنها تتصف بالثبات البادي في العلاقات الرياضية والنسب العقلية التي يتصف بها عالم ~~المثل، وما دام الزمان قد وجد فلا بد وأن يصاحب وجوده الأجسام المحسوسة ذات الحركات ~~المطردة التي هي مقاييس له؛ فقياس الزمان يستدعي وجود الشمس والكواكب التي تدور حول العالم.» # 14 # هكذا يوحد أفلاطون - كما سبق أن فعل الفيثاغوريون - بين الزمان وحركة الأفلاك، ~~حتى إنه يسمي الكواكب في المحاورة المذكورة طيماوس آلة الزمان؛ فالخالق خلق الكواكب السبعة ~~السيارة (القمر، والشمس، والزهرة، وعطارد، والمريخ، والمشتري، وزحل) لتدور في أفلاكها، ~~فنحسب الزمان بحركتها. ~~••• # المهم الآن، أنه بهذا التأسيس الأفلاطوني، انطلقت إشكالية الزمان، وتنامت وتطورت - كما ~~سنرى - عبر طريقين: # أولا: # طريق الأبدية الخاص بعالم الوعي المنطلق، نسيج الميتافيزيقا ومجال الألوهية ~~وخلود النفس، زمان لا يقبل التكميم والقياس، فهو زمان الكيفية الذي أصبح في ~~العصور الحديثة زمان التوتر والخلق الجديد والانبثاق والإبداع، زمان ذاتي داخلي ~~يرتبط بالحركة الداخلية للنفس، أما حركة النفس الكلية الكونية في الفلسفة ~~اليونانية، لنجد الزمان هو الأبدية هذا المفهوم الأليق بالألوهية، وأما حركة ~~النفس الجزئية المتشخصة، خصوصا في الفلسفات اللاعقلانية الحديثة والمعاصرة، ~~وأهمها - كما ذكرنا - الوجودية والبيرجسونية، وها هنا نلقى مفهوما آخر للأبدية ~~أليق بالإنسان، أهم صوره ديمومة بيرجسون. # ثانيا: # طريق الزمان الخاص بالعالم المحسوس، المتموضع بأحداثه الجارية، خارج الذات ~~الإنسانية، عالم الأجسام المتشيئ الظاهر، زمان يدخل في نسيج الفيزيقا، كدفعة ~~سيالة أو مجرى متحرك، تيار مستمر هو الوسط الذي تحدث فيه الحوادث، كزمان سقوط ~~الجسم أو قطع المسافة. فهو يرتبط بحركة العالم الطبيعي، خصوصا حركة الأفلاك ~~التي تعد مقياسا له، حتى إنه - على وجه الدقة - الزمان الفلكي، ms30 فيغدو زمان ~~النظامية والرتابة وربما الآلية. فهو زمان موضوعي متجانس، قابل للقياس والتكميم ~~الرياضي الدقيق. # على الإجمال لدينا زمانان: # الزمان اللاعقلاني الوجودي الوجداني الباطن الداخلي الذاتي الكيفي ~~النفسي. # الزمان العقلاني الكوزمولوجي الفلكي الطبيعي الظاهر الخارجي الموضوعي الكمي ~~العلمي. # وأهم موضع يلتقي ويتفق فيه تيارا أو صورتا الإشكالية، إنما هو ربط الزمان بالحركة، إنها ~~قضية تباري الفلاسفة من التيارات المختلفة في تأكيدها بصورة أو بأخرى. فقد رأينا أفلاطون ~~يربط الزمان بحركة الأفلاك، وكانت الحركة ماهية الزمان عند أرسطو؛ فهو «يتجدد باستمرار ~~تبعا لاستمرار الحركة.» # 15 # وعرف ابن سينا الزمان بأنه مقياس الحركة الدائرية المتصلة من جهة السابق ~~واللاحق، بدلا من جهة المسافة. أما صمويل ألكسندر فقد تمادى أكثر، ورأى أن الزمان لا كيفية ~~له إلا الحركة التي تأتي بفعله وبدخوله على المكان، على أنها الحركة الجوهرية الأصلية التي ~~ليست مجرد علاقة بين أشياء سابقة ولاحقة، بل حركة أسبق من كل الأشياء التي انبثقت عن الزمان ~~والمكان، ومتغلغلة في كل شيء، فلا يوجد أي شيء ساكن في الكون؛ لأن الزمان والمكان هما بوتقة ~~كما أوضحنا في حينه، ومجرد اكتشاف الزمان يعني تخليص عقولنا من أية نظرة سكونية لأي شيء. ~~ويتمادى نيقولاي بيرديائيف أكثر وأكثر، فيؤكد أن الحركة لم توجد لأن الزمان موجود، بل ~~الزمان هو الذي وجد لأن الحركة وجدت؛ لذلك اعتبرنا نفي الحركة عن الزمان وربطه ~~السنسكريتي بالثبوتية والسكونية. # وإن كان قد وجد في الفلسفة بصورة ضمنية مع الأيليين فإنه نغمة نشاز ولا حيثية لها. ~~والواقع أن الأيليين لم ينكروا ربط الحركة بالزمان، بل أنكروا الحركة أصلا والزمان معها ~~وكل شيء؛ ليبقى الوجود كتلة مصمتة ساكنة. والزمان من حيث هو زمان يرتبط في كل وضع وفي كل ~~مذهب بالحركة، ولكن مع فارق، هو أن التيار اللاعقلاني يربطه بالحركة الداخلية للنفس، إما ~~النفس الكلية وإما النفس الفردية الجزئية، أما التيار العقلاني فيربط الزمان بالحركة، بحركة ~~العالم الطبيعي الخارجية، خصوصا الأفلاك. # أما عن أبرز نقاط الاختلاف، فهي ارتباط الزمان العقلاني بالمكان، وانفصال الزمان ms31 العقلاني ~~تماما عن المكان. إن الزمان والمكان في التصورات العقلية متعضونان معا كقالب للوجود ~~والمعرفة، ولا انفصال للزمان عن المكان ولا إمكانية لقياسه بمعزل عنه، وهذا الارتباط بلغ ~~حدا يتمثل في أن أقصى صورة لتطور الزمان العقلاني؛ أي النظرية النسبية لآينشتاين، قد ~~تلاشى فيها تماما أي تمايز بين الزمان والمكان، وأصبحا متصلا واحدا كما سنرى. أما الزمان ~~اللاعقلاني - الأبدية أو الديمومة أو أية صورة من صوره - فينفصل عن المكان انفصالا تاما، ~~بل ولا علاقة له البتة بالمكان «المكان آخر بالنسبة له، وهو آخر بالنسبة للمكان.» # 16 # إن الزمان اللاعقلاني مطلق لا متناه - كيفيا طبعا - وبالتالي لا يمكن أن ~~يدخل في علاقة تجعله مرتهنا بطرف سواه، فما بالنا بطرف متموضع متشيئ كالمكان. ولعل هذا ~~الفصل الحاد للزمان عن المكان - والذي أمعن بيرجسون في ~~تأكيده - هو ما يجعله على وجه الدقة معقل اللاعقلانية المستغلقة في وجه العقل التصوري، وهو ~~أيضا الذي يجعل الزمان اللاعقلاني يكتسب الخاصة المميزة له؛ أي الذاتية، فهو محض خبرة تمر ~~بها النفس. # على أن الزمان العقلاني، أو الموضوعي الكوزمولوجي الفلكي العلمي هو الزمان الحقيقي. ~~و«حقيقي» هنا ليست إسقاطا تقييميا يرفع من شأن التناول العقلاني للإشكالية، أو يحط من ~~شأن التناول اللاعقلاني لها، بل هو مصطلح مراد حرفيا؛ فالعقلانيون العلميون يسلمون ~~مبدئيا - وبداهة - بأن الزمان الذي يتعاملون معه زمان حقيقي # real ~~، وكل المشككين في هذا القائلين بلا حقيقية الزمان، إنما هم من قلب ~~التيار اللاعقلاني. ولعل الذي دفعهم إلى هذا، إن لم نقل وإلى اللاعقلانية أصلا، هو أن ~~الزمان العقلاني الكوزمولوجي، وخصوصا حين أطلقه العلم الحتمي الحديث، يقف أمام الإنسان ~~موضوعا صلبا ينذره بالتناهي والعدم والزوال المستمر والموت، فيدفعه إلى التعالي عليه في ~~محاولة لقهره، إما بإنكار حقيقيته، وإما بالفرار إلى الأبدية، وإما بالاثنين معا، فهكذا ~~يقهرون موضوعيته القاسية ويؤكدون العالم الذاتي. وقد كان بيرجسون أشد الفلاسفة المعاصرين ~~عناية بالزمان الذاتي - أو الديمومة كما أسماه - وأيضا بالحط من شأن الزمان الموضوعي ~~الفلكي. فيقول العالم الفلكي وفيلسوف العالم آرثر إدنجتون ms32 يقول ساخرا: ولكن البروفسور ~~بيرجسون بعدما يبين أن فكرة الفلكي عن الزمان هي لغو تام، ربما ينهي المناقشة بأن ينظر ~~للساعة في معصمه، ويسرع ليلحق بالقطار، والذي ينطلق تبعا لزمان الفلكي!» # 17 # ومهما يكن الأمر، فإنه لا يمكن اعتبار أي من صورتي الزمان أهم من الأخرى. كلا التصورين ~~العقلاني واللاعقلاني له أهميته ودوره، والدوافع المختلفة لكلا الاتجاهين لها دورها، وهذا ~~يذكرنا بتقسيم برتراند رسل للفلاسفة إلى فريق ذي دوافع أخلاقية ودينية، وفريق ذي دوافع ~~علمية وعقلية، وفريق وسط؛ معقبا على هذا بأن مذاهب الفريق الأولى وإن امتازت بسعة الخيال ~~كانت عقبة في سبيل التقدم العلمي، # 18 # لكننا نراها كلها تتكامل معا لتشكيل إنسانية الإنسان ذي العقل والعاطفة، العلم ~~والدين، الفيزيقا والميتافيزيقا، الزمان والأبدية. وعرفانا لأفلاطون العظيم سنتناول أولا ~~الأبدية أو الزمان اللاعقلاني منذ أفلوطين حتى الفلسفة المعاصرة، ثم ننتقل إلى الزمان ~~العقلاني مع المعلم الأول أرسطو؛ لينتهي الحديث تلقائيا بصورته العلمية الفيزيائية ~~المطلقة مع نيوتن، ثم النسبية مع آينشتاين. والولاء لفلسفة العلم يجعلنا نرى في هذا مسك ~~الختام. # الفصل الخامس # | الزمان اللاعقلاني # تلقى الفيلسوف المصري أفلوطين Plotinus ~~(205-270م) ~~المولود بمدينة ليفربوليس (أسيوط) إشارة البدء الأفلاطونية ليفرق بين الكوزمولوجي الطبيعي، ~~وبين الأبدية زمان النفس الكلية، وجعل الثاني علة للأول، وألقى بالزمان في قلب التجربة ~~الصوفية الحدسية، معرضا عن التصور العقلاني له، ورافضا إياه رفضا باتا، وطارحا أول ~~صياغة فلسفية متكاملة ومهيبة للزمان اللاعقلاني. فمثل حلقة هامة ومميزة من حلقات البحث ~~الفلسفي في الإشكالية، حتى إنه إذا اعتبرنا طيماوس نقطة البدء، فإن الفصل السابع من تاسوعية ~~أفلوطين الثالثة هو الذي شق الطريق الفلسفي للزمان اللاعقلاني، أو الطريق اللاعقلاني للزمان ~~الفلسفي. # وأفلوطين حامل لتيار الفكر الإغريقي، مضافا إليه المؤثرات الفكرية والحضارية التي سادت ~~منشأ فلسفته أي مدينة الإسكندرية، منار العرفان في ذلك العصر. وتقوم فلسفة أفلوطين على فكرة ~~التثليث التي سادت الأديان والعقائد والميتافيزيقا آنذاك، وجسدتها الغنوصية، ثم تبلورت ~~نهائيا في المسيحية. وقد كان أفلوطين خصما عنيدا للمسيحية، وقدم فلسفته كبديل لها. ~~وفلسفته ms33 بدورها تقوم على فكرة الأقانيم الثلاثة: المطلق، العقل، النفس الكلية. وفكرة الفيض ~~والصدور؛ أي صدور الأقنوم عن سابقه. أما الأقنوم الأول (المطلق) فيفيض عن «الواحد» النبع ~~النوراني الثابت الساكن الأصلي. # وقد وجد الزمان والنفس الكلية معا لحظة الفيض؛ أي لحظة صدور النفس الكلية عن الأقنوم ~~السابق عليها؛ ذلك أن الزمان هو فاعلية وحياة النفس «الأقنوم الثالث»، أما الأبدية فهي ~~فاعلية وحياة العقل «الأقنوم الثاني». الأبدية إذن تسبق النفس والزمان في الوجود، ونوع ~~الوجود الذي ينسب للأبدية - وقبل أن يوجد الزمان - هو الحياة الثابتة الكاملة ~~اللانهائية، المتجهة إلى الواحد. # وأفلوطين «يدعي أنه يتبع رأي القدماء في هذا الشأن؛ فالزمان كما قال أفلاطون هو الصورة ~~المتحركة للأبدية.» # 1 # والواقع أن فلسفته تقوم على أخذ خطوط مباشرة من أفلاطون، الذي يعد سلفه ~~المباشر. وعلى الرغم من هذا، وعلى الرغم أيضا من الصوفية الحدسية الساطعة واللاعقلانية ~~المتفجرة من بين جنبات فلسفة أفلوطين، فإنه أيضا وريث لتراث أرسطو العقلاني، «وكثيرا ما ~~يبدأ البحث بجملة لأرسطو، ثم يعقبها بشرح طويل لهذه القضية.» # 2 # وعلى أساس من التراث الأرسطي، يبدأ بحثه للزمان بالربط بينه وبين الحركة، ولكنه ~~لكي يحل النظرة الصوفية محل النظرة العقلانية، ربط الزمان بحركة النفس الكلية. فالزمان هو ~~نشاط النفس و«أهم ما يميز نشاط النفس هو قدرتها على الحركة والانتقال، على أن نفهم هذه ~~الحركة والانتقال بأنها حركة وانتقال الفكر.» # 3 # إن أفلوطين يربط الزمان بحركة النفس بدلا من أن يربطه بأية حركة طبيعية أو ~~حركة أجرام، ووجه نقدا للقائلين بهذا، مستندا على أن حركة أو دورة العالم يمكن أن تقيس ~~الزمان، لكنها لا تخلقه، أما النفس فهي مكان نشأة ووجود الزمان الذي يعد امتدادا لها، ~~فهو نشاطها وحياتها وفعاليتها، فيكون البحث عن حقيقة الزمان في طبيعة النفس، وليس في طبيعة ~~العالم. يقول أفلوطين: «النفس هي أول شيء يستدعي وجود الزمان، وهي التي تخلقه وتحتفظ به مع ~~كل ما تقوم به من نشاط وأعمال، فلم إذن كان الزمان دائم الوجود به لأن النفس لا ms34 تغيب عن ~~أي جزء من أجزاء العالم، شأنها شأن نفوسنا لا تغيب عن أي جزء من أجزاء أجسامنا.» # 4 # والزمان ناتج عن اختلاف مراحل حياة النفس، وحركة النفس المستمرة إلى الأمام ~~تحدث الزمان اللانهائي، وبقدر ما تتدرج الحياة في مراحل يمضي الزمان. # ولكن، كيف تخلق أو كيف صدر الزمان عن الأبدية؟ يقول أفلوطين: «يمكننا أن نسأل الزمان ~~نفسه ليكشف لنا عن كيفية وجوده، ولسوف يروي لنا قصته على النحو التالي فيقول: إنه كان ~~موجودا متمركزا في ذاته، ساكنا في الوجود الأصلي، ولم يكن بعد هو الزمان بل شيئا ~~ممتزجا ثابتا في الوجود، ولكن كان هناك مبدأ فعال يتجه إلى التحكم في ذاته ويبحث عن ذاته، ~~إنه النفس الكلية وقد فضلت أن تهدف إلى شيء يتجاوز وجودها، فتحركت فتحرك الزمان معها، ~~وانتقلا بعد ذلك إلى ما هو لاحق عليهما وجديد، إلى حالة مختلفة عن حالتهما السابقة ومتغيرة ~~باستمرار. وبعد أن اجتازا جزءا من طريقهما أنتجا صورة للأبدية هي الزمان ... وذلك لأن النفس ~~تحتوي على قوة قلقة راغبة دائما في نقل ما تراه في الوجود العقلي إلى مكان آخر.» # 5 # ويستأنف قائلا: «على هذا النحو، تسلك النفس عندما تنتج هذا الكون المحسوس على ~~غرار العالم المعقول وتهبه حركة شبيهة بحركة العالم العقلي، وقد تحقق لها ذلك عندما اتشحت ~~بالزمان، فخلقت الزمان بدلا من الأبدية، وأخضعت العالم الذي أنتجته للزمان، ونظمت كل ما ~~ينتج عنه في حدود الزمان؛ وذلك لأن الكون يتحرك في إطار النفس، إنه الزمان الكامن في النفس.» # 6 # ويبدو جليا أن هذا لا يعدو أن يكون ظلا لنظرية أفلاطون، والزمان الحسي الذي يحاكي ~~مثال الأبدية الخالد، وإن كان ثمة إضافات أفلوطينية فإنها لا تستقيم، بل ولا تتأتى أصلا ~~بدون الأساس الأفلاطوني. إن أفلوطين ختام وخلاصة مد الفلسفة اليونانية بعد أن امتد عمرها ~~اثني عشر قرنا من الزمان، وكان وريثا أمينا لها، وبقطبي الرحى فيها، أفلاطون وأرسطو ~~وخصوصا أفلاطون. ~~••• # وعلى مشارف الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، يأتي القديس أوغسطين # St. Augustine ms35 ~~(354-430م) ليقدم أول وأهم معالجة فيها لإشكالية الزمان. ~~لقد اهتم بالزمان اهتماما بالغا، وأعرب عن حيرته الشديدة بشأن تعريفه وقياساته، خصوصا ~~إذا ما قورنت بقياسات المكان، فعالج الإشكالية بالتفصيل في كتابيه الشهيرين مدينة الله ~~والاعترافات، خصوصا الأخير الذي يبشر بمفاهيم أساسية، ويرسي إضافات جوهرية، ظلت تحدد معالم ~~الزمان اللاعقلاني، حتى برزت في الفلسفة الوجودية المعاصرة. # وأوغسطين على رأس السائرين في الطريق الذي شقه أفلاطون وأفلوطين، ويواصله بصورة أكثر ~~جذرية، وهو بالتالي حامل مخلص لميراث أفلاطون، فيفرق مثلهما بين الزمان والأبدية، ويعتبر ~~الزمان صورة مفككة شائهة من الأبدية، ويصدق على قول أفلاطون إن الله خلق الزمان مع العالم، ~~ولم يخلق العالم في الزمان، على أن الله خالق للعالم من العدم، وليس مجرد صانع أفلاطوني ~~مشكل للمادة الموجودة. ومن أشهر الأقوال المأثورة عن أوغسطين تساؤله في الاعترافات: ما ~~هو الزمان؟ وإجابته بأنه طالما لم يطرح السؤال فإن الزمان معروف جيدا، أما إذا طرح ~~السؤال فلا ولن تعرف ما هو الزمان، ويستحيل صياغة إجابة. وذلك عين ما قاله أفلوطين في ~~التاسوعية الثالثة عن الزمان: «إننا نحس إزاءه بخبرة معينة تحدث في نفوسنا بغير عناء، ~~وعندما نحاول أن نختبر أفكارنا عنها نحتار.» # 7 # ما معنى هذا؟ معناه بإيجاز أن الزمان لاعقلاني، تجربة حية معاشة، وليست موضع ~~تنظير عقلاني. # بهذه اللاعقلانية، وعلى الأساس الأفلاطوني/الأفلوطيني، يبدأ أوغسطين من الحادثة الواردة ~~في الكتاب المقدس، القائلة أن الشمس توقفت عن المسير، بناء على دعوة يوشع، بينما استمر ~~الزمان في سيره، ويخرج منها بتأكيد رأي أفلوطين في أنه لا يمكن ربط الزمان بحركة الفلك أو ~~أي جسم ولا بأية حركة طبيعية، وبالتالي رفض كوزمولوجية الزمان أصلا. والزمان إذ ينتفي ~~ارتباطه بالفلك يصبح حالا داخل النفس، إنه كما قال أفلوطين ليس إلا توترا # distension # في النفس. لكن أوغسطين بشر بالانتقال من ~~مفهوم النفس الكلية إلى المفهوم الأجدر والأهم «النفس الفردية». وهذه - في رأينا - أهم ~~إضافاته، والتي جعلته أبا للفلسفة الوجودية المعاصرة. # وقد أشار أوغسطين إلى أن النفس في ذات اللحظة ms36 الحاضرة تستحضر الماضي بالذاكرة وتتوقع ~~المستقبل أو تتنبأ به بواسطة العقل والمخيلة؛ أي إن الماضي والحاضر والمستقبل تتجمع معا في ~~عين اللحظة الحاضرة بواسطة قوتين أو عمليتين نفسيتين هما: الذاكرة، والمخيلة. معنى هذا أن ~~النفس تستقطب الزمان في الحاضر. والديانة المسيحية - كأية ديانة سماوية - بما تحويه من ~~لحظات فريدة غير قابلة للتكرار؛ كلحظة الخلق، وهبوط آدم، وتجسد المسيح ... إلخ، جعلت أوغسطين ~~يرفض فكرة الزمان الدائري الأفلاطوني/الأفلوطيني أو اليوناني عموما. والزمان وإن كان غير ~~دائري، فهو متصل غير منفصل، بل وذهب أوغسطين إلى أنه حتى غير مكون من آنات منفصلة، بل من ~~استمرار دائم. بعبارة أخرى، الزمان مكون من حاضر مستمر، كما يوحي مفهوم الأبدية الذي هو ~~حاضر دائم، وكما علمنا توتر النفس الذي يستجمع الزمان في اللحظة الحاضرة أو الحاضر. ويصل ~~الأمر بأوغسطين إلى حد وضع ثلاثة أنواع للزمان: حاضر الأشياء الماضية، وحاضر الأشياء ~~الحاضرة، وحاضر الأشياء المستقبلة. # وباستقطاب الزمان في الحاضر، والذي يؤكده أنه الماضي لم يعد موجودا والمستقبل لم يوجد ~~بعد ، كان أوغسطين يثير أمهات مشاكل ومعالم الزمان اللاعقلاني، وأولها إنكار موضوعية بل ~~وحقيقية الزمان أنه نفسي ذاتي غير حقيقي. فإذا كانت النفس تستقطبه في الحاضر، فإن الحاضر ~~منقض، زائل دائما، غير موجود، ولا ديمومة له أبدا - أي: غير حقيقي - ليغدوا الزمان بأسره ~~غير حقيقي. يقول أوغسطين: «وسنوك من جيل إلى جيل، لكن ما سنوك إلا سنون لا تجيء ولا تمضي، ~~سنون لا تجيء لكي تزول. ففي الزمان حيث نعيش، كل يوم إنما يبتدئ لينتهي، وكل ساعة وكل شهر ~~وكل عام، الجميع يمضي، قبل أن يكون فسيكون، ومتى كان فلن يكون.» # 8 # وإثبات ذاتية ولا حقيقية الزمان تلاقي استحسانا كبيرا من جمهرة لاعقلانيين بمذاهب شتى. ~~والواقع أن «أوغسطين كان يريد أن ينكر حقيقية وموضوعية الزمان؛ كي يلغي السؤال: ما الذي كان ~~الله يفعله قبل أن يخلق العالم والسماء والأرض؟» # 9 # فإنه تبعا لهذه النظرة، لا يوجد قبل للزمان. فيقول أوغسطين: «سنو الله في ~~الحقيقة لا شيء هي غير ms37 الله نفسه، سنو الله هي أبدية الله، والأبدية هي جوهر الله عينه الذي ~~لا شيء فيه متغير، لا ماض لا يكون موجودا، ولا مستقبل ليس حاضرا، وليس هناك إلا ال «هو» ~~ال «الكائن» وليس هناك «كان» ولا «سيكون»؛ # 10 # لأن ما كان لم يعد كائنا وما سيكون لم يكن، فهناك «الكائن» لا غير، هكذا ~~يكون الله الذي هو الأبدية هو الحقيقة الوحيدة، وكل ما يتبدى لنا سواه وهم ذاتي، وتأتي ~~المسيحية لتمنحنا الخلاص من هذا، والظفر بذاك. # إن أوغسطين يجسد تضاؤل العقل في المسيحية، بعدما تعملق في الفلسفة الإغريقية. ولعل ~~المسيحية بتعمقها في الحياة الباطنية وخلاص الروح، هي التي دفعت أوغسطين إلى مثل هذا التوغل ~~في اللاعقلانية، وبالتالي الانسياق بمجامع نفسه وفلسفته في قلب الزمان النفسي ~~الوجودي. # لكن إذا كانت قيمة نظرية الزمان لأفلوطين، تبرزها ضروريتها وتناميها مع أوغسطين، فإن قيمة ~~نظرية أوغسطين بدورها تبرزها ضروريتها وتناميها في الفلسفات اللاعقلانية المعاصرة، خصوصا ~~الوجودية. ~~••• # وقبل أن نختتم الزمان اللاعقلاني بصورته في الفلسفة المعاصرة، يلزم بالضرورة استكمال ~~صورته في العصور الوسطى، بالعروج على الشرق الإسلامي. وبطبيعة الحال، المتصوفة الإسلاميون ~~في طليعة العائشين في الزمان اللاعقلاني، إنهم يسرفون إسرافا في التأكيد على ذاتية الزمان، ~~والتي رأيناها تقترن به من حيث هو لاعقلاني. # في الرسالة القشيرية، يقول الإمام أبو قاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري: «سمعت الأستاذ ~~أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الوقت ما أنت فيه، إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت ~~بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن.» يريد ~~بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان. وقد يعنون بالوقت ما هو فيه من الزمان: «فإن ~~قوما قالوا الوقت ما بين الزمانين يعني الماضي والمستقبل، ويقولون: الصوفي ابن وقته. ~~يريدون بذلك أنه مشتغل بما هو أولى به في الحال، قائم بما هو مطالب به وفي الحين، وقيل: ~~الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بل يهمه في وقته الذي هو فيه.» # 11 # هكذا يصطبغ الوقت ms38 بالحال، ويتميز الحال بالوقت، ويعيش الصوفي الزمان فيما يتدرج ~~فيه من المقامات؛ فالمقام يستمر زمانا، وفي حين يختفي الزمان في الحال، فيصبح أقرب إلى ~~اللحظات الوجودية غير ذات الاتصال، ويتخذ شكلا طوبولوجيا (النقطة)، «إنه اللحظات المكثفة ~~التي لا تتصف بالطابع الكمي بل بالطابع الكيفي، فالوقت لا زمان له لكنه حال تخرج به عن الزمان.» # 12 ~~••• # وطوال تاريخ الفلسفة لم يطرأ على الزمان اللاعقلاني تغير ذو بال، يخرج به عما أسلفناه، ~~حتى كان القرن العشرون بمتغيراته الجمة، يعنينا منها - على وجه الخصوص - تعملق العقلانية في ~~صورة العلم الذي انتصب ماردا جبارا؛ ليحتل قصب السبق ويسم العصر بميسمه، فكان تحديا ~~جديدا وخطيرا. يلزم الزمان اللاعقلاني بإعادة ترتيب أوراقه، وبعث حياة جديدة، تجعله أكثر ~~إنسانية من الأبدية المتعالية. ويتصل هذا بما أسلفناه من تبلور حديث، مميز وناصع ~~للاعقلانية، في صورة النزعة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر. وكما أسلفنا أيضا، تعد ~~الفلسفتان البيرجسونية والوجودية أقوى امتداد للرومانتيكية في الفلسفة المعاصرة. ~~••• # أما عن البيرجسونية، فإن الفيلسوف الفرنسي هنري ~~بيرجسون # H. Bergson ~~(1859-1941) يقف بمعية مارتن هيدجر على رأس الفلاسفة المعاصرين ~~الذين جعلوا الزمان محورا لفلسفتهم، ولكن هيدجر - كما سبق أن رأينا - اعتنى بالمعنى السلبي ~~للزمان بوصفه قوة هدامة تنذر الإنسان بالموت والتناهي والعدم. أما بيرجسون فعلى العكس من ~~ذلك اكتشف في الديمومة المعنى الإيجابي للزمان، ورأى فيها مصدر الوجود الحقيقي. والديمومة # durée # هي المصطلح البيرجسوني لما أسميناه بالزمان ~~اللاعقلاني، لكن الخاص بالنفس الإنسانية وليس المتعالي كالأبدية. # ويفصل بيرجسون فصلا حادا بين الديمومة وبين الزمان العقلاني، معتبرا إياها الزمان ~~الحقيقي الذي يدرك بواسطة الحدس - الخبرة الداخلية الحية - وهي الضد الصريح للزمان ~~العقلاني الطبيعي الزائف الشائه الوهمي غير الحقيقي. يقول بيرجسون: «الديمومة هي الزمان ~~الحقيقي، زمان الحياة النفسية الذي هو عين نسيجها.» # 13 # ولكنه الحقيقي لشعورنا ذاكرة تجلب الماضي بقوة في قلب الحاضر؛ أي إنها امتداد ~~للحاضر، ديمومة فعالة لا رجعة فيها، «تيار لا يمكن عكسه؛ فهي الأساس العميق لوجودنا كما ~~نشعر جيدا بأنها لب الأشياء التي ms39 نحن على صلة بها.» # 14 # بداية، يتمسك بيرجسون بفلسفة للحياة، فلسفة الغريزة التي تعارض العقل، لكن تكمله بقدرة ~~على استخدام الأدوات العضوية. العقل والغريزة يشبهان الحياتين النباتية والحيوانية، ليست ~~إحداهما أهم ولا أسمى من الأخرى، هما ميلاد قدرتين. ولكن حاجة العقل إلى الغريزة، أكثر من ~~حاجتها إليه، وهذه الفلسفة ترفض بالضرورة الزمان العقلاني المتحجر على هيئة مكان، وتستلزم ~~مذهبا عضويا حيويا للزمان كان هو الديمومة، إنها زمان حيوي عضوي ضد الآلية وغير قابل ~~للانقسام. الماضي والحاضر والمستقبل ليست أجزاء منقسمة أو آنات منفصلة، بل هي كل متكامل ~~يتدفق الواحد منها في قلب الآخر. وهذا الزمان - أي الديمومة - يسمح بما تلغيه الآلية ~~الميكانيكية العلمية، يسمح بالجديد الطارئ والخصب العارض. يقول بيرجسون: «كلما تعمقنا في ~~فهم طبيعة الزمن، فهمنا أن الديمومة تدل على الاختراع وخلق الصورة والأعداد المستمر للجديد ~~على وجه الإطلاق.» # 15 # لقد وضع بيرجسون هذه الفلسفة الحيوية لينقض بها الميكانيكة العلمية، ويثبت قصورها ~~وبطلانها، وشن هجوما ساحقا ماحقا على العلم الحديث ليقلم أظافره ويتحرر من ترهاته؛ ~~«لأنه لا يستطيع العمل إلا فيما يفترض أنه يقبل التكرار؛ أي في كل شيء يجرده فرضا من تأثير ~~الديمومة. ويأتي دور الفلسفة في أن تقهر الذهن في الاتجاه المضاد؛ أي اتجاه الديمومة والتفرد.» # 16 # فالديمومة هي التفنيد الوحيد الممكن في نظر بيرجسون لتفسير العلم الميكانيكي ~~للحياة. # يبذل بيرجسون قصارى جهده ليحول بين الحياة وبين غوائل الميكانيكية، فإن كان يأخذ بنظرية ~~التطور الداروينية، فإنه لا يرضى عن اعتبارها ميكانيكية. # وكانت وسيلته لهذه الحيلولة هي الديمومة التي تعني إيجابية الزمن واقترانه بالخلق ~~والإبداع. هذا في مقابل الميكانيكية العلمية التي تعني خواء الزمن - في نظر بيرجسون - وأنه ~~بغير تأثير حقيقي ما دام ثمة برنامج حتمي سوف يتحقق بالضرورة، وتكشف عنه قوانين العلم، ربما ~~يلعب الزمن دور العنصر المتغير المستقل في معادلات التفاضل التي نعبر بها عن قوانين المادة ~~الجامدة غير العضوية، ولكن ليس هذا هو وضع قوانين الحياة؛ فالزمن بالنسبة للحياة ليس عنصرا ~~مستقلا، بل هو نسيج ms40 الحياة. # ومن الطريف حقا أن بيرجسون يرفض أيضا نقيضة الميكانيكية؛ أي الغائية، من نفس هذا ~~المنطلق؛ أي إن الزمن يصبح عبثا ما لم يكن هناك أمور غير متوقعة أو اختراع أو خلق في ~~الكون. الغائية ترسم أيضا الطريق المحدد سلفا، لكن مع فارق وحيد هو أنها تضع الضوء الهادئ ~~أمامنا، أما الميكانيكية فتضعه خلفنا. ومع هذا، لا يغفل بيرجسون فارقا هاما، هو أن ~~الغائية تحتمل تعديلات أما الميكانيكية فلا تحتمل إلا القبول والرفض التامين، تبعا ~~لتسلسل الظواهر العلى؛ لذلك فثمة عناصر مأخوذة من الغائية لتغذي فلسفة الحياة البيرجسونية، ~~تتمثل في النظر إلى العالم العضوي كما لو كان كلا منسجما، والانسجام مأخوذ فقط من حيث ~~المبدأ، فثمة تكيف وتميز وتفرد لكل نوع تنكره الغائية، بينما يؤكده بيرجسون، بواسطة ~~الديمومة نسيج الحياة، وبالتالي نسيج الواقع. # وبطبيعة الحال، جرى بيرجسون على النهج اللاعقلاني في الفصل الحاد بين الزمان والمكان، ~~عارض بشدة زمان الفيزياء المشتت في المكان والقابل للانقسام والقياس بواسطة مواضع مكانية ~~كحركة الأجرام، وهاجم ما أسماه بالأثر المدمر للفيزياء، والمتمثل في المعالجة الكانطية ~~الواحدة للزمان والمكان معا. إن الديمومة - أو الزمان البيرجسوني - واللاعقلاني عموما، ~~ليس تصورا من التصورات العلمية المنطقية كالمكان، وكل دراسة له من هذه الناحية تشويه تام ~~لطبيعته «الطابع العضوي الجوهري للزمان هو الذي يميزه تمام التمييز عن المكان المتحجر ~~الخالي من الاتجاه، الذي تصلح إليه نقطة فيه أن تقوم مقام أية نقطة أخرى، مما نعبر عنه ~~بقولنا إن المكان تجانس مطلق، إنه تصور أي فكرة منطقية متحجرة، تثبتها اللغة في قالب لا ~~ينمو ولا يتطور.» # 17 # المكان المتحجر الذي يقوم بتقطيع الواقع الحي غير القابل للانقسام، يشبه تماما ~~ذلك الزمن الذي ينسبه العلم إلى أشياء مادية، الزمان العقلاني العلمي تماما، كالمكان: ~~تجانس مطلق، تصور منطقي متحجر، قالب ثابت لا يتطور ولا ينمو، آلي عديم الحياة. # أما الزمان الحقيقي - الديمومة - التي هي تيار الوعي اللامكاني، فإنها تعارض تماما هذا ~~الزمان الثابت المتجانس. إنها تماثل عملا داخليا للنضج والخلق، فتدوم حسب ms41 جوهرها، وتفرض ~~معدلها في السرعة على الحركة الأولى؛ أي: حركة الزمان الطبيعي العلمي. # هكذا، بعد كل هذا الصول والجول والهيل، نعود من حيث بدأنا، من محور الاتجاه اللاعقلاني ~~القائل إن الزمان الطبيعي الخارجي الموضوعي زائف، والزمان النفسي الداخلي الذاتي هو ~~الحقيقة، وزاد بيرجسون بأن جعله نسيج الوعي ونسيج الحياة ونسيج الواقع. ~~••• # وتبقى الفلسفة الوجودية، التي تميزت بأنها «تفسر مشكلة الزمان على أنها مشكلة المصير الإنساني.» # 18 # وفلاسفة الوجودية كثيرون، معظمهم عني بإشكالية الزمان عناية بالغة، وطرح ~~رؤاه بشأنها من ذلك المنظور. # ومن أخصب هذه الرؤى، وأشدها وجودية أو تعبيرا عن فعالية الفلسفة الوجودية، إنما هي رؤية ~~اللاهوتي الوجودي والفيلسوف البروتستانتي الكبير باول ~~تيليش Paul Tillich ~~(1886-1965)، وهو ألماني، ولكن مع الغزو النازي هاجر عام 1933م إلى ~~أمريكا، واستقر بها ليكون أكثر الوجوديين جميعا انتشارا وتأثيرا في العالم المتحدث بالإنجليزية. # 19 # وتقوم مجمل فلسفة تيليش بجوانبها العديدة، على أن العقيدة الدينية عموما، والمسيحية ~~البروتستانتية خصوصا، هي فقط التي تستطيع تقديم الحلول المثلى والناجحة للمشاكل الوجودية ~~المتأزمة التي يثيرها الموقف الفردي للإنسان، وعلى الأخص في المرحلة الحضارية المعاصرة. ومن ~~هذا المنطلق تأتي رؤيته لإشكالية الزمان ، وهي من أكثر الرؤى الوجودية اتساقا مع مسار بحثنا ~~هذا وتحقيقا لهدفه، بتوضيح التقابل بين الزمانين العقلاني واللاعقلاني. # يؤكد تيليش من جانبه على الطابع اللاعقلاني للزمان، والذي يجعله مستغلقا في وجه العقل ~~التصوري، فيقول إن أعظم العقول لن تستطيع استكناه سوى جانب واحد من الزمان، بينما أبسط ~~العقول تعي سره، وأنه مؤقت زائل. العقل البسيط قد لا يستطيع التعبير عن معرفته بالزمان، ~~ولكنه لا ينفصل أبدا عن سره الذي يتخلل كل لحظة من كل حياة؛ فالزمان قدرنا وأملنا ويأسنا، ~~وهو المرآة التي نرى فيها الأبدية، لقد أدرك الإنسان دائما أن ثمة شيئا ما مخيفا في ~~سيلولة الزمان، لغزا لا نستطيع أبدا حله، فكما أشار أوغسطين - وهو من رواد الطريق الذي ~~يسير فيه تيليش - نحن آتون من ماض لم يعد، وصائرون إلى مستقبل لم يكن بعد، وليس لنا ms42 ~~إلا حاضر زائل دائما لا نستطيع الإمساك به أو الإبقاء عليه؛ لذلك فلسنا نملك بشأن الزمان ~~أي شيء حقيقي. إنه يبدو كما لو كان خاصة ~~حلمية # dreaming character # لوجودنا. ولا يبدو أمامنا ملاذ إلا بالالتجاء إلى الأبدية الكائنة ~~أبدا، الباقية الدائمة، إنها الآن الأبدي، الآن الحقيقي، ومن يستمع للمسيح سوف يلقاها طوع بنانه، # 20 # على الإجمال، الملاذ من أحبولة الزمان - كما من كل أحبولة - إنما بالالتجاء إلى ~~التجربة الدينية. # وفي فصل بعنوان «نحن نحيا في ~~نظامين # We Live In Tow Orders ~~»، # 21 # ينص تيليش على أن الوجود ينشطر إلى عالمين مختلفين تماما، ونحن نحيا في كليهما ~~معا، هما عالما الزمان والأبدية. وهذا مطروح في كل الأديان، لكن تيليش يرى المسيحية تتميز ~~بأنها تجعل الأبدية تكشف عن نفسها في قلب الزمان والتاريخ، وذلك حين ظهر المسيح على الأرض. ~~وهدف المسيحية دائما تحقيق الوجود الجديد، ولا جديد تحت الشمس، الجديد فقط حين تنبثق ~~الأبدية في قلب الزمان، ولكن كيف يحقق الإنسان هذا الانبثاق؟ # قبل الإجابة على هذا، نلاحظ أن تيليش حريص على ألا يقع في الخلط بين الزمان والأبدية، أو ~~بين اللامتناهي الكمي واللامتناهي الكيفي؛ فيؤكد أن الرسالة المسيحية - أو الدينية عموما - ~~لا تضع الحياة الأخرى كمجرد امتداد للحياة الدنيوية، كما يتصور السذج. الأبدية الدينية ~~تتعالى على الماضي، والمستقبل، ومجمل الزمان. الرب يقول: أنا المبتدأ وأنا المنتهى # I am the Alpha and the Omega # وليس هناك ~~زمان يتلو زمانا، بل أبدية تعلو على الزمان. ويشير تيليش إلى صعوبة أن نفهم هذا؛ لأننا قد ~~نفكر في الزمن الآتي حين لا نعود كائنين، وقد لا يقلقنا زمن ماض لم نكن فيه كائنين. ولكن ~~الإنجيل الرابع لا يسير عبر هذه الخطوط، فحين يتحدث عن أبدية يسوع، لا يشير فقط إلى عودته ~~للأبدية، بل وأيضا إلى مجيئه منها: «الحق ... الحق ... أقول لكم، من قبل إبراهيم أكون أنا.» ~~و«قبل» هنا لا تعني الماضي التاريخي، وكأنه علينا أن نضيف إلى عمره بضع مئات من السنين، ~~كلا! فهو لم ms43 يقل «كنت» قبل إبراهيم، بل «أكون» قبل إبراهيم. # 22 # هذه الأبدية المتعالية هي الحد النهائي لسيلولة الزمان، وانفلاته من بين فروج الأصابع إلى ~~حيث لا ندري، الماضي ... الحاضر ... المستقبل ... كل منها له سره الخاص به، ويحمل قلقه الخاص به، ~~ويثير تساؤله الخاص به، والأبدية هي الإجابة الوحيدة على التساؤلات الثلاث. وتعلو النبرة ~~الوجودية، حين يؤكد تيليش أنه عن طريق الأبدية وإجاباتها، تستطيع التجربة الدينية الحيلولة ~~بين الفرد وبين أن يضيع في الحشد في الجماهير، أو يكون مجرد رأس في القطيع - بتعبير نيتشه ~~الفظ - فالأبدية تجعله يعلو على عصره، وعلى زمانه، محققا ذاته المتفردة ووجوده الأصيل. هذا ~~ملخص ما يقوله تيليش في فصل بعنوان # Do not be conformed ~~. # 23 # ولنلاحظ أن حتمية الموت وهو الممكن الوحيد اليقيني؛ أي كون الإنسان متناهيا محاقا ~~بالعدم ... هذه المقولة أمعن فيها تيار الوجودية الملحدة المنشق ليخرج منها إلى عبثية الحياة ~~والإلحاد. ولكن تيليش يواصل المسار الشرعي للوجودية كما بدأت مؤمنة مع أبيها سرن كيركجور، ~~وكما ترعرعت وأينعت في اللاهوت البروتستانتي طوال القرن التاسع عشر. ومن منطلق الوجودية ~~الدينية واللاهوت الوجودي، يمعن تيليش في نفس المقولة؛ ليستغلها في تفجير قوة الإيمان، ~~وإثبات ضرورة الالتجاء إلى الألوهية، معتمدا على استقطاب وجودي لإشكالية الزمان في حدود ~~المستقبل. يقول تيليش: إننا نتحدث عن الزمان بثلاث طرق أو ثلاثة أنماط: الماضي، والحاضر، ~~والمستقبل. وأي طفل على وعي بها. ولكن لا يوجد أبدا أي إنسان - مهما أوتي الحكمة - يستطيع ~~النفاذ إلى سرها. ونحن نصبح على وعي بها حينما نسمع صوتا يخبرنا: إنك أيضا سوف تصل إلى ~~النهاية! إذن فالمستقبل هو الذي ينبهنا إلى سر الزمان؛ مما يجعل وعينا به يسير في الاتجاه ~~المعكوس، يبدأ بالتوقع القلق للنهاية، فنرى الماضي والحاضر في ضوء المستقبل. # 24 # وتصور المستقبل يثير إحساسات متناقضة، فمن المبهج أن يتصور المرء المستقبل وقد تحققت فيه ~~إمكانياته؛ ليشعر بوفرة وثراء الحياة، وبقدرته على خلق الجديد. إن المستقبل يحمل شجاعة ~~الإقدام نحو الجديد، خصوصا في المرحلة المبكرة من الحياة، بيد ms44 أن هذا الشعور المبهج يصارعه ~~شعور مضاد هو: من ناحية الخوف مما قد يخبئه المستقبل، وما يحيط به من غموض المجهول، ومن ~~ناحية أخرى قصر الدوام الذي يتزايد مع كل عام يمضي من الحياة، فيجعلنا أقرب من النهاية ~~المحتومة. وأخيرا نلقى النهاية ذاتها، بحتميتها وبكل ما يكتنفها من ظلام دامس، لا سبيل ~~البتة إلى اختراقه، هذا بالإضافة إلى تهديد قائم بأن وجود المرء جملة وتفصيلا، قد يحكم ~~عليه المستقبل بالفشل. والآن كيف يتصرف المرء إزاء المستقبل، بما يحويه من أمل وتهديد ~~ونهاية لا فرار منها؟ البعض يحل هذه الإشكالية بتصويب النظر إلى المستقبل الفوري، والعمل ~~على تحقيق إمكانياته وآماله، ويصرف النظر عن المستقبل الأبعد، اللحظة الأخيرة من مستقبل ~~الإنسان أو وجوده، ربما كنا لا نستطيع أن نحيا بغير العمل على تحقيق إمكانيات المستقبل ~~القريب، ولكن إذا فعل هذا دائما وفقط، فلن يستطيع أن يموت، فهل سيستطيع أن يحيا؟ # 25 # إن تيليش يرمي إلى إيضاح أن الدين حين يعدنا بحياة مستمرة بعد الموت، فإنه يحمل قوة قهر ~~المشاعر السلبية المحاقة بالزمان في المستقبل والنهاية المحتومة، وهي قوة لا تمس المشاعر ~~الإيجابية، فضلا عن قوة الأبدية الكائنة فوق هذا وذاك. بعبارة موجزة، يعطينا تيليش في ~~الفقرة السابقة صياغة فلسفية للمبدأ الإسلامي: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا.» لكنها أبعد ما تكون عن صيغة الأمر الإلزامي، فهي صياغة وجودية؛ أي تستلزم ~~التوتر الكيفي، وبالتالي الزمان اللاعقلاني في أكثر صوره حداثة؛ أي أكثر صوره ~~إنسانية. # الفصل السادس # | الزمان العقلاني # لم يكن أرسطو فيلسوفا ومؤسسا للميتافيزيقا فحسب، بل كان أيضا - وبنفس الدرجة - عالما ~~فيزيقيا طبيعيا تجريبيا، ولأقصى حد تسمح به ثقافته التي دأبت على تمجيد النظر وتحقير ~~العمل. وكانت عنايته بالشواهد والعينات التجريبية - حتى أوصى قواد تلميذه الإسكندر أن ~~يجلبوها معهم من البلدان التي يفتحونها، كيما تكتمل بحوثه في النبات والأحياء - إرهاصا ~~بأصوليات منهج العلم التجريبي. # هذه النزعة العلمية التجريبية جعلت زمان أرسطو هو الزمان العقلاني الموضوعي الكوزمولوجي ~~الفلكي، فصحيح أنه ms45 قال: بغير النفس الإنسانية لن يكون هناك زمان، بل حركة غير محدودة وغير ~~معدودة، وقال أيضا إن الوعي بالزمان لن يتم بغير تغير الحالات النفسية، ولكن يمكن اعتبار ~~هذا شبيها بما يسمى بالمثالية العلمية المعاصرة، والتي تخلقت بين نفر من العلماء، حين ~~أصبح العلم الذري المعاصر يرسم صورة للكون مخالفة تماما لصورته في الحس المشترك. فالواقع ~~أن أرسطو ألغى الزمان اللاعقلاني إلغاء تاما من فلسفته، وتمادى في التصور العقلاني له ~~حتى جعل الأبدية مجرد الامتداد اللانهائي له، رافضا رأي أفلاطون الحصيف في الفصل بينهما؛ ~~أي وقع في الخلط بين اللامتناهي الكمي واللامتناهي الكيفي. وكما أوضحنا لم يكن لهذه المشكلة ~~حل قبل تطور الرياضيات البحتة، وظهور حساب اللامتناهي. # والواقع أن الخلاف بين أفلاطون وأرسطو حول الأبدية، يعود لرفض أرسطو لفكرة العالم ~~المخلوق، أو العالم الذي شكله الصانع الأفلاطوني. وكما أشرنا، رأى أفلاطون أن الزمان ~~مخلوق مع العالم، ولكنه لم ينشغل البتة بتوقيت عملية الخلق المفترضة؛ لأنها ليست حدثا من ~~النوع الذي يمكن الاستدلال على تاريخه مما يبدو من آثاره اللاحقة. وإذا كان لا بد وأن ~~نؤرخها فلنقل إنها منذ تسعة آلاف عام مضت، فهذا في تقدير أفلاطون الفترة التي انقضت على ~~ما ترويه الأقاصيص المتواترة عن القدماء بشأن الصراع الذي حدث بين الأثينيين وبين رجال ~~أطلنطيس. ومع هذا، نجد أفلاطون في مواضع عديدة يستبعد تماما السؤال عن تاريخ الخلق، بوصفه ~~سؤالا أبله بغير معنى، أما أرسطو فقد رفض بدء الزمان وبدء العالم، من حيث رفض فكرة الخلق. ~~بتعبير الإسلاميين قال إن العالم قديم غير حادث والزمان قديم غير حادث، وأكد أن النظام ~~الطبيعي أبدي ثابت، وليس له أية بداية زمنية في الماضي، ولا نهاية متوقعة في المستقبل، ولم ~~ينظر أبدا إلى السؤال: متى بدأ العالم؟ بل، كيف؟ ولماذا انتظم على هذا النحو؟ وأكد أن أية ~~فكرة عن بداية كل الأشياء لن تساعدنا، بل ولا يوجد ما يدعو لافتراضها أصلا. وبذلك انتهى ~~أرسطو إلى أن الزمان بلا بداية ولا نهاية، لا متناه، ms46 وأيضا غير متسق مع فكرة لحظة الخلق، ~~وأن هذه النتيجة الميتافيزيقية المنطقية تدعمها الملاحظة التجريبية، فنحن لا نلاحظ أية ~~واقعة توحي بأن نظام الطبيعة ليس أبديا. وأخذ أرسطو على أفلاطون أنه جلب الزمان مع الخلق ~~نفسه إلى الوجود في لحظة معينة؛ لذا لا بد وأن نسأل: ماذا كان قبلها؟ واعتمد أرسطو على ~~حرفية نصوص في محاورة طيماوس ليخرج بأن الوجود عند أفلاطون حدث في آن معين من آنات الزمان، ~~رأينا أفلاطون يعجز عن تحديده بدقة، أو يتراجع عن هذا، وينتهي أرسطو إلى أن نظرة أفلاطون ~~غير متسقة مع نفسها، ولكن تلاميذ أفلاطون رفضوا هذا التأويل الأرسطي، وذهبوا إلى أن عملية ~~الخلق نوع من البناء العقلي، يفسر أسس النظام لا نقطة بدئه. # 1 # وعلى أية حال، فإن العالم الأرسطي قديم خالد أزلي أبدي؛ ليغدو الزمان بدوره هكذا، «وكذلك ~~الحركة الدائرية الموجودة فيه. وعلى أساس من أبدية الزمان والحركة، يثبت أرسطو وجود المحرك ~~الذي لا يتحرك.» # 2 # أي: وجود الألوهية الأرسطية. # إن أرسطو يربط بين الزمان والحركة، ولعله يوحد بينهما حين يجعله متجددا باستمرار وتبعا ~~لاستمرار تجددها. فهو لا يتصور زمانا إلا زمان أحداث متحركة، وليس ثمة زمان فارغ كما أنه ~~ليس ثمة مكان خلاء، وإن كان المكان محدودا، بينما الزمان لا متناهيا. ويستحيل أن نعرف ~~الزمان إلا بواسطة الحركة ؛ أي: عندما يقطع جسم متحرك مجموعة من النقاط فنحكم بمرور فترة ~~زمنية بين النقطة التي كان فيها في آن معين من الزمان، والنقطة التي أصبح فيها في آن آخر من ~~الزمان، ولا بد وأن يكون بين الآنين فترة زمانية، أو على الأقل لا بد وأن يكونا آنين ~~مختلفين؛ لأن الجسم يستحيل أن يتواجد في نقطتين مكانيتين في آن واحد. # وعلى هذا يقدم أرسطو في السماع الطبيعي تعريفا للزمان هو: «مقدار الحركة من جهة المتقدم ~~والمتأخر.» وهو يشبه كثيرا التعريف الذي قال به أرخوطاس الترنتي الفيثاغوري المعاصر ~~لأفلاطون: «الزمان مقدار لحركة معلومة، وهو أيضا المدة الخاصة بطبيعة الكون.» # 3 # ويقوم هذا التعريف على ms47 أن كل حركة في الكون لها علة أولى أو محرك أول، قال عنه ~~أرسطو أنه غير متحرك. # على هذا النحو، أرسى أرسطو أولى أسس الزمان العقلاني بالربط بينه وبين الحركة الخارجية، ~~ولكن ظهرت مشكلة، وهي أن ثمة أنواع كثيرة من الحركة، منها على أبسط الفروض الحركة البطيئة ~~والحركة السريعة، بينما الزمان واحد ثابت مشترك بين جميع أنواع الحركات، وهو الذي يميز ~~بينها ويحدد السريعة منها والبطيئة، إن «الزمان منتظم ولا راتب؛ لذا تقاس به الحركة التي ~~هي ليست بمنتظمة ولا راتبة.» # 4 # فكيف يرد المنتظم إلى غير المنتظم؟ في الرد على هذا يمكن اتخاذ نوع معين من ~~الحركة معيارا ومقياسا دالا على الزمان. فيقول أرسطو في السماع الطبيعي: «يبدو أن ~~الزمان حركة الفلك، والواقع أن بقية الحركات تقاس بهذه الحركة نفسها، والزمان هو الآخر ~~مقتبس بها.» # 5 # ولكن الرواقيين وأفلوطين لاحظوا ما هو واضح الآن؛ أي: إن أرسطو وقع في دوران ~~منطقي حين رأى أن الحركة هي مقياس الزمان، والزمان هو مقدار الحركة! # على أية حال، تظل ماهية الزمان عند أرسطو تتجدد باستمرار، تبعا لاستمرار الحركة. فالزمان ~~متصل بواسطة الآن، ويقسم بحسبه بالقوة؛ أي إن الآن يصل الماضي بالمستقبل. فإذا قسمنا ~~الزمان، فإن الآن بداية جزء ونهاية جزء، أو - بتعبير ابن رشد - الآن ما ليس يمكن أن يوجد لا ~~مع الزمان الماضي ولا مع المستقبل، فهو ضرورة بعد الماضي وقبل المستقبل، # 6 # إن أرسطو يتوقف عند «الآن» - الحاضر اللحظي - ~~ليعتبره وحدة الزمان. وهو كما رأيناه «الزمان الطبيعي، زمان الساعات المكون من آنات ~~متوالية، كل آن منها يكون حاضرا، والزمان تبعا لهذا مكون من حاضرات متوالية.» # 7 ~~••• # وكما هو معروف، هيمن أرسطو على الفكر البشري حتى مطالع العصر الحديث؛ لذا نراه حدد خطى ~~الزمان العقلاني الخارجي طوال تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة. وكل الباحثين فيه - أو عنه - ~~سلموا تسليما بما قاله أرسطو، واقتصر دورهم على الشرح والتعليق والمناقشة، وبالكثير على ~~النقد والتعديل الجزئي. # ولكن العصور الوسطى كانت دينية، ارتهنت حدودها بظهور ونصرة ms48 الأديان السماوية؛ لذلك نجد ~~المشكلة الهامة الوحيدة التي واجهت ذوي النزعة العقلانية والعلمية فيها بشأن الزمان الأرسطي ~~إنما هي لا نهائيته، اعتمادا على أن العالم غير مخلوق ولا حادث. فالبنية الثقافية للعصر، ~~المصبوغة بالأديان السماوية، تقوم على التسليم بأن الكون مخلوق لله وحادث، ونفي اللانهائية ~~عن الزمان وتأكيد حدوثة مع العالم - كما فعل أفلاطون وأوغسطين - توطيد لمسلمة خلق ~~العالم وحدوثه. فقالوا في أبطال اللانهاية في الحدوث أقوالا كثيرة، أوجزها: «وكما لا يجوز ~~حدوث حادث قبل حادث لا إلى أول وإن تغير وتقضى، فكذلك لا يجوز أن يعتقد معتقد وجود ما لا ~~يتناهى في بعض الحالات؛ لأن كل ما يدخل في الوجود لا بد من كونه متناهيا منحصرا.» # 8 # وقد عالجنا هذه المشكلة في «متاهات إشكالية الزمان» حين توقفنا عند المتاهة التي تتخلق عن ~~السؤال: هل للزمان بداية؟ وأوضحنا كيف كان مجالا لسلسلة طويلة من الأخذ والرد، تقوم على ~~خلط والتباس أزلناه في حينه. ويهمنا الآن تتبع أهم خطوة لمسار الزمان العقلاني في العصور ~~الوسطى. # وقد كان شارح أرسطو الكبير ابن رشد أعظم حملة لواء العقلانية في ذلك العصر، وتكفل بحل تلك ~~المشكلة، على أساس أن العالم مخلوق فعلا ولكن قديم. والزمان ~~بدوره قديم لا متناه، ولكن لا نهائيته لا تمس نعل ~~الخلق، بل تؤكده. يقول ابن رشد: # أكثر من يقول بحدوث العالم يقول بحدوث الزمان معه، بالتالي يكون للزمان بداية ~~ونهاية؛ لأن ما لا ابتداء له لا ينقضي ولا ينتهي أيضا، ولكن يلزمهم أن يقال لهم: ~~حدوث الزمان هل كان يمكن فيه أن يكون طرفه الذي هو مبدؤه أبعد من الآن الذي نحن ~~فيه: أو ليس يمكن ذلك؟ فإن قالوا: ليس يمكن ذلك، فقد جعلوا مقدارا محدودا لا يقدر ~~الصانع أكثر منه، وهذا شنيع ومستحيل عندهم. # وإن قالوا: إنه يمكن أن يكون طرفه أبعد من الآن، من الطرف المخلوق، قيل: وهل يمكن ~~في ذلك الطرف الثاني أن يكون طرف أبعد منه؟ # فإن قالوا: نعم، ولا بد لهم من ذلك، قيل ms49 فها هنا إمكان حدوث مقادير من الزمان لا ~~نهاية لها، ويلزمكم أن يكون انقضاؤها على قولكم، في الدورات شرطا في حدوث المقدار ~~الزماني الموجود منها. # وإن قلتم: إن ما لا نهاية له لا ينقضي، فما ألزمتم خصومكم في الدورات، ألزموكم في ~~إمكان مقادير الأزمنة الحادثة. # فإن قيل: إن الفرق بينهما أن تلك الإمكانات غير المتناهية هي لمقادير لم تخرج إلى ~~الفعل، وإمكان الدورات التي لا نهاية لها قد خرجت إلى العمل. # قيل: إمكانات الأشياء هي من الأمور اللازمة للأشياء سواء كانت متقدمة على الأشياء ~~أو مع الأشياء، على ما يرى ذلك قوم. # فهي ضرورة بعدد الأشياء. # فإن كان يستحيل قبل وجود الدورة الحاضرة، وجود دورات لا نهاية لها، يستحيل وجود ~~إمكانات دورات لا نهاية لها. # ألا آن لقائل أن يقول: إن الزمان محدود المقدار، أعني زمان العالم، فليس يمكن ~~وجود زمان أكبر منه، ولا أصغر، كما يقول قوم في مقدار العالم؛ ولذلك أمثال هذه ~~المقادير ليست برهانية، ولكن كان الأحفظ لمن يضع العالم محدثا أن يضع الزمان محدود ~~المقدار، ولا يضع الإمكان متقدما على الممكن، وأن يضع العظم كذلك متناهيا، لكن ~~العظم له كل، والزمان ليس له كل. # 9 # على هذا النحو العقلاني المحكم يثبت ابن رشد ما ارتآه أرسطو، من أن العالم قديم والزمان ~~بدوره قديم، بلا بداية ولا نهاية لا متناه. ولكنه لا تناهي الكمية الرياضي، وليس لا تناهي ~~الكيفية الأبدي، فهو الزمان العقلاني، زمان العالم الطبيعي الخارجي، وقد أحرز درجة من سيطرة ~~العقل عليه، أو من التقدم، مع ابن رشد. ~~••• # ولكن التقدم الجوهري، الجذري والحقيقي، في التناول العقلاني للزمان الطبيعي، إنما كان ~~بحدوث التقدم الجوهري الجزري - إن لم نقل الميلاد الحقيقي - لتناول الطبيعة أصلا؛ أي بنشأة ~~الفيزياء الحديثة، متصدرة مسيرة العلم الحديث الظافرة. # نحن الآن بصدد الزمان الفيزيائي، إشكالية الزمان الطبيعي في قلب نسق الطبيعة علم ~~الفيزياء. إنه الزمان العقلاني - حسب اتفاقنا ومصطلحاتنا - في أبعد نقطة له عن الزمان ~~اللاعقلاني، في أدق صوره مقاسة ومقيسة، قابلة للتقسيم ms50 الرياضي والتكميم الكرونومتري الذي ~~يزداد دقة يوما بعد يوم حتى بلغ النانو ثانية والفمتو ثانية. إن الزمان الفيزيائي هو ~~الزمان الطبيعي العقلاني في صورته العلمية؛ أي: أشد صورة يمتلكها العقل الإنساني دقة ~~وإحكاما، وهو يفوق الأزمنة جميعا في ارتباطه بالمكان، فلا ينفصل البتة عنه. # ولما كان عالم الفيزياء مكونا من الزمان والمكان والمادة، كان ثمة تواز وتلازم ضروري ~~بين الفيزياء والزمان. فتخلق الزمان الفيزيائي بتخلق الفيزياء، ونما وتطور بنموها ~~وتطورها، واكتمل باكتمالها - بنظرية نيوتن - وتأزم بتأزمها، وانقلب انقلابا جوهريا حين ~~انقلبت هي انقلابا جوهريا بظهور النظرية النسبية، فقد مرت الفيزياء بمرحلتين؛ الأولى: هي ~~المرحلة الكلاسيكية: وكانت نظرية نيوتن هي النظرية الفيزيائية العامة، والثانية: في القرن ~~العشرين، حين أصبحت نظرية آينشتاين هي النظرية الفيزيائية العامة. وتبع هذا أن الزمان ~~الفيزيائي بدوره قد مر بمرحلتين أو بتصورين؛ هما: الزمان المطلق مع نيوتن، والزمان النسبي ~~مع آينشتاين. والفارق المحوري بينهما أن التصور المطلق يرد المادة إلى الزمان والمكان، ~~بمعنى آخر يدرك المادة أو يتصورها من خلال مفهومي الزمان والمكان، أما التصور النسبي فيفعل ~~العكس؛ أي يدرك ويتصور الزمان والمكان من خلال المادة؛ لذلك فالتصور المطلق يجعل الزمان ~~سابقا على الخبرة، أما التصور النسبي فيجعله مشتقا منها. وفي النسبية الخاصة أثبت ~~آينشتاين استحالة تصور الزمان المطلق، وفي النسبية العامة تعتمد بنية المتصل ~~الزماني-المكاني على توزيع المادة في الكون ، ولكن يمكن تصور انحناء هذا المتصل في حالة ~~الغياب الكامل للمادة. والتصور النسبي بصفة مبدئية، يعتمد على أن الزمان والمكان لا يتضمنان ~~داخلهما أية مقاييس داخلية، ولا بد من عنصر اصطلاحي. # على أية حال، يلزم الوقوف على الزمان الفيزيائي، منذ أن بدأ يتخلق بتخلق الفيزياء ~~الحديثة. وقد ارتهن ميلاد علم الفيزياء، وبالتالي نسق العلم الحديث بأسره - وبسائر فروعه ~~حتى النفس والاجتماع وما تلاهما - ارتهن هذا بالخروج عن الفرض البطلمي الذي أكدته فلسفات ~~العصور الوسطى الدينية، القائل أن الأرض هي مركز الكون، والأجرام الأخرى تدور حولها. ففي ~~عام 1507 جاء الفلكي البولندي نيقولا ~~كوبرنيقوس # N. Copernicus ~~(1473-1543) ms51 ليقول إن بطليموس ربما كان على خطأ؛ لأن نظامه يفشل ~~في تفسير ظواهر عديدة، وإن فرض مركزية الشمس الذي سبق أن قال به أرسطارخوس الساموسي ~~(310-230ق.م)، أبسط وأنجح، وإذا أضفنا إليه فرضية أن الأرض تتحرك، فسوف نكون أقدر على تفسير ~~الظواهر الفلكية. إنها الثورة الكوبرنيقية التي وضعت الشمس في مركز الكون - بدلا من الأرض ~~- فأحرزت الخطوة الأولى في طريق العلم الحديث الصاعد الواعد. # ثم كانت خطوة حاسمة مع يوهانس كبلر # J. Kepler ~~(1571-1630) فقد وضع قوانين حركة الأجرام السماوية، وهي مداراتها الأهليلجية أو البيضاوية ~~وليست الدائرية كما كانت البشرية تتصور طوال تاريخها، ووضع حسابات فلكية دقيقة لأزمنة ~~الكواكب المختلفة، وتوجت جهوده بثلاثة قوانين مشهورة أودعها كتابه «الفلك الجديد»؛ ~~وهي: ~~(1) # الأرض والكواكب كلها تدور حول الشمس في مدارات أهليلجية، تقع الشمس في إحدى ~~بؤرتيها. ~~(2) # في ذلك الأهليلج تزيد مساحة القطع الذي يرسمه الخط الواصل بين الشمس والكواكب ~~زيادة متناسبة تناسبا طرديا مع الزمن. فالخط الذي يربط بين الشمس وأي كوكب ~~يقطع في زمن معين المساحة الخاصة بالكوكب متناسبة مع الزمن ومستقلة عن موضع ~~الكوكب في مداره. ~~(3) # بالنسبة لأي كوكبين، مربعا زمانهما الدوري، يتناسبان مع بعضهما بنفس النسبة ~~بين مكعب متوسط المسافة بينهما وبين الشمس؛ أي إن نسبة مكعب نصف المحور الطولي ~~للمدار إلى مربع زمن الدوران واحدة لجميع الكواكب. # 10 # ثم كانت الخطوة التالية مع جاليليو (1564-1642) الذي مد نطاق القوانين الفيزيائية من فلك ~~السماوات إلى الأرض، ووضع قوانين رياضية دقيقة تحكم الحركة على سطحها، أهمها قانون الأجسام ~~الساقطة، الذي ينص على أن الجسم يسقط بسرعة تتزايد بانقضاء الزمن منذ أن بدأ يسقط، وهذا ~~يعني أن الأجسام تسقط بعجلة # acceleration # ثابتة. فالسرعة ~~تساوي العجلة مضروبة في الزمن (س = ع ن)، وسرعة الأجسام التي تقذف إلى أعلى عموديا تتناقص ~~تبعا لنفس القانون. # هكذا انتصف القرن السابع عشر وقد أحرز علم الطبيعة شوطا طويلا ورائعا، بوضع قوانين ~~للحركة الفلكية وقوانين للحركة الأرضية، لكنهما ظلا منفصلين. ونلاحظ أن رواد العلم حتى ~~الآن، في قوانين ms52 الحركة الفلكية والأرضية على السواء، يستعملون مفهوم الزمان كما هو، ولم ~~يعن أحد بتحديده، أو توضيح غموضه. # جاء إسحاق نيوتن (1642-1727) بطل أبطال الفيزياء والعلم الحديث طرا، ونشر في لندن عام ~~1687 كتابه العظيم «الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية»، وفيه يضع فرض الجاذبية العام الذي ~~يجمع بين النظامين الفلكي والأرضي في نسق واحد شامل للعلم بالطبيعة، ووضع قوانينه الثلاثة ~~التي تحكم كل وأية حركة في هذا الكون؛ وهي: ~~(1) # كل جسم يظل على حاله سكونا أو حركة مطردة في خط مستقيم ما لم يؤثر عليه مؤثر ~~خارجي، وهذا هو قانون «القصور الذاتي». ~~(2) # كل جسمين يتجاذبان طرديا مع مجموع كتلتيهما، وعكسيا مع مربع المسافة ~~بينهما. ~~(3) # لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. # 11 # وقد انتبه نيوتن العملاق إلى أن الجسم الذي يتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم من سطح الأرض، ~~يصف مسارا شديد التعقيد وبسرعات مختلفة، وكذلك الأمر إذا أخذنا الشمس في الاعتبار، فمن ~~العبث إذن وضع مبدأ القصور الذاتي في صورته المطروحة، ما لم نحدد معيارنا لاستقامة الحركة، ~~ومعيارنا لاطرادها؛ أي اطراد سرعتها أو تساوي فتراتها الزمانية. «وقد واجه نيوتن هذه ~~الصعوبة عن طريق التسليم بكيانين واتخاذهما مصادرة؛ هما: المكان المطلق، والزمان المطلق.» # 12 # وهو يقابل بينهما وبين المكان النسبي والزمان النسبي؛ أي المرتبط بأشياء معينة ~~ويحسب بحركتها. وهذا الزمان النسبي يمثل المحك التجريبي المستعمل فعلا في الحياة ~~اليومية، بل وفي إجراءات البحث العلمي، ولكن نيوتن رآه زمانا ظاهريا متغيرا، لا يصلح ~~أساسا ثابتا للنظرية الفيزيائية، فصاغ قانون القصور الذاتي في حدود الحركات التي تصف ~~مسافات متساوية على طول خط مستقيم في المكان المطلق، خلال فترات متساوية في الزمان ~~المطلق. # والزمان المطلق، كما عرفه نيوتن، زمان هو في ذاته ينساب باطراد، في اتجاه واحد إلى ~~الأمام، أو من الماضي إلى المستقبل، وبغير أي اعتبار لأي عامل خارجي، ويتدفق # Flow # بصورة ثابتة متكافئة، مستقلا عن الأحداث المتزامنة ~~فيه، وعن إدراك الحواس أو أية ذات عارفة له. ويناظره المكان ms53 المطلق، وهو مكان في طبيعته ~~الذاتية وبغير اعتبار لأي عامل خارجي موجود وجودا موضوعيا مستقلا عن أي ذات عارفة، ~~ويظل دائما متماثلا، وغير قابل للحركة أو التغير، # 13 # ويمثل الزمان المطلق - مع المكان المطلق - أساسا نظريا صلبا صلدا وثابتا ~~للعلم الفيزيائي، فهما تصوران معياريان، غير مشتقين من الخبرة بل سابقين على كل تجربة، ~~ويشكلان مقياسا ثابتا ومحكا نهائيا، وترتيب الأحداث تبعا للزمان المطلق، إلى سابق ~~ولاحق ومتآن، يغدو ترتيبا مطلقا ثابتا لا يتغير، مهما كانت المسافة بين الأحداث أو موقع ~~رصدها وملاحظتها أو السرعة الحركية ... إلخ. # لقد اكتملت في كتاب نيوتن المذكور الصورة العامة لهذا الكون، بفضل الزمان والمكان ~~المطلقين كخلفية مطلقة تتحرك فيها كل كتل المادة أو الأجسام، بنوعين من الحركة: مطلقة ~~ونسبية، الحركة المطلقة هي انتقال الجسم من موضع إلى آخر في المكان المطلق، أما النسبية فهي ~~تغير موضع جسم ما بالنسبة لجسم آخر، ويقابلها السكون الطلق والسكون النسبي؛ أي بقاء الجسم ~~في موضعه من المكان المطلق، أو في موضعه بالنسبة لجسم آخر، وانتظمت الكتل والأجسام في كل ~~متكامل؛ ليتشكل هذا الكون على هيئة آلة ميكانيكية ضخمة تحكمها الحتمية # Determinism # الصارمة. والحتمية تعني نظاما شاملا ثابتا ~~لا تخلف فيه ولا مصادفة ولا استثناء، كل حدث لا بد وأن يحدث بالضرورة ويستحيل ألا يحدث أو ~~أن يحدث سواه، فثمة قوانين ميكانيكية دقيقة - دقة رياضية - تحكم هذا الكون، وتجعل أحداثه في ~~صورة أشبه بالسلسلة المحكمة الحلقات، كل حلقة تلزم عن سابقتها وتفضي إلى لاحقتها، حتى إذا ~~توصلنا إلى تلك القوانين وعرفنا تفاصيل حالة الكون في لحظة معينة، لاستطعنا أن نتنبأ يقينا ~~بتفاصيل حالته في أية لحظة لاحقة. وهذه الحتمية لها وجه آخر، هو العلية # Causality ~~، التي تضفي على الطبيعة انتظامها الحتمي. # والعلية بدورها مبدأ كوني يعني أن كل حادثة في الكون لها علة أحدثتها، ولكل علة معلول ~~ينشأ عنها، فأحداث هذا الكون تسير في تسلسل علي، ليغدو التفسير العلمي هو ربط الحادث ~~السابق بالحادث اللاحق من خلال قانون. وها هنا ms54 نلاحظ أهم ما في العلية، وهو أنها ترتبط ~~ارتباطا وثيقا باتجاه الزمان # Time’s arrow ~~، فالعلة لا بد ~~وأن تسبق المعلول زمانيا. «والحادثة الواقعة في الماضي لا تكون علة إلا لحادثة واقعة في ~~مطلق المستقبل، والحادثة الواقعة في المستقبل لا تكون معلولا إلا لعلة واقعة في مطلق الماضي.» # 14 # الترتيب العلي يعكس الترتيب الزماني للكون، العلة والمعلول كلاهما أحداث، ~~ومعيار التمييز بينهما هو التسلسل الزمني؛ وذلك لعدم قابلية الزمان والأحداث للرد أو ~~الانعكاس كما سبق أن أوضحنا متمثلين بظواهر الديناميكا الحرارية. على هذا النحو، ترتبط ~~العلاقة العلية بمفهوم الزمان المطلق؛ لتنحل - بوصفها أساس القانون الفيزيائي - إلى المادة ~~متشيئة في صورة حادثين متتاليين في الزمان. هذه الحتمية العلية، بما تتضمنه من قوانين علمية ~~عامة وضرورية وتنبؤ يقيني واطراد الطبيعة واستبعاد للمصادفة بتفسيرها تفسيرا ذاتيا؛ أي ~~بإرجاعها إلى جهل الذات العارفة المؤقت ... هي فلسفة الميكانيكية الآلية التي سادت أيما ~~سيادة، وتبوأت عرش التفكير العلمي في العصر الحديث ... فالفيزياء الكلاسيكية تطبقها ~~بحذافيرها، وأيقن الجميع أن نيوتن قد اكتشف حقيقة هذا الكون، وهو أنه آلة ميكانيكية تحكمها ~~الحتمية العلية. # وكما هو معروف، أحرزت نظرية نيوتن نجاحا باهرا، عقليا وتجريبيا، نظريا وعمليا ~~ولدرجة لم يحلم بها العقل البشري أبدا. وبدا كل شيء تدركه الحواس وهو يقدم فروض الطاعة ~~لها ويصدق على يقينها، واكتملت بفضلها أطر العلم الطبيعي، الذي يحدد بدوره - نظرا لعمومية ~~الفيزياء وشموليتها وتربعها على قمة نسق العلوم الإخبارية - أطر نسق العلم ككل. وبفضل الأطر ~~والمثاليات الميكانيكية الحتمية العلية التي أرساها نيوتن، توالت النشأة الناجحة لبقية فروع ~~العلم الحيوية والإنسانية، وألقت النظرية النيوتونية ظلالا كثيفة على بنية وعقلية العصر ~~الحديث. # ومع هذا فإن جذوة العقل لا تخمد أبدا، وتطلعه المشبوب للجدال والتساؤل الملح لا يشبع ~~أبدا، فقد أثارت فكرة الزمان والمكان المطلقين نقاشا وسجالا لا ينتهي؛ لأنهما كيانان ~~غاية في التجريد والغموض والألغاز، ولا يقعان في نطاق الخبرة الحسية التجريبية، ولا أحد ~~يستطيع أن يلاحظها. لقد أمعن نيوتن في تجريد الأساس النظري لفيزيائه؛ مما جعل ms55 الزمان المطلق ~~مستقلا عن كل شيء، ولا تربطه أية علاقة بأي شيء خارجي، في حين أنه لا يوجد في الكون أي ~~شيء مستقل عن كل شيء. ونيوتن لا يوضح - على الإطلاق - العلاقة التي تربط بين الزمان ~~المطلق وموضوعاته؛ لذا قيل إن زمانه لا هو مقنع نظريا ولا هو مفيد تجريبيا، وإنه ~~مجرد إمكانية منطقية، تصور عقلي فقط يهدر جانب التجريب الذي يمثل صلب الفيزياء، ولا غنى ~~للجانب النظري عنه. وبنبرة شديدة القسوة والاستخفاف، يقول الفيلسوف الإنجليزي المعاصر، ~~ومؤرخ الفلسفة المبدع روبن جورج كولنجوود إن نيوتن يميز بين الزمان المطلق الذي يتدفق بنسب ~~ثابتة مستقلة عن أي عامل خارجي وبين الزمان النسبي المقاس بواسطة حركته؛ وذلك بغير أن يسأل ~~نفسه ما إذا كان الزمانان منفصلين في الواقع، وكيف يمكن أن يتدفق أي شيء ما لم يكن هذا ~~التدفق مقاسا، كما ميز بين الحركة المطلقة والحركة النسبية وأيضا بطريقة غير نقدية، ~~والأصوب الحركة النسبية والزمان النسبي، وليس المطلقين كما تصور نيوتن. # 15 # على أن لواء الريادة الفلسفية لرفض التصور النيوتوني المطلق للزمان، إنما يحمله بغير ~~منازع الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلم ~~ليبنتز # G. W. Leibniz ~~(1646-1716). وهو من أهل الفكر الذين يجسدون روح المعرفة في عصرهم ~~بكل توثباتها وطموحاتها، فهو سياسي ومؤرخ وقانوني ودبلوماسي ولاهوتي، ثم هو فيلسوف ذو قدح ~~معلى وفي الآن نفسه عالم ذو قدح معلى خصوصا في الرياضيات، والسجال ما زال دائرا حول ~~المؤسس الحقيقي لحساب التفاصيل والتكامل، أهو نيوتن أم ليبنتز؟ وعلى أية حال، توصل كل منهما ~~إليه بطريقة مختلفة. ~~«وقد كان ليبنتز من هواة كتابة الرسائل، وتضيء قائمة مراسلاته أكثر من ستمائة اسم.» # 16 # وثمة سلسلة خطابات كتبها في سنينه الأخيرة إلى دكتور صمويل كلارك # S. Clarke # أقوى المدافعين اللاهوتيين عن نيوتن ~~والنيوتونية، وقد كتبها ليبنتز محاولا فيها تفنيد نقاط أساسية معينة في فلسفة نيوتن ~~للطبيعة، وأهمها طبيعة الزمان والمكان، فكان صاحب أقوى نقد فلسفي للتصور المطلق لهما، وصاحب ~~أول صياغة فلسفية واضحة للنظرية البديلة؛ أي: النسبية. وعلى ms56 الرغم من أن مناقشات ليبنتز قد ~~اكتست برداء لاهوتي، فإنها تصب في قلب فلسفة العلم توا. وقد انطلق رفضه للتصور المطلق ~~للزمان والمكان من مبدأين هامين في فلسفته هما العلة الكافية وعدم التناقض. # 17 # يقول ليبنتز: «تقوم معرفتنا العقلية على مبدأين كبيرين؛ مبدأ عدم التناقض: وبفضله نحكم ~~بالكذب على كل ما ينطوي على تناقض، وبالصدق على ما يضاد الكذب أو يناقضه. كما تقوم على مبدأ ~~السبب الكافي: وبه نسلم بأنه لا يمكن التثبت من صدق واقعة أو وجودها، ولا التثبت من صحة ~~عبارة بغير أن يكون ثمة سبب كاف يجعلها على هذا النحو دون غيره، وإن تعذر علينا في أغلب ~~الأحوال أن نتوصل إلى معرفة هذه الأسباب.» # 18 # مبدأ عدم التناقض محك حقائق العقل، ومبدأ العلة الكافية محك حقائق الواقع، ~~وبالتالي هو الذي سينفعنا بشأن إشكالية الزمان. ويرى ليبنتز أن الزمان والمكان سابقان ~~منطقيا على المادة؛ لأنها يستحيل أن توجد بدونهما، ولكن نقاط المكان ولحظات الزمان لا ~~يمكن إدراكها إلا بإدراك الأشياء والأحداث الواقعة في الزمان والمكان. وإذا كان الزمان ~~مستقلا تماما عن الأحداث التي تحدث فيه كما يخبرنا التصور المطلق له، فسيبدو من المعقول ~~تماما القول إن الكون خلق في لحظة سابقة أو لاحقة عن اللحظة التي خلق فيها فعلا، # 19 # وهذا ينقض مبدأ العلة الكافية، فيتوجب علينا رفض التصور المطلق بوصفه شيئا غير ~~حقيقي، والأخذ بالتصور النسبي الذي يجعل الزمان علاقات بين الأشياء، مجرد نظام لتوالي ~~الأحداث، أو بتعبير أكثر انطباقا على فلسفة ليبنتز: «الزمان ليس شيئا إلا نظام تتابع ~~المخلوقات. وليبنتز بهذا كان يرسم تخطيطا معقولا إذا تم تنفيذه بنجاح يمكنه إعطاء إجابة ~~مرضية جدا عن السؤال: ما هو الزمان؟ ولكنه تخطيط يرد نسق الزمان إلى بنية منطقية أنشأها ~~نسق التاريخ.» # 20 # والذي يهمنا الآن أن صمويل كلارك دافع عن الزمان والمكان المطلقين بأنهما ليسا ~~جوهرين، بل خاصيتين لله ولعالمه المخلوق، المكان المطلق يعنى سعة الله وأنه بلا أول ولا ~~آخر، والزمان المطلق يعني أبدية الله، وأنه ms57 بلا بداية ولا نهاية! # 21 # إنه الخلط المزمن والمؤسف بين الزمان والأبدية، والذي كان قبل تطور ~~الرياضيات. # وما دام الزمان المطلق قد التوى كل هذا الالتواء، واختلط إلى كل هذا الحد، فلا بد من ~~اللياذ بالزمان النسبي مع آينشتاين الذي يندمج مع المكان ليصبحا كيانا واحدا هو المتصل ~~الزماني-المكاني # Spatiol-temporal # الرباعي الأبعاد. ~~أما في الفيزياء الكلاسيكية؛ فهما كيانان اثنان، صحيح مترابطان لكنهما متمايزان، حتى اختص ~~المكان بالأشياء والزمان بالأحداث. فالزمان متصل ذو بعد واحد، خط مستقيم من الماضي إلى ~~الحاضر، تتخذ كل أحداث الطبيعة موقعا فيه؛ لتنتظم بفضل العلية انتظاما موضوعيا ~~مطلقا. وبالنسبة لجميع الراصدين إلى سابق ولاحق، سوف يختفي كل هذا في زمان النسبية، أو ~~نسبية الزمان. ~~••• # لقد جاءت نظرية النسبية لتحرز تقدما جوهريا، وتلبي ضرورة للتطور العلمي مع مطالع القرن ~~العشرين، فقد تلاحقت أزمات النيوتونية، واتضح أن نجاحها الخفاق مقتصر على العالم الذي كان ~~مدركا آنذاك أي الكتل الماردة. وحين توغل العلم في بنية المادة بدأت المصاعب أولا بدراسة ~~ظواهر الديناميكا الحرارية وحركة جزيئات الغاز، والحركة الدائمة لجزيئات السوائل ... كلها ~~كشفت عن ظواهر وعلاقات فيزيائية تتأبى على الأطر الميكانيكية النيوتونية. ثم وصل الأمر إلى ~~ما يعرف بأزمة الفيزياء الكلاسيكية، حين اقتحم العلم عالم الذرة والإشعاع؛ ليلقى عالما: ~~المصادفة فيه موضوعية، والاحتمال منطقه، ولا علاقة له البتة بالضرورة والعلية واليقين ~~واطراد الطبيعة ... إلى آخر مثاليات الحتمية الميكانيكية. وفي 17 ديسمبر عام 1900 وضع ماكس ~~بلانك نظرية الكوانتم؛ لتكون أساس الفيزياء الذرية كجزيرة منعزلة عن نظرية نيوتن التي لا ~~تجرؤ على الاقتراب من العالم الذري «الميكروكوزم»، فتصدع عرشها، وتراجعت لتقتصر على قوانين ~~الحركة في العالم الأكبر «الماكروكوزم»، وكان لا بد من نظرية فيزيائية عامة تضع قوانين ~~الحركة في العالمين معا «الميكروكوزم» و«الماكروكوزم». # فكان أن حدثت كارثة الأثير، بتجربة ميكلسون/مورلي التي أثبتت أن الأثير لا وجود له البتة. ~~والأثير هو وسط لا نهائي المرونة، افترضه العلماء ليملأ الفراغات فيفسروا بقية الظواهر - ~~كالضوء والإشعاع - تفسيرا ميكانيكيا، فلما انهار الأثير انهارت الآلة الميكانيكية ms58 ~~الضخمة؛ أي: التصور الكلاسيكي للكون. فجاء آينشتاين ليضع نظرية تؤدي مهام نظرية نيوتن بصورة ~~أكفأ، فتضع قوانين أدق للحركة، وتنطبق على العالمين الميكروكوزم والماكروكوزم. هذا شريطة ~~التخلي عن التصور الميكانيكي، والتسليم بمصادرتين؛ هما: استبعاد فرض الأثير، وثبات سرعة ~~الضوء بصورة مطلقة. فهي الشيء الوحيد المطلق في الكون النسبي. # جعلت النسبية الزمان بعدا رابعا للأبعاد الثلاثة التي لم يخطر ببال الفيزياء الكلاسيكية ~~سواها: الطول، والعرض، والارتفاع. فحل متصل الفضاء الزماني-المكاني الرباعي الأبعاد محل ~~الأثير. «ويعد العالم الفيزيائي مينكوفسكي # Minkowisky # من رواد معالجة العالم ذي الأبعاد الأربعة. وأوضح كيف يمكن تطويق المطلق بالعود إلى أصله ~~الرباعي وأن نبحثه بعمق أكثر.» # 22 # وقد نقض آينشتاين المطلق النيوتوني، في أول صياغة لقانون النسبية عام 1905، حين ~~أعلن أن الطبيعة تجعل من المستحيل تعيين الحركة المطلقة عن طريق أية تجربة مهما كانت. والحق ~~أن نيوتن نفسه قد أعرب عن استحالة تعيين الحركة المطلقة والسكون المطلق، فظلا في الواقع ~~نسبيين - أي: بالنسبة للأرض التي تتحرك بالنسبة للشمس المطلقة. وفي هذا ألمعية فذة منه، ~~ولكنه في النهاية لم يضع النسبية في اعتباره وأقام نظريته على الأساس المطلق كما رأينا، ~~بينما عجز العلم عن إيجاد الجسم الذي افترضه نيوتن في حالة سكون مطلق، أو بالأصح أثبت ~~استحالة وجوده، فالقمر متحرك بالنسبة للأرض، والأرض متحركة بالنسبة للشمس والمجموعات ~~الكونية الأخرى متحركة، والكون كله في حركة دائبة؛ # 23 # لذلك فالنسبية تعلم أنه لا يوجد في الكون كله مقياس معياري للطول أو الكتلة أو ~~الزمان؛ لأنه سوف يتضمن الثبوت في مكان معين، وهذا شيء لا وجود له، والزمان الذي تحدده حركة ~~الأجرام السماوية، وبعدها المتغير عنا نسبي غير منتظم، ولا يجري في جميع أنحاء الكون ~~بالتساوي، فأين هو الزمان المطلق الذي تحدث عنه نيوتن؟ # الواقع أن الزمان المطلق لا وجود له إلا في ذهن نيوتن وأشياعه. وأدى التحليل العلمي ~~للزمان مع النسبية إلى تفسير له يختلف كل الاختلاف، فهو يطول أو يقصر حسب أمرين؛ الأول: هو ~~السرعة، فيتباطأ الزمن كلما زادت السرعة. ms59 والأمر الثاني: هو الكتلة، وهذا ما بحثه آينشتاين ~~في النسبية العامة على أساس أن الزمان يسير ببطء عند الكتل الكبيرة، فضلا عن أن الكتلة ~~ليست ثابتة إنما تزيد بزيادة السرعة بمقدار محدد تبعا للقانون الثاني في النسبية ~~الخاصة. # إن النظرية النسبية نسبية لأنها تدخل الذات العارفة كمتغير في معادلة الطبيعة؛ إذ تجعل ~~موقع الراصد وسرعته معينات أساسية، والقائمون بالملاحظة الذين يتأملون السماء من كواكب ~~مختلفة سوف يدرك كل منهم سماء مختلفة، كذلك يتحكم تأثير المكان في ساعاتهم بمعنى أجهزتهم ~~للرصد، بحيث إن الوقت الذي يقرؤه كل منهم يختلف في اللحظة الواحدة، بل وإن كلا منهم يقدر ~~مرور الزمن تبعا لسرعة مختلفة، قد يكون مكان الملاحظ بالنسبة لنا هو الأرض في كل الأحوال، ~~لكن الملاحظ المرتبط بالأرض لا يستطيع أن يجري نفس الأقيسة الفلكية التي يجريها بكوكب آخر، ~~والنسبية تدرس كيف تؤثر حركتا هذين الملاحظين النسبية في ملاحظاتهما، ولم يكن هذا طريقة لا ~~ذاتية فحسب، بل ولتحرز درجة هائلة من الموضوعية المدهشة، لكن غير المطلقة. # لقد تحطم وهم المطلق حين تحطم الزمان والمكان المطلقان المنفصلان، تحت وطأة المتصل ~~الزماني-المكاني الرباعي الأبعاد؛ حيث نجد الزمان قد يصبح مكانا، والمكان قد يصبح زمانا. ~~ولم تعد المسافة هي البعد بين نقطتين مكانيتين بحتتين، بل هي البعد بين نقطتين متحركتين ~~أو حادثتين يفصل بينهما فترة زمانية، بالإضافة إلى الفترة المكانية، بحيث تأتي المسافة بجمع ~~مربع الطول مع مربع العرض ثم مربع الارتفاع، ثم طرح مربع الفاصل الزمني من ذلك. وفي هذا ~~يقول آينشتاين إنه يمكن تحديد المسافة ذات الأبعاد الأربعة بتعميم بسيط لنظرية فيثاغورث ، ~~وإن هذه المسافة تلعب دورا أساسيا في العلاقات الفيزيائية بين الأحداث الكونية أهم من ~~الدور الذي يلعبه الفاصل الزمني وحده، # 24 # وبالطبع لم تكن المسألة بهذه البساطة، بل أجرى آينشتاين من العلاقات الرياضية ~~شديدة التعقيد ما يحافظ على طبيعة البعد الزماني، دامجا المكان والزمان في وحدة واحدة ترسي ~~القانون «إذا وقع حادثان في المكان نفسه لكن في لحظتين مختلفين من وجهة ms60 نظر مشاهد، فيمكن ~~اعتبارهما قد وقعا في مكانين مختلفين إذا نظر إليهما مشاهد في حالة حركية أخرى.» وعلى أساس ~~تكافؤ الزمان والمكان الذي يجعل أحدهما دالا على الآخر يصح العكس، فإذا وقع حادثان في ~~اللحظة نفسها، فيمكن اعتبارهما قد وقعا في لحظتين مختلفتين إذا نظر إليهما مشاهد آخر في ~~حالة حركية أخرى. وأيضا إذا وقع حادثان في اللحظة نفسها من وجهة نظر مشاهد؛ فإن هذين ~~الحادثين - من وجهة نظر مشاهد آخر في حالة حركية أخرى - يكونان منفصلين عن بعضهما بفترة ~~زمانية معينة. # 25 # كل هذه المتغيرات المتحركة في تحديد الزمان، والتي تجعل حادثا بعينه ماضيا لمشاهد ~~ومستقبلا لمشاهد آخر، نجم عنها ما يعرف بالتآني؛ أي استحالة الحكم بأن حادثا وقع قبل أو ~~بعد الآخر، كما يشترط التحديد العلي للأحداث إلى علة سابقة ومعلول لاحق في خط الزمان ~~الواحد المطلق. لقد تلاشت العلية، كما سبق أن تلاشت في الكوانتم، لكن النسبية تنفي أيضا ~~خاصية عدم قابلية الزمان والأحداث للارتداد؛ فالأحداث توجد بحيث يمكن افتراض تتابعها ~~الزماني في الاتجاه المعاكس، بحيث انتهى التسلسل الزماني الكلاسيكي، ومع النسبية أصبح الذهن ~~البشري يستطيع إدراك نظم مختلفة للترتيب الزماني، النظام الكلاسيكي مجرد واحد منها. # ربما كان التوغل بإشكالية الزمان إلى كل هذا الحد، أكثر من أن نستطيع استيعابه بسهولة، ~~فقوانين الديناميكا الحرارية غير القابلة للانعكاس، والظواهر التي تعكس اتجاها وترتيبا ~~زمانيا واضحا، وأبسطها الفيلم السينمائي وآثار الأقدام على الرمال والحفريات ... إلخ. كلها ~~يمكن أن تهب دفاعا عن الزمان غير القابل للارتداد والذي اغتالته النظرية النسبية. وقد تصدى ~~لهذه المشكلة كثيرون، أهمهم هانز رايشنباخ الذي أسمى هذه الظواهر «أنساق فرعية» تنشأ عن ~~ظروف أو شروط مبدئية معينة، وليس عن طبيعة القوانين الفيزيائية أو الزمان. إنها «أنظمة ~~ثانوية» داخل النظام الكوزمولوجي الكوني الذي لا يعني البتة أن الزمان له اتجاه معين أو ~~ترتيب أوحد، ويمكن أن نأخذ هذه الأنساق الفرعية مأخذا برجماتيا؛ أي: نتصرف على أساسها ~~بغير حاجة للدخول في النظريات الشديدة العمومية. # 26 # إن هذا يذكرنا ms61 بالفجوة الواسعة، إن لم نقل التناقض بين الصورة الكوزمولوجية التي يرسمها ~~العلم المعاصر - علم النسبية والكوانتم - وبين الصورة الكوزمولوجية الكائنة في الحس المشترك ~~- خبرة الإنسان العادي في الحياة اليومية - والتي كانت تتفق تماما مع الصورة الكوزمولوجية ~~للعلم النيوتوني، بكتله المتحركة في زمان ومكان مطلقين ومنفصلين. إن الحس المشترك لا يستطيع ~~الصعود إلى مستوى التجريد الذي بلغه زمان النسبية، ~~فاشتهر عن قابليته للارتداد الزجل الشعبي: # كان هناك سيدة اسمها شوء # تسبق في سيرها الضوء # خرجت تقضي حاجة لها بالأمس # نالها في الطريق من النسبية مس # فعادت إلى بيتها أول أمس! # 27 # وكما يقول آرثر أدنجتون، إشكالية الزمان المثارة أمام العلم يلخصها سؤالان؛ الأول: ما هي ~~الطبيعة الحقيقية للزمان؟ ثم ما هي طبيعة تلك الكمية التي وضعت تحت اسم الزمان وأصبحت ~~جزءا أساسيا من بنية الفيزياء؟ # 28 # النظرية النسبية لا تجيب عن السؤال الأول بصورة مباشرة؛ لأنها لا تقول أي شيء ~~محدد من طبيعة الزمان في صلب ذاته وصميم ماهيته؛ فهي تتناول مقاييس الأشياء لا الأشياء ~~ذاتها. ولكن النسبية وضعت حل السؤال الثاني، حين أوضحت أن الزمان الكلاسيكي مختلط بالمكان ~~بصورة مضاربة وغير متسقة، ووضعت هي الصياغة السليمة لارتباطهما معا، وهي بهذا فتحت الطريق ~~أمام حل السؤال الأول، فثمة كمية غير مميزة في الفيزياء السابقة على النسبية، تمثل بصورة ~~مباشرة جدا ذلك الزمان المعروف للوعي، وهو بلا ريب منفصل عن المكان ولا يشابهه، ولكن - ~~كما يقول أدنجتون - اعتراض الحس المشترك على الخلط بين الزمان والمكان مجرد شعور لا بد من ~~التغلب عليه، وتصور العالم بوصفه مكانا ثلاثي الأبعاد يمر من لحظة إلى لحظة خلال الزمان، ~~هو محاولة غير ناجحة للفصل بين الزمان والمكان. والحق أنه «قبل مجيء النظرية النسبية لم ~~يتخيل أحد أن المكان والزمان متماثلان في طبيعتهما بما يكفي لإضفاء أهمية خاصة على ناتج ~~إدماجهما، لكن ثبت أن مثل هذا الإدماج له أهمية مذهلة في تفهم الفيزياء.» # 29 # وطبعا ليس ينقص الفيزياء موافقة الحس المشترك الفج الغشوم، وتصديقه على تصورها ~~للزمان ms62 - صلب عالمها. ~~••• # ولكن الفلسفة هي المنشأ وهي المآل، منها البدء وإليها العود، بها الإرهاص وفيها رجع ~~الصدى. وبعد أن تمهد للعلم سرعان ما تبلور خطاه الجوهرية نحو الحقيقة بآيات التفلسف. وكما ~~وجد زمان نيوتن المطلق من يفلسفونه ويقيمون عليه وله مذاهب فلسفية من الأبنية الشوامخ، ~~أهمها مذهب كانط النقدي الذي جعل الزمان والمكان المطلقين صورتين قبليتين في العقل ليتلقى ~~على أساسهما الخبرة، وجد زمان آينشتاين النسبي أيضا من يقيمون له أبنية فلسفية أكثر ~~شموخا وأكثر عمقا، بطبيعة الحال الذي يفرضه التقدم المجبول في بنية العلم. # اهتم معظم فلاسفة العلم اهتماما فائقا بزمان النسبية، لكن لعل الفيلسوف الإنجليزي عالم ~~الرياضة الفذ والمنطقي ألفرد نورث وايتهد # A. N. Whitehead ~~(1861-1947) أكثر من أمعنوا في الانطلاق به كموضوع للتفلسف، وليس فقط كمقولة منتمية للعلم. ~~عالجه في أكثر من موضع، أهمها فصل «الزمان» في كتابه «مفهوم الطبيعة». # 30 # وكما سبق أن قال ليبنتز، يقول وايتهد إنه بدون أحداث لا يوجد زمان ولا مكان، إنه يربط ~~الزمان بالأحداث ويجعلها أساس تعريفه؛ لذلك يرفض طبعا زمان نيوتن المطلق، ويزعم أيضا أنه ~~يرفض زمان آينشتاين. والواقع أنه يأخذ به مع تعديلات فلسفية بسيطة، فعلى أساس من نظرة ~~وايتهد العضوية للطبيعة والعلاقات الداخلية التي تحكمها، يقول بالمتصل الزماني-المكاني، وهو ~~بناء ضروري موضوعي من العلاقات الداخلية، بناء ثابت مطرد لا يتأثر بما يطرأ على الموضوعات ~~من تغيرات. وهذا البناء هو علاقة الامتداد بين أحداث الطبيعة، التي تعبر عن عملية Process # الطبيعة أو صيرورتها. هذا الامتداد هو عينة الزمان، ~~والحوادث «المميزة» فعلا هي الحاضر، والحوادث «القابلة للتمييز» هي الماضي والمستقبل، ومن ~~علاقتهما بالحاضر؛ أي من علاقة الحوادث «القابلة للتمييز» بالحوادث «المميزة» يتشكل ~~نسيج # Texture # الزمان، # 31 # وأيضا نسيج الطبيعة، فهي بدورها المجموع الكلي للأحداث المميزة والقابلة ~~للتمييز، تماما كما أدخلت النسبية متغيرات الذات العارفة - من حيث مواقعها وسرعات رصدها - ~~في تعيينات الطبيعة، يفعل وايتهد ويجعل الحد بين ما تميزه الذات العارفة فعلا وما هو قابل ~~فقط للتمييز بالنسبة لها فواصل ms63 في تعريف الزمان، وتحديده إلى ماض وحاضر ومستقبل، وينطبق ~~هذا على الطبيعة بأسرها، بطبيعة حال المتصل الزماني-المكاني. # على أن المعطى المباشر للوعي الحسي # Sense-awareness # ليس ~~اللحظة غير القابلة للإدراك شأن نقطة المكان، بل هي الفترة ذات السمك المعين، والتي تعني ~~الحاضر وامتداد ما في الماضي والمستقبل. والحوادث المرتبطة بعلاقة تآن هي التي تحدد ~~مضمون الفترة، وعندما نجرد الفترة من مضمونها من الحوادث المتآنية معها، وننظر إلى الفترة ~~في حد ذاتها، وبوصفها علاقة زمانية تربط بين الحوادث، بهذا نصل إلى المفهوم أو التصور ~~العقلي لها. وعلاقة التآني هي علاقة التصاحب المكاني بين الحادثة المدركة والفترة المناظرة ~~لها. هكذا نجد الزمان حدا للمكان، فالحاضر الراهن بحوادثه المميزة فعلا أساس التحديد ~~المكاني للطبيعة، أما الماضي والمستقبل فهما التحديد الزماني لها. باختصار مبسط - نرجوه غير ~~مخل - الحاضر هو المكان، والماضي والمستقبل هما الزمان، ومنهما معا الطبيعة أو تيار ~~أحداثها. هكذا نجد الزمان والمكان حقيقة واحدة ترتبط بأشكال مختلفة مع الوعي الحسي، الحوادث ~~المستقبلة «القابلة للتمييز» زمان، لكن حين يئون زمانها أمام الذات المدركة وتغدو مميزة؛ أي ~~حين تصبح حاضرا سوف تصبح أيضا مكانا. هكذا يتحول الزمان دائما إلى مكان، ووايتهد يقول ~~إنه يفلسف ما أتت به النسبية من توحيد بين الزمان والمكان وإدماجهما معا، ولكننا نراه في ~~حقيقة الأمر لا يدمجهما معا وكأنهما ندان، بل فقط يدمج المكان في تيار الزمان ويرده ~~إليه. في حين تميل النسبية إلى العكس، وهو إدماج الزمان في المكان، فالزمان بعد رابع ~~لأبعاد المكان الثلاثة. # يقول وايتهد إن نظريته الفلسفية في الزمان، انعكاس واستجابة للنظرية النسبية، ولكننا نرى ~~استجابته لتطورات الفيزياء المعاصرة أشمل، فالكوانتم أساس آخر ينضم إلى النسبية ليمثلا معا ~~أساس الفيزياء، والكوانتم في حد ذاتها لا تتدخل بصورة مباشرة في إشكالية الزمان من حيث هو ~~تصور عام لنظام من أنظمة الكون. لكن الفيزياء الكلاسيكية كانت ترى المكان مجال كتل المادة ~~والزمان مجال الأحداث، ومع الكوانتم - وخصوصا بعد نشأة ونجاح الميكانيكا الموجية البارعة ~~مع العالم الفرنسي الفذ لويس ms64 دي بروي - تلاشت كتل المادة الساذجة، وارتدت إلى إشعاعات من ~~مركز، إلى ما يمكن أن نسميه سلسلة من الأحداث. وعندما يرتد كل شيء إلى أحداث، يسهل أن يرتد ~~المكان إلى الزمان، كما حدث مع وايتهد وغيره من فلاسفة العلم المعاصرين. ~~••• # هكذا تكشف تطورات العلم المعاصر من كل صوب وحدب عن مرونة وفعالية وتجديدات جذرية في ~~معالجة إشكالية الزمان، فأصبحت موضوعا خصيبا لإنجازات وإبداعات فلاسفة العلم ~~المعاصرين. # وستظل كل إشكالية مطروحة أمام العقل الإنساني موضوعا للإنجاز والإبداع والإضافة ~~والتجديد، ما دام هذا العقل كائنا في الزمان، والذي اتفقنا على أنه مجال الحركة والتغير ~~والحدث، شريطة ألا يكون زمانا دائريا بل متصلا صاعدا. # فهل من صعود؟ ms65